######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_003675Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن أعثم الكوفي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 314 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: كتاب الفتوح #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر سيرة النبي والائمة #META# 022.BookVOLS :: 8 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_003675Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/3675_كتاب-الفتوح-أحمد-بن-أعثم-الكوفي-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: علي شيري ( ماجستر في التاريخ الإسلامي ) #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1411 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # قال الشيخ الإمام العالم العلامة لوط أحمد بن محمد بن أعثم (1) الكوفي عفا الله عنه: # الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفى قام بالأمر بعده الإمام أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان قد بويع له بالخلافة في اليوم الذي مات (2) فيه النبي صلى الله عليه وسلم بسقيفة بني ساعدة، ولذلك قصة عجيبة نذكرها بتمامها، ونذكر ما فتحه المسلمون في أيامه وأيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما من الفتوحات، وقتال أهل [الردة] (3)، وذلك أن المسلمين اجتمعوا وبكوا على فقد رسول الله، فقال لهم أبو بكر: إن دمتم على هذه الحال فهو والله الهلاك والبوار. # PageV01P005 ### | ذكر ابتداء سقيفة بني ساعدة وما كان من المهاجرين والأنصار # قال: ثم أقبل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على المسلمين فقال: أيها الناس! إنه من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، والله! لقد نعى الله نبيه محمدا عليه السلام نفسه فقال تبارك وتعالى ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ (١) ثم قال (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون * كل نفس ذائقة الموت (٢) ثم قال ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾ (3) ألا! وإن محمدا عليه السلام قد مضى لسبيله، ولا بد لهذا الأمر من قائم يقوم به، فدبروا وانظروا وهاتوا رأيكم - رحمكم الله. (4) قال: فناداه الناس من كل جانب: نصبح وننظر في ذلك إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله. قال: فانصرف الناس يومهم ذلك، فلما كان من غد انحازت طائفة من المهاجرين إلى أبي بكر رضي الله عنه وانحازت طائفة من الأنصار ms0001 إلى سعد بن عبادة الخزرجي في سقيفة بني ساعدة، قال: وجلس علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في منزله مغموما بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وعنده نفر من بني هاشم وفيهم الزبير بن العوام. قال: فاجتمع الناس من جميع جنبات المدينة يستمعون ما يكون من كلام المهاجرين والأنصار (5)، وكان أول من تكلم من الأنصار يومئذ خزيمة بن... (6) ذو # PageV01P006 # الشهادتين وقال: يا معشر الأنصار! إنكم إذ قدمتم اليوم... (١) إلى يوم القيامة، وأنتم الأنصار في كتاب الله تعالى وإليكم كانت الهجرة وفيكم قبر النبي (صلى الله عليه وسلم وآله)، فأجمعوا أمركم على رجل تهابه قريش وتأمنه الأنصار. # قال: فقالت الأنصار: صدقت يا خزيمة! إن القول لعلى ما تقول، قد رضينا بصاحبنا سعد بن عبادة. قال: فقلب المهاجرون ونظر بعضهم إلى بعض، ثم وثب أسيد بن حضير الأنصاري الأوسي (٢) - وكان مقبول القول عند الأنصار وأهل الطاعة فيهم - فقال: يا معشر الأنصار! إنه قد عظمت نعم الله عليكم إذ سماكم (الأنصار) (٣) وجعل إليكم الهجرة، وفيكم قبض الرسول محمد عليه السلام، فاجعلوا ذلك شكرا لله فإن هذا الأمر في قريش دونكم، فمن قدموه فقدموه ومن أخروه فأخروه. قال: فوثب إليه نفر من الأنصار فأغلظوا له في القول وسكتوه فسكت، ثم وثب بشير بن سعد الأنصاري الأعور (٤) - وكان أيضا من أفاضل الأنصار - فقال: يا معشر الأنصار! إنما أنتم بقريش وقريش بكم، ولو كان ما تدعون حقا لما اعترض عليكم فيه، فإن قلتم بأنا آوينا ونصرنا فما أعطاهم خير مما أعطيتم، فلا تكونوا كالذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار. قال: ثم وثب عويم بن ساعدة الأنصاري - وهو من النفر الذين أنزل الله عز وجل فيهم هذه الآية في مسجد قباء ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ (5) - فقال: # يا معشر الأنصار! إنكم أول من قاتل عن هذا الدين فلا تكونوا أول من قاتل أهله عليه، فإن الخلافة لا تكون إلا لأهل النبوة فاجعلوها حيث جعلها الله عز وجل، فإن # PageV01P007 # لهم دعوة ms0002 إبراهيم عليه السلام، قال: ثم وثب معن بن عدى الأنصاري فقال: # يا معشر الأنصار! إن كان هذا الأمر لكم من دون قريش فخبروهم بذلك حتى يبايعوكم عليه، وإن كان لهم من دونكم فسلموا لهم، فوالله! ما مات رسول الله (صلى الله عليه وسلم وعلى آله) حتى صلى بنا أبو بكر رضي الله عنه فعلمنا أنه قد رضيه لنا (١)، لأن الصلاة عماد الدين. قال: فبينا الأنصار كذلك في المحاورة إذ أقبل أبو بكر وعمر وعثمان وأبو عبيدة بن الجراح وجماعة من المهاجرين رضي الله عنهم فإذا هم بسعد بن عبادة (٢). (٣) ينصره الله فهو مخذول، ألا! فاهتدوا بهدى الله ربكم وما جاء به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم فإنه ﴿من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا﴾ (٤) وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام، وعمل بشرائعه اغترارا بالله عز وجل وجهالة بأمره وطاعة للشيطان، و ﴿الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ (5) وبعد! فقد وجهت إليكم خالد بن الوليد في جيش من المهاجرين والأنصار وأمرته أن لا يقاتل أحدا حتى يدعوه إلى الله عز وجل ويعذر إليه وينذر، فمن دخل في الطاعة وسارع إلى الجماعة ورجع عن المعصية إلى ما كان يعرف من دين الله ثم تاب إلى الله وعمل صالحا قبل الله منه ذلك وأعانه عليه، ومن أبى أن يرجع إلى الإسلام بعد أن يدعوه خالد بن الوليد ويعذر إليه فقد أنذرته وأمرته أن يقاتله أشد القتال بنفسه ومن معه من أنصار دين الله وأعوانه، ثم لم يترك أحدا قدر عليه إلا أحرقه بالنار إحراقا ويسبى الذراري والنساء، ويأخذ الأموال وقد أعذر من أنذر (6)، والسلام على عباد الله المؤمنين، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قال: ثم # PageV01P008 # طوى أبو بكر الكتاب وختمه ودفعه إلى خالد بن الوليد وأمره أن يعمل بما فيه (1)، قال: فسارع خالد بن الوليد إلى أهل الردة بمن معه من المهاجرين والأنصار يريد ms0003 طليحة بن خويلد. ### | ذكر مسير خالد بن الوليد إلى أهل الردة # قال: فسار خالد وكان معه جماعة يومئذ من بني أسد من المؤمنين الذين لم يرتدوا، وكتب رجل منهم يقال له ضرار بن الأزور إلى بني عمه من بني أسد كتابا، قال: فلم يبق مع خالد بن الوليد رجل من بني أسد يعرف بالصلاح إلا كتب إلى قومه يحذرهم مقدم خالد بن الوليد عليهم ويعذلهم على ارتدادهم عن دين الإسلام، وآخر من كتب إليهم جعونة بن مرثد الأسدي. ### | ذكر الفجاءة بن عبد ياليل السلمي # وما فعل بالمسلمين وكيف أحرق بالنار قال: وسار خالد بن الوليد يريد بني أسد فأقبل إلى أبي بكر الصديق رضي # PageV01P009 # الله عنه رجل من بني سليم يقال له الفجاءة (1) بن عبد ياليل فدخل عليه وسلم ثم قال: # يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم! أنا رجل مسلم وعلى دين الإسلام مذ كنت ما غيرت ولا بدلت وقد رغبت في قتال أهل الردة (2) وقد أحببت أن تعينني بقوة من خيل وسلاح حتى أفرقه في قومي وبني عمى من بني سليم، وألحق بالقوم بخالد بن الوليد وأقاتل معه طليحة بن خويلد وأصحابه، قال: فدفع إليه أبو بكر رضي الله عنه عشرة من الخيل ودفع إليه سلاحا كثيرا من سيوف ورماح وقسى وسهام، ووجه معه بعشر نفر من المسلمين. قال: فخرج الفجاءة من المدينة كأنه يريد إلى خالد بن الوليد ثم ترك الطريق إلى خالد وعطف إلى دار بني سليم فأرسل إلى قوم منهم ودعاهم فأجابوه فعطف بهم على هؤلاء العشرة الذين وجه بهم معه أبو بكر رضي الله عنه فقتلهم عن آخرهم، ثم أنه فرق تلك الخيل وذلك السلاح الذي قد أعطاه أبو بكر رضي الله عنه على من اتبعه من سفهاء قومه، ثم سار فجعل يقتل الناس يمنة ويسرة فلا يبقي على قومه ولا غيرهم. قال: فجعل الفجاءة يفعل ما يفعل ويلتئم إليه الناس من أهل الدعارة والفساد. # قال: وبلغ ذلك أبا بكر رضي الله عنه ms0004 فأعرضه على من كان عنده من بني سليم وغيرهم من قيس غيلان وخبرهم بما صنع الفجاءة، قال: فاغتم لذلك بنو سليم خاصة غما شديدا وقالوا: والله يا خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله)! لقد حدثتنا أنفسنا ببعض ذلك وقد قلدنا عدو الله بفعاله عارا لا يغسل عنا أبدا. قال: ثم وثب الضحاك بن سفيان الكلابي (4) - وكان شيخ بني كلاب وفارسهم وعميدهم وشاعرهم وكانت له صحبة مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) - فقال والله يا خليفة رسول الله! لقد كان عدو الله يريد الفساد، وما كنت أظن أنه يقدم على مثل هذا الفعال، ولقد كنت أحذر قومي من بنى ذكوان أن يسمعوا منه، ويأخذوا برأيه # PageV01P010 # فأبى الله تبارك وتعالى إلا ما أراد. قال: ثم كتب أبو بكر رضي الله عنه كتابا إلى خالد بن الوليد يخبره بما صنع الفجاءة وما أخذ من الخيل والسلاح وما قتل من المسلمين، وأمره أن يوجه إليه بقوم يطلبونه فيأتون به حيث ما كان، فلما ورد الكتاب ... (1) يا سوداء! (2) من يقول هذا الشعر؟ فقالت: والله! ما أدري غير أني سمعت دويا من هذا الغدير وقائلا يقول هذا الشعر. قال: فاغتم عيينة بن حصن وانكسر لذلك انكسارا شديدا، ثم أقبل على طليحة بن خويلد وهو جالس في بني عمه فقال له: أبا عامر! أتاك جبريل منذ نزلت هذا المنزل؟ قال طليحة: لا، قال: فهل ترجو أن يأتيك؟ قال: نعم، ولم سألت عن ذلك؟ قال: إني سمعت هذه الأمة السوداء تزعم أنها سمعت من هذا الغدير كذا وكذا، قال: فضحك طليحة ثم قال: ترى أن سحر قريش وصل إلينا من المدينة. قال: ثم أقبل قرة بن هبيرة القشيري على بني عامر بن صعصعة فقال: يا بني عامر! هذا خالد بن الوليد قد أظلكم في المهاجرين والأنصار وقد تقارب من أرضكم فلو صاح بخيله صيحة لصبحكم فاتقوا الله ربكم وارجعوا عن هذا الذي أنتم عليه فإنكم قتلتم بالأمس المنذر بن عمرو الساعدي (3) وكان من خيار ms0005 أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثم إنكم حقرتم ذمة أبي بكر ورددتم عامر بن الطفيل عن دين الإسلام وإني خائف على طليحة بن خويلد أن... (4) خالد غدا قد هلك وهلكنا معه. قال: فأبى قومه أ [ن يطيعوه -] (5) # PageV01P011 # ثم قالوا: لا نعطى الدنية في ديننا أبدا ونحن أحق (1) من ابن أبي قحافة. قال: فقال لهم ابن سلمة... (2) تعطوا الدنية في دينكم أن يسفكوا دماءكم باجماعكم ... (3) قال: فأبى القوم أن يطيعوه ولجوا في طغيانهم. قال: ودنا خالد بن الوليد من أرض بني أسد ثم دعا ابن محصن الأسدي (4) وثابت بن أرقم (5) الأنصاري وسعيد بن عمرو المخزومي فقال لهم: انطلقوا وتجسسوا إلي الخبر عن طليحة بن خويلد وأصحابه ولا تبطوا علي. قال: فمضى هؤلاء الثلاثة وجعلوا يتجسسون ويسألون عن طليحة وعن موضع عسكره. قال: فبينما هم كذلك إذ وقع عليهم نفر من أصحاب طليحة فقتلوهم (6) - رحمة الله عليهم. قال: وخالد بن الوليد لا يعلم بشئ من ذلك غير أنه انطوى عليه خبرهم كأنه أنكر أمرهم فركب في نفر من أصحابه وساروا فإذا هم بالقوم قتلى، فاغتم خالد والمسلمون لذلك غما شديدا ثم أمر بهم فحملوا ودفنوا في عسكر المسلمين. قال: وبلغ بني أسد أن خالد بن الوليد قد دنا من أرضهم فأقبلوا على طليحة بن خويلد فقالوا: يا أبا عامر! إنا نظن أن هذا الرجل قد سار إلى ما قبلنا وذلك أنا قتلنا ثلاثة نفر من أصحابه فلو بعثت من يتجسس لنا عن خبره. قال: قال طليحة: نعم، أرأيتم [إن] (7) بعثتم بفارسين بطلين على فرسين عتيقين أدهمين أغرين محجلين من بني نصر بن قعين (8) أتياكم من القوم بعين، فقال له بعض أصحابه: أبا عامر! أشهد أنك نبي حقا فليس هذا الكلام إلا من كلام # PageV01P012 # الأنبياء. قال: ثم بعث القوم... (1) على وصف طليحة بن خويلد ليتجسسا الأخبار بخالد... (2) رجعا يركضان وهما يقولان: هذا خالد بن الوليد أقبل ... (2) والأنصار، قال: فازداد القوم فتنة إلى فتنتهم... (3) يشجع أصحابه ويقول: يا معشر بني أسد! لا يهولنكم... ms0006 (3) إلى خالد بن الوليد من هذا الجيش فإنهم على باطل وغرور، وأخرى فإنهم قد لهجوا بهذه الصلاة فهم يظنون أنهم محسنون، ولقد أتاني جبرئيل يخبرني عن ربي: أنه ليس يحتاج إلى تعفر وجوهكم وفتح (4) أدباركم، ولا يريد منكم ركوعا وسجودا وإنما يريد منكم أن تذكروه قياما وقعودا، فانظر أن تمنعوا القوم أموالكم كما منعتموها في جاهليتكم، وأما عيينة بن حصن فقد خبرني عنه جبريل أنه قد خاف من حرب القوم، وأيم الله! # لو كانت له نية صادقة لما خاف من أحد أبدا إذا كان على هذا الدين. قال: ثم تقدم إلى طليحة جماعة من أصحابه فقالوا: يا أبا عامر! إنه قد أضربنا العطش فهل عندك من حيلة؟ فقال طليحة: نعم اركبوا علالا، واضربوا أميالا، وجاوزوا الرمالا، وشارفوا الجبالا، ويمموا التلالا، تجدوا هناك قلالا (5). قال: فركب بعض بني أسد فرسا لطليحة يقال له: علال، ثم سار إلى ذلك الموضع الذي وصف طليحة فإذا هو بماء عذب زلال! فشرب منه وملأ سقاء كان معه، ثم رجع إلى قومه فخبرهم بذلك، قال: فمضوا إلى ذلك الموضع فأسقوا وازدادوا فتنة إلى فتنتهم بطليحة بن خويلد. قال: وجعل خالد بن الوليد يتأنى بطليحة ويرسل إليه الرسل ويحذره سفك دماء أصحابه (6)، وطليحة يأبى ذلك ولج في طغيانه، قال: فعندها عزم خالد على حرب القوم. ### | أول حرب أهل الردة # قال: وزحف إليهم خالد حتى وافاهم بأرض يقال لها: بزاخة (7)، وإذا # PageV01P013 # طليحة قد عبى أصحابه وعبى خالد أصحابه، وكان على ميمنته عدي بن حاتم الطائي، وعلى ميسرته زيد الخيل، وعلى الجناح الزبرقان بن بدر التميمي، ودنا القوم بعضهم من بعض واختلط القوم فاقتتلوا، فقتل من الفريقين جماعة، وجعلت بنو أسد وغطفان وفزارة يقاتلون بين يدي طليحة بن خويلد أشد القتال وهم ينادون: لا نبايع أبا الفصيل - يعنون أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وجعل عدي بن حاتم يحمل عليهم في أصحابه فيقاتلهم وهو يقول: والله! لنقاتلنكم أبدا أو تكنونه بالفحل الأكبر (1). قال: وجعل عدي بن حاتم وزيد الخيل ms0007 وقبائل طيء يقاتلون بين يدي خالد بن الوليد قتالا لم يقاتلوا قبله في يوم من أيامهم التي سلفت، ومدحهم خالد بن الوليد. قال: واشتد القتال وعظم الأمر وعظت (2) الحرب الفريقين جميعا، فأقبل عيينة بن حصن إلى طليحة بن خويلد وهو واقف على باب خيمة من شعر (3) وفرسه علال إلى جانبه وامرأته نوار جالسة بين يديه (3) فقال له عيينة: أبا عامر! هل أتاك جبريل؟ قال طليحة: لا، فرجع عيينة إلى الحرب فقاتل ساعة ثم رجع إليه فقال: هل أتاك جبريل بعد؟ فقال: لا، فرجع فلم يزل يقاتل حتى بلغ منه الجهد واشتد به الأمر ثم رجع إلى طليحة فقال: أبا عامر! هل أتاك جبريل؟ قال: لا، قال عيينة: حتى متى ويحك! بلغ منا الجهد واشتد بنا الأمر وأحجم الناس عن الحرب، ثم رجع فلم يزل يقاتل هو وبنو عمه من فزارة حتى ضجوا من الطعان والضراب، ثم رجع فقال له: أبا عامر! هل أتاك جبريل بعد؟ قال: نعم قد أتاني، قال عيينة: الله أكبر! هات الآن ما عندك وما الذي قال لك جبريل! قال طليحة: نعم قد قال جبريل عليه السلام: إن رجاء لا تقوم لرجاه وإن لك وله حديثا لا تنساه الناس أبدا (5). قال: ثم أقبل عيينة على أهله وبنى عمه من فزارة فقال: # ويحكم يا بنى عمى! هذا والله كذاب! والله صح عندي كذبه لتخليطه في كلامه! قال: ثم ولى عيينة بن حصن منهزما مع بني عمه من فزارة وانهزمت بنو أسد وغطفان وسيوف المسلمين في أقفيتهم كأنها الصواعق! فقال طليحة بن خويلد: # PageV01P014 # ويحكم! ما بالكم منهزمين؟ فقال رجل منهم: أنا أخبرك يا أبا عامر: لم لا ننهزم؟ # نحن قوم نقاتل ونريد البقاء وهؤلاء قوم يقاتلون ويحبون الفناء. قال: فقالت نوار امرأة طليحة: أما إنه لو كانت لكم نية صادقة لما انهزمتم عن نبيكم! فقال لها رجل منهم: يا نوار! لو كان زوجك هذا نبيا حقا لما خذله ربه. قال: فلما سمع طليحة ذلك صاح بامرأته: ويلك يا نوار! ms0008 اقتربي مني فقد اتضح الحق وزاح الباطل. قال: # ثم استوى طليحة على فرسه وأردف امرأته من ورائه ومر منهزما مع من انهزم (1)، واحتوى خالد ومن معه من المسلمين على غنائم القوم وعامة نسلهم وأولادهم. # قال: فجمع خالد غنائم القوم فوكل نفرا من المسلمين يحفظونها، ثم خرج في طلب القوم يتبع آثارهم حتى وافاهم بباب الأجرب (2) فاقتتلوا قتالا شديدا، فأسر عيينة بن حصن الفزاري وأسر معه جماعة من بني عمه، وأفلت طليحة بن خويلد فمر هاربا على وجهه نحو الشام حتى صار إلى بني جفنة (3) فلجأ إليهم واستجار بهم فأجاروه. قال: ثم جمع خالد الأسارى بأجمعهم من بني أسد وغطفان وفزارة وعزم أن يوجه بهم إلى أبي بكر رضي الله عنه. ### | ذكر الأسارى الذين وجه بهم خالد بن الوليد إلى أبي بكر وما كان من أمرهم قال: ثم أمر خالد بالمجامع فوضعت في أعناق هؤلاء الأسارى (4) ووجه بهم مع الغنائم إلى المدينة، فلما أشرفت الغنائم على المدينة خرج الناس ينظرون إلى الأسارى، فإذا هم بعيينة بن حصن على بعير ويده مجموعة إلى عنقه، (5)، فجعل المسلمون يشتمونه ويلعنونه وهو ساكت لا ينطق بشئ، قال: وجعل أهل المدينة ينخسونه بالعسبان (6) ويقولون له: يا عدو الله! أكفرت بعد إيمانك وقاتلت المسلمين؟ قال: فأشرف عليهم من فوق البعير فقال: والله ما آمن ذلك الرجل بالله # PageV01P015 # ساعة قط - يعني عن نفسه. قال: ثم أتى به حتى دخل على أبي بكر رضي الله عنه فأوقفه بين يديه، فقال له أبو بكر: يا عدو الله! أسلمت وأقرأت القرآن ثم رجعت عن دين الإسلام كافرا! لأضربن عنقك صبرا، فقال عيينة: يا خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله)! إن الجميل أجمل، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف بي منك لم يخف عليه شئ من أمري، ولقد خرج من الدنيا وإني لمقيم على النفاق (1)، غير أني تائب إلى الله عز وجل وإليك في يومي هذا فاعف عني عفا الله عنك! فعفا عنه أبو بكر رضي الله ms0009 عنه وصفح عن بني عمه وأحسن إليهم وكساهم. # قال: ثم قدم قرة (2) بن هبيرة القشيري حتى أوقف بين يدي أبي بكر رضي الله عنه ويده مجموعة إلى عنقه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: اضربوا عنقه، فقال قرة: يا خليفة رسول الله! إني رجل مسلم يشهد لي بذلك عمرو بن العاص، وذلك أنه مر بي منصرفا من عمان (3) فقربته وأكرمته ودللته على الطريق وهو عارف بإسلامي، قال: فدعا أبو بكر عمرو بن العاص، قال له: يا أبا عبد الله! ما الذي عندك من الشهادة لقرة بن هبيرة؟ فإنه يزعم أنك تشهد له بالاسلام! فقال عمرو بن العاص: نعم يا خليفة رسول الله! عندي من الشهادة أني مررت به، وأنا منصرف من عمان فلما نزلت عليه سمعته يقول: والله! لئن لم يتجاف أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زكاة أموالنا فما له في أعناقنا طاعة، فقال قرة بن هبيرة: لم يكن القول على ما تقول يا عمرو! فقال عمرو: بلى والله يا خليفة رسول الله! لقد سمعته يقول هذا المقال (4) وعلمت أنه قد عزم على العصيان ومنع الزكاة، فهذا والله # PageV01P016 # يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان من مقالتي ومقالته ثم إني رحلت عنه فلما قربت فرسي وركبته سمعته يقول: إن أتيتنا - فعضض على الأنامل (1)، قال قرة بن هبيرة: يا هذا! # فإن كان هذا ذكرت فكم إلى كم هذا التحريض، قال: فسكت عمرو بن العاص وتكلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: سوءا لك يا عمرو! رجل نزلت عليه فآواك وأحسن ضيافتك وأطعمك وسقاك ثم تكلم بكلام بينك وبينه فأجبته على كلامه ثم رحلت عنه، فالآن لما نظرت إليه في مثل هذه الحالة أسيرا قد جمعت يداه إلى عنقه وثبت قائما على قدميك تخطب عليه بجهدك! فاستحيا عمرو وندم على ما تكلم، والتفت عمر إلى أبي بكر فقال: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم! هذا رجل من سادات العرب وأشراف بني ms0010 عامر وما أولاك بالصفح عنه بعد إذ قدرت عليه! فقد كان منه ما كان من غيره فاعف عنه كما عفوت عن غيره (2)! قال أبو بكر: قد عفوت عنه، ثم أطلقه رضي الله عنه وكساه وأحسن إليه وأطلق من كان معه من بني عمه. # قال: وبلغ طليحة بن خويلد الأسدي أن عيينة بن حصن وقرة بن هبيرة قد حملا إلى المدينة وقد عفا عنهما أبو بكر رضي الله عنه، فندم على ما كان منه أشد الندامة، ثم إنه وجه إلى أبي بكر رضي الله عنه من الشام مع بعض النوادر (3)، قال: فلما انتهى إلى أبي بكر كتابه وقرئ عليه رق له أبو بكر رقة شديدة وعلم أنه قد ندم على ما كان منه. قال: وجعل طليحة بن خويلد يتقدم في الرجوع إلى دار الإسلام ويتأخر إلى أن توفى أبو بكر ومضى لسبيله رحمة الله عليه ثم استخلف بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقدم عليه طليحة بن خويلد مسلما تائبا، فلما رآه عمر قطب في وجهه ثم قال: يا طليحة! كيف ترجو النجاة من النار وقتلت مثل # PageV01P017 # ثابت بن أرقم (1) الأنصاري وعكاشة بن محصن الأسدي؟ قال طليحة: يا أمير المؤمنين! ذلك رجلان أكرمهما الله عز وجل بالجنة وساق إليهما الشهادة على يدي ولم يقتلني (2) بأيديهما فأكون في النار! قال: فأعجب عمر مقالته فقربه وأدناه، وأقام طليحة عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أن تحركت الفرس بعد ذلك فوجهه عمر بن الخطاب مع سعد بن أبي وقاص، فقاتل بالعراق قتالا شديدا وقاتل أيضا بنهاوند، ولم يزل ناصرا لدين الإسلام حتى لحق بالله. فهذا ما كان من كفر طليحة بن خويلد الأسدي وارتداده وخروجه على أبي بكر وتوبته. # ثم رجعنا إلى مسير خالد بن الوليد إلى مالك بن نويرة، قال: فلما فرغ خالد بن الوليد من حرب بني أسد وغطفان وفزارة وأمكنه الله منهم أقبل على من كان معه من المسلمين فقال لهم: إنكم تعلمون أن خليفة رسول الله (ص) قد ms0011 كان أمرني بالبطاح (3) من أرض بني تميم إلى مالك بن نويرة وأصحابه وأنا سائر (4)، فما الذي عندكم من الرأي؟ قال: فقالت له الأنصار: يا أبا سليمان! إنك لست عندنا بمتهم غير أن أبا بكر لم يعهد إلينا بشئ في ذلك (5) عهدا فإن كان أمرك بالمسير إلى بني تميم فسر راشدا فإنا غير سائرين معك، قال خالد: لست أكرهكم على شئ وأنا سائر بمن معي من المهاجرين حتى أنفذ أمر أبي بكر. قال: ثم سار خالد بمن معه من المهاجرين (6) يريد أرض بني تميم وأقامت الأنصار في مواضعها، حتى إذا سار خالد يومه كأنه اغتم على تخلف الأنصار عنه، قال: وتلاومت (7) الأنصار أيضا، ثم قال بعضهم لبعض: والله، لئن كان غدا في هذا الجيش مصيبة فإنه لعار علينا! ليقولن الناس بأنكم خذلتم المهاجرين وأسلمتموهم لعدوهم (8)، ولئن أصابوا # PageV01P018 # فتحا فإنه خير حرمتموه، ولكن سيروا فالحقوا بإخوانكم. قال: فسارت الأنصار حتى لحقت خالد بن الوليد فصار القوم جميعا واحدا، وتوسط خالد بن الوليد أرض البطاح، وبالبطاح يومئذ رجل من أشراف بني تميم يقال له: الجفول (1)، لأنه جفل إبل الصدقة ومنع الزكاة وجعل يقول لقومه: يا بني تميم! إنكم قد علمتم بأن محمد بن عبد الله قد كان جعلني على صدقاتكم قبل موته، (2) وقد هلك محمد ومضى لسبيله، ولابد لهذا الأمر من قائم يقوم به، فلا تطمعوا أحدا في مالكم فأنتم أحق بها من غيركم. قال: فلامه بعض قومه على ذلك وحمده بعضهم وسدد له رأيه بما قال (3)، فلما بلغ كلامه أبا بكر والمسلمين فازدادوا عليه حنقا وغيظا، وأما خالد بن الوليد فإنه حلف وعاهد الله عز وجل لئن قدر عليه ليقتلنه وليجعلن رأسه أثفية للقدور. # قال: ثم ضرب خالد عسكره بأرض بني تميم، وبث السرايا في البلاد يمنة ويسرة. قال: فوقعت سرية من تلك السرايا على مالك بن نويرة فإذا هون في حائط له ومعه امرأته وجماعة من بني عمه، (4) قال: فلم يرع مالك إلا والخيل قد أحدقت به فأخذوه أسيرا وأخذوا امرأته ms0012 معه وكانت بها مسحة من جمال. قال: وأخذوا كل من كان من بني عمه فأتوا بهم إلى خالد بن الوليد حتى أوقفوا بين يديه. قال: فأمر خالد بضرب أعناق بني عمه بديا. قال: فقال القوم: إنا مسلمون فعلى ماذا تأمر بقتلنا؟ قال خالد: والله! لأقتلنكم، فقال له شيخ منهم: أليس قد نهاكم أبو بكر أن تقتلوا من صلى للقبلة؟ فقال خالد بلى قد أمرنا بذلك ولكنكم لم تصلوا ساعة قط، قال: فوثب أبو قتادة (5) إلى خالد بن الوليد فقال: أشهد أنك لا سبيل لك # PageV01P019 # عليهم، قال خالد: وكيف ذلك؟ قال: لأني كنت في السرية التي قد وافتهم فلما نظروا إلينا قالوا: من أين أنتم؟ قلنا: نحن المسلمون، فقالوا: ونحن المسلمون، ثم أذنا وصلينا فصلوا معنا، فقال خالد: صدقت يا [أبا] (1) قتادة إن كانوا قد صلوا معكم فقد منعوا الزكاة التي تجب عليهم ولا بد من قتلهم. قال: فرفع شيخ منهم صوته وتكلم فلم يلتفت خالد إليه وإلى مقالته فقدمهم فضرب أعناقهم عن آخرهم. (2) قال: وكان أبو قتادة قد عاهد الله أنه لا يشهد مع خالد بن الوليد مشهدا أبدا بعد ذلك اليوم. # قال: ثم قدم خالد مالك بن نويرة ليضرب عنقه فقال مالك: أتقتلني وأنا مسلم أصلي إلى القبلة! فقال له خالد: لو كنت مسلما لما منعت الزكاة ولا أمرت قومك بمنعها والله! ما نلت ما في مثابتك حتى أقتلك. قال: فالتفت مالك بن نويرة إلى امرأته فنظر إليها ثم قال: يا خالد! بهذه قتلتني؟ فقال خالد: بل الله قتلك برجوعك عن دين الإسلام وجفلك لإبل الصدقة وأمرك لقومك بحبس ما يجب عليهم من زكاة أموالهم. قال: ثم قدمه خالد فضرب عنقه صبرا (3). فيقال إن خالد بن الوليد تزوج بامرأة مالك (4) ودخل بها، وعلى ذلك أجمع أهل العلم. # . # PageV01P020 ### | ذكر أمر مسيلمة الكذاب وما كان من حروبه مع خالد بن الوليد والمسلمين قال: وأقام خالد بن الوليد بالبطاح من أرض بني تميم بعد قتل مالك ابن نويرة ينتظر أمر أبي بكر ms0013 رضي الله عنه (1). وجعل مسيلمة بن حبيب الكذاب يعلو أمره باليمامة يوما بعد يوم ويقول لقومه بني حنيفة: أريد أن تخبروني بماذا صارت قريش أحق بالنبوة والإمامة منكم، والله! ما هم بأكثر منكم ولا أنجد، وإن بلادكم لأوسع من بلادهم، وأموالكم أكثر من أموالهم، وإن جبرئيل عليه السلام ليأتيني في كل يوم بالذي أريده من الأمور، وينزل علي كما كان ينزل على محمد بن عبد الله من قبلي، وبعد فهذا الرحال بن نهشل (2) ومحكم بن الطفيل وهما من سادات أهل اليمامة فسلوهما هل يشهدان لي بأن محمد بن عبد الله قد أشركني في نبوته قبل وفاته (3). قال: فأقبل قوم من أشراف بني حنيفة إلى الرحال (2) بن نهشل ومحكم بن الطفيل فقالوا لهما: إن مسيلمة بن حبيب قد ادعى النبوة بين أظهرنا منذ كذا وكذا وقد زعم لنا أنكما تشهدان له بأن محمد بن عبد الله قد أشركه في نبوته قبل وفاته وأنتما عندنا شيخان صادقان فما الذي عندكما؟ قال الرحال (2) بن نهشل: صدق مسيلمة في قوله، أنا أشهد أن محمد بن عبد الله قد أشركه في نبوته قبل وفاته (3)، وقال محكم بن الطفيل: وأنا أشهد بذلك. قال: فعندها تسارع الناس إلى مسيلمة وآمنوا بنبوته إلا القليل منهم. # PageV01P021 ### | ذكر سجاح بنت الحارث (1) التميمة لما زوجت نفسها من مسيلمة # قال: وظهر أمر مسيلمة باليمامة وانتشر ذكره في الناس، وسمعت به سجاح بنت الحارث (1) التميمية وقد كانت ادعت النبوة (2) وتبعها رجال من قومها غيلان بن خرشة (3) والحارث (4) بن الاهتم وجماعة من بني تميم. (5) قال: وكان لها مؤذن (6) يؤذن بها ويقول: أشهد أن سجاح (1) نبية الله. قال: فسارت سجاح (1) هذه إلى مسيلمة الكذاب سلمت عليه بالنبوة وقالت: إنه بلغني أمرك وسمعت بنبوتك وقد أقبلت إليك وأحببت أن أتزوج بك، ولكن أخبرني ما الذي أنزل إليك من ربك؟ فقال مسيلمة: # أنزل علي من ربي: لا أقسم بهذا البلد، ولا تبرح هذا البلد، حتى تكون ذا مال وولد، ووفر وصفد، وخيل وعدد، إلى آخر الأبد، على ms0014 رغم من حسد. قال: # فقالت سجاح (1): إنك نبي حقا، وقد رضيت بك وزوجتك نفسي، ولكن أريد أن تجعل لي صداقا يشبهني، قال مسيلمة: فإني قد فعلت ذلك. قال: دعا مسيلمة بمؤذنه (7) فقال: ناد في قوم هذه المرأة: ألا! إن نبيكم مسيلمة قد رفع عنكم صلاتين (8) من الخمس التي جاء بها محمد بن عبد الله، وهي صلاة الفجر وصلاة العشاء الأخيرة، فقالت سجاح (1): أشهد أنك لقد جئت بصواب. # قال: وضج المسلمون إلى أبي بكر رضي الله عنه وقالوا: يا خليفة # PageV01P022 # رسول الله! قد انتشر من ذكر هذا الملعون الكذاب بأرض اليمامة. قال: فقال أبو بكر رضي الله عنه: لا تعجلوا فإني أرجو أن الله تبارك وتعالى قد أذن في هلاكه. ### | ذكر كتاب أبي بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد في أمر مسيلمة # قال: ثم كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد رضي الله عنهما وهو يومئذ مقيم بالبطاح (1) فكتب إليه (2): # (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن الوليد ومن معه من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان. # أما بعد يا خالد! فإني قد أمرتك بالجد في أمر الله والمجاهدة لمن تولى عن سبيل الله إلى غيره ورجع عن دين الإسلام والهدى إلى الضلالة والردى، وعهدي إليك يا خالد أن تتقى الله وحده لا شريك له، وعليك بالرفق والتأني، [وإياك ونخوة بني المغيرة] (3)، وسر نحو بني حنيفة ومسيلمة الكذاب، واعلم بأنك لم تلق قوما قط يشبهون بني حنيفة في البأس والشدة، فإذا قدمت عليهم، فلا تبدأهم بقتال حتى تدعوهم إلى داعية الإسلام، واحرص على صلاحهم، فمن أجابك منهم فأقبل ذلك منه، ومن أبي فاستعمل فيه السيف. # واعلم يا خالد بأنك إنما تقاتل قوما كفارا بالله وبالرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا عزمت على الحرب فباشرها بنفسك، ولا تتكل على غيرك، وصف صفوفك واحكم بعينك (4) واجزم (5) على أمرك، واجعل على ميمنتك رجلا ترضاه، وعلى ميسرتك مثله، واجعل على خيلك رجلا ms0015 عالما صابرا، واستشر من معك من أكابر (6) المسلمين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فان الله تبارك وتعالى موفقك بمشورتهم. # PageV01P023 # واعرف للمهاجرين والأنصار حقهم وفضلهم، ولا تكسل ولا تفشل، وأعد السيف للسيف والرمح للرمح والسهم للسهم، واستوص بمن معك من المسلمين خيرا، ولين الكلام وأحسن الصحبة واحفظ وصية نبيك محمد صلى الله عليه وسلم في الأنصار خاصة. # أن (1) تحسن إلى محسنهم وتتجاوز عن مسيئهم، وقل: لا حول ولا قوة إلا بالله). # قال: فلما ورد الكتاب على خالد بن الوليد جمع أصحابه ثم قرأ عليهم الكتاب وقال: ما الذي ترون الآن من الرأي؟ فقالوا: الرأي رأيك وليس فينا أحد يخالفك. # قال: فعندها عزم خالد على المسير إلى مسيلمة وأصحابه (2)، وكتب حسان بن ثابت الأنصاري إلى محكم بن الطفيل وزير مسيلمة يهدده، قال: فلما وصل كتابه إلى محكم بن الطفيل هذا الذي هو وزير مسيلمة وقرأه أرسل إلى وجوه أهل اليمامة فجمعهم ثم أقبل عليهم فقال: يا بني حنيفة! هذا خالد بن الوليد قد سار إليكم في جمع المهاجرين والأنصار وإنكم تلقون غدا قوما يبذلون أنفسهم دون صاحبهم، فابذلوا أنفسكم دون صاحبكم. قال: فقالت بنو حنيفة: سيعلم خالد غدا إذا نحن التقينا أنا بخلاف من لقي من العرب، فقال محكم بن الطفيل: هذا الذي أريده منكم. قال: وبلغ بني حنيفة أن خالدا قد سار إليهم في الحد والحديد والخيل والجنود فاجتمعوا إلى رجل واحد من أكابرهم يقال له ثمامة بن أثال (3) - وكان ذا عقل وفهم ورأى وكان مخالفا لمسيلمة على ما هو عليه - فقالوا له: يا أبا عامر! إنه قد سار هذا الرجل إلى مقاتلتنا يريد قتلنا وبوارنا واستئصالنا عن جدبة الأرض، فهذا مسيلمة بن حبيب بين أظهرنا وقد ادعى ما قد علمت من النبوة، فهات الذي عندكم من الرأي (4). # PageV01P024 # قال: فقال لهم ثمامة (١): ويحكم يا بني حنيفة! اسمعوا قولي تهتدوا، وأطيعوا أمري ترشدوا، واعلموا أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان نبيا مرسلا لا شك في نبوته، ومسيلمة رجل كذاب ms0016 لا تغتروا بكلامه وكذبه، فإنكم قد سمعتم القرآن الذي أتى به محمد (صلى الله عليه وسلم وآله) عن ربه إذ يقول: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير *﴾ (2) فأين هذا الكلام من كلام مسيلمة الكذاب! فانظروا في أموركم ولا يذهبن هذا عنكم، ألا! وإني خارج إلى خالد بن الوليد في ليلتي هذه طالبا منه الأمان على نفسي ومالي وأهلي وولدي، فقال القوم: # نحن معك يا أبا عامر! فكن من ذلك على علم. ثم خرج ثمامة بن أثال في جوف الليل في نفر من بني حنيفة حتى صار إلى خالد فاستأمن إليه فأمنه خالد وأمن أصحابه. # قال: وسار خالد بمن معه من المهاجرين والأنصار حتى إذا تقارب من أرض اليمامة نزل إلى جنب واد من أوديتها، ثم بعث بجماعة من أصحابه يزيدون على مائتي فارس فقال لهم: سيروا في هذه البلاد فأتوني بكل من قدرتم عليه، فساروا فإذا هم برجل من أشراف بني حنيفة يقال له مجاعة بن مرارة ومعه ثلاثة (4) وعشرون رجلا من بني حنيفة. ### | ذكر مجاعة بن مرارة وسارية بن عامر # قال: فدنا منهم المسلمون فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم من بني حنيفة، قال المسلمون: فلا أنعم الله بكم عينا يا أعداء الله! ثم أحاطوا بهم # PageV01P025 # فأخذوهم وجاؤوا بهم إلى خالد بن الوليد حتى أوقفوهم بين يديه، فقال لهم خالد: # يا بني حنيفة! ما تقولون في صاحبكم مسيلمة؟ فقالوا: نقول إنه شريك محمد في نبوته، فقال رجل يقال له سارية بن عامر (١): يا أبا سليمان! ولكني لا أقول ذلك، قال خالد: يا مجاعة (٢)! ما تقول فيما يقول أصحابك هؤلاء؟ فقال مجاعة: أقول إني قدمت المدينة وبها رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) فآمنت به وصدقته أنا وصاحبي هذا سارية بن عامر، لا والله ما غيرنا ولا بدلنا! غير أنه لم يكن لنا بد من مداراة مسيلمة خوفا على أنفسنا ms0017 وأموالنا وأولادنا، فقال له خالد بن الوليد: فاعتزل أنت وصاحبك هذا ناحية من هؤلاء الكفار. ثم قدم خالد بقية القوم فضرب أعناقهم صبرا، ثم عمد إلى مجاعة فقال مجاعة: أيها الأمير! إني لم أزل مسلما وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس وقد عجلت على هؤلاء القوم بالقتل وأنا والله خائف على نفسي منك! ولكن أيها الأمير إن كان رجل كذاب خرج بين أظهرنا فادعى ما ادعى فليس يجب عليك أن تأخذ البرئ بأمر السقيم، فإن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (3)، قال: فسكت عنه خالد ولم يكلمه بشئ. قال: ثم أقبل عليه سارية بن عامر فقال: أيها الأمير! من خاف سيفك رجا عدلك ومن رجا عدلك رجا أمانا منعما، وخفتك ورجوتك وأنا بحمد الله على دين الإسلام، ما غيرت ولا بدلت، فإن أردت أن نسأل لك أمر بني حنيفة فاستبقني واستبق هذا الشيخ فإنه سيد أهل اليمامة ولا تؤاخذونا بما كان منا ومن تخلفنا عنك والسلام، قال خالد: فإني عفوت عنكما ولكن أقيما في عسكري ولا تبرحا حتى أنظر ما ينصرم أمري وأمر بني حنيفة، ثم أمر خالد بمجاعة وسارية فأطلقهما من حديدهما. # PageV01P026 ### | ذكر الوقعة بين مسيلمة وخالد بن الوليد ومقتل مسيلمة # قال: وسار خالد بن الوليد بالمسلمين حتى نزل بموضع يقال له عقرباء (1) من أرض اليمامة، فضرب عسكره هناك. وسار مسيلمة في جميع بني حنيفة حتى نزل حذاء خالد، فأقاموا يومهم ذلك ينظر بعضهم إلى بعض، فلما كان من غد وثب مسيلمة يعبى أصحابه تعبية الحرب ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين (2)، ونظر خالد بن الوليد إلى ذلك فوثب يعبي أصحابه فكان على ميمنته زيد بن الخطاب أخو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلى ميسرته أسامة بن زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الجناح البراء بن مالك أخو أنس بن مالك (3). قال: وسلت بنو حنيفة سيوفها من أجفارها وأبرقوا بها، ثم إنهم ضجوا ضجة ونعروا نعرة منكرة، فقال خالد: أيها القوم أبشروا! فإن ms0018 القوم مخذولون إن شاء الله تعالى، وإنما سلوا هذه السيوف ليرهبوكم ولم يفعلوا ذلك إلا جزعا وفشلا، قال: فسمع رجل من بني حنيفة فقال: (4) هيهات والله يا بن الوليد! لكن أبرزناها لكم من أغمادها لتعلموا أنها ليست كسيوفكم الخشنة الكليلة. # قال: ودنا القوم بعضهم من بعض وتقدم خالد بن الوليد في أول القوم ثم قاتل ساعة ورجع إلى أصحابه، وتقدم عمار بن ياسر وفي يده صحيفة له يمانية ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة، وحمل رجل من بني حنيفة فضربه فالتقاها عمار بحجفته فزاحت الضربة عن الحجفة وهوت إلى أذن عمار فرمت بها، فلما بقيت أذن عمار معلقة سقطت على عاتقه، قال: وداخله عمار فضربه ضربة قتله. # قال: ثم تقدم الحارث بن هشام المخزومي أخو أبي جهل بن هشام فجعل يهدر كالفحل، ثم حمل وقاتل قتالا شديدا ورجع إلى موقفه، وتقدم زيد بن الخطاب ثم # PageV01P027 # حمل وذلك في آخر النهار فلم يزل يقاتل حتى قتل خمسة من وجوه القوم وفرسانهم وقتل (1) - رحمة الله عليه -. قال: فتقدم ابن عم له يقال له عامر بن بكير العدوي حتى وقف بين الجمعين، قال: ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه. # قال: واشتبك الحرب بين الفريقين فقتل من المسلمين زهاء عن ثلاثمائة رجل، وقتل من بني حنيفة جماعة، فأمسى القوم فرجع بعضهم عن بعض ولم ينم منهم أحد تلك الليلة لما يخافون من البيات، فلما كان من الغد دنا بعضهم إلى بعض، وتقدم محكم بن الطفيل هذا - وزير مسيلمة وصاحب أمره - فتقدم حتى وقف أمام أصحابه شاهرا سيفه، ثم حمل على المسلمين فقاتل قتالا شديدا، وحمل عليه ثابت بن قيس الأنصاري فطعنه في خاصرته طعنة نكسه عن فرسه قتيلا (2)، ثم جال الأنصاري في ميدان الحرب جولة، ثم حمل هذا الأنصاري في جماعة من بني حنيفة فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه -. قال: ثم تقدم السائب بن العوام أخو الزبير بن العوام ثم حمل، فلم يزل يقاتل ms0019 حتى قتل - رحمة الله عليه. ### | ذكر البراء بن مالك أخي أنس بن مالك # قال: وكان البراء بن مالك فارسا بطلا لا يصطلى بناره، وكان إذا شهد الحرب وعاينها أخذته الرعدة (3) وينتفض انتفاضا شديدا حتى كان ربما يعقل بالحبال ويضبطه الرجال فلا يزال كذلك ساعة حتى يفيق، وإذا أفاق يبول بولا أحمر كأنه نقاعة الحناء، ثم إنه يثب قائما مثل الأسد فيقاتل قتالا شديدا لا يقوم له أحد، قال: فلما كان ذلك اليوم وعاين البراء بن مالك من شدة الحرب ما عاين أخذته الرعدة والنفضة، فلما أفاق (4) وثب ثم حمل على جميع بني حنيفة فجعل تارة يضرب بسيفه وتارة يطعن فيهم برمحه حتى قتل منهم جماعة ورجع إلى موقفه. قال: وصاحت بنو حنيفة بعضها ببعض وحملوا على المسلمين حملة منكرة حتى أزالوهم عن موقفهم # PageV01P028 # وقتلوا منهم نيفا على ثمانين رجلا. قال: ثم كبر المسلمون وحملوا عليهم وكشفوهم كشفة قبيحة. # ثم تراجعت بنو حنيفة ومعهم صاحبهم مسيلمة حتى وقف أمام قومه، ثم حسر عن رأسه، ثم إنه حمل وحمل معه بنو حنيفة كحملة رجل واحد وانهزم المسلمون بين أيديهم وأسلموا سوادهم. قال: وصارت بنو حنيفة إلى فسطاط خالد فأحدقوا به (1)، وثبت لهم خالد يومئذ وحده يضاربهم بالسيف، فإذا هو قد كشفهم عن فسطاطه ويلتفت إلى المسلمين فيناديهم: ويحكم يا قراء القرآن! أما تخافون غضب الرحمن وعذاب النيران؟ ويحكم يا أهل دين محمد! أين الفرار ممن يزعم أنه شريك نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته ورسالته؟ أما تخافون الله أن يطلع عليكم فيجازيكم على سوء فعلتكم؟ قال: فتاب الناس إليه من كان جانب حتى أحدقوا به، ودنت بنو حنيفة للقتال كأنهم الأسد الضارية، واشتبك الحرب بين الفريقين، وتقدم أبو دجانة سماك ابن خرشة (2) الأنصاري، ثم حمل أبو دجانة على بني حنيفة فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة، قال: وحمل عليه رجل من سادات بني حنيفة ليضربه بالسيف فأخطأه وضربه أبو دجانة ضربة فقطعه نصفين، وحمل على رجل آخر من بني ms0020 حنيفة وولى الحنفي من بين يديه ولحقه أبو دجانة فضربه فقطع ساقيه جميعا، ثم حمل على ميمنتهم فضرب فيهم ضربا وجيعا وحمل على ميسرتهم ففعل كذلك، وكان ربما حمل على الرجل فيعانقه ثم يضربه فيذبحه ثم يقف وينادى بأعلى صوته: يا أهل الدين والإسلام! إلي إلي فداكم أبي وأمي! فتاب إليه السوابق من أهل بدر وأحد والأحزاب فكبروا وحملوا معه حملة عجيبة على مسيلمة وأصحابه فكشفوهم كشفة فاضحة وقتلوا منهم جماعة، ثم رجعوا إلى مواقفهم. # قال: وتقدم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري خطيب الأنصار وشيخهم # PageV01P029 # فتقدم (١) وفي يد راية صفراء ثم حمل على القوم فلم يزل يطاعن حتى قتل (٢) - رحمة الله عليه -. قال: فتقدم ابن عم له يقال له بشير بن عبد الله من بني الحارث بن النجار حتى وقف بين الجمعين، قال: ثم حمل بشير بن عبد الله هذا فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمه الله تعالى. # قال رافع بن خديج الأنصاري: والله! لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ﴿ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون﴾ (3) فلم نعلم من هم حتى دعانا أبو بكر رضي الله عنه إلى قتال بني حنيفة، فلما قاتلناهم علمنا أنهم أولو بأس شديد، وذلك أنهم هزمونا نيفا على عشرين هزيمة وقتلوا منا مقتلة عظيمة وكادوا أن يفضحونا مرارا غير أن الله عز وجل أحب أن يعز دينه. # قال: ثم إن المسلمين اجتمعت آراؤهم على أن يحملوا بأجمعهم على بني حنيفة... (4) واحدة ثم إنهم لا يرجعون دون أن ينكوا فيهم. قال... (5) على ذلك، ثم إنهم اجتمعوا في موضع واحد وكبروا تكبيرة واحدة وحملوا عليهم فكشفوهم حتى ألجؤوهم إلى حديقة لهم، فلما أدخلوهم إلى جوفها ومسيلمة معهم أقبل المسلمون إلى الحديقة، فقال أبو دجانة الأنصاري (6): ويحكم يا معشر الأنصار! احملوني حملا [وألقوني] (7) إليهم. قال: فحملوا أبا دجانة الأنصاري (6) على ترس... (8) الأنصار ثم رفع بالرماح حتى ألقى في جوف الحديقة. قال... (8) أبو دجانة (6) في وسط الحديقة ثم وثب كالليث # PageV01P030 # المغضب فلم يزل يقاتل ms0021 في جوف الحديقة حتى قتل - رحمة الله عليه -. قال: # وصاح رجل من بني حنيفة بأصحابه: ويلكم يا معشر بني حنيفة! اعملوا أن هذه الحديقة حديقة الموت فقاتلوا أبدا حتى تموتوا كراما. # قال: واقتحم خالد بن الوليد الحديقة بفرسه وبيده سيف لو ضرب به الحجر لقطعه، قال: فاستقبله رجل من بني حنيفة فقال له: أين تريد يا ابن كذا وكذا؟ # فحمل عليه خالد واعتنقه الحنفي فسقطا عن فرسيهما جميعا إلى الأرض، فسقط الحنفي تحت خالد فجعل يجرحه بخنجر كان معه، وخالد قد قبض على حلقه والحنفي يجرحه من تحت حتى جرحه سبع جراحات، فوثب خالد وتركه وإذا فرس خالد قد غار عن الحديقة، فجعل خالد ظهره إلى باب الحديقة وجعل يقاتل حتى تخلص وهو لما به. قال: وأقبل عباد بن بشر (2) الأنصاري حتى وقف على باب الحديقة ثم نادى بأعلى صوته: يا معشر الأنصار! احطموا جفور (3) سيوفكم واقتحموا... (4) الحديقة عليهم فقاتلوهم أو يقتل مسيلمة الكذاب. قال: ثم كسر عباد بن بشر... سيفه وكسرت الأنصار جفار سيوفهم واقتحموا الحديقة ... (6) ومائة رجل، فقاتلوا حتى ما بقي منهم إلا أربعة نفر فإنهم أقبلوا مجروحين لما بهم. # قال: وعظم الأمر على الفريقين جميعا، والتفت بنو حنيفة إلى مسيلمة فقالوا له: يا أبا ثمامة! ألا ترى إلى ما نحن فيه من قتال هؤلاء؟ فقال مسيلمة: بهذا أتاني # PageV01P031 # الوحي أن القوم يلجؤوكم إلى هذه الحديقة ويكون قتالكم معهم في جوفها، فقال له بعضهم: فأين ما وعدتنا من ربك بأنه ينصرنا على عدونا، وأن هذا الدين الذي نحن فيه هو الدين القيم؟ فقال مسيلمة: أما الدين فلا دين لكم، ولكن قاتلوا عن أحسابكم. تظنون أنا إنما كنا نقاتل إلى... (1) ونحن على الحق وهم على الباطل، إنه لو كان ما تظنون إذا لما... (2) أحد جمعنا. قال: ثم جعل مسيلمة يرتجز. قال: فعند ذلك علم القوم أنهم كانوا في غرور وضلال من استمساكهم بدين مسيلمة، وجعل رجل منهم يرتجز. # قال: فاقتحم المسلمون بأجمعهم على مسيلمة وأصحابه فقاتلوهم حتى احمرت الأرض ms0022 من الدماء. قال: ونظر وحشي (3) غلام جبير بن مطعم بن عدي إلى مسيلمة وقد ألجأه المسلمون إلى جانب الحديقة فقصده وحشي وقصده أيضا رجل من الأنصار يقال له: عبد الله بن يزيد، (4) ونظر إليهما مسيلمة وقد قصداه فحمل عليهما، ثم بدره الأنصاري بضربة على رأسه فأوهنه، ورماه وحشى بحربة كانت في يده فوقعت الحربة في خاصرته فسقط مسيلمة عدو الله عن فرسه قتيلا (5). قال: # وتصايح الناس من كل جانب وقالوا: ألا! إن مسيلمة عدو الله قد قتله عبد أسود وهو وحشي غلام جبير بن مطعم. قال: وجعل وحشي ينادى: أيها الناس! أنا وحشي غلام جبير بن مطعم! قتلت خير الناس وأنا كافر - يعني حمزة بن عبد المطلب رحمة الله عليه - وقتلت شر الناس وأنا مسلم - يعني مسيلمة الكذاب -، قال: ثم أنشأ الأنصاري (6). قال: ودفع بنو حنيفة جانبا من حائط الحديقة فهدموه وخرجوا منها والسيف يأخذهم، وأقبل خالد بن الوليد حتى دخل الحديقة ومعه جماعة من # PageV01P032 # المسلمين، فوقف على مسيلمة وهو مقتول ونظر إليه فإذا هو أصفر أحمش (1) ضعيف البدن، فقال خالد بن الوليد: أين مجاعة بن مرارة؟ فقال: ها أنا ذا - أصلح الله الأمير! فقال: هذا صاحبكم الذي أوقعكم (2)! فقال مجاعة: نعم - أصلح الله الأمير! هذا صاحبنا فلعنة الله عليه فلقد كان مشوما على نفسه وعلى بني حنيفة. # قال: ثم جعل مجاعة بن مرارة يقول (3): ### | ذكر الصلح الذي جرى بين خالد بن الوليد وبين مجاعة بن مرارة. # قال: ثم أقبل مجاعة على خالد فقال: أيها الأمير! هلم فصالحني على من ورائي من الناس، فإني أعلم أنه ما أتاك إلى الحرب إلا سرعان الخيل (4)، فقال خالد: ويلك ما تقول يا مجاعة! فقال: أقول إن الحصون مملوءة رجالا وسلاحا! # قال: فظن خالد أنه كما يقول مجاعة، فجعل يقدم ويؤخر في الصلح. # قال: وأرسل مجاعة إلى الحصون فأمر النساء أن يلبسن... (5) والمغافر ويتقلدن ويقفن على أسوار الحصون حتى ينظر إليهن خالد. قال: ففعل النساء ما أمرهن به مجاعة ولبسن السلاح، فلما وقفن على ms0023 حيطان الحصون ونظر إليهن خالد قال: ويحك يا مجاعة! إني أرى حصونكم مملوءة رجالا وسلاحا، فقال له مجاعة: قد خبرتك بذلك أيها الأمير ولكنك أبيت أن تصالحني، قال خالد بن الوليد: فإني قد صالحتك. قال: فصالحه خالد على ما ظهر من الصفراء والبيضاء من الذهب والفضة وعلى ثلث الكراع وربع من السبي. وأقبل مجاعة نحو الحصون فإذا هو بامرأة من بني حنيفة قد رفعت صوتها وهي تقول (6)، قال: فدنا منها # PageV01P033 # مجاعة بن مرارة فقال لها: اسكتي - رض الله فاك! أنا مجاعة بن مرارة وقد صالحت خالدا صلح مكر فلا تبرحن عن مواضعكن حتى يتم الصلح (1). ### | ذكر عدد القتلى الذين قتلوا من المسلمين، والكتاب الذي ورد على خالد من المدينة. # قال: وأحصى من قتل من المسلمين فكانوا ألفا ومائتي رجل (2)، [و] سبعمائة رجل كانوا حفاظ القرآن، وبلغ ذلك أبا بكر رضي الله عنه ومن معه بالمدينة من المسلمين، وقامت النياحات بالمدينة على القتلى. قال: وكتب بعض المسلمين إلى خالد بهذه الأبيات... (3) يحرضه على قتل من بقي من بني حنيفة... (4) قال: فلما وصلت هذه الأبيات إلى خالد بن الوليد ونظر فيها قال: إنه لولا ما مضى من صلح القوم لفعلت ذلك فأما الان فليس إلى قتلهم من سبيل. # PageV01P034 ### | ذكر كتاب خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بعد قتل مسيلمة وجواب الكتاب (1). # بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله بن عثمان خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) من خالد بن الوليد، أما بعد فإن الله تبارك وتعالى لم يرد بأهل اليمامة إلا ما صاروا إليه، وقد صالحت القوم على (2) شئ من الصفراء والبيضاء وعلى ثلث الكراع وربع السبي، ولعل الله تبارك وتعالى أن يجعل عاقبة صلحهم خيرا - والسلام. # [عليك ورحمة الله وبركاته]. # جواب الكتاب: # أما بعد فقد قرأت كتابك، وأما (3) ما ذكرت فيه من صلح القوم. فأتمم للقوم ما صالحتهم عليه ولا تغدر بهم، واجمع الغنائم والسبي وما أفاء الله به عليك من مال بني حنيفة. فأخرج من ms0024 ذلك الخمس ووجه به إلينا ليقسم فيمن بحضرتنا (4) من المسلمين، وادفع إلى كل ذي حق حقه - والسلام. # قال: وبلغ خالد بن الوليد أن مجاعة بن مرارة قد خدعه وأوقف النساء على حيطان الحصون وألبسهم السلاح وأنه صالح خالدا صلح مكر. قال: فدعا به خالد وسأله عن ذلك، فقال: نعم أيها الأمير! إني لم أجد بدا مما فعلت وذلك أنهم قومي وعشيرتي وخشيت عليهم الفناء وأرجو أن نكون بعد هذا اليوم أعوانا لك على من ناواك. قال: فسكت عنه خالد ولم يجب أن ينقض الصلح الذي كان بينه وبين مجاعة، فانصرف مجاعة إلى منزله وأنشأ يقول... (5). # قال: ثم رجع خالد إلى الغنائم فأخرج منها الخمس وقسم باقي ذلك في المسلمين وبعث الخمس إلى المدينة، وانتخب خمسين من وجوه أهل اليمامة فوجه بهم وفدا (6) إلى أبي بكر رضي الله عنه حتى قدم هؤلاء القوم على أبي بكر مع # PageV01P035 # الخمس، فلما دخلوا إليه سلموا عليه ورد عليهم السلام، ثم قال: يا بني حنيفة! # ما هذا الذي كنتم أزمعتم عليه من أمر مسيلمة؟ قال: فتكلم رجل منهم يقال له: # عمرو بن شهم بن عبد العزيز بن سحيم فقال: يا خليفة رسول الله! خرج بيننا وكان رجلا مشؤوما أصابته فتنة من حديث النفس وأماني الشيطان دعا إليه قوما مثله فأجابوه إلى ما دعاهم إليه فلم يبارك الله عز وجل له في قومه ولا لقومه فيه وقد كان منا ما كان من غيرنا ممن ارتد من قبائل العرب وأنت أولى بالعفو والصفح الجميل - والسلام، ثم أنشأ يقول شعرا... (1) فلما فرغ عمرو بن شهم هذا من شعره أقبل أبو بكر عليه - رضي الله عنه - قال: ذاك بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد، قال: ثم رضى عنهم أبو بكر وأمرهم بالرجوع إلى بلدهم باليمامة. ### | ذكر تزوج خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى مجاعة بن مرارة بابنته بأرض اليمامة. # قال: وخطب خالد إلى مجاعة ابنته فزوجها إياه ودخل خالد بها هنالك بأرض اليمامة، فكان إذا جاءه المهاجرون ms0025 والأنصار فسلموا عليه يرد عليهم السلام ويأمرهم بالجلوس فيجلس الرجل منهم حيث ما لحق، وإذا جاء أعمام هذه الجارية التي قد تزوجها يرفع مجالسهم ويقضى حوائجهم، قال: فغضب المسلمون لذلك واشتد عليهم ما يفعله بهم خالد، فكتب حسان بن ثابت إلى أبي بكر رضي الله عنه أبياتا ... (2) قال: فلما وردت هذه الأبيات إلى أبي بكر رضي الله عنه غضب لذلك # PageV01P036 # ثم أقبل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أبا حفص! ما ترى إلى خالد بن الوليد وحرصه على الزواج وقلة اكتراثه بمن قتل من المسلمين؟ فقال عمر: # أما والله لا يزال يأتينا من قبل خالد في كل حين ما تضيق به الصدور (1). # قال: ثم كتب إليه أبو بكر: أما بعد يا ابن الوليد فإنك فارغ القلب حسن (3) العزاء عن المسلمين إذ قد اعتكفت على النساء وبفناء بيتك ألف ومائتا رجل من المسلمين منهم سبعمائة رجل من حملة القرآن. إن لم يخدعك مجاعة بن مرارة عن رأيك أن صالحك صلح مكر، وقد أمكن الله منهم، أما والله يا خالد ما هي منكر ينكر؟ وإنها لشبيهة بفعلك الأول بمالك بن نويرة، فسوأة لك ولافعالك! هذه القبيحة التي شانتك في بني مخزوم - والسلام. # قال: فلما وصل كتاب أبي بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد وقرأه تبسم ضاحكا ثم قال: يرحم الله أبا بكر! والله ما أعرف في هذا الكتاب من كلامه شيئا! # ولا هذا إلا من كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه (5)، وقد كان الذي كان، وليس إلى ردة خالد في تزوجه ابنة مجاعة، وأنشأ منهم رجل (6). ### | ذكر ارتداد أهل البحرين ومحاربة المسلمين إياهم. # قال: فلما فرغ خالد بن الوليد من أمر اليمامة وبني حنيفة وقتل مسيلمة أقام بأرض اليمامة ينتظر أمر أبي بكر. قال: وعزم أبو بكر رضي الله عنه على أن يوجه بجيش من المسلمين إلى محاربة أهل البحرين. # قال: وكان من سبب أهل البحرين وارتدادهم عن دين الاسلام أن نفرا من بكر بن وائل ms0026 كانوا يعادون قبائل عبد القيس، وعبد القيس يومئذ بالبحرين متمسكون بدين الاسلام، لم يرتدوا مع من ارتد (7) قال: وجعل هؤلاء الذين ارتدوا من # PageV01P037 # بكر بن وائل (1) يقول بعضهم لبعض: تعالوا حتى نرد الملك في دار النعمان بن المنذر (2) فإنه أحق بهذا الامر من ابن أبي قحافة، قال: فعزموا على ذلك، ثم خرج نفر من رؤسائهم وأهل الشرف فيهم حتى قدموا على كسرى ملك الفرس فاستأذنوا عليه فأذن لهم فدخلوا عليه وحيوه بتحية الملوك، فقال كسرى: ما الذي أقدمكم يا معشر العرب؟ فقالوا: أيها الملك! إنه قد مضى ذلك الرجل العربي الذي كانت قريش وسائر مضر يعتزون به - يعنون بذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) - وقد قام من بعده خليفة له ضعيف البدن ضعيف الرأي، وقد انصرف عامله إلى صاحبه (3)، وبلاد البحرين اليوم ضائعة ليس بها أحد ممن هو على دين الاسلام إلا شرذمة من عبد القيس، وليس هم عندنا بشئ ونحن أكثر منهم خيلا ورجلا، فلو بعثت إلى البحرين رجلا يأخذها لم يكن أحد يمانعه عليها. قال: فقال لهم كسرى: فمن تحبون أن أوجه معكم إلى البحرين؟ فقالوا: من أحب الملك، قال: فما تقولون في المنذر ابن النعمان بن المنذر؟ فقالوا: أيها الملك! هو لنا رضا وما نريد بدلا. قال: فأرسل كسرى إلى المنذر بن النعمان، فدعاه وهو يومئذ غلام حدث السن حين بقل وجهه، فخلع عليه خلعا وتوجه بتاج وحمله على مائة من الخيل وضم إليه سبعة آلاف فارس وراجل، وعزم على أن يوجه به مع بكر بن وائل إلى البحرين. # قال: وتجهز المنذر بن النعمان ليخرج مع القوم وندم كسرى على ما فعل وجعل يقوم لوزرائه: إني لم أصنع شيئا عمدت إلى غلام حدث (4) لا معرفة له بالأمور فجعلته رأسا للعرب، وما عسى أن يكون مثله، وبلغ ذلك المنذر بن النعمان فأقبل حتى دخل على كسرى فحياه بتحية الملوك ووقف بين يديه ثم أقبل على من بحضرته من العرب ثم قال: انظروا أن تفسروا ما أقول. ms0027 قال: فلما فسرت هذه الأبيات (5) لكسرى وفهمها أمره بالمسير إلى البحرين مع بكر بن وائل فكان معهم # PageV01P038 # الحطم بن ضبيعة (1) وظبيان بن عمرو ومشمع بن مالك، قال: فكتب إليهم المثنى بن حارثة يعذلهم على فعالهم وينهاهم عما قد أزمعوا عليه من حربهم لاخوتهم عبد القيس، ويهددهم بالمهاجرين والأنصار وأنشأ يقول في كتابه إليهم أبياتا ... (2) فلما وصلت هذه الأبيات إلى بكر بن وائل جعل يقول بعضهم لبعض: حسدنا المثنى بن حارثة على ثلاث خصال: على ملك المنذر بن النعمان، وعلى صلحنا لكسرى، وعلى التوسع في البحرين، والله! لا قبلنا منه ما أشار به علينا. قال: ثم سار القوم نحو البحرين وأنشأ رجل منهم (3). # قال: وتوسط بنو بكر بن وائل أرض البحرين، واجتمعت عبد القيس إلى رأس من رؤسائهم يقال له الجارود بن المعلى العبدي في أربعة آلاف من عبد القيس وأحلافهم وعبيدهم ومواليهم، قال: ودنت منهم بنو بكر بن وائل في تسعة آلاف من الفرس وثلاثة آلاف من العرب، (5) فاقتتل القوم قتالا شديدا، فكانت الدائرة على عبد القيس فانتصف بعضهم من بعض ودام الحرب بينهم أياما كثيرة حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، واستأمن عامة عبد القيس إلى بكر بن وائل فانهزموا بين أيديهم حتى صاروا إلى حصن لهم بأرض هجر يقال له جواثا (5) فدخلوا، وأقبلت بنو بكر بن وائل والفرس حتى نزلوا على الحصن فأحدقوا به وحاصروا عبد القيس حصارا شديدا ومنعوهم من الطعام، فقال رجل منهم يقال له عبد الله بن حذف (6) العبدي هذه الأبيات ووجه بها إلى أبي بكر رضي الله عنه بالمدينة (7). # PageV01P039 ### | ذكر مسير العلاء بن الحضرمي إلى البحرين ومحاربة الكفار الذين بها. # قال: فلما نظر أبو بكر رضي الله عنه في هذه الأبيات اغتم فيه غما شديدا لما فيه من ذكر عبد القيس وما قد اجتمع عليهم من كفار الفرس وبني بكر بن وائل، فدعا برجل من المسلمين يقال له العلاء بن الحضرمي (1) فعقد له علما وضم إليه ألفي رجل من المهاجرين والأنصار وأمره بالمسير إلى البحرين ms0028 إلى نصرة عبد القيس ثم قال له: انظر يا علاء! لا تمرن بحي من أحياء العرب إلا استنهضتهم إلى محاربة بني بكر بن وائل فإنهم قد أتوا بالمنذر بن النعمان بن المنذر من عند كسرى ملك الفرس وقد عقدوا التاج على رأسه، وقد عزموا على إطفاء نور الله وقتل أولياء الله. فسر وقل: لا حول ولا قوة إلا بالله. # قال: فسار العلاء بن الحضرمي حتى صار بأرض اليمامة فاستقبله ثمامة بن أثال الحنفي وكان مسلما تقيا فسلم عليه ثم قال: أين تريد يا علاء؟ فإني أرى معك جيشا كثيفا! فقال: والله! أريد بني بكر بن وائل، فإنهم قد أتوا بالمنذر بن النعمان من عند كسرى، وقد ارتدوا عن دين الاسلام وقد اجتمعوا على عبد القيس يريدون قتلهم وبوارهم وقد أمرني الصديق أن استنهض كل من لقيني من المسلمين إلى حربهم، فهل لك أن تكون أول من أجاب إلى هذه الدعوة؟ # قال: فقال ثمامة: ويحك يا علاء! أنت تعلم أن قومي قريبو عهد بالردة مع مسيلمة الكذاب وما أظنهم يجيبوا إلى ذلك. ولكن أرقب على قليلا حتى أذوق القوم وانظر ما عندهم، ثم أرسل ثمامة بن أثال إلى جماعة من بني حنيفة فدعاهم، فلما اجتمعوا عنده أقبل عليهم فقال لهم: يا بني حنيفة! هل لكم أن يرفع الله عز وجل رؤسكم مما كان منكم مع مسيلمة؟ فقالوا: وما ذاك؟ فقال: تسيرون مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين فتقاتلون على الحق، فقالوا: ولمن نقاتل؟ فقال: تقاتلون قوما لو أدعوكم إلى قتالهم لقاتلوكم على الباطل، فقال له رجل من قومه: يا ثمامة! حسبنا ما كان منا من الخروج مع مسيلمة حتى فنيت رجالنا وذهبت أموالنا وسبيت أولادنا ونساؤنا. # PageV01P040 # فلا تلمنا على القعود فحسبنا ما نزل بنا من الامر، ثم أنشأ (1). # فقال لهم ثمامة بن أثال: ويحكم يا معشر بني حنيفة! ليس الامر فيما ذكرتم من هتك حريمكم وسفك دمائكم وذهاب أموالكم، فذلك بما كان من كفركم ورجوعكم عن دين الاسلام وخروجكم مع مسيلمة ms0029 الكذاب تضربون وجوه المهاجرين والأنصار، فأنزل بكم خالد بن الوليد من الذل والصغار، والعلاء بن الحضرمي في وقته هذا إنما يدعوكم إلى نصرة الاسلام، وليس القياس فيما ذكرتم بسواء، وأنا والله ماض معه غير راغب بنفسي عنه، والله يفعل في ذلك ما يجب ويرضى، ثم أنشأ ثمامة بن أثال (2). # قال: وسار ثمامة بن أثال مع العلاء بن الحضرمي في نفر من بني عمه (3)، حتى إذا صار العلاء إلى أرض بني تميم لقيه ابن عاصم (4) المنقري التميمي فسلم عليه ورحب به، فقال له العلاء: ويحك! إن قومك من بني تميم أبطؤا عن الاسلام وتأخروا عنه فلما دخلوا فيه ردتهم عنه امرأة (5) وقد كان ما علمت من تأخرك عن أبي بكر فهل لك أن تسير معي إلى أرض البحرين فنقاتل هؤلاء المرتدين عن دين الاسلام، فقال له قيس بن عاصم: أما قولك بأن قومي تأخروا عن دين الاسلام فلما دخلوا فيه ردهم امرأة فقد كان ذلك كما ذكرت، وقومك من اليمن أيضا قد ملكتهم امرأة وليس هذا بعجب، والكلام كثير، وإن زدت زدنا، فإني إنما آتيك الآن لاحفزك وأسير معك حتى تخرج من أرض بني سعد فأكون قد قضيت حق مسيرك، وليس لي حاجة إلى قتال أهل البحرين إلا أن أرى في ذلك رأيي. # قال: فسار العلاء بن الحضرمي ومعه قيس بن عاصم في عشرين فارسا من بني تميم، فكان لا ينتهى إلى ماء من مياه بني سعد إلا تلقوه بالقرى والانزال والعلوفة، وقد ذكر بعض ذلك بنو تميم حيث يقول (6). قال: وسار العلاء بن الحضرمي ومعه # PageV01P041 # ألف رجل من المهاجرين والأنصار ومعه ثمامة بن أثال وقيس بن عاصم المنقري (1) في جماعة من بني تميم وبني حنيفة حتى توسط أهل البحرين. # قال: وبنو بكر بن وائل والفرس نزول على حصن جواثا قد حاصروا المسلمين من عبد القيس. قال: وجعل العلاء بن الحضرمي يستشير أصحابه في محاربة القوم، وبلغ من كان في حصن جواثا من المسلمين أن العلاء بن الحضرمي قد وافى في ms0030 المهاجرين والأنصار معونة لهم فرحوا بذلك واشتدت بهم ظهورهم. # قال: وكتب إليه رجل من المسلمين من الحصن يعلمه أن القوم ليس لهم إلا البيات فان يأتهم وكسر عسكرهم فقد قتلهم وكسر شوكتهم، وأثبت في كتابه إلى العلاء بن الحضرمي أبياتا. قال: فلما انتهت هذه الأبيات إلى العلاء بن الحضرمي علم أنه أمر ببيات القوم، فعزم على ذلك، ثم بعث إلى أولئك المحاصرين في الحصن أن يكونوا على أهبة الحرب فإذا علمتم أني كبستهم وسمعتم المعمعة فأخرجوا عليهم فإني أرجو أن يمكن الله عز وجل منهم. # قال: وبات العلاء بن الحضرمي ليلته تلك يشجع قومه ويقوى عزمهم وينهاهم عن الجزع والفشل (2). قال: ثم إنه دعا برجل من أصحابه (3) وقال له: امض وتجسس لي الخبر من القوم، قال: فمضى ذلك الرجل، فلما كان انفجار الصبح إذا الرجل وافاه فقال: أيها الأمير! قم فإن الله أمكن منهم وذلك أنى أشرفت على معسكرهم (4) فلم أسمع لهم حركة والقوم عندي سكارى ما يعقلون. قال: فعندها نادى العلاء بن الحضرمي في أصحابه، فركب وسار نحوهم رويدا رويدا، حتى إذا عاين عسكرهم أكب عليهم الخيل، فلم تشعر الفرس ومن معهم من العرب إلا (2) وكانت الإبل - بعد نزولهم في بحبوحة الدهناء - قد نفرت في جوف الليل، فما بقي بعير ولا زاد ولا مزاد ولا ماء، فلحقهم من الغم ما لا يعلمه إلا الله. فدعاهم العلاء وجمعهم وقال: لن تراعوا، أنتم المسلمون، وفي سبيل الله وأنصار الله، فأبشروا فوالله لن تخذلوا. (الطبري - ابن الأثير). # (3) هو عبد الله بن حذف (الطبري 3 / 308). # (4) انظر ما ذكره الطبري بشأنه. (*) # PageV01P042 # وحوافر الخيل تطأهم فاستيقظوا فزعين فأخذتهم السيوف. # قال: وفتح أولئك القوم المحاصرون باب الحصن وخرجوا من ورائهم فاقتتل القوم قتالا شديدا في جوف الليل، فقتل من المسلمين نفر قليل وقتل من الكفار بشر كثير، وأضاء الصبح وانهزم الكفار إلى موضع يقال له الردم (1)، واحتوى المسلمون على ما قدروا عليه من غنائمهم. # قال: واجتمعت عبد القيس إلى العلاء بن الحضرمي من جميع نواحي البحرين ms0031 حتى صار في نيف من ستة آلاف من أصحابه الذين قدموا عليه وممن انحاز إليهم، فأقبل عليهم العلاء بن الحضرمي فقال: يا معشر عبد القيس! اعلموا أنكم في جهاد هؤلاء كجهاد من جاهد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بين هؤلاء وأولئك فرق، واعلموا أن القتيل منكم في الحياة والرزق عند الله، وللحي منكم الغنم والسرور، وقد ذلت لكم بنو بكر بن وائل الرقاب بقدومي عليكم فأبشروا بالنصر على أعدائكم ولتصدق نياتكم في الجهاد. قال: فقال المنذر بن الجارود العبدي: # صدقت أيها الأمير! لقد كان قدومك علينا فرجالنا وثوابا عظيما لنا ولك في جهاد عدونا، فلو لم تأتنا لكان الله عز وجل ينصرنا على عدونا ولم يكن يخذلنا، لكن أيها الأمير ههنا جزيرة (2) فيها قوم كفار أشد علينا من جميع أعدائنا وليس لها إلا طريق واحد، فسر بنا إليهم فعسى الله عز وجل أن يمكننا منهم، فإذا فرغت منهم سر بنا إلى عدونا وعدوك من هؤلاء الفرس وغيرهم من الكفار. # قال: فسار العلاء بن الحضرمي في جوف الليل وليس لها إلا طريق واحد وعلى طريقها قوم يحرسونها فلم يشعر الحرس إلا وخيل المسلمين قد وافتهم فقتلوا عن آخرهم، ودخلت الخيل إلى الجزيرة، فما تركوا فيها ذكرا إلا قتلوه إلا من كان من صغار الذرية، واحتوى المسلمون على جميع ما كان في جزيرة دارين من النساء # PageV01P043 # والذرية والأموال، وانصرفوا إلى عسكرهم، فأنشأ بعض المسلمين يقول في ذلك (1). # قال: ثم سار العلاء بن الحضرمي حتى وافى الكفار في موضع يقال له الردم، ودنا القوم بعضهم من بعض واختلطوا فاقتتلوا ساعة وحمل رجل من الكفار يقال له أبجر بن بجير على قيس بن عاصم فضربه على رأسه وانهزم بين يديه فضربه قيس ضربة أثخنه (2)، ثم أنشأ قيس بن عاصم في ذلك يقول (3). # قال: وانهزم الكفار بين يدي المسلمين وأخذتهم السيوف وقد كان رائس لهم يقال له الحطم بن ضبيعة (4) نزل عن فرسه لقضاء حاجة قبل أن تقع الهزيمة. فلما انهزم ms0032 القوم وثب مسرعا، فلما وضع رجله في الركاب ليركب وكان ثقيل البدن مال به السرج فوقف قائما لا يدرى ما يصنع فضربه رجل من المسلمين ضربة فقتله (5) ثم جعل يقول شعرا (6). قال: ثم مضى حتى لحق بالمسلمين فخبرهم أنه قتل الحطم بن ضبيعة (7) ثم أنشأ في ذلك يقول شعرا (6). # قال: وانهزمت بنو بكر بن وائل فلحقوا بالبراري والفلوات هائمين من سيوف المسلمين والمهاجرين والأنصار، وهرب (8) المنذر بن النعمان حتى صار إلى أهل جفنة فاستجار فأجاروه، وانهزم الفارس فصار بعضهم إلى موضع يقال له الزرارة والقطيف (9)، ومضى بعضهم حتى لحق بكسرى فخبروه بما كان منهم، فاغتم # PageV01P044 # كسرى بذلك غما شديدا، واستأمن أيضا قوم من الفرس إلى العلاء بن الحضرمي فآمنهم فصاروا بالبحرين حراثين وزراعين. # وجمع العلاء بن الحضرمي ما كان عنده من الغنائم فأخرج منه الخمس ووجه به إلى أبي بكر رضي الله عنه وكتب إليه يخبره بما فتح الله عز وجل عليه من البحرين، فكتب إليه أبو بكر رضي الله عنه بالجواب (1)، وأقره على البلاد. قال: # وندم المنذر بن النعمان بن المنذر على ما كان منه أشد الندامة ثم كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه من الشام هذه الأبيات (2). ### | ذكر ارتداد أهل حضرموت من كندة ومحاربة المسلمين إياهم. # قال: فلما فرغ أبو بكر رضي الله عنه من حرب أهل البحرين عزم على محاربة أهل حضرموت من كندة، وذلك أن عاملهم زياد بن لبيد الأنصاري (3) كان ولاه عليهم النبي (صلى الله عليه وسلم وآله) كان مقيما بحضرموت يصلي بهم ويأخذ منهم ما يجب عليهم من زكاة أموالهم، فلم يزل كذلك إلى أن مضى رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) لسبيله وصار الامر إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقال له الأشعث بن قيس: يا هذا! إنا قد سمعنا كلامك ودعاءك إلى هذا الرجل فإذا اجتمع الناس إليه اجتمعنا، قال له زياد بن لبيد: يا هذا! إنه قد اجتمع المهاجرون والأنصار، فقال له الأشعث: إنك لا تدرى كيف يكون ms0033 الامر بعد ذلك. قال: فسكت زياد بن لبيد ولم يقل شيئا، ثم قام إلى الأشعث بن قيس ابن عم له يقال له امرؤ القيس بن عابس من كندة فقال له: يا أشعث! أنشدك بالله وبايمانك وبقدومك إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) إن نكصت أو رجعت عن دين الاسلام، فإنك إن تقدمت تقدم الناس معك، وإن هذا الامر لابد له من قائم يقوم به فيقتل من خالف عليه، فاتق الله في نفسك، فقد علمت ما نزل بمن خالف أبا بكر ومنعه الزكاة، فقال له الأشعث بن قيس: إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد مضى لسبيله وإن العرب قد رجعت إلى ما كانت تعبده، فقال له: نحن أقصى العرب دارا فيبعث إلينا أبو بكر جيشا كما بعث إلى غيرنا، # PageV01P045 # وأخرى فإن زياد بن لبيد بين أظهرنا وهو عامل علينا ولا يدعك أن ترجع إلى الكفر بعد الايمان. قال: فضحك الأشعث ثم قال: أو لا يرضى زياد أن يخبره فيكون بين أظهرنا! قال: فقال له امرؤ القيس: يا أشعث! انظر ما يكون بعد هذا. قال: ثم انصرف امرؤ القيس إلى منزله وأنشد شعرا (1). قال: وافترق القوم فريقين: فرقة أقاموا على دين الاسلام فلم يرجعوا وعزموا على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وفرقة عزموا على منع الزكاة والعصيان. # قال: وانصرف زياد بن لبيد يومه ذلك مغموما إلى منزله، فلما كان بعد أيام نادى في أهل حضرموت فجمعهم ثم قال: أجمعوا صدقاتكم فإني أريد أن أوجه بها إلى أبي بكر الصديق لان الناس قد اجتمعوا عليه وقد أهلك الله أهل الردة وأمكن منهم المسلمين. قال: فجعل قوم يعطونه الزكاة وهم طائعون، وقوم يعطونه إياها كارهين، وزياد بن لبيد يجمع الصدقات ولا يريهم من نفسه إلا الصرامة، غير أنه أخذ يوما من الأيام ناقة من إبل الصدقة فوسمها وسرحها مع الإبل التي يريد أن يوجه بها إلى أبي بكر رضي الله عنه وكانت هذه الناقة لفتى من كندة يقال له زيد بن معاوية ms0034 القشيري (2) من بني قشير، فأقبل ذلك الفتى إلى رجل من سادات كندة يقال له حارثة بن سراقة فقال: يا ابن عم! إن زياد بن لبيد قد أخذ ناقة لي فوسمها وجعلها مع إبل الصدقة وأنا مشغوف بها فإن رأيت أن تكلمه فيها فلعله أن يطلقها ويأخذ غيرها من إبلي فإني لست أمتنع عليه! قال: فأقبل حارثة بن سراقة إلى زياد بن لبيد وقال له: إن رأيت أن ترد ناقة هذا الفتى عليه وتأخذ غيرها فعلت منعما! فقال له زياد بن لبيد: إنها قد دخلت في حق الله وقد وضع عليها ميسم الصدقة ولا أحب أن آخذ غيرها، فغضب حارثة بن سراقة من ذلك ثم قال: أطلقها وأنت كريم وإلا طلقتها وأنت لئيم (3). قال: فغضب زياد من ذلك، ثم قال (4): لا أطلقها حتى أنظر من يحول بيني وبينها أو يمنعها! قال: فتبسم حارثة بن سراقة ثم جعل يقول أبياتا من جملتها. # PageV01P046 # يمنعها شيخ بخد يه الشيب * يلمع كما يلمع الثوب. # قال: ثم أقبل حارثة بن سراقة إلى إبل الصدقة فأخرج الناقة بعينها ثم قال لصاحبها: خذ ناقتك إليك فان كلمك أحد فاحطم أنفه بالسيف! نحن إنما أطعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان حيا، ولو قام رجل من أهل بيته لاطعناه، وأما ابن أبي قحافة فلا والله ما له في رقابنا طاعة ولا بيعة! ثم أنشأ حارثة بن سراقة يقول أبياتا من جملتها: # أطعنا رسول الله إذ كان بيننا * فيا عجبا ممن يطيع أبا بكر. # قال: فلما سمع زياد بن لبيد هذه الأبيات كأنه أتقى على ما جمع من إبل الصدقة أن تؤخذ (2) فخرج ليلته يريد المسير إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومعه نفر من أصحابه، فلما سار على مسيرة يومين من القوم كتب إلى حارثة بن سراقة وأصحابه بهذه الأبيات من جملتها: # نقاتلهم في الله والله غالب * على أمره حتى تطيعوا أبا بكر. # قال: فلما وردت هذه الأبيات من زياد بن لبيد غضبت أحياء كندة لذلك ms0035 غضبا شديدا فأتت الأشعث بن قيس، فقال: خبروني عنكم يا معشر كندة إذ كنتم بايعتم على منع الزكاة وحرب أبي بكر فهلا قتلتم زياد بن لبيد فكان يكون الامر في ذلك واحدا كائنا ما كان، ولكنكم أمسكتم عنه حتى أخذ زكاة أموالكم ثم رحل عنكم إلى صاحبه، وكتب إليكم يهددكم بالقتل، فقال له رجل من بني عمه: صدقت والله يا أشعث! ما كان الرأي إلا قتل زياد بن لبيد وارتجاع ما دفع إليه من إبل الصدقة، والله ما نحن إلا كعبيد لقريش! مرة يوجهون إلينا أمية (3) فيأخذون من أموالنا ما يريدون ومرة يولون علينا مثل زياد بن لبيد فيأخذ من أموالنا ويهددنا بالقتل، والله لا طمعت قريش في أموالنا أبدا! ثم أنشأ يقول أبياتا من جملتها: # PageV01P047 # إذا نحن أعطينا المصدق سؤله * فنحن له فيما يريد عبيد قال: ثم تكلم مثل كلام الأول وحرض بني عمه على العصيان ومنع الزكاة. # قال: ثم تكلم الأشعث بن قيس فقال: يا معشر كندة! إن كنتم على ما أرى فلتكن كلمتكم واحدة وألزموا بلادكم وحوطوا حريمكم وامنعوا زكاة أموالكم، فإني أعلم أن العرب لا تقر بطاعة بني تميم بن مرة وتدع سادات البطحاء من بني هاشم إلى غيره، فإنها لنا أجود ونحن لها أجرى وأصلح من غيرنا لأنا ملوك من قبل أن يكون على وجه الأرض قريشي (١) ولا أبطحى. # قال: ثم إن زياد بن لبيد رأى من الرأي لا يعجل بالمسير إلى أبي بكر فوجه بما عنده من إبل الصدقة إلى المدينة مع ثقة وأمره أن لا يخبر أبا بكر بشئ من أمره وأمر القوم. قال: ثم إنه سار إلى حي من أحياء كندة يقال لهم بنو ذهل (٢) بن معاوية فخبرهم بما كان من... (٣) إليه ودعاهم إلى السمع والطاعة، فأقبل إليه رجل من سادات بني تميم يقال له الحارث بن معاوية فقال لزياد: إنك لتدعو إلى طاعة رجل لم يعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد، فقال له زياد بن لبيد: يا هذا صدقت! فإنه لم ms0036 يعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد، ولكنا اخترناه لهذا الامر، فقال له الحارث: # أخبرني لم نحيتم عنها أهل بيته وهم أحق الناس بها لان الله عز وجل يقول: # ﴿وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله﴾ (4)؟ فقال له زياد بن لبيد: إن المهاجرين والأنصار أنظر لأنفسهم منك، فقال له الحارث بن معاوية: لا والله! ما أزلتموها عن أهلها إلا حسدا منكم لهم وما يستقر في قلبي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) خرج من الدنيا ولم ينصب للناس علما يتبعونه فارحل عنا أيها الرجل فإنك # PageV01P048 # تدعو إلى غير رضا، ثم أنشأ الحارث بن معاوية يقول: # كان الرسول هو المطاع فقد مضى * صلى عليه الله لم يستخلف. # قال: فوثب عرفجة بن عبد الله الذهلي فقال: صدق والله الحارث بن معاوية! # أخرجوا هذا الرجل عنكم، فما صاحبه بأهل للخلافة ولا يستحقها بوجه من الوجوه، وما المهاجرون والأنصار بأنظر لهذه الأمة من نبيها محمد (صلى الله عليه وسلم وآله). # قال: ثم وثب رجل من كندة يقال له عدي بن عوف فقال: يا قوم! لا تسمعوا قول عرفجة بن عبد الله ولا تطيعوا أمره، فإنه يدعوكم إلى الكفر ويصدكم عن الحق، أقبلوا من زياد بن لبيد ما يدعوكم إليه وارضوا بما رضى به المهاجرون والأنصار، فإنهم أنظر لأنفسهم منكم، قال: ثم أنشأ يقول في ذلك أبياتا من جملتها: # يا قوم إني ناصح لا ترجعوا * في الكفر واتبعوا مقال الناصح. # قال: فوثب إليه نفر من بني عمه فضربوه حتى أدموه وشتموه أقبح الشتم، ثم وثبوا إلى زياد بن لبيد فأخرجوه من ديارهم وهموا بقتله. # قال: فجعل زياد لا يأتي قبيلة من قبائل كندة فيدعوهم إلى الطاعة إلا ردوا عليه ما يكره، فلما رأى ذلك سار إلى المدينة إلى أبي بكر رضي الله عنه فخبره بما كان من القوم وأعلمه أن قبائل كندة قد أزمعت على الارتداد والعصيان، فاغتم أبو بكر رضي الله عنه لذلك غما شديدا، فقال له بعض المسلمين: يا خليفة رسول ms0037 الله (صلى الله عليه وسلم وآله)! هذا خالد بن الوليد مقيم بأرض اليمامة وقد تعلم أنه ... (1) فوجه به إليهم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن خالدا كما وصفتم ولكن أميرهم الذي أخرجوه عنها هو أحق بحربهم من غيره، ثم جمع أبو بكر جيشا ضمه إلى زياد بن لبيد وأمره بالمسير إلى القوم، فسار زياد من المدينة في أربعة آلاف من المهاجرين والأنصار يريد حضرموت. # قال: واتصل الخبر بقبائل كندة فكأنهم ندموا على ما كان منهم، ثم وثب # PageV01P049 # رجل من أبناء ملوكهم (1) يقال له أبضعة بن مالك فقال: يا معشر كندة! إنا أضرمنا على أنفسنا نارا لا أظن أنها تطفأ أو تحرف منا بشرا كثيرا، والرأي عندي أن نتدارك ما فعلنا ونسكن هذه الثائرة التي هاجت علينا ونكتب إلى [أبي] (2) بكر الصديق فنخبره بطاعتنا وأن نؤدي إليه زكاتنا طائعين غير مكرهين وأنا قد رضينا به خليفة وإماما، مع أني أقول هذه المقالة ولست بخارج من رأيكم غير أني أعلم إلى ما يؤول أمركم غدا! # ثم أنشأ يقول أبياتا من جملتها: # أرى أمرا لكم فيه سرور * وآخره لكم فيه ندامة. # قال: فلما سمعت قبائل كندة هذا الشعر كأنهم انكسروا لذلك وجعل بعضهم يوثب بعضا، فقال قوم: نرجع عما فعلنا ونؤدي الزكاة، وقال قوم: لا بل نمنع الزكاة ونقاتل من يأتينا من عند أبي بكر. # قال: فلما سمعت قبائل كندة الأبيات من حارثة بن سراقة وثبوا إليه من كل جانب وقالوا: والله! ما ألقانا فيما نحن فيه سواك وما زلت مشؤوما في كل حال! ثم وثب إليه الأشعث بن قيس فقال: والله يا ابن سراقة! لأسلمنك غدا برمتك إلى زياد بن لبيد يقضى فيك ما يقضى فإن ذلك خير لكندة من نصب الحرب لمثل أبي بكر في سبب ناقة لا أقل ولا أكثر. قال: فقال حارثة بن سراقة: يا أشعث! إن كلامك هذا يدل على أنك فاضح قومك غدا إذا وافاهم جيش أبي بكر. قال: فقال الأشعث: والله ما أبرأ إليك من ms0038 ذلك يا حارثة! فكن مما قلته على يقين. # قال: واتصل الخبر بزياد بن لبيد، ومن معه من المسلمين بأن الأشعث بن قيس قد ندم على ما كان منه فجزوه خيرا، وكتب إليه بعض بني عمه ممن كان مع زياد بن لبيد أبياتا من جملتها يقول: # إن تمس كندة ناكثين عهودهم * فالله يعلم أننا لم ننكث قال: ثم وثب رجل من كندة يقال له عفيف به معد يكرب (3) وكان من رؤسائهم # PageV01P050 # وذي أنسابهم فقال: يا معشر بني كندة! إنكم قد علمتم الذي بينكم وبين مذحج من العداوة والشحناء وهذه خيل أبي بكر قد سارت إلى مقابلتكم فخبروني الآن أي الخيلين تدفعون عنكم: خيل أبي بكر أم خيل مذحج؟ أما والله ما أقول لكم إلا وأنا رجل منكم ولكن كان ملوككم وساداتكم قد أهلكتهم هذه الحروب التي تتوقد، وقد والله! وقعنا في أمر مالنا منه مخلص إلا السمع والطاعة - والسلام. # قال: وتقارب خيل المسلمين من بلاد حضرموت وديار كندة وحصونهم، فوثب رجل منهم يقال له ثور بن مالك وكان قديم العهد في الاسلام وذلك أنه أسلم في أيام معاذ بن جبل حين بعث به النبي (صلى الله عليه وسلم وآله) إلى أرض اليمن قال: وكان ثور بن مالك هذا ممن أسلم يومئذ فأقبل على قومه فقال: يا معشر كندة! # أراكم مجمعين على حرب المسلمين وأرى فيكم نخوة ذلك وقد علمتم أن الذي تدعونه من الملك قد محقه الله تبارك وتعالى بمحمد (صلى الله عليه وسلم وآله)، وأن السيوف التي قتل الله بها أهل الردة هي السيوف التي تقاتلكم غدا! فتداركوا ليومكم فهذه خيل أبي بكر قد تقاربت منكم. قال: فوثبت كندة من كل ناحية فقالوا: يا ابن مالك ما أنت والكلام بين أيدي الملوك ولست هنالك! قم من ههنا فالتراب بفيك! قال: فوثب ثور بن مالك من بين يدي القوم وقد نزل به منهم ما نزل. # قال: وأشرفت خيل أبي بكر المسلمين (1) على ديار كندة وإذا أربعة إخوة من ملوك كندة أحدهم ms0039 يقال له مخوص (2) ومشرح وجمد وأبضعة فإذا هم على شراب لهم والمعازف بين أيديهم فلم يشعروا إلا وخيل المسلمين على رؤسهم فوضعوا فيهم السيوف فقتلوهم وقتلوا أختا لهم يقال لها العمردة (3)، واحتووا على أموالهم وقليلهم وكثيرهم. # PageV01P051 # قال: واتصل هذا الخبر بالسكاسك والسكون وهما قبيلتان من قبائل كندة فإنهم اتقوا على أنفسهم فركبوا في جوف الليل وصاروا إلى زياد بن لبيد فاستأمنوا إليه وعزموا على نصرته. قال: وصار زياد إلى حي من أحياء كندة يقال لهم بنو هند وكبسهم وقاتلم، ووقعت الهزيمة عليهم، فقتل منهم جماعة وولوا الأدبار، واحتوى المسلمون على نسائهم وذراريهم وأموالهم (1). # قال: ثم سار زياد بن لبيد إلى حي من أحياء كندة يقال لهم بنو العاقل (2) فوافاهم غافلين، فلما أشرفت الخيل عليهم تضايجت النساء وخرج الرجال إلى الحرب فاقتتلوا ساعة ووقعت الهزيمة عليهم فانهزموا وأسلموا ديارهم ونساءهم وأموالهم، واحتوى المسلمون على جميع ذلك. قال: ثم سار زياد بن لبيد إلى حي من أحياء كندة يقال لهم بنو حجر وهم يومئذ جمرات كندة وفرسانهم فلم يشعروا إلا والخيل قد كبستهم في جوف الليل، فاقتتل القوم ساعة، وقتل من بني حجر مائتا رجل وأسر خمسون رجلا وولى الباقون الادبار، واحتوى المسلمون على قليلهم وكثيرهم. # قال: ثم سار زياد بن لبيد إلى حي من أحياء كندة يقال لهم بنو حمير (3) وهم فرسان وأبطان، فالتقى للقتال فقتل من المسلمين عشرون رجلا وقتل من بني حمير (3) قريب من ذلك. ووقعت الهزيمة عليهم فولوا الادبار وأسلموا الديار، واحتوى المسلمون على النساء والأولاد. # قال: وبلغ الأشعث بن قيس ما فعله زياد بن لبيد ببني هند وبني عاقل (4) وبني حجر وبني حمير (3) فغضب لذلك ثم قال: لا كرامة لزياد أن يقتل قومي وبني عمي ويسبي النساء والذراري ويحوي الأموال وأقعد عنه! قال: ثم نادى الأشعث في بني عمه من بني مرة وبني عدي وبني جبلة، وسار يريد زياد بن لبيد ومعه ألف رجل من فرسان قومه، وزياد بن لبيد يومئذ في أربعة آلاف من المهاجرين والأنصار ms0040 وخمسمائة رجل من السكاسك والسكون، فالتقى القوم قريبا من مدينة من مدن حضرموت يقال # PageV01P052 # لها يريم (1) فاقتتلوا هنالك ساعة ووقعت الهزيمة على زياد ومن معه من المسلمين، فقتل منهم نيف على ثلاثمائة رجل وانهزموا هزيمة قبيحة حتى دخلوا تلك المدينة، واحتوى الأشعث على تلك الأموال والغنائم والذراري فردها على أهلها. قال: وأقبل الأشعث بن قيس وأصحابه حتى نزل على مدينة يريم (1) فحاصر زياد بن لبيد ومن معه من المسلمين حصارا شديدا. # قال: وكتب زياد بن لبيد إلى المهاجر بن [أبي] أمية المخزومي (3)، فلما بلغه ما فيه زياد سار إليه فيمن معه وهم ألف فارس من ثغر لهم، وبلغ ذلك الأشعث فأمر أصحابه فتنحوا عن باب تريم، وأقبل المهاجر بن [أبي] (4) أمية في ألف فارس حتى دخل المدينة إلى زياد بن لبيد فصار معه، ورجع الأشعث حتى جلس على الباب وأرسل إلى جميع قبائل كندة، [فأجابه] (4) رجل يقال له الجبر بن قشعم في قومه من بني الأرقم، وأجابه أبو قرة الكندي في قومه من بني حجر. وأجابه أبو شمر الكندي في قومه من بني حمير (5)، وأجابه الخنفشيش بن عمرو في قومه من بني هند، قال: فاجتمع الأشعث بن قيس في خلق كثير من قبائل كندة فنزل بهم على باب المدينة فحاصروا زياد بن لبيد والمهاجر بن [أبي] (4) أمية ومن معهما من المسلمين حصارا شديدا وضيقوا عليهم. # قال: وكتب زياد بن لبيد إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه يخبره بذلك، وعلمت قبائل كندة أن زيادا كتب إلى أبي بكر كتابا فأنشأ رجل منهم يقول أبياتا من جملتها: # أبلغ زيادا أن كندة أجمعت * طرا عليك فكيف ذلك تصنع. # قال: فلما ورد كتاب زياد إلى أبي بكر رضي الله عنه بخبر كندة وما قد اجتمعت عليه من حرب المسلمين اغتم لذلك واغتم المسلمون أيضا، ولم يجد أبو بكر بدا من الكتاب إلى الأشعث بن قيس بالرضا. # PageV01P053 ### | ذكر كتاب أبي بكر إلى الأشعث بن قيس ومن معه من قبائل كندة. # قال: فكتب إليه أبو ms0041 بكر رضي الله عنه (١): (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم وعلى آله) إلى الأشعث بن قيس ومن معه من قبائل كندة. # أما بعد فان الله تبارك وتعالى يقول في كتابه المنزل على نبيه عليه السلام: # ﴿اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (2). وأنا آمركم بتقوى الله وحده، وأنهاكم أن لا (3) تنقضوا عهده وأن لا (3) ترجعوا عن دينه إلى غيره، فلا تتبعوا الهوى فيضلكم عن سبيل الله، وإن كان إنما حملكم على الرجوع عن دين الاسلام ومنع الزكاة ما فعله بكم عاملي زياد بن لبيد فإني أعزله عنكم، وأولي عليكم من تحبون، وقد أمرت حامل (4) كتابي هذا إن أنتم قبلتم الحق أن يأمر زيادا بالانصراف عنكم. فراجعوا وتوبوا من قريب - وفقنا الله وإياكم لكل ما كان فيه رضا! # والسلام). # قال: وكتب حسان بن ثابت الأنصاري إليهم في آخر الكتاب (5). # قال: ثم طوى الكتاب وعنونه وختمه ودفعه إلى رجل من قيس عيلان يقال له مسلم بن عبد الله. # فلما وصل الكتاب إلى الأشعث وقرأه أقبل على الرسول فقال: إن صاحبك أبا بكر هذا يلزمنا الكفر بمخالفتنا له ولا يلزم صاحبه الكفر بقتله قومي وبني عمي! فقال له الرسول: نعم يا أشعث! يلزمك الكفر لان الله تبارك وتعالى قد أوجب عليك الكفر بمخالفتك لجماعة المسلمين، قال: فوثب إلى الرسول غلام من بني مرة ابن عم الأشعث بن قيس فضربه بسيفه ضربة فلق هامته، قال: فسقط الرسول ميتا، فقال له الأشعث: أحسنت لله أبوك! ولقد قصرت العتاب وأسرعت الجواب، قال: فوثب # PageV01P054 # أبو قرة الكندي مغضبا فقال: يا أشعث لا والله ما يوافقك أحد منا على مثل هذا الامر أبدا! تقتل الرسول بلا ذنب كان منه ولا سبيل لك عليه، ثم أقبل أبو قرة على قومه من كندة فقال: انصرفوا ولا تقيموا فإن الصواب عندي الرحيل عن هذا الرجل وإلا فتوقعوا العقوبة. قال: ثم وثب أبو الشمر الكندي فقال: يا أشعث! لقد ركبت ms0042 عظيما من الامر بقتلك من لا ذنب له، وذلك أنا نقاتل من يقاتلنا، فأما قتل الرسول فلا، لان الرسول لا يجب عليه القتل لأنه مأمور. فقال الأشعث: يا هؤلاء! لا تعجلوا فإنه قد شهد علي وعليكم بالكفر، وبعد فلم آمر بقتله ولا ساءني ذلك، قال: فوثب الجبر بن القشعم الكندي فقال: إنا رجونا أنك تعتذر إلينا بعذر نقبله منك فأجبتنا بما قد أنفرنا عنك، وأيم الله! لو كنت ذا أرب لغيرت هذا ولم تركب العدوان والظلم بقتلك رسولا لا جرم له، قال: ثم نادى الجبر بن القشعم في بني عمه الأرقم فقال: ارحلوا عن هذا الظالم حتى يعلم الله عز وجل أنكم لم ترضوا بما فعل. # قال: فتفرق عن الأشعث عامة أصحابه حتى بقي في قريب من ألفي رجل، وأقبل السكاسك والسكون على زياد بن لبيد والمهاجر بن [أبي] (1) أمية من مدينة تريم في نيف على خمسة آلاف رجل من المهاجرين والأنصار غيرهم من سائر القبائل، والتقى القوم بواد يقال له زرقان (2) قريبا من مدينة تريم فاقتتلوا هنالك ساعة، ونظر الأشعث بن قيس إلى رجل من أصحاب زياد بن لبيد يقال له جفنة بن قتيرة السكوني وإنه يقاتل قتالا شديدا، فحمل عليه الأشعث فطعنه طعنة صرعه عن فرسه وهم أن ينزل إليه فحماه ابن عم له من الأشعث فأفلت وهو لما به، قال: ثم حمل الأشعث أيضا على رجل يقال له السمط بن الأسود السكوني فضربه ضربة أثخنه منها، قال: فولى السمط من بين يدي الأشعث هاربا، ووقف الأشعث في ميدان الحرب فجعل يلوح بسيفه، قال: ثم حمل الأشعث، قال: وحمل مهاجر بن أبي أمية على الأشعث وهو يقول: أنا المهاجر! وحمل عليه الأشعث والتقيا بضربتين فبادره الأشعث بضربة على بيضته وأسرع السيف إلى رأسه، فولى مدبرا، فناداه الأشعث: يا مهاجر! أتعير الناس بالفرار وتفر فرار الحمار، ثم حمل الأشعث بن # PageV01P055 # قيس وأصحابه على جميع المسلمين فهزموهم حتى أدخلوهم مدينة تريم وقد قتل منهم جماعة وجرح منهم بشر كثير. # ثم ms0043 أقبل الأشعث بأصحابه حتى أحدقوا بالمدينة ونزلوا عليها وحاصروا زياد بن لبيد وأصحابه وضيقوا عليهم غاية التضييق (1). # وكتب زياد بن لبيد إلى أبي بكر رضي الله عنه يخبره بقتل الرسول ويعلمه أنه وأصحابه محاصرون في مدينة تريم أشد الحصار، ثم أثبت إليه في آخر كتابه أبياتا من جملتها: # من راكب نحو المدينة مخبرا * رهط الرسول وسادة الأنصار. ### | ذكر المشورة التي وقعت بالمدينة في أمر الأشعث بن قيس وأصحابه. # قال: فلما ورد الكتاب إلى أبي بكر رضي الله عنه وقرأه نادى في المسلمين ثم قال: أشيروا على ما الذي أصنع في أمر كندة. قال: فتكلم أبو أيوب الأنصاري فقال: اسمع ما أشير به عليك، قال أبو بكر: قل حتى أسمع، فقال: إن القوم كثر عددهم وفيهم نخوة الملك ومنعه، وإذا هموا بالجمع جمعوا خلقا كثيرا فلو صرفت عنهم الخيل في عامك هذا، وصفحت عن أموالهم لرجوت أن ينيبوا إلى الحق، وأن يحملوا الزكاة إليك بعد هذا العام طائعين غير مكرهين، فذاك أحب إلى من محاربتك إياهم، فقد علمت أنهم فرسان أبطال لا يقوم لهم إلا نظراؤهم من الرجال، قال: فتبسم أبو بكر رضي الله عنه من قول أبي أيوب، ثم قال: والله يا أبا أيوب! لو منعوني (2) عقالا واحدا مما كان النبي (صلى الله عليه وسلم وآله) وظفه عليهم # PageV01P056 # لقاتلتهم عليه أبدا أو ينيبوا إلى الحق صغرة وقمأة، قال: فسكت أبو أيوب. # قال: ثم انصرف أبو بكر إلى منزله وأرسل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فدعاه وقال: إني عزمت على أن أوجه إلى هؤلاء القوم علي بن أبي طالب فإنه عدل رضا عند أكثر الناس لفضله وشجاعته وقرابته وعلمه وفهمه ورفقه بما يحاول من الأمور، قال: فقال له عمر بن الخطاب: صدقت يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن عليا كما ذكرت وفوق ما وصفت ولكني أخاف عليك خصلة منه واحدة، قال له أبو بكر: وما هذه الخصلة التي تخاف علي منها منه؟ فقال عمر: أخاف أن ms0044 يأبى لقتال القوم فلا يقاتلهم، فإن أبى ذلك فلم تجد أحدا يسير إليهم إلا على المكروه منه، ولكن ذر عليا يكون عندك بالمدينة فإنك لا تستغني عنه وعن مشورته وأكتب إلى عكرمة بن أبي جهل فمره بالمسير إلى الأشعث وأصحابه، فإنه رجل حرب وأهل لما أهل له، فقال أبو بكر رضي الله عنه: هذا هو الرأي. ### | ذكر كتاب أبي بكر إلى عكرمة بن أبي جهل. # قال: ثم كتب أبو بكر رضي الله عنه إلى عكرمة، وعكرمة يومئذ بمكة (1): # (أما بعد فقد بلغك ما كان من أمر الأشعث بن قيس وقبائل كندة، وقد أتاني كتاب ابن لبيد يذكر أن قبائل كندة قد اجتمعوا عليه وعلى أصحابه وحصروهم في مدينة تريم بحضرموت، فإذا قرأت كتابي هذا فسر إلى زياد بن لبيد في جميع أصحابك ومن أجابك من أهل مكة، واسمع له وأطع فإنه الأمير عليك، وانظر لا تمرن بحي من أحياء العرب إلا استنهضتهم وخرجت معهم إلى محاربة الأشعث بن قيس وأصحابه - إن شاء الله تعالى والسلام) (2). # قال: فلما ورد كتاب أبي بكر رضي الله عنه على عكرمة وقرأه نادى في أصحابه ومن أجابه من أهل مكة، وخرج في ألفي فارس من قريش ومواليهم وأحلافهم. # PageV01P057 ### | ذكر مسير عكرمة بن أبي جهل إلى الأشعث بن قيس. # قال: فسار عكرمة حتى صار إلى نجران وبها يومئذ جرير بن عبد الله البجلي في بني عمه من بجيلة، فدعاه عكرمة إلى حرب الأشعث بن قيس وأصحابه، فأبى عليه جرير ولم يجبه إلى ذلك، ثم سار إلى مأرب فنزلها، وبلغ ذلك أهل دبا (2) فغضبوا عن مسير عكرمة بن أبي جهل إلى محاربة كندة، وجعل بعضهم يقول لبعض: تعالوا حتى نشغل عكرمة وأصحابه عن محاربة بني عمنا من كندة وغيرهم من قبائل اليمن، فعزموا على ذلك، ثم إنهم وثبوا على عامل لهم من قبل أبي بكر رضي الله عنه فطردوه عن بلدهم، فخرج عاملهم هاربا من بين أظهرهم حتى صار إلى عكرمة بن أبي جهل فلجأ إليه. ### | ذكر ms0045 كتاب عامل أهل دبا إلى أبي بكر رضي الله عنه وهو حذيفة بن محصن (3). # قال: فكتب حذيفة بن محصن (3) هذا إلى أبي بكر رضي الله عنه يخبره بأمر أهل دبا وارتدادهم عن دين الاسلام وطردهم إياه (4) ثم خبره في كتابه أنه أتى إلى عكرمة بن أبي جهل فصار معه، فاغتاظ غيظا شديدا، ثم إنه كتب إلى عكرمة: # (أما بعد فإني كنت كتبت إليك وأمرتك بالمسير إلى حضرموت فإذا قرأت كتابي هذا فسر إلى أهل دبا على بركة الله عز وجل فأنزل بهم ما هم له أهل، ولا تقصرن فيما كتبت به إليك، فإذا فرغت من أمرهم فابعث بهم إلى أسراء، وسر إلى زياد بن لبيد فعسى الله عز وجل أن يفتح على يديك بلاد حضرموت إن شاء الله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). # قال: فلما ورد كتاب أبي بكر على عكرمة نادى في أصحابه وأمرهم بالمسير إلى # PageV01P058 # أهل دبا. قال: ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا (1)، ورزق عليهم الظفر فهزمهم عكرمة حتى بلغ بهم إلى أدنى بلادهم، وقتل منهم زهاء مائة رجل، ثم سار إليهم عكرمة يريد قتالهم ثانية، ودخل القوم مدينتهم فتحصنوا بها، ونزل عليهم عكرمة في أصحابه فحاصرهم وضيق عليهم. # قال: فاشتد عليهم الحصار (2) لأنهم لم يكونوا أعدوا لذلك، فأرسلوا إلى حذيفة بن محصن (3) يسألونه الصلح على أنهم يؤدون الزكاة ويرجعون إلى محبته وينصرف عنهم عكرمة! فأرسل إليهم عاملهم أنه لا صلح بيننا وبينكم إلا على إقرار منكم بأنا على حق وأنتم على باطل، وأن قتيلنا في الجنة وقتيلكم في النار، وعلى أنا نحكم فيكم بما رأينا، فأجابوه إلى ذلك فأرسل إليهم أن أخرجوا الآن عن مدينتكم بلا سلاح، ففعلوا ذلك، ودخل المسلمون إلى حصنهم. قتلوا أشرافهم (4) وسبوا نساءهم وأولادهم وأخذوا أموالهم، ونزل عكرمة مدينتهم، ووجه أيضا برجالهم إلى أبي بكر (5) وهم ثلاثمائة من المقاتلة وأربعمائة من النساء والذرية. # قال: فهم أبو بكر رضي الله عنه بقتل المقاتلة وقسمة النساء والذرية، فقال له عمر ms0046 بن الخطاب رضي الله عنه: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن القوم على دين الاسلام وذلك أني أراهم يحلفون بالله مجتهدين: ما كنا رجعنا عن دين الاسلام، ولكن شحوا على أموالهم، وقد كان منهم ما كان فلا تعجل عليهم واحبسهم عندك إلى أن ترى فيهم رأيك، قال: فأمر بهم أبو بكر فحبسوا في دار رملة بنت الحارث، فلم يزالوا هنالك محبوسين إلى أن توفى أبو بكر رضي الله عنه وصار الامر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فدعاهم ثم قال: إنكم قد علمتم ما كان رأى أبي بكر وما # PageV01P059 # كان من رأيي، وقد مضى أبو بكر لسبيله وقد أفضى الامر إلى فانطلقوا إلى أي بلد شئتم فأنتم أحرار لوجه الله تعالى فلا فدية عليكم، قال: فمضى القوم على وجوههم فمنهم من صار إلى بلده ومنهم من صار إلى البصرة بعد عمارتها، فيها خطط المهالبة (1) إلى يومنا هذا. # ثم رجعنا إلى خبر الأشعث بن قيس، قال: وسار عكرمة يريد زياد بن لبيد وبلغ ذلك الأشعث بن قيس فانحاز إلى حصن من حصون حضرموت يقال له النجير (2) فرمه وأصلحه ثم جمع نساء قومه وذريته فأدخلهم إلى ذلك الحصن (3)، وكان للحصن باب عابر (4) المكان يدخل إلى أهل الحصن كلما يحتاجون إليه من الطعام والشراب وغير ذلك. # قال: ونادى زياد بن لبيد في أصحابه فجمعهم ثم قال: أيها الناس! اعلموا أنكم تقاتلون أهل ردة وكفر فأظهروا أسلحتكم واشحذوا سيوفكم وركبوا أسنتكم فإني ناهض إليهم غدا إن شاء الله تعالى، وهذا عكرمة ابن أبي جهل قد جاءكم مددا لكم في عسكر لجب فأبشروا بالنصر والظفر، قال: وجعل زياد بن لبيد يحرض من معه من المسلمين على حرب عدوهم. # قال: وبلغ ذلك الأشعث بن قيس بأن زياد بن لبيد قد شجع أصحابه على الحرب، فجعل الأشعث أيضا يحرض أصحابه ويشجعهم ويقول: يا معشر كندة! # لا يهولنكم مدد أعدائكم لأصحابهم فان النصر مع الصبر والقوم مع الصبر لا يثبتون. # فقاتلوهم محتسبين واشجروهم بالرماح ms0047 شجرا (5) وكافحوهم بالصفاح (6) ولا تذلوا بعد # PageV01P060 # العز ولا تضعفوا بعد القوة. قال: وجعل كل رئيس من رؤساء كندة يحرض بني عمه على الحرب ويأمرهم أن لا يقصروا. # قال: فأصبح زياد بن لبيد وقد عبى أصحابه فجعل على ميمنته المهاجر بن [أبي] (1) أمية المخزومي وعلى ميسرته وائل بن حجر الحضرمي وعلى الجناح [ابن] (1) قتيرة السكوني، وعبى الأشعث أصحابه فجعل على ميمنته الخنفشيش بن عمرو وعلى ميسرته عبد الرحمن بن محرز الحطحمي وعلى الجناح مرة بن امرئ القيس الذهلي، وصار الأشعث بن قيس في القلب مسربلا في سلاحه وعلى رأسه تاج لجده يزيد بن معد يكرب، وتقدم زياد بن لبيد حتى وقف أمام أصحابه في القلب على فرس له أدهم عليه ذرعان سابغان قد ظاهرهما بحرير أصفر وبينهما حريرة صفراء وسيفه على عاتقه، قال: وجالت الحرب بعضها على بعض وتقدم المهاجر بن [أبي] (2) أمية المخزومي فجعل يجول في ميدان الحرب، قال: فحمل عليه الخنفشيش بن عمرو، وكان من فرسان أصحاب الأشعث بن قيس فاختلفا بضربتين سبقه المهاجر بن [أبي] (2) أمية بالضربة فلم تصنع شيئا وقنعه الخنفشيش بضربة قد بها بيضته وأسرع إلى رأس المهاجر بن [أبي] (2) أمية فكادت الضربة أن تبدى عن دماغه فاعتنق المهاجر عنق فرسه وولى بين يدي الخنفشيش هاربا، قال: فحمل الخنفشيش على رجل من أصحاب ابن لبيد يقال له وائل بن حجر فأرداه بطعنة عن فرسه فانقلب مجروحا وهو لما به وغار فرسه، وجال وائل بن حجر في ميدان الحرب. # قال: فاختلط القوم اختلاطا شديدا، ونظر الأشعث بن قيس إلى رجل من أصحاب زياد بن لبيد وهو يقاتل قتالا شديدا فلم يكذب أن حمل عليه ليضربه بسيفه وحمل ابن ذلك الرجل على الأشعث، فنظر إليه الأشعث فإذا هو غلام حدث فلم يقدم عليه لكنه وقف في ميدان الحرب وجعل يعرض لزياد بن لبيد فبدر إليه زياد بن لبيد، قال: فحمل عليه الأشعث والتقيا بضربتين، ضربة الأشعث [ضربة] التقاها زياد بحجفته فقد الأشعث حجفة زياد فرمى بها من يده، ms0048 وولى زياد بن لبيد من بين يديه وأتبعه الأشعث فضربه ضربة على قذاله (3) فقد المغفر إلى رأسه وضربه الأخرى # PageV01P061 # على شماله وعلى زياد يومئذ ذرعان وحريران غير ثيابه، فقد الأشعث ذلك كله حتى وصل السيف إلى عضد زياد، وقال: خذها وأنا ابن قيس! وأفلت زياد من الأشعث وهو لما به، ثم حمل الأشعث على جميع المسلمين فجعل لا يمر بشئ إلا حطمه وهو في ذلك. # قال: فانهزم زياد وأصحابه حتى دخلوا مدينة حضرموت فتحصنوا فيها، وبلغ ذلك عكرمة بن أبي جهل فكتب إلى زياد يعلمه بالوقت الذي يوافيه فيه، وأنه قد رحل إليه، وأنه يوافيه في يوم كذا وكذا. قال: ففرح زياد وأصحابه بقدوم عكرمة عليهم. # فلما كان ذلك اليوم الذي وعده عكرمة أن يوافيه فيه نادى زياد في أصحابه فركبوا، ثم إنه خرج من مدينة تريم، وإنه ليشد بالأيدي حتى استوى على فرسه وهو لما به من الضربات التي أصابته من الأشعث. # قال: وارتفعت غبرات الخيل من ناحية باب المدينة، فعلم الأشعث أن زيادا قد خرج إليه على علته، فنادى في أصحابه فركبوا، ثم سار نحو زياد بن لبيد على غير تعبية، فلما تلاقت الخيلان جعل الأشعث يجول في ميدان الحرب، قال: فلم يجبه زياد إلى شئ، واختلط القوم فاقتتلوا ساعة، وهمت خيل زياد بالفرار غير مرة وكان زياد يمنيهم بقدوم عكرمة عليهم ويسألهم صبر ساعة. قال: فبينما المسلمون كذلك إذا خيل عكرمة قد أشرفت عليهم في تعبية حسنة وخيل عتاق وسلاح شاك ورجال جلدين. # قال: ونظرت قبائل كندة إلى خيل عكرمة قد أشرفت عليهم، فصاحوا بالأشعث: ما ترى هذه خيل حامية قد أقبلت! ونحن قد تعبنا وخيلنا قد كلت وعامتنا جرحي، قال: فشجعهم الأشعث وأمرهم بالصبر ونهاهم عن العجز والفشل. قال: # فاختلطت خيل عكرمة وخيل زياد فصاروا في موضع واحد (1)، ثم اجتمعوا وحملوا على الأشعث وأصحابه فلم يزل واحد منهم عن لكنهم أشهروا السلاح في وجوه القوم # PageV01P062 # فرجعوا عنهم، ثم جالت الخيل بعضها على بعض، وتقدم رجل من ms0049 فرسان الأشعث وشجعانهم يقال له عرفجة بن عبد الله الذهلي، قال: ثم حمل عرفجة على خيل المسلمين فلم يزل يقاتل حتى ضج المسلمون من طعانه وضربه، قال: ورمى رجل من أهل مكة بسهم فوقع السهم في فؤاده فقتله، فصاح زياد بن لبيد: يا معشر المسلمين! أبشروا فقد أخمد الله عز وجل جمرة كندة بقتل عرفجة الذهلي. # قال: وتقدم الأشعث بن قيس حاسر الرأس حتى وقف بين الجمعين فبرز إليه عكرمة بن أبي جهل، قال: والتقيا بطعنتين فافترقا جريحين ولم يصنعا شيئا، فرمى كل واحد منهما برمحه من يده واعتمد على قائم سيفه، ثم التقيا بضربتين بدره الأشعث بضربة قد بها بيضة عكرمة، ثم إن رجلا يقال له النعمان بن الحارث حمل على الأشعث بن قيس فطعنه طعنة منكرة حتى كاد الأشعث أن يسقط عن فرسه، ثم جال النعمان في ميدان الحرب، قال: فخرج إليه رجل من أصحاب الأشعث يقال له مرة ابن امرئ القيس، ثم حمل على النعمان فطعنه طعنة جندله قتيلا، وجعل الأشعث يجول في ميدان الحرب وهو يقاتل فكلما حمل بفرسه على الناحية التي فيها زياد بن لبيد يمضي زياد عن ذلك الموقف إلى موقف آخر، وهبت الريح وثار العجاج (1) فلم يبصر الناس بعضهم بعضا، فطلب الأشعث فلم يقدر عليه فظنت قبائل كندة أنه قد قتل، وجعل الخنفشيش بن عمرو الكندي يرتجز... (2) قال: وانحلت العجاج عن القوم فنظروا فإذا الأشعث حاسر الرأس ينادى: الصبر الصبر يا معشر كندة! فإن القوم قد صبروا لكم. قال: فلم يزل القوم على ذلك من شأنهم إلى وقت المساء، ثم اجتمع المسلمون بأجمعهم في موضع واحد ورفعوا أصواتهم بالتكبير ثم حملوا على الأشعث وأصحابه كحملة رجل واحد فهزموهم بأجمعهم حتى ألجؤهم إلى حصنهم الأعظم. # قال: فدخل الأشعث وأصحابه إلى ذلك الحصن وغلقوا على أنفسهم الباب، وأقبل زياد بن لبيد وعكرمة بن أبي جهل والمهاجر بن [أبي] (3) أمية وجميع المسلمين حتى نزلوا على الحصن وأحدقوا به من كل ناحية واشتد الحصار على من # PageV01P063 # في ms0050 الحصن من قبائل كندة، فقال لهم الأشعث بن قيس: يا بني عم! ما الرأي؟ # فقالوا: والله الرأي أن نموت كراما، قال الأشعث: إن كنتم عزمتم على ذلك فافعلوا كما أفعل حتى أعلم أنكم صادقين، قال: ثم ضرب الأشعث بيده إلى ناصيته فجزها وربطها على رأس رمحه وجز القوم نواصيهم وربطوها في رؤوس رماحهم وتبايعوا على الموت (1)، فلما أصبح الأشعث أمر بباب الحصن ففتح، واستوى الأشعث على فرسه وخرج في أوائل القوم، قال: وخرج خلفه الخنفشيش بن عمرو وظفيرته معقودة في رأس رمحه، قال: ثم خرج من بعده سعيد بن معدى كرب، قال: فكان كلما خرج رجل من أشرافهم خرج معه قومه وعشيرته. قال: واختلط القوم فاقتتلوا على باب الحصن قتالا لم يقتتلوا مثله في يوم من الأيام حتى قتل من الفريقين بشر كثير، قال: وأثخن الأشعث بالجراحات فولى منهزما هو وأصحابه حتى دخلوا الحصن فحصرهم المسلمون حصارا شديدا. # قال: وسمعت بذلك قبائل كندة ممن كان تفرق عن الأشعث بن قيس لما قتل رسول أبي بكر رضي الله عنه فقال بعضهم لبعض: يا قومنا! إن بني عمنا قد حصروا في حصن النجير وهذا عار علينا أن نسلمهم فسيروا بنا إليهم، قال: فسارت قبائل كندة يريدون محاربة المسلمين وبين أيديهم الجبر بن القشعم الارقمي شاك في السلاح، واقبل أبو قرة الكندي في قومه من بني الحارث، وأقبل أبو الشمر الكندي في قومه من بني حمير. (2) قال: وبلغ زياد بن لبيد مسير هؤلاء القوم إنه فكأنه جزع لذلك ثم أقبل على عكرمة بن أبي جهل فقال له: ما ترى؟ فقال عكرمة: أن تقيم أنت على باب الحصن محاصرا لمن فيه حتى أمضى أنا فألتقي هؤلاء القوم، فقال زياد: نعم ما رأيت! ولكن انظر يا عكرمة! إن ظفر الله عز وجل بهم فلا ترفع السيف عنهم أو تبيدهم عن آخرهم، فقال عكرمة: لست آلو جهدا فيما أقدر عليه إن شاء الله تعالى ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قال: ثم جمع عكرمة أصحابه وسار ms0051 حتى وافى القوم وقد تعبى تعبية الحرب فلم يكذب عكرمة أن حمل عليهم في جميع أصحابه # PageV01P064 # فاقتتلوا، ووقعت الهزيمة على أصحاب عكرمة، فقتل منهم نفر يسير وضرب عكرمة على رأسه ضربة منكرة، وجاء الليل فحجز بين الفريقين. فلما كان من الغد دنا بعضهم من بعض فاقتتلوا حتى أمسوا، والأشعث بن قيس في خلال ذلك لا يعلم بشئ من ذلك غير أنه طال عليه وعلى من معه الحصار واشتد بهم الجوع والعطش، فأرسل الأشعث إلى زياد أن يعطيه الأمان ولأهل بيته ولعشرة (1) من وجوه أصحابه، فأجابه زياد إلى ذلك وكتب بينهم الكتاب، فظن أهل الحصن أن الأشعث قد أخذ لهم الأمان بأجمعهم فسكتوا ولم يقولوا شيئا، واتصل الخبر بعكرمة بن أبي جهل فقال لهؤلاء الذين يقاتلونه: يا هؤلاء! على ماذا تقاتلون؟ فقالوا: نقاتلكم على صاحبنا الأشعث بن قيس، فقال عكرمة: فان صاحبكم قد طلب الأمان، وهذا كتاب زياد بن لبيد إلي يخبرني بذلك - ورمى الكتاب إليهم، فلما قرأوه قالوا: # يا هذا! انصرف فلا حاجة لنا في قتالك بعد هذا اليوم. قال: ثم انصرف القوم عن محاربة عكرمة وهم في ذلك يسبون الأشعث بن قيس ويلعنونه. # قال: ثم أقبل عكرمة على أصحابه فقال: سيروا وأسرعوا السير إلى إخوانكم من المسلمين، فإن الأشعث بن قيس قد طلب الأمان، ولعله إن غنم زياد وأصحابه ما في الحصن لا يشركونكم في شئ من ذلك لأنهم قد سبقوكم إلى فتح الحصن إلا أن يرى زياد رأيه في ذلك، قال: فأنشأ رجل من أصحاب عكرمة أبياتا من جملتها: # إذا ما أتانا راكب برسالة * رحلنا وفي الليل الطويل سواد. # قال: ثم قدم عكرمة وأصحابه على زياد والأشعث بعد لم ينزل من الحصن وهو يستوثق لنفسه ولمن معه من بني عمه، فأقبل زياد على عكرمة فقال: ما صنعت مع قبائل كندة؟ فقال له: صنعت والله! إني لقيت قوما لهم أقدار وأخطار وصبر على الموت فلم أزل أحاربهم حتى علمت أن انتصافهم مني أكثر من انتصافي منهم، وأتاني كتابك يخبر ms0052 أنه بعث الأشعث إليك كتابا يسألك الأمان فكففت عن حرب القوم # PageV01P065 # وانصرفت إليك، فقال زياد: لا والله! ولكنك جبنت فضعفت وكععت (1) عن الحروب، ألم آمرك أن تضع سيفك فيهم ثم لا ترفعه عنهم وفيهم عين تطرف، فعصيتني وحببت العافية وانصرفت إلي بأصحابك خوفا من أن تفوتك الغنيمة، قبح الله من يزعم أنك شجاع القلب بعد هذا! فغضب عكرمة من ذلك ثم قال: أما والله يا زياد! لو لقيتهم وقد أزمعوا على حربك لرأيت أسودا تحمى أشبالا وتكافح أبطالا ذات أنياب حداد ومخاليب شداد، ولتمنيت أنهم ينصرفون عنك ويخلونك، وبعد فإنك أظلم وأغشم وأجبن قلبنا وأشح نفسا وأيبس، إذ قاتلت هؤلاء القوم وشنئت هذه الحروب بينك وبينهم بسبب ناقة واحدة لا أقل ولا أكثر، ولو لم أغثك بجنودي هؤلاء لعلمت أنك تكون رهين سيوفهم وأسير جوامعهم. قال: ثم نادى عكرمة في أصحابه وهم بالرحيل، فاعتذر إليه زياد مما تكلم به، فقبل عكرمة عذره. # ونزل الأشعث بن قيس من الحصن في أهل بيته وعشيرته من رؤساء بني عمه مع أهاليهم وأموالهم وأولادهم، فقال زياد: يا أشعث! ألست إنما سألتني الأمان لعشرة مع أهاليهم وأولادهم وبهذا كتبت لك الكتاب؟ قال الأشعث: بلى قد كان ذلك، فقال زياد: الحمد لله! لم تسألني الأمان لنفسك، والله ما أرى لك في الكتاب اسما والله لأقتلنك! فقال الأشعث: يا أقل الخلق عقلا! أترى أنه بلغني من الجهل أن أطلب الأمان لغيري وأتركه لنفسي؟ أما إني لو كنت أخاف غدرك لبدأت بنفسي في أول الكتاب ولكني أنا كنت الطالب لقومي الأمان فلم أكن أثبت نفسي مع غيري (2)، وأما قولك: إنك تقتلني، فوالله لئن قتلتني لتجلبن عليك وعلى صاحبك اليمن بأجمعها بخيلها ورجلها فينسيك ما قد مضى! فقال له زياد: إني والله لأرجو أن ينظرك أبو بكر الصديق يضرب عنقك فإنه أهل لذلك يا عدو الله! فقال له الأشعث: والله يا زياد! لئن يأكلني الأسد أحب إلي من [أن] يأكلني الكلب - يعني بالكلب هو -، ولكن كيف أنت من تلك ms0053 الضربات يا زياد التي نالتك مني يوم بارزتني؟ قال: فسكت زياد ولم يقل شيئا وازداد عليه غيظا وحنقا، ثم استوثق منه # PageV01P066 # ومن أصحابه ودخل الحصن، فجعل يأخذ المقاتلة فيضرب أعناقهم صبرا (1)، فقال له القوم: أيها الرجل! إنما فتحنا باب الحصن لان الأشعث خبرنا أنك أعطيت الأمان فلم تقتلنا؟ فقال زياد: كذب الأشعث، ما أثبت أحدا منكم في الكتاب غيره وغير أهل بيته وعشرة من بني عمه، قال: فسكت القوم وعلموا أن الأشعث هو الذي أسلمهم للقتل (2). # قال: فبينا زياد كذلك يضرب أعناقهم إذا كتاب أبي بكر رضي الله عنه قد ورد عليه مكتوب فيه (3): أما بعد يا زياد! فقد بلغني أن الأشعث بن قيس قد سأل الأمان وقد نزل على حكمي، فإذا ورد عليك كتابي هذا فاحمله إلي مكرما ولا تقتلن أحدا من أشراف كندة لا صغيرا ولا كبيرا - والسلام. # قال: فلما قرأ زياد كتاب أبي بكر رضي الله عنه قال: أما إنه لو سبق هذا الكتاب قبل قتلي هؤلاء ما قتلت منهم أحدا، ولكن قد قضى فيه القضاء والقدر. # قال: فكان نهيك بن أوس الأنصاري يقول: لقد نظرت إلى قتلى كندة فلم أشبههم إلا بقتلى قريظة يوم قتلهم النبي (صلى الله عليه وسلم وآله). # قال: ثم جمع زياد بن لبيد من بقي من بقايا ملوك كندة - وهم ثمانون رجلا - فصفدهم في الحديد ووجه بهم إلى أبي بكر رضي الله عنه، قال: ثم إنه أتى بالأسارى (4) حتى أدخلوا المدينة فأوقفوا بين يدي أبي بكر رضي الله عنه، فلما نظر أبو بكر إلى الأشعث بن قيس فقال (5): الحمد لله الذي أمكن منك يا عدو نفسه! # فقال الأشعث بن قيس: لعمري لقد أمكنك الله مني! وبعد فان قومي أطاعوني مخالفا وعصوني محاربا وقد كان مني ما كان من غيري، وذلك ان صاحبك زيادا قتل قومي ظلما وعدوانا فكان مني ما قد علمت. # قال: فوثب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا خليفة رسول الله! هذا الأشعث بن قيس قد كان مسلما ms0054 آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وقرأ القرآن وحج البيت الحرام، # PageV01P067 # ثم إنه رجع عن دينه وغير وبدل ومنع الزكاة، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم وآله: من بدل دينه فاقتلوه، وقد وسع الله عليك فيه فاقتله فدمه حلال، فقال الأشعث بن قيس: يا خليفة رسول الله! إني ما غيرت ولا بدلت ولا شححت على مالي، ولكن عاملك زياد بن لبيد جار على قومي فقتل منهم من لا ذنب له فأنفت لذلك وانتصرت لقومي فقاتلته، وقد كان مني ما كان وإني أفدى نفسي وهؤلاء الملوك وأطلق كل أسير في بلاد اليمن وأكون عونا لك وناصرا ما أبقيت على أن تزوجني (1) أم فروة بنت أبي قحافة فإني لك نعم الصهر، فهذا خير مما يقوله عمر بن الخطاب. قال: فأطرق أبو بكر إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه وقال: إني قد فعلت. قال: ثم أطلقه أبو بكر رضي الله عنه من حديده، وأطلق من كان معه من ملوك كندة، ثم أمره فجلس وزوجه أبو بكر رضي الله عنه أخته أم فروة بنت أبي قحافة، وأحسن إليه غاية الإحسان، فكان الأشعث بن قيس عند أبي بكر رضي الله عنه بأفضل المنازل وأرفعها (2). # ويقال: إن أم فروة بنت أبي قحافة ولدت من الأشعث بن قيس محمد بن الأشعث وإسحاق بن الأشعث وجعدة بنت الأشعث، فأما إسحاق فإنه قتل في أيام عبد الملك بن مروان في بعض الوقائع، وأما محمد بن الأشعث فلم يزل مع عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وشهد مقتل الحسين بن علي عليهما السلام، وقتل في أيام المختار بن أبي عبيد، وابنه عبد الرحمن بن محمد هو الذي خرج على الحجاج في أيام دير الجماجم. # قال: فكان الأشعث بن قيس إذا ذكر قتلى كندة يتمثل بهذه الأبيات، من جملتها: (3) لعمري وما عمري على بهين * لقد كنت بالقتلى أحق (4) ضنين. # PageV01P068 # انقضت أخبار الردة عن آخرها بحمد الله ومنه وحسن تيسيره وبعونه، وصلى الله على ms0055 سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. PageV01P069 ### | ذكر فتوحات التي كانت بعد الردة مع الفرس والروم وأصنافهم من الكفرة. # بسم الله الرحمن الرحيم قال: فلما فرغ أبو بكر رضي الله عنه من حرب أهل الردة عزم على محاربة الأعاجم من الفرس والروم وأصناف الكفرة. فكان السبب في ذلك أن أول من ألف الحروب من العرب والعجم المثنى بن حارثة الشيباني (1)، وذلك أن ربيعة من بني شيبان وغيرهم سكنوا العراق من قحط أصابهم بالتهامة والحجاز، فارتحلت ربيعة إلى العراق من القحط الذي أصابهم فأتت الجزيرة وسكنت اليمامة، قال: فلما قدمت ربيعة إلى العراق بعث إليهم كسرى ملك الفرس فدعاهم ثم قال: يا معشر العرب! ما الذي أقدمكم إلى بلدي؟ فقالوا: أيها الملك! أصابنا في بلدنا قحط وجهد فرغبنا في مجاورة الملك وفزعنا إلى أرضه والكينونة في بلده وكنفه والاتصال بقربه، فإن أذن أقمنا وإلا ارتحلنا. فأذن لهم كسرى في المقام على أنهم لا يفسدون وأنهم يحسنون له الجوار، فضمنوا له ذلك (2). قال: فنزل بنو شيبان وغيرهم من # PageV01P070 # ربيعة أرض العراق فكانوا لا يؤذون أحدا من الفرس، وكذلك الفرس لم يكونوا يؤذون من العرب أحدا، فقاموا على ذلك ما شاء الله عز وجل أن يقيموا، ثم إن الفرس جعلت تتعدى على العرب وتؤذيهم غاية الأذى لسبب الملك أنه فيهم، فلم يزالوا كذلك حتى وقعت بينهم الشقاوة والشحناء، فجعل المثنى بن حارثة الشيباني يغير على أساورة... (1) بناحية الكوفة وسوادها ويؤذيهم غاية الأذى وهو يومئذ متمسك بدين الاسلام. # قال: وبلغ أبا بكر رضى الله عنه فعاله... (2) للمسلمين ويحكم! # من هذا الذي تأتينا أخباره ووقائعه قبل معرفة خبره؟ (3) قال: فوثب قيس بن عاصم المنقري فقال: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم! هذا رجل غير خامل الذكر، ولا مجهول الحسب ولا بقليل العدد والمدد، هذا المثنى بن حارثة الشيباني. # قال: فأرسل إليه أبو بكر رضي الله عنه فجعله رئيسا على قومه وبعث إليه بخلعة ولواء وأمره بقتال الفرس (5). قال: فجعل المثنى بن حارثة ms0056 يقاتل الفرس من ناحية الكوفة وما يليها ويغير على أطرافها، فلم يترك لهم سارحة ولا رائحة (6) إلا استقاها، وأقام على ذلك حولا كاملا أو نحوا من ذلك، ثم إنه دعا بابن عم له يقال له سويد بن قطبة بن قتادة بن جرير بن بشار بن ثعلبة بن سدوس فضم إليه جيشا ووجهه إلى نحو البصرة، فجعل يحارب أهل ابلة (7) وما يليهم من الفرس. # PageV01P071 # قال: فكان المثنى بن حارثة بناحية الكوفة وما يليها وسويد بن قطبة من ناحية البصرة وما يليها، هذا في جيش من بني عمه (1) جميعا يحاربان الفرس ولا يفتران من ذلك. ### | ذكر ابتداء مسير خالد بن الوليد رضي الله عنه من أرض اليمامة إلى أرض العراق. # قال: وتكاثرت الفرس عليهم حتى كادوا أن يجلوهم عنها وبلغ ذلك أبا بكر رضي الله عنه (2)، فاغتم لذلك ولم يدر ما يصنع، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا خليفة رسول الله! عندي رأى أشير به عليك، فقال: وماذا يا أبا حفص؟ فقال: هذا خالد بن الوليد قد فتح الله عز وجل على يديه اليمامة وهو مقيم بها مصاهرا... (3) فاكتب إليه ومره بالمسير إلى العراق حتى يطأ لك الفرس بخيله ورجله... (4) المثنى بن حارثة وأصحابه فلعل الله تبارك وتعالى يكفيك به أمر الفرس. قال: فقال له أبو بكر رضي الله عنه: هذا لعمري رأى. ### | ذكر كتاب أبي بكر إلى خالد بن الوليد رضي الله عنهما. # قال: فكتب إليه أبو بكر رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم .... (5) [(من عبد الله أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن الوليد والذين معه من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان! سلام عليكم! فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد! فالحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر # PageV01P072 # عبده (1)، وأعز وليه، وأذل عدوه، وغلب الأحزاب فردا، فإن الله الذي لا إله إلا هو. قال: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ms0057 وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) (2) - وكتب الآية كلها وقرأ الآية، وعدا منه لا خلف له، ومقالا لا ريب فيه، وفرض الجهاد على المؤمنين. فقال: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) (3) - حتى فرغ من الآيات، فاستتموا بوعد الله إياكم وأطيعوه فيما فرض عليكم وإن عظمت فيه المؤونة، واستبدت الرزية (4)، وبعدت المشقة (5)، وفجعتم في ذلك بالأموال والأنفس فإن ذلك يسير في عظيم ثواب الله (6)! فاغزوا - رحمكم الله - في سبيل الله (خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) (7) - كتب الآية. ألا! وقد أمرت خالد بن الوليد بالمسير إلى العراق، فلا يبرحها حتى يأتيه أمري، فسيروا معه ولا تثاقلوا عنه، فإنه سبيل يعظم الله فيه لمن حسنت فيه نيته، وعظمت في الخير رغبته. فإذا وقعتم (8) العراق فكونوا بها حتى يأتيكم أمري، كفانا الله وإياكم مهمات الدنيا والآخرة. # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!) - انتهى. # وفي النص الفارسي زيادة مؤداها: # (ومتى وصلك كتابي هذا أسرع بالتوجه نحو العراق واتفق مع المثنى بن حارثة وكن معه يدا واحدة وعلى رأي واحد، وعلى جميع المسلمين الطاعة والانتقال معك وسيجزيهم الله تعالى في الدارين خير الجزاء). # ثم استدعى أبا سعيد الخدري (9) وسلمه الرسالة وقال له: اذهب إلى خالد. # PageV01P073 # ولا تفارقه حتى يتوجه (1) إلى العراق وقل له سرا: بأن يذهب مددا إلى المسلمين الذين يحاربون العجم فلعل الله يفتح عليك، وسوف استدعيك متى لزم الامر، وحيثما كنت فأنت أمير الجيش، وليس فوقك أمير سواي. # فذهب أبو سعيد إلى خالد وسلمه الرسالة فقال له: يا أبا سعيد، ما أرى هذا رأي الخليفة، بل هو من اجتهاد عمر، لأنه سمع بأني واصلت بني حنيفة (تزوجت فيهم) لذا فقد غضب (2). # وعلى كل حال، فإن خالدا جمع الجنود وأخذ (3) يذكر لهم فضائل الجهاد ثم قرأ عليهم أوامر الخليفة فأجابه الجميع: سمعنا وأطعنا. # ثم تحركوا في اليوم وكان الزبرقان بن بدر علي (ينقل) الجيش وكان الصديق قد كتب رسالة إلى المثنى بن حارثة (4): بأني قد كتبت لخالد بن الوليد بأن يسرع لإعانتك فأحسن استقباله واعرف له ms0058 حقه. وقوله تعالى: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) (5) تنطبق عليه. ومتى وصل خالد إلى العراق فهو الأمير وأنت الوزير، وإذا استدعيته ثانية فأنت الأمير. # وحين وصلت هذه الرسالة إلى المثنى بن حارثة جمع إليه رجاله وأعوانه وقال لهم: لقد كرمنا الصديق غاية التكريم كما بشرنا بمجيء خالد، فلنتوقف إذن لحين وصول خالد. # وكان خالد من جهته يغذ السير حتى وصل إلى حدود البصرة، فاستقبله هناك # PageV01P074 # (سويدا) (1) كذا في الأصل مع لفيف من رجاله فأكرمه خالد ثم سأله: دلني على أكبر جمع للعدو في هذه الجهات وأكثرهم عدة وعددا وأشدهم بأسا في الحرب. # فقال سويدا: أيها الأمير، إن (الأبلة) مملوءة بالحشود، وفيهم شجاعة متهورة. فقال خالد: يحب أن أبدأ بهم، لكي يكون مصيرهم عبرة لغيرهم من العرب فلا يرفعون رؤوسهم فقال سويدا: هو كما تقول أيها الأمير. # وحينئذ أمر سويدا بأن يسوق إليهم الجنود ثم إني لاحق بكم وسأفعل ما أراه لازما. # فعبأ سويدا الجيش واتجه إلى الأبلة، وخرج إليه أهلها لقتاله وحين حمي القتال بين الطرفين، برز إليهم خالد من مكمنه (2)، ومعه جيش المهاجرين والأنصار وهزموا أهل الأبلة الذين التجأوا إلى الحصن، وقد كانت السيوف من ورائهم والنهر أمامهم. فقتل منهم أربعة آلاف، كما غرق آخرون في الماء ووصلت منهم بقية إلى الحصن. # ثم انطلق خالد من هناك حتى وصل إلى (نباج) (3). ونزل قرب بعض العرب من بني بكر، ثم لحق به المثنى بن حارثة ومعه جيشه وعدد من ذوي قرابته، فحياه خالد وأدنى منزلته وأكرمه غاية الاكرام، ثم ركب خالد وساق الجيش نحو أطراف الكوفة وسوادها، وقد دب الرعب في قلوب العجم، ففتحوا ا لطريق لخالد والمثنى حتى بلغوا الكوفة، فعسكروا حولها، ثم كتب للأعاجم رسالة مضمونها (4): # بسم الله الرحمن الرحيم سلام على من اتبع الهدى. الحمد لله الذي فرق جموعكم، واجتث أصول عزتكم وأوقع الخلاف بينكم وبدل شجاعتكم خوفا. اعلموا بأن كل من يترك طريق # PageV01P075 # الضلالة ويصلي إلى قبلتنا، ويطيع أوامر ربنا وأوامر رسوله، ويشهد بما نشهد به ms0059 ويترك عداوتنا فهو منا ونحن منه، وإن دخل ذمتنا وأدى إلينا الجزية فهو آمن، وأما كل من يريد خصومتنا، فليبرز إلى الميدان، ونحن سنقابله بسيوفنا التي تقطر منها المنايا والسلام. # وحين وصلت هذه الرسالة إلى قادة العجم هاجوا وماجوا وعجزوا عن الجواب وأخذ خالد في ارسال السرايا إلى الأطراف يغيرون عليها حتى لم يبق فيها شيء من المواشي إلا وأحضروه لخالد. ثم ساق خالد الجيوش نحو الحيرة (1) فرأى ثمة حصونا منيعة، ورجالا ذوي خبرة بالحرب مع وفور السلاح لديهم فنزل هناك. # فاضطرمت نار الحرب بين الطرفين وحمي وطيسها، وبينما كان خالد منهمكا في الضرب والطعان قال له ضرار بن الأزور الأسدي (2): أيها الأمير: # (إن هؤلاء قوم عقولهم ناقصة وهم أعداء أنفسهم فإن رأى الأمير أن يطلب منهم رجلا لمفاوضته وبذل النصيحة له فعسى أن تنجح المفاوضة وتكون النتيجة أفضل. # فأرسل إليهم خالد من قال لهم: أخرجوا إلينا رجلا معروفا لديكم بجودة الرأي والعلم لكي يسمع منا ويبلغكم رسالتنا. # فبعثوا إلى المسلمين رجلا يدعى عبد المسيح بن عمرو بن حيان بن بقيلة النسائي (3). وكان رجلا مهيب الطلعة وقورا وقد جاوز عمره المئتي سنة فوصل إلى خالد وأنشده شعرا في مدح آل غسان وصفة مملكتهم منذ أيام المنذر وآل النعمان وقال: # إن هاهنا مراع لم تصطد فيها الأسود، وقد شربت النمور دواء التقوى والقطعان تستطيع أن ترعى في هذه المروج آمنة مطمئنة، والطيور تستطيع الطيران # PageV01P076 # تحت سرير قصر الخورنق والآن: قد تعطلت الأمور. نعم إنه الدهر الدوار والدنيا لهذا سميت دنيا. # شعر ابن بقيلة من الطبري ج 2 ص 566 طبعة المكتبة التجارية بالقاهرة سنة 1939. # أبعد المنذرين أرى سواما * تروح بالخورنق والسدير وبعد فوارس النعمان أرعى * قلوصا بين مرة والحضير فصرنا بعد هلك أبي قبيس * كجرب المعز في اليوم المطير تقسمنا القبائل من معد * علانية كأيسار الجزور وكنا لا يرام لنا حريم * فنحن كضرة الضرع الفخور نؤدي الخرج بعد خراج كسرى * وخرج من قريظة والنضير كذاك الدهر دولته سجال * فيوم من مساءة ms0060 أو سرور وحين فرغ عبد المسيح من كلامه قال خالد (1): من أنت؟ قال: أنا عبد ربي. # فقال: من أين؟ قال: من الدنيا. فقال: من أين أتيت؟ قال: من صلب أبي. # فقال: من أين وصلت؟ قال: من بطن أمي. فقال: في أي شيء أنت؟ قال: في ثيابي. فقال: على م أنت؟ قال: على الأرض. فقال خالد: لم تزدني إلا حيرة فأصدقني: هل لك عقل أم لا وهل تعقل ركبة البعير أم لا؟ فغالطه وحمل كلامه على وجه آخر وقال: إنني أعقل ركبة الجمل وأحكمها. فقال خالد: إنني أكلمك بكلام الناس. فقال الشيخ: وإني أجيبك بجواب الناس. فقال خالد: أنتم من تكونون؟ فقال: نحن أولاد آدم فقال خالد: للصلح جئت أم للحرب؟ فقال: # للصلح. فقال خالد: هل أنتم عرب أو عجم؟ فقال: كنا عربا وصرنا عجما وعجما كنا وعربا صرنا فكبر خالد وقال: الآن فهمت كلامك. والآن قل لي: هذه الجدران لماذا رفعتموها؟ فقال: كي يستتر وراءها ناقصو العقول ولكي يستطيع العقلاء أن يسمعوا كلامنا، ويمنعوهم عن إيقاع الظلم بنا. فقال خالد: أرى شيئا في يدك فما هو؟ قال الشيخ: سم زعاف. فقال خالد: لماذا حملت السم في يدك؟ فقال: من باب الاحتياط فإن وصلت معك إلى اتفاق فكان بها وإلا شربت السم ومضيت في # PageV01P077 # سبيلي فإني قد وصلت إلى أرذل العمر فقال خالد: أعطني السم لكي أراه. فأعطاه له ثم تناوله خالد وشربه وقال: بسم الله وبالله رب الأرض والسماء الذي لا يضر معه (1) شيء في الأرض ولا في السماء وفي الحال: خرج منه عرق غزير أذهب أثر السم عنه. # وآنذاء قال خالد: أيها الشيخ: اتق الله وادخل في دين محمد فإن معي رجالا. # يستهينون بالموت ولا يبالون ببذل الروح (2). # فقال الشيخ: أمهلني حتى أراجع قومي وأخبرهم بما رأيت ثم أعود إليك. # فقال خالد: اذهب فلما ذهب والتقى بقومه وأخبرهم ما رأى من استهانة المسلمين بالموت حتى إن السم القاتل لا يؤثر بهم، وأنهم يحبون الموت كما تحبون الحياة، فوافقوا على ms0061 اقتراح عبد المسيح ورضوا بدفع مبلغ مائة ألف درهم وطيلسان شيرويه بن كسرى وقيمته ثلاثون ألف درهم. فأرسل خالد تلك الأموال كلها إلى الصديق رضي الله عنه. وكان ذلك أول ما أرسل من أموال العجم للمدينة المنورة. # ثم كتب خالد كتاب الصلح (3) وسلمه إليهم ثم رجع. # ونادى خالد جرير بن عبد الله البجلي وجعل تحت قيادته ألف رجل من المهاجرين والأنصار وعين له موضعا يقال له (بانقيا) (4) وأمره بالذهاب إليه وكان في ذلك المكان (داذويه بن فرخان) وذكر في الطبري أنه (صلوبا بن نسطونا). # ولما وصل جيش جرير إلى شاطئ النهر وأرادوا أن يعبروه إذ جاءهم رجل من (بانقيا) يعرض الصلح على جرير بن عبد الله مقابل مائة ألف درهم (5). فرضي # PageV01P078 # جرير بذلك. وكتب له كتاب الصلح (1). # ثم هرب داذويه من هناك إلى يزدجرد وأخبره بالامر الواقع فتألم يزدجرد غاية الألم. # ثم انطلق خالد من ناحيته واستولى على مدينة عين التمر (2) وسبى كثيرا من الأهالي وأخذ كثيرا من الأموال والمواشي. وكذلك فعل بعدد من الأماكن في العراق وأخرج الخمس من الغنائم وأرسله إلى الصديق ووزع الباقي على أفراد الجيش. ### | ذكر كيفية الاستيلاء على بلاد الشام في خلافة الصديق رضي الله عنه. # لقد تواترت الاخبار من الشام بأن الروم قد شددوا قبضتهم على بلاد الشام وأعلنوا الفساد، وقد مال الصديق إلى إرسال الجيوش إلى تلك الجهات. لتخليص تلك البلاد من الشر والفساد. واحتفظ برأيه ذاك إلى يوم جمع فيه العشرة البشرة وعددا من وجهاء الصحابة وخاطبهم قائلا: # (والنص العربي من (حياة الصحابة) ج 1 مختصر بتصرف من تاريخ ابن عساكر 422) (3) (إن الله عز وجل لا تحصى نعماؤه، ولا تبلغ جزاءها الاعمال فله الحمد، قد جمع الله كلمتكم، وأصلح ذات بينكم، وهداكم إلى الاسلام، ونفى عنكم الشيطان فليس يطمع أن تشركوا به، ولا تتخذوا إلها غيره، فالعرب اليوم بنو أم وأب. # وقد رأيت أن أستنفر المسلمين إلى جهاد الروم بالشام ليؤيد الله المسلمين، ويجعل الله كلمته العليا، مع أن للمسلمين في ذلك ms0062 الحظ الأوفر، لأنه من هلك منهم هلك شهيدا، وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش عاش مدافعا عن الدين مستوجبا على # PageV01P079 # الله ثواب المجاهدين وهذا رأيي الذي رأيته. فليشر امرؤ علي برأيه. # فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: الحمد لله الذي يخص بالخير من شاء من خلقه! والله! ما استبقنا إلى شيء من الخير قط إلا سبقتنا إليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. قد، والله، أردت لقاءك بهذا الرأي الذي رأيت، فما قضي أن يكون حتى ذكرته، فقد أصبت - أصاب الله بك سبيل الرشاد - سرب (1) إليهم الخيل في إثر الخيل، وابعث الرجال بعد الرجال والجنود تتبعها الجنود، فإن الله ناصر دينه ومعز الاسلام وأهله. # ثم إن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قام فقال: يا خليفة رسول الله! إنها الروم وبنو الأصفر حد مديد (2) وركن شديد، ما أرى أن نقتحم عليهم اقتحاما، ولكن نبعث الخيل فتغير في قواصي أرضهم ثم ترجع إليك، وإذا فعلوا ذلك بهم مرارا أضروا بهم، وغنموا من أداني أرضهم فقعدوا بذلك عن عدوهم، ثم تبعث إلى أراضي اليمن وأقاصي ربيعة ومضر ثم تجمعهم جميعا إليك، ثم إن شئت بعد ذلك غزوتهم بنفسك وإن شئت أغزيتهم، ثم سكت وسكت الناس. # ثم قال لهم أبو بكر: ما ترون؟ # فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: إني أرى أنك ناصح لأهل هذا الدين، شفيق عليهم، فإذا رأيت رأيا تراه لعامتهم صلاحا فاعزم على إمضائه فإنك غير ظنين (3). # وبعد ذلك تكلم كل من طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة وسعيد بن زيد ومن حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار (4) كلاما بهذا المعنى (4). وعلي رضي الله عنه ساكت فقال أبو بكر: ماذا ترى يا أبا الحسن؟ فقال: أرى أنك إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نصرت عليهم إن شاء الله. فقال: بشرك الله بخير. # ومن أين علمت ذلك؟ # قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # PageV01P080 # (لا يزال هذا الدين ظاهرا على ms0063 كل من ناوأه، حتى يقوم الدين وأهله ظاهرون). # فقال: سبحان الله! ما أحسن هذا الحديث! لقد سررتني به سرك الله. # ثم التفت الصديق إلى الصحابة وقال: # (أيها الناس. إن الله قد أنعم عليكم بالاسلام وأكرمكم بالجهاد، وفضلكم بهذا الدين على كل دين، فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام، فإني مؤمر عليكم أمراء، وعاقد لكم ألوية. فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم لتحسن نيتكم وأشربتكم وأطعمتكم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون). # فأجابه خالد بن سعيد وهو أخ لعمرو بن العاص قائلا: # أنت أميرنا ونحن رعيتك، فمنك الامر ومنا الطاعة. فنحن مطيعون لامرك وحيثما توجهنا نتوجه. فقال الصديق: جزاك الله خيرا. تهيأ لقيادة هذا الجيش. # فقبل خالد ذلك وقال: إنني مع إخواني وأبناء عمومتي قد وطنا العزم على الجهاد في سبيل الله وسنبذل ما في وسعنا لجهاد الكفرة. عسى الله أن يحقق لنا أملنا أو يكون في ذلك انقضاء آجالنا. وإني أشهدك على ذلك وسائر من حضر. وإننا لا نرجو ثناء من أحد. فأثنى الصديق على موقفه. # (وكان خالد عاملا لرسول الله على اليمن) فرأى الفاروق أن حرب الشام تقتضي قائدا أكفأ منه فقال للصديق: يا خليفة رسول الله! إن خالدا الذي عينته قائدا لهذا الوجه هو أهل لذلك بلا شك، ولكن في المسلمين رجالا هم أجدر بذلك منه لان أمر بني الأصفر ليس سهلا، فلديك مثلا أبو عبيدة وهو رجل مجرب وكذلك معاذ بن جبل وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان فالأولى أن يتولى القيادة مثل هؤلاء حتى تأتي النتائج على أفضل وجه (1). # فوافق أبو بكر على اقتراح عمر واستدعى هؤلاء الرجال وقال لهم: يا أبا عبيدة ويا معاذ ويا شرحبيل ويا يزيد: أنتم من حماة هذا الدين وقد فوضت إليكم أمر هذه الجيوش فاجتهدوا في الامر واثبتوا وكونوا يدا واحدة في مواجهة عدوكم. # PageV01P081 # ثم قال عمر: يا خليفة رسول الله. أرى أن عدد هذا الجيش أقل من أن يواجه الروم فاكتب إلى أهل اليمن ترغبهم في ms0064 امدادهم. فوافق الصديق على ذلك وكتب إلى أهل اليمن يدعوهم إلى المشاركة في حرب الروم (1). # وحين وصلت الرسالة فأجابوا دعوته وأسرع أربعة آلاف فارس بقيادة قيس بن هبيرة المرادي نحو المدينة. فأثنى أبو بكر عليهم. ثم اتجه الجميع نحو مقصدهم وقد شيعهم أبو بكر راجلا مسافة خارج المدينة. فقال له يزيد: يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن نترجل. فقال أبو بكر: إنني ما سرت إلا ابتغاء مرضاة الله واستمر كذلك حتى ثنية الوداع ثم قال ليزيد: يا يزيد اجتهد ما استطعت، وإياك والجزع، واعلم بأنك ذاهب إلى أرض العدو فيها كثير، والنعم وافرة، فلا تغفلن عن ذكر الله بأي حال. ولتكن معه بقلبك. إياكم وقتل النساء والأطفال ولا تقلعوا نخلا ولا شجرة وحاذر من قتل الشيوخ والأطفال. ولا تقتل أحدا بدون علة. ولا تخربوا عامرا. كي ينصركم الله. الذي هو على كل شيء قدير (2). # ثم رفع أبو بكر يديه بالدعاء وتوجه للقبلة وقال (3): يا رب لقد خلقتنا من العدم وأبلغت إلينا رسالتك على لسان رسولك محمد صلى الله عليه وسلم حتى تفقهنا في هذا الدين، وقد رغبنا بالجنة، وحذرنا من النار، وقد هدانا بعد الضلالة فصرنا مؤمنين بعدما كنا غارقين في الكفر. ففضلك علينا عظيم جدا، كنا مفترقين فاجتمعنا بلطفك، وقد أمرتنا بإظهار دينك وإعلاء كلمتك حتى يدخل الناس في هذا الدين، أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون. والآن ها نحن في سبيلك سائرون، ولرضاك طالبين، نجاهد من لا يعرفك، أو يشرك بك يا إلهي كن للمؤمنين بك عونا وسندا، وأهلك عدونا. # واجعل أمة محمد جريئة عليهم وثبت أقدام المترددين منا، وزلزل الأرض تحت أقدام عدونا، وألق الرعب في قلوبهم، وارزقنا أرضهم وديارهم يا إلهي يا قادر ويا رحمن. # PageV01P082 # ثم أمر (القادة) بمراعاة أحوال الجنود وتقديم الاخلاص والاتحاد ثم استودعهم الله. وانطلقوا إلى وجهتهم لغزو الروم في بلاد الشام. # ثم وصل الخبر إلى هرقل ملك الروم وقد كان في فلسطين. فأقسم مع نسائه وأولاده على مقتضى ms0065 دينه ومذهبه بأن يثبتوا في قتال المسلمين، وأنه ما دام يوجد منهم رجل واحد على قيد الحياة فلن يرجعوا ولن يعودوا حتى يفتحوا فلسطين. # ثم استدعى هرقل قادة جيشه وشرح لهم كيفية وصول جيش العرب وقال عنهم: إنهم يملكون فكرة هائلة، ويدعون أن نبيهم أخبرهم بالنصر على هذه البلاد، وهم بناء لذلك جاؤوا إلينا وليس لديهم شك في بشارة نبيهم] (1). ودينه هدى وفعاله تقى، فلما غيرتم وبدلتم لجمع فيكم قوم ما كنا نعتد بهم ولا نخاف أن نبتلى بهم، والآن فقد ساروا إليكم حفاة عراة جياعا نياعا قد أطرهم (2) إلى بلادكم قحط المطر وجدوبة الأرض وسوء الحال، وقد جاؤكم وهم يزعمون أن نبيهم الذي كان لهم خبرهم بأنهم ظاهرون على بلادكم وأهلها وقد أتوكم بنسائهم وأولادهم، وهم لا يشكون في الذي قال لهم نبيهم أنه سيكون، فخذوا الآن أهبتكم وأعدوا لهم عدتكم وسيروا إليهم وقاتلوهم عن دينكم وبلادكم ونسائكم وأولادكم، ألا! وإني شاخص عنكم وأنا ممدكم بالخيل والرجال ومؤمر عليكم أمراء فاسمعوا لهم وأطيعوا، قال: ثم بعث هرقل بكتابه إلى دمشق وحمص وأنطاكية وحلب وجميع بلاد الشام فحذرهم مسير العرب إلى ما قبلهم، ثم جمعهم وحشر منهم خلقا كثيرا. # قال: وسار أبو عبيدة بن الجراح بالمسلمين من المدينة حتى صار إلى وادي القرى (3) فنزل هنالك حتى اجتمع إليه الناس، ثم سار من وادي القرى فأخذ على الأقرع من بلاد الحجر، وهي بلاد صالح النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخذ على ذات المنار (4) على الأخضر، ثم الجنينة، ثم على تبوك ثم دخل أرض الشام (5)، وبلغ ذلك # PageV01P083 # هرقل ملك الروم، فسار ملك الروم من فلسطين في خيله ورجله حتى صار إلى أنطاكية فنزلها. # وبلغ ذلك أبا عبيدة بن الجراح فكتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه (1): # بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله أبي بكر، خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله من عامر بن الجراح [سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو،] أما بعد فإني ms0066 أسأل الله عز وجل أن يعز الاسلام وأهله عزا كثيرا (2)، وأن يفتح للمسلمين فتحا مبينا، (3) وإني أخبر الخليفة أن هرقل ملك الروم قد تنحى من بين أيدينا ونزل مدينة يقال لها أنطاكية وقد بعث إلى أهل مملكته، فحشرهم إلى ما قبله وقد اجتمع إليه منهم خلق كثير على الصعب والذلول (4) وهم يزيدون على ثمانين ألفا سوى ما في سائر المدائن بالشام من الخيل والجنود، وقد أحببت أن أعلمك لترى فيه رأيك - والسلام [عليك ورحمة الله وبركاته]. # قال: فلما قرأ أبو بكر رضي الله عنه كتاب أبي عبيدة بن الجراح كتب إليه (5): # بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي عبيدة بن الجراح، أما بعد فقد أتاني كتابك فقرأته وفهمت ما ذكرت فيه من أمر هرقل ملك الروم ونزوله بأنطاكية، فأما نزوله بها فان ذلك هزيمة له ولأصحابه، وفتح من الله عز وجل عليك وعلى المسلمين إن شاء الله عز وجل، وأما حشره إليه الجنود من أهل مملكته وجمعه لهم ولكم الجموع فإن ذلك ما كنا نعلم وتعلمون أنه سيكون ذلك منهم، وقد علمت يا أبا عبيدة أنه ما كان قوم ليتركوا ملكهم وسلطانهم بغير قتال، ومعك بحمد الله رجال يحبون الموت كحب الحياة ويحتسبون في حبهم أبكار نسائهم وعقائل أموالهم، والقهم بهم ولا تستوحش لقلة من معك من # PageV01P084 # أصحابك، فقد علمت أن رجلا واحدا من المسلمين أكثر من ألف رجل من المشركين، فباشرهم بنفسك، والقهم بجندك فان الله عز وجل معك فثق به فإنه منجز وعده وناصر عبده، وأنا مع ذلك ممدك بالخيل بعد الخيل والجنود بعد الجنود حتى تكتفى إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والسلام (1). # فلما أراد أبو بكر رضي الله عنه أن يوجه بالكتاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أقبل إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني قد كتبت إلى أبي عبيدة بهذا الكتاب وعلمت أن معاذ بن جبل وشرحبيل بن حسنة ms0067 ويزيد بن أبي سفيان هؤلاء الثلاثة هم أمراؤك فاكتب إليهم بما كتبت إلى أبي عبيدة وشجعهم على اللقاء لعدوهم كي لا يجدون في أنفسهم، فكتب إليهم أبو بكر رضي الله عنه نسخة واحدة (2): أما بعد فقد بلغني جمع الروم بأنطاكية وكثرتهم واحتشادهم بها، وما قد أزمعوا عليه من أمورهم وقد علمتم أنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان الله تبارك وتعالى ينصرنا ويمدنا بالملائكة الكرام الأبرار، وإن ذلك الدين الذي ندعوا إليه الناس ونقاتلهم عليه هو هذا الدين، فوربكم لا يجعل الله المسلمين كالمجرمين، ولمن (3) شهد بشهادة الحق كمن يعبد الصلبان ويكفر بالرحمن، وقد كتبت إلى أبي عبيدة بن الجراح بنظير هذا الكتاب، فانظروا إن قضى الله عز وجل لكم مع الروم حروبا فالقوهم بقلوب شديدة وآراء عتيدة فإن الله عز وجل معكم، ولن يخذلكم وقد خبركم في كتابه إن الفئة القليلة من أوليائه تغلب الفئة الكثيرة من أعدائه، فثقوا بالله وارضوا به، وأنا مع ذلك ممدكم بخيل ورجال حتى تكتفوا ولا قوة إلا بالله. (4) قال: ثم وجه أبو بكر رضي الله عنه بهذه الكتب الثلاثة إلى أمراء الأجناد شرحبيل بن حسنة ومعاذ بن جبل ويزيد بن أبي سفيان. # قال: ثم دعا أبو بكر بهاشم بن عتبة بن أبي وقاص وهو ابن أخي سعيد بن أبي # PageV01P085 # وقاص فقال: يا هاشم! إن من سعادة جدك، ووفاء حظك أنك أصبحت ممن تستعين به الأمة على جهاد عدوها، وممن يثق الوالي بوفائه وصدقه ونصحه وبأسه وشجاعته، وقد بعث أبو عبيدة بن الجراح والمسلمون يخبرونني باجتماع الكفار عليهم، فأخرج فعسكر حتى أندب إليك الناس إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال هاشم بن عتبة: أفعل ذلك إن شاء الله ولا أعصى لك أمرا. # قال: فعندها قام أبو بكر رضي الله عنه في الناس خطيبا فحمد الله عز وجل وأثنى عليه، ثم قال (1): # أيها الناس! إن إخوانكم من المسلمين الذين أغزيناهم إلى الشام إلى جهاد عدوهم معافون، مدفوع عنهم، ms0068 مصنوع لهم، قد ألقى الله الرعب في قلوب أعدائهم وقد جاءني كتاب أبي عبيدة يخبرني بهرب هرقل ملك الروم من بين أيديهم، ونزوله مدينة أنطاكية، وقد اجتمع عليه خلق كثير من النصرانية، وقد رأيت أن أمد إخوانكم بجند منكم فيشد الله عز وجل بكم ظهورهم، ويكبت بكم أعدائهم، ويلقى الرعب في قلوبهم، فانتدبوا، رحمكم الله، مع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، واحتسبوا في ذلك الاجر العظيم، فإنكم إن قاتلتم ونصرتم فهو الفلح (2) والغنيمة وإن هلكتم فهو الشهادة والسعادة. # قال: فانتدب لأبي بكر خلق كثير من همدان وأسلم وغفار ومزينة ومراد والأزد وجميع القبائل (3)، وفيمن انتدب إليه يومئذ رجل من الأزد يقال له الهلقام بن الحارث بن معمر بن النضر بن خليد التكي (4) وكان يعد بألف فارس، وله قصة عجيبة من قبل إسلامه، ذكر أنه كان بدء أمر الهلقام بن الحارث أن العرب في الزمن الأول كانت يغير بعضها على بعض ويقتل بعضها بعضا. ### | ذكر الهلقام بن الحارث وما كان من أمره قبل إسلامه رواه بعض العلماء عن آخر. # قال: ولم يكن في ذلك العصر في قيس غيلان خاصة أفرس من هؤلاء الثلاثة # PageV01P086 # عامر بن الطفيل العامري، وعنترة بن شداد العبسي، والعباس بن مرداس السلمي، وكانوا مولعين بالغارة على أحياء العرب. قال: فاجتمعوا على ذلك ثم إنهم خرجوا وخرج معهم ألف رجل من أخيار قيس وشجعانهم فلم يزالوا يسيرون، فلم يأتوا على حي من أحياء العرب إلا أبادوهم، وأوجعوهم بالأسر والقتل يذلون العرب ما يفلت منهم أحد إلا مأسورا أو مقتولا أو مفلولا أو مغلوبا. قال: فجمعوا من الغنائم ما لم يجمعه أحد في عمره، ثم إنهم أتوا أجمعين يريدون بلادهم فجعلوا يفتخرون بما صنعوا بالناس، ويقولون في ذلك الأشعار ويذكرون جلادتهم، وصبرهم في الحرب، وقتلهم الأبطال، وأخذهم الأموال. قال: فأول من تكلم منهم وفخر بقومه عامر بن الطفيل العامري، قال: ثم تكلم العباس بن مرداس السلمي، قال: ثم تكلم عنترة بن شداد وفخر بقومه. # قال: فلم يزالوا سائرين بالغنائم ms0069 والأموال حتى نزلوا واديا قريبا من أرض اليمن يقال له ((السلي)) (1) فلما استقر بهم الموضع نظروا فإذا هم بخيمة قد لاحت لهم قريبة منهم، فأرسلوا ثلاثة نفر من أصحابهم لينظروا ما هي ومن فيها، فأقبل ثلاثة نفر إلى الخيمة فإذا هم بعجوز قاعدة فكلموها فلم تكلمهم، فقال أحد الثلاثة لصاحبه: # أنزل عن فرسك فانظر من في هذه الخيمة، فنزل ومشى نحو باب الخيمة، فصاحت به العجوز: وراءك! فلم يفعل حتى صار إذا قريبا من باب الخيمة فوثبت إليه العجوز فضربت بيدها إلى جنبه ثم رفعته فضربت به الأرض فإذا هو ميت، فنزل الثاني ومضى إلى صاحبه فنظر إليه ميتا فلم يرجع لكنه مشى نحو الخيمة، فصاحت به العجوز: وراءك قليلا لا ألحقك بصاحبك، فلم يفعل ودنا من باب الخيمة فرفعت العجوز يدها ووكزت في صدره وكزة فإذا هو قد خر ميتا، فلما رأى الثالث انصرف إلى أصحابه فخبرهم بذلك. # قال: فركب عامر بن الطفيل والعباس بن مرداس وعنترة بن شداد في قريب من مائة فارس من أبطال قومهم وخلفوا الباقين من أصحابهم عند الغنائم والأمتعة، فلما نظرت العجوز إلى هؤلاء المائة قد أقبلوا صاحت وقالت في صيحتها: يا هلقام! # PageV01P087 # الحزم، الحزم، قال: فاقشعر القوم من صيحة العجوز وإذا بجارية قد أطلعت رأسها من الخيمة كأنها القمر في ليلة البدر حسنا وجمالا فقالت: يا هؤلاء! انصرفوا من حيث جئتم من قبل أن يأتيكم الليث الهصور، قال: فضحك عامر من تهديدها إياهم ثم أقبل على العباس بن مرداس فقال: ويحك يا عباس! ما أظن العرب والعجم ولدت مثل هذه الجارية فانزل إلى هذه الجارية فإما تقتل وإما نعينك، فقال العباس: وإن قلت هذا وافتخرت فأنت قد قلت وهذا عنترة أيضا قد قال، وهذا وقت يختبر فيه الأبطال فانزل يا عامر ويا عنترة وأنا معكما. # قال: فبينما هم كذلك في المحاورة وإذا هم بغلام أمرد قد طلع عليهم من شعب في ذلك الوادي كأنه الشمس الطالعة بهاء وجمالا وحسنا على فرس له أدهم ms0070 أغر محجل وفي يده رمح يجره من طوله وفي رأس الرمح سنان كأنه شعلة نار، وللغلام ذؤابة قد سقطت على عجز الفرس وعليه قميص وإزار ومعه ثلاثة عبيد له سود يمشون بين يديه، فلما نظر إلى الخيل قد أحدقت بباب الخيمة جعل يزئر كالليث المغضب عند فريسته وهو في ذلك. # قال: ثم دنا من القوم فقال: ما بغيتكم؟ فلا واللات والعزى ما عندي إلا شويهات يسيرة وعشرة من الإبل وثلاثة أفراس وسلاحي وعبيدي هؤلاء وأمي وأختي وأهلي هي بنت عمي! فانصرفوا عني ولا تهيجوني، فإن كنتم قد حدثتكم أنفسكم وظننتم أنكم تأخذون مني شيئا فبئس ما ظننتم، فقال عامر بن الطفيل: من أنت يا غلام؟ قال الغلام: أنا الهلقام بن الحارث بن معمر بن النضر بن خليد الأزدي أحد بني العتيك بن الأزد وابن عمي سبرة بن قرة فارس العنقاء الذي أغار على أحياء العرب فأسر ثم أطلقهم بعد ذلك عن مقدرة، فقال عامر بن الطفيل: فكيف اخترت هذا الوادي فنزلته منقطعا عن الناس؟ فقال: إني جنيت في قومي جناية، قتلت منهم فرحلت عنهم بأختي وأمي وأهلي ومالي حتى نزلت هذا الوادي فقلت: أكون فيه مقيما إلى أن ترضى بنو عمي فيصفحون عن دم قتيلهم ثم أعود إليهم، ولكن خبروني من أنتم؟ فقال له: أنا عامر بن الطفيل العامري، وهذا عنترة بن شداد العبسي، وهذا العباس بن مرداس السلمي ومع كل واحد منا وجوه قومه وأشراف عشيرته. # قال: فتبسم الغلام ضاحكا ثم قال: والله! ما كنت بالذي أبالي بكم ولو كان معكم ابن عمي عمرو بن معدي كرب الزبيدي فإنه أشد منكم جأشا، وأجرأ منكم جنانا، وأشجع منكم قلبا، ولقد أقررتم له بذلك عند النعمان بن المنذر وخضعتم له PageV01P088 # صاغرين، فقال له عامر بن الطفيل: وما علمك أنا أقررنا له؟ فقال: علمني شعرك حين فضلته على نفسك، قال: ثم أقبل الغلام على العباس بن مرداس السلمي فقال له: يا عباس! ألست القائل يوم فضلت عمرا على نفسك، قال: ثم أقبل ms0071 الغلام على عنترة بن شداد وقال له: وأما أنت يا عنترة فإنك لم تشهد ذلك المشهد والكذب عار على الأحرار، قال: فقال له عامر بن الطفيل: حسبك يا غلام من كثرة القول، أما ما ذكرت من تفضيلنا عمرا على أنفسنا فلعمري لقد كان ذلك في وقت من الأوقات ولم نجد بدا من تفضيله ولكن ما أنت وعمرو ولست كعمرو ولا دون عمرو وإنما أنت صبي من الصبيان فخل عن أختك وأهلك وانج بنفسك وخدمك وأمك وسائر أموالك، فقال الغلام: أيجوز هذا يا عامر أن أخلى عن أختي وأهلي وقد أوصاني... (1) بحفظ الجار، وطلب الثأر، ونفى العار، ومنع الدمار، لسنا واللات والعزى كأولاد قيس غيلان، إنما نحن ولد قحطان، أصحاب الضراب والطعان، ملوك الشرق والغرب، وأحلاس (2) الوخز والضرب، ما أنتم عندي إلا كما قال سيدكم عمرو بن معدي كرب حيث يقول - شعر: # والله ما لبني غيلان مكرمة * فرع قديم ولا أس بتأسيس. # قال: فغضب عامر بن الطفيل من قوله غضبا شديدا وهم أن يحمل عليه ثم خشي أن يغلبه الغلام فتكون فضيحة ومسبة عليه، فأقبل على أصحابه وقال لرجل يقال له (ضمضم): يا ضمضم! أخرج إلى هذا الغلام فاكفنا أمره، فخرج ضمضم نحو الهلقام وهو يرتجز، فبدر إليه الهلقام بن الحارث وهو يرتجز، فالتقيا بطعنتين طعنه الهلقام طعنة أرداه عن فرسه قتيلا. # قال: فاغتم القوم بقتل ضمضم بن عاصم العامري غما شديدا، فأقبل عنترة بن شداد على رجل من بني عبس يقال له (عمرو بن دعامة) فقال: ويحك يا عمرو! أخرج إلى هذا الكلب فاكفنا أمره، فخرج عمرو بن دعامة نحو الهلقام وهو يرتجز، قال: فبدر إليه الهلقام بن الحارث، قال: والتقيا بطعنتين طعنه الهلقام طعنة فقتله، ثم جال جولة ووقف. # PageV01P089 # قال: فلما نظر العباس بن مرداس السلمي إلى هذا الغلام وقد قتل رجلا من بني عامر، ورجلا من بني عبس أقبل على رجل من فرسان بني سليم يقال له (حرشل بن زياد) فقال له: ويحك يا حرشل! واللات والعزى إني ms0072 لأعلم أنه ما يقوم لهذا الغلام أحد سواك فإن رأيت أن تشفى صدور بني عمك منه فعلت منعما! # قال: فخرج حرشل بن زياد السلمي نحو الهلقام بن الحارث وفي يده حربة له كالشهاب فجعل يلعب بها ويقلبها وتحته فرس له أشقر وهو يرتجز، قال: فبدر إليه الهلقام بن الحارث وهو يرتجز، قال: والتقيا بطعنتين طعنه الهلقام [طعنة] قتله، ثم وقف في ميدان الحرب ثم دعاهم إلى البراز، فلم يزل يخرج إليه رجلا بعد رجل حتى قتل منهم بضعة عشر رجلا. # قال: وامتلأ القوم غيظا وغضبا وندموا على مجيئهم إليه وخشوا العار أن ينصرفوا عنه وهم فرسان وسادات من سادات العرب، ثم انهم هموا بالحملة عليه، قال: وأحس الغلام بذلك فقال: يا معشر العرب! أما تستحون من هذا الذي أزمعتم عليه؟ إن كنتم تريدون ذلك فارقبوا علي قليلا حتى أفرغ على سلاحي، فقال له عامر بن الطفيل: قد فعلنا ذلك فأته إلى ما تريد، قال: فقنع الغلام فرسه ومضى موليا نحو باب الخيمة فصاح وقال: يا أمه! هلمى سلاحي، ثم نزل عن فرسه والقوم قد أمهلوه وينظرون إليه فخرجت إليه بالدرع فأفرغته عليه وناولته ابنة عمه السيف وأعطته أخته عمامته فاعتجر بها، ثم تناول رمحه واستوى على فرسه كالبرق الخاطف، ثم أقبل نحو القوم، قال: ثم إنه حمل عليهم ففرق جمعهم وجعل يكر عليهم ويكرون عليه حتى أثخنوه بالجراحات، ثم حمل عليه عامر بن الطفيل والتقيا بطعنتين طعنه الهلقام طعنة نكسه عن فرسه وحمل عليه عنترة بن شداد ليطعنه فكبا بعنترة فرسه فإذا هو في الأرض، فانهزم الباقون من بين يديه وفيهم العباس بن مرداس السلمي. # قال: وصاح الهلقام بغلمانه فأقبلوا إليه يحصرون فقال: دونكم هذين الكلبين فاكتفوهما، قال: فكتف عامر بن الطفيل وعنترة بن شداد. # قال: ومر الهلقام في طلب القوم فإذا هم يسوقون الغنائم سوقا عنيفا، فلما نظروا إليه قد وافاهم رجعوا عنها، فجاولوه وفجاولهم وطاعنوه وطاعنهم وجرحوه وجرحهم، ثم قال: واللات والعزى وحق أنصار اليمن لا رجعت عنكم ms0073 دون أن أقتل أو أبيدكم أو تدفعون إلى العباس بن مرداس أسيرا! وإذا فعلتم ذلك رجعت عنكم PageV01P090 # وإلا فهذا دأبي ودأبكم أبدا فكونوا من ذلك على يقين. قال: فبادر القوم إلى العباس بن مرداس فأحاطوا به من كل جانب حتى نكسوه عن فرسه ثم كتفوه ودفعوه إليه ومضى القوم على وجوههم. # وأقبل الهلقام بالعباس إلى موضع الوقعة وغلمانه وقوف على عامر بن الطفيل وعنترة بن شداد، فقال لغلمانه: اجمعوا علي ما قدرتم عليه من غنائم هؤلاء القوم، فجمع غلمانه شيئا مما تخلف عن القوم، فجعل الهلقام يسوق الغنائم بين يديه وهؤلاء الثلاثة يساقون مع الغنائم نحو باب الخيمة والهلقام من ورائهم وقد رفع صوته ثم نزل عن فرسه على باب الخيمة، فخرجت إليه بنت عمه فجعلت تمسح وجهه بردائها، وخرجت إليه أخته فأخذت عنه سلاحه، وتقدمت إليه أمه فقبلت بين عينيه، ثم إنها حطت عن الفرس السرج واللجام وأقامتها على مذودها (1). # قال: وقعد الهلقام ثم دعا بالطعام فأكل، فلما فرغ من طعامه أمر فقرب إلى هؤلاء الثلاثة المائدة بعد أن أطلقهم من كتافهم فأكلوا، فلما فرغوا من طعامهم أمر بهم فأعيدوا في كتافهم، ثم رفع صوته. # قال: فمكث هؤلاء القوم في يده شهرا كاملا ونحو ذلك لا يكلمهم ولا يسألهم عن شئ غير أنه يجري عليهم من الطعام ما يقوتهم والقوم يمنعهم الحياء أن يسألوه التخلية عنهم بما كانوا ارتكبوا منه وتعرضوا لحرمته وبغوا عليه. # فلما كان بعد شهر اتصل الخبر ببني عمه فسرهم ما كان منه، ثم انهم صفحوا عنه وعن دم قتيلهم، وسألوه أن يصير إليهم، فتهيأ لذلك وهيأ الرواحل لامه وأخته وامرأته وغلمانه، ثم أمر أن تهيأ ثلاثة رواحل لهؤلاء الثلاثة ليحملهم إلى قومه، فشق ذلك عليهم وجعل عامر بن الطفيل يقول لعنترة وللعباس بن مرداس: ويحكما إنه متى حملنا هذا الغلام إلى قومه فذاك هو العار الذي لا يغسل عنا أبدا ولكن ذروني أتكلم بما أريد فأسأله الصفح فلعله أن يفعل، فقالا له: شأنك يا عامر، ms0074 فخرج إليه عامر بن الطفيل والفتى قاعد على باب الخيمة فحياه بتحية الجاهلية ثم قال له: # يا سيد الفتيان كلها قاطبة غير مدافع أتأذن لأسيرك في الكلام؟ فقال له الهلقام: # تكلم ما أحببت، فأنشأ عامر بن الطفيل يقول أبياتا من جملتها: # PageV01P091 # فامنن عليه يا بن نضر الخير * بالعفو والرضا والتيسير خل سبيل الحامد الشكور قال الهلقام: إني قد فعلت يا غلام! خل سبيله واردد عليه فرسه وسلاحه، قال: فأنشأ عنترة بن شداد يقول أبياتا، من جملتها: # جاء على أجرد اعوجي * مثل هزبر غالب خيسى قد طال حبس الجائر الشقي * خل سبيل الشاكر الوفي فقال الهلقام: قد فعلت يا غلام! حل كتافه واردد عليه فرسه وسلاحه، قال: # فأطلق الغلام سبيله ورد عليه فرسه وسلاحه، قال: ثم أنشأ العباس بن مرداس أبياتا من جملتها: # والضرب عند الحرب بالصمصام * قد طال حبس... (1) المجرام فامنن علي واغتفر اجرامي فقال الهلقام: قد فعلت، يا غلام فحل عنه كتافه واردد عليه فرسه وسلاحه. # قال: فأطلق سبيلهم ورد عليهم أسلحتهم وأفراسهم، ثم دعاهم وأجلسهم بين يديه، ثم قال: اعلموا أني لست كأنتم من الناس، ولا أقاس بأمثالكم في الشدة والنجدة والشجاعة والبأس، ولكني إنما نصرت عليكم لأنكم وافيتموني في الشهر الحرام فتعرضتم لحرمتي، وأردتم هتكي وفضيحتي فنصرت عليكم للذي كان من بغيكم في الشهر الحرام، ولعمري بي لفعلتم غير أني لم أحب للذي أن تتحدث العرب بذلك ويقول بعضها لبعض: إن الهلقام لئيم الظفر، وهذه غنائمكم خذوها إليكم وانصرفوا إلى قومكم ولا تحدثوا أحدا بالذي كان منكم لأني لا أحدث أحدا مع أني أعلم أنه حديث لا ينكتم. # فانصرف القوم إلى بلادهم وانصرف الهلقام إلى بلاده وقومه وبني عمه من الأزد وشاع خبره وخبر هؤلاء القوم في قبائل العرب فتحدثوا به ودار في أفواه أهل الأدب. # فأما عنترة بن شداد العبسي مات ولم يدرك الاسلام، وأما العباس بن مرداس فإنه # PageV01P092 # رزق الاسلام (1) وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم وغزا معه في عشرين غزوة وقاتل في يوم ms0075 حنين قتالا شديدا إلى أن مضى لسبيله، وأما عامر بن الطفيل فإنه أدرك الإسلام ولم يسلم (2)، وأما هذا الفتى الهلقام فإنه لم يزل في ديار قومه ثم أسلم وبطئ عن القدوم على رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) حتى مضى لسبيله، ثم كانت الردة فلم يشهد شيئا منها، ثم قدم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في وفد اليمن، فلما ندب أبو بكر الناس إلى حرب الروم كان هذا هلقام ممن انتدب مع سبعين رجلا من قومه وبني عمه فصار في جيش هاشم بن عتبة بن أبي وقاص. # ثم رجعنا إلى الخبر الأول، فلما نظر أبو بكر رضي الله عنه إلى كثرة من أجابه من المسلمين قال: الحمد لله على صنعه لهذه الأمة فإنه ما زال يرتاح لهم مدد من أنفسهم يشد الله به ظهورهم ويقصم به عدوهم. # قال: وجعل الناس يجتمعون إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص حتى صار في قريب من ثلاثة (3) آلاف، فلما هم بالمسير أقبل عليه عمه سعد بن أبي وقاص فقال له: يا ابن أخي! إنك خارج في هذا الجيش ومعك سادات العرب فإياك والاستطالة على أحد منهم فلست أفضل من غيرك إلا بالتقى. وانظر إذا لقيت عدوك فلا تضربن ضربة ولا تطعنن طعنة ولا ترمين بسهم إلا وأنت تريد بذلك وجه الله عز وجل فإنك خارج من الدنيا وشكا (4) وراجع إلى دار الآخرة ولدار الآخرة خير للمتقين، فلم يصحبك من هذه الدنيا إلا قدم صدق قدمته، يا بن أخي، وعمل صالح قدمته (5) والسلام. قال هاشم بن عتبة: يا عم! إن تعديت وصيتك فإني إذا لمن الخاسرين، أتراني يا عم ارتحالي إلى عدوي ورواحي وبكوري وسعيي (6) وجلادي وضربي بسيفي وطعني برمحي رياء للناس! كلا يا عم! لا تظن بي هذا. # قال: فودعه عمه وأقبل إليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ليودعه فأوصاه وعهد # PageV01P093 # إليه ثم قال (1): يا هاشم! إنا كنا فيما مضى ننتفع من الشيخ الكبير بمشورته ورأيه وحسن تدبيره وننتفع ms0076 من الشاب الحدث ببأسه وصبره وبنجدته، وقد جمع الله لك هذه الخصال كلها، فأنت بحمد الله حدث السن شجاع القلب مستقبل الخير، فإذا لقيت عدوك غدا فاصبر وصابر، واعلم بأنك لم تخط خطوة ولم تنفق نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا تقطع واديا ولا يصيبك مخمصة في سبيل الله إلا كتب لك بها عمل صالح! إن الله لا يضيع أجر المحسنين. # فقال هاشم: إن يرد الله بي خيرا يجعلني كذلك، وبعد يا خليفة رسول الله! # فإني (2) أرجو أن أقبل، فقال أبو بكر: وفقك الله للخير، يا هاشم! إنك سائر إلى أبي عبيدة بن الجراح وقد صحبك رجل من المعدودين في الجاهلية بالشجاعة والنجدة يقال له هلقام بن الحارث الأزدي، وأنا أوصيك به خيرا فإنه رجل يعد بألف فارس غير مدافع فلا تشكه في نفسك وألن له جانبك واخفض له جناحك، وقد صحبك أيضا رجل عظيم الشرف ذو بأس ونجدة وشدة وشجاعة وهو قيس بن هبيرة (3) فأحسن صحبته في طريقك ما استطعت، وإذا قدمت إلى أبي عبيدة فأقرئه مني السلام ومره أن يدنيه ويلطف به ويستعين برأيه فإنه رجل لا يملأ قلبه شئ، فقال هاشم بن عتبة: أفعل ذلك إن شاء الله عز وجل ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # قال: ثم أقبل أبو بكر رضي الله عنه على قيس بن هبيرة فقال له: يا قيس! # إنك خارج مع هاشم بن عتبة وقد أوصيته بك وقد أمرته أن يأمر أبا عبيدة بالوصاة بك وإلا بمشورتك فإذا قدمت إن شاء الله فلا تعصين له أمرا فإنه لا يأمرك إلا بخير، وهو الأمير الذي إن ظلم له يظلم وإن أسئ إليه غفر وإن قطع وصل، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، وقد بلغني عنك أنك فارس مجرب وقد كان ذلك عنك في زمن الجاهلية، وليس في ذلك إلا الإثم والقطيعة للرحم، فاجعل بأسك اليوم في الاسلام (4) على من كفر بالله وعبد غيره، وقد جعل الله عز وجل في الجهاد الاجر العظيم. # PageV01P094 # قال: ثم أقبل أيضا ms0077 على الهلقام بن الحارث ليوصيه فقال: يا خليفة رسول الله! لا توصني بشئ فقد سمعت وصيتك فإن (1) بقيت وأخر الله عز وجل في الأجل فسيبلغك من حيطتي على الاسلام والمسلمين وجهادي في المشركين ما يسرك الله عز وجل به ويرضيك عني إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: ثم سار هاشم بن عتبة في ثلاثة آلاف مجهز حتى قدم على أبي عبيدة بن الجراح، قال: فسر أبو عبيدة وجميع المسلمين بقدوم هاشم بن عتبة ومن معه سرورا شديدا. # وأقبل إلى أبي بكر رضي الله عنه رجل من خيار المسلمين يقال له سعيد بن عامر بن خذيم (2) فقال (3): يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم! إنه بلغني أنك أردت أن تبعثني في هذا الوجه، ثم إني رأيتك وقد أمسكت عن ذلك فلا أدري لأي شئ كان ذلك منك! فإن كنت تريد أن تبعث أحدا فأذن لي أن الحق بجماعة المسلمين فإني راغب في الجهاد، قال فقال له أبو بكر: يا أبا عمرو! إني لأرجو أن يرحمك الله فإني (4) ما علمت إلا أنك من المتواضعين المحبين الذاكرين الله عز وجل كثيرا (5) فأخرج رحمك الله يا أبا عمرو واضرب عسكرك خارج المدينة فأنت أمير على كل من تبعك. # قال: فخرج سعيد بن عامر حتى عسكر خارج المدينة في سبعمائة رجل، فلما أراد الرحيل إلى الشام أقبل بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال (6): يا خليفة رسول الله! يا ولي نعمتي! إنك إنما أعتقتني لأقيم معك وأؤذن # PageV01P095 # في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أذنت وأقمت، والآن فقد مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبيله وأنا لا أحب أن أؤذن لاحد من بعده، وأريد منك أن تأذن لي حتى أخرج فيما ينفعني، وتخلي سبيلي حتى أجاهد في سبيل الله فإن الجهاد أحب إلي من المقام، قال: فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ويحك يا بلال! إنما أعتقتك لوجه الله تعالى، ms0078 ولم أرد بذلك جزاء ولا شكورا، وهذه الأرض ذات الطول والعرض بين يديك فاسلك أي فجاجها أحببت، قال فقال بلال: يا خليفة رسول الله! لعلك وجدت علي في مقالتي، فقال أبو بكر: لا والله يا بلال! ما وجدت عليك ولا أحب أن تترك هواك لهوائي لأني قد علمت أن هواك يدعو إلى الله وإلى طاعته، وإنما أحببت أن تقيم معي في المدينة للاذان، واعلم أني سأجد لفراقك وحشة شديدة ولا بد من الفراق (1)، فاعمل صالحا يا بلال يكن زادك من الدنيا، ويذكرك الله عز وجل ما حييت، ويحسن لك الثواب إذا قدمت عليه، فقال بلال: جزاك الله من ولي نعمة، وأخ في الاسلام خيرا! فوالله ما علمتك إلا تأمر بالصبر والمداومة (2) على طاعة الله وما كنت أؤذن لاحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال: ثم خرج بلال مع سعيد بن عامر في هذا الجيش (3). وأقبل سعيد بن عامر إلى أبي بكر ليودعه، وأبو بكر رضي الله عنه في ذلك الوقت في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله)، فودعه أبو بكر رضي الله عنه ثم قال: يا معشر المسلمين! ارفعوا أيديكم إلى الله عز وجل وسلوه أن يصحب أخاكم هذا وأن يسلمه في طريقه، فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: ما من عدة من المسلمين رفعوا أيديهم إلى الله عز وجل يسألونه شيئا إلا استجابه الله لهم ما لم تكن معصية أو قطيعة رحم، قال: فعندها رفع المسلمون أيديهم في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) - وهم أكثر من خمسين رجلا، فقالوا: اللهم احفظ إخواننا من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم وارزقهم السلامة إنك على كل شئ قدير! قال: فقال سعيد: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما كنت أحب أن يدعى لي # PageV01P096 # بالسلامة فإني خائف أن يرزقني الله عز وجل السلامة ولا أستشهد، وإني لحريص على الشهادة، قال: فدعا المسلمون له بالشهادة (1). # وسار سعيد بن عامر من المدينة ms0079 في ألفي رجل من المسلمين يريد بلاد الشام، قال: ومضى المسلمون حتى لحقوا بأبي عبيدة بن الجراح. # قال: وجعل أبو بكر رضي الله عنه كلما قدم عليه وفد من العرب يوجه بهم إلى الشام الأول فالأول. قال: ونظرت الروم إلى جيوش العرب وقد أقبلت من كل أوب ففزعوا لذلك أشد الفزع ثم انهم كتبوا إلى هرقل ملك الروم يخبرونه بذلك ويسألونه المدد، فكتب إليهم هرقل فقال: إني قد عجبت منكم يا معاشر بني الأصفر ومن كتبكم إلي تخبروني بكثرة من أقبل إليكم من العرب (2)، وإني لاعلم أن مدينة واحدة من مدنكم فيها أكثر ممن جاءكم منهم بأضعاف متضاعفة، فإذا ورد عليكم كتبي هذا فالقوهم بالحد والحديد وقاتلوهم بالخيل والجنود، ولا تحسبوا أني كتبت هذا الكتاب وأنا لا أريد [أن] أمدكم بخيل ولا رجل، فوحق المسيح روح القدس لأبعثن إليكم من الجنود ما تضيق به الأرض العريضة الطويلة سعتها! # قال: ثم جعل هرقل يكاتب ملوك الروم ويسألهم المدد إلى حرب المسلمين، واتصل الخبر بأبي عبيدة بن الجراح، فكتب به إلى أبي بكر رضي الله عنه (4). # فلما ورد الكتاب إلى أبي بكر نادى في الناس فجمعهم ثم أرسل إلى وجوه # PageV01P097 # قريش من أهل مكة فدعاهم ثم استشارهم في أمر الروم، قال: فذهب أهل مكة ليتكلموا، فصاح بهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه صيحة أسكتهم ثم أقبل على أبي بكر فقال: يا سبحان الله! أتجمع من أسلم يوم فتح مكة من فرق السيف مع السابقين من المهاجرين والأنصار! فقال له أبو بكر: يا أبا حفص! إنما دعوتهم للمشورة لهذا الامر الذي نحن فيه ولهذا الخبر الذي ورد علينا من أبي عبيدة بن الجراح، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فالمهاجرون والأنصار أولى بالمشورة والانتصاح لهذه الأمة من أهل مكة، لان هؤلاء إنما قاتلناهم لتكون كلمة الله هي العليا، وقاتلونا ليطفئوا نور الله بأفواههم جاهدين على قتلنا، فلما أعز الله عز وجل دعوتنا وصدق أحدوثتنا ونصرنا عليهم تريد أن تقدمهم في الامر ms0080 وتستنصحهم في المشورة وتدنيهم بين يدي من هو خير منهم (1)، والله لا تفعل ذلك! قال فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا أبا حفص! إنه قد حسن إسلامهم وإنما أردت أن أدنيهم وأقربهم وأنزلهم منازلهم التي كانت منا إليهم، فأما إذ قلت ما قلت فإن رأيي لرأيك تبع. # قال: فشق ذلك على أهل مكة فوثب الحارث بن هشام المخزومي وهو أخو أبي جهل بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو فقالوا: إياك نريد بكلامنا يا عمر! ولك نخاطب وعليك نعتب، فأما خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو برئ عندنا من الغيظ والحقد والقطيعة، فقال عمر: تكلموا بما أحببتم، فقال سهيل بن عمرو: يا عمر بن الخطاب! ألسنا إخوانكم في الاسلام وبني أبيكم في النسب؟ # فقال عمر: بلى لعمري إنا لكذلك! فقال سهيل: فلم تؤخرونا وقد قدمنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال (2)..... في السابقة...... سهيل (3): يا عمر بن الخطاب...... (3) منه أشهدكم يا معشر المسلمين...... (4) # PageV01P098 # بدل كل نفقة أنفقتها على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم [نفقتين] (1) في سبيل الله، ولاقفن مكان كل موقف وقفته على رسول الله صلى الله عليه وسلم موقفين على أعداء الله. # قال: ثم وثب الحارث بن هشام [وقال مثل (2) -] ذلك القول، ووثب عكرمة بن أبي جهل ورجال أهل مكة... (3) فقال أبو بكر: اللهم بلغهم أفضل ما يؤملون واتجرهم... (4) قال وسر عمر بن الخطاب وغيره من المسلمين بما كان من أهل مكة... (5) شديدا. # قال: ثم دعا أبو بكر رضي الله عنه عمرو بن العاص فقال له... (6) أتحب أن تخرج في هذا الوجه إلى جهاد الروم؟ فقال عمرو: أحب ذلك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال له أبو بكر: هؤلاء أشراف قومك من أهل مكة يريدون الخروج (7)، فإن كانت نية صادقة فأخرج فعسكر خارج المدينة حتى أندب إليك الناس، قال عمرو: أخرج على أن أكون أميرا على جميع الناس، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أمير على كل ms0081 من أبعثه معك، قال عمرو: لا بل كل من أقدم [عليه] (8) من المسلمين بالشام. قال أبو بكر: لا ولكن أحد الامراء، فان جمعكم الله عز وجل على حرب واحد في موضع واحد فأميركم أبو عبيدة بن الجراح المقيم بأرض الشام. قال: فسكت عمرو بن العاص ساعة ثم قال: إني أفعل ما تأمر به يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ثم انصرف عمرو إلى منزله، فلما كان الليل سار إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسلم عليه ثم قال: يا أبا حفص إنك قد عرفت بصري بالحرب (9) وقد رأيت منزلتي عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) وقد علمت أن أبا بكر لا يعصيك في # PageV01P099 # شئ فلو جعلته أن يجعلني أميرا على جميع الأجناد الذين بالشام لرجوت أن يفتح الله عز وجل على يدي، ويرى المسلمون مني ما يسرون به إن شاء الله عز وجل، قال: # فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا هذا.... (1) عليه وسلم وآله في أن يوليك..... (2) إن أبا بكر ليس ينقص أبا عبيدة.... [شيئا من فضله أن ألي عليه] (3) فقال عمر: ويحك يا عمرو.... [انك] (1) لتحب الامارة.... [والله ما تطلب] (3) بهذه الرئاسة إلا شرف الدنيا فاتق الله تعالى... [يا عمرو ولا] (3) تطلب بسعيك من هذه الدنيا إلا وجه الله سبحانه وتعالى و... (4) وأخرج في هذا الوجه فإنك إن لم تكن اليوم أميرا [فما أسرع أن تكون] (3) إن شاء الله أميرا. [ليس فوقك أحد] (5) قال: فعندها أيس عمرو بن العاص من.... (4) الشام ثم إنه خرج فعسكر بإزاء المدينة واجتمع.... (6) أول من خرج إليه سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وابن أخيه عكرمة بن أبي جهل هؤلاء الثلاثة في ثلاثة آلاف فارس من قومهم ومواليهم. وخرج إليه أبو الأعور السلمي، ومعن بن زيد ابن عمه في ألف وسبعمائة فارس، وخرج إليه الضحاك بن قيس الفهري في ثلاثمائة فارس. # وعمير بن حرام المرادي في مائتي فارس. # قال: فالتأم الناس إلى عمرو بن العاص فصار في ms0082 قريب من ستة آلاف فارس فخرج من المدينة في يوم الأربعاء راحلا نحو الشام وخرج معه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في نفر من المسلمين يشيعه فجعل يوصيه ويقول له: يا عمرو إنك لذو رأي وتجربة للأمور وبصر بالحروب وقد خرجت في أشراف قومك و [رجال من] (5) صلحاء المسلمين وأنت قادم على إخوانك بالشام فثبت العالم وعلم الجاهل وعاتب السفيه وانصح المسلمين وابذل لهم نصحك ومشورتك، ولا تدخرن عنهم صالحا # PageV01P100 # من الرأي، فرب رأى لك محمود (1) فاعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى وفكر في عواقب الأمور، واعلم بأنا عن قليل ميتون ومبعوثون ومحاسبون ومسؤولون، جعلنا الله وإياك منه على مدرجة اليقين، وحشرنا وإياك في زمرة المتقين، وجعلنا وإياك لأنعمه من الشاكرين، قال: ثم انصرف عنه أبو بكر رضي الله عنه ومن معه من المسلمين إلى المدينة، ومضى عمرو ومن معه يريدون الشام. # وكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح (2): أما بعد! فقد أتاني كتابك وما ذكرك فيه من مسير العدو واجتماعهم، وما كتب إليهم ملكهم من عدته إياهم انه يمدهم من الجنود ما تضيق عليه الأرض بسعتها، ولعمرى لقد أصبحت الأرض ضيقة عليهم جدا لمكانكم، ووالله ما أنا بآيس من أن تزيلوا هرقل عن مكانه الذي هو فيه عاجلا إن شاء الله عز وجل، فإذا ورد عليك كتابي هذا فثبت خيلك (3) واحزم أمرك وضيق عليهم بقطع الميرة عنهم، واعلم أنه ليس يأتيهم مدد إلا مددتك بمثله وأضعافه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله، وليس بكم - والحمد لله - ذلة ولا قلة، فبث خيلك في القرى وفي السواد، ولا تحاصرن مدينة من مدنهم حتى يأتيك أمري، ولكن انظر إن ناهضوك فانهض إليهم واستعن بالله عليهم، [واعلم بأنكم تقاتلون لله ويقاتلون للشيطان،] (4) وإن الله عز وجل فاتح عليكم ومظهركم على عدوكم ومعزكم بالنصر وملتمس منكم الصبر (5) لينظر كيف تعملون، وقد وجهت إليك عمرو بن العاص في جيش لجب، وعمرو قد علمت أنه من ذوي الرأي ms0083 والتجربة والصبر والاقدام والجد والحذر وقد أوصيته أن لا يضيع لك حقا، فاستعن برأيه واستوص به خيرا - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # قال: فلما ورد الكتاب على أبي عبيدة بن الجراح في مثل ذلك اليوم وقدم عمرو بن العاص في أصحابه على المسلمين في غد فسر به أبو عبيدة والمسلمون سرورا شديدا ثم أقبل إليه أبو عبيدة بن الجراح فقال: يا أبا عبد الله! رب يوم شهدته # PageV01P101 # فبورك للمسلمين فيه برأيك ومحضرك، وأنا أريد منك أن تحضرني برأيك في كل وقت فإني وإن كنت الوالي عليك فلست بقاطع أمرا دونك ولا دون المسلمين، فاحضرني أنت خاصة ما ترى من رأيك فليس لي عنك غنى، فقال عمرو بن العاص: أفعل ذلك إن شاء الله تعالى [والله يوفقك لما يصلح المسلمين] (1). # قال: وبلغ أبا عبيدة بن الجراح أن جبلة بن الأيهم الغساني بالغوطة من أرض دمشق في أربعين ألفا من العرب المتنصرة بالخيل والعدد والسلاح والزينة. ### | ذكر جبلة بن الأيهم ومخاطبته مع المسلمين من قبل هرقل ملك الروم. # قال: فدعا بهشام بن العاص، وهو أخو عمرو بن العاص فضم إليه جماعة من المسلمين من أهل الدين والحسب فأرسله إلى هرقل ملك الروم. # قال: فخرج إليه هشام بن العاص في من معه من المسلمين حتى صاروا إلى الغوطة من أرض دمشق، ثم صاروا إلى باب جبلة فاستأذنوا عليه فأذن لهم، فدخلوا عليه في مجلس له مزخرف فإذا هو على فرش له مرتفعة وعلى يمينه كراسي الذهب والفضة عليها ملوك اليمن عليهم الديباج المنسوج وعلى رؤسهم العمائم وقد اعتجروا بها على زي العرب، والمجلس مفروش بالديباج الأسود، وعلى جبلة يومئذ ثياب سود وتاجه على رأسه، فلما نظر المسلمين أومأ إليهم أن اجلسوا، فجلس المسلمون بعيدا منه وإذا رسول جبلة قد أقبل إليهم فقال لهم: يقول لكم جبلة: ما حاجتكم؟ فقال هشام للرسول: ارجع إليه فقل له: إن أردت كلامنا فانزل عن فرشك وكلمنا، فانطلق إليه الرسول فخبره بذلك، فنزل جبلة عن فرشه تلك المرتفعة ms0084 التي كان عليها إلى فرش دونها، ثم جلس عليها وأومأ إلى المسلمين تقدموا، فتقدموا وجلسوا قريبا من فرشه، ثم كلمه هشام بن العاص ودعاه إلى الاسلام ورغبه فيه وقرأ عليه كتاب الله عز وجل وخبره بأمر الجنة والنار. قال: فأبى جبلة ذلك ونفر من الاسلام نفرا شديدا، فقال له هشام: إذ قد أبيت ما دعوناك إليه فإني مسائلك، فقال: سل عما بدا لك، فقال هشام بن العاص: ما هذه الثياب السود التي أراها عليك؟ فقال جبلة: إذا # PageV01P102 # أخبرك أني لبستها نذرا على أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، فتبسم هشام ثم قال: يا جبلة! إنك والله لن تقدر أن تمنع مجلسك هذا منا! والله لنأخذنه ولنأخذن ملك الملك الأعظم! وبذلك خبرنا نبينا الصادق عليه السلام، فقال جبلة: فأنتم إذا السمراء، قال هشام: وما السمراء؟ قال جبلة: السمراء قوم نجدهم في الإنجيل أنهم يصومون النهار ويقومون الليل ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويفتحون من المشرق إلى المغرب، قال هشام: فنحن والله أولئك الموصوفون في الإنجيل! # فلا تشك في ذلك يا جبلة! فاسود وجه جبلة حتى صار كالليل المظلم ثم قال: إلي بعثتم أم إلى الملك الأعظم؟ فقال: بعثنا إليك وإليه، قال: فسيروا إذا إليه فإن أجابكم إلى ما تريدون أجبتكم ولم أتاب عليكم. # قال: فخرج هشام ومن معه من عند جبلة وساروا حتى صاروا إلى أنطاكية. ### | ذكر مسير المسلمين إلى أنطاكية ودخولهم على الملك. # قال: فدخل المسلمون مدينة أنطاكية على رواحلهم من باب المدينة وهرقل ينظر إليهم من منظرة، والقوم من الروم ينظرون إليهم من وسط المدينة إلى أن أناخوا رواحلهم على باب الملك حذاء المنظرة ثم رفعوا أصواتهم فقالوا: لا إله إلا الله والله أكبر! قال: فانتفضت المنظرة حتى سمع الناس صوت نفيضها، فأرسل إليهم هرقل أنه ليس لكم أن تجهروا بدينكم على بابي، فان كنتم رسلا فأدخلوا. # قال: فدخل إليه المسلمون وهو على سرير من ذهب مفروش بالديباج الأحمر، وجميع ما في مجلسه مفروش بالحمرة، وعليه ثياب منسوجة ms0085 وعلى رأسه تاج من ذهب يلمع من الجوهر، وإذا هو يكسر بالعربية ليس بالفصيح، قال: فوقف المسلمون بين يديه ولم يسلموا عليه، فتبسم ثم قال: ما منعكم أن تحيونى بما تحيون به ملوككم؟ فقال له هشام بن العاص: أيها الرجل! إن تحيتنا إنما تجوز بيننا ولن يجوز لنا أن نحييك بها، قال هرقل: وما تحيتكم؟ فقال هشام: تحيتنا السلام، فقال هرقل: وبذلك تحيون ملوككم؟ فقال هشام: نعم، بذلك نحيي ملوكنا وبذلك يحيوننا كما نحييهم. فقال هرقل: فكيف يرث الميت منكم؟ فقال هشام: يرث أقرب الناس إليه، فقال هرقل: كيف صومكم وصلاتكم؟ فوصف له هشام بن العاص ذلك، فقال هرقل: فما أعظم كلامكم؟ فقال هشام: أعظم كلامنا لا إله إلا الله والله أكبر. قال: فانتفضت القبة من سقفها حتى فزع هرقل من ذلك، PageV01P103 # ثم رفع رأسه فنظر إلى السقف وقال: خبروني عن هذه الكلمة كلما قلتموها في بلادكم انتفضت سقوفكم؟ قال هشام: لا، وما رأينا هذا إلا عندك وما نظن هذا إلا لشئ وعظت به لتعتبر، فقال هرقل: ما أحسن الصدق وأزين الحق، ولكن خبروني عن هذه الكلمة أتقولونها إذا أردتم أن تفتحوا المدن والحصون؟ فقال هشام: نقولها ولا نعتمد إلا عليها. # قال: فأطرق هرقل ساعة ثم إنه راطن بعض غلمانه بالرومية وأقبل على هشام بن العاص وأصحابه فقال: إني قد أمرت لكم بمنزل فصيروا إليه يومكم هذا. # قال: فصار هشام والمسلمون إلى ذلك المنزل وأمر لهم بطعام وعلوفة وما يصلحهم. # فلما كان من غد بعث إليهم فدخلوا عليه وليس في مجلسه أحد، فأمرهم بالجلوس فجلسوا ثم دعا بشئ على مثل الصندوق الصغير إلى الطول ما هو وفيه بيوت صغار عليها أبواب، ففتح منها بابا ثم أدخل يده وأخرج خرقة حرير سوداء فيها صورة رجل طوال أبيض الجسم كبير العينين والأذنين أقنى (1) الانف كأنه القمر في صورته مع عظم جسده فقال هرقل: أتدرون من هذا؟ فقال المسلمون: لا نعرفه، فقال: هذا أبوكم آدم عليه السلام، ثم طوى الحريرة وردها إلى موضعها، ms0086 وفتح بابا آخر وأدخل يده فأخرج حريرة سوداء ثم نشرها فإذا فيها صورة رجل مدور الهامة معتدل القامة صلت (2) الجبين أحور العينين لطيف الفم قد وخطه الشيب، فقال: أتدرون من هذا؟ فقال المسلمون: لا، ما نعرفه، فقال: هذا أبوكم إبراهيم عليه السلام، ثم طوى الحريرة وردها إلى موضعها وفتح بابا آخر فأخرج حريرة بيضاء ثم نشرها فإذا فيها صورة رجل آدم طوال جعد الشعر حديد النظر كث اللحية، فقال: أتعرفون من هذا؟ فقال هشام: لا، ما نعرفه، فقال هرقل: فلا يجب عليكم أن تعرفوه بصفته، هذا موسى بن عمران الذي كلمه الله عز وجل على الطور، فلم يزل هرقل يفتح بابا بابا ويعرض الصور على هشام وأصحابه حتى عرض عليهم النبيين بصفاتهم ونعوتهم، ثم فتح آخر الأبواب وأخرج حريرة سوداء مذهبة الجوانب ثم نشرها فجعل ينظر إلى الصورة التي فيها ويتأملها ثم أقبل على هشام بن العاص وأصحابه ثم قال: أتعرفون هذه الصفة؟ فلما نظر المسلمون إلى الصورة # PageV01P104 # بكوا بكاء شديدا حتى علا بكاؤهم ونحيبهم، فقال لهم هرقل: ما يبكيكم؟ فقال هشام: هذه الصورة صورة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم وآله) كأنا نراه بين أيدينا بنعته وصفته، فقال هرقل: بدينكم إنها صورة نبيكم عليه السلام؟ فقال المسلمون: هذه صورة نبينا كأنا نراه حيا بين أظهرنا، ولكن من أين هذه الصورة أيها الرجل؟ فقال هرقل: إذا أخبركم أن آدم عليه السلام سأل ربه تبارك وتعالى أن يمن عليه بصفة أولاده من النبيين المرسلين خاصة، فأعطاه الله تبارك وتعالى ذلك وبعث إليه بصفاتهم في نمط من ديباج أخضر، فلم يزل ذلك النمط في تابوت آدم عليه السلام يعرضه على أولاده كل جمعة مرة، فلما توفي آدم عليه السلام صار التابوت إلى شيث ومن شيث إلى أنوش، ثم توارثه قوم بعد قوم حتى انتهى ذلك إلى ذي القرنين فاستخرج هذه الصورة من خزانة آدم عليه السلام، وتوارثها آباؤنا حتى صارت هذه الصورة إلينا، والله! لقد وددت أن نفسي تطيب بترك هذا الملك ms0087 حتى أخرج معكم وأكون عبدا لأميركم إذ كنتم رأيتم هذا النبي وشاهدتموه، ولكن نفسي لا تطيب بترك ما أنا فيه من هذا الملك. والله! لقد خبرنا المسيح عيسى بن مريم في الإنجيل وأمرنا أن نؤمن بالنبي الأمي صاحب الجمل والمدرعة والهراوة والنعلين والعمامة الأنجل (١) العينين المقرون الحاجبين الصلت الجبين الواضح الخدين، ولكن يأبى لي النعمة والسرور إلا التمادي في الغرور. # قال: ثم أمر لهشام بن العاص وأصحابه بجوائز سنية، فأبوا أن يقبلوها منه، ثم خرجوا من عنده واستووا على رواحلهم وساروا حتى صاروا إلى أبي عبيدة بن الجراح فخبروه بما كان من أمر جبلة بن الأيهم وأمره وأمر هرقل ملك الروم، فقال أبو عبيدة: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم﴾ (2). # قال: ثم جعل هرقل يضم أطرافه ويقوي أصحابه ولا يألو في ذلك جهدا. # قال: وسار أبو عبيدة بالمسلمين حتى نزل بموضع يقال له: الجابية (3) من أرض دمشق في ثلاثين ألفا، وسارت إليه الروم في ثمانين ألف حتى نزلوا قريبا منه، وبلغ # PageV01P105 # ذلك أبا بكر الصديق رضي الله عنه ففزع لذلك واشتد عليه أمر الروم وضاق به ذرعا، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا خليفة رسول الله! إني رأيت رأيا، فقال: وما ذاك؟ فقال: رأيت أن تكتب إلى خالد بن الوليد فإنه مقيم بالعراق أن يشخص إلى الشام بخيله ورجله فيكون عونا للمسلمين، فقال أبو بكر: ما الرأي غير هذا، ثم كتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد. ### | ذكر كتاب أبي بكر الصديق إلى خالد بن الوليد رضي الله عنهما. # بسم الله الرحمن الرحيم (1)، من عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن الوليد. أما بعد فقد ورد علي من خبر الشام ما قد أقلقني وأرقنى وضقت به ذرعا، فإذا ورد عليك كتابي هذا وأنت قائم فلا تقعد، وإن كنت راكبا فلا تنزل، وذر العراق وخلف عليها من تثق به من أهلها (2) الذين ms0088 قدمت عليهم وامض مخففا في أهل القوة من أصحابك الذين قدموا معك من اليمامة والحجاز حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين، فإن العدو قد جمع لهم جمعا عظيما وقد احتاجوا إلى معونتك، فإذا أنت أتيت المسلمين بالشام فأنت أمير الجماعة - والسلام. # قال: ثم دفع أبو بكر رضي الله عنه كتابه إلى عبد الرحمن بن حنبل الجمحي (3) وأمره أن يسرع المسير إلى خالد بن الوليد، فلما ورد الكتاب على خالد بن الوليد أخذه في يده ولم يقرأه ثم قال للرسول: ما وراءك؟ فقال: ورائي كل خير غير أنك تسير إلى الشام، قال: فغضب خالد بن الوليد ثم قال: هذا عمل عمر بن الخطاب وقد نفس علي أن يفتح العراق على يدي (4)، قال: ثم فتح الكتاب # PageV01P106 # وقرأه، فلما رأى أنه ولاه على أبي عبيدة بن الجراح وعلى جميع أجناد الشام من المسلمين فرح لذلك وطابت نفسه، ثم قال: إذ قد ولاني الشام فالشام عوض من العراق، قال: فتكلم بشر بن ثور العجلي - وكان من أشراف بني عجل وفرسان بني بكر بن وائل [ومن رؤوس أصحاب المثنى بن حارثة] (2) - فقال: لا والله أصلح الله الأمير! ليس الشام عوضا من العراق ساعة قط، لان العراق أكثر من الشام حنطة وشعيرا وديباجا وحريرا وفضة وذهبا ووقرا ونسبا، وما الشام كلها إلا كجانب من جوانب العراق (3)، فقال له خالد: صدقت يا بشر (4)! إن العراق لعلى ما تقول، ولكن هذا كتاب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ورد علي وإنما أنا معين المسلمين على أعدائهم وراجع إليكم إن شاء الله ولا قوة إلا بالله، فكونوا أنتم ههنا على حالتكم التي أنتم عليها، فإن كفى الله مؤنة الروم عجلنا إليكم الكرة إن شاء الله تعالى، وإن أبطأت عنكم رجوت أنكم لم تعجزوا ولم تهنوا عن محاربة الفرس، ومع هذا فإني أرجو أن الخليفة لا يدعكم أن يمدكم بالخيل والرجال حتى يفتح الله عز وجل عليكم هذه البلاد، فلا تجزعوا ولا ms0089 تهلعوا عن محاربة الفرس فإني أرجو لكم النصر من الله العزيز الحكيم. # قال: ثم دعا خالد بن الوليد بالمثنى بن حارثة الشيباني واستخلفه على العراق ثم جمع أصحابه الذين قدم بهم من الحجاز واليمامة فكانوا سبعة آلاف فارس، فخرج بهم خالد من الحيرة متوجها نحو الشام. # قال: وسار خالد حتى صار إلى الأنبار (5) ثم رحل من الأنبار فأخذ على قرية # PageV01P107 # يقال لها: صندوداء (1) - وصندوداء اليوم من الأمصار - قام بها خالد يومه حتى استراح المسلمون، ثم رحل من صندوداء (1) فأغار في طريقه على قوم من بني ثعلب (2) فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم سار حتى أشرف على قوم من النمر، وذلك في جوف الليل فإذا هم قعود على شراب لهم قدموه في جفنة لهم عظيمة ورجل منهم يقال له: حرقوص النمري (3) قد رفع صوته وهو يقول أبياتا من جملتها: # ألا عللاني قبل جيش أبي بكر * لعل منايانا قريب وما ندري (4) قال: فلم يشعر القوم إلا والخيل كبستهم، وشد رجل من المسلمين على صاحب هذا الشعر فضربه بسيفه ضربة فإذا رأسه في الجفنة قد اختلط دمه مع الشراب الذي كان فيها، قال: وغنم المسلمون وخالد أموالهم وقليلهم وكثيرهم. # ثم سار خالد من هنالك على قرى السماوة حتى صار إلى موضع يقال له قراقر (5) على طريق مفازة الشام. # قال: ونزل المسلمون هنالك ولم يعرف خالد الطريق، فأقبل إليه رافع بن عميرة الطائي وهو ابن مكلم الذئب باذن الله وقال: يا هذا! ما لي ولك؟ عمدت إلى رزق رزقني ربي انتزعته مني! قال: فصاح عميرة وقال: يا عباد الله! هلموا فاسمعوا ذئب يتكلم! فقال الذئب: يا هذا! إن أعجب مني ومن كلامي نبي مرسل يدعوكم إلى عبادة الرحمن وتأبون إلا عبادة الأوثان، قال: ثم ترك الذئب ومضى، فأقبل عميرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بما سمع من الذئب وأسلم وحسن إسلامه. # PageV01P108 # قال: فأقبل رافع ابن هذا مكلم الذئب إلى خالد بن الوليد فقال: أيها الأمير! # أنا أعرف هذه المفازة (1) ولا يخفى علي موضع ms0090 فيها إن شاء الله، قال فقال له خالد بن الوليد: كم تكون هذه المفازة؟ قال: مسيرة خمسة أيام، وما فيها ما، إلا في موضع وأنا أعرف به، قال خالد: فإني قد جعلتك دليلا فإذا سلم الله عز وجل من هذه المفازة فلك عندي عشرة آلاف درهم وما لك عند الله عز وجل من الثواب أكثر، فقال رافع بن عميرة: أيها الأمير! فإني قد رضيت بذلك ولكن أبغني (1) خمسة وعشرين جملا، فقال: ألقوا إليها العلف اليابس وامنعوها من الماء. ثم أمر بها فألقى إليها العلف فجعلت الإبل تعتلف وقد منعت من الماء، ثم أوردها بعد ذلك فشربت حتى امتلأت أجوافها من الماء ثم أمر بها فكمعت لكيلا تحبر (3)، وأمر الناس أن يستوفروا من الماء، ثم أمر الناس بالرحيل. # قال: فكان كلما سار يوما أمر بخمس (4) من تلك الجمال فنحرت ثم شق أجوافها ثم أمر بالجفان فأحضرت وجعلوا يعصرون ما في كروش الجمال من الماء في الجفان ويمزجونه بالقليل من الماء العذب ويسقى الخيل والبغال والحمير، وأما ما كان معهم من الإبل فإنها لم تذق الماء خمسة أيام، فلم تزل القوم على ذلك، كلما نزلوا ذبحوا خمسة من الإبل فسقوا ما في أجوافها، فلما كان اليوم السادس سار القوم وهم لا يشكون أنهم قاربوا العمران (5). قال: ورمدت عين الدليل فلم يبصر سهلا ولا جبلا وأيس الناس من أنفسهم فأضربهم العطش وخافوا على أنفسهم الهلاك وحميت عليهم الشمس، فقال خالد بن الوليد للدليل: ويحك يا رافع! أين الطريق وأين الماء؟ فقال: لا والله أعز الله الأمير! لا أدري، ولكن أنظروا ميمنة وميسرة، فإن رأيتم شجرة عوسج (6) فقد نجوتم والماء تحت الشجرة وإلا فقد هلكت وهلكتم. # PageV01P109 # فقال خالد: إنا لله وإنا إليه راجعون. # قال: وقفت الدواب ولم يتهيأ لها أن تسير ونزل الناس وجعلوا يمشون ويقودونها وقد أيسوا من الحياة وينظرون يمنة ويسرة فإذا هم بشجرة قد لاحت لهم، فكبروا وقصدوها وإذا تحتها عين من الماء غزيرة، فكبر القوم ونزلوا فشربوا وسقوا ما معهم ms0091 وحمدوا الله عز وجل على ذلك، فقال خالد: ويحك يا رافع! لقد كدنا أن نهلك وتهلك معنا، فقال: أعز الله الأمير! ما سلكت هذه المفازة إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام حدث السن، ولكن رجوت أن يسلم الله عز وجل المسلمين (1). # قال: ثم سار خالد بن الوليد واتصلت له المياه حتى انحط على موضع يقال له الكواتل (2) من ديار بني ثعلب وهم قوم نصارى على دين هرقل ملك الروم، وهو الذي أقطعهم البلد فيما مضى، فلم يشعر القوم إلا وخالد قد وافاهم فوضع فيهم السيف فقتل منهم مقتلة عظيمة وسبي نساءهم وأولادهم وأموالهم وفض جموعهم فضا لم يجمعوها بعدها في ذلك الموضع. ### | ذكر كتاب خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة وأصحابه رضي الله عنهم (3). # بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين والمؤمنين، سلام عليكم! أما بعد فإني أسأل الله عز وجل الذي أعزنا بنصره وشرفنا بدينه وأكرمنا بنبيه صلى الله عليه وسلم [وفضلنا بالايمان، رحمة من ربنا لنا واسعة، ونعمة منه علينا سابغة] (4) أن يتم علينا وعليكم نعمه وأن يصرف عنا وعنكم # PageV01P110 # نقمه وأن يزيدنا عزا ونصرا وتأييدا، إنه ولى قدير، وبعد فإني أخبركم أن كتاب أبي بكر الصديق خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) ورد علي بالعراق يأمرني فيه بالمسير إلى ما قبلكم لمعونتكم على أعدائكم فشمرت وانكمشت وبادرت وأسرعت وما أقربني منكم وكأني (1) قد أشرفت عليكم بخيلي ورجلي أميرا عليكم وعلى جماعتكم، فأبشروا بانجاز وعد الله عز وجل وحسن ثوابه، عصمنا الله وإياكم بالتقوى وجنبنا وإياكم البلوى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # ثم كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة (2): من خالد بن الوليد، [سلام عليك. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو] (3) أما بعد فإني أسأل الله لنا ولكم الأمن يوم الخوف والعصمة من كل سوء في دار الدنيا، فإن كتاب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد علي ms0092 يأمرني بالمسير إلى الشام والقيام بحربها (4) والتولي لأمرها، ووالله ما ظننت ذلك قط ولا أدريه ولا كتبت فيه، وإذ قد وليته فأنت على حالتك لا نعصيك ولا نخالفك ولا نقطع أمرا دون أمرك فإنك سيد في المسلمين لا ينكر فضلك ولا يستغنى عن رأيك، تمم الله عز وجل بنا وبك من إحسانه ورحمنا وإياك من صلى النيران، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # قال ثم دفع خالد هذين الكتابين إلى رجل من الأزد يقال له عمرو بن الطفيل بن ذي النون (5) وأمره بالمسير إلى أبي عبيدة بن الجراح وأصحابه. # فلما ورد عمرو بن الطفيل على المسلمين (6) دفع إليهم الكتاب ودفع إلى أبي عبيدة بن الجراح كتابه، فأما المسلمون لما قرؤوا كتابهم شق ذلك على قوم أن يؤمر خالد على أبي عبيدة، وأما أبو عبيدة فإنه لما قرأ كتابه لم يتبين في وجهه ولا في منطقه شئ من الكراهة لامرة خالد عليه ولكنه قال: بارك الله لخليفة رسول الله فيما # PageV01P111 # رأى وحيا الله خالدا وقربه. # قال: وسار خالد في جيشه ذلك فلما تقارب من أرض الشام نظر إلى المدينة من مدن الروم يقال لها: تدمر (1) وفيها خلق كثير من الروم، فأقبل حتى أحاط بهم من كل جانب. قال: وخرجت الروم وأقبلوا إلى خالد بن الوليد كالسباع الضاربة واقتتل القوم قتالا شديدا، فقتل من المسلمين أربعة نفر إخوة سعيد وقيس والحجاج وسائب بنو الحارث السدوسي وخامسهم عبد الله بن عبد شمس أخو جرير بن عبد الله البجلي. # قال: ثم نادى خالد بصوت له جهوري وقال: يا أهل الاسلام! الشدة الشدة! فإنكم إن قاتلتموهم وأنتم تريدون ما عند الله رجوت أن لا تقوم لهم قائمة إن شاء الله، قال: ثم حمل خالد وحمل الناس معه على جميع أهل تدمر ولحق خالدا بطريق من بطارقتهم فنفحه بالسيف نفحة أطال قحف رأسه، فانهزم القوم حتى دخلوا مدينة تدمر وأغلقوا على أنفسهم الباب، وأقبل خالد بن الوليد حتى نزل عليهم يومه. # فلما كان من غد ركب في ms0093 جماعة من أصحابه فدار حول المدينة فلم يقدر لهم خالد على حيلة لوثاقة سورها، ثم إنه عزم على الرحيل عنهم فنادى في أصحابه أن يرحلوا وأقبل حتى وقف حذاءهم ثم قال: والله يا أهل تدمر! لو كنتم في السحاب لاستنزلناكم بإذن الله عز وجل وظهرنا عليكم غير أني أريد المسير إلى أصحابي المقيمين بالشام لأني قد كتبت إليهم وأعلمتهم بقدومي وهم ينتظرونني ولابد لي من السرعة إليهم، ووالله إن أنتم لم تصالحوني هذه المرة لأرجعن إليكم إذا انصرفت من وجهي هذا ثم (2) لأدخلن عليكم مدينتكم ولأقتلن مقاتلتكم ولأسبين نساءكم وذريتكم، وقد أعذرت إليكم وأنذرتكم، وأنا خالد بن الوليد ولعلكم قد سمعتم باسمي. # ثم رحل من عندهم فصاحوا به أن ارجع فإنا نصالحك على ما تريد. قال: # فرجع إليهم خالد بن الوليد فصالحهم على مال أخذه منهم وفرقه في أصحابه. # PageV01P112 # ثم سار خالد من تدمر حتى صار إلى ثنية العقاب (1) لان راية خالد كانت سوداء وكان يقال لها العقاب (2)، قال: فلما أشرف خالد من الثنية نظر المسلمون إلى رايتهم وهم نزول في مرج دمشق فقالوا: والله! هذه العقاب راية خالد بن الوليد، فاستقبلوه، ثم إنهم دخلوا مدينة دمشق فحصنوا فيها، وأقبل خالد حتى نزل الدير الذي يقال له دير خالد وبه يعرف إلى يومنا هذا، ويقال إنه على ميل من دمشق مما يلي الباب الشرقي. # قال: ثم دعا خالد بن الوليد بيزيد بن أبي سفيان فضم إليه خمسة آلاف رجل ووجه به إلى البلقاء (3) فقال: اذهب وانزل بإزاء العدو وحارب من قدرت، وإن خفت من العدو أمرا من الأمور فاكتب إلي بذلك حتى أمدك بخيل ورجال إن شاء الله، ثم دعا بعمرو بن العاص فضم إليه خمسة آلاف رجل ووجهه إلى فلسطين ثم أوصاه بما أوصى به يزيد بن أبي سفيان، ثم دعا بشرحبيل بن حسنة فضم إليه ثلاثة آلاف فارس ووجه به إلى بصري، ودعا معاذ بن جبل فضم إليه ألفي فارس ووجه به إلى بعلبك، ودعا خالد بن سعيد ms0094 بن العاص فضم إليه أربعة آلاف فارس ووجه به إلى حمص، ودعا سعيد بن عامر بن جديم (4) فضم إليه ثلاثة آلاف فارس ووجه به إلى حوران (5) قال: ففرق خالد بن الوليد خيله بأرض الشام في اثني وعشرين ألفا وبقي هو وأبو عبيدة بن الجراح بغوطة دمشق في خمسة عشر ألفا من المسلمين، ثم رتب الجواسيس في أرض الشام ليتجسس عن أخبار الروم، قال: فبينما هو كذلك إذا بجاسوس قد أقبل فقال: أيها الأمير! الحذر الحذر! ضم إليك أطرافك، واكتب إلى أمرائك في النواحي أن يحذروا الروم فإنهم قد اجتمعوا بموضع يقال له أجنادين (6) # PageV01P113 # في نيف على أربعين ألفا أو يزيدون فإن أهل البلاد من نصارى العرب قد وعدوهم وقد ضمنوا لهم المعونة عليكم. قال: فأقبل خالد على أبي عبيدة فقال: ما الرأي عندك في هذا الخبر؟ قال أبو عبيدة: الرأي عندي في ذلك أن تبعث إلى أمرائك الذين فرقتهم في البلاد فتشخصهم إليك ثم تسير بهم حتى تلقى العدو فعسى الله تبارك وتعالى أن يفض جمعهم ويفل جدهم ويهزم عسكرهم، فقال خالد: هذا هو الرأي ولكن أحببت أن أستشيرك في ذلك، ثم كتب خالد إلى جميع أمرائه الذين وجه بهم إلى البلاد بنسخة واحدة: أما بعد فإنه قد نزل بأجنادين جمع الروم غير ذي قوة ولا عدد وقد بلغني أنهم في أربعين ألفا (1) وليسوا هم عندنا بشئ إن شاء الله، والله فأصمهم وقاطع ظهورهم وجاعل دائرة السوء عليهم، وقد شخصت إليهم يوم كتبت كتابي هذا إليكم فإذا ورد الكتاب عليكم فانهضوا - يرحمكم الله - إلى عدوكم فأحسن (2) نجدتكم وأحسن ثباتكم وأفضل بصائركم ضاعف الله أجوركم وحط عنكم أوزاركم وأظهركم على أعدائكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال: # ثم وجه خالد بهذه الكتب إلى أمراء الأجناد مع أنباط الشام الذين كانوا عند المسلمين. قال: وكان هؤلاء الأنباط قوم نصارى غير أنهم كانوا إلى المسلمين لبرهم أميل بهم وصلتهم إياهم فكانوا فيوجا (3) للمسلمين وجواسيس وكانت الروم لا يتهمونهم في شئ من ذلك. # قال: ms0095 فمضت الفيوج بالكتب إلى الامراء، ونادى خالد في المسلمين ورحل من الغوطة في خمسة عشر ألفا يريد إلى أجنادين، فقال له أبو عبيدة: أمثلك يقول هذا؟ والله لألقينهم بما معي! فلو أنهم كثروا فالنصر من عند الله العزيز الحكيم. # قال: فالتفت أبو عبيدة فإذا أهل دمشق قد خرجوا في آثار المسلمين فقال أبو عبيدة: # أيها الأمير! هذا ما كنا فيه، قال خالد: فلا عليك أبا عبيدة! فكل جهاد. قال: ثم صاح خالد بأصحابه: ارجعوا إلى أعداء الله. قال: فحمل خالد بن الوليد وأبو عبيدة وحمل المسلمون معهما على أهل دمشق (4) فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أدخلوهم مدينة دمشق، وقد قتل منهم بشر كثير. قال: ثم سار خالد في # PageV01P114 # المسلمين حتى وافى الروم بأجنادين في يوم الجمعة فنزل قبالتهم وذلك في وقت العشاء، فلما أمسى خالد ومضى من الليل بعضه وإذا جيوش المسلمين قد وافته من جميع المواضع. ### | ذكر وقعة أجنادين وهي أول وقعة لخالد بن الوليد مع الروم. # قال: فأصبح خالد يوم السبت يعبي أصحابه فجعل على ميمنته معاذ بن جبل، وعلى ميسرته سعيد بن عامر بن جديم (1)، وعلى جناح الميمنة يزيد بن أبي سفيان، وشر حبيل بن حسنة على جناح الميسرة، وخالد بن سعيد بن العاص على الكمين، ثم جعل خالد بن الوليد نساء المسلمين من وراء الصفوف وأمرهن فاحتزمن (2) وتشمرن وأخذن في أيديهن الحجازة وجعلن يدعون الله ويستنصرنه على أعداء المسلمين. # قال: وجعل خالد بن الوليد لا يقر بمكان واحد ولكنه يقف على كثيبة كثيبة من المسلمين (3) ويقول: اتقوا الله عباد الله! وقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ولا تنكصوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين، ولا تهنوا ولا تجبنوا عن عدوكم، ولكن إقداما كاقدام الأسد الضاربة فإنكم أحرار كرام، وارفضوا عنكم هذه الدنيا واطلبوا ثواب الآخرة، وأنتم الأعلون والله معكم (4)، وبعد فإنكم (5) إن هزمتم هؤلاء القوم كانت لكم هذه البلاد دارا للاسلام ما بقيتم أبدا مع رضوان الله والجنة. # قال: ودنت الروم من المسلمين بخيلها ورجلها في الآلة والسلاح ms0096 الشاك وقد تعبوا ميمنة وميسرة وقلبا وجناحا وبين أيديهم يومئذ بطريق من بطارقة الروم يقال له قلفط (6)، عليه ديباجة منسوجة وعلى رأسه تاج من ذهب وتحته فرس أدهم مغرق # PageV01P115 # السرج واللجام بالذهب. # قال: فقال أبو عبيدة بن الجراح: كبروا أيها المسلمون تكبيرة واحدة فإن الله عز وجل مهلكهم ومبدد شملهم، قال: فكبر المسلمون وألقى الله الرعب في قلوب الكفار. قال: وهم المسلمون بالحملة عليهم، فقال خالد: لا تعجلوا حتى أحمل أنا، فإذا رأيتموني قد حملت فاحملوا. قال: فوقف المسلمون وجعلت سهام الروم تقع على عسكر المسلمين كالمطر، فصاح رجل (1) من المسلمين بخالد بن الوليد: # أيها الأمير! لماذا قد نصبتنا لهؤلاء الاعلاج هدفا يرموننا بنشابهم حتى قد جرحوا منا جماعة؟ فقال له خالد: ويحك! إنما أنتظر الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحارب فيه، فإنه وقت مبارك (2). قال: فوقف المسلمون لا يزول واحد منهم من موضعه والسهام تعمل في ذلك عملها، فقتل يومئذ بالسهام أبان بن سعيد بن العاص رحمة الله عليه، وقتل أيضا هشام بن العاص وسلمة (3) بن هشام المخزومي، ونعيم بن صخر العدوي، وهبار بن سفيان الأزدي، وعبد الله بن عمر الدوسي (4)، فعندها ضج المسلمون إلى خالد وأمروه بالحملة، فعندها قال خالد: احملوا ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم كبر وحمل وحمل المسلمون معه، وانكشفت الروم من بين أيديهم وأخذتهم السيوف، فقتل منهم في المعركة ألف (5) وسبعمائة رجل، وقتل صاحبهم قلفط (6)، واتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم ومر القوم منهزمين على وجوههم # PageV01P116 # حتى تفرقوا في الحصون. واحتوى المسلمون على غنائم الروم فجمعوها، وقدم خالد من أسر منهم وهم يزيدون على ثمانمائة رجل، فضرب أعناقهم صبرا وما أبقى على واحد منهم. ### | ذكر كتاب خالد بن الوليد إلى أبي بكر رضي الله عنه بخبر وقعة أجنادين (1) بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله بن عثمان خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله)، من خالد بن الوليد سيف الله المصبوب على أعداء الله المشركين، سلام عليك! أما بعد فإني أخبرك أيها ms0097 الصديق! إنا لقينا المشركين بموضع من أرض الشام يقال له أجنادين وقد جمعوا لنا جموعهم ورفعوا صلبانهم ونشروا أناجيلهم (2) وتقاسموا بأيمانهم أنهم لا يفرون ولا يبرحون ولا ينصرفون حتى يقتلونا ويبيدونا (3) ويخرجونا من بلادهم، فلقيناهم ونحن بالله واثقون وبحبله معتصمون وعليه متكلون، فطاعناهم بالرماح وكافحناهم بالصفاح وأرميناهم بالسهام وأذقناهم حر الحمام، فلم نزل كذلك حتى أعز الله عز وجل نصرة الاسلام وأظهر أمره وأنجز وعده وأفلح جنده وهزم الكافرين وحده، فقتلنا في كل واد وحجر وتحت كل شجر ومدر، فأحمد الله عز وجل يا خليفة رسول الله على إعزاز دينه وأوليائه وإذلال أعدائه وحسن صنعه بالمسلمين، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. (4) قال: فلما قرأ أبو بكر الكتاب الذي لخالد بن الوليد تهلل لذلك وجهه فرحا وفرح فرحا شديدا وسر سرورا ظاهرا، ثم رمى بالكتاب إلى عمر بن الخطاب، فلما قرأ الكتاب قطب حاجبه وعبس وجهه ثم قال: قبح الله صلف خالد وتيهه وعجبه بنفسه! يكتب إليك (من خالد بن الوليد سيف الله المصبوب على أعدائه) إن سيف الله هو الذي وضعه بذلك الموضع. قال: فسكت أبو بكر هنيهة ثم قال: أبا حفص! الحمد لله على نصر المسلمين فقرت بذلك عيوننا، فقال عمر: نعم # PageV01P117 # فالحمد لله على ذلك ولكن لا يجب أن يتسمى بسيف الله. # قال: ثم كتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد كتابا لطيفا يشكره على فعله بالمشركين ويبشره بثواب الله عز وجل ويبشر من معه من المسلمين ويقوي عزمهم ويأمرهم بالشكر لله عز وجل وذكره كثيرا (1). # قال: ثم أقبل خالد بن الوليد بالمسلمين حتى نزل موضعه الذي كان فيه من أرض دمشق (2) مما يلي الباب الشرقي، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية، ونزل يزيد بن أبي سفيان على باب توماء (2)، فأحاط المسلمون بمدينة دمشق وحاصروا أهلها حصارا شديدا وضيقوا عليهم غاية الضيق. (4) قال: وجعل أهل دمشق يرمون المسلمين بالحجارة والسهام من كل جانب، فلم يقدر أحد يدنو من سور المدينة إلا رمي. # قال: فبينا المسلمون ms0098 كذلك إذ أقبل بعض الجواسيس إلى خالد بن الوليد، فقال: أيها الأمير! كن على حذر، فهذا جيش قد أقبل من عند هرقل ملك الروم معونة لأهل دمشق. # PageV01P118 ### | ذكر وقعة مرج الصفر (1) آخر وقعة أجنادين. # قال: فنادى خالد بن الوليد في المسلمين وركبوا وركب معهم خالد بن الوليد وسار في المسلمين نحو ذلك الجيش الذي وصفه الجاسوس، فإذا هو بصليبين للروم، تحت كل صليب عشرة آلاف فارس بموضع يقال له: مرج الصفر (1). # قال: ثم حمل خالد وحمل المسلمون معه على جميع الكفار، فقتل منهم خلق كثير، ولم يقتل من المسلمين رجل واحد ولا جرح منهم فارس ولا راجل. (2) قال: فأسر منهم خالد مائة وعشرين رجلا وفيهم بطريق عظيم الشأن يقال له: قسطا، فأتي به إلى خالد بن الوليد حتى أوقف بين يديه، فقال له خالد: أسلم وإلا ضربت عنقك، فتكلم البطريق بالرومية وقال: إني غير داخل في دينك فاصنع ما بدا لك، قال خالد: ما يقول هذا الكلب؟ فقال بعض الجواسيس: إنه يقول أيها الأمير كذا وكذا، قال: فقدمه خالد فضرب عنقه وأعناق الاسرى جميعهم فما أبقى على واحد منهم، ورجع إلى باب دمشق كما كان. # قال: وجعل المسلمون يغيرون على أطراف دمشق فكلما أصابوا نفلا أتوا به في المقسم (3)، فلم يستحل أحد أن يغل (4) شيئا حتى إن الرجل من المسلمين كان ربما أتى بكبة (5) [من] غزل وبكبة من الصوف والشعر والابرة والمسلة وما فوق ذلك فيسلمه إلى صاحب المقسم. قال: وبلغ ذلك بطريق دمشق الذي هو مقيم بها وكان اسمه القنفلان فجعل يعجب من المسلمين ومن أمانتهم وعدلهم وحسن سيرتهم، ثم أقبل على من كان عنده من البطارقة بدمشق فقال: ألا ترون إلى أمنة هؤلاء القوم وعفافهم، ليس فيهم أحد يستحل أن يأخذ من غنائمنا شيئا دون الاخر، فقال له # PageV01P119 # بعض بطارقته: نعم أيها الملك وإنهم لرهبان بالليل صوام بالنهار، لو سرق بينهم ملكهم شيئا لقطعوه، ولو زنى أحد منهم لرجموه، قال القنفلان: إنه قد بلغني عنهم ذلك، ووالله إن ms0099 بطن الأرض خير لي من ظهرها لأني قد علمت أنه ليس لي بهم طاقة، ولا لي في قتالهم خيرة، ولولا أني أخاف غضب الملك الأكبر إذا لسألتهم الصلح فلعلي أنجو منهم وأدخل في دينهم (1). # قال: فبينا المسلمون على باب دمشق وقد طمعوا في فتحها عنوة لشدة حصارهم إياهم إذ بلغهم أن أبا بكر الصديق عليل، فاغتموا لذلك غما شديدا وكتموا ذلك على أهل دمشق. # PageV01P120 ### | ذكر وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه قبل فتح دمشق. # قال: واشتد المرض بأبي بكر رضي الله عنه جدا والمسلمون نزول على باب دمشق، ودعا أبو بكر بدواة وبياض فكتب خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم دفع الرقعة إلى رجل من المسلمين فقال: اخرج بهذه الرقعة إلى الناس فخبرهم بما هو فيها. # قال: فخرج الرجل بالرقعة حتى دخل مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) والناس مجتمعون، فقال: أيها الناس! أتسمعون لخليفة نبيكم؟ فقال الناس: نعم، هات ما عندك، فقال: هذه الرقعة فيها عهد منه وقد استخلف عليكم عمر بن الخطاب. قال: فسكت قوم فلم ينطقوا بشئ، وتكلم قوم فقالوا: # سمعنا وأطعنا. # وأقبل طلحة حتى دخل على أبي بكر رضي الله عنه فقال: يا خليفة رسول الله! تستخلف على الناس عمر بن الخطاب؟ فقال: ولم لا أستخلفه يا طلحة؟ قال: لأنك قد رأيت الناس من صرامته وغلظته وأنت حي فكيف إذا مضيت أنت وصار الامر إليه؟ وبعد فإنك قادم على ربك فإنه سائلك عن رعيتك. # قال: فسكت أبو بكر ساعة ثم رفع رأسه إلى طلحة فقال: أبالموت تفزعني أم بربي تخوفني؟ نعم إذا أقدم على ربي وسألني عن رعيتي أقول: يا رب! استخلفت عليهم خير أهلك. # قال: ثم دعا أبو بكر رضي الله عنه عثمان بن عفان فأقعده بين يديه، ثم دعا بدواة وبياض فقال له: اكتب يا عثمان! قال: وما أكتب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ PageV01P121 # قال: اكتب هذا ما أوصى به أبو بكر عبد الله بن عثمان ms0100 عند آخر عهده بالدنيا فهو خارج منها وأول عهده بالآخرة وهو داخل فيها أنه استخلف على الأمة عمر بن الخطاب، فان قصد الحق فذاك ظني به ورجائي فيه، وإن بدل وغير فلكل امرئ ما اكتسب (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) (1). # قال: ثم دعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما جاء وقعد بين يديه فقال له أبو بكر: يا عمر! إ نه قد أبغضك مبغض وأحبك محب وقديما كان الشر يحب والخير يبغض، فدونك هذا العهد فخذه إليك، فأنت خليفتي من بعدي على الأمة. فقال عمر: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم! إنه لا حاجة لي فيها، فقال أبو بكر: فإن لم يكن لك فيها حاجة فإن بها إليك حاجة، وبعد فإني ما حبوتك بالخلافة ولكني حبوت الخلافة بك، ومع ذلك فإني أحذرك نفسك فإن النفس لامارة بالسوء، وأحذرك بعد نفسك الناس فإنه قد شخصت أبصارهم وانتفخت أجوافهم وتمنى كل واحد منهم أمنية (2)، واعلم يا عمر! فإنهم منك خائفون ما خفت الله تعالى وانزه عن هواك، واعلم يا عمر! إن الله تعالى حقا بالنهار لا يقبله بالليل وحقا بالليل لا يقبله بالنهار، واعلم أنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، وقد علمت يا عمر أن الله تبارك وتعالى ذكر أهل الجنة بحسن أعمالهم وذكر أهل النار بسوء أفعالهم وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباع الحق، [وإنما -] خفت [موازين -] من خفت موازينه [يوم القيامة -] باتباع الباطل، وقد علمت يا عمر أن الله عز وجل أنزل آية الرخاء مع آية الشدة وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن في هذه الدنيا راغبا راهبا ولا يلقي بيده إلى التهلكة، فانظر يا عمر! لا تتمن على الله إلا الحق ولا يكونن شئ هو أحب إليك من الموت ولا أبغض إليك من الحياة، وإياك والذخيرة فإن ذخيرة الامام تفسد عليه دينه وتسفك دمه، فاحفظ وصيتي يا عمر ولا تنسها، واحفظ المهاجرين والأنصار واعرف لهم حقهم وفضائلهم ولا تفضهم ولا ms0101 تباعدهم # PageV01P122 # واخفض لهم جناحك يحبوك في المشهد والمغيب. # قال: ثم التفت أبو بكر رضي الله عنه إلى الناس، وهم عن يمينه وشماله فقال: # أرضيتم بعمر بن الخطاب إماما من بعدي؟ فقال من حضر: سمعنا وأطعنا. # فقال: ثم خرج الناس من عنده ودعا أبو بكر بابنته عائشة رضي الله عنها فقال لها: يا بنية! إن على أبيك دينا (1) لا يجده فهل أنت مؤديته من بعدي؟ فقالت: نعم يا أبتي ولم لا أؤديه! فقال: إنه قد دنا الامر وأرجف الاجل، فإذا أنا مت فاغسلوني وكفنوني وحنطوني وصلوا على ثم ائتوا بي إلى قبر حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم فاستأذنوا وقولوا: السلام عليك يا رسول الله! هذا أبو بكر بالباب، فإن أذن لكم في دفني إلى جانبه فادفنوني، وإن لم يؤذن لكم في ذلك فأتوا بي إلى مقابر المسلمين وإنا لله وإنا إليه راجعون. # قال: فكان هذا الكلام من أبي بكر رضي الله عنه في يوم الاحد فلما كان يوم الاثنين توفي أبو بكر رضي الله عنه في مثل تلك الساعة التي توفى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فغسل أبو بكر وحنط وكفن وصلى عليه، ثم حمل على أعواد المنايا وأتي به إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فحفر له فيه إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل أبو بكر التراب لست ليال بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة (2)، واستخلف عمر بن الخطاب رأس سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يوما من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # PageV01P123 ### | ذكر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # قال: فلما أفضت الخلافة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل الناس يدعونه: خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقال عمر: أيها الناس! إن هذا الاسم الذي أراه تدعونني به يطول على الناس ويشتد عليهم ولكن ادعوني بغيره فإنه أحب إلي وأسهل عليكم وأخف، فقالوا: (1) وكيف ندعوك؟ فقال عمر: أنتم المؤمنون وأمركم إلي فأنا أميركم، فقالوا: ندعوك ms0102 إذا (أمير المؤمنين). قال: # فخرج هذا الاسم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أول الناس وهو أول من قيل له: # أمير المؤمنين. ### | ذكر كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أهل الشام بتعزية أبي بكر وذكر وفاته رحمة الله عليه. # بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى من بالشام من المسلمين والمؤمنين، سلام عليكم! فإن من الحادث الذي حدث على هذه # PageV01P124 # الأمة أن أبا بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى فإنا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله ورضوانه على أبي بكر القائم بالحق القائل بالصدق والآمر بالصدق والآخذ بالقسط والمعروف الرؤوف الرحيم الورع الحكيم، فرغب في العصمة برحمته والعمل بطاعته والخلود في جنته إنه على كل شئ قدير، وإذا (1) ورد عليكم كتابي هذا وقرأتموه فالأمير عليكم أبو عبيدة بن الجراح وهو أمير جماعتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # قال: ثم كتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه كتابا صغيرا وجعله في وسطه وهو (2): بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلام عليك! أما بعد فإنك بحمد الله في كنف من المسلمين وعدد يكفي بعضهم حصار أهل دمشق، فإذا ورد عليك كتاب هذا فاقرأه على من قبلك من المسلمين وخبرهم بأنك الوالي عليهم، وابعث سراياك في نواحي الشام ولا تقر عسكرك من جندك فيطمع فيك عدوك ولكن انظر برأيك فيمن استغنيت عنه من أصحابك فسرحه إلى ما قبلي، ومن احتجت إليه منهم في حصارك فاحبسه عندك، وليكن فيمن تحبسه هناك خالد بن الوليد فإنه لا غناء بك عنه، والسلام. # قال: فلما ورد كتاب عمر رضي الله عنه على أبي عبيدة بعزل خالد بن الوليد وولايته على المسلمين استحيى أن يخبر خالدا، ثم جعل يصلي خلفه ولا يبدي له شيئا حتى سمع خالد بعزله، وذلك أنه سمع الناس يقولون لأبي عبيدة: أيها الأمير، وعلم وأيقن أنه معزول فقال: رحم الله ms0103 أبا بكر! أما انه لو كان حيا لما عزلني أبدا، وأنت يا أبا عبيدة رحمك الله كيف لم تعلمني بعزلي وولايتك علي وأنت تصلى خلفي ولك السلطان علي، فقال أبو عبيدة: ما كنت أحب أن أعلمك بذلك لولا أنك علمته من غيري، وبعد يا أبا سليمان! فما يبلغ من سلطان الدنيا وأمارتها، إنما نحن إخوان في ذات الله عز وجل، فأينا ولي أخاه لم يضره ذلك في دينه ولا في دنياه # PageV01P125 # شيئا، لا بل لعل الوالي أن يكون أقرب إلى الفتنة من رعيته إلا من عصم الله، وبعد فإني قد وليتك الحرب وجعلتك على أعنة الخيل والسلام (1). # قال: ثم عبى أبو عبيدة الناس وزحف بهم إلى أبواب دمشق، فأحاطت الخيل بدمشق من كل جانب فضيقوا عليهم غاية الضيق (2). قال: فعندها نقلت الروم وخرج القنفلان صاحب دمشق في جمع عظيم من الروم إلى محاربة المسلمين، فاقتتلوا قتالا شديدا. # قال: وجعل المسلمون يقاتلون ويتأخرون إلى ورائهم ويطمعونهم في أنفسهم حتى بلغت بهم الروم إلى داريا (3) على فرسخ من دمشق واشتبك الحرب هناك. # قال: ونظر صفوان بن المعطل إلى رجل من الروم عليه بزة حسنة وحلية ظاهرة وسلاح شاك، فحمل عليه صفوان فطعنه طعنة نكسه عن فرسه قتيلا، وإذا امرأة الرومي عليها سلاح شاك من وراء زوجها فلما نظرت إليه قد صرع عن فرسه حملت على صفوان بن المعطل، قال: وعلم صفوان أنها امرأة فأومأ إليها بالسيف ولم يضربها لكنه حمل عليها، فولت المرأة من بين يديه، ونزل صفوان إلى الرومي فسلبه ما كان عليه من بزه وسلاحه، واستوى على فرسه (4). # قال: ثم اجتمع المسلمون في موضع واحد وحملوا على جمع الروم حملة # PageV01P126 # صادقة وألحقوهم بحيطان دمشق وقد قتل منهم من قتل، وأقبل المسلمون حتى نزلوا على دمشق وعزلوا على مناجزة أهلها. # قال: فطال عليهم الحصار سنة وقريبا من شهر (1)، فلما أضر بهم الحصار كتبوا إلى هرقل ملك الروم وهو مقيم بأنطاكية وبعثوا إليه رسولا فقالوا: أيها الملك! # إن العرب قد حصرونا وضيقوا ms0104 علينا وليست لنا بهم طاقة وقد قاتلناهم غير مرة وعجزنا عنهم، فإن كانت لك فينا وفي السلطان حاجة فامددنا بالرجال وأعنا (2) بهم وعجل بنا في ذلك فإنا في ضر وجهد جهيد وإلا فقد أعذرنا إليك، والقوم قد أعطونا الأمان وبذلوه لنا غير مرة ورضوا منا باليسير من الجزية. قال: فأرسل إليهم هرقل أن تمسكوا بمدينتكم وحاربوا عدوكم ولا تسلموا حصنكم، فإنكم إن فعلتم ذلك وعجزتم وونيتم دخلوا عليكم في مدينتكم ولم تجدوا عندهم عهدا ولا وفاء ولا صدقا وأجبروكم (3) على دينكم وأفتنوكم واقتسموكم بينهم أقساما فصرتم أنتم ونساؤكم وأولادكم لهم عبيدا وإماء، وأنا موجه إليكم بجيش عظيم في أثر رسولي هذا فلا تعجلوا. # قال: فصبر أهل دمشق على الحصار وجعلوا ينتظرون المدد من عند هرقل، فلما أبطأ ذلك عليهم وضاق بهم الامر واشتد عليهم الحصار ورأوا أن المسلمين لا يزدادون إلا قوة وصرامة وقد كانوا علموا أن خالد بن الوليد معزول فأرسلوا إلى أبي عبيدة بن الجراح يسألونه الصلح، فأجابهم أبو عبيدة إلى ذلك ووقع صلحهم على مائة ألف دينار والجزية بعد ذلك على كل محتلم أربعة دنانير في كل سنة وعلى نسائهم ديناران فرضي القوم، وكتب الكتاب بينهم بالصلح، فأخذ القنقلان صاحب دمشق الكتاب ووفى للمسلمين بما صالحهم عليه، فأخذ أبو عبيدة هذا المال فأخرج منه الخمس ووجه به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأعلمه في كتابه بما كان من أهل دمشق وصلحه إياهم، وقسم باقي المال في المسلمين وهم سبعة # PageV01P127 # وثلاثون ألفا، وفتحت أبواب دمشق فدخلها المسلمون يوم الجمعة في رجب سنة أربع عشرة وثلاثة عشر شهرا مضت من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فنزل المسلمون دمشق آمنين. # وفي رواية: أن الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه لما دخل دمشق من باب الجابية لم يكن عند خالد رضي الله عنه من ذلك علم ولا خبر لأنه كان قد شدد القتال عليهم ودخل من الباب الشرقي ووضع السيف في الروم إلى أن وصل خالد إلى ms0105 كنيسة مريم والتقى الجيشان عندها (1). ### | ذكر تحرك الفرس بالعراق بعد فتح دمشق. # قال: وتحركت الفرس بالعراق وتكاثرت على المثنى بن حارثة بن [سلمة (2) -] # PageV01P128 # الشيباني وعلى من معه من المسلمين، وخرج كسرى ملك الفرس ذات يوم إلى الصيد فعرض له عير وحشي فاتبعه كسرى، وجرى العير بين يديه جريا شديدا وسار كسرى في طلبه حتى إذا أقفرت به الأرض وانفرد من عسكره عطف عليه العير وكلمه بإذن الله تعالى وقال له: ويلك يا يزدجرد! آمن بربك تبقى لك نعمتك ولا تكفر فيزول ملكك. قال: ففزع يزدجرد فزعا شديدا ثم رجع إلى قصره منكسرا فدعا بمؤبدته وأساورته فخبرهم بما سمع من العير فقالوا: أيها الملك! ما نظن هذا إلا حدثا يأتيك من هؤلاء العرب الذين نزلوا بساحتك. # قال: ورأى المثنى بن حارثة في منامه رؤيا هالته وأفزعته، فلما أصبح بعث إلى وزرائه فجمعهم إليه ثم قال لهم: اعلموا أني قد رأيت رؤيا، فقالوا له: وما الذي رأيت أيها الأمير؟ قال: رأيت كأن من أحسن الناس قد أقبل ومعه لواء فدفعه إلي وقال: ذل أهل فارس كذلة الهجارس، وزال ملكهم وحان هلكهم، فارحل ناجيا وامض سائرا، واستخبر خبرا واستنصر عمرا، وأنا أظن ملك الفرس قد زال وعزهم قد حال. قال: فقالت له المشايخ من قومه: صدقت رؤياك ونامت عيناك، وسر إلى عمر. # قال: وركب المثنى بعيرا له وسار مع جماعة من أصحابه يريد المدينة إلى عمر بن الخطاب (1)، فبينا هو يسير إذ غلط عن الطريق هو ومن معه، فبينما هو كذلك إذا سمع هاتفا يهتف من الجادة وهو يقول أبياتا من جملتها: # والفرس قد خذلت رايات نصرتها * وإن ملك بني ساسان قد مرجا قال: فاتبع المثنى الصوت حتى وصل إلى الطريق، ثم سار مجدا حتى قدم # PageV01P129 # على عمر بن الخطاب (1) رضي الله عنه وهو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار عن يمينه وشماله، فوقف بين يديه وسلم على عمر، فقال: من أنت أيها الرجل؟ فقال: أنا المثنى بن حارثة ms0106 الشيباني، فقال عمر: مرحبا بك وسهلا، حياك الله وقربك وحيا حيا أنت منه! فلقد سمعت أخبارك بديا، ولقد كنت أحب أن أراك، فما الذي أقدمك يا مثنى؟ قال: ما قد تبينت به من الفرس وتعديهم علي وعلى قومي، قال: فقال له عمر رضي الله عنه: إني قد سمعت قولك يا مثنى! فصف لي أرضهم، فقال: هي أرض كثيرة الزرع والضرع، ترابها مال وأمرها عال، قال: # فصف لي رجالها، فقال: هم رجال طوال، عظام جسام، شديد كلبهم كثير سلبهم، ضعيفة قلوبهم لا منعة لهم من صدقهم عليهم. # قال: فنشط عمر لغزوهم فقام في الناس خطيبا فحمد الله واثنى عليه ثم قال (2): أيها الناس! إن الله عز وجل وعد نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يفتح عليه فارس والروم! والله لا يخلف وعده ولا يخذل جنده، فسارعوا رحمكم الله إلى جهاد أعدائكم من الفرس، فإنكم بالحجاز في غير دار مقام وقد وعدكم الله عز جل كنوز كسرى وقيصر، والمواعيد من الله عز وجل مضمونة وأمر الله تعالى مفعول، والقول من رسول الله صلى الله عليه مقبول، وما لم يورثكموه الله عز وجل اليوم يورثكموه غدا، وإنكم لن تغنموا حتى تغيروا ولن تستشهدوا حتى تقاتلوا، وهذا المثنى بن حارثة قد أتاكم من العراق يدعوكم إلى جهاد عدوكم، فسارعوا رحمكم الله إلى ذلك ولا تتغافلوا عن الجهاد في سبيل الله. # قال: فنكس القوم رؤسهم إجلالا وإعظاما لغزو الفرس، (3) فوثب أبو # PageV01P130 # عبيد (1) بن مسعود الثقفي فقال: إنا سمعنا كلامك وأنا أول من أجاب إلى هذه الدعوة والجهاد في سبيل الله، أنا ومن أجابني من قومي وعشيرتي. قال: ثم وثب سليط بن قيس (2) الأنصاري فقال: يا أمير المؤمنين! إنما كان قعودنا عن هؤلاء الفرس إلى وقتنا هذا شقشقة من شقاشق الشيطان، ألا وإني قد وهبت نفسي لله، أنا ومن أجابني من بني عمي ومن اتبعني. قال: فلما سمع الناس كلامه وكلام أبي عبيد (1) ضجوا من جانبي المسجد وقالوا: يا أمير المؤمنين! ول علينا رجلا من ms0107 المهاجرين أو الأنصار (3) حتى نسير معه إلى عدونا. قال عمر: لعمري والله! ما أجد لها أحق من الذي أندب إليه بديا - يعني أبا عبيدة (1) بن مسعود الثقفي، ولولا أن سليط بن قيس عجول في الحرب لامرته عليكم، (4)، ولكن أبو عبيد (5) هو الأمير وسليط بن قيس هو الوزير، فقال الناس: سمعنا وأطعنا. # قال: ثم تجهز الناس للخروج مع أبي عبيد (1)، وخرج أبو عبيد (1) من مدينة رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) في أربعة آلاف من المهاجرين والأنصار والعبيد والموالي ومعهم المثنى بن حارثة الشيباني حتى نزل القوم بإزاء العراق، واجتمعت قبائل ربيعة إلى المثنى بن حارثة الشيباني في قريب من ألف رجل، فصار القوم خمسة آلاف يزيدون قليلا. # ونزل القوم بإزاء مسلحة وفيها قائد من قواد كسرى يقال له جابان، فلما رأى جابان أن العرب قد نزلت بساحته جمع نواحيه وضم إليه جيشه (7) وخرج يوما على # PageV01P131 # فرس له وبين يديه المرازبة وبأيديهم الحراب والقسي والنشاب وغير ذلك من أنواع السلاح، وطلب البراز وسأل النزال، فخرج إليه ثلاثة نفر أو أربعة نفر من المهاجرين فقتلهم جابان، فقال أبو عبيد (1) بن مسعود لسليط بن قيس الأنصاري: يا أخا الأنصار! ما لي أرى قومك قد كاعوا عن القتال؟ فقال سليط: لا لعمري والله! ليس قومي [ممن] كاعوا ولا ممن يكرهون الحرب والطعان ولا يقتنون القيان، ثم قال سليط: يا معشر الأنصار! من ينتدب منكم لهذا الأعجمي؟ قال: فوثب رجل من الأنصار يقال له مطر بن فضة وكان يدعي بأمه قال: أنا له. # ثم خرج مطر بن فضة نحو جابان فحمل عليه والتقيا، ونظر إليه جابان بطعنتين طعنه الأنصاري طعنة أرداه عن فرسه، وبادر إليه مطر بن فضة فقعد على صدره وهم بذبحه، فقال جابان من تحته: لا إله إلا الله، فتباطأ مطر في قتله ولم يقتله، فقال له جابان: لا تقتلني ولك علي غلام وجارية دون أصحابك. # قال: فحمله الأنصاري مردفا على فرسه (2)، فلما أدخله العسكر قالت له قبائل ربيعة: يا فتى! هل ms0108 عرفت أسيرك؟ قال: نعم هو بعض عدوي، فقالت: # ويحك! هذا جابان ملك هذه الناحية، فبماذا أرضاك حتى كففت عنه ولم تقتله؟ # قال: غلام وجارية، فقالت ربيعة: تربت يداك! لو طلبت من هذا مائة غلام ومائة جارية لاعطاك، فقال: ما كنت بالذي أغدر به بعد أن أخذ موثقي وأخذت موثقه. # قال: فلما سمع جابان أعطاه غلامين وجاريتين وفرسين وألفي درهم، وأسلم وحسن إسلامه (3)، فولاه أبو عبيد (1) أرضه. # وبلغ ذلك كسرى يزدجرد بن هرمز بأن جابان قد أسر وقد دخل في دين العرب، فاغتم لذلك غما شديدا، ثم دخل إلى ابنة له يقال لها بوران (4) وكانت # PageV01P132 # سيدة بنات الفرس في دهرها، فلما نظرت إلى أبيها يزدجرد مغموما فقالت: ما حالك أيها الملك؟ فخبرها بأن جابان قد أسر ودخل في دين العرب، فقالت: لا عليك أنا أفرج عنك. # ثم إنها كتبت إلى ملك أذربيجان (1) يقال له مهران بأن العرب قد ظهروا علينا فهلم إلى ما قبلنا بخيلك ورجلك فقاتلهم، فإن ظفرت بهم زوجتك نفسي ووضعت تاج أبي على رأسك عشر سنين، فإذا انقضت العشرة رددتك إلى بلادك وضممت إليك أرمينية فجعلتها زيادة على عملك. # قال: فلما ورد كتاب بوران على مهران أجابها في العدة والعدد فخرج من بلاد أذربيجان في ثمانين ألفا أو يزيدون، ومعه الفيلة مشهورة بأنواع الزينة على ظهورها القباب حتى صار إلى العراق، ثم دخل إلى يزدجرد، فأدناه يزدجرد ووعده ومناه. # فلما كان من غد سار مهران إلى حرب المسلمين حتى نزل على شاطئ الفرات في ثمانين ألفا. قال: ونظرت العرب إلى ذلك وهم من ذلك الجانب، فقال أبو عبيد بن مسعود لسليط بن قيس: يا أبا عمرو! ما ترى؟ قال: أرى أن العرب تكر ولا تفر، والرأي عندي أن ترحل من هذا الموضع إلى فضاء من الأرض ونجعل للخيل متسعا وجولانا، قال: فقال أبو عبيد: يا أبا عمرو! إنك فارسها وقد جبنت؟ # فقال سليط بن قيس: قد أمرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن تسمع مشورتي ولا ترد ms0109 نصيحتي، قال أبو عبيد: ولا قبلت نصيحتك ولأعقدن إليهم جسرا ولأعبرن إليهم لي أم علي، فسكت سليط بن قيس. # وعقد الجسر بموضع يقال له بانقيا (2)، وكان الذي عقده لهم رجل من الدهاقين يقال له برصلوما (3)، وعبر أبو عبيد بالمسلمين وهم خمسة آلاف إلى مهران (4) وهو # PageV01P133 # في ثمانين ألفا أو يزيدون. قال: وتبادرت الفرس فأخذوا السلاح. ### | ذكر وقعة الجسر وهي أول وقعة للمسلمين مع الفرس. # قال: فكان أول من تقدم إلى حرب الفرس سليط بن قيس الأنصاري، ثم حمل يقاتل حتى أثخن بالجراحات، ثم رجع إلى موقفه. قال: وتقدمت قبيلة من الفرس ومعهم فيل لهم يقال له الأصم على ظهره قبة ديباج، فيها قائد من قواد كسرى يقال له شهريار وهو أخو رستم. # قال: فلما نظرت خيل المسلمين إلى ذلك الفيل كأنها فزعت منه، ونظر أبو عبيد إلى ذلك الفيل فتهيأ للحملة عليه ثم قال لأصحابه: ويحكم! ما هذه الدابة؟ # فقيل له: أيها الأمير! هذا الفيل، قال: قد علمت أنه الفيل ولكن هل له من مقتل؟ # فقيل: نعم أيها الأمير! إذا قطع خرطومه مات. قال: فقال سليط بن قيس: أيها الأمير! ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أحمل على هذا الفيل حملة وأضرب خرطومه بسفي فأقتله إن شاء الله تعالى! قال سليط: أيها الأمير! دع عنك هذا الفيل، فلك في غيره سعة، فقال أبو عبيد: ما أريد سواه ولا أقصد غيره، ثم قال أبو عبيد: اقرأ على قبر محمد صلى الله عليه وسلم مني السلام، ثم قال: يا معشر المسلمين! # انظروا إن أنا قتلت فأميركم من بعدي وهب ابني، فإن أصيب فابني مالك، فإن أصيب فابني جبر، فإن أصيب فسليط بن قيس، فإن أصيب فأبو محجن الثقفي، فإن أصيب فالمثنى بن حارثة، فإن أصيب فأمر بعضكم إلى بعض. # ثم تقدم راجلا بسيفه نحو الفيل ثم حمل على الفيل فضرب خرطومه ضربة فقطعه وذهب ليولي إلى عسكره فعثر على وجهه ووقع عليه الفيل فحطمه - رحمة الله عليه -! PageV01P134 # قال: وذهب ابنه وهب ms0110 بن أبي عبيد (1) ليتقدم إلى الحرب... (2) إلى ذلك أبو محجن الثقفي، فأخذ الراية وتقدم نحو الفرس ثم حمل على الفرس فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة ثم رجع فدفع الراية إلى وهب بن أبي عبيد، فأخذ وهب الراية وتقدم ثم حمل، ولم يزل يقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه -! وتقدم أخوه مالك بالراية ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه! ثم تقدم أخوهما الثالث فأخذ الراية ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه! قال: وتقدم رجل من المسلمين وهو سليط بن قيس الأنصاري ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه -! قال: وتقدم رجل من المسلمين يقال له عبد الله بن مرثد وسيفه في يده فصار إلى حبال الجسر فقطعها ومر الجسر منقطعا في الفرات (3). قال: وحمل هذا الرجل عبد الله بن مرثد على الفرس فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه! # قال: واشتبك الحرب وكثر القتل في المسلمين ثم وقعت الهزيمة على الفرس فانهزموا وأخذهم السيف فقتل منهم مقتلة عظيمة وجاء الليل واختلط الظلام، فرجع المسلمون إلى عسكرهم فدفنوا قتلاهم وباتوا هنالك، فلما أصبحوا عقدوا الجسر ثانية ثم إنهم عبروا إلى عسكرهم الأول فنزلوا فيه. # وأفلت رجل يقال له معاذ بن حصين الأنصاري (4) فمر على وجهه يقطع البلاد حتى صار إلى المدينة، فدخل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في المسجد فسلم عليه ثم وقف بين يديه فأنشأ يقول... (5) قال: فقطع عليه عمر فقال: # يا أبا الحصين! دعنا من الشعر، خبرنا بأمر الناس، فقال: يا أمير المؤمنين! أنعى # PageV01P135 # إليك أبا عبيد - رحمة الله عليه -! وأنعي إليك بنيه الثلاثة وهبا ومالكا وجبرا، وأنعى إليك سليط بن قيس الأنصاري وفلانا وفلانا - فلم يزل يعد وجوه المهاجرين والأنصار، فقال له عمر: فالمثنى بن حارثة الشيباني ما حاله؟ فقال: تركته جريحا يا أمير المؤمنين. # قال: فضج الناس بالبكاء والنحيب، ثم دعا عمر رضي الله عنه بجرير بن عبد الله البجلي فقال ms0111 له: ويحك يا جرير! إنا قد أصبنا بالمسلمين مصيبة عظيمة والمثنى بن حارثة في وجه العدو غير أنه جريح لما به، فسر نحو العراق فعسى الله عز وجل أن يدفع شر هؤلاء الأعاجم وتخمد بك جمرتهم (1). # قال: فسار جرير بن عبد الله من المدينة في سبعمائة رجل حتى صار إلى العراق فنزلها (2)، وبلغ ذلك المثنى بن حارثة الشيباني فكتب إليه (أما بعد يا جرير فإنا نحن الذين قدمنا المهاجرين والأنصار من بلدهم، وأقمنا نحن في نحر العدو نكابدهم ليلا ونهارا، وإنما أنت مدد لنا فما انتظارك - رحمك الله - لا تصير إلينا؟ # فصر إلينا وكثرنا بأصحابك، فإن زعمت أنك رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلي عليك إلا من كان مثلك فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولى أبا عبيد بن مسعود الثقفي على المهاجرين والأنصار، فلما حضرته وفاته قد كان ولاني، ولو علم أني لا أقوم مقامه ما فعل، فرأيك أبا عمرو فيما كتبت إليك - والسلام). # قال: فكتب إليه جرير: (أما بعد فقد ورد كتابك علي فقرأته وفهمته، فأما ما ذكرت أنك الذي قدمت المهاجرين والأنصار إلى حرب العدو، فصدقت وليتك لم تفعل، وأما قولك: إن المهاجرين والأنصار لحقوا ببلدهم (3)، فإنه لما قتل أميرهم # PageV01P136 # لحقوا بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأما ما ذكرت أنك أقمت في نحر العدو فإن أقمت في بلدك وبلدك أحب إليك من غيره، وأما ما سألتني من المصير إليك فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لم يأمرني بذلك، فكن أنت أميرا على قومك وأنا أمير على قومي - والسلام). # قال: وجرى بينهما اختلاف وبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه (1)، فجمع المهاجرين والأنصار وشاورهم في أن يصير إلى العراق بنفسه، فكل أشار عليه بذلك وقال: يا أمير المؤمنين! إن جيشا تكون فيه أنت خير من جيش لم تحضره، وقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه فقال: يا أمير المؤمنين! إن كل إنسان ms0112 يتكلم بما يحضره من الرأي، والرأي عندي أن لا تصير إلى العراق بنفسك، فإنك إن صرت إلى العراق وكان مع القوم حرب واختلط الناس لم تأمن أن يكون عدو من الأعداء يرفع صوته ويقول: قتل أمير المؤمنين! فيضطرب أمر الناس ويفشلوا عن حرب عدوهم ويظفر بهم العدو، ولكن أقم بالمدينة ووجه برجل يكفيك أمر العدو وليكن من المهاجرين والأنصار البدريين. فقال عمر: ومن تشير على أن أوجه به يا أبا الحسن؟ قال: أشير عليك أن توجه رجلا يشرح باليسير ويسر بالكثير، فقال عمر: من هذا أشير علي؟ قال علي: أما أنا فاني أشير عليك أن توجه إليهم سعد بن أبي وقاص، فقد عرفت منزلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: أحسنت! هو لها، ما لها سواه (2). # قال: ثم دعا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما فقال: يا سعد بني وهب! إن الله تبارك وتعالى إذا أحب خلقا حببه إلى خلقه، وأنا موجهك إلى أرض العراق # PageV01P137 # لتكون أميرا على جميع من قدمت عليه، فسر وقل لا حول ولا قوة إلا بالله، واعلم أني لست أترك أحدا يطيق حمل السلاح إلا وجهت به إليك، وأنا أرجو أن يفتح الله على يديك، ثم جمع له عمر رضي الله عنه الناس من كل أوب حتى صار سعد في سبعة آلاف، (1) ثم سار حتى نزل بموضع يقال له شراف (2)، وجعل عمر لا يقدم عليه أحد إلا وجه به إليه، فكان أول من قدم عليه عمرو بن معد يكرب الزبيدي في زهاء خمسمائة رجل، وطليحة بن خويلد الأسدي في ثمانمائة فارس، وشرحبيل بن السمط الكندي في سبعمائة راكب، وفرات بن حيان العجلي في سبعمائة راكب، والمغيرة بن شعبة في ثلاثمائة راكب، وعاصم بن عمرو التميمي في أربعمائة راكب، وعاصم بن زرارة التميمي في ستمائة راكب، وخثيم بن عبد الله السلمي في الف راكب، والمكشوح المرادي في أربعمائة راكب. قال: وصار إليه جرير بن عبد الله البجلي في ستمائة راكب من بجيلة. (3) قال: ms0113 فالتأمت العساكر إلى سعد في جمع عظيم وهو نازل بشراف، وقد هجم عليه الشتاء وأكبت عليه الأمطار، والفرس في جمع عظيم وقد بلغم أن سعد بن أبي وقاص نازل بشراف وقد اجتمعت إليه العساكر وكأنكم به وقد وافاكم عن قريب إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: ثم إن المثنى بن حارثة انتقضت عليه جراحاته التي أصابته يوم الجسر فمرض مرضا شديدا ومات رحمة الله عليه، وبلغ ذلك سعد بن أبي وقاص فأرسل إلى امرأته سلمى بنت حفصة (4) التميمية فخطبها وتزوجها بعد أن انقضت عدتها. # قال: فكان سعد بن أبي وقاص مقيما بشراف ينتظر أن ينحسر عنه الشتاء. ### | ذكر تحرك الروم بأرض الشام من أرض فلسطين # قال: وكبر أمر المسلمين على الروم واشتد عليهم ما كان من فتح دمشق وما قد # PageV01P138 # اجتمعوا بأرض العراق فهالهم ذلك ورعبهم وأشفقوا على أنفسهم، فجعلوا يجمعون الجموع ويستمدون من يليهم من نصارى العرب حتى صاروا في ثمانين ألفا من النصرانية. قال: وبلغ ذلك أبا عبيدة بن الجراح وهو يومئذ مقيم بمدينة دمشق فدعا بعمرو بن العاص فضم إليه سبعة آلاف فارس وأرسله إلى الروم، واتبعه يزيد بن أبي سفيان في سبعة آلاف فارس، واتبعه شرحبيل بن حسنة في ستة آلاف فارس، فذلك عشرون ألفا. # قال: والروم يومئذ بموضع يقال له فحل (1)، فلما نظروا إلى عساكر المسلمين قد وافتهم في عشرين ألفا (2) كتبوا إلى هرقل ملك الروم بذلك وسألوه المدد، قال: # فوجه إليهم هرقل بصليبين وبطريقين في عشرين ألفا، فصارت الروم في مائة ألف، وكتب عمرو بن العاص إلى أبي عبيدة يخبره بذلك (3)، فأقبل أبو عبيدة على خالد بن الوليد رضي الله عنهما فقال له: أبا سليمان! هذا كتاب عمرو بن العاص قد ورد علينا يخبر أن الروم قد اجتمعوا بأرض فلسطين في ثمانين ألفا وهؤلاء جواسيسنا من أنباط الشام قد جاءوا إلي خبروني أن أهل بعلبك في عشرين ألفا، فما الرأي عندك؟ # فقال: إذا أخبرك أيها الأمير! أما فلسطين فقد علمت أن عمرو ms0114 بن العاص ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة في وجوههم في عشرين ألفا، فاكتب إليهم أن لا تعجلوا محاربة القوم حتى أنا أمضي إلى بعلبك فأكفهم إن شاء الله، فإذا فرغت من أمرهم صرت إلى فلسطين فأعنت المسلمين على قتال عدوهم، فقال أبو عبيدة: # نعم ما رأيت أبا سليمان! # قال: ثم كتب أبو عبيدة إلى عمرو بن العاص ومن معه من المسلمين بأرض # PageV01P139 # فلسطين فأمرهم أن لا يعجلوا بالمحاربة على عدوهم إلى أن يوافيهم خالد بن الوليد. # قال: وخرج خالد بن الوليد من دمشق في خمسة آلاف فارس يريد بعلبك، وخرج معه أبو عبيدة ليشيعه فجعل يوصيه ويقول له: أبا سليمان! أوصيك بتقوى الله وحده لا شريك له، فإذا أنت وافيت القوم فلا تطاولهم فإنهم في حصونهم وديارهم يأكلون ويشربون وينتظرون أن تأتيهم امداد من الروم فيقووا بهم، وإذا عاينوك وإلى خيلك يخافوك فاتقوا ناحيتك، فإن أنت ناظرتهم وطاولتهم ذهب الرعب من قلوبهم ورجعت إليهم أنفسهم فأجنوا عليك وعلى أصحابك، وإن أنت كفيتهم وهزمتهم انقطع رجاؤهم (1) واشتد رعبهم فسر يرحمك الله! فإن احتجت إلى مدد فابعث إلي حتى أمدك بنفسي ومن معي من المؤمنين إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. فقال له خالد: # إني قد قبلت وصيتك أيها الأمير! فارجع إلى أصحابك راشدا يرحمك الله! قال: # فوادعه أبو عبيدة ورجع إلى دمشق، ومضى خالد في خمسة آلاف فارس من خيله وأصحابه الذي يعتمد عليهم ويقاتل حتى صار إلى بعلبك. ### | ذكر الوقعة بمدينة بعلبك. # قال: ونظر أهل بعلبك إلى خيل المسلمين قد وافتهم فاستقبلوهم بالعطعطة (2) والنعير، والتقى القوم فاقتتلوا من ضحوة النهار إلى قريب الظهر، ثم صاح خالد بالناس: أيها المسلمون! ليس هذا يوم مطاولة وأنا حامل فاحملوا رحمكم الله! # قال: ثم حمل خالد والمسلمون معه فقتلوا من الروم حتى احمرت الأرض من دمائهم وأفلت منهم من أفلت بشر حالة تكون حتى لحقوا ببيسان (3) وصار بعضهم إلى فلسطين وما والاها، واحتوى خالد بن الوليد على أموال وسلاح وخيل وسبي ms0115 كثير فوجه به كله إلى دمشق إلى أبي عبيدة بن الجراح وخبره بما فتح الله عز وجل على يديه من أمر بعلبك. # PageV01P140 # قال: فكتب أبو عبيدة إليه أن يسير إلى فلسطين معونة لاخوانه المسلمين. # قال: فسار بمن معه من أصحابه حتى وافى أرض فلسطين. قال: ونظرت الروم إلى عساكر المسلمين قد وافتهم من كل أوب فانحازت الروم إلى موضع يقال له فحل ونزلوا هنالك. # قال: ورأى أبو عبيدة من الرأي أن يلحق بأصحابه فيكون معهم وأن لا يغيب عما هم فيه، فدعا برجل من المسلمين فولاه مدينة دمشق (1) وخرج حتى لحق بأصحابه، فعلمت الروم أن أبا عبيدة قد وافى بأصحابه. ### | ذكر رسالة الروم إلى أبي عبيدة وإجابته إياهم على كتابهم. # قال: فأرسلت الروم إلى أبي عبيدة: (أيها الشيخ! أخرج أنت ومن معك من (2) أهل دينك من بلادنا هذه التي تنبت الحنطة والشعير والفواكه والأعناب والخير الكثير وارجعوا إلى بلادكم بلاد القحط والجوع والبؤس والفقير وإلا أتيناكم فيما لا قبل لكم به من الخيل والجنود ثم لا ننصرف عنكم وفيكم عين تطرف وقد أعذر من أنذر). فقال أبو عبيدة بن الجراح لرسولهم الذي جاء إليه بهذه الرسالة: ارجع إليهم وبلغهم عني ما أقول، قال الرسول: قل ما تشاء، فقال: قل لهم عني: أما قولكم أن اخرجوا من بلادنا هذه فلستم لها بأهل فلعمري ما نحن أهلها، والله تبارك وتعالى هو الذي جاء بنا إليها ولم نكن بالذي نخرج عنها فقد ورثنا الله إياها فأخذناها بأسيافنا وفتحناها عنوة وغنما ونزعها الله من أيديكم وجعلها في أيدينا، وإنما البلاد بلاد الله والعباد عباد الله، وهو ملك الملوك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شئ قدير، وأما ما ذكرتم من بلادنا أنها بلاد البؤس والشقاء فقد صدقتم أنها لذلك كما ذكرتم وقد أبدلنا الله عنها ببلادكم هذه ليبلو صبرنا وشكرنا، ولما رأى الله تبارك وتعالى قلة صبركم وكثرة صبرنا وقلة شكركم ms0116 وكثرة شكرنا رآنا لهذه البلاد أهلا وأبدلنا بلاد البؤس والشقاء ببلاد الخير الكثير والعيش الرفيع (3) والجناب الخصيب، وكنا أحق بها وأهلها لايماننا # PageV01P141 # بالله وكفركم به، فلا تحسبونا تاركيها ومنصرفين عنها ولا خارجين منها إلى غيرها (1)، فذروا عنكم تمني الأباطيل والأماني الكاذبة، وأما قولكم بأنكم تأتوننا فيما لا قبل لنا به فو الله لا تأتوننا بجند إلا أتيناكم بمثله أو ضعافه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله، فكونوا من ذلك على يقين. (2) قال: فلما انتهت إليهم هذه الرسالة من أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه كأنهم انكسروا لذلك وداخل قلوبهم الرعب والخوف، فأرسلوا إليه أن ابعث إلينا رجلا من صلحاء أصحابك حتى نسأله عما تريدون وتطلبون وتسألون ونخبره بما عندنا وندعوكم إلى حظكم ورشدكم. ### | ذكر مسير معاذ بن جبل إلى الروم وما كان من كلامه معهم # قال: فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل - رضي الله عنهما، فأقبل إليهم معاذ على فرس له أدهم، على رأسه عمامة له حمراء، عليه درع له سابغ قد ظاهره بحريرة صفراء وقد تقلد بسيف له يمان، حتى إذا دنا من القوم نزل عن فرسه وأخذ بعنانه وجعل يقوده وهو يمشي إليهم، فقال بعضهم لبعض غلمانه: أذهب فأمسك عليه فرسه، فقال معاذ للغلام: إليك عني! فإني أمسك فرسي ولا أحب أن يمسكه غيري. # قال: ثم دنا منهم فإذا بجماعة من بطارقتهم قعود على فرش ونمارق (3) تكاد أن يغشى الابصار حسنها. قال: وتقدم إلى معاذ رجل منهم فقال له: ناولني فرسك أمسكه لك واجلس مع هؤلاء الملوك فإنهم سادات الروم وأشرافها، فقال معاذ: # لست أحب أن أكلمهم إلا وأنا قائم. # قال: فقال له الترجمان: يا هذا! إن القوم يكرهون أن يكلمونك وأنت قائم، فقال معاذ: أيها الرجل! إني لم أقم على رجلي بين أيديهم إعظاما لهم، ولكني أكره أن أجلس على هذه النمارق (4) لأنها من زينة الدنيا وقد زهد الله عز وجل عباده # PageV01P142 # فيها، ذمها ونهى عن زينتها، فإن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ms0117 نبي الهدى والصادق المصدوق قد كان نهى أن لا يقوم لاحد من خلق الله، ولا يكون قياما إلا لربنا في الصلاة والعبادة والرغبة والرهبة، وليس قيامي لكم ولكني أقوم إعظاما لله عز وجل فإذ قد أبيتم أن تكلموني وأنا قائم فأنا أجلس ههنا، قال: ثم رفع معاذ طرف البساط وجلس [على] الأرض. # فقال له الترجمان: يا هذا! إن جلوسك على التراب من جلوس العبيد فلا تزر بنفسك إن كنت عربيا فإن جلوسك مع قومنا على بساطهم هو أكرم لك وأجمل بك من جلوسك على الأرض متنحيا عن البساط كصنع العبد الذليل الذي لا يرى نفسه للكرامة أهلا، فلا تفعل أيها الرجل بنفسك هذا واجلس مع القوم على بساطهم، فليس كل أحد يطمع في ذلك منهم غير أنهم قد بلغم عنك صلاح وفضل فهم يحبون إكرامك، فقال معاذ: يا هذا! قد أكثرت علي من كلامك هذا، إن كانت هذه الكرامة التي تدعوني إليها للدنيا فلا حاجة لي فيها، وأما قولك إني جلست كالعبد فإني إنما أنا عبد من عبيد الله تعالى وإنما جلست على بساط ربي عز وجل (1). # قال: فقال له الترجمان: إني أظنك أفضل أصحابك، قال: لا ولكني أخاف أن أكون أشرهم. # قال: وجعل معاذ كلما تكلم بشئ يفسره الترجمان للقوم. قال: ثم أقبل عليه الترجمان فقال: إن القوم يقولون لك: ما الذي تطلبون وتريدون وإلى ماذا تدعون؟ ونريد أن تخبرونا ما الذي أدخلكم إلى بلادنا هذه وتركتم أرض الحبشة وليست منكم ببعيدة، وتركتم أرض الفرس وهي أقرب إليكم منا (2)، اعلموا أن بأسنا شديد وشرنا عنيد، وإنكم إن كنتم فتحتم مدينة من مدننا فاحتويتم عليها ونزلتموها أو مدينتين أو ثلاثة كانت لنا مدن كثيرة، فإن هزمتم لنا جيشا كانت لنا جيوش أخر لان # PageV01P143 # ولد الأصفر في الأرض أكثر من عدد الحصى وأكثر من عدد النجوم في السماء، فهيهات يا معشر العرب هيهات ما أبعدكم وما تطلبون منا! وبعد فإنا قد أنكرنا عليكم ما أنتم عليه من استحلالكم لقتالنا وأنتم تزعمون ms0118 أنكم تؤمنون بكتابنا وبنبينا، فكيف هذا فاشرحوه حتى نعلم. # قال: فلما فرغ الترجمان من كلامه أقبل عليه معاذ فقال: إني فهمت ما تكلمت به عن لسان القوم، ويجب عليك أن تفهمهم عني ما أقول، فقال الترجمان: أفعل ذلك فقل ما تشاء. فقال معاذ: قل لهم عني: أما قولكم: ما الذي أدخلكم إلى بلادنا وتركتم أرض الحبشة وأرض الفرس، فان السبيل فيكم وفيهم واحد لان الله تبارك وتعالى قال لنا في كتابه (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة (1)) فكنتم أقرب إلينا منهم، فقدمنا نحن إليكم، وقد بعث صاحبنا إلى أولئك الذين بالعراق من الفرس طائفة أخرى يقاتلونهم كما نقاتلكم، ونحن نرجو أن يفتح الله علينا وعليهم إن شاء الله عز وجل! # وأما قولكم: إن بأسكم شديد وإن جندكم كثير وإنكم على عدد النجوم والحصى (2)، فإن جنودنا وإن كثرت وعظمت فلا نثق بها ولا نتكل عليها ولا نرجو النصرة على أعدائنا بكثرتها، ولكنا نبرأ من الحول والقوة ونتوكل على ربنا تبارك وتعالى، و (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) (2) وقد رفعها الله عز وجل وأعزها! # وكم من فئة كثيرة قد خذلها وأذلها والله مع الصابرين! وأما ما ذكرتم لهرقل وتعظيمكم لملككم فإنه سيموت عن قريب! وملكنا هو ربنا الحي الذي لا يموت وهو الذي قد خلقنا وخلقكم! وأميرنا رجل منا لا يجور ولا يتعدى ولا يظلم، فإن هو أطاع الله عز وجل وعمل بكتابه وبسنة نبينا محمد عليه السلام فكان فينا مستقيم الطريقة، وإلا عزلناه وولينا علينا سواه، وهو مع ذلك لا يحتجب عنا ولا يتكبر علينا، ومع ذلك فإنه لو سرق لقطعناه ولو زنى لجلدناه أو خان لفضحناه، ولو شتم رجلا منا رد عليه كما شتمه، ولو قتل منا رجلا ظلما أقاد من نفسه، وإن ضربه بغير حق اقتص منه، وإنه كرجل منا لا يستخف بنا ولا يستأثر بالفيء دوننا، ولا يتخذ الفرش والبسط # PageV01P144 # والنمارق، ولا يتكئ على الكراسي تواضعا لربه عز وجل وخوفا ms0119 من الحساب والعقاب. # أما قولكم: إنا نستحل قتالكم ونؤمن بكتابكم ونبيكم ونأكل ذبيحتكم وننكح فيكم، فإن نبيكم إنما نؤمن به على أنا نشهد عليه أنه عبد من عبيد الله عز وجل ورسول من رسله وإن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له: كن فكان بشرا سويا، لا نقول إنه ولد الله تبارك وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، ولا نقول إنه ثاني اثنين ولا ثالث ثلاثة، ولا نقول إن لربنا صاحبة ولا ولدا تبارك الله وتعالى ولا إن مع الله إلها آخر، وأنتم تقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما، ولو أنكم قلتم في عيسى كمقالتنا وآمنتم بنبوة نبينا ووحدتم الله تعالى كتوحيدنا وأقررتم بما جاء من عند ربنا لما قاتلناكم ولواليناكم وقاتلنا معكم عدوكم، والآن فانا ندعوكم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى الايمان بمحمد عبده ورسوله على أنكم تستقبلون قبلتنا وتستنون بسنتنا وتكسرون الصليب وتقتلون الخنزير (1) وتجتنبون الخمر والزنا، فإذا فعلتم ذلك فأنتم منا ونحن منكم، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، فان أبيتم ذلك فأدوا الجزية في كل عام واعقدوا منا الذمة حتى نكف عنكم، فإن أبيتم ذلك فاعزموا على القتال والمناجزة، هذا ما نأمركم به وندعوكم إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # قال: فلما فرغ معاذ بن جبل من كلامه هذا وخبرهم الترجمان بما تكلم به أيسوا من قبله ولم يطمعوا فيه، ثم أقبل إليه الترجمان على لسان القوم فقال: إن القوم يقولون لك: إنا نرى الامر متباعدا بيننا وبينكم متفاوتا جدا، وقد بقيت خصلة واحدة نحن نعرضها عليكم، فإن قبلتموها فهو خير لكم، وأن أبيتموها ورددتموها فهو شر لكم، فقال معاذ: فما هذه الخصلة اذكروها حتى أعلمها؟ فقال الترجمان: # نعطيكم أرض البلقاء وما والاها (2) مما غلبتم عليه وتتنحون عن بقية أرضنا ومدائننا وتكتبون لنا عليكم بذلك كتابا نسمي فيه خياركم وصلحاءكم ونأخذ فيه عهودكم ومواثيقكم أنكم لا تطلبون من أرضنا شيئا إلا ما صالحناهم عليه ونعطيكم منا ms0120 من الوفاء مثل ذلك وتنصرفون عنا، وعليكم بأرض فارس فقاتلوا أهلها ونحن نعينكم # PageV01P145 # على ذلك. فقال معاذ: أما ما ذكرتم أنكم تعطونا أرض البلقاء فإن البلقاء وغير البلقاء من أرضكم بأيدينا، ونحن عازمون على أن نجليكم من جميع أرض الشام وتكون بأجمعها لنا إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (1). # قال: فغضب الترجمان من كلام معاذ ثم خبر القوم ما قال: فغضبوا لذلك ثم قالوا له: إليك عنا! نحن نتقرب إليكم وأنت تتباعد عنا، أما إذ أبيت العافية فارجع إلى أصحابك، فإنا نرجو أن يغريكم الله غدا في الجبال لبغيكم وظلمكم، فقال معاذ: أما في الجبال فلا يكون ذلك أبدا، ولكن والله لنقتلن عن آخرنا أو نخرجكم منها أذلة وأنتم صاغرون. # ثم وثب معاذ واستوى على ظهر فرسه وانصرف إلى أبي عبيدة فخبره الخبر على جهته. # قال: وبعثت الروم إلى أبي عبيدة إنا سألناك أن تبعث رجلا فأرسلت إلينا رجلا لا يعلم ما يأتي ولا يذر [و] لا ينصف ولا يقبل النصيحة ولا يبصر الحق ولا يريد الصلح، فلا ندري أذلك عن رأيك أم لا، ونحن نريد أن تبعث إلينا غير ذلك الرجل حتى نعرض عليه خصالا لنا ولك فيهم صلاح، وإلا بعثنا إليك رجلا يعرض عليك ما عندنا، فإن قبلت ذلك وإلا فالحرب بيننا وبينك. قال أبو عبيدة لرسولهم: قل لهم: # فليبعثوا من شاؤوا. ### | ذكر الرومي الذي جاء إلى أبي عبيدة وكلامه. # قال: فبعث الروم إلى أبي عبيدة رجلا منهم أزرق العينين طوالا مهول المنظر، فلما دخل العسكر جعل ينظر في وجوه عسكر المسلمين فلم يعرف أبا عبيدة من غيره، وذلك أنه لم ير عليه زي الامراء ولم ير له مجلسا يعرف ولا فضل هيئة على أصحابه، فبقى ساعة متحيرا ثم قال: يا معشر العرب! أيكم صاحبكم؟ قالوا: هو ذلك القاعد بين يديك. # قال: فنظر العلج إلى أبي عبيدة بن الجراح عليه درع وهو متقلد بسيفه متنكب قوسه وفي يده سهام يقلبها، فدنا منه العلج ms0121 ثم قال: أنت أمير هؤلاء القوم؟ فقال: # PageV01P146 # نعم، أنا أميرهم فتكلم بحاجتك، فقال له العلج: يا هذا! فما يجلسك على التراب؟ فقال: أريد التواضع لربي، فقال: يا شيخ! أرأيت لو كنت جالسا على بساط أو على وسادة أكان ذلك واضعا لك عند ربك؟ فقال له أبو عبيدة: يا رومي! # إن الله عز وجل لا يستحي من الحق، والله ما أملك وسادة ولا بساطا ولا أملك إلا درعي هذا الذي تراه علي وسيفي ورمحي وقوسي وكنانتي! ولقد احتجت إلى نفقة فلم تكن عندي حتى استقرضت من بعض أصحابي (1)، وبعد فلو كان لي بساط لما جلست عليه، ونحن عباد الله! نمشي على الأرض ونجلس على الأرض وننام على الأرض ونأكل على الأرض، وليس ذلك لنا عند ربنا بناقص، لا بل يعظم الله عز وجل بذلك أجورنا ويرفع به قدرنا (2) ويوجب لنا به المزيد فيما عنده في الآخرة! # فتكلم بحاجتك يا رومي وبما أرسلت به إلينا، فقال الرومي: نعم إنه ليس شئ أحب إلى الله من الاصلاح، ولا شئ أبغض إلى الله من الإفساد، وقل ما بغى قوم وأفسدوا إلا عمهم الله تعالى منه بهلاك وضلال، وقد أتيتكم أعرض عليكم أمرا لكم فيه الحظ إن قبلتموه! فقال أبو عبيدة: وما ذاك الحظ يا رومي؟ فقال: إن شئتم نعطي كل واحد منكم دينارين زيوف (؟)، ونعطي الفارس خمسة دنانير وثوبى بزيون (؟)، وأنت أمير القوم نعطيك ألف دينار، ونعطي الأمير الذي كان من قبلك خمسمائة دينار - يعني خالد بن الوليد - ونعطي الامراء والاجناد مائتي دينار، ونبعث إلى صاحبكم عمر بن الخطاب بألفي دينار على أن تخرجوا من بلادنا وتنصرفوا عنا، وإن شئتم أعطيناكم أرض البلقاء وما والاها من بلاد الأردن وتنصرفون عنا وعن بقية أرضنا ومدائننا سالمين معافين بعد أن نكتب بيننا وبينكم كتابا يستوثق فيه بعضنا من بعض، فهذا ما عندنا، فهات ما عندك يا شيخ! فقال أبو عبيدة: فإني أخبرك ما عندي يا رومى! إن الله تبارك وتعالى بعث إلينا رسولا وأنزل عليه كتابا ms0122 جعله رحمة للعالمين وحجة على الكافرين، وقد كان أمرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: إذا لقيتم الذين كفروا فادعوهم إلى الايمان بالله ورسوله والإقرار بما جاء به من عند الله، فمن أجابكم منهم إلى دينكم (3) فهو أخوكم في دينكم وشريككم في حظكم، له ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى منهم الايمان فأعرضوا عليه إذا الجزية حتى يؤديها عن # PageV01P147 # يد وهم صاغرون، فإن كرهوا أن يؤمنوا وأبوا أن يؤدوا الجزية فقاتلوهم، فإن قتيلكم المحتسب بنفسه شهيد في جنان النعيم. وقتيل عدوكم في النار والعذاب الأليم، فإن صدقتم يا رومي بما سمعتم وقبلتم ما أعلمتم فحظكم أصبتم والخير أريد بكم، وإن كرهتم ذلك وأدبرتم عنه وكذبتم فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. # قال: فقال الرومي: وقد أبيتم إلا هذا؟ قال أبو عبيدة: نعم، قد أبينا إلا ما سمعت، وما عندنا غيره، فاعمل أنت وأصحابك على ذلك (1). # قال: فولى الرومي من بين يدي أبي عبيدة وهو يقول: اللهم أشهد على هؤلاء القوم وانتقم لنا منهم! فانا قد أنصفناهم وأعطيناهم الحق وزدناهم فأبوا ذلك، اللهم انصرنا عليهم! قال: فصاح به بعض المسلمين أيها العلج! وما دعاء الكافرين إلا في ضلال. # قال: فمضى الرومي وخبرهم بما كان من كلامه وكلام أبي عبيدة بن الجراح. # فلما كان من غد زحف الروم نحو المسلمين في ستين ألفا أو يزيدون، وعزم أبو عبيدة على حربهم ومناجزتهم، ثم دعا فيجا (2) سريعا من أنباط أهل الشام وقال له: انظر إذا دفعت إليك كتابي هذا فأسرع حتى تأتي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فادفعه إليه، ثم كتب أبو عبيدة من ساعته كتابا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه (3): بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من عامله عامر بن الجراح، سلام عليك! أما بعد فإني أخبرك أن الروم قد أقبلت إلينا ونزل أكثرهم بساحتنا وهم نزول بأرض يقال لها فحل وقد سارع أهل البلد ومن كان على دينهم من ms0123 العرب المتنصرة، وكتبت إليك كتابي هذا حين نهضت إليهم وسرت لقتالهم متوكلا على الله، راضيا بقضائه، واثقا بنصره، راجيا لأحسن ما عودنا، ونحن نسأل الله عز وجل أن يكفينا وإياك يا أمير المؤمنين حسد كل حاسد وكيد كل # PageV01P148 # كائد وبغى كل باغ، وأن ينصرنا نصرا عزيزا، وأن يفتح الله لنا منه فتحا مبينا، وأن يجعل لنا منه سلطانا نصيرا - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # ثم طوى أبو عبيدة الكتاب وختمه ودفعه إلى الفيج ونهض إلى الروم في خيله ورجله، ونظرت الروم إلى خيل المسلمين وكثرة جمعهم فكأنهم كاعوا عن حربهم يومهم ذلك ورجع الفريقان بعضهم عن بعض. # ومضى الفيج فجعل يسير سيرا عنيفا حتى قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما دفع إليه الكتاب وقرأه أقبل على الفيج وقال: ويحك! فهل علمت أو بلغك من أمر المسلمين بعد خروجك عنهم؟ فإن أبا عبيدة خبرني في كتابه هذا أنه نهض إلى القوم حين دفع إليك الكتاب. قال: فقال الفيج: نعم يا أمير المؤمنين! # إني لم أبرح حتى رجع القوم بعضهم عن بعض ولم يكن بينهم قتال، وذلك أن الروم كاعوا فلم يحاربوهم ورجع المسلمون عنهم إلى معسكرهم. قال: فأنت ما حبسك عندهم وقد دفع إليك الكتاب أبو عبيدة وأمرك أن تعجل به علي؟ (1) فقال الفيج: إذا أخبرك يا أمير المؤمنين! إني انتظرت انصراف المسلمين عن الروم وعلمت أنك مسائلي (2) عما سألتني. فقال عمر: ويحك! إني أراك عاقلا فما دينك؟ قال: أنا نصراني، فقال عمر: فما يدلك عقلك هذا على أن تسلم لله رب العالمين وتعبده ولا تشرك به شيئا؟ قال الفيج: فإني قد أسلمت على يدك يا أمير المؤمنين وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله! فقال عمر: الحمد لله الذي يهدي لدينه من يشاء! جئتني كافرا وتنصرف من عندي مسلما، فأحمد الله عز وجل على ما هداك له من دينه. # قال: ثم بره وكساه وأحسن إليه وزوده وكتب معه إلى أبي عبيدة بن الجراح ms0124 (3): بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة بن الجراح، أما بعد فقد جاءني كتابك تخبرني فيه بنفر الروم إليك وبمنزلتهم # PageV01P149 # التي نزلوها (1)، كتابي هذا وأنتم غالبون فكثيرا ما نتذكر من فضل الله تعالى والاحسان، وإن تأتكم نكبة أو مسكم قرح فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تستكينوا فأنتم الأعلون والله معكم، فإنما هي دار الله والله تعالى فاتحها عليكم ونازعها من أيدي عدوكم، فاصبروا إن الله مع الصابرين - والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ### | ذكر وقعة فحل من أرض فلسطين ومن قتل فيها من المسلمين وغيرهم. # قال: فلما ورد كتاب عمر رضي الله عنه على أبي عبيدة بن الجراح نادى في المسلمين فاستنهضهم إلى حرب الروم. # قال: وعلمت الروم بذلك فرجعوا إلى حرب المسلمين في ستين ألفا ويزيدون من بين فارس وراجل وقد رفعوا صلبانهم ونشروا أعلامهم وعبوا كراديسهم، قال: # وعبى أبو عبيدة أصحابه كما كان يعبيهم من قبل ودنا القوم بعضهم من بعض، وحملت كتيبة من الروم على يزيد بن أبي سفيان (2) وهو في الميمنة، فلم يزل هو ولا أحد من أصحابه، وحملت كتيبة من الروم على شرحبيل وهو في الميسرة، فثبت وثبت الناس معه، وحملت كتيبة أخرى فيها أكثر من عشرة آلاف فارس على خالد بن الوليد وهو في القلب، فلم يتحلل أحد منهم لكنهم شرعوا الرماح في وجوههم ورشقوهم بالسهام، فرجعوا إلى ورائهم وعجبوا من حسن وقوف المسلمين وجودة صبرهم لهم. # وصاح أبو عبيدة بن الجراح (3) قال: أيها الناس! إنه لم يبق من جد القوم إلا ما رأيتم فاحملوا الآن عليهم حملة صادقة فاستوجبوا من الله النصر بالصبر، وليبشر كل من قتل منكم بالشهادة ومن بقي بالنصر والغنيمة، ووطنوا أنفسكم على القتال الشديد، وعليكم بالضراب والطعان ومنازلة الاقران فإنه لن يدرك ما عند الله عز وجل إلا بالطاعة والصبر في المواطن المكروهة وإن الله مع الصابرين. # PageV01P150 # قال: ثم حمل أبو عبيدة وحمل الناس معه وانكشفت الروم من بين أيديهم كشفة قبيحة وأخذهم السيف ms0125 فقتل منهم جماعة، ثم انهم وقفوا ونعروا وتراطنوا بينهم بالرومية ثم حملوا على المسلمين فخالطوهم واقتتلوا ساعة، ثم تراجعت الروم إلى ورائها وتقدم إليهم المسلمون بالتكبير والتهليل، فكان الرجل من المسلمين يتقدم فيقاتل، فإذا أعيي أو جرح رجع إلى ورائه، وربما قتل. # قال: وتقدم قيس بن هبيرة المرادي نحو القوم، قال: ثم حمل على جميع الروم فلم يزل يطاعن حتى انكسر رمحه، ثم رجع إلى المسلمين فطلب رمحا فأعطى ثم حمل على الروم فلم يزل يطاعن فيهم حتى كسر رمحه، ورجع إلى المسلمين حتى أخذ رمحا ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى انكسر رمحه وتثلم سيفه، فقيل: إن قيس بن هبيرة المرادي هذا كسر في ذلك اليوم عشرة رماح وانقطع في يده سفيان (1)، وقتل من الروم جماعة ما فيهم إلا فارس مذكور، وجرح منهم نيفا على ثلاثين رجلا، وأصابته سبع وأربعون جراحة وسلم فلم يقتل. # قال: ثم نادى خالد بن الوليد: أيها الناس! كونوا في جوار الله رغبة منكم عن هذه الدنيا وما فيها فإنها إلى فناء وزوال، ولا تخاذلوا ولا تواكلوا ولا تفشلوا عن أعداء الله، وأقدموا على الكافة كإقدام الأسود الضارية، ولا يكن أعداء الله على باطلهم أصبر منكم على حقكم، واطلبوا بإقدامكم عليه من الله الثواب الكريم والأجر العظيم، ألا! وإني حامل فمن شاء فليتبعني ومن شاء فليتخلف عني. # قال: ثم حمل خالد بن الوليد وحمل معه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص في زهاء ألف رجل من أهل الصبر واليقين، فنقضوا تعبية الكفار وكسروا صفوفهم بعضها على بعض، ثم وقف المسلمون ينظرون إليهم أيرجعون أم لا. قال: وإذا الروم في وقتهم ذلك أشد ما كانوا كلبا على المسلمين. # ثم إنهم تراجعوا في تعبية خلاف التعبية التي كانت لهم في أول النهار، ثم جعلت صفوفهم تقدم بعضها بعضا وهم ثمانية (2) صفوف، بين كل رجلين فارس، # PageV01P151 # وبين كل فارس رامح وناشب، فجعلوا يزحفون نحو المسلمين والمسلمون يتأخرون عن نشابهم. # قال: ثم صاح خالد بن الوليد: يا أهل الاسلام! ms0126 هذا يوم له ما بعده من الأيام وإن كان القوم في ستين ألفا والرجل منكم يحتاج إلى رجال منهم فغضوا أبصاركم وأقدموا على عدوكم ولا تتشاغلوا عنهم بسلب ولا غنيمة فعند الله مغانم كثيرة. # قال: ثم تقدم عمرو بن سعيد وكان من أفاضل الناس وفرسان المسلمين حتى وقف بين الجمعين ثم رفع صوته وقرأ ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار * ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأويه جهنم وبئس المصير﴾ (1) يا أيها الناس اطلبوا الجنة فإنها نعم المأوى ونعم القرار ولنعم دار الأبرار؟ ولمن هي يا قوم؟ هي والله لمن شرى نفسه وقاتل في سبيل الله! ثم نادى بأعلى صوته: إلي إلي يا أهيل الاسلام! فأنا عمرو بن سعيد! ثم حمل هذا عمرو على الروم فقاتل قتالا حسنا، ثم رجع إلى المسلمين وقد أصابته ضربة على حاجبه الأيمن والدم يسيل من الضربة حتى ملأت عينه، فلم يستطع أن يفتح جفن عينه من الدم، فقال عبد الله بن قرط الثمالي: أبشر يا ابن أبي أجنحة (2)! فإن الله معافيك من هذه الضربة وموجب لك بها الجنة ومنزل نصره عليك وعلى المسلمين إن شاء الله، قال: فقال عمرو بن سعيد: أما النصر على الاسلام وأهله فقد أنزله الله تبارك وتعالى إن شاء الله، وأما أنا فجعل الله هذه الضربة شهادة وأهدى (3) إلي مثلها أخرى، فو الله إن هذه الضربة أحب إلي من مثل جبل أبي قبيس ذهبا أحمر! قال: ثم حمل عمرو بن سعيد هذا فلم يزل يقاتل حتى قتل - (4) رحمة الله عليه. # قال: ثم تقدم خالد بن الوليد ومعه نخبة عسكر أبي عبيدة حتى وقف في القلب # PageV01P152 # وقد أوقف الناس في الميمنة والميسرة فأوصاهم وعهد إليهم ثم قال: أيها الناس! # انظروا إذا سمعتم تكبيري فاعلموا أني حملت فاحملوا واذكروا الله وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال الناس: سمعنا وأطعنا فاحمل إذا شئت يرحمك الله! ms0127 قال: # فعندها حسر خالد عن رأسه، وكانت علامته إذا أراد أن يحمل قال: الله أكبر الله أكبر، الله أخرجهم لكم من ديارهم وحصونهم، شدوا عليهم على بركة [الله] وعونه، ثم حمل وحمل الناس معه بأجمعهم على عساكر الروم ورفعوا أصواتهم بالتكبير، فانكشفت الروم من بين أيديهم، وأخذهم السيف فقتل منهم في هذه الحملة نيف على سبعة آلاف، منهم ألفا بطريق أو يزيدون وخمسة آلاف تابع ما فيهم إلا فارس مقنع بالحديد أو راجل ذو بأس شديد، وقتل من المسلمين بضعة عشر رجلا: أربعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار وستة من التابعين. # قال: وتبعهم المسلمون فاستأسروا منهم خلقا كثيرا فقتلوهم بالسيف صبرا واحتووا على غنائم لهم كثيرة، فأخذها أبو عبيدة وأخرج منها الخمس وقسم باقي الغنائم على المسلمين. # قال: ومرت الروم على وجوهها عباديد مشردين في البلاد، فمنهم من صار إلى فحل وهي مدينة مطلة على موضع من بلد الأردن يقال له (الأهوية (1)) والماء يجري من تحتها، فتحصنت الروم بفحل، ومر الباقون على وجوههم مشردين، فمنهم من صار إلى هرقل ملك الروم ومنهم من صار إلى حصون الشام فتحصنوا فيها. # قال: فبعث أبو عبيدة بالخمس إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكتب إليه (2): بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عامر بن الجراح، سلام عليك! أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين - أسعده الله - (3) بأنا التقينا نحن وأعداؤنا من الروم بموضع من بلد الأردن يقال له: فحل، وقد جمعوا لنا الجموع العظام وجاؤونا من رؤوس الجبال وسواحل البحار في نيف على ستين ألفا # PageV01P153 # قادرين مقتدرين في أنفسهم يظنون أن لا غالب لهم من الناس، ثم إنهم برزوا إلينا وأظهروا البغي علينا، فتوكلنا على ربنا ورفعنا إليه رغبتنا فرزقنا الله عليهم الظفر، فقتلنا منهم خلقا كثيرا وأغنمنا الله عز وجل أموالهم وما كان في عسكرهم، وقد أهدى الله الشهادة إلى رجال من المسلمين، منهم عمرو بن سعيد بن أبي أجنحة (1) وسعيد بن عمرو بن قيس بن الحارث وفلانا وفلانا ms0128 (2)، وصرف الله وجوه المشركين وتبعهم المسلمون يقتلونهم حتى اعتصموا بحصنهم فحل ومضى فلهم في البلاد مشردين، وأفاء الله على المسلمين عسكرهم فحووا ما كان فيه واحتووا على بلادهم، وأنزلهم الله من صياصيهم (3) وقذف الرعب في قلوبهم، فأحمد الله يا أمير المؤمنين على إعزاز دينه وإظهار حجته! وادع لنا بالنصر وإتمام النعم وإظهار الفلح وإلهام الشكر - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # قال: فلما ورد كتاب أبي عبيدة على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وقرأه وفهم ما فيه فرح بذلك واستبشر، وفرح المسلمون واستبشروا بما فتح الله عز وجل على إخوانهم من أرض الشام، ثم قسم عليهم عمر بن الخطاب ذلك الخمس الذي وجه به إليه أبو عبيدة بن الجراح، ثم كتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح يأمر بأن يتمسك بما فتح الله عز وجل على يديه ولا يحارب أحدا من الروم إلى أن يفرغ سعد بن أبي وقاص مما هو فيه من أمر العراق. # قال: فلما ورد الكتاب إلى أبي عبيدة رحل من بلد الأردن حتى صار إلى دمشق فنزلها وفرق أصحابه في البلاد التي فتح الله عز وجل على يده. # قال: وأنجز الشتاء عن سعد بن أبي وقاص، وكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمره بالمسير إلى العراق والمناجزة للعدو. ### | ذكر مسير سعد بن أبي وقاص إلى القادسية ونزوله عليها ومحاربتهم. # قال: فسار سعد بن أبي وقاص حتى نزل بالقادسية، واجتمعت إليه العساكر # PageV01P154 # من كل ناحية فصار سعد في جمع عظيم، وبلغ ذلك يزدجرد ابن هرمز ملك الفرس فوجه إلى سعد بن أبي وقاص يسأله أن يوجه إليه بجماعة من أصحابه يسألهم عما يريد (1). # قال: فدعا سعد بن أبي وقاص بهؤلاء العشرة من أصحابه منهم عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وطليحة بن خويلد الأسدي، وجرير بن عبد الله البجلي، والمغيرة بن شعبة الثقفي، وعاصم بن عمرو التميمي، وشرحبيل بن السمط الكندي، والمنذر بن حسان الضبي، وفرات بن حيان العجلي وإبراهيم بن حارثة الشيباني (2)، فقال لهم سعد: ms0129 إن هذا الكافر بعث إلي يسألني أن أوجه بقوم منكم يسألهم عما يريد، فسيروا إليه وانظروا ما قدم عزم عليه، فلعله أن يجيب إلى دين الاسلام فنكفي حربه. # فسار القوم حتى صاروا إلى الفرات، ثم عبروا الفرات وساروا حتى صاروا إلى الدجلة، فقعدوا في الزوارق وعبروا إلى ناحية يزدجرد، وهو يومئذ بالمدائن (3) وبها قصره، فوقف القوم على بابه ثم استأذنوا عليه فأذن لهم، فدخلوا عليه فإذا هو جالس على سرير له من العاج والابنوس صغير، والملوك وأبناء الملوك عن يمينه وشماله على الكراسي، وقد كان قبل أن تدخل العرب عليه يشرب خمرا، فلما رأى العرب من بعيد أمر بالشراب فرفع، وقدم المسلمون حتى وقفوا بين يديه، فأمرهم بالجلوس فجلس منهم تسعة وظفر المغيرة بن شعبة فقعد معه (4) على السرير، قال: فلما جلس المغيرة وكان رجلا جسيما مال السرير حتى كاد أن يقع يزدجرد من سريره، فصار المغيرة في وسط السرير ويزدجرد عن يساره، قال: فغضب يزدجرد واغتاظ # PageV01P155 # لذلك، وجاء غلام من غلمان يزدجرد وقال: تنح! فلم يتنح، والمغيرة يومئذ عليه ثياب العرب ودراعه من فوق ثيابه وهو مقلد بسيف له وسوطه معلق في يده وعليه برد له يمانية وقد اتشح بها من فوق ثيابه وكان المغيرة قال لأصحابه: من يكلم هذا الملك إذا دخلنا إليه؟ قالوا له: اكفنا أمره والكلام معه. # فعزم المغيرة على ذلك وجعل يزدجرد ينظر إلى البردة التي على المغيرة وكانت بردة يمانية مثمنة، فقال يزدجرد لترجمان له قائم بين يديه يقال له عبود فكلمه بالفارسية وقال: ما اسم هذا الثوب الذي على هذا الرجل؟ قال: أيها الملك اسمه برد، فتطير يزدجرد من ذلك، ثم قال: بردند جهان را - يرددها، فأقبل المغيرة على رجل قائم بين يديه من الفرس فقال: ملككم هذا يفهم عني ما أقول وإلا فأتوني بترجمان يؤدي عني ما أقول، قال: وكان يزدجرد فصيحا بالعربية فقال له: # يا هذا! فأنت من فصاحتك وإعجابك بنفسك جلست معي على سريري بغير إذني! # قال له المغيرة: وما ms0130 الذي أنكرت من ذلك؟ قال: أنكرت من ذلك أنك أنت الداخل علي في مجلسي، إنما يجب عليك أن تجلس في الموضع الذي آمرك به، فقال المغيرة: صدقت وإن جلوسي معك على سريرك لم يزدني شرفا ولكنني لم أجد لنفسي موضعا أرتفع عليه إلا هذا، فذر عنك هذا وتكلم أنت بما تريد، قال: فأقبل عليه يزدجرد فقال (1): أما أنكم يا معشر العرب كنتم تأتون بلادنا هذه ما بين وافد وتاجر وابن سبيل، وكنا نحسن إليكم فتأكلون من طعامنا وتشربون من شرابنا العذوب وتلبسون من لباسنا اللين، ثم إنكم حسدتمونا على ذلك، فانطلقتم إلى قومكم فجئتم بهم لتضايقونا في نعمتنا وتضادونا في ملكنا! ما أعرف لي ولكم مثلا إلا [مثل - (2)] رجل كان له كرم فدخل ثعلب فأكل منه وأفسد، فلما رأى الثعلب أنه ليس له مانع خرج فجمع الثعالب ثم أقبل بها إلى الكرم، فلما رأى صاحب الكرم تلك الثعالب سد عليها أبواب الحجر ثم دخل عليها فقتلها عن آخرها، فهذا مثلي ومثلكم، ولو أردت أن أفعل بكم بذلك لفعلت غير أني أعلم أنما حملكم على المصير إلى بلدي هذا ما أنتم عليه من الجوع والجهد والبؤس والضنك، فإن كان ذلك كذلك فخبروني حتى أحسن إليكم وأوقر إبلكم هذه التي معكم طعاما (3) وكسوة وزادا # PageV01P156 # وأحسن إليكم جهدي وطاقتي وتنصرفون إلى بلادكم سالمين، وإن كنتم إنما قصدتم بلدي هذا لزوال ملكي فأعلموني ذلك حتى أبغي لكم الغوائل وأنصب لكم الحبائل. # قال: فقال المغيرة بن شعبة: أفرغت من كلامك؟ قال: نعم، فقل ما أحببت، فقال المغيرة: إنك لم تذكر شيئا من البؤس والضنك والجهد إلا وقد كنا في أعظم منه، وذلك إنا كنا نأكل الميتة والضب والقنافذ وأشباه ذلك، وكان (1) أحسننا حالا الذي يثب على ابن عمه فيقتله ويأخذ ماله، وكان لباسنا مما يخز من أغنامنا وإبلنا فتغزله لنا نساؤنا وتنسجه، فمنه لباسنا، فكنا كذلك لا نعرف حلالا ولا ننكر حراما حتى بعث الله عز وجل نبينا محمدا مباركا هدانا به من الضلالة وبصرنا ms0131 به من الجهالة وأنزل إليه كتابا سماه قرآنا عربيا بين فيه الحلال والحرام والبراء من الآثام، صدقه منا مصدقون وكذبه منا مكذبون، فقاتل المكذبين بالمصدقين، حتى دخلوا في دينه طائعين وكارهين (2)، وقد كان خبرنا قبل وفاته بكل البلاد التي يفتحها الله عز وجل على أيدينا، وإن بلدك منها وقصرك، وإنا نعرض عليك خصالا ثلاثا فاختر أيهن شئت. قال يزدجرد: قل حتى أسمع، قال له المغيرة: أما واحدة فتقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا أنت قلتها أقررناك في بلدك وانصرفنا عنك، لا يدخل بلدك هذا أحد إلا باذنك، وعليك الخراج الخمس والزكاة تؤديها إلى بيت مال المسلمين، وإن أبيت ذلك فأداء الجزية عن يد وأنت صاغر وأعتق منا دمك، وإن أبيت ذلك فأذن بحرب من الله ورسوله وجهاد في سبيله، قال: فقال له يزدجرد: أما! إني قد فهمت كلامك، ولكن خبرني ما الصاغر؟ فإني لا أعرف الصاغر من كلامكم، قال: الصاغر أن تؤدى الجزية وأنت قائم والسوط على رأسك. # قال: فغضب يزدجرد ثم قال: ما ظننت أن أعيش حتى أسمع من أمثالكم هذا، أما! إني قد كنت عزمت على بركم والاحسان إليكم في وقتي هذا، فلما إذ تلقيتموني بمثل هذا الكلام فما لكم عندي إلا التراب (3)، قال: ثم رفع رأسه إلى # PageV01P157 # غلام له بين يديه فكلمه بالفرسية فقال: شوانشان خاك بياور، فذهب الغلام فجاء بزنبيل ملان ترابا فقال: خذوه الآن وضعوه على رأس أكبركم وأفضلكم وارجعوا إلى صاحبكم فخبروه بأني سأوجه إليكم من يدفنه ويدفن أصحابه في خندق القادسية. # قال: فوثب عاصم بن عمرو التميمي (1) وكان أصغر القوم فأحب أن يوقر المشايخ فحمل التراب، ونزل المغيرة عن سرير يزدجرد، وخرج القوم فركبوا دوابهم وساروا حتى صاروا إلى سعد بن أبي وقاص فخبروه بما كان من كلامهم وكلام يزدجرد. # قال: ثم أقبل يزدجرد على وزيره الأكبر رستم فقال له: إن الشتاء قد انحسر عنا وعن هؤلاء القوم، والأرض قد أعشبت والأشجار قد أينعت، فسر ms0132 إليهم بخيلك ورجلك وجاهدهم أبدا حتى تردهم على أدبارهم من حيث جاؤنا. قال: فعندها عرض رستم من كان بحضرته من الفرس، فكانوا عشرين ومائة ألف فارس وثلاثين ألف راجل، فسار هؤلاء القوم حتى نزلوا بإزاء المسلمين بأرض القادسية، وكتب يزدجرد إلى جميع البلاد التي كانت في يده فاستنهضهم إلى حرب المسلمين، فأجابوه على كل صعب وذلول، فكان أول من أجابه إلى ذلك بهرام صاحب همذان في خمسة وعشرين ألفا من فارس وراجل، وأجابه شير زاد صاحب قم وقاشان في مثل ذلك، وأجابه البندوان صاحب أصفهان في مثل ذلك، وأجابه خرشيد صاحب الري في قريب من ذلك، فاجتمعت العساكر إلى رستم بالقادسية في جمع عظيم، فتواعد القوم للحرب ودنا القوم بعضهم من بعض، وكانت حروبهم أربعة أيام: يوم أرماث (2) ويوم أغواث ويوم السواد ويوم النفاذ. # PageV01P158 ### | [يوم أرماث] # وعبى سعد بن أبي وقاص أصحابه، فكان يومئذ في قريب من أربعين ألفا، وقد كان عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما فأمدهم بعشرين ألفا من أهل الشام، فصار سعد في ستين ألفا. فلما كان ذلك اليوم وعزم على محاربة الفرس جعل على ميمنته عمرو بن معدي كرب الزبيدي وجرير بن عبد الله البجلي في عشرة آلاف بين فارس وراجل، وجعل على ميسرته إبراهيم بن حارثة الشيباني (1)، وعلي بن جحش العجلي في عشرة آلاف من بين فارس وراجل، وجعل في القلب طليحة بن خويلد الأسدي والمنذر بن حسان الضبي في عشرة آلاف فارس وخمسة آلاف راجل. وفرق من بقي منهم في الأجنحة والكمناء، فكان أول من تقدم يومئذ من الفرس مهران صاحب أذربيجان وعليه قباء حرير وقرطق ديباج، وفي وسطه منطقة من الذهب مرصعة بالجوهر، وفي أذنه قرطان من الذهب في كل قرط حبتان من بنات الدر، وتحته فرس له أشقر، وفي يده سيف له حسام قاطع، فجعل يقول بالعربية: ندق العرب دقا دقا! فقال له رجل من أصحابه: قل إن شاء الله، فقال: إن شاء الله وإن لم ms0133 يشأ (2). فقال سعد بن أبي وقاص: أيها المسلمون! قد طغى وبغى فأخرجوا إليه! فخرج إليه المنذر بن حسان الضبي وحمل عليه وطعنه طعنة أرداه عن فرسه، فذهب مهران يقوم فبادر إليه المنذر بن حسان فرمى بنفسه عن فرسه وشد على مهران ليضربه بسيفه فالتقاها برجله، فضرب المنذر بن حسان رجل مهران فقطعها وغار فرس المنذر فعدا إليه ليأخذه وأمعن الفرس في الركض، فبادر جرير بن عبد الله إلى مهران فنزل إليه فأخذ بلحيته واختر رأسه، وأخذ ما كان عليه من الثياب، ولحق المنذر بن حسان فرسه فأخذه ثم رجع إلى مهران ليسلبه فإذا جرير بن عبد الله قد سبقه وأخذ سلبه فقال له المنذر: أبا عمرو! # أنا قتلت مهران وسلبه لي ولا حق لك فيه، وإنما شغلني عنه فرسي، ولقد كنت سيدا في الجاهلية وأنت اليوم سيد في الاسلام، ولا يجمل بك أن تأخذ ما ليس لك، فاردد علي السلب، قال جرير: فادفع إلى المنطقة وخذ باقي السلب، فقال # PageV01P159 # المنذر بن حسان: إذا لا أفعل لأني أنا طعنت مهران وأنا صرعته عن فرسه وأنا قطعت رجله، فإن أبيت أن تعطيني السلب فالله بيني وبينك - والسلام، فلما سمع جرير هذه المقالة من المنذر بن حسان استحيى من ذلك فصالحه أن يأخذ السلب ويدفع إليه المنطقة، فرضى المنذر بذلك فأخذ المنطقة وسلم إلى جرير السلب، فقوم السلب فكانت قيمته بضعة عشر ألف درهم، وقومت المنطقة فكانت قيمتها ثلاثين ألف دينار. ### | [يوم أغواث] # قال: واقتتل القوم قتالا شديدا إلى أن جاء الليل فحجز بين الفريقين. فلما أصبح القوم (1) دنا بعضهم من بعض، وهذا اليوم يوم أغواث، فأول من تقدم من الفرس رجل يقال له فيروز (2) على فيل مزين مشهر بغاية الشهرة والفرس عن يمينه وشماله. قال: ونظر إلى ذلك الفيل رجل من بني أسد يقال له أسد ويكنى أبا الموت ولقبه زبيبل وكان فارسا بطلا، فعزم على الخروج إلى هذا الفيل، ثم أحمى فرسه حتى أقامه على سنابكه، ثم حمل على الفيل فضرب ms0134 خرطومه ضربة قطعه، ورماه سائس الفيل بحربة كانت في يده فقتله - رحمة الله عليه -. قال: وسقط الفيل ميتا وسقط فيروز عن ظهره، فحمل المسلمون عليه فقتلوه. # ثم حمل المسلمون بأجمعهم حملة واحدة من القلب فكشفوا الفرس وهزموهم عن القادسية وما يليها، وصار قصر القادسية في أيدي المسلمين فأصابوا منه سلاحا كثيرا وأموالا ليست بكثيرة وأطعمة كثيرة وكان قصرا عاليا مشرفا له مناظر ونزله سعد بن أبي وقاص، ونظرت الفرس إلى القصر وقد أخذ منهم، اغتموا لذلك غما شديدا وباتوا ليلتهم يدبرون أمرهم بينهم. # PageV01P160 ### | [يوم السواد] (1) فلما كان من غد دنا القوم بعضهم من بعض وهذا يوم السواد، (1) وقدمت الفرس الفيلة عن أيمانها وعن شمائلها وبين أيديهم، ونظرت خيل المسلمين إلى الفيلة ففزعت لذلك فزعا شديدا وتراجعت إلى ورائها، فلما نظر المسلمون إلى ذلك نزلوا عن الخيل وأصلتوا السيوف ومضوا نحو الفيلة رجالة واشتبكت الحرب، وجعل المسلمون يحملون على الفيلة فيضربون مشافرها بالسيوف حتى أفنوها عن آخرها. # قال: فتقدم رجل من كبار الفرس وساداتها يقال له شاهنشاه حتى وقف بين الجمعين على فرس له على رأسه تاج من ذهب وعليه جوشن من ذهب فسأله البراز فخرج إليه رجل من المسلمين فقتله شاهنشاه ثم خرج إليه آخر فقتله فلم يزل كذلك حتى قتل أربعة من فرسان المسلمين، فصاح المسلمون بعمرو بن معد يكرب الزبيدي فقالوا: يا أبا ثور هل فيك بقية من غنى فتكفينا أمر هذا الأعجمي؟ فقال فتى من تميم يقال له عبد الله بن حابس: وأي بقية تكون في مثله وهو شيخ كبير على ما ترون؟ فقال له عمر: يا ابن أخي! إن بقيتي على ضعفي خير من شباب مثلك. # قال: فأقبل على عمرو من كان من قومه وعشيرته فقالوا: سألناك يا أبو ثور ألا كفيتنا أمر هذا الأعجمي إن علمت أنك تقوم به، قال: نعم، آتوني براحلة، فقالوا: # تريد أن تقاتل على راحلة؟ فقال: ائتوني ولا تسألوني، قال: فأتوه بناقة عليها رحلها فأبركها بين يديه ثم ركبها وقال: يا ms0135 بني أخي! أصلحوا على عملكم ثيابه، قال: فأدخلوا أيديهم تحته ليصلحوا ثيابه فقعد على أيديهم وأثار الراحلة فبقي القوم معلقين بأيديهم فصاحوا: يا عم! أيدينا أيدينا، فتجافى عمرو عن الراحلة فسقطوا إلى الأرض، فقال: يا بني أخي! ما بقي من قوة عمكم إلا ما ترون. ثم أقبل على بني عمه فقال: إن فرسي هذه لست منها في شئ ولكن ائتوني بحصان، قال: فأتوه بحصان مشرف كأنه الكثيب المبني، فأخذ بذنبه فألزم عرقوبيه إلى الأرض ثم قال: ضعيف ائتوني بغيره، فأتوه بفرس آخر، فأخذ بذنبه فجذبه فألزم عرقوبيه الأرض وقال: ضعيف غير أنه خير من الأول، ثم قال: يا بني زبيد! اعلموا # PageV01P161 # أني حامل على هذا الأعجمي، فإن بدرته بالصمصامة (1) فهي نفسه لا شك في ذلك، وإن بدرني بسيفه فصرعني عن فرسي فلا عليكم، ذروني وإياه فإنه لا يصل إلي حتى أقتله على كل حال. # قال: ثم استوى على الفرس وخرج نحو الأعجمي فنظر إليه شاهنشاه فحمل عليه، والتقيا بضربتين وقعت ضربة شاهنشاه في درقة (2) عمرو، وقعت ضربة عمرو في رأس شاهنشاه فقطع تاجه مع هامته فجدله قتيلا. قال: ثم نزل إليه عمرو فسلبه تاجه وما كان عليه من ثيابه وسلاحه، ثم استوى على فرسه. # قال: فاقتتل الفريقان قتالا شديدا إلى أن جاء الليل، فحجز بين الفريقين. # فلما كان من غد دنا القوم بعضهم من بعض، وأقبلت خنساء على أربعة أولادها رجال جلاد فقالت لهم (3): يا بني! أنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين ووالله إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، ووالله ما هجنت حسبكم ولا فضحت حالتكم (4)، وقد ترون ما أعدت الأعاجم للمسلمين، فإذا دنوتم من الحرب فباشروا خميسها ويمموا وسيطها وجالدوا رائسها تظفروا بالغنم والسلامة والزلفة والكرامة في دار الفوز والمقامة! قال: فقبل بنوها قولها. فلما دنا القوم بعضهم من بعض تقدم ابنها الأول ثم حمل (5)، فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه -، ثم تقدم الثاني # PageV01P162 # ثم حمل (1) فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه، ثم ms0136 تقدم الثالث ثم حمل (2)، فقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه -، ثم تقدم الرابع ثم حمل (3)، فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه -، قال: فقتل أولاد الخنساء هؤلاء الأربعة وما دمعت لها عين، وذلك يوم النفاذ. # قال: واشتدت الحرب واقتتلوا قتالا شديدا ليس بالدون، وارتفع التكبير من المسلمين والعطعطة والنعير من الكافرين، وكان أبو محجن الثقفي محبوسا في قصر القادسية، وذلك أن سعد بن أبي وقاص هو الذي حبسه، وكان السبب في ذلك أن أبا محجن كان لهجا بشرب الخمر. ### | خبر أبي محجن الثقفي وحبسه وتوبته. # وقد كان سعد بن أبي وقاص أقام عليه الحد مرارا، وكان السبب في هذا الحبس أنه أشرف عليه يوما وأظنه كان متنبذا فسمعه يتكلم، قال: فلما سمعه سعد بن أبي وقاص يقول أبياتا (4) دنا منه ثم قال: يا أبا محجن! إنك لفي ضلالك القديم، ثم أمر به فقيد، وحبسه معه في القصر بالقادسية. فلما كان ذلك اليوم # PageV01P163 # وسمع أبو محجن التكبير والنعير التفت إلى أمة لسعد يقال لها: زبراء، فقال: # ويحك يا زبراء! ما حال المسلمين؟ فقالت: أظن والله الدائر على المسلمين وقد قتل منهم جماعة، فقال أبو محجن: إنا لله وإنا إليه راجعون! أخاف أن يذهب الناس بشرف هذا اليوم، فينالون الدنيا والآخرة وأنا موثق بهذا الحديد، فلعن الله الخمر ولعن أبا محجن إن شربها بعد هذا اليوم، قال: ثم أقبل على سلمى امرأة سعد وجاريته زبراء فقال: أطلقاني ولكما الله علي راع وكفيل إن أنا سلمت ولم أقتل أن أرجع إليكما وأضع رجلي في هذا القيد كما كانت، قال: فلما سمعت المرأتان يمينه وما أعطاهما من العهد والميثاق أطلقتاه فأخرجنا رجله من القيد، فقال لهما: # أعطياني اليوم هذا الفرس البلقاء وأعطياني سلاح سعد حتى أخرج فأقاتل وأرجع إليكما إن شاء الله عز وجل إن لم يحدث علي حدث، قال: فدفعتا إليه فرس سعد البلقاء (1) فأسرجها وألجمها ودفعتا إليه درعا ومغفرا وسيفا ورمحا، فتقلد بالسيف وتناول الرمح واستوى على الفرس وسار حتى اختلط ms0137 بالمسلمين متلثما لا يعرف، ثم ضرب بيده إلى سيفه فاستله ثم حمل، فلم يزل يقاتل بالسيف مرة ويطعن بالرمح مرة وتارة يحمل على القوم فيقاتل قتالا شديدا لم يسمع الناس بمثله، والمسلمون لا يعلمون من هو، غير أنهم عجبوا من قتاله وسعد بن أبي وقاص على سطح القصر ينظر إلى فعله فالتفت إلى من كان معه من مشايخ العسكر فقال: يا هؤلاء! # أترون إلى فعل صاحب البلقاء؟ لئن كان الخضر عليه السلام شهد شيئا من هذه الوقائع فهذا هو الخضر لا شك فيه! قال: ثم تقارب أبو محجن من ناحية القصر وجعل سعد بن أبي وقاص يتأمل البلقاء ويلتفت إلى من كان عنده فيقول: أما البلقاء فهي بلقائي، وأما السلاح سلاحي لا شك فيه، وأما الحركات فكأنها حركات أبي محجن الثقفي، ولولا أن أبا محجن معي في القصر لقلت: هذا أبو محجن. قال: # ثم حمل أبو محجن وحمل الناس فاختلطوا، ورجع أبو محجن إلى باب القصر فقرعه برمحه وفتح له الباب ودخل، فنزل عن البلقاء فحط عنها السرج واللجام وأقامها على # PageV01P164 # مذودها (1) ونزع السلاح فرده على المرأتين ودعا بالقيد فقيد رجله كما كان. قال: # فصاحت به سلمى من جوف الخدر: أبا محجن! ما حال الناس؟ فقال: بكل خير، وقد كان مني في هذا العدو ما كان، وأرجو أن يكون الله تبارك وتعالى قد جعل لك أيتها المرأة في ذلك الثواب نصيبا. # قال: فأرسلت سلمى إلى سعد بن أبي وقاص وسألت أن يصير إليها، قال: # فنزل سعد من السطح على عيلته حتى دخل عليها، فقالت: أيها الأمير! ما حال الناس؟ قال: ويحك يا سلمى! لقد كانت الدائرة على المسلمين غير أن الله تبارك وتعالى من علينا بفارس لا أدري من الآدميين أم من الملائكة فأعطى الله المسلمين به الظفر بعد الإياس، قالت: فهل عرفت الرجل؟ قال: لا ولكني شبهت بلقاء كانت تحته ببلقائي وسلاحا كان عليه بسلاحي، فقالت: والله انه أبو محجن الثقفي، فعل كذا وكذا، قال: فخرج سعد من عندها ms0138 حتى دخل على أبي محجن ثم وقف عليه ثم قال: لقد عجبت أن يكون ذلك الفعل لك، ولست أقيم بعد ذلك عليك حدا بعد أن قد رأيت منك ما رأيت، قال: ثم فك القيد عنه وقال: يا هذا! انظر لنفسك وفكر في معادك إلى ربك، قال فقال له أبو محجن: أيها الأمير! إنما كنت أشرب الخمر حين كنت تقهرني عليها، فأما إذ قد أبيت أن تقيم علي الحد فو الله لا ذقتها حتى ألقى الله تعالى! قال: ثم ترك الخمر ولم يشربها بعد ذلك، وكان إخوانه الذين ينادمونه عليها يقولون: أبا محجن! أتركت القهوة وصبرت عنها؟ فكان يقول: ما تركتها إلا لله خالصا لا لغيره - ثم رجعنا إلى الحديث (2). # قال: وبات الفريقان ليلتهم تلك وقد قتل من الفرس مقتلة عظيمة، فلما كان من غد وثب القوم كتعبيتهم في الأول ونزل إليهم سعد وهو متكئ من قروح قد خرجت في باطن فخذيه (3)، فركب فرسا لين العريكة، ثم خرج على الناس فأحاطوا به من كل جانب فقالوا: أيها الأمير! لو لم تخرج إلينا لكنت معذورا لما علمنا من علتك فارجع إلى موضعك فإنا نكفيك إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! # PageV01P165 # قال: فقال لهم: أيها المسلمون! لقد علمت العرب قاطبة عنائي في الحرب، إذا أنا شهدتها والله يعلم ما بي من العلة ولا أريد أن يؤمنكم لقتال عدوكم فقد مضت أربعة أيام وأنا أرجو أن يكون هذا اليوم يوم الفتح إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # قال: ثم رجع سعد ودخل القصر، ثم صعد على السطح فقعد، ثم جعل ينظر إلى حرب المسلمين، ودنا القوم بعضهم من بعض ودنت الفرس براياتها وأعلامها في تعبية يا لها من تعبية. # قال: فكان أول من تقدم إلى الحرب من المسلمين جرير بن عبد الله الجبلي، ثم حمل فقاتل فأحسن القتال، وحمل على أثره علي بن جحش العجلي، ثم حمل في أثره إبراهيم بن الحارثة الشيباني، ثم تقدم عمرو بن معد ms0139 يكرب الزبيدي. # قال: فجعل القوم يقتلون قتالا شديدا حتى قتل من الفريقين مقتلة عظيمة وأثخنوا بالجراحات، وإذا بعسكر لجب قد أقبل من ناحية الشام (1)، فلما نظر المسلمون إليه فزعوا وظنوا أنه كمين للفرس وإذا هو هاشم بن عتبة بن أبي وقاص قد جاء من الشام بكتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجه به أبو عبيدة بن الجراح في عشرة آلاف. فلما أشرف هاشم بن عتبة على عسكر عمه سعد بن أبي وقاص عبى من كان معه عشرة كراديس، في كل كردوس ألف فارس، وأقبل هاشم في الكردوس الأول وجعلت الكراديس تأتي كردوسا بعد كردوس ويختلطون بالمسلمين، فلما نظرت الفرس إلى ذلك فزعوا وامتلأت قلوبهم خوفا وفزعا ورعبا، وأقبل القعقاع بن عمرو بن الضبي في آخر الكراديس، فحمل على الفرس قريبا من ثلاثين حملة ليس منها حملة إلا وهو يقتل فيها الرجل والرجلين والثلاثة، فلما نظر إلى ذلك شهريار أخو رستم خرج إلى القعقاع بن عمرو فحمل عليه، وحمل عليه القعقاع فطعنه طعنة في خاصرته جدله قتيلا. # قال: وصاح رجل من المسلمين: أيها الناس! إنه من يسره أن يشهد يوما مثل # PageV01P166 # يوم بدر وأحد فهذا شبه ذلك اليوم، فجعل عمرو بن معد يكرب يرتجز. # قال: ثم اجتمع وصاح بعضهم ببعض وجعلوها واحدة وجعلوا يطردون الفرس من بين أيديهم كما ترد الكلاب حتى بلغوا بهم إلى شاطئ الفرات، وقد قتل منهم زيادة على عشرة آلاف فارس، وغنم المسلمون غنائم كثيرة من دواب وسلاح وآلة، ثم رجع المسلمون عنهم إلى القادسية. # قال: ومرت الفرس على وجوهها حتى تقاربوا من المدائن فنزلوا هنالك وظنوا أنهم قد أمنوا، فلما أصبح سعد بن أبي وقاص نادى في المسلمين ثم رحلوا في طلب الفرس، والتفتت الفرس فنظروا إلى المسلمين فولوا بين أيديهم ولحقوهم وخالطوهم، وحمل رجل من المسلمين يقال له هلال بن علقمة العقيلي (1) على رستم ليضربه بسيفه وقد عرفه، فرماه رستم بسهم فشك قدم المسلم مع ركابه، وضربه المسلم ضربة فجدله قتيلا، ثم أخرج السهم ms0140 من رجله ونزل إلى رستم فأخذ التاج وما كان على رستم وتركه قتيلا عريانا واستوى على فرسه. # قال: وصارت الفرس إلى المدائن فاتخذوا طعاما ومزجوه بالسموم لكي يقتلوا بذلك المسلمين إذا نزلوا ساباط المدائن، قال: وعبرت الفرس الدجلة إلى الناحية التي فيها قصر يزدجرد ثم قطعوا الجسور لكيلا يدخل إليهم أحد من المسلمين، قال: وأقبل المسلمون حتى نزلوا ساباط المدائن وقد أضر بهم الجوع والعطش فنظروا إلى طعام كثير وماء صاف قد ملئت به الحياض، فأكلوا وشربوا فلم تضرهم السموم شيئا، وقد ذكر ذلك بعض المسلمين. قال: وأصاب المسلمون هنا لك خزائن يزدجرد مقفلة فكسروا الاقفال ودخلوا الخزائن إذا هم بأسلحة وأموال، فغنم المسلمون ذلك كله، ثم إنهم نزلوا ساباط المدائن وحطوا أثقالهم وأمتعتهم هنالك، ثم أقبلوا حتى وقفوا على شاطئ دجلة والماء يومئذ في منتهى الزيادة، فقال سعد بن # PageV01P167 # أبي وقاص: أيها المسلمون! انزلوا الآن ههنا حتى نعقد جسرا ونعبر، فقال له بعض المسلمين: أيها الأمير! إن الذي حملنا في البر هو قادر على أن يحملنا في البحر، فقال سعد: صدقت أيها الرجل ولكن الماء في منتهى الزيادة على ما ترى، فقال له الرجل: أنا أقتحم أيها الأمير هذه الدجلة بفرسي واثقا بربي، قال: ثم صاح ذلك الرجل بفرسه واقتحم الماء (1). ### | ذكر عبور المسلمين الدجلة. # قال: ثم اقتحم في أثره الهلقام بن الحارث العتكي، قال: ثم اقتحم في أثره عمرو بن معدي كرب، قال: فلما نظر أهل العسكر بأجمعهم إلى هؤلاء قد اقتحموا الدجلة اقتحموا الدجلة بأجمعهم ورفعوا أصواتهم بالتكبير وجعلوا يقولون: اللهم لا جسر إلا جسرك! وجعلوا يشقون الماء شقا فما ذهب لاحد منهم شئ حتى عبروا بأجمعهم، وعبر سعد بن أبي وقاص معهم. # قال: وكان يزدجرد ملك الفرس ينظر إليهم من منظرة له، فلما رآهم يشقون الماء شقا جعل يقول لوزير من وزرائه: ما هؤلاء من الانس ولا من الجن وما هم عندي إلا مردة الشياطين! قال: ثم بادر ونزل من منظرته وقد كان قدم أمواله وحرمه ms0141 وقليله وكثيره إلى جلولاء (2) فاستوى على فرسه وخرج الناس معه ومروا على وجوههم هاربين حتى صاروا إلى الدسكرة إلى جلولاء فنزلوها، واشتغل المسلمون عنهم بعبور الدجلة. # قال: ثم إن المسلمين عقدوا جسرا ما بين ساباط المدائن إلى سبادس (3) وعبروا [فأخذوا] ما كانوا خلفوه في ساباط المدائن من الخيل والبغال والحمير والأمتعة. وكتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يخبره # PageV01P168 # بفتح القادسية والمدائن وسلامة المسلمين وهرب يزدجرد وأصحابه إلى الدسكرة وجلولاء وما والاهما وأنا نازل بالمدائن منتظر ما تأمر به. # قال: فلما ورد كتاب سعد على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فرح لذلك فرحا شديدا وكبر المسلمون، ثم كتب إليه عمر يأمره أن لا يبرح عن المدائن حتى يأتيه أمره وأن يرد الجيش الذي ورد عليه من الشام إلى مواضعهم (1)، وخبره في كتابه بأن الروم قد تحركوا بأرض حمص وأمره أيضا في كتابه أن لا يحدث حدثا وأن لا يتحرك عن المدائن إلى أن يأتيه الخبر من الشام. ثم إنه رد الجيوش التي جاءته من الشام إلى أبي عبيدة بن الجراح. ### | ذكر فتح المسلمين مدينة حمص من أرض الشام واجتماع المسلمين عليها. # قال: فلما أن كان بعد فتح المدائن جعل أهل حمص يحصنون مدينتهم ويجمعون الجموع لحرب المسلمين، ثم إنهم كتبوا إلى هرقل ملك الروم فأمدهم بعشرين ألفا من أنطاكية، وأهل حمص يومئذ في نيف على عشرة آلاف. قال: # وبلغ ذلك أبا عبيدة بن الجراح، فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فكتب إليه عمر أن ناجز القوم فقد فرغنا من أمر القادسية والمدائن (2)، وأن الذي نصرنا على هؤلاء الفرس هو الذي ينصرنا على الروم وغيرهم من أصناف الكفرة، فثق بالله عز وجل واستعن به وناجز القوم وطالعني بأخبارك حتى كأني شاهد بجميع ما أنت فيه. # قال: فعندها نادى أبو عبيدة في الناس بالرحيل إلى حمص، فرحل ورحل المسلمون حتى وافوا مدينة حمص، فنزلها وأحاط بها من كل جانب وناحية، فضيقوا عليهم ومنعوا ms0142 الميرة عنهم، فلما أضر بهم خرجوا إلى حرب المسلمين في تعبية حسنة وجيش لجب. # PageV01P169 # قال: ودنا القوم من القوم فاقتتلوا قتالا شديدا، قال: ثم حسر خالد بن الوليد عمامته عن رأسه ثم قال: أيها المسلمون! إني حامل فاحملوا، ثم حمل وحمل المسلمون معه من ناحية شرقية، وحمل أبو عبيدة بن الجراح من ناحية باب الرستن (1)، وحمل عمرو بن العاص من جانب آخر، وخرج عليهم يزيد بن أبي سفيان (2) من ورائهم ووضع فيهم السيف، فقتل منهم بشر كثير وولوا الادبار حتى دخلوا المدينة وقد ألقى الله عز وجل في قلوبهم الرعب والخوف. # فلما كان من غد أرسلوا إلى أبي عبيدة بن الجراح يسألونه الصلح وذلك أنهم اتقوا الحصار وخافوا على أنفسهم أن يسبوا كما سبي غيرهم، فصالحهم أبو عبيدة على سبعين ألف دينار (3) عاجلة، وعلى أداء الجزية عن كل محتلم في كل سنة أربع دنانير، وعلى أنهم يضيفون المسلم إذا نزل بهم، وعلى أنهم لا تهدم كنائسهم ولا يخرجون من مدينتهم فرضوا بذلك وكتب لهم أبو عبيدة بهذا الصلح كتابا وأشهد عليه صلحاء المسلمين ودفعه إليهم. قال: وفتح القوم باب المدينة فدخلها المسلمون صلحا قد أمن بعضهم من بعض، فنزل أبو عبيدة مدينة حمص وبث خيله في الغارات يمنة ويسرة. ثم كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعنهم. ### | ذكر كتاب أبي عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (4) # بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من عامر بن الجراح، سلام عليك! أما بعد فالحمد لله الذي فتح (5) علينا وعليك أفضل كورة بأرض الشام (6) وأكثرها خراجا ونفعا وأعظمها على المسلمين فتحا، أخبرك يا أمير المؤمنين إنا قدمنا بلاد حمص وبها من الكفار عدد كثير، فلما حللنا بساحتهم أوهن # PageV01P170 # الله عز وجل كيدهم، وقلم أظفارهم وألقى الرعب في قلوبهم، فطلبوا منا الصلح وأذعنوا لنا بالجزية، فقبلنا ذلك منهم وكففنا عن قتالهم وصالحناهم على سبعين ألف دينار عاجلة وأداء الجزية بعد ذلك، ثم فتحوا لنا ms0143 الأبواب واكتتبوا منا الأمان، فأخرجت من ذلك المال الخمس ووجهت به إلى أمير المؤمنين ليقسمه هنالك في حقه وقسمت باقي ذلك على المسلمين، وقد وجهت الجنود في النواحي التي فيها ملكهم وجنودهم الكثيرة، ونحن نسأل الله عز وجل ملك الموت وناصر الجنود أن يعز بنصره المسلمين وأن يخص بالذل المشركين، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # قال: فلما ورد كتاب أبي عبيدة على عمر رضي الله عنهما أخذ ذلك الخمس فقسمه على المسلمين ثم كتب جوابه (1): بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عامر بن الجراح، أما بعد فقد ورد كتابك تأمرني فيه بحمد الله على ما أفاء علينا من الأرض وفتح علينا من القلاع والحصون ومكن لنا في البلاد وصنع لنا ولكم أبلانا وإياكم البلاء الحسن، فالحمد لله على ذلك حمدا كثيرا له نفاد ولا يحصى له تعداد، وذكرت أنك وجهت جنودك في البلاد التي فيها ملك الروم وطاغيتهم، فلا تفعل! فليس ذلك برأيي، وابعث إلى خيلك واضممها إليك، وأقم مكانك الذي أنت فيه حتى يمضى باقي هذا الحول، ونرى من رأينا ونستعين بالله ذي الجلال والاكرام على أمورنا كلها، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # قال: فلما ورد كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أبي عبيدة بن الجراح أقبل على أمراء أجناد المسلمين فقال: قد علمتم أني وجهت ميسرة بن مسروق العبسي إلى ناحية من مدينة حلب والدروب والاقدام على ما هنالك من أرض الروم، وهذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني فيه أن أصرف الخيل إلى ما قبلي، وإني أتربص باقي هذا الحول حتى يرى أمير المؤمنين رأيه، فهاتوا ما عندكم من الرأي، فقال المسلمون: ما الرأي إلا ما رآه أمير المؤمنين، فلا تعد دون ما أمرك به. # قال: فوجه أبو عبيدة بكتاب إلى ميسرة بن مسروق العبسي (2): أما بعد فإذا (3) # PageV01P171 # أتاك كتابي هذا فأقبل إلي وذر ما كنت وجهتك له إلى أن نرى ما رأينا وننظر ما يأمرنا به أمير المؤمنين، والسلام. ms0144 # قال: فورد كتاب أبي عبيدة على ميسرة وقد شارف أرض حلب، فلما نظر إلى الكتاب أقبل راجعا إلى أبي عبيدة بن الجراح حتى نزل معه مدينة حمص. ### | ذكر مصير الروم إلى هرقل ملك الروم وكلامهم له وكلامه لهم وإجماع الروم على المسلمين وسيرهم إلى ما قبلهم وهي وقعة اليرموك. # قال: وانطلقت البطارقة من أهل حمص إلى هرقل ملك الروم وهو يومئذ بمدينة أنطاكية فخبروه بأنه قد أخذت حمص من أيديهم وقد نزلها العرب، فاغتم لذلك هرقل غما شديدا ثم أقبل على بطارقته فقال لهم: خبروني عن هؤلاء العرب أليس هم بشر مثلكم؟ فقالوا: بلى أيها الملك! قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم بأضعاف كثيرة، قال: فما بالكم تنهزمون من بين أيديهم ولا تثبتون لهم؟ قال: فسكتوا ولم يخبروا جوابا. وتكلم شيخ من عقلائهم فقال: أيها الملك! أنا أخبرك من أين نؤتي، قال: هات فخبرني، فقال: أيها الملك! هؤلاء العرب قوم صالحون ونحن قوم طالحون، فإذا حملنا عليهم فنكذب وهم إذا حملوا علينا لم يكذبوا، قال هرقل: ولم تفعلون ذلك وأنتم أكثر منهم عددا وجمعا وتزعمون أن الحق في أيديكم؟ فقال له الشيخ: أيها الملك! نفعل ذلك لأنهم أفضل أعمالا عند ربهم، وذلك أنهم يصومون النهار ويقومون الليل ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (1)، ونحن أيها الملك! نظلم الناس وننقض العهد ونشرب الخمر ونركب الحرام، ونعمل بالمعاصي ونفسد في الأرض ونأمر بما يسخط الله عز وجل، وننهى عما يرضي الله عز وجل، قال: فقال هرقل: # لعمري يا شيخ! إنه لعلى ما تقول، وما صدقني أحد سواك، وليس الرأي عندي إلا أن أخرج عن هذا البلد وأصير إلى غيره فإني أعلم أنه ما لي في أمثالكم من خير إذ كنتم تفعلون هذه الفعال القبيحة، قال: فقال له: أيها الملك! أتترك سورية بلد # PageV01P172 # الشام وهي جنة الدنيا لهؤلاء العرب وتخرج عنها بلا قتال ولا تعذر وتجتهد؟ فقال له: ويحك يا شيخ! فإلى كم تقاتلهم وأنت تعلم أنا قد ms0145 قاتلناهم بتدمر وبأجنادين ومرج الأصفر وببعلبك ودمشق وفحل وبلد الأردن وأرض البلقاء (1) حتى أخذوا منكم مدينة مثل مدينة حمص وهي أفضل كورة لكم بالشام، فقال له الشيخ: أيها الملك! # إنه ربما كان ذلك والعساكر تهزم وتهزم، ولكن أشير عليك أن تبعث إلى جميع البلاد ممن هو على دينك فتحشرهم إليك ثم تلقى هؤلاء العرب بجيش عظيم لم تلقهم بمثله فيما مضى من الأيام التي مضت، فان ظهرت فذلك الذي تريد، وإن تكن الأخرى وهزمت علمت الروم أنك قد أبليت عذرا فلا يضعفون لك رأيا. # قال: فعندها كتب هرقل إلى القسطنطينية (2) وإلى رومية (3) وعمورية ولهوانة واليعقوبية والسماوية والمسيحية وجماعة مدائن الروم فأمرهم بالمصير إليه. ثم كتب إلى أهل بيت المقدس وإلى قيسارية (4) وإلى أهل أرمينية والجزيرة أن لا يبقى أحد منهم ممن أدرك الحلم وحمل السلام وكان على دين هرقل إلا صار إليه، فأجابته أهل دين النصرانية من جميع البلاد من أرض الشام وبلاد الشام وكور أرمينية وأرض الجزيرة، فصار في خلق عظيم لا يحصيهم إلا الذي خلقهم، ثم دعا بوزيره الأعظم واسمه ماهان (5) فتوجه بتاج ووصله بمائة ألف درهم وضم إليه مائة ألف من خواص جيشه ومن الذين يعتمد عليهم ثم قال له: اعلم يا ماهان! ### | ذكر وصية هرقل ملك الروم لوزيره الأكبر ماهان في أمر سفره إلى حرب المسلمين. # قال: ثم أقبل هرقل إلى ماهان فقال له: اعلم أني اخترتك مقدما على جميع # PageV01P173 # أهل دين النصرانية (1) فاعمل بما أوصيك به في حق أجنادك، وعليك بالعدل فيهم، والاشفاق عليهم، والاحتراز من عدوهم، والمسارعة لما يقر بهم من مقصدهم، وعدم التشاغل عند الفرصة، والتثبيت عند الحملة، والجهد في صائب الرأي، والحزم فيما يشكل من الأمور، والعمل بما يقتضيه حكم كتابكم، والوفاء بما يمكن فيه الصدق، والعزم على ما يكون فيه الصواب، واعلم بأن النصر مع الثبات والنجاة مع الميل إلى الحق، وعليك بالعمل بما أوصيك به في الرجال أن توقر كبيرهم ولا تحقر صغيرهم وتكون لهم كالأب الشفيق، واعلم أنه أحق ms0146 بالذل من سمع وصايا الخير ولم يعمل بها وأنه لجدير أن يكون حقيرا في ملكوت السماوات، وقد تبين لكم أن هؤلاء العرب لم ينصروا على سائر الناس إلا بقبول وصايا الخير والرجوع إلى مشورة الأكابر والعقلاء منهم، فهي الوصلة إلى العاجل في تحصيل المطلوب وفي الآجل إلى الفوز من عالم القديسين، وانكم لن تجتمعوا إن هزموكم هؤلاء والعياذ بالله من ذلك! وكل مقتضى كائن، وقد أوصيتك بما لم يوصه ملك من قبل، فإياك ومخالفتي! وإياك وهوى النفس! فإنه أعظم المصائب وبه يدخل على سائر الخلق الآفات والنوائب، وألن جانبك لهم فإنك بهم تصول على أعدائك. # قال: فلما سمع ماهان وصية هرقل خرج من بين يديه، واستعرض الجيش الذي قدمه هرقل عليه وعسكر بهم ظاهر مدينة أنطاكية لتكامل عدتهم، فكان عدة القوم مائة ألف من النصرانية. # ودعا بوزير له آخر يقال له الديرجان (2)، فتوجه بتاج ووصله بمائة ألف درهم، وضم إليه مائة ألف من النصرانية (3)، ثم دعا بوزير آخر يقال له قناطر (4)، فتوجه ووصله بمائة ألف درهم، وضم إليه مائة ألف رجل. ثم جعل ماهان أميرا على جميع أجناده، وأمر الوزراء والبطارقة والأساقفة أن لا يقطعوا أمرا دونه. # قال: وترك هرقل باقي الجنود عنده بأنطاكية، ثم أقبل على بطارقة الروم # PageV01P174 # فقال: ألا تسمعون؟ فقالوا: أيها الملك! قل نسمع وننتهى إلى أمرك، فقال (1): # قد علمتم أن هؤلاء العرب قد ظهروا عليكم وغلبوا على أرضكم وأنهم ليسوا يرضون بالأرض والمدائن والقرى ولا الحنطة والشعير ولا الذهب ولا الديباج والحرير، ولكنهم يريدون سبى الأمهات والأخوات والأزواج والبنين والبنات، وأن يتخذوا الأحرار وأبناء الملوك عبيدا، والآن فانصروا دينكم، وقاتلوا عن حريمكم وأولادكم وأموالكم، وامنعوا عن سلطانكم ودار ملككم. ### | ذكر المشورة التي كانت بين أبي عبيدة بن الجراح وبين المسلمين في أمر الروم. # قال: فجعل هرقل يوصي أصحابه وبلغ ذلك أبا عبيدة بن الجراح فأرسل إلى وجوه عسكره من أهل الصلاح والرأي والمشورة، ثم قال: (2) أيها المسلمون! إن الله عز وجل قد أبلاكم أحسن البلاء، وصدقكم ms0147 الوعد وأراكم في جميع المواضع ما تحبون، (3) ولعله قد بلغكم ما قد جمع هرقل عليكم في هذا الجمع الخطير والعدد الكثير، وهذا ماهان وقناطر والديرجان قد توجهوا نحوكم في ثلاثمائة ألف أو يزيدون، وقد أحببت أن لا أغركم من نفسي وأن لا أطوى عنكم خبرا من عدوكم، وإني أنا كأحدكم، فهاتوا ما عندكم من الرأي حتى أعلم ما تقولون وبما تشيرون. # قال: فتكلم يزيد بن أبي سفيان فقال (4): أصلحك الله! إني مشير عليك برأي فإن يكن صوابا فذلك أردت وطلبت ونويت، وإن تكن الأخرى فاني لم أتعمد إلا صلاح المسلمين غير أني أرى أن تعسكر على باب حمص في جماعة المسلمين وتدخل النساء والأولاد داخل المدينة وتجعل المدينة من وراء ظهورنا، وتبعث إلى أجنادك من المسلمين الذين فرقتهم بأرض فلسطين وبلاد الأردن فتأمرهم أن يقدموا عليك، فإن سار القوم إلينا قاتلناهم واستعنا بالله عليهم، والسلام. # PageV01P175 # قال: ثم تكلم شرحبيل بن حسنة فقال (1): هذا وقت لا بد فيه من الرأي والنصيحة للمسلمين، فإن خالف الرجل أخاه في الرأي فإنما على كل إنسان أن يجتهد في النصيحة، وقد رأيت غير الذي رأى يزيد بن أبي سفيان، على أن يزيد والله عندي من الناصحين لجميع المسلمين ولكن رأيت أن لا نجعل نسواننا وأولادنا مع أهل حمص فإنهم على دين عدونا هؤلاء الذين أقبلوا إلينا، ولسنا نأمن إن وافانا عدو واستقبلنا لقتالهم أن تنقض أهل حمص عهدنا وميثاقنا فيحتووا على نسائنا وأموالنا، فيتقربون بهم إلى عدونا. # فقال أبو عبيدة: ويحك يا شرحبيل! إن الله تبارك وتعالى قد أذل أهل حمص بالرعب الذي ألقاه الله عز وجل في قلوبهم وسلطاننا اليوم أحب إليهم من سلطان عدونا وإن كانوا على دينهم، فأما إذ قد ذكرت ما ذكرت وخوفتنا منهم بما خوفت فإني قد رأيت أن أخرج أهل حمص من مدينتهم وندخل نسائنا وذرياتنا المدينة ونأمر رجالا من المسلمين أن يقوموا على سورها وأبوابها، ونقيم نحن بمكاننا هذا ونكتب إلى إخواننا فيقدمون علينا. قال: فقال له شرحبيل ms0148 بن حسنة: أيها الأمير! أصلحك الله عز وجل! إنه ليس لنا أن نخرج أهل حمص من مدينتهم وقد صالحناهم وكتبنا لهم من أنفسنا كتابا بالصلح (3) ولكن (4) نقيم في مواضعنا هذه ونكتب إلى أمير المؤمنين كتابا نعلمه فيه بنفر الروم إلينا، فلعله أن يمدنا بإخواننا من أهل المدينة. # قال: فقال أبو عبيدة: ويحك يا شرحبيل! إن الامر أجل وأعجل من ذلك ولا أظن إلا أن الروم سيعاجلوننا من قبل أن يصل خبرنا إلى أمير المؤمنين. # قال: فوثب ميسرة بن مسروق العبسي فقال (5): أيها الأمير! إنا لسنا بأصحاب قلاع ولا حصون وإنما نحن أصحاب البر: والبلد القفر فسر بنا من هذه المدينة إلى دمشق فإنا أوثق بأهلها منا بأهل حمص، فإذا صرت إليها فاضمم قواصيك واكتب إلى أمير المؤمنين بخبر عدونا وسله المدد فذاك الذي تريدون، وإن تكن الأخرى وعاجلنا # PageV01P176 # عدونا عاجلناهم واستعنا عليهم بالله العظيم، والنصر من عند الله القوي العزيز. # قال: فقال الناس: إنه قد صدق ميسرة والرأي ما رأى، فاكتب إلى أمير المؤمنين وارحل بنا إلى دمشق. ### | ذكر كتاب أبي عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يخبر جمع الروم. # قال: فعندنا كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (1): (بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عامر بن الجراح، سلام عليك! أما بعد فإن عيوني قدموا علي من أرض أنطاكية فخبروني بأن هرقل عدو الله قد أمر بعساكر فصرفت إلى ناحيتنا وقد توجهوا إلينا وزحفوا إلى ما قبلنا، وأنهم قد جمعوا من الجموع ما لم يجمعه أحد قط لامة من الأمم إلا ذو القرنين فيما مضى من الدهر الأول، (2) وقد بعثت إليك رجلا خبيرا بما نحن فيه، فسله عن ذلك يخبرك الخبر عن جهته، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # قال: ثم دفع أبو عبيدة كتابه إلى سفيان بن عوف بن معقل الأزدي وقال له: # صر إلى أمير المؤمنين وأقرئه مني السلام وخبره بما عاينت وما جاءتنا به العيون ms0149 من خبر عدونا وبما قد استقر عندك. # قال: فسار سفيان بن عوف إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأصبح أبو عبيدة فنادى في المسلمين بالرحيل وسار بهم إلى دمشق فنزلها. # وقدم سفيان بن عوف على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسلم عليه ودفع الكتاب إليه، فلما فضه عمر وقرأه أقبل عليه وقال: ويحك يا سفيان! ما فعل المسلمون؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إني خرجت من عندهم ليلا من مدينة حمص وسمعتهم يقولون: نصلى الغداة ونرحل إلى مدينة دمشق فأنا نخاف أن يفاجئنا العدو، ولست أشك إلا أنهم بدمشق في وقتنا هذا، قال: فتبينت الكراهة في وجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم قال: ويحك! ولم يتنحون من بين يدي عدوهم # PageV01P177 # وقد أظفرهم الله بهم في غير موطن من مواطنهم حتى لم يتركوا لهم أرضا إلا وأخذوها واحتووا عليها وصارت في أيديهم، وإني أخاف أن يكونوا أساؤوا الرأي وجاؤوا بالعجز وجردوا (1) عليهم عدوهم، فقال له سفيان بن عوف: يا أمير المؤمنين! إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، إن صاحب الروم قد جمع لنا جموعا لم يجمعها أحد كان قبله لاحد كان قبلنا، ولقد حدثنا بعض عيوننا أن عسكرا واحدا من عسكرهم نزل في موضع من البرية وقد هبطوا من ثنية من أول النهار فما تكاملوا في موضع حتى أمسوا وذهب أول الليل، وهذا عسكر واحد من عساكرهم فما ظنك بباقيهم يا أمير المؤمنين (2)! [قال: فقلت] ولكن أشدد أعضاد المسلمين بمدد من عندك قبل الوقعة، فإني أظن أن هذه الوقعة هي الفصل بيننا وبينهم، فإن أظفرنا الله عز وجل بهم هذه المرة فقد هلكت الروم هلاك عاد وثمود. فقال عمر رضي الله عنه: أبشر يا سفيان بما يسرك الله به وجميع المسلمين واعلم أن عامر بن حذيم (3) قادم عليهم بالمدد سريعا إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ### | ذكر كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح. # أما بعد (4) فقد بلغني خروجك من أرض حمص ms0150 وترككم بلادا فتحها الله عز وجل عليكم، فكرهت هذا من رأيكم وفعلكم، غير أني سألت رسولكم عن ذلك فذكر أن ذلك كان من رأى خياركم وذوي النهي منكم، فعلمت أن الله تبارك وتعالى لم يكن بالذي يجمع آراءكم إلا على توفيق وصواب، وقد سألني المدد فأجبته إلى ذلك ولن تقرأ كتابي هذا حتى يأتيكم المدد، وكل ما تحبون مما فيه قوتكم إن شاء الله عز وجل، غير أني أعلمكم أنه ليس بالجمع الكثير والجيش الكثيف تهزم الجموع وينزل النصر، وربما أخذل الله عز وجل الجموع الكثيرة فهزمت وفلت فلم تغن عنهم كثرتهم شيئا، وربما نصر الله عز وجل العصابة القليلة عددها وعددها وأظفرهم # PageV01P178 # وأظهرهم على عدوهم، فأبشروا وطيبوا نفسا وتوكلوا على الله فإنه نعم المولى ونعم النصير، أنزل الله عليكم نصره وأيديكم بعزه وألهمكم صبره وأمدكم بملائكته وباعد من المسلمين بأسه وزجره، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # قال: فورد الكتاب على أبي عبيدة وهو يومئذ بدمشق، فلما قرأه أقبل على الناس فقال (1): صدق والله أمير المؤمنين! لم يكن الرأي أن نتنحى عن مدينة حمص حتى نناجز عدونا بها، ولكن قد اجتمعت آراؤكم على الرحيل إلى ما ههنا وأرجو أن يكون الخير فيه إن شاء الله. # قال: واجتمعت عساكر المسلمين بدمشق في سبعة وثلاثين ألفا، وقد قدم عليهم عامر بن حذيم في ثلاثة آلاف فارس، فصار المسلمون في أربعين ألفا. # ودعا أبو عبيدة بعمرو بن العاص فضم إليه أربعة آلاف فارس وقال له: سر إلى بلاد الأردن فانزل هناك وارعد وابرق وهول على العدو ما استطعت حتى ننظر في أمر هذا العدو. قال: فسار عمرو بن العاص حتى نزل بلاد الأردن (2)، ثم أرسل إليهم أن أخرجوا الأسواق وبرئت الذمة من رجل كان مقيما على صلحنا ولم يخرج إلينا بسلاحه فيكون معنا في عسكرنا، قال: وبلغ ذلك أهل بيت المقدس وأهل قيسارية، فظنوا أن عمرو بن العاص يريد الخروج إليهم، فجزعوا لذلك جزعا شديدا. # قال: وبلغ أبا عبيدة بأن ماهان وزير هرقل ms0151 أقبل في عساكره حتى نزل مدينة حمص في مائة ألف، فاغتم لذلك ثم دعا بجاسوس من جواسيسه فقال له: سر متنكرا حتى تأتي أرض حمص. قال: فأقبل الجاسوس حتى صار إلى حمص وإذا ماهان قد أقبل في ذلك اليوم حتى نزل أرض حمص في مائة ألف فارس، ثم دعا أهلها فشتمهم وخوفهم ثم قال لهم: بماذا سلمتم هذه المدينة للعرب، هلا قاتلتم حتى تموتوا كراما عن آخركم! قال: فقال له أهل حمص: أيها الوزير! أما نحن فقد قاتلناهم أشد القتال ولم يكن لنا بهم طاقة، وأنتم أولى باللائمة منا لأنكم ملوكنا وساداتنا وكبارنا قد رأيناكم قد وثبتم وعجزتم ووهنتم عن دينكم وضيعتمونا # PageV01P179 # وتركتمونا للعرب، فلما علمنا أنه لا طاقة لنا بهم رضينا وسلمنا، فقال ماهان: لا عليكم فسيبلغكم ما يمر بهم من هذه الجيوش التي معي. # قال: فرجع الجاسوس إلى أبي عبيدة بن الجراح فخبره بذلك، فدعا برؤساء العسكر فقال: هاتوا ربكم فان القوم قد نزلوا أرض حمص، قال: فتكلم خالد بن الوليد فقال (1): أيها الأمير! إن من الرأي أنا إن كنا نقاتل هؤلاء القوم بالكثرة والقوة فهم أكثر منا وأقوى، وإن كنا نقاتلهم بالله وحده لا شريك له ونحن على هذا الذي نحن عليه فما تغني كثرتهم ولا جموعهم من الله شيئا. قال: ثم تكلم قيس بن هبيرة المرادي فقال (2): أيها الأمير! هذا وقت رأى نشير به عليك أترانا نرجع إلى بلادنا ومساقط رؤوسنا وتترك لهؤلاء الروم حصونا وديارا وأموالا قد أفاءها الله علينا ونزعها من أيديهم فجعلها في أيدينا، إذ لا ردنا الله إلى أهلنا أبدا إن تركنا هذه العيون المتفجرة والأنهار المطردة والزرع والنبات والكروم والأعناب والذهب والفضة والديباج والحرير والحنطة والشعير ونرجع إلى أكل الضب ولبوس العباءة ونحن نزعم أن قتيلنا في الجنة يصيب نعيما مقيما وقتيلهم في النار يلقى عذابا أليما! أثبت أيها الأمير وشجع أصحابك وتوكل على الله وثق به ولا تيأس من النصر والظفر. # قال: فقال أبو عبيدة: أحسنت يا قيس! ما الرأي ms0152 إلا ما رأيت وأنا زعيم لك ولا أبرح هذه الأرض حتى يأذن الله لي وهو خير الحاكمين. ### | ذكر مسير الروم إلى اليرموك ونزولهم هنالك. # قال: ثم سار ماهان من أرض حمص في مائة ألف فارس حتى نزل اليرموك وهو نهر من أنهار بلد الأردن، فلما استقر به الموضع إذا قناطر قد أقبل في مائة ألف فارس حتى نزل به مع ماهان، قال: وإذا بطريق من بطارقة الروم يقال له جرجيس (4) قد أقبل من عند ملك الروم مددا لماهان في مائة ألف فارس، قال: فصار ماهان في أربعمائة ألف فارس. # PageV01P180 # وبلغ ذلك أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين فنزل بهم أمر عظيم، وكتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما كتابا وفيج اليه فيوجا وفيه كتابه إليه (2): أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أن الروم قد نفرت إلينا برا وبحرا وسهلا وجبلا ولم يخلفوا وراءهم رجلا يطيق حمل السلاح إلا جاشوا به علينا وقد أخرجوا معهم الأساقفة والقسيسين، وقد نزل إليهم الرهبان من الصوامع، ومعهم أهل أرمينية وأهل الجزيرة وجميع من هو على دينهم من المستعربة، وقد زحفوا إلينا ونزلوا بموضع يقال له اليرموك في أربعمائة ألف فارس وراجل، فالله الله يا أمير المؤمنين! # عجل علينا بالخيل والرجال وإلا فاحتسب أنفس المؤمنين فقد جاءهم ما لا قبل لهم به إلا أن يمدهم الله عز وجل بملائكته أو يأتيهم الغياث من عنده، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # قال: فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقرأه لم يتمالك أن بكى وبكى المسلمون بالمدينة ثم قالوا: يا أمير المؤمنين، ابعث بنا إلى إخواننا وأمر علينا وإلا فسر أنت فوالله لئن أصيب إخواننا هنالك فما لنا في العيش من بعدهم أرب. قال: فهم عمر أن ينفر إلى الروم بنفسه ثم إنه لم ير ذلك صوابا وأشار عليه الناس أن يجهز إليهم جيشا ويقيم هو بالمدينة. # قال: ثم أقبل على الرسول الذي جاءه بالكتاب (2) فقال له: خبرني كم ms0153 كان بين الروم والمسلمين يوم خرجت إلى ما قبلي؟ فقال: إذا أخبرك يا أمير المؤمنين! # بين أدناهم وبين المسلمين مسيرة ثلاثة أيام أو أربع ليال وبين جماعتهم وبين المسلمين خمس ليال. فقال عمر: هيهات! متى يأتي هؤلاء غياثنا؟ ### | ذكر جواب كتاب أبي عبيدة بن الجراح من عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (3) بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلام عليكم! أما بعد فقد ورد على كتابك يخبرني بنفر الروم إليكم برا # PageV01P181 # وبحرا وسهلا وجبلا وما قد اجتمع إليهم من أساقفتهم وقسيسيهم والرهبان، والمسلمون حيث بعث الله إليهم نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم فأعزه بالنصر ونصره بالعرب قال الله عز وجل وهو لا يخلف الميعاد: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ (١)، وقد علمت يا أبا عبيدة أنه لم تكن شدة قط إلا وجعل الله بعدها فرجا، فلا يهولنك كثرة من جاءك من الكفار فإن الله تعالى منهم برئ ومن برئ الله منه فلا ناصر له ومن لا ناصر له فقد خذله الله ووكله إلى نفسه. فلا يوحشنك قلة المسلمين وكثرة المشركين، فليس بقليل من كان الله عز وجل معه، فأقم مكانك الذي أثرته وناهض عدوك وكفى بالله ظهيرا ووليا ونصيرا، وقد فهمت مقالتك إذ قلت في كتابك أن احتسب أنفس المسلمين إن هم أقاموا أو دينهم إن هم انهزموا فقد جاءهم ما لا قبل لهم به إلا أن يمدهم الله عز وجل بغياث من عنده، وليس الامر كما ذكرت، رحمك الله يا أبا عبيدة! لأنك قد علمت بأن المسلمين إن هم أقاموا وصبروا ثم قتلوا فما عند الله خير للأبرار، وقد قال الله عز وجل: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾ (2) وأنتم بحمد الله منصورون على كل حال إن شاء الله، فأخلصوا نياتكم لله عز وجل وارفعوا إليه رغباتكم واصبروا وصابروا ms0154 ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون. # قال: ثم دفع عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابه إلى عبد الله بن قرط الثمالي وقال له: عجل السير وأسرع ما قدرت، فإذا قدمت على أبي عبيدة فاقرأه مني السلام وأعلمه أني موجه إليه بجيش قبل أن يواقع العدو إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: ثم جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كان بالمدينة ممن يصلح أن يوجه به إلى العدو وعرضهم فكانوا ثلاثة آلاف فارس فضمهم إلى سويد بن الصامت الأنصاري (3) وأمره بالمسير إلى أبي عبيدة، ثم أوصاه فقال له: يا سويد! إنك قد وليت أمر هؤلاء القوم ولست بخير رجل منهم إلا أن تكون أتقى منه فاتق الله عز وجل # PageV01P182 # فيهم ولا تشتم أعراضهم ولا تضرب أبشارهم (1) ووقر كبيرهم ولا تحقر صغيرهم، وكن للحق تابعا فإنه إن بلغني عنك ما أحب فكن بعزمك مني ما تحب، فقال سويد بن الصامت: يا أمير المؤمنين! قد أوصيتني فسمعت وأنا أوصيك فاسمع! # فقال عمر: هات ما بدا لك يا سويد! فقال سويد (2): خف الله عز وجل في الناس ولا تخف الناس في الله، وأحبب لقريب المسلمين وبعيدهم ما تحبه لنفسك (3)، وألزم الخصم الحجة يكفيك الله عز وجل همك، ويعينك على ما أولاك، ولا تقض في أمرك بقضاء فتلبس الحق بالباطل ويشتبه عليك الامر، وخض الغمرات (4) حيث كانت، ولا يأخذك في الله لومة لائم. فقال عمر: ويحك يا سويد! من يستطيع هذا العمل؟ قال: يستطيعه من وضع الله في عنقه مثل الذي وضعه في عنقك (5). # قال: ثم نادى سويد بن الصامت هذا في الناس فقال: تهيئوا للمسير إلى إخوانكم المسلمين بأرض الشام، فأما أن تدلجوا وإما أن تصلوا وترحلوا فإني راحل إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: وسار سويد بن الصامت في هؤلاء الثلاثة آلاف حتى قدم على أبي عبيدة بن الجراح قبل أن يقدم عليه كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فسر المسلمون بقدوم سويد بن الصامت عليهم ms0155 سرورا شديدا، فصار أبو عبيدة في ثلاثة وأربعين ألفا. # وبلغ ذلك ماهان صاحب الجيش فأرسل إلى بطارقته ورؤساء أصحابه ثم قال (6): يا معشر ولد الأصفر! اعلموا أن هؤلاء القوم قد نزلوا بلادكم وركبوا دوابكم وأكلوا من طعامكم ولبسوا لباسكم، فالموت عليهم أيسر من أن يفارقوا ما قد تطمعوا به من عيشكم الرفيع ودنياكم التي لم يروا مثلها، واعلموا أنكم إنما بليتم بهؤلاء # PageV01P183 # العرب ودخلوهم إلى بلادكم بترككم وصية المسيح عيسى بن مريم، لأنه قد كان أوصاكم بأن لا تظلموا الناس وأنتم تظلمون الناس، ونهاكم عن الفجور وأنتم تفجرون، ونهاكم عن الكذب وأنتم تكذبون، ثم إنكم نزلتم بقوم أعززتم عليهم فأخذتم أموالهم وفجرتم بنسائهم، فخيروني ماذا يكون عذركم عند ربكم؟ وماذا تقولون للمسيح عيسى بن مريم وقد تركتم أمره وضيعتم وصيته وما كان يتلو عليكم من كتاب ربكم؟ وبعد فهذا عدوكم قد نزل بساحتكم ويريد قتلكم واستيصالكم وسبي نسائكم وأولادكم وأخذ أموالكم، فإن نزع سلطانكم من أيديكم وأظهر عليكم عدوكم فلا تلوموا إلا أنفسكم (1)، وبعد فقد بلغني المظلوم منكم يأت الرجل من بطارقتكم وساداتكم فيستعديه على ظالمه فلا يعديه، ويتظلم إليه فلا ينصره عليه لكنه يأمر بضربه وربما أمر بقتله (2)، فعجبا لأفعالكم هذه كيف لا تنهد لها الجبال وتزلزل منه الأرض وترعد السماوات بخطاياكم هذه العظام! واعلموا يا ولد الأصفر أن هؤلاء المظلومين ينصرهم الله وينتصف لهم، فإن فعل ذلك في الدنيا وإلا ففي الآخرة، لأنه لا يفوته ظلم ظالم ولا يعزب عن علمه بر ولا إثم، فإن أنتم كففتم عن الظلم وارتدعتم عن الفجور وقبلتم ما أمركم به المسيح عيسى بن مريم رجوت لكم أن تنصروا هؤلاء العرب وإلا فأيقنوا بالذل والهوان، واعلموا أنكم إن لم تؤمنوا بما أقول لكم فأنتم عندي أشر من الكلاب والخنازير وأسوء حال من البغال والحمير، ولقد سخط الله عز وجل على أعمالكم وأنا منكم برئ، وسترون عاقبة الظلم إلى ماذا يوردكم وإلى أي شئ مصيركم يؤول! # فضجت البطارقة من كل ناحية وقالوا: أيها الوزير! ms0156 فإنا بعد هذا اليوم سامعون مطيعون لا نخرج لك عن أمر تأمرنا به، فأشر علينا برأيك وأمرنا بما تحب من أمرك. # فقال ماهان: أما في وقتي هذا فقد رأيت أن أبعث إلى هؤلاء العرب فأسألهم أن يبعثوا إلينا رجلا منهم يكون له فهم وعقل ورأى يعلم ما يقول ويقال له فنكلمه، ونطمعهم في شئ من أموالنا نعطيهم إياه فيأخذونه ويرجعون إلى صاحبهم الذي بعثهم إلى حربنا، فإن أجابوا إلى ذلك وقبلوه كان الذي يأخذونه منا قليلا عند ما نخاف على أنفسنا من هذه الوقعة التي لا ندري ألنا تكون أم علينا، فقالت البطارقة: # PageV01P184 # أصبت وأحسنت أيها الوزير فاعمل برأيك. # قال: فلم يشعر المسلمون إلا ورجل من الروم قد وافاهم، فلما نظروا إليه في عسكرهم أنكروه ثم دنوا منه فقالوا: من أنت ومن أين أقبلت؟ فتلكم بالعربية فقال: # أنا رجل من الروم من أهل عمورية، بعثت إليكم فأين أميركم أبو عبيدة بن الجراح؟ # فقالوا: هو ذاك؟ وأقبلوا به إلى أبي عبيدة حتى أوقفوه بين يديه، فقال له أبو عبيدة: # اجلس وتكلم بحاجتك. # قال: فجلس الرومي فقال: أنا رسول ماهان إليكم وزير ملك الروم وعامل على بلاده وقائده على جميع جنده، بعثني إليكم وهو يسألكم أن تبعث إليه بالرجل الذي كان أميرا قبلك ثم عزل ووليت أنت من بعده الذي يقال له خالد بن الوليد (1)، فقد بلغه عنه أنه رجل له حسب وقد علمنا أن ذوى الأحساب أفضل من غيرهم، فنحن نحب أن نخبره بما نريد ونسأله عما تريد، فإن وقع بيننا وبينكم اتفاق لنا ولكم فيه صلاح ورضى أخذنا به وحمدنا الله عز وجل على ذلك، وإن لم يتفق بيننا وبينكم شئ كان الحرب (2) من وراء ذلك بعد الاعذار والانذار. # قال: فدعا أبو عبيدة بخالد بن الوليد فخبره بذلك (3)، فقال خالد بن الوليد: # فإني صائر إليه غدا إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: وحضرت صلاة المغرب فأذن المؤذن من كل ناحية وصلوا، حتى إذا فرغوا من صلاتهم قال خالد: ms0157 علي بالرسول، فأتوا به فقال له: هذا وقت مساء ولكن إذا كان غدا غدوت إلى صاحبك إن شاء الله فارجع إليه وأعلمه ذلك. قال: # فقعد الرومي عند القوم ولم يبرح وجعل ينظر إليهم كيف يصلون ويدعون ويستغفرون # PageV01P185 # ويتضرعون، فأعجبه ذلك منهم. فقال عمرو بن العاص: أيها المسلمون! إن الرسول قد وقع في قلبه حب الايمان، وقال أبو عبيدة: والله! إني لأرجو أن يكون الله عز وجل قد قذفه في قلبه وحببه إليه وعرفه فضله. # قال: ثم أقبل الرومي على أبي عبيدة فقال: يا شيخ! خبرني متى دخلتم في هذا الدين ومتى دعيتم إليه؟ قال: منذ بضع وعشرين سنة. قال الرومي: إن كلكم دخلتم في هذا الدين في وقت واحد؟ قال أبو عبيدة: لا، ولكن منا من دخل فيه حين دعاه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومنا من دخل فيه بعد ذلك، قال: # فخبرني هل كان نبيكم خبركم أن يكون بعده نبي رسول؟ قال أبو عبيدة: لا، ولكن خبرنا أنه لا نبي بعده، وخبرنا أيضا أن عيسى بن مريم قد بشر به قومه، فقال الرومي: وأنا أشهد على عيسى ابن مريم أنه قد بشر في الإنجيل براكب الجمل الأحمر ولا أظنه إلا صاحبكم ولكني أحب أن أعلم ما تقولون في عيسى بن مريم! # فقال أبو عبيدة: نقول فيه كما قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وآله ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ (1)، وقد خبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيما أنزل عليه من ربه أنه قال جل وعز: # (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) (2) إلى قوله تبارك وتعالى (لن يستنكف المسيح أن يكون عبد الله [ولا] الملائكة المقربون (2)) قال الرومي: أنا أشهد لنبيكم أنه صادق (3) وأنكم صادقون ولكن إن أنا أسلمت وجاهدت معكم تضمنون لي الجنة؟ فقال له أبو عبيدة: أو تعرف الجنة يا رومي؟ # قال: وكيف لا أعرفها ms0158 وقد وصفها لنا عيسى ابن مريم في الإنجيل! قال أبو عبيدة: # فنحن نضمن لك على الله تبارك وتعالى أنك إن أسلمت وصليت وصمت وجاهدت ولم تغير ولم تبدل فإنك من أهل الجنة إن شاء الله تعالى، قال الرومي: اشهدوا علي بأجمعكم أني من المسلمين، فقال أبو عبيدة: إنك إن أقمت عندنا الليلة ومضى رسولنا إليهم غدا احتبسوه عندهم لأجلك ولكن انطلق إليهم واكتمهم إسلامك # PageV01P186 # حتى يمضي رسولنا إليهم وننظر علام تنصرم الأمور بيننا وبينهم، فإذا رجع رسولنا إلينا رجعت بعد ذلك إلينا فما أكرمك علينا وأرغبنا في مثلك. [وما أنت عند كل امرئ منا إلا بمنزلة أخيه لامه وأبيه] (1). # قال: فمضى رسولهم إلى ماهان فقال: أيها الوزير! قد أبلغتهم رسالتك وغدا يأتيك رسولهم. ### | ذكر مسير خالد بن الوليد إلى ماهان [وزير] ملك الروم وما كان بينهما. # قال: فلما أصبح خالد بن الوليد وعزم على المسير إلى ماهان أمر بقبة حمراء (2) اشتراها بثلاثمائة ألف درهم، فضربت له قريبا من معسكرهم، ثم ركب خالد وركب معه ميسرة بن مسروق العبسي وسارا جميعا (3) حتى نزلا على باب القبة، ثم دخل خالد إلى قبته فجلس وجلس معه ميسرة بن مسروق، ووقف غلام ميسرة على باب القبة يمسك فرسيهما. # قال: وأمر ماهان أن يصف لخالد عشرة صفوف من الروم عن يمينه وشماله مقنعين في الحديد وعليهم الدروع والمغافر والجواشن (4) والبيض (5) والسواعد لا يرى منهم إلا الأحداق (6)، قال: وقعد ماهان على كرسي من ذهب، على رأسه تاج من ذهب مرصع بالجوهر، وقد فرشت بين يديه البسط والنمارق، وعلى رأسه غلمان من أبناء الروم في أيديهم أعمدة الذهب والفضة. # قال: ثم أرسل إلى خالد فدعاه، فخرج خالد من قبته وجعل يمشي ويسحب # PageV01P187 # سيفه، وميسرة بن مسروق العبسي عن يساره، قال: وكان خالد رجلا طويلا مهيبا جميلا لا ينظر إليه أحد من الناس إلا هابه. # قال فأقبل حتى إذا دنا من ماهان قام إليه ماهان فقربه وأدناه وأجلسه إلى جنبه، وجلس ميسرة بن مسروق إلى جانب خالد فقال ms0159 ماهان: من هذا الذي أراه معك؟ # قال خالد: هو بعض إخواني جئت به معي أستشيره في أمري. # قال: فكلمه ماهان بلسان عربي فصيح مبين (1)، قال (2): يا خالد! إني إنما اخترتك من أصحابك لأنك من ذوي الأحساب فيما بلغني، وإن لك عقلا كاملا والعاقل ينتفع بكلامه ويوثق بعهده، فقال خالد: إن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا في بعض أخباره أن حسب الرجل دينه ومن لا دين له لا حسب له، وأما قولك إني قد أوتيت عقلا كاملا، فان المنة والطول لله عز وجل علينا بذلك وهو المحمود عندنا وقد خبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وآله أنه ما خلق الله عز وجل شيئا هو أحب إليه من العقل، وبالعقل تنال طاعة الله عز وجل وبه يدخل أهل الجنة الجنة، ومن لا عقل له فلا وفاء له. # قال: فقال له ماهان: يا خالد! أنت بهذا عندي أعقل الناس، (3) لا يتكلم بهذا الكلام ولا يفطن له إلا كل كامل العقل، فكيف جئت بهذا الرجل تريد أن تستشيره في الأمر؟ فقال له خالد: لا تعجب من ذلك، ففي عسكرنا أكثر من ألف (4) رجل لا يستغني عن رأيه ومشورته، فقال ماهان: ما كنا نظن أن ذلك يكون عندكم، قال خالد: ليس كلما تظنونه ونظنه صوابا، فقال ماهان: صدقت يا خالد! # وإني أول ما أكلمك به إني أدعوك إلى خلتي ومصافاتي، قال خالد: وكيف يتفق ذلك وبيني وبينك الحرب وقد جمعتني وإياك بلدة؟ ولا بد من القتال عليها أمدا أو تصير إلى أحدنا! فقال ماهان: صدقت! ولكن عسى الله أن يصلح ذات بيننا فلا يراق بيننا دم ولا يقتل بيننا أحد، قال خالد: إن شاء الله أن يفعل ذلك فعلا. قال # PageV01P188 # ماهان: فإني أريد أن ألقى الحشمة بيني وبينك فأكلمك بكلام الأخ لأخيه، قال خالد: قل ما تشاء، قال: إن قبتك قد أعجبتني جدا فأنا أحب أن تهبها لي وتسألني ما أحببت فإنها أشرف شئ رأيته عندكم، قال خالد: فإني قد وهبتها ms0160 لك ولست أريد منك شيئا. # فأرسل ماهان غلمانه إلى القبة فأخذوها، ثم أقبل على خالد فقال: إن شئت تكلمنا بما تريد وإن شئت نكلمك بما نريد، فقال خالد: أما أنا فإني لا أسألك إلا وقد علمت ما أريد، لأنه ليس يخفى عليك ولا على صاحبك هرقل ما لقيت أجنادكم منا بأجنادين ومرج الصفر ودمشق وفلسطين وفحل وحمص وبعلبك وغير ذلك، وأما أنت فلست أريد ما تريد، فتكلم بما أحببت إن شئت ذلك، فقال ماهان (1): # الحمد لله الذي جعل نبينا أفضل الأنبياء وملكنا أفضل الملوك وأمتنا خير الأمم، قال: فقطع عليه خالد كلامه وقال (1): الحمد لله الذي نؤمن بنبينا ونبيكم ونقر بكتابنا وكتابكم وجعل الأمير الذي علينا كبعضنا، فلو زعم أنه ملك علينا لعزلناه ولسنا نرى له فضلا علينا إلا أن يكون أتقى منا وأبر، والحمد لله الذي جعلنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونقر بالذنب ونستغفر الله عز وجل منه، ونعبد (2) الله عز وجل ولا نشرك به شيئا. # قال: فتغير وجه ماهان ثم قال: الحمد لله الذي أبلانا أحسن البلاء وأغنانا من الفقر، ونصرنا على الأمم، وأعزنا فلا نذل، ومنعنا من الضيم فلا تباح لنا حرم، ولسنا في ذلك بطرين ولا مرحين ولا على الناس باغين، وقد كان لنا منكم يا معشر العرب جيران صدق، وكنا نحسن جوارهم، ونعظم أقدارهم (3)، ونتفضل عليه (4)، ونفي لهم بالعهد (5)، فينزلون في بلادنا حيث شاؤوا آمنين ويرحلون آمنين، وكنا نظن أن جميع العرب ممن لا يجاورونا يشكرون لنا ذلك لما كنا نأتي من الاحسان إلى إخوانهم، وأنتم من العرب فلم تشكروا فعلنا باخوانكم واصطناعنا لهم، لكنكم فاجأتمونا بالخيل والجنود، فقاتلتمونا عن حصوننا وديارنا، وتريدون أن # PageV01P189 # تغلبونا على بلادنا، وقد طلب هذا منا قبلكم من كان أكثر منكم عددا وعددا، وأقوى منكم جيشا وجندا، فرددناهم منا على أعقابهم فلم ينقلبوا منا إلا وهم من بين قتيل وأسير وشريد وطريد، ولقد أرادت منا هذا الذي تريدون أنتم منا، فلعله قد بلغكم ما نزل بهم منا، وبعد فإنه ms0161 لم تكن أمة من الأمم من أهل المشرق، والمغرب أقل (1) منكم عندنا شأنا ولا أصغر أقدارا وأخطارا، لأنكم رعاة الشاة والإبل وأهل الصخر والحجر والصوف والوبر، وأنتم الان في ذلك تطمعون أنفسكم أن نخلى (2) لكم البلاد، فبئس ما ظننتم، ولقد كنا نظن أنكم إنما أتيتمونا إلى هذا البلد لجهد نزل بكم من جدوبة الأرض وقحط المطر، فإذا أنتم قد استوطنتم بلادنا، وركبتم مراكبنا الذي ليست كمراكبكم، ولبستم ثيابنا الذي ليست كثيابكم، وأصبتم نساء ليست كنسائكم السود المهازيل لكنهم بنات الأصفر البيض الخدود الكريمات الجدود التي وجوههن كأنهن صفائح الفضة البيضاء، ثم إنكم طعمتم طعاما ليس كطعامكم وملاتم أيديكم من الذهب والفضة والمتاع الفاخر من الحرير والديباج وغير ذلك، وبعد فهذا كله لنا في أيديكم ونحن نسلمه لكم، فخذوه وانصرفوا إلى بلادكم، وإن أنتم أبيتم ذلك وشرهت أنفسكم إلى غير ذلك فإنا نزيدكم من بيوت أموالنا ما نقوى به الضعيف منكم ونرى الغائب منكم قد رجع إلى أهله بخير، نأمر (3) لأميركم عمر بن الخطاب بعشرة آلاف دينار، ولاميركم أبي عبيدة بخمسة آلاف دينار، ولك بمثل ذلك، ونأمر لمائة رجل من رؤسائكم لكل رجل منهم بألف دينار، ولسائر من معكم من الجنود بمائة دينار، ولرجالتكم لكل رجل منهم بخمسين دينارا على أن نأخذ عليكم العهود والمواثيق والايمان المغلظة، وأنكم تنصرفون عنا ولا ترجعون إلى بلادنا أبدا، فهذا ما عندي وقد عرضت عليك ما عندي، فهات ما عندك الآن وقل ما بدا لك وإياك الاشتطاط. ### | ذكر كلام خالد بن الوليد لماهان وجوابه. # قال خالد: الحمد لله! قال ماهان: نعم ما قلت! قال خالد: وأشهد أن لا إله إلا الله! قال ماهان: نعم ما قلت! قال خالد: وحده لا شريك له! فسكت ماهان # PageV01P190 # ولم يقل شيئا، قال خالد: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله! قال ماهان: والله ما أدري أمحمد رسول الله أم لا، ولعل ذلك كما تقول، قال خالد: وبعد فإني فهمت كلامك ولم يخف علي منه شئ فأما ما ذكرت به قومك من ms0162 الغني والعز ومنع الحريم والظهور على الأعداء والتمكن في البلاد فنحن به عارفون، وأما ما ذكرت من إنعامكم على جيرانكم من العرب فقد عرفناه منكم وإنما كان ذلك أمرا تصلحون به دنياكم، وإحسانكم إليهم إنما كان زيادة في ملككم (1) لان عامتهم قد دخلوا في دينكم فهم يقاتلون معكم، وهذا جبلة بن الأيهم الغساني هو رجل من العرب غير أنه مقيم معكم في جميع بني عمه المتنصرة فهو أشد علينا منكم، وأما ما ذكرتنا به من رعي الإبل والشاة فليس فينا أحد يكره ذلك وليس لمن لم يرع عندنا فضل على من رعى، وأما ما ذكرتنا به من الصخر والحجر والصوف والوبر فحالنا والله كما ذكرت (2) ولقد كنا أسوأ حالا مما ذكرت وأقل وأذل في عيون الناس، وذلك أن الله عز وجل أنزلنا أرضا ليس بها أنهار جارية ولا زرع ولا خير، وإنما هي مهامه (3) وقفار، وكنا كما ذكرت أصحاب حجر وصخر وشاة وبعير، وعيش نكد وفقر شديد، نقسم بالأزلام ونسجد للأصنام، نقطع أرحامنا ونسئ إلى إخواننا، ونقتل أولادنا خشية إملاق، ونعبد من دون الله أوثانا نتخذها بأيدينا من الحجارة التي نتخيرها على أعيننا، وهي لا تضرنا ولا تنفعنا ولا تنصرنا ولا تسمع ولا تبصر ونحن عليها عاكفون (4) ولها مطيعون، فبينما نحن كذلك على شفا حفرة من النار من مات منا كان مشركا بربه قاطعا لرحمه صار إلى النار ومن بقي بقي على سخط من الجبار إذ بعث الله عز وجل رسولا من أنفسنا وصميمنا وأشرافنا وكرمائنا وأخايرنا، فدعانا الله إلى الله عز ذكره وحده لا شريك له وأمرنا أن نخلع الأنداد التي نعبدها من دونه وأن لا نجعل لربنا صاحبة ولا ولدا ولا نشرك معه أحدا ولا نعبد من دونه نارا ولا حجرا، ولا شمسا ولا قمرا، وأمرنا أن نقاتل من زعم أنه ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة حتى يقولوا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، فإن قلتم ذلك فقد حرمت علينا دماؤكم # PageV01P191 # وأموالكم ms0163 إلا بحقها وأنتم إخواننا في ديننا وشركاؤنا في حظنا، وإن أنتم أبيتم ذلك فأدوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم ذلك فقاتلناكم على بصيرة ويقين أنه من قتل منا كان حيا عند الله شهيدا مرزوقا ومن قتل منكم كان كافرا وصار إلى النار مخلدا فيها أبدا، فاختر الان يا ماهان ما أحببت (1) واعلم أنه قد جاءك قوم هم أحرص على الموت منكم على الحياة فأخرجوا بنا على بركة الله حتى نحاكمكم إلى الله فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. # قال: فقال ماهان: يا خالد! أما ما ذكرت أنا ندخل في دينكم فهذا ما لا يكون أبدا، فلا تطمع نفسك في ذلك، فما أبعدكم أن تروا ولد الأصفر وقد تركوا دينهم ودين آبائهم ودخلوا في غيره، وأما ما ذكرت أنا نؤدي الجزية فإنه سيموت من ترى من هذا الخلق قبل أن يؤدوا الجزية، وكيف يؤدونها وهم يأخذونها من الناس على الصغر والقمأة، وأما قولك: اخرجوا حتى نتحاكم إلى الله، فلعمري ما جاءك هذا الخلق إلا ليحاكموك إلى الله، وأما قولك إن الأرض لله يورثها من يشاء، فقد صدقت يا خالد! إنما كانت هذه الأرض لامة كانت من قبلنا قاتلناهم عليها حتى أخذناها منهم واحتوينا عليها، وكذلك تصير هذه الأرض إلى غيرنا، فابرزوا على بركة الله فإنا خارجون إليكم إذا عزمتم (2). # قال: فوثب خالد بن الوليد من بين يدي ماهان فاستوى على فرسه وانطلق إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعه ميسرة بن مسروق، فقص على أبي عبيدة ما كان من كلامه وكلام ماهان، ثم قال للمسلمين: استعدوا للقتال، قتال أعداء الله فقد قرب الامر وليكن معولكم على الله وحده لا شريك له فيه، فاعتصموا وعليه فتوكلوا. # قال: وكتب ماهان من ساعته إلى ملك الروم يخبره بخبر خالد وحال المسلمين وما جرى بينه وبين خالد بن الوليد من الكلام، وفي كتابه: أيها الملك! إني (3) أرغبتهم فليس يرغبون وأطمعتهم فليس يطمعون وخوفتهم فليس يخافون، وليس # PageV01P192 # يريدون إلا استئصالنا وذهاب ms0164 سلطاننا وأخذ أموالنا وسبى نسائنا وأبنائنا وليس في عسكري أحد أيها الملك إلا هو طيب النفس بالموت دون بلاده وسلطانه. # قال: ثم وجه ماهان بكتابه إلى ملك الروم، وأقبل على بطارقته وقال لهم: # كيف الرأي عندكم اليوم في قتال هؤلاء العرب؟ فقال له بعض بطارقته: أيها الوزير! # أنت تعلم أن جاسوسك قد أقبل من عندهم فأخبرك أنهم في أربعين (1) ألفا ويزيدون قليلا ونحن أكثر منهم (2) بأضعاف كثيرة لأننا نزيد على أربعمائة ألف، والرأي عندي أن نخرج إليهم في كل يوم مائة ألف رجل منا يقاتلونهم (3)، فإذا كان من غد خرج إليهم غير أولئك الذين قاتلوهم بالأمس يقاتلونهم هؤلاء ويستريح هؤلاء فيراح عليهم أبدا ونفنيهم عن آخرهم، إن انهزم منا مائة ألف كان وراءهم مائة ألف ومائة ألف ومائة ألف على هذا الشأن. فقال ماهان: قولوا غير هذا، فقال بطريق آخر: عندي مشورة أوجز من هذه، فقال ماهان: قل حتى أسمع، فقال: الرأي عندي أن نخرج إليهم بأجمعنا إذا خرجوا إلينا وصافقونا خرج إلى كل واحد منهم عشرة منا فنأخذه أخذا، فقال: ويحك! فكيف ينفرد الرجل من أصحابه حتى يؤخذ؟ هذا لا يكون، ولكني قد رأيت أن نخرج إليهم بأجمعنا خرجة واحدة ثم نضاربهم ونناجزهم فلا نرجع حتى يحكم الله عز وجل بيننا وبينهم، فقال عامة البطارقة: الرأي ما رأيت أيها الوزير. # فعزم ماهان على ذلك ثم كتب إلى هرقل ملك الروم (4): أما بعد أيها الملك! # إن أصحابي بأجمعهم قد أجمعوا على مناجزة العرب وقد اجتمع رأيي على النهوض إليهم في يوم كذا وكذا، وهو يوم لنا فيه الخيرة، وإني أخبرك أيها الملك أني رأيت في منامي كأن آتيا أتاني فقال لي: يا ماهان! لا تقاتل هؤلاء العرب (5) فإنك إن قاتلتهم هزموك وأهلكوك، فلما انتبهت علمت أن ذلك من قبل الشيطان فأخسأته ولم ألتفت إليه، وبعد أيها الملك فإني أشير عليك أن توجه أموالك وحرمك إلى قسطنطينية وتثبت أنت بمدينة أنطاكية وتكون مخفا وتنتظر وقعتنا هذه، فإن أظهرنا الله # PageV01P193 # عز وجل ms0165 على العرب وظفرنا بهم حمدت الله سبحانه وتعالى على ذلك إذا أعز دينك ومنع سلطانك، وإن هم ظهروا علينا فارض بقضاء الله وقدره واعلم أن الدنيا كما زالت عمن كان قبلك فإنها تزول عنك فلا تأسفن منها على ما فاتك والحق بدار ملكك ومعقلك وأحسن إلى رعيتك يحسن الله إليك وارحم الضعفاء والمساكين وتواضع لله عز وجل وإياك والتكبر في الأرض فإن الله لا يحب المتكبرين. # قال فبعث هرقل أمواله وحريمه وكل ما يعز عليه إلى القسطنطينية، وجعل يتجسس أمر العرب ويكتب إلى وزيره ويحرضه على القتال ويوصيه بأمر أصحابه من الروم ويذكرهم ما مضى لهم مع العرب من الوقائع الأول ويقول لهم إن أنتم هزمتم منهم فلن تسكنوا الشام بعدها واحذروا أن تبغوا على ضعفائكم بظلم، واعلموا أن النصر مع الصبر وأن العاقبة لأهل الدين القديم، وأنا أقسم بما أعتقده أن العرب إنما [لم] ينصروا إلا بما أظهرتم من القبائح والمظالم، ولو تبصرتم لعلمتم أنما خذلكم سوء أعمالكم لا غير. # قال: فلما بلغ ذلك إلى وزيره ماهان أخذ في تعبية جيشه، ولما فرغ ماهان من تعبية الجيش وقد رتب طلائعه (1) ودراجته ثم أمر له بمضرب، فضرب له على كثيب عال إلى جانب اليرموك يشرف منه على عسكره وعسكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوقف عن يمينه ألفي فارس من حماة الروم في سوابغ السلاح وألفي فارس عن يساره وعليهم الديباج الأحمر المنسوج بالذهب لا يرى منهم إلا حماليق الحدق وهم أصحاب السرير، وأمرهم باليقظة وقال لهم: إني قد كدت العرب بهذه الفعال لأنكم على أهبة، فإذا طلعت الشمس ورأيتم المسلمين على غير أهبة وتعبية الحرب فاحملوا عليهم من كل جانب ومكان. # قال: حدثني جعال بن أسيد السكاسكي عن أبيه أسيد بن علقمة (2) وكان من أصحاب عياض بن غنم الفهري (3) قال: لما رأيت ماهان قد عبى أصحابه وعسكره # PageV01P194 # كنا نحن في عسكرنا وليس عندنا مما صنع الكافر خبر، قال: فلما انشق الفجر وتقدم أبو عبيدة وصلى بالناس وهو ms0166 لا يعلم بمكيدة ماهان فقرأ في الركعة الأولى (والفجر * وليال عشر) حتى أتى إلى قوله (إن ربك لبالمرصاد (1)) فهتف به هاتف: ظفرتم بالقوم ورب الكعبة! وما يغني عنهم كيدهم شيئا وما أجرى الله هذه الآية على لسان أميركم إلا بشارة لكم، فلما سمع المسلمون الهاتف عجبوا، ثم قرأ في الركعة الثانية (والشمس وضحها) إلى قوله (فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوها (2)) وإذا الهاتف يقول: ثم الفأل وصح الزجر، هذه علامة النصر، فلما فرغ أبو عبيدة من الصلاة قال: معاشر المسلمين! هل سمعتم من الهاتف ما سمعت؟ قالوا: سمعنا قائلا يقول كذا وكذا، قال أبو عبيدة: هذا والله هاتف النصر وبلوغ الامر، فأبشروا بنصر الله ومعونته، فوالله! لينصرنكم الله العظيم عليهم. # ثم قال: معاشر المسلمين! إعلموا أني رأيت البارحة رؤيا تدل على النصر على الأعداء والنصر من إله السماء، فقالوا: ما الذي رأيت؟ قال: رأيت كأني واقف بإزاء عدونا من الروم فحينئذ مر بي رجال عليهم ثياب بيض لم أر مثلهم، وحسن بياضهم وإشراق نورهم يغشى الابصار، وهم على خيول شهب. فلما أخذوا مصافهم قالوا للرجال منا - منهم من أعرف ومنهم من لا أعرف -: تقدموا إلى عدوكم ولا تهابوهم فإنكم الأغلبون والله ناصركم، ودعوا برجال منكم وسقوهم من كأس معهم فيه شراب، وكأني أنظر إلى عسكرنا وقد دخلوا إلى عسكر الروم، فلما رأونا ولوا بين أيدينا منهزمين. فقال المسلمون: أصلح الله الأمير وبشرك بالخير. # فقام رجل من خولان (4) فقال: أصلحك الله أيها الأمير! وأنا أيضا رأيت البارحة رؤيا كأننا خرجنا نحو عدونا فضايقناهم في الحرب وإذا قد انقضت عليهم من السماء طيور (5) لها أجنحة خضر ومخاليب كمخاليب العقبان (6)، فجعلت تنقض # PageV01P195 # عليهم انقضاض العقبان، فإذا جاءت الطيور واحدا منهم ضربته فقطعته قطعا، ففرح المسلمون بتلك الرؤيا وقال بعضهم لبعض: أبشروا قد أمنكم من عدوكم بالنصر وأيدكم بالملائكة تقاتل معكم كما فعلت بكم يوم بدر. # وفرح أبو عبيدة وقال: هذه رؤيتان حسنتان وهو حق يقين. فقال له رجل من المسلمين: أيها الأمير! ما وقوفك ms0167 عن هؤلاء الاعلاج الكلاب وأيش انتظارك بالحرب، وعدونا قد كادنا بمطاولته وما تأخر عنا إلا ليلة يريد أن يوقعنا فيها، فقال أبو عبيدة: إن الامر أقرب من هذا وما تظنون. # قال سعيد بن رفاعة الحميري: وكنت رجلا ما كنت قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم ولا كنت نظرت إليه، فلما أتاني داعي أبي بكر الصديق رضي الله عنه استنفرنا للقتال والغزاة للروم، فنفرت فيمن نفر وقدمت إلى المدينة مع قومي من حمير ونظرت إلى أبي بكر وهو يصلي بالناس في محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلزمت الصلاة معهم ولم أسر إلى قتال الروم، فلما ولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حرض على الجهاد، فسرت إلى قتال الروم وشهدت وقعة اليرموك، وذلك أني كنت لا أفارق أبا عبيدة رضي الله عنه، فصلى بنا صلاة الفجر وإذا بالهاتف قد هتف، إذ سمعنا بأصوات قد علت والزعقات من كل جانب ومكان قد ارتفعت وان الروم قد رجفت إلينا، فعلم أبو عبيدة أن المسلمين قد كبسوا في وجه السحر، فقام وقمنا وكان على الحرس تلك الليلة سعيد إذ أقبل وهو ينادى: النفير النفير! حتى وقف أمام أبي عبيدة ومعه رجل من المتنصرة، فقال: أيها الأمير! إن ماهان قد كاد المسلمين بتخلفه عن الحرب وها هو قد عبى عسكره وصف جيوشه (1) وزحف إلينا زحف يريد الكبسة لنا ونحن على غير أهبة ولا عدة وها هو قد أقبل إلينا زاحف، وقد أتانا رجل راغب فينا يحذر الناس من بأسه ويزعم أن ماهان قد أقبل بجيوشه وقد اتفق مع بطارقته أنهم يقاتلونا (2)، كل يوم ملك من ملوكهم بمن معه يؤم هذا، وقد نظر المسلمون إلى راياتهم والقوم قد قربوا منهم والصلبان تدنو. # فقال أبو عبيدة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا إليه # PageV01P196 # راجعون، ثم قال: أين أبو سليمان خالد بن الوليد؟ فأجابه بالتلبية، فقال: أنت يا أبا سليمان أبرز إلى الكفار في أبطال المسلمين وصد عن الحريم إلى ms0168 أن تأخذ الرجال صفوفها ويستعدوا للحرب (1)، فقال: حبا وكرامة. # ثم إن خالدا صاح بأبطال المسلمين المذكورين، وجعل يدعو برجل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد معه المواطن والمواضع المفضلة وأصحاب التقدمة، حتى دعا بخمسمائة فارس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخافون لومة لائم، ثم استقبلوا جيوش المشركين بأسنة الرماح وأشعلوا الحرب بنارها، واشتغل أبو عبيدة بترتيب الجيوش وتعبية العسكر. # وأقبل أبو سفيان إلى أبي عبيدة وقال: أيها الأمير! مر النساء يعلون على هذا التل، فأمرهن أبو عبيدة بذلك فعلت النساء على التل ومعهن الأطفال والصغار، وقال لهن أبو عبيدة: خذن بأيديكن أعمدة السيوف وأعمدة البيوت والفساطيط وأجمعن الحجارة بين أيديكن وحرضن المؤمنين على قتال المشركين، فإن كان الامر لنا فكن على ما أنتن عليه، وإن رأيتن أحدا من المسلمين منهزما فاضربن وجهه بأعمدة البيوت واضربنه (2) بالحجارة وادفعن إليه أولاده وقلن له: قاتل عن ولدك وعن بيعة الاسلام، فقالت النساء: أيها الأمير أبشر بما يسرك. # قال (3): ولما حصن أبو عبيدة النساء بالتل أقبل يعبى جيشه، وقد ابتدر المسلمون للقتال بعد أن عبأهم ميمنة وميسرة وقلبا، وجناحين، وقدم أصحاب الرايات، وكانت راية المهاجرين صفراء وفيها بياض وخضرة وسواد، وسائر القبائل # PageV01P197 # راياتهم مختلفة الألوان، وجعل المهاجرين والأنصار في القلب وأظهر المسلمون السلاح، وجعل العسكر ثلاثة صفوف: صف فيه الرماة من أهل اليمن، وصف فيه أصحاب السيوف والحجف، وصف فيه الرماح والخيل والعدة، وقسم الخيالة ثلاثة صفوف وقدم عليهم ثلاثة من فرسان المسلمين: أحدهم غياث بن حرملة العامري، والآخر نبلة (1) بن سيف اليربوعي، والثالث القعقاع بن عمرو التميمي، ووقف المسلمون تحت راياتهم، ووقف أبو عبيدة رضي الله عنه في القلب تحت رايته التي عقدها أبو بكر الصديق له يوم مسيره إلى الشام وهي راية رسول الله صلى الله عليه وسلم (2)، وكان خالد بن الوليد تحت رايته العقاب وكانت سوداء، وكان على الدراجة شرحبيل بن حسنة، وعلى الميمنة يزيد بن أبي سفيان، وعلى جناح الميسرة قيس ms0169 بن هبيرة المرادي، وكانت الأزد في ذلك اليوم في القلب، وحمير وهمدان ومذحج وخولان وخثعم وكنانة وقضاعة ولخم وجذام وحضرموت ميمنة وميسرة، ولم يكن فيهم تيم ولا ربيعة (3) لأنهم كانوا في العراق مع سعد بن أبي وقاص. # فلما ترتبت الصفوف صار أبو عبيدة بين الصفوف وجعل يحرض الناس على القتال ويقول (4): إن تنصروا الله ينصركم، فلازموا الصبر فإن الله يحب الصابرين، ولا تحدثوا حدثا حتى آمركم، ثم رجع إلى مقامه ووقف في القلب. وخرج من بعده معاذ بن جبل فطاف محرضا للناس ويقول (5): يا أهل الدين! اعلموا رحمكم الله! # إنه لا تنال الآخرة إلا بالعمل والنية، وجعل يقول: أيها الناس! غضوا أبصاركم واجثوا على الركب وشرعوا الرماح، وإذا حملوا عليكم فامهلوهم وإذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا في وجوههم وثوب الأسد إلى فريستها، ولا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، ثم إنه عاد فوقف في مكانه. # ولم تغن مكيدة ماهان شيئا، ورجعت الروم إلى ورائها حين نظروا إلى خالد بن الوليد وقد زحف إليهم في خمسمائة فارس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاروا لذلك ورجعوا. # PageV01P198 # ولما اصطفت الصفوف صرخ ماهان في الروم صرخة عظيمة وقال: ويلكم! # ما يوقفكم عن الحرب والقتال؟ ازحفوا إليهم! فحملت الروم على المسلمين. # ونظر خالد بن الوليد إلى جيش عظيم عرمرم وجواشن تلمع وسيوف تشرع، وكان قد انفرد منهم ثلاثون ألفا من عظماء الروم وفرسانهم، وحفروا لهم في الميمنة حفائر ونزلوا فيها وشدوا خيلهم بالسلاسل، واقترن كل عشرة في سلسلة التماسا للحفيظة (1) وأن لا يفروا وحلفوا بعيسى ومريم والصليب أن لا ينهزموا أو يقتلوا العرب عن آخرهم. # فلما نظر خالد بن الوليد إلى ما صنعوا قال لمن حوله من جيش الزحف: هذا يوشك أن يكون يوما عظيما (2)، ثم قال: اللهم! أيد المسلمين بالنصر وافرغ عليهم الصبر. ثم أقبل إلى أبي عبيدة وقال: أيها الأمير! إن الروم قد اقترنوا بالسلاسل وزحفوا إلينا بالعمد والقواضب، قال أبو عبيدة: اعلم أن عدد القوم كثير وما ينجيكم إلا الصبر. # ثم ms0170 قال لخالد: ما الذي تراه من الرأي يا أبا سليمان؟ فقال: اعلم أن ماهان قد قدم حامية أصحابه أمام جيشه وصفهم أمام المسلمين، قال: وكان ماهان قد قدم أمام الروم من ذكرت شجاعته وعرفت براعته واشتهر في بلادهم بالثبات وهم مائة ألف فارس، فلما رآهم خالد بن الوليد وشاهد تعبيتهم ونظر إليهم شهد لهم أنهم من أهل الشدة (3)، قال لأبي عبيدة: إن من الرأي أن توقف في مكانك الذي أنت فيه سعيد بن زيد وقف من ورائه بإزائه في ثلاثمائة من أصحابك فإذا علم المسلمون أنك من ورائهم استحيوا من الله تعالى ثم منك أن لا ينهزموا. # قال: فقبل أبو عبيدة مشورة خالد ودعا بسعيد بن زيد - وهو أحد العشرة الذين بايعوا النبي تحت الشجرة - فأوقفه مكانه. ثم انتخب أبو عبيدة مائتي فارس من فرسان المسلمين وفيهم رجال من المهاجرين [والأنصار] (4)، ووقف بهم من وراء الصف بحذاء سعيد بن زيد. # PageV01P199 # قال ورقا بن مهلهل - وكان صاحب راية أبي عبيدة: أول من فتح باب الحرب يوم جيش السلاسل غلام من الأزد حدث السن، فقال لأبي عبيدة: أيها الأمير! إني قد أردت أن أشفي قلبي وأجاهد عدوي وعدو الاسلام وأبذل نفسي في طاعة الله عز وجل لعلي أرزق الشهادة فهل تأذن لي في ذلك؟ وإن كان لك حاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرني بها، فبكى أبو عبيدة رضي الله عنه وقال: أقرئ محمدا عني السلام وخبره أنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا. # قال: فألوى الغلام الأزدي رأس جواده وحمل يريد الحرب، فحمل عليه علج من الروم تام من الرجال على فرس أشهب، فلما رآه الغلام دلف (2) نحوه، وقد حبس نفسه في سبيل الله تعالى، فلما قرب منه حمل عليه (3) الغلام الأزدي حملة منكرة، فطعنه في صدره خرج السنان من ظهره، وأخذ عدته وجواده وسلم ذلك إلى رجل من قومه ثم إنه عاد وطلب البراز، فخرج إليه ثان فقتله، وثالث ورابع فقتلهم، وخرج إليه خامس فقتل الأزدي رحمة الله ms0171 عليه. # فغضبت الأزد عند ذلك لأجل قتل صاحبهم ودنوا من صفوف الروم، فعندها أقبلت الروم وزحفت كالجراد المنتشر حتى دنا طرفهم من ميمنة المسلمين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندها نادى معاذ بن جبل (4): معاشر المسلمين! إن أعداء الله وأعداءكم قد زحفوا إليكم فتأهبوا للحملة، واعلموا أن الله معكم فثبتوا أنفسكم بالصبر والصدق واللقاء والنصر من الله تعالى، ثم لحظ السماء بطرفه وقال: اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، ولك نوحد ولا نشرك بك شيئا، وإن هؤلاء الأعداء يكفرون بك وبآياتك، اللهم فانصرنا عليهم يا من قال في كتابه العزيز (واعتصموا بالله هو مولكم فنعم المولى ونعم النصير) (5). # قال: فبينما معاذ بن جبل (4) يدعو إذ حملت ميمنة الروم على المسلمين، وذلك # PageV01P200 # أن ماهان بعث إلى ميسرة الروم - وكان على الميسرة الديرجان - وقال له: الملك يقول لك: احمل على ميمنة المسلمين بأصحابك، قال: فحمل على الميمنة وكان فيها الأزد ومذحج وحضرموت [وخولان] (1)، فصبر المسلمون وقاتلوا قتالا شديدا، وثبتوا احتسابا، فحملت عليهم كتيبة ثانية، فصبروا لهم صبرا جميلا، فحملت عليهم كتيبة ثالثة، فزال المسلمون عن الميمنة، وانكشفت طائفة من الناس إلى العسكر وثبتت منهم طائفة ثباتا حسنا، قاتلوا تحت راياتهم. # وانكشفت (3) لهم يومئذ زبيد وهم في الميمنة وعليهم الحجاج بن عبد يغوث قال عكاشة بن مازن: وكان عليهم قيس بن هبيرة، وزبيد قد انهزمت، فابتدر عمرو بن معدي كرب وهو مقدم على زبيد، وهو الأمير فيهم وهم يعظمونه لما سبق من شجاعته في الجاهلية، وكان يوم اليرموك قد مر له من العمر مائة وعشرون سنة إلا أن همة الشجاعة فيه متيقظة. قال: فلما نظر إلى قومه قد انكشفوا صاح فيهم: يا آل زبيد! يا آل زبيد! أتفرون من الأعداء أترمون أنفسكم بالعار والذلة والشنار؟ فما هذا الانزعاج من كلاب أعلاج؟ أما علمتم أن الله يطلع على المجاهدين الصابرين، فإذا نظر إليهم قد لزموا الصبر في مرضاته وثبتوا لقضائه أمدهم بنصره وأيدهم به، فأين تهربون من الجنة؟ أرضيتم بالعار وغضب الجبار [ودخول ms0172 النار] (4). # فلما سمعت زبيد كلام سيدها عمرو بن معدي كرب الزبيدي تراجعوا (5) إليه كعطفة الام، واجتمعوا من حوله وحملوا على الروم حملة واحدة، وحملت معهم حمير وحضرموت وخولان، فأزالوا الروم على مواضعهم، وحملت دوس على المشركين مع قيس بن هبيرة، (6) فهز رايته وجعل يحرض الناس على القتال هذا ودوس حملت حملة ودارت الحرب كما تدور الرحى وتكاثفت جموع الروم على # PageV01P201 # المسلمين على ميمنتهم، فألقوهم إلى القلب، فصبر لهم المسلمون صبرا عظيما. # قال: ودفعت عليهم كتيبة أخرى فانهزمت ميمنة المسلمين راجعة على أعقابها والخيل ناكصة بأذنابها، فخرجت راجعة مكسورة على رأسها ونظرت النسوان إلى خيول المسلمين منهزمة فنادت النساء: يا بنات العربيات! دونكن والرجال، ردوهم عن الهزيمة والكسرة! # قالت سعداء (1) بنت عاصم الخولاني: كنت مع النساء يومئذ على التل، فلما انكسرت الميمنة صاحت بنا لبني بنت جرير الحميرية (2) وكانت من المترجلات البازلات، نادت بالنساء: يا بنات العربيات! دونكن والرجال! فاحملن أولادكن على أيديكن واستقبلتهن بالصياح والتحريض. قال: فأقبلت النساء يرمين الدواب بالحجارة، وجعلت ابنة العاص بن منبه تنادى: قبح الله وجه رجل يفر عن خليلته! # وجعلت النساء يقلن لبعولتهن: لستم لنا ببعول إن لم تمنعوا عنا الاعلاج. # قال: وكانت خولة بنت الأزور وخولة بنت ثعلب (3) الأنصاري ولعوب (4) بنت مالك بن عاصم وسلمى بنت هاشم ونعيمة (5) بنت فياض وهند بنت عتبة بن ربيعة وإبانة (6) بنت جرير الحميرية وهي أمام النساء والمزاهر معهن وهن يقلن هذه الأبيات: # يا هاربا عن نسوة ثقات * لهم (7) جمال ولهم (7) ثبات تسلمهم طرا إلى الهنات * تلك نواصيهم (8) مع البنات أعلاج سوء فسق عتات * ينلن منا أعظم الشيات (9) # PageV01P202 # قال: وجعلن يحرضن على القتال، فرجع المسلمون رجعة عظيمة عند ما سمعوا من تحريض النساء. # قال: وصرخت هند بنت عتبة وفي يدها مزهرها بين الصفين تحرض المسلمين على القتال وهي تقول الشعر الذي قالته في يوم أحد وهي هذه الأبيات: # نحن بنات طارق * نمشى على النمارق مشى القطا الموافق * ان تقبلوا نعانق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق كل كريم عاشق ms0173 * يحمى عن العواتق تعنى بقولها (بنات طارق) النجم زحل، وتقول في قولها: نحن المخدرات اللواتي لا نبرز من البيوت إلا بالفسق. # ثم استقبلت خيل ميمنة المسلمين فرأتهم منهزمين فصاحت بهم: إلى أين تفرون من الله وجنته وهو مطلع عليكم؟ ونظرت إلى أبي سفيان وهو منهزم فضربت وجه حصانه بعمودها، وقالت: إلى أين يا بن صخر؟ ارجع إلى القتال وابذل مهجتك حتى يمحص الله عنك ما سلف من تحريضك على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الزبير بن العوام: لما سمعت كلام هند لأبي سفيان ذكرت يوم أحد ونحن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تحرض المشركين بهذا الشعر على قتال المسلمين، فتعجبت من ذلك وقلت: لك الحمد، اللهم تفعل ما تشاء، سبق علمك في خلقك ولا يعلم الغيب غيرك. قال: فعطف أبو سفيان عندما سمع من كلامها وعطف المسلمون معه ونظروا النساء قد حملن معه، فلقد رأيتهن وهن يسابقن المسلمين وهن بين أرجل الخيل، ولقد رأيت الامرأة تقبل إلى العلج العظيم وهو على فرسه متعلق به فلا تفارقه حتى تنكسه عن الجواد ثم تقتله، وتقول: هذا بيان نصر الله. قال الزبير: # فحمل والله المسلمون حملة صعبة لا يريدون بها غير وجه (1) الله عز وجل، وقاتلت الأزد مع أبي هريرة رضي الله عنه قتالا شديدا حتى فشا فيهم القتل فأصيب منهم خلق كثير إلا أنهم لقوا الصدمة بأنفسهم، فاستشهد منهم ما لم يستشهد من غيرهم من القبائل. # PageV01P203 # قال سعيد بن زيد بن عمرو: كان القتال في الميمنة شديدا، ننهزم مرة ونعود ساعة ونصبر ساعة [و] نتأخر. # قال: فنظر خالد بن الوليد إلى الميمنة وقد مالت إلى القلب، فصاح بمن معه من الخيل ومال عليها وهو في زهاء ستة آلاف فارس فكبر وكبروا وحملوا على الروم، فأنكى فيهم خالد نكاية عظيمة حتى كشف أعداء الله المشركين عن الميمنة والقلب إلى مواضعها من قومه دون خمسمائة فارس، وجعل يحمل حملات متداركات ويضرب ضربات هائلات وهو ينادي (1): يا أهل الايمان! ms0174 أفرارا من الموت؟ # الصبر الصبر! فتراجع أصحابه (3) إليه وحمل عند رجعتهم على الأرمن فردهم على أعقابهم، وجعلوا يضربون وجوههم بالسيوف، ويطعنون فيهم بالرماح ويرشقونهم بالنبال حتى أصابوهم. # ثم رجع شرحبيل إلى مكانه ودار (4) به أصحابه وأقبل بعضهم على بعضهم يقولون: ما لكن حتى انهزمتم أمام هؤلاء الكفرة وأنتم البررة أهل القرآن وعباد الرحمن؟ أما سمعتم قول الله في كتابه العزيز (ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله) (5) الآية. # قال: ونظر قيس بن هبيرة إلى خيل شرحبيل قد ارتجفت (6)، فخرج فيمن معه وحمل على العدو وهو ينادي بشعاره، فسمع خالد بن الوليد شعار قيس وأصحابه، فخرج خالد من وراء الجموع ونادى هو وأصحابه بشعارهم - وكان شعارهم: يا نصر الله انزل! يا نصر الله انزل! وكان هذا شعار المسلمين يوم أحد، وحمل خالد على الروم من ذات الشمال، فقتل منهم مقتلة عظيمة وجال المسلمون في الروم جولة منكرة، فلله در الزبير بن العوام وهاشم [بن المرقال] وخالد بن الوليد [لقد] حملوا حملة شديدة حتى قربوا من سرادق ماهان وخيامه. # PageV01P204 # فلما نظر ماهان إلى ذلك ولى هاربا عن سريره وصاح بالروم وعنفهم، فرجعوا يطلبون القتال، وصاح أبو عبيدة بسعيد بن زيد فحمل بمن معه وهم ينادون: # لا إله إلا الله محمد رسول الله، يا منصور أمت! يا نصر الله انزل! وحملوا عليهم بأجمعهم حملة واحدة، وقد أنزل الله تعالى نصره على المسلمين وأقبلوا يقتلون في الروم قتلا ذريعا، فبينا الناس في حملتهم إذ سمعوا قائلا يقول: يا نصر الله انزل! يا نصر الله انزل وأقرب! أيها الناس الثبات! # قال عامر بن مسلم (1): فتأملنا فإذا به أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد وشدت الامراء بأجمعهم على من يليهم، وقاتلوا قتالا شديدا، ولم يكن في الروم أثبت من أصحاب السلاسل فإنهم ثبتوا في أمكنتهم يبتغون (2) من أتاهم، وأما الرماة من الأرمن فإنهم كانوا في القلب من عساكر الروم وهم مائتا ألف (3)، وكانوا إذا رشقوا سهامهم نحو ms0175 العرب يسترون الشمس، فلولا نصر الله والمعونة منه لكان المسلمون قد هلكوا، وانفصل المسلمون فرحين بالنصر. وقد هلك من المشركين أكثرهم. # فلما أصبح الصباح اصطف الفريقان للقتال، وكان المسلمون أسبق، فخرج من الروم فارس فخرج إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز من الروم ثان وثالث ورابع فقتلهم. # فقال خالد لأبي عبيدة (4): إن الزبير قد جرد نفسه للقوم حبا في الله ورسوله وإنا نخاف عليه، فصاح أبو عبيدة بالزبير وحلف عليه أن يرجع، فرجع إلى مكانه، وخرج خامس من الروم فخرج إليه خالد بن الوليد فقتله - وكان ملك الروسية (5) - وأخذ سلبه وتاجه وصليبه ودرعه وعصابته، فقوم الجميع فكان بخمسة عشر ألف درهم. قال: وأخبر ماهان بذلك، فغضب غضبا شديدا وقال: هذا ملكان قد قتلا، وإني أظن أن المسيح لا ينصرنا، ثم إنه أمر الرماة من الروم أن يرموا على المسلمين يدا واحدة، فرموا سهامهم وأطلقوها نحو المسلمين مائة ألف سهم من # PageV01P205 # كبدة واحدة، فكانت تقع كسقوط البرد في عسكر المسلمين من السماء وكالوابل المتدارك، وكثر القتل في المسلمين والجراح وعور من المسلمين سبعمائة عين، وسمى ذلك اليوم يوم التعوير، وكان ممن أصيب بعينه ذلك اليوم المغيرة بن شعبة وسعيد بن زيد وبكير بن عبد الله وأبو سفيان وراشد بن سعد (1)، هؤلاء المقدمون وباقي سبعمائة من المسلمين، وكان الرجل يلتقي بالرجل بعد ذلك اليوم فيقول له: # ما الذي أصابك في عينك؟ فيقول الاخر: لم تقول: مصيبة؟ بل قل: منحة (2) من الله عز وجل. # قال: وعظم وقع السهام في المسلمين حتى ما كنت تسمع إلا من يصيح: # واعيناه! واحدقتاه! واضطرب المسلمون اضطرابا شديدا ونقضت العرب أعنة خيلها راجعة على أعقابها، ونظر ماهان إلى اضطراب المسلمين فحرض الرماة وزحف نحو المسلمين، وزادت الرماة في رميها، وزحفت المسلسلة بحديدها والبيارق تلمع في أكف الرجال كأنها قبس النيران. # قال عامر: فنظرت جيوش الروم نحونا سائرة وفرسان المسلمين متأخرة، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم أنزل علينا نصرك وصبرك الذي نصرتنا به في المواطن ms0176 كلها! ثم صحت في رجال حمير: أتهربون من الجنة إلى النار؟ ما هذا الفرار؟ أما تخافون العار؟ وجعلت أهتف بقبائل العرب وكل قد شغل بنفسه، فجعلت أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فما كان غير بعيد حتى نزل النصر من السماء، وكان المسلمون قد أقبلوا (4) راجعين نحو النساء، ولم يثبت قدام المشركين غير أصحاب الرايات. # قال عبد الله بن قرط الأزدي: شهدت قتال الشام كله فلم أشهد في يوم اليرموك أشد من يوم التعوير، وقد رجعت خيل المسلمين على أعقابها وقاتلت الامراء بأنفسها والرايات في أيديها، فقلت في نفسي: وكم جهد ما يقاتل هؤلاء الامراء وهم في نفر يسير حتى أسعدنا الله بحملة النساء اللاتي شهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P206 # المواطن، قال: وتراجع المسلمون إلى القتال حين نظروا إلى النساء يقاتلن قتال الموت (2)، فلله در النساء يوم اليرموك! وكانت وقعة اليرموك في رجب سنة ستة عشرة من الهجرة. # قال: ولم تزل الحرب من أول النهار إلى أن دخل الليل وأبو عبيدة يقاتل برايته والامراء يفعلون كفعله وانفصل بعضهم عن بعض. # قال: فلما طلعت الشمس صف أبو عبيدة أصحاب الرايات وعبى عسكره تعبية حسنة. # قال: وبرز جرجيس (4) ودعا بالبراز وقال: لا يبرز إلي إلا أميركم! فسمعه أبو عبيدة فسلم الراية إلى خالد بن الوليد وقال له: أنت لها، فإن عدت أنا من قتال هذا الكافر فالراية لي، وإن هو قتلني الراية لك (5)، فقال خالد: أنا أقاتله دونك، فقال أبو عبيدة: لست أفعل ذلك ولا بد لي من الخروج إليه وأنت شريكي في الاجر، وبرز أبو عبيدة والمسلمون كارهون ذلك فلم يفعل، فلما قرب منه قال له: أنت أمير الجيش؟ قال: نعم، فدونك والحرب، فما بقي لهزيمتكم إلا القليل ثم أقتلك وأقتل ماهان بعدك، ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه وطال بينهما القتال، فولى الكافر بين يدي أبي عبيدة فتبعه وهو واثق بالنصر والسلامة، فعند ذلك عطف عليه كالبرق الخاطف، والتقيا بضربتين فكان ms0177 أبو عبيدة أسبق بالضربة فوقعت على عاتقه # PageV01P207 # الأيسر [و] خرجت من عاتقه الأيمن، فعند ذلك كبر المسلمون، وناداه خالد: # لله درك أيها الأمير! ارجع إلى رأيتك فقد قضيت ما عليك، فلم يرجع فأقسم عليه المسلمون أن يرجع إلى مقامه فرجع وأخذ الراية من خالد. # فنظر ماهان إلى جرجيس (2) قد قتل فعظم عليه ذلك، فصاح بقومه وجمعهم إليه وقال: اعلموا أني ما تركت جهدا في نصرة هذا الدين وقد حاميت جهدي، وما أقدر أغالب رب السماء، لأنه قد نصر العرب علينا وملكهم بلادنا، فما لي وجه أرجع به إلى هرقل حتى إني أخرج إلى الحرب بنفسي وقد عزمت أن أسلم الصليب إلى أحدكم وأبرز إلى قتال المسلمين، فإن قتلت استرحت من العار ومن توبيخ الملك (2). # قال: وبرز ماهان فخرج إليه رجل من دوس (3) فقتله ماهان، وخرج إليه ثان فقتله، وجال ماهان وقوى قلبه ودعا بالبراز، فسارع المسلمون إليه وكل يقول: # اللهم اجعل قتله على يدي! فكان أول من برز إليه مالك النخعي ثم حاوله في ميدان الحرب، فقال له ماهان: أنت صاحبي خالد بن الوليد؟ قال: لا، أنا مالك النخعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمل على مالك، ضربه بعموده على بيضته فغاصت البيضة في جبهته فشترت عينه، فمن ذلك اليوم سمي (الأشتر) وكان من فرسان العرب المذكورة، فصبر نفسه وحمل على ماهان والدم يسيل من جبهته، وأخذته أصوات المسلمين فقوى عزمه. قال مالك: فاستعنت عليه بالله عز وجل وصليت على محمد صلى الله عليه وسلم وضربته ضربة عظيمة فقطع سيفي فيه قطعا غير موهن، فلما حس بحرارة الضربة ولى منهزما، فصاح خالد بالمسلمين: يا أهل الصبر (4) والبأس! احملوا على القوم ما داموا في دهشتهم، ثم حمل خالد ومن معه وحملت الامراء بمن معهم وتبعهم المسلمون بالتكبير والتهليل، فصبرت لهم الروم بعض الصبر وغابت الشمس وانكشفت الروم منهزمة وأخذهم السيف من ورائهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة زهاء مائة ألف، وأسروا أربعين ألفا، وغرق منهم في الماء غوصة # PageV01P208 # أمم لا ms0178 تحصى، وتمزقوا (1) في الجبال والأودية وخيول المسلمين تأخذهم يقتلون ويأسرون حتى مضى من الليل جزء كبير، فنادى أبو عبيدة في الناس أن يتراجعوا، فتراجعوا وقد امتلأت أيديهم من الغنائم والأسارى وآنية الذهب والفضة والنمارق والسرادقات وجمعت الغنائم وبات المسلمون فرحين بنصر الله عز وجل. # فلما أصبحوا فلم يجدوا من الروم أحدا، فأراد أبو عبيدة أن يحصي عدد القتلى من الروم، فلم يقدر [أن] يحصي ذلك إلا بالقصب، فأمر بقطع القصب، وجعل على كل ألف قصبة، وعد القصب فكان عدد القتلاء مائة ألف وخمسة آلاف (2)، وأسروا أربعين ألفا، وقتل من المسلمين المجاهدين رحمة الله عليهم أجمعين أربعة آلاف (3) ونيف، ثم أمر بها فجمعت، وقدموا بين يديه فصلى عليهم ودفنوا - رحمهم الله -. # وانبث المسلمون في الجبال والأودية يطلبون الروم، فإذا هم براع قد استقبلهم، فقالوا له: هل مر بك أحد من الروم؟ قال: نعم مر بي بطريق ومعه زهاء أربعين ألف فارس - وكان ذلك ماهان، فأتبعه خالد بن الوليد، فأدركهم على حمص، فلما أشرف عليهم كبر وكبر المسلمون معه وحمل عليهم ووضع فيهم السيف، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وكان ماهان قد ترجل عن جواده وقال إنه سيسلم، فأقبل إليه رجل من المسلمين بالسيف، فمانع عن نفسه فقتله الرجل - فكان القاتل لماهان النعمان بن جلهمة (5) الأزدي، وقيل عاصم بن جوال اليربوعي، وقد اختلفوا فيه فالله أعلم. # وبلغ الخبر إلى أبي عبيدة أن خالد بن الوليد نزل حمص، فسار بمن معه حتى التقى بخالد فأخبره بما تم له وقتل ماهان، وبشر المسلمون بعضهم بعضا بالسلامة. # وكتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب فأخبره بذلك (6)، وأنه قد قسم الغنائم وأخرج # PageV01P209 # الخمس، وهو منتظر أمر أمير المؤمنين. # فلما قدم الكتاب على عمر سجد شكرا لله تعالى، وكذلك المسلمون شكروا لله رب العالمين على ذلك، ثم دعا عمر بن الخطاب بدواة وبياض وكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح كتابا (1): أما بعد، إذا وصل إليك كتابي هذا فاشكر للمسلمين صبرهم وفعالهم، وأقم بموضعك حتى يأتيك أمري - والسلام. # قال: ms0179 وأصاب الفارس من الذهب الأحمر أربعة وعشرين ألفا والراجل ثمانية آلاف، وكذلك من الفضة، وأعطي الهجين سهما والعربي سهمين. # قال: ولما هزم الله عز وجل الروم في وقعة اليرموك وبلغ ذلك هرقل قال: قد علمت أن الامر يجئ إلى هذا، ثم أقام ينتظر ما يكون من المسلمين. ### | ثم رجعنا إلى ما كان من أمر العراق. # قال: واجتمعت الفرس بجلولاء في ثمانين ألف فارس وعزموا على المسير إلى سعد بن أبي وقاص، فبلغه ذلك، فعندها جمع أمراءه واستشارهم فيما يصنع، فأشاروا عليه بالمسير إليهم ومحاربتهم، ففكر في ذلك وأقبل عليهم وقال لهم: # اعلموا والله أني عازم على ذلك إلا أني في جمع قليل والفرس في ثمانين ألفا وأنا والله أتقى عليكم منهم. فقال عمرو بن معد يكرب: أيها الأمير! فإنا لا نحب أن تتقي علينا فإن الذي نصرنا عليهم بالأمس هو الذي ينصرنا عليهم اليوم! وقد بلغنا أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح وأمره أن يمدنا بجيش ونحن عنه مستغنون، وقد علمنا أن الله عز وجل إذا كتب على قوم القتل فلابد لهم مما كتب لهم، وإن كتب الموت على قوم فهم يموتون، فلسنا نشك أن القتل في سبيل الله أفضل من الموت على وثير الفرش، فطوبى لمن قتل في سبيل الله صابرا يريد بذلك ما عند الله من الثواب الجزيل! # قال: فإذا بمكشوح المرادي قد قدم عليهم من عند سعد في ألفي فارس، وهشام بن عتبة بن أبي وقاص في ثلاثة آلاف فارس، وحجر بن عدي الكندي في # PageV01P210 # ألفي فارس، والمنذر بن حسان الضبي في ثلاثة آلاف فارس، وجرير بن عبد الله في أربعة آلاف فارس، قال: وصار المسلمون بجلولاء في أربعة وعشرين ألفا ويزيدون. # قال: وتحرشت الفرس بالمسلمين وطلبوا الحرب، وكتب سعد بن أبي وقاص إلى ابن أخيه هاشم بن عتبة فجعله أمير المسلمين وأمر أصحابه بمحاربة الفرس. # قال: فعندها وثب هاشم بن عتبة فعبى أصحابه (1)، فكان على ميمنته جرير بن عبد ms0180 الله البجلي، وعلى ميسرته حجر بن عدي الكندي، وعلى الجناح المكشوح المرادي، وجعل عمرو بن معد يكرب على أعنة الخيل، وطلحة بن خويلد الأسدي على الرجالة. # قال: وعبت الفرس جيوشها، فكان على ميمنتهم رجل من قواد الأعاجم يقال له خر زاذ بن وهرز (2)، وعلى ميسرتهم فيروز بن خسرو، وفي القلب الهرمزان بن أنو شروان صاحب بلاد الأهواز. # قال: ودنا القوم بعضهم من بعض، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا في موطن بمثله من مواطنهم التي سلفت، وذلك أنهم رموا بالسهام حتى أنفدوها، وتطاعنوا بالرماح حتى قصفوها، ثم صاروا إلى السيوف والعمد (3) فاقتتلوا بها من وقت الضحى إلى أن زالت الشمس وحضر وقت الصلاة فلم تكن الصلاة في ذلك اليوم إلا بالتكبير والايماء نحو القبلة. # قال: ونظر هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى رجل من المسلمين يقال له سعد بن عبيد الأنصاري وقد فصل من الصف فقال له: ما وقوفك يا سعد؟ فقال: # أيها الأمير! وقوفي والله إني أفكر في فعلة فعلتها يوم الجسر يوم قتل أبو عبيد بن مسعود الثقفي أنا نادم عليها وذلك أني فررت يومئذ من الزحف وقد عزمت اليوم أن أجعل توبتي من فراري، أن أشتري لله نفسي فلعله تبارك وتعالى أن يتجاوز عني ما # PageV01P211 # قد مضى. قال: ثم تقدم بسيفه نحو الفرس فقاتل قتالا عجب منه الفريقان جميعا فلم يزل كذلك حتى قتل منهم جماعة وقتل - رحمة الله عليه -. # قال: ثم أقبل جرير بن عبد الله البجلي على بني عمه فقال: يا معشر بجيلة! # اعلموا أن لكم في هذه البلاد إن فتحها الله عليكم حظا سنيا، فاصبروا لقتال هؤلاء الفرس التماسا لاحدى الحسنيين: إما الشهادة فثوابها الجنة، وإما النصر والظفر ففيهما الغني من العيلة، وانظروا، لا تقاتلوا رياء ولا سمعة، فحسب الرجل خزيا أن يكون يريد بجهاده حمد المخلوقين دون الخالق، وبعد فإنكم جربتم هؤلاء القوم ومارستموهم وإنما لهم هذه القسي المنحنية وهذه السهام الطوال، فهي أغنى سلاحهم عندهم، فإذا رموكم بها فتترسوا، والزموا الصبر وصابروهم، ms0181 فو الله إنكم الانجاد الأمجاد الحسان الوجوه في اقتحام الشدائد! فاصبروا صبرا يا معشر البجيلة! # فوالله إني لأرجو أن يرى المسلمون منكم اليوم ما تقر به عيونهم! وما ذاك على الله بعزيز، ثم أنشأ جرير في ذلك يقول - شعر: # تلكم بجيلة قومي إن سألت بها * قادوا الجياد وفضوا جمع مهران وأدركوا الوتر من كسرى ومعشره * يوم العروبة وتر الحي شيبان فسائل الجمع جمع الفارسي وقد * حاولت عند ركوب الحي قحطان عز الأول كان عزا من يصول بهم * ورمية كان فيها هلك شيطان كان الكفور وبئس الفرس أن له * آباء صدق نموه غير ثبيان قال: ثم حمل جرير بن عبد الله على جميع أهل جلولاء فلم يزل يطاعن حتى انكسر رمحه وجرح جراحات كثيرة فأنشأ بعض بني عمه يقول في ذلك - شعر: # تواكلت الأمور فلم تواكل * أخو النجدات فارسها جرير جرير ذو الغني [و] بما تولى * أحق إذا تقسمت الأمور أغاث المسلمين وقد تواصلوا * وقدر الحرب حامية تفور أبا حفص سلام الله منا * عليك ودوننا بلد شطير حمدنا فعل صاحبنا جرير * ولم نحمد لك الوالي العطير فلا تغفل بجيلة إن فيها * دواء الداء والحبر الكبير قال: وتقدم رجل من المرازبة يقال له رستم الأصغر حتى وقف بين الجمعين فجعل يقاتل أشد القتال، قال: وانبرى له رجلان من المسلمين أخوان: أحدهما PageV01P212 # يقال له عوام والاخر يقال له زهير ابنا عبد شمس (1)، قال: فحملا عليه وحمل عليهما فجاولهما في ميدان الحرب ساعة ثم داخله زهير فطاعنه، فطعنه طعنة أثخنه منها، حتى كاد رستم أن يسقط عن فرسه، ثم جال زهير في ميدان الحرب ساعة وهو يرتجز ويقول: # أنا زهير وابن عبد شمس * طعنت ذا التاج رئيس الفرس رستم ذا الثروة والدمقس * فقد شفيت اليوم منه نفس قال: وجعل رستم يجول في ميدان الحرب فمرة يحمل على زهير ومرة يحمل على عوام. قال: ونظر إلى ذلك رجل من المسلمين يقال له جابر بن طارق النخعي، فخرج إلى زهير والعوام لعينهما على رستم، قال: ونظر ms0182 رستم إلى جابر بن طارق فحمل عليه، وصاح زهير بجابر بن طارق: إلي إلي يا ابن عم! لا تنفرد لهذا الكلب فيقتلك، قال: وجعل رستم يجول على هؤلاء الثلاثة في ميدان الحرب، فكلما حمل على واحد حمل عليه اثنان. قال: ثم اعتوره زهير والعوام وحمل عليه جابر بن طارق النخعي فضربه ضربة على تاجه فقد التاج وهامته فخر رستم صريعا، ثم نزلوا إليه فسلبوه، وكانت قيمة سلبه ألف دينار، وأنشأ جابر بن طارق يقول في ذلك - شعر: # دعاني زهير والفوارس ترتمى * إلي إلي يا بن عم فهل ترى فقلت له لبيك عند دعائه * أتيتك اني قاصد دونك العرى بنفسي أني لا أبالي بحتفها * بنفسك فاقصد عامدا حيث انتهى واضربه بالسيف قمة رأسه * فخر صريعا في العجاجة قد هوى (2) فغادرته عيدا لطير سواغب * وجالت بناخيل وذو الغدر قد مضى فذاك رئيس الفرس رستم سل به * زهيرا وعواما وجابر ذا النهى قال: فبينما المسلمون كذلك في أشد ما يكون من الحرب وذلك في وقت العصر إذا هم بكتيبة للفرس جامة حسناء قد خرجت إليهم، فكأن الناس هالتهم تلك # PageV01P213 # الكتيبة فاتقوها، فقال عمرو بن معدي كرب: يا معشر المسلمين! لعله قد هالتكم هذه الكتيبة؟ قالوا: نعم والله يا أبا ثور لقد هالتنا! وذلك أنك تعلم أنا نقاتل هؤلاء القوم من وقت بزوغ الشمس إلى وقتنا هذا، فقد تعبنا وكلت أيدينا ودوابنا وكاعت رجالنا وقد والله خشينا أن نعجز عن هذه الكتيبة إلا أن يأتينا الله بغياث من عنده أو نرزق عليهم قوة ونصرا. قال: فقال عمرو: يا هؤلاء! إنكم إنما تقاتلون عن دينكم وتذبون عن حريمكم وتدفعون عن حوزة الاسلام، فصفوا خيولكم بعضها إلى بعض وانزلوا عنها والزموا الأرض واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، فإنكم بحمد الله صبراء في اللقاء، ليوث عند الوغى، وهذا يوم كبعض أيامكم التي سلفت، ووالله إني لأرجو أن يعز الله بكم دينه ويكبت بكم عدوه. قال: ثم نزل عمرو عن فرسه ونزل معه زهاء ألف رجل من ms0183 قبائل اليمن، ما فيهم إلا فارس مذكور، ونزل معه أيضا من كان [من] قومه وعشيرته. قال: ثم تقدم عمرو حتى وقف أمام المسلمين شاهرا صمصامته (1) وقد وضعها على عاتقه وهو يقول - شعر: # لقد علمت أقيال مذحج أنني * أنا الفارس الحامي إذا القوم أضجروا صبرت لأهل القادسية معلما * ومثلي إذا لم تصبر الناس يصبر وطاعنتهم بالرمح حتى تبددوا * وضاربتهم بالسيف حتى تكسروا بذلك أوصاني أبي وأبو أبي * بذلك أوصاه فلست أقصر حمدت إلهي إذ هداني لدينه * فلله أسعى ما حييت وأشكر قال: وحملت تلك الكتيبة الحامة على عمرو بن معد يكرب الزبيدي وأصحابه فلم يطمعوا منهم في شئ. قال: وحمل جرير بن عبد الله من الميمنة، وحجر بن عدي من الميسرة، والمكشوح المرادي من الجناح، وعمرو بن معد يكرب من القلب، وصدقوهم الحملة لولوا مدبرين، ووضع المسلمون فيهم السيف، فقتل منهم من قتل، وانهزم الباقون حتى صاروا إلى خانقين (2). وأمسى المسلمون فلم يتبعوهم (3)، لكنهم أقاموا في موضعهم حتى أصبحوا وأقبلوا حتى دخلوا جلولاء، # PageV01P214 # فجعلوا يجمعون الأموال والغنائم حتى جمعوا شيئا كثيرا لم يظنوا أنه يكون هناك، قال: فقال رجل من المسلمين: رحم الله المثنى بن حارثة الشيباني! أما أنه لو كان حيا لقرت عيناه بهذا الفتح، فإني كنت أسمعه مرارا يقول: وددت أني قد رأيت فتح جلولاء ولو قبل موتي بيوم واحد! قال: فقال عبيد بن عمرو البجلي: نعم فرحم الله المثنى بن حارثة! إنه وإن كان قد مضى لسبيله لم تقر عينه بفتح جلولاء لقد قرت عيناه بالجنة إن شاء الله وقد قدم على ما قدم من الثواب الوافر، ثم أنشأ عبيد بن عمرو البجلي يقول في ذلك - شعر: # أبشر مثنى فقد لاقيت مكرمة * يوم التغابن لما ثوب الداعي سل أهل ذي الكفر مهرانا وأسرته * يوم البجيلة إذ خلوا عن القاع وأسلموا ثم مهرانا ببلقعه * يوم العروبة مطروحا بجعجاع وفي جلولا أثرنا كل ذي بدع * بكل صاف كلون الملح لماع في كف كل كريم الجد ذو حسب * حامى الحقيقة للاواء ms0184 دفاع قال: ثم رجع هاشم بن عتبة بغنائم جلولاء فوجه بها إلى المدائن إلى عمه سعد بن أبي وقاص. ### | ذكر مسير المسلمين بعد فتح جلولاء إلى خانقين وغيرهما. # قال: ثم سار المسلمون يريدون خانقين (1) وعلمت الفرس بذلك فرحلوا من خانقين إلى قصر شيرين (2) فمروا بها ولم يقيموا حتى صاروا إلى حلوان وبها يومئذ يزدجرد ملك الفرس في جماعة من الأساورة والمرازبة، فلما بلغه هزيمة أصحابه بجلولاء وأنهم قد وافوه بحلوان دعا رجلا من قواده من الأعاجم يقال له منوشهر بن هرمزدان (3) فاستخلفه على حلوان ثم رحل فيمن كان معه من أصحابه هاربا حتى صار # PageV01P215 # إلى نهاوند (1)، فنزلها وأمر بخيله فنزلت بأرض همذان وما والاها من نواحيها. # قال: ورحل المسلمون من جلولاء إلى خانقين فنزلوها يومهم ذلك، ثم رحلوا منها إلى قصر شيرين فنزلوها، وكتبوا إلى سعد بن أبي وقاص يستأذنونه في التقدم إلى حلوان ويحثونه على المصير إليهم ليكون لهم ملجأ وسندا يلجؤون إليه ويشاورونه في أمورهم، وقد كان سعد عليلا فتباطأ عنهم ولم يصر إليهم وكتب إليهم يأمرهم بالتقدم إلى حلوان (2). # قال: فغضب المسلمون لقعود سعد عنهم وإبطائه عن نصرتهم، ثم أنشأ إبراهيم بن حارثة الشيباني يقول في ذلك - شعر: # أما بال سعد خام عن نصر جيشه * لقد جئت يا سعد ابن زهرة منكرا وأقسم بالله العلي مكانه * لو أن المثنى كان حيا لاصحرا وقاتل فيها جاهدا غير عاجز * وطاعن حتى يحسب الجون أحمرا كشداته يوم البجيلة معلما * يريد بما يبلي الثواب الموفرا وضارب بالسيف الحسام مقدما * جموع الأعادي خشية أن يعيرا ولكن سعدا لم يرد أجر يومه * ولم يأتنا في يوم بأس فيعذرا قال: فبلغت سعدا هذه الأبيات فكأنه تحرك للمسير على علته، ثم دعا سلمان الفارسي فاستخلفه على المدائن وأوصاه بحفظ الغنائم وصار فيمن معه من أصحابه حتى لحق بالمسلمين وهم يومئذ نزول بقصر شيرين فنزل معهم يومهم ذلك. # فلما كان من غد نادى في الناس بالرحيل إلى حلوان فرحل ورحل الناس معه، وبلغ ذلك منوشهر بن ms0185 هرمزدان (3) المقيم بحلوان، فخرج عن حلوان هاربا حتى لحق بيزدجرد وهو في جمع أصحابه، وأقبل سعد بن أبي وقاص وعلى مقدمته جرير بن عبد الله البجلي (4) حتى دخل حلوان فأنشأ عبد الله بن قيس الأزدي يقول - شعر: # فأبلغ أبا حفص بأن خيولنا * بحلوان أضحت بالكماة تجمجم # PageV01P216 # ونحن دهمناها صباحا بفيلق * جرير علينا في الكتيبة معلم ونحن أبدنا الفرس في كل موطن * بجمع كمثل الليل والليل مظلم نقاتل حتى أنزل الله نصره * وسعد بباب القادسية معصم (1) فابنا وقد أيمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهن أيم أولئك قومي إن سمعت بمعشرى * وموضع أيسارى إذا نيل مغنم قال: واحتوى سعد بن أبي وقاص على جميع ما كان للفرس بأرض حلوان، ثم دعا بالمكشوح المرادي فضم إليه عشرة آلاف رجل من المسلمين ووجه به إلى ما سبذان (2) وما والاها، ووجه أيضا بخيل له في عشرة آلاف مع عروة بن زيد الخيل الطائي إلى شهر زور (3) وما يليها، فغنم المسلمون غنائم كثيرة لا تحصى ورجعوا إليه في أسرع وقت وأعجله. ### | ذكر ما كان من زريب بن برثملا (4) وكلامه للمسلمين ونضلة بن معاوية الأنصاري # قال: ثم دعا سعد بن أبي وقاص برجل من الأنصار يقال له نضلة بن معاوية فضم إليه ثلاثمائة فارس وأمره بالغارة على جميع رساتيق حلوان، قال: فمضى نضلة حتى انحاز إلى رساتيق حلوان فلم يترك لهم باعثة ولا راعية إلا استاقها. # قال: فبينا المسلمون يسوقون الغنائم بين جبلين من جبال حلوان يريدون سعد بن أبي وقاص إذ حضرتهم الصلاة صلاة العصر، فصرفوا الغنائم إلى سفح الجيل، وتقدم نضلة بن معاوية يؤذن، فلما قال: الله أكبر الله أكبر! إذا بهاتف يهتف من الجبل وهو يقول: كبرت كبيرا يا نضلة! فلما قال: أشهد أن لا إله إلا # PageV01P217 # الله! أجابه الهاتف يقول: أخلصت إخلاصا يا نضلة! فلما قال: أشهد أن محمدا رسول الله! أجابه الهاتف ويقول: ذلك نبي الرحمة بعث لا نبي بعده، فلما قال: حي على الصلاة! أجابه الهاتف وهو يقول: فريضة فرضت ms0186 فطوبى لمن حفظها وواظب عليها، فلما قال: حي على الفلاح! أجابه الهاتف وهو يقول: # الفلاح لأهل الفلاح والصلاح لأهل الصلاح، قال: وفرغ نضلة من أذانه، فلما أخذ في الإقامة وقال: قد قامت الصلاة! أجابه الهاتف وهو يقول: البقاء لامة محمد عليه السلام وعلى رؤوسهم تقوم الساعة، قال: وصلى نضلة بالمسلمين. # فلما فرغ من صلاته وثب قائما على قدميه ثم نادى بأعلى صوته: أيها الهاتف بالخير والكلام... (1) إنا قد سمعنا كلامك وفهمنا جوابك، فإن كنت من ملائكة الله فصلى الله عليك، وإن كنت من الجن فمرحبا بك وأهلا، وإن كنت من الإنس فابرز إلينا حتى نراك، فإنا وفد الله ووفد رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم وآله) ووفد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: فلم يشعر نضلة بن معاوية ومن معه من المسلمين إلا وشيخ قد برز لهم من شعب الجبل أبيض الرأس واللحية، إلى الطوال ما هو، عليه ثوبان من صوف أبيض، وقد حسر عن هامة له عظيمة وفي يده عصا عكاز يتوكأ عليها، فقال نضلة: السلام عليك ورحمة الله وبركاته! من أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا زريب بن برثملا وصى العبد الصالح عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، دعا لي بالبقاء إلى وقت نزوله من السماء، فاقرأوا على عمر بن الخطاب مني السلام وقل له: فليثبت على ما هو عليه ويقارب ويسدد فقد اقترب الامر، وإن ظهرت في أمة محمد (صلى الله عليه وسلم وآله) خصال لا خير فيها فالهرب الهرب! قال نضلة بن معاوية: أخبرنا رحمك الله بهذه الخصال لنعرف بها ذهاب دنيانا وإقبال آخرتنا، فقال: نعم إذا اكتفت رجالكم برجالكم ونساؤكم بنسائكم، وركن علماؤكم إلى أمرائكم فأفتوهم بالذي يحبون، وكثر طعامكم فلم يزد سعركم إلا غلاء، وكان مستشاركم يومئذ عبيدكم وخصيانكم، وقتل البريء بغير ذنب ليوعظ به العامة، وقل العطاء فلم يأخذه إلا الاسقاط والسفل، وقلت الصدقة فيكم حتى يطوف المسكين فيكم من الحول إلى الحول فلا يصيب عشرة دراهم، واتخذتم القرآن ألحانا ms0187 ومزامير، وزخرفتم المساجد وطولتم المنار، وكثرت بينكم شهادات # PageV01P218 # الزور... (1) المطر فلم يكن إلا غيظا، واستحللتم الزنا وأكلتم الربا، فإ [ذا شهدتم] ذلك فتوقعوا ذهاب الصولة وغضب ربكم. # قال: ثم رجع زريب بن برثملا إلى موضعه من الجبل، وسار المسلمون بالغنائم إلى سعد بن أبي وقاص، فخبروه بما كان من أمر زريب. # قال: فكتب سعد بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وخبره أنه مقيم بأرض حلوان. قال: فكتب عمر: لله در أبيك يا بن أبي وقاص! انظر إذا ورد عليك كتابي هذا فسر أنت بنفسك حتى تأتي ذلك الجبل فتفحص لي عن أمر هذا الرجل وتكتب لي خبره - والسلام. # قال: فلما ورد كتاب عمر إلى سعد ركب إلى ذلك الموضع الذي نظروا فيه زريب بن برثملا، فأذن سعد وأمر الناس بالاذان من كل جانب فلم يجبهم أحد، ثم أمر بالخيل فطافت في جبال حلوان أياما كثيرة يهتفون بزريب بن برثملا ويطلبونه، فلم يقفوا له على خبر، فرجع سعد إلى حلوان وكتب إلى عمر بن الخطاب بذلك، ثم دعا بجرير بن عبد الله البجلي فضم إليه ألف رجل من بجيلة وغيرهم و... (2) اليمن وسائر العرب وأمره أن يقيم بحلوان فيكون ردسا للعرب ومصلحة للمسلمين إلى أن يأتيه أمره وأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # قال: ثم جمع سعد غنائم حلوان وغنائم جلولاء وخانقين وغنائم المدائن والقادسية وأخرج من ذلك الخمس ليوجه به إلى عمر بن الخطاب وقسم باقي الغنائم في المسلمين. # قال: فتقدم إلى سعد رجل من خثعم يقال له بشر بن ربيعة وكان من الفرسان المعدودين، فطلب من سعد زيادة فلم يزده شيئا فغضب الخثعمي لذلك، ويقال إنه هجا سعد بن أبي وقاص فأنشأ يقول - شعر: # ينوب عن القوم الكرام بجمعهم * وفضل سعد بالعطية خالدا فان تكرم العذرى بالقسم واصلا * فاجدر برأي السوء للجور زائدا أتنهب جهلا لا أبا لك حقنا * لقد ضقت ذرعا عن مدى الحق حائدا # PageV01P219 # متى كان ميراث ابن خثعم قل لنا * لخالد يا للناس ms0188 لا كنت جاهدا لعمري لئن كانت قريش تعطفت * عليك أبا وهب فألفيت رافدا لقد غمرت آباؤك اللوم دهرها * وألفيت في فهر تحل الوصائدا قال: فعلم سعد أنه هجاه فدعا به فحمله على حجرة له كريمة ووصله بألف درهم وضم إليه الغنائم ووجه به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # قال: فوردت الغنائم وخرج المسلمون فنظروا إليها وعجبوا من كثرتها، فقال رجل من المسلمين: يا أمير المؤمنين! أتدخل هذه الغنائم إلى بيت المال؟ فقال: # لا، لعمري لا يظلها سقف بيت حتى تقسم في حقها، ثم أمر بالغنائم فأدخلت إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمر قوما أن يحرسوها ليلتهم تلك. # فلما أصبح عمر رضي الله عنه نادى في المهاجرين والأنصار فجمعهم ثم جعل يعطى الناس على أقدارهم ويفضل من شاء أن يفضل ويعطى كل ذي حق حقه. # قال: فتقدم إليه بشر بن ربيعة الخثعمي الذي جاء بالغنائم فقال: يا أمير المؤمنين! # أعطني من هذه الغنائم كما تعطي غيري، قال عمر: أو لم يعطك سعد حقك هناك؟ فقال: بلى، فقد أعطاني، غير أني أنا الذي حفظت هذه الغنائم حتى قدمت بها عليك، وأريد منك الزيادة، فقال عمر: بل الله حفظها لا أنت، قال: # ثم أمر له بشئ يسير، فغضب لذلك ولم يرض بما أعطاه عمر رضي الله عنه، قال: # فقال له عمر: إنك لشاعر جزل، وأنت لا شك فارس بطل، وأراك واجدا على أميرك سعد بن أبي وقاص، فلماذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين! لأنه فضل علي من لا يدانيني وهو لا ينظر لي، فقال عمر: فما يؤمنني أنك تهجوني بما ليس في. قال: # ثم أمر له عمر رضي الله عنه بصلة سنية فأرضاه ثم قال: اللهم خلص عمر مما قلدته سليما غير موزور. # قال: ثم كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص يأمره أن يولي سلمان الفارسي المدائن وما والاها ويرجع هو إلى الكوفة ويأمر الناس بالبنيان والعمارة. # قال: فلما ورد كتاب عمر ms0189 بن الخطاب على سعد دعا سلمان فولاه المدائن وضم إليه نفرا من المسلمين، ثم إنه رجع إلى أرض الكوفة (1) وأمر الناس بالبنيان، # PageV01P220 # فبنى الناس بها الدور واختطوا الحيطان لقبائل العرب، قال: فسكنت العرب الكوفة من ذلك اليوم والدهر، وأرسل عمر إلى سعد بن أبي وقاص فأمره بعمارة مسجدها. ### | ذكر ما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مسجد الكوفة. # قال القاسم بن الوليد سمعت أبي يقول (1): كنت ذات يوم في مسجد الكوفة قاعدا إذ رأيت رجلا جاء إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! إني رجل خلو لا أهل لي ولا ولد، وقد قضيت ما وجب علي من الحج وقد تزودت زادا وابتعت راحلة أأرتحل إلى بيت المقدس فأكون فيه إلى أن يأتيني الموت أم ألزم هذا المسجد؟ فقال له علي عليه السلام: كل زادك وبع راحلتك وعليك بهذا المسجد فألزمه فإنه أحد المساجد الأربعة، ركعتان فيه تعدلان عشرا فيما سواه من المساجد، والبركة بها على عشرة أميال (2) من حيث ما أتيته وقد نزل أسد ألف ذراع، [و] في زاويته [فار التنور، و] (3) عند السارية (4) الخامسة صلى إبراهيم الخليل عليه السلام، وفيه مصلى إدريس ونوح عليهما السلام، وفيه عصا موسى بن عمران عليه السلام، وقد صلى فيه ألف نبي وألف وصي، وفيه هلك يغوث ويعوق وهو الفاروق، ومنه سير جبل الأهواز، ويحشر منه يوم القيامة كذا وكذا ألف (5) من الناس ليس عليهم حساب ولا عقاب، ووسطه على روضة من رياض الجنة، وفيه ثلاث أعين... (6) تظهر للمسلمين آخر الزمان: عين [من] ماء وعين من لبن وعين من دهن، جانبه الأيمن ذكر وجانبه الأيسر أنثى، ولو يعلم الناس ما فيه من الفضل لاتوه ولو حبوا. ثم قال: أيها الناس! لا تسبوا الكوفة فإن بها مصابيح الهدى وعمار الذكرى، فيهم يدق الله عز وجل جناح كل فاجر وكافر في آخر الزمان. # PageV01P221 # قال: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: الكوفة قبة الاسلام وكنز ms0190 الايمان وجماجم العرب ورمح الله الأطول وبهم يدق الله عز وجل أجنحة المنافقين. # قال: فلما استقر سعد بن أبي وقاص بالكوفة وجه بخيله إلى ناحية الأنبار وما يليها وهيت (1) وما والاها إلى أرض غابات إلى ما سقى الفرات فافتتح ذلك إلا قليلا. # قال: ثم كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح بالشام يأمره بالمسير إلى أهل بيت المقدس (2) ويأمره بمحاربتهم ومحاربة من يليهم من الكفار. ### | ذكر فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # قال: فلما ورد كتاب عمر على أبي عبيدة رضي الله عنهما دعا بسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فولاه دمشق، ثم خرج بمن معه من المسلمين حتى صار إلى بلاد الأردن فنزل هنالك (3) ثم كتب إلى أهل بيت المقدس كتابا فيه (4): (بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي عبيدة الجراح إلى بطارقة أهل إيلياء وسكانها، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله العلي الاعلى، أما بعد! فإني آمركم أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله عليه السلام، وأن ما جاء به من عند الله عز وجل حق، والجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، فإذا شهدتم بذلك فقد حرمت علينا دماؤكم وأموالكم إلا بحقها، وأنتم إخواننا في ديننا وشركاؤنا في حظنا، (5) وإن أبيتم ذلك سرت إليكم بقوم هم أحب للموت... (6) لشرب الخمور وأكل لحم الخنزير، ثم لا أرجع عنكم أبدا إن شاء الله تعالى حتى أقتل مقاتلتكم وأسبى ذريتكم وأقسم أموالكم، فاختاروا # PageV01P222 # واحدة من اثنتين، اعلموا أني في أثر كتابي هذا إليكم إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). # قال: ثم وجه أبو عبيدة كتابه هذا إلى أهل إيلياء، فلما قرأوه أبوا ما عرض عليهم من الايمان ولم يجيبوه إلى شئ، فسار أبو عبيدة إليهم حتى نزل بساحتهم. # قال: وخرج أهل إيلياء إلى حرب المسلمين فاقتتلوا، ووقعت الهزيمة على ms0191 أهل إيلياء، فقتلهم المسلمون قتلا ذريعا حتى أدخلوهم مدينتهم. # قال: ودام الحرب بينهم أياما كثيرة (1)، فلما لم يجدوا حيلة ولم يكن لهم بالمسلمين طاقة بعثوا إلى أبي عبيدة: إنا قد أحببنا مصالحتكم ولسنا نثق بكم ولكن اكتبوا إلى صاحبكم عمر بن الخطاب حتى يقدم فيكون هو الذي يعطينا الأمان ويكتب لنا العهد فإنا به واثقون وإليه نميل. # قال: فقال أبو عبيدة لأصحابه: ما ترون فيما يقول هؤلاء القوم؟ فقال معاذ بن جبل: أرى أن تكتب إلى أمير المؤمنين وتسأله القدوم إليك فلعله إذا قدم أن يصلح الله عز وجل به باقي بلد الشام إن شاء الله تعالى. ### | ذكر كتاب أبي عبيدة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بأمر أهل بيت المقدس # فكتب إليه (3): (بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من عامر بن الجراح، سلام عليك، أما بعد! فإني أخبرك يا أمير المؤمنين أني صرت إلى أهل إيلياء في جماعة من المسلمين حتى نزلت هم وحللت بساحتهم، ثم واقعناهم وقائع كثيرة كانت عليهم لا لهم، وطاولناهم فلم يجدوا في # PageV01P223 # مطاولتهم إيانا فرجا، ولم يزدهم الله تعالى بذلك إلا ضعفا ونقصا وذلا وهولا، فلما طال بهم ذلك واشتد عليهم الحصار سألوا الصلح وطلبوا الأمان على أن يقدم عليهم أمير المؤمنين فيكون هو الموثوق به عندهم والكاتب لهم كتابا بأمانهم، ثم إنا خشينا أن يقدم أمير المؤمنين فيغدروا بعد ذلك ويرجعوا (2)، فأخذنا عليهم العهود والمواثيق والايمان المغلظة أنهم لا يغدرون ولا ينكثون، وأنهم يؤدون الجزية ويدخلون فيما دخل فيه أهل الذمة، فأقروا لنا بذلك، فإن رأيت يا أمير المؤمنين أن تقدم علينا فافعل، فإن في قدومك من الاجر والثواب ما لا يخفى عليك، آتاك الله رشدك ويسر أمرك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته). ### | ذكر المشورة التي أشاروا على عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة. # قال: فلما ورد كتاب أبي عبيدة على عمر رضي الله عنهما (3) وقرأه أرسل إلى وجوه المهاجرين والأنصار المقيمين معه بالمدينة واستشارهم في ms0192 الخروج إلى الشام. # قال: فقال له عثمان: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قد أذل الروم وأدال عليهم، وأبو عبيدة قد حصرهم وضيق عليهم فهم يزدادون في كل يوم نقصا وذلا وضعفا ووهنا، فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم علموا أنك مستخف بأمرهم، مستصغر لشأنهم، حاقر لجنودهم، فلا يلبثون إلا يسيرا حتى ينزلوا على الحكم أو يؤدون الجزية (4). # فقال عمر: هل عند أحد منكم غير هذا الرأي؟ فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: نعم عندي من الرأي، أن القوم قد سألوك المنزلة التي لهم فيها الذل والصغار، ونزولهم على حكمك عز لك وفتح للمسلمين، ولك في ذلك الاجر العظيم في كل ظمأ ومخمصة، وفي قطع كل واد وبقعة حتى تقدم على أصحابك # PageV01P224 # وجندك، فإذا قدمت عليهم كان الامر (1) والعافية والصلح والفتح إن شاء الله، وأخرى فإني لست آمن الروم إن هم أيسوا من قولك الصلح وقدومك عليهم أن يتمسكوا بحصنهم ويلتئم إليهم إخوانهم من أهل دينهم فتشتد شوكتهم ويدخل على المسلمين من ذلك البلاء ويطول أمرهم وحربهم ويصيبهم الجهد والجوع، ولعل المسلمين أن يقتربوا من الحصن فيرشقونهم بالنشاب أو يقذفونهم بالحجارة، فإن أصيب بعض المسلمين تمنيت أن تكون قد افتديت قتل رجل مسلم من المسلمين (2) بكل مشرك إلى منقطع التراب، فهذا ما عندي والسلام. # فقال عمر رضي الله عنه: أما أنت يا أبا عمرو! فقد أحسنت النظر في مكيدة العدو، وأما أنت يا أبا الحسن! فقد أحسنت النظر لأهل الاسلام، وأنا سائر إلى الشام إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: ثم دعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فأمره أن يعسكر بالناس. قال: فعسكر العباس خارج المدينة، واجتمع المسلمون من وجوه المهاجرين والأنصار وسادات العرب. # فلما تكامل العسكر وعزم عمر على المسير إلى الشام قام في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إني خارج إلى الشام للامر الذي قد علمتم، ولولا أني أخاف على المسلمين لما ms0193 خرجت، وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالمدينة، فانظروا إلى حزبكم أمر عليكم به، واحتكموا إليه في أموركم واسمعوا له وأطيعوا، أفهمتم ما أمرتكم به؟ فقالوا: نعم، سمعا وطاعة. فقال عمر (3): الحمد لله الذي أعزنا بالاسلام، وأكرمنا بالايمان، وخصنا بالقرآن، ورحمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فهدانا به من الضلالة، وبصرنا به من الجهالة، ورفعنا به من الخمولة، وجمعنا به بعد الشتات والفرقة، وألف بين قلوبنا، ونصرنا على أعدائنا، ومكن لنا في البلاد، وجعلنا به إخوانا متحابين، فاحمدوا الله عباد الله! # على هذه النعمة، وسلوه المزيد فيها والشكر عليها، فإن الله يزيد المستزيدين # PageV01P225 # الراغبين، ويتم نعمته على الشاكرين، ألا! وإني راحل غدا إن شاء الله ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. # قال: ثم نزل عن المنبر وأمر الناس بالجهاز، وخرج على بعير له، وعلى البعير غرارتان: في إحداهما سويق شعير وفي الأخرى تمر، وبين يديه قربة الماء، ومن خلفه جفنة يصب فيها أحيانا من ذلك السويق ويبله بالماء، وهو مع ذلك صائم، فإذا كان الليل ونزل الناس نزل عمر رضي الله عنه في آخر العسكر كواحد من الناس ليس له زاد أكثر من سويق الشعير والتمر. # فلم يزل كذلك حتى إذا دنا من أرض الشام بلغ ذلك أبا عبيدة والمسلمين، فاستقبلوه، فإذا هو على بعير له وعليه جبة من صوف وعباءة قطوانية قد تقلد بسيفه وتنكب قوسا له عربية، فلما نظر إليه أبو عبيدة نزل عن فرسه إجلالا له، قال: ونظر عمر إليه أنه قد نزل عن فرسه فأناخ بعيره ونزل عنه، ومشى كل واحد منهما إلى صاحبه، فلما دنا منه أبو عبيدة أهوى عمر بيده إليه ليصافحه، فأخذ أبو عبيدة يد عمر ليقبلها تعظيما له في العامة، فلما أهوى أبو عبيدة ليقبل يد عمر أهوى عمر ليقبل رجل أبي عبيدة، فتنحى أبو عبيدة سريعا وقال: مه يا أمير المؤمنين! فتعانقا جميعا ثم افترقا وركبا، فتسايرا وسار الناس معهما حتى صار عمر إلى دمشق ms0194 فنزل على باب الجابية. # قال: وأقبل إليه الناس قبيلة بعد أخرى، فجعلوا يسلمون عليه، وفيمن أقبل إليه يومئذ بلال وأبو هريرة وأبو الدرداء أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله)، فأقبل عليه أبو عبيدة فقال: يا أمير المؤمنين! لو ألقيت عنك هذا الصوف ولبست البياض من الثياب لكان أهيب لك في قلوب هؤلاء الكفار، فقال عمر: لا أحب أن أعود نفسي ما لم تعتده، فعليكم يا معشر المسلمين بالقصد! وإياكم وهذه الخيل الهماليج! فإنه ما ركبها أحد قط إلا أعجبته نفسه، وعليكم بهذه الإبل التي أعزكم الله بها ونصركم ببدر وأنتم تقاتلون عليها. قال: ثم أقبل عمر على أبي عبيدة رضي الله عنهما فقال: ما فعل يزيد بن أبي سفيان! ما فعل معاذ بن جبل! أين جماعة المسلمين؟ فقال: يا أمير المؤمنين! العسكر كله نازل على إيلياء ونحن محاصرون أهلها، فقال عمر: ارحلوا إليهم على بركة الله. # قال: فرحل الناس معه إلى إيلياء ومعهم عمر حتى إذا قارب منها استقبله أجل PageV01P226 # الناس وفرسان المسلمين (1) عليهم الديباج مما قد أصابوا من غنائم الروم (2)، فلما نظر إليهم عمر رضي الله عنه على تلك الحالة أمر بهم فنزلوا عن دوابهم، ثم أمر بالتراب فحثي عليهم، وأمر بما عليهم من الديباج فمزق، ثم قال: أتلبسون الديباج وهو عليكم حرام؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين! إنا في جهاد وهذا من آلة الحرب، قال: فلابد لكم من الصلاة والصلاة فيه حرام، إلا أن تلبسوه في وقت الحرب فإذا أردتم الصلاة فانزعوه، فان نبيكم محمدا (صلى الله عليه وسلم وآله) قد نهى عن ذلك، قال: إن الذهب والحرير حرام على ذكور أمتي، حلال لإناثهم. # قال: وأقبل إليه يزيد بن أبي سفيان فقال (3): يا أمير المؤمنين! إنا في بلد الخصب والدعة، والسعر عندنا بحمد الله رخيص، والخير عندنا كثير من الأموال والدواب والعيش الرفيع، وحال المسلمين كما تحب، فالبس ثيابا بياضا واكسها الناس واركب الخيل (4) واحمل الناس عليها، فإنه أعظم لك في عيون الكفار، وألق عنك هذا الصوف، ms0195 فإنه إذا رآك العدو على هذه الحال ازدراك، فقال عمر: يا يزيد (5)! ما أريد أن أتزيا للناس بما يشيننى عند الله عز وجل، ولا أريد أن يعظم أمرى عند الناس ويصغر عند الله عز وجل، فلا ترادني بعدها في شئ من هذا الكلام. # قال: ثم أقبل حتى نزل على باب مدينة بيت المقدس وأرسل إليهم يأمرهم أن ينزلوا على حكمه وأن يوجهوا إليه من يثقون به حتى يكتب لهم الأمان، قال: فأقبل إليه رجل من المستعربة يكنى أبا الجعيد (6) فصالحه عن القوم على أداء الجزية والاقرار في البلد، فأجابه عمر رضي الله عنه إلى ذلك وكتب لهم كتابا (7) يتوارثونه # PageV01P227 # إلى يومنا هذا - والله أعلم. ### | ذكر إسلام كعب الأحبار (١). # قال: ثم دخل عمر رضي الله عنه إلى بيت المقدس، ونزل في كنيستها العظمى. قال: وأقبل إليه كعب الأحبار يريد الاسلام فعرض عليه عمر الاسلام وقرأ عليه ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا﴾ (2)، فلما سمع كعب ذلك أسلم من ساعته. ثم قال: يا أمير المؤمنين! # مكتوب في التوراة (إن هذه البلاد التي كانت بنو إسرائيل أهلها يفتحها الله عز وجل على يد رجل من الصالحين، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، سره مثل علانيته [وعلانيته مثل سره]، قوله لا يخالف فعله (3)، القريب والبعيد عنده في الحق سواء، أتباعه قوم من أهل التوحيد رهبان الليل فرسان (4) النهار، متراحمون متواصلون متباذلون، يغسلون فروجهم ويتزرون على أوساطهم، أناجيلهم في صدورهم وصدقاتهم في بطونهم، ألسنتهم رطبة بالتكبير والتقديس والتهليل، وهم الحامدون الذين يحمدون الله عز وجل على كل حال، وفي سهول الأرض والجبال، أول أمة تدخل الجنة يوم القيامة). قال فقال عمر: ويحك يا كعب! أحق ما تقول؟ # فقال كعب: إي والذي يسمع ما أقول. قال: فخر عمر رضي الله عنه ساجدا ثم رفع رأسه فقال: الحمد لله الذي أعزنا وأكرمنا ورحمنا وشرفنا بنبينا ms0196 محمد صلى الله عليه وآله، ثم أقبل عمر على الناس فقال: يا أهل الاسلام! أبشروا فإن الله عز وجل قد صدقكم الوعد ونصركم على الأعداء وأورثكم البلاد، فلا يكونن جزاؤه إلا الشكر، وإياكم والمعاصي والعمل بها، فإن العمل بالمعاصي يدل على كفر النعمة، وليس من قوم كفروا النعمة ثم لم ينزعوا إلى التوبة إلا سلبهم الله عزهم وسلط عليهم عدوهم. # قال: فأقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمدينة بيت المقدس أياما، وأقبل # PageV01P228 # إليه عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين! إن أهل هذا البلد يأتوننا بعصير لهم قد عصروه من العنب، ثم يأتوننا به مطبوخا حلوا قبل أن يغلى كأنه الرب من شدة حلاوته، قال عمر: قل لهم: فليأتونا بشئ منه حتى ننظر إليه. قال: فأتي بشئ منه في إناء من قوارير حتى وضع بين يديه، قال: فشمه عمر رضي الله عنه ثم قال لأهل البلد: كيف تصنعون بهذا؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين! نعصره في كرومنا ثم نصبه في القدور من ساعته فنطبخه أبدا حتى يذهب منه الثلثان ويبقى الثلث، فقال عمر: إن كان هذا على ما وصفتم فقد ذهب حرامه وبقي حلاله، قال: ثم أدخل عمر إصبعه فيه وذاقه ثم قال: هذا الذي لا شك في حله فاشربوا على بركة الله وكلوا منه ما دام حلوا، فإذا علمتم أنه قد غلى فلا تشربوه. # قال: ثم رفع عمر رضي الله عنه رأسه فجعل ينظر إلى القسيسين والرهبان واجتهادهم فيما هم فيه من العبادة وعليهم المسوح والبرانس، فقال (1): الحمد لله الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء، قال: فسمعه بعض القسيسين قال: إن الله لا يضل أحدا، قال: فلم يفهم عمر ما تكلم به، فأعاد الكلام فقال: الحمد لله الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فقال القس: إن الله لا يضل أحدا، قال: فسمعه عمر فقال: يا عدو الله! أما والله لولا العهد والميثاق الذي كتبته لكم إذا لضربت عنقك! أتزعم أن الله لا يضل أحدا؟ بلى! قد أضلك ms0197 وختم على قلبك وجعل على بصرك غشاوة ثم إنه يدخلك النار غير ظالم لك، قال: فسكت القس ولم ينطق بشئ خوفا من عمر. # قال: ثم نادى عمر رضي الله عنه في أصحابه بالرحيل على أن يرجع إلى المدينة، ثم خرج وخرج معه أبو عبيدة وجماعة من المسلمين يشيعونه، حتى إذا خرج من حدود الشام فأمرهم بالرجوع، فرجعوا عنه. # وسار عمر رضي الله عنه يريد المدينة، فبينا هو كذلك إذ مر بماء من مياه العرب من بني جذام (2) يقال له ذات المنار (3) فنزل عمر هنالك، فأقبل إليه أهل ذلك # PageV01P229 # الماء فسلموا عليه ورحبوا به وعرضوا عليه فقال عمر رضي الله عنه: ما لي إليكم من حاجة، ولكن إن كانت لكم قبلي حاجة فقولوا! فقال رجل منهم: يا أمير المؤمنين! # عندنا ههنا رجل له امرأتان وهما أختان أفيحل ذلك؟ فاشمأز (١) عمر من قوله ثم قال: ويحك وكيف يحل ذلك وقد قال الله عز وجل ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ (2) ثم قال عمر رضي الله عنه: علي بهذا الرجل، فأتي به فقال له عمر رضي الله عنه: ما هاتان المرأتان اللتان عندك؟ فقال الرجل هما امرأتاي، فقال عمر: فهل بينهما قرابة؟ قال: نعم، هما أختان، فقال عمر رضي الله عنه: فما دينك ألست مسلما؟ قال: بلى! قال عمر: أفعلمت أن هذا عليك حرام؟ فقال الرجل: لا والله ما علمت، وما هما على حرام، فقال له عمر رضي الله عنه: # كذبت والله يا عدو نفسه وإنه لحرام عليك! ولتخلين إحداهما أو لأضربن عنقك من قبل أن أكلمك كلمة ولكنه إنما حقنت دمك بقولك إنك لا تعلم أنه حرام، قال: # فقال له الرجل: أجاد أنت في قولك يا عمر؟ فقال عمر: والله الذي لا إله إلا هو إني لجاد فيما تسمعه! ولتخلين إحداهما أو لأضربن عنقك، فقال الرجل: نزح (3) الله هذا من دين، فوالله ما أصبت منه خيرا منذ دخلت فيه، قال: فقال عمر: قربوه مني، فأدنوه منه، فخفق عمر رأسه بالدرة ms0198 خفقات ثم قال: يا عدو الله! أتشتم دين الله الذي ارتضاه لنفسه وملائكته وأنبيائه ورسله وخيرته من خلقه، خل سبيل إحداهما وإلا قتلتك، قال الرجل: فأيتهما أخلي؟ قال: اقرع بينهما سهمين لكل منهما سهم ثم اضرب، فإذا خرج سهم إحداهما فامسكها عندك وخل سبيل الأخرى. # قال: ففعل الجذامي ما أمر به عمر، فلما خلى سبيل إحداهما دعا به عمر رضي الله عنه فقال: اسمع مني ما أخبرك به، إذا أسلم الرجل ودخل في ديننا هذا ثم رجع عنه قتلناه، فإياك أن يحملك الغضب لما أمرتك أن تفارق الاسلام فتقتل (4)، وإياك أن يبلغني عنك أنك دخلت إلى هذه المرأة التي فارقتها أو دنوت # PageV01P230 # منها بعد إذ فرقت بينكما فإنه إن بلغني عنك ذلك رجمتك، فقال الجذامي: قد قبلت وصيتك يا أمير المؤمنين. # قال: ثم سار عمر من هنالك حتى صار إلى وادى القرى، (1) فلما نزل هنالك أقبل إليه أهل البلد فقالوا: يا أمير المؤمنين! عندنا ههنا امرأة قد كنا نعرف لها زوجا واحدا وكان شيخا كبيرا واليوم لها زوج آخر، وهما جميعا يغدوان إليها ويروحان، قال: فتبين الغضب في وجه عمر رضي الله عنه ثم قال: علي بهما وبالمرأة، فأتي بهم فلما وقف الرجلان بين يدي عمر سأل عن دينهما فقالا: # مسلمان، قال: فالمرأة؟ قالا: مسلمة، قال: فما الذي بلغني عنكما وعن هذه المرأة أنكما جميعا تغدوان إليها وتروحان؟ أما علمتما أن هذا عليكما حرام؟ فقالا: # لا والله ما علمنا أن هذا حرام علينا، فقال عمر للمرأة: أيهما زوجك الأول؟ # فقالت: هذا الشيخ، فقال له عمر: ويحك يا شيخ! ما حملك على ما صنعت وما هذا الامر القبيح لم أسمع ببر ولا فاجر فعل مثله؟ فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! أنا شيخ كبير كما ترى وقد ضعفت ورق جلدي ودق عظمي، وكانت لي إبل كثير فضعفت عن رعيها وسقيها ولم يكن لي ولد ولا أحد أتكل عليه وأثق به في أمرها، فجاءني هذا الشاب يسألني أن أجعل له معي في هذه ms0199 المرأة نصيبا يكون له يوما وليلة ويكفيني رعي إبلي وسقيها، فقلت في نفسي: هذا رجل له على الرعي والسقي قوة وجلد وأنا ضعيف لا أقدر على ذلك، فكان يكفيني رعي إبلي وله من المرأة ما خبرتك، فإذ قد خبرتني أنه حرام فإني لا أعود إلى ذلك ولا أفعله أبدا، فقال له عمر: أيها الشيخ! خذ امرأتك فإنها لك وليس لاحد معك فيها نصيب ولا له عليها سبيل، قال: ثم أقبل عمر رضي الله عنه إلى الشاب فقال: أما أنت فقد حلفت أنك لم تعلم أن هذا عليك حرام ولكن انظر ما آمرك به، إياك أن يبلغني عنك أنك نازلت هذا الشيخ على ماء من المياه! فوالله لئن بلغني أنك نازلته على ماء أو دنوت من هذه المرأة بعد هذا اليوم لأضربن عنقك، قال فقال الفتى: لست أنزل معهم ولا أقربهم يا أمير المؤمنين. # قال: ورحل عمر بن الخطاب رضي الله عنه من وادي القرى حتى صار إلى المدينة وتلقاه المسلمون يهنئونه بقدومه وسلامته وما أفاء الله عز وجل عليه من أمر فلسطين وما والاها. # PageV01P231 ### | ذكر خبر جبلة بن الأيهم الغساني وما كان من إسلامه ورجوعه عن دين الاسلام. # قال: بعد قدوم عمر بن الخطاب من أرض الشام قدم عليه جبلة بن الأيهم الغساني في سبعين ومائة (1) رجل من قومه المتنصرة يريد الاسلام، حتى إذا قرب من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بني عمه من آل جفنة فركبوا الخيل العتاق وقلدوها قلائد الفضة وعقدوا في نواصيها عقود الجوهر وفي أذنابها ذوائب الحرير، وجبلة يومئذ على فرس له قد زين بمثل تلك الزينة، وعلى رأسه تاج، وفي تاجه يومئذ قرط مارية، ومارية جدته أم أبيه. # قال: وبلغ أهل المدينة قدوم جبلة بن الأيهم عليهم فاستبشرت الأنصار لذلك وتهيؤا لاستقباله واستأذنوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك فأذن لهم، قال: # ولم يبق بالمدينة بكر ولا ثيب (2) إلا خرجت للنظر إلى جبلة. قال: وأشرفت جبلة على المدينة في موكب ms0200 لم ير مثله، ثم إنه دخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وشهد بشهادة الحق، فقربه عمر وأدنى مجلسه ورفع منزلته وفرح باسلامه، وأمر الأنصار ببره وكرامته ففعلوا ذلك. # قال: وأقام جبلة بالمدينة إلى أن حضر وقت الحج، فخرج الحاج وخرج معه عمر ليقيم لهم أمر الحج، قال: وخرج جبلة أيضا فيمن خرج إلى الحج، ثم أمر بقبة له ديباجة صفراء فضربت له خارج الحرم، وكان زيه مشهورا بمكة لا ينظر إليه أحد إلا بعين الجلالة. # قال: فبينا جبلة ذات يوم يطوف بالبيت كما يطوف غيره إذ وطئ رجل من فزارة على إزاره فانحل الإزار، والتفت إليه جبلة فضربه يكفه ضربة على وجهه هشم أنفه، فأقبل الفزاري إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودمه يسيل من أنفه، فخبره بقصته. # قال: وبعث عمر إلى جبلة فأحضره ثم قال له: ويحك! ما حملك على ما # PageV01P232 # فعلت بهذا الرجل؟ قال: يا أمير المؤمنين! إنه اعتمد حل إزاري ليبدى سوأتى، ولو لا حرمة (1) هذا البيت لضربته بسيفي، فقال له عمر: أما أنت فقد أقررت بما فعلت ولكن أرض الرجل في حقه وإلا أقدته منك، قال جبلة: أو تفعل هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم والله أفعله، قال جبلة: إنه رجل من السوقة وأنا ملك ابن ملك، والله لقد ظننت أن أكون في الاسلام أعز مني في الجاهلية، قال فقال له عمر: إن الاسلام وعدله بخلاف الجاهلية فأرضه من نفسك، قال جبلة: فإن لم أرضه؟ قال عمر: فإن لم ترضه أمرته أن يهشم أنفك كما هشمت أنفه قصاصا كما فعلت. فإن الاسلام جمعك وإياه، فما تفضله بشئ إلا بالتقوى. قال: فلما رأى جبلة أن عمر لا يأبى إلا القصاص لم يجدا بدا من الاستخذاء في وقته ذلك فقال (2): # نعم يا أمير المؤمنين! غير أني ناظر في أمري ليلتي هذه، فقال عمر: ذلك إليك. # قال: فانصرف جبلة يومه ذلك، فأقبلت الأنصار إلى عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين! نحن نرضي هذا الفزاري عن جبلة فإنه ms0201 رجل من سادات غسان، ونحن نقتدي هذه اللطمة، فقال عمر: والله! لا يقتص الفزاري إلا من جبلة. # قال: فانصرف الناس عن عمر رضي الله عنه، حتى إذا نامت العيون وسكنت الحركات خرج جبلة في قومه الذين قدموا معه وهم سبعون ومائة (3) إنسان ومضى متوجها نحو الشام، فأصبحت مكة منه ومن بني عمه بلاقع. # قال: ومضى جبلة في قومه الذين قدموا معه إلى بني عمه الذين هم بالشام مقيمون، فخبرهم بذلك ثم أمرهم بالرحيل معه، فرحل القوم وهم خلق كثير، فسار بهم جبلة حتى دخل بهم بلاد الروم ثم أقبل قاصدا إلى القسطنطينية، فدخل على هرقل ملك الروم فتنصر هو وجميع من كان معه من بني عمه، قال: ففرح به هرقل فرحا شديدا ورأى أنه فتح فتحا عظيما، ثم إنه أقطعه وأقطع بني عمه حيث شاؤوا من أرض الروم، ثم إنه جعل جبلة من خواصه ووزيره وصاحب أمره، فأقام جبلة عند # PageV01P233 # ملك الروم في أرفع المنازل وأجلها. # قال: ودعا عمر بن الخطاب بحذيفة بن اليمان فكتب معه كتابا إلى ملك الروم يدعوه إلى دين الاسلام ويرغبه فيه. # قال: فسار حذيفة (1) من المدينة إلى الشام، ثم صار من أرض الشام إلى أرض الروم، قال: وعلمت الروم أنه رسول فكانوا يبذرقونه من موضع إلى موضع حتى بلغ إلى القسطنطينية، ثم دخل على هرقل فدفع إليه الكتاب وأبلغه رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأبى هرقل أن يجيب إلى شئ من ذلك، ثم أقبل على حذيفة فقال له: يا عربي! هل أتيت ابن عمك هذا الذي جاءنا راغبا في ديننا زاهدا في دينكم؟ فقال حذيفة: لا ما أتيته بعد، فقال هرقل: فأته فانظر إلى ما هو عليه، فلعل قلبك يصبو إلى ما صبا إليه. # قال حذيفة: فخرجت من عند هرقل حتى أتيت باب جبلة فلم أكن رأيت بباب هرقل ما رأيت بباب جبلة من العبيد والحشم، ثم استأذنت عليه فأذن لي فدخلت عليه فإذا هو جالس على سرير من جوهر الزجاج وللسرير أربعة ms0202 أركان من الذهب وأربع قوائم من الفضة، وعلى رأسه تاج من الذهب كثير الزبرجد والياقوت، قال: # وإذا هو أصهب ذو سبال (2) وعثنون طويل، وإذا قد وخطه الشيب، وقد أمر بالذهب الأحمر فسحل (3) ورمي في لحيته، وقد استقبل عين الشمس بوجهه، فما رأيت منظرا أبهى ولا أحسن منه. # قال حذيفة: فلما رآني حياني ورحب بي وأدناني، ثم إنه عاتبني على تركي النزول عليه، ثم سألني عن أمر الناس وألح علي في المسألة عن عمر بن الخطاب خاصة، فجعلت أخبره بما أرجو عطفه ورجوعه إلى دين الاسلام، قال: فرأيته وقد تنفس الصعداء وعرفت الحزن في وجهه. ثم قال: اجلس يا حذيفة! فجلست على شئ لم أتبينه بديا، فلما تأملت فإذا هو كرسي من ذهب، قال: فانحدرت عنه، وتبسم جبلة ثم قال: إذا طهرت قلبك فلا تبال ما لبست وعلام جلست، قال فقلت: # PageV01P234 # إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره الذهب وقد نهى عنه، ولكن ويحك يا جبلة! ما الذي أخرجك عن قومك وملكك وبلادك بعد الذي كان منك من الاسلام والحج إلى بيت الله الحرام وقراءة القرآن؟ فقال: ويحك يا حذيفة! أو ما بلغك الذي كان من أمر عمر؟ أراد أن يقتص مني لرجل من السوقة! فقلت: بلى، لعمري لقد بلغني ذلك، وهذا الأشعث بن قيس الكندي وطليحة بن خويلد الأسدي قد كانا أسلما ثم رجعا عن دين الاسلام ومنعا الزكاة وحاربا وقتلا من المسلمين ثم إنهما رجعا تائبين إلى دين الاسلام، قبل ذلك منهما، فقال جبلة: ذر عنك هذا يا حذيفة! # ثم أشار إلى خادم واقف بين يديه فخرج الخادم ولم أشعر إلا وغلمان قد أقبلوا يحملون صناديق الأطعمة حتى وضعت، ثم وضعت مائدة من ذهب بين يدي سريره، فنزل عن السرير وجلس على بساط بين يدي السرير ثم دعاني، فاستعففت من ذلك وأن آكل على مائة من الذهب، فأمر لي بمائة من الخلنج (1) فوضعت بين يدي، ثم سعى إلينا بكل حار وبارد من طعام ما رأيت ولا سمعت ms0203 بمثله. قال حذيفة: فكان يوضع بين يديه صحفة من ذهب، ويوضع بين يدي قصعة من خلنج أو جام من قوارير (2) وفيه من ذلك الطعام الذي يوضع بين يديه، قال: ثم أتي بالخمر، فقلت له: إني رأيت أن تعفني من دورها على المائدة، ففعل، ثم رفعت المائدة وأتي بالوضوء فقدم إليه طشت من ذهب، فلما أخذ في غسل يده قمت فغسلت يدي ناحية من الدار على الأرض - أو قال: في بركة ماء كانت في الدار، ثم رجعت إلى موضعي فجلست فيه. # قال: فدعا بقدح إلى أطول ما هو، فشرب فيه خمسا أو ستا أعد ذلك عليه، ثم أشار بعينه إلى خادم له واقف بين يديه، قال: فخرج الخادم فما كان بأسرع أن نظرت إلى عشر جوار قد أقبلن كأنهن التماثيل يحملن كراسي العاج والابنوس مغشاة بجلود النمور وجلود الجرو السمور حتى وضعت عن يمينه ويساره، ثم نظرت وإذا بعشر جوار عليهن الوشي والديباج المذهب وهن يتبخترن في الذهب والجوهر، فأقبلن حتى جلسن على تلك الكراسي وعيدانهن في حجورهن، قال: وإذا بجارية أخرى قد أقبلت وفي يدها إناء من ذهب مملوء بالمسك والعنبر والكافور المسحوق، # PageV01P235 # وفي يدها اليسرى جام من فضة مملوء بماء الورد على رأسها طائر أبيض كأنه الثلج بياضا، حتى وقفت بين يدي جبلة، ثم صفرت للطائر فانفض من فوق رأسها حتى سقط في جام ماء الورد، فأخذ ما فيه بريش ذنبه وجناحه، ثم صفرت ثانية فطار حتى سقط في جام المسك والعنبر فأخذ ما كان فيه، ثم صفرت ثالثا فطار الطائر حتى سقط على صليب في تاج جبلة، ثم جعل يذر ما بريشه وجناحيه على تاج جبلة ورأسه ووجهه ولحيته، ثم رجع إلى موضعه وتنحت الجارية. # ثم دعا جبلة بكأس عظيم مترع بالخمر فشربه، فلما استوفاه التفت إلى الجواري اللاتي كن عن يمينه فقال لهن: هاتن فأطربنني، قال: فخطفن (1) عيدانهن فاندفعن بصوت واحد. قال: وكان جبلة كلما سمع بيتا من الشعر (2) فرح واستبشر وتهلل وجهه ثم قال: لله در ms0204 قائل هذا الشعر! ولله موضع قوم وصف. # قال: ثم دعا بكأس مترع من الخمر فشربه، فلما استوفاه التفت إلى الجواري اللاتي عن يساره، فقال: هاتن فأحزنني، قال: حركت الجواري. أوتار عيدانهن وأمسكن من ضرب عيدانهن، فبكى جبلة حتى تحدرت دموعه على لحيته وخده، وإذا بجارية قد أقبلت ومعها منديل من ديباج أو حرير فمسحت وجهه ولحيته ثم تنحت. # قال حذيفة: فأقبل علي جبلة فقال: يا حذيفة! أتعرف هذه المنازل اللاتي ذكرن هؤلاء الجواري؟ (3) قال فقلت: أعرف بعضها وأنكر بعضها، فقال: هذه والله منازلنا (4) بالغوطة من أرض دمشق! ولكن هل تعرف الشعر الأول والثاني؟ # فقلت: لا، قال: هذا شعر حسان بن ثابت الأنصاري، كان كثيرا ما يزورنا في # PageV01P236 # سالف الدهر، قال حذيفة: فقلت: ما أكثر ذكره لك؟ فقال: ويحك أيعيش حسان؟ فقلت: نعم وقد كف بصره فليس يهتدي برا ولا بحرا، قال: فدعا بخمسمائة دينار وخمس ديباجات وخمسة أثواب حرير ومثلها بزيون (1) فقال: أحب أن توصل هذه إلى حسان، قال: وأراد أن يأمر لي بمثل ذلك فأبيت عليه، فلما أردت الرحيل أقبلت حتى دخلت عليه فقلت: يا جبلة! هل توصيني بشئ أبلغه عنك أمير المؤمنين؟ فقال جبلة: وما عسى أن تكون وصيتي وحاجتي إلى عمر وقد أراد أن يقتص مني بلطمة لرجل من السوقة! قال فقلت: إن عمر أراد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، وإنما أراد أخذ الحق، فقال: صدقت يا حذيفة ولكن اللجاج والشقاء غلب علي فأحلني هذا المحل، ولوددت أني مت قبل ذلك، ولوددت أني في ديار قومي في أسوء حالة تكون. # قال: فحفظت عنه أبياتا (2)، ثم رحلت إلى بلاد الشام، ثم صرت إلى المدينة فحدثت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بما كان من مرد هرقل ملك الروم علي، ثم حدثته بما كان من أمر جبلة بن الأيهم وأنشدته ما سمعته من شعره، قال: # ويحك يا حذيفة! ورأيته يشرب الخمر بعد الاسلام والحج والقرآن؟ فقلت: نعم، يا أمير المؤمنين! قال: ورأيت الصليب على رأسه؟ فقلت: نعم، ms0205 فقال عمر: # أبعده الله! فقد تعجل فانية بباقية فما ربحت تجارته فضل فما اهتدى. # قال فقلت: يا أمير المؤمنين! إنه قد بعث معي إلى حسان بن ثابت بكذا وكذا، ثم جئته به حتى وضعته بين يديه، فقال عمر لرجل من المجلس: انطلق فادع لنا حسانا ولا تعلمه بشئ من هذا، قال: فمضى الرجل فما كان بأسرع أن أقبل حسانا وقائده يقوده، فلما دخل قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! إني لاجد ريح آل جفنة بين يديك، قال: فتبسم عمر وأهل المجلس ثم قال: نعم يا أبا الوليد! لقد آتاك الله عز وجل منه بمعونة وبر حسن على رغمه أنفه، # PageV01P237 # فأحمد الله تعالى على ذلك وأشكره إذ نزع لك هذا منه، قال: فقبض حسان ذلك. ### | ذكر الطاعون الذي وقع بالشام ومن مات هنالك من المسلمين. # قال: ثم وقع الطاعون بالشام بأرض يقال لها عمواس (1) من بلاد فلسطين، قال: وعمواس قرية من قرى مدينة الرملة، قال: فمات من ذلك بشر كثير من المسلمين ممن كان مع أبي عبيدة بن الجراح من أمراء الأجناد وغيرهم، قال: ونزل بأبي عبيدة ما نزل بغيره، فلما حضرته الوفاة بعث إلى وجوه المسلمين فدعاهم، فلما دخلوا عليه وجلسوا إليه أقبل عليهم بوجهه فقال: أيها الناس! إني موصيكم بوصية فاقبلوها فإنكم لن تزالوا بخير ما بقيتم متمسكين بها وبعد موتكم، أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا وتصدقوا وحجوا وتواضعوا وتباذلوا وتواصوا وانصحوا (2) أمراءكم ولا تغرنكم الدنيا (3)، فإن أحدكم لو عمر ألف سنة ما كان له بد من أن يصير إلى مثل مصيري (4) هذا الذي ترون، لان الله عز وجل قد كتب الموت على بني آدم فهم متوفون، وأكيسهم أطوعهم لربه وأعملهم ليوم معاده. # قال: ثم التفت أبو عبيدة إلى معاذ بن جبل فقال: أبا عبد الرحمن! صل بالنار رحمك الله! فقد استخلفتك عليهم من بعدي. قال: ثم توفى أبو عبيدة رحمة الله عليه بالأردن من أرض الشام، وبها قبره. # قال: وقام معاذ بن جبل بعد أبي ms0206 عبيدة بأمور المسلمين، فخطب الناس بعد وفاة أبي عبيدة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! توبوا إلى الله توبة نصوحا، فليس من عبد يلقى الله وهو غير تائب من ذنبه إلا كان حقيقا على الله أن لا يغفر له إلا أن تتداركه الرحمة، وانظروا! من كان عليه منكم دين فليقضه، فإن العبد # PageV01P238 # مرتهن بدينه، ومن أصبح منكم مهاجرا (1) لأخيه المسلم فليلقه وليصافحه فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يهجر أخاه أكثر من ثلاثة أيام (2)، أيها الناس! إنكم قد فجعتم برجل، والله ما أعلم أني رأيت عبدا من عبيد الله أعلن (3) أمرا ولا أبر صدرا ولا أبعد من الغائلة ولا أشد حبا للعافية ولا أنصح لعامة المسلمين (4) منه، فرحمة الله على أبي عبيدة! فوالله (5) لاثنين عليه ما حييت ثناء صادقا، ولا أقول فيه باطلا، ولا أخاف أن يلحقني في ذلك من الله تبارك وتعالى مقت ولا غضب، كان والله - ما علمت - من المخبتين المتواضعين الذين يرحمون اليتيم والمسكين ويبغضون الجبارين والمتكبرين. # قال: فقال عمرو بن العاص لرجل كان إلى جنبه: لعمري لقد استعمله أبو عبيدة فرضي عنه وأحسن الثناء عليه، قال: فجاء ذلك الرجل إلى معاذ فخبره بمقالة عمرو، فأرسل إليه معاذ فدعاه ثم قال: يا عمرو! أتزعم أن ثنائي على أبي عبيدة بن الجراح لأنه ولاني هذا الامر من بعده؟ إن كنت صادقا فأماتك الله بمثل هذه الموتة التي [توفي] فيها أبو عبيدة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله قد خبرنا أنها ميتة الصالحين (6)، وإن كنت كاذبا فأماتني الله بها وأبقاك إلى الفتنة فإنك تحب الإمارة جدا ولعلك أن تعطي فيها سؤلك يا عمرو! قال: فقال عمرو بن العاص: # أقسمت عليك أبا عبد الرحمن أن لا تغضب ولا تقل إلا خيرا! فوالله ما أردت بك مساءة قط! قال: فسكت معاذ فلم يرد عليه. # ثم كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابا فيه (7): بسم الله الرحمن # PageV01P239 # الرحيم (1)، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من معاذ بن جبل، ms0207 سلام عليك، أما بعد! # فإنا ننعي إليك رجلا عندنا أمينا، وكان الله عز وجل في عينه عظيما، وكان عليك وعلينا عزيزا، أبا عبيدة بن الجراح، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله عز وجل نحتسبه ونحتسب أنفسنا من بعده، وكتبت إليك يا أمير المؤمنين كتابي هذا وقد فشا هذا الموت في الناس وكثر الوباء جدا، ولن يخطئ الموت أحدا، ومن لم يمت فسوق يموت، جعل الله عز وجل ما عنده خيرا من هذه الدنيا الدنية! (2) وجزاك الله عن خاصتنا وعامتنا خير الجزاء! فنعم أخو الإسلام أنت لنا شاهدا وغائبا، وسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # قال: فلما ورد كتاب معاذ بن جبل على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وقرأه استعبر باكيا، ثم نعاه إلى جلسائه فجزعوا عليه وبكوا بكاء شديدا وترحموا على أبي عبيدة. # قال: واشتد الطاعون بالشام وفشا الموت في الناس، فقال عمرو بن العاص: # أيها الناس (3)! إن هذا الوباء قد وقع فيكم. إنما هو وخز من الجن، فمن أقام به هوى ومن انحاز عنه نجا. # قال: فبلغ قوله معاذ بن جبل فكأنه غضب لذلك ثم قال: ويح عمرو بن العاص! إنه ليقول ما ليس له به علم، أتراه قد صار؟ # ثم نادى معاذ بن جبل في المسلمين فجمعهم حتى تكاملوا عنده فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنه قد بلغني كلام عمرو بن العاص في هذا الوباء الذي يبتلي الله عز وجل به من يشاء من خلقه، والله لقد أسلمنا وصلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن عمرا يومئذ لاضل من حمار شارد عن أهله، وليس الامر في الوباء كما قال عمرو بن العاص، لكنها رحمة من ربكم ودعوة نبيه صلى الله عليه وسلم وميتة الصالحين من قبلكم (4). ثم قال: اللهم! أعط معاذا وآل معاذ من هذا # PageV01P240 # الوباء الحظ الأوفر، إنك على كل شيء قدير. ### | ذكر وفاة معاذ وولده عبد الرحمن. # قال: ثم انصرف معاذ ms0208 بن جبل إلى منزله فإذا بابنه قد نزل به الطاعون، فلما نظر إليه معاذ على تلك الحالة (1) قال: يا بني (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين)، فقال عبد الرحمن: يا أبة (ستجدني إن شاء الله من الصابرين). (1) قال: ثم مات عبد الرحمن بن معاذ رحمة الله عليه، فأمر بغسله وكفنه وحنوطه، ثم صلى عليه ودفنه. # فلما رجع إلى منزله نزل به ما نزل بابنه من الطاعون، فسقط على فراشه، فجعل المسلمون يختلفون إليه ويدعون له بالسلامة والعافية ويخافون عليه من الموت، فكان لا يدخل عليه قوم منهم إلا وعظهم وقال: أيها الناس! اعملوا وأنتم (2) تستطيعون العمل (3) من قبل أن تتمنوا العمل فلا تجدون إلى ذلك سبيلا، أيها الناس! أنفقوا مما عندكم ليوم معادكم من قبل أن تهلكوا وتذروا ذلك كله ميراثا، واعلموا أنه ليس لكم من أموالكم إلا ما أكلتم فأفنيتم، ولبستم فأبليتم، وأنفقتم وأعطيتم ما مضيتم، وما سوى ذلك فللوارثين. # قال: فقال رجل من الصحابة: يا أبا عبد الرحمن رحمك الله! عظني (3) موعظة لا أحتاج فيها إلى غيرك، فقد علمت أني لا أذهب إلى أحد مثلك، قال: # فنظر إليه معاذ وقال: يا هذا! إن صلحاء المسلمين كثير، ولن يضيع الله عز وجل أهل هذا الدين، ولكن خذ عني ما آمرك، كن من الصائمين بالنهار، القائمين بالليل، المستغفرين بالاسحار، الذاكرين الله كثيرا على كل حال، ولا تشرب الخمر، [ولا تزنين] ولا تعق والديك، ولا تأكل مال اليتيم، ولا تقذف المحصنات، ولا تفر من الزحف، ولا تأكل الربا، ولا تدع الصلاة المكتوبة، ولا تمنع الزكاة المفروضة، وصل رحمك، وكن بالمؤمنين رحيما، [ولا تظلم مسلما، وحج، واعتمر، وجاهد] (4)، فإذا فعلت ذلك فأنا زعيم لك بالجنة. # PageV01P241 # قال: ثم غمى عليه ساعة، فإذا أفاق من غشيته قال: اللهم اغفر لي ذنوبي فيما مضى من عمري! فأنا أشهد أنك تعلم أني أحبك. # قال: وأغمي عليه ثانية فقام الناس وخرجوا من عنده، وجاءه الليل واشتد به الامر فقال لجاريته: يا فلانة! انظري هل أصبحنا، فنظرت ms0209 الجارية ثم قالت: لا، فسكت ساعة ثم قال: يا جارية! انظري هل أصبحنا، فنظرت الجارية وقالت: لا، فسكت ساعة ثم قال: يا جارية! انظري هل أصبحنا، فنظرت ثم رجعت فقالت: # نعم، فقال معاذ: أعوذ بالله من ليلة يكون صباحها إلى النار! ثم قال: مرحبا بالموت! مرحبا به زائرا جاء على فاقة! لا أفلح بعد الممات من ندم، اللهم! إنك تعلم أني لم أكن أحب هذه الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن (1) كنت أحبها لمكابدة الساعات (1) وظمأ الهواجر ومزاحمة العلماء في حلق الذكر. # فقال له رجل من الصحابة (2): يا أبا عبد الرحمن! زدنا رحمك الله! زدنا من مواعظك وأوصنا بوصية نأخذها عنك، فإنا لا نلتقي في هذه الدنيا، فقال معاذ: # حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ليست ساعة الكذب هذه الساعة، إنه لا يموت عبد من عبيد الله وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (3) إلا وأدخله عز وجل الجنة وحرم عليه النار. # قال: فقال له عبد الرحمن بن غنم الثمالي: زدنا رحمك الله! فقال معاذ: # نعم، عليكم بطلب العلم، فاطلبوه وتعلموه، فإن طلبه عبادة، وتعلمه لله خشية، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل الجنة، والانس في الوحشة والمحدث في الخلوة، والصاحب في الغربة، والسلاح على الأعداء، والتزين عند الاخلاء، والتقرب والدليل على السراء والضراء، يرفع الله عز وجل به أقواما فيجعلهم في الخير قادة يقتدى بهم، وأئمة في الخير يقتص آثارهم ويهتدي بهدايتهم وأفعالهم، وينتهي إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم، [و] بأجنحتها # PageV01P242 # تمسحهم، وفي صلاتها يستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه، لان العلم حياة القلب من العمى، و [نور] الابصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ العبد بالعلم منار الأبرار ومنازل الملوك والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، ms0210 الفكرة فيه تعدل بالصيام ومدارسته تعدل بالقيام، به يطاع ربنا ويعبد، وبه يعمل له ويحفد، وبه توصل الارحام، ويعرف الحلال من الحرام، يرزقه الله عز وجل السعداء ويحرمه الأشقياء، ألا! وإن المتقين سادة، والفقهاء قادة، والنظر إليهم عبادة، والجلوس إليهم بركة وزيادة. # قال: ثم شهد معاذ بن جبل شهادة الحق وتوفي - رضي الله عنه -. وقد استخلف على المسلمين عمرو بن العاص، وهو الذي صلى عليه وأدخله قبره في رجال. فلما خربوا وحثوا عليه التراب قال عمرو بن العاص: رحمة الله عليك يا معاذ! فلقد (1) كنت ناصحا للمسلمين عظيم الغني عن جماعتهم (1)، كنت مؤدبا للجهال، شديدا على الفاجر [وأيم بالمؤمنين] (2) وأيم الله لم نجد بعدك مثلك أبدا. # قال: ثم كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (3): # بسم الله الرحمن الرحيم (4)، لعبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من عمرو بن العاص، سلام عليك، أما بعد! فإنه قد حدث من قضاء الله الذي كتبه على عباده أن توفي معاذ بن جبل رحمة الله عليه، فعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في معاذ وأجرنا معك! وقد استأذني المسلمون في التنحي عن القرى والمدن إلى البراري والفلوات فأذنت لهم في ذلك وعلمت أن إقامة المقيم لا يفوته شئ من أجله، وكذلك الهارب (5) لا يفوت ربه ولا (6) يتعدى ما قدر عليه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # PageV01P243 # [حين وصلت رسالة عمرو بن العاص إلى عمر رضي الله عنه حول وفاة معاذ بن جبل الذي قضى على إثر أبي عبيدة، بكى كثيرا (1)، كما تحسر المسلمون على ذلك. ثم قال عمر: رحم الله معاذا فقد كان رجلا عالما وزاهدا، ولقد كانت وفاته أوجدت ثغرة كبيرة في المسلمين، وقد حرم الناس من علمه وفضله فقد كانوا يشاورونه في أمهات المسائل وكان يفيدهم بعلمه وفضله الشيء الكثير. جعل الله جزاءه أفضل ما جازى به العباد الصالحين وجعل مقره في جنات النعيم. ثم رأى أمير المؤمنين أن المصلحة في تفويض الامارة ليزيد بن أبي سفيان على سائر ms0211 المدن التي فتحها المسلمون وجميع الجيوش الموجودة في الشام وأن يفعل ما يراه صالحا ثم كتب له رسالة بهذا المضمون (2): # بسم الله الرحمن الرحيم... (3) من أمير المؤمنين عمر إلى يزيد بن أبي سفيان: # اعلم أنه بعد أن مات كل من الامراء: أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل وخالد بن الوليد، فإن زمان أمور جيش المسلمين قد سلمت لك. فنفذ ما جاء في هذه الرسالة كما هو معهود بك من شهامة كاملة وحصافة في الرأي حتى يفرغ بالنا عن هذا الثغر، ولقد أرسلت الرسائل إلى بقية وجوه الجيش بأن يتبعوا يزيد بن أبي سفيان (4) وأن لا يخالفوه في قول أو فعل. وحين تصل إليك هذه الرسالة، اجمع الجيش ثم انطلق به وبأصحابك نحو قيسارية واجتهد بألا تغادر تلك المدينة حتى تفتحها، فإنك بذلك تقطع طمع هرقل في ولاته الشام، فأدرك هذا المعنى ثم سر على بركة الله. # ولما وصلت رسالة أمير المؤمنين إلى يزيد بن أبي سفيان والامراء وقادة # PageV01P244 # الفرسان، اطلعوا على مضمونها. سروا بإمارة يزيد وأطاعوا أمر أمير المؤمنين وبناء على إشارة أمير المؤمنين (1) جمع الجيش واتجه صوب قيسارية، ثم نزل في منزل يقال له (الكسوة) من أطراف دمشق. وأقاموا هناك عديدة أيام حتى تجتمع الجنود. # ثم وقف يزيد بن أبي سفيان خطيبا في الجيش فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم قال (2): أيها الناس، إن أمر أمير المؤمنين قد وصل إلي وفيه يأمرني بأن أسير بكامل الجيش نحو قيسارية وأن أدعو أهل تلك المنطقة إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. فإن قبلوا الاسلام والايمان فهو المراد وإلا فسنحاربهم ونستعين بالله على فتح تلك البلدة. هذا هو الحال لتعلموا وتوطئوا قلوبكم على الغزو والجهاد، وتستبشروا بالغنيمة والفتح والثواب والشهادة ولا حول ولا قوة إلا بالله. # وحين فرغ يزيد من خطبته، اتجه الجيش إلى قيسارية، وحين وصلوها وجدوا كبار الروم وبطارقتهم وقواد هرقل مع جيش كثيف فانطلق حبيب بن مسلمة الفهري الذي كان ms0212 على مقدمة جيش يزيد بن أبي سفيان ونزل قرب قلعة قيسارية وأخذ في الحصار. فرأى أن الجيش قد خرج من القلعة واتجهوا للقتال ضده وحملوا على حبيب وجيشه وهزموهم إلى معسكر يزيد. وحين رأى يزيد الحال أخذ في تعبئة الجيش فأعطى الميمنة (3) للأشتر النخعي وجعل على الميسرة الضحاك بن قيس الفهري، كما أعطى الجناح لعبادة بن الصامت، وعلى هذا الأساس انطلق حتى وصلوا إلى بوابة قلعة قيسارية فخرج إليهم جيش الروم والتحموا معا حتى التقت رؤوس الخيل فنادى يزيد بن أبي سفيان: أيها المسلمون: اثبتوا وحاذروا من الفرار الذي يوصل الانسان إلى نار جهنم، وبالخسارة للدنيا والآخرة. وحين سمع المسلمون هذا الكلام اشتدت عزيمتهم على الحرب وظلوا يحاربون من طلوع الشمس إلى غروبها حتى أظفرهم الله على عدوهم، فهرب الروم من أمامهم فلحق بهم المسلمون فقتلوا منه خلقا كثيرا وبعضهم التجأ إلى القلعة فنزل يزيد على بوابتها # PageV01P245 # وأخذ يناوشهم، وهكذا قاتل الروم أكثر من مرة وكان النصر حليفا للمسلمين. ولما رأى الروم أن الحرب تجري على منوال واحد لم يخرجوا من القلعة. فجمع يزيد بن أبي سفيان عدة من وجوه الجيش وذوي الرأي وشاورهم حول الموقف قائلا: إننا في هذا المكان نعاني من قلة العدد في الدواب وجيشنا كبير ونحن عاجزون عن تأمين العلف ويتعذر علينا البقاء هنا وليست هناك حاجة لجميع الجيش فالرأي عندي أن يبقى جماعة من الجيش على حصار هذه القلعة فإن خرجوا إليهم قاتلوهم وإلا ظلوا محبوسين داخل القلعة، ثم يذهب القسم الآخر إلى دمشق فأجابوه: الرأي هو ما رأيت ولا نزيد عليه شيئا. حينئذ دعى يزيد شقيقه معاوية وسلمة أربعة آلاف فارس من خيرة الجنود وأمره بأن يقيم حول القلعة فإن خرج إليه أحد من أهلها قاتله وإلا فإنهم يظلون محصورين إلى أن يأذن الله بوسيلة لهذا الامر. فقبل معاوية ذلك فتركه يزيد هناك وانطلق ببقية الجيش نحو دمشق. وحين رأى جيش الروم أن يزيد قد عاد وأن معاوية ليس معه سوى عدد قليل من ms0213 الجند، رأوا أن الوقت قد حان لإزالتهم. # فغلبهم الطمع وخرجوا من القلعة بجيش مرتب وعدد كبير وشرعوا بالحرب فقابلهم معاوية بجيشه ووقعت حرب شديدة ولكن العاقبة كانت لصالح المسلمين، وقتل من الروم أكثر من عشرة آلاف وفر الباقون والتجأوا إلى القلعة، ثم فكروا بأنهم لا طاقة لهم بالحرب فالمسلمون أشجع منهم وشوكتهم وقوتهم أكثر منهم. والدولة أيضا لهم، وأن المصلحة في إجراء الصلح معهم. # في اليوم الثاني أرسلوا شخصا إلى معاوية وطلب الصلح على أساس أن يترك معاوية البلد ويقدموا له عشرين ألف دينار نقدا ويقدموا الجزية وبعد ذلك يصبحون مطيعين: فكتب معاوية إلى أخيه رسالة شرح له فيها الوقائع التي حصلت ومطلب أهل قيسارية حول الصلح فأجابه يزيد بالموافقة على الصلح. حينئذ، كتب معاوية عهد الصلح (1) ثم أدى أهل البلد المبلغ المقرر، ثم سار معاوية مع الجيش إلى # PageV01P246 # دمشق وانتقى أمر قيسارية على هذا النحو. ثم كتب يزيد رسالة إلى أمير المؤمنين (1)، عمر، رضي الله عنه، ذكر فيها الوقائع التي جرت مع أهل قيسارية والصلح الذي انتهوا إليه كما أرسل إليه خمس المال. وحين اطلع أمير المؤمنين على ما جرى، سر سرورا عظيما وشكر الله على ذلك وأجاب على رسالة يزيد بما يلي (2): # أما بعد، فاعلم بأن رسالتك قد وصلت وفهم مضمونها وسررت بخبر فتح قيسارية وحمدت الله على ذلك الذي أراح بالي من هذه المهمة ووسع عليكم في الرزق وقهر عدوكم وحقق آمالكم فاشكروا الله على نعمه الذي تزداد نعمه بالشكر، وتدوم السعادة (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). والسلام عليكم ورحمة الله. # ثم جاء الخبر إلى أمير المؤمنين بأن الروم قد جمعوا جيشا عظيما في منطقة الجزيرة. وقد اجتمعت عدة عظيمة من الفرسان والرجالة ومعهم الآلات والعدد الوفيرة، فجمع أمير المؤمنين الأنصار والمهاجرين وكبار الصحابة وأخبرهم بما جرى وقال: إن بلاد الشام لا يمكن فصلها عن منطقة الجزيرة، وما لم نحكم الجزيرة فلن يحصل لنا مقصود وعيشنا سيكون منغصا، وقد التقى الروم هناك وقد عزموا على التحرك، ms0214 وإني قد دعوتكم لتفكروا بهذا الامر وأن تخبروني بما تروه صالحا وصائبا في هذا الموضوع. ومن ترونه أهلا للقيام بهذا الامر حتى يستريح خاطرنا من هذه الجهة فلقد توفي في الشام معظم القادة العظام الذين كانوا هناك ولم يبق منهم سوى يزيد بن أبي سفيان وهو من رجال المهمات العظيمة وهو الان في دمشق. وتلك # PageV01P247 # الولاية منضبطة بسببه ولا يمكن تركها بدون أن يقوم بأمورها شخص رشيد مثله. # فسموا لي رجلا موصوفا بالشجاعة والعقل والتقوى ويكون قادرا على إنجاز هذه المهمة لكي أبعث به لفتح بلاد الجزيرة. وبعد التفكر الدقيق قر رأيهم على أن عياض بن غنم الفهري هو الشخص المطلوب لمثل هذه المهمة، فهو رجل فارس مشهور وتقي فقبل به عمر ورآه رجل الساعة، ومن ثم أرسل له رسالة (1). # بسم الله الرحمن الرحيم... # هذا كتاب من عبد الله عمر، أمير المؤمنين إلى عياض بن غنم الفهري أما بعد، سلام عليك. # لقد وجدناك حريصا على مصلحة المسلمين ورأيناك تنصح المسلمين وتحرضهم على اتباع طريق الخير وإحياء معالم الطاعة، كما أن أسلافك على نفس هذا النهج الممدوح المقبول، فبشرى لك بالثواب الجزيل والثناء الجميل في الدنيا والآخرة وبما أن سيرتك وسريرتك على هذا الأساس فإني أرجو لك أن تحقق آمالك في الدين والدنيا وأن يكون ذكرك حسنا وخالدا إن شاء الله. واعلم الآن بأن قواد الروم قد اجتمعوا في بلاد الجزيرة، لذا فإنني عازم على إرسال جيش لمقابلتهم وأحتاج إلى قائد شجاع وعاقل يخاف الله وقد تذاكرنا حول هذا الموضوع وتشاورنا مع وجهاء الصحابة فأجمعت الآراء على انتخابك أنت لهذه المهمة، وظننا أنك كفوء لهذا الامر. فمتى وصلك كتابي هذا، اختر قسما من جيش يزيد بن أبي سفيان، ثم توجه إلى بلاد الجزيرة واجعل التقوى شعارك. واتق الله في السر والعلن، واجعل في الأمور المهمة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسنة خليفته الصديق إماما لك في جميع أمورك] انتهى (2). # بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله ms0215 عليه وسلم وسنة الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد رأيت وشاهدت ما فتح الله عز وجل من أرض الشام في # PageV01P248 # القلة والكثرة من عدوكم، وقد سمعت ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق إذ أقبل علينا فقال: (ليفتحن عليكم أرض كسرى وقيصر وليغنمنكم الله أموالها) (1)، فقد رأيت ذلك يا عياض وشهدت منه ما شهدت، وقد صدق الله عز وجل قول نبيه عليه السلام في ذلك وأظهركم على عدوكم، فصاروا ذمة لكم يؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون، وقد هربت رئيس الكفرة (1) هرقل صاحب الروم خائفا وجلا منكم، حتى صار إلى أقاصي الروم فزعا مرعوبا شريدا طريدا، وذلك بفضل الله ونعمته وحوله وطوله، فإني قد كتبت إلى يزيد بن أبي سفيان أن يمدك بجند تقوى بهم إن شاء الله تعالى ولا قوة إلا بالله. # فلما ورد كتاب عمر على عياض بن غنم نادى في المسلمين وأقرأهم الكتاب ثم ندبهم إلى المسير إلى بلاد الجزيرة، فأجابوه إلى ذلك سراعا، قال: فانتخب عياض خمسة آلاف رجل من عسكر يزيد بن أبي سفيان من أهل البأس والشدة على دواب فره وسلاح شاك وعدة كاملة وتعبية حسنة، ثم خرج من الشام يوم الخميس للنصف من شعبان (2)، وعلى مقدمته ميسرة بن مسروق العبسي، وعلى ميمنته سعيد بن عامر بن حذيم، وعلى ميسرته (3) عبد الله بن سعيد السعدي، وعلى ساقته صفوان بن المعطل السلمي، وسار حتى صار إلى الرقة (4). ### | ذكر فتح مدينة الرقة من بلاد الجزيرة. # قال: وبالرقة يومئذ جمع من الروم عظيم، فنزل عياض بن غنم قريبا من سورها، ثم بث السرايا حولها، فغنم المسلمون غنيمة حسنة. # قال: وأشرفت الروم من حيطان الرقة، فجعلوا يرمون بالحجارة والنشاب، # PageV01P249 # فلما كان الليل خرج عياض بن غنم في قريب من ثلاثمائة فارس، حتى صار إلى باب يقال له باب جروان (1)، وذلك بعد ثلاث ساعات من الليل أقل أو أكثر. قال: وإذا بجماعة من الروم على ذلك الباب وقد أوقفهم صاحب الرقة عليه وأمرهم ms0216 بحفظه، قال: وقد شرب القوم شرابا فسكروا. فلما أشرفت عليهم خيل المسلمين في جوف الليل فزعوا لذلك ثم وثبوا إلى أسلحتهم ودوابهم، وعاجلهم المسلمون فقتلوا منهم من قتلوا. وأسروا الباقين فكتفوهم وأتوا بهم إلى عسكرهم في وقت السحر. # قال: وأصبحت الروم وقد بلغهم ذلك، فأشرفوا على أبراج المدينة، فنظروا إلى أصحابهم مأسورين وقد قتل منهم من قتل، فجزعوا لذلك جزعا شديدا. # قال: ثم أرسل بطريق الرقة إلى عياض بن غنم: إن رأيت أن تأذن لي في كلامك! فأرسل إليه عياض بن غنم: إن أردت كلامي فانزل إلى وكلمني، قال البطريق: إني أخاف أن أقتل من قبل أن أصل إليك، فأرسل إليه عياض: إنك آمن على نفسك حتى ترجع إلى مأمنك، قال: فاكتب لي أمانا يكون لي ولعشرة معي، قال: فكتب له عياض أمانا وبعث إليه منشورا قد ختمه بخاتمه. # قال: فنزل بطريق الرقة ومعه عشرة من بطارقته، عليهم الحرير والديباج، وفي أوساطهم مناطق الذهب المرصعة بالجوهر، حتى وقفوا بين يدي عياض، قال: # فرفع عياض رأسه فنظر إلى بطريق الرقة في زيه ذلك، فقال له: ما اسمك؟ قال: # اسمي بنطس (2)، فقال عياض: قل ما تشاء وسل ما بدا لك! قال بنطس: أيها الأمير! ما اسمك؟ قال: اسمي عياض، قال: ابن من؟ قال ابن غنم: قال: # فحرك البطريق رأسه ثم نظر إلى أصحابه وتبسم، ثم قال: إلى ما تدعو؟ قال عياض: أدعو إلى قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا قلتم ذلك وصمتم وصليتم وأديتم زكاة أموالكم وأحللتم ما أحل الله لكم وحرمتم ما حرمه عليكم فقد حرمت علينا دماؤكم وأموالكم إلا بحقها، وحسابكم على الله. # قال بنطس: فان لم نقل ذلك؟ قال عياض: فإن لم تقولوا ذلك فأدوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون وكونوا لنا ذمة وقروا في دياركم على دينكم ونحن نذب عنكم من بغاكم من أعدائكم، قال بنطس: أيها الأمير! فإني أقيم على ديني ولا أفارقه # PageV01P250 # وأصالحك على ما تريد. # قال: فصالحه ms0217 عياض على عشرين ألف دينار عاجلة، وعلى أنه وضع على كل محتلم منهم في كل سنة أربعة دنانير، (1) وكلما أدرك منهم غلام يلحق بالجزية، وعليهم بعد ذلك العشر في مواشيهم، وعليهم الضيافة للمسلمين إذا نزلوا بهم ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فلا يؤخذ منهم شئ إلا بثمنه. قال: فرضى بذلك بنطس بطريق الرقة بما صالحه عليه، وأشهد عليه المسلمين وختمه بخاتمه ودفعه إليه (2). # ثم قال لبنطس: أسألك عن شئ فخبرني! قال بنطس: وما ذاك أيها الأمير؟ # فقال: رأيتك سألتني عن اسمي وأخبرتك، ثم استخبرتني عن اسم أبي فأخبرتك، فالتفت إلى أصحابك وتبسمت. فلماذا كان ذلك؟ قال بنطس: إن الصدق لا يعدله شئ، والكذب عندنا أقبح الأشياء، أيها الأمير! إني أنا بطريق هذه المدينة وابن بطارقتها، وكذلك آبائي وأجدادي ما زالوا يتوارثون بطرقة هذه المدينة في الزمن القديم، غير أن الفرس قد كانوا تغلبوا علينا وقهرونا وتولوا علينا في مدينتنا هذه، وقد كان غضب علينا هرقل ملك الروم فأرسل إلينا القبط، فنزلوا علينا وآذونا غاية الأذى، وقد كنا على يقين أن ملكنا يعود إلينا للذي أصبناه في كتبنا أن مدينتنا هذه لا يغلب عليها أحد ولا يعطون لاحد الطاعة إلا لرجل عربي يقال له غنم أو ابن غنم، فلما سألتك عن اسمك وخبرتني به ظننت أنك صاحبنا فأشرت إلى أصحابي وخبرتهم بما يعلمون، فقال له عياض: ويلك يا بنطس! فأنتم أهل الكتاب وعلم وتجدون عندكم نعت نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم وآله) وصفته أفلا تتبعونه؟ قال: فقال بنطس: # إي والمسيح ابن مريم! لقد بشرنا في النجيل باسم محمد [صلى الله عليه] وآله وصفته، وإنه لعربي وهو خير الأنبياء، وأمته خير الأمم يوم القيامة، وهو الذي يركب الحمار ويلبس الشملة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وما نظنه إلا من بني إسرائيل، فقال عياض: تظنونه من بني إسرائيل وأنتم تجدونه في كتبكم عربيا؟ قال بنطس: إنا ظننا أنه يتكلم بالعربية ولا يكون عربيا، وأعلمك أيها الأمير أني دعوت # PageV01P251 # قومي هؤلاء من ms0218 أهل الرقة إلى دينكم فأبوا علي وقالوا: إن قلت هذا الكلام قتلناك، فلذلك خفتهم على نفسي، فهذه قصتي وهذا حالي. فعجب عياض بن غنم من صدق البطريق، وأقام بالرقة أياما ثم رحل منها. ### | ذكر فتح مدينة الرهاء من بلاد الجزيرة. # قال: وأهل الرهاء قد بلغهم يومئذ خبر عياض بن غنم وفتح الرقة فجزعوا لذلك جزعا شديدا، وقد جمعوا الأطعمة والأشربة والعلوفة إلى مدينتهم وهم على خوف شديد من المسلمين، قال: وقد هيئوا العرادات على أبرجة المدينة وقد جمعوا الحجارة وعزموا على حرب المسلمين. # قال: فلم يشعروا إلا والخيل قد وافتهم بالتكبير والتهليل، فلما سمع أهل الرهاء ذلك أخذهم الخوف وهم في ذلك يتجلدون ويتشجعون، قال: وتفاربت خيل المسلمين من المدينة، قال: وتقدمت الرايات والألوية، فجعل أهل الرهاء يقول بعضهم لبعض: القوم في عشرين ألفا أو يزيدون وما نظن أن لنا بهم طاقة. # قال: وأقبل عياض بن غنم والكتائب عن يمينه وشماله يتلو بعضهم بعضا، حتى نزل وضرب عسكره على الباب الأعظم من أبواب الرهاء - وهو الباب الذي يخرج منه إلى أرض الروم. قال: والتحم الامر بين الفريقين، فاقتتلوا خمسة عشر يوما لا يقرون ليلا ولا نهارا. قال: وجعل أهل الرهاء ينظرون إلى رجال أبطال فرسان في متون الخيل، فعلموا أنه لا طاقة لهم بالمسلمين، فاستغاثوا إلى بطريقهم الأكبر - واسمه ميطولس - فقالوا: أيها البطريق! إنه لا طاقة لنا بهؤلاء العرب، فإما أن تصالحهم كما فعل أهل الرقة وإلا سلمنا إليهم المدينة. # قال: فلما نظر البطريق إلى الجزع والفشل أرسل إلى عياض بن غنم يسأله الصلح على أن يعطيه ما أعطاه أهل الرقة، فأجابه عياض إلى ذلك، فكتب له (2) ولأهل المدينة كتابا بالصلح (3) وأشهد عليه المسلمين. ثم نادى عياض في عسكره: # PageV01P252 # ألا! إن أهل الرهاء في ذمتنا وعهدنا، فلا تؤذوهم ولا تدخلوا عليهم في منازلهم إلا بإذن. قال: فكف المسلمون عن محاربة أهل الرهاء، وأخذ عياض منهم ما صالحهم عليه، وأعجبته المدينة وأقام بها أياما. # قال: واصطنع له ميطولس بطريق الرهاء طعاما ms0219 كثيرا ثم جاء إليه فقال: أيها الأمير! إني قد فرشت الكنيسة العظمى وقد أحببت أن تتغذى عندي أنت ومن شئت من قومك، وتكرمني بإجابتك إياي إلى طعامي، حتى ترى أصحابي إكرامك لي، قال فقال عياض: يا ميطولس! لو فعلت ذلك بأحد من أهل دينك لفعلته بك، غير أني رأيت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما دخل بيت المقدس اصطنع له البطريق طعاما ودعاه إليه فلم يجبه عمر إلى ذلك، وأنا أيضا لا أحب أن أفعل ما لم يفعله عمر، قال ميطولس: أيها الأمير! فمر أصحابك يجيبوني إلى ذلك، قال: ما كنت بالذي آمرهم ولا أنهاهم. # قال: فبقى البطريق واقفا بين يدي عياض لا يدري ما يقول، فقال له عياض: # أيها البطريق! إنما أنت تفعل بنا ذلك خوفا على أرضك، وإنما يجب عليك أن تفعل هذا بمن يأتيك من بعدنا، فأما نحن فقد وفينا لك بالصلح، فلا تخف منا ظلما ولا أن نحملك ما لا تطيق! قال: فانطلق البطريق إلى أصحابه وهو يقول: هذا أفضل رجل يكون. # قال: وإذا امرأة نصرانية قد أقبلت على عياض بن غنم مع ابن عم لها فاختصمت إليه في شئ كان بينهما، قال: فقضى عياض للرجل على المرأة بالحق، ثم إنه نظر إليها وتأملها فرأى لها حسنا وجمالا فقال لها: لك زوج؟ # فقالت: لا، فقال: هل لك في زوج؟ فقالت: ما أحوجني إلى ذلك إن كان الزوج على ما أريد، قال عياض: فإن كان الزوج على ما تريدين أتخرجين من دين النصرانية وتدخلين في دين الاسلام؟ فقالت له: ما أفارق دين النصرانية أبدا، وما على الزوج مني؟ له دينه ولي ديني، قال: فهم عياض أن يتزوجها، ثم قال: أمير قوم يتزوج بكافرة، هذا ما لا يحسن، فأعرض عنها وتركها. فجاءها رجل من أصحاب عياض فخطبها، فقالت: أنا خطبة أميرك وليس لي في غيره من حاجة، قال: ثم إن هذه المرأة اصطنعت لعياض طعاما كثيرا وأرسلت به إليه، فقبله منها ووهب لها جارية مما ms0220 صار إليه من سهمه. PageV01P253 ### | خبر بسر (1) بن أرطاة وعياض بن غنم. # قال: فبينما عياض بن غنم بالرهاء وقد فتحها ووضع الجزية عليها والناس آمنون والسوق قائمة إذ وقعت الصيحة، ففزع الناس وبادر عياض إلى سلاحه فلبسه وركب فرسه، ونادى في الناس، فلبسوا أسلحتهم واستووا على خيولهم وخرجوا من المدينة، فإذا عسكر لجب وراية بيضاء فظن المسلمون أنهم من طاغية الروم، وإذا هم مدد وجه بهم يزيد بن أبي سفيان من الشام بكتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهم ألف رجل أميرهم يومئذ بسر بن أرطاة الفهري، فنزلوا وقالوا: أشركونا في المغانم، فقال: أما ما فتحه المسلمون وأحرزوا غنائمه فلا حق لكم فيه، وأما ما بقي من البلاد التي تفتح فأمرنا وأمركم فيه واحد، ما غنمنا من شئ فهو لنا ولكم، قال: فلم يرض القوم وغالظ بسر (1) بن أرطاة عياض بن غنم وتطاول عليه، فقال له عياض: أيها الرجل! اكفف عنا أذاك والحق بصاحبك، فما أغنانا عنك. # قال: فغضب بسر بن أرطأة ورجع إلى الشام وأصحابه، فخبر يزيد بن أبي سفيان بما كان من عياض. # قال: وكتب عمر إلى يزيد بن أبي سفيان أن إياك والتعرض إلى عياض بن غنم فيما يفعله، فإن عياضا له من الاسلام مكانا ينبغي لك ولنا أن لا نضيعه - والسلام. # وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عياض بن غنم الفهري. ### | ذكر كتاب عمر بن الخطاب إلى عياض (2). # [كتب أمير المؤمنين، عمر رضي الله عنه، رسالة لعياض بن غنم، بأنه قد بلغني أن يزيد بن أبي سفيان قد أرسل إليك مددا بقيادة بشر (3) بن أرطاة من الشام فأعدتهم من حيث أتوا وإن الغرض من إرسال هذا الجيش نحوك إنما كان من أجل إمدادك وزيادة عسكرك وجاهك وشأنك. ولكي يعلم العدو أن الامداد متواترة إليك فتنكسر قلوبهم ويسارعون إلى طاعتك. فلا أعلم لماذا رددت ذلك الجيش ويلزم أن # PageV01P254 # تخبرني بوجهة نظرك حتى أقف على حقيقة الامر، والسلام. وحين وصل خطاب أمير المؤمنين إلى عياض بن ms0221 غنم ووقف على مضمونه كتب إليه رسالة بما يلي: # إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من عياض بن غنم: # سلام عليك، أما بعد، فقد وصلني خطابك وفهمت محتواه. فإنه قبل وصول بسر بن أرطأة قد تم فتح المدينة الرقة والرها على يد المسلمين وقد وزعت الغنائم بينهم وتصرف كل بنصيبه منها فطالبني بسر بجزء من تلك الغنائم فأجبته بأن هاتين المدينتين قد فتحتا قبل وصولك فلا حق لك بالغنائم فإذا يسر الله لنا الفتوح في مكان آخر فنحن شركاء فيما نغنمه معا. فلم يرض بسر بهذا وخشيت أن يحصل شيء من التمرد أو تختلف قلوب العساكر ولما كنت غنيا عن مدده، اعتذرت إليه وأمرته بالعودة. هذا هو السبب في إعادته جعل الله تعالى السعادة قرينة لأحوال أمير المؤمنين. وحين عاد جواب عياض بن غنم إلى أمير المؤمنين عمر. أثنى على حصافة رأيه وكتب إليه. # لقد وصلت رسالتك وفهم مضمونها وعلمنا السبب في إعادة بسر بن أرطأة وجيشه إلى الشام وكان ذلك صوابا، جزاك الله خيرا عن الاسلام والمسلمين. وأرجو الله تعالى أن لا تعزل عن عملك ما دمت حيا. وإنني أوصي الخليفة من بعدي بأن لا يغيرك عن موضعك ولا يعزلك عن عملك. أقر الله عينك. واستمر على ما أنت فيه من الجهاد والسلام. # ولما وصل خطاب أمير المؤمنين إلى عياض وقرأه، حمد الله وقال: يا رب لا أطلب مزيدا من الحياة بعد عمر فإن هو مات وبقي في أجلي شيء فلا تمهلني أكثر من يوم واحد بعد. إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. # ذهاب عياض بن غنم نحو حران (1) في هذه الأثناء سمع عياض بن غنم أن الروم قد جمعوا جيشا في (حران) يقدر بعشرين ألف رجل فأمر مناديا ينادي في الجيش بالاستعداد ثم سار به إلى أطراف حران فوقع الرعب في قلوب الأهالي فأرسلوا إليه شخصا يطلب الصلح فأجابهم إليه # PageV01P255 # على النحو الذي صالح به أهل الرقة والرها. وكتب لهم بذلك عهدا ثم فتحت بوابة حران ودخل ms0222 المسلمون البلد. وقد حصلت هذه الوقعة يوم الاثنين في شهر محرم عند صلاة العصر (1). وبقي عياض بضعة أيام هناك وقبض الأموال المقررة ثم توجه نحو بلدة رأس العين (2). ويقال إن أهل رأس العين كان لديهم رجل حاد النظر يستطيع أن يرى من مسيرة يوم ومن حسن الاتفاق أن جيش المسلمين حين اقترب من تلك المدينة، وأصبح على مسافة يوم منها قد ظهر غبار أسود وغيوم مظلمة فلم ير ذلك الرجل شيئا فسأله أهل البلد، هل ترى أثر جيش غريب فقال الحارس: بسبب الغبار وظلمة الجو لا يبدو لي شيء، فإن أردتم أخرجوا دوابكم إلى الصحراء. فإنني إن كنت بسبب الضباب لا أرى أثر الجيش ولكن يمكنني أن أدركه بسبب الجلبة التي يحدثونها فأخبركم. فأخرج أهل البلد جميع مواشيهم من الخيول والجمال والبقر والغنم إلى الصحراء وحين وصل عياض بن غنم مع جيش المسلمين قرب رأس العين صار الهواء صافيا وظهرت الشمس وإذ وجدوا تلك المواشي استولوا عليها فصاح الحارس وأخبر الناس الخبر فأغلقت أبواب المدينة، وصعدوا إلى الأبراج ووصل جيش المسلمين قرب جدار القلعة وشرع أهل البلد بإلقاء الحجارة والسهام على المسلمين فمات منهم عدة أشخاص. ثم صعد أحد البطارقة على جدار القلعة وأخذ يشتمهم ويقول: # يا من تأكلون خبز الشعير وتلبسون الصوف لا تظنوا أننا مثل أهالي الرقة والرها وحران فأولئك قوم ضعاف ولقد جئتم بأنفسكم لاستقبال الموت هنا، فاقترب منه أحد المسلمين وقال له: لا تهرف بما لا تعرف فلقد استولينا على عدد من القلاع الحصينة قبل الرقة والرها وحران وقاتلنا اليهود وعباد الأصنام والمجوس واستنزلناهم من قلاعهم وأرسلناهم إلى جهنم. وإن مثلك ومثل هذه القلعة بالنسبة إلينا كمثل أعرابي استظل # PageV01P256 # بظل خيمة من شعر الغنم وجلس تحتها والتجأ إليها وأنت أيها العلج ليس عندك خبر عن أحوالنا فقل ما يشاء وسترى بعد ساعة أن الحقيقة غير ما تظن ولن ينفعك الندم عند ذلك شيئا فغضب البطريق وقال لمن حوله: أنزلوني للأسفل لكي أقابل هؤلاء الصغار. فأنزلوه في ms0223 زمبيل حتى وصل إلى الأرض ثم خرج وقد لبس الدرع ووضع على رأسه قلنسوة مطرزة بالذهب وقد وضع نطاقا على وسطه من الذهب وحمل بيده سيفا لماعا ووقف على باب القلعة ثم طلب المبارزة فبرز إليه رجل من بني مزينة حسن الصورة ومعه ترس من ليف النخل وبيده سيف وعلى رأسه عمامة بالية سوداء فنظر إليه البطريق بعين الاحتقار ثم حمل عليه وألقى عليه السيف فتلقاه المزني بترسه ثم ضربه بنفس السيف على ساقيه فقطع ساقيه فأسرع إليه العربي واحتز رأسه وأخذ في سلبه. وانهالت عليه الحجارة من أعلى القلعة فلم يبال بها حتى جمع سلاح ولباس البطريق وتركه في مكانه مجردا، ثم رجع سالما غانما. # وبما أن البطريق قد أصيب على تلك الحال، خاف أهل البلد وتوقفوا عن الحرب ذلك اليوم. # في اليوم الثاني خرجوا من البلد وحاربوا بكل شدة حتى أنه استشهد من المسلمين عدة رجال، فأمر عياض الجيش بأن يتراجع قليلا لكي يتوهم العدو بأنهم قد هزموا، حينئذ لحق بهم أهل البلد إلى مسافة معينة ثم أمر عياض الجيش بالكرة عليهم فقتلوا منهم جمعا كثيرا ومن بقي منهم التجأ إلى القلعة حينذاك أيقنوا بأنه لا يمكنهم مقاومة جيش المسلمين، فأرسلوا شخصا بطلب الصلح إلى عياض فأجابهم إليه بشرط أن يدفعوا نقدا ثلاثين ألف دينار وعلى كل شخص منهم الجزية أربعة دنانير تؤدى في وقتها. وعلى هذا تم الصلح وكتب لهم بذلك وثيقة (1). ### | إرسال عياض بن غنم لميسرة بن مسروق العبسي إلى أطراف ولاية الخابور. # وبعد ذلك استدعى عياض بن غنم ميسرة بن مسروق العبسي (2) وسلمه ألف # PageV01P257 # فارس من نخبة الجيش وأرسله إلى ولاية الخابور. فسار ميسرة إلى تلك الناحية وفتح المواضع التي في طريقه وأرسل الأموال التي حصل عليها إلى عياض حتى أتم فتح تلك الناحية ووصل إلى سواحل الفرات ونزل عند مدينة قرقيسياء ووقعت معارك بينه وبين أهل القلعة وقتل من الطرفين عدة رجال. وفي النتيجة استولى على البلد وقتل المقاتلة وسبى النساء والذراري ثم عفى ms0224 عنهم وقبض منهم ثلاثة آلاف دينار وقرر عليهم الجزية على القاعدة المعروفة (1) وترك لهم البلد وعاد إلى عياض ومعه الأموال والغنائم فسلمها إليه. عند ذلك انتقل عياض من مكانه وسار نحو نصيبين ففر الروم من أمامه والتجأوا إلى قلعة نصيبين. وأمر الجيش بمحاصرة البلد من جهاتها الأربع وكان لها أربعة أبواب، يسمى الباب الأول، بوابة الجبل، والثاني بوابة السوق والثالث بوابة سنجار والرابع بوابة الروم. وعلى كل بوابة استقر فوج من المدافعين فأنشبوا معهم الحرب واجتهد الطرفان في الحرب. ولما رأى عياض أن القلعة حصينة وقد عجز عن فتحها (3). قرر الإقامة هناك. ومن ثم أرسل عمير بن سعد الأنصاري إلى مدينة سنجار (4) لفتحها فذهب عمير إلى هناك وقاتل أهل سنجار لمدة يوم واحد ثم طلب منه أهلها الأمان فصالحهم على ثلاثة آلاف دينار نقدا وعلى أن يدفع كل رجل منهم أربعة دنانير. وعاد بعد ذلك إلى عياض. ثم أرسل عياض بن مالك الأشتر # PageV01P258 # النخعي وأعطاه ألف فارس وأرسله إلى ناحية (آمد) و (ميافارقين). ### | مسير الأشتر النخعي نحو (آمد) و (ميافارقين). # وحين وصل مالك مع الجيش إلى آمد (1) تبين له أن القلعة تبين له أن القلعة حصينة جدا فأخذ يفكر بالامر وأن مقامه سيطول هناك. ولما اقترب من آمد وعاين بنفسه قوة الحصن، أمر الجيش بأن يكبروا معا تكبيرة واحدة بأعلى صوت. فخاف أهل آمد وتزلزلت أقدامهم وظنوا أن المسلمين يبلغون عشرة آلاف وأنهم لا قبل لهم بحربهم فأرسلوا شخصا إلى الأشتر فأجابهم الأشتر إلى الصلح وتقرر أن يدفعوا خمسة آلاف دينار نقدا وعلى كل رجل أربعة دنانير جزية ورضي حاكم البلد بهذا الصلح وفتحوا الأبواب ودخلها المسلمون صباح يوم الجمعة، فطافوا فيها ساعة ثم خرجوا وأقاموا على بوابة البلدة. وبعد أن قبض الأشتر المال اتجه نحو (ميافارقين) (2) ولما وصل إليها أرسل إليه بطريق البلد ويسمى فطوس (3). أرسل شخصا إلى الأشتر يلتمس الصلح على أن يدفع ثلاثة آلاف دينار نقدا والجزية المقررة فصالحه الأشتر على ذلك وكتب له عهدا (4). وبعد ما ms0225 قبض المال سار إلى عياض الذي كان مشغولا بحصار نصيبين وسلمه الأموال التي قبضها. ### | تدبير عياض بن غنم لفتح مدينة نصيبين. # بعد ما مر عام كامل على محاصرة نصيبين دون أن يتيسر فتحها (5)، أخذ عياض في مشاورة رؤساء الجيش حول هذا الامر فتقدم رجل من المسلمين ممن كانوا تحت # PageV01P259 # قيادة سعد بن أبي وقاص في العراق وقال له: إني أرى رأيا يمكن لنا بواسطته أن نستولي على المدينة فسأله عياض: كيف؟ فقال: أرسل شخصا إلى مدينة شهرزور في العراق وهي تحت أيدي المسلمين الآن ومن هناك حيث توجد العقارب بكثرة فليملأ عددا من الجرار بالعقارب ثم توضع هذه الجرار على المنجنيق وتطلق ليلا في داخل المدينة فكل من أصابته هذه العقارب هلك فورا. فيندهش الناس لهذا الامر ويقعوا في حيرة. حينئذ يمكن فتح البلد بسهولة فوافق عياض على هذا التدبير وأرسل شخصا إلى شهرزور وملأ عددا من الجرار بالعقارب مع شيء من التراب. ثم في الليل ألقي بهذه الجرار بواسطة المنجنيق نحو البلد فانكسرت الجرار وخرجت منها العقارب في كل اتجاه فهلك ناس كثيرون بلسعة العقرب وحين طلع النهار هلك عدد من الناس فأرسلوا إلى عياض يطلبون الصلح فلم يجبهم عياض حتى أطلقوا جميع الجرار المملوءة بالعقارب على البلد فانشغل الناس بتعقب العقارب وقتلها بينما عياض شدد في الحرب ذلك اليوم واستولوا على المدينة عنوة ثم قتلوا المقاتلة وخربوا بيوت البطارقة وسبوا الذرية والنساء. وفي النتيجة طلب الباقون الأمان من عياض، فأعاد لهم عيالهم وأطفالهم وكتب لهم رسالة أمان ووقع عليها عدد من رؤساء الجيش وسلمها إليهم. ثم أرسل خمس الغنائم إلى أمير المؤمنين ووزع الباقي على المسلمين وقد نال كل واحد منهم أكثر من عشرة آلاف درهم عدا المواشي والأمتعة والاسرى وظل عياض في الجزيرة منتظرا وصول إشارة أمير المؤمنين. وحين وصلت رسالة عياض إلى أمير المؤمنين مبشرة بالفتوح ورأى الغنائم الكثيرة صار مسرورا وشكر الله على ذلك. ### | رسالة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلى عياض بن غنم. ms0226 # بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر، أمير المؤمنين، إلى عياض بن غنم. # أما بعد، سلام عليك، الحمد لله الذي فتح بلاد الجزيرة على يد المسلمين فأغناهم بعد فقر ووسع لهم في الرزق وإنني منذ الآن لا أخاف الفقر عليهم ولكني أخشى عليهم أن يغتروا بالأموال فيهلكوا. وإنك يا عياض أديت عملك على أحسن وجه فجزاك الله عن الاسلام والمسلمين خيرا. وحين تقف على هذه الرسالة انتخب أحد وجوه الجيش ممن يعتمد عليه في القول والفعل واجعله نائبا لك ثم توجه نحو PageV01P260 # الشام فإن يزيد بن أبي سفيان مريض هناك وأخشى إن هو مات أن تضطرب الأحوال. # فالرأي هو أن تعود إلى الشام بأسرع ما يمكن ولا تبق في الجزيرة أكثر مما بقيت والسلام. # وحين وصل خطاب أمير المؤمنين عمر إليه، دعى عتبة بن فرقد السلمي وعينه واليا على جملة بلاد الجزيرة وجعل تحت إمرته أربعة آلاف فارس ثم اتجه ببقية الجيش إلى الشام وحين وصل إلى حمص غلب عليه المرض ثم انتقل إلى رحمة الله (1). ورووا أن ذلك اليوم الذي مات فيه عياض لم يكن يملك سوى فرسين اثنتين وجملا وضع عليه حوائجه ولم يجدوا في ثيابه وأمتعته دينارا واحدا. مع كل تلك النعم والأموال التي عادت إليه من الجزية. لقد تصدق بها كلها ولم يترك شيئا رحمة الله عليه. ### | رسالة يزيد بن أبي سفيان إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه. # ثم بعد أن تم فتح الجزيرة ووفاة عياض بن غنم (2)، ازداد المرض على يزيد، وإذ رأى هذه الحال كتب إلى عمر أمير المؤمنين رسالة بهذا المضمون (3). # بسم الله الرحمن الرحيم... # بعد تقديم حقوق أمير المؤمنين، ليعلم بأن يزيد بن أبي سفيان يكتب هذه الرسالة ولا يظن أنه سيكتب رسالة بعدها لأنه مريض جدا، جزاك الله عنا خيرا وجمعنا بك في جنات النعيم. وقد أشرفت على نهايتي فليعين أمير المؤمنين شخصا صالحا لقيادة الجيش وإدارة البلاد والسلام عليك. وهذا آخر سلام يرسله إليك يزيد من دار الدنيا. ms0227 # ثم أرسل الرسالة مع شخص وأوصاه بأن يسعى جهده لكي يوصل هذه الرسالة # PageV01P261 # إلى أمير المؤمنين بأسرع وقت. وقد توفي يزيد قبل وصول الرسالة إلى أمير المؤمنين عمر. فطالع عمر الرسالة فاضطرب لها وسأل الرسول: هل تركته حيا حتى أرسل له الجواب. فقال الرسول: أطال الله عمرك يا أمير المؤمنين، لقد كان في حالة الاحتضار فقال عمر: عفى الله عن يزيد. لقد كان شخصا فاضلا ولم تكن له في الدنيا رغبة وقد جعل همه في تحصيل أمر الآخرة. وحينئذ استدعى أبا سفيان وأخبره بما جرى. فاغتم أبو سفيان وتأسف كثيرا، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم سأل أمير المؤمنين. ما رأيك بالشخص الذي سترسله إلى الشام، فقال عمر: # سأرسل ولدك الآخر معاوية (1) فسر أبو سفيان بذلك ودعا لأمير المؤمنين وقال: لقد وصلت الرحم ثم عاد أبو سفيان إلى منزله وأخبر زوجته هند بوفاة يزيد. فصاحت ولطمت وجهها وبكت كثيرا وقالت: ليت معاوية وعتبة ماتا بدل يزيد فقال لها أبو سفيان: لا تجزعي وقولي: إنا لله وإنا إليه راجعون. # وقد تلطف أمير المؤمنين وعين ابنك الآخر معاوية واليا على الشام فهدأت هند وقالت: لقد وصل أمير المؤمنين الرحم ولتكن إمارة الشام مباركة على معاوية، ثم كتب أمير المؤمنين رسالة إلى معاوية بهذا المضمون. # بسم الله الرحمن الرحيم. # من عبد الله عمر أمير المؤمنين. أما بعد: # اعلم يا معاوية بأن الله تعالى قد أعز الاسلام وأذل المشركين وصدق وعده. # وأخبر أمة نبيه بفتح بلاد الشام وغيرها وبشرنا بتملك خزائنهم وأموالهم وقد حصل ذلك فعلا. وخاصة مدينة قيسارية الشهيرة. بحصانتها كما أخضع لنا الروم وأما الان فيجب أن تتم الفتوح في عسقلان (2) وغزة وتوابعهما لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا بأنه ستكون في الشام فتوح وإني أبشرك بفتح هاتين البلدتين غزة وعسقلان، كما أن الرسول عليه السلام أخبر بأنه متى اشتعلت نار الفتنة في المشرق والمغرب وتعذرت الإقامة فعليكم بعسقلان وما فوقها. فإذا وقفت على رسالتي هذه، انطلق إلى ms0228 # PageV01P262 # عسقلان بدون توقف واجتهد في فتح تلك المواضع لعل الله تعالى بيسير فتح تلك المناطق على يدك. ومتى وصلت إلى ذلك الموضع يجب أن تخبرني بما يجد من أحوال وأمور يوميا والسلام. ### | ذهاب معاوية بن أبي سفيان إلى نواحي عسقلان. # وحين وصل خطاب أمير المؤمنين عمر إلى معاوية، انطلق بمن معه من الجنود نحو عسقلان وحين وصل إليها، لم يحاربهم إلا ثلاثة أيام ثم استولى على المكان ودخل المسلمون البلد (1). ثم أرسل رسالة إلى أمير المؤمنين عمر يخبره بفتح عسقلان، فسر أمير المؤمنين بذلك وشكر الله تعالى على تيسير ذلك الامر وقال: لو لم يتم هذا الفتح فإن بقية الثغور ستكون معرضة للخطر وتصبح مدينة عسقلان سببا في تضييق المقام على المسلمين ولقد أخبرني بهذا الامر بسبب بركته ونجابته ولو قيض لي أن أقيم بالشام لما اخترت سوى مدينة عسقلان لان لكل شيء سرة وسرة الشام عسقلان. # ثم استدعى معاوية بن أبي سفيان سفيان بن حبيب الأزدي وسلمه جيشا وأمره بالذهاب إلى طرابلس. فأطاع سفيان الأمير وذهب حيث أمره ونزل في مرج يبعد عنها خمسة فراسخ وهيأ نفسه للقتال ثم اتجه نحو قلعة طرابلس وشرع بالقتال. وحين مغيب الشمس كان يتراجع عن القلعة مسافة معينة خشية من إغارة أهل طرابلس ليلا. # وهكذا طال أمد الحرب مع أهل طرابلس، وخشي من جانب البحر أن تصلهم امدادات من جهة البحر فيصبح موقفهم حرجا. فكتب إلى معاوية يخبره بالحالة العامة فأجابه معاوية: بأن يبني قلعة تبعد مسافة فرسخين اثنين على طرابلس ويكون فيها متسع لايواء جميع عساكر المسلمين وحمايتهم من أية غارة محتملة. # ففعل سفيان ما أشار به عليه معاوية وبنى قلعة حصينة وجعلها مقرا له. وحين رأى أهل طرابلس القلعة الحصينة التي أقامها سفيان انزعجوا لذلك وتخلوا عن الجزائر التي كانوا يقيمون بها، ويحصلون منها على أنواع الغلات والفاكهة واجتمعوا داخل قلعة حصينة وكتبوا إلى هرقل رسالة يخبرونه فيها بحالهم وحال المسلمين # PageV01P263 # ويطلبون منه امدادهم. # وبعد وصول رسالتهم إلى هرقل أمر جماعة ms0229 من العسكر بالركوب في الزوارق لامدادهم وحين وصول الامدادات قر رأيهم على الفرار إلى القسطنطينية فأخرجوا أمتعتهم ليلا وأحرقوا كل ما ليس لهم به حاجة ثم ركبوا السفن. وفروا إلى هرقل وفي اليوم الثاني خرج سفيان من حصنه إلى طرابلس فلم ير أحدا ورأى أن القلعة خالية تماما فدخلها المسلمون فلم يجدوا بها مخلوقا سوى رجل من اليهود كان مختبئا في أحد السراديب فاستخرجوه وسألوه عن الحال فأخبرهم بما جرى على وجهه. # فكتب سفيان إلى معاوية يخبره بما جرى، فعجب معاوية لذلك وأرسل إلى طرابلس جماعة من يهود الأردن ليسكنوا في قلعة طرابلس ويعمروها ثم سار معاوية على طريق الساحل وأخذ يستولي على الأماكن والمدن التي يمر بها ويرفع راية الاسلام فوقها. ومن بينها مدن عكار وصور ويافا وغيرها وقد كتب إلى أمير المؤمنين عمر بما فتح الله على يده كما أخبره بقرب جزيرة قبرص من سواحل الشام وأنها جزيرة خصبة وفيها كثير من الخيرات والثمار وأن الاستيلاء عليها ليس بالامر الصعب ويطلب الإذن بالذهاب إليها [و] فتحها (1). # ولما وصلت رسالة معاوية إلى أمير المؤمنين وعلم بمضمونها وكان يكره ركوب البحر فتأنى في الجواب وبعث رسالة إلى عمرو بن العاص يشاوره في ركوب البحر وفتح جزيرة قبرص وأن رأيه لا يؤيد ركوب المسلمين البحر كما يكره مثل هذا الامر الخطير. أستحلفك بالله أن لا تخفي عني شيئا حول هذا الموضع وكل ما تعرفه عن أحوال البحر وأخطاره فاكتب لي ذلك بكل صراحة (2) فأجابه عمرو بن العاص (3) بأن رسالة أمير المؤمنين قد وصلت وفهمت مضمونها حول ركوب البحر والذهاب لفتح جزيرة قبرص وكراهية أمير المؤمنين لذلك وأرجو من الله أن يلهم أمير المؤمنين الصواب في جميع أحواله. إن البحر أمره عظيم وخطره شديد والناس في البحر # PageV01P264 # كدودة تعلقت بخشبة فما دامت فوقها فهي في خوف شديد وإن هي تحركت غرقت، ولو أن أمير المؤمنين يرى تلاطم أمواج البحر وأنواع الأهوال التي يمكن أن توجد فيه فسيزداد برأيه تمسكا ولن يسمح لاحد ms0230 من المسلمين بالمخاطرة بذلك. وهذا هو مقدار معرفتي بأحوال البحر. كتبتها إليك والسلام. # فحين وصل هذا الجواب إلى عمر وعلم بمضمونه، سر بموافقة عمرو له في رأيه بأن لا يخوضوا البحر وأعاد الجواب إلى معاوية على هذا الشكل. أما بعد (1). # فاعلم يا معاوية بأن الله تعالى قد جعلني راعيا لامة محمد صلى الله عليه وسلم، وإني أستعين بالله على قيام مصالحهم ولا أرى أن أعرضهم لخطر البحر ومع هذا فقد استخرت وتشاورت مع جماعة ممن عاينوا أخطار البحر ولهم في ذلك سابقة فلم يروا المصلحة بذلك ووافقوني على كراهيتي لركوب المسلمين البحر فدع منك هذه الفكرة ولا تذكرها مرة أخرى والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # وإذ وصل جواب أمير المؤمنين عمر إلى معاوية، أيقن بأن عمرو بن العاص هو الذي أشار على عمر بذلك فقال: إن عمروا لم يرد أن تفتح قبرص على يدي ولو أن أمير المؤمنين أجاز له مثل هذا العمل لأسرع إلى ركوب البحر وانطلق مستعجلا وقد بلغ هذا الكلام لأمير المؤمنين فقال: صدق معاوية فلو أننا أجزنا لعمرو بن العاص ذلك لسار بدون تأخر، وتوقف المشروع إلى أيام عثمان حيث تم فتح قبرص على يد جيش المسلمين كما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى (2). واستقر معاوية في الشام وخضعت له جميع أطرافها وسواحل البحر وكان يجبي الخراج وقد سكن المسلمون هناك، وأقاموا المساجد وتوطنوها حتى صارت الشام بلادا إسلامية. أما عمرو بن العاص فقد أتم فتح مصر (3) واستقر في الإسكندرية وأمره بعد ذلك أمير المؤمنين عمر بأنه يتوجه إلى بلاده النوبة وأمره بفتحها كما وجهه إلى بلاد البربر وبرقة وطرابلس الغرب (4) وما وراءها حتى طنجة وأقصى بلاد السوس. فأمر عمرو بن العاص أن يوزع على الجنود خراج مدينة الإسكندرية ومقدارها عشرة آلاف دينار. ثم اتجه إلى بلاد النوبة. # PageV01P265 ### | ذكر توجه عمرو بن العاص نحو النوبة وفتحها. # ثم نادى عمرو بالرحيل نحو بلاد النوبة وكان معه عشرون ألف رجل، وحين وصل الجيش إلى أرض النوبة، ذهبت ms0231 فرق من الجيش للإغارة على تلك النواحي (1) وحين رأى رجال النوبة أن الجيش أخذ يغير على أموالهم فجمعوا مئة ألف رجل، وعزموا على الحرب على المسلمين وكانت حربا من نوع لم يشهد المسلمون مثله من قبل، فقد تناثرت الرؤوس والأيدي واقتلعت العيون بلا حساب. وقد قال أحد وجهاء المسلمين: إنني لم أر قوما يجيدون الرماية بالسهام (2) مثلهم فقد كان يقف بعض أهالي النوبة في مواجهة المسلمين ويقول: في أي جهة تريدون أن أرميه فيقول له رفاقه: الجهة الفلانية. وفورا يرمي الجهة المحددة ويصيبها بدون خطأ وينقل عن الواقدي رحمه الله عن أحد شيوخ حمير، ممن اشتركوا في تلك الحرب فقال: كنا واقفين في أحد الميادين صفا بإزاء أهل النوبة وفي خلال ساعة واحدة قلعت مئة وخمسون عينا رماها النوبيون بالسهام ولقد حاربناهم حتى نصرنا الله عليهم. فقتلنا منهم خلقا كثيرا ومن نجا من السيف فر] (3) إلى البراري والجبال. فلم يتبعهم عمرو بن العاص ولا قدر منهم على أسير وأحد، ولا على دينار ولا درهم (4). قال: # ثم سار عمرو بن العاص بالمسلمين يريد البربر. # PageV01P266 ### | ذكر فتح البربر وما كان من أخبارهم # قال: وكان البربر فيما مضى منازلهم بأرض فلسطين، وكان ملكهم جالوت بن جلهم (1) الذي قتله داود النبي عليه السلام، فلما قتل انجلت البربر من أرض فلسطين إلى أرض المغرب فنزلوها وتفرقوا فيها. قال: والبربر قبائل شتى، منهم: # زناتة ومغيلة وصرفند ولواتة وهوارة ونفوسة ولبيبة سبع قبائل، قال: فصارت هذه القبائل إلى حد بأرض المغرب، وقد كانت هذه المدائن فيها مضى للروم منها لوبية (2) ومراقية (3) ولبدة (4) وسبرة (5). قال: ومنهم من صار إلى برقة (6)، ومنهم من # PageV02P269 # صار إلى طرابلس المغرب، ومنهم من بلغ إلى طنجة وأفراهنجة وإلى السوس الأدنى وإلى السوس الأقصى. قال فغلبت البربر على هذه المدائن فأجلوا الروم عنها ونزلوا فيها. قال: وصار أهل إفريقية وبرقة وجميع البلاد يتقون من ناحية البربر ويخافونهم خوفا شديدا. # قال: فصار إليهم عمرو بن العاص في جيشه ذلك حتى نزل بأول مدينة من مدنهم، ms0232 قال: وخرجت البربر إلى المسلمين فقاتلوهم، وأظهر الله تبارك وتعالى عليهم المسلمين فقتلوا منهم في يوم واحد نيفا على سبعمائة رجل. # فلما رأت البربر ذلك كرهوا حرب المسلمين فخضعوا وذلوا وأذعنوا وطلبوا الصلح. قال: فصالحهم عمرو بن العاص على ثلاثمائة رأس من السبي ومثلها من الخيل والبغال والحمير ومثلها من البقر والغنم، فأخذ ذلك كله منهم. # ثم سار منها إلى مراقية ولبدة وسبرة وزويلة، فصالح أهل كل مدينة من هذه المدن على ما صالح عليه أهل المدينة الأولى. # ثم سار إلى برقة فلم يترك بساحتها حصنا حتى خرجوا إليه فحاربوه ساعة من النهار ثم إنهم انهزموا من بين أيدي المسلمين فزعين مرعوبين حتى دخلوا مدينتهم برقة وقد قتل منهم من قتل، ثم سألوا الصلح بعد ذلك، فأجابهم إليه عمرو بن العاص، فصالحهم على خمسمائة من السبي، ثلاثمائة غلام ومائتي جارية ومثل ذلك من الماشية (1)، فجمع ذلك كله ثم كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بما فتح الله عز وجل على يده من البلاد وأنه مقيم على باب برقة (2) إلى أن يرد عليه # PageV02P270 # كتاب أمير المؤمنين فينتهي إلى أمره إن شاء الله تعالى. ### | ذكر كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري. # من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام عليك! أما بعد فقد بلغني أن الأعاجم قد تحركت بأرض الأهواز (1) من تستر والسوس ومناذر وما والى ذلك وقد جمعوا المسلمين جمعا، فإذا ورد عليك هذا الكتاب إن شاء الله فلا تضيعه من يدك حتى تضم إليك أصحابك ومن أجابك من أهل البصرة وسائر المسلمين، ثم سر بهم على بركة الله عز وجل وطاعته والرغبة فيما لديه، فمن أجابك منهم فهو أولى بماله وأهله وولده، وليس لك من ذلك إلا بلغة إن احتجت إلى ذلك، وعظ نفسك وأصحابك ولا تكثر عليهم الحرب في كل وقت فيملوها إلا أن يطلبوا ذلك منك، وألن لهم جانبك وحطهم بنفسك، واعلم بأن المسلمين في جوار الله عز وجل، وأن ms0233 المسلم أعظم الخلق على الله عز وجل حرمة، فلا يطلبنك الله عز وجل بمظلمة أحد منهم، واحذر عليهم واحفظ قاصيهم، وأنصف مظلومهم، وخذ لضعيفهم من قويهم وأصلح ذات بينهم، وألزمهم القرآن وخوفهم، وامنعهم من ذكر الجاهلية وما كان فيها فإنه يورث الضغينة ويدعو إلى الدخول والقطيعة، واعلم يا بن قيس بأن الله تبارك وتعالى قد تكفل لأهل هذا الدين بما لا خلف له من النصر والظفر، فاحذر أن يصرف الله عز وجل بوجهه إلى غيرك وأن يستبدل بك سواك من خلقه - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # قال: فلما ورد كتاب عمر رضي الله عنه على أبي موسى الأشعري وقرأه قال: يرحم الله أمير المؤمنين كأن ملكا بين عينيه يسدده إلى الكلام، ثم نادى في الناس فجمعهم وعرضهم فكانوا يزيدون على عشرة آلاف من بين فارس وراجل، فقام فيهم خطيبا فحمد الله عز وجل وأثنى عليه، ثم وعظهم وأحسن الموعظة وقرأ عليهم كتاب عمر رضي الله عنه وأمرهم بالجهاز إلى أرض الفرس وديارها وقال لهم فيما يقول: أيها الناس! إذا لقيتم العدو غدا فاصبروا على جهادهم واجعلوا حصونكم الصفائح والحجف والعوالي، فإن كلت الرماح والصفائح فاعترضوهم # PageV02P271 # بالسهام والجندل، وانظروا لا يكونن شيء مما خلق ربكم أهون عليكم من الدنيا فإنها دار الفتنة وسجن المؤمن، ولا يكونن شيء أحب إليكم من لقاء ربكم فإن ما عند الله خير للأبرار، ألا! وإني سائر فسيروا إلى لقاء عدوكم غدا إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: ثم نزل عن المنبر ودعا عمران بن الحصين واستخلفه على البصرة. # وخرج أبو موسى بمن معه من الناس حتى نزل الأيلة (1) وتلاحق به الناس، فرحل من الأيلة (1) حتى دخل أرض الأهواز، فجعل يفتحها رستاقا رستاقا ونهرا نهرا، والفرس يرتفعون بين يديه ويخلون له البلاد وأبو موسى في أثرهم يتبعهم فيخرب أرضهم ويغنم أموالهم، حتى فتح أرض الأهواز كلها إلا السوس وتستر ومناذر ورامهرمز هذه الأربعة (2). # ثم نزل على مناذر الكبرى وبها يومئذ خلق كثير من الفرس، فناوشهم ms0234 أبو موسى القتال، وتقدم فتى من خيار المسلمين يقال له المهاجر بن زياد بن الديان (3) فجعل يقاتل قتالا شديدا وهو في ذلك صائم، فأقبل أخ له يقال له الربيع بن زياد إلى أبي موسى فقال: أيها الأمير، إن أخي مهاجر بن بن زياد قد شرى نفسه لله في هذا اليوم وهو صائم، وأنا أعلم أنه قد بلغ منه العطش فلو أمرته أن يفطر ويحارب العدو! # قال: فنادى أبو موسى في الناس (4): ألا! أني أحرج على رجل قاتل في هذا اليوم وهو صائم. قال: فدعا المهاجر بن زياد بشربة من ماء فشرب، ثم قال: أيها الأمير! أترى هذه الشربة [من] الماء تحول بيني وبين دخول الجنة؟ لا والله لا كان ذلك أبدا إن شاء الله وأنا أريد الشهادة. # PageV02P272 # قال: وتقدم المهاجر فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه. قال: # وأخذت الفرس رأس المهاجر بن زياد وكانت له ضفيرتان فعلق رأسه على سور المدينة بضفيرتيه، قال: وغضب أبو موسى الأشعري لذلك وحرض المسلمين على الحرب، فلم يزل يحارب أهل مناذر أشد حرب حتى فتحها قسرا، فلم يترك فيها محتلما حتى قتله وسبى أهلها وأخذ أموالها. ### | ذكر فتح السوس وما كان من محاربة أهلها. # قال: ثم سار أبو موسى إلى السوس (1) فنزل عليها وحاصر أهلها حصارا شديدا، قال: وبها يومئذ ملك من ملوك العجم يقال له سابور بن آذرماهان (2)، فلما نظر إلى خيل المسلمين وقد نزلت عليه ونظر أن أبا موسى قد حاصره وضيق عليه دعا بوزير له يقال له كرد بن آذر مهر، فأرسله إلى أبي موسى يسأله أن يعطيه الأمان له ولعشرة (3) من أهل بيته ويسلم له قلعة السوس، فأجابه أبو موسى إلى ذلك وبعث إليه أن تسمي من أحببت أن يخرج في الأمان، قال: فسمى سابور من أراد أن يخرجه من القلعة ولم يسم نفسه فيهم، قال: فجعل أبو موسى يسمي من خرج من القلعة حتى سمى القوم بأسمائهم، ثم خرج سابور من بعد ذلك فقال له أبو موسى: ms0235 أليس إنما كتبت إلي تسألني أن أعطي عشرة من أصحابك الأمان؟ قال: بلى! قال: فهؤلاء عشرة كما ذكرت وما أرى لك ههنا اسما، وإن في قتلك صلاحا، ثم قدمه أبو موسى فضرب عنقه صبرا، واحتوى على مدينة السوس فغنم ما فيها وأخذ أموال سابور ملكها، وجعل يدور بالخزائن فيأخذ ما فيها، حتى أفضى إلى خزانة مقفلة وقد ختم قفلها بالرصاص، فقال أبو موسى لأهل السوس: ما في هذه الخزانة فإني أراها مختومة بالرصاص؟ فقالوا: أيها الأمير! ليس فيها شيء من حاجتك، فقال: لابد لي من علم ما فيها. ### | خبر دانيال الحكيم. # قال: فكسر القفل وفتح الباب ودخل أبو موسى إلى تلك الخزانة فنظر فإذا هو # PageV02P273 # بحجر كبير محفور على مثال الحوض (1) وفيه رجل ميت وقد كفن في أكفان منسوجة بالذهب ورأسه مكشوف (2)، قال: فتعجب أبو موسى من ذلك وقال لأهل السوس: # ويحكم من هذا الرجل؟ قالوا: هذا رجل كان بالعراق وكان أهل العراق إذا احتبس عنهم المطر يستسقون به فيسقون، فأصابنا من قحط المطر ما كان يصيب أهل العراق فأرسلنا إليهم وسألناهم أن يدفعوه إلينا حتى نستسقي به فأبوا علينا، فأرهناهم خمسين رجلا وحملناه إلى هذا المكان، ثم استسقينا فسقينا، ورأينا من الرأي أن لا نرده عليهم، فلم يزل مقيما عندنا إلى أن أدركته الوفاة فمات، فهذه قضيته وهذا حاله. # قال: فأقام أبو موسى الأشعري بالسوس وكتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخبره بما فتح الله عز وجل عليه من مناذر وما والاها ومدينة السوس ويذكر في كتا به أمر دانيال. قال: فدعا عمر بأكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سألهم عن دانيال هذا، فلم يجد عندهم فيه خبرا، فقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: بلى هذا دانيال الحكيم وهو نبي غير مرسل، غير أنه في قديم الزمان مع بختنصر ومن كان بعده من الملوك. قال: وجعل علي يحدث عمر بقضية دانيال من أولها إلى آخرها إلى وقت وفاته، ثم قال علي: ms0236 اكتب إلى صاحبك أن يصلي عليه ويدفنه في موضع لا يقدر أهل السوس على قبره، قال: فكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري بذلك (3)، فلما قرأ أبو موسى كتاب عمر أمر أهل السوس أن يقلبوا نهرهم إلى موضع آخر. ثم أمر بدانيال فكفن أيضا في أكفان فوق التي كانت عليه، ثم صلى عليه هو وجميع أصحابه من المسلمين، ثم أمر بقبره، فحفر في وسط نهر السوس ثم دفنه وأجرى عليه الماء، فيقال إن دانيال مدفون في نهر السوس والماء يجري عليه إلى يومنا هذا - والله أعلم - (4). # PageV02P274 ### | ذكر فتح تستر وما كان من محاربة المسلمين لأهلها. # قال: ثم سار أبو موسى إلى تستر (1) بعد فراغه من أمر السوس فنزل عليها وبها يومئذ الهرمزدان أنو شروان (2)، فلما علم أن العرب قد نزلت بساحته جمع نواحيه وضم أطرافه ثم كتب إلى يزدجرد ملك الفرس يخبره بأمر العرب ويسأله المدد، قال: ويزدجرد يومئذ مقيم بنهاوند في جميع عظيم من الفرس، فلما ورد عليه كتاب الهرمزدان يسأله المدد دعا برجل من وزرائه يقال له شاه بوذان فضم إليه عشرة آلاف، واتبع له آخر يقال له داربهان في عشرة آلاف، وأتبعه بوزير آخر يقال له دارنوش في عشرة آلاف، وبوزير آخر يقال له راحشين في عشرة آلاف، فذلك أربعون ألفا، واجتمع إلى الهرمزدان أهل بلده في خمسة وعشرين ألفا، فصار في خمسة وستين ألفا. # قال: وكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخبره بذلك ويسأله المدد، قال: فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى جرير بن عبد الله البجلي وجرير يومئذ بحلوان، فأمره بالمسير إلى أبي موسى، ثم كتب أيضا إلى عمار بن ياسر وعمار بالكوفة، فأمره بالمسير إلى أبي موسى (3). # قال: فدعا جرير بابن عم له يقال له عروة بن قيس البجلي واستخلفه على حلوان في ألف رجل، وخرج جرير من حلوان في أربعة آلاف فارس يريد أبا موسى، قال: وسار جرير حتى قدم على أبي موسى. # ودعا عمار بن ms0237 ياسر عبد الله بن مسعود فقال: هذا كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، يأمرني فيه بالمسير إلى أبي موسى الأشعري لنصرة إخواننا المؤمنين من أهل البصرة، فأنت خليفتي على أهل الكوفة إلى قدومي إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال: ثم نادى عمار في أهل الكوفة فاستنهضهم إلى الجهاد، فأجابه الناس إلى ذلك سراعا، فخرج عمار من الكوفة في ستة آلاف فارس يريد إلى أبي موسى. # PageV02P275 # قال: فجعل بشر بن منقذ الهمداني يذكر حروبهم المتقدمة بالخيلة في أيام مهران وما كان من محاربتهم بين يدي المثنى بن حارثة الشيباني رحمه الله. قال: # وسار عمار بن ياسر حتى قدم على أبي موسى الأشعري، فصار أبو موسى على باب تستر في نيف على عشرين ألفا بين فارس وراجل، فعندها دعا بالنعمان بن مقرن المزني وجرير بن عبد الله البجلي فأمرهما بالمسير إلى رام هرمز (1) على أنهما يدعوان أهلها إلى الاسلام. # قال: فسار جرير حتى نزل على رام هرمز ثم إنه بعث بالنعمان بن مقرن ففتح قلعتين من قلاع رام هرمز وأصاب منها سبيا وخيرا كثيرا، قال: وفتح جرير بن عبد الله (1) مدينة رام هرمز بالسيف قسرا فاحتوى على أموالها ونسائها وذريتها. # قال: وبلغ ذلك أبا موسى الأشعري فقال لأهل البصرة: ويحكم! إني كنت أعطيت أهل رام هرمز الأمان وأجلتهم ستة أشهر إلى أن يروا رأيهم (3)، فعجل جرير بن عبد الله وأهل الكوفة ففتحوا مدينتهم قسرا وقسموا السبايا، فهاتوا ما عندكم من الرأي! قال: فقال أهل البصرة: الرأي في ذلك عندنا أن تكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتخبره بذلك إلى أن يرد عليك الخبر من عنده فتعمل بحسب ما يأمرك. # قال: فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلمه بالخبر على وجهه، فكتب عمر إلى صلحاء عسكر أبي موسى مثل حذيفة بن اليمان والبراء بن عازب وأنس بن مالك وسعيد بن عمرو الأنصاري وغيرهم أن ينظروا في ذلك، فإن كان أبو ms0238 موسى قد أعطى رام هرمز من الأمان قبل ذلك كما زعم وأعطاهم عهدا وكتابا مكتوبا أن يرد الناس ما في أيديهم من السبي، وإن كانت امرأة حامل أن تحبس في موضع ويوكل عليها ويجرى لها النفقة حتى تضع ما في بطنها ثم تخير بعد ذلك بين الاسلام والمقام مع صاحبها، فإن اختارت الاسلام فذلك، وإن أبت ردت إلى بلادها، وأن تستحلفوا أبا موسى الأشعري أنه قد كان أعطى أهل رام هرمز عهدا # PageV02P276 # وأمانا وضرب لهم أجلا ستة أشهر كما زعم، فإذا حلف بذلك فيرد السبي ولا سبيل عليهم إلى انقضاء المدة والأجل. # قال: فاستحلف المسلمون أبا موسى فحلف أنه قد أعطى أهل رام هرمز أمانا وعهدا مؤكدا وضرب لهم أجلا، وكانوا في موادعته ستة أشهر. فلما حلف أبو موسى بذلك رد المسلمون السبي إلا بلادهم، ووضعت الحوامل ما في بطونهن فخيرن بعد ذلك، فمنهن من اختارت الاسلام فأقامت مع صاحبها، ومنهن من أبت فردت إلى بلادها. # قال: وكتب بعض أصحاب جرير بن عبد الله إلى عمر بن الخطاب أبياتا يذكر فعل جرير بأهل رام هرمز وأنه لم يفعل ما فعل إلا بأمر أبي موسى، وأن أبا موسى هو الذي أمرهم بالنزول عليهم وبمحاربتهم. ### | ثم رجعنا إلى أخبار تستر. # قال: وعزم المسلمون على حرب أهل تستر فوثب أبو موسى يعبي أصحابه، فكان على ميمنته جرير بن عبد الله البجلي، وعلى ميسرته النعمان بن مقرن المزني، وعلى الجناح البراء بن عازب، وعلى أعنة الخيل عمار بن ياسر، وعلى رجالته حذيفة بن اليمان (1)، ثم إنه زحف بخيله ورجله نحو تستر، ورجل من المسلمين يقرأ هذه الآية: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) (2) قال: وخرج الهرمزدان (3) صاحب تستر إلى حرب المسلمين في الأساورة والمرازبة (4) وبين يديه قواد الأعاجم، وكذلك عن يمينه وشماله، فقال رجل من المسلمين (5): اللهم! تعلم أني أحب لقاءك وأبغض أعداءك فانصرنا عليهم # PageV02P277 # واقبضني إليك، يا رب! إنك على كل ms0239 شيء قدير، قال: ثم إنه حمل على أهل تستر، فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة ثم وقف في ميدان الحرب، قال: ثم حمل ثانية على أهل تستر، فلم يزل يقاتل حتى قتل رحمة الله عليه. # قال: واشتبك الحرب بين الفريقين فاقتتلوا ساعة من النهار، وحمل رجل من الفرس يقال له مراد شاه في زهاء ألف فارس من أبطال الفرس على ميسرة أهل الكوفة وفيهم يومئذ بنو بكر بن وائل وجماعة من كندة، قال: وانكشف الكوفيون بين يدي الفرس كشفة أطمعوهم في أنفسهم، ثم رجعوا عليهم فطردوهم بين أيديهم طردا وكدوهم بحملتهم عليهم كدا وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، قال: ثم وقعت الهزيمة على أهل تستر، فانهزموا والسيف يأخذهم حتى دخلوا مدينتهم. # فلما كان من غد عبى أبو موسى أصحابه كما عبأهم بالأمس ثم زحف بهم نحو باب تستر، قال: وخرج الهرمزدان صاحب تستر إلى قتال المسلمين وقد عبى أصحابه تعبية خلاف تعبيته بالأمس، وعلى ميمنته رجل من قواد يزدجرد يقال له مهريار في نيف من عشرة آلاف من الأساورة وعلى ميسرته رجل من الري يقال له شيرواهات في أربعة آلاف من الفرس، وبين يديه ملك من ملك الأهواز يقال له خرشيد بن بهرام في نيف عن عشرة آلاف فارس، ما يبين منهم شيء سوى حوافر الخيل من كثرة السلاح والتجافيف، والهرمزدان يومئذ في القلب في جماهير الأعاجم، عليه جوشن مذهب وبيضة مذهبة وسيف محلى بالذهب، وقد التحف بدرقة مذهبة وفي يده طبرزين مذهب، وكل ذلك مما أتحفه به يزدجرد حين قاتل معه يوم جلولاء. # قال: ونظر أبو موسى الأشعري إلى جمع الهرمزدان وتعبيته وزينته فنادى بأعلى صوته: يا أهل الإسلام! ويا حملة القرآن! ويا أهل المعرفة والايمان! لا يغرنكم هذه الجيوش ولا تهابوا هذه التعبية، فهي كالجيوش والتعبية التي قد لقيتموها في كل موطن، ووالله! ما أحد يشك في كفر هؤلاء القوم وقتالهم إلا أدخله الله مدخلهم. # قال: وجعل أبو موسى يسير بين الصفين فيسوي أصحابه ويقف على شرذمة شرذمة ms0240 فيوصيهم بالصبر ويعدهم النصر والظفر. PageV02P278 ### | خبر نصر بن الحجاج السلمي وما كان من أمره وكيف صار إلى تستر ومحاورته مع أبي موسى الأشعري. # قال: فبينما أبو موسى كذلك إذ مر بفتى من بني سليم يقال له نصر بن الحجاج (1)، وكان من الفرسان الابطال، وكان به مسحة من جمال، وهو الذي أخرجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المدينة. # وكان السبب في ذلك أن امرأة من أهل المدينة يقال لها الذلفاء هويت نصر بن الحجاج هذا فأرسلت إليه ودعته إلى نفسها، فزجرها ولم يواتئها إلى ما تريد. قال: # فبينا عمر ذات يوم مار (2) في سكك المدينة إد سمع نشيد شعر من دار، فوقف يستمع فإذا الذلفاء، قال: فلما سمع عمر رضي الله عنه هذه الأبيات (3) منها أمر بالذلفاء، فأخرجت من منزلها، ثم أمر بها فحبست، قال: فعلمت الذلفاء أن عمر سمعها وهي تنشد تلك الأبيات، فكأنها اتقت على نفسها أن يعاقبها على ذلك فكتبت إليه من محبسها أبياتا (4). قال: فلما نظر عمر رضي الله عنه في هذه الأبيات أمر # PageV02P279 # بإخراجها من محبسها، فأخرجت. # ثم أرسل إلى نصر بن الحجاج أن أخرج (1) من المدينة والحق بالبصرة فكن بها إلى أن يأتيك أمري. قال: فمضى نصر بن الحجاج إلى البصرة فنزلها ثم كتب إلى عمر أبياتا، قال: فلما وصلت الأبيات إلى عمر ونظر فيها كتب إلى أبي موسى الأشعري وأمره بالوصاءة به إن أحب أن يقيم بالبصرة وإن أحب الرجوع إلى المدينة فذاك إليه، فاختار الفتى الإقامة بالبصرة. فلم يزل مقيما بها إلى أن خرج أبو موسى الأشعري إلى محاربة أهل الأهواز، فخرج معه هذا الفتى نصر بن الحجاج في هذا الجيش، فلما كان يوم تستر مر به أبو موسى وهو على فرس له أشقر، فجعل يطيل النظر إلى الفرس، فقال له نصر بن الحجاج: ما لي أراك قد أطلت النظر إلى فرسي! فقال له أبو موسى مداعبا له: ليس فرسك هذا بشيء ولكنه حسن القميص، فهل لك أن تبيعنيه؟ قال: فغضب ms0241 نصر بن الحجاج فقال: أيها الأمير! أنت بالبقر أبصر منك بالخيل، فقال له أبو موسى: صدقت يا بن أخي إني لأرى بقرتك هذه حديدة القرن، دقيقة الاذن، عريضة الجبهة، جيدة الجوف قريبة من الأرض، فاشدد يدك بها، فقال له نصر بن الحجاج: فلا عليك أيها الأمير أن تسابقني ببقرتك هذه التي تحتك، قال: وجعل نصر بن الحجاج: يحدث أبا موسى بهذا الكلام وهو يستحي أن يرفع رأسه. قال: والتفت ابن عم لنصر بن الحجاج إلى أبي موسى فقال: أيها الأمير! إني أراك قد عبت فرس ابن عمي هذا وإن فرسك لأشبه شيء بالبقر، لأنه عظيم الرأس، أخطل (2) الاذنين، مهلوب (3) الذنب، قصير الرجلين، قال: فضحك أبو موسى ثم قال: يا أخا بني سليم! إني لم أرد بكلامي ابن عمك إلا خيرا وإنما كانت مني إليه مداعبة، فذر عنك الغضب رحمك الله وعليك بالجهاد. # PageV02P280 ### | ثم رجعنا إلى حديث الحرب. # قال: ودنا المسلمون من الفرس والفرس من المسلمين فتراموا بالنشاب والنبل ساعة، ثم إنهم تلاحموا فاختلطوا، واشتبك الحرب بينهم من وقت بزوغ الشمس إلى قريب من الظهر. قال: وإذا رجل من عظماء الفرس من أهل تستر يقال له هرمك قد خرج فجعل يجول ويطلب البراز، فخرج إليه شيخ من باهلة من بني حلوه (1) يقال له أوس على فرس له عجفاء، فلما نظر إليه أبو موسى عرفه فناداه أن ارجع يا أخا باهلة! فلست من أهل هذا الفارسي لأنك شيخ بال وأنت على فرس بال، قال: فرجع الشيخ ولم يخرج، وجعل الفارسي يطلب البراز، فأحجم عنه الناس وخرج إليه الشيخ ثانية، فرده أبو موسى، فغضب الباهلي من ذلك ولم يلتفت إلى كلام أبي موسى ومضى نحو الفارسي، فالتقيا بطعنتين، طعنة الباهلي قتلته، ثم أقبل راجعا نحو المسلمين، قال: فقال له أبو موسى: يا أخا باهلة! إن الأشعري لم يرد بكلامه إياك بأسا، فقال الباهلي: ولا الباهلي أراد بأسا أيها الأمير! # قال: وتقدم جرير بن عبد الله البجلي حتى وقف بين الصفين ثم نادى بأعلى ms0242 صوته: أيها المسلمون! الجهاد ثوابه عظيم وخطره جسيم، وهذا يوم له ما بعده من الأيام، وقد دعاكم الله عز وجل إلى الجهاد ووعدكم عليه الثواب، ونهاكم عن التثاقل وحذركم العقاب، فاعملوا في يومكم هذا عملا يرضى به ربكم عنكم، ألا وإني حامل يا معشر بجيلة فاحملوا. # قال: ثم جعل جرير يرتجز، قال: ثم حمل جرير من الميمنة وحمل النعمان بن مقرن من الميسرة واختلط الفريقان، ودارت بهما الحرب فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم صدقهم المسلمون القتال والحملة وكبروا، وإذا الهرمزدان قد ولى بين يدي أصحابه فاتبعته الأعاجم، ووضع المسلمون فيهم السيف فقتلوا منهم في المعركة مقتلة عظيمة وأسروا منهم ستمائة رجل، ودخل الهرمزدان وأصحابه إلى تستر بأشر حالة تكون وعامة أصحابه جرحاء، ورجع المسلمون إلى معسكرهم، وقدم أبو موسى هؤلاء الاسراء فضرب أعناقهم عن آخرهم. # فلما كان من غد إذا برجل من الفرس من أهل تستر يقال له نسيبه بن دارنة قد # PageV02P281 # أقبل إلى أبي موسى الأشعري من بعد صلاة العشاء الآخرة فقال: أيها الأمير! # أتعطيني الأمان على نفسي ومالي وولدي وأهلي وأدفع إليك هذه المدينة؟ فقال له أبو موسى: لك ذلك، فقال الفارسي: فابعث معي الساعة رجلا حتى أوقفه على الطريق الذي يتهيأ لكم أن تدخلوا المدينة منه، قال: فبعث معه أبو موسى برجل يقال له عوف بن مجزأة (1) فقال له: انطلق مع هذا الرجل حتى يوقفك على الطريق الذي يتهيأ لنا أن ندخل منه إلى مدينة تستر. # قال: فخرج عوف بن مجزأة مع نسيبه هذا الفارسي في جوف الليل حتى جاز به الفارسي نهر تستر فأوراه المخاضة من موضع عرفه، ثم مر به على عرق الجبل حتى أصعده السور. وعلى السور قوم نيام قد أوقفهم الهرمزدان في ذلك الموضع حرسا للمدينة، قال: فجاز به نسيبه رويدا رويدا حتى أنزله إلى مدينة تستر ثم جاء به إلى منزله فبات فيه، فلما أصبح نسيبه أخذ طيلسانا له فدفعه إلى عوف بن مجزأة فقال له: غط رأسك بهذا الطيلسان واتبعني، قال: فخرج ms0243 المسلم يتبع نسيبه حتى جاز به على باب الهرمزدان والهرمزدان في وقته قد وضع الموائد على بابه يغدي قواده وأساورته، فقال نسيبه للمسلم: هذه دار الهرمزدان فأعرفها لتخبر أصحابك بذلك، قال: ثم جاء به حتى أوقفه على باب المدينة فعرفه إياه، وطاف به في مدينة تستر حتى أوقفه على الموضع الذي جاء به منه فقال: اعبر الآن هذا النهر وسر إلى صاحبك فخبره بما رأيت وقل له فليبعث معك بجماعة وليتبعوك حتى تدخل المدينة كما أدخلتك إياها وليحتالوا في قتل هؤلاء الحرس، فإذا كان وقت الصبح فلينزلوا إلى باب المدينة فليعالجوه حتى يفتحوه، ويكون صاحبك قد عبى أصحابه وأوقفهم على الباب، فإني أرجو أن يفتح الله هذه المدينة لكم، فإني قد أوقفتك على مدخلها ومخرجها فخبر أنت أصحابك بذلك وكن أنت الدليل لهم على فتحها. # قال: فخرج عوف بن مجزأة إلى أبي موسى فخبره بذلك، فلما كان في الليلة الثانية قال أبو موسى لأصحابه: أيها المسلمون من يهب نفسه لله تعالى في هذه الليلة فليخرج مع عوف بن مجزأة حتى يدخل بهم مدينة تستر فيكونوا هم الذين يفتحون لنا # PageV02P282 # بابها من داخلها، فقد تعلمون أنه ليس لنا في تستر حيلة إلا أن تفتح لنا من داخلها لأجل هذا النهر الذي يدور حولها. # قال: فانتدب له سبعون (1) رجلا أو يزيدون من أهل البصرة وأهل الكوفة فتقلدوا بسيوفهم ثم مضوا نحو تستر وعوف بن مجزأة بين أيديهم، حتى جاز بهم النهر فخاضه من الموضع الذي قد عرفه، ثم أصعدهم على عرق الجبل حتى أوقفهم على السور والحرس في وقتهم ذلك نيام لا يعقلون. قال: فنكى فيهم هؤلاء المسلمون فذبحوهم عن آخرهم، ثم قعدوا على السور ينتظرون الصبح، فلما كان وقت الصبح وثب المسلمون فصلوا بغلس (2) وركبوا دوابهم وتقلدوا سيوفهم وتناولوا رماحهم وقصدوا نحو باب تستر والباب مغلق، قال: ونزل هؤلاء السبعون الذين مضوا في أول الليل فساروا إلى باب تستر من داخل ليعالجوه فيفتحوه، وكان على الباب ثلاثة أقفال ومفاتيح الاقفال عند ms0244 الهرمزدان، قال: وكبر المسلمون من خارج الباب وكبر المسلمون السبعون من داخل الباب، وسمعت الفرس بذلك فبادروا وخرجوا من دورهم وقصورهم وركبوا، وركب الهرمزدان في أساورته ومرازبته نحو الباب. قال: فجعل هؤلاء السبعون رجلا يقاتلون أهل تستر بأجمعهم، وكان قوم يعالجون فتح الباب وقوم يحاربون حتى كسروا قفلين وقتل عامة هؤلاء السبعين فما بقي منهم إلا نفر قليل. قال: وجعل المسلمون يكبرون من خارج المدينة وليس لهم في أصحابهم حيلة، فلم يزالوا كذلك حتى قتل السبعون بأجمعهم غير ثلاثة نفر، ففتحوا القفل الثالث واقتحم المسلمون مدينة تستر وهؤلاء الثلاثة أيضا داستهم الخيل فقتلتهم. # قال: وسار المسلمون بأجمعهم حتى صاروا في مدينة تستر فجعلوا يقتلون وينهبون، وخرج الهرمزدان عن مدينة تستر هاربا حتى صار إلى قلعة له، وقد كان قدم أهله وولده وعامة أمواله إلى تلك القلعة في نفر من أهل بيته وخدمه وحشمه فتحصن هنالك، وغنم أبو موسى والمسلمون جميع ما كان بتستر من أموالها وغنائمها، ومرت الفرس على وجوهها يمنة ويسرة وقد كانوا وجهوا بنسائهم وأولادهم وأموالهم ففرقوهم في البلاد خوفا من المسلمين. # PageV02P283 # قال: وجمع أبو موسى غنائم تستر فأخرج منها الخمس ليوجه به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقسم باقي ذلك في المسلمين، فأعطى كل ذي حق حقه (1)، ثم سار في جميع أصحابه حتى نزل إلى قلعة الهرمزدان فحاصره بها أشد الحصار، فلما رأى الهرمزدان ما هو فيه بعث إلى أبي موسى يسأله أن يعطيه الأمان على أن يحمله إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أهله وولده وحشمه وجميع أهل بيته، فأجابه أبو موسى إلى ذلك وكتب له أمانا منشورا فبعث به إليه، فنزل الهرمزدان من قلعته، فأخذوا جميع ما كان فيها. # قال: ثم دعا أبو موسى بالهرمزدان فقيده بقيد ثقيل ووجه به وأهله وولده وجميع ما كان معه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ووجه إليه أيضا بالخمس من غنائم المسلمين من تستر (2). # قال: وبلغ ذلك أهل المدينة فجعلوا ينظرون إلى الهرمزدان ms0245 ومن معه من أصحابه، قال: ودخل المسلمون المدينة وطلبوا عمر بن الخطاب في منزله فلم يصيبوه، فقال الهرمزدان: لمن تطلبون؟ قالوا: نطلب أمير المؤمنين، قال الهرمزدان: أو ليس له من يقضي حوائجه؟ قالوا: بلى ولكنه عون نفسه، قال: # فعجب الهرمزدان من ذلك. # ثم جاء المسلمون فإذا هم بعمر بن الخطاب وهو نائم في مشرفه من وراء المسجد فوقفوا عليه وسلموا، فاستيقظ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم استوى جالسا فنظر إلى الهرمزدان وإلى من معه فخر لله ساجدا ثم قال (3): الحمد لله الذي جعله وأشباهه فيئا للمسلمين. # قال: ثم وثب عمر فدخل المسجد واجتمع إليه المهاجرون والأنصار، وأتي بالخمس حتى وضع بين يديه فنظر إليه عمر وحمد الله عز وجل على ذلك. ثم دعا بالهرمزدان فأوقفه بين يديه ثم قال: يا هرمزدان! كيف رأيت صنع الله عز وجل بك؟ # PageV02P284 # فقال الهرمزدان: لست بأول من نزلت به هذه النازلة، المصائب قد تصيب الرجال. # فقال عمر: صدقت فقل لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقال الهرمزدان: على هذه الحالة لا أقول، قال: عمر: فإني قاتلك، قال الهرمزدان: فإني عطشان فاسقني قبل أن تقتلني، قال عمر: ائتوه بماء حتى يشرب، قال: فأتي بماء في إناء من خشب أو غير ذلك، فقال الهرمزدان: إني لا أشرب في مثل هذا الاناء ولا أشرب إلا في جوهر، قال عمر رضي الله عنه: إنا لا نشرب في الجوهر ولا نرى ذلك، فقال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: فلا عليك ائته بماء في قوارير (1) فإنه جوهر أيضا، قال: فأتي بقدح فيه ماء فتناوله، فقال له عمر: اشرب! فقال الهرمزدان: # أخاف أن تقلني قبل أن أشربه، قال عمر (2): فلك الله عز وجل راع وكفيل لا أقتلك أو تشربه، قال: فرفع الهرمزدان القدح فضرب به الأرض فكسره، فقال عمر: أيها المسلمون ما ترون في هذا؟ فسكت المسلمون، فقال علي (3) رضي الله عنه: إنك قد أعطيته الأمان وحلفت له أن لا تقتله أو يشرب الماء، فلم ms0246 يشربه فليس لك أن تقتله، ولكن ضع عليه الجزية وذره ليكونن بالمدينة. فقال الهرمزدان: إنه لا توضع الجزية على مثلي وأنا ملك وابن ملك غير إني داخل في دين الاسلام طائعا غير مكره وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. قال: وأسلم الهرمزدان وأسلم كل من كان معه من أهل بيته وولده وخدمه وحشمه، فأمر عمر رضي الله عنه بفك قيده وقربه وأدناه وفرح بإسلامه، وخلطه المسلمون بأنفسهم. # قال: ودخل رجل من المسلمين (4) ممن كان مع أبي موسى إلى قلعة الهرمزدان فجعل يدور فيها، فبينا هو كذلك إذ نظر إلى تمثال من حجر وقد مد يده كذا نحو الأرض، قال: وكان هذا المسلم داهيا فقال: ما وضع هذا التمثال في هذا الموضع مادا يده إلى الأرض إلا وتحت يده كنز! ثم جاء إلى أبي موسى الأشعري فخبره بذلك، فأرسل أبو موسى بثقات من أصحابه وأمرهم، فحفروا تحت التمثال فإذا هم بسفط عظيم مقفل، فحملوه إلى أبي موسى، فأمر به ففتح فإذا دنانير كثيرة # PageV02P285 # كسروية وحلى من قرطة وشنوف (1) ومخانق (2) وخلاخيل وأسورة وخواتيم وكل ذلك من الذهب مرصع بالدر والجوهر. قال: فنظر أبو موسى والمسلمون إلى ذلك، قال: ونظر أبو موسى إلى فص ياقوت هناك فأخذه ولم يعلم قيمته، ثم قفل السفط وختمه وأرسل به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكتب إليه بحاله وقصته. # قال: فكتم عمر هذا السفط ثم بعث إلى الهرمزدان فدعاه ثم قال: يا هرمزدان! إني أسألك عن أموالك ما حالها؟ فقال الهرمزدان: إن مالي وأموال غيري قد صارت إلى أبي موسى وقد قسمها في أصحابه ووجه إليك ما وجه، قال عمر: فهل بقي لك في قلعتك شيء من المال؟ قال: لا يا أمير المؤمنين! ما بقي لي هنالك شيء إلا سفط مدفون في القلعة لا يقدر عليه أحد وقد عزمت على أن أوجه من يأتيني به، قال: فضحك عمر رضي الله عنه ثم دعا بالسفط فوضعه بين يديه، قال: هذا سفطك؟ ms0247 قال: هذا هو يا أمير المؤمنين! فمن أتاك بهذا؟ قال: وجه به إلينا أبو موسى الأشعري ولكن افتحه وانظر هل تفقد منه شيئا، قال: ففتحه الهرمزدان وجعل ينظر ويميزها ثم قال: ما أفقد منه إلا فصا واحدا هو خير مما في هذا السفط، فقال عمر: فإن صاحبي كتب إلي أن الفص صار إليه فاجعله له إن شئت، قال الهرمزدان: فإني قد جعلته له يا أمير المؤمنين وهو أعف رجل يكون إذ لم يكتمك أمر هذا الفص. # قال: واختصم أهل البصرة وأهل الكوفة، فقال أهل البصرة: الفتح لنا (3)، وقال أهل الكوفة: بل الفتح لنا (3)، فاختصموا في ذلك حتى كاد أن يقع بينهم شيء من المكروه ثم إنهم رضوا بعمر بن الخطاب وكتبوا إليه بذلك. # قال: فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أما بعد فإن تستر من مغازي أهل البصرة (4) غير أنهم إنما نصروا بإخوانهم من أهل الكوفة، وكذلك أهل الكوفة لو أن عدوا غزاهم في ثغورهم ثم نصرهم أهل البصرة لم يكن بذلك بأس لان النصر في # PageV02P286 # كتاب الله عز وجل للمؤمنين، وقد جعل الله عز وجل المؤمنين إخوة، والفتح لأهل البصرة، وأهل الكوفة شركاؤهم في الاجر والغنيمة، فإياكم ونزعات الشيطان! # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال: فرضي الفريقان بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ورجع أهل الكوفة مع أميرهم عمار بن ياسر إلى الكوفة، ورجع أهل البصرة مع أبي موسى إلى البصرة، ورجع أهل حلوان مع جرير بن عبد الله وأصحابه إلى حلوان. ### | حديث العنزي (1) # قال: وأقبل رجل من أهل البصرة يقال له ضبة بن محصن العنزي إلى أبي موسى فقال له: يا هذا! إنك قد رأيت بلائي بين يديك في يوم تستر فإما أن تزيد لي في عطائي وإما أن توفدني إلى أمير المؤمنين، فقال له أبو موسى: يا أخا عنزة! أما ما ذكرت من بلائك بين يدي فكل المسلمين قد أبلوا، وإنما أرادوا بذلك ما عند الله عز وجل والدار الآخرة، وإني متى زدتك في عطائك ms0248 خفت أن يطلب غيرك ذلك ولست بفاعل، قال: فقال له العنزي: والله! ما كان لك في هذا الفتح أمر ولا نهي ولا كان الحظ فيه إلا لجرير بن عبد الله البجلي وإخوانه من أهل الكوفة، ولو كان الامر في ذلك إليك إذا لما قطعت فيه شعرة ولا فتت فيه بعرة. قال: فغضب أبو موسى الأشعري لذلك ثم كتب فيه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب عمر إلى أبي موسى أن يشخص هذا العنزي إليه فشخص، فلما دخل وسلم رد عليه السلام وهو لا يعرفه، ثم قال: من أين أنت؟ قال أنا ضبة بن محصن العنزي، قال عمر: فلا مرحبا بك ولا أهلا! فقال العنزي: أما المرحب فمن الله وأما الأهل فلا أهل لي، ثم ولى من بين يديه مغضبا (2)، فقال عمر: ردوه، فردوه إليه، فلما وقف بين يديه أمره بالجلوس فجلس، ثم قال: خبرني عنك في ماذا انتقمت على أميرك أبي موسى وهجوته؟ فقال: لأنه اختار ستين غلاما من أبناء الدهاقين فاتخذهم # PageV02P287 # لنفسه، وله جارية يقال لها عقيلة يغديها بجفنة ملآنة عراقا (1) ويعشيها بمثل ذلك وليس منا من يقدر على ذلك، وله خاتمان يختم بهما، وله قفيزان يكتال بأحدهما لنفسه ويكيل بالآخر لغيره، وقد استولى على أمره زياد بن عبيد بن علاج (2) من ثقيف، وإنه حلف يمينا كاذبة حسدا منه لأهل الكوفة لما أغنمهم الله عز وجل من أهل رامهرمز ما أغنمهم إن يكن ذلك لهم دون أهل البصرة (3)، ولا والله يا أمير المؤمنين! ما أنا من أهل الكوفة فأقول هذا عصبة مني لهم وما أنا إلا من أهل البصرة، ولو كان أبو موسى أعطى رامهرمز أمانا وعهدا مؤكدا وأجلا ستة أشهر كما زعم إذا لعرفنا ذلك وعرفه إخواننا المسلمون ممن لا يتهم بالكذب (4) والسلام. # قال: فأمر عمر رضي الله عنه العنزي، فكتب هذا كله بخطه، ثم بعث إلى أبي موسى فأشخصه إليه من البصرة، فلما قدم دعا به فأجلسه بين يديه، ثم دعا بالعنزي فقال له: اقرأ ms0249 عليه ما كتبت! فقرأ عليه العنزي: أمر ستين غلاما الذين اختارهم لنفسه، فقال أبو موسى: نعم يا أمير المؤمنين! إني دللت على ستين غلاما من أبناء الدهاقين فأخذتهم ثم إني أتيت بفداء ففديتهم وقسمت ذلك المال بين المسلمين، فقال العنزي (5): ما نعرف من هذا شيئا وأنا رجل من المسلمين، ما أصابني من ذلك المال قليلا ولا كثيرا. قال: ثم قرأ عليه العنزي أمر جاريته عقيلة، فسكت أبو موسى ولم يتكلم بشيء. ثم قرأ عليه أمر الخاتمين والقفيزين، فقال أبو موسى: نعم يا أمير المؤمنين! خاتم لي خاصة يكون في يد قهرماني وأهلي يعرفونه، وخاتم أختم به للجند والعمال وهو في يدي، ولي قفيزان قفيز أقوت به عيالي وهو في منزلي، وقفيز للمسلمين به أعطيهم وبه آخذ منهم، فقال العنزي: ما ندري هذا كما تقول أم لا. ثم قرأ عليه أمر زياد بن عبيد فقال: نعم يا أمير المؤمنين! وجدت عنده حفظا وأمانة وعقلا وتدبيرا فاستكفيته، فإن كرهه أمير المؤمنين عزلته. قال: ثم قرأ عليه أمر اليمين التي حلف بها، فقال: يا أمير # PageV02P288 # المؤمنين! ما حلفت إلا على حق ولقد كنت أعطيت أهل رامهرمز أمانا وعهدا مؤكدا وأجلا ستة أشهر. قال: فغضب عمر رضي الله عنه ثم قال: يا هذا! فإن كنت أعطيتهم أمانا كما تقول وعهدا وأجلا فلم وجهت إليهم الخيل حتى فعلوا بهم ما فعلوا؟ يا هذا! إني قد ائتمنتك على ما هو أعظم من ذلك كله فأنت وربك أعلم. # قال: ثم أمر عمر بإشخاص زياد بن عبيد وجارية أبي موسى إلى ما قبله، فأشخصا جميعا، فأما عقيلة (1) فأخذها منه عمر بثمنها وكانت عنده إلى أن قتل عنها، وأما زياد بن عبيد فإنه لما دخل على عمر رضي الله عنه سلم ورد عليه السلام، ثم إنه أجلسه بين يديه ثم قال له: كم عطاؤك؟ قال: ألفان يا أمير المؤمنين قال عمر: فما صنعت بأول عطاء خرج لك؟ فقال (2): اشتريت به أبي وكان عبدا مملوكا فاشتريته وأعتقته، قال عمر: نعم ms0250 ما رأيت، قال: ثم سأله عمر عن القرآن والسنن والفرائض فوجده كما أحب، فأمره بالرجوع إلى البصرة وأوصى أبا موسى بحفظه. قال: وأقام أبو موسى عند عمر بن الخطاب أياما ثم استأذن فأذن له فرجع إلى عمله بالبصرة. ### | ذكر فتح نهاوند وحروبها واجتماع الفرس بها. # قال: وتحركت الأعاجم بأرض نهاوند (3) واجتمعوا بها، وكتب بعضهم إلى بعض أن يكون اجتماعهم بها، قال: فاجتمع أهل الري وسمنان والدامغان وما والاها بنهاوند في عشرين ألفا، وأهل ساوه وهمذان في عشرة آلاف وأهل نهاوند خاصة في عشرة آلاف، وأهل قم وقاشان في عشرين ألفا، وأهل أصفهان في عشرين ألفا، وأهل فارس وكرمان في أربعين ألفا، قال: ثم بعثوا إلى أذربيجان يستمدونهم إلى حرب العرب، فأقبل إليهم أهل أذربيجان في ثلاثين ألفا، فذلك خمسون ألفا ومائة ألف (4) ما بين فارس وراجل من المرازبة والأساورة والابطال المعدودين المذكورين في كل بلد من أرض الفرس، ثم إنهم جمعوا نيفا وسبعين فيلا يريدون التهويل على خيول المسلمين، ثم أقبل بعضهم على بعض فقالوا: إن # PageV02P289 # ملك العرب الذي جاءهم بهذا الكتاب وأقام لهم هذا الدين قد هلك - يعنون بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم - وإنه قد ملكهم من بعده رجل يكنى أبا بكر فملك ملكا يسيرا وهلك، وإنا نرى صاحبهم هذا عمر قد طال عمره ودام ملكه وعلا أمره، قد اجتمعتم من كل بلد وليس فيكم إلا رماة الحدق وأحلاس السيوف والدرق، فتعالوا بنا حتى ننفي من بقربنا من جيوش العرب، ثم إنا نسير إليهم في ديارهم فنستأ [صلهم] عن جديد الأرض، فإنا إن لم نفعل ذلك ساروا إلينا فأخرجونا عن جميع بلادنا وأنزلوا بنا من الذل والصغر ما أنزلوه بأهل القادسية والمدائن وجلولاء وخانقين وما أنزلوه بأهل الأهواز وتستر ومناذر ورامهرمز وما أنزلوه بأهل الشام قبل ذلك. # قال: فتعاقدوا على أمرهم وتعاهدوا وعزموا على جهاد المسلمين، وبلغ ذلك أهل الكوفة (1)، فاجتمعوا إلى أميرهم عمار بن ياسر فقالوا: أيها الأمير! هل بلغك ما كان من جموع هؤلاء الأعاجم ms0251 بأرض نهاوند؟ قال عمار: قد بلغني ذلك فهاتوا ما عندكم من الرأي! فقالوا: الرأي في ذلك أن نكتب إلى أمير المؤمنين ونعلمه بذلك قبل أن يسير عدونا إلى ما قبلنا، قال عمار: أفعل ذلك إن شاء الله تعالى. ### | ذكر كتاب عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. # بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمار بن ياسر، سلام عليك! أما بعد فإن ذا السطوات والنقمات المنتقم من أعدائه المنعم على أوليائه هو الناصر لأهل طاعته على أهل الإنكار والجحود من أهل عداوته، ومما حديث يا أمير المؤمنين أن أهل الري وسمنان وساوه وهمذان ونهاوند وأصفهان وقم وقاشان وراوند واسفندهان (2) وفارس وكرمان وضواحي أذربيجان قد اجتمعوا بأرض نهاوند في خمسين ومائة ألف من فارس وراجل من الكفار، وقد كانوا أمروا عليهم أربعة من ملوك الأعاجم (3) منهم ذو الحاجب خرزاد بن هرمز وسنفاد بن حشروا # PageV02P290 # وخهانيل بن فيروز وشروميان بن اسفنديار، وأنهم قد تعاهدوا وتعاقدوا وتحالفوا وتكاتبوا وتواصوا وتواثقوا على أنهم يخرجوننا من أرضنا ويأتونكم من بعدنا، وهم جمع عتيد وبأس شديد ودواب فره وسلاح شاك ويد الله فوق أيديهم، فإني أخبرك يا أمير المؤمنين أنهم قد قتلوا كل من كان منا في مدنهم، وقد تقاربوا مما كنا فتحناه من أرضهم، وقد عزموا أن يقصدوا المدائن ويصيروا منها إلى الكوفة، وقد والله هالنا ذلك وما أتانا من أمرهم وخبرهم، وكتبت هذا الكتاب إلى أمير المؤمنين ليكون هو الذي يرشدنا وعلى الأمور يدلنا، والله الموفق الصانع بحول وقوته، وهو حسبنا ونعم الوكيل، فرأي أمير المؤمنين أسعده الله فيما كتبته والسلام. # قال: فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقرأه وفهم ما فيه وقعت عليه الرعدة والنفضة حتى سمع المسلمون أطيط أضراسه، ثم قام عن موضعه حتى دخل المسجد وجعل ينادي: أين المهاجرون والأنصار؟ ألا! فاجتمعوا رحمكم الله وأعينوني أعانكم الله. # قال: فأقبل إليه الناس من كل جانب، حتى إذا علم أن الناس قد اجتمعوا ms0252 وتكاملوا في المسجد وثب إلى منبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) فاستوى عليه قائما وإنه ليرعد من شدة غضبه على الفرس، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال (1): أيها الناس! هذا يوم غم وحزن فاستمعوا ما ورد علي من العراق، فقالوا: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن الفرس أمم مختلفة أسماؤها وملوكها وأهواؤها وقد نفخهم الشيطان نفخة فتحزبوا علينا وقتلوا من في أرضهم من رجالنا، وهذا كتاب عمار بن ياسر من الكوفة يخبرني بأنهم قد اجتمعوا بأرض نهاوند في خمسين ومائة ألف وقد سربوا عسكرهم إلى حلوان وخانقين وجلولاء، وليست لهم همة إلا المدائن والكوفة، ولئن وصلوا إلى ذلك فإنها بلية على الاسلام وثلمة لا تسد أبدا، وهذا يوم له ما بعده من الأيام، فالله الله يا معشر المسلمين! أشيروا علي رحمكم الله، فإني قد رأيت رأيا غير أني أحب أن لا أقدم عليه إلا بمشورة منكم لأنكم شركائي في المحبوب والمكروه. # PageV02P291 ### | ذكر ما أشار به المسلمون على عمر رضي الله عنه. # قال (1): وكان أول من وثب على عمر بن الخطاب وتكلم طلحة بن عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين! إنك بحمد الله رجل قد حنكته الدهور وأحكمته الأمور وراضته التجارب (2) في جميع المقانب، فلم ينكشف لك رأي إلا عن رضى، وأنت مبارك الامر ميمون النقيبة، فنفذنا ننفذ واحملنا نركب وادعنا نجب (3). # قال: ثم وثب الزبير بن العوام فقال: يا أمير المؤمنين! إن الله تبارك وتعالى قد جعلك عزا للدين وكهفا للمسلمين، فليس منا أحد له مثل فضائلك ولا مثل مناقبك إلا من كان من قبلك، فمد الله في عمرك لامة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم! وبعد فأنت بالمشورة أبصر من كل من في المسجد، فاعمل برأيك فرأيك أفضل، ومرنا بأمرك فها نحن بين يديك. # فقال عمر: أريد غير هذين الرأيين، قال: فوثب عبد الرحمن بن عوف الزهري فقال: يا أمير المؤمنين! إن كل متكلم يتكلم برأيه، ms0253 ورأيك أفضل من رأينا، لما قد فضلك الله عز وجل علينا، وأجرى على يديك من موعود ربنا، فاعمل برأيك واعتمد على خالقك وتوكل على رازقك وسر إلى أعداء الله بنفسك ونحن معك، فإن الله عز وجل ناصرك بعزه وسلطانه كما عودك من فضله وإحسانه. # فقال عمر: أريد غير هذا الرأي، فتكلم عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال (4): يا أمير المؤمنين! إنك قد علمت وعلمنا أنا كنا بأجمعنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا الله منها بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اختارك لنا خليفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقد رضيك الأخيار وخافك الكفار وتفر عنك الأشرار، وأنا أشير عليك أن تسير أنت بنفسك إلى هؤلاء الفجار بجميع من معك من المهاجرين والأنصار فتحصد شوكتهم وتستأصل جرثومتهم، فقال عمر رضي الله عنه: وكيف أسير أنا بنفسي إلى عدوي وليس بالمدينة خيل ولا رجل فإنما هم متفرقون في جميع الأمصار، فقال عثمان: # PageV02P292 # صدقت يا أمير المؤمنين! ولكني أرى أن تكتب إلى أهل الشام فيقبلوا عليك من شامهم، وإلى أهل اليمن فيقبلوا إليك من يمنهم، ثم تسير بأهل الحرمين مكة والمدينة إلى أهل المصرين البصرة والكوفة، فتكون في جمع كثير وجيش كبير، فتلقى عدوك بالحد والحديد والخيل والجنود (1). # قال فقال عمر: هذا أيضا رأي ليس يأخذ بالقلب، أريد غير هذا الرأي، قال: فسكت الناس والتفت عمر رضي الله عنه إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أبا الحسن! لم لا تشير بشيء كما أشار غيرك؟ (2). ### | ذكر مشورة علي بن أبي طالب رضوان الله عليه. # قال: فقال علي (3): يا أمير المؤمنين! إنك قد علمت أن الله تبارك وتعالى بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وليس معه ثان ولا له في الأرض من ناصر ولا له من عدوه مانع، ثم لطف تبارك وتعالى بحوله وقوته وطوله فجعل له أعوانا أعز بهم دينه، وشد أزره، وشيد بهم أمره، وقصم بهم كل جبار عنيد وشيطان مريد، وأرى موازريه وناصريه من الفتوح والظهور ms0254 على الأعداء ما دام به سرورهم وقرت به أعينهم، وقد تكفل الله تبارك وتعالى لأهل هذا الدين بالنصر والظفر والاعزاز والذي نصرهم مع نبيهم وهم قليلون هو الذي ينصرهم اليوم إذ هم كثيرون، وبعد فإنك أفضل أصحابك رأيا وأيمنهم نقيبة، وقد حملك الله عز وجل أمر رعيتك فهو الذي يوفقك للصواب ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فأبشر بنصر الله عز وجل الذي وعدك، وكن على ثقة من ربك فإنه لا يخلف الميعاد، وبعد فقد رأيت قوما أشاروا عليك بمشورة بعد مشورة فلم تقبل ذلك منهم ولم يأخذ بقلبك شيء مما أشاروا به عليك، لان كل مشير إنما يشير بما يدركه عقله، وأعملك يا أمير المؤمنين إن كتبت # PageV02P293 # إلى الشام أن يقبلوا إليك من شامهم لم تأمن من أن يأتي هرقل في جميع النصرانية فيغير على بلادهم ويهدم مساجدهم ويقتل رجالهم ويأخذ أموالهم ويسبي نساءهم وذريتهم، وإن كتبت إلى أهل اليمن أن يقبلوا من يمنهم أغارت الحبشة أيضا على ديارهم ونسائهم وأموالهم وأولادهم، وإن سرت بنفسك مع أهل مكة والمدينة إلى أهل البصرة والكوفة ثم قصدت بهم قصد عدوك انتقضت عليك الأرض من أقطارها وأطرافها، حتى إنك تريد بأن يكون من خلفته وراءك أهم إليك مما (1) تريد أن تقصده، ولا يكون للمسلمين كانفة تكنفهم ولا كهف يلجؤون إليه، وليس بعدك مرجع ولا موئل إذ كنت أنت الغاية والمفزع والملجأ، فأقم بالمدينة ولا تبرحها فإنه أهيب لك في عدوك وأرعب لقلوبهم، فإنك متى غزوت الأعاجم بنفسك يقول بعضهم لبعض: إن ملك العرب قد غزانا بنفسه لقلة أتباعه وأنصاره، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وعلى المسلمين، فأقم بمكانك الذي أنت فيه وابعث من يكفيك هذا الامر والسلام. # قال: فقال عمر رضي الله عنه: يا أبا الحسن! فما الحيلة في ذلك وقد اجتمعت الأعاجم عن بكرة أبيها بنهاوند في خمسين ومائة ألف يريدون استئصال المسلمين؟ ### | ذكر مشورة علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ثانية. # قال: فقال له علي بن ms0255 أبي طالب عليه السلام: الحيلة أن تبعث إليهم رجلا مجربا قد عرفته بالبأس والشدة فإنك أبصر بجندك وأعرف برجالك واستعن بالله وتوكل عليه واستنصره للمسلمين، فإن استنصاره لهم خير من فئة عظيمة تمدهم بها، فإن أظفر الله المسلمين فذلك الذي تحب وتريد، وإن يكن الأخرى، وأعوذ بالله من ذلك أن تكون ردءا للمسلمين وكهفا يلجؤون إليه وفئة ينحازون إليها، قال فقال له عمر: نعم ما قلت يا أبا الحسن! ولكني أحببت أن يكون أهل البصرة وأهل الكوفة هم الذين يتولون حرب هؤلاء الأعاجم فإنهم قد ذاقوا حربهم وجربوهم ومارسوهم في غير موطن. # PageV02P294 ### | ذكر مشورة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثالثة. # قال فقال له علي رضي الله عنه: إن أحببت ذلك فاكتب إلى أهل البصرة أن يفترقوا على ثلاث فرق: فرقة تقيم في ديارهم فيكونوا حرسا لهم يدفعون عن حريمهم، والفرقة الثانية يقيمون في المساجد يعمرونها بالاذان والصلاة لكيلا يعطل الصلاة ويأخذون الجزية من أهل العهد لكيلا ينتقضوا عليك، والفرقة الثالثة يسيرون إلى إخوانهم من أهل الكوفة، ويصنع أهل الكوفة أيضا كصنع أهل البصرة (1) ثم يجتمعون ويسيرون إلى عدوهم فإن الله عز وجل ناصرهم عليهم ومظفرهم بهم، فثق بالله ولا تيأس من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. # قال: فلما سمع عمر مقالة علي كرم الله وجهه ومشورته أقبل على الناس وقال: ويحكم! عجزتم كلكم عن آخركم أن تقولوا كما قال أبو الحسن، والله! لقد كان رأيه رأيي الذي رأيته في نفسي، ثم أقبل عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أبا الحسن! فأشر علي الآن برجل ترتضيه ويرتضيه المسلمون أجعله أميرا وأستكفيه من هؤلاء الفرس، فقال علي رضي الله عنه: قد أصبته، قال عمر: ومن هو؟ قال: النعمان بن مقرن المزني، فقال عمر وجميع المسلمين: أصبت يا أبا الحسن! وما لها من سواه. # قال: ثم نزل عمر رضي الله عنه عن المنبر ودعا بالسائب بن الأقرع بن عوف الثقفي (2) فقال: يا ms0256 سائب! إني أريد أن أوجهك إلى العراق فإن نشطت لذلك فتهيأ، فقال له السائب: ما أنشطني لذلك يا أمير المؤمنين وأنا سائر إذا شئت، فقال له عمر: إن خروجك في هذا الوجه سعادة لك فإن قتلت فزت بالجنة، واعلم بأني قد جعلتك على غنائم المسلمين فإن سلم الله عز وجل هذا الجيش وأنت على مقاسمه انظر أن تعطي كل ذي حق حقه ولا ترفعن إلي باطلا ولا تمنعن أحدا من حق هو له، وإن تكن الأخرى وأصيب هذا الجيش فاذهب في عرض الأرض فلا تراني ولا أراك، فإني أخاف أني كلما رأيتك ذكرتك مصارع المسلمين، فقال السائب: # أفعل ذلك يا أمير المؤمنين وأنا أرجو أن ينصر الله عز وجل أهل الدين والقرآن على # PageV02P295 # عبدة الشمس والقمر والنيران. # ثم كتب عمر رضي الله عنه إلى النعمان بن مقرن المزني، والنعمان يومئذ بموضع من العراق يقال له كسكر (١)، قد كان ولاه سعد بن أبي وقاص قبل ذلك. # قال: وكتب إليه عمر (٢): أما بعد يا نعمان فإن كتاب أهل الكوفة ورد علي فقرأته وفهمت ما ذكر لي فيه من أمر الفرس، وقد علمت أن يد الله فوق أيديهم وسيمدكم الله عز وجل بجند من الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ويقذفون الرعب في قلوبهم والزلازل في أقدامهم حتى يهلكهم الله عز وجل هلاكا يكون فيه بوارهم واستئصالهم ودمارهم إن شاء الله ولا قوة إلا بالله، وبعد فقد وجهت إليك السائب بن الأقرع التميمي وأمرته بأمري وأعوزت إليك أن يأمرك أن تعسكر بالقصر الأبيض حتى تجتمع إليك أهل البصرة وأهل الكوفة، فإذا اجتمعوا إليك وتكاملوا لديك فسر بهم إلى أعداء الله بأرض نهاوند، فقد وليتك هذا الجيش وأنا أعلم إن شاء الله أن الله ناصرك وخاذل عدوك وأنه وعدنا ذلك إذ يقول تبارك وتعالى: ﴿وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها﴾ (3) فهم الروم والفرس، فثق بموعد الله عز وجل فإنه لا يخلف الميعاد، فانظر يا نعمان! إذا لقيتم عدوكم فقدموا الصبر أمامكم فإن الله تبارك ms0257 وتعالى قد وعد الصابرين أنهم يؤتون أجرهم بغير حساب والعاقبة بعد ذلك للمتقين، ألا! فسيروا على بركة الله تعالى فإني قد استودعتكم من لا يضيع ودائعه - والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته -. # قال: ثم كتب عمر أيضا إلى أبي موسى الأشعري أن يمده من أهل البصرة # PageV02P296 # بالثلث وكذلك أهل الكوفة (1)، ففعل أبو موسى ذلك، والتأمت العساكر بالعراق. # وخرج النعمان بن مقرن حتى نزل القصر الأبيض مما يلي المدائن كما أمرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى اجتمع إليه الكوفيون والبصريون. # قال: فعرضهم النعمان بن المقرن وعدهم وأحصاهم، فإذا هم يزيدون على ثلاثين ألفا من أهل البصرة وأهل الكوفة، فدعا النعمان بطليحة بن خويلد الأسدي فعقد له عقدا وضم إليه أربعة آلاف فارس من أهل البصرة وأهل الكوفة وجعله مقدمة، فسار طليحة بن خويلد على مقدمة النعمان بن مقرن وجعل يذكر ما كان منه بالقادسية وغيرها من الحروب المتقدمة، ثم سار طليحة حتى نزل المدائن، ورحل النعمان بن مقرن بالمسلمين، حتى إذا تقارب من المدائن قال: ورحل طليحة في أصحابه على المقدمة حتى نزل الدسكرة وجاء النعمان بن مقرن فنزل المدائن وأقام بها ثلاثة أيام، ثم رحل منها يريد الدسكرة، ورحل طليحة على مقدمته، فلم يزل كذلك حتى صار إلى حلوان وبها يومئذ قائد من قواد كسرى يقال له شادوه بن آزاد مرد في نيف وعشرة آلاف من الفرس، فلما أحس بجنود المسلمين أنها قد استشرفت على حلوان خرج هاربا في جميع أصحابه حتى صار إلى قرماسين (2) فنزلها، ونزل طليحة بن خويلد حلوان في أربعة آلاف فارس، واقبل النعمان في جيشه الأعظم حتى نزل بحلوان واقام بها أياما حتى استراح المسلمون وأراحوا خيولهم. # قال: ثم دعا النعمان برجل من فرسان العرب ممن كان مع أبي عبيدة بن الجراح بالشام يقال له قيس بن هبيرة المرادي، فقال له: يا قيس! أنت تعلم أن طليحة بن خويلد قد كان على مقدمة المسلمين من الكوفة إلى حلوان وقد أحببت أن تكون مقدمتي من ههنا ms0258 إلى هذا البلد الذي يقال له قرماسين، فقال قيس بن هبيرة: # أفعل ذلك أيها الأمير. # قال: فضم إليه النعمان بن مقرن أربعة آلاف فارس من أشد عسكره، فسار قيس بن هبيرة من حلوان على مقدمة المسلمين وجعل يذكر ما كان منه بأرض الروم والقادسية وغير ذلك. # PageV02P297 # قال: وسار قيس بن هبيرة على مقدمة المسلمين حتى وافى قرماسين وبها يومئذ قائدان عظيمان من قواد الأعاجم، أحدهما شادوه بن آزاد مرد الذي هرب من حلوان، والآخر مهرويه بن خسروان فهما جميعا في عشرين ألفا من الفرس، فلما أن علما أن خيل المسلمين قد شارفت أرض قرماسين خرجا هاربين عنها حتى نزلا بموضع يقال له ماذران (1)، ودخل قيس بن هبيرة إلى قرماسين فنزلها، قال: وكانت قرماسين مصلحة للفرس ومنتزها لكسرى (2)، قال: وسار النعمان بن مقرن من حلوان حتى نزل قرماسين، وبلغ ذلك الفرس ممن كان خارجا عن أرض نهاوند فامتلأت قلوبهم خوفا ورعبا، ثم إنهم تفلتوا من جميع المواضع حتى صاروا إلى نهاوند فاحتشدوا بها، ثم إنهم اجتمعوا وتحالفوا وتعاقدوا على أنهم لا يفرون أبدا دون أن يبيدوا العرب عن آخرهم. # قال: وسار النعمان بن مقرن في جميع المسلمين حتى نزل بأرض ماذران، ثم دعا بهذين الرجلين بكير بن شداخ الليثي وطليحة بن خويلد الأسدي (3) فأرسلهما جميعا نحو أرض نهاوند وأمرهما أن يتجسسا الاخبار عن الفرس، فمضيا جميعا، فأما بكير بن شداخ فإنه رجع إلى المسلمين، وأما طليحة بن خويلد فإنه مضى نحوه حتى تقارب من أرض نهاوند (4) وتعرف أخبار الفرس ثم رجع، فلما دخل العسكر كبر المسلمون من كل ناحية، فقال طليحة: ما هذا التكبير؟ فقالوا: إنك قد أبطأت علينا فظننا والله أنك قد رغبت عن دين الاسلام وصرت إلى دين هؤلاء الأعاجم (5)، قال: فغضب طليحة بن خويلد من ذلك ثم قال: سبحان الله العظيم، أو يحسن هذا بمثلي؟ والله! أن لو لم يكن لي دين أعتمد عليه إلا أني عربي فقط لما كنت بالذي # PageV02P298 # اختار هؤلاء الأعاجم على العرب، فكيف وقد ms0259 هداني الله عز وجل إلى دين الاسلام وعرفني فضله! # قال: وسار المسلمون يريدون نهاوند، قال: وبلغ ذلك أهل نهاوند فأرسلوا الماء في أرضهم لكي يمنعوا بتلك المياه المسلمين، قال: فلم يغن ذلك من قضاء الله عز وجل فيهم شيئا، قال: وسار المسلمون حتى نزلوا في الموضع الذي يقال له قبور الشهداء (1)، فنزلوا هنالك وضربوا عسكرهم، وبلغ ذلك الفرس فألقوا حسك الحديد حول نهاوند فحصنوها بتلك الحسك، قال: ودعا النعمان برجل من أشد أصحابه يقال له محمد بن زكار الخثعمي، فقال له: ويحك يا محمود! أحب منك أن تنطلق نحو حصن هؤلاء القوم فتنظر إليه وتأتيني بخبره، فقد بلغني أنه حصن حصين وأنه مشرف على قلعة لهم في الهواء، فقال محمود بن زكار: أيها الأمير! قد بلغني ذلك وهذا نهار فإذا كان الليل انطلقت فأتيتك بخبر القلعة إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: فلما كان الليل واختلط الظلام عمد محمود بن زكار هذا إلى فرسه فأسرجه وألجمه ثم صب عليه درعه وتقلد بسيفه واعتم بعمامته واستوى على فرسه وتناول رمحه ومضى، فلم يزل يسير حتى إذا أشرف على قلعة نهاوند وقد جعل يسمع أصوات الحرس على سورها من كل ناحية ونيرانهم تأجج، قال: وإذا بفرسه قد قام وليس يتقدم ولا يتأخر، فحركه فلم يتحرك فإذا قد علق يده واتقى منها، قال: فنزل محمود بن زكار عن فرسه ثم ضرب بيده إلى الفرس فقلب حافره فإذا بحسكة حديد قد دخلت في حافره، فنزعها وركب فرسه ثم رجع إلى النعمان بن مقرن فخبره بذلك، ثم قال: أيها الأمير! إن أرضهم كلها مفروشة بهذا الحسك يطرحونه في الليل ويرفعونه بالنهار، قال: وأصبح المسلمون فعبوا تعبيتهم. ### | ذكر وقعة الفرس وقتل النعمان. # قال: وساروا يريدون أرض نهاوند فإذا هم بأوائل خيل الفرس وافت وقد استقبلوهم بالعطعطة والنعير يقدم بعضهم بعضا، ثم إنهم التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا وفشت الجراحات في المسلمين حتى وقعت الهزيمة على الفرس وتبعهم المسلمون # PageV02P299 # فقتلوا منهم بشرا كثيرا وقتل وزير من ms0260 وزراء كسرى يقال له البحير جان (1) فيمن قتل، وهزمهم المسلمون حتى بلغوا بهم إلى موضع عسكرهم واشتبكت الحرب هنالك، فلم يزالوا كذلك يقتتلون إلى أن جاء الليل فحجز بين الفريقين، فرجع المسلمون إلى موضع عسكرهم، فباتوا ليلتهم تلك ولهم أنين شديد من كثرة ما بهم من الجراحات، توقد لهم النيران ويعصبون بالزيت والحراق (2)، وهم في ذلك يدعون الله عز وجل ويتضرعون إليه ويسألونه النصر على أعدائهم. # فلما أصبحوا قال فقال النعمان بن مقرن: أيها الناس! استمعوا كلامي واحفظوا وصيتي، فقالوا: قل أيها الأمير! نسمع كلامك ونحفظ وصيتك، فقال: # إن الفرس قد أخطروا لكم أخطارا وأخطرتم لهم أخطارا، فإن أنتم هزمتموهم ترجعون إلى نعمة وسرور، وإن هزموكم فلا بصرة ولا كوفة ولا مدينة، واعلموا بأنكم قد أصبحتم بابا بين الاسلام والشرك، وإن كسر هذا الباب دخل على الاسلام منه بلاء، فالله الله عباد الله الاسلام أن تخذلوه فإنكم عباد الله الذين توحدونه وتعبدونه، فإنما تقاتلون خلقا من خلقه يأكلون رزقه ويعبدون غيره، يعبدون الشمس والقمر والنار، وينكحون الأمهات، والأخوات والبنات والخالات والعمات، فكل فاحشة يعملون بها وكل حرمة ينتهكونها، وقد ساقكم الله عز وجل إليهم وساقهم إليكم هوانا لهم وكرامة لكم، فتقربوا إلى الله عز وجل بجهاد العادلين بالله وارغبوا في عظيم ثواب الله، ألا، فإني هاز لكم رايتي هذه، فإذا رأيتموني قد هززتها فشدوا عمائمكم على بطونكم وشمروا عن سواعدكم، فإذا هززتها الثانية لكم فليضم كل رجل منكم ثيابه وليتعاهد عنان فرسه ولينظر إلى حزامه وثفره ولببه وليتهيأ للحملة، فإذا هززتها لكم الثالثة فليضع كل رجل منكم رمحه بين أذني فرسه ولينظر إلى وجوه مقاتلة، وإني مكبر بعد ذلك فكبروا وشدوا على القوم شدة واحدة وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله. # قال: فناداه عمرو بن معديكرب: أيها الأمير! إنا قد سمعنا كلامك وحفظنا وصيتك، فإن أصبت - وأعوذ بالله أن يكون ذلك - فمن يكون على الناس أميرا بعدك؟ فقال: إن أصبت - وأنا أرجو أن يرزق الله عز وجل ابن مقرن ms0261 الشهادة - # PageV02P300 # فأميركم بعدي حذيفة بن اليمان، فإن أصيب فجرير بن عبد الله البجلي، فإن أصيب فالاشعث بن قيس الكندي، فإن أصيب فالمغيرة بن شعبة الثقفي (1)، ثم رفع النعمان رأسه إلى السماء فقال: اللهم انصر ابن مقرن وارزقه الشهادة! إنك على كل شيء قدير. # قال: فناداه رجل من أصحابه فقال: أيها الأمير! إنك قد أمرتنا بأمر ونحن قابلوه منك، ولكن متى تأمرنا بالحملة على هؤلاء القوم في أول النهار في آخره؟ # فقال: لا بل في آخره إذا زالت الشمس عن كبد السماء وهبت الرياح وحضرت مواقيت الصلاة (2)، وعسى أن يوافق دعاؤنا دعاء أهل المدينة، فعند ذلك نرجو النصر من السماء، ولا سيما هذا يوم الجمعة وهو يوم يستجاب فيه الدعاء. # قال: فبينا النعمان بن مقرن يكلم أصحابه بهذا الكلام ويوصيهم إذا هو بعساكر الفرس قد أقبلت يتلو بعضها بعضا على البراذين البخارية وقد زينت بالسروج المدبجة والمراشح (3) المشعرة، والفرس في أيديها الرايات المعلمة والأعمدة المذهبة والطبرزينات المحزقة وعليهم أقبية الحرير وصدر الديباج، والفيلة عن أيمانهم وشمائلهم قد شهروها بأنواع الزينة، قال: فنظر المسلمون إلى جمع عظيم وعدة قوية فكأنهم جزعوا لذلك وخافوا أن يفشلوا، قال: فصاح رجل: يا أهل الاسلام! # ألا ما أشبه هذا اليوم إلا يوم الجسر الذي قتل فيه أبو عبيدة بن مسعود الثقفي وأصحابه، قال: ثم استعبر باكيا، قال فقال عبد الله بن... (4) لقد أذكرتني يوم الجسر فأين أنت عن قول أبي محجن الثقفي. # قال: فصاح عمرو بن معد يكرب من القلب وقال: يا معشر المسلمين! ذرونا من مناشدة الاشعار وارغبوا في مجاورة الملك الجبار وعليكم بالنظر إلى راية أميركم، # PageV02P301 # فوقفوا يراعون الراية ليس منهم أحد يزول عن موضعه، والفرس في خلاف ذلك يضحكون ويعطعطون وينعرون، والمسلمون سكوت لا ينطقون لكنهم قد علقوا المخالي على الخيل وهم يراعون الراية، حتى إذا زالت الشمس وحان وقت الصلاة هز النعمان رايته هزة، ونظر المسلمون إلى ذلك فبادروا إلى المخالي فأخذوها عن رؤوس الدواب، وجعل الرجل بعد الرجل يرمي بنفسه عن ms0262 فرسه فيصلي ركعتين يبادر بهما ثم يستوي على فرسه، قال: ثم إن النعمان هز رايته ثانية، فشد المسلمون عمائمهم على بطونهم وقرطوا أعنة الخيل وشدوا الحزم واستوثقوا من الأثفار والألباب وتهيأوا إلى الحملة، وجعل الرجل يوصي الرجل الذي إلى جنبه ويقول: يا هذا! إن منزلي بالبصرة أو بالكوفة في موضع كذا وكذا فانظر إن أصبت أنا وسلمت أنت فصر إلى منزلي فخبرهم بمصرعي، قال: وكان الكوفي يوصي الكوفي والبصري يوصي البصري، قال: وبكى الناس بعضهم بعضا مخافة أن تكون الغلبة للفرس على المسلمين، قال: وهز النعمان رايته ثالثة، فوضع كل واحد رمحه بين أذني فرسه وجعل يقول للذي إلى جنبه: أوسع لي فإني أريد أن أحمل، قال: ثم صوب النعمان رايته كأنها جناح طائر أبيض وكبر المسلمون وغشيهم التكبير من الهوى، فجعلت أقدام الفرس تخفق من ركبهم حتى أن الرجل منهم ليضع النشابة في كبد القوس فترعد كفاه حتى تسقط النشابة من يده. # قال: ثم حمل النعمان وحمل الناس معه فاختلطوا واقتتلوا، وذهب النعمان ليحمل على رجل من الأعاجم، فحمل عليه رجل منهم فطعنه طعنة في خاصرته، فسقط النعمان قتيلا (1) - رحمة الله عليه. قال: وجالت الخيل ونظر رجل من المسلمين إلى النعمان قتيلا إلى عمامة كانت على رأسه فأخذها فضرب بها على وجه النعمان لكيلا ينظر المسلمون إلى وجه النعمان فيفشلوا عن القتال. # قال: وتقدم معقل (2) أخو النعمان فرفع الراية للمسلمين ثم حمل، فلم يزل # PageV02P302 # يقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه -. # قال: وتقدم أخوهما الأصغر واسمه سويد بن مقرن، قال: وجعل سويد بن مقرن يقاتل حتى أثخن بالجراحات ولم يقتل، فرجع بالراية فدفعها إلى حذيفة بن اليمان رحمه الله، قال: فأخذها حذيفة فرفعها للمسلمين ثم قال: إني حامل، وحمل حذيفة وحمل الناس معه، فاقتتلوا قتالا شديدا يومهم ذلك إلى أن جاء الليل فحجز بينهم ورجع الفريقان بعضهم عن بعض. # قال: فلما أصبح القوم زحف بعضهم إلى بعض وتقدم رجل من الأساورة على فرس له لا ينال من طوله حتى وقف ms0263 بين الجمعين ثم نادى: يا معشر العرب! أنا بوذان بن أرديه فهلموا إلى البراز! قال: فلما سمعه الناس وهو يتكلم بالعربية كأنهم هابوه، فلم يخرج إليه أحد، قال: ونظر الفارسي أنه ليس يخرج إليه أحد فحمل على المسلمين حملة فشق الصفوف وخرج من الجانب الآخر، ثم كر راجعا على المسلمين فخالطهم واستلب منهم رجلا عن فرسه فجعل يركض به والرجل معلق بيده حتى صار به إلى أصحابه فرمى به إليهم فقتل الرجل، ثم أقبل بوذان حتى صار إلى الموضع الذي كان فيه بديا، قال: فاغتم المسلمون لذلك وجعل عمرو بن معد يكرب يرتجز، ثم حمل بوذان على المسلمين ليفعل كفعلته الأولية وحمل عليه عمرو بن معد يكرب من ورائه فضربه بالصمصامة ضربة على بيضته فقد البيضة والهامة ومرت الصمصامة تهوي حتى صارت إلى جوف بوذان فسقط قتيلا، فنزل إليه عمرو فسلبه ما كان عليه، فيقال إنه كان في وسط بوذان منطقة قومت بسبعة آلاف دينار. # قال: ودنت الفرس حتى تقاربت من صفوف المسلمين في خلق عظيم فجعلوا يرمون بالنشاب حتى جرحوا جماعة، وهم المسلمون بالحملة عليهم فقال حذيفة: # لا تعجلوا حتى آذن لكم، قال: فصبر المسلمون ساعة والفرس في خلال ذلك لا يفترون من الرمي وما يسقط منهم نشابة إلا في رجل من المسلمين، فلما رأوا ذلك وإن الجراحات قد فشت فيهم تركوا وصية حذيفة، ثم كبروا وحملوا على الفرس فكشفوهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ثم رجعوا إلى مراكزهم، قال: ورجعت إليهم الفرس كأنهم السباع الضارية في جموع لم يروا مثلها قبل ذلك، فصاح عمرو بن معد يكرب: يا معاشر العرب والموالي! ويا أهل الاسلام والدين والقرآن! # إنه لا ينبغي لكم أن يكون هؤلاء الأعاجم أصبر منكم على الحرب ولا أحرص منكم PageV02P303 # على الموت، فتناسوا الأولاد والأزواج، ولا تجزعوا من القتل فإنه موت الكرام ومنايا الشهداء. قال: ثم نزل عمرو عن فرسه ونزل معه أبطال بني عمه، قال: والأعاجم في الآلة والأسلحة وبين أيديهم ثلاثون فيلا، على كل فيل منهم ms0264 جماعة من أساورة الفرس، قال: ونظر عامة المسلمين إلى عمرو بن معد يكرب وأصحابه وقد ترجلوا فنزل الناس وترجلوا ثم تقدموا نحو الخيل والفيلة، فلم يكن إلا ساعة من أول النهار حتى إحمرت الأرض من دماء الفرس وقتلت الفيلة بأجمعها فما أفلت منها واحد. # قال: فتراجعت الفرس إلى ورائها، وإذا بفيلة أخرى من الفرس قد أقبلت في قريب من عشرة آلاف بمطاردها وأعلامها، وبين أيديهم رجل من قواد كسرى يقال له لرداود بن ادركرد وكان من أهل قاشان، قال فتقدم على فيل له مزين وعلى رأسه تاج له يلمع بالجوهر، وعن يمينه خمسة فيلة وعن يساره كذلك، على كل فيل منها جماعة من أساورة الفرس. قال: ونظر إليهم قيس بن هبيرة المرادي فلم يكذب أن حمل على ذلك الفيل المزين، فضرب خرطومه ضربة وقطعه، ثم تأخر عنه وطعنه في عينه طعنة، فإذا الفيل تقهقر إلى ورائه حتى أنه مر بساقية فيها ماء فعثر بها وسقط عنه لرداد بن ادركرد. # قال: ثم تقدم رجل من شجعان الفرس يقال له مهر بنداد بن رادان بود في قريب من ألف فارس ومهر بنداد يومئذ على فيل مزين وعلى رأسه تاج من الذهب مرصع بالجوهر، وفي يده طبرزين محزق بالذهب والفيلة عن يمنه وشماله، فلما وقف مهر بنداد بين الجمعين في هذا الجيش ضج المسلمون من كل ناحية وجعل كل قوم يحبون المبارزة والخروج إلى الحرب، قال: فتقدم عروة بن زيد الخيل الطائي فقال: يا معشر المسلمين! إنه ليست منكم قبيلة بحمد الله إلا ولها في هذه الوقعة أثر محمود، وقد أحببت أن تجعلوا قتال هؤلاء القوم في هذا الوقت إلينا، فقال عمرو بن معد يكرب والمسلمون: فإنا قد أحببنا ذلك فأخرج عافاك الله وكلأك من ناره. قال: # فتقدم عروة بن زيد الخيل الطائي وتقدم معه نيف على ثلاثمائة رجل من بني عمه، حتى إذا دنا من الفرس حسر عن رأسه ثم كبر وحمل وحملت معه قبائل طيء على مهر بنداد وأصحابه، فكان مهر ms0265 بنداد أول من قتل، ووضع المسلمون السيف في أصحابه وكانوا ألف فارس، فأفلت منهم خمسون رجلا أو أقل من ذلك، قال: ووقع المسلمون في السلب فأخذوا متاعا كثيرا من دروع وجواشن وبيض ورماح وحجف PageV02P304 # وأطواق وشنوف وقرطة وأسورة ومناطق، وحازوا ذلك كله، قال: وجاء الليل فحجز بين الفريقين. # فلما كان من غد وذلك في اليوم الرابع من حروبهم ثار القوم بعضهم إلى بعض، وزحف أهل نهاوند في جميع عظيم حتى صافوا المسلمين، قال: وصف المسلمون صفوفهم كما كانوا يصفونها من قبل، ودنت الخيل من الخيل والرجال من الرجال فتناوشوا ساعة، وتقدم مرزبان من مرازبتهم يقال له النوشجان بن بادان على فيل له وقد شهره بالتجافيف المذهبة وصفرة الذهب تلمع على سواد الفيل حتى وقف بين الجمعين، قال: ونظر إليه عمرو بن معد يكرب فتهيأ للحملة عليه، ثم أقبل على بني عمه من زبيد فقال: ألا تسمعون؟ فقالوا: قل يا أبا ثور! نسمع قولك وننتهي إلى أمرك، فقال: إني حامل على هذا الفيل وقاصد إليه، فإن قطعت خرطومه فقد هلك وذاك الذي أريد، وإن أخطأته ورأيتم الفرس قد حملوا علي وتكاثروا فأعينوني، فقالوا: نفعل أبا ثور! فاستخر الله عز وجل وتقدم. قال: فتقدم عمرو نحو الفيل الذي على ظهره النوشجان، قال: وجعل النوشجان يرميه بالنشاب من فوق الفيل حتى جرحه جراحات كثيرة، ونظر إليه من كان من بني عمه فخرجوا إليه ليعينوه، وصاح النوشجان بالفرس فحملوا على عمرو وأصحابه، فاقتتل القوم وحمل عمرو من بين أيديهم فضرب خرطوم الفيل فقطعه، وولى الفيل منهزما ثم سقط ميتا، ووضع المسلمون السيف في النوشجان وأصحابه، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقتل النوشجان فيمن قتل وانهزم الباقون بشر حالة تكون. # قال: وتقدم قائد من قواد نهاوند يقال له هرمزد بن داران في نيف على خمسة آلاف فارس من نخبة الأعاجم حتى وقف بين الجمعين، فأقبل حذيفة بن اليمان على الناس فقال: أيها المسلمون! إن هؤلاء الأعاجم ليست معهم نصفة أن يخرج منهم رجل إلى رجل، وذلك ms0266 أنه إذا خرج منهم قائد يجد بدا من أن يخرج معه كل أصحابه، وهذا عسكر لجب قد برز إليكم في مثل هذه التعبية من الخيل والجنود والفيلة، فثقوا بربكم وقاتلوا عن دينكم وصلوا على نبيكم، قال: فكان أول من خرج إلى هرمزد وأصحابه رجلان من قيس عيلان من بني مضر يقال لأحدهما بكير والآخر مالك، فخرجا على فرسين لهما ثم أقبل أحدهما على الآخر فقال له: يا أخي اعلم أني حامل على هذا الجيش ولست أطلب منهم إلا عميدهم وكبيرهم هرمزد بن داران، فما الذي ترى؟ فقال أخوه: أرى أني معك أحمل إذا حملت، PageV02P305 # ومعك أقتل إن قتلت، ومعك أرجع إن رجعت، قال: فخرجا جميعا نحو هرمزد وأصحابه فطعنا في الخيل ساعة حتى فروا هائمين يمنة ويسرة، ثم إنهما حملا على هرمزد بن داران، هذا عن يمينه وهذا عن يساره، فطعناه فسقط إلى الأرض قتيلا، قال: وتكاثرت الفرس من كل ناحية على هذين الفتيين بكير ومالك فقتلا جميعا - رحمة الله عليهما -. # قال: فارتفع العجاج فخرج أخ لهذين الفتيين ليخرق العجاج وينظر إلى أخويه، فإذا لقيه رجل يقال له بسطام بن عمرو فقال له: ويحك يا بسطام! هل حسست أخوي حسا؟ فقال: نعم، أعظم الله أجرك في أخويك! فقد قتلا كريمين، فقال ناشرة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم حمل على الفرس فقاتل ساعة ثم وقف ثم حمل ناشرة بن صالح، ونادى عمرو بن معدي كرب قال: يا معاشر المسلمين إني ما أشبه هذا اليوم إلا بيوم القادسية، فيا معشر بني مذحج! # ويا فتيان بني زبيد! ويا معشر النخع! اعلموا أن الذكر غدا بالمدينة لمن صبر اليوم، ألا! فاحملوا ولا تفشلوا رحمكم الله. # قال: فما بقي أحد من بني مذحج ولا من النخع ولا من بني زبيد إلا وحمل، ونظر إليهم عمرو وقد حملوا فحمل معهم، فاقتتلوا ساعة حتى أزالوا الفرس عن أماكنهم، وقتلوا منهم بشر كثير. # قال: ثم أقبل جرير بن عبد الله البجلي على الناس فقال: ms0267 يا معشر المسلمين! إنكم قد علمتم بأن أميرنا النعمان بن مقرن قد قتل منذ ثلاثة أيام وهذا الرابع، وهؤلاء الأعاجم كلما كسرنا لهم جيشا زحفوا إلينا بجيش هو أعظم منه، وقد تعلمون أن يزدجرد ملك الأعاجم قاطبة قد صار إلى أصفهان ولست آمن أن يبعث إليكم بجيش عظيم فيكون فيه البوار، وهذه الشمس قد زالت كما ترون، فاعلموا أنها لا تغيب إلا ونحن في جوف قلعة نهاوند إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: فقال طليحة بن خويلد الأسدي: والله ما الرأي إلا ما رأيت يا أبا عمرو! # ولقد قلت قولا ويجب أن نجعلها واحدة، لنا أم علينا، فإنا لا نطيق كثرة هؤلاء القوم. # قال: فقال عمرو بن معد يكرب: ويحك يا طليحة! لا تقل علينا فإني أرجو أن تكون لنا وقلبي يشهد بذلك كما أنه يشهد أني مقتول في هذا اليوم، ألا! وإني PageV02P306 # حامل فاحملوا معي رحمكم الله، فوالله لأجهدن أني لا أرجع دون أن أفتح أو أقتل. # قال: ثم نزل عمرو عن فرسه وجعل يستوثق من حزامه وثفره ولببه، ثم استوى عليه وضرب بيده إلى الصمصامة فجعل يهزها، قال: ثم كبر عمر وحمل، وحمل معه فرسان بني مذحج على جموع الأعاجم، فلما خالطهم عمرو عثر به فرسه فسقط إلى الأرض وغار فرسه وأحاطت به الفرس من كل جانب، فلم يزل يقاتل حتى انكسرت الصمصامة في يده، ثم ضرب بيده إلى السيف ذي النون فلم يزل يضرب به حتى انكسر في يده، فعند ذلك علم أنه مقتول، قال: وجعل المسلمون يحملون على الفرس فيقاتلون وليست لهم بهم طاقة لكثرة جمعهم، وحمل رجل من الفرس يقال له بهرزاد على عمرو بن معد يكرب فضربه على يافوخه، فخر عمرو صريعا وتكاثرت عليه الفرس بالسيوف فقطعوه إربا إربا - رحمة الله ورضوانه عليه -. # ثم إنهم حملوا على المسلمين حملة فكشفوهم عن معسكرهم وعن موضع سوادهم، قال: وكان سارية بن زنيم الكناني يومئذ على جناح المسلمين فوقعت في أذنه صيحة وهو يقول: يا ms0268 سارية! الجبل الجبل! مرتين، قال: فحمل سارية ومن معه من المسلمين على قوم من الفرس وراء الجبل وقد كانوا عزموا أن يخرجوا على المسلمين كمينا. فكشفهم سارية عن مواضعهم وحمل المسلمون من الميمنة والميسرة والقلب، فاحتكموا الأعاجم جملة حتى قلعوهم عن أرض نهاوند وبنائها واتبعوهم فرسخين أو أكثر من ذلك يقتلونهم عند كل حجر وشجر، ثم رجعوا إلى نهاوند في وقت المغرب فباتوا ليلتهم تلك يحرس بعضهم بعضا خوفا من أن يكون في الفرس رجعة عليهم، والفرس قد ألقى الله عز وجل الرعب في قلوبهم، فبعضهم يؤم أصفهان وبعضهم يؤم ما سبذان وبعضهم يؤم قم وقاشان مشردين في البلاد، فأصبح المسلمون فجعلوا يجمعون غنائم نهاوند إلى معسكرهم حتى نظروا إليها كأنها الإكام، ثم إنهم دفنوا قتلاهم فبعضهم دفن في الموضع الذي أصيب فيه، وبعضهم دفن في الموضع الذي يعرف بقبور الشهداء إلى يومنا هذا. # قال: وأقبل إلى السائب بن الأقرع رجل من أهل نهاوند (1) فقال له: أيها العربي! أنت صاحب غنائم العرب؟ فقال: نعم، أنا على غنائمهم، فقال: هل # PageV02P307 # لك أن تؤمنني على نفسي وأهلي وولدي ومالي وأهل بيتي وأدلك على كنز النخيرجان (1)؟ فقال له السائب: أيها الرجل! انك تطلب مني الأمان على أمة من الأمم ولست أدري كنز النخيرجان ما هو؟ فقال الفارسي: إذا أخبرك أيها الأمير! ### | خبر النخيرجان وقصته. # قال: وجعل الفارسي يحدث السائب بن الأقرع فقال: أيها الأمير! إن النخيرجان كان وزيرا ليزدجرد، وكانت له امرأة حسناء وكان يزدجرد يختلف إليها قال: فقال غلمان النخيرجان للنخيرجان: أيها الوزير! إن الملك يختلف إلى امرأتك فأحببنا أن نعلمك بذلك، قال: فاتقى النخيرجان على نفسه من أن يقتله يزدجرد ويأخذ امرأته، فجفا النخيرجان امرأته فلم يقربها، فخبرت المرأة يزدجرد بذلك، قال: فدعا يزدجرد بالنخيرجان ذات يوم فأقعده بين يديه ثم خلا به فقال له: # يا نخيرجان! بلغني أن لك عينا عذبة وأنك لا تشرب منها فلم ذلك؟ فقال النخيرجان: أيها الملك! إني كنت أشرب منها ولكني وجدت عندها أثر الأسد ms0269 فاتقيته على نفسي، قال: فعلم يزدجرد أن النخيرجان قد علم بأمره وأمر امرأته فأمره بمفارقتها، ففارقها وزوجه يزدجرد غيرها من النساء ووصله بمال جليل وتاج من الذهب (2)، ثم قال ذلك الفارسي للسائب بن الأقرع: وأنا أعرف موضع هذا المال وهذا التاج فتعطيني الأمان كما سألتك ويكون هذا المال لك من دون أصحابك، قال: فأعطاه السائب الأمان كما أراد ودله الفارسي على الكنز، فأخذه وكتمه عن المسلمين، ثم أخرج الخمس من غنائم نهاوند فعزله ليوجه به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقسم الباقي في المسلمين فأعطى كل ذي حق حقه وحمل الخمس مع ذلك السفط إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # فلما نظر إليه عمر من بعيد قال له: ويحك يا سائب! ما وراءك؟ فلقد بت البارحة بليلة، الله بها عليم من غمي بأمور المسلمين، فقال له السائب بن الأقرع: # PageV02P308 # أبشر يا أمير المؤمنين! فقد فتح الله عز وجل على المسلمين وأذل المشركين، وقد قسمت على كل ذي حق حقه وحملت إليك خمس غنائم المسلمين من أهل نهاوند. # قال: فجعل عمر يسأله عن المسلمين ومن قتل منهم هنالك والسائب يخبره بقتل كل رجل، حتى سأله عن عمرو بن معد يكرب فقال: قتل يا أمير المؤمنين ووالله ما عرفناه من كثرة الضربات التي أصابته إلا بثناياه، قال: فبكى عمر بكاء شديدا ثم قال: رحم الله أبا ثور! يرحم الله النعمان بن مقرن! رحم الله فلانا وفلانا - وجعل يترحم على رجل بعد رجل حتى ترحم على جميع من قتل. ثم قال: ويحك يا سائب! فما صنع المسلمون بعد ذلك؟ قال: قفلت يا أمير المؤمنين [و] دفعت إلى كل ذي حق حقه وأتيتك بهذا الخمس وقد رجع أهل البصرة إلى بصرتهم وأهل الكوفة إلى كوفتهم. # قال: فما برح عمر بن الخطاب رضي الله من المسجد حتى قسم الخمس من غنائم نهاوند على المسلمين، وهم عمر أن يقوم من موضعه فتقدم إليه السائب بن الأقرع فكلمه سرا وخبره بكنز النخيرجان، فقال عمر: ms0270 ائتني به، فجاء به حتى وضعه بين يديه وفتحه وجعل ينظر إلى ذلك السفط وما فيه من الذهب والجوهر، ثم دعا بعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير ومن هنالك من المسلمين رضي الله عنهم أجمعين، فقال لهم: اختموا بخواتيمكم على هذا السفط، فإني لست آمن نفسي عليه، قال: وختم القوم بخواتيمهم على ذلك السفط، ثم أمر فوضع في بيت المال وانصرف عمر إلى منزله. فلما كان الليل وجه عمر إلى السائب بن الأقرع فدعاه (1) ثم قال: ويحك يا سائب! ما لي ولك؟ أردت أن تدخلني النار نار جهنم! قال: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني كنت نائما فرأيت هذا السفط الذي جئتني به وهو يشتعل نارا والنار ترتفع إلى وجهي وأنا أتأخر عنها خوفا من أن تحرقني وسمعت هاتفا يهتف بي وهو يقول: يا بن الخطاب! أردد هذا السفط على من أفاء الله به عليه. فاحمل الآن هذا السفط إن شئت إلى البصرة أو إلى الكوفة فبعه وادفع إلى كل ذي حق حقه وائتني بالخمس حتى أقسمه في المسلمين. قال: فحمل السائب بن الأقرع ذلك السفط إلى الكوفة ثم وضعه في # PageV02P309 # المسجد الأعظم ودعا بالناس إلى شرائه، فاشتراه عمرو بن حريث المخزومي بمال جزيل (1)، وربح فيه مثل ثمنه، فيقال إن ذلك المال أول مال اعتقله عمرو بن حريث بالكوفة. قال: فأخرج السائب بن الأقرع من ذلك المال الخمس فحمله إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقسم باقي ذلك المال فيمن شهد فتح نهاوند من أهل البصرة وأهل الكوفة، فهذا ما كان من فتح نهاوند والله أعلم وهو حسبنا ونعم الوكيل. ### | ذكر فتح مدينة الري (2) والدستبى وما يليهما. # قال: فلما فتح الله عز وجل نهاوند على المسلمين وأمكن منهم وقسم غنائمهم كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد ذلك إلى عمار بن ياسر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عمار بن ياسر، أما بعد فالحمد لله الذي أنجز ms0271 وعده وهزم الكفار وحده، فاحمدوا الله عباد الله على ما رزقكم من غنائم عدوكم واعتصموا به، فنعم المولى ونعم النصير، وبعد فانظر إذا ورد عليك كتابي هذا فاقرأه على المسلمين وبشرهم بالنصر من عند خير الناصرين، ثم اعرض أجناد أهل الكوفة فانتخب منهم عشرة آلاف رجل من أخلاط القبائل فاضممهم إلى عروة بن زيد الخيل الطائي ومره فليسر بهم نحو الري والدستبي فعسى الله عز وجل أن يفتح ذلك على يده بمنه وطوله وحوله وقوته إنه على كل شيء قدير - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # قال: فلما ورد الكتاب على عمار بن ياسر نادى في المسجد، فاجتمعوا إليه فأقرأهم الكتاب وندبهم إلى الجهاد، فأجابه الناس إلى ذلك فرحين مسرورين، فجعل ينتخب الرجال من جميع القبائل، حتى إذا علم أنهم تكاملوا عشرة آلاف رجل دعا عروة بن زيد الخيل وأمره بالمسير إلى الري (3)، فسار عروة بالمسلمين سيرا حثيثا # PageV02P310 # حتى صار إلى حلوان، وبها يومئذ جرير بن عبد الله البجلي في قريب من ثمانية آلاف من المسلمين غير أنه متمسك بحلوان فلا يقدر أن يجوزها إلى غيرها، فأقبل عروة حتى نزل عنده ثم ودعه وخرج يريد همذان، وبها يومئذ رجل من عظماء الأعاجم يقال له كفتار في جمع يسير من الفرس، فلما أحس بخيل المسلمين أنها قد وافته رحل من همذان حتى صار إلى قم فنزلها، ودخل المسلمون إلى حصن همذان فاحتووا عليه وعلى ما قدروا عليه من الأطعمة والعلوفة وغير ذلك، وأقاموا بهمذان أياما ثم رحلوا منها يريدون الري، وبساوة (1) يومئذ رجل من ملوك الأعاجم يقال له داور بن أزدهان في عشرة آلاف فارس من أهل بلدة وأهل الرستاق من الدستبي، فلما بلغه مسير المسلمين إلى ما قبله نادى في أصحابه وخرج عن ساوة هاربا حتى صار إلى الري ونزل المسلمون بساوة. # وبلغ ذلك ملك الري فرخنداد بن يزدامهر الأكبر (2) فاغتم بمسير المسلمين واستنهض أهل الري فأجابوه في عشرين ألفا، قال: واجتمع إليه الديلم (3) في مثل ذلك، فسار فرخنداد في قريب ms0272 من أربعين ألفا، وبلغ ذلك المسلمين وهم نزول بساوه في عشرة آلاف كأنهم جزعوا من عساكر الديلم وأهل الري، فجعل أميرهم عروة بن زيد الخيل يشجعهم وينهاهم عن الفشل ويحثهم عن الجهاد لعدوهم. # قال: ثم إنه نادى بالرحيل نحو الري، فسار المسلمون يوما وثانيا وثالثا حتى نزلوا على ثلاثة فراسخ من الري، وبلغ ذلك ملك الري فخرج إلى المسلمين في زهاء أربعين ألفا، ودنا القوم بعضهم من بعض، وعبى عروة بن زيد الخيل أصحابه، فجعل على ميمنته أخاه حنظلة بن زيد الخيل، وعلى ميسرته سماك بن عبيد (4) العبسي، وعلى الجناح سويد بن مقرن المزني، قال: وتقدم عروة بن زيد الخيل حتى وقف على القلب في جماهير المسلمين وأبطال العرب ثم قال: أيها الناس! إنه ليس ينبغي لمن علم أن الجنة مأوى المتقين وأن النار مثوى الكافرين أن يجزع من كثرة هؤلاء الأعاجم، فوالله! إنكم لأنتم الذين فتحتم القادسية والمدائن # PageV02P311 # وجلولاء وحلوان. وأنتم الذين فتحتم أرض الأهواز بأجمعها قلعة قلعة ونهرا نهرا، وأنتم أصحاب نهاوند بالأمس وقد اجتمع بها أضعاف هؤلاء، فقد عرفتم حرب القوم، إنما لهم ساعة واحدة ما دامت سهامهم في كنائنهم، فإذا نفدت فقد أهلكهم الله عز وجل وبدد شملهم. # قال: فبينا عروة بن زيد الخيل يحرض أصحابه على الجهاد ويرغبهم فيما عند الله عز وجل إذا برجل من عظماء أهل الري يقال له داد بن فرناذ قد برز من بين صفوف الأعاجم فجعل يجول ويطلب البراز، فخرج إليه شبل بن معبد البجلي، فجاوله ساعة ثم التقيا بطعنتين طعنه البجلي [و] جدله قتيلا، ثم حمل في جميع أهل الري فطعن فيهم طعنا وجيعا جرح منهم جماعة، ثم رجع إلى صفوف المسلمين فوقف. # ثم تقدم عروة بن زيد الخيل حتى وقف أمام المسلمين على برذون له أصفر، فجعل ينادي: يا معشر طيء! إنه لا عطر بعد عروس (1)، ولست أريدكم لبعد اليوم وأنشدكم الله عز وجل أن تفضحوني أو تشمتوا بي عدوي، قال: فنادته قبائل طيء من كل ناحية: أيها ms0273 الأمير! احمل رحمك الله حتى ترى منا ما يسرك إن شاء الله، قال: فعندها جعل عروة بن زيد الخيل يرتجز، قال: ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل من القوم جماعة، وحمل المسلمون بأجمعهم على أهل الري والديلم فقتلوا منهم في المعركة زهاء سبعمائة، وولى الباقون أدبارهم يتبعون صاحبهم فرخنداد بن يزدا مهر حتى دخلوا المدينة مفلولين، واحتوى المسلمون على غنائمهم وأسلابهم. # قال: ثم بعث ملك الري إلى عروة بن زيد الخيل يسأله الصلح على أنه يقره في بلده ويؤدي الجزية إليه في كل سنة ثلاثين ألف درهم ويعجل إليه بمائتي ألف درهم. قال: فرضي منه عروة بن زيد بذلك ثم كتب (2) إلى عمر بن الخطاب رضي # PageV02P312 # الله عنه بما قد فتح الله عز وجل على يديه من الري وغيرها. # وكتب إليه عمر يأمره أن يخلف على الري رجلا من المسلمين يأخذ منهم الجزية ويسرع المسير إلى قم (1) وقاشان (2). # قال: فلما ورد كتاب عمر رضي الله عنه على عروة بن زيد وقرأه دعا برجل من عبد القيس يقال له زكاة بن مصعب فولاه على جزية الري، وضم إليه ثلاثمائة فارس من فرسان أهل الكوفة ثم سار بالمسلمين يريد إلى قم وقاشان. # قال: وبلغ ذلك صاحب قم واسمه وسنان، فخرج عن قم هاربا حتى صار إلى قاشان فأقام بها ساعة من النهار ثم رحل منها حتى صار إلى أصفهان، وبها يومئذ يزدجرد ملك الفرس، فدخل عليه وسنان فقال: أيها الملك! إنه قد أخذت العرب همذان والري وقد توجهوا إلى قم وقاشان وكأنك بهم وقد وافوك، فاعمل على رأيك، قال: فاغتم يزدجرد لذلك غما شديدا، وسار المسلمون إلى قم فنزلوها واحتووها وعلى قاشان (3). # وبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب إلى جرير بن عبد الله وهو يومئذ بحلوان فأمره بالتقدم إلى همذان، فسار جرير بمن معه إلى همذان وأرض الماهين واحتووا عليها، قال: فكان جرير مقيما بهمذان والماهين، وعروة بن زيد مقيما بقم وقاشان (2)، وخليفته بالري. # قال: وبلغ ذلك يزدجرد ms0274 ملك الفرس، فدعا برجل من المرازبة يقال له الفاذوسفان فولاه أصفهان، ثم خرج منها هاربا حتى صار إلى أرض فارس فنزل مدينة إصطخر (3)، وبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب إلى عروة بن زيد الخيل يأمره أن لا يبرح من قم وقاشان إلى أن يأتيه أمره، ثم كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو مقيم بالبصرة وقد فتح من أرض الأهواز ما فتح، فكتب إليه يأمره # PageV02P313 # بالمسير إلى أصفهان وأن يعجل المسير إليها (1). ### | ذكر فتح أصفهان على يدي أبي موسى الأشعري. # قال: فلما ورد كتاب عمر رضي الله عنه على أبي موسى نادى في أهل البصرة وأقرأهم كتاب عمر وندبهم إلى المسير إلى أصفهان وأمرهم بالأهبة والجهاد، ففعلوا ذلك وأجابوه سراعا راغبين في الجهاد، قال: ودعا أبو موسى برجل من بكر بن وائل يقال له همام بن متمم (2) فولاه على أهل البصرة، ثم نادى في الناس بالرحيل إلى أصفهان، وخرج الناس معه حتى نزلوا بالأهواز، ثم رحل منها يريد أصفهان حتى إذا تقارب منها دعا برجل من خزاعة يقال له عبد الله بن بديل بن ورقاء (3) فضم إليه ألفي راجل وفارس من جند أهل البصرة وقدمه أمامه نحو أصفهان، وبلغ ذلك الفاذوسفان صاحب أصفهان، فدعا بفرس فاستوى عليه وخرج عن المدينة في ثلاثين فارسا هاربا على وجهه يريد إلى يزدجرد، وبلغ ذلك عبد الله بن بديل بن ورقاء فأسرع في المسير في طلبه فلم يقدر عليه ومضى الفاذوسفان حتى لحق بيزدجرد (4). وأقبل عبد الله بن بديل إلى باب أصفهان فنزل عليه في ألفي فارس، فأرسل إليه أهل أصفهان يسألونه الصلح، فأجابهم أبو موسى إلى ذلك وصالحهم (5) على مائة ألف درهم عاجلة # PageV02P314 # والجزية بعد ذلك على من أقام على دين المجوسية. ثم دخل أبو موسى مدينة أصفهان بلا قتال ولا مناوشة كانت بينه وبين أهل أصفهان قبل ذلك بموضع يقال له ميدان، فأقبل قبل الصلح. # قال: وكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخبره بما فتح الله ms0275 عز وجل على يديه من أصفهان وأنه مقيم بها، فلما قرأ عمر كتاب أبي موسى قال: الحمد لله الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، لا معطي لما يمنع ولا مانع لما أعطى. # قال: وبلغ أهل فارس أن العرب قد أخذت أصفهان وما يليها فاغتموا لذلك وهالهم أمر العرب جدا، قال: ودعا يزدجرد برجل من أبناء ملوك العجم يقال له شهرك بن ماهك، فقال: ويحك يا شهرك! إني أرى هؤلاء العرب ما يطلبون أحدا غيري، وذلك أني كلما رحلت إلى بلدة رحلوا في أثري، غير أني رأيت من الرأي أرجع عن جميع أرض فارس وأصير إلى كرمان (1)، ولكن انظر كيف تقاتل عن دينك وتناضل عن حرمك ودار ملكك، قال: ثم رحل يزدجرد عن مدينة إصطخر ومضى حتى صار إلى كرمان، فنزل في قصر ملك من ملوكها يقال له هزار مرد، ولم يكن بكرمان أجل منه. ### | ذكر فتح فارس (2) على يد أبي موسى الأشعري. # قال: واجتمع أهل إصطخر (3) إلى رجل منهم يقال له الموبذان، قال: وكان الموبذان هذا قاضي القضاة عند الأعاجم وهو الذي يقتدون برأيه وينتهون إلى أمره، فقالوا: أيها الموبذان! إنك قد علمت بأن نجم العرب قد طلع طلوع سعد، قد غاب عنه النحس، وذلك أنهم قد أخذوا جميع البلاد الذي كانت للفرس حتى وصلوا إلى أصفهان فأخذوها، وهذا الفاذوسفان ابن ساسب صاحب أصبهان قد أقبل منهزما بين أيديهم، وقد علمت يا موبذان أن إصطخر هي التاج، فإن ذهبت منه ريشه لم # PageV02P315 # يكن للعجم نظام، فلم لا تكلم الملك شهرك بن ماهك في ذلك حتى يحتال بحيلة، ثم إنه يدفع هؤلاء ويجمع الجموع. فيلقى هؤلاء العرب من قبل مصيرهم إلى ما قبلنا. # قال: فعندها أقبل الموبذان قاضي الفرس حتى دخل على شهرك بن ماهك، فكلمه في ذلك وذكر له مقالة الأعاجم. فقال له شهرك: ومن هؤلاء العرب إلا كلاب حتى إنكم تريدون، تخافون من نباحتهم لعلكم نظرتم إلى جزع يزدجرد وخروجه عن بلد فارس فاتقيتم على أنفسكم. ثم قال ms0276 شهرك: اخرج أيها الموبذان فناد في جميع الأعاجم أن يجتمعوا لهؤلاء العرب [و] ألا يخرج إلى حربهم أحد إلا ومعه حبل حتى نقرنهم في الحبال. # قال: فخرج الموبذان إلى الفرس فخبرهم بمقالة شهرك، فجعل الناس يجتمعون إلى شهرك حتى صار في عشرين ومائة ألف رجل من الفرس. # قال: وبلغ ذلك أبا موسى الأشعري (1)، وأبو موسى يومئذ مقيم بأصفهان، فنادى في المسلمين فاجتمعوا إليه فعرضهم فكانوا سبعة عشر ألفا ما بين فارس وراجل، فوضع لهم الارزاق وأعطاهم ووعدهم ومناهم ثم سار بهم يريد مدينة إصطخر حتى إذا أشرف عليها ونظر جموع الفرس أمر المسلمين بأن يكبروا، فلما كبر المسلمون بأجمعهم وقع الرعب في قلب شهرك، فالتفت إلى أصحابه وهو في تلك الخلق العظيم فجعل يقول بالفارسية: چون كنم وكجا شوم، فجعل وزيره يشجعه ويقول: أيها الملك أثبت ولا تخف، فإن هؤلاء العرب قليلون ونحن في جمع عظيم، فلا عليك أن تقف حتى تنظر إليك أصحابك ويقاتلون بين يديك، قال: فوقف شهرك أمام أصحابه وليس معه شيء من عقله. # قال: ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا ساعة من النهار، وأمر أبو موسى أصحابه التكبير ثانية. فلما كبروا انخلعت قلوب الفرس فأعطوا بأيديهم وولوا الادبار منهزمين، وولى معهم شهرك لا يقف ولا يلوي على شيء، قال: ولحقه رجل من # PageV02P316 # المسلمين يقال له الجنيد بن مسلم الأزدي (1)، فضربه ضربة على تاجه نكسه إلى الأرض صريعا، ثم نزل إليه فأخذ سلبه وتاجه ثم استوى على فرسه، قال: وقد ذكر ذلك أيضا رجل من الأزد في شعر له. # قال: وانهزمت الفرس من بين أيدي المسلمين فدخل بعضهم إلى مدينة إصطخر ومر الباقون على وجوههم في البلاد مشردين، وبلغ ذلك ملك الفرس يزدجرد أن البلاد قد أخذت وأن شهرك قد قتل، فاغتم لذلك وبقي حيرانا لا يدري ما يقول غير أنه نكت الأرض بأصبعه وتفكر فيما قد نزل به من العرب، وعنده جماعة من أساورته قد وقفوا بين يديه مغمومين منكسرين كأن الطيور ساقطة على رؤوسهم. # قال: ms0277 فبينما هو كذلك يفكر في أمره إذ دخل عليه رجل من سادات كرمان يقال له بندوه بن سياكوس - ولمن يكن ببلاد كرمان كلها أجل منه ولا أكبر عند أهلها - فسلم عليه وكلمه، فلم يكلمه يزدجرد لما كان في قلبه من الغم، قال: فغضب بندوه من ذلك ثم قال: أيها الملك! أكلمك فلا تكلمني! ليس العجب منك ولكن العجب منا إذ جعلنا مثلك ملكا علينا، ثم ضرب بيده إلى رجله فجذبه عن السرير ورمى به إلى الأرض وخرج من بين يديه. قال: فاغتم يزدجرد لذلك. وما بقي أحد من غلمانه وأساورته الذين معه إلا بكى، فقال لهم يزدجرد: لا تبكوا فإن البكاء للنساء والرجال قد تصيبهم المصائب، ولابد من الصبر على ما أنا فيه إلى وقت الفرج. # قال: ثم دعا يزدجرد بفرسه فركبه، ونادى في أصحابه وخدمه فركبوا، وخرج من ساعته فيمن معه نحو بلاد خراسان (2)، فسار حتى قدم مدينة مرو فدخلها، وعلم أهل مرو أنه منهزم من أجل العرب فشمتوا وأحبوا أن يقتلوه، ثم كتبوا إلى ملك من ملوك الترك يقال له طخطاخ (3) أن ملك الأعاجم أقبل إلينا هاربا من العرب وقد شمتنا # PageV02P317 # به وليست لنا فيه حاجة، وأنت أحب إلينا منه، وقد أردنا أن تقدم عليه فتقتله وأنت أحق بذلك منا، فصر إلينا وأرحنا منه والبلد لك. # قال: فلما ورد كتاب أهل مرو على طخطاخ ملك الترك سار في جيش عظيم يريد مدينة مرو، حتى إذا تقارب منها بلغ ذلك يزدجرد، فخرج من منزله الذي كان فيه في جوف الليل هاربا على وجهه وليس معه أحد من أصحابه ولا من غلمانه ولا يدري إلى أن يتوجه، فبينما هو كذلك إذ نظر إلى سراج على شاطئ نهر مرو، فقصد السراج فإذا هو برجل ينقر رحى، فقال له يزدجرد: أجرني في هذه الليلة واكتم على أمري ولك عندي من المال كذا وكذا فإني خائف من هذا العسكر الذي ورد إلى مدينة مرو، فقال له صاحب الرحى: ادخل! فدخل يزدجرد إلى بيت ms0278 الرحى فجلس فيه ساعة ثم إنه وضع رأسه فنام، فلما غط في نومه قام إليه صاحب الرحى بفأس كان في يده فضرب رأسه ضربة فقتله (1)، ثم أخذ ما كان عليه من السلب وجره برجله فألقاه في نهر مرو. # قال: وأصبح ملك الترك فجعل يطلب يزدجرد، وأهل مرو أيضا يطلبونه فلم يقفوا على أثر، قال: فبينا طخطاخ ملك الترك يدور في طلب يزدجرد ومعه جماعة من أصحابه إذ مر بصاحب الرحى فوقف عليه ثم كلمه بالتركية وقال: هل مر بك من ههنا رجل من صفته كذا وكذا في زي الملوك؟ فقال صاحب الرحى: لا ما رأيت صاحب هذه الصفة، قال: فبينا طخطاخ يكلم صاحب الرحى: إذ شم رائحة طيبة فقال لأصحابه: ادخلوا إلى بيت الرحى فانظروا هل تجدون أثرا فإني أشم رائحة طيبة! قال: فدخل القوم فجعلوا يفتشون بيت الرحى فإذا هم بسلب يزدجرد، فأخذوه وأتوا به إلى طخطاخ ملك الترك، فلما نظر إليه علم أنه سلب يزدجرد فقال لصاحب الرحى: اصدقني ما فعل صاحب هذا السلب؟ فأقر وقال: إني قتلته وجررته برجله وألقيته في هذا النهر. قال: فأمر طخطاخ بصاحب الرحى فقتل (2)، ثم دعا بأهل مرو فأمرهم أن يغوصوا، فغاصوا فأخرجوا يزدجرد، فلما نظر إليه # PageV02P318 # طخطاخ ملك الترك بكى بكاء شديدا ثم أمر به، فكفن في أكفان الملوك وطلي بالصبر والمر ووضع في تابوت وحمل إلى بلاد فارس فدفن هنالك في الموضع الذي كانت الفرس تدفن ملوكها فيه. قال: وبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: الحمد لله الذي طحطح ملكهم وأبان هلكهم. # قال: وأقام أبو موسى على إصطخر شهرا كاملا حتى فتحها صلحا على مائتي ألف درهم عاجلة والجزية بعد ذلك. قال: ثم تقدم أبو موسى إلى بلاد كرمان، فجعل يفتحها موضعا موضعا ويتقدم وليس أحد يناويه حتى بلغ أول مفازة خراسان، فنزل هنالك وأمر بأموال فارس وكرمان، فأخرج منها الخمس وبعث به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع كتابه يخبره فيه بما فتح الله ms0279 عز وجل على يديه من أرض فارس وكرمان وأنه يريد التقدم إلى بلاد خراسان فإنه قد بلغ إلى حد مفازة خراسان. # قال: وقسم أبو موسى باقي الغنائم في المسلمين، فأصاب الفارس زيادة عن ثمانية آلاف درهم، والراجل زيادة عن أربعة آلاف. # قال: وقسم أيضا عمر بن الخطاب بالمدينة ذلك الخمس في المهاجرين والأنصار، ثم كتب إلى أبي موسى: أما بعد فقد ورود علي كتابك يخبرني بما فتح الله على يديك من أرض فارس وكرمان، وأنك تريد التقدم إلى بلاد خراسان، فمهلا أبا موسى في ذلك، فانظر إذا ورد عليك كتابي هذا فول على كل بلد مما فتح الله عز وجل على يديك رجلا ترتضيه المسلمون وارجع إلى البصرة فأقم بها، وذر عنك خراسان فلا حاجة لنا بها يا بن قيس! ما لنا ولخراسان وما لخراسان ولنا، ولوددت (1) أن بيننا وبين خراسان جبالا من حديد وبحارا، وألف سد، كل سد مثل سد يأجوج ومأجوج. قال: فقال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ولم ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر رضي الله عنه (2): لأنها أرض بعدت عنا جدا ولا حاجة لنا بها. # PageV02P319 ### | ذكر كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وما خبر به من أمر خراسان وما ذكر من فضائلها ومثالبها. # قال: فقال علي كرم الله وجهه: فإن كانت قد بعدت عنك خراسان فإن لله عز وجل مدينة بخراسان يقال لها مرو، أسسها ذو القرنين وصلى بها عزير، أرضها فياحة، وأنهارها سياحة، على كل باب (1) من أبوابها ملك شاهر سيفه يدفع عنها الآفات إلى يوم القيامة، لا تؤخذ عنوة أبدا ولا يفتحها إلا القائم من آل محمد، وإن لله عز وجل مدينة بخراسان يقال له خوارزم (2)، النازل بها كالضارب بسيفه في سبيل الله عز وجل، فطوبى لكل راكع وساجد بها! وإن لله عز وجل مدينة بخراسان يقال لها بخارا، وإني برجال بخارا سيعركون عرك الأديم، ويحا لك يا سمرقند! غير أنه سيغلب عليهم في آخر الزمان الترك فمن قبلهم ms0280 هلاكها، وإن لله عز وجل مصالح بالشاش (3) وفرغانة. فطوبى للمصلي بهما ركعتين! وإن لله عز وجل مدينة بخراسان يقال لها أبيجاب (4)، فطوبى لمن مات بها! فإنه عند الله شهيد، وأما مدينة بلخ فقد خربت مرة، ولئن خربت ثانية لم تعمر أبدا، فليت بيننا وبينها جبل قاف وجبل صاد، ويحا لك يا طالقان! فإن لله عز وجل بها كنوزا ليست من ذهب ولا فضة ولكن بها رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته، وهم أنصار المهدي في آخر الزمان، حيات لها أجنحة فتقتلهم عن آخرهم، وأما مدينة الترمذ فإنهم يموتون بالطاعون الجارف فلا يبقى منهم أحد، وأما مدينة واشجرده (5) فإنهم يقتلون عن آخرهم قتلا ذريعا من عدو يغلب عليهم أعداؤهم، فلا يزالون يقتلون أهلها ويخربونها حتى يجعلوها جوف حمار ميت، وأما سرخس فيكون بها رجفة شديدة وهدة عظيمة، ويهلك عامتهم بالفزع والخوف والرعب، وأما سجستان فإنه يكون قوم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من دين الاسلام كما يمرق السهم من الرمية، ثم يغلب عليها في # PageV02P320 # آخر الزمان الرمل فيطمها على جميع من فيها، بؤسا لك يا سوج (1)! ليخرجن منها ثلاثون دجالا كل دجال منهم لو لقي الله بدماء العباد جميعا لا يبال، وأما نيسابور فإنها تهلك بالرعود والبروق والظلمة والصواعق حتى تعود خرابا يبابا بعد عمرانها وكثرة سكانها، وأما جرجان وأي قوم بجرجان لو كانوا يعملون لله عز وجل! ولكن قست قلوبهم وكثر فساقهم، ويحا لك يا قومس! فكم فيك من عبد صالح! ولا تخلو أرضك من قوم صالحين، وأما مدينة الدامغان (2) فإنها تخرب إذا كثر خيلها ورجلها، وكذلك سمنان (3) لا يزالون في ضنك وجهد حتى يبعث الله هاديا مهديا فيكون فرجهم على يديه، وأما طبرستان فإنها بلدة قل مؤمنوها وكثر فاسقوها قرب بحرها، ينفع سهلها وجبلها، وأما الري فإنها مدينة افتتنت بأهلها، وبها الفتنة الصماء مقيمة، ولا يكون خرابها إلا على يد الديلم في آخر الزمان، وليقتلن بالري على باب الجبل في آخر الزمان خلق كثير لا يحصيهم إلا من ms0281 خلقهم، وليصيبن على باب الجبل ثمانية من كبراء بني هاشم كل يدعي الخلافة، وليحاصرن بالري رجل عظيم اسمه على اسم نبي، فيبقى في الحصار أربعين يوما ثم يؤخذ بعد ذلك فيقتل، وليصيبن أهل الري في ولاية السفياني قحط وجهد وبلاء عظيم. ثم سكت علي عليه السلام فلم ينطق بشيء، فقال عمر رضي الله عنه: يا أبا الحسن! لقد رغبتني في فتح خراسان، قال علي عليه السلام: قد ذكرت لك ما علمت منها مما لا شك فيه فاله عنها وعلك بغيرها، فإن أول فتحها لبني أمية وآخر أمرها لبني هاشم، وما لم أذكر منها لك هو أكثر مما ذكرته - والسلام -. ### | رجعنا إلى الحديث الأول. # قال: ورجع أبو موسى الأشعري إلى البصرة فأقام بها على عمله وكتب أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكون من عمار بن ياسر ويسألونه أن يعزله عنهم، فقال عمر: من يعذرني من أهل الكوفة ومن تجنيهم على أمرائهم؟ إن استعملت عليهم عفيفا استضعفوه، وإن استعملت عليهم قويا فجروه، ثم قال: أيها الناس! ما تقولون في رجل ضعيف غير أنه مسلم تقي وآخر فاجر قوي أيهما أصلح # PageV02P321 # للامارة؟ قال: فتكلم المغيرة بن شعبة فقال: يا أمير المؤمنين! إن الضعيف المسلم إسلامه لنفسه وضعفه عليك وعلى المسلمين، والقوي الفاجر (1) فجوره على نفسه وقوته لك وللمسلمين، فاعمل في ذلك برأيك، فقال عمر: صدقت يا مغيرة! # اذهب فقد وليتك الكوفة (2)، فانظر أن تكون ممن يأمنه الأبرار ويخافه الفجار، قال: # فقال المغيرة: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين. # قال: ثم مضى المغيرة أميرا على الكوفة وقد عمار بن ياسر إلى المدينة معزولا، فأرسل إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فدعاه ثم قال: سألتك بالله أبا اليقظان! هل ساءك عزلنا إياك عن الكوفة؟ فقال عمار: والله ما فرحت حين وليتني (3) ولا حزنت حين عزلتني. # قال: وأقام المغيرة بن شعبة على الكوفة ثلاث (4) سنين كاملا، وعمر بن الخطاب في خلال ذلك قد فتح الديار ومصر الأمصار وجند الجنود ودون الدواوين (5)، ثم ms0282 إنه حج بالناس في آخر خلافته فبينا هو بمنى إذ أقبل إليه رجل من أهل مصر فقال: يا أمير المؤمنين! إني استبقت محمد بن عمرو بن العاص فسبقته على فرس لي، فعدا علي فضربني بسوطه في ملا من الناس فقال: خذها وأنا ابن الأكرمين! ثم إني صرت إلى أبيه عمرو بن العاص متعديا فحسبني أربعة أشهر، ثم أطلقني بعد ذلك فخرجت في حجاج المسلمين إليك لتأخذ منه بظلامتي. قال: # PageV02P322 # فغضب عمر ثم قال: علي بعمرو بن العاص وبابنه محمد! فأتي بهما جميعا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما وقفا بين يديه سألهما عما ذكر المصري فأنكرا ذلك، فاستشهد عمر من كان بالموسم من أهل مصر، فشهدوا بذلك، فأمر عمر رضي الله عنه هذا المصري أن يأخذ حقه من محمد بن عمرو، قال: فجعل المصري يقنع محمد بن عمرو بسوطه وعمر يقول: خذها وأنت ابن الأمين! ثم قال عمر: قدموا الشيخ الأصلع - يعني عمرو بن العاص - فقال المصري: يا أمير المؤمنين! إن عمرا لم يضربني ولكنه حبسني، فقال عمر: أفتحب أن أحبسه كما حبسك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! قد صفحت عنه. قال: فغضب عمرو بن العاص فقال: إذ قد فعلت بي وبابني ما قد فعلت فلا ألي لك بعد اليوم عملا أبدا (1)، فقال له عمر رضي الله عنه: فاذهب إذا حيث شئت، لا والله يا معشر قريش! ما تظنون إلا أن الناس لكم عبيد، قال: ثم وقف عمر رضي الله عنه في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إني قد بينت لكم الفرائض وأقمت لكم السنن وأقفيتكم السبيل الواضحة، فاتقوا الله ربكم وكونوا له شاكرين، ألا! وإنه قد كبرت سني ورق جلدي ودق عظمي ولا أظن أني أخطبكم بعدها أبدا، فليعمل أحدكم لله كأنه يراه فإن لم يره فإن الله يراه، وكفى بالله حسيبا ووكيلا، والسلام. ### | ذكر ابتداء مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # قال: ثم نزل عمر رضي الله عنه عن المنبر، ورجع ms0283 الناس من الحج، وقدم عليه المغيرة بن شعبة من الكوفة ومعه غلام له مجوسي (2) يقال له فيروز ويكنى أبا لؤلؤة، قال: وكان هذا الغلام تاجرا رقيقا بصيرا بجميع الاعمال، فأقبل إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين! إن مولاي هذا المغيرة بن شعبة قد وظف علي في كل شهر مائة درهم (3) ولست أقدر على ذلك، فإن رأيت أن تأمره أن يخفف عني من هذه الوظيفة والضريبة التي جعلها علي، قال: فأرسل عمر إلى المغيرة بن شعبة فدعاه ثم أوصاه بغلامه وقال: اتق الله عز وجل ولا تكلفه ما لا يطيق وإن كان كافرا فإنه قد # PageV02P323 # شكاك إلي، فقال المغيرة: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين. # قال: ثم إن أبا لؤلؤة عاد إلى عمر ثانية وثالثة فشكى إليه المغيرة، فقال له عمر: إني قد أوصيته بك فاتق الله عز وجل وأطع مولاك، قال: فسكت أبو لؤلؤة ولم يقل شيئا، فلما ولى لينصرف قال له عمر: ارجع! فرجع إليه فقال له عمر رضي الله عنه: أي الاعمال تحسن؟ فقال أبو لؤلؤة: أحسن كل عمل يعمله الناس وأحسن ما أعمل أنقر الأرحية، فقال له عمر (1): فلو اتخذت لنا رحى اليد (1) فإنا محتاجون إليها، فقال أبو لؤلؤة: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين! لأتخذن لك رحا يسمع بها أهل المشرق والمغرب! قال: ثم انصرف أبو لؤلؤة، فانصرف عمر رضي الله عنه إلى أصحابه فقال: إنه تهددني هذا العلج وتوعدني، وقد رأيت الشر في وجهه والله بالغ أمره. # قال: فلما كان من غد صلى عمر بالناس صلاة الفجر ثم وثب فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنه قد اقترب أجلي لا شك في ذلك، وقد رأيت في ليلتي هذه كأن ديكا قد أقبل إلي فنقرني نقرتين أو ثلاثا وقد هالني ذلك، قال: فقال المسلمون: خيرا رأيت يا أمير المؤمنين! فقال عمر رضي الله عنه: إني قد علمت أن الديك رجل أعجمي قد عزم على قتلى ولست أشك فيه أنه سيجرحني جراحتين أو ثلاثا - أو ms0284 قال: سيطعنني طعنتين أو ثلاثا - وما كان الله ليضيع هذا الدين، فإن استخلفت عليكم خليفة فقد استخلف من هو خير مني، وإن أهلك قبل ذلك فأمركم إلى هؤلاء الستة الذين فارقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض: # علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعيد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، ألا (2)! وإني أشهدكم على أمراء الأمصار أني لم أبعثهم إلا ليفقهوا الناس في دينهم ويقسموا عليهم ويجاهدوا عدوهم ويحكموا فيهم بالحق، فإن أشكل عليهم شيء من ذلك فردوه إلى الله تعالى وإلى أولي الامر منكم. # قال: ثم نزل عمر رضي الله عنه عن المنبر وأخذ بيد عبد الله بن عباس فخرج # PageV02P324 # من المسجد وجعل يماشيه ساعة ثم تنفس وزفر زفرة، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين! إن ما أخرج هذا النفس والزفير إلا الحزن، فقال: ويحك يا بن عباس! # إن نفسي لتحدثني باقتراب أجلي ولست أحذر الموت لأنه سبيل لابد منه، ولكني مغموم لهذا الامر الذي أنا فيه، لا أدري أقوم فيه أم أقعد، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين! فأين أنت عن صاحبنا علي بن أبي طالب في هجرته وقرابته وقدمه وسابقته وفضيلته وشجاعته؟ فقال عمر: والله يا بن عباس وإنه لكما تقول! ولو أنه ولي هذا الامر من بعدي فحملكم والله على طريقة من الحق تعرفونها ولكنه رجل به دعابة وهو حريص على هذا الامر، ولا يصلح هذا الامر لمن حرص عليه، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! فعثمان بن عفان؟ فقال عمر: هو أهل لذلك لشرفه وفضله ولكني أتقي عليه أن يحمل آل معيط على رقاب الناس فيقتل، ولو وليته لفعل ولو فعل لفعلوا، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! فطلحة بن عبيد الله؟ فقال: هيهات يا بن عباس! ما كان الله تبارك وتعالى ليوليه شيئا من أمر هذه الأمة مع ما يعلم من تيهه وزهوه. عجبه بنفسه، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! فالزبير ms0285 بن العوام؟ قال: # فارس بطل ومعه ضيق وجشع يظل يومه بالبقيع يصال على الصاع والمد يخاصم في قفيز من حنطة أو من شعير ولا يصلح هذا الامر إلا للسخي من غير تبذير، الممسك من غير إقتار، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! فسعد بن أبي وقاص؟ فقال: سعد صاحب مقنب يقاتل عليه وأما والي أمر فلا، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! # فعبد الرحمن بن عوف؟ فقال: نعم الرجل ذكرت يا بن عباس! رجل مسلم غير أنه ضعيف وأمره في يد امرأته، ولا يصلح هذا الامر إلا لقوي في غير عنف، واللين في غير ضعف، الممسك في غير بخل، الجواد في غير سرف، ثم قال: يا بن عباس! لو كان معاذ بن جبل حيا لما تخالفتني فيه الأمور لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن معاذا لامة يجيء يوم القيامة وبينه وبين العلماء نبذة ليس بينه وبين الله عز وجل إلا النبيون والمرسلون، ولو أن سالما مولى أبي حذيفة كان حيا لما شككت فيه لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [إن] سالما رجل أحب الله عز وجل حبا وخافه خوفا لم يحب معه سواه، ولو أن أبا عبيدة بن الجراح حيا لكان أهلا لهذا الامر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. # قال: ثم دخل عمر إلى منزله وأرسل إلى وجوه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) فأحضرهم، ثم أرسل إلى جاثليق النصارى فدعاه، فلما دخل عليه PageV02P325 # أمره بالجلوس فجلس، ثم قال: يا جاثليق! اصدقني عما أسألك عنه، قال: سل يا أمير المؤمنين! قال: تجدون نعت نبينا في الإنجيل؟ قال: نعم، إني لأجده فارقليط، قال عمر: وما معنى ذلك؟ قال الجاثليق: معناه أنه يفرق بين الحق والباطل، فقال عمر ومن حضر: الحمد لله الذي جعلنا من أمته، ولكن كيف تجدنا في كتابكم؟ فقال الجاثليق: أجد بعد محمد رجلا عظيم الذكر مبارك الامر، ms0286 فقال عمر: يرحم الله أبا بكر! قال: ثم ماذا ويحك يا جاثليق؟ فقال: من بعده قرن من حديد قوي شديد، قال عمر: ثم ماذا؟ قال: ثم من بعده خليفة يؤثر أقاربه على من سواهم، قال: فنظر إلى عثمان بن عفان، قال: ثم ماذا ويحك يا جاثليق؟ قال: # ثم سيف مسلول ودم مهراق، قال: فضرب عمر بإحدى يديه على الأخرى ثم التفت إلى عثمان فقال: أبا عمرو! اتق الله عز وجل! وإن وليت هذا الامر من بعدي فلا تحملن آل معيط على رقاب المسلمين، وأنت يا أبا الحسن فاتق الله! وإن وليت هذا الامر من بعدي فلا تحملن آل أبي لهب على رقاب الناس. قال: ثم انصرف الناس من عنده وذلك في يوم الجمعة. # وانطلق أبو لؤلؤة فاتخذ خنجرا طويلا له رأسان وبينهما مقبض (1)، ثم أقبل حتى دخل المسجد متنكرا، وذلك يوم الأربعاء في وقت الفجر، قال: فأذن عمر رضي الله عنه وأقام الصلاة وتقدم حتى وقف في محرابه فجعل يسوي الصفوف عن يمينه وشماله وأبو لؤلؤة في الصف الأول ملفع الرأس، فلما كبر عمر وكبر الناس معه بدر أبو لؤلؤة من الصف والخنجر في يده فجرحه ثلاث جراحات (2): جراحتين في سرته وجراحة فوق سرته، ثم شق الصفوف وخرج هاربا. قال: وعلم عمر أنه مقتول فأمر عبد الرحمن بن عوف أن يصلي بالناس فصلى في الركعة الأولى بأم الكتاب (وقل يا أيها الكافرون) (3) وفي الركعة الثانية بأم الكتاب و (قل هو الله أحد) (4)، # PageV02P326 # فلما سلم وثب الناس يتعدون خلف أبي لؤلؤة وهم يقولون: خذوه فقد قتل أمير المؤمنين! فكان كلما لحقه رجل من المسلمين ليأخذه وجأه أبو لؤلؤة بالخنجر حتى جرح من المسلمين ثلاثة عشر رجلا (١)، مات منهم ستة نفر، قال: ولحقه رجل من ورائه فألقى على رأسه برنسا فأخذه، فلما علم أبو لؤلؤة أنه قد أخذ وجأ نفسه وجأة فقتل نفسه. # قال: واحتمل عمر رضي الله عنه إلى منزله وهو لما به، قال: واجتمع إليه الناس فقال عمر: أبو لؤلؤة ms0287 قتلني أم غيره؟ فقالوا: أبو لؤلؤة يا أمير المؤمنين! # فقال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يدي رجل مسلم (٢) فأريد أن أخاصم يوم القيامة ذا سجدتين. # قال: ثم أغمي عليه ساعة حتى فاتته صلاة الظهر، فأيقظوه وقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين! فقال عمر رضي الله عنه: نعم لا حظ في الاسلام لمن ترك الصلاة لكني على ما ترون. قال: ثم صلى عمر، ودعي له بالطبيب (٣) فسقاه نبيذا (٤) حلوا من نبيذة فخرج النبيذ من جراحته فلم يدر أنبيذ هو أم دم، فدعي له بطبيب من الأنصار من بني معاوية فسقاه لبنا فإذا اللبن قد خرج من جراحته أبيض، فقال له الطبيب: أوص يا أمير المؤمنين فإنك ميت، فقال عمر رضي الله عنه: صدقتني أخا الأنصار عن نفسي، ثم استعبر باكيا فقال له ابن عباس: لا تبك يا أمير المؤمنين لا أبكى الله عينك وأبشر بالخير كله، فوالله لقد كان إسلامك عزا وهجرتك فتحا وخلافتك رحمة، ولقد أسلمت حين كفر الناس، ونصرت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خذله الناس، وأنت من الذين أنزل الله تبارك وتعالى فيهم ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (5) وأنت من الذين أنزل الله في حقهم (للفقراء المهجرين # PageV02P327 # الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا) (1) ولقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بشرك بالجنة في غير موطن، ولقد خرج من الدنيا وهو عنك راض، ثم وليت أمور المسلمين بأحسن ما وليها أحد، فأعز الله عز وجل بك الاسلام وأذل بك العدو، حتى فتحت الديار، ومصرت الأمصار، وأقمت المنار، ودونت الدواوين، وجندت الأجناد، فعدلت في رعيتك، وأديت فيهم الأمانة، فجزاك الله عن نبيك وعن خليفته وعن هذه الأمة خير الجزاء. قال: فقال له عمر: # ويحك يا بن عباس أو تشهد لي بهذا غدا عند الله؟ قال: فأمسك ابن عباس ولم يتكلم شيئا، فقال له علي عليه السلام: نعم فاشهد له بذلك يا بن عباس! فقال ابن عباس: نعم ms0288 أنا أشهد لك بذلك عند الله يا أمير المؤمنين، فقال عمر: والله يا بن عباس لو كانت لي بما فيها فافتديت من هول يوم المطلع، ولوددت أني أخرجت من هذه الدنيا كفافا لا لي ولا علي. ثم أقبل عمر على الناس فقال: أيها الناس! إذا أنا مت وواريتموني في حفرتي فانتظروا ثلاثا، فإن قدم عليكم طلحة بن عبيد الله وإلا فاختاروا لأنفسكم من ارتضيتموه من هؤلاء الستة: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله، فإني قد جعلت الامر في هؤلاء الستة وأدخلوا ابني عبد الله في المشورة على أنه ليس له من الامر شيء، وهذا هو صهيب بن سنان يصلي بكم في هذه الأيام إلى أن يتفق رضاؤكم على رجل من هؤلاء الستة، فمن ارتضيتموه واستخلفتموه من هؤلاء الستة فهو الخليفة من بعدي، فإذا أنتم بايعتم رجلا من بعدي واتفقت آراؤكم عليه وعقدتم له البيعة ثم خالفكم أحد فاقتلوه، ألا (2) وإني أوصي الخليفة من بعدي (3) بأهل الذمة خيرا فإن لهم ذمة الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يظلمهم ولا يكلفهم فوق طاقتهم وأن يوفي لهم بعهدهم ويقاتل عدوهم، نعم وأوصي الخليفة من بعدي بالاعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الاسلام أن تؤخذ الصدقات منهم على وجهها # PageV02P328 # ثم ترد على فقرائهم ومساكينهم. # قال: ثم أقبل عمر رضي الله عنه على ولده عبد الله فقال: يا بني حط رأسي عن الوسادة وضعه على الأرض فعسى الله عز وجل أن يرحمني، ثم قال: يا بني! لو أنك رأيت غدا أباك يقاد إلى النار أما تفديه؟ فقال عبد الله: بلى بجميع ما ملكت من طارف وتالد، قال: يا بني! فأد ما علي من الدين (1) وانظر أن تبيع في ذلك جميع ما لك، فإن لم يف بما علي فاسأل في بني عدي بن كعب، فإن لم يف بما علي فاسأل في قريش ولا تعهدهم إلى غيرهم، واجعل ms0289 ذلك في بيت المال فإن سألك الخليفة من بعدي أن لا تأتيه بذلك المال فلا تفعل، فإن وهبه لك فلا تقبل واذهب به حتى تضعه في بيت المال كما أخذته منه. # ثم قال: يا بني! صر إلى عائشة فسلها أن تأذن لي أن أدفن مع حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم وخليفته أبي بكر، فإذا أذنت في ذلك فادفنوني وإلا فادفنوني وإلا فادفنوني في مقابر المسلمين (2). قال: فأقبل عبد الله بن عمر إلى عائشة رضي الله عنها فاستأذنها في ذلك، فقالت عائشة رضي الله عنها: ارجع إلى أمير المؤمنين فاقرئه مني السلام وقل له قد علمت أنه بيتي الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي إلى جنبه وقد كنت ذخرت ذلك لنفسي وقد آثرتك به يا أمير المؤمنين، فقال عمر: الحمد لله ما كان عندي شيء أهم من ذلك فإذا أنا مت فأت بي إلى باب عائشة، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب، ولا تقل أمير المؤمنين، فإن أذنت وإلا ردوا بي إلى مقابر المسلمين (2). # قال: ثم توفي عمر رحمة الله عليه يوم الأربعاء بالعشي ليلة الخميس لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة النبوية وهو يومئذ ابن ثلاث وستين سنة (3) - والله اعلم وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. - # PageV02P329 ### | ذكر كلام علي بن أبي طالب في عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. # قال: وكان جعفر بن محمد يقول لأبي: علي بن أبي طالب عليه السلام هو الذي غسل عمر رضي الله عنه بيده وحنطه وكفنه ثم وضعه على سريره وأقبل على الناس بوجهه فقال: أيها الناس! هذا عمر بن الخطاب رضي [الله] عنه قد قضى نحبه ولحق بربه، وهو الفاروق، وقرن من حديد وركن شديد، كان لا تأخذه في الله لومة لائم، عقل من الله أمره ونهيه، فكان لا يتقدم ولا يتأخر إلا وهو على بينة من ربه حتى كأن ملكا يسدده ويوفقه، كان شفيقا على المسلمين، رؤوفا بالمؤمنين، ms0290 شديدا على الكافرين، كهفا للفقراء والمساكين والأيتام والأرامل والمستضعفين، كان يجيع نفسه ويطعمهم، ويعري نفسه ويكسيهم، كان زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، فرحمه الله حيا وميتا! والله ما من أحد من عباد الله عز وجل أحب إلي من أن ألقى الله عز وجل بمثل عمله من هذا المجيء بين أظهركم. # قال: ثم أقبل علي كرم الله وجهه على صهيب بن سنان مولى بني تميم فقال له: تقدم رحمك الله فصل عليه كما أمرك. # قال: فتقدم صهيب فصلى على عمر، فكبر عليه أربعا، ثم حمل على أعواد المنايا يراد به إلى بيت عائشة رضي الله عنها ليدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم، وضج المسلمون بالبكاء والنحيب. قال: ثم أدخل عمر رضي الله عنه حجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد حفره قبره ليدفن هنالك، وإذا بهاتف يهتف سمعه جميع المسلمين وهو يقول: شعر: # ليبك على الاسلام من كان باكيا * فقد أوشكوا هلكا وكل على العهد وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها * وقد ملها من كان يوفق بالوعد قال: فدفن عمر إلى جنب أبي بكر رضي الله عنهما فأولهم النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني أبو بكر ورأسه قريب من كتف النبي صلى الله عليه وسلم، والثالث عمر ورأسه قريب من كتف أبي بكر. قال: وقد ضاق البيت لما دفن فيه عمر فصارت رجلا عمر تحت حائط البيت قريبا من موضع الأساس، ولقد سمع أهل المدينة هاتفا من الجن يسمع جميع أهلها ويرثي عمر (1). # PageV02P330 ### | ذكر اختلاف المسلمين بعد قتل عمر بن الخطاب وعقد الخلافة لعثمان بن عفان رضي الله عنهما. # قال: لما كان بعد وفاة عمر رضي الله عنه بثلاثة أيام اجتمع الناس في دار فاطمة بنت قيس (1) أخت الأشعث بن قيس فتشاوروا وتكلموا وكان ثم هنات وكلام كثير حتى ارتفع الصوت بين القوم، قال: فوثب عبد الرحمن بن عوف فقال: يا هؤلاء! إنكم لم تجتمعوا للحديث والكلام الكثير إن عندي رأيا (2). # [قال عبد الرحمن (3): أرى أنكم قد اختلفتم في أمر الخلافة ms0291 وتنازعتم، وكل واحد منكم يتكلم بكلام لتأييد وجهة نظره، ومتى اختلط الكلام بالهوى فلن يؤدي إلى سلوك جادة الحق: (أنتم أيمة يهتدى بكم وعلماء يصدر إليكم، فلا تفلوا المدى بالاختلاف بينكم ولا تغمدوا السيوف عن أعدائكم فتوتروا ثأركم، وتؤلتوا أعمالكم. لكل أجل كتاب، ولكل بيت إمام بأمره يقومون بنهيه يرعوون قلدوا أمركم واحدا منكم تمشوا الهوينا وتلحقوا الطلب) واجتنبوا الهوى ولا تطيعوا عددكم، ولا تخالفوا رأي من تمثلون، ولا تسيروا خلف المفسدين وأصحاب الأهواء، كي نصل إلى الغاية، ولا يشمت بنا العدو. # فقال عثمان بن عفان (4): صدق ابن عوف، لقد جعلنا الله أئمة يقتدى بنا وأعطانا درجة من العلم يمكن معها لنا أن نستشار، فلا ينبغي أن نختلف كما لا ينبغي أن ينتشر كلامنا كي لا يجد المفسدون فرصتهم كي يحرفونا عن طريق الحق والصواب يا بن عوف، قل كل ما تراه صوابا في هذا الموضوع وما ترى أنه صالح وأرشدنا إلى الطريق المستقيم فإنني أول من يجيبك وأسير على هداك والله شاهد على # PageV02P331 # ما أقول وسأمتنع عن الخلاف والسلام. # ثم تكلم الزبير بن العوام فقال (1): (إن داعي الله لا يجهل ومجيبه لا يخذل) ويجب أن يستجاب الداعي، ولقد سبقنا الآخرين بسرعة إجابتنا للدعوة لئلا نموت ميتة عمية ولا (2) ندعو بدعاء الجاهلية، وإنني واحد ممن يجيبك إلى ما قلت، ومعينك على ما أمرت، ولا حول ولا قوة إلا بالله والسلام. # ثم تكلم سعد بن أبي وقاص وقال (3): يا أيها الأعزاء احذروا الكذب وإغراء الشيطان الذي استطاع إغواء الكثيرين ممن سبقونا من الأمم السالفة، وأضلهم حتى جعلوا كتاب الله خلفهم وعطلوا أوامر الله ونواهيه، واختاروا المعصية على الطاعة، وسلكوا طريق الغفلة، حتى غضب الله عليهم ومسخهم قردة وخنازير فالآن: اجمعوا رأيكم وفوضوا أمركم لمن هو أهل لهذا الأمر وابذلوا غاية جهدكم لحفظ الاسلام والمسلمين. # ثم تكلم بعده علي بن أبي طالب عليه السلام فقال (4): (إنكم تعلمون أننا أهل بيت النبوة وسبب نجاة الأمة من المشقة والبلاء. لنا حق إن نعطه نأخذه، ms0292 وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السرى) ونذهب إلى حيثما نراه صالحا ولا نخاف من طول غيابنا حتى نبلغ أجلنا. وبالله لو عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا لانفذنا عهده، ولو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتى نموت. ومع ذلك فأنا واحد منكم وقد سبقت الجميع إلى الاسلام وأني أوصلكم للرحم فاسمعوا كلامي وعوا منطقي، واعلموا أني موافق لما تفعلون وتابع لكم، لكن ليكن عملكم مبنيا على أصل، ولا تتبعوا الهوى وافعلوا ما فيه رضا الله ورضا رسوله. # وحين سمع عبد الرحمن بن عوف كلام علي بن أبي طالب واستشف منه موافقته الضمنية سر قلبه وقال: (ارجعوا حتى الغد، لنرى كيف تكون المصلحة في هذا الامر، وإني لأرجو أن يتم هذا الامر على نحو تتحقق فيه أمنيتكم) فرجع القوم. # ثم قال عبد الرحمن بن عوف لعلي بن أبي طالب: يا أبا الحسن، إن أفضى # PageV02P332 # الامر إليك فكيف تفعل؟ فقال: التزم جادة العدل والمساواة بين الناس. # فقال عبد الرحمن: لو تعداك الامر إلى غيرك فما تقول: فقال: اصبر وأرضى بما فيه صالح المسلمين. فدعا له عبد الرحمن. # ثم خاطب ابن عوف عثمان قائلا: إن فوض إليك الامر فكيف تقوم به وأية خطة تلتزم؟ # فقال عثمان: أسير بما يوفقني الله إليه ولا آلو جهدي. # فقال ابن عوف: أتسير سيرة عمر؟ فقال عثمان: وأينا يطيق ما كان عمر يطيق (فقد كان عمر رجلا قويا دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وقد أعز الله الاسلام به) لكنني سأبذل طاقتي وأسعى جهدي في العدل وحسن السيرة والمساواة بين الرعية. # ثم وقف عبد الرحمن ورفع يده بالدعاء ثم قال: اللهم! ارزقني الخير والتوفيق لما فيه الخير لامة محمد صلى الله عليه وسلم حتى أؤدي هذا الامر على أحسن وجه (ثلاث مرات) ثم قال: أي واحد منكم يرغب بنفسه عن هذا الامر فليقم. فخرج الزبير وقال: # إني تخليت عن سهمي لعلي بن أبي طالب. فأثنى عليه عبد الرحمن خيرا. # ثم أعاد القول ms0293 ثانية، فخرج سعد بن أبي وقاص ولم يجعل سهمه لاحد. # ثم قال للمرة الثالثة: ليخرج من بيننا من لا يبغي الخلافة. # فقال عثمان: يا عبد الرحمن، لقد كنا خمسة رجال من أصحاب الشورى وكان سادسنا الذي سماه عمر أمير المؤمنين غائبا. وقد خرج منا اثنان لا يبتغون الاشتراك في أمر الخلافة وبقينا الآن ثلاثة أنت وأنا وعلي، فقل ما فيه الخير، فقال عبد الرحمن: صدقت، هل ترضيان كلاكما بما أقول بشرط أن أخرج نفسي من الخلافة؟ # فقال كل من عثمان وعلي: نعم قد رضينا، وما تراه صالحا لن نعدل عنه. # ثم قال عبد الرحمن لجموع المسلمين: هل ترضون حكمي في أمر الخلافة؟ # فقال الحاضرون: نعم. # فقال عبد الرحمن لعثمان: إن أنا صرفت الخلافة إليك بدلا من علي فهل تحيي ما أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه بإحيائه وتميت ما أمر الله بإماتته؟ # فأجاب: أفعل وعلى هذا أمضي. PageV02P333 # ثم سأله: وإن أنا صرفت عنك الخلافة إلي علي فهل ترضى أم لا؟ # فقال عثمان: أرضى وأطيع أمر أخي. # ثم سأل عبد الرحمن عليا وقال له: إن أفوض إليك أمر الخلافة بدلا من عثمان فهل تحيي ما أمر الله تعالى في كتابه بإحيائه وتميت ما أمر الله بإماتته؟ # قال: أفعل وعلى هذا النحو أمضي. # ثم سأله: وإن فوضت الامر لعثمان فهل تطيع أمر أخيك؟ قال: أفعل. # ثم التفت عبد الرحمن إلى الناس وقال: أيها المسلمون. لقد خبرت القوم وعرفت أحوالهم ظاهرا وباطنا فظهر لي أنهم بخلافة عثمان راضون [ويريدونه رئيسا عليهم]. والقلوب إليه مائلة وكلمتهم في هذا الخصوص واحدة. # وبناء لهذا الواقع فإني راض بعثمان خليفة وهو عميد بني أمية وقد بايعته. ثم خاطبه يا أبا عمرو: أمدد يدك فمد عثمان يده فأخذها عبد الرحمن وبايعه. ثم تابعه أكابر الصحابة ثم تلاهم عامة المسلمين. واستقرت الخلافة لعثمان ورضي به الجميع باستثناء جماعة من أكابر بني هاشم. # وبعد أن تفرق الناس قال عبد الله بن العباس لأمير المؤمنين علي: يا أبا الحسن وأنت قد ms0294 خدعوك حتى رضيت بخلافة عثمان. فقال علي: إنهم لم يخدعوني بل إني رأيت الجميع راضون به فلم أحب مخالفة المسلمين حتى لا تكون فتنة بين الأمة. # وفي اليوم التالي للبيعة وصل طلحة بن عبيد الله من السفر فاستقبله الناس وأخبروه بحادثة أمير المؤمنين عمر [وأخبروه بما رآه عمر في حقه في موضوع الخلافة] فبكى كثيرا وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. # ثم سأل بماذا تفكرون في أمر الخلافة؟ # فقالوا: لقد انتظرنا قدومك ثلاثة أيام كما أمر عمر أمير المؤمنين، وبما أنك تأخرت فقد اتفق الجميع وبايعوا عثمان. واستقرت الخلافة له. وإن كنت لا ترى الصواب في ذلك أعدنا الامر كما كان ونجتمع كلنا حتى يحصل رضا الله على رأي واحد. # فقال طلحة: معاذ الله أن أبطل أمرا أجمع عليه المسلمون، أو أن أخالف رأي المسلمين، وعثمان هو أهل لهذا الامر ولن يفضله أحد. PageV02P334 # ثم استقرت خلافة عثمان إلى أن برزت الفتن والاختلافات في عام 23 للهجرة. ### | بداية أعمال عثمان في عهد خلافته. # لقد بدأ (1) بعزل أبي موسى الأشعري عن إمارة البصرة التي كان ولاه إياها أمير المؤمنين عمر. وعين مكانه عبد الله بن عامر بن كريز. وكان عبد الله هذا ابن خال عثمان، حيث كانت أمه بنت كريز بن ربيعة. [وجدة عبد الله بن عامر من جهة أبيه هي جدة لعثمان من جهة أمه. وكنيتها أم حليمة وهي عمه الرسول صلى الله عليه وسلم واسمها البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. ثم قال أبو موسى لأهل البصرة (2): لقد عزلت عن إمارتكم، وقد ولي عليكم شاب من أكابر قريش وأحد أغنيائها الموسرين وله أقارب عديدون]. # فوصل عبد الله بن عامر إلى البصرة، وكان شابا له خمس وعشرون سنة. # فقدم إليه أهل البصرة ورحبوا به وأثنوا عليه. [ومن بينهم رجل من بني عدي بن عبد الله قال فمن كلامه مهنئا عبد الله بالإمارة: أيها الأمير.. عفا الله عنك وزادك تمكينا في دينه الذي ارتضاه. وجعل مأواك الجنة، وإني لا ms0295 أبغي لك سوى الخير في السر والعلن] وإنك رجل كامل العقل وافر العلم سريع الخاطر حاد الفهم قد جمعت بين اللين والشدة والصدق والعفاف والتواضع والقوة، والمعرفة بحدود الدين والصبر واليقين فأطال الله عمرك وشمل المسلمين عامة بخيرك والسلام. # وفي يوم الجمعة حين صعد عبد الله بن عامر بن كريز المنبر لالقاء الخطبة، ورأى حشود المصلين اندهش وارتج عليه وبدأ كلامه فقال: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض في ست سنين. # فقام رجل من بني مازن وقال: أصلح الله الأمير: إن كان لابد لك من أن تذكر في خطبتك مدة خلق السماوات والأرض فإن الله قد خلقها في ستة أيام. فخجل عبد الله ولم ينطق بعد ذلك بكلمة ثم نزل وأمر شخصا آخر أن يلقي الخطبة. ثم تقدم فصلى بالناس. # PageV02P335 # وبعد فراغه من الصلاة تقدم منه رجل من قريش وقال له: لو أنك لم تصعد المنبر ولم تتكلم بشيء وكلفت من يخطب بدلا عنك لكان ذلك أولى، من صعودك المنبر ثم عجزك عن الكلام بعدما رأيت كثرة الناس. # فقال عبد الله: صدقت. بعد اليوم لن تراني على المنبر أبدا. ### | ذكر فتح إصطخر وفارس في زمان أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه. # حين أقام عبد الله (ابن عامر) عدة أيام في البصرة. اضطرب الامر في فارس (1) ووصل الخبر إلى عثمان بأن ماهك بن شاهك قد خرج ومعه ثلاثون ألف رجل واستردوا المنطقة من أيدي المسلمين فكتب عثمان رسالة إلى عبد الله بن عامر يأمره فيها بالذهاب إلى فارس وإطفاء فتنة ماهك وأن يعيد ضبط تلك الولاية ثم من هناك يسير نحو خراسان ويسعى لفتح تلك البلاد، ولما وصلت رسالة أمير المؤمنين عثمان إلى عبد الله. جمع رجال البصرة وتلا عليهم رسالة عثمان وحرضهم على الجهاد والغزو. فأجابه الناس واستعدوا ثم انطلق عبد الله بجيش جرار وجنود شجعان من البصرة إلى فارس. وحين اقترب علم ماهك بالخبر وهيأ هو أيضا جيشا وفي صحراء إصطخر التقى الجمعان وقامت الحرب بينهما من الصباح حتى ms0296 صلاة العصر. ولما رأى ماهك طعن المسلمين وضربهم، فر وانهزم فلحق بهم جيش المسلمين يقتلونهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة (2) ومن بقي منهم فقد التجأ إلى إصطخر، ثم ذهب فوج من الجيش يطلب ماهك فوصل إليه رجل يسمى يزيد بن الحكم الأزدي ولما أراد أن يضربه بالسيف نزع ماهك تاجه وألقاه إليه فأخذ يزيد التاج وعاد إلى أصحابه وشرح لهم ما وقع له. # ثم نزل عبد الله بن عامر في ظاهر إصطخر وحاصرهم وكان يقاتلهم كل يوم بشدة إلى أن استطاع أن يستولي على إصطخر عنوة. ثم دخل المدينة فقتل فيها # PageV02P336 # المقاتلة (1) وغنم المسلمون غنائم كثيرة فأرسل ماهك رسولا إلى عبد الله يطلب الأمان فأعطاه الأمان بشرط أن يقيم في إصطخر وأن يؤدي الجزية فقبل ماهك بذلك، حينئذ جاء إلى عبد الله فقربه إليه وأقام في إصطخر على الشرط المذكور. ومن ثم سار عبد الله نحو خراسان. ### | ذكر فتح نيسابور وطوس في زمن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه. # وحين وصل عبد الله إلى حدود خراسان، دعا مجاشع بن مسعود وعينه واليا على كرمان وأعطاه ألف فارس ووجهه نحو كرمان وسار بنفسه نحو خراسان وجعل على مقدمة جيشه الأحنف بن قيس التميمي (2). ولما وصل إلى ولاية نيسابور. كان يوجد فيها ملك يدعى أسوار. فأغار عبد الله على القرى وبدأ الحرب مع أهل البلد وقتل كل من وجده وطال أمره مع نيسابور وفي هذه الأثناء وصلته رسالة من أمير طوس يطلب منه الأمان. فإن أعطاه الأمان سيسارع إلى خدمته ويعينه على فتح نيسابور فأعطاه الأمان (3) فجاء أمير طوس (كنادبك) (4) مع جيشه المستعد لخدمته فأكرم عبد الله مقدمه وخلع عليه وعلى وجهاء عسكره بخلع نفيسة واتجه للحرب ضد نيسابور وقد اجتهدوا في أمر الحرب للغاية ووقعت حرب عنيفة بين الطرفين وقتل خلق كثير. فأقسم عبد الله أن لا يتحول عن نيسابور حتى يفتح البلد أو يموت. فلما سمع بذلك ملك نيسابور، أرسل إليه شخصا يطلب الأمان وليختر أحد الأبواب ليدخل منه. فرضي ms0297 عبد الله بذلك وأعطاه الأمان (5) وأقسم الطرفان على توكيد العهد. وفي اليوم الثاني منذ بزوغ الشمس فتح أسوار بوابة البلد فدخل عبد الله مع جيش # PageV02P337 # المسلمين إلى داخل المدينة وأخذ بالتكبير بصوت عال. وأخذوا بالقتل والإغارة واستمروا على ذلك طوال اليوم، فتقدم كنادبك أمير طوس من عبد الله وقال: أيها الأمير ما دمت قد ظفرت وغلبت فالعفو أجدر بك من الانتقام فقبل عبد الله شفاعته ونادى بالأمان لأهل البلد. ونهى العساكر عن أعمال القتل والإغارة. وعين كنادبك أميرا على نيسابور وسلم إليه البلد. ### | ذكر فتح مدينة مرو وهرات و بوشنك وسرخس ونسا وباور وفارياب والطالقان وغيرها في زمن أمير المؤمنين عثمان. # وحين بلغ الخبر إلى مدينة مرو بأن طوس ونيسابور قد استسلمت لابن عامر وقد وقعت تلك الولاية بيد المسلمين وعلموا كيفية حربهم وإغارتهم فخافوا وأرسلوا إلى عبد الله طالبين منه الصلح على أساس أن يدفعوا له مليون ومئتي ألف درهم نقدا (1): # وفي كل سنة ثلاثمائة ألف درهم كجزية يؤدونها عن أنفسهم فأجابه عبد الله إلى ذلك وأرسل عبد الله بن عوف الحنظلي أميرا إلى مرو وتقرر الصلح مع أهلها وبعده جاء ملك هرات إلى عبد الله وطلب منه الصلح على أن يفوض إليه أمر هرات وفوشنج وفي كل عام يؤدي (ألف درهم) (2) كذا... # فرضي ابن عامر بذلك وكتب له عهدا (3). ثم جاء بعده ملك سرخس ماهويه وطلب الأمان بشرط أن تبقى سرخس وقراها في يده ويتعهد بدفع مئة ألف درهم وألف حمل من القمح ومثلها من الشعير وعلى هذا الأساس تم الاتفاق وعاد إلى سرخس (4). ثم جاء ملك نسا وأبيورد (5) وطلب منه الصلح مقابل أن يؤدي سنويا # PageV02P338 # ثلاثمائة ألف درهم وألف حمل من القمح ومثلها من الشعير. وقبل عبد الله بذلك وكتب له كتابا ثم أعاده إلى ناحيته ثم وصل إليه ملك فارياب والطالقان وطلبوا منه الصلح مقابل أن يؤدوا سنويا مئتي ألف درهم وخمسمائة حمل قمح ومثلها من الشعير وقبل أيضا عبد الله بذلك وكتب له عهدا وأعاده ms0298 إلى بلاده ثم عامل كل من جاءه من الامراء والأكابر على هذا النحو. ### | ذكر فتح سجستان في زمن أمير المؤمنين عثمان. # ثم استدعى عبد الله بن عامر ابن عمه عبد الرحمن بن سمرة (1) وأعطاه جيشا مجهزا وأرسله إلى سجستان، وحينما اقترب عبد الرحمن مع ذلك الجيش من المدينة قاتله أهل سجستان ووقعت بين الطرفين حرب شديدة ولكن النتيجة كانت لصالح المسلمين ففتحوا البلد عنوة ودخلها المسلمون ينهبون ويأسرون وقد حصلوا على غنائم كثيرة ثم اتجه عبد الرحمن نحو كابل ففتحها (2). ### | ذكر فتح كابل. # وبعد مشاورة للجيش اتجه نحو كابل وحين وصل إليها نزل في خارجها فما كان من ملكها إلا أن هيأ جيشا وأخذ في مقاومة جيش المسلمين، ثم عاد إلى المدينة وتحصن بها ولم يخرج منها، فحاصرهم عبد الرحمن. وكانت تقع بين الحين والآخر مناوشات بين الطرفين. واستمر الامر على هذه الحال نحو عام كامل. ولقي المسلمون في ذلك عنتا شديدا وفي النتيجة تغلبوا عليهم وفتحوا المدينة ودخل المسلمون البلد وقتلوا من وجدوه من العساكر وأسروا الباقي، وأسر ملك كابل ولما أحضر إلى عبد الرحمن أمر بقتله إلا أنه أسلم ونطق بالشهادتين فأكرمه عبد الرحمن. # PageV02P339 # ثم أمر باستخلاص خمس الغنائم وأرسلها إلى عبد الله بن عامر وشرح له كيفية فتح سجستان وكابل واستقر مع عسكره في تلك الولاية. ### | ذكر فتح مرو الروذ وبلخ على يد الأحنف بن قيس. # ثم استدعى عبد الله بن عامر رجلا من العرب المشهورين يسمى الأقرع بن حابس التميمي وأمره (1) على ألف رجل وقال له: اذهب إلى مدينة جوزجانان (2) وحاربهم حتى يقبلوا الصلح على النحو الذي أخذت منه الجزية في المواضع الأخرى. فذهب الأقرع إلى الجهة التي عينها له عبد الله. وحين اقترب من البلد، خرج إليه أهلها يقرعون الطبول ويلعبون بالسلاح ولما التقى الجيشان وقعت بينهما معركة عظيمة وقتل فيها جمع كثير من المسلمين وعاد الباقون إلى عبد الله بن عامر (3) فاستدعى عبد الله بن عامر الأحنف بن قيس وقال له: يا أبا بحر، ms0299 لقد اقترب موسم الحج وإني عازم على أداء هذه الفريضة وإني أعرف أحوال رجال العرب الذين هم معي ولكنني اخترتك للنيابة عني في إمارة خراسان فيجب عليك أن ترعى شؤون الامارة وأحوال الناس بأحسن وجه ممكن كما هو معهود فيك من الكفاءة وحسن السيرة. ثم جمع عبد الله الأموال وانطلق نحو الحج. وإذ علم أهل مرو والطالقان بعودة عبد الله بن عامر، اجتمعوا وأعدوا ثلاثين ألف مقاتل. فاتصل الخبر بالأحنف فجمع قواته واستعد للحرب وتوجه نحو الذين نقضوا العهد ونزل في مكان يبعد فرسخين اثنين عن مرو الروذ حيث يعرف بقصر الأحنف وأما جيش مرو الروذ والطالقان فقد اتجهوا إلى الميدان للحرب، ولما التقى الجيشان، حمل عليهم الأحنف بن قيس مع جماعته وهم يكبرون وقد تمكن الأحنف من إصابة ثلاثة من القواد، أصحاب الاعلام برمحه، ولما رأى الكفرة ذلك، انهزموا لا يلوون على # PageV02P340 # شيء فتعقبهم المسلمون يقتلونهم ويأسرون منهم وقد غنموا غنائم، فما كان من الأحنف إلا أن حمد الله تعالى على هذا الفتح المبين (1) ثم انطلق إلى بلخ ونزل على إحدى بواباتها وأقام معسكرا هناك، ولما رأى ملك بلخ جيش المسلمين على تلك الحال، امتلأ قلبه رعبا فأرسل إلى الأحنف شخصا يطلب الصلح فأجابه الأحنف] (2) إلى ذلك وصالحه على أربعمائة ألف درهم نقدا وكل عام يدفع مئة ألف درهم وخمسمائة حمل من القمح وأخرى من الشعير. # قال: وجعل الأحنف يفتح بلدا بلدا، ورستاقا رستاقا، ويدور ما قدر عليه من بلاد خراسان ويجبي أموالها ويحمل خمس ذلك إلى عثمان بن عفان، قال: فكان الأحنف على طوائف خراسان مما كان دون نهر بلخ وعبد الرحمن بن سمرة ببلاد سجستان (3). ### | ذكر فتح أرمينية (4) ومقتل سلمان (5) بن ربيعة الباهلي بها. # قال: ودعا معاوية برجل من قريش يقال له حبيب بن مسلمة الفهري فضم إليه أربعة آلاف فارس وألفي راجل وأمره بالمسير إلى بلاد أرمينية بأمر عثمان بن عفان، قال: فسار حبيب بن مسلمة من الشام يريد إلى بلاد الجزيرة ثم رحل من بلاد ms0300 الجزيرة يريد بلاد أرمينية، فلما صار إلى شمشاط ونواحيها بلغه أن رجلا من الروم يقال له المرزبان (6) في نيف وثلاثين ألفا قد نزل قريبا من شمشاط، فكتب حبيب بن مسلمة بذلك إلى معاوية، فكتب [معاوية] بذلك إلى عثمان، وكتب عثمان إلى الوليد بن عقبة بن أبي معيط (7) وهو يومئذ عامله على الكوفة، فكتب إليه يأمره أن ينتخب من أهل الكوفة عشرة آلاف رجل يضمهم إلى سلمان بن ربيعة الباهلي # PageV02P341 # ويوجهه إلى حبيب بن مسلمة على أرض شمشاط معونة لهم على عدوهم. # قال: فلما ورد كتاب عثمان رضي الله عنه على الوليد بن عقبة بالكوفة قام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (1): أيها الناس! إنه قد كتب إلي أمير المؤمنين عثمان يأمرني أن أوجه سلمان بن ربيعة الباهلي في عشرة آلاف رجل منكم لتمدوا إخوانكم من الشام بأرض شمشاط فإن الروم قد جاشت عليهم، وفي هذا أجر عظيم وثواب جسيم فخفوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة ولا تتثاقلوا عن الجهاد في سبيل الله. فأجابه الناس إلى ذلك واجتمعوا إلى سلمان، فخرج بهم عشرة آلاف من الكوفة يريد حبيب بن مسلمة. # واتصل خبر أهل الكوفة بحبيب فقال لأصحابه: ويحكم يا أهل الشام! إنه قد جاءكم مدد أهل الكوفة وأخاف أن يظفروا بالعدو فيكون الذكر لهم والاسم لهم من دونكم، ولكن هل لكم أن تواقعوا العدو وقعة من قبل قدوم أهل الكوفة علينا؟ فلعلنا نظفر بالعدو، قال فقالوا: الامر إليك أيها الأمير! فافعل ما أحببت، قال: وكان حبيب بن مسلمة هذا رجلا بصيرا بالحرب، قال: وكان صاحب مكر ومكائد، فأجمع رأيه على بيات القوم، فلما كان الليل عبى أصحابه ثم سار بهم حتى كبس عسكر الكفار فقتل مقاتلتهم وأسر منهم خلقا كثيرا، وانهزم المرزبان (2) في باقي أصحابه حتى دخل أرض الروم، وغنم أهل الشام غنائم كثيرة فاقتسموها بينهم. # قال: وقدم سلمان بن ربيعة في أهل الكوفة بعد ذلك وأهل الشام قد ملأوا أيديهم من الغنائم، فقال لهم أهل الكوفة: ms0301 يا هؤلاء! أشركونا فيما غنمتم من هذه الغنائم فإنكم إنما نصرتم وقويتم واجترأتم على عدوكم بريحنا (3). ### | ذكر ما جرى بين أهل الشام وأهل العراق من العداوة في أمر الغنائم. # قال: فقال حبيب بن مسلمة: يا هؤلاء! إنكم قدمتم علينا وقد هزم الله # PageV02P342 # عز وجل العدو وبدد شملهم وقد صارت الغنيمة إلى قوم قد أبلوا وقاتلوا وليس لكم فيها حق، قال: فوقع الكلام بين أهل العراق وأهل الشام حتى أنهم اقتتلوا، فظفر أهل العراق بأهل الشام، فكان ذلك القتال هو أول عداوة كانت بين أهل العراق وأهل الشام، قال: وجعل بعضهم يتوعد بعضا (1)، قال: ثم أرسل حبيب بن مسلمة إلى أهل العراق أن لا تعجلوا على إخوانكم بالمحاربة وأن ينتظروا حتى يكتب في ذلك إلى عثمان بن عفان، قال: فأجابه أهل العراق إلى ذلك، فكتب حبيب بن مسلمة إلى معاوية يخبره بما فيه أهل الشام وأهل العراق من التهديد والوعيد وما كان بينهم من الحرب لأجل الغنائم التي غنمها أهل الشام دون أهل العراق. قال: فكتب معاوية بذلك إلى عثمان بن عفان، قال: فحكم عثمان بن عفان رضي الله عنه على أهل الشام أن يقاسموا أهل العراق ما غنموا من تلك الغنائم ولا يشاحوهم في ذلك (2). # قال: فلما ورد كتاب عثمان بن عفان على أهل الشام وحبيب بن مسلمة فقرأه على أهل الشام فقالوا: السمع والطاعة لأمير المؤمنين. قال: ثم إنهم قاسموا أهل العراق ما غنموا، وأقام حبيب بن مسلمة في موضعه الذي هو فيه، وكتب عثمان بن عفان إلى سلمان بن ربيعة يأمره بالمسير إلى أرمينية. ### | ذكر مسير سلمان بن ربيعة الباهلي إلى بلاد أرمينية وفتح من البلاد. # قال: فسار سلمان بن ربيعة ومن معه من أهل العراق نحو بلاد أرمينية، قال: # وتسامعت ملوك أرمينية بدخول العرب إلى بلدهم فهربوا على وجوههم حتى تحصنوا في الجبال والقلاع والأودية والغياض، وجعل بعضهم يقول لبعض إنه قد جاءنا قوم بلغنا أنهم نزلوا من السماء فليس يموتون ولا يعمل فيهم السلاح. # قال: فصار ms0302 سليمان بن ربيعة يقتل من ناوأه ويفتح ما مر به من المدن والقلاع # PageV02P343 # ويتصفى البلاد حتى صار إلى البيلقان من بلاد أران (1)، قال: فخرج إليه أهل البيلقان في الأمان فأقاموا له الانزال وصالحوه على مال دفعوه إليه (2)، فقبل ذلك منهم. ثم سار من البيلقان حتى نزل على حصن بردعة (3) فصالح أهلها (4) على مال أخذه منهم وفرقه على أصحابه فقواهم به. ثم إنه وجه بخيل له إلى جرزان (5) فصالح أهلها على شيء معلوم يعطونه في كل سنة. ثم رجع هو وأصحابه وسار حتى عبر نهر الكر (6) حتى جاز إلى أرض الشروان (7) فنزلها ودعا ملكها فصالحه على مال أخذه منه. ثم تقدم من الشروان حتى صار إلى شابران (8) ومسقط (9)، ثم إنه بعث إلى ملوك الجبال فدعاهم، فأقبل إليه ملك اللكز (10) وملك فيلان وملك طبرستان فحملوا إليه الأموال والهدايا، وصالحوه على شيء معلوم يؤدونه إليه في كل سنة، فقبل ذلك منهم. ثم إنه سار يريد مدينة الباب وبها يومئذ خاقان ملك الخزر (11) في زهاء على ثلاثمائة ألف من الكفار، فلما سمع بمسير العرب إلى ما قبله ارتحل عن مدينة الباب، فقيل له: أيها الملك أنت في ثلاثمائة ألف وهؤلاء في عشرة آلاف وتنهزم من بين أيديهم؟ فقال خاقان: إنه قد بلغني عن هؤلاء القوم أنهم نزلوا من السماء وأن السلاح لا يعمل فيهم، فمن يقوم لهؤلاء؟ قال: ثم جعل يمر على وجهه، # PageV02P344 # وأقبل سلمان بن ربيعة حتى دخل بالمسلمين مدينة الباب وليس بها أحد من الكفار، فأقام بها ثلاثة أيام حتى استراح أصحابه، ثم خرج منها في طلب خاقان وأصحابه حتى صار إلى مدينة من مدن الخزر يقال له يرغوا (1) وليس بها أحد من... (2) ثم رحل... (2) يريد بلنجر (3) وهي أيضا مدينة من مدن الخزر. # قال: ونزل سلمان بن ربيعة هنالك إلى أجمة كثيرة الدغل على نهر يجري، وفيه جماعة من الخزر من أصحاب خاقان، فأقبل رجل منهم لينظر إلى عسكر المسلمين، فبينا هو كذلك إذ نظر إلى رجل من المسلمين قد نزل إلى ms0303 ذلك النهر ليغتسل فيه، فأحب أن يجرب فيه السلاح أيعمل فيه أملا، فاستخرج له سهما فرماه به فقتله، ثم دنا منه فأخذ ثيابه واحتز رأسه، وجاء به حتى وضعه بين يدي خاقان وقال: أيها الملك! هؤلاء الذين بلغك عنهم أن السلاح لا يعمل فيهم وأن القتل لم يكتب عليهم! # قال: فلما نظر خاقان إلى ذلك نادى في أصحابه فجمعهم، ثم إنه رجع على المسلمين في ثلاثمائة ألف فقاتلهم وقاتلوه حتى ما بقي من المسلمين أحد، قال: # فقتل سلمان بن ربيعة الباهلي وجميع من كان معه رحمة الله عليهم، فقبورهم هنالك معروفة بالبلنجر يقال لها قبور الشهداء إلى يومنا هذا (4). # قال: فبلغ عثمان بن عفان مصاب سلمان بن ربيعة (5) وأصحابه بأرض البلنجر فغمه ذلك وأقلقه حتى منعه من النوم، ثم إنه كتب إلى حبيب بن مسلمة الفهري يأمره بالمسير إلى بلاد أرمينية في جميع أصحابه. ### | ذكر مسير حبيب بن مسلمة إلى بلاد أرمينية بعد مقتل سلمان بن ربيعة الباهلي. # قال: فلما ورد كتاب عثمان على حبيب بن مسلمة نادى في أصحابه وهم يومئذ ستة آلاف ما بين فارس وراجل، ثم سار بهم نحو بلاد أرمينية، قال: فدخل من # PageV02P345 # الدرب الذي يقال له درب بني زرارة إلى يومنا هذا، وجعل يسير حتى صار إلى مدينة يقال لها خلاط (1)، فنزل في قلعتها وبها جماعة من الكفار، فأقام عليها أياما، ورحل منها حتى صار إلى أرض يقال لها سراج (2) من بلاد المطامير (3)، فنزل هنالك ثم كتب إلى أهل جرزان، فأقبل إليه جماعة من رؤسائهم فصالحهم على ثمانين ألف درهم، فأخذها منهم وكتب لهم بذلك كتابا (4)، وأقام هنالك في بلاد أرمينية وجعل يكتب إلى ملوكها فيدعوهم إلى الطاعة ويعدهم. ### | ذكر عزل حبيب بن مسلمة عن بلاد أرمينية وولاية حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما. # قال: فبينا حبيب بن مسلمة كذلك إذ بعث إليه عثمان بن عفان فعزله وولى مكانه حذيفة بن اليمان، قال: فدعا حذيفة برجل من بني عمه يقال له صلة بن زفر العبسي، ms0304 فوجه به إلى بلاد أرمينية وجعله خليفة لها بها، وأقام حذيفة بالمدينة وأقبل صلة بن زفر العبسي إلى بلاد أرمينية فأقام بها حولا كاملا وجعل يذل ملوكها بغاية الذل والهوان حتى أذعنوا له بالسمع والطاعة. ### | ذكر عزل حذيفة بن اليمان وولاية المغيرة بن شعبة رضي الله عنهما. # قال: ثم إن عثمان بن عفان رضي الله عنه عزل حذيفة من بلاد أرمينية ودعا المغيرة بن شعبة فولاه بلاد أرمينية وأذربيجان، فأقام بها ما شاء الله أن يقيم، ثم عزله عثمان وولى مكانه الأشعث بن قيس الكندي (5)، فكان بها إلى أن قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكان الأشعث على أرمينية وأذربيجان يجبي خراجها ويحمله إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه. # PageV02P346 ### | ذكر الحبشة وما كان من غاراتهم على سواحل المسلمين. # قال: فبينا عثمان رضي الله عنه كذلك وقد فتح من البلاد ما فتح إذ بلغه أن قوما من الحبشة أغاروا على بعض سواحل المسلمين وأصابوا منهم أموالا وسبوا منهم سبيا كثيرا، قال: فاغتم لذلك عثمان غما شديدا ثم أرسل إلى جماعة من الصحابة وغيرهم من المسلمين، فدعاهم واستشارهم في غزو الحبشة، فأشار عليه المسلمون أن لا يغزوهم في بلادهم ولا يعجل عليهم حتى يبعث إلى ملكهم فيسأله عن ذلك، فإن كان الذي فعله أصحابه عن أمره ورأيه هيأ له المراكب وأرسل إليه بالجند والمقاتلة، وإن كان ذلك من سفهاء أغاروا على سواحل المسلمين عن غير أمر ملكهم ورأيه أن يشحن السواحل بالخيل والرجال حتى يكونوا على حذر، قال: # فعمل عثمان على ذلك ثم دعا محمد بن مسلمة الأنصاري فوجه به إلى ملك الحبشة في عشرة نفر من المسلمين يسأله عما فعل أصحابه، وكتب إليه عثمان بن عفان رضي الله عنه في ذلك كتابا. # قال: فلما قدم محمد بن مسلمة بكتاب عثمان بن عفان وقرأه أنكر ذلك أشد الانكار وقال: مالي بذلك من علم، قال: ثم إنه أرسل إلى قرى الحبشة في طلب السبي فجمعهم بأجمعهم ودفعهم إلى محمد بن مسلمة، ms0305 فأقبل بهم إلى عثمان وخبره بما كان من إنكار ملك الحبشة وطلب السبي، قال: فشحن عثمان السواحل بعد ذلك بالرجال وقواهم بالسلاح والأموال، فكانوا ممتنعين من الحبشة وغيرهم. ### | ذكر فتح جزيرة قبرص (1) على يد معاوية بن أبي سفيان. # قال: وإذا بكتاب (2) معاوية بن أبي سفيان قد ورد على عثمان يسأله أن يأذن له في ركوب البحر إلى جزيرة قبرص ويخبره في كتابه بقرب المسير إليهم وأن البحر قد # PageV02P347 # ذل بعد صعوبته، قال: فكتب إليه عثمان: إني لست بفاعل ذلك ولا آذن لك في ركوب البحر وقد نهاك عنه عمر بن الخطاب (1)، فإن أبيت ذلك ولم يكن لك بد من ركوب البحر فاحمل معك أهلك وولدك حتى أعلم أن البحر هين كما تقول (2). # قال: فلما ورد كتاب عثمان على معاوية وقرأه نشط لركوب البحر إلى قبرص، ثم كتب إلى أهل السواحل فأمرهم بإصلاح المراكب وتقريبها إلى ساحل حصن عكا ليكون ركوب المسلمين من عكا إلى قبرص. قال فأصلحت المراكب وجمعت، ووضع معاوية الارزاق للناس فأعطاهم وأمرهم بالمسير إلى عكا، قال: وعقدت الرايات والألوية ففرقت في المراكب، ونادى معاوية في الناس أن لا يتخلف أحد عنه ممن أخذ أرزاقه. # قال: فخرج الناس من دمشق حتى صاروا إلى عكا، وخرج معاوية من دمشق ومعه أهله (3) وولده حتى نزل بعكا، وركب معاوية في مركب منها مع أهله وولده، ثم دفعت من عكا يوم الجمعة قبل الصلاة والمراكب في عشرين ومائتي مركب وقد رفع الناس أصواتهم وضجوا بالتهليل والتكبير. # قال: فبينا القوم يسيرون في البحر إذ هب الريح وهاج البحر فاضطرب بأمواجه وفرق المراكب يمنة ويسرة، قال: وفزعت امرأة معاوية فزعا شديدا ثم صاحت بالنوتي - وهو الملاح الذي يدبر أمر المركب وكان من القبط واسمه طليا - وقالت: # ويحك يا طليا! احبس المركب، قال: فضحك طليا ثم قال: أيتها المرأة! ليس ههنا أحد له سلطان على هذا البحر دون الملك الجليل، وليس إلى حبس المراكب من سبيل، قال: فاغتم معاوية بمن قد حمل معه من نسائه ms0306 وأولاده، فلم يزالوا كذلك ساعة ثم إن الريح هدأت وسكنت، فسار المسلمون في مراكبهم. # قال: وإذا مراكب الروم سائرة في البحر وفيها هدايا قد بعث بها ملك قبرص إلى قسطنطين بن هرقل ملك الروم، قال: فأحدق المسلمون بتلك المراكب # PageV02P348 # فأخذوها، فإذ فيها جوار حسان وأثاث فاخر من البزيون (1) والديباج والسقلاطون وغير ذلك، فأخذ معاوية ذلك كله وسار في البحر حتى صار إلى قبرص بكل عافية وسلامة وغنيمة، فأمر بالمراكب فأرسيت على ساحل قبرص، ثم أمر أصحابه فخرجوا من المراكب فأغاروا على قبرص، فغنموا غنائم ليست بالقليل حتى ملأوا المراكب بالجواري والغلمان والأثاث الفاخر، ثم أرسل ملك قبرص إلى معاوية يسأله الصلح والرجوع عنه إلى بلاد الاسلام، فأجابه معاوية إلى ذلك على أنه يؤدي إليه في كل سنة سبعة آلاف دينار ومائتي دينار، فأجابه إلى ذلك وأخذ منه ما أخذ وكتب عليهم بذلك كتابا وميثاقا أنهم لا يغدرون ولا ينقضون ذلك أبدا (2)، قال: وكان أهل قبرص يؤدون إلى معاوية في كل سنة سبعة آلاف دينار ومائتي دينار وإلى ملك الروم مثل ذلك. # قال: ثم جلس معاوية وأصحابه في المراكب وساروا يريدون إلى الساحل الذي أقبلوا منه ومعهم يومئذ من النساء والذرية نيف وثمانية آلاف، وفي النساء نيف على سبعمائة عذراء والمراكب مشحنة بجميع الأمتعة حتى صاروا إلى الساحل وخرجوا، وأخرج معاوية من ذلك كله الخمس ووجه به إلى عثمان بن عفان وكتب إليه يخبره في كتابه بسلامة المسلمين، وقسم معاوية باقي ذلك في المسلمين. # قال: فجعل الناس يقتسمون السبي والخير الكثير بينهم فينادى عليهم فيباع ويشترى. قال: ونظر أبو الدرداء إلى ذلك فجعل يبكي، فقال له جبير بن نفير الحضرمي (3): ما يبكيك يا أبا الدرداء؟ وهذا يوم أعز الله فيه الاسلام وأهله وأذل الشرك وأهله؟ قال: فضرب أبو الدرداء بيده على منكب جبير بن نفير ثم قال: # ثكلتك أمك يا جبير! ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوه (4)، فانظر إلى هؤلاء القوم بينا هم ظاهرون قاهرون لمن ناوأهم، فلما تركوا ms0307 أمر الله عز وجل وعصوه # PageV02P349 # صاروا إلى ما ترى وسلط الله عز وجل عليهم السبي، ويحك يا جبير! إنه إذا سلط الله عز وجل السبي على قوم فليس لهم فيهم حاجة. # قال: فبينا المسلمون يقتسمون غنائم قبرص إذ وقع بينهم شيء من الفساد وشح بعضهم على بعض وظهر من بعهم شيء من الغلول، فقال شيخ من أهل قرص من الروم: ويحكم يا معشر العرب! أتفعلون هذا وأنتم قريب عهد من نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم أصحابه؟ فكيف يكون من يأتي من بعدكم؟ فقال له رجل من المسلمين: يا شيخ! أميرنا لا يرضى بشيء من هذا، فقال له الشيخ الرومي: فأنت لا يسعك الكتمان أو ترفع ذلك إليه، قال: وبلغ ذلك معاوية فنهى عن ذلك أشد النهي، ثم إنه دعا بكتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي كتبه ليزيد بن أبي سفيان حين وجه به إلى الشام فإذا فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا عهد أبي بكر عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع أمراء الأجناد، إني أوصيكم بتقوى الله أن لا تغلوا ولا تفسدوا ولا تطغوا ولا تعقروا بهيمة ولا تذبحوا شاة لا تريدون أكلها، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تهدموا بيعة، ولا تقتلوا الولدان ولا الشيوخ ولا النساء، وستجدون قوما قد حبسوا أنفسهم في الصوامع فذروهم ولا تعرضوا لهم إلا بسبيل خير، وستجدون آخرين من حزب الشيطان في أوساط رؤوسهم أفاحيص، فإذا وجدتم أولئك فاضربوهم بالسيف ضربا، هذه وصاتي لكم وعهدي إليكم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # قال: فلما سمع المسلمون هذا الكتاب أقصروا عن فسادهم واستغفروا الله عز وجل مما كان منهم. # قال: فبينا الناس كذلك يقتسمون الغنائم وجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس ناحية - منهم أبو الدرداء وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس [بن ثابت] وواثلة بن الأسقع وأبو أمامة الباهلي (1) وعبد الله بن بشر المازني ms0308 (2) - إذا برجلين من # PageV02P350 # الأنصار يسوقان حمارين فقال لهما عبادة بن الصامت: ما هذا؟ فقالا: يا أبا الوليد! # إن معاوية أمر لنا بهذين الحمارين ونحن نرجو أن نحج عليهما إن شاء الله، قال فقال عبادة: لا والله ما يحل لمعاوية أن يعطيكماهما ولا يحل لكما أن تأخذاهما إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر لكما بذلك، قال: فقالا له الأنصاريان: يا سبحان الله! # وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال لهما عبادة: لعله أوعز إليكما، فقال: إذا فتحتم جزيرة قبرص يؤمر لكما بحمارين أقمرين فاقبضاهما، قال: فسكت الأنصاريان وردا الحمارين على معاوية وخبراه بمقالة عبادة بن الصامت، فأقبل معاوية إلى عبادة يسأله عن ذلك، فقال له عبادة: يا معاوية! إني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين والناس يكلمونه في الغنائم، فرأيته وقد أخذ وبرة من جنب بعير ثم قال: (والله ما لي مما أفاء الله عليكم من هذه الغنائم مثل هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم). قال: فقال معاوية: يا أبا الوليد! أتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول ذلك يوم حنين؟ قال عبادة: الله أكبر! إذ قد سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر من تولي غنائم المسلمين؟ قال معاوية: فإني قد وليتك الغنائم فاقسمها في أهلها بما تعلم واتق الله فيها، فقال عبادة: وكيف اخترتني لذلك؟ فقال: لأنه قد ورد علي كتاب أمير المؤمنين عثمان يأمرني أن أولي ما غنمت من شيء أفضل من أجد، وأنت عندي أفضل من أقدر عليه في وقتي هذا لإسلامك القديم وصحبتك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبادة: ولها غيري يا معاوية! فإني لا ألي ذلك أبدا، قال معاوية: فإني لا أجد أحدا يليها سواك. قال: فولى الغنائم عبادة بن الصامت وأعانه عليها أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي وغيرهم من الصحابة، قال: فنظر بعض المسلمين إلى أم الدرداء امرأة أبي الدرداء وفي يدها سوار من فضة قيمتها عشرة دراهم ms0309 فقال لها: يا أم الدرداء! # أنى لك هذا؟ فقالت: هو من سهم أبي الدرداء في يوم قبرص. # قال: ثم جمع معاوية هدايا كثيرة فوجه بها إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، ووجه بجارية حسناء فائقة الجمال من بنات أهل قبرص ودفع ذلك كله إلى رجل من المسلمين يقال له عبدة بن عبيد السلمي ووجه به إلى عثمان، فلما ورد الكتاب والمال من الخمس وغيره من الهدايا إلى عثمان نظر إليه ففرح بذلك، ثم فض الكتاب وقرأه فحمد الله على ذلك كثير، ثم نظر إلى الجارية فقال للرسول: هذه من الخمس؟ قال: لا يا أمير المؤمنين! هذه وقعت في سهم معاوية فأحب أن يهديها إليك، قال عثمان: ما اسمك؟ قال: عبدة بن عبيد، فقال: أكنت من المسلمين PageV02P351 # بقبرص؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين! قال: فصفها لي، قال: نعم، هي جزيرة واسعة عريضة طويلة، يذكر أهلها أنها ثمانون فرسخا في عرض مثل ذلك، فيها أنهار ومزارع وأشجار وكرون وألوان الثمار، وفيها قصور ذاهبة في الهوى، وهي مع ذلك كثيرة الخيل والبغال والحمير والغنم والبقر، قال عثمان: فكيف قدرتم عليها؟ # فقال: والله يا أمير المؤمنين ما هو إلا أن وفيناهم ونظروا إلى مراكبنا قد أرسيت إلى ساحلهم حتى خضعوا وذلوا وأعطوا بأيديهم صاغرين، فقال عثمان: ذلك من فضل الله ورحمته بعباده المؤمنين. قال: ثم قسم عثمان ذلك الخمس في أهل المدينة، فأخذ منه بحقه ودفع إلى كل ذي حق حقه وأخذ تلك الجارية لنفسه، فلما صار إلى منزله نظر إليها فإذا هي جارية وضيئة حسناء، قال: فشق ذلك على نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان فقطبت لذلك، فقال لها عثمان: ما شأنك يا نائلة! أتحبين أن أهبها لك؟ قالت: نعم يا عثمان! فقال عثمان: هي لك، قال: فشق ذلك على الجارية فقالت: لا أحب أن أكون لامرأة، ردني إلى أمير الشام حتى يفعل بي ما يريد، قال: فردها عثمان إلى معاوية، فأخذها لنفسه فكانت عنده إلى أن توفيت ولم يكن له منها ولد ms0310 - والله أعلم -. ### | ذكر فتح جزيرة رودس (1) على يدي معاوية بن أبي سفيان. # قال: ثم كتب معاوية أيضا إلى عثمان بن عفان رضي الله عنهما يستأذنه في فتح جزيرة أخرى في البحر يقال لها رودس (2)، قال: فاستشار عثمان المسلمين في ذلك، فقال المسلمون: يا أمير المؤمنين! إن المسلمين قد فتحوا جزيرة قبرص وقد اجتروا عليها وعلى ركوب البحر، فائذن لهم في ذلك فعسى الله أن يغنمهم إياها، قال: فكتب عثمان إلى معاوية أني قد أذنت لك فيما سألت فاتق الله ولا تضيع الحزم، وإن خوفت من البحر شيئا فلا تركبنه فإن هوله عظيم. # PageV02P352 # قال: فنادى معاوية في الناس وأمرهم بالمسير إلى صيداء (1) على أن يركب منها إلى رودس، فسار المسلمون في تعبية حسنة حتى وردوا صيداء وقد جمعت المراكب بها، قال: فجلس معاوية في مركب منها وركب المسلمون المراكب وقد شهروها بالأعلام والمطارف وخطفوا من الساحل بالتهليل والتكبير في البحر، والدليل بين أيديهم في مركب من تلك المراكب ومعه أشد المقاتلة، فلم يزالوا كذلك حتى لاحت لهم الجزيرة في وسط البحر. # قال: وأهل رودس قد استقبلوا المسلمين في مراكبهم، فاقتتلوا في البحر حتى كثرت القتلى بينهم، ثم رزق المسلمون الظفر عليهم، فهزموهم وفضوا أمرهم ومراكبهم حتى ساروا إلى الجزيرة فدخلوها عنوة وقتلوا فيها من قتلوا، وغنموا ما غنموا فيها من مال وأثاث. قال: فبينا المسلمون يدورون في رودس ويجمعون غنائمها إذ دخل منهم رجل يقال له عبد الرحمن بن عرزب الأشعري إلى دار من دورها فلم ير فيها أحدا، فجعل يدور فيها مع نفر من المسلمين وهو يقول: # ويحكم! هذه دار نظيفة حسنة البناء ولا تخلو هذه الدار من قوم يكونون فيها، قال: # فبينا القوم يجولون في الدار إذا هم بمطمورة (2) عليها باب قد طمره بالتراب، قال: # فنبش التراب وقلع الباب ودخل المسلمون المطمورة فإذا فيها خمسمائة رأس من رقيق بين غلام وجارية! وإذا أثاث كثير من ديباج وبزيون وأنواع الأمتعة! قال: # فأخرج كله من المطمورة حتى أتي به إلى المقسم، ms0311 فإذا رقعة وقعت من جيب جارية! فأخذت الرقعة ففتحت فإذا فيها خاتم ذهب وفص ياقوت أحمر! فأتي به إلى معاوية، فأرسل به معاوية إلى صاحب المقاسم وأمره أن ينادي عليه، قال: فنودي على ذلك الخاتم فبلغ ألف دينار ومائتي دينار، قال: فأخذه معاوية لنفسه وحسبه للمسلمين من سهمه. # قال: ثم جمعت الغنائم فوضعت في المراكب، ثم خطف المسلمون إلى الساحل. وكتب معاوية إلى عثمان يخبره بسلامة المسلمين وما فتح الله عز وجل من رودس، قال: فسر عثمان بذلك سرورا شديدا وقسم الخمس في المدينة. # PageV02P353 # قال: فلم تزل جزيرة رودس بعد ذلك خرابا يبابا إلى خلافة معاوية، فلما صارت الخلافة إليه أرسل إلى رودس فعمرها وبنى فيها مسجدا وشحنها بالمسلمين وقواهم بالأموال والسلاح وأمرهم بالزراعة، فلم يزل المسلمون بها سبع سنين (1) لا يطمع فيها ملك الروم ولا غيره من الكفار - والله أعلم -. ### | ذكر ما ذكر مجاهد عن هذه الجزيرة. # قال مجاهد (2): لقد دخلت مدينة رودس في سنة ثلاث وخمسين فبنينا فيها مسجدا وأقمنا بها مؤذنا ونصلي. قال مجاهد: وكان تبيع [ابن -] (3) امرأة كعب الأحبار وكنت أقرئه القرآن فقال لي ذات يوم: يا مجاهد! كأنك بهذه الجزيرة قد خربت وذهب رسمها، فقلت: يا تبيع! وتخرب هذه الجزيرة؟ فقال: وعلامة ذلك أنه يهب ريح عاصف فتلقى هذه الدرجة، قال مجاهد: فوالله ما لبثنا أن جاءت الريح ذات يوم فرمت بتلك الدرجة وجاءنا كتاب يزيد بن معاوية من الشام بموت معاوية، فقفلنا وخربت الجزيرة إلى الساعة. ### | ذكر ما كان من قسطنطين ملك الروم ومحاربته مع المسلمين في البحر (4). # قال: فبينا المسلمون كذلك إذ وقع الخبر بأن قسطنطين بن هرقل ملك الروم قد جمع الجموع وقد عزم على غزو المسلمين في البحر (5)، قال: وبلغ ذلك # PageV02P354 # عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكتب إلى معاوية وأمره أن يركب في البحر بجنود المسلمين من أهل الشام، وكتب أيضا إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح يأمره أن يركب بأهل مصر، وكتب أيضا إلى عمرو بن العاص ms0312 يأمره أن يعين عبد الله بن سعد والمسلمين بجميع ما يقدر عليه من المال والسلاح. # قال: فاجتمع أهل مصر وأهل الشام بساحل مدينة عكا في جمع عظيم من العدة والعدد والسلاح، ثم إنهم حملوا الخيل معهم في المراكب وخطفوا من عكا في خمسمائة مركب فيها رجال مقاتلة والخيل والسلاح والطعام الكثير. قال: وخرج قسطنطين بن هرقل من قسطنطينية في قريب من ألف (1) مركب من مراكب الروم فيها المقاتلة والزرافات والنيران والنفط. قال: فبينا المسلمون قد لججوا في البحر إذا هم بمراكب الروم قد وافتهم. # قال: فكان عبد الله بن أبي سفيان يقول حدثني أبي عن مالك بن أوس (2) بن الحدثان قال: لقد كنت في تلك المراكب يومئذ وكانت الريح علينا قال: فنظرنا إلى مراكب ما رأينا مثلها قط، فدعونا ربنا وتضرعنا إليه، ثم إنا أرسينا ساعة، ثم دنوا منا فأرسوا قبالتنا، وسكنت الريح وجاء الليل، فجعل المسلمون يكثرون من قراءة القرآن ولا يفترون من الصلاة والدعاء، والروم في مراكبهم يضربون (3) بالصنوج والطنابير ويشربون الخمر وينفخون في الصفارات. # قال: ثم أصبحوا وقد تهيؤوا للقتال، فأرسل إليهم معاوية بن أبي سفيان وعبدا لله بن سعد بن أبي سرح: إن شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى الساحل حتى يموت الأعجز منا ومنكم؟ قال: فنخرت الروم نخرة واحدة وقالوا: لا، بل البحر بيننا وبينكم، قال مالك بن أوس بن الحدثان: فدنونا منهم، وربطنا المراكب بعضها إلى # PageV02P355 # بعض، واصطف المسلمون على جوانب المراكب في أيديهم الرماح والسيوف والقسي والسهام. قال: واقتتل الفريقان قتالا لم يسمع بمثله، وليس بينهم رمية سهم ولا طعنة رمح إلا الضرب بالسيوف والبواتر والخناجر والسكاكين حتى احمر ماء البحر، قال: وجعلت علق الدماء تضربها الأمواج في الساحل حتى صار الساحل كأن عليه مثل التلول في جثث الرجال وأن الدم غالب على ماء البحر وقد قتل من المسلمين بشر كثير - رحمة الله عليهم - وقتل من الروم ما لا يحصون عددا، قال: # وصبر الفريقان يومئذ بعضهم لبعض صبرا لم يصبروا مثله ساعة قط. # قال: ms0313 وجرح قسطنطين ملك الروم جراحات كثيرة في رأسه وجسده فولى مدبرا منهزما في مركبه الذي كان فيه (1)، قال: وصاح عبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير مصر بالقبط من النواتية: ألا! من قتل رجلا من الروم فله ثلاثة دنانير، قال: فقتلت القبط منهم في ذلك اليوم قريبا من سبعمائة رجل، ووقع عليهم الهزيمة فانهزموا في مراكبهم وهبت الريح عليهم فقطعت مراكبهم يمنة ويسرة فما التقى منها مركبان في موضع واحد. # قال: ورجعت مراكب المسلمين إلى الساحل فأرسيت بعكا، وكتب عبد الله بن سعد ومعاوية إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه يخبرانه بهزيمة الكفار، قال: فسر عثمان بذلك - والله أعلم (2) -. ### | ذكر عزل عمرو بن العاص عن مصر وولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر. # قال: فانصرف عمرو بن العاص معزولا (3) حتى صار إلى فلسطين فنزلها، # PageV02P356 # وصارت مصر بأجمعها في يد عبد الله بن سعد بن أبي سرح، قال: وعزم قسطنطين بن هرقل على محاربة المسلمين ثانية في البحر، فجمع أهل مملكته ثم كتب إلى كل من يسكن الضواحي والسواحل من الروم فحشرهم إليه، فاجتمع عنده خلق كثير عظيم، فتجهز وخرج من قسطنطينية في ألفي ومائتي مركب يريد الفسطاط من أرض مصر، قال: فركب الملعون في أيام ريح عاصفة وقد كانت البطارقة أشارت عليه أن لا يركب في مثل تلك الأيام، فأبى عليهم وخالفهم وركب، فلما توسط البحر هاجت الريح عليهم، فكان الموج يرفع المركب في الهواء ثم يلعب بها لعبا، قال: فكان قسطنطين في ألفي ومائتي مركب فما أفلت منها شيء إلا المركب الذي كان فيه فإنه نجا وألقته الرياح إلى جزيرة في البحر عظيمة يقال لها سقلية (1)، قال: فلما خرج إليها قسطنطين بن هرقل قالوا له: أيها الملك! لقد أشمت بالنصرانية أعداءها وأفنيت رجالها، قال: ثم إنهم اصطنعوا له حماما ليدخله، فلما دخل الحمام دخلوا عليه بالخناجر فقتلوه، ويقال: إنهم ذبحوه ذبحا. قال: وبلغ ذلك عثمان بن عفان فقال: الحمد لله الذي عجل هلاكه فقد كان ms0314 عدوا لأهل الاسلام. ### | ذكر فتح إفريقية على يدي عبد الله بن سعد بن أبي سرح. # قال: ثم كتب عبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير مصر إلى عثمان بن عفان يستأذنه في غزو إفريقية ويخبره في كتابه بكثرة أمواله وضعف رجالها (2). قال: # فكتب إليه عثمان بن عفان: إني غير فاعل ذلك فلا آذن لك فيه، لأني قد شهدت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لا أغزيت إفريقية أحدا من المسلمين أبدا ما # PageV02P357 # حملت عيني الماء، والله! ما أرى في فتحها خيرا وقد كرهها عمر بن الخطاب من قبلي - والسلام -. # قال: فلما ورد كتاب عثمان على عبد الله بن سعد كأنه كره أن يراد عثمان في شيء من أمر إفريقية غير أنه كان يوجه بالرجال فيغيرون على أداني أرضها ويأتون بالغنائم، قال: وبلغ ذلك عثمان بن عفان فكأنه نشط لغزوها، ثم أرسل إلى المسور بن مخرمة القرشي فدعاه في جوف الليل، قال: ويحك يا مسور! قد استخرت الله تبارك وتعالى في ليلتي هذه في بعثة الجيوش إلى إفريقية، وقد كتب إلي عبد الله بن سعد يخبرني بجرأة المسلمين عليهم وتقربهم منهم، فهات ما عندك! فقال له المسور: خار الله لأمير المؤمنين وللمسلمين في ذلك، وما الرأي عندي إلا غزوها، قال عثمان: فإني أستخير الله عز وجل في ذلك كثيرا، ولكن إذا أصبحت فاجمع لي الأكابر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) حتى أستشيرهم في ذلك، فإن اجتمعت آراؤهم على فتحها فعلت ذلك إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. قال: فانصرف المسور بن مخرمة إلى منزله. # فلما كان من غد خرج فدعا له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وغيرهم من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله)، فلما علم عثمان أنهم قد اجتمعوا في المسجد خرج إليهم بعد طلوع الشمس، فشاورهم في أمر إفريقية حتى ارتفع النهار، فكأنهم كرهوا ms0315 ذلك، وأكثر من كره ذلك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فقال له عثمان: # ما الذي كرهت من أمر إفريقية؟ فقال سعيد: كرهت ذلك لما سمعت من عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقول: لا أقربها أحدا من المسلمين ما حملت عيني الماء (1)، ولا أرى لك مخالفة عمر فذرهم ولا تغزهم فإنك لن تخافهم على الاسلام وأنهم لراضون منك أن تقرهم في أماكنهم، قال: ثم قام سعيد بن زيد فخرج، والتفت عثمان إلى مولى له يقال له نائل فقال له: يا نائل! اذهب فادع لي زيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة. قال: فخرج نائل فدعاهما، فاستشارهما عثمان بن عفان في بعثه الجيوش إلى إفريقية، فأشارا عليه بذلك (2)، فقال عثمان بن عفان: الله أكبر # PageV02P358 # قد أبهج لي رأي، ثم ندب الناس إلى ذلك فأجابوه سراعا، فأول من أجابه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعبد الله وعاصم ابنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الرحمن (1) بن الأسود بن عبد يغوث وبشر بن أرطاة (2) والمسور بن مخرمة وجماعة من أولاد الصحابة (3). # قال: ثم اجتمع الناس إلى عثمان بن عفان بعد ذلك فعرضهم عثمان بالمدينة وعدهم فكانوا أربعة آلاف وثمانمائة من أخلاط القبائل فتجهزوا ما أمكنهم من الجهاز، قال: وأعانهم عثمان بألف يعير بآلتها، وفتح بيوت السلاح فأعطاهم وقواهم، وأمر على الناس مروان بن الحكم فجعله على الجند، وجعل أخاه الحارث بن الحكم على الرجالة، ثم قام عثمان رضي الله عنه في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها المسلمون! إنكم قد أصبحتم بدار لا يصلح فيها التضجيع والتواني وقد رأيتم عمر بن الخطاب رحمه الله وما فتح الله عليه من أرض الأعاجم وقد افتتحتم أرض مصر وكانت أكبر شوكة وأكثر عددا من إفريقية، وأنا أرجو أن يظفركم الله عز وجل بها ويعينكم ويقويكم على فتحها، فعليكم عباد الله ms0316 بتقوى الله الذي يبقى ويفنى سواه، وقد كتبت إلى عاملي بمصر عبد الله بن سعد وعهدت إليه أن يحسن صحبتكم وأن يرفق بكم وأن يفضي عن سيئكم، وأرجو أن يكون عند عهدي وأمري إن شاء الله ولا قوة إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ألا! فسيروا رحمكم الله، والله عز وجل خليفتي عليكم. # قال: فسار المسلمون من المدينة حتى قدموا أرض مصر على عبد الله بن سعد، قال: واجتمعت العساكر بمصر، فسار بهم عبد الله بن سعد في ثلاثة وعشرين ألفا يريدون إفريقية. # قال: وكان بإفريقية ملك عظيم يقال له جرجين (4) من قبل ملك الروم وفي يده # PageV02P359 # من طرابلس المغرب إلى طنجة (1)، قال: فسار المسلمون إلى طرابلس المغرب فنزلوها وهي آخر عمل الاسلام، ثم رحلوا منها حتى دخلوا بلاد إفريقية فانتشروا بها وبثوا السرايا، فأصابوا غنائم كثيرة خيل وبغال وحمير وبقر وغنم. # قال: ثم سار عبد الله بن سعد بالمسلمين فجعل يقدم الطلائع بين يديه فمرة يقرب من البحر فيسير على الساحل، ومرة يطلب البر، وإذا بمراكب أهل إفريقية قد أرسيت على ساحل البحر، فلما نظروا إلى خيل المسلمين هموا أن يركبوا المراكب ويلججوا في البحر، فعاجلهم المسلمون فأخذوا المراكب وما كان فيها من مال ومتاع، فقسمه عبد الله بن سعد في المسلمين، ثم قدم أصحاب المراكب وهم مائة رجل فضرب أعناقهم صبرا، ثم أمر بالمراكب فأحرقت إلى آخرها. # قال: وسار المسلمون حتى توسطوا بلاد إفريقية، ودنوا من أرضها، فنزلوا هنالك. وبعث عبد الله بن سعد إلى جرجين (2) ملك إفريقية يدعوه إلى الاسلام، قال: فغضب جرجين (2) من ذلك، ثم قال: لا دخلت في دينكم أبدا، قال: # فأرسل إليه عبد الله بن سعد أنه لا بد لك من إحدى خصلتين الاسلام أو الجزية، فإذا قد أبيت الاسلام فأد الجزية عن يد وأنت صاغر، فقال جرجين (2): لو طلبتم مني درهما واحدا ما أعطيتكم ولا تتحدث الملوك عني بذلك أبدا. # قال: ثم تهيأ لقتال المسلمين، وبلغ ذلك عبد الله بن سعد فعبى أصحابه ms0317 ثم سار إليه، فقال له رجل من أهل مصر: أيها الأمير! إن أهل إفريقية لا يصافونك وهم أرعب قلوب من ذلك، ولكن اجعل لهم كمينا أن لا يفلت منهم أحد فإنهم قوم يهربون في وقت الحرب، قال: فعندها كمن عليهم عبد الله بن سعد الكمناء ففرقها في الأودية والأماكن، ثم دنا القوم في تعبية حسنة وجيش لجب وهم ثلاثة وعشرون ألفا أو يزيدون، ودنا أهل إفريقية من المسلمين في ستين ألفا أو يزيدون (3) وقد رفعوا الصلبان وعليهم من السلاح ما الله عز وجل به عليم. قال: وجالت الخيل بعضها على بعض فاقتتلوا ساعة من النهار حتى إذا صارت الشمس في السماء قدر رمحين أو # PageV02P360 # أكثر من ذلك صاح عبد الله بن سعد بالمسلمين ثم حمل وحملوا معه، فولى أهل إفريقية منهزمين فخرجت عليهم الكمناء فقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر منهم بشر كثير (1). # ومضى ملكهم جرجين منهزما حتى لحق أقاصي بلاد إفريقية، ثم إنه بعث إلى عبد الله بن سعد يسأله الصلح، فأجابه عبد الله بن سعد إلى ذلك وصالحه على ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار (2) على أنه يكف عنه ويخرج عن بلده، فأخذ عبد الله بن سعد منه هذا المال، فأخرج منه الخمس ليوجه به إلى عثمان، وقسم باقي ذلك في المسلمين. # قال: وبلغ ذلك ملك الروم فأرسل إلى جرجين (3) أنك أعطيت العرب ما أعطيتهم فانظر ذلك فابعث إلي مثله وإلا بعثت إليك من يستأصلك عن حديد الأرض، قال: فأرسل جرجين (3) إلى رؤساء بلده فدعاهم ثم قال: إن الملك الأعظم أمرني أن آخذ منكم من المال ما أخذه عبد الله بن سعد، فهاتوا ما الذي عندكم من الرأي! قال: فقالوا: أما الذي كان عندنا من المال فقد أفدينا به أنفسنا من العرب، والآن فليس عندنا من المال نعطي الملك، فإن تركنا نكون في بلادنا ونؤدي إليه الخراج الذي كنا نؤديه إليه قبل اليوم، وإلا دخلنا في دين العرب وكنا مع العرب عليه، قال: فلما سمع جرجين ms0318 (3) ذلك قال لهم: لا تعجلوا حتى أكتب إليه وأخبره بمقالتكم. قال: ثم كتب جرجين إلى ملك الروم وخبره بمقالة أهل إفريقية، قال: فأمسك عنهم ملك الروم وتجافى عن أموالهم. # قال: ورجع عبد الله بن سعد بالمسلمين إلى أرض مصر (4) وكتب إلى عثمان # PageV02P361 # يخبره بفتح إفريقية وسلامة المسلمين (1)، ووجه إليه بالخمس من أموال إفريقية، فقسمه عثمان في أهل المدينة وحمد الله عز وجل على ذلك، فله الحمد على ذلك دائما والشكر وحسبنا الله ونعم الوكيل. ### | ذكر فتح جزيرة سقلية (1) على يدي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. # قال: ثم تهيأ المسلمون لغزو سقلية وكانت عظيمة الشأن، قال: وإنما كان ملك الروم في ثلاثة مواضع من الأرض في سقلية ورومية وقسطنطينية، قال: وكان ملك قسطنطينية في قديم الدهر إلى يومنا هذا يلبس خفين أحمرين، ويأذن لصاحب سقلية في أن يلبس فردا أحمر وفردا أصفر، ويأذن لصاحب رومية أن يلبس فردا أحمر وفردا أخضر، ويأذن لسائر البطارقة أن يلبسوا أخفافا سودا. قال: وكانت جزيرة سقلية هذه جزيرة واسعة خصيبة مسيرة ثلاثة أيام في مثل ذلك، فيها عيون غدقة وزروع وأشجار وخير كثير، فعزم معاوية على غزوها وكتب إلى عثمان في ذلك قال: # وبلغ أهل إفريقية فبعثوا إلى أهل سقلية بأن العرب قد أجمعوا على حربكم فكونوا من ذلك على حذر. # قال: واتصل هذا الخبر بصاحب سقلية فغضب لذلك وقال: وطمعت العرب في غزونا لعلهم يظنون أننا كأهل إفريقية، ولا يرضى العرب منا أن نمسك عنهم ولا نغزوهم. قال: وخطف المسلمون من ساحل البحر في ثلاثمائة مركب فلم يشعر أهل سقلية إلا ومراكب المسلمين قد طلعت عليهم، فنظروا إليها. قال: وبلغ ذلك ملك سقلية، فأشرف من قصره ومعه جماعة من بطارقته، فنظر إلى مراكب المسلمين قد أقبلت وعليها الرايات والمطارف والاعلام، وفيها الرجال بالسلاح الشاك الذي لم ير مثله، قال: فنظر ملك سقلية إلى مراكب كثيرة وإلى سلاح شاك لم يكن يظن أنه يكون عند العرب مثله. # قال: وكان صاحب قيسارية لما هرب ms0319 من أيدي المسلمين صار إلى صاحب # PageV02P362 # سقلية وكان عنده في ناحية، فكان يحدث صاحبك سقلية عن العرب وما فتحت من أرض الشام ومن مدنها وسواحلها. فلما كان ذلك اليوم، التفت صاحبه سقلية إلى صاحب قيسارية فقال له: إن هؤلاء أكثر من أولئك الذين كانوا بأرض الشام؟ فقال له صاحب قيسارية: أيها الملك! كانوا أكثر من هؤلاء، وكانوا أيضا قوما صالحين أصحاب نيات وبصائر، يقاتلون على نية ودين وحسن يقين، وهؤلاء أظن أنهم يريدون الدنيا، فلو أن الملك أعطاهم شيئا يدفع به عن بلده لكان ذلك عندي له الرأي، قال: فغضب ملك سقلية من ذلك ثم قال له: أنت رجل مرعوب لأنك قد رأيت منهم بقيسارية ما قد رأيت من ظهورهم على بر الشام وبحرها، وإن في سقلية اليوم من الرجال الذين يحملون السلاح مثل ما في الشام في برها وبحرها ومثل ما في أرض مصر، وإني لأعرضهم على مائة عارض فيمكثون سنة يعترضون، قال: فقال له صاحب قيسارية: صدقت أيها الملك! ولذلك فارقت ملك الروم لما مضى إلى القسطنطينية وصرت إليك لما أعلم من حزمك وعزمك وكثرة خيلك ورجلك، وإن سقلية عندي أيها الملك لتقاس إلى رومية، قال: فسرى عن صاحب سقلية وقال: # صدقت أيها الملك هي كذلك، قال: وإنما خدعه صاحب قيسارية بهذا الكلام لان رومية في البر دون مدينتها أربعون ميلا. # قال: وأرسى المسلمون مراكبهم إلى جزيرة سقلية، قال: فأرسل إليهم ملكها أن ابعثوا إلي منكم رجلا له بيان حتى أكلمه بما أريد. # قال: فبعث المسلمون إليه برجل ومعه ترجمان يخبره بما يقول الروم فأقبل حتى وقف حذاءه وصاحب سقلية مشرف عليه، فقال: ما أنتم؟ فقال المسلم: من العرب الذين قد بلغت دعوتنا أطراف الأرض وأكناف الجبال وأقطار البحار، لان الله عز وجل بعث إلينا رسولا هو أفضلنا بيتا وأصدقنا حديثا وأكرمنا نفسا، فدعانا إلى الله عز وجل، فأجبنا رسول الله وآمنا به وصدقناه، واتبعه منا من اتبعه وأبي منا من أبي، فقاتل من أبى عليه بالذين اتبعوه ms0320 حتى أظهره الله عز وجل على العرب قاطبة إما راغب فيما دعاه إليه وإما راهب من فرق السيف، ولقد أقر له هرقل ملك الروم من قبل اليوم بالنبوة وشهد له بالرسالة ولم ينكر له ذلك، ولقد خبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من قبل وفاته بأن الله تعالى يفتح علينا ويظهرنا على جميع الأديان، وقد بلغك ما كان منا بأرض الشام لما قتلنا أهلها وسبيناهم حتى لم يلتق منهم اثنان في موضع واحد، ونحن على ما نحن عليه من الضعف وقلة المال والسلاح والكراع حتى هرب منا هرقل إلى PageV02P363 # قسطنطينية خائفا مرعوبا، فلم يزل كذلك حتى مات بحسرتنا، ثم قال من بعده قسطنطين، فقد بلغك ما نزل به منا وإنا قتلنا أصحابه في البحر وأخذته الرماح وأثخنته الجراحات، حتى صار إليكم وشمتم به، فهذه قصتنا وهذه حالتنا، فلم تسألنا عن أمرنا كأنك لا تعرفنا أو كأنك جاهل بما لقيتم منا. قال: فتبسم صاحب سقلية ثم قال: صدقت، نحن قتلناه، لأنه خرج بالروم في أيام ريح عاصفة فأهلكهم في البحر، ثم نجا وصار إلينا، فلم نحب أن يرجع إلى أهله سالما حتى توتم أهله منه وولده كما أيتم الروم، قال: ثم التفت صاحب سقلية إلى صاحب قيسارية فقال: ما يخفى على العرب شيء من أمرنا؟ فقال: نعم أيها الملك، وكذلك لا يخفى علينا شيء من أمورهم. قال: ثم أقبل صاحب سقلية على المسلم فقال: خبرني الآن عنكم لماذا قصدتمونا في مثل هذا البحر؟ فقال له المسلم: # قصدناكم لندعوكم إلى أن تدخلوا في الاسلام وتأمنوا على دياركم وأموالكم، ونولي عليكم رجلا منكم تقيمون الصلوات الخمس وتصومون شهر رمضان وتحجون البيت الحرام وتؤخذ الصدقة من أغنيائكم فترد على فقرائكم، فإن أبيتم الدخول في ديننا فاقبلوا عهدنا وذمتنا وأدوا الجزية إلينا وقروا في دياركم آمنين، فإن أبيتم ما عرضناه عليكم فقد أنذرناكم وأعذرنا إليكم، فاعلموا أن ما بيننا وبينكم إلا السيف، فإن قتلنا كنا على بينة من ربنا، إنا في الجنة وأنتم في ms0321 النار وأظفرنا بكم، فذاك ما وعدنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال: فقال صاحب سقلية لترجمانه: قل له الآن عني إنك تكلمت وقلت ما أردت فذرنا حتى نتكلم بما نريد، فقال المسلم: قل ما تشاء، فقال: قل له عني: إنكم قد اغتررتم بأنفسكم بغزوكم إيانا في مثل هذا البحر وظننتم أن سقلية إنما هي كمدائن الروم التي افتتحتموها من قبل، وليس الامر كما تقولون ولا كما ظننتم، إن سقلية أمنع من ذلك، وأنتم قد ندمتم على مسيركم إلينا عندما رأيتم من جمعنا وعددنا وكثرة سلاحنا، فلو أنكم أردتم أن ترجعوا إلى بلادكم لم تقدروا على ذلك، لأنكم قد لججتم في هذا البحر حتى وصلتم إلينا، ولسنا نحب أن تعتادوا هذه العادة علينا في قلتكم وكثرتنا، لأنه لم يطمع أحد من أعدائنا في هذا منا ولم يغزنا قط أحد من قبلكم إلا ذل وخضع، وإنا لنغزو جميع أهل الأديان في ديارهم فنسبيهم ونذلهم ونأتي بهم إلى جزيرتنا هذه أسارى أذلة صاغرين، وأما ما عرضتموه علينا من اتباع دينكم فهذا ما لا يكون ولست أفارق ديني أبدا، وأما ما سألتموه من الجزية فقد يجب عليكم أن ترضوا مني بالمساكتة والمسالمة أن لا أغزو في بلادكم. فلما فرغ PageV02P364 # صاحب سقلية من كلامه أقبل المسلم على الترجمان فقال: قل له عني: إني أراك قد بغيت في كلامك، والبغي منقصة وشؤم ومصرعة وحتم، ونحن نرجو أن يدال عليكم ببغيكم، ونحن قوم لا نرى القتل سبة ولا الموت عارا، والقتل إلينا أحب إلينا من الخمر إليكم. # قال: فبينا المسلم يكلم صاحب سقلية بهذا الكلام ونحوه وإذا بطريق منهم قد أشرف من جدار القصر وقال: أيها العربي! قد أكثرت علينا من كلامك ولكن من يبارزني منكم؟ فقال له المسلم: يبارزك أدنانا رجلا وأضعفه في نفسه، قال: # فغضب البطريق من ذلك وقال: يا كلاب! وفيكم من يبارزني! ثم إنه بادر ونزل، فخرج من باب القصر وفي يده سيف له مشطب ودرقة مذهبة، وعليه قباء حرير ويلمق ديباج، ms0322 قال: فبرز إليه رجل من أهل إفريقية واختلفا بضربتين، ضربه الإفريقي ضربة على أم رأسه فسقط البطريق قتيلا، ثم وقف عليه الإفريقي فجعل يسلبه وصاحب سقلية مع بطارقته ينظرون إليه، ثم وقف الإفريقي ونادى بأعلى صوته: من يبارزني؟ قال صاحب سقلية: من هذا منكم؟ فقال له المسلم: هذا رجل من أهل إفريقية وقد كان من خدمكم، فمن الله عز وجل عليه بالاسلام فأسلم، وقد رأيت ما فعل بصاحبكم، فكيف لو برز إليه رجل من حزبنا. # قال: فنزل صاحب سقلية من قصره مغموما، وخرج المسلمون من المراكب فأغاروا على أطراف سقلية، فسبوا وغنموا، ثم أخرجوا مجانيق كانت معهم فنصبوها على حصونهم ورموهم رميا متداركا، ورزق الله عز وجل المسلمين من اعتدال حجارة مجانيقهم وقصدها لحصون الكفار وقصورهم شيئا عجيبا، قال: ورمت الروم بالعرادات فلم يكن لعراداتهم نكاية. قال: وقهرهم المسلمون حتى أحجزوهم في دورهم وقصورهم. # قال: فعندها خرج صاحب سقلية من قصره، واجتمع إليه أهل مملكته بأجمعهم فعطعطوا ونفخوا في البوقات، وأظهروا ما قدروا عليه من آلة السلاح، قال: وصف المسلمون صفوفهم وأظهروا سلاحهم، واقتحمت الروم على ميسرة المسلمين وكشفوهم وثبتت الميمنة والقلب، فقاتلوهم ساعة ثم رجعت ميسرة المسلمين إلى موضعها، ودامت الحرب بينهم يومهم ذلك، فقتل من الفريقين جماعة، ثم افترقوا وذلك وقت المساء، حتى إذا مضى من الليل بعضه أغار المسلمون على قراهم PageV02P365 # وحصونهم، فسبوا سبيا كثيرا وغنموا من الغنائم ما ملأت أيديهم، ثم رجعوا مراكبهم. # قال: وبلغ ذلك صاحب سقلية فاغتم لذلك غما شديدا ثم أرسل إلى مقاتلته فدعاهم إليه وقال: ما بالكم لا تغيرون عليهم كما يغيرون عليكم؟ سوءا لكم! لقد خشيت أن تؤخذ سقلية منكم كما أخذت الشام من قبل، قال: فسكتت الروم ولم يقولوا شيئا، فقال له صاحب قيسارية: أيها الملك! إني أشير عليك أن تكتب إلى الملك الأكبر وتسأله المدد، فقال: لا فعلت ذلك أبدا ولو أخذت سقلية من يدي. # قال: فلم يزل المسلمون في المحاربة حتى ملأوا أيديهم من الغنائم وقتلوا منهم بشرا ms0323 كثيرا. # قال: وبلغ ذلك ملك الروم فجهز إلى سقلية ستمائة مركب فيها المقاتلة والسلاح، قال: واتصل الخبر بالمسلمين قبل أن يتصل بأهل سقلية، فرأوا من الرأي أن يرحلوا، فقال لهم أميرهم: ليس الرأي أن ترحلوا نهارا، فإنا لا ندري ما يكون من الحدثان ولكن أخروا هذا إلى الليل، فقالوا: ذاك أيها الأمير! قال: فلما كان الليل وهدأت العيون قعد المسلمون في مراكبهم وخطفوا من ساحل سقلية، وهبت الريح ورفعوا الشراع وسارت المراكب على تؤدة بغير هول، ولا فزغ حتى أصبحوا على بلد بعيد من سقلية، ثم ساروا حتى صاروا إلى ساحل الشام، فخرج المسلمون من المراكب فأرسوها ثم أخرجوا تلك الغنائم وذلك السبي، فأخرج معاوية من ذلك كله الخمس ووجه به إلى عثمان، وكتب إليه يخبره بسلامة المسلمين وما كان من أمر سقلية، قال: فسر عثمان بذلك وقسم الخمس على أهل المدينة، وقسم معاوية ما بقي من بعد الخمس في المسلمين. قال: ولم يكن للمسلمين غزوة في البحر في زمن عثمان بن عفان بعد سقلية إلا غزوة أرواد. ### | ذكر فتح جزيرة أرواد. # وذلك أن المسلمين أسروا من الروم رجلا في بعض السواحل، فقالوا: من أين أنت؟ فقال: من أرواد (1)، فأتوا به إلى معاوية، فجعل معاوية يسأله عن أرواد ويستخبره عن موضعها من البحر، فقال له الرومي: نعم أيها الأمير! إنها جزيرة # PageV02P366 # عظيمة ومن حالها وحال أهلها كذا وكذا. قال: فدعا معاوية برجل من أبطال أهل الشام يقال له جنادة بن أبي أمية، فضم إليه أربعة آلاف رجل وأمره أن يغزو أرواد (1). # قال: فخرج جنادة حتى صار إلى الساحل، ثم حمل أصحابه في المراكب وهي عشرون مركبا ومعهم ذلك الرجل الرومي يدلهم على الجزيرة حتى أنهم إذا فتحوها يردون عليه أهله وماله وولده. قال: فسارت المراكب حتى إذا قاربت الجزيرة أمرهم الدليل بأن يرسوا في البحر على وجه الماء، ففعلوا ذلك حتى إذا أظلم الليل أمرهم بالليل بالمسير، فساروا حتى وافوا الجزيرة وأهلها غافلون، فأرسى المسلمون بمراكبهم على ساحل الجزيرة، ثم ms0324 خرجوا منها بالسلاح، وأصبح المسلمون في الجزيرة، ففتحوا باب حصنهم وخرجوا، وكبس المسلمون فما كانوا إلا بمنزلة غنم تذبح، فقتل من مقاتلتهم من قتل واتقى الباقون منهم في البيوت كأنهم النساء، فأقرهم جنادة بن أبي أمية في حصنهم ذلك على صلح بمال أخذه منهم والجزية جعلها عليهم، وأخذ من غنائمهم ما أخذ، وخطف حتى صار إلى ساحل الشام سالما غانما، وأتى بالغنائم إلى معاوية، فأخرج منها معاوية الخمس فوجه به إلى عثمان، وما بقي من ذلك قسمه في المسلمين. # وهذا ما كان في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه: قال: وفي تلك السنة قتل عثمان بن عفان رحمة الله عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، حسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV02P367 # بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله قال أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي حدثني أبو الحسين علي بن محمد القرشي قال حدثني عثمان بن سليم عن مجاهد (1) عن الشعبي (2) وأبي محصن عن أبي وائل (3)، وعلي بن مجاهد عن أبي إسحاق، قال وحدثني نعيم بن مزاحم قال: # حدثني أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الواقدي الأسلمي قال: وحدثني إسحاق بن يوسف الفزاري قال: حدثني أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب قال: # حدثني لوط به يحيى بن سعيد الأزدي عن الحارث بن الحصين بن عبد الرحمن بن عبيدة والنضر بن صالح بن حسين بن زهير قال: وحدثني عمران بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن يزيد عن صالح بن إبراهيم وزيد بن عبد الرحمن الواقفي وعلي بن حنظلة بن أسعد الشامي وغير هؤلاء ذكروا هذا الحديث سرا وعلانية، وقد جمعت ما سمعت من رواياتهم على اختلاف لغاتهم فألفته حديثا واحدا على نسق واحد، وكل يذكر أنه لما صار الامر إلى عثمان بن عفان # PageV02P369 # واجتمع إليه الناس أرسل إلى عمال عمر بن الخطاب فأقرهم على أعمالهم التي هم عليها مدة يسيرة من ms0325 ولايته، ثم إنه بعث إليهم فعزلهم عن الاعمال وجعل يقدم أهل بيته وبني عمه من بني أمية فولاهم الولايات، فولى عبد الله بن عامر بن كريز (1) البصرة، وولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط الكوفة (2)، وأثبت معاوية بن أبي سفيان على الشام، وعمرو بن العاص على فلسطين، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر (3)، ثم فتح الفتوح ودرت عليه الأموال من سجستان وخراسان وفارس وكرمان ومصر والشام والجزيرة والعراق، ودرت عليه حلب والبلاد، وهو مع ذلك يسير بسيرة مرضية، ولا يرى المسلمون منه إلا ما يحبون. # قال: ثم كثر المال عليه، فكان كل ما اجتمع عنده شيء من ذلك يفرقه في الناس ويزيدهم في العطايا، حتى كان يأمر للرجل الواحد بمائة ألف درهم (4). # قال: ثم قدم عليه عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص بن أمية فوصله # PageV02P370 # بثلاثمائة ألف درهم، ثم بعث إلى الحكم بن أبي العاص فرده إلى المدينة وهو طريد (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وصله بمائة ألف درهم من بيت مال المسلمين وجعل له خمس إفريقية (2)، وجعل [من بني] أمية الحارث بن الحكم على سوق المدينة ووصل ابنه بمال جليل. # قال: فكبر ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكرهوا ذلك من فعله، ثم إنهم دخلوا على عبد الرحمن بن عوف فشكوا إليه أمر عثمان وقالوا: يا بن عوف! هذا من فعالك بنا ولسنا نلزم هذه الإمامة أحدا سواك، فقال عبد الرحمن: يا هؤلاء! إني كنت أخذت لكم بالوثيقة ولم أعلم بما يكون، والآن فالامر إليكم. # فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: فهكذا تحب أن يكون؟ فقال: يا أبا الحسن! إنه لم يكن عندي علم هذا والآن فخذ سيفك وآخذ سيفي. قال: وبلغ الخبر إلى عثمان أن عبد الرحمن بن عوف قد قال كذا وكذا، فقال عثمان عبد الرحمن رجل منافق لا يبالي بما قال ويهون عليه أن يشيط بدمي. وبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فغضب، ms0326 قال: ما كنت أظن [أن] أعيش إلى دهر يقول لي عثمان [إني] منافق، ثم حلف عبد الرحمن أنه لا يكلمه أبدا ما بقي (3). # قال: والناس تكلموا في عثمان وقالوا فيه بعض القول وبلغه ذلك، فنادى في الناس: الصلاة جامعة! فلما اجتمعوا صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # أيها الناس! اذكروا نعمة الله عليكم واشكروها يزدكم واعرفوا حقه، فإنكم أقوام مسلمون، وبين أظهركم كتاب الله فيه كل شيء، وقد علمتم الذي أمركم الله به من الطاعة لولاة الامر منكم، فاتقوا الله ربكم، واعلموا أن حق الخلافة عظيم، فأمرها فوق ما تظنون، وإنما جعل الله تبارك وتعالى السلطان في الأرض ليكون حاجزا بين قويهم وضعيفهم يلجؤون إليه في أمورهم وسنتهم وأحكامهم، وفيكم من قد أدرك # PageV02P371 # النبي صلى الله عليه وسلم وسمع كلامه ورأى سنته مع ما قد بين الله تبارك وتعالى لكم في هذا الكتاب الناطق وأخذ عليكم الحجة ووعدكم من نفسه كل خير إن شكرتم من ثواب الله وحسن ثواب الآخرة، وقد رأيتم مساكن الأعاجم وغيرهم وسلطانهم وقد كانوا والله أشد منكم قوة وأكثر جمعا وأوسع بلدا وأرغد عيشا، فلما تركوا ما أمروا به وشرهت أنفسهم إلى ما قد علمتم من الفساد في الأرض واختاروا دنياهم على أخراهم انتزع الله تبارك وتعالى ما كان في أيديهم فجعله لكم وفي أيديكم لينظر كيف تعملون! وبعد فقد رأيتم أثر نعمة الله عليكم والذي آتاكم من الخير على عهد نبيكم محمدا صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده، وأنا اليوم محقوق بهذا الامر وقد ولاني الله تبارك وتعالى خلافة من مضى من قبلي وقد تقلدت أمرا عظيما وخطرا جسيما لا يعين عليه إلا الذي قلدني إياه وقدره لي، والأمين مؤتمن وكل أمير مسؤول عن رعيته، وقد بلغني أن قوما منكم يقولون: لو أن أمير المؤمنين فرق هذا المال في المقاتلة والذرية الذين في الأمصار لكان ذلك أعود عليه وعلينا وأقرب له إلى الله عز وجل، وقد قبلت ذلك منكم وأنا باعث إلى ms0327 كل مصر أن تقسم أمواله بين أهله بالسوية إن شاء الله تعالى، فإن فضل منا شيء صرفناه في نوائبنا التي تنزل بنا ونجعله في ضعفاء العرب ومساكينهم وأيتامهم وأراملهم إن شاء الله تعالى، وأنا جالس لكم في كل وقت أنظر في أموركم، وليس لي حجاب ولا بواب ولا باب يغلق من دونكم، والسلام. # قال: فلما سمع المسلمون ذلك الكلام من عثمان دعوا له بالبركة والصلاح وأثنوا عليه وانصرفوا إلى منازلهم شاكرين لما كان من كلامه. قال: وأقام عثمان بعد ذلك في خلافته بالسياسة الحسنة والعدل في الرعية والرحمة للضعفاء والمساكين والشفقة على جماعة المسلمين. # قال: فلم يزل عثمان كذلك حتى مضت له سنة من السنين كانت فيها أمور كثيرة من أمور عثمان كلها كانت عندهم مكروهة، فعاتبه المسلمون عليها، فلم يعينهم ولم ينزع عنها. قال: واجتمع نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم إنهم كتبوا كتابا وذكروا فيه كل حدث أحدثه عثمان منذ يوم ولي الخلافة إلى ذلك اليوم (1)، ثم إنهم خوفوه في الكتاب وأعلموه [أنه -] إن لم ينزع عما هو عليه خلعوه واستبدلوا به # PageV02P372 # غيره. قال: فكتبوا هذا الكتاب ثم قالوا ننطلق به جميعا حتى نضعه في يده، فإننا إن ذهبنا نكلمه وليس معنا كتاب لم يحضرنا من الكلام ما نريد، ثم أقبلوا على عمار بن ياسر وقالوا له: يا أبا اليقظان! هل لك أن تكفينا هذا الامر وتنطلق بالكتاب إلى عثمان؟ فقال عمار: أفعله، ثم أخذ الكتاب وانطلق إلى عثمان، فإذا عثمان وقد لبس ثيابه وخفيه في رجليه، فلما خرج من باب منزله نظر إلى عمار واقفا والكتاب في يده فقال له: حاجة يا أبا اليقظان؟ فقال عمار: مالي حاجة ولكنا اجتمعنا فكتبنا كتابا نذكر فيه أمورا من أمورك لا نرضاها لك، قال: ثم دفع إليه الكتاب فأخذه عثمان فنظر فيه حتى قرأ سطرا منه، ثم غضب ورمى به من يده، فقال له عمار: لا ترم بالكتاب وانظر فيه حسنا فإنه كتاب أصحاب رسول الله صلى ms0328 الله عليه وسلم وأنا والله ناصح لك! فقال له عثمان: كذبت يا بن سمية! فقال عمار: أنا والله ناصح لك! # فقال عثمان: كذبت يا بن سمية! فقال عمار: أنا والله ابن سمية وابن ياسر. قال: # فأمر عثمان غلمانه، فضربوه ضربا شديدا حتى وقع لجنبه، ثم تقدم إليه عثمان فوطئ بطنه ومذاكيره، حتى غشي عليه وأصابه الفتق، فسقط لما به لا يعقل من أمر شيئا. # قال: واتصل الخبر ببني مخزوم، فأقبل هشام بن الوليد بن المغيرة في نفر من بني مخزوم فاحتملوا عمارا من موضعه ذلك وجعلوا يقولون: والله لئن مات الآن لنقتلن به شيخا عظيما من بني أمية، ثم انطلقوا بعمار إلى منزله مغشيا عليه، فلم يصل ظهرا ولا عصرا ولا مغربا ولا عشاء حتى ذهب بعض الليل، ثم أفاق بعد ذلك من غشيته فقام فقضى ما فاته من صلواته كلها (2). # قال: فكان هذا من إحداثه الذي نقموا عليه. # قال: فبلغ ذلك أبا ذر وكان مقيما بالشام فجعل يظهر عيب عثمان هناك ويذكر منه خصالا قبيحة (3)، فكتب معاوية بن أبي سفيان بذلك إلى عثمان (4): بسم الله # PageV02P373 # الرحمن الرحيم، لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من معاوية بن صخر، أما بعد! فإني أخبرك يا أمير المؤمنين بأن أبا ذر قد أفسد عليك الشام وذلك أنه يظهر لأبي بكر وعمر بكل جميل، فإذا ذكرك أظهر عيبك وقال فيك القبيح، وإني أكره أن يكون مثله بالشام أو بمصر أو بالعراق، لأنهم قوم سراع إلى الفتن وأحب الأمور إليهم الشبهات وليسوا بأهل طاعة ولا جماعة - والسلام -. # قال: فكتب إليه عثمان: أما بعد! فقد جائني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من أمر أبي ذر جندب بن جنادة، فإذا ورد عليك كتابي هذا فابعث به إلي واحمله على أغلظ المراكب وأوعرها، وابعث معه دليلا يسير به الليل مع النهار حتى يغلبه النوم فينسيه ذكري وذكرك - والسلام -. # قال: فلما ورد كتاب عثمان على معاوية دعا بأبي ذر فحمله على شارف من الإبل بغير وطاء وبعث معه دليلا (1) عنيفا ms0329 يعنف عليه حتى يقدم المدينة. # قال: فقدم بأبي ذر المدينة وقد سقط لحم فخذيه (2)، وكان أبو ذر رحمه الله رجلا آدم طويلا ضعيفا نحيفا شيخا أبيض الرأس واللحية، فلما أدخل على عثمان ونظر إليه قال: لا أنعم الله بك عينا يا جنيدب! فقال أبو ذر: أنا جندب بن جنادة وسماني النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، فقال عثمان: أنت الذي تزعم بأننا نقول أن يد الله مغلولة وأن الله فقير ونحن أغنياء؟ فقال أبو ذر: أو كنتم لا تقولون ذلك لأنفقتم مال الله على عباده المؤمنين؟ إني لم أقل ذلك ولكني أشهد لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (إذا بلغ بنو أمية العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دخلا، ثم يريح الله العباد منهم) (3)، فقال عثمان لمن بحضرته من المسلمين: أسمعتم هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ما سمعناه، فقال عثمان: ويلك يا جندب! أتكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو ذر لمن حضر: # أتظنون أني كذبت ولم أصدق في هذا الحديث! فقال عثمان: ادعوا لي علي بن أبي طالب، فدعي له، فلما جلس قال عثمان لأبي ذر: أقصص عليه حديثك في بني # PageV02P374 # أبي العاص، قال: فأعاد الحديث أبو ذر، فقال عثمان: يا أبا الحسن! هل سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال علي رضي الله عنه: لم أسمع هذا ولكن قد صدق أبو ذر، فقال عثمان: وبما ذا صدقته؟ فقال علي: بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أحدا أصدق لهجة من أبي ذر) (١)، فقال جميع من حضر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق علي رضي الله عنه، وقال أبو ذر: # أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتهموني، ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا منكم. فقال عثمان: كذبت، أنت رجل محب للفتنة، ms0330 فقال أبو ذر: # اتبع سنة صاحبيك أبي بكر وعمر حتى لا يكون لاحد عليك كلام، فقال عثمان: ما أنت وذاك لا أم لك؟ فقال أبو ذر: والله ما أعرف لي إليك ذنبا إلا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: فاشتد غضب عثمان ثم قال: أشيروا علي في أمر هذا الشيخ الكذاب فقد فرق جماعة المسلمين! فقال علي رضي الله عنه: أما أنا فأشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون: ﴿فإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب﴾ (2)، فقال عثمان: التراب بفيك يا علي! فقال علي: بل بفيك يا عثمان! أتصنع هذا بأبي ذر وهو حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب كتبه إليك معاوية من قد عرفت رفقه وظلمه؟ قال: فأمسك عثمان عن علي، ثم أقبل على أبي ذر فقال: اخرج عنا من بلدنا! فقال أبو ذر: ما أبغض إلي جوارك ولكن إلى أين أخرج؟ فقال عثمان: إلى حيث شئت، فقال: # أرجع إلى الشام فإنها أرض الجهاد، فقال عثمان: إني إنما جئت بك من الشام لما تفسد بها علي ولا أحب أن أدرك إليها، قال أبو ذر: فأخرج إلى العراق، قال عثمان: لا، لأنهم قوم أهل شبهة وطعن على الأئمة، فقال أبو ذر: فإني حيث كنت فلا بد لي من قول الحق، فإلى أين تحب أن أخرج؟ فقال عثمان: إلى بلد هو أبغض إليك، قال: الربذة (3)، قال: فأخرج إليها ولا تعدها. # PageV02P375 # قال: ثم أمر مروان بن الحكم أن يخرج أبا ذر من المدينة على بعير بغير وطاء، وتبعه جماعة من الناس يشيعونه ويحزنون لحزنه، منهم علي بن أبي طالب والحسن والحسين رضي الله عنهم وعمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وعيينة بن عباس (1). قال: وتقدم علي رضي الله عنه إلى أبي ذر فجعل يعزيه فيما قد نزل به ويأمره بالصبر والاحتساب إلى وقت الفرج. قال: وتقدم مروان بن الحكم إلى علي رضي الله عنه فقال: أليس ms0331 قد أمر أمير المؤمنين أن لا يخرج أحد مع هذا الشيخ ولا يشيعه أحد من الصحابة؟ قال: فرفع علي رضي الله عنه قضيبا (2) كان في يده فضرب به بين أذني بعير مروان، ثم قال: إليك عنا يا بن الزرقاء! أمثلك يعترض علينا في الذي نصنع. # قال: فرجع مروان إلى عثمان فأخبره بذلك، ومضى أبو ذر حتى صار إلى الربذة، ورجع علي رضي الله عنه ومن معه إلى المدينة، فأرسل إليه عثمان فدعاه، فقال: ألم آمر أن لا تشيع أبا ذر؟ فلم شيعته أنت وغيرك؟ فقال علي رضي الله عنه: ليس كل ما تأمر به أنت يجب أن نقبل وإن كان غير صواب! فقال عثمان: هذا مروان يذكر أنك ضربت بين أذني بعيره وشتمته، فأرضه من حقه! فقال علي رضي الله عنه: هذا بعيري فليضرب بين أذنيه كما ضربت بين أذني بعيره، وأما الشتيمة فو الله لئن شتمني مروان لا شتمته، لان مروان ليس لي بكفوء فأشاتمه. ثم وثب علي رضي الله عنه من عند عثمان مغضبا حتى صار إلى منزله (3). # قال: ولم يزل أبو ذر مقيما بالربذة يغشاه الصادر والوارد من الحاج وغيرهم فيعرضون عليه الحوائج فلا يقبل من أحد شيئا إلى أن حضرته الوفاة. ### | ذكر وفاة أبي ذر بالربذة رضي الله عنه. # قال: فلما حضرت أبا ذر الوفاة جعلت امرأته (4) أم ذر تبكي تحت رأسه فقال # PageV02P376 # لها أبو ذر: ما يبكيك يا أم ذر؟ قالت (1): أبكي لضيعتك ههنا في أرض غربة وأنا امرأة ضعيفة غريبة وأخاف أن أعجز عن أمرك، قال: لا تبكي يا أم ذر! فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرني أني أموت في أرض غربة ويلي أمري ودفني قوم صالحون، ولكن انظري يا أم ذر إذا أنا مت فاستعيني بمن يذبح لك شاة من غنمي فاطبخيها والزمي قارعة الطريق، فإذا مر بك نفر من أهل الاسلام فقولي لهم: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قضى نحبه ولحق بربه فواروه رحمكم ms0332 الله! فإنهم سيلون أمري، فإذا فرغوا من أمري فأطعميهم الشاة ثم انصرفي إلى المدينة فكوني بها إلى أن يأتيك الموت كما أتاني. # قال: ثم توفي أبو ذر رحمه الله (2)، فجلست امرأته عند رأسه مغمومة بأمره وقد اصطنعت الشاة كما أمرها أبو ذر، فإذا هي برهط قد أقبلوا من بيت الله الحرام (3)، منهم الأحنف بن قيس التميمي وصعصعة بن صوحان العبدي وخارجة بن الصلت التميمي وعبد الله بن مسلمة التميمي وبلال بن مالك المزني، وجرير بن عبد الله البجلي، والأسود بن يزيد بن قيس النخعي وعلقمة بن قيس بن يزيد النخعي، وتاسع القوم الأشتر واسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي. قال فنظروا إلى امرأة قاعدة على قارعة الطريق فظنوا أنها متعرضة لمعروفهم، فلما دنوا منها وثبت قائمة وقالت: يا هؤلاء! هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قضى نحبه (4) ولحق بربه وقد عجزت عن أمره وما أدري ما أصنع. # قال: فضج القوم بالبكاء والنحيب ثم قالوا: رحم الله أبا ذر وصلى على روحه! ثم نزلوا عن رواحلهم وأخذوا في غسله ثم تنافسوا في كفنه حتى جعلوه من جماعتهم، وأخرج بعضهم حنوطا فحنطه ثم كفن، وحفرت له حفيرة وصلوا عليه وألحدوه في حفرته. # فلما سووا عليه التراب قام الأشتر على قبره فحمد الله وأثنى عليه وذكر نبيه # PageV02P377 # محمدا صلوات الله عليه، ثم قال: اللهم! هذا أبو ذر جندب بن جنادة بن سكن الغفاري صاحب رسولك محمد صلى الله عليه وسلم، اتبع ما أنزلت من آياتك، وجاهد في سبيلك، ولم يغير ولم يبدل، ولكن رأى منكرا فأنكره بلسانه وقلبه، فحقر وحرم حتى افتقر وضيع حتى مات غريبا في أرض غربة، اللهم! فأعطه من الجنة حتى يرضى، واقصم من طرده وحرمه ونهاه من مهاجرة حرم رسولك محمد صلى الله عليه وسلم. # قال: ثم أقاموا يومهم ذلك عند قبره، فلما كان بالعشي عرضت عليهم أم ذر الطعام فأكلوا، فلما كان من غد سلموا عليها وانصرفوا إلى بلدهم. (1) قال: وبلغ ms0333 ذلك عثمان فقال: رحم الله يا أبا ذر! فقال عمار بن ياسر: فرحم الله أبا ذر من كل قلوبنا (2)! قال: فغضب عثمان ثم قال: يا كذا وكذا أتظن أني ندمت على تسييره إلى ربذة؟ قال عمار: لا والله ما أرى ذلك! قال عثمان: ادفعوا في قفاه، وأنت فالحق بالمكان الذي كان فيه أبو ذر ولا تبرحه أبدا ما بقيت وأنا حي، فقال عمار: والله إن جوار السباع لاحب إلي من جوارك، ثم قام عمار فخرج من عنده. # قال: وعزم عثمان على نفي عمار، وأقبلت بنو مخزوم (3) إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالوا: إنه يا أبا الحسن قد علمت بأنا أخوال أبيك أبي طالب، وهذا عثمان بن عفان قد أمر بتسيير عمار بن ياسر، وقد أحببنا أن نلقاه فنكلمه في ذلك ونسأله أن يكف عنه ولا يؤذينا فيه، فقد وثب عليه مرة ففعل به ما فعل وهذه ثانية، ونخاف أن يخرج معه إلى أمر يندم ونندم نحن عليه، فقال: أفعل ذلك فلا تعجلوا، فوالله! لو لم تأتوني في هذا لكان ذلك من الحق الذي لا يسعني تركه ولا عذر لي فيه. # PageV02P378 # قال: ثم أقبل علي رضي الله عنه حتى دخل على عثمان فسلم وجلس فقال: # اتق الله أيها الرجل وكف عن عمار وغير عمار من الصحابة (1)، فإنك قد سيرت رجلا من صلحاء المسلمين وخيار المهاجرين الأولين حتى ملك في تسييرك إياه غريبا، ثم إنك الآن تريد أن تنفي نظيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال عثمان: لانت أحق بالمسير منه، فو الله ما أفسد علي عمارا وغيره سواك! فقال علي رضي الله عنه: والله يا عثمان! ما أنت بقادر على ذلك ولا إليه بواصل فروم ذلك إن شئت، وأما قولك: # إني أفسدهم عليك، فوالله ما يفسدهم عليك إلا نفسك، لأنهم يرون ما ينكروه فلا يسعهم إلا تغيير ما يرون. # قال: ثم وثب علي رضي الله عنه فخرج واستقبله الناس فقالوا له: ما صنعت يا أبا ms0334 الحسن؟ فقال: صنعت إنه قال لي كذا وكذا وقلت له كذا، فقالوا له: # أحسنت والله وأصبت يا أبا الحسن! فو الله لئن كان هذا شأن عثمان ورأيه فينا كلما غضب على رجل منا نفاه إلى بلد غير بلده فلا يموت أحد منا إلا غريبا في غير أهل ولا عشيرة، وإلى من يوصي الرجل عند موته وبمن يستعين فيما ينويه، والله! لئن نموت في رحالنا خير لنا من حياة الأبد بالمكان الذي مات فيه أبو ذر رحمة الله تعالى. # قال: ثم أقبل علي رضي الله عنه على عمار بن ياسر فقال له: اجلس في بيتك ولا تبرح منه، فإن الله تبارك وتعالى مانعك من عثمان وغير عثمان، وهؤلاء المسلمون معك، فقالت بنو مخزوم: والله يا أبا الحسن! لئن نصرتنا وكنت معنا لا وصل إلينا عثمان بشيء نكرهه أبدا. وبلغ ذلك عثمان فكف عن عمار وندم على ما كان منه (2). # قال: وجعل لا يدخل عليه أحد من وجوه المسلمين إلا شكا إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له زيد بن ثابت: يا أمير المؤمنين! أفلا أمشي إليه فأخبره # PageV02P379 # بموجدتك عليه؟ فقال عثمان: بلى، إن شئت ذلك. # قال: فأقبل زيد بن ثابت ومعه المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي (1) حتى دخلوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فسلموا وجلسوا، وبدأ زيد بن ثابت بالكلام فقال: أما بعد يا أبا الحسن! فإن لك سلفا صالحا في الاسلام وأنت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكان الذي لا يعدله أحد، فأنت للخير كله أهل ومعدن، وأمير المؤمنين أصلحه الله عثمان بن عفان ابن عمك وولي أمر هذه الأمة، وله عليك حقان، حق القرابة وحق الولاية، وقد شكاك إلينا وذكر أنك تعترض عليه في أمره، وقد مشينا إليك نصحا لك وكراهة أن يقع بينك وبين ابن عمك أمر نكرهه وتكرهه لكم صلحاء المسلمين، فقال علي رضي الله عنه: والله ما أريد الاعتراض عليه في أمر من الأمور إلا أن يأتي ms0335 منكرا فلا يسعنا أن نقول فيه إلا بالحق، ولكن والله لأكفن عنه ما وسعني الكف. قال: فتكلم المغيرة بن الأخنس فقال: والله! لتكفن عنه شئت أو أبيت، وهو والله أقدر عليك منك عليه، وإنما بعثنا إليك لنكون له شهودا عليك وليعذر فيما بينك وبينه فيكون له عليك الحجة بعد هذا اليوم. قال: فغضب علي رضي الله عنه من كلام المغيرة ثم قال: يا بن المغيرة الأبتر والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع، يا بن العبد الآبق (2)! أنت تكفني عنه فوالله ما أعز الله من أنت ناصره! أخرج أبعد الله نواءك وأجهد بلاءك، ثم أجهد بعدها جهدك فلا أبقى الله عليك إن أبقيت. # قال: فسكت المغيرة لا يقول شيئا، وتكلم زيد بن ثابت فقال: لا والله يا أبا الحسن! ما جئناك لنكون عليك شهودا، ولكننا مشينا إليك التماسا للاجر في أن يصلح الله تبارك وتعالى بينك وبين ابن عمك وأن يجمع كلمتكم على أحسن الأحوال، قال: فدعا له علي رضي الله عنه ولقومه بخير. # ثم قام زيد بن ثابت والمغيرة بن الأخنس إلى عثمان فأخبراه بما كان من الكلام. # PageV02P380 ### | خبر الوليد (1) بن عقبة مع أهل الكوفة. # قال: وإذا بنفر من أهل الكوفة قد قدموا على عثمان فسلموا عليه، فرد عليهم السلام ثم قال: تكلموا لحاجتكم، فقالوا (2): إننا أتيناك في أمر الوليد بن عقبة، قال عثمان: وما شأن الوليد؟ فقالوا: إنك وليته علينا فأساء السيرة، ثم إننا دخلنا عليه في منزله وهو يشرب الخمر، فإن رأيت أن تعزله عنا! فقال عثمان: سبحان الله ما أظن هذا كما تقولون (3)، فقالوا: بلى، قد كان ذلك، ولا نشهد عليه إلا بما رأينا، قال: فتقدم رجل من أهل الكوفة يكنى أبا زينب فقال: بلى يا أمير المؤمنين! # أنا دخلت عليه ومعي قوم يشهدون بذلك ثم إنهم وجدوه يقيء الخمر وليس يعقل شيئا # PageV02P381 # من أمره فأخذت خاتمه من إصبعه (1) وها هو في يدي. فأرسل عثمان إلى علي رضي الله عنه فدعاه وأخبره بذلك فقال: ما الرأي ms0336 عندك في هذا يا أبا الحسن؟ فقال علي رضي الله عنه: الرأي عندي أن تبعث إلى صاحبك فتخبره وتدعو بالشهود، فإذا شهدوا عليه في وجهه أقمت عليه الحد. # قال: فأرسل عثمان إلى الكوفة فجيء بالوليد بن عقبة، واجتمع الناس وتقدم أبو زينب ومن معه من أهل الكوفة فشهدوا عليه في وجهه بشرب الخمر، قال: فأمر به عثمان، فجرد عن ثيابه ثم جلد الحد (2)، وعزله عن الكوفة وولي مكانه سعيد بن العاص، ثم كتب عثمان إلى أهل الكوفة (3): بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى من قرىء عليه كتابي هذا من أهل الكوفة، سلام عليكم! # إني أحمد الله الذي لا إله إلا هو إليكم، أما بعد! فإن رجالا فيكم قد قدموا إلي من قبل فشكوا الوليد بن عقبة وشهدوا عليه بما شهدوا، فإن يكونوا صدقوا فقد قضينا ما كان علينا، وإن يكونوا كذبوا فالله حسيبهم، فاتقوا الله عباد الله، ووازروا أمراءكم وناصحوهم ولا تبغوا عليهم، وإياكم والقذف والبهت وإن تحقق الامر السيء، وقد وليت عليكم أشرف ما علمت فأحسنوا إليه فإني قد أمرته بالاحسان إليكم - والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته -. # قال: فأقبل سعيد بن العاص (4) حتى دخل الكوفة، ثم أقبل إلى المسجد الأعظم فدخله فصلى فيه ركعتين، ثم صعد المنبر وقد نودي له في الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أهل الكوفة! إن أحبكم إلي أقرأكم لكتاب الله، أفقهكم في دين الله، فليكن أولئك من ألافي وأخداني، وإن أبغضكم إلي المسرف على # PageV02P382 # نفسه، المصر على ذنبه الذي لا هم له إلا المضاحيك والأباطيل، فلا يقربني أولئك. # قال: ثم نزل عن المنبر ودعا بعبد الرحمن بن خنيس الأسدي فولاه الشرطة وانصرف إلى دار العمارة. فكان أشراف أهل الكوفة وقراؤهم يأتونه ويحدثونه وينصرفون عنه، وهم مع ذلك لا يرون منه إلا ما يحبون من حسن السيرة وبسط العدل ولين الجانب. # قال: فبينا هو عشية في مسجد الكوفة وذلك في آخر يوم من شهر رمضان والناس يقول بعضهم لبعض: ms0337 غدا الفطر، إذ سمع سعيد بن العاص ذلك فقال لمن حوله من الناس: من منكم رأى الهلال؟ فقال قوم: ما رأيناه بعد، فقام هشام (2) بن عتبة بن أبي وقاص وقال: بلى! قد رأيته والحمد لله، فقال سعيد بن العاص: كيف رأيته بعينك هذه العوراء من بين الناس؟ فقال له هشام (2): أتعيرني بعيني العوراء وقد فقئت في سبيل الله يوم اليرموك في جيش المسلمين، وأنت مع أمك بتهامة في رعي البهم. قال: ثم وثب هشام (3) من المجلس فصار إلى منزله، فلما كان من الغد لم يأمر سعيد الناس بالافطار، وأصبح هشام (3) في داره مفطرا، فتغدى عنده خلق كثير من الناس، وبلغ ذلك سعيد بن العاص فأرسل إليه وأحضره، ثم أمر به فضرب، وأمر بداره فأحرقت. # قال: وبلغ ذلك سعد بن أبي وقاص وهو بالمدينة (4) فغضب وأقبل إلى عثمان بن عفان ومعه وجوه المهاجرين فقال: يا أمير المؤمنين! لماذا وثب عاملك سعيد بن العاص على ابن أخي هاشم فضربه وأحرق داره بالكوفة؟ والله! لا برحت أو انتصفت منه أو لتكونن ههنا أشياء، فقال عثمان (5): اصنع ما بدا لك يا سعد! فو الله # PageV02P383 # إنك لتعلم أنه ما لي في ذلك من ذنب. قال: فوثب عمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو يومئذ غلام حدث، حتى أتى إلى دار سعيد بن العاص بالمدينة فأشعل فيها النار، وأرسلت عائشة إلى عمر (1) بن سعد بن أبي وقاص فطلبته إليها وسألته أن يصفح عن ذلك، ففعل. # قال: ثم كتب عثمان إلى سعيد بن العاص يعذله على فعله بهشام (2) بن عتبة ويقبح عليه رأيه، فسكت سعيد بن العاص ولم يرتفع بما فعل. # قال: فبينا سعيد بن العاص ذات يوم في مسجد الكوفة وقت صلاة العصر وعنده وجوه أهل الكوفة إذ تكلم حسان بن محدوج (3) الذهلي فقال: والله إن سهلنا لخير من جبلنا، فقال عدي بن حاتم: أجل، السهل أكثر برا وخصبا وخيرا، فقال الأشتر: وغير هذا أيضا، السهل أنهاره مطردة ونخله باسقات، وما من فاكهة ينبتها الجبل إلا ms0338 والسهل ينبتها، والجبل خور وعر يحفي الحافر، وصخره يعمي البصر ويحبس عن السفر، وبلدتنا هذه لا ترى فيها ثلجا ولا قرا شديدا. # قال: فقال عبد الرحمن بن خنيس الأسدي (4) صاحب شرطة سعيد بن العاص: هو لعمري كما تذكرون، ولوددت أنه كله للأمير ولكم أفضل منه، فقال له الأشتر: يا هذا! يجب عليك أن تتمنى للأمير أفضل منه ولا تتمنى له أموالنا، فما أقدرك أن تتقرب إليه بغير هذا، فقال عبد الرحمن بن خنيس: وما يضرك من ذلك يا أشتر؟ فوالله! إن شاء الأمير لكان هذا كله له، فقال له الأشتر: كذبت والله يا بن خنيس! والله إن لو رام ذلك لما قدر عليه، ولو رمته أنت لفزعت دونه فزعا يذل ويخشع. # قال: فغضب سعيد بن العاص من ذلك، ثم قال: لا تغضب يا أشتر! فإنما السواد (5) كله لقريش فما نشاء منه أخذنا وما نشاء تركنا، ولو أن رجلا قدم فيه رجلا # PageV02P384 # لم يرجع إليه، أو قدم فيه يدا لقطعتها، فقال له الأشتر: أنت تقول هذا أم غيرك؟ # فقال سعيد بن العاص: لا بل أنا أقوله، فقال الأشتر: أتريد أن تجعل مراكز رماحنا وما أفاء الله علينا بأسيافنا (1) بستانا لك وقومك، والله! ما يصيبك من العراق إلا كل ما يصيب رجلا من المسلمين. # قال: ثم التفت الأشتر إلى عبد الرحمن بن خنيس فقال: وأنت يا عدو الله ممن يزين له رأيه في ظلمنا والتعدي علينا لكون ولاءك الشرطة، قال: ثم مد الأشتر يده فأخذ حمائل سيف ابن خنيس فجذبه إليه وقال: دونكم يا أهل الكوفة! هذا الفاسق فاقتلوه حتى لا يكون للمجرمين ظهير. قال: فأخذته الأيدي حتى وقع لجنبه ثم جروا برجله، فوثب سعيد بن العاص مسرعا حتى دخل إلى منزله، وقام الأشتر فخرج من المسجد وخرجوا معه أصحابه وهم يقولون: وفقك الله فيما صنعت وقلت! فوالله لئن رخصنا لهؤلاء قليلا لزعموا أن دورنا وموارثنا التي ورثناها عن آبائنا في بلادنا لهم من دوننا. # قال: فكتب سعيد بن العاص من ساعته ms0339 بذلك إلى عثمان كتابا (2) في أوله: # (بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من سعيد بن العاص، أما بعد! فإني أخبر أمير المؤمنين أني ما أملك من الكوفة شيئا مع الأشتر النخعي، ومعه قوم يزعمون أنهم القراء وهم السفهاء، فهم يردون علي أمري ويعيبون علي صالح أعمالي، وأن الأشتر كان بينه وبين صاحب شرطي كلام ومراجعة في شيء لا أصل له، فأغرى به الأشتر سفهاء أصحابه وأشرار أهل المصر حتى وثبوا عليه وأنا جالس، فضربوه حتى وقع لجنبه وهو لما به، فكتب إلي أمير المؤمنين برأيه أعمل به إن شاء الله. # فكتب إليه عثمان كتابا في أوله: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد! فقد بلغني كتابك تذكر فيه أنك لا تملك من الكوفة شيئا من الأشتر، ولعمري إنك تملك منها العريض الطويل، وقد كتبت إلى الأشتر كتابا وضمنته كتابك فادفعه إليه وانظر أصحابه هؤلاء الذين ذكرتهم فألحقهم به - والسلام -. # PageV02P385 # قال: ثم كتب عثمان إلى الأشتر: أما بعد! فقد بلغني يا أشتر أنك تلقح وتريد أن تنبح، وأيم الله إني لا أظن أنك تستر أمرا لو أنك أظهرته لحل به دمك، وما أراك منتهيا عن الفتنة أو يصيبك الله بقارعة ليس معها بقيا، فانظر إذا أتاك كتابي هذا فقرأته ورأيت أن لي عليك طاعة فسر إلى الشام فتكون بها مقيما حتى يأتيك أمري، واعلم أني إنما أسيرك إليها لا لشيء إلا لإفسادك على الناس وذلك بأنك لا تألوهم خبالا وضلالا. # قال: فلما ورد كتاب عثمان على الأشتر وقرأه عزم على الخروج عن الكوفة، وأرسل إليه سعيد بن العاص أن أخرج وأخرج من كان معك على رأيك، فأرسل إليه الأشتر أنه ليس بالكوفة أحد إلا وهو يرى رأيي فيما أظن، لأنهم لا يحبون أن تجعل بلادهم بستانا لك ولقومك، وأنا خارج فيمن اتبعني فانظر فيما يكون من بعد هذا. # قال: ثم خرج الأشتر من الكوفة ومعه أصحابه وهم صعصعة بن صوحان العبدي وأخوه (١) وعائذ بن حملة الظهري، وجندب بن زهير ms0340 الأزدي (٢) والحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، وأصفر بن قيس الحارثي ويزيد بن المكفف، وثابت بن قيس بن منقع (٣) وكميل بن زياد ومن أشبههم من إخوانهم (٤)، حتى صاروا إلى كنيسة يقال لها كنيسة مريم، فأرسل إليهم معاوية فدعاهم، فجاؤوا حتى دخلوا ثم سلموا وجلسوا فقال لهم معاوية: يا هؤلاء! اتقوا الله ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾ (٥)، قال: ثم سكت معاوية، قال له كميل بن زياد: يا معاوية! ﴿فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه﴾ (6) فنحن أولئك الذين هداهم الله، فقال له معاوية: كلا يا كميل! إنما أولئك الذين أطاعوا الله ورسوله وولاة الامر فلم يدفنوا محاسنهم ولا أشاعوا مساوئهم، فقال كميل: يا معاوية! لولا أن عثمان بن عفان وفق منك بمثل هذا الكلام وهذه الخديعة لما اتخذك # PageV02P386 # لنا سجنا. فقال له الأشتر: يا كميل! ابتدأنا بالمنطق وأنت أحدثنا سنا، قال: # فسكت كميل وتكلم الأشتر فقال: أما بعد! فإن الله تبارك وتعالى أكرم هذه الأمة برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فجمع به كلمتها وأظهرها على الناس، فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث، ثم قبضه الله عز وجل إلى رضوانه ومحل جنانه - صلى الله عليه وسلم كثيرا، ثم ولى من بعده قوم صالحون عملوا بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجزاهم بأحسن ما أسلفوا من الصالحات، ثم حدثت بعد ذلك أحداث فرأى المؤمنون من أهل طاعة الله أن ينكروا الظلم وأن يقولوا بالحق فإن أعاننا ولاتنا أعفاهم الله من هذه الاعمال التي لا يحبها أهل الطاعة، فنحن معهم ولا نخالف عليهم، وإن أبوا ذلك فإن الله تبارك وتعالى قد قال في كتابه وقوله الحق: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون﴾ (1) فلسنا يا معاوية! بكاتمي برهان الله عز وجل ولا بتاركي أمر الله لمن جهله حتى يعلم مثل الذي علمنا، وإلا فقد غششنا أئمتنا وكنا ms0341 كمن نبذ الكتاب وراء ظهره، فقال له معاوية: يا أشتر! إني أراك معلنا بخلافنا مرتضيا بالعداوة لنا، والله لأشدن وثاقك ولأطيلن حبسك. فقال له عمرو بن زرارة (2): يا معاوية! لئن حبسته لتعلمن أن له عشيرة كثيرة عددها لا يضام، شدها شديد على من خالفها ونبزها، فقال معاوية: # وأنت يا عمرو تحب أن يضرب عنقك ولا تترك حيا، اذهبوا بهم إلى السجن. # قال: فذهبوا بهم إلى السجن، فقال زيد بن المكفكف (3) فقال: يا معاوية! # إن القوم بعثوا بنا إليك لم يكن بهم عجز في حبسنا في بلادنا لو أرادوا ذلك، فلا تؤذينا وأحسن مجاورتنا ما جاورناك، فما أقل ما نجاورك حتى نفارقك إن شاء الله تعالى. # قال: ثم وثب صعصعة بن صوحان فقال: يا معاوية! إن مالك بن الحارث الأشتر وعمرو بن زرارة رجلان لهما فضل في دينهم وحالة حسنة في عشيرتهم وقد حبستهم، فأمر بإخراجهم فذلك أجمل في الرأي، فقال معاوية: علي بهم، فأتي # PageV02P387 # بهم من الحبس، فقال معاوية: كيف ترون عفوي عنكم يا أهل العراق بعد جهلكم واستحقاقكم الحبس؟ رحم الله أبا سفيان لقد كان حليما (1)، ولو ولد الناس (2) كلهم لكانوا حلماء! فقال صعصعة بن صوحان: والله يا معاوية! لقد ولدهم من هو خير من أبي سفيان، فسفهاؤهم وجهالهم أكثر من حلمائهم، فقال معاوية: قاتلك الله يا صعصعة! قد أعطيت لسانا حديدا، اخرجوا واتقوا الله وأحسنوا الثناء على أئمتكم فإنهم جنة لكم، فقال صعصعة: يا معاوية! إننا لا نرى لمخلوق طاعة في معصية الخالق، فقال معاوية: اخرج عني، أخرجك الله إلى النار! فلعمري أنك حدث (3). فخرج القوم من عند معاوية وصاروا إلى منازلهم، فلم يزالوا مقيمين بالشام، وقد وكل بهم قوم يحفظونهم أن لا يبرحوا (4). # قال: وحج عثمان في تلك السنة، فلما قدم من حجه إلى المدينة قدم عليه قوم من الكوفة فعاتبوه على تسييره الأشتر وأصحابه إلى الشام، ثم شكوا عاملهم سعيد بن العاص، وجاء أقوام آخرون من البصرة فشكوا عاملهم عبد الله بن عامر بن كريز، وكثرت ms0342 الشكايات إلى عثمان من عماله من جميع البلاد (5). ### | ذكر قدوم عمال عثمان عليه لما كثرت شكاية الناس منهم. # قال: فأرسل عثمان إلى جميع عماله (6) فأشخصهم إليه من جميع البلاد، ثم # PageV02P388 # أقبل عليهم فقال: يا هؤلاء! إنه قد كثرت شكايات الناس منكم، فأما القريب فقد بادهني وأما البعيد فما نالوا جهدا، فماذا عندكم من الرأي؟ قال: فتكلم عبد الله بن عامر بن كريز وقال (1): يا أمير المؤمنين! إنه ليس يرضي الناس عنك إلا ما أسخطهم عليك، فإن الناس إنما نقموا عليك لأجل هذا المال، فأعطهم إياه حتى يرضوا به عنك ولا يشكوك أحد بعد ذلك. قال: ثم تكلم عبد الله بن سعد بن أبي سرح فقال: يا أمير المؤمنين! إن لك على الناس حقا في كتاب الله ولهم عليك مثل ذلك، فادفع إليهم حقوقهم واستوف منهم حقك، فإنه قد ولي أمر هذه الأمة من قبلك رجلين خيرين فاضلين أبا بكر وعمر فسارا بسيرة، فسر بسيرتهما واستسن بسنتهما واعمل بعملهما، يرضى الناس عنك ولا يشكوك أحد. قال: ثم تكلم سعيد بن العاص فقال (2): لا والله يا أمير المؤمنين! ما دعا الناس أن نقموا عليك إلا الحمام والفراغ من الحروب، وذلك أن العرب اليوم جلست في المحافل وتحدثت بالأحاديث، فاشغل العرب بالغزو وقاتل بهم العدو حتى لا يرجع أحدهم، إذا رجع إلى منزله قد أهمته نفسه لا يتفرغ لعيب الامراء. قال: ثم تكلم معاوية فقال: يا أمير المؤمنين! إنك قد جمعتنا وذكرت أنه قد كثرت الشكايات منا وأنت قد ملكتنا رقاب الناس وجعلتنا أوتادا في الأرض، فخذ كل واحد منا بما يليه من عمله حتى نكفيك ما قبله ولا يكون ههنا شكاية أحد ولا ينقم أحد عليك (3). قال: فعلم عثمان أن الرأي ما قال معاوية، فعزم على أن يرد عماله إلى بلادهم وأعمالهم، ثم أوصاهم وعهد إليهم وحذرهم الشكايات، فرجع معاوية إلى الشام، وعبد الله بن عامر إلى البصرة، وسعيد بن العاص إلى الكوفة (4)، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى مصر، ms0343 فلم يزدادوا على الناس إلا غلظة وجنفا وجورا في الاحكام وعدولا عن السنة. # PageV02P389 ### | ذكر كتاب أهل الكوفة إلى عثمان رضي الله عنه وخبر كعب بن عبيدة النهدي. # قال: فجلس نفر من أهل الكوفة منهم يزيد بن قيس الأرحبي، ومالك بن حبيب اليربوعي، وحجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وزياد بن حفيظة التميمي، وعبد الله بن الطفيل البكائي، وزياد بن النضر الحارثي، وكرام بن الحضرمي المالكي، ومعقل بن قيس الرياحي، وزيد بن حصن السنبسي، وسليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري، ورجال كبير من قرى أهل الكوفة ورؤسائهم، فكتبوا إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه: (بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من الملأ المسلمين من أهل الكوفة، سلام عليك! فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد! فإننا كتبنا إليك هذا الكتاب نصيحة لك واعتذارا وشفقة على هذه الأمة من الفرقة، وقد خشينا أن تكون خلقت لها فتنة وأن لك ناصرا ظالما وناقما عليك مظلوما، فمتى نقم عليك الناقم ونصرك الظالم اختلفت الكلمتان وتباين الفريقان، وحدثت أمور متفاقمة أنت جنيتها بأحداقك، يا عثمان! فاتق الله والزم سنة الصالحين من قبلك، وانزع عن ضرب قرابتنا ونفي صلحائنا، وقسم فينا بين أشرارنا والاستبدال عنا واتخاذك بطانة من الطلقاء وابن الطلقاء دوننا، فأنت أميرنا ما أطلعت الله واتبعت ما في كتابه وأنبت إليه وأحييت أهله وجانبت الشر وأهله وكنت للضعفاء ورددت من نفيت منا وكان القريب والبعيد عندك في الحق سواء، فقد قضينا ما علينا من النصيحة لك، وقد بقي ما عليك من الحق، فإن تبت من هذه الأفاعيل نكون لك على الحق أنصارا وأعوانا، وإلا فلا تلوم إلا نفسك فإننا لن نصالحك على البدعة وترك السنة، ولن نجد عند الله عذرا إن تركنا أمره لطاعتك، ولن نعصي الله فيما يرضيك، هو أعز في أنفسنا وأجل من ذلك، نشهد الله على ذلك وكفى بالله شهيدا، ونستعينه وكفى بالله ظهيرا، راجع الله بك إلى طاعته، ms0344 يعصمك بتقواه من معصيته - والسلام -. # قال: فلما كتبوا الكتاب وفرغوا منه قال رجل منهم: من يبلغه عنا كتابنا؟ # فوالله إن ما نرى أحدا يجترئ على ذلك، قال: فقال رجل من عنزة آدم ممشوق فقال: والله ما يبلغ هذا الكتاب إلا رجل لا يبالي أضرب أم حبس أم قتل أم نفي أم حرم، فأيكم عزم على أن يصيبه خصلة من هذه الخصال فليأخذه، فقال القوم ما ههنا أحد يحب أن يبتلي بخصلة من هذه الخصال، فقال العنزي: هاتوا كتابكم PageV02P390 # فوالله إني لا عافية [لي]، وإن ابتليت فما أنا يائس أن يرزقني ربي صبرا وأجرا، قال: فدفعوا إليه كتابهم. # وبلغ ذلك كعب بن عبيدة النهدي وكان من المتعبدين، فقال: والله لأكتبن إلى عثمان كتابا باسمي واسم أبي (1)، بلغ ذلك من عنده ما بلغ! ثم كتب إليه: # بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من كعب بن عبيدة، أما بعد! فإني نذير لك من الفتنة، متخوف عليك فراق هذه الأمة، وذلك أنك قد نفيت خيارهم ووليت أشرارهم وقسمت فيأهم في عدوهم واستأثرت بفضلهم ومزقت كتابهم وحميت قطر السماء ونبت الأرض، وحملت بني أبيك على رقاب الناس حتى قد أوغرت صدورهم واخترت عداوتهم، ولعمري لئن فعلت ذلك فإنك تعلم أنك إذا فعلت ذلك وتكرمت فإنما تفعله من فيئنا وبلادنا، والله حسيبك يحكم بيننا وبينك، وإن أنت أبيت وعنيت قتلنا وأذانا ولم تفعل فإننا نستعين الله ونستجيره من ظلمك لنا بكرة وعشيا - والسلام -. # ثم جاء كعب بن عبيدة بكتابه هذا إلى العنزي وقد ركب يريد المدينة فقال: # أحب أن تدفع كتابي هذا إلى عثمان، فإن فيه نصيحة له وحثا على الاحسان إلى الرعية والكف عن ظلمها، فقال: أفعل ذلك، قال ثم أخذ الكتاب منه ومضى إلى المدينة. ورجع كعب بن عبيدة حتى دخل المسجد الأعظم فجعل يحدث أصحابه بما كتب إلى عثمان، فقالوا: والله يا هذا لقد اجترأت وعرضت نفسك لسطوة هذا الرجل! فقال: لا عليكم فإني أرجو العافية والاجر العظيم، ولكن ألا ms0345 أخبركم بمن هو أجرأ مني؟ قالوا: بلى ومن ذلك؟ فقال: الذي ذهب بالكتاب، فقالوا: بلى صدقت، إنه لكذلك وإنا لنرجو أن يكون أعظم هذا المصر أجرا عند الله غدا. ### | ذكر قدوم العنزي على عثمان وما كان من قصته معه. # قال: وقدم العنزي على عثمان رضي الله عنه بالمدينة، فدخل وسلم عليه ثم ناوله الكتاب الأول وعنده نفر من أهل المدينة، فلما قرأه عثمان ارتد لونه وتغير # PageV02P391 # وجهه، ثم قال: من كتب إلي هذا الكتاب؟ فقال العنزي: كتبه إليك ناس كثير من صلحاء أهل الكوفة وقرائها وأهل الدين والفضل، فقال عثمان: كذبت! إنما كتبه السفهاء وأهل البغي والحسد، فأخبرني من هم؟ فقال العنزي: ما أنا بفاعل، فقال عثمان: إذا والله أوجع جنبك وأطيل حبسك، فقال العنزي: والله لقد جئتك وأنا أعلم أني لا أسلم منك، فقال عثمان: جردوه! فقال العنزي: وهذا كتاب آخر فاقرأه من قبل أن تجردني، فقال عثمان: آت به، فناوله إياه، فلما قرأه قال: من كعب بن عبيدة هذا؟ قال العنزي: إيه! قد نسب لك نفسه، قال عثمان: فمن أي قبيل هو؟ قال العنزي: ما أنا مخبرك عنه إلا ما أخبرك عن نفسه، قال: فالتفت عثمان إلى كثير بن شهاب الحارثي فقال: يا كثير! هل تعرف كعب بن عبيدة قال كثير: نعم يا أمير المؤمنين! هو رجل من بني نهد، قال: فأمر عثمان بالعنزي، فجردوه من ثيابه ليضرب، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لماذا يضرب هذا الرجل؟ إنما هو رسول جاء بكتاب وأبلغك رسالة حملها، فلم يجب عليه في هذا ضرب، فقال عثمان رضي الله عنه: أفترى أن أحبسه؟ قال: لا، ولا يجب عليه الحبس. # قال: فخلى عثمان عن العنزي، وانصرف إلى الكوفة وأصحابه لا يشكون أنه قد حبس أو ضرب أو قتل، قال: فلم يشعروا به إلا وقد طلع عليهم، فما بقي في الكوفة رجل مذكور إلا أتاه ممن كان على رأيه، ثم سألوه عن حاله فأخبرهم بما قال وما قيل له، ثم أخبرهم ms0346 بصنع علي رضي الله عنه، فعجب أهل الكوفة من ذلك ودعوا لعلي بخير وشكروه على ما فعله. # قال: وكتب عثمان إلى سعيد بن العاص (1) أن تسرح إلي كعب بن عبيدة مع سائق عنيف حتى يقدم علي به - والسلام. قال: فلما ورد كتاب عثمان رضي الله عنه على سعيد بن العاص ونظر فيه أرسل إلى كعب بن عبيدة فشده في وثاق ووجه به إلى عثمان مع رجل فظ غليظ، فلما صار في بعض الطريق جعل الرجل ينظر إلى صلاة كعب بن عبيدة وتسبيحه واجتهاده فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، بعثت مع رجل مثل هذا أهديه إلى القتل والعقوبة الشديدة أو الحبس الطويل، ثم أقبل بكعب بن عبيدة حتى أدخله على عثمان. # PageV02P392 # فلما سلم عليه جعل عثمان ينظر إليه ثم قال: (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)! (1) أنت تعلمني الحق وقد قرأت القرآن وأنت في صلب أب مشرك، قال كعب: على رسلك يا بن عفان، فإن كتاب الله لو كان للأول دون الاخر لم يبق للآخر شيء، ولكن القرآن للأول والآخر، فقال عثمان: والله ما أراك تدري أين ربك! قال: بلى يا عثمان! هو لي ولك بالمرصاد، فقال مروان: يا أمير المؤمنين! # حلمك على مثل هذا وأصحابه أطمع فيك الناس، فقال كعب: يا عثمان! إن هذا وأصحابه أغمروك وأغرونا بك، قال عثمان: جردوه، فجردوه و ضربه عشرين سوطا، ثم أمر به فرد إلى الكوفة، وكتب إلى سعيد بن العاص: أما بعد، فإذا قدم عليك كعب بن عبيدة هذا فوجه به مع رجل فظ غليظ إلى جبال كذا، فليكن منفيا عن بلده وقراره. قال: فلما قدم كعب على سعيد بن العاص دعا به فضمه إلى رجل من أصحابه يقال له بكير بن حمران الأحمري فخرج به حتى جعله كذلك حيث أمر عثمان. # قال: وأقبل طلحة والزبير حتى دخلا على عثمان، ثم تقدم إليه الزبير وقال: # يا عثمان! ألم يكن في وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا تحمل آل بني ms0347 معيط على رقاب الناس إن وليت هذا الامر؟ قال عثمان: بلى، قال الزبير: فلم استعملت الوليد بن عقبة على الكوفة؟ قال عثمان: استعملته كما استعمل عمر بن الخطاب عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، فلما عصى الله وفعل ما فعل عزلته واستعملت غيره على عمله، قال: فلم استعملت معاوية على الشام؟ فقال عثمان: # لرأي عمر بن الخطاب فيه، قال: فلم تشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولست بخير منهم؟ قال عثمان: أما أنت فلست أشتمك، ومن شتمته فما كان به عجز عن شتمي، فقال مالك ولعبد الله بن مسعود هجرت قراءته وأمرت بدوس بطنه، فهو في بينه لما به وقد اقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عثمان: إن الذي بلغني من ابن مسعود أكثر مما بلغت منه، وذاك أنه قال: وددت أني وعثمان برمل عالج يحث علي وأحث عليه حتى يموت الأعجز منا، قال: فما لك ولعمار بن ياسر أمرت بدوس بطنه حتى أصابه الفتق؟ فقال: لأنه أراد أن يغري الناس بقتلي، قال: فما لك ولأبي ذر حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيرته حتى مات غريبا طريدا؟ قال: لما قد علمت أنه قد أفسد علي # PageV02P393 # الناس ورماني بكل عيب، قال: فما لك وللأشتر وأصحابه نفيتهم إلى الشام وفرقت بينهم وبين أهاليهم وأولادهم؟ فقال: لان الأشتر أغرى الناس بعاملي سعيد بن العاص وأضرم الكوفة علي نارا. فقال الزبير: يا عثمان! إن هذه الاحداث التي عددتها عليك هي أقل أحداثك، ولو شئت أن أرد عليك جميع ما تحتج به لفعلت، وأراك تقرأ صحيفتك من حيث تريد، وأخاف عليك يوما له ما بعده من الأيام. قال: # وتقدم إليه طلحة بن عبيد الله فقال: يا عثمان! أهلكك بنو أمية وأطمعك فينا آل أبي معيط، وعند غب الصدر يحمد الورد أو يذم، وأنا لك كما كنت لنا، فإذا لم تكن لنا كنا عليك، ثم خرجوا من عنده (1). # قال: فدعا عثمان من ساعته بدواة وقرطاس وكتب إلى عامله بالكوفة سعيد ms0348 بن العاص: أما بعد، فإني خشيت أن أكون قد اقترفت ذنبا عظيما وإثما كبيرا من كعب بن عبيدة، وإذا ورد كتابي هذا إليك فابعث إليه فليقدم عليك ثم عجل به علي - والسلام. - قال: فلما ورد الكتاب على سعيد بن العاص دعا ببكير بن حمران الأحمري، وأنفذه إلى كعب بن عبيدة فأشخصه إليه، ثم وجه به إلى المدينة، فلما أدخل على عثمان سلم، فرد عليه السلام ثم أدنى مجلسه وقال: يا أخا بني نهد! إنك كتبت إلي كتابا غليظا ولو كتبت أنت لي فيه بعض اللين وسهلت بعض التسهيل لقبلت مشورتك ونصيحتك، ولكنك أغلظت لي وتهددتني واتهمتني حتى أغضبتني فنلت منك ما نلت، وإنه وإن كان لكم علي حق فلي عليكم مثله مما لا ينبغي أن تجهلوه، قال: ثم نزع عثمان قميصه ودعا بالسوط فدفعه إليه وقال: ثم يا أخا بني نهد! # اقتص مني ما ضربتك، فقال كعب بن عبيدة: أما أنا فلا أفعل ذلك فإني أدعه لله تعالى ولا أكون أول من سن الاقتصاص من الأئمة، والله لئن تصلح أحب إلي من أن تفسد، ولئن تعدل أحب إلي من أن تجور، ولئن تطيع الله أحب إلي من أن تغضبه. # ثم وثب كعب بن عبيدة فخرج من عند عثمان فتلقاه قوم من أصحابه فقالوا: ما منعك أن تقتص منه وقد أمكنك من نفسه؟ فقال: سبحان الله والي أمر هذه الأمة! ولو شاء لما أفداني من نفسه، وقد وعد التوبة وأرجو أن يفعل. # قال: وتقدم قوم من أهل الشام فشكوا معاوية إلى عثمان رضي الله عنه، # PageV02P394 # وتقدم قوم من خيار أهل الكوفة فشكوا سعيد بن العاص (1) إلى عثمان، فقال عثمان: يا هؤلاء! إلى كم تكون هذه الشكوى من هذين الرجلين! فقال له الحجاج بن غزية الأنصاري: يا هذا! إنهم لا يشكون هذين الرجلين فقط ولكنهم يشكون جميع عمالك، وقد بعثت إليهم فأشخصتهم إليك ثم بادرت فرددتهم إلى أعمالهم، فابعث إليهم ثانية ثم أحضرهم في هذا المسجد بحضرة أصحاب النبي صلى الله عليه ms0349 وسلم، ثم خذ عليهم المواثيق والعهود أنهم لا يظلمون أحدا واستحلفهم على ذلك ثم ردهم إلى أعمالهم، وإلا فاستبدل بهم غيره، فإن صلحاء المسلمين كثير. # قال: وأشار عليه عامة الناس بمثل ذلك (2) فأرسل عثمان إلى جميع عماله فأشخصهم إليه من جميع البلاد، ثم أحضرهم وأقبل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس! هؤلاء عمالي الذين أعتمدهم، فإن أحببتم عزلتهم ووليت من تحبون. قال: فتكلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال: يا عثمان! إن الحق ثقيل مر وإن الباطل خفيف، وأنت رجل إذا صدقت سخطت وإذا كذبت رضيت، وقد بلغ الناس عنك أمور تركها خير لك من الإقامة عليها، فاتق الله يا عثمان وتب إليه مما يكرهه الناس منك. قال: ثم تكلم طلحة بن عبيد الله فقال: يا عثمان! إن الناس قد سفهوك وكرهوك لهذه البدع والاحداث التي أحدثتها ولم يكونوا يعهدونها فإن تستقم فهو خير لك وإن أبيت لم يكن أحد أضر بذلك في الدنيا والآخرة منك. # قال: فغضب عثمان رضي الله عنه ثم قال: ما تدعوني ولا تدعون عتبي ما أحدثت حدثا ولكنكم تفسدون علي الناس، هلم يا بن الحضرمية (3)! ما هذه الاحداث التي أحدثت؟ فقال طلحة: إنه قد كلمك علي من قبلي فهلا سألته عن هذه الأحوال التي أحدثت فيخبرك بها، ثم قام طلحة فخرج من عند عثمان، وجعل يدبر رأيه بينه وبين نفسه أيرد عماله إلى أعمالهم أم يعزلهم ويولي غيرهم. # PageV02P395 ### | خبر الأشتر وخروجه بالكوفة على عثمان. # قال: فبينما عثمان كذلك وإذا بكتاب أهل الكوفة قد ورد على الأشتر وهو بالشام: بسم الله الرحمن الرحيم، من جماعة أهل الكوفة إلى مالك بن الحارث، سلام عليك، أما بعد! فإننا نخبرك بالصحيح من الامر أنه قد اجتمع الملا من إخوانك فتذكروا أعمال الظلمة وأحداث المبتدعة وما أتي إليك وإلى نظرائك من المسلمين، فرأوا أنهم لا يسعهم الاقرار على ذلك ولا الرضى به، وقد خرج عنا سعيد بن العاص مرة وهذه ثانية إلى صاحبه ms0350 عثمان، وقد أعطينا الله تبارك وتعالى عهودنا ومواثيقنا أن لا يدخل علينا سعيد بن العاص واليا أبدا، فالعجل العجل علينا إن كنت تريد أن تدركنا وتشهد على أمورنا - والسلام -. # قال: فلما قرأ الأشتر كتاب أهل الكوفة جعل يتمثل بهذا البيت لقيس بن الخطيم الأنصاري حيث يقول: # ولما رأيت الحرب قد جل جدها * لبست مع البردين ثوب المحارب. # قال: ثم نادى الأشتر في أصحابه بالرحيل، فرحلوا حتى وافوا الكوفة لاثنتي عشرة ليلة من مسيرهم قبل الظهر وذلك في يوم الاثنين، فدخل الأشتر الكوفة وجاء حتى دخل المسجد الأعظم فصعد المنبر وقد اجتمع إليه الناس، فحمد لله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن الله تبارك وتعالى بعث فيكم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا، وأنزل عليه كتابا بين فيه الحلال والحرام والفرائض والسنن، ثم قبضه إليه وقد أدى ما كان عليه، ثم استخلف على الناس أبا بكر فسار بسيرته واستسن بسنته، واستخلف أبو بكر عمر فاستسن بمثل تلك السنة. وهذا عثمان بن عفان قد علمتم ما كان منه من الاحداث المكروهة والافعال القبيحة بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والآن حين قرأنا كتاب الله عز وجل وتفقهنا في دين الله يريد أن نبدل دين الله أو نغير سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كلا والله لا نفعل ذلك أبدا! ألا! ولا يصبح أحد منكم إلا بالجرعة (1)، فإني معسكر هنالك إن شاء الله ولا قوة إلا بالله (2). # PageV02P396 # قال: فلما قضى الأشتر كلامه وثب إليه قبيصة بن جابر الأسدي وقال: يا أشتر! دام شترك وعفى أثرك، شتر الله دينك كما شتر عينك (1)، فلقد أطلت الغيبة وجئت بالخيبة، أتأمر بالفتنة ونكث البيعة وخلع الخليفة! والله! لئن أطعناك لتفترقن كلمتنا ولتسبكن دماؤنا. # PageV02P397 # قال: ثم أخذ كفا من حصباء المسجد فحصبه، فضرب الناس يده فقصرت الحصباء ولم تبلغ الأشتر، قال: فصاح به الأشتر وقال: وما أنت أيها العسير الخضوف (1) والكلام في أمر العامة، والله! ما أسلم قومك إلا كرها ولا هاجروا إلا فقرا. ms0351 قال: ثم وثب الناس على قبيصة فضربوه وطردوه وأخرجوه، وقام رجل من أهل المسجد فناشدهم الله حتى كفوا عنه. قال: واحتمل قبيصة إلى منزله، ونزل الأشتر عن المنبر ونادى في الناس، فاجتمعوا إليه، واستقبل فصلى بالناس، فلما انفتل عن صلاته أمر بإخراج خليفة سعيد بن العاص من القصر، فأخرجوه وهو ثابت بن قيس بن الخطيم الأنصاري (2). # قال: ثم خرج الأشتر فعسكر بالجرعة بين الكوفة والحيرة، وبعث بعائذ بن حملة الظهري فعسكر في طريق البصرة في خمسمائة فارس، وبعث حمزة بن سنان الأسدي إلى عين التمر فعسكر هنالك ليكون مصلحة فيما بينه وبين أهل الشام في خمسمائة فارس، وبعث بعمرو بن أبي حنة الوداعي إلى حلوان وما والاها في ألف فارس، وبعث يزيد بن حجية التيمي إلى المدائن وكوخى وما والاها في سبعمائة فارس. # (3) [(كما أرسل كعب بن مالك الأرحبي إلى مكان يدعى العذيب (4) مع خمسمائة فارس وأمره قائلا، إن جاء سعيد بن العاص من المدينة أميرا على الكوفة فأعده ولا تسمح له بدخول الكوفة وخذ كل ما معه من مال ومتاع وضعه أمانة في منزل الوليد بن عقبة في الكوفة، فتقدم الأشتر (عند ما سمع الخبر) ومعه ثلاثمائة فارس وجاء إلى باب المنزل وأمرهم بأن ينهبوا ما في البيت. فدخل الناس وأخذوا كل ما وجدوه وأخرجوها ثم قلعوا الأبواب وأحرقوها حتى احترق كل ما بقي في البيت. # وحين علم عثمان بذلك (وقد بلغه ما صنعه الأشتر) ضاق صدره بذلك واعتبر أن هذا العمل كان بتحريض أو تأييد من علي رضي الله عنه وقال: لا أعلم ماذا أفعل # PageV02P398 # مع علي الذي يظهر محاسني للناس على شكل نقائص ويحرض الناس علي وعلى أعمالي. ثم استدعى سعيد بن العاص (1) وأعاده إلى الكوفة وقال له: إذا وصلت إليها، تقرب من الناس وعدهم مواعيد حسنة وقل للأشتر بأن يتخلى عن تلك الاعمال ولا يثيرن الفتنة وغالب ظني أن الناس حين يرونك سيتخلون عن الأشتر ويأتون إليك فذهب سعيد كما أمره عثمان إلى الكوفة وحين اقترب ms0352 من (العذيب) تصدى له عبد الله بن كنانة بن الخطاب (2) ومعه ثلاثمائة فارس وقالوا له: يا عدو الله، أين تذهب، عد من حيث أتيت، فو الله لن ندعك تشرب من ماء الفرات قطرة واحدة، فكيف تطمع بغير ذلك [ثم حمل كل منهما على الآخر] فأيقن سعيد أنه لا قبل له بهم فعاد. ### | ذكر رسالة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه إلى مالك الأشتر. # حين أرسل عثمان سعيد بن العاص نحو الكوفة، كتب رسالة لأهلها وأرسلها بواسطة عبد الرحمن بن أبي بكر ومضمونها كما يلي: # بسم الله الرحمن الرحيم. # من عبد الله عثمان بن عفان أمير المؤمنين إلى مالك بن حارث وأصحابه الذين معه. أما بعد، فاعلموا بأن الاعتراض على الخليفة والطعن عليه ذنب عظيم، والإقدام على المعصية عاقبتها وخيمة، وليس له جزاء إلا العذاب والنكال، وقد علمت بما فعلتموه مع عاملي ونائبي لديكم، فاعلموا بأن الظلم نتيجته ستكون عليكم، وبذلك قد فتحتم على أنفسكم باب سخط الله وغضبه، كما فتحتم للعامة باب الفتنة ونقضتم بذلك العهد، فأنتم أول من بدأ بالعصيان وسننتم سنة الفرقة، ذلك أن كل من يرغب من هذه الأمة بالعصيان فسيوافقكم ويقتدي بكم وسيكون وبال ذلك الامر في أعناقكم. فاتقوا الله يا عباد الله، وعودوا إلى الحق، وتوبوا عن # PageV02P399 # أعمالكم المنكرة لعلكم تنجوا. وإذا كان لكم أي هدف أو مطلب تهدفون إليه من مشاغبتكم فاكتبوا إلي، وإذا لم ترضوا عن أمير، أرسلته إليكم فإني أعزله وأبعث شخصا آخر مكانه. # ولما وصل عبد الرحمن بن أبي بكر إلى الكوفة وأبلغهم رسالة عثمان، تداعى أهل الكوفة واطلعوا على مضمون الرسالة وقالوا للأشتر: أجب عن الرسالة فكتب الأشتر الجواب على الشكل التالي: ### | جواب الأشتر عن رسالة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه. # بسم الله الرحمن الرحيم. # هذه رسالة من مالك بن الحارث وجماعة المسلمين إلى الخليفة المتنكب عن سنة نبيه محمد، أما بعد. # فاعلم بأن رسالتك قد وصلت وما ذكرته فيها بأن الاعتراض على الخليفة ومفارقة الجماعة والطعن في الأئمة ms0353 أمر عظيم وخسارة ظاهرة، فإن هذا الكلام صحيح شرط أن يكون الخليفة عادلا، وأن يسير الأمور على سبيل الحق، أما إذا سار الخليفة على غير طريق السداد والصلاح فإن الاعتراض عليه وسيلة وقربة عظيمة إلى الله، وما ذكرته عن الوالي بأننا ظلمناه ولم نحترمه فإننا لم نظلم عاملك بل دفعناه عن ظلم نفسه وظلم عباد الله تعالى، ويجب عليك أن تنهي نفسك وعمالك عن الظلم والعدوان لكي نطيع أوامرك ونعينك في سبيل الحق، وما كتبته حول الظلم العامل فهو ظن خاطئ سيؤدي إلى ضررك، فإنك تسمي العدل جورا وطلب الانصاف ظلما، وإننا بحمد الله على الطريق المستقيم سالكين طريق الرجال الأبرار وليس عندنا في ذلك شك. ولن نبدل موقفنا وكل من يقلدنا فهو على الصراط المستقيم وسيكون مهتديا إلى طريق السعادة ومعززا في الدنيا والآخرة، وسيكون مع الرجال الذين يعينون الظالمين، ولا يداهنون في إقامة السنن والفرائض، وأما ما أمرتنا به من التوبة والرجوع إلى الحق، فإننا إن أطعناك سنكون من الضالين وبعيدين عن التقوى. وأما ما ذكرته بأن نكتب إليك بمطالبنا وأنك ستعين الأمير الذي نرضى نحن به فإن أول مطلب لنا هو أن تستغفر الله وأن تتوب إليه من ذنبك بسبب التعديات والمظالم التي وقعت علينا وعلى عيالنا وأولادنا وعن تسليطك العمال الظالمين والفاسقين على رقاب المسلمين. فإن أصلحت نفسك وصححت موقفك حسب أوامر الله سبحانه وتعالى PageV02P400 # ورسوله فنحن من المطيعين لك وننفذ أوامرك وإلا سنبقى على عصياننا ومعارضتنا وسنصر على ذلك إلى أن يحكم الله بيننا وبينك. وإن قبلت نصائحنا وتبت عن الاعمال الغير مقبول فسنرسل إليك رجالا من طرفنا فأعنهم حتى إذا رجعوا إلينا وأخبرونا عن حالك وإنابتك كما فصلنا لك ذلك فأرسل إلينا عبد الله بن قيس لكي يسير بالعدل بين الناس ويقيم شرائع الاسلام، وانصب حذيفة بن اليمان من أجل تحصيل أموال الخراج وحقوق بيت المال لكي يحصلوا الأموال المتوجبة حسب الأصول من الناس، وأما سعيد بن العاص ووليد بن عقبة وأمثالهما من أقاربك ms0354 وأهل بيتك الذين يظلمون الناس ويرون ذلك جائزا ويبتغون أهواء أنفسهم، فاحتفظ بهم لديك، فإن وافقت على هذا فنحن مطيعون لامرك وإلا فاتق الله ودع هذه الولاية بدون بدع واحفظ كرامتها واتركها على جادة الاستقامة ومنهاج التقوى وكن على يقين بأن كل ما تقوم به من خير أو شر ستجازى عليه يوم القيامة (ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) والسلام (1). # ثم بعد ما فرغ الأشتر من كتابة الرسالة استدعى رجالا يثق بهم ودفع إليهم الرسالة وقال: اذهبوا إلى المدينة وأوصلوها إلى عثمان. # وحين وصل هؤلاء إلى المدينة ذهبوا إلى مقر أمير المؤمنين فسلم بعضهم على عثمان بالخلافة وبعضهم لم يفعل. فسئلوا لم لم تسلموا على أمير المؤمنين فقال الكميل بن زياد: بسبب الاعمال الخطأ التي عملها، فإن عاد عنها وتاب منها وسلك نهج الصواب فهو أميرنا، وإلا فليس بأمير لنا فسألوه: ما هي مطالبكم وما هي أهدافكم، فقالوا: أولا، أن لا نخرج من أوطاننا المألوفة ولا نفارق عيالنا وأولادنا وأن توصل إلينا رواتبنا، وأن لا يرسل إلينا شبابا أغرارا من أقاربه يتأمرون علينا وقد اتبعوا أهواءهم وشهواتهم وأن لا يقدم الأشرار على الأخيار، فقال أمير المؤمنين # PageV02P401 # عثمان رضي الله عنه: أي أشرار قدمتهم على أخياركم! فتقدم رجل من قراء الكوفة يدعى زيد بن حسين الطائي وقال: لقد كان رجل صالح رأى منكرا فأنكره بلسانه من أجل إعلاء كلمة الحق وإطفاء نائرة الظلم وقبل أن يتحرك من مكانه ضربوه حتى عض الأرض بأسنانه، وإنني أتكلم بهذا الكلام فإن كنت تريد أن تأمر بضربي فاعلم بأني قد توقعت ذلك فأناشدك الله أن تعود يا عثمان وأن تتخلى عن الاعمال التي ينكرونها عليك وإلا فإن المؤمنين من قريش سيخرجون عن طاعتك ويخلعونك. فقال عثمان: إنني تبت وتركت كل شيء تكرهونه وأعاهدكم بأن أعمل بكتاب الله وسنة رسوله فقالوا: إن تفعل هكذا فنحن مطيعون لامرك ونقبل بحكمك ثم أمر عثمان بأن ينزلوهم في خير منزل ويكرموهم، ثم كتب جوابا لأهل الكوفة ms0355 على هذا النحو. ### | رسالة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه لأهل الكوفة. # أما بعد، فاعلموا يا أهل الكوفة بأن رسالتكم قد وصلت وقرئت وقد تعجبت فيما كتبتموه كما عجبت لجرأتكم علي، وعيبكم إياي بما لم أفعله ولم آمر به، وتأملت في من يكون صاحب هذه الجرأة فلم أر سوى نزغات الشيطان، وليس سوى إبليس يستطيع أن يملي مثل هذه الرسالة فضقت بمبلغ جهالتكم، وعلمت بأنكم مغدورين ومفتونين ومع كل ذلك تظنون أنفسكم على طريق الهداية وعلى الصراط المستقيم، وقد كتبتم أن أرسل إليكم أبا موسى الأشعري ليقوم بشؤونكم ويصلي بكم وأن أرسل إليكم حذيفة بن اليمان ليقبض الخراج، وإن كان هذا يعد تحكما منكم وقد أجبتكم يا أهل الكوفة إلى ذلك، فاتقوا الله الذي إليه ترجعون ولا تلقوا بأنفسكم إلى الفتنة، ولا تفارقوا الجماعة ولا تقبلوا كلاما لم أقله ولا تنسبوا إلي عملا لم أفعله وإنني لن أطيع هواكم وأخالف ما أرى أنه الحق وأطلب لي ولكم الهداية من الله وإنني مواظب على طاعة الله جل ذكره حتى يرضى عنا ولا حول ولا قوة إلا بالله (1). # ثم أرسل إليهم أبا موسى الأشعري إلى الكوفة وحذيفة بن اليمان إلى سوادها. # ثم عاد الأشتر بعد أن قضى أربعين يوما بين الجيش الذي اجتمع لديه. وكان يتردد عليه أبو موسى الأشعري وقد قام كل من أبو موسى وحذيفة بأداء واجبه على طريق العدل وكانوا يحسنون معاملة الناس. # وبعد أن سير أمير المؤمنين أبا موسى وحذيفة إلى الكوفة صعد المنبر وخطب # PageV02P402 # في الناس فأثنى على الله تعالى ثم سلم على رسوله وقال: # أيها الناس: اتقوا الله وأطيعوا أولي الامر وإياكم ومفارقة الجماعة واحفظوا بيعتكم واعلموا بأن الأمور منوطة بتقدير الله تعالى، وأنه لا راد لقضاء الله، ولا مانع لحكمه وأنكم كلما بذلتم لنا الطاعة فإنكم تزدادون منا قربا، وكلنا أمل بالله أن يعمنا بفضله ولطفه وأوكلنا أمورنا إليه واتكلنا على عونه وحفظه ثم رفع يديه ودعا: # اللهم لا تكلني إلى نفسي فأعجز عن أمري، ms0356 ولا إلى أحد من خلقك فيخذلني، بل أنت يا رب فتول أمر دنياي التي أعيش فيها وآخرتي التي أنا صائر إليها، وإنك على كل شيء قدير وذلك على الله يسير. ### | ذكر وصول بعض المصريين إلى المدينة وشكايتهم ضد عاملهم. # ولما توجه أبو موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان إلى الكوفة كان أول ما فعلوه أن التقوا بالأشتر (1). وكان موسم الحج قد اقترب فنادى عثمان عبد الله بن العباس وأمره بأن يذهب إلى الحج ليقيم للناس مناسكهم ويرعى مصالحهم فذهب ابن عباس وأقام مناسك الحج ثم عاد إلى المدينة (2). # وفي ذلك الوقت وصلت من مصر جماعة من الوجهاء يشتكون عاملهم (3) ودخلوا إلى المسجد النبوي فرأوا عدة من المهاجرين والأنصار فسلموا عليهم فردوا عليهم السلام وسألوهم عن الامر الذي دعاهم للحضور فقالوا: لقد جئنا استنكارا # PageV02P403 # لبعض الاعمال التي صدرت عن عاملنا. فقال لهم علي بن أبي طالب: لا تتعجلوا في أمركم وأخبروا الامام ما تريدون مشافهة وقولوا إن العامل كان يفعل ما يشاء. # بحسب رأيه وليس حسب أوامر الخليفة وأخبروه بكل الأمور التي تنكرونها عليه. ثم هو يعاتبه ويستدعيه فيحصل مطلوبكم أما إذا لم ينكر عليه وتركه في مكانه، حينئذ تأملوا في وجه المصلحة وما يجب أن تفعلوه. فدعا له المصريون وقالوا: نأمل أن تتلطف بنا وتكلف نفسك بالمجيء معنا إلى عثمان. فقال علي: لا حاجة لكم بحضوري ففيكم الكفاية. فقالوا: صحيح، ولكننا نرغب في حضورك لتشهد علينا فقال علي: هناك شاهد أقوى مني سيكون. (وكل ما يجري سيراه ويسمعه فقالوا من ذاك الذي ستكون شهادته أعظم من شهادتك وحضوره أعظم من حضورك وأنت أخ للرسول صلى الله عليه وسلم فقال علي: الله جل جلاله). إنه أعظم من جميع المخلوقات وأرحم بعباده من أنفسهم (فاتركوني وشأني واذهبوا إلى أمير المؤمنين واشرحوا حالكم، وما تنقمونه على العامل فقولوا لعله يحصل مقصودكم وتكونون راضين). # حينئذ توجه المصريون إلى منزل عثمان وطلبوا الاذن عليه فلما أذن لهم دخلوا وسلموا عليه فأكرم أمير المؤمنين مثواهم وقربهم إليه ms0357 ثم قال لهم: ما الذي جاء بكم، هل أنتم ناقمون على أحد حتى مللتم ثم جئتم بلا أمر مني أو من عاملكم (فاذكروا مطالبكم، فقال المصريون): لقد جئنا بسبب الاعمال غير المرضية التي ظهرت من عاملكم وجئنا لانكارها كي تستدعيه وتسأله عنها. أيها الخليفة، إن نعمة الله عليك كثيرة فأد شكر النعمة واتق الله فقال: أية أفعال غير مقبولة صدرت عني، بينوها لي فقال المصريون: بما أنك تطلب منا الحق فسنقول لك. أول ما ننقمه عليك أنك قربت الحكم بن أبي العاص الذي نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف. # ثانيا: إحراقك لاجزاء المصحف، وثالثا، احتجازك لماء المطر الذي هو رزق من الله لعباده وإعطائه لأقاربك ومنعت الناس عنه، وأخيرا نفيك لجماعة من صحابة الرسول بغير حق من البلد وفصلهم عن أهله وعشيرتهم بينما يقول الله تعالى في كتابه: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون﴾ (1). # وأيضا كونك تطيع الناس ظاهرا ثم تستبد برأيك بينما حكم الشرع في حق من يعصى الله بأن لا يطاع فإن أنت أطعت الله تعالى واتبعت أوامره فنحن نطيعك ونتبع # PageV02P404 # أوامرك ونعظم حرمتك كما هو والحال بين الولد وأبيه وأمه وأما إذا رفضت الافعال الحسنة وتابعت سيرك على هذا النحو فلن نطيعك ولن ننفذ أوامرك وستكون العاقبة هلاكنا وهلاكك فاتق الله واعتقد بأنك عبد وستحاسب على النقير (1) والقطمير (2) والله سبحانه وتعالى مطلع على أحوال عباده وإليه سيرجعون جميعا. وبمقدار سلطة الانسان ومسؤوليته سيكون سؤاله بينما سيكون حساب الضعفاء أقل صعوبة. لقد قلنا لك ما علمناه وأخرجنا ذلك ذلك من أعناقنا وبعد ذلك الامر هو لك. # وبعد ما سمع عثمان كلام المصريين تغير لونه وأطرق ساعة يفكر. ثم بعد ذلك رفع رأسه وخاطبهم. # يا قوم لقد بالغتم وتكلمتم بكلام كثير لا أدري كيف أبدأ الجواب، أما بخصوص الحكم بن أبي العاص الذي كان قد قدم بأعمال غير مناسبة ونسبت إليه بحق الرسول صلى الله عليه وسلم ms0358 وقد تأذى منه النبي وأخرجه من المدينة. # (وبعد ذلك تقدمت أنا من النبي عليه السلام وشفعت به إلى الرسول لكي يعيده فأجابني الرسول إلى ذلك ثم بسبب انتقال الرسول عليه السلام إلى جوار ربه ومرور عدة سنوات على ذلك. وبعد ما وصلت إلي الخلافة وبسبب أملي في أن النبي عليه السلام كان ينوي إعادته وبسبب القرابة بيننا أرسلت إليه وأحضرته إلى المدينة وكان في المدينة مسالما لم يتأذ منه أحد. وإذا اشتكى منه أحد فإنني حريص على رضاكم وسنرسل من يحقق في أعماله وأعمال وكلائه ثم نقيم عليهم الحجة حتى يسلكوا طريق العدل والصدق ويحترزوا من طريق الشر. فقال المصريون: ليس هذا كافيا بل يجب أن تستدعي العمال والنواب إليك ثم ترسل أشخاصا يحققون في أحوالهم ومعاملاتهم (3) فإذا ما أخبروك بمثل ما أخبرناك فإنك بعد ذلك تواجههم بأعمالهم وتقررهم بها فأجابهم أمير المؤمنين: هكذا سأفعل وعلى الرأس والعين ثم كتب رسالتين: واحدة إلى أهل الكوفة وأخرى لأهل مصر على هذا النحو: # PageV02P405 # بسم الله الرحمن الرحيم. # هذا كتاب من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى جملة عماله ونوابه، أما بعد، فاعلموا أن الناس يتكلمون في حقي بكلام ينسبوني منه إلى الظلم وإنني لا أرضى أبدا بالظلم ولا أقبل بأن يقوم عمالي ونوابهم بأي عمل أو حكم لا يوافقوا أحكام الله ثم أقسم عليكم بأن كل من يرى لي عليه حقا ويرى لزوم طاعتي بمجرد اطلاعه على مضمون هذه الرسالة أن يتجه إلي في الحال وليحضر إلى المدينة لأتحقق من أحوالكم فإن صدر عنكم أي جور أو ظلم أصلحته ثم أولي رجلا أمينا عادلا مكانه وسأحافظ على حقوق الرعية كما يجب إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. # فلما وصلت هذه الرسالة إلى أهل الكوفة والبصرة ومصر وعلم الناس بمحتواها، كان الأشتر النخعي أول من وصل إلى المدينة ومعه مئة نفر (1) من أهل الكوفة ثم تلاه حكيم بن جبلة من البصرة ومعه مئتان وخمسون رجلا (2) وبعده أبو عمرو يزيد (3) بن ms0359 ورقا الخزاعي وعلقمة بن عديس البلوي (4) وكنانة بن بشر التجيبي (5)، وسودان بن حمران المرادي مع أربعمائة (6) رجل من أهل مصر وقد اجتمعوا في المدينة وقد اتصل بهؤلاء بعض المهاجرين والأنصار الذين كانت لهم بعض المآخذ على عثمان، وتشاوروا حول عثمان فقر رأي الجميع على عزله من الخلافة وإلا فإنهم يقتلونه. (على هذا القرار اتفقوا) ثم واجهوا عثمان بقرارهم فندم عثمان على دعوتهم وفزع منهم، ثم دخل منزله وأغلق بابه وصعد إليهم وكلمهم من السطح قائلا: # أيها الناس ماذا تريدون مني وأي عمل من أعمالي لا توافقون عليه حتى أبدله، وما هو هدفكم حتى أحققه لكم، وأحصل على رضاكم، فأجابوا: لقد حجزت عنا # PageV02P406 # ماء المطر ومنعت مواشينا من ورود ذلك الماء. فقال عثمان: لقد حجزت الماء من أجل إبل الصدقة والآن إذا كان هذا لا يرضيكم فهو لكم فافعلوا به ما تشاؤون فقالوا: # لقد حجزت ذلك الماء أكثر مما حجزه عمر رضي الله عنه فقال: لقد كثرت إبل الصدقة في هذه الأيام فلذلك اشتدت الحاجة إلى الماء ولهذا كنت قد حجزت الماء. ثم قالوا: لقد مزقت المصاحف وأحرقتها. فقال عثمان: لقد كثرت القراءات وخشيت أن يختلف الناس وقد جاء إلي حذيفة بن اليمان وقال لي: إن الناس قد اختلفوا في وجوه القرآن. فيقول أحدهم: قراءتي أفضل ويأتي آخر فيقول: قرائتي أفصح. فأردت أن أزيل أسباب الخلاف وأجمع الناس على قراءة واحدة (1)، ولم أقصد بهذا العمل إلا خير المسلمين، ولو أني تركتهم على حالهم ربما ألحقوا بالقرآن أشياء ليست من القرآن. وعند ذلك يبدأ الخلاف حول القرآن والقراءة بين الأمة. فقالوا: هذا أمر مضى (إننا نعذرك في هذا الامر) فلما ذا لم تشهد غزوة بدر مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال عثمان: لقد كنت في ذلك الوقت صهرا للنبي محمد عليه الصلاة والسلام وكانت زوجتي مريضة جدا. فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إني قلق عليها فأنت معفى من حضور هذه الغزوة وكن إلى جانبها وعالجها حتى تبل من مرضها، ms0360 ولما عاد النبي عليه السلام أعطاني حصتي من غنائم بدر كما لو كنت حاضرا وهذا الامر معروف لديكم. ثم قالوا: لم لم تحضر بيعة الرضوان فقال: # إنكم تعلمون إلى أين أرسلني النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت (2) وحين البيعة وضع عليه السلام يده اليمنى على يده اليسرى وقال: هذه يدي عن عثمان. ثم قالوا: # ماذا تقول في هروبك من معركة أحد وقد تركت النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ذنب كبير فقال: # لقد عفا الله عني في هذه المسألة. ثم قالوا: وماذا تقول حول ضربك بعض الرجال الصالحين وإخراجهم من البلد، وحول تعيينك بعض الشباب الاغرار فتصرفوا في # PageV02P407 # دمائنا وأموالنا بغير حق، ثم إنك منعت العطاء عن الذين نفيتهم حتى ماتوا في بلاد الغربة بعيدين عن أولادهم وأعزائهم، ولم يجدوا كفنا عند موتهم، وإن هم وجدوا فكان من باب الصدقة عليهم؟ # فقال عثمان: إن الذين أخرجتهم من أوطانهم وأرسلتهم إلى نواح أخرى بسبب مصلحة رأيتها، فقد كان ذلك الشخص يسيء لي القول باستمرار، ويحرض الناس علي، فرأيت أن يقيم في مكان آخر. ولو تركتهم في أماكنهم فإنهم سيثيرون علي الناس وينشرون الفرقة بين المسلمين، فإن كان هذا ذنبا فلست بأول وال يدفع الإساءة عن نفسه بمثل هذا الذي تعتبرونه ذنبا علي. ولئن مات واحد من هؤلاء في الغربة فإن الله يحكم بيننا وإن رأيتم شخصا في حال الاغتراب وترونني مذنبا بإبعاده فابعثوا إليه وليحضر. وإن كنت قد ضربت أحدا ظلما فخذوا مني القصاص. # فقالوا: إن عمار بن ياسر هو أول شخص سيقتص منك. # فقال أمير المؤمنين: إن سبب ضرب عمار هو أنه تعجل وعبس في وجهي ونعتني بالظلم ولم يحفظ حرمتي. والآن الامر سهل. قولوا له: ليأت وليقتص مني (1). # أما قولكم عن عمالي فإن ترون أحدا منهم يعامل الرعية بصورة سيئة فاعزلوه، وأما من وجدتموه مستقيما وعادلا فأقروه في عمله إن شئتم. ثم قالوا: ما قولك في الأموال التي هي أموال عامة وقد وزعتها بين أقاربك وأهل بيتك؟ ms0361 # فقال: إن أمير المؤمنين عمر كان يتصرف هكذا: فقد كان يرجح في العطاء أهل الفضل والسابقة. فقالوا: يا عدو الله. إن أعطيات عمر لا تبلغ واحدا من مائة مما أعطيت (ومعنى هذا الكلام أن أسرفت جدا). # فقال لهم: حاسبوني ثم انظروا ما وهبته كم يبلغ وإني أتعهد أن أؤديه من مالي فإن بقي منه شيء أتعهد بسداده. # أيها المسلمون: لماذا تريدون قتلي؟ تجاوزوا عن هذا فقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # PageV02P408 # (لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه فيقتل. # أو رجل زنى بعد إحصانه فيرجم، أو رجل قتل نفسا بغير نفس) (1). # وإني أقسم بالله بأنني منذ هداني الله تعالى لم أغير ديني. ولم أقتل أحدا أبدا ولم أزن في جاهلية أو في إسلام. ولقد استحييت بعد أن وضعت يدي في يد النبي صلى الله عليه وسلم أن أضع يدي مرة أخرى على عورتي. # فتأثر الناس بكلامه وخجلوا مما كانوا يظنونه به وتفرقوا. # ثم أرسل عثمان بعضا من خواصه إلى عمار بن ياسر وطلب منه المصالحة أو يقتص منه فأبى عمار وتكلم بكلام خشن وصاح في وجوه الموفدين من طرف عثمان: # لن يخدعني عثمان، وقد فعل ما فعله بي من الضرب والإهانة. # ثم أرسل عثمان شخصا إلى عبد الله بن عمر فلما حضر عنده قال له: فكر معي فيما وصلت إليه. فقال: يا عثمان. لقد كنت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان راضيا عني، وكذلك في أيام أبي بكر ثم في أيام أبي وكان له علي حقان، حق الأبوة وحق الخلافة وكان دائما راضيا عني، ولم يسمع مني كلمة غير مناسبة، حتى جاءت نوبتك للخلافة فبذلت لك الطاعة والنصيحة بقدر وسعي، ولا أظن أنك غضبت على فالآن مرني حتى أفعل فقال عثمان: يا أبا عبد الرحمن. إني لا أسألك عن هذا. # جزى الله آل عمر خيرا. ولكنك ترى هؤلاء القوم، ماذا يقولون، وفيم يفكرون ويريدون أن يخلعوني من خلافة (2)؟ # فقال عبد ms0362 الله: إن تطعهم فإنك تعلم أنك لست خالدا في الدنيا. قال: أعلم ومهما عشت فلا بد أن أذهب. # فقال عبد الله: هل الجنة والنار بيدهم أم لا؟ فقال: لا. # فقال عبد الله: فالرأي هو أن لا تقر مثل هذه البدع في الاسلام (3)، ففي أي وقت يمكن لمجموعة من الناس أن يسخطوا على الخليفة ويعزلوه ويعينوا مكانه. # PageV02P409 # احفظ القميص الذي ألبسك الله إياه ولا تنزعه وقل لأولئك القوم: بيني وبينكم كتاب الله وسنة نبيه. وعلى كل حال لا أرغب في خلافكم (فإن هم رضوا بذلك فيها ونعمت، وإلا فقد أديت ما عليك، وليكن من أمرهم ما يكون). # فوقع هذا الكلام من عثمان موقعا حسنا. ثم طلب المغيرة بن شعبة وقال له: # اذهب إلى أولئك القوم واسترضهم. وتعهد لهم بأداء كل ما يطلبونه. وأخبرهم بأن عثمان يحتكم وإياهم إلى كتاب الله وسنة رسوله (وفي كل حال لا يود خلافكم) فقال المغيرة: أفعل. فذهب إليهم وحين اقترب منهم صاحوا به: ارجع يا أعور ارجع يا فاسق ارجع يا فاجر. فقال المغيرة وأخبر عثمان بما أسمعوه إياه. # ثم استدعى عثمان عمرو بن العاص وحمله إليهم الرسالة السابقة. فكان ردهم عليهم أقبح وقالوا له: لا سلام عليك ارجع يا عدو الله يا بن النابغة فلست عندنا بمأمون ولا نثق بك. فعاد عمرو بن العاص وأخبر عثمان بما لقي منهم. حينئذ قال عبد الله بن عمر: يا أمير المؤمنين، إن أولئك القوم لم يستمعوا إلا لعلي بن أبي طالب فإن أرسلته إليهم يمكن أن يسمعوا كلامه فيطيعوا الامر] (1). # قال: فأرسل عثمان إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فدعاه فقال: يا أبا الحسن أنت لهؤلاء القوم فادعوهم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه واكفني مما يكرهون، فقال له علي: إن أعطيتني عهد الله وميثاقه أنك توفي لهم بكل ما أعطيهم فعلت ذلك، فقال عثمان: نعم يا أبا الحسن، اضمن لهم عني جميع ما يريدون. # قال: فأخذ علي عليه عهدا غليظا وميثاقا مؤكدا، ثم خرج ms0363 من عنده فأقبل نحو القوم (2)، فلما دنا منهم قالوا: ما وراءك يا أبا الحسن فإننا نجلك، فقال: إنكم تعطون ما تريدون وتعافون من كل ما أسخطكم ويولى عليكم من تحبون ويعزل عنكم من تكرهون، فقالوا: ومن يضمن لنا ذلك؟ قال علي: أنا أضمن لكم ذلك، فقالوا: رضينا (3). # PageV02P410 # قال: فأقبل علي إلى عثمان ومعه وجوه القوم وأشرافهم، فلما دخلوا عاتبوه فأعتبهم من كل ما كرهوا (1)، فقالوا: اكتب لنا بذلك كتابا وأدخل لنا في هذا الضمان عليا بالوفاء لنا بما في كتابنا، فقال عثمان: اكتبوا ما أحببتم وأدخلوا في هذا الضمان من أردتم، قال: فكتبوا: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله عثمان بن عفان أمير المؤمنين لجميع من نقم عليه من أهل البصرة والكوفة وأهل مصر، أن لكم علي أن أعمل فيكم بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأن المحروم يعطى والخائف يؤمن والمنفي يرد، وأن المال يرد على أهل الحقوق، وأن يعزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أهل مصر ويولى عليهم من يرضون). # قال فقال أهل مصر: نريد أن تولي علينا محمد بن أبي بكر، فقال عثمان: # لكم ذلك، ثم أثبتوا في الكتاب: (وأن علي بن أبي طالب ضمين للمؤمنين بالوفاء لهم بما في هذا الكتاب، شهد على ذلك الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وسهل بن حنيف وأبو أيوب خالد بن زيد، وكتب في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين). # قال: فأخذ أهل مصر كتابهم وانصرفوا ومعهم محمد بن أبي بكر أميرا عليهم، حتى إذا كانوا على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة (2) وإذا هم بغلام أسود (3) على بعير له يخبط خبطا عنيفا فقالوا: يا هذا! اربع قليلا ما شأنك؟ كأنك هارب أو طالب، من أنت؟ فقال: أنا غلام أمير المؤمنين عثمان وجهني إلى عامل مصر، فقال له رجل منهم: يا هذا! فإن عامل مصر معنا، فقال: ليس هذا ms0364 الذي أريد، فقال محمد بن أبي بكر: أنزلوه عن البعير، فحطوه فقال له محمد بن أبي بكر: اصدقني غلام من أنت؟ قال: أنا غلام أمير المؤمنين (4)، قال: فإلى من أرسلت؟ قال: إلى عبد الله بن سعد عامل مصر، قال: وبماذا أرسلت؟ قال: برسالة، قال محمد بن # PageV02P411 # أبي بكر: أفمعك كتاب؟ قال: لا. # قال: فقال أهل مصر: لو فتشناه أيها الأمير فإننا نخاف أن يكون صاحبه قد كتب فينا بشيء، ففتشوا رحله ومتاعه ونزعوا ثيابه حتى عروه فلم يجدوا معه شيئا، وكانت على راحلته إداوة (1) فيها ماء فحركوها فإذا فيها شيء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج، فقال كنانة بن بشر التجيبي: والله! إن نفسي لتحدثني أن في هذه الإداوة كتابا، فقال أصحابه: ويحك! ويكون كتاب في ماء؟ قال: إن الناس لهم حيل، فشقوا الإداوة فإذا فيها قارورة مختومة بشمع وفي جوف القارورة كتاب، فكسروا القارورة وأخرجوا الكتاب، فقرأه محمد بن أبي بكر فإذا فيه (2): # (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى عبد الله بن سعد، أما بعد! فإذا قدم عليك عمرو بن يزيد (3) بن ورقاء فاضرب عنقه صبرا، وأما علقمة (4) بن عديس البلوي وكنانة بن بشر التجيبي وعروة بن سهم (5) الليثي فاقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ودعهم يتشحطون في دمائهم حتى يموتوا، فإذا ماتوا فاصلبهم على جذوع النخل، وأما محمد بن أبي بكر فلا يقبل منه كتابه وشد يدك به واحتل في قتله وقر على عملك حتى يأتيك أمري إن شاء الله تعالى). ### | ذكر رجوع أهل مصر إلى محاربة عثمان بعد ما وجدوا الكتاب. # قال: فلما قرأ محمد بن أبي بكر الكتاب رجع إلى المدينة هو ومن معه، ثم جمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم الكتاب وأخبرهم بقصة الكتاب، قال: فلم يبق بالمدينة أحد إلا حنق على عثمان، واشتد حنق بني هذيل خاصة عليه لأجل صاحبهم عبد الله بن مسعود، وهاجت بنو مخزوم لأجل صاحبهم عمار بن ياسر، وكذلك غفار لأجل صاحبهم أبي ذر. ms0365 # PageV02P412 # ثم إن عليا أخذ الكتاب وأقبل حتى دخل على عثمان فقال له: ويحك لا أدري على ماذا أنزل! استعتبك القوم فأعتبتهم بزعمك وضمنتني ثم أحقرتني وكتبت فيهم هذا الكتاب! قال: فنظر عثمان في الكتاب ثم قال: ما أعرف شيئا من هذا، فقال علي: الغلام غلامك أم لا؟ قال عثمان: بل هو والله غلامي والبعير بعيري وهذا الخاتم خاتمي والخط خط كاتبي، قال علي رضي الله عنه: فيخرج غلامك على بعيرك بكتاب وأنت لا تعلم به؟ فقال عثمان: حيرتك يا أبا الحسن! وقد يشبه الخط الخط وقد تختم على الخاتم، ولا والله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر، فقال علي: لا عليك فمن نتهم؟ قال: أتهمك (1) وأتهم كاتبي، قال علي: بل هو فعلك وأمرك، ثم خرج من عنده مغضبا. # قال: وعرف الناس الخط أنه خط مروان وإنما كتبه عن غير علم عثمان، ومروان كان كاتب عثمان وخاتم عثمان في إصبع مروان وشك الناس في مروان. # قال: ثم خرج عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى المسجد وصعد المنبر فحمد # PageV02P413 # الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! لا تتهموني في هذا الكتاب ولا تظنوا أني كتبته، فإنكم إن قلتم ذلك أثمتم، فوالله ما كتبته ولا أمرت به والآن فإنكم تعطون الحق ويعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حتى ترضوا وتعتبوا (1). # قال: فوثب إليه كنانة بن بشر التجيبي فقال: يا عثمان! إننا لا نرضى بالصفة دون العمل قد عاتبناك فأعتبتنا بزعمك فكتبت لنا بالوفاء إلى ذلك كتابا وأشهدت شهودا وأعطيتنا عهد الله وميثاقه، ثم إنك كتبت فينا ما كتبت! فقال عثمان: إني لم أكتب وقد حلفت لكم وليس يجب علي شيء هو أكبر من اليمين، فقال كنانة بن بشر: إننا لا نصدقك على يمينك. # قال: ثم وثب كثير بن عبد الله الحارثي فقال: يا عثمان! أتظن أنك تنجو منا وقد فعلت ما فعلت؟ فقال عثمان: يا سبحان الله! أما لهذا أحد ms0366 يكفينيه؟ قال: # فقام إليه موالي عثمان فأثخنوهم ضربا، ثم إنهم حصبوا عثمان من كل جانب حتى نزل عن المنبر وقد كاد أن يغشى عليه فحملوه حملا حتى أدخلوه إلى منزله (2). # قال: ودخل عليه نفر من الصحابة يتوجعون له لما نزل به، وفي جملة من [دخل] عليه علي بن أبي طالب، فقالت له بنو أمية: يا بن أبي طالب! إنك كدرت علينا العيش وأفسدت علينا أمرنا وقبحت محاسن صاحبنا، أما والله لئن بلغت الذي ترجو لنجاهدنك أشد الجهاد، قال: فزبرهم علي رضي الله عنه وقال: أعزبوا فما بلغ الله لكم من القدر ما تحابون! فإنكم سفهاء وأبناء سفهاء وطلقاء وأبناء طلقاء، إنكم لتعلمون أنه ما لي في هذا الامر ناقة ولا جمل. ثم خرج علي من عند عثمان مغضبا. # قال: فلما كان من غد جلس عثمان وكتب إليهم كتابا، نسخته: (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين المسلمين، سلام # PageV02P414 # عليكم، أما بعد! فإني أذكركم الله الذي أنعم عليكم بالاسلام، وهداكم من الضلال، وأنقذكم من الكفر، وأراكم اليسار وأوسع عليكم في الرزق، وبصركم من العمى، (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) (1) (وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار) (2) فاتقوا الله! (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (3) ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ماجاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) (4) (يا أيها الذين آمنوا... أذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور *) (5) (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) (6) (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله [ولا ينظر إليهم يوم القيامة] ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) (7) ألا! وقد علمتم أن الله تعالى رضي لكم السمع والطاعة وحذركم المعصية والفرقة وتقدم إليك ms0367 في ذلك لتكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة الله واحذروا عذابه فإنكم لم تجدوا أمة هلكت من قبلكم إلا من بعد ما اختلفت ولم يكن لها رأس يجمعها، ومتى تفعلون بي ما قد أزمعتم عليه فإنكم لا (8) تقيمون صلاة جميعا ولا تخرجون زكاة جميعا، ويسلط عليكم عدوكم ويستحل بعضكم حرمات بعض، ثم تكونوا شيعا، كما قال الله تعالى: # (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله) (9) الآية، ألا وإني أوصيكم بما أوصاكم الله به وأحذركم بما حذركم الله به من عذابه، # PageV02P415 # فقد علمتم أن شعيبا عليه السلام لما نسبه قومه إلى الشقاق قال الله تعالى: (لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد *) (1) واعلموا أيها الناس! أني قد أنصفتكم وأعطيتكم من نفسي الرضا على أن أعمل فيكم بالكتاب والسنة وأسير فيكم بالسيرة وأعزل عن أمصاركم من كرهتم وأولي عليكم من أحببتم، وأنا أضمن لكم من نفسي أن أعمل فيكم بما كانا يعملان الخليفتان من قبلي جهدي وطاقتي فقد علمتم أن من تولى أمر الرعية يصيب ويخطئ، وكتابي هذا معذرة إلى الله وإليكم ويتصل إليكم مما كرهتم (وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم *) (2) فاكتفوا مني بهذا العهد (إن العهد كان مسؤولا) (3) وإني أتوب إلى الله من كل شيء كرهتموه وأستغفره من ذلك فإنه لا يغفر الذنوب إلا الله، وقد تبت إلى الله من كل ما كرهتموه فإن رحمته وسعت كل شيء - والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (4) -. # قال: فلما جاءهم كتاب عثمان وقرأوا لم يقبلوا شيئا مما وعظهم به ثم نادوا من كل ناحية وأحاطوا بداره وخاصموه وعزموا على قتله وخلعه. ### | ذكر استنصار عثمان بعماله لما أيس من رعيته. # قال: وخشي أن يعالجه القوم فيقتل، فكتب إلى عبد الله بن عامر بن كريز وهو الأمير بالبصرة وإلى معاوية بن أبي سفيان، وهو ms0368 أمير الشام بأجمعها فكتب إليهم عثمان نسخة واحدة (5): بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد! فإن أهل البغي والسفه والجهل والعدوان من أهل الكوفة وأهل مصر وأهل المدينة قد أحاطوا بداري ولم يرضهم شيء دون قتلي أو خلعي سربالا سربلنيه ربي، ألا! وإني ملاق ربي فأعني برجال ذوي نجدة ورأي، فلعل ربي يدفع بهم عني بغي هؤلاء الظالمين الباغين علي - والسلام -. # PageV02P416 # قال: وأما معاوية فإنه أتاه بالكتاب المسور بن مخرمة فقرأ لما أتاه ثم قال: يا معاوية! إن عثمان مقتول فانظر فيما كتبت به إليه، فقال معاوية: يا مسور! إني مصرح أن عثمان بدأ فعمل بما يحب الله ويرضاه ثم غير فغير الله عليه، أفيتهيأ لي أن أرد ما غير الله عز وجل (1). # قال: وأما عبد الله بن عامر فإنه لما ورد عليه كتاب عثمان نادى في أهل البصرة فجمعهم ثم قال: أيها الناس! إن أمير المؤمنين كتب إلي يخبرني أن شرذمة من أهل الكوفة وأهل المدينة وأهل مصر نزلوا بساحته، فأعطاهم من نفسه النصفة ودعاهم إلى الحق، فلم يقبلوا ذلك منه، وإنه كتب إلي يسألني أن أبعث إليه منكم نفرا من أهل الدين والصلاح فلعل الله أن يدفع بكم عنه ظلم الظالمين وعدوان المعتدين، قال: # فأمسك الناس عنه ولم يجبه أحد منهم بشيء (2). # قال: وعلم أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل مصر أن عثمان قد كتب إلى أهل الشام وأهل البصرة يستنجدهم، فكبس عليهم فلجوا في حصاره ومنعوه من الماء، فأشرف عليهم من جدار داره ثم قال: أيها الناس! هل فيكم علي بن أبي طالب؟ # قالوا: لا، فسكت ونزل. قال: وبلغ ذلك عليا رضي الله عنه وهو في منزله، فأرسل إليه بغلامه قنبر فقال: انطلق إلى عثمان فسله ماذا يريد، فجاء قنبر إلى عثمان فدخل وسلم ثم قال: إن مولاي أرسلني إليك يقول لك: ما الذي تريد؟ فقال عثمان: أردته أن يوجه إلي بشيء من الماء فإني قد منعته وقد أضر بي العطش وبمن معي في هذه الدار! فرجع قنبر إلى ms0369 علي فأخبره بذلك، فأرسل إليه علي ثلاث قرب من الماء مع نفر من بني هاشم، فلم يتعرض لهم أحد حتى دخلوا على عثمان فأوصلوا إليه الماء (3)، فشرب وشرب من كان معه في الدار. # قال: ودخل عمرو بن العاص على عثمان مسلما، فقال له عثمان: يا بن # PageV02P417 # العاص! وأنت أيضا ممن توليت على الناس فيما بلغني وتسعى في الساعين علي حتى قد أضرمتها وأسعرتها ثم تدخل مسلما علي! فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين! إنه لا خير لي في جوارك بعد هذا، ثم خرج عمرو من ساعته ومضى حتى قد صار إلى الشام ونزل بأرض فلسطين وكان بها مقيما. # قال: ثم أقبل عثمان حتى أشرف على الناس ثانية فسلم عليهم، فردوا عليه سلاما ضعيفا، فقال عثمان: أفيكم طلحة؟ قال: نعم ها أنا ذا، فقال عثمان: # سبحان الله! ما كنت أظن أن أسلم على جماعة أنت فيهم ولا ترد علي السلام، فقال طلحة: إني قد رددت عليك، فقال عثمان: لا والله ما ذلك لك يا أبا محمد! إني أسمعتك السلام ولم تسمعني الرد. قال: وسمع عثمان بعضهم يقول: لا نقتله ولكنا نعزله، فقال عثمان: أما عزلي فلا يكون، وأما قتلي فعسى وأنا أرجو أن ألقى الله وبأسكم بينكم، قال: وتكلم رجل من الأنصار يقال له مجمع بن جارية (1) فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أخاف والله أن يقتل هذا الرجل، فقال له رجل من الصحابة: وإن قتل فماذا والله نبي مرسل ولا ملك مقرب! قال: وعثمان مشرف من جدار داره يسمع ذلك. ### | ذكر استمالة القلوب بعد إياسه من نصرة عماله. # فقال عثمان: أههنا سعد بن أبي وقاص؟ أههنا الزبير بن العوام؟ فقالا: # نعم، نحن ههنا فقل ما تشاء! فقال: ناشدتكم الله تعالى جميعا بالذي لا إله إلا هو هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما: (من يبتاع لي مربد بني فلان غفر الله له)، فابتعته ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! إني قد ms0370 ابتعت لك مربد فلان، فقال: (اجعله في المسجد وأجره لك)، ففعلت ذلك؟ فقالوا: قد كان ذلك، قال عثمان: اللهم أشهد! ثم قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما: (من يبتاع بئر رومة غفر الله له)، فابتعتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # (اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك)، ففعلت ذلك؟ فقالوا: قد كان ذلك، قال # PageV02P418 # عثمان: اللهم أشهد! ثم قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو. هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر ذات يوم في وجوه أصحابه وذلك في يوم جيش العسرة فقال: (من جهز هؤلاء غفر الله له)، فجهزتم حتى ما فقدوا خطاما ولا عقالا (1)؟ فقالوا (2): # قد كان كل الذي ذكرت ولكنك غيرت وبدلت، فقال عثمان: يا سبحان الله! ألستم تعلمون أنكم دعوتم الله ربكم يوم توفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يختارني لكم؟ قالوا: بلى، قال عثمان: فما ظنكم بالله تبارك وتعالى أتقولون إنه لم يستجب لكم وهنتم عليه؟ أم تقولون إنه هان عليه هذا الدين فلم يبال من ولاه أمره؟ أم تقولون إن الله لم يعلم ما في عاقبة أمري حين كنت في بعض أمري محسنا ثم إني أحدثت من ذلك ما أسخط الله عز وجل؟ فهل لا عافاكم الله؟ فقد تعلمون ما لي من الفضائل الشريفة والسوابق الجميلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتدعوا عما قد أزمعتم عليه من قتلي (3)، فإنكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم ثم لم يرفعه الله عز وجل عنكم أبدا إلى يوم القيامة، فاتقوا الله فإني أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه مفاتيح بيوت أموالكم ادفعوها إلى من شئتم وأمروا على أمصاركم من أحببتم وأنتم معتبون من كل ما ساءكم، وأما ما ادعيتم علي أني كتبت فيكم فهاتوا بينتكم، وإلا فأنا أحلف لكم بالله العظيم أني ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به، قال: فنادته ms0371 قوم من المصريين: يا هذا إننا قد اتهمناك فاعتزلنا وإلا قتلناك. # قال: فسكت عثمان وتكلم زيد بن ثابت وكان إلى جانب عثمان، فقال: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله) (4)، قال: # فصاح به الناس: يا زيد! إن عثمان قد أشبعك من أموال الأرامل ولابد لك من نصره. # قال: فنزل عثمان من موضعه ذلك إلى داره واقبل إليه عبد الله بن سلام فقال: # PageV02P419 # يا أمير المؤمنين! إن حقك اليوم على كل مسلم كحق الوالد على الولد، فأمرني بأمرك! فقال له عثمان: تخرج إلى هؤلاء القوم تكلمهم، فعسى الله تبارك وتعالى أن يجري على يديك خيرا أو يدفع بك شرا. # قال: فخرج عبد الله بن سلام إلى الناس، فلما نظروا إليه ظنوا أنه إنما جاء ليكون معهم، فرحبوا به وأوسعوا له في المجلس، فلما جلس حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ثم وعظهم وذكرهم وقال (1): أيها الناس! إن الله تبارك وتعالى اختار من الأديان كلها دين الاسلام، ثم اختار لدينه رسولا جعله بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، ثم اختار له من البقاع المدينة فجعلها دار الهجرة ودار الاسلام، فلم تزل الملائكة تحف بها مذ سكنها رسوله محمد صلى الله عليه وسلم إلى يومكم هذا وما زال سيف الله مغمودا عنكم، فأنشدكم الله أن لا تطردوا جيرانكم من الملائكة وأن لا تسلوا سيف الله المغمود، فإن الله عز وجل سيفا لم يسله قط على قوم حتى يسلوه على أنفسهم، فإذا سلوه لم يغمده عنهم إلى يوم القيامة، فإياكم وقتل هذا الشيخ! فإنه خليفة، ووالله! ما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا من أمته عقوبة لهم، ولا قتل خليفة من بعده إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا، فاتقوا الله ربكم في هذا الشيخ. قال: فنادوه من كل جانب: كذبت يا يهودي! فقال عبد الله بن سلام: بل كذبتم أنتم، لست بيهودي ولكني تركت اليهودية وتبرأت منها ms0372 واخترت الله ورسوله ودار الهجرة والسلام، وقد سماني الله تبارك وتعالى بذلك مؤمنا، فقال عز وجل فيما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم) (2) ولقد أنزل الله تعالى آية أخرى إذ يقول الله عز وجل: (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) (3). # قال: ثم وثب عبد الله بن سلام من عند القوم فصار إلى عثمان فأخبره بذلك، فبقي عثمان لا يدري ما يصنع. # PageV02P420 ### | خروج عائشة إلى الحج لما حوصر عثمان وأشرف على القتل ومقالها فيه. # قال: وعزمت عائشة على الحج، وكان بينها وبين عثمان قبل ذلك كلام، وذلك أنه أخر عنها بعض أرزاقها إلى وقت من الأوقات فغضبت، ثم قالت: يا عثمان! أكلت أمانتك وضيقت رعيتك وسلطت عليهم الأشرار من أهل بيتك، لا سقاك الله الماء من فوقك وحرمك البركة من تحتك! أما والله لولا الصلوات الخمس لمشى إليك قوم ذو ثياب وبصائر يذبحوك كما يذبح الجمل، فقال لها عثمان: # (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) (1). # قال: وكانت عائشة تحرض على قتل عثمان جهدها وطاقتها وتقول: أيها الناس! هذا قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبل وبليت سنته، اقتلوا نعثلا (2)، قتل الله نعثلا. # قال: فلما نظرت عائشة إلى ما قد نزل بعثمان من إحصار القوم له قربت راحلتها وعزمت على الحج، فقال لها مروان بن الحكم: يا أم المؤمنين! لو أنك أقمت (3) لكان أعظم لاجرك، فإن هذا الرجل قد حوصر فعسى الله تبارك وتعالى أن يدفع بك عن ذمه! فقالت: الآن تقول هذا وقد أوجبت الحج على نفسي، لا والله لا أقمت، وجعل مروان (4) يتمثل بهذا البيت: # ضرم قيس على البلاد دما * إذا اضطرمت يوم به أحجما (5) # PageV02P421 # فقالت عائشة: قد فهمت ما قلت يا مروان! ms0373 فقال مروان: قد تبينت ما في نفسك، فقالت: هو ذاك. # ثم إنها خرجت تريد مكة، فلقيها ابن عباس فقالت له: يا بن عباس! إنك قد أوتيت عقلا وبيانا فإياك أن ترد الناس عن قتل هذا الطاغي عثمان، فإني أعلم أنه سيشأم قومه كما شأم أبو سفيان قومه يوم بدر، ثم إنها مضت إلى مكة وتركت عثمان على ما هو فيه من ذلك الحصار والشدة. ### | ذكر ما أشير به على عثمان من إحراز دمه والنظر لنفسه. # قال: وأقبل سعيد بن العاص على عثمان فقال: يا أمير المؤمنين! أرى لك من الرأي أن تخرج على القوم وأنت ملب كأنك تريد الحج، فإني أرجو أن لا يتعرضوا لك إذا نظروا إليك ملبيا، ثم تأتي مكة، فإذا أتيتها لم يقدم عليك أحد بما تكرهه، فقال عثمان: لا والله لا أختار على هذه المدينة التي أختارها الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم. # قال: فقال له سعيد بن العاص الثقفي: يا أمير المؤمنين! فإني أخبرك بثلاث خصال فاختر واحدة، قال عثمان: وما ذلك؟ قال: إما أن تقاتل القوم وتجاهدهم فنقاتل معك حتى نفني أرواحنا، قال عثمان: ما أريد ذلك، قال: فتركب نجائبك حتى تأتي الشام، فإن بها معاوية وهو ابن عمك وبها شيعتك وأنصارك، قال عثمان: والله لا أريد ذلك! قال: فأقلك على نجائبي حتى أقدم بك البصرة، فإن بها قوما من الأزد وفيهم معروف لي وهم لي شاكرون، فتنزل بين أظهرهم فيمنعوك، فقال عثمان: لا والله لا خرجت من المدينة كائنا في ذلك ما كان. # قال: وأقبل أسامة بن زيد إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: يا أبا الحسن! والله لأنك أعز علي من سمعي وبصري، وإني أعلمك أن هذا الرجل ليقتل، فأخرج من المدينة وسر إلى ضيعتك ينبع (1)، فإنه إن قتل وأنت بالمدينة # PageV02P422 # شاهد رماك الناس بقتله، وإن قتل وأنت غائب لم يعذل بك أحد من الناس بعده، فقال له علي: ويحك! والله إنك لتعلم أني ما كنت في ms0374 هذا الامر إلا كالآخذ بذنب الأسد، وما كان لي فيه من أمر ولا نهي. # قال: ثم دعا علي بابنه الحسن، انطلق يا ابني إلى عثمان فقل له: # يقول لك أبي: أفتحب أن أنصرك! فأقبل الحسن إلى عثمان برسالة أبيه، فقال عثمان: لا ما أريد ذلك، لأني قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي فقال: يا عثمان! # إن قاتلتهم نصرت عليهم، وإن لم تقاتلهم فإنك مفطر عندي (1)، وإني قد أحببت الافطار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسكت الحسن وانصرف إلى أبيه فأخبره بذلك. ### | ذكر ما كان منهم من حرق الباب والاقتحام على الدار. # قالوا: قد كان طلحة بن عبيد الله قد استولى على حصار عثمان مع نفر من بني تيم (2)، وبلغ ذلك عثمان فأرسل إلى علي بهذا البيت: # فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي * وإلا فأدركني ولما أمزق (3) أترضى أن يقتل ابن عمك وابن عمتك ويسلب نعمتك وأمرك؟ فقال علي رضي الله عنه: صدق والله عثمان! لا والله لا نترك ابن الحضرمية يأكلها. # ثم خرج علي إلى الناس، فصلى بهم الظهر والعصر، وتفرق الناس عن طلحة ومالوا إلى علي، فلما رأى طلحة ذلك أقبل حتى دخل على عثمان فاعتذر إليه # PageV02P423 # مما كان منه، فقال له عثمان: يا بن الحضرمية! وليت على الناس ودعوتهم إلى قتلي، حتى إذا فاتك ما كنت ترجو وعلاك علي رضي الله عنه على الامر جئتني معتذرا، لا قبل الله ممن قبل منك. # قال: فخرج طلحة من عنده، وأشرف عثمان على الناس فقال: أيها الناس! # إن لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبا جليلا وسابقة في الاسلام، وأنا وال مجتهد، وإن أخطأت في الاجتهاد أو تعمدت فاقبلوا مني فإني أتوب إلى الله تعالى وأستغفره مما كان مني، قال: فشتمه المصريون خاصة شتما قبيحا. # فتكلم زيد بن ثابت وقال: يا معشر الأنصار! إنكم قد نصرتم النبي صلى الله عليه وسلم فكنتم أنصار الله فانصروا خليفته اليوم لتكونوا أنصار الله مرتين فتستحقوا الاجرين. ms0375 قال: # فناداه جبلة بن عمرو الساعدي (١) وقال: كلا والله يا زيد! لا يقبل ذلك منك، ولا نحب أن نكون عند الله غدا من أولئك الذين قالوا: ﴿إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا﴾ (2)، والله يا زيد! إذا لم يبق من عمره إلا من بين العصر إلى الليل، لتقربنا إلى الله بدمه، قال: وصاح الحجاج بن غزية الأنصاري (3) بالقاعة من أهل مصر فقال: لا تسمعوا من هذا القائل ما قال، واعزموا على ما أنتم عليه عازمون، فوالله ما تدري هذه البقرة ما تقول. # قال: فسب القوم زيد بن ثابت. وبادر رجل من القوم إلى شيء من الحطب، فأضرم فيه النار (4) وجاء به حتى وضعه في إحدى البابين، فاحترق الباب وسقط، ودفع الناس الباب الثاني فسقط أيضا، فأنشأ المغيرة بن الأخنس بن شريق يقول: # لما تهدمت الأبواب واحترقت * تممت منهن بابا غير محترق. # PageV02P424 # شدا أقول لعبد الله آمره * إن لم تقاتل لذي عثمان فانطلق. # هو الامام فلست اليوم تاركه * إن الفرار علي اليوم كالسرق. # فلست أتركه ما دام بي رمق * حتى يفرق بين الرأس والعنق. # قال: فلما نظر عثمان إلى الباب وقد احترق، قال لمن عنده في الدار: ما أحرق الباب إلا لامر هو أعظم من إحراقه. ثم اقتحم الناس الدار على عثمان وهو صائم، وذلك في يوم الخميس أو يوم الجمعة لثماني عشرة أو سبع عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا خلت من مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: والتفت عثمان إلى الحسن بن علي وهو جالس عنده فقال: سألتك بالله يا بن الأخ إلا ما خرجت! فإني أعلم ما في قلب أبيك من الشفقة عليك، فخرج الحسن بن علي رضي الله عنه وخرج معه عبد الله بن عمر. PageV02P425 ### | ذكر مقتل عثمان رحمة الله عليه قال: ونظر عثمان فإذا مروان وقد سل سيفه وتهيأ للقتال وهو يقول: # آليت جهدا لا أبايع بعده * إماما ولا أصغي لما قال قائل وأصلي بحر ms0376 الحرب ما هبت الصبا * بذي رونق قد أصقلته الصياقل حسام كلون الملح ليس بعائد * إلى الجفر ما هبت رياح الشمائل أجالد من دون ابن عفان أنه * إمام وقد حلت لديه الفضائل قال: فقال عثمان: عزمت عليك إن قاتلت! قال: وأنا أعزم على نفسي إن لم أقاتل. # قال: ثم شد مروان على الناس هو وسعيد بن العاص والمغيرة بن الأخنس، وعبد الله بن أبي ربيعة (1) وعبد الله بن ميسرة بن عوف بن السباق، وعبد الله بن عبد الرحمن بن العوام، ورجال من موالي عثمان فشدوا على من دخلوا في الدار (2)، فدفعوهم حتى أخرجوهم من الدار، قال: فالتفت عثمان إلى مواليه وقد سلوا سيوفهم، قال: من وضع سلاحه وأغمد سيفه فهو حر لوجه الله! انصرفوا # PageV02P426 # يا هؤلاء إلى منازلكم ودعوني والقوم! فأغمد القوم سيوفهم. # وأقبل عثمان على من معه في الدار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعزم علي كل من يرى لنا عليه طاعة أن لا يمد يده ولا سلاحه! قال: وكف الناس عن القتال، ورمي عثمان بالحجارة من وراء داره من دار ابن حزم (1) الأنصاري، فقال عثمان: ما هذه الحجارة؟ قال: فصاح رجل منهم: لسنا نرميك يا عثمان ولكن الله يرميك، فقال عثمان: كذبتم، لو رماني ربي لما أخطأني. # قال: واقتحم الناس الدار ثانية وقد أصلتوا سيوفهم وعثمان ساكت لا يحرك يدا ولا رجلا، فلما نظر اقتحامهم عليه قال: ادخلوا فإن لي مصرعا قد كتبه الله علي وأنا لاقيه، وإني لصائم حتى ألقى ربي. # قال: وتقدم المغيرة بن الأخنس بالسيف وهو يرتجز ويقول: # قد علمت جارية عطبول * لها وشاح ولها جديل (2) أني بنصل السيف خنشليل * لتمنعن منكم الخليل (3) بصارم ليس به فلول قال: فشد عليه رفاعة بن رافع الأنصاري وهو يقول: # قد علمت ذات القرون الميل * والكف والأنامل الطفول أني أروع أول الرعيل * [بفاره] مثل قطا الشليل (4) ثم شد عليه الأنصاري فقتله (5)، قال: ثم تقدم مروان بن الحكم بالسيف وهو يقول: # قد علم القوم إذا الحرب اشتغل * وانتضى ms0377 الأسياف فيها والأسل # PageV02P427 # واحولت الأحداق فيها والمقل * إني أنا الليث هناك والقلل قال: فقصده الحجاج بن [عمرو بن] (1) غزية الأنصاري وهو يقول: # قد علمت بيضاء حسناء الطلل * واضحة الخدين عجزاء الكفل إني غداة الروع مقدام بطل * اطحطح الهامات والحرب وهل قال: ثم شد على مروان فضربه ضربة على عاتقه (2)، فقطع الدرع ووصل السيف إلى عاتق مروان فجرحه جراحة منكرة. # قال: وتقدم عبد الله بن عبد الرحمن بن مروان بن العوام حين وقف في وجوه القوم فقال: يا هؤلاء! أما تتقون الله في هذا الشيخ؟ وقد علمتم أنه إمام مفترض الطاعة! يا هؤلاء بيننا وبينكم كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قال: فشد عليه عبد الرحمن بن حنبل الجمحي فضربه بسيفه ضربة قتله، ثم انصرف عنه وهو يقول: # لأضربن اليوم بالقرصاب * ضرب امرئ ليس بذي ارتياب أأنت تدعو إلى الكتاب * نبذته في سالف الأحقاب قال: واقتحم الأشتر الدار وسيفه في يديه، فنظر إليه مولى لعثمان فحمل عليه يريد قتله، فالتفت إليه الأشتر فضربه [ضربة] قتله، ثم شد على عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود فقتله (3)، ثم حمل على مولى لعثمان فضربه ضربة فأطب يده اليسرى، ثم ضربه أخرى فقتله، وشد على عبد الله بن ميسرة بن عوف فقتله، ثم أقبل الأشتر يريد عثمان ليقتله، فلما نظر إليه وحيدا ليس عنده مانع ندم واستحيا فرجع عنه، وصاح رجل من أهل الكوفة يقال له مسلم بن كثير الفرافصي، قال: # ويحك يا أشتر! دخلت على الرجل تريد قتله فلما نظرت إليه نكصت ورجعت عنه. # قال: ودخل محمد بن أبي بكر فلم يكذب إلى أن صار إلى عثمان، فقال: # PageV02P428 # يا نعثل! فقال عثمان: أنا عثمان بن عفان أمير المؤمنين وأنت كذاب من الكذابين، قال: فضرب محمد بيده إلى لحية عثمان وقال: كيف ترى صنع الله بك؟ فقال عثمان: ما صنع بي ربي إلا خيرا، فاتق الله ودع لحيتي، فإن أباك لو كان حيا لم يأخذها أبدا، فقال محمد: لو كان ms0378 أبي حيا ورآك تفعل هذه الفعال لأنكرها، قال: # فضرب عثمان بيده إلى مصحف عن يمينه فوضعه في حجره ثم فتحه وقال: هذا كتاب الله بيني وبينكم، إني أعمل بما فيه ولكم العتبى مما تكرهون، فقال له محمد بن أبي بكر: (آلئن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين)، ثم جاءه بمشاقص كانت في يده فأدماه ولم يقطع (1) والله أعلم، قال: وأول قطرة قطرت من دمه - والله أعلم - وقعت على هذه الآية (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) (2)، قال: ثم تنحى محمد بن أبي بكر وضربه كنانة بن بشر النخعي بعمود كان في يده على رأسه، وثناه سودان (3) بن حمران المرادي بالسيف، فسقط عثمان رحمة الله عليه على قفاه (4). # قال: وأخذته السيوف والجراحات فصاحت امرأته نائلة بنت الفرافصة الكلبية: يا هؤلاء! إن تقتلوه فإنه لم يزل صواما قواما، يحيي الليل ويختم القرآن في ركعة واحدة، قال: فشتموها من كل ناحية وهموا بقتلها، فتوارت عنهم. # قال: ثم إنهم غادروا عثمان في داره قتيلا وجعلوا يرتجزون بالاشعار. ### | ذكر ما قيل فيه بعد قتله رضي الله عنه. # قال: فأول من خرج من دار عثمان رضي الله عنه عبد الرحمن بن حنبل الجمحي وهو يقول: # PageV02P429 # فذق أبا عمرو بسوء الفعل * وذي صنيع فاجر ذي جهل لما سددت باب كل عدل * وصرت ترجى حقنا بالمطل عدا عليك أهل كان فضل * بمشرفيات حداث الصقل كذاك يجري كل عان وعل قال: ثم خرج في أثره سبرة بن درهم وآخر يرتجز وهو يقول: # نحن قتلنا نعثلا ذا السيرة * إذ زاغ عن أعلامنا المنيره يحكم بالجور على العشيرة * وقد قتلنا قبله المغيرة (1) نالته أسياف لنا مأثوره * إنا أناس نعرف البصيرة إن نحن أعلنا وفي السريرة قال: ثم خرج في أثره الحجاج بن [عمرو بن] (2) غزية الأنصاري وهو يقول: # نحن قتلنا نعثلا في المجلس * نحن جلسناه بشر مجلس وخر عند الماهر بن الأخنس * حتى جرى طائره بالأبخس نجوز بين أروس وأروس * خطفا بأطراف الرماح الدعس وفر مروان فرار الأكيس * حين رأى وقع السيوف ms0379 الخلس قال: ثم خرج في أثره محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة (3) وهو يرتجز ويقول: # إنا نهضنا وبنا انتصار * بالسيف والسيف له غرار وفيلق يقدمها عصار * فدروا سيوفها حذار قال: ثم خرج سودان (4) بن حمران المرادي وسيفه ملطخ بالدم من عثمان وهو يقول: # PageV02P430 # أقبلن من مصر ومن أشتات * علي في عتاق مرسلات ما أن نبالي كلما قد يأتي * في الله ما نلقي من الهنات من ابن عفان أخي السوءات * المسخط الله في أوقات في غير ما يعطى من الهنات * ونقذف الغي إلى الغوات إلى بنيه وإلى البنات قال: ودخل حسان بن ثابت يعرض بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يقول: # خذلته الأنصار أن (1) حضر المو * ت وكانت ثقاته (2) الأنصار أين أين الوفاء إذ منع الما * ء فدته النفوس والابصار (3) من عذيري من الزبير ومن طل‍ * - حة هاجا أمرا له أعصار (4) ثم قالا أراد يستبدل الدي‍ * - ن اعتذارا وللأمور قرار فوليه (5) محمد بن أبي بك‍ * - ر جهارا وبعده عمار هكذا ضلت اليهود عن الح‍ * - ق بما زخرفت لها الأحبار باسط للذي يريد ذراعي‍ * - ه عليه (6) سكينة ووقار يرتجي الامر...... * كالذي...... له الاقدار (7) قال: وأقبل عبد الرحمن بن أبي بكر وأبو جهم بن حذيفة العدوي إلى باب عثمان فإذا هم بالحجاج بن [عمرو بن] غزية الأنصاري ومعه نفر من بني عمه قد وقفوا على باب عثمان لا يتركون أحدا أن يدخل عليه، فقال أبو جهم بن حذيفة: يا # PageV02P431 # هؤلاء! إنكم قد قتلتم الرجل فدعونا نحمله فنصلي عليه! فقالت الأنصار ومن هنالك: كلا والله لا ندعكم تصلون عليه حتى يبايع الناس رجلا نرتضيه، فقال أبو جهم بن حذيفة: إنكم لم تدعونا نصلي عليه فإن الله وملائكته قد صلوا عليه، فقال له الحجاج بن [عمرو بن] غزية الأنصاري: إن كنت كاذبا أدخلك الله مدخله! فقال أبو جهم: نعم وحشرني الله معه! قال: فقال له رجل من البصريين: لا عليك! # فإن الله عز وجل حاشرك معه ومع الشيطان الرجيم، والله إن ms0380 تركنا إياك من غير أن نلحقك به لعجز، قال: فقال له أصحابه: ويحك أبا جهم! أما لك في نفسك حاجة؟ دع القوم وامض لشأنك! فانصرف أبو جهم وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فتلقاه حسان بن ثابت وقال: ما وراءك يا أبا جهم؟ فقال: ورائي والله أن عثمان بن عفان في داره مقتول وقد منعنا أن نصلي عليه! فقال له حسان بن ثابت: # عن قريب ترى غب هذا أبا جهم! فانصرف إلى منزلك ولا تعرض نفسك لهؤلاء الغاغة، فإنه من يقدر على عثمان فيقتله يهون عليه قتل غيره من الناس. # قال: فانصرف أبو جهم إلى منزله، وأنشأ حسان بن ثابت قصيدة (1): # من سره الموت صرفا لا مزاج له * فليأت مأدبة (2) في دار عثمانا مستشعري حلق الماذي قد سفعت (3) * قبل المخاطم بيض زان أبدانا رضيت حقا (4) بأهل الشام نافرة * وبالامير وبالاخوان إخوانا إني لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا * ما دمت حيا وما سميت حسانا يا ليت شعري وليت الطير تخبرني * ما كان شأن علي وابن عفانا لتسمعن وشيكا في دياركم (5) * خيلا تكدس تحت النخع فرسانا # PageV02P432 # قال بعض أهل العلم: وكان مقتل عثمان رضي الله عنه في أيام التشريق، وقال بعضهم: قتل عثمان يوم الخميس لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة، وقال عوانة بن الحكم: قتل عثمان في يوم الجمعة وقت العصر لسبع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وهو ابن إحدى وثمانين سنة، وكان مقتله على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وثمانية عشر يوما من مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه (1). # قال: وترك عثمان قتيلا (2) إلى أن بويع علي رضي الله عنه وأتى به إلى حفرته، وصلى عليه حكيم بن حزام. وقال قوم: بل صلى عليه جبير بن مطعم بن عدي، ودفن ببقيع الغرقد. # PageV02P433 ### | ذكر بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # قال: وأقبل الناس إلى علي بن أبي طالب بعرف الضبع (1) فقالوا: يا أبا ms0381 الحسن! إنه قد قتل هذا الرجل ولابد للناس من إمام، وليس لهذا الامر أحد سواك، فهلم فبايع الناس حتى يدفن هذا الرجل فإنه في داره قتيل، فقال علي: لا حاجة لي في البيعة، فقال له بعض القوم: يا سبحان الله! لم لا تجيب القوم إلى البيعة وقد تعلم أن قتل عثمان كان لله عز وجل رضا، فقال علي: ليس الامر كما تقولون لقد قتلتموه بلا دية ولا قود، فدعوني والتمسوا غيري لهذا الامر، فإني أرى أمرا له وجوه ولا تقوم لها القلوب ولا تثبت عليها العقول، فعليكم بطلحة والزبير! # قالوا: فانطلق معنا إلى طلحة والزبير، فقال علي: أفعل ذلك. # ثم خرج من منزله مع القوم حتى صار إلى طلحة في داره، فقال: يا أبا محمد! إن الناس قد اجتمعوا إلي في البيعة، وأما أنا فلا حاجة لي فيها، فابسط يدك حتى يبايعك الناس، فقال طلحة: يا أبا الحسن! أنت أولى بهذا الامر وأحق به مني لفضلك وقرابتك وسابقتك، فقال له علي: إني أخاف إن بايعني الناس # PageV02P434 # واستقاموا على بيعتي أن يكون منك أمر من الأمور! فقال طلحة: مهلا يا أبا الحسن! فلا والله لا يأتيك مني شيء تكرهه أبدا، قال علي: فالله تبارك وتعالى عليك راع وكفيل! قال طلحة: يا أبا الحسن نعم! قال علي: فقم بنا إذا إلى الزبير بن العوام. فأقبل معه طلحة إلى الزبير فكلمه علي بما كلم به طلحة، فرد عليه الزبير شبيها بكلام طلحة وعاقده وعاهده أنه لا يغدر به ولا يحبس بيعته. # قال: فرجع علي إلى المسجد واجتمع الناس، فقام نفر من الأنصار منهم أبو الهيثم (1) بن التيهان ورفاعة بن رافع (2) ومالك بن العجلان وخزيمة بن ثابت والحجاج بن [عمرو بن] غزية وأبو أيوب خالد بن زيد، فقالوا: أيها الناس! إنكم رأيتم ما سار فيكم عثمان، وأنتم اليوم على شرف أن تقعوا في مثلها، فاسمعوا قولنا وأطيعوا أمرنا! قال: فقال له الكوفيون والمصريون: فإننا قد قبلنا منكم فأشيروا علينا فإنكم أهل السابقة وقد سماكم ms0382 الله أنصارا، فأمرونا بأمركم، فقالت الأنصار: إنكم قد عرفتم فضل علي بن أبي طالب وسابقته وقرابته ومنزلته من النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بحلالكم وحرامكم وحاجتكم إليه من بين الصحابة ولن يألوكم نصحا، ولو علمنا مكان أحد هو أفضل منه وأجمل لهذا الامر وأولى به منه لدعوناكم إليه، فقال الناس كلهم بكلمة واحدة: رضينا به طائعين غير كارهين، فقال لهم علي: أخبروني عن قولكم هذا رضينا به طائعين غير كارهين أحق واجب هذا من الله عليكم أم رأي رأيتموه من عند أنفسكم؟ قالوا: بل هو واجب أوجبه الله عز وجل لك علينا، فقال علي رضي الله عنه: فانصرفوا يومكم هذا إلى غد، قال: فانصرف الناس. # فلما كان من غد أقبل الناس إلى المسجد، وجاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن الامر أمركم فاختاروا لأنفسكم من أحببتم وأنا سامع مطيع لكم! قال: فصاح الناس من كل ناحية وقالوا: # نحن على ما كنا عليه بالأمس، فابسط يدك حتى يبايعك الناس! قال: فسكت علي # PageV02P435 # وقام طلحة إلى علي فبايعه وضرب بيده على يد علي، وكان به شلل من ضربة أصابته يوم أحد، فلما وقعت يده على يد علي قال قبيصة بن جابر (1): إنا لله وإنا إليه راجعون! أول يد وقعت على كف علي أمير المؤمنين يد شلاء، لا والله لا يتم هذا الامر من قبل طلحة بن عبيد الله أبدا. قال: ثم وثب الزبير وبايع، وبايع الناس بعد ذلك بالبيعة من المهاجرين والأنصار ومن حضر من العرب والعجم والموالي. # قال: وتقدم رجل من أهل مصر يقال له سودان (2) بن حمران المرادي فقال له: يا أبا الحسن! إننا قد بايعناك على إن عملت فينا كما عمل عثمان قتلناك، فقال علي رضي الله عنه: اللهم فنعم، قال: فبايعه الناس على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. قال: وأنشأ عبد الرحمن بن حنبل الجمحي قصيدة مطلعها: # لعمري لقد ms0383 بايعتم ذا حفيظة * على الدين معروف العفاف موفقا إلى آخره. ### | [دفن عثمان رضي الله عنه] (3). # قال: ثم أمر علي بدفن عثمان، فحمل وقد كان مطروحا على مزبلة ثلاثة أيام حتى ذهبت الكلاب بفرد رجليه، فقال رجل من المصريين وأمة: لا ندفنه إلا في مقابر اليهود (4)! قال حكيم بن حزام: كذبت أيها المتكلم! لا يكون ذلك أبدا ما بقي رجل من ولد قصي، قال: فحمل عثمان رحمة الله عليه على باب صغير قد جازت رجلاه من الباب، وأن رأسه ليتقعقع، وأوتي به إلى حفرته، فتقدم حكيم بن حزام فصلى عليه (5)، ودفن في بقيع الغرقد، فأنشأ حسان بن ثابت الأنصاري يقول: # إذا ما أردتم من أخي الدين تارك * يد الله في ذاك الأديم الممزق # PageV02P436 # قال: ثم أمر علي رضي الله عنه بكل مال وسلاح في دار عثمان بن عفان رحمة الله عليه ونجائب أخذها من مال الصدقة، فقبضت وجعلت في بيت مال المسلمين وما كان سوى ذلك جعله علي رضي الله عنه ميراثا بين أهله وولده وجمع علي رضي الله عنه ما كان في بيت المال ففرقه في المهاجرين والأنصار، وأصاب كل رجل ثلاثة دنانير - والله أعلم -. ### | ذكر قدوم عائشة من مكة وما كان من كلامها بعد قتل عثمان. # قال: وقدمت عائشة من مكة وقد قضيت حجها، حتى إذا صارت قريبا من المدينة (1) استقبلها عبيد (2) بن أبي سلمة الليثي وكان يقال له ابن أم كلاب فقالت له عائشة: ويحك! ألنا أم علينا؟ فقال: قتل عثمان بن عفان، فقالت: ثم ماذا؟ # فقال: بايع الناس علي بن أبي طالب، قالت عائشة: وددت أن هذه وقعت على قتل - والله - عثمان بن عفان مظلوما وأنا مطالبة بدمه، والله ليوم من عثمان خير من علي الدهر كله. فقال لها عبيد بن أم كلاب: ولم تقولين ذلك؟ فوالله ما أظن أن أحدا بين السماء والأرض في هذا اليوم أكرم من علي بن أبي طالب على الله عز وجل، فلم تكرهين ولايته؟ ألم تكونين تحرضين الناس على قتله؟ ثم ms0384 إنك أظهرت عيبه وقلت: اقتلوا نعثلا فقد كفر، فقالت عائشة: لعمري قد قلت ذلك وقالوا: ثم رجعت عما قلت لما عرفت خبره من أوله، وذلك أنكم استتبتموه، حتى إذا جعلتموه كالفضة البيضاء قتلتموه، فوالله لأطلبن بدمه! فقال لها عبيد بن أم كلاب: هذا والله التخليط يا أم المؤمنين! ثم أنشأ يقول (3): # إذا زرتماها فقولا لها * وحط القضاء بذاك القدر فمنك (4) البداء ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر # PageV02P437 # وأنت أمرت بقتل الامام * وقلت كذا إنه قد كفر (1) فهبنا أطعناك في قتله * فقاتله عندنا من أمر فقد بايع الناس ذا مرة (2) * يزيل الشبا ويقيم الصعر ويلبس للحرب أثوابها * وما من وفي مثل من قد غدر (3) فلم يسقط السقف من فوقنا * ولم ينكسف شمسنا والقمر قال: فقالت عائشة: يا عبيد (4) إنه لو قال هذه الأبيات غيرك لم يحتمل ولكنك في عثمان غير ظنين. ثم إن عائشة رجعت إلى مكة من المدينة وأقامت بها. ### | ذكر بيعة أهل البلدان بعد ذلك لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. # قال: وبلغ أهل الكوفة قتل عثمان وبيعة الناس لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فقامت الناس إلى أميرهم أبي موسى الأشعري (5) فقالوا: أيها الرجل! لم لا تبايع عليا وتدعو الناس إلى بيعته فقد بايعه المهاجرون والأنصار؟ فقال أبو موسى: # حتى أنظر ما يكون وما يصنع الناس بعد هذا قال: فأنشأ رجل من أهل الكوفة (6) أبياتا مطلعها: # أبايع غير مكتتم عليا * وإن لم يرض ذاك الأشعريا إلى آخره. # قال: وأقبل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى أبي موسى الأشعري فقال: يا أبا موسى! ما الذي يمنعك أن تبايع عليا؟ فقال: أنتظر الخبر، قال: وأي خبر # PageV02P438 # تنتظر وقد قتل عثمان؟ أتظن أنه يرجع إلى الدنيا؟ إن كنت مبايعا لأمير المؤمنين وإلا فاعتزل أمرنا، ثم أنشأ أبياتا مطلعها: # إن ابن عفان إذ أودى بشقوته * طغى فحل به من ذلكم غير إلى آخره. # قال: ثم ضرب هاشم بن عتبة بيده على الأخرى وقال: لي شمالي ويميني لعلي بن أبي ms0385 طالب، فلما قال هاشم ذلك وثب أبو موسى الأشعري فبايع ولم يجد بدا من ذلك قال: وبايعت أهل الكوفة عليا رضي الله عنه بأجمعهم، وأنشأ هاشم بن عتبة أبياتا مطلعها: # أبايعه في الله حقا وما أنا * أبايعه مني اعتذارا ولا بطلا إلى آخره. # قال: فبايعت أهل الحجاز وأهل العراقين لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. ### | ذكر الوفود القادمة على علي بن أبي طالب بعد بيعتهم إياه في بلادها. # قال: وبلغ ذلك أهل اليمن فبايعوا طائعين غير مكرهين، ثم إنهم قدموا عليه يهنونه بالخلافة، فأول من قدم عليه رفاعة بن وائل الهمداني في قومه من همدان وهو يقول أبياتا مطلعها: # نسير إلى علي ذي المعالي * بخير عصابة يمن كرام إلى آخره. # قال: وقدم عليه كيسون بن سلمة الجهني في قومه من جهينة وأنشأ يقول أبياتا مطلعها: # أجبنا عليا بعل بنت نبينا * على كل خنذيذ من الخيل سابح إلى آخره. # قال: ثم قدم عليه رويبة بن وبر البجلي في قومه من بجيلة وأنشأ يقول أبياتا مطلعها: PageV02P439 # أجبناه دون الهاشمي سوابخ * ومواه برق مقفرات موادخ إلى آخره. # قال: فكانت هؤلاء الوفود يسيرون من بلاد اليمن يريدون المدينة الليل مع النهار ولا يفترون من السير، وقد ذكر بعضهم ذلك في أرجوة له حيث يقول أبياتا مطلعها: # سيروا بنا في ظلمة الحنادس * في مهمه قفر الفلاة واهس (1) إلى آخره. # قال: وبلغ ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فدعا بالأشتر النخعي فأمره أن يخرج فيتلقاهم في أهل المدينة، فخرج الأشتر في تعبية حسنة حتى يلقاهم فرحب بهم، وقال: قدمتم خير مقدم إلى قوم يحبونكم وتحبونهم، وإلى إمام عادل خليفة فاضل قد رضي به المسلمون وبايعه الأنصار والمهاجرون. قال: فدخل القوم المدينة فنزلوا، وجاء الأشتر حتى دخل على علي رضي الله عنه رافعا صوته وهو يقول أبياتا مطلعها: # أتتك عصابة من خير قوم * بما ينوون من حضر وبادي إلى آخره: # قال: وأقام القوم يومهم ذلك، فلما كان من الغد بعث إليهم، فأقبل رؤساء القوم ms0386 منهم العياض بن خليل الأزدي ورفاعة بن وائل الهمداني وكيسوم (2) بن سلمة الجهني ورويبة بن وبر البجلي ورفاعة بن شداد الخولاني وهشام بن أبرهة النخعي وجميع بن خيثم الكندي والأخنس بن قيس العتكي وعقبة بن النعمان النجدي وعبد الرحمن بن ملجم المرادي، قال: فلما دخل إليه هؤلاء العشرة وسلموا عليه رد عليهم السلام، ثم قربهم وأدناهم وقال لهم: إنكم صناديد اليمن وساداتها فليت # PageV02P440 # شعري إن دهمنا أمر من الأمور كيف صبركم على ضرب الطلا وطعن الكلا؟ قال: # فبادر عبد الرحمن بن ملجم بالكلام فقال: يا أمير المؤمنين! ارم بنا حيث شئت إذا شئت لتعلم ذلك، فوالله! ما فينا إلا كل بطل أهيس (1)، وحازم أكيس، وشجاع أشرس، وليث أعبس، ورثنا ذلك عن الآباء والأجداد، وكذلك يرثه عنا صالح الأولاد، وأنشأ يقول أبياتا مطلعها: # أبادر في الحروب إلى الأعادي * بكل مهند يوم الضراب إلى آخره. # قال: فدعا علي رضي الله عنه بالحبر اليمانية والثياب الالحمية فجعلها عليهم، وانصرفوا إلى رحالهم فرحين مسرورين. ### | ذكر من فشل عن البيعة وقعد عنها. # قال: وأقبل عمار بن ياسر إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! إن الناس قد بايعوك طائعين غير كارهين، فلو بعثت إلى أسامة بن زيد وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك فدعوتهم ليدخلوا فيما دخل فيه الناس من المهاجرين والأنصار (2)! فقال علي رضي الله عنه: # إنه لا حاجة لنا فيمن لا يرغب فينا، قال فقال له الأشتر: يا أمير المؤمنين! إننا وإن لم يكن لنا في السابقة ما لهم فإنهم ليسوا بشيء أولى من أمور المسلمين منا، وهذه بيعة عامة، الخارج منها طاعن علينا، فلا تدعهم أو يبايعوا، فإن الناس اليوم إنما هم باللسان وغدا بالسنان، وليس كل من يتثاقل عليك كمن يخف معك، وإنما أرادك القوم لأنفسهم فردهم لنفسك، فقال له علي رضي الله عنه: يا مالك جدي ورأيي، فإني أعرف بالناس منك. قال: وكان الأشتر وجد من ذلك في ms0387 نفسه، فأنشأ أبياتا مطلعها: # منحت أمير المؤمنين نصيحة * فكان امرءا تهدى إليه النصائح # PageV02P441 # إلى آخرها. # قال: فوثب إلى علي رضي الله عنه رجل اسمه زياد بن حنظلة التميمي، فقال: يا أمير المؤمنين! ما الرأي إلا ما رأيت وأنه من عاند نفسه فإنك غير مشفع به، فإن بايعك كرها فدع عنك هؤلاء الراغبين عنك، فوالله لانت الأمين والمأمون على الدين والدنيا - والسلام - ثم أنشأ التميمي أبياتا مطلعها: # أبا حسن متى ما تدع فينا * نجبك كأننا دفاع بحر إلى آخرها. # قال: وأقبل سعد بن أبي وقاص إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: # يا أبا الحسن! والله ما أشك فيك أنك على الحق، ولكني أعلم أنك تنازع في هذا الامر والذي ينازعك فيه هم أهل الصلاة، فإن أحببت أني أبايعك فأعطني سيفا له لسان وشفتان يعرف المؤمن من الكافر حتى أقاتل معك من خالفك بعد هذا اليوم، فقال علي رضي الله عنه: يا بن نجاح يا سعد! أترى لو أن سيفا نطق بخلاف ما نزل به جبريل عليه السلام هل كان إلا شيطانا، ليس هكذا يشترط الناس على واليهم، بايع واجلس في بيتك، فإني لا أكرهك على شيء، فقال سعد: حتى أنظر في ذلك يا أبا الحسن (1)! قال فوثب عمار بن ياسر فقال: ويحك يا سعد! أما تتقي الله الذي إليه معادك؟ أيدعوك أمير المؤمنين إلى البيعة فتسأله أن يعطيك سيفا له لسان وشفتان؟ أما والله إن فيك لهنات! ثم أنشأ عمار أبياتا مطلعها: # قال سعد لذي الامام وسعد * في الذي قاله حقيق ظلوم إلى آخرها. ### | ذكر خبر مروان بن الحكم وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة مع علي رضي الله عنه في أمر البيعة له. # قال: ثم بعث علي رضي الله عنه إلى هؤلاء الثلاثة فدعاهم وقد كانوا تخلفوا # PageV02P442 # عن بيعته. فقال لهم: ما لي أراكم قد أبطأتم عن بيعتي؟ قال: فتكلم الوليد بن عقبة فقال: يا أبا الحسن: إنك وترتنا بأجمعنا، أما أنا فقتلت أبي صبرا يوم مكة ms0388 (1)، وخذلت أخي عثمان بن عفان فلم تنصره، وأما سعيد بن العاص فقتلت أباه يوم بدر وكان سيد بني أمية، وأما مروان فسحقت أباه (2) عند عثمان لما رده إلى المدينة وضمه إليه، ونحن نبايعك الآن على أن تقتل من قتل صاحبنا عثمان، وعلى أنك تسوغنا ما يكون منا، وعلى أنا إن خفناك على أنفسنا لحقنا بالشام عند ابن عمنا معاوية، فقال علي رضي الله عنه: أما ما ذكرتم أني وترتكم فإن الحق وتركم، وأما وضعي عنكم ما يكون منكم فليس لي أن أضع عنكم حقا لله تعالى قد وجب عليكم، وأما قتلي لقتلة عثمان فلو لزمني اليوم قتلهم لقتلتهم أمس، وأما خوفكم إياي فإني أؤمنكم مما تخافون. قال: فقال له مروان: أفرأيت إن نحن لم نبايعك ماذا تصنع بنا؟ فقال علي: اصنع بكم أني أحبسكم حتى تدخلوا فيما دخل فيه المسلمون، وإن طعنتم ذلك عاقبتكم أشد العقوبة، قالوا: فإننا نبايع. قال: فبايع مروان والوليد بن عقبة وسعيد بن العاص صاغرين (3)، ثم إن الوليد بن عقبة أنشأ أبياتا مطلعها: # تقدمت لما لم أجد لي مقدما * أمامي ولا خلفي من الموت مرحلا إلى آخرها. # قال: فبلغ عليا هذا الشعر، فأرسل إلى الوليد بن عقبة وإلى صاحبيه مروان وسعيد بن العاص، فقال: إن خفتم من أمري شيئا أمنتكم منه، وإن أبيتم إلا ما في أنفسكم فالحقوا بأي بلدة شئتم، فقال مروان: لا بل نقيم، فقال علي: ذاك إليكم. # قال: فأقام القوم بالمدينة (4)، فقال رجل: يا مروان! كم أتت عليك من # PageV02P443 # السنين؟ فلست من أعمارنا، وذلك لأنا لا نأمن عليا على أنفسنا، قال فقال الرجل: # يا مروان! احذر عليا ولا يبلغه عنك هذا، فقال مروان: والله ما أبالي أن قصر عني يده وإن طول علي لسانه، فقال له الرجل: مهلا! فإنه إن طال عليك لسانه طال عليك سيفه، فقال مروان: كلا إن اللسان أدب والسيف خطر. قال: ثم انصرف مروان إلى منزله وجعل يقول أبياتا مطلعها: # إن تكن يا علي لم تصب الذن‍ * - ب جهارا ms0389 فإن ذلك سرا إلى آخرها. # قال: ففشا هذا الشعر بالمدينة وهم المسلمون يقتل مروان، فقال علي رضي الله عنه: دعوه فإنه لم يرد بهذا الشعر غيري، قال: وبلغ الوليد بن عقبة ما قاله مروان فعذله على ذلك وبعث إليه أبياتا مطلعها: # حللت المدينة رخو الخناق * وقد كانت النفس عند الحقم إلى آخرها. # قال: ففشا هذا الشعر وبلغ عليا، فقال: كل ما قال حسن إلا البيت الأخير (1)، فإنه يخوفنا فيه بحر به إيانا، قال: فكف مروان بن الحكم ولم يقل شيئا. ### | خبر الحجاج بن خزيمة بن نبهان وقدومه على معاوية. # قال: وجعل معاوية يتجسس أخبار المدينة، فبينما هو كذلك إذ دخل عليه حاجبه فقال: أيها الأمير! إن بالباب رجلا يطلب الدخول عليك ويزعم أنه أقبل من المدينة، فقال معاوية: ائذن له بالدخول! فأذن له فدخل حتى وقف بين يدي معاوية # PageV02P444 # وسلم، فرد عليه السلام ثم قال: من أنت أيها الرجل؟ قال أنا الحجاج بن خزيمة بن نبهان (1)، وأنا النذير العريان، أنعي إليك عثمان، ثم انطلق يقول (2): # إن بني عمك عبد المطلب * قد قتلوا عثمان حقا لا كذب (3) فأنت أولى الناس بالوثب فثب * واغضب جهارا (4) للإله واحتسب وسر مسير الليث قدما إذ غضب * بجمع أهل الشام ترشد وتصب فقال له معاوية: ويحك! قد بلغني قتل عثمان، ولكن هل شهدت المدينة يوم قتل؟ فقال: نعم والله لقد شهدت ذلك اليوم (5)! فقال: أخبرني من تولى قتله، فقال: على الخبير سقطت، حضره [قيس بن] (6) المكشوح المرادي، وحكم في دمه حكيم جبلة، وهجم عليه محمد بن أبي بكر والأشتر النخعي وعمار بن ياسر وعمرو بن الحمق الخزاعي وسودان (8) بن حمران وكنانة بن بشر (9) وجماعة لا أقف على أسمائهم - وكانت ثم أبحاث لا أحب ذكرها من رجلين - دبوا في ذلك ومشوا وحرضوا على قتله، قال: وأنشأ الرجل أبياتا مطلعها: # إن ابن عفان أصيب وحوله * إخوانه وجماعة الأنصار إلى آخرها. # قال: فقال له معاوية: وكيف لا يضيع دم عثمان وقد خذله ثقاته واجتمع عليهم أمر عدوهم؟ أما والله! ms0390 لئن بقيت لهم وساعدني أهل الشام لاسوينهم إن شاء الله تعالى، ثم أنشد معاوية أبياتا مطلعها: # PageV02P445 # أتاني من الانباء أمر مجمجم * أجود بأنفاس الرجال فضيعوا إلى آخرها. # قال: ثم أقبل معاوية على هذا الرجل القادم عليه فقال: أيها الرجل! إن كان عندك مهز فهزني، فقال: نعم، فاسمع ما أشير به عليك، إن عليا قد بايعه أهل الحجاز وأهل اليمن وأهل مصر وأهل الكوفة ولا أظن أهل البصرة بايعوه، وأنك لتقوى على علي إن أردت مخالفته بدون ما تقدره نفسك، لان الذين معك من أهل الشام لا يقولون إذا قلت، ولا يسألون إذا سألت (1)، والذين مع علي يقولون إذا قال، ويسألون إذا أمر، فقليل من معك خير من كثير من معه، واعلم يا معاوية! إن غلبه العراق والحجاز حتى تأخذ الشام دون العراق، فقال معاوية: والله! لقد صدقت في جميع ما قلت، ولقد ندمت عن قعودي عن عثمان، وقد استغاث بي فلم أجبه وأنا القائل في ذلك أبياتا مطلعها: # أتاني أمر فيه للنفس غمة * وفيه بكاء للعيون طويل (2) إلى آخرها. # قال: فشاعت هذه القصيدة بالمدينة وبلغ ذلك المغيرة بن شعبة (3) فجاء إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين! إن لك عندي نصيحة فاقبلها، فقال علي: وما تلك يا مغيرة؟ قال: لست إني أخاف عليك أحدا يخالفك ويشعث عليك إلا معاوية بن أبي سفيان، لأنه ابن عم عثمان والشام في يده، فابعث إليه بعهده وألزمه طاعتك، وابعث إلى عبد الله بن عامر بن كريز بعهده على البصرة، فإنه يسكن عنك الأعداء ويهدي عليك البلاد، فقال علي: # ويحك يا مغيرة! والله ما منعني من ذلك إلا قول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (وما كنت متخذ المضلين عضدا) (4) والله! لا يراني الله تعالى وأنا أستعمل معاوية # PageV02P446 # على شيء من أعمال المسلمين أبدا، ولكني أدعوه إلى ما نحن فيه، فإن هو أجاب إلى ذلك أصاب رشده وإلا حاكمته إلى الله عز وجل، قال: فسكت المغيرة ms0391 بن شعبة وانصرف إلى منزله وأنشأ أبياتا مطلعها: # منحت عليا في ابن حرب نصيحة * فرد فما منى له الدهر ثانية (1) إلى آخره. ### | [نصيحة أبي أيوب الأنصاري] (2) # قال: وأراد علي الشخوص إلى الشام ليزور أهلها وينظر ما رأي معاوية، فأقبل أبو أيوب الأنصاري، فقال: يا أمير المؤمنين! إني لأشير عليك أن تقيم بهذه البلدة فإنها الدرع الحصينة ومهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبها قبره ومنبره فأقم بها، فإن استقامت لك العرب كنت بها كمن كان من قبلك، وإن تشعب عليك قوم رميتهم بأعدائهم من الناس، قال:: فقال له علي رضي الله عنه: صدقت يا أبا أيوب! ولكن الرجال والأموال بالعراق، وأهل الشام لهم وثبة، أحب أن أكون قريبا منهم، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، قال فأنشأ أبو أيوب أبياتا مطلعها: # أقول وقد أودى بعثمان يومه * ولا علم لي ما يصنع الله في غد إلى آخرها. # قال: وأخذ علي رضي الله عنه برأي أبي أيوب الأنصاري في الإقامة بالمدينة، ثم دعا بابن أخته (3) جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي فعقد له عقدا # PageV02P447 # وولاه على بلاد خراسان (1) وأمره بالمسير ليفتح ما بقي منها، ثم دعا بعبد الرحمن مولى بديل (2) بن ورقاء الخزاعي، فعقد له عقدا وأمره بالمسير إلى أرض الماهين (3) أميرا وعاملا عليها، ووجه بعماله إلى جميع البلاد (4) التي كانت تحت طاعته، فسمع القوم وأطاعوا. # PageV02P448 ### | ذكر وقعة الجمل وأوائله. # قال: وبلغ ذلك عبد الله بن عامر وهو يومئذ أمير البصرة، فأيقن بأخذ البصرة من يده (1) وأن ينفذ إليها جيشا، فقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # أيها الناس! إن خليفتكم عثمان بن عفان قتل مظلوما وبيعته في أعناقكم، ونصرته ميتا كنصرته حيا، ولي عليكم اليوم ما كان لي بالأمس، وقد بايع الناس عليا ونحن اليوم طالبون بدم عثمان، فأعدوا للحرب عدتها، قال: فوثب إليه حارثة (2) بن قدامة السعدي، فقال له: يا بن عامر! إنك لن تملكنا عنوة ولن نوليك عن مشورة إنما بطاعة غيرك، وقد ms0392 قتل عثمان بحضرة المهاجرين والأنصار فلم يغيروا على قاتله، وقد بايع الناس عليا، فإن أقرك على عملك أطعناك، وإن عزلك عصيناك - والسلام، قال: فسكت عبد الله بن عامر ونزل عن المنبر وأمر بمراكبه فهيئوها، ثم دعا برجل من حضرموت قد كان ولاه شيئا من عمله، فقال له: احتفظ بعملك فإني خارج نحو المدينة انظر ما يؤول أمر الناس إليه، ثم خرج عبد الله بن عامر في جوف الليل هاربا نحو المدينة (3)، وأصبح أهل البصرة يظنون أنه بين أظهرهم، فلما علموا أنه هرب أنشأ رجل منهم أبياتا مطلعها: # لعمرك والأيام غير غوابر * لقد كادنا عما أراد ابن عامر أيأمرنا بالحرب والليل [أظلم] * وقد يدرك المحتال ريب المقادر # PageV02P449 # لشق به عرض الفلات (؟)... يدع كأن ركابيه على ظهر طائر وخلف فينا الحضرمي وإننا * لفي قتله من بين ناه وآمر فإن يتركوه يتركوه و... * وإن يقتلوه فالأمور مقادر وقد كانت الاخبار عنه بأسرها * وفي راحة التسليم محض السرائر وإن عليا حاملا من أطاعه * على الحق إن والاه أهل البصائر وإن عليا خير من وطئ الحصى * وأفضلهم من ناصر ومهاجر قال: فلما قدم عبد الله بن عامر المدينة لقيه طلحة والزبير فقالا له: لا مرحبا بك يا مضيع ولا أهلا! تركت البصرة والأموال وأتيت المدينة فزعا من علي بن أبي طالب رضي الله عنه! هل لا أقمت بالعراق حتى وافيناك بها؟ قال: ثم بعث إليه الوليد بن عقبة (1) بن أبي معيط أبياتا مطلعها: # تركت العراق وفيها الرجال * وجئت إلى البلدة الخامله إلى آخرها. # قال: وانتفضت البلاد على علي رضي الله عنه، فجعل كلما وجه عاملا من عماله إلى بلدة من البلدان حاربوه وتبروه إلا أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل مصر وقليل من أهل الحجاز، فقال علي رضي الله عنه لأصحابه: اعلموا أنه قد وقع الامر الذي كنت أحذركم إياه، وإن الفتنة كالنار كلما أسعرت ازدادت، وإنما سأمسك هذا الامر ما استمسك، فإذا لم أجد بدا فآخر الداء الكي. # قال: ثم خرج علي رضي الله عنه ms0393 ذات ليلة من منزله لحاجة، فمر بباب زينب بنت أبي سفيان فسمع صوت دف ينقر وصاحبته تقول أبياتا مطلعها: # ظلامة عثمان عند الزبير * وأظلم منه لنا طلحة إلى آخرها. # قال: فانصرف علي رضي الله عنه من هنالك وأقبل حتى دخل المسجد، فإذا هو بلغام متوسد ذراعه، وهو يقول أبياتا مطلعها: # PageV02P450 # أبا حسن إن ثبيت الأمور * ستأتيك باللبث والحسره إلى آخرها. # قال: فتعجب علي رضي الله عنه من قول الغلام ثم دنا منه فقال: يا غلام! # من يقول هذه الأبيات؟ فاستوى الغلام جالسا وقال: أنا أقولها يا أمير المؤمنين! # قال: فتاركوه متاركة الأهل، لا الحريم ممن كان لله مجيئا ولدعوة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه مجيبا، قال: فتركه علي رضي الله عنه وانصرف وهو يقول أبياتا مطلعها: # لقد طال ليلي فالحزين موكل * حذارا لامر عاجل ومؤجل إلى آخرها. # قال: وأصبح علي رضي الله عنه فصلى بالناس صلاة الصبح ثم جعلت يحدث بعضهم بما سمع من الغلام ثم أمر طلحة والزبير، فقال الناس: يا أمير المؤمنين! # يد الله على من لم ينكث وقد برئ الله ممن نكث، ثم تفرق الناس ودخل علي رضي الله عنه إلى منزله، وأنشأ خزيمة بن ثابت الأنصاري أبياتا مطلعها: # إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * أبو حسن مما نخاف من الفتن (1) إلى آخرها. ### | ذكر خروج طلحة والزبير إلى مكة معتمرا زعما وما أزمعا عليه من الخروج على علي رضي الله عنه والنكث بعده. # قال: ثم أقبل الزبير وطلحة إلى علي رضي الله عنه فاستأذناه في العمرة، فقال لهما علي رضي الله عنه: إنكما ليس إلى العمرة تريدان، وقد كنت قلت لكما في أول الامر: إنكما تفعلان أمر من الأمور، فأبيتما إلا بيعتي طائعين غير مكرهين: # PageV02P451 # والآن فقد أذنت لكما فاذهبنا حيث شئتما راشدين! # قال: فخرج الزبير وطلحة إلى مكة، وخرج معهما عبد الله بن عامر بن كريز (1) وهو ابن خال عثمان، فجعل يقول لهما: أبشرا! فقد نلتما حاجتكما، والله لامدنكما بمائة ألف سيف. # قال: ms0394 وقدموا مكة وبها يومئذ عائشة وحرضوها على الطلب بدم عثمان، وكان معها جماعة من بني أمية، فلما علمت بقدوم طلحة والزبير فرحت بذلك واستبشرت وعزمت على ما أرادت من أمرها، قال: وتكلمت بنو أمية ورفعت رؤوسها عند قدوم طلحة والزبير على عائشة ولم يزالوا يحرضوها على الطلب بدم عثمان، قال: وكتب الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى من كان بالمدينة من بني هاشم أبياتا مطلعها (2): # بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم * ولا تنهبوه لا تحل مناهبه (3) إلى آخرها. # قال: فأجابه الفضل بن العباس بن [عتبة بن أبي لهب] (4) وهو يقول أبياتا مطلعها (5): # سلوا أهل مصر عن سلاح ابن أختكم (6) * فهم سلبوه سيفه وحرائبه (7) إلى آخرها. # وأقبل طلحة والزبير إلى عبد الله بن عمر وهو يومئذ مقيم بمكة (8)، فقالوا له: # PageV02P452 # أبا عبد الرحمن! إن عائشة قد خافت في هذا الامر وعزمت على المسير إلى البصرة فاشخص معنا ولك بنا أسوة، فأنت أحق بهذا الامر، قال: وكلمه الزبير وقال: أبا عبد الرحمن! لا تنظرن إلى أول أمرنا في عثمان وبيعتنا عليا ولكن انظر إلى آخر أمرنا، إننا ما نريد في مسيرنا هذا إلا علاج الأمة وقد خافت عائشة وليست بك عنها رغبة، قال: فقال عبد الله بن عمر: أيها الرجلان! أتريدان أن تخدعاني لتخرجاني من بيتي كما يخرج الأرنب من جحره، ثم تلقياني بين لحيي علي بن أبي طالب، مهلا يا هذان! فإن الناس إنما يخدعون بالوصف والوصيفة والدينار والدرهم ولست من أولئك، إني قد تركت هذا الامر عيانا وأنا أدعى إليه، فدعوني واطلبوا لامركم غيري، قال فقال الزبير: يغني الله عنك. # قال: وقدم يعلى بن منية من اليمن، وقد كان عاملا عليها من قبل، فقدم ومعه أربعمائة بعير (1) فدعا الناس إلى الحملان، فقال له الزبير: دعنا بين إبلك هذه، هات فأقرضنا مما لك ما نستعين به على ما نريد، فأقرضهم ستين ألف دينار، ففرقها الزبير فيمن أحب ممن خف معه، قال: ثم شاوروا في المسير، فقال الزبير: عليكم بالشام! فيها ms0395 الرجال والأموال وبها معاوية وهو عدو لعلي، فقال الوليد بن عقبة: لا والله ما في أيديكم من الشام قليل ولا كثير! وذلك أن عثمان بن عفان قد كان استعان بمعاوية لينصره وقد حوصر فلم يفعل وتربص حتى قتل، لذلك يتخلص له الشام، أفتطمع أن أسلمها إليكم؟ مهلا عن ذكر الشام وعليكم بغيرها (2) ثم اعتزلهم الوليد بن عقبة وأنشأ يقول أبياتا مطلعها: # قولا لطلحة والزبير خطئتما * بقتلكما عثمان خير قتيل إلى آخرها. # قال: واتصل الخبر بمعاوية أن طلحة والزبير وعائشة قد تحالفوا على علي رضي الله عنه وقد اجتمع إليه جماعة من الناس وأنهم يريدون الشام، فكأنه اغتم # PageV02P453 # بذلك ثم كتب إليهم أبياتا لا عن لسانه ولا عن لسان غيره، مطلعها: # قل للزبير على ما كان من عند * والمرء طلحة قولا غير ذي أود إلى آخرها. # قال: فلما وردت الأبيات على طلحة والزبير نظرا فيها قال الزبير: والله ما هذا إلا من قول معاوية ولكنه جعله على لسان غيره. ### | خبر عائشة مع أم سلمة حين أرادت المسير إلى البصرة. # قال: وأقبلت عائشة حتى دخلت على أم سلمة (1) زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وهي يومئذ بمكة، فقالت لها: يا بنت أبي أمية! إنك أول ظعينة هاجرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت كبيرة أمهات المؤمنين وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لنا بين بيتك، وقد خبرت أن القوم استتابوا عثمان بن عفان حتى إذا تاب وثبوا عليه فقتلوه، وقد أخبرني عبد الله بن عامر أن بالبصرة مائة ألف سيف يقتل فيها بعضهم بعضا، فهل لك أن تسيري بنا إلى البصرة لعل الله تبارك وتعالى أن يصلح هذا الامر على أيدينا؟ قال: # فقالت لها أم سلمة رحمة الله عليها: يا بنت أبي بكر! بدم عثمان تطلبين! والله لقد كنت من أشد الناس عليه، وما كنت تسميه إلا نعثلا، فما لك ودم عثمان؟ وعثمان رجل من عبد مناف وأنت امرأة من بني تيم بن مرة، ويحك يا عائشة! ms0396 أعلى علي وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم تخرجين وقد بايعه المهاجرون والأنصار؟ ثم جعلت أم سلمة رحمة الله عليها تذكر عائشة فضائل علي رضي الله عنه وعبد الله بن الزبير على الباب يسمع ذلك كله، فصاح بأم سلمة وقال: يا بنت أبي أمية! إننا قد عرفنا عداوتك لآل الزبير، فقالت أم سلمة: والله لتوردنها ثم لا تصدرنها أنت ولا أبوك! أتطمع أن يرضى المهاجرون والأنصار بأبيك الزبير وصاحبه طلحة وعلي بن أبي طالب حي وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة (2)؟ فقال عبد الله بن الزبير: ما سمعنا هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV02P454 # ساعة قط، فقالت أم سلمة رحمة الله عليها: إن لم تكن أنت سمعته قد سمعته خالتك عائشة وها هي فاسألها! فقد سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: (علي خليفتي عليكم في حياتي ومماتي فمن عصاه فقد عصاني). أتشهدين يا عائشة بهذا أم لا؟ فقالت عائشة: اللهم نعم! قالت أم سلمة رحمة الله عليها: فاتقي الله يا عائشة في نفسك واحذري ما حذرك الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تكوني صاحبة كلاب الحوأب (1)، ولا يغرنك الزبير وطلحة فإنهما لا يغنيان عنك من الله شيئا. # قال: فخرجت عائشة من عند أم سلمة وهي حنقة عليها، ثم إنها بعثت إلى حفصة فسألتها أن تخرج معها إلى البصرة، فأجابتها حفصة إلى ذلك (2). قال: فعند ذلك أذن مؤذن طلحة والزبير بالمسير إلى البصرة، فسار الناس في التعبية والآلة والسلاح وسارت معهم عائشة وهي تقول: اللهم! إني لا أريد إلا الاصلاح بين المسلمين، فأصلح بيننا إنك على كل شيء قدير. ### | ذكر كتاب أم سلمة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه تخبره بأمر عائشة وطلحة والزبير. # قال: وكتبت (3) أم سلمة رحمة الله عليها إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لعبد الله علي أمير المؤمنين، من أم سلمة بنت أبي أمية، سلام عليك ورحمة الله وبركاته، أما بعد! فإن طلحة والزبير وعائشة وبنيها بني السوء وشيعة ms0397 الضلال # PageV02P455 # خرجوا مع ابن الجزار عبد الله بن عامر إلى البصرة، يزعمون أن عثمان بن عفان قتل مظلوما وأنهم يطلبون بدمه، والله كافيكم وجعل دائرة السوء عليهم إن شاء الله تعالى، وتالله لولا ما نهى الله عز وجل عنه من خروج النساء من بيوتهن وما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته لشخصت معك، ولكن قد بعثت إليك بأحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإليك ابني عمر بن أبي سلمة - والسلام -. # قال: فجاء عمر بن أبي سلمة إلى علي رضي الله عنه فصار معه، وكان له فضل وعبادة وعقل، فأنشأ رجل من أصحاب علي رضي الله عنه يمدح أم سلمة وهو يقول أبياتا مطلعها: # أم يا أمة لقيت الظفر * ثم لا زلت تسقين المطر إلى آخرها. # قال: ثم أنشأت امرأة أيضا من نساء بني عبد المطلب تمدح أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وتذكر عائشة وفعلها فقالت أبياتا مطلعها: # بنت أبي أمية الداهشة * كف إلى الخير لها مائشة إلى آخرها. # قال: وكتبت أم الفضل بنت الحارث إلى علي رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله علي أمير المؤمنين من أم الفضل بنت الحارث أما بعد! فإن طلحة والزبير وعائشة قد خرجوا من مكة يريدون البصرة، وقد استنفروا الناس إلى حربك ولم يخف معهم إلى ذلك إلا من كان في قلبه مرض، ويد الله فوق أيديهم والسلام -: # قال: ثم دفعت أم الفضل هذا الكتاب إلى رجل من جهينة له عقل ولسان يقال له ظفر فقالت: خذ هذا الكتاب وانظر أن تقتل في كل مرحلة بعيرا وعلي ثمنه، وهذه مائة دينار قد جعلتها لك، فجد السير حتى تلقى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتدفع إليه كتابي هذا (1). # قال: فسار الجهني سيرا عنيفا حتى لحق أصحاب علي رضي الله عنه وهم # PageV02P456 # على ظهر المسير (1)، فلما نظروا إليه نادوه من كل جانب: أيها الراكب: ما عندك؟ # قال: فنادى الجهني بأعلى صوته شعرا يخبر ms0398 فيه قدوم عائشة وطلحة والزبير، قال: # فلما سمع علي ذلك دعا محمد بن أبي بكر وقال له: ألا ترى إلى أختك عائشة كيف خرجت من بيتها الذي أمرها الله عز وجل أن تقر فيه وأخرجت معها طلحة والزبير يريدان البصرة لشقاقي وفراقي؟ فقال له محمد: يا أمير المؤمنين! لا عليك، فإن الله معك ولن يخذلك، والناس بعد ذلك ناصروك، والله تبارك وتعالى كافيك أمرهم إن شاء الله. # قال: فعندها نادى علي رضي الله عنه في أصحابه فجمعهم، ثم قال (2): أيها الناس! إن الله تبارك وتعالى بعث كتابا ناطقا لا يهلك عنه إلا هالك وإن المبتدعات المشتبهات (3) هن المهلكات المرديات إلا من حفظ الله، وإن في سلطان الله عصمة أمركم، فأعطوه طاعتكم، ألا! وتهيأوا لقتال الفرقة الذين يريدون تفريق جماعتكم فلعل الله تعالى يصلح بكم ما أفسد أهل الشقاق، ألا (4) إن طلحة والزبير قد تمالا علي بسخط أقاربي (5) ودعوا الناس إلى مخالفتي وأنا سائر إليهم ومنابزهم حتى يحكم الله بيني وبينهم - والسلام -. # قال: فأجابه الناس إلى ذلك، وعائشة قد تقدمت فيمن معها من الناس، حتى إذا بلغت إلى ماء الحوأب وذلك في وقت السحر نبحت الكلاب، فسمعت عائشة رجلا من أهل عسكرها يسأل ويقول: أي ماء هذا؟ فقيل له: هذا ماء الحوأب، فقال عائشة: ردوني! فقيل لها: ولم ذلك؟ فقالت: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (كأني بامرأة من نسائي تنبح عليها كلاب الحوأب، فاتقي # PageV02P457 # الله أن تكوني أنت يا حميراء) (1). # قال: ونزل القوم هنالك، فلما أصبحوا إذا عبد الله بن الزبير (2) قد أتى بخمسين رجلا يشهدون عندها أن هذا الماء ليس بماء الحوأب وأنهم قد جازوا ماء الحوأب بليل، قال: فكانت هذه الشهادة أول شهادة زور شهد بها في الاسلام. # قال: وسار القوم حتى إذا دنوا من البصرة خرج إليهم عثمان بن حنيف الأنصاري (3) في شيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم بمحاربتهم، ثم إنه كره القتال ومشى بعضهم إلى بعض وسألوه الصلح إلى ms0399 أن يقدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أن يكون المال ودار الامارة في يد عثمان بن حنيف، قال: # فرضي الفريقان بذلك وكتبوا بينهم كتابا (4)، وأقام طلحة والزبير وعائشة بموضع يقال لها الخريبة (5) يدبرون أمرهم وآراءهم بينهم. ### | ذكر ما جرى من الكلام بين عائشة والأحنف بن قيس حين دعي إلى نصرتها. # قال (6): ثم إنهم بعثوا إلى الأحنف بن قيس فدعوه وقالوا: إننا نريد منك أن تنصرنا على دم عثمان بن عفان فإنه قتل مظلوما، قال: فالتفت الأحنف إلى عائشة وقال: يا أم المؤمنين! أنشدك الله أما قلت لك ذلك اليوم إن قتل عثمان فمن أبايع؟ # قلت: علي بن أبي طالب؟ فقالت عائشة: قد كان ذلك يا أحنف، ولكن ههنا أمور نحن بها أعلم منك، فقال الأحنف: لا والله لا أقاتل علي بن أبي طالب أبدا وهو أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه وزوج ابنته وأبو سبطيه، وقد بايعه المهاجرون والأنصار. # قال: ثم وثب الأحنف حتى صار إلى ديار قومه من بني تميم ثم نادى فيهم # PageV02P458 # فاجتمع إليه أربعة (١) آلاف رجل، فسار بهم حتى نزل بهم على فرسخين من البصرة (٢). # قال: وعزم طلحة والزبير ومن كان معهم أن يهجموا على عثمان عامل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيقتلوه ويقتلوا الأنصار الذين لعلي وأزمعوا على ذلك، فلما كان الليل لم يسع عثمان بن حنف إلا وطلحة والزبير وابنه عبد الله و مروان بن ا لحكم وأصحابه قد هجموا عليهم ووضعوا فيهم السيف، فقتلوا أشياعه (٣) وهم أنصار علي بن أبي طالب، ثم أخذوا عثمان بن حنيف فأرادوا قتله، فقال بعضهم لبعض: # هذا رجل من الأنصار وله بالمدينة عشيرة، فإن نحن قتلناه ازدادوا علينا غلظة، فلم يقتلوه ولكن أخذوه فنتفوا لحيته وشاربه وأشفار عينيه وحلقوا رأسه. # قال: وأمرت عائشة عبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة بالصلاة، فكان أحدهم يصلي بالناس صلاة والآخر يصلي بالناس صلاة. # قال: وعلي يومئذ كان قد خرج من المدينة وهو نازل بالربذة، ms0400 فلما بلغه ذلك سار من الربذة حتى نزل بذي قار (٤)، ثم إنه وجه ابنه الحسن (٥) وعمار بن ياسر إلى الكوفة يستنفرون أهلها إلى البصرة لمحاربة القوم. ### | خبر أبي موسى الأشعري لما وافاه الحسن بن علي وعمار بن ياسر بالكوفة. # قال: فلما قدم الحسن بن علي وعمار بن ياسر إلى الكوفة استنفرا أهلها، وثب أبو موسى الأشعري وهو يومئذ عامل عليها فقال: يا أهل الكوفة! اتقوا الله ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما *﴾ (6) (ومن يقتل مؤمنا متعمدا # PageV02P459 # فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما *) (1) قال: # فغضب عمار بن ياسر، ثم وثب أبو موسى فأسكته، فقام رجل من بني تميم إلى عمار بن ياسر فقال: اسكت أيها الرجل الأجذع! بالأمس كنت مع غوغاء مصر على عثمان واليوم تسكت أميرنا، قال: فوثب زيد بن صوحان وأصحابه مع شيعة علي بالسيوف وقالوا: من لم يطع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فما له عندنا إلا السيف، فقال أبو موسى: أيها الناس! اسكتوا واسمعوا كلامي، هذا كتاب عائشة (2) إلي تأمرني فيه أن أقرأه إن أقر الناس في منازلهم إلى أن يأتيهم ما يحبون من صلاح أمر المسلمين، فقال له عمار بن ياسر: يا أبو موسى! إن عائشة أمرت بأمر وأمرنا بغيره، أمرت أن تقر في بيتها، وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فأمرتنا هي بما أمرت وركبت ما أمرنا به. قال: فكثر الكلام يومئذ بين الناس، فوثب زيد بن صوحان العبدي فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكذبين *) (3) أيها الناس! سيروا إلى أمير المؤمنين وانفروا إليه أجمعين تصيبوا الحق راشدين. قال: ثم وثب عمار بن ياسر فقال: أيها الناس! إنه لابد لهذا الامر ولهؤلاء الناس من وال يدفع المظالم ويعين المظلوم، وهذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنفركم إلى زوجة رسول الله صلى الله ms0401 عليه وسلم وإلى طلحة والزبير، فأخرجوا وانظروا في الحق فمن كان الحق معه فاتبعوه. قال: ثم وثب الحسن بن علي فقال: # أيها الناس! إنه سيوجد لهذا الامر من ينفر إليه، فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما قد بلينا به، فوالله إني لاعلم أن من سمع بهذا الامر ولم يكن إلا مع الحق أنه لسعيد. # قال: فوثب الهيثم بن مجمع العامري (4) فقال: أيها الناس! إن أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل إلينا رسله وهذا ابنه الحسن فاسمعوا قوله وأطيعوا أمره وانفروا إلى أميركم وأشيروا عليه برأيكم. # قال: فأجاب الناس إلى ذلك ونفر من أهل الكوفة تسعة آلاف ومائتا رجل (5)، # PageV02P460 # فأخذ بعضهم في البر وبعضهم في البحر حتى قدموا على علي بن أبي طالب، فاستقبلهم علي رضي الله عنه ورحب بهم وأدناهم وحياهم، ثم قال: يا أهل الكوفة! إنكم وليتم شوكة الأعاجم وملوكهم ففضضتم جموعهم وهدمتم عزهم، حتى صارت إليكم مواريثهم وأموالهم، ثم منعتم (1) حوزتكم وأعنتم الناس على عدوهم، وقد دعوتكم الان لتشهدوا معنا إخواننا هؤلاء من أهل البصرة، فإن يتقوا الله ويرجعوا فذلك ما تريدون وإن أبوا ذلك نداويهم (2) باللين والشدة، ولسنا ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: فاجتمع الناس بذي قار مع علي بن أبي طالب ستة آلاف من أهل المدينة وأهل مصر وأهل الحجاز وتسعة آلاف (3) من أهل الكوفة وجعل الناس يجتمعون حتى صاروا في تسعة عشر ألف رجل من فارس وراجل، وسار علي رضي الله عنه عن ذي قار يريد البصرة في جميع أصحابه والناس يتلاحقون به من كل أوب. ### | ذكر تعبية أهل البصرة للحرب. # قال: وبلغ طلحة والزبير أن عليا قد تقارب من البصرة في خيله وجمعه، فعزموا على تعبية الناس، فكانت الخيل كلها إلى طلحة ورجالة إلى عبد الله بن الزبير، وعلى خيل الميمنة مروان بن الحكم وعلى رجالتها عبد الرحمن (4) بن عتاب بن أسيد، وعلى خيل الميسرة هلال بن وكيع الدارمي، وعلى رجالتها حاتم بن ms0402 بكير الباهلي، وعلى الجناح عمر بن طلحة، وعلى رجالتها عبد الله بن حكيم بن حزام، وعلى خيل الكمين جندب بن يزيد المجاشعي، وعلى رجالتها مجاشع بن مسعود السلمي (5). # قال: وصاح رجل من بني ضبة: وطنوا أنفسكم على الصبر، فإنه يلقاكم أسد # PageV02P461 # خفان وجماهير أهل الحجاز وأفاعي أهل الكوفة مع علي بن أبي طالب، فانظروا أن تفضحوا قبائل مضر، قال: ثم أنشأ أبياتا مطلعها: # ألا قولا لطلحة والزبير * وقولا للذين هم النصار إلى آخرها. # قال: فقال له الزبير: بئس ما قلت يا أخا بني ضبة! فقال الضبي: أنا عبد الله، إني أعلم من تقدم علينا غدا، فإذا كان ذلك فاطلبني في الرعيل الأول. # قال: وبلغ ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: إن القوم قد تعبوا لحربكم فماذا عندكم من الرأي؟ فقال له رفاعة بن شداد البجلي: يا أمير المؤمنين! # تعبية لتعبية، وحق يدفع باطلا، وهذا ما كنا نريد، فأبشر وقر عينا! فسترى منا ما تحب، قال: ثم أنشأ رفاعة بن شداد يقول أبياتا مطلعها: # أتتك الأمور بسعد السعود * وسرت إلى الفئة الناكثة إلى آخرها. # قال: ودنا علي في أصحابه من البصرة، فقال طلحة بن عبيد الله لأصحابه: # اعلموا أيها الناس! أن عليا وأصحابه قد أضربهم السفر وتعب الطريق، فهل لكم أن نأتيهم الليلة فنضع فيهم السيف؟ فقال مروان بن الحكم: والله لقد استبطأت هذه منك أبا محمد! وليس الرأي إلا ما رأيت، قال: فضحك الزبير من ذلك ثم قال: # أمن علي تصاب الفرصة وهو من قد عرفتم؟ أما علمتم أنه رجل ما لقيه أحد قط إلا ثكلته أمه؟ فسكت طلحة ولم يرد إلى الزبير شيئا. # قال: فلما كان الليل إذا بغلام من بني تيم بن مرة قد أقبل حتى وقف إلى جنب منزل طلحة بن عبيد الله وأنشأ أبياتا مطلعها: # يا طلح يا بن عبيد الله ما ظفرك * كفاك إذ رزت في عريسة الأسد إلى آخره. # قال: ثم وثب رجل من أصحاب الزبير يكنى أبا الجرباء (1) فقال للزبير: ms0403 أبا عبد الله! ما الرأي عندي إلا أن تبيتوا هذا الرجل، فإن الرأي في الحرب من # PageV02P462 # النجدة، فقال له الزبير: يا أبا الجرباء! إننا لنعرف من الحرب ما لم يعرفه كثير من الناس غير أن القوم أهل دعوتنا، ونحن وهم مسلمون، وهذا أمر حدث في أمتنا لم يكن قبل اليوم، ولا كان فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قول، وبعد ذلك فهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه من لم يلق الله فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة، ونحن مع ذلك نرجو الصلح إن أجابوا إليه، وإلا فآخر الداء الكي. # قال: وأقبل الأحنف بن قيس في جماعة من قومه إلى علي رضي الله عنه فقال (1): يا أمير المؤمنين! إن أهل البصرة يقولون بأنك إن ظفرت بهم غدا قتلت رجالهم وسبيت ذريتهم ونساءهم، فقال له علي: ليس مثلي من يخاف هذا منه، لان هذا ما لا يحل إلا ممن تولى وكفر، وأهل البصرة قوم مسلمون، وسترى كيف يكون أمري وأمرهم! ولكن هل أنت معي فأعلم! فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين! # اختر مني واحدة من [اثنتين] (2) إما أن أكون معك مع مائتي رجل من قومي، وإما أن أرد عنك أربعة آلاف سيف، فقال علي رضي الله عنه: لا بل ردهم عني، فقال الأحنف: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين! ثم انصرف. # قال: وخرج الزبير وطلحة فنزلوا موضعا يقال له زابوقة (3)، وهم ثلاثون ألف مقاتل، وبلغ ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقام في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إني قد منيت بثلاث مرجعهن على العباد من كتاب الله: أحدها البغي ثم النكث والمكر، قال الله تعالى: (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) (4)، ثم قال: (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) (5)، ثم قال: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) (6)، ووالله لقد منيت بأربع لم يمن بمثلهن أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، منيت بأشجع الناس الزبير بن العوام، وبأخدع الناس طلحة بن ms0404 عبيد الله، وبأطوع الناس في الناس عائشة بنت أبي بكر، وبمن أعان علي # PageV02P463 # بأنوع الدنانير يعلى بن منية، ووالله لئن أمكنني الله منه لأجعلن ماله وولده فيئا للمسلمين. # قال: فوثب خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقال: والله يا أمير المؤمنين! لقد بغوا عليك ونكثوا عهدك ومكروا بك، ولقد علم الزبير بأنه ما له مثل نجدتك، ولا لطلحة مثل علمك، ولا لعائشة مثل طاعتك، ومال الله أكثر من مال يعلى بن منية، ولقد جمعه ظلما وأنفقه جهلا، ثم جعل يقول أبياتا مطلعها: # [و] أما الزبير فأكفيكه * وطلحة يكفيكه وجوحه إلى آخره. # قال: وزحف علي رضي الله عنه حتى نزل قبالة القوم فنزلت مضر إلى مضر وربيعة إلى ربيعة واليمن إلى اليمن، قال: فعرض علي رضي الله عنه من معه من أصحابه وأعوانه، فكانوا عشرين ألفا، والزبير في ثلاثين ألفا. ### | ذكر كلام ما جرى بين حفصة بنت عمر بن الخطاب وبين أم كلثوم بنت علي رضي الله عنه. # قال: وبلغ ذلك حفصة بنت عمر بن الخطاب فأرسلت إلى أم كلثوم فدعتها ثم أخبرتها باجتماع الناس إلى عائشة، كل ذلك ليغمها بكثرة الجموع إلى عائشة، قال: # فقالت لها أم كلثوم: على رسلك يا حفصة! فإنكم إن تظاهرتم على أبي فقد تظاهرتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان الله مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير، فقالت حفصة: يا هذه! أعوذ بالله من شرك فقالت أم كلثوم: وكيف يعيذك الله من شري وقد ظلمتني حقي مرتين: الأول ميراثي من أمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني ميراثي من أبيك (1) عمر بن الخطاب! قال: ولامت النساء حفصة على ذلك لوما شديدا. # PageV02P464 ### | ذكر الكتاب الذي كتب علي إلى طلحة والزبير. # قال: ثم كتب علي إلى طلحة والزبير: أما بعد! فقد علمتم أني لم أرد الناس حتى أرادوني، ولم أبايعهم حتى أكرهوني، وأنتم ممن أرادوا بيعتي، ولم تبايعوا لسلطان غالب (1) ولا لغرض حاضر، فإن كنتم قد بايعتم مكرهين فقد جعلتم إلي ms0405 السبيل عليكم بإظهاركم الطاعة وكتمانكم المعصية، وأنت يا زبير فارس قريش! # وأنت يا طلحة شيخ المهاجرين! ودفعكم هذا الامر (2) قبل أن تدخلوا فيه كان أوسع لكم من خروجكم منه بعد إقراركم، وأما قولكم: إني قتلت عثمان بن عفان، فبيني وبينكم من يحلف عني وعنكم من أهل المدينة ثم يلزم كل امرئ بما يحتمل، وهؤلاء بنو عثمان بن عفان فليقروا بطاعتي ثم يخاصموا قتلة أبيهم إلي، وبعد فما أنتم وعثمان قتل مظلوما! كما تقولان أنتما رجلان من المهاجرين، وقد بايعتموني ونقضتم بيعتي، وأخرجتم أمكم من بيتها الذي أمرها الله تعالى أن تقر فيه - والله حسبكم - والسلام. ### | ذكر كتاب علي إلى عائشة. # قال: ثم كتب إلى عائشة (3): أما بعد فإنك قد خرجت من بيتك عاصية (4) لله تعالى ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم تطلبين أمرا كان عنك موضوعا، ثم تزعمين أنك تريدين الاصلاح بين المسلمين، فأخبريني ما للنساء وقود العساكر والاصلاح بين الناس فطلبت! زعمت بدم عثمان وعثمان رجل من بني أمية وأنت امرأة من بني تيم بن مرة، ولعمري أن الذي عرضك للبلاء وحملك على المعصية لأعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان! وما غضبت حتى أغضبت ولا هجت حتى هيجت، فاتقي الله يا عائشة وارجعي إلى منزلك واسبلي عليك بسترك - والسلام -. # قال: وأما طلحة والزبير فإنهم لم يجيبوا عليا عن كتابه بشيء لكنهم بعثوا إليه برسالة أن يا أبا الحسن! قد سرت مسيرا له ما بعده، ولست براجع وفي نفسك منه # PageV02P465 # حاجة، ولست راضيا دون أن ندخل في طاعتك، ونحن لا ندخل في طاعتك أبدا، واقض ما أنت قاض - والسلام (1). # قال: فأنشأ حبيب بن يساف الأنصاري يقول أبياتا مطلعها: # أبا حسن أيقظت من كان نائما * وما كل ما يدعى إلى الحق يسمع # إلى آخره ### | ذكر خطبة عبد الله بن الزبير لأهل البصرة. # قال: ثم وثب عبد الله بن الزبير فقال: أيها الناس! إن علي بن أبي طالب هو الذي قتل الخليفة عثمان بن عفان، ثم إنه الآن قد جاءكم ليبين لكم ms0406 أمركم، فاغضبوا لخليفتكم وامنعوا حريمكم وقاتلوا على أحسابكم، قال: فوثب إليه رجل من بني ناجية فقال: أي رحمك الله! إننا قد سمعنا كلامك ونحن على ما يحب أبوك وخالك، وسترى منا ما تقر به عيناك إن شاء الله تعالى. ### | ذكر خطبة الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام لما بلغه كلام ابن الزبير. # قال: وبلغ عليا رضي الله عنه ما تكلم به عبد الله بن الزبير، وقد خطب الناس وذكر لهم أني أنا الذي قتلت عثمان بن عفان، وزعم لهم أني أريد أن أبين للناس أمورهم، وقد بلغني أنه شتمني، فقم يا بني فاخطب للناس خطبة بليغة موجزة ولا تشتمن أحدا من الناس. # قال: فوثب الحسن (2) بن علي رضي الله عنهما فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # أيها الناس! إنه قد بلغنا مقالة عبد الله بن الزبير، فأما زعمه أن عليا قتل عثمان فقد علم المهاجرون والأنصار بأن أباه الزبير بن العوام لم يزل يجتني عليه الذنوب ويرميه بفضيحات العيوب، وطلحة بن عبيد الله راكد رأيته على باب بيت ماله وهو حي، وأما شتيمته لعلي فهذا ما لا يضيق به الحلقوم لمن أراده، ولو أردنا أن نقول لفعلنا، وأما قوله إن عليا أبتر الناس أمورهم، فإن أعظم حجة أبيه الزبير أنه زعم أنه بايعه بيده # PageV02P466 # دون قلبه، فهذا إقرار بالبيعة، وأما تورد أهل الكوفة على أهل البصرة فما يعجب من أهل حق وردوا على أهل باطل، ولعمري ما نقاتل أنصار عثمان، ولعلي أن يقاتل أتباع الجمل - والسلام -. # قال: فأنشأ رجل من الأنصار يقول أبياتا مطلعها: # حسن الخير يا شبيه أبيه * قمت فينا مقام أنهى خطيب إلى آخرها. # قال: ودنا القوم من بعضهم بعضا، وخرج صبيان أهل البصرة وعبيدهم إلى عبيد أهل الكوفة، وأقبل كعب بن سور (1) إلى عائشة فقال لها: أدركي فقد دنا القوم بعضهم من بعض، وقد أبى القوم إلا القتال فلعل الله تبارك وتعالى أن يصلح بك الأمور، فأقبلت عائشة على جملها عسكر في هودجها والناس معها، ms0407 فلما أشرفت على الناس ونظرت إليهم وإذا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يرد الناس ويأمرهم بالكف عن الحرب، فرجعت ورجع الناس. ### | ذكر رسالة علي إلى عائشة. # قال: فلما كان من الغد دعا علي رضي الله عنه يزيد بن صوحان وعبد الله بن عباس، فقال لهما: امضيا إلى عائشة فقولا لها: ألم يأمرك الله تبارك وتعالى أن تقري في بيتك؟ فخدعت وانخدعت، واستنفرت فنفرت، فاتقي الله الذي إليه مرجعك ومعادك، وتوبي إليه فإنه يقبل التوبة عن عباده، ولا يحملنك قرابة طلحة وحب عبد الله بن الزبير على الاعمال التي تسعى بك إلى النار. # قال: فانطلقا إليها وبلغاها رسالة علي رضي الله عنه، فقالت عائشة: ما أنا برادة عليكم شيئا فإني أعلم أني لا طاقة لي بحجج علي بن أبي طالب، فرجعا إليه وأخبراه بالخبر، فأنشأ أبو الهيثم بن التيهان (2) الأنصاري يقول أبياتا مطلعها: # نحن الذين رأت قريش فعلنا * يوم القليب وقد هوى الكفار # PageV02P467 # إلى آخرها. # قال: ثم جمع علي رضي الله عنه الناس فخطبهم خطبة بليغة وقال: أيها الناس! إني قد ناشدت هؤلاء القوم كيما يرجعوا ويرتدعوا فلم يفعلوا ولم يستجيبوا، وقد بعثوا إلي أن أبرز إلى الطعان وأثبت للجلاد، وقد كنت وما أهدد بالحروب ولا أدعى إليها وقد أنصف القارة من راماها (1)، ولعمري لئن أبرقوا وأرعدوا فقد عرفوني ورأوني، ألا! وإن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب، ومن لم يمت يقتل، وإن أفضل الموت القتل، والذي نفس علي بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من موتة على الفراش! ثم رفع يده إلى السماء وهو يقول: اللهم! إن طلحة بن عبيد الله أعطاني صفقة بيمينه طائعا ثم نكث بيعته، اللهم! فعاجله ولا تميطه، اللهم! إن الزبير بن العوام قطع قرابتي ونكث عهدي وظاهر عدوي ونصب الحرب لي وهو يعلم أنه ظالم، فاكفنيه كيف شئت وأني شئت. ### | ذكر تعبية علي رضي الله عنه. # قال: ثم وثب علي رضي الله عنه فعبى أصحابه (2)، وكان على خيل ميمنته عمار بن ياسر، ms0408 وعلى الرجالة شريح بن هانئ، وعلى خيل الميسرة سعيد بن قيس الهمداني، وعلى رجالتها رفاعة بن شداد البجلي، وعلى خيل القلب محمد بن أبي بكر، وعلى رجالتها عدي بن حاتم الطائي، وعلى خيل الجناح زياد بن كعب الأرحبي، وعلى رجالتها حجر بن عدي الكندي، وعلى خيل الكمين عمرو (3) بن الحمق الخزاعي، وعلى رجالتها جندب بن زهير الأزدي. قال: ثم جعل علي رضي الله عنه على كل قبيلة من قبائل العرب سيدا من ساداتهم يرجعون إليه أمورهم، وتقدمت الخيل والرجالة. # قال: وبرزت يومئذ عائشة على جملها عسكر، وهو الجمل الذي اشتراه لها # PageV02P468 # يعلى بن منية بمائتي دينار (1)، وعلى الجمل يومئذ هودج من الخشب وقد غشي بجلود الإبل وسمر بالمسامير وألبس فوق ذلك الحديد، فلما توافقت الخيلان ودنت الفئتان بعضها من بعض، خرج علي رضي الله عنه حتى وقف بين الصفين. ### | ذكر ما جرى من الكلام بين علي والزبير في يوم الجمل قبل الوقعة. # قال: فوقف علي رضي الله عنه بين الصفين، عليه قميص ورداء وعلى رأسه عمامة سوداء، وهو يومئذ على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهباء التي يقال لها دلدل، ثم نادى بأعلى صوته: أين الزبير بن العوام! فليخرج إلي! فقال الناس: يا أمير المؤمنين! أتخرج إلى الزبير وأنت حاسر وهو مدجج في الحديد؟ فقال علي رضي الله عنه: ليس علي منه بأس فأمسكوا، قال: ثم نادى الثانية: أين الزبير بن العوام؟ فليخرج إلي! # قال: فخرج إليه الزبير، ونظرت عائشة فقالت: واثكل أسماء! فقيل لها يا أم المؤمنين! ليس على الزبير بأس، فإن عليا بلا سلاح (2). # قال: ودنا الزبير من علي حتى وافقه (3)، فقال له علي رضي الله عنه: يا أبا عبد الله! ما حملك على ما صنعت؟ فقال الزبير: حملني على ذلك الطلب بدم عثمان، فقال له علي: أنت وأصحابك قتلتموه فيجب عليك أن تقيد من نفسك، ولكن أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو أما تذكر يوما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا ms0409 زبير! # أتحب عليا)؟ فقلت: يا رسول الله! وما يمنعني من حبه وهو ابن خالي (4)؟ فقال لك: (أما! إنك ستخرج عليه يوما وأنت ظالم؟ فقال الزبير: اللهم بلى! قد كان # PageV02P469 # ذلك، قال علي: فأنشدك بالله الذي أنزل الفرقان أما تذكر يوما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند بني عمرو بن عوف (1) وأنت معه وهو آخذ بيدك، فاستقبلته أنا فسلم علي وضحك في وجهي وضحكت أنا إليه، فقلت أنت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه أبدا! فقال لك النبي صلى الله عليه وسلم: (مهلا يا زبير! فليس به زهو ولتخرجن عليه يوما وأنت ظالم له)؟ فقال الزبير: اللهم بلى! ولكن أنسيت، فأما إذ ذكرتني ذلك فوالله لأنصرفن عنك! ولو ذكرت هذا لما خرجت عليك (2). ### | ذكر ما قاسى من الملامة للزبير بعد ذلك من أهل عسكره. # قال: ثم رجع الزبير إلى عائشة وهي واقفة في هودجها، فقالت: ما وراءك يا أبا عبد الله؟ فقال الزبير: ورائي والله ما وقفت موقفا قط ولا شهدت مشهدا من شرك ولا إسلام إلا ولي فيه بصيرة، وإني اليوم لعلي في شك من أمرك، وما أكاد أبصر موضع قدمي! فقالت عائشة: لا والله! لكنك خفت سيوف ابن أبي طالب، أما إنها طوال حداد تحملها سواعد أنجاد ولئن خفتها لقد خافها الرجال من قبلك. قال: # ثم أقبل عليه ابنه عبد الله فقال: لا والله! ولكنك رأيت الموت الأحمر تحت رايات ابن أبي طالب، فقال له الزبير: والله يا بني إنك لمشؤوم قد عرفتك، فقال عبد الله: ما أنا بمشؤوم، ولكنك فضحتنا في العرب فضيحة لا تغسل منها رؤوسنا أبدا. # قال: فغضب الزبير من ذلك (3) ثم صاح بفرسه وحمل على أصحاب علي حملة منكرة، فقال علي رضي الله عنه: أفرجوا له فإنه محرج، فأوسعوا له حتى شق الصفوف وخرج منها، ثم رجع فشقها ثانية ولم يطعن أحدا ولم يضرب، ثم رجع إلى ابنه فقال: يا بني! هذه حملة جبان! فقال له ابنه عبد الله: فلم تنصرف عنا ms0410 وقد التقت حلقتا البطان (4)؟ فقال الزبير: يا بني! أرجع والله لاخبار قد كان النبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P470 # عهدها إلى فنسيتها حتى أذكرنيها علي بن أبي طالب فعرفتها (1). # قال: ثم خرج الزبير من عسكرهم تائبا مما كان منه وهو يقول أبياتا مطلعها: # ترك الأمور التي تخشى عواقبها * لله أجمل في الدنيا وفي الدين (2) إلى آخرها. ### | ذكر مقتل الزبير بن العوام رحمه الله. # قال: ثم مضى الزبير وتبعه خمسة من الفرسان فحمل عليهم وفرق جمعهم، ومضى حتى صار إلى وادي السباع (3) فنزل على قوم من بني تميم، فقام إليه عمرو بن جرموز (4) المجاشعي فقال: أبا عبد الله! كيف تركت الناس؟ فقال الزبير: تركتهم قد عزموا على القتال، ولا شك قد التقوا، قال: فسكت عنه عمرو بن جرموز وأمر له بطعام وشئ من لبن، فأكل الزبير وشرب، ثم قام فصلى وأخذ مضجعه، فلما علم ابن جرموز أن الزبير قد نام وثب إليه وضربه بسيفه ضربة على أم رأسه فقتله، ثم احتز رأسه (5) وأخذ سلاحه وفرسه وخاتمه، ثم جاء به بين يدي علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأخبره بما صنع بالزبير. # قال: فأخذ علي رضي الله عنه سيف الزبير وجعل يقلبه وهو يقول: إنه لسيف طالما جلى الكروب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الحين والقضاء! ثم أقبل على # PageV02P471 # عمرو بن جرموز فقال: ويحك! لم قتله؟ فقال: قتلته والله وأنا أعلم أن ذلك مما يرضيك، ولولا ذلك لما قدمت عليه، فقال علي رضي الله عنه: ويحك! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بشر قاتل ابن صفية بالنار)! قال: فوثب عمرو بن جرموز من بين يدي علي رضي الله عنه وهو يقول: لا والله ما ندري أنقاتل معكم أم عليكم! ثم انصرف عن علي وهو يقول أبياتا مطلعها: # أتيت عليا برأس الزبير * وكيف كنت أرجو منه الزلفة (1) إلى آخرها. ### | وصية علي لأهل عسكره بما يحب أن يكون منهم في الحرب. # قال: وجعل علي رضي الله عنه ms0411 يعبي أصحابه ويوصيهم وهو يقول: أيها الناس! غضبوا أبصاركم وأكثروا من ذكر ربكم، وإياكم وكثرة الكلام فإنه فشل. # قال: ونظرت إليه عائشة وهو يجول بين الصفوف، فقالت: انظروا إليه كأن فعله فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، أما والله! ما ينتظر بكم إلا زوال الشمس، فقال علي رضي الله عنه: يا عائشة! (عما قليل ليصبحن ندمين) (2). # قال: وجعل أهل البصرة يرمون أصحاب علي بالنبل حتى عقروا منهم جماعة فقالت الناس: يا أمير المؤمنين! إنه قد عقرتنا نبالهم فما انتظارك؟ فقال علي رضي الله عنه: اللهم إني قد أعذرت وأنذرت فكن لي عليهم من المساعدين. ### | خبر الفتى الذي حمل المصحف إلى أصحاب الجمل يدعوهم إليه. # قال: ثم دعا علي بالدرع فأفرغه عليه وتقلد بسيفه واعتجر بعمامته واستوى # PageV02P472 # على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا بالمصحف فأخذ بيده ثم قال (1): أيها الناس! من يأخذ هذا المصحف فيدعو هؤلاء القوم إلى ما فيه؟ قال (2): فوثب غلام من مجاشع يقال له: مسلم، عليه قباء أبيض فقال: أنا آخذه يا أمير المؤمنين! فقال له علي يا فتى! إن يدك اليمنى تقطع، فتأخذه باليسرى، فتقطع ثم تضرب عليه بالسيف حتى تقتل؟ فقال الفتى: لا صبر لي على ذلك. قال: فنادى علي الثانية والمصحف في يده، فقام إليه ذلك الفتى وقال: أنا آخذه يا أمير المؤمنين! فهذا قليل في ذات الله. # ثم أخذ الفتى المصحف وانطلق به إليهم، فقال: يا هؤلاء! هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم، قال: فضرب رجل من أصحاب الجمل يده اليمنى فقطعها، فأخذ المصحف بشماله فقطعها، فاحتضن المصحف بصدره، فضرب على صدره حتى قتل - رحمه الله (3) -. # قال: فنظرت إليه أمه وقد قتل، فأنشأت تقول أبياتا مطلعها: # يا رب إن مسلما أتاهم * بمحكم التنزيل إذ دعاهم (4) إلى آخرها. # قال: وأنشأ ابن عم له يرثيه ويقول أبياتا مطلعها: # تناوله شقي منهم بضربة * أبان بها يمناه حتى تصوب إلى آخرها. ### | ذكر إذن علي حينئذ في القتال. # ثم دفع علي ms0412 رضي الله عنه رايته إلى ابنه محمد ابن الحنفية وقال: تقدم يا بني! فتقدم محمد ثم وقف بالراية لا يبرح، فصاح به علي رضي الله عنه: اقتحم لا أم لك! فحمل محمد الراية فطعن بها في أصحاب الجمل طعنا منكرا وعلي ينظر، # PageV02P473 # فأعجبه ما رأى من فعاله فجعل يقول: # أطعن بها (1) طعن أبيك تحمد * لا خير في الحرب إذا لم توقد (2) قال: فقاتل محمد ابن الحنفية ساعة بالراية ثم رجع، وضرب علي رضي الله عنه بيده إلى سيفه فاستله ثم حمل على القوم، فضرب فيهم يمينا وشمالا ثم رجع وقد انحنى سيفه، فجعل يسويه بركبته فقال له أصحابه: نحن نكفيك ذلك يا أمير المؤمنين! فلم يجب أحدا حتى سواه ثم حمل ثانية حتى اختلط بهم، فجعل يضرب فيهم قدما قدما حتى انحنى سيفه. ثم رجع إلى أصحابه، ووقف يسوي السيف بركبته وهو يقول: والله ما أريد بذلك إلا وجه الله والدار الآخرة! ثم التفت إلى ابنه محمد ابن الحنفية وقال: هكذا اصنع يا بني! # قال: ثم حملت ميمنة أهل البصرة على ميسرة أهل الكوفة فكشفوهم إلا قليلا منهم، وحملت ميمنة أهل الكوفة على ميسرة أهل البصرة فأزالوهم عن مواقفهم، وثبت الناس بعضهم لبعض فاقتتلوا ساعة من النهار، وتقدم مخنف بن سليم الأزدي من أصحاب علي فجعل يرتجز ويقول أبياتا مطلعها: # قد عشت يا نقس وقد غنيت (3) * دهرا (4) وقبل اليوم ما عييت إلى آخرها. # قال: ثم حمل فقاتل قتالا شديدا ورجع مجروحا، ثم تقدم أخوه الصعب بن سليم فقاتل حتى قتل رحمه الله. ثم خرج أخوه الثالث عبيد الله بن سليم فقتل. ثم تقدم زيد بن صوحان العبدي من أصحاب علي فقاتل حتى قتل، فأخذ الراية أخوه صعصعة فقاتل فجرح، وأخذ الراية أبو عبيدة العبدي (5) وكان من خيار أصحاب علي فقاتل فقتل، فأخذ الراية عبد الله بن الرقية (6) فقتل، فأخذها رشيد بن سمي فقتل. # PageV02P474 # قال: فقتل سبعة أو ثمانية رهط من أصحاب علي في ربضة واحدة ثم تقدم رجل من أصحاب ms0413 الجمل يقال له عبد الله بن سري، فجعل يرتجز ويقول: # يا رب إني طالب أبا الحسن * ذاك الذي يعرف حقا بالفتن ذاك الذي يطلبه على الإحن * وبغضه شريعة من السنن قال: فخرج إليه علي رضي الله عنه وهو يرتجز ويقول: # قد كنت ترميه بإيثار الفتن * قدما وتطلبه بأوتار الإحن واليوم تلقاه مليا فاعلمن * بالطعن والضرب عليها بالسنن قال: ثم شد عليه علي بالسيف فضربه ضربة هتك بها عاتقه فسقط قتيلا، فوقف علي رضي الله عنه ثم قال: قد رأيت أبا الحسن فكيف وجدته؟ # قال: ثم تقدمت بنو ضبة فأحدقوا بالجمل وجعلوا يرتجزون بالاشعار من كل ناحية، ورجل منهم قد أخذ بخطام الجمل وفي يده سيف له كأنه مخراق وهو يرتجز ويقول: # نحن بنو ضبة أصحاب الجمل * ننازل الموت إذا الموت نزل ننعي ابن عفان بأطراف الأسل * اضرب بالسيف إذا الرمح فصل إن عليا يعد من خير البدل (1) قال: فبدر إليه زيد بن لقيط الشيباني من أصحاب علي وهو يقول أبياتا مطلعها: # يا قائل الزور من أصحاب الجمل * نحن قتلنا نعثلا فيمن قتل إلى آخرها. # قال: ثم حمل عليه الشيباني فقتله. وتقدم رجل من بني ضبة يقال له عاصم بن الدلف وأخذ بخطام الجمل وجعل يرتجز ويقول أبياتا مطلعها: # [نحن] بنو ضبة أعداء علي * ذاك الذي يعرف فيكم بالوصي إلى آخرها. # PageV02P475 # قال: فخرج إليه المنذر بن حفصة التميمي من أصحاب علي رضي الله عنه وهو يقول: # نحن مطيعون جميعا لعلي * إذ أنت ساع في الوغى سعي شقي إن الغوي تابع أمر الغوي * قد خالفت أمر النبي زوج النبي قال: ثم حمل على الضبي فقتله، ثم جال في ميدان الحرب وهو يرتجز ويقول أبياتا مطلعها: # أسامع أنت مطيع أم عصي * وتارك ما أنت فيه أم غوي إلى آخرها. # قال: فخرج إليه وكيع بن المؤمل الضبي من أصحاب الجمل وهو يقول: # أسامع أنت مطيع لعلي * وتارك في الحق أزواج النبي إني ولما ذقت حد المشرفي * أعرف يوما ليس فيه بعني (1) قال: فحمل عليه ms0414 صاحب علي فقتله، وتقدم على وكيع الأشتر حتى وقف بين الجمعين وهو يزأر كالأسد عند فريسته، و يقول في ذلك شعرا، فخرج إليه من أصحاب الجمل رجل يقال له عامر بن شداد الأزدي وأجابه على شعره، قال: فحمل عليه الأشتر فقتله، ثم نادى فلم يجب أحد فرجع. # ثم خرج محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر حتى وقفا قدام الجمل، قال: # وتبعهما الأشتر ووقف معهما، قال: فقال رجل من أصحاب الجمل: من أنتم أيها الرهط؟ قالوا: نحن ممن لا تنكرونه، وأعلنوا بأسمائهم ودعوا إلى البراز، فخرج عثمان الضبي وهو ينشد شعرا، فخرج إليه عمار بن ياسر فأجابه على شعره ثم حمل عليه عمار فقتله. # قال: وذهب كعب بن سور الأزدي ليخرج إلى عمار، فسبقه إلى ذلك غلام من الأزد أمرد فخرج، وهو يرتجز ويقول شعرا، فذهب عمار ليبرز إليه، فسبقه إلى ذلك أبو زينب الأزدي فأجابه إلى شعره، ثم حمل عليه أبو زينب فقتله، ورجع حتى # PageV02P476 # وقف بين يدي علي رضي الله عنه. # قال: وخرج عمرو بن يثربي من أصحاب الجمل حتى وقف بين الصفين قريبا من الجمل، ثم دعا إلى البراز وسأل النزال فخرج إليه علباء (1) بن الهيثم من أصحاب علي رضي الله عنه، فشد عليه عمرو فقتله، ثم طلب المبارزة فلم يخرج إليه أحد، فجعل يجول في ميدان الحرب وهو يرتجز ويقول شعرا (2)، ثم جال وطلب البراز، فتحاماه الناس واتقوا بأسه، قال: فبدر إليه عمار بن ياسر وهو يجاوبه على شعره، والتقوا بضربتين، فبادره عمار بضربة فأرداه عن فرسه، ثم نزل إليه عمار سريعا فأخذ برجله وجعل يجره (3) حتى ألقاه بين يدي علي رضي الله عنه، فقال علي: اضرب عنقه! فقال عمرو: يا أمير المؤمنين! استبقني حتى أقتل لك منهم كما قتلت منكم، فقال علي: يا عدو الله! أبعد ثلاثة من خيار أصحابي أستبقيتك (4)؟ لا كان ذلك أبدا! قال: فأدنني حتى أكلمك في أذنك بشيء، فقال علي: أنت رجل متمرد، وقد أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0415 بكل متمرد علي وأنت أحدهم، فقال عمرو بن يثربي: أما والله لو وصلت إليك لقطعت أذنك - أو قال: أنفك - قال: - فقدمه علي فضرب عنقه بيده صبرا. # قال: وخرج أخوه عميرة (5) فجعل يرتجز ويقول شعرا، فخرج علي رضي الله عنه وأجابه إلى شعره، ثم حمل عليه علي فضربه ضربة على وجهه، فرمى بنصف رأسه. # PageV02P477 # وانفرق علي يريد أصحابه فصاح به صائح من ورائه، فالتفت وإذا بعبد الله بن خلف الخزاعي، وهو صاحب منزل عائشة بالبصرة، فلما رآه علي عرفه فناداه: ما تشاء يا بن خلف؟ قال: هل لك في المبارزة؟ قال علي: ما أكره ذلك ولكن ويحك يا ابن خلف! ما راحتك في القتل وقد علمت من أنا؟ فقال عبد الله بن خلف: دعني من مدحك يا بن أبي طالب! وادن مني لترى أينا يقتل صاحبه! ثم أنشد شعرا، فأجابه علي عليه، والتقوا للضرب فبادره عبد الله بن خلف بضربة دفعها علي بحجفته، ثم انحرف عنه علي فضربه ضربة رمى بيمينه ثم ضربه أخرى فأطار قحف رأسه. # ثم خرج علي إلى أصحابه، وخرج مبارز بن عوف الضبي من أصحاب الجمل وجعل يقول شعرا، قال: فخرج إليه عبد الله بن نهشل من أصحاب علي مجيبا له على شعره، ثم حمل على الضبي فقتله، فخرج من بعد الضبي ابن عم له يقال له ثور بن عدي وهو ينشد شعرا، فخرج إليه محمد بن أبي بكر مجيبا له وهو يقول شعرا، ثم شد عليه محمد بن أبي بكر فضربه ضربة رمى بيمينه ثم ضربه ثانية فقتله. # قال: فغضبت عائشة وقالت: ناولوني كفا من حصباء، فناولوها فحصبت بها أصحاب علي وقالت: شاهت الوجوه! فصاح بها رجل من أصحاب علي رضي الله عنه، وقال: يا عائشة! وما رميت إذ رميت ولكن الشيطان رمى، ثم جعل يقول شعرا: # قد جئت يا عيش لتعليمنا * وتنشر البرد لتهزمينا وتقذفي الحصباء جهلا فينا * فعن قليل سوف تعلمينا ### | ذكر مقتل طلحة بن عبيد الله # قال: وجعل طلحة ينادي بأعلى صوته: عباد ms0416 الله! الصبر الصبر! إن بعد الصبر النصر والاجر، قال: فنظر إليه مروان بن الحكم فقال لغلام له: ويلك يا غلام! والله إني لاعلم أنه ما حرض على قتل عثمان يوم الدار أحد كتحريض طلحة ولا قتله سواه! ولكن استرني فأنت حر، قال: فستره الغلام، ورمى مروان بسهم مسموم لطلحة بن عبيد الله فأصابه به (1)، فسقط طلحة لما به وقد غمي عليه، ثم # PageV02P478 # أفاق فنظر إلى الدم يسيل منه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أظن والله أننا عنينا بهذه الآية من كتاب الله عز وجل إذ يقول: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب *) (1). قال: ثم أقبل على غلامه، وقد بلغ منه الجهد، قال: ويحك يا غلام! اطلب لي مكانا أدخله فأكون فيه، فقال الغلام: # لا والله ما أدري أين أنطلق بك! فقال طلحة: يا سبحان الله! والله ما رأيت كاليوم قط! دم قرشي أضيع من دمي، وما أظن هذا السهم إلا سهما أرسله الله، وكان أمر الله قدرا مقدورا. فلم يزل طلحة يقول ذلك (2) حتى فات ومات ودفن، ثم وضع في مكان يقال له السبخة (3)، ودخل من ذلك على أهل البصرة غم عظيم، وكذلك على عائشة لأنه ابن عمها. وجاء الليل فحجز بين الفريقين. ### | ذكر ما كان بعد ذلك. # قال: فلما كان من الغد دنا القوم من بعضهم بعض، وتقدمت عائشة على جملها عسكر حتى وقفت أمام الناس والناس من ورائها وعن يمينها وشمالها. قال: # وصف علي رضي الله عنه أصحابه وعباهم كالتعبية الأولى، وعزم القوم على المناجزة، وتقدم كعب بن سور الأزدي حتى أخذ بخطام الجمل وجعل يرتجز ويقول أبياتا مطلعها: # PageV02P479 # يا معشر الناس عليكم أمكم * فإنها صلاتكم وصومكم إلى آخرها. # قال: فحمل عليه الأشتر فقتله، وخرج من بعده غلام من الأزد يقال له وائل بن كثير فجعل يتلو ويقول شعرا، فبرز إليه الأشتر مجيبا له وهو يقول شعرا، ثم حمل عليه الأشتر فقتله، وخرج من بعده عمرو بن خنفر من أصحاب ms0417 الجمل وهو يقول شعرا، ثم حمل عليه الأشتر فقتله، وخرج من بعده عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية فجعل يلعب بسيفه بين يدي عائشة وهو يقول شعرا، قال: فبدر إليه الأشتر مجيبا له، ثم حمل عليه فضربة ضربة رمى بيمينه فسقط لما به، وثناه الأشتر بضربة أخرى فقتله، ثم جال في ميدان الحرب وهو يقول شعرا، ثم رجع الأشتر إلى موقفه. # وصاح رجل من أهل الكوفة: يا معشر المؤمنين! إذا خرج إليكم رجل من أنصار صاحبة الجمل وقال شيئا من الشعر فلا تجيبوه بشيء ليستريح إلى إجابتكم له، ولكن استعملوا فيمن خرج إليكم بالسيف فإنه أسرع للجواب. قال: وإذا برجل من أصحاب الجمل يقال له الأسود البختري (1) قد خرج وهو يقول شعرا، فحمل عليه عمرو بن الحمق الخزاعي فقتله، وخرج من بعده جابر بن مزيد الأزدي، فحمل عليه محمد بن أبي بكر فقتله، وخرج من بعده جابر بن مزيد الأزدي، فحمل عليه محمد بن أبي بكر فقتله، وخرج من بعده مجاشع بن عمر التميمي (2) وهو يقول شعرا، فحمل على أصحاب علي حملة، واستأمن إلى علي فكان من خيار أصحابه بعد ذلك، وخرج من بعده عوف بن قطن وهو يقول شعرا، فحمل عليه محمد ابن الحنفية فقتله، وخرج من بعده بشر بن عمرو الضبي وهو يقول شعرا، فحمل عليه عمار بن ياسر فقتله، وخرج من بعده حرسة بن ثعلبة الضبي في يده خطام الجمل وهو يقول شعرا، ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قطعت يده على خطام الجمل وقتل، وتقدم حازم الضبي فضرب بيده إلى خطام الجمل وهو يرتجز ويقول شعرا، ثم حمل فجعل يقاتل حتى قطعت يده على الخطام ثم قتل، وخرج من بعده غلام من ضاهية يقال له أسلم بن سلامة فأخذ بخطام الجمل وجعل يرتجز ويقول شعرا فقاتل حتى قطعت يده على الخطام ثم قتل، وخرج من بعده رجل من الأزد يقال له سليم فأخذ # PageV02P480 # بخطام الجمل وهو يقول شعرا، فقاتل حتى قطعت ms0418 يده على خطام الجمل ثم قتل، وخرج من بعده رجل من أزد شنوءة يقال له عبيد بن عمير فأخذ بخطام الجمل وهو يقول شعرا، فقاتل حتى قتل، وخرج من بعده رجل من بني مازن يقال له عوف بن مالك فأخذ بخطام الجمل وجعل يقول شعرا، فقاتل حتى قطعت يده على الخطام ثم قتل. فلم تزل القوم كذلك يتقدم رجل بعد رجل حتى قطع على الخطام يومئذ ثماني وتسعون يدا (1)، قال: ونادت عائشة رضي الله عنها بأعلى صوتها: أيها الناس! # عليكم بالصبر فإنما تصبر الأحرار، فناداها رجل من أصحاب علي وهو يقول شعرا. # قال: واشتبكت الحرب بين الفريقين فاقتتلوا قتالا شديدا، وصاح الحجاج بن [عمرو بن] غزية الأنصاري: يا معاشر الأنصار! إنه لم ينزل موت قط في جاهلية ولا إسلام إلا مضيتم عليه، ولست أراكم اليوم كما أريد، وأنا أنشدكم بالله أن تحدثوا ما لم يكن، إن إخوانكم اليوم قد أبلوا وقاتلوا، وإن الموت قد نزل فصبرا صبرا حتى يفتح الله عز وجل عليكم. # قال: ثم تقدم الحجاج [بن عمرو] بن غزية الأنصاري عن القوم فجعل يضرب بسيفه قدما، وهو يقول شعرا، قال: ثم تقدم في أثره خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين وهو يقول شعرا، قال: ثم تقدم في أثره شريح بن هانئ الحارثي وهو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره هانئ بن عروة وهو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره زياد بن كعب الهمداني وهو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره سعيد بن قيس الهمداني وهو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره مالك بن الحارث الأشتر وهو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره عدي بن حاتم الطائي وهو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره رفاعة بن شداد البجلي وهو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره هانئ بن هانئ بن عبيد المذحجي وهو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره عمرو (2) بن الحمق الخزاعي وهو يقول شعرا. # قال: فاقتتل القوم قتالا شديدا لم يسمع بمثله، وصار الهودج الذي فيه عائشة كأنه ms0419 القنفذ مما فيه من النبل والسهام، قال: وجعلت بنو ضبة يأخذون بعر الجمل فيشمونه ويقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى بعر جمل أمنا كأنه المسك الأذفر. # PageV02P481 # قال: وجعل الأشتر يجول في ميدان الحرب وينادي بأعلى صوته يا أنصار الجمل! من يبارزني منكم؟ قال: فبرز إليه عبد الله بن الزبير وهو يقول: إلى أين يا عدو الله؟ فأنا أبارزك! قال: فحمل عليه الأشتر فطعنه طعنة صرعه عن فرسه، ثم بادر وقعد على صدره، قال: فجعل عبد الله بن الزبير ينادي من تحت الأشتر في يومه ذلك: اقتلوني ومالكا (1)! قال: وكان الأشتر في يومه صائما وقد طوى من قبل ذلك بيومين فأدركه الضعف، فأفلت عبد الله من يده وهو يظن أنه غير ناج منه (2). ### | ذكر عقر الجمل وما بعده. # قال: واحمرت الأرض بالدماء وعقر من ورائه فعج ورغا، فقال علي: عرقبوه فإنه شيطان، ثم التفت إلى محمد بن أبي بكر وقال له: انظر إذا عرقب الجمل فأدرك أختك فوارها، قال: وبادر عبد الرحمن بن صرد التنوخي إلى سيفه، فلم يزل يقاتل حتى وصل إلى الجمل فعرقبه من رجليه جميعا (3)، فوقع الجمل لجنبه وضرب بجرانه الأرض ورغا رغاء شديدا، وبادر عمار بن ياسر فقطع أنساع الهودج بسيفه، قال: وأقبل علي رضي الله عنه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرع الهودج برمحه ثم قال: يا عائشة أهكذا أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفعلي؟ فقالت عائشة: قد ظفرت فأحسن. فقال علي رضي الله عنه لمحمد بن أبي بكر: شأنك بأختك، فلا يدنو منها أحد سواك، فأدخل محمد يده إلى عائشة فاحتضنها ثم قال: أصابك شيء؟ # فقالت: لا، ما أصابني شيء (4)، ولكن من أنت ويحك! فقد مسست مني ما لا يحل لك؟ فقال محمد: اسكتي فأنا أخوك محمد، فعلت بنفسك ما فعلت وعصيت # PageV02P482 # برسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كانت فيك شعرة منه أو ظفر لمننت علينا وعلى جميع العالمين بذلك! وبعد فإنما كنت تسع إحدى حشايا من حشاياه، ms0420 لست بأحسنهم وجها ولا بأكرمهن حسبا ولا بأرشحهن عرقا، وأنت الآن تريدين أن تقولي ولا تعصين وتأمري ولا تخالفين، ونحن لحم الرسول صلى الله عليه وسلم ودمه وفينا ميراثه وعلمه، فقالت عائشة: يا ابن عباس! ما باذلك عليك علي بن أبي طالب! فقال ابن عباس: إذا والله أقر له وهو أحق به مني وأولى، لأنه أخوه وابن عمه وزوج الطاهرة - ابنته وأبو سبطيه ومدينة علمه وكشاف الكرب عن وجهه، وأما أنت فلا والله ما شكرت نعماءنا عليك وعلى أبيك من قبلك! ثم خرج وسار إلى علي فأخبره بما جرى بينه وبين عائشة من الكلام. ### | ذكر دخول علي على عائشة وما جرى بينهم من الكلام حين أمرها بالانصراف إلى المدينة. # قال: فدعا علي ببغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستوى عليها، وأقبل إلى منزل عائشة، ثم استأذن ودخل (1)، فإذا عائشة جالسة وحولها نسوة من نساء أهل البصرة وهي تبكي وهن يبكين معها، قال: ونظرت صفية بنت الحارث الثقفية امرأة عبد الله بن خلف الخزاعي إلى علي، فصاحت هي ومن كان معها هناك من النسوة وقلن بأجمعهن: يا قاتل الأحبة يا مفرق بين الجميع أيتم الله منك بنيك كما أيتمت ولد عبد الله بن خلف! فنظر إليها علي فعرفها فقال: أما اني لا ألومك أن تبغضيني وقد قتلت جدك في يوم بدر، فقتلت عمك يوم أحد، وقتلت زوجك الآن، ولو كنت قاتل الأحبة كما تقولين لقتلت من في هذا البيت ومن في هذه الدار (2)، قال: فأقبل علي على عائشة فقال: ألا تنحين كلابك هؤلاء عني، أما إنني قد هممت أن أفتح باب هذا البيت فأقتل من فيه، وباب هذا البيت فأقتل من فيه، ولولا حبي للعافية لاخرجتهم الساعة فضربت أعناقهم صبرا، قال: فسكتت عائشة وسكتت النسوة فلم تنطق واحدة منهن. قال: ثم أقبل على عائشة فجعل يوبخها ويقول: أمرك الله أن تقري في بيتك # PageV02P483 # وتحتجبي بسترك ولا تبرجي، فعصيته وخضت الدماء، تقاتليني ظالمة وتحرضين علي الناس، وبما شرفك الله وشرف آباءك ms0421 من قبلك وسماك أم المؤمنين وضرب عليك الحجاب قومي الآن فارحلي واختفي في الموضع الذي خلفك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يأتيك فيه أجلك، ثم قام علي فخرج من عندها. # قال: فلما كان من الغد بعث إليها ابنه الحسن، فجاء الحسن فقال لها: يقول لك أمير المؤمنين (أما والذي خلق الحبة وبرأ النسمة! لئن لم ترحلي الساعة لأبعثن عليك بما تعلمين)، قال: وعائشة في وقتها ذلك قد ضفرت قرنها الأيمن وهي تريد أن تضفر الأيسر، فلما قال لها الحسن ما قال وثبت من ساعتها وقالت: رحلوني! # فقالت لها امرأة من المهالبة: يا أم المؤمنين! جاءك عبد الله بن عباس فسمعناك وأنت تجاوبيه حتى علا صوتك ثم خرج من عندك وهو مغضب، ثم جاءك الآن هذا الغلام برسالة أبيه فأقلقك وقد كان أبوه جاءك فلم نر منك هذا القلق والجزع! فقالت عائشة: إنما أقلقني لأنه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أحب أن ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هذا الغلام، وبعد فقد بعث إلي أبوه بما قد علمت ولا بد من الرحيل، فقالت لها المرأة: سألتك بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم إلا أخبرتني بماذا بعث إليك علي رضي الله عنه، فقالت عائشة رضي الله عنها: ويحك! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب من مغازيه نفلا فجعل يقسم ذلك في أصحابه، فسألناه أن يعطينا منه شيئا وألححنا عليه في ذلك، فلامنا علي رضي الله عنه وقال: حسبكن أضجرتن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتجهمناه وأغلظنا له في القول. فقال: (عسى ربه إن طلقكم أن يبدله أزواجا خيرا منكن) (1) فأغلظنا له أيضا في القول وتجهمناه، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وما استقبلنا به عليا، فأقبل عليه ثم قال: يا علي! إني قد جعلت طلاقهن إليك فمن طلقتها منهن فهي بائنة، ولم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وقتا في حياة ولا موت، ms0422 فهي تلك الكلمة، وأخاف أن أبين من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### | ذكر انصراف عائشة من البصرة إلى المدينة. # قال: ثم دعا علي رضي الله عنه بنسوة (2) من نساء أهل البصرة فأمرهن أن # PageV02P484 # ربك وهتكت سترك وأبحت حرمتك وتعرضت للقتل. # قال: ثم احتملها فأدخلها البصرة وأنزلها في دار عبد الله (1) بن خلف الخزاعي، فقالت عائشة لأخيها: يا أخي! أنشدك بالله إلا طلبت لي ابن أختك عبد الله بن الزبير، فقال لها محمد: ولم تسألين عن عبد الله؟ فو الله ما سامك أحد سواه! فقالت عائشة: مهلا يا أخي! فإنه ابن أختك وقد كان ما ليس إلى رده سبيل، فأقبل محمد إلى موضع المعركة فإذا هو بعبد الله بن الزبير جريحا لما به، فقال له محمد: اجلس يا مشؤوم أهل بيته! اجلس لا أجلسك الله! قال: فجلس ابن الزبير وحمله محمد بين يديه وركب من خلفه، وجعل يمسكه وهو يميل من الجراح التي به حتى أدخله على عائشة، فلما نظرت إليه على تلك الحالة بكت ثم قالت لأخيها محمد: يا أخي! استأمن له عليا وتمم إحسانك، فقال لها محمد: لا بارك الله لك فيه! ثم سار إلى علي وسأله ذلك، فقال علي: قد آمنته وآمنت جميع الناس. # قال: وجعل رجل من أهل الكوفة يقال له مسعود بن عمرو الهمداني يجول في القتلى وينظر إليهم، فبينما هو كذلك إذ مر برجل من بني ضبة يقال له عمير (2) بن الاهلب، فإذا هو مقطوع اليدين وبه ضربات كثيرة وقد ندم على قتاله مع عائشة وهو يقول شعرا (3)، قال: فجعل الهمداني يتعجب من قول الضبي، فقال له الضبي: # ممن الرجل؟ فقال: رجل من همدان، فقال: ما لي أراك واقفا متعجبا من قولي، فقال الهمداني: إني أتعجب من ندامتك حين لا تنفعك الندامة، فقال له الضبي: # قرب إلي أذنك، فقرب إليه أذنه، فعض عليها الضبي حتى قطعها، وانفلت الهمداني بغير أذن ثم أنكر عليه بسيفه حتى قطعه إربا إربا (4). # PageV02P485 ### | ذكر ما جرى من الكلام بين ms0423 عبد الله بن عباس وبين عائشة لما أنفذه إليها برسالته علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. # قال: ثم دعا علي رضي الله عنه بعبد الله بن عباس فقال له: اذهب إلى عائشة (1) فقل لها أن ترتحل إلى المدينة كما جاءت ولا تقيم بالبصرة، فأقبل إلى عائشة فاستأذن عليها، فأبت أن تأذن له، فدخل عبد الله بغير إذن، ثم التفت فإذا راحلة عليها وسائد فأخذ منها وسادة وطرحها ثم جلس عليها، فقالت عائشة: يا بن عباس! أخطأت السنة دخلت منزلي بغير إذني (2)! فقال ابن عباس: لو كنت في منزلك الذي خلفك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخلت عليك إلا بإذنك، وذلك المنزل الذي أمرك الله عز وجل أن تقري فيه، فخرجت منه عاصية لله عز وجل ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد فهذا أمير المؤمنين يأمرك بالارتحال إلى المدينة فارتحلي ولا تعصي، فقالت عائشة: رحم الله أمير المؤمنين! ذاك عمر بن الخطاب! فقال ابن عباس: وهذا والله أمير المؤمنين وإن رغمت له الأنوف واربدت له الوجوه! فقالت عائشة: أبيت ذلك عليكم يا بن عباس! فقال ابن عباس: لقد كانت أيامك قصيرة المدة ظاهرة الشؤم بنية النكد، وما كنت في أيامك إلا كقدر حلب شاة حتى صرت ما تأخذين وما تعطين ولا تأمرين ولا تنهين، وما كنت إلا كما قال أخو بني أسد حيث يقول: # ما زال إهداء القصائد بيننا * شتم الصديق وكثرة الألقاب حتى تركت كأن قولك عندهم * في كل محتفل طنين ذباب قال: فبكت عائشة بكاء شديدا ثم قالت: نعم والله أرحل عنكم! فما خلق الله بلدا هو أبغض إلي من بلد أنتم به يا بني هاشم! فقال ابن عباس: ولم ذلك؟ # فوالله ما هذا بلاؤنا عندك يا بنت أبي بكر! فقالت عائشة: وما بلاؤكم عندي يا بن عباس؟ فقال: بلاؤنا عندك أننا جعلناك أم المؤمنين وأنت بنت أم رومان، وجعلنا أباك صديقا وهو ابن أبي قحافة، وبنا سميت أم المؤمنين لا بتيم وعدي، فقالت ms0424 عائشة: يا بن عباس! أتمنون علي برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم لا نمن عليك # PageV02P486 # يخرجن مع عائشة إلى المدينة، فرحلت عائشة من البصرة (1) في تلك النسوة، وقد كان علي رضي الله عنه أوصاهن وأمرهن أن يتزيين بزي الرجال، عليهن العمائم، فجعلت عائشة تقول في طريقها: فعل بي علي وفعل، ثم وجه معي رجالا يردوني إلى المدينة! قال: فسمعتها امرأة منهن فحركت بعيرها حتى دنت منها ثم قالت: # ويحك يا عائشة! أما كفاك ما فعلت حتى انك الآن تقولين في أبي الحسن ما تقولين! ثم تقدمت النسوة وسفرن عن وجوههن، فاسترجعت عائشة واستغفرت وقالت: هذا ما لقيت من ابن أبي طالب. # ثم دخلت عائشة المدينة وصارت إلى منزلها نادمة على ما كان منها، وانصرفت النسوة إلى منازلهن بالبصرة. # قال: فكانت عائشة إذا ذكرت يوم الجمل تبكي لذلك بكاء شديدا ثم تقول: # يا ليتني لم أشهد ذلك المشهد! يا ليتني مت قبل هذا بعشرين سنة! ثم قالت عائشة: ولو لم أشهد الجمل لكان أحب إلي من أن يكون لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ولد عبد الرحمن بن الحارث، فإنه كان له عشرة أولاد ذكور كل يركب. ### | ذكر عدد من قتل من الفريقين في حرب الجمل. # قال أبو يعقوب إسحاق بن يوسف الفزاري: سألت أبا المنذر هشام بن محمد بن السائب عمن قتل من أصحاب علي رضي الله عنه وعائشة رضي الله عنها في يوم الجمل، فقال: أما علي رضي الله عنه فكان في عشرين ألفا، قتل من أصحابه ألف رجل وسبعون رجلا، وأما عائشة فكانت في ثلاثين ألفا ويزيدون، فقتل من الأزد خاصة أربعة آلاف (2) رجل، ومن بني ضبة ألف رجل (3)، ومن بني ناجية * (هامش) * (1) وكان ذلك يوم السبت غرة رجب (الطبري 5 / 225). # (2) في مروج الذهب 2 / 411 ألفان وخمسمائة رجل. وفي الطبري 5 / 225 ألف وثلاثمائة وخمسون رجلا. # (3) الطبري: ثمانمائة رجل. # وفي الطبري: قتل علي بن أبي طالب يوم الجمل ألفين وخمسمائة. # وفي رواية ms0425 عند الطبري: أن قتلى الجمل يزيدون على ستة آلاف. وفي رواية أخرى: عدد قتلى الجمل عشرة آلاف نصفهم من أصحاب علي ونصفهم من أصحاب عائشة، وقد جرى تفصيل القتلى على القبائل انظر ج 5 / 222. (*) PageV02P487 # أربعمائة رجل، ومن بني عدي ومواليهم تسعون رجلا، ومن بني بكر بن وائل ثمانمائة رجل، ومن بني حنظلة سبعمائة رجل، ومن سائر أخلاط الناس تسعة آلاف رجل. # قال: ونظر رجل من بني تيم بن مرة بعد ذلك إلى عبد الرحمن بن صرد التنوخي عاقر الجمل (1)، فقال له: أنت الذي عرقبت الجمل يوم البصرة؟ فقال التنوخي: أنا والله ذلك الرجل! ولو لم أعرقبه لما بقي من أصحاب عائشة ذلك اليوم مخبر، فإن شئت فاغضب وإن شئت فارض، ثم أنشأ يقول شعرا. # قال: فأقام علي بالبصرة بعد حرب الجمل أياما قلائل، فلما أراد الرحيل عنها نصب في عسكره منبرا ثم نادى في الناس فجمعهم، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر من أمر القوم ما ذكر. # قال: فوثب إليه المنذر بن الجارود العبدي (2)، فسأله عن أمر الفتن وغيرها، فأخذ علي في ذلك يخبره من يومه ذلك إلى أن تقوم الساعة، فذكر الفتن في مدينة مدينة وكيف تخرب ومن يتولى خرابها، وكم النفقة تكون وعلى من تكون في المشرق والمغرب - فتركنا ذكرها لطولها - ثم قال في آخر كلامه: يا منذر - يعني المنذر بن الجارود العبدي - إنه لن تقوم الساعة إلا على أشرار خلق ربك، وذلك في أول يوم من المحرم يوم الجمعة، فافهم عني يا منذر ما نبأتك به، ولم أكتمه عن غيرك - والله ولي الاحسان، اللهم صل على سيدنا محمد الكريم في الحسب، الرفيع في النسب، سليل عبد المطلب، وسيد العجم والعرب، وسلم تسليما كثيرا. ثم نزل عن المنبر وأمر أصحابه بالرحيل، وانصرف إلى الكوفة منصورا (3). # PageV02P488 ### | ابتداء خبر وقعة صفين. # قال أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي قال حدثني سليم (1) عن مجاهد عن الشعبي وأبي محصن عن أبي وائل وعلي بن ms0426 مجاهد عن أبي إسحاق قال وحدثني نعيم بن مزاحم قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي الأسلمي قال: # حدثني عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب الزهري قال: وحدثني إسحاق بن يوسف الفزاري قال: حدثني أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب قال: # حدثني أبو مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي قال: حدثني الحارث بن الحصين عن عبد الرحمن بن عبيد (2) والنضر بن صالح بن حبيب (3) بن زهير قال: وحدثني عمران (4) بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله (5) بن يزيد عن صالح بن إبراهيم وزيد بن عبد الرحمن الوافقي وعلي بن حنظلة بن أسعد الشامي والحسن بن نصر بن مزاحم العطار عن أبيه عن محمد بن عبد الله القرشي وغير هؤلاء، فذكر هذا الحديث سرا وعلانية، وقد جمعت ما سمعت من رواياتهم على اختلاف لغاتهم فألفته حديثا واحدا على نسق واحد وكل # PageV02P489 # يذكر أنه لما فرغ علي بن أبي طالب من أمر البصرة في يوم الجمل وخطب الناس وذكر من أمر الملاحم والفتن ما ذكر ثم نزل عن المنبر وذلك في وقت الظهر قام إليه عمار بن ياسر فقال: يا أمير المؤمنين! إن الناس قد اختلفوا، فقائل منهم يقول: # بأنك تريد المقام بالبصرة، وقائل يقول: بأنك منصرف إلى الكوفة، وقد أرجف نفر من أهل عسكرك بأنك تريد الشام، ووالله يا أمير المؤمنين! لقد بايعناك ونحن لا نرى أحدا يقاتلك، ثم قاتلك من بايعك فأعطاك الله ما وعدك، وقد قال الله عز وجل: # (ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله) (1) ثم قال: (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) (2) ثم قال: (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) (3) وقال: (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) (4)، وقد كانت الكوفة لنا والبصرة علينا، فأصبحنا بحمد الله على ما نحب من ماض مأجور وراجع معذور، وقد علمت أن بالشام الداء العضال، معاوية بن أبي سفيان، وهو ms0427 رجل لا يسلم ما في يديه أبدا إلا مغلوبا أو مغلولا أو مسلوبا [أو] مقتولا، فعاجله (5) قبل الفكر وانهض إليه قبل الحذر. # ثم قام الأشتر النخعي فقال: يا أمير المؤمنين إنما ينبغي لنا أن نقول قبل أن تعزم، فإذا عزمت لم نقل، ولو سرت بهذا الجيش إلى الشام لم يلقك بمثله أبدا، فسر (6) بنا إلى القلوب القاسية والابصار العمية. # ثم وثب رجل من عبد القيس وأنشد شعرا لعلي وجعل يحرضه على ذلك. # فنادى علي في الناس بالرحيل، فرحل الناس من البصرة إلى الكوفة فدخلوها يوم الاثنين لستة عشر يوما خلت (7) من شهر رجب سنة ست وثلاثين، ومعه يومئذ # PageV02P490 # أشراف الناس، قال: واستقبله أهل الكوفة يهنئونه ويدعون له بالبركة، ثم قال له أصحابه: يا أمير المؤمنين! أتنزل القصر؟ قال: لا، ذاك قصر خيال، ولكن أنزل الرحبة، ثم أقبل فنزلها، وحطت الأثقال، ودخل علي رضي الله عنه إلى المسجد الأعظم فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه وقال (1): الحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه، وأعز الصادق المحق وأذل الناكث المبطل، ألا! وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الامل (2)، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الامل فينسي الآخرة، ألا! وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة (3) والآخرة عن قريب مقبلة، ولكل واحدة منها (5) بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، واليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل، فإياكم يا أهل الكوفة وطاعة الله، وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم، الذين هم أولى بطاعتكم من المستحلين المدعين من الحق ما ليس لهم، فقد ذاقوا وبال ما اجترموا، فسوف يلقون غيا، ألا! وإنه قد قعد عن نصرتي رجال منكم وأنا عليكم عاتب، فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا ونرى منهم ما نرضى. # قال: فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي وقال (6): والله يا أمير المؤمنين! إني لأرى الهجران لهم والاسماع لهم ما يكرهون قليلا بقعودهم عن نصرتك، ووالله لئن أمرتنا لنقتلنهم! فقال علي رضي الله عنه: سبحان الله يا مالك! لقد جزت المدى ms0428 وتعديت الحد وأغرقت في النزع، وليس هكذا قال الله تعالى، إنما قال: (النفس بالنفس) (7) وقال تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا *) (8) # PageV02P491 # فقام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي وكان ممن تخلف عنه فقال: يا أمير المؤمنين! أفرأيت القبيل الذين قتلوا يوم الجمل حول عائشة بماذا قتلوا؟ فقال علي رضي الله عنه: قتلوا بما قتلوا به شيعتي وعمالي بلا ذنب كان منهم إليهم، ثم صرت إليهم وأمرتهم أن يدفعوا إلي قتلة إخواني، فأبوا علي وقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي ودماء قريب من ألف رجل من شيعتي من المسلمين فقتلوهم، أفي شك أنت من ذلك يا أخا الأزد؟ فقال قد كنت شاكا، والآن فقد عرفت واستبان لي خطأ القوم وأنك لانت المهدي المصيب. # قال: ثم نزل علي رضي الله عنه عن المنبر وركب فصار إلى جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي فنزل عليه، قال: وأقبل إليه سليمان بن صرد الخزاعي (1) مسلما، فقال له علي رضي الله عنه: يا سليمان! إنك ارتبت وتربصت وراوغت وقد كنت من أوثق الناس في نفسي فما الذي أقعدك عن نصرتي؟ فقال: يا أمير المؤمنين: لا ترد الأمور على أعقابها، ولا توبخني بما قد مضى، واستبق مودتي يخلص لك نصيحتي، فقد تعذرت أمورا تعرف فيها عدوك من وليك، قال: # فسكت عنه علي. # فجلس سليمان بن صرد قليلا ثم نهض إلى المسجد الأعظم والحسن بن علي قاعد في المسجد، فقال: أبا محمد! ألا أعجبك من أمير المؤمنين وما لقيت منه على رؤوس الاشهاد من التبكيت والتأنيب؟ فقال الحسن: إنما يعاتب من يرجو مودته النصيحة، فقال سليمان: أما إنه قد بقيت (2) مواطن يتقصف فيها القنا وتتثلم فيها السيوف، ويحتاج فيها إلى أمثالي، فلا تستغشوا مودتي ولا تتهموا نصيحتي، فقال له الحسن: أي رحمك الله! ما أنت بالظنين. # قال: ثم جعل يدخل إليه رجل بعد رجل ممن كان قد تخلف عنه يوم الجمل، فإذا سلم عليه يقول له علي رضي الله عنه: ms0429 وعليك السلام وإن كنت من المتربصين! # فلم يزل على ذلك من شأنه إلى أن جاءت الجمعة، فخرج فصلى بالناس، ثم بعث # PageV02P492 # عماله إلى جميع البلاد التي كانت في يده من العراق والماهان والجبال وخراسان والجزيرة (1). ### | وقعة أهل الجزيرة مع الأشتر قبل وقعة صفين. # قال: وكانت أهل الجزيرة عثمانيين وقد بايعوا معاوية وصاروا في سلطانه، فلما بلغ الخبر عليا رضي الله عنه ادعى بالأشتر وولاه الجزيرة وبلادها، والضحاك بن قيس الفهري يومئذ بحران (2) من قبل معاوية، فلما بلغه خروج الأشتر إلى ما قبله بعث إلى أهل الرقة فاستمدهم إلى حرب الأشتر، فأمدوهم برجل يقال له سماك بن مخرمة في جمع كثير. # قال: فأقبل الأشتر في جيش أهل الكوفة، والتقى القوم قريبا من مدينة حران (3)، فاقتتلوا قتالا كثيرا إلى وقت السماء، ثم انهزم الضحاك ومن معه في جوف الليل حتى صاروا إلى حران، وسار إليهم الأشتر حتى نزل عليهم فحاصرهم، وبلغ ذلك معاوية فأرسل إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في خيل عظيمة، وبلغ ذلك الأشتر فسار إليهم حتى لقيهم دون الرقة (4)، فواقعهم وهزمهم هزيمة قبيحة حتى ألحقهم بالشام، ثم أقبل حتى نزل على أهل الرقة فحاصرهم. # قال: وخرج الضحاك بن قيس من حران يريد لقاء الأشتر ليزيله عن الرقة، وقدم أيمن بن خريم (5) الأسدي من عند معاوية في جيش عظيم، فاجتمعت العساكر على الأشتر من كل ناحية والتقى القوم للقتال، فصبر بعضهم لبعض صبرا حسنا، ثم # PageV02P493 # انهزمت خيل الشام حتى لحقت بمعاوية، وجعل الأشتر يعبر على أطراف البلاد ويذل كل من ناواه حتى ضبط الجزيرة ضبطا محكما. # وبلغ ذلك عليا فقام في الناس بالكوفة خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # أيها الناس! إن الله تبارك وتعالى هو خالق الخلق، ولن يرضى من أحد من خلقه إلا بالحق، ولن يزال أمرنا هذا متمسكا ولم يشتم آخرنا أولنا، فإذا فعلوا ذلك فقد هلكوا وأهلكوا، ألا! وإني مخبركم أن معاوية بن أبي سفيان قد شكل أهل الشام وزعم لهم أني أنا الذي ms0430 قتلت عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد حارب عاملي، ويوشك أنه سينازعني حقي ويدفعني عنه بجموع أهل الشام، ألا! وإني قد عزمت على الكتاب إليه، فماذا عندكم من الرأي؟ قال: فضج المسلمون من كل ناحية فقالوا: يا أمير المؤمنين! افعل في ذلك ما أحببت وأمرنا بأمرك، فأمرك فينا سمعا وطاعة، وما طاعتك فينا إلا كطاعة النبي صلى الله عليه وسلم. ### | ذكر كتاب علي رضي الله عنه إلى معاوية. # قال: فنزل علي رضي الله عنه عن المنبر ودخل إلى منزله، ثم دعا بدواة وقرطاس وكتب إلى معاوية كتابا نسخته (1): بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد! فإن بيعتي لزمتك، وأنا بالمدينة وأنت بالشام، وذلك أنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، فليس للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وأما عثمان فقد كان أمره مشكلا على الناس، المخبر عنه كالأعمى والسامع كالأصم، وقد عابه قوم فلم يقبلوه وأحبه قوم فلم ينصروه، وكذبوا الشاهد واتهموا الغائب، وقد بايعني الناس بيعة عامة، من رغب عنها مرق ومن تأخر عنها محق، فاقبل العافية واعمل على حسب ما كتبت به - والسلام. قال: ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الحجاج بن [عمرو بن] غزية الأنصاري ووجهه إلى الشام إلى معاوية (2). # PageV02P494 # فلما ورد كتابه على معاوية فقرأه ورفع رأسه إلى الرسول وقال: أظنك ممن قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه! فقال الأنصاري: وأنا أظنك يا معاوية ممن استنصره عثمان فلم ينصره ولكن خذله وقعد عنه، قال: فغضب معاوية من ذلك وقال: ارجع إذا إلى صاحبك بغير جواب فإن رسولي في أثرك إن شاء الله تعالى. قال: فانصرف الأنصاري إلى علي رضي الله عنه وأخبره بذلك. ### | خبر الوليد بن عقبة (1) بن أبي معيط وسبب عداوته مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # قال: وبلغ الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان عدوا لعلي رضي الله عنه، وذلك أن عليا هو الذي أشار على عثمان أن ms0431 يقيم عليه الحد في شرب الخمر لما شهد عليه أهل الكوفة بشربه، وذلك أنه كان والي الكوفة، فصلى بهم الفجر أربعا وهو سكران، ثم التفت إليهم وقال: أزيدكم! فعلم الناس أنه سكران لا يعقل من أمره شيئا، وأنشأ الحطيئة العبسي يقول في ذلك شعرا (2). وقيل فيه غير هذا، ثم إنه جلد الحد بين يدي عثمان بن عفان بمشورة علي رضي الله عنه، فحقدها عليه (3). # وقد كان قبل ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم جرى بينه وبين علي كلام، فقال الوليد لعلي: أنا أحد منك سنانا وأسلط منك لسانا، وأملأ منك حشوا للكتيبة، فقال له علي: اسكت! فإنما أنت فاسق، فغضب الوليد من ذلك وشكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت فيه هذه الآية: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) (4) # PageV02P495 # يعني الوليد بن عقبة، فأنشد حسان بن ثابت الأنصاري يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # أنزل الله والكتاب عزيز * في علي وفي الوليد قرآنا إلى آخرها. # وكانت هذه قصة الوليد مع علي رضي الله عنه، فلم يزل حاقدا عليه إلى ذلك اليوم. لما بلغه كتاب علي إلى معاوية فكتب إلى معاوية بهذه الأبيات يأمره فيها أنه لا يجيب عليا بشيء مما يريد ويحرضه على حرب علي، فأنشأ يقول أبياتا مطلعها: # معاوي إن الملك قد آب غاربه * وأنت بها في كفك اليوم صاحبه (1) إلى آخرها. # قال: فلما ورد كتاب الوليد بن عقبة وشعره على معاوية فرح بذلك وسره ما كتب إليه به الوليد. وعزم على مخالفة علي رضي الله عنه. # ثم إنه انتخب رجلا من بني عبس له لسان طلق ومنطق ذلق، وشعر لا يبالي ما قال وما يخرج من فيه، ثم دعا بطومارين فوصل أحدهما إلى الآخر فكتب في الطومارين: (بسم الله الرحمن الرحيم) لا أقل ولا أكثر ثم طواهما وختمهما وعنونهما ودفعهما إلى العبسي، وأرسله إلى علي بن أبي طالب. # فخرج العبسي إلى الكوفة حتى دخل على علي رضي الله عنه وعنده وجوه المهاجرين ms0432 والأنصار، فسلم ثم التفت يمينا وشمالا فقال: ههنا أحد من بني عبس أو من أبناء قيس عيلان؟ فقيل له: نعم، هات ما عندك! فقال العبسي: عندي والله # PageV02P496 # من الخبر أني قد تركت بالشام خمسين ألف شيخ خاضبين لحاهم بدموع أعينهم على قميص عثمان، وأنهم قد عاهدوا الله عز وجل أنهم لا يشيمون سيوفهم في أغمادهم أبدا حتى يقتلوا من قتل عثمان، يوصي به الميت الحي ويرثه الحي عن الميت ، حتى والله لقد شب عليه الصغير وهاجر عليه الاعرابي، نعم والله وحتى أن الناس قد كانوا يقولون: تعس الشيطان! والآن فهم يقولون تعس قاتل عثمان بن عفان! قال فقال له علي: ويحك! يا أخا بني عبس! فيريدون بذلك ماذا؟ فقال العبسي: # يريدون والله خيط رقبتك! فقال له علي رضي الله عنه: تربت يداك وجدب فوك. # قال: ثم وثب إليه رجل يقال له صلة بن زفر العبسي وهو صاحب حذيفة بن اليمان فقال له: بئس الوافد أنت يا أخي بني عبس لأهل الشام، وبئس العون لمعاوية! أتخوف المهاجرين والأنصار ببكاء الرجال على قميص عثمان! فو الله ما قميص عثمان بقميص يوسف ولا بكاؤهم عليه كبكاء يعقوب! ولئن بكوا عليه بالشام فقد خذلوه بالحجاز، وأما قتالهم أمير المؤمنين عليا فإن الله عز وجل يصنع في ذلك ما يحب ويرضى. # قال: وهم الناس بالعبسي وقاموا إليه بالسيوف، فقال علي رضي الله عنه: # دعوه فإنه رسول، ولكن خذوا منه الكتاب، قال: فأخذ الكتاب من يده ودفع إلى علي، فلما فضه لم ير فيه شيئا أكثر من (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال: فعلم أن معاوية يحاربه وأنه لن يجيبه إلى شيء، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، حسبي الله ونعم الوكيل، فأنشأ قيس بن سعد بن عبادة وهو يرتجز ويقول شعرا. # قال: ثم إن العبسي رسول معاوية قام إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! والله لقد أقبلت وأنا من أشد الناس عليك حنقا لما أخبرني عنك أهل الشام، وقد والله ms0433 أبصرت الآن ما فيه أهل الشام من الضلال وما أنت فيه من الهدى، ولا والله ما كنت بالذي أفارقك أبدا ولا أموت إلا تحت ركابك! ثم إنه كتب إلى معاوية أبياتا مطلعها: # كدت أهل العراق بالبلد الشا * م شفاها وكان كيدي ضعيفا إلى آخرها. PageV02P497 # قال: فلما انتهى شعره إلى معاوية ونظر إليه عجب لذلك ثم أقبل على من بحضرته وقال: قاتله الله! لقد قال وأبلغ ويله، إنما بعثناه رسولا فصار علينا محرضا. ### | خبر الطائي مع معاوية (1). # قال: ثم إن معاوية ذات يوم ركب وخرج إلى الصحراء ومعه جماعة من وجوه أهل الشام، فبينا هو كذلك إذا بشخص قد أقبل من ناحية العراق على قعود له فقال: # علي بهذا المقبل! فأتوا به، فقال له معاوية: ممن الرجل؟ قال: من طيء، قال: فمن أين أقبلت؟ قال: من الكوفة، قال: وأين تريد؟ قال: أريد ابن عم لي يكون في ناحيتك يقال له حابس بن سعد الطائي (2)، فقال معاوية: علي بحابس، فأقبل إليه، فلما نظر إلى ابن عمه رحب به وقربه وفرح برؤيته وأحضره بين يدي معاوية، فقال له معاوية: كيف خلفت علي بن أبي طالب وأين تركته وعلى ماذا قد عزم؟ فقال: نعم يا معاوية! أخبرك، أنه قدم من البصرة إلى الكوفة، فلما دخلها تهافت الناس عليه بالبيعة، ثم إنه ندب الناس إلى قتالك، فرأيته وقد حف به الناس من المهاجرين والأنصار، حتى لقد حمل إليه الصبي، ودنت (3) منه العجوز وخرجت إليه العروس، كل ذلك فرحا بولايته، لقد تركته وما له همة إلا الشام، فهذا ما عندي من الخبر. فقال معاوية: ما اسمك؟ قال: اسمي خفاف، قال: هل تقول شيئا من الشعر؟ قال: نعم، فأنشأ يقول شعرا (4). # PageV02P498 # قال: فلما سمع معاوية هذا الشعر كأنه انكسر بذلك ثم أقبل على حابس بن سعد فقال: ويحك يا حابس! أرى ابن عمك هذا عينا علينا لأهل العراق، فأخرجه عنا، لا يفسد علينا أهل الشام! فقال: والله ما قدمت الشام رغبة مني فيها ولا في أهلها! وإني ms0434 لراحل عنها وزاهد في جوارك. ### | خبر أربد الفزاري مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # قال: وجعل علي يندب الناس إلى الخروج إلى الشام (1)، فقام إليه رجل من فزارة يقال له أربد فقال له: أتريد أن تسير بنا إلى الشام إلى إخواننا (2) فنقتلهم لك كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقاتلناهم! كلا والله لا نفعل ذلك أبدا! # قال: فصاح الأشتر وقال: من هذا الجاهل! فقام إليه الناس، وهرب الفزاري والناس في أثره، حتى لحقوه فضربوه بأيديهم وأرجلهم وداسوه حتى قتلوه، وبلغ ذلك عليا فقال: ومن قتله؟ قالوا: قتلته الاخلاط من همدان وغيرهم من الأساور، فقال علي: هذا قتيل عمية (3) لا يدري من قتله، وديته من بيت مال المسلمين. # قال: فقام الأشتر، وقال: يا أمير المؤمنين! إن جميع ما ترى من الناس شيعتك، وليس يرغبون بأنفسهم عن نفسك ولا يحبون بقاء بعدك، فإن شئت فسر بنا إلى عدوك، فوالله ما ينجو من الموت من كره الموت، وإنا لعلى بينة من ربنا، وكيف لا نقاتل قوما وثبت طائفة منهم على طائفة من المؤمنين، فأسخطوا الله في # PageV02P499 # قتلهم وأظلمت الأرض لاعماله، وباعوا خلافتهم (1) بعرض يسير من الدنيا. فقال له علي: صدقت يا مالك! والطريق مشترك والناس في الحق سواء، ومن أجهد رأيه في مصلحة العباد فله ما نوى وقد قضى ما عليه. ### | ذكر كتاب علي إلى جرير بن عبد الله. # قال: وكان جرير بن عبد الله البجلي يومئذ على ثغر همدان عاملا لعثمان والأشعث بن قيس على بلاد أذربيجان، فكتب علي رضي الله عنه لذلك إلى جرير بن عبد الله (2): بسم الله الرحمن الرحيم، من علي أمير المؤمنين، أما بعد! يا جرير! # فإن الله تبارك وتعالى: (لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال *) (3)، وقد علمت ما كان من أمر عثمان ابن عفان وبيعة المهاجرين والأنصار إياي ومسيري إلى البصرة، وما كان من محاربتهم إياي حتى ms0435 أعطاني الله عليهم الظفر، فرفعت عنهم السيف واستعملت عليهم عبد الله ابن عباس وسرت إلى الكوفة، وقد بعثت إليك بزحر (4) بن قيس فاسأله عما بدا لك واقرأ كتابي هذا على المسلمين، وأقبل إلي بخيلك ورجلك، فإني عازم على المسير إلى الشام إن شاء الله تعالى ولا قوة إلا بالله. # قال: ثم طوى الكتاب وعنونه وختمه بخاتمه ودفعه إلى زحر (5) بن قيس وأمره بالمسير إلى جرير. # قال: فكان مع علي بن أبي طالب ابن أخت لجرير بن عبد الله فدفع إلى زحر بن قيس كتابا فيه أبيات من الشعر قد قالها، وقال لزحر: ابن عبد الله البجلي خالي فادفع إليه كتابي هذا. # فخرج زحر بن قيس حتى ورد على جرير بن عبد الله وهو يومئذ بهمدان. فدفع # PageV02P500 # إليه كتاب علي فقرأه حتى أتى إلى آخره ثم دفع إليه كتاب ابن أخته، فإذا فيه أبيات مطلعها: # جرير بن عبد الله لا تردد الهدى * وبايع عليا إنني لك ناصح (1) إلى آخرها. # قال (2): فعندها وثب جرير وأخذ كتاب علي في يده، ثم خرج إلى الناس فنادى فيهم فاجتمعوا، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! # هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهو المأمون على الدين والدنيا، وقد كان من أمره وأمر عدوه ما حمد الله عليه، وقد بايعه المهاجرون والأنصار، وأنتم التابعون بإحسان، ولو جعل هذا الامر شورى بين المسلمين لكان أحق الناس بهذا الامر لمصاهرته وقرابته وخدمته وشجاعته وهجرته، غير أن البقاء في الجماعة والعناء في الفرقة، وعلي حاملكم على الحق ما استقمتم، فإن ملتم أقام ميلكم، فهاتوا ما عندكم من الرأي! فقال الناس: سمعنا وأطعنا ورضينا وبايعنا أمير المؤمنين عليا. # قال: ثم ركب رجل من عنزة (3) رافعا صوته وهو يقول شعرا. # قال (4): ثم وثب زحر بن قيس رسول علي بن أبي طالب حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن عليا أمير المؤمنين قد كتب إليكم كتابا لا يقال بعده إلا رجيع من ms0436 القول، ولكن لابد من رد الكلام، وقد بايع الناس عليا # PageV02P501 # بالمدينة غير (1) محاباة ببيعتهم ولكن لعلمه بكتاب الله عز وجل وسنن الحق، وأن طلحة والزبير كانا بايعاه طائعين غير مكرهين، ثم نقضا عليه بيعته على غير حدث كان منه إليهما، ثم إنهما ألبا عليه الناس ونصبا له الحرب، فأخرجا أم المؤمنين، فأظهره الله عز وجل على من خالفه ونكث بيعته. والكلام كثير، فهذا عيان ما غاب عنكم، وإن سألتم الزيادة زدناكم، ولا قوة إلا بالله. ثم نزل عن المنبر، وأنشأ رجل من عبد القيس (2) شعرا. # قال: ثم سار جرير بن عبد الله بمن معه من الخيل والرجل، حتى قدم الكوفة على علي وبايعه ودخل فيما دخل فيه الناس من طاعة علي رضي الله عنه، ثم أنشأ يقول شعرا (3). ### | كتاب علي رضي الله عنه إلى أشعث بن قيس. # قال: ثم كتب علي رضي الله عنه إلى الأشعث بن قيس وهو يومئذ بأذربيجان عاملا لعثمان بن عفان (4): بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الأشعث بن قيس، أما بعد! فلولا هنات كن منك (5) لكنت المقدم في هذا الامر قبل غيرك (6)، ولعل أمرك يحمل بعضه بعضا، وقد مضى عثمان لسبيله كما بلغك وبايعني المهاجرون والأنصار والتابعون وإنما توقفي عليك، فإذا أتاك كتابي هذا # PageV02P502 # فاقرأه على من قبلك من المسلمين، وادخل فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار، فإن العمل الذي في يدك ليس لك بطعمة ولكن أمانة، وفي يدك مال من مال الله عز وجل، وأنت خازن من خزانه عليه حتى تسلمه إلي، ولعلي لا أكون أنسى ولايتك إن استقمت إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى رجل من أصحابه يقال له زياد بن مرحب الهمداني (1)، وأمره بسرعة السير إلى الأشعث. # قال: وكتب رجل من كندة من بني عم الأشعث (2): أما بعد! فإن بيعة علي بن أبي طالب أتتني فقبلتها ولم أجد إلى دفعها سبيلا، وإني نظرت فيما غاب عني من أمر عثمان فلم أجده ms0437 يلزمني وقد شهده المهاجرون والأنصار، وكان أوثق أمورهم الوقوف، فالزم يا بن عم بيعة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فإنه أفضل من غيره، وقد قلت أبياتا فاسمعها. ثم أثبت في أسفل كتابه ما قاله من الشعر. # قال: فلما نظر الأشعث بن قيس في كتاب علي رضي الله عنه وقرأ شعر ابن عمه الكندي فنودي له في الناس، ثم خرج من منزله وأقبل فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى [عليه وصلى] على نبيه، ثم قال: إنه من لم يكفه القليل لم يستغن بالجزيل، وقد كان ابن عفان ولاني بلاد أذربيجان [وهلك] (3) وهي في يدي، وقد كان من أمر عائشة وطلحة والزبير ما قد بلغكم، وقد بايع الناس علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو المأمون على ما قد غاب عنا وعنكم من الأمم، فما الذي عندكم من الرأي؟ فقال الناس بكلمة واحدة: سمعنا وأطعنا وعلي إمامنا، ما نريد به بدلا. # قال: ثم وثب زياد بن مرحب الهمداني رسول علي رضي الله عنه، فصعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه ثم قال (4): أيها الناس! إن أمر عثمان بن عفان لا ينفع فيه العيان ولا يشفى منه الخبر، غير أن من سمع به ليس كمن عاينه، وإن الناس قد بايعوا عليا راضين به طائعين غير مكرهين، وحاربه من حاربه من أهل البصرة، # PageV02P503 # فأورثه الله الأرض وجعل له عاقبة المتقين، وأنا رسوله إليكم، فاسمعوا وأطيعوا! # قال: فضج الناس من كل ناحية بالسمع والطاعة، وقام رجل منهم على قدمه وأنشأ يقول شعرا (1). # قال: واستبشر الناس بخلافة علي رضي الله عنه وبايعوه عن آخرهم وانصرف الأشعث بن قيس إلى منزله يقول شعرا (2). # قال: ثم أرسل الأشعث إلى جماعة من أصحابه فدعاهم، وقال: إن كتاب علي أوحشني وأخاف إن سرت إليه يطالبني (3) بمال أذربيجان، وإن سرت إلى معاوية لم يطالبني بشيء، واللحاق عندي بمعاوية أصلح، فهاتوا ما عندكم من الرأي؟ # قال: فقال له قومه وعشيرته: فالموت خير لك من ذلك، أتترك قومك ومصرك وعشيرتك وتكون ذنبا لأهل ms0438 الشام! ثم أنشأ رجل من قومه يقول في ذلك شعرا (4). # قال: فلما سمع الأشعث هذه القصيدة من ابن عمه كأنه استحيى مما أراد أن يفعل من مسيره إلى معاوية، ثم إنه جمع الناس فواعدهم وهنأهم وسار بهم حتى قدم الكوفة على علي رضي الله عنه. # قال: فعندها وثب الأحنف بن قيس إلى علي فقال (5): يا أمير المؤمنين! إنه # PageV02P504 # وإن لم يكن بنو سعد بن زيد مناة بن تميم نصرتك يوم الجمل فإنها تنصرك اليوم، وذلك أنهم شكوا في طلحة والزبير ولم يشكوا في معاوية، وعشائرنا بالبصرة، فإن رأيت كتبنا إليهم، فقدموا علينا فقاتلنا بهم عدوك، وانتصفنا بهم من الناس، وأدركوا اليوم ما فاتهم بالأمس. قال: وتتابعت بنو تميم على قول الأحنف، فقال له علي رضي الله عنه: قد آذنت لك انجز فاكتب إلى قومك. # قال: فكتب الأحنف إلى قومه من بني سعد (1): أما بعد! فإنه لم يبق أحد من بني تميم إلا وقد أخذوا (2) برأي سيدهم غيركم، وبرأيه فيكم نلتم ما رجوتم وأمنتم ما خفتم، وأخبركم أننا قدمنا على قومنا من تميم الكوفة، فأخذوا علينا بفضلهم وواسونا بأنفسهم وأنزلونا ديارهم وأحشمونا ببرهم، حتى كدنا لا نعرف إلا بهم، وقد عزموا على المسير إلى الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فأقبلوا إلينا ولا تتباطوا، فإن من العطايا حرمانا ومن النصر خذلانا، فحرمان العطاء القلة وحرمان (3) النصر الابطاء، ولن تقضى الحقوق إلا بالرضا، وقد يرضى المضطر بدون الامل - والسلام -: ثم أثبت في أسفل هذا الكتاب شعرا (4) قال: فلما ورد كتاب الأحنف وشعر ابن أخته (5) على بني تميم بالبصرة ساروا بأجمعهم إلى الكوفة وبايعوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # قال: شاور علي أصحابه فقال: إنكم قد علمتم أن البغي لا خير فيه، ولكن أشيروا علي برجل قد أحكمته التجارب أوجه به إلى معاوية، فلعله أن يرتدع عما هو عليه، فإن فعل وإلا فما أقدرنا على ما نريد من حربه. # قال: فوثب جرير بن عبد الله البجلي فقال: يا أمير ms0439 المؤمنين! ابعثنى إليه رسولا فإنه لم يزل لي متنصحا ووادا، فآتيه وأدعوه إلى أن يسلم لك هذا الامر ويلزم # PageV02P505 # الطاعة ويكون أميرا من أمرائك وعاملا من عمالك ما عمل بطاعة الله واتبع ما في كتاب الله، وأدعو أهل الشام إلى طاعتك وولايتك فإن جلهم قومي وعشائري وأهل بلادي، وأرجو أن يعصيني هو ولا أحد من الشام. قال: فقال له الأشتر: يا أمير المؤمنين! لا تبعثه إليهم فإن هواه هواهم ورأيه رأيهم، فقال علي: يا مالك! دعه حتى ننظر ما يرجع إلينا به من الخبر. # قال: ثم أقبل عليه علي فقال: يا جرير! إن معي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من البدريين والعقبيين من أهل الدين والرأي من قد علمت، وقد اخترتك عليهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك: (إنك خير ذي يمن (1)، فسر إلى معاوية بكتابي واعذر إليه وأعلمه أني لا أرضى به أميرا والعامة لا ترضى به خليفة)، فقال جرير: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين إن شاء الله ولا قوة إلا بالله (2). ### | ذكر كتاب علي رضي الله عنه إلى معاوية. # قال: ثم كتب علي رضي الله عنه (3): بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد! يا معاوية! فقد علمت أن الشورى للمهاجرين والأنصار دون غيرهم، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان لله عز وجل رضا، فإن خرج من أمرهم خارج (4) ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وقد علمت بما كان بالبصرة مما لا يخفى عليك، فجاهدتهم حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، وبعد فإني أراك قد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه المسلمون من بيعتي، ثم حاكم القوم إلي أحملهم وإياك على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأما التي تريدها فإنها خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك لعلمت أني أبرأ الناس من دم عثمان! وقد علمت أنك ms0440 من أبناء الطلقاء (5) الذين لا تحل لهم الخلافة، وقد # PageV02P506 # وجهت إليك بجرير بن عبد الله البجلي، وهو من أهل الايمان والهجرة، وأحب الأشياء إلي فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء، فإن تعرضت قابلتك واستعنت الله عليك ولا قوة إلا بالله العلي العظيم - والسلام -. # قال: ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى جرير، فلما أراد جرير أن يرحل إلى معاوية أقبل مسكين بن حنظلة وهو رجل من الصالحين إلى جرير [وقال] (1) إن بيني وبين معاوية مودة وإخاء قديما فاحمل إليه كتابي هذا وانظر ما يرد عليك. # قال: فأخذ جرير كتاب علي وكتاب مسكين بن حنظلة، وسار بالكتابين حتى صار إلى الشام، ودخل على معاوية فسلم، فرد عليه معاوية السلام وقربه وأدناه، ثم قال: هات ما عندك يا جرير! فقال جرير: والله! إنه قد اجتمع لابن عمك علي بن أبي طالب أهل الحرمين: مكة والمدينة، وأهل العراقين: البصرة والكوفة، وأهل الحجاز وأهل اليمن، فلم يبق في يديك إلا هذه الحصون التي أنت عليها، ولو سال عليها سيل من أوديته لغرقها وقد أقبلت إليك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى اتباع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على أنه يعطيك أرضك التي أنت عليها، فتعمل فيها بكتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنزل الله من الحق والسنن، فتكون كذلك أبدا ما دام على حيا، فإن مات وأنت حي رأيت رأيك بعد ذلك، وأما أمر عثمان بن عفان فأنت تعلم يا معاوية أنه قد أعيى من شهده فكيف من غاب عنه! وهذا كتاب علي رضي الله عنه إليك. # قال: فأخذ معاوية الكتاب فقرأه حتى أتى على آخره، ثم أقبل على جرير فقال: أبا عمر! انظر في ذلك وتنتظر أنت أيضا واستطلع رأي أهل الشام. # قال: فأخرج جرير كتاب مسكين بن حنظلة فدفعه إليه، فإذا فيه أبيات من الشعر مطلعها: # معاوي بايع قد أتاك جرير * وما لجرير بالعراق نظير إلى آخرها. # قال: فلما قرأ معاوية هذا الكتاب غضب لذلك، ثم ms0441 أقبل على أصحابه فقال: # PageV02P507 # أيكم يجيب مسكين بن حنظلة على شعره هذا؟ فقال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: أنا أجيبه، فقال: أجبه يا بن الأخ! وألقى الكتاب إليه، فقال عبد الرحمن بن خالد أبياتا من الشعر مطلعها: # أتانا بإحدى المنكرات جرير * وخطب الذي يدعو إليه كبير إلى آخرها. # ثم عرض عبد الرحمن بن خالد شعره هذا على معاوية، فقال معاوية: ما رأيت شعر قرشي أضعف من شعرك، ثم قال: أنا أجيب عنك يا بن أخ وعن نفسي، ثم أنشأ يقول أبياتا من الشعر مطلعها: # قل لمن أرسل الرسول إليا * إن كل الذي تريد لديا إلى آخرها. # قال: وانصرف جرير إلى رحله ودخل معاوية إلى منزله، فلما جن عليه الليل رفع صوته وعنده نفر من أهل بيته، فأنشأ يقول أبياتا مطلعها (1): # تطاول ليلي واعترتني وساوسي * لآت أتي بالترهات البسابس (2) إلى آخرها (3). # فلما أصبح جرير أقبل إلى المسجد الأعظم فاجتمع إليه الناس وحضر معاوية، فجعل جرير يعظهم ويدعوهم إلى بيعة علي رضي الله عنه، ثم قال: أيها الناس! إن هذا الدين لا يحتمل الفتن، وإن الناس قد بايعوا عليا غير واتر ولا موتور، وقد كانت البصرة أمس ملحمة لم يسمع بمثلها، وقد بايعنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه # PageV02P508 # على ما بايعه المهاجرون والأنصار، ولو ملكنا أمورنا لم نختر للخلافة أحدا سواه، فاتق الله يا معاوية واحذر في نفسك، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فادخل فيما دخل فيه الناس، فإن قلت بأن عثمان بن عفان استعملني ولم يعزلني فإن الامر لو جاز كما قلت لم يقم لله دين وكان لكل امرئ ما في يديه، ولكن قد جعل الله تبارك وتعالى للآخر من الولاء مثل حق الأول - والسلام -. # قال: فلما سمع معاوية كلام جرير وثب فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن الله عز وجل قد جعل الدعائم للاسلام أركانا، وجعل الشرائع للايمان برهانا، يتوقد مقباسه (1) في الأرض المقدسة التي جعلها الله تعالى محل ms0442 الأنبياء والصالحين من عباده، فأدخلها وأحلها أهل الشام، ورضيهم لها سكانا لما سبق في ذلك من مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم لخلفائهم وللقيام بأمره، والذب عن حرمه ودينه، ثم (2) جعل لهذه البلدة الآمنة نظاما ولسننه أعلاما. وبالله نستعين على ما تشعب من أمور المسلمين وتباعد من فرقتهم، اللهم فانصرنا على أقوام يوقظون نائمنا ويخيفون قاعدنا (3) ويريدون إراقة دمائنا وإخافة سبلنا، وقد علم الله أني لا أريدهم عقابا ولا أهتك لهم حجابا، ولكن الله تبارك وتعالى قد كسانا من الكرامة ثوبا لن ننزعه منا أبدا ما جاوب الصدى، وما سقط الندى وعرف الهدى، وبالله نستعين على حسد الأعداء - والسلام -. # قال: ثم جلس على المنبر ساعة وقام قائما على قدميه فقال: أيها الناس! قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان (4)، ولم أقم على خزاية (5) قط، وقد قتل عثمان مظلوما وأنا وليه، والله عز وجل يقول: (فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا *) (6) وأنا أحب أن تعلموني بما في أنفسكم من قتل عثمان! فقال: فوثب إليه الناس من # PageV02P509 # جنبات المسجد فقالوا: نحن كلنا طالبون بدم عثمان (1). # قال: وبلغ ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأراد أن يعجل بالمسير إلى الشام، فأشار عليه عامة الناس بالمقام بالكوفة إلا هؤلاء الخمسة نفر: الأشتر النخعي، وعدي بن حاتم الطائي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وسعيد بن قيس الهمداني، وهانئ بن عروة المدحجي (2)، فإنهم قاموا إلى علي فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن هؤلاء الذين أشاروا عليك بالمقام إنما يخافون حرب أهل الشام، وليس في حربهم شيء هو أخوف من الموت، ولسنا نريد إلا الموت، فسر بنا إليهم، وفقك الله لما تحب وترضى! قال: فأطرق علي ساعة ثم قال: إنه ليس يتهيأ لي المسير إليهم ورسولي عندهم، وقد وقت لرسولي وقتا لا يتأخر عنه إلا مخدوعا أو عاصيا، فاسكتوا ولا تعجلوا! قال: فسكت الناس، وأنشد النجاشي بن الحارث شعرا. # قال: وجعل جرير كل ما استعجل ms0443 معاوية واستحثه في رد الجواب يقول معاوية: ويحك أبا عمرو! لا تعجل وأبلعني ريقي حتى أنظر في أمري وأستطلع رأي أهل الشام، ثم إني أجيب صاحبك عن كتابه وكرامته لك. ### | [كتاب معاوية إلى عمرو بن العاص] (3) # قال (4): ثم كتب معاوية إلى عمرو بن العاص وعمرو يومئذ بفلسطين: أما بعد! فقد كان من أمر عثمان بن عفان ما علمت، وأن علي بن أبي طالب قد اجتمع إليه رافضة أهل الحجاز وأهل اليمن والبصرة والكوفة، وقد وجه إلينا رسوله جرير بن عبد الله ولم أجبه إلى هذه الغاية بشيء، وقد حبست نفسي عليك، فأقدم على بركة الله وعونه لأشاورك وأستعين على أمري برأيك - والسلام -. # قال: فلما ورد كتاب معاوية على عمرو بن العاص وقرأه دعا ابنيه عبد الله # PageV02P510 # ومحمد فاستشارهما في ذلك، فقال عبد الله: أما أنا فأقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الدنيا وهو عنك راض وكذلك الخليفتان من بعده: أبو بكر وعمر، وأما عثمان فإنه قتل وأنت عنه غائب، وقد وسع الله عليك فاقعد في بيتك، فإنك لا تطمع أن تكون خليفة، وليس ينبغي لك أن تكون حاشية معاوية على دنيا قليلة (1) زائلة عن أهلها - والسلام -. # وقال ابنه محمد: أما أنا فأقول: إنك شيخ قريش وصاحب أمرها، وإن اضطرب هذا الامر وأنت عنه غائب (2) لصغر أمرك ويذهب قدرك، فالحق بجماعة من أهل الشام فكن يدا من أيديها واطلب بدم عثمان بن عفان، فلست أقل من معاوية. # فأطرق عمرو ساعة ثم قال: أما أنت يا عبد الله فأشرت علي بما هو خير لي في دنياي وديني، وأما أنت [يا محمد] فأشرت علي بما هو خير لي في دنياي، وسأنظر في ذلك. فلما جن عليه الليل رفع صوته وجعل يقول شعرا (3). # قال: ثم أدنى عمرو غلاما يقال له وردان فقال له: ارحل يا وردان! فعبى له الأثقال وترحل، فقال له عمرو: حط يا وردان! فحط، ثم قال: ارحل يا وردان! # فرحل، فلم يزل عمرو يقول: ارحل وحط، فقال له ms0444 وردان: أبا عبد الله! ما شأنك؟ أخولطت؟ فقال عمرو: لا، قال: فما قصتك؟ مرة تقول: ارحل يا وردان، ومرة تقول: حط يا وردان! فقال عمرو: لا أدري، قال وردان (4): لكني أدري، والله! أنت رجل قد اعترضت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت: إن عليا معه آخرة بلا دنيا وفي الآخرة عوض من الدنيا، ومعاوية معه دنيا بلا آخرة، وليس في الدنيا عوض من الآخرة، فأنت واقف بين أمرين لا تدري أتأخذ الدنيا أم الآخرة، فقال عمرو: لله أبوك يا وردان! ما أخطأت شيئا، ولكن هات ما عندك من الرأي، فقال وردان: عندي والله من الرأي أن تجلس في بيتك، فإن الله تبارك وتعالى قد # PageV02P511 # وسع عليك، فإن ظفر أهل الدين عشت في دينهم، وإن ظفر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك، فقال عمرو: يا وردان! الآن أقعد في بيتي وقد (1) سمعت العرب بتحريكي إلى معاوية، ارحل يا وردان! فرحل وردان، وأنشأ عمرو يقول شعرا (2). # قال: وسار عمرو حتى قدم على معاوية، فقربه وأدناه ورفع مجلسه ثم قال: # أبا عبد الله! إنه قد طرقتنا من هذه الليلة أخبار (3) ليس منها ورد ولا صدر، فقال عمرو: وما ذلك يا معاوية؟ فقال معاوية أما أحد الاخبار فإن محمد بن [أبي] حذيفة كسر سجن مصر فخرج منه وخرج معه أصحابه، وقد علمت أنه [من] أفات الدين (4)، والخبر الثاني أن قيصر ملك الروم قد زحف بخيله ورجله ليغلب على الشام، والخبر الثالث أن (5) علي بن أبي طالب نزل الكوفة فتهيأ للمسير إلى ما قبلنا، فهات ما عندك! فقال عمرو: كل ذلك عظيم، فأما محمد بن أبي حذيفة فتبعث إليه بالخيل فإما أن يقتل وإما أن يهرب، ولن يضرك هربه، وأما ملك الروم فتهدي إليه الهدايا من أواني الذهب والفضة وغير ذلك من أنواع الهدايا من طرائف الشام وتسأله الموادعة، فإنه يجيبك إلى ذلك، وأما علي بن أبي طالب فلا والله لا تخالفه ولا تقاتله. قال معاوية: ما قد قطع الرحم وفتن الأمة وشق العصا وقتل الخليفة وعصى ms0445 ربه، وقتل ونقض ما كان في عنقه من بيعة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فقال عمرو: مهلا يا معاوية! فإن عليا أوحد الناس في الفضائل، وليس لك مثل هجرته ولا سابقته ولا صهارته ولا قرابته ولا قدمته ولا شجاعته، وإن له من الحرب حظا سنيا ليس لاحد مثله، وإن له جدا وحدا (6) وحظوه في العرب، وبلاء من الله # PageV02P512 # ورسوله حسنا جميلا، فقال معاوية: صدقت يا أبا عبد الله! هو كذلك، ولكنا نقاتله على ما في أيدينا ونلزمه دم عثمان بن عفان، فضحك عمرو من ذلك ثم قال: # واعجباه لهذا الكلام الذي أسمعه منك يا معاوية! إنه قد يجب علي وعليك أن لا نذكر شيئا من أمر عثمان، أما أنت فخذلته حين استغاث بك وهو محصور بالمدينة فلم تنصره، وأما أنا فإني تركته عيانا وذهبت إلى فلسطين، فقال معاوية: إني لو أردت أن أخدعك لخدعتك، فقال عمرو: ليس مثلي يخدع، فقال معاوية: # صدقت، وإني أحب أن أقول شيئا فهات أذنك! فناوله عمرو أذنه، فعضها معاوية، فقال: أبا عبد الله! خدعتك أم لا؟ هل في البيت غيري وغيرك؟ كيف تدفع إلي أذنك وما معنا ثالث إلا الله تعالى؟ ولكن دع عنك هذا وهات فبايعني! فقال عمرو: # أذنك وما معنا ثالث إلا الله تعالى؟ ولكن دع عنك هذا وهات فبايعني! فقال عمرو: # لا والله! ما أعطيك من ديني شيئا أو آخذ منك مثله، فهات ما الذي تعطيني، فقال معاوية: أعطيك رضاك، قال عمرو: رضاي أرض مصر، قال معاوية: إن مصرك كالعراق، قال عمرو: صدقت، إنها لكذلك، ولكنها تكون لي إذا كانت العراق لك، قال: فثقل ذلك على معاوية وأبى أن يعطيه أرض مصر، وخرج عمرو فصار إلى رحله، وبعث معاوية عليه عينا ليسمع ما يقول. فلما جن عليه الليل رفع صوته وأنشأ يقول شعرا (1). # قال: فلما أصبح معاوية أقبل إليه أخوه عتبة فقال: أخبرني عنك، ألا (2) ترضى أن يأخذ عمرو بن العاص مصر وقد عزم أن يبيعك خيط رقبته؟ أعطه ما سألك! فإنك ms0446 في وقتك هذا لا مصر في يدك ولا غيرها، ثم أنشأ في ذلك يقول شعرا (3). # PageV02P513 # قال: فلما سمع معاوية شعر أخيه عتبة بعث إلى عمرو فدعاه وأعطاه مصر، وكتب له بها كتابا وأثبت في الكتاب: لا ينقض طاعة شرطا ولا شرط طاعة، وأخذ عمرو الكتاب وانصرف إلى منزله مسرورا، فقال له ابن عم له: أبا عبد الله! ما لي أراك فرحا مستبشرا وقد بعت دينك بدنياك، أتظن أن أهل مصر يسلمون إليك مصر وهم الذين قتلوا عثمان بن عفان؟ فتبسم عمرو ثم قال: يا بن أخ! إن الامر لله عز وجل دون علي ومعاوية، قال: فأنشأ ذلك الفتى يقول شعرا (1). قال: فقال له عمرو: يا بن أخ! إني لو كنت مع علي لوسعني بيتي ولكني مع معاوية، فقال له الفتى: أما معاوية فإنه لم يردك ولكنه أراد دينك وأردت دنياه - والسلام -. # قال: وبلغ ذلك معاوية وما تكلم به الفتى معه وهم بقتله، فهرب فصار إلى علي رضي الله عنه فحدثه بالقصة وكيف بايع عمرو معاوية، فقربه علي وأدناه وفرض له في كل أصحابه. # قال: وغضب مروان بن الحكم، ثم دخل على معاوية فقال: ما لي لا أشترى كما يشترى غيري، فقال معاوية: إني (2) إنما ابتاع الرجال لك، قال: # فسكت مروان. # قال جعفر بن محمد يحدث عن أبيه عن عبادة بن الصامت أنه نظر إلى معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين، فجاء حتى جلس بينهما فقال له أحدهما: أما لك مكان غير هذا؟ فقال عبادة: بلى، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وقد نظر إليكما فأطال النظر ثم قال: (إذا رأيتم معاوية وعمرا مجتمعين ففرقوا بينهما فإنهما لا يجتمعان على خير). # قال: وأصبح معاوية بعد ما بايعه عمرو بن العاص فإذا برقعة مطوية على بساطه، فأخذها ونظر فيها، فإذا فيها أبيات من الشعر. قال: فدعا معاوية # PageV02P514 # بعبد الرحمن بن خالد المخزومي، فقال: إني أظن هذه الرقعة لك، قال: نعم هي لي، فقال معاوية: لا تفعل يا بن أخ! ms0447 فإن عمرا كان رأسا في الجاهلية وعلما في الاسلام ولا ينبغي لك أن ألحقك به في العطاء وسأفعل بك جميلا، قال: فسكت عبد الرحمن بن خالد. وبلغ ذلك عمرو بن العاص، فأقبل إلى عبد الرحمن فقال: # يا بن أخ! أما علمت أن قريشا اختارت رجلين في أيام النجاشي فكنت أنا أحدهم؟ # أما والله! لو كان أبو سليمان خالد بن الوليد في الاحياء لم أرض منك بهذا أبدا، ثم أقبل عمرو حتى دخل على معاوية فقال: يا هذا! إني والله لم أزل أسمع في كل يوم من سفهاء قريش مثل هذا وأشباهه أبدا، فلعنة الله على مصر! والله لقد استعملني على مصر من هو خير منك ومن عثمان، ولقد استعملني النبي صلى الله عليه وسلم على عمان فأقلني يا هذا حتى أجلس في بيتي وأنت محسن - وأنشده شعرا، فقال معاوية: يا هذا! # والله لقد أكثرت ولم تكن مكثارا وأحببت أقواما ما كنت أدفعك عن جوابهم، وحسبك بأن يقال: قال عمرو وقيل لعمرو، فإنك إن كاشفت القوم كاشفوك. ### | ذكر جواب علي لجرير ابن عبد الله البجلي (1) # أما بعد يا جرير! فإن معاوية إنما أراد بكتابه هذا أن يجعل لي في عنقه بيعة وأن يختار من أمره ما يحب، وإنما احتبسك عنده ليذوق أهل الشام، وقد علمت يا جرير أن المغيرة بن شعبة أشار علي وأنا بالمدينة أن أستعمل معاوية على الشام (2)، فلم أفعل ولم يكن الله تبارك وتعالى ليراني وأنا أتخذ المضلين عضدا، فانظر! إن بايعك الرجل وإلا فاقبل ولا تكن رخو الجنان - والسلام -. # قال: وفشا كتاب معاوية إلى علي في الناس بالذي يطلبه من علي فلم يجبه إلى ذلك، فكتب الوليد بن عقبة إلى معاوية أبياتا مطلعها: # PageV02P515 # معاوي إن الشام شامك فاعتصم * بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا إلى آخرها (1). ### | ذكر كتاب آخر من علي بن أبي طالب إلى جرير بن عبد الله البجلي # قال: وإذا كتاب آخر قد ورد على جرير من علي رضي الله عنه (2): (أما بعد يا جرير! إذا ms0448 أتاك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تعامل معاوية على الفصل (3) واحنقه بالجواب، ثم خيره بين حرب مجلية أو سلم مقربة (4)، فإن اختار الحرب فاكتب إلي بذلك، وإن اختار السلم فاستوثق منه ما تقدر عليه، وعجل القدوم علي - والسلام -. # قال: ثم كتب النجاشي (5) شاعر علي رضي الله عنه إلى جرير أبياتا من الشعر مطلعها: # ألا ليت شعري والحوادث جمة * اللعب سار المالكي جرير إلى آخرها. # قال: فلما ورد الكتاب على جرير أخذه وأتى به إلى معاوية فأقرأه إياه ثم قال: # يا معاوية! أما إني قد تأنيتك إلى وقتي هذا، ولا والله ما أظن قلبك إلا مطبوعا! # وكذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار، وإني لأراك قد وقفت على الحق والباطل وقوف رجل ينتظر شيئا في يد غيره، ولا أظنك مبايعا حتى لا تجد بدا من الصلاة، وهذا كتاب أمير المؤمنين وقد ورد علي، فإما أن تبايع حتى أعلم ذلك فأكتب إلى صاحبي ببيعتك، وإما أن تختار الحرب فأعمل على حسب ذلك! فقال معاوية: نعم # PageV02P516 # وكرامة أبا عمرو! والله ما انتظاري إلا على رجل واحد وهو شرحبيل بن السمط بن الأسود بن جبلة الكندي، وذلك لأنه سيد من سادات أهل الشام ولا أحب أن أقطع أمرا دونه، فإذا قدم علي نظرت ما الذي عنده من الرأي، ثم إني ألقاك في أول المجلس بالفصل إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: فانصرف جرير إلى رحله، واتصل الخبر بالوليد بن عقبة، فأقبل على من كان عنده من بني أمية فقال: ألا تعجبون من معاوية ومن حبسه جريرا عنده لا يوجهه إلى صاحبه ويعزم على حربه؟ والله! لقد بلونا من تربص معاوية لعثمان بن عفان وقعوده عنه ما قد اكتفينا به، ولكن والله لأحركن أخاه عتبة فلعله أن ينهض إلى حرب علي رضي الله عنه، فليس عتبة بدون معاوية، قال: ثم كتب الوليد بن عقبة إلى عتبة بن أبي سفيان أبياتا من الشعر مطلعها: # أعتبة حرك من أخيك ولا تكن * فول ms0449 الهوينا إن أراد مؤاتيا إلى آخرها. # قال: فلما وردت هذه الأبيات على عتبة بن أبي سفيان غضب لذلك ثم قال: # إنما أراد الوليد أن يخطب إلى عقلي، أيرجوني لامر ومعاوية، جن والله ما أنصفنا الوليد ولا أراد بذلك إلا تحريض بعضنا ببعض! وليس هذا جزاؤنا منه إذ نصبنا جباهنا ونحورنا لسيف علي بن أبي طالب غضبا لابن عمه عثمان بن عفان وهو بالحجاز متكئا على الحشايا، ثم أجابه عتبة بن أبي سفيان أبياتا من الشعر مطلعها: # كرهت أبا وهب قراع العواليا * وحسبك أن تهدي إلي القوافيا إلى آخرها. # قال: ثم بعث معاوية مالك بن هبيرة الكندي إلى محمد بن أبي حذيفة فحاربه فقتله (1)، ثم بعث إلى قيصر ملك الروم بالهدايا فواعده، ثم دعا عمرو بن العاص فقال: أبا عبد الله! هات الآن ما ترى في علي بن أبي طالب، فقال عمرو: أرى فيه خيرا، إنه قد أتاك هذا خير أهل العراق جرير من عند خير الناس علي بن أبي طالب، ورد هذه البيعة خطر شديد وأمر عظيم، ورأس أهل الشام اليوم شرحبيل بن السمط الكندي وهو عدو لجرير، فأرسل إليه وعب له رجالا من ثقاتك يشهدون (2) # PageV02P517 # بأن عليا قتل عثمان، ولتكن المستشهدون أهل الرضا فإنها كلمة جامعة، فإن علقت الشهادة بقلبه لا يخرجها شيء أبدا. # قال: فدعا معاوية يزيد بن أسد (1)، وبسر بن [أبي] أرطاة، ومخارق بن الحارث، وحمزة بن مالك، وحابس بن سعد الطائي، وأبا الأعور السلمي، والضحاك بن قيس الفهري، وذا الكلاع الحميري، والحصين بن نمير السكوني، وحوشب ذا الظلم - وهؤلاء رؤساء الشام يومئذ - فجمعهم معاوية ثم قال: أتدرون لماذا جمعتكم؟ قالوا: لا علم لنا بذلك، فقال: إن شرحبيل بن السمط سيد من سادات قومه وهو عدو لجرير بن عبد الله البجلي، وقد عزمت أن أكتب إليه ليصير إلي فإذا قدم علي أخبرته أن عليا قتل الخليفة عثمان بن عفان، فإن طلب مني شهادة كنتم أنتم الشهود لي على ذلك، فقال القوم: كفئت يا معاوية! فوجه إليه. # فعندها ms0450 كتب إليه معاوية وشرحبيل يومئذ بمدينة حمص: أما بعد! فإن جريرا قدم علينا من عند علي بن أبي طالب بأمر فظيع، فاقدم إلينا رحمك الله! فإننا نريد أن نستشيرك في أمرنا، وقد حبسنا عليك أنفسنا وعلى مشورتك - والسلام -. # قال: فلما ورد كتاب معاوية على شرحبيل وقرأه أقبل إلى عبد الرحمن بن غنم (2) الأزدي وهو صاحب معاذ بن جبل وكان أفقه أهل الشام، فاستشاره في المسير إلى معاوية، فقال عبد الرحمن: ويحك يا شرحبيل! إن الله تعالى لم يزل يريد بك خيرا مذ هاجرت إلى وقتك هذا! وإنه لم ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من الناس، ولا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأنت رجل من خيار كندة، وإن القالة قد فشت في الناس أن عليا قتل عثمان، ولو كان علي قتله لما بايعه المهاجرون والأنصار وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الحكام على الناس! وإنما معاوية إنما يدعوك إلى نفسه ليأخذ من دينك ويعطيك من دنياه كما فعل بعمرو بن العاص، فإن كان ولا بد أن تكون أميرا فسر إلى علي بن أبي طالب، فإنه أحق الناس بهذا الامر من معاوية وغير معاوية، ثم جعل يقول أبياتا مطلعها (3): # PageV02P518 # أيا شرح يا بن السمط إنك بالغ * بأخذ (1) علي ما تريد من الامر (2) إلى آخرها. # قال: فلما سمع شرحبيل بن السمط هذا الشعر كأنه وقع بقلبه، ثم أقبل على عبد الرحمن بن غنم فقال: إني سمعت ما قلت وقد أحببت أن أسمع كلام معاوية في نفر من بني عمه. وكتب إليه الأسود بن عبد الله أبياتا من الشعر، فوافاه الكتاب من قبل أن يصير إلى معاوية مطلعها: # أيا شرح يا بن السمط لا تتبع الهوى * فما لك في الدنيا من الدين بالبدل (3) إلى آخرها. # قال: فلما تفهم شرحبيل هذا الشعر ذعر منه ذعرا شديدا وأفكر في أمره ثم قال: هذه والله نصيحة لي في ديني ودنياي! لا والله لا عجلت في هذا ا لامر بشيء وفي ms0451 نفسي منه حاجة! قال: ثم سار حتى دخل على معاوية، فقربه معاوية وأدناه ثم قال: يا أبا السمط! إن جرير بن عبد الله قد أتى من الكوفة يدعو إلى بيعة علي بن أبي طالب، ولسنا نشك في علي أنه خير فاضل لولا أنه قتل الخليفة عثمان بن عفان، وقد حبست نفسي عليك لأنك رجل من سادات كندة وأنا واحد منكم، أرضى بما ترضون وأكره ما تكرهون، فهات ما عندك! فقال شرحبيل: إني سمعت مقالتك ولست أقضي على غائب، ولكن تؤخرني الليلة حتى أصبح وأسأل غيرك عن هذا الامر، فإن شهدا عندي رجلان من سادات أهل الشام أن عليا قتل عثمان صدقتك وقاتلت بين يديك أنا وجميع من أطاعني من قومي، ثم انصرف شرحبيل إلى رحله. # PageV02P519 # فلما أصبح وجه إليه معاوية بالقوم الذين أعدهم له، فشهدوا عنده أن عليا قتل عثمان، قال: فعندها أقبل شرحبيل حتى دخل على معاوية فقال: يا هذا! لقد شهد عندي العدول أن عليا قتل الخليفة ظلما، ووالله لئن أنت بايعته لتخرجنك من الشام! فاردد الرجل إلى صاحبه، فوالله ما لصاحبه عندنا إلا السيف. قال: فجعل ابن أخت شرحبيل (1) يقول أبياتا من الشعر مطلعها: # رمى شرحبيل بالدواهي وقد رمى * هنالك (2) بالسهم الذي هو قاتله إلى آخرها. # قال: فهم معاوية بقتل قائل هذا الشعر، فهرب حتى صار إلى علي بن أبي طالب، وحدثه الحديث على جهته من أوله إلى آخره، فقربه علي وأدناه وفرض له في أصحابه. # قال: وبعث النجاشي شاعر علي إلى شرحبيل بن السمط الكندي أبياتا من الشعر مطلعها: # أيا شرح ما للدين فارقت أمرنا * ولكن لبغض المالكي جرير (3) إلى آخرها. # قال: فلم يلتفت شرحبيل إلى هذه الأبيات وأقبل حتى دخل على جرير بن # PageV02P520 # عبد الله فقال: يا هذا! لقد جئت بأمر ملفف (1)، أردت أن تلقينا في لهوات الأسد، وأردت أن تخلط الشام بالعراق، ولقد أطرأت (2) من ذكر صاحبك علي عند أهل الشام، ما ظنوا أنه على ما تقول، حتى صح عندنا أنه هو الذي قتل ms0452 الخليفة عثمان بن عفان، قال: فضحك جرير ثم قال: أما قولك بأني جئت بأمر ملفف، فكيف يكون ملففا وقد اجتمع عليه المهاجرون والأنصار وقوتل عليه طلحة والزبير، وأما قولك إني أردت أن أخلط الشام بالعراق، فإن خلطهما على الحق خير من تفريقهما على الباطل، وأما قولك إن صاحبي قتل عثمان بن عفان، فوالله ما في يديك شيء من ذلك إلا القذف من مكان بعيد والله سائلك عن ذلك يوم القيامة! # ولكنك يا شرحبيل ملت إلى الدنيا كما مال غيرك، وشئ كان في نفسك علي (3)، وستعلم عن قريب أن العاقبة للمتقين. ### | ذكر تسريح معاوية جرير بن عبد الله إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # قال: فخرج شرحبيل من عند جرير مغضبا حتى دخل على معاوية فقال لمعاوية: إننا قد علمنا أنك عامل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ووليه وابن عمه، فإن كنت رجلا تجاهد عليا حتى تدرك بثأر عثمان وإلا عزلناك واستعملنا على أنفسنا سواك ممن نريد، ثم جاهدنا معه أبدا أو تفنى أرواحنا ونهلك عن آخرنا. فقال معاوية: ما # PageV02P521 # أنا إلا رجل منكم، أحارث من تحاربون وأسالم من تسالمون. # قال: ثم أرسل معاوية إلى جرير أن الحق بصاحبك فأخبره بالذي سمعت من مقالة أهل الشام. # قال: فأمر جرير فقدمت أثقاله، ثم استوى على فرسه وسار حتى قدم على علي رضي الله عنه بعد عشرين ومائة ليلة، فأخبره بأخبار معاوية وما سمع من أهل الشام، فقال له الأشتر: والله يا أمير المؤمنين! لو كنت أرسلتني إلى معاوية لكنت خيرا لك من هذا الذي أرخى خناقة (1) وأقام حتى لم يدع (2) بابا مفتوحا إلا أغلقه ولا مغلقا إلا فتحه، فقال جرير: أما والله لو كنت مكاني لقتلوك، لأني سمعتهم يقولون بأنك ممن قتل عثمان. ثم أقبل جرير على علي رضي الله عنه فقال: والله يا أمير المؤمنين! إن لو قدروا على هذا أو على محمد بن أبي بكر أو عمار بن ياسر أو حكيم بن جبلة أو مكشوح المرادي لقتلوهم، ولقد ms0453 خرجت ذات ليلة من رحلي لحاجة لي فنظرت إلى غلام من أهل الشام رافعا صوته وهو يقول أبياتا من الشعر مطلعها (3). # حكيم وعمار وشيخ محمد * ومالك والمكشوح جروا الدواهيا (4) إلى آخرها. # قال: فقال علي رضي الله عنه ما أخطأ الغلام شيئا والله ولي عثمان. فقال الأشتر: دعنا يا جرير من أشعار الصبيان، والله إن لو كنت مكانك لما ثقل علي جوابهم، ولحملت معاوية وأصحابه على خطة أعجله فيها عن الفكر، فقال جرير: # فلم لا تأتيهم الآن؟ فقال: وكيف آتيهم وقد أفسدتهم، قال: ثم أنشأ الأشتر يقول في ذلك أبياتا من الشعر مطلعها: # PageV02P522 # لعمرك يا جرير لقول عمرو * وصاحبه معاوية الشام (1) إلى آخرها. # قال وجرى بين الأشتر وجرير كلام كثير. ### | ذكر أخذ معاوية أهبة الحرب. # قال: ثم أقبل معاوية على شرحبيل بن السمط فقال: إنه كان من إجابتك إلى الحق ما وقع أجرك على الله عز وجل، وقبله منك الصالحون وهذا الامر لا يتم إلا بأمر العامة، وأريد منك أن تكتب إلى مدائن الشام فتعلمهم بما كان من إجابتهم، فلعلهم أن يغضبوا للخليفة المظلوم، فقال شرحبيل: لا، ولكن أنا أسير إليهم بنفسي فأحرضهم على ذلك. # قال: ثم سار شرحبيل حتى دخل حمص، ثم نادى في أهلها فجمعهم ثم قام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل حمص (2)! اعلموا أن عليا قتل عثمان بن عفان، وفرق الجماعة، وواقع بقتل البصرة وقعة لها ما بعدها، وقد هزم الجميع وغلب على الأرض حتى لم يبق له إلا الشام، وقد وضع سيفه على عاتقه وعزم على أن يخوض إليكم غمار الموت حتى يأتيكم فينزل بكم ما أنزله بغيركم، ألا! وإني لا أجد أحدا هو أقوى على حربه من معاوية، فخفوا معه وجاهدوا عدو الله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. قال: فأجابه أهل حمص بأجمعهم إلى ذلك (3). قال: وجعل شرحبيل لا يأتي مدينة من مدائن الشام إلا دعاهم إلى نصر معاوية وحرضهم على قتال علي بن أبي طالب، حتى اجتمع ms0454 إليه خلق كثير، فأقبل بهم إلى معاوية، فبايعوه على أنهم يقاتلون بين يديه ويموتون تحت ركابه. # قال: فوثب رجل من أهل السكاسك وكان مجتهدا فاضلا وكان شاعرا واسمه الأسود بن عرفجة، فوقف بين يدي معاوية وأنشأ وجعل يقول أبياتا من الشعر مطلعها: # PageV02P523 # كانت الشام قبل شرح وبيل * لعلي ظهرا له حدباء إلى آخرها. # قال: فقطع عليه معاوية كلامه ثم قال: من هذا الأسد الورد (1)؟ فقال: هذا والله علي بن أبي طالب أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه وزوج ابنته وأبو سبطيه الذي قتل جدك وعم أمك وأخاك وخالك يوم بدر! فأنت تطالبه في الاسلام بما فعل في قومك الكفرة الفجرة. فقال معاوية: خذوه! فوثب إليه غلامان من غلمان معاوية، وقام إليه شرحبيل فقال: كف عنه يا معاوية! فإنه رجل من سادات قومه، فلا تؤذيه فأنقض والله ما في عنقي من بيعتك، قال معاوية: فإني قد وهبته لك. # قال: فهرب الرجل إلى مصر، ثم كتب إلى علي رضي الله عنه أبياتا من الشعر مطلعها: # ألا أبلغ أبا حسن عليا * فكفى بالذي تهوى طويله إلى آخرها. # قال: وأقبل سعيد بن قيس الهمداني إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! إن شرحبيل رجل عمي القلب وقد سار في مدائن الشام فاستنفرهم إلى حربنا، فأذن لي أن أكتب إليه كتابا فلعلي أشككه فيما هو فيه، فقال علي: اكتب ما أحببت. # فكتب إليه سعد بن قيس: أما بعد يا شرحبيل: فإن أهلك من أرض اليمن غير أنك هاجرت إلى الكوفة وانتقلت إلى الشام فكنت بها ما شاء الله، حتى إذا قتل عثمان وبايع الناس عليا عبى لك معاوية رجالا لا يعرفون الحلال ولا ينكرون الحرام، فاختدعوك وشهدوا عندك أن عليا قتل عثمان، ولو نظرت بعقلك لعلمت أن ذلك باطل وزور، ولو كان على ما شهدوا عندك أن عليا قتل عثمان لما بايعه # PageV02P524 # المهاجرون والأنصار وهم واضعون أسيافهم على عواتقهم، يقاتلون معه من خالفه من أهل البصرة وغيرهم من الناس، فلا ms0455 تكن رأس الخطيئة ومفتاح البلية، فإني ما زلت لك ناصحا وعليك مشفقا - والسلام. ثم أثبت في أسفل كتابه شعرا مطلعها: # أيا شرح يا بن السمط أصبحت راجعا * على العقب فانظر في رجوعك للعقب إلى آخرها. # قال: فلما انتهى الكتاب إلى شرحبيل أخذه فأتى به معاوية، فقرأه إياه، فقال معاوية: لا عليك، هو سيد في همدان وأنت سيد في كندة، فأجبه على كتابه. # قال: فكتب إليه شرحبيل: أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه أني هاجرت إلى الكوفة وانتقلت إلى الشام، ولعمري ما العراق لي بدار ولا الشام علي بعار، وإنما أنا رجل من أهل اليمن، وأما قولي بأن عليا قتل عثمان، فإني أخذت ذلك عن الثقات من أهل الرضا، ولا يقال للشاهد: من أين قلت؟ فأما المهاجرون والأنصار، فلهم ما في أيديهم من بيعة علي ولنا ما في أيدينا من بيعة معاوية - والسلام -. # قال: ثم أقبل شرحبيل على ابن عم له من كندة فقال: أجب سعيد بن قيس على شعره هذا بما أمكنك! قال: فكتب إلى سعيد أبياتا من الشعر مطلعها: # أيها العائب الفتى شرحبيل * لن ينال الانسان مجرى النجوم إلى آخرها. ### | ذكر قدوم عبيد الله بن عمر بن الخطاب على معاوية بالشام وما كان منهم من القول في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # قال: وقدم عبيد الله بن عمر بن الخطاب على معاوية ليكون معه على علي، فأرسل معاوية إلى عمرو بن العاص فدعاه وقال: أبا عبد الله! إنه قد أحيى الله لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم ابنه عبيد الله علينا، وقد رأيت أن أقيمه خطيبا فيشهد على علي بقتل عثمان وننال منه! فقال عمرو بن العاص: يا معاوية! والله ما أتاك PageV02P525 # عبيد الله بن عمر إلا خوفا من علي أن يقع في يده فيقتله (1)! ولكن لا عليك أن تأمره أن يخطب. فأرسل إليه معاوية فدعاه ثم قال له: يا بن الأخ! إن لك اسم أبيك فانظر بملء عينك وتكلم بملء فيك، فأنت المأمون المصدق، أريد ms0456 منك أن تشتم لي عليا وتشهد لي عليه بقتل عثمان! فقال له عبيد الله: أما الشتيمة فإنه علي بن أبي طالب بن هاشم، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، فما عسى أن أقول في نسبه (2)، وأما حسبه (3) فهو والله الشجاع المطرق! وأما أيامه فقد عرفتها أنت يا معاوية! ولكني ألزمه دم عثمان. فقال عمرو بن العاص: يا بن أخ لقد نكأت القرحة وما نريد منك غير هذا. # قال: فلما طلع عبيد الله من عند معاوية قال معاوية لعمرو: القول والله على ما قلت! والله لولا خوفه من علي أن يقتله بالهرمزان لقد رأيته بالشام أبدا، ألم تسمع تقريظه لعلي وقوله فيه: أبوه كذا وأمه كذا وبأسه كذا؟ فقال عمرو: أتنكر يا معاوية أن عليا كما قال عبيد الله بن عمر؟ والله! إن عليا لكما قال وفوق ما قال، غير أننا قد ملنا إلى هذه الدنيا، فليس نعقل ما نأتي وما ندع. # قال: وخرج حديث معاوية وعمرو إلى عبيد الله بن عمر، فقام في الناس خطيبا كما أمره معاوية، فحمد الله وأثنى عليه وتكلم بحاجته، حتى إذا بلغ إلى أمر علي وعثمان أمسك ونزل عن المنبر، فقال له معاوية: يا بن أخي! إنك بين عي وخيانة، فما منعك من ذكر علي وعثمان؟ فقال: إني كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان، وعلمت أن الناس يحملونها عني. # قال: فهجره معاوية واستخف به، فأنشأ عبيد الله بن عمر في ذلك أبياتا مطلعها: # معاوي لم أخرس بخطبة خاطب * ولم أك عيا في لؤي بن غالب (4) # PageV02P526 # إلى آخرها. # قال: فبلغ قوله هذا معاوية، فبعث إليه فأرضاه وقربه وقال: حسبي هذا منك. ### | ذكر كتاب معاوية إلى أهل المدينة يستنصرهم. # قال: ثم أقبل معاوية على عمرو بن العاص فقال: إني أريد أن ألقي إلى أهل المدينة (1) كتابا أذكرهم فيه أمر عثمان، فإما أن ندرك منهم حاجتنا وإما نكفهم عنا من قبل مسير علي إلينا، فقال له عمرو: إنك إنما تكتب إلى نفر منهم راضين بعلي ms0457 فلا يزيدهم كتابك إليهم إلا بصيرة ومحبة لعلي، ومنهم من يهوى عثمان فلا يقدر أن يزيده على ما هو عليه، ومنهم معتزل عن علي وعثمان ولا يلتفت إلى كتابك، فإن أحببت فاكتب. # قال: فكتب معاوية إلى أهل المدينة: بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية بن أبي سفيان إلى جماعة أهل المدينة، أما بعد! فإنه مهما غاب عنا من الامر فلم يغب عنكم أن عثمان قتل مظلوما وعلي قتله، والدليل على ذلك أنه قد آوى قتلته عنده، وإنما نطالبه بدمه حتى يدفع إلينا قتلته، فنقتلهم به بكتاب الله عز وجل، فإن دفعهم إلينا كففنا عنه وجعلنا هذا الامر شورى بين المسلمين كما جعله عمر بن الخطاب عند وفاته، فأما الخلاف فلسنا نطلبها، فأجيبوا (2) رحمكم الله وانهضوا معنا إلى حربه - والسلام -. # قال: فلما قرىء كتاب معاوية على أهل المدينة اجتمعوا فكتبوا (3) إلى معاوية وعمرو بن العاص جميعا: أما بعد! فإنكما أخطأتما موضع النصرة وتناولتماها من # PageV02P527 # مكان بعيد، يا بن هند ويا بن العاص! ما أنتما والمكاتبة والمشورة؟ وما أنتما والخلافة والشورى؟ أما أنت يا معاوية فطليق العين، وأما أنت يا عمرو فخائن (1) في الدين، فكفا عن المكاتبة فليس لكما المكاتبة لأهل المدينة ولي ولا نصير ولا معين ولا ظهير. # ثم كتب رجل من الأنصار أبياتا من الشعر مطلعها: # معاوي إن الحق أبلج واضح * وليس كما ربصت أنت ولا عمرو (2) إلى آخرها. # قال: فلما ورد كتاب أهل المدينة على معاوية وقرأه أقبل على عمرو بن العاص، فقال: أبا عبد الله! شعرت أننا أخطأنا في الكتاب إلى أوباش أهل المدينة وبها مثل عبد الله بن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة الأنصاري، إنما كان يجب أن نخص هؤلاء الثلاثة بالكتاب دون غيرهم، فقال عمرو: ذلك إليك وأنت على رأس أمرك، إن أردت أن تكتب إليهم وأنا لا أشير عليك بذلك، فإني أخاف أن تسمع منهم ما تكره، فلم يلتفت معاوية إلى قوله. ### | ذكر كتاب معاوية إلى عبد الله بن عمر ms0458 بن الخطاب. # قال: وكتب إلى عبد الله بن عمر (3): أما بعد فإنه لم يكن رجل من قريش أحب إلي أن تجتمع الناس (4) عليه منك بعد قتل عثمان رضي الله عنه، ثم إني ذكرت خذلانك المرء، وقعودي عنه وطعنك على أنصاره فتغيرت لك وقد هون الله علي ذاك إذ رأيتك مخالفا لعلي بن أبي طالب، فأعنا رحمك الله على دم هذا الخليفة المظلوم، فإني لست أطلب الامر عليك، إنما أريدها لك، فإن أبيت كان شورى بين المسلمين - والسلام -. # وكتب في أسفل كتابه أبياتا من الشعر مطلعها: # PageV02P528 # ألا قل لعبد الله واخصص محمدا * وفارسنا المأمون سعد بن مالك (1) إلى آخرها. # فأجابه عبد الله بن عمر (2): أما بعد! فإن الرأي الذي أطمعك في هو الذي صيرك إلى ما صرت إليه، يا معاوية! إذ حدثتك نفسك أني أترك عليا والمهاجرين والأنصار وأتبعك، فأما زعمك أني طعنت على علي وخالفته، فلعلي ما أنا كعلي في الايمان والهجرة ونكايته في المشركين ومكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه حدث أمر لم يكن عندي فيه عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففزعت فيه إلى الوقوف وقلت: إن كان هذا هدى ففضل تركته، وإن كان ضلالا فشر نجوت منه، فاروعنا نفسك (3) - والسلام -. # قال: ثم أقبل ابن عمر على رجل من قريش يقال له ابن أبي عزة (4) فقال: # أجب عني معاوية على شعره، فأنشأ يقول أبياتا من الشعر مطلعها: # معاوي لا ترج الذي لست نائلا * وحاول بصيرا عند سعد بن مالك (5) إلى آخرها. ### | ذكر كتاب معاوية إلى سعد بن أبي وقاص. # قال: وكتب معاوية إلى سعد بن أبي وقاص (6): أما بعد! فإن إخواننا من شيعة عثمان بن عفان أهل الشورى من قريش الذين عرفوا حقه واختاروه على غيره، وقد نصره طلحة والزبير وهما شريكاك في الامر، ونظيراك في الاسلام، وخفت لذلك أم المؤمنين، فلا تكرهن ما رضوا به، ولا تروين (7) ما قبلوا، فإنما نريدها شورى بين المسلمين - والسلام -. وأثبت في آخر كتابه أبياتا مطلعها: # PageV02P529 # ألا ms0459 يا سعد قد أحدثت (1) شكا * وشك المرء في الاحداث داء إلى آخرها. # فكتب إليه سعد (2): أما بعد! فإن الشورى لم يدخل عمر بن الخطاب إلا من يحل له الخلافة، ولم يكن أحد من أهل الشورى أحق بالخلافة من صاحبه بالاجتماع، غير أن عليا كان فيه ما فينا، ولم يكن فينا ما فيه، وهذا أمر قد كرهنا أوله وكذلك نكره آخره، وأما طلحة والزبير فلو لزما بيوتهما لكان خيرا لهما، والله يغفر لام المؤمنين عائشة ما أتت - والسلام. وأثبت في أسفل كتابه أبياتا من الشعر مطلعها: # معاوي داءك الداء العياء * وليس لما تجيء به دواء (3) إلى آخرها. ### | ذكر كتاب معاوية إلى محمد بن مسلمة الأنصاري. # قال: وكتب معاوية إلى محمد بن مسلمة الأنصاري (4): أما بعد! فإني كتبت إليك وأنا أرجو متابعتك (5)، ولكني أحببت أن أعرفك النعمة التي خرجت منها والشك الذي صرت إليه، فأنت فارس الأنصار وعدة المهاجرين، غير أنك ادعيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم تستطع إلا أن تمضي عليه، فذكرت أنه نهاك عن قتال أهل الصلاة بعضهم بعضا (6)، وقد كان يجب عليك أن تكره لهم ما كرهه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ما رأيت عثمان بن عفان في يوم الدار وما حل به من أهل الصلاة؟ # وأما قومك فقد عصوا الله وخذلوا عثمان، والله سائلهم وسائلك عن ذلك يوم القيامة - والسلام -. # قال: ثم عرض معاوية كتابه على مروان بن الحكم، فقال له مروان: أما إنك قد أغلظت له في الكتاب، ولكن دعني حتى أكتب إليه أبياتا من شعره فلعلي أخدعه # PageV02P530 # بهن، فقال معاوية: أكتب ما أحببت، فكتب إليه مروان أبياتا من الشعر مطلعها: # أيا فارس الأنصار في كل ملحمة * ويا أيها الباني لها كل مكرمة. # إلى آخرها. # قال: فلما ورد كتاب معاوية إلى محمد بن مسلمة كتب إليه (1): أما بعد! فقد اعتزل هذا الامر من قريش من ليس في يديه من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي في يدي، وقد ms0460 أخبرني بالذي هو كائن قبل أن يكون، فلما رأيت ما أخبرني به كسرت سيفي ولزمت بيتي (2) إذا لم يصح لي معروف آمر به ولا منكر أنهى عنه، ولعمري يا معاوية ما طلبت إلا الدنيا ولا اتبعت إلا الهوى، فإن تنصر عثمان ميتا فقد خذلته حيا، وما أخرجني الله من نعمة ولا صرت إلى شك فإن أبصرت خلاف ما نحن عليه ونحن أنصار النبي صلى الله عليه وسلم. # [ثم دعا محمد بن مسلمة رجلا من الأنصار (3)] فقال: أجب عني مروان بن الحكم على شعره، فأنشأ الأنصاري أبياتا من الشعر يقول مطلعها: # أمروان دع هذا وفي الامر جمجمه * ولا تطلبن منا جواب ابن مسلمة إلى آخرها. # قال: فلما وردت هذه الكتب والاشعار على معاوية ندم على ما كتب، وشمت به عمرو، فأنشأ أبياتا من الشعر يقول مطلعها: # ألم ترني أشرت على ابن هند * فلم يقبل وقلت دع الكتابا. # إلى آخرها. ### | ذكر تحريض معاوية الناس على القتال ووصيته إياهم بالصبر على ذلك. # قال: فعندها قام معاوية في الناس خطيبا، فحمد الله واثنى عليه ثم قال (4): # PageV02P531 # أيها الناس! قد علمتم أن خليفتكم عثمان بن عفان قتل مظلوما وقد جعل الله لمن قتل مظلوما وليا وناصرا، وجعل لوليه سلطانا، وأنا وليه، استعملني ولم يعزلني، وأنتم أهل الحق، والناس سواكم أهل فتنة وباطل، من بين باسط يديه في دم عثمان أو معين عليه، وقد قام بأمور الناس أبغض الناس إليه علي بن أبي طالب، ولنخوضن إليه حومات الموت ثم لنقدحن لكم من زندة شرره، لا يثبت لها شيء إلا أحرقته، وقد علمتم أني لا أضبط الشام إلا بالطاعة، ولا أقوى على حرب أهل العراق إلا بالصبر، وأنتم عازمون على أن تحرزوا الشام والعراق، لعمري ما للشام كرجال العراق ولا للعراق كصبر أهل الشام! والقوم لا قوم غدا ببصائر أهل الحجاز ورقة أهل اليمن وقسوة أهل البصرة وكيد أهل الكوفة، وإنما يصبر غدا من قرأ هذه الآية: # و (استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصبرين *) (1) قال: فوثب ms0461 أبو الأعور السلمي فقال: يا معاوية! إنك والله ما تستطيع أن تضرب الناس بمثل ما يضربهم علي بن أبي طالب! ولا يرجعون من أمرك إلى ما يرجعون إليه من علي، وإنك لتحملنا على أمر لو تركته لحملناك عليه، ونحن على بيعة الخليفة عثمان بن عفان، وأنت وليه وابن عمه، وعلي عدوه وخاذله، فنحن معك عليه - والسلام -. # قال: ثم وثب ذو الكلاع الحميري فقال: يا معاوية! إن أمير المؤمنين عثمان بن عفان استعملك فلم توف له، واستنصرك فلم تنصره، وأردت أن تصرف وجوه الناس إليك، فقد بلغت الذي أردت، والله! لو خذلتك العرب قاطبة لكفيتك خذلانها بقومي وعشيرتي - والسلام -. # قال: ثم تكلم حوشب ذو الظليم فقال (2): يا معاوية! لقد علمت العرب أننا أهل فعال ولسنا بأهل مقال، وأن عظيم فعالنا يأتي على قليل مقالنا، والامر لك ولمن شئت من بعدك - والسلام -. # ثم تكلم سعد بن وخاطة الحميري فقال: يا سبحان الله! أما من رجل يقدم رضا الله عز وجل على رضا الناس؟ ويحكم يا أهل الشام! أما علمتم أن أهل # PageV02P532 # الحجاز هم الحكام على جميع الناس لمكانهم من الهجرة والجهاد في سبيل الله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وإن كان في أيديكم مثل ما في أيديهم فكانوا هم في الامر وأشركوهم في المشورة، فإن الله لا يستحيي من الحق، ثم أنشأ أبياتا يقول مطلعها: # قل لقوم يرون حرب علي * احرزوا الشام لا تروموا العراقا إلى آخرها. # قال: فلما سمع معاوية شعره أمر به، فلبب وخنق وشتم وسحب، وهم بقتله، فقاموا واستوهبوه من معاوية، فلحق الفتى بالعراق وصار إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ### | ذكر ادعاء معاوية استحقاق الخلافة لنفسه. # قال: ثم أقبل معاوية على أصحابه فقال: يا هؤلاء! أخبروني بماذا صار علي بن أبي طالب أولى بهذا الامر مني، والله! إني لكاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كانت أختي تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لعامل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، ms0462 وأمي هند بنت عتبة بن ربيعة، وأبي أبو سفيان بن حرب، وإن كان قد بايعه أهل الحجاز وأهل العراق فقد بايعني أهل الشام، وإن هؤلاء في الامر سواء، ومن غلب على شيء فهو له. # قال: وانصرف معاوية إلى منزله، فلما أصبح إذا برقعة موضوعة على بساطه فيها أبيات من الشعر، مطلعها: # معاوي لله من خلقه * عباد قلوبهم قاسيه وقلبك من شر تلك القلوب * وليس المطيعة كالعاصيه إلى آخرها. # قال: فلم يروعه ذلك أن دعا بدواة وبياض وكتب إلى علي رضي الله عنه (1): # أما بعد فلو كنت على ما كان من قبلك لما قاتلتك ولا استحللت، ولكنه إنما أفسد # PageV02P533 # عليك بيعتي خطيئتك في عثمان، وإنما كان أهل الحجاز هم الحكام على الناس حين صار الحق فيهم، فلما تركوه صار أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز وغيرهم من الناس، ولعمري ما حجتك علي كحجتك على طلحة والزبير، ولا حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة! ولان طلحة والزبير قد كانا بايعاك ولم أبايعك، وبايعك (1) أهل البصرة ولم يبايعك أهل الشام، وأما فضلك في الاسلام وقرابتك من الرسول صلى الله عليه وسلم وموضعك من بني هاشم فلست أدفعه - والسلام -. # قال: ثم دعا معاوية بشاعر أهل الشام واسمه كعب بن جعيل الثعلبي، فقال له: قل أبياتا من الشعر وأثبتهم في هذا الكتاب! فأثبت في آخره أبياتا مطلعها (2): # أرى الشام تكره أهل (3) العراق * وأهل العراق لهم كارهونا إلى آخرها. # قال: فلما انتهى الكتاب إلى علي رضي الله عنه وقرأه كتاب إلى معاوية (4): أما بعد! فإنه أتاني كتاب امرئ ليس له هاد يهديه ولا قائد يرشده (5)، دعاه الهوى فأجابه، وقاده الغي فاتبعه، زعمت أنه إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان، ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين! أوردت كما أوردوا، وأصدرت كما أصدروا، وما كان الله ليجمعهم على ضلال ولا يضربهم بعمى، وأما ما زعمت أن أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز، فهات رجلين من قريش الشام يقبل الشورى أو تحل لهما ms0463 الخلافة، فإن زعمت ذلك كذلك المهاجرون والأنصار، وإلا فأنا آتيك بهم من قريش الحجاز، وأما ما ميزت بينك وبين طلحة والزبير وبين أهل البصرة وأهل الشام، فالامر (6) في ذلك إلي واحد، لان بيعة العامة لا يستثنى فيها النظر (7) ولا يستأنف فيها الخبر (7)، وأما فضلي في الاسلام وقرابتي من # PageV02P534 # الرسول صلى الله عليه وسلم وموضعي من بني هاشم فلو استطعت دفعه لفعلت - والسلام -. # قال: ثم دعا بشاعره (1) فقال: أجب كعب بن جعيل على شعره، فأثبت في الكتاب أبياتا مطلعها: # عرفنا معاوي ما لم يكونا (2) * فقد حقق الله ما تحذرونا إلى آخرها. # قال: فلما ورد كتاب علي رضي الله عنه على معاوية كتب إليه معاوية (3): أما بعد! فاتق الله يا علي ودع الحسد ولا تفسدن سابقة قدمك في الاسلام بشرة (4) حديثك فإن الاعمال بخواتيمها، ولا تلحدن بباطل من حق من لا حق له، فإنك إن تفعل ذلك لن تضر إلا نفسك ولا تمحق إلا عملك (5)، ولعمري ما مضى لك من السوابق الحسنة لحقيقة أن تردعك عما قد اجترأت عليه من سفك الدماء وخلاف أهل الحق عن الحل والحرم، فاقرأ سورة الفلق وتعوذ بالله من شر ما خلق ومن شر نفسك والحاسد إذا حسد، أقبل الله بقلبك وأخذ ناصيتك وعجل توفيقك فإني أسعد الناس بذلك - والسلام -. # قال: فكتب إليه علي: من عبد الله أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد! قد أتاني كتابك ليس ببعيد الشبه منك حملك على الوثوب على ما ليس لك بحق، ولولا ما قد علمت من علمي بذلك وبما قد سبق فيك من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا مرد له دون إنفاذه إذا لوعظتك، ولكن عظتي لا تنفع من قد حقت عليه كلمة العذاب، ولن يخاف العقاب، ولم يرجع لله وقارا، ولم يحف له جدارا، فشأنك وما أنت عليه من الضلالة والحيرة والجهالة، تجد الله عز وجل في ذلك بالمرصاد من # PageV02P535 # دنياك المنقطعة عنك وتمنيك الأباطيل، وقد علمت ما قال النبي صلى الله عليه وسلم ms0464 فيك وفي أمك وأبيك - والسلام -. # قال: فكتب إليه معاوية: أما بعد! فإن الدين على قلبك والغطاء على بصرك، والشرة من شيمتك، والغدر من سجيتك، فأبشر بالحرب، واصبر للضرب، فوالله ليرجعن الامر إلى ما قد علمت والعاقبة للمتقين، فهيهات هيهات يا علي! أخطاك التمني وهوى قلبك فيمن هوى، واضمحل عليك علمك، فصار في تباب بعد التمسك بالكتاب، فارتفع على طلعك وقيس فترك بشبرك، واعرف ذلك من حال من يزن الجبال حلمه ويفصل بين أهل الشك علمه - والسلام -. # قال: فكتب إليه علي رضي الله عنه: من عبد الله أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد! فإن علم الله حال بينك وبين أن يصلح لك، فإنك ابن صخر اللعين، وزعمت أنك يزن الجبال حلمك ويفصل بين أهل الشك علمك، فأنت المنافق القاسي القلب، القليل الفقه في الدين، فإن كنت صادقا فيما تنتظر وتصدر ويعينك عليه الابتران واصبر على مبارزتي، واعف الناس على القتال، لتعلم أينا الشاك الران على قلبه المغطى على بصره، فأنا أبو الحسن حقا! قاتل جدك عتبة وعمك شيبة وخالك الوليد وأخيك حنظلة الذين سفك الله دماءهم على يدي في يوم بدر، وذلك السيف معي، وبذلك القلب ألقى عدوي - والسلام -. # قال: فكتب إليه معاوية: أما بعد! فقد أبيت في الغي إلا تماديا لابن السوداء عمار بن ياسر وأصحابه، فقد علمت بأنه إنما [لا] يدعوك إلى ذلك إلا مصرعك وحينك الذي لابد لك منه، فإن كنت غير منته فازدد غيا، فطاش في المطاولة حلمك، وعزب عن الحق فهمك، وأنت راكب لاسوء الأمور، ومعضل عن الحق بغير فكرة في الدين ولا روية، ثم تكون العاقبة لغيرك - والسلام -. # قال: فكتب إليه علي: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد! فإنك من كافر ولدت فقربت وأشبهت آبائك وأجدادك وعمك وأخاك وخالك، إذ حملهم الشك وتمني الأباطيل بالجحود على نبي الله عليه السلام، فصرعوا مصارعهم حيث قد علمت، لم يمنعوا حريما ولا دفعوا عظيما وأنا صاحبهم في تلك المواطن والفأل ms0465 لحدهم والقاتل لصناديدهم صناديد الضلالة ومتابعي الجهالة، وأنت خلفهم فبئس الخلف يتبع السلف في نار جهنم، والله لا يهدي القوم الظالمين. PageV02P536 # قال: فكتب إليه معاوية: أما بعد! فقد طال في الغي إدراجك، وعن الحرب إبطاؤك، وعن النفاق تقاعسك، وعن الوقوف جداتك وتوعد وعيد البطل المحامي، وتروغ روغان الثعلب المواري، ما أعدك لكتاب وأكلك عن الضراب الذي لا بد لك فيه من لقاء أسباب، صادقة نياتهم، شديدة بصائرهم، يضربون عن الحق من التوى، ويوفون بالعهد من إليهم ضوى، وما أقرب ما تعرف إن لم يتداركك الله منه برحمته، ويخرجك من أثر الغواية التي طال فيها تجبرك، وعن قريب تعرف عاقبة فعلك، وكفى بالله عليك رقيبا - والسلام -. # قال: فكتب إليه علي: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد! فالعجب لما تتمنى وما يبلغني عنك، وما أعرفني بمنزلتك التي أنت إليها كائن، وليس إبطائي عنك إلا لوقت أنا به مصدق وأنت به مكذب، وكأني بك وأنت تعج في الحرب عجيج الجمال بأثقالها، وكأني بك وأنت تدعوني بابن آكلة الأكباد جزعا من النفاق المتتابع والقضاء الواقع ومصارع بين مصارع إلى كتاب الله، وأنتم به كافرون، لحدوده جاحدون. # قال: فقال له عمرو بن العاص: ويحك يا معاوية! إلى كم تكاتب عليا؟ # فوالله لو اجتمع عليه كل كاتب بأرض الشام لما قدروا على إجابته! فحسبك من مكاتبته واعزم على محاربته أو مسالمته. ### | ذكر خروج معاوية من الشام إلى صفين لحرب علي رضي الله عنه. # قال: فعندها جمع معاوية الناس (1)، فجعل على ميمنته عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى ميسرته عبد الله بن عمرو بن العاص، وعلى مقدمته أبا الأعور السلمي، وعلى سابقته بسر بن [أبي] أرطاة الفهري، وسار معاوية في أهل الشام بأجمعهم، وبين يديه مروان بن الحكم على فرس أغر محجل وقد تقلد بسيف عثمان بن عفان، حتى نزل بأول منزل من دمشق، فضرب عسكره هنالك لكي تتلاحق به الناس وكتب مروان إلى علي رضي الله عنه أبياتا من ms0466 الشعر يقول مطلعها: # نسير إلى أهل العراق وإننا * لنعلم ما في السير من شرف القتل # PageV02P537 # إلى آخرها. # فلما ورد هذا الشعر على أهل العراق علم علي وأصحابه بأن معاوية فصل من دمشق إلى ما قبله، فقال للنجاشي بن الحارث: أجب مروان على شعره هذا، فأجابه النجاشي وهو يقول شعرا مطلعها: # نسير إليكم بالقبائل والقنا * وإن كان فيما بيننا شرف القتل إلى آخرها. # قال: وسار معاوية بخيله ورجله (1) حتى نزل في صفين في ثلاثة وثمانين ألفا (2)، وذلك لأيام خلت من المحرم، فسبق إلى سهولة الأرض وسعة المرعى وقرب الفرات فنزل هنالك، ثم إنه بنى بنيانا له، وضرب القباب والخيام والفساطيط، وبنيت المعالف للخيل، واجتمعت إليه العساكر من أطراف البلاد فصار في عشرين ومائة ألف، ثم إنه كتب إلى علي رضي الله عنه بهذه الأرجوزة (3): # لا تحسبين يا علي غافلا * لأوردن الكوفة القبائلا والمشرفي والقنا الذوابلا * من عامنا هذا وعاما قابلا فكتب إليه علي رضي الله عنه بهذه الأبيات: # أصبحت مني يا بن هند جاهلا * لأرمين منكم الكواهلا (4) تسعين ألفا رامحا ونابلا * يزدجرون الأرض والسواهلا بالحق والحق يزيح (5) الباطلا * هذا لك العام وزرني (6) قابلا # PageV02P538 # وكتب علي رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص: # لأصبحن العاص وابن العاصي * تسعين (1) ألفا عاقدي النواصي مستحقبين حلق الدلاصي * قد جنبوا الخيل مع القلاص (2) آساد غيل حين لا مناص فكتب عمرو بن العاص إلى علي رضي الله عنه أبياتا مطلعها: # ألست بالعاصي وشيخ العاصي * من معشر في غالب مصاص إلى آخرها. # قال: ثم كتب إليه قيس بن سعد بن عبادة أبياتا مطلعها: # معاوي قد كنت رخو الخناق * فألحقت حربا يضيق الخناقا إلى آخرها. # قال: فنادى علي في الناس فجمعهم، ثم خطبهم خطبة بليغة وقال: أيها الناس! إن معاوية بن أبي سفيان قد وادع ملك الروم، وسار إلى صفين في أهل الشام عازما على حربكم، فإن غلبتموهم استعانوا عليكم بالروم، وإن غلبوكم فلا حجاز ولا عراق، وقد زعم معاوية لأهل الشام أنهم أصبر منكم على الحرب، وهذا كلام ms0467 يستحيل عن الحق، لأنكم المهاجرون والأنصار والتابعون، والقوم أهل شبهة وباطل، وإنما سميت شبهة لأنها تشبه الحق ولا يخلو أن يكون فيها رشح من الهدى، فخذوا في أهبة الحرب فقد تقارب إهراق دماء القاسطين، ألا! وإن المشورة فيها البركة، فهاتوا رحمكم الله ما عندكم. # قال: فقام إليه عمار بن ياسر فقال: يا أمير المؤمنين! إن استطعت أن لا تقيم يوما واحدا فافعل، واشخص (3) بنا إلى عدونا من قبل اجتماع عدونا على الصدور والفرقة، فإذا وافيت القوم فادعهم إلى حظهم ورشدهم، فإن قبلوا سعدوا، وإن أبوا إلا حربنا فوالله! إن سفك دمائهم، والجد في جهادهم لقربة إلى الله عز وجل وكرامة منه. # PageV02P539 # ثم قام قيس بن سعد بن عبادة فقال: يا أمير المؤمنين! اكمش (1) بنا إلى الحرب عدونا ولا تعرج، فوالله! إن جهادهم لاحب إلينا من جهاد الروم والترك والديلم، لادهانهم (2) في دين الله واستذلالهم لأولياء الله، إذا غضبوا على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حبسوه أو ضربوه أو حرموه أو سيروه (3)، وفيئنا لهم في أنفسهم حلال ونحن لهم كمين (4). # قال: فتكلمت الأشياخ من الأنصار (5) وقالوا: يا قيس! لم بدأت أشياخ قومك بالكلام؟ قال: فاستحيا قيس ثم قال: والله! إني لعارف بفضلكم معظم لأنسابكم، وإنكم لساداتي وعمومتي ولكني قد وجدت، الذي في صدري قد جاش، فلم أجد بدا من الكلام. قال: فأمسك عنه القوم وقام سهل بن حنيف الأنصاري فقال: يا أمير المؤمنين! نحن سلم لمن سالمت وحرب لمن حاربت، ورأينا رأيك، متى دعوتنا أجبناك ومتى أمرتنا أطعناك، وليس عليك منا خلاف - والسلام -. # قال: فوثب حنظلة بن الربيع التميمي (6) فقال: يا أمير المؤمنين! إننا قد مشينا إليك بنصيحة فاقبلها منا ولا تردها علينا، فإننا قد نظرنا لك ولمن معك من المسلمين، الرأي عندنا أنك تقيم ولا تعجل بالمسير إلى قتال أهل الشام، فإني والله لا أدري على من تكون الدائرة. # قال: فتكلم عبد الله بن المعتمر (7) فقال: إن الله تبارك وتعالى رب (8) العباد والبلاد يؤتي الملك من ms0468 يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، فأما الدائرة (9) فإنها على الظالمين العاصين القاسطين ظفروا أو لم يظفروا. # PageV02P540 # قال: فوثب عباس بن شريك العبسي فقال: يا أمير المؤمنين! إنه قد بلغنا أن صاحبنا هذا عبد الله بن المعتمر ممن يكاتب معاوية، فاحبسه عندك إلى أن تفرغ من غزاتك وإلا فأمكننا منه حتى نقلته. # قال: ثم وثب مالك (1) فقال: يا أمير المؤمنين! إن حنظلة بن الربيع (2) أيضا ممن يكاتب معاوية، فادفعه إلينا وإلا فاحبسه إلى أن تفرغ من أمرك. # قال: فقال علي رضي الله عنه: يا حنظلة ويا بن المعتمر! إني قد سمعت كلامكما والله بيني وبينكما وإليه أكلكما، فاذهبا حيث شئتما! قال: فهربا جميعا، فأما عبد الله بن المعتمر فصار إلى معاوية، وأما حنظلة فاعتزل الفريقين جميعا (3). # قال: ثم وثب عدي بن حاتم (4) الطائي فقال: يا أمير المؤمنين! إنك ما قلت إلا بعلم ولا دعوت إلا إلى الحق ولا أمرت إلا بالرشد، ولكن آن أن تتأنى بالقوم ولا تعجل بالمسير إليهم، وتبعث إليهم بكتبك وتقدم عليهم رسلك، فإن يقبلوا يصيبوا رشدهم، والعاقبة أوسع لنا ولهم، وإن ساروا (5) في الشقاق ولم ينزعوا عن الغي فسر وقد قدمنا إليهم العذر (6). # قال: فوثب زيد بن صوحان (7) العبدي فقال: والله! لئن كنا في شك من خلاف من خالفنا فإنه لا يصلح لنا البتة قتالهم، وكيف نتأنى بالقاسية قلوبهم، القليل في الاسلام حقهم، أعوان الظلم ومؤسسي أساس الحقد والظلم والعدوان، وليسوا من المهاجرين والأنصار ولا من التابعين بإحسان. قال: فقام رجل من بني طيء فقال: يا زيد بن صوحان (7)! أتهجر (8) كلام سيدنا عدي بن حاتم وتعترض عليه؟ # PageV02P541 # فقال زيد: ما أنتم بأعرف بحق عدي بن حاتم مني، ولكن لا أدع القول بالنصيحة والحق وإن سخط الناس. فقال عدي بن حاتم: يا زيد! الناس في الحق سواء، ومن نصح فقد قضى ما عليه. # قال: ثم وثب أبو زينب بن عوف فقال: يا أمير المؤمنين! والله لئن كنا على الخلاف لانت أهدانا سبيلا ms0469 ولأعظمنا في الخير نصيبا، ولئن كنا على ضلال إنك لأثقلنا ظهرا وأعظمنا وزرا، وقد أمرتنا بالمسير إلى أهل الشام (1)، وقد قطعنا ما بيننا وبينهم من الولاية، وأظهرنا لهم فيك العداوة، ونريد بذلك ليعلم الله ما في أنفسنا، فليس (2) الذي نحن عليه هو الحق المبين، والذي عليه عدونا هو الغي والضلال الكبير. فقال علي: قل لي يا أبا زينب! أشهد أنك مضيت معنا ناصرا لدعوتنا صحيح النية في نصرتنا، وإنك إن قطعت لهم الولاية وأظهرت لهم العداوة فما زعمت أنك ولي الله تسبح في رضوانه وتركض في طاعته، فأبشر يا أبا زينب! # قال: والتفت إليه عمار بن ياسر فقال: يا أبا زينب! أثبت ولا تشكك في الأحزاب، فإنهم حزب الله وحزب الرسول. # قال: ثم وثب يزيد بن قيس الأرحبي فقال: يا أمير المؤمنين! إننا على جهاز وعدة، وأكثر الناس أهل قوة ونجدة ومن ليس به ضعف ولا علة، فمر مناديك فليناد في الناس أن يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة (3)، فإن أخا الحرب ليس بالسؤم ولا بالنؤم، ولا يؤخر عمل اليوم في الحرب إلى غذ وبعد غد، ولكن (4) توكل على الله عز وجل وثق به واشخص بنا إلى عدونا راشدا معانا، فإن يرد الله بهم خيرا تبعوك، فوالله ما يجدون مثلك في السابقة والقرابة من محمد صلى الله عليه وسلم، وإن أبوا إلا حربنا استعنا بالله عليهم، ونرجو أن يصرعوا مصارع إخوانهم بالأمس. # قال: ثم وثب عبد الله بن بديل (5) بن ورقاء الخزاعي فقال: يا أمير المؤمنين! # إن أهل الشام لو كانوا لله عز وجل يقاتلون وإياه يريدون لما خالفونا، ولكنهم إنما يقاتلوننا على دنياهم التي في أيديهم وعلى إحن واتراث وعداوة يجدونها في # PageV02P542 # صدورهم ويضمرونها في أنفسهم. ثم قال: أيها الناس! وكيف يبايع معاوية عليا وقد قتل أخاه وخاله وجده وعم أمه في يوم بدر، والله! ما أظن أنهم يبايعون عليا أبدا وتقطع هاماتهم بالسيوف وتكسى حواجبهم بعمد الحديد. # قال: فعندها خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي، فجعلا يظهران البراءة ms0470 من أهل الشام واللعنة لهم، فأرسل إليهما علي أن (كفا عما يبلغني عنكما) فأقبلا إلى علي وقالا: يا أمير المؤمنين! ألسنا على الحق؟ قال: بلى! # قالا: فلم تمنعنا عن شتمهم ولعنهم؟ فقال: لأني أكره لكم أن تكونوا لعانين شتامين، ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم كذا لكان ذلك أصوب في القول وأبلغ في الرأي، ولو قلتم: اللهم! احقن دماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم (1)، لكان ذلك أحب إلي لكم. فقالا: يا أمير المؤمنين! فإننا نقبل عظتك ونتأدب بأدبك. # قال: ثم أقبل عليه عمرو بن الحمق فقال: يا أمير المؤمنين! والله ما أحببتك وبايعتك على قرابة بيني وبينك، ولا لان عندك ما لا تعطينه ولا التماس سلطان يرفع ذكري! ولكني أحببتك بخصال خمس: لقدمك وسابقتك وقرابتك وشجاعتك وعلمك (2)، فلو أني كلفت ثقل الجبال الرواسي ونزوح البحار الطوامي في أمر أقوي به وليك وأوهن به عدوك لما رأيت أني أديت فيه بعض الذي يجب علي من حقك. # فقال علي رضي الله عنه: اللهم! نور قلبه بالتقى واهده إلى صراطك المستقيم، يا عمرو! لوددت أن في جندي مائة رجل مثلك! فقال حجر بن عدي: إذا والله يا أمير المؤمنين ما فينا إلا من هو ناصح لجندك ومن يريد أن يقتل بين يديك. # قال: ثم كتب علي إلى عماله يأمرهم بالمسير إليه، وأعلمهم أنه يريد أن يسير إلى الشام لمحاربة أهلها، فأقبل إليه عبد الله بن عباس من البصرة، ومخنف بن سليم من أصفهان، وسعيد بن وهب من همدان، فاجتمع إليه عماله من جميع البلاد التي كانت في يده، وآخر من قدم عليه من عماله الربيع بن خيثم، قدم من الري في # PageV02P543 # أربعمائة رجل أن يزيدون. # قال: ثم خطب علي رضي الله عنه الناس وندبهم إلى المسير إلى الشام، فقوم أسرعوا وأجابوا، وقوم كرهوا الخروج إلى الشام. # ودعا علي رضي الله عنه جماعة من باهلة فقال: يا معشر باهلة! إني قد علمت أنكم تبغضوني وأنا أبغضكم، فخذوا عطاءكم واخرجوا إلى الديلم وإلى حيث ms0471 شئتم، قال: فوثب الأحنف بن قيس فقال: ولكنا والله يا أمير المؤمنين نحبك ونبرأ من عدوك! ولنخرجن معك على العسر، واليسر، نحتسب في ذلك الخير ونؤمل به العظيم من الاجر. # قال: فعندها أمر علي رضي الله عنه الحارث الأعور أن ينادي في الناس أن (أخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة)، وأمر مالك بن حبيب اليربوعي أن يحشر الناس إلى المعسكر، ثم دعا بأبي مسعود عقبة بن عمرو (1) فاستخلفه على الكوفة، ونادى في الناس بالرحيل، فرحلت الناس (2) وهم يومئذ تسعون ألفا وثمانمائة رجل (3) ممن بايع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال سعيد بن جبير: كان مع علي رضي الله عنه يومئذ ثمانمائة رجل من الأنصار وتسعمائة ممن بايع تحت الشجرة، قال الحكم بن عتيبة: # شهد مع علي يومئذ ثمانون بدريا وخمسون ومائتان ممن بايع تحت الشجرة، قال سليمان بن مهران (4) الأعمش: كان مع علي يومئذ ثمانون بدريا وثمانمائة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. قال عبد الرحمن بن أبي بكر: كان مع علي سيد التابعين أويس القرني، وقتل بصفين بين يدي علي رضي الله عنه. ### | خبر أويس القرني رحمه الله. # قال: وسأل رجل عبد الله بن عباس عن أويس القرني (5) فقال ابن عباس: # PageV02P544 # ويحك! أويس القرني له شأن عظيم، وهو سيد التابعين! وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه: (يكون في أمتي رجل يقال له أويس القرني، يدخل في شفاعته عدد ربيعة ومضر، لو أقسم على الله لأبر قسمه، فمن لقيه من بعدي فليقرئه مني السلام)، قال فقال له علي: يا رسول الله! وفينا من يلقاه؟ فقال: (نعم يا علي أنت تلقاه، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام واسأله أن يدعو لك بالخير)! فقال علي: يا رسول الله! وما علامته؟ فقال: (هو رجل أصهب أشهل، ذو طمرين أبيضين، إذا غاب لم يفتقد، وإذا طلع لم يفرح بطلعته، وإذا سلم لم يرد عليه). # قال ابن عباس: فلم يزل بعد ذلك يحب أن نرى من يخبرنا عنه حتى كان ms0472 زمن عمر بن الخطاب، فقدم عليه أهل الكوفة فقال لهم عمر: يا أهل الكوفة! هل تعرفون عندكم رجلا من اليمن يقال له أويس القرني؟ فقال رجل: نعم يا أمير المؤمنين! عندنا رجل من قرن يقال له أويس، غير أنه نسخر منه وأهل الكوفة يهزؤون به، قال: فتنفس عمر صعداء وقال: ويحك! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنه يقدم إلى الكوفة رجل من اليمن يقال له أويس القرني، وليس له بها إلا أم، وقد كان به بياض من برص، فدعا الله أن يذهبه عنه، فأذهبه إلا مثل مقدار الدينار والدرهم، لو أقسم على الله عز وجل لأبر قسمه (1)، يدخل في شفاعته يوم القيامة عدد ربيعة ومضر، قال: فشهق شهقة ثم قال: واشوقاه إلى النظر إليه. # قال: فسكت الكوفيون وأخفوا ذلك في أنفسهم حتى رجعوا إلى الكوفة ثم نظروا إلى أويس القرني بغير العين التي كانوا ينظرون إليه بها، ثم إنهم كانوا يذهبون إليه ويسألونه أن يستغفر لهم، فقال لهم أويس: يا أهل الكوفة! إنكم قد كنتم فيما مضى تسخرون مني وتهزؤون بي فما الذي بدا لكم حتى أنكم تسألوني الاستغفار لكم؟ فقالوا له: إن عمر بن الخطاب أخبرنا عنك بكذا وكذا، قال: واستغفر أويس لبعضهم، ثم إنه غاب فلم ير بالكوفة بعد ذلك. # قال: وجعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل عنه الرفاق عشر سنين فلم يسمع له خبرا، فلم يزل كذلك حتى كان آخر حجة حجها عمر، فسأل عنه كما كان # PageV02P545 # يسأل (1)، فإذا برجل من قرن قد وثب إليه فقال له: يا أمير المؤمنين! إنك قد أكثرت السؤال عن أويس هذا، وما فينا أحد اسمه أويس إلا ابن أخ لي وأنا عمه، غير أنه أخمل ذكرا وأوهن (2) أمرا من أن يرفع إليك ذكره، قال: فسكت عمر وظن أنه ليس أويسا الذي يريد، ثم أقبل وقال: يا شيخ! وأين ابن أخيك هذا الذي تزعم، أهو معنا بالحرم؟ فقال الشيخ نعم يا أمير المؤمنين! هو معنا بالحرم، غير ms0473 أنه في أراك عرفة يرعى إبلا لنا. # قال: فاستوى عمر بن الخطاب جالسا هو وعلي بن أبي طالب على حمارين لهما، وخرجا من مكة وأسرعا السير إلى عرفة وجعلا يتخللان الشجر، فإذا هما بأويس القرني في طمرين من صوف أبيض وقد صف قدميه قائما يصلي وقد رمى ببصره إلى موقع سجوده وألقى يده على صدره، فقال عمر لعلي: يا أبا الحسن! إن كان في الدنيا أويس القرني فهذا هو وهذه صفته، قال: ثم نزلا عن حماريهما فشداهما إلى أراكة، قال ثم أقبلا إليه يريدانه، فلما سمع أويس أوجز صلاته ثم تشهد وسلم، وتقدما إليه فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال أويس: # وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقال له عمر: من أنت يرحمك الله؟ فقال: # راعي إبل، فقال عمر: ليس عن الرعاية أسألك، إنما أسألك عن اسمك، فمن أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا عبد الله وابن عبده وابن أمته، فقال عمر: إننا قد علمنا أن كل من في السماوات والأرض عبيد الله، وإننا نقسم عليك بحق الحرم والمسجد المعظم إلا أخبرتنا باسمك الذي سمتك به أمك! فقال: أنا أويس بن عبد الله، فقال عمر: الله أكبر! نحب أن توضح لنا عن شقك الأيسر، فقال: وما حاجتكما إلى ذلك؟ فقال له علي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفك لنا وقد وجدنا الصفة كما أخبرنا (3)، غير أنه أعلمنا أن بشقك الأيسر بياضا كمقدار الدينار والدرهم، ونحن نحب أن ننظر إلى ذلك، قال: فأوضح لهما عن شقه الأيسر، فلما نظر علي وعمر إلى اللمعة البيضاء ابتدراها أيهما يقبل قبل صاحبه، ثم بكيا طويلا وقالا: يا أويس! # إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نقرئك منه السلام، وأمرنا أن نسألك أن تستغفر لنا، فإن # PageV02P546 # رأيت أن تستغفر لنا يرحمك الله فقد أخبرنا أنك سيد التابعين، وأنك تشفع يوم القيامة في عدد ربيعة ومضر، قال: فبكى أويس بكاء شديدا ثم قال: عسى أن يكون ذلك غيري، فقال علي رضي الله عنه: ms0474 إننا قد تيقنا أنك أنت هو ونحن لا نشك في ذلك، فادع لنا يرحمك الله بدعوة وأنت محسن، فقال أويس: إني لا أدعو لرجل ولا لرجلين ولا ثلاث، وإنما دعائي في البر والبحر للمؤمنين والمؤمنات في ظلم الليل وضياء النهار، ولكن من أنتما يرحمكما الله؟ فإني قد أخبرتكما باسمي وشهرت لكما أمري، ولم أكن أحب أن يعلم بمكاني أحد من الناس، فقال علي: # أنا علي بن أبي طالب وهذا عمر بن الخطاب، قال: فوثب أويس فرحا مستبشرا فعانقهما وسلم عليهما ورحب بهما فقال: يا أبا الحسن! ومثلي يستغفر لأمثالكما! # فقال علي: نعم، إننا قد احتجنا إلى ذلك منك، فخصنا رحمك الله منك بدعوة حتى نؤمن على دعائك! قال: فرفع أويس رأسه وقال: اللهم! إن هذين يذكران أنهما يحباني فيك وقد زاراني من أجلك، فاغفر لهما وأدخلهما في شفاعة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. فقال له عمر: الميعاد بيني وبينك غدا في هذا الموضع، فقال أويس: # وما تريد؟ فقال عمر: أحببت أن آتيك بكسوة وشئ من نفقة، فإني أراك رث الحال، فقال أويس: سبحان الله! ألا ترى علي طمرين جديدين جبة وكساء ونعلاي قد خصفتهما ومعي أربعة دراهم قد أخذتها من أجرتي ولي عند القوم حساب؟ فمتى آكل هذا؟ يا أبا الحسن ويا أبا حفص إن الدنيا غدارة، غرارة، زائلة، فانية، فمن أمسى وهمه فيها اليوم مد عنقه إلى غد، ومن مد عنقه إلى غد علق قلبه بالجمعة، ومن علق قلبه بالجمعة لم ييئس من الشهر، ويوشك أن يطلب السنة، وأجله أقرب إليه من أمله، ومن رفض هذه الدنيا أدرك ما يريد غدا من مجاورة الجبار، وجرت من تحت منازله الأنهار، وتدلت من فوقه الثمار، قال: ثم سلم عليهما ومضى يسوق الإبل بين يديه وعلي وعمر ينظران إليه حتى غاب فلم ير. # قال: وجعل بعد ذلك عمر يسأل عنه، فلم يخبره أحد أنه رآه إلا أن يكون الربيع بن خيثم، فإنه قال: أتيت موضعه فأصبته على شاطئ الفرات قائما يصلي ms0475 فقلت في نفسي ينصرف من صلاته وأقوم إليه فأكلمه، فلما صلى بسط كفيه إلى الله فلم يقبضهما إلى وقت العصر، ثم قام فصلى وبسط يديه فلم يقبضهما إلى وقت العشاء الأولى، ثم قام فصلى وبسط يديه فلم يقبضهما إلى وقت العشاء الآخرة، ثم قام فصلى ووصلها، فلم يزل راكعا وساجدا حتى أصبح، فأذن وأقام وصلى PageV02P547 # الصبح، ثم بسط يديه إلى الله عز وجل فلم يقبضهما إلى أن طلعت الشمس، ثم خفق برأسه خفقة ووثب إلى الماء، فتطهر وعزم على الصلاة، قال الربيع: فدنوت منه وقلت له: رحمك الله! لقد أتعبت نفسك، فقال: لأني أريد راحتها غدا، فقلت له: يا أخي! من أين لك المطعم؟ فقال: إن ربي عز وجل قد تكفل لي بذلك، وإني مني على بال، يا ربيع! فلا تعد إلى مثل هذا الكلام. # قال: ثم مر أويس فلم يره بعد ذلك إلا هرم بن حيان العبدي، فإنه قال: # كنت أسأل عن أويس القرني مدة من عمري، فلم يعطني أحد خبره، حتى دخلت إلى الكوفة فسألت عنه، فقيل لي: إن أكثر مأواه على شاطئ الفرات، فإذا أنا به يغسل ثوبه، قال: فعرفته بالصفة والنعت الذي نعت لي، فدنوت منه وسلمت عليه، فرد علي السلام، قال: وخنقتني العبرة لما رأيت من سوء حاله، فقلت: # حياك الله يا أويس! فقال: وأنت فحياك الله يا هرم بن حيان! ولكن من دلك على موضعي هذا؟ قال: فقلت (1): دلني عليك من عرفني اسمك، فقال أويس: # سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا. قال هرم: فقلت له: رحمك الله! من أين عرفت اسمي واسم أبي ولم أرك ولم ترني قبل اليوم؟ قال أويس: إذا أخبرك يا هرم! عرفت روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك، وإن المؤمنين يتعارفون بنور الله عز وجل فإن لم يلتقوا وإن نأت بهم الدار. قال هرم فقلت: رحمك الله! حدثني حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحفظه عنك! فقال أويس: إني لم أر (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0476 فأحدث عنه ولم تكن لي معه صحبة، ولكن قد رأيت من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد انتهى إلي من حديثه كبعض ما انتهى إليكم، ولست أحب أن أفتح هذا الباب على نفسي لاحد فأكون محدثا، ولي في نفسي شغل عن ذلك يا بن حيان، قال: فقلت له أتل علي شيئا من كتاب الله تعالى اسمعه منك، وادع لي بدعوة، وأوصني بوصية! فقال أويس: نعم، قال ربي وهو أفضل كل قائل وصدق وقوله أصدق الحديث: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لعبين * وما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون * إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين * يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون * إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم *) (3) قال: ثم # PageV02P548 # شهق شهقة كادت روحه أن تخرج، ثم أقبل علي فقال: يا هرم! مات محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم فمن يطمع في البقاء؟ يا هرم! مات فلان ومات فلان ونحن في ديوان الموتى، يا هرم! فعليك بذكر الموت، وإياك أن تفارق سنة الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فتفارق دينك وأنت لا تشعر فتدخل النار! قال: ثم رفع ويس طرفه نحو السماء فقال: اللهم! إن هذا يزعم أنه يحبني فيك وقد زارني من أجلك، فاجمعني وإياه غدا في دارك دار السلام، وأرضه، من هذه الدنيا باليسير، واجعله لأنعمك من الشاكرين. ثم قال: استودعك الله يا هرم وأقرأ عليك السلام، انظر! لا تطلبني بعد هذا اليوم، ولا تسأل عني، ولكن اذكرني بقلبك وادع لي، فإني أذكرك بقلبي وأدعو لك إن شاء الله تعالى، خذ أنت ههنا وآخذ أنا ههنا. # قال هرم: فطلبت أن يدعني أن أمشي معه ساعة فأبى، ففارقته وأنا أبكي، وجعلت أنظر في قفاه حتى دخل بعض (1) أزقة الكوفة. قال: ثم إني طلبته بعد ذلك وسألته عن ذلك فما أعطاني أحد خبره، قال هرم: ولا أعلم أنه أتت علي جمعة إلا وأنا أراه في منامي مرة أو مرتين، حتى ms0477 إذا تحرك علي رضي الله عنه بالكوفة وعزم على المسير إلى معاوية أقبل إليه أويس القرني، فسلم عليه وخرج معه [إلى] صفين، فقتل هنالك في رجالة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # PageV02P549 ### | ذكر خروج علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه إلى صفين لمحاربة معاوية. # قال: ثم خطب علي رضي الله عنه وحثهم على جهاد أهل الشام والمسير إليهم وجعل يقول: سيروا إلى قتال أهل الشام العماة الطغاة! سيروا إلى أولياء الشيطان وأعداء السنة والقرآن! سيروا إلى الكذبة الفجار وقتلة المهاجرين والأنصار! سيروا! # فقد أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فو الله لقد قرأت ما بين دفتي المصحف، فقلبت هذا الامر ظهرا لبطن فما وجدت إلا قتالهم والصدق بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وجعل عمار بن ياسر يرتجز ويقول: # سيروا إلى الأحزاب أعداء النبي * سيروا فخير الناس أتباع علي (1) قال: ثم دعا علي رضي الله عنه بفرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بالفرس، فلما أراد أن يضع رجله في الركاب قال: بسم الله! فلما استوى على ظهر الفرس قال: # (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وأنا إلى ربنا لمنقلبون *) (2) ثم قال: اللهم! إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب في المال والأهل والولد، اللهم! أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والحضر (3). # PageV02P550 # ثم سافر وسار الناس معه حتى إذا عبر جسر الكوفة نزل فصلى ركعتين في مسجد أبي سبرة. # ثم سار حتى صار إلى دير أبي موسى على فرسخين من الكوفة فصلى هناك الظهر، فلما انفتل قال: سبحان من يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل! ثم أمر مناديه فنادى في الناس: ألا! من كان مشيعا لنا أو مقيما فليتم الصلاة فإنا على سفر، ومن كان سائرا معنا إلى عدونا فلا يصومن إلا الفرض، والصلاة ركعتان. # فسار حتى إذا صار إلى حمام عمر نزل فصلى هنالك العصر، فلما انفتل من صلاته قال: سبحان الذي ذي القدرة والقدم! سبحان ms0478 ذي الطول والنعم! ثم نزل هنالك بعسكره، حتى إذا حانت المغرب قام فصلاها، فلما انفتل من صلاته: قال سبحانه ذي الملك والملكوت! سبحان ذي العز والجبروت، فلما صلى العشاء الآخرة انفتل من صلاته ثم قال: الحمد لله كلما أظلم الليل وغسق، والحمد لله كلما لاح نجم وخفق. # قال: وبات تلك الليلة هنالك، فلما أصبح سار وسار الناس معه، فإذا هو بنخل من وراء النهر (1)، فجعل يقول: (والنخل باسقت لها طلع نضيد *) (2)، ثم أقحم فرسه النهر فعبر إلى تلك الناحية، وسار حتى صار إلى أرض بابل حرك فرسه ثم قال: هذا موضع حتف، فسيروا لعلنا أن نصلي خارجا منه، ثم حرك وحرك الناس معه حتى جاز الصراة (3)، ثم نزل فصلى هنالك الظهر (4). # ثم سار حتى نزل بدير كعب فأقام هنالك باقي يومه وليلته. وأصبح سائرا حتى نزل بكربلاء، ثم نظر إلى شاطئ الفرات وأبصر هنالك نخيلا فقال: يا بن عباس! # أتعرف هذا الموضع؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين ما أعرفه، فقال: أما! إنك لو # PageV02P551 # عرفته كمعرفتي لم تكن تجاوزه حتى تبكي لبكائي، قال: ثم بكى علي رضي الله عنه بكاء شديدا، حتى اخضلت لحيته بدموعه وسالت الدموع على صدره، ثم جعل يقول: أواه! ما لي ولآل أبي سفيان! ثم التفت إلى الحسين رضي الله عنه فقال: # اصبر أبا عبد الله! فلقد لقي أبوك منهم مثل الذي تلقى من بعدي. # قال: ثم جعل علي رضي الله عنه يجول في أرض كربلاء كأنه يطلب شيئا، ثم نزل ودعا بماء فتوضأ وضوء الصلاة، ثم قام فصلى ما شاء أن يصلي والناس قد نزلوا هنالك من قرب نينوى (1) إلى شاطئ الفرات، قال: ثم خفق برأسه خفقة فنام وانتبه فزعا فقال: يا بن عباس! ألا أحدثك بما رأيت الساعة في منامي؟ فقال: # بلى يا أمير المؤمنين! فقال: رأيت رجالا بيض الوجوه، في أيديهم أعلام بيض، وهم متقلدون بسيوف لهم، فخطوا حول هذه الأرض خطة، ثم رأيت هذه النخيل وقد ضربت بسعفها الأرض، ورأيت نهرا يجري بالدم ms0479 العبيط، ورأيت ابني الحسين وقد غرق في ذلك الدم وهو يستغيث فلا يغاث، ثم إني رأيت أولئك الرجال البيض الوجوه الذين نزلوا من السماء وهم ينادون: صبرا آل الرسول صبرا! فإنكم تقتلون على أيدي أشرار الناس، وهذه الجنة مشتاقة إليك يا أبا عبد الله! ثم تقدموا إلي فعزوني و قالوا: أبشر يا أبا الحسن! فقد أقر الله عينك بابنك الحسين غدا يوم يقوم الناس لرب العالمين، ثم إني انتبهت، فهذا ما رأيت، فوالذي نفس علي بيده! # لقد حدثني الصادق المصدوق أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أني سأرى هذه الرؤيا بعينها في خروجي إلى قتال أهل البغي علينا، وهذه أرض كربلاء الذي يدفن فيها ابني الحسين وشيعته وجماعة من ولد فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هذه البقعة المعروفة في أهل السماوات تذكر بأرض كرب و بلاء، وليحشرن منها قوم يدخلون الجنة بلا حساب. # ثم قال: يا بن عباس! اطلب لي حولها صيران الظباء، فطلبها ابن عباس فوجدها، ثم قال: يا أمير المؤمنين! قد أصبتها، فقال علي رضي الله عنه: الله أكبر! صدق الله ورسوله. # ثم قام علي رضي الله عنه يهرول نحوها حتى وقف عليها، ثم أخذ قبضة من بعر الظباء فشمها، فإذا لها لون كلون الزعفران ورائحة كرائحة المسك، فقال علي # PageV02P552 # رضي الله عنه: نعم هي هذه بعينها، ثم قال: أتعلم ما هذه يا بن عباس؟ قال: لا يا أمير المؤمنين! فقال: إن المسيح عيسى بن مريم قد مر بهذه الأرض ومعه الحواريون، فشم هذا البعر كما شممته، وأقبلت إليه الظباء حتى وقفت بين يديه، فبكى عيسى وبكى معه الحواريون وهم لا يدرون لماذا يبكي عيسى عليه السلام، فقالوا: يا روح الله! ما يبكيك؟ ولماذا اختلست ههنا؟ فقال لهم: أتعلمون ما هذه الأرض؟ قالوا: لا يا روح الله! فقال: هذه أرض يقتل عليها فرخ الرسول أحمد المصطفى وفرخ ابنته الزهراء قرينة الطاهرة البتول مريم بنت عمران، ثم ضرب بيده عيسى إلى بعر الظباء فشمه وقال: يا ms0480 معشر الحواريين! هذا بعر الظباء على هذا الطيب لا [نه] كان [من] حشيش هذه الأرض، ثم مضى عيسى ابن مريم صلوات الله عليه وقد بقيت هذه البعرات إلى يومنا هذا من ذلك الدهر، حتى أنها قد اصفرت لطول الزمان عليها، فهذه أرض الكرب والبلاء. # قال: ثم بكى علي رضي الله عنه وقال: يا رب عيسى! لا تبارك في قاتل ولدي والعنه لعنا كثيرا! ثم اشتد بكاء علي وبكى الناس معه حتى سقط على وجهه وغشي عليه، ثم أفاق فوثب فصلى ثماني ركعات وسلم من كل ركعتين، فكلما سلم جعل يتناول من ذلك البعر فيشمه، ويقول: صبرا أبا عبد الله! صبرا يا ثمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانة حبيب الله! ثم أخذ كفا من ذلك البعر فصره في ثوبه وقال: # لا يزال هذا مصرورا أبدا أو يأتي علي أجلي. ثم قال: يا بن عباس! إذا رأيتها من بعدي وهي تسيل دما عبيطا، فاعلم أن أبا عبد الله قد قتل. قال ابن عباس: فوالله لقد كنت أشد تحافظا لها بعد علي بن أبي طالب وأنا لا أحلها عن طرفي. # قال ابن عباس: فلما رجع علي رضي الله عنه من صفين وفرغ من أهل النهروان دخل عليه الأعور الهمداني، فقال له علي رضي الله عنه: يا حارث! # أعلمت أني منذ البارحة كئيب حزين فزع وجل؟ فقال الحارث: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟ أندما منك على قتال أهل الشام وأهل البصرة والنهروان؟ فقال: لا، ويحك يا حارث! وإني بذلك مسرور، ولكني رأيت في منامي أرض كربلاء، ورأيت ابني الحسين مذبوحا مطروحا على وجه الأرض، ورأيت الأشجار منكبة، والسماء مصدعة، والرحال متطأمنة، وسمعت مناديا ينادي بين السماء والأرض وهو يقول: أفزعتمونا يا قتلة الحسين أفزعكم الله وقتلكم! ثم إني انتبهت وأنا منه على PageV02P553 # وجل لما رأيت، فقال له الحارث: كلا يا أمير المؤمنين! لا يكون إلا خيرا، فقال له علي رضي الله عنه: هيهات يا حارث! سبقت كلمة الله ونفذ قضاؤه، وقد أخبرني ms0481 حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم أن ابني يقتله يزيد - زاده الله في النار عذابا - قال زهير بن الأرقم: فلما أصيب علي رضي الله عنه بضربة ابن ملجم دخلت عليه وقد ضم الحسين رحمة الله ورضوانه عليه إلى صدره وهو يقبله ويقول له: يا ثمرتي وريحانتي وثمرة نبي الله وصفيه وذخيرة خير العالمين محمد بن عبد الله! كأني أراك وقد ذبحت عن قليل ذبحا، قال: فقلت: ومن يذبحه يا أمير المؤمنين؟ فقال: # يذبحه لعين هذه الأمة، ثم لا يتوب الله عليه ويقبضه، إذا قبضه وهو ملآن من الخمر سكران، قال زهير: فبكيت، فقال لي علي: لا تبك يا زهير! فالذي قضي كائن. ### | ثم رجعنا إلى الخبر. # قال: ثم سار حتى أتى ساباط المدائن، فإذا هو بالدهاقين وقد أقبلوا إليه يعرضون عليه النزول، فأبى ذلك وقال: ليس لنا عليكم نزول. # ثم سار حتى أشرف على بنيان كسرى، فإذا برجل من أصحابه يقال له جرير (1) بن سهم بن طريف (2) التميمي قد وقف فنظر إلى آثار كسرى وهو يتمثل بهذا البيت: # سفت الرياح على محل ديارهم * فكأنهم كانوا على ميعاد (3) فقال له علي رضي الله عنه: ويحك! فلو قلت (كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما # PageV02P554 # آخرين * فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين *) (1) هؤلاء قوم كانوا وارثين فأصبحوا موروثين، لم يشكروا النعمة فحلت بهم النقمة وسلبوا دنياهم بالمعصية، فإياكم وكفر النعمة! لا تحل بكم النقم. # ثم سار حتى نزل الأنبار، فإذا أهلها قد أقبلوا يقودون البراذين وقد حملوا إليه الأطعمة والعلوفة، فقال لهم علي: ما هذه الدواب التي نراها معكم؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين! هذا خلق منا نعظم بها الامراء وهي هدية منا إليك، وهذا طعام اتخذناه لك ولأصحابك، فقال لهم علي رضي الله عنه: أما الدواب فإننا نأخذها منكم ونحسبها لكم من خراجكم، وأما الطعام فإننا لا نقبله منكم إلا بثمن، فقالوا: # يا أمير المؤمنين! فإن لنا في أصحابك معارف، فأذن لنا ms0482 أن نهدي لهم هذا الطعام وهذه العلوفة، فقال: ذلك إليكم ولست أمنعكم من الهدية ولا أمنع أصحابي منها، ولكن إن أخذ أحد من أصحابي منكم شيئا على طريق الغصب فأعلموني بذلك - والسلام -. ### | خبر الراهب والعين. # قال: وأقام علي رضي الله عنه بالأنبار يومين، فلما كان في اليوم الثالث سار بالناس في برية ملساء، وعطش الناس واحتاجوا إلى الماء، قال: وإذا براهب في صومعته، فدنا منه علي رضي الله عنه وصاح به، فأشرف عليه، فقال له علي رضي الله عنه: هل تعلم بالقرب منك ماء نشرب منه؟ فقال: ما أعلم ذلك، وإن الماء ليحمل إلينا من قريب من فرسخين. # قال: فتركه علي رضي الله عنه وأقبل إلى موضع من الأرض فطاف به، ثم أشار إلى مكان منه فقال: احفروا ههنا، فحفروا قليلا وإذا هم بصخرة صفراء كأنما طليت بالذهب وإذا هي على سبيل الرحى لا ينتقلها إلا مائة رجل، فقال علي رضي الله عنه: اقلبوها فالماء من تحتها، فاجتمع الناس عليها فلم يقدروا على قلبها، قال: فنزل علي رضي الله عنه عن فرسه، ثم دنا من الصخرة وحرك شفتيه بشيء لم يسمع، ثم دنا من الصخرة وقال: باسم الله، ثم حركها ورفعها فدحاها ناحية، قال: فإذا بعين من الماء لم تر الناس أعذب منها ولا أصفى ولا أبرد، فنادى في # PageV02P555 # الناس أن (هلموا إلى الماء) قال: فورد الناس فنزلوا وشربوا وسقوا ما معهم من الظهر، وملأوا أسقيتهم، وحملوا من الماء ما أرادوا، ثم حمل على الصخرة وهو يحرك شفتيه بمثل كلامه الأول حتى رد الصخرة إلى موضعها. # ثم سار حتى نزل في الماء الذي أرادوا وإذا ماؤه متغير، فقال علي رضي الله عنه لأصحابه: أفيكم من يعرف مكان الماء الذي يتم عليه؟ فقالوا: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فانطلقوا إليه، فطلبوا مكان الصخرة فلم يقدروا عليه، فانطلقوا إلى الراهب فصاحوا به: يا راهب! فأشرف عليهم، فقالوا: أين هذا الماء الذي هو بالقرب من ديرك؟ فقال الراهب: إنه ما بقربي شيء من ms0483 الماء، فقالوا: بلى! قد شربنا منه نحن وصاحبنا، وهو الذي استخرج لنا الماء وقد شربنا منه، فقال الراهب: والله ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء، وإن لي في هذه الصومعة منذ كذا سنة ما علمت بمكان هذا الماء، وإنها عين يقال لها عين راحوما (1)، ما استخرجها إلا نبي أو وصي نبي، ولقد شرب منها سبعون نبيا وسبعون وصيا. قال: فرجعوا إلى علي رضي الله عنه فأخبروه بذلك، فسكت ولم يقل شيئا. ### | ثم رجعنا إلى الخبر. # قال: ثم سار من منزله ذلك حتى نزل بمدينة هيت (2)، ورحل منها حتى نزل بموضع يقال [له] الأقطار، فبنى هنالك مسجدا، والمسجد ثابت إلى يومنا هذا. # ثم إنه عبر الفرات وشق البلاد حتى خرج إلى بلاد الجزيرة، ثم سار يريد الرقة حتى نزل بموضع يقال له البليخ (3)، فنزل هنالك على شاطئ نهر البليخ. ### | خبر الراهب ونزوله من صومعته إليه. # قال: ونظر إليه راهب قد كان هنالك في صومعة له، فنزل من الصومعة وأقبل إلى علي رضي الله عنه، فأسلم على يده، ثم قال: يا أمير المؤمنين! إن عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا، يذكرون أن عيسى ابن مريم عليه السلام كتبه، أفأعرضه عليك؟ # قال علي رضي الله عنه: نعم فهاته. فرجع الراهب إلى الصومعة وأقبل بكتاب عتيق # PageV02P556 # قد كاد أن يندرس، فأخذه علي وقبله ثم دفعه إلى الراهب، فقال: أقرأه علي! # فقرأه الراهب على علي رضي الله عنه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى وسطر فيما سطر، أنه باعث في الأميين رسولا منهم يعلمهم الكتاب والحكمة، ويدلهم على سبيل الرشاد، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، لا يجزي السيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، أمته الحامدون الذين يحمدون الله على كل حال في هبوط الأرض وصعود الجبال، ألسنتهم مذللة بالتسبيح والتقديس والتكبير والتهليل، ينصر الله هذا النبي على من ناواه، فإذا توفاه الله اختلفت أمته من بعده، ثم يلبثون بذلك ما شاء الله، فيمر رجل من أمته بشاطئ هذا النهر، ms0484 يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يقضي بالحق ولا يرتشي في الحكم، الدنيا عليه أهون من شرب الماء على الظمآن، يخاف الله عز وجل في السر وينصح الله في العلانية، ولا يأخذه في الله لومة لائم، فمن أدرك ذاك النبي فليؤمن به، فمن آمن به كان له رضوان الله والجنة، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فإنه وصي خاتم الأنبياء، والقتل معه شهادة. # قال: ثم إنه أقبل هذا الراهب على علي فقال: يا أمير المؤمنين! إني صاحبك لا أفارقك أبدا حتى يصيبني ما أصابك، قال: فبكى علي رضي الله عنه ثم قال: الحمد لله الذي ذكرني عنده في كتب الأبرار. # قال: ثم سار وهذا الراهب معه، فكان يتغدى ويتعشى مع علي، حتى صار إلى صفين، فقاتل فقتل، فقال علي لأصحابه: اطلبوه! فطلبوه فوجدوه، فصلى عليه علي رضي الله عنه ودفنه واستغفر له، ثم قال: هذا منا أهل البيت. ### | ثم رجعنا إلى الحديث. # قال: ثم سار علي رضي الله عنه حتى دخل الرقة، وجد أهلها يومئذ العثمانية وهواهم مع معاوية، فلما نظروا إلى خيل علي رضي الله عنه قد وافتهم غلقوا باب المدينة وتحصنوا فيها. # قال: فنزل علي رضي الله عنه على شاطئ الفرات ثم كتب إلى معاوية (1): # من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد! فإن لله عبادا آمنوا بالتنزيل وعرفوا بالتأويل وتفقهوا في الدين، فبين الله فضلهم في القرآن العظيم، # PageV02P557 # وأنتم إذ ذلك أعداء الرسول، تكذبون بالكتاب وتجمعون على حرب المسلمين، حتى أظهر الله دينه وأدخل فيه الأمة الطائعين والكارهين، فليس ينبغي لمن كان له قلب أن يجهل أمره وقدره ويتعدى حده وطوره، وقد علمت يا معاوية أن أولى الناس بهذا الامر أقربهم من الرسول، وأعلمهم بكتاب الله عز وجل، وأولهم إسلاما وأكثرهم جهادا، فاتقوا الله الذي إليه ترجعون، ولا تلبسوا الحق بالباطل، فإن خير عباد الله الذين يعملون بما يعلمون، وإني أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (1)، فإن ms0485 قبلتم أصبتم رشدكم وأخذتم (2) حظكم، وإن أبيتم إلا الفرقة وشق العصا لهذه الأمة لن تزدادوا من الله إلا بعدا ولن يزداد عليكم إلا سخطا - والسلام -. # قال: فكتب إليه معاوية (3): أما بعد! فإن الحسد عشرة أجزاء، تسعة منها فيك وواحد في سائر الناس، وذلك أنه لم تكن أمور هذه الأمة لاحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا وله قد حسدت، وعليه قد بغيت، عرفنا ذلك منك في نظرك الشزر، وقولك الهجر، وتنفسك الصعداء، وإبطائك على الخلفاء، تقاد إلى البيعة كما يقاد الجمل الشارد (4) حتى تبايع وأنت كاره، ثم إني لا أنسى فعلك بعثمان بن عفان في البر والبحر والجبال والرمال، حتى تقتلهم أو لتلحقن أرواحنا بالله - والسلام -. # قال (5): وكتب إليه علي رضي الله عنه: أما بعد! فإنه أتاني كتابك تذكر فيه حسدي للخلفاء وإبطائي عنهم، فأما الحسد فمعاذ الله أن يكون ذلك! وأما الابطاء عنهم والكره لامرهم فلست أعتذر من ذلك إليك ولا إلى غيرك، وذلك أنه لما قبض الرسول صلى الله عليه وسلم واختلفت الأمة قالت قريش: منا الأمير، وقالت الأنصار: بل منا، وقالت قريش: محمد منا ونحن أحق بالامر منكم، فسلمت الأنصار لقريش الولاية والسلطان، وإنما استحقها قريش بمحمد دون الأنصار، فنحن أهل البيت أحق بهذا الامر من غيرنا، فأما عثمان فإنه فعل ما قد علمت، ففعلت به الناس ما قد بلغك، # PageV02P558 # وقد علمت أني كنت في عزلة عنه، وأما قتلة عثمان فلعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك لتعرفنهم عن قليل يطلبونك ولا يكلفونك أن تطلبهم في (1) بر ولا بحر، وقد كان أبوك أبو سفيان جاءني في الوقت الذي بايعت الناس فيه أبا بكر فقال: (لانت أحق الناس بهذا الامر من غيرك وأنا أؤيدك على من خالفك، ولئن شئت لأملأن المدينة خيلا ورجلا على ابن أبي قحافة) فلم أقبل ذلك، والله يعلم أن أباك قد فعل ذلك حتى كنت أنا الذي أبيت عليه مخافة الفرقة بين أهل الاسلام (2)، فإن تعرف حقي ما كان أبوك يعرفه فقد أصبت ms0486 رشدك، وإن أبيت فها أنا قاصد إليك - والسلام -. # قال: فكتب إليه معاوية: أما بعد! فإن الله تبارك وتعالى اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم بعلمه، وجعله الأمين على وجيه، والرسول إلى خلقه، واجتبى له من المهاجرين والأنصار وخيار المسلمين أعوانا ووزراء وأصحابا، أيده بهم، فكانوا عنده على قدر فضائلهم ومنازلهم في الاسلام، فكان أفضل أصحابه في إسلامه وأنصحهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم الخليفة من بعده، أبو بكر الصديق، وخليفة الخليفة عمر بن الخطاب، وثالث الخلفاء عثمان بن عفان، فأما الصديق والفاروق فما زلت لهما مبغضا عدوا حتى مضيا لسبيلهما محمودين، ثم بغيت أشد البغي على ابن عمك عثمان بن عفان، فكان الواجب أن لا تفعل به ذلك لقرابته وصهره، فقطعت رحمه وقبحت محاسنه وألبت الناس عليه حتى ضربت عليه آباط الإبل من الآفاق، وقدت إليه الخيل العراب، وحملت عليه السلاح في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قتل معك في المحلة وأنت تسمع (3) الداعية في داره، ولا ترى الناس من نفسك أنك نصرته بقول ولا فعل، وأقسم بالله قسما صادقا أن لو قمت في أمره مقاما واحدا فنهنهت عنه الناس لما عدل بك أحد من الناس، ولكنك أحببت قتله، والدليل على ذلك تعظيمك لأقدار قتلته، فهم عضدك وأنصارك ويدك وبطانتك، ثم إنك تنتفي وتتبرأ من دمه، فإن كنت صادقا مكنا من قتلة عثمان حتى نقتلهم به ونحن أسرع الناس إجابة لك، فإن فعلت ذلك كان الامر على ما تريد، وإلا فليس لك ولأصحابك عندي إلا السيف (4) - والسلام -. # PageV02P559 # قال: فكتب إليه علي رضي الله عنه أما بعد! فإنه أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله فيه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم لدينه وتأييده إياه بمن أيده وما أنعم عليه في الوحي والهدى، فالحمد لله الذي صدق له الوعد، وتمم له النصر ومكن له في البلاد، وأظهره على أهل العناد (1) في قومه الذين وثبوا به وأظهروا له التكذيب، ونابذوه بالعداوة والبغضاء، وظاهروا على إخراجه (2)، وجهدوا عليه وعلى أصحابه، ms0487 حتى ظهر أمر الله وهم كارهون (2)، وكان أشد الناس عليه أسرته الأدنى فالأدنى من قومه إلا من عصم الله منهم، ولقد خبأ لنا منك الدهر خبيا معجبا إذا طفقت تخبرنا عن بلاء الله في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وفينا، فكأنك في ذلك كجالب التمر إلى هجر، ذكرت أن أفضل أصحابه خليفته الصديق وخليفة خليفته الفاروق، إن مكانهما في الاسلام لعظيم، وإن مصابهما لشديد في حبهما الله وجزاهما بأحسن أعمالهما، وذكرت أن عثمان كان لهم في الخلافة ثالثا، فذكرت لهؤلاء فضلا إذ هو ثم اعتزلك، وان نقص لم يلحقك ثلمة، وما أنت والصديق؟ صديقنا إذ صدق بحقنا وكذب بباطل غيرنا، وما أنت والفاروق؟ إنما فرق بيننا وبين أعدائنا، وأما عثمان فإن كان محسنا فسيلقى ربا شكورا يضاعف له الحسنات ويمحو عنه السيئات، فإن كان مسيئا فسيلقى ربا غفورا لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولكني لاحب أن تخبرني يا بن هند ما للطلقاء وأولاد الطلقاء والأحزاب وأولاد الأحزاب وإن لم يثبت بين المهاجرين الأولين إلا بربع، أيها الانسان! على طلعك، وتتأخر حيث أخرك القدر، ولكن بنعمة الله تعالى إننا قد فزنا على جميع المهاجرين كفوز نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر النبيين، أولا ترى أن قوما استشهدوا في سبيل الله ولكل فضل؟ حتى إذا استشهد عمه حمزة قيل: سيد الشهداء، وخصه صلى الله عليه وسلم بسبعين تكبيرة، ووضعه بيده في قبره، وإن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل، حتى إذا قطعت يد أخي جعفر قيل: الطيار في الجنة، أو لا ترى أن مسلمنا قد بان في إسلامه كما بان جاهلنا في جاهليته؟ حتى قال عمي العباس بن عبد المطلب لأبي طالب: # أبا طالب لا تقبل النصف منهم * وإن أنصفوا حتى نعق ونظلما # PageV02P560 # أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت * صوارم في أيماننا تقطر الدما تركناهم لا يستحلون بعدها * لذي حرمة في سائر الناس محرما ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكره أكثر فضائل جمة تعرفها ms0488 قلوب المؤمنين ولا تملحها آذانهم من أشياء لو شئت لقلت، فدع عنك يا بن هند من قد بانت الرمية، فإننا صنائع ربنا والناس كلهم لنا صنائع، ولم يمنعنا شرفنا أن خلطناهم بأنفسنا، ولستم هنالك، وانى يكون ذلك؟ ومنا المشكاة والزيتونة ومنكم الشجرة الملعونة، ومنا هاشم بن عبد مناف ومنكم أمية كلب الاحلاف، ومنا شيبة الحمد عبد المطلب ومنكم الكذاب المكذب. ومنا أسد الله ومنكم طريد رسول الله، ومنا الطيار في الجنة ومنكم عدو الاسلام والسنة، ومنا سيدة نساء العالمين بلا كذب ومنكم ابن حمالة الحطب، وحسبي برسول الله صلى الله عليه وسلم صهرا وابنته فاطمة شرفا وعزا وفخرا، وكنت تسألني أدفع إليك قتلة عثمان، وليس لك أن تسأل ذلك ولا إلي أن أدفعهم إليك، وإنما ذلك إلى ورثة عثمان وأولاده، وهم أولى بطلب دم أبيهم منك، فإن زعمت أنك أقوى على الطلب بدم عثمان فادخل فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار، وحاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وذكرت أنه ليس لي ولأصحابي عندك إلا السيف، فلقد أضحكتني بعد استعبار يا بن آكلة الأكباد! متى لقيت بني عبد المطلب؟ فسيطلبك من يستبطن ويقرب ما يستبعد وتره، عليك سيوف قد عرفت نصالها في أخيك وخالك وجدك وعم أمك وأسلافك، فإن تكن الدائرة عليك تصطلمك عزائم الدين وحكم الكتاب، وإن تحل منا بعاجل ظفر فلا ضير إنا إلى ربنا لمنقلبون - والسلام على عباد الله الصالحين -. # قال: فلما ورد هذا الكتاب على معاوية وقرأه أقلقه ذلك، ولم يدر بماذا يجيب عليا، فكتب إليه يقول: # ليس بيني وبين قيس عتاب * غير طعن الكلي وضرب الرقاب وكتب إليه علي رضي الله عنه: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) (1) # PageV02P561 ### | خبر هشام بن عبد الملك مع الشيخ وقوله في بني أمية. # قال: فبينا هشام بن عبد الملك ذات يوم في برية الشام يتنزه ويتصيد إذ نظر إلى غبار ساطع على قارعة الطريق، ms0489 فقال هشام لمن معه: قفوا في مواضعكم! لا يتبعني أحد منكم إلى أن أرجع إليكم، قال: ثم حرك هشام ومضى نحو الغبار، فإذا بعير قد أقبلت من بعض مدائن الشام، عليها زيت وأمتعة من أمتعة الشام يراد بها الكوفة. قال: وفي العير شيخ من أهل الكوفة له رواء ومنظر، ومع الشيخ غلمة له أحداث وهم بنوه، ومع هشام مولى له يقال له ربيع. # قال: فسلم عليهم هشام، فردوا عليه السلام وهم لا يعرفونه، فأقبل هشام على الشيخ فقال: ممن أنت وأين منشأك؟ فقال الشيخ: أما المنشأ فالكوفة، وأما من أين فما سؤالك عن ذلك؟ فوالله إني لو كنت من العرب في أعلاها لما نفعك، ولو كنت من أدناها لما ضرك، فقال هشام: والله يا شيخ ما أظنك كتمت نسبك إلا وأنت مستح، قال: فضحك الشيخ ثم قال: يا هذا! ما هو إلا ما ظننت، وإني لأرجو أن يسأل الله عز وجل عمن يحبسني بما اطلع عليه من دناءة جنسك ونسبك إذا أنبأتني به، فإن قبح وجهك وحول عينيك وذمامة خلقتك وسوء منطقك قد أطمعني في ذلك منك، وأنا أخبرك ممن أنا إذ قد أبيت إلا ذلك، أنا رجل من حكم وأمي سلولية، ونحن اليوم خلف في عكل. فقال هشام: نسأل الله العافية ممن قد ابتلاك به يا شيخ! لقد اجتمع فيك ما لم يجتمع في أحد قط، فقال: ولم تقول ذلك، وقد أملت أن يسأل الله عمن ينسبنا عندما قد توسمته فيك عند معرفتي بنسبك، فمن أنت يا هذا؟ فقال هشام: أنا رجل من قريش، فقال الشيخ: إن قريشا كثير، وإن فيهم من قد علا نجمه، وفيهم من قد سقط سهمه، فمن أيها أنت؟ فقال هشام: أنا والله من أعلاها وأسناها وأزكاها! أنا رجل من بني أمية التي لا تسامى أخطارها ولا يدرك آثارها، فقال الشيخ: مرحبا بك يا أخي بني أمية! سليت ورب الكعبة غمي، وفرجت عني كربي، كنتم والله يا بني أمية في الجاهلية تربون في التجارة، وفي ms0490 الاسلام عاصين لأهل الطهارة، سيدكم حمار وأميركم جبار، إن قللتم عن الأربعين لم تدركوا بثأر، وإن بلغتموها كنتم بشهادة الرسول من أهل النار، رجالكم يتقلبون في عار النسبة، ونساؤكم على نساء الأنام سبة، ومنكم الباكي على معلليه، ومنكم معاليه مؤوي الطرداء وباقي الأخيار السعداء الذي اختار القرابة على الصحابة، وصرف المال عن أهل النجابة، ومنكم صاحب الراية يوم القليب وأبو اللعينة ذات PageV02P562 # العيوب، ومنكم صخر بن حرب، فكان في الجاهلية خمارا وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مجهزا كفارا، وفي إسلامه رديا منافقا وإلى كل السوءات سابقا، وابنه معاوية لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعنات سبعا، سبعا منعه الله عز وجل أن ينال بدعوته عليه، سبعا منع أباه من الاسلام حثه على عبادة الأصنام، ثم قال في الشعر الذي بعث به إلى أبيه يقول: # يا صخر لا تسلن طوعا فتفضحنا * بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا خالي وجدي وعم الام ثالثهم * والمرء حنظلة المهدي لنا أرقا لا تركنن إلى أمر تقلدنا * والرافضات به في مكة الخرقا فالموت أهون من قول النساء لنا * خلا ابن حرب عن العقبى كذا فرقا ثم إنه بعد ذلك عادى النبي صلى الله عليه وسلم، وقاتل الوصي، وألحق زيادا الدعي، وعهد إلى ابنه الفاسق الردي، وبدل مكان كل سنة بدعة، وجعل لابنه يزيد في إراقة الدماء فسحة وسعة، ونبش قبر حمزة سيد الشهداء وأجرى فيه الماء عداوة وبغضا، ألحق زياد بن عبيد اللعين بأبي سفيان الخمار، وأزوجه من نسائه ذات القلائد والخمار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، فترك قول النبي صلى الله عليه وسلم وبزياد بن عبيد افتخر، وسلطه على شيعة علي بن أبي طالب، ولم يخف من سوء العواقب. # ومنكم عقبة بن أبي معيط نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش وسائر العرب، وضرب عنقه بين يديه علي ذو الحسب، وألبسكم بقتله من بين قريش العار، وجعل أرواحهم إلى النار، فقبلتم نسبه فيكم وزوجتموه، وهو ms0491 علج من أهل صفورية فادعيتموه، وابنه الوليد المحدود في الخمر، صلى بالناس أربعا في الفجر والظهر، في مساجد الله وهو سكران وقرب أهل الخيانة والغدر، فسماه الله في كتابه فاسقا، وجعله في الدرك الأسفل منافقا. ومنكم يا بني أمية الحكم بن أبي العاص، الملقب الحياص، نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد لعنه إياه، وأردفه ثانية وباللعنة ثناه. ومنكم عبد الملك غصب الأبرار، واستعان بالفجار، وتهاون بالأخيار، فالحجاج أفضل حسناته، والغدر والجور أقل سيئاته، ثم بنوه الجبابرة في الاسلام، أبناء اللعنة والجور في الاحكام، منهم سليمان والوليد وهشام، وقبله يزيد، لا نذكر أحدا منهم برأي سديد، وما لهم في اللعنة من مزيد، خونة غدرة، رموا بيت الله الحرام بالحجارة والعذرة، وقتلوا قبل ذلك العشرة البررة. ومن نسائكم آكلة الأكباد، ومظهرة الفساد الصادة لزوجها عن الرشاد، والداعية إلى الكفر والفساد والعناد، وصويحباتها الناقرات يوم أحد PageV02P563 # بالدفوف، المغنيات وقد دنت الزحوف، فأنتم يا بني أمية الشجرة الملعونة في القرآن، لا ينكر ذلك إنس ولا جان، ولا أحد من أهل الايمان، فأولكم ردي، وأوسطكم دريء، وشريفكم دنيء، وآخركم مسيء. # ألا فخذها يا أخا أمية * يكون في قلبك منها كيه لا تفخرن بعدها عليه * ما تركت فخرا لكم سميه قال: ثم مر الشيخ على وجهه حتى لحق بالعير، وبقي هشام حيرانا لا يدري بما يقول، ثم أقبل على غلامه ربيع فقال: ويلك يا ربيع! رأيت ما منينا به في هذا اليوم من هذا الشيخ! والله لقد أظلمت الدنيا علي حتى ظننت أني لا أبصر شيئا! # ولكن هل تحفظ من كلامه شيئا؟ فقال ربيع: يا أمير المؤمنين! والله لقد بقيت متحيرا لا أعقل من أمري شيئا، ولقد هممت أن أعلوه بالسيف مرارا لولا هيبتك، فكيف أحفظ ما قال! فقال هشام: لكني والله قد حفظته، ولو علمت أنك تحفظه لضربت عنقك. # قال: ثم رجع هشام إلى أصحابه ووجه الخيل في طلب الشيخ وعزم على قتله، قال: فكان الشيخ داهيا، فوقع في قلبه أنه هشام بن ms0492 عبد الملك واتقى ما قال وخشي الطلب، فعدل عن الطريق وأخذ في البرية على مياه بني كلاب، فطلب فلم يقدر عليه، ومضى حتى دخل الكوفة، فلم يزل هشام متأسفا على ما فاته من قتل الشيخ. قال: فكان ربيع يقول: والله ما شذ عني من كلام الشيخ شيء وإني لأحفظه وما حدثت بهذا الحديث أحدا حتى مات هشام. ### | ثم رجعنا إلى الخبر. # قال: ثم دعا على أهل الرقة فقال: اعقدوا لي جسرا على هذا الفرات حتى أعبر عليه أنا وأصحابي إلى قتال معاوية، فأبوا ذلك، وعلم علي رضي الله عنه هوى أهل الرقة في معاوية، فتركهم ونادى في أصحابه: نمضي لكي نعبر على جسر منبج (1). # قال: فخرج الأشتر إلى أهل الرقة مغضبا وقال: والله يا أهل الرقة! لئن لم # PageV02P564 # تعقدوا لأمير المؤمنين جسرا لأجردن فيكم السيف ولأقتلن الرجال ولأحوين الأموال (1)، فلما سمع أهل الرقة ذلك قال بعضهم لبعض: إن الأشتر والله يوفي بما يقول، ثم إنهم ركبوا خلف علي بن أبي طالب فردوه وقالوا: ارجع يا أمير المؤمنين! # فإننا عاقدون لك جسرا، قال: فرجع علي إلى الرقة، وعقدوا له جسرا على الفرات، ونادى في أصحابه أن اركبوا! فركبت الناس وعبرت الأثقال كلها، وعبر الناس بأجمعهم وعلي واقف في ألف فارس من أصحابه، ثم عبر آخر الناس. ### | تحريض معاوية جنده على القتال. # قال: وبلغ ذلك معاوية فنادى في أهل الشام فجمعهم ثم قال: أيها الناس! # هل تعلمون من قد وافاكم؟ وافاكم والله الأسد الأسود والشجاع المطرق علي بن أبي طالب! ومعه أفاعي أهل العراق من ذي شرف يحامي عن شرفه وذي دين يحامي عن دينه، وذي كلب يؤمل فيكم الغارة، أتاكم والله من درعه الأنصار، وسيفه همدان، ورمحه عبد القيس، وسنانه أخلاط العرب، فإن كنتم تريدون الصبر فهذا وقت الصبر. # قال: فوثب نبهان بن الحكم فقال: يا معاوية! والله لقد جهدت يوم الجمل أن أموت فلم أمت وأبت المقادير ذلك، ووالله لئن رأيت عليا لأجهدن في قتله أو أموت، دعوتنا إليه فجعلونا ms0493 بينك وبينهم وقد جعلها بيننا وبين الله عز وجل، فأمرنا بما تحب وانهنا عما تكره. # قال: ثم وثب حوشب ذو الظليم فقال: يا معاوية! والله ما إياك ننصر ولا لك نغضب ولا عليك نحامي إلا على الشام، فكف الخيل بالخيل والرجال بالرجال، ولا يهولنك علي ومن معه، فإن ما له ولأصحابه عندي [إلا] حملة واحدة، فأفرق جمعهم وأبدد شملهم. # قال: ثم وثب أبو الأعور السلمي فقال: يا معاوية! إننا لو شهدنا مقتل عثمان وعرفنا من قتله بأعيانهم لما دخلنا في ذلك الشك، ولكنا نصدقك على ما غاب - والسلام -. # PageV02P565 # قال: ثم وثب شاعر أهل الشام فجعل يحرض على القتال وهو يقول أبياتا مطلعها: # إن بالشام يا معاوي قوما * يبذلون النفوس والأموالا إلى آخرها. ### | ذكر ذواق لأهل الشام من حرب أصحاب علي رضي الله عنه. # قال: ونزل علي على شاطئ الفرات حذاء مدينة الرقة، وبلغ ذلك معاوية، فدعا بأبي الأعور السلمي، فضم إليه جيشا كثيفا من أهل الشام، ثم قال: سر بهذا الجيش نحو علي، فلعلك أن تواقعه وقعة قبل مصيره إلينا. قال: فسار أبو الأعور في جند من أهل الشام يريد عليا، وبلغ ذلك عليا، فدعا زياد بن النضر وشريح بن هانيء فضم إليهما جيشا (1) وقدمهم بين يديه نحو أبي الأعور، قال: فساروا حتى إذا بلغوا إلى الموضع الذي فيه أهل الشام (2) نظروا إلى جيش عظيم، فلم يقاتلوا وبعثوا إلى علي فأخبروه بذلك. # قال: فدعا علي بالأشتر النخعي فقال: يا مالك! إن زياد بن النضر وشريح بن هانئ أرسلا إلي يعلماني أنهما لقيا أبا الأعور في جند من أهل الشام كثيف، وقد أخبرني الرسول أنه ترك القوم متوقفين (3)، فالنجاء النجاء إلى أصحابك! فإذا أتيت القوم فلا تبدأهم بقتال حتى يبدأوك، ثم ادعهم (4) واعذر إليهم مرة بعد أخرى، فإن أجابوك، إلى ما تريد فالحمد لله على ذلك، وإن أبوا إلا القتال فاستعن بالله عز وجل عليهم، فالقهم بحد وجد، وابعث إلي بخبرك، وما يكون منك ومن أمرك إن شاء الله - والسلام -. # قال: ms0494 فسار الأشتر في جيش خشن ومعه يومئذ هاشم بن عتبة بن أبي وقاص حتى وافى بهم القوم، فلما نظر أبو الأعور إلى جند أهل العراق قد وافوا صاح # PageV02P566 # بأصحابه: احملوا على هؤلاء الكلاب! قال: فحمل القوم بعضهم على بعض، فاقتتلوا قتالا شديدا (1)، وجعل الأشتر يقول لأصحابه: ويلكم! أروني أبا الأعور هذا الذي بدأنا به معاوية حتى أنظر إليه، فقالوا: هو الواقف على التل صاحب الفرس الأشقر، فقال الأشتر لرجل من أصحابه يقال له سنان بن مالك [النخعي]: اذهب إلى أبي الأعور فادعه إلى المبارزة! فقال له سنان: إلى مبارزتك أو إلى مبارزتي؟ # فقال الأشتر: ولو أمرتك بمبارزته لفعلت؟ قال: نعم، والذي لا إله إلا هو لو أمرتني أن أعترض صفهم هذا بسيفي لما رجعت عنهم أو أضرب فيهم ضربا يرضيك ذلك مني! فقال له الأشتر: يا بن أخ! والله لقد زدتني فيك رغبة! ولكني لا آمرك بمبارزته، إنما أمرتك أن تدعوه إلى مبارزتي، وذلك أنه لا يبارز إلا ذوي الأسنان والأكفاء من الفرسان، وأنت بحمد الله من الكرامة والشرف، ولكنك حدث السن، وأعلم أنه لا يبارزك، ولكن أذهب إليه وادعه إلى مبارزتي. # قال: فأقبل الفتى حتى وقف قريبا من عسكر أهل الشام ثم قال: إني رسول ولا تؤذوني، فقال له أهل الشام: أنت آمن فهلم وقل ما أحببت، قال: فجاء الفتى إلى أبي الأعور فقال: إن الأشتر يدعوك إلى مبارزته، قال: فسكت أبو الأعور ساعة ثم قال: إن جهل (2) الأشتر وسوء رأيه هو الذي حمله على ما فعل (3) بعثمان بن عفان، أنه قبح محاسنه وأظهر عداوته، ثم سار إليه في داره وقراره حتى قتله، انصرف عني فلا حاجة لي في مبارزته، فقال سنان: إنك قد تكلمت فاسمع الجواب (4)، فقال: لا حاجة لي في جوابك، انصرف من حيث جئت. # قال: فرجع سنان إلى الأشتر فأخبره بذلك، فتبسم الأشتر وقال: إنه نظر لنفسه، ولو بارزني لبريت يديه، ولكن احملوا عليهم! قال: فحملت أهل العراق على أهل الشام واقتتلوا قتالا عظيما يوم ذلك ms0495 إلى الليل. # فلما كان وجه السحر انهزم أبو الأعور في أصحابه، حتى سار إلى معاوية فأخبره بما كان من أمره، فقال معاوية: فكيف رأيت حرب القوم؟ فقال: يا معاوية # PageV02P567 # لا تسأل عن شيء، فإن الخطر عظيم، ثم جعل يرتجز ويقول (1): # [و] إن للحرب عراما شررا * وإن فيهم فارسا عشنزرا (2) ينصف من أحجم (3) أو تنمرا * إذا ونى برمية تعسر (4) ### | ثم رجعنا إلى الحديث. # قال: وسار علي رضي الله عنه من موضعه ذلك وبين يديه جرير بن سهم التميمي (4) وهو يقول: # يا فرسي سيري وأمي الشاما * واقطعي الأحقاف والأعلاما (6) وقاتلي (7) من خالف الإماما * إني لأرجو إن لقينا العاما [جمع بني أمية الطغاما * أن نقتل العاصي (8) وذا الأجراما] قال: وأشرف عساكر علي وأصحابه على أهل الشام، فلما نظر معاوية إلى إبل مجنبة بالخيل أقبل على عمرو بن العاص فقال: أبا عبد الله! أما أبو الحسن فقد وفى لك بما قال إنه يجنب الخيل بالقلاص، فقال عمرو بن العاص: صدقت يا معاوية! # ولكن اشدد حيازيمك لملاقاته، فإنك تعلم ما قد وافاك وفاك، والله من لو لقي أهل الشام بأجمعهم وهو وحيد لم يخالجه خوف ولا رهبة! فقال معاوية: صدقت، ولكن معه رجال ومعنا رجال، قال: ثم جعل معاوية يرتجز ويقول (9): # أتاكم الكاشر عن أنيابه * ليث العرين جاء في أصحابه كالسيف إذ ينزع من قرابه * فليأتنا الدهر بما أتى به # PageV02P568 # قال: ونزل علي رضي الله عنه بالعساكر والأثقال، وذلك في النصف من المحرم سنة ثمان وثلاثين، وأمر معاوية أصحابه فنزلوا على شاطئ الفرات (1) وحالوا بين علي وأصحابه وبين الماء. وأرسل أصحاب علي بالعبيد والأحرار ليستقوا الماء من الفرات، فإذا هم بأبي الأعور وقد صف خيله على شاطئ الفرات وحال بينهم وبين الماء، قال: فرجع العبيد إلى مواليهم يخبرونهم بذلك، ووثب الناس إلى علي يخبرونه بذلك. # PageV02P569 ### | ذكر وقعة الماء وهي أول وقعة صفين # قال: فدعا علي رضي الله عنه بشبث (1) بن ربعي الرياحي وصعصعة بن صوحان العبدي فقال لهما: انطلقا إلى معاوية فقولا له: إن خيلك ms0496 قد حالت بيننا وبين الماء، ولو كنا سبقناك لم نحل بينك وبينه، فإن شئت فخل عن الماء حتى نستوي فيه نحن وأنت، وإن شئت قاتلناك عليه حتى يكون لمن غلب وتركنا ما جئنا له من الحرب. # قال: فأقبل شبث (1) فقال: يا معاوية! إنك لست بأحق من هذا الماء منا فخل عن الماء، فإننا لا نموت عطشا وسيوفنا على عواتقنا. # ثم تكلم صعصعة بن صوحان فقال: (2) يا معاوية! إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول لك: إننا قد سرنا مسيرنا هذا وإني أكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، فإنك قدمت خيلك فقاتلتنا من قبل أن نقاتلك وبدأتنا بالقتال ونحن من رأينا الكف حتى نعذر إليك ونحتج عليك، وهذه مرة أخرى قد فعلتموها، حلتم بين الناس # PageV03P005 # والماء، وأيم الله لنشربن منه شئت أم أبيت! فامنن (1) إن قدرت عليه من قبل إن نغلب فيكون الغالب هو الشارب. # فقال لعمرو بن العاص: ما ترى أبا عبد الله؟ فقال: أرى أن عليا لا يظمأ وفي يده أعنة الخيل وهو ينظر إلى الفرات دون أن يشرب منه، وإنما جاء لغير الماء فخل عن الماء حتى يشرب ونشرب. # قال: فقال الوليد بن عقبة: يا معاوية! إن هؤلاء قد منعوا عثمان بن عفان الماء أربعين يوما وحصروه، فامنعهم إياه حتى يموتوا عطشا واقتلهم قاتلهم الله أنى يؤفكون. # قال: ثم تكلم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقال: لقد صدق الوليد في قوله: فامنعهم الماء، منعهم الله إياه يوم القيامة (2)! فقال صعصعة: إنما يمنعه الله يوم القيامة الكفرة الفسقة الفجرة مثلك ومثل نظرائك هذا الذي سماه الله في الكتاب فاسقا (3) الوليد بن عقبة الذي صلى بالناس الغداة أربعا وهو سكران ثم قال: # أزيدكم؟، فجلد الحد في الاسلام. قال: فثاروا إليه بالسيوف، فقال معاوية: # كفوا عنه فإنه رسول. # قال: ثم وثب السليل بن محرم (4) السكوني إلى معاوية وجعل يقول: # اسمع اليوم ما يقول السليل * إن قولي قول له تأويل إمنع الماء من صحاب علي * أن يذوقوه والذليل ذليل واقتل ms0497 القوم مثل ما قتلوا الشي‍ * - خ ظما والقصاص أمر جميل إنه والذي تساق له البد * ن هدايا لنحرهن نحول (5) # PageV03P006 # لو علي وصحبه وردوا الما * ء لما ذقتموه حتى تقولوا: # قد رضينا بما حكمتم علينا * بعد ذاك الرضا خراج ثقيل (1) فامنع القوم ماءكم ليس للقو * م بقاء وإن يكن فقليل قال: فقال معاوية: الرأي والله ما تقول! ولكن عمرو لا يدعني ورأيي. # قال: ثم أخذ معاوية عمامته عن رأسه مغضبا وقال: لا سقى الله معاوية ولا أباه من حوض محمد إن شرب علي أو أصحابه من ماء الفرات أبدا إلا أن يغلبوا عليه. # قال: فوثب رجل من أهل الشام يقال له المعراء بن الأقبل (2) بن الأهول فقال: ويحك يا معاوية! والله لو سبقك علي إلى الماء فنزل عليه من قبلك إذا لما منعك منه أبدا! ولكن أخبرني عنك أنك إذ أنت منعته الماء من هذا الموضع ألا تعلم أنه يرحل من موضعه هذا وينزل على مشرعة (3) أخرى فيشرب منه ثم يحاربك على ما صنعت؟ ألا تعلم (4) أن فيهم العبيد والإماء والضعيف ومن لا ذنب له، هذا والله أول البغي والفجور! والله لقد حملت من لا يريد قتالك على قتالك ويمنعك هذا الماء، فإن شئت فاغضب وإن شئت فارض، فإني لا أدع القول بالحق، ساءك أم سرك، ثم أنشأ يقول: # لعمر أبي معاوية بن صخر * وليس لرأيه عندي دواء (5) سوى طعن يحار العقل فيه * وضرب حين يختلط الرجاء (6) فلست بتابع دين ابن هند * طوال الدهر ما أوفى حراء وقد ذهب العتاب فلا عتاب * وقد ذهب الوفاء فلا وفاء (7) وقولي في حوادث كل أمر * على عمرو وصاحبه العفاء # PageV03P007 # ألا لله درك يا بن هند * لقد ذهب الحياء فلا حياء أتحمون الفرات على رجال * وفي أيديهم الأسل الظماء وفي الأعناق أسياف حداد * كأن القوم عندكم نساء أتطمع أن تفر أبو حسين (1) بلا ماء وللأحزاب ماء دعاهم دعوة فأجاب قوم * كجرب الإبل خالطها الهناء قال: فأمر معاوية بقتل هذا الرجل، فوثب قوم من بني عمه ms0498 فاستوهبوه منه، فوهبه لهم، فلما كان الليل هرب إلى علي بن أبي طالب فصار معه. # قال: وانصرف أصحاب علي من عند معاوية بالخيبة، فاغتم علي لما أصاب أصحابه من العطش (2)، ثم إنه خرج ليلا نحو رايات مذحج، فإذا هو برجل يقول أبياتا من الشعر من جوف خيمته (3). # أيمنعنا القوم ماء الفرات * وفينا الرماح وفينا الحجف (4) وفينا الشوارب مثل الوشيج * وفينا السيوف وفينا الزغف (5) وفينا علي له سورة * إذا خوفوه الردى لم يخف ونحن الذين غداة الزبير * وطلحة خضنا غمار التلف فما بالنا أمس أسد العرين * وما بالنا اليوم شاء النجف (6) فما للحجاز وما للعراق * سوى اليوم فشلوا الهدف (7) ودبوا إليهم كبرك الجمال * دوين الذميل ودون القطف (8) # PageV03P008 # فإما تحلوا بشاطي الفرات * ومنا ومنهم عليه الجيف وإما تموتوا على طاعة * تحل الجنان وتحبوا الشرف وإلا فأنتم عبيد العصا * تسامون ضيما بطول العنف (1) قال: فحركت هذه الأبيات عليا رضي الله عنه، ثم مضى نحو رايات كندة، فإذا هو برجل قد وقف إلى جانب خيمة الأشعث بن قيس وهو يقول (2): # لئن (لم) (3) يجل الأشعث اليوم كربة * من الموت فيها للنفوس تفلت (4) فنشرب من ماء الفرات بسيفه * فهبنا أناسا قبل ذلك موتوا (5) فإن أنت لم تجمع لنا اليوم أمرنا * وتلقي التي فيها عليك التشتت فمن ذا الذي تنبي (6) الخناصر باسمه * سواك ومن هذا إليه التلفت وهل من بقاء بعد يوم وليلة * نظل عطاشا والعدو يصوت هلموا إلى ماء الفرات ودونه * صدور العوالي والصفيح المشتت وأنت امرؤ من عصبة يمنية * وكل امريء من غصنه حين ينبت قال: فرجع علي رضي الله عنه إلى رحله. وسمع الأشعث بن قيس هذه الأبيات فخرج من خيمته حتى أتى عليا. فقال: يا أمير المؤمنين! أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا وسيوفنا في رقابنا؟ خل عني وعن الناس، فوالله لا رجعت عن الماء دون أن أرده أو أموت دونه! قال: وتابعه الأشتر بمثل هذا الكلام، فقال علي رضي الله عنه: ذلك إليكم فافعلوا ما أحببتم. # قال: فخرج الأشعث من عند علي ms0499 رضي الله عنه وذلك في وقت السحر، ثم نادى في الناس: ألا! من كان يريد الموت فإن ميعادنا الصبح، فإني ناهض إلى الماء إن شاء الله. # PageV03P009 # قال: فأجابه نيف عن عشرة آلاف (1)، وأجاب الأشتر خلق كثير من بني عمه وبني مذحج. قال: وجعل الأشتر يصب عليه سلاحه وقد أضاء عمود الصبح وهو يرتجز ويقول (2): # ميعادنا الآن بياض الصبح * لن يصلح الزاد بغير ملح لا لا ولا أمر بغير نصح * دبوا إلى القوم بطعن سمح بين العوالي وضراب نفح (3) * لا صلح للقوم وأين صلحي حسبي من الأقدام قاب رمحي قال: وجعل الأشتر يرتجز ويقول: # قل لابن هند أحسن الثباتا * لا تذكرن ما مضى وفاتا إني وربي خالق الأقواتا * إلهنا وباعث الأمواتا مليكنا وجامع الشتاتا * من بعد ما كانوا بها رفاتا لأوردن خيلي الفراتا * شعث النواصي أو يقال ماتا (4) قال: وأصبح الناس واضعي سيوفهم على عواتقهم، وتقدم الحارث بن هشام (5) وهو يرتجز ويقول: # يا أشتر الخيرات يا خير النخع * وصاحب الأمر (6) إذا عم الفزع وكاشف الكرب إذ الأمر وقع * إن تسقنا الماء فماذا بالبدع (7) أو نعطش اليوم فخير منقطع * فذاك إن شئت وإن شئت فدع # PageV03P010 # قال: فدنا منه الأشتر فقبل بين عينيه. # قال: وأقبل الأشعث بن قيس على صاحب رايته واسمه الحارث بن حجر الكندي فقال له: ابن حجر!، الله ما النخع بخير من كندة ولا الأشتر بخير مني! # فتقدم فداك أبي وأمي بالراية! قال: فتقدم صاحب راية الأشعث وهو يقول: # يا أشعث الخيرات يا بن قيس * يا لابس التاج وليث الخيس ما إن لنا مثلك ليس ليس * والطعن بالله كأكل الحيس فقال الأشعث: لله درك ودر أبيك! إن أعش فلك عندي رضاك وإن أمت ذلك عقار من عقاري بحضرموت. # قال: وتقدم فتى من أصحاب علي رضي الله عنه وفي يده رمح له وهو يقول (1): # أنعطش اليوم وفينا الأشعث * والأشتر (2) الخير كليث يبعث فصابروا فإنكم لم تلبثوا * أو تشربوا الماء فثبوا وارفثوا من لم يرده والرجال تلهث * ففي ضلال وبوار يمكث قال: ms0500 وتقدم رجل من همدان في كفه سيف له مشهور وهو يرتجز ويقول (3): # خلوا لنا عنا الفرات الجاري * لكل قوم مستميت شاري مطاعن برمحه كرار * ضارب هامات العدى مغوار بكل عضب ذكر نباري وتقدم ظبيان (4) بن عمارة التميمي وهو يرتجز ويقول: # PageV03P011 # هل لك يا ظبيان من بقاء * في فسحة الدنيا (1) بغير ماء ألا ورب (2) الأرض والسماء * فاضرب وجوه الرجس الأعداء بالسيف عند حمس اللقاء (3) * حتى يجيبوك إلى السواء قال: وخشي أهل العراق إن يغلب أهل الشام على الماء فأمر الأشعث الرجالة، فتقدم أكثر من أربعة آلاف رجل حتى بركوا خلف الأترسة والحجف، وجعل الأشعث يقدم رمحه ويقول: بأبي أنتم وأمي يا أهل العراق، تقدموا! فلم يزل يفعل ذلك هو والأشتر جميعا وصاحوا بأصحاب معاوية: خلوا عن الماء! فقال أبو الأعور السلمي: هيهات والله حتى تأخذنا وإياكم السيوف! فقال الأشعث: بلى والله! أظن أنها قد دنت منا ومنكم. # قال: ونظر الأشتر إلى عمرو بن العاص واقفا في أول القوم فصاح به: ويلك يا عمرو! لقد كنت أظن أن لك رأيا، أتظن أننا نخليك والماء؟ أي تربت يداك وثكلتك أمك! أما علمت أننا أفاعي أهل العراق؟ لقد رمت أمرا عظيما، فقال له عمرو: ستعلم يا أشتر أينا يوفي بالعهد ويتم على العقد. قال: فتبسم الأشتر وهو يقول: # ويلك يا بن العاصي * تنح في القواصي واهرب إلى الصياصي (4) * من شدة المناص فاليوم في العراص * يؤخذ (5) بالنواصي من حذر القصاص * في الأدرع الدلاص قال: وجعل عمرو يقول: # ويلك يا بن الحارث * أنت العدو (6) الناكث أنت الكذوب الحانث * احمل (7) مال الوارث # PageV03P012 # وفي الضلال لابث * وفي القبور ماكث قال: فحمل عليه الأشتر ليضربه بسيفه، فمر عمرو من بين يديه هاربا حتى اختلط بأهل الشام، وصاح الأشعث بالرجالة والأشتر بالخيل، واختلط القوم على شاطيء الفرات فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من أهل الشام جماعة كثيرة وغرق منهم في الفرات مثل ذلك، وولوا الأدبار منهزمين، وصار الماء في يد علي وأصحابه، فأنشأ النجاشي يقول (1): # كشف الأشتر عنا * سكرة (2) الموت عيانا ms0501 بعدما طارت حصانا (3) * طيرة مست لهانا إذ حمى القوم حماهم * ثم لم يحم حمانا قدعا الأشعث قوما * من معد ودعانا فمنحنا القوم في النق‍ * - ع ضرابا وطعانا فله المن علينا * وبه دارت رحانا لبس التاج غلاما * ثم لم يثن عنانا نذرع الأرض بريح * قابه كان حطانا فنهضنا نهضة البا * زي لم نبغ سوانا ساعة ثم تولوا * وحمى الأشعث مانا وبمثل الأشعث اليو * م لك الخير كفانا عن هوى الملك ابن قيس * قد حمانا ورعانا ثم أقبل عمرو بن العاص على معاوية فقال: ما تقول الآن إن منعك علي الماء كما منعته إياه؟ فقال معاوية: دع عنك هذا، ولكن ما ظنك بهذا علي؟ فقال عمرو: ظني والله بعلي أنه لا يستحل منك مثل الذي استحللت منه، لأنه إنما جاء لغير الماء، وقد كنت أشرت عليك في بدء الأمر أن لا تمنعه الماء، فخالفتني وقبلت من (ابن) أبي سرح فقلدت نفسك عارا يحدث به إلى آخر الأبد، ثم قال: # PageV03P013 # أمرتك أمرا ففسخته * لرأي ابن أبي سرحة (1) وأغمضت في الرأي إغماضة * ولم تر في الحرب كالفسحة فكيف رأيت كباش العراق * ألم ينطحوا جمعنا نطحة أظن لها اليوم ما بعدها * وميعاد ما بيننا صبحة فإن ينطحونا غدا مثلها * فقد قدموا الخيط والنطحة (2) وقد شرب القوم ماء الفرات * وقلدك الأشعث (3) الفضحة قال: وأرسل علي إلى أصحابه أن خلوا بينهم وبين الماء ولا تمنعوهم إياه. # قال: فكان أصحاب علي رضي الله عنه وأصحاب معاوية يردون الماء بالقرب والأسقية يستقون ويسقون الخيل والإبل، ما يؤذي أحد منهم أحدا. # قال: وأقاموا على ذلك ثلاثة أيام، ودخل معاوية إلى منزله فأخذ سهما فكتب عليه: " من عبد الله الناصح، أما بعد! يا أهل العراق فإن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم، فخذوا حذركم - والسلام " ثم رمى بالسهم إلى عسكر علي رضي الله عنه في جوف الليل، فوقع في يد رجل من أهل الكوفة، فقرأه ثم أقرأه الناس وجعل بعضهم يقول لبعض: هذا أخ لنا ناصح! إذ كتب إلينا بما ms0502 يريد أن يفعل معاوية. # قال: ووقع السهم إلى علي رضي الله عنه فقرأه، ثم أقبل إلى أصحابه فقال: # خط معاوية، وليس هذا إلا مكر ومكيدة، فلا يهولنكم ذلك. ### | ذكر الوقعة الثانية بصفين # قال: وبعث معاوية بمائتي رجل أو يزيدون إلى عاقول (4) من الفرات ومعهم (5) # PageV03P014 # المعاول والمساحي وآلة الفعل، فجعلوا يحفرون بحيال عسكر علي خديعة ومكرا. # قال: ووقعت الضجة في عسكر علي رضي الله عنه، فقال: ويحكم لا عليكم، فإن هذا الذي ترون هو شيء لا يستقيم، ولا يقوى عليه معاوية أبدا ولو أنفق جميع أموال الشام، وإنما يريد أن يزيلكم عن مكانكم، فلا تكونوا ضعفاء القلوب والعقول، ولا تغلبوني على رأي. قال: فضج أهل العراق وقالوا: والله لنرحلن! فإن شئت فارحل وإن شئت فأقم. # قال: ثم ارتحل الناس عن آخرهم وصاروا ناحية في الفرات، وارتحل علي رضي الله عنه في آخر الناس حتى نزل معهم وجعل يقول: # ولو أني أطعت عصبت قومي * إلى ركن اليمامة أو شآم ولكني إذا أبرمت أمرا * تخالفني أقاويل الطغام (1) قال: فلما كان الليل دخل معاوية بعسكره حتى نزل في الموضع الذي كان علي وأصحابه فيه. قال: وأصبح أهل العراق فنظروا إلى عساكر معاوية في مكانهم، فندموا على ما فعلوا، قال: ثم دعا علي بالأشتر والأشعث بن قيس فقال: # إنكما قد غلبتماني على رأيي فدونكما الآن هذا معاوية وأصحابه قد نزلوا على الماء كما كانوا، ويوشك أن سيمنعوكم إياه كما منعوكم أول مرة. قال الأشعث: صدقت يا أمير المؤمنين! وإني سأصلح (2) ما أفسدت. فقال الأشتر: وأنا والله معك ويدي في القوم قبل يدك. # قال: ثم صاح الأشعث في قومه وقال: يا معشر كندة! انظروا أن لا تفضحوني اليوم ولا تخزوني فإني أقارع بكم أهل الشام. قال: فأجابوا سراعا وخرجوا يمشون في الدروع والمغافر وفي أيديهم الرماح والسيوف والحجف. # قال: ونادى الأشتر في أصحابه، فأجابوه كذلك بالسلاح لم يبن منهم إلا الحدق، وجعل الأشتر يرتجز ويقول: # آليت لا أرجع حتى أضربا * بسيفي المصقول ضربا معجبا # PageV03P015 # أنا ابن ms0503 خير مذحج مركبا * وخيرهم نفسا وأما وأبا (1) قال: فشد عليه رجل من أهل الشام يقال له فيروز بن صالح العكي وهو يرتجز ويقول: # يا صاحب الظرف الحصان الأدهم * أقدم إذا شئت إلينا (2) أقدم أنا ابن ذي العز وذي التكرم * سيد عك كل إليهم فاعلم (3) قال: فحمل عليه الأشتر فطعنه طعنة في خاصرته فأنفذها، ثم صاح: يا أهل الشام! هل من مبارز؟ فخرج إليه مالك بن الأدهم (السلماني) وكان من فرسان الشام، فجعل يرتجز ويقول: # هل لك يا أشتر في برازي * براز ذي غشم وذي اعتزاز كأنه حية ذي ابتزاز * مقارع لقرنه لزاز (4) قال: فقصده الأشتر وهو يقول (5): # نعم نعم اطلبه شهيدا * معي حسام يقصم الحديدا يترك هامات العدى حصيدا * به أريع في الوغا الجنودا ثم حمل عليه الأشتر فقتله، ثم صاح: يا أهل الشام من يبارز؟ فخرج إليه زياد بن عبيد الكناني وهو يرتجز ويقول: # رويد لا تجزع من جلاد * جلاد قوم (6) جامع الفؤاد يجيب في الروع دعا المنادي * يشد بالسيف على الأعادي (7) قال: فبرز إليه الأشتر وهو يقول: # PageV03P016 # بليت بالأشتر ذاك المذحجي * بفارس في حلق مدجج كالليث ليث الغابة المهيج * إذا دعاه القرن لم يعرج ثم شد عليه الأشتر فقتله، ثم نادى: من يبارز؟ فخرج إليه زامل بن عبيد الحرامي (1) وهو يقول: # يا صاحب السيف الخضيب المضرب (2) هل لك في طعن غلام مجرب (3) يحمل رمحا مستقيم الثعلب * ليس بحياد ولا مغلب قال: فلم يكذب الأشتر أن حمل عليه ولم يجبه بشيء، فلما طعنه برمحه التوى الشامي على الرمح، فانفلت من طعنة الأشتر. قال: فجال الأشتر على فرسه وجعل يرتجز ويقول (4): # خانك رمح لم يكن خوانا * قد كان قدما يقتل الفرسانا ويهلك الأبطال والأقرانا * ويحرم الكهول والشيبانا ثم شد عليه فطعنه طعنة قتله، ثم نادى: من يبارز؟ فخرج إليه مالك بن روضة الحميري وهو يقول شعرا (5). قال: فقصده الأشتر وهو يقول: # لابد من قتلي أو من قتلك * قتلت منكم خمسة من قبلك كلهم كانوا حماة مثلك ثم شد عليه الأشتر ms0504 فقتله. فاشتبكت الحرب بين القوم، وتقدم شرحبيل بن السمط وهو يرتجز ويقول: # إني أنا الشرح وابن السمط * مبين الفعل بهذا الشط بالطعن في الدروع الخط * جمعت قومي باشتراط الشرط # PageV03P017 # لابن هند وأنا الموطى * جند يمان ليس هم بخلط (1) قال: فخرج إليه الأشعث وهو يقول شعرا، ثم حمل عليه الأشعث وطعنه طعنة كفأه عن فرسه، فأفلت وهو لما به. قال: فعيره أبو الأعور السلمي وقال: يا شرحبيل! طعنك الأشعث بن قيس! فقال: نعم والله يا أبا الأعور! طعنني الأشعث وهو سيد في قومه وأنا سيد في قومي، فإن كنت صادقا فأخرج إليه وانتصب له لترى ما ينزل بك من صولته. قال: فخرج أبو الأعور وجعل ترتجز ويقول: # أنا أبو الأعور واسمي عمرو * احمي حماي (2) والمحامي حر ولا أبالي............ (3) * سيف حسام وطعاني مر قال: فبدر إليه الأشعث وهو يقول: # إني أنا الأشعث وابن قيس * فارس هيجاء قبيل دوس لست بشكاك ولا مملوس (4) * كندة رمحي وسكون قوسي (5) ثم حمل عليه الأشعث فطعنه طعنة كادت أن تأتي على نفسه، فولى عنه أبو الأعور جريحا. # قال: ثم خرج حوشب ذو الظليم (6) وذو الكلاع فخرجا على فرسين لهما، وجعل حوشب يرتجز ويقول: # يا أيها الفارس ادن لا ترع * أنا أبو مر وهذا ذو كلع (7) مسود بالشام ما شاء صنع * أبلغ عني أشترا أخا النخع والأشعث الغيث إذا الماء منع (8) * قد كثر الغدر لديكم لو نفع # PageV03P018 # قال: فخرج الأشعث والأشتر جمعيا نحو حوشب وذي الكلاع، وجعل الأشعث يرتجز ويقول: # أبلغ عنا حوشبا وذا الكلع * فحوشب المذلول داراه الطمع وذو الكلاع قومه أهل البدع * قوم جفاة لا حيا ولا ورع يقودهم ذاك الشقي المبتدع * إني إذا قرن لقرن يصطنع (1) وأبرقوها في عجاج قد سطع * أحمي ذماري منهم إذا امتنع قال: ثم تقدم الأشتر أيضا وهو يقول شعرا على قافيته (2)، ثم حمل الأشعث والأشتر جميعا على حوشب وذي الكلاع، فتطاعنوا ساعة وافترقوا. وصاح أهل الحجاز وأهل العراق بعضهم لبعض، ثم حملوا على أهل الشام، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة. قال: ms0505 وجعل أهل الشام ينادون أهل العراق: يا هؤلاء! انظرونا سواد هذه الليلة فإننا راجعون إلى معسكرنا الذي كنا فيه، فصاح الأشعث بن قيس وأصحابه فقالوا: والله لا نبيت إلا في معسكركم. قالوا: فإذا نرحل فلا تعجلونا. # قال: ثم رحل القوم إلى معسكرهم فنزلوه كما كانوا. وأقبل الأشعث إلى علي رضي الله عنه فقال: أرضيت (يا) أمير المؤمنين؟ قال علي رضي الله عنه: # (رضيت)، ثم أقبل عليه وعلى الأشتر فقال: أنتما كما قال الشاعر: # وإن لنا شيخا إذا الحرب شمرت، بديهته الأقدام قبل التوقف قال: فقال الأشعث: يا أمير المؤمنين! إنه قد غلب الله عز وجل لك على الماء مرة وهذه ثانية، وقد علمت ما كان من غدر معاوية، وإن شئت منعناهم الماء؟ # فقال علي رضي الله عنه: إن الخطب أعظم من منعهم الماء، فلا تمنعوهم الماء ولا تكافوهم بصنيعهم. # قال ثم دعا علي رضي الله عنه سعيد بن قيس الهمداني وبشير بن عمرو # PageV03P019 # الأنصاري (1) فقال لهم: انطلقوا إلى معاوية فادعوه إلى الله عز وجل وإلى الطاعة والجماعة واحتجوا عليه، وانظروا ما رأيه وعلى ماذا قد عزم. # قال: فأقبلوا حتى دخلوا على معاوية، فتقدم بشير بن عمرو، فقال: يا معاوية! إن الدنيا غدارة غرارة سفيهة جائرة وعنك زائلة، وإنك راجع إلى الله عز وجل فمحاسبك على عملك ومجازيك بما قدمت يداك (2)، قال: فقطع معاوية عليه الكلام ثم قال: فهلا بهذا أوصيت صاحبك؟ فقال الأنصاري: يا سبحان الله العظيم! إن صاحبي ليس مثلك، إنه أحق بهذا الأمر منك للفضيل في الدين والسابقة في الإسلام والقرابة من الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال معاوية: فيقول ماذا؟ قال: إني آمرك بتقوى الله وإجابة الحق والدخول فيما دخلت فيه المهاجرون والأنصار والتابعون، فإن ذلك أسلم لك في دنياك وآخرتك، فقال معاوية: ونطل دم عثمان! لا والله لا كان ذلك أبدا (3)، وما لكم ولا لصاحبكم عندي إلا السيف! فأخرجوا عني. # قال: فوثبوا قائمين، والتفت إليه سعيد فقال: والله يا بن هند! لتغلبن سيوف صاحبنا ما تود ms0506 أن أمك هند لم تلدك ولم تكن في العالمين! فقال معاوية: يد الله فوق يدك. # قال: وأقبلوا إلى علي رضي الله عنه يخبروه بذلك، فدعا علي بشبث (4) بن ربعي الرياحي، ويزيد بن قيس الأرحبي، وزياد بن خصفة (5) التميمي وعدي بن حاتم الطائي، فأرسلهم إلى معاوية وقال لهم أعذروا إليه وأنذروه قبل الإقدام على الحرب. # قال: فجاء القوم حتى دخلوا على معاوية، وتقدم عدي بن حاتم فقال: يا معاوية! إننا قد أتيناك ندعوك إلى أمر الله، يجمع الله (به) كلمتنا ويحقن دماء # PageV03P020 # المسلمين، وندعوك إلى أفضل الناس سابقة وأحسنهم في الاسلام أثرا، وقد اجتمع الناس إليه، وأرشدهم الله تعالى بالذي رأوا، (1) فاتق الله يا معاوية وانته (1) عما قد أزمعت عليه من قبل أن يصيبك الله وأصحابك بما أصاب به أنصار الجمل، فقال معاوية: كأنك إنما جئت متهددا، كلا والله يا عدي! إني لابن صخر بن حرب ما يقعقع لي بالشنان (2)، أما إنك من المجلبين على عثمان وأنا أرجو (أن تكون) (3) ممن يقتله الله! قال: فأراد عدي إجابته فسبقه شبث (4) بن ربعي فقال: يا معاوية! # لقد أتيناك فيما يصلحنا وإياك، فصرت تضرب لنا الأمثال التي لا ينتفع بها أحد. # قال: ثم تكلم يزيد بن قيس فقال (5): يا معاوية! إننا لم نأتك إلا لنبلغ ما بعثنا به ونؤدي عنك ما نسمعه منك، وإن صاحبنا هو من قد عرفته وعرفه المسلمون، وإننا والله ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى ولا أهدى في الدين ولا أجمع خصال الخير كلها منه. # قال معاوية: إنكم قد دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأما الجماعة التي دعوتم إليها فنعما هي! وأما الطاعة لصاحبكم فإننا لا نراها واجبة علينا، لان صاحبكم قتل خليفتنا وفرق جماعتنا وهو يزعم أنه لم يقتل ولم يأمر، ونحن لا نرد ذلك عليه غير أن قتلة صاحبنا عنده، فليدفعهم إلينا لنفديهم (6) بصاحبنا ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة. # قال شبث (4): لو مكنت من عمار بن ياسر هل كنت قاتله؟ فقال معاوية: وما يمنعني من قتله؟ والله! لو قدرت ms0507 على ابن سمية لما قتلته بعثمان ولكني كنت أقتله بناتل مولى عثمان بن عفان، فقال شبث (4) بن ربعي: إذا والله ما عدلت يا معاوية! # ووالله لا تصل إلى قتل عمار أو ترى الهامات وقد ندرت عن الكواهل وتضيق عليك # PageV03P021 # أرض الفضاء برحبها (1). # قال: ثم خرج القوم من عند معاوية فصاروا إلى علي رضي الله عنه، فأخبروه بالذي كان بينهم وبين معاوية من الكلام. # قال: وإذا حبيب بن مسلمة الفهري وشرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد (2) قد أقبلوا حتى دخلوا على علي رضي الله عنه، فسلموا وجلسوا، ثم تكلم حبيب بن مسلمة فقال: أما بعد! فإن عثمان بن عفان كان خليفة يعمل بكتاب الله عز وجل وينتهي إلى أمر الله، فاستثقلتم حياته واستبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه، فادفع إلينا قتلة عثمان حتى نقتلهم به، فإن قلت إنك لم تقتله فاعتزل الناس واجلس في منزلك حتى يكون هذا الامر شورى بين الناس، يوليهم أمرهم من أجمع عليه رأيهم. # فقال له علي رضي الله عنه: وما أنت - لا أم لك - والكلام (3) في أمور الناس، قم يا عدو نفسك! فلست هناك ولا بأهل للكلام، فقال حبيب: والله إنك لتراني بحيث تكره، فقال علي رضي الله عنه: ولو أجلبت بخيلك ورجلك، اذهب فلا أبقى الله عليك إن أبقيت. # فقال شرحبيل: إني إن كلمتك فخفت أن يكون جوابك لي جواب صاحبي، فقال له علي: اسمع حتى أكلمك يا شرحبيل! فوالله لقد بايعني الناس وأنا كاره لهذا الأمر، غير أن الأمة اختلفت وكرهت الفرقة بين أهل الاسلام فبايعتهم، فلم يرعني إلا شقاق من شاققني بالبصرة وخلاف معاوية، رجل لم يجعل الله له سابقة في الدين ولا سلفا صالحا في الإسلام، طليق ابن طليق حزب الله وحزب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ولم يزل لله ولرسوله وللمؤمنين عدوا هو وأبوه من قبله، ثم دخلا في الإسلام كارهين، فعجبا لكم (4) يا أهل الشام وانقيادكم له، وتتركون آل نبيكم الذين لا يسعكم شقاقهم # PageV03P022 # ولا فراقهم ولا خلافهم وأن لا ms0508 تعدلوا بهم أحدا من الأئمة. قال: فقال له شرحبيل: # أفتشهد أن عثمان قتل مظلوما؟ فقال له علي: إنه لا يخلو عثمان ظالما أو مظلوما. # ثم وثب القوم، فقال علي: فاسمعوا عني حتى أخبركم عن عثمان، فقال حبيب بن مسلمة: لسنا نحب أن نسمع منك شيئا، فقال علي رضي الله عنه: # * (فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء وإذا ولو مدبرين * وما أنت بهد العمي عن ضللتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون) * (1). # قال: فخرج القوم من عند علي، فأقبل على أصحابه فقال: لا يكن هؤلاء أولى بالحد في ضلالتهم منكم في حقكم وطاعة ربكم (2). # قال: فلما كان من الغد إذا بعبيد الله بن عمر بن الخطاب قد خرج في خيل عظيمة يريد الحرب، فأخرج علي بن أبي طالب محمد بن أبي بكر في خيل مثلها، فاقتتلوا يومهم ذلك قتالا شديدا، وانصرف الفريقان عن قتلاء وجرحى. فلما كان من الغد خرج شرحبيل بن السمط في خيل عظيمة، فأخرج إليه علي رضي الله عنه الأشتر في خيل مثلها، فاقتتلوا وانصرفوا عن قتلاء وجرحى. فلما كان من الغد خرج عمرو بن العاص في خيل عظيمة، فأخرج إليه علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس في خيل مثلها، فانصرفوا عن قتلى وجرحى. # قال: فلم يزل القوم على ذلك إلى أن بقي من شهر المحرم سبعة أيام أو ثمانية، قال: وجعل معاوية وعمرو بن العاص يعبئان الكتائب ويحرضان أهل الشام على حرب علي وأصحابه، فأنشأ حابس بن سعد الطائي في ذلك يقول (3): # أما بين المنايا غير سبع * بقين من المحرم أو ثمان هناك دماؤنا حل حلال * لأهل الكوفة السود اليماني ألم يعجبك أنا قد هجمنا (4) * عن أهل الكوفة (5) الموت العيان # PageV03P023 # أينهانا كتاب الله عنهم * ولا ينهاهم السبع المثاني (1) وبالشام الحماة وكل قرم * صدوق بالضراب وبالطعان قال: فلما انقضى شهر المحرم وأهل هلال صفر، بعث علي رجلا من أصحابه يقال له مرثد (2) بن الحارث، حتى وقف قريبا من عسكر معاوية، ثم نادى ms0509 بأعلى صوته عند غروب الشمس: يا أهل الشام! إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول لكم: إنا قد كففنا عنكم في هذا الشهر الحرام فلم تكفوا عنا، ووالله ما كففنا عنكم شكا في أمركم ولا جبنا عنكم، وإنما كففنا لخروج هذا الشهر المحرم لترجعوا إلى الحق، واحتججنا عليكم بكتاب الله عز وجل ودعوناكم، فلم تنتهوا عن الطغيان، والظلم والعدوان، والكذب والبهتان، ولم تجيبوا إلى حق ولا برهان، فإنا قد أنذرناكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين. # قال: فعلم أهل الشام أن عليا يحاربهم وأنه إنما كان ينتظر انسلاخ الشهر، ففزعوا إلى معاوية، وذلك في أول يوم من شهر صفر، وعبى (معاوية) أصحابه، فكان (3) على ميمنته ذو الكلاع الحميري، وعلى رجالتها حوشب ذو الظليم، وعلى خيل ميسرته حبيب بن مسلمة، وعلى رجالتها بسر بن (أبي) أرطاة، وعلى خيل القلب عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي، وعلى رجالتها الضحاك بن قيس، وعلى خيل الجناح عبد الله بن جعدة الفزاري وعلى رجالتها همام بن قبيصة النميري، وعلى خيل الكمين أبو الأعور السلمي، وعلى رجالتها حابس بن سعد الطائي. # قال: وعبى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أصحابه (4)، فكان على خيل ميمنته الحسن والحسين سبطا النبي (ص)، وعلى رجالتها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ومسلم بن عقيل بن أبي طالب، وعلى خيل الميسرة محمد ابن الحنفية # PageV03P024 # ومحمد بن أبي بكر، وعلى رجالتها هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وأخوه (1) عمر بن عتبة، وعلى خيل القلب عبد الله بن عباس والعباس بن ربيعة بن الحارث، وعلى رجالتها مالك بن الحارث الأشتر والأشعث بن قيس، وعلى خيل الجناح سعيد بن قيس وعبد الله بن بديل (2) بن ورقاء الخزاعي، وعلى رجالتها رفاعة بن شداد العجلي وعدي بن حاتم الطائي، وعلى خيل الكمين عمار بن ياسر وعمرو بن الحمق الخزاعي، وعلى رجالتها عامر بن واثلة الكناني وقبيصة بن جابر الأسدي. # قال: ثم جعل علي رضي الله عنه على كل قبيلة من قبائل ms0510 ربيعة ومضر واليمن رجلا من رؤسائهم يقتدون برأيه وينتهون إلى أمره، ودنا القوم بعضهم من بعض، وتقدم رجل من أصحاب علي رضي الله عنه يقال له الجدل بن عبد الله المذحجي وكان من الابطال المعدودين، وهو الذي يقول فيه الأشتر حيث يقول: # وإنا إذا ما احتسبنا الوغى * أدرنا الرحى بصنوف الجدل (3) وضربا يفلق هاماتهم (4) * وطعنا لهم بالقنا والأسل عرانين من مذحج وسطها * يخوضون اغمارها بالهبل ووائل تسعى بنسراتها (5) * ينادونهم أمرنا قد كمل أبا حسن فارم خيشومها * بكل همام وحام بطل (6) على الحق فينا له منهج * على واضح القصد لا بالميل قال: فحمل الجدل على صفوف أهل الشام، فلم يزل يضارب ويطاعن حتى أثر فيهم أثرا حسنا، ورجع حتى وقف في موضعه. # قال: وتقدم رجل من أصحاب معاوية يقال له عوف بن عوف وهو يرتجز ويقول شعرا، (7)، قال: فخرج إليه علقمة بن قيس (8) من أصحاب علي مجيبا له على # PageV03P025 # شعره (1)، قال: ثم حمل عليه علقمة بن قيس فطعنه في لبته طعنة فسقط الشامي قتيلا، وأنشأ علقمة في ذلك يرتجز يقول: # يا عوف لو كنت امرءا حازما * لم تبرز الدهر إلى علقمة لاقيت ليثا أسدا باسلا * يأخذ بالأنفاس والغلصمة لاقيته قرنا له سطوة * يفترس الاقران في الملحمة ما كان في نصر امريء ظالم * ما يدرك الحنة والمرحمة ما لابن هند حرمة يرتجى * بها (2) ثواب الله بل مندمة لاقيت من قيس (3) غداة الوغى * من أدرك الأبطال يا بن الأمة ضيعت حق الله في نصرة * للظالم المعروف بالمظلمة إن أبا سفيان من قبله * لم يك مثل العصبة المسلمة لكنه نافق في دينه * من خشية القتل على المرغمة وابنه نافق من بعده * وزخرف الباطل بالترجمة سوف... (4) من ضروب لنا * بين أن في الوعي المضرمة قال: دعا عمرو بن العاص بابنه عبد الله فقال: يا عبد الله! خذ هذه الراية وتقدم بين يدي! فقال عبد الله: ما أفعل، فإنك تقدمني إلى حرب رجل ما كان كفر بالله ساعة قط، قال: فغضب عمرو ثم قال: والله لتأخذنها ms0511 أو لأضربن بهذا السيف # PageV03P026 # قرطفك، فقال عبد الله: والله لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: أطع أباك يا أبا عبد الله، لما أطعتك في هذا الأمر أبدا. # قال: ثم أخذ عبد الله الراية بيده وتقدم بين يدي أبيه حتى وقف أمام أصحابه، وأنشأ عمرو يقول (1): # ولو شهدت جمل مقامي وموقفي * بصفين يوما شاب منها الذوائب غداة ترى (2) أهل العراق كأنهم * من البحر موج لجه متراكب وجئنا إليهم في الحديد كأننا (3) * سحاب خريف صففته الجنائب فقالوا نرى من رأينا أن تبايعوا * عليا فقلنا بل نرى أن نضارب فطارت إلينا بالرماح كماتهم * وطرنا إليهم والسيوف قواضب فلما أرادوا أن يقوموا مقامنا * شددت إليهم أن يزول المواكب فإننا (4) وقد نالوا سراة رجالنا * وليس لما لاقوا سوى الله حاسب ولم أر يوما كان أكثر باكيا * ولا عارضا منهم كميا يكالب إذا قلت قد استهزموا برزت لنا * كتائب خرص وارجحنت كتائب قال: ثم حمل عمرو في نفر من أهل الشام فقاتلوا ساعة ورجعوا إلى مواقفهم. # ونظر علي رضي الله عنه إلى الصف الذي فيه عمرو فإذا هو صف محكم بالخيل والرجالة فدعا برجل من ربيعة يقال له الحضين (5) بن المنذر فدفع إليه راية سوادء (6) وضم إليه خمسمائة رجل من سادات ربيعة وقال: تقدم يا حضين نحو هذا الصف في بني عمك، ولا تقصر ليكون نصيبك الأخص. قال فأخذ الراية ثم قال: # يا معشر ربيعة! اعلموا أن الموت اليوم خير من الفرار، فانظروا ولا يلتفت منكم # PageV03P027 # أحد، واتبعوني والميعاد بيني وبينكم فسطاط معاوية. قال ثم تقدم الحضين وأصحابه بالراية، فلم يزل يطاعن في اعراض أهل الشام حتى خضب الراية بالدماء. # قال: وجعل معاوية يقول: لمن هذه الراية السوداء؟ فقالوا: للحضين بن المنذر في قومه من ربيعة، قال: فتقدم معاوية بين يديه ثلاثمائة رجل من بني عك ولخم وحمير، وقدم علي رضي الله عنه بين مائة رجل من أبطال مذحج، واختلط القوم فاقتتلوا قتالا شديدا، وصبر بعضهم لبعض ساعة، وصاح علي بالحضين بن ms0512 المنذر أن قدم الراية يا حضين! قال: فتقدم الحضين وهو لم يصبر من غيظه، وتقدمت معه مذحج وربيعة وكل رجل منهم يحتاج إلى كتيبة، فحملوا عليه حملة رجل واحد حتى وصلوا إلى فسطاط معاوية وانكشفت عنه الناس، قال: وصاح رجل من أصحاب معاوية: ويحكم يا أهل الكوفة! أما تتقون الله في الحرم؟ # ويحكم! نحن بنو أعمامكم فاقصروا، فمع اليوم غد، فعندها أنشأ علي رضي الله عنه يقول (1): # لمن راية سوداء (2) يخفق ظلها * إذا قيل قدمها حضين تقدما يقدمها للموت (3) حتى يزيرها * حياض المنايا تقطر الموت والدما تراه إذا ما كان يوم كريهة (4) * أبى فيه إلا عزة وتكرما جزى الله قوما صابروا في لقائهم * لدى الموت خيرا (5) ما أعف وأكرما ولا حسن صبرا حين يدعى إلى الوغى * إذا كان أصوات الرجال تغمغما (6) ربيعة أعني أنهم أهل نجدة * وبأس إذا لاقوا خميسا (7) عرمرما وقد صبرت عك ولخم وحمير * لمذحج حتى أورثوها تندما (8) ونادت جذام يا أهل كوفين ويحكم * جزى الله شرا أينا كان أظلما # PageV03P028 # أما تتقون الله في حرماتنا * وما قرب الرحمن منا وعظما أذاقوا ابن هند طعنهم وضرابهم * على حنق حتى تولى وأحجما (1) قال: فلم يزل الحضين بن المنذر يقاتل هو وبنو عمه حتى ضج منهم أهل الشام، ثم رجعوا مواضعهم، وقد جرح منهم خلق كثير. # قال: وخرج مولى لعثمان بن عفان يقال له أحمر حتى وقف بين الصفين وجعل يرتجز ويقول: # إن الكتيبة عند كل تصادم * تبكي فوارسها على عثمان قوم حماة ليس منهم قاسط * يبكون كل مفصل وسنان قال: فخرج إليه كيسان مولى علي مجيبا له وهو يقول: # قف لي قليلا يا أحيمر إنني * مولى التقي الصادق الإيمان عثمان ويحك قد مضى لسبيله * فاثبت لحمد مهند وسنان قال: فحمل عليه مولى عثمان فطعنه طعنة جدله قتيلا، فقال علي رضي الله عنه: قتلني الله إن لم أقتلك يا عدو الله! ثم حمل عليه علي وتلقاه مولى عثمان بالسيف وهو لم يعرفه، فضربه واتقاه علي رضي الله عنه بحجفته، ثم مد ms0513 علي يده إليه وقبض على ثوبه ثم رفعه عن قربوصه وضرب به الأرض فكسر منكبه وأضلاعه، ثم جال علي رضي الله عنه في ميدان الحرب وهو يتمثل بهذه الأبيات: # لهف نفسي وقليل ما أسر * ما أصاب الناس من خير وشر لم أرد في الدهر يوما حربهم * وهم الساعون في الشر الشمر قال: وأقبل معاوية على غلام له يقال له حريث فكان فارسا بطلا (2)، فقال معاوية: يا حريث! انظر إذا خرجت إلى الحرب فاحذر علي بن أبي طالب ولا تقربه، وضع رمحك حيث شئت من الناس، فقال حريث: أفعل ذلك يا سيدي إن شاء الله. # PageV03P029 # قال: فلما تنحى حريث من بين يدي معاوية أخذ بيده عمرو بن العاص فقال: # أما والله يا حريث! لو كنت قرشيا لأحب معاوية أن تقتل عليا ولكنه قد علم أنك عبده فلم يختر أن يكون لك هذا الحظ، فانظر إن أصبت فرصة من علي فاقدم عليه ولا يهولنك، فإنما هو رجل مثلك. # قال: وخرج حريث وجعل يجول في ميدان الحرب ويسأل البراز، ونظر إليه علي رضي الله عنه فعلم أنه حريث غلام معاوية، فخرج إليه علي رضي الله عنه على فرس أدهم وهو متعمم بعمامة صفراء لكيلا يعرف، ونظر إليه حريث فناداه: أيها الفارس! لقد أسلمك علي إلى الموت إذ أخرجك إلى مثلي، ثم جاوله، وجعل علي أنشأ يقول: # أنا الغلام العزيز المنتسب * من خير عود في مضاض المطلب يا أيها العبد اللئيم (1) المنتدب * إن كنت للموت محبا فاقترب وأثبت رويدا أيها الكلب الكلب * أولا فول هاربا ثم انقلب قال: فعلم عمرو أنه علي فصاح بحريث وقال: يا حريث! دونك الرجل لا يفوتنك، فحمل حريث على علي رضي الله عنه، وداخله علي بالسيف فضربه ضربة أطار بها قحف رأسه، فسقط حريث إلى الأرض قتيلا، ثم أنشأ علي يقول: # ألا احذروا في حربكم أبا الحسن * ولا تروموه فدام الغبن فإنه يدقكم دق الطحن * ولا يخاف الهياج من ومن وقد غزا في الناس في وقت اللبن قال: فعلم ms0514 معاوية أنه علي فاغتم علي حريث غما شديدا، ثم أقبل على عمرو فقال: والله يا هذا! ما قتل حريثا أحد سواك، لأني أعلم أنك أنت الذي غررته وألقيته في مخاليب الأسد، ثم أنشأ معاوية يقول: # حريث ألم تعلم وعلمك (2) ضائر * بأن عليا للفوارس قاهر وأن عليا إن (3) يبارز فارسا * من الناس إلا أقصدته الأظافر أمرتك أمرا حازما فعصيتني * فجدك إذ لم تقبل النصح عاثر # PageV03P030 # فدلاك عمرو والحوادث جمة * غرورا وما أجرت عليك المقادر وظن حريث أن عمرا نصيحه * وقد يهلك الانسان إن لم يحاذر أيركب عمرو رأسه خوف نفسه * ويصلى حريثا إنه لمماكر (1) قال: واشتبكت الحرب وذهب علي رضي الله عنه ليطعن رجلا من أهل الشام فهرب الشامي من بين يدي علي، وحمل عمرو بن الحصين على علي من ورائه ليطعنه، فحمل سعيد بن قيس على ابن الحصين فطعنه طعنة قتله، وانفلت علي فصار إلى أصحابه. # قال: وجزع معاوية على ابن الحصين جزعا شديدا لأنه كان من فرسان أهل الشام. # قال: فأنشأ الهمذاني يقول شعرا يفضل فيه عليا رضي الله عنه على معاوية، فبلغ ذلك معاوية، فدعا بذي الكلاع الحميري فضم إليه خيلا عظيمة من يحصب وكندة ولخم وجذام ثم قال: اخرج واقصد بحربك همذان خاصة، قال: فخرج ذو الكلاع في ألف رجل من قبائل اليمن، ونظر إليهم علي رضي الله عنه فعلم أنه عيون القبائل، فنادى بأعلى صوته: يا آل همذان! فأجابوه: لبيك لبيك يا أمير المؤمنين! # فقال: عليكم بهذه الخيل، فإن معاوية قصدكم بها خاصة دون غيركم. # قال: فصاح سعيد بن قيس بقومه من همذان، فجمعهم قبيلة واحدة ثم إنه أوصاهم، وحمل وحملت معه قبائل همذان، واختلطت القوم واشتبك القتال ساعة، ثم حطمتهم خيل همذان فقذفتهم إلى حريم معاوية وقد قتل منهم مقتلة عظيمة، وجاء الليل فحجز بين الفريقين. # قال: فجمع علي قبائل همذان بين يديه ثم أقبل عليهم فقال لهم: أنتم درعي ورمحي وسناني وجنتي! والله لو كانت الجنة في يدي لأدخلتكم إياها خاصة يا معشر همذان! ms0515 فقال سعيد بن قيس: والله يا أمير المؤمنين ما نصرنا إلا لله ولا أجبنا غيره، ولقد قاتلنا مع من ليس له مثل سابقتك ولا قرابتك، فارم بنا حيث شئت وأين أحببت فنحن لك سامعون مطيعون، قال: فعندها أنشأ علي رضي الله عنه أبياتا يقول: # ولما رأيت الخيل تقرع بالقنا * فوارسها حمر العيون دوامي # PageV03P031 # واعرض نقع في السماء كأنه * صبابة دجن ملبس بقتام ونادى ابن (هند) ذا الكلاع ويحصب وكندة في لخم وحي جذام تيممت همذان الذين هم هم * إذا ناب أمر جنتي وسهامي وناديت فيهم دعوة فأجابني (1) * فوارس من همذان غير لئام فوارس من همذان ليسوا بعزل * غداة الوغى من شاكر وشتام (2) لهمذان أخلاق ودين يزينها * وبأس إذا لاقوا وطيب كلام (3) فلو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمذان ادخلوا بسلامي جزى الله همذان الجنان فإنهم * سمام العدى في كل يوم حمام (4) قال: فلما كان من الغد زحفت الناس بعضهم إلى بعض، وأقبل علي رضي الله عنه على أصحابه فقال (5): أيها الناس! انظروا ولا تقاتلوا القوم حتى يبدأوكم بالقتال، فإنكم بحمد الله على (6) بصيرة ويقين، وإذا أنتم قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة، وإذا وصلتم إلى رجال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تدخلوا دارا إلا بإذن، ولا (7) تأخذوا من أموالهم شيئا إلا ما أصبتموه في عسكرهم، ولا تكلموا الناس، وإياكم ونساء أمرائكم! فإنهن ضعيفات الأنفس والعقول، هذه وصيتي لكم قبل محاربة القوم، وهذا الآن. فقال الناس: # سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين! # قال: وأقبل مالك بن حرى (8) النهشلي إلى قومه من بني تميم، فقال: اعلموا أن الفرار فيه العار، وأنا قد ابتعت هذه الدار بدار القرار، وهذا وجهي إليها، فإن لم # PageV03P032 # تقاتلوا عن الدين فقاتلوا عن الأحساب والأنساب. ثم تقدم نحو أصحاب معاوية وهو يرتجز ويقول: # إن تميما أخلفت عنك زمر (1) * وقد أراهم وهم الحي الصبر فإن جنيتم أو فررتم لا أفر (2) * لكنني أحمي ذماري وأكر قال: ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل. # قال: ms0516 فخرج رجل من أصحاب معاوية يقال له بشر بن عصمة (3)، وكان من أهل الكوفة ولكن مال إلى الدنيا فصار مع معاوية، فخرج إليه رجل من أصحاب علي يقال له مالك بن الجلاح (4) فالتقيا بطعنتين، فطعنه صاحب معاوية طعنة جرحه منها جراحة قبيحة، ثم جعل يقول: # دلفت له تحت الغبار بطعنة * على بصر مني طعان المخالس (5) وإني لأرجو من مليكي وخالقي * ومن مالك الأملاك دار التنافس (6) قال: فأجابه مالك وهو يقول: # أيا بشر صبرا لا تراع فإنني (7) شغلت وألهاني الذين أمارس وصادقت مني غرة فأصبتها * كذاك يكون الناس ماش وجالس (8) قال: وخرج الشمر بن ذي الجوشن السلولي يسأل المبارزة، فخرج أدهم بن محرز الباهلي، فاختلفا بضربتين، ضربه الباهلي على جبينه فأسرع فيه السيف حتى خالط العظم، وضربه الشمر بن ذي الجوشن فلم يصنع شيئا، ورجع إلى عسكره فشرب ماء ثم رجع إلى الباهلي وهو يقول: # PageV03P033 # إني زعيم لأخي باهلة * بطعنة إن لم أصب (1) عاجلة أو ضربة تحت الغبار آجلة (2) * شبيهة بالقتل أو قاتلة (3) قال: ثم حمل على الباهلي، فضربه ضربة على وجهه وقال: يا أخا باهلة! # تلك بهذه، وجال الشمر في ميدان الحرب وهو يقول (4): # لله در عصابة في ماقط * شهدوا مجال الخيل تحت قتامها شهدوا ليوثا ليس يدرك مثلهم * عند الهياج يذب عند زحامها (5) جرت (6) العيون إذا أردت قتالهم * برزوا سماحا كلهم بحمامها لا ينكلون إذا تقرض (7) صفهم * جزعا على الإخوان عند جلامها أسد العرين على (8) السوابح بالقنا * يردون مهيعة الطريق بهامها قال: وخرج أبو أيوب الأنصاري حتى وقف بين الجمعين يسأل البراز، فلم يبرز إليه أحد، قال: ونظر إلى معاوية حتى إذا دنا منه دخل معاوية إلى خيمته، وخرج من جانب الخيمة وهو يقول شعرا (9). # أقول لها وقد طارت شعاعا * من الأبطال إنك لن تراعي فإنك لو سألت بقاء (10) يوم * على الأجل الذي لك لن تطاعي (11) قال: وقامت أهل الشام في وجه أبي أيوب، فقاتلهم ساعة ورجع إلى موضعه سالما، ورجع معاوية إلى موضعه متغير اللون وهو يقول: هذا ms0517 والله كما قال الأول: # PageV03P034 # أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا ويحمي إذا ما الموت كان أمامه (1) * كذا الشبل يحمي الابن أن يتأخرا كليث هزبر وهو يحمي عرينه * رمته المنايا نعيه فتقطرا (2) ثم أقبل معاوية على أصحابه فقال: ويحكم! إن السيوف لم يؤذن لها في قتل هؤلاء، ولولا ذلك لما وصل إلى هذا، ولكن إذا رأيتم مثل هذا فعليكم بالحجارة، فقال رجل من أهل الشام يقال له المبرقع بن منصور: والله يا معاوية لأفعلن كما فعل، ولأقتلن عليا إن قدرت عليه قال: ثم حمل يريد عليا، ونظر إليه أبو أيوب فاستقبله بالسيف، فنفحه نفحة أبان بها عنقه فثبت رأس الشامي على الجسد، فظن الناس أنه قد أخطأه، قال: وتحرك الفرس فسقط الرأس ناحية وسقط الرجل ميتا، فعجبت (3) الناس من ضربة أبي أيوب، فقال علي رضي الله عنه: والله لأنا أشد تعجبا من ثبات الرجل على فرسه منكم لضربة أبي أيوب! والله ما أنت إلا كما قال الأول: # وعلمنا الحرب آباؤنا * وسوف نعلم أيضا بنينا قال (4): وخرج رجل من أهل الشام يسأل المبارزة، فخرج إليه رجل من أصحاب علي، فحمل كل واحد منهما على صاحبه، فضربه صاحب علي ضربة أرداه من فرسه واقتحم عليه ليذبحه، فنظر في وجهه فإذا هو أخوه لأبيه وأمه، فصاحت به أصحابه: اذبحه عاجلا وقم عنه فقال: ويحكم! هذا أخي، قالوا: # فاتركه، قال: لا والله لا أتركه أو يأذن لي أمير المؤمنين، فأخبر علي بذلك، فأرسل إليه أن اتركه، فتركه، فانصرف هذا إلى علي وذاك إلى معاوية. # PageV03P035 # قال: وإذا بفارس من فرسان الشام قد خرج مقنعا في الحديد، فوقف يسأل المبارزة، فخرج إليه عبد الرحمن بن يحيى (1) الكندي حتى وقف قبالته، ثم قال له: من أنت أيها الرجل؟ فقال: رجل من عك، فحمل عليه الكندي وهو يقول (2): # لقد علمت عك بصفين أننا * إذا ما نلاقي القوم (3) نطعنها شزرا ونحمل رايات القتال لحقها (4) * ونوردها بيضا ونصدرها حمرا قال: ثم حمل على الشامي ms0518 فطعنه طعنة في نحره فصرعه، ثم نزل إليه فسلبه درعه وسلاحه فإذا هو عبد أسود، قال: والله إني لو علمت أنه عبد لما خرجت إليه! # ولكنه ذكر أنه من عك ولعله أن يكون عبدا لعك. # قال (5) وتقدمت جماعة من بني طيء من أصحاب علي حتى وقفوا بجانب أصحاب معاوية، ثم سألوا البراز، فخرج إليهم نفر من أصحاب معاوية حتى واقعوهم (6). ثم تقدم إليهم حمزة بن مالك الهمداني من أصحاب معاوية فقال: من أنتم؟ فقال عبد الله بن خليفة الطائي (7): نحن طيء السهل وطيء الجبل! نحن طيء الرماح وطيء الصفاح! وطيء النطاح وفرسان الصباح! فقال له حمزة بن مالك: بخ بخ يا أخا طيء في حسن ثنائك على قومك! ثم حمل القوم بعضهم على بعض فاقتتلوا ساعة، وجعل عبد الله بن خليفة الطائي يقول: # يا طيء الأجبال والسهل معا * إنا إذا داع دعا فأسمعا (8) # PageV03P036 # طرنا إلى السيف حفاظا مسرعا (8) * فنقتل المستسلم المقنعا قال: وثبت القوم بعضهم لبعض وعبد الله بن خليفة الطائي يقاتل أهل الشام فيمن معه من قبائل طيء أشد القتال حتى فقئت عينه (2)، فأنشأ يقول: # ألا ليت عيني هذه مثل هذه * ولم (3) أمش بين الناس إلا بقائد ويا ليت رجلي ثم طنت بنصفها (4) * ويا ليت كفي ثم طاحت بساعدي ويا ليتني لم أبق بعد (5) عشيرتي * وقومي وبعد المستنير بن خالد فوارس لم تغذ الحواضن مثلهم * إذا هي (6) أبدت عن خدام الخرائد قال: واشتد الحرب بين الفريقين وجعل أهل الشام يزدادون ويعينون أصحابهم، وكذلك أهل العراق. قال: ونظر رجل من أصحاب علي يقال له عمرو (7) بن عبيدة بن خالد المحاربي إلى قومه من بني محارب يريدون أن ينهزموا فقال: يا معشر قيس! أطاعة الشيطان آثر عندكم من طاعة الرحمن؟ أما علمتم أن الفرار فيه معصية الله والصبر فيه طاعة الله؟ أفتختارون سخط الله على رضوانه ومعصيته على غفرانه؟ الله الله عباد الله! فإن الراحة بعد الموت لمن مات محتسبا وفي طاعة الله مترغبا، ثم جعل يقول (8): # أنا الذي لا أنثني ms0519 ولا أفر * ولا أولي أبدا من الدبر ولا أرى من المعازيل الدبر * لكن مع القوم المصاليت الصبر ثم حمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل رحمه الله وقتل معه جماعة من أصحاب علي، وقطعت، رجل علقمة بن قيس، ثم انهزم أهل الشام عن أهل العراق، وذلك # PageV03P037 # في وقت المساء، فأنشأ ثعلبة بن عقبة من أهل الشام يقول (1): # لقينا رجالا للعراق أعزة * كأسد الشري عند حز الغلاصم فلم أر فرسانا أشد بديهة * وأمنع منهم في اختلاط الملاحم (2) غداة غدت أهل العراق كأنهم * ليوث (3) تلاقي في فجاج المخارم إذا قلت قد ولوا أنابت كتيبة * ململمة في البيض ألوى العمائم (4) وقالوا لنا: هذا علي فبايعوا * فقلنا ألا لا بالسيوف الصوارم وثرنا إليهم بالسيوف وبالقنا * تدافعهم فرساننا بالتزاحم قال: وجعل أهل العراق ينادون: يا أهل الشام! عندنا الطيب ابن الطيب محمد بن أبي بكر الصديق، فقال أهل الشام: ذلك الخبيث ابن الطيب، ثم نادى أهل الشام: ألا إن فينا الطيب ابن الطيب عبيد الله (5) بن عمر بن الخطاب، فقالت أهل العراق: ذلك الخبيث ابن الطيب. # قال: فبات القوم وأصبحوا على راياتهم وبغيتهم، وتقدم جماعة من أصحاب علي (6) على رؤوسهم البيض وهم في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، وخرج إليهم نحوهم العدد من أهل الشام، فاقتتلوا بين الصفين وهم يزيدون على ألف رجل، فلم يرجع من هؤلاء وهؤلاء أحد لا شامي ولا عراقي، وقتلوا عن آخرهم، فأنشأ شبث (7) بن ربعي يقول: # وقفنا لهم في يوم صفين في الوغى (8) * لدى غدوة حتى هوت لغروب وأصبحت الابطال منا ومنهم * وقامت نساء حولنا بنحيب # PageV03P038 # يرون رجالا كالأسود عوابسا * لهن زئير في الوغاء عجيب نجالدهم بالبيض طورا وبالقنا * وكل حسام كالشهاب قضيب (1) وكل همام في الحروب هميسع * على كل محنوك السراة شبوب (2) نجالد جولانا ونسقى بحدها * جذاما ووتر الغدر غير طلوب (3) فلم أر فرسانا أشد بديهة (4) * إذا غشي الآفاق نفح جنوب قال: وأرسل عبيد الله بن عمر بن الخطاب إلى الحسين (5) بن علي أن لي إليك حاجة فالقني إذا ms0520 شئت حتى أخبرك. قال: فخرج إلى الحسين حتى واقفه وظن أنه يريد حربه، فقال له ابن عمر: إني لم أدعك إلى الحرب ولكن اسمع مني فإنها نصيحة لك، فقال الحسين: قل ما تشاء، فقال: اعلم أن أباك قد وتر قريشا، وقد بغضه الناس وذكروا أنه هو الذي قتل عثمان، فهل لك أن تخلعه وتخالف عليه حتى نوليك هذا الأمر؟ فقال الحسين: كلا والله لا أكفر بالله وبرسوله وبوصي رسول الله، أخس ويلك من شيطان مارد! فلقد زين لك الشيطان سوء عملك فخدعك حتى أخرجك من دينك باتباع القاسطين ونصرة هذا المارق من الدين، لم يزل هو وأبوه حربيين وعدوين لله ولرسوله وللمؤمنين، فوالله ما أسلما ولكنهما استسلما خوفا وطمعا! فأنت اليوم تقاتل عن غير متذمم، ثم تخرج إلى الحرب متخلقا (6) لترائي بذلك نساء أهل الشام، ارتع قليلا فإني أرجو أن يقتلك الله عز وجل سريعا. قال: # فضحك عبيد الله بن عمر ثم رجع إلى معاوية فقال: إني أردت خديعة الحسين وقلت # PageV03P039 # له كذا وكذا، فلم أطمع في خديعته، فقال معاوية: إن الحسين بن علي لا يخدع وهو ابن أبيه. # قال (1): ثم صاح معاوية بخيل أهل الشام أن احملوا رحمكم الله فقد بلغ الأمر أشده! فحملت أهل الشام على أهل العراق فاقتطعوا من أصحاب علي ألف رجل أو أكثر، وأحاطوا بهم وأحالوا بينهم وبين أصحابهم فلم يروهم، قال: ونظر علي إلى ذلك فنادى بأعلى صوته: ألا رجل يشري نفسه لله ويبيع ديناه بآخرته؟ قال: فأقبل إليه رجل من بني جعف يقال له عبد العزيز بن الحارث (2) على فرسه فقال: يا أمير المؤمنين! مرني بأمرك فداك أبي وأمي! فوالله لا تأمرني بشيء إلا فعلته! قال: # فجعل علي يقول: # شريت بأمر لا يطاق حفيظة * حياء (3) وإخوان الحفاظ قليل جزاك إله الناس خيرا فقد وفت * يداك بفضل من هناك جزيل ثم قال علي: احمل يا أبا الحارث! شد الله ركنك على أهل الشام، حتى تأتي أصحابك فتقرئهم عني السلام وقل لهم يكبروا ويهللوا، فنحن ms0521 قد وافيناكم إن شاء الله. # قال: فحمل الفتى على أهل الشام وزعق وقاتل حتى انفرجوا له، ثم صار إلى أصحابه فأبلغهم الرسالة، قال: فكبر القوم وهللوا، وكبر علي وأصحابه وهللوا وحملوا أولئك، فوقعت الهزيمة على أهل الشام، فقتل منهم في تلك الوقعة نيف عن سبعمائة رجل، ولم يقتل من أصحاب علي ولا رجل واحد. فقال علي لأصحابه، من أعظم الناس غناء في هذا اليوم؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين! فقال علي: ولكن الجعفي أعظم غناء في اليوم، فأنشأ رجل من أصحاب علي يقول (4): لقد رأيت أمورا كلها عجب * وما رأيت كأيام بصفينا لما غدوا وغدونا كلنا حنقا * كما رأيت كمال أكلة الجونا (5) # PageV03P040 # فجالت الخيل خيل (1) في أعنتها * وآخرون على كثب يرامونا ثم ابتذلنا سيوفا في جماجمهم * وما (2) فعلنا بهم في ذاك يجزونا كأنها في أنوف القوم إذ لمعت * تسلسل البرق تحسين العرانينا (3) ثم انصرفنا وقتلاهم (4) مطرحة * والقوم طرا على القتلى يصلونا (4) قال: وجاء الليل فحجز بين الفريقين، فقال معاوية: يا أهل الشام! أنتم تعلمون ما قد أصبنا به اليوم من إخواننا، وإنما تقاتلون غدا من قبل إخوانكم اليوم، فكونوا على إحدى ثلاث خصال (5): إما أن تكونوا أردتم ما عند الله في قتال قوم بغوا عليكم وأقبلوا من بلادهم، حتى نزلوا في بيضتكم، وإما أن تكونوا قوما تذبون عن نسائكم وأبنائكم، وأما أن تكونوا (6) تغضبون للخليفة فتقاتلون عن دمه، فعليكم بتقوى الله عز وجل والصبر الجميل، فقد نزل من الأمر ما ترون، فإذا أصبحتم فازحفوا إلى القوم على بصيرة، وقدموا الدارع وأخروا الحاسر وسووا صفوفكم دارعين وحاسرين، وأعيرونا جماجمكم ساعة فإنما هو ظالم أو مظلوم. # قال: فقال له ذو الكلاع: يا معاوية! إننا قد سمعنا كلامك فاسمع عني، وجعل يقول: # نحن الصبر (نحن) الكرام * لا ننثني عند الخصام بنو الملوك للعظام * ذوو النهى والأحلام فقال معاوية: ظني بكم هذا. ثم جعل يكمن الكمناء ولا يألو في ذلك جهدا، وبلغ ذلك عليا وأصحابه، فأنشأ قيس بن (سعد بن) (7) عبادة يقول: # قلت لما ms0522 بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل # PageV03P041 # حسبنا ربنا الذي فتح النص‍ * ر وبالأمس والحديث طويل وله شكر ما مضى وعلى ذا * إن هذا من شكره لقليل وعلي إمامنا لا سواه * في كتاب أتى به التنزيل حين قال النبي من كنت مولا * ه علي مولاه هذا دليل أيما قاله النبي على الام‍ * - ة فرض وليس قال وقيل يا بن هند أين الفرار من المو * ت وللموت في الفجاج ذيول ولواء النبي يخفق في ك‍ * - ف علي نصيره جبريل ثم حامت عليه من سلف الخ‍ * - زرج قوم كأنهم إكليل عند ذاك العيان يخلفه الظ‍ * - ن وما غيره هناك سبيل قال: فانكسر معاوية بهذا الشعر، ثم قال: لئن أمكنني الله من حمى الأنصار لأشفين نفسي به. # فلما كان من الغد خرج قيس بن سعد على فرس له أشقر حاسر الرأس ورجلاه يخطان الأرض وهو يقول (1): # أنا ابن سعد وأبي عبادة * والخزرجيون رجال سادة ليس فراري في الوغى بعادة * إن الفرار للفتى قلادة يا ذا الجلال لقني الشهادة (2) * شهادة تتبعها سعادة فالقتل خير من عناق غادة * نفس عني بالحيض والولادة حتى متى تثني لي الوسادة قال: ثم خرج وجال في ميدان الحرب ودعا إلى البراز، فخرج إليه بسر بن (أبي) أرطاة الفهري وهو يقول: # أنا ابن أرطاة جليل (3) القدر * في أسرة من غالب وفهر ليس الفرار من طباع بسر * أن يرجع اليوم بغير وتر (4) # PageV03P042 # قال: فحمل عليه قيس بن سعد فضربه ضربة أثخنه منها، ورجع بسر إلى معاوية ورجع قيس إلى عسكره. # قال: وخرج عمرو بن العاص فجعل يقول: # لا عيش إن لم ألق يوما هاشما * ذاك الذي أجشمني المجاشما ذاك الذي يشتم عرضي ظالما ذاك الذي أقام فينا (1) المأتما ذاك الذي إن ينج مني سالما * يكن شجى حتى الممات لازما قال: فما لبث عمرو أن خرج إليه هاشم المرقال (2) وهو يرتجز ويقول: # لا عيش إن لم ألق يومي عمرا * ذاك الذي نذرت فيه النذرا ذاك الذي أغدرت فيه الغدرا * ذاك الذي ما ms0523 زال ينوي الغدرا أو يحدث الله لامر أمرا * لا تجزعي يا نفس صبرا صبرا ضربا إذا شئت وطعنا شزرا (3) * يا ليت ما تحتي يكون قبرا قال: ثم حمل هاشم على عمرو بن العاص واختلفا بطعنتين، فطعنه هاشم طعنة جرحه منها جراحة منكرة، فرجع عمرو إلى معاوية وجراحته تشخب دما. # قال: وخرج عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وهو يقول: # قل لعلي (4) ذهب الوعيد * أنا ابن سيف الله لا مزيد وخالد يزينه الوليد * قد قتروا (5) الحرب فزيدوا زيدوا فمالنا ولا لكم محيد * من يومنا ويومكم فعودوا قال: فخرج إليه الأشتر وهو يرتجز ويقول: # في كل يوم هامتي موقره (6) بالضرب أبغي منة مؤخره # PageV03P043 # والدرع خير من لباس الحبره * يا رب جنبني سبيل الفجره (1) فلا تجنبني ثواب البررة * واجعل وفاتي بأكف الكفرة قال: ثم حمل عليه الأشتر فضربه ضربة فلق البيضة وأسرع السيف إلى رأسه، فرجع عبد الرحمن إلى معاوية وهو يقول: مالنا ولعثمان بن عفان لا يزال دمه يغلي حتى لا يبقى منا أحد، فقال معاوية: يا بن أخي! ما أسرع ما ضجرت وهل يصيبك إلا ما أصاب الفتيان إذا لعبوا بك، إنما نقاتل عن دينك ونفسك، قال: فلم لا تخرج أنت يا معاوية؟ فقال معاوية: أنا والله أخرج يا بن أخي. # قال: ثم استوى معاوية على فرسه وخرج حتى وقف أمام أصحابه وجعل يعرض بقبائل همذان (2) وهو يقول: # لا عيش إلا فلق قحف الهام * من أرحب وشاكر ويام (3) قوم هم أعداء أهل الشام * كم من كريم بطل همام كم من قتيل وجريح دامي * كذاك حرب السادة الكرام قال: فخرج إليه سعيد بن قيس الهمذاني وهو يقول: # لا هم رب الحل والاحرام * لا تجعل الملك لأهل الشام فالعام عام ليس كالأعوام * واليوم يوم ليس كالأيام والناس مرمى بهم ورامي قال: ثم حمل سعيد بن قيس ليطعنه، وركض معاوية حتى لحق بعسكره، فانفلت ولم يصبه بشيء، فجعل سعيد يرتجز ويقول: # يا لهف نفسي فاتني معاوية * والراقصات لا يعود ثانية (4) # PageV03P044 # إلا على ذات خصيل ms0524 طاوية * أن يعد اليوم فكفي عالية قال: ورجع سعيد بن قيس إلى موقفه، وخرج الأشتر فجعل يجول في الميدان ويقول: # أرجو إلهي وأخاف ذنبي * وليس شيء مثل عفو ربي قل لابن هند (1) بعضكم في قلبي * أعظم من أحد ورب الحجب (2) قال: فخرج إليه عبيد الله (3) بن عمر بن الخطاب وهو يقول: # أنعي ابن عفان وأرجو ربي * ذاك الذي يخرجني من ذنبي إن ابن عفان عظيم الخطب * أعظم من أحد ورب الحجب إلا طعاني دونه وضربي * حسبي الذي أنوي به وحسبي قال: ثم دنا الأشتر وليس يعرفه، فقال له: من أنت أيها الفارس! فإني لا أبارز إلا كفؤا، قال: أنا مالك بن الحارث النخعي، قال: فصمت عبيد الله (3) بن عمر ساعة ثم قال: يا مالك! والله لو علمت أنك الداعي إلى البراز لما خرجت إليك، فإن رأيت أن أرجع عنك فعلت منعما، فقال الأشتر، ألا تخاف العار أن ترجع عني وأنا رجل من اليمن وأنت فتى من قريش؟ فقال: لا والله ما أخاف العار إذا رجعت عن مثلك، فقال له الأشتر: فارجع إذا ولا تخرج إلا إلى من تعرفه (4). # قال: فرجع عبيد الله بن عمر إلى معاوية مذعورا، فقال له معاوية: ما شأنك يا بن عمر؟ فقال: لا تسأل عن شيء فإني انفلت من مخاليب الأسد الأسود الأشتر النخعي، فقال معاوية: وهل هو إلا رجل مثلك! قال: فأخرج أنت إليه، فقال: # أما إنه لو كان واقفا في موضعه لخرجت إليه ولكنه قد انصرف إلى عسكره، وأنت تعلم أني قد برزت إلى سعيد بن قيس وهو نظير الأشتر في الشجاعة والشدة، فقال # PageV03P045 # ابن عمر: صدقت يا معاوية! قد برزت إلى سعيد بن قيس، ولكنك لم تثبت له، ولو ثبت لما نجوت، فقال معاوية: والله لو برزت إلى صاحبه علي بن أبي طالب لما كعت عنه. # قال: فبينما هما كذلك وإذا بعلي بن أبي طالب قد برز حتى وقف بين الصفين على فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نادى: يا بن ms0525 أبي هند! إني قد أقبلت إليك، أسألك أن تحقن هذه الدماء وتبرز إلي وأبرز إليك فيكون الأمر لمن غلب، قال: فسكت معاوية ولم ينطق بشيء، فقال له ابن عمر: هذا ما كنا فيه، فابرز الآن إلى علي كما زعمت، قال: فما نطق معاوية وجال علي حوله، ثم حمل على ميمنة معاوية فأزال الرجال، ثم حمل على ميسرته فطحنها وكسر بعضهم على بعض، وقتل منهم جماعة، ثم رجع إلى موضعه، ونظر عبيد الله بن عمر إلى معاوية فإذا هو قد أزبد وتغير وأنشأ يقول (1): # برزت إلى ابن ذي يزن سعيد * وتترك في العجاجة من دعاكا فهل (لك) (2) في أبي حسن علي * لعل الله يمكن من قفاكا دعاك إلى البراز فكعت عنه (3) * ولو بارزته تربت يداكا وكنت أصم إذ ناداك عنها * وكان سكوته عنها مناكا فإن الكبش قد طحنت رحاه * بخطوتها (5) ولم تطحن رحاكا فما أنصفت صحبك يا بن هند * أترهبه (5) وتغضب من كفاكا فلا والله ما أضمرت خيرا * ولا ظهرت لي إلا جفاكا قال: فغضب معاوية من كلام عبيد الله بن عمر ثم قال لعمرو: أبا عبد الله! # ألا تسمع كلام ابن عمر؟ فقال عمرو: والله لقد صدق ابن عمر ولا يجمل بك ألا تبارز عليا إذا دعاك إلى المبارزة، فقال معاوية: أظنك قد طمعت فيها يا عمرو! # فقال عمرو: ما طمعت فيها ولو طمعت فيها لكنت أهلا لها، ولكني أعلم أنه لا يجمل بك أن يكون ابن عمك يدعوك إلى البراز فلم تبرز إليه، قال: فتبسم معاوية # PageV03P046 # من قول عمرو أنشأ يقول: # يا عمرو إنك قد قشرت لي العصا * برضاك في وسط العجاج برازي يا عمرو إنك قد أشرت بظنة * إن المبارز كالجدي النازي ما للملوك وللبراز وإنما * حسب المبارز حفظه من بازي (1) فقلت أعدت فقلت مزحة مازح * حتى جزاك بما نويت الجازي (2) ولقد كشفت قناعها مذمومة * ولقد لبست لها ثياب الحازي قال: ثم تنكر علي وخرج حتى وقف في ميدان الحرب ودعا للبراز، فخرج إليه عمرو بن العاص وهو ms0526 لم يعرفه، قال وعرفه علي فاطرد بين يديه لكي يخرجه من صفوف أهل الشام، قال: وتبعه عمرو وهو يقول: # يا قادة الكوفة من أهل الفتن * يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن كفى بهذا حزنا من الحزن * أضربكم ولا أرى أبا الحسن (3) قال: فرجع علي وهو يقول (4): # أنا الغلام القرشي المؤتمن * الماجد الأبلج ليث كالشطن ترضى بي السادة من أهل اليمن * من ساكن نجد ومن أهل عدن أبو حسين فاعلمن أبو الحسن قال: فلما سمع عمرو كلام علي وشعره ولى ركضا، وتبعه علي فطعنه طعنة وقعت الطعنة في فصول الذراع فأكفأه عن فرسه، فسقط عمرو على قفاه من ضربة علي ورفع رجليه فبدت سوءته، وصرف علي وجهه عنه وانصرف إلى عسكره. # وأقبل عمرو إلى معاوية ومعاوية يضحك، فقال له عمرو: ما يضحكك يا معاوية؟ قال: ضحكت والله من حملة أبي الحسن عليك وكشفك لسوءتك، فوالله # PageV03P047 # لقد وجدته هاشميا منافيا بالنزال لا ينظر إلى عورات الرجال، فقال عمرو: والله يا معاوية لو بدا له من صفحتك ما بدا له (من) صفحتي إذا لأوجع قذالك وأيتم عيالك ونهب مالك، فقال معاوية: لو كنت تحتمل المزاح مازحتك! فقال عمرو: ما أحملني للمزاح، ولكن إن كان رجل لقي رجلا فصد عنه ولا يقتله أقطرت دما، فقال معاوية: لا ولكن تعقب فضيحة وجبنا، أما والله لو عرفت ما قدمت عليه، فقال عمرو: وهو ابن عمي فقد عفا وأحسن، فقال معاوية: أبا عبد الله! هل تعلم أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي: أنا وأنت من طينة واحدة إلى آدم! فقال عمرو: قد كان ذلك، قال معاوية: فكيف يكون ذلك ابن عمك وأبوه سيد من بني هاشم وأبوك من قد علمت؟ فقال عمرو: ليس هذا مزاح، هذا أشد من ضرب السيف، أما والله يا معاوية! لولا أني بعتك ديني إذا لما استقبلتني بمثل هذا وأشباهه، قال: فأنشأ معاوية يقول (1): # ألا لله من هفوات عمرو * يعاتبني على ترك البراز فقد لاقى أبا حسن عليا * فآب الوائلي مآب خازي ms0527 ولو لم تبد عورته لأودى * به شيخ يذلل كل نازي (2) فإن تكن المنية أخرته * فقد غنى بها أهل الحجاز قال: فأجابه عمرو وهو يقول (3): # معاوي قد ثقلت عن البراز * لك الخيرات فانظر من تبازي (4) معاوي ما اجترمت إليك ذنبا * وما أنا بالذي حدثت خازي وما ذنبي بأن نادى علي * فكبش القوم يدعى للبراز # PageV03P048 # فلو لاقيته لاقيت كبشا * حديد القرن حية ذا ابتزاز (1) وتزعم أنني أضمرت غشا * جزاني بالذي أضمرت جازي أضبع في العجاجة يا بن هند * وعند الحرب كالتيس الحجازي قال: وجاء الليل فحجز بين الفريقين، فلما كان من الغد وثب علي رضي الله عنه فخطب الناس وقال (2): أيها الناس! إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، وجعل ثوابه لكم المغفرة ومساكن طيبة في جنات عدن، ورضوان من الله أكبر، وقد أخبركم بالذي يجب عليكم في ذلك، فقال: * (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) * (3) ألا! # فرصوا (4) صفوفكم كالبنيان المرصوص وقدموا الدارع (5) وأخروا الحاسر، وعضوا على النواجذ (6)، فإنه أنبى (7) للسيوف عن الهام وأربط للجأش، والتووا في أطراف الرماح فإنه أطول للأسنة، وراياتكم (8) فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم المانعين للذمار الصابرين عند (نزول) (9) الحقائق، فهم أهل الحفاظ (من) الفرار من الزحف، ولا تعرضوا لمقت الله فإن مردكم إليه، قال الله عز وجل: * (لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا) * (10) وأيم الله لئن فررتم من سيوف العاجلة فلن تسلموا من سيوف الآجلة (11)، واستعينوا بالصدق والصبر، فإن بعد الصبر ينزل النصر. # قال: ثم تكلم الأشتر فقال: أيها الناس! إننا بحمد الله ونعمته ومنه وفضله # PageV03P049 # نرجو من قتال هؤلاء القوم حسن الثواب والأمن من العقاب، ومعنا ابن عم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وهو سيف من سيوف الله، وأول ذكر صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبقه إلى الصلاة ذكر، ولم يكن له صبوة ms0528 ولا نبوة ولا سقطة، فقيه في دين الله، عالم بحدود الله، ذو رأي وصبر وحلم عظيم وعفاف قديم، فاتقوا الله وعليكم بالصبر والصدق! فإنكم بحمد الله على الحق. # ثم تكلم الأشعث بن قيس فقال: أيها الناس! إن الله تبارك وتعالى قد خصنا منه بنعمة لا نستطيع شكرها ولا يقدر أحد قدرها، إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم معنا، وفي حيزنا من البدريين والعقبيين، ووالله لو كان قائدنا حبشيا (1) أجدع لكان ينبغي لنا أن نسمع ونطيع، فكيف إذ كان معنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأنصاره وآله وابن عمه ووارث علمه والقائم بحقه، بدري قد صدق وصلى صغيرا وجاهد مع الرسول كثيرا، ومعاوية طليق ابن طليق أصاب قوما غواة فأوردهم النار وأورثهم العار، والله محل به وبهم الصغار والدمار، فعليكم عباد الله بالحزم والصبر! فإن الله مع الصابرين (2). # قال: وجعل كل رجل مذكور من أصحاب علي يتكلم بما يحضره من الكلام، فقال معاوية لذي الكلاع الحميري: ألا تسمع إلى هذا التحريض الذي يحرض علينا في هذا اليوم؟ أما عندك جواب؟ فقال ذو الكلاع: عندي جواب ولكني لا أقدر على ما يقدرون عليه. قال: ثم وثب ذو الكلاع فاستوى على فرسه واستقبل أهل الشام بوجهه فقال: يا أهل الشام! إنكم قد سمعتم من كلام أهل الحجاز وأهل العراق ما قد سمعتم، وإننا لنعلم أن فيهم قوما قد كانت لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سوابق كثيرة ومناقب عظيمة لا ينكر لهم ذلك، غير أني ضربت هذا الأمر ظهرا وبطنا فلم أر يسعني أن يهدر دم عثمان، وهو ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته، ومجهز جيش العسرة، والزائد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان له ذنب فقد أذنب من هو خير منه وأفضل، قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: * (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) * (3) وقد قتل موسى بن عمران نفسا ثم استغفر فغفر له، ms0529 ولا يعرى أحد من الذنوب، وإننا لنعلم أن علي بن أبي طالب خير فاضل، قد كانت له سابقة حسنة مع # PageV03P050 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن مال على قتل عثمان فقد خذله وهو أخوه في دينه وابن عمه وشريكه في الشورى، وبعدها فإنه قد أقبلت هؤلاء القوم من عراقهم حتى نزلوا في شامكم وبلادكم وهم من بين قاتل وخاذل، فقاتلوهم واستعينوا بالله عليهم. # قال: فلما فرغ ذو الكلاع من الكلام أخذته السهام ودنا (1) القوم بعضهم بعضا. ### | ذكر ما جرى بعد ذلك من الكلام # قال: وتقدم أبو جهمة الأسدي من أصحاب علي رضي الله عنه وجعل يقول: # أنا أبو جهمة في جلد الأسد * علي منه لبد فوق لبد (2) اقتل أهل الشام أشباه النقد * ولا أهاب جمعهم ولا العدد ثم حمل على أهل الشام فقاتل قتالا حسنا ورجع إلى موقفه. # قال: وكان أبو جهمة هذا كثيرا ما يهجو كعب بن جعيل الثعلبي شاعر معاوية، فقال فيه هذين البيتين (3): # سميت كعبا بشر العظام * وكان أبوك سمي الجعل وكان مكانك من وائل * مكان القراد من است الجمل قال: فظن كعب بن جعيل أن النجاشي هجاه بهذين البيتين، فبرز يومئذ على فرس له حتى وقف بين الجمعين وجعل يعرض للنجاشي ويقول (4): # ابرز إلى الآن يا نجاشي (5) * فإنني آليت للهراش فارس هيجاء وذو انكماش (6) * قد علمت ثعلب ما أحاشي إني إذا هممت بالجحاش * وعضت الحرب بكل غاش فإنني كعب أبو خراش (7) # PageV03P051 # قال: فخرج إليه النجاشي وهو يقول: # اربع قليلا فأنا النجاشي * من سرو كعب لست (1) من رقاش أخو حروب في رباط الجأش * لست أبيع الدين بالمعاش (2) أنصر خير راكب وماشي * ذاك علي بين الرياش بيت قريش ليس من حواشي * ولا الذي قد كف في قماش يغشى كماة القوم بالنجاش * فهاك خذها من أخي هراش ثم حمل عليه النجاشي فطعنه طعنة ما زال منها وقيذا، ورجع النجاشي إلى موضعه وهو يقول (3): # إني إخال عليا غير منتهي * حتى يؤدي كتاب الله والذمم غضبان لله لا ms0530 يألو جهادكم * في كفه صارم كالبرق مبتسم له غطيط إذا نار الوغى سعرت (4) * كما يغط الفتيق المغضب القطم حتى يزيل ابن حرب عن إمارته * كما يركب تيس الجالب الغنم (5) أو أن تراه عفير الخد مطرحا * تجول من فوقه العقبان والرخم (6) قال: وحمل (7) غلامان من الأنصار على فرسيهما حتى انتهيا إلى سرادق معاوية، فقاتلا هنالك حتى قتلا. # قال: ثم صاح عبد الله بن جعفر ذي الجناحين بالناس، فاجتمع إليه زهاء ألف رجل، فحمل وحملت الناس معه حتى خالطوا أهل الشام، وأقبلت الكتائب بعضها # PageV03P052 # على بعض، فاقتتل الناس قتالا شديدا، فقتل يومئذ من أهل الشام خلق كثير، فقال عمرو بن العاص (1): في ذلك: # أجئتم إلينا تسفكون دماءنا * وما رمتم وعر من الأمر أعسر لعمري لما فيه يكون حجامنا * إلى الله أدهى لو عقلتم وأكثر نغادرهم ضربا بكل مهند * إذا شاء يوما أن يقدم قنبر (2) إذا ما التقوا حربا (2) تدارك بينهم * طعان وموت للمبارز أحمر (4) قال: وتقدم رجل من أهل الشام يقال له يزيد بن زياد حتى وقف في ميدان الحرب وهو يقول (5): # لقد ضلت معاشر من نزار * إذا انقادوا لمثل أبي تراب فإنهم وبيعتهم عليا * كواشمة وقد شمط الغراب (6) تعاتب من سفاهتها بنيها (7) * وتحسر باليدين عن النقاب فإياكم وداهية تراها * تسير إليكم تحت العقاب إذا انتسبوا سمعت بحاميهم (8) * دويا مثل تصفيق السحاب يجيبون الصريخ إذا دعاهم * إلى طعن الفوارس بالحراب عليهم كل سابغة دلاص * وأبيض صارم مثل الشهاب قال: فحمل عليه الأشتر فضربه ضربة جدله قتيلا، ثم جال الأشتر حوله وهو يقول: # وسار ابن حرب يبتغي من سفاهة * قتال علي بالخيول وبالرجل (9). # PageV03P053 # وسرنا إليهم جهرة في بلادهم * وملنا عليهم بالسيوف وبالنبل وكل... (1) كعوبة * بأيدي رجال غير ميل ولا عزل فأهلكم ربي وفرق جمعهم * وكانوا ذوي عز (2) فذاقوا ردى الخبل قال: وجعل رجل من أهل الشام يقال له المشجع بن بشر الجذامي (3) ينادي بأعلى صوته: ويلكم يا جذام! أعينوني حتى نحمل على أهل العراق حملة فلعلنا ندرك فيه بعض ما نؤمل. # قال: فلم ms0531 يجبه أحد من قومه، فجعل يقول: # يا لهف نفسي على جذام وقد * هزت صدور الرماح والخرق لا يقربون القتال إن شهد ال‍ * - قوم ولا يدفعون بالدرق كانوا لدى الحرب في مواطنهم * أسدا إذا انساب سائل الغلق فاليوم لا يدفعون أن دهموا * ولا يحامون عن أخي قلق (4) فاليوم لا ينصفون إخوتهم * عند وقوع الحروب بالحلق قال: ثم حمل هذا الجذامي على أصحاب علي، فلم يزل يقاتل أشد قتال وهو مع ذلك يراعي المواضع التي فيها علي ليحمل عليه، فنظر إليه عدي بن حاتم فلم يرتد، فحمل عليه عدي محققا فطعنه في لبته طعنة جدله بها، ثم جال عدي وجعل يرتجز وهو يقول: # قد علمت غسان مع جذام * أني كريم ثابت المقام في النسب في آبائنا الكرام * أحمي إذا ما زيل بالأقدام قال: فصاح خالد بن المعمر (5) السدوسي وكان من فرسان أصحاب علي فنادى بأعلى صوته: من يبايع على الموت؟ من يشري نفسه في هذا اليوم لله؟ فبايعه يومئذ # PageV03P054 # زيادة على تسعة آلاف فارس على أنه لا يلتفت رجل منهم إلى ورائه، ثم تقدموا وقد كسروا جفون سيوفهم، فقاتلوا قتالا لم ير (1) الناس مثله وبلغوا إلى سرادق معاوية، فلما نظر معاوية وقد دنوا من سرادقه خلى عنهم وعن سرادقه وخرج منه إلى بعض عسكره، فدخل (2) القوم إلى خيمة معاوية فأخذوا ما وجدوه من مال وسلاح. # قال: وأرسل معاوية إلى خالد بن المعمر (3) أن يا خالد عندي إمرة خراسان متى ظفرت، فأقصر، ويحك عن فعالك هذا! قال: فطمع خالد في خراسان فأقصر عن حرب معاوية (4) ولم يقصر أصحابه ولكنهم قاتلوا قتالا شديدا، فأنشأ النجاشي يقول: # ولو شهدت هند لعمري مقامنا * بصفين لأفدتنا بكعب وعامر فيا ليت أن الأرض تنشر عنهم * فيخبرهم أنباءنا بعد خابر بصفين إذ قمنا كأنا سحابة * سحاب ولي في الوغى متبادر (5) فأقسم لو لاقيت عمرو بن وائل * بصفين ألقاني (6) امرءا غير غادر فولوا سراعا هاربين كأنهم * نعام تلاقى خلفهن زواجر وفر ابن حرب عفر الله وجهه * وذاك قليل من عقوبة ms0532 قادر (7) معاوي لولا أن فقدناك فيهم * لغودرت مطروحا بها مع معاشر ### | حديث خالد بن المعمر السدوسي وصاحبه الأعور الشني مع معاوية # قال: فلما كان بعد قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه دخل خالد بن المعمر السدوسي هذا على معاوية ومعه الأعور الشني، فلما نظر إليهما معاوية أقصاهما وجفاهما وجعل يذكر لهما ما كان من قتالهم بصفين، فأمسكا عنه حتى فرغ من # PageV03P055 # كلامه، ثم رفع خالد بن المعمر صوته وأنشأ يقول: # معاوي لا تجهل علينا فإننا * نذلك في الحرب العصيب معاويا متى تدع فينا دعوة ربعية * تجبك رجال يخضبون العواليا أجابوا عليا إذ دعاهم لنصره * بصفين إذ جروا عليك الدواهيا فإن تصطنعنا يا بن حرب لمثلها * نكن خير من تدعو إذا كنت داعيا ألم ترني أهديت بكر بن وائل * إليك وكانوا بالعراق أفاعيا إذا نهشت قال السليم لأهله * ألا فابتغي لي لا أبا لك راقيا فأصبحت قد أهدوا ثمار قلوبهم * إليك وأسرار القلوب كما هيا وكنت امرءا أهوى العراق وأهلها * وكنت حجازيا ولم أك شاميا فلا تجفنا واجمع إليك قلوبنا * فإنك ذو حلم ولم تك جافيا ودع عنك شيخا قد مضى لسبيله * على أي حاليه مصيبا وخاطيا فإنك لا تستطيع رد الذي مضى * ولا دافعا شيئا إذا كان جائيا فقال معاوية: يا بن المعمر! فإني قد صفحت عن الذي كان يا غلام! احمل إلى رحله ثلاثين ألف درهم يفرقها في بني عمه، وعشرين ألف درهم له خاصة، واحمل إلى ابن عمه مثل ذلك، قال: فأنشأ الشني وهو يقول: # معاوي إني شاكر لك نعمة * رددت بها ديني على معاوية وكم من مقام غابط لك قمته * وداهية أوردتها بعد داهيه فموتها حتى كأني لم أقم * عليك وارتادي بصفين باقيه فأبلعتني ريقي وقد كان قاتلي * بكفيك لو لم يكفف السهم باريه ولم ترض لي بالعفو حتى منحتني * جداك فأمي إن كفرتك هاويه فقال معاوية: # لقد رضي الشني من بعد عتبه * فأيسر ما يرضى به صاحب العتب يا غلام زده عشرة آلاف درهم ms0533 وزد صاحبه مثلها. ### | ثم رجعنا إلى الخبر # قال: فلما كان من الغد وثب معاوية فعبى أصحابه وجعل يوصيهم أن يفرغوا مجهودهم في أهل العراق، فأنشأ رجل من أصحابه يقول: PageV03P056 # يا بن هند وقاك حتفك واق * قد مللنا قتال أهل العراق كل يوم نلقى فوارس في النق‍ * - ع على شرب عاتق ورقاق يتقى الطعن بالنحور ويند * س غداة الوغى من الإشفاق كم بنان وكم ترى لهم اليو * م وهام كالحنطل المقلاق وصريع يدعو الفوارس لم يب‍ * - ق له غير عضة ونهاق كلما قلت قد دنوت من الفت‍ * - ح تداعت رؤوس أهل النفاق طال هذا البلاء واحتبس النص‍ * - ر وصارت نفوسنا في التراق ما لنا اليوم من قتال علي * غير طعن الكلى وضرب الرقاق شد هذا الخناق واضطرب الأم‍ * - ر وقد كنت قبل رخو الخناق قال فقال معاوية: يا بن أخي قد فهمت ما قلت والذي بقي أكثر، أتظن أن عليا ينصرف عنا أو يبلغ حاجته منا أو يوردنا حياض الموت، اصبر يا بن أخ! فإنك في أجر عظيم وإن الله لا يضيع أجر المحسنين. # قال: وعبى علي أصحابه وقال: أيها الناس! غضوا الابصار، واخفوا الأصوات، وأقلوا من الكلام، ووطنوا على المنافاة والمجاولة والموافقة والمسابقة والمكايدة، واثبتوا واتقوا الله لعلكم تفلحون. # ثم دعا هاشم بن عتبة المرقال فقال له: خذ لواءك إلى أهل حمص، فإنهم بطانة معاوية وظهارته، قال: فتقدم هاشم في خيل عظيمة إلى أهل حمص فقاتل قتالا شديدا حتى غلب على أهل حمص، وجعل يرتجز ويقول (1): # قد قتل الله رجال حمص * على مقال (2) كذب أو خرص حرصا على الملك (3) وأي حرص * أن نكص القوم وأي نكص قال وجعل رجل من أهل حمص (4) يرتجز ويقول: # PageV03P057 # قد قتل الله رجال العالية * في يومنا أو في غد أو تالية (1) من عهد عاد وثمود الغاوية * بالحجر أو يملكهم معاوية قال: وتقدم بنو عك بأجمعهم حتى نزلوا بين يدي معاوية وقالوا: أبشر يا معاوية! فإننا لن نرجع أو نسرك إن شاء الله تعالى. # قال: وصاح ms0534 سعيد بن قيس الهمذاني ببني عمه فقال: يا معشر همذان! إن عكا قد بايعوا أنفسهم وأديانهم من معاوية بالدنيا، فبيعوا أنتم أنفسكم من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالآخرة، قال: فتقدمت همذان إلى عك، وصاح رجل من عك: برك الجمل برك الجمل! قال: فبركت عك بأجمعها وبركت همذان حذاءها وشجروا (2) الخيل بالرماح، وجعل رجل من همذان يرتجز ويقول: # قد بركت همذان معها حاشد (3) * نفسي فداكم طاعنوا وجالدوا قال: ثم تطاعنوا بالرماح حتى تقصفت، وصاروا إلى السيوف وكثرت فيهم القتلى ونادت عك: يا معشر همذان! إننا والله لا نرجع أو ترجعون! # وصاحت همذان: فإننا والله لا نبرح وأنتم وقوف! قال: فانصرفت عك القهقري إلى ورائها وفي وجوهها آل همذان، وانصرفت همذان أيضا إلى ورائها فقال عمرو بن العاص: ويحك يا معاوية (4)! لو كان معك حي آخر مثل عك ومع علي حي آخر مثل همذان لكان الفناء، ثم أنشأ عمرو يقول: # إن عكا وحاشدا وبكيلا * كأسود الضراب لاقت أسودا شجروا الخيل بالقنا وتلاقوا (5) * بظبات السيوف موتا عتيدا ليس يدرون ما الفرار وإن كا * ن فرار لكان ذاك شديدا في ازورار المناكب التقت الشو * س وقرع الحديد يعلو الحديد (6) # PageV03P058 # أيمن الله ما رأيت من القو * م ازورارا وما رأيت صدودا غير ضرب المسومين على الها * م وضرب المسومين الخدودا (1) ولقد قال قائل خدموا السي‍ * - ف (2) فخرت هناك عك قعودا كبروك الجمال أثقلها الحم‍ * - ل لطي (3) الفلاة بيدا فبيدا ولقد فضل المطيع على العا * صي ولم يبلغوا به المجهودا ### | حديث سودة بنت عمارة الهمذانية مع معاوية # قال: فلما كان بعد ذلك وقتل علي رضي الله عنه استأذنت سودة بنت عمارة بن لاسك (4) الهمذانية على معاوية، فأذن لها، فلما دخلت سلمت وجلست، فقال لها: إيه يا بنت لاسك (4)! ألست القائلة (5) يوم صفين عند ملتقى عك وهمدان هذه الأبيات: # شمر لقتل أخيك (6) يا بن عمارة * يوم الطعان وملتقى الأقران وانصر عليا والحسين وصنوه (7) * واقصد بهند وابنها بهوان إن الإمام أخو النبي محمد ms0535 * علم الهداة وعصمة (8) الإيمان فخف الحتوف (9) وسر أمام لوائه * قدما بأبيض صارم وسنان قال: فقالت سودة: بلى يا معاوية! أنا قائلة هذه الأبيات، وما مثلي من اعتمد غير الحق ولا اعتذر بالكذب، فقال معاوية: وما حملك على ذلك؟ فقالت: # PageV03P059 # حب علي بن أبي طالب واتباع الحق، فقال: والله ما أرى عليك من علي أثرا، فقالت سودة: بلى والله يا معاوية! فقال لها: وما هو؟ فقالت: إن ثوابي عند الله أعظم، فأنشدك الله أن لا تعيد ما مضى ولا تذكر ما قد نسي، فقال معاوية: هيهات يا سودة! ما مثل مقام أخيك في يوم صفين ينسى، وما لقيت من أحد من العرب مثل ما لقيت من قومك، فقال سودة: صدقت (1)، وقد كان أخي كما قالت الخنساء في أخيها صخر حيث تقول: # وإن صخرا لتأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نار وبالله أسألك أنك لا تذكر شيئا مما قد مضى، فقال معاوية: قد فعلت يا سودة! فما حاجتك؟ فقالت: إنه قد مضى علي لسبيله وقد أصبحت للناس سيدا ولأمورهم مقلدا، والله سائلك عن أمرنا وعما افترض عليك من حقنا، ولا يزال (2) يقدم علينا من قبلك من يسمو مكانك ويبطش (3) بسلطانك، فيحصدنا حصد السنبل، ويدرسنا (4) درس الحرمل، يسومنا الخسف ويذيقنا الحتف، وهذا بسر بن (أبي) أرطاة قدم علينا فقتل رجالنا وأخذ أموالنا، ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة، فأما إن عزلته عنا فشكرناك، وأما لا فكفرناك (5)، فقال معاوية: إياي تهددين يا سودة! لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردك إليه فينفذ فيك حكمه، قال: # فأطرقت سودة إلى الأرض ساعة ثم رفعت رأسها وأنشأت تقول: # صلى الإله على روح تضمنها * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحق لا يبغي بدلا (6) * فصار بالحق والإيمان مقرونا فقال معاوية: ومن هذا يا سودة؟ فقالت: والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب! والله لقد جئته في رجل قد كان ولاه صداقتنا فجار علينا، فجئت إليه فأصبته قائما يصلي، فلما رآني انفتل من صلاته ثم أقبل ms0536 علي برأفة وتعطف فقال: ألك # PageV03P060 # حاجة؟ فقلت: نعم - وأخبرته الخبر، فبكى ثم قال: اللهم! أنت الشاهد علي وعليهم، إني لا آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك، ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كأنها طرف الجراب فكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، قد جاءكم بينة من ربكم، فاوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ، فإذا قرأت كتابي هذا فاحفظ بما فيه وبما في يديك من عملنا حتى يقدم (1) عليك من يقبضه منك - والسلام -. ثم دفع الرقعة إلي، فوالله ما ختمها بطين ولا حزمها بسحاءة، فجئت بالرقعة إلى صاحبه، فانصرف عنا معزولا. فقال معاوية: اكتبوا لها برد مالها والعدل في بلدها، فقالت سودة: أهذا لي خاصة أم لقومي عامة؟ فقال معاوية: وما أنت وقومك؟ فقالت سودة: والله! إن هذا هو الفحشاء واللؤم، إن كان هذا منك عدلا شاملا لجميع قومي من همذان حمدت الله على ذلك إذ أجراه على يدي، وإن تكن الأخرى فأنا كسائر قومي، فقال معاوية: يا أهل العراق! لمطيكم والله علي بن أبي طالب على جرأة الامر (2)، أفتبطىء ما تعطون! اكتبوا لها بحاجتها كما تحب وردوها واصرفوا إلى بلدها غير شاكية. قال: فأخذت سودة كتاب معاوية وجائزته وانصرفت غانمة إلى بلدها. ### | ثم رجعنا إلى الخبر # قال: فلما كان من الغد أقبل أبو هريرة وأبو الدرداء (3) حتى دخلا على معاوية، فقالا له: يا معاوية! علام تقاتل علي بن أبي طالب وهو أحق بهذا الامر منك لسابقته في الدين وفضيلته في الإسلام وهو رجل من المهاجرين الأولين السابقين # PageV03P061 # وأنت رجل طليق وكان أبوك من الأحزاب؟ فقال معاوية: إني لست أزعم أني أحق بهذا الأمر منه، وإني لأعلم أن عليا لكما وصفتما، ولكني أقاتله حتى يدفع إلي قتلة عثمان، فإذا فعل ذلك كنت أنا (1) رجلا من المسلمين أدخل فيما دخل فيه الناس، فقالا: يا هذا! فإننا نكفيك بهذا الأمر. # ثم أقبلا على علي بن أبي طالب ms0537 فسلما عليه وقالا: يا أبا الحسن! إن لك فضلا لا يدفع وشرفا لا ينكر، وقد سرت مسير من لا يشبهك إلى رجل سفيه ومعه قوم سفهاء لا يبالون بما قالوا ولا بما قيل لهم، وقد زعم معاوية أن قتلة عثمان عندك وفي عسكرك، فادفعهم إليه، فإن فعلت ذلك وقاتلك معاوية بعد ذلك علمنا أنه ظالم متعد! فقال علي رضي الله عنه: إني لم أحضر عثمان في اليوم الذي قتل فيه، ولكن هل تعرفان من قتله؟ فقالا: بلغنا أن محمد بن أبي بكر فيمن دخل عليه وعمار بن ياسر والأشتر وعدي بن حاتم وعمرو بن الحمق وفلان وفلان، فقال علي: # فانطلقا إليهم فخذاهم. قال: فأقبل أبو هريرة وأبو الدرداء إلى هؤلاء القوم فأخذاهم وقالا لهم: أنتم ممن قتل عثمان، وقد أمرنا أمير المؤمنين بأخذكم! قال: فوقعت الصيحة في العسكر بهذا الخبر، فوثب من عسكر علي أكثر من عشرة (2) آلاف رجل في أيديهم السيوف وهم يقولون " نحن كلنا قتلنا عثمان " قال: فبقي أبو هريرة وأبو الدرداء متحيرين، وأنشأ رجل من أصحاب علي يقول: # ألا ذهب الخداع فلا خداع * وأبدى السيف عن طبق النخاع أبا الدرداء لا تعجل علينا * وأنت أبا هريرة غير واعي هلما إلى المشورة فانصفانا * فإن النصف حسن الاستماع وقولا قول من جعلت إليه * حكومة نفسه غير الخداع فقمتم قتل عثمان علينا * وهذا الأمر مكشوف القناع أحاط به الرجال فحاصروه * ولو زجروا لكانوا نقع قاع وكان المسلمون له شهودا * وما أهل المدينة بالبداع فلم يهتف بنصرته منادي * ولا عالي بنهي القوم داعي ولو بهم نصاح إذا لكانوا * أذل هناك من ظلف الكراع # PageV03P062 # فهذا الامر والتقوال فيه * برجم الغيب أو بهوى مطاع فإن يك ساءهم ممساة جذل * وإن يك سرهم فسرور واعي فردا غرب شاؤكما وكفا * فليس بالجلائب بالخداع قال: فخرج أبو هريرة وأبو الدرداء من عسكر علي وهما يقولان: هذا الأمر لا يتم أبدا، قال: وإذا بصائح يصيح بهما من ورائهما وهو يقول: # أيها الطالبان ثأر ابن عفا * ن وللقتل ms0538 والقصاص رجال إن تكونا أمرتما بدم القا * تل فالناس كلهم قتال بل هم غامس بكف وأرض * عير شك ومذنب جدال ذلك الحق ما أقول وللح‍ * - ق ضياء وغير ذاك ضلال قال: ثم أقبل أبو هريرة وأبو الدرداء إلى معاوية فأخبراه (1) بما سمعا من عسكر علي، ثم انصرفا (2) إلى حمص، وبها يومئذ عبد الرحمن بن غنم الأشعري (3) صاحب معاذ بن جبل، وهو الذي فقه أهل الشام بعد معاذ بن جبل فأخبراه بالقصة، فقال لهما عبد الرحمن: العجب لكما! تأتيان عليا وتطلبان منه قتلة عثمان وقد علمنا أن المهاجرين والأنصار كانوا بالمدينة حضورا يوم قتل عثمان فما نصروه ولا دافعوا عنه، وأنتما تعلمان أن من رضي بعلي خير ممن كرهه، وأن من بايعه خير ممن لم يبايعه، ثم إنكما صرتما (4) رسولين لرجل من الطلقاء الذين لا يحل لهم الخلافة ولا الشورى، فسوءة لكما ولما جئتما (5) به - والسلام -. قال: ثم أنشأ سعيد بن الحارث الأزدي يقول: # لهف نفسي وللأمور بناء * لابن هند مزين الفحشاء خدع الدوسي المغفل بالل‍ * - ه ودارت على أبي الدرداء مشيا يسحبان جهلا إلى الخد * عة أذيال سوءة سواء # PageV03P063 # مشيا للسراب في البلد الق‍ * - فر غرورا والحية الصماء قال شورى يريدها من علي * من اسميه من ذوي السخاء أي شورى تريد بعد رضى النا * س عليا وبيعة الخلفاء لم يقولوا بقتل قاتل عثما * ن ولا تسفك الدما بالدماء فرأى غير ما رآه ابن هند * ليس والقول في الهوى بسواء أسواء مهاجر وطليق * ليس في الدين بيعة الطلقاء قال ودنا القوم بعضهم من بعض، وتقدم عمرو بن العاص فجعل يطعن في الخيل وهو يقول: # أبعد طلحة والزبير تأتلف * وبعد عثمان فما لي من خلف شدوا عليهم أبدا لا ينكشف (1) * يوم لهمذان ويوم للصدف (2) وفي قريش (3) نخوة لا تنحرف * إذا مشيت مشية العود القطف (1) أضربها بالسيف حتى ينصرف * ووائل في غمرة الموت القذف والمرء يغشاه من الموت الأنف * ما أشبه اليوم بيوم قد سلف قال: ثم جعل عمرو يقاتل وعك تحميه وتقاتل ms0539 بين يديه، قال: فإذا الأشتر قد خرج إليه في قريب من ثلاثمائة فارس من فرسان مذحج، فجعل رجل من عك يقول: # ويل لأم مذحج من عك * لتتركن أمكم تبكي (5) نقتلهم بالطعن طعن الصك (6) * فلا رجال كرجال عك سيعلم الله من المذكى * بكل قطاع حسام الشك قال: واشتبك القتال بين الفريقين، وجعل الأشتر يرتجز ويقول (7): # PageV03P064 # لم يبق إلا الصبر والتوكل * والأخذ للترس وسيف مصقل (1) ثم التمشي في الرعيل الأول * مشي الجمال في حياض المنهل قال: وجعل الأشتر يلاحظ عمرو بن العاص وقد ظهر بين يدي أصحابه ويحب أن يراه في ذلك الحرب الشديد، فبينا هو كذلك إذا بعمرو بن العاص وقد ظهر من بين أصحابه وهو يقول (2): # إني إذا ما الحرب نفرت كبر * وأسفرت أخزر من غير خزر أقحم والخطى في النقع كسر * كالحية الصماء في أصل الحجر قال: فقصده الأشتر وهو يقول: # إني أنا الأشتر معروف الشتر (3) * إني أنا الأفعى العراقي الذكر لست من الحيي ربيعه ومضر * لكنني من مذحج الحي الغرر قال: ثم حمل الأشتر في خيل مذحج على عمرو بن العاص وأصحابه حملة، فألحقهم بسرادق، معاوية، وقد قتل منهم يومئذ على ثمانين رجلا وأفلت الباقون مجروحين لما بهم، وجرح عمرو جراحة منكرة ودهش معاوية لذلك دهشا شديدا. # قال: وارتفع العجاج وجعلت أم سنان المذحجية تحرض قومها على قتال معاوية وتشتم أهل الشام وتذكرهم بكل قبيح، ومعاوية يسمع ذلك كله إلى أن جاء الليل فحجز بين الفريقين، فبات معاوية ليلته وليس عليه شيء أشد من تحريض أم سنان في ذلك اليوم. ### | حديث أم سنان المذحجية مع معاوية # قال: فلما كان بعد ذلك بأعوام وقد صار الأمر إلى معاوية أقبلت أم سنان من المدينة إلى الشام واستأذنت على معاوية بالدخول، فأذن لها، فلما دخلت وجلست # PageV03P065 # قال لها معاوية: يا بنت خيثمة (1)! ما الذي أقدمك من المدينة إلى ما قبلنا وعهدي بك وأنت تشتمينا وتحرضين علينا عدونا؟ فقالت أم سنان: إذا أخبرك يا معاوية؟ إن لبني عبد مناف أخلاقا طاهرة وأحسابا ms0540 وافرة (2)، فهم لا يجهلون بعد حلم ولا يكافون (3) بعد عفو، وإن أولى الناس بسنن آبائه لأنت يا معاوية، فقال معاوية: صدقت نحن كذلك، ولكن ألست القائلة يوم صفين هذه الأبيات: # عذب (4) الرقاد فمقلتي لا ترقد * والليل يصدر بالهموم ويورد يا آل مذحج لا مقام فشمروا * إن العدو لآل أحمد يقصد هذا علي كالهلال تحفه (5) * وسط السماء من الكواكب أسعد (6) خير الخلائق وابن عم محمد * وكفاه فخرا في الأنام محمد (7) ما زال مذ عرف الحروب مظفرا * والنصر فوق لوائه قد يعقد (8) فقالت أم سنان: قد كان ذلك يا معاوية، ولو كان علي حيا لما رأيناك وإننا لنكون لك من علي خلفا. فقال رجل من جلساء معاوية: # يا أخت بني مذحج! أو لست القائلة هذه الأبيات (9). # أما هلكت أبا الحسين فلم تزل * بالحق تعرف هاديا مهديا فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت * فوق الغصون حمامة قمريا قد كنت بعد محمد خلفا لنا * أوصى إليك بنا وكنت وفيا فاليوم لا خلف نؤمل بعده * هيهات نمدح بعده إنسيا # PageV03P066 # فقالت أم سنان: صدقت (1)، يا معاوية! أنا القائلة هذه الأبيات ولكنه لسان نطق وقول صدق، ولئن تحقق لنا فيك ما نؤمل فحظك الأوفر، ووالله يا معاوية! ما أورد بك الشناءة (2) في قلوب المسلمين إلا مثل هذا وأصحابه، فارفض أقاويلهم وادحض أباطيلهم، فإن كنت (3) فعلت ذلك ازددت من الله قربا ومن المؤمنين حبا، فقال معاوية: وإنك لتقولين ذلك يا أم سنان؟ فقالت أم سنان: سبحان الله العظيم! # يا معاوية! ما مثلي من احتج بالباطل ولا اعتذر بالكذب، وإنك لتعلم ذلك من رأينا وضمير قلوبنا، وإن عليا كان أحب إلينا منك إذ كان حيا، وأنت والله أحب إلينا من غيرك إذ كنت باقيا. فقال معاوية: أنا أحب ممن؟ فقالت: من مروان بن الحكم ومن سعيد بن العاص، فقال معاوية: وبما استحققت ذلك عندكم؟ فقالت: بحسن عملك (4) وكرم عفوك، فقال معاوية: لقد قاربت من القول يا أم سنان! ولست أذكر منك ما كان من تحريضك علي يوم الأشتر وعمرو ms0541 بن العاص، ولكن ألك حاجة فتقضى؟ فقالت: نعم، إن مروان بن الحكم قد تبنك (5) بالمدينة وتبنك من لا يريد البراح عنها، وهو مع ذلك لا يريد أن يحكم بعدل ولا يقضي بسنة، ويتبع عثرات المسلمين ويكشف عورات المؤمنين، وذلك أنه حبس قرابة لي، فجئته وكلمته فيه فقال كيت وكيت، فوالله ما قمت من بين يديه حتى ألقمته أخشن من الحجر وألعقته أمر من الصبر، ثم رجعت على نفسي باللائمة وجئتك لتكون لي ناصرا، وفي أمري ناظرا، وعليه معتديا، وبأهل الحق مقتديا، قال: فضحك معاوية من حسن كلامها ثم قال: يا أم سنان! فإننا لا نسألك عن ذنب محبوسك ولا القيام بحجته ولكنا نطلقه لك وإن رغم مروان. # ثم قال معاوية: اكتبوا لها بإطلاق محبوسها حتى ترجع إلى منزلها، فقالت: # وأنى بالرجعة (6) وقد نفدت نفقتي وكلت راحلتي! فقال معاوية: هيئوا لها راحلة وادفعوا إليها ألف درهم، فقالت: أنت أكرم من أن تعطي ألف درهم، قال: # PageV03P067 # فضحك معاوية وأمر لها براحلة بوطائها وزودها وأمر لها بعشرة آلاف درهم (1)، فانصرفت أم سنان غانمة. ### | ثم رجعنا إلى الخبر من صفين # قال: وعزل علي الأشعث بن قيس عن الرئاسة لشيء بلغه عنه ودفع رايته إلى حسان بن مخدوج الذهلي، فغضب لذلك سادات كندة حتى كاد أن يقع بين كندة وربيعة شيء من حرب، فقالت (2) ربيعة لكندة: يا هؤلاء! لا عليكم إن كان صاحبكم الأشعث بن قيس ملكا في الجاهلية وسيدا في الإسلام فإن صاحبنا ليس بدونه وهو أهل لهذه الرئاسة. ثم وثب حسان بن مخدوج إلى الأشعث فقال له: يا أخي! إن كان أمير المؤمنين عزلك عن الرئاسة فهذه راية قومي لك ولي راية قومك، فقال الأشعث: معاذ الله أن أفعل ذلك! ما كان لي فهو لك وما كان لك فهو لي. # قال: وبلغ ذلك معاوية أن عليا قد عزل الأشعث عن الرئاسة، فدعا بشاعره كعب بن جعيل (3) وقال: أحب أن يلقى إلى الأشعث بن قيس شيئا من الشعر يهيجه على علي، فلعله أن يفارقه ms0542 ويصير إلينا، فكتب إليه كعب بن جعيل (3): # من يصبح اليوم مثلوجا بأسرته * فالله يعلم أني غير مثلوج زالت عن الأشعث الكندي رئاسته * واستجمع الامر حسان بن مخدوج يا للرجال لعار ليس يغسله * ماء الفرات وكرب غير مفروج إن ترض كندة حسانا بصاحبها * ترضى الدناة وما قحطان بالهوج هذا لعمرك نقص ليس ينكره * أهل العراق وعار غير ممزوج كان ابن قيس هماما في أرومته * بدرا ينوء بملك غير مبعوج (4) ثم استقل بعار في ذوي يمن * والقوم أعداد (5) يأجوج ومأجوج إن الذين تولوا بالعراق لهم * لا يستطيعون طرا ذبح فروج قال: فلما انتهى هذا الشعر إلى أهل اليمن وثب شريح بن هانىء المذحجي # PageV03P068 # وقال: يا معشر اليمن! إن معاوية يريد أن يفرق بينكم وبين إخوانكم، وربيعة لم يزالوا حلفاءكم في الجاهلية وإخوانكم في الإسلام، فلا تلتفتوا إلى تحريض معاوية وهجائه فإنه عدو الله وعدو رسوله، ثم إنه أنشأ وجعل يقول: # قد كمل الله للحيين نعمته * إذ قام بالأمر حسان بن مخدوج من كان يطمع فينا أن يفرقنا * بعد الإخاء وود غير مخدوج فالنجم أقرب منه في تناوله (1) * فيما أراد فلا يولع بتهييج أمست ربيعة أولى بالذي حدثت * من كل حي بحق غير مخدوج وكندة الخير ما زالت لنا ولهم * حتى يرى فتح يأجوج ومأجوج قال: فلما سمع معاوية شعره أيس من الأشعث بن قيس، ثم أمر أصحابه بالخروج إلى الحرب، فجعل الناس يعدون إلى مواقفهم. # قال: وافتقد معاوية راية قضاعة فلم يرها فقال لغلام واقف على رأسه: اذهب إلى النعمان بن جبلة القضاعي فقل له: ما يجلسك عن الخروج إلى العدو وقد زحفت الرايات؟ والله لقد هممت أن أولي أمر قضاعة من هو أنصح منك حبا وأقل منك عيبا، قال: فانطلق الغلام إلى النعمان بهذه الرسالة، فلم يك (2) بأسرع من أن خرجت كراديس قضاعة يقدم بعضهم بعضا حتى وقفوا في مواقفهم، وأقبل النعمان بن جبلة إلى معاوية، فلما رآه معاوية عرف الغضب في وجهه، فقال: # اللهم! إني أعوذ بك من شر سنان ms0543 هذا المقبل. قال: ثم دنا النعمان بن جبلة من معاوية فنزل عن فرسه وجلس مطرقا ساعة لا يتكلم وقد احتبى بحمائل سيفه، فقال له معاوية: أبا المنذر! ما الذي أجلسك اليوم عن العدو وقد زحفت الرايات وعدت القبائل إلى مواقفها؟ وأنتم تعلمون يا معشر قضاعة! أنكم أعيان عسكري هذا وثقاتي في نفسي، فقال له النعمان: يا معاوية! إننا لو كنا نعدو إلى جيش مصنوع وإناء موضوع لكان في ذلك بعض الأناة، فكيف وإنما نعدو إلى سيوف قاطعة ورماح شارعة وقوم ذوي بصائر نافعة، فلا بد لنا من أن نأخذ لذلك أهبة، وبعد يا معاوية! # PageV03P069 # أنا أسرع من معك إلى الحرب نكوبا، وأنصحهم لذلك جيوبا وأقلهم عند الحقائق تكذيبا، وزعمت أنك تولي أمر قضاعة من هو أنصح مني جيبا وأقل مني عيبا، أما والله يا معاوية! لقد نصحتك عن نفسي، وآثرت ملكك على ديني، وقتلت فيك عشيرتي، وتركت لهواك رشدي وأنا أعرفه، وحدت عن الحق وأنا أبصره، فقال معاوية: أبا المنذر! إني لم أرد بك هذا كله، ولكن أي رشد أرشد وأي حق أحق من طلبك دم الخليفة المظلوم وذبك عن الحريم؟ فقال النعمان: لا والله يا معاوية! # ما وقفت لرشادي إذ أقاتل عن ملكك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أول مؤمن وأول مهاجر معه، ولو أعطيناه من أنفسنا مثل الذي أعطيناك لكان أرأف بالرعية وأجزل للعطية وأنفذ في القضية وأقسم بالسوية وأبعد من الدنية والعصبية، ولكنا بذلنا لك أمرا لا بد لنا من إتمامه غيا كان أم رشدا. قال: فسكت معاوية ولم يقل شيئا ووثب عمرو بن مرة الجهني والحارث بن نمر الجرمي وقالا (1): أقسمنا عليك أبا المنذر إلا سكت، فقد بلغت من الكلام ما أردت، قال: فسكت النعمان ونهض إلى موقفه. # قال: وإذا بكردوسين عظيمين من أصحاب علي قد خرجا (2) وكان وميض بيضها وميض الكواكب، أحد الكردوسين قبائل مذحج وفيهم الأشتر، والآخر همذان وفيهم سعيد بن قيس الهمذاني. قال: فنكى هذان الكردوسان في أهل الشام ms0544 نكاية شديدة حتى كاد (3) أهل الشام يضعضعون، فأرسل معاوية إلى النعمان: لله أنت أبا المنذر! ألا ترى إلى ما صنعت بنا هذان الكردوسان في هذا اليوم؟ أنت لهم لله درك. قال: فأرسل إليه النعمان أن ادع لهذين الكردوسين من هو أفصح مني جيبا. # وأقل مني عيبا. فقال معاوية لعمرو بن مرة الجهني والحارث بن نمر الجرمي: # قوما (4) إلى ابن عمكما فاطلبا (5) إليه واسألاه (6) أن يلقى هذين الكردوسين بقومه وعشيرته وبأسه وشدته فليس لهم سواه، فقال عمرو بن مرة الجهني: والله يا معاوية! # إنك لتقصر بنا في الخلاء وتضع بنا في الملاء، وتميل علينا في الأهواء، وتدعونا لكل # PageV03P070 # كتيبة خشناء، قال معاوية: ليس هذا خبر شاف إنه أخذت السيوف هام الرجال والأسنة كلاها، فقوما (1) إلى ابن عمكما (2). قال: فقاما إليه فكلماه وسألاه أن يخرج بأصحابه إلى الكردوسين، فقال النعمان: أفعل ذلك ولا أردكم. قال: وعلى النعمان يومئذ درع سابغ، وعلى رأسه مفغر وعمامة سوداء، وتحته فرس له أشقر، فضرب بيده إلى راية قومه ثم قال: إننا سنقاتل عن الغوطة وعنبها وزيتونها إذ قد حرمنا الجنة ونعيمها وحور عينها. ثم تقدم أمام قومه وهو يقول: # قد علم الجرمي ذو الشنآن * أن لن نرد الجيش من همذان ومذحج إذ كلف الجمعان * ألا لجيش مثله يماني ذوي بناء وذوي أركان * من ذري كلب ومن غسان ومن تنوخ أيما فرسان * بيض مراجح لدى الطعان بكل عسال من الخرصان * لا من تميم لا ولا غيلان ولا من الأذناب من عدنان * هذا لعمري أبين الخسران يقتل فيك ابن أبي سفيان * رجال قحطان ذرى قحطان قال: ثم حمل النعمان هذا على قضاعة، وحمل الأشتر وسعيد بن قيس في قومهما (3) من مذحج وهمذان، فتجالدوا من وقتهم ذلك إلى الليل، فقتل النعمان وقتل معه جماعة أصحابه، ثم تحاجز (4) الفريقان وقد فاتتهم الصلوات. # قال: وبلغ معاوية قتل النعمان فاسترجع وابدى جزعا شديدا، وقد كان يحب أن يقتل لما كان من قوله وميله إلى علي رضي الله عنه. ### | ذكر ما جرى من ms0545 المناظرة بين أبي نوح وذي الكلاع الحميري # قال: فأصبح (5) القوم، فدنا بعضهم من بعض، ومع علي بن أبي طالب # PageV03P071 # رضي الله عنه يومئذ رجل من حمير يكنى بأبي نوح، وكان مفوها متكلما وكان له فضل وقدر وطاعة في الناس، فقال لعلي: يا أمير المؤمنين! أتأذن لي في كلام ذي الكلاع؟ فإنه رجل من قومي وهو سيد عند أهل الشام، فلعلي أشككه فيما هو فيه! # فقال له علي: يا أبا نوح! إن رد مثل ذي الكلاع شديد عند أهل الشام، فإن أحببت لقاءه فالقه بالجميل، وإياك والكتب. # قال: فبعث أبو نوح إلى ذي الكلاع أني أريد لقاءك فأخرج إلي أكلمك، قال: فجاء ذو الكلاع إلى معاوية فقال: إن أبا نوح يريد كلامي ولست مكلمه إلا بإذنك، فما ترى في كلامه أكلمه أم لا؟ فقال معاوية: وما تريد إلى كلامه؟ فوالله ما نشك في هداك ولا في ضلالته، ولا في حقك ولا في باطله، فقال ذو الكلاع: على ذلك ائذن لي في كلامه! فقال معاوية: ذاك إليك، وفشا أمر أبي نوح (1) وذي الكلاع في الناس، فأنشأ رجل من أصحاب علي يقول: # اذكر أخا كلع أمرا سيعقبه * شكا وشيكا فبادره أبا نوح حتى نشككه في دين صاحبه * والشك منه قريب شبه تصريح أما الرجوع فإني لست آمله * إلا وبعض دماء القوم مسفوح من يحصب ورعين أو ذوي كلع * وأصبح الشمر ذي الرأي المراجيح كم ساعد قد أبان السيف مرفقها * ورأس أشوس وسط القوم مطروح قال ابن هند له قولا فأطمعه * إن المطامع باب غير مفتوح بادره من قبل أن ينشب أظافره * من ابن هند بتشبيع وتجليح وامنحه نصحك إما كنت ناصحه * ما كان نصح أبي نوح بمشروح إن خالف اليوم أهل الشام ذو كلع * لا يمس بالشام قرن غير منطوح قال: وأقبل (أبو) نوح حتى وقف بين الجمعين، وخرج ذو الكلاع حتى وقف قبالته، فقال أبو نوح: يا ذا الكلاع! إنه ليس في هذين الجمعين أحد أولى بنصيحتك مني، إن معاوية بن أبي ms0546 سفيان أخطأ وأخطأتم معه في خصال كثيرة، لخطأة واحدة أنه من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، فأخطأ بادعائه إياها وأخطأتم باتباعه، وأخطأ في الطلب بدم عثمان وأخطأتم معه، لأن غيره أولى بطلب دم عثمان منه، وأخطأ أنه رمى عليا بدم عثمان وأخطأتم بتصديقكم إياه ونصركم له، # PageV03P072 # وهذا الأمر قد شهدناه وغبتم عنه، فاتق الله ويحك يا ذا الكلاع! فإن عثمان بن عفان أبيح له قوم فقتلوه بدعوى ادعوا عليه، والله الحاكم في ذلك يوم القيامة، وقد بايعت الناس عليا برضاء منه ومنهم، لأنه لم يك (1) للناس بد من إمام يقوم بأمرهم، وليس لأهل الشام مع المهاجرين والأنصار أمر، فإن قلت أن عليا ليس بخير من معاوية ولا بأحق منه بهذا الامر فهات رجلا (2) من قريش ممن ترضى دينه حتى يعدل بينهم في شيء من الدين والشرف والسابقة في الاسلام! فقال له ذو الكلاع: إنني قد سمعت كلامك أبا نوح! ولم يخف علي منه شيء ولكن هل فيكم عمار بن ياسر؟ # فقال أبو نوح: نعم هو فينا، قال (3): فهل يتهيأ لك أن تجمع بينه وبين عمرو بن العاص فيتكلمان وأنا أسمع؟ فقال أبو نوح: نعم. # ثم ولي إلى عسكره فصار إلى عمار وطلب إليه وسأله أن يلقى (4) عمرو بن العاص. قال: فخرج عمار في ثلاثين رجلا من المهاجرين والأنصار، ليس فيهم رجل إلا وقد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير رجلين عمرو بن الحمق الخزاعي ومالك بن الحارث الأشتر، قال: وقام الصباح الحميري إلى معاوية فقال له: إني أرى لك إن تأذن لذي الكلاع أن يلقى أبا نوح فإنه قد طمع فيه، وأخاف أن يشككه في دينه، فقال معاوية: إني قد نهيته فلم ينته عن ذلك، وهو رجل من سادات حمير وأنا أرجو أن لا يخدع، قال: فأنشأ رجل من أصحاب معاوية في ذلك يقول: # إني رأيت أبا نوح لم طمع * في ذي الكلاع فلا يقرب أبا نوح إني أخاف عليه من بوادره * كيد العراق وقرنا ms0547 غير منطوح إن يرجع اليوم للعقبين ذو كلع * يرجع له الشام من شك وتصريح ما قول عمرو وشر القول أكذبه * إلا هشيم ذراه عاصف الريح لا بارك الله في عمرو وخطبته * إن التي رامها فجر وتجليح # PageV03P073 # لو شاء قال له قولا يشككه * حتى يظن سحوق النخل كالشيح قال: فأقبل ذو الكلاع إلى عمرو بن العاص وإذا هو واقف يحرض الناس على القتال، فقال له: أبا عبد الله! هل لك في رجل ناصح صادق لبيب شفيق يخبرك عن عمار بن ياسر بالحق؟ فقال له عمرو: ومن هذا معك؟ فقال: هذا ابن عم لي من أهل العراق، غير أنه جاء معي بالعهد والميثاق على أنه لا يؤذى ولا يهاج حتى يرجع إلى عسكره، فقال عمرو: إنا لنرى (1) عليه سيماء أبي تراب، فقال أبو نوح: # بل سيماء محمد وأصحابه علي، وعليك سيماء جهل ابن أبي جهل وسيماء فرعون ذي الأوتاد. قال: فوثب أبو الأعور السلمي فسل سيفه ثم قال: أرى هذا الكذاب الأثيم يشاتمنا وهو بين أظهرنا وعليه سيماء أبي تراب، فقال ذو الكلاع: مهلا يا أبا الأعور! لأقسم بالله لو بسطت يدك إليه لأخطمن أنفك بالسيف، ابن عمي وجاري قد عقدت له ذمتي، وجئت به إليكم ليخبركم عما تماريتم فيه، فتسل عليه السيف! # قال: فسكت أبو الأعور وتكلم عمرو بن العاص فقال: ألست أبا نوح؟ فقال: # بلى، أنا أبو نوح، قال عمرو: فأنا أذكرك الله أبا نوح إلا صدقتنا ولم تكذبنا، أفيكم عمار بن ياسر؟ فقال أبو نوح: ما أنا بمخبرك حتى تخبرني لم تسألني عنه: فإن معنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم جاد في قتالكم، فقال عمرو: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية (2)! وإنه ليس ينبغي لعمار بن ياسر أن يفارق الحق، ولا تأكل النار منه شيئا، فقال أبو نوح: لا إله إلا الله والله أكبر! إن عمارا معنا (3) وإنه لجاد في قتالكم، فقال، عمرو: إنه والله لجاد على ms0548 قتالنا؟ فقال أبو نوح: والله! لقد حدثني يوم الجمل إننا سنظهر عليهم، فكان كما قال، ولقد حدثني بالأمس أن لو هزمتمونا (4) حتى تبلغونا إلى سعفات هجر (5) لعلمنا # PageV03P074 # بأننا على حق وأنكم على باطل، وأن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فقال عمرو: فهل تستطيع أن تجمع بيني وبينه؟ قال أبو نوح: نعم وها هو واقف في ثلاثين رجلا من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. # فأقبل عمرو بن العاص حتى وقف قريبا من أصحاب علي ومعه نفر من أصحاب معاوية (1). قال: ونظر إليهم عمار فأرسل إليهم برجل من عبد القيس يقال له عوف بن بشر، فأقبل حتى إذا كان قريبا منهم نادى بأعلى صوته: أين عمرو بن العاص؟ فقال عمرو: ها أنا فهات ما عندك! فقال: هذا عمار قد حضر، فإن شئت فتقدم إليه! قال عمرو: فسر إلينا حتى نكلمك، فقال: أنا أخاف غدراتك، قال عمرو: فما الذي جراك وأنت على هذه الحالة؟ فقال له عوف بن بشر: الله جرأني عليك وبصرني فيك وفي أصحابك، فأن شئت نابذتك وإن شئت التقيت أنت وخصماؤك، فقال له عمرو: من أنت يا أخي؟ قال: أنا عوف بن بشر الشني رجل من عبد القيس، قال عمرو: فهل لك أن أبعث لك بفارس يواقفك؟ فقال له عوف: # ما أنا بمستوحش من ذلك فابعث إلى أشقى أصحابك، فقال عمرو لأصحابه: أيكم يخرج إليه فيكلمه؟ فقال أبو الأعور: أنا إليه أسير، ثم أقبل إليه أبو الأعور حتى واقفه، فقال له عوف (2): إني لأرى رجلا لا أشك أنه من أهل النار إن كان مصرا على ما أرى، فقال له أبو الأعور: لقد أعطيت لسانا حديدا أنكبك (3) الله في نار جهنم، فقال عوف: كلا والله! إني لا أتكلم إلا بالحق، ولا أنطق إلا بالصدق، وإني أدعو إلى الهدى، وأقاتل أهل الضلال، وأفر من النار، وأنت رجل تشتري العقاب بالمغفرة والضلالة بالهدى، فانظر إلى وجوهنا ووجوهكم وسيمانا وسيماكم، واسمع إلى دعوانا ودعواكم، فليس منا أحد إلا وهو أولى بمحمد ms0549 صلى الله عليه وسلم وأقرب إليه منكم، فقال أبو الأعور: أكثرت الكلام وذهب النهار، فاذهب فادع أصحابك وأدعو أصحابي، وأنا جار لك حتى تأتي موقفك هذا الذي أنت فيه، ولست أبدأك بغدر حتى تأتي أنت وأصحابك. # PageV03P075 # قال: فرجع عوف بن بشر إلى عمار بن ياسر ومن معه، فأخبرهم بذلك، وأقبل عمار ومعه الاجلاء (1) من أهل عسكره، وتقدم عمرو بن العاص في أجلاء عسكره، حتى اختلفت أعناق الخيل فنزلوا هؤلاء وهؤلاء عن خيولهم واحتبوا بحمائل سيوفهم، وذهب عمرو الشديد (2) فقال عمار: اسكت وقد تركتها (3) في حياة محمد صلى الله عليه وسلم وبعد موته ونحن أحق بها منك، فاخطب بخطبة الجاهلية، وقل قول من كان في الاسلام دنيا ذليلا وفي الضلال رأسا محاربا، فإنك ممن قاتل النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد موته وفتن أمته من بعده، وأنت الأبتر ابن الأثير شانىء محمد صلى الله عليه وسلم وشانىء أهل بيته، قال: فغضب عمرو ثم قال: أما! إن فيك لهناة ولو شئت أن أقول لقلت، فقال عمار: وما عسى أن تقول ابن عمي! إني كنت ضالا فهداني الله، ووضيعا فرفعني الله، وذليلا فأعزني الله (4)، فإن كنت تزعم هذا فقد صدقت، وإن أنت تزعم أني خنت الله ورسوله يوما واحدا أو تولينا غير الله يوما واحدا فقد كذبت، ولكن هلم إلى ما نحن فيه الآن، فإن شئت كانت خصومة فيدفع حقنا باطلك، وإن شئت كانت خطب فنحن أعلم بفصل الخطاب منك، وإن شئت أخبرتك بكلمة تفصل بيننا وبينك ونكفرك قبل القيام من مجلسك وتشهد بها على نفسك ولا تستطيع أن تكذبني، هل تعلم أن عثمان بن عفان كان عليه الناس بين خاذل له ومحرض عليه، وما فيهم من نصره بيده ولا نهى عنه بلسانه، وقد حصر أربعين يوما في جوب داره ليس له جمعة ولا جماعة، وتظن ما كان فيه قبل أن يقتل ما كان من طلحة والزبير، وعائشة بنت أبي بكر حين منعها أرزاقها فقالت فيه ما قالت وحرضت على قتله، ms0550 فلما قتل خرجت فطلبت بدمه بغير حق ولا حكم من الله تعالى في يدها، ثم إن صاحبك هذا معاوية قد طلب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن يترك له ما في يده، فأبي علي ذلك، فانظر في هذا ثم سلط الحق على نفسك فاحكم لك وعليك. # قال: فقال عمرو: صدقت أبا اليقظان! قد كان ذلك كما ذكرت في أمر عائشة وطلحة والزبير، وأما معاوية فله أن يطلب بدم عثمان لأنه رجل من بني أمية وعثمان # PageV03P076 # من بني أمية، وليس لهذا جئت (1)، إذا رسل هذا الامر الذي قد شجر بيننا وبينكم لأني رأيتك أطوع هذا العسكر فأذكر الله إلا كففت سلاحهم وحقنت دماءهم وحرضت على ذلك، ويحك أبا اليقظان! على ماذا تقاتلنا؟ ألسنا نعبد الله واحد؟ ألسنا نصلى إلى قبلتكم وندعو بدعوتكم ونقرأ كتابكم ونؤمن بنبيكم؟ فقال عمار: # الحمد لله الذي أخرجها من فيك، القبلة والله لي ولأصحابي، ولنا الدين والقرآن وعبادة الرحمن، ولنا النبي والكتاب من دونك ودون أصحابك، وإن الله تبارك وتعالى قد جعلك ضالا مضلا، وأنت لا تعلم أهاد أنت أم ضال؟ ولقد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقاتل الناكثين فقد فعلت، وأمرني أن أقاتل القاسطين فأنتم هم، وأما المارقون فلا أدري أدركهم أم لا، أيها الأبتر! ألست تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم! وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله (2)؟ فأنا مولى لله ولرسوله وعلي مولاي من بعده وأنت فلا مولى لك، فقال عمرو بن العاص: ويحك أبا اليقظان! لم تشتمني ولست أشتمك؟ فقال عمرو: فما ترى في قتل عثمان؟ فقال عمار: قد أخبرتك كيف قتل عثمان، فقال عمرو: فعلي قتله، فقال عمار: بل الله قتله، قال عمرو: فهل كنت فيمن قتله؟ # قال عمار: أنا مع من قتله وأنا اليوم أقاتل لمن قتله، لأنه أراد أن يقتل الدين فقتل. # فقال عمرو: يا أهل الشام! إنه قد اعترف بقتل عثمان ms0551 أمامكم، فقال عمار: قد قالها فرعون لقومه (الا تسمعون) (3) أخبرني يا بن النابغة! هل أقررت أني أنا الذي قتلت عثمان حتى تشهد علي أهل الشام، فقال عمرو، يا هذا! إنه كان من أمر عثمان ما كان، وأنتم الذين وضعتم سيوفكم على عواتقكم وتحربتم علينا مثل لهب النيران، حتى ظننا أن صاحبكم لا بقية عنده، فإن تنصفونا من أنفسكم فادفعوا إلينا قتلة صاحبنا، وارجعوا من حيث جئتم ودعوا لنا ما في أيدينا، وإن أبيتم ذلك فإن دون ما تطلبون منا والله خرط القتاد (4). قال: ثم تبسم عمار ثم قال، ليس أول # PageV03P077 # كلامك هذا يا بن النابغة! يا دعي يا بن الدعي! يا بن حرار قريش! يا من ضرب عى خمسه بسهامهم، كل يدعيك حتى قاربك شرهم! أفي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب تغتمز؟ أما والله! لقد علمت قريش قاطبة أن عليا لا يجلس له على، ولا يقعقع له بالشنان (1)، ولا يغمز غمز التين. # قال: فقام أهل الشام فركبوا خيولهم ولهم زجل، فصاروا إلى معاوية، فقال لهم معاوية: ما وراءكم؟ فقالوا: وراءنا والله! إننا قد سمعنا من عمار بن ياسر كلاما يقطر الدم، ووالله لقد أخس عمرو بن العاص حتى ما قدر له على الجواب، فقال معاوية: هلكت العرب بعد هذا ورب الكعبة. # قال: ورجع عمار في أصحابه إلى علي بن أبي طالب فأخبره بالذي دار بينه وبين عمرو بن العاص، فأنشأ رجل من أصحاب علي يقول (2): # ما زلت يا عمرو قبل اليوم مبتدرا (3) * تبغي الخصومة جهرا غير سرار حتى رأيت (4) أبا اليقظان منتصبا * لله در أبي اليقظان عمار ما زال يقرع منك العظم منتقبا * مخ العظام بحق (5) غير إنكار حتى رمى بك في بحر له لجج * يرمي بك الموج في لج من النار قال: وقد كان مع معاوية رجل من حمير يقال له الحصين بن مالك وكان يكاتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويدله على عورات معاوية، وكان له صديق من أصحاب معاوية يقال له الحارث بن عوف ms0552 السكسكي، فلما كان ذلك اليوم قال الحصين بن مالك للحارث بن عوف: يا حارث! إنه قد آتاك الله ما أردت، هذا عمرو وعمار وأبو نوح وذو الكلاع قد التقوا، فهل لك أن تسمع من كلامهم؟ فقال الحارث بن عوف: إنما هو حق وباطل وفي يدي من الله هدى فسر بنا يا حصين. # قال: فجاء الحصين والحارث حتى سمعا كلام عمرو وعمار، فلما سمع # PageV03P078 # الحارث بن عوف كلام عمار وتظاهر الحجة على عمرو بقي متحيرا، فقال له الحصين: ما عندك الآن يا حارث؟ فقال الحارث: ما عندي وقعة والله بين العار والنار، ووالله لا أقاتل من معاوية بعد هذا اليوم أبدا! فقال له: ولا أنا أقاتل عليا بعد هذه اليوم أبدا. # قال: ثم هربا من عسكر معاوية جميعا فصار أحدهم إلى حصم وأظهر التوبة، وصار الحارث بن عوف إلى مصر تائبا من قتال علي رضي الله عنه وأنشأ يقول: # قال الحصين ولم أعلم بنيته * يا حار هل لك في عمرو وعمار يا حاز هل لك في أمر له نبأ * فيه شر كان من عوف وإنكار فأسمع وتسمع ما يأتي العيان به * إن العيان شفاء النفس يا حار لما رأيت لجاج الامر قلت له * قولا ضعيفا نعم والكره إضماري سرنا إلى ذلك المرءين مع نفر * شم كرام وجدنا زندهم واري لما تشهد عمرو قال صاحبه (1): اسكت فإنك من ثوب الهدى عاري فارتد عمرو على عقبيه منكسرا * كالهر يرقب ختلاء عازم الفار ما زال يرميه عمار بحجته * حتى أقر له من غير إكثار قال الحصين لما أبصرت حجته * غراء مثل بياض الصبح للساري ما بعد هذين من عيب لمنتظر * فاختر فدى لك بين العار والنار قلت الحياة فراق القوم معترفا * بالذنب حقا وليس العار كالعار قال، وأقبل نفر من أصحاب معاوية إلى عمرو بن العاص قال له بعضهم: أبا عبد الله! ألست الذي رويت لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يدور الحق مع عمار حيث ما درا؟ " فقال عمرو: بلى، قد ms0553 رويت ذلك، ولكنه يصير إلينا ويكون معنا، فقال له ذو الكلاع: هذا والله محال من الكلام! والله لقد أفحمك عمار حيث بقيت وأنت لا تقدر على إجابته! قال عمرو: صدقت، وربما كان كلام ليس له جواب، قال: # فأنشأ رجل من بني قيس (2) يقول في ذلك: # PageV03P079 # والراقصات بركب عامدين له * إن الذي كان في (1) عمرو لمأثور قد كنت أسمع والأنباء شائعة * هذا الحديث فقلت الكذب والزور حتى تلقينه عن أهل محنته (2) * فاليوم أرجع والمغرور مغرور واليوم أبرء من عمرو وشيعته * ومن معاوية المحذو به العير لا لا أقاتل عمارا على طمع * بعد الرواية حتى ينفخ الصور تركت عمرا وأشياعا له نكرا * إني بتركهم يا صاح معذور يا ذا الكلاع فدع لي معشرا كفروا * أو لا فديتك دين فيه تعزير ما في مقال رسول الله في رجل * شك ولا في مقال الرسل تحيير قال: ثم هرب صاحب هذا الشعر حتى لحق بعلي بن أبي طالب فصار معه. # قال: فدعا معاوية عمرو بن العاص فقال: يا هذا! إنك أفسدت أهل الشام علي، أكل ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم تقوله وترويه؟ ما أكثر ما سمعنا منه فلم نروه، فقال عمرو: يا هذا! والله لقد رويت هذا الحديث وأنا لا أظن أن صفين تكون ولست أعلم الغيب (3، ولقد رويت أنت أيضا في عمار مثل الذي رويت أنا فما ذنبي؟ قال: ثم أنشأ عمرو يقول: # أعاتبني (4) إن قلت شيئا سمعته * وقد قلت لو أنصفتني مثله قبلي وفعلك فيما قلت فعل بنية * وتزلق بي في مثل ما قلته فعلي (5) وهل كان لي علم بصفين أنها تكون وعمار يحث على قتلي فلو كان لي بالغيب علم كتمته * وكابرت أقواما مراجلهم تغلي أبى الله إلا أن صدرك واغر * علي بلا ذنب جنيت ولا ذحل سوى أنني والراقصات عشية * بنصرك مدخول الهوى ذاهل العقل فلا وضعت عندي حصان قناعها * ولا حلمت وجناء عرمسة (6) رحلي # PageV03P080 # ولا زلت أدعى في لؤي بن غالب * قليلا غناي لا أمر ولا ms0554 أحلي إن الله أرخى من خناقك مرة * ونلت الذي أرجوه إن لم أرد أهلي وأترك لك الشام الذي ضاق رحبها * عليك ولم يهنك بك بالعيش من أجلي قال: فأجابه معاوية وأنشأ يقول (1): # أألآن لما ألقت الحرب بركها * وقام بنا الامر الجليل على رجل غمزت قناتي بعد سبعين (2) حجة * شفاها كأني لا أمر ولا أحلي أبيت بأمر فيه للشام فتنة * وفي دون ما أظهرته زلة النعل فقلت لك القول الذي ليس ضائرا * ولو ضر لم يضررك حملك لي ثقلي تعاتبني في كل يوم وليلة * كأن الذي أبليت ليس كما أبلي فما قبح الله العتاب وأهله * ألم تر ما أصبحت فيه من الشغل فدع ذا ولكن هل لك اليوم حيلة * ترد بها قوما مراجلهم تغلي دعاهم علي فاستجابوا لدعوة * أحب إليهم من بقا المال والاهل إذا قال خوضوا غمرة الموت أرقلوا * إلى الموت إرقال الملوك إرقال الملوك (3) إلى الفحل قال: فلما انتهى هذا الشعر إلى عمرو جاء إلى معاوية فأعتبه ورضي كل واحد منهم من صاحبه. ### | ذكر ما كان بعد ذلك من القتال # قال: ودنا (4) القوم بعضهم من بعض وذلك في وقت الصبح، وبرز رجل من أصحاب معاوية يقال له همام بن قبيصة النميري (5) وكان ممن يشتم عليا ويقول فيه القبيح، فجعل يرتجز ويقول: # قد علمت حوراء كالتمثال * إني إذا ما طلبوا نزال # PageV03P081 # أقدم إقدام الهزبر العالي * أهل العراق أنتم (1) من بالي أبذل طريفي وتلاد مالي (2) * حتى أنال فيكم المعالي إن يلقني الموت وتلك حالي (3) * في نصر عثمان فما أبالي قال: فخرج إليه عدي بن حاتم وهو يقول: # يا صاحب الصوت الرفيع العالي * إن كنت تبغي في الوغا نزالي فادن فإني كاشف عن حالي * تفدي عليا ولدي (4) ومالي وأسرتي تتبعها عيالي قال: فشتم النميري عليا، فطعنه عدي بن حاتم طعنة في لبته فجدله قتيلا، ثم رجع عدي إلى موقفه وأنشأ وجعل يقول (5): # أهمام لا تذكر مدى الدهر فارسا * وعض على ما جئته بالأباهم سما لك في نقع العجالة فارس * شجاع مساع (6) ذو ms0555 شجا وغماغم فوليته لما سمعت نداءه * إليك حذاها من عدي بن حاتم فأصبح مطروحا لذي حومة الوغى (7) * وأعظم من هذا شتيمة شاتم قال: فاغتم معاوية لمقتل همام بن قبيصة وقال: ويلي على الأعور (8) لئن أمكنني الله منه لأفعلن ولا صنعن. ### | حديث عدي بن حاتم الطائي مع معاوية # قال: فلما كان بعد مقتل علي رضي الله عنه أقبل عدي بن حاتم فدخل على معاوية وعنده عمرو بن العاص ورجل من بني الوحيد، فسلم عدي فردوا عليه # PageV03P082 # السلام، فقال له معاوية: أبا طريف! ما الذي أبقى لك الدهر من ذكر علي بن أبي طالب؟ فقال عدي: وهل يتركني الدهر أن لا أذكره! قال: فما الذي بقي في قلبك من حبه؟ قال عدي: كله وإذا ذكر ازداد، فقال معاوية: ما أريد بذلك إلا اخلاق ذكره، فقال عدي: قلوبنا ليست بيدك يا معاوية! فضحك معاوية ثم قال: يا معشر طيء! إنكم ما زلتم تشرفون الحاج ولا تعظمون الحرم، فقال عدي: إنا كنا نفعل ذلك ونحن لا نعرف حلالا ولا ننكر حراما، فلما جاء الله عز وجل بالاسلام غلبناك وأباك على الحلال والحرام، وكنا للبيت أشد تعظيما منكم له، فقال معاوية: عهدي بكم يا معشر طيء! وإن أفضل طعامكم الميتة، فقال عمرو بن العاص والرجل الذي عنده من بني الوحيد: كف عنه يا أمير المؤمنين! فإنه بعد صفين ذليل، فقال عدي: صدقتم. ثم خرج عدي من عند معاوية وأنشأ يقول: # يحاولني معاوية بن حرب * وليس إلى الذي يرجو سبيل يذكرني أبا حسن عليا * وحظي في أبي حسن جليل يكاشرني ويعلم أن طرفي * على تلك التي أخفي دليل ويعلم أننا قوم جفاة * حراديون ليس لنا عقول وكان جوابه عندي عتيدا * ويكفي مثله مني القليل وقال ابن الوحيد وقال عمرو * عدي بعد صفين ذليل وقال ابن الوحيد وقال عمرو * عدي بعد صفين ذليل فقلت صدقتما قد كان ركني * وفارقني الذي بهم أصول ولكني على ما كان مني * أبلبل صاحبي بما أقول وإن أخاكم في كل يوم * من ms0556 الأيام محمله ثقيل قال: فأرسل إليه معاوية بجائزة سنية وترضاه. ### | ثم رجعنا إلى الخبر # قال: وبرز رجل من أصحاب معاوية يقال له حجل بن أثال بن عامر العبسي حتى وقف بين الجمعين ثم نادى: يا أهل العراق! من يبارز؟ فما لبث أن خرج إليه ابنه (1)، وكان الابن مع علي رضي الله عنه، والأب مع معاوية، والابن يقال له # PageV03P083 # أثال (1)، قال: فخرج اليه وهو لم يعرفه، فتطاعنا (2) بالرماح، فطعنه ابنه طعنة أرداه عن فرسه (3)، قال: وسقطت البيضة عن رأس الشيخ، فنظر إليه الفتى فعرفه أنه أبوه فرمى بنفسه عن فرسه وأكب عليه وقال: يا أبتي! أظن أنه قد أهنتك طعنتي! فقال: # نعم يا بني! وليس علي منها بأس إن شاء الله، ولكن يا بني! هلم إلى الشام والأموال الكثيرة مع معاوية، فقال له الابن: هلم إلى الآخرة وجنة الخلد مع علي بن أبي طالب، فقال الشيخ: يا بني! هذا ما لا يكون من أبيك أبدا، قال الفتى: يا أبتي! هذا ما لا يكون من ابنك أبدا، فارجع إلى صاحبك فإني راجع إلى صاحبي. # قال: فرجع كل منهما (4) إلى صاحبه، وعجب (5) أهل العسكرين منهما جميعا وضربوا في الأمثال بعد ذلك، فأنشأ الشيخ يقول: # إن حجل بن عامر وأثالا * أصبحا يضربان في الأمثال أقبل الفارس المذجج في النق‍ * - ع أثال يجري يريد نزال دون أهل العراق (6) إذ عظم النق‍ * - ع على ظهر هيكل ذيال فدعاني له ابن هند وما زا * ل قليلا في صحبه أمثالي فتناولته ببادرة الرم‍ * - ح فأهوى بأسمر عسال فأطعنا وذاك من عجب الده‍ * - ر عجيب بحادثات الليالي (7) شاجرا بالقناة صدر أبيه * وعزيز علي طعن أثال لا أبالي إذا طعنت أثالا * وأثال كذاك ليس يبالي فافترقنا على السلامة والنق‍ * س تقيتها مؤخر الآجال لا يراني على الهدى وأراه * من هداي على سبيل الضلال وكلانا يرجو الثواب إلى الل‍ * ه يقينا بغير قيل وقال # PageV03P084 # قال: فلما انتهى شعر الشيخ بأهل العراق أنشأ ابنه يقول: # إن طعني وسط العجاجة حجلا * لم أرد ms0557 بالذي فعلت عقوقا كنت أرجو به الثواب من الل‍ * - ه وكوني مع النبي رفيقا لم أزل أنصر العراق من الشا * م أراني يفعل ذاك حقيقا قال أهل العراق إذ عظ الخط‍ * - ب ونق المبارزون نقيقا من فتى يأخذ الطريق إلى الل‍ * - ه وكنت‌ الذي أخذت الطريقا حاسر الرأس لا أريد سوى المو * ت أرى كل ما يكون (1) دقيقا فإذا فارس تقحم في النق‍ * - ع بيوتا (2) تخاله أم عنيقا فسبقني حجل ينافذة (3) الطع‍ * - ن وما كنت قبلها مسبوقا وتلاقيته بطعنة صدق (4) * وكلانا يبارز العيوقا أحمد الله ذا الجلال القد * رة (5) حمدا يزيدني توفيقا إنني لم أزل بنافذة الطع‍ * - ن سواء ولم يك تعويقا قلت للشيخ لست أكفرك الده‍ * - ر لطيف الغذاء والتنفيقا غير أني أخاف من لهب النا * ر بتركي الهدي (6) فكن لي رفيقا فأبى الشيخ أن يكون سعيدا * ولقد كنت ناصحا وشفيقا قال: وجاء الليل فحجز بنى الفريقين، فباتوا ليلتهم تلك، فلما أصبحوا وأذن مؤذن علي وذلك عند طلوع الفجر قال علي رضي الله عنه: مرحبا بالقائلين عدلا وبالصلاة مرحبا وأهلا. # فلما صلى الفجر وثب فعبى أصحابه كما كان يعبيهم كل يوم، وعبى معاوية أصحابه، وزحف الفريقان بعضهم إلى بعض. فإذا بصفوف أربعة (7) قد قيدوا أنفسهم بالعمائم عازمين على الموت، وأبو الأعور السلمي أمام الصفوف يحرض # PageV03P085 # على القتال وهو يقول: يا أهل الشام! إياكم والفرار، فإنه سبة وعار، قدموا على أهل العراق، فإنهم أهل فتنة ونفاق، ثم جعل يقول: # إذا ما فررنا كان أسوأ فرارنا * صدود خدود وازوار المناكب صدود الخدود والقنا متراكب * ولا يخرج العماء غير التضارب (1) قال: فصاح (2) أصحاب الصفوف الذين قيدوا أنفسهم بالعمائم: والله لا برحنا هذه العرصة أو يرضى معاوية. فتقدم سعيد بن قيس الهمذاني في همذان، وتقدم عدي بن حاتم في طيء، وتقدم الأشتر في مذحج، وتقدم الأشعث في كندة، وجعل كل رئيس من رؤساء العراق يقدم قومه، حتى اجتمع منهم خلق كثير، ثم كبروا وحملوا على تلك الصفوف الأربعة، فقتلوا منها على زيادة ثلاثة ms0558 آلاف فارس (3) في بقعة واحدة، ثم حملوا على جمهور أصحاب معاوية حتى علوهم فألجؤوهم إلى تل فصعدوا عليه، وصعدت همذان في إثرهم خاصة فحذروهم من التل وأخذت السيوف هام الرجال. # قال: وجعل معاوية يمد أصحابه وعلي يمد أصحابه، فصار عمار بن ياسر يقول: صبرا عباد الله صبرا! فإن الجنة تحت ظلال السيوف والأسنة. قال: فجعلت كندة تقاتل لكندة، وطئ لطئ، ومذحج لمذحج، والأزد للأزد، وبجيلة لبجيلة، وهمذان لهمذان، وتميم لتميم، وكل قوم يقاتلون عشائرهم، فلم يزالوا على ذلك من وقت اعتدال الشمس إلى أن حانت المغرب، ما كانت الصلاة إلا بالتكبير. # قال: جعل هاشم المرقال يقول: ليعملن أمير المؤمنين بأني سألف اليوم من جماجم القوم لألفنهم لف رجل ينوي الآخرة إن شاء الله! وجعل يقاتل قتالا لم ير الناس مثله. # قال: وجعلت الزرقاء بنت عدي بن قيس (4) الهمذانية تحرض قومها على # PageV03P086 # الحرب وهي تقول: أيها الناس! ارعووا وراجعوا (1) فإنكم قد أصبحتم في فتنة غشيتكم كجلابيب الظلم وجارت بكم عن قصد المحجة، فيا لها من فتنة عمياء صماء لا تسمع لراعيها (2) ولا تنساق لقائدها، أيها الناس! إن المصباح لا يضيء في الشمس، والكوكب لا ينير مع القمر، والبغل لا يسبق الفرس، والزف لا يوزن بالحجر، ولا يقطع الحديد إلا بالحديد، ألا! فصبرا صبرا يا معاشر المهاجرين والأنصار وصبرا يا معاشر العرب على هذا المضض (3)! وإياكم والفرض! فكان قد اندمل شعب الشتات والتأمت كلمة الحق (4) ودفع الحق بالباطل، ولا يجهلن أحد فيقول: كيف وأي؟ ليقضي الله أمرا كان مفعولا. # قال: فجعلت الزرقاء بنت عدي تقول مثل هذا إلى أن اختلط الظلام وجاء الليل فحجز بين الفريقين. ### | حديث الزرقاء بنت عدي الهمذانية مع معاوية # قال: فبينا معاوية بعد ذلك في مجلسه ذات يوم وقد صارت إليه الخلافة وعنده يومئذ عمرو بن العاص وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم والوليد بن عقبة وعتبة بن أبي سفيان وغيرهم من بني أمية إذ ذكر الزرقاء بنت عدي الهمذانية وتحريضها عليه بصفين، فقال: أيكم يحفظ كلامها؟ فقال ms0559 (5) القوم: فينا من يحفظه يا أمير المؤمنين! قال: فأشيروا علي في أمرها ما الذي أصنع بها، فقال مروان: أما أنا فأشير عليك بقتلها، فإنها أهل لذلك، فقال معاوية: بئس الرأي أنت يا مروان! # أيحسن بمثلي أن يتحدث عنه الناس أني قتلت امرأة! لا ولكني أبعث إليها فأدعوها وأسمع من كلامها الآن. # ثم كتب معاوية إلى عامله بالكوفة أن أوفد إلى الزرقاء بنت عدي الهمذانية مع ثقة من محرمها وعدة من فرسان قومها وامهد لها وطاء لينا واسترها بستر كثيف (6) # PageV03P087 # ووسع لها في النفقة - والسلام -. # قال: فأرسل إليها عامل الكوفة فأقرأها الكتاب وأمرها بالرحيل، فقالت الزرقاء: إن كان أمير المؤمنين قد جعل الخيار إلى فأنا (1) لا أحب المصير إليه، وإن كان أمرا حتما فالطاعة أولى. # قال: فحملها عامل الكوفة في هودج من عصب اليمن مبطنا بالبياض، وفرش لها اللين، وضم إليها جماعة من بني عمها وأمرهم بالمسير بها إلى الشام، ودخلت على معاوية فقال: مرحبا مرحبا وحبا وقربا! قدمت خير مقدم قدمة وافد! كيف أنت يا خالة؟ فقالت: بخير يا أمير المؤمنين! أدام الله لك النعمة. قال: فكيف كنت؟ # قالت (2): كنت كأني ربيت في بيت ممهد، فقال معاوية: بذلك أمرناهم، أتدرين فيما ذا بعثت إليك؟ قالت الزرقاء: وأنى لي بعلم الغيب! فقال معاوية: ألست الراكبة الجمل الأحمر الوافقة بين الصفين في يوم كذا وكذا تحرضين (3) على الحرب وتقولين كيت وكيت؟ قالت: بلى، قد كان ذلك، قال معاوية، فما الذي حملك على ذلك؟ قالت: حسبك يا أمير المؤمنين! فقد مات الرأس وبقي (4) الذنب ولن يعود ما ذهب، والدهور عجب ولا يعتب من عتب، ومن تفكر أبصر والزمان (5) ذو غير، والامر يحدث بعده الامر، فقال معاوية: لله أنت يا زرقاء فهل تحفظين كلامك بصفين؟ فقالت: لا والله ما أحفظه، وإنما كان ذلك تحريضا نطق به اللسان، فقال معاوية: لكني والله أحفظه عليك حتى ما يشذ على منه شيء، ووالله يا زرقاء! لقد شاركت عليا في كل دم سفكه بصفين، فقالت الزرقاء: أحسن الله ms0560 بشارتك وأدام سلامتك فمثلك بشر بخير، فقال معاوية: أو يسرك ذلك يا زرقاء؟ فقالت: نعم والله لقد سرني وأني لي بتصديق ذلك! ثم قال: والله يا زرقاء! إن وفاءكم لعلي بعد موته لا عجب من محبتكم له في حياته، وقد جئنا بك يا زرقاء وجشمناك السفر البعيد، ولكن اذكري حاجتك، فقالت الزرقاء: هيهات! إني لا أسأل رجلا عتب علي شيئا أبدا، ومثلك أعطى من غير مسألة وجاد من غير طلبة، قال معاوية: # PageV03P088 # صدقت يا زرقاء! وأنا عند ما ذكرت. ثم أمر لها معاوية ولمن معها بجوائز حسنة ومال كثير ورودها إلى الكوفة. ### | ثم رجعنا إلى الخبر # قال: فلما أصبح (1) القوم وثب معاوية فعبى أصحابه ثم عقد الرايات، فكان يحض بها قريشا (2) دون غيرهم، مثل عمرو بن العاص، وعبيد الله (3) بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعتبة بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم، وبسر بن (أبي) أرطاة، والضحاك بن قيس وأشباههم من الناس. قال: # فغضبت اليمن من ذلك (4)، ثم وثب رجل من كندة يقال له عبد الله بن الحارث حتى وقف بين يدي معاوية ثم قال: إني قد قلت أبياتا فاسمعها، فقال معاوية: هاتها يا أخا السكون! فأنشأ الرجل يقول: # معاوي أحييت فيها الإحن * وأحدثت في الشام ما لم يكن عقدت لعمرو وأشباهه (5) * وما الناس حولك إلا اليمن فلا تخلطن بنا غيرنا * كما شيب بالماء محض اللبن وإلا فدعنا على حالنا * فإنا وآباءنا لم نهن (6) ستعلم إن جاش بحر العراق * وأبدى النواجذ منه إذن (7) ونادى علي بأصحابه * ونفسك إذ ذاك عند الذقن بأنا شعارك دون الدثار * وأنا الرماح وأنا الجنن أتتك الرجال من إمدادنا * تجود إليك الفلا من عدن ومن سرو حمير قد أقبلوا * ومن حضرموت ومن ذي يزن فدبوا إليك دبيب الجراد * على صعبها والذلول المحن فأمسوا بأرضك ما يطلبون * إليك الغداة سوى مرتهن # PageV03P089 # قال: فقال معاوية: والله يا معشر اليمن! ما خلطت بكم إلا ثقاتي، والذي لكم فهو لي. فرضيت اليمن بذلك وسكتوا. # وبلغ ذلك ms0561 أهل العراق، فوثب المنذرين بن الجارود (1) العبدي إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! إننا لا نقول كما قال صاحب أهل الشام لمعاوية، ولكنا نقول زاد الله في هداك وسرورك، ووالله ما نظرت إلينا ساعة قط إلا بنور الله، قدمت رجالا وأخرت رجالا، فعليك أن تقول وعلينا أن نفعل، نت الأب ونحن البنون، فإن تهلك فهذان الحسن والحسين أئمتنا من بعدك حتى الممات - والسلام -. قال ثم أنشأ يقول: # أبا حسن أنت شمس النهار * وهذان في الداجيات (2) القمر وأنت وهذان حتى الممات * بمنزلة السمع بعد البصر وأنتم أناس لكم سورة * بقصر عنها أكف البشر يخبر بالناس عن فضلكم * وفضلكم اليوم فوق الخبر عقدت لقوم ذوي نجدة * من أهل الحياء وأهل الخطر مساميح في الحرب عند الوغاء * كرام وإخواننا من مضر (3) ومن حي ذي يمن عصبة (4) يقيمون في الحادثات الصعر فكل يسرك في قومه * فمن قال لا لا بفيه الحجر ونحن الفوارس يوم الزبير * وطلحة إذ قيل أودى غدر ضربناهم قبل نصف النهار * إلى الليل حتى أبدنا الوطر (5) فلم يأخذ الضرب إلا الرؤوس * ولم يأخذ الطعن إلا الثغر فنحن أولئك في أمسنا * وكنا كذلك فيمن غبر قال: فلم يبق أحد في ربيعة إلا أتحف صاحب هذا الشعر وأهدى إليه على قدر ما أمكنه. # PageV03P090 # قال: ودنا القوم بعضهم من بعض، وخرج بسر بن (أبي) أرطاة الفهري وفي يده راية سوداء لمعاوية وهو يرتجز ويقول (1): # أكرم بنجد طيب الايمان * جاؤوا يكونوا ولي الرحمن إني أتاني خبر أشجاني * إن عليا قتل ابن عثمان خليفة الله على المثاني قال: فخرج إليه سعد بن قيس الهمذاني وهو يقول: # بؤسا لجند ضائعي الايمان * مستوسقين كاتساق الضان تهوى إلى راعي لها وسنان * أسلمهم بشر إلى الهوان إلى سيوف لبني همذان قال: والتقيا بطعنتين طعنه الهمذاني في صدره أثخنه منها، فولى بسر منهزما وولت خيله متطيرين، وخرج رجل من أصحاب معاوية أيضا يقال له الأدهم بن لام القضاعي وهو يقول شعرا، فخرج إليه حجر بن عدي الكندي (2) وهو ms0562 يرتجز ويقول شعرا يجاوبه، ثم حمل عليه حجر بن عدي فقتله، ثم نادى: هل من مبارز؟ فخرج إليه الحكم بن أزهد (3) بن فهد وهو يقول شعرا، فخرج إليه حجر بن عدي وهو يجاوبه على شعره (4)، قال: ثم حمل عليه حجر بن عدي فضربه ضربة فقتله، قال: فخرج إليه من بعده ابن عم له يقال له مالك بن مسهر القضاعي وهو يقول شعرا، قال: فخرج إليه حجر بن عدي وهو يجاوبه على شعره، ثم حمل عليه حجر بن عدي فقتله. # PageV03P091 # ثم خرج من بعده فارس من فرسان الشام يقال له عامر بن نوزة العامري على فرس له حتى وقف بين الجمعين ما يبين منه شيء لكثرة ما عليه من السلاح وهو يقول: # من ذا يبارز عامري الصابر * الماجد الطيب ثم الطاهر في الذروة العليا رهط عامر * ليس بكذاب ولا بفاجر في الذروة العليا رهط عامر * ليس بكذاب ولا بفاجر قال: فهم حجر بن عدي بالخروج إليه فسبقه الأشتر وهو يقول: # وافاك من طالبت يا عامر * فاثبت فأنت الفاجر الخاسر وأنت لا شك من الكوافر * وجاحد أنت برب قادر قال: فحمل عليه عامر والتقيا (1) للطعان، فطعنه الأشتر طعنة فتق بها درعه ووصل السنان إلى خاصرته فجدله قتيلا. قال وخرج آخر من أهل الشام فما نطق بحرف حتى شد عليه الأشتر فقتله، وخرج إليه آخر فقتله، حتى قتل جماعة. # قال: واشتد ذلك على معاوية، فأقبل على مروان بن الحكم فقال: ويحك يا مروان! إن الأشتر قد غمني (2) وأبلغ مني فأخرج إليه في هذه الخيل التي بين يديك فقاتله، فقال مروان بن الحكم. ادع لها عمرو بن العاص فإنه شعارك ودثارك، فقال معاوية وأنت (3) روحي دون جسدي، فقال: لو كنت عندك كذلك لألحقتني به في العطاء وألحقته بي في الحرمان، فقال: يا هذا! قنعني (4) الله عنك، فقال مروان: # أما إلى اليوم فلا. # ثم أقبل معاوية على عمرو فقال: يا أبا عبد الله! أحب أن تخرج إلى الأشتر في خيلك هذه التي معك، فقد غمني ms0563 أمره في هذه اليوم، وقد قتل جماعة من فرسان الشام، فقال عمرو: إذا أخرج إليه ولا أقول كما قال مروان، فقال معاوية: وكيف تقول ذلك وقد قدمتك وأخرته وأدخلتك وأخرجته وأعطيتك وأحرمته! فقال عمرو: # ولا عليك يا معاوية! فوالله قدمتني كافيا وأدخلتني ناصرا (5). # PageV03P092 # قال: ثم خرج عمور نحو الأشتر في زهاء أربعمائة رجل من أبطال أهل الشام، قال: ونظرت مذحج إلى عمرو وقد خرج إلى الأشتر في هذه الخيل، فصار إلى الأشتر زهاء مائتي رجل من النخع وقبائل مذحج، وتقدم عمرو بن العاص أمام الخيل وهو يرتجز ويقول: # يا ليت شعري كيف لي بمالك * كم حالك قد حيه وحالك (1) وفاتك قد قدته 0 2) وفاتك * ونابل فتكته وباتك وفارس طاح (3) بوجه حالك * هذا وهذا عرضة المهالك قال: فقصده الأشتر وهو يقول: # يا ليت شعري كيف لي بعمرو * ذاك الذي أوجبت فيه نذري ذاك الذي أطلبه بوتري * ذاك الذي فيه شفاء صدري ذاك الذي إن ألقه لعمري * تغلي به عند اللقاء قدري قال: وحملت الخيلان بعضها على بعض، وأفضى الأشتر إلى عمرو ليطعنه، فراوغه عمرو فلم تغن المراوغة شيئا، فطعنه الأشتر طعنة أراد بها بطنه فوقعت الطعنة في السرج، فكسر القربوص وانقطع الحزام واللبب، وانكسر الرمح في يد الأشتر وسقط عمرو على وجهه، فانهشم أنفه واندقت رباعيته، وجالت الخيل بين الأشتر وبين عمرو، فانفلت عمرو لما به. فقال له مروان: أبا عبد الله! ما شأنك؟ فقال عمرو: قد ترى ما أنا فيه، فقال: لا عليك فإنك قد أخذت مصر بهذا وأشباهه. # قال: فغضب لعمرو غلام من حمير (4)، ثم خرج نحو الأشتر وهو يقول: # إن كان (5) عمرو قد علاه الأشتر * فذاك والله لعمري مفخر يا عمرو يكفيك الطعان حمير * واليحصبي بالطعان أمهر دون اللواء اليوم موت أحمر * وأسمر فيه سنان أزهر # PageV03P093 # قال: فنظر إليه الأشتر فإذا هو غلام حدث، فاستحيى أن يقدم عليه وتنحى وأقبل على ابنه إبراهيم وقال: يا بني! اخرج إلى هذا الفتى فإنه من أقرانك! قال: # فخرج إليه إبراهيم بن ms0564 الأشتر وهو يقول: # يا أيها السائل عني لا ترع * أثبت فإني من عرانين النخع لكي (1) ترى وطعن العراقي الجذع * أو أن تراني في الوغى كيف أقع (2) قال: وتطاردا جميعا، وشد عليه إبراهيم بن الأشتر فطعنه طعنة دق منها ظهره. واختلط الفريقان فاقتتلوا قتلا شديدا وكثر القتل في أهل الشام، واستحيوا أن يولوا الادبار، فلم يزل يصابر بعضهم بعضا إلى أن جاء الليل فحجز بين الفريقين. # وانصرف (3) أهل الشام يومهم ذلك حتى إذا أصبح (4) القوم وثبوا فعبوا صفوفهم. # قال: فدعا معاوية برجل من سادات أهل الشام من بني عبس يقال له عقيل بن مالك، وكان من نساك أهل الشام، فقال معاوية: خبرني عنك، ما الذي يمنعك من قتال علي وأصحابه وأنت فارس أهل الشام؟ فقال: يمنعني والله من ذلك شك قد خامر قلبي يوم التقى عمرو بن العاص وعمار بن ياسر وذو الكلاع وأبو نوح، ثم أنشأ يقول: # أه بطعن القوم ثم يكفني * عن القوم جزل في الفؤاد دخيل أخاف التي فيها الهلاك وإنني * عن الترك للحرب العوان ثقيل أأطعن عليا بالصواب موكلا * وذاك الذي يقنى إليه يؤول وليس بأهل للخطاء وإنني * لتلك التي تسمو بها لبخيل وقلت لنفسي إذ خلوت ببثها * لك الخير قولي في البلا وأقول فجاءت بما لا ينبغي فرددتها * وردي عليها ما علمت طويل وقلت لها هاتي من الناس مثله * فجاشت وقالت إنهم لقليل # PageV03P094 # فقلت له هذا ومن علمت له * مطايا لها بالرقمتين ذميل أأعطى عليا ما يريد نبيه * وليس إلى هذا الجواب سبيل وقالوا علي قد تناول حزمه * لها في صدور السامعين غليل فقلت ألا لله در أبيكم * وللناس إلا سائل وسؤول ألا أخبرونا والحوادث جمة * أما كان للقوم الشهود عقول أيرضي عليا أهل بدر وأنه * عليهم حراما إن ذا لجليل فيا ليت شعري ما الذي أنا صائر * إليه إذا ما قيل مات عقيل قال: ولم يلبث الرجل إلا قليلا حتى مات، فقال أهل الشام: إن معاوية قد قتله. # قال: ودنا بعضهم من بعض وقد تعالى ms0565 النهار، وكان أول من تقدم إلى الحرب الأصبغ بن نباتة (1) وكان من خيار أصحاب علي رضي الله عنه، فتقدم وفي يده راية صفراء وهو يقول: # حتى متى ترجو البقا يا أصبغ * إن الرجاء بالقنوط يدمغ أما ترى أحداث دهر تنبغ * وهامة تحت العجاج تبلغ فادبغ هواك والأديم يدبغ * والرفق فيما قد (2) علمت أبلغ اليوم شغل وغدا لا يفرغ * إن ساغ هذا فلذاك أسوغ قال: ثم حمل فلم يزل يقاتل خضب الراية من دماء أهل الشام، وأزال معاوية عن مكانة، ثم رجع إلى موقفه. # برز رجل من أصحاب معاوية يقال له عوف بن مجزأة المرادي حتى وقف بين الجمعين وهو يرتجز ويقول: # بالشام عمرو ليس فيه خوف (3) بالشام عدل ليس فيه حيف بالشام جود ليس فيه سوف * أنا المرادي ورهطي رؤوف (4) # PageV03P095 # أنا ابن مجزاء واسمي عوف * هل من عراقي عصاه سيف قال: فخرج إليه رجل من أهل الكوفة يقال له الكعبر (1) بن جدير الأسدي وهو يقول: # الشام محل والعراق تمطر * الشام فيها أموري مغور إمام سوء وطليق معذر * أنا العراقي واسمي كعبر (1) ابن جدير وأبوه المنذر قال: ثم حمل كعبر (1) على الشامي فقتله، والتفت فإذا هو بمعاوية على تل عظيم قد وقف في نفر من أصحابه (2)، فقنع كعبر (3) فرسه وحمل نحو معاوية، فقال معاوية: هذا رجل مستأمن إلينا، لا شك في ذلك، حتى صار كعبر قريبا من معاوية، حمل على خيله فجعل يطعن في أعراضها، ثم يحمل على معاوية لا يريد غيره، وقام أهل الشام في وجهه بالسيوف والرماح فلم يقدر عليه، فقال كعبر: يا بن هند! # أنا الغلام الأسدي، ثم قنع فرسه ورجع إلى عسكره. فقال له علي: ويحك يا كعبر! ما الذي أردت أن تصنع؟ فقال: رجوت والله يا أمير المؤمنين أن أطعن معاوية طعنة أريح البلاد والعباد منه. قال: فتبسم علي رضي الله عنه ثم قال: لله درك يا كعبر. قال: ثم أنشأ كعبر يقول في ذلك: # قتلت المرادي الذي جاء باغيا * ينادي وقد ثار العجاج نزال يقول ms0566 أنا عوف بن مجزاة الذي (4) * لقي ابن مجزاة لضيغم أشبال فقلت له لما علا القوم صوته * منيت بمشبوح الذراع طوال فأوجرته في معظم النفع صعدة * ملأت بها رعبا قلوب رجال وغادرته يكبو صريعا لوجهه * ينادي مرادي في مكر مجال وقنعت مهري آخذا جهد حربه * أضربه في حومة بشمالي (5) أريد به التل الذي فوق رأسه * معاوية الجاني لكل خبال # PageV03P096 # مجدا ومهري يعرف الجري جامحا * بفارسه أو تاركا لضلال (1) فلما رأوني أصدق الطعن فيهم * جلا عنهم رجم الغيوم (2) فعالي وقام رجال دونه بسيوفهم * وقام رجال دونه بعوالي فلو نلته نلت التي ليس بعدها * من الامر شيء غير قيل وقال ولو مت في نيل له ألف ميتة * لما قلت قد نالت ولست أبالي قال: وأقبل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وفي يده رمح له في رأسه عذبة سوداء وهو يرتجز ويوقل: # أنا ابن سيف الله ذاكم خالد * أضرب بكل (3) مفصل وساعد بالجهد لا بل فوق جهد الجاهد * ولست (4) فيما نابني بالراقد قال: فقصده جارية بن قدامة السعدي وهو يقول: # أثبت لصدر الرمح يا بن خالد * أتاك ليث مخدر كالجارد (5) من أسد خفان طويل الساعد * بنصر خير راكع وساجد من حقه عندي كحق الوالد * ذاك علي كاشف الأوابد ثم طعنه طعنة خرق درعه ووصل السنان إلى جسمه، فرجع إلى معاوية مجروحا. # وخرج أبو الأعور السلمي نحو أصحاب علي وهو يرتجز ويقول: # اليوم يوم قبله ما قبله * إني لحاذي كل حاذ بغله باسط قبل الحذار رحله * ألا ولا أعدو قبولا فعله قال: فقصيدة زياد بن كعب بن مرحب الهمذاني وهو يقول: # يا أيها الشامي رويدا إنني * أنصر شيخا غير ذي تلون ليس ابن هند ما حييت معتني * إني من الذين عن تيقن # PageV03P097 # قال: ثم طعنه الهمذاني طعنة رده إلى معاوية جريحا. # قال: فصاح معاوية: يا أهل الشام! لا تقصدوا بحربكم غير همذان، فإنهم أعداء عثمان بن عفان. قال: فسمع ذلك سعيد بن قيس الهمذاني، فجمع بني عمه من همذان وحلفاءهم ومواليهم ثم حمل وحملوا ms0567 معه عل جمهور أصحاب معاوية، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فأنشأ زياد بن كعب الهمذاني (1) يقول في ذلك. # ألا يا بن هند قرت العين إذ رأت * فوارس من همذان زيد بن مالك (2) على صافنات (3) للقاء عوابس * طوال الهوادي مشرفات الحوارك موقرة في الطعن في نقراتها * يجلن ويجلبن القنا بالسنابك (4) رماك علي يا بن هند بجحفل (5) * فلو لم يفته كنت أول هالك فكانت له في يومه عند ظنه * وفي كل يوم أسود (6) اللون حالك وكانت بحمد الله في كل كربة * حصونا وعزا للرجال الصعالك ونحن خصبنا البيض من حي حمير (3) * وكندة والحي الخفاف السكاسك وعك ولخم سائلين سياطهم * حذار العوالي كالإماء العوارك (8) فقلنا حماة الشام لا در درهم * بسمر العوالي والسيوف البواتك يماتون قد ذاقوا الحمام وقد مضوا * على شر دين في جحيم المهالك قال: وجاء الليل فحجز بين الفريقين، فجعل أبو سماك الأسدي يجول في التقلى ومعه إداوة من ماء وشفرة قد وضعها في حجزته، فإذا وجد الرجل الجريح وبه رمق يقعده ويقول: من أمير المؤمنين؟ فإن قال: علي بن أبي طالب غسل عنه الدم وسقاه من مائه، وإن سكت وجأه بالشفرة أبدا حتى يموت. # PageV03P098 # قال: وأصبح (1) القوم وتعبوا للحر ب، وكان علي رضي الله عنه لا يعدل بربيعة أحدا من شدة محبته لهم، فشق ذلك على مضر، فأظهروا الفسح لمعاوية وأبدوا ما في أنفسهم لمعاوية، فأنشأ الحضين بن المنذر الربعي يقول في ذلك. # رأت مضر صارت ربيعة دونها * شعار أمير المؤمنين وذا الفضل وأبدوا إلينا ما تجن صدورهم * علينا من البغضاء هذا له أصل فقلت لهم لما رأيت رجالهم * عيونهم خزر كأن بهم ثقل (2) إليكم إليكم لا أبا لأبيكم * فنحن لنا شكل وأنتم لكم شكل (3) ونحن أناس خصنا الله بالتي * وأنا لها أهلا وأنتم لها أهل فأبلوا بلانا أو أقروا بفضلنا * ولن تلحقونا الدهر ما حنت الإبل قال: فغضب مضر من قول الحضين بن المنذر، فقام أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني (4) في وجوه بني كنانة فسكنهم، وقام عمير بن ms0568 عطارد بن حاجب في وجوه بني تميم، وقام قبيصة بن جابر في وجوه بني أسد، وقام عبد الله بن الطفيل العامري في وجوه هوازن، فسكن كل رئيس من هؤلاء الرؤساء قومه أن لا يغضبوا فيكون بين ربيعة ومضر ما لا يحسن إذ كانوا إخوة وبني أعمام. # ثم تكلم أبو الطفيل الكناني فقل: يا أمير المؤمنين! إننا والله ما نحسد قوما خصهم الله بالخيرات إن أخذوه (5) وشكروه، وإن هذا الحي من ربيعة قد ظنوا أنهم أولى بك منا وأنك لهم دوننا، فأعفهم من القتال أياما، واجعل لكل امرئ منا يوما نقاتل فيه، فإننا إذا اجتمعنا في الحرب اشتبه عليك بلاؤنا في القتال (6). # قال: فتقدم أبو الطفيل عامر بن واثلة في قومه من بني كنانة، فقاتلوا وطاعنوا فأحسنوا الطعان والضراب، وجعل أبو الطفيل يرتجز ويقول: # PageV03P099 # قد صابرت في حربها كنانه * والله يجزيها بها جنانه من أفرغ الصبر عليه زانه * أو غلب الشر (2) عليه شانه أو كفر الله فقد أهانه * غدا يعض من ندم بنانه قال: فقاتلوا قتالا شديدا حتى أنكوا في أهل الشام يومهم ذاك إلى الليل، إلى أن أقبل أبو الطفى إلى لي رحمة الله عليه فقال: يا أمير المؤمنين! إنك قد أخبرتنا من قومنا، فقتيلنا شهيد وحقنا (3) تأثر، فاطلب بمن بقي بثأر من مضى، فإننا وإن كنا قد ذهب صفونا وبقي كدرنا فإن لنا دينا لا يميل به الهوى، قال: وأثنى عليه خيرا وجزاه وقومه خيرا. # فلما كان من الغد تقدم عمير بن عطارد التميمي في قومه من بني تميم وجعل يقول: يا بني تميم! إنني أتبع في آثار أبي الطفيل فاتبعوا أنتم آثار بني كنانة! ثم تقدم برايته وجعل يرتجز ويقول: # قد صابرت في حربها تميم * إن تميما حقها (4) عظيم لها حديث ولها قديم * إن الكريم نسله كريم ثم حمل مع قومه فطعن برايته حتى خضبها، وقاتل أصحابه قتالا شديدا حتى أمسوا. # وأقبل عمير إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين! إنه قد كان ظني بقومي حسنا وقد رأيت منهم ms0569 فوق ظني بهم، قاتلوا على كل جهة وبلغوا الجهد في عدوهم، فقال له علي رضي الله عنه: صدقت قد كان ذلك، ثم أثنى عليه وعلى قومه خيرا. # فلما كان من الغد قبيصة بن جابر في قومه من بني أسد، ثم قال: يا بني أسد! أما أنا فلا أقصر عن فعل صاحبي، وأما أنتم فذلك إليكم، ثم تقدم برايته فخضبها من دم أهل الشام وجعل يرتجز ويقول: # PageV03P100 # قد حافظت في حربها بنو أسد * ما مثلها تحت العجاج من أحد أقرب من يمن وأنأى من نكد * كيما يبارز لي ثبيرا واحد (1) لسنا بأنكاس ولا بيض البلد (2) * لكننا أمجد من حي معد (3) كنت ترانا في العجاج كالأسد * يا ليت روحي قد أبانت (4) عن جسد قال: فقاتل القوم قتالا شديدا حتى أمسوا. # ثم أقبل قبيصة إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! إن استهانة النفوس في الحرب أبقى لها في الدنيا، والقتل خير لها في الآخرة. فلما كان من الغد خرج عبد الله بن الطفيل العامري في قومه من هوازن، فقاتلوا قتالا حسنا حتى ضج أهل الشام من طعانهم وضرابهم، وجعل عبد الله بن الطفيل يرتجز ويقول: # قد صابرت (5) في حربها هوازن * أولاك قوم لهم محاسن قوم لهم صبر (6) وجاش ساكن * طعن مداريك وضرب واهن هذا وهذا كل يوم كائن قال: واشتد القتال بينهم إلى الليل. # ثم أقبل عبد الله بن الطفيل إلى علي فقال: كيف رأيت فعلنا في عدونا يا أمير المؤمنين! والله! لقد استكرهوني على الانصراف فاستكرهتهم على الرجعة، قال: # فأعجب عليا ذلك منه وأثنى عليه وعلى قومه خيرا، فأنشأ أبو الطفيل يقول: # تحامت كنانة في حربها * وحامت تميم وحامت أسد وحامت هوازن من بعدها * فما حام منا ومنهم أحد لقينا الفوارس يوم الخمي‍ * - س والعيد والسبت قبل الاحد وأمدادهم خلف أذنابهم * وليس لنا من سوانا مدد # PageV03P101 # لقينا قبائل أنسابهم * إلى حضرموت وأهل الجند (1) فلما تنادوا بآبائهم * دعونا معدا ونعم المعد فظلنا نفلق هاماتهم * ولم نك فيها ببيض البلد ونعم ms0570 الفوارس يوم الوغى (2) * فقل من عديد وقل في عدد وقل في طعان كفرغ الدلاء * وضرب عظيم كنار الوقد ولكن عصفنا بهم عصفة * وفي الحرب (3) بشر وفيها نكد طحنا الفوارس يوم العجاج * وسقنا الأراذل (4) سوق النقد وقلنا علي لنا والد * ونحن له في ولاة الولد قال: فاشتد هذا الشعر على معاوية وغمه شديدا، ثم إنه جلس ذات يوم وذلك بعد صفين وعنده يومئذ عمرو بن العاص وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم فذكروا هذه القصيدة، فم منهم أحدا إلا وشتم أبا الطفيل أقبح الشتيمة، وبلغ ذلك أبا الطفيل فأنشأ يقول: # أيشتمني عمرو ومروان ضلة * لرأي (5) ابن هند والشقي سعيد وحول ابن هند شائعون كأنهم * إذا ما استقاموا في الحديث قرود يعضون من غيظ علي أكفهم * وذلك غم لا أحب شديد وما سبني إلا ابن هند وإنني * بتلك التي يشجى بها لرصود كما بلغت أيام صفين نفسه * تراقبه والشامتون شهود فلم يمنعوه والرماح تنوشه * وطاعتهم رحب البنان عنود وطارت لعمرو في الفجاج (6) شظية * ومروان من وقع السيوف بعيد وما لسعيد همة غير نفسه * وكل التي يخشونها ستعود فتخطؤهم والحرب خطأ كأنهم * حمام وبازي في الهوى وصيود # PageV03P102 ### | ثم رجعنا إلى الخبر # قال: فلما كان من غد وثب معاوية ليعبي أصحابه كما كان يعبيهم من قبل، فرأى فيهم تثاقلا عن الحرب لما قد عضهم من السلاح، فقال: يا أهل الشام! إنه قد قربكم لقاء القوم من الفتح ولا عليكم، فإنكم إنما لقيتكم كتائب أهل العراق وقد قتل منكم ومنهم، وما لكم علي من حجة عتقت نفسي لصاحبهم فلا تعجلوا، قال: ثم أنشأ يقول: # لعمري لقد أنصفت والنصف عادة * وعاين طعنا في العجاج المعائن ولولا رجائي أن تبوءوا بنهزة * وأن تغسلوا عارا وعته الكنائن لناديت في الهيجا رجالا سواكم * ولكننا تحمي الملوك البطائن أتدرون من لاقيم قل جيشكم * ويفصل ما بين الرجال التباين (1) لقيتم صناديد العراق ومن بهم * إذا ضاعت الاظعان يحمى الظعائن (2) وما منكم من فارس دون فارس * ولكنه ما قدر الله كائن قال: ms0571 فقال (3) القوم: لقد صدق معاوية، والله لقد لقينا أسودا وأفاعي! قال: # ثم خفوا للحرب. # وعبي علي أصحابه كما كان يعبيهم في كل يوم، ثم خرج منقطعا من أصحابه حتى وقف على تل هناك وجعل يرتجز ويقول: # أنا علي فاسألوا بي تخبروا * ثم ابرزوا لي في الوغى وادبروا سيفي حسان وسناني يزهر * منا النبي الطاهر المطهر وحمزة الخير ومنا جعفر (4) * له جناح في الجنان أخضر وفاطم عرسي وفيها مفخر * هذا لهذا وابن هند محجر مذبذب مطرد مؤخر قال: فسمع معاوية كلام علي رضي الله عنه فقال: والله! لقد دعاني إلى # PageV03P103 # النزال حتى لقد استحييت من قريش (1)، قال: فقال له أخوه عتبة: اله عن كلام علي حتى كأنك لم تسمعه، فإنك تعلم أنه قد قتل غلامك حريثا وفضح عمرو بن العاص وليس أحد من العرب يقدم على مبارزة علي رضي الله عنه إلا وهو من نفسه آيس، فإياك ومبارزته! فإنه والله لئن برزت إليه لا شممت رائحة الحياة بعدها أبدا. # قال: وجعل (2) أهل الشام ينهون معاوية عن مبارزة علي، فقام أبرهة بن الصباح الحميري فقال: يا هؤلاء! أظن أن الله تبارك وتعالى قد أذن في هلاككم، ويحكم! خلوا بين الرجلين فليقتتلا، فأيهما (3) قتل صاحبه ملنا معه جمعيا. فبلغ قوله عليا رضي الله عنه فقال: صدق أبرهة، والله ما سمعت بخطبة مذ وردت الشام أنا بها أشد سرورا مني بهذه الخطبة! قال: فقال معاوية لأصحابه: نحوا هذا واجعلوه في آخر الصفوف، فإني أظنه مصابا في عقله، فقالت أهل الشام: لا والله يا معاوية! ما أبرهة بالمصاب في عقله وإنه لأكملنا عقلا ورأيا ودينا وفهما، ولكنك كاره في مبارزة علي. قال: فجعل معاوية وعمرو بن العاص ومروان بن الحكم يشتمون أبرهة بن الصباح ويلومونه على ما قال، فأنشأ أبرهة في ذلك يقول: # وقال أبرهة الصباح قولا * فخالفه معاوية بن حرب لان الحق أوضح من غرور * وأن الحق يدفع كل حرب (4) فكم بين المنادى من بعيد * ومن يغشى الحروب بكل عضب ومن يبغي اللقاء ومن ms0572 يلاقي * باسماح الطعان ولفح ضرب (5) أيشتمني معاوية بن حرب * وما شتمي له سخط بربي وعمرو إن يفارقه بقول * لان ذراعه بالعذر رحب وإني إن أفارقهم بديني * لفي سعة إلى شرق وغرب قال: فأرسل معاوية إلى أبرهة بن الصباح فترضاه ببر بعثه إليه، فرضي. # PageV03P104 # قال: وأقبل بسر بن (أبي) أرطاة على غلام له يقال له لاحق فقال له: ويحك يا لاحق! إني أرى معاوية قد كاع عن مبارزة علي وقد عزمت أنا على مبارزته فلعلي أقتله فأذهب بشهرته في العرب إلى آخر الدهر، فما الذي عندك من الرأي؟ فقال له لاحق: عندي من الرأي أنك إن كنت واثقا بنفسك وإلا فلا تبرز إليه، فإنه والله لأسد الأسود الشجاع المطرق، ثم أنشأ الغلام يقول (1): # فأنت له يا بسر إن كنت مثله * وإلا فإن الليث للضبع أكل فإنك يا بسر بن أرطاة جاهل * بآثاره في الحرب أو متجاهل معاوية الوالي وعقبة بعده * وسيف أبي سفيان للقرن نأكل أولئك أولى منك يا بسر إنه * علي فلا تقربه أمك هائل متى تلقه فالموت في رأس رمحه * وفي نفسه شغل لنفسك شاغل وما بعده في آخر الليل عاطف (2) * ولا قبله في أول الخيل حامل قال: فقال بسر لغلامه: ويحكم يا لاحق! وهل هو إلا الموت، والله لا بد من لقاء الله على أي الأحوال كان ذلك في موت أو قتل. # قال: ثم خرج بسر بن أرطاة إلى علي وهو ساكت لا ينطق بشيء خوفا من أن عرفه علي إذ هو تكلم. قال: ونظر إليه علي، فحمل عليه فسقط بسر على قفاه ورفع رجليه فانكشفت عورته، وصرف علي وجهه عنه، ووثب بسر قائما وسقطت البيضة عن رأسه، فصاحت أصحابه: يا أمير المؤمنين! انه بسر بن (أبي) أرطاة، فقال علي رضي الله عنه: دعوه فقد كان معاوية أولى بهذا الامر من بسر. # قال: فضحك معاوية من بسر ثم قال: لا عليك يا بسر! ارفع طرفك ولا تستحي، فقد نزل بعمرو مثل الذي نزل بك. قال: فصاح رجل من ms0573 أهل الكوفة: # ويلكم يا أهل الشام! أما تستحون؟ لقد علمكم عمرو بن العاص في الحروب كشف السوءات، ثم إنه أنشأ وجعل يقول (3): # PageV03P105 # أفي كل يوم فارس ذو كريهة (1) * له عورة وسط العجالة باديه يكف لها عنه علي سنانه * ويضحك منها في الخلاء معاوية بدت أمس من عمرو فنكس رأسه * وعورة بسر مثلها حذور حاذيه فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا * سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه فلا تحمدا إلا الخنا وخصاكما * هما كانتا والله للنفس واقيه فلولاهما لم تنجوا م سنانه * وتلك بما فيها من العود ناهيه قال، فكان بسر بن (أبي) أرطاة مرة يضحك من عمرو، ثم صار عمرو يضحك منه. وكان بسر بعد ذلك إذا لقي الخيل التي فيها علي تنحى ناحية. # قال: وتحامى أهل الشام عليا وخافوه خوفا شديدا، ونظر لاحق غلام بسر إلى ما نزل ببسر، فكأنه أحب أن يكون له ذكر في أهل الشام، فخرج على فرس له وجعل يجول في ميدان الحرب وهو يقول: # قل لعلي قوله ونافره * أرديت شيخا غاب عنه ناصره أرديت بسرا والغلام ثائره * وكلما أتى فليس ياسره قال: فحمل عليه الأشتر وهو يقول: # في كل يوم رجل شيخ بادرة * وعورة وسط العجاج ظاهره أبرزها طعنة كف آثره * عمرو وبسر رميا بالفاقره (2) قال: ثم طعنه الأشتر طعنة كسر منها صلبه، فسقط عن فرسه واضطرب ساعة ومات. # وحمل الأشتر والأشعث بن قيس وعدي بن حاتم وسعيد بن قيس وعمرو بن الحمق وسليمان بن صرد وجارية بن قدامة (3) في قريب من ألف رجل من أهل الحجاز والعراق على أهل الشام، فقلعوهم عن مواضعهم حتى ألحقوهم بسوادهم، وقتل منهم بشر كثير، ثم انصرفوا عنهم وقد أمسوا، فحجز الليل بين الفريقين. # قال: وأرسل معاوية إلى كل قرشي في عسكره فدعاهم في جوف الليل ثم # PageV03P106 # قال: العجب منكم يا معشر قريش! إنه ليس لاحد منكم في هذه الحروب مقال (1) يطول به لسانه غدا على الناس فيقول: فعلت في يوم صفين كذا وكذا. قال فقال الوليد بن عقبة: ولا ms0574 أنا يا معاوية؟ فقال: ولا أنت والله يا وليد ولا غيرك من قريش الشام! وما رأيت أحدا منكم خرج إلى حرب القوم إلا رجع مفضوحا، فشوها لي ولكم! أبهذا يؤخذ الامر من مثل علي وأصحابه؟ والله لقد وقوا عليا بأنفسهم ووقاهم علي بنفسه (2). # قال: فقال له مروان: إنك قد تكلمت فاسمع الجواب، قال معاوية: هات حتى أسمع! فقال مروان: إننا إن فاخرناهم فالفخر فيهم التقوى، وإن كان في الجاهلية فالملك لليمن، وإن كانت لقريش فإن العرب قد أقرت بالفخر لبني عبد المطلب وعلي من بني عبد المطلب، فبما ذا تفاخره؟ فقال معاوية: إنني لم آمركم بمفاخرته وإني أمرتكم بمثاقفته، قال: فسكت مروان. فتكلم عتبة بن أبي سفيان فقال: أما أنا فإني أخرج إلى جعدة بن هبيرة (3)، فقال مروان: بخ بخ! # جعدة رجل من بني مخزوم، أبو ه هبيرة بن أبي وهب المخزومي وأمه هانىء بنت أبي طالب، ولكن خبرني عنك إذا أنت لقيت جعدة بن هبيرة فماذا أنت صانع؟ فقال عتبة: ألقاه بالكلام وأقاتله بالحسام، قال: فسكت مروان. # وأصبح (4) الناس، فأرسل عتبة إلى جعدة فدعاه حتى واقفه، واجتمع الناس لكلامهما (5)، فقال عتبة: يا جعدة! إني قد علمت أنه ما أخرجك علينا إلا حب علي بن أبي طالب، وإننا والله ما نزعم أن معاوية أحق بالخلافة من علي لولا أمره في عثمان، ولكن معاوية أحق بالشام لرضا أهلها به، فاسأل خالك أن يعفو لنا عنها، فوالله ما بالشام رجل به طرف (6) إلا وهو أجد في حربكم من معاوية ولا بالعراق والحجاز من له مثل جد علي، وما أقبح بعلي أن يكون ملك نفسه وهو أولى الناس # PageV03P107 # بالناس. حتى إذا أصاب سلطانا أفنى العرب. # قال: فقال جعدة: أما حبي لخالي فوالله إنه لو كان كل (1) خال مثله لنسيت أباك، وأما فضل علي على معاوية، فهذا شيء لا يختلف فيه مؤمن، وأما رضاكم اليوم بالشام، فقد رضيتم بها أمس (ولم نقبل)، وأما جد أهل الشام في حربنا وجد أهل الحجاز والعراق مع علي، ms0575 فإن عليا مضى به يقينه وقصر معاوية شكه، وقصد أهل الحق خير من جد أهل الباطل، وأما قولكم إن عليا أطوع لنا من معاوية لكم، فوالله ما نسأله إن سكت ولا نرد عليه إن قال! لأنه ليس في عسكرنا أحد إلا وعلي أفضل منه، وفي عسكركم من هو أفضل من معاوية، وأما قتل العرب فإن الله تعالى قد كتب القتل والقتال، فمن قتله الحق فإلى الله والجنة، ومن قتله الباطل فإلى النار. # قال: فغضب عتبة بن أبي سفيان وعبس على جعدة وشتمه، ثم صاح بأهل الشام، وصاح جعدة بأهل العراق، وحمل (2) الفريقان بعضهم على بعض فاقتتلوا قتالا شديدا، وأسلم عتبة خيله وانهزم هزيمة قبيحة والسيف في قفاه، وتبعه أصحابه حتى صاروا إلى معاوية. فقال معاوية: يا عتبة! إننا لا نغسل من هذه الفضيحة رؤوسنا أبدا، كلمت جعدة فأربى عليك في الكلام، وقاتلته فقاتلك وفضحك، فقال عتبة: صدقت، ولست أعود إلى مثلها أبدا، فوالله لقد قاتلت وأعذرت وما كان لي على أصحابي في الحرب من عتب، ولكن أبي الله إلا ما أراد. قال: فحظي جعدة عند علي بذلك، وأنشأ النجاشي يقول: # إن شتم الكريم يا عتب خطب (3) * فاعلمنه من الخطوب عظيم أمه أم هانىء وأبوه * من لؤي بن غالب فالصميم (4) ذاك منها هبيرة بن أبي وه‍ * - ب أقرت بفضله مخزوم كان في حربكم يعد بألف * حين تلقى بها القروم القروم وابنه جعدة الخليفة منه * هكذا يخلف الفروع الأروم # PageV03P108 # كل شيء تريده فهو فيه * حسب ثاقب ودين قويم وخطيب إذا تمعرت الاوج‍ * - ه يشجى به الألد الخصيم وشكيم الحروب قد علم النا * س إذا حام (2) في الحروب الشكيم وصحيح الأديم (3) من كل عيب * (و) إذا كان لا يصح الأديم خاطب للعظيم في طلب الحم‍ * - د إذا أعظم الصغير اللئيم كل هذا بحمد ربك فيه * وسوى ذاك ساد (4) وهو فطيم قال: وشمت مروان بن الحكم بعتبة بن أبي سفيان، وكذلك الوليد بن عقبة وغيرهم من قريش الشام وعيروه بهزيمته وفضيحته حتى قيل فيه ms0576 هذه الأبيات (5): # ما زلت تنظر في عطفيك من جهل * لا يرفع الطرف منك التيه والترف (6) لا تحسب الناس إلا فقع قرقرة * وقد علاك بها التكثار والصلف (7) حتى لقيت بلا شك جحاجحة * حاموا على الدين والدنيا فما وقفوا أشجاك جعدة خيلا غير راجعة * إلا وسمر العوالي منكم جيف قد عاهدوا الله لن يثنوا أعنتها * عند الطعان ولا في قولهم خلف لما رأيتهم صبحا حسبتهم * أسد العرين حمى أشبالها الغرف (8) ناديت خيلك إذ غض الثقاف بهم (9): * خيلي إلي فما عاجوا ولا عطفوا هلا عطفت على قتلى مصرعة * منها السكون ومنها الأزد والصدف # PageV03P109 # قد كنت في منظر عن ذا ومستمع * يا عتب لولا سفاه الرأي والسرف فاليوم يقرع منك السن من ندم * ما للمبارز إلا العجز والكسف قال: وأصبح (1) القوم فعبى علي أصحابه وتقدمت الأنصار بين يديه براياتها وأعلامها، فقال معاوية: من هؤلاء الذين خرجوا في هذه التعبية؟ فقيل له: هؤلاء الأنصار. قال فدعا معاوية بالنعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد - ولم يكن معه من الأنصار غيرهما (2) - فقال لهما: يا هذان! ماذا لقيت من قومكما الأوس والخزرج قد وضعوا سيوفهم على عواتقهم وأقبلوا يدعون الناس إلى البراز! حتى إني والله ما أسأل عن فارس من فرسان الشام إلا قيل: قتله فلان الأنصاري، ألا ترجعون إلى أكل التمر والطفيشل (3) ويتركون الحروب لأهلها. قال: فغضب النعمان بن بشير من ذلك ثم قال: يا معاوية! لا تلم الأنصار على إسراعهم إلى الحرب، فإنهم هكذا كانوا في الجاهلية، وأما دعاؤهم الناس إلى النزال، فقد رأيتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيت بلاءهم بين يديه، وأما التمر فإنه كان لنا، فلما ذقتموه غلبتمونا عليه وشاركتمونا فيه، وأما الطفيشل فإنه كان لليهود، فلما ذقناه غلبناهم عليه. # قال: وبلغ ذلك قيس بن سعد بن عبادة، فقال: يا معشر الأنصار! إن ابن آكلة الأكباد قال كذا وكذا، وقد أجاب عنكم صاحبكم النعمان بن بشير، ولعمري لئن وترتموه في الاسلام فقد وترتموه في الجاهلية، وأنتم اليوم مع ذلك اللواء الذي ms0577 كان جبريل عليه السلام عن يمينه وميكائيل عن يساره، اليوم تقاتلون مع لواء أبي جهل بن هشام ولواء الأحزاب. # قال: فقالت الأنصار: يا بن سيد الخزرج! مرنا بأمرك فها نحن بين يديك. # قال: وكتب قيس بن سعد إلى معاوية. # يا بن هند دع التوثب في الحر * ب إذا نحن في الحروب ثوينا (4) نحن منك الغداة أقرب من أمس‍ * س وقد قرب القنا عسكرينا # PageV03P110 # نحن من قد رأيت فادن إذا شئ‍ * - ت بمن شئت في الحروب (1) إلينا إن برزنا في الجمع نلقك في الجم‍ * - ع وندعو في حربنا أبوينا (2) أي هذين شئته فخذنه * ليس منا وليس منك الهوينا ثم لا تبرح العجاجة حتى * ينجلي حربنا لنا أم علينا ليت ما تطلب الغداة أتانا * أنعم الله بالشهادة عينا إننا إننا الذين لك بالفت‍ * - ح شهدنا وخيبرا وخنينا بعد بدر وتلك قاصمة الظه‍ * - ر وأحد وبالنضير ثنينا يوم كان (3) الأحزاب قد علم النا * س شفينا من قبلكم واشتفينا قال: فلما انتهى هذا الشعر إلى معاوية أرسل إلى وجوه الأنصار الذين هم مع علي بن أبي طالب فشكا إليهم من قيس بن سعد. قال: فمشت الأنصار إلى قيس منهم البراء بن عازب وزيد بن أرقم وعبد الرحمن بن أبي ليلى وخزيمة بن ثابت والحجاج بن (عمرو) غزية وجماعة من الأنصار (4)، فقالوا: يا هذا! إن معاوية وإن كان عدوا لنا فإنه لا يريد شتمنا فكف عنه ولا تذكره! فقال ليس (5): كلا! إني لا أمسك عن شتمه أبدا حتى ألفي الله. # وتحركت الخيل من نحو معاوية، فظن قيس بن سعد أن معاوية فيها، فاستوى على فرسه وحمل على خيل معاوية حتى خالطها، ثم حمل على رجل منهم فقنعه بالسيف وهو يظن أنه معاوية، فإذا هو غير معاوية، ثم قنع آخر فقتله، وقنع ثالثا فقتله. قال: فتحاماه الناس وصاح معاوية: ويحكم يا أهل الشام! إذا رأيتم هذا الرجل في الحرب فاحترسوا منه، فإنه والله الأسد الضرغام، قال: ورجع قيس بن سعد إلى موقفه. وخرج رجل من أصحاب ms0578 معاوية يقال له: المخارق بن عبد الرحمن وكان فارسا بطلا حتى وقف بين الجمعين، ثم سأل النزال، فخرج إليه المؤمل بن # PageV03P111 # عبيد المرادي، فقتله الشامي ثم نزل إليه فاحتز رأسه وحك وجهه الأرض وكب الرأس على وجهه، ثم دنا منه فكشف عورته ونادى: هل من مبارز؟ فخرج إليه مسلم بن عبد ربه الأزدي، فقتله الشامي ثم فعل به كما فعل بالأول، ثم نادي: هل من مبارز؟ فلم يزل كذلك حتى قتل أربعة نفر واحتز رؤوسهم وكشف عوراتهم. # قال: فتحاماه (1) الناس خوفا منه، قال: ونظر إليه على رضي الله عنه وقد فعل ما فعل، فخرج إليه متنكرا وحمل عليه الشامي وهو لم يعرفه، فبدره علي بضربة على حبل عاتقه فرمى بشقه، ثم نزل إليه فاحتز رأسه وقلب وجهه إلى السماء ولم يكشف عورته، ثم نادى: هل من مبارز؟ فخرج إلى آخر فقتله علي رضي الله عنه وفعل به كما فعل بالأول، فلم يزل كذلك حتى قتل منهم سبعة أم ثمانية وهو يفعل بهم كما يفعل بالأول ولا يكشف عوراتهم. فأحجم الناس عنه وتحامته الابطال من أصحاب معاوية وردها عن معاوية عبد له يقال له حرب فكان فارسا لا يصطلى بناره، فقال له معاوية: ويحك يا حرب! اخرج إلى هذا الفارس فاكفني أمره، فإنه قد قتل من أصحابي من قد علمت، قال: فقال حرب: جعلت فداك؟ إني والله أرى مقام فارس بطل! لو برز (2) إليه أهل عسكرك لافناهم من آخرهم، فإن شئت برزت إليه وأنا أعلم أنه قاتلي، وإن شئت فابقني لغيره، فقال معاوية: لا والله ما أحب أن تقتل! فقف مكانك حتى يخرج إليه غيرك. قال: وجعل يناديهم ولا يخرج إليه واحد منهم، فرفع المغفر عن رأسه ثم قال: أنا أبو الحسن! ثم رجع إلى عسكره. فقال حرب لمعاوية: جعلت فداك! ألم أقل لك إني أعرف مقام الفارس البطل. # قال: ثم خرج فارس من فرسان أهل الشام يقال له كريب بن الصباح (3) حتى وقف بين الجمعين ثم سأل البراز، فخرج إليه ms0579 المبرقع (4) بن الوضاح (5) الخولاني فقتله الشامي، ثم سأل البراز فخرج إليه شرحبيل بن طارق البكري فقتله الشامي، ثم سأل البراز فخرج إليه الحارث بن الجلاح الحكمي فقتله الشامي، فخرج إليه # PageV03P112 # عباس (1) بن مسروق الهمذاني فقتله الشامي، ثم رمى جثتهم بعضها فوق بعض. # قال: فنظر علي رضي الله عنه إلى مقام فارس بطل، فخرج إليه بنفسه حتى وقف قبالته فقال له: من أنت؟ فقال: أنا كريب بن الصباح الحميري: فقال له علي رضي الله عنه: ويلك يا كريب! إني أحذرك الله في نفسك وأدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: ومن أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فالله الله في نفسك! فإن أراك فارسا بطلا، لك من لنا عليك ما علينا، فقال: ما أكثر ما سمعنا منك هذا وأشباهه، فدن مني! فقال له علي: ويحك يا كريب! ليدخلنك معاوية إلى نار جهن، فقال كريب: ادن مني إذا شئت، ثم جعل يلوح بسيفه وهو يقول: # من يشتري سيفي وهذا أثره؟ أضربه ضربا ولا أنتظره قال: فمشى إليه علي رضي الله عنه والتقيا (2) بضربتين، ضربه علي ضربة قتله، ثم وقف ونادى: من يبارز؟ فخرج إليه الحارث بن وداع (3) الحميري، فحلم عليه علي فقتله، فخرج إليه المطاع بن المطلب القيني فحمل عليه علي فقتله، فلم يزل كذلك حتى قتل أربعة من فرسان الشام، ثم نزل إليهم فرمى بأجسادهم بعضهم على بعض، وهو يقول: * (الشهر الحرام (بالشهر الحرام) والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعملوا أن الله مع المتقين) * (4). # قال: ثم صاح علي رضي الله عنه: يا معاوية! هلم إلى مبارزتي ولا تفنين العرب بيننا (5)، فقال معاوية: لا حاجة لي في مبارزتك، إنك قد قتلت أربعة من سباع العرب فحسبك. # قال: فصاح به رجل من أصحاب معاوية يقال له عروة بن داود الدمشقي فقال له: يا بن أبي طالب! إن كان معاوية قد كره مبارزتك فهلم إلى مبارزتي! فذهب علي ليبرز إليه، ms0580 فقال له أصحابه: نحن نكفيك هذا الكلب ولا تخرج إليه فما هو لك # PageV03P113 # بخصهم (1)، فقال علي! لا يبرز إليه غيري إذ قد سألني ذلك. ثم حمل عليه علي رضي الله عنه فالتقي الضراب، فضره عروة بن داود فلم يصنع شيئا، وضربه علي فجدله قتيلا، ثم قال: انطلق الآن فأخبر قومك بالذي عاينت، فوالذي بعث محمدا بالهدى ودين الحق لقد عاينت النار ولقد أصبحت من النادمين. قال فأنشأ ابن عم له يرثيه ويقول (2): # فقدت عروة الأرامل والايت‍ * تام يوم الكريهة الشغباء كان لا يشتم الجليس ولا ين‍ * كل يوم العظيمة النكباء (3) أمكن الله من علي سريعا * رب موسى وزمزم والصفاء يا لعين إلا بكيت (على) (4) عر * وة يوم العجاج والترباء فليبكيه نسوة من بني عا * مر من يثرب وأهل قباء رحم الله عروة الخير ذا النج‍ * دة وابن القماقم النجباء أرهقته المنون في قاع صفي‍ * ن صريعا مرملا بدماء (5) غادرته سيوف بدر واحد * (و) (6) من التابعين والنقباء تركوه بقاع صفين مصر و * عا سلوا (ذا) (6) الجواد بالحوباء قال: فجعل (7) أهل الشام يقول بعضهم لبعض: قبح الله البقاء والعيش بعد عروة بن داود، فما له بأرض الشام من خلف. وأنشأ عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري في ذلك يقول (2): # عرو يا عرو قد لقيت حماما * إذ تقحمت في حمى اللهوات أعليا لك الهوان تنادي * ضيغما في أباطل الحومات ليس لله فارس كأبي الشب‍ * لين ما أن نهاب (8) كر الكماة # PageV03P114 # عالما بالقضاء محتسبا بال‍ * خير يرجو الثواب بالبينات (1) ليس يخشى كريهة في لقاء * لا ولا ما يكون في الآفات فلقد ذقت في الجحيم نكالا * وضراب المقامع المحميات يا بن داود قد وقيت ابن هند * أن يكون القتيل بالمقفرات قال: وجاء الليل فحجز بين الفريقين. # وقد كان رجل من أهل الشام يقال له الأصبغ بن ضرار (2) (الأزدي) يخرج بالليل من عسكر معاوية فيكون حارسا وطليعة لمعاوية، قال: فندب له علي رضي الله عنه الأشتر وقال: إن قدرت عليه فخذه ولا تقتله وجىء به! # قال: ms0581 فاحتال عليه الأشتر فأخذه أسيرا من غير أن يقاتل، ثم جاء به إلى رحله ليلا فشد وثاقه ينتظر به الصباح، قال: وأيقن الرجل بالقتل وكان مفوها شاعرا، فأنشأ يقول (3): # ألا ليت هذا الليل أطبق سرمدا * على الناس لا يأتيهم بنهار يكون كذا حتى القيامة إنني * أحاذر في الاصباح ضرمة نار فيا ليل طبق إن فيك لراحة (4) * وفي الصبح قتلى أو فكاك إساري ولو كنت تحت الأرض تسعين واديا * لما رد عني ما أخاف حذاري فيا نفس مهلا إن للنفس غاية * فصبرا على ما فات (5) يا بن ضرار أأخشى ولي في القوم رحم قريبة * من الامر ما أخشى والأشتر جاري (6) ولو أنه كان الأسير ببلدة * أطاع بها شمرت ذيل إزاري ولو كنت جار الاشعث‌ الخير وكنى * وفر من الامر المخوف فراري وجاري المرادي العظيم وهانىء * وزحر بن قيس ما كرهت نهاري # PageV03P115 # فالا بعثني في الصباح بنعمة * يفك بها عني فقبري داري قال: فلما سمع الأشتر هذه الأبيات كأنها حركته، ثم غدا به الأشتر إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! هذا رجل أخذته البارحة أسيرا بلا قتال، ووالله لو علمت أن قتله أحب إليك لقتلته، وقد بات البارحة عندي وحركني بأبيات قالها، فإن أحببت قتله فاقتله، وإن (1) كنت فيه بالخيار فهبه لي! فقال: هو لك يا مالك! وإذا أصبت (منهم) أسيرا فلا تقتله، فإن أسير أهل القبلة لا يفادى ولا يقتل. فرده الأشتر إلى رحلة فأحسن إليه ورد عليه ما كان أخذ منه وأطلقه. # قال: وعزم (2) الفريقان على الحرب، وأقبل معاوية على هؤلاء الأربعة الرهط: مروان بن الحكم، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعبد الله بن عامر بن كريز، وطلحة الطلحات (3)، فقال: إن أمرنا وأمر علي لعجيب ليس منا إلا موتور، أما أنا فإنه قتل أخي وخالي يوما وشارك في قتل جدي، وأما أنت يا وليد فإنه قتل أباك بيده صبرا يوم بدر، وأما أنت يا طلحة، فإنه قتل أخاك يوم أحد وقتل أباك يوم الجمل وأيتم أخوالك، ms0582 وأما أنت يا عبد الله بن عامر فإنه أسر أباك وأخذ مالك، وأما أنت يا مروان، فإنه قتل ابن عمك عثمان بن عفان، ثم إنني أراكم قعودا عنه ما فيكم أحد يغير ولا يأخذه بثأره. فقال مروان: فما الذي تحب أن نصنع يا معاوية؟ فقال: أريد والله منكم أن تشجروه بالرماح فتريحوا العباد والبلاد منه، فقال مروان: الآن والله قد ثقلنا عليك يا معاوية إذ كنت تأمرنا بالخروج إلى حية الوادي والأسد العادي (5). # قال: ثم نهض مروان مغضبا، وأنشأ الوليد بن عقبة في ذلك يقول: # يقول لنا معاوية بن حرب * أما فيكم لواتركم طليب يشد على أبي حسن علي * بأسمر لا يهجنه الكعوب فيهتك مجمع اللبات منه * ونقع الموت (6) مطرد يثوب # PageV03P116 # فقلت له أتلعب يا بن حرب * كأنك بيننا (1) رجل غريب أتأمرنا بحية بطن واد * إذا نهشت فليس لها طبيب وما ضبع يدب ببطن واد * أتيح له به أسد مهيب بأضعف حيلة منا إذا ما * لقيناه وذا منا عجيب دعا في الحرب للهيجا رجالا (2) * تكاد قلوبهم منه تذوب كأن القوم لما عاينوه * خلال النقع ليس لهم قلوب لعمر أبي معاوية بن صخر * وما ظني بملحقه العيوب لقد ناداه في الهيجا علي * فأسمعه ولكن لا يجيب سوى عمرو وقته خصيتاه * نجا ولقلبه منها وجيب وبسر مثله لاقى جهارا * فأخطأ نفسه الاجل القريب (3) قال: فضغب عمرو من قول الوليد ثم قال: والله ما ظننت أن أحدا من الناس يعيرني بفراري من علي وطعنته إياي، ثم أقبل على الوليد بن عقبة فقال: إن كنت صادقا فأخرج إلى علي وقف له في موضع يسمع كلامك حتى ترى ما الذي ينزل بك من صولته، ثم أنشأ عمرو وجعل يقول (4): # يذكرني الوليد لقا علي * وصدر المرء محلاه الوعيد (5) متى يذكر مشاهدة قريش * يطر من خوفه القلب الشديد فأما في اللقاء فأين منه * معاوية بن صخر والوليد وعيرني الوليد لقاء ليث * إذا ما زأر هابته الأسود لقيت ولست أرهبه (6) عليا * وقد بلت من العلق اللبود (7) فأطلبه ويطعنني ms0583 خلاسا * فماذا بعد طعنته أريد فرمها منه يا بن أبي معيط * فأنت الفارس البطل النجيد # PageV03P117 # فأقسم لو سمعت ندا علي * لطار القلب وانتقخ الوريد ولو لاقيته شقت جيوب * عليك ولطمت فيها خدود قال: ودنا القوم بعضهم من بعض، ودعا علي رضي الله عنه بهاشم بن عتبة بن أبي وقاص فأعطاه الراية وقال: تقدم إلى أعداء القرآن وحزب الشيطان! # فأخذ هاشم الراية بيده وتقدم، وكان هاشم أعور وذلك أنه أصيب بعينه يوم اليرموك في جيش عمر بن الخطاب. # قال: فتقدم هاشم وعليه درع له سابغ وعلى رأسه قلنسوة ديباج وهو يرتجز ويقول: # أعور يبغي أهله خلاصا * مثل القسي (1) لابسا دلاصا يريد قوما رذلا انكاصا * لا جنة يرجو (2) ولا قصاصا كل امرئ وإن كبا وحاصا (3) * إقدامه في معمعة قماصا ليس له من يومه مناصا (4) قال: فخرج إليه رجل من أصحاب معاوية (5) وجعل يشتم عليا ويقول القبيح، فقال له هاشم: يا هذا! إن لهذا الكلام بعده الخصام، فاتق الله ولا تشتم فإنك راجع إلى ربك وإنه (6) مسائلك عن هذا الموضع وعن هذا الكلام، فقال الشامي: # وكيف لا أشتمكم ولا ألعنكم وقد بلغني عن صاحبكم أنه لا يصلي وأنكم لا تصلون! # فقال له هاشم: يا هذا الرجل! أما قولك إننا ما نصلي فوالله ما فينا أحد يؤخر الصلاة عن وقتها طرفة عين، وأما قولك عن صاحبنا أنه لا يصلي فوالله إنه لأول ذكر صلى من # PageV03P118 # هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لأفقه خلق الله في دين الله وأولادهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس معه أحد إلا وهو قارىء لكتاب الله عالم بحدود الله، ولا يغرنك هؤلاء الأشقياء المغرورون. فقال الشامي: يا هذا! ما أظنك والله إلا وقد نصحتني في ديني، ولكن هل من توبة؟ قال: نعم، إن تبت تاب الله عليك فإنه هو الذي يقبل التوبة عن عبادة ويعفو عن السيئات، قال: فقنع الشامي فرسه وركض، فصار إلى علي رضي الله عنه فكان معه. # قال: وتقدم هاشم بالراية ms0584 نحو القوم وهو يقول: # يا لك يوما مثل يوم اليرموك * يا لك من طحن رحا دموك يا لك منها من دم مسفوك * بالسيد الضخم وبالصعلوك أمشي وسيفي مشبه الفلوك * حتى أحل منزل الملوك إن الملوك ترحم المملوك ثم حمل على صفوف أهل الشام فجرح منهم خلق كثير وقتل منهم جماعة، ثم وقف ساعة ليستريح وهو في ذلك يقول شعرا، فحمل عليه رجل من أصحاب معاوية يقال له حمزة بن مالك الهمذاني وهو يقول شعرا يمدح فيه نفسه، فحمل عليه هاشم بن عتبة فطعنه طعنة فقتله، وحملت (1) جماعة من أهل الشام فأحاطوا به فلم يزل يطاعن (2) بالراية حتى استشهد (3) - رحمه الله -. # قال: وحمل رجل من أصحاب علي رضي الله عنه يقال له شقيق بن ثور العبدي علي أهل الشام، فكشفهم عن هاشم بن عتبة لكيلا يسلبوه، ثم أخذ الراية فرفعها وجعل يرتجز ويقول: # لا بأس قد قام بها شقيق * إن شقيقا في اللقا خليق و (4) درعه فإنه فتيق * بالطعن في يوم الوغى حقيق ثم حمل فقاتل حتى قتل. # PageV03P119 # قال: وتقدم عتبة (1) بن هاشم المقتول فرفع الراية وجعل يقول (2): # يا هاشم بن عتبة بن مالك * أعزز بشيخ من قريش هالك تخبطه الخيلان (3) بالسنابك * في أسود من نقعهن حالك أبشر بحور العين في الأرائك * والروح والريحان عند ذلك قال: ثم حمل فقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # قال: وتقدم أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني وهو يقول (4): # يا هاشم الخير دخلت الجنة * قاتلت في الله عدو السنة وتارك الحق وأهل الظنه * أعظم ما نلت به من منه صيرني الدهر كأني شنه * يا ليت أهلي قد علوني رنه (5) من ابنة وزوجة وكنه (6) قال: ثم حمل وقاتل قتالا شديدا وجرح جراحة منكرة فرجع القهقرى إلى ورائه. وتقدم عبد الله بن بديل (7) بن ورقاء الخزاعي كالليث المغضب، فجعل يحمل على ميمنة معاوية مرة وعلى ميسرته مرة أخرى، وليس يظهر له أحد إلا قتله وهو يقول (8): # أضربكم (9) ولا أرى معاوية * الابرج (10) العين العظيم الحاوية # PageV03P120 # هوت به في النار ms0585 أم هاوية * جاوره فيها كلاب عاوية قال: فصاح معاوية: ويلكم يا أهل الشام! هذا أسد من أسود خزاعة فاقصدوه بحربكم. قال فأحاط به أهل الشام من كل ناحية فلم يزل يقاتلهم حتى قتل منهم جماعة وقتل - رحمه الله -. فقال معاوية: لله دره ودر أبيه! أما والله لو استطاعت نساء خزاعة أن تقاتلنا فضلا عن رجالها لفعلت. # قال: وتقدم عمرو بن الحمق الخزاعي حتى وقف في ميدان الحرب وهو يقول (1): # جزى الله خيرا عصبة (2) أي عصبة * حسان وجوه صرعت نحو هاشم شقيق وعبد الله فيهم ومعبد * ونبهان وابنا هاشم والمكارم (3) وعروة لا تبعد فقد كان فارسا * إذا الحرب هاجت بالقنا والصوارم (4) إذا اختلف الابطال واشتبك القنا * وكان حديث القوم ضرب الجماجم ثم حمل فقاتل أشد القتال ورجع إلى موقفه. # قال: وحميت أهل الشام وعزموا على الموت، وتقدم سيد من ساداتهم يقال له حوشب ذو الظليم وهو يقول: # أهل العراق ناسبوا وانتسبوا * نحن اليمانيون منا حوشب أنا الظليم أين أين (5) المهرب * فينا الصفيح والقنا المغلب (6) والخيل أمثال الوشيح شذب (7) * إن العراق خيلها مذبذب قي قتل عثمان وكل مذنب * هذا علي فيكم محبب # PageV03P121 # قال: فخرج إليه سليمان بن صرد الخزاعي وهو يقول: # يا لك يوما كاسفا عصبصبا (1) * يا لك يوما لا يواري كوكبا (2) يا أيها الحي الذي تذبذبا * لسنا نخاف ذا الظليم حوشبا لان فينا بطلا مجرب * ابن بديل كالهزبر مغضبا أمسى علي عندنا محببا * نفديه بالام ولا نبقي أبا قال: ثم حمل عليه سليمان بن صرد فطعنه في بطنه طعنة أنفذ السنان من ظهره، فسقط حوشب قتيلا. قال: ودخل على معاوية من قتل حوشب مصيبة عظيمة. # قال: واشتد القتال بين الفريقين، قال: وحملت خيل الأنصار على أهل الشام فهزموهم حتى ألحقوهم بحريم معاوية وقتلوا منهم بشرا كثيرا، وقتل ذو الكلاع الحميري فيمن قتل (3)، واغتم (4) أهل الشام علي ذي الكلاع أشد من غمهم على حوشب وحملت أهل العراق على القلب وفيه معاوية وسادات قريش فكشفوهم عن مواضعهم، وعثرت بمعاوية فرس كانت تحته فسقط ms0586 إلى الأرض، وهم (5) به أهل العراق فحمله أهل الشام فأقلت سليب القلب لم يملك عقله، فأنشأ رجل من الأنصار يقول (6): # معاوي ما أفلت إلا بجرعة * من الموت (7) حتى تحسب الشمس كوكبا نجوت فقد أدميت بالسوط حية (8) * أزوما على فأس اللجام مشذبا # PageV03P122 # فلا تكفرنه واعلمن أن مثلها * إلى مثلها عالي بك الجري أو كبا فإن تفخروا بابني بديل وهاشم * فنحن قتلنا ذا الكلاع وحوشبا (1) ولما رأيت الامر قد جد جده * وقد كان يوما يترك الطفيل أشيبا صبرنا لكم تحت العجاج نفوسنا * وكان خلاف الصبر جدعا موعبا ولم تلف فيها خاشعين أذلة * ولم تك منا في الوغاء مذبذبا كسرنا القنا حتى إذا فني القنا * صبرنا وقلبنا الصفيح المجربا ولم يسر في الجمعين صارف وجهه * ولا ثانيا في رهبة الموت منكبا ولم تر إلا قحف رأس وساعد * وساقا ظنينا أو ذراعا مخضبا كأنا وأهل الشام أسد مشيحة * لخفان لا ينبين نابا ومخلبا قال: وانصرفت الفريقان يومئذ وقد نال أهل العراق من أهل الشام منالا قبيحا، فأنشأ أبو حية الأنصاري (2) عاقر الجمل (3) يوم البصرة يقول في ذلك. # سائل حبيبة معبد عن بعلها (4) وحليلة اللخمي وابن كلاع واسأل عدو الله عن أرماحنا * لما ثوى متجدلا بالقاع واسأل معاوية المولي هاربا * والخيل تعدو وهي جد سراع ماذا بخبرك المخبر صادقا * عنا وعنهم عند كل دفاع إن يصدقوك يخبروك بأننا * أهل الندى مستسمعو للداعي (5) ندعو إلى التقوى ونرعى أهلها * برعاية المأمون لا المضياع ونسن للأعداء كل مثقف * لدن وكل مهند (6) قطاع قال: وجعل معاوية يسأل عن رجل بعد رجل من فرسان أهل الشام فليس يسأل عن أحد إلا قيل قتل، حتى سأل عن الحارث بن المؤمل - وكان الحارث سيدا في أهل الشام - فقيل له قتل، قال: ومن قتله؟ فقيل له عبد الله بن هاشم (7). فقال # PageV03P123 # معاوية: أليس قد جرح عبد الله جراحات كثيرة؟ قالوا: بلى! ولكنه قاتل على ما به من الجراحات هو الذي قتل الحارث بن المؤمل، فقال معاوية: لئن أمكنني الله من عبد الله بن ms0587 هاشم لأفعلن به ولأصنعن. ### | حديث عبد الله بن هاشم مع معاوية # قال: فلما كان بعد ذلك وأفضى الامر إلى معاوية سأل عن عبد الله بن هاشم، فقيل: إنه بالبصرة في بني ناجية عند عجوز تداويه من جراحاته، فكتب إلى عامله بالبصرة أن اطلب عبد الله بن هاشم في بني ناجية، فإذا قدرت عليه فاحمله إلى في أسرع ما تقدر عليه. فلما ورد الكتاب على عامل البصرة بعث إلى بني ناجية فطلب عبد الله بن هاشم حتى ظفر به، فحمله إلى معاوية وسلم، فرد عليه السلام ونظر إليه، فإذا هو عليل مدنف سقيم قد تغير عن حالته التي كان عليها، فأمره بالجلوس، فجلس. قال: ونظر عمرو فقال: يا أمير المؤمنين! هذا المحتال بن المرقال، قال معاوية: نعم هذا المحتال بن المرقال، فهات ما الذي ترى فيه! # فقال: دونك الضب المضني (1) والنجف المعني، والعصا من العصية، وجزاء السيئة السيئة، ولن تلد الحية إلا الحية. قال: فالتفت إليه عبد الله بن هاشم فقال: # ما أنا بأول رجل خذله (2) قومه وأدركه يومه. قال عمرو: أمكني منه يا أمير المؤمنين حتى أشخب أوداجه على أثباجه (3)، فلبئس ما فعل هذا بنا وأبوه وأخوه بصفين، فقال له عبد الله: فهل (4) لا قلت ذا يا بن العاص بصفين وأنا أدعوك إلى البراز، وقد (5) أتتك هام الرجال من نقع الجريال، وتضايقت بك المسالك، وأشرفت فيها علي المهالك! وأيم الله لولا أن مكانك مني للبست (6) لك حافة أرميك منها بأحر من وقع الأسل، فإنك لا تزال (7) تكسر ركبتك وتخبط في كرسيك خبط العشواء في الليلة الظلماء. # PageV03P124 # قال فأعجب معاوية ما سمع من ابن هاشم، فأمر به إلى السجن ولم يقتله. # فأمر شاعر عمرو بن العاص إلى معاوية بهذه الأبيات (1). # أمرتك أمرا حازما فعصيتني * وكان من التوفيق قتل ابن هاشم أليس أبوه يا بن هند هو الذي * رماك علي يوم جز الغلاصم (3) فقتلنا (3) حتى جرت من دمائنا * بصفين أمثال البحور الخضارم فهذا ابنه والمرء يشبه شيخه (4) * ويوشك أن يقرع به سن ms0588 نادم قال: فبلغ ذلك عبد الله بن هاشم فكتب إلى معاوية بهذه الأبيات (5): # معاوي إن المرء عمرا أبت له * ضغينة صدر حرها غير سالم يرى لك قتلي يا بن هند وإنما * يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم على أنهم لا يقتلون أسيرهم * إذا كان فيهم (6) منعة للمسالم وقد كان منا يوم صفين نفرة * عليك جناها هاشم وابن هاشم مضى من قضاء الله فيها الذي مضى (7) وما ما مضى إلا كأضغاث حالم هي الوقعة العظمى التي تعرفونها * وكل على ما قد مضي غير نادم فإن تعف عني تعف عن ذي قرابة * وإن تر قتلي تستحل محارمي قال: فاستحيي معاوية من شعره، ثم أنشأ يقول: # أرى العفو عن عليا قريش وسيلة * إلى الله في اليوم العبوس القماطر ولست أرى قتلي الغداة ابن هاشم * بإدراك ذحل في تميم وعامر بل العفو منه بعد ما بان ريشه * وزلت به إحدى الحدود العواثر وكان أبوه يوم صفين جمرة * علينا فأردتنا سيوف المجابر # PageV03P125 # قال: ثم أخرجه معاوية من محبسه ذلك وكساه وأحسن إليه ووصله بعشرة آلاف درهم ورده إلى البصرة مكرما. ### | ثم رجعنا إلى الخبز # قال: وأصبح (1) القوم فعبى علي أصحابه وعبى معاوية أصحابه، ودنا (2) الفريقان بعضهم من بعض، وفي ميمنة علي يومئذ مذحج، وفي ميسرته بنو وائل من ربيعة، وفي القلب مضر، وفي ذلك يقول علي رضي الله عنه: # ما علتي وأنا جلد حازم * وعن يميني مذحج القماقم وعن شمالي وائل الخضارم * والقلب فيه مضر الجماجم والحق في الناس قديم دائم (3) قال: وتقدمت أصحاب معاوية مقنعين في الحديد على الخيل العتاق وبين أيديهم رجل يرتجز ويقول (4): # أعوذ بالله الذي قد احتجب * بالنور والسبع الطباق والحجب ليس كمل الله شيء يرتقب (5) * يا رب لا تهلك بأعلام العرب أمن ذوات الدين منا والحسب * القائلون الفاعلون في الحقب المانحون المطعون في الجدب * يوما عبوسا في عجاج منتقب (6) # PageV03P126 # فأنت حر. قال فتقدم حرب غلام معاوية وهو يرتجز ويقول: # إني أنا الحرب وما بي من خور * لكنني قرم أبي مشتهر ms0589 ذو صولة في المصميات الكفر * مولى ابن صخر وبه قد انتصر قال: ثم حمل وقاتل أشد قتال، فحمل عليه قنبر غلام علي رضي الله عنه فطعنه طعنة قتله. فاغتم معاوية لذلك غما شديدا فقال له بسر بن (أبي) أرطاة: ما لي أراك منكسر القلب على حرب! عليك بالتسلي عن حرب، واستعمل الشجاعة والصبر، فإنك كاتب النبي صلى الله عليه وآله وعامل عمر بن الخطاب وولي الخليفة المظلوم عثمان بن عفان، فقال معاوية: صدقت ولكن عليا يطول على بخصال شتى، بقرابته من الرسول، وقدمته في الاسلام، وبأسه في الحرب، فقال عمرو بن العاص: إنك إذا نظرت في هذا فإن له من الفضائل ما لا تحصى، أبوه سيد في بني هاشم وأمه سيدة في بني هاشم، وهو فقيه في حجر قريش، وقد بايعه (1) المهاجرون والأنصار، ولكن والله لنقاتلنه أو نرده على عقبيه صاغرا. قال: فلما سمع معاوية ذلك اشتد ظهره واجترى على الحرب. # فبلغ ذلك أصحاب علي رضي الله عنه، قال: فقال قيس بن سعد بن عبادة إلى علي فقال: أمير المؤمنين! لا يهولنك أمر ابن آكلة الأكباد، ومن معه من أصحابه، فوالله إنا لو قتلنا عن آخرنا حتى لا يبقى منا أحد لعلمنا أننا علي بصيرة من ديننا ويقين من أمرنا، فلا ترتفع بقول بسر بن (أبي) أرطاة فقبح الله بسرا وأصلاه نار جهنم. قال: فأثنى عليه علي رضي الله عنه وعلى قومه من الأنصار ثناء حسنا، فأنشأ قيس بن سعيد يقول: # نبثت بسرا أطال الله شقوته * قال المحال وعمرا دعوة العاص في عصبة الشام منهم كل ذي جيف * عاتي المقالة عند الحرب حياص قروا طليقا لامر ليس رغبتهم * إلا الفجور على ذي رغبة حاصي والراقصات بأشياخ محلقة * صلع الرؤوس كبيض الرأل جرياص ما في علي لأهل الشام من طمع * ليث العرين وأفعى بين أعياص (2) # PageV03P127 # كم من قتيل لأهل الشام قد سلبت * عنه الثياب كزق سائل شاص (1) قد كان يؤمل أن هاب العراق له * عرس سميط تراها ذات إخلاص لا تحسبن ms0590 يا بن هند في عداوتكم * كالمرء سعد أبي الزهري وقاص أو تحسبني كعبد الله في نفر * باعوا عليا بودان ومقلاص (2) أو كابن مسلمة الراضي بشبهته * لله فيما يماري ربه عاصي فالحرب توقدها الأنصار مشعلة * والطيبون رجال غير إنكاص قال: ثم صاح قيس بن سعد بالأنصار فحمل وحملوا معه على أهل الشام، فقاتلوا قتالا شديدا ورجعوا إلى مواضعهم. ### | ذكر مقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب # قال: وأقبل معاوية على عبيد الله بن عمر بن الخطاب فقال له: يا بن أخ! # هذا يوم من أيامك فلا عليك أن يكون منك اليوم بما يسر به أهل الشام، قال: فخرج عبيد الله بن عمر وعيه درعان سابغان وعلى رأسه بيض وعمامة حمراء، وهو متقلد سيف أبيه عمر بن الخطاب رضي الله حتى وقف بين الجمعين ودعا إلى البراز قال: فذهب محمد ابن الحنفية ليخرج إليه، فصاح به علي: مكانك يا بني! لا تخرج إليه، فقال له: ولم ذلك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن لو دعاني إلى البراز أبوه لخرجت إليه، فقال علي رضي الله عنه: مه يا بني! لا تقل في أبيه إلا خيرا. # قال: ونظر عبيد الله بن عمر أنه ليس يخرج إليه أحد فحمل على ميسرة علي، وفي الميسرة يومئذ ربيعة بن القيس وغيرهم من الناس، فجعل يطعن في خيلهم وهو يقول (3): # أنا عبيد الله سماني (4) عمر * خير قريش من مضى ومن عبر إلا رسول الله (5) والشيخ الأغر * قد أبطأت عن نصر عثمان مضر (6) # PageV03P128 # وسارع الحي اليمانون الغرر * والخير في الناس قديما يبتدر قال: فخرج إليه عبد الله بن سوار العبدي (1) وهو يقول: # قد سارعت في حربها (2) ربيعه * في الحق والحق لهم شريعه ما نهتك الاستار كالقطيعة * في العصبة السامعة المطيعه حتى تذوق كأسها القطيعة ثم طعنه العبدي طعنة في خاصرته جدله قتيلا (3)، فأنشأ الصلتان العبدي يقول في ذلك: # ألا يا عبيد الله ما زلت مولعا * بنكر لها تهدي اللقا (4) وتهددا كأن حماة الحي بكر بن وائل * بذي الرمث (5) نيران تحرقن ms0591 غرقدا وكنت سفيها قد تعودت عادة * وكل امرئ جار على ما تعودا فأصبحت مسلوبا على شر حالة * صريعا يرى وسط العجاجة مفردا تشق عليك الدرع عرس فجيعة * مفجعة تبدي الشجا والتلددا (6) فكانت ترى ذا الامر قبل عيانه * ولكن أمر الله أهدى لك الردا وقالت (7): عبيد الله لا تأت وائلا * فقلت لها: تعجلي وانظري غدا فقد جاء ما منيتها فتسلبت * عليك وأضحى الحب منها مقددا # PageV03P129 # قال: واختلفوا في قتله، فقال قوم: قتله حريث بن خالد، وقالت همذان: # بل قتله هانىء بن الخطاب، وقالت حضرموت: بل قتله هانىء (1) بن عمرو السبيعي، وقالت بنو بكر: بل قتله محرز بن الصحصح وأخذ سيفه ذا الوشاح. # والخبر الصحيح أن الذي قتله عبد الله بن سوار العبدي وصار سيفه إلى معاوية (2). # وقد رثاه كعب بن جعيل التغلبي (3) في قصيدة له حيث يقول: # ألا إنما تبكي العيون لفارس * بصفين أخلت (4) خيله وهو واقف تبدل من أسماء أسياف وائل * وكان فتى لو أخطأته المتالف تركن (5) عبيد الله بالقاع مسلما * يمج ذعافا والعروق نوازف (6) ينوء وتغشاه نواجع (7) من دم كما لاخ في جيب القميص الكفائف دعاهن (8) فاستمعن م أين صوته * فأقبلن عتبى والعيون ذوارف وقد صيرت حول ابن عم محمد * لدى (9) الموت شهباء المناكب شارف فما برحوا حتى رأى الله نصرها وحتى أنارت (10) بالأكف المصاحف تموج ترى الرايات بيضا (11) كأنها * إذا أجنحت للطعن طير عواكف جزى الله قتلانا بصفين خير ما * أثيب (12) عبادا غادرتها المواقف فهذا شاعر معاوية قد قال فيه قصيدة، وأما شاعر علي فلم يهجه ولكن قال فيه # PageV03P130 # هذه الأبيات (1): # يقول عبيد الله لما بدت له * سحابة موت تقطر الموت والدما ألا بالقوم اصبروا إن صبركم * أعف وأجحى عفة وتكرما فلما تدانى القوم للطعن حشدا * فخر (2) فلاقى الترب كفيه والفما وخلف أطفالا يتامى أذلة * وخلف عرسا تسكب الدمع بالدما وقد كان في الحرب المحلة باغيا (3) * وقد كان يحمي غيره إن تكلما ### | ذكر ما كان بعد ذلك من القتال # قال: فلما قتل عبيد الله بن عمر وتقدم معاوية ms0592 بين يديه ثمانون علما، كل علم منها في يد رئيس من رؤساء عسكره، وليس من علم إلا ومن ورائه خلق عظيم من أهل الشام، ورئيس هؤلاء بجميعهم رجل من حمير يقال له أصبح بن ذي الجوشن. # قال: فصاح علي بأصحابه، فتقدم عمار بن ياسر في نفر من سادات أهل العسكر حتى وقف (4) بين الجمعين وصاح بالناس، فاجتمع خلق عظيم من أصحاب علي رضي الله عنه، فكبروا واحملوا على أهل الشام واختلط (5) القوم للقتال، فتضاربوا بالسيوف حتى تقطعت وصارت كالمناجل، وتطاعنوا بالرماح حتى تكسرت،. ثم جثوا على الركب فتحاثوا بعضهم في وجوه بعض، ثم تعانقوا وتكادموا ثم افترقوا وتراموا بالحصى والحجارة ثم تحاجزوا. وقد قتل من الفريقين زهاء ألف رجل. # قال: فجعل الرجل من أهل الشام يمر على الرجل من أهل العراق فيقول: # كيف آخذ إلى رايات بني فلان؟ فيقول: ههنا لا حفظك الله ولا عافاك! ويمر العراقي على الشامي فيقول: كيف آخذ إلى رايات بني فلان؟ فيقول: لا هداك الله ولا كلاك. قال. فأنشأ همام بن الأغفل الثقفي من أصحاب علي في ذلك يقول: # قد قرت العين من الفساق * ومن رؤوس الكفر والنفاق # PageV03P131 # إذ ظفرت (1) كتائب العراق * نحن قتلنا صاحب المراق وقائد البغاة والشقاق * ونحن أهل الدار والاخراق (2) لما لففنا ساقهم بساق * بالضراب والطعن مع العناق و سل بصفين لدى التلاق * لقد لقيناهم على المصداق (3) نجد بالسيف مع المراق * ضربا يدمي عكر الأعناق (4) قال: وجاء الليل فحجز بين الفريقين، فرجع بعضهم عن بعض، وأقبل إلى معاوية رجل من أجلاء أهل الشام (5) حتى وقف بين يديه، فقال: يا معاوية! إنه قتل منا في هذا اليوم سبعمائة رجل من مقاتلة أهل الشام، ولم يقتل من أصحاب علي إلا أقل من ذلك، وأنت الذي تفعل بنا ذلك، لأنك تولي علينا من لا يقاتل معنا، مثل عمرو بن العاص وبسر بن (أبي) أرطاة وعبد الرحمن بن خالد وعتبة بن أبي سفيان، و كل واحد من هؤلاء إنما يقاتل ساعة ثم يخرج من الغبار، فإن ms0593 وليت علينا رجلا مثله حتى نقاتل معه فذاك، وإلا فلا حاجة لنا فيك - والسلام -. قال: ثم ولى مغضبا و أنشأ يقول: # معاوي إما تدعنا لعظيمة * فنحن لها إن لم نحام على الحقب (6) فول علينا من يحوط ذمارنا * من الحميريين الملوك على العرب و لا تأمرنا بالتي لا نريدها * ولا تجعلنا للهوى موضع الذنب و لا تغضبنا والحوادث جمة، عليك فيفشو اليوم في جهر (7) الغضب أفي كل يوم لا يزال يقودنا * إلى الموت فجفاج إذا الحرب اقترب يحامي علينا ساعة ثم يمتري * بساقية خراج الغبار من الكرب (8) # PageV03P132 # يقول له والموت أهون جرعة * علينا من العار المهجن للحسب عليك العفا ما هبت الريح إننا * سنصبر إن لم يصبر القوم من هرب لعمرو وبسر والجبان ابن خالد (1) * وعتبة الفرار في حومة اللهب على أن عمرو البؤس في القوم مثله * ولكن رماه (القدر) (2) بالشؤم والعطب فليس له حظ سمين وإنما * يعيش الفتى بالحظ والدلو بالكرب قال: فدعاه معاوية فترضاه، وقال: يا أخا حمير! فإني لا أولي عليكم إلا من تحبون بعد هذا اليوم، وأنزل الأمر حيث تريدون. # قال: فلما كان من غد وثب معاوية فعبى أصحابه ثم قال: يا أهل الشام! دعوا ما مضى، إني أريد منكم اليوم أن تجدوا في حربكم وتقدموا عزمكم وتفرغوا مجهودكم، وسلوني حوائجكم. قال: فوثب عك والأشعريون فقالوا: يا معاوية! # إننا قد قاتلنا معك علي بن أبي طالب، ثم إن قلوبنا لتميل إليه لأننا لا نشك في حقه و لا نشك في باطلك، غير أننا قوم من أهل الشام فلم تحب أن تخرج أيدينا من طاعتك، وقد علمت أنه ليس لنا ضياع ولا قرى، إنما نحن أصحاب إبل وغنم، فنريد منك الفرض والقطائع والعقارات وإلا والله قلبنا أعنة الخيل إلى غيرك. فقال معاوية: نعم والله وكرامة لكم، فهاتوا ما الذي تريدون؟ قالت عك (3): أما نحن فإننا نريد الفرض والعطاء، وقال الأشعريون: نريد منك أن تقطعنا حوران (4) و التثنية (5) فيكون لنا ولعقبنا من بعدنا، فقال معاوية: فإني قد فعلت ذلك ms0594 وكرامة لكم. # قال: وبلغ أصحاب علي ذلك، فلم يبق خلق من أهل العراق ممن كان في قلبه مرض أو شك إلا وطمع في معاوية وشخص ببصره نحوه أو هم أن يصير إليه، # PageV03P133 # حتى فشا ذلك في الناس. قال: فوثب المنذر بن حفصة الهمذاني (1) إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين: إن عكا والأشعريين قد طلبوا من معاوية الفرض و العطاء والعقارات من حوران والثنية وغير ذلك، قد باعوا الدين بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى، ونحن قد رضينا بالآخرة من الدنيا، وبالعراق من الشام وبك من معاوية، والله إننا لنعلم أن آخرتنا لأشرف (2) من دنياهم، وأن عراقنا لخير من شامهم، وأن إمامنا لأهدى من إمامهم، فعليك بالصبر واحملنا على الموت، فها نحن بين يديك وتحت ركابك، ثم أنشأ بعد ذلك يقول: # إن عكا سألوا الفرائض والأشعر * سألوا (3) حوران والثنية تركوا الدين للعقار وللفرض * فكانوا بذاك شر البرية و سألنا حسن الثواب من الله * وصبرا على الجهاد ونية فلكل ما سأله ويراه * كلنا يحسب الخلاف خطية و لأهل العراق أحسن في الحرب * إذا (4) كلت الرجال نقية و لأهل العراق اصبر في النقع * إذا ثارت العجاج عشية ولأهل العراق احمل للثقل * إذا عمت البلاد (5) بلية ولأهل العراق أعرف بالله * وبالدين والأمور السنية ليس منا من لم يكن لك في الله * وليا يا ذا الولا والوصية قد بذلنا النفوس في طاعة الله * لكيما تنال دارا علية حبذ القتل في السبيل فلا بد * لنا من ورود حوض المنية حسبنا منك ما يبلغنا اليوم * إلى مثله ورب البنية قال: فأدناه علي منه وقبل بين عينية، وقال: أبشروا! فإني أرجو من الله أن تكونوا ممن يجاور محمدا صلى الله عليه وآله وسلم غذا في جنة النعيم. # PageV03P134 # قال: ودنا (1) القوم بعضهم من بعض، فاقتتلوا ساعة وارتفع الرهج والقتام ساطعا في السماء، فقال عمرو بن العاص: ويحكم! على من القتام والغبرة؟ # فقالوا: على ابنيك محمد وعبد الله، قال: فصاح عمرو بغلامه وردان وقال: # و يحك يا وردان! قرب ms0595 إلي اللواء، فقال له معاوية: ليس على ابنيك بأس فلا تنقض الصف! فقال عمرو: إني ولدتهم ولم تلدهم. # قال: وتقدم وفي يده اللواء وهو يرتجز ويقول: # هل تعنين وردان عني قبرا * أو تعنين عن حبيب مسعرا و ابن خديج بيننا والمنذرا * إني أرى الموت أتاني أحمرا خالطت جمعا للمسمى حيدرا قال: فسمع علي شعره فجعل يرتجز ويقول: يا عجبا لقد رأيت منكرا * كذبا على الله يشيب الشعرا يسترق السمع ويغشى البصرا * ما كان يرضى أحمد لو خيرا أن يعدلوا وصية والأبترا (2) * شاني النبي واللعين الأحورا كلاهما بجنده قد عسكرا * قد باع هذا دينه إذ فجرا من ذا بدنيا بيعه قد خسرا * بملك مصر إن أصابا ظفرا (3) لا تحسبني يا بن عاص غمرا (4) * سل بي بدرا ثم سل بي خيبرا كانت قريش يوم بدر جزرا * إني إذا ما الموت يوما حضرا أضرمت ناري ودعوت قنبرا * قدم لوائي لا تؤخر حذرا لن ينفع الحاذر ما قد حذرا * ولا أخا الحيلة عما قدرا دعوت همذان وأدعو حميرا * لو أن عندي يوم حرب جعفرا أو حمزة الليث الهمام الأزهرا * رأت قريش نجم ليل أنهرا قال: ثم صاح علي بالأشتر فحمل في أهل الكوفة، وصاح بعبد الله بن عباس # PageV03P135 # فحمل في أهل البصرة، وحمل علي في أهل الحجاز، فما بقي لأهل الشام صف إلا انتقض. # قال: وجعل (1) أهل الشام ينظر بعضهم إلى بعض، ولا يقدرون على الكلام لما هم فيه من الدهش والهموم. قال: وترك الناس راياتهم وتفرق (2) أصحاب علي، فصار علي إلى رايات ربيعة فوقف معهم، وجعل أصحابه يطلبونه فلا يقدرون عليه، وأقبل الأشتر (3) جريحا وهو يلهث من العطش، فلما نظر إلى علي وهو واقف عند ربيعة كبر ثم قال (4): يا أمير المؤمنين! خيل كخيل ورجال كرجال، والفضل لنا إلى ساعتنا هذه والحمد لله، فعد إلى مكانك الذي كنت فيه فإن الناس إنما يطلبونك هنا لك. قال: وأقبل الحسن والحسين ومحمد ابن الحنفية وعبد الله بن جعفر و محمد بن أبي رضي الله عنهم ms0596 وغيرهم من أهل البيت وسيوفهم مخضوبة بالدماء، وأنشأ الأشتر يقول: # كل شيء سوى الإمام صغير * وهلاك الإمام خطب كبير قد أصبنا وقد أصيبت لنا اليوم * رجال بزل حماة صقور واحد منهم بألف كبير * إن ذا من ثوابه لكثير إن ذا الجمع لا يزال بخير * فيه نعمى ونعمة وسرور من رأى عزة البوصي علي * إنه في دجى الحنادس نور إنه والذي يحج له الناس * سراج لذي الظلام منير من رضاه إمامه دخل الجنة * عفوا وذنبه مغفور بعد أن يقضي الذي أمر الله * به ليس في الهدى لخبير قال: فقال عدي بن حاتم الطائي: يا أمير المؤمنين! إن قوما أنست بهم و كنت فيهم عند هذه الجولة (5) في هذه الحرب الشديدة لعظم حقهم عليك، والله إنهم لصبروا عند الموت وعند اللقاء، فقال علي رضي الله عنه: وإنهم لدرعي # PageV03P136 # وسيفي ورمحي. قال: وأنشأ رجل من ربيعة يقول (1): # أتانا أمير المؤمنين فحسبنا * على الناس طرا أجمعين بها فضلا على حين أن زلت بنا النعل زلة * ولم تترك الحرب العوان لنا نجلا و قد أكلت منهم ومن فوارسا * كما تأكل النيران في الحطب الجزلا فكنا له في ذلك الوقت جنة * وكنا له من دون أنفسنا نصلا فأبنا بفضل لم ير الناس مثله * على قومنا طرا وكنا له أهلا و قال لنا: أنتم ربيعة جنتي * ودرعي التي ألقي بأعراضها النبلا و رغبه فينا عدي بن حاتم * بأمر جميع صادق القول والفعلا فإن يك أهل الشام أودوا بهاشم * وأودوا بنبهان وأبقوا لنا ثكلا فابن بديل فارس كل بهمة * وغيث خزاعي به يدفع المحلا فهذا عبيد الله والمرء حوشب * وذو كلع أضحوا برايته قتلى قال: وجاء الليل فحجز بين الفريقين، ومر زيد بن عدي بن حاتم بخال له من طيء يقال له حابس بن سعد فرآه قتيلا، فوقف عليه ينظر إليه وقال: ليت شعري من قتلك! فقال رجل من بني حنظلة (2) من أصحاب علي رضي الله عنه: أنا قتلته، قال: ولم قتلته؟ قال: لأنه من أصحاب معاوية، قال ms0597 زيد: وإن كان من أصحاب معاوية فإنه خالي، ثم شد عليه زيد بن عدي فضربه على أم رأسه فقتله، ثم مر هاربا إلى معاوية فصار معه، فسر معاوية بمصير زيد بن عدي إليه، واغتم علي بن أبي طالب بقتل الحنظلي ولهرب زيد بن عدي. قال: واغتم عدي بن حاتم لذلك غما شديدا، وندم زيد بن عدي على ما فعل فأنشأ يقول: # تطاول ليلي واعتراني وساوسي * ببيعي الهدى بالترهات البسابس فتركي عليا في صحاب محمد * وقتلي أخا معن لمصرع حابس فيا ليت شعري هل لي اليوم توبة * أنا صح فيها الله وهو آئسي فإن تطمعوني اليوم أرجع تائبا * ولا أتقي إلا جدار الدهارس قال: فقام عدي بن حاتم إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! إن # PageV03P137 # ابني زيدا لا كلاه الله قد قرر بالظنة وهو موضع التهمة، غير أني إذا ذكرت مكانك من الله عز وجل ومن محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومكاني منك اتسع (1) جناني وطابت نفسي، وو الله لو وقع زيد في يدي لقتلته، ولو كان ميتا لما حزنت عليه، ثم أنشأ عدي يقول: # أيا زيد قد جرعتني منك غصة (2) * وما كنت للثوب المدنس لا بسا فليتك لم تخلف وكنت كمن مضى * وليتك إذا لم تمض لم تر حابسا ألا أن قد أغنى عدي بن حاتم * غناك وأمسى بالعراقين دانسا (3) و حامت عليه جرول وحماتها * وأصبح في الأعداء تفري الفوانسا (4) نكصت على العقبين يا زيد ردة * وأصبحت قد جدعت منا المعاطسا قتلت امرءا من خير مرء بحابس * فأصبحت مما كنت ترجوه آئسا قال: فبلغ زيد بن عدي ما قال أبوه، فخشي أن يقتل، فهرب أيضا من عند معاوية حتى لحق بخيل طيء، ولم يأت أباه حتى مات. # قال: وأصبح القوم وقدم كعب على معاوية من حمص، فقربه معاوية وأدناه و بره وكساه، قال: فجعل كعب يحدث معاوية بالرخص ولا ينكر عليه ما هو فيه من قتاله عليا. # قال: وعبى رضي الله عنه أصحابه، فقال عمرو بن ms0598 العاص لمعاوية: # ائذن لي أن آتي ميسرة علي فإنهم قوم من ربيعة وهم أخوالي، فلعلي أرد عنك بعضهم إذا أنا شككتهم في الذي هم فيه، قال: فقال معاوية: أبا عبد الله! أنا و أنت كما قال الأول: كبر عمرو عن الطوق (5)، أما أنا فإني لا أحب لك أن تصير # PageV03P138 # إليهم، فإن أحببت ذلك وأتيتهم فكن منهم على حذر. # قال: فأقبل عمرو على بغلة له شهباء حتى دنا من ميسرة علي رضي الله عنه، ثم نادى بأعلى صوته: يا أهل أمي! أنا عمرو بن العاص، فليخرج إلي رجل منكم! قال: فخرج إليه رجل بن عبد القيس يقال له عقيل بن ثويرة، فقال له عمرو: من أنت يا بن أخ؟ فقال: أنا رجل من عبد القيس، شهدت يوم الجمل، فأبلاني الله بلاء حسنا، وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس، وو الله إن لو كان بعدي رجل هو أعدى لك مني لما خرجت إليك، ويلك! أما تستحي وأنت شيخ قريش؟ # أنت تؤثر معاوية على علي، وتبيع دينك بمصر، وتنصر رجالا من الطلقاء على رجل من سادات المهاجرين والأنصار، قال: فتبسم عمرو ثم قال: يا بن أخ! أحب أن يخرج إلي غيرك، فقال الرجل: والله لا يخرج إليك إلا من هو مثلي في عداوتك، ثم رجع إلى أصحابه. # و خرج إلى عمرو رجل من بني تيم يقال له طحل بن الأسود بن ردلج، فقال له عمرو: من أنت يا بن أخ؟ فقال: أنا من لا يقيلك عثرتك ولا يقبل معذرتك ولا يرحم عبرتك ولا يبلعك ريقك، أما والله لقد أخذت دنيا دنية فانية بآخرة عند الله باقية، ولقد خالفت عليا وأنت لتعلم أنه خير من معاوية، فقال عمرو: ليس لهذا دعوتك يا بن أخ! ولكن هل فيكم رجل من عنزة؟ قال: نعم، قال عمرو: # فادعه (1) إلى. # قال: فرجع الرجل وخرج إلى عمرو رجل من عنزة فانتسب له، فرحب به عمرو، فقال له العنزي: أما الترحيب فإني أرده عليك، وأما السلام فإني لا أبالي ms0599 به، فلا تظن أني دون صاحبي اللذين خرجا إليك من قبلي، فو الله ما خرجت إليك إلا وأنا أريد أن أجيبك بما يسوءك، وأنا الذي أقول: # يضرب الشام يا إمامة بالحق * وأهل العراق بالتمحيص و ابن هند يدعو إلى النار * وكعب يدعو إلى الترخيص باعه القوم دينهم بمناه * عرض بيع من البيوع رخيص و علي يدعو العباد إلى الله * وفيما يقول عمرو نكوص # PageV03P139 # و عزيز عليه ما عنت القوم * حريص وذاك غير حريص يا حماة العراق لا تسأموا اليوم * في الضرب والطعان القريص أطلقوا هذه النفوس عن الفرش * وقرب النسا ولبس القميص واحملوها على مباشرة الموت * فما عن لقائه من محيص تغلبوهم والراقصات على الشام * بحكم الوصي للتمحيص فقال له عمرو: يا هذا! إنه ما أتاني أحد أشد علي منك، فأخرج إلي رجلا من بني هظيم. # قال: فرجع العنزي وخرج إلى عمرو رجل من بني هظيم فانتسب لعمرو، فإذا هو من أخواله، فقال له عمرو: إنه لم يلقني (1) أحد أحب إلي منك، لأنك من أخوالي، فالقني بالجميل حتى أفارقك. فقال: قل ما تشاء! فقال عمرو: إني إنما أتيتكم حمية مني لكم فلا تفضحوني، واعلموا أن العرب لا بد لها من ذكر صفين بعد هذا اليوم، فلا تنكسوا رأسي، واكفوني أمركم ودعونا وعليا وأصحابه، قال: فقال له الرجل: يا عدو الله! أتخطب إلينا عقولنا؟ فقال عمرو: لا لعمر الله ما أخطب إليكم عقولكم، ولكن شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري يزعم بأنكم لستم بأكفاء في الحروب، فلهذا جئتكم، قال: فقال له الهظيمي: اغرب! قبحك الله وقبح كلاعا كلها، وقبح لما جئت به. # فانصرف عمرو إلى عسكره وأنشأ يقول: # نبذت إلى أهل العراق رسالة * وصلت بها أرحام بكر بن وائل وقلت لهم إن اليماني ناصب * بها قومه الأدنين دون القبائل أنفت لكم إذ قال ما قال جاهلا * وما ذاك في قحطان أول جاهل كرهت ضرابا للعداة فإنما * أراد بذلك القول قطع الوسائل و إنكم لستم بأكفاء قومه * وإن كفاة القوم أهل الفضائل فقولوا ms0600 إذا لاقيتم القول قوله * ألا ليس منا القوم من لا يقاتل و إلا فأنتم بالذي قال نفعه * يتيهان للجرعاء أو شحم آكل قال: فطمعت ربيعة في ود عمرو بن العاص وجعل بعضهم يقول لبعض: إن # PageV03P140 # ابن أختنا غضب لنا لما كان من كلام ابن ذي الكلاع الحميري، قال: فوثب نعيم بن هبيرة الشيباني فقال: يا معشر ربيعة! لا تغتروا بمقالة عمرو بن العاص لكم، فكما حرضكم على أصحاب معاوية فكذلك قد حرض أصحاب معاوية عليكم، فاعلموا ذلك، ثم أنشأ يقول في ذلك: # تمنت رجال ود عمرو سفاهة * وفي وده والراقصات لنا الفنا أراد ورب البيت حقا فناءنا * وقال لهم مثل الذي قاله لنا يقول له دين ودنيا قليلة * وفي الدين يا بن العاص فيه لنا غنا فإن تك دنيا لا تدوم أخذتها * بدينك فاصبر عند مختلف القنا فلا تقبلوا منه الذي جاءكم به * فإن ابن عاص الله ما زال مفتنا إلى الله إلا أن صدرك واغر * وإن ابن هند واغر الصدر بالقنا قال: فدنا (1) القوم بعضهم من بعض، وجعل علي يقول لأصحابه: تقدموا على بركة الله وعليكم بالسكينة والوقار، وسيما الخير وزينة الإسلام، فإنكم إنما تقاتلون ابن آكلة الأكباد والأبتر ابن الأبتر (2) والوليد بن عقبة شارب الخمر المجلود في الإسلام (3)، وقبل اليوم ما قاتلوني وشتموني وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الهدى ودين الحق، وهم يدعونني إلى عبادة الأصنام، إن هذا لخطب جليل، إن فساقا كانوا عندنا غير مرضيين وعلى الإسلام وأهله متهمين، قد خدعوا شطرا من هذه الأمة، فأشربوا قلوبهم حب الفتنة، واستمالوا أهواءهم بالكذب والبهتان حتى نصبوا لنا الحرب، وجدوا في إطفاء نور الله، والله متم نوره ولو كره الكافرون، اللهم أقلل حدهم وشتت كلمتهم! فإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت. ### | خبر غرار بن الأدهم # قال: وخرج رجل من أهل الشام يقال له غرار بن الأدهم، ولم يكن بالشام رجل أفرس منه ولا أقدم في الحرب، فجعل يجول بين الصفين ويطلب البراز، فعرفه (4) الناس فتحاموه ولم ms0601 يخرجوا إليه. قال: فبينا هو كذلك إذ نظر إليه رجل من # PageV03P141 # أصحاب علي رضي الله عنه يقال له العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، فقال غرار بن الأدهم: من ذلك الفارس؟ فقيل له: العباس بن ربيعة الهاشمي، قال: فناداه غرار بن الأدهم: يا عباس! فوقف العباس فقال: قل ما تشاء! فقال: هل لك في البراز؟ فقال له العباس: هل لك في النزول؟ فإنه آئس للقفول، فقال: قد شئت ذاك. # قال: والعباس بن ربيعة على فرس له أدهم كالغداف، وعليه درع سابغ، و في يده سيف له، وكأن عينيه سراجا سليط، وعيناه يبصان من تحت المغفر كأنهما (1) عينا أرقم، فرمى بنفسه عن فرسه، ورمى غرار بن الأدهم بنفسه عن فرسه وهو يقول: # إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا * أو تنزلون فإنا معشر نزلوا قال: ثم جمع كل واحد منهما (2) فضلات درعه في منطقته، ودنا كل واحد منهما (2) من صاحبه، وكف (3) أهل العسكر من أعنة خيولهم ينظرون إلى الرجلين. # قال أبو العز التميمي: فو الله ما شبهتهم إلا بما قال أبو ذؤيب الهدلي حيث يقول: # فتنازلا وتوافقت (4) خيلاهما * وكلاهما بطل اللقاء مخدع (5) قال: ثم إنهما تضاربنا بسيوفهما (6)، فما قدر واحد منهما على صاحبه لكمال لأمته. # قال: وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ينظر إليهما فلا يقدر أحد على صاحبه. # PageV03P142 # قال: ونظر العباس بن ربيعة إليه وهو يتميز في الدرع الشامي أوتهن - فإن كان و هيا فإنه من السقوط، كما قال الله تعالى: (وانشقت السماء فهي يومئذ واهية) (1)، وإن كان وهنا فإنه من الضعف، كما قال الله تعالى: (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) (2). قال: فنظر العباس بن ربيعة إلى ذلك الوهن في الدرع الشامي، والتقيا (3) بضربتين، ضربه العباس بن ربيعة على ذلك الوهن فقده نصفين. # قال: فكبر (4) أصحاب علي رضي الله عنه وخنس (5) أصحاب معاوية، ثم عطف العباس بن ربيعة إلى فرسه فركبه واستوى عليه. # قال أبو العز التميمي: فقال له علي بن أبي طالب: يا أبا العز! من ms0602 المبارز لعدونا؟ فقلت: ابن شيخكم العباس بن ربيعة! قال: فصاح بن علي: يا عباس! يا أمير المؤمنين! أفيدعوني عدوي إلى البراز فلا أخرج إليه؟ فقال علي: نعم إن طاعة إمامك أوجب عليك من مبارزة عدوك. قال: ثم حول وجهه إلى ناحية القبلة ورفع كفيه وقال: اللهم! لا تنس هذا اليوم للعباس. # قال: والتفت معاوية إلى أصحابه فقال: ما الذي قتل غرار بن الأدهم؟ فقيل له: العباس بن ربيعة بن الحارث الهاشمي، فقال معاوية: أيها الناس! من خرج إلى العباس فقتله فله عندي من المال كذا وكذا، قال: فوثب رجلان لخميان من بني لخم من اليمن فقالا (7): نحن نخرج إليه، فقال: اخرجا (8) إليه فأيكما (9) سبق # PageV03P143 # إلى قتله فله من المال ما قد بذلت له وللآخر مثل ذلك. # قال: فخرجا جميعا حتى وقفا (1) في ميدان الحرب، ثم صاحا بالعباس ودعاه إلى البراز، فقال العباس: إن لي سيدا حتى استأذنه في ذلك. # قال: ثم جاء إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! هذان رجلان من أصحاب معاوية قد خرجا (2) ليدعواني إلى البراز، فقال له علي: ود معاوية أنه لا يبقى من بني هاشم نافخ ضرمة، ثم قال: إلى ههنا! فتقدم إليه العباس، فقال له علي: انزل عن فرسك واركب فرسي، وهات سلاحك وخذ سلاحي. قال: ثم نزل علي رضي الله عنه عن فرسه ورمى سلاحه إلى العباس وأخذ سلاح العباس، فلبسه واستوى على فرسه، ثم خرج حتى وقف بين الجمعين كأنه العباس في زيه و سلاحه وفرسه، قال: فقال له اللخميان: أذن لك سيدك! فقال علي: ليخرج من الكذب: (اذن للذين يقتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير). (3) قال: فتقدم إليه أحد الرجلين فالتقيا بضربتين، ضربه علي رضي الله عنه ضربة على مرق بطنه فقطعه نصفين. قال: فظن (4) الناس أنه أخطأه، ثم تحرك الفرس فسقط الرجل قطعتين، وغار فرسه وصار إلى عسكر رضي الله عنه. # قال: وتقدم الآخر فألحقه علي بصاحبه، ثم جال في ميدان الحرب وهو يقول: (الشهر الحرام ms0603 بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) (5). # قال: ثم رجع علي رضي الله عنه إلى موقفه وعلم معاوية أنه علي بن أبي طالب، فقال: قبح الله اللجاج! إنه لقعود ما ركبته إلا خذلت. قال: فقال عمرو بن العاص: المخذول والله اللخميان لا أنت، فقال: اسكت أيها الإنسان! # فليس هذه الساعة من ساعاتك، فقال عمرو: إن لم تكن من ساعاتي فرحم الله # PageV03P144 # اللخميين، ولا أظنه يفعل، فقال معاوية: إن لم يفعل فذاك أطبق لحجرك وأخسر لصفحتك. # قال: واختلط (1) الفريقان، فجعلوا يقتتلون من غير مبارزة، وراية بجيلة يومئذ في يد قيس بن مكشوح (2) فقال: يا معشر بجيلة! خذوا هذه من يدي وادفعوها إلى غيري، فإن غيري في هذا الوقت خير لكم مني، فقالوا: ما نريد غيرك، فقال قيس بن مكشوح: إذا والله لا رجعت حتى أنتهز (3) بكم إلى صاحب الترس المذهب قال: فتقدم قيس بن مكشوح وهو يرتجز ويقول: # إن عليا ذو أناة وصارم * جلد إذا ما حضر العزائم لما رأى ما يفعل الأشائم * قام قيام الذروة الأكارم (5) لا تستوي أمية وهاشم قال: ثم حمل بالراية حتى وصل إلى صاحب الترس المذهب، وصاح معاوية: ويلكم دونكم الرجل! فحمل عليه غلام لمعاوية رومي فضرب (6) يد قيس بن مكشوح فقطعها، وضربه قيس بسيفه فقتله، وأشرعت الأسنة إلى قيس بن مكشوح فقتل رحمه الله، وأخذ الراية بعده عبد الله بن قلع [الأحمسي] فقاتل (7) فقتل، وأخذ الراية أخوه عبد الرحمن بن قلع فقاتل فقتل، فأخذها العباس (8) بن # PageV03P145 # شريك فجرح، فأخذها مسروق بن سلم (1) فقتل، فأخذها صخر بن سمي فجرح، فأخذها عبد الله بن بزار (2) فقتل. # قال: فحملت جماعة من أصحاب علي رضي الله عنه، فتقدم عتبة بن جويرية (3) فقال: أيها الناس! إنكم قد ترون ما قتل من أصحاب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وإن مرعى الدنيا قد أصبح هشيما وأصبح شجرها حصيدا (4) وحلوها مر المذاق، ألا! وإني منبئكم بأمر صادق، إني قد ms0604 سئمت من هذه الدنيا وعزفت نفسي عنها، وقد كنت أتمنى الشهادة وأتعرض لها في كل جيش (5)، وفي وقتي هذا وقد طمعت أن لا أحرمها فما تنتظرون عباد الله في قتال أعداء الله! استبدلوا بالدنيا مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. # قال: فتقدم عتبة بن جويرية وتبعه أخواه (6) عوف وعبيد الله وهم يقولون: # اللهم! إننا نحتسب أنفسنا عندك، ثم إنهم حملوا وهم ثلاثة نفر، فخالطوا أهل الشام فقاتلوا حتى قتلوا منهم أعداد من قتل من أصحاب علي وقتلوا بعد ذلك - رحمة الله عليهم -. # قال: ثم حملت أهل العراق كما كانوا يحملون من قبل واختلطوا، وثار العجاج فلم يبصر أحد أحدا من شدة الغبرة، وجعل حجر بن عدي يقاتل في تلك الغبرة وهو يقول (7): # يا ربنا سلم لنا عليا * سلم لنا المهذب التقيا المؤمن المسترشد المرضيا * واجعله هادي أمة مهديا لا أخطل الرأي ولا بغيا * واحفظه ربي حفظك النبيا # PageV03P146 # فإنه كان لنا وليا * ثم اتخذه بعده وصيا قال: وجعل أبو شريخ الخزاعي يقاتل وهو يرتجز ويقول (1): # يا رب اقصم (2) كل من يريدنا * وكد إلهي كل من يكيدنا حتى يرى معتدلا عمودنا * إن عليا صادقا يقودنا و هو الذي بفهمه يؤونا (3) * عن قحم الفتنة إذ تريدنا قال: وجعل معقل بن قيس الرياحي يقاتل وهو يرتجز ويقول (4): # يا أيها السائل عن أصحابي * إن كنت تبغي خبر الصواب أخبرك عنهم غير ما كذاب * فإنهم أوعية الكتاب فقاتلوا يا معشر الأحزاب * صبرا على (5) الهيجاء والضراب قال: وانجلت الغبرة عن القوم وقد قتل من الفريقين بشر كثير، وليس يرجع أحد عن أحد، فلم يزالوا كذلك إلى أن أمسوا، فحجز بينهم الليل ورجع بعضهم عن بعض، وأبو واقف الليثي (6) يقول: # سائل بنا يوم لقينا الأزدا * والخيل تعدو سفرا ووردا لما قطعنا كفها (7) والزندا * فاستبدلوا بغيا وباعوا الرشدا و ضيعوا فيما أرادوا قصدا * سحقا لهم في رأيهم وبعدا قال: فانصرف حويرثة بن سمي العبدي وسيفه خضيب وهو يرتجز ويقول: # سائل بنا يوم التقينا الفجره * والخيل تعدو في قتام الغبرة كم ms0605 من قتيل قد نحرنا منحره (8) بالقاع من صفين يوم عسكره قال: وانصرف الحارث بن أبان العجلي وسيفه يقطر دما وهو ير تجز ويقول: # PageV03P147 # سائل بنا عكا وسائل كلبا * والحميريين وسائل شعبا (1) كيف رأوا طعانها والضربا (2) * إن لم يكن عند اللقاء غلبا قال: وانصرف عبد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي وقد أثخن بالجراحات وهو يقول: # ألا أبلغ معاوية بن حرب * أما لك لا تنيب إلى الصواب أكل الدهر مرعوس جبان * تجارب من يقوم إلى الكتاب فإن تسلم وتبقى الدهر يوما * نزرك بجحفل صحب الطلاب (3) و إلا فالتي جربت منا * لكم ضرب يشيب ذي الغراب (4) قال: فبات الفريقان يتأوهان من ألم الجراحات، وأقبل معاوية على عمرو بن العاص فقال: أبا عبد الله! قد أكلتنا والله هذه الحروب ولا أرانا نأخذ العراق إلا بهلاك أهل الشام، وأنت تعلم أن رئيس الناس مع علي بن أبي طالب عبد الله بن عباس، وهو رجل إن قال شيئا لم يخرج علي من رأيه، فهل لك أن تعمل في خديعته؟ فلعله يأمر عليا أن يكف عن هذه الحروب، فقد والله هلكت الناس، فقال عمرو: إن مثل ابن عباس لا يخدع، ولو طمعت فيه إذا لطمعت في علي بن أبي طالب، فقال معاوية: لا عليك إن تكتب إليه رقعة لطيفة وتنظر ما عنده فنعمل على حسب ذلك. # PageV03P148 ### | ذكر ما جرى من الكتب بين علي بن أبي طالب وبين معاوية وعمرو بن العاص و ابن عباس لما عضهم سلاح أهل العراق ### || (كتاب عمرو بن العاص إلى ابن عباس) # قال: فكتب عمرو بن العاص إلى ابن عباس (1): أما بعد، فإن الذي نحن وأنتم فيه يا بن عباس ليس بأول من قاده البلاء وساقه العاقبة (2)، وأنت رئيس هذا هذا الجمع بعد ابن عمك، وقد أخذت هذه الحروب منا ومنكم، ولسنا نقول: ليت الحرب عادت (3)! ولكنما نقول: ليتها لم تكن! وقد طال هذا بيننا حتى لقد ظننا أن فيه الفناء، وفي ذلك أقول (4): # طال البلاء فما يرجى له آس * بعد الإله سوى قول ms0606 (5) ابن عباس قولا له قول مسرور بحظوته * لا تنس حظك إن التارك (6) الناسي يا بن الذي زمزم يسقى الحجيج له * أعظم بذلك من فخر على الناس كل لصاحبه قرن يساوره * أسد العرين ضواري بين أخياس (7) # PageV03P149 # لو قيس بينهم في الحرب لاعتدلوا * الفخر بالفخر (1) ثم الرأس بالرأس فانظر فدى لك نفسي قبل قاصمة * للظهر ليس لها داء ولا آسي قالوا يرى الناس في ترك العراق لكم (2) والله يعلم ما بالسلم من بأس فيه البقاء وأمر ليس ينكره * إلا الجهول وما النوكى بأكياس إن العراق وأهل الشام لن يجدوا * طعم الحياة مع المستغلق القاسي بسر وأصحاب بسر والذين هم * داء العراق رجال أهل وسواس قوم عراة من الخيرات كلهم * فما يساوى بهم خلق من الناس (3) أنت الشجاء شجاها في حلوقهم * مثل اللجام شجاه موضع الفأس فاصدع بأمرك أمر القوم أنهم * خشاش طير رأت طيرا بإحساس قال: ثم عرض عمرو ذلك على معاوية، فقال له معاوية: إني لا أرد كتابك على رقة شعرك. # قال: فلما انتهى كتابه إلى ابن عباس وقرأه أتى به عليا فأقرأه إياه، قال: # فضحك علي رضي الله عنه ثم قال: قاتل الله النابغة! ما الذي غره منك؟ يا بن عباس أجبه عن كتابه. # قال: فكتب إليه ابن عباس (4): أما بعد، فإني لا أعلم أحدا (5) من العرب أقل حياء منك، وذلك أنك أتيت معاوية فبعته دينك بالثمن اليسير (6)، ثم خبطت الناس في عشواء مظلمة طمعا في الملك، فلما لم تر شيئا (7) أعظمت هذه الدنيا إعظام أهل الذنوب (9)، وأظهرت فيها زهد أهل الورع، فإن كنت تريد أن ترضي الله عز وجل بذلك فدع مصر وارجع إلى أهل بيت نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فأما ما ذكرت من أهل العراق وأهل الشام، فإن أهل العراق بايعوا عليا وهو خير منهم، وأهل الشام # PageV03P150 # بايعوا معاوية وهم خير منه، ولست أنا وأنت سوى في الحرب، لأني إنما أردت الله و أنت أردت مصر، وقد عرفت الشيء الذي باعدك مني، ولا أعرف الشيء ms0607 الذي قربك من معاوية - والسلام -. # قال: ثم أقبل على (أخيه) الفضل بن عباس (1) فقال: أجب عني عمرا على شعره هذا، فأجابه الفضل وهو يقول: # يا عمرو حسبك من خدع ووسواس * فاذهب فما لك في ترك الهدى آس (2) إلا بوادر طعن في نحوركم * يشجي النفوس بها في النقع افلاس (3) بالسمهري وضرب في شواربكم * يردي الكماة ويذري قبة الرأس هذا الدواء الذي يشفي حماتكم (4) * حتى تطيعوا عليا وابن عباس أما علي فإن الله فضله * فضلا له شرف عال على الناس إن تعقلوا الخيل نعقلها مخيسة * أو تبعثوها فإنا غير أنكاس قد كان منا ومنكم في عجاجتها * من لا يفر وليس الليث كالجاس (5) قتل العراق وقتل الشام معضلة (6) * هذا بهذا وما بالحق من بأس لا بارك الله في مصر لقد جلبت * شرا وحظك منها حسوة الحاسي (7) يا عمرو إنك عار من (8) مكارمها * والراقصات لأثواب الخنا كأسي (8) إن عادت الحرب عدنا فالتمس هربا * في الأرض أو سلما في الأفق يا قاسي قال: ثم عرض الفضل شعره على علي رضي الله عنه، فقال علي: أحسنت و لا أظنه يجيبك بعدها بشيء إن كان يعقل، ولعله أن يعود فنعود عليه. # قال: فلما وصل الكتاب والشعر إلى عمرو فأتى به معاوية فأقرأه إياه، ثم # PageV03P151 # قال: ما كان أغناني وإياك عن بني عبد المطلب، فقال معاوية: صدقت أبا عبد الله ولكنك قد علمت ما مر علينا بالأمس من القتل والهلاك، وأظن عليا سيباكرنا الحرب غدا ويعمل على المناجزة، وقد رأيت أن أشغله أنا غدا عن الحرب بكتاب أكتبه إلى ابن عباس، فإن هو أجابني إلى ما أريد فذلك، وإلا كتبت إلى علي وتحملت عليه بجميع من في عسكره فإن أجاب، وإلا صادمته وجعلتها واحدة لي أم علي، فهذا رأيي وإنما أريد بذلك أن أجم الحرب أياما، فقد تعلم ما نزل بنا في هذه الأيام، و إن كان عندك رأي غير هذا فهاته، فقال عمرو: أما أنا فأقول إن رجاءك لا يقوم رجاءه ولست بمثله، وهو رجل يقاتلك على ms0608 أمر وأنت تقاتله على غيره، وهو يريد الفناء وأنت تريد البقاء، وليس يخاف أهل الشام من علي إن ظفر بهم ما تخاف أهل العراق إن ظفرت بهم، وأظنك تريد مخادعة علي، وأين أنت من خديعته، فقال معاوية: فكيف ذلك؟ ألسنا ببني عبد مناف؟ قال: فضحك عمرو ثم قال: بلى لعمري أنت وهو من بني عبد مناف كما تقول ولكن لهم النبوة من دونك، فإن شئت فاكتب. # قال: فكتب معاوية إلى ابن عباس (1): أما بعد، فإنكم يا معشر بني هاشم لستم إلى أحد أسرع بالإساءة منكم إلى أنصار عثمان، فإن يكن ذلك لسلطان بني أمية فقد ورثتها تيم وعدي قبل بني أمية (2)، وقد وقع من الأمر ما ترى وأدالت هذه الحروف منا ومنكم حتى استوينا فيها، والذي أطمعكم فينا هو الذي أطمعنا فيكم، و الذي أيسنا منكم هو الذي أيسكم منا، وقد رجونا غير الذي كان وخشينا دون ما وقع، ولستم تلاقوننا اليوم إلا بمثل ما كان بالأمس ولا غدا إلا بمثل اليوم، وقد منعنا بما كان منا الشام، ومنعتم بما كان منكم العراق، فأبقوا على قريش واتقوا الله ربكم، فإنما بقي من قريش ستة رجال: رجلان بالشام أنا وعمرو بن العاص، و رجلان بالعراق علي وأنت، ورجلان بالحجاز سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر، ومن هؤلاء الستة رجلان ناصبان لك ولابن عمك، ورجلان واقفان عليكم سعد وابن عمر، وأنت رأس هذا الجمع بعد ابن عمك، ولو بايع (3) الناس لك بعد عثمان لكنا إلى طاعتك أسرع منا إلى علي، فرأيك فيما كتبت إليك - والسلام -. # PageV03P152 # قال: فلما انتهى كتاب معاوية إلى ابن عباس تبسم ضاحكا ثم قال: إلى كم يخطب إلي معاوية عقلي وحتى (متى) أحجم (1) ما في نفسي، ثم كتب إليه (2): # بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد أتاني كتابك وفهمت ما سطرت فيه، فأما ما أنكرت من سرعتنا إلى أنصار عثمان بالمساءة وسلطان بني أمية فلعمري لقد أدركت حاجتك في عثمان حين استنصرك فلم تنصره حتى صرت إلى ms0609 ما صرت إليه، وبينك و بينه في ذلك أخو عثمان لأمه الوليد بن عقبة، وأما إغراؤك إيانا بتيم وعدي فأبو بكر و عمر خير من عثمان كما أن عثمان كان خيرا منك، وأما قولك إنه لم يبق من رجال قريش إلا ستة رجال فما أكثر رجالها وأحسن بقيتها وقد قاتلك من خيارها من قاتلك، و لم يخذلنا إلا من خذلك، وأما ذكرك الحرب فقد بقي لك منا ما ينسيك ما كان قبله و تخاف ما يكون بعده، وأما قولك إني لو بايعني (3) الناس لأسرعت إلى طاعتي فقد بايع (4) الناس عليا وهو أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمه ووصيه ووزيره وهو خير مني فلم تستقم له، وإنما الخلافة لمن كانت له الشورى، وأما أنت فليس لك فيها حق لأنك طليق وابن طليق ورأس الأحزاب وابن آكلة الأكباد - والسلام -. # فلما انتهى كتاب ابن عباس إلى معاوية وقرأه قال: هذا فعلي بنفسي، والله لأجهدن أن لا أكاتبه سنة، قال: ثم أنشأ يقول (5): # دعوت ابن عباس إلى أخذ خطة * وكان امرءا أهدي إليه رسائلي فأخلف ظني والحوادث جمة * ولم يك فيما (6) نابني بمواصلي و لم يك فيما جاء ما يستحقه * وما زاد أن أغلي عليه مراجلي فقل لابن عباس أراك مخوفا * بجهلك حلمي أنني غير غافل فأبرق وأرعد ما استطعت فإنني * إليك بما يشجيك سبط الأنامل و صفين داري ما حييت وليس ما * تربص من ذاك الوعيد بقاتلي قال: فأجابه الفضل بن العباس وهو يقول: # PageV03P153 # ألا يا بن هند إني غير غافل * وإنك مما تبتغي غير نائل (1) أالآن لما أخبت الحرب نارها * عليك وألقت بركها بالكلاكل وأصبح أهل الشام صرعى فكلهم (2) * كفقعة قاع أو كشحمة آكل وأيقنت إنا أهل حق وإنما * دعوت لأمر كان أبطل باطل دعوت ابن عباس إلى السلم خدعة * وليس لها حتى (3) يموت بقائل فلا سلم حتى يشجر الخيل بالقنا * وتضرب هامات الرجال الأوائل و آليت: لا تهدي إليه رسالة * إلى أن يحول الحول من رأس قابل ms0610 (4) أردت بها قطع الجواب وإنما * رماك فلم يخطئ بثأر المقاتل و قلت له: لو بايعوك تبعته * فهذا علي خير حاف وناعل وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه إذ قيل: هل من منازل فدونكه إذ كنت تبغي مهاجرا * أشم بنصل السيف ليس بناكل (5) قال: ثم عرض الفضل شعره على علي رضي الله عنه، فقال له: أنت أشعر العرب - أو قال: أنت أشعر قريش. # قال: فوصل الكتاب إلى معاوية فقرأه وفهم الشعر، فلم يردعه ذلك إلى أن كتب إلى علي (6): أما بعد فلو أنك علمت وعلمنا أن هذه الحروب تبلغ منك ومنا ما بلغت ما كان جناها على بعضنا بعض، والآن فقد تتهيأ لنا أن نصلح ما بقي وندع ما مضى، وقد كنت سألتك بالأمس، فقد والله ذهب الأخيار والرجال وإنما نحن بنو عبد مناف وليس لبعضنا على بعض فضل. # فكتب إليه علي رضي الله عنه (7): أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه أنك لو # PageV03P154 # علمت وعلمنا أن هذه الحروب تبلغ منا ومنك ما بلغت لم نك نجنها على بعضنا بعض فنحن وإياك بعد من الحرب في غاية ولم نبلغ منها ما نريد، وأما سؤالك (1) إياي الشام فلم أكن بالذي أعطيك اليوم ما منعتك بالأمس (2)، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك إننا بنو عبد مناف فلعمري إننا كذلك ولكن ليست أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا الطليق كالمهاجر، ولا المبطل كالمحق (3)، وفي أيدينا فضل النبوة التي بها عز الذليل وذل العزيز - والسلام -. # ثم كتب النجاشي إلى معاوية بهذه الأبيات: # ألا أبلغ معاوية بن صخر * مغلغلة يسيء بها الرقاق أتطمع في العراق وساكنيه * وقد جاشت بحومتها العراق و ناداه أبو حسن علي * بحجته التي ليست تطاق و أوطى الشام مسألة طحونا * كذكر الطرق يقدمها العتاق أيا لله درك يا بن هند * وكأس الموت أقطع ما يذاق فما لك في يدي الأمر حق * وما لك في عواقبه حقاق فقد ذهب ms0611 الحياء فلا حياء * وقد ذهب الخلاق فلا خلاق أتمنعه وأمرك فيه رحب * ويعطيه وقد ضاق الخناق قال: فلما وصل الكتاب والشعر إلى معاوية ندم إلى ما كتب به إلى علي، و شمت به عمرو بن العاص وقال: قد نهيتك عن الكتاب إلى علي فلم تنته ولم تقبل، قال: ثم أنشأ عمرو في ذلك يقول (4): # ألا لله درك يا بن هند * ودر المرء عن ليث الأسود (5) أتطمع لا أبا لك في علي * وقد قرع الحديد على الحديد # PageV03P155 # وترجو أن تحيره بشك * وترجو أن يهابك بالوعيد و قد كشفت القناع وجر ثوبا * يشيب لرأسه (1) رأس الوليد له خيل مسبلة (3) طحون * فوارسها تلهب كالأسود يقول لها إذا رجعت إليه * وقد ملت طعان القوم عودي فإن وردت فأولها ورودا * وإن صدرت فليس بذي صدود و ما هي من أبي حسن بركن * وما هي من مسائك بالبعيد و قلت له مقالة مستفز (3) * ضعيف الرأي منقطع الوريد وعز الشام حسبك يا بن هند * من السوءات والرأي الزهيد و لو أعطاكها ما ازددت عزا * وما لك في استزادك من مزيد (4) فلم تكسر بذاك الرأي عودا * سوى ما كان لا بل دون عود (5) قال: فغضب معاوية من مقال عمرو ثم قال: يا هذا! إنك لتعظم عليا حتى كأنه ليس الذي فضحك بالأمس، فرميت بنفسك عن فرسك كاشفا عن عورتك، قال: فتبسم عمرو ثم قال: أما فضيحتي فإنه لم يفتضح أحد بارز عليا لا، بل ذلك فخر له، فإن شئت أن تبلو ذلك فتقدم! قال: ثم أنشأ عمرو يقول في ذلك (6): # معاوي لا تشمت بفارس بهمة (7) * لقي فارسا لا تعتريه الفوارس معاوي لو أبصرت في الحرب مقبلا * أبا حسن يهوي عرتك (8) الوساوس و أيقنت أن الموت حق وأنه * ليفنيك إن لم تمض في الحرب حابس فإنك لو لاقيته كنت بومة * أتيح لها صقر من الجو بائس و ماذا بقي لليوم بعد لقائه * وإن الذي يلقى عليا لآئس دعاك فصمت دونه الأذن خائفا * فنفسك قد ضاقت عليها الأمالس # PageV03P156 # ورويت أن ms0612 الموت آخر (1) موعد * وأن الذي ناداك فيه الدهارس و تشمت بي إذ نالني حد رمحه * وعضضني ناب من الحرب ناهس و إني امرؤ لا قاه لم يبق شلوه * بمعترك تسفى عليه الرامس أبي الله إلا أنه ليث غابه * أبو أشبل تهدى إليه الفرائس فإن كنت في شك فارهج عجاجة * وإلا فتلك الترهات البسابس قال: وأصبح (2) القوم وهم بعد هذه الأمور على الحرب، وصلى علي الغداة بغلس (3)، ثم عبى أصحابه فتقدم (4) الناس براياتهم وأعلامهم، وزحف إليهم أهل الشام في تعبيتهم (5)، وخرج رجل من أهل العراق على فرس له كميت لا يرى منه إلا حماليق الحدق، وفي يده رمح له، فجعل يضرب بالرمح على رؤوس أصحاب علي و يقول: سووا صفوفكم! والناس لا يعرفونه، حتى إذا اعتدلت الصفوف والرايات استقبلهم بوجهه وولى ظهره إلى أهل الشام ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: احمدوا الله عباد الله واشكروه إذ جعل فيكم ابن عمه نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه وأحب الخلق إليه، أقدمهم هجرة وأولهم إيمانا، سيف من سيوف الله صبه على أعدائه، فانظروا إذا حمي الوطيس وثار القتام وتكسرت الرماح (6) وتثلمت الصفاح وجالت الخيل بالأبطال ولا أسمع منكم إلا غمغمة أو همهمة. # قال: ثم حمل على أهل الشام، فقاتل حتى كسر رمحه (7)، ثم رجع فإذا هو الأشتر رحمه الله. # قال: فخرج رجل من أهل الشام حتى وقف بين الصفين ثم نادى بأعلى صوته: يا أبا الحسن! إني أكلمك (8)، قال: فخرج إليه على حتى اختلف أعناق # PageV03P157 # فرسيهما فقال له الشامي: يا أبا الحسن! إن لك فضلا وقدما في الإسلام وهجرة و سابقة وأخوة وقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يساميك أحد ولا يدانيك، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن دماء هذه الأمة وتأخير هذه الحروب إلى أن ترى في ذلك رأيك؟ فقال علي: وما ذاك؟ قال: أن ترجع إلى عراقك ونرجع إلى شامنا فنخلى بينك وبين العراق، وتخلي بيننا وبين الشام، فقال علي ms0613 رضي الله عنه: لقد علمت أنك إنما عرضت هذا نصيحة وشفقة، ولكن قد أهمني هذا الأمر وأسهرني، و ضربت أنفه وعينه فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله عز وجل، أو يرضى من أوليائه إن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون له، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فوجدت القتال أهون علي من معالجة الأغلال في نار جهنم قال: فرجع الشامي وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون (1). ### | ذكر مقتل عمار بن ياسر رحمه الله # قال: وزحف (2) الناس بعضهم إلى بعض، فاقتتلوا بالسهام والنبل والرماح و السيوف وعمد الحديد، فلم يسمع إلا وقع الحديد بعضه على بعض، وهوله في صدور الجال أشد هولا من الصواعق. قال: ورفع عمار بن ياسر رأسه نحو السماء فجعل يقول: اللهم! إنك تعلم أني لو كنت أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا الفرات (3) فأغرقها لفعلت، اللهم! وإنك لتعلم أني لو كنت أعلم أن رضاك في أن أضع سيفي (4) هذا في بطني (5) وأتكىء عليه حتى يخرج من ظهري لفعلت، اللهم! وإني لا أعلم عملا هو أرضي لك من جهاد هؤلاء القوم. # قال: ثم أقبل عمار بن ياسر على الناس فقال: أيها الناس! إن هذه الرايات التي ترونها مع معاوية قد قابلناها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة، والله ما هي بأبرهن ولا أتقاهن، ألا! وإني مقتول في يومي هذا، فإذا قتلت فحطوا عني سلاحي، وكفنوني في ثيابي، وزملوني بدمي، وصلوا علي وواروني في حفرتي، # PageV03P158 # و دعوني وربي، فإن صاحبكم مخاصم وإنما تختصم الأخيار فمن فلج فلجت شيعته. # قال: ثم جعل يقول: أيها الناس! هل من رائح إلى الله يطلب الجنة تحت ظلال السيوف والأسنة؟ اليوم لقاء الأحبة محمدا وحزبه. قال: ثم تقدم إلى القوم و جعل يقول (1): # نحن ضربناكم على تنزيله * فاليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله أو يرجع الحق إلى سبيله. # قال: ثم جعل يكابدهم حملة ms0614 بعد حملة وهو يقول: يا أهل الشام! والله لو هزمتمونا حتى تبلغوا بنا إلى سعفات هجر لعلمنا أننا على الحق وأنكم على الباطل. # قال: فاختلط (2) به أصحاب معاوية وحملوا عليه، وحمل عليه ابن الجون السكوني فطعنة طعنة في شرا سيفه (3)، ورجع إلى أصحابه وهو لما به. فقال: # اسقوني شربة من ماء! قال: فأتاه غلام له يقال له راشد بضياح من لبن، فقال: أبا اليقظان! اشرب هذا اللبن بدل الماء، فلما نظر عمار إلى اللبن كبر وقال: بهذا أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن آخر زادي اللبن من الدنيا (4). قال: ثم شرب فخرج اللبن من جراحته، فسقط عمار على قفاه ثم تشهد وقضى نحبه - رحمه الله -. # فقال عمرو بن العاص لمعاوية: قد قتل عمار بن ياسر! فقال معاوية: قتل عمار فكان ما ذا؟ فقال: ألا تعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمار: " تقتلك الفئة الباغية وإن آخر زادك من الدنيا اللبن " (5). فقال معاوية: إنما قتله من جاء به إلى الحرب. # PageV03P159 # فقال عبد الله بن عمرو: وكذلك حمزة بن عبد المطلب يوم أحد إنما قتله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقتله وحشي؟ فقال معاوية لعمرو: نح عنا ابنك هذا الموسوس الذي لا يدري ما يقول. # قال: وجاء علي بن أبي طالب حتى وقف على عمار وهو مزمل بدمه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن امرؤ لم يدخل عليه مصيبة من قتل عمار فما هو من الإسلام في شيء، ثم قال علي: رحم الله عمارا يوم يبعث ورحم الله عمارا يوم يسأل، فوالله لقد رأيت عمار بن ياسر وما يذكر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة إلا كان رابعا، ولا أربعة إلا كان خامسا، إن عمارا قد وجبت له الجنة في غير موطن ولا موطنين ولا ثلاث، فهنيئا له الجنة! فقد قتل مع الحق والحق معه، ولقد كان الحق يدور منه حيث ما دار، فقاتل عمار وسالب عمار وشاتم عمار في ms0615 النار. # قال: ثم تقدم علي رضي الله عنه فصلى عليه وصلت عليه أصحاب علي بأجمعهم وأدخل إلى حفرته فدفن، فأنشأ الحجاج بن [عمرو بن] غزية الأنصاري يقول (1): # يا للرجال لعظم الهول أرقني (2) * وهاج حزني أبو اليقظان عمار أهوى له ابن جون في فوارسه * من السكون وللهيجاء إعصار (3) فاختل صدر أبي اليقظان معترضا * بالرمح قد أوجبت (4) فيه له النار كانت علامة بغي القوم مقتلة * ما فيه شك ولا ما فيه إنكار (5) قال النبي له تقتلك شرذمة * شيطت لحومهم بالبغي فجار فاليوم يعلم (6) أهل الشام أنهم * أصحاب تلك وفيها النار والعار قال: وحمل بعضهم على بعض، فاقتتلوا قتالا شديدا، وجعل الأشتر يقاتل و هو يقول (7): # PageV03P160 # إن تقتلوا منا أبا * اليقظان شيخا مسلما فقد قتلنا منكم (1) * لما غدا (2) ما أعلما و ذا الكلاع بعده * ومعبدا إذ أقدما أضحوا بصفين وقد * لاقوا نكالا مؤتما (3) قال: وتقدم قيس بن [سعد بن] عبادة وجماعة من حماة الأنصار، فقاتلوا قتالا شديدا. قال: والمغيرة بن الحارث بن عبد المطلب واقف على فرسه يحرض الناس على القتال وهو يقول (4): # يا شرطة الله صبرا لا يهولكم * جيش ابن حرب وإن الحرب قد ظهرا و قاتلوا كل من يبغي قتالكم * فإنما النصر في الهيجا لمن صبرا إن كان عمار قد أودى فلا تهنوا * وقاتلوا القوم لا تولوا الدبرا شقوا الصفوف بحد السيف واحتسبوا * في ذلك الخير وأرجوا النصر والظفرا و أيقنوا أن من أضحى يخالفكم * أضحى شقيا وأضحى نفسه خسرا فيكم وصي رسول الله قائدكم * وولده وكتاب الله قد نشرا و لا تخافوا ضلالا لا أبا لكم * سيحفظ الدين والدنيا لمن نصرا قال: فقتل من أهل الشام يومئذ زيادة على عدد الحساب، وجاء الليل فحجز بين الفريقين، فأنشأ رجل من الأنصار وهو قيس بن [سعد بن] عبادة يقول (5): # ما ضر من كانت الأنصار عصبته * أن لا يكون له من غيرهم أحد قوم إذا حاربوا طالت أكفهم * بالمشرفية حتى يفتح البلد والناس حرب لنا في الله كلهم * مستجمعون فما ناموا ولا فقدوا ms0616 هذا اللواء الذي كنا نحف به * مع النبي وجبريل له مدد فاليوم ننظره حتى يقيم له * أهل السنان ومن في دينه أود # PageV03P161 # أهل الصلاة قتلناهم ببغيهم * والمشركون قتلناهم بما جحدوا حتى تطيعوا عليا إن طاعته * دين عليه يثيب الواحد الصمد من ذا له في قريش مثل حالته * في كل معمعة أو مثله أحد لو عدد الناس ما فيه لما برحت * تثني الخناصر حتى ينفذ العدد هلا سألت بنا والخيل سائحة (1) * تحت العجاجة والفرسان تطرد و خيل كلب ولخم قد أضر بها * وقاعنا (2) إذ غدوا للموت فاجتلدوا من كان أصبر فيها عند أزمتها * إذ الدماء على أجسادها جسدوا (3) قال: وجزع أهل الشام على قتلاهم جزعا شديدا، فقال معاوية بن حديج (4) الكندي: يا أهل الشام! قبح الله العيش بعد حوشب وذي الكلاع، والله لو ظفرنا بأهل العراق بعد هلاكهما (5) بغير مؤنة لما كان ظفرا، فقال يزيد بن أنس: صدقت يا بن حديج (4) أو تبكي على قتيل إلى أن تنجلي هذه الفتنة، فإن يكن الأمر لنا فأوينا و بكينا، وإن كان لغيرنا فأحرى أن لا نبكي على أحد. قال: وبلغ ذلك معاوية، فأرسل إلى وجوه أهل الشام فجمعهم ثم قال: يا أهل الشام! إنكم لستم أحق بالجزع على قتلاكم من أهل العراق على قتلاهم، والله ما ذو الكلاع فيكم بأجل (6) من عمار بن ياسر فيهم، ولا حوشب ذو الظليم فيكم بأعظم من هاشم بن عتبة، ولا عبيد الله بن عمر بن الخطاب فيكم بأعظم من عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي فيهم، وما الرجال إلا أشباه، وما التمحيص إلا من عند الله، فأبشروا فإن الله تبارك و تعالى قد قتل من القوم ثلاثة وبقي ثلاثة، قتل عمار بن ياسر وكان فارسهم (7)، وقتل هاشم بن عتبة وكان جمرتهم، وقتل عبد الله بن بديل وكان فاعل الأفاعيل، وبقي الأشتر والأشعث وعدي بن حاتم والله قاتلهم غدا إن شاء الله. قال: فقال معاوية بن حديج: يا معاوية! إن تكن الرجال عندك أشباها فليست عندنا كذلك. ms0617 قال وغضب # PageV03P162 # معاوية [من] (1) ابن حديج من ذلك، فأنشأ بعض أصحابه يقول في ذلك (2): # معاوي قد نلنا ونيلت سراتنا * وجدع أحياء الكلاع ويحصب (3) بذي كلع لا يبعد الله داره * وكل يمان قد أصيب بحوشب و ما علقت أرماحنا بفوارس * من القوم إلا جدع أنف مرعب (4) هما ما هما كانا لكل عظيمة * متى ما أقولن فيهما لا أكذب (5) وليس ابن قيس أو عدي بن حاتم * ولا أشتر أندادهم في التجرب و لو قبلت من هالك قبل فدية * فديتهما بالنفس والأم والأب قال: ثم دعا معاوية بمعاوية بن حديج الكندي فقال: إن الأشعث بن قيس رجل من كندة وهو ابن عمك، وقد أحببت أن تكتب إليه تسأله فيه أن يدفع إلينا قتلة عثمان حتى نقتلهم به ونقعد في منازلنا، فقد والله أهلكنا هذه الحروب، قال: # فكتب معاوية بن حديج إلى الأشعث بن قيس: أما بعد فإنه لن يدخل في الإسلام من ملوك الجاهلية غيرك وغير ذي الكلاع، فأما أنت فنزلت العراق فكنت سيد أهلها، و أما ذو الكلاع فنزل الشام فساد أهلها، ثم وقع هذا البلاء وأخذت أنت عليا، وأخذ ذو الكلاع معاوية، فكان معه إلى أن وافاه أجله، والله ما أنت بالزاري على عثمان و لا بالراضي عن علي، وإننا لا نسألك أن تأخذ الشام بالعراق ولا معاوية بعلي، لكنا نسألك أن تسأل عليا أن يدفع إلينا قتلة عثمان أو يحدث الله ذلك أمرا. قال: ثم كتب إليه بهذه الأبيات: # إنما الشام كالعراق ولكن * دين أهل العراق غير الشام فلهم دينهم وحب علي * ولنا ديننا وحب الإمام أفلا حاكم يميز ما بين * الفريقين قبل يوم الخصام قد ترى أن بالعراق رجالا * بمسميين من رؤوس الأنام # PageV03P163 # كسعيد ومالك وعدي * وشريح وذاك فدس اللجام و زياد وشيخ كندة حجر * وابن قيس زحر فغير كهام لا يراوون بالقبيح ولا يطمع * فيهم منا ذوو الأحلام ثم فيها أخذ الحلال من الله * وقرع السخا وترك الحرام لا يباري بها سواك من الناس * فخذها يا بن الملوك ms0618 العظام قال: فكتب إليه الأشعث: أما بعد فقد ذكرتني من نعم الله تعالى على ما أسأله المزيد، وأنا أذكرك من نعم الله عليك ما تعرف ذلك، وأسألك أهون ما تسألني، أنت المطاع في أهل الشام فاركب وصر إلى من تخلف عن صاحبي و صاحبك من المهاجرين والأنصار فاسألهم عن الرجلين، وإن كان علي أحق بهذا الأمر من معاوية اعتزلته وأعنتنا عليه، وأن كان معاوية أحق بهذا الأمر من علي اعتزلته و أعنتكم عليه، وأما قولكم إني لست بالزاري على عثمان ولا بالراضي عن علي، فما أغناني عن عثمان وأرضاني عن علي، وإنما أنا قاتلك مع إمام هدى قد بايعه (1) المهاجرون والأنصار، وأنت تقاتلني مع رجل استخلفه (2) أهل الشام ليس لهم نصيب في الخلافة ولا في الشورى - والسلام -. قال: ثم كتب إليه بهذه الأبيات: # و يا بن حديج وكنت امرءا * مطاع المقال عظيم الحسب ويا بن حديج وأنت امرؤ * وري الزناد قويم السبب تمت بكم كندة في بنيها * وكندة خير ملوك العرب فهذا المتوج من نسلهم * ونعم الخليفة ممن ذهب فكان أبوه مليكا لهم * وكان أبوك مكان الذنب هي النار تأكل ما أطعمت * إذا أوقدوها وأنت الحطب دعوت ابن قيس إلى خطة * دعاك إلى مثلها فاقترب فإما أجبت ففيها التقى * وإما أبيت ففيها العتب قال: فلما ورد الكتاب على معاوية بن حديج وفهم شعره غضب، ثم قال لمعاوية: إنه ما عرضني لهذا سواك، قال: فقال عتبة بن أبي سفيان: إن الأشعث بن قيس لا يخدع بالكتب، ولكن أتأذن لي في كلامه شفاها؟ فقال معاوية: # PageV03P164 # ذاك إليك (1). # قال: وكان عتبة لا يطاق لشأنه (2)، فأقبل حتى وقف قريبا من عسكر علي رضي الله عنه ثم نادى: أين الأشعث بن قيس؟ فصاحت الناس: أبا محمد! هذا عتبة بن أبي سفيان يدعوك، قال: فقال الأشعث بن قيس: إن عتبة غلام مترف ولا بد من كلامه، ثم أقبل حتى وقف قبالته وقال: هات يا عتبة ما عندك! فقال عتبة: يا هذا! إن معاوية لو كان لاقيا ms0619 من أصحاب علي لقيك أنت خاصة لأنك رأس أهل العراق وسيد قبائل كندة، وقد سلف إلى من عثمان ما سلف، ولست كأصحابك، أما الأشتر فإنه ممن قتل عثمان، وأما عدي فإنه ممن خصص (3) على قتله، وأما سعيد بن قيس فإنه قلد عليا (4) دينه، وأما شريح بن هانىء وزحر بن قيس فإنهما لا يعرفان (5) شيئا غير الهوى، فلا تكن ممن حامى عن العراق تكرما وقاتل أهل الإسلام (6) حمية وقد (7) بغضنا من بغض ما أرادوا (7)، إننا لا ندعوك إلى ترك علي و نصر معاوية، وإننا ندعوك إلى البقية (8) التي فيها صلاحك وصلاحنا - والسلام -. # قال: فقال له الأشعث: إني قد فهمت مقالتك يا عتبة! فأما قولك إن معاوية لا يلقاني فو الله إن لو لقي (9) لما عظم عني ولا صغرت عنه، وأما قولك أني رأس أهل العراق وسيد في كندة، فإن الرأس الآمر والسيد المطاع، فهذان جميعا لعلي بن أبي طالب، وأما ما سلف إلي من عثمان فو الله ما زادني عمله غما ولا ولايته شرفا (10)، # PageV03P165 # و أما عيبك لأصحابي فإنه لا يقربك إلي، وأما محاماتي عن العراق فإنه من نزل بيتنا حميناه، وأما البقية فلست أحوج إليها منا وسترى رأينا في ذلك إن شاء الله تعالى - والسلام -. # قال: وانصرف عتبة إلى أخيه معاوية بغير شيء، فأنشأ النجاشي شاعر علي رضي الله عنه في ذلك يقول: # يا بن قيس وحارث ويزيد * أنت والله رأس أهل العراق أنت والله حية تنفث السم * قليل لها غنى الديارق أنت كالشمس والرجال نجوم * لا يرى ضوؤها مع الإشراق قد حميت العراق بالأسل السمر * وبالبيض كالبروق الرقاق و أجبناك إذ دعوت إلى الشام * على لوب (1) كالسحوب العتاق لا تري غير أذرع وأكف * ورؤوس بهامها أفلاق كلما قلت قد تصرمت الحرب * سقانا كأس المنية ساقي قد قضيت الذي عليك من الحق * وسارت بها قلاص الرقاق و بقي حقك العظيم على الناس * وحق الملوك صعب المراقي أنت حلو لمن تقرب بالود * وللشانئين مر المذاق أترى عتبة اللعين تراه * فوق ضخم ms0620 من الحمول نساق لا بس تاج جده وأبيه * لو وقاه من (3) المنية واق قال: ثم أقبل معاوية على النعمان بن بشير فقال: أبا قيس! إنني عارف بما تريد أن يكون من الأنصار خاصة بعد عمار بن ياسر، ولكن هل يتهيأ لك أن تكلم # PageV03P166 # القوم فلعلهم يجيبون إلى أمر من الأمور، فقال النعمان: علي ذلك وأنا صائر إلى القوم (1). # قال: ثم أقبل النعمان بن بشير حتى دنا من عسكر علي رضي الله عنه ثم نادى: أيها الناس! أين قيس بن سعد بن عبادة؟ فليخرج إلي، أنا النعمان بن بشير! قال: فأقبل قيس بن سد حتى وقف قبالته، ثم قال: هات يا بن بشير ما عندك، فقال النعمان: يا قيس! إنه قد أنصف القارة من راماها (2)، وقد أنصف من دعا إلى الحق، بأنكم يا معشر الأنصار قد أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار و قاتلتم (4) أنصاره يوم الجمل، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا أيضا لكان الأمر في ذلك هينا، ولكن خذلتم حقا ونصرتم باطلا، ثم لم ترضوا بذلك حتى (3) بغيتم على أهل الشام أشد البغي، ودعوتم إلى النزال (4)، ثم لم ينزل لعلي بن أبي طالب أمر قط له ما بعده إلا وهونتم عليه المصيبة ووعدتموه الظفر، والآن فقد أخذت الحرب منا ومنكم، فاتقوا الله في البقية - والسلام -. # قال: فضحك قيس بن سعد ثم قال (5): ما كنت أظن أنك يا نعمان تحتوي على مثل هذا الكلام وتقوم هذا المقام، أما ذكرك عثمان فقد خذله من هو خير منك و من أبيك، فأما أهل الجمل فإننا قاتلناهم على النكث، لأنهم نكثوا بيعة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بعد أن بايعوه فقاتلناهم على ذلك، وأما معاوية فو الله لو اجتمعت له العرب قاطبة لقاتلته الأنصار خاصة، وأما ما ذكرت من الحروب فنحن في هيجها كما كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نتقي السيوف بوجوهنا والرماح بنحورنا، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، ولكن انظر يا نعمان هل ms0621 ترى مع معاوية إلا (6) طليقا وأحزابيا! وانظر أين المهاجرون والأنصار، وأين التابعون بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وانظر هل ترى مع معاوية غيرك وغير صويحبك مسلمة بن # PageV03P167 # مخلد، والله ما أنتما بدريين ولا عقبيين ولا لكما في الإسلام سابقة، ولئن شغبت علينا اليوم فقد شغب علينا أبوك من قبلك في سقيفة بني ساعدة (1)، فاعزب عني قبحك الله من ابن عم وقبح ما جئت به. # قال: فانصرف النعمان بن بشير إلى عسكره وهو يقول: لقد كنت غنيا عن كلامك يا بن سعد بن عبادة. قال: وانصرف قيس بن سعد إلى عسكره وهو يقول: # و الراقصات بكل أشعث أغبر * خوص العيون تحثها الركبان ما ابن مخلد مفلتا أسيافنا * عمن (2) نحاربه ولا نعمان تركا العيان وفي العيان كفاية * لو كان يدفع صاحبيك (3) عيان وجدا معاوية بن صخر شبهه * فيها التلبس والبيان يهان ذكرا ابن عفان فقلت ألا أربعا * ما أنتما سفها ولا عثمان ما تعدل الأنصار عنه ساعة * والحق في الأنصار والبرهان و جدت قريشا في الحوادث منطقا * هذا الشقي وصهره مروان لم تبسطوا كفا لنصرة هالك * لا لا ولا عصبت علينا بنان ### | ذكر القوم الذين أنفذهم معاوية إلى علي بن أبي طالب يكلمونه في وضع الحرب قال: وأصبح (4) الناس عازمين (5) على الحرب، فلم يعب (6) معاوية أصحابه كما كان يعبيهم من قبل، لكنه وجه إلى علي بجماعة من قريش وغيرهم من أهل الشام يكلمونه، منهم عمرو بن العاص وعتبة بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن # PageV03P168 # خالد بن الوليد وحبيب بن مسلمة والضحاك بن قيس وجماعة من عرب الشام، فأقبلوا حتى وقفوا قريبا من عسكر علي رضي الله عنه. ثم بعثوا إليه يسألونه أن يأذن لهم في كلامه، فقال علي رضي الله عنه ما أمنعهم من ذلك. قال: فأقبلوا حتى دخلوا العسكر، ثم صاروا إلى علي وهو في خيمته، فسلموا، فرد عليهم السلام، و مجلسه يومئذ غاص بالمهاجرين والأنصار، فقال: تكلموا بما أحببتم! فقال عمرو بن العاص: بل أنت فتكلم يا أبا ms0622 الحسن! فإنك أول من آمن بربنا وبقي حقك العظيم على الناس، وأنت أول من صدق بنبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، وصلى إلى قبلتنا، ووحد الله قبلنا، فقال علي: إن أول كلامي أن أثني على الله ربي أحسن الثناء طول الحياة وبعد الممات، وأحمده على طول العافية وحسن البلاء، وفي كل حال من شدة ورخاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه الله رحمة للعالمين وخاتما للنبيين، فأدى عن الله ما أمره، وعبد ربه حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وسلم كثيرا، ثم إن الله تبارك وتعالى قد ابتلانا أيتها الأمة بما ترون، والمستعان بالله ولا قوة إلا بالله، وبعد فالله يعلم أني كنت كارها أن أتولى شيئا من أمور أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن قوما أنكروا على عثمان فاجتمعوا على قتله، فقتلوه وأنا جالس في منزلي لا آمر ولا ناه، وإنما قتلوه وتذاكروا عني بالبيعة فكرهت ذلك، ثم إن توكلت على الله وأحببت أن يكون بقية عمري في صلاح أمور الأمة، فبايعت القوم على العمل بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم إن جماعة ممن بايعني غدر بي ونكث بيعتي، فقد حكم الله بيني وبين بعضهم، والله للباقين بالمرصاد، ألا! وإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبي الله، فإن تجيبوا إلى ذلك فارشد أصبتم وللخير وفقتم، وإن تأبوا ذلك لم تروا من الله إلا بعدا - والسلام -. # قال: فلما فرغ علي من كلامه تكلم عمرو بن العاص، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن عثمان - رضي الله عنه وجعل ما أصابه كفارة لذنوبه - قد كان أفضل أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم حسبا ونسبا وقدما وصهرا، فالله حسيب قاتله وخاذله، و أيم الله إننا لنعلم أن عليا ومن معه من المهاجرين والأنصار قد كانت لهم سوابق قديمة عظيمة وفضل لا يجهل، وقد رأينا رأيا نسأل الله تعالى فيه التوفيق لما يحب ms0623 ويرضى، ولعل الله تبارك وتعالى يحقن دماءنا ويصلح ذات البين، وهؤلاء أشرافنا من أهل الشام قد اجتمعوا لذلك، وكذلك أشراف أهل العراق مجتمعون يا أبا الحسن و أنتم يا معشر من حضر. PageV03P169 # قال: فقال علي: تكلموا بما تريدون حتى ننظر ما الذي تطلبون. قال فتكلم شرحبيل بن السمط فقال: أما بعد فيا معشر أهل العراق! إن الله تبارك و تعالى قد جعل بيننا حقوقا عظاما من الأرحام الماسة والأنساب القربية والأصهار الشابكة، وقد علمنا يا أبا الحسن! أن لك سابقة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصهرا وقرابة و فقها في الدين وبأسا وتجربة وشرفا قديما والله يعلم، وإنك لتعلم أنا قد اقتتلنا لحمية الجاهلية بالسيوف الهندية، لأنها جارات القرب وحصون الحومات، وأنها بيضة الروم، وأما حرماتكم فإنها بيضة فارس، وقد رأينا أن تنصرف عنا يا أبا الحسن أنت ومن معك، فنخلي بينكم وبين عراقكم وحجازكم وتخلونا بيننا وبين شامنا و نحقن دماء المسلمين، والله يعلم أنني قد أتيت بغاية النصيحة وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. # قال: فقال علي رضي الله عنه: والله لقد نظرت في هذا الأمر فضربت ظهره و بطنه وأنفه وعينه حتى لقد منعني النوم، فما وجدته يسعني إلا قتالكم أو الكفر بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأيم الله لوددت أنني فديت حقن دماء المسلمين بمهجتي، و لكن قولوا لصاحبكم هذا حتى يخرج إلى هذه الصحراء. ثم إني أدعو الله ويدعو هو أيضا أن يقتل المحق منا المبطل، ثم إني أبارزة فأينا قتل صاحبه ملتم معه بأجمعكم، فو الله لا يقاتل مع معاوية أحد إلا أكبه الله غدا في نار جهنم. # قال: فالتفت الشامي إلى أصحابه فقال: ما يقعدكم؟ انهضوا! فلا والله ما عند هذا الرجل إلا السيف. # قال: فوثب (1) أهل الشام وهم يقولون: هلكت العرب ورب محمد. ثم رجعوا إلى معاوية فأخبروه بذلك، فعلم معاوية أن عليا لا يجيبه إلى شيء مما يريد. # قال: وبات (2) الفريقان ليلتهم ms0624 تلك، وليس فيهم أحد ينام لما قد عزموا عليه من مباكرة الحرب. # PageV03P170 ### | ذكر تحريض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على القتال # قال (1): والخطب علي رضي الله عنه أصحابه بعد أن صلى عشاء الآخرة فقال: # الحمد لله الذي يبرم ما قضى وقدر، فما أبرمه فلا ينقضه الناقضون، وما نقض فلن يبرمه المبرمون، مع أن الله تعالى لو شاء لما اختلف اثنان من خلقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره، ولا جحد المفضول (2) حق الفاضل، ولو شاء الله ما اقتتلوا، ولكن الله يفعل ما يريد، وقد ساقتنا وهؤلاء المقادير (3) إلى هذا المكان، و نحن من الله تعالى بمنظر (4) ومستمع، ولو شاء الله لانتقم وكان معه التغيير (5)، و لكنه جعل الدنيا دار الأعمال والآخرة دار القرار ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ألا! وإنكم تقاتلون عدوكم غدا فاطلبوا الليلة القيام وأكثروا فيها من تلاوة القرآن واذكروا الله واسألوه النصر، وعليكم بالحذر والحزم والصبر وكونوا صادقين، ألا! وقد بلغ بكم وبعدوكم ما قد رأيتم ولم يبق منهم إلا آخر نفس، فإن الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها، وقد صبر (6) لكن القوم على غير دين حتى بلغوا فيكم ما بلغوا، وأنا غاد عليهم غدا ومحاكمهم إلى رب العالمين. # قال: فوثب (7) الناس إلى سيوفهم فجعلوا يستحدونها، وإلى رماحهم فجعلوا يسنون أسنتها، وإلى نصالهم فجعلوا يسوون نصالها (8). قال: ووقع أمر ليس بالهزل، وجعل رجل من أصحاب علي يرتجز ويقول (9): # PageV03P171 # قد قلت والعين سجال تنكسب * قد أمست الأمة في أمر عجب و الملك مجموع غدا لمن غلب * والقول عندي صدقه غير كذب (1) إن غدا يهلك أعلام العرب * غدا نلاقي ربنا فنحتسب يا رب لا تشمت بنا ولا تعب (2) * من يجعل الأنداد ربا والصلب (3) غدا يكونون رمادا قد كتب * بعد الجمال والحياء والحسب ### | ذكر تحريض معاوية أصحابه على القتال # قال: ووقع في عسكر معاوية الخوف والحذر والفزع لما قد عزموا عليه إذا أصبحوا، وجعل معاوية يقول لأصحابه: يا أهل الشام! اعلموا أنكم تقاتلون ms0625 غدا إخوانكم من العرب، فكونوا على إحدى ثلاث خصال: إما أن تكونوا قوما تطلبون ما عند الله بقتال قوم بغوا عليكم وفللوا من بلادهم حتى نزلوا ببيضتكم، وإما أن تكونوا قوما تطلبون بدم الخليفة عثمان، فإنه خليفتكم وصهر نبيكم، وإما أن تكونوا تذبون عن حريمكم وحرمكم، يولوكم بتقوى الله والصبر الجميل. فأنشأ رجل من أصحاب معاوية يقول (4): # ألا ليت هذا الليل أطبق سرمدا * علينا وإنا لا نرى بعده غدا فإن يك ليلي خائبا لصباحه * وجدت إلى برج الكواكب مصعدا (5) و أما فراري في البلاد فليس لي * فرار (6) وإن جاوزت جابلق مبعدا حذار علي إنه غير مخلف * يدا له (7) ما لبى الملبون موعدا فإني به في الليل ينفض رأسه * على ظهر خوار الرحالة أجردا # PageV03P172 # يخوض غمار الموت في مرحجنة * ينادون في نقع العجاج محمدا من أصحاب بدر والنضير وخيبر * وأحد يروون الصفيح المهندا و يوم حنين جالدوا عن نبيهم * جموعا من الكفار (1) حتى تبددا فقل لابن هند ما الذي أنت صانع * أتثبت أم ندعوك في الحرب قعددا (2) قال: فبلغ معاوية شعره فهم بقتله وقال: قاتله الله! لو أصاب خلف جابلق (3) مكانا لجاز إليه، قال: فهرب صاحب هذا الشعر في جوف الليل فصار إلى علي رضي الله عنه فكان معه. # قال: ودخل على معاوية من صباح علي وحربه غم شديد وضاق به ذرعا، فجعل يشجع نفسه وهو يقول: # يخوفني أبو حسن علي * بياض الصبح والوقت الصباح فابرق ما استطعت فإن قرني * حديد لا يفلله النطاح و دون الشام قد عاينت طعنا * وبعد الطعن ضربا أو كفاح فإن يقصر غيابك لا أطله * وإن تجمع ففي رأسي جماح ستأتيكم ململمة طحون * كركن الطوق مسبلة رداح تشيب الناهد العذراء منها * فوارسها بأيديها الرماح و ليس الحرب يخشوه إذا ما * تعاظمت الأمور ولا الجراح و يذهب ما بقي منا ومنهم * وودوا إننا طحنا وطاحوا ألم يك في الذي سلفت دليل * على أن الوعيد هو الرياح و إنا لم نزل نغدوا عليهم * ورحنا في مساءتهم وراحوا تباعا ms0626 هكذا شهرا وعشرا * كأن دماءنا سيل مباح فما فلوا لنا حدا بحد * وما منا حريم مستباح إذا عدوا لهم يوما عددنا * لنا يوما يفوز به القداح قال: فلما تقارب الصبح هبت الناس وتحركوا وصهلت الخيل التي عولت من # PageV03P173 # الحرب، وجعل (1) الناس يعقلون ويسبقون ويسرجون ويوثقون آلات، فأنشأ الأشتر و هو يقول (2): # قد دنا الفضل للصباح وللسلم * رجال وللحروب رجال فرجال الحروب كل خدب * مقحم لا يهيجه (3) الأهوال يضرب الفارس المدجج (4) في النقع * إذا فل في الوغى الأكفال (5) يا بن هند شد الحيازيم للموت * ولا يذهبن بك الآمال إن في الصبح إن بقيت لأمر * يتعوذ من شره الأبطال (6) فاصبروا للطعان بالأسل السمر * وضرب يجري به الأمثال إن تكونوا قتلتم البقر (7) البيض * وغالت أولاكم الآجال فلنا مثلهم وإن عظم الخطب * قليل أمثالهم أبدال يحصبون الوشيح في رهج النقع * وللموت بينهم أذيال طلبوا الفوز في المعاد وفي ذا * يستهان النفوس والأموال قال: فكان معاوية إذا ذكر هذا الشعر يقول: شعر منكر قاله فارس العراق. ### | ذكر الواقعة الخميسية وهي وقعة لم يكن بصفين أشد منها وصفة ليلة الهرير قال: وأصبح الناس وطلعت الشمس وذلك في يوم الخميس، ودعا علي رضي الله عنه بدرع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلبسه وبسيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتقلده وبعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعتجر بها، ثم دعا بفرس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستوى عليه (8)، وجعل # PageV03P174 # يقول: أيها الناس! من يبع (1) نفسه يربح هذا اليوم، فإنه يوم له ما بعده من الأيام، أما والله، أن لو لا أن تعطل الحدود وتبطل الحقوق ويظهر الظالمون وتفوز كلمة الشيطان ما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبة، ألا! إن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء، والصبر خير عواقب الأمور، ألا! أنها إحن بدرية و ضغائن أحديه وأحقاد جاهلية وثب بها معاوية حين الغفلة ليذكر بها ثارات بني عبد شمس: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون) (2). # قال: ms0627 فقالت المهاجرون والأنصار: يا أمير المؤمنين! إننا كنا نقاتل معك إلى الساعة على بصيرة ويقين أنك على الحق الواضح، والآن فقد ازددنا بصيرة ويقينا بعد إذ قتل بين يديك مثل عمار بن ياسر، فتقدم أمامنا وها نحن من ورائك. # قال: فتقدم علي ومعه نيف على عشرة آلاف (3) من بني مذحج ممن يريد الموت قد وضعوا أسيافهم على عواتقهم ما يبين منهم إلا الحدق، وعلي رضي الله عنه يقدمهم وهو يقول: # دبوا دبيب النمل لا تفوتوا * وأصبحوا في حربكم وبيتوا كي ما تنالوا الدين (4) أو تموتوا * أو لا فإني طال ما عصيت قد قلتم لو جئتنا فجئت * ليس لكم ما شئتم فشئت بل ما يريد المحيي المميت قال: وتبعه عدي بن حاتم الطائي وهو يقول: # أبعد عمار وبعد هاشم * وابن بديل فارس الملاحم ترجو البقا من بعد يا بن حاتم (5) * فقد عضضنا أمس بالأباهم فاليوم لا يقرع سن نادم * لا بد أن يحمى حمى المحارم ليس امرء من يومه بسالم قال: وتبعه مالك الأشتر وهو يقول: # PageV03P175 # حرب بأطراف القنا تأجج (1) يهلك فيها البطل المدجج يقدمها (2) همذانها ومذحج * قوم إذا ما حسموها انضجوا سيروا لبر الله (3) لا تعرجوا * دين قويم وسبيل منهج قال: ثم حمل علي رضي الله عنه في هؤلاء العشرة آلاف حملة رجل واحد، فما بقي لأهل الشام صف إلا انتقض وهمدت الناس واحمرت حوافر الخيل بالدماء. # قال: والتفت معاوية إلى عمرو بن العاص فقال: أبا عبد الله اليوم صبرا وغدا فخرا، فقال عمرو: صدقت يا معاوية! ولكن اليوم حق والحياة باطل، وإن حمل علي في أصحابه حملة أخرى فهو البراز. # قال: والتفت الأشتر إلى بني عمه فجعل يحرضهم وهو يقول: يا لمذحج! # عضضتم بصم الجندل، فما أرضيتم ربكم ولا نكبتم له في عدوكم، وأنتم أبناء العرب، وأصحاب الغارات، وفتيان الصياح، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، و مذحج الطعان. ثم حمل وحملت معه قبائل العرب مع مذحج، فتحيرت أهل الشام من فعالهم، والأشتر يومئذ على فرس له أدهم ذنوب، في يده ms0628 صفيحة له يمانية، إذا طأطأها خلت فيها لهيبا (4)، وإذا رفعها يغشى البصر (5) من شعاعها، فهو يضرب بها قدما قدما، فلا يصمد لكتيبة إلا كشفها وهو يقول: # أهلي فداكم قاتلوا عن دينكم * فالجبن عن أعدائكم يشينكم و الله إن ناصحتم يعينكم * فاحموا حماكم وامنعوا قطينكم قال: ثم حمل فطاعن حتى كسر رحمه على قربوص سرجه ووقف وهو يقول: # الغمرات ثم تنجلينا (6) * نحن بنو الحرب بها غذينا # PageV03P176 # قال: فقال رجل من أصحاب علي لله در هذا الرجل لو كانت له نية، ولكن أظن أنه إنما يقاتل هذا القتال رياء وسمعة، ولا أظنه يريد بفعاله هذا ما عند الله. # قال: فبلغ كلامه الأشتر، فغضب من ذلك ثم أنشأ يقول: # أيها الجاهل المسئ بي الظن * ليس مثلي يجوز فيه الظنون لست ممن باع الهدى بهواه * إن من باع دينه مغبون إنما يطلب المتاع من الناس * سفيه في رأيه مفتون حسبي الله في الحوادث والرمح * وسيف مهند مسنون و دلاص مثل الإضاء وطرف * أعوجي كأنه مجنون وهواي الذي يقربه العين * وبالحق قد تقر العيون إن مثلي من الرجال قليل * حين يبدو من النساء البرين هكذا كنت يا فوارس لخم * وكذا في الذي يكون أكون قال: فندم اللخمي على ما قال في الأشتر، ثم أنشأ يقول: # أصابت ظنوني في رجال كثيرة * وأخطأت في ظني بأشتر مالك و ما كان فيما قلت إثم وإنما * ترضيته أن لا أعود لذلك ظننت به ظني بعمرو فإنه * وصاحبه راما عظيم المهالك قال: وزالت الشمس وذهب وقت الصلاة والحرب قائمة على ساق، قال: # و صاح علي رضي الله عنه بالمهاجرين والأنصار فقال: إن الفرار عن الحرب في مثل هذا اليوم إرداد عن الحق ورغبة عن دين الإسلام، أما سمعتم الله تبارك وتعالى يقول: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم) (1) فما انتظاركم إن كنتم تريدون الجنة؟ # قال: فكان أول من تقدم أبو الهيثم بن التيهان (2) وجعل يرتجز ويقول: # أجمد ربي وهو الحميد * ذاك الذي يفعل ما يريد ذاك الذي عذابه ms0629 شديد * من ينج منه فهو السعيد هذا علي ما له نديد * دين قويم وهو الرشيد # PageV03P177 # ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله! فرثته امرأة من الأنصار فأنشأت تقول شعرا (1). # قال: ثم تقدم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فجعل يرتجز ويقول (2): # قد مر يومان وهذا الثالث * هذا الذي يبحث فيه الباحث هذا الذي يلهث فيه اللاهث * يوم عبوس والعبوس كارث كم ذا يرجى أن يعيش الماكث * والناس موروث وفيهم (3) وارث هذا علي من عصاه ناكث ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله! فقالت فيه ابنته منيعة (4) هذه الأبيات: # عين جودي على خزيمة بالدمع * قتيل الأحزاب يوم الفرات قتلوا ذا الشهادتين عيانا (5) * أدرك الله منهم بالترات قتلوه في فتية غير عزل * يسرعون الركوب للدعوات نصروا أحمد الموفق ذا العدل فدانوا بذاك حتى الممات قبح (6) الله معشرا قتلوه * ورموه (7) بالخزي والآفات قال: وتقدم خالد وخلدة ابنا أبي خالد الأنصاري (8)، فجعل خالد يرتجز و يقول: # PageV03P178 # هذا علي والهدى يقوده * من خير عيدان قريش عوده لا يسأم الطعن ولا يؤوده * لكنه يلهبها وقوده و كل من يقرن به يسوده قال: وجعل خلدة يرتجز ويقول (1): # هذا علي والهدى أمامه * هذا لوا نبينا قدامه يقحمه عند الوغى إقدامه (2) * لا عيبه يخشى ولا أثامه لا يكره الطعن ولا يسامه * منه غداه وبه إدامه ثم حملا فقاتلا حتى قتلا جميعا رحمهما الله (3). # قال: ثم تقدم جندب بن زهير وهو يقول: # أقول لما قد رأيت المعمعه * واختلط الجمعان وسط البلقعه هذا علي والهدى حقا معه * يا رب فاحفظه ولا تضيعه فإنه يخشاك ربي فارفعه * ومن أراد كيده فضعضعه إذا رامه بالبغي منه فاقمعه * واسفك إلهي دمه وجعجعه سهر النبي المصطفى قد طاوعه * أول من بايعه وتابعه نحن نصرناه على من نازعه ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمة الله عليه. # قال: وبكى الأشتر فقال له علي رضي الله عنه: ما يبكيك؟ لا أبكى الله عيناك! فقال: أبكي يا أمير المؤمنين لأني أرى الناس يقتلون بين يديك وأنا لا أرزق الشهادة فأفوز ms0630 بها، فقال له علي رضي الله عنه: أبشر بالخير يا مالك! ثم تمثل علي رضي الله عنه بهذا البيت: # أي يوميك من الموت تفر * يوم لا يقدر أو يوم قدر (4) # PageV03P179 # قال: ونظر (1) أصحاب علي إلى قوم من أصحاب معاوية قد وقفوا على تل عظيم، فحلموا عليهم حتى خالطوهم، ثم ضاربوهم حتى أزالوهم عن ذلك التل، و قتلوا منهم جماعة، فأنشأ المعدل بن نائل العجلي يقول: # لست أنسى مقام غسان بالتل * ولو عشت ما أظل الغمام (2) إنهم للخيول أحلاس صدق * عند هيجائها وعند الضرام سادة قادة [هم و] إذا اعصو * صب يوم القراع خير الكهام فهم الناس إن ذكرت أناسا * وهم الغر في ذرى الأعلام ناوشونا غداة سرنا إليهم * بالعوالي وبالسيوف الدوامي فتولوا ولم يعينوا جميعا * عند وقع السيوف عند الزحام و أصبنا بكل كهل كريم * صادق البأس سيد قمقام ### | ذكر صفة ليلة الهرير # قال: وقامت الفرسان في الركب فاصطفقوا بالسيوف وارتفع الرهج وثار (3) القتام وتضعضعت الرايات وحطت الألوية (4)، وغابت الشمس (5) وذهبت مواقيت الصلاة حتى ما كان في الفريقين أحد يصلي ذلك اليوم ولا سجد لله سجدة، ولا كانت الصلاة إلا بالتكبير والإيماء نحو القبلة. # قال: وهجم عليهم الليل واشتدت الحرب، وهذه ليلة الهرير، فجعل بعضهم يهر على بعض، ويعتنق بعضهم بعضا، ويكرم بعضهم بعضا (6). # قال: وجعل علي رضي الله عنه يقف ساعة بعد ساعة ويرفع رأسه إلى السماء و هو يقول (7): اللهم! إليك نقلت الأقدام وإليك أفضت (8) القلوب ورفعت الأيدي # PageV03P180 # ومدت الأعناق وطلبت الحوائج وشخصت الأبصار، اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق و أنت خير ألفا تحين! ثم إنه حمل في سواد الليل وحملت الناس معه، فكلما قتل بيده رجلا من أهل الشام كبر تكبيرة حتى أحصى له كذا كذا تكبيره. قال أبو محمد (1): أحصي له خمسمائة تكبيرة وثلاث (2) وعشرون تكبيرة (3)، في كل تكبيرة له قتيل، قال: وكان إذا علا قد وإذا وسط قط. # قال: وجعلت المشايخ من أهل الشام ينادون في تلك الغمرات: يا قوم! الله الله في البقية! ms0631 الله الله في الحرم والذرية! والناس يقتتلون ليلتهم تلك حتى أصبحوا، وقد قتل من القوم تلك الليلة ستة وثلاثون ألفا من جحاجحة العرب، و ليس فيهم أحد يكيع عن صاحبه. قال: فطلعت الشمس وتعالى النهار وذلك في يوم الجمعة والسيوف تأخذ هام الرجال. ### | ذكر رفع المصاحف على رؤوس الرماح # قال: فقال معاوية لعمرو بن العاص: الله ويحك أبا عبد الله! أين حيلك التي كنت أعرفها منك؟ فقال عمرو: تريد ماذا؟ قال: أريد أن تسكن هذه الحروب، فقد أبيد أهل الشام، وإني لأعلم إن دام هذا الحرب يومنا هذا لم يبق بأرض الشام أحد يحمل سلاحنا، فقال عمرو: إن أحببت ذلك فأمر بالمصاحف أن ترفع على رؤوس الرماح ثم ادعهم (4) إليها، فإنك إن فعلت ذلك لم يقاتل أحد أحدا، فهذه حيلتي ومكيدتي التي لم أزل أدخرها لك، فعجل برفع المصاحف، قال: فلما سمعت أهل الشام ذلك قال بعضهم لبعض: صدق عمرو، وهذه حيلة ما سبقه إليها أحد. # قال: فأمر معاوية بالمصاحف فرفعت على رؤوس الرماح، وصاح (5) أهل الشام: يا علي! يا علي! اتق الله اتق الله! أنت وأصحابك في هذه البقية، هذا # PageV03P181 # كتاب الله بيننا وبينكم. قال: ثم أتوا بالمصاحف وبالمصحف الأعظم وهو مصحف عثمان بن عفان، فربطوه على أربعة أرماح (1) ثم رفعوه ونادوا: يا أهل العراق! هذا كتاب الله بيننا وبينكم. فالله الله في البقية والحرم والذرية الصغار! قال: وجعل رجل ينادي بأعلى صوته وهو يقول (2): # (ف) أهل (3) العراق أجيبوا الدعاء * فقد بلغت غاية الشدة وقد أودت الحرب بالعالمين * وأهل الحفائظ والنجدة فلسنا ولستم من المشركين * ولا المجمعين على الردة ولكن أناس لقوا مثلهم * لنا عدة ولهم عدة (4) فقاتل كل على وجهه * يقحمه الجد والجدة (4) فإن تقبلوها ففيها البقاء * وأمن الفريقين والبلدة وإن تدفعوها ففيها الفناء * وكل بلاء إلى المدة (5) فحتى متى محض هذا الشقاء (6) * ولا بد أن يخرج الزبدة (4) ثلاثة رهط هم أهلها * وإن رعدت فيهم رعدة (7) سعيد بن قيس وكبش العراق * وذاك المسود من كندة ### | ذكر امتناع القوم ms0632 من القتال # قال: فعندنا وثب الأشعث إلى علي فقال (8): يا أمير المؤمنين! أجب القوم إلى كتاب الله، وإلا والله لم يرم معك يماني بسهم ولم يضرب معك بسيف ولم بطعن معك برمح، فقال علي: ويحك والله ما رفعوا لكم هذه المصاحف إلا خديعة و مكيدة! فقال الأشعث: لا والله ما نأبى ذلك أبدا، فإن شئت فأذن لي أن آتي # PageV03P182 # معاوية فأسأله عن هذه المصاحف لماذا رفعت؟ فقال علي رضي الله عنه (1): ذاك إليك. # قال: فأقبل الأشعث حتى وقف قريبا من معاوية، ثم قال: يا معاوية! لماذا رفعتم هذه المصاحف؟ فقال: رفعناها لكي نتفق نحن وأنتم عليها. قال: فرجع الأشعث إلى علي فأخبره بذلك. # قال: ثم تقدم رجل من أهل الشام على فرس له أبلق، وفي يده مصحف قد فتحه، ثم وقف بين الجمعين (2) وجعل يقرأ: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) (3)، وقوله: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون) (4)، وقوله تعالى: (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون * إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) (5). # قال: وماجت الناس في عسكر علي، فقالت (6) جماعة: قد أكلتنا هذه الحروب وقلت الرجال. وقال قوم: نقاتل اليوم على ما قاتلنا أمس وإن لم يبق منا إلا القليل. # قال: ثم وثب شقيق بن ثور البكري (7) فقال: يا أهل العراق! إنكم تعلمون أننا كنا دعونا أهل الشام إلى كتاب الله عز وجل (8)، فإن رددناه (9) عليهم حل لهم منا # PageV03P183 # ما حل لنا منهم، ولسنا نخاف أن يحيف الله علينا ولا رسوله، وأ ن عليا رضي الله عنه ليس بالراجع ولا بالناكص ولا الشاك الواقف في أمره، وهو اليوم على ما كان عليه أمس، وقد أكلتنا هذه الحروب، ولسنا نرى إلا البقاء في ms0633 الموادعة - والسلام -. # قال: ثم وثب هانىء أو كردوس بن هانىء البكري (1) فقال: أيها الناس! إننا ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه، ولا برئنا من علي منذ توليناه، وقد علمنا أن قتلانا شهداء وأحياءنا أبرار، وأن عليا لعلى بينة من ربه وما أحب إلا الإنصاف، وكل محق منصف، فمن سالمه نجا ومن خالفه هلك (2). # قال: ثم وثب خالد بن معمر السدوسي فقال: يا أمير المؤمنين! إننا ما أخرنا هذه المقالة إلا أن يكون (3) أحدى أولى بهذا الكلام منا غير أننا جعلناه ذخرا لنا، وقلنا أحب الأمور إلينا ما كفينا مؤنته، فأما إذ سبقنا إلى الكلام فإننا لا نرى البقاء إلا فيما دعاك إليه القوم، فإن رأيت ذلك فأجبهم إليه وإن لم تر ذلك فرأيك أفضل. # قال: ثم وثب الحضين بن المنذر (4) وكان أصغر القوم سنا فقال: أيها الناس! # إنما بني هذا الدين على التسليم فلا تعملوا فيه بالقياس، ولا تهدموه بالشبهة (5)، و أمير المؤمنين فهو المصدق بما قال والمأمون على ما فعل، فإن قال: لا. قلنا: # لا، وإن قال: نعم، قلنا: نعم. # قال: فوثب رفاعة بن شداد البجلي وكان من أفاضل أصحاب علي رضي الله عنه، فقال: أيها الناس! إنه لا يفوتنا شيء من حقنا وقد دعونا القوم إلى ما دعوناهم إليه في أول أمرنا، فإن يتم الأمر على ما نحب وحكم بالقرآن على ما فيه من الحق فبعد بلاء شديد وقتل ذريع، وإن تكن الأخرى أثرناها عجاجة (6)، فهذه سيوفنا في # PageV03P184 # رقابنا وأرماحنا في أكفنا، ثم أنشأ يقول (1): # تطاول ليلي بالهموم الحواضر * وقتلى أصيب من رؤوس العشائر (2) بصفين أمسوا والحوادث جمة * يهيل عليها الترب ذيل الأعاصر فإنهم في ملتقى الحرب بكرة * وقد جالت الأبطال دون المشاعر فإن تك أهل الشام نالوا سراتنا * فقد نيل منهم مثلهم جزر جاذر (3) و فار سجال الدمع منا ومنهم * يبكين قتلى غير ذات مقابر فإن يستقل اليوم ما كان بيننا * وبينهم إحدى الليالي الغوابر و ما ذا علينا أن تريح سيوفنا * إلى مدة من بيضنا والمغافر ms0634 و من نصبنا وسط العجاج جباهنا * كفاحا كفاحا بالسيوف البواتر (4) و طعنا إذا نادى المنادي أن اركبوا * صدور المذاكي بالرماح الخواطر ونحن ضربناهم على رأس أمرنا * فإن حكموا فينا حكومة جائر أثرنا التي كانت بصفين بكرة * ولم نك في تسعيرها بعواثر و إن حكموا بالحق كانت سلامة * وإلا أثرناها بيوم قماطر (5). # قال: ثم وثب إلى علي يومئذ زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد شائلين سيوفهم على عواتقهم قد اسودت خيولهم (6) من كثرة الغبار، ومعهم عصابة من القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج، فقال له رجل منهم (7): يا علي! أنت تعلم أننا إنما قتلنا عثمان بن عفان حين غلبنا وأبي علينا أن يعمل بما في كتاب الله أو نجيب إليه، و أجب القوم إلى ما دعوك إليه من كتاب الله فقد أنصفوك، وإلا والله دفعناك إليهم برغمك أو قتلناك كما قتلنا عثمان بن عفان والله لنفعلنها بك إن لم تجب القوم إلى كتاب الله. # PageV03P185 # قال: فنظر علي رضي الله عنه ساعة ثم قال: يا هؤلاء! إني أنا أول من دعا إلى كتاب الله، وأول من أجاب إليه، ولا يحل لنا إلا الإجابة إليه، غير أني كنت أمس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا، وكنت أمس ناهيا فأصبحت منهيا، وأراكم قد أحببتم البقاء وكرهتم الحرب، وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون. قالوا: # فابعث إذا إلى الأشتر فادعه (1) إليك فإنه ما يفتر عن الحرب. # قال: وكان الأشتر رحمه الله أشرف على دخول عسكر معاوية فأرسل إليه علي رضي الله عنه رسولا (2) أن ارجع، فقال الأشتر للرسول: قل لأمير المؤمنين: ليس هذا وقت ينبغي لك أن تزيلني فيه عن موقفي. # قال: فارتفع الرهج وعلت الأصوات من ناحية الأشتر، فقال القوم: إننا إنما سألناك أن ترد الأشتر ولم نسألك أن تأمره بالحرب، فقال علي رضي الله عنه: وكيف علمتم أني أمرته بالحرب؟ هل رأيتموني وأنا أسار الرسول؟ ألم أكلمه وأنتم تسمعون؟ قالوا: فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك. قال: فقال علي رضي الله عنه لرجل من ms0635 أصحابه (3): اذهب إليه فقل له: ويحك! أقبل فإن الفتنة قد وقعت (4). # قال: فجاءه الرسول بالرسالة من عند علي رضي الله عنه، فقال الأشتر: لعل أمير المؤمنين إنما يدعوني لأجل هذه المصاحف التي رفعت؟ قال الرسول: نعم فارجع، فقال الأشتر رحمه الله: أما والله لقد علمت (5) حين رفعت أنها ستلقي اختلافا وفرقة، وأنها مشورة ابن النابغة (6) عمرو بن العاص، ثم قال للرسول: # و يحك! أمهلني ساعة فإني قد تقاربت من الفتح، فقال له الرسول: أفتحب أن تظفر وأمير المؤمنين بمكانه ذلك؟ فقال الأشتر: سبحان الله! لا والله ما أحب ذلك، قال: فارجع فإن القراء قد قالوا له: ابعث إلى الأشتر فليأتك وإلا قتلناك كما قتلنا عثمان. # PageV03P186 # قال: فانصرف الأشتر مغضبا وهو يقول: يا أهل العراق! يا أهل الرهن (1) و الوهن! ويلكم الآن حين علوتموهم بالطعن والضرب وعلموا أنكم قاهرون رفعوا لكم هذه المصاحف خديعة ومكرا، ثم دعوكم إليها! فقال الأشعث بن قيس: يا هذا! إننا قاتلناهم لله عزو جل، وندع الساعة قتالهم لله عز وجل، قال: فقال الأشتر: ويحكم! فأمهلوني ساعة فلقد أحسست بالفتح وأيقنت بالظفر، فقالوا: # لا، قال: فأمهلوني عدوة فرسي (2)، فإني قد طمعت في النصر، فقالوا: إذا ندخل معك في خطيئتك، فإنهم قد دعونا إلى كتاب الله عز وجل، فقال الأشتر: إنه قد قتل أماثلكم (3) وبقي أراذلكم، وقد كنتم إلى الساعة محقين، فإن تركتم قتالكم تكونوا مبطلين (4)؟ قال: فصاحت به القراء وغيرهم من الناس وقالوا: دعنا منك يا أشتر، فإننا لا نطيعك ولن نطيع صاحبك ونحن نرى المصاحف على رؤوس الرماح ندعى إليها. فقال الأشتر: لا والله ولكن خدعتم فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، ثم أقبل على أولئك القراء فقال: يا أصحاب الجباة السود! كنا نظن أن صلاتكم (5) زهادة في الدنيا وتشوقا في الآخرة، وأنا والله فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا، فقبحا لكم وبعدا كما بعد القوم الظالمون. # قال: فسبوه وسبهم، وضربوا بسياطهم وجه فرسه وضرب بسوطه وجوه دوابهم، وهموا به وهم بهم، وأعانه (6) بنو عمه، وكادت ms0636 الفتنة أن تقع بين القوم حتى سكنهم علي وقال: كفوا عنه ما لكم وله. # قال: فتكلم رجل من أصحاب علي رضي الله عنه وقال: يا هذا! إن أمير المؤمنين قد قبل الحق ورضي بحكم القرآن ولم يسعه إلا ذلك فلا تقتل نفسك، # PageV03P187 # فقال الأشتر: إن كان أمير المؤمنين قد رضي فقد رضيت بما رضي به أمير المؤمنين. # قال: فكان معاوية بعد ذلك يقول: والله لقد رجع عني الأشتر يوم رفع المصاحف وأنا أريد أن أسأله أن يأخذ لي الأمان من علي، وقد هممت ذلك اليوم بالهرب ولكن ذكرت قول عمرو بن الأطنابة حيث يقول (1): # أبت لي عفتي وأبى بلائي * وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإعطائي (2) على المكروه مالي (3) * وضربي هامة البطل المشيح (4) وقولي كلما جشأت وجاشت (5) * مكانك تحمدي أو تستريحي لأدفع عن مآثر صالحات * وأحمي بعد عن عرض صحيح بذي شطب كلون الملح صاف * ونفس ما تقر على القبيح ### | ثم رجعنا إلى الخبر # قال: فقال علي رضي الله عنه: أيها الناس! إنه ليس مع كتاب الله تعالى أمر و لا مع حكمه حكم، هذا كتاب الله قد دعانا القوم إليه وأنا أحب أن أحيي ما أحيى القرآن وأميت ما أمات القرآن، وقد علمتم أننا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الحديبية فأردنا أن نقاتل إنكارا للصلح حتى نهانا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن أهل الشام إنما دعونا إلى كتاب الله عزو جل اضطرارا ونجيبهم اعذارا، واسكنوا حتى ننظر ما الذي يريدون أن يصنعوا. # قال: فوثب حريب بن جابر البكري فقال: أيها الناس! إنكم قد سمعتم كلام أمير المؤمنين فاسمعوا كلامي، إن أمير المؤمنين لو كان خلوا من هذا الأمر لكان المفزع (6) إليه، فكيف وهو قائده وسائقه (7)! إنه والله ما قبل من القوم اليوم إلا الأمر # PageV03P188 # الذي دعاهم إليه أمس، ولو رده عليهم لكنتم عليه أعتب (1)، فلا يلحد في هذا الأمر إلا ورجع على عقبيه أو يستدرج الذين تعرضوا بيننا وبين من ms0637 طعن على أمير المؤمنين بعد هذا الأمر إلا بالسيف، ثم أنشأ يقول: # أتى نبأ من الأنباء ينمي * وقد يشقى من الخبر الخبير و قد جاء معاوية بن حرب * بأمر قد تضيق به الصدور فما أحيى القرآن [و] وحي لكن * متى حاروا فمخ القوم زير فلا تعجل معاوية بن حرب * وإن سرور ما تهوى غرور فإنك والخلافة يا بن حرب * لكالحادي وليس له بعير قال: ثم وثب جماعة من بني بكر بن وائل، منهم حريث بن جابر وخالد بن معمر وشقيق بن ثور وكردوس بن عبد الله (2) إلى علي رضي الله عنه فقالوا: ما ترى يا أمير المؤمنين؟ إن أجبت القوم أجبنا وإن أبيت أبينا، وها نحن بين يديك. فقال علي: أنا أحق من أجاب إلى كتاب الله (3) ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة والضحاك بن قيس وابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأنا أعرف بهم منكم، لأني (4) قد رأيتهم صغارا وصحبتهم كبارا، وكانوا شر أطفال وشر رجال، وقد علمت أن رفع هذه المصاحف إنما هو وهن (5) وخديعة و مكيدة، وليس يحل لي ولا يسعني في ديني أن أدعى إلى كتاب الله فآبى أن أقبله، لأني إنما قاتلتهم ليدينونا (6) بحكم القرآن، لأنهم قد كانوا عصوا الله فيما أمرهم به و نهاهم عنه، فلم ينتهوا ونقضوا (7) عهده ونبذوا كتابه، غير أني أراكم قد اجتمعتم على أمر لا أرى فيه مخالفتكم. # PageV03P189 # قال: فجزاه القوم خيرا، فأنشأ الصلتان العبدي في ذلك يقول: # شقيق بن ثور قام فينا بخطبة * يحث بها (1) الركبان أهل المشاعر و هيهات أن يأتي (2) الخطيب بمثلها * جزى الله خيرا من خطيب وناصر و قد قام فينا خالد بن معمر * وكردوس الحامي ذمار العشائر بمثل الذي حامى به حذو فعله * وقد بين الشورى حريث بن جابر فلا يعدمنك (3) الدهر ما هبت الصبا * ولا زلت مسقيا بأسحم ما طر و لا زلت تدعى في ربيعة أولا * باسمك في إحدى الليالي الغوابر قال: فبينا الناس كذلك إذ ms0638 أقبل أبو الأعور السلمي من عند معاوية على برذون له أشهب (4) والمصحف على رأسه حتى وقف قريبا من عسكر علي رضي الله عنه ثم نادى بأعلى صوته: لن يعطي واحد منا للآخر الطاعة، وقد قتل فيما بيننا بشر كثير، و كل واحد منا يرى أنه على الحق فيما يطلب من صاحبه وإننا نتخوف أن يكون ما بقي أشد مما مضى، وإننا سنحاسب ونسأل عن هذا الموطن ولا يحاسب بما نحن فيه غيرنا وغيركم، وقد جئتكم في أمر لنا ولكم فيه حياة وعذر وصلاح وحقن الدماء وألفة الدين وذهاب الفتن (5) أن نجعل القرآن بيننا وبينكم حكما ويحكم بيننا حكمان مرضيان: أحدهما من أصحابنا والآخر من أصحابكم، يحكمان (6) بما في كتاب الله عزو جل فإنه خير لنا ولكم، ونقطع هذه الفتن، فاتق الله يا علي فيما دعيت إليه و ارض بحكم القرآن إن كنت من أهله - والسلام -. # قال: فصاحت به الناس: إننا قد رضينا بحكم القرآن. فقال أبو الأعور: # فالحمد لله على ذلك، ووفقنا وإياكم لصالح الأمور. ثم انصرف إلى العسكر فأنشأ عبد الله بن حجر في ذلك يقول: # دعانا علي إلى خطة * فكنا له خير أنصارها # PageV03P190 # رضينا بإيرادها في الورود * وبعد الورود بإصدارها على كل حال رضينا بها * بإظهار آمر وإضمارها ولسنا نريد بها غيرها * ولسنا نكون من أشرارها فمن ألحد اليوم في رأيه * رمته المنايا بأقدارها دعاه ابن هند إلى خطة * أقر بها بعد إنكارها و أظهر فيها رضى بالقرآن * وليس له غير إظهارها و فيها بقاء إلى مدة * ووضع الحروب لأوزارها فإن قلت لا قلت لا مثلها * واحذاؤها حذو مقدارها و ما الناس إلا رجال العراق * وبالشام مرعى لأعيارها و بالشام اعداد أهل العراق * وليس لها مثل أخيارها و ما العيش إلا بأحقافها * وما الكف إلا بأظفارها قال: فغمد (1) الناس أسيافهم ووضعوا أسلحتهم وعزموا على الحكم. فقال عمرو لمعاوية: كيف رأيت رأيي، لقد كنت غرقت في بحر العراق وأنقذتك، فقال معاوية: صدقت أبا عبد الله ولمثلها كنت أرجوك. ### | ذكر ms0639 ما كان بعد ذلك بينهم من المكاتبة # قال: ثم كتب علي رضي الله عنه إلى معاوية (2): أما بعد، فإن أفضل ما يشتغل به المرء المسلم اتباع ما يحسن به ويستوجب فضله ويسلم من غيه، وإن البغي والباطل ليسعان بالموالي موارد الهلكة، واحذر الدنيا يا معاوية فإنه لا فرح في شيء وصلت إليه منها وقد علمت أنك غير مدرك ما قضى الله فوته (3)، وقد رام قوم (4) أمرا بغير حق فأكذبهم الله (5) ومتعهم قليلا ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ، فاحذر يوما يغتبط فيه من حمد عاقبة أمله وعمله ويندم من أمكن الشيطان من قيادة، # PageV03P191 # وأراك قد دعوتني إلى حكم القرآن وقد علمت أنك لست من أهل القرآن ولا حكمه أردت، والله المستعان وقد أجبنا القرآن إلى حكمه ولسنا إياك أجبنا، فبيننا وبينك حكم القرآن، ومن لم يرض بالقرآن فقد ضل ضلالا مبينا (1) - والسلام على عباد الله الصالحين -. # قال: وكتب معاوية: أما بعد، فعافانا الله وإياك فإني إنما قاتلت على دم عثمان وكرهت التدهين في أمره وإسلام حقه، وقلت إن أدرك به نارا فبها ونعمة، و إن تكن الأخرى فإن الموت على الحق أجمل من الحياة على الضيم، وبعد فقد بان لك الذي فيه صلاحنا والألفة بيننا، وإنما استربت بالعفو بعد صلاح الأمة، وإنما أدخلني في هذا الأمر القيام بالحق فيما بين الباغي والمبغي عليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فدعوت إلى كتاب الله بيني وبينك، وعلمت أنه لا يجمعنا وإياكم على الحق إلا القرآن، نحيي ما أحيا القرآن ونميت ما أمات القرآن - و السلام (2) -. # قال: ثم كتب علي رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص (3): أما بعد، فإن الدنيا شاغلة (4) عن غيرها، ولم يصب أحد (5) منها شيئا إلا فتحت له حرصا يزيده رغبة فيها، ولن يستغني صاحبها بما نال منها، ومن وراء ذلك فراق ما جمع، والسعيد من وعظ بغيره، وإن الذي تنازعت فيه من الدنيا فإنها غرارة، فلا تحبط أجرك ولا تحام معاوية وباطله - والسلام -. # قال: فكتب إليه عمرو (6): أما بعد، ms0640 فإن الذي فيه صلاحنا وألفتنا الإنابة إلى الحق، وقد أنصف من جعل القرآن إماما ودعا الناس إلى أحكامه، وقد جعلنا القرآن حكما وأجبنا إليه، وصبر الرجل منا نفسه على ما حكم به عليه القرآن، واصبر أبا حسن فإننا غير منيليك إلا ما أنالك القرآن - والسلام -. # PageV03P192 # قال: فأقبل الأشعث بن قيس إلى علي رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين! إني أرى الناس قد رضوا (1) وسرهم أن يجيبوا أهل الشام إلى ما دعوهم إليه من كتاب الله عز وجل، فإن شئت صرت إلى معاوية فأسأله (2) عما يريد وأنظر ما يسأل! فقال علي رضي الله عنه: ذلك إليك، ائته إن شئت. # قال: وأقبل الأشعث حتى دنا من أهل الشام، ثم قال: يا معاوية! إنكم قد رفعتم هذه المصاحف وقد أجبناكم إلى حكمها، فهات ما الذي تريدون، قال معاوية: أريد أن نرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه، فتبعثون رجلا منكم ترضون به. ونبعث نحن أيضا رجلا منا، ثم نأخذ عليهما (3) العهد والميثاق أن يعملا (4) بما في كتاب الله، ثم إننا نتبع ما اتفقا (5) عليه، فقال الأشعث: ما أرى بها بأسا وهذا هو الحق. ثم رجع إلى علي فأخبره بمقالة معاوية (6). # PageV03P193 ### | ذكر الحكمين # قال: ثم اجتمع (1) قراء أهل العراق وقراء أهل الشام بين العسكرين ومعهم المصحف، فنظروا فيه وتدارسوه واجتمعوا على ما فيه أن يحيوا ما أحيا القرآن وأن يميتوا ما أمات القرآن. قال: فرضي الفريقان (2) جميعا بالحكمين، وجعلوا المدة فيما بين ذلك إلى سنة كاملة. # فقال (3) أهل الشام: قد رضينا بعمرو بن العاص. # وقال الأشعث بن قيس والذين (4) صاروا خوارج بعد ذلك: فإننا قد رضينا بأبي موسى الأشعري، فإنه وافد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن، وصاحب مقاسم أبي بكر وعامل عمر بن الخطاب. فقال علي رضي الله عنه: ولكني لا أرضى أبا موسى ولا أوليه هذا الأمر. فقال الأشعث بن قيس وزيد بن حصن (5) ومسعر بن فدكي وعبد الله بن الكواء: فإننا لا نرضى إلا ms0641 به، لأنه قد كان حذرنا ما وقعنا فيه. فقال علي رضي الله عنه: فإنه ليس لي برضا (6) وقد كان فارقني وخذل الناس عني، ثم # PageV04P197 # هرب حتى آمنته بعد أشهر، ولكن هذا عبد الله بن عباس قد جعلته حكما لي. # فقال (1) القوم: والله لا نبالي أنت كنت أو ابن عباس، إلا أننا لا نريد رجلا هو منك وأنت منه (2). فقال علي رضي الله عنه: فأنا أجعل الأشتر حكما، فقال الأشعث: # وهل سعر الأرض علينا إلا الأشتر (3)! فقال الأشعث: حكمه أن يضرب الناس بعضهم بعضا بالسيوف حتى يكون ما أردت وما أراد. # فقال له الأشتر: أنت إنما تقول هذا القول لأن أمير المؤمنين عزلك عن الرئاسة ولم يرك أهلا لها. فقال الأشعث: والله ما فرحت بتلك الرئاسة ولا حزنت لذلك العزل. # فقال علي رضي الله عنه: ويحكم! إن معاوية لم يكن ليختار لهذا (4) الأمر أحدا (4) هو أوثق برأيه ونظره إلا عمرو بن العاص، وإنه لا يصلح للقرشي [إلا مثله] (5)، وهذا عبد الله بن عباس فارموه به، فإن عمرا لا يعقد عقدة إلا حلها، ولا يبرم أمرا إلا نقضه، ولا ينقض أمرا إلا أبرمه. فقال الأشعث ومن معه: لا والله لا يحكم فينا مضريان أبدا حتى تقوم الساعة! ولكن يكون رجل من مضر ورجل من اليمن، فقال علي رضي الله عنه: إني أخاف أن يخدع يمانيكم، فإن عمرو بن العاص ليس من الله في شيء، فقال الأشعث: والله لأن يحكما (6) ببعض ما نكره وأحدهما (7) من اليمن أحب إلينا من أن يكون ما نحب وهما مضريان. فقال علي رضي الله عنه: وقد أبيتم إلا أبا موسى؟ قالوا: نعم. قال: فاصنعوا ما أردتم (8)، # PageV04P198 # اللهم إني أبرأ إليك من صنيعهم! قال: وأنشأ خريم (1) بن فاتك الأسدي في ذلك يقول: # لو كان للقوم رأي (2) يعصمون (3) به * عند الخطوب (4) رموكم بابن عباس لله در أبيه أيما رجل * ما مثله للقضا والحكم في الناس (5) لكن رموكم بشيخ (6) من ذوي يمن * لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس (7) إن يخل عمرو ms0642 به يقذفه في لجج * يهوي به البحر (8) تيسا بين أتياس أبلغ لديك عليا غير عاتبه * قول امرئ لا يرى في الحق من بأس ما الأشعري بمأمون أبا حسن * خذها إليك وليس الفخذ كالرأس (9) قال: فقال الأحنف بن قيس التميمي (10): يا أمير المؤمنين إن أبا موسى رجل من اليمن وعامة بني عمه مع معاوية، وقد رميت بعمرو بن العاص وهو داهية العرب، فاجعلني حكما فإني أرجو أن لا يعقد عمرو عقدة إلا حللتها، ولا يحل عقدة إلا عقدتها، وإلا فتابعت من شئت غير أبي موسى وابعثني معه! فقال علي رضي الله عنه: يا أحنف! إن القوم قد أبوا إلا أبا (11) موسى والله بالغ في ذلك أمره. # قال: ثم بعث (12) القوم إلى أبي (11) موسى فدعوه، وقد كان معتزلا عن # PageV04P199 # القتال (1)، فأقبل إليه مولى له فقال: إن القوم قد اصطلحوا. فقال: الحمد لله رب العالمين! قال: فإنهم قد جعلوك حكما، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم أقبل أبو موسى حتى دخل إلى عسكر علي. # وأقبل الأشتر إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! آتني (2) بعمرو بن العاص، فو الله الذي لا إله إلا هو لئن ملأت عيني منه لأقتلنه. # قال: وأقبل حريث الطائي وهو جريح مثقل حتى وقف على علي رضي الله عنه وهو لما به، فبادره علي ورحب به، ثم قال له: كيف أنت يا أخا بني سنبس؟ # فقال: جريح دنف كما تراني، والذي بقي من عمري أقل مما مضى منه، ولكني اتيتك يا أمير المؤمنين في وقتي هذا لحق أقضيه، فقال علي: قل ما تشاء، فقال: # جعلني الله فداك! أحكم بعد حكم القرآن؟ وأمر بعد أمر القرآن؟ وأمر الله يصب دماءنا ودماءنا، ومعنا حكم الله علينا وعليهم، فما الذي حملك على إجابة القوم على الحكم؟ امض على أمر الله ولا يستخفنك الذين لا يوقنون. قال: فحثى قوم من أولئك القراء في وجهه التراب وهموا بقتله، فقال: كفوا عن الرجل! قال: # فتنحى من بين أيديهم وتفل فأحس بالموت، فأنشأ ms0643 يقول: # يسائلني علي كيف حالي * وحالي أنني دنف جريح ومالي والذين حذى مقري * سوى أني لسوءتها أصيح وإني لا أقر بها وإني * لأهل الدين والدنيا نصيح أبا حسن هداك الله دعها * ومتن أديمها منها صحيح أتطمع في معاوية بن حرب * وعمرو إن ذا منا قبيح وقولهما ومن حجت إليه * خفاف البزل في البيدا ربيح قال: ثم لم يلبث أن مات رحمه الله، وبلغ عليا شعره فقال: رحم الله أخا طيء ولا عرفه قبيحا من عمله. # PageV04P200 ### | ذكر كتبة كتاب الصلح بينهم وما جرى في ذلك # قال: ثم وضع (1) الناس السلاح والتقوا في المصنف بين العسكرين ودعوا بالكاتب، فجاء عبيد الله (2) بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو كاتب علي واجتمع الناس من أهل العراق وأهل الشام. # فقال علي رضي الله عنه لكتابه: اكتب " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضي عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان "، فقال معاوية: فإن كنت أمير المؤمنين كما زعمت فعلام أقاتلك؟ فقال علي رضي الله عنه: الله أكبر! كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الحديبية حين صده المشركون عن مكة، ثم اتفق أمره وأمرهم على الصلح بعد ذلك فدعاني لأكتب، فقلت: ما أكتب يا رسول الله؟ فقال: اكتب " هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله وأهل مكة "، فقال أبو هذا أبو سفيان بن حرب (3): يا محمد! إني لو أقررت أنك رسول الله لما قاتلتك، ولكن اكتب لنا صحيفتك باسمك واسم أبيك، فكتبت ذلك (4) بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا علي! إن لك يوما مثل هذا، أنا أكتبها للآباء وتكتبها للأبناء (5)، وإني الآن أكتبه لمعاوية كما كتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي سفيان (6)، قال: فقال: عمرو بن العاص: يا سبحان الله! ونقاس (7) نحن إلى الكفار ونحن مؤمنون! فصاح به علي صيحة وقال: يا بن النابغة! لو لم تكن للمشركين (8) وليا وللمؤمنين عدوا لم تكن في الضلالة ms0644 رأسا وفي الإسلام ذنبا، أو لست ممن قاتل محمدا عليه السلام وفتن أمته من # PageV04P201 # بعده؟ أو لست الأبتر ابن الأبتر عدو الله وعدو رسوله، قم من ههنا يا عدو الله فليس هذا بموضع يحضره مثلك. قال: فوثب عمرو ساكتا (1) لا ينطق بشيء حتى قعد ناحية. # قال: فقال عبد الله بن خباب (2) وكان من الفرسان الأبطال وكان له فضل، فقال: يا أمير المؤمنين! إنك أمرتنا يوم الجمل بأمور مختلفة كانت عندنا أمرا واحدا، فقبلناها منك بالتسليم منا لأمرك، وهذه من (3) تلك الأمور، ونحن اليوم أصحابك أمس، وأراك كارها لهذه القضية، وأيم الله ما المكثر المنكر بأعلم من المقتر المقل (4)، وقد كانت الحرب أخذت بأنفاس هؤلاء القوم، فلم يبق منهم إلا رجاء ضعيف وصبر مستكره، فاستغاثوا بالمصاحف وفزعوا إليها من حر أسنتنا وحد سيوفنا فأجبتهم إلى ما دعوك إليه، فأنت أولنا إيمانا وآخرنا عهدا بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فهذه سيوفنا (5) في رقابنا، ورماحنا في أكفنا وقلوبنا في أجوافنا، وقد أعطيناك تبعتنا غير مستكرهين، والأمر إليك والسلام. # ثم وثب صعصعة بن صوحان العبدي فقال (6): يا أمير المؤمنين! إنه قد شرحت الطاعة قلوبنا ونفدت في جهاد عدونا بصائرنا، وأنت الوالي المطاع، ونحن الرعية الأتباع، وأنت أعلمنا بربنا، وخيرنا في ديننا، وأعظمنا حقا فينا، وسيدنا بعد نبينا، وأقربنا منه قرابة، فصلى الله عليه ورضي عنك، فانفذ لرأيك نتبعه، وإن أبيت هذه القضية فلا ضيم عليك ولا خذل، ولو عصاك (7) الناس كلهم لأطعناك، فإن أجبت إلى ما دعيت إليه فنحن لك على السمع والطاعة إلى ما أمرت، فاستخر الله واعزم على ما عزم عليه رأيك - والسلام -. # قال فسر علي بقوله وأثنى عليه خيرا. # PageV04P202 # ثم تكلم المنذر بن الجارود العبدي فقال (1): يا أمير المؤمنين! إننا قد سمعنا مقال معاوية وعمرو بن العاص، غير أنه إذا جاء أمر لا يدفع فامتثل الأمر فيه الرضا، وقد كنا نرى أن ما زادنا من هؤلاء القوم نفعهم وما نفعنا ضرهم. وإن في ذلك أمرين تعجيل هوى أو ms0645 تأخير مساءة إلى أن ترى غير ذلك، فإن رأيته ففينا من البقية ما تفل له الحد وترد به الكلب، وليس لنا معك إصدار ولا إيراد - والسلام -. # قال: ثم وثب الحارث بن مرة فقال: يا أمير المؤمنين! إننا منا من يقول ما لا يفعل، ومنا من يهوى ما لا يستطيع، وليس ينفعك إلا من فعل واستطاع، وقد والله ذهب الفاعل وضعف المستطيع، ولسنا نحرك من شيء إن كنت قاتلت معاوية لله وقاتلك للدنيا، فقد والله بلغ أهل الدين من الدنيا حاجتهم، وإن كانوا بلغوا منا دون ما بلغنا منهم فإن كنت كرهت هذه القضية وأردت قتالهم فمن مضى بمن مضى ومن بقي بمن بقي - والسلام -. # قال: فجعل كل إنسان يتكلم بما يحضره من الكلام، حتى قام شريك الأعور الهمداني والأحنف بن قيس (2) وحارثة بن قدامة السعدي، فتكلموا وحرضوا، وخاف معاوية أن ينتقض عليه الأمر، غير أنه ينظر إلى وجوه القوم فيعرفهم بأعيانهم وهو في ذلك حنق عليهم، حتى قام عبد الله بن سوار (3) وهو الذي قتل عبيد الله بن عمر فسكن القوم وقال: اسكنوا حتى أتكلم مع أمير المؤمنين بما أريد. # ثم أقبل على علي فقال: يا أمير المؤمنين! والله إننا لنعلم أنك ما أوردت ولا أصدرت إلا ومعك من الله عز وجل برهان وحجة، ونحن ممن يأمر ولا يؤمر عليه، فإن كنت عزمت لم تفل، وإن كنت لم تعزم فالمشورة لله رضا، وليس أول أمر كآخره، لأنه قد نكدر صفونا وقل جدنا، وذهب أهل البصيرة والصبر منا، وبقي أهل الشك والعلل، وفينا أئمة جور ورجال هدى وهم قليل والأمر إليك. # PageV04P203 # قال: فوثب الأشتر مغضبا ثم قال: يا بن سوار! ما هذا الكلام الضعيف والرأي السخيف؟ اسكن ودعني أكلم أمير المؤمنين، إن معاوية لا خلف له من رجاله، ولك عند الله الخلف، ولو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك ولا نظرك (1)، [وقد بلغ الحق مقطعه، وليس لنا معك رأي]، (2)، فإن أجبت إلى هذه القضية فأنت الإمام الرشيد والبطل ms0646 المجيد، وإن أبيت ذلك فاقرع (3) الحديد على الحديد واستعن بالله العزيز الحميد. قال: فقال له علي رضي الله عنه: اجلس! # فقد قضيت ما عليك. # قال: وعجب (4) القوم من كلام الأشتر ومن إيجازه. # قال: ومعاوية وعمرو بن العاص ومن معهما (5) من قريش وغيرهم من أهل الشام سكوت، ما فيهم أحد يتكلم عن معاوية ولا ينطق بشيء. فقال علي رضي الله عنه لكاتبه: اكتب " هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ". فقال أبو الأعور السلمي: نبدأ بمعاوية ثم علي، فقال له الأشتر: لا ولا كرامة لك ولا لمعاوية، بل نبدأ بعلي قبل معاوية، ونقدمه عليه وعلى غيره لأنه أسبق الناس إيمانا وهجرة وأدنى إلى العلية. فقال معاوية: يا أشتر! قدم من شئت وأخر من شئت. # قال: فكتب الكاتب (6). # " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وأهل الحجاز وأهل العراق من شيعة علي وأهل الشام من شيعة معاوية، أنهم ينزلون على حكم كتاب الله، وأن كتاب الله بين علي ومعاوية من فاتحته إلى خاتمته. وأن يحيوا ما أحيى القرآن ويميتوا ما أمات القرآن، والحكمان عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص، وأن علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان # PageV04P204 # قد أخذا (1) على عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما (2)، بما أنزل الله في كتابه، فإن لم يجدا (3) في كتاب الله فبالسنة الجماعة غير المتفرقة، وأن عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص قد أمنا من الجندين جميعا على دمائهما وأموالهما، وأن الأمة لهما (4) أنصار على ما تقاضيا (5) عليه، والعهد والميثاق على الفريقين جميعا أن يرضوا بما في هذه الصحيفة، وأن يرجع أهل العراق إلى عراقهم وأهل الشام إلى شامهم، وأن يكون المجتمع للحكم بدومة الجندل (6)، والمدة بين علي ومعاوية سنة كاملة - والسلام ". # قال: وكتب أهل العراق بهذا كتابا لأهل الشام بخط عبيد الله (7) بن أبي رافع كاتب علي، وكتب أهل الشام بهذا كتابا ms0647 لأهل العراق بخط عمار (8) بن عباد الكلبي كاتب معاوية، وشهد شهود أهل العراق على أهل الشام، وشهود أهل الشام على أهل العراق (9). ### | ذكر أول من يسرى من أصحاب علي بن أبي طالب بعد ذلك # قال: فلما كتب الكتابان (10) جميعا وختموا وثب رجل من أصحاب علي رضي # PageV04P205 # الله عنه من ربيعة من بني يشكر (1) واستوى على فرسه ثم قال: اسقوني ماء! # فسقي، فلما شرب وروي جعل يرتجز ويقول: # أشرب من مائكم علي * قد كان رأيي نصرة الوصي والفارس الشهم مع النبي * حتى رضى بأمره الدني في ذاك منه فرقة الولي ثم حمل على أصحاب علي فقاتلهم ساعة ووقف وقال: اسقوني ماء! # فسقي، فلما روي جعل يرتجز ويقول: # أشرب من مائكم معاوية * وكلكم مأواه نار حامية وأمكم تهوي بكم في الهاوية * أرجو من الله جنانا عالية فيها ظلال وقطوف دانية ثم حمل، فكان مرة يحمل على أصحاب معاوية، ومرة يحمل على أصحاب علي وهو ينادي بأعلى صوته: ألا! إني قد خلعت عليا ومعاوية، وبرئت من حكمهما (2) ولا حكم إلا لله ولو كره المشركون. ثم حمل على أصحاب علي فقاتل حتى قتل. قال: وكان هذا اليشكري أول من يتسرى، فأنشأ النجاشي (3) شاعر علي يقول في ذلك: # ما كان أغنى اليشكري عن التي * أقاد (4) بها جمرا من النار حاميا غداة ينادي والفوارس جمة (5) * خلعت عليا مرة (6) ومعاويا ويطعن في أهل العراق برمحه * وتلك التي جرت عليه الدواهيا ويثني على أهل الشام حتى كأنهم * بنات طيور الماء أبصرن بازيا إذا شد نادى الحكم لله وحده * وفي الحكم أن تجنى عليه العواليا # PageV04P206 # فما زال هذا دابه في نهاره * إلى أن رأيت الليل أسود داجيا رأى شبهة فيها لقوم ضلالة * ودلاه أصحاب الغرور الأمانيا فضل ضلالا لم ير الناس مثله * وأصبح يهوي في جهم ثاويا قال: فلما فرغ من الكتابين وختما وثب الأشتر النخعي وعدي بن حاتم الطائي وعمرو بن الحمق الخزاعي وشريح بن هانىء المذحجي وزحر بن قيس الجعفي والأحنف بن قيس التميمي ومن أشبههم من ms0648 فرسان علي فقالوا: يا معاوية! إياك أن تظن بنا ميل الحق، فإننا اليوم على ما كنا بالأمس، غير أنكم استغثتم بالمصاحف ودعوتمونا إلى كتاب الله عز وجل فأجبناكم إلى ذلك، فإن حكم الحاكمان بالحق. # وإلا فنحن راجعون إلى حربنا أو لا يبقى منا ومنكم واحد. فقال معاوية: افعلوا ما أحببتم. # قال: ونادى معاوية في أهل الشام أن يرجعوا إلى شامهم، ونادى علي في أهل العراق بالرحيل إلى العراق. ### | ذكر وصية القوم لأبي موسى بالاحتياط في أمره والحذر من دهاء خصمه # قال: وأقبل أبو موسى الأشعري إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! إني لست آمن الغوائل فابعث معي قوما من أصحابك إلى دومة الجندل، قال: فبعث معه علي رضي الله عنه شريح بن هانىء في خمسمائة (1) رجل من أصحابه، فلما صار في بعض الطريق أقبل عليه شريح فقال له: أبا موسى! إنك قد نصبت لأمر (2) لا يجبر صدعه ولا يستقال عثرته (3)، فاعلم أنك قلت شيئا لك أم عليك، لزمك (4) حقه وزال عنك باطله، فاتق الله وانظر كيف تكون، فإنك قد # PageV04P207 # رميت بعمرو بن العاص وهو رجل لا دين له، لأنه باع دينه بدنياه، فإياك أن يخدعك فإنه خداع مكار - والسلام -. # قال: ثم أنشأ شريح بن هانىء يقول (1): # أبا موسى رميت بشر خصم * فلا تدع (2) العراق فدتك نفسي ولا تخدع بشيء من مقال * فإن اليوم في الأغدا كأمس (3) وإن غدا يجيء بما عليه * يدور الأمر من سعد ونحس فلا (4) يخدعك عمرو، إن عمرا * عدو الله، مطلع كل شمس له خدع يحار العقل فيها * مموهة مزخرفة بلبس ولا (5) تجعل معاوية بن حرب * كشيخ في الحوادث غير نكس هداه الله للإسلام فردا * سوى عرس (6) النبي وأي عرس قال: فقال أبو موسى: ما ينبغي لقوم اتهموني أن يبعثوني (7) لكي أدفع عنهم باطلا، والله اني لأرجو أن ينقضي هذا الأمر وأنا على رضى من الفريقين جميعا إن شاء الله. # قال: وسار أبو موسى في أصحابه، وكان شرحبيل بن السمط مع عمرو بن العاص ms0649 في خيل عظيمة من خيول الشام، فسبقوا إلى دومة الجندل. وأقبل أبو موسى في أصحابه ومعه أيضا قوم يشيعونه، فقال لهم: انصرفوا رحمكم الله فإني لست أبقي غاية في النصيحة لهذه الأمة إن شاء الله تعالى. قال: فودعه (8) الناس، وفيمن (9) ودعه يومئذ الأحنف بن قيس، فقال له الأحنف: اعرف خطر هذا # PageV04P208 # المسير (1) فإن له ما بعد، واعلم بأنك إن ضيعت العراق فلا عراق، فاتق الله فإنه يجتمع لك أمر الدنيا والآخرة، وانظر إذا لقيت عمرو بن العاص فلا تبدئه بالسلام حتى يكون هو الذي يبدؤك، وإن سألك أن تقعد معه على فراشه فلا تفعل فإن ذلك خديعة منه لك، وانظر لا يدخلك إلى بيت له مخدع ويكون قد عبى لك فيه رجالا يسمعون كلامك ويشهدون عليك وأنت لا تعلم، وإن لم يستقم لك عمرو على ما تريد فخيره من شاء غيرك يكلمه ولا تكلمه أنت. فقال أبو موسى: إني قد سمعت كلامك وعرفت نصيحتك فارجع راشدا يرحمك الله! # فرجع الأحنف إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! لقد بعثت رجلا ما ينكر (2)، فقال علي: إن الله بالغ أمره. # قال: وكتب النجاشي (3) شاعر علي رضي الله عنه إلى أبي موسى بهذه الأبيات: # أبا موسى جزاك الله خيرا * عراقك إن حظك بالعراق (4) وإن الشام قد نصبوا إماما * من الأحزاب معروف النفاق وإنا لا نزال لهم عدوا * أبا موسى إلى يوم التلاق فلا تجعل معاوية بن صخر (5) * إماما ما مشت قدم بساق ولا يخدعك عمرو إن عمرا * أبا موسى لداهية الرفاق (6) وكن منه على حذر وانهج * سبيلك (7) لا تزل بك المراقي ستلقاه أبا موسى مليا * بمر القول مسترخي الخناق ولا تحكم بأن سوى علي * إماما إن هذا الشر باق # PageV04P209 # عمرو بن العاص هذه الأبيات: # يا عمرو انك قد وليت حكومة * فاحكم فإنك في الحكومة جائر واجعل مكيدتك التي تعنى بها العرب * الخليفة ان حظك وافر وادفع أبا موسى بكفك دفعة * تذهب به اليم الخضم الزاخر فيعز شامك أنها لك جنة * أو ms0650 لا فإنك يا بن عاص خاسر ### | ذكر غرور عمرو بن العاص صاحبه # قال: والتقت الناس بدومة الجندل، فأقبل أبو موسى، فلما رآه عمرو استقبله، فسلم عليه أبو موسى، ومد أبو موسى يده إلى عمرو فصافحه وحياه وضمه إلى صدره، ثم قال: يا أخاه! طال عهدي بك فقبح الله أمرا فرق بيننا! قال: ثم أقعده عمرو على فراشه وأقبل عليه يحدثه ساعة، ثم دعا عمرو بالطعام فأكلا (1) جميعا، وانصرف أبو موسى إلى رحله. ثم (2) لم يزالا يجتمعان في كل يوم فيتحدثان وينصرفان، فأقاما (3) على ذلك أياما كثيرة، حتى ارتابت الناس وغمهم ذلك (4). # قال: فوثب عدي بن حاتم الطائي فقال: أما والله يا عمرو! إنك لغير مأمون بالعيب (5)، فأما أنت يا أبا موسى فغير مأمون الضعف. فقال له عمرو بن العاص: # والله يا عدي! ما لك ولا لغيرك مع كتاب الله ورد ولا صدر، فأمسك عنك يا هذا. # قال: ثم أقبل عمرو على أبي موسى، فقال: والله لقد كنت أحب أن لا يشهد هذا الأمر من يفسده علينا، قال: وخاض (6) الناس في أمر عمرو وأبي موسى، فقال بعضهم لبعض: إن أبا موسى خالع صاحبه عليا على ما ترى، فأنشأ رجل من أصحاب علي رضي الله عنه يقول (7): # PageV04P210 # لعمرك لا ألقى مدى الدهر خالعا * عليا بقول الأشعري ولا عمرو (1) ولسنا نقول الدهر ذاك إليكما (2) * وفي ذاك لو قلناه قاصمة الظهر ولكن نقول الأمر لله وحده (3) * إليه وفي كفيه عاقبة الأمر وما اليوم إلا مثل أمس وإننا * لفي رقرق (4) الضحضاح أو لجة البحر قال: وبلغ معاوية أن عمرا يريد الأمر لنفسه، فضاق لذلك ذرعا ولم يدر ما يصنع، فدعا بالمغيرة بن شعبة (5)، وقد كان أتاه زائرا من الطائف، فقال له: # ويحك يا مغيرة! أشر علي فقد بلغني أن عمرا يريد الأمر لنفسه: فقال له المغيرة: # إنه لو وسعني أن أشير عليك أو آمرك لوسعني أن أنصرك على علي، ولكن علي أن آتيك بخبر الرجلين جميعا عمرو وأبي موسى. # قال: ثم خرج المغيرة من عند ms0651 معاوية وسار حتى أتى دومة الجندل، فدخل على أبي موسى كأنه زائر له فحدثه ساعة ثم قال: يا أبا موسى! ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر وكره هذه الدماء فلم يكن مع علي ولا معاوية؟ فقال أبو موسى: أولئك والله خيار الناس ممن قد خف (6) ظهره من مظالم العباد. # قال: ثم تركه المغيرة وأقبل حتى دخل على عمرو بن العاص، فحدثه ساعة ثم قال: أبا عبد الله! ما تقول فيمن اعتزل هذه الدماء ولم يدخل نفسه في شيء من هذه الأمور؟ فقال عمرو: أولئك من أشرار خلق الله لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا. # قال: فخرج المغيرة إلى معاوية فقال: أما أبو موسى فإنه خالع صاحبه عليا، لا أشك في ذلك على ما سمعت في ذلك من كلامه، وأما عمرو (7) فإنني قد سمعت # PageV04P211 # كلاما يدل على أنه يريد أمرا. قال: فاغتم معاوية لذلك ثم كتب إلى عمرو هذه الأبيات (1): # بدا الأمر ما لا تبتلعه (2) الأضالع * وكل امرئ يوما إلى الله (3) راجع فيما عمرو قد لاحت عيون كثيرة * فيا ليت شعري عمرو ما أنت صانع؟ # وقال رجال إن عمرا يريدها * فقلت لهم: عمرو لي اليوم تابع (4) وانك قد أبطأت فيها وبادرت * عليك (5) بتحقيق الظنون الأصابع فأسرع بها أو ابط من غير ريبة * يكون بها في البيد والنقع ساطع بك اليوم في عقد الخلافة ظالما * ومن دون ما ظنوا بك اليوم مانع قال: وصاح (6) الناس على أبي موسى وعمرو بن العاص، وقالوا: إنكما قد أبطأتما (7) بهذا الأمر وإننا نخاف انقطاع المدة ولم تصنعا (8) شيئا فعود الحرب إلى ما كانت. # قال: فعندها أقبل عمرو حتى دخل على أبي موسى فقال له: أبا موسى! إنني قد علمت أنه ليس أهل العراق بأوثق من أهل الشام في دم عثمان، وقد عرفت حال معاوية وشرفه في بني أمية (9) ولكن هات ما عندك! فقال أبو موسى: أما عثمان فلو شاهدته يوم قتل لنصرته، وأما معاوية فليس بأشرف في بني أمية من علي في # PageV04P212 # هاشم (1)، فقال عمرو: صدقت ms0652 أبا موسى ولكن قد علم الناس أنك لست بأنصح لأهل العراق مني لأهل الشام، ولا بأنصح لعلي مني لمعاوية، فالحق لا يشبهه شيء، فإن قال قائل بأن معاوية من الطلقاء وكان أبوه من الأحزاب فقد صدق، وإن قال قائل إن عليا أقر قتلة عثمان عنده وقتل أنصاره يوم الجمل فقد صدق، ولكن هل لك أن تخلع صاحبك عليا وأخلع أنا صاحبي معاوية ونجعل هذا الأمر في يد عبد الله بن عمر بن الخطاب، فإنه رجل زاهد عابد ولم يبسط في هذه الحروب لسانا ولا يدا؟ فقال أبو موسى: أحسنت رحمك الله وجزاك بنصيحتك خيرا! فنعم ما رأيت (2). قال عمرو: فمتى تحب أن يكون ذلك الأمر؟ فقال أبو موسى: ذاك إليك، إن شئت الساعة وإن شئت غدا فإنه يوم الاثنين وهذا يوم مبارك. قال: # وانصرف عمرو إلى رحله. # فلما كان من الغد أقبل إلى أبي موسى ومعه شهود قد أعدهم للذي يريد أن يصنع. قال: فدخل على أبي موسى واجتمعت الناس لاستماع الكلام، فقال عمرو: أبا موسى! أنشدك الله من أحق بهذا الأمر؟ من وفى أو من غدر؟ فقال أبو موسى: لا بل من وفى. قال: فما تقول في عثمان أقتل ظالما أو مظلوما؟ فقال أبو موسى: بل مظلوما. قال (3): فما تقول في قاتله أيقتل به أم لا؟ فقال أبو موسى: # بل يقتل به. قال عمرو: فمن يقتله؟ قال: يقتله أولياء عثمان، لأن الله عز وجل قال: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) (4). قال عمرو: فهل تعلم أن # PageV04P213 # معاوية من أولياء عثمان؟ فقال أبو موسى: نعم، هو من أولياء عثمان (1). قال عمرو: أيها الناس! اشهدوا على مقالة أبي موسى. قال أبو موسى: نعم. فاشهدوا ثم اشهدوا على ما أقول إن معاوية من أولياء عثمان، قم يا عمرو! فاخلع صاحبك، فإننا على ما كنا عليه أمس. فقال عمرو: سبحان الله! أقوم أنا من قبلك (2) وقد قدمك الله علي في الإيمان والهجرة (3)، لا بل قم أنت فتكلم بما أحببت، وأقوم أنا من ms0653 بعدك. # قال: فوثب أبو موسى قائما وقد اجتمعت الناس (4) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن خير الناس خيرهم لنفسه، وإن شر الناس شصرهم لنفسه، وقد علمتم ما كان من الحروب التي لم تبق على بر ولا تقي ولا محق ولا مبطل، ألا وإني قد رأيت أن نخلع عليا ومعاوية ونجعل هذا الأمر في عبد الله بن عمر بن الخطاب (5)، فإنه رجل لم يبسط في هذه الحروب لسانا ولا يدا، ألا! وإني قد خلعت عليا من الخلافة كما خلعت خاتمي هذا من أصبعي - والسلام -. # وقام عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس! هذا # PageV04P214 # عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، وافد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وعامل عمر بن الخطاب، وحكم أهل العراق وقد خلع صاحبه عليا من الخلافة كما زعم أنه خلع خاتمه من أصبعه، ألا! وإني قد أثبت معاوية في الخلافة كما أثبت خاتمي هذا في أصبعي - ثم قعد (1) -. # فقال أبو موسى: عليك غضب الله، فو الله ما أنت إلا كما قال الله تعالى (كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) (2). # قال: وتشاتموا جميعا، وضج (3) الناس وقالوا: هذه خديعة ونحن لا نرضى بهذا. ودخل عمرو من ساعته إلى رحله، وكتب إلى معاوية بهذه الأبيات (4): # أتتك الخلافة في حذرها (5) * هنيئا مريئا تقر العيونا تزف إليك زفاف (6) العروس * بأهون من طعنك الدارعينا فما الأشعري بواري (7) الزناد * ولا خامل الذكر في الأشعرينا ولكن أتيحت له حيلة (8) * يظل الشجاع لها مستكينا فقالوا وقلت وكنت امرءا * أرى الرفق (9) بالخصم حتى يلينا فخذها ابن هند على بأسها * فقد دافع الله ما تحذرونا وقد دافع الله عن شامكم * عدوا شنيا وحربا زبونا قال: وشتم وشمت أهل الشام بأهل العراق. # PageV04P215 ### | ذكر ما قيل فيه بعد ذلك # قال: فقام سعيد بن قيس الهمذاني فقال: أما والله إن لو اجتمعتما على الهدى لما زدتمانا (1) على ما نحن فيه، وإن ضلال عمرو بن العاص وأبي موسى ليس لنا بلازم (2)، وإننا ms0654 اليوم على ما كنا بالأمس عليه. # قال: وتكلم (3) أصحاب علي رضي الله عنه مثل كلام سعيد بن قيس، وأما الأشعث بن قيس فإنه سكت ولم ينطق، فقال له الأشتر: أما والله يا أشعث! إني لأعلم أنك راض بهذا الحكم، قال: فغضب الأشعث من ذلك ثم أنشأ يقول (4): # ألا ليت من يرضى من الناس كلهم * بعمرو وعبد الله في لجة البحر رضينا بحكم الله لا حكم غيره * وبالله ربا والنبيين والنذر وبالأصلع (5) الهادي علي إمامنا * رضينا بذاك الشيخ في العسر واليسر فمن قال لا قلنا بلى إن أمره * لأفضل ما يعطاه في ليلة القدر وما لابن هند بيعة في رقابنا * وما بيننا غير المثقفة السمر وضرب يزيل الهام عن مستقره * وإني عليه آخر الدهر من عمري رضينا به حيا وميتا لأنه * إمام هدى في الوقف والنهي والأمر (6) قال: فوثب رجل من أصحاب معاوية يقال له شداد بن أسد البجلي (7) فقال: # يا أهل العراق! اتقوا الله ربكم. فإني أخاف أن نرجع إلى ما كنا عليه من الحرب، وقد علمتم أننا إن عدنا فهو والله الفناء، وقد شخصت الأبصار إلى هذا الصلح # PageV04P216 # وأشرفت الأنفس على اللقاء (1)، وأصبح كل امرئ منكم وهنا يبكي على قتله (2)، فاتقوا الله واحقنوا دماءنا ودماءكم. # قال: وبلغ ذلك عليا، فقال: أما أنا قد أخبرتكم الأمر قبل أن يكون، وقد جهدنا أن يكون الحكم غير أبي موسى، فأبيتم علي وجئتموني به مبرنسا (3) وقلتم: قد رضينا به فاتبعت رأيكم، والآن فلا سبيل إلى حرب القوم إلى انقضاء المدة التي كانت بيننا وبينهم. # قال: فعندها رجعت أهل العراق إلى عراقهم وهم عازمون على معاودة الحرب إذا انقضت المدة، ورجع أهل الشام إلى شامهم وهم على ذلك من أهل العراق. # وصار أبو موسى الأشعري إلى مكة، فأقام بها حياء من علي بن أبي طالب. ### | ذكر ما سئل أمير المؤمنين من القضاء والقدر فيما جرى عليهم من الأمور # قال فوثب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه رجل من أهل الكوفة، فقال (4): يا ms0655 أمير المؤمنين! أخبرني عن مسيرنا إلى أهل الشام وقتالنا إياهم أكان بقضاء من الله وقدر؟ فقال علي: ويحك يا شيخ! والله خالق الحبة وبارىء النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء من الله وقدر. فقال الرجل: # فعند الله أحتسب غناي يا أمير المؤمنين! فقال علي: ولم ذلك؟ فقال: أني ما أرى لي ههنا من الأجر شيئا. فقال علي رضي الله عنه: بلى يا شيخ! لقد أعظم الله لكم الأجر على ما سيركم وأنتم سائرون، وعلى منصرفكم وأنتم منصرفون، وعلى مقامكم وأنتم مقيمون. ثم قال علي رضي الله عنه: ويحك يا شيخ! لعلك تظن أن ذلك إنما كان قضاء لازما وقدرا حتما (5)؟ قال: أظن يا أمير المؤمنين! فقال علي رضي الله عنه: ليس ذاك كما ظننت، إنه لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، # PageV04P217 # و ذهب (1) الوعد والوعيد (2)، ولم يكن يأتي من الله لائمة لمذنب، ولا محمدة لمحسن. فقال الرجل: كيف هذا يا أمير المؤمنين؟ بينه لي حتى أعلم. فقال علي: ويحك! إن الله تبارك وتعالى أمر (3) تخبيرا ونهى تحذيرا وكلف يسيرا، لم يعص مغلوبا ولم يكلف تعنتا، ولم يرسل الأنبياء عبثا (4)، ولم ينزل الكتب لعبا (4)، و (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) (5). قال: فوثب الرجل من بين يديه مستبشرا، ثم أنشأ يقول: # أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * يوم النشور من الرحمن رضوانا أوضحت من ديننا ما كان مشتبها * جزاك ربك عنا فيه إحسانا فليس معذرة في فعل فاحشة * ما كنت ذاكرها فسقا وعصيانا لا لا ولا قائلا الرب أوقعه * فها عبدت إذا يا قوم شيطانا ولا أراد ولا شاء الفسوق ولا * قلت الولي له ظلما وعدوانا نفسي الفداء لخير الناس كلهم * بعد النبي علي الخير مولانا أخي النبي ومولى المؤمنين معا * وأول الناس تصديقا وإيمانا وبعل بنت نبي الله فاطمة * أكرم بها شرفا سرا وإعلانا ### | ابتداء ذكر الغارات بعد صفين # حدثنا عبد الله بن محمد البلوي (6)، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله ms0656 بن العلاء القرشي المدني قال: حدثني نصر بن خالد النحوي ومحمد بن خالد الهاشمي عن أبيه، عن أبي مخنف بن يحيى بن سعيد الأزدي قال: لما كان من أمر صفين ما # PageV04P218 # كان، وحكم (1) الحكمان ما حكما، ورجع (1) أهل الشام إلى الشام وأهل العراق إلى العراق، واستقر علي بن أبي طالب بالكوفة. وجاء معاوية برجل يقال له الضحاك بن قيس الفهري، وهو صاحب شرطة معاوية، فضم إليه خيلا عظيمة من خيل أهل الشام، ووجه به نحو أهل العراق وأمره أن يأخذ على طريق السماوة (2) من بلاد بني كلب بن وبرة حتى ينقض على الكوفة وسوادها فيغير على ما قدر عليه (3). # قال: فأقبل الضحاك في خيل أهل الشام حتى نزل الثعلبية (4)، ثم صار منها إلى القطقطانة (5)، وبلغ ذلك عليا رضي الله عنه، فدعا برجل من أصحابه يقال له حجر بن عدي الكندي، فضم إليه ألف فارس (6) وأمره بالمسير إلى الضحاك (بن قيس). فسار حجر بن عدي يريد الضحاك، والضحاك في وقته ذلك قد أغار على البلاد وقتل رجلا من خيار أصحاب علي (رضي الله عنه) يقال له عمرو بن مسعود العلائي (7) وقد كان مقيما بالثعلبية (8)، فقتله الضحاك بن قيس، فلما بلغه أن حجر بن عدي - قد توجه إلى ما قبله أقبل على أصحابه، فقال: إنكم قد قتلتم رئيسا وقد نزلتم قريبا من بلادهم وديارهم، فارتحلوا عنهم، فإن تبعوكم وأصبتم منه عشرة فذاك الذي تريدون، وإن تكن الأخرى ولم يتبعوكم رجعتم إلى بلادكم سالمين. # PageV04P219 # قال: فسار القوم راجعين يريدون الشام، وأتبعهم حجر بن عدي في خيل أهل الكوفة، فلحقهم في بلاد كلب (1)، فقاتلهم فقتل من أهل الكوفة أربعة نفر وقتل من أهل الشام سبعة نفر (2)، وانكشفوا منهزمين، فلم يتبعهم حجر لكنه رجع إلى علي بالكوفة فأخبره ذلك، ورجع الضحاك بن قيس إلى معاوية مغلولا مهزوما. # قال: ثم دعا معاوية أيضا برجل من سادات أهل الشام يقال له يزيد بن شجرة الرهاوي (3) فقال: يا يزيد! إني أريد أن أوجه بك إلى مكة لتقيم للناس ms0657 الحج بها، وتبقي عاملي علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وتأخذ لي هنا لك البيعة بالسمع والطاعة والبراءة من علي. فقال يزيد بن شجرة: أفعل يا أمير المؤمنين! قال: فقال له معاوية: إني قد رضيت هديك ورأيك ومذهبك (4)، ولست أوجهك للحرب، إنما أوجهك لتقيم للناس الحج، فاتق الله في الحرم، إن قدرت أن تخرج عامل علي رضي الله عنه من الحرم بلا قتال فلا تقاتل، فقال له يزيد بن شجرة: ما كنت لأحيف يا أمير المؤمنين بلدا (من دخله كان آمنا) (5). # قال: فضم إليه معاوية ثلاثة آلاف فارس من وجوه أهل الشام، ثم أوصاه أيضا فقال: يا يزيد! أوصيك واعلم بأنك تأتي مكة، ومكة حرم الله وأمنه، وأهل مكة قومي وعشيرتي، ومكة هي بيضتي التي تفلقت (6) عني، فاتق الله فيهم، فإني أحب # PageV04P220 # إصلاحهم وبقاءهم، وأكره حربهم وقتالهم، فاحفظ فيهم وصيتي وسر على بركة الله وعونه. # قال: فقال يزيد بن شجرة: اللهم! إنك تعلم أني لست أعظم مجاهدة من سعى على خليفتك عثمان بن عفان وهتك حرمته، ولا منابذة من بغى عليه، اللهم! # فإن كنت قضيت بين هذا الجيش وبين أهل حرمك حربا فاكفني ذلك. # قال: وسار يزيد بن شجرة يريد مكة، وبمكة يومئذ قثم بن العباس بن عبد المطلب من قبل علي بن أبي طالب، فقام في أهل مكة خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (1): أيها الناس! إنه قد أظلكم جيش من ظلمة أهل الشام الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، يريدون الإلحاد في حرم الله، فتسالمون أم تحاربون؟ قال: فسكت الناس ولم يجبه أحد منهم بشيء، فقال قثم بن العباس: # إنكم قد أعلمتموني بما في أنفسكم، فأنا خارج عنكم إلى بعض هذه الشعاب فأكون هنالك إلى أن يقضي الله بما يحب ويرضى. قال: فقال له شيبة بن عثمان العبدري (2) - من بني عبد الدار بن قصي: يا هذا! أنت الأمير ونحن الرعية سامعون لك مطيعون، فإن قاتلت قاتلنا معك، وإن كففت كففنا معك (3). قال: فقال قثم بن العباس: ms0658 هيهات يا أهل مكة! المغرور من غررتموه، إن الجنود لا تهزم بالوعد، ولست أرى معك أحدا يدفع ولا يمنع، فأعتزل عنكم فأكون في بعض هذه الشعاب وأكتب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فإن جاءني من المدد ما أقوى به عليهم ناهضتهم، وإن تكن الأخرى لم أقاتل وصبرت لأمر الله عز وجل. فقال له أبو سعيد الخدري (4): أيها الأمير! إن للحرم حرمة عظيمة، والقوم إن قدموا لم يجعلوا بالقتال، فأقم ولا تبرح من مكة، فإذا وافوك ورأيت قوة عليهم فاعمل برأيك، وإن لم ترقوه تنحيت من بين أيديهم إلى بعض هذه الشعاب، فتكون قد أعذرت وقضيت ما عليك. # PageV04P221 # قال: فأقام قثم بن العباس بمكة، وبلغ ذلك عليا رضي الله عنه وهو يومئذ بالكوفة، فقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (1): أيها الناس! قد بلغني أن معاوية قد وجه إلى الموسم بجند من أهل الشام الغلف (2) القلوب، الصم الأسماع، الكمه الأبصار، الذين يلبسون (3) الحق بالباطل، ويطيعون المخلوق في معصية الخالق، أولياء الشيطان الرجيم، ووزراء الجبابرة المعتدين، فسارعوا رحمكم الله إلى جهادهم مع التقي الأمين معقل بن قيس، واحتسبوا في ذلك الأجر وصالح الذكر، فإنه لا يفوز بالخير إلا عامله. ولا يجزى جزاء السوء إلا فاعله، ولن يصلح الله عمل المفسدين. قال: فانتدب له يومئذ ألف وسبعمائة رجل من فرسان العرب، وفيهم يومئذ الريان بن ضمرة بن هودة الحنفي (4) وأبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني ومن أشبههم من الناس. # قال: فخرج (5) القوم من الكوفة في أول يوم من ذي الحجة، وقد فات الوقت وقدم يزيد بن شجرة صاحب معاوية إلى الحرم قبل التروية بيومين، فنادى في الناس: أيها الناس! أنتم آمنون، فإننا لم نقدم ههنا لقتال، وإنما قدمنا للحج، فالناس كلهم في أمان إلا من قاتلنا ونازعنا وعرض في سلطاننا. # قال: واتقى يزيد بن شجرة أن يكون بين الناس قتال، فقال لأصحابه: انظروا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! فقيل له: ms0659 أبو سعيد الخدري، فقال: علي به، فأتي به إلى يزيد بن شجرة، فسلم وجلس، فقال له يزيد: أبا سعيد! يرحمك الله إني إنما وجهت إليكم لأجمع (6) ولا أفرق، ولو شاء أن أفعل لفعلت، لأنه ما عند أميركم امتناع (7) ولا عند أهل البلد أيضا، ولو شئت أن آخذ أميركم أسيرا حتى أمضي به إلى الشام لفعلت، ولكني أكره الإلحاد في الحرم، فقولوا لأميركم أن # PageV04P222 # يعتزل الصلاة بالناس، فأعتزلها أنا أيضا، ويختار الناس رجلا يصلي بهم، فإننا نكره ما قد علمت، والله يا أبا سعيد! ما (1) يدعوني إلى هذا الذي سمعته مني إلا التماس العافية. فقال له أبو سعيد: جزاك الله من رجل خيرا! فما رأيت (2) من أهل الشام رجلا أحسن منك نية ولا أفضل منك رأيا. # قال: ثم أقبل أبو سعيد إلى قثم بن العباس، فكلمه في أمر الصلاة، فقال قثم: قد فعلت ذلك. وتراضت الناس بشيبة بن عثمان العبدري، فصلى بأهل الموسم وأقام لهم الحج. # فلما قضى (3) الناس حجهم أقبل يزيد بن شجرة فقال: يا أهل الشام! اعلموا أن الله تبارك وتعالى قد رزقكم خيرا وصرف عنكم شرا، فأما الخير الذي رزقكم فطاعة إمامكم وحجكم وقضى نسككم، وأما الشر الذي صرفه عنكم فكف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم، فانصرفوا الآن مأجورين سامعين مطيعين. # قال: فصدرت أهل الشام عن مكة يريدون الشام، وأقبلت خيل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب تقبل ميلا لمواقعة أهل الشام، فإذا قد لقيهم بعض الأعراب فأخبروهم بأن أهل الشام قد رحلوا عن مكة يريدون الشام، قال: فنزل معقل بن قيس الطريق إلى مكة وعارضهم في المسير، وأهل الشام قد نزلوا بواد يقال له وادي القرى (4). # فلما تقارب معقل بن قيس من وادي القرى قال: إن أهل الشام قد نزلوا على الماء بلا شك، فإذا رأيتموهم فشدوا عليهم، فإذا أنا قتلت فأميركم من بعدي أبو الطفيل عامر بن واثلة، فإن أصيب فالريان بن ضمرة، فإن أصيب فظبيان بن عمارة، فإن أصيب فأبو الرداح الشاكري. # قال: وسارت الخيل حتى ms0660 وافوا وادي القرى، فإذا أهل الشام قد رحلوا، وقد بقي منهم عشرة نفر قد كانوا تخلفوا لحوائج لهم، فأخذهم أصحاب علي رضي الله # PageV04P223 # عنه أسارى، وأخذوا أموالهم وأسلحتهم ودوابهم. قال: وبلغ ذلك أهل الشام فقالوا لأميرهم يزيد بن شجرة: أيها الأمير! ما ترى؟ أترجع إلى إخواننا فتستنقذهم من أيدي أهل العراق؟ فقال يزيد بن شجرة: لا أرى ذلك لكم رأيا، لأني لا أدري أتكون لنا أم علينا. قال: فكاعت أهل الشام عن أهل العراق. # فأقبل معقل بن قيس راجعا إلى الكوفة، فأخبر عليا بما كان من أمر القوم، فقال علي كرم الله وجهه لأصحابه: احبسوا هؤلاء الأسارى، فإن لنا في يد معاوية أسارى، فإذا أطلقهم أطلقنا نحن هؤلاء إن شاء الله. # قال: وسار يزيد بن شجرة إلى معاوية فأخبره بحاله وقصته، فقام إلى معاوية قوم من عشائر المحبسين بالكوفة، فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن إخواننا لو كانوا ماتوا أو قتلوا لاحتسبناهم، ولكنهم أسارى بالعراق في حبس علي رضي الله عنه فما الحيلة في ذلك؟ فقال لهم معاوية: اسكتوا! فلستم بأحرص على تخليصهم مني ولا تعجلوا. # قال: ثم بعث أيضا معاوية برجل من أصحابه يقال له الحارث بن نمر (1) التنوخي في ألف رجل من حماة أهل الشام وأمره بالغارة على بلاد الجزيرة ممن هم في طاعة علي رضي الله عنه. قال: فأقبلت خيل أهل الشام حتى بلغت تخوم صفين ودارا (2)، فأغاروا على قوم من بني تغلب ممن كانوا في طاعة علي رضي الله عنه، فأسروا منهم ثمانية (3) نفر، وانصرفوا راجعين (4) إلى الشام، وقام رجل من أهل الجزيرة يقال له عتبة بن الوعل، فجمع قومه من بني تغلب، ثم صار إلى جسر منبج (5)، فعبر الفرات وأغار على أوائل الشام، فغنم غنائم كبيرة ورجع إلى بلاد الجزيرة، وأنشأ يقول: # PageV04P224 # ألا أبلغ معاوية بن صخر * فإني قد أغرت كما تغير صبحنا منبجا بالخيل تردى * شوازب في أياطلها ضمير بكل سميدع ماض جسور * على الأهوال في ضنك يسير وكل مجرب بطل همام * لدى الهيجاء مطلبة ms0661 عسير وفتيان يرون الصبر مجدا * بأيديهم مهندة ذكور قال: ثم كتب علي رضي الله عنه إلى معاوية (1): أما بعد، يا معاوية! فإن الله عدل لا يجور. وعزيز لا يغلب، يجزي بالإحسان إحسانا، وهو بصير بما تعمل العباد، واعلم بأنك لم تخلق للدنيا والخلود فيها، بل أنت راجع إلى ربك فملاقيه، فاتق الله يا معاوية! وانصف من نفسك ولا تطغينك الأماني الباطلة والغرور، فإني مؤل (2) بالله ألية صدق (3) لئن (4) جمعتني وإياك دارا لأزايلنك أبدا أو يفتح الله بيننا بالحق وهو خير الفاتحين، فأطلق من في يديك من إخواننا حتى نطلق من في أيدينا من أصحابك، فإني قد بعثت إليك في ذلك مولاي سعدا (5) - والسلام -. # قال: فلما وصل كتاب علي إلى معاوية أطلق من كان في يديه من أصحاب علي، وأطلق علي أيضا من كان في يديه من أصحاب معاوية. # قال: وظن علي رضي الله عنه أن معاوية لا يغير عليه بعد ذلك، فلما كان بعد شهر أقل أو أكثر وجه معاوية أيضا برجل من أصحاب الشام يقال له سفيان بن عوف الغامدي (6) في خيل عظيمة، وأمره بالمسير والغارة على أداني العراق والقتل من قدر # PageV04P225 # عليه من شيعة علي (1). # قال: فسارت خيل الشام (2) حتى انتهت إلى بلد يقال له هيت (3)، وبه يومئذ رجل من قبل علي رضي الله عنه يقال له كميل بن زياد النخعي، فلما بلغه أن خيل الشام قد تقاربت من هيت خلف عليها رجلا من أصحابه في خمسين فارسا وسار يريد خيل أهل الشام. قال: فلما أبعد كميل بن زياد عن مدينة هيت أقبل صاحب معاوية وهو سفيان بن عوف الغامدي (4) على هيت وأغار على أطرافها ولم يتبعه أحد (5). # ثم سار إلى الأنبار (6) وبها رجل من أصحاب علي يقال له أشرس بن حسان البكري (7) فلم يشعر إلا وسفيان بن عوف قد كبسه في أهل الشام فقتله وقتل جماعة من أصحابه (8)، ثم أغار على الأنبار وأخذ منها ما أخذ، وولى منصرفا إلى الشام. # قال: وبلغ ذلك عليا رضي الله عنه ms0662 فهم أن يسير إليه بنفسه، ثم إنه لم ير ذلك رأيا (9)، فدعا بسعيد بن قيس الهمذاني فضم إليه خيلا من فرسان الكوفة، وأمره أن يطلب القوم. # قال: فخرج سعيد بن قيس في طلب سفيان وأصحابه (10) حتى بلغ أرض عانات (11) فلم يقدر عليه، وبعث سعيد بن قيس رجلا من أصحابه يقال له هانىء بن الخطاب (12) في طلب القوم، فبلغت الخيل إلى أداني الشام حتى أشرفت على # PageV04P226 # صفين، فلم يقدروا على سفيان، فانصرف سعيد بن قيس إلى علي فأخبره بذلك، فأنشأ رجل من أهل الكوفة يقول: # أرى ابن أبي سفيان مرخي جنوده * يغير علينا ضلة وتحامقا وبين الفتى في الحرب يوما إذا سرت * بوارق خيلا يتبعن بوارقا سيلقى رجالا من صحاب محمد * بأيديهم بيض يجن عقائقا فتبغي نجاة يا معاوي منهم * ولست بناج أو تموت منافقا قال: ثم كتب علي إلى كميل بن زياد يلومه على فعله وتضييعه مدينة هيت وخروجه عنها. # فلما كان بعد ذلك بأيام وجه معاوية أيضا برجل من أهل الشام يقال له عبد الرحمن بن أشيم (1) في خيل من أهل الشام إلى بلاد الجزيرة، فأقبل عبد الرحمن بن أشيم هذا في خيله من أهل الشام يريد الجزيرة، وبالجزيرة يومئذ رجل يقال له شبيب بن عامر. قال: وشبيب هذا هو جد الكرماني (2) الذي كان بخراسان وكان بينه وبين نصر بن سيار ما كان، وكان هذا شبيب مقيما بنصيبين (3) في ستمائة رجل من أصحاب علي رضي الله عنه، فكتب إلى كميل بن زياد: أما بعد، فإني أخبرك أن عبد الرحمن بن أشيم قد وصل إلي من الشام في خيل عظيمة، ولست أدري أن يريد، فكن على حذر - والسلام -. # قال: فكتب إليه كميل: أما بعد، فقد فهمت كتابك وأنا سئر إليك بمن معي من الخيل - والسلام -. # قال: ثم استخلف كميل بن زياد رجلا يقال له عبد الله بن وهب الراسبي، وخرج من هيت في أربعمائة (4) فارس كلهم أصحاب بيض ودروع، حتى صار إلى شبيب بنصيبين، وخرج شبيب من نصيبين في ستمائة ms0663 رجل، فساروا جميعا في ألف فارس يريدون عبد الرحمن، وعبد الرحمن يومئذ بمدينة يقال لها كفرتوثا (5) في # PageV04P227 # جيش لجب من أهل الشام، فأشرفت خيل أهل العراق على خيل أهل الشام. قال: # وجعل كميل بن زياد يرتجز ويقول: # يا خير من جر له خير القدر * فالله ذو الآلاء أعلى وأبر يخذل من شاء ومن شاء نصر قال: وجعل شبيب يرتجز ويقول: # تجنبوا شدات ليث ضيغم * جهم محيا عقربان شدقم يغادر القرن صريعا للفم * بكل عضب صارم مصمم قال: واختلط (1) القوم فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من أصحاب كميل رجلان عبد الله بن قيس القابسي ومدرك بن بشر الغنوي، ومن أصحاب شبيب أربعة نفر، ووقعت الهزيمة على أهل الشام فقتل منهم بشر كثير (2)، فولوا الأدبار منهزمين نحو الشام. # فقال كميل لأصحابه: لا تتبعوهم فقد أنكينا فيهم، وإن تبعناهم فلعلهم أن يرجعوا علينا، ولا ندري كيف يكون الأمر. # قال: ثم رجع شبيب بن عامر إلى نصيبين (3)، ورجع كميل بن زياد إلى هيت، وبلغ ذلك عليا رضي الله عنه، فكتب إلى كميل بن زياد: أما بعد، فالحمد لله الذي يصنع للمرء كيف يشاء، وينزل النصر على من يشاء إذ شاء، فنعم المولى ربنا ونعم النصير، وقد أحسنت النظر للمسلمين ونصحت إمامك، وقدما كان ظني بك ذلك فجربت والعصابة التي نهضت بهم إلى حرب عدوك خير ما جزي الصابرون والمجاهدون، فانظر لا تغزون غزوة ولا تجلون إلى حرب عدوك خطوة بعد هذا حتى تستأذنني في ذلك - كفانا الله وإياك تظاهر الظالمين، إنه عزيز حكيم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # PageV04P228 # قال، ثم كتب إلى شبيب بن عامر بمثل هذه النسخة ليس فيها زيادة غير هذه الكلمات: واعلم يا شبيب أن الله ناصر من نصره وجاهد في سبيله - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. ### | خبر أهل اليمن وتحريك شيعة عثمان بن عفان بها وخلافهم على علي بن أبي طالب # قال: وتحركت شيعة عثمان بن عفان وخالفوا عليا رضي الله عنه وأظهروا البراءة منه (1)، قال: وباليمن يومئذ عبيد الله بن ms0664 العباس بن عبد المطلب (2) من قبل علي بن أبي طالب وكان مقيما بصنعاء (3)، فأرسل إلى جماعة من هؤلاء الذين خالفوا عليا فدعاهم ثم قال: يا هؤلاء! ما هذا الذي أنتم فيه من السعي في الفساد؟ وما أنتم والطلب بدم عثمان؟ وإنما أنتم قوم رعية، وقد كنتم قبل اليوم لازمين بيوتكم، فلما سمعتم بذكر هذه الغارات رفعتم رؤوسكم وخالفتم علينا! قال فقالوا: يا أمير! # إنا لم نزل نرى مجاهدة من سعى على أمير المؤمنين عثمان بن عفان. # قال: وأمر عبيد الله بن العباس بحبس رجال منهم فحبسوا. وبلغ ذلك قوما من أهل اليمن ممن كان يرى مخالفة علي رضي الله عنه، فكتبوا إلى عبيد الله بن عباس أن خل سبيل من في سجنك من إخواننا، وإلا فلا طاعة لك ولا لصاحبك علينا! قال: فأبى عبيد الله أن يخلي سبيلهم. # قال: فاستعصى أهل اليمن ومنعوا زكاة أموالهم وأظهروا العصيان، وكتب عبيد الله بن عباس بذلك إلى علي (4) وأخبره بما هم فيه أهل صنعاء من الخلاف # PageV04P229 # والعصيان. فدعا علي بيزيد بن أنس (1) الأرحبي، فقال: ألا ترى إلى صنع قومك باليمن ومخالفتهم علي وعلى عاملي؟ فقال يزيد بن أنس: والله يا أمير المؤمنين! إن ظني بقومي لحسن طاعتك، وإن شئت سرت إليهم بنفسي، وإن شئت كتبت إليهم ونظرت ما يكون من جوابهم، فإن رجعوا إلى طاعتك، وإلا سرت إليهم فكفيتك أمرهم إن شاء الله. فقال علي: أكتب إليهم. # قال: ثم كتب علي رضي الله عنه (2): أما بعد، فقد بلغني جرمكم وشقاقكم واعتراضكم على عاملي (3) بعد الطاعة والبيعة، فاتقوا الله وارجعوا إلى ما كنتم عليه، فإني أصفح عن جاهلكم، وأحفظ قاصيكم؟ وأقوم فيكم بالقسط، وإن لم تفعلوا فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، (وما ربك بظلام للعبيد) (4). قال: # ثم بعث بكتابه هذا إليهم مع رجل من همذان يقال له الحر بن نوف بن عبيد. # قال: فأقبل الهمذاني بالكتاب إلى أهل اليمن، ثم صار إلى مدينة من مدنهم يقال لها الجند (5)، وأهل الجند قد كتبوا إلى ms0665 معاوية وسألوه أن يوجه إليهم بأمير من قبله. قال: فقدم عليهم رسول علي فأقرأهم الكتاب ثم قال: اعلموا أن أمير المؤمنين عليا أراد أن يوجه إليكم يزيد بن أنس (6) في الخيل والرجال، ثم إنه لم يحب أن يعجل عليكم، فاتقوا الله ربكم ولا تفسدوا في أرضكم ولا تقاتلوا إمامكم. # قال: فتكلم قوم من كبرائهم فقالوا: يا هذا! إنا قد سمعنا كلامك، فاذهب إلى علي رضي الله عنه فليبعث إلينا من شاء، فإنا على بيعة أمير المؤمنين عثمان بن عفان (7). # قال: ثم كتبوا إلى معاوية: أما بعد، يا أمير المؤمنين! فالعجل العجل! وجه # PageV04P230 # إلينا من قبلك لنبايعك على يديه وإلا كتبنا إلى علي فاعتذرنا إليه مما كان منا - والسلام (1) -. ### | خبر بسر بن [أبي] أرطاة الفهري (5) وما قتل من شيعة علي بن أبي طالب بأرض اليمن # قال: فعندها دعا معاوية بسر بن [أبي] أرطاة الفهري وهو أحد فراعنة الشام، فعقد له عقدا وضم إليه أربعة (3) آلاف رجل من نجبة رجال أهل الشام، ثم قال له: # سر إلى اليمن سيرا عنيفا حتى تأخذ بيعة الناس، فإنهم قد خالفوا عليا، وانظر أن تجعل طريقك على مكة والمدينة، فلا تنزلن بلدا أهله في طاعة علي إلا بسطت لسانك عليهم حتى يظنوا أنك محيط بهم وأنه لا نجاة لهم منك، ثم اصفح عنهم بعد ذلك وادعهم إلى البيعة [لي] (4) فمن أبي عليك فاستعمل السيف، واقتل كل من نابذك حتى تدخل أرض اليمن. # قال: فخرج بسر بن [أبي] أرطاة في أربعة آلاف فارس من دمشق يريد المدينة، وعلى المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصاري من قبل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلما أحس بخيل بسر أنها قد شارفت المدينة خرج منها هاربا خوفا على نفسه، قال: وخرج أهل المدينة إلى بسر يستقبلونه خوفا منه على أنفسهم، فلما نظر إليهم صاح بهم وانتهرهم، ثم قال: شاهت الوجوه! إن الله تعالى ضرب لكم مثلا (قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها ms0666 الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) (5) فقد وقع بكم هذا المثل وأنتم أهل # PageV04P231 # لذلك لأن بلادكم هذه قد كانت مهاجر نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم ومنازل الخلفاء من بعده، فلم تشكروا نعمة الله ربكم، ولم ترعوا حق أئمتكم حتى قتل خليفة الله بين أظهركم، فكنتم بين قاتل وخاذل وشاتم (1) ومتربص، أما والله لأفعلن بكم الأفاعيل ولأجعلنكم أحاديث كالأمم السالفة، يا أشرار الأنصار وحلفاء اليهود! ويا أسماء العبيد! إنما أنتم بنو النجار وبنو دينار وبنو سالم وبنو زريق وبنو طريف وبنو عجلان، أما والله لأوقعن بكم وقعة تشفي صدور المؤمنين! قال: ثم دخل المدينة فصعد المنبر وتكلم بنظير ذلك الكلام، حتى خاف أهل المدينة أن يوقع بهم، فقال له حويطب بن عبد العزى (2) وهو على المنبر: أيها الأمير! عشيرتك وقومك وأنصار نبيك وليسوا بقتلة عثمان، فالله الله إليهم! قال: فلم يكلمه بسر بن [أبي] أرطاة بشيء غير أنه مكث وكف عن بعض الكلام، وأمر بدور قوم من الأنصار فحرقت (3) وهدمت، ثم دعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوه، ثم أرسل إلى جابر بن عبد الله الأنصاري ليأتيه فلم يفعل، وذلك أنه كان شيخا كبيرا، فهم بقتله، حتى أرسلت إليه أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسألته الأمان له، فقال بسر: لا والله لا أؤمنه حتى يبايع معاوية، قال: # فبايع جابر بن عبد الله معاوية على الكره منه (4) وأقام بسر بالمدينة أياما حتى أخذ البيعة لمعاوية، ثم نادى في الناس فجمعهم ثم قال: يا أهل المدينة! إني قد صفحت عنكم وما أنتم لذلك أهل، لأنه ما من قوم قتل إمامهم بين أظهرهم فلم يدفعوا عنه بأهل أن يعفى عنهم، وإن نالتكم العقوبة في الدنيا فإني أرجو أن لا تنالكم رحمة الله عز وجل في الآخرة، ألا! وإني استخلفت عليكم أبا هريرة فاسمعوا له وأطيعوا، وإياكم والخلاف! فو الله لئن عدتم لمعصية لأعودن عليكم بالهلاك وقطع النسل. # PageV04P232 # ثم سار من المدينة يريد مكة، وبها يومئذ قثم بن العباس (1)، فخرج ms0667 عنها هاربا خوفا على نفسه، حتى إذا أشرف بسر بن [أبي] أرطاة على مكة خرج إليه أشراف أهلها، فلما نظر إليهم انتهرهم وشتمهم، ثم قال: أما والله لو لا خلة واحدة أوصاني بها أمير المؤمنين معاوية لما تركت منكم أحدا يمشي على وجه الأرض. # قال: فقال له أشراف مكة: أيها الأمير! فإنا نذكرك الله في بيضتك وعشيرتك وأهل حرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فسكت بسر ولم يتكلم بشيء. # وسار حتى جاز بئر ميمون (2) جعل الناس يهربون بين يديه خوفا منهم على أنفسهم، قال: ونظر بسر إلى غلامين من أحسن الغلمان هيئة وجمالا وهما هاربان فقال: علي بهما! فأتي بهما حتى وقفا بين يديه، فقال لهما: من أنتما؟ فقال أحدهما: أنا قثم وهذا أخي ابنا عبيد الله (3) بن عباس بن عبد المطلب، فقال بسر: # الله أكبر! أنتما ممن أتقرب بكما وبسفك دمائكما إلى الله تعالى! قال: ثم أمر بهما فذبحا ذبحا (4)، وبلغ ذلك أمهما (5) فجزعت عليهما طويلا ثم أنشأت تقول (6): # ها من أحس بابني اللذين هما * قلبي وسمعي فقلبي اليوم مختطف ها من أحس بابني اللذين هما * كالدرتين تشظى عنهما الصدف (7) # PageV04P233 # من دل والهة حرى مدلهة * على جبينين ضلا إذ غدا السلف (1) ها من أحس بابني اللذين هما * مخ العظام فمخي اليوم مزدهف (2) نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا * من إفكهم ومن القول الذي اقترفوا أنحى على ودجي ابني مرهفة (3) * من الشفار كذاك الإثم يقترف قال: ثم دخل عدو الله إلى مكة فطاف بالبيت وصلى ركعتين وقام فقال: # الحمد لله الذي جمع لنا أمرنا، وأعز دعوتنا، وكبت (4) عدونا بالقتل والتشريد، هذا علي بن أبي طالب بناحية من العراق في (5) قلة وذلة، قد سلبه اليوم جزيل عطائه (5) وأسلمه اليوم بجريرته، وهذا معاوية بن أبي سفيان ولي الأمر والطالب بدم الخليفة عثمان بن عفان، فبايعوه ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا. قال: فبايع الناس معاوية بالكره منهم، وهم في ذلك ناقمون على بسر بن [أبي] أرطاة لوقعته في علي ms0668 بن أبي طالب. # قال: وأقام بسر بن [أبي] أرطاة بمكة أياما، ثم عاد ودعا بشيبة بن عثمان العبدري (6) واستخلفه على أهل مكة، وقال: يا أهل مكة! اعلموا أني قد صفحت عنكم بعد أن كان رأيي استئصالكم، فإياكم والخلاف! فو الله لئن خالفتم لأقتلن (7) الرجال منكم، ولأحوين الأموال، ولأخر بن الديار، ولأفنين الصغار والكبار. # قال: ثم سار يريد الطائف (8)، حتى إذا دنا منها خرج إليه المغيرة بن شعبة فاستقبله وكلمه في قومه، فقال: أيها الأمير! إنه لم يزل يبلغنا عنك منذ خرجت من الشام شدتك على عدو أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وكنت في ذلك محمودا عندنا، وإنك أيها الأمير متى كان عدوك ووليك عندك في منزلة واحدة تأثم في ربك # PageV04P234 # وتعرى (1) الناس بك. قال: فأمسك بسر ولم يؤذ أحدا من أهل الطائف، ثم نزل ودعا برجل من أصحابه فأرسله إلى قبالة (2) وبها يومئذ قوم من شيعة علي رضي الله عنه، فأمر بقتلهم، فقتلوا عن آخرهم (3). # قال: ثم سار بسر إلى نجران (4) وبها يومئذ رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقال له عبد المدان فسماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله (5)، وكان من شيعة علي رضي الله عنه، فقتله بسر بن [أبي] أرطاة وقتل ابنا له يسمى مالكا، فأنشأ بعض بني عمه يقول (6): # فلو لا أن أخاف صيال بسر * بكيت على بني عبد المدان (7) قال: ثم جعل بسر يتهدد أهل نجران بالقتل ويقول لهم (8): يا إخوان اليهود والنصارى! أما والله لئن بلغني عنكم أمر أكرهه من ولايتكم علي بن أبي طالب لأرجعن عليكم بالخيل والرجال ثم لأكثرن فيكم القتل، فانظروا لأنفسكم فقد أعذر من أنذر. # قال: ثم سار بسر بن [أبي] أرطاة إلى بلاد همذان وبها قوم من أرحب من شيعة علي بن أبي طالب، فقتلهم عن آخرهم. # PageV04P235 # ثم سار إلى جيشان (1) وبها يومئذ خلق من شيعة علي رضي الله عنه، فقتلهم عن آخرهم. # ثم سار يريد صنعاء وبها يومئذ عبيد الله بن عباس من قبل ms0669 علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلما بلغه خبر بسر دعا برجل يقال له عمرو بن أراكة (2) فاستخلفه على صنعاء وخرج عنها هاربا، وأقبل عدو الله حتى دخل صنعاء فأخذ عمرو بن أراكة فضرب عنقه صبرا، وجعل يتلقظ من كان بصنعاء من شيعة علي فيقتلهم حتى لم يبق منهم أحد. # وخرج من صنعاء يريد حضرموت فلما دخلها جعل يسأل عن كل من يعرف أحدا من موالاة علي فيقتله حتى قتل خلقا كثيرا. قال: ثم أقل إلى رجل من ملوكهم يقال له عبد الله بن ثوابة وهو في حصن له، فلم يزل يختدعه ويحلف له حتى استنزله من حصنه ثم أمر بقتله، فقال له ابن ثوابة: أيها الرجل! إني لا أعلم ذنبا لنفسي يوجب القتل فعلام قتلني؟ فقال له بسر: بقعودك عن بيعة معاوية وتفضيلك علي بن أبي طالب، فقال ابن ثوابة: فذرني حتى أصلي ركعتين أختم بهما عملي، فقال بسر: صل ما بدا لك فإني قاتلك. قال: فصلى عبد الله بن ثوابة ركعتين فعجل عن إتمامهما، وقطع بالسيف إربا إربا. # وبلغ ذلك علي بن أبي طالب (3) فاغتم لذلك غما شديدا، ثم إنه نادى الناس فجمعهم ثم خطبهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال (4): أيها الناس! إن الله تبارك وتعالى لا يخفى عليه ما العباد عاملون في ليلهم ونهارهم، فاتقوا الله عباد الله في أمره ونهيه، وبعد فإني أخبركم أن بسر بن (أبي) أرطاة عدو الله قد توجه إلى أرض اليمن من قبل معاوية، وقد سلك طريق الحجاز في جمع عظيم من أهل الظلم والعدوان، وفعل كذا وكذا وأحرق وهدم، وما بسر برح الله بسرا فلقد باع الآخرة بالدنيا، # PageV04P236 # فلينتدب له منكم أهل الجنة والجهاد وطلاب الأجر والثواب، فإن ترك المجاهدة المستحق للجهاد نقص في الدين مع الذل والصغار. قال: فلم يجبه أحد منهم بشيء، فقال لهم علي: ما لكم لا تردون جوابا ولا ترجعون قولا؟ أدعوكم إلى جهاد عدوكم سرا وجهرا فلم يزدكم دعائي إلا فرار، أتتناشدون الأشعار وتتسلون عن ms0670 الأسفار؟ تربت يداكم لقد نسيتم الحرب والاستعداد لها فأصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها. قال: فلم يجبه أحد منهم بشيء، فقال: أو ليس من العجب أن معاوية يأمر فيطاع ويدعو فيجاب، وآمركم فتخالفون وأدعوكم فلا تجيبون، ذهب والله أولو النهى والفضل والتقى الذين كانوا (1) يقولون فيصدقون ويدعون فيجيبون ويلقون عدوهم فيصبرون، وبقيت في حثالة قوم لا ينتفعون بموعظة ولا يفكرون في عاقبة، لقد هممت أن أشخص عنكم فلا أطلب نصركم ما اختلف الجديدان (2)، وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم وكأني بكم وقد ولاكم من بعدي من يحرمكم عطاءكم ويسومكم سوء العذاب، والله المستعان وعليه التكلان. فلما فرغ علي رضي الله عنه ونظر أنه ليس يجيبه أحد انصرف إلى منزله. ### | خطبة ثانية # قال: فلما كان من الغد عاد إلى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (3): # أيها الناس! والله لقد خشيت أن (4) يدال هؤلاء القوم منكم لمعصيتكم إمامكم في الحق وطاعتهم إمامهم في الباطل، وبأدائهم الأمانة وخيانتكم، واجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، استعملت فلانا ففعل ذلك، ولو ائتمنت أحدكم على قدح (5) لخشيت أن يذهب بعلاقته، أيها الناس! استعدوا للجهاد في عدوكم الذي قد شن عليكم الغارات في كل وجه ليلا ونهارا، وذروا التثاقل والصمم (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) (6). # قال: فما أجابه أحد منهم بشيء، فقال علي كرم الله وجهه: إني قد كرهتهم # PageV04P237 # وكرهوني (1)، ومللتهم وملوني، فأرحني منهم وأرحهم مني، اللهم وأبدلني بهم خيرا منهم وابدلهم بي شرا مني، اللهم (2) أمت قلوبهم ميت الثلج في الماء. # قال: فوثب إليه جارية (3) بن قدامة السعدي فقال: يا أمير المؤمنين! مرني بأمرك فإني لك حيث أحببت، قفال علي رضي الله عنه: لعمري أنت لها! فإنك ميمون النقيبة (4) مبارك الأثر حسن النية صادق (5) العشيرة. قال: ثم ضم إليه علي رضي الله عنه ألفي فارس وأمره بالمسير إلى بسر بن (أبي) أرطاة وأوصاه وصية وعهد إليه عهدا فقال: يا جارية (3)! عليك بتقوى الله عزو جل، وإذا صرت إلى بلاد اليمن وإلى ms0671 الموضع الذي أمرتك بالمسير إليه فلا تحتقر مسلما ولا معاهدا، ولا تغصبن لأحد مالا ولا دابة، وصل الصلوات الخمس لوقتها واذكر الله كثيرا. # قال: فخرج جارية (6) من العراق يريد مكة، وبلغ ذلك بسر بن (أبي) أرطاة، فخرج عن بلاد اليمن وصار إلى أرض اليمامة، فأخذ عليهم بيعة معاوية وأشخص معه جماعة من أهل الشام، وقد قتل من الناس بأرض اليمن وغيرها نيفا عن ثلاثين ألف من شيعة علي بن أبي طالب، وبلغ ذلك عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، فخرج في طلبه في زهاء ألف رجل من نجبة فرسان اليمن، فلحقه قبل أن يدخل الشام، فواقعه فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وقتله (7) فيمن قتل وأحرقه بالنار، وانهزم أصحابه هزيمة قبيحة حتى صاروا إلى # PageV04P238 # معاوية فخبروه الخبر. قال: وخرج جارية (1) بن قدامة من العراق يقتل الخيل قتلا وهو يرجو أن يدرك بسر بن (أبي) أرطاة، حتى إذا صار في بعض الطريق بلغه ما قد نزل ببسر فحمد الله على ذلك، ثم إنه سار حتى صار إلى مكة فدخلها مغضبا، فقال: يا أهل مكة! أخاف أن تكونوا من الذين (إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن) (2) قال: ثم أخذ بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (3). # ثم سار من مكة إلى الطائف (4) فلم يرد أحدا من أهلها ولم يظلمه، لكنه أخذ البيعة وجددها لعلي كرم الله وجهه، فلم يزل كذلك حتى سكن الناس وأمنهم ووعدهم ومناهم، فلم يعاقب أحدا ولا قتل أحدا إلا قوما من اليهود قد كانوا أسلموا ثم ارتدوا عن الإسلام، فقتلهم وأحرقهم بالنار بعد القتل، فأنشأ الجون بن قتادة يقول: # تهود أقوام بصنعاء بعد ما * أقروا بآيات الكتاب وأسلموا فسرنا إليهم في الحديد يقودنا * أخو ثقة ماضي الخيار مصمم قتلناهم بالسيف صبرا وبعده * شببنا لهم نارا عليهم تضرم حفرنا لهم لما طغوا وتمردوا * أخاديد فيها للأراذل مجثم قال: ثم رجع جارية بن قدامة من اليمن إلى مكة، فأقام بها ms0672 ثلاثة أيام حتى أخذ البيعة ثانية لعلي بن أبي طالب. ثم أقبل إلى المدينة، فلما دخلها استقبله الناس يدعون له، فقال: يا أهل يثرب! أما أنا أعلم أن فيكم الشامت بما فعله # PageV04P239 # بسر بن [أبي] أرطاة وأيم الله لو أني أعلم الشامت منكم بذلك لبدأت به كائنا من كان. قال: ثم رجع جارية (1) إلى الكوفة حتى دخل على علي (2) رضي الله عنه فخبره بما كان منه بأرض اليمن ومكة والمدينة. ### | خبر عبد الله بن عباس وزياد بن أبيه وأبي الأسود الدؤلي وما جرى بينهم قال: ثم بعث علي إلى عبد الله بن العباس وهو عامله على البصرة يأمره أن يخرج إلى الموسم فيقيم الحج للناس. قال: فدعا عبد الله بن عباس بأبي الأسود الدؤلي (3) فاستخلفه على صلاة البصرة، ودعا بزياد بن أبيه فجعله على الخراج، وتجهز عبد الله بن عباس وخرج إلى الموسم. # قال: وجرت بين أبي الأسود وزياد بن أبيه منافرة، فهجاه أبو الأسود وقال فيه هذه الأبيات: # ألا بلغا عني زيادا رسالة * يحث إليه حيث كان من الأرض فما لك من ورد إذا ما لقيتني * يقطع دوني طرف عيني كالمغضي وما لي إذا ما أخلف الود بيننا * أمر القوى منه (و) تعمل في النقض ألم تر أني لا أكون شيمتي * يكون غول الأرض في الطول والعرض قال: ثم بلغ أبا الأسود بعد ذلك [أن] زيادا يشتمه ويقول فيه القبيح، فأنشأ يقول (4): # نبئت أن زيادا ظل يشتمني * والقول يكتب عند الله والعمل قد (5) لقيت زيادا ثم قلت له * من قبل ذلك ما جاءت به الرسل (6) # PageV04P240 # حتام تذكرني في كل مجتمع * عرضا وأنت إذا ما شئت تنتقل (1) حتام تشتمني حتام تذكرني * وقد ظلمت وتستعفي وتنتصل ثم تعود وتنسى ما يوافقني * والعذر يندم (و) النسيان والعجل قال: وقدم عبد الله بن العباس من الحج، فأقبل إليه زياد بن أبيه فشكى إليه أبا الأسود الدؤلي وذكر أن قد هجاه، فأرسل إليه ابن عباس فدعاه فقال: أما والله لو كنت من البهائهم لكنت ms0673 جملا، ولو كنت للجمل راعيا لما بلغت به المرعى ولا أحسنت القيام عليه في الماء، ما لك وللأحرار! تهجوهم وتقول فيهم القبيح وتذكر أعراضهم بما لا يجب، اخرج عني، فعل الله بك وفعل (2)! # قال: فخرج أبو الأسود من عند ابن عباس مغضبا، ثم كتب إلى علي بن أبي طالب (3): أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى قد جعلك يا أمير المؤمنين واليا مؤتمنا وراعيا مسؤولا (4)، ولقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحا للرعية، توفر عليهم حقوقهم (5) وتزجر نفسك عن دنياهم، ولا تأكل أموالهم ولا ترتشي في أموالهم (6)، وان ابن عمك هذا قد أكل مال الله بغير حق، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما ههنا واكتب إلي برأيك فيما أحببت من ذلك - إن شاء الله -. # قال: فكتب إليه علي رضي الله عنه (7): أما بعد: فمثلك نصح الإمام والأمة ودل على الحق، وقد كتبت إلى صاحبك فيما ذكرت من أمره ولم أعلمه بكتابك إلي، فلا تدعن إعلامي بما يكون بحضرتك ما فيه النظر لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنه واجب عليك في دينك - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # PageV04P241 # قال: ثم كتب علي إلى عبد الله بن العباس (1): أما بعد، يا بن العباس! # فقد بلغني عنك أمور الله أعلم بها، فإن تكن حقا فلست أرضاها لك، وإن تكن باطلا فإثمها على من اقترفها، فإذا ورد عليك كتابي هذا فأعلمني في جوابه ما أخذت من مال البصرة، من أين أخذته، وفيم وضعته. # قال: فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فقد علمت الذي بلغك عني، وإن الذي أبلغك الباطل، وإني لما تحت يدي لضابط وحافظ، فلا تصدق أقوال الوشاة ما لم يكن، وأما تعظيمك مرزأة ما رزأته (2) من هذه البلدة (3)، فو الله لئن ألقى الله عزو جل بما في الأرض (من) لجينها وعقيانها وعلى ظهرها من طلاعها أحب إلي من أن ألقاه وقد أرقت دماء الأمة، فابعث إلى عملك من أحببت فإني معتزل عنه - والسلام -. # قال: ثم اعتزل ابن عباس عمل البصرة وقعد ms0674 في منزله، فكتب إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بكتاب يعذله فيه على غضبه ويكذب من سعى به إليه وأعاده إلى عمله. ### | خبر الخريت (4) بن راشد وخروجه على علي بن أبي طالب وخلافه عليه # قالوا: كان علي رضي الله عنه استخلف رجلا يقال له الخريت بن راشد على بلاد الأهواز قبل خروجه إلى صفين (5)، فلم كان بعد رجوع علي من صفين خالف # PageV04P242 # عليه هذا الخريت وجعل يجمع الجنود ويدعو إلى خلع علي والبراءة منه، حتى أجابه إلى ذلك خلق كثير، ثم إنه احتوى على البلاد وجبى الأموال، وبلغ ذلك عليا فدعا رجلا من خيار أصحابه يقال له: معقل بن قيس الرياحي، فضم إليه أربعة آلاف رجل ووجهه إلى الخريت. # قال: فسار الخريت في عشرة آلاف رجل من أهل الأهواز ومن بني ناجية ومواليهم (1). # قال: ودنا القوم بعضهم من بعض، فقال معقل بن قيس: أيها الناس! أين الخريت بن راشد؟ فليخرج إلي فإني أريد كلامه، قال: فخرج إليه الخريت حتى واقفه، ثم قال: أنا الخريت فهات ما الذي تريد! فقال له معقل: ويحك لم خرجت على أمير المؤمنين ودعوت الناس إلى خلعه والبراءة منه وقد كنت من خيار أصحابه وأوثق الناس عنده؟ فقال: لأنه حكم في حق هو له، فقال له معقل: # ويحك! أمن أهل الإسلام أنت؟ قال: نعم، أنا من أهل الإسلام، فقل ما بدا لك. # فقال له معقل: خبرني لو أنك خرجت حاجا فقتلت شيئا من الصيد مما قد نهى الله عز وجل عنه، ثم أتيت عليا فاستفتيته في ذلك فأفتاك، هل كان عندك رضى؟ # فقال: بلى، لعمري إنه عندي لرضى، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أقضاكم علي، فقال له معقل بن قيس: فكيف ترضى به في علمه ولا ترضى فيما حكم؟ فقال: لأني لا أعلم أحدا من الناس حكم في شيء هو له. فقال: يا هذا! إن الذي لا تعلمه أنت هو أكثر من الذي علمته، إنا وجدنا عليا يحكم في جميع ما ms0675 اختلفنا فيه وقد رضينا بحكمه، فاتق الله وإياك وشق العصا! وارجع إلى ما كنت عليه من السمع والطاعة، فأمير المؤمنين أعلم بما يأتي ويذر، فقال الخريت: لا والله لا يكون ذلك ولا تحدثت العرب به أبدا، وما لكم عندي ولصاحبكم إلا السيف. # قال: ثم صاح بأصحابه وحمل على معقل بن قيس، وحمل عليهم معقل في أصحابه واختلط القوم بعضهم من بعض، فقصده معقل من بين أصحابه، فضربه # PageV04P243 # ضربة على أم رأسه فجدله قتيلا (1). قال: وحمل أهل الكوفة على أهل الأهواز من بني ناجية، فقتل منهم من قتل وهرب من هرب وأسر من أسر من بني ناجية، وأمر معقل بن قيس بهؤلاء الأسارى فجمعوا ثم أمر برأس الخريت بن راشد فأخذ واحتوى على أمواله، وسار إلى علي رضي الله عنه بالأسارى والأموال. ### | خبر مصقلة بن هبيرة الشيباني وما كان منه إلى علي وهربه إلى معاوية قالوا: كان مصقلة بن هبيرة الشيباني أيضا عاملا لعلي بن أبي طالب على بلد من بلاد الأهواز (2)، فنظر إلى هؤلاء الأسارى (3) الذين قد أتى بهم معقل بن قيس، كأنه اتقى عليهم أن يقتلوا، فقال لمعقل: ويحك يا معقل! هل لك أن تبيعني هؤلاء الأسارى ولا تمضي بهم إلى أمير المؤمنين؟ فإني خائف أن يعجل عليهم بالقتل. # قال معقل: قد فعلت فاشترهم مني إذا حتى أبيعك. قال له مصقلة: قد اشتريتهم منك بخمسمائة ألف درهم (4)، قال: قد بعتك فهات المال! فقال مصقلة: غدا أعطيك المال. فسلم إليه معقل بن قيس الأسارى، فأعتقهم مصقلة بأجمعهم، فمضوا حتى لحقوا ببلادهم. # فلما كان الليل هرب مصقلة إلى البصرة إلى عبد الله بن العباس، قال: وكتب معقل بن قيس إلى عبد الله بن عباس يخبره بخبر مصقلة وما فعل. قال: فدعا ابن عباس مصقلة فقال: هات المال! فقال: نعم وكرامة، إن معقل بن قيس أراد أن يأخذ المال مني وأنا فلم أحب أن أعطيه ذلك، ولكن ادفع هذا المال إليك لأنك ابن عم أمير المؤمنين وعامله على البلاد، قال ابن عباس: ms0676 فقد أحسنت إذا وأصبت فهات المال. # قال: وانصرف مصقلة إلى منزلة، فلما كان الليل هرب إلى الكوفة إلى # PageV04P244 # علي بن أبي طالب، قال: وكتب معقل بن قيس إلى علي يخبره بذلك. وكتب أيضا عبد الله بن عباس إلى علي بذلك. قال: فدعا به علي وقال: هات المال يا مصقلة! فقال: نعم يا أمير المؤمنين! إن معقل بن قيس وعبد الله بن عباس أرادا مني أن أدفع المال إليهما وأنت أولى بحقك منهما، قال علي: قد أحسنت إذا وأصبت فهات المال! فقال: وجه من يحمل المال، فدفع إليه في ذلك اليوم مائة ألف درهم وبقيت عليه أربعمائة ألف درهم قال، فلما كان الليل هرب إلى معاوية، وطلبه علي فلم يقدر عليه، فقال له الأسارى من بني ناجية: فقد جرى عليهم العتق وليس لنا عليهم من سبيل، وأما مصقلة فقد بقي عليه هذا المال. قال: ثم أمر علي بهدم دار مصقلة، فهدمت حتى وضعت بالأرض، قال: وكان نعيم بن هبيرة أخو مصقلة عند علي بن أبي طالب ومن خيار أصحابه، فكتب إلى أخيه مصقلة بهذين البيتين يقول (1): # تركت نساء الحي بكر بن وائل * وأعتقت سبيا من لؤي بن غالب (2) وفارقت خير الناس بعد محمد * لمال قليل لا محالة ذاهب قال: ولم يبق بالعراق أحد من ربيعة إلى وذكر مصقلة بن هبيرة بكل قبيح إذ فارق عليا وصار إلى معاوية، فأنشأ مصقلة يقول: # لعمري لئن عاب أهل العراق * علي عتاق (3) بني ناجية لأعظم من عتقهم * رقهم وكفي بعتقهم عالية (4) وزايدت فيه لإعتاقهم (5) * وغاليت إن العلى غالية وقلت لنفسي على خلوة * وصحبي الذين معي ناجية # PageV04P245 # أخاف على القوم أن يقتلوا * وصاحبهم حية قاسية إذا نهشت ومشى ريقها * فأم السليم لها هاوية فإن نفثت سمها نفثة * فما أن لها اليوم من راقية وبالشام أمن ومستوطن * وأهل السنى أكلب عاوية وكم في سبايا بني ناجية * من الناس باك ومن باكية وهذا ابن هند سيجزي بها * وعليا قريش بها حازية كذلك ربيعة أيامها * أمور مكارهها باقية وما ms0677 في علي لمستعتب * مقال سوى هذه الجائية قال: فلما فرغ نعيم من شعره أقبل إلى جماعة من بني عمه من بني بكر بن وائل فقال: إنه قد وردت علي هذه الأبيات من عند أخي مصقلة، وقد علمت أنه يحب الرجوع إلى العراق، وأنا والله مستحي من أمير المؤمنين أن أكلمه فيه، ولكن أحب أن تكتبوا إليه كتابا عن جميعكم، وليكن ذلك عن رأي أمير المؤمنين. # قال: فاجتمع نفر من ربيعة إلى علي رضي الله عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين! # إن نعيم بن هبيرة (1) مستحي منك لما فعل مصقلة أخوه، وقد أتانا الخبر اليقين بأن مصقلة ليس يمنعه من الرجوع إلى العراق إلا الحياء، ولم ينبسط منذ خرج من العراق علينا لسانا ولا يدا، ولا نحب أن يكون رجلا منا مثل مصقلة عند معاوية، فإن أذنت لنا كتبنا إليه كتابا من جماعتنا وبعثنا إليه رسولا فلعله أن يرجع! فقال علي رضي الله عنه: اكتبوا ما بدا لكم وما أراكم تنتفعون بالكتاب. فقال الحضين بن منذر السدوسي: يا معشر بني بكر بن وائل! إن أمير المؤمنين قد أذن لكم في الكتاب فقلدوني كتابكم، فقالوا: قد فعلنا ذلك فاكتب ما بدا لك. ### | ذكر الكتاب الذي كتبه الحضين بن المنذر إلى مصقلة بن هبيرة # قال: فكتب إليه الحضين بن المنذر: أما بعد، يا مصقلة! فإن كتابنا هذا إليك من جماعة بني بكر بن وائل، وقد علمنا بأنك لم تلحق بمعاوية رضى منك بدينه ولا رغبة في دنياه، ولم يقطعك عن علي طعن فيه ولا رغبة عنه، ولكنك # PageV04P246 # توسطت أمرا قويت فيه بديا ثم ضعفت عنه أخيرا (1) * وكان أول أمرك أنك قلت أفوز بالمال وألحق بمعاوية، ولعمري ما استبدلت الشام بالعراق، ولا السكاسك بربيعة، ولا معاوية بعلي، ولا أصبت ذنبا بهما، وإن أبعد ما يكون من الله أقرب ما يكون من معاوية، فارجع إلى مصرك فقد غفر لك الذنب وحمل عنك الثقل، واعلم بأن رجعتك اليوم خير منها غدا، وكانت أمس خير منها اليوم، وإن ms0678 كان قد غلب عليك الحياء من أمير المؤمنين فما أنت فيه أعظم من الحياء، فقبح الله امرءا ليس فيه دنيا ولا آخرة - والسلام -. قال: ثم أثبت في أسفل الكتاب هذه الأبيات: # أمصقل لا تعدم من الله مرشدا * ولا زلت في خفض من العيش أرغدا وإن كنت قد فارقت قومك خزية * يمد بها الشانىء إلى رهطك اليدا وكنت إذا ما ناب أمر كفيته * ربيعة طرا غائبين وشهدا تدافع عنها كل يوم كريهة * صدور العوالي والصفيح المهندا يناديك للعلياء بكر بن وائل * فتثني لها في كل جارحة يدا فكنت أقل الناس في الناس لائما * وأكثرهم في الناس خيرا معددا تخف إلى صعلوكنا فيجيبه * فكنت بهذا في ربيعة سيدا ففارقت من قد يحسن الطرف دونه * جهارا وعاديت النبي محمدا فإن تكن الأيام لاقتك غيرة * قم الآن فارجع لا تقولن غدا غدا ولا ترض بالأمر الذي هو صائر * فقد جعل الله القيامة موعدا قال: فلما ورد هذا الكتاب على مصقلة بن هبيرة وقرأه ونظر في الشعر، أقبل على الرسول فقال: هذا كلام الحضين بن المنذر، وشعره لم يشبه كلام أحد من الناس، فقال له الرسول: صدقت هذا كلام الحضين، فاتق الله يا مصقلة! وانظر فيما خرجت منه وفيما صرت إليه، وانظر من تركت ومن أخذت، ثم اقض بعد ذلك على هواك، أين الشام من العراق! وأين معاوية من علي! وأين المهاجرون والأنصار من أبناء الطلقاء والأحزاب! وأنت بالعراق تتبع وأنت بالشام تتبع. # قال: فسكت مصقلة عن الرسول فلم يجبه بشيء، ثم أخذ الكتاب فأتى به معاوية وأسمعه الشعر، فقال له معاوية: يا مصقلة! أنت عندي غير ظنين، فإذا أتاك # PageV04P247 # شيء من هذا فأخفه عن أهل الشام، فقال: أفعل ذلك إن شاء الله. # قال: ثم رجع مصقلة وأقبل على الرسول فقال له: يا أخا بني بكر! إني إنما هربت بنفسي من علي خوفا منه، ولا والله ما ينطلق لساني بعيبه (1) ولا ذمه ولا قلت قط فيه حرفا أعلم أنه يسوءه ذلك، وقد أتيتني بهذا الكتاب ms0679 فخذ الجواب إلى قومك. # فقال الرسول: أفعل ذلك واكتب ما بدا لك. ### | ذكر كتاب مصقلة بن هبيرة إلى قومه # أما بعد، فقد جاءني كتابكم فقرأته وفهمته، فأخبركم أنه من لم ينفعه القليل يضره الأكثر، وإن الذي قطعني من علي وأمالني إلى معاوية ليس يخفى عليكم، وقد علمت أني لو رجعت إليكم لكان ذنبي مغفورا وثقلي محمولا، ولكني أذنبت إلى علي ذنبا وصحبت معاوية، فلو رجعت إلى علي لأبديت غيا واحتملت عارا، وكنت بين لومتين أولها (2) خيانة وآخرها غدر، ولكني قلت أقيم بالشام، فإن غلب معاوية واستوى له هذا الأمر فداري العراق، وإن غلب علي رضي الله عنه فداري الروم، وفراقي عليا على بعض العذر أحب إلي من فراق معاوية ولا عذر لي، والقلب مني إليكم طائر - والسلام -. ثم كتب في أسفل الكتاب بهذه الأبيات: # أيا راكب الأدماء أسلم خفها * وغاربها حتى تزور أرض بابل ألكني إلى أهل العراق رسالة * وخص بها حييت بكر بن وائل وعم بها عليا ربيعة إنني * تركت عليا خير حاف وناعل على عمد عين غير عائب ذنبه * ولا سامع فيه مقالة قائل ولا طالبا بالشام أدنى معيشة * وما الجوع من جوع العراق بقاتل فكيف بقائي بعد سبعين حجة * وما إذا عسى غير الليالي القلائل أقول إذا أهدى له الله نعمة * بدا الدهر زده من مزيد الفضائل ولكنني كنت امرءا من ثقاته * أقدم في الشورى وأهل الوسائل فأذنبت ذنبا لم يكن ليقله * بعلمي وقلت الليث لا شك آجلي ولم أدر ما قدر العقوبة عنده * سوى القتل قد أيقنت ليس قاتلي وأفردت محزونا وخليت مفردا * وقد خمدت ناري ورثت حبائلي # PageV04P248 # ولم يك إلا الشام دار وإنه * لموطئها بالخيل من دون قابل فسرت إليه هاربا بحشاشة * من النفس مغموما كثير البلابل ولم يسمع السامون مني نقيصة * ولا فشلت من يمن يمنى أناملي قال: ثم دفع الكتاب إلى الرسول وقال: عليك يا بن أخ أن تسأل أهل الشام عن قولي في علي، فقال له الرسول: نعم إني قد سألت عن ms0680 ذلك فما حكوا إلا جميلا، فقال مصقلة: فإني والله على ذلك حتى أموت. # قال: ثم رجع الرسول بالكتاب إلى الكوفة فدفعه إلى الحضين بن المنذر فقرأه ثم أتى به عليا فأقرأه إياه، فقال علي: كفوا عن صاحبكم فإنه ليس براجع إليكم أبدا حتى يموت، فقال الحضين: يا أمير المؤمنين! والله ما به الحياء ولكن الرجوع قد كففنا عنه وأبعده الله. PageV04P249 ### | ذكر ابتداء أخبار الخوارج من الشراة وخروجهم على علي رضي الله عنه # قال: فبينا علي كرم الله وجهه مقيم بالكوفة ينتظر انقضاء المدة التي كانت بينه وبين معاوية ثم يرجع إلى محاربة أهل الشام إذ تحركت طائفة من خاصة أصحابه في أربعة آلاف فارس، وهم من النساك العباد أصحاب البرانس (1)، فخرجوا عن الكوفة وتحزبوا وخالفوا عليا كرم الله وجهه وقالوا: لا حكم إلا لله ولا طاعة لمن عصى الله. # قال: وانحاز إليهم نيف عن ثمانية آلاف رجل ممن يرى رأيهم، قال: فصار القوم في اثني عشر ألفا وساروا حتى نزلوا بحروراء (2)، وأمروا عليهم عبد الله بن الكواء. # قال: فدعا علي رضي الله عنه بعبد الله بن عباس فأرسله إليهم، وقال: يا بن عباس! امض إلى هؤلاء القوم فانظر ما هم عليه ولماذا اجتمعوا. # قال: فأقبل عليهم ابن عباس، حتى إذا أشرف عليهم ونظروا إليه ناداه بعضهم (3) وقال: ويلك يا بن عباس! أكفرت بربك كما كفر صاحبك علي بن أبي طالب؟ فقال ابن عباس: إني لا أستطيع أن أكلمكم كلكم، ولكن انظروا أيكم أعلم بما يأتي ويذر فليخرج إلي حتى أكلمه. قال: فخرج إليه رجل منهم يقال له عتاب بن الأعور الثعلبي حتى وقف قبالته، وكأن القرآن إنما كان ممثلا بين عينيه، # PageV04P251 # فجعل يقول ويحتج ويتكلم بما يريد، وابن عباس ساكت لا يكلمه بشيء، حتى إذا فرغ من كلامه أقبل عليه ابن عباس فقال: إني أريد أن أضرب لك مثلا، فإن كنت عاقلا فافهم. فقال الخارجي: قل ما بدا لك. ### | كلام ابن عباس للخارجي وما كان من رده عليه # فقال له ms0681 ابن عباس: خبرني عن دار الإسلام هذه هل تعلم لمن هي ومن بناها، فقال الخارجي: نعم، هي لله عز وجل وهو الذي بناها على أيدي أنبيائه وأهل طاعته، ثم أمر من بعثه إليها من الأنبياء أن يأمروا الأمم أن لا تعبدوا إلا إياه، فآمن قوم وكفر قوم، وآخر من بعثه إليها من الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فقال ابن عباس: # صدقت، ولكن خبرني عن محمد حين بعث إلى دار الإسلام فبناها كما بناها غيره من الأنبياء هل أحكم عمارتها وبين حدودها، وأوقف الأمة على سبلها وعملها وشرائع أحكامها ومعالم دينها؟ قال الخارجي: نعم قد فعل محمد ذلك. قال ابن عباس: # فخبرني الآن عن محمد هل بقي فيها أو رحل عنها؟ قال الخارجي: بل رحل عنها. # قال ابن عباس: فخبرني رحل عنها وهي كاملة العمارة بينة الحدود أم رحل عنها وهي خربة لا عمران فيها؟ قال الخارجي: بل رحل عنها وهي كاملة العمارة بينة الحدود قائمة المنار. قال ابن عباس: صدقت، الآن فخبرني هل كان لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أحد يقوم بعمارة هذه الدار من بعده أم لا؟ قال الخارجي: بلى، قد كان له صحابة وأهل بيت ووصي وذرية يقومون بعمارة هذه الدار من بعده. قال ابن عباس: ففعلوا أم لم يفعلوا؟ قال الخارجي: بلى، قد فعلوا وعمروا هذه الدار من بعده. قال ابن عباس: فخبرني الآن عن هذه الدار من بعده هل هي اليوم على ما تركها محمد صلى الله عليه وآله وسلم من كمال عمارتها وقوام حدودها أم هي خربة عاطلة الحدود؟ قال الخارجي: بل هي عاطلة الحدود خربة. قال ابن عباس: أفذريته وليت هذه الخراب أم أمته؟ قال: # بل أمته. قال: قال ابن عباس: أفأنت من الأمة أو من الذرية؟ قال: أنا من الأمة. # قال ابن عباس: يا عتاب! فخبرني الآن عنك كيف ترجو النجاة من النار وأنت من أمة قد أخربت دار الله ودار رسوله وعطلت حدودها؟ فقال الخارجي: إنا لله وإنا إليه ms0682 راجعون، ويحك يا بن عباس! احتلت والله حتى أوقعتني في أمر عظيم وألزمتني الحجة حتى جعلتني ممن أخرب دار الله، ولكن ويحك يا بن عباس! فكيف الحيلة في التلخيص مما أنا فيه؟ قال ابن عباس: الحيلة في ذلك أن تسعى في عمارة ما PageV04P252 # أخربته الأمة من دار الإسلام. قال: فدلني على السعي في ذلك! قال ابن عباس: # إن أول ما يجب عليك في ذلك أن تعلم من سعى في خراب هذه الدار فتعاديه، وتعلم من يريد عمارتها فتواليه. قال: صدقت يا بن عباس! والله ما أعرف أحدا في هذا الوقت يحب عمارة دار الإسلام غير ابن عمك علي بن أبي طالب لو لا أنه حكم عبد الله بن قيس في حق هوله! قال ابن عباس: ويحك يا عتاب إنا وجدنا الحكومة في كتاب الله عز وجل أنه قال تعالى: (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) (1) وقال تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم) (2). # قال: فصاحت الخوارج من كل ناحية وقالوا: فكأن عمرو بن العاص عندك من الدول؟ وأنت تعلم أنه كان في الجاهلية رأسا وفي الإسلام ذنبا، وهو الأبتر ابن الأبتر، ممن قاتل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وفتن أمته من بعده. قال: فقال ابن عباس: يا هؤلاء! # إن عمرو بن العاص لم يكن حكما أفتحتجون به علينا؟ إنما كان حكما لمعاوية، وقد أراد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن يبعثني أنا فأكون له حكما، فأبيتم عليه وقلتم: قد رضينا بأبي موسى الأشعري، وقد كان أبو موسى لعمري رضي في نفسه وصحبته وإسلامه وسابقته، غير أنه خدع فقال ما قال، وليس يلزمنا من خديعة عمرو بن العاص لأبي موسى، فاتقوا ربكم وارجعوا إلى ما كنتم عليه من طاعة أمير المؤمنين، فإنه وإن كان قاعدا عن طلب حقه فإنما ينتظر انقضاء المدة ثم يعود إلى معاربة القوم، وليس علي رضي الله عنه ممن يقعد عن حق جعله الله له. # قال: فصاحت الخوارج وقالوا: ms0683 هيهات يا بن عباس! نحن لا نتولى عليا بعد هذا اليوم أبدا، فارجع إليه وقل له فليخرح إلينا بنفسه حتى نحتج عليه ونسمع كلامه ويسمع من كلامنا، فلعلنا إن سمعنا منه شيئا يعلق إما أن نرجع عما اجتمعنا عليه من حربه. # قال: فخرج عبد الله بن عباس إلى علي رضي الله عنه فخبره بذلك. قال: # فركب علي إلى القوم في مائة رجل من أصحابه حتى وافاهم بحروراء. # PageV04P253 # فلما بلغ ذلك الخوارج ركب عبد الله بن الكواء (1) في مائة رجل من أصحابه حتى واقفه، فقال له علي: يا بن الكواء! إن الكلام كثير، ابرز إلي من أصحابك حتى أكلمك، قال ابن الكواء: وأنا آمن من سيفك؟ قال علي: نعم وأنت آمن من سيفي. قال: فخرج ابن الكواء في عشرة من أصحابه ودنوا من علي رضي الله عنه، قال: وذهب ابن الكواء ليتكلم فصاح به رجل من أصحاب علي وقال: اسكت حتى يتكلم من هو أحق بالكلام منك! قال: فسكت ابن الكواء وتكلم علي بن أبي طالب (2)، فذكر الحرب الذي كان بينه وبين معاوية، وذكر اليوم الذي رفعت فيه المصاحف، وكيف اتفقوا على الحكمين، ثم قال له علي: ويحك يا بن الكواء! # ألم أقل لكم في ذلك اليوم الذي رفعت فيه المصاحف كيف أهل الشام يريدون أن يخدعوكم بها؟ ألم أقل لكم بأنهم قد عضهم السلاح وكاعوا عن الحرب، فذروني أناجزهم فأبيتم علي وقلتم: إن القوم قد دعونا إلى كتاب الله عز وجل فأجبهم إلى ذلك، وإلا لم نقاتل معك، وإلا دفعناك إليهم، فلما أجبتكم إلى ذلك وأردت أن أبعث ابن عمي عبد الله بن عباس ليكون لي حكما فإنه رجل لا يبتغي بشيء من عرض هذه الدنيا ولا يطمع أحد من الناس في خديعته، فأبى علي منكم من أبي وجئتموني بأبي موسى الأشعري وقلتم: قد رضينا بهذا، فأجبتكم إليه وأنا كاره، ولو أصبت أعوانا غيركم في ذلك الوقت لما أجبتكم، ثم إني اشترطت على الحكمين بحضرتكم أن يحكما بما أنزل الله ms0684 من فاتحته إلى خاتمته أو السنة الجامعة، فإن هما لم يفعلا ذلك فلا طاعة لهما علي، أكان ذلك أم لم يكن؟ فقال ابن الكواء: # صدقت، قد كان هذا بعينه، فلم لا ترجع إلى حرب القوم إذ قد علمت أن الحكمين لم يحكما بالحق وأن أحدهما خدع صاحبه؟ فقال علي: إنه ليس إلى حرب القوم سبيل إلى انقضاء المدة التي ضربت بيني وبينهم. قال ابن الكواء: فأنت مجمع على ذلك؟ قال: وهل يسعني إلى ذلك، انظر يا بن الكواء اني أصبت أعوانا وأقعد عن حقي؟ # PageV04P254 # قال: فعندها بطن ابن الكواء فرسه وصار إلى علي مع العشرة الذين كانوا معه، ورجعوا عن رأي الخوارج، وانصرفوا مع علي إلى الكوفة، وتفرق الباقون وهم يقولون: لا حكم إلا لله ولا طاعة لمن عصى الله. ### | ابتداء اجتماع الخوارج بالنهروان # قال: ثم إن القوم أمروا عليهم هذين الرجلين: عبد الله بن وهب الراسبي الحرمي وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية وعزموا على أن يعسكروا بالنهروان (1). # قال: فساروا يريدون ذلك، فبينا هم يسيرون إذ مروا بقرية من قرى السواد فإذا هم برجل محصن خوفا من الخيل لما نظر إليها، قال: فأحاطوا به فأخذوه وقالوا: لا بأس عليك! من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خباب بن الأرت (2) صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: حدثنا حديثا سمعته (2) من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! فقال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " ستكون من بعدي فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فمن استطاع أن يكون فيها مقتولا فلا يكونن قاتلا " (4). # قال: فشد عليه رجل من الخوارج يقال له مسعر بن فدكي، فضربه بسيفه ضربة على أم رأسه فقتله (5). ثم إنهم دخلوا إلى منزلة. # PageV04P255 # ثم ساروا حتى دخلوا النهروان في اثني عشر ألفا من بين فارس وراجل. قال: # وبلغ ذلك عليا، فنادى في الناس فجمعهم في المسجد فخطبهم. ### | ذكر خطبة علي بن أبي ms0685 طالب قبل خروجه إلى النهروان # قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (1): أيها الناس! إن الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم نذيرا للعالمين، وأمينا على التنزيل، وشهيدا على هذه الأمة بالتحريم والتحليل، وأنتم يا معشر العرب إذ ذاك في شر دار وعلى شر دين يبيتون (2) على حجارة خشن، وحيات صمم (3) وشوك مهوب في البلاد، تشربون الأجاج (4) وتأكلون الخبيث (5) من الطعام، سبلكم خائفة والأنصاب فيكم منصوبة، (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) (6) فمن الله عليكم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، فبعثه إليكم رسولا من أنفسكم، وقال تبارك وتعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (7) وقال عز وجل: (لقد من الله على المؤمنين) (8) فكنتم أنتم وهو رسوله إليكم تعرفون حسبه ونسبه وشرفه وفضله، وكان يتلو عليكم الآيات، ويأمركم بصلة الأرحام وحقن الدماء وإصلاح ذات البين، ونهاكم عن التظالم والتغاشم والتقاذف والتباهت، وأمركم بالمعروف ونهاكم عن المنكر، وكل خير يدني من الجنة ويبعد من النار فقد أمركم به، وكل شر يدني من النار فقد نهاكم عنه، فلما استكمل صلى الله عليه وآله وسلم مدته توفاه الله إليه مشكورا سعيه، مرضيا عمله، مغفورا له ذنبه، كريما عند الله # PageV04P256 # نزله، فيا لها من مصيبة خصت وعمت المؤمنين، لم يصابوا بمثلها قبلها، ولا يعاينون بعدها مثلها، وبعد فقد علمتم ما كان من هؤلاء القوم من الإقدام والجرأة على سفك الدماء، وهم قوم فساق مراق عماة حفاة، يريدون فراقي وشقاقي، وفيهم من قد عضه بالأمس السلاح ووجد ألم الجراح، فجدوا رحمكم الله وخذوا آلة الحرب فإني سائر إليهم إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: ثم نزل عن المنبر ولم يجبه إلا اليسير من أهل الكوفة، ودخل إلى منزله وغضب لذلك، ثم خرج إلى الناس وخطبهم ثانيا. ### | ذكر خطبته الثانية وما كان من توبيخه لأهل الكوفة # قال: فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ms0686 (1): أيتها الفئة المجتمعة أبدانهم المتفرقة أديانهم (2)! إنه والله ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح من قاساكم، كلامكم يوهن (3) الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيه عدوكم، أنا أدعوكم إلى أمر فيه صلاحكم والذب عن حريمكم، اعتراكم الفشل وجبنتم بالعلل، ثم قلتم كيت وكيت وذيت وذيت، أعاليل وأضاليل وأقوال أباطيل، ثم سألتموني التأخير دفاع ذي الدين المطول (4)، هيهات إنه لا ينفع الصم الدليل (5)، ولا يدرك الحق إلا بالجد، فخبروني يا أهل العراق مع أي إمام بعدي تقاتلون؟ أم أية دار تمنعون؟ # والذليل والله من نصرتموه والمغرور من غررتموه، لقد أصبحت لا أطمع في نصركم ولا أصدق قولكم، فرق الله بيني وبينكم، وأبدلكم بي غيري وأبدلني بكم من هو خير لي منكم، أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا وسيفا قاطعا وأثرة قبيحة يتخذها الظالمون عليكم سنة فتبكي عيونكم، ويدخل الفقر بيوتكم، وتتمنون في بعض # PageV04P257 # حالاتكم أنكم رأيتموني فنصرتموني وأرقتم دماءكم دوني، فلا يبعد الله إلا من قد ظلم، يا أهل الكوفة! أعظكم فلا تتعظون، وأوقظكم من سنتكم فلا تنتبهون، إن من فاز بكم فقد فاز بالخيبة (1)، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل (2)، أف لكم! # لقد لقينا منكم ترحا، يوما أناديكم ويوما أناجيكم، فلا أحرار عند النداء ولا إخوان صدق عند المصائب، فيا لله ما ذا منيت به منكم، لقد منيت بصم لا يسمعون وكمه لا يبصرون وبكم لا يعقلون، أما والله لو لا أني حين أمرتكم بأمري حملتكم على المكروه منه، فإن استقمتم هديتم، وإن أبيتم علي بدأت بكم وكانت الزلفى، ولكني تراخيت لكم وتوانيت عنكم وتماديت في غفلتكم، فكنت أنا وأنتم كما قال الأول (3): # أمرتكم أمري بمنقطع اللوى * فلم تستبينوا الرشد إلا ضحى الغد اللهم! إن دجلة والفرات نهران أصمان أبكمان، اللهم! فأرسل عليهما ماء يحرك وانزع منهم ماء نصرك، حبذا إخواني الصالحون! إن دعوا إلى الإسلام قبلوه أو قرأوا القرآن أحكموه، أو ندبوا إلى الجهاد طلبوه، فحقق اللهم لهم الثناء الحسن، واشوقاه إلى تلك الوجوه. # قال: ثم ذرفت عيناه ونزل ms0687 عن المنبر، وقام إليه نافع بن طريف فقال: إنا لله إلى ما صرت إليه يا أمير المؤمنين! فقال علي: نعم (إنا لله وإنا إليه راجعون إلى ما صرت إليه، صرت إلى قوم إن أمرتهم خالفوني، وإن اتبعتهم تفرقوا عني، جعل الله لي منهم فرجا عاجلا. # قال: ثم وثب فدخل إلى منزله مغموما، ودخل إليه جماعة من فرسان أصحابه # PageV04P258 # فقالوا: يا أمير المؤمنين! لا يسؤك الله! ها نحن بين يديك فسر بنا إلى أعداء الله إذا شئت لترى منا ما تحب. # قال: ثم تقدم إليه رجل من أصحابه فقال: يا أمير المؤمنين! إن الناس قد ندموا على ما كان من تثبطهم وقعودهم عن نصرتك على أن الحظ في ذلك لهم، فلو عاودتهم بالخطبة لعلهم كانوا يرتدعون ويرجعون إلى محبتك. قال: فلما كان من غد خرج علي رضي الله عنه حتى دخل المسجد الأعظم وهو غاص بأهله وأصحابه متواترون. PageV04P259 ### | ذكر خطبته الثالثة # قال: ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (1): أيها الناس! ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقضت (2)، وإلى بلادكم تغزى وأنتم ذوو عدد جم وشوكة شديدة؟ # فما بالكم اليوم لله أبوكم من أين تؤتون ومن أين تسحرون وأنى تؤفكون، انتبهوا رحمكم الله وأنبهوا نائمكم وتجردوا لحرب عدوكم، فقد أبدت الدعوة عن التصريح وقد أضاء الصبح لذي عينين، فاسمعوا قولي هداكم الله إذا قلت، وأطيعوا الله أمري إذا أمرت، فو الله لئن أطعتموني لم تغووا، وإن عصيتموني لن ترشدوا، وخذوا للحرب أهبتها وأعدوا لها عدتها واجمعوا آلتها، فقد شبت وأوقدت نارها، وتجرد لكم الفاسقون لكي يطفئوا نور الله بأفواههم ويغزوا عباد الله، فو الله إن لو لاقيتهم وحدي وهم أضعاف (3) ما هم عليه لما كنت بالذي أخافهم ولا أهابهم ولا أستوحش منهم. # لأني من طلالتهم (4)، والحق الذي أنا عليه لعلى بصيرة ويقين، وإني إلى لقاء ربي مشتاق ولحسن ثوابه منتظر، وهذا القلب الذي ألقاهم به الذي لقيت به الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو القلب الذي ms0688 لقيت به أهل الجمل وأهل صفين وليلة الهرير، فإذا أنا أنفرتكم فانفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. ولا تثاقلوا إلى الأرض فيفروا بالحيف (5)، فإن أخا # PageV04P260 # الحرب من إن نام عنها لم تنم عيناه، ومن غفل أوذي، ومن ضعف ذل، ومن ترك الجهاد في الله كان المغبون المهين، اللهم اجمعنا على التقوى وجنبنا وإياهم البلوى، واجعل الآخرة لنا ولهم خيرا من الأولى. # قال: فلما فرغ من خطبته أجابه الناس سراعا، فاجتمع إليه أربعة آلاف رجل أو يزيدون. قال: فخرج بهم من الكوفة وبين يدي عدي بن حاتم الطائي يرفع صوته وهو يقول: # نسير إذا ما كاع قوم وبلدوا * برايات صدق كالنسور الخوافق إلى شر قوم من شراة تحزبوا * وعادوا إله الناس رب المشارق طغاة عماة مارقين عن الهدى * وكل لعين قوله غير صادق وفينا علي ذو المعالي يقودنا * إليهم جهارا بالسيوف البوارق قال: وسار علي رضي الله عنه حتى نزل على فرسخين من النهروان، ثم دعا بغلامه فقال له: اركب إلى هؤلاء القوم وقل لهم عني: ما الذي حملكم على الخروج علي ألم أقصد في حكمكم؟ ألم أعدل في قسمكم؟ ألم أقسم فيكم فيئكم؟ ألم أرحم صغيركم؟ ألم أوقر كبيركم؟ ألم تعلموا أني لم أتخذكم خولا، ولم أجعل مالكم نفلا؟ وانظر ماذا يردون عليك! وإن شتموك فاحتمل، وإياك أن ترد على أحد منهم شيئا. # قال: فأقبل غلام علي حتى أشرف على القوم بالنهروان، فقال لهم ما أمره به، فقالت له الخوارج: ارجع إلى صاحبك فلسنا نجيبه إلى شيء يريده أبدا، وإنا نخاف أن يردنا بكلامه الحسن كما رد إخواننا بحروراء عبد الله بن الكواء (1) وأصحابه، والله تعالى يقول: (بل هم قوم خصمون) (2)، ومولاك علي منهم فارجع إليه وخبره بأن اجتماعنا ههنا لجهاده ومحاربته لا لغير ذلك. # قال: فرجع الغلام إلى علي وأخبره بما سمع من القوم، قال فعندنا كتب إليهم علي كرم الله وجهه. # PageV04P261 ### | ذكر كتاب علي إلى الخوارج # بسم الله الرحمن ms0689 الرحيم، من عبد الله وابن عبده أمير المؤمنين وأجير المسلمين أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمه، إلى عبد الله بن وهب وحرقوص بن زهير المارقين من دين الإسلام! أما بعد، فقد بلغني خروجكما واجتماعكما هنا لك بغير حق كان لكما ولأبويكما من قبلكما، وجمعكما لهذه الجموع الذين لم يتفقهوا في الدين، ولم يعطوا في الله اليقين، والزما الحق فإن الحق يلزمكما منزلة الحق ثم لا يقضى إلا بالحق، ولا تزيغا فيزيغ من معكما من أخباركما فيكون مثلكما ومثلهم كمثل غنم نفشت في أرض ذات عشب، فرعت وسمنت، وإنما حتفها في سمنها، وقد علمنا بأن الدنيا كعروتين سفلا وعلوا، فمن تعلق بالعلو نجا، ومن استمسك بالسفل هلك، والسعيد من سعدت به رعيته والشقي من شقيت به رعيته، وخير الناس خيرهم لنفسه وشرهم شرهم لنفسه، وليس بين الله وبين أحد قرابة، (وكل نفس بما كسبت رهينة) (1)، والكلام كثير وإنما نريد منه اليسير، فمن لم ينتفع باليسير ضره الكثير، وقد جعلتموني في حالة من ضل وغوى وعن طريق الحق هوى، خرجتم علي مخالفين بعد أن بايعتموني طائعين غير مكرهين، فنقضتم عهودكم ونكثتم أيمانكم، ثم لم يكفكم ما أنتم فيه من العمى وشق العصا، حتى وثبتم على عبد الله بن خباب فقتلتموه وقتلتم أهله وولده (2) بغير ترة كانت منه إليكم ولا دخل، وهو ابن صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولن يغني القعود عن الطلب بدمه، فادفعوا إلينا من قتله وقتل أهله وولده وشرك في دمائهم، ولا تقتلوا أنفسكم على عمى وجهل، فتكونوا حديثا لمن بعدكم، وبالله أقسم قسما صادقا لئن لم تدفعوا إلينا قاتل صاحبنا عبد الله بن خباب لم أنصرف عنكم دون أن أقضي فيكم إربي - وبالله أستعين وعليه أتوكل والسلام والرحمة من الواحد الخلاق على النبيين وعلى عباده الصالحين (3) -. # PageV04P262 # قال: ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى عبد الله بن أبي عقب وأرسله. ### | مسير عبد الله بن أبي عقب إلى الخوارج وما جرى بينهم من المناظرة ms0690 # قال: فأقبل عبد الله بن أبي عقب إلى الخوارج بالكتاب، حتى إذا صار إلى النهروان تقدم إلى عبد الله بن وهب الراسبي وهو جالس على شاطىء النهروان محتب بحمائل سيفه، وحرقوص بن زهير إلى جانبه ورؤساء الخوارج جلوس حولهم. # قال: فسلم عبد الله بن أبي عقب ودفع الكتاب إلى عبد الله بن وهب. فأخذه وفضه وقرأه عن آخره، ثم ألقاه إلى حرقوص فقرأه، ثم رفع رأسه إلى ابن أبي عقب فقال له: لو لا أنك رسول لألقيت منك أكثرك شعرا (1) فمن أنت؟ قال: رجل من الموالي، قال: من أي الموالي أنت؟ قال: من موالي بني هاشم. قال: إني أظنك من هذا الرجل بسبب يعني علي بن أبي طالب، فقال: أنا رجل من أصحابه، قال: أفحلال أنت أم لا؟ قال: لا بل حرام دمي في كتاب الله عز وجل، فقال: ما أراك تعرف كتاب الله، قال: بلى، إني لأعرف منه الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني والسفري والحضري. قال: وتعرف الله حق معرفته؟ فقال: نعم، إني لأعرفه ولا أنكره، أؤمن به ولا أكفره. قال: وبما ذا عرفته؟ قال: برسوله وكتابه المنزل، قال: صدقت. فأصدقني ما تكون من علي بن أبي طالب، قال: أنا أخوه في الإسلام، قال: عبد الله بن وهب أو مسلم أنت؟ قال: أنا مسلم والحمد لله. # قال: وما الإسلام؟ قال له ابن أبي عقب: إن الإسلام عشرة أسهم، خاب من لا سهم له فيها، شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملة، والصلاة وهي الفطرة، والزكاة وهي الطهر، والصوم وهو الجنة، والحج وهو الشريعة، والجهاد وهو الغزو، والأمر بالمعروف وهو الوفاق، والنهي عن المنكر وهو الحجة، والطاعة وهي العصمة، والجماعة وهي الألفة. قال: صدقت، فخبرني ما الإيمان، فقال: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ونحن له مسلمون، والرضاء بما جاء من عند الله من سخط أو رضى، والجنة حق، والنار حق، وأن الله يبعث من في القبور. فقال عبد الله بن وهب: أيها الرجل! إنه ms0691 حرم علينا دمك فخبرني أعالم أنت # PageV04P263 # أم متعلم (1)، قال (2): متعنت أنت أم مسترشد؟ قال: بل مسترشد. قال عبد الله بن وهب: فكم الصلوات؟ فقال: أما الفريضة فإنها خمس ومعها نوافل، أفعن الفريضة تسألني أم عن النافلة؟ فقال: بل عن الفريضة أسألك، فكم في الفريضة من ركعة؟ قال: سبع عشرة ركعة وفيها سبع عشرة مرة سمع الله لمن حمده، وفيها أربعة وثلاثون سجدة، وفيها أربع وتسعون تكبيرة. قال: صدقت، فكم السنة؟ قال: السنة عشر، خمس منها في الرأس وخمس في الجسد، فأما اللواتي في الرأس: فالمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، وفرق الشعر، وأما اللواتي في الجسد: فالختان، وحلق العانة، والاستنجاء بالماء، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، فقال عبد الله بن وهب: صدقت أيها الرجل! ولكن خبرني كم يجب في خمس من الإبل صدقة، فقال ابن أبي عقب: في خمس من الإبل شاة، وفي عشر (3) شاتان، وفي خمس عشرة (4) ثلاثة شياه، فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياه إلى أن تبلغ خمسا (5) وعشرين (6)، فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون إلى خمس وثلاثين (7)، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى أن تبلغ خمسا وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة (8) إلى أن تبلغ خمسا (9) وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان طريدتا الفحل إلى أن تبلغ عشرين (10) ومائة، فإذا بلغت الإبل عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، فإذا بلغت الإبل ثلاثين ومائة فالحساب على ما خبرتك وليس هذا من علم مثلي فسل عن غير هذا! فقال له عبد الله بن وهب، ذر عنك هذا، فخبرني عن صدقة البقر، قال: إذا أخبرك بذلك في كل ثلاثين بقرة تبيع # PageV04P264 # فهو حولي لسنة، وفي الأربعين بقرة منه إلا ما كان من البقر العوامل التي تحرث الأرض ويسقى عليها الحرث فإنه لا صدقة عليها، لأنها بمنزلة الدواب المركوبة، والتي يحمل عليها الأثقال من البغال والحمير فقد خرج حكمها من حكم البقر السائمة، فسنة البقر السائمة بخلاف سنة البقر العوامل، ms0692 وأما من أراد بها التجارة فيقوم في رأس السنة وينظر إلى ثمنها، فيحسب ذلك ويخرج صاحبها زكاتها كما تخرج زكاة المال من كل مائتي درهم خمسة دراهم، ومن كل عشرين مثقالا نصف مثقال وما زاد فبالحساب، فقال عبد الله بن وهب: صدقت فخبرني عن صدقة الغنم ما هي، فقال ابن أبي عقب: نعم. أما الغنم فإنها إذا كانت دون الأربعين فلا صدقة عليها، فإذا بلغت أربعين فصدقتها شاة إلى أن تبلغ عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على العشرين والمائة واحدة فصدقتها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فهذا ما سألت عنه من صدقة الإبل والبقر والغنم، وليس مثلي من يسأل عن مثل هذا، ولكن سل أيها الرجل عما أحببت من العلوم الواسعة! فقال ابن وهب: خبرني عن الواحد ما هو، قال: فتبسم ابن أبي عقب ثم قال: هذه مسألة قد مضت في الدهر، الواحد هو الله وحده لا شريك له. قال: فخبرني عن الاثنين لم يكن لهما في عصر ثالث، قال: آدم وحواء. قال: فخبرني عن ثلاث لا رابع لها، قال: الطلاق. قال: فخبرني عن أربع لا خامس لها، قال: أربع نسوة حلال ولا تحل خامسة. قال: فخبرني عن خامسة ليس لها سادسة، قال: الخمس صلوات مكتوبة. قال: فخبرني عن ستة لا سابع لها، قال: الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. قال: فخبرني عن سبعة ليست لها ثامنة، فقال له ابن أبي عقب: يا هذا الرجل! إن السبعة في كتاب الله عز وجل كثير، وهن السماوات سبع والأرضون (1) سبع، والبحار سبع، وقال الله تعالى: (لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) (2)، وقال: (وسبعة إذا رجعتم) (3)، وقال الريان بن الوليد ملك مصر: (إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات) (4)، وقال يوسف النبي: (تزرعون سبع سنين دأبا) (5) ومثل هذا في # PageV04P265 # كتاب الله كثير. قال: فخبرني عن سبع وثمانية. قال: نعم، قول الله عز وجل (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ms0693 حسوما) (1). قال: صدقت، فخبرني عن ثلاث وأربع وخمس وست وسبع وثمان، قال: فتبسم عبد الله بن أبي عقب ثم قال: يا سبحان الله! من جمع هذه الجموع وخرج على مثل علي بن أبي طالب وهو يعلم أنه أقضى هذه الأمة وأبصر بحلالها وحرامها يسأل رسوله عن مثل هذه المسائل! # قال الله تبارك وتعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب، ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) (2) فهذا ما سألت. # فقال حرقوص: أيها الرجل! فإني سائلك عن غير ما سألك صاحبي، قال: # سل عما بدا لك! قال: من يتولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: أتولى أولياء الله المؤمنين، أتولى أبا (3) بكر وعمر وعثمان ومقدادا وسلمان وأبا ذر وصهيبا وبلالا وأسلاف المؤمنين. قال: فممن تتبرأ؟ قال: ما أتبرأ من أحد، (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون) (4) قال: فما تقول في صاحبك علي وما تقول في عثمان وطلحة والزبير ومعاوية والحكمين عمرو بن العاص وعبد الله بن قيس؟ فقال: أما صاحبي علي فلو قلت فيه سوءا لم أكن بالذي أصحبه، ولا أقاتل بين يديه، ولا أقول بفضله، وأما عثمان فإنه ابن عم النبي، وابن ابنة عمه، وختنه على ابنته رقية وأم كلثوم، وله فضائل كثيرة وقد جاءت بها العلماء ولا أقول فيه إلا خيرا، وأما طلحة والزبير فإنهما حواري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم أسمع صاحبي يقول فيهما إلا خيرا ولا أقول فيهما إلا كقوله، وأما معاوية والحكمان فمعاوية رضي برجل وعلي صاحبي برجل، فخدع أحدهما صاحبه، والخلافة لا تثبت لأحد بالمكر والخديعة، ونحن على رأس أمرنا إلى انقضاء المدة. # فقال حرقوص: أيها الرجل! إنك قد أوجبت على نفسك القتل، قال: ولم ذاك؟ # فقال: لأنك توليت قوما كفروا بعد إيمانهم وأحدثوا الأحداث، فقال له ابن أبي عقب، أيها الرجل! إنك لم تبلغ في العلم ما يجب عليك أن تفتش عن علم الإمام، ولكني أسألك عن مسائل ms0694 يسأل صبياننا بعضهم بعضا عنها في المكتب، # PageV04P266 # قال: سل عما بدا لك! فقال ابن أبي عقب: خبرني أيها الرجل عن المتحابين ما هما؟ وعن المتباغضين ما هما؟ وعن المستبقين والجديدين والدائبين وعن الطارف والتالد وعن الطم والرم وعن نسبة الله عز وجل ما هي؟ قال حرقوص: ما رأيت أحدا يسأل عن مثل هذا، ولكن خبرني عنها وأنت آمن! فقال له ابن أبي عقب: أما المتحابان فالمال والولد، وأما المتباغضان فالموت والحياة، وأما المستبقان فالنور والظلمة، وأما الجديدان فالليل والنهار، وأما الدائبان، فالشمس والقمر، وأما الطارف والتالد فالمال المستحدث والمال القديم، وأما الطم والرم فالطم البحر والرم الثرى، وأما نسبة الله عز وجل فإن قريشا سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا محمد! صف لنا ربك، فنزلت سورة الإخلاص وهي: (قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد) (1). # قال: فتعجب القوم من كلام ابن أبي عقب وعلمه، ثم أجاب عبد الله بن وهب إلى علي بن أبي طالب جوابا: ورد علي كتابك مع رسولك، فقرأته وفهمت ما فيه، وأما قولك تأمرني أن ألزم الحق يوم لا يقضى بالحق، فقد صدقت وأنا لازم الحق جهدي وطاقتي، وأما قولك لا أزيغ فيزيغ من معي، فأنت معدن الزيغ وأهله، وقد قال الله تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) (2)، وأما قولك إن السعيد من سعدت به رعيته والشقي من شقيت به رعيته، فقد صدقت وما أعلم سعيدا سعدت به رعيته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير أبي بكر ومن بعده عمر، ولا أعلم شقيا شقيت به رعيته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى الله عليه وآله وسلم غيرك وغير عثمان بن عفان، والقول كما قلت كثير والتفسير يسير، فمن شاء هذر ونثر، ومن شاء قال بقدر، وأما قولك أن ادفع (3) إلينا قاتل عبد الله بن خباب فكلنا قتله (4)، وأما ذكرك المسير إلينا لقتالنا، فإذا شئت ms0695 فاقدم فإنا عازمون على حربك - والسلام -. # قال: ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى ابن أبي عقب، فأخذه وأقبل إلى علي كرم الله وجهه، فخبره بالذي دار بينه وبين القوم من المسائل. # PageV04P267 # قال: وعندها نادى علي في أصحابه وأمرهم بالمسير إلى النهروان، فرحل ورحل الناس معه في السلاح والآلة الكاملة والعدة القوية (1)، حتى إذا صار قريبا من النهروان نظر فإذا برجل من أصحابه قد عدل عن الطريق وجلس على ترسه، فعلم علي رضي الله عنه أنه قد شك في قتال أهل النهروان، فعدل إليه علي بن أبي طالب وقام الرجل فجلس علي في موضعه، فإذا برجل قد أقبل من ناحية نهروان يركض على فرس له، فصاح به علي كرم الله وجهه: إلي! فجاء إليه، فقال له علي: ما وراءك؟ فقال: إن القوم لما علموا أنك تقاربت منهم عبروا النهروان هاربين، فقال له علي رضي الله عنه: أنت رأيتهم حين عبروا؟ قال: نعم، قال علي: كلا والذي بعث بالحق نبيا لا يعبرون ولا يبلغون إلى قصر بوران بنت كسرى حتى يقتل الله مقاتلهم على يدي، فلا يبقى منهم إلا أقل من عشرة، ولا يقتل من أصحابي إلا أقل من عشرة، ذلك عهد معهود وقضاء مقضي (2). # قال (2): ثم نهض علي فركب حتى وافى القوم، وإذا هم قد مدوا الرماح في وجه علي وأصحابه وهم يقولون: لا حكم إلا لله. فقال علي رضي الله عنه: لا أنتظر فيكم إلا حكم الله. قال: ثم عبي علي أصحابه ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين، ثم دعا بعبد الله بن عباس فقال له: تقدم إلى هؤلاء واحتج عليهم وانظر ماذا يقولون! # قال: فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين أفألقي عني حلتي هذه وألبس درعي؟ # فإني أخاف القوم على نفسي، فقال له علي: إني لا أخافهم عليك، فتقدم فها أنا ذا من وراءك. # قال: فتقدم عبد الله بن عباس حتى واجه القوم، ثم قال: أيها الناس! ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين؟ فقالوا له: يا بن عباس! إن الذي ms0696 نقمناه عليك في وقتنا هذا أشد مما نقمناه على علي، وذلك إنك قد جئتنا في حلة يمانية ونحن نريد حربك وحرب ابن عمك، فقال ابن عباس: أما هذه الحلة فقد رأيت خيرا منها على من هو خير مني وهو أبو القاسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأما الحرب فقد دنت منا ومنكم ولا شك # PageV04P268 # في ذلك، فهاتوا ما الذي نقمتم على علي رضي الله عنه! قالوا: نقمنا عليه أشياء، لو كان حاضرا لكفرناه بهن. # فالتفت ابن عباس إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين! إنك قد سمعت الكلام فأنت أحق بالجواب (1). # قال: فتقدم علي كرم الله وجهه، حتى إذا واجه القوم فسلم عليهم، فردوا عليه السلام، ثم قال: أيها الناس! أنا علي بن أبي طالب، فتكلموا بما نقمتم به علي! فقالوا: إن أول ما نقمنا به عليك أنا قاتلنا يوم البصرة بين يديك، فلما أظفرك الله بهم أبحتنا ما كان في عسكرهم ومنعتنا النساء والذرية، وكنت تستحل ما كان في العسكر ولا تستحل النساء والذرية، قال: فقال لهم علي: يا هؤلاء! إن أهل البصرة قاتلونا وبدأوا بقتالنا، فلما أظفرني الله بهم قسمت بينكم سلب من قاتلكم، ومنعتكم النساء والذرية، لأن النساء لم يقاتلن، والذرية ولدوا على فطرة الإسلام، فمنعتكم الذرية والنساء لأجل ذلك، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من على أهل مكة يوم فتحها فلم يسب نساءهم ولا ذريتهم، وإذا كان النبي من على المشركين فلا تعجبوا مني إذا مننت على المسلمين، فلم أسب نساءهم ولا ذريتهم. # قالوا: فإنا نقمنا عليك غير هذا، نقمنا عليك يوم صفين في وقت الكتاب الذي كتبته بينك وبين معاوية أنك قلت لكاتبك: اكتب " هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان "، فأبي معاوية أن يقبل أنك أمير المؤمنين، فمحوت اسمك من الخلافة وقلت لكاتبك: اكتب " هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان "، فإن لم تكن أمير المؤمنين فأنت أمير ms0697 الكافرين ونحن مؤمنون، ولا يجب أن تكون أميرا علينا. فقال علي: يا هؤلاء! # إنكم قد تكلمتم فاسمعوا الجواب! أنا كنت كاتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية فقال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اكتب " هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله وأهل مكة "، فقال أبو # PageV04P269 # سفيان (1): إني لو علمت يا محمد أنك رسول الله لما قاتلتك، ولكن أكتب صحيفتك باسمك واسم أبيك، فأمرني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فمحوت الرسالة من الكتاب وكتبت " هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وأهل مكة "، وإنما محوت اسمي من الخلافة كما محا النبي اسمه من الرسالة فكانت لي به أسوة. قالوا: فإنا نقمنا عليك غير هذا، إنك قلت للحكمين: " انظرا في كتاب الله، فإن كنت أفضل من معاوية فأثبتاني في الخلافة، وإن كان معاوية أفضل مني فأثبتاه في الخلافة " (2)، فإن كنت شاكا في نفسك أن معاوية أفضل منك فنحن فيك أعظم شكا. قال: فقال لهم علي: إنما أردت بذلك النصفة لمعاوية، لأني لو قلت للحكمين: احكما لي وذرا معاوية، كان معاوية لا يرضى بذلك، وإنما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم [لو] (3) قال للنصارى لما قدموا عليه من نجران (4): تعالوا حتى نبتهل فنجعل لعنة الله عليكم، كانوا لا يرضون بذلك، ولكنه أنصفهم فقال: (تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (5)، فأنصفهم من نفسه، وكذلك أنصفت أنا معاوية، ولم أعلم لما أراد عمرو بن العاص من خديعة صاحبي. قالوا: فإنا نقمنا عليك غير هذا، إنك حكمت حكما في حق هو لك، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حكم سعد بن معاذ في بني قريظة ولو شاء لم يفعل، فحكم فيهم سعد بقتل النساء والرجال وسبي الذرية والأموال، وإنما أقمت حكما كما أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه حكما، فهل عندكم شيء غير هذا تحتجون به علي؟ # قال: فسكت القوم وجعل بعضهم يقول لبعض: ms0698 صدق فيما قال: ولقد دحض جميع ما احتججنا عليه، ثم صاح القوم من كل ناحية وقالوا: التوبة! التوبة! يا أمير المؤمنين. # فاستأمن إليه منهم ثمانية آلاف، وبقي على حربه أربعة آلاف، وأقبل علي # PageV04P270 # رضي الله عنه إلى هؤلاء المستأمنين إليه فقال: اعتزلوا عني في وقتكم هذا وذروني والقوم. # قال: فاعتزل القوم وتقدم علي بن أبي طالب من أصحابه حتى دنا منهم، وتقدم عبد الله بن وهب حتى وقف بين الجمعين، وجعل يقول: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) (1) ألا! إن الذين عدلوا بربهم علي بن أبي طالب وأصحابه الذين حكموا في دين الله عمرو بن العاص وعبد الله بن قيس، والله تعالى يقول: (اتبع ما أوحي إليك من ربك) (2) وقال تعالى: (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) (3) وقال: (ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين) (4). # قال: فصاح به رجل من أصحاب علي رضي الله عنه يكنى بأبي حنظلة فقال له: يا عدو الله! ما أنت والخطباء في مثل هذا الموضع، وأنت والله ما فهمت في دين الله ساعة قط وما زلت جلفا جافيا مذ كنت ثكلتك أمك، يا بن وهب! أتدري ويلك لمن تتكلم ولمن تتنازع؟ أما علمت أنه أمير المؤمنين أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمه ووصيه وصفيه وزوج ابنته وأبو سبطية؟ فقال له علي: ذره يا أبا حنظلة! فإن الذي هو فيه من العمى والضلالة أعظم من كلامه إياي لو علم. # قال: فصاح ذو الثدية حرقوص وقال: والله يا بن أبي طالب ما نريد بقتالنا إياك إلا وجه الله والدار الآخرة. قال: فقال علي رضي الله عنه: هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) (5) منهم أهل النهروان ورب الكعبة!. ### | ذكر ابتداء الحرب # قال: ثم دعا علي برجل من أصحابه يقال له رويبة (6) بن وبر البجلي فدفع إليه # PageV04P271 # اللواء وأمره بالتقدم إلى القوم، قال: فتقدم إلى القوم وهو يقول: ms0699 # لقد عقد الإمام لنا لواء * وقدمنا أمام المؤمنينا بأيدينا مثقفة طوال * وبيض المرهفات إذا حلينا نكر على الأعادي كل يوم * ونشهد حربهم متواريينا ونضرب في العجاج رؤوس قوم * تراهم جاحدين وعابدينا قال: فحمل فجعل يقاتل حتى استشهد. وتقدم من بعده عبد الله بن حماد لحميري فقاتل فاستشهد. وتقدم من بعده رفاعة (1) بن وائل الأرحبي فقاتل واستشهد. ثم تقدم من بعده كيسوم بن سلمة الجهني فقاتل فقتل. وتقدم من بعده عبد بن عبيد الخولاني فقاتل فقتل. # قال: فلم يزل يخرج رجل بعد رجل من أشد فرسان علي حتى قتل منهم جماعة وهم ثمانية، وأقبل التاسع واسمه حبيب بن عاصم الأزدي فقال: يا أمير المؤمنين! هؤلاء الذين نقاتلهم أكفارهم؟ فقال علي: من الكفر هربوا وفيه وقعوا. # قال: أفمنافقون؟ فقال علي: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قال: فما هم يا أمير المؤمنين حتى أقاتلهم على بصيرة ويقين؟ فقال علي: هم قوم مرقوا من دين الإسلام كما مرق السهم من الرمية، يقرأون القرآن فلا يتجاوز تراقيهم (2)، فطوبى لمن قتلهم أو قتلوه. قال: فعندها تقدم حبيب بن عاصم هذا نحو الشراة وهو التاسع من أصحاب علي فقاتل وقتل، واشتبك الحرب من الفريقين فاقتتلوا قتالا شديدا ولم يقتل من أصحاب علي إلا أولئك التسعة (3). # PageV04P272 # قال: وتقدم رجل من الشراة يقال له الأخنس العيزار (1) الطائي حتى وقف بين الجمعين، وكان من أشد فرسان الخوارج، وكان ممن شهد يوم صفين وقاتل فيه، فلما كان ذلك اليوم تقدم حتى وقف بين الجمعين وأنشأ يقول: # ألا ليتني في يوم صفين لم أءب * وغودرت في القتلى بصفين ثاويا وقطعت إربا أو ألقيت جثة * وأصبحت ميتا لا أجيب المناديا ولم أر قتلى سنبس ولقتلهم * أشاب غداة البين مني النواصيا ثمانون من حي جديلة قتلوا * على النهر كانوا يحضبون العواليا ينادون لا لا حكم إلا لربنا * حنانيك فاغفر حوبنا والمساويا هم فارقوا من جار لله حكمه * وكل عن الرحمن أصبح راضيا فلا وإله الناس ما هان معشر * على النهر في الله ms0700 الحتوف القواضيا شهدت لهم عند الإله بفلحهم * إذا صالح الأقوام خافوا المخازيا وإيلوا إلى التقوى ولم يتبعوا الهوى * فلا يبعدن الله من كان شاريا قال: ثم حمل على أصحاب علي كرم الله وجهة حملة فشق الصفوف وقصده علي، فالتقيا بضربتين فضربه علي فألحقه بأصحابه. وحمل ذو الثدية على علي ليضربه بسيفه، وسبقه علي فضربه على بيضته فهتكها، وحمل به فرسه وهو كما به من الضربة، حتى رمى به في آخر معركة على شط النهروان في جرف دالية خربة. # قال: وخرج من بعده ابن عم له يقال له مالك بن الوضاح (2)، حتى وقف بين الجمعين وهو يقول: # إني لبائع ما يفنى بباقية (3)، ولا أريد لذي الهيجاء تربيصا (4) (5) # PageV04P273 # أخشى فجاءة قوم أن يعاجلني * ولم أرد بطوال العمر تنقيصا فأسأل (1) الله بيع النفس محتسبا * حتى أرافق (2) في الفردوس حرقوصا والزبرقان (3) ومرداسا وإخوته * إذا فارقوا زهرة (4) الدنيا مخاميصا قال: ثم حمل على علي، وحمل علي فضربه ضربة ألحقه بأصحابه. # وتقدم عبد الله بن وهب الراسبي حتى وقف بين الجمعين ثم نادى بأعلى صوته: يا بن أبي طالب! حتى متى يكون هذه المطاولة بيننا وبينك! والله لا نبرح هذه العرصة أبدا أو تأبى على نفسك، فابرز إلي حتى أبرز إليك وذر الناس جانبا. # قال: فتبسم علي رضي الله عنه ثم قال: قاتله الله من رجل ما أقل حياءه! أما إنه ليعلم أني حليف السيف وجديل الرمي، ولكنه أيس من الحياة أو لعله يطمع طمعا كاذبا. # قال: وجعل عبد الله يجول بين الصفين وهو يرتجز ويقول: # أنا ابن وهب الراسبي الثاري (5) * أضرب في القوم لأخذ الثار حتى تزول دولة الأشرار * ويرجع الحق إلى الأخيار ثم حمل فضربه علي ضربة ألحقه بأصحابه. # قال: واختلط القوم فلم تكن إلا ساعة حتى قتلوا بأجمعهم (6)، وقد كانوا أربعة آلاف، فما فلت منهم إلا تسعة نفر، فهرب منهم رجلان إلا خراسان إلى أرض سجستان وفيها نسلهما إلى الساعة، وصار رجلان إلا بلاد اليمن فيها نسلهما إلى الساعة، ورجلان صارا إلا بلاد ms0701 الجزيرة إلى موضع يقال له سوق التوريخ (7) # PageV04P274 # وإلى شاطىء الفرات فهناك نسلهما إلى الساعة، وصار رجل إلى تل يسمى تل موزن (1). # قال: وغنم أصحاب علي في ذلك اليوم غنائم كثيرة. وأقبل علي نحو الكوفة، وسبقه عبد الرحمن بن ملجم - لعنه الله - حتى دخل الكوفة (2)، فجعل يبشر أهلها بهلاك الشراة. قال: ومر بدار من دور الكوفة فسمع فيها صوت زمر وصوت طبل يضرب، فأنكر ذلك، فقيل له: هذه دار فيها وليمة، قال: فنهى عن صوت الزمر والطبل، قال: وخرجت (3) النساء من تلك الدار، وفيهن امرأة يقال لها قطام بنت الأضبع التميمي (4) وكان بها مسحة من جمال، قال: ونظر إليها عبد الرحمن بن ملجم فأعجبه ما رأى من قدها وحسن مشيتها، فتبعها وقال: يا جارية! أيم أنت أم ذات بعل؟ فقالت: بل أيم، قال: فهل لك في زوج لا تذم خلائقه ولا تخشى بوائقه؟ فقالت: إني لمحتاجة إلى ذلك، ولكن لي أولياء أشاورهم في ذلك فاتبعني. # قال: فتبعها المرادي حتى دخل دارها، ثم إنها لبست من الثياب ما يحسن عليها، ثم قالت لمن عندها من خدمها: قولوا لهذا الرجل فليدخل! فإذا دخل # PageV04P275 # وأروني فأرخوا الحجاب بيني وبينه. ثم أذنت لعبد الرحمن بن ملجم بالدخول عليها، فلما دخل ونظر إليها أرخوا الستر بينها وبينه، فقال لها: التأم أمرنا أم لا؟ # فقالت: أوليائي أبوا أن ينكحوني إياك إلا على ثلاثة ألف درهم وعبد وقينة، قال: # لك ذلك. قالت: وشرط آخر، فقال: وما هذا الشرط؟ قالت: قتل علي بن أبي طالب، قال: فاسترجع المرادي ثم قال: ويحك! من يقدر على قتل علي وهو فارس الفرسان، ومغالب الأقران، والسباق إلى الطعان فقالت: لا تكثر علينا، أما المال فلا حاجة لنا فيه، ولكن قتل علي بن أبي طالب هو الذي قتل أبي يوم كذا وكذا (1). فقال ابن ملجم: أما قتل علي إن رضيت مني بضربة أضرب عليا بسيفي فعلت. قالت: قد رضيت على أن يكون سيفك عندي رهينة. قال: فدفع إليها سيفه وانصرف إلى منزلة. # وقدم علي ms0702 كرم الله وجهة من سفره، واستقبله الناس يهنئونه بظفره بالخوارج، ودخل إلى المسجد الأعظم، فصلى فيه ركعتين ثم صعد المنبر فخطب خطبة حسنا ثم التفت إلى ابنه الحسين فقال: يا أبا عبد الله! كم بقي من شهرنا هذا - يعني شهر رمضان الذي هم فيه؟ فقال الحسين: سبع عشرة يا أمير المؤمنين. قال: فضرب بيده إلى لحيته وهي يومئذ بيضاء (وقال): والله ليخضبنها بالدم إذ انبعث أشقاها. # قال ثم جعل يقول: # أريد حياته ويريد قتلي * خليلي من عذيري من مراد (2) قال: فسمع ذلك عبد الرحمن بن ملجم لعنة الله فكأنه وقع بقلبه شيء من ذلك، فجاء حتى وقف بين يدي علي رضي الله عنه فقال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، فهذه يميني وشمالي بين يديك فاقطعهما أو اقتلني! فقال علي كرم الله # PageV04P276 # وجهه: وكيف أقتلك ولا ذنب لك عندي، إني لم أردك بذلك المثل، ولكن خبرني النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن قاتلي رجل من مراد، ولو أعلم أنك قاتلي لقتلتك (1)، ولكن هل كان لك لقب في صغرك؟ فقال: لا أعرف ذلك يا أمير المؤمنين! قال علي: فهل لك حاضنة يهودية فقالت لك يوما من الأيام: يا شقيق عاقر ناقة صالح! قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين! قال: فسكت علي وركب وصار إلى منزله. # فلما كان يوم ثالث وعشرين (2) من شهر رمضان خرج علي من منزله، فلما صار في صحن الدار كان في داره شيء من الوز، فتصايح الوز في وجهه، فقال علي رضي الله عنه: صوائح تتبعها نوائح. فقال له ابنه الحسين: يا أبة! ما هذه الطيرة؟ # فقال: يا بني! لم أتطير، ولكن قلبي يشهد أني مقتول في هذا الشهر. قال: وجاء علي رحمه الله إلى باب دار مفتحة ليخرج، فتعلق الباب بمئزره فحل مئزره وهو يقول: # اشدد حيازيمك للموت (3) * فإن الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت * فقد (4) حل بواديكا فقد أعرف أقواما * وإن كانوا صعاليكا مصاريع إلى النجدة * وللغي متاريكا قال: ثم مضى يريد المسجد وهو يقول: ms0703 # خلوا سبيل المؤمن المجاهد * في الله لا يعبد غير الواحد ويوقظ الناس إلى المساجد # PageV04P277 # قال: ثم جاء حتى وقف في موضع الأذان، فأذن ودخل المسجد. وقد كان عبد الرحمن بن ملجم تلك الليلة في منزل قطام بنت الأضبع، فلما سمعت أذان علي رضي الله عنه قامت إليه وهو نائم وكان تناول نبيذا، فأيقظته وقالت: يا أخا مراد! هذا أذان علي، قم فاقض حاجتنا وارجع قرير العين مسرورا، ثم ناولته سيفه، فقال ابن ملجم: بل أرجع والله سخين العين مثبورا، وقد سمعت عليا يقول: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إن أشقى الأولين قذاز (1) بن سالف عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين قاتل علي بن أبي طالب "، فما أخوفني أن أكون ذلك الرجل. # قال: ثم تناول سيفه وجاء حتى دخل المسجد ورمى بنفسه بين النيام، وأذن علي رضي الله عنه ودخل المسجد، فجعل ينبه من في المسجد من النيام، ثم صار إلى حرابه فوقف فيه، فافتتح الصلاة (2) وقرأ، فلما ركع وسجد سجدة واستوى قاعدا، وأراد أن يسجد الثانية ضربه ابن ملجم ضربه على رأسه. فوقعت الضربة على الضربة التي كان ضربها عمرو بن عبد ود يوم الخندق بين يدي‌ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم بادر فخرج من المسجد هاربا، وسقط علي رحمة الله عليه لما به، وتسامع الناس بذلك وقالوا: قتل أمير المؤمنين ودنت الصلاة، فقام الحسن بن علي (3) فتقدم فصلى بالناس ركعتين خفيفتين. # ثم احتمل علي إلى صحن المسجد وأحدق الناس به، فقالوا: من فعل هذا بك يا أمير المؤمنين! فقال: لا تعجلوا، فإن الذي فعل بي هذا سيدخل عليكم الساعة من هذا الباب - وأومأ بيده إلى بعض الأبواب، قال: فخرج رجل من عبد القيس في ذلك الباب فإذا هو بابن ملجم، وقد سدت عليه المذاهب فليس يدري إلى أين يهرب، فضرب العبدي بيده إليه ثم قال: ويحك لعلك ضارب أمير # PageV04P278 # المؤمنين، فأراد أن يقول لا، فقال: نعم، فكببه وأدخله المسجد (1)، فجعل الناس يلطمونه من كل ناحية حتى ms0704 أقعدوه بين يدي علي، فقال له: أخا مراد! بئس الأمير كنت لك؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين، قال: ويحك! ما حملك على أن فعلت ما فعلت وأيتمت أولادي من بعدي؟ قال: فسكت المرادي ولم يقل شيئا (2)، فقال علي رضي الله عنه: (وكان أمر الله قدرا مقدورا) (3). # قال: ثم أمر به علي رضي الله عنه إلى السجن وقال: احبسوه فنعم العون كان لنا على عدونا! فإذا أنامت فاقتلوه كما قتلني (4). قال: فكان علي رضي الله عنه يفتقده ويقول لمن في منزله: أرستم إلى أسيركم طعاما؟ # قال: وجعل الطبيب يختلف إلى علي واشتدت العلة به جدا، فأحس من نفسه بالموت وعلم أنه لا ينتعش من مصرعه، فدعا بابنيه الحسن والحسين وأقعدهما بين يديه، ودعا أيضا بمن حضر من ولده وأهل بيته وأقبل عليهم بوجهه. # PageV04P279 ### | ذكر وصية علي رضي الله عنه عند مصرعه (1) # فقال: يا بني (2)؟ إني موصيكم بتقوى الله وطاعته، وأن لا تبغوا هذه الدنيا وإن بغتكم على شيء زوى عنكم، وقولوا الحق ولو على أنفسكم، وارحموا اليتيم وأطعموا المسكين، وأشبعوا الجائع، واكنفوا الضائع، وكونوا للظالم خصما وللمظلوم أعوانا، ولا تأخذكم في الله لومة لائم. # ثم التفت إلى ابنه محمد ابن الحنفية فقال: يا بني! أفهمت ما أوصيت به (3) إخوتك وغيرهما؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين! فقال علي رضي الله عنه: فإني موصيك بمثل ذلك وأوصيك أيضا بتوقير إخوتك (4) الحسن والحسين وأن لا تقطع أمرا دونهما. ثم أقبل عليهما فقال: يا حسن ويا حسين! إني قد أوصيت أخاكما بكما وأوصيكما به، وقد علمتما بأن أباكما كان يحبه، فأحباه بحب أبيكما له، وعليكم بتقوى الله عز وجل! (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (5)، فإني سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إن صلاح ذات البين أفضل من الصلاة والصيام "، ألا! وانظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهون عليكم الحساب، واتقوا الله في الأيتام والأرامل وأحسنوا إليهم بما استطعتم فإنها وصية # PageV04P280 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1)، والله ms0705 الله في القرآن! لا يسبقنكم بالعمل به أحد غيركم (2)، والله الله في الصلاة! فإنها عمود دينكم، ثم الزكاة! فإنها تطفئ غضب ربكم، وصيام رمضان! فإن صيامه جنة لكم، ثم الحج إلى بيت الله الحرام! فهو الشريعة التي بها أمرتم، (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) (3)، ثم قال: حفظكم الله يا أهل بيتي وحفظ فيكم سنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم! وأستغفر الله العظيم لي ولكم. # فلما كان يوم السابع والعشرين من شهر رمضان خرجت أم كلثوم إلى عند أبيها، فقال لها علي: أي بنية! أخفي عليك الباب، ففعلت ذلك. قال الحسن: # وكنت جالسا على باب البيت فسمعت هاتفا آخر وهو يقول: (أفمن يلقى في النار خير امن يأتي آمنا يوم القيامة) (4). قال: وسمعت هاتفا آخر وهو يقول: توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتوفي أبو بكر، وعمر فقد قتل، وعثمان قتل، والآن قد قتل علي بن أبي طالب إذا تضعضع ركن الإسلام. # قال الحسن: فلم أصبر أن فتحت الباب ودخلت، فإذا أبي فارق الدنيا (5)، فأحضرنا أكفانه وقد كان عنده حنوط له من بقية حنوط النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فغسله الحسن والحسين، ومحمد ابن الحنفية يصب على أيديهما الماء، ثم كفن (6) وحمل على # PageV04P281 # أعواد المنايا وحمل، ودفن في جوف الليل الغابر بموضع يقال له الغري (1)، وقال قوم بأنه دفن ما بين منزله إلى المسجد - والله أعلم. # فلما كان الغد أذن الحسن وأقام، وتقدم فصلى بالناس صلاة الفجر، ثم وثب فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس! من عرفني فقد عرفني، ومن جهلني أنبأته باسمي على أن الناس بي عارفون. أيها الناس! (2) قد دفن في هذه الليلة رجل لم يدركه الأولون بعلم ولا الآخرون بحلم، ولقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قدمه للحرب فجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فما يلبث أن يفتح الله على يديه. أيها الناس! إنه ما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم (3) قد كان ms0706 أراد أن يبتاع بها لأختي أم كلثوم خادما، وقد أمرني أن أردها إلى بيت المال. # قال: ثم نزل عن المنبر، وأمر الحسن فأتي بابن ملجم من السجن، وضربه الحسن على رأسه ضربة (4)، وبادرت إليه الشيعة من كل ناحية فقطعوه بسيوفهم إربا إربا، وفي ذلك يقول العبدي (5): # فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة * كمهر قطام بينا غير مبهم (6) ثلاثة آلاف وعبدا (7) وقينة (8) * وضرب علي بالحسام المسمم (9) فلا مهر أغلى من علي وإن غلا * ولا فتك إلا دون فتك (10) ابن ملجم # PageV04P282 # ليبشر بخزي في الحياة معجل * وطول خلود ثاويا في جهنم فيأكل من الزقوم تعسا بجده * ويخلد في قعر من النار مظلم ويشرب من الغساق والمهل ويله * وسربال قطران لقلب متيم ### | ذكر كتاب عبد الله بن عباس من البصرة إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما # قال: فلما مضى علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى سبيل الله اجتمع الناس إلى ابنه الحسن، فبايعوه ورضوا به وبأخيه الحسين من بعده. # قال: فنادى الحسن في الناس فجمعهم في مسجد الكوفة، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! إن الدنيا دار بلاء وفتنة، وكل ما فيها فآئل إلى زوال واضمحلال، وقد نبأنا الله عنها لكي نعتبه، وتقدم إلينا فيها بالوعد لكي نزدجر، فلا يكون له علينا حجة بعد الإعذار والإنذار، فازهدوا فيما يفنى، وارغبوا فيما يبقى، وخافوا الله في السر والعلانية، ألا! وقد علمتم أن أمير المؤمنين عليا رحمه الله حيا وميتا، عاش بقدر ومات بأجل، وإني أبايعكم على أن تحاربوا من حاربت وتسالموا من سالمت. فقال الناس: سمعنا وأطعنا، فمرنا بأمرك يا أمير المؤمنين. # قال: فأقام الحسن بالكوفة بعد وفاة أبيه شهرين كاملين لا ينفذ إلى معاوية أحدا ولا ذكر المسير إلى الشام. # قال: وإذا بكتاب عبد الله بن عباس قد ورد عليه من البصرة وإذا فيه (1): # لعبد الله الحسن أمير المؤمنين من عبد الله بن عباس، أما بعد يا بن رسول الله! فإن المسلمين ولوك أمرهم بعد ms0707 أبيك رضي الله عنه، وقد أنكروا أمر قعودك عن معاوية وطلبك لحقك، فشمر للحرب وجاهد عدوك، ودار (2) أصحابك وول أهل البيوتات والشرف ما تريد من الأعمال، فإنك تشتري بذلك قلوبهم، واقتد بما جاء عن أئمة العدل (3) من تأليف القلوب والإصلاح بين الناس، واعلم بأن الحرب خدعة، ولك # PageV04P283 # في ذلك سعة ما كنت محاربا ما لم ينتقص مسلما حقا هو له، وقد علمت أن أباك عليا إنما رغب الناس (عنه) وصاروا إلى معاوية لأنه واسى بينهم في الفيء وسوى بينهم في العطاء، فثقل ذلك عليهم، واعلم بأنك إنما تحارب من قد حارب الله ورسوله حتى أظهره الله أمره، فلما أسلموا ووحدوا الرب، ومحق الله الشرك وأعز الدين، وأظهروا الإيمان وقرأوا القرآن وهم بآياته مستهزئون، وقاموا إلى الصلاة وهم كسالى، وأدوا الفرائض وهم لها كارهون، فلما رأوا أنه لا يغزو (1) في هذا الدين إلا الأنبياء الأبرار والعلماء الأخيار وسموا (2) أنفسهم لسيما الصالحين، ليظن بهم المسلمون خيرا (3) وهم عن آيات الله معرضون، وقد منيت أبا محمد بأولئك القوم وأبنائهم وأشباههم، والله ما زادهم طول العمر إلا غيا، ولا زادهم في ذلك لأهل الدين إلا غشا (4)، فجاهدهم رحمك الله، ولا ترض منهم بالدنية، فإن أباك عليا رضي الله عنه لم يجب إلى الحكومة في حقه حتى غلب على أمره فأجاب وهو يعلم أنه أولى بالأمر إن حكم القوم بالعدل، فلما حكم بالهوى رجع إلى ما كان عليه، وعزم على حرب القوم حتى وافاه أجله، فمضى إلى ربه رحمه الله، فانظر رحمك الله أبا محمد! ولا تخرجن من حق أنت أولى به من غيرك وإن أتاك دون ذلك - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # قال: فلما ورد كتاب عبد الله بن عباس وقرأه سره ذلك، وعلم أنه قد بايعه وأنه قد أمره بما يجب عليه في حق الله، دعا بكتابه وأمره أن يكتب إلى معاوية. ### | ذكر كتاب الحسن بن علي إلى معاوية (1) # من عبد الله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد، فإن الله ms0708 تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين، فأظهر به الحق وقمع به أهل الشرك، وأعز به العرب عامة، وشرف من شاء منهم خاصة (6)، فقال تبارك وتعالى (وإنه # PageV04P284 # لذكر لك ولقومك) (1)، فلما قبضه الله عزو جل تنازعت العرب من بعده، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فقالت قريش: نحن أولياؤه وعشيرته فلا تنازعونا سلطانه، فعرفت العرب ذلك لقريش، ثم جاحدتنا قريش ما عرفه العرب لهم، وهيهات ما أنصفتنا قريش وقد كانوا ذوي فضيلة في الدين وسابقة في الإسلام، فرحمة الله عليهم، والآن فلا غرو إلا منازعتك إيانا بغير حق في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، والموعد لله بيننا وبينك، ونحن نسأله أن لا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ينقصنا به في الآخرة، وبعد فإن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لما نزل به الموت ولاني هذا الأمر من بعده، فاتق الله يا معاوية! وانظر لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما تحقن به دماءكم وتصلح به أمورهم - والسلام -. # ثم دفع الحسن كتابه هذا إلى رجلين من أصحابه يقال لأحدهما جندب بن عبد الله الأزدي والآخر الحارث بن سويد التميمي، ووجههما إلى معاوية ليدعواه إلى البيعة والسمع والطاعة. قال: فلما قرأه كتب إليه في جوابه. ### | جواب كتاب الحسن بن علي من معاوية بن أبي سفيان (1) # أما بعد، فقد فهمت كتابك وما ذكرت به محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وهو خير الأولين والآخرين، فالفضل كله فيه صلى الله عليه وآله وسلم، وذكرت تنازع المسلمين الأمر من بعده، فصرحت منهم بأبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وطلحة، والزبير، منهم بأبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وطلحة، والزبير، وصلحاء المهاجرين، وكرهت ذلك لك أبا محمد، وذلك أن الأمة لما تنازعت الأمر من بعد نبيها محمد صلى الله عليه وآله وسلم علمت أن قريشا أحقها بهذا الشأن لمكان نبيها منها، ثم رأت قريش والأنصار وذوو الفضل والدين من المسلمين أن يولوا هذا الأمر أعلمها ms0709 بالله، وأخشاها له، وأقدمها إسلاما، فاختاروا أبا بكر الصديق، ولو علموا مكان رجل هو أفضل من أبي بكر يقوم مقامه ويذب عن حوزة (3) الإسلام كذبه لما عدلوا ذلك عنه، فالحال بيني وبينك على ما كانوا عليه، ولو علمت أنك أضبط لأمر الرعية، وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأكيد للعدو، وأقوى على جميع الأمور (4)، # PageV04P285 # لسلمت لك هذا الأمر بعد أبيك، لأني قد علمت بأنك إنما تدعي ما تدعيه نحو أبيك، وقد علمت أن أباك سار إلينا فحاربنا، ثم صار من أمره إلى أن اختار رجلا واخترنا رجلا، ليحكما بما يصلح عليه أمر الأمة وتعود به الألفة والجماعة، وأخذنا على الحكمين بذلك عهد الله وميثاقه، وأخذا منا مثل ذلك على الرضا بما حكما، ثم أنهما اتفقا على خلع أبيك فخلعاه، فكيف تدعوني إلى أمر إنما تطلبه بحق أبيك وقد خرج أبوك منه؟ فانظر لنفسك أبا محمد ولدينك - والسلام (1) -. # ثم وجه الكتاب إلى الحسن، ودعا معاوية بالضحاك بن قيس واستخلفه على الشام. ### | ذكر خروج معاوية من الشام يريد العراق وخروج الحسن بن علي من الكوفة يريد الشام # قال: ثم جمع معاوية الناس وخرج في ستين ألفا يريد العراق، وكتب الحسن بن علي إلى عماله يأمرهم بالاحتراس، ثم ندب الناس إلى حرب معاوية، ودعا بالمغيرة بن نوفل بن الحارث فاستخلفه على الكوفة وخرج في نيف عن أربعين ألفا حتى نزل بدير عبد الرحمن (2)، ثم دعا قيس بن سعد بن عبادة وضم إليه ألف رجل (3) وجعله على مقدمته. # قال: فمضى قيس وأخذ على الفرات يريد الشام (4)، وخرج الحسن بن علي حتى أتى ساباط المدائن (5)، فأقام بها أياما. # PageV04P286 # فلما أراد الرحيل (1) قام في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: # أيها الناس! إنكم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، والله لقد أصبحت وما أنا محتمل على أحد من هذه الأمة ضغنة في شرق ولا غرب ولما تكرهون في الجاهلية، والألفة والأمن وصلاح ذات البين خير مما تحبون من الفرقة والخوف والتباغض ms0710 والعداوة - والسلام -. # قال: فلما سمع الناس هذا الكلام من الحسن كأنه وقع بقلوبهم أنه خالع نفسه من الخلافة ومسلم الأمر لمعاوية، فغضبوا لذلك، ثم بادروا إليه من كل ناحية، فقطعوا عليه الكلام، ونهبوا عامة أثقاله، وخرقوا ثيابه، وأخذوا مطرفا كان عليه، وأخذوا أيضا جارية كانت معه، وتفرقت عنه عامة أصحابه، فقال الحسن: لا حول ولا قوة إلا بالله. # قال: فدعا بفرسه فركب، وسار وهو مغموم لما قد نزل به من كلامه. وأقبل # PageV04P287 # رجل من بني أسد يقال له سنان بن الجراح (1) حتى وقف في مظلم ساباط المدائن، فلما مر به الحسن بادر إليه فجرحه بمعول (2) كان معه جراحة كادت تأتي عليه، قال: فصاح الحسن صيحة وخر عن فرسه مغشيا عليه، وابتدر الناس إلى ذلك الأسدي فقتلوه (3). # قال: وأفاق الحسن من غشائه وقد ضعف، فعصبوا جراحه وأقبلوا به إلى المدائن (4)، قال: وعامل المدائن يومئذ سعد (5) بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد، قال: فأنزل الله في القصر الأبيض، وأرسل إلى الأطباء فنظروا إلى جراحته وقالوا: ليس عليك بأس يا أمير المؤمنين. قال: فأقام الحسن بالمدائن يداوى. # وأقبل معاوية من الشام حتى صار إلى موضع يقال له جسر منبج ثم عبر الفرات، حتى نزل بإزاء قيس بن سعد بن عبادة، فأمر أصحابه بمحاربته. قال: # فتناوش القوم يومهم ذلك، وكانت بينهم مساولة، ثم أنهم تحاجزوا عن غير قتل إلا جراحات يسيرة. # قال: وجعل قيس بن سعد ينتظر الحسن بن علي أن يقدم عليه، وهو لا يعلم ما الذي نزل به. قال: فبينا هو كذلك إذ وقع الخبر في العسكرين أن الحسن بن علي قد طعن في فخذه وأنه قد تفرق عنه أصحابه، فاغتم قيس بن سعد [وأراد] أن يشغل الناس بالحرب لكي لا يذكروا هذا الخبر، فزحف القوم بعضهم إلى بعض فاختلطوا للقتال، فقتل من أصحاب معاوية جماعة وجرح منهم بشر كثير، وكذلك من أصحاب قيس بن سعد، ثم تحاجزوا. # وأرسل معاوية إلى قيس فقال: يا هذا! على ماذا تقاتلنا وتقتل نفسك؟ ms0711 وقد أتانا الخبر اليقين بأن صاحبك قد خلعه أصحابه. وقد طعن في فخذه طعنة أسفى # PageV04P288 # منها على الهلاك، فيجب أن تكف عنا ونكف عنك إلى أن يأتيك علم ذلك. # قال: فأمسك قيس بن سعد عن القتال ينتظر الخبر، قال: وجعل أهل العراق يتوجهون إلى معاوية قبيلة بعد قبيلة، حتى خف عسكره. # فلما رأى ذلك كتب إلى الحسن بن علي يخبره بما هو فيه. فلما قرأ الحسن الكتاب أرسل إلى وجوه أصحابه فدعاهم، ثم قال: يا أهل العراق! ما أصنع بجماعتكم معي وهذا كتاب قيس بن سعد يخبرني بأن أهل الشرف منكم قد صاروا إلى معاوية، أما والله ما هذا بمنكر منكم لأنكم أنتم الذين أكرهتم أبي يوم صفين على الحكمين، فلما أمضى الحكومة وقبل منكم اختلفتم، ثم دعاكم إلى قتال معاوية ثانية فتوانيتم، ثم صار إلى ما صار إليه من كرامة الله إياه. ثم دعاكم إلى قتال معاوية ثانية فتوانيتم، ثم صار إلى ما صار إليه من كرامة الله إياه. ثم إنكم بايعتموني طائعين غير مكرهين، فأخذت بيعتكم وخرجت في وجهي هذا، والله يعلم ما نويت فيه، فكان منكم إلي ما كان، يا أهل العراق! فحسبي منكم لا تعزوني في ديني فإني مسلم هذا الأمر إلى معاوية (1). # قال: فقال له أخوه الحسين: يا أخي! أعيذك بالله من هذا! فقال الحسن: # PageV04P289 # والله لأفعلن ولأسلمن هذا الأمر إلى معاوية. ### | ذكر بيعة الحسن بن علي لمعاوية كيف كانت # قال: ثم دعا الحسن بن علي بعبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم (1) وهو ابن أخت معاوية، فقال له: صر إلى معاوية فقل له عني: إنك إن أمنت الناس على أنفسهم وأموالهم وأولادهم ونسائهم بايعتك، وإن لم تؤمنهم لم أبايعك. # قال: فقدم عبد الله بن [نوفل بن] الحارث على معاوية، فخبره بمقالة الحسن. فقال له معاوية: سل ما أحببت! فقال له: أمرني أن أشرط عليك شروطا، فقال معاوية: وما هذه الشروط؟ فقال: إنه مسلم إليك هذا الأمر على أن له ولاية ms0712 الأمر من بعدك، وله في كل سنة خمسة آلاف ألف درهم من بيت المال، وله خراج دارا بجرد من أرض فارس، والناس كلهم آمنون بعضهم من بعض. فقال معاوية: قد فعلت ذلك. # قال: فدعا معاوية بصحيفة بيضاء، فوضع عليها طينة وختمها بخاتمه، ثم قال: خذ هذه الصحيفة فانطلق بها إلى الحسن، وقل له فليكتب فيها ما شاء وأحب ويشهد أصحابه على ذلك، وهذا خاتمي بإقراري. # قال: فأخذ عبد الله بن نوفل الصحيفة وأقبل إلى الحسن ومعه نفر من أصحابه من أشراف قريش، منهم عبد الله بن عامر بن كريز وعبد الرحمن بن سمرة ومن أشبههما من أهل الشام. قال: فدخلوا فسلموا على الحسن، ثم قالوا: أبا محمد! # إن معاوية قد أجابك إلى جميع ما أحببت، فاكتب الذي تحب. فقال الحسن: أما ولاية الأمر من بعده، فما أنا بالراغب في ذلك، ولو أردت هذا الأمر لم أسلمه إليه، وأما المال، فليس لمعاوية أن يشرط لي في المسلمين، ولكن أكتب غير هذا وهذا كتاب الصلح. # قال: ثم دعا الحسن بن علي بكاتبه فكتب: " هذا ما اصطلح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان، صالحه على: # PageV04P290 # [أولا] أن يسلم إليه ولاية أمير المؤمنين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الخلفاء الصالحين. # [ثانيا] وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد لأحد من بعده عهدا، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين. # [ثالثا] وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله [في] شامهم وعراقهم و تهامهم وحجازهم. # [رابعا] وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم. # وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء بما أعطى الله من نفسه. # [خامسا] وعلى أنه لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم غائلة سرا وعلانية، ولا يخيف أحدا منهم ms0713 في أفق من الآفاق. # شهد على ذلك عبد الله بن نوفل بن الحارث وعمر بن أبي سلمة وفلان وفلان (1). # PageV04P291 # ثم رد الحسن بن علي هذا الكتاب إلى معاوية مع رسل من قبله ليشهدوا عليه بما في هذا الكتاب. # قال: وبلغ ذلك قيس بن سعد، فقال لأصحابه: اختاروا الآن واحدة من ثنتين: قتالا مع غير إمام أو بيعة لضلال (1)! قالوا: بل البيعة أيسر علينا من سفك الدماء. قال: فعندها نادى قيس بن سعد فيمن بقي من أصحابه، فانصرف بهم نحو العراق وهو يقول: # أتاني بأرض العال (2) من أرض مسكن * بأن إمام الحق أضحى مسلما فما زلت مذ نبئته متلددا * أراعي نجوما خاشع القلب ناجما قال: ثم أقبل قيس بن سعد حتى دخل الكوفة والحسن بن علي رضي الله عنه بها. ### | ذكر مسير معاوية إلى العراق لأخذ البيعة لنفسه من الحسن بن علي رحمة الله عليه # قال: وسار معاوية في جيشه حتى وافى الكوفة، فنزل بها في قصر الإمارة، ثم أرسل إلى الحسن بن علي فدعاه، وقال: هلم أبا محمد إلى البيعة. فأرسل إليه الحسن أبايعك على أن الناس كلهم آمنون. فقال معاوية: الناس كلهم آمنون إلا قيس بن سعد، فإنه لا أمان له عندي. فأرسل الحسن إليه إني لست مبايعا أو تؤمن الناس جميعا، وإلا لم أبايعك. قال: فأجابه معاوية إلى ذلك. # قال: فأقبل إليه الحسن فبايعه، فأرسل معاوية إلى الحسين بن علي فدعاه إلى البيعة، فأبى الحسين أن يبايع، فقال الحسن: يا معاوية! لا تكرهه فإنه لن يبايع أبدا أو يقتل، ولن يقتل حتى يقتل أهل بيته، ولن يقتل أهل بيته حتى تقتل شيعته، ولن تقتل شيعته حتى يبيد أهل الشام. قال: فسكت معاوية عن الحسين ولم يكرهه. # PageV04P292 # ثم أرسل إلى قيس بن سعد فدعاه إلى البيعة، فأبى أن يبايع، فدعاه الحسن وأمره أن يبايع معاوية، فقال له قيس: يا بن رسول الله! إن لك في عنقي بيعة، وإني والله لا أخلعها أبدا حتى تكون أنت الذي تخلعها! فقال له ms0714 الحسن: فأنت في حل وسعة من بيعتي، فبايع! فإني قد بايعت، فعندها بايع قيس لمعاوية. فقال له معاوية: يا قيس! إني قد كنت أكره أن تجتمع الناس إلي وأنت حي. فقال قيس: # وأنا والله يا معاوية قد كنت أكره أن يصير هذا الأمر إليك وأنا حي (1). # قال: ثم انصرف الناس يومهم ذلك، فلما كان من الغد أقبل الحسن إلى معاوية حتى دخل عليه، فلما اطمأن بن المجلس قال له معاوية: أبا محمد! إنك قد جدت بشيء لا تجود به أنفس الرجال، ولا عليك أن تتكلم (2) وتعلم الناس بأنك قد بايعت حتى يعلموا ذلك! قال الحسن: فإني أفعل. # ثم تكلم الحسن وقال (3): أيها الناس! إن أكيس الكيس التقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وإنكم لو طلبتم ما بين جابلق وجابرص (4) رجلا جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين، وقد علمتم أن الله تعالى هداكم بجدي محمد، وأنقذكم به من الضلالة، ورفعكم به من الجهالة، وأعزكم به بعد الذلة، وكثركم به بعد القلة، وإن معاوية نازعني على حق هو لي دونه، فنظرت صلاح الأمة، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، وإن معاوية واضع الحرب بيني وبينه، وقد بايعته ورأيت أن ما حقن الدماء خير مما سفكها، ولم أرد بذلك إلا صلاحكم وبقاءكم، (وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) (5). # PageV04P293 # قال: ثم سكت، وقام عمرو بن العاص، فقال: يا أهل العراق! إنا كنا نحن وأنتم جميعا على كلمة هي السوى ففرق بيننا وبينكم الأهواء، ثم تحاكمنا إلى الله فحكم أنكم أنتم الظالمون لنا، فتداركوا ما سلف منكم بالسمع والطاعة، يصلح لكم دينكم ودنياكم - والسلام -. # قال: ثم تكلم معاوية فقال: أيها الناس! إنه لم تتنازع أمة كانت قط من قبلنا في شيء من أمرها بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها إلا هذه الأمة، فإن الله تعالى أظهر خيارها على أشرارها، وأظهر أهل الحق على أهل الباطل ليتم لها بذلك ms0715 ما أسداها من نعمة عليها، فقد استقر الحق قراره، وقد كنت شرطت لكم شروطا أردت بذلك الألفة واجتماع الكلمة وصلاح الأمة وإطفاء النائرة، والآن فقد جمع الله لنا كلمتنا وأعز دعوتنا، فكل شرط شرطته لكم فهو مردود، وكل وعد وعدته أحدا منكم فهو تحت قدمي (1). # قال: فغضب الناس من كلام معاوية وضجوا وتكلموا، ثم شتموا معاوية وهموا به في وقتهم ذلك، وكادت الفتنة تقع، وخشي معاوية على نفسه فندم على ما تكلم به أشد الندم. # وقام المسيب بن نجبة الفزاري إلى الحسن بن علي فقال: لا والله جعلني الله # PageV04P294 # فداك، ما ينقضي تعجبي منك، كيف بايعت معاوية ومعك أربعون ألف سيف، ثم لم تأخذ لنفسك ولا لأهل بيتك ولا لشيعتك منه عهدا وميثاقا في عقد طاهر، لكنه أعطاك أمرا بينك وبينه ثم إنه تكلم بما قد سمعت، والله ما أراد بهذا الكلام أحدا سواك. فقال له الحسن: صدقت يا مسيب! قد كان ذلك فما ترى الآن؟ فقال: # أرى والله أن ترجع إلى ما كنت عليه وتنقض هذه البيعة، فقد نقض ما كان بينك وبينه! قال: ونظر الحسن بن علي إلى معاوية وإلى ما قد نزل به من الخوف والجزع، فجعل يسكن الناس حتى سكنوا، ثم قال للمسيب: يا مسيب! إن الغدر لا يليق بنا ولا خير فيه، ولو أني أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر مني على اللقاء. ولا أثبت عند الوغاء، ولا أقوى على المحاربة إذا استقرت الهيجاء، ولكني أردت بذلك صلاحكم وكف بعضكم عن بعض، فارضوا بقضاء الله وسلموا الأمر لله حتى يستريح بر ويستراح من فاجر. # قال: فبينما الحسن بن علي يكلم المسيب بهذا الكلام إذا برجل من أهل الكوفة يقال له عبيدة بن عمرو الكندي قد دخل، وفي وجهه ضربة منكرة، قال: # وعرفه الحسن فقال: ما هذا الذي بوجهك يا أخا كندة؟ قال: هذه ضربة أصابتني مع قيس بن سعد. فقال حجر بن عدي الكندي (1): أما والله لقد وددت أنك مت في ذلك ومتنا ms0716 معك ثم لم نر هذا اليوم، فإنا رجعنا راغمين بما كرهنا، ورجعوا مسرورين بما أحبوا. # قال: فتغير وجه الحسن ثم قام عن مجلس معاوية وصار إلى منزله، ثم أرسل إلى حجر بن عدي فدعاه، ثم قال له: يا حجر! إني قد سمعت كلامك في مجلس معاوية، وليس كل إنسان يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك، وإني لم أفعل ما فعلت إلا إبقاء عليكم، والله تعالى كل يوم هو في شأن. # قال: فبينا الحسن يكلم حجر بن عدي إذا برجل من أصحابه قد دخل عليه يقال له سفيان بن الليل البهمي (2) فقال له (3): السلام عليك يا مذل المؤمنين، فلقد جئت بأمر عظيم، هلا قاتلت حتى تموت ونموت معك! فقال له الحسن: يا هذا! # PageV04P295 # إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج من الدنيا حتى رفع له ملك بني أمية، فنظر إليهم يصعدون منبره واحدا بعد واحد، فشق ذلك عليه، فأنزل الله تعالى في ذلك قرآنا فقال: (إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر) (1) يقول: إن ليلة القدر خير من ألف شهر من سلطان بني أمية (2). # قال: فالتفت الحسين إلى أخيه الحسن فقال: والله لو اجتمع الخلق طرا على أن لا يكون الذي كان إذا ما استطاعوا، ولقد كنت كارها لهذا الأمر ولكني لم أحب أن أغضبك، إذ كنت أخي وشقيقي. # قال: فقال المسيب: أما والله يا بن رسول الله! ما يعظم علينا هذا الأمر الذي صار إلى معاوية، ولكنا نخاف عليكم أن تضاموا بعد هذا اليوم، وأما نحن فإنهم يحتاجون إلينا وسيطلبون المودة منا كلما قدروا عليه. # قال: فقال له الحسن: لا عليك يا مسيب! فإنه من أحب قوما كان معهم. # قال: ثم رحل معاوية وأصحابه إلى الشام، ورحل الحسن بن علي ومن معه إلى المدينة وهو عليل. ### | ذكر خبر أهل البصرة وما كان من خلافهم على معاوية # قال: وبلغ أهل البصرة ما كان من بيعة الحسن لمعاوية، فشغبوا وقالوا: ms0717 لا نرضى أن يصير الأمر إلى معاوية. ثم وثب رجل منهم يقال له حمران بن أبان فتغلب على البصرة فأخذها، ودعا للحسين بن علي، وبلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن [أبي] أرطاة وهو أخو بسر فضم إليه جيشا ووجه به إلى البصرة (3). فأقبل عمرو في جيشه ذلك يريد البصرة، وتفرق أهل الشغب فلزموا منازلهم. # ودخل عمرو بن [أبي] أرطاة البصرة مغضبا وأقبل حتى نزل دار الإمارة، فلما # PageV04P296 # كان من الغد دخل المسجد الأعظم ثم صعد المنبر، ثم إنه شتم علي بن أبي طالب وولده ثم قال: يا أهل البصرة! نشدت الله رجلا علم أني صادق إلا صدقني أو كاذب إلا كذبني. قال: فوثب إليه رجل يكنى أبا بكرة فقال له (1): كذبت يا عدو الله! قد كان علي بن أبي طالب خير منك ومن صاحبك الذي ولاك علينا، فقال عمرو بن [أبي] أرطاة: خذوه! فبادرت إليه الجلاوزة ووثب رجل من بن ضبة (2) فألقى نفسه عليه، ثم خلصه الناس وغيبوه فلم يقدر عليه (3). # وأقام عمرو بن [أبي] أرطاة بالبصرة ستة أشهر، ثم عزله معاوية وولى مكانه عبد الله بن عامر بن كريز، وهو ابن خال عثمان بن عفان، فأقام بها أشهرا يسيرة، ثم عزله معاوية وولى مكانه زياد بن أبيه. # PageV04P297 ### | ذكر زياد بن أبيه حين كان مع علي ابن أبي طالب وكيف ادعاه معاوية بعد ذلك وزعم أنه أخوه # قال: وقد كان زياد بن أبيه بديا من أصحاب علي بن أبي طالب وقد كان علي ولاه أرض فارس، فأخذ قلاعها وتمكن منها، وبلغ ذلك معاوية فثقل عليه أمر زياد ومكانه من علي فكتب إليه: أما بعد فإنك رجل سفيه غرتك مني قلاع في يدك تأوي إليها، وإنما تأوي الطير إلى أوكارها، وأيم الله لو لا انتظاري فيك أمر لست منه بآئس لكنت أنا وأنت كما قال العبد الصالح سليمان بن داود: (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) (1) ثم أثبت في أسفل كتابه: هذه الأبيات (2). # لله ms0718 در زياد أيما رجل * لو كان يعلم ما يأتي وما يذر أنى يكون له رأي يعاش به * وقد مضى خبر من بعده خبر تنسى أباك عبيدا في سخافته * إذ تخطب الناس والوالي بها عمرو فافخر بوالدك الأدنى ووالده * ان ابن حرب له في قومه خطر وابعد ثقيفا فإن الله أبعدها * وليس يجمعها في أهلها مضر والعقل مستطرف والرأي تجربة * فيه لصاحبه الإيراد والصدر قال: فلما انتهى الكتاب إلى زياد بن أبيه قام في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن من أعجب أن ابن آكلة الأكباد أوعدني، # PageV04P298 # وبيني وبينه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون والأنصار واضعو سيوفهم (1) على عواتقهم لا يريدون إلا الله تبارك وتعالى، أما والله لو كتب إلى أمير المؤمنين يأذن لي فيه لوجدني ابن آكلة الأكباد بحيث يسوؤه. # قال: وبلغ عليا ما كتب به معاوية إلى زياد، فكتب إليه علي رضي الله عنه: # أما بعد فإني وليتك ما أنت فيه، وأنا أراك له أهلا، وإنك لن تضبط ما أنت فيه إلا بالصبر، فاستعن بالله وتوكل عليه وكن من خديعة معاوية على حذر - والسلام -. # قال: وكان هذا في حياة علي، فلما كان بعد ذلك وصار الأمر إلى معاوية وبايعه الحسن واستوى له الأمر كان أحب أن يدعي زيادا لما قد علم بما عنده من الحزم والعزم، وجعل يكاتبه، فلما ادعاه (2) اتصل ذلك بالحارث بن حكم وهو أخو مروان بن الحكم، قال: أما والله ما ادعى معاوية زيادا إلا ليتكثر به على بني العاص بن أمية، لأنه إنما خاف من شغب مروان عليه في الخلافة، وأما أنا فإنه يخاف مني. # قال: وبلغ ذلك معاوية فكتب إلى مروان بن الحكم وهو عامله على المدينة: # أما بعد فقد بلغني قول أخيك الحارث بن الحكم إني خفت من شغبك علي في الخلافة، وأيم الله لقد وددت أنك أحق بهذا الأمر مني فسلمته إليك، وأيم الله # PageV04P299 # ليكفن الحارث بن الحكم عن بعض كلامه أو ms0719 ليأتيه مني شيء لا قبل له به والسلام. # ثم كتب في أسفل كتابه هذه الأبيات: # إن مروان أبت لي رحمة * قطعة الدهر وفي المرء زلل يأكل الخبز وفيه نخوة * واعتراض عن هوى وملل منع المرء أخاه حارثا * بالتي يسحب أذيال الخطل غره حكمي وحلمي شيمة * فارتقى فيما يسوى ونزل أبلغ الحارث عني مالكا * كل شيء ما خلا صخرا جلل فاطلب اليوم جفاي جاهدا * وارحل الناقة فيها والجمل ثم لا تنزع عما سرني * أنني مر وحلو كالعسل إن من سب زيادا مرة * شرب الدهر عليه وأكل عرضه عرضي وشيخي شيخه * ولهذا الدهر في الناس دول قال: فلما نظر مروان إلى كتاب معاوية دعا بأخيه الحارث بن الحكم فقال له: # هلكت وأهلكت: إن معاوية قد ادعى زيادا وهذا كتابه إلي فارحل إليه تائبا ومعتذرا ولا تقم، فو الله ما رجع معاوية حتى كاد أن لا يرجع. # قال: فرحل الحارث بن الحكم من المدينة حتى قدم على معاوية، فلما دخل وسلم رد عليه معاوية السلام ثم أمره بالجلوس، فجلس فقال: يا أمير المؤمنين! إنا لو استقبلتنا من أمر زياد الذي استدبرناه منه لاتبعنا هواك فيه، وزياد أخونا وأخوك - والسلام -. قال: فضحك معاوية ثم قال: أحسنت يا حارث! ثم أمر له معاوية بجائزة سنية، فأنشأ يقول: # إن من يقطع فينا رحمة * فابن هند اليوم فينا قد وصل غفر الذنب وأعطى عتبه * فكأن ما كان منا لم يقل سن في حي قريش سنة * وضع التاج عليها فاعتدل عبشمي (1) أموي ملكه * آفة النحل وتسريب العلل وله كف بها في عدله * آفة المال وتقويم الميل لو إلينا منتهى آجالنا * لفديناه وزدنا في الأجل # PageV04P300 # قد وهبنا لزياد عرضه * وأرحنا عنه ما كان سأل قال: فكانت هذه قصة زياد مع معاوية لما ادعاه أخا، فلما كان من أمر البصرة ما كان، دعاه معاوية فولاه إياها وأمره بالعدل والإنصاف وحذره الشكوى، فقال زياد: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين. # قال: فلما ولى زياد البصرة حذر الناس نفسه، وألزمهم طاعة معاوية، وجرد ms0720 السيف، وأخذ بالظنة وعاقب بالشبهة. # قال: فخاف الناس في إمارة زياد خوفا شديدا حتى أمن بعضهم من بعض، فكان ربما سقط الشيء من الرجل والمرأة فلا يتعرض (1) إليه أحد حتى يأتيه صاحبه فيأخذه. # قال: وكانت المرأة تبيت في منزلها فلا تغلق بابها، ولا تخاف لصا يدخل إليها. # قال: فأقام زياد بالبصرة مدة وساس أهلها سياسة لم يروا مثلها، وهابه الناس هيبة شديدة، فأحبه الأخيار ونفر عنه الأشرار، فأنشأ حارثة بن بدر الغداني (2) في ذلك يقول (3): # ألا من مبلغ عني زيادا * فنعم أخو الخليفة والأمير أخوك خليفة الله ابن صخر (4) * وأنت وزيره نعم الوزير وأنت إمام معدلة وقصد * وحزم حين يحضرك الأمور تصيب على الهوى منه ويأتي (5) * محبك ما يجن لنا الضمير بأمر الله منصور مغاث (6) * إذا كان الرعية لا تجور (7) # PageV04P301 # وتقسم بالسواء فلا غني * لضيم يشتكيك ولا فقير فكنت حمى وجئت على زمان * بعدل ظاهر منه الشرور (1) تقاسمت الرجال به هواها * فما تخفى ضغائنها الصدور وخاف الجاحدون (2) وكل باد * يقيم على المخافة أو يسير فلما قام سيف الله فيهم * زياد قام (3) أبلج مستنير (4) ### | ذكر خطبة زياد بالبصرة وهي الخطبة التي لم يسبقه إلى مثلها أحد من أمراء البصرة (5) # قال: ثم إن زيادا نادى في أهل البصرة فجمعهم، فلما تكاملوا في المسجد صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الجهالة (6) الجهلاء والضلالة العمياء والغي الموقد لأهله النار (7) والنامي عليه علق الشنار ما يأتي به سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام التي هي يشيب منها (8) الصغير ولا يتحاشى (9) منها الكبير، كأن لم تسمعوا نبي الله، ولم تعرفوا كتاب الله، ولم تعلموا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته (10) في اليوم # PageV04P302 # السرمد الذي لا يزول، بل قد اخترتم (1) الفانية على الباقية، و [لا تذكرون أنكم] أحدثتم في الإسلام [الحدث الذي لم تسبقوا إليه من ترككم] هذه المواخير المنصوبة، وغفلتم من الضعيفة المسلوبة (2)، ألم تكن منكم نهاة تمنع هؤلاء الغواة عن دلج الليل وغارة ms0721 النهار (3)، كل امرئ يذب عن سفيهه صنيع (4) من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا، فهيهات هيهات لما توعدون! ما أنتم بالحلماء ولقد اتبعتم (5) السفهاء، فحرام (6) على زياد الطعام والشراب أو أسوي مدينتكم بالأرض هدما وإحراقا، فإني رأيت هذا الأمر لا يصلح إلا بما يصلح عليه أوله لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وأقسم بالله لآخذن الولي بالولي، والمقيم بالظاعن (7)، والمقبل بالمدبر، والصحيح بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول له: انج سعد فقد هلك سعيد (8)، أو تستقيم لي قناتكم، واعلموا أن كذبة الأمير مشهورة، فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي (9)، يا أهل البصرة! إنه من يبيت (10) منكم في منزله فلا يغلقن بابه، فأنا الضامن لما ذهب له، وإياكم ودلج الليل، فإنه لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ذلك إلى أن يرد علي الخبر (11) من أمير المؤمنين، فأعمل فيكم بما تسمعونه مني، وإياكم ودعاء الجاهلية يا آل فلان ويا آل بني فلان، فإن لا أوتى بأحد دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد رأيتكم أحدثتم أحداثا لم تكن فيكم، وقد أحدثت لكل ذنب عقوبة. فمن أغرق (12) قوما أغرقناه، # PageV04P303 # ومن أحرق قوما أحرقناه، ومن نقب بيتا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفناه فيه حيا، فكفوا عن (1) أيديكم وألسنتكم أكف عنكم لساني ويدي، ولا يظهرن لي من أحد منكم خلاف فأضرب عنقه، واعلموا أنه قد كانت بيني وبين قوم إحن وعداوة وشحناء، وقد جعلت ذلك كله خلف أذني وتحت قدمي، فمن كان مسيئا (2) فلينزع عن إساءته، فإننا قد (3) أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بتقوى (4) الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل والإنصاف كما وفينا فأوفوا لنا بطاعتنا تستوجبوا بذلك عدلنا (5)، واشربوا قلوبكم محبة ولاتكم فإنهم ساستكم المؤدبون وكنفكم (6) الذي إليه تلجأون وتأوون ولا تشربوا قلوبكم بغضنا فيشتد لذلك غيظكم (7) ويطول لذلك حزنكم (8) - أسأل الله أن يعين كلا منا على كل (9)، وأستغفر الله العظيم لي ms0722 ولكم -. # قال: فلما فرغ زياد بن خطبته هذه وثب إليه رجل من أهل البصرة يقال له عبد الله بن الأهتم (10) فقال: أيها الأمير! أشهد أنك قد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب! فقال له زياد: كذبت، ذاك نبي الله داود عليه السلام (11). # PageV04P304 # ثم نزل زياد عن المنبر ودخل إلى منزله، واستقامت له البصرة. وكان يجيء منها ومن كورتها ستون ألف ألف درهم، ويعطي الذرية ستة عشر ألف ألف، وينفق في البنيان وما يحتاج إليه من العمارة وغير ذلك ألفي ألف، ويدخر في بيت المال ألف ألف درهم، ويوجه باقي ذلك إلى معاوية. # قال: ونظر معاوية إلى عدل زياد بالبصرة، فزاده الكوفة وضمها إليه وجعلها زيادة في عمله (1). قال: فكان زياد يقيم ستة أشهر بالبصرة وستة أشهر بالكوفة. ### | ذكر أخبار خراسان في أيام معاوية بن أبي سفيان # قال: ثم دعا معاوية برجل يقال له خالد بن المعمر السدوس، فعقد له عقدا وعزم على أن يوجهه إلى بلاد خراسان. قال: وكان خالد بن المعمر هذا من خيار أصحاب علي بن أبي طالب ممن قاتل معه بصفين، فلما قتل علي وكان من أمر الحسن ما كان واستوسق الأمر لمعاوية قدم عليه خالد بن المعمر هذا والأعور بن عبد الله الشني، فاستأذنا (2) على معاوية، فأذن لهما، فلما دخلا وسلما رد عليهما معاوية ردا ضعيفا، ثم أمرهما بالجلوس فجلسا، وجعل معاوية يذكر ما كان من قتالهما بصفين، فأمسكا عنه حتى فرغ من كلامه، ثم رفع خالد صوته وأنشأ يقول (4): # معاوي لا تجهل علينا فإننا * نذلك في اليوم العصيب معاويا متى تدع منا دعوة ربعية * تجبك رجال يخضبون العواليا أجابوا عليا إذ دعاهم لنصره * بصفين إذ جروا عليك الدواهيا فإن تصطنعنا يا بن حرب لمثلها * نكن خير من تدعو إذا كنت داعيا ألم ترني أهديت بكر بن وائل * إليك وكانوا بالعراق أفاعيا إذا نهشت قال السليم لأهله * ألا فابتغي لي لا أبالك راقيا # PageV04P305 # فأصبحت قد أهدوا ثمار قلوبهم * إليك وأسرار القلوب كما هيا وكنت امرءا أهوى العراق وأهلها ms0723 * وكنت حجازيا ولم أك شاميا فلا تجفنا واجمع إليك قلوبنا * فإنك ذو حلم ولم تك جافيا ودع عنك شيخا قد مضى لسبيله * على أي حاليه مصيبا وخاطئا فإنك لا تسطيع رد الذي مضى * ولا دافعا شيئا إذا كان جائيا قال: فقال له معاوية: يا بن المعمر! فإني قد صفحت عن الذي كان، يا غلام! احمل إلى رحمة ثلاثين ألف درهم يفرقها في بني عمه، وعشرين ألف درهم خاصة له، واحمل إلى ابن عمه الشني مثل ذلك - جرى ذكر هذه القصة مرة (1) فتكرت لأجلها. # قال: فلما كان ذلك اليوم دعا معاوية بخالد بن المعمر السدوسي، فعقد له عقدا وعزم على أن يوليه بلاد خراسان، قال: وأقبل سعيد بن عثمان بن عفان حتى دخل على معاوية. ### | ذكر ولاية سعيد بن عثمان خراسان (2) # قال: فلما دخل سعيد بن عثمان على معاوية قربه، وأدناه ثم قال: يا سعيد! ما هذا الذي بلغني عنك وعن أهل المدينة؟ قال: وما ذاك؟ قال: بلغني أنهم يقولون: # والله لا ينالها يزيد * حتى يعض هامه الحديد هذا ابن هند عندنا شهيد * إن الإمام بعده سعيد كأنك يا سعيد أحق بهذا الأمر من ابني يزيد! فقال له سعيد: وما تنكر من ذاك يا معاوية؟ فو الله إن أبي خير من أب يزيد، وأمي لخير من أم يزيد، ولأنا خير من يزيد، ومع ذلك فإننا وليناك فما عزلناك، ورفعناك فما وضعناك، ثم صارت هذه # PageV04P306 # الأمور كلها إليك وفي يديك، فأخرجتنا عن جميع ذاك (1). قال: فتبسم معاوية ثم قال: يا بن أخ! أما قولك إن أباك خير من أب يزيد، فصدقت، يرحم الله أمير المؤمنين عثمان بن عفان، كان والله خيرا مني (2)، لا أشك في ذلك، وأما قولك إن أمي خير من أم يزيد، فصدقت، إن امرأة من قريش خير من امرأة من اليمن (3)، وحسب امرأة أن تكون من صالحي قومها، وأما قولك بأنك خير من يزيد، فو الله (4) يا بن أخ! ما يسرني أن حبلا مدلى فيما بيني وبين العراق فنظم ms0724 لي فيه أمثالك بيزيد، ولكن اذهب فقد وليتك بلاد خراسان، فسر إليها فعسى الله أن يفتحها على يديك. # قال: ثم عقد معاوية له عقدا، وكتب إلى البصرة إلى زياد بن أبيه (5) يأمره أن يفرض لسعيد فرضا وأن يقويه بالمال والسلاح، وأن لا يجعل له في ذلك علة، وأن يبعث معه على الخراج رجلا حازما يجبي (6) عليه المال ويحفظه. # قال: فلما سمع سعيد بن عثمان الخروج من الشام إلى البصرة أقبل إليه عبد الرحمن بن أبي بكرة وأخوه مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: هذا كتابي إلى وكيلي بالبصرة. فخذه فادفعه إليه، وخذ ما يعطيك فاستعن بذلك على سفرك، فقد كتبت إليه بمعونتك. # قال: فأخذ سعيد بن عثمان كتاب معاوية وكتاب ابن أبي بكرة وسار حتى قدم البصرة، فدفع كتاب معاوية إلى زياد (7)، فلما قرأه قال: سمع وطاعة، ثم أمر # PageV04P307 # فعرض عليه أهل السجون والدعار ومن يصلح للحرب، فانتخب سعيد بن عثمان منهم أربعة آلاف رجل، كل رجل يعد برجال. قال: فالتأم الناس إلى سعيد بن عثمان ممن يريد الجهاد، فصار سعيد في جيش كثير، وقواه زياد بأربعة آلاف ألف درهم، فقبضها سعيد وفرقها في أصحابه. # ثم دعا بوكيل عبد الله بن أبي بكرة ثم دفع إليه كتاب صاحبه، فلما قرأه قال: # نعم والله وكرامة! إنه قد أمرني أن أجهزك بمائتي ألف درهم إلى أربعمائة ألف درهم. قال: فقال له سعيد بن عثمان: ويحك! لعلك أوهمت، هذا كثيرا جدا؟ # فقال له الوكيل: ما أوهمت، بذلك كتب إلي، فخذ حاجتك ودعني وصاحبي. # قال: فبقي سعيد بن عثمان لا يدري ما يقول: فقال له مولى له: اقتصر، جعلت فداك على جائزة ابن أبي بكرة ولا نرد ولاية خراسان. فقال له سعيد: الآن اقتصر وقد اجتمع إلي الناس ورغبوا في الجهاد؟ ثم أخذ سعيد بن عثمان من وكيل ابن أبي بكرة ما أمره به ونادى فيهم بالرحيل. ### | ذكر مسير سعيد بن عثمان إلى خراسان وخبر مالك بن الريب (1) المازني # قال: ms0725 ثم خرج سعيد بن عثمان من البصرة ومعه وجوه الناس (2) وسادات العرب، فأخذ على طريق فارس، فلما دخلها أقبل إليه مالك بن الريب (3) المازني، وكان من أجمل العرب، وأشدهم بأسا، وأفصحهم لسانا. # وكان السبب الذي صار به مالك به الريب (1) إلى فارس أنه كان قبل ذلك يقطع الطريق بناحية المدينة مع أصحاب له، قال: فطلبه مروان بن الحكم، ومروان يومئذ نائب معاوية على المدينة، فطلبه الحارث بن حاطب الجمحي وهو أيضا عامل # PageV04P308 # مروان، فهرب مالك بن الريب (1)، ووجه الحارث بن حاطب في طلبه، وطلب أصحابه برجل من الأنصار، قال: فظفر به الأنصار فأخذه وأخذ معه رجلا من أصحابه يكنى أبا حردبة (2) مع غلام له، فجعل الغلام يسوقهم. قال: وغلام الأنصاري يومئذ متقلد بسيفه، فتعلق به مالك بن الريب كيما ينزع منه السيف، ثم ضربه على رأسه فقتله، ومضى هاربا حتى قدم البحرين، وصار منها إلى فارس ثم أنشأ يقول (3): # أحقا على السلطان أما الذي له * فيعطي وأما من (4) أراد فيمنع إذا ما جعلت الرمي (5) بيني وبينه * واعراض شهب دون نيرين تلمع (6) وأرض فلاة قد يحار بها القطا * تظل رياح دونها تتقطع (7) فشأنكم يا آل مروان فاطلبوا * سقاطي وهل في ذاك أمر ومطمع (8) فما أنا بالمرء المقيم لأهله * على القيد في بحبوحة الظلم يرفع (9) فلا ورسول الله إذ كان منكم * تبين من بالنصف يرضى ويقنع قال: فلما نظر سعيد بن عثمان إلى مالك بن الريب أعجبه ما رأى من حسنه وجماله وهيبته، فقال له: ويحك يا مالك! ما الذي يدعوك إلى ما بلغني عنك من قطع الطريق والفساد في الأرض؟ فقال (10): أصلح الله الأمير يحملني على ذلك العجز عن مكافأة الإخوان. قال له سعيد: فإن أغنيتك عن ذلك واستصحبتك أتكف عما تفعله وتعينني بنفسك وتجاهد معي العدو؟ فقال مالك بن الريب، نعم أصلح الله الأمير وأشكرك على ذلك. فقال سعيد: فإني قد جعلت لك في كل شهر # PageV04P309 # خمسمائة درهم تصنع بها ما تشاء، وكسوتك وحملاتك علي ويدك مع يدي. قال مالك ms0726 بن الريب: فإني قد رضيت بذلك (1). # قال: وسار سعيد بن عثمان بن فارس ومعه مالك حتى صار إلى نيسابور: # وبها يومئذ نفر من المسلمين من بقايا أصحاب عبد الله بن عامر بن كريز، فصاروا إلى سعيد بن عثمان، وفرض لهم فرضا وخلطهم بأصحابه، وأقام بنيسابور شهرا كاملا حتى أخذ جزية أهلها، ففرقها في أصحابه. # ثم سار من مرو يريد سمرقند، فصار إلى نهر بلخ، فنزل على شاطئه ثم أمر بعقد الأطواف، فعقدت، ونادى في الناس أن يعبروا فعبروا، وعبر سعيد بن عثمان في أول الناس (2) وتبعه أصحابه، فجعلوا يعبرون على الأطواف وسعيد ينظر إليهم، حتى عبروا بأجمعهم. # قال: وصاح رجل منهم بغلام له: يا علوان! وصاح آخر: يا ظفر! فقال سعيد بن عثمان: علونا وظفرنا إن شاء الله. # قال: وسار سعيد حتى صاروا إلى بخارا، فنزل على أبوابها. قال: وببخارا ملكة يقال لها يومئذ خيل خاتون (3)، وقد كان زوجها قبل ذلك ملك بخارا، فلما مات زوجها ملكها أهل بخارا على أنفسهم. # قال: فعزم سعيد بن عثمان على محاربتها، فأرسلت إليه فصالحته على ثلاثمائة ألف درهم (4) وعلى أنها تسهل له الطريق إلى سمرقند. قال: فقبل سعيد ذلك منها، وأخذ منها ما صالحته عليه وأخذ منها رهائن أيضا عشرين غلاما من أبناء ملوك بخارا كأن وجوههم الدنانير، ثم بعثت إليه بالهدايا ووجهت معه الأدلاء يدلونه على طريق سمرقند. # فسار سعيد بن عثمان من بخارا والأدلاء بن يديه يدلونه على الطريق الذي # PageV04P310 # يوصله إلى سمرقند - فنزل على سمرقند وبها يومئذ خلق كثير من السغد (1)، قال: # فخرج إليهم السغد ودنا بعضهم من بعض، فاقتتلوا قتالا شديدا. # قال: وجعل ملك السغد أخشيد بن شارك يحرض أصحابه على الحرب، والناس يقتتلون قتالا شديدا. قال: وخرج رجل من السغد على برذون له أصفر، فجعل يدعو الناس إلى البراز، قال: فتطاطأ الناس عنه وتحاموه، فقال مالك بن الرب، أيها المسلمون! ما الذي يقول هذا العلج؟ قالوا: يدعو إلى البراز، قال: # أفما منكم من يجيبه؟ فقال مالك بن الريب: ms0727 فهذه والله لفضيحة! فقال له بعض أصحابه: فهل عندك شيء يا مالك؟ فقال مالك: إني سأبكي نفسي في مثل هذا اليوم. ثم قنع فرسه وخرج نحو العلج وهو يقول: # ألا أيها البراز بقرنى... (2) * أساقيك بالطعن الذعاف المقشبا فأي فتى في الحرب والموت سيبه * على شاربيه فاسقني منه واشربا ودونكها نجلاء ينضح فرعها * نجيعا دما من داخل الجوف متعبا حباك بها من لا يصرد كأسه * إذا ما سقاها من إلى الموت ثوبا أخو غمرات لا يروع لجأشه * إذا الموت بالموت ارتدى وتعصبا يباشر في الحرب السيوف ولا يرى * لمن لا يباشرها إلى الموت مهربا أغر نماه مارن بفعاله * فكان نجيب الأمهات فأنجبا قال: ثم حمل مالك على ذلك السغدي، والتقيا بطعنتين طعنه السغدي طعنة، فوقعت في قربوص مالك، وسقط مالك إلى الأرض، فوثب مسرعا ورمحه في يده، فطعن السغدي طعنة رمى به عن فرسه إلى الأرض، وذهب السغدي يقوم، فبادر إليه مالك فاحتمله من الأرض حملا وجمل يعدو به حتى رمى به بين يدي سعيد بن عثمان. فقال سعيد: أحسنت! لله درك! خذه إليك فاصنع به ما أحببت. # فأخذه مالك فباعه بأربعمائة درهم، وباع برذونه وسلاحه بثمانمائة درهم. # قال: واشتبك الحرب بين المسلمين وبين أهل سمرقند يومهم ذلك إلى الليل، ثم انصرف بعضهم بن بعض. قال: ودامت الحرب بين القوم شهرا # PageV04P311 # كاملا (1)، حتى قتل منهم سعيد بن عثمان مقتلة عظيمة وسبى منهم كثيرا. قال: # وجعل ما لك يفعل في كل يوم بين يدي سعيد من الأفاعيل ما تعجب منه المسلمون، فلا يرى أن سعيد بن عثمان يزيده في أرزاقه شيئا فأنشأ يقول: # يا قل خير أمير زلت أتبعه * ألست ترهبني أم زلت ترجوني منيتموني أمانيا قنعت بها * حتى إذا ما جعلتم مقنعا دوني كانت أمانيكم ريحا شآمية * ظلت بمختلف الأرواح تؤذيني فإن وقعت لجنب الرمل منقصفا * أوليت كل امرئ ما كان يوليني قال: فبلغ ذلك سعيد بن عثمان فلم يلتفت إلى ذلك، فأنشأ مالك وجعل يقول (2): # سعيد بن عثمان أمير مروع ms0728 * تراه إذا ما عاين الحرب أخزرا وما زال يوم السغد يرعد خائفا * من الروع حتى خفت أن يتنصرا (3) فلولا بنو حرب لهدت عروشكم (4) * بطون العظايا من كسير وأعورا وما كان من عثمان شيء علمته * سوى نسله في عقبه (5) حين أدبرا قال: فبلغ ذلك سعيد بن عثمان فهم بقتله، ثم إنه راقب فيه عشيرته، فأكرمه ووصله بصلة سنية واعتذر إليه، فقبل مالك ذلك. # وأقام سعيد على سمرقند لا يفتر من حرب القوم، وعلم أنه لا يقدر على فتحها بالسيف فعزم على صلحهم، قال: وطلب أهل سمرقند أيضا الصلح (6)، فصالحهم # PageV04P312 # على خمسمائة (1) ألف درهم وعلى أنهم يفتحون له باب المدينة، فيدخل من باب ويخرج من باب، ثم ينصرف عنهم. فرضي القوم بذلك، وأعطاه أخشيد ملك سمرقند ما صالحه عليه، ثم فتح له باب المدينة (2)، فدخلها سعيد في ألف فارس، وسار في شارع واحد حتى خرج من الباب الآخر، ثم صار إلى عسكره، ووافته هدايا أهل سمرقند فقبلها، ثم وضع العطاء لأصحابه فأعطاهم، وتزود (3) القوم. # ورحل سعيد بن عثمان عن باب سمرقند إلى بخارا، فأقام على بابها أياما، ثم بعثت إليه ملكة بخارا أنك قد صرت إلى حاجتك وقد وفيت لك بمال الصلح، فرد علي رهائني فإنهم غلمان من أبناء ملوك بخارا، فأبى سعيد أن يردهم عليها. # ثم رحل حتى صار إلى نهر بلخ فنزل عليه وعقدت له الأطواف فعبر وعبر أصحابه وسار حتى صار إلى مرو فنزلها. # ومرض مالك بن الريب بمرو مرضا شديدا (4)، فأيقن بالموت وعلم أنه غير راجع إلى بلده، فقال القصيدة التي تعد في جياد المراثي وهي (5): # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * بوادي (6) الغضا أزجي القلاص النواجيا فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه * وليت الغضا ماشي الركاب لياليا لقد كان في أهل الغضا لو دنا [الغضا] (7) * مزار ولكن الغضا ليس دانيا ألم ترني بعت الضلالة بالهدى * وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا فذكروا أنه مات بمدينة مرو وقبره بها معروف. # PageV04P313 # قال: ونقل سعيد بن عثمان من بلاد خراسان ms0729 وقد ملأ يداه من الأموال، حتى إذا صار إلى المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى معاوية يستعفيه من ولاية خراسان، فعلم معاوية أنه استظهر بالأموال فأعفاه (1). قال: وعمد سعيد إلى الرهائن الذين حملهم من بخارا فجعلهم فلاحين في نخل له وحرث بالمدينة، فغضبوا لذلك واتفقوا وأجمعوا على قتل سعيد، قال: وجاءهم سعيد يوما لينظر إلى نخلة، فوثبوا عليه فقتلوه بخناجر كانت معهم، ثم هربوا فصاروا إلى جبل هناك فتحصنوا فيه، وبلغ ذلك أهل المدينة وساروا إليهم وحاصروهم في ذلك الجبل حتى ماتوا فيه جوعا وعطشا. # قال: فأخرجت ابنة لسعيد جارية له حسناء فزينتها بكل زينة ثم قالت: من يرثي لي أبي ببيتين يقعان (2) من قلبي فله هذه الجارية بحليها! قال: فاجتمع (3) إليها شعراء بالمدينة فقالوا فلم يصنعوا شيئا، حتى جاء رجل من عبد القيس يقال له خالد بن عبد الله فقال: أنا أقول ما يعلق بقلبك! فقالت: قل حتى أسمع! فأنشأ يقول: # يا عين أذري دمعة * وأبكي الشهيد ابن الشهيد فلقد قتلت بغرة * وجلبت حتفك من بعيد قال: فرضيتهما ابنة سعيد ووصلته بالجارية وما عليها. ### | ذكر فتوح خراسان أيضا بعد سعيد بن عثمان # قال: وبقيت خراسان ليس بها نائب، فكتب معاوية إلى زياد بن أبيه (4) بالبصرة يأمره أن يوجه إلى خراسان رجلا يقوم بأمرها. فدعا زياد بغلام له فقال: # PageV04P314 # اذهب فادع إلي الحكم بن بشر الثقفي (1)! وقعد زياد فكتب العهد على خراسان، وذهب الغلام فغلط فدعا الكم بن عمرو الغفاري، فلما رآه زياد علم أن الغلام قد غلط فتبسم ثم قال: يا حكم! أردت أمرا وأراد الله أمرا، فخذ هذا العهد واضمم إليك الناس وسر إلى خراسان فقد وليتك حربها وخراجها. # قال: وكان الحكم بن عمرو هذا رجلا من الصالحين، وكانت له صحبة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2): فأخذ العهد ونادى في الناس، فصار إليه خلق كثير من قبائل من أهل البصرة ممن يريد الجهاد في سبيل الله، فوضع لهم الأرزاق وأعطاهم ms0730 وقواهم. # ثم خرج بهم نحو بلاد خراسان، فأخذ عن طريق فارس وسلك من فارس على الطريق الأعظم إلى خراسان، فلم يزل من مدينة إلى مدينة يتقدم ويفتح حتى صار إلى مدينة مرو فنزلها. # ثم كتب إلى زياد بن أبيه يخبره بما فتح الله على يديه، وما عنده من الغنائم. # فكتب زياد بذلك إلى معاوية، فكتب معاوية إلى زياد أن اكتب إلى الحكم بن عمرو أن يحتفظ بالصفراء والبيضاء فيحمل ذلك إلى بيت المال بالشام ويقسم باقي ذلك في المسلمين. قال: فكتب زياد بذلك إلى الحكم. # فلما ورد كتاب زيد على الحكم قام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن معاوية كتب إلى زياد بن أبيه يأمره أن يأمرني أن أحتفظ بالصفراء والبيضاء، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لو أن السماوات والأرض كانتا حلقة على رجل اتقى الله لفرج الله عنه. وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولى أن يؤخذ به من قول معاوية وزياد (3)، فاجتمعوا رحمكم الله إلى فيئكم الذي أفاء الله به عليكم! # قال: ثم أخرج الحكم بن عمرو الخمس من تلك الغنائم فوجه بها إلى زياد، وقسم باقي الغنائم في المسلمين، ثم قال: اللهم! إني سئمت بني أمية وسأموني فأرحهم # PageV04P315 # مني وأرحني منهم. ثم لم يلبث الحكم إلا جمعة واحدة ثم مات - رحمه الله -. # فبلغ ذلك زيادا فدعا برجل يقال له غالب بن عبد الله الليثي (1) فعقد له عقدا وولاه بلاد خراسان. قال: وكان غالب بن عبد الله هذا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان أيضا على مقدمته يوم فتح مكة. # قال: فسار غالب حتى صار إلى خراسان ونزل مدينة مرو ثم جعل يغزو أهل طخيرستان (2) وما والاها حتى فتح فتوحا كثيرة وغنم غنائم جمة، فأخرج منها الخمس ووجه إلى زياد، وقسم باقي ذلك في المسلمين. # قال: وتكاثر العدد على غالب بن عبد الله، وبلغ ذلك زياد بن أبيه فدعا بالربيع بن ms0731 زياد الحارثي وعبد الله بن أبي عقيل الثقفي وهو عم الحجاج بن يوسف، فضم إليهما جيشا كثيرا ووجه بهم إلى خراسان وغلبوا على طخيرستان وغنموا غنائم كثيرة، فأخرجوا منها الخمس فوجهوا به إلى زياد وقسموا باقي الغنائم في المسلمين. قال: ونزلوا مدينة مرو وكانوا يغزون أطراف خراسان. ### | ذكر موت زياد بن أبيه # قال: وجعل زياد يتتبع شيعة علي بن أبي طالب فيقتلهم تحت كل حجر ومدر حتى قتل منهم خلقا كثيرا، وجعل يقطع أيديهم وأرجلهم ويسمل أعينهم، وجعل أيضا يغري بهم معاوية، فقتل منهم معاوية جماعة، وفيمن قتل منهم حجر بن عدي الكندي وأصحابه (3). وبلغ ذلك الحسن بن علي فقال: اللهم! خذلنا ولشيعتنا من زياد بن أبيه وأرنا فيه نكالا عاجلا، إنك على كل شيء قدير! # قال: فخرج به خراج في إبهام يده، وفشا ذلك الخراج في يده اليمنى حتى ثقلت يده، فاستشار الناس (4) في قطعها فلم يشيروا عليه بذلك، واشتد به الأمر # PageV04P316 # ولقي من يده جهدا شديدا، ثم مات بعد ذلك (1)، فدفن بموضع يقال له الثوية (2). ### | ذكر أخبار خراسان وغير خراسان بعد موت زياد بن أبيه # قال: فلما مات زياد بن أبيه دعا معاوية بسمرة بن جندب الفزاري فولاه البصرة (3) فأقام بها ثمانية أشهر، ثم شكاه أهل البصرة فعزله، وولى مكانه عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي، فأقام على العراق أميرا ستة أشهر، ثم عزله معاوية وولى مكانه [عبد الله بن] (4) خالد بن أسيد بن أبي العاص بن أمية. قال: وقدم عبد الله بن زياد على معاوية فقال (5): يا أمير المؤمنين! إنك لو وليتني العراق لقمت به مقاما لم يقم به أحد قبلي! فقال له معاوية: إنه قد كان أبوك على العراق خمس سنين، فما الذي منعه من أن يوليك إياها بعد وفاته؟ قال: فقال له عبيد الله: أنشدك الله أن خرجت هذه الكلمة من فيك! فإنها عار علي وسبة. # فقال له معاوية: إني سأوليك العراق وأجعلك في مكان أبيك، ولكن اذهب فقد وليتك خراسان، فإذا فرغت من ms0732 أمرها وليتك العراق بعد إن شاء الله تعالى. قال: # تم عقد له معاوية عقدا وقواه بسلاح وأموال. # قال: فخرج عبيد الله بن زياد حتى قدم أرض خراسان، فجعل يفتح ويقدم ويجمع الأموال، حتى قطع النهر وعبر حتى صار إلى بخارا (6) وإلى سمرقند وغنم غنائم كثيرة، واتخذ لنفسه عبيدا من أولاد ملوك خراسان، فكان يصول بهم على الناس. # PageV04P317 # قال: ثم نقل عبيد الله بن زياد من خراسان واستخلف عليها رجلا يقال له خويلد بن طريف بن قرة الحنفي (1)، ثم سار حتى صار إلى معاوية بالأموال والغنائم. قال: فعندها عقد له معاوية عقدا وولاه البصرة (2)، وكان بها أمير كما كان أبوه زياد بن أبيه من قبل. # قال: ولم يزل معاوية على ذلك من شأنه تجبى إلى الأموال من خراسان ومن غير خراسان ومن جميع أرض الإسلام إلى أن مضى من عمره في خلافته ما مضى. ### | [وفاة الحسن بن علي بن أبي طالب -] # قال: وتوفي الحسن بن علي بالمدينة (3)، فأقبل عمرو بن العاص حتى دخل على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين! إنه توفي الحسن بن علي بالمدينة وقد قر هذا الأمر فيك وفي ولدك وفيمن تؤمي إليه من أهل بيتك، ويجب عليك أن تعقد لرجل من أهلك عقدا في أعناق المسلمين يقوم بأمرهم من بعدك، ولكن ذلك عن الرضا والاختيار. فقال له معاوية: ننظر في ذلك أبا عبد الله وتنظر أنت أيضا، ويقضي الله في ذلك ما يحب ويرضى (4). # [سمعنا من الثقات أنه حين قرر معاوية بن أبي سفيان أن يجعل ولده يزيدا ولي عهده، مع علمه بأن هذا الأمر صعب المنال نظر لأن الصلح الذي أبرم بينه وبين الحسن بن علي كان من بين شروطه أن يترك معاوية أمر المسلمين شورى بينهم بعد وفاته (5). # لذلك سعى في موت الحسن بكل جهده، وأرسل مروان بن الحكم (طريد) # PageV04P318 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة وأعطاه منديلا مسموما وأمره بأن يوصله إلى زوجة الحسن جعدة بنت الأشعث بن قيس بما استطاع من الحيل ms0733 لكي تجعل الحسن يستعمل ذلك المنديل المسموم بعد قضاء حاجته وأن يتعهد لها بمبلغ خمسين ألف درهم (1) ويزوجها من ابنه. # فذهب مروان تنفيذا لأمر معاوية واستفرغ جهده حتى خدع زوجة الحسن ونفذت المؤامرة وعلى إثر ذلك انتقل الحسن إلى دار السلام واغترت جعدة بمواعيد مروان وأقدمت على تلك الجريمة الشنعاء. # ويروي عن عمر بن إسحاق أنه قال: ذهبت مع بعض أصحاب لعيادة أمير المؤمنين الحسن فلما اقتربنا منه سلمنا عليه وجلسنا، سمعته يقول لرجل: اسألني حاجتك. فقال: ما لم تتماثل إلى العافية فلن أسأل. ثم سأله مرة أخرى وقال: # سلني حاجتك قبل أن لا أستطيع الجواب. فرد عليه بنفس الجواب، ثم قال الإمام الحسن: لقد سقيت السم عدة مرات (2) ولكنه هذه المرة كان مختلفا. # وفي اليوم الثاني عندما ذهبت لعيادته رأيت أمير المؤمنين حسينا جالسا على طرف الوسادة وهو يقول: يا أخي من سقاك السم؟ وبمن تظن؟ فأجابه إن أخبرك فسيقتلونك؟ فقال: نعم. # فقال ذلك السيد (الحسن) (3): إن يكن هذا السم سببا لموتي سيزداد نكاله وضلاله. وإن عشت فلا أرى جواز قتل شخص بريء. # ثم بعد ذلك اشتد المرض على الإمام العالي وأيقن بقرب حلول الأجل فأوصى للإمام الحسين بأمر الإمامة وقال له: ادفني إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. إن غلب على ظنك عدمه قيام فتنة تكون سببا لإراقة الدماء وإلا فادفني في بقيع الغرقد. # وبعد أن حلقت روحه المقدسة نحو رياض الجنة، وبعد إتمام الغسل والتكفين # PageV04P319 # لجثمانه الطاهر أراد الإمام الحسين أن يدفنه في الروضة المباركة بجانب جده الأكرم. # ولكن سعيد بن العاص والي المدينة أرسل إلى أم المؤمنين الصديقة لكي تمانع في هذا الدفن. # وفعلا قام جمع من العثمانية بالمعارضة فقابلتهم فرقة من الشيعة وكادت تنشب فتنة بين الفريقين. # ثم بعد ذلك ذهب الحسين بجنازة شقيقه (الجوهر العالي) طبقا لوصيته فدفنه قرب جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم (1). # ولما وصل خبر وفاة أمير المؤمنين الحسن إلى معاوية أرسل الجائزة التي كان وعد بها جعدة ms0734 ولكنه رفض تزويج يزيد منها. ثم تزوجها أحد أبناء طلحة وأولدها أولادا كان كثيرا ما يقع بينهم وبين القريشيين جدال حتى قيل لهم: يا أبناء سمحة الأزواج. # وذات يوم كان عبد الله بن العباس في مجلس معاوية. فقال له معاوية شامتا: # هل سمعت يا أبا العباس بموت الحسن بن علي؟ # فاسترجع ابن عباس ثم قال: يا معاوية إنك لن تمنع نفسك من ورود الحفرة المقررة لك في العالم الثاني بموت الحسن. ولن تظل مسرورا على عرش الظفر وإننا معاشر أهل بيت النبوة قد أصبنا بمصائب أكبر من مصيبة موت الحسن ولكن الله سبحانه قد فرج عنا تلك المصائب. ثم خرج ابن عباس. # وقد تعجب بمعاوية من سرعة بديهته وقال: إني لم أر في حياتي شخصا عاقلا وسريع الجواب مثل عبد الله بن عباس (2). # PageV04P320 # ولما شاع خبر وفاة الإمام الحسن بين الناس جاء عمرو بن العاص إلى معاوية وقال له: يا أمير المؤمنين بما أن الحسن بن علي قد لقي وجه ربه فالفرصة الآن مؤاتية لك لتستقل بالخلافة بدون منازع لك أو لأولادك، فبادر إلى تعيين أحد من أهل بيتك وليا لعهدك. بموافقة عامة الناس لكي يقوم بالأمر بعدك ويتفق الناس على طاعته وتبقي الخلافة حينئذ في بيتك. # فقال له معاوية: أحسنت، دعني أفكر في الأمر، حتى أرى من يصلح للقيام بالأمر بعدي فأوليه ولاية العهد، ويقضي الله في ذلك ما يحب ويرضى]. PageV04P321 ### | ابتداء أخبار مقتل مسلم بن عقيل والحسين بن علي وولده وشيعته من ورائه وأهل السنة وما ذكروا في ذلك من الاختلاف # حدثني أبو الحسن أحمد بن الحسين النيسابوري قال: حدثني محمد بن القاسم المديني عن أبي حازم مولى ابن عباس عن ابن عباس، قال: وحدثني علي بن عاصم عن الحصين بن عبد الرحمن عن أبيه عن مجاهد عن ابن عباس، قال: وحدثني أبو حاتم سهل بن محمد الصانع قال: حدثني نعيم بن مزاحم المنقري عن محمد بن عمرو بن واقد الواقدي، قال الواقدي: وحدثني معاذ بن محمد بن ms0735 يعقوب بن عتبة القرشي عن محمد ابن الحنفية، أبو الوليد بن رزين عن أبي إسحاق الهمداني، قال: وحدثني أبو عمر حفص بن محمد عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن آبائه. قال الواقدي أيضا وحدثني محمد بن عبيد الله بن عنبسة عن محمد بن عبيد الله عن عمرو عن أبيه، وعبد الله بن بجير السهمي عن سعيد بن قيس الهمذاني، ومحمد بن خالد الهاشمي عن يعقوب بن سليمان من بني عبد الله الأوسي عن عبد الرحمن بن المنذر من بني عدي بن النجار عن العلاء بن يعقوب العجلاني، وأبو المنذر هشام بن محمد بن السائب عن أبي مخنف لوط بن يحيى بن سعيد الأزدي عن الحسين بن كثير الأزدي عن أبيه، وأبو المنذر أيضا عن محمد بن عوانة بن الحكم بن الهيثم بن عدي عن عبد الملك بن سليمان عن أيوب بن بشير بن عبد الله المعافري والهيثم بن عدي عن غالب بن عثمان الهمداني عن عبد الله بن المعافى المعافري وعبد الرحمن بن المنذر الأنصاري وعبد الواحد بن أبي عون وهبيرة ابن مريم وعيسى بن دأب عن رجاله وأبو البختري عن رجاله كلهم قد حدث بهذا الحديث وبعضهم أو عما له من بعض وزيادته ونقصانه على من نقله إلينا وقرأه علينا. PageV04P322 # فأول خبر ورد علي من ذلك حديث يحيى بن عبد الرحمن القرشي عن محمد (1) بن مصعب القرقسائي عن الأوزاعي عن ابن عفان عن أم الفضل بنت الحارث بن حزن (2) امرأة العباس بن عبد المطلب أنها قالت: رأيت في منامي رؤيا هالتني وأفزعتني، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله! رأيت كأن قطعة من جسدك (3) قد قطعت فوضعت في حجري، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: خيرا رأيت يا أم الفضل! إن صدقت رؤياك فإن فاطمة حامل وستلد غلاما فأدفعه إليك لترضعيه (4). # قالت أم الفضل: فوضعت فاطمة بعد ذلك غلاما فسمي بالحسين، ودفعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلي فكنت ms0736 أرضعه قالت أم الفضل: فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم والحسين في حجري فأخذه وجعل يلاعبه وهو مسرور به، قالت أم الفضل: فبال الحسين فقطر من بوله على ثوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقرصته (5) فبكي، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: مهلا يا أم الفضل! فهذا الذي أصاب ثوبي يغسل، وقد أوجعت ابني. قالت (6): فتركته في حجره وقمت لآتيه بماء أغسل ثوبه، فلما جئت نظرت إليه وعيناه تذرفان بالدموع فقلت: فداك أبي وأمي يا رسول الله! دفعته ليك وأنت به مسرور ثم رجعت إليكم وعيناك تذرفان بالدموع! فلماذا يا رسول الله؟ فقال: نعم يا أم الفضل! أتاني جبريل فأخبرني أن أمتي تقتل ولدي هذا بشط الفرات، وقد أتاني بتربة حمراء (7). # قال ابن عباس: لقد رأيت حين هبط جبريل عليه السلام في قبيل من الملائكة قد نشروا أجنحتهم يبكون حزنا منهم على الحسين، وجبريل معه قبضة من تربة الحسين تفوح مسكا أذفر، دفعها إلى فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: يا حبيبة الله! هذه تربة ولدك الحسين وستقتله اللعناء بأرض كرب وبلاء. قال: فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # حبيب جبريل! وهل تفلح أمة تقتل فرخي وفرخ ابنتي؟ فقال جبريل: لا، بل # PageV04P323 # يضربهم الله بالاختلاف، فتختلف قلوبهم وألسنتهم آخر الدهر. # قال شرحبيل بن أبي عون: إن الملك الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان ملك البحار وذلك أن ملكا من ملائكة الفراديس نزل إلى البحر الأعظم تم نشر أجنحته عليه وصاح صيحة وقال: يا أصحاب البحار! البسوا ثياب الحزن فإن فرخ محمد مذبوح مقتول ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا حبيب الله! يقتتل على هذه الأرض فرقتان من أمتك، إحداهما ظالمة معتدية فاسقة، يقتلون فرخك الحسين ابن ابنتك بأرض كرب وبلاء، وهذه تربته يا محمد! قال: ثم ناوله قبضة من أرض كربلاء وقال: # تكون هذه التربة عندك حتى ترى علامة ذلك، ثم ms0737 حمل ذلك الملك من تربة الحسين في بعض أجنحته، فلم يبق ملك في سماء الدنيا إلا شم تلك التربة وصار فيها عنده أثر وخبر. # قال: ثم أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلك القبضة التي أتاه بها الملك فجعل يشمها وهو يبكي ويقول في بكائه: اللهم لا تبارك في قاتل ولدي وأصله نار جهنم! ثم دفع القبضة إلى أم سلمة وأخبرها بقتل الحسين بشاطىء الفرات وقال: يا أم سلمة! # خذي هذه التربة إليك فإنها إذا تغيرت واستحالت دما عبيطا سيقتل ولدي الحسين. # فلما أتي على الحسين من مولده سنة كاملة هبط على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنا عشر ملكا، أحدهم على صورة الأسد، والثاني على صورة الثور، والثالث على صورة التنين، والرابع على صورة ولد آدم، والباقون الثمانية على صور شتى محمرة وجوههم، قد نشروا أجنحتهم وهم يقولون: يا محمد! إنه سينزل بولدك الحسين ابن فاطمة ما نزل بأبيك من قابيل، وسيعطي هابيل أخو قابيل، وسيحمل على قاتله مثل وزر قابيل. قال: ولم يبق في السماوات ملك إلا وقد نزل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كل يعزيه في الحسين ويخبره بثواب ما يعطي ويعرض عليه تربته، والنبي عليه السلام يقول: # اللهم اخذل من خذله، واقتل من قتله، ولا تمتعه بما طلبه. # قال المسور بن مخرمة: ولقد أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ملك من ملائكة الصفيح الأعلى لم ينزل إلى الأرض مذ خلقت الدنيا، وإنما استأذن ذلك الملك ربه ونزل شوقا منه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما نزل إلى الأرض أوحى الله عز وجل إليه: أيها الملك! أخبر محمدا بأن رجلا من أمته يقال له يزيد يقتل فرخه الطاهر ابن الطاهرة نظيرة البتول ابنة عمران. فقال الملك: إلهي وسيدي! لقد نزلت من السماء وأنا مسرور بنزولي إلى PageV04P324 # نبيك محمد، فكيف أخبره بهذا الخبر، ليتني لم أنزل إليه! فنودي الملك من فوق رأسه أن امض لما أمرت. # فنزل وقد نشر أجنحته ms0738 حتى وقف بين يديه فقال: السلام عليك يا حبيب الله! # إني استأذنت ربي في النزول إليك فأذن لي، فليت ربي دق جناح ولم آتك بهذا الخبر، ولكني مأمور، يا نبي الله! اعلم أن رجلا من أمتك يقال له يزيد - زاده الله عذابا - يقتل فرخك الطاهر ابن الطاهرة، ولن يمتع بالملك من بعد ولدك، وسيأخذه الله مغافضة على أسوء عمله، فيكون من أصحاب النار. # قال: فلما أتت على الحسين من مولده سنتان كاملتان خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر له، فلما كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ودمعت عيناه، فسئل عن ذلك، فقال: هذا جبريل يخبرني عن أرض بشاطىء الفرات يقال لها كربلا، يقتل بها ولدي الحسين ابن فاطمة، فقيل: من يقتله يا رسول الله؟ فقال: رجل يقال له يزيد، لا بارك الله له في نفسه! وكأني أنظر إلى مصرعه ومدفنه بها، وقد أهدي برأسه، وو الله ما ينظر أحد إلى رأس ولدي الحسين فيفرع إلا خالف الله بين قلبه ولسانه. # قال: ثم رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من سفره ذلك مغموما ثم صعد المنبر فخطب ووعظ والحسين بن علي بين يديه مع الحسن، قال: فلما فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن واليسرى على رأس الحسين ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: # اللهم! إني محمد عبدك ونبيك وهذان أطايب عترتي وخيار ذريتي وأرومتي ومن أخلفهم في أمتي، اللهم! وقد أخبرني جبريل بأن ولدي هذا مقتول مخذول، اللهم! فبارك له في قتله واجعله من سادات الشهداء، إنك على كل شيء قدير، اللهم! ولا تبارك في قاتله وخاذله. قال: وضج الناس في المسجد بالبكاء، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أتبكون ولا تنصرونه! اللهم! فكن أنت له وليا وناصرا. # قال ابن عباس: ثم رجع وهو متغير اللون محمر الوجه فخطب خطبة بليغة موجزة وعيناه يهملان دموعا ثم قال: أيها الناس! إني قد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وأرومتي ومراح مماتي وثمرتي، ولن يفترقا ms0739 حتى يردا علي الحوض، ألا! وإني أسألكم في ذلك إلا ما أمرني ربي أن أسألكم المودة في القربى، فانظروا أن لا تلقوني غدا على الحوض وقد أبغضتم عترتي وظلمتموهم، ألا! وإنه سيرد علي في القيامة ثلاث رايات من هذه الأمة، راية سوداء مظلمة قد فزعت لها PageV04P325 # الملائكة، فتقف علي فأقول: من أنتم؟ فينسون ذكري ويقولون: نحن أهل التوحيد من العرب، فأقول: أنا أحمد نبي العرب والعجم، فيقولون: نحن من أمتك يا أحمد! فأقول لهم: كيف خلفتموني من بعدي في أهلي وعترتي وكتاب ربي؟ فيقولون: أما الكتاب فضيعنا ومزقنا، وأما عترتك فحرصنا على أن يندهم من حديد الأرض فأولى عنهم وجهي، فيصدرون ظماء عطاشا مسودة وجوههم. ثم يرد علي راية أخرى أشد سوادا من الأولى، فأقول لهم: من أنتم؟ فيقولون كما تقول الأول إنهم من أهل التوحيد نحن من أمتك، فأقول لهم: كيف خلفتموني في الثقلين الأصغر والأكبر، في كتاب الله وفي عترتي؟ فيقولون: أما الأكبر فخالفنا، وأما الأصغر فخذلنا ومزقناهم كل ممزق، فأقول: إليكم عني! فيصدرون ظماء عطاشا مسودة وجوههم. ثم يرد علي راية أخرى تلمع نورا، فأقول لهم: من أنتم؟ # فيقولون: نحن كلمة التوحيد، نحن أمة محمد ونحن بقية أهل الحق الذين حملنا كتاب ربنا، فأحللنا حلاله وحرمنا حرامه، وأحببنا ذرية نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فنصرناهم بما نصرنا به أنفسنا، وقاتلنا معهم وقتلنا من ناواهم، فأقول لهم: أبشروا! فأنا نبيكم محمد، ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم. ثم أسقيهم من حوضي فيصدرون مرويين. ألا! وإن جبريل عليه السلام قد أخبرني بأن أمتي تقتل ولدي الحسين بأرض كرب وبلاء. ألا! فلعنة الله على قاتله وخاذله آخر الدهر. # قال: ثم نزل على المنبر، ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا واستيقن أن الحسين مقتول، حتى إذا كان في أيام عمر بن الخطاب وأسلم كعب الأحبار وقدم المدينة، جعل الناس يسألونه عن الملاحم التي تكون في آخر الزمان وكيف تحدثهم بأنواع الملاحم والفتن، ثم قال كعب: نعم وأعظمها ms0740 ملحمة التي لا تنسى أبدا وهو الفساد الذي ذكره الله تعالى في الكتب، وقد ذكره في كتابكم، فقال عز وجل (ظهر الفساد في البر والحبر) (1)، وإنما فتح بقتل هابيل، وختم بقتل الحسين بن علي. # ثم قال كعب: أظنكم تهونون قتل الحسين، أو لا تعلمون أنه يفتح كل يوم وليلة أبواب السماء كلها، ويؤذن للسماء بالبكاء، فتبكي دما عبيطا؟ فإذا رأيتم الحمرة قد ارتفعت من جنباتها شرقا وغربا فاعلموا بأنها تبكي حسينا، فتظهر هذه # PageV04P326 # الحمرة في السماء. قال: فقيل له: يا أبا إسحاق! فكيف لم تفعل السماء ذلك بالأنبياء وأولاد الأنبياء من قبل وبمن كان خيرا من الحسين؟ فقال كعب: ويحكم! # إن قتل الحسين أمر عظيم لأنه ابن بنت خيرة الأنبياء، وإنه يقتل علانية ظلما وعدوانا، لا تحفظ فيه وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مراح مائة وبضعة من لحمه، ثم يذبح بعرصة الكرب والبلاء، والذي نفس كعب بيده! لتبكينه زمرة من الملائكة في السماوات لا يقطعون بكاءهم عليه إلى آخر الدهر، وأن البقعة التي يدفن فيها خير البقاع بعد ثلاث: مكة، والمدينة، وبيت المقدس، وما من نبي إلا وقد زارها وبكى عندها، ولها في كل يوم زيارة من الملائكة بالتسليم، فإذا كانت ليلة جمعة أو يوم جمعة نزل إليها سبعون ألف ملك يبكونه ويذكرون فضله ومنزلته عندهم، وإنه يسمى في السماوات حسينا المذبوح، وفي الأرض أبا عبد الله المقتول، وفي البحار الفرخ الأزهر المظلوم، وإنه يوم يقتل تنكسف من النهار الشمس، ومن الليل القمر، وتدوم الظلمة على الناس ثلاثة أيام، وتمطر السماء كما أخبرتكم دما، وتدكدك الجبال، وتغطمط البحار، ولو لا بقية من ذرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومحبي محمد ومحبي أبيه وأمه يطلبون دمه ويأخذون بثأره لصب الله عز وجل عليهم من السماء نيرانا. # ثم قال كعب، لعلكم تعجبون مما حدثتكم به من أمر الحسين بن علي! إن الله تعالى لم يترك شيئا كان أن يكون في أول الدهر وآخره إلا وقد فسره لموسى ms0741 عليه السلام، وما من نسمة خلقت ومضت من ذكر وأنثى إلا وقد رفعت إلى آدم عليه السلام وعرضت عليه، ولقد عرضت على آدم هذه الأمة، فنظر إليها وإلى اختلافها وتكالبها على الدنيا فقال: يا رب! ما لهذه الأمة والدنيا وهي خير الأمم وأفضلها؟ وأوحى الله عزو جل إليه: يا آدم! هذا أمري في خلقي وقضائي في عبادي، يا آدم! إنهم أخلفوا فاختلفت قلوبهم، وسيظهرون في أرضي الفساد كفساد قابيل حين قتل هابيل، ويقتلون فرخ حبيبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # قال: ثم مثل بآدم عليه السلام في الذروة مقتل الحسين بن علي ووثوب أمة جده عليه، فنظر إليهم آدم عليه السلام مسودة وجوههم فقال: يا رب! ابسط عليهم الأسقام كما قتلوا فرخ هذا النبي الكريم. # قال هبيرة بن يريم فحدثني أبي يريم قال: لقيت سلمان الفارسي فحدثته بهذا PageV04P327 # الحديث، فقال سلمان: لقد صدقك كعب وأنا أزيدك في ذلك أن كل شيء في الأرض يبكي الحسين إذا قتل حتى النجم ونبات الأرض، ولا يبقى شيء من الروحانيين إلا ويسجد ذلك اليوم، ويقولون: إلهنا وسيدنا أنت العليم الحكيم، ثم لا يرفعون رؤوسهم حتى ينادي ملك بين السماء والأرض أن يا معشر الخليفة! ارفعوا رؤوسكم فقد وفيتم لرب العزة. قال: ثم أقبل سلمان الفارسي على يريم ثم قال: يا يريم! إنك لو تعلم يومئذ كم من عين تعود سخنة كئيبة حزينة قد ذهب نورها وغشي بصرها بكاء على الحسين! ولقد صدق كعب فيما حدثك به، ووالذي نفس سلمان بيده! إنني لو أدركت أيامه لضربت بين يديه بالسيف أو أقطع بين يديه عضوا عضوا فأسقط بين يديه صريعا، فإن القتيل معه يعطى أجر سبعين شهيدا من شهداء بدر وأحد وحنين وخيبر. ثم قال سلمان: يا يريم! ويحك أتدري ما حسين! حسين سيد شباب أهل الجنة على لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وحسين لا يهدر دمه حتى يقف بين يدي الله عز وجل، وحسين من تفزع لقتله ملائكة السماوات، ويحك يا يريم! ms0742 # أتعلم كم ملك ينزل يوم قتل الحسين وتضمه إلى صدروها! وتقول الملائكة بأجمعها: إلهنا وسيدنا! هذا فرخ رسولك محمد وابن ابنته وبضعة من لحمه. يا يريم إن أنت أدركت أيام مقتله واستطعت أن تقتل معه فكن أول قتيل يقتل بين يديه، فإن كل دم يوم القيامة بعد الأنبياء دم الحسين، ثم دماء أصحابه الذين قتلوا بين يديه. وانظر يا يريمه! إن أنت نجوت فلم تقتل معه فزر قبره، فإن قبره لا يخلو من الملائكة أبدا، ومن صلى عند قبره ركعتين حفظه الله من بغضهم وعداوتهم أبدا حتى يموت. # قال: فأما سلمان فإنه مات بالمدائن في آخر خلافة عمر بن الخطاب وأما يريم فإنه لم يلحق ذلك. PageV04P328 ### | ثم رجعنا إلى الخبر الأول # قال ثم كتب معاوية إلى جميع نوابه فألقى إليهم هذا الخبر أنه يريد أن يأخذ البيعة لابنه يزيد (1). قال: فكتب إليه مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وعبد الله بن عامر يأمرونه أن يتأنى في أمر يزيد وأن لا يعجل حتى يطالع أهل المدينة في ذلك. # قال: وحج يزيد في تلك السنة ففرق بمكة والمدينة أموالا كثيرة يشتري بها قلوب الناس، ثم إنه انصرف والناس عنه راضون. # قال: وشاع الخبر في الناس بأن معاوية يريد [أن] يأخذ البيعة ليزيد، وكان الناس في أمر يزيد على فرقتين من بين راض وساكت، أو قائل منكر. قال: فكان عقيبة (2) الأسدي شاعر أهل البصرة ممن يكره بيعة يزيد ويبغضه، فأنشأ في ذلك يقول (3): # PageV04P329 # معاوي إننا بشر فأسجع * فلسنا بالجبال ولا الحديد أكلتم أرضنا فجردتموها * فهل من قائم أو من حصيد أتطمع في الخلود (1) إذا هلكنا * وليس لنا ولا لك من خلود فهبها أمة هلكت ضياعا * يزيد يسوسها وأبو يزيد دعوا حق الإمارة واستقيموا * وتأميل الأراذل والعبيد (3) واعطونا السوية لا تزركم * جنود مردفات بالجنود قال: فبلغ ذلك معاوية، فأرسل إليه بعشرة آلاف درهم ليكف لسانه فأنشأ عقيبة يقول: # إذا المنبر الغربي حل مكانه * فإن أمير المؤمنين يزيد على الطائر الميمون والجد صاعد * لكل أناس ms0743 طائر وجدود فلا زلت أعلى الناس كعبا ولم تزل * وفود يساميها إليك وفود ألا ليت شعري ما يقول ابن عامر * لمروان أم ماذا يقول سعيد بني خلفاء الله مهلا فإنما * ينوء بها الرحمن حيث يريد قال: فأرسل إلى معاوية ببدرة أخرى. وبلغ ذلك عبد الله بن همام السلولي (4) شاعر أهل الكوفة وكان أيضا ممن يبغض يزيد فأنشأ يقول (5): # فإن باتوا برملة أو بهند * يبايعه (6) أميرة مؤمنينا وكل بنيك ترضاهم وإن * شئتم بعمهم المنتمينا إذا ما مات كسرى قام كسرى * يعد (7) ثلاثة متناسقينا يورثها أكابرهم بنيهم * كما ورث القمامسة القطينا فيا لهفي لو أن لنا أنوفا * ولكن لا نعود كما عنينا # PageV04P330 # إذا لضربتم حتى تعودا * بمكة تلطعون (1) بها السخينا حثينا الخيط حتى لو سقينا (3) * دماء بني أمية ما روينا ضعوا كلبا على الأعناق منا * وسرحكم أصاغر ورثونا هبونا لا نريدكم بسوء، ولا نعصيكم ما تأمرونا فأولوا بالسداد فقد بقينا * لحلفكم عنادا مفترينا بنيت ملككم فإذا أردتم * بنا الصلعاء قلتم محسنينا لقد ضاعت رعيتكم وأنتم * تصيدون الأرانب غافلينا فبلغ ذلك معاوية فقال: ما ترك ابن همام شيئا، ذكر الحرم وعيرنا بالسخينة، ماله إلا يخرجنا من جنتنا. قال: ثم وجه إليه معاوية ببدرة، فلما وصلت إليه شكرها لمعاوية ثم كتب إليه بهذه الأبيات: # أتاني كتاب الله والدين قائم * وبالشام أن لا فيه حكم [ولا] عدل أريد أمير المؤمنين فإنه * على كل أحوال الزمان له الفضل فهاتيكم الأنصار يرجون فضله * وهلاك أعراب أضر بها المحل ومن بعدها كنا عباديد شردا * أقمت قناة الدين واجتمع الشمل فأي أناس أثقلتهم جناية * فما انفك عن أعناقهم ذلك الثقل أبو خالد أخلق به أن يصيبنا * بسجل من المعروف يتبعه سجل هو اليوم ذو عهد وفينا خليفة * إذا فارق الدنيا خليفتنا الكهل قال: ولم يزل معاوية يروض الناس على بيعة يزيد ويعطى المقارب ويداني المتباعد حتى مال إليه أكثر الناس وأجابوه إلى ذلك (3). # قال: ثم أرسل إلى عبد الله بن الزبير فدعاه ثم شاوره في أمر يزيد، فقال له: ms0744 # يا أمير المؤمنين! أنا أناجيك ولا أناديك (4)، وإن أخاك من صدقك، فانظر قبل أن # PageV04P331 # تقدم، وفكر قبل أن تندم، فإن النظر قبل التقدم والتفكر قبل التندم. قال: فتبسم معاوية ضاحكا ثم قال (1): يا بن أخ! إنك تعلمت الشجاعة على رأس الكبر، إن دون ما شجعت به على أخيك يكفيك. # قال: ثم أرسل إلى الأحنف بن قيس فدعاه، ثم شاوره في أمر يزيد، فقال: # يا أمير المؤمنين! إننا نخافكم إن صدقنا ونخاف الله إن كذبنا، ولكن عليك بغيري. # قال: فأمسك عنه معاوية، وجعل يروض الناس في كل سنة وفي كل موسم يدعوهم إلى بيعة يزيد. # قال: فلم يزل على ذلك سبع سنين، قال: ودخلت سنة خمس وخمسين (2) فكتب معاوية إلى أهل الأمصار أن يقدموا عليه، فقدم عليه قوم من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل مكة والمدينة وأهل مصر والجزيرة ومن جميع البلاد، فاستشارهم معاوية في البيعة ليزيد، فقام إليه رجل من أهل المدينة يقال له محمد بن عمرو (3) بن حرم فقال: يا معاوية! إن يزيد أهل لما تريد أن ترسمه له، وهو لعمري غني في المال، ووسيط في النسب، غير أن الله تعالى سائل كل راع عن رعيته فاتق الله يا معاوية وانظر من تولي أمر أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم! قال: فتنفس معاوية الصعداء ثم قال: # يا بن عمرو! أنت رجل ناصح وإنما قلت برأيك ولم يكن عليك إلا ذلك، غير أنه لم يبق من أولاد الصحابة إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحب إلي من أبنائهم، قال: # فسكت الناس وانصرفوا يومهم. # فلما كان من الغد بعث معاوية إلى الضحاك بن قيس فدعاه وقال: إني قد عزمت على الكلام، وإذا غص المجلس بأهله ورأيتني ساكتا فكن أنت الذي تدعوني إلى أمر بيعة يزيد وحضني على بيعته (4). # PageV04P332 # قال: ثم أرسل معاوية إلى وجوه الناس فأحضرهم بمجلسه، فلما اجتمعوا بدأ معاوية بالكلام فحمد الله وأثنى عليه، ثم إنه عظم الإسلام وحرمته، ثم ذكر ما أمر الله به من طاعة ولاة الأمر، ثم ms0745 ذكر يزيد وفضله في قريش وعلمه بالسياسة، فعارضه الضحاك بن قيس وقال (1): يا أمير المؤمنين! إنه لا بد للناس من وال بعدك وولي عهدك، فإنه قد بلونا الجماعة والفرقة فوجدنا الجماعة والألفة أحقن للدماء، وآمن للسبل، وخيرا في العاجلة والآجلة، والأيام عوج رواجع، ولله في كل يوم أمر وشأن، ولا تدري ما يختلف به العصران (2) وينقلب فيه الحدثان ويزيد ابن أمير المؤمنين في هديه وقصد سيرته (3) من أفضلنا حلما وأكرمنا (4) علما، فوله عهدك واجعله لنا علما بعدك، يكون مفزعا نلجأ إليه، وخليفة نعول عليه، تسكن به القلوب، ونأمن به الفتن. # قال: ثم سكت الضحاك وقام عمرو بن سعيد الأشدق وقال (5): أيها الناس! # والله أن يزيد لطويل الباع واسع الصدر رفيع الذكر، إن صرتم إلى عدله وسعكم وإن (6) لجأتم إلى جوده أغناكم، وهو خلف لأمير المؤمنين ولا خلف منه. فقال له معاوية: اجلس أبا أمية فقد أوسعت وأحسنت. # قال: فجلس عمرو بن سعيد بن العاص وقام يزيد بن المقنع الكندي (7) فقال: أيها الناس! إن أمير المؤمنين هذا - وأشار بيده إلى معاوية - قاد الملك [فإذا] مات فوارث الملك هذا - وأشار بيده - إلى يزيد فمن أبي فهذا - وأشار بيده إلى السيف. فقال له: اجلس فأنت سيد الخطباء. # PageV04P333 # قال: ثم قام الحصين بن نمير السكوني فقال: يا معاوية! والله لئن لقيت الله ولم تبايع ليزيد لتكونن مضيعا للأمة. فالتفت إلى الأحنف بن قيس معاوية وقال: يا أبا بحر! ما يمنعك من الكلام؟ فقال (1): يا أمير المؤمنين! أنت أعلمنا بيزيد في ليله ونهاره ومدخله ومخرجه وسره وعلانيته، فإن كنت تعلمه لله عز وجل ولهذه الأمة رضا فلا تشاورن فيه أحدا من الناس، وإن كنت تعلم لله غير ذلك فلا تزوده الدنيا وأنت ماض إلى الآخرة فإن قلنا ما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا. قال: قال معاوية: أحسنت يا [أبا] بحر! جزاك الله عن السمع والطاعة خيرا (2). # قال: فبايع الناس في ذلك الوقته ليزيد بن معاوية وانصرفوا إلى منازلهم. ### | ذكر كتاب معاوية إلى مروان بن الحكم ms0746 بالمدينة في أمر يزيد # قال: فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم وهو عامله على المدينة يأمره أن يدعو الناس إلى بيعة يزيد (3) ويخبره في كتابه أن أهل مصر والشام والعراق قد بايعوا. # PageV04P334 # قال: فأرسل مروان إلى وجوه أهل المدينة فجمعهم في المسجد الأعظم، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكر الطاعة وحض عليها وذكر الفتنة وحذر منها. # ثم قال في بعض كلامه: أيها الناس! إن أمير المؤمنين قد كبر سنه، ورق جلده وعظمه، وخشي الفتنة من بعده، وقد أراه الله رأيا حسنا، وقد أراد أن يختار لكم ولي عهد يكون من بعده لكم مفزعا، يجمع الله به الألفة ويحقن به الدماء، وأراد أن يكون ذلك من مشورة منكم وتراض، فماذا تقولون؟ فقال الناس من كل جانب: إنا لا نكره ذلك إذا كان لله فيه رضا. فقال مروان: إنه قد اختار لكم الرضا الذي يسير فيكم بسيرة الخلفاء الراشدين المهديين وهو ابنه يزيد. # قال: فسكت الناس وتكلم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وقال: كذبت والله يا مروان وكذب من أمرك بهذا، والله (1) ما يزيد برضا ولكن يزيد ورأيه هرقلية. # فقال مروان: أيها الناس! إن هذا المتكلم هو الذي أنزل فيه: (والذي قال لوالديه أف لكما) (2). قال: فغضب عبد الرحمن بن أبي بكر ثم قال: يا بن الزرقاء! # أفينا تتأول القرآن وأنت الطريد ابن الطريد! ثم بادر إليه وأخذ برجله ثم قال: انزل يا عدو الله عن هذا المنبر! فليس مثلك من يتكلم بهذا على أعواده. # قال: وضجت بنو أمية في المسجد، وبلغ ذلك عائشة فخرجت من منزلها ملتهفة بملاءة لها ومعها نسوة من نسوان قريش حتى دخلت المسجد، فلما نظر إليها مروان كأنه فزع لذلك ثم قال: نشدتك الله يا أم المؤمنين إن قلت إلا حقا، قالت عائشة: لا قلت إلا حقا. أشهد لقد لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أباك ولعنك. وأنت الطريد # PageV04P335 # ابن الطريد، أنت تكلم أخي عبد الرحمن بما تكلمه! قال: فسكت مروان ولم ms0747 يرد عليها شيئا، ورجعت عائشة إلى منزلها وتفرق الناس. # وكتب مروان إلى معاوية يخبره بذلك وبما كان من عبد الرحمن بن أبي بكر، فلما قرأ معاوية كتاب مروان أقبل على جلسائه فقال: عبد الرحمن شيخ قد خرف وقل عقله، ويجب أن نكف عنه ونحتمل ما يكون منه، فليس هذا من رأيه ولكن من رأي غيره، قال: ثم تهيأ معاوية يريد الحج. ### | ذكر خبر معاوية في خروجه إلى الحج ومما كان منه بمكة والمدينة إلى رجوعه قال: فطلعت أثقال معاوية ورحل إلى المدينة، فلما تقارب منها خرج الناس يلاقونه وفيمن خرج إليه عبد الرحمن بن أبي بكر (1) وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسين بن علي، فلما نظر إليهم قطب في وجوههم ثم قال (2): ما أعرفني مفهمكم وطيشكم، فقال له الحسين: مهلا يا معاوية! فلسنا لهذه المقالة بأهل، فقال: بلى والله وأشد من هذا القول وأغلظ! فإنكم تريدون أمرا والله يأبى ما تريدون. # قال: ثم دخل إلى المدينة فنزلها، وأقبل إليه الناس مسلمين، وجعل كل من دخل إليه مسلما شكى إليه هؤلاء الأربعة، ثم جاءوا ليدخلوا عليه فلم يأذن لهم، فتركوه ومضوا إلى مكة. # قال: وخرج معاوية من منزله إلى المسجد الأعظم فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ابنه يزيد في خطبته وقال: من أحق بالخلافة من ابني يزيد في فضله وهديه ومذهبه وموضعه من قريش! والله إني لأرى قوة ما يعيبونه، وما ظنهم # PageV04P336 # بمقلعين ولا منتهين حتى (1) يصيبهم مني بوائق تخيب أصولهم فليرفع أولئك على ضلعهم من قبل أن تصيبهم مني فاقرة لا يقومون لها، فقد أنذرت إن نفع الإنذار وبينت إن نفع البيان، قال: ثم جعل يتمثل بهذه ويقول: # قد كنت حذرتك آل المصطلق * وقلت يا عامر ذرني (2) وانطلق إنك إن كلفتني ما لم أطق * ساءك ما سرك مني من خلق دونك ما استقيته فأحسن (3) وذق قال: ثم ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسين (4) بن علي ms0748 وقال: والله لئن لم يبايعوا ليزيد لأفعلن ولأفعلن! # قال: ثم نزل عن المنبر ودخل إلى منزله، وبلغ ذلك عائشة فأقبلت حتى دخلت مغضبة عليه وقالت: يا معاوية! ما كفاك أنك قتلت أخي محمد بن أبي بكر وأحرقته بالنار حتى قدمت المدينة وأخذت بالوقيعة في أبناء الصحابة وأنت من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة وكان أبوك من الأحزاب! فخبرني ما كان يؤمنك مني إن أبعث إليك من يقتلك بأخي محمد وآخذ بثأري! قال فقال لها معاوية: يا أم المؤمنين! أما أخوك محمد فلم أقتله ولم آمر بذلك ولكنه كان ينصر من جهز علي بن أبي طالب فوجهت إليهم معاوية بن خديج وعمرو بن العاص فحاربهما فقتلاه وفعلا به ما فعلا ولم يك ذلك عن رأيي، وأما قولك تقتليني فإنني في بيت أمان. فقالت عائشة: لعمري أنت في بيت أمان ولكن بلغني عنك أنك تهددت أخي عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن أخت عبد الله بن الزبير والحسين بن فاطمة، وليس مثلك من يتهدد مثل هؤلاء! فقال معاوية: مهلا يا أم المؤمنين! فهو أعز علي من بصري لكني أخذت البيعة لابني يزيد، وقد بايعه كافة المسلمين، أفتريني أنقض بيعة قد ثبتت وتأكدت وأن يخلع الناس عهودهم! فقالت عائشة: إني لا أرى ذلك ولكن عليك بالرفق والتأني، إنهم لا يخالفونك، وانظر لا يبلغني عنك أنك أسأت إلى أحد منهم فتلقى مني ما لا تحب، واذكر المرجع إلى الله والمنقلب إليه. # PageV04P337 # فقال معاوية: أفعل ذلك يا أم المؤمنين وأنت أهل أن يسمع منك وتطاعي في كل ما تأمرين. # قال: فانصرفت عائشة إلى منزلها، وأرسل معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن الزبير فأخبر أنهم قد مضوا إلى مكة، فسكت ساعة يفكر في أمرهم، ثم أرسل إلى عبد الله بن عباس فدعاه، فلما دخل عليه قرب مجلسه ثم قال: يا بن عباس! أنتم بنو هاشم وأنتم أحق الناس بنا وأولاهم بمودتنا لأننا بنو عبد مناف وإنما بعد بيننا وبينكم ms0749 هذا الملك، وقد كان هذا الأمر في تيم وعدي فلم يعترضوا عليهم ولم يظهروا لهم من المباعدة، ثم قتل عثمان بين أظهركم فلم تغيروا، ثم وليت هذا الأمر فو الله لقد قربتكم وأعطيتكم ورفعت مقداركم فما تزدادون مني إلا بعدا، وهذا الحسين بن علي قد بلغني عنه هنات غيرها خير له منها، فاذكروا علي بن أبي طالب ومحاربته إياي ومعه المهاجرون والأنصار، فأبى الله تبارك وتعالى إلا ما قد علمتم، أفترجون بعد علي مثله أما بعد الحسن مثله؟ قال: فقطع عليه ابن عباس الكلام ثم قال: صدقت يا معاوية نحن بنو عبد مناف وأنتم أحق الناس بمودتنا وأولاهم بنا، وقد مضى أول الأمر بما فيه فأصلح آخره فإنك صائر إلى ما تريد، وأما ما ذكرت من عطيتك إيانا فلعمري ما عليك في جود من عيب، وأما قولك: ذهب علي أفترجون مثله؟ فمهلا يا معاوية رويدا لا تعجل! فهذا الحسين بن علي حي وهو ابن أبيه، واحذر أن تؤذيه يا معاوية فيؤذيك أهل الأرض، فليس على ظهرها اليوم ابن بنت نبي سواه. فقال معاوية: إني قد قلبت منك يا بن عباس! # قال: ثم رحل معاوية إلى مكة ورحل معه كافة أصحابه وعامة أهل المدينة وفيهم عبد الله بن عباس، حتى إذا قرب من مكة (1) خرج إليه أهلها فتلقوه كما فعل أهل المدينة وفيهم الحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن الزبير، فلما نظر إليهم قال: مرحبا وأهلا! ثم نظر إلى الحسين فقال: مرحبا بأبي عبد الله مرحبا بسيد شباب أهل الجنة! ثم نظر إلى عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: مرحبا بشيخ قريش وابن صديقها! [ثم نظر إلى ابن عمر وقال: مرحبا بابن صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرحبا بابن الفاروق ثم نظر إلى ابن الزبير فقال: مرحبا بابن حواري رسول # PageV04P338 # الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمته! ثم قال معاوية: علي يا غلام بأربعة من الظهر! فأتي بها، فركبوا وساروا وسار معهم ms0750 معاوية وجعل يحدثهم ويضاحكهم حتى دخل مكة، ثم بعث إلى كل واحد منهم بصلة سنية وفضل عليهم الحسين بن علي بكسوة حسنة، فلم يقبلها الحسين منه. # وأقام معاوية بمكة لا يذكر شيئا من أمر يزيد، ثم أرسل إلى الحسين فدعاه، فلما جاءه ودخل إليه قرب مجلسه ثم قال: أبا عبد الله! اعلم أني ما تركت بلدا إلا وقد بعثت إلى أهله فأخذت عليهم البيعة ليزيد، وإنما أخرت المدينة لأني قلت (1) هم أصله وقومه وعشيرته ومن لا أخافهم عليه، ثم إني بعثت إلى المدينة بعد ذلك فأبى بيعته من لا علم أحدا هو أشد بها منهم، ولو علمت (2) أن لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير من ولدي يزيد لما بعثت له. فقال له الحسين: مهلا يا معاوية! لا تقل هكذا، فإنك قد تركت من هو خير منه أما وأبا ونفسا، فقال معاوية: كأنك تريد بذلك نفسك أبا عبد الله! فقال الحسين: فإن أردت نفسي فكان ماذا؟ فقال معاوية: إذا أخبرك أبا عبد الله! أما أمك فخير من أم يزيد (3)، وأما أبوك فله سابقة وفضل، وقرابته من الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليست لغيره من الناس، غير أنه قد حاكم أبوه أباك، فقضى الله لأبيه على أبيك، وأما أنت وهو فهو والله خير لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم منك. فقال الحسين: من خير لأمة محمد! يزيد الخمور الفجور! فقال معاوية: مهلا أبا عبد الله! فإنك لو ذكرت عنده لما ذكر منك إلا حسنا، فقال الحسين: إن علم مني ما أعلمه منه أنا فليقل فيما أقول فيه، فقال له معاوية: أبا عبد الله! انصرف إلى أهلك راشدا واتق الله في نفسك واحذر أهل الشام أن يسمعوا منك ما قد سمعته فإنهم أعداؤك وأعداء أبيك. # قال: فانصرف الحسين إلى منزله وأرسل معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر فأقبل، فلما دخل وهم معاوية أن يتكلم (4) سبقه عبد الرحمن بالكلام وقال: والله يا # PageV04P339 # معاوية: لعل ودك أنا قد وكلناك ms0751 إلى الله في أمر ابنك يزيد حتى تفعل ما تريد! ولا والله لا نفعل ذلك أبدا أو لتردن الأمر شورى بين المسلمين (1)! فقال معاوية: أما والله! إني لأعرف بك وبسفهك ولقد هممت أن أفعل كذا وكذا - أو كما قال، فقال له عبد الرحمن: إذا والله يا معاوية يدركك الله به في الدنيا ويدخر لك العقوبة في الآخرة. فقال معاوية: اللهم اكفني أمر هذا الشيخ! يا هذا! اتق الله في نقل أن يسمعك أهل الشام، فقال عبد الرحمن: أما نحن فقد اتقينا الله فذرنا نقعد في منازلنا ولا تدعنا إلى بيعة يزيد الخمور ويزيد الفهود ويزيد القرود. # قال: ثم وثب عبد الرحمن بن أبي بكر مغضبا فصار إلى منزله وأرسل معاوية إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب فدعاه وقال: يا عبد الله! عهدي بك وأنت تكره الفرقة وتقول: ما أحب أن أبيت ليلة وليس علي أمير، وإني أحذرك أن تشق العصا أو (2) أن تسعى في الأرض الفساد، وإن الناس قد استوسقوا وبايعوا ابني يزيد غيركم أيتها الرهط فقال له عبد الله (3): يا معاوية! أما من كان من قبلك أئمة ولهم أبناء وليس ابنك بأفضل من أبنائهم غير أنهم اختاروا لأنفسهم الخيار حيث أنهم علموه، وقد حذرتني الشقاق ولم أكن شاقا لأحد غير أني سمعتك تذكر بيعة قد سبقت وعهدا قد أكد وليس لك عندي خلاف، فإذا اجتمع الناس على ابنك يزيد لم أخالف، وإن تفرقوا فإني متوقف حتى يجتمعوا على رجل فأكون كواحد من المسلمين، فقال له معاوية: نعم ما قلت يا بن عمر، قم واحذر أهل الشام. # قال: ثم دعا ابن الزبير، فلما دخل ونظر إليه معاوية تبسم ثم قال: # [ثعلب] (4) رواغ، كلما سد عليه جحر خرج من آخر، يا بن الزبير! إنك قد عهدت إلى هؤلاء الثلاثة فنفخت في مناخيرهم وحملتهم على غير رأيهم، وذلك أن الناس قد استوسقوا في هذه البيعة غيركم أيها النفر، فاتق الله يا بن الزبير! ولا تكن مشاقا قاطعا، فقال عبد الله بن ms0752 الزبير: والله ما في شقاق يا معاوية، فلا تبن فينا # PageV04P340 # أساسا لنفسك، والزم ما كان عليه السلف الصالح من أخيار المسلمين، ولا يكن الأمر إلا بشورى بينهم، فإن الإسلام يرد على موارده، فإن أبيت ذلك وقد مللت (1) هذا الأمر فاعتزل وهات ابنك حتى نبايعه، واعلم يا معاوية أن خلافة الله في أرضه وخلقه وخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمته عظيمة، وأن الله تبارك وتعالى عنهما مسائلك، والذي يحاجك في القيامة غدا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فانظر لنفسك يا معاوية قبل أن ينظر لها سواك. فقال معاوية: يا هذا (2)! أمسك عليك لسانك واحذر أهل الشام، فإذا خلوت بي فقل ما أحببت فإني محتمل لك. # قال: فانصرف عبد الله بن الزبير إلى منزله، وأقام معاوية في مكة أياما، ثم أمر لقريش بجوائز ولم يأمر لبني هاشم بضيء، فكلمه ابن عباس في ذلك (3) وقال: # إنك قد أعطيت بطون قريش الأموال ولم تعط بني هاشم فلم ذلك يا معاوية؟ فقال معاوية: لأن صاحبكم الحسين بن علي أبى علي أن يبايع يزيد، فقال ابن عباس: # إنه قد أبى غير الحسين فأعطيته فقال معاوية: صدقت يا بن العباس! ولستم عندي كغيركم، فقال ابن عباس: والله لئن لم تفعل وترض بني هاشم لألحقن بساحل من سواحل البحر ثم لأنطقن بما تعلم ولأتركن الناس عليك خوارج. قال: فتبسم معاوية وقال: بل يعطون ويكرمون ويزادون أبا محمد! قال: ثم أمر معاوية لبني هاشم بجوائز سنية، فكل قبل جائزته إلا الحسين بن علي، فإنه لم يقبل من ذلك شيئا. # حتى إذا أراد معاوية الخروج عن مكة أمر بالمسير، فقرب من الكعبة ثم أرسل إلى الحسين وابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير فأحضرهم إلى مجلسه، ثم أقبل عليهم فقال: إنكم قد علمتم نظري لكم وصلتي أرحامكم، ويزيد أخوكم وابن عمكم، وإنما أردت أن تقدموه باسم الخلافة وتكونوا بعد ذلك أنتم الذين تأمرون وتنهون (4). فقال له ابن الزبير: يا معاوية! إنا نخيرك خصالا ثلاثا (5) فاختر ms0753 منها # PageV04P341 # أيتهن شئت فهي لك صلاح (1). قال معاوية: وما ذاك يا بن الزبير؟ قال: إن شئت فاصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إنه خرج من الدنيا ولم يستخلف، ثم اختار الناس من بعده أبا بكر الصديق فجعلوه خليفة، فافعل أنت ذلك إلى أن يقضي الله فيك أمره فيختار الناس لأنفسهم كما اختاروا أبا بكر، فقال معاوية: إنه ليس فيكم اليوم مثل أبي بكر، وإني لا آمن عليكم الاختلاف. قال ابن الزبير: فاصنع كما صنع أبو بكر، إنه ترك ولده ورهطه الأدنين (2) ممن كان للخلافة أهلا وعهد إلى رجل من قاصية قريش (3) فجعلها في عمر بن الخطاب، فجنبها أنت أيضا ابنك واجعلها فيمن شئت من قريش ما خلا بني عبد شمس. وإن شئت فاصنع كما صنع عمر بن الخطاب، أن جعلها شورى في ستة نفر من الصحابة (4) يختارون لأنفسهم رجلا وترك ولده وأهل بيته، وفيهم من لو وليها لكان لها أهلا. فقال معاوية: فهل من شيء غير هذا يا بن الزبير؟ فقال: ما عندي لها رابعة. # فقال معاوية للثلاثة الباقية: ما تقولون أنتم؟ فقالوا: نحن على ما قال ابن الزبير. قال معاوية: فإني أريد أن أرحل عن مكة غير أني عزمت أن أتكلم على المنبر بكلام (5) والمبقي في ذلك الوقت إنما يبقي على نفسه من أهل الشام وأنتم أعلم، وقد أعذر من أنذر. قال: فانصرف القوم إلى منازلهم. # فلما كان من الغد خرج معاوية وأقبل حتى دخل المسجد، ثم صعد المنبر فجلس عليه، ونودي له في الناس فاجتمعوا إليه، وأقبل الحسين بن علي وابن أبي # PageV04P342 # بكر وابن عمر وابن الزبير حتى جلسوا إلى المنبر ومعاوية جالس، حتى علم أن الناس قد اجتمعوا وثب قائما على قدميه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! # إنا قد وجدنا أحاديث الناس ذات عوار، وإنهم قد زعموا أن الحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمرو عبد الله بن الزبير لم يبايعوا يزيد، وهؤلاء الرهط الأربعة ms0754 هم عندي سادة المسلمين وخيارهم، وقد دعوتهم إلى البيعة فوجدتهم إذا سامعين مطيعين، وقد سلموا وبايعوا وسمعوا وأجابوا وأطاعوا (1). # قال: فضرب أهل الشام بأيديهم إلى سيوفهم فسلوها ثم قالوا: يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي تعظمه من أمر هؤلاء الأربعة؟ ائذن لنا أن نضرب أعناقهم فإنا لا نرضى أن يبايعوا سرا ولكن يبايعوا جهرا حتى يسمع الناس أجمعون، فقال معاوية: سبحان الله! ما أسرع الناس بالشر وما أحلى بقاءهم عندهم! اتقوا الله يا أهل الشام ولا تسرعوا إلى الفتنة، فإن القتل له مطالبة وقصاص. # قال: فبقي الحسين بن علي وابن أبي بكر وابن عمر وابن الزبير حيارى لا يدرون ما يقولون، يخافون إن يقولوا: لم نبايع، الموت الأحمر تجاه أعينهم في سيوف أهل الشام أو وقوع فتنة عظيمة فسكتوا ولم يقولوا شيئا (2)، ونزل معاوية عن المنبر، وتفرق الناس وهم يظنون أن هؤلاء الأربعة قد بايعوا. قال: وقربت رواحل معاوية فمضى في رفاقه وأصحابه إلى الشام. # قال: وأقبل أهل مكة إلى هؤلاء الأربعة فقالوا لهم: يا هؤلاء! إنكم قد دعيتم إلى بيعة يزيد فلم تبايعوا وأبيتم ذلك، ثم دعيتم فرضيتم وبايعتم! فقال الحسين: لا والله ما بايعنا! ولكن معاوية خدعنا وكادنا ببعض ما كادكم به. ثم صعد المنبر وتكلم بكلام، وخشينا إن رددنا مقالته عليه أن تعود الفتنة جذعا ولا ندري إلى ما ذا يؤول أمرنا، فهذه قصتنا معه. # PageV04P343 ### | ذكر انصراف معاوية عن مكة وما يلي به من سفره من المرض وخبر وفاته # قال: ثم رحل معاوية، فلما صار بالأبواء (1) ونزلها قام في جوف الليل لقضاء حاجته فاطلع في بئر الأبواء، فلما اطلع فيها اقشعر جلده وأصابته اللقوة في وجهه (2) فأصبح لما به، فدخل عليه الناس يعزونه ويتوجعون له مما قد نزل به، فقال: أيها الناس! إن المؤمن ليصاب بالبلاء فإما معاقب بذنب وإما مبتلى ليؤجر، وإن ابتليت فقد ابتلى الصالحون من قبلي، وأنا أرجو أن أكون منهم، وإن مرض مني عضو فذلك بأيام صحتي وما عوفيت أكثر، ولئن أعطيت حكمي ms0755 فما كان لي على ربي أكثر مما أعطاني لأني اليوم ابن بضع وسبعين (3)، فرحم الله عبدا نظر إلي فدعا لي بالعافية، فإني وإن كنت غنيا عن خاصتكم لقد كنت فقيرا إلى عامتكم. قال: فدعا الناس له بخير وخرجوا من عنده. # وجعل معاوية يبكي لما قد نزل به، فقال له مروان بن الحكم: أجزعا يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا يا مروان! ولكني ذكرت ما كنت عنه عزوفا ثم إني بليت في أحسني وما ظهر للناس مني، فأخاف أن يكون عقوبة عجلت لي لما كان مني من دفعي بحق علي بن أبي طالب، وما فعلت بحجر بن عدي (4) وأصحابه، ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي وعرفت قصدي. # قال: ثم رحل معاوية عن ذلك المكان حتى صار إلى الشام، فدخل إلى منزله واشتد عليه مرضه. وكان في مرضة يرى أشياء لا تسره حتى كأنه ليهذي هذيان المدنف (5) وهو يقول: اسقوني اسقوني! فكان يشرب الماء الكثير فلا يروى. وكان ربما غشي عليه اليوم واليومين، فإذا أفاق من غشوته ينادي بأعلى صوته: ما لي # PageV04P344 # ومالك يا حجر بن عدي! ما لي وما لك يا عمرو بن الحمق! مالي ومالك يا بن أبي طالب! إن تعاقب فبذنوبي وإن تغفر فإنك غفور رحيم. # قال: وابنه يزيد في خلال ذلك لا يفارقه، ومعاوية يتململ على فراشه وينظر إلى أهله وولده ويقول: # لقد سعيت لكم من سعي ذي نصب * وقد كفيتكم التطواف والرحلا (1) ثم أغمي عليه، فقالت امرأة من قريش: مات أمير المؤمنين، قالت: ففتح معاوية عينيه وجعل يقول: # فإن مات (2) مات الجود وانقطع الندى * من الناس إلا من قليل مصرد وردت أكف السائلين فأمسكوا (3) * من الدين والدنيا بخلف مجدد (4) قال: ثم جعل معاوية يضرب بيده إلى تعويذ كان في عنقه فقطعه ورمى به، وجعل يقول: # وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع (5) فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين! عجل علي بالبيعة قبل موتك فقد أزف الأمر، فإنك إن لم تذكر البيعة لي خشيت أن ألقى من ms0756 آل تراب مثل ما لقيت. قال: # ومعاوية ساكت لا يتكلم بشيء. # فلما كان من غد يوم الأربعاء دعا معاوية بوزرائه وقواده وخاصته وأهل بيته، # PageV04P345 # فأحضرهم مجلسه ثم أمر الحاجب أن لا يحجب عنه الناس. قال: فجعل الناس يدخلون ويسلمون فينظرون إليه ثقيلا مدنفا، فيخرجون إلى الضحاك بن قيس الفهري وهو صاحب شرطته فيقولون: ذهب والله أمير المؤمنين، وكأن البيعة من بعده تخرج من آل أبي سفيان إلى آل أبي تراب، لا والله لا نرضى بذلك أبدا. # قال: ثم اجتمع الناس إلى الضحاك بن قيس ومسلم بن عقبة المري فقالوا (1): إنما أنتما صاحبا أمير المؤمنين، وقد حضره من الأمر ما قد علمتما (2)، ادخلا إليه ولقناه واسألاه أن يوصي إلى ابنه يزيد فإنه لنا رضى. قال: فعندها بادر الضحاك ومسلم بن عقبة فسألاه عن نفسه، فقال معاوية: أصبحت والله ثقيل الوزر، عظيم الذنب، أرجو ربا رحيما، وأخشى عذابا أليما. فقال له الضحاك: يا أمير المؤمنين! إن الناس قد اضطربوا وضجوا واختلفوا شرعة هذه وأنت حي فكيف وإن حدث بك أمر! فماذا ترى أن يكون حال الناس؟ قال: ثم تكلم مسلم بن عقبة فقال: يا أمير المؤمنين! إنا نرى الناس ونسمع كلامهم، ونرى أن الأمر في يزيد وهو أهم له وهو لهم رضى، فبادر إلى سمعته من قبل أن يعتقل لسانك. فقال: صدقت يا مسلم! إنه لم يزل رأيي من يزيد وهل تستقيم الناس لغير يزيد، ليتها في ولدي وذريتي إلى يوم الدين، وأن لا تعلو ذرية أبي تراب على ذرية آل أبي سفيان! ولكن أخروا لي هذا الأمر إلي غد، فهذا يوم الأربعاء وهو يوم ثقيل ويوم نحس لا يبرم فيه أمر إلا كان عاقبته شرا. فقال الضحاك: يا أمير المؤمنين! إن الناس مجتمعون بالباب وليس يجوز أن ينصرفوا دون أن تعقد البيعة ليزيد. قال معاوية: فأدخلا إلي إذا الناس. # قال: فخرجا واختارا سبعين رجلا من صناديد قريش وأهل الشام، فلما دخلوا على معاوية سلموا فرد عليهم السلام ردا ضعيفا ثم قال: ms0757 يا أهل الشام! كيف رضاكم عني؟ فقالوا: خير الرضى يا أمير المؤمنين! لقد كنت لنا أبا رؤوفا وكهفا منيعا، وأخذ كل منهم بفرضة وأثنى عليه خيرا، ثم انهم سبوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه و قالوا فيه القبيح، وقالوا: إنه سار إلينا من العراق فقتل سراتنا وأباد حضارنا ولسنا نحب أن تصير الخلافة إلى ولده، فاجعلها في ولدك يزيد فإنه لنا رضى ولجميع # PageV04P346 # المسلمين، ومن مال عنه برأسه في بيعته ملنا عليه بسيوفنا، هكذا وجدنا بأنفسنا دون نفسه. # قال: فسر معاوية بما سمع من كلام أهل الشام ونشط لذلك، ثم استوى جالسا وأمر بجميع من على الباب من الناس بالدخول عليه، فدخلوا حتى غصت الدار بهم، فأقبل عليهم معاوية بوجهه ثم قال: أيها الناس! إنكم قد علمتم أن كل شيء في هذه الدنيا فإلى زوال وقد حضرني من القضاء المحتوم ما ترون، فسلوني من تحبون أن أولي عليكم! فقالوا بكلمة واحدة: إنا قد رضينا بابنك يزيد، فوله عهدك فهو الرضى لنا، فقال معاوية: إني قد سمعت إذا كلامكم غير أني قادم على رب رحيم لا يتعاظمه ذنب أو يغفره، وإنه يسألني عن الصغير والكبير، فسلوني ما تحبون أن أولي عليكم! قال: فضج الناس بأجمعهم وقالوا: نريد أن تولي علينا يزيد، فنعم الخلف والمستخلف. # قال: فعندها قال معاوية للضحاك: بايع ليزيد، فبايع الضحاك وبايع مسلم بن عقبة، وأمر الناس بالبيعة حتى بايع الناس أجمعون. ثم خرجوا وأمر معاوية لابنه يزيد أن يلبس ثياب الخلافة ويخرج إلى الناس فيصعد المنبر ويخطب. # قال: فخرج يزيد وعلى رأسه عمامة معاوية ومعه سيفه وخاتمه وقد لبس قميص عثمان الذي قتل عثمان فيه ملطخا بالدم حتى صعد المنبر، فلم يزل يخطب ويتكلم إلى أن انتصف النهار، ثم نزل عن المنبر وقد بايعه الصغير والكبير، فدخل على أبيه معاوية ومعاوية في غشيانه وكربه لا يعقل يومه ذلك شيئا من أمره حتى مضى من الليل ما مضى، فلما أفاق من غشوته وفتح عينيه ونظر إلى ولده ms0758 يزيد عند رأسه فقال له: ما صنعت؟ فقال: يا أمير المؤمنين! قد بايعني الناس ودخلوا في طاعتي فرحين مسرورين. قال: فدعى معاوية بالضحاك بن قيس ومسلم بن عقبة فقال لهما: # أخرجا ما في وسادتي! فأخرجا كتابا كتب فيه معاوية بخطه قبل ذلك. ### | ذكر الكتاب والعهد إلى يزيد # بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهده معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين إلى ابنه يزيد، انه قد بايعه وعهد إليه، وجعل له الخلافة من بعده، وأمره بالرعية والقيام بهم والإحسان إليهم، وقد سماه " أمير المؤمنين "، وأمره أن يسير بسيرة أهل العدل PageV04P347 # والإنصاف، وأن يعاقب على الجرم ويجازي على الإحسان، وأن يحفظ هذا الحي من قريش خاصة، وأن يبعد قاتلي الأحبة، وأن يقدم بني أمية وآل عبد شمس على بني هاشم، وأن يقدم آل المظلوم المقتول أمير المؤمنين عثمان بن عفان على آل أبي تراب وذريته، فمن قرىء عليه هذا الكتاب وقبله حق قبوله وبادر إلى طاعة أميره يزيد بن معاوية فمرحبا به وأهلا، ومن تأبى عليه وامتنع فضرب الرقاب أبدا حتى برجع الحق إلى أهله - والسلام على من قرىء عليه وقبل كتابي هذا -. # قال: ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى الضحاك بن قيس وقال: انظر إذا أصبحت أن تصعد المنبر وتقرأ هذا الكتاب على الصغير والكبير وتسمع مقالهم. # فقال الضحاك: إني فاعل ذلك غدا إن شاء الله. # قال: ثم أقبل معاوية على يزيد فقال: يا بني! خبرني الآن ماذا أنت صانع بهذه الأمة! أتسير فيهم بسيرة أبي بكر الصديق الذي قاتل أهل الردة وقاتل في سبيل الله حتى مضى والناس عنه راضون؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إني لا أطيق أن أسير بسيرة أبي بكر الصديق، لكني آخذ الرعية بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: يا بني! أتسير فيهم بسيرة عمر بن الخطاب الذي مصر الأمصار وفتح الديار وجند الأجناد وفرض الفروض ودون الدواوين وجبى الفيء وجاهد في سبيل الله حتى مضى والناس عنه راضون؟ فقال يزيد: لا يتهيأ ms0759 لي أن أصنع كما صنع عمر، ولكني آخذ الناس بكتاب الله والسنة. فقال معاوية: يا بني! أتسير فيهم بسيرة ابن عمك عثمان بن عفان الذي أكلها في حياته وورثها بعد مماته واستعمل أقاربه؟ فقال يزيد: قد خبرتك يا أمير المؤمنين أن الكتاب بيني وبين هذه الأمة، به أطالبهم وعليه أقاتلهم. # قال: فتنفس معاوية الصعداء، وقال: إني من أجلك آثرت الدنيا على الآخرة ودفعت حق علي بن أبي طالب وحملت الوزر على ظهري، وإني لخائف أن لا تقبل وصيتي فتقتل خيار قومك ثم تعدو على حرمة ربك فتقتلهم بغير الحق ثم يأتيك اليوم بغتة فلا دنيا تصيب ولا آخرة تحب، يا بني! إني جعلت هذا مطمعا لك ولولدك من بعدك وإني موصيك بوصية فاقبلها فإنك تحمد عاقبتها! كن حازما صارما، انظر إن تأتك نائبة تثب وثوب الشهم البطل، ولا تجبن جبن الضعيف الوكل، فإني قد كفيتك الجد الترحال (1)، وجوامع الكلام والمنطق ونهاية البلاغة، ودفع المؤنة وسهولة # PageV04P348 # الحفظ، ولقد وطأت لك يا بني البلاد (1)، وذللت لك رقاب (2) العرب الصعاب، وأقمت لك المنار وسهلت لك السبل، وجمعت لك اللجين والعقيان، ومهدت لك الملك من بعدي تمهيدا، فعليك يا بني من الأمور ما قرب مأخذه وسهل مطلبه، وذر عنك ما اعتاص عليك، واعلم يا بني أن سياسة الخلافة لا تتم لك إلا بثلاث: # بجأش ربيط، وكف أذى، وخلق رحيب، وثلاث‌ أخر: علم ظاهر، وخلق طاهر، ووجه طلق، ثم تردف ذلك بعشر أخر: بالصبر، والأناة، والتودد، والوقار، والسكينة، والمروءة الظاهرة، والشجاعة، والسخاء، والاحتمال للرعية بما تحب وتكره، ولقد علمت يا بني أني كنت في أمر الخلافة خائفا شبعا يشهى شهوانا أصبح عليها جزعا وأمسى هلعا، حتى أعطاني الناس ثمرة قلوبهم وبادروا إلى طاعتي، فادخل يا بني من هذه الدنيا في حلالها واخرج من حرامها، وأنصف الرعية واقسم فيئهم فيهم بالسوية، واعلم يا بني أني أخاف عليك من هذه الأمة أن تنازعك في هذا الأمر الذي قد رفعت لك قواعده، وخصوصا أربعة نفر من قريش، منهم ms0760 عبد الرحمن بن أبي بكر (3) وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وشبيه أبيه الحسين بن علي، فأما عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه إذا صنع أصحابه شيئا صنع مثلهم وإن لم يصنعوا أمسك، وهو رجل همه النساء (4) ولذة الدنيا، فذره يا بني وما يريد ولا تأخذ عليه في شيء من أمره فلقد علمت ما لأبيه من الفضل على هذه الأمة وقد يرعى ذمام الوالد في ولده. وأما عبد الله بن عمر فإنه (5) رجل صدق قد توحش من الناس وآنس # PageV04P349 # إلى العبادة ورضي بالوحدة، فترك الدنيا وتخلى منها فهو لا يأخذ منها شيئا، وإنما تجارته من هذه الدنيا كتجارة أبيه عمر بن الخطاب، فأقرئه مني السلام وتعاهده بالعطاء الموفر أفضل تعاهد. وأما عبد الله بن الزبير فما أخوفني أنك تلقى منه عتبا! # فإنه صاحب خلل في القول وزلل في الرأي وضعف في النظر، مفرط في الأمور مقصر في الحقوق، وإنه سيحثو (1) لك كما يحثو الأسد في عرينه ويراوغك رواغ (2) الثعلب، فإذا (3) أمكنه منك فرصة لعب بك كيف شاء، فكن له يا بني كذلك، واجزه صاعا بصاع، واحذه حذو النعل إلا أن يدخل لك في الصلح والبيعة وبتوبة فأقمه على ما يريد. وأما الحسين بن علي فأوه أوه يا يزيد! ماذا أقول لك فيه! # فاحذر أن لا يتعرض لك ومد له حبلا طويلا وذره يضرب في الأرض حيث شاء ولا تؤذه، ولكن ارعد له وابرق، وإياك والمكاشفة له في محاربة سل سيف أو محاربة طعن رمح، ثم أعطه ووقره وبجله، فإن حال أحد من أهل بيته فوسع عليهم وأرضهم فإنهم أهل بيت لا يرضيهم إلا الرضى، ولا يسعهم إلا المنزلة الرفيعة، وإياك يا بني أن تلقى الله بدمه فتكون من الهالكين، فإن ابن عباس حدثني فقال: إني حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في السياق وقد ضم الحسين بن علي إلى صدره وهو يقول: هذا من أطائب أرومتي وأنوار عترتي وخيار ذريتي، لا بارك الله فيمن لا ms0761 يحفظه بعدي! # قال ابن عباس: ثم أغمي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ساعة ثم أفاق وقال: يا حسين! إن لي ولقاتلك يوم القيامة مقاما بين يدي ربي وخصومة، وقد طابت نفسي إذ جعلني الله خصيما لمن قتلك يوم القيامة. يا بني! هذا حديث ابن عباس، وأنا أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أتاني جبريل يوما فخبرني وقال: يا محمد! إن أمتك ستقتل ابنك حسينا وقاتله لعين هذه الأمة، ولقد لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا بني قاتل الحسين مرارا، فانظر لنفسك ثم انظر أن لا يتعرض له بأذية، فحقه والله يا بني عظيم، ولقد رأيتني كيف كنت أحتمله في حياتي وأضع له رقبتي وهو يواجهني بالكلام الذي يمضني ويؤلم قلبي، فلا أجيبه ولا أقدر له على حيلة، فإنه بقية أهل الأرض في يومه هذا، وقد أعذر من أنذر. # قال: ثم أقبل [على] الضحاك ومسلم بن عقبة فقال لهما معاوية: أشهدا # PageV04P350 # على مقالتي هذه، فو الله إن فعل بي الحسين كل ما يسوءني لاحتملته أبدا ولم يكن الله يسألني عن دمه، أفهمت عني ما أوصيتك به يا يزيد (1)؟ فقال: فهمت يا أمير المؤمنين. ثم قال معاوية: انظر في أهل الحجاز فهم أصلك وفرعك، فأكرم من قدم عليك منهم ومن (2) غاب عنك فلا تجفهم ولا تعقهم، وانظر أهل العراق فإنهم لا يحبونك أبدا ولا ينصحونك ولكن دارهم مهما أمكنك واستطعت، وإن سألوك على كل يوم أن تعزل عنهم عاملا فافعل، فإن عزل عامل واحد هو أيسر وأخف من أن يشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر يا بني أهل الشام فإنهم بطانتك وظهارتك وقد بلوتهم واختبرتهم فهم صبر عند اللقاء حماة في الوغى، فإن رابك أمر من عدو يخرج عليك فانتصر بهم، فإذا أصبت منهم حاجتك فارددهم (3) إلى بلادهم يكونوا بها إلى وقت الحاجة إليهم. # قال: ثم تنفس معاوية الصعداء وغشي عليه طويلا، فلما أفاق قال: آوه آوه (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل ms0762 كان زهوقا) (4). ثم جعل يقول: # إن تناقش يكن نقاشك يا رب * عذابا لا طوق لي بالعذاب أو تجاوز فأنت رب رحيم (5) * عن مسيء ذنوبه كالتراب قال: ثم التفت إلى أهل بيته وقرابته وبني عمه فقال: اتقوا الله حق تقاته، فإن تقوى الله جنة حصينة، وويل لمن لم يتق الله! ويخاف عذابه وأليم عقابه. ثم قال: # اعلموا أني كنت بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم وهو يقلم أظفاره فأخذت من قلامته فجعلتها في قارورة فهي عندي، وعندي أيضا شيء من شعره، إذ أنا مت وغسلتموني وكفنتموني فقطعوا تلك القلامة فاجعلوها في عيني، واجعلوا الشعر في # PageV04P351 # فمي وأذني (1)، وصلوا علي وواروني في حفرتي وذروني وربي فإن ربي رؤوف رحيم. قال: ثم انقطع كلامه فلم ينطق بشيء، وخرج يزيد من يومه ذلك إلى موضع يقال له حوارين (2) الثنية مقتصدا للصيد وقال للضحاك بن قيس: انظر لا تخف علي شيئا من أمر أمير المؤمنين. # قال: وتوفي معاوية من الغد وليس يزيد بحضرته، وكان ملكه تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وتوفي بدمشق يوم الأحد لأيام خلت من رجب ست ستين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة - والله أعلم (3). فأنشأ الأحوص بن محمد الأنصاري يقول: # يا أيها الرجل المرحل بالضنى (4) * وهو الكبير له إذا تظليل قدم لنفسك قبل موتك صالحا * واعلم فليس إلى الخلود سبيل إن الحمام لطالب لك لا حق * والموت ربع مقامه محلول لا بد من يوم لكل معمر * فيه لعده (5) عليه بل ترحيل والناس إرسال إلى أمد لهم * يمضي لهم جيل ويخلف جيل إن امرءا أمن الزمان وقد رأى * غير الزمان وزيه لجهول أودى ابن هند وهو في ذي عبرة * أما اعتبرت لمن به معقول ملك تدين له الملوك مبارك * كادت لمهلكه الجبال تزول تجبى له بلخ ودجلة كلها * وله الفرات وما سقى والنيل والشام أجمعها له وبلادها * فيها قبائل دجلة وخيول يمايل ما إن تظن لملكه (6) * عنه ولا لنعيمه تحويل وبكل أرض عوده من عروة * حصن لحرب أو دم ms0763 مطلول # PageV04P352 # يقضي فلا خرق ولا متتعتع * لمقالة ما قال حين يقول لو أنه وزن الجبال بحلمه * يوما إذا لا ظل وهي تميل فهو الذي لو كان حيا خالدا * يوما لكان من المنون بديل قال: ثم خرج الضحاك بن قيس من دار معاوية لا يكلم أحدا والأكفان معه حتى دخل المسجد الأعظم، فنودي له في الناس، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (1): أيها الناس! إن أمير المؤمنين معاوية قد (2) شرب كأسه وهذه أكفانه، ونحن مدرجوه فيها ومدخلوه حفره (3)، ومخلون بين عمله وبينه (4)، فمن كان منكم يريد [أن] يشهده فليحضره بين الصلاتين ولا يقعد عن الصلاة عليه إن شاء الله. # PageV04P353 # قال: ثم نزل الضحاك عن المنبر وكتب إلى يزيد بن معاوية هذا: # بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي لبس رداء البقاء، وحكم على عباده بالفناء، فقال عز وجل * (كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) * (1). # لعبد الله يزيد أمير المؤمنين، من الضحاك بن قيس، سلام عليك، أما بعد فكتابي إلى أمير المؤمنين فكتاب تهنئة ومصيبة، فأما الخلافة التي جاءتك فهي التهنئة، وأما المصيبة فموت أمير المؤمنين معاوية (2)، إنا لله وإنا إليه راجعون، فإذا قرأت كتابي فالعجل العجل! لتأخذ الناس ببيعة أخرى محدودة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. قال ثم أثبت في أسفل كتابه هذين البيتين: # مضى ابن أبي سفيان فردا لشأنه * وخلفت فانظر هذه كيف تصنع أقمنا على المنهاج واركب محجة * سدادا فأنت المرتجى كيف تفزع قال: ثم ورد الكتاب على يزيد (3)، فوثب صائحا، باكيا، وأمر بإسراج دوابه وسار يريد دمشق، فصار إليها بعد ثلاثة أيام من مدفن معاوية (4)، وخرج حتى إذا # PageV05P005 # وافى يزيد قريبا من دمشق فجعل الناس يتلقونه فيبكون ويبكي. وأيمن بن خريم الأسدي بين يدي يزيد وهو يقول (1): # رمى الحدثان نسوة آل حرب * بمقدار سمدن له سمودا (2) فرد شعورهن السود بيضا * ورد وجوههن البيض سودا فإنك لو سمعت بكاء هند * ورملة إذ يلطمن (3) الخدودا بكيت بكاء موجعة بحزن * أصاب الدهر واحدها الفريدا (4) فصبرا ms0764 يا بني حرب تعزوا * فمن هذا الذي يرجو الخلودا فقد وارث قبوركم ثناء * وحزما لا كفاء له وجودا (5) تلقاها يزيد عن أبيه فدونكها معاوي عن يزيدا أديروها بني حرب عليكم * ولا ترموا بها الغرض البعيدا فإن دنياكم بكم اطمأنت * فأولوا أهلها خلقا سديدا وإن عصفت عليكم فاعصفوها * عصافا تستقيم لكم شديدا (6) قال: وسار يزيد ومعه جماعة إلى قبر معاوية فجلس وانتحب ساعة وبكى، وبكى الناس معه، ثم قام عن القبر وأنشأ يقول (7): # جاء البريد بقرطاس يحث (8) به * فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ماذا في كتابكم (9) * قال الخليفة أمسى مدنفا وجعا # PageV05P006 # مادت بنا الأرض أو كادت تميد بنا * كأنما العز من أركانها انقطعا (1) إنا نسير على جرد مسومة * يغشى العجاج بنا والنجم ما طلعا (2) لسنا نبالي إذا بلغن أرحلنا * ها مات منهن بالبيداء أو ظلعا حتى دفنا لخير الناس كلهم * وخيرهم منتمي جدا ومضطجعا أعز أبلج يستقى الغمام به * لو صارع الناس عن أحلامهم صرعا (3) من لا تزال له نفس على شرف * وشد مقدار تلك النفس أن تقعا لما انتهينا وباب الدار منصفق * وصوت رملة راع (4) القلب فانصدعا (5) أودى ابن هند فأودى المجد يتبعه * كانا يكونان دهرا قاطعين معا (6) قال: ثم ركب يزيد وسار إلى قبة لأبيه خضراء فدخلها وهو معتم بعمامة خز سوداء متقلدا بسيف أبيه معاوية حتى وصل إلى باب الدار، ثم جعل يسير والناس عن يمينه وشماله قد نزلوا عن دوابهم، وقد ضربت له القباب والقساطيط المدنجة، حتى صار إلى القبة الخضراء، فلما دخلها نظر فإذا قد نصبت له فيها فرش كثيرة بعضها على بعض ويزيد يحتاج أن يرقى عليها بالكراسي. قال: فصعد حتى جلس على تلك الفرش، والناس يدخلون عليه يهنئونه بالخلافة ويعزونه في أبيه، وجعل يزيد يقول: نحن أهل الحق وأنصار الدين، وأبشروا يا أهل الشام! فإن الخير لم يزل فيكم، وسيكون بيني وبين أهل العراق حرب شديد، وقد رأيت في منامي كأن نهرا يجري بيني وبينهم دما عبيطا وجعلت أجهد في منامي ms0765 أن أجوز ذلك النهر، فلم أقدر على ذلك حتى جاءني عبيد الله بن زياد، فجازه بين يدي وأنا أنظر إليه. قال: # فأجابه أهل الشام وقالوا: يا أمير المؤمنين! امض بنا حيث شئت واقدم بنا على من # PageV05P007 # أحببت فنحن بين يديك، وسيوفنا تعرفها أهل العراق في يوم صفين. فقال لهم يزيد: أنتم لعمري كذلك، وقد كان أمير المؤمنين معاوية لكم كالأب البار بالولد، وكان من العرب أمجدها وأحمدها وأهمدها وأعظمها خطرا وأرفعها ذكرا وأنداها أنامل وأوسعها فواضل وأسماها إلى الفرع الباسق، لا يعتريه الفهاهة في بلاغته ولا تدخله اللكنة (1) في منطقه حتى إذا انقطع من الدنيا أثره وصار إلى رحمة الله تعالى ورضوانه. قال: فصاح به صائح من أقاصي الناس وقال (2): كذبت والله يا عدو الله! ما كان معاوية والله بهذه الصفة، وإنما كانت هذه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه أخلاقه وأخلاق أهل بيته لا معاوية ولا أنت. قال: فاضطرب الناس، وطلب الرجل فلم يقدروا عليه، وسكت الناس (3). وقال إلى يزيد رجل من شيعته يقال له عطاء (4) بن أبي صيفي فقال: يا أمير المؤمنين! لا تلتفت إلى مقالة الأعداء وقد أعطيت خلافة الله من بعد أبيك فأنت خليفتنا، وابنك معاوية ولي العهد بعدك لا نريد به بدلا ولا نبغي عنه حولا والسلام. قال: ثم أنشأ يقول: # يزيد بن أبي سفيان هل لكم * إلى ثناء وود غير منصرم إنا نقول ويقضي (الله) معتذرا * مهما يشار بنا من صالح ندم فأفتديها بلكم خدها يزيد * وقال خذها بلا نكس ولا برم ولا تمهدها في دار غيركم * إني أخاف عليكم حسرة الندم إن الخلافة لم تعرف لناكثكم * بينا دعائهما فيكم ولم ترم ولا يزال وفود في دياركم * يغشون أبلج سباقا إلى الكرم قال: فأمر له يزيد بجائزة حسناء، ثم قام يزيد على قدميه. # PageV05P008 ### | ذكر كلام يزيد بن معاوية # فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (1): أيها الناس! إن معاوية كان عبدا (2) من عباد الله، أنعم الله عليه ثم قبضه إليه، وهو خير ممن ms0766 كان بعده، ودون ممن كان قبله، ولا أزكيه على الله، هو أعلم به مني، فإن عفا عنه فبرحمته (3)، وإن عاقبة فبذنبه، وقد وليت هذا الأمر من بعده، ولست أقصر عن طلب حق (4) ولا أعذر من تفريط في باطل، فإذا أراد الله شيئا كان - والسلام -. قال: ثم جلس فصاح الناس من كل جانب: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين. قال: ثم تقدم إليه رجل (5) من وجوه أهل الشام حتى وقف بين يديه رافعا صوته وهو يقول: # اصبر يزيد فارقت ذا ثقة * واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا لا رزء أعظم في الأقوام نعلمه * كما رزئت ولا عقبى كعقباكا أعطيت طاعة أهل الأرض كلهم * فأنت ترعاهم والله يرعاكا وفي معاوية الباقي لنا خلف * أما هلكت ولا نسمع بمنعاكا قال: وبايع الناس بأجمعهم يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن يزيد من بعده، وفتح يزيد بيوت الأموال فأخرج لأهل الشام أموالا جزيلة، ففرقها عليهم (3)، ثم عزم على الكتب إلى جميع البلاد بأخذ البيعة له. قال: وكان على المدينة يومئذ مروان بن الحكم فعزله يزيد وولى مكانه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان (7) وكتب إليه. ### | ذكر الكتاب إلى أهل البيعة بأخذ البيعة # من عبد الله يزيد بن معاوية أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد فإن # PageV05P009 # معاوية كان عبد الله (1) من عباده أكرمه الله واستخلفه وخوله ومكن له ثم قبضه إلى روحه وريحانه ورحمته وغفرانه، عاش بقدر ومات بأجل، عاش برا تقيا وخرج من الدنيا رضيا زكيا، فنعم الخليفة كان ولا أزكيه على الله، هو أعلم به مني، وقد كان عهد إلى عهدا وجعلني له خليفة من بعده، وأوصاني أن أحدث آل أبي تراب بآل أبي سفيان لأنهم أنصار الحق وطلاب العدل، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة على أهل المدينة - والسلام - (2) -. # قال: ثم كتب إليه في صحيفة صغيرة كأنها أذن فأرة: أما بعد فخذ الحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر (3) وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر بن الخطاب أخذا عنيفا ms0767 ليست فيه رخصة، فمن أبى عليك منهم فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه. # قال: فلما ورد كتاب يزيد على الوليد بن عتبة (4) وقرأه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يا ويح الوليد بن عتبة من أدخله في هذه الإمارة، ما لي وللحسين ابن فاطمة! قال: ثم بعث إلى مروان بن الحكم (5) فأراه الكتاب فقرأه واسترجع، ثم قال: يرحم الله أمير المؤمنين معاوية! فقال الوليد: أشر علي برأيك في هؤلاء القوم كيف ترى أن أصنع، فقال مروان: ابعث إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى البيعة والدخول في طاعة يزيد (6)، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم، وأن أبوا قدمهم واضرب أعناقهم قبل (7) أن يدروا بموت بمعاوية فإنهم إن علموا ذلك وثب كل رجل منهم فأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه، فعند ذلك أخاف أن يأتيك من قبلهم ما لا قبل لك به وما لا يقوم له إلا عبد الله بن عمر، فإني لا أراه ينازع في هذا الأمر أحدا إلا أن تأتيه الخلافة فيأخذها عفوا، فذر عنك ابن عمر (8) وابعث إلى الحسين بن علي وعبد الرحمن بن # PageV05P010 # أبي بكر (1) وعبد الله بن الزبير فادعهم إلى البيعة مع أني أعلم أن الحسين بن علي خاصة لا يجيبك إلى بيعة يزيد أبدا ولا يرى له عليه طاعة، ووالله إن لو كنت في موضعك لم أراجع الحسين بكلمة واحدة حتى أضرب رقبته كائنا في ذلك ما كان. # قال: فأطرق الوليد بن عتبة إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه وقال: يا ليت الوليد لم يولد ولم يكن شيئا مذكورا! قال: ثم دمعت عيناه فقال له عدو الله مروان: أوه أيها الأمير! لا تجزع مما قلت لك فإن آل أبي تراب هم الأعداء في قديم الدهر لم يزالوا، وهم الذين قتلوا الخليفة عثمان بن عفان، ثم ساروا إلى أمير المؤمنين فحاربوه، وبعد فإني لست آمن أيها الأمير! إنك إن لم تعاجل الحسين بن علي خاصة أن تسقط منزلتك عند أمير المؤمنين يزيد، فقال له الوليد بن عتبة: مهلا! # ويحك يا ms0768 مروان عن كلامك هذا! وأحسن القول في ابن فاطمة فإنه بقية ولد النبيين. # قال: ثم بعث الوليد بن عتبة إلى الحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر (2) وعبد الله بن عمر (3) وعبد الله بن الزبير فدعاهم، فأقبل إليهم الرسول، والرسول [عبد الله بن -] (4) عمرو بن عثمان بن عفان لم يصب القوم في منازلهم، فمضى نحو المسجد فإذا القوم عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فسلم عليهم ثم قام وقال: أجيبوا الأمير! فقال الحسين: يفعل الله ذلك إذا نحن فرغنا عن مجلسنا هذا إن شاء الله (5). قال: فانصرف الرسول إلى الوليد فأخبره بذلك. # وأقبل عبد الله بن الزبير على الحسين بن علي وقال: يا أبا عبد الله! إن هذه ساعة لم يكن الوليد بن عتبة يجلس فيها للناس، وإني قد أنكرت ذلك وبعثه في هذه الساعة إلينا ودعاءه إيانا لمثل هذا الوقت، أترى في أي طلبنا؟ فقال له الحسين: إذا # PageV05P011 # أخبرك أبا بكر (1)! إني أظن بأن معاوية قد مات، وذلك أني رأيت البارحة في منامي كأن منبر معاوية منكوس، ورأيت داره تشتغل نارا، فأولت ذلك في نفسي أنه مات. # فقال له ابن الزبير: فاعلم يا بن علي أن ذلك كذلك، فما ترى أن تصنع إن دعيت إلى بيعة يزيد أبا عبد الله؟ قال: أصنع أني لا أبايع له أبدا، لأن الأمر إنما كان لي من بعد أخي الحسن، فصنع معاوية ما صنع وحلف لأخي الحسن أنه لا يجعل الخلافة لأحده من بعده من ولده وأن يردها إلي إن كنت حيا (2)، فإن كان معاوية قد خرج من دنياه ولم يفئ لي ولا لأخي الحسن بما كان ضمن فقد والله أتانا ما لا قوام لنا به، انظر أبا بكر أنى أبايع ليزيد ويزيد رجل فاسق معلن الفسق يشرب الخمر ويلعب بالكلاب والفهود ويبغض بقية آل الرسول! لا والله لا يكون ذلك أبدا. # قال فبينما هما كذلك في هذه المحاورة إذ رجع إليهما الرسول (3) فقال: أبا عبد الله! إن الأمير قاعد ms0769 لكما خاصة تقوما إليه! قال: فزبره الحسين بن علي ثم قال: انطلق إلى أمير لا أم لك! فمن أحب أن يصير إليه منا فإنه صائر إليه، وأما أنا فإني أصير إليه الساعة إن شاء الله تعالى. # قال: فرجع الرسول أيضا إلى الوليد بن عتبة فقال: أصلح الله الأمير! أما الحسين بن علي خاصة فقد أجاب وها هو صائر إليك في إثري، فقال مروان بن الحكم: غدر والله الحسين! فقال الوليد: مهلا! فليس مثل الحسين يغدر (4) ولا يقول شيئا ثم لا يفعل. # قال: ثم أقبل الحسين على من بحضرته فقال: قوموا إلى منازلكم فإني صائر إلى هذا الرجل فأنظر ما عنده وما يريد. فقال له ابن الزبير: جعلت فداك يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! إني خائف عليك أن يحبسوك عندهم فلا يفارقونك أبدا دون أن تبايع أو تقتل. فقال الحسين: إني لست أدخل عليه وحدي، ولكن أجمع أصحابي إلي وخدمي وأنصاري وأهل الحق من شيعتي، ثم آمرهم أن يأخذ كل واحد سيفه مسلولا تحت ثيابه ثم يصيروا بإزائي، فإذا أنا أومأت إليهم وقلت: يا آل الرسول ادخلوا! # دخلوا وفعلوا ما أمرتهم به، فأكون على الامتناع، ولا أعطي المقادة والمذلة من # PageV05P012 # نفسي، فقد علمت والله أنه جاء من الأمر ما لا قوام به، ولكن قضاء الله ماض في وهو الذي يفعل في بيت رسوله عليه السلام ما يشاء ويرضى. # قال: ثم صار الحسين بن علي إلى منزله ثم دعا بماء، فلبس وتطهر بالماء وقام فصلى ركعتين ودعا ربه بما أحب في صلاته، فلما فرغ من ذلك أرسل إلى فتيانه وعشيرته ومواليه وأهل بيته فأعلمهم بشأنه ثم قال: كونوا بباب هذا الرجل فإني ماض إليه ومكلمه، فإن سمعتم أن صوتي قد علا وسمعتم كلامي وصحت بكم فأدخلوا يا آل الرسول واقتحموا من غير إذن ثم أشهروا السيوف ولا تعجلوا، فإن رأيتم ما تكرهون فضعوا سيوفكم ثم اقتلوا من يريد قتلي! # ثم خرج الحسين من منزله وفي يده قضيب ms0770 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في ثلاثين رجلا (1) من أهل بيته ومواليه وشيعته، حتى أوقفهم على باب الوليد بن عتبة ثم قال: # انظروا ما ذا أوصيتكم فلا تتعدوه وأنا أرجو أن أخرج إليكم سالما إن شاء الله. # قال: ثم دخل الحسين على الوليد بن عتبة فسلم عليه فرد عليه ردا حسنا ثم أدناه وقربه، قال: ومروان بن الحكم هناك جالس في مجلس الوليد، وقد كان بين مروان وبين الوليد منافرة ومفاوضة، فأقبل الحسين على الوليد فقال: أصلح الله الأمير! والصلاح خير من الفساد، والصلة خير من الخشناء والشحناء (2) وقد آن لكما أن تجتمعا، فالحمد لله الذي ألف بينكما، قال: فلم يجيباه في هذا بشيء. فقال الحسين: هل أتاكم من معاوية كائنة خبر فإنه كان عليلا وقد طالت علته، فكيف حاله الآن؟ قال: فتأوه الوليد وتنفس الصعداء وقال: أبا عبد الله! أجرك الله في معاوية فقد كان لك عم صدق وقد ذاق الموت، وهذا كتاب أمير المؤمنين يزيد. # فقال الحسين: إنا لله وإنا إليه راجعون، وعظم الله لك الأجر أيها الأمير، ولكن لماذا دعوتني؟ فقال: دعوتك للبيعة، فقد اجتمع عليه الناس. فقال الحسين: إن مثلي لا يعطي بيعته سرا (3)، وإنما أحب أن تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة، ولكن إذا كان من الغد ودعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم فيكون أمرنا واحدا (4): # PageV05P013 # فقال له الوليد: أبا عبد الله! لقد قلت فأحسنت في القول وأحببت جواب مثلك وكذا ظني بك، فانصرف راشدا على بركة الله حتى تأتيني غدا مع الناس! فقال مروان بن الحكم: أيها الأمير! إنه إذا فارقك في هذه الساعة لم يبايع فإنك لن تقدر منه ولا تقدر على مثلها، فاحبسه عندك ولا تدعه يخرج أو يبايع وإلا فاضرب عنقه. قال: # فالتفت إليه الحسين وقال: ويلي عليك يا بن الزرقاء! أتأمر بضرب عنقي، كذبت والله (1)، والله لو رام ذلك أحد من الناس لسقيت الأرض من دمه قبل ذلك، وإن شئت ذلك فرم ضرب عنقي إن كنت صادقا. قال: ms0771 ثم أقبل الحسين على الوليد بن عتبة وقال: أيها الأمير! إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحل الرحمة وبنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق شارب خمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق، مثلي لا يبايع لمثله، ولكن نصبح وتصبحون وننتظر وتنتظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة. قال: وسمع من بالباب الحسين فهموا بفتح الباب وإشهار السيوف، فخرج إليهم الحسين سريعا فأمرهم بالانصراف إلى منازلهم، وأقبل الحسين إلى منزله (2). # فقال مروان بن الحكم للوليد بن عتبة: عصيتني حتى انفلت الحسين من يدك، أما والله لا تقدر على مثلها أبدا، ووالله ليخرجن عليك وعلى أمير المؤمنين فاعلم ذلك، فقال له الوليد بن عتبة: ويحك! أشرت علي بقتل الحسين وفي قتله ذهاب ديني ودنياي، والله ما أحب أن أملك الدنيا بأسرها (3) وأني قتلت الحسين بن علي ابن فاطمة الزهراء، والله ما أظن أحدا يلقى الله بقتل الحسين إلا وهو خفيف الميزان عند الله [يوم القيامة] (4) لا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم. قال: # فسكت مروان (5). # وبعث الوليد إلى عبد الله بن الزبير فدعاه، فأرسل إليه ابن الزبير: أيها # PageV05P014 # الأمير! لا تعجل فإني لك على ما تحب وأنا صائر إليك إن شاء الله! قال: فأبى الوليد بن عتبة ذلك وجعل يرسل إليه رسولا بعد رسول حتى أكثر عليه من الرسل. # قال: وجعل أصحاب الوليد بن عتبة ينادون عبد الله بن الزبير ويقولون: يا بن الكاهلية! والله لتأتين الأمير ولتبايعنه أو لنقتلنك (1). قال: فأقبل جعفر بن الزبير حتى دخل على الوليد بن عتبة فسلم وقال: أصلح الله الأمير كف عن عبد الله فإنك قد دعوته وأنا صائر به إليك غدا إن شاء الله (2) ولا تلج به ومر أصحابك أن ينصرفوا عنه فإنك لن ترى منه إلا ما تحب. فأقبل الوليد على جعفر بن الزبير، فقال الوليد لجعفر: إن مثلي ومثل أخيك كما قال الله تعالى: * (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) * (3). فأمسك الوليد عن عبد الله بن الزبير يومه ذلك، وأرسل إلى ms0772 الرسل فأمرهم بالانصراف عنه (4). # فلما كان في نصف الليل وهدأت العيون خرج عبد الله بن الزبير ومعه إخوته بأجمعهم، فقال عبد الله لإخوته: خذوا عليهم غير المحجة فإني أيضا آخذ عليها مخافة أن يلحقنا الطلب. قال: فتفرق عنه إخوته ومضى عبد الله ومعه أخوه جعفر، ليس معهما ثالث، فأخذ على مجهول الطريق إلى مكة (5). وأصبح الوليد ففقد أولاد الزبير وعلم أن عبد الله قد هرب إلى مكة، فغضب لذلك وضاق به ذرعا، فقال له مروان: إن الأمير أبقاه الله إذا استشار أمراء المعرفة والنصيحة وأشاروا عليه فلم يقبل فيكون قد أخطأ وضيع الحزم، والآن فأنا أعلم أنه ما أخطأ طريق مكة فسرح في طلبه الرجال من قبل أن يمعن في المسير قال: فدعا الوليد برجل يقال له حبيب بن كزبر (6) فوجه به في ثلاثين (7) راكبا من موالي بني أمية في طلب عبد الله بن الزبير (8). # ثم أرسل إلى كل من كان من شيعة عبد الله بن الزبير فأخذه وحبسه وفيمن # PageV05P015 # حبس يومئذ ابن عم لعمر بن الخطاب يقال له عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي، وأمه يقال لها العجماء (1) بنت عامر بن الفضل بن عفيف بن كليب الخزاعية (2). # قال: وحبس أيضا مصعب بن عبد الرحمن بن عوف. # قال: فمشى رجال من بني عدي إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب فقالوا: يا أبا عبد الرحمن! إن صاحبنا عبد الله بن مطيع قد حبس مظلوما لا ذنب له، والله لتخرجنه أو لتموتن (3) من دونه. فقال لهم ابن عمر: لا تعجلوا بالفتنة ولا تسارعوا إليها، فكم من رجل قد أفسدت الفتنة عليه دينه ودنياه. قال: ثم أرسل ابن عمر إلى مروان بن الحكم فدعاه إليه، وقال: يا معشر بني أمية! استعينوا بالله وبالحق على إقامة دينكم ودنياكم، ولا تظلموا فإن الظلم مرتعه وخيم، ولا تأخذوا بالظنة والتهمة، فإنكم إن استقمتم أعانكم الله وإن ظلمتم وكلكم الله إلى أنفسكم، فكفوا عن صاحبنا هذا عبد الله بن مطيع وخلوا سبيله فإنا لا نعلم ms0773 أن لكم عليه سبيل ولا حق تحبسونه به، فإن زعمتم أنكم ما حبستموه إلا لحق فافعوا ذلك، وإن كنتم إنما حبستموه على الظن فإنا لا ندع صاحبنا يحبس مظلوما. فقال مروان: إنما نحن حبسناه بأمر أمير المؤمنين يزيد وعليكم (4) أن تكتبوا في ذلك إلى أمير المؤمنين ونكتب نحن أيضا فإنه لا يكون إلا ما تحبون. قال: فوثب أبو جهم بن حذيفة (5) العدوي فقال: نكتب وتكتبون وابن العجماء محبوس؟ لا والله لا يكون ذلك أبدا. # ثم وثب بنو (6) عدي فجعلوا يحضرون حتى صاروا إلى باب السجن، فاقتحموا على عبد الله بن مطيع فأخرجوه وأخرجوا كل من كان في السجن ولم يتعرض إليهم أحد. فاغتم لذلك الوليد بن عتبة وأراد أن يكتب بذلك إلى يزيد، فلبث ولم يكتب. # قال: وأصبح الحسين من الغد خرج من منزله ليستمع الأخبار، فإذا هو # PageV05P016 # بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه، فقال: أبا عبد الله! إني لك ناصح فأطعني ترشد وتسدد، فقال الحسين: وما ذلك قل حتى أسمع! فقال مروان: أقول إني آمرك ببيعة أمير المؤمنين يزيد فإنه خولك في دينك ودنياك، قال: فاسترجع الحسين وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد. ثم أقبل الحسين على مروان وقال: ويحك! أتأمرني ببيعة يزيد وهو رجل فاسق! لقد قلت شططا من القول يا عظيم الزلل! لا ألومك على قولك لأنك اللعين الذي لعنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص، فإن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن له ولا منه [إلا] أن يدعو إلى بيعة يزيد. ثم قال: إليك عني يا عدو الله! فإنا أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحق فينا وبالحق تنطق ألسنتنا، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " الخلافة محرمة على آل أبي سفيان وعلى الطلقاء أبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فافقروا بطنه " فو ms0774 الله لقد رآه أهل المدينة على منبر جدي فلم يفعلوا ما أمروا به، قاتلهم الله بابنه يزيد! زاده الله في النار عذابا. قال: فغضب مروان بن الحكم من كلام الحسين ثم قال: والله! لا تفارقني أو تبايع ليزيد بن معاوية صاغرا، فإنكم آل أبي تراب قد ملئتم كلاما وأشربتم بغض (1) آل بني سفيان، وحق عليكم أن تبغضوهم وحق عليهم أن تبغضوهم. # قال: فقال له الحسين: ويلك يا مروان! إليك عني فإنك رجس وإنا أهل بيت الطهارة الذين أنزل الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). (2) قال: فنكس مروان رأسه لا ينطق بشيء، فقال له الحسين: أبشر يا بن الزرقاء بكل ما تكره من الرسول عليه السلام يوم تقدم على ربك فيسألك جدي عن حقي وحق يزيد. قال: فمضى مروان مغضبا حتى دخل على الوليد بن عتبة فخبره بما سمع من الحسين بن علي. # قال: فعندها كتب الوليد (3) إلى يزيد بن معاوية يخبره بما كان من أهل المدينة # PageV05P017 # وما كان من ابن الزبير وأمر السجن، ثم ذكر له بعد ذلك أمر الحسين بن علي أنه ليس (1) يرى لنا عليه طاعة ولا بيعة. قال: فلما ورد الكتاب على يزيد غضب لذلك غضبا شديدا، وكان إذا غضب انقلبت عيناه فعاد أحول، قال: فكتب إلى الوليد بن عتبة. ### | ذكر كتاب يزيد بن معاوية إلى الوليد بن عتبة # من عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة ثانيا على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم، وذر عبد الله بن الزبير فإنه لن يفوتنا ولن ينجو منا أبدا ما دام حيا، وليكن مع جوابك إلي رأس الحسين بن علي، فإن فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنة الخيل ولك عندي الجائزة والحظ الأوفر والنعمة واحدة والسلام. # قال: فلما ورد الكتاب على الوليد بن عتبة وقرأه تعاظم ذلك وقال: لا والله لا يراني الله ms0775 قاتل الحسين بن علي! وأنا [لا] (2) أقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولو أعطاني يزيد الدنيا بحذافيرها. # قال: وخرج الحسين بن علي من منزله ذات ليلة وأتى إلى قبر جده صلى الله عليه وآله وسلم فقال: # السلام عليك يا رسول الله! أنا الحسين ابن فاطمة، أنا فرخك وابن فرختك وسبطك (3) في الخلف (4) الذي خلفت على أمتك فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم قد خذلوني وضيعوني وأنهم لم يحفظوني، وهذا شكواي إليك حتى ألقاك - صلى الله عليك وسلم -. ثم وثب قائما وصف قدميه ولم يزل راكعا وساجدا. # قال: وأرسل الوليد بن عتبة إلى منزل الحسين لينظر هل خرج من المدينة أم لا، فلم يصبه في منزله فقال: الحمد لله الذي لم يطالبني الله عز وجل بدمه! وظن أنه خرج من المدينة. # قال: ورجع الحسين إلى منزله مع الصبح، فلما كانت الليلة الثانية خرج إلى # PageV05P018 # القبر أيضا فصلى ركعتين (1)، فلما فرغ من صلاته جعل يقول: اللهم! إن هذا قبر نبيك محمد وأنا ابن بنت محمد وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللهم! وإني أحب المعروف وأكره المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحق هذا القبر ومن فيه ما (2) اخترت من أمري هذا ما هو لك رضى. # قال: ثم جعل الحسين يبكي حتى إذا كان في بياض الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى ساعة، فرأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أقبل في كبكبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه حتى ضم الحسين إلى صدره وقبل بين عينيه وقال: يا بني! يا حسين! كأنك عن قريب أراك مقتولا مذبوحا بأرض كرب وبلاء من عصابة من أمتي وأنت في ذلك عطشان لا تسقى وظمآن لا تروى وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، ما لهم لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة! فما لهم عند الله من خلاق، حبيبي يا حسين! إن أباك وأمك [وأخاك] (3) قد قدموا علي وهم إليك مشتاقون، وإن لك في الجنة ms0776 درجات لن تنالها إلا بالشهادة. قال: فجعل الحسين ينظر في منامه إلى جده صلى الله عليه وآله وسلم ويسمع كلامه وهو يقول: يا جداه! لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا أبدا فخذني إليك واجعلني معك إلى منزلك. قال: فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا حسين! إنه لا بد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة وما كتب الله لك فيها من الثواب العظيم فإنك (4) وأباك وأخاك وعمك وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنة (5). # قال: فانتبه الحسين من نومه فزعا مذعورا فقص رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب، فلم يكن ذلك اليوم في شرق ولا غرب أشد غما من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا أكثر منه باكيا وباكية. # وتهيأ الحسين بن علي وعزم على الخروج من المدينة ومضى في جوف الليل إلى قبر أمه فصلى عند قبرها وودعها، ثم قام عن قبرها وصار إلى قبر أخيه الحسن # PageV05P019 # ففعل مثل ذلك ثم رجع إلى منزله. وفي وقت الصبح أقبل إليه أخوه محمد ابن الحنفية. ### | ذكر وصية الحسين بن علي إلى أخيه محمد ابن الحنفية # قال: فلم جاء إليه محمد ابن الحنفية رضي الله عنه: يا أخي فدتك نفسي! أنت أحب الناس إلي وأعزهم علي ولست والله أدخر النصيحة لأحد من الخلق وليس أحد أحق لها منك فإنك كنفسي وروحي وكبير أهل بيتي ومن عليه اعتمادي وطاعته في عنقي لأن الله تبارك وتعالى قد شرفك وجعلك من سادات أهل الجنة. وإني أريد أن أشير عليك برأيي فاقبله مني. فقال له الحسين: قل ما بدا لك! فقال: أشير عليك أن تنجو نفسك (1) عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار (2) ما استطعت، وأن تبعث رسلك إلى الناس وتدعوهم (3) إلى بيعتك فإني إن بايعك الناس (4) وتابعوك حمدت الله على ذلك، وقمت فيهم بما يقوم فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدون المهديون من بعده حتى يتوفاك الله وهو عنك راض ms0777 والمؤمنون كذلك كما رضوا عن أبيك وأخيك، وإن أجمع الناس على غيرك حمدت الله على ذلك (5)، وإني خائف عليك أن تدخل مصرا من الأمصار أو تأتي جماعة من الناس فيقتتلون فتكون طائفة منهم معك وطائفة عليك فتقتل منهم. فقال له الحسين: يا أخي! إلى أين أذهب؟ قال: أخرج إلى مكة فإن اطمأنت بك الدار فذاك الذي تحب وأحب، وإن تكن الأخرى خرجت إلى بلاد اليمن فإنهم أنصار جدك وأخيك وأبيك، وهم أرأف الناس وأرقهم قلوبا وأوسع الناس بلادا وأرجحهم عقولا، فإن اطمأنت بك أرض اليمن وإلا لحقت بالرمال وشعوب الجبال وصرت من بلد إلى بلد لتنظر (6) ما يؤول إليه أمر الناس ويحكم بينك وبين القوم الفاسقين. فقال له الحسين: # PageV05P020 # يا أخي! والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت والله يزيد بن معاوية أبدا وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " اللهم! لا تبارك في يزيد " قال: فقطع عليه محمد ابن الحنفية الكلام وبكى فبكى معه الحسين ساعة ثم قال: جزاك الله يا أخي عني خيرا! ولقد نصحت وأشرت بالصواب وأنا أرجو أن يكون إن شاء الله رأيك موفقا مسددا، وإني قد عزمت على الخروج إلى مكة وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو إخوتي وشيعتي وأمرهم أمري ورأيهم رأيي. وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عينا عليهم ولا تخف علي شيئا من أمورهم. قال: ثم دعا الحسين بداوة وبياض وكتب فيه. ### | وصية الحسين رضي الله عنه لأخيه محمد رضي الله عنه # فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب لأخيه محمد ابن الحنفية المعروف ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # إن الحسين بن علي يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، جاء بالحق من عنده، وأن الجنة حق والنار حق. وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وإني لم أخرج أشرا ms0778 ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب النجاح والصلاح في أمة جدي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرة أبي علي بن أبي طالب وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي [الله] (1) بيني وبين القوم بالحق ويحكم بيني وبينهم [بالحق] (2) وهو خير الحاكمين، هذه وصيتي إليك يا أخي! وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، والسلام عليك وعلى من اتبع الهدى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # قال: ثم طوى الكتاب الحسين وختمه وبخاتمه ودفعه إلى أخيه محمد ابن الحنفية ثم ودعه وخرج في جوف الليل يريد مكة بجميع أهله (3)، وذلك لثلاث ليال # PageV05P021 # مضين من شهر شعبان (1) في سنة ستين، فجعل يسير ويقرأ هذه الآية: (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) (2)، فقال له ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب: يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! لو عدلنا عن الطريق وسلكنا غير الجادة كما فعل عبد الله بن الزبير كان عندي الرأي، فإنا نخاف أن يلحقنا الطلب! # فقال له الحسين: لا والله يا بن عمي! لا فارقت هذا الطريق أبدا أو أنظر إلى أبيات مكة أو يقضي الله في ذلك ما يحب ويرضى، ثم جعل الحسين يتمثل بشعر يزيد بن المفرغ الحميري وهو يقول (3): # لا سهرت السوام في فلق الصب‍ * ح مضيئا ولا دعيت يزيدا (4) يوم أعطى من المخافة ضي‍ * ما والمنايا يرصدنني أن أحيدا قال: فبينما الحسين كذلك بين المدينة ومكة إذا استقبله عبد الله بن مطيع العدوي (5) فقال: أين تريد أبا عبد الله جعلني الله فداك! قال: أما (6) في وقتي هذا أريد مكة، فإذا صرت إليها استخرت الله تعالى في أمري بعد ذلك. فقال له # PageV05P022 # عبد الله بن مطيع: خار (1) الله لك يا بن ms0779 بنت رسول الله فيما قد عزمت عليه غير أني أشير عليك بمشورة فاقبلها مني، فقال له الحسين. وما هي يا بن مطيع؟ قال: إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرك أهل الكوفة (2) فيها قتل أبوك وأخوك (3) بطعنة طعنوه كادت أن تأتي على نفسه، فألزم الحرم فأنت سيد العرب في دهرك هذا، فو الله لئن هلكت ليهلكن أهل بيتك بهلاكك والسلام. قال: فودعه الحسين ودعا له بخير وسار حتى وافى مكة، فلما نظر إلى جبالها (4) من بعيد جعل يتلو هذه الآية: (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل) (5). # ودخل الحسين إلى مكة ففرح به أهلها فرحا شديدا. قال: وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشية، واشتد ذلك على عبد الله بن الزبير لأنه قد كان طمع أن يبايعه أهل مكة، فلما قدم الحسين شق ذلك عليه، غير أنه لا يبدي ما في قلبه إلى الحسين لكنه يختلف إليه ويصلي بصلاته ويقعد عنده ويسمع من حديثه وهو مع ذلك يعلم أنه لا يبايعه أحد من أهل مكة والحسين بن علي بها، لأن الحسين عندهم أعظم في أنفسهم من ابن الزبير (6). # قال: وبلغ ذلك أهل الكوفة أن الحسين بن علي قد صار إلى مكة. وأقام الحسين بمكة باقي شهر شعبان ورمضان وشوال وذي (7) العقدة. قال: وبمكة يومئذ عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، فأقبلا جميعا حتى دخلا على الحسين وقد عزما على أن ينصرفا إلى المدينة فقال له ابن عمر: أبا عبد الله! رحمك الله اتق (8) الله الذي إليه معادك! فقال عرفت من عداوة أهل هذا البيت لكن وظلمهم إياكم، وقد ولي الناس هذا الرجل، يزيد بن معاوية، ولست # PageV05P023 # آمن أن يميل الناس إليه لمكان هذه (1) الصفراء والبيضاء فيقتلونك (2) ويهلك فيك بشر كثير، فإني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: " حسين مقتول، ولئن قتلوه وخذلوه ولن ينصروه ليخذل هم الله إلى يوم القيامة! " وأنا أشير عليك أن تدخل في صلح ms0780 ما دخل فيه الناس، واصبر كما صبرت لمعاوية من قبل، فلعل الله أن يحكم بينك وبين القوم الظالمين. فقال له الحسين: أبا عبد الرحمن! أنا أبايع يزيد وأدخل في صلحه وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه وفي أبيه ما قال؟ فقال ابن عباس: صدقت أبا عبد الله! قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته: " ما لي وليزيد لا بارك الله في يزيد! وإنه يقتل ولدي وولد ابنتي الحسين رضي الله عنه، والذي نفسي بيده! لا يقتل ولدي بين ظهراني (3) قوم فلا يمنعونه إلا خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم! ثم بكى ابن عباس و بكى معه الحسين وقال: يا بن عباس! تعلم أني ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فقال ابن عباس: اللهم نعم نعلم ونعرف أن ما في الدنيا أحد هو ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آله) غيرك، وأن نصرك لفرض على هذه الأمة كفريضة الصلاة والزكاة التي لا يقدر أن يقبل أحدهما دون الأخرى. قال الحسين: يا بن عباس! فما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من داره وقراره ومولده وحرم رسوله ومجاورة قبره ومولده ومسجده وموضع مهاجره، فتركوه خائفا مرعوبا لا يستقر في قرار ولا يأوي في موطن، يريدون في ذلك قتله وسفك دمه وهو لم يشرك بالله شيئا ولا اتخذ من دونه وليا، ولم يتغير عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء من بعده؟ فقال ابن عباس: ما أقول فيهم [إلا] (4) (انهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى) (5) (يرآءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا * مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) (6) وعلى مثل هؤلاء تنزل (7) البطشة الكبرى، وأما أنت يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنك رأس الفخار برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن ms0781 نظيره البتول، فلا تظن يا بن بنت رسول الله أن الله غافل عما يعمل # PageV05P024 # الظالمون، وأنا أشهد أن من رغب عن مجاورتك وطمع في محاربتك ومحاربة نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم فماله من خلاق. فقال الحسين: اللهم اشهد! فقال ابن عباس: جعلت فداك يا بن بنت رسول الله! كأنك تريدني إلى نفسك وتريد مني أن أنصرك! والله الذي لا إله إلا هو أن لو ضربت بين يديك سيفي هذا حتى انخلع جميعا من كفي لما كنت ممن أوفي من حقك عشر العشر! وها أنا بين يديك مرني بأمرك. فقال ابن عمر: مهلا ذرنا من هذا يا بن عباس. # قال: ثم أقبل ابن عمر على الحسين فقال: أبا عبد الله! مهلا عما قد عزمت عليه وارجع من هنا إلى المدينة وادخل في صلح القوم ولا تغب عن وطنك وحرم جدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تجعل لهؤلاء الذين لا خلاق لهم على نفسك حجة وسبيلا، وإن أحببت أن لا تبايع فأنت متروك حتى ترى برأيك فإن يزيد بن معاوية - لعنه الله - عسى أن لا يعيش إلا قليلا فيكفيك الله أمره. فقال الحسين: أف لهذا الكلام أبدا ما دامت السماوات والأرض! أسألك بالله يا عبد الله أنا عندك على خطأ من أمري هذا؟ فإن كنت عندك على خطأ فردني فإني أخضع وأسمع وأطيع، فقال ابن عمر: اللهم لا ولم يكن الله تعالى يجعل ابن بنت رسوله على خطأ، وليس مثلك من طهارته وصفوته من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على مثل يزيد بن معاوية - لعنه الله - باسم الخلافة، ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف وترى من هذه الأمة ما لا تحب، فارجع معنا إلى المدينة وإن لم تحب أن تبايع فلا تبايع أبدا واقعد في منزلك. فقال الحسين: هيهات يا بن عمر! إن القوم لا يتركوني وإن أصابوني وإن لم يصيبوني فلا يزالون حتى أبايع وأنا كاره أو يقتلوني، أما تعلم يا (1) عبد ms0782 الله! أن من هوان هذه الدنيا على الله تعالى أنه أتي برأس يحيى بن زكريا عليه السلام إلى بغية من بغايا (2) بني إسرائيل والرأس ينطق بالحجة عليهم؟ أما تعلم أبا عبد الرحمن! أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس (3) سبعين نبيا ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كلهم كأنهم لم يصنعوا شيئا، فلم يعجل الله عليهم، ثم أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر، اتق الله أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي واذكرني في صلاتك، فو الذي بعث جدي # PageV05P025 # محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بشيرا ونذيرا لو أن أباك عمر بن الخطاب أدرك زماني لنصرني كنصرته جدي وأقام من دوني قيامه بين يدي جدي، يا بن عمر! فإن كان الخروج معي مما يصعب عليك ويثقل فأنت في أوسع العذر، ولكن لا تتركن لي الدعاء في دبر كل صلاة، واجلس عن القوم ولا تعجل بالبيعة لهم حتى تعلم إلى ما تؤول الأمور قال: ثم أقبل الحسين على عبد الله بن عباس رحمه الله فقال: يا بن عباس! # إنك ابن عم والدي، ولم تزل تأمر بالخير منذ عرفتك، وكنت مع والدي تشير عليه بما فيه الرشاد، وقد كان يستنصحك ويستشيرك فتشير عليه بالصواب، فامض إلى المدينة في حفظ الله وكلائه ولا يخفى علي شيء من أخبارك فإني مستوطن هذا الحرم ومقيم فيه أبدا ما رأيت أهله يحبوني وينصروني، فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم واستعصمت بالكلمة التي قالها إبراهيم الخليل صلى الله عليه وآله وسلم يوم ألقي في النار (حسبي الله ونعم الوكيل) فكانت النار عليه بردا وسلاما. # قال: فبكى ابن عباس وابن عمر في ذلك الوقت بكاء شديدا والحسين يبكي معهما ساعة ثم ودعهما، وصار ابن عمر وابن عباس إلى المدينة، وأقام الحسين بمكة قد لزم الصوم والصلاة واجتمعت الشيعة بالكوفة. PageV05P026 ### | ذكر أخبار الكوفة وما كان من كتبهم إلى الحسين ابن علي رضي الله عنهما قال: واجتمعت الشيعة في دار سليمان بن صرد الخزاعي فلما تكاملوا ms0783 في منزله قام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أهل بيته، ثم ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فترحم عليه وذكر مناقبه الشريفة، ثم قال: يا معشر الشيعة! إنكم قد علمتم بأن معاوية قد صار إلى ربه وقدم على عمله وسيجزيه الله تبارك وتعالى بما قدم من خير أو شر، وقد قعد في موضعه ابنه يزيد - زاده الله خزيا - وهذا الحسين بن علي قد خالفه (1) وصار إلى مكة خائفا من طواغيت آل أبي سفيان وأنتم شيعته وشيعة أبيه من قبله، وقد احتاج إلى نصرتكم اليوم، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهد وعدوه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهي والفشل فلا تغروا (2) الرجل من نفسه. فقال القوم: بل ننصره ونقاتل عدوه، ونقتل أنفسنا دونه حتى ينال حاجته. فأخذ عليهم سليمان بن صرد بذلك ميثاقا وعهدا أنهم لا يغدرون ولا ينكثون (3). ثم قال: اكتبوا إليه الآن كتابا من جماعتكم أنكم له كما ذكرتم، وسلوه القدوم عليكم. قالوا: أفلا تكفينا أنت الكتاب إليه؟ قال: لا، بل يكتب جماعتكم. قال: فكتب القوم إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما. ### || ذكر الكتاب الأول إلى الحسين رضي الله عنه # بسم الله الرحمن الرحيم، إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما، من # PageV05P027 # سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة (1) وحبيب بن مظاهر (2) ورفاعة بن شداد وعبد الله بن وال وجماعة شيعته من المؤمنين (3)، أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك وعدو أبيك من قبلك الجبار العنيد الغشوم الظلوم الذي أبتر (4) هذه الأمة وعضاها (6) وتأمر عليها بغير رضاها، ثم قتل خيارها واستبقى أشرارها (5)، فبعدا له كما بعدت ثمود! (7) ثم إنه قد بلغنا أن ولده اللعين قد تأمر على هذه الأمة بلا مشورة ولا إجماع ولا علم من الأخبار، ونحن مقاتلون معك وباذلون أنفسنا من دونك فاقبل إليه فرحا مسرورا مأمونا مباركا سديدا وسيدا أميرا مطاعا إماما خليفة علينا مهديا، فإنه ليس عليك إمام ولا أمير إلا النعمان بن بشير وهو ms0784 في قصر الإمارة وحيد طريد، ليس يجتمع معه في جمعه ولا يخرج معه إلى عيد ولا يؤدى إليه الخراج، يدعو فلا يجاب ويأمر فلا يطاع، ولو بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه عنا حتى يلحق بالشام، فاقدم إلينا فلعل الله عز وجل أن يجمعنا بك على الحق، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته يا بن رسول الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ". # ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى عبد الله بن سبع (8) الهمداني وعبد الله بن مسمع البكري (9)، ووجهوا بهما إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما. فقرأ الحسين كتاب أهل الكوفة فسكت ولم يجبهم (10) بشيء (11). # PageV05P028 # ثم قدم عليه بعد ذلك قيس (1) بن مسهر الصيداوي (2) وعبد الرحمن بن عبد الله (3) الأرحبي وعمارة (4) بن عبيد (5) السلولي وعبد الله بن وال التميمي، ومعهم جماعة نحو خمسين ومائة (6)، كل كتاب من رجلين وثلاثة وأربعة، ويسألوه القدوم عليهم، والحسين يتأنى في أمره فلا يجيبهم بشيء. # ثم قدم عليه بعد ذلك هانئ [بن -] (7) هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي (8) بهذا الكتاب (9)، وهو آخر ما ورد على الحسين من أهل الكوفة. ### || ذكر الكتاب الثاني # بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي أمير المؤمنين من شيعته وشيعة أبيه، أما بعد [فحيهلا] (10) فإن الناس منتظرون لا رأي لهم [في] (10) غيرك، فالعجل العجل يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! قد (11) اخضر [ت] الجنات (12) وأينعت الثمار (13) وأعشبت الأرض وأورقت الأشجار (13)، فاقدم إذا شئت فإنما تقدم إلى جند لك مجند - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى أبيك من قبلك -. # PageV05P029 # فقال الحسين لهانئ وسعيد بن عبد الله الحنفي: خبراني من اجتمع على هذا الكتاب الذي كتب معكما إلي! فقالا: يا أمير المؤمنين! اجتمع عليه شبث (1) بن ربعي وحجار بن أبجر (2) ويزيد (3) بن الحارث ويزيد بن رويم (4) وعروة بن قيس وعمرو (5) بن الحجاج ومحمد بن عمير بن عطارد (6). # قال: فعندها قام الحسين فتطهر وصلى ركعتين بين الركن والمقام، ثم انفتل من صلاته وسأل ربه الخير فيما كتب إليه ms0785 أهل الكوفة، ثم جمع الرسل فقال لهم: # إني رأيت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منامي وقد أمرني بأمر وأنا ماض لأمره، فعزم الله لي بالخير، إنه ولي ذلك والقادر على إن شاء الله تعالى. ### | ذكر كتاب الحسين بن علي إلى أهل الكوفة # بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين (7)، سلام عليكم أما بعد فإن هانئ بن هانئ وسعيد بن عبد الله قدما علي بكتبكم فكانا آخر من قدم علي من عندكم (8)، وقد فهمت (9) الذي قد قصصتم وذكرتم ولست أقصر عما أحببتم، وقد بعثت (10) إليكم أخي وابن عمي وثقتي (11) من أهل بيتي مسلم (12) بن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد أمرته أن يكتب إلي بحالكم ورأيكم ورأي ذوي (13) الحجى والفضل منكم، وهو متوجه إلى ما قبلكم إن شاء الله تعالى والسلام ولا قوة إلا بالله، فإن كنتم على ما قدمت به رسلكم وقرأت في كتبكم # PageV05P030 # فقوموا مع ابن عمي وبايعوه وانصروه ولا تخذلوه فلعمري! ليس الإمام العادل بالكتاب والعادل بالقسط كالذي يحكم بغير الحق ولا يهدي ولا يهتدي، جمعنا الله وإياكم على الهدى وألزمنا وإياكم كلمة التقوى، إنه لطيف لما يشاء - والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1) -. # قال: ثم طوى الكتاب وختمه ودعا مسلم بن عقيل رحمه الله فدفع إليه الكتاب وقال له: إني موجهك إلى أهل الكوفة وهذه كتبهم إلي، وسيقضي الله من أمرك ما يحب ويرضى، وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء، فامض على بركة الله حتى تدخل الكوفة، فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها وادع الناس إلى طاعتي وأخذلهم عن آل أبي سفيان، فإن رأيت الناس مجتمعين (2) على بيعتي فعجل لي بالخبر حتى أعمل على حسب ذلك إن شاء الله تعالى (3)، ثم عانقه وودعه وبكيا جميعا. # PageV05P031 ### | ذكر خروج مسلم بن عقيل رضي الله عنه نحو العراق # قال: فخرج مسلم بن عقيل من مكة نحو المدينة مستخفيا لئلا يعلم به أحد من بني أمية، فلما دخل ms0786 المدينة بدأ بمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى فيه ركعتين، ثم أقبل في جوف الليل حتى ودع من أحب من أهل بيته، ثم إنه استأجر دليلين (1) من قيس عيلان يدلانه على الطريق ويصحبانه (2) إلى الكوفة على غير الجادة. قال: فخرج به الدليلان من المدينة ليلا وسارا (3)، فغلطا الطريق وجارا عن القصد واشتد بهما العطش فماتا جميعا عطشا (4). # قال: وكتب مسلم بن عقيل رحمه الله إلى الحسين: بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي بن مسلم بن عقيل، أما بعد فإني خرجت (5) من المدينة مع الدليلين (6) استأجرت هما فضلا عن الطريق وماتا عطشا، ثم إنا صرنا إلى الماء بعد ذلك وكدنا أن نهلك فنجونا بحشاشة أنفسنا، وأخبرك يا بن بنت رسول الله إنا أصبنا الماء بموضع يقال له المضيق (7)، وقد تطيرت من وجهي هذا الذي وجهتني به، # PageV05P032 # فرأيك (1) في إعفائي منه - والسلام -. # قال: فلما قرأ كتاب مسلم بن عقيل رحمه الله علم أنه قد تشاءم وتطير من موت الدليلين (2) وأنه جزع. # فكتب إليه [الحسين]: # بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى مسلم بن عقيل، أما بعد فإني (3) خشيت أن لا يكون حملك على الكتاب إلى والاستعفاء من وجهك (4) هذا الذي أنت فيه إلا الجبن والفشل فامض لما أمرت به (5) - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # فلما ورد الكتاب على مسلم بن عقيل كأنه وجد من ذلك في نفسه ثم قال: # والله لقد نسبني أبو عبد الله الحسين إلى الجبن والفشل، وهذا شيء لم أعرفه من نفسي أبدا. ثم سار مسلم بن عقيل من موضعه ذلك يريد الكوفة، فإذا برجل يرمي الصيد فنظر إليه مسلم فرآه وقد رمى ظبيا فصرعه، فقال مسلم: نقتل أعداءنا (6) إن شاء الله تعالى. # قال: ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة فنزل دار سالم (7) بن المسيب وهي دار المختار بن [أبي] (8) عبيد الثقفي. # PageV05P033 ### | ذكر نزول مسلم بن عقيل الكوفة واجتماع الشيعة إليه للبيعة # قال: وجعلت الشيعة تختلف إلى دار مسلم وهو يقرأ عليهم كتاب ms0787 الحسين و القوم يبكون شوقا منهم إلى قدوم الحسين. ثم تقدم إلى مسلم بن عقيل رجل من همدان يقال له عابس بن أبي شبيب الشاكري فقال: أما بعد فإني لا أخبرك عن الناس بشيء فإني أعلم (1) ما في أنفسهم، ولكني أخبرك عما أنا موطن عليه نفسي. # والله أجيبكم (2) إذا دعوتم وأقاتل معكم عدوكم وأضرب بسيفي دونكم أبدا حتى ألقى الله وأنا لا أريد بذلك إلا ما عنده. # ثم قام حبيب بن مظاهر (3) الأسدي الفقعسي قال: وأنا والله الذي لا إله إلا هو على ما أنت (4) عليه. وتبايعت الشيعة على كلام هذين الرجلين ثم بذلوا الأموال، فلم يقبل مسلم بن عقيل منها شيئا (5). # قال: وبلغ ذلك النعمان بن بشير قدوم مسلم بن عقيل الكوفة واجتماع الشيعة عليه - والنعمان يومئذ أمير الكوفة - فخرج من قصر الإمارة مغضبا (6) حتى دخل # PageV05P034 # المسجد الأعظم فنادى في الناس فاجتمعوا إليه فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل الكوفة فاتقوا الله ربكم ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيها (1) سفك الدماء وذهاب الرجال والأموال، واعلموا أني لست أقاتل إلا من قاتلني، ولا أثب إلا على من وثب علي غير أنكم قد أبديتم صفحتكم (2) ونقضتم (3) بيعتكم وخالفتم إمامكم فإن رأيتم أنكم رجعتم عن ذلك، وإلا فو الله الذي لا إله إلا هو لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولو لم يكن لي [منكم] (4) ناصر، مع أني أرجو أن من يعرف الحق منكم أكثر ممن يريد (5) الباطل. # فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد (6) الحضرمي فقال: أيها الأمير أصلحك الله إن هذا الذي أنت عليه من رأيك إنما هو رأي المستضعفين فقال له النعمان بن بشير: يا هذا! والله لأن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من المغلوبين (7) في معصية الله. # قال: ثم نزل عن المنبر ودخل قصر الإمارة، وكتب عبد الله بن مسلم (8) إلى يزيد بن معاوية يخبره بذلك: # بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله يزيد ms0788 بن معاوية أمير المؤمنين من شيعته من أهل الكوفة، أما بعد فإن مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة وقد بايعه الشيعة للحسين بن علي رضي الله عنهما وهم خلق كثير، فإن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليهما رجلا قويا ينفذ فيها أمرك ويعمل فيها بعملك من عدوك، فإن النعمان بن بشير رجل # PageV05P035 # ضعيف أو هو مضعف والسلام (1). قال: ثم كتب أيضا عمارة بن عقبة بن أبي معيط (2) بنحو من ذلك: فكتب إليه عمر (3) بن سعد بن أبي وقاص بمثل ذلك. # قال: فلما اجتمعت الكتب عند يزيد بن معاوية دعا بغلام أبيه وكان اسمه سرجون، فقال: يا سرجون! ما الذي عندك في أهل الكوفة فقد قدم مسلم بن عقيل وقد بايعه الترابية للحسين بن علي رضي الله عنهما؟ فقال له سرجون: أتقبل مني ما أشير به عليك؟ فقال يزيد: قل حتى أسمع! فقال: أشير عليك أن تكتب إلى عبيد الله (4) بن زياد فإنه أمير البصرة فتجعل له الكوفة زيادة في عمله حتى يكون هو الذي يقدم الكوفة فيكفيك أمرهم. فقال يزيد: هذا لعمري هو الرأي (5). # ثم كتب يزيد إلى عبيد الله (6) بن زياد: أما بعد فإن شيعتي من أهل الكوفة كتبوا إلي فخبروني (7) أن مسلم بن عقيل يجمع الجموع ويشق عصا المسلمين، وقد اجتمع عليه خلق كثير من شيعة أبي تراب (8)، فإذا وصل إليك كتابي هذا فسر حين تقرأه حتى تقدم الكوفة فتكفيني أمرها، فقد جعلتها زيادة في عملك وضممتها إليك، فانظر أين تطلب مسلم بن عقيل بن أبي طالب بها فاطلبه طلب الخرزة، فإذا ظفرت به فاقتله ونفذ إلي رأسه (9)، واعلم أنه لا عذر لك عندي دون ما أمرتك به، # PageV05P036 # فالعجل العجل والوحا الوحا - والسلام -. ثم دفع الكتاب إلى مسلم بن عمرو الباهلي ثم أمره أن يجد السير إلى عبيد الله بن زياد. قال: فلما ورد الكتاب على عبيد الله بن زياد (1) وقرأه أمر بالجهاز إلى الكوفة. # قال: وقد كان الحسين بن علي قد كتب إلى رؤساء أهل البصرة ms0789 مثل الأحنف بن قيس ومالك بن مسمع والمنذر بن الجارود وقيس بن الهيثم (2) ومسعود بن عمرو (3) وعمر (4) بن عبيد الله بن معمر فكتب إليهم كتابا (5) يدعوهم فيه إلى نصرته والقيام معه في حقه، فكان كل من قرأ كتاب الحسين كتمه (6)، ولم يخبر به أحد إلا المنذر بن الجارود فإنه خشي أن يكون هذا الكتاب دسيسا من عبيد الله بن زياد وكانت حومة (7) بنت المنذر بن الجارود تحت عبيد الله بن زياد، فأقبل إلى عبيد الله بن زياد فخبره بذلك. قال: فغضب عبيد الله بن زياد وقال: من رسول الحسين بن علي إلى البصرة؟ فقال المنذر بن الجارود: أيها الأمير رسوله إليهم مولى يقال له سليمان (8) رحمه الله، فقال عبيد الله بن زياد: علي به! فأتي بسليمان (8) مولى الحسين وقد كان متخفيا عند بعض الشيعة بالبصرة، فلما رآه عبيد الله (9) بن زياد لم يكلمه دون أن أقدمه فضرب عنقه صبرا - رحمه الله -! ثم أمر بصلبه. ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد (10) يا أهل البصرة (10)! إني لنكل (11) لمن عاداني وسم (12) لمن # PageV05P037 # حاربني (1)، فقد أنصف القارة من راماها (2)، يا أهل البصرة! إن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية قد ولاني الكوفة وأنا سائر إليها غدا إن شاء الله تعالى، وقد استخلفت عليكم أخي عثمان بن زياد، فإياكم والخلاف والإرجاف (3)، فو الذي لا إله إلا هو! # لو بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه ولأقتلن عريفه (4)، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى يستقيموا لي، فاحذروا أن يكون فيكم مخالف أو مشاق، فأنا ابن زياد (5) الذي لم ينازعني عم ولا خال - والسلام -. قال: ثم نزل من المنبر. # فلما كان من الغد نادى في الناس وخرج من البصرة يريد الكوفة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي والمنذر بن الجارود العبدي (6) وشريك بن الأعور الحارثي وحشمه وأهل بيته (6)، فلم يزل يسير حتى بلغ قريبا من الكوفة. ### | ذكر [مسير] عبيد الله بن زياد ونزوله الكوفة وما فعل بها # قال: فلما تقارب عبيد الله بن زياد من الكوفة نزل، فلما ms0790 أمسى وجاء الليل دعا بعمامة غبراء (7) واعتجر بها ثم تقلد سيفه وتوشح قوسه وتكنن كنانته وأخذ في يده قضيبا واستوى على بغلته الشهباء، وركب معه أصحاب، وأقبل حتى دخل الكوفة من # PageV05P038 # طريق البادية وذلك في ليلة مقمرة والناس متوقعون قدوم الحسين رضي الله عنه، قال: فجعلوا ينظرون إليه وإلى أصحابه وهو في ذلك يسلم عليهم فيردون عليه السلام، وهم لا يشكون أنه الحسين، وهم يمشون بين يديه، وهم يقولون: # مرحبا بك يا بن بنت رسول الله [قدمت] (1) خير مقدم. قال: فرأى عبيد الله بن زياد من تباشير الناس بالحسين بن علي ما ساءه ذلك وسكت ولم يكلمهم ولا رد عليهم شيئا. قال: فتكلم مسلم بن عمرو الباهلي وقال: إليكم عن الأمير يا ترابية! فليس هذا من تظنون، هذا الأمير عبيد الله بن زياد قال: فتفرق الناس عنه ودخل عبيد الله بن زياد قصر الإمارة وقد امتلأ غيظا (2) وغضبا (3). # فلما أصبح نادى: الصلاة جامعة! فاجتمع الناس إلى المسجد الأعظم، فلما علم أنهم قد تكاملوا خرج إليهم متقلدا بسيف متعمما (4) بعمامة، حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل الكوفة! فإن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ولاني مصركم وثغركم وأمرني أن أغيث مظلومكم، وأن أعطي محرومكم، وأن أحسن إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدة على مريبكم (5)، وأنا متبع (6) في ذلك أمره ومنفذ فيكم عهده (7) - والسلام -، ثم نزل ودخل القصر. # فلما كان اليوم الثاني خرج إلى الناس ونادى بالصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس خرج إليهم بزي خلاف ما خرج به أمس، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنه لا يصلح هذا الأمر إلا في شدة فمن غير عنف، ولين في غير # PageV05P039 # ضعف، وأن آخذ منكم البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، والولي بالولي. قال: # فقام إليه رجل من أهل الكوفة يقال له أسد بن عبد الله المري فقال: أيها الأمير! إن الله تبارك وتعالى يقول: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وإنما المرء بجده، والسيف بحده، والفرس بشدة، وعليك ms0791 أن تقول وعلينا أن نسمع، فلا تقدم فينا السيئة قبل الحسنة. قال: فسكت عبيد الله بن زياد ونزل عن المنبر فدخل قصر الإمارة. # وسمع بذلك مسلم بن عقيل وبقدوم عبيد الله بن زياد وكلامه، فكأنه اتقى على نفسه، فخرج من الدار التي (1) هو فيها في جوف الليل حتى أتى دار هانئ بن عروة المذحجي رحمه الله فدخل عليه، فلما رآه هانئ قام إليه وقال: ما وراءك - جعلت فداك؟ فقال مسلم: ورائي ما علمت هذا عبيد الله بن زياد الفاسق ابن الفاسق قد قدم الكوفة فاتقيته على نفسي (2)، وقد أقبلت إليك لتجيرني وتأويني حتى أنظر إلى ما يكون. فقال له هانئ بن عروة: جعلت فداك! والله لقد كلفتني شططا! ولو لا دخولك داري (3) لأحببت أن تنصرف، غير أني أرى ذلك عارا علي أن يكون رجل أتاني مستجيرا، فانزل على بركة الله (4). قال: فنزل مسلم بن عقيل في دار هانئ المذحجي. وجعل عبيد الله بن زياد يسأل عنه فلم يجد من يرشده عليه، وجعلت الشيعة تختلف إلى مسلم رحمه الله في دار هانئ ويبايعون للحسين سرا، ومسلم بن عقيل يكتب أسماءهم ويأخذ عليهم العهود والمواثيق لا يركنون ولا يعذرون، حتى بايع مسلم بن عقيل نيف وعشرون ألفا (5). قال: وهم مسلم بن # PageV05P040 # عقيل أن يثب إلى عبيد الله (1) بن زياد فيمنعه هانئ من ذلك ويقول: لا تعجل فإن العجلة لا خير فيها. # ودعا عبيد الله بن زياد بمولى له يقال له معقل (2) فقال: هذه ثلاثة آلاف (3) درهم خذها إليك والتمس لي مسلم بن عقيل حيث كان من الكوفة، فإذا عرفت موضعه فادخل إليه وأعلمه أنك من شيعته وعلى مذهبه وادفع إليه هذه (4) الثلاثة آلاف درهم وقل له: استعن (5) بهذه على عدوك، فإنك إذا دفعت إليه الثلاثة آلاف درهم وثق بناحيتك واطمأن عليك ولم يكتمك من أمره شيئا، وفي غداة غد تعدو (6) علي بالأخبار. # قال: فأقبل معقل مولى عبيد الله بن زياد حتى دخل المسجد الأعظم، فرأى رجلا من الشيعة يقال له مسلم بن ms0792 عوسجة الأسدي فجلس إليه فقال: يا (7) عبد الله إني رجل من أهل الشام (8) غير أني أحب أهل هذا البيت وأحب من أحبهم، ومعي ثلاثة آلاف درهم أريد أن أدفعها إلى رجل قد بلغني عنه أنه يقدم (9) إلى بلدكم هذا يأخذ البيعة لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسين بن علي، فإن رأيت هل تدلني عليه حتى أدفع إليه المال الذي معي وأبايعه؟ وإن شئت فخذ بيعتي له قبل (10) أن تدلني عليه. قال: فظن مسلم بن عوسجة أن القول على ما يقول، فأخذ عليه الأيمان المغلظة والمواثيق والعهود وأنه يناصح ويكون عونا لمسلم بن عقيل رحمه الله على عبيد الله بن زياد، قال: فأعطاه موثقا من الأيمان وما وثق به مسلم بن عوسجة، ثم # PageV05P041 # قال له: انصرف عني الآن يومي هذا حتى أنظر ما يكون! قال: فانصرف معقل مولى زياد (1). # قال: ومرض شريك بن عبد الله الأعور الهمداني (2) في منزل هانئ بن عروة، وعزم عبيد الله بن زياد على أن يصير إليه فيجتمع به، ودعا شريك بن عبد الله مسلم بن عقيل فقال له: جعلت فداك! غدا يأتيني هذا الفاسق عائدا وأنا مشغله لك بالكلام، فإذا فعلت ذلك فقم أنت اخرج إليه من هذه الداخلة فاقتله! فإن أنا عشت فسأكفيك أمر النصرة إن شاء الله. # قال: فلما أصبح عبيد الله بن زياد ركب وسار يريد دار ابن هانئ ليعود شريك بن عبد الله، قال: فجلس وجعل يسأل منه. قال: وهم مسلم أن يخرج إليه ليقتله فمنعه من ذلك صاحب المنزل هانئ (3)، ثم قال: جعلت فداك! في داري صبية وإماء وأنا لا آمن الحدثان. قال: فرمى مسلم بن عقيل السيف من يده وجلس ولم يخرج، وجعل شريك بن عبد الله يرمق الداخلة وهو يقول: # ما تنظرون بسلمى عند فرصتها * فقد وفى ودها واستوسق الصرم (4). # PageV05P042 # فقال له: عبيد الله (1) بن زياد: ما يقول الشيخ؟ فقيل له: إنه مبرسم (2) أصلح الله الأمير. قال: فوقع في قلب عبيد الله بن زياد أمر ms0793 من الأمور فركب من ساعته ورجع إلى القصر (3). # وخرج مسم بن عقيل إلى شريك بن عبد الله (4) من داخل الدار. فقال له شريك: يا مولاي جعلت فداك! ما الذي منعك من الخروج إلى الفاسق، وقد كنت أمرتك بقتله وشغلته لك بالكلام؟ فقال: منعني من ذلك (5) حديث سمعته من عمي علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: الإيمان قيد الفتك (6)، فلم أحب أن أقتل عبيد الله (7) بن زياد في منزل هذا الرجل. فقال له شريك: والله! لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا منافقا. قال: ثم لم يلبث شريك بن عبد الله إلا ثلاثة (8) أيام حتى مات - رحمه الله -. وكان من خيار الشيعة غير أنه يكتم ذلك إلا عمن يثق به من إخوانه. قال: # وخرج عبيد الله بن زاد فصلى عليه ورجع إلى قصره. # فلما كان من الغد أقبل معقل مولى عبيد الله بن زياد إلى مسلم بن عوسجة فقال له: إنك كنت وعدتني أن تدخلني على هذا الرجل فأدفع إليه هذا المال، فما الذي # PageV05P043 # بدا لك في ذلك؟ فقال: إذا أخبرك يا أخا أهل الشام! إنا شغلنا بموت هذا الرجل شريك بن عبد الله وقد كان من خيار الشيعة وممن يتوالى أهل هذا البيت. فقال معقل مولى عبيد الله بن زياد: ومسلم بن عقيل في دار هانئ؟ فقال: نعم، قال: فقال معقل (1): فقم بنا إليه حتى ندفع إليه هذا المال وأبايعه. # قال: فأخذ مسلم بن عوسجة بيده فأدخله على مسلم بن عقيل فرحب به مسلم وقربه وأدناه وأخذ بيعته وأمر أن يقبض منه ما معه من المال. فأقام معقل مولى عبيد الله بن زياد في منزل هانئ يومه ذلك، حتى إذا أمسى انصرف إلى عبيد الله بن زياد معجبا لما قد ورد عليه من الخبر. ثم قال [عبيد الله] لمولاه: انظر إن تختلف إلى مسلم بن عقيل في كل يوم لئلا يستريبك وينتقل من منزل ابن هانئ إلى مكان غيره فأحتاج أن ألقى في طلبه عتبا (2). # قال: ثم دعا عبيد ms0794 الله [بن] (3) زياد محمد بن الأشعث بن قيس وأسماء بن خارجة الفزاري وعمرو بن الحجاج الزبيدي. فقال: خبروني عنكم ما الذي يمنع هانئ بن عروة من المصير إلينا (4)؟ فقالوا: إنه مريض فقال عبيد الله بن زياد: قد كان مريضا غير أنه قد برئ من علته ويجلس (5) على باب داره، فعليكم أن تصيروا. # إليه وتأمروه أن لا يدع ما يجب عليه من حقنا (6)، فإني لا أحب أن أستفسر رجلا مثله لأني لم أزل له مكرما. فقالوا: نفعل أصلح الله الأمير، نلقاه في ذلك ونأمره بما تحب. # قال: فبينا عبيد الله بن زياد من هؤلاء القوم في محاورة إذ دخل عليه رجل من # PageV05P044 # أصحابه يقال له عبد الله بن يربوع التميمي فقال: أصلح الله الأمير! ههنا خبر، فقال له [ابن] (1) زياد: وما ذاك؟ قال: كنت خارج الكوفة أجول على فرسي وأقلبه إذ نظرت إلى رجل قد خرج من الكوفة مسرعا يريد البادية، فأنكرته ثم لحقته وسألته عن حاله وأمره، فذكر أنه من أهل المدينة، ثم نزلت عن فرسي ففتشته فأصبت معه هذا الكتاب. قال: فأخذ عبيد الله بن زياد الكتاب ففضه وقرأه وإذا فيه مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي، أما بعد فإني أخبرك أنه قد بايعك من أهل الكوفة نيف وعشرون ألفا، فإذا بلغك كتابي هذا فالعجل العجل، فإن الناس كلهم معك وليس لهم في يزيد بن معاوية رأي ولا هوى - والسلام -. قال: فقال ابن زياد: # أين هذا الرجل الذي أصبت معه هذا الكتاب؟ قال: بالباب. فقال: ائتوني به! # فلما دخل ووقف بين يدي ابن زياد فقال له: من أنت؟ قال: أنا مولى لبني هاشم، قال: فما اسمك؟ قال: اسمي عبد الله بن يقطين، قال: من دفع إليك هذا الكتاب؟ قال: دفعه إلي امرأة لا أعرفها. قال: فضحك عبيد الله بن زياد وقال: # أخبرني واحدة من ثنتين: إما أن تخبرني من دفع إليك هذا الكتاب، فتنجو من يدي، وإما أن تقتل. فقال: أما الكتاب فإني لا أخبرك من دفعه ms0795 إلي، وأما القتل فإني لا أكرهه، فإني لا أعلم قتيلا عند الله أعظم ممن يقتله مثلك. قال: فأمر عبيد الله بن زياد بضرب عنقه، فضربت رقبته صبرا - رحمه الله -. # ثم أقبل على (2) محمد بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وأسماء بن خارجة فقال: صيروا إلى هانئ بن عروة فاسألوه أن يصير إلينا فإنا نريد مناظرته. ### | ذكر هانئ وعبيد الله بن زياد # قال: فركب القوم وساروا إلى هانئ وإذا به جالس على باب داره، فسلموا عليه وقالوا له: ما الذي يمنعك من إتيان (3) هذا الأمير؟ فقد ذكرك غير مرة (4). # فقال: والله ما يمنعني من المصير إليه إلا العلة. فقالوا له: صدقت، ولكنه بلغه # PageV05P045 # عنك أنك تقعد على باب دارك عشية واستبطأك، والإبطاء (1) والجفاء لا يحتمله السلطان من مثلك، لأنك سيد في عشيرتك ونحن نقسم عليك إلا ركبت معنا إليه. # قال: فدعا هانئ ثيابه (2) ولبسها، ودعا ببغلة (3) له فركبها، وسار مع القوم حتى إذا صار إلى باب قصر الإمارة كأن نفسه أحست (4) بالشر (5) فالتفت إلى حسان بن أسماء [بن خارجة] (6) فقال له: يا بن أخي! إن نفسي تحدثني بالشر. فقال له حسان: سبحان الله يا عم! لا أتخوف عليك فلا تحدثك نفسك بشيء من هذا (7). # ثم دخل القوم على عبيد الله بن زياد وشريح القاضي جالس عنده، فلما نظر إليهم من بعيد التفت إلى شريح القاضي فقال: # أريد حياته ويريد قتلي * خليلي من عذيري من مراد (8) فقال له هانئ بن عروة: وما ذاك أيها الأمير؟ فقال: (9) بالله يا هانئ (9) جئت بمسلم بن عقيل، وجمعت له الجموع من السلاح والرجال في الدار حولك، وظننت أن ذلك يخفى علي وأني لا أعلم؟ فقال: ما فعلت (10)! قال ابن زياد: بلى قد فعلت! قال: ما فعلت! فقال ابن زياد: أين معقل؟ فجاء معقل حتى وقف بين يديه، فنظر هانئ إلى معقل مولى زياد فعلم أنه كان عينا عليهم وأنه هو الذي أخبر ابن زياد عن مسلم، فقال: أصلح الله الأمير! والله ما دعوت مسلم بن عقيل ولا ms0796 # PageV05P046 # آويته. ولكنه جاءني مستجيرا فاستحييت (1) من رده وأخذني من ذلك ذمام (2)، فأما إذا قد علمت فخل سبيلي حتى أرجع إليه وآمره أن يخرج من داري فيذهب حيث شاء. فقال [ابن] (3) زياد: لا والله ما تفارقني أو تأتيني (4) بمسلم بن عقيل. # فقال (5): إذا والله لا آتيك به أبدا! آتيك بضيفي! فقال: والله لا تفارقني حتى تأتي به! فقال: والله لا كان ذلك أبدا. قال فتقدم (6) مسلم بن عمرو الباهلي وقال: # أصلح الله الأمير! ائذن لي في كلامه! فقال: كلمه بما أحببت ولا تخرجه من القصر. قال: فأخذ مسلم بن عمرو (7) بيد هانئ فنحاه ناحية ثم قال: ويلك يا هذا! أنشدك بالله أن تقتل نفسك أو تدخل البلاء على عشيرتك في سبب مسلم بن عقيل، يا هذا! سلمه إليه فإنه لن يقدم عليه بالقتل أبدا. وأخرى فإنه سلطان، و ليس عليك في ذلك عار (8) ولا منقصة. قال هانئ: بلى والله علي في ذلك من أعظم العار أن يكون مسلم في جواري وضيفي وهو رسول ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم وعلى آله) وأنا حي صحيح الساعدين كثير الأعوان، والله لو لم أكن إلا وحدي - لكن وأنا كثير الأعوان - لما سلمته إليه أبدا حتى أموت. قال: فرده مسلم بن عمرو (9) وقال: أيها الأمير! إنه قد أبى أن يسلم مسلم بن عقيل أو يقتل. # قال: فغضب ابن زياد وقال: والله! لتأتيني به أو لأضربن عنقك. فقال: إذا والله تكثر البارقة (10) حول دارك. فقال له [ابن] (11) زياد: أبالبارقة (12) تخوفني؟ ثم أخذ قضيبا كان بين يديه فضرب (13) به وجه هانئ، فكسر به وجهه وأنفه وشق حاجبه. # PageV05P047 # قال: فضرب هانئ بيده إلى قائم سيف من سيوف أصحاب ابن زياد فجاذبه ذلك الرجل ومنعه من السيف، وصاح عبيد الله بن زياد: خذوه! فأخذوه وألقوه في بيت من بيوت القصر وأغلقوا عليه الباب (1). # قال: ثم وثب أسماء بن خارجة إلى عبيد الله بن زياد فقال: أيها الأمير! أمرتنا أن نأتيك بالرجل فلما جئناك به وأدخلناه إليك هشمت ms0797 وجهه وأسلت دمه (2) وزعمت أنك تقتله. قال: فغضب ابن زياد وقال: وأنت ههنا أيضا؟ ثم أمر بأسماء بن خارجة فضرب حتى وقع لجنبه. قال فحبس (3) أسماء ناحية من القصر وهو يقول: # إنا لله وإنا إليه راجعون، إلى نفسي أنعاك يا هانئ (4). # قال: وبلغ ذلك بني مذحج (5)، فركبوا جميعهم عن آخرهم حتى وافوا باب القصر فضجوا وارتفعت أصواتهم، فقال عبيد الله بن زياد: ما هذا؟ فقيل له: أيها الأمير هؤلاء عشيرة هانئ بن عروة يظنون أنه قد قتل. فقال ابن زياد للقاضي شريح: قم فادخل إليه (6) وانظر حاله واخرج إليهم وأعلمهم أنه (7) لم يقتل. قال: # فدخل شريح إلى هانئ فنظر إليه (8)، ثم خرج إلى القوم فقال: يا هؤلاء! لا # PageV05P048 # تعجلوا بالفتنة فإن صاحبكم لم يقتل، والذي أبلغكم فإنه أبلغكم باطلا. قال: # فرجع القوم وانصرفوا. # قال: وخرج عبيد الله بن زياد من القصر حتى دخل المسجد الأعظم فحمد الله وأثنى عليه، ثم التفت فرأى أصحابه عن يمين المنبر وعن شماله وفي أيديهم الأعمدة والسيوف المسللة، فقال: أما بعد يا أهل الكوفة فاعتصموا بطاعة الله ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطاعة أئمتكم ولا تختلفوا ولا تفرقوا (1) فتهلكوا وتندموا وتذلوا وتقهروا، فلا يجعلن أحد على نفسه سبيلا، وقد أعذر من أنذر. # قال: فما أتم عبد الله بن زياد ذلك الخطبة حتى سمع الصيحة، فقال: ما هذا؟ فقيل له: أيها الأمير! الحذر الحذر! هذا مسلم بن عقيل قد أقبل في جميع من بايعه (2)! قال: فنزل عبيد الله بن زياد عن المنبر مسرعا وبادر فدخل القصر و أغلق الأبواب. ### | ذكر مسلم بن عقيل رحمه الله وخروجه على عبيد الله ابن زياد # قال: وأقبل مسلم بن عقيل رحمه الله في وقته ذلك عليه وبين يديه ثمانية عشر ألفا أو يزيدون (3)، وبين يديه الأعلام وشاكوا السلاح، وهم في ذلك يشتمون عبيد الله بن زياد ويلعنون أباه. قال: وركب أصحاب عبيد الله واختلط القوم، فقاتلوا قتالا شديدا (4)، وعبيد الله بن زياد وجماعة من أهل الكوفة قد أشرفوا ms0798 على جدار القصر ينظرون إلى محاربة الناس. # PageV05P049 # قال: وجعل رجل من أصحاب عبيد الله بن زياد اسمه كثير بن شهاب ينادي من أعلى القصر بأعلى صوته: ألا يا شيعة مسلم بن عقيل! ألا يا شيعة الحسين بن علي! الله الله في أنفسكم وفي أهاليكم وأولادكم، فإن جنود أهل الشام قد أقبلت، وإن الأمير عبيد الله بن زياد قد عاهد الله لئن أقمتم على حربكم ولم تنصرفوا من يومكم هذا ليحرمنكم العطاء وليفرقن مقاتلتكم في مغازي أهل الشام، وليأخذن البريء بالسقيم والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى منكم (2) بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال أمرها (3) (4). # قال: فلما سمع الناس ذلك تفرقوا وتحادوا عن مسلم بن عقيل رحمه الله، ويقول بعضهم لبعض: ما نصنع بتعجيل الفتنة وغدا تأتينا جموع أهل الشام، ينبغي لنا أن نفعل في منزلنا وندع هؤلاء القوم حتى يصلح الله ذات بينهم. قال: ثم جعل القوم يتسللون والنهار يمضي، فما غابت الشمس حتى بقي مسلم بن عقيل في عشرة (5) أفراس من أصحابه لا أقل ولا أكثر واختلط الظلام، فدخل مسلم بن عقيل المسجد الأعظم ليصلي المغرب وتفرق عنه العشرة. فلما رأى ذلك استوى على فرسه ومضى في بعض أزقة الكوفة (6)، وقد أثخن بالجراحات حتى صار إلى دار امرأة يقال لها طوعة، وقد كانت فيما مضى امرأة قيس الكندي فتزوجها رجل من حضرموت يقال له (7) أسد بن البطين فأولدها ولدا يقال له أسد. وكانت المرأة واقفة على باب # PageV05P050 # دارها، فسلم عليها مسلم بن عقيل، فردت عليه السلام ثم قالت: ما حاجتك؟ # قال: اسقيني شربة من الماء فقد بلغ (1) مني العطش، قال: فسقته حتى روى فجلس على بابها، فقالت: يا (2) عبد الله! ما لك جالس أما شربت؟ فقال: بلى و الله (3) ولكني ما لي بالكوفة منزل، وإني غريب قد خذلني من كنت أثق به، فهل لك في معروف تصطنعيه إلي فإني رجل من أهل بيت شرف وكرم، ومثلي من يكافئ بالإحسان. فقالت: وكيف ذلك؟ ومن أنت؟ فقال مسلم رحمه الله: خلي ms0799 هذا الكلام وأدخليني منزلك عسى الله أن يكافئك غدا بالجنة. فقالت: يا عبد الله! # خبرني اسمك ولا تكتمني شيئا من أمرك، فإني أكره أن يدخل منزلي من قبل معرفة خبرك وهذه الفتنة قائمة، وهذا عبيد الله بن زياد بالكوفة. فقال لها مسلم بن عقيل: # إنك لو عرفتني حق المعرفة لأدخلتني (4) دارك. أنا مسلم بن عقيل بن أبي طالب! # فقالت المرأة: قم فادخل رحمك الله! فأدخلته منزلها (5) وجاءته بالمصباح وبالطعام فأبى أن يأكل. # فلم يكن بأسرع من [أن -] (6) جاء ابنها فلما أتى وجد أمه تكثر دخولها وخروجها إلى بيت هناك وهي باكية، فقال لها: يا أماه! إن أمرك يريبني لدخولك هذا البيت وخروجك منه باكية، ما قصتك؟ فقالت: يا ولداه! إني مخبرتك بشيء لا تفشه لأحد (7)، فقال لها: قولي ما أحببت، فقالت له: يا بني! إن مسلم بن عقيل في ذلك البيت وقد كان من قصته كذا وكذا. قال: فسكت الغلام ولم يقل شيئا، ثم أخذ مضجعه ونام. # فلما كان من الغد نادى عبيد الله بن زياد في الناس أن يجتمعوا، ثم خرج من القصر وأتى إلى المسجد الأعظم فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها # PageV05P051 # الناس! إن مسلم بن عقيل أتى هذا البلاد وأظهر العناد وشق العصا وقد برئت الذمة من رجل أصبناه (1) في داره، ومن جاء به فله ديته، اتقوا الله عباد الله وألزموا طاعتكم وبيعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا، ومن أتاني بمسلم بن عقيل فله شعرة آلاف درهم والمنزلة الرفيعة من يزيد بن معاوية وله في كل يوم حاجة مقضية - و السلام -. # ثم نزل عن المنبر ودعا الحصين بن نمير السكوني (2) فقال: ثكلتك أمك إن فاتتك سكة من سكك الكوفة لم تطبق على أهلها أو يأتوك بمسلم بن عقيل! فو الله لئن خرج من الكوفة سالما لنريقن أنفسنا في طلبه، فانطلق الآن فقد سلطتك على دور الكوفة وسككها. فانصب (3) المراصد وجد الطلب حتى تأتيني بهذا الرجل. # قال (4): وأقبل محمد بن الأشعث حتى دخل على عبيد ms0800 الله بن زياد، فلما رآه قال: مرحبا بمن لا يتهم (5) في مشورة! ثم أدناه وأقعده إلى جنبه (6). وأقبل ابن تلك المرأة التي مسلم بن عقيل في دارها إلى عبد الرحمن بن [محمد بن] (7) الأشعث فخبره بمكان مسلم بن عقيل عند أمه. فقال له عبد الرحمن: اسكت الآن و لا تعلم بهذا أحدا من الناس. قال: ثم أقبل عبد الرحمن بن محمد إلى أبيه فساره في أذنه وقال: إن مسلما (8) في دار طوعة، ثم تنحى عنه. فقال عبيد الله بن زياد: # ما الذي قال لك عبد الرحمن؟ فقال: أصلح الله الأمير! البشارة العظمى. فقال: # و ما ذاك؟ ومثلك من بشر بخير. فقال: إن ابني هذا يخبرني أن مسلم بن عقيل في (9) دار طوعة عند مولاة لنا. قال (10): فسر بذلك، ثم قال: قم فأت به ولك ما # PageV05P052 # بذلت من الجائزة الحظ الأوفى. # قال: ثم أمر عبيد الله بن زياد خليفته عمرو (1) بن حريث المخزومي أن يبعث مع محمد بن الأشعث ثلاثمائة راجل (2) من صناديد أصحابه. # قال: فركب محمد بن الأشعث حتى وافى الدار التي فيها مسلم بن عقيل. # قال: وسمع مسلم بن عقيل وقع حوافر الخيل وزعقات الرجال فعلم أنه قد أتي في طلبه، فبادر رحمه الله إلى فرسه فأسرجه وألجمه، وصب عليه درعه، واعتجر بعمامة، وتقلد بسيفه، والقوم يرمون الدار بالحجارة، ويلهبون النار في نواحي القصب. قال: فتبسم مسلم رحمه الله، ثم قال: يا نفس! أخرجي إلى الموت الذي ليس منه (3) محيص ولا عنه محيد، ثم قال للمرأة: أي رحمك الله وجزاك عني خيرا! اعلمي أنما أوتيت من قبل ابنك، ولكن افتحي الباب. قال: ففتحت الباب، وخرج مسلم في وجوه القوم كأنه أسد مغضب، فجعل يضاربهم بسيفه حتى قتل منهم جماعة (4). # و بلغ ذلك عبيد الله بن زياد، فأرسل إلى محمد بن الأشعث وقال: سبحان الله يا (5) عبد الله! بعثناك إلى رجل واحد تأتينا به فأثلم في أصحابي ثلمة عظيمة. فأرسل إليه محمد بن الأشعث: أيها الأمير! أما تعلم أنك بعثتني ms0801 إلى أسد ضرغام، وسيف حسام، في كف بطل همام، من آل خير الأنام. قال: فأرسل إليه عبيد الله (6) بن زياد: أن أعطه (7) الأمان، فإنك لن تقدر عليه إلا بالأمان. فجعل محمد بن الأشعث يقول: ويحك يا بن عقيل! لا تقتل نفسك، لك الأمان! ومسلم بن عقيل يقول: # PageV05P053 # لا حاجة إلى أمان الغدرة، ثم جعل يقاتلهم وهو يقول (1): # أقسمت لا أقتل إلا حرا * ولو وجدت الموت كأسا مرا أكره أن أخدع أو أغرا * كل امرئ يوما يلاقي شرا أضربكم ولا أخاف ضرا قال: فناداه محمد بن الأشعث وقال: ويحك يا بن عقيل! إنك لا تكذب ولا تغر (2)، القوم ليسوا بقاتليك فلا تقتل نفسك. قال: فلم يلتفت مسلم بن عقيل رحمه الله إلى كلام ابن الأشعث وجعل يقاتل حتى أثخن بالجراح وضعف عن القتال، وتكاثروا عليه فجعلوا يرمونه بالنبل والحجارة، فقال مسلم: ويلكم! ما لكم ترمونني بالحجارة كما ترمى الكفار! وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار، ويلكم! # أما ترعون حق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذريته. قال: ثم حمل عليهم على ضعفه فكسرهم و فرقهم في الدروب، ثم رجع وأسند ظهره إلى باب دار هناك، فرجع القوم إليه فصاح بهم محمد بن الأشعث: ذروه حتى أكلمه بما يريد. # قال: ثم دنا منه ابن الأشعث حتى وقف قبالته وقال: ويلك يا بن عقيل! لا تقتل نفسك، أنت آمن ودمك في عنقي. فقال له مسلم: أتظن يا بن الأشعث أني أعطي بيدي أبدا وأنا أقدر على القتال! لا والله لا كان ذلك أبدا! ثم حمل عليه حتى ألحقه بأصحابه. ثم رجع موضعه فوقف وقال: اللهم! إن العطش قد بلغ (3) مني. # قال: فلم يجسر أحد أن يسقيه الماء ولا قرب منه. # فأقبل ابن الأشعث على أصحابه وقال: ويلكم! إن هذا لهو العار والفشل أن تجزعوا من رجل واحد هذا الجزع، احملوا عليه بأجمعكم حملة واحدة. قال: # فحملوا عليه وحمل عليهم، فقصده من أهل الكوفة رجل يقال له بكير بن حمران الأحمري، فاختلفا بضربتين ms0802 فضربه بكير ضربة على شفته العليا (4)، وضربه مسلم بن عقيل ضربة فسقط إلى الأرض قتيلا، قال: فطعن من ورائه طعنة فسقط # PageV05P054 # إلى الأرض، فأخذ أسيرا (1)، ثم أخذ فرسه وسلاحه. # وتقدم رجل من بني سليمان يقال له عبيد الله بن العباس فأخذ عمامته، فجعل يقول: اسقوني شربة من الماء! فقال له مسلم بن عمرو الباهلي: والله (2) لا تذوق الماء يا بن عقيل أو تذوق الموت! فقال له مسلم بن عقيل: ويلك يا هذا! ما أجفاك وأفظك وأغلظك! أشهد عليك أنك إن كنت من قريش فإنك مصلق، وإن كنت من غير قريش فإنك مدع (3) إلى غير أبيك، من أنت يا عدو الله؟ فقال: أنا من عرف الحق إذ (4) أنكرته، ونصح لإمامه (5) إذ فششته، وسمع وأطاع إذ (4) خالفته، أنا مسلم بن عمرو الباهلي! فقال له مسلم بن عقيل: أنت أولى بالخلود والحميم، إذ آثرت طاعة بني سفيان على طاعة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال مسلم بن عقيل رحمه الله: ويحكم يا أهل الكوفة! اسقوني شربة من ماء! فأتاه غلام (6) لعمرو بن حريث الباهلي بقلة فيها ماء وقدح فيها فناوله القلة، فكلما أراد أن يشرب امتلأ القدح دما، فلم يقدر أن يشرب من كثرة الدم وسقطت ثنيتاه في القدح، فامتنع مسلم بن عقيل رحمه الله من شرب الماء (7). قال: وأتي به حتى أدخل على عبيد الله بن زياد. ### | ذكر دخول مسلم بن عقيل على عبد الله بن زياد و ما كان من كلامه وكيف قتل قال: فأدخل مسلم بن عقيل على عبيد الله بن زياد فقال له الحرسي: سلم على الأمير! فقال له مسلم: اسكت لا أم لك! مالك وللكلام؟ والله ليس هو لي بأمير فأسلم عليه! وأخرى فما ينفعني السلام عليه وهو يريد قتلي! فإن استبقاني فسيكثر عليه سلامي. فقال له عبيد الله بن زياد: لا عليك سلمت أم لم تسلم فإنك # PageV05P055 # مقتول: فقال مسلم بن عقيل: إن قتلتني فقد قتل شر منك من كان خيرا مني. فقال له ms0803 ابن زياد: يا شاق! يا عاق! خرجت على إمامك وشققت عصا المسلمين (1) [وألقحت الفتنة. فقال مسلم: كذبت يا بن زياد! والله ما كان] معاوية [خليفة بإجماع الأمة، بل تغلب على وصي النبي بالحيلة، وأخذ عنه الخلافة بالغصب] و [كذلك] ابنه يزيد (1). وأما الفتنة فإنك ألقحتها أنت وأبوك (2) زياد بن علاج من بني ثقيف وأنا أرجو أن يرزقني الله الشهادة على يرى شر بريته، فو الله ما خالفت ولا كفرت ولا بدلت! وإنما أنا في طاعة أمير المؤمنين الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن أولى بالخلافة من معاوية وابنه وآل زياد. فقال له ابن زياد: # يا فاسق! ألم تكن تشرب الخمر في المدينة؟ فقال مسلم بن عقيل: أحق والله بشرب (3) الخمر مني من (4) يقتل النفس الحرام وهو في ذلك يلهو ويلعب كأنه لم يسمع (5) شيئا. فقال له ابن زياد: يا فاسق! منتك نفسك أمرا أحالك الله دونه وجعله لأهله. فقال مسلم بن عقيل: ومن أهله يا بن مرجانة؟ فقال: أهله يزيد ومعاوية. # فقال مسلم بن عقيل: الحمد لله كفى (6) بالله حكما بيننا وبينكم. فقال ابن زياد - لعنه الله -: أتظن أن لك (7) من الأمر شيئا (8)؟ فقال مسلم بن عقيل: لا والله ما هو الظن ولكنه اليقين. فقال ابن زياد: قتلني الله إن لم أقتلك (9)! فقال مسلم: إنك لا تدع سوء القتلة (10) وقبح المثلة (10) وخبث السريرة، والله لو كان معي عشرة ممن أثق بهم وقدرت على شربة من ماء لطال عليك أن تراني في هذا القصر، ولكن إن كنت عزمت على قتلي ولا بد لك من ذلك فأقم إلي رجلا من قريش أوصي إليه بما أريد. # PageV05P056 # فوثب إليه عمر بن سعد بن أبي وقاص فقال: أوص إلي بما تريد يا بن عقيل (1)! # فقال: أوصيك ونفسي بتقوى الله فإن التقوى فيها الدرك لكل خير، وقد علمت ما بيني وبينك من القرابة، ولي إليك حاجة وقد يجب عليك لقرابتي أن تقضي حاجتي. قال: فقال ابن زياد: لا ms0804 يجب يا بن عمر أن تقضي حاجة ابن عمك وإن كان مسرفا على نفسه فإنه مقتول لا محالة. فقال عمر بن سعد: قل ما أحببت يا بن عقيل! فقال مسلم رحمه الله: حاجتي إليك أن تشتري فرسي وسلاحي من هؤلاء القوم فتبيعه وتقضي عني سبعمائة (2) درهم استدنتها في مصركم، وأن تستوهب جثتي إذا قتلني هذا وتواريني في التراب، وأن تكتب إلى الحسين بن علي أن لا يقدم فينزل به ما نزل بي (3). قال: فالتفت عمر (4) بن سعد إلى عبيد الله بن زياد فقال: أيها الأمير! إنه يقول كذا وكذا. فقال ابن زياد (5): أما ما ذكرت يا بن عقيل من أمر دينك فإنما هو مالك يقضى به دينك، ولسنا نمنعك أن تصنع فيه ما أحببت، وأما جسدك إذا نحن قتلناك فالخيار في ذلك لنا، ولسنا نبالي ما صنع الله بجثتك، وأما الحسين فإن لم يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه، ولكني أريد أن تخبرني يا بن عقيل بماذا أتيت إلى هذا البلد؟ شتت أمرهم وفرقت كلمتهم ورميت بعضهم على بعض! # فقال مسلم بن عقيل: لست (6) لذلك أتيت هذا البلد، ولكنكم (7) أظهرتم المنكر، و دفنتم المعروف، وتأمرتم على الناس من غير رضى، وحملتموهم على غير ما # PageV05P057 # أمركم الله به، وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر فيهم بالمعروف، وننهاهم عن المنكر، وندعوهم إلى حكم الكتاب والسنة، وكنا أهل ذلك، ولم تزل الخلافة لنا منذ قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولا تزال الخلافة لنا فإنا (1) قهرنا عليها، لأنكم أول من خرج على إمام هدى، وشق عصا المسلمين، وأخذ هذا الأمر غصبا، ونازع أهله بالظلم والعدوان، ولا نعلم لنا ولكم مثلا إلا قول الله تبارك وتعالى: (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) (2). قال: فجعل ابن زياد يشتم عليا والحسن والحسين رضي الله عنهم، فقال له مسلم: أنت وأبوك أحق بالشتيمة منهم، فاقض ما أنت قاض، فنحن أهل بيت موكل بنا البلاء. فقال عبيد الله بن زياد: الحقوا به إلى أعلى ms0805 القصر فاضربوا عنقه وألحقوا رأسه جسده (3). # فقال مسلم رحمه الله: أما والله يا بن زياد! لو كنت من قريش أو كان بيني وبينك رحم أو قرابة لما قتلتني ولكنك ابن أبيك. # قال: فأدخله ابن زياد القصر ثم دعا رجلا من أهل الشام قد كان مسلم بن عقيل ضربه على رأسه ضربة منكرة (4)، فقال له: خذ مسلما (5) واصعد به إلى أعلى القصر واضرب عنقه بيدك ليكون ذلك أشفى لصدرك. # قال: فأصعد مسلم بن عقيل رحمه الله إلى أعلى القصر وهو في ذلك يسبح الله تعالى ويستغفره وهو يقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا (6) وخذلونا. فلم يزل كذلك حتى أتى به إلى أعلى القصر. وتقدم ذلك الشامي فضرب عنقه - رحمه الله -. # ثم نزل الشامي إلى عبيد الله بن زياد وهو مدهوش، فقال له ابن زياد: ما شأنك؟ أقتلته؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير! إلا أنه عرض لي عارض فأنا له فزع مرعوب. فقال: ما الذي عرض لك؟ قال: رأيت ساعة قتلته رجلا حذاي أسود # PageV05P058 # كثير السواد كريه (1) المنظر وهو عاض على إصبعيه - أو قال: شفتيه - ففزعت منه فزعا لم أفزع قط مثله. قال: فتبسم [ابن] (2) زياد وقال له: لعلك دهشت، وهذه عادة لم تعتدها (3) قبل ذلك. # PageV05P059 ### | ذكر هانئ بن عروة ومقتله بعد مسلم بن عقيل رحمهما الله تعالى # قال: ثم أمر عبيد الله بن زياد بهانئ بن عروة أن يخرج فيلحق بمسلم بن عقيل، فقال محمد بن الأشعث: أصلح الله الأمير! إنك قد عرفت شرفه في عشيرته، وقد عرف قومه أني (1) وأسماء بن خارجة جئنا به إليك، فأنشدك الله أيها الأمير إنما وهبته لي فإني أخاف عداوة أهل بيته وإنهم سادات أهل الكوفة وأكثرهم عددا (2). قال: فزبره ابن زياد، ثم أمر بهانئ بن عروة فأخرج إلى السوق إلى موضع يباع فيه الغنم وهو مكتوف. قال: وعلم أنه مقتول فجعل يقول: وأمذحجاه! # واعشيرتاه (3)! ثم أخرج يده من الكتاف وقال: أما من شيء فأدفع به عن نفسي (2)؟ # قال: فصكوه ثم أوثقوه كتافا، فقالوا: ms0806 أمدد عنقك! فقال: لا والله ما كنت الذي أعينكم على نفسي فتقدم إليه غلام لعبيد الله بن زياد يقال له رشيد فضربه بالسيف فلم يصنع شيئا. فقال هانئ: إلى الله المعاد، اللهم! إلى رحمتك ورضوانك، اللهم اجعل هذا اليوم كفارة لذنوبي! فإني إنما تعصب لابن بنت نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فتقدم رشيد وضربه ضربة أخرى فقتله (5) - رحمه الله -. قال: ثم أمر عبيد الله بن زياد # PageV05P061 # بمسلم بن عقيل وهانئ بن عروة رحمهما الله فصلبا جميعا منكسين، وعزم أن يوجه برأسيهما إلى يزيد بن معاوية، فأنشأ رجل من بني أسد يقول (1): # إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وابن عقيل إلى بطل قد فلق السيف رأسه * وآخر يهوى من جدار قتيل أصابهما أمر الإله فأصبحا * أحاديث من يسعى بكل سبيل ترى جسدا قد غير الموت لونه * ونضح دم قد سال كل مسيل فتى كان أحيى من فتاه حيية * وأقطع من ذي شفرتين صقيل (2) فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم * فكونوا بغايا أرضيت بقليل ### | ذكر كتاب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية # قال: ثم كتب ابن زياد إلى يزيد بن معاوية (3): بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله يزيد بن معاوية أمير المؤمنين، من عبيد الله بن زياد، الحمد الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه وكفاه مؤنة عدوه، أخبر أمير المؤمنين أيده الله أن مسلم بن عقيل الشاق للعصا قدم إلى الكوفة ونزل في دار هانئ بن عروة المذحجي وإني جعلت عليهما العيون (4) حتى استخرجتهما، فأمكني الله منهما بعد حرب ومناقشة، فقدمتهما فضرب أعناقهما، وقد بعثت برأسيهما مع هانئ بن [أبي] (5) حية الوادعي (6) والزبير بن الأروح التميمي، وهما من أهل الطاعة والسنة والجماعة فليسألهما (7) # PageV05P062 # أمير المؤمنين عما تحب (1) فإنهما ذو عقل وفهم وصدق. # قال: فلما ورد الكتاب والرأسان جميعا (2) إلى يزيد بن معاوية، قرأ الكتاب وأمر بالرأسين فنصبا على باب مدينة دمشق، ثم كتب إلى ابن زياد: أما بعد (3)! # فإنك لم تعد إذا كنت كما أحب ms0807 عملت عمل (4) الحازم وصلت صولة الشجاع الرابض (5) فقد كفيت ووقيت ظني ورأيي فيك، وقد دعوت رسوليك فسألتهما عن الذي ذكرت فقد وجدتهما في رأيهما وعقلهما وفهمهما وفضلهما ومذهبهما كما ذكرت، وقد أمرت لكل واحد منهما بعشرة آلاف درهم وسرحت هما إليك، فاستوص بهما خيرا، وقد بلغني أن الحسين بن علي رضي الله عنهما فد عزم على المسير إلى العراق (6)، فضع المراصد والمناظر (7) واحترس واحبس على الظن، واكتب إلي في كل يوم بما يتجدد لك من خير أو شر - والسلام -. # PageV05P063 ### | ابتداء أخبار الحسين بن علي عليهما السلام # قال: وبلغ الحسين بن علي بأن مسلم بن عقيل قد قتل - رحمه الله - وذلك أنه قدم عليه رجل من أهل الكوفة فقال له الحسين: من أين أقبلت؟ فقال: من الكوفة، وما خرجت منها حتى نظرت مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة المذحجي رحمهما الله قتيلين مصلوبين منكسين (1) في سوق القصابين. وقد وجه برأسيهما إلى يزيد بن معاوية قال: فاستعبر الحسين باكيا ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. # ثم إنه عزم على المسير إلى العراق، فدخل عليه عمر (2) بن عبد الرحمن [بن الحارث] (3) بن هشام المخزومي. فقال: يا بن بنت رسول الله! إني أتيت إليك بحاجة أريد أن أذكرها لك فأنا غير غاش لك فيها، فهل لك أن تسمعها؟ فقال الحسين (4): هات، فو الله ما أنت عندي بمسئ الرأي، فقل ما أحببت! فقال: قد بلغني أنك تريد العراق وإني مشفق عليك (5) من ذلك، إنك ترد إلى قوم فيهم الأمراء ومعهم بيوت الأموال، ولا آمن عليك أن (6) يقاتلك من أنت أحب إليه من أبيه وأمه ميلا إلى الدنيا والدرهم، فاتق الله ولا تخرج من هذا الحرم. فقال له الحسين: # PageV05P064 # جزاك الله خيرا يا (1) بن عم! فقد علمت أنك أمرت بنصح، ومهما يقضي الله من أمر فهو كائن أخذت برأيك أم تركته. قال: فانصرف عنه عمر (2) بن عبد الرحمن وهو يقول: # رب مستنصح سيعصي ويؤذى * ونصيح بالغيب يلفي نصيحا (3) قال: وقدم ابن عباس في تلك الأيام ms0808 إلى مكة، وقد بلغه أن الحسين عليه السلام يريد أن يصير إلى العراق، فأقبل حتى دخل عليه مسلما، فقال: # جعلت فداك يا بن بنت رسول الله! إنه قد شاع الخبر في الناس وأرجفوا بأنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع! فقال الحسين: نعم، إني أزمعت (4) على ذلك في أيامي هذه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. فقال ابن عباس رحمه الله: # أعيذك بالله من ذلك! فإن تصر إلى قوم قد قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا (5) عدوهم، في مسيرك إليهم لعمري الرشاد والسداد، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم قاهر لهم وعمالهم يجبون بلادهم، وإنما دعوك إلى الحرب والقتال، وإنك تعلم أنه بلد قد قتل فيه أبوك واغتيل فيه أخوك وقتل فيه ابن عمك وبويع (6) يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد في البلد يعطي ويفرض، والناس اليوم إنما هم عبيد الدينار والدرهم، ولا آمن عليك أن تقتل، فاتق (7) الله والزم هذا الحرم (8). فقال له الحسين: والله أن أقتل بالعراق أحب إلي من أن أقتل بمكة، وما قضى الله فهو كائن، وأنا مع ذلك أستخير الله وأنظر ما يكون (9). # PageV05P065 # ثم بعد ذلك أقبل عبد الله بن عباس إليه فدخل (1) وقال: يا بن بنت رسول الله! إني قد رأيت رأيين (2) إن قبلت من! فقال الحسين: وما ذاك؟ قال: تخرج إلى بلاد اليمن، فإن فيها حصونا وشعابا وهي أرض عريضة طويلة، وإن لك بها شيعة وأنت عن الناس في عزلة، فإذا استوطنت بها اكتب إلى الناس وأعلمهم مكانك. فقال الحسين: يا بن عمي! إني لأعلم أنك ناصح شفوق (3)، ولكني أزمعت على المسير إلى العراق، ولا بد من ذلك (4). فأطرق ابن عباس رحمه الله ساعة ثم قال: يا بن بنت رسول الله! إن كنت قد أزمعت ولا بد لك من ذلك فلا تسر بنسائك وأولادك فإني خائف عليك أن تقتل كما قتل عفان رضي الله عنه وأهله وولده ينظرون إليه ولا يقدرون له على حيلة، والله يا بن بنت رسول الله ms0809 صلى الله عليه وآله وسلم لقد (5) أقررت عين ابن الزبير بخروجك عن مكة وتخليتك إياه هذا البلد، وهو اليوم لا ينظر إليه فإذا خرجت نظر إليه الناس بعد ذلك. فقال الحسين رضي الله عنه: # إني (6) أستخير الله تعالى في هذا الأمر ما ذا يكون. # قال: فخرج ابن عباس من عنده وهو يقول: واحبيباه! ثم مر ابن عباس بابن الزبير وجعل يقول (7): # يا لك من قبرة بمعمر * خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري * قد رفع الفخ فماذا تحذري لا بد من أخذك يوما فاصبري # PageV05P066 # قال: ثم أقبل ابن عباس إلى عبد الله (1) بن الزبير فقال: قرت عيناك يا بن الزبير! هذا الحسين بن علي رضي الله عنهما يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز. # و انتقل الخبر بأهل المدينة أن الحسين بن علي يريد الخروج إلى العراق، فكتب إليه عبد الله بن جعفر (2): بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي، من عبد الله بن جعفر، أما بعد! أنشدك الله أن لا تخرج عن مكة، فإني (3) خائف عليك من هذا الأمر الذي قد أزمعت عليه أن يكون فيه هلاكك وأهل بيتك، فإنك إن قتلت أخاف أن يطفئ نور الأرض، وأنت (4) روح الهدى وأمير المؤمنين، فلا تعجل بالمسير إلى العراق فإني آخذ لك الأمان من يزيد وجميع بني أمية على نفسك ومالك وولدك وأهل بيتك - والسلام -. # قال: فكتب إليه الحسين بن علي: أما بعد! فإن كتابك ورد علي فقرأته وفهمت ما ذكرت، وأعلمك أني رأيت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منامي فخبرني بأمر وأنا ماض له، لي كان أو علي، والله يا بن عمي لو كنت في جحر (5) هامة من هوام الأرض لاستخرجوني [و] يقتلوني، والله يا بن عمي ليعدين علي كما عدت اليهود على السبت - والسلام -. # قال: وكتب إليه سعيد بن العاص (6) من المدينة (7): أما بعد! فقد بلغني أنك قد عزمت على الخروج إلى العراق وقد علمت ما نزل بابن عمك مسلم بن عقيل رحمه الله ms0810 وشيعته، وأنا أعيذك بالله من الشيطان (8) فإني خائف عليك منه الهلاك، # PageV05P067 # وقد بعثت إليك يا بني (1) يحيى بن سعيد فأقبل إلي معه فلك عندنا الأمان والصلة والبر والإحسان وحسن الجوار، والله لك بذلك علي شهيد ووكيل ومراع (2) وكفيل - والسلام -. # فكتب إليه الحسين بن علي رضي الله عنهما: أما بعد! فإنه لن يشاق (3) من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، وقد دعوت إلى البر والإحسان، وخير الأمان أمان الله، ونحن نسأل الله لنا ولك في الدنيا والآخرة عملا زكيا، فإن كنت نويت في كتابك هذا إلي من بري وصلتي فجزيت بذلك خيرا في الدنيا والآخرة - والسلام -. # قال: وإذا كتاب يزيد بن معاوية قد أقبل من الشام إلى أهل المدينة على البريد من قريش وغيرهم من بني هاشم (4)، وفيه هذه الأبيات: # يا أيها الراكب الغادي لطيته (5) * على عذافرة (6) في سيرة قحم أبلغ قريشا على نأي المزار بها * بيني وبين الحسين الله والرحم وموقف بفناء البيت ينشده * عهد الإله وما توفي به الذمم غنيتم قومكم فخرا بأمكم (7) * أم لعمري حصان برة (8) كرم هي التي لا يداني فضلها أحد * بنت الرسول وخير الناس قد علموا وفضلها لكم فضل وغيركم * من يومكم (9) لهم في فضلها قسم # PageV05P068 # إني لأعلم حقا غير ما كذب * والطرف يصدق أحيانا ويقتصم إن سوف يدرككم (1) ما تدعون بها * قتلى تهاداكم (2) العقبان والرخم يا قومنا لا تشبوا (3) الحرب إذ سكنت * تمسكوا بحبال الخير واعتصموا قد غرت (4) الحرب من قد كان قبلكم * من القرون وقد بادت بها الأمم فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخا * فرب ذي بذخ زلت (5) به القدم قال (6): فنظر أهل المدينة إلى هذه الأبيات ثم وجهوا بها وبالكتاب إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما، فلما نظر فيه علم أنه كتاب يزيد بن معاوية، فكتب الحسين الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون - والسلام -. # قال: ثم جمع الحسين أصحابه الذين قد عزموا عن الخروج معه ms0811 إلى العراق، فأعطى كل واحد منهم عشرة دنانير وجملا يحمل عليه زاده ورحله، ثم إنه طاف بالبيت وبالصفا والمروة، وتهيأ للخروج، فحمل بناته وأخواته على المحامل ذكر ### | مسير الحسين رضي الله عنه إلى العراق # قال: وخرج الحسين من مكة يوم الثلاثاء (7) يوم التروية لثمان مضين من ذي الحجة، ومعه اثنان وثمانون رجلا من شيعته وأهل بيته، فسار حتى إذا بلغ ذات عرق (8) فلقيه رجل من بني أسد يقال له بشر بن غالب فقال له الحسين: ممن # PageV05P069 # الرجل؟ قال: رجل من بني أسد، قال: فمن أين أقبلت يا أخا بني أسد؟ قال: # من العراق، فقال: كيف خلفت أهل العراق؟ قال: يا بن بنت رسول خلفت القلوب معك والسيوف مع بني أمية! فقال له الحسين: صدقت يا أخا العرب! إن الله تبارك وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فقال له الأسدي: يا بن بنت رسول الله! أخبرني عن قول الله تعالى: (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم) (1). فقال الحسين: نعم يا أخا بني أسد! هم إمامان: إمام هدى دعا إلى هدى، وإمام ضلالة دعا إلى ضلالة. فهدى من أجابه إلى الجنة، ومن أجابه إلى الضلالة دخل النار. # قال: واتصل الخبر بالوليد بن عتبة أمير المدينة بأن الحسين قد توجه إلى العراق، فكتب إلى عبيد الله بن زياد: بسم الله الرحمن الرحيم، من الوليد بن عتبة إلى عبيد الله بن زياد، أما بعد! فإن الحسين بن علي قد توجه نحو العراق، وهو ابن فاطمة، وفاطمة ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاحذر يا بن زياد أن تبعث إليه رسولا فتفتح على نفسك ما لا تختار من الخاص والعام - والسلام -. قال: فلم يلتفت عبيد الله بن زياد إلى الكتاب. # قال: وسار الحسين حتى نزل الخزيمية (2) وأقام بها يوما وليلة، فلما أصبح أقبلت إليه أخته زينب بنت علي فقالت: يا أخي! ألا أخبرك بشيء سمعته البارحة؟ # فقال الحسين: وما ذاك؟ فقالت: خرجت في بعض الليل لقضاء حاجة فسمعت هاتفا يهتف وهو يقول: # ألا ms0812 يا عين فاحتفلي بجهد * ومن يبكي على الشهداء بعدي على قوم تسوقهم المنايا * بمقدار إلى إنجاز وعدي فقال لها الحسين: يا أختاه! المقضي هو كائن. # قال: وسار الحسين حتى نزل الثعلبية (3) وذلك في وقت الظهيرة، فنزل وترك أصحابه، ثم وضع الحسين رأسه ونام، ثم انتبه من نومه باكيا، فقال له ابنه: مالك # PageV05P070 # تبكي يا أبت لا أبكى الله لك عينا؟ فقال الحسين: يا بني إنها ساعة لا تكذب فيها الرؤيا، أعلمك أني رأيت فارسا على فرس حتى وقف علي فقال: يا حسين! إنكم تسرعون المسير والمنايا بكم تسرع إلى الجنة، فعلمت أن أنفسنا قد نعيت إلينا. # فقال له ابنه: يا أبت ألسنا على الحق؟ قال: بلى يا بني والذي ترجع العباد إليه! # فقال علي (1) رضي الله عنه: إذا لا نبالي بالموت. فقال الحسين: جزاك الله عني يا بني خيرا جزي به ولد عن والد. # قال: فلما أصبح الحسين وإذا برجل من الكوفة يكنى أبا هرة الأزدي أتاه فسلم عليه ثم قال: يا بن بنت رسول الله! ما الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدك محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال الحسين: يا أبا هرة! إن بني أمية أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله يا أبا هرة لتقتلني الفئة الباغية! # وليلبسهم الله ذلا شاملا وسيفا قاطعا، وليسلطن الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهن فحكمت في أموالهم وفي دمائهم. # قال: وسار الحسين حتى نزل الشقوق (2) فإذا هو بالفرزدق بن غالب الشاعر قد أقبل عليه فسلم ثم دنا منه فقبل يده، فقال الحسين: من أين أقبلت يا أبا فراس؟ # فقال: من الكوفة يا بن بنت رسول الله! فقال: كيف خلفت أهل الكوفة؟ فقال: # خلفت الناس معك وسيوفهم مع بني أمية، والله يفعل في خلقه ما يشاء! فقال: # صدقت وبررت، إن الأمر لله يفعل ما يشاء وربنا تعالى كل يوم هو في شأن، فإن نزل القضاء بما نحب (3) فالحمد لله ms0813 على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد (4) من كان الحق نيته (5)، فقال الفرزدق: يا بن بنت رسول الله! كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم قد قتلوا ابن عمك مسلم بن عقيل و شيعته؟ قال: فاستعبر الحسين بالبكاء ثم قال: رحم الله مسلما! فلقد صار إلى # PageV05P071 # روح الله وريحانه وجنته ورضوانه، أما إنه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا. قال: ثم أنشأ الحسين يقول: # وإن تكن الدنيا تعد نفيسة * فدار ثواب الله أعلى وأنبل وإن تكن الأبدان للموت أنشئت * فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل وإن تكن الأرزاق رزقا مقدرا * فقلة حرص المرء في الرزق أجمل وإن تكن الأموال للترك جمعها * فما بال متروك به الخير يبخل قال: ثم دعه الفرزدق في نفر من أصحابه، ومضى يريد مكة. فأقبل عليه ابن عم له من بني مجاشع (1) فقال: أبا فراس! هذا الحسين بن علي، فقال الفرزدق: هذا الحسين ابن فاطمة الزهراء بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، هذا والله ابن خيرة الله وأفضل من مشى على وجه الأرض بعد محمد وقد كنت قلت فيه أبياتا قبل اليوم. فلا عليك أن تسمعها، فقال له ابن عمه. ما أكره ذلك يا أبا فراس! فإن رأيت أن تنشدني ما قلت فيه! فقال الفرزدق: نعم، أنا القائل فيه (2) وفي أبيه وأخيه وجده صلوات الله عليهم هذه الأبيات: # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا حسين رسول الله والده * أمست بنور هداه تهتدي الأمم هذا ابن فاطمة الزهراء عترتها * في جنة الخلد مجريا بها القلم (3) إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم بكفه خيزران ريحه عبق * بكف أروع في عرنينه شمم يغضي حياء ويغضى من مهابته * فلا يكلم إلا حين يبتسم # PageV05P072 # ينشق نور الدجى عن نور غرته * كالشمس تنجاب عن إشراقها ms0814 الظلم مشتقة من رسول الله نبعته * طابت أرومته والخيم والشيم في معشر حبهم شكر وبغضهم (1) * كفر وقربهم منجى ومعتصم يستدفع الضر والبلوى بحبهم (2) * ويستقيم به الإحسان والنعم إن عد أهل الندى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيع (3) جواد بعد جودهم (3) * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا (4) بيوتهم من قريش يستضاء بها * في النائبات وعند الحكم إن حكموا (5) فجده من قريش في أرومتها * محمد وعلي بعده علم قال: ثم أقبل الفرزدق على ابن عمه فقال: والله لقد قلت فيه هذه الأبيات غير متعرض إلى معروفة غير أني أردت الله والدار الآخرة. ### | [قصة عبيد الله بن الحر الجعفي] (6) # قال وسار الحسين عليه السلام حتى نزل في قصر بني مقاتل، فإذا هو بفسطاط مضروب ورمح منصوب وسيف معلق وفرس واقف على مذوده، فقال الحسين: لمن هذا الفسطاط؟ فقيل: لرجل يقال له عبيد الله بن الحر الجعفي قال: فأرسل الحسين برجل من أصحابه يقال له الحجاج بن مسروق الجعفي. # فأقبل حتى دخل عليه في فسطاطه فسلم عليه فرد عليه السلام، ثم قال: ما وراءك؟ فقال الحجاج: والله! ورائي يا بن الحر! والله قد أهدى الله إليك كرامة إن قبلتها! قال: وما ذاك؟ فقال: هذا الحسين بن علي رضي الله عنهما يدعوك إلى نصرته، فإن قاتلت بين يديه أجرت، وإن مت فإنك استشهدت! فقال له عبيد الله: # والله ما خرجت من الكوفة إلى مخافة أن يدخلها الحسين بن علي وأنا فيها، فلا أنصره لأنه ليس له في الكوفة شيعة ولا أنصار إلا وقد مالوا إلى الدنيا إلا من عصم الله # PageV05P073 # منهم، فارجع إليه وخبره بذاك. # فأقبل الحجاج إلى الحسين فخبره بذلك، فقام الحسين ثم صار إليه في جماعة من إخوانه، فلما دخل وسلم وثب عبيد الله (1) بن الحر من صدر المجلس، و جلس الحسين فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، يا بن الحر! فإن مصركم هذه كتبوا إلي وخبروني أنهم مجتمعون على نصرتي وأن يقوموا دوني ويقاتلوا عدوي، ms0815 وأنهم سألوني القدوم عليهم، فقدمت ولست أدري القوم على ما زعموا لأنهم قد أعانوا على قتل ابن عمي مسلم بن عقيل رحمه الله وشيعته، وأجمعوا على ابن مرجانة عبيد الله بن زياد يبايعني ليزيد بن معاوية، وأنت يا بن الحر فاعلم أن الله عز وجل مؤاخذك بما كسبت وأسلفت من الذنوب في الأيام الخالية، وأنا أدعوك في وقتي هذا إلى توبة تغسل بهاما عليك من الذنوب، وأدعوك إلى نصرتنا أهل البيت، فإن أعطينا حقنا حمدنا الله على ذلك وقبلناه، وإن منعنا حقنا وركبنا بالظلم كنت من أعواني على طلب الحق (2). فقال عبيد الله بن الحر: والله يا بن بنت رسول الله! لو كان لك بالكوفة أعوان يقاتلون معك لكنت أنا أشدهم على عدوك، ولكني رأيت شيعتك بالكوفة وقد لزموا منازلهم خوفا من بني أمية ومن سيوفهم، فأنشدك بالله أن تطلب مني هذه المنزلة (3)، وأنا أواسيك بكل ما أقدر عليه وهذه فرسي ملجمة، والله ما طلبت عليها شيئا إلا أذقته حياض الموت، ولا طلبت وأنا عليها فلحقت، وخذ سيفي هذا فو الله ما ضربت به إلا قطعت. فقال له الحسين رضي الله عنه: يا بن الحر! ما جئناك لفرسك وسيفك، إنما أتيناك لنسألك النصرة، فإن كنت قد بخلت علينا بنفسك فلا حاجة لنا في شيء من مالك (4) ولم أكن بالذي اتخذ المضلين عضدا، لأني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: " من سمع داعية أهل بيتي ولم ينصرهم على حقهم إلا أكبه الله على وجهه في النار ". ثم سار الحسين رضي الله عنه من عنده ورجع إلى رحله. # فلما كان من الغد رحل الحسين، وندم ابن الحر على ما فاته من نصرته، # PageV05P074 # فأنشأ يقول (1): # أراها حسرة ما دمت حيا * تردد بين صدري والتراقي حسين حين يطلب بذل نصري * على أهل العداوة والشقاق (2) فلو واسيته يوما بنفسي * لنلت كرامة يوم التلاقي مع ابن محمد تفديه نفسي * فودع ثم ولى بانطلاق غداة يقول لي بالقصر قولا * أتتركنا وتعزم بالفراق ms0816 (3) فلو فلق التلهب قلب حي * لهم القلب مني بانفلاق (4) فقد فاز الذي نصر الحسين * وخاب الأخسرون ذوو النفاق قال: وسار الحسين على مرحلتين من الكوفة. # PageV05P075 ### | ذكر الحر بن يزيد (1) الرياحي لما بعثه عبيد الله بن زياد لحربه الحسين بن علي رضي الله عنهما # قال: وإذا الحر بن يزيد (1) في ألف فارس من أصحاب عبيد الله بن زياد شاكين في السلاح لا يرى منهم إلا حماليق الحدق، فلما نظر إليهم الحسين رضي الله عنه وقف في أصحابه (2)، ووقف الحر بن يزيد في أصحابه، فقال الحسين: # أيها القوم! من أنتم؟ قالوا: نحن أصحاب الأمير عبيد الله بن زياد، فقال الحسين: # ومن قائدكم؟ قالوا: الحر بن يزيد الرياحي. قال: فناداه الحسين رضي الله عنه: # ويحك يا بن يزيد (3)! ألنا أم علينا؟ فقال الحر: بل عليك أبا عبد الله! فقال الحسين: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: ودنت صلاة الظهر، فقال الحسين رضي الله عنه للحجاج بن مسروق: أذن رحمك الله وأقم الصلاة حتى نصلي! قال: فأذن الحجاج، فلما فرغ من أذانه صاح الحسين بالحر بن يزيد فقال له: يا بن يزيد! # أتريد (4) أن تصلي بأصحابك وأصلي بأصحابي؟ # فقال له الحر: بل أنت تصلي بأصحابك ونصلي بصلاتك. فقال الحسين رضي الله عنه للحجاج بن مسروق: أقم الصلاة! فأقام، وتقدم الحسين فصلى بالعسكرين جميعا. # فلما فرغ من صلاته وثب قائما فاتكأ على قائمة سيفه، فحمد الله وأثنى عليه # PageV05P076 # ثم قال: أيها الناس! إنها معذرة إلى الله وإلى من حضر من المسلمين، إني لم أقدم على هذا البلد حتى أتتني كتبكم (1) وقدمت علي رسلكم أن اقدم إلينا إنه ليس علينا (2) إمام فلعل الله أن يجمعنا بك على الهدى، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تعطوني ما يثق به قلبي من عهودكم ومن مواثيقكم دخلت معكم إلى مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم كارهين لقدومي عليكم انصرفت إلى المكان الذي أقبلت منه إليكم (3). قال: فسكت القوم عنه ولم يجيبوا بشيء. # و أمر الحر بن يزيد بخيمة ms0817 له فضربت، فدخلها وجلس فيها. فلم يزل الحسين رضي الله عنه واقفا مقابلهم وكل واحد منهم آخذ بعنان فرسه (4). وإذا كتاب قد ورد من الكوفة: من عبيد الله بن زياد إلى الحر بن يزيد أما بعد، يا أخي! إذا أتاك كتابي فجعجع (5) بالحسين ولا تفارقه حتى تأتيني به، فإني أمرت رسولي أن لا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذ أمري إليك - والسلام - (6). قال: فلما قرأ الحر الكتاب بعث إلى ثقات أصحابه فدعاهم ثم قال: ويحكم ورد علي كتاب عبيد الله بن زياد يأمرني أن أقدم إلى الحسين بما يسوؤه، ووالله ما تطاوعني نفسي ولا تجيبني إلى ذلك. فالتفت رجل من أصحاب الحر بن يزيد يكنى أبا الشعثاء (7) الكندي إلى رسول عبيد الله بن زياد، فقال له: فيما ذا جئت ثكلتك أمك؟ فقال له: أطعت إمامي ووفيت ببيعتي وجئت برسالة أميري. فقال له أبو الشعثاء (7): لقد عصيت ربك وأطعت إمامك وأهلكت نفسك واكتسبت عارا (9). فبئس الإمام إمامك! قال الله عز وجل: # PageV05P077 # (وجعلنهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون) (1). # قال: ودنت صلاة العصر فأمر الحسين مؤذنه فأذن وأقام الصلاة. وتقدم الحسين فصلى بالعسكرين. فلما انصرف من صلاته وثب قائما على قدميه. # فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! أنا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن أولى بولاية هذه الأمور عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم (2) والسائرين فيكم بالظلم (3) والعدوان، فإن تثقوا بالله وتعرفوا الحق لأهله فيكون ذلك لله رضى، وإن كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم على خلاف ما جاءت به كتبكم وقدمت به رسلكم انصرفت عنكم. # قال: فتكلم الحرب بن يزيد بينه وبين أصحابه فقال: أبا عبد الله! ما نعرف هذه الكتب ولا من هؤلاء الرسل. قال: فالتفت الحسين إلى غلام له يقال له عقبة بن سمعان فقال: يا عقبة! هات الخرجين اللذين (4) فيهما الكتب: فجاء عقبة بكتب أهل الشام والكوفة فنثرها بين أيديهم ثم تنحى، فتقدموا ونظروا إلى عنوانها ثم تنحوا، فقال الحر بن يزيد: ms0818 أبا عبد الله! لسنا من القوم الذين كتبوا إليك هذه الكتب، وقد أمرنا إن لقيناك لا نفارقك (5) حتى نأتي بك على الأمير، فتبسم الحسين ثم قال: يا بن الحر! أو تعلم أن الموت أدنى [إليك] (6) من ذلك. ثم التفت الحسين فقال: احملوا النساء ليركبوا حتى تنظر ما الذي يصنع هذا وأصحابه! قال: # فركب أصحاب الحسين وساقوا النساء بين أيديهم، فقدمت خيل الكوفة حتى حالت بينهم وبين المسير، فضرب الحسين بيده إلى سيفه ثم صاح بالحر: ثكلتك أمك! # ما الذي تريد أن تصنع؟ فقال الحر: أما والله لو قالها غيرك من العرب لرددتها عليه كائنا من كان، ولكن لا والله ما [لي] (7) إلى ذلك سبيل من ذكر أمك، غير أنه لا بد # PageV05P078 # أن أنطلق بك إلى عبيد الله بن زياد، فقال له الحسين: إذا والله لا أتبعك (1) أو تذهب نفسي. قال الحر: إذا والله لا أفارقك (2) أو تذهب نفسي وأنفس أصحابي. # قال الحسين: برز أصحابي وأصحابك وأبرز إلي، فإن قتلتني خذ برأسي إلى ابن زياد، وإن قتلتك أرحت الخلق منك، فقال الحر: أبا عبد الله! إني لم أومر بقتلك (3)، وإنما أمرت أن لا أفارقك أو أقدم بك على ابن زياد، وأنا والله كاره إن سلبني الله بشيء من أمرك غير أني قد أخذت ببيعة القوم وخرجت إليك، وأنا أعلم أنه لا يوافي (4) القيامة أحد من هذه الأمة إلا وهو يرجو شفاعة جدك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا خائف إن أنا قاتلتك أن أخسر الدنيا والآخرة، ولكن أنا أبا عبد الله! لست أقدر الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا، ولكن خذ عني هذا الطريق وامض حيث شئت (5) حتى أكتب إلى ابن زياد أن هذا خالفني في الطريق فلم أقدر عليه، وأنا أنشدك الله في نفسك (6)، فقال الحسين: يا حر! كأنك تخبرني أني مقتول! فقال الحر: أبا عبد الله! نعم ما أشك في ذلك إلا أن ترجع من حيث جئت. فقال الحسين: ما أدري ما أقول لك ولكني أقول كما قال ms0819 أخو الأوس حيث يقول (7): # سأمضي وما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى خيرا وجاهد مسلما وواسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مذموما وخالف مجرما أقدم نفسي لا أريد بقاءها * لتلقى خميسا في الوغاء عرمرما فإن عشت لم ألم وإن مت لم أذم * كفى بك ذلا أن تعيش مرغما ثم أقبل الحسين إلى أصحابه وقال: هل فيكم أخد يخبر الطريق على غير الجادة؟ فقال الطرماح بن عدي الطائي: يا بن بنت رسول الله! أنا أخبر الطريق. # PageV05P079 # فقال الحسين: إذا سر بين أيدينا! قال: فسار الطرماح وأتبعه الحسين هو وأصحابه، وجعل الطرماح يقول: # يا ناقتي لا تجزعي (1) من زجري * وأمض بنا (1) قبل طلوع الفجر بخير فتيان وخير سفري * إلى رسول الله أهل الفخر (2) السادة البيض الوجوه الزهري * الطاعنين بالرماح السمري الضاربين بالسيوف البتري * حتى تحلى بكريم النجر بما جد الجد (3) رحيب الصدر * أتى به الله لخير أمر عمره الله (4) بقاء الدهر * يا مالك النفع معا والضر أمدد حسينا سيدي بالنصر * على الطغاة من بقايا الكفر على اللعينين سليلي صخر * يزيد لا زال حليف الخمر والعود والصنج معا والزمرد * وابن زياد العهر وابن العهر قال: وأصبح الحسين من وراء عذيب الهجانات (5). قال: وإذا بالحر بن يزيد قد ظهر له أيضا في جيشه، فقال الحسين: ما وراءك يا بن يزيد! أليس قد أمرتنا أن نأخذ على الطريق فأخذنا وقبلنا مشورتك؟ فقال: صدقت، ولكن هذا كتاب عبيد الله بن زياد قد ورد علي يؤنبني ويعنفني في أمرك. فقال الحسين: فذرنا حتى ننزل بقرية نينوى (6) أو الغاضرية (7)، فقال الحر: لا والله ما أستطيع ذلك، هذا رسول عبيد الله بن زياد معي، وربما بعثه عينا علي. قال: فأقبل الحسين بن علي على رجل من أصحابه يقال له زهير بن القين (8) البجلي، فقال له: يا بن بنت رسول # PageV05P080 # الله (1)! ذرنا حتى نقاتل هؤلاء القوم، فإن قتالنا الساعة نحن وإياهم أيسر علينا وأهون من قتال من يأتينا من بعدهم، فقال لحسين: صدقت يا زهير! ولكن ما كنت بالذي أنذرهم ms0820 بقتال حتى يبتدروني (2). فقال له زهير. فسر بنا حتى نصير بكربلاء فإنها على شاطئ الفرات فنكون هنالك، فإن قاتلونا (3) قاتلناهم واستعنا بالله عليهم. # قال: فدمعت عينا الحسين، ثم قال: اللهم! ثم اللهم! إني أعوذ بك من الكرب والبلاء! قال: ونزل الحسين في موضعه ذلك ونزل الحر بن يزيد حذاءه في ألف فارس، ودعا الحسين بداوة وبياض وكتب إلى أشراف الكوفة ممن كان يظن أنه على رأيه. ### | ذكر كتاب الحسين رضي الله عنه إلى أهل الكوفة # بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى سليمان بن صرد والمسيب من نجبة ورفاعة بن شداد وعبد الله بن وال، وجماعة المؤمنين، أما بعد (4)! فقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قال في حياته: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرام أو تاركا (5) لعهد الله ومخالفا لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثم لم يغير عليه (6) بقول ولا فعل كان حقا (7) على الله أن يدخله مدخله، وقد علمتم أن هؤلاء لزموا طاعة الشيطان وتولوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا (8) بالفيء، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله. وأنا أحق من غيري بهذا الأمر لقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أتتني كتبكم وقدمت علي رسلكم ببيعتكم أنكم لا تخذلوني، فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد استوفيتم حقكم وحظكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم، وأهلي وولدي مع أهاليكم # PageV05P081 # وأولادكم، فلكم في (1) أسوة وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم ومواثيقكم وخلعتم بيعتكم فلعمري ما هي منكر بنكر (2)، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي، هل المغرور إلا من اغتر بكم، فإنما حقكم (3) أخطأتم ونصيبكم ضيعتم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم - والسلام -. قال: ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى قيس بن مسهر الصيداوي وأمره أن يسير إلى الكوفة (4). # قال: فمضى قيس إلى الكوفة وعبيد الله بن زياد قد وضع المراصد والمصابيح على الطرق، فليس أحد يقدر أن يجوز إلا فتش، فلما ms0821 تقارب من الكوفة قيس بن مسهر لقيه عدو الله يقال له الحصين بن نمير السكوني (5)، فلما نظر إليه قيس كأنه اتقى على نفسه، فأخرج الكتاب سريعا فمزقه عن آخره. قال: وأمر الحصين أصحابه فأخذوا قيسا وأخذوا الكتاب ممزقا حتى أتوا به إلى عبيد الله بن زياد. فقال له عبيد الله بن زياد: من أنت؟ قال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين الحسين بن علي رضي الله عنهما، قال: فلم خرقت الكتاب الذي كان معك؟ قال: خوفا، حتى لا تعلم ما فيه! قال: وممن كان هذا الكتاب وإلى من كان؟ فقال: كان من الحسين إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم. قال: فغضب ابن زياد غضبا عظيما ثم قال: والله لا تفارقني أبدا أو تدلني على هؤلاء القوم الذي كتب إليهم هذا الكتاب، أو تصعد المنبر فتسب الحسين وأباه وأخاه، فتنجو من يدي أو لأقطعنك. # فقال قيس: أما هؤلاء القوم فلا أعرفهم، وأما لعنة الحسين وأبيه وأخيه (6) فإني أفعل. # قال: فأمر به فأدخل المسجد الأعظم، ثم صعد المنبر وجمع له الناس # PageV05P082 # ليجتمعوا ويسمعوا اللعنة، فلما علم قيس أن الناس قد اجتمعوا وثب قائما، فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على محمد وآله، وأكثر الترحم على علي وولده، ثم لعن عبيد الله بن زياد ولعن أباه ولعن عتاة بني أمية عن آخرهم، ثم دعا الناس إلى نصرة الحسين بن علي (1). فأخبر بذلك عبيد الله بن زياد فأصعد على أعلى القصر ثم رمي به على رأسه فمات (2) - رحمه الله -. وبلغ ذلك الحسين فاستعبر باكيا ثم قال: # اللهم اجعل لنا ولشيعتك منزلا كريما عندك واجمع بيننا وإياهم في مستقر رحمتك إنك على كل شيء قدير. # قال: فوثب إلى الحسين رجل من شيعته يقال له هلال (3) فقال: يا بن بنت رسول الله! تعلم أن جدك رسول الله [لا] يقدر أن يشرب الله [الخلائق] محبته ولا أن يرجعوا من أمرهم إلى ما يحب، وقد كان منهم منافقون يبدونه (4) النصر ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من ms0822 العسل ويلحقونه بأمر من الحنظل، حتى توفاه الله عز وجل، وأن أباك عليا قد كان في مثل ذلك، فقوم أجمعوا على نصره وقاتلوا معه المنافقين والفاسقين والمارقين والقاسطين حتى أتاه أجله، وأنتم اليوم عندنا في مثل ذلك الحال، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه والله يغني عنه، فسر بنا راشدا مشرقا إن شئت أو مغربا، فو الله ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربنا، وإنا على نياتنا و نصرتنا، نوالي من والاك ونعادي من عاداك. # قال: فخرج الحسين وولده وإخوته وأهل بيته رحمة الله عليهم بين يديه، فنظر إليهم ساعة وبكى وقال: اللهم! إنا عترة نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد أخرجنا وطردنا عن حرم جدنا، وتعدت بنو (5) أمية علينا، فخذ بحقنا وانصرنا على القوم الكافرين. # قال: ثم صاح الحسين في عشيرته ورحل من موضعه ذلك حتى نزل كربلاء في يوم الأربعاء أو يوم الخميس وذلك في الثاني (6) من المحرم سنة إحدى وستين، ثم أقبل # PageV05P083 # إلى أصحابه فقال لهم: أهذه كربلاء؟ فقالوا: نعم. ### | ذكر نزول الحسين رضي الله عنه بكربلاء # فقال الحسين لأصحابه: انزلوا هذا موضع كرب وبلاء، ههنا مناخ ركابنا ومحط رحالنا وسفك دمائنا. قال: فنزل القوم وحطوا الأثقال ناحية من الفرات، وضربت خيمة الحسين لأهله وبنيه، وضرب عشيرته خيامهم من حول خيمته، وجلس الحسين وأنشأ يقول (1): # يا دهر أف لك من خليل * كم لك بالإشراق والأصيل من طالب وصاحب قتيل * وكل حيي عابر سبيل ما أقرب الوعد من الرحيل * وإنما الأمر إلى الجليل قال: وسمعت ذلك أخت الحسين زينب وأم كلثوم فقالتا (2): يا أخي! هذا كلام من أيقن بالقتل، فقال: نعم يا أختاه! فقال زينب (3): وا ثكلاه! ليت الموت أعد مني الحياة! مات جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومات أبي علي، وماتت أمي فاطمة، ومات أخي الحسن عليهم السلام، والآن ينعي إلي الحسين نفسه (4)، قال: وبكت النسوة ولطمن الخدود، قال: وجعلت أم كلثوم تنادي: وا جداه! وا أبي علياه! # وا أماه! ms0823 وا حسناه! وا حسيناه! وا ضيعتنا بعدك! وا أبا عبد الله! فعذلها الحسين وصبرها وقال لها (5): يا أختاه! تعزي بعزاء الله وارضي بقضاء الله، فإن سكان السماوات يفنون وأهل الأرض يموتون وجميع البرية لا يبقون، وكل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون، وإن لي ولك ولكل مؤمن ومؤمنة أسوة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. ثم قال لهن: انظرن إذا أنا قتلت فلا تشققن علي جيبا ولا تخمشن وجها. # قال: فأقبل الحر بن يزيد حتى نزل حذاء الحسين في ألف فارس، ثم كتب إلى عبيد الله بن زياد يخبره أن الحسين نزل بأرض كربلاء. قال: فكتب عبيد الله بن # PageV05P084 # زياد إلى الحسين: أما بعد يا حسين! فقد بلغني نزولك بكربلاء، وقد كتب إلي أمير المؤمنين يزيد بن معاوية أن لا أتوسد الوثير ولا أشبع من الخبز، أو ألحقك باللطيف الخبير أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية - والسلام -. # فلما ورد الكتاب قرأه الحسين ثم رمى به ثم قال: لا أفلح قوم آثروا مرضاة أنفسهم على مرضاة الخالق. فقال له الرسول: أبا عبد الله! جواب الكتاب؟ قال: # ما له عندي جواب، لأنه قد حقت عليه كلمة العذاب. # فقال الرسول لابن زياد ذلك، فغضب من ذلك أشد الغضب، ثم جمع أصحابه وقال: أيها الناس! من منكم تولى قتال الحسين بن علي ولي ولاية أي بلد شاء! فلم يجبه أحد بشيء. قال: فالتفت إلى عمر (1) بن سعد بن أبي وقاص، وقد كان عمر (2) بن سعد قبل ذلك بأيام قد عقد له عبيد الله بن زياد عقدا وولاه الري ودستبي (2) وأمره بحرب الديلم، فأراد أن يخرج إليها، فلما كان ذلك اليوم أقبل عليه ابن زياد فقال: أريد أن تخرج إلى قتال الحسين بن علي، فإذا نحن فرغنا من شغله سرت إلى عملك إن شاء الله. فقال له عمر (1): أيها الأمير! إن أردت أن تعفيني من قتال الحسين بن علي فافعل! فقال: قد عفيتك فاردد إلينا عهدنا الذي كتبناه لك (2) واجلس في ms0824 منزلك نبعث غيرك، فقال له عمر (1): أمهلني اليوم حتى أنظر في أمري! قال: قد أمهلتك. # فانصرف عمر (1) إلى منزله وجعل يستشير بعض إخوانه ومن يثق به، فلم يشر عليه أحد بشيء غير أنه يقول له: اتق (4) الله ولا تفعل. قال: وأقبل عليه حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن أخته فقال: أنشدك الله يا خال أن تسير إلى الحسين بن علي فإنك تأثم بربك وتقطع رحمك، وما لك ولسلطان الأرض، اتق (5) الله أن تتقدم يوم القيامة بدم الحسين ابن فاطمة. قال: فسكت عمر (1) وفي قلبه من الري (6). # PageV05P085 # فلما أصبح أقبل حتى دخل على عبيد الله بن زياد فقال: ما عندك يا عمر (1)؟ # فقال: أيها الأمير؟ إنك قد وليتني هذا الأمر وكتبت لي هذا العهد وقد سمع به الناس (2) وفي الكوفة أشراف - وعدهم (2) -. فقال له عبيد الله بن زياد: أنا أعلم منك بأشرافها، وما أريد منك إلا أن تكشف هذه الغمة وأنت الحبيب القريب. وإلا أردد علينا عهدنا والزم منزلك فإنا لا نكرهك. قال: فسكت عمر (1)، فقال له ابن زياد: يا بن سعد! والله لئن لم تسر إلى الحسين وتطول حربه وتقدم علينا بما يسوءه لأضربن عنقك ولأنهبن أموالك. قال: فإني سائر إليه غدا إن شاء الله، فجزاه ابن زياد خيرا ووصله وأعطاه وحياه ودفع إليه أربعة آلاف فارس وقال له: سر حتى تنزل بالحسين بن علي وانظر أن لا تهنه ولا تقتله وخل بينه وبين الفرات أن يشرب. قال: # فسار عمر في أربعة آلاف فارس، وسار الحر في ألف فارس، فصار خمسة آلاف فارس. # قال: ثم دعا عمر بن سعد رجلا من أصحابه يقال له عروة بن قيس (3)، فقال له! امض يا هذا إلى الحسين فقل له: ما تصنع في هذا الموضع؟ وما الذي أخرجه عن مكة وقد كان مستوطنا بها؟ فقال عروة بن قيس: أيها الأمير! إني كنت اليوم أكاتب الحسين ويكاتبني وأنا أستحيي أن أسير إليه، فإن رأيت أن تبعث غيري فابعث. قال فبعث إليه رجلا يقال له ms0825 فلان بن عبد الله السبيعي (4)، وكان فارسا بطلا شجاعا لا يرد وجهه عن شيء، فقال له عمر بن سعد: امض إلى الحسين فسله ما الذي أخرجه عن مكة وما يريد. # قال: فأقبل السبيعي نحو الحسين، ثم قال له الحسين (5) لما رآه: ضع سيفك حتى نكلمك! فقال: لا ولا كرامة لك، إنما أنا رسول عمر (6) بن سعد، فإن # PageV05P086 # سمعت (1) مني بلغتك ما أرسلت به، وإن أبيت انصرفت عنك. فقال له أبو ثمامة الصائدي (2): فإني آخذ سيفك، فقال: لا والله لا يمس سيفي أحد، فقال أبو ثمامة: فتكلم بما تريد (3) ولا تدن من الحسين، فإنك رجل فاسق. قال: فغضب السبيعي ورجع إلى عمر بن سعد وقال: إنهم لم يتركوني أصل إلى الحسين فأبلغه الرسالة. # قال: فأرسل إليه قرة بن قيس الحنظلي (4) فأقبل، فلما رأى معسكر الحسين قال الحسين لأصحابه: هل تعرفون هذا؟ فقال حبيب بن مظاهر الأسدي: نعم هذا من بني تميم وقد كنت أعرفه بحسن الرأي، وما ظننت أنه يشهد هذا المشهد. قال: # وتقدم الحنظلي حتى وقف بين يدي الحسين فسلم عليه وأبلغه رسالة عمر بن سعد. # فقال: يا هذا، أعلم صاحبك عني أني لم أرد إلى ههنا حتى كتب إلي أهل مصركم أن يبايعوني ولا يخذلوني وينصروني، فإن كرهوني أنصرف (5) عنهم من حيث جئت. قال: ثم وثب إليه حبيب بن مظاهر (6) الأسدي، فقال: ويحك يا قرة! # عهدي بك وأنت حسن الرأي في أهل البيت فما الذي غيرك حتى أتيتنا في هذه الرسالة؟ فأقم عندنا وانصر هذا الرجل! فقال الحنظلي: لقد قلت الحق، ولكني أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته (7) وأنظر في ذلك. # قال: فانصرف الحنظلي إلى عمر بن سعد وخبره بمقالة الحسين رضي الله عنه (8)، وكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد بذلك (9)، فكتب إليه يحرضه على # PageV05P087 # قتله (1). فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يا بن زياد كأنك لا تعرف العواقب! والله المستعان. # PageV05P088 ### | ذكر اجتماع العسكر إلى حرب الحسين ابن علي رضي الله عنه # قال: ثم جمع عبيد الله ms0826 بن زياد الناس إلى مسجد الكوفة، ثم خرج فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنكم قد بلوتم آل سفيان فوجدتموهم على ما تحبون، وهذا يزيد قد عرفتموه أن حسن السيرة، محمود الطريقة، محسن إلى الرعية، متعاهد الثغور، يعطي العطاء في حقه، حتى إنه كان أبوه كذلك، وقد زاد أمير المؤمنين في إكرامكم، وكتب إلي يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار ومائتي ألف درهم أفرقها عليكم وأخرجكم إلى حرب عدوه الحسين بن علي، فاسمعوا له وأطيعوا - والسلام -. # قال: ثم نزل عن المنبر ووضع لأهل الشام العطاء فأعطاهم ونادى فيهم بالخروج إلى عمر بن سعد ليكونوا أعوانا له على قتال الحسين. قال: فأول من خرج إلى عمر بن سعد الشمر بن ذي الجوشن السلولي - لعنه الله - في أربعة آلاف فارس، فصار عمر بن سعد في تسعة آلاف، ثم أتبعه زيد بن ركاب الكلبي في ألفين، والحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف، والمصاب الماري في ثلاثة آلاف ونصر بن حربة في ألفين فتم له عشرون ألفا. ثم بعث ابن زياد إلى شبث (1) بن ربعي الرياحي [رجلا وسأل أن يوجه إلى عمر بن سعد، فاعتل بمرض، فقال له ابن زياد: أتتمارض؟ إن كنت في طاعتنا فأخرج إلى قتال عدونا] (2)، فخرج إلى # PageV05P089 # عمر (1) بن سعد في ألف فارس بعد أن أكرمه ابن زياد وأعطاه وحباه، وأتبعه بحجار بن أبجر (2) في ألف فارس، فصار عمر بن سعد في اثنين وعشرين ألفا ما بين فارس وراجل. # ثم كتب ابن زياد إلى عمر بن سعد أنى لم أجعل لك علة في قتال الحسين من كثرة الخيل والرجال، فانظر أن لا تبدأ أمرا حتى تشاورني غدوا وعشيا مع كل غاد ورائح - والسلام -. # قال: وكان عبيد الله بن زياد في كل وقت يبعث إلى عمر بن سعد ويستعجله في قتال الحسين، قال: والتأمت العساكر إلى عمر بن سعد لست مضين من المحرم. # وأقبل حبيب بن مظاهر (3) الأسدي إلى الحسين بن علي فقال: ههنا حي من ms0827 بني أسد بالقرب مني أو تأذن لي أن أسير إليهم أدعوهم إلى نصرتك فعسى الله أن يدفع بهم عنك بعض ما تكره! فقال له الحسين: قد أذنت لك يا حبيب! قال: # فخرج حبيب بن مظاهر في جوف الليل منكرا حتى صار إلى أولئك القوم، فحياهم وحيوه وعرفوا أنه من بني أسد، فقالوا: ما حاجتك؟ يا بن عم! فقال: حاجتي إليكم قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قوم، أتيتكم أدعوكم إلى نصرة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه في عصابة من المؤمنين، الرجل منهم خير من ألف رجل، لن يخذلوه ولن يسلموه، وفيهم عين نظرت، وهذا عمر (1) بن سعد قد أحاط به في اثنين وعشرين ألف وأنتم قومي وعشيرتي، وقد جئتكم بهذه النصيحة فأطيعوني اليوم في نصرته تنالون غدا شرفا في الآخرة، فإني أقسم بالله أنه لا يقتل منكم رجل مع ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صابرا محتسبا إلا كان رفيق محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أعلى عليين. قال: # فوثب رجل من بني أسد يقال له بشر بن عبيد الله، فقال: والله أنا أول من أجاب إلى هذه الدعوة، ثم أنشأ يقول: # قد علم القوم إذا تواكلوا * وأحجم الفرسان أو تناصلوا # PageV05P090 # إني شجاع بطل مقاتل * كأنني ليث عرين باسل قال: ثم تبادر رجال الحي مع حبيب بن مظاهر (1) الأسدي. # قال: وخرج رجل من الحي في ذلك الوقت حتى صار إلى عمر (2) بن سعد في جوف الليل فخبره بذلك. فدعا رجلا من أصحابه يقال له الأزرق بن حرب الصيداوي فضم إليه أربعة آلاف فارس، ووجه به في جوف الليل إلى حي بني أسد مع الرجل الذي جاء بالخبر. قال: فبينما القوم في جوف الليل قد أقبلوا يريدون معسكر الحسين إذ استقبلهم جند عمر بن سعد على شاطئ الفرات. قال: فتناوش القوم بعضهم بعضا واقتتلوا قتالا شديدا، وصاح به حبيب بن مظاهر (1): ويلك يا أزرق! مالك ولنا دعنا! قال: واقتتلوا قتالا ms0828 شديدا. فلما رأى (3) القوم بذلك انهزموا راجعين إلى منازلهم. فرجع حبيب بن مظاهر (1) إلى الحسين رضي الله عنه فأعلمه بذلك الخبر. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # قال: ثم إن ابن زياد كتب إلى عمر بن سعد: أما بعد (4)، فقد بلغني أن الحسين يشرب الماء هو وأولاده وقد حفروا الآبار ونصبوا الأعلام، فانظر إذا ورد عليك كتابي هذا فامنعهم من حفر الآبر ما استطعت وضيق عليهم ولا تدعهم يشربوا من ماء الفرات قطرة (5) واحدة، وافعل بهم كما فعلوا بالتقي النقي عثمان بن عفان رضي الله عنه - والسلام -. # قال: فعندها ضيق عليهم عمر بن سعد غاية التضييق ثم دعا رجلا يقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي (6) فضم إليه خيلا عظيمة (7) وأمره أن ينزل على الشريعة [التي هي حذاء عسكر الحسين رضي الله عنه فنزلت الشريعة] ونادى رجل من # PageV05P091 # أصحاب عمر بن سعد (1) بالحسين فقال: إنك لن تذوق من هذا الماء قطرة واحدة حتى تذوق الموت [غصة بعد غصة] أو تنزل على حكم أمير المؤمنين [يزيد] وحكم عبيد الله بن زياد. # قال: فاشتد العطش (2) من الحسين وأصحابه وكادوا أن يموتوا عطشا، فدعا بأخيه العباس رحمه الله وصير إليه ثلاثين (3) فارسا وعشرين (4) راجلا وبعث معهم عشرين قربة، فأقبلوا في جوف الليل حتى دنوا من الفرات، فقال عمرو بن الحجاج: من هذا؟ فقالوا: رجال من أصحاب الحسين يريدون الماء! فاقتتلوا على الماء قتالا عظيما فكان قوم يقتتلون وقوم يملأون القرب حتى ملأوها. فقتل من أصحاب عمرو جماعة ولم يقتل من أصحاب الحسين أحد. ثم رجع القوم إلى معسكرهم وشرب الحسين من القرب ومن كان معه. # قال: ثم أرسل الحسين رحمه الله إلى عمر بن سعد (5) إني أريد أن أكلمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك. قال: فخرج إلى عمر بن سعد في عشرين فارسا وأقبل الحسين في مثل ذلك، فلما التقيا أمر الحسين أصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه أخوه العباس وابنه علي الأكبر رضي الله عنهم، وأمر عمر بن سعد أصحابه فتنحوا ms0829 عنه، وبقي معه حفص وابنه وغلام له يقال له لاحق. (6) فقال له الحسين رضي الله عنه: ويحك يا بن سعد! أما تتقي الله الذي إليه معادك أن تقاتلني؟ وأنا ابن من! علمت يا هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاترك هؤلاء وكن معي فإني أقربك إلى الله عز وجل! فقال له عمر بن سعد: أبا عبد الله! أخاف أن تهدم داري، فقال له # PageV05P092 # الحسين رضي الله عنه: أنا أبنيها لك (1). فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي (2)، فقال الحسين: أنا أخلف (3) عليك خيرا منها من مالي بالحجاز. قال: فلم يجب عمر إلى شيء من ذلك، فانصرف عنه الحسين رضي الله عنه وهو يقول: ما لك ذبحك الله من على فراشك سريعا عاجلا ولا غفر الله لك يوم حشرك ونشرك، فو الله إني لأرجو أن لا يأكل من بر العراق إلا يسيرا (4). # قال: ورجع عمر بن سعد إلى معسكره، وإذا كتاب عبيد الله بن زياد قد أقبل على عمر بن سعد يؤنبه فيه ويقول له: يا بن سعد! ما هذه الفترة والمطاولة؟ انظر إن بايع الحسين وأصحابه ونزلوا على حكمي فابعث بهم سلما، وإن أبوا ذلك فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، فإذا قتلت الحسين فأوطئ الخيل على ظهره وبطنه (5). فإذا فعلت ذلك جزيناك جزاء الطائع (6) المطيع، وإن أبيت ذلك فاقطع حبلنا وجندنا وسلم ذلك إلى شمر بن ذي الجوشن، فإنه أحزم منك أمرا وأمضى منك عزيمة - والسلام -. وطوى الكتاب وأراد أن يسلمه إلى رجل يقال له عبد الله بن [أبي المحل بن] (7) حزام العامري، فقال: أصلح الله الأمير! إن علي بن أبي طالب قد كان عندنا ههنا بالكوفة فخطب إلينا فزوجناه بنتا (8) يقال لها أم البنين بنت حزام فولدت له عبد الله وجعفرا والعباس (9) فهم بنو أختنا وهم مع الحسين # PageV05P093 # أخيهم، فإن رسمت لنا أن نكتب (1) إليهم كتابا بأمان منك عليهم متفضلا! فقال عبيد الله بن زياد: نعم وكرامة لكم، اكتبوا إليهم بما أحببتم، ولهم عندي ms0830 الأمان. # قال: فكتب عبد الله بن [أبي] المحل بن حزام إلى عبد الله والعباس وجعفر بني علي رضي الله عنهم بالأمان من عبيد الله بن زياد، ودفع الكتاب إلى غلام له يقال له عرفان (2)، فقال: سر بهذا الكتاب إلى بني أختي بني علي بن أبي طالب رحمة الله عليهم فإنهم في عسكر الحسين رضي الله عنه، فادفع إليهم هذا الكتاب وانظر ماذا يردون عليك. # قال: فلما ورد كتاب عبد الله بن أبي المحل على بني علي ونظروا فيه أقبلوا به إلى الحسين فقرأه وقال له: لا حاجة لنا في أمانك فإن أمان الله خير من أمان ابن مرجانة (3). قال: فرجع الغلام إلى الكوفة فخبر عبد الله بن [أبي] المحل بما كان من جواب القوم. قال: فعلم عبد الله بن [أبي] المحل أن القوم مقتولون. # قال: وأقبل شمر بن ذي الجوشن حتى وقف على معسكر (4) الحسين رضي الله عنه فنادى بأعلى صوته: أين بنو أختنا (5) عبد الله وجعفر والعباس بنو علي بن أبي طالب! فقال الحسين لإخوته: أجيبوه وإن كان فاسقا فإنه من أخوالكم! فنادوه فقالوا: ما شأنك وما تريد؟ فقال: يا بني أختي! أنتم آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين، والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد بن معاوية! فقال له العباس بن علي رضي الله عنه: تبا لك يا شمر ولعنك الله ولعن ما جئت به من أمانك هذا يا عدو الله! أتأمرنا أن ندخل في طاعة العناد ونترك نصرة أخينا الحسين رضي الله عنه (6). # قال: فرجع الشمر إلى معسكره مغتاظا (7). # و جمع الحسين أصحابه بين يديه، وحمد الله وأثنى عليه، وقال: اللهم! لك # PageV05P094 # الحمد على ما به فضلتنا (1) وعلمتنا من القرآن، وفهمتنا (2) في الدين، وأكرمتنا به من كرامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة وجعلتنا من الشاكرين. ثم أقبل عليهم وقال: إني لا أعلم أصحابا أصح منكم (3) ولا أعدل ولا أفضل أهل بيت، فجزاكم الله عني خيرا! فهذا الليل قد أقبل فقوموا واتخذوه ms0831 جملا، وليأخذ كل [رجل] (4) منكم بيد صاحبه أو رجل من إخوتي (5) وتفرقوا في سواد هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم، فإنهم لا يطلبون غيري، ولو أصابوني وقدروا على قتلي لما طلبوكم. # قال: فعندها تكلم إخوته وجميع أهل بيته فقالوا: يا بن بنت رسول الله! وماذا يقول الناس وماذا نقول لهم إذا تركنا شيخنا وسيدنا وابن بنت نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم! لم نرم معه بسهم، ولا نطعن عنه برمح، ولا نضرب معه بسيف، لا والله يا بن بنت رسول الله! لا نفارقك أبدا ولكننا نفديك بأنفسنا (6) ونقتل بين يديك، ونرد موردك فقبح الله العيش بعدك (7). # قال: ثم قام مسلم بن عوسجة الأسدي وقال: يا بن بنت رسول الله! نحن عليك هكذا، وننصرف وقد أحاط بك الأعداء! لا والله لا يراني الله أفعل ذلك أبدا حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضاربهم (8) بسيفي ما ثبت قائمه بيدي! ووالله لو لم يكن معي سلاح (9) أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة أبدا، ولم أفارقهم أو أموت بين يديك!. قال: ثم قام إليه جماعة كلهم (10) على نصرته وقالوا: نفديك أنفسنا. # PageV05P095 # قال: وأرسل إليه الحسين رضي الله عنه بريرا (1). فقال برير: يا عمر بن سعد! أتترك أهل بيت النبوة يموتون عطشا وحلت بينهم وبين الفرات أن يشربوه وتزعم أنك تعرف الله ورسوله؟ قال: فأطرق عمر بن سعد ساعة إلى الأرض ثم رفع رأسه وقال: إني والله أعلمه يا برير علما يقينا أن كل من قاتلهم وغصبهم على حقوقهم في النار لا محالة، ولكن ويحك يا برير (2)! أتشير علي أن أترك ولاية الري فتصير لغيري؟ ما أجد نفسي تجيبني إلى ذلك أبدا، ثم أنشأ يقول: # دعاني عبيد الله من دون قومه * إلى خطة فيها خرجت لحيني فو الله لا أدري وإني لواقف * على خطر بعظم على وسيني أأترك ملك الري والري رغبة (3) * أم أرجع مذموما (4) بثأر حسين وفي قتله النار التي ليس دونها * حجاب وملك الري قرة عين قال: فرجع برير بن حضير إلى الحسين فقال: يا بن ms0832 بنت رسول الله! إن عمر بن سعد قد رضي أن يقتلك بملك الري. # قال: فلما أيس الحسين من القوم وعلم أنهم قاتلوه أقبل على أصحابه فقال: # قوموا فاحفروا لنا حفيرة حول عسكرنا هذا شبه الخندق وأججوا فيه نارا، حتى يكون قتال القوم من وجه واحد لا نقاتلهم ولا يقاتلون فنشتغل بحربهم ولا نضيع الحرم قال: فوثب القوم من كل ناحية وتعاونوا وحفروا خندقا، ثم جمعوا الشوك والحطب وألقوه في الخندق وأججوا فيه النار. وأقبل رجل من معسكر عمر بن سعد يقال له مالك (5) بن حوزة على فرس له حتى وقف عند الخندق وجعل ينادي: أبشر يا حسين! فقد تلفحك النار في الدنيا قبل الآخرة (6)! فقال له الحسين: كذبت يا عدو الله! إني قادم (7) على رب رحيم وشفيع مطاع، وذلك جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم قال # PageV05P096 # الحسين: من هذا الرجل؟ فقالوا: هذا مالك بن حوزة (1)! فقال الحسين: اللهم! # حزه إلى النار، وأذقه حرها في الدنيا قبل مصيره إلى الآخرة! قال: فلم يكن بأسرع أن شبث به الفرس فألقته في النار، فاحترق (2). قال: فخر الحسين لله ساجدا مطيعا، ثم رفع رأسه وقال: يا لها من دعوة ما كان أسرع إجابتها! قال: ثم رفع الحسين صوته ونادى: اللهم! إنا أهل نبيك وذريته وقرابته، فاقصم من ظلمنا وغصبنا حقنا، إنك سميع مجيب. # قال: وإذا المنادي ينادي من عسكر عمر: يا جند الله اركبوا (3)! قال: فركب الناس وساروا نحو معسكر الحسين، والحسين في وقته ذلك جالس قد خفق رأسه (4) على ركبتيه، وسمعت أخته زينب رضي الله عنها الصيحة والضجة، فدنت من أخيها وحركته فقالت: يا أخي! ألا تسمع الأصوات قد اقتربت منا؟ قال: فرفع الحسين رأسه وقال: يا أختاه! إني رأيت جدي في المنام وأبي عليا وفاطمة أمي وأخي الحسن عليهم السلام فقالوا: يا حسين! إنك رائح (5) إلينا عن قريب، وقد والله يا أختاه دنا الأمر في ذلك، لا شك قال: فلطمت زينب وجهها وصاحت [وأخيبتاه]، فقال الحسين: مهلا! اسكتي ولا ms0833 تصيحي فتشمت بنا الأعداء. # ثم أقبل الحسين على أخيه العباس فقال: يا أخي اركب وتقدم إلى هؤلاء القوم وسلهم عن حالهم (6) وارجع إلي بالخبر. قال: فركب العباس في إخوته رضي الله عنهم ومعه أيضا عشرة فوارس (7) حتى دنا من القوم ثم قال: ما شأنكم وما تريدون؟ فقالوا: نريد أنه قد جاء الأمر من عند عبيد الله بن زياد يأمرنا أن نعرض عليكم أن تنزلوا على أمر عبيد الله بن زياد أو نلحقكم بمن سلف (8). فقال لهم العباس: لا تعجلوا حتى رجع إلى الحسين فأخبره بذلك (9). قال: فوقف القوم في # PageV05P097 # مواضعهم، ورجع العباس إلى الحسين فأخبره بذلك، فأطرق الحسين ساعة، والعباس واقف بين يديه، وأصحاب الحسين يخاطبون أصحاب عمر (1) بن سعد، فقال لهم حبيب بن مظاهر (2): أما والله لبئس القوم يقدمون غدا على الله عز وجل وعلى رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد قتلوا ذريته وأهل بيته المجتهدين (3) بالأسحار الذاكرين الله كثيرا بالليل والنهار وشيعته الأتقياء الأبرار. قال: فقال رجل من أصحاب عمر يقال له عروة (4) بن قيس: يا بن مظاهر! إنك لتزكي نفسك ما استطعت، فقال له زهير: اتق (5) الله يا بن قيس! ولا تكن من الذين يعينون على الضلال ويقتلون النفوس الزكية الطاهرة عترة خير الأنبياء. فقال له عزرة (6) بن قيس: إنك لم تكن عندنا من شيعة أهل البيت إنما كنت عثمانيا نعرفك (7). هؤلاء في المخاطبة والحسين مفكر في أمر نفسه وأمر الحرب والعباس واقف في حضرته. # قال: وأقبل العباس على القوم وهم وقوف فقال: يا هؤلاء! إن أبا عبد الله يسألكم الانصراف عنه (8) في هذا اليوم حتى ينظر في هذا الأمر، ثم يلقاكم غدا إن شاء الله تعالى. قال: فخبر القوم بهذا أميرهم عمر (9) بن سعد: فقال للشمر بن ذي الجوشن: ما ترى من الرأي؟ فقال: أرى رأيك أيها الأمير! فقال عمر: إنني أحببت أن لا أكون أميرا، قال: ثم إني أكرهت (10). قال: وأقبل عمر على أصحابه (11) فقال: ما الذي عندكم في هذا الرأي؟ فقال رجل ms0834 من أصحابه يقال له عمرو بن الحجاج: سبحان الله العظيم! لو كانوا من الترك والديلم وسألوا (12) هذه المنزلة لقد كان حقا علينا [أن] نجيبهم إلى ذلك وكيف وهم آل الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم # PageV05P098 # وأهله! فقال عمر بن سعد: إنا قد أجلنا هم (1) في يومنا هذا. قال: فنادى رجل من أصحاب عمر: يا شيعة الحسين بن علي! قد أجلناكم (2) يومكم هذا إلى غد فإن استسلمتم ونزلتم على حكم الأمير وجهنا بكم إليه، وإن أبيتم ناجزناكم (3). قال: # فانصرف الفريقان بعضهم من بعض. # قال: وجاء الليل فبات الحسين في الليل ساجدا راكعا مستغفرا يدعو الله تعالى، له دوي كدوي النحل، قال: وأقبل الشمر بن ذي الجوشن - لعنه الله - في نصف الليل ومعه جماعة من أصحابه حتى تقارب من عسكر الحسين، والحسين قد رفع صوته وهو يتلو هذه الآية (ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم...) (4) - إلى آخرها. قال: فصاح لعين (5) من أصحاب شمر بن ذي الجوشن: نحن ورب الكعبة الطيبون، وأنتم الخبيثون وقد ميزنا منكم. قال: فقطع برير الصلاة فناداه: يا فاسق! يا فاجر! يا عدو الله! أمثلك يكون من الطيبين! ما أنت إلا بهيمة ولا تعقل، فأبشر بالنار يوم القيامة والعذاب الأليم. قال: فصاح بن شمر بن ذي الجوشن - لعنه الله - وقال: أيها المتكلم! إن الله تبارك وتعالى قاتلك وقاتل صاحبك عن قريب! # فقال له برير: يا عدو الله! أبالموت تخوفني، والله إن الموت أحب إلينا من الحياة معكم! والله لا ينال شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوم أراقوا دماء ذريته وأهل بيته. قال: وأقبل رجل من أصحاب الحسين إلى برير بن حضير فقال له: رحمك الله يا برير! إن أبا عبد الله يقول لك: ارجع إلى موضعك ولا تخاطب القوم، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء فلقد نصحت وأبلغت في النصح. # فلما كان وقت السحر خفق الحسين رأسه خفقة ثم استيقظ فقال: أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة؟ قالوا: وما الذي ms0835 رأيت يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: # رأيت كأن كلابا قد شدت علي تناشبني، وفيها كلب أبقع رأيته أشدها علي، وأظن الذي يتولى قتلي رجل أبقع وأبرص من هؤلاء القوم، ثم إني رأيت بعد ذلك جدي # PageV05P099 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي: يا بني! أنت شهيد آل محمد! وقد استبشرت بك أهل السماوات وأهل الصفح الأعلى، فليكن إفطارك عندي الليلة، عجل ولا تؤخر! فهذا أثرك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء، وهذا ما رأيت وقد أزف الأمر واقترب الرحيل من هذه الدنيا، لا شك في ذلك. # قال: وأصبح الحسين وصلى بأصحابه، ثم قرب إليه فرسه، فاستوى عليه وتقدم نحو القوم في نفر من أصحابه، وبين يديه برير بن حضير (1) الهمداني، فقال له الحسين: كلم القوم يا برير واحتج عليهم! قال: فتقدم برير حتى وقف قريبا من القوم والقوم على بكرة قد زحفوا إليهم فقال لهم برير: يا هؤلاء! [اتقوا الله، فإن نسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد أصبح بين أظهركم، وهؤلاء] ذريته وعترته وبناته وحريمه، فهاتوا ما الذي عندكم وما تريدون أن تصنعوا بهم! فقالوا: نريد أن نمكن منهم الأمير عبيد الله بن زياد فيرى رأيه فيهم. فقال برير بن حضير: ولا تقبلون منهم إن رجعوا إلى المكان الذي أقبلوا منه يا أهل الكوفة؟ أنسيتم كتبكم إليه وعهودكم الذي أعطيتموها من أنفسكم؟ وأشهدتم الله عليها وكفى بالله شهيدا، يا ويلكم! دعوتم (2) أهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم، حتى إذا أتوا عليكم أسلمتموهم إلى عبيد الله بن زياد وحلتم (3) بينهم وبين الماء الجاري! وهو مبذول يشرب منه اليهود والنصارى والمجوس، وترده (4) الكلاب والخنازير، فبئس ما خلفتم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في ذريته، ما لكم لا سقاكم الله يوم القيامة (5)! ويلكم هذا الحسن والحسين سيدا أهل الجنة من الأولين والآخرين (6). # قال: وتقدم عمر بن سعد حتى وقف قبالة الحسين على ms0836 فرس له، فاستخرج سهما فوضعه في كبد القوس ثم قال: أيها الناس! اشهدوا لي عند الأمير عبيد الله بن زياد أني أول من رمى بسهم إلى عسكر الحسين بن علي! قال: فوقع السهم بين # PageV05P100 # يدي الحسين، فتنحى عنه راجعا إلى ورائه وأقبلت السهام كأنها المطر، فقال الحسين لأصحابه: أيها الناس! هذه رسل القوم إليكم، فقوموا إلى الموت الذي لا بد منه. ### | ذكر ابتداء الحرب بين الحسين وبين القوم # قال: فوثب أصحاب الحسين فخرجوا من باب خندقهم، وهم يومئذ اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا، والقوم اثنان وعشرون ألفا لا يزيدون ولا ينقصون، فحمل بعضهم على بعض فاقتتلوا ساعة من النهار حملة واحدة، حتى قتل من أصحاب الحسين نيف وخمسون رجلا - رحمة الله عليهم -. قال: فعندها ضرب الحسين بيده إلى لحيته وجعل يقول: اشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا لله ولدا، واشتد غضب الله على النصارى (1)، واشتد غضب الله على المجوس إذ عبدت الشمس والقمر والنار من دون الله، واشتد غضب الله على قوم اجتمعت آراؤهم على قتل ابن بنت نبيهم، والله ما أجبتهم إلى شيء مما يريدونه أبدا حتى ألقى الله وأنا مخضب بدمي، قال: ثم صاح الحسين: أما من مغيث يغيثنا لوجه الله؟ أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله؟ # قال: فإذا الحر بن يزيد (2) الرياحي قد أقبل يركض فرسه حتى وقف بين يدي الحسين رضي الله عنه، فقال: يا بن بنت رسول الله! كنت أول من خرج عليك، أفتأذن لي أن أكون أول مقتول بين يديك، لعلي أبلغ بذلك درجة الشهداء فألحق بجدك صلى الله عليه وآله وسلم! فقال الحسين: يا أخي! إن تبت كنت ممن تاب الله عليهم، إن الله هو التواب الرحيم (3). ### | ذكر الذين قتلوا بين يدي الحسين بن علي # قال فأول: من تقدم إلى قتال القوم الحر بن يزيد الرياحي وهو يقول: # إني أنا الحر ومأوى الضيف * أضرب في أعراضكم بالسيف # PageV05P101 # عن خير من حل بلاد الخيف * أضربكم ولا أرى من حيف (1) قال: وحمل، ms0837 ولم يزل يقاتل حتى عرق (2) فرسه فبقي راجلا، فجعل يقاتل وهو يقول: # إن تنكروني فأنا ابن الحر * أشجع من ذي لبد هزبر (3) ولست بالجياد عند الكر * لكني الوقاف عند الفر ثم لم يزل يقاتل حتى قتل - رحمه الله -! فاحتمله أصحاب الحسين رضي الله عنه حتى وضعوه بين يديه وفيه رمق، فجعل يمسح وجهه الحسين ويقول: أنت الحر! كما سمتك أمك حرا، وأنت الحر في الدنيا والآخرة. قال: ثم جعل رجل من أصحاب الحسين يقول: # لنعم الحر حر بني رياح * ونعم عند مختلف الرماح ونعم الحر إذ نادى حسين * فجاد بنفسه عند الصباح قال: ثم برز من بعده برير بن حضير (4) الهمداني ووهو يقول: # أنا برير وأبي حضير * ليس يروع الأسد عند الزئر يعرف فينا الخير أهل الخير * أضربكم ولا أرى من ضر وذاك فعل الحر من برير قال: ثم حمل فقاتل قتالا شديدا وهو يقول: اقتربوا مني يا قتلة (5) المؤمنين! اقتربوا مني يا قتلة أولاد النبيين! اقتربوا مني يا قتلة ابن بنت نبي رب العالمين وذريته الباقين! قال: فحمل رجل من أصحاب عبيد الله بن زياد يقال له بجير بن أوس # PageV05P102 # الضبي (1) فقتله - رحمه الله -! ثم جال في الصفين وجعل يقول (2): # سلي تخبري عني وأنت ذميمة * غداة حسين والرماح شوارع ألم آت أقصى ما كرهت ولم يخل * علي غداة الروع ما أنا صانع فجردته في عصبة ليس دينهم * كديني وإني بعد ذاك لقانع (3) وقد صبروا للطعن والضرب حسرا * وقد جالدوا لو أن ذلك واقع وأبلغ عبيد الله إما لقيته * بأني مطيع للخليفة سامع قتلت بريرا ثم حملت نعمة * غداة الوغى لما دعا من يقارع قال: ثم ذكر له بعد ذلك أن بريرا كان من عباد الله الصالحين، وجاءه ابن عم له يقال له عبيد الله بن جابر فقال له: ويلك يا بجير! قتلت برير بن حضير (4) فبأي وجه تلقى الله تعالى غدا (5)! قال: فندم حين لم ينفعه الندم، ثم أنشأ يقول (6): # فلو شاء ربي ما شهدت قتالهم * ولا جعل النعماء ms0838 عند ابن جابر لقد كان ذاك اليوم عارا وسبة * يعيره الأبناء عند المعاشر فيا ليت أني كنت في الحرب حفنة * ويوم حسين كنت في رمس (7) قابر فيا سوءتا ماذا أقول لخالقي * وما حجتي يوم الحساب القماطر (8) # PageV05P103 # قال: ثم خرج وهب بن عبد الله بن عمير (1) الكلبي، وقد كانت معه أمه (2) يومئذ، فقالت له أمه: قم يا بني فانصر ابن بنت نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم! فقال: أفعل ذلك يا أماه ولا أقصر إن شاء الله تعالى. قال: ثم خرج إلى القوم وهو يقول: # إن تنكروني فأنا ابن الكلب * سوف تروني وترون ضربي وحملتي وصولتي في الحرب * أدرك ثأري بعد ثأر صحبي فأدفع الكرب إما إلى الكرب * ليس جهادي في الوغى باللعب (3) ثم حمل ولم يزل يقتل حتى قتل منهم جماعة، ورجع إلى أمه وامرأته، ورجع إلى أمه وقال: أرضيت أم لا؟ فقالت أمه: لا ما رضيت حتى تقتل بين يدي مولاك الحسين. قال: فقالت له المرأة: أسألك بالله أن لا تفجعني في نفسك، فقالت له أمه: لا تقبل قولها وارجع إلى مكانك وقاتل بين يدي مولاك وابن بنت نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون غدا في القيامة ممن يشفع لك عند ربك (4)! فقام وهب بن عبد الله (5) وهو يقول: # إني زعيم لك أم وهب * بالطعن فيهم تارة والضرب ضرب غلام مؤمن بالرب * حتى يذوق القوم مس الحرب إني امرؤ ذو نجدة وعصب * حسبي قتيلي من عليم حسبي (6) ثم حمل ولم يزل يقاتل حتى قطعت يمينه، ثم قاتل حتى قطعت شماله، ثم # PageV05P104 # قتل - رحمه الله -. # ثم برز من بعده عمرو بن خالد الأزدي وهو يقول: # اليوم يا نفس إلى الرحمن * تمضين بالروح وبالريحان اليوم تجزين على الإحسان قد كان منك غابر الزمان * ما خط في اللوح لدى الديان لا تجزعي فكن حي فان والصبر أحظى لك بالأمان * يا معشر الأزد بني قحطان كونوا لدى الحرب كأسد حفان قال: ثم حمل فقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # ثم تقدم ms0839 من بعده ابنه خالد وهو يقول. # ثم تقدم من بعده ابنه خالد وهو يقول: # صبرا على الموت بني قحطان * كيما تكونوا في رضى الرحمن ذي المجد والعزة والبرهان * وذي العلى والطول والإحسان بأننا قد صرن في الجنان * وفي قصور حسن البنيان قال: ثم حمل ولم يزل يقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # ثم تقدم من بعده شعبة بن حنظلة التميمي وهو يقول: # صبرا على الأسياف والأسنة * صبرا عليها لدخول الجنة وحور عين ناعمات حسنه * لمن يريد الفوز لا بالظنه يا نفس للراحة فأحمدنه * وفي طلاب الخير فأرغبنه قال: ثم حمل وقاتل قتالا شديدا حتى قتل - رحمه الله -. # وخرج من بعده آخر يقال له عمرو بن عبد الله المذحجي وهو يرتجز ويقول: # قد علمت سعد وحي مذحج * أني لدى الهيجاء غير مخرج علوا بسيفي هامة المذحج * واترك القرن لدى التعرج فريسة الضبع الأخيل الأعوج قال: ثم حمل فقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # ثم تقدم مسلم بن عوسجة الأسدي وهو يقول: PageV05P105 # إن تسألوا عني فإني ذو لبد * من فرع قوم من ذرى بني أسد فمن تعامى حائد عن الرشد * وكافر بدين جبار صمد قال: ثم حمل فقاتل قتالا شديدا حتى قتل - رحمه الله (1) -. # وخرج من بعده عبد الرحمن بن عبد الله اليزني وهو يقول: # أنا ابن عبد الله من آل يزن * ديني على دين حسين وحسن أضربكم ضرب فتى من اليمن * أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن ثم حمل فقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # وخرج من بعده يحيى بن سليم المازني وهو يقول: # لأضربن القوم ضربا فيصلا * ضربا شديدا في الغداة معجلا لا عاجزا فيها ولا مولولا * ولا أخاف اليوم موتا مقبلا لكنني كالليث أحمي أشبلا ثم حمل فقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # ثم خرج من بعده قرة بن أبي قرة الغفاري وهو يقول: # قد علمت حقا بنو (2) غفار * وخندف بعد بني نزار بأنني الليث لدى الغبار * لأضربن (3) معشر الفجار بكل عضب ذكر (4) بتار * ضربا وحتفا عن بني الأخيار رهط النبي السادة الأبرار (5) # PageV05P106 # ثم ms0840 حمل فقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # ثم خرج من بعده مالك بن أنس الباهلي وهو يرتجز ويقول: # قد علمت مالك وذودان * والخندفيون ومن قيس غيلان بأن قومي آفة الأقران * لدى الوغى وسادة الفرسان (1) فباشروا الموت بطعن آن * لسنا نرى العجز عن الطعان آل علي شيعة الرحمن * آل زياد شيعة الشيطان ثم حمل فقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # وخرج من بعده عمرو بن مطاع الجعفي وهو يقول: # أنا ابن جعف وأبي مطاع * وفي يميني مرهف قطاع وأسمر في رأسه لماع * ترى له من ضوئه شعاع (2) اليوم قد طاب لنا القراع * دون حسين الضرب والنطاع نرجئ بذاك الفوز والرفاع * عن حر نار حين لا امتناع ثم حمل فقاتل حتى قتل - رحمه الله -. وخرج من بعده حبيب بن مظاهر الأسدي وهو يرتجز ويقول: # أنا حبيب (و) (3) أبي مظاهر (4) * فارس هيجاء وحرب تسعر أنتم أعد عدة وأكثر * ونحن أعلى حجة وأقهر (5) (و) أنتم عند الوفاء أغدر (6) * ونحن أوفى منكم وأصبر # PageV05P107 # ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمه الله - (1). # وخرج من بعده حوي مولى أبي (2) ذر الغفاري وكان أسود فجعل يرتجز ويقول: # كيف ترى الفجار ضرب الأسود * بالمشرفي القاطع المهند بالسيف صلنا عن نبي محمد * أذب عنه باللسان واليد أرجو بذاك الفوز يوم المورد * من الإله الواحد الموحد (3) إذ لا شفيع عنده كأحمد ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # وخرج من بعده أنيس بن معقل الأصبحي وهو يرتجز ويقول: # أنا أنيس وأنا ابن معقل * وفي يميني نصل سيف مصقل أضرب به في الحرب حتى ينجلي * أعل به الهامات وسط القسطلي من الحسين الماجد المفضل * ابن رسول الله خير مرسل ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # وخرج من بعده يزيد بن [زياد بن -] (4) المهاصر الجعفي (5) وهو يقول: # أنا يزيد وأبي مهاصر * ليث عبوس في العرين جاذر (6) يا رب إني للحسين ناصر * ولابن سعد تارك وهاجر وابن زياد خاذل وغادر * وللأعادي مبغض ونافر وكلهم إلى الجحيم صائر # PageV05P108 # قال: ثم حمل ms0841 فقاتل حتى قتل - رحمه الله - (1). # وخرج من بعده الحجاج بن مسروق وهو يقول: # [أقدم هديت هاديا مهديا * فاليوم تلقى جدك النبيا ثم أباك ذا الندى عليا * ذاك الذي نعرفه وصيا والحسن الخير التقي الوفيا (2) * وذا الجناحين الفتى الكميا وأسد الله الشهيد الحيا] (3) ثم حمل فقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # وخرج من بعده سعيد بن عبد الله الحنفي وهو يقول: # أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا * وشيخك الخير عليا ذا الندى وحسنا كالبدر وافى الأسعدا * وعمك القرن الهجان الأصيدا وذو الجناحين هنوا وسعدا * وحمزة الليث الهربز الأسدا في جنة الفردوس يعلو أصعدا ثم حمل فقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # وخرج من بعده زهير بن القين البجلي وهو يرتجز ويقول: # [أنا زهير وأنا ابن القين * أذودكم (4) بالسيف عن حسين إن حسينا أحد السبطين * من عترة البر التقي الزين ذاك رسول الله غير المين * أضربكم ولا أرى من شين] ثم حمل ولم يزل يقاتل حتى قتل - رحمه الله - (5). # وخرج من بعده هلال بن رافع البجلي (6) وجعل يرميهم بالسهام وهو يقول: # PageV05P109 # [أرمي بها معلمة (1) أفواقها * والنفس لا ينفعها أسواقها مسمومة تجري لها أحقابها * لتملأن أرضها رشاقها] قال: ثم لم يزل يرميهم حتى فنيت سهامه، ثم ضرب بيده إلى سيفه وجعل يقول: # [أنا الغلام التميمي البجلي * ديني على دين حسين بن علي (2) إن أقتل اليوم وهذا عملي * وذاك رأيي أو ألاقي أملي] ثم حمل فقاتل حتى قتل - رحمه الله - (3). # ثم خرج من بعده جنادة بن الحارث الأنصاري وهو يقول: # [أنا جناد وأنا ابن الحارث * لست بخوار ولا بناكث عن بيعتي حتى ترى موارث * اليوم سلوى في الصعيد ماكث] ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # وخرج من بعده ابنه عمرو بن جنادة وهو يقول: # [أصف الخناق من ابن هند وأرمد * من عاهة لفوارس الأنصار ومهاجرين مخضبين رماحهم * تحت العجاجة من دم الكفار حسنت على عهد النبي محمد * فاليوم تخضب من دم الفجار واليوم تخضب من دماء أراذل * رفض القرآن لنصرة الأقدار طلبوا بثأرهم ببدر ms0842 إذ أتوا * بالمرهفات وبالقنا القتار والله ربي لا أزال مضاربا * في الفاسقين بمرهف بتار هذا على الأزدي حق واجب * في كل يوم تعانق وكرار] ### | وهذه تسمية من قتل بين يدي الحسين من ولده وإخوانه وبني عمه رضي الله عنهم كان أول من خرج منهم عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب وهو يقول: # PageV05P110 # [اليوم ألقى مسلما وهو أبي * وفتية ماتوا على دين النبي ليس كقوم عرفوا بالكذب * لكن خيار وكرام النسب من هاشم السادات أهل الحسب] ثم حمل فقاتل حتى قتل منهم جماعة وقتل (1) - رحمه الله -. # وخرج من بعده جعفر بن عقيل بن أبي طالب وهو يقول: # [أنا الغلام الأبطحي الطالب * من معشر في هاشم وغالب و نحن حقا سادة الذوائب * هذا حسين سيد الأطائب] ثم حمل فقاتل حتى قتل (2) - رحمه الله -. # وخرج من بعده أخوه عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب وهو يرتجز ويقول: # [أبي عقيل فاعرفوا مكاني * من هاشم وهاشم إخواني كهول صدق سادة القرآن * هذا حسين شامخ البنيان] فقاتل حتى قتل (3) - رحمه الله -. # وخرج من بعده أخوه محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو يقول: # [نشكو إلى الله من العدوان * فقال قوم في الردى عميان قد بدلوا معالم الفرقان * ومحكم التنزيل والتبيان وأظهروا الكفر مع الطغيان] فقاتل حتى قتل (4) - رحمه الله -. # وخرج من بعده أخوه عون (5) بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو يقول: # PageV05P111 # [إن تنكروني فأنا ابن جعفر * شهيد صدق في الجنان الزهر نطير فيها بجناح أخضر * كفى بهذا شرفا من معشر] ثم حمل فقاتل حتى قتل (1) - رحمه الله -. # وخرج من بعده عبد الله بن الحسن (2) بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكأن على وجهه شقة قمر، وعليه يومئذ قميص وإزار، وفي يده سيف له حسام قاطع، وهو يرتجز ويقول: # إن تنكروني فأنا فرع الحسن * سبط النبي المصطفى والمؤتمن هذا حسين كأسير مرتهن * بين أناس لأسقوا صوب المزن فقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # قال: فصاح الحسين: ms0843 صبرا يا بني! وصبرا يا أهل بيتي! فو الله لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا. قال: ثم تقدم إخوة الحسين عازمين على أن يموتوا من دونه، فأول من تقدم أبو بكر بن علي - واسمه عبد الله، وأمه ليلى بنت مسعود بن خالد الربعي التميمية - فتقدم وهو يقول: # شيخي علي ذو الفخار الأطول * من هاشم الخير الكريم المفضل هذا حسين ابن النبي المرسل * عنه نحامي بالحسام المصقل تفديه نفسي من أخ مبجل * يا رب فامنحني ثواب المنزل قال: فحمل عليه رجل من أصحاب عمر (3) بن سعد يقال له زحر بن بدر النخعي فقتله (4) - رحمه الله -. # فخرج من بعده أخوه عمر (5) بن علي فجعل يقول: # PageV05P112 # [أضربكم ولا أرى فيكم زحر * ذاك الشقي بالنبي من كفر يا زحر يا زحر بل آن من عمر * لعلك اليوم تبوء من سقر شر مكان من حريق وسعر * لأنك الجاحد يا شر البشر] قال: ثم حمل على قاتل أخيه فقتله، واستقبل القوم فجعل يضرب فيهم بسيفه ضربا منكرا وهو يرتجز ويقول: # [خلوا عداة الله خلوا عن عمر * خلوا عن الليث العبوس المكفهر يضربكم بسيفه ولا يفر * وليس فيها كالجبان المستجر] ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # وخرج من بعده أخوه عثمان بن علي - وأمه أم البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كلاب العامرية - وهو يقول: # [إني أنا عثمان ذو المفاخر * شيخي علي ذو الفعال الطاهر وابن عم النبي الطاهر * أخو حسين خيرة الأخائر وسيد الكبار والأصاغر * بعد الرسول والوصي الناصر] فقاتل حتى قتل (1) - رحمه الله -. # وخرج من بعده أخوه جعفر بن علي بن أبي طالب - وأمه أم البنين بنت حزام - فجعل يرتجز ويقول: # إني أنا جعفر ذو المعالي * ابن علي الخير ذو النوال أخي حسين ذو (2) الندى المفضال ثم حمل فقاتل حتى قتل (3) - رحمه الله -: # ثم خرج من بعده أخوه عبد الله بن علي وهو يرتجز ويقول: # أنا ابن ذي النجدة والأفضال * ذاك على الخير ذو الفعال # PageV05P113 # سيف رسول ms0844 الله ذي النكال * في كل يوم ظاهر الأهوال ثم حمل فقاتل حتى قتل (1) - رحمه الله -. # وخرج من بعده أخوه العباس بن علي وهو يقول: # أقسمت بالله الأعز الأعظم * وبالحجور صادقا وزمزم و ذو الحطيم والفنا المحرم * ليخضبن اليوم جسمي بالدم أمام ذي الفضل وذي التكرم * ذاك حسين ذو (2) الفخار الأقدم ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل من القوم جماعة وقتل (3) - رحمه الله -. # ثم تقدم من بعده علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه وهو يومئذ ابن ثماني عشرة (4) سنة، فتقدم نحو القوم ورفع الحسين شيبته نحو السماء وقال: اللهم اشهد على هؤلاء القوم! فقد برز إليهم غلام أشبه القوم خلقا وخلقا ومنطقا برسولك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فامنعهم بركات الأرض، فإن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا، وأقطعهم قطعا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا. قال: ثم صاح الحسين بعمر (5) بن سعد فقال: ما لك قطع الله رحمك، ولا بارك لك في أمرك (6)، وسلط عليك بعدي من يقتلك على فراشك، كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ثم رفع الحسين صوته وقرأ (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) (7). قال: ثم تقدم علي بن الحسين بن علي عليهما السلام وهو يقول: # أنا علي بن الحسين بن علي * من عصبة جد أبيهم النبي (8) # PageV05P114 # و الله لا يحكم فينا ابن الدعي * أطعنكم بالرمح حتى ينثني أضربكم بالسيف أحمي عن أبي * ضرب غلام علوي قرشي ثم حمل رضي الله عنه، فلم يزل يقاتل حتى ضج أهل الشام من يده ومن كثرة من قتل منهم، فرجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة، فقال: يا أبة! العطش قد قتلني، وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة من الماء سبيل. قال: فبكى الحسين ثم قال: يا بني! قاتل قليلا فما أسرع ما تلقى جدك محمدا صلى الله ms0845 عليه وآله وسلم فيسقيك بكأسه الأوفى! قال: فرجع علي بن الحسين إلى الحرب وهو يقول: # الحرب قد بانت لها حقائق * وظهرت من بعدها مصادق والله رب العرش لا نفارق * جموعكم أو تغمدوا البوارق ثم حمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل (1) - رحمه الله -. # قال: فبقي الحسين فريدا وحيدا ليس معه ثان إلا ابنه علي رضي الله عنه وهو يومئذ ابن سبع سنين (2)، وله ابن آخر يقال له علي في الرضاع، فتقدم إلى باب الخيمة فقال: ناولوني ذلك الطفل حتى أودعه! فناولوه الصبي، فجعل يقبله وهو يقول: يا بني! ويل لهؤلاء القوم إذ كان غدا خصمهم جدك محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال: وإذا بسهم قد أقبل حتى وقع في لبة الصبي قتله (3)، فنزل الحسين رضي الله عنه عن فرسه وحفر له بطرف السيف ورماه بدمه وصلى عليه ودفنه، ثم وثب قائما وهو يقول (4): # [كفر القوم وقدما رغبوا * عن ثواب الله رب الثقلين قاتلوا قدما عليا وابنه * حسن الخير كريم الأبوين # PageV05P115 # حسدا منهم وقالوا أجمعوا * نقتل الآن جميعا للحسين يا لقوم من أناس رذل * جمعوا الجمع لأهل الحرمين ثم ساروا وتواصوا كلهم * باحتياجي لرضاء الملحدين لم يخافوا الله في سفك دمي * لعبيد الله نسل الكافرين وابن سعد قد رماني عنوة * بجنود كوكود الهاطلين لا لشيء كان مني قبل ذا * غير فخري بضياء الفرقدين بعلي الخير من بعد النبي * والنبي القرشي الوالدين خيرة الله من الخلق أبى * بعد جدي فأنا ابن الخيرتين فضة قد خلصت من ذهب * فأنا الفضة وابن الذهبين من له جد كجدي في الورى * أو كشيخي وأنا ابن القمرين فاطم الزهراء أمي وأبي * قاصم الكفر ببدر وحنين وله في يوم أحد وقعة * شفت الغل بفض العسكرين ثم بالأحزاب والفتح معا * كان فيها حتف أهل الثقلين في سبيل الله ماذا صنعت * أمة السوء معا بالفرقدين عترة البر النبي المصطفى * وعلى الورد يوم الجحفلين] قال: ثم استوى الحسين على فرسه، وتقدم حتى واجه القوم وقال: يا أهل الكوفة قبحا لكم وترحا، ms0846 وبؤسا لكم وتعسا * استصرختمونا والهين فأتيناكم موجبين فشحذتم علينا سيفا كان في أيماننا، وجئتم علينا نارا نحن أضرمناها على عدوكم وعدونا، فأصبحتم وقد أثرتم العداوة على الصلح من غير ذنب كان منا إليكم، وقد أسرعتم إلينا بالعناد، وتركتم بيعتنا رغبة في الفساد، ثم نقضتموها سفها وضلة لطواغيت الأمة وبقية الأحزاب ونبذة الكتاب، ثم أنتم هؤلاء تتخاذلون عنا وتقتلونا، ألا! لعنة الله على الظالمين. # قال: ثم تقدم الحسين حتى وقف قبالة القوم وسيفه مصلت في يده وأنشأ من نفسه عازما على الموت وهو يقول: # أنا ابن علي الخير من آل هاشم * كفاني بهذا مفخر حين أفخر وجدي رسول الله أكرم من مشى * ونحن سراج الله في الخلق يزهر وفاطمة أمي سلالة أحمد * وعمي يدعى ذا (1) الجناحين جعفر # PageV05P116 # وفينا كتاب الله أنزل صادقا * وفينا الهدى والوحي والخير (1) يذكر ونحن أمان الأرض للناس كلهم * نصول بهذا في الأنام ونفخر ونحن ولاة الحوض نسقي ولا تنا * بكأس رسول الله ما ليس ينكر وشيعتنا في الناس أكرم شيعة * ومبغضنا يوم القيامة يخسر قال: ثم إنه دعا إلى البراز فلم يزل يقتل كل من خرج إليه من عيون الرجال حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، قال: وتقدم الشمر بن ذي الجوشن - لعنه الله - في قبيلة عظيمة - فقاتلهم الحسين بأجمعهم وقاتلوه حتى حالوا بينه وبين رحله، قال: # فصاح بهم الحسين رضي الله عنه: ويحكم (2) يا شيعة آل سفيان! إن لم يكن دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم (3) إن كنتم أعوانا [كما] تزعمون. قال: فناداه الشمر بن ذي الجوشن - لعنه الله -: ما ذا تقول يا حسين؟ قال: أقول أنا الذي أقاتلكم وتقاتلوني، والنساء ليس لكم عليهن (4) جناح فامنعوا (5) عتاتكم وطغاتكم وجهالكم عن التعرض لحرمي ما دمت حيا! فقال الشمر: لك ذلك يا بن فاطمة! قال: ثم صاح الشمر بأصحابه وقال: إليكم عن حريم الرجل واقصدوه في نفسه فلعمري إنه لكفوء كريم. # قال: فحمل عليه القوم بالحرب، فلم يزل يحمل عليهم ويحملون (6) عليه ms0847 وهو في ذلك يطلب الماء ليشرب منه شربة، فكلما حمل بنفسه على الفرات حملوا عليه حتى أحالوه عن الماء، ثم رمى رجل منهم بسهم يكنى أبا الجنوب (7) الجعفي فوقع السهم في جبهته (8) فنزع الحسين السهم فرمى به وسالت الدماء على وجهه ولحيته، فقال الحسين رضي الله عنه: اللهم! إنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة الطغاة (9)، اللهم! فأحصهم عددا، واقتلهم # PageV05P117 # مددا (1)، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحدا، ولا تغفر لهم أبدا. # قال: ثم حمل عليهم كالليث المغضب، فجعل لا يلحق منهم أحد إلا لفحه بسيفه لفحة ألحقه بالأرض والسهام تقصده من كل ناحية وهو يتلقاها بصدره ونحره وهو يقول (2): يا أمة السوء! فبئس ما أخلفتم محمدا في أمته وعترته، أما إنكم لن تقتلوا (2) بعدي عبدا من عباد (3) الله فتأهبوا قتله بل يهون عليكم عند قتلكم إياي، وأيم الله! إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون. قال: فصاح به الحصين بن نمير (4) السكوني فقال: يا بن فاطمة! وبماذا ينتقم لك منا؟ قال: يلقي بأسكم بينكم ويفسك دماءكم ثم (5) يصب عليكم العذاب صبا. قال: فصاح الشمر بن ذي الجوشن - لعنه الله - بأصحابه فقال: ما وقوفكم وماذا تنتظرون بالرجل (6) وقد أوثقته السهام؟ احملوا عليه، ثكلتكم أمهاتكم! قال: # فحملوا عليه من كل جانب، قال: وأوثقته الجراح بالسيوف فضربه رجل يقال له زرعة بن شريك التميمي - لعنه الله - ضربة على يده اليسرى، وضربه عمرو بن طلحة الجعفي (7) - لعنه الله - على حبل عاتقه من ورائه ضربة منكرة، ورماه سنان بن أنس (8) النخعي - لعنه الله - بسهم، فوقع السهم في نحره، وطعنه صالح بن وهب اليزني (9) - لعنه الله - طعنة في خاصرته، فسقط الحسين رضي الله عنه عن فرسه إلى الأرض واستوى قاعدا ونزع السهم من نحره وأقرن كفيه فكلما امتلأنا (10) من دمه خضب به رأسه ولحيته وهو يقول: هكذا حتى ألقى ربي بدمي مغصوبا على حقي! # قال: وأقبل عمر (11) بن سعد حتى وقف عليه وقال لأصحابه: انزلوا إليه ms0848 فخذوا # PageV05P118 # رأسه! قال: فنزل إليه نصر بن خرشبة الضبابي - لعنه الله - وكان أبرص فضربه برجله فألقاه على قفاه ثم أخذ بلحيته، فقال له الحسين: أنت الأبقع الذي رأيتك في منامي، قال: أو تشبهني بالكلاب يا بن فاطمة! قال: ثم جعل يضرب بسيفه - لعنه الله - على مذبح الحسين وهو يقول: # أقتلك اليوم ونفسي تعلم * علما يقينا ليس فيه مرغم ولا محال لا ولا تأثم * إن أباك خير من تكلم قال: فغضب عمر (1) بن سعد ثم قال لرجل: انزل أنت إلى الحسين فأرحه! # قال: فنزل إلى خولي بن يزيد الأصبحي - لعنه الله - فاحتز رأسه (2). # وتقدم إليه رجل من بني تميم يقال له الأسود بن حنظلة - لعنه الله - وأخذ سيفه، وتقدم إليه جعفر بن الوبر الحضرمي - لعنه الله - فأخذ قميصه فلبسه فصار أبرص وأسقط شعره، وأخذ سراويله يحيى بن عمرو الحرمي فلبسه فصار زمنا مقعدا من رجليه، وأخذ عمامته جابر بن زيد الأزدي فاعتم بها فصار مجذوما، وأخذ درعه مالك بن بشر الكندي فلبسه فصار معتوها (3). # قال: وارتفعت في ذلك الوقت غبرة شديدة سوداء مظلمة، فيها ريح أحمر لا يرى فيها أثر عين ولا قدم حتى ظن القوم أن قد نزل بهم العذاب، فبقوا كذلك ساعة ثم انجلت عنهم. # قال: وأقبل بعد ذلك فرس الحسين وان قبل ذلك غار من بين أيديهم أن لا يؤخذ، فوضع رأسه في دم الحسين رضي الله عنه وأقبل يركض إلى خيمة النساء وهو يصهل. قال: فلما نظر أخوات الحسين إليه وبناته وأهل بيته رضوان الله عليهم إلى # PageV05P119 # الفرس وليس عليه أحد رفعوا أصواتهم بالصراخ والعويل، وأقبل القوم حتى أحدقوا بالخيمة، وأقبل الشمر بن ذي الجوشن - لعنه الله - حتى وقف قريبا من خيمة النساء فقال لقومه: ادخلوا فاسلبوا بزيهن! قال: فدخل القوم فأخذوا كل ما كان في الخيمة (1)، حتى أفضوا إلى قرط كان في أذن أم كلثوم رضي الله عنهم فأخذوه وخرموا أذنها، وخرج القوم من الخيمة وأضرموها بالنار. # وأرسل عمر (2) بن سعد بالرأس إلى عبيد الله بن ms0849 زياد فجاءه الرجل بالرأس واسمه بشر بن مالك (3) حتى وضع الرأس بين يديه وجعل يقول: # أملأ (4) ركابي فضة و (5) ذهبا * أنا قتلت الملك المحجبا ومن يصلي القبلتين في الصبا * وخيرهم إذ يذكرون النسبا (6) قتلت خير الناس أما وأبا قال: فغضب عبيد الله بن زياد من قوله ثم قال: إذ علمت أنه كذلك فلم قتلته؟ والله لا نلت مني خيرا ولألحقنك به، ثم قدمه وضرب عنقه (7). # قال: وساق القوم حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كربلاء كما تساق الأسارى (8)، حتى إذا بلغوا بهم إلى الكوفة خرج الناس إليهم فجعلوا يبكون وينوحون، قال: وعلي بن # PageV05P120 # الحسين في وقته ذلك قد نهكته العلة فجعل يقول: ألا! إن هؤلاء يبكون وينوحون من أجلنا فمن قتلنا. ### | ذكر كلام زينب بنت علي رضي الله عنها # قال خزيمة الأسدي (1): ونظرت إلى زينب بنت علي رضي الله عنه يومئذ ولم أر حفرة قط أفصح منها كأنها تنطق عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأومأت (2) إلى الناس أن اسكتوا! فارتدت الأنفاس، ثم قالت: الحمد لله وصلواته على أبي محمد رسول الله وعلى آله الطاهرين الأخيار، أما بعد! يا أهل الكوفة! يا أهل الختل والخذل! [أتبكون] (3) فلا رقت لكم دمعة، إنما مثلكم كمثل التي! نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم " [ألا] (3) بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون أتبكون وتنتحبون! أي والله فابكوا كثيرا (4) واضحكوا قليلا، كل ذلك بانتهاك كم حرمة ابن خاتم الأنبياء وسيد شباب أهل الجنة غدا وملاذ حضرتكم ومفزع نازلتكم ومنار حجتكم ومدرة سنتكم، ألا ساء ما تزرون، وبعدا لكم وسحقا! فلقد خاب السعي، وتبت الأيدي، وخسرت الصفقة، وتوليتم بغضب الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة، [أتدرون] (5) ويلكم يا أهل الكوفة! أي كبد (6) لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فريتم وأي دم له سفكتم، وأي حريم له ورثتم! وأي حرمة له انتهكتم (لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن ms0850 منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا) (7) لقد جئتم بها خرقاء شوهاء طلاع الأرض أفعجبتم إن أمطرت (8) السماء دما! ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون. فلا يستخفنكم المهل ولا يحقره البدار، ولا يخاف [عليه] فوت الثأر، كلا! إن ربك لبالمرصاد. قال خزيمة (9): فو الله! لقد رأيت # PageV05P121 # الناس يومئذ حيارى قد ردوا أيديهم في أفواههم، قال: ونظرت إلى شيخ من قدماء أهل مكة وقد بكى حتى اخضلت (1) لحيته وهو يقول: قد صدقت المرأة! كهولهم خير كهول، وشبابهم خير شباب إذا نطقوا نطق سحبان. ### | ذكر دخول القوم على عبيد الله بن زياد # قال: ثم أتى القوم حتى أدخلوا على عبيد الله بن زياد ونظرت إليه زينب بنت علي رضي الله عنه فجلست ناحية (2)، فقال ابن زياد: من الجالسة؟ فلم تكلمه، فقال الثانية: من الجالسة؟ فلم تكلمه، فقال رجل (3) من أصحابه: هذه زينب بنت علي رضي الله عنه فقال ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم (4) وأكذب أحدوثتكم! # فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطهرنا في كتابه تطهيرا، وإنما يفضح (5) الفاسق ويكذب الفاجر. فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ فقالت زينب رضي الله عنها: ما رأيت إلا جميلا (6)، هؤلاء القوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم يا بن زياد، فتحاجون وتخاصمون، فانظر لمن الفلح يومئذ! ثكلتك أمك يا بن مرجانة! قال: فغضب ابن زياد من ذلك، فقال له عمرو بن حريث (7) المخزومي: أصلح الله الأمير! إنها امرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها (8)، فقال ابن زياد: لقد أشفى الله [نفسي] (9) من طاغيتك والعصاة المردودة (10) من أهل بيتك. فقالت زينب: لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي (11) واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت. # فقال ابن زياد: هذه شجاعة لا حرج، لعمري لقد كان أبوك شاعرا شجاعا، فقالت # PageV05P122 # زينب رضي الله عنها: يا بن زياد! وما للمرأة والشجاعة. # قال: فالتفت ابن زياد إلى علي بن الحسين رضي الله عنه قال (1): أو ms0851 لم يقتل علي بن الحسين؟ قال: ذاك أخي وكان أكبر مني فقتلتموه (2) وإن له مطلا منكم يوم القيامة، فقال ابن زياد: ولكن الله قتله، فقال علي بن الحسين رضي الله عنه: # (الله يتوفى الأنفس حين موتها) (3) وقال تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) (4). فقال ابن زياد لبعض جلسائه: ويحك! خذه إليك فأظنه قد أدرك الحلم! قال: فأخذه مري (5) بن معاذ الأحمري، فنحاه ناحية ثم كشف عنه فإذا هو أنبت، فرده إلى عبيد الله بن زياد وقال: نعم، أصلح الله الأمير! قد أدرك، فقال: # خذه إليك الآن فاضرب عنقه! قال: فتعلقت به عمته زينب بنت علي وقالت له: # يا بن زياد (6)! إنك لم تبق منا أحدا، فإن كنت عزمت على قتله فاقتلني معه. فقال علي بن الحسين لعمته: اسكتي حتى أكلمه! ثم أقبل علي رضي الله عنه على ابن زياد فقال: أبالقتل تهددني؟ أما علمت أن القتل لنا عادة، وكرامتنا الشهادة (7)! # قال: فسكت ابن زياد ثم قال: أخرجوهم عني! وأنزلهم في دارك إلى جانب المسجد الأعظم. ثم نادى عبيد الله بن زياد في الناس فجمعهم في المسجد الأعظم ثم خرج وصعد المنبر. ### | ذكر عبد الله بن عفيف الأزدي ورده على ابن زياد ومقتله رحمه الله # قال: فصعد ابن زياد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال في بعض كلامه: # الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين وأشياعه (8) وقتل الكذاب ابن # PageV05P123 # الكذاب (1). # قال: فما زاد على هذا الكلام شيئا ووقف، فقام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي رحمه الله، وكان من خيار الشيعة وكان أفضلهم وكان قد ذهبت عينه اليسرى في يوم الجمل والأخرى في يوم صفين، وكان لا يفارق المسجد الأعظم يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف إلى منزله، فلما سمع مقالة ابن زياد وثب قائما ثم قال: يا بن مرجانة! الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك ومن استعملك (2) وأبوه، يا عدو الله أتقتلون (3) أبناء النبيين وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المؤمنين (4)؟ قال: فغضب ابن زياد ثم قال: ms0852 من المتكلم؟ فقال: أنا المتكلم يا عدو الله! أتقتل الذرية الطاهرة التي قد أذهب الله عنها الرجس في كتابه وتزعم أنك على دين الإسلام؟ وأعوناه! # أين أولاد المهاجرين والأنصار لا ينتقمون من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمد نبي رب العالمين. قال: فازداد غضبا عدو الله حتى انتفخت أوداجه ثم قال: # علي بن! قال: فتبادرت إليه الجلاوزة من كل ناحية ليأخذوه، فقامت الأشراف من الأزد من بني عمه فخلصوه من أيدي الجلاوزة وأخرجوه من باب المسجد فانطلقوا به إلى منزله. # ونزل ابن زياد عن المنبر ودخل القصر، ودخل عليه أشراف الناس فقال: # أرأيتم ما صنع هؤلاء القوم؟ فقالوا: قد رأينا أصلح الله الأمير إنما الأزد فعلت ذلك فشد يديك بساداتهم فهم الذين استنقذوه (5) من يدك حتى صار إلى منزله. قال: # فأرسل ابن زياد إلى عبد الرحمن بن مخنف الأزدي فأخذه وأخذ معه جماعة من الأزد فحبسهم وقال: والله لا خرجتم من يدي أو تأتوني بعبد الله بن عفيف. # قال: ثم دعا ابن زياد لعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد (6) بن الأشعث وشبث (7) بن الربعي وجماعة من أصحابه وقال لهم: اذهبوا إلى هذا الأعمى أعمى # PageV05P124 # الأزد الذي قد أعمى الله قلبه كما أعمى عينيه، ائتوني به! قال: فانطلقت رسل عبيد الله (1) بن زياد إلى عبد الله بن عفيف، وبلغ ذلك الأزد فاجتمعوا، واجتمع معهم أيضا قبائل اليمن ليمنعوا عن صاحبهم عبد الله بن عفيف. وبلغ ذلك ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمهم إلى محمد بن الأشعث وأمره بقتال القوم. # قال: فأقبلت قبائل مضر نحو اليمن ودنت منهم اليمن، فاقتتلوا قتالا شديدا، فبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى أصحابه يؤنبهم، فأرسل إليه عمرو بن الحجاج يخبره باجتماع اليمن عليهم. قال: وبعث إليه شبث (2) بن الربعي: أيها الأمير! إنك قد بعثتنا إلى أسود الآجام فلا تعجل قال: واشتد قتال القوم حتى قتل جماعة منهم من العرب، قال: ودخل أصحاب ابن زياد إلى دار ابن عفيف فكسروا الباب واقتحموا عليه، فصاحت به ابنته: يا ms0853 أبت! أتاك القوم من حيث لا تحتسب! فقال: لا عليك يا ابنتي! ناوليني السيف، قال: فناولته فأخذه وجعل يذب عن نفسه وهو يقول: # أنا ابن ذي الفضل العفيف الطاهر * عفيف شيخي وابن أم عامر كم دارع من جمعهم وحاسر * وبطل جندلته مغادر قال: وجعلت ابنته تقول: يا ليتني كنت رجلا فأقاتل بين يديك اليوم هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البرزة. قال: وجعل القوم يدورون عليه من خلفه وعن يمينه وعن شماله وهو يذب (3) عن نفسه بسيفه، وليس يقدر أحد أن يتقدم إليه، قال: # وتكاثروا عليه من كل ناحية حتى أخذوه. فقال جندب بن عبد الله الأزدي، إنا لله وإنا إليه راجعون! أخذوا والله عبد الله بن عفيف فقبح والله العيش من بعده. # قال: ثم أتي به حتى أدخل على عبيد الله بن زياد، فلما رآه قال: الحمد لله الذي أخزاك، فقال له عبد الله بن عفيف: يا عدو الله بهذا أخزاني، والله لو فرج الله عن بصري لضاق عليك موردي ومصدري. قال: فقال ابن زياد: يا عدو نفسه! ما تقول في عثمان بن عفان رضي الله عنه؟ فقال: يا بن عبد بني علاج! يا بن مرجانة وسمية! ما أنت وعثمان بن عفان؟ عثمان أساء أم أحسن وأصلح أم أفسد، الله تبارك وتعالى ولي خلقه يقضي بين خلقه وبين عثمان بن عفان بالعدل والحق، ولكن سلني # PageV05P125 # عن أبيك وعن يزيد وأبيه! فقال ابن زياد: والله لا سألتك عن شيء أو تذوق الموت، فقال عبد الله بن عفيف: الحمد لله رب العالمين! أما إني كنت أسأل ربي عزو جل أن يرزقني الشهادة والآن فالحمد لله الذي رزقني إياها بعد الإياس منها وعرفني الإجابة منه لي في قديم دعائي! فقال ابن زياد: اضربوا عنقه! فضربت رقبته وصلب - رحمة الله عليه - (1). # قال: ثم دعا ابن زياد بجندب بن عبد الله الأزدي فقال: يا عدو الله! ألست صاحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه في يوم صفين؟ فقال: بلى والله يا بن زياد! أنا صاحب ms0854 علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولا زلت له وليا ولا أبرأ إليك من ذلك. فقال ابن زياد: أظن أني أتقرب إلى الله تعالى بدمك، فقال جندب: والله ما يقربك دمي من الله ولكنه يباعدك منه، وبعد فإنه لم يبق من عمري إلا أقله وما أكره أن يكرمني الله بهوانك، فقال ابن زياد: أخرجوه عني فإنه شيخ قد خرف وذهب عقله! قال: فأخرج عنه وخلي سبيله. # قال: ثم قدم إليه سفيان بن يزيد، فقال له ابن زياد: ما الذي أخرجك علي يا بن المعقل؟ فقال له: بلغني أن أصحابك أسروا عمي فخرجت أدافع عنه، قال: # فخلى سبيله وراقب فيه عشيرته. ثم دعا بعبد الرحمن (2) بن مخنف الأزدي فقال له: # ما هذه الجماعة على بابك؟ فقال: أصلح الله الأمير! ليس على بابي جماعة وقد قتلت صاحبك الذي أردت وأنا لك سامع مطيع (3)، وإخوتي لك جميعا كذلك، قال: فسكت عنه ابن زياد ثم خلاه وخلى سبيل إخوته وبني عمه. ### | ذكر كتاب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية وبعثته إليه برأس الحسين بن علي رضي الله عنهما # قال: ثم دعا ابن زياد زجر (4) بن قيس الجعفي فسلم إليه رأس الحسين بن علي # PageV05P126 # رضي الله عنهما ورؤوس إخوته ورأس علي بن الحسين ورؤوس أهل بيته وشيعته رضي الله عنهم أجمعين. ودعا علي بن الحسين أيضا فحمله وحمل أخواته عماته وجميع نسائهم إلى يزيد بن معاوية. قال: فسار القوم بحرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الكوفة إلى بلاد الشام على محامل بغير وطاء من بلد إلى بلد ومن منزل إلى منزل كما تساق أسارى الترك والديلم. # قال: وسبق زحر بن قيس الجعفي برأس الحسين إلى دمشق حتى دخل على يزيد فسلم عليه ودفع إليه كتاب عبيد الله بن زياد. قال: فأخذ يزيد كتاب عبيد الله بن زياد فوضعه بين يديه، ثم قال: هات ما عندك يا زحر! فقال زحر: # أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله عليك وبنصره إياك، فإنه ms0855 ورد علينا الحسين بن علي في اثنين وثلاثين رجلا من شيعته وإخوته وأهل بيته (1)، فسرنا إليهم وسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم عبيد الله بن زياد (2)، فأبوا علينا فقاتلناهم من وقت شروق الشمس إلى أن أضحى النهار، فلما أخذت السيوف مأخذها من الرجال (3) جعلوا ينقصون (4) إلى غير وزر، ويلوذون منا بالآكام والحفر، كما يخاف الحمام من الصقور، فو الله يا أمير المؤمنين! ما (5) كان إلا جزر جزور أو نومة قائل (5) حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم بالعراء مجردة، وثيابهم بالدماء مرملة، وخدودهم بالتراب معفرة (6). قال: فأطرق يزيد ساعة ثم رفع رأسه فقال: يا هذا! لقد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين بن علي، أما والله! لو صار إلي لعفوت عنه، ولكن قبح الله ابن مرجانة! قال: وكان عبد الله بن الحكم (7) أخو مروان بن الحكم قاعدا عند يزيد بن معاوية فجعل يقول شعرا (8). فقال يزيد: نعم، لعن الله ابن # PageV05P127 # مرجانة إذ قدم على مثل الحسين ابن فاطمة، أما والله! لو كنت صاحبه لما سألني خصلة إلا أعطيته إياها ولدفعت عنه الحتف بكل ما استطعت ولو كان بهلاك بعض ولدي، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا فلم يكن له منه مرد. # قال: ثم أتي بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد بن معاوية في طشت من ذهب، قال: فجعل ينظر إليه وهو يقول: # نفلق هاما من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما (1) قال: ثم أقبل على أهل مجلسه وقال: هذا كان يفتخر علي ويقول: أبي خير من أب (2) يزيد، وأمي خير من أمه (3)، وجدي خير من جد يزيد، وأنا خير من يزيد (4) فهذا الذي قتله، فأما قوله: إن أبي خير من أب يزيد، فقد حاج أبي أباه فقضى (5) الله لأبي على أبيه، وأما قوله: إن أمي خير من (6) أم يزيد، فلعمري أنه صدق أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير من أمي، وأما قوله بأن جدي خير من (7) جد يزيد، فليس أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ms0856 يقول: إنه خير من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأما قوله: # PageV05P128 # خير مني، فلعله لم يقرأ هذه الآية: (قل اللهم مالك الملك) إلى (قدير) (1). # قال: ثم دعا بقضيب خيزران فجعل ينكث به ثنايا الحسين رضي الله عنه وهو يقول: # لقد كان أبو عبد الله حسن المنطق! فأقبل إليه أبو برزة (2) الأسلمي أو غيره، فقال له: يا يزيد! ويحك! أتنكت (3) بقضيبك ثنايا الحسين وثغره! أشهد لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرشف ثناياه وثنايا أخيه ويقول: " أنتما سيدا شباب أهل الجنة، فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له نار جهنم وساءت مصيرا "، أما إنك يا يزيد لتجئ يوم القيامة وعبيد الله بن زياد شفيعك ويجيء هذا ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم شفيعه. قال: فغضب يزيد وأمر بإخراجه، فأخرج سحبا. وجعل يزيد يتمثل بأبيات عبد الله (4) بن الزبعرى وهو يقول: # ليت أشياخي ببدر شهدوا * وقعة (5) الخزرج من وقع الأسل لأهلوا (6) واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تسل (7) حين ألقت بقناة (8) بركها * واستحر القتل في عبد الأشل فجزيناهم ببدر مثلها * وأقمنا مثل بدر فاعتدل (9) ثم زاد فيها هذا البيت من نفسه فقال: # لست من عتبة إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل قال: وأتي بحرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أدخلوا مدينة دمشق من باب يقال له باب # PageV05P129 # توماء (1)، ثم أتي بهم حتى وقفوا على درج باب المسجد حيث يقام السبي. وإذا الشيخ قد أقبل حتى دنا منهم وقال: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح الرجال من سطوت كم وأمكن أمير المؤمنين منكم. فقال له علي بن الحسين: يا شيخ! هل قرأت القرآن؟ فقال: نعم قد قرأته، قال: فعرفت هذه الآية (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (2)؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك، قال علي بن الحسين رضي الله عنه: فنحن القربى يا شيخ! قال: فهل قرأت في سورة بني إسرائيل: # (وآت ذا القربى حقه) (3)؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك، فقال ms0857 علي رضي الله عنه: نحن القربى يا شيخ! ولكن هل قرأت هذه الآية (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) (4). [قال الشيخ: قد قرأت ذلك، قال علي] (5): فنحن ذو القربى يا شيخ! ولكن هل قرأت هذه الآية (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (6)؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك، قال علي: فنحن أهل البيت الذين خصصنا بآية الطهارة. قال: فبقي الشيخ ساعة ساكتا نادما على ما تكلمه، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم! إني تائب إليك مما تكلمه ومن بغض هؤلاء القوم، اللهم إني أبرأ إليك من عدو محمد وآل محمد من الجن والإنس. # قال: ثم أتي بهم حتى أدخلوا على يزيد وعنده يومئذ وجوه أهل الشام، فلما نظر إلى علي بن الحسين رضي الله عنه قال له: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا علي بن الحسين، فقال: يا علي! إن أباك الحسين قطع رحمي وجهل حقي ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت، فقال علي بن الحسين: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير) (7). فقال يزيد لابنه خالد (8): أردد عليه يا بني! فلم يدر خالد ما ذا يقول (9)، # PageV05P130 # فقال يزيد (1): (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) (2). # قال: فقام رجل من أهل الشام فقال: يا أمير المؤمنين! هب لي هذه الجارية (3)! فقال له يزيد: اسكت، ويلك! لا تقل ذلك، فهذه ابنة علي وفاطمة، وهم أهل بيت لم يزالوا مبغضين لنا منذ كانوا. # قال: فتقدم علي بن الحسين حتى وقف بين يدي يزيد بن معاوية وجعل يقول: # لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم * وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا فالله يعلم أنا لا نحبكم، ولا نلومكم إن لم تحبونا فقال يزيد: صدقت يا غلام ولكن أراد أبوك وجدك أن يكونا أميرين، فالحمد لله الذي أذل هما وسفك دماءهما، فقال له علي بن الحسين: يا بن معاوية ms0858 وهند وصخر! لم يزالوا آبائي وأجدادي فيهم الإمرة من قبل أن نلد، ولقد كان جدي علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم بدر وأحد والأحزاب في يده راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبوك وجدك في أيديهما رايات الكفار، ثم جعل علي بن الحسين يقول (4): # ما ذا تقولون (5) إن قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتي وبأهلي بعد منقلبي (6) * منهم أسارى ومنهم (7) ضرجوا بدم # PageV05P131 # ما كان هذا جزائي إذ نصحتكم (1) * أن تخلفوني بسوء (2) في ذوي رحمي ثم قال علي بن الحسين - رحمه [الله] -: ويلك يا يزيد! إنك لو تدري ما صنعت وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي إذا لهربت في الجبال و فرشت الرماد! ودعوت بالويل والثبور أن يكون رأس الحسين ابن فاطمة وعلي رضي الله عنه منصوبا على باب المدينة! وهو وديعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيكم، فأبشر بالخزي والندامة غدا إذا جمع الناس ليوم لا ريب فيه. # قال: فالتفت حبر من أحبار اليهود وكان حاضرا فقال: من هذا الغلام يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا صاحب الرأس هو أبوه. قال: ومن هو صاحب الرأس يا أمير المؤمنين؟ قال: الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: فمن أمه؟ قال: فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فقال الحبر: يا سبحان الله! هذا ابن بنت نبيكم قتلتموه في هذه السرعة! بئس ما خلفتموه في ذريته، والله لو خلف فينا موسى بن عمران سبطا من صلبه لكنا نعبده من دون الله! وأنتم إنما فارقكم نبيكم بالأمس فوثبتم على ابن نبيكم فقتلتموه، سوءة لكم من أمة! قال: فأمر يزيد بكر في حلقه، فقام الحبر وهو يقول: إن شئتم فاضربوني أو فاقتلوني أو قرروني، فإني أجد في التوراة أنه من قتل ذرية نبي لا يزال مغلوبا أبدا ما بقي، فإذا مات يصليه الله نار جهنم. # قال: ثم دعا يزيد بالخاطب وأمر بالمنبر فأحضر، ثم أمر الخاطب فقال: # اصعد المنبر فخبر الناس بمساوئ ms0859 الحسين وعلي وما فعلا! قال: فصعد الخاطب المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم أكثر الوقيعة في علي والحسين، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد فذكرهما بكل جميل. قال: فصاح علي بن الحسين: ويلك أيها الخاطب! اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فانظر مقعدك من النار. ثم قال علي بن الحسين: يا يزيد أتأذن لي أن أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلام فيه رضا الله ورضا هؤلاء الجلساء وأجر وثواب؟ قال: فأبى يزيد ذلك، فقال الناس: يا أمير المؤمنين! ائذن له ليصعد المنبر لعلنا نسمع منه شيئا! فقال: إنه إن صعد المنبر لم ينزل إلا بفضيحتي أو بفضيحة آل سفيان، قيل له: يا أمير المؤمنين! وما قدر ما يحسن هذا؟ قال: إنه من نسل قوم قد رزقوا العلم رزقا حسنا. قال: فلم يزالوا به # PageV05P132 # حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم خطب خطبة أبكى منها العيون وأوجل منها القلوب، ثم قال: أيها الناس! من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي، أيها الناس! أنا ابن مكة ومنى وزمزم والصفا، أنا ابن خير من حج وطاف وسعى ولبى، أنا ابن خير من حمل البراق، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبريل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء، أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء! قال: فلم يزل يعيد ذلك حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب. # قال: وخشي يزيد أن تكون فتنة، فأمر المؤذن فقال: اقطع عنا هذا الكلام! # قال: فلما سمع المؤذن قال: الله أكبر! قال الغلام: لا شيء أكبر من الله، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله! قال الغلام: يشهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي، فلما قال المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله! التفت علي بن الحسين من فوق المنبر إلى يزيد فقال: محمد هذا جدي أم جدك؟ فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن ms0860 زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته؟ قال: فلما فرغ المؤذن من الأذان والإقامة تقدم يزيد يصلي بالناس صلاة الظهر. فلما فرغ من صلاته أمر بعلي بن الحسين وأخواته وعماته رضوان الله عليهم، ففرغ لهم دارا فنزلوها وأقاموا أياما يبكون وينوحون على الحسين رضي الله عنه. # قال: وخرج علي بن الحسين ذات يوم: فجعل يمشي في أسواق دمشق، فاستقبله المنهال بن عمرو الصابئ فقال له: كيف أمسيت يا بن رسول الله؟ قال: # أمسينا كبني إسرائيل في آل فرعون، يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، يا منهال! أمست العرب تفتخر على العجم لأن محمدا منهم، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمدا منها، وأمسينا أهل بيت محمد ونحن مغصوبون مظلومون مقهورون مقتلون مثبورون مطرودون، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أمسينا فيه يا منهال. # قال: ثم أمر لهم يزيد بزاد كثير ونفقة، وأمر بحملانهم (1) إلى المدينة. فلما # PageV05P133 # فصلوا من دمشق سمعوا مناديا ينادي في الهواء وهو يقول (1): # أيها القاتلون ظلما (2) حسينا * أبشروا بالعذاب والتنكيل كل من في (3) السماء يدعو عليكم * من نبي ومرسل وقتيل (4) قد لعنتم على لسان ابن داو * د وموسى وحامل (5) الإنجيل ثم مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما. # PageV05P134 ### | ذمر ما كان بعد مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما # قال: فلما قتل الحسين رضي الله عنه استوسق العراقان جميعا لعبيد الله بن زياد وكانت الكوفة والبصرة لابن زياد من قبله، قال: وأوصله يزيد بألف ألف درهم جائزة، فدعا عبيد الله بن زياد بعمرو بن حريث (1) المخزومي فاستخلفه على الكوفة، ثم صار إلى البصرة فاشترى دار عبد الله بن عثمان الثقفي ودار سليمان بن علي الهاشمي التي صارت لسليمان بن علي بعد ذلك، فهدم هما جميعا، ثم بناهما وأنفق عليهما مالا جزيلا وسماهما الحمراء والبيضاء (2)، فكان يشتي في الحمراء ويصيف في البيضاء. قال: ثم علا أمره وارتفع قدره وانتشر ذكره، وبذل الأموال واصطنع الرجال، ومدحته الشعراء حتى قال فيه المليح بن الزبير الأسدي [هذه الأبيات: # إليك عبيد الله تهوي ms0861 ركابنا * تسعف إخوان الفلاة وندأب وقد ضمرت حتى كأن عيونها * بقايا نطاق أو زكي منصب فقلت لها: لا تشتكي الأين إنه * أمامك قوم من أمية أغلب وكان زياد حل في رأس شامخ * أشم له ركن قوي ومنصب وأشبهه حزما وعزما ونائلا * وبعثا إذا الحرب العوان تلهب إذا ذكروا فضل امرئ ونواله * ففضل عبيد الله أنسى وأطيب] # PageV05P135 # قال: وكان عبيد الله بن زياد أميرا (1) على العراقين جميعا: البصرة والكوفة، لا ينازعه فيهما منازع. ### | ذكر قدوم سلم (2) بن زياد أخي عبيد الله بن زياد على يزيد بن معاوية وتوليته بلاد خراسان # قال: وقدم سلم (2) بن زياد على يزيد بن معاوية من البصرة، قال: فقربه وأدناه، ثم قال: ما الذي أقدمك يا سلم (2) وكيف خلفت أخاك؟ فقال: خلفته على ما يحب أمير المؤمنين، غير أني أحببت النظر إلى أمير المؤمنين وأن أكون تحت كنفه فليس يرون غيري. قال: فعلم يزيد أنه يحب أن يوليه بعض الأعمال، فقال له يزيد: لعمري ما أنت بدون غيرك يا سلم (2)! ولقد وجبت محبتكم يا بني زياد على آل سفيان. ثم قال: يا غلام! أطعمنا، فقدمت المائدة فطعما جميعا، فلما أكلا دعا يزيد بالشراب فلما دارت الكأس التفت يزيد إلى ساقيه وجعل يقول: # اسقني (3) شربة تروي عظامي (4) ثم مل (5) فاسق مثلها ابن زياد موضع البين والأمانة عندي * وعلى ثعر مغنم وجهاد (6) قال: فنادمه يزيد يومه ذلك، فلما كان من الغد دعا به فعقد له عقدا وضم إليه جيشا من أهل الشام وولاه بلاد خراسان (7). قال: فدعا سلم بن زياد رجلا من أهل الشام يقال له حارث بن معاوية المازني فجعله إلى مقدمته، ثم ودع سلم بن زياد يزيد بن معاوية وخرج من الشام طالبا البصرة ليحمل معه أهله وولده، ويعلم أهل البصرة أنه قد ولي بلاد خراسان لكي يخرج معه من أهل البصرة من أحب الجهاد (8). # PageV05P136 # قال: فجاء سلم حتى نزل على جسر البصرة وبينه وبين أخيه عبيد الله السيف، وذاك أن عبيد الله قد كان متزوجا بامرأة ms0862 يقال لها أم محمد بنت عبيد الله بن عثمان الثقفي (1) ثم طلقها وتزوجها أخوه سلم بن زياد، فكان ذلك مما ولد العداوة بينهما. قال: وجعل عبيد الله بن زياد ينظر فكل من خرج من أهل البصرة إلى أخيه سلم يعمد إلى داره فيهدمها، حتى هدمت دور كثيرة بالبصرة، وكتب سلم بن زياد بذلك إلى يزيد بن معاوية، فكتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد وعزم عليه أن يبني كل دار هدمها بالجص والآجر والساج، ففعل ذلك صاغرا. قال: وكان حنظلة بن عرابة (2) الشاعر أيضا مما هدمت داره لما لحق بسلم بن زياد فأنشأ في ذلك يقول: # [تخيرت القلوب فحظ رحلي * إلى سلم ولم يحظ اختياري يقولون اعتذر من حب سلم * إذا لا يقبل الله اعتذاري إذا مرت يجركم نعالي * فقوموا فانظروا في شأن داري وقوموا ظالمين فهدموها * وألقوا في صحيفتكم صغاري] قال: وسار سلم بن زياد إلى بلاد خراسان ومعه المهلب بن أبي صفرة وسادات البصرة، حتى إذا صار إلى مدينة مرو نزلها ثم جعل يغزو أطراف خراسان، فكلما فتح فتحا أو أصاب نفلا (3) أخرج من ذلك الخمس فوجه به إلى يزيد وقسم باقي ذلك في أصحابه، فلم يزل سلم بن زياد إلى أن مات يزيد. وسنرجع إلى خبره إن شاء الله تعالى. ### | ذكر كتاب يزيد بن معاوية إلى محمد ابن الحنفية ومصيره إليه وأخذ جائزته قال: ثم كتب يزيد بن معاوية إلى محمد بن علي وهو يومئذ بالمدينة، فكتب إليه: أما بعد فإني أسأل الله لي ولك عملا صالحا يرضى به عنا، فإني لا أرى اليوم في بني هاشم رجلا هو أرجح منك فهما وعلما، ولا أحضر فهما وحكما، ولا أبعد من كل سفه ودنس، وليس من يتخلق بالخير تخلقا ويتبجل بالفضل تبجلا كمن جبله الله على الخير جبلا، وقد عرفنا ذلك منك قديما وحديثا وشاهدا وغائبا، غير أني قد # PageV05P137 # أحببت زيارتك والأخذ بالحظ من رؤيتك ورأيك، فإذا نظرت في كتابي هذا فأقبل إلينا آمنا مطمئنا أرشدك الله أمرك ms0863 وغفر لك ذنبك (1) - والسلام عليك ورحمة الله و بركاته -. # قال: فلما ورد الكتاب على محمد بن علي أقبل على ابنه جعفر وعبد الله فاستشارهما في ذلك، فقال له ابنه عبد الله: يا أبت! اتق الله في نفسك ولا تصر (2) إليه فإني خائف عليك أن يلحقك بأخيك الحسين ولا يبالي، فقال محمد: يا بني! # ولكني لا أخاف ذلك منه. فقال له ابنه جعفر: يا أبت! إنه قد ألطفك في كتابه إليك ولا أظن أنه كتب إلى أحد من قريش: أرشدك الله أمرك وغفر لك ذنبك، أرجو أن يكف الله شره عنك، فقال محمد بن علي: يا بني! إني توكلت على الله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه وكفى بالله وكيلا. # قال: ثم تجهز محمد بن علي وخرج من المدينة وسار حتى قدم على يزيد بن معاوية بالشام، فلما استأذن أذن له وقربه وأدناه وأجلسه معه على سريره، ثم أقبل عليه بوجهه فقال: يا أبا القاسم! أجرنا الله وإياك في أبي (3) عبد الله الحسين بن علي، فو الله لئن كان نفعك فقد نفعني ولئن كان أوجعك فقد أوجعني، ولو كنت أنا المتولي لقتله لما قتلته ولدفعت عنه القتل ولو كان بذهاب ناظري، ولفديته بجميع ما ملكت يدي وإن كان قد ظلمني وقطع رحمي ونازعني حقي، ولكن عبيد الله بن زياد لم يعمل برأيي (4) في ذلك فعجل عليه القتل فقتله، ولن يستدرك ما فات، وبعد فإنه ليس يجب علينا أن نرضى بالدية في حقنا ولكن يجب على أخيك رحمه الله أن ينازعنا حقنا وما قد خصنا الله به دون غيرنا وعزيز علي ما ناله والسلام، فهات الآن ما عندك يا أبا القاسم! # قال: فتكلم محمد بن علي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني قد سمعت كلامك فوصل الله رحمك ورحم حسينا وبارك له فيما صار إليه من ثواب ربه والخلد الدائم الطويل عند الملك الجليل، وقد علمنا أن من نقصك فقد نقصنا، ومن عزاك # PageV05P138 # فقد عزانا من فرح وترح، ms0864 وأظن أنك لو شهدت ذلك بنفسك لكنت ترى أجمل الرأي والعمل ولجانبت أسوأ الرأي والفعل والخطل، والآن فإن حاجتي إليك أن لا تسمعني فيه ما أكره فإنه أخي وشقيقي وابن أبي، وإن زعمت أنه ظلمك وقد كان عدوا لك كما تقول، قال: فقال له يزيد: إنك لا تسمع فيه إلا خيرا، ولكن (1) هلم فبايعني، واذكر ما عليك من الدين حتى أقضيه عنك! فقال محمد بن علي رضي الله عنه: أما البيعة فقد بايعت، وأما ما ذكرت من أمر الدين فما علي دين والحمد لله، وإني من الله تبارك وتعالى بكل نعمة سابغة لا أقوم بشكرها، قال: فالتفت يزيد إلى ابنه خالد فقال: يا بني! إن ابن عمك هذا بعيد من اللوم والدنس والكذب، ولو كان غيره كبعض من عرفت لقال: علي من الدين كذا وكذا، ليستغنم أخذ أموالنا. # قال: ثم أقبل عليه يزيد فقال: بايعني يا أبا القاسم! فقال: نعم يا أمير المؤمنين. # فقال: إني قد أمرت لك بثلاثمائة ألف درهم فابعث من يقبضها، إذا أردت الانصراف عنا أوصلناك إن شاء الله، قال: فقال له محمد بن علي رحمه الله: أيها الأمير لا حاجة لي في هذا المال ولا فيما جئت به، فقال يزيد: فلا عليك أن تقبضه وتفرقه فيمن أحببت من أهل بيتك، قال: فإني قد قبلته. # قال: فأنزله يزيد في بعض منازله، وكان محمد بن علي يدخل إليه صباحا ومساء، وإذا وفد المدينة قد أقبلوا على يزيد (2) وفيهم المنذر بن الزبير وعبد الله بن [أبي] (3) عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي (4) وعبد الله بن (5) حنظلة بن أبي عامر الأنصاري، فأقاموا عند يزيد أياما فأجازهم يزيد لكل رجل بخمسين ألف درهم وأجاز المنذر بن الزبير بمائة ألف درهم (6). # فلما أراد الانصراف إلى المدينة أقبل محمد بن علي رضي الله عنه حتى دخل على يزيد فاستأذنه في الانصراف معهم إلى المدينة فأذن له في ذلك ووصله بمائتي # PageV05P139 # ألف درهم أخرى وأعطاه عروضا (1) بمائتي ألف درهم، ثم قال: يا أبا القاسم! ms0865 إني لا أعلم على وجه الأرض في مثل اليوم رجلا هو أعلم منك بالحلال والحرام، وقد كنت أحببت أن لا تفارقني وأن تعظني وتأمرني بما فيه حظي ورشدي، فو الله لا أحب أن تنصرف عني وأنت ذام (2) لشيء من أخلاقي، قال: فقال له محمد بن علي: أما ما كان منك إلى الحسين فذاك شيء لا تستدرك، وأما الآن فإني ما رأيت منك منذ قدمت عليك إلا خيرا، ولو رأيت منك خصلة أكرهها لما وسعني السكوت دون ما أنهاك عنها وأخبرك بحق الله فيها الذي أخذ الله تبارك وتعالى على العلماء في علمهم أن يبينوه للناس ولا يكتمونه ولست مؤديا عنك من إلى ورائي من الناس إلا خيرا غير أني أنهاك عن شرب هذا الخمر المسكر فإنه رجس من عمل الشيطان، وليس من ولي أمور الأمة ودعي له بالخلافة على رؤوس الأشهاد على المنبر كغيره من الناس، فاتق الله في نفسك وتدارك ما فات من أمرك - والسلام -. # قال: فسر يزيد بما سمع من محمد بن علي سرورا شديدا ثم قال: إني قابل منك ما أمرتني به، وإني أحب أن تكاتبني في كل حاجة تعرض لك من صلة أو تعاهد ولا تقصرن في ذلك، فقال محمد بن علي: أفعل ذلك إن شاء الله ولا أكون إلا عند ما تحب. # قال: ثم ودعه محمد بن علي ورجع إلى المدينة ففرق ذلك المال كله في أهل بيته وسائر بني هاشم وقريش، [وما] من سائر النساء والرجال والذرية والموالي إلا صار إليه شيء من ذلك المال. ثم خرج محمد بن علي من المدينة إلى مكة، فأقام بها مجاورا لا يعرف شيئا غير الصوم والصلاة. ### | ابتداء ذكر عبد الله بن الزبير وفتنته ودعوته الناس إلى بيعته # قال: وتحرك عبد الله بن الزبير ودعا إلى نفسه وجعل يبايع سرا، ويزيد لا يعلم بشيء من ذلك، قال: وأقبل نفر من أصحاب عبد الله بن الزبير منهم عبد الله بن مطيع العدوي والعباس بن سهل الأنصاري وجماعة من أولاد ms0866 المهاجرين والأنصار حتى دخلوا على محمد بن علي رحمه الله فسلموا عليه. فرد عليهم السلام وأمرهم # PageV05P140 # بالجلوس. فقال: ما حاجتكم؟ فقالوا: يا أبا القاسم! إنا قد عزمنا على قتال هذا اللعين يزيد بن معاوية، وهذا عبد الله بن الزبير قد بايعناه ونريد منك أن تكون يدك مع أيدينا، فقال محمد بن علي: إذا لا نفعل، قالوا: ولم ذلك؟ قال: لأني قد بايعته وأخذت جائزته ولم أخلعه فأقاتله، فقالوا: ولم بايعته وأنت أنت؟ قال: خوفا منه على نفسي وولدي، وإبقاء على من بقي من أهل بيتي، لأني رأيت أخي الحسين رضي الله عنه قتل فلم آمن يزيد على نفسي، وقد رأيت أخي الحسن بايع معاوية من قبل وأخذ جائزته، والحسن كان أفضل مني، فإن بايعت يزيد كان لي أسوة بأخي، فقالوا: إن أخاك الحسن رأى رأيا، فقال: وأنا رأيت ذلك الرأي الذي رآه أخي، فقالوا: يا هذا إن يزيد رجل يشرب الخمر ويلعب بالكلاب والقرود وقد فسق وكفر (1)، قال: فقال لهم محمد بن علي: إني قد كنت عنده بالشام مقيما إلى وقت الانصراف عنه فلم أطلع منه على كفر ولا فجور، وأكثر ما ينتهي إلي من خبره أنه كان يشرب الخمر وقد نهيته عن ذلك وقضيت ما علي ولم يؤاخذني ربي بذنبه، فقالوا له (2): يا هذا! إنه ليأتي من المنكر والفواحش أشياء ولكنه ما يطلعك على ذلك، فقال لهم محمد بن علي رضي الله عنه: فلقد اطلعتم على ذلك منه (3) فو الله لئن كان أطلعكم على ما ذكرتم فأنتم شركاؤه في فعله إذا رأيتم شيئا من المنكر فلم تغيروه، وإن كان لم يطلعكم على شيء من ذلك فقد شهدتم (4) بغير الحق، فاتقوا الله يا هؤلاء في أنفسكم وكفوا عما عزمتم عليه، فإني خائف عليكم أن تسفكوا دمكم في غير حق. قال: فأطرق القوم ساعة (5) ثم قالوا: يا أبا القاسم! لعلك إنما تكره البيعة لابن الزبير لأنك ترى أنك أحق بالبيعة منه، إن كنت إنما تكره ذلك لهذا الشأن فأخرج بنا حتى ms0867 نبايعك! قال محمد بن علي: لا أستحل القتال تابعا ولا متبوعا. # فقالوا: يا محمد! أنت قاتلت مع أبيك يوم الجمل ويوم سفين ويوم النهروان! # قال: فتبسم محمد بن علي ثم قال: ويحكم! وأين تجدون مثل أبي في دهركم # PageV05P141 # هذا، والله لا أقاتل أهل القبلة ولا أتبع موليا ولا أجهز على جريح ولا أدخل دارا إلا بإذن أهله. قال (1): فقالوا: والله لا نفارقك حتى تخرج معنا أو تبايع من بايعناه، فقال: والله لا خلعت من بايعت ولا تابعت من لم يجعل الله له في عنقي بيعة، فاتقوا الله ربكم واذكروا ما نزل بأخي الحسين بن علي رضي الله عنهما وولده وإخوته وبني عمه وشيعته رضوان الله عليهم فإني لكم منه نذير مبين، يا قوم! لا ترضوا أحدا بسخط الله عليكم، فقد أنذرت إليكم - والسلام -. قال: فانصرف القوم إلى عبد الله بن الزبير فخبروه بذلك، قال: فسكت عنه ابن الزبير ولم يقل شيئا. # وسنرجع إلى هذا الخبر إن شاء الله تعالى. PageV05P142 ### | ذكر حبس المختار بن أبي عبيد بالكوفة وما كان من عبيد الله بن زياد لعنه الله # قال: وتحدث أهل الكوفة بشيء من أمر عبد الله بن الزبير وشاع ذلك بالكوفة، وقدمها عبيد الله بن زياد من البصرة فدعا بخليفته عمرو بن حريث (2) المخزومي فقال: ويحك يا عمرو! بلغني عن ابن الزبير أمر من الأمور فلا أدري ذلك حق أم باطل، ولست أخاف على أمير المؤمنين من ابن الزبير، وإنما أخاف عليه [من] هذه الترابية شيعة أبي تراب علي بن أبي طالب، ولكن هل تعلم اليوم بالكوفة أحدا لا يتولى عليا وولده؟ [فقال عمرو] (3): ما أعلم ذلك أيها الأمير إلا علما يقينا إلا من كان لعلي عدوا. قال: فوثب عمارة (4) بن عقبة بن أبي معيط فقال: أصلح الله الأمير! ههنا المختار بن أبي عبيد وهو الذي كان يؤلب عليك بالأمس الناس حتى خرج عليك مسلم بن عقيل، وقد كان فيما مضى عثمانيا واليوم فقد صار ترابيا. # قال: وإنما تكلم عمارة بن عقبة ms0868 (4) بهذا الكلام لشيء كان بينه وبين المختار قبل ذلك، وذلك أنهما قعدا ذات يوم بالمدينة بمسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فتذاكرا قريشا وفضلها وشرفها وما قد خصها الله بها من الكرامة، فقال المختار: إن الله قد أعطى # PageV05P143 # قريشا فضلا غير مستنكر، وإنما أعطاها ذلك بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأما في الجاهلية فنحن أولى بالفضل من قريش، ووالله لقد جاء الله تبارك وتعالى بالإسلام وهل دار من دورنا إلا وفيها امرأة من قريش وما في دور قريش من نساءنا إلا ثلاث أو أربع. قال: # فغضب عمارة بن عقبة، ثم وثب فصار إلى عم المختار سعد بن مسعود (1) الثقفي وعنده جماعة من جلسائه، فجلس إليه عمارة بن عقبة (2) وشكى إليه المختار وذكر ما كان من كلامه، فقال سعد بن مسعود: أما إني سأعرفه صاحب سفه وطيش أحيانا ولوددت أني أكلبه، وأيم الله لأسأته إن شاء الله تعالى. قال: وأقبل المختار إلى عمه [قال: فلما رآه عمارة بن عقبة نهض، فقال: فقد شكاني إليك؟ فقال عمه]: أجل لقد شكاك إلي وخبرني بما كان من إستطالتك عليه وإنك لظالم متعد (3)، وبلى خبرني عنك أعلى قريش يستطيل ويفتخر، وإياها ينتقص ومنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال المختار: يا عم! والله لقد كان المستطيل علي في الكلام، ويجب عليك أن تسمع مني كما سمعت منه! فقال له عمه: لست بسامع منك ولا قابل عنك عذرا حتى تنطلق إليه فتعتذر مما كان، قاتلك الله أنت الظالم! قال فقال المختار: والله يا عم! لقد كان هو الظالم وأنا مطيعك في لقائه والاعتذار إليه. # قال: فوثب المختار فنهض إلى عمارة بن عقبة (4) فاعتذر إليه وذكر حقه وقرابته، قال: فقبل عمارة عذره في وقته ذلك وقلبه فيه ما فيه. ### | [ثم] رجعنا إلى الخبر الأول # قال: فلما كان ذلك اليوم وتكلم عبيد الله بن زياد - لعنه الله - بما تكلم أحب عمارة أن يغريه بالمختار فقال ما قال: فغضب عبيد الله بن زياد ثم قال: ms0869 علي به! # فأتي بالمختار، فلما دخل وقف بين يدي عبيد الله بن زياد فقال له يا بن (5) أبي عبيد! أنت المقبل في الجيوش بالأمس لنصرة مسلم بن عقيل (6) وأنت ممن يتولى # PageV05P144 # عليا وولده؟ فقال: إني أحبهم بمحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم، وأما نصرتي لمسلم بن عقيل فلم أفعل، وهذا عمرو بن حريث المخزومي يعلم ذلك، وهو شيخ أهل الكوفة يعلم أني كنت في ذلك الوقت لازما لمنزلي. قال: واستحيى عمرو بن حريث أن يشهد على رجل مسلم في ذلك الوقت بين يدي عبيد الله بن زياد فيقتل، غير أنه قال: صدق أيها الأمير لم يقاتل مع مسلم بن عقيل، ولقد كذب عليه في هذا (1)، فإن رأى الأمير أن لا يعجل عليه فإنه من أبناء المهاجرين. قال: فرفع عبيد الله بن زياد - لعنه الله - قضيبا كان بين يديه فاعترض به وجه المختار فشتر (2) به عينه فصار المختار أشتر في ذلك الوقت، ثم قال: يا عدو الله! لو لا شهادة عمرو بن حريث لضربت عنقك. ثم قال: انطلقوا به إلى السجن! قال: فمضوا به إلى السجن. # قال: وبلغ ذلك (3) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ختن المختار على أخته صفية بنت أبي عبيد فاغتم لذلك، قال: وجزعت أيضا أخت المختار لحبس أخيها بالكوفة وأيقنت عليه من عبيد الله بن زياد أن يقتله. قال: # [فسألت أخت المختار زوجها عبد الله بن عمر أن يشفع في أخيها، فكتب عبد الله إلى يزيد كتابا يشفع في صهره (4). فقال يزيد لما قرأ الكتاب: ويشفع أبو عبد الرحمن في صهره فإنه أهل ذلك، فأمر كاتبه فكتب إلى عبيد الله بن زياد: أما بعد فخل سبيل المختار ساعة (5) تنظر في كتابي هذا - والسلام - قال: فلما قرأ عبيد الله بن زياد كتاب يزيد بعث إلى المختار وأخرجه من # PageV05P145 # السجن، فقال [له]: إني قد أمهلتك ثلاثا فإن (1) أصبتك بالكوفة بعد ثلاثة أيام ضربت عنقك - والسلام -. ### | ذكر هرب المختار من ابن زياد وما ms0870 كان من بيعته لعبد الله بن الزبير # قال: فخرج المختار من الكوفة قاصدا نحو الحجاز، حتى إذا صار بواقصة (2) إذا هو برجل من أهل الكوفة يقال له الصقعب بن زهير، فسلم عليه ثم قال: أبا إسحاق! ما لي أرى عينك على هذه الحالة! صرف الله عنك السوء! فقال (3): # غرضها هذا المدعي عبيد الله بن زياد عبد بني علاج ابن سمية ومرجانة (4). فقال: ما له! شلت يمينه سريعا عاجلا! فقال: نعم يا صقعب! وقتلني الله إن (5) لم أقتله وأقطع أعضاءه عضوا عضوا، ولكن خبرني عن عبد الله بن الزبير أين تركته؟ فقال: # تركته وهو يظهر العداوة ليزيد بن معاوية، وهو أظن يبايع سرا، فقال: بشرك الله بالخير يا صقعب! فو الله إنه لرجل قومه (6) وهو من أبناء المهاجرين الأولين، وما هو بدون غيره يا صقعب! والله إني أرى الفتنة قد أرعدت وأبرقت وكأنك يا صقعب بي وقد خرجت وسمعت وقيل لك إن المختار بن أبي عبيد في عصابة من المؤمنين (7) يطلب بدم الوصيين أولاد بنت نبي رب العالمين، فو ربك يا صقعب لأقتلن عدد الذين قتلوا على دم يحيى بن زكرياء عليه السلام. فقال له الصقعب: ويحك يا أبا إسحاق! هذه والله أعجوبة وأحدوثة أن يكون هذا منك، فقال المختار: نعم والله يا صقعب! هو والله ما قلت لك فاحفظ عني حتى ترى مصاديقه (8). فإنه كائن لا محالة. قال: وجعل المختار يقول: والذي أنزل القرآن وشرع الأديان، وكتب الإيمان وكره العصيان، لأقتلن العتاة من آل درغمان ومذحج وهمدان، ونهد # PageV05P146 # وخولان، وبكر وهران، وبعل ونبهان وعيص وذبيان، وقبائل قيس غيلان، تعصبا لابن بنت نبي الرحمن، نعم يا صقعب وحق السميع العليم، العلي العظيم، العدل الكريم، الرحمن الرحيم، لأعركن عرك الأديم بني محمد وسليم، والأشراف من بني تميم. # قال: ثم ضرب (1) المختار راحلته ومضى حتى صار إلى مكة فدخل على عبد الله بن الزبير فسلم عليه وحياه، فرحب به ابن الزبير وقربه، وقال: من أين أقبلت يا أبا إسحاق؟ قال: من الكوفة، قال: ms0871 فما تخبرني عنهم؟ قال: أخبرك عنهم أنهم في السر أعداء وفي العلانية أتقياء (2)، قال فقال له عبد الله بن الزبير: # هذه والله صفة أهل السوء العبيد (3) إذا حضر مواليهم خدموهم وإذا غابوا عنهم عابوهم (4)، فقال المختار: ذرني من هذا وابسط يدك أبايعك وأعطنا (5) ما يرضينا وثب بنا على الحجاز حتى نأخذها، فإن أهل الحجاز كلهم معك وأنت أقرب إلى جماعة الناس، وأدهى (6) عند ذوي النهى من يزيد بن معاوية. قال: فسكت ابن الزبير ولم يقل شيئا. فقام المختار من عنده مغضبا فركب من ساعته ومضى إلى الطائف فأقام بها حولا كاملا عند بني عمه من بني ثقيف. # قال: وافتقده عبد الله بن الزبير فقال لبعض من يلوذ به من أصحابه (7): لك علم بالمختار بن أبي عبيد؟ فقال: مالي به علم منذ رأيته عندك ههنا، ولكني سمعت نفرا من أهل الطائف يذكرون أنه مقيم عندهم هناك، وأنه ابن عماته صاحب العقرب، وأنه سيد الجبارين وقاتل الملحدين (8): قال: فضحك ابن الزبير ثم قال: قاتله الله من متكهن كذاب! والله لئن أهلك الله الجبارين فإن المختار أولهم (9) # PageV05P147 # قال: فما كان بأسرع من أن قدم المختار من الطائف بعد ذلك بثلاثة أيام، فأقبل نحو البيت الحرام، وعبد الله بن الزبير ينظر إليه وعنده نفر من أصحابه حتى دنا المختار من البيت واستلم الحجر الأسود ثم طاف فصلى ركعتين وجلس، فجاءه قوم من أهل مكة فسلموا عليه وجلسوا عنده. فقال عبد الله بن الزبير لأصحابه: إني لا أراه يصير إلينا! فقال العباس بن سهل الأنصاري: إن شئت أتيتك به أو بخبره! فقال ابن الزبير: نعم فافعل. # فأقبل العباس بن سهل إلى المختار وسأله عن أحواله وأحوال بني عمه بالطائف، ثم قال: يا أبا إسحاق ليس مثلك من يغيب عما اجتمع عليه أهل الشرف وبيوتات العرب! فقال المختار: وما ذلك؟ فقال العباس: إنه لم يبق حي من أحياء العرب إلا وقد جاء عميدهم وبايع هذا الرجل عبد الله بن الزبير، فعجبا لك ولرأيك ألا ما أتيته ms0872 فأخذت بحظك من هذا الأمر! فقال المختار: والله يا أخا الأنصار! إني أتيته في العام الماضي وأشرت عليه بالرأي ودعوته إلى حظه فطوى أمره دوني (1)، ورأيته مستغنيا عني فأحببت أيضا أن رآني عنه مستغنيا، فو الله إنه لأحوج إلي مني إليه. فقال له العباس بن سهل: صدقت يا أبا إسحاق! قد كان ذلك، غير أنك كلمته وهو ظاهر في المسجد وهذا كلام لا يجب إلا والستور دونك مسدولة والأبواب دونك مغلقة، ولكن القه الليلة وأنا معك حتى تسمع كلامه ويسمع كلامك! فقال المختار: إني فاعل ذلك إن شاء الله إذا صلينا العشاء الآخرة. قال: فنهض الأنصاري من عنده إلى عبد الله بن الزبير فخبره بما كان منه. # فلما كان الليل وصليا العشاء الآخرة أقبل المختار ومعه العباس بن سهل الأنصاري حتى صار إلى ابن الزبير، قال: فمديده إلى المختار فصافحه ورحب به ثم سأله عن أقربائه وأهله بالطائف، فتحدثا ساعة، ثم أقبل عليه ابن الزبير وقال: # إنك كلمتني بهذا الكلام والناس حضور والحيطان لها (2) آذان وليس من أحد إلا وله عدو وصديق، وهذا وقت خلوة فهات الآن ما عندك! فقال المختار: إنه لا خير في الإكثار عن المنطق، ولا حظ في التقصير عن الحاجة، وأنت اليوم رجل قومك وقد جئتك أبايعك على أنه لا تقضي الأمور دوني وعلى أن أكون أول من تأذن له (3) وآخر # PageV05P148 # من يخرج عنك، فإذا أظهرك الله على يزيد بن معاوية فاستخلفني على أجل أعمالك (1) فأنتفع وأرد على أهل بيتي شيئا. فقال له ابن الزبير: أنا أبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال المختار: لا والله لا أبايعك إلا على هذه الخصال! قال: فسكت ابن الزبير، فقال له العباس: اشتر منه دينه حتى ترى من رأيك! قال ابن الزبير: أبا إسحاق! فإني أبايعك على ما ذكرت، قال: ثم بسط يده فبايعه المختار وأتى إلى منزله. # قال: فجعل الناس يبايعون عبد الله بن الزبير، حتى بايعه خلق كثير من أهل الحجاز ms0873 وغيرهم من أهل الأمصار، ويزيد بن معاوية لا يعلم بشيء من ذلك. حتى إذا علم ابن الزبير أنه قد قوي ظهره بهؤلاء الخلق قد بايعوه أظهر عيب يزيد سرا وجهرا وجعل يلعنه ويقول فيه وفي بني أمية كل ما قدر عليه من الكلام القبيح، ثم إنه كان يصعد المنبر فيقول: أيها الناس! إنكم قد علمتم ما سارت به فيكم بنو أمية من نبذ الكتاب والسنة، وما سار به معاوية بن أبي سفيان إنه تأمر على هذه الأمة بغير رضا، وادعى زياد بن أبيه ردا منه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " الولد للفراش وللعاهر الحجر "، فادعى معاوية زيادا وزعم أنه أخوه، وقتل حجر بن عدي الكندي ومن معه من المسلمين، ثم إنه أخذ البيعة لابنه يزيد في حياته، ونقض ما كان في عنقه من بيعة الحسين بن علي رضي الله عنهما، ثم هذا يزيد بن معاوية قد علمتم ما فعل بالحسين وإخوته وأولاده وبني عمه، قتلهم كلهم وأسر من بقي منهم وحلمهم إلى الشام على محامل ليس لهم وطأ ولا راعى فيهم حق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مشغول بلعب الفهود والقرود، وشرب الخمر والمعاصي والفجور، فاتقوا الله عباد الله! فقد علمتم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما ولي أمر هذه الأمة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم خطب وقال في خطبته: أيها الناس! أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. مع كلام كثير كان له ولعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولست أذكر أحدا من الخلفاء الراشدين إلا أخبر عن أني أنهاكم عن طاعة من عصى الله وتعدى مرة. قال: فكان الناس يجتمعون إليه ويقولون بقوله حتى فشا ذلك في الناس. قال: وبلغ ذلك يزيد فلم تحمله الأرض غيظا. # PageV05P149 ### | ابتداء حرب وأقم (1) وما قتل فيها من أولاد المهاجرين والأنصار والعبيد والموالي # قال: ولما بلغ يزيد بن معاوية ما فيه عبد ms0874 الله بن الزبير من بيعة الناس له واجتماعهم إليه، دعا بعشرة نفر من وجوه أصحابه (2)، منهم النعمان بن بشير الأنصاري، وشريك بن عبد الله الكناني، وزمل بن عمرو العذري (3)، ومالك بن هبيرة السكوني، وعبد الله بن عضأة الأشعري، وروح بن زنباع الجذامي، وأبو كبشة السكسكي، وسعيد بن عمرو الهمداني، وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وعبد الرحمن بن مسعود الفزاري (4)، فدعا بهؤلاء العشرة ثم قال لهم: إن عبد الله بن الزبير قد تحرك بالحجاز وأخرج يده من طاعتي ودعا الناس إلى سبي وسب أبي، وقد اجتمعت إليه قوم يعينونه على ذلك، ويزينون له أمره. وأنا أكره البغي عليه قبل الاعتذار إليه، ولكن صيروا إليه! فإذا دخلتم عليه فعظموا حقه وحق أبيه الزبير، وخبروه بالذي بلغني عنه وسلوه بعد ذلك أن يلزم الطاعة ولا يفارق الجماعة وأن يرجع إلى الأمر الذي خرج منه، وعليكم بالرفق والتأني (5)، فإن أجاب إلى ذلك فخذوا بيعته وانصرفوا عنه، وإن أبى إلا العداوة وشق العصا فخوفوه وحذروه ما نزل بالحسين بن علي. وليس الزبير عندي بأفضل من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا ابنه عبد الله بأفضل من الحسين بن علي، وانظروا أن لا تلبثوا عنده فإني متعلق القلب بورود خبركم علي ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # قال: فخرج القوم من الشام وساروا إلى مكة ودخلوا على عبد الله بن الزبير، # PageV05P150 # وعنده يومئذ المختار بن أبي عبيد وعبد الله بن مطيع العدوي والعباس بن سهل الأنصاري ووجوه أولاد المهاجرين والأنصار، قال: فسلموا عليه، فرد عليهم السلام ورحب بهم وقربهم وأدناهم ثم سألهم عن حالهم وأمرهم، فأدوا إليه رسالة يزيد، فقال عبد الله بن الزبير: وما الذي يريد مني يزيد بن معاوية؟ إنما أنا رجل مجاور لهذا البيت عائذ به من شر يزيد بن معاوية وغير يزيد، فإن تركني فيه وإلا انتقلت عنه إلى بلد غيره، وكنت فيه إلى أن يأتيني الموت. قال: ثم أمر لهم بمنزل، فصاروا إليه يومهم ذلك وأمر لهم بما يصلحهم. ms0875 # فلما كان من الغد خرج فصلى بأصحابه الفجر، ثم أقبل فجلس في الحجر، واجتمع إليه أصحابه، وأقبل إليه هؤلاء الوفد الذين قدموا عليه من عند يزيد وتكلموا كلاما يرجون به اتباعه ليزيد وطاعته له. قال: فأقبل إليه النعمان بن بشير فقال: # بلغ (1) يزيد عنك أنك تصعد المنبر فتذكره وتذكر أباه معاوية بكل قبيح، وأنت تعلم أنه إمام وقد بايعه الناس، ولا نحب لك أن تخرج يدك من الطاعة وتفارق الجماعة، وبعد فإن الغيبة لا خير فيها. قال: فقطع عليه الكلام عبد الله بن الزبير، ثم قال: # يا بن بشير! إن الفاسق لا غيبة له، وما قلت فيه إلا ما قد علمه الناس منه، ولو كان على ما كان عليه الأئمة الأخيار سمعنا وأطعنا ولذكرناه بكل جميل، وبعد فإني أنا في هذا البيت بمنزلة حمامة من حمام مكة، أفتحل لكم أن تؤذوا حمام مكة؟ قال: # فغضب عبد الله بن عضأة الأشعري فقال: نعم والله يا بن الزبير (2)! نؤذي حمام مكة ونقتل حمام مكة، وما حرمة حمام مكة يا بن الزبير! أ تصعد المنبر وتتكلم في أمير المؤمنين بكل قبيح ثم تشبه نفسك بحمام مكة؟ ثم قال: يا غلام! ائتني بقوسي وسهم! قال: فأتي بقوسه وسهامه. فأخذ سهما فوضعه في كبد قوس (3) ثم سدده نحو حمام مكة وقال: يا حمامة! أيشرب أمير المؤمنين ويفجر؟ قولي نعم! أما والله لو قلت: نعم، لما أخطأك سهمي هذا، يا حمامة! أيلعب أمير المؤمنين بالقرود والفهود ويفسق في الدين؟ قولي: نعم! أما والله لئن قلت: نعم، لا أخطأك سهمي هذا، يا حمامة! فتقتلين أم تخلعين الطاعة وتفارقين الجماعة وتقيمين في # PageV05P151 # الحرام عاصية؟ قولي نعم (١)! قال: ثم أقبل عبد الله بن عضأة على ابن الزبير فقال له: ما لي لا أرى الحمامة تنطق بشيء وأنت الناطق بجميع ما كلمتها فيه على المنبر، أما والله يا بن الزبير! إني خائف عليك وأقسم بالله قسما صادقا لتبايعن يزيد طائعا أو كارها أو لتعرفني في هذه البطحاء وفي يدي راية ms0876 الأشعريين. قال: فقال له المختار بن أبي عبيد: أما والله يا بن عضأة! لئن أنت رمت ذلك وأردت بصاحب هذا البيت سوءا ليدمرن الله عليك وعلى صاحبك يزيد كما دمر على أصحاب الفيل إذ راموه فجعل كيدهم في تضليل (٢)، فإن شئت فرم ذلك! فقال له عبد الله بن عضأة: # يا بن أبي عبيد! أما! إن عبيد الله بن زياد قد كان حازم الرأي في حبسك بالكوفة، ولو ضرب عنقك لأصاب الرأي، ولكن لا جزى الله صهرك عبد الله بن عمر خيرا (٣). قال ابن أبي عبيد: والله ما كان أبوه أمير المؤمنين، وقد قتل وسفك دماء المؤمنين، وقد قتل ابن بنت نبي رب العالمين. قال: وارتفعت الأصواب بين عبد الله بن عضأة وبين المختار، فأقسم عبد الله بن الزبير على المختار أن يسكت، فسكت، ثم أقبل على عبد الله بن عضأة فقال: يا هذا! أتستحل في البيت الحرام وقد أخبر الله تعالى في كتابه ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ (4)؟ فقال ابن العضأة: إنما يستحل الحرام من حل فيه وخلع الطاعة وفارق الجماعة. قال: وكثر الكلام بين القوم (5) ولم يجبهم ابن الزبير إلى ما يريدون، فانصرفوا عنه، حتى إذا صاروا إلى يزيد فخبروه بذلك، فأمهله يزيد وجعل يتأنى في أمره ويقول لأصحابه: ويحكم! # إني قتلت بالأمس الحسين بن علي وأقتل اليوم عبد الله بن الزبير! أخاف أن تشعث # PageV05P152 # علي العامة ولا يحتمل ذلك لي ويتنغص علي أمري. قال: وجعل عبد الله بن الزبير يجمع الجموع وجعل يقوي أمره يوما بعد يوم، ومحمد ابن الحنفية رضي الله عنه معتزل عنه في منزله ولا يدخل في طاعته. ### | ذكر الوقعة الأولى بين مكة والمدينة بين عمرو بن الزبير وأخيه عبد الله ومقتل عمرو بن الزبير # قال: وكان يومئذ أمير المدينة عمرو بن سعيد بن العاص (1) من قبل يزيد بن معاوية، كتب إليه يزيد من الشام يخبره بخبر عبد الله بن الزبير وأخيه، فعزم عمرو بن سعيد على ذلك (2)، وكانت بنو أمية يكرمون عمرو بن الزبير لأن ms0877 أمه بنت خالد بن سعيد بن العاص، فكانوا يكرمون عمرو بن الزبير لأنه ابن أختهم. قال: # وكان عمرو بن الزبير من أشد الناس عداوة لأخيه عبد الله بن الزبير، فدعاه عمرو بن سعيد بن العاص فعقد له عقدا وضم إليه جيشا كثيفا (3) ووجه به إلى محاربة أخيه عبد الله بن الزبير. # قال: فخرج عمرو بن الزبير [يومئذ في جيشه من المدينة، يريد مكة، وبلغ ذلك عبد الله بن الزبير] فنادى في الناس وخرج من مكة في جيش، حتى التقى القوم بين مكة والمدينة (4)، واختلطوا واقتتلوا ساعة من النهار، فقتل من الفريقين جماعة. ثم حمل عبد الله بن الزبير في جميع أصحابه وحمل المختار بن أبي عبيد من الميمنة والعباس بن سهل الأنصاري من الميسرة، فوقعت الهزيمة على جماعة بني أمية، فقتل من القوم مقتلة عظيمة وأسر منهم من أسر، وفيمن أسر يومئذ عمرو بن الزبير (5). فلما وقف بين يديه قال: قبحك الله من أخ وذي رحم! فإنك لم # PageV05P153 # تذكر ما كان من البلاء عندك وقيامي بحقك وأخذي إياك من يد مروان بن الحكم، ولكن أنت قديم العداوة، وكنت تضرب وجهي بالسيف قال: ثم جاء بهم إلى مكة فحبسه. # فلما كان من الغد أقامه للناس ونادى: أيها الناس! أن أمير المؤمنين يقول لكم: من كانت له مظلمة عند عمرو بن الزبير فليحضر! قال: فكان يجيء الرجل من بعد الرجل فيقول: يا أمير المؤمنين! إن هذا شتمني، فيقول: اشتمه! ويقول آخر: إن هذا ضربني، فيقول: اضربه! حتى جاء مصعب (1) بن عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أمير المؤمنين! إنه جلدني مائة سوط بلا ذنب كان من إلا لميلي إليك، قال: فأمر به عبد الله بن الزبير فجرد من ثيابه، وأمر مصعبا (2) أن يجلده، فجلده مصعب بيده مائة سوط، ثم أمر به عبد الله بن الزبير، فحبس (3) ولم يداو (4) فمات. # ثم قال: أتدرون لم عملت بعمرو بن الزبير هذا؟ فقالوا: لا يا أمير المؤمنين! قال: إنه صار إلى معاوية زائرا، فكتب له بمائة ms0878 ألف درهم، ففتح الكتاب وضاعفها مائة ألف أخرى، فدفع إليه ذلك المبلغ زياد - مائتي ألف درهم -، فلما دفع إليه زياد حسابه، قال معاوية: ما أمرت لعمرو بن الزبير إلا بمائة ألف درهم، وعلم معاوية أنه هو الذي عمل في الكتاب الزيادة، فكتب إلى مروان بن الحكم وهو عامله بالمدينة أن يأخذ من عمرو بن الزبير مائة ألف درهم، فصرت أنا إلى مروان وضمنت له المائة ألف، فأخذه مروان فحبسه فأخرجته، وهذا جزائي منه أن يخرج علي ليضرب وجهي بالسيف، قال: فلم يعذر عبد الله بن الزبير في هذا. # PageV05P154 # قال: وشق على عامة أهل مكة ما فعل عبد الله بن الزبير بأخيه. قال: وقد كان عبد الله بن الزبير قبل ذلك يصعد المنبر فيقول: أيها الناس! إن بطني شبرا وما عسى يكفي شبرا (1)، إنما يكفيني في كل يوم قبضة من طعام. وإنما أريد [أن] أسير فيكم بسيرة الصالحين وسيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. قال: وكثيرا ما كان يقرأ سورة الأعراف على المنبر ويقرأها حرفا حرفا، وكان يدور في أسواق مكة يتشبه بعمر بن الخطاب رضي الله عنه. فلما فعل بأخيه ما فعل وأقامه للناس وأمر بضربه حتى مات، فجعل بعض أهل مكة يقول في ذلك (2): # [تخبرنا أن سوف تكفيك قبضة * وبطنك شبر أقل (3) من الشبر وأنت إذا ما نلت شيئا قضمته * كما قضمت نار الغضا حطب السدر (4) لكم سيرة الفاروق لا شك غيره * وسنة صديق النبي أبي بكر فلما كذبت الله ما قد وعدته * وما كنت قد وكدت في جانب الحجر فأصبحت ما تجري لك اليوم طاعة * ببلدة أعراب ولاه ولا قفر فإن كنت تخشى أن (5) تبيت بنعمة * قريبا لردتك العطوف على عمرو] قال: وذكر ذلك أبو حرة (6) مولى بني مخزوم في تغزله حيث يقول: # ما زال في سورة الأعراف يقرأها * حتى فؤادي مثل (7) الخز في اللبن يقول للناس بطني غير ما كذب * شبرا هنيا ودون القوت يكفيني لو كان بطنك شبرا قد شبعت وقد * أفضلت فضلا كثيرا للمساكين ms0879 [أما تصبك من الأيام جائحة * لا سهل منك على دنيا ولا دين ولا نقول إذا أصبحت مغتبطا * ألا أمير برب الناس آمين] (8) # PageV05P155 # ثم أعلن عبد الله بن الزبير ما هو فيه، وأرسل إلى سعد مولى عتبة بن أبي سفيان وهو متحصن بالطائف، فأرسل إليه بقوم فحاصروه حتى استنزلوه في خمسين رجلا من أصحابه من شيعة يزيد بن معاوية، فأتوا بهم إليه فأمر بحبسهم، ويقال: # إنه قتلهم عن آخرهم - والله أعلم -. # قال: ثم أقبل حتى نزل دار البلاط بمكة فجعلها دار إمارته. قال: وتفرق كل من كان بمكة من شيعة بني أمية خوفا على أنفسهم، فصاروا إلى الشام، وأنشأ بعض أهل مكة يقول: # [بلى أم حمد ما تحمد أهله * فكيف بذي وجد من القوم آلف من أجل أبي بكر جلت عن بلادها * أمية والأيام دار تعارف وقد حل في دار البلاط مطوع * قبول على الأرحام ليس بعاطف وعما قليل سوف يأتي بيثرب * عليها من الأبطال ذات زواحف] قال: وبلغ أهل المدينة أن عبد الله بن الزبير بايعه أهل مكة والطائف وسائر الحجاز فوثبوا على عاملهم عمرو بن سعيد بن العاص (1) فأخرجوه من المدينة، وأخرجوا من كان معه من بني أمية فطردوهم بأجمعهم وبايعوا عبد الله بن الزبير (2). # PageV05P156 # قال: وبلغ ذلك ابن الزبير فأرسل إلى عبد الله بن حنظلة (1) بن أبي عامر الغسيل - غسيل الملائكة - فولاه المدينة، قال: فخلت مكة والمدينة من بني أمية. # قال: وجعل عبد الله بن حنظلة أمير المدينة يشتم يزيد بن معاوية ويظهر عيب يزيد وعيب بني أمية، ويقول فيهم ويقذفهم بكل عجيب. فقال له مسلم: أيها الأمير! # مهلا عن بني أمية، فإنك تعلم أنك قدمت على معاوية فأجلست معه على سريره ورد عليك صدقة أبيك ثم قضى حوائجه وأمر له بمائة ألف درهم، ثم إنك قصدت ابنه يزيد فأجلست أيضا على سريره وأكرمك، فو الله ما كافيت ابنه يزيد ولا معاوية، ما لك ولبني أمية تشتمهم وتظهر عيبهم وأنت لا تدري ما يكون في عاقبة هذا الأمر، ms0880 فقال له عبد الله: اسكت ويحك يا مسلم! فو الله ما خرجت بسيفي وطردت بني أمية عن المدينة حتى كنت أصعد إلى سطح بيتي في جوف الليل فأخاف أن ينحروني # PageV05P157 # بالهجوم لما أرى من كثرة بني أمية وجورهم وأعمالهم القبيحة ولا أقدر أن أغيرها. # قال: وبلغ يزيد بن معاوية ما قد فعله أهل المدينة بعامله عمرو بن سعيد بن العاص (1) وببني أمية وما فعله عبد الله بن الزبير بمكة، فدعا بالضحاك بن قيس الفهري (2) وأمره أن يسير إلى المدينة ومكة فيتولى حرب عبد الله بن الزبير، فقال الضحاك: لا والله يا أمير المؤمنين لا أحب أن أكون أول من أراق دم قريش، فادع لهذا الأمر غيري. قال: فتركه ودعا مسلم بن عقبة المري وكان شيخا كبيرا من أبناء بضع وتسعين سنة، فكلمه يزيد في ذلك وأمره بالخروج إلى عبد الله بن الزبير، فقال: أنا شيخ كبير، فقال له: لا بد لك من ذلك فإن أبي أوصاك بحفظي من بعده (3)، ولا أجد أحدا (4) يقوم بذلك سواك، فإذا تقاربت من المدينة فاجعل طريقك عليها، فإن كان أهل المدينة قتلوا أحدا من بني أمية فأدخلها بالسيف وأرق الدماء فيها ثلاثة أيام، ثم سر بعد ذلك إلى مكة، وإن لم يكن أهل المدينة قتلوا أحدا فلا تتعرض لهم إلا بكل خير (5). قال: ثم أمر يزيد الناس فجمعهم لمسلم (6) بن عقبة المري فاجتمع إليه عشرون ألف فارس وسبعة آلاف راجل (7)، فأعطى يزيد كل واحد منهم مائتي دينار، ولكل راجل مائة دينار، وأمرهم بالمسير مع [مسلم بن] (8) عقبة وشيعهم حتى إذا صار إلى موضع يقال له الثنية ودعه يزيد ثم # PageV05P158 # أوصاه بوصية ثم جعل يقول (1): # [أبلغ أبا بكر إذا الليل سرى * وهبط القوم على وادي القرى عشرون ألف بين كهل وفتى * أجمع سكران من القوى ترى أم جمع يقظان نفى عنه الكرى * يا عجبا من ملحد يا عجبا مخادع في الدين يقفو بالعرى -] ### | ذكر مسير مسلم بن عقبة المري إلى مكة # قال: وسار مسلم بن عقبة ms0881 مع الجيش يريد مكة، فلما تقارب من المدينة استقبله بنو أمية مطرودين (2) من المدينة فوقفوا إليه (3) وسلموا عليه فقال لهم مسلم: # هل قتل منكم أحد؟ قالوا: لا ولكن أخرجنا عن المدينة مطرودين (4)، فقال: # لا بأس عليكم، ارجعوا معي حتى نفرغ من عبد الله بن الزبير، فقد أمرني يزيد بأمر وأنا منته (5) إلى أمره. # قال: فرجعت معه بنو أمية ونزل مسلم بن عقبة المدينة عن يساره ومضى نحو الساحل لكي يخرج إلى مكة، ثم إنه نزل في بعض المنازل قريبا من المدنية فتطرف (6) عسكره، ووقعت الصيحة، فقال مسلم: ما هذا؟ فقالوا: أيها الأمير! هؤلاء سفهاء المدينة قد خرجوا يتطرفون عسكرنا يريدون الغارة علينا. قال: فغضب مسلم بن عقبة وقال: ارجعوا الآن إليهم حتى ننزل بهم ما هم أهله! قال: فرجع القوم حتى نزلوا بموضع يقال له حرة وأقم. ### | ذكر حرة وأقم وما قتل فيها من المسلمين # قال: وخرج أهل المدينة مع أميرهم عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر (7) إلى # PageV05P159 # حرب أهل الشام، فأبى عبد الله بن حنظلة أصحابه وجعل على ميمنته يعقوب بن طلحة بن عبيد الله (1)، وعلى ميسرته أبو جهم بن حذيفة العدوي (2)، وعلى الجناح عبد الله بن خزيمة بن أبي ثابت (3) الأنصاري، وعبي مسلم بن عقبة أصحابه عن المدينة. قال: فاختلطوا واقتتلوا. فوقعت الهزيمة على أهل المدينة، فقتل منهم مقتلة عظيمة، فأما المقتل فقيل إنهم لما انهزموا أخذهم السيف فقتل من أولاد المهاجرين ألف وثلاثمائة وقتل من أبناء الأنصار ألف وسبعمائة، ومن العبيد والموالي وسائر الناس ثلاثة آلاف وخمسمائة: فتلك ستة آلاف وخمسمائة رجل (4) ودخل أهل الشام إلى المدينة بالسيف فجعلوا يقتلون كل من يقدرون عليه من صغير أو كبير، ثم وضعوا الغارة على أهل المدينة فأغاروا عليها ثلاثة أيام ولياليها وفجروا بالنساء. قال أبو سعيد الخدري: فو الله ما سمعنا الأذان بالمدينة منذ ثلاثة أيام إلا من قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # قال: ومسلم بن عقبة المري قد وضع له سرير على باب المسجد وكل ms0882 من أتي به ضرب عنقه. قال: فبينما هو كذلك إذا أتي بأبي جهم بن حذيفة (5) العدوي وهو ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له مسلم بن عقبة: من أنت؟ فقال: # أنا أبو جهم بن حذيفة العدوي! قال: وتتكنى علي وتقول أنا أبو جهم [بن حذيفة، بايع الآن يزيد بن معاوية على أنك عبد من عبيده! فقال أبو جهم] يا سبحان [الله] كيف أكون عبدا ليزيد وأنا رجل من قريش معروف الحسب والنسب! فقال مسلم بن عقبة: اضربوا عنقه! فقال: إني أبايع على ما تأمرني به، فقال: لا والله لا أقبلك، ثم قدمه فضرب عنقه (6). ثم أتى بعبد الرحمن بن سمرة بن جندب، فقال # PageV05P160 # له مسلم: من الرجل؟ قال: رجل من بني أمية، فقال: بايع يزيد على أنك عبده! # فقال: ما كنت قط إلا حرا فكيف أكون عبدا ليزيد وأنا معه في عبد شمس، فقال: # اضربوا عنقه! فجردوه بين يديه فضربوا عنقه. ثم قال: اطلبوا لي معقل بن سنان! # فإنه ابن عمي فلعله قد خاف مني، فطلبوه فأصابوه وقد خرج من المدينة يريد مكة، فأخذوه فقالوا: إن ابن عمك قد أمرنا أن نأتي بك إليه فقال ويحكم! اتقوا الله فإني عارف به وإن كان ابن عمي، فقالوا: والله لا نفارقك أو نأتي بك إليه قال: ثم أتوا به وقد أجهده العطش، وكان شيخا قد أسن، فلما نظر إليه ابن عقبة قال: يا غلام! # علي بقدح من سويق الكوز (1) الذي زدناه أمير المؤمنين! قال: فأتي بقدح فيه سويق الكوز مكتوف بالقند، فجرعوه بالماء ثم ناولوه إياه، فقال له مسلم بن عقبة: # اشرب أبا محمد! فعزيز علي ما نالك من العطش. فلما شرب قال له مسلم بن عقبة: أتذكر إذ أنا وأنت بالطبرية وأمير المؤمنين يزيد إذ ذاك في دعوة فلان ابن فلان، فالتفت إلي وقلت (2): إلى كم هذا الذل والهوان الذي نحن فيه من الله! لئن أخر الله لي في الأجل لأبايعن رجلا من أبناء المهاجرين! أما إنك وفيت ms0883 بما قلت فبايعت لعبد الله بن الزبير، وهو لعمري رجل من أبناء المهاجرين الأولين، أتعرف هذا الحديث؟ فقال: نعم، أعرفه، فقال: إذ عرفته فاضرب يا غلام عنقه! فقال: أنا ابن عمك، أنا رجل من أشجع وأنت من بني مرة ويجمعني وإياك قيس غيلان، فقال مسلم بن عقبة: ولذلك أقتلك لأنك ابن عمي، ثم قدمه فضرب عنقه (3). فقال في ذلك بعض أهل مكة: # [رمانا يزيد بابن عقبة مسلم * فلا سلمت حدثا من الحدثان يقود إلى أهل المدينة جحفلا * له لجب كالبحر في الجريان يقتل سكان المدينة عنوة * وقد أصبحوا صرعى بكل مكان وأصبحت الأنصار تبكي (4) سراتها * وأشجع تبكي (5) معقل بن سنان] قال ثم قدم إليه عمرو بن أسد بن خزيمة بن أسد، فلما وقف بين يديه قال # PageV05P161 # [ابن] (1) عقبة: ما أكثر قبائل قريش! من أنت من قريش؟ قال: أنا رجل من بني أسد بن عبد العزى بن قصي، ولي حرمة بأمير المؤمنين يزيد، قال: ومن أجل ذلك خرجت عليه وبايعت عبد الله بن الزبير؟ فقال مروان بن الحكم: هذا نديم أمير المؤمنين وجليسه، فقال [ابن] (1) عقبة: من ههنا جاء في عنقه! فلم يزل القوم يحاورون في عنق مروان حتى سقط، فقال عبد الملك (2) بن مروان: أيها الأمير! # حسبك فقد أبلغت من الشيخ! فقال مسلم بن عقبة: يا عبد الملك! أنت عندي أرجى من مروان (3) وأبعد منه همة، يراني وقد قتلت ابن عمي معقل بن سنان فيقول: هذا نديم أمير المؤمنين وجليسه! # قال: ثم أتي بعلي بن عبد الله بن عباس، فلما قدم إليه قامت قبائل كندة من كل ناحية فقالوا: أيها الأمير! إن هذا الذي قدم عليك منا وإلينا، وذلك أن عبد الله بن العباس خطب إلينا فزوجناه بنت عم لنا يقال لها زرعة بنت مشرح (4) فأولدها، هذا الفتى ابن أختنا فخل سبيله! فقال: يا معشر كندة! خلعتم أيديكم من الطاعة! فقالوا: ما خلعنا أيدينا من الطاعة، ولكنا لا نمكنك من ابن أختنا تقتله! # فقال لهم: إذا فيبايع أمير المؤمنين يزيد! ms0884 فقالوا (5): أما البيعة فإنه يبايع على أنه والله أشرف من يزيد وأكرم فيه أبا وأما. قال: فبايع علي بن عبد الله بن عباس يزيد بن معاوية وتنحى ناحية من بين يدي مسلم بن عقبة. # قال: وسمع مسلم بن عقبة صياحا وصراخا فقال: ما هذا؟ فقيل: إنه قد أتي # PageV05P162 # بعلي بن الحسين بن يديه (1) وهؤلاء أقاربه يصيحون، فقال: أعلموه أنه لا بأس عليه! قال: فلما أتي بعلي بن الحسين وثب مسلم بن عقبة فصافحه وقبل بين عينيه وأقعده معه على سريره، ثم قال له: لا بأس عليك وأمير المؤمنين يزيد بن معاوية يقرأ عليك السلام ويقول لك: لا تلمني على حبس عطائي لك، إنما (2) شغلني عنك عبد الله بن الزبير وأنا موجه إليك بعطائك موفرا. قال: ثم أمر له مسلم بن عقبة بألف درهم، وقال: احملوه إلى منزله. # و لم يزل مسلم بن عقبة يفعل بأهل المدينة ما فعل ثلاثة أيام ولياليهن، ثم خرج يوم الربع منها وقد انتهب وأغار وقتل من قتل وفعل ما فعل، وخرج يريد مكة (3) إلى عبد الله بن الزبير حتى إذا صار إلى بعض الطريق أدركته الوفاة (4)، فدعا بالجند والمقاتلة الذين كانوا معه. ثم دعا الحصين بن نمير السكوني فأقعده بين يديه ثم أقبل إليه فقال: اسمع مني ما أقول لك يا بن برذعة الحمار! إني قد وليتك هذا الجيش، ولو كان الأمر إلي ما فعلت، غير أن أمير المؤمنين أمرني بذلك وأنا ميت لا محالة (5)، فانظر أن تفعل في أهل مكة وفي عبد الله بن الزبير كما رأيتني فعلت بأهل المدينة. ثم جعل يقول: اللهم! إنك تعلم أني لم أعص خليفة قط، اللهم! # [إني] لا أعلم (6) عملا أرجو به النجاة إلا ما فعلت بأهل المدينة. ثم اشتد به الأمر فمات، فغسلوه وكفنوه ودفنوه، وبايع الناس للحصين بن نمير السكوني من بعده، وسار القوم يريدون مكة، وخرج أهل ذلك المنزل فنبشوه من قبره وصلبوه على نخلة (7). قال: وبلغ ذلك أهل العسكر فرجعوا إلى أهل ذلك المنزل ms0885 فوضعوا السيف فيهم، فقتل (8) منهم من قتل وهرب الباقون، ثم أنزلوه من النخلة فدفنوه ثم أجلسوا # PageV05P163 # على قبره من يحفظه. # وسار القوم يريدون مكة وعبد الله بن الزبير يومئذ في جمع كثيف وقد بلغه ما قد فعل بأهل المدينة فعزم على حربهم. قال: وبلغ ذلك رجل من أهل البصرة، فخرجوا إلى عبد الله بن الزبير لمعاونته (1)، وجعل عبد الله بن الزبير يحارب القوم. # قال: والحصين بن نمير قد أمر بالمجانيق فنصبت، فجعل يرمي أهل مكة رميا متداركا لا يفتر من الرمي، فجعل رجل (2) من أهل مكة يقول في ذلك: # ابن نمير (3) بئس ما تولى * قد أحرق المقام والمصلى وبيت ذي العرش العلي الأعلى * قبلة من حج له وصلى قال: وإذا بصاعقة قد نزلت فأحرقت منجنيقا كان لهم. # قال: فلم يزل القوم يرمون المسجد الحرام والبيت بالنيران والحجارة، فلما رأى عبد الله بن الزبير ذلك خرج إليهم فيمن كان عنده من الجيش، فحاربهم حربا شديدا فقتل منهم جماعة، وجعل المختار بن أبي عبيد يقاتل بين يدي عبد الله بن الزبير أشد القتال وهو يقول: # أنا ابن الكرار لست من بني الفرار (4) ثم حمل فقاتل حتى ضج أهل الشام من قتاله. فأقام القوم على ذلك أياما لا يفترون عن القتال ليلا ونهارا حتى قتل من أهل الشام خلق كثير وكذلك من أصحاب عبد الله بن الزبير. # قال: فبينما الحصين كذلك إذا برجل من أهل الشام قد قدم عليه فسلم ثم جلس عنده فقال: أيها الشيخ الضال! أنت حائم على بيت الله الحرام ترميه # PageV05P164 # بالحجارة والنيران ويزيد بن معاوية قد مات ومضى إلى سبيله (1)، فقال الحصين: # ويلك! ما تقول؟ فقال: أقول ما تسمع، فقال له: وما كان سبب ذلك؟ فقال: إنه شرب من الليل شرابا كثيرا ثم أصبح مخمورا فذرعه القيء ثم لم يزل كذلك إلى أن مات حتى قذف عشرين طشتا من ذهب فهذه قصته (2). قال الحصين: ويحك! لمن بايع الناس بعده؟ فقال: بايعوا ابنه معاوية بن يزيد، غير أنه خلع نفسه ms0886 من الخلافة (1)، فقال: ولم ذلك؟ فقال: إذا أخبرك أنه ملك أربعين يوما، فلما كان بعد ذلك سعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم خطب وقال في خطبته: أيها الناس! # إنما أنا لحم ودم، واللحم والدم لا يصبران على نار جهنم، وأنا خالع هذا الأمر، فقلدوا أموركم من أحببتم! فناداه الناس من كل مكان فقالوا: يا أمير المؤمنين! # فاعهد عهدك إلى من أحببت فإنا له سامعون مطيعون! فقال: ما أنا بأمير المؤمنين ولا أعهد إلى أحد، فإن نال خيرا فقد نال منه آل أبي سفيان، وإن كان شرا فلا أحب أن أوردهم الدنيا وأمضي في الآخرة (3)، ثم نزل عن المنبر فصار إلى منزله (4)، فعاش ثلاثة أيام ومات (5)، والناس في الشام في أمر عظيم من الاختلاف. # PageV05P165 # قال: فبقي الحصين حائرا ماذا يصنع! ثم أرسل إلى عبد الله بن الزبير فقال إن أذنت لي أن أدخل مكة فأهل بالعمرة! فأرسل إليه عبد الله بن الزبير: ذلك إليك. # قال: فدخل أهل الشام إلى مكة نادمين على ما كان منهم، فلما عزموا على الرحيل منها إلى الشام أقبل الحصين إلى عبد الله بن الزبير فجلس إليه ثم قال: أبا بكر! إن يزيد بن معاوية قد مضى إلى حال سبيله، وليس بالشام خليفة، وهذا الجيش معي كما ترى، فأخرج معي إلى الشام حتى تكون خليفة هناك فأنت رجل من أبناء المهاجرين الأولين. قال: فرفع عبد الله بن الزبير صوته، وقال: لا والله أو أقتل بكل رجل قتل من الحرة عشرة آلاف من أهل الشام (1). قال: فقال له الحصين: # ويحك (2) يا بن الزبير! تزعم أنك عاقل وأنا أكلمك بهذا سرا وتكلمني جهرا، وأدعوك إلى أن تكون خليفة وتوعدني بالقتل! يا بن الزبير! إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم من مكة، ثم إنه لم يرضها له دارا حتى نقله إلى المدينة، فكانت المدينة داره وقراره إلى أن أدركته الوفاة صلى الله عليه وآله وسلم والمدينة موضع قبره ومنزله ومنبره، ثم صار الأمر من ms0887 بعده إلى أبي بكر، ثم إلى عمر، ثم إلى عثمان - رضي الله عنهم -، فلما قتل أهل المدينة عثمان انتقلت الخلافة إلى الشام والشام دار الخلافة، فاقبل مني يا بن الزبير واخرج معي إلى الشام، فأنا أول من يبايعك ثم يبايعك أهل هذا العسكر وأهل الشام جميعهم. قال: فأبى عبد الله بن الزبير أن يجيب الحصين بن نمير إلى ذلك. # قال: فرحل الحصين إلى الشام بعسكره ذلك، وانصرف أهل البصرة إلى البصرة، وبها يومئذ عبيد الله بن زياد، ثم أرسل إليهم فدعاهم ثم قال: يا أعداء الله! أخرجتم من البصرة لنصرة عبد الله بن الزبير لتعينوه على أمير المؤمنين يزيد بن معاوية؟ قال فقالوا له: أيها الأمير! إنا ما خرجنا إلى مكة لنعين عبد الله بن الزبير على يزيد، وإنما خرجنا لننصر البيت الحرام من أهل الشام، وأما يزيد فقد مضى لسبيله ولعله قد بلغك ذلك! قال: وكان الخبر وقع إلى عبيد الله بن زياد بأن يزيد قد # PageV05P166 # مات فلم يصدق (1)، فلما خبره هؤلاء القوم بما خبروه علم وتيقن أن يزيد قد مضى لسبيله فاتقى لنفسه من أهل البصرة (2)، فأرسل إلى نفر من خاصة أصحابه فدعاهم ثم استشارهم في أمره، فأشاروا عليه بأن يحبس هؤلاء القوم الذين قدموا من مكة. # قال: فأرسل عبيد الله بن زياد إلى هؤلاء القوم فجمعهم إليه ثم أمر بهم فحبسهم. ثم خرج في جوف الليل في جماعة من خاصته (3) حتى صار إلى دار مسعود بن عمرو الأزدي وهو شيخ الأزد بالبصرة، فاستجار به عبيد الله بن زياد، فأجاره وأجار من كان معه. # قال: وأصبح أهل البصرة فعلموا أن عبيد الله بن زياد قد هرب، فاجتمعوا وراحوا إلى داره البيضاء والحمراء (4) فغاروا عليها، ثم دخلوا إلى أم عبيد الله بن زياد فسلبوها وسلبوا امرأته وحرمه حتى أخذوا مقانعهن من رؤوسهن، قال: واجتمعت الناس إلى الدارين جميعا وأخرجوا كل من كان في حبس عبيد الله بن زياد - لعنه الله -! وجعلوا يطلبونه فلا يقدرون عليه (5). # قال: واتقى عبيد الله ms0888 بن زياد - لعنه الله - أن يعلم بمكانه، فأقبل على مسعود بن عمرو فقال له: إنك قد أجرتني وأجرت أصحابي هؤلاء، وأنا خائف على نفسي من أهل البصرة وأنا أريد منك أن تتم إحسانك وأن تخلصني كيف شئت وأنى شئت (6)، فقال له مسعود بن عمرو: أفعل ذلك إن شاء الله! فقد كان لأبيك علي حق واجب. قال: ثم دعى بثلاثين (7) رجلا من أصحابه وأمرهم أن يخفروا # PageV05P167 # عبيد الله بن زياد حتى يلحقوه بالشام. قال: فخرج عبيد الله بن زياد في جوف الليل مع جماعة من خاصته وغلمانه وحشمه ومعه هؤلاء الثلاثون رجلا، فساروا حتى أصبحوا على مرحلتين من البصرة، واستقام لهم الطريق فساروا وجعل عبيد الله بن زياد - لعنه الله - يفكر في أمره، فقال له بعض من كان معه (1): أيها الأمير! إني أراك مفكرا وكأن قد علمت فيما تفكر. فقال عبيد الله بن زياد: وما ذلك؟ فقال: إن فكرت فقلت يا ليتني لم أقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، وليتني لم أبن داري البيضاء والحمراء (2) وليتني لم أستعمل الدهاقين على كور البصرة (3)! فقال ابن زياد - لعنه الله -: لا والله ما أصبت! أما الحسين بن علي - رحمه الله - فإنه صار إلى أهل العراق يريد قتلي فاخترت أن أقتله، وأما داري الحمراء والبيضاء فإني أنفقت عليهما مالي الذي وصلني به يزيد (4)، وأما الدهاقين فإني استعملتهم برضاء أهل البصرة، ولكنني كنت أفكر يا ليتني كنت قتلت أولئك القوم الذين قدموا من عند عبد الله بن الزبير، فإني أعلم أنهم هم فراعنة أهل البصرة، وسيكون لهم نبأ (5). # وبلغ ذلك أهل البصرة أن مسعود بن عمرو الأزدي هو الذي أجار عبيد الله بن زياد، فجاؤوا إليه ودخلوا عليه فقتلوه في جوف الليل ونبهوا ماله (6). # قال: وسار عبيد الله بن زياد - لعنه الله - حتى صار إلى الشام، وبلغ ذلك سلم (7) بن زياد وهو يومئذ بخراسان بمدينة مرثي كما ولاه يزيد بن معاوية من قبل، وكان أيضا لا يصدق موت يزيد، غير أنه قعد في منزله وأغلق ms0889 بابه، واحتجب عن الناس، فبعث إليه شاعره حنظلة بن قيس بن عروة التميمي (8) بهذه الأبيات: # PageV05P168 # يا أيها الرجل المغلق بابه * حدثت أمور (2) شأنهن عظيم حدثت أمور (3) في أمية جمة * ويزيد أعلن شأنه المكتوم طرقت منيته وعند وساده * عود وزق راعف مرثوم (4) ومرنة تبكي (5) على نشوانه * بالصنج (6) تقعد ساعة وتقوم فلئن رضيت لترضين عشيرتي * ولئن غضبت لتغضبن تميم قال: فعندها علم سلم (7) بن زياد أن يزيد بن معاوية قد مات، فتجهز وخرج يريد بلاد الشام، وخلف المهلب بن أبي صفرة على بلاد خراسان. وخرج يريد الشام ومعه مال جزيل يزيد على خمسمائة ألف دينار، فلما صار في بعض الطريق استقبله عبد الله بن خازم السلمي فقال: إلى أين يا عدو الله؟ إلى أين يا بن مرجانة؟ # إلى أين يا بن عبد بني علاج؟ غصبت أهل خراسان أموالهم فكلت وادخرت ولبست وركبت، ثم حملت أموال خراسان تريد الشام، والله يا عدو الله لا تفارقني أو آخذ جميع ما معك وأجعلك صفرا. قال: ولم تزل الرسل بينهم إلى أن صالحه على نصف ما معه وأطلقه (8)، ومضى سلم (9) بن زياد إلى الشام وتغلب ابن خازم على بلاد خراسان، فأخذها وجعل يدعو لعبد الله بن الزبير. # قال: وخرج عليه رجل من أهل خراسان يقال له بكير بن وشاح التميمي، فمع هذا جيش ومع هذا جيش، فلم يزالا يقتتلان مدة من المدد إلى أن قتل عبد الله بن خازم واحتوى بكير بن وشاح على بلاد خراسان. ### | ثم رجعنا إلى أخبار الشام # قال: وأهل الشام يومئذ في أمر عظيم من الاختلاف، فقوم يؤمون إلى # PageV05P169 # عبد الله بن الزبير، وقوم يؤمون إلى خالد بن يزيد بن معاوية، وقوم إلى الضحاك بن قيس الفهري، وآخرون يؤمون إلى مروان بن الحكم (1). # قال: واجتمع الناس إلى الضحاك بن قيس الفهري (2)، وأرسل مروان بن الحكم إلى روح بن زنباع الجذامي فقال له: أشر علي برأيك! فقال: أشير عليك أن تطلب هذا الأمر لنفسك، فإنك اليوم شيخ كبير بني أمية، وأنت ابن عم ms0890 أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وأنت أحق بهذا الأمر من الضحاك بن قيس. قال: # PageV05P170 # فعندها جعل مروان يجمع الناس حتى صار إليه ثمانية عشر ألفا أكثرهم جماعة اليمن، وفي ذلك يقول مروان بن الحكم حيث يقول: # أعددت غسان لهم وكلبا * والسكسكيين رجالا غلبا لا يأخذون الملك إلا غصبا * بالطعن أحيانا وحينا ضربا (1) قال: والضحاك يومئذ في نيف وعشرين ألفا أكثرهم قبائل قيس بن غيلان. ثم إنه بعث إلى النعمان بن بشير، والنعمان يومئذ بمدينة حمص، قد كان ولاه يزيد بن معاوية قبل موته. قال: فكتب إليه الضحاك بن قيس يسأله المدد، فأمده النعمان بن بشير بألفي رجل، فصار الضحاك في اثنين وعشرين ألفا. قال: وتواعد القوم للقتال (2)، فأنشأ رجل من أصحاب مروان يقول في ذلك: # أرى عسكرا جمعا لسفك دمائنا * وعما قليل لا نشك محارب وأشهدكم أني لمروان سامع * مطيع وللضحاك عاص مجانب إمامان أما واحد فعلى الهدى * وآخر بدعو للضلالة كاذب فلا بد من حرب يفرق جمعنا * يثلم فيها المرهفات القواضب قال: ثم دنا القوم بعضهم من بعض، قال: فكان وقعتهم بموضع يقال له مرج راهط (3) إلى جانب زراعة (4) الضحاك بن قيس، والزراعة يقال لها # PageV05P171 # جوبر (1)، وقد ذكر ذلك بعض العرب (2) في قصيدة له حيث يقول: # إذا فاخر القيسي فاذكر بلاءه * بزراعة الضحاك شرقي جوبرا قال: فاقتتل القوم هناك قتالا شديدا، فقتل الضحاك بن قيس وقتل عامة أصحابه، وانهزم الباقون، واستأمر عامتهم إلى مروان بن الحكم فبايعه الناس بموضع يقال له دير أيوب (3)، فدخل مروان إلى دمشق فاستوسق له الأمر. فكتب إلى النعمان بن بشير: أما بعد فقد بلغني ما كان من معونتك للضحاك بن قيس، وقد قتل الله الضحاك وشيعته وأمكن منهم، وقد استقر الأمر قراره، فانظر إذا ورد عليك كتابي هذا فزوج ابنتك عمرة من ابني عبد الملك، وادخل في طاعتي، وادع لي هنالك بالخلافة على منبر حمص، فإذا فعلت ذلك محوت ما كان منك إلي من خطيئتك، وإن أنت تربصت أو ارتبت بعثت إليك من يقتلك ms0891 ويأخذ ابنتك غصبا - والسلام -. # قال: فلما ورد كتاب مروان على النعمان بن بشير وقرأه جعل يقول لمن عنده: # ما كنت أدخل في طاعة مروان الطريد ابن الطريد، ولا أزوج ابنتي من ابنه! ثم تجهز وخرج من حمص يريد مكة إلى عبد الله بن الزبير يريد أن يبايعه ويكون معه، وبلغ ذلك مروان بن الحكم فوجه إليه رجلا (4) يقال له عبد الرحمن بن الخلي (5) فقال له: سر فأينما رأيت النعمان فجئني به أسيرا، فإن تأبى عليك فاضرب عنقه وأتني برأسه! # قال: فسار عبد الرحمن يريد إلى حمص، فلما دخلها سأل عن النعمان بن بشير، فخبر أنه رحل عنها، فسار عبد الرحمن في طلبه، فلحقه في بعض المنازل، فقتله واحتز رأسه، واحتوى على قليله وكثيره، وجاء بالرأس حتى وضعه بين يدي مروان بن الحكم. فلما أتته عمرة فلا ندري تزوجت بعبد الملك أم لا - والله أعلم - (6). # PageV05P172 # قال: وأقام مروان في خلافته تسعة أشهر ومات (1)، وصار الأمر من بعده إلى ابنه عبد الملك بن مروان، وبكير بن الوشاح يومئذ على بلاد خراسان ضابطا لها معينا عليها، فلما بلغه أن الأمر صار إلى عبد الملك بن مروان جعل يدعو له بخراسان، وعبد الله بن الزبير يومئذ بالحجاز وقد بايعه أهل الحجاز وأهل البصرة وأهل الكوفة، وعامله بالبصرة عبد الله بن حارث بن نوفل النوفلي. # PageV05P173 ### | ابتداء أخبار الأزارقة # قال: والأزارقة (1) يومئذ قد جمعوا جموعا كثيرة، وخرجوا من البصرة فصاروا # PageV06P177 # إلى الأهواز (1)، فغلبوا عليها وعلى جميع كنوزها، وقتلوا عمالها وجبوا أموالها، ورئيسهم يومئذ أبو راشد (2) بن الأزرق الحنفي، وقد بايعته الأزارقة وسموه أمير المؤمنين. قال: وكتب أمير البصرة عبد الله بن الحرث (3) إلى عبد الله بن الزبير بذلك، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله أمير المؤمنين من عبد الله بن الحرث (3)، أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أيده الله أن نافع بن الأزرق الحنفي وعطية بن الأسود وعبيدة (4) بن هلال اليشكري وأخاه (5) محرز بن هلال، أنهم قد صاروا إلى الأهواز، فغلبوا عليها وأخذوا أموالها ms0892 وقتلوا عمالها وقتلوا أهلها، وقد لحق بهم من أهل البصرة وغيرها من كان على دينهم ويرى برأيهم، وقد عقدوا لواء ورأسوا على أنفسهم نافع بن الأزرق الحنفي، وقد والله هالنا أمرهم يا أمير المؤمنين! # وأنا أحببت أن لا أطوي ذلك عنك لترى في ذلك رأيك - والسلام. # قال: فكتب إليه عبد الله بن الزبير: أما بعد فقد ورد كتابك علي تذكر فيه أمر الأزارقة وما كان من اجتماعهم بالأهواز وغلبهم عليها، فإذا ورد كتابي هذا فاقرأه على وجوه أهل البصرة، وتدارك هؤلاء الخوارج قبل أن يكثر جمعهم، وابعث إليهم برجل يرتضيه أهل البصرة، وقوه بالمال والسلاح والرجال، ولا تقصر في شيء مما كتبت به إليك - والسلام. # قال: فلما ورد كتاب عبد الله (6) بن الزبير على عبد الله بن الحرث وقرأه أرسل # PageV06P178 # إلى وجوه أهل البصرة فجمعهم، منهم الأحنف بن قيس التميمي، وسويد بن منجوف (1) الذهلي، ومالك بن مسمع الجحدري ومن أشبههم من سادات العرب، فشاورهم في أمر الأزارقة. قال: فسكت (2) القوم ولم يشيروا بشيء، وقال: انظرنا الآن أيها الأمير ثلاثة أيام حتى ندبر رأيا في ذلك ونلقاك بعد ذلك إن شاء الله تعالى. # قال: ثم انصرف القوم إلى منازلهم وأنشأ الصلتان العبدي في ذلك يقول: # أما لسويد لا تشير ومالك * وأحنف ما بعد الثلاثة يذهب وما لهم لا ينظرون لواحد * يدور عليه الرأي لا يتذبذب ولو شهد الصهر المصلب أجمعوا * عليه جموعا ثم لم يتهيب وكان الذي يثني الحسام باسمه * وأولهم بعد المهلب مطلب فإن رجع الله المهلب لم نخف * عدوا له في الحرب ناب ومخلب قال: ثم اتفقت آراء أهل البصرة على رجل من قريش يقال له مسلم بن عبيس (3) بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، فمشوا إليه وسألوه أن يسير إلى الأزارقة، فأجاب إلى ذلك. ثم إنه جمع سبعمائة (4) رجل وخرج إلى الأزارقة فالتقى بهم (5). # وأقام ابن الحنفية بالطائف لا يرى ابن الزبير ولا يذكره، ويقولون إن هذا الرجل في نفر من أصحابه، ms0893 وقيل: إنهم كانوا أربعين رجلا. قال: وأنشد في ذلك (6): # PageV06P179 # ألا قل للوصي فدتك نفسي * أطلت بذلك الجبل المقاما أضر (1) بمعشر زاروك منا * وسموك الخليفة والإماما وعادوا فيك (2) أهل الأرض طرا * مقامك عنهم ستين (3) عاما وما ذاق ابن خولة طعم موت * ولا وارت له أرض عظاما لقد أمسى برونق (4) شعب رضوى * تراجعه الملائكة الكلاما (5) وقال السيد بن محمد الحميري في ذلك: # يا شعب رضوى بالمزية لا ترى * حتى متى تحمى وأنت قريب غاب ابن خولة غيبة ما غابها * قبل ابن خولة في الحياء غريب إني لأرجو أن أومله كما * قد كان يؤمل يوسف يعقوب لو غاب عنا ألف عام أيقنت * منا النفوس بأنه سيؤوب [وقال أيضا في قصيدة له: # أيا راكبا نحو المدينة جسرة * عذافرة تهوى (6) بها كل سبسب إذا ما هداك الله عاينت (7) جعفر * فقل يا أمين الله وابن المهذب ألا يا أمين الله وابن رسوله * أتوب إلى الرحمن ثم تأوبي إليك من الأمر الذي كنت مطنبا * معاندة مني لنسل المطيب وما كان قولي في ابن خولة مطنبا * أحارب فيه جاهدا كل معرب ولكن روينا عن وصي محمد * وما كان فيما قال بالمتكذب بأن ولي الأمر يفقد (8) لا يرى * ستيرا كفعل الخائف المترقب (4) # PageV06P180 # يسير بنصر الله من بيت ربه * على سؤدة منه وأمر مسبب يسير إلى أعدائه بلوائه * فيفا هم قتلى بحران مغضب ولما روى أن ابن خولة غائب (1) * صرفنا إليه قولنا لم نكذب وقلنا هو المهدي والعالم الذي * يعيش به من عدله كل مجدب فإن قلت لا فالحق (2) قولك والذي * أمرت فحتم غير ما متعصب فأشهد ربي أن قولك حجة * على الخلق طرا من مطيع ومذنب فإن ولي الأمر والعالم الذي * تطلع نفسي نحوه بتطرب (3) له غيبة لا بد من أن يغيبها (4) * فصلى عليه الله من متغيب ألا أيها اللاحي علينا دع الجفا * فما أنت فيما قلته بمصوب (5) أتلحى أمين الله بعد أمينه * وصاحب حوض شربه غير مشرب له من لجين صير الدهر كله * ومن كوثر المعروف عينا بمنقب ms0894 وبطحاؤه مسك ودر حصاؤه * ومطهر ما بين اللجين ومذهب (6) متى ما يرد مولاه يسقى ومن يرد * عدو له ممن برى الله يضرب فتب توبة من ضيم آل محمد * إلى الله تنجو من عظيم التحوب]. ### | ذكر اجتماع أهل البصرة عند الأمير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة (1) واتفاقهم على المهلب بن أبي صفرة # قال: ثم أرسل الحارث بن عبد الله (8) إلى أكابر أهل البصرة وأشرافهم # PageV06P181 # فجمعهم عنده، ثم أقبل عليهم فقال: يا أهل البصرة! إنه قد أظلكم عدو غالب، له نار لاهبة، وقد أصاب فيكم مصائب عظاما حتى تحاماه الناس، ولكن هاتوا رأيكم وسموا لي رجلا يقوم بهذا الأمر فينتدب لحرب هؤلاء الخوارج! قال: فتكلم بعض القوم وقال: أصلح الله الأمير! إنه ليس لهذا العدو أحد يقوم بأمره إلا المهلب بن أبي صفرة (1)، لأنه رجل له حزم وعزم ومعرفة بالحروب. فقال الحارث بن عبد الله (2): # لعمري! لقد صدقتم فيما ذكرتم من أمر المهلب، لكنه غائب بناحية خراسان كما علمتم فكيف الرأي في ذلك؟ فقالوا: الرأي أن تكتب إليه كتابا على لسان أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير وتبعث إليه رسولا من قبلك، فلعله يرجع إلى بصرة (3) لحرب هؤلاء القوم. # قال: فعندها كتب الحارث بن عبد الله إلى المهلب بن [أبي] صفرة: بسم الله الرحمن الرحيم، من عند أمير المؤمنين، أما بعد فإن عاملي بالبصرة كتب إلي كتابا يذكر فيه أن قوما من خوارج الأزارقة المارقة خرجوا من البصرة بعد أن قتلوا سادات # PageV06P182 # أهلها، ثم إنهم نزلوا بلد الأهواز فتغلبوا عليها وأصابوا جندا من المسلمين كبتوا عدوهم، وقد عزموا على أن يقبلوا إلى أرض البصرة لقتل الرجال وأخذ الأموال وهتك الحريم وسبي الذرية، وقد رأيت أن تكون أنت الذي تلي قتالهم، لأنك ميمون الطلعة مبارك على أهل مصرك، والأجر في ذلك أعظم من كل أجر، فسر رحمك الله راشدا، فإنه لن يفوتك سلطان خراسان (1). # قال: فلما فرغ من الكلام (2) قام المهلب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، ما أنا ms0895 إلا رجل منكم يعزوني ما يعزو كم من فرح وترح، وهذا أمر لا بد منه، غير أني أريد أن أسألكم شرطا (3) يشرطه لي الأمير وتضمنه لي العامة، فإن أجبتموني إلى ذلك نهضت إلى حرب عدوكم واستعنت الله على ذلك - والسلام -. قالوا: # فانهض بنا إذا إلى الأمير حتى يكون ذلك بحضرته. # قال: فنهض المهلب ونهض القوم معه حتى دخلوا على الحارث (4) بن عبد الله المخزومي فسلموا عليه وأخذوا مجالسهم، وأقبل الأمير على المهلب فقال: أبا سعيد! إني أرى أهل مصرك قد أجمعوا عليك ولا أظن أنهم أجمعوا على خطأ، فاجمع إليك سادات أهل مصرك وادفع عنا ضرر هؤلاء - والسلام -. # قال: فلما قال ذلك أقبل عليه المهلب فقال: أيها الأمير! إني دون ما قالوا، ولعلي كما يظنون، وأريد منكم أن أختار من الرجال ما أريد، وإذا قلت أمرا لا تكونوا دونه! فقالوا: لك ذلك (5)! وأنشأ رجل منهم في ذلك يقول: # PageV06P183 # شمت المهلب (1) والحوادث جمة * والشامتون (2) بنافع بن الأزرق إن مات غير مداهن في دينه * ومتى يمر بذكر نار يصعق والموت ضيف (3) لا محالة نازل (4) * من لا يصبحه نهارا يطرق فلئن أمير المؤمنين أصابه * ريب المنون فمن يصبه يغلق (5) ورمى المهلب جمعنا بجموعه * وبما أصبنا بالصبور المنتقي نعم الخليفة من حدا بجنوده * لي ابن ماحوز بقية من بقي ولئن رمينا بالمهلب إنه * شيخ العراق وعز أهل المشرق فلعلنا نسخي به ولعله * يسخي بنا في بعض ما قد نلتقي (6) بالسمر نختطف النفوس ذوابلا * وبكل أبيض صارم ذي (7) رونق فنذيقه في حربنا ويذيقنا * كل مقالته (8) لصاحبه ذق قال: ثم بايعت (9) الأزارقة لعبيد الله بن ماحوز (10) فجعلوه في موضع نافع بن الأزرق وعقدوا له البيعة، وسار المهلب حتى وافى الأهواز (11) وسارت إليه الأزارقة نيف عن عشرين ألفا وفيهم يومئذ نيف عن أربعة آلاف فارس ممن عليه درعان. # PageV06P184 ### | هذه أول وقعة كانت للأزارقة مع المهلب بن أبي صفرة # قال: وعبت الأزارقة يومئذ خيولها، وعبى المهلب أصحابه، وكان على ميمنته ابناه زيد وحرون، وعلى ميسرته ابنه المغيرة وقبيصة، ms0896 وعلى جناح ميمنته ابنه عبد الملك، وعلى جناح ميسرته ابنه المفضل، وفي كمينه ابنه زياد ومروان، وبين يديه ابناه محمد وحماد. ثم وقف المهلب بين الصفين ورفع صوته فقال: يا بني! # إن أول غزوكم إنصافكم لإخوتكم المسلمين وأن تؤاسوهم بأنفسكم، وإن أول إنصافي لكم أن لا أظلمكم حقكم في أمر الحسين، فباشروا الحرب بأنفسكم، واستقبلوا حر السيوف بوجوهكم وسنان الرماح بصدوركم ونحوركم، واعلموا أنها منزلتان: إما شهادة وإما ظفر. قال: وجعلت الأزارقة تسمع كلام المهلب ووصيته لأولاده فأيقنوا بالموت. # قال: ثم دعا المهلب بغلام له يقال له ذكران (1) فدفع إليه اللواء، وقال: تقدم بين يدي! وإياك أن ترجع، فإنك إن رجعت ضرب عنقك، وإن وقفت لي في هذا اليوم فأنت حر وجاريتي ريحانة لك! قال: فتقدم ذكران بين يدي المهلب، ودنا القوم بعضهم من بعض، فاقتتلوا قتالا شديدا، وأقبل صاحبهم عبيد الله (2) بن ماحوز وقتل أخوه عثمان، وقتل منهما نيف على ثلاثمائة رجل من أبطال الأزارقة في معركة واحدة، ثم وقعت عليه الهزيمة فانهزموا، فأنشأ عوف بن بشر السبتي من أصحاب المهلب في ذلك يقول: # قد نفينا العدو أمس عن الجي‍ * ش وقد زحزحوا عن الأهواز بطعان مهالك القتل فيه * موشك الحلف للنفوس العراز # PageV06P185 # وببيض تفرى الروؤس من القو * م كأن الضباب برق الحجاز في مقام أحر من لهب الجم‍ * ر كتربة يد الرحاز إن من رد هؤلاء عن الحر * ر لأهل الصلاح والإعزاز ذلكم شيخنا المهلب حسبي * من بناتي عليه بالإنجاز قد دعونا لها الرجال فحاموا * دونها فعل حائفين عجاز قد مضى ما مضى وذاك ابن ماحو * ز صريع لناطقات الحراز قال: وسار المهلب نحو الأزارقة حتى وافاهم بسلى وسلبري (1). ### | هذه وقعتهم الثانية # قال: ودنا القوم بعضهم من بعض، ثم اختلطوا فاقتتلوا قتالا شديدا أشد ما كان من قتالهم الأول (2)، قال: ودارت الحرب عليهم يوما وليلة يموج بعضهم في بعض، فلا تسمع إلا وقع السيوف على المغافر والحجف، وأنشأ رجل منهم يذكر من قتل في ذلك اليوم ومن اليوم ms0897 الذي قبله وهو يقول: # لعمري وقد بات الحياة وطيبها (3) * برضوان ربي بالخليفة عالم غداة نكر الخيل تدمى نحورها * بدولاب يوم المأزق المتلاحم (4) بكل فتى رخو النجاد كأنه * شهاب بدا تحت السيوف الصوارم سقى الله أرضا لا تلوح وأعظما * بدولاب صوب الهاطلات الرهائم (5) هم أدركوا فوز الحياة وخلدها * وما خاف شر البيع يوما كغانم فإن تك قتلى يوم سلي (6) تتابعت * فلم تركت أرماحنا (7) من قماقم # PageV06P186 # هنالك صرعى بالفلاة فأصبحت * صوائح هم تعلون بين المآثم قال: وأصبح القوم على حربهم ليس منهم من بلغ عن صاحبه. قال: وتعالى النهار والأمر ملتحم بين الفريقين حتى أن بعضهم كاد أن يأكل بعضا من شدة الحرب. قال: وضرب المهلب على رأسه ضربة (1) منكرة فسقط عن فرسه إلى الأرض وأحدقت به بنوه، فجعلوا يحامون عن أشد المحاماة. قال: وصاح رجل من أهل البصرة: قتل المهلب ورب الكعبة! فانهزم الناس عن المهلب هزيمة قبيحة يظنون أن قد قتل: قال: وأفاق المهلب بن أبي صفرة من غشوته فاستوى على فرسه وجعل يقاتل، وكبر أصحابه، فانهزمت الأزارقة لذلك انكسارا شديدا، ثم صاح المهلب ببنيه، وحمل الناس معه من الأزارقة مائتي رجل، وانهزموا حتى صاروا إلى بلد يقال لها إيذج (2) فنزلوا هنالك. # قال: وأقبل الفتى من شعراء أهل البصرة يقال له سعد بن سعيد الأزدي حتى دخل على الحارث (3) فقال: لا تطلب (4) المقام عندنا إلا أن تسمع الخبر أن المهلب قد قتل، فإن كان قد قتل فما بقي في البصرة مقام إن كان قد قتل هو وأولاده وبنو عمه! قال ثم أنشأ ذلك الفتى في ذلك يقول: # [أيا حار يا بن السادة الصيد هب لنا * رحيلك (5) لا ترحل ولم يأتك الخبر فإن (6) كان أودى بالمهلب يومه (6) * فقد كسفت يا حار شمسك والقمر فما لك من بعد المهلب رجعة (7) ولا لك بالمصرين سمع ولا بصر # PageV06P187 # فدونك فالحق بالحجاز ولا تقم * ببلدتنا إن المقام على خطر وإن كان حيا لم يصب فحياته * على أي حال كان في حربه ظفر (1) وكن آمنا واعلم ms0898 بأنك آخذ * به النصف ممن كان في جده الصغر ألم تر أن الناس أجمع رأيهم * عليه ولما لم يجد مثله بشر فقالوا جميعا فيه قولة واحد * ولم ينههم عنه التفكر والنظر قال: واجتمع الناس في مسجد البصرة، فجعلوا يبكون وينوحون، وجعل الأحنف بن قيس يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون على هلك المهلب وأصحابه وجماعة المسلمين. قال: فوثب غلام من بني تميم من بني سعد فقال: والله! ما قتل المهلب ولا قتل أحد من بني عمه في هذه الوقعة، غير أن الذين صاروا إليهم منهزمين إنما هم أعداء المهلب، وإنما حسده على ما كان منه في الإسلام والرفع عن بيضة هذا البلد، وو الله الخبر الصحيح أنا لقينا الأزارقة بموضع يقال له سلي وسلبري (2)، فأطبقنا الحرب عليهم يوما وليلة يموج بعضنا في بعض، ثم أصبحنا على ذلك من شأننا، وضرب المهلب على رأسه ضربة سقط إلى الأرض، فخبأه بنوه وحموا عنه، فقاتلناهم فرزقنا عليهم الظفر وقتلنا منهم مقتلة عظيمة، وقتل صاحبهم عبيد الله بن ماحوز (3) وأخوه عثمان في معركة واحدة، وبايع القوم من بعدهم ابن أخيه قطري بن الفجاءة المازني (4)، وقد والله هزمناهم بحمد الله وعونه حتى بلغناهم إلى حدود أصبهان من بلاد إيذج (5)، فعلى هذا تركت الناس في آخر أمورهم، فكل # PageV06P188 # من كذبني بعد هذا الأمر فهو الكذاب، ثم إنه أنشأ يقول: # أبا بحر إني والبنية صادق * خبير وما مثلي بمثلك يلعب ولا تكذب الرفاد ما يعبأوا به * إذا لم يكن في الأرض مرعى ومشرب وقد كان حقا جار حكمي عليكم * وإن كان زورا فاشتموني واضرب بسلى وسلبري (1) جماجم أصبحت * رفاتا ونهيا قد حواه المهلب وذاك ابن ماحوز هناك مجندل * قتيل وعثمان هناك محلب (2) وأطبقت الهيجاء يوما وليلة * علينا وإياهم ليوث وتلهب فلا صد منا لا ولا من عدونا * غداة الوغى حد ولا أرو مسلب (3) وأقشعت الغماء عنا وشيخنا * جزى الله خيرا بالدماء مخضب فلما رأينا وجهه لم يكن لنا * سوى الجهر بالتكبير حين يقرب قصدنا إليه إذ رأينا ms0899 جبينه * وقلنا فدتك النفس والأم والأب على ذا تركت القوم آخر أمرهم * فمن قال كذب فالمكذب أكذب قال: فأخذ الأحنف بيد الفتى وجاء به حتى أدخله إلى الأمير فحدثه بالحديث على جهته، فأدركه الأمير وأمر له بخلعة وجائزة ### | ذكر كتاب المهلب بن أبي صفرة إلى أهل البصرة بالسلامة والبشرى وما قتل فيها من الأزارقة (4) # بسم الله الرحمن الرحيم، للأمير الحارث (5) بن عبد الله وجماعة المسلمين من أهل البصرة، من المهلب بن أبي صفرة، سلام عليكم، أما بعد! فإنه لا يوهن الإسلام خروج من خرج منه، ولا يعيبه إلحاد من ألحد فيه، وقد كانت الحرب استوقدت بنا وبعدونا وحمي الوطيس بيننا، فجاء القضاء بأمر جاوز فيه الأمل، ومن يكيده للإسلام كثير وناصروه قليل، وليس كل من يقاتل عن الإسلام من أهله، ولكن من يقاتل عن دين الإسلام فهو من أهله، وقد كان العدو أصاب في إخواننا مصائب # PageV06P189 # عظاما فيما مضى، فأصبح اليوم العدو دريئة (1) رماحنا وضرائب سيوفنا، فالحمد لله الذي سقى الحي وثأر القتيل، فإن الحمد به تتم النعمة وتزيد في السلامة، وأشكره فإن الشكر يهئ المزيد - والسلام - قال: فلما قرأ الأمير الكتاب فرح بذلك واستبشر، ثم أمر به فقرئ على المنبر (2): فأنشأ رجل من بني ضبة في ذلك يقول: # إن ربا رمى الخوارج بالذ * ل لأهل أن تحمدوه كثيرا (3) إذ رموا بالمهلب بن أبي صفرة * شيخ ترى الصغير كبيرا لا يزال (4) المهلب بن أبي صفرة * ما عاش بالعراق أميرا فإذا مات فالرجال نساء * لا يساوون بعده قطميرا فجزاك الإله يا بن أبي صف‍ * رة عنا جزاءه الموفورا قد أمنا بك العدو على المص‍ * ر ووقرت منبرا وسريرا قال: ثم رجع المهلب بوجوه الأزارقة، بعث بها إلى البصرة مع قوم من أصحابه لينظروا إليها. # قال: وبلغ ذلك الأزارقة، فخرج نفر منهم حتى عارضوا أصحاب المهلب بموضع يقال له الزائدان (5) فقاتلوهم حتى أخذوا منهم تلك الرؤوس ثم أخذوها وصلوا عليها ودفنوها. قال: ورجع أصحاب المهلب إلى المهلب من شدة أنفس الأزارقة وحفظهم ms0900 له منهم، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري في ذلك يقول: # PageV06P190 # قل للأزارقة الذين تمرقوا * بسلى وسلبري (1) لقيت نحوسا قتل المهلب جمعكم وأخذتم * من رسله بالزائدان رؤوسا قد تكتموها فاستروها وأقبلوا * جهدا على تلك النفوس نفوسا وبكوا عليها كل ذر شارق * واسوا وظلوا عاكفين عبوسا كم مثلها منكم له كم مثلها * بؤسا لمن عاد المهلب بؤسا قال: ثم أرسل عبد الله بن الزبير إلى الحارث بن عبد الله (2) المخزومي فعزله عن البصرة (3) وولى بعده ابن معمر القرشي من بني تيم (4) بن مرة (5). قال: وسارت الأزارقة من الموضع الذي كانوا فيه حتى صاروا إلى موضع يقال له الرجان (6) من أرض فارس، واجتمع إليهم خلق كثير ممن كان على رأيهم حتى صاروا في اثنين وثلاثين ألفا. ### | ذكر خطبة قطري بن الفجاءة # قال: فعندها قام فيهم أميرهم قطري بن الفجاءة المازني خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معشر المهاجرين! فإن يكن أمس عليكم فاذكروا ما كان عليه، إنكم قتلتم (7) مسلم بن عبيس (8) القرشي، وهزمتم عثمان بن عبيد الله بن معمر القرشي وهو سيد من سادات أهل الحجاز، وفضحتم حارثة بن بدر الغداني (9) وعميم (10) المهلب وهو سيد الأزد وعميد أهل البصرة، وهكذا المسلمون مع عدوهم، # PageV06P191 # لهم، مرة وعليهم أخرى (ليميز الله الخبيث من الطيب) (1)، واعلموا أنه لم يؤت قوم في ديارهم إلا ذلوا، فسيروا بنا إلى المهلب وثقوا من ربكم بالنصر - والسلام - (2). # قال: وسار (3) الأزارقة حتى صاروا إلى قنطرة أربك (4) من بلد الأهواز، فإذا هم بالمغيرة بن المهلب هناك في خيل عظيمة، فلما نظروا إليه كبروا ثم حملوا. ### | وهذه الوقعة الثالثة # قال: وحمل عليهم المغيرة بن المهلب في أهل البصرة واقتتل القوم على قنطرة أربك (5)، ونظر قطري بن الفجاءة إلى المغيرة فحمل عليه وهو لا يعرفه، والتقيا بضربتين فبادره المغيرة بضربة أرداه عن فرسه. قال: فوثب قطري بن الفجاءة من الأرض سريعا فاستوى على فرسه، واشتبك الحرب بين الفريقين، فاقتتلوا قتالا شديدا: فقتل جماعة من الأزارقة وولت الأزارقة الأدبار منهزمين، وأنشأ ms0901 رجل منهم يقال له عبيدة بن هلال يقول (6): # لعمري لئن كنا أصبنا بنافع * وأمسى ابن ماحوز قتيلا ملحبا (7) فقد عظمت تلك الرزية فيهما * وأعظم من هاتين خوفي المهلبا رمينا بشيخ يفلق الهام (8) رأيه * يراه رجال حول رايته أبا بقايا عن الحر المهلب عنوة * وعن صحصح الأهواز معنى مشذبا وأحنى علينا يوم أربك (9) ثانيا * وكان من الأيام يوما عصبصبا فإن يهزموا بأربك (9) فاصبروا له * وقولوا لأمر الله أهلا ومرحبا # PageV06P192 # فما الدين كالدنيا ولا الطعن كالمني * ولا الضر كالسرا ولا الليث ثعلبا قال: وهم المغيرة بن المهلب أن يتبع الأزارقة، فأرسل إليه أبوه: أن يا بني لا تعجل وذر القوم فوجه منهزمين (1) فيها ولا تجرحهم، فإن الكلب إذا جرحته عقر! # قال: فقبل المغيرة ما أمر به المهلب ورجع إلى تستر فنزلها. # قال: وأقبل إليه أخوه يزيد بن المهلب في خيل عظيمة. قال: ومضت الأزارقة حتى ساروا إلى سابور من أرض فارس، فنزلوها وغلبوا عليها وجبوا أموالها وخففوا عن أهلها المؤنة، وسار إليهم المهلب في جيشه، وبلغهم ذلك فمضوا إليه حتى أدركوه بموضع يقال له النوبندجان (2). ### | ذكر خطبة المهلب قبل الوقعة # قال: فلما عاين القوم بعضهم بعضا واصطفت الخيلان، قام المهلب في أصحابه خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! أكرموا هذه الخيل، فإنها تنفعكم غدا عند اللقاء، فأجلوا السلاح لتقاتلوا به الأعداء، وأحسنوا حمله لتنظروا يوم الوغى، وتعلموا القتال لتنصروا به مخارج الحياة، وأطيلوا الرماح فإنها قرون الخيل، ولا تعالوا في السيوف فإنها مأمورة، واتخذوها فإنها شفار، وعيروا الجبان بالجبن حتى يقاتل، ولا تقولوا: الحين يحثه (3)، ولم يفر قوم قط إلا وهنوا وإن كان رأيهم حازما، وليس كل عاد يرجع ولا كل سلامة تدوم، وهؤلاء القوم يقاتلونكم على دينكم ودنياكم، فإن غلبوكم فلا دين لكم ولا دنيا، فقاتلوهم على ما يقاتلونكم عليه - والسلام - قال: فأجابه الناس على ما يحب واعتذروا إليه مما كره، فأنشأ المغيرة بن حبناء التميمي في ذلك يقول: # يعلمنا المهلب كل يوم * قتال القوم تعليم الكتاب ويلبسنا ms0902 السلاح إذا أمنا * لنحذق لبسه والنقع كأب وعاب حياتنا بالجن حتى * كأن حياتنا دين المعاب ويجزي المحسنين بما أتوه، ويعفي المذنبين من العتاب # PageV06P193 # ويضرب دوننا بالسيف صلتا * ويضرب كل مطرد الكعاب سخي بالنهاب (1) بها وفي * إذا ما ساد (2) أصحاب النهاب (3) وفاصل خطبة عظمت وجلت * عظيم عنده فصل الخطاب فلولا أن سيف أبي حديد * لصاح إليه بالشكوى غراب ولولا أن رمح أبي سعيد * طويل طال عن عرسي حجابي كفى وشفى النفوس أبو سعيد * وقد أعيى (4) علينا كل باب فدال لي (5) ونعمتنا علينا * وفاه إلهنا يوم الحساب ### | وهذه الوقعة الرابعة # قال: واقتتل القوم طول النهار، وكانت على المهلب وأصحابه، وفي آخره على الأزارقة فانشكفوا وذلك في وقت المساء، فلم يتبعهم المهلب ليلة ذلك. فلما أصبح ارتحل في آثارهم وذلك في يوم ماطر كثير الثلج والزلق، حتى وافاهم بموضع يقال له كركان (6)، فلما عاين القوم بعضهم بعضا اصطفوا وجردوا الصفاح وأشرعوا الرماح (7). ### | وهذه الوقعة الخامسة # قال: وخرج عبيدة بن هلال اليشكري في كتيبة حسناء من فرسان الأزارقة وعلى رأسه بيضة، وقد غرز في العمامة ريشة سوداء، حتى وقف بين الجمعين فنادى بأعلى صوته: أيها الناس! أنا عبيدة بن هلال اليشكري! فهل من مبارز؟ قال: # فعرفه أصحاب المهلب فلم يعجلوا في الخروج إليه، فجعل يجول في ميدان الحرب وهو يرتجز ويقول: # PageV06P194 # إني لمذك للشراة نارها * وغاسل بالطعن عنها عارها ومانع ممن أتاها دارها * حتى أقر بالقنا قرارها ولا أخاف في الورى شرارها * أولا فهبني جاهلا أوزارها قال: فخرج إليه فتى من أهل عمان يقال له ميسرة بن عبد الله اليحمدي على فرس له أدهم وهو يقول: # يا لك من يوم عجاج وعلق * وعارض أمطرنا فيه رشق والأرض فيها دافق الدحض زلق * وللحرون سورة فيها فلق ونائل في الله أعمى قد مرق قال: فحمل عليه عبيدة بن هلال اليشكري فقتله - رحمه الله -. # ثم جال وطلب البراز، فخرج إليه حبيب بن المهلب، وكان يقال له حبيب الحرون لشدة قتاله وثباته في الحرب، قال: ونظر إليه عبيدة ms0903 بن الهلال فحمل عليه على غير معرفة، وحقق عليه حبيب بن المهلب فطعنه طعنة أرداه عن فرسه، قال: # فوثب عبيدة ومر هاربا على وجهه حتى لحق بأصحابه وهو لما فيه من طعنة حبيب. # قال: المغيرة بن حبناء في ذلك يقول: # لا تلومي على القتال عريبا * إن بالكازرون يوما عجيبا إذ أتانا عبيدة بن هلال * فاغرا فاه بالدماء خضيبا فأراه عن النزال بطيا * وبما قد أراه فيها مهيبا إن تعد للنزال تلقاه حتفا * وعسى ذاك أن يكون قريبا قال: وانهزمت الأزارقة في جوف الليل نحو سابور، فقال المهلب لأصحابه: # ذروا القوم لا تتبعوهم، فو الله ما انصرفوا حتى انقضت القتال لشدة حرب أعداء الله، فذروهم حتى نصبح، فإنا لاحقون بهم إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: وأصبح المهلب فنادى في أصحابه وسار حتى وافى القوم بسابور، فلما نظروا إلى رايته وقد طلعت بادروا، وقد خرجوا إليه في تعبية وزينة وسلاح وآلة لم يكونوا أظهروها قبل ذلك. PageV06P195 ### | وهذه الوقعة السادسة # وخرج عمرو القناء العنبري (1) وكان من المعدودين في الأزارقة يرتجز ويقول: # اليوم عمرو وغدا عبيدة * كلاهما شوكته شديدة كلاهما غايته بعيدة * كلاهما طعنته عنيدة كلاهما صعدته جريدة * كلاهما وقعته مبيدة كلاهما فراره مكيدة قال: فما لبث عمرو أن خرج إليه حبيب الحرون وبين يده رجل من أهل البصرة وهو يرتجز ويقول: # هذا حبيب وغدا مغيرة * كلاهما مدحته قصيرة كلاهما بغضته كبيرة قال: ثم التقى القوم فاقتتلوا من وقت الضحى إلى أن اختلط الظلام وصاح الحبيب: يا معشر الأزارقة! أنا الحبيب بن المهلب، أنا الحرون، أنا خدن الحرب الزبون، والله لا رجعت وأنتم وقوف! وصاح به عمرو القناء (2): يا حبيب! أنا عمرو ابن عميرة (3) العنبري (4)، حلقت لحاهم وجبت خصاهم أن ترجع أو نرجع. قال: # وبات الفريقان على ظهور الخيل يجول بعضهم على بعض حتى أصبحوا، فجعلوا يصلون على ظهور خيلهم بالإيماء والتكبير، ثم اختلطوا واشتد القتال وتضرج الفريقان بحمرة الدماء. قال: ونظر عمرو إلى حبيب بن المهلب فحمل عليه، قال: فسبقه ms0904 حبيب فطعنه طعنة نكسه عن فرسه وحملته الأزارقة، فالتفت عمرو القناء (5) وهو لما به، فصاح المهلب ببنيه وبأشد أصحابه ثم حمل وحملوا عليه، فولت الأزارقة الأدبار، قال: والسيف في أقفيتهم حتى دخلوا مدينة سابور، وقد قتل # PageV06P196 # منهم جماعة كثيرة فأنشأ مجاهد بن عصم التميمي في ذلك يقول: # إنما تطمع الأزارق في الحر * ب إذا لم يكن قتال حبيب فإذا ولي القتال حبيب * فلهم عند ذاك منه نحيب سل لعمرو القنا غداة كنان ال‍ * مهرة والسنان منه خضيب لم يرده الحرون حتى رآه * مقدم الخيل معلما ما يجيب فأراه الصدود ثم بني المه‍ * ر كأن الحرون بازي طلوب إنه في احتياله ابن أمية اب‍ * نة الشيخ والحرون أريب (و) جناه نحلا لحاشية البر * د فمرعى عمير منها جذيب قال: ونزل المهلب على مدينة سابور محاصرا للأزارقة، وجعل يجبي ما حوله من بلاد فيأهن (1) فيفرق ذلك في أصحابه، وسائر ذلك له ولأولاده وأهل بيته. ### | ذكر حمزة بن عبد الله بن الزبير وولايته بالبصرة # قال: وأرسل عبد الله بن الزبير إلى عمر (2) بن عبد الله فعزله عن البصرة وولى مكانه ابنه حمزة (3)، قال: فتقدم حمزة بن عبد الله واليا على البصرة (4)، قال: وكان حمزة جوادا شيخا سخيا لا يملك نفسه من سخائه غير أن أهل البصرة لم يرتضوا به أميرا عليهم واستضعفوه ولقبوه بقعيقعان (5) فغضب من ذلك، ثم كتب إلى أبيه يستعفيه من الولاية، فعزله وأرسل مكانه مصعب بن الزبير (6). # قال: فقدم مصعب أميرا على البصرة من قبل أخيه عبد الله بن الزبير فنزل في دار الإمارة، فلما كان من الغد خرج وصار إلى المسجد الأعظم، فصعد المنبر # PageV06P197 # فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل البصرة! اتقوا الله ربكم، ولا تظلموا أمراءكم، فقد بلغني أنكم تلقبونهم (1) بالألقاب القبيحة، وذاك أنكم لقبتم الحارث بن عبد الله (2) فسميتموه القباع، ولقبتم ابن أخي حمزة (3) بن عبد الله فسميتموه قعيقعان، ألا! وإني قد لقبت نفسي الجزار - والسلام (4) -. # ثم نزل عن المنبر وصلى بالناس، وانصرف إلى منزله. ms0905 قال: واتقاه الناس وخافوا منه خوفا شديدا. ### | ذكر كتاب مصعب بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة # بسم الله الرحمن الرحيم من مصعب بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة أما بعد، فإن الناس لو أعطوا كل إنسان على قدره لقدمت في العرب قاطبة غير مدافع، لما قد بقي الله بك العدو، وغلب بك على البلاد، فإن طاعتك وحسن بلائك قد بلغ بك عندنا كل الذي تحب، وما نرجو لك به من ثواب الله أجزل وأفضل، وأنت عندنا الأمين، ولك بذلك عندنا المزيد والكرامة والفضيلة - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # قال: فلما وصل كتاب مصعب بن الزبير إلى المهلب وقرأه علم أنه ولي البصرة، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، للأمير مصعب بن الزبير من المهلب بن أبي صفرة، فسلام عليك ورحمة الله وبركاته، أما بعد فأمر رسول الأمير أيده الله أتاني كتابه يذكر طاعتي وحسن بلائي والذي بلغ بي عنده من حسن المنزلة، وأنا أسأل الله أن يودع للأمير حق أهل الطاعة، وأسأله لأهل الطاعة التمام على معرفة حسن الخليقة وطاعة ولاة الأمر، وأنا أعلم الأمير أيده الله أن لو علمت بقدومه البصرة أميرا عليها لبدأته بالكتاب معرفة إيجابا لحقه وسرورا بمقدمه، فأصلح الله الأمير ومد لنا في عمره - والسلام -. # PageV06P198 # ولم يزل المهلب باقيا على حرب الأزارقة في أرض سابور (1) حتى يتبعه عند الأمير من يتبعه من العداوة والحسد، وقالوا: أيها الأمير! إن المهلب رجل يحب مطاولة العدو لما يجبي من البلاد، ولو عزلته ووليت غيره حرب الأزارقة لكان في ذلك هلال العدو وتوفير المال على أمير المؤمنين - والسلام (2) -. ### | ذكر عزل المهلب عن حرب الأزارقة وتولية عمر بن عبيد الله (3) بن معمر التميمي حرب الأزارقة # قال: فعزل مصعب بن الزبير المهلب عن حرب الأزارقة، فرجع المهلب حتى نزل بموضع يقال له الزائدان مع بنيه وعشيرته، وسار عمر (3) بن عبيد الله يريد حرب الأزارقة حتى إذا صاروا بهرمز كتب إلى الأزارقة بهذه الأبيات: # [و] قل للأزارق (4) الذين تجمعوا * بسابور إني ms0906 لست مثل المهلب يقاتلكم حتى إذا ما رآكم * أقام فلم يبعد ولم يتقرب و كان امرؤ يجبي الخراج بكيده * يخرب (5) أخلاق البلاد لمجلب (6) فأطمعكم (7) فيه تقارب خطوه * إليكم وهذا منه شبه التلعب (9) على أنه قد نال حظا برفقه * وهيبته في كل شرق ومغرب ورأى ومن أرتبى يبني مكانه * وحوض ساري في مباح المخضب تركت شعابا (9) من لؤي بن غالب * مشاريع للبيت العتيق المحجب # PageV06P199 # على ضربكم بالبيض حتى أقصكم، بها بعد ظفر بالوشيج المغلب وأسقيكم ضربا من الموت مرة * ويكفي لكم يوما بدهر عصبصب ولست بوقاف إذ الخيل أحجمت * ولا فاضحا في الحرب أمي ولا أب فهذا فعالي في لؤي بن غالب * وديني على ما عبتم دين مصعب قال: فأجابه عبيدة (1) بن هلال اليشكري وهو يقول (2): # تأن ولا تعجل علينا ابن معمر * فلست وإن أكثرت مثل المهلب ولا لك في الحرب المحلب حظة (3) * ولا لك من يفديك بالأم والأب (4) فلو غيرنا تلقاه قلنا ألا اذهبوا * ولو غيرنا يلقاه قلنا له اذهب ولكن منينا بالحفيظة كلنا * جلادا وطعنا بالوشيج المغلب كذلك كنا كلنا يا بن معمر * وأنت كبيت العنكبوت المذبذب فإن رمتها منا ولست بفاعل * ركبت بها من حربنا شر مركب ولسنا بأنكاس قصار رماحنا * ولا نحن نخشى وثبة المتوثب ولسنا نقول الدهر عصمة أمرنا * على كل حال كان طالع مصب (5) ولكن نقول الحكم لله وحده * وبالله نرضى والنبي المقرب قال: وسار ابن معمر حتى نزل قريبا من سابور، وعلمت الأزارقة هنالك وأمسكوا عنه ومكنوه، حتى إذا كان الليل إذ الأزارقة قد وافته من أربعة أوجه، كل وجه منها رئيس من رؤسائهم: عبيدة بن هلال اليشكري من وجه، وعطية بن الأسود الحنفي من وجه، وعمرو القنا (6) العنبري من وجه، وفي الوجه الرابع صاحبهم قطري بن الفجاءة المازني (7)، وهذه أول وقعة لعمر بن عبيد الله (8) مع الأزارقة، # PageV06P200 # قال: وفزع أصحاب عمر (1) إلى أسلحتهم ودوابهم فاستووا عليها ودنوا من الأزارقة، وإذا قطري بن الفجاءة أمام أصحابه يهدر كالفنيق من الإبل وهو يرتجز ويقول (2): # الليل ms0907 فيه للشراة نيل * والليل فيه للغواة ويل وحفظهم فيها هوى وسيل * ورقين (3) كأنهن السيل والحرب فيها بهج وويل (4) * يوما بيوم وكذلك الليل (5) رجل لرجل خيل لخيل (6) قال: فلما سمع ابن معمر كلامه في سواد الليل قصده. قال: فحمل عليه قطري بن الفجاءة بعمود كان في يده، فضربه ضربة على بيضته فهشمها على رأسه، فولى ابن معمر من بين يديه هاربا [حتى] اختلط بأصحابه وتقدم عبيدة بن هلال اليشكري في قبيلة من الأزارقة وهو يرتجز ويقول (7): # كان المزوي (8) إذا بدا له * إن يلقح الحرب دعا أشباله ثم حداهم في الوغى فعاله (9) حتى يكونوا عندنا أمثاله لعل هذا طالب فعاله * لا تطمعن فينا فلن تناله قال: ورفعت الأزارقة المشاعل على رؤوس الجبال وأطراف الرماح واشتد القتال، فالتفت ابن معمر إلى رجل من عبد القيس يقال له الأعلم فقال له: ويحك يا أخا عبد القيس! إنك قد كنت مع المهلب في حروبه لهؤلاء القوم فكيف كان يصنع؟ # فقال له الأعلم (10): أيها الأمير! إنه قد ذهب الرأي وبقي الصبر. قال: ثم تقدم الأعلم بسيفه نحو عبيدة بن هلال وهو يقول: # PageV06P201 # أنصفتنا في الحرب يا عبيده * أثبت فإن غايتي بعيده وعدتي إن ترمها شديده وجمرتي يوم الوغى شديده * كم من وعيد لك في قصيدة إن الوعيد غاية الوليدة ثم التقيا جميعا الأعلم العبدي وعبيدة بن هلال فتضاربا بسيفهما ساعة ثم افترقا. # قال: وصاح قطري بن الفجاءة أن يا معشر المهاجرين! إن الليل أخو الهول، فاثبتوا لحرب هؤلاء المحلين. قال: فاضطرب القوم اضطرابا شديدا ليلتهم تلك، حتى إذا أصبحوا انهزم أصحاب ابن معمر هزيمة قبيحة وأخذتهم سيوف الأزارقة فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ثم زحفوا إلى سواد ابن معمر فاستباحوه وأخذوا جميع ما فيه، ثم رجعوا إلى سابور بالغنائم. # قال: وأقبل ابن معمر إلى أصحابه فقال: يا أهل البصرة! (1) لو كنتم تقاتلون معي كقتالكم مع المهلب إذا لبلغت الذي أريد من حرب هذا العدو، ولكنكم تقولون (2): هذا رجل حجازي، خيره لغيرنا وشره علينا، وأيم الله! لقد أردت ms0908 أن أكتب فيكم إلي أمير المؤمنين فأشكوكم إليه، لكني كرهت أن يتمادى بكم اللجاج ويتمادى بي الغضب. # قال: فقام إليه عمران بن عصام العنبري فقال: أيها الأمير! إن المهلب كان يقاتل بنا قتال الصعلوك ويسوسنا سياسة الملوك، حتى سكنا إليه في الليل وآنسنا به في النهار. قال: فغضب ابن معمر من قول العنبري ثم دعا بدفتر الجند فحلق على اسمه، فتركه العنبري وصار إلى المهلب فحدثه بالقصة على جهتها، فقربه المهلب وأدناه وزاد في الكرامة. # قال: وبلغ أهل البصرة ما قتل منهم فاغتموا لذلك، قال: وطمعت الأزارقة بعد هذه الوقعة في أخذ البصرة وغيرها، وندم مصعب بن الزبير على عزل المهلب وتوليته ابن معمر (3)، وعلم أن لا يقوم بحرب الأزارقة غير المهلب لأنه قد ذاقهم # PageV06P202 # ومارسهم واختبرهم وعرف حربهم. قال: وأقبل ابن زياد على مصعب بن الزبير وأقام عنده، قال: وعلم مصعب بن الزبير أنه لا يقوم بأمر العراق إلا مصعب ولا يقوم بأمر الأزارقة إلا المهلب. ### | ابتداء أخبار عين الوردة ثم نرجع بعد ذلك إلى أخبار الأزارقة # قال: وتحركت الشيعة بالكوفة ولقي بعضهم بعضا بالتلاوم والندم (1) على ما فرطوا فيه من قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، وأنهم دعوا إلى نصرته فلم ينصروه بعد أن كانوا كاتبوه، وعلموا أنهم لا يغسل (2) عنهم الإثم والخطأ إلا أن يخرجوا فيقتلوا من قتله ويأخذوا بدمه حيث كان من مشارق الأرض ومغاربها. قال: # وكان بعضهم يمشي إلى بعض ويدبرون آراءهم بينهم ولا يطلعون أحدا على ما هم فيه، وكان أكثر خوفهم من أهل مصرهم لأن أكثرهم قتلة الحسين رضي الله عنه. # قال: ثم إنهم تفرقوا إلى هؤلاء خمسة نفر من الشيعة وهم من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سليمان (3) بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة (4) الفزاري ورفاعة بن شداد البجلي وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي وعبد الله بن [وال -] (5) التيمي. # قال: واجتمع هؤلاء القوم في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، وكان أول من تكلم منهم المسيب بن ms0909 نجبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنا قد ابتلينا بطول العمر في هذه الدنيا والتعرض لأنواع البلاء والفتن، فنسأل الله أن لا يجعلنا ممن يقال (6) له غدا: (أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا # PageV06P203 # فما للظالمين من نصير) (1) وقد علمتم أن الله تبارك وتعالى في موطنين من مواطن ابن بنت نبينا عليه السلام فوجدنا كتابين وذلك أن الحسين بن علي رضي الله عنهما أتتنا كتبه (2) وقدمت علينا رسله وأعذر إلينا في أمره يسألنا (3) أن ننصره علانية وسرا، فنحينا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا، فلا نحن نصرناه بأيدينا، ولا دفعنا عنه بألسنتنا. ولا قويناه بأموالنا، ولا طلبنا له نصرة من عشائرنا، فما عذرنا غدا عند الله، وما حجتنا بين يدي نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وقد قتل ابنه وحبيبه وريحانته بين أظهرنا! لا والله! ما لنا عذر غير أن نخرج فنقتل من قتله أو شارك في دمه وأعان على قتله، فعسى الله تبارك وتعالى [أن] يرضى بذلك عنا (4). # قال: ثم تكلم رفاعة بن شداد البجلي فقال: أما بعد، فقد هديت إلى أرشد الأمور ونكأت بقولك حزازات (5) الصدور، وذلك أنك بدأت بحمد الله ودعوت إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموع منك مستجاب لك مقبول قولك - والسلام (6) (7) -. # قال: ثم تكلم سليمان وكان شيخ القوم وعميدهم فقال: أما! إنه دهر ملعون قد عظمت فيه الرزية وشمل فيه الخوف والمصيبة، وذلك إنا كنا ندعوهم (8) إلى بيعتنا ونحثهم على المصير إلينا، فلما قدموا إلينا أبينا (9) وعجزنا وتربصنا حتى قتل حبيبنا وولد (10) نبينا وسبطه وسلالته وهو في ذلك يستصرخ فلا يصرخ، ويدعو فلا # PageV06P204 # يجاب، ويستغيث فلا يغاث، وبقي أكلته لرماحهم حتى قتلوه ثم عدوا عليه فسلبوه بعد أن قتلوا شيعته وانتهكوا حرمته، ألا! فانهضوا فقد سخط الله عليكم ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء أبدا - رضي الله عنكم! ولا أظه راضيا دون أن تناجزوا من قتله أو شارك في دمه، ألا! فلا تهابوا الموت، فو الله ms0910 ما هابه أحد قط إلا ذل! فانهضوا وكونوا كبراءة بني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم موسى عليه السلام: (يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عن بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم) (1)، ألا! فاحدوا الصفاح (2)، وركبوا أسنة الرماح (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) (3) ولا تهنوا عن لقاء الفاسقين. # قال: فعندها وثب خالد بن [سعد بن] (4) نفيل الأزدي فقال: أما والله! لو علمت أن قتلي نفسي يخرجني من ذنبي (5) ويرضي عني ربي إذا لقتلها، ولكن هذا الأمر إنما أمر به القوم من بني إسرائيل لما عبدوا العجل من دون الله فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه موسى بن عمران أن يأمرهم بقتل أنفسهم عقوبة لهم، غير أني أشهدكم أن كل مال أصبحت أملك سوى فرسي وسلاحي فهو صدقة على المسلمين أقويهم على قتال الفاسقين. # ثم وثب [أبو] (6) المعتمر بن حنش بن ربيعة الكناني فقال: وأنا أيضا أشهدكم على ذلك فما أملكه فهو صدقة. قال: ثم وثب [أبو] الجويرية العبدي والأسود بن ربيعة الكندي فقالا مثل ذلك، وتبايعت الشيعة على مثل ذلك. قال: ثم إنهم قلدوا أمورهم سليمان بن صدر الخزاعي فجعلوه أميرهم وقائدهم، وعزموا على الخروج على قتلة الحسين رضي الله عنه، فاتفقت آراؤهم على أن يخرجوا في غرة ربيع الآخر (7)، ثم إنهم كتبوا إلى شيعة أهل البصرة وشيعة المدائن فخبروهم بما قد عزموا # PageV06P205 # عليه، فأجابوهم إلى ذلك. قال: وكتب إليهم سعد بن حذيفة [بن] اليمان من المدائن: أما بعد، فقد قرأنا كتابكم إلينا (1) وفهمنا الذي دعوتمونا إليه من هذا الأمر، ونحن مجتهدون معدون مسرجون ملجمون ننتظر الأمر ونلتمس الأجر ونجيب الداعي ونتبع الراعي، فإذا جاء الصريخ أقبلنا ولم نرجع - والسلام (2) -. # قال: وكتب إليهم المثنى بن مخربة (3) العبدي من البصرة يجيبهم إلى ذلك (4). # قال: فلما التأم لهؤلاء القوم أمرهم وعزموا على ما قد عزموا عليه، أقبلوا إلى دار الإمارة وفي أيديهم السيوف حتى هجموا على عمرو بن حريث المخزومي، وهو ms0911 يومئذ أمير الكوفة من قبل عبد الملك بن مروان (5)، فأخرجوه من القصر مطرودا، وأقعدوا مكانه عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الجمحي - وكان يلقب بدحروجة الجعل - قال: فبايعه أهل الكوفة على أنه من قبل عبد الله بن الزبير. قال: وبلغ ذلك عبد الله بن الزبير فسره ذلك. ### | ذكر مفارقة المختار بن أبي عبيد عبد الله بن الزبير وخروجه عليه # قال: وعزم المختار بن أبي عبيد على مفارقة عبد الله بن الزبير فجعل يقدم في ذلك ويؤخر. # قال: وقدم هانئ بن [أبي -] (6) حية الهمداني إلى مكة يريد العمرة، فأقبل إليه المختار بعد أن فرغ من عمرته فقال له: يا أخا همدان! ألا تخبرني عن الناس # PageV06P206 # كيف تركتهم بالكوفة؟ فقال: تركتهم والله وقد استوسقوا لصاحبك هذا عبد الله بن الزبير، ولو كان لهم رجل يجمعهم على رأيهم لأكل بهم الأرض. قال: فقال له المختار: لا عليك يا أخا همدان، فأنا والله أجمعهم على الحق (1)، وأنفي بهم الباطل (2)، وأقتل بهم كل جبار عنيد إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. قال: فقال له هانئ بن [أبي -] حية: ويحك يا أبا إسحاق (3)! اتق الله ولا توضع في الضلال والفتنة، فإن صاحب الفتنة هو أقرب شيء أجلا وأسوأ الناس عملا. قال: فقال له المختار: سبحان الله يا أخا همدان! ما لي وللفتنة! إنما أدعو إلى الطاعة (4) والجماعة، ولكن خبرني عن سليمان بن صرد وأصحابه هل شخص إلى قتال المحلين؟ قال: لا، ولكنه عازم على ذلك. قال: فسكت المختار ثم انصرف إلى منزله، فلما كان الليل وثب فاستوى على فرسه وخرج من مكة بغير علم من عبد الله بن الزبير، فلم يصبح إلا على مرحلتين من مكة، ثم سار مجدا يريد الكوفة، حتى إذا صار بالقرعاء (5) وجده رجل من أهل الكوفة يقال له سلمة بن مرثد (6)، فسلم عليه المختار وقال: من أين أقبلت يا سلمة؟ قال: أقبلت من الكوفة، قال: فكيف خلفت بها أهلها؟ فقال: خلفتهم والله كغنم رعاء تهادوا وتمردوا، [فقال له المختار بن ms0912 أبي عبيد: أنا الذي أحسن رعايتها وأبلغ نهايتها -] (7)، فقال له سلمة: يا بن أبي عبيد! اتق الله فإنك ميت ومبعوث ومحاسب ومجزي بعملك من خير وشر. قال: ثم افترقا، وسار المختار حتى انتهى إلى نهر الحيرة (8) وذلك في يوم الجمعة، فنزل واغتسل فيه، ثم لبس ثيابه واعتم بعمامته وتقلد بسيفه، ثم ركب وأقبل حتى دخل الكوفة نهارا، فجعل يمر على مجالس القوم ويقف عليهم ويسلم ويقول لهم: أبشروا بالفرج! فقد جئناكم بما تحبون وأنا المسلط على الفاسقين والطالب بدماء أهل بيت نبي رب العالمين. ثم # PageV06P207 # أقبل إلى المسجد الأعظم فنزل، ثم دخل المسجد فصلى، واستشرف الناس ينظرون إليه ويقولون: هذا المختار بن أبي عبيد (1)، وما قدم إلا لأمر ونحن نرجو به الفرج. # قال: ثم قعد المختار في المسجد حتى صلى الظهر والعصر ونهض وعليه ثياب رثة حتى صار إلى باب المسجد فركب وأقبل حتى نزل في دار سلم (2) بن المسيب وهي داره التي لا تعرف إلا به. فلما كان من الغد بعث إلى وجوه الشيعة فدعاهم ثم قال لهم: اعلموا أني قد جئتكم من عند ولي الأمر، ومعدن الفضل، ووصي الوصي، والإمام المهدي، محمد بن علي ابن الحنيفة، بعثني إليكم أمينا ووزيرا وعاملا (3) وأميرا، وقد أمرني بقتال المحلين، والطلب بدم ابن بنت نبي رب العالمين، وهذا أمر لكم فيه الشفاء، وكشف الغطاء، وقتل الأعداء، وتمام النعماء. قالت الشيعة: يا أبا إسحاق! أنت موضع ذلك، غير أن الناس اجتمعوا إلى سليمان بن صرد الخزاعي وأنت تعلم أنه شيخ الشيعة اليوم فلا تعجل إلى أن تنظر [وينظر] ويؤول الأمر إلى ما تحب إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. قال: فسكت المختار وأقام بالكوفة ينتظر ما يكون من أمر سليمان بن صرد (4). # قال: وعلم عبد الله بن الزبير أن المختار قد صار إلى الكوفة فاتقى أن يفسد عليه البلد، فأرسل إلى عامر بن مسعود الجمحي فعزله عن الكوفة وولى عليها [عبد الله بن يزيد الأنصاري، قال: فقدم عبد الله بن يزيد أميرا ms0913 على الكوفة من قبل] عبد الله بن الزبير وقدم معه إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبد الله على خراج الكوفة (5). قال: وأقبل رؤساء أهل الكوفة على عبد الله بن يزيد (6) فسلموا عليه. # وهنؤه بالولاية، فقال لهم: يا أهل الكوفة! ما هذا الذي يبلغني عن سليمان بن صرد وأصحابه؟ فقالوا: أيها الأمير! يذكر أنه يطلب بدم الحسين بن علي رضي الله # PageV06P208 # عنهما. فقال عبد الله بن يزيد (1): نعم هذا الرأي وأنا معهم ومعينهم أيضا على ذلك. # قال: وخرجت الشيعة من عند عبد الله بن يزيد (2) وبقي عنده رجل من شيعة بني أمية يقال له يزيد (3) بن الحارث بن رويم، فقال: أصلح الله الأمير! إن سليمان بن صرد وأصحابه قد عزموا على أن يخرجوا عليك بالكوفة، فاجمع إليك أصحابك ثم انهض إليهم فضع فيهم السيف من قبل أن يخرجوا عليك (4)، فقال عبد الله بن يزيد: يا هذا! ولم يخرج علي سليمان بن صرد؟ فقال: لأنهم يزعمون أنهم يطلبون بدم الحسين بن علي رضي الله عنهما، قال عبد الله بن يزيد (5): الله أكبر! أنا قتلت الحسين! لعن الله من قتله وشارك في دمه ودماء إخوته وأهل بيته وشيعته رضي الله عنهم! ومن لم تكن مصيبة الحسين بن علي دخلت عليه ما هو بمؤمن. قال: فقام الرجل من عنده نادما على ما تكلم. ### | ذكر خروج سليمان بن صرد وأصحابه إلى قتال أهل الشام # قال: ونادى سليمان بن صرد في أصحابه. فجعلوا يخرجون من منازلهم على الخيل العتاق وقد أظهروا الآلة والسلاح، فجعلوا يسيرون في أسواق الكوفة، والناس يدعون لهم بالنصر والظفر (6)، حتى إذا صاروا إلى النخيلة عسكروا بها. # قال: وخرج سليمان بن صرد من الكوفة في نفر من أصحابه، حتى إذا أشرف على أصحابه وعسكره لم يعجبه ما رأى من قلة الناس، فدعا برجلين من أصحابه حكيم من منقذ الكندي والوليد بن غصين (7) الكناني فقال لهما: اركبا فمرا بالكوفة، وناديا في الناس: من أراد الجنة ورضاء الله والتوبة فليلحق بسليمان بن صرد إلى ms0914 النخيلة! قال: ففعلا ما أمرهما به وناديا في الكوفة. قال: وسمع ذلك رجل من # PageV06P209 # الأزد يقال له عبد الله بن خازم وله امرأة يقال لها سهلة بنت سبرة، فلما سمع النداء وثب إلى ثيابه فلبسها، وأفرغ عليه سلاحه وأمر بإسراج فرسه، فقالت له ابنته: ما لي أراك متأهبا؟ فقال: إن أباك يريد أن يفر من ذنوبه، فقالت له امرأته: ما شأنك؟ # ويحك! خبرني قضيتك، فقال: ويحك أيتها المرأة! إني سمعت الداعي (2) فأحببت أن أجيبه، وأنا أطلب بدم الحسين بن علي رضي الله عنهما وإخوته وأهل بيته رضوان الله عليهم حتى أموت أو يقضي الله في ذلك من أمره ما يحب ويرضى، قال: فقالت له امرأته: ويحك! على من تخلف أهلك وولدك؟ فقال: على الله وحده، قال: ثم رفع عبد الله بن خازم طرفه نحو السماء فقال: اللهم إني أستودعك أهلي وولدي فاحفظني فيهم، وتب علي مما فرطت في نصرة ابن بنت نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال: ثم خرج حتى لحق سليمان بن صرد. # قال: فعرض سليمان أصحابه، قال: وكانوا في ديوانه قبل أن يقدم المختار إلى الكوفة ستة عشر ألفا، فلما كان ذلك اليوم عرضهم إذا هم ألف رجل أو يزيدون قليلا (3). قال: فقال سليمان بن صرد: ما أظن هؤلاء مؤمنين، أما يخافون الله في الذين أعطونا من صفقة إيمانهم (4). قال: فقال له المسيب بن نجبة الفزاري: إنه لا ينفعك الكاره، ولا يقاتل معك إلا من خرج من نفسه، فلا تنتظرن أحدا وأكمش (5) أمرك واستعن بالله وتوكل عليه، وقل: لا حول ولا قوة إلا بالله. # قال: فعندها وثب سليمان قائما على قدميه متكئا على فرس له عربية فقال: # أيها الناس! إنه من كان إنما أخرجته معنا إرادة الله وثواب الآخرة فذاك منا ونحن منه ورحمة الله عليه حيا وميتا، ومن كان يريد متاع الدنيا وحرثها فلا والله! ما معنا فضة ولا ذهب (6)، ولسنا نمضي إلى شيء نحوزه ولا إلى غنيمة نأخذها، وما هي إلا سيوفنا في رقابنا، ms0915 ورماحنا في أكفنا، ومعنا زاد بقدر البلغة إلى لقاء عدونا # PageV06P210 # عبيد الله بن زياد - لعنه الله وأصحابه! فمن كان ينوي غير هذا فلا يصحبنا. قال: # فقال له صخير (1) بن حذيفة بن هلال المزني: صدقت رحمك الله! والله ما لنا خير في صحبة من الدنيا [همته ونيته -] (2)، وما أخرجنا إلا التوبة من ذنوبنا والطلب بدماء أهل بيت نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد علمنا أنا إنما نقدم على حد السيوف وأطراف الرماح. قال: فناداه الناس من كل جانب: ألا إنا لا نطلب الدنيا ولا (3) لها خرجنا. # قال: وتهيأ الناس للمسير وعزموا على ذلك، وجعل عبد الله بن عوف (4) بن الأحمر الأزدي يحرض الناس على ذلك ويذكر ما كان منه، فبدأ ذلك في أيام صفين وحروبها فأنشأ يقول: # صحوت وودعت الصبا والغوانيا * وقلت لأصحابي: أجيبوا المناديا وقولوا له إذ قام إلى الهدى * وقتل العدى (5): لبيك لبيك داعيا وشدوا له إذ سعر الحرب أزره * ليجزي امرؤ يوما بما كان ساعيا وقودوا إلى الأعداء كل طمرة * وقودوا إليكم سانحات المذاكيا وسيروا إلى القوم المحلين جنة * وهزوا حرابا نحوهم وعواليا ألسنا بأصحاب الحريبة والأولى * قتلنا بها ما كان حيران باغيا و نحن شمرنا لابن هند بجحفل * كركن حوى يرجى إليه الدواهيا فلما التقينا بين الطعن إننا * بصفين كان الأصرع المتهاديا دلفنا فأقبلنا صدورهم بها * غداة رددناها صماء صواديا فزدناهم من كل وجه وجانب * وجرناهم جور الدعا للمتاليا رميناهم حتى أرانا صفوفهم، فلم تر إلى ملجيا أو ركابيا وحتى ظللنا ما نرى من معقل * وألفيت للقتلى جميعا قداتيا وحتى استغاثوا بالمصاحف واتقوا * بها وقعات يختطفن المحافيا فدع ذا ولا تيأس له من ثوابه * وتب واغز للرحمن إن كنت غازيا ألا وانع خير الناس جدا ووالدا * حسينا لأهل الدين أن كنت ناعيا # PageV06P211 # ليبك حسينا من رعى الدين والتقى * وكان غياثا للضعيف وكا فيا ويبك حسينا كل عار ولابس * وأرملة لا تحمل الدهر حافيا ويبك حسينا ذو أمان وحفظة * عديم وأيتام عد من المواليا (1) لحا الله ms0916 قوما أشخصوه وعودوا * فلم ير يوما الناس منهم مواسيا ولا موفيا بالعهد إذ حمي الوغى * ولا زاجرا عند المحلين ناهيا ولا قائلا لا تقتلوه فيستحوا * ومن يقتل الزاكين يلقى المخازيا فلا تلق إلا باكيا ومقاتلا * وذا فخرة يحمي عليه معاديا سوى عصبة لم يتق القتل دونه * يشبهها إذ ذاك أسدا ضواريا وقوه بأيديهم وجرد وجوههم * وباعوا الذي يفنى بما هو باقيا وأضحى (2) حسين (3) للرماح دريئة * وغودر مسلوبا لدى الطف (4) ثاويا قتيلا كأن لم تغن في الناس ليلة * جزى الله قوما أسلموه المخازيا فيا ليتني إذ ذاك كنت شهدتهم (5) * وضاربت (6) عنه السائبين (7) الأعاديا ودافعت عنه ما استطعت مجاهدا * وأعلمت سيفي فيهم وسنانيا ولكن قعدنا في معاشر ثبطوا * وكان قعودي ظلة من ضلاليا وأنستني الأيام من نكباتها * فإني لن ألقى لي الدهر ناسيا فيا ليتني غودرت فيمن أجابه * وكنت له من مقطع القتل واديا سقى الله قبرا ضمن المجد والتقى * بغربية الطف الغمام الغواديا فتى خير سيم الخيف لم تقبل التي * تذل عزيزا أو تجر المساويا ولكن مضى لا يملأ الروع نحره * فبورك مهديا شهيدا وهاديا # PageV06P212 # فصلى عليه الله ما هبت الصبا * وما لاح نجم أو تحدر هاويا فلو أن صدها ريك وفاته * حصون بلاد والجبال الرواسيا لزال جبال الأرض من عظم فقده * وأضحى له الحصن المشيد خاويا وقد كسفت شمس الضحى لمصابه * وأصحبت الآفاق عبرا بواكيا فيا أمة ضلت وتاهت (1) سفاهة * أنيبوا وأرضوا (2) الواحد المتعاليا وقوموا بحد الوال من حد سيفنا * بخيلكم واتقوا الله عاليا وكان شراه بالنفوس وبالقنا * جهارا وقدما كان من كل ساريا وفتيان صدق صرعوا حول بيته * كراما وهم كانوا الولاة الأكابيا وإخوتنا كانوا إذا الليل جنهم * تلوا طول فرقان به والمثانيا أصابهم أهل الشقاوة والأذى * فحتى متى لا تبعث الخيل شاميا وحتى متى لا أعتلي بمهند * فذاك ابن وقاص وأدرك ثاريا وإني ابن عوف (3) أن راحة منيتي * بيوم لهم منها تشيب النواصيا قال: وعزم سليمان بن صرد على الرحيل، فناداه الناس من كل مكان: أي رحمك الله! ms0917 إنك قد عزمت على المسير إلى عبيد الله بن زياد وقد علمت أن الذي قتل الحسين وتولى قتله هو عمر (4) بن سعد وأصحابه، فأين تذهب وههنا تذر الأقتال، وهم معك في البلد، ابدأ بعمر (5) بن سعد فاقتله ثم سر بنا إلى غيره. # قال: فقال سليمان بن صرد: إن عمر (4) بن سعد ضعيفة قوته، ذليلة عدته، والذي قاد الجيوش إلى صاحبنا الحسين وقال له: " مالك عندي أمان دون أن تستسلم فأنفذ (6) فيك حكمي " هو الفاسق ابن الفاسق عبيد الله بن زياد، فإن أظفرنا الله به رجونا أن من بعده أهون منه شوكة، وإن تستشهدوا فلما عند الله خير وأبقى، فعليكم بالصلاة في جوف الليل وبذكر الله تعالى كثيرا، وتقربوا إليه ما استطعتم، فإنكم لن تنالوا إلى ربكم بشيء هو أكثر ثوابا من الصلاة والجهاد، لأن الصلاة عماد الدين # PageV06P213 # والجهاد سنام العمل، وقد علمتم أن للدنيا تجارا وللآخرة تجارا (1)، فأما تاجر الدنيا فإنه مكب عليها راتع فيها، لا يبتغي بها بدلا، وأما تاجر الآخرة فإنه ساع لثوابها لا يشتري بها ثمنا قليلا، ويؤمل منها ثوابا جزيلا، يظل قائما وقاعدا، ويبيت راكعا وساجدا، لا يطلب فضة ولا ذهبا، ولا وفرا ولا نسبا، ثم قال: أيها الناس! إنا مدلجون الليل من منزلنا إن شاء الله تعالى ولا قوة إلا بالله. # قال: ثم أدلج سليمان بالناس ليلة الجمعة من شهر ربيع الآخر لخمس مضين منه (2) حتى نزل على شاطئ الفرات بموضع يقال له أقساس (3) من بني مالك، ثم إنه عرض الناس هنالك فإذا به قد نقص منهم ألف ومائة رجل - زيادة أو نقصانا، فقال سليمان بن صرد: والله ما أحب من تخلف عنكم أن يكون معكم، لأنهم لو كانوا معكم ما زادوكم إلا خبالا، فاحمدوا الله على رجعتهم عنكم. # قال: وسار القوم من ليلتهم تلك إلى أن أصبحوا [و] أشرفوا على قبر الحسين بن علي رضي الله عنهما، فلما عاينوه رفعوا أصواتهم بالبكاء والنحيب، ثم إنهم رموا أنفسهم عن دوابهم وجعلوا يقولون: اللهم! إنا خذلنا ms0918 ابن بنت نبينا وقد أسأنا وأخطأنا، فاغفر لنا ما قد مضى من ذنوبنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم ارحم الحسين الشهيد ابن الشهيد! وارحم إخواننا الذين حصنوا أنفسهم بالشهادة، اللهم! إن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. # قال: ثم تقدم رجل من خيار أهل الكوفة يقال له وهب بن زمعة الجعفي حتى وقف على القبر باكيا، ثم قال: والله لقد جعله (4) الأعداء للسيل عرضا وللسباع مطعما! فلله حسين ولله يوم حسين! لقد غادروا منه يوم وافوه ذا وفاء وصبر وعفاف وبأس وشدة وأمانة ونجدة ابن أول المؤمنين وابن بنت نبي رب العالمين، قلت حماته وكثرت عداته، فويل للقاتل، وملامة للخاذل! إن الله تبارك وتعالى لم يجعل للقاتل حجة ولا للخاذل معذرة، إلا أن يناصح الله في التوبة فيجاهد الفاسقين، فعسى الله عند ذلك يقبل التوبة ويقيل العثرة، قال: ثم أنشأ يقول: # PageV06P214 # تبيت نساء من أمية نوما * وبالطف قتلى ما ينام حميمها وما ضيع الإسلام إلا قبيلة * بأمر فزكاها ودام نعيمها وعادت قناة الدين في كف ظالم * إذا مال منها جانب لا يقيمها فأقسم لا تنفك نفسي حزينة * وعيني سفوحا لا يجف سجومها حياتي أو تلقى أمية وقعة * ينال بها حتى الممات قرومها لقد كان في أم الكتاب وفي الهدى * وفي الوحي لم ينسخ لقوم علومها فرائض في الميراث قد تعلمونها * يلوح لذي اللب البصير أرومها بها دان من قبل المسيح ابن مريم * ومن بعده لما أمر بريمها فأما لكل غير آل محمد * فيقضي بها حكامها وزعيمها وأما لميراث الرسول وأهله * فكل براهم رمها وجسيمها فكيف وضلوا بعد خمسين حجة * يلام على هلك الشراة أديمها قال: فضج الناس بالبكاء والنحيب، فأقاموا عند القبر يومهم ذلك وليلتهم يصلون ويبكون ويتضرعون، فنادى فيهم سليمان بن صرد بالرحيل، فجعل الرجل بعد الرجل يأتي القبر فيودعه ويترحم على الحسين ويستغفر (1) الله له، ثم إنهم ازدحموا على القبر كازدحامهم على الحجر الأسود وهم يقولون (2): اللهم! إنا قد خرجنا من الديار والأموال، وفارقنا الأهلين ms0919 والأولاد، نريد جهاد الفاسقين المحلين، الذين قتلوا ابن بنت نبيك، فتب علينا وارزقنا الشهادة يا أرحم الراحمين! # اللهم! إنا نعلم أنه لو كان الجهاد فيهم بمطلع الشمس أو بمغرب القمر أو بمنقطع التراب لكان حقيقا علينا أن نطلبه حتى نناله، فإن ذلك هو الفوز العظيم والشهادة التي ثوابها الجنة. # قال: وسار القوم من منزل قبر الحسين رضي الله عنه ولزموا الطريق الأعظم، فجعل رجل منهم يقول (3): # خرجن يلمعن بنا أرسالا * عوابسا قد تحمل الأبطالا (4) # PageV06P215 # نريد أن نلقى بها الأقيالا (1) * الفاسقين (2) الغدر الضلالا وقد رفضنا الأهل والأموالا * والخفرات البيض والحجالا زجوا به التحفة والجمالا * لنرضي المهيمن الجلالا (3) قال: وسار القوم حتى بلغوا إلى موضع يقال له القيارة (4) وإذا كتاب أمير الكوفة عبد الله بن يزيد (4) الأنصاري قد ورد على سليمان بن صرد وأصحابه. ### | ذكر كتاب أمير الكوفة إلى سليمان بن صرد وأصحابه (6) # بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن يزيد إلى سليمان بن صرد وأصحابه المؤمنين، أما بعد فإن كتابي إليكم كتاب ناصح لكم مشفق عليكم، إنكم تريدون المسير، بالعدد اليسير، إلى الجمع الكثير، والجيش الكبير، وقد علمتم أن من أراد أن (7) يقلع الجبال من أماكنها تكل معاوله ولا يظفر بحاجته، فيا قومنا! لا تطمعوا عدوكم في أهل بلدكم، فإنكم خيار قومكم، ومتى ظفر بكم عدوكم طمع في غيركم من أهل مصركم وهلاككم ومن خلفكم، يا قومنا! (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا) (8) فارجعوا واجعلوا أيدينا وأيديكم اليوم واحدة على عدونا وعدوكم، فإنه متى اجتمعت كلمتنا ثقلنا (9) على عدونا، فلا تستعيبوا (10) نصحي ولا تخالفوا أمري، وأقبلوا حين تقرأون كتابي هذا أقبل [الله] بكم إلى طاعته وأدبر بكم عن معصية - والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته -. # PageV06P216 # قال: فلما قرأ سليمان بن صرد الكتاب أقبل على أصحابه وقال: والله لا أرى لكم الرجوع عما عزمتم عليه إما الشهادة أو الفتح! ونحن نريد الآخرة قال: ثم جعل سليمان بن صرد يتمثل بهذا البيت وهو لبعض العرب (1): # أرى ms0920 لك شكلا غير شكلي فأقصري * عن اللوم إذ بدلت واختلف الشكل ### | ذكر كتاب سليمان بن صرد جواب كتاب عبد الله بن يزيد # للأمير عبد الله بن يزيد من سليمان بن صرد وأصحابه (2) أما بعد فقد قرأنا كتابك أيها الأمير وعلمنا ما نويت، فنعم أخو العشيرة أنت ما علمناك في المشهد بالمغيب! غير أنا سمعنا الله تعالى يقول في كتابه وقوله الحق: (إن الله اشترى من المؤمنين وأنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) (3)، وأعلمك أيها الأمير أن القوم قد استبشروا ببيعتهم الذي بايعوه وقد تابوا إليه (4) وتوكلوا عليه من عظيم ذنوبهم - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # قال: فلما ورد الكتاب على عبد الله (5) بن يزيد وقرأه أقبل على جلسائه فقال: # استمات القوم ورب الكعبة! وأول خبر يأتيكم عنهم أنهم قتلوا بأجمعهم، والله لا قتلوا حتى يكثر القتل بينهم وبين عدوهم. ### | ذكر حبس المختار بالكوفة # قال: وعلم المختار أن سليمان بن صرد قد مضى في أصحابه وحدثته نفسه أنه ليس يرجع منهم أحد، فجعل يبعث إلى الشيعة ويشاورهم في الخروج، قال: وبلغ # PageV06P217 # ذلك عمر (1) بن سعد بن أبي وقاص، فأقبل ومعه نفر من أصحابه (2) حتى دخل على عبد الله (3) بن يزيد فقال: أيها الأمير! إن المختار بن أبي عبيد صاحب فتنة، وقد بلغني أن قوما من هؤلاء الترابية يختلفون إليه ولست آمنه، فابعث إليه الساعة فخذه وخلده السجن، فإنك لا تقوى به. فأرسل عبد الله (3) بن يزيد إلى إبراهيم بن محمد بن طلحة فخبره بذلك، فركب من ساعته في جماعة من خاصته وأعوانه حتى صار إلى دار المختار ثم قال: اهجموا عليه فأخرجوه، فقال له إبراهيم بن محمد: # يا بن أبي عبيد: ما هذا الذي يبلغنا عنك؟ فقال المختار: كل ما (4) بلغكم عني فإنه باطل وزور. قال: وأقبل عمر (5) بن سعد على فرس له حتى وقف ms0921 على المختار وقد أخرج من منزله، فقال لإبراهيم بن محمد بن طلحة: أيها الرجل! هذا رجل يريد أن يخرج عليكم في مصركم هذه فيفسد عليكم البلد، فأوثقوه بالحديد وخلدوه السجن إلى أن يستقيم للناس الأمر (6). قال: وإذا رسول الأمير عبد الله بن يزيد قد أقبل إلى إبراهيم فقال: يقول لك الأمير: شد المختار كتافا وامض به إلى السجن حافيا! قال: فقال إبراهيم بن طلحة للرسول: يا هذا! ولم هذا؟ والله ما هذا جزاؤه من أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير وقد أبلى بين يديه البلاء الحسن وقاتل القتال الشديد! فلما ذا يشده كتافا ويسوقه إلى السجن حافيا ولم ير منه بعد إلا حسنا، وإنما أخذناه على التهمة والظن (7). قال: ثم أمر به إبراهيم بن محمد السجن فحبس (8). # ومشى قوم من وجوه أهل الكوفة إلى عبد الله بن يزيد فقالوا: أيها الأمير! إن المختار بن أبي عبيد رجل من شيعة آل محمد عليه السلام وأنت عارف به قديما وحديثا، وإنما قدم علينا لأنه رأى أمن أمير المؤمنين حفوة فأحب أن يكون في ناحيتنا، ولم (9) يظهر لنا ولا لك عداوة منه ولا حربا، فإن رأى الأمير أن يشفعنا فيه! # PageV06P218 # قال: فأبى عبد الله بن يزيد ذلك. قال: فانصرف القوم مغضبين. # قال: وبلغ المختار ذلك فجعل يقول وهو في السجن: أما! ورب البحار، والنخل والأشجار، والهامة والعقار (1)، والملائكة الأبرار، والمصطفين الأخيار! # لأقتلن كل جبار بكل (2) مهند خطار، حتى إذا أقمت عمود الدين، ورأيت (2) شيعة المسلمين، وشفيت غليل الصادين (4)، من أولاد القاسطين وبقية المارقين، وأدركت بثأر أولاد النبيين، لم يكثر (5) علي زوال الدنيا ولم أحتفل (6) بالموت إذا أتى، إذ كان المصير إلى دار الجزاء. # قال: ثم كتب المختار إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: أما بعد: فإني حبست بالكوفة مظلوما وظن بي [الولاة] ظنونا كاذبة، فاكتب إلى هذين (7) الواليين الصالحين كتابا لطيفا، عسى الله أن يفرج عني (8) من أيديهما ببركتك - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. قال: فكتب عبد الله بن ms0922 عمر إلى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة: أما بعد، فقد علمتما (9) الذي بيني وبين المختار من الصهر والقرابة والذي بيني وبينكما من المودة (10) - والسلام عليكما ورحمة الله وبركاته -. # قال: فلما ورد كتاب عبد الله بن عمر على عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة فأرسلا إلى المختار فأخرجاه من السجن ثم قالا له: أعطنا كفيلا أن لا تحدث أمرا والزم منزلك! قال: فتقدم عشرة من وجوه الشيعة فضمنوه. قال: ثم سكت المختار ولزم منزله. # PageV06P219 ### | ثم رجعنا إلى أخبار سليمان ابن صرد وأصحابه # قال: وسار سليمان بن صرد وأصحابه من القيارة (1) حتى صاروا إلى هيت (2)، ثم رحل من هيت إلى عانات (3) وما يليها، حتى صار إلى مدينة قرقيسيا (4) وبها يومئذ رجل من العرب يقال له زفر بن الحارث الكلابي من بني كلاب، فلما نظر إلى خيل المسلمين قد أقبلن من ناحية الكوفة كأنه اتقى من ناحيتهم فأمر بأبواب مدينتهم فغلقت. # قال: ونزل المسلمون حذاء مدينته على شاطئ الفرات، ودعا سلمان بن صرد بالمسيب بن نجبة الفزاري فقال له: صر إلى ابن عمك هذا فخبره إنا لسنا إياه أردنا، وإنما نريد عبيد الله بن زياد وأصحابه - لعنهم الله - الذين قتلوا الحسين بن علي رضي الله عنهما، وقل له يخرج إلينا سوقا حتى نتسوق وننظر ما يكون من خبر هؤلاء، ثم نرحل إليهم ولا قوة إلا بالله وإن شاء الله. # قال: فأقبل المسيب بن نجبة حتى نزل في زورق، وعبر وصار إلى باب قرقيسيا وكلم الناس فقالوا له: من أنت؟ فقال: أنا رجل من أهل هذا العسكر وأنا ابن عم صاحب مدينتكم هذه، قال: فانطلق القوم إلى الملك فخبروه بذلك، فأذن له في الدخول، فدخل المسيب وصار إلى زفر فدخل وسلم عليه فرد عليه السلام وأدناه وأجلسه إلى جانبه، ثم سأله عن حاله وأمره، فقال له المسيب: إنا لسنا إياك أردنا ولا لك قصدنا، إنما نريد هذا الفاسق عبيد الله بن زياد وأصحابه الذين قتلوا ابن بنت ms0923 نبي رب العالمين، فإن رأيت أن تخرج لنا سوقا فإنا لا نقيم ههنا إلا يومين أو ثلاثة (5) ثم نرحل عنك إن شاء الله. قال فقال له زفر بن الحارث: إنا لم نغلق باب مدينتنا هذه لأجل العسكر، ولكن السمع والطاعة. ثم دعا زفر بولد له يقال له هذيل وأمره أن يخرج لهم سوقا وزاد في إكرامهم، ثم أخرج إليهم الدقيق الكثير والشعير # PageV06P220 # وجميع ما يحتاجون إليه، فظل القوم يومهم ذلك والثاني مخصبين لا يحتاجون إلى شيء من ذلك السوق الذي خرج إليهم. # فلما كان اليوم الثالث نادى فيهم سليمان بن صرد بالرحيل، فرحل الناس وخرج إليهم صاحب قرقيسيا زفر بن الحارث، فجعل يسايرهم ساعة ثم أقبل على سليمان بن صرد ومن معه من الرؤساء فقال: إني لأرى لكم خيلا عتاقا ورجالا هينة حسنة قل ما رأيت مثلها غير (1) أني أخبركم أن هذا اللعين عبيد الله بن زياد قد ترك الرقة لما بلغه من مسيركم إلى ما قبله، وقد وجه نحوكم بخمسة من قواده، منهم: # الحصين بن نمير السكوني وشرحبيل بن ذي الكلاع الحميري وأدهم بن محرز الباهلي وربيعة بن المخارق الغنوي (2) وحملة (3) بن عبد الله الخثعمي، وقد أتوكم بالشوك والشجر وفي عدة لا طاقة لكم بها. قال فقال سليمان: على الله توكلنا وعلى الله فليتوكل المتوكلون. فقال زفر بن الحارث: نعم ما قلت! ولكن هل أدلكم على أمر أعرضه عليكم لعل الله تبارك وتعالى يجعل لنا ولكم فيه فرجا؟ فقال سليمان: # وما ذلك؟ فقال: إن شئتم فتحنا لكم باب مدينتنا فتدخلونها فيكون أمرنا وأمركم واحدا (4) وأيدينا وأيديكم على القوم واحدة، وإن شئتم نزلتم على باب مدينتنا ونعسكر نحن إلى جانبكم، فإذا جاء هذا العدو قاتلناه جميعا، فعسى الله تبارك وتعالى أن يظفركم. قال فقال سليمان: إنه قد عرض علينا هذا أهل مصرنا بالكوفة فلم نفعل وكتب بذلك إلينا فأبينا، فقال زفر: أما إذا أبيتم ذلك فافهموا عني ما أقول لكم فإني عدو للقوم لخصال شتى، وأنا أحب أن يجعل الله ms0924 الدائرة عليهم وأنا لكم محب، وأحب أن يحفظكم الله بالعافية، فاسمعوا مشورتي عليكم وأقبلوها مني فإنها مشورة ناصح ودود، واعلموا (5) أن القوم قد فصلوا من الرقة إلى ما قبلكم أربعمائة فارس من أشد فرسان عسكره، وقال له: سر حتى تلقى أول عسكره، فإذا عاينتهم فاحمل عليهم بمن معك من أصحاب هؤلاء حملة ترعب بها قلوبهم. # قال: فسار المسيب في أصحابه الذين معه حتى إذا أصبح الصباح وأشرف # PageV06P221 # على عسكر شرحبيل بن ذي الكلاع ونظر إليه صاح بأصحابه أن كبروا عليهم: يا سباع العراق! قال: فحمل أهل العراق على أهل الشام فانهزموا وقد ألقى الله الرعب في قلوبهم. قال: وسارت أهل الشام حتى وافوا أهل العراق بعين الوردة يزيدون على عشرين ألفا، وأهل العراق يومئذ في ثلاثة آلاف وثلاثمائة رجل. قال: ثم تعبي أهل الشام وكان على ميمنتهم جبلة بن عبد الله (1)، وعلى ميسرتهم ربيعة بن المخارق (2) الغنوي، وعلى جناحهم شرحبيل [بن] ذي الكلاع الحميري، وفي القلب الحصين. قال: وزحف القوم بعضهم على بعض. قال: وصاح أهل الشام: يا أهل العراق! هلموا إلى طاعة أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فناداهم أهل العراق: يا أهل الشام! هلموا إلى طاعة أهل بيت النبوة، فإنهم أحق بهذا الأمر من بني مروان، أو ادفعوا إلينا ابن مرجانة عبيد الله بن زياد، قال: وجعل سليمان بن صرد ينادي بأعلى صوته: يا شيعة آل محمد! يا من يطلب بدم الشهيد ابن فاطمة! أبشروا بكرامة الله عز وجل، فو الله ما بينكم وبين الشهادة ودخول الجنة والراحة من هذه الدنيا إلا فراق الأنفس والتوبة والوفاء بالعهد! ثم كسر سليمان بن صرد جفن سيفه وتقدم نحو أهل الشام وهو يرتجز ويقول: # إليك ربي تبت من ذنوبي * وقد علاني في الورى مشيبي فارحم عبيدا غير ما تكذيبي * واغفر ذنوبي سيدي وحوبي ثم حمل ولم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة وقتل - رحمه الله (3) -. # قال: وتقدم المسيب بن نجبة الفزاري فجعل يطعن في أهل الشام وهو يقول: # لقد منيتم يا ms0925 أخي جلادي * بيت المقام مقفص الأعادي ليس بفرار ولا حياد * أشجع من ليث عرين عادي (4) ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمه الله -. قال: وتقدم عبد الله بن # PageV06P222 # سعد بن نفيل الأزدي فأخذ الراية فرفعها لأهل الكوفة وجعل يقول: رحمكم الله! # إخوتي! (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) (1) قال: وتقدم بالراية فجعل يطعن بها في أعراض أهل الشام وهو يقول: # ارحم الهي عبدك التوابا * ولا تؤاخذه فقد أنابا لا كوفة يبقى ولا عراقا * لا بل يريد الموت والعتاقا قال: ثم حمل ولم [يزل] يقاتل حتى قتل - رحمه الله (2) -. # قال: وتقدم رفاعة بن شداد البجلي نحو صفوف أهل الشام وهو يرتجز ويقول: # يا رب إني تائب إليكا * قد اتكلت شدتي عليكا قدما أزجى الخير من يديكا * فاجعل ثوابي علي لديكا ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى جرح، فرجع إلى أصحابه مجروحا، ثم التفت رجل من أهل المدائن (3) فقال: ويحكم يا أهل العراق! ما لكم بهؤلاء طاقة، وذلك أنا إذا قتلناهم لم يتبين ذلك عليهم لكثرتهم، وإذا قتلوا منا بان لهم ذلك لقلتنا، فارجعوا بنا رحمكم الله إلى بلدنا لعل الله أن يكفينا أمرهم. قال: فقال له عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي: يا هذا الرجل! بئس والله ما قلت! لقد أشرت علينا بمشورة ما أردت بها إلا هلاكنا، والله لئن وليناهم الأدبار ليركبن أكتافنا فلا نبلغ إلا فرسخا واحدا حتى نقتل عن آخرنا. قال: وتقدم صخر (4) بن حذيفة وكان مزنيا (5) من خيار أهل الكوفة وزهادهم حتى وقف بين الجمعين ومعه يومئذ نيف عن ثلاثين رجلا من بني عمه، فأقبل عليهم فقال: يا بني عمي! إن هؤلاء الذين تقاتلونهم هم الذين قتلوا ابن بنت رسول الله الحسين بن علي رضي الله عنهما وساروا برأسه إلى يزيد بن معاوية منكوب الدماغ، يريدون بذلك الزلفى والمرتبة والجائزة، فانظروا ولا تهابوا الموت فإنه لاقيكم ولا ترجعوا إلى الدنيا التي (6) خرجتم منها فإنها # PageV06P223 # لن تبقى لكم دارا. قال: ثم تقدم ms0926 صخر (1) بن حذيفة هذا وهو يرتجز ويقول: # بؤسا لقوم قتلوا حسينا * بؤسا وتعسا لهم وحينا أرضوا يزيد ثم لاقوا شينا * ولم يخافوا بغيهم علينا ثم حمل وحمل معه قومه وعشيرته، فجعل يقاتلهم وحده حتى قتل منهم جماعة. قال: فناداه قوم من أهل الشام: من أنت ويلك خبرنا باسمك ونسبك؟ # فقال: يا بقية القاسطين! أنا من بني آدم، فقالوا: كلنا من بني آدم، فمن أنت منهم؟ فقال: لا أحب أن أعرفكم نفسي يا محرقي البيت الحرام! قال: ثم جعل يرتجز ويقول: # إني إلى الله من الذنب أفر * أنوي ثواب الله فيمن قد أسر وأضرب القرن بمصقول (2) بتر * ولا أبالي كلما كان قدر قال: ثم حمل عليهم، فأحدقوا به فقتلوه، ثم عرف بعد ذلك فقال رجل من أهل الشام: هذا عبيد الله بن عبيد الرافعي (3)، هذا فارس مزينة قاطبة. # قال: فعندها عزم أهل العراق على التنحي من أيدي أهل الشام، ثم إنهم دفنوا قتلاهم في جوف الليل وسووا عليهم الأرض لكي لا يعرفوا، وخرج القوم ليلا يريدون العراق، فكانوا لا يمرون بجسر إلا جازوا عليه وقطعوه، ولا يجوزون على قنطرة إلا كسروها وغوروها (4). # قال: فأصبح أهل الشام فلم يروا منهم أحدا فخبروا بذلك أميرهم الحصين بن نمير السكوني فلم يبعث في طلبهم حتى وصلوا إلى قرقيسيا، فأقاموا بها أياما واستراحوا، ثم ساروا منها إلى هيت، وقد مات منهم في الطريق جماعة. قال: # فخرج إليهم عبد الله بن يزيد الأنصاري أمير الكوفة فاستقبلهم وعزاهم. # PageV06P224 # قال: وخرج إليهم أيضا المختار بن أبي عبيد فعزاهم (1) وقال: أبشروا فقد فضيتم ما عليكم وبقي ما علينا، ولن يفوتنا منهم من بقي إن شاء الله تعالى. # انقضاء حديث عين الوردة وما كان [بها -] من الحروب. ### | ابتداء خروج المختار بن أبي عبيد وما كان منه # قال: وأرسل عبد الله بن الزبير إلى عبد الله بن يزيد الأنصاري فعزله عن الكوفة وولى مكانه عبد الله بن مطيع العدوي. قال: فقدم عبد الله بن مطيع أميرا على الكوفة وذلك في رمضان ms0927 من سنة خمس وستين ليلة الخميس لثلاث (2) بقين من الشهر، فدخل إلى قصر الإمارة، فلما كان من الغد نادى في الناس أن يحضروا المسجد الأعظم، فحضروا وفيهم يومئذ المختار بن أبي عبيد وجماعة من أصحابه الذي كانوا بايعوه، وجاء عبد الله بن مطيع فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال (3): أما بعد يا أهل الكوفة! فإن أمير المؤمنين بعثني أميرا عليكم وأمرني بحياطة مصركم، فاتقوا الله عباد الله ولا تختلفوا، وإن لم تفعلوا فلا تلوموني ولوموا أنفسكم والسلام، فو الله لأوقعن بالسقيم العاصي، ولأقيمن أود (4) المرتاب. # قال: فالتفت المختار إلى من كان حوله من الشيعة فقال: إنه قد تكلم بما قد سمعتم، فقوموا فردوا عليه ولا تمهلوه! قال: فوثب إليه السائب بن مالك الأشعري فقال: أيها الأمير! إنا قد سمعنا كلامك، إن أمير المؤمنين أمرك أن لا تحمل عنا ونحن نشهدك أن لا نرضى أن تحمل علينا فيئنا ولكن يكون ذلك في فقرائنا، وأما ما # PageV06P225 # ذكرت من سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وسيرة عثمان بن عفان فلسنا نقول في القوم إلا خيرا (1) غير أنا نحب أن تسير فينا سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فليس علي عندنا بدون عمر ولا عثمان، وإن فعلت ذلك وإلا فلست لنا بأمير ولا نحن لك برعية - والسلام -. # قال: وتكلم عامة الناس بما تكلم به السائب بن مالك الأشعري وقالوا: # أحسنت يا سائب! فلا يعدمك المسلمون! قال: فقال عبد الله بن مطيع: يا هؤلاء! # اسكتوا، فو الله ما نسير فيكم إلا بما تحبون. # قال: ثم نزل عن المنبر ودخل إلى منزله وأقبل إليه إياس بن (2) مضارب العجلي وهو صاحب شرطته، فقال: أصلح الله الأمير! إن الذي اعترض عليك في المسجد وقال ما قال هو رجل من الأشعريين من رؤساء أصحاب المختار، ولست آمن المختار أن يخرج عليك في عملك هذا، ولكن ابعث إليه الساعة فادعه إليك، فإذا جاءك فاحبسه إلى أن يستقيم أمر الناس، ومعه قوم من أهل مصرك هذا ms0928 قد بايعوه سرا، وكأنك به وقد خرج عليك ليلا ونهارا. قال: فدعا عبد الله بن مطيع برجلين من أصحابه: أحدهما زائدة بن قدامة، و [الآخر] الحسين بن عبد الله الهمداني، وقال لهما: انطلقا إلى المختار فادعواه (3) إلي! قال: فأقبلا حتى دخلا على المختار، فسلما عليه ثم قالا: يا أبا إسحاق! أجب الأمير، فإنه يدعوك لأمر أحب فيه مشورتك. قال: فعمزه زائدة بن قدامة (4) وفهمها المختار فقال (5): يا غلام! # الق علي ثقيلا، فإني أجد في نفسي. قال: ثم رمى نفسه وتمثل بهذا البيت: # إذا ما معشر كرهوا أمورا (6) * ولم يأتوا الكريهة لم يهابوا ثم قال: ارجعا إلى الأمير فأعلماه حالي وما أجد في بدني. فقال له زائدة بن # PageV06P226 # قدامة: إني فاعل ذلك يا أبا إسحاق! قال المختار: وأنت يا أخا همدان فأعذرني عنده، فإنه خير لك عندي! فقال الهمداني: أفعل ذلك ولا أخبر الأمير عنك إلا ما تحب. ثم أقبلا حتى دخلا على عبد الله بن مطيع فخبراه بعلة المختار، فصدقهما ولها عن ذكر المختار. # قال: وجعل المختار يجمع أصحابه ويقول: تهيأوا وكونوا على أهبة الخروج والطلب بدماء أهل بيت نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ### | ذكر خروج الشيعة إلى محمد ابن الحنيفة يسألونه (1) عن المختار # قال: فخرج جماعة منهم (2) حتى قدموا إلى مكة على محمد بن علي، فلما دخلوا عليه وسلموا رد عليهم السلام وقربهم وأدناهم وقال: ما الذي أقدمكم إلى مكة وما هذا وقت الحج؟ فقالوا: حاجة مهمة، فقال محمد بن علي: أفعلانية أم سرا؟ # فقالوا: بل سرا، فتنحى معهم ناحية من مجلسه، ثم قالوا له: أنتكلم؟ فقال: # تكلموا، فقالوا له (3): فداك يا بن أمير المؤمنين! إنكم أهل بيت قد خصكم الله بالفضل، وأماط عنكم الجهل، وقد أصبتم بأبي عبد الله الحسين بن علي رضي الله عنهما مصيبة قد [عظمت] بالمؤمنين، وقد قدم علينا المختار بن أبي عبيد ذكر أنه قد جاءنا من قبلك، وأنك الذي أرسلته إلينا لتطلب بدم الحسين، وهو مقيم بين أظهرنا من قبل أن ms0929 يقتل سليمان بن صرد وأصحابه، وقد بايعناه وعزمنا على الخروج معه لنأخذ بدمائكم أهل البيت، غير أنا أحببنا أن نستطلع رأيك في ذلك، فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه، وإن نهيتنا عنه اجتنبناه. # فقال محمد: أما ما ذكرتم من الفضل الذي خصصنا به فذاك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، وأما ما ذكرتم من مصيبتنا بالحسين بن علي رضي الله عنه فذلك # PageV06P227 # في الكتاب مسطور، وأما ما ذكرتم من أمر المختار بن أبي عبيد فو الله لقد وددت أن الله تعالى قد انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه - والسلام -. قال: فودعه القوم وخرجوا من عنده وهم يقولون: قد رضي بذلك ولو لا أنه رضي بالمختار لكان نهانا عن ذلك. # قال: والمختار قد علم بخروجهم إلى محمد بن علي، فعظم (1) ذلك عليه وخشي أن يأتيه من محمد ابن الحنفية ما يحرك الناس (2) عنه. فلما قدموا أرسل إليهم فدعاهم، ثم قال: هاتوا ما عندكم! فقالوا: عندنا أنا أمرنا باتباعك والخروج معك. قال المختار: الله أكبر! أنا أبو إسحاق أنا جرار القاسطين. # ثم أرسل المختار إلى وجوه الشيعة فجمعهم في داره، فلما اجتمعوا حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، يا شيعة آل محمد المصطفى! إن نفرا منكم أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به إليكم، فرحلوا (3) إلى أبي القاسم الإمام المهدي، فاستخبروه عما جئت به إليكم، فخبرهم أني وزيره وظهيره، وقد أمركم باتباعي وطاعتي فيما (4) أدعوكم إليه والطلب بدماء أهل بيت نبيكم - والسلام -. # قال: فتكلم عبد الرحمن بن شريح الهمداني فقال: أيها الناس! إنا أحببنا أن نستخبر لأنفسنا خاصة ولكم عامة، فقدمنا مكة إلى أبي القاسم محمد بن علي، فخبرناه بخبر المختار بن أبي عبيد، فأمر بمظاهرته وموازرته وبإجابته إلى ما دعانا إليه (5). # قال: فبايعه الناس. فقال المختار. فقال المختار لأصحابه: ما تقولون في ابن الأشتر؟ # فقالوا: نقول إنه سيد قومه بهذا المصر، فإن هو ساعدنا على أمرنا نرجو بعون الله النصرة على عدونا، فإنه رجل شريف وابن شريف، وبعد ms0930 فإنه بعيد الصوت (6) في قومه وذو عز وعشيرة وعدد. قال المختار: فصيروا إليه، كلموه وادعوه إلى ما نحن # PageV06P228 # عليه، وأعلموه أن الذي أمرنا به من الطلب بدماء أهل البيت ورغبوه في ذلك، فإن فعل وإلا صرت إليه أنا بنفسي. ### | ذكر بيعة إبراهيم بن الأشتر للمختار ابن أبي عبيد # قال: فخرج جماعة من أهل الكوفة من أوجههم (1)، وفيهم يومئذ أبو عثمان النهدي وعامر الشعبي ومن أشبههما، حتى صاروا إلى ابن الأشتر فدخلوا إليه وسلموا عليه، فرد عليهم السلام ورفعهم وقرب مجلسهم، ثم قال: تكلموا بحاجتكم! # فقالوا (2): يا أبا النعمان! إنا أتيناك في أمر نعرضه عليك وندعوك إليه، فإن قبلته كان (3) الحظ فيه لك، وإن تركته فقد أدينا إليك النصيحة، ونحن نحب أن (4) نكون عند مشورتك. فتبسم إبراهيم بن الأشتر وقال: إن مثلي لا يخاف غائلته (5)، وإنما يفعل ذلك الصغار الأخطار الدقاق همما، فقولوا ما أحببتم. قال: فقالوا له: إن الأمر على ما ذكرت وأحببت. ثم تكلم أحمر (6) بن شميط البجلي وقال: يا أبا النعمان! إني لك ناصح وعليك مشفق، وإن أباك رحمة الله عليه هلك يوم هلك وهو سيد الناس في محبة أهل البيت، وقد دعوناك إلى أمر إن أجبتنا إليه عادت إليك منزلة أبيك في الناس، ويكون في ذلك قد أحييت أمرا كان ميتا، وأنت أولى بذلك فخرا وسؤددا. فقال لهم: قد أجبتكم إلى ما دعوتم إليه من الطلب بدماء أهل البيت صلوات [الله] عليهم على أنكم تولوني هذا الأمر. قال: فقال له يزيد (7) بن أنس: # والله إنك لأهل ذلك ومحله ولكنا بايعنا هذا الرجل المختار بن أبي عبيد، لأنه قد جاءنا من عند أبي القاسم محمد بن علي، وهو الأمير والمأمور بالقتال، وقد أمرنا بطاعته، وليس إلى خلافه من سبيل. قال: فسكت عنهم إبراهيم بن الأشتر ولم يجبهم إلى شيء. # PageV06P229 # فلما رأوه لم يرد عليهم جوابا وثبوا وانصرفوا إلى المختار فخبروه بذلك. قال: # فسكت عنه المختار ثلاثة أيام، ثم دعا بجماعة من أصحابه الذين وثق بهم، وخرج بهم ليلا ms0931 حتى أتى منزل إبراهيم بن الأشتر، ثم استأذن عليه فأذن له، فدخل المختار ومن معه، فأجلسهم على الوسائد، وجلس المختار مع ابن الأشتر على فراشه، ثم تكلم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: # أما بعد يا أبا النعمان! فإني ما قصدتك في وقتي هذا إلا لأن هذا كتاب المهدي إليك يدعوك إلى الطاعة، فإن أبيت فهذا الكتاب حجة عليك وسيغني الله المهدي وشيعته عنك، وإن فعلت ذلك فقد أصبت حظك ورشدك، وهذا الكتاب إليك! فقام الشعبي إلى إبراهيم بن الأشتر وناوله الكتاب وفيه (1): أما بعد فقد وجهت إليك بوزيري وأميني الذي ارتضيته لنفسي المختار بن أبي عبيد وقد أمرته بقتال عدوي والطلب بدم أخي، فإن ساعدته كان لك عندي يد عظيمة ولك بذلك أعنة الخيل من كل جيش غاز (2) وكل (3) مصر ومنبر من الكوفة إلى أقاصي أرض الشام ومصر، ولك بذلك الوفاء بعهد الله وميثاقه، وإن أبيت ذلك هلكت هلاكا لا تستقيله أبدا - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # قال: فلما بلغ إبراهيم بن الأشتر آخر الكتاب أقبل على المختار بن أبي عبيد فقال: يا أبا إسحاق! إني كتبت إلى محمد بن علي قبل ذلك اليوم وكتب إلي فما كان يكاتبني إلا باسمه واسم أبيه، وقد أنكرت ههنا قوله المهدي. قال فقال له المختار: صدقت أبا النعمان! ذلك زمان وهذا زمان (4). قال: فبسط المختار يده فبايعه ابن الأشتر. ثم دعا بأطباق فيها فاكهة كثيرة فأكلوا، ثم أمر بشراب من عسل غير سكر فشربوا، ثم قال: يا غلام! علي بداوة وبياض! فقال: يا شعبي! اكتب إلي أسماء هؤلاء الشهود بأجمعهم، فقال الشعبي: وما تصنع بهذا رحمك الله؟ # فقال: على حال أحب أن تكون أسماؤهم عندي. فقال: وكتب الشعبي أسماءهم ودفعهم إليه. ثم قال المختار فخرج وخرج معه أصحابه ومعهم إبراهيم بن الأشتر إلى # PageV06P230 # باب الدار، ومضى المختار إلى منزله. # فلما أصبح أرسل إلى الشعبي فدعاه وقال: إني أعلم أنك لم تشاهد البارحة بما ms0932 شهد أصحابي لا أنت ولا أبوك، فما منعكما عن ذلك؟ قال: فسكت الشعبي ولم يقل شيئا، فقال له المختار: تكلم بما عندك، أترى هؤلاء الذين شهدوا البارحة علي على حق شهدوا أم على باطل؟ فقال الشعبي: لا والله يا أبا إسحاق! ما أدري غير أنهم سادة أهل العراق وفرسان الناس ولا أظنهم شهدوا إلا على حق. وكان قد علم وتيقن أن المختار كتب ذلك من نفسه. # قال: وجعل إبراهيم بن الأشتر يختلف إلى المختار في كل ليلة فيجلس عنده ثم ينصرف إلى منزله فلم يزالوا كذلك أياما يدبرون أمرهم بينهم حتى اجتمعت لهم آراؤهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الآخر (1) سنة ست وستين. # قال: فوطنوا أنفسهم على ذلك هم وشيعتهم، فأقبل إياس بن مضارب (2) العجلي وهو صاحب شرطة عبد الله بن مطيع فدخل عليه وقال: أصلح الله الأمير! # إن المختار بن أبي عبيد خارج عليك لا محالة، وذلك أنه قد بايعه إبراهيم بن الأشتر، وفي ديوانه بضعة عشر (3) ألف رجل ما بين فارس وراجل، فخذ حذرك. # قال: فأرسل عبد الله بن مطيع إلى قواده فجمعهم ثم أخبرهم بالذي اتصل به من أمر المختار وما يريد من الخروج عليه، ثم قال: أريد منكم أن يكفيني كل رجل منكم ناحيته التي هو فيها، فإن سمعتم الأصوات قد علت في جوف الليل فتوجهوا إليهم بالخيل واكفوني أمرهم، فقالوا: نفعل ذلك أيها الأمير! فلا يهولنك أمر المختار ولا من بايعه، فإنما بايعه شرذمة من هؤلاء الترابية. ثم خرج القوم من عنده فصار عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني إلى جبانة (4) السبيع من همدان، فصار كعب بن أبي كعب إلى جبانة بشر، وصار زحر بن قيس إلى جبانة كندة (5) والشمر بن ذي # PageV06P231 # الجوشن عليه لعنة الله إلى جبانة سالم، وعبد الرحمن بن مخنف بن سليم إلى جبانة الصائدين (1)، ويزيد (2) بن الحارث بن رؤيم إلى جبانة مراد، وشبث (3) بن ربعي إلى جبانة السبخة. قال: فنزل هؤلاء القواد في هذه ms0933 المواضع من الكوفة في يوم الاثنين في الآلة والسلاح. ### | ذكر وقعة خروج المختار # قال: وخرج إبراهيم بن الأشتر تلك الليلة وهي ليلة الثلاثاء من منزله بعد عشاء الآخرة يريد دار المختار، وقد بلغه أن الجبانات (4) شحنت بالخيل والرجال، والشرط قد أحاطوا بالأسواق، قال: فجعل إبراهيم بن الأشتر يسير (5) في نحو مائة رجل من بني عمه عليهم الدروع وقد ظاهروها (6) بالأقبية حتى صاروا إلى دار عمرو بن حريث المخزومي وجازوها إلى دار سعيد بن قيس الهمداني رضي الله عنه ثم إلى درب أسامة إذ هم بإياس بن مضارب (7) العجلي صاحب الشرطة، وقد أقبل فاستقبلهم في نفر من أصحابه في أيديهم السلاح وقال: من هؤلاء؟ فقال إبراهيم بن الأشتر: نحن هؤلاء فامض (8) لشأنك! قال: وما هذا الجمع الذي مضى معك يا بن الأشتر، فو الله إن أمرك لمريب، وقد بلغني أنك تمر ههنا في كل ليلة في جمعك هذا، ولا والله لا تزايلني أو آتي بك الأمير فيرى فيك رأيه، فقال ابن الأشتر: خل ويلك سبيلنا وامض لشأنك! أنك تأتي بي الأمير؟ فقال: نعم والله ولا صرت إلا معي إلى الأمير! فقال له إبراهيم: يا عدو الله ألست من قتلة الحسين بن علي. قال: # فالتفت إبراهيم إلى رجل من أصحاب إياس بن مضارب يكنى أبا قطن الهمداني (9) فتناول رمحه من يده ثم حمل على إياس بن مضارب فطعنه طعنة في صدره نكسه عن # PageV06P232 # فرسه، ثم قال لأصحابه، انزلوا فحزوا رأسه! قال: فنزل (1) أصحاب إبراهيم بن الأشتر إلى إياس بن مضارب فحزوا رأسه ومضى (2) أصحابه هاربين على وجوههم (3). # وأقبل إبراهيم بن الأشتر إلى المختار فدخل عليه، فقال قوم: أيها الأمير! إنا كنا قد عزمنا على أن نخرج ليلة الخميس وقد حدث أمر لا بد من الخروج له، فقال المختار: وما القصة؟ قال: استقبلني إياس بن مضارب في جماعة من أعوانه فكلمني بكذا وكذا فقتلته وهذا رأسه مع أصحابي على الباب، فقال له المختار: # بشرك الله بالخير فهذا أول الظفر إن شاء الله تعالى. ms0934 قال: ثم صاح المختار برجل من أصحابه فقال: يا سعيد بن منقذ! قم فاشعل النيران في هوادي (4) القصب! وقم يا عبد الله (5)! فناد (6): يا منصور أمت يا منصور أمت! وقم أنت يا سفيان بن ليل (7) وأنت يا قدامة بن مالك! فناديا (8) في الناس: يا لثأرات الحسين بن علي! ثم قال: # يا غلام علي بدرعي وسلاحي، فجعل المختار يصب الدرع على بدنه وهو يقول: # قد علمت بيضاء [حسناء -] (9) الطلل * واضحة الخدين عجزاء الكفل أني غداة الروع مقدام بطل * لا عاجز فيها ولا وغد فشل قال: ثم خرج المختار من منزله على فرس له أدرهم أغر محجل ومعه إبراهيم ابن الأشتر على كميت له أرثم وقد رفعت النار بين أيديهم في هوادي القصب والناس # PageV06P233 # ينادون من كل موضع: يا لثأرات الحسين بن علي! قال: فالتأم (1) الناس إلى المختار في جوف الليل من كل ناحية، وجاءه عبيد الله بن الحر في قومه وعشيرته. # قال: فجعل إبراهيم بن الأشتر ينتخب السكك التي فيها الأمراء والجند الكثير فيهجم عليهم هو والمختار وعبيد الله بن الحر ومن معهم من أجنادهم فيكشفونهم كشفة بعد كشفة والمختار يقول في خلال ذلك: اللهم إنك تعلم أننا إنما غضبنا لأهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، اللهم فانصرنا على من قتلهم وتمم لنا دعوتنا إنك على كل شيء قدير. قال: وإذا برجل من أصحاب عبد الله بن مطيع يقال له سويد بن عبد الرحمن أقبل في خيل عظيمة، فنظر إليه إبراهيم بن الأشتر فقال: مكانك أيها الأمير في موضعك هذا (2) ودعني وهؤلاء القوم، فقال: ثم نادى ابن الأشتر في أصحابه وقال: # يا شرطة الله إلي إلي. قال: فأحاطت به بنو أمية عمه من قبائل مذحج والنخع، فقال لهم: انزلوا عن دوابكم فإنكم أولى بالنصر والظفر من هؤلاء الفساق الذين خاضوا في دماء أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فنزل (3) الناس عن دوابهم ونزل معهم ابن الأشتر بنفسه، ثم دنوا من أصحاب عبد الله (4) بن مطيع ms0935 وطاعنوهم طعانا عنيدا، وضاربوهم ضرابا شديدا، وهزموهم حتى بلغوا بهم إلى الكناس (5). ثم استوى ابن الأشتر وأصحابه على دوابهم وأقبلوا نحو المختار فأخذوا على مسجد الأشعث بن قيس ثم على مسجد جهينة ثم في السكة التي ينتهي منها إلى دار أبي عبيد الله الجدلي حتى خرجوا إلى الموضع الذي فيه المختار وأصحابه، فاشتد القتال هنالك وعلت الأصوات وإذا بشبث (6) بن ربعي الرياحي وحجار بن أبجر (7) العجلي قد أقبلوا في قبيلة عظيمة من أصحاب عبد الله (8) بن مطيع، قال: وكبر إبراهيم بن الأشتر تكبيرة وحمل وحمل (9) معه أصحابه وكشفوهم حتى تفرقوا في الأزقة. قال: # PageV06P234 # وأقبل [أبو] (1) عثمان النهدي في قومه من بني نهد وفي يده راية صفراء وهو ينادي: # يا لثأرات الحسين بن علي! إلي إلي أيها الحي المهتدون! فأتت إليه الناس من كل ناحية فحملوا وحمل على أصحاب عبد الله بن مطيع. قال: فلم تزل الناس في تلك الليلة في قتال تذكروا فيها ليلة الهرير بصفين إلى أن أصبحوا. قال: ونظر المختار إلى الفجر وقد طلع فنادى في أصحابه، وخرج من الكوفة حتى نزل ظهر دير هند مما يلي بستان زائدة في السبخة (2)، قال: وجعل (3) الناس يخرجون إليه من كل ناحية على كل صعب وذلول، حتى التأم (4) إليه الناس. # قال: وجعل عبد الله (5) بن مطيع يوجه إليه بالكراديس كردوسا بعد كردوس، فأول كردوس زحف إلى المختار شبث (6) بن ربعي الرياحي في أربعة آلاف، وراشد بن إياس بن مضارب العجلي في ثلاثة آلاف، وحجار بن أبجر (7) العجلي في ثلاثة آلاف، والغضبان بن القبثري في ثلاثة آلاف، والشمر بن ذي الجوشن في ثلاثة آلاف، وعكرمة بن ربعي في ألف، وشداد بن المنذر في ألف، وسويد بن عبد الرحمن (8) في ألف، قال: فزحفت الخيل نحو المختار في عشرين ألف فارس أو يزيدون. # قال: وأشرف رجل (9) من أصحاب المختار على حائط من حيطان الكوفة فجعل ينظر إلى هذه العساكر وقد وافت، فقوم قد صلوا وقوم لم يصلوا بعد وإذا بإمام بين أيدي القوم وهو ms0936 يقرأ بهم (إذا زلزلت الأرض زلزالها) (10) فقال هذا الرجل الذي هو من أصحاب المختار: أرجو أن يزلزل الله بكم سريعا إن شاء الله تعالى! قال: # ثم قرأ في الركعة الثانية بأم الكتاب [و] (والعاديات ضبحا) (11) فقال هذا الرجل # PageV06P235 # الذي هو من أصحاب المختار: الغارة عليكم سريعا إن شاء الله. قال: فلما سلم الإمام قال له رجل من أصحابه: يا هذا! لو كنت قرأت بنا سورتين أطول من هاتين قليلا؟ قال: فسمعه شبث (1) بن ربعي الرياحي فقال: يا سبحان الله العظيم! أترون الترك والديلم قد نزلوا بساحتكم! وتقول: لو قرأت بنا سورتين أطول من هاتين! # نعم، قد كان يجب عليه أن يقرأ بكم البقرة وآل عمران. # قال: وأقبل سعر بن أبي سعر الحنفي إلى المختار فقال: أيها الأمير! إنه قد وافتك عساكر عبد الله (2) بن مطيع يتلو بعضها بعضا مستعدين للحرب عازمين على الموت، فاصنع ما أنت صانع! فقال له المختار: يا أخا بني حنيفة! فإن الله تبارك وتعالى يكسر شوكتهم ويهزمهم الساعة إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: وأصحرت العساكر من الكوفة، وكان كلما ينظر إلى قائد من أصحابه أخرج إليه المختار بقائد من قواده في مثل قوته وعدته (3). قال: واختلط القوم فجعل إبراهيم بن الأشتر يحمل من ناحية وعبيد الله بن الحر يحمل من ناحية أخرى، والمختار مرة يحرض الناس على القتال ومرة يحمل ويقاتل (4)، حتى إذا كان وقت الضحى انهزم أصحاب عبد الله (5) بن مطيع هزيمة قبيحة وقتل منهم جماعة، فصاح بهم شبث (6) بن ربعي الرياحي فقال: شوه لكم يا حماة السوء! ويلكم تنهزمون من عبيدكم وأراذلكم! قال! فتراجع (7) إليه الناس فاقتتلوا ساعة، وأخذ رجل من أصحاب المختار أسيرا، فأتي به إلى شبث بن ربعي الرياحي حتى أوقف بين يديه، فقال له شبث: من أنت؟ قال: أنا خليد مولى حسان بن محدوج الذهلي (8) فقال له # PageV06P236 # شبث: يا بن كذا وكذا! أتركت بيع الصحناة (1) بالكناس ثم بايعت المختار الكذاب على قتال من أعتق رقبتك من الرق! قال: ms0937 ثم قدمه شبث بن ربعي فضرب عنقه صبرا. # قال: ووقعت الهزيمة ثانية على أصحاب عبد الله بن مطيع حتى دخلوا أزقة الكوفة. فأقبل المختار في عساكره حتى وقف على أفواه السكك وأمر أصحابه بالقتال، فاقتتلوا قتالا لم يسمع به ولا بمثله. قال: وجعل السائب بن مالك الأشعري ينادي (2): ويحكم يا شيعة آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! إنكم قد كنتم تقتلون قبل اليوم، وتقطع أيديكم وأرجلكم من خلاف، وتسمل أعينكم، وتصلبون أحياء على جذوع النخل، وأنتم إذ ذاك في منازلكم لا تقاتلون أحدا، فما ظنكم اليوم بهؤلاء القوم إن هم ظهروا عليكم! فالله الله في أنفسكم وأهاليكم وأموالكم وأولادكم! # قاتلوا أعداء الله المحلين، فإنه لا ينجيكم اليوم إلا الصدق واليقين، والطعن الشزر، والضرب الهبر (3)، ولا يهولنكم ما ترون من عساكر هؤلاء القوم فإن النصر مع الصبر. قال: فعندها رمت الناس بأنفسهم عن دوابهم، قال: ثم جثوا على الركب وشرعوا الرماح وجردوا الصفاح وفوقوا السهام وثار القتام، واصطفقوا بالصفوف إصطفاقا، وتشابك (4) القوم اعتناقا، فصبر القوم بعضهم لبعض ساعة، وقتل من الفريقين جماعة، وانهزم أصحاب عبد الله (5) بن مطيع، واقتحم المختار وأصحابه الكوفة، وعلت الأصوات وتصايح المشايخ والنساء من فوق البيوت ونادوا: يا أبا إسحاق! الله الله في الحرم! قال: فصاح عليهن: لا بأس عليكن، الزموا منازلكن، فأنا السليط على المحلين الفاسقين أولاد الفاسقين. # قال: وجعل عبد الله بن مطيع ينادي بأعلى صوته: أيها الناس! إن من أعجب العجائب عندي عجزكم عن عصبة منكم قليل عددها، خبيث دينها، ضالة مضلة، يقاتلونكم على غير حق شجاعة منهم وجرأة على هذا الخلق، كروا (6) # PageV06P237 # عليهم وامنعوا حريمكم ومصركم ودينكم. قال: فبينا عبد الله بن مطيع كذلك يشجع أصحابه ويحرضهم على القتال إذ بإبراهيم بن الأشتر وعبيد الله بن الحر قد أقبلا في قريب من أربعة آلاف فارس ما يرى منهم إلا الحدق. فلما نظر إبراهيم بن الأشتر إلى عبد الله بن مطيع نادى بأعلى صوته: أنا إبراهيم بن الأشتر! أنا ابن الأفعى الذكر! ms0938 ثم التفت إلى أصحابه فقال: شدوا عليهم فداكم عمي وخالي! ولا يهولنكم أسماء قوادهم: شبث بن ربعي وحجار بن أبجر (1) والغضبان بن القبثري وسويد بن عبد الرحمن وفلان وفلان، فو الله لئن أذقتموهم حر الصفاح وشباة الرماح ولا وقفوا لكم أبدا، إيه فداكم أبي وأمي. # قال: ثم حمل ابن الأشتر وعبيد الله بن الحر وحمل الناس معهم، وحمل المختار من ناحية أخرى، وانهزم الناس حتى صاروا إلى باب المسجد الجامع، ودخل عبد الله بن مطيع إلى قصر الإمارة في حشمه وغلمانه ونفر من خاصة أصحابه، وأمر بباب القصر فغلق، وتفرق الناس وصاروا إلى منازلهم هاربين، وأقبلت الخيل حتى أحدقت بالقصر (2) فقال عبد الله بن مطيع: أيها الناس! إنه ربما غلب أهل الباطل على أهل الحق، وقد ترون غلبة المختار، فهاتوا الآن أشيروا علي برأيكم! # قال: فقال شبث بن ربعي: أصلح الله الأمير! الرأي عندي أن تأخذ لنفسك من هذا الرجل أمانا ثم تخرج إليه ونخرج معك، وإلا دام الحصار علينا في هذا القصر. # فقال عبد الله بن مطيع: والله إني لأكره لنفسي أن آخذ منه أمانا والأمور لأمير المؤمنين مستقيمة بأرض الحجاز وأرض البصرة وبلاد المشرق عن آخره. قال فقال له شبث بن ربعي: أيها الأمير! فتخرج إذا من القصر ولا يشعر بك أحدا فتصير إلى من تثق به من أهل هذا القصر فتنزل عنده أياما حتى يستقر المختار ويسكن شرة أصحابه فتخرج وتلحق بأصحابك. وأشار عامة من معه في القصر بمثل هذا. # فلما كان الليل جمع إليه أصحابه، ثم حمد الله وأثنى عليه وقال (3): أما أنتم فجزاكم الله عني خيرا وعن أمير المؤمنين! وبعد فإني ما علمتكم إلا سامعين مطيعين وناصحين، وإنما خرج علي سفهاؤكم وعبيدكم، وأنا مبلغ ذلك صاحبي عنكم # PageV06P238 # ومعلمه طاعتكم وما أشرتم به علي من صلاح أمري. قال فقال له شبث بن ربعي: # وأنت أيها الأمير فجزاك الله عنا خير الجزاء! فو الله لقد عففت عن أموالنا، وأكرمت أشرافنا، ونصحت لصاحبك وقضيت الذي وجب عليك، ولا ms0939 والله أصلح الله الأمير ما كنا بالذين نفارقك أبدا إلا ونحن منك (1) في إذن: قال فقال عبد الله بن مطيع: # أنتم في أوسع الإذن، والله إني لأرجو أن يقتل الله هذا الكذاب قريبا، ثم ترجعون إلى مراتبكم التي كنتم عليها ومنازلكم إن شاء الله سريعا، غير أني قد رأيت الساعة أن أخرج من هذا القصر ولا يتبعني منكم أحد. قال: ثم وثب عبد الله بن مطيع في جوف الليل متنكرا، فخرج من قصر الإمارة في زي امرأة فأخذ على درب الروميين حتى صار إلى دار أبي موسى الأشعري وعلم به آل أبي موسى فآووه وكتموا عليه أمره. # قال: وأصبح من في القصر من أصحاب عبد الله بن مطيع فصاحوا وطلبوا الأمان، وبلغ ذلك إبراهيم بن الأشتر فأعطاهم الأمان، فخرجوا من القصر وأقبلوا إلى المختار فبايعوه وأخبروه بخروج عبد الله بن مطيع من القصر، فقال المختار: وما علينا من عبد الله بن مطيع، ذلك رجل كان بالكوفة أميرا فلم يجد بدا من القتال. # قال: ثم نادى المختار في الناس فأعطاهم الأمان، واتصل بهم أن عبد الله بن مطيع قد هرب، فجعل الناس يخرجون إلى المختار فيبايعونه حتى بايعه الناس بأجمعهم (2). ### | ذكر غلبة المختار على الكوفة وبيعة الناس له بها # قال: فعندها فتح المختار بيت المال الذي لعبد الله بن الزبير، فأصاب فيه تسعة آلاف ألف درهم، ثم نادى في الناس: الصلاة جامعة! فاجتمعت الناس إلى # PageV06P239 # المسجد الأعظم وخرج المختار من (1) قصر الإمارة حتى دخل المسجد فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه. ### | ذكر كلام المختار على المنبر # ثم قال: الحمد لله الذي وعد وليه النصر، ووعد عدوه الخسر والخذل والختر، وجعله فيه إلى آخر الدهر قضاء مقضيا، [و] وعدا مأتيا، وقولا مقبولا، وأمرا مفعولا، وقد خاب من افترى، أيها الناس! قد مدت لنا غاية، ورفعت لنا راية، فقيل لنا في الراية أن ارفعوها ولا تضعوها، وفي الغاية أن (2) خذوها ولا تدعوها، فسمعنا دعوة الداعي وقبلنا قول الراعي (3)، فكم من ناع وناعية لقتلى ms0940 في الواعية! ألا! فبعدا لمن طغى وبغى، وجحد ولغى، وكذب وعصى، وأدبر وتولى، ألا! فهلموا عباد الله إلى بيعة الهدى، ومجاهدة الأعداء والذب عن الضعفاء من آل محمد المصطفى، على قتال المحلين، وأنا الطالب بدم ابن بنت نبي رب العالمين، أما! ومنشئ السحاب، الشديد العقاب، السريع الحساب، منزل الكتاب، العزيز الوهاب، القدير الغلاب، لأنبشن قبر ابن شهاب، المفتري الكذاب، المجرم المرتاب! ولأنفين الأحزاب، إلى دار بلاد الأعراب! ثم ورب العالمين، ورب البلد الأمين، وحرمة طور سينين، لأقتلن الشاعر الهجين، أعسى الباغضين، وشويعر الحنظلين، وزاجر البارقين، وابن همام اللعين، وأولياء الكافرين، وأعوان الظالمين، وبقايا القاسطين، وإخوان الشياطين، الذين اجتمعوا على الأباطيل، وتقولوا على الأقاويل، وتمثلوا بالأماثيل، وجاؤوا بالأماحيل، وتسكعوا في الأضاليل، بأقوال المجاهيل، الكذبة الأراذيل! ألا! فطوبى لعبد الله، وعبيد وأخي ليلة الطريدة، ولذي الأخلاق الحميدة، والعزائم الشديدة. # والمقالات الرشيدة، والأفاعيل السديدة، والآراء العتيدة، والنفوس السعيدة. # قال: ثم قعد على المنبر ووثب قائما وقال: أما! والذي جعلني بصيرا، ونور قلبي تنويرا، لأحرقن بالمصر دورا! ولأنبشن بها قبورا! ولأشفين بها صدروا! # ولأقتلن جبارا كفورا، ملعونا وغدورا! وكفى بالله هاديا ونصيرا، وعن قليل ورب # PageV06P240 # الحرم، والبيت المحرم، والركن المكرم، والمسجد المعظم، وحق النون والقلم، ليرفعن لي العلم، من الكوفة إلى إضم، إلى أكناف ذي سلم، من العرب والعجم! ثم لأتخذن من بني تميم أكثر الخدم. # قال: ثم نزل عن المنبر فصلى ركعتين بالناس ودخل إلى قصر الإمارة واحتفل عليه الناس بالبيعة، فلم يزل باسطا يده والناس يبايعونه على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم والطلب بدماء أهل البيت، والمختار يقول: تقاتلون من قاتلنا، وتسالمون من سالمنا، والوفاء عليكم ببيعتنا، لا نقيلكم ولا نسقيلكم، حتى بايع الناس من العرب والموالي وغير ذلك من سائر الناس. # قال: وإذا الخبر قد اتصل به أن عبد الله بن مطيع مختف في دار أبي موسى، قال: فسكت المختار ولم يقل شيئا، حتى إذا كان الليل دعا بعبد الله بن كامل الهمداني ودفع إليه عشرة ms0941 آلاف درهم (1) وقال له: صر إلى دار أبي موسى الأشعري وادخل على عبد الله بن مطيع وأقرءه مني السلام وقل له: يقول لك الأمير: إني قد علمت بمكانك وليس مثلي من أساء إلى مثلك وقد وجهت إليك بما تستعين به على سفرك، فخذه والحق بأهلك وصاحبك. قال: فخرج عبد الله بن مطيع من الكوفة في جوف الليل هاربا واستحيى أن يصير إلى مكة فيعيره عبد الله بن الزبير بفراره من المختار، فصار إلى البصرة وبها يومئذ مصعب بن الزبير نائبا عليها من قبل أخيه عبد الله بن الزبير. # قال: واحتوى المختار على الكوفة فعقد لأصحابه وولاهم البلاد من أرمينية وآذربيجان وأران وحوران والماهين إلى الري وأصفهان، فجعل يجبي خراج البلاد (2). # قال: وكان محمد بن الأشعث بن قيس الكندي عاملا على الموصل من قبل عبد الله بن الزبير، فلما قدم عامل المختار على الموصل لم يكن لمحمد بن الأشعث به طاقة فخرج عن الموصل هاربا، وأقبل إلى قرية يقال لها تكريت فنزلها، ثم كتب # PageV06P241 # إلى عبد الله بن الزبير: أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أيده الله أن عامل المختار قدم الموصل وهو عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني، وقد كنت عزمت على محاربته ومنعه من الدخول إلى البلد، غير أن عامة أصحابي خذلوا واستأمنوا إليه فلم يكن لي بالرجل طاقة، فتنحيت من بين يديه إلى قرية يقال لها تكريت، فنزلتها أنتظر بذلك أمر أمير المؤمنين ورأيه - والسلام -. قال: فكتب إليه عبد الله بن الزبير: أما بعد فقد وصل إلي كتابك وفهمت الذي ذكرت فيه من تنحيك عن البلد، ولا عذر لك عندي في ذلك أن تخلي أرض الموصل وخراجها وحصونها ومزارعها، وتخرج عنها بلا قتال وقد أمرتك عليها، فأنت تأكل منها الكثير وتبعث إلي منها اليسير! فوالله لو لم تقاتلهم (1) مناصحة لأميرك وطلبا للثواب من الله تبارك وتعالى لقد كان يجب عليك أن تقاتل عن بلد أنت أميره! فلم تقاتل غضبا لربك ولا نصرة لإمامك ولا مخافة على سلطانك! ms0942 فسوءة لما أتيت به ولما جاء منك! فلقد عجزت عن عدوك وضيعت ما وليتك - والسلام - ### | ذكر محمد بن الأشعث وقدومه على المختار # قال: وبلغ المختار أن محمد بن الأشعث مقيم بتكريت، فدعا بابنه عبد الرحمن فقال له: أنت في طاعتي وأبوك في طاعة عبد الله بن الزبير، ما الذي يمنعه من المسير إلي والدخول في طاعتي؟ أما والله لقد هممت أن أوجه إليه من يأتيني به يتل تلا فأفعل ما أضمر له في قلبي! أو ليس من قتلة الحسين بن علي! # أو ليس هو الذي قال للحسين يوم كربلا: وأي قرابة بينك وبين محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال فقال له عبد الرحمن: أعز الله الأمير! فأنا أخرج بإذنك فآتيك به شاء أو أبى إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال: فأذن له المختار في ذلك. # فخرج عبد الرحمن من الكوفة حتى قدم على أبيه محمد بن الأشعث وهو نازل بتكريت، فدخل وسلم عليه ثم جلس، فقال له: ما وراءك يا بني؟ قال له: ورائي أن هذا الرجل قد ظهر على الكوفة وسائر البلاد، وقد استوسق له الأمر وأطاعه الناس، وقد سأل عنك وذكرك، أخاف أن يبطش بمن قتل الحسين بن علي فلم يترك منهم أحدا، وأنت ممن سار إلى الحسين، وليس جلوسك ههنا بشيء لأنه ليس معك جيش تمتنع به، وأنت بالكوفة أعز منك ههنا، وبعد فلا والله ما رأيت شيخا # PageV06P242 # يرضى لنفسه بما ترضاه لنفسك! إنك قد أقمت في مثل هذه القرية في غير كثرة من عدد ولا كثيف من جمع ولا إمارة ولا منعة وأنت أنت. قال: فتبسم محمد بن الأشعث ثم قال: يا بني! إني قد علمت أنك لم تأتني ولم تعرضي علي هذا الرأي إلا خوفا من المختار. # قال: ثم أقبل محمد بن الأشعث على من عنده أصحابه وقال: إن ابني هذا له نخل بالكوفة على شاطئ الفرات، وإنما يريد أن أكون أنا مقيما بالكوفة حتى يأمن هو في نخله وماله ms0943 وأنا فلست أبالي بذلك النخل كان أم لم يكن، قال: فلم يزل عبد الرحمن يلين لأبيه في الكلام ويخوفه مرة ويرغبه أخرى حتى أجابه إلى ما أراد. قال: ثم خرج محمد بن الأشعث من تكريت في جماعة من أصحابه وبني عمه حتى قدم الكوفة، ثم دخل على المختار فسلم عليه بالإمارة وقال: أيها الأمير! # الحمد لله الذي نصرك، وأعزك وأظهرك، وبعدوك أظفرك، إذ أنجز دعوتك، وأعلى رتبتك، ورفع منزلتك، فإنك دعوت دعوة هدى وأنجيتنا من الضلالة والعمى، قال: فقال له المختار: أبا عبد الرحمن! إن الذي غضبنا له هو نصرنا، وبعدوه أظفرنا، وإن لربنا تعالى جندا لا يغلب، وملكا لا يسلب، وليس من يوم يأتي بعد يوم إلا والله تعالى معز فيه للمؤمنين مذل فيه للكافرين، حتى يعود الدين كما بدأ. ثم أدناه المختار وأجلسه معه على سريره، ووعده ومناه وأمر له بجائزة سنية، وصرفه إلى منزله. # قال: وجعل المختار يجلس للناس في كل غدوة وعشية فيقضي بين الخصمين، فإذا عاقه عائق أمر شريحا القاضي أن يجلس فيقضي بين الناس (1). # قال: وأحبه الناس حبا شديدا، ودر له جلب البلاد، وحمل إليه الخراج من جميع عماله. قال: ثم أرسل إلى وجوه أصحابه وثقاته، فجمعهم عنده ثم قال: اعلموا أنه ليس يسوغ لي الطعام ولا أحب أن أروى من الماء وقتلة الحسين بن علي أحياء يمشون في هذه الدنيا! وقد استوسق لي الأمر وأطاعني الناس، ولست بالناصر لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن لم أطلب بدمائهم، وأقتل من قتلهم، وأذل من جهل حقهم! ولكن سموهم لي فعلي أن أطهر الأرض منهم. # PageV06P243 ### | ذكر من قتله المختار بالكوفة من قتلة الحسين بن علي رضي الله عنهما وممن شارك في دمه # قال: فجعل أصحابه يسمون رجلا بعد رجل فجعل يؤتى بهم إليه فمنهم من يقطع يديه، ومنهم [من] يقطع رجليه، ومنهم من يقطع يديه ورجليه، ومنهم من يبقر بطنه، ومنهم من يقطع عينيه، ومنهم من يجدع أنفه وأذنيه، ومنهم من يقطع لسانه وشفتيه، ms0944 ومنهم من يضربه بالسياط حتى يموت، ومنهم من يقطع بالسيوف إربا إربا، ومنهم من يضرب عنقه صبرا، ومنهم من يحرق بالنار حرقا. قال: فلم يزل كذلك حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، ومثل بهم كل مثلة (1). # قال: وأقبل قوم من أعوان المختار حتى اقتحموا دار خولي بن يزيد الأصبحي وهو الذي احتز رأس الحسين بن علي رضي الله عنهما، وكانت له امرأة يقال لها العيوف (2) بنت مالك بن غفير الحضرمي، فلما نظرت إلى أصحاب المختار وقد دخلوا دارها فقالت: يا هؤلاء! ما شأنكم وما تريدون؟ فقال لها أبو عمرة (3) صاحب شرطة المختار: لا بأس عليك، أين زوجك؟ فقالت: لا أدري - وأشارت بيدها إلى المخرج (4) -، قال: فدخلوا عليه وإذا هو جالس وعلى رأسه قوصرة، فأخذوه وأتوا به إلى المختار، فقالوا: أيها الأمير! هذا خولي بن يزيد وهو الذي احتز رأس الحسين، قال: فأمر به المختار فذبح بين يديه ذبحا، ثم أمر بجسده فأحرق بالنار. # ثم أتي برجل يقال له بحر بن سليم الكلبي حتى أدخل على المختار فقالوا: # أيها الأمير! هذا الذي أخذ خاتم الحسين! فقطع إصبعه مع الخاتم! فقال: اقطعوا يديه ورجليه ودعوه يشحط في دمه. قال: فلم يزل المختار كذلك حتى فعل بهم الأفاعيل. # PageV06P244 ### | ذكر مقتل عمر بن سعد وابنه حفص # قال: ثم دعا المختار بأبي عمرة صاحب شرطته فقال له: اذهب الساعة في جماعة من أعوانك حتى تهجم على عمر بن سعد فتأتيني به، فإذا دخلت عليه وسمعته يقول: يا غلام! علي بطيلساني، فاعلم أنه إنما يدعو بالسيف، فبادر إليه بسيفك فاقتله وأتني برأسه! قال: فلم يشعر عمر بن سعد إلا وأبو عمرة قد وافاه في أعوانه، فلما نظر إليه بقي متحيرا ثم قال: ما شأنكم؟ فقال: أجب أمير المؤمنين! # فقال: إن الأمير قد علم بمكاني وقد أعطاني الأمان، فهذا أمانه عندي، قد أخذه لي [عبد الله بن] (1) جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، ثم قال: يا غلام علي بالأمان! وإذا فيه " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أمان ms0945 المختار بن أبي عبيد الثقفي لعمر (2) بن سعد بن أبي وقاص، إنك آمن بأمان الله على نفسك (3) وأهلك وولدك وأهل بيتك، ولا تؤاخذ بحدث كان منك قديما ما سمعت وأطعت ولزمت منزلك إلا أن تحدث حدثا، فمن لقي عمر (4) بن سعد من شرطة الله وشيعة آل محمد لا يتعرض له إلا بسبيل خير، شهد على ذلك السائب بن مالك الأشعري وأحمر بن شميط (5) البجلي وعبد الله بن كامل الهمداني وعبد الله بن شداد الجهني ويزيد بن أنس الأسدي وفلان ابن فلان، شهدوا على المختار بن أبي عبيد بالعهد والميثاق والأمان لعمر بن سعد وولده إلا أن يحدث حدثا وكفى بالله شهيدا - والسلام - ". # فقال له أبو عمرة صاحب شرطة المختار: صدقت أبا حفص! قد كنا حضورا عند الأمير أيده الله حين كتب لك هذا الأمان، غير أنه يقول إلا أن يحدث حدثا، ولعمري لقد دخلت المخرج مرار فأحدثت إحداثا، وليس مثل المختار من يغلط، وإنما عنى هذا الإحداث، وليس يجب أن يغنى عن مثلك وقد قتلت ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسين بن علي وابن فاطمة، ولكن أجب الأمير فلعله إنما يدعوك لأمر من الأمور، قال: فإني أفعل، يا غلام علي بطيلساني! فقال أبو عمرة: يا عدو الله! لمثلي يقال هذا، وسل سيفه ثم ضرب ضربة على رأسه، سقط منها على # PageV06P245 # قفاه. ثم [قال] لأعوانه: خذوا رأسه! قال: فأخذوا رأس عمر (1) بن سعد وأتي به حتى وضع بين يدي المختار وابنه حفص بن عمر بن سعد واقف بين يديه، وهو ابن أخت المختار، فقال له المختار: أتعرف هذا الرأس يا حفص؟ قال: نعم هذا رأس أبي ولا خير في العيش من بعده، ثم قال: فقدم حفصا بعمر، قال: فتقدم حفص فضربت عنقه صبرا، ثم وضع رأسه إلى جنب رأس أبيه، فقال المختار: # هذا بالحسين وهذا بعلي بن الحسين ولا سواء، فو الله لو قتلت ثلاثة أرباع قريش لما وفوا بأنملة واحدة من أنامل الحسين رضي الله عنه ms0946 (2). # قال: ثم وجه المختار بالرأسين إلى مكة إلى محمد ابن الحنفية ووجه أيضا مع الرأسين ثلاثين (3) ألف دينار وكتب إليه (4): بسم الله الرحمن الرحيم، للمهدي محمد بن علي، من المختار بن أبي عبيد، سلام عليك، أما بعد فإن الله تبارك وتعالى بعثني نعمة لأوليائكم ونقمة على قاتليكم وأعدائكم، فهم من بين قتيل وأسير طريد، فأحمد الله على ذلك أيها المهدي حمدا تستوجب منه المزيد في العاجلة، والمغفرة في الآجلة، وقد وجهت إليك برأس عمر بن سعد ورأس ابنه حفص بن عمر، وقد قتلت من شارك في دم الحسين بن علي وأهل بيته ممن قدرت عليه بالكوفة، ولن يعجز الله من بقي منهم، ولست أنام ولا يسوغ لي الطعام حتى لا يبقى أحد ممن شارك في دماء أهل بيتك، وأنا أرجو أن يقتل الله عزو جل عبيد الله بن زياد وأصحابه المحلين، فأظهر منه ومن شيعته البلاد، وقد وجهت إليك أيها المهدي ثلاثين (5) ألف دينار لتفرقها على من أحببت من أهل بيتك ومن التجأ إليك من شيعتك، فاكتب إلي في ذلك برأيك اتبعه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # قال: ثم دفع الكتاب والمال والرأسين إلى مسافر بن سعيد الهمداني (6) وظبيان بن عمارة التميمي، وضم إليهما عشرين رجلا، ووجه بهم إلى محمد ابن # PageV06P246 # الحنفية وهو يومئذ بمكة، وهو جالس في نفر من شيعته يحدثهم ويقول لهم: ألا ترون إلى المختار بن [أبي] عبيد يزعم أن محب لنا، وأنه من شيعتنا، وأنه يطلب بدماء أهل البيت، وقتلة الحسين بن علي جلوس على الكراسي يحدثهم ويحدثونه، حتى لقد بلغني عن عمر بن سعد وابنه حفص أنهما يغدوان إليه ويروحان - والله المستعان -. قال: فما خرجت الكلمة من فيه حينا إلا وكتاب المختار قد وافاه مع الرأسين والمال، فلما وضعت الرأسان بين يديه وقرأ الكتاب حول وجهه إلى القبلة وخر ساجدا، ثم رفع رأسه وبسط كفيه وقال: اللهم لا تنس هذا اليوم للمختار! # اللهم واجز به عن أهل بيت نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم ms0947 خير الجزاء! فو الله ما على المختار بعد هذا من عتب! قال: ثم أخذ ذلك المال ففرق منه بمكة ما فرق، ووجه بالباقي إلى المدينة ففرق في أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم من أولاد المهاجرين والأنصار - رضي الله عنهم أجمعين -. ### | ذكر ما جرى بين محمد ابن الحنفية وعبد الله بن الزبير وما كان في أمر البيعة وما كان بينهم من العداوة والبغضاء # قال: ونظر عبد الله بن الزبير إلى المختار وغلبته وغلبته على البلاد فعلم أنه إنما يفعل ذلك بظهر محمد ابن الحنفية، فأرسل إليه أن هلم فبايع فإن الناس قد بايعوا، فأرسل إليه ابن الحنفية: إذا لم يبق أحد من الناس غيري أبايعك، قال: فأبى ابن الزبير أن يتركه وأبى ابن الحنفية أن يبايع، وجرى بينهم كلام كثير، فأرسل ابن الزبير إلى نفر من أصحاب ابن الحنفية فدعاهم ثم قال لهم: إني أراكم لا تفارقون هذا الرجل، فمن أنتم فإني لا أعرفكم؟ فقالوا: نحن قوم من أهل الكوفة (1)، قال: # فما يمنعكم من بيعتي وقد بايعني أهل بلدكم؟ لعله قد غركم هذا المختار الكذاب! # فقالوا: يا هذا! ما لنا وللمختار، إننا لو أردنا أن نكون مع المختار لما قدمنا هذه البلدة، نحن قوم قد اعتزلنا أمور الناس وأتينا هذا الحرم، فنزلناه لكيلا نقتل ولا نقتل ولا نؤذي ولا نؤذى، فنحن ههنا مقيمون عند هذا الرجل محمد بن علي، فإذا اجتمعت الأمة على رجل واحد دخلنا فيما دخل فيه الناس. قال: فقال عبد الله بن # PageV06P247 # الزبير: فأنا لا أفارقكم أو تبايعوا طائعين أو مكرهين، قالوا: فإننا لا نبايع أبدا أو نرى صاحبنا هذا قد بايع. قال: فغضب ابن الزبير ثم قال: ومن صاحبكم؟ فو الله! # ما صاحبكم هذا برضي في الدين، ولا محمود الرأي، ولا راجح العقل، ولا لهذا الأمر بأهل. قال: فقال له رجل من القوم يقال له معاذ بن هانئ: أيها الرجل! إننا لا ندري ما يقول، ولكنا رأيناه على مثل هدانا وأمرنا وطريقتنا، ms0948 وقد اعتزل الناس وما هم فيه، ونحن قعود بهذا الحرم لكيلا نقتل ولا نؤذى إلى أن يجمع الله أمر الأمة على ما شاء من خلقه، فندخل فيما دخل فيه الأسود والأبيض، فأجبناه على ذلك ولزمنا هديه وطريقته ومذهبه، ومع ذلك فإنه لا يعيش والسلام، ولا يكافئ بالسوء، ولا يغتاب الغائب ولا يمكر به، ثم إنه قد أمرنا أن نكف أيدينا ولا نسفك دماءنا، ففعلنا ما أمرنا به، ولعمري يا بن الزبير! لئن لم يخالفك أحد من الناس إلا كخلافنا إياك فإنه لم يدخل عليك في ذلك شيء من الضرر. # قال: ثم تقدم عبد الله بن هانئ وهو أخو هذا المتكلم فقال: يا بن الزبير! # إننا قد سمعنا كلامك وما ذكرت به ابن عمك من السوء، ونحن أعلم به منك وأطول له معاشرة، وهو والله الرجل البر، الطيب الطعمة، الكريم الطبيعة، الطاهر الأخلاق، الصادق النية، وهو من ذلك أنصح لهذه الأمة منك، لأنك أنت رجل تدعو الناس إلى بيعتك، فمن لا يبايعك استحللت ماله ودمه، وهو رجل لا يرى ذلك، وبعد يا بن الزبير فإننا ما خليناك وتركنا هذا الأمر أن تكونوا ولاة علينا إلا لمكان الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لأنكم أولى الناس بمنزلته وميراثه وقيامه في أمته، إذ كنتم من قريش، فإننا سلمنا إليكم هذا الأمر من هذا الطريق، فإن أنتم عدلتم بينكم كما عدلنا عليكم علمت أنت خاصة أن صاحبنا هذا محمد بن علي هو أهل لهذا الأمر وأولى الناس به، لمكان أبيه علي بن أبي طالب، فإن أبيت أن تقر بهذا الأمر أنه مكذب فإننا وجدناه رجلا من صالحي العرب، معروف الحسب، ثابت النسب، ابن أمير المؤمنين، وابن أول ذكر صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فغضب ابن الزبير وقال: # من ههنا أهزؤه وأوجؤه في قفاه! قال ابن هانئ: يا بن الزبير إن حرم الرحمن وجوار البيت الحرام الذي من دخله كان آمنا. # قال: ثم تقدم أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني ms0949 فقال: يا بن الزبير! (إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين) (1) فقال ابن # PageV06P248 # الزبير: وأنت ههنا يا بن واثلة؟ فقال: نعم أنا ههنا يا بن الزبير؟ فاتق (1) الله ولا تكن ممن (إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم) (2). قال: أفلا تسمع إلى كلام هذا الرجل الذي يضرب لي الأمثال ويأتيني بالمقاييس؟ فقال عبد الله بن هانئ: # (إني عذب بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) (3). قال: فازداد غضب ابن الزبير ثم [قال] لأصحابه: ادفعوهم عني، فإنهم بئس العصابة. # قال: فأخرجوا من بين يديه وأقبلوا إلى محمد ابن الحنفية فأخبروه بما كان بينهم وبين ابن الزبير، فقال لهم: جزاكم الله عني من قوم خير الجزاء! أما! إني أتقي عليكم من هذا المسرف على نفسه، وأرى لكم من الرأي أن تعتزلوني وتكونوا قريبا مني إلى أن تنظروا ما يكون من عاقبة أمري وأمره، فإني أكره أن تكونوا معي ولعله ينالكم منه أمر أغتم لكم منه. قال: فقال أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني. # جعلت فداك يا بن أمير المؤمنين! والله ما أنطق إلا بما في قلبي، ولا أخبر إلا عن نفسي، وأنا أشهد الله في وقتي هذا أني قد رضيت أن أقتل إن قتلت، وأن أؤسر إن أسرت، وأن أحبس إن حبست، وأن أشبع إن شبعت، وأن أجوع إن جعت، وأن أظمأ إن ظمئت، ولا والله لا أفارقك في عسر ولا يسر ولا ضيق ولا جهد ما أردتني وقبلتني! أرى لك ذلك علي فرضا واجبا وحقا لازما، وما لا أبغي به منك جزاء وإكراما، ولا أريد بذلك إلا ثواب الله والدار الآخرة ودفع الظلم عن أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # قال: ثم وثب معاذ بن هانئ الكندي فقال: جعلت فداك! نحن شيعتك وشيعة أبيك من قبلك، نؤاسيك بأنفسنا، ونقيك بأيدينا، ونحن معك على الخوف والأمن والخصب والجدب، إلى أن يأتيك الله تبارك وتعالى بالفرج من عنده، غضب ابن الزبير ms0950 بذلك أم رضي. # قال: فقال محمد ابن الحنفية: إن قدرتم على ذلك فأنا أستأنس بكم، وإن عرضت لكم مآرب وأشغال (4) فأنتم في أوسع العذر. # PageV06P249 # قال: فبينا القوم كذلك إذا بعمر (1) بن عروة بن الزبير قد أقبل حتى دخل على محمد ابن الحنفية فسلم ثم قال: إن أمير المؤمنين يقول لك: هلم فبايع أنت وأصحابك هؤلاء الذين معك، فإنكم [إن] لم تفعلوا حبستكم وأطلت حبسكم. # قال: فسكت (2) القوم وأقبل عليه ابن الحنفية فقال له: ارجع إلى عمك فقل له: # يقول لك محمد بن علي: يا بن الزبير! أصبحت منتهكا للحرمة، متلبثا في الفتنة، جريا على نفسك الدم الحرام، فعش رويدا، فإن أمامك عقبة كؤودا، وحسابا طويلا، وسؤلا حفيا، وكتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وبعد فو الله لا بايعتك أبدا أو لا يبقى أحد إلا بايعك، فاقض ما أنت قاض! قال: فرجع عمر بن عروة بن الزبير إلى عمه عبد الله بن الزبير، فقال لهم محمد: مهلا يا قوم! # لا تفعلوا فو الله ما أحب أني أمرتكم بقتل حبشي أجدع وإنه أجمع لي بعد ذلك سلطان العرب قاطبة من المشرق إلى المغرب. # قال: وخشي عبد الله بن الزبير أن يتداعى الناس إلى الرضا محمد ابن الحنفية إذا كان له مثل المختار بالكوفة فكأنه هم بالإساءة وبأصحابه، قال: وعلم ابن الحنفية بذلك فكتب إلى المختار. ### | ذكر كتاب محمد ابن الحنفية رحمه الله إلى المختار يستغيث به مما قد نزل به من ابن الزبير # من محمد بن علي إلى المختار بن [أبي] عبيد ومن بحضرته من شيعة أهل البيت، سلام عليكم، أما بعد فإني أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الجنة، وأن يصرف عنا وعنكم عوارض الفتنة، وإني كتبت إليكم كتابي هذا وأنا وأهل بيتي وجماعة من أصحابي محصرون لدى البيت الذي من دخله كان آمنا، وقد منعنا عذب الماء، وطيب الطعام، وكلام الناس، يتهدد في كل صباح ومساء بأمر عظيم، وأنا أنشدكم الله الذي يجزي بالإحسان ويتولى الصالحين أن لا تخذلوا ms0951 أهل بيت نبيكم! فتندموا # PageV06P250 # كما ندمتم قبل اليوم عن قعودكم عن الحسين بن علي، إذ قتل بساحة أرضكم ثم لم تمنعوهم ولم تدفعوا عنهم، فأصبحتم على ما فعلتم نادمين، هذا كتابي إليكم وهو حجة عليكم - والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته -. # قال: ثم وجه ابن الحنفية بهذا الكتاب إلى المختار، فلما قرأ المختار كتاب ابن الحنفية خنقته العبرة واستعبر باكيا ثم قال: يا غلام! ناد (1) في الناس: الصلاة جامعة! قال: فنادى المنادي واجتمع الناس إلى المسجد الأعظم، وخرج المختار حتى دخل المسجد وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! هذا كتاب مهديكم وصريح آل نبيكم، يستغيث بكم ما نزل به من ابن الزبير، فأغيثوه وأعينوه، فلست بأبي إسحاق إن لم أنصره نصر مؤازر، وإن لم أحزب (2) الخيل في آثار الخيل كالسيل يتلوه السيل، حتى يحل (3) من عاداه الويل. ثم قال: يا أبا المعتمر! أخرج فعسكر بدم هند، بجد وجد، على خيل طائر وسعد. وأخرج أنت يا هانئ بن قيس! فعسكر بدار السري بن وقاص العاصي، المداهن الحياص، الذي زعم أنه لنا سلم، وأنه من أهل العلم، قد علمت أنه من أهل الخيانة والظلم. # قال: فخرج الناس فعسكروا كما أمرهم به المختار، فدعا المختار بأبي عبد الله الجدلي وكان من خيار أهل الكوفة وأكابرهم، فدفع إليه أربعمائة ألف درهم (4) وأمره بالمسير إلى محمد ابن الحنفية ثم كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، للمهدي محمد بن علي، من المختار بن أبي عبيد، أما بعد فقد قرأت كتابك وأقرأته شيعتك وإخوانك من أهل الكوفة، وقد سيرت إليك الشيعة إرسالا يتبع أولاهم أخراهم (5)، وبالله أقسم قسما صادقا لئن لم يكف عنك من تخاف غائلته على نفسك وأهل بيتك لأبعثن إليك الخيل والرجال ما يضيق به مكة على ما عاداك وناواك، حتى يعلم ابن الزبير أنك أعز منه نفرا ودعوة وأكثر نفيرا، فأبشر فقد أتاك الغوث وجاءك الغيث، وقد وجهت إليك بأربعمائة ألف درهم لتجعلها فيمن أحببت # PageV06P251 # من أهل بيتك وشيعتك، وقد سرحت ms0952 إليك رجالا ينصرونك ويحفظون المال حتى يؤدوه إليك، ثم يقومون بين يديك فيقاتلون عدوك ويدفعون الظلم عنك وعن أهل بيتك فأبشر بالجيش الكبير والجند الكثير، والله الذي أنا له لو لم أعلم أني أعز لك ولأهل بيتك بهذا المكان إذا لسرت إليك بنفسي وأذب عنك وعن أهل بيتك وعن وليك وشيعتك، دفع الله عنك وعنهم السوء أجمعين - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # قال: فخرج الناس من الكوفة يريدون مكة إلى محمد ابن الحنفية وسبق إليه الكتاب، فلما قرأه حمد الله على ذلك، وأقبلت الخيل نحو مكة أرسالا يتلو بعضها بعضا، فلما دخلوا أقبلوا إلى محمد ابن الحنفية فجعلوا يفدونه بآبائهم وأمهاتهم وهم يقولون: جعلنا فداك يا بن أمير المؤمنين! فخل بيننا وبين ابن الزبير حتى يرى أننا أعز نفرا. فقال لهم ابن الحنفية (1): مهلا فإني لا أستحل القتال في حرم الله وحرم رسوله محمد صلى عليه وآله وسلم قال: وبلغ ابن الزبير ذلك، فقام في أصحابه خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فالعجب كل العجب من هذه العصبة الرديئة السيئة الترابية الذين يناووني في سلطاني ثم إنهم ينعون حسينا ويسمعوني ذلك (2) حتى كأني أنا الذي قتلت الحسين بن علي، والله لو قدرت على قتلة الحسين لقتلتهم، وهؤلاء الذين كاتبوا الحسين بن علي فأطمعوه في النصر! فلما صار إليهم خذلوه وأسلموه لعدو. # قال: ثم أرسل ابن الزبير إلى أبي عبد الله (3) الجدلي وأصحابه القادمين من الكوفة فدعاهم ثم قال: أخبروني عنكم يا أهل الكوفة أما كفاكم خروجكم مع المختار وإفسادكم على العراق حتى قدمتم هذا البلد تناووني في سلطاني! أتظنون أني أخلي صاحبكم هذا دون أن يبايع وتبايعوا أنتم أيضا معه صاغرين! قال فقال له أبو عبد الله (4) الجدلي: إي والركن والمقام، والحل والحرام، وهذا البلد الحرام، # PageV06P252 # وحرمة الشهر الحرام! لتخلين سبيل صاحبنا ابن علي ولينزلن من مكة حيث يشاء ومن الأرض حيث يحب أو لنجاهدنك بأسيافنا جهادا وجلادا يرتاب منه المبطلون. قال: # وإذا محمد ابن الحنفية قد ms0953 أقبل في جماعة من أصحابه حتى دخل المسجد الحرام، قال: ونظر ابن الزبير فإذا أصحابه كثيرو أصحاب ابن الحنفية قليل، غير أنهم مغضبون مجمعون على الحرب محبون لذلك، فعلم أن جانبهم خشن، وأن وراءهم شوكة شديدة من قبل المختار فجعل يتشجع ويقول لإخوته وأصحابه: ومن ابن الحنفية وأصحابه هؤلاء! والله ما هم عندي شيء! ولو أني هممت بهم لما مضى ساعة من النهار حتى تقطف رؤوسهم كما يقطف الحنظل. قال له رجل من أصحاب ابن الحنفية (1): والله يا بن الزبير! لئن رمت ذلك منا فإني أرجو أن يوصل إليك من قبل أن ترى فينا ما تحب. قال: ثم ضرب الطفيل (2) بيده إلى سيفه فاستله فهم أن يفعل شيئا، فقال ابن الحنفية لأبيه: يا أبا الطفيل! قل لابنك فليكف عما يريد أن يصنع. ثم أقبل على أصحابه فقال: يا هؤلاء! مهلا فإني أذكركم الله إلا كففتم عنا أيديكم وألسنتكم، فإني ما أحب أن أقاتل أحدا من الناس، ولا أقول للناس إلا حسنا، ولا أريد أيضا أن نازع ابن الزبير في سلطانه ولا بني أمية في سلطانهم، ولا أدعوكم إلى أن يضرب بعضكم بعضا بالسيف، وإنما آمركم أن تتقوا الله ربكم، وأن تحقنوا دماءكم، فإني قد اعتزلت هذه الفتنة التي فيها ابن الزبير وعبد الملك بن مروان إلى أن تجتمع الأمة على رجل واحد، فأكون كواحد من المسلمين. قال: # فقال رجل من أصحاب عبد الله بن الزبير: صدق والله الرجل - يعني ابن الحنفية! # والله ما هذه إلا فتنة كما قال! والسعيد عندي من اعتزلها. قال: فصاح به ابن الزبير وقال: اسكت أيها الرجل! فإنك لا تعقل ما يأتي وما تدري من هذا حتى يسمع قوله ويؤخذ برأيه، إنما كان هذا مع أخويه الحسن والحسين كالعسيف الذي لا يؤامر ولا يشاور. قال فقال له محمد ابن الحنفية: كذبت والله لو مت! ما كان إخواني بهذه المنزلة، ولكنهم كانوا أخوي وشقيقي، وكنت أعرف لهم فضلهم ونسبهم وقرابتهم من الرسول محمد صلى الله عليه وآله ms0954 وسلم، وقد كانوا يعرفون لي من الحق مثل ذلك، وما قطعوا أمرا دوني مذ عقلت، وأما قولك: إنه لا ينبغي أن يسمع قولي ولا يؤخذ برأيي، فأنا # PageV06P253 # والله أوجب حقا على الأمة منك وأحق بالمودة والنصر لحق علي بن أبي طالب وقرابته من الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم! ولو أني أعتمد على الناس بحق النبوة أنها في بني هاشم دون غيرهم لكان ينبغي لذوي الرأي والعلم أن يأخذوا برأيي ويستمعوا لقولي، ويكونوا لي أود ومني أسمع ولي أنصح منهم لك يا بن الزبير. # قال: فلم يزل هذا الكلام بين محمد ابن الحنفية وبين عبد الله بن الزبير وقد ضاق الناس بعضهم بعضا في المسجد الحرام عليهم السلاح، والمعتمرون يمشون بينهم بالصلح حتى سكت ابن الزبير ولم يقل شيئا، وخرج ابن الحنفية ومن معه من أصحابه حتى نزل في شعب أبي طالب، ثم جمع أصحابه فقسم عليهم من المال الذي وجه به المختار ما قسم، وقسم باقي ذلك في أهل بيته وقرابته، وأقام في ذلك الشعب ممنوعا، فهذا أول خبر ابن الحنفية مع ابن الزبير، وسنرجع إلى أخبارهم بعد هذا إن شاء الله ولا قوة إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل. ### | ثم رجعنا إلى حديث المختار # قال: ثم عزم المختار على هدم دار أسماء بن خارجة الفزاري وإحراقها لأنه كان ممن عمل في قتل مسلم بن عقيل رضي الله عنهم. قال فجعل يقول: أما ورب السماء والماء ورب الضياء والظلماء! لتنزلن نار من السماء، حمراء دهماء سحماء، فلتحرقن في دار أسماء. قال: وبلغ ذلك أسماء بن خارجة فقال: إنه قد سجع وليس ههنا مقام بعد هذا قال: ثم خرج أسماء من داره هاربا حتى صار إلى البادية، وأرسل المختار إلى داره ودور بني عمه فهدمها عن آخرها. # ثم دعا برجل من أصحابه يقال له حوشب بن يعلى الهمداني فقال: ويحك يا حوشب! أنت تعلم أن محمد بن الأشعث من قتلة الحسين بن علي، وهو الذي قال له بكربلاء ما ms0955 قال، الله ما يهنئني النوم ولا القرار ورجل من قتلة الحسين بن علي يمشي علي وجه الأرض! وقد بلغني أنه في قرية إلى جنب القادسية فسر إليه في مائة رجل من أصحابك فإنك تجده لاهيا متصيدا، أو قائما متلبدا، أو خائفا متلددا، أو كامنا مترددا (2)، فاقتله وجئني برأسه. قال: فخرج حوشب بن يعلى الهمداني في مائة رجل من أصحابه حتى صار إلى قرية محمد بن الأشعث، وعلم ابن الأشعث # PageV06P254 # بذلك فخرج من باب له آخر في جوف الليل هاربا ومضى نحو البصرة إلى معصب بن الزبير. قال: وأصبح حوشب بن يعلى هذا وقد علم أن محمد بن الأشعث قد هرب فكتب إلى المختار بذلك، فكتب إليه المختار أنك قد ضيعت الحزم ولم تأخذ بالوثيقة، فإذا قد فاتك الرجل فأهدم قصره، وأخرب قريته، وأتني بأمواله! # قال: فهدمت دار محمد بن الأشعث، وأمر المختار بنقضها فبنوا به دار حجر بن عدي الكندي رحمه الله (1). # قال: وصار محمد بن الأشعث إلى مصعب بن الزبير فالتجأ إليه، فقال له مصعب: ما وراءك؟ فقال: ورائي والله أيها الأمير الترك والديلم! هذا المختار بن أبي عبيد قد غلب على الأرض، فهو يقتل الناس كيف شاء، وقد قتل إلى الساعة هذه ممن يتهم بقتال الحسين بن علي أكثر من ثلاثة آلاف، وقد كان أعطاني الأمان ثم إنه بعث إلي ببعض أصحابه فأراد قتلي فهربت إليك، فهذه قصتي وهذه حالي، ثم وثب رجل من كندة ممن قدم مع محمد بن الأشعث حتى وقف بين يدي مصعب بن الزبير فأنشأ يقول أبياتا مطلعها: # إن قوما من كندة الأخيار * بين قيس وبين آل المذار (2) إلى آخرها. قال: فقال له مصعب بن الزبير: يا أخا كندة! إني قد فهمت كلامك، وإني أعمل برأي أمير المؤمنين، وهو الذي ولاني البصرة وأمرني بحرب الأزارقة، وهذا المهلب بن أبي صفرة في وجوههم يحاربهم، فلا تعجلوا فإن المختار له مدة هو بالغها. قال: فأقام محمد بن الأشعث عند مصعب بن الزبير بالبصرة، وبلغ عبد الملك ms0956 بن مروان ما فيه المختار من غلبته على البلاد وقتله للناس، فأحب أن يبدو به قبل غيره، ثم يتفرغ لعبد الله بن الزبير وأخيه مصعب بن الزبير - والله أعلم - ### | ابتداء مسير عبيد الله بن زياد إلى العراق ومقتله # قال: فدعا عبد الملك بن مروان بعبيد الله بن زياد، فضم إليه ثمانين (3) ألفا # PageV06P255 # من أجناده وأهل الشام، ثم وضع لهم الأرزاق وأعطاهم وأمرهم بالسمع والطاعة لعبيد الله بن زياد، ثم أقبل عليه فقال له: يا بن زياد! أنت تعلم أن أبي مروان كان قد أمرك بالمسير إلى العراق على أنك تأتي الكوفة فتقتل أهلها وتنهبها ثلاثا، ثم إن الموت عاجله فمضى لسبيله، والآن فإني وليتك على هذا الجيش فسر نحو الجزيرة والعراق، فإذا فرغت من المختار فسر إلى مصعب بن الزبير فاكفني أمره، ثم سر إلى عبد الله بن الزبير بالحجاز فألحقه بأخيه مصعب، فإذا فرغت من ذلك فلك جميع ما غلبت عليه بسيفك من أرض الشام إلى مطلع الشمس. قال: فسار عبيد الله بن زياد من الشام ومعه ثمانون ألفا من الخيل والجنود حتى صار إلى بلاد الجزيرة ونزل أرض نصيبين. # قال: وبلغ ذلك عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني وهو يومئذ عامل المختار على الموصل وما والاها، فكتب إلى المختار يخبره بذلك. قال: وخرجت مقدمة عبيد الله بن زياد في عشرين ألفا نحو الموصل، وخرج عامل المختار عن الموصل هاربا حتى صار إلى تكريت فنزلها، وأقبل عبيد الله بن زياد في جيشه ذلك حتى نزل الموصل، وبلغ ذلك المختار فكتب إلى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس: # أما بعد فقد بلغني أيضا كتابك وفهمت ما ذكرت من أمر عبيد الله بن زياد، وقد بلغني أيضا نزوله أرض الموصل ونزولك بتكريت، وقد لعمري أصبت الرأي في تنحيك من بين يديه إذ كنت لا تقوم لجيشه، فانظر لا تبرحن في موضعك ذلك حتى يأتيك أمري - والسلام -. # قال: ثم دعا المختار برجل من سادات الكوفة وشجعانهم يقال لهم يزيد بن أنس ms0957 الأسدي، فقال له: يا يزيد! إنك قد علمت أن العاقل (1) ليس كالجاهل، وأن الحق ليس كالباطل، وإني أخبرك خبر من [لم -] (2) يكذب، ولم يخالف ولم يرتب، إننا نحن المؤمنون، الميامين المساليم العالمون (3)، وإنك صاحب الخيل العتاق، وفارس أرض العراق، وسنورد خيلك حياض المنون، ومنابت الزيتون، غائرة عيونها، لاحقة بطونها، وهذا ابن زياد قد أقبل في المحلين وأبناء القاسطين، # PageV06P256 # فسر إليه في المؤمنين، واطلب بدم ابن بنت نبي رب العالمين. قال: فقال له يزيد بن أنس: أيها الأمير! اضمم إلي ثلاثة آلاف فارس ممن أنتخبهم أنا، وخلني والوجه (1) الذي توجهني، فإن احتجت إلى مدد فإني سأكتب إليك بذلك إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال: فقال له المختار: اخرج فانتخب من أحببت من الناس على بركة الله وعونه. # قال: فخرج يزيد بن أنس فجعل ينتخب القائد بعد القائد، والرجل بعد الرجل، حتى انتخب ثلاثة آلاف من سادات فرسان العرب، ثم إنه فصل من الكوفة فخرج معه المختار والناس يشيعونه، حتى إذا صار إلى دير أبي موسى أقبل عليه المختار يوصيه فقال له: يا يزيد! انظر إذا لقيت العدو نهارا فلا تنظرهم (2) إلى الليل، وإن أمكنتك الفرصة فلا تؤخرها، وليكن عندي خبرك في كل يوم، وإن احتجت إلى مدد فاكتب إلي في ذلك مع أني أمدك بالخيل والرجال حتى يكتفي إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال: فقال يزيد بن أنس: أيها الأمير! ما أريد منك أن تمدني إلا بالدعاء وكفى لي به مددا - والسلام -. قال: ثم ودعه وسار. # وكتب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني: أما بعد فقد توجه إلى ما قبلك يزيد بن أنس، وهو من قد علمت في البأس والشدة، فإذا قدم عليك فخل (3) بينه وبين البلاد، وكن تحت رايته سامعا مطيعا له - والسلام -. ### | ذكر مسير يزيد بن أنس إلى محاربة عبيد الله ابن زياد وهي الوقعة الأولى قال: وسار يزيد بن أنس حتى صار إلى تكريت وصار إليه عبد ms0958 الرحمن بن سعيد في ألف رجل، فصار يزيد في أربعة آلاف فارس، وأقبل حتى نزل على خمسة فراسخ من أرض الموصل (4)، وبلغ ذلك عبيد الله بن زياد فوجه إليه بقائد من قواد أهل الشام يقال له ربيعة بن مخارق الغنوي في ثلاثة آلاف فارس، وأتبعه بقائد # PageV06P257 # آخر يقال له عبد الله بن حملة الخثعمي (1) في ثلاثة آلاف، قال: وأقبل القوم حتى نزلوا حذاء يزيد بن أنس. # قال: واعتل يزيد بن أنس في ليلته تلك علة شديدة وأصبح موعوكا لما به، فدعا بحمار له مصري فاستوى عليه وجعل يجول في عسكره وغلمانه يمسكونه من ضعفه أن لا يسقط من الحمار، فجعل يوصي أصحابه ويقول: يا شرطة الله! # اصبروا تؤجروا، وصابروا عدوكم تظفروا، وقاتلوا أولياء الشيطان، إن كيد الشيطان كان ضعيفا، فقد ترون ما بي من العلة فإن هلكت فأميركم من بعدي ابن عمي ورقاء (2) بن عازب الأسدي، فإن أصيب فعبد الله بن ضمرة العذري (3)، فإن أصيب فسعر بن أبي سعر الحنفي. قال: ثم نزل عن الحمار ووضع له كرسي، فجلس عليه وجعل يقول: إن شئتم فقاتلوا عن أميركم وإن شئتم فعن أنفسكم ودينكم، وخذوا بدم ابن بنت نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # ثم دنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا ساعة، وحمل ورقاء بن عازب الأسدي على رجل من أهل الشام فضربه ضربة نكسه عن فرسه قتيلا. ثم ساح بأهل العراق فحملوا وحمل معهم، وانهزم أهل الشام هزيمة قبيحة، ووضع أهل العراق فيهم السيف، فجعلوا يقتلونهم خمسة فراسخ حتى ألحقوهم بصاحبهم عبيد الله بن زياد (4)، وقد قتل منهم من قتل، وأسر منهم ثلاثمائة رجل أو يزيدون، فأتي بهم إلى يزيد بن أنس وهو لما به حتى أوقفهم بين يديه فجعل يؤمي بيده أن اضربوا أعناقهم! # قال: فضربت أعناقهم عن آخرهم. # فلما كان الليل اشتدت العلة بيزيد بن أنس فتوفي في بعض الليل (5) رحمه الله! فغسل وكفن وحفر له ناحية من العسكر، وتقدم ورقاء بن عازب الأسدي فصلى عليه، ودفن في ms0959 جوف الليل وسوي قبره بالأرض لكيلا يعلم أحد بموضع # PageV06P258 # قال: وأصبح أهل العراق مغمومين بموت صاحبهم يزيد بن أنس، فقال لهم ورقاء بن عازب: أيها الناس! دعوا عنكم هذا الجزع الذي قد تداخل كم، فكل حي ميت، فلا تشربوا قلوبكم الهم والغم، فهذا عبيد الله بن زياد بإزائكم في (1) خلق عظيم، وقد علمتم من قد التأم إليه من أهل الجزيرة، ولا أظن أن لكم به طاقة، فإني أعلم أننا إن قاتلناهم كنا مخاطرين، وإن هزمناهم لن ينفعنا هزيمتهم شيئا لكثرة جمعهم وعددهم. قال: فقالوا: أيها الأمير! الرأي عندنا أن تنصرف حتى ننصرف معك. قال: فرحل القوم في جوف الليل نحو العراق. # وبلغ ذلك المختار وأهل الكوفة فأرجف منهم من أرجف وتكلم أعداء المختار ما تكلموا ولم يعلموا ما الخبر، وظنوا أنه قد قتل يزيد بن أنس وأن أصحابه قد أبيدوا. قال: واغتم المختار أيضا لذلك ولم يدر ما قصة يزيد بن أنس وأصحابه، ثم أتاه الخبر بعد ذلك بأن يزيد بن أنس إنما مات من علة نزلت به، وأن أصحابه انصرفوا من غير هزيمة. قال: فطابت نفس المختار بذلك، وقدم أصحاب يزيد بن أنس الكوفة يخبرون بما كان من أمرهم. قال: فعندها دعا المختار بإبراهيم بن الأشتر، فعقد له عقدا وضم إليه أصحاب يزيد بن أنس وغيرهم من فرسان هل الكوفة ورجالتهم (2) وقال له: سر إلى عدوك فناجزهم وطالعني بأخبارك في ليلك ونهارك، وإن رأيت أمرا لا طاقة لك به فلا تلق بيدك إلى التهلكة، واكتب إلي حتى أمدك بخيل ورجال ما تكتفي بهم إن شاء الله تعالى ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # قال: فخرج إبراهيم بن الأشتر حتى ضرب عسكره بموضع يقال له حمام أعين (3)، وعزم (4) أهل الكوفة على أن يغدروا بالمختار. ### | ذكر خروج أهل الكوفة على المختار و غدرهم به ومحاربتهم إياه # قال: وعزم أهل الكوفة على أن يغدروا بالمختار وأن ينقضوا عهده وبيعته، # PageV06P259 # فجعل بعضهم يقول لبعض: والله لقد تأمر علينا هذا الكذاب غير رضا منا، ms0960 ولقد عمد إلى عبيدنا وموالينا، فقربهم وأدناهم وحملهم على الخيل، وأعطاهم الأموال، وأطعمهم الفيء، وقد علمتم ما كان لنا فيهم من المنافع لأيتامنا وأراملنا. # قال: ثم اجتمعوا في منزل شبث (1) بن ربعي فذكروا له ذلك، وكان شبث من أشراف بني تميم، وكان جاهليا إسلاميا فارسا، لا يدفع عن حسب ولا شرف، بطلا شجاعا، فلما ذكروا له ذلك قال لهم: لا تعجلوا حتى ألقاه فأكمله في ذلك، قال: # ثم أقبل شبث حتى دخل على المختار فسلم وجلس، ثم تكلم فلم يترك شيئا مما أنكره عليه أهل الكوفة إلا ذكره له، حتى ذكر أمر العبيد والموالي، فقال: أيها الأمير! وأعظم الأشياء عليك أنك عمدت إلى عبيدنا وهم فيئنا الذين أفاء الله بهم فأخذتهم إليك، ثم لم ترض بأخذهم حتى جعلتهم شركاءنا في فيئنا، ولا يحل لك أيها الأمير هذا في دينك ولا يجمل بك في شرفك! قال: فقال له المختار: فإني أرضيكم بكل ما تحبون وأغنيكم من كل ما تكرهون على أنكم تقاتلون معي بني أمية وعبد الله بن الزبير، وآخذ عليكم بذلك عهودا ومواثيق وأيمانا مغلظة أنكم لا تغدرون ولا تنكثون. قال: فقام شبث بن ربعي من عند المختار وصار إلى قومه وذكر لهم ذلك، فغضبوا غضبا شديدا وضجوا وقالوا: لا والله ما نقاتل معهم أحدا ولكنا نقاتله وننقض عليه بيعته. # ثم عزم (2) القوم على محاربة المختار، وأقبل إليهم رجل من أشرافهم يقال له عبد الرحمن بن مخنف الأزدي فقال: يا هؤلاء! اتقوا الله ولا تخرجوا على هذا الرجل فقد بايعتموه أنكم لا تغدرون به، وأنا أخاف عليكم أنكم إن قاتلتموه أن تختلفوا وتتخاذلوا فيظفر بكم، لأن الرجل اليوم محتو على بلدكم، ومعه أشرافكم وشجعانكم وفرسانكم، ومعه أيضا عبيدكم وأولادكم (3)، فكفوا عن الرجل ولا تقاتلوه، فهذا مصعب بن الزبير بالبصرة ولو قد فرغ من حرب الأزارقة لسار إليه وكفاكم أمره، وهذا عبيد الله بن زياد بالموصل في ثمانين ألفا ويزيدون، فعسى الله # PageV06P260 # تبارك وتعالى أن يكفيكم أمره بأحدهم. قال فقال له ms0961 الأشراف من أهل الكوفة: يا بن مخنف! ننشدك بالله أن لا تفسد علينا ما اجتمعنا عليه من أمرنا. قال: فأمسك عنهم عبد الرحمن بن مخنف ثم قال: يا هؤلاء! فإني ممسك عنكم فافعلوا ما بدا لكم، ولكن إن كنتم قد عزمتم على الخروج عليه فلا تعجلوا وتلبثوا حتى يمضي إبراهيم بن الأشتر إلى عبيد الله بن زياد، ويبقى المختار ههنا في نفر يسير، فعند ذلك فافعلوا ما بدا لكم إن لم يكن لكم ناصر ينصره ويذب عنه. # قال: فسكت أهل الكوفة عن المختار، حتى إذا علموا أن ابن الأشتر قد بلغ ساباط المدائن نادوا وخرجوا وارتفعت الضجة، ولم يبق أحد بالكوفة ممن كان مختفيا وشارك في قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما إلا ظهر. قال: ونقض القوم بيعة المختار وخرجوا عليه، فخرج الشمر بن ذي الجوشن في جبانة السكون (1)، وخرج كعب بن أبي كعب في جبانة بشر، وخرج إسحاق [بن محمد -] (2) بن الأشعث في جبانة كندة، وخرجت (3) قبائل همدان في جبانة السبيع. # قال: فصارت الكوفة كلها على المختار سيفا واحدا، فلما رأى ذلك دعا برجل من خاصته يقال له عمرو بن توبة فأمره بالركض إلى إبراهيم بن الأشتر يخبره بقصته، وكتب: انظر، لا تضع كتابي من يدك أو تقبل إلي راجعا بجميع من معك، فإن أهل الكوفة قد نقضوا بيعتي وخرجوا علي - والسلام، فالعجل العجل. # قال: فمضى الرسول إلى إبراهيم بن الأشتر، وبعث المختار برسله إلى هؤلاء الذين خرجوا عليه فقال: يا هؤلاء! أخبروني ما الذي حملكم على نقض بيعتي والخروج علي! وأخبروني ما الذي تريدون! فإني نازل بحيث تحبون. فقالوا: # نريد أن تعتزل عنا فإنك زعمت أن محمد ابن الحنفية أرسلك إلينا وقد كذبت على ابن الحنفية. قال: فرجعت الرسل إلى المختار فأخبروه بذلك، فأرسل إليهم المختار أن يا هؤلاء فلا عليكم، ها أنا ههنا بين أظهركم مقيم، فابعثوا برسلكم إلى ابن الحنفية واسألوه عن ذلك ولا تعجلوا. # قال: وجعل المختار يرسل إليهم رسولا بعد رسول كل ذلك ms0962 ليشغلهم عن # PageV06P261 # حربه إلى أن يقدم ابن الأشتر، والقوم يأبون ذلك، ثم إنهم ساروا إليه يريدون قتاله وقتله، والمختار يومئذ في قريب من أربعة آلاف، فلما رأى أنهم قد بغوا عليه أمر أصحابه بالحرب فاقتتلوا يومهم ذلك إلى الليل، وباتوا على حرب وأصبحوا على حرب، والمختار يعلم أن لا طاقة له بهم. # قال: وإذا إبراهيم بن الأشتر وافى يوم الثاني فصلى الفجر على باب الجسر، ثم أقبل بخيله ورجله حتى دخل الكوفة قال: وعلم (1) أولئك الخارجون أن ابن الأشتر قد وافى، فافترقوا فرقتين، فصارت ربيعة ومضر على حدة، واليمن على حدة. فقال ابن الأشتر للمختار: أيها الأمير! أي الفريقين تحب أن أكفيك اليمن أو ربيعة ومضر؟ فقال المختار: إذا أخبرك أبا النعمان! أن اليمن هم قومك وعشريتك ولعلك إن حاربتهم أبقيت عليهم، فدعني واليمن وعليك بربيعة ومضر! # قال: فسار إبراهيم بن الأشتر في جيشه ذلك حتى صار إلى الكناسة (2) وقد اجتمع بالكناسة يومئذ خلق كثير من ربيعة ومضر. قال: فسار إبراهيم بن الأشتر في جيشه ذلك حتى صار إلى الكناسة وقد اجتمع، فلما نظروا إلى ابن الأشتر حملوا وحمل عليهم، واقتتل القوم وصبر بعضهم لبعض. ### | ذكر وقعة جبانة السبيع # قال: وسار المختار إلى جبانة السبيع وبها يومئذ قبائل اليمن، وقد اجتمعوا على عبد الرحمن [بن سعيد -] (3) بن قيس الهمداني، قال: فالتقى القوم هنالك فقاتل بعضهم بعضا، وعلت الأصوات من كل ناحية. # وجعل ابن الأشتر يقول: ويحكم يا معشر ربيعة ومضر! انصرفوا عني، فحسبكم مني، أنا ابن الأشتر، أنا ابن الضل الذكر، والله ما أحب أن يصاب أحد منكم على يدي! قال: فأبوا عليه، واشتد القتال حتى انتصف بعضهم من بعض، ثم وقعت الهزيمة بعد ذلك فانهزموا هزيمة قبيحة من بين يديه، فأبقى عليهم ابن الأشتر فلم يتبعهم (4). # PageV06P262 # قال: وجاء البشير إلى المختار أن القوم قد انهزموا من بين يدي ابن الأشتر، فكبر المختار وكبر أصحابه، وسمع هؤلاء الذين يقاتلونه التكبير ففزعوا لذلك وعلموا أن أصحابهم قد انهزموا، فانكسروا انكسارا شديدا، ms0963 ثم ولوا مدبرين، فمنهم من اختفى في منزله، ومنهم من خرج هاربا في البرية على وجهه، ومنهم من لحق بمصعب بن الزبير بالبصرة فكان معه، ووضعت الحرب أوزارها. فقال المختار لأصحابه: انظروا كم قتل من الناس! وفتشوا البيوت فأتوني بهؤلاء الذين خرجوا علي ونقضوا بيعتي! قال: فحصر من كان قتل من أصحاب المختار فكانوا مائة وخمسة وثلاثين (1) رجلا، وأحصي من قتل من الخارجيين عليه فكانوا ستمائة وأربعين (2) رجلا، فذلك سبعمائة وخمسة وسبعون رجلا. ### | ذكر القوم الذين عرضوا على المختار فقتلهم صبرا # قال: ثم جعل أصحاب المختار يفتشون الدور ويخرجون القوم إلى المختار مكتفين، فكان المختار كلما قدم إليه رجل يسأل عنه، فإن كان ممن قاتل الحسين بن علي رضي الله عنهما وشهد عليه بذلك أمر به فضربت عنقه صبرا، وإن كان من قتلة الحسين أمر به فقطعت يده، ومنهم من يقطع يده ورجله، ومنهم من يأمر به فيكبل بالحديد ويلقى في السجن. # قال: وإذا برجل أسود قد أتي به حتى وقف بين يديه، قال: فجعل الأسود يرتعد ويقول (3): # أمنن علي اليوم يا خير معد * وخير من صلى وخير من سجد وخير من حل بقوم ووفد * وخير من لبى لجبار صمد قال: فقال له المختار: إني قد سمعت كلامك بالأمس وتحريضك، وأنت # PageV06P263 # تنادي وتقول: أيها الناس قاتلوا الكذاب! أخبرني ما علمك بأني كذاب؟ نعم أنا الكذاب، نعم أنا الكذاب كما زعمت إن لم أذيقك حر الحديد. قال: فأمر به، فضربت عنقه صبرا. ### | خبر سراقة بن مرداس (1) البارقي # قال: وكان آخر من قدم عليه رجل من القوم بهي جميل، فقال له المختار: # من أنت؟ فقال: أيها الأمير! أنا سراقة بن مرداس البارقي، ولست ممن قاتل الحسين بن علي ولا مشارك في دمه، فاسمع كلامي ولا تعجل! فقال له المختار: # فقل ما تشاء فإني سامع منك، فأنشأ يقول: # ألا أبلغ أبا إسحاق أنا * نزونا نزوة كانت علينا خرجنا لا نرى الأبطال (2) شيئا * وكان خروجنا بطرا وحينا نراهم في صفوفهم قليلا * وهم مثل الدبى ms0964 لما التقينا برزنا إذ رأيناهم إليهم (3) * وأما القوم قد برزوا إلينا لقينا منهم ضربا عنيدا (4) * وطعنا مسحجا حتى انثنينا زففت الخيل يا مختار زفا * بكل كتيبة قتلت حسينا نصرت على عدوك كل يوم * بكل حضارم لم يلق شينا (5) كنصرة أحمد في يوم بدر * ويوم الشعب إذ لاقى حنينا فصفحا إذ قدرت فلو قدرنا (6) * لجرنا في الحكومة واعتدينا تقبل توبة مني فإني * سأشكر إن جعلت النقد دينا قال: فقال له المختار: إني قد سمعت شعرك وأنت ممن قاتلني ولا بد من # PageV06P264 # قتلك أو تخليدك السجن، قال فقال سراقة: ولم ذلك فو الله فعليه كذا وكذا إن لم أر الملائكة بالأمس تقاتل معك، فلما وضعت الحرب أوزارها رأيت الملائكة تطير بين السماء والأرض، فقال له المختار: وأنا أحلف أنك ما رأيت شيئا مما رأيت من أمر الملائكة، وقد حلفت بالله كاذبا، وقد حقنت لك دمك فأخرج عن الكوفة والحق بأي بلد شئت (1)! قال فقال سراقة: صدقت والله أصلح الله الأمير ما رأيت شيئا وما كنت في يمين حلفت بها ساعة قط أشد اجتهادا ولا مبالغة في الكذب من تلك اليمين، ولكني خفت سيفك. قال: ثم خرج سراقة بن مرداس من الكوفة هاربا حتى صار إلى مصعب بن الزبير فحدثه بقصته، ثم أنشأ يقول: # ألا أبلغ أبا إسحاق أني * رأيت البلق دهما مصمتات كفرت بوحيكم وجعلت نذرا * علي قتالكم حتى الممات (2) أرى عيني ما لم تبصراه (3) * كلانا عالم بالترهات إذا قالوا أقول لكم (4) كذبتم * وإن خرجوا لبست لهم أداتي قال: فبلغ المختار ما قاله سراقة (5) بن مرداس فقال: أما أنا فلو علمت ذلك منه لما أفلت من مخالبي. ### | ذكر مقتل الشمر بن ذي الجوشن # ثم دعا المختار بغلام له أسود يقال له رزين (6)، وكان فارسا بطلا، فقال: ويلك يا رزين! قد بلغني عن الشمر بن ذي الجوشن أنه قد خرج عن الكوفة هاربا في نفر من غلمانه ومن اتبعه (7)، فأخرج في طلبه فلعلك تأتيني به أو برأسه، فإني ما أعرف # PageV06P265 # من قاتل الحسين ms0965 بن علي أعتى منه ولا أشد بغضا لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # قال: فاستوى رزين على فرسه وخرج في طلب الشمر بن ذي الجوشن فجعل يسير مسيرا عنيفا، وهو في ذلك يسأل عنه فيقال له: نعم إنه قد مر بنا آنفا، فلم يزل ذلك حتى نظر إليه من بعيد، قال: وحانت من الشمر التفاته فنظر إلى رزين غلام المختار فقال لغلمانه: سيروا أنتم فإن الكذاب قد بعث بهذا الفارس في طلبي! # قال: ثم عطف الشمر على غلام المختار وتطاعنوا برمحي هم، طعنه الشمر طعنة قتله ثم مضى. # قال: وبلغ ذلك المختار فاغتم لذلك غما شديدا، ثم دعا برجل يقال له عبد الرحمن بن عبيد الهمداني، فضم إليه عشرة من أبطال أصحابه ثم قال: يا عبد الرحمن! إن الشمر قد قتل غلامي رزينا ومر على وجهه، ولست أدري أي طريق سلك، ولكني أنشدك بالله يا أخا همدان ألا قررت عيني أنت ومن معك بقتله إن قدرتم على ذلك. # قال: فخرج عبد الرحمن بن عبيد في عشرة من أصحاب المختار في طلب الشمر بن ذي الجوشن، فجعلوا يسيرون وهم يسألون عنه ويمضون على الصفة، قال: والشمر قد نزل إلى جانب قرية على شاطئ الفرات يقال لها الكلتانية (1) وهو جالس في غلمانه، ومعه قوم قد صحبوه من أهل الكوفة من قتلة الحسين بن علي رضي الله عنهما، وهم آمنون مطمئنون، والشمر قد نزع درعه ورمى به ورمى ثيابه واتزر بمئزر وجلس، ودوابه بين يديه ترعى، فقال له بعض أصحابه ممن كان معه: # إنك لو رحلت بنا عن هذا المكان لكان الصواب فإنك قد قتلت غلام المختار، ولا نأمن أن يكون قد وجه في طلبنا! قال: فغضب الشمر من ذلك وقال: ويلكم أكل هذا خوفا وجزعا من الكذاب، والله لا برحت من مكاني هذا إلى ثلاثة أيام ولو جاءني الكذاب في جميع أصحابه! قال: فو الله ما فرغ من كلامه حينا حتى أشرفت عليه خيل المختار، فلما نظر إليهم وثب ms0966 قائما فتأملهم، قال: ونظروا إليه وكان أبرص، والبرص على بطنه وسائر بدنه كأنه ثوب ملمع. قال: ثم ضرب بيده إلى رمحه ثم دنا من أصحاب المختار وهو يومئذ متزر بمنديل وهو يرتجز ويقول: # PageV06P266 # تيمموا ليثا هزبرا باسلا (1) * جهما محياه يدق الكاهلا لم يك (2) يوما من عدو ناكلا * إلا كذا مقاتلا أو قاتلا يمنحكم طعنا وموتا عاجلا (3) قال: فقصده عبد الرحمن بن عبيد وهو يرتجز ويقول: # يا أيها الكلب العوي العامري * أبشر بخزي وبموت حاضر من عصبة لدى الوغى مساعر * شم الأنوف سادة مغاور يا قاتل الشيخ الكريم الطاهر * أعني حسين الخير ذي المفاخر وابن النبي الصادق المهاجر * وابن الذي كان لدى التشاجر أشجع من ليث عرين خادر * ذاك على ذو النوال الغامر قال: ثم حنق عليه الهمداني فطعنه في نحره طعنة فسقط عدو الله قتيلا، ونزل إليه الهمداني فاحتز رأسه، وقتل أصحابه عن آخرهم، وأخذت أموالهم وأسلحتهم ودوابهم، وأقبل الهمداني برأسه ورؤوس أصحابه إلى المختار حتى وضعها بين يديه، فلما نظر المختار إلى ذلك خر ساجدا لله، ثم أمر برأس الشمر وأصحابه فنصبت بالكوفة في وجه الحدادين حذاء المسجد الجامع، ثم أمر لهذا الهمداني بعشرة آلاف درهم وولاه أرض حلوان. ### | ثم رجعنا إلى الحديث الأول وخبر عبيد الله بن زياد # قال: ثم دعا المختار بإبراهيم بن الأشتر فقال له: أبا النعمان! إننا قد عرفنا ممن كان بغى علينا، فاجمع الآن إليك أصحابك وسر إلى عدوك عبيد الله بن زياد وأصحابه المحلين، فإن احتجت إلى مدد فاكتب إلي حتى أمدك بالخيل والرجال، # PageV06P267 # حتى تكتفي إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال فقال له ابن الأشتر: أيها الأمير! إني خارج كما ذكرت وأمرت، لكني لا أحب أن يخرج معي عبيد الله بن الحر في هذا الجيش، فإنه رجل معجب بنفسه، وخاف أن يغدر بي في وقت حاجتي إليه! فقال المختار: صدقت أبا النعمان هو كذلك ولكن داره وأحسن إليه واملأ عينه من المال، فإنه ابن عمك، ولعلي إن أمرته ms0967 بالتخلف عنك أن يجد في نفسه من ذلك عليك، ولكن عليك بمداراته مهما استطعت، واعلم أني منتظر لأمرك وما يكون منك في قتال الفاسقين، وأنا أرجو أن تلحق الآخرين بالأولين. # قال: فخرج إبراهيم بن الأشتر من الكوفة يوم السبت لثمان خلون (1) من ذي الحجة سنة ست وستين، ومعه يومئذ عشرة آلاف فارس وسبعة آلاف راجل، وقد رفع رأسه إلى السماء وهو يقول: اللهم عمرنا في طاعتك، ولا تجعلنا من أهل معصيتك، اللهم اذكرنا ولا تنسانا، وانصرنا ولا تخذلنا، وارفعنا ولا تضعنا، وأعزنا ولا تذلنا، إنك واسع الرحمة قريب من المحسنين. قال: وخرج المختار في نفر من أصحابه لتشييعه فجعل يقول: اللهم انصر من صبر، واخذل من كفر، ومن عصا ومن فجر، وبايع وغدر، وعلا وتجبر، فصار إلى سقر، لا تبقي ولا تذر، ليذوق العذاب الأكبر. قال: ثم أقبل على ابن الأشتر فقال: أبا النعمان! احفظ عني ثلاث خصال أوصيك بها: خف (2) الله في السر والعلانية، وعجل المسير إلى عدوك، فإذا (3) عاينتهم فناجزهم وحاكمهم إلى الله فإنه أحكم الحاكمين! أفهمت ما أوصيتك؟ فقال: نعم أيها الأمير قد فهمت. قال: فسر الآن راشدا، صحبك الله وسلمك، وردك سالما. # قال: ثم رجع المختار إلى الكوفة، ومضى ابن الأشتر في جيشه وهو يقول (4): # أما وحق المرسلات عرفا * وعصفه للعاصفات عصفا لنعسفن من بغانا عسفا * حتى نسوم القوم منا خسفا # PageV06P268 # زحفا إليهم لا نمل زحفا * حتى نلاقي (1) بعد صف صفا وبعد ألف قاسطين ألفا * نكشفهم لدى الهياج كشفا ثم سار ابن الأشتر في جيشه ذلك حتى صار إلى المدائن، فنزلها أياما ثلاثة، ثم رحل عنها وجد السير حتى صار بتكريت، فلما نزلها أمر بجباية خراجها، فجبي له الخراج في أيام قلائل، فأخذه وفرقه على من كان معه من أصحابه، وبعث إلى عبيد الله بن الحر بخمسة آلاف درهم. قال: فغضب ابن الحر لذلك، ثم بعث إلى ابن الأشتر فقال: أيها الأمير! أتبعث إلي بخمسة آلاف درهم وتقبض لنفسك على ما بلغني عشرة آلاف درهم! والله ms0968 ما أنا بدونك في هذا العسكر، ولا كان الحر بن عمرو بدون أبيك مالك بن الحارث، فلم تأخذ أنت من المال ما آخذه أنا. قال: # فبعث إليه ابن الأشتر: والله يا بن عم! ما أخذت إلا كما أخذت وقد وجهت إليك بالخمسة آلاف درهم التي صارت إلي. قال: فأبى ابن الحر أن يقبل من ذلك شيئا، وعزم على مخالفة القوم والخروج عليهم. ### | ابتداء خبر عبيد الله بن الحر الجعفي # قال أهل العلم كما حدثني به غير واحد من جمع (2) هذه العلوم أن عبيد الله بن الحر كان رجلا من سادات أهل الكوفة، وبها ولد وبها نشأ، وهو عبيد الله بن الحر بن عمرو بن خالد بن المجمع بن مالك بن كعب بن (3) عوف بن حريم بن (3) جعفي، وكان مقيما بالكوفة في خلافة عثمان بن عفان، قال: فلما قتل عثمان وكان من أمر الجمل ما كان، خرج عبيد الله بن الحر إلى معاوية بالشام فالتجأ إليه، ولم يشاهد حرب الجمل، حتى إذا قدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه من البصرة إلى الكوفة وخرج إلى الشام فحاربه معاوية فدعاه ثم قال: يا بن الحر! إننا احتجنا إلى معاونتك ولك عندنا بالرضا! فقال له ابن الحر: إني لا يتهيأ لي ذلك لأنني رجل من الكوفة وهؤلاء الذين مع علي بن أبي طالب أكثرهم قومي وعشائري، ولم أخرج من عندهم مكرها، ولم يقتل علي عثمان بن عفان فأقاتله! فإن رأيت أن تعفيني من قتال علي فافعل أنت، فإذا انصرف عنك علي فأقاتل من شئت من بعده. قال: فغضب # PageV06P269 # عليه معاوية وجفاة، فلزم ابن الحر منزله فلم يشهد مشهدا من حروب صفين (1)، ولم يزل كذلك إلى أن كان من أمر الحكمين ما كان، ورجع علي رضي الله عنه إلى الكوفة فنزلها، وأرسل معاوية إلى عبيد الله بن الحر فدعاه ثم قال: يا بن الحر! # دعوناك بالأمس إلى قتال رجل قد سار إلينا يريد بوارنا واستئصالنا فلم تجبنا ولم تقاتل معنا، والآن فقد كفانا ms0969 الله تبارك وتعالى أمر علي وصار إلى الكوفة، غير أنه بلغني أن جماعة من العرب يصيرون إليك في جوف الليل فيكونون عندك، فإذا أصبحوا تفرقوا، فمن هؤلاء يا بن الحر؟ فقال: هؤلاء أصحابي الذين قدموا معي من بلدي فيشاورونني في أمورهم وأشاورهم في أمري ومقامي بأرض الشام! فقال له معاوية: # أتظن نفسك قد تطلعت إلى الكوفة والكينونة مع علي بن أبي طالب؟ فقال ابن الحر: إنه والله لعلى ما ظننت، وأن بلدي أحب إلي من غيره، وإنه لقبيح بي أن أترك قومي وعشيرتي وأقيم بالشام غريبا في غير داري ووطني، وأما ما ذكرت من علي فو الله ما أشك أنه على الحق وأنه إمام هدى. فقال رجل من جلساء معاوية: كذبت يا بن الحر! بل نحن على الحق ومن أومأت إليه على الباطل، وما قاتلناه إلا ديانة. # فقال ابن الحر: أنت والله أكذب وألأم ولقد قاتلت أخا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمه ظلما وعدوانا. قال: ثم وثب ابن الحر فخرج من عند معاوية مغضبا حتى صار إلى منزله، والتفت معاوية إلى ذلك الرجل فقال: بئس ما صنعت، نحن أحوج إلى أن ترضي رجلا مثل هذا من أن تسخطه. # قال: وأرسل ابن الحر في جوف الليل إلى أصحابه وبني عمه فأمرهم بالخروج معه في وقتهم ذلك، فخرج نحو الكوفة في أصحابه هؤلاء وبني عمه وهم خمسة وثلاثون نفرا، فجعل يسير حتى إذا أصبح مر ببعض مشايخ معاوية فقاموا إليه وقالوا: # من أنت أيها الرجل؟ فقال أنا عبيد الله بن الحر، قالوا: فأين تريد؟ قال: في حاجة، قالوا: فإننا نخاف أن تكون مخالفا لأمير المؤمنين وتريد الخروج عليه، ولسنا بتاركيك أو يأتينا فيك الخبر [من] عند أمير المؤمنين، فالتفت ابن الحر إلى أصحابه فقال: دونكم القوم! فهذه أول الغنيمة! قال: فشد أصحاب عبيد الله بن الحمر على هؤلاء القوم، فقتلوا منهم من قتلوا، وهربوا الباقين على وجوههم، وأخذت دوابهم وأسلحتهم. # PageV06P270 # وسار ابن الحر فجعل لا يمر بقرية من ms0970 قرى الشام إلا أغار عليها هو وأصحابه، فلم يزل كذلك حتى قدم الكوفة، وبها يومئذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فصار ابن الحر إلى منزله فإذا قد زوجت امرأته برجل من العرب (1)، قال: فهم ابن الحر أن يخاصم أولياء المرأة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له بعض بني عمه: أتخاصم إلى رجل كنت بالأمس عليه مع معاوية؟ فقال ابن الحر: والله ما كنت عليه ساعة قط، ولو كنت عليه ما خفت أن يجور علي في الحكم. قال: ثم اختصم ابن الحر مع أولياء المرأة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقضى علي رضي الله عنه بالمرأة لابن الحر! فانتزعت المرأة من ذلك الرجل وردت إلى ابن الحر. وأقام ابن الحر بالكوفة مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يغدو إليه ويروح (2). فلم يزل كذلك إلى أن قتل علي رضي الله عنه، ومات الحسن بن علي، ومات زياد بن أبيه، وولي عبيد الله بن زياد البصرة والكوفة من قبل يزيد بن معاوية، فأنف عبيد الله بن الحر أن يناله القوم بسوء، فخرج عن الكوفة فنزل بقصر بني مقاتل بن سليمان الحميري، فلم يزل هنالك مقيما إلى أن قتل مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنهم، وإلى أن وافى الحسين بن علي فنزل بقصر بني مقاتل ثم بعث إلى ابن الحر يسأله النصرة فأبى عليه، فتركه الحسين رضي الله عنه ومضى إلى كربلاء فقتل هنالك - رضي الله عنه -، وبلغ ذلك ابن الحر فندم على تركه الحسين ندامة شديدة، وقال في ذلك أبياتا قد أخلفناها في مقتل الحسين رضي الله عنه. # قال: ثم أقبل ابن الحر حتى دخل الكوفة بعد مقتل بالحسين بثلاثة أيام، وبها يومئذ عبيد الله بن زياد فهو يفتقد أشراف الناس إذا دخلوا عليه فلا يرى فيهم عبيد الله بن الحر، فلما دخل ونظر إليه ابن زياد وقال: أين كنت يا بن الحر؟ قال: # كنت مريضا أصلح الله الأمير، ms0971 فقال: مريض القلب أم مريض الجسد؟ فقال ابن الحر: أما قلبي فإنه لم يمرض قط والحمد لله، وأما جسدي فقد كان مريضا وقد من الله علي بالعافية فقال: أبطلت يا بن الحر! ما كنت مع عدونا الحسين بن علي؟ # فقال: إني لو كنت مع الحسين لم يخف عليك مكاني أيها الأمير! فقال ابن زياد: # PageV06P271 # أما معنا فلم تكن، فقال: صدقت أيها الأمير لا أكن معك ولا عليك. قال ابن زياد: وما منعك من نصرة أمير المؤمنين يزيد؟ فقال منعني من ذلك قول الله تعالى: # (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) (1). قال: فغضب ابن زياد وهم بقتل عبيد الله بن الحر في ذلك الوقت، ثم إنه خاف أن يشوش عليه أهل الكوفة فسكت، وخرج عبيد الله بن الحر فصار إلى منزله ثم جمع أصحابه وخرج من الكوفة ليلا ومعه أصحابه وبنو عمه، وطلبه عبيد الله بن زياد لكي يرضيه ويعتذر إليه فلم يظفر به (2). # قال: ومضى عبيد الله بن الحر نحو السواد وأنشأ، وجعل يقول أبياتا مطلعها (3): # يقول أمير (4) غار وابن غار * ألا كنت قاتلت الشهيد (5) ابن فاطمه إلى آخرها. قال: ثم جعل عبيد الله بن الحر يغير على أطراف السواد وأصحابه، ويفعل ما يفعل، وليس أحد يطلبه إلى أن مات معاوية، وإلى أن مات مروان بن الحكم، وإلى أن مات عبد الملك بن مروان، وإلى أن قتل سليمان بن الصرد وأصحابه - رحمة الله عليهم - بعين الوردة، وإلى أن صار المختار بن أبي عبيد (6) إلى الكوفة وبايعه من أهلها من بايع، وبلغ ذلك ابن الحر فأقبل حتى دخل الكوفة، ثم صار إلى المختار فبايعه ونصره في حروبه الأول، وفي جبانة السبيع، ثم خرج مع إبراهيم بن الأشتر، فلما صار معه إلى تكريت وكان منه إليه ما كان عزم على مخالفته ومخالفة المختار، فهذا أول خبره (7). # PageV06P272 # ثم أرسل إلى وجوه أهل العسكر فأختدعهم ثم مناهم وأوعدهم الغنائم، ثم قال: ما تصنعون بمحاربة عبيد الله بن زياد وأنتم لا تدرون ما يكون ms0972 الأمر غدا، اتبعوني فإني أغنيكم وأغني عاقبتكم من بعدكم. قال: فأجابوه إلى ذلك. قال: # فخرج بهم من العسكر في جوف الليل، الواحد بعد الواحد، والاثنين بعد الاثنين، والثلاثة بعد الثلاثة، حتى اجتمع (1) ثلاثمائة رجل، فسار بهم عبيد الله بن الحر، فما أصبح إلى على عشرين فرسخا من تكريت، ثم أنشأ يقول أبياتا مطلعها: # عجبت سليمى أن رأتني ساحبا * خلق القميص بساعدي خدوش إلى آخرها. قال: وأصبح ابن الأشتر وقد فقد عبيد الله بن الحر، فاغتنم لذلك ولم يدر أي طريق سلك وظن أنه قد مضى مستأمنا إلى عبيد الله بن زياد. # قال: وجعل ابن الحر لا يمر ببلد إلا أغار على أهله حتى جمع مالا عظيما، قال لأصحابه: اقسموا هذا المال بينكم، فلا حاجة لي إلى شيء منه. قال: # فاقتسموا ذلك المال بقلنسوة رجل منهم، فأنشأ ابن الحر يقول أبياتا مطلعها. # أنا الحر وابن الحر يحمل منكبي * طوال الهوادي مشرفات الحوارك إلى آخرها. قال: وجعل كل من كان مبغضا للمختار يصير إلى عبيد الله بن الحر، حتى صار ابن الحر في خمسمائة فارس، وبلغ ذلك إبراهيم بن الأشتر فكتب إلى المختار يعلمه بذلك، فقال: قد كان ابن الأشتر أعرف به مني، ولكني لم أقبل منه. # قال: وأقبل ابن الحر حتى صار إلى هيت وبها يومئذ نائب المختار، فكبسها ابن الحر وقتل نائبها وأخذ أموالها. ثم سار إلى الأنبار وبها يومئذ نائب للمختار، فكبسها وقتل نائبها، واحتوى على بيت المال فأصاب فيه مالا جزيلا. فقال لأصحابه: اقتسموا هذا المال بينكم! قال: فاقتسموه بقلنسوة رجل يقال له دلهم بن زياد المرادي وكانت على مثال المكوك، ثم أنشأ ابن الحر يقول أبياتا مطلعها: # أنا الحر وابن الحر يحمل منكبي * شديد القصيري في العباد رحيل إلى آخرها. قال: وبلغ ذلك المختار فضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم يدر # PageV06P273 # ما يصنع، والمختار يومئذ بين جمرتين: جمرة عن يمنه مصعب بن الزبير يومئذ بالبصرة، والجمرة العظمى عبيد الله بن زياد بالموصل في ثلاث وثمانين (1) ألفا. # قال: ms0973 فدعا المختار برجل من ثقاته يقال له عبيد الله (2) بن كامل الهمداني، فقال له: اركب الساعة في مائة رجل من أصحابك، وصر إلى دار عبيد الله بن الحر فاهدمها، وخذ امرأته فضعها في السن. قال: فسار عبيد الله بن كامل إلى دار ابن الحر فهدمها، ولم يمنعه مانع خوفا من المختار، وأخذ امرأته - ويقال لها أم توبة (3)، واسمها سلمى بنت خالد الجعفية - فحبسها. وبلغ ذلك عبيد الله بن الحر، فقال لأصحابه: أبلغكم ما صنع المختار، أنه هدم داري وحبس أهلي في السجن فقالوا: قد بلغنا فأمرنا بأمرك! فقال: لا تعجلوا! وأنشأ وجعل يقول: # ألم تعلمي يا أم توبة أنني * على حدثان (4) الدهر غير بليد أشد حيازيمي لكل كريهة * وإني على ما نالني لجليد (5) هم هدموا داري وساقوا حليلتي * إلى سجنهم والمسلمون شهودي وهم أعجلوها أن تشد خمارها * فلله هذا الدهر كيف يعود (6) فلست بابن الحر إن لم أرعهم * بخيل عليها الدارعون قعود (7) وإن لم أصبح شاكرا بكتيبة * فعالجت بالكفين غل حديدي قال: ثم جمع عبيد الله بن الحر أصحابه وصار بهم نحو الكوفة حتى كبسها غلسا والناس في الصلاة، فلم يكذب أن أقبل إلى باب السجن فكسره وأخرج امرأته عنوة وكل من كان في السجن من النساء. قال: ووقعت الضجة في الكوفة بأن عبيد الله بن الحر قد كبس السجن وأخرج امرأته، ففزع الناس وبلغ ذلك المختار فوجه إليه بعبد الله بن كامل الهمداني وأحمر (8) بن شميط البجلي. قال: ونظر إليهم # PageV06P274 # عبيد الله بن الحر فحمل عليهم بأصحابه، فجعل يقاتلهم ويسوق امرأته بين يديه ولم يتبعه أحد من أصحاب المختار، فأنشأ يقول أبياتا مطلعها (1): # ألم تعلمي يا أم توبة أنني * أنا الفارس الحامي حقيقة (2) مذحج إلى آخرها. # قال: ثم نزل عبيد الله بن الحر على ميلين من الكوفة، والمختار يظن أنه قد رحل ومضى، حتى إذا كان الليل عبى أصحابه وأقبل رويدا حتى كبس الكوفة من ناحية قبائل همدان، فوقع بحي منهم يقال لهم بنو شبام (3) فقاتلهم وقاتلوه ساعة، ثم ms0974 قصده مولى لهم يقال له الأحمق، والتقيا بضربتين بادره عبيد الله بن الحر بضربة أبدى عن دماغه فسقط قتيلا، ثم حمل عليهم ففرقهم يمنة ويسرة، ثم قال لأصحابه: انصرفوا عنهم الآن فقد أدركت من حي شبام ما أردت ليلتي هذه، ثم أنشأ عبيد الله (4) بن الحر يقول أبياتا مطلعها: # صبحت شباما غارة مشمعلة * وأخرى نشاهدها صباحا لشاكر إلى آخرها. قال: وأرسل المختار إلى قبائل همدان من أرحب وشبام وشاكر والسبيع ويام، فقال: شوه لكم يا معشر همدان! أن يكون رجل منكم يأتي في نفر من هؤلاء المتلصصة فيكبس دياركم، ثم يقتل ويفعل ويخرج ويخرج عنكم سالما، أما لكم أنفة؟ أما فيكم من يخاف أن يعير بهذا آخر الدهر؟ قال فقال (5) القوم: كفيت أيها الأمير! وأي ذلك لعار علينا كما ذكرت، غير أننا عزمنا على المسير إليه حيث كان، وليس نرجع إليك إلا برأسه، فأبشر لذلك وقر عينا. # قال: ثم اجتمعت قبائل همدان في ثلاثمائة فارس، حتى وافوا الكوفة في # PageV06P275 # رونق الضحى، وهمدان يومئذ في ثلاثمائة من قبائلهم وثلاثمائة من أصحاب المختار، فلم يشعروا إلا وعبيد الله بن الحر قد وافاهم حاسر الرأس وهو يرتجز ويقول: # إني أنا الحر وابن الحر * ذو حسب مذحج وفخر وقادح لكم غداة الذعر * بالضرب أحيانا وطعن شزر قال: وتنادت همدان من كل ناحية، وحملوا عليه وحمل عليه السبيع، ويقول له عمرو بن نفيل: إلي يا بن الحر! ودع الناس جانبا! قال: فحمل عليه [ابن] الحر، والتقيا بضربتين ضربة ألزمه الحضيض، ثم ولى وولى القوم الأدبار، فكف عنهم ابن الحر وقال لأصحابه: لا تتبعوهم! فحسبهم ما نالهم عارا، وكفاهم ما نالهم به ذلا وشنارا، إنهم أصبحوا في ديارهم فما حموا كريما، ولا منعوا حريما. # قال: ثم خشي عبيد الله بن الحر أن تدهمه خيل المختار بأجمعها أو تجتمع عليه أهل الكوفة فلا يكون له بهم طاقة، فصاح بأصحابه ومضى حتى خرج من الكوفة، فأنشأ يقول أبياتا مطلعها: # لقيت شباما عند مسجد مخنف * وقبل شبام شاكرا وسبيعا ms0975 إلى آخرها. # قال: ثم جعل عبيد الله بن الحر يغير على سواد الكوفة، ويقتل نواب المختار، ويمثل بهم، ويكبس المدن والقرى، ويأخذ الأموال حتى إذا علم أنه قد استقل بالأموال واكتفى من الرجال والآلة والسلاح سار إلى البصرة. وبها يومئذ مصعب بن الزبير في وجوه الأزارقة، فاستأمن إليه عبيد الله بن الحر. قال: فقربه مصعب وأدناه وأجلسه معه على سريره وأكرمه كرامة لم يكن مثلها أحدا قبله ممن قصده، وجعل ابن الحر يحدث مصعبا بما كان من أمره وأمر المختار وإبراهيم بن الأشتر قال: وبلغ ذلك المختار، فكأنه سر بمسير عبيد الله بن الحر إلى مصعب بن الزبير، فهذا أول خبر عبيد الله بن الحر وخروجه على المختار، وسنرجع إلى خبره قتل المختار وخروجه على مصعب بن الزبير - إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم -. PageV06P276 ### | ثم رجعنا إلى خبر إبراهيم بن الأشتر وعبيد الله بن زياد # قال: ثم كتب المختار إلى إبراهيم بن الأشتر أن صر إلى أرض الموصل فناجز عدوك، فقد كفانا الله أمر ابن الحر، فإن أظفرنا الله بابن زياد وأصحابه المحلين لن نرهب بعده أحدا من الظالمين - والسلام -. قال: فلما ورد كتاب المختار على إبراهيم بن الأشتر نادى في أصحابه، ثم سار بهم فجعل يطوي البلاد طيا حتى نزل على خمسة فراسخ من الموصل (1)، وعبيد الله بن زياد يومئذ بالموصل قد أخذ خراجها وفرقه في أصحابه، فلما بلغه مسير ابن الأشتر إلى ما قبله رحل من الموصل في ثلاثة وثمانين ألفا، حتى نزل قريبا من عسكر إبراهيم، وإبراهيم يومئذ في أقل من عشرين ألفا. ### | خبر عمير بن الحباب السلمي # قال: وفي عسكر عبيد الله بن زياد يومئذ من الأشراف رجل يقال له عمير بن الحباب، فأرسل إليه إبراهيم بن الأشتر أن قد أعطيتك الأمان، ولك عندي الحبا والكرامة إن رزقني الله من هذا الجيش السلامة، فهلم إلينا رحمك الله آمنا مطمئنا قال: فخرج إليه عمير في جوف الليل في ألف فارس من بني عمه ومواليهم، ms0976 حتى وافا إلى ابن الأشتر، فأكرمه ابن الأشتر وأوعده ومناه وبر أصحابه بمال فرقه عليهم قال: وبلغ ذلك عبيد الله بن زياد فأقلقه ذلك (2) وقال: يخرج رجل من عسكري في ألف فارس ولا يعلم به، أن هذا الأمر لا يراد. # قال: وأقبل ابن الأشتر على عمير بن الحباب هذا فقال: إني رأيت أن خندق على عسكري خندقا، فما الذي تراه؟ فقال له عمير بن الحباب مهلا أيها الأمير! فإن القوم يحبون أن يطاولوك، فإن طاولتهم فهو خير لهم، ولكن ناجزهم فإنهم قد ملئوا خوفا ورعبا، ولا تدعهم أن يشاموا أصحابك فيذوقهم يوما بعد يوم فيجترئوا عليهم، # PageV06P277 # ولكن صادمهم بخيلك ورجلك، فإنك بحمد الله على الحق وإنهم على الباطل، والله مظفرك بهم وناصرك عليهم بحوله وقوته. قال فقال ابن الأشتر: الآن قد علمت أنك ناصح لي، ولقد أصبت الرأي فيما أشرت به علي، وبهذا أوصاني صاحبي المختار، وأنا عازم على ما أشرت، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # قال: وجعل عبيد الله بن زياد يقول لأصحابه: إني لأعجب من هذا الغلام إبراهيم بن الأشتر ومسيره إلي بهذا الجيش وعهدي به بالأمس بالكوفة، وقد كان بلعب بالحمام، ولعل أجله قد اقترب. قال: وبات (1) الفريقان ليلتهم تلك وابن الأشتر لا يغمض لا هو ولا أحد من أصحابه لما يريدون أن يقدموا عليه من محاربة ذلك الخلق العظيم، حتى إذا كان قريبا من وقت السحر وثب القوم وصلوا بغلس، وعبي ابن الأشتر أصحابه، فجعل على ميمنته سفيان بن يزيد بن المغفل (2) الأزدي، وعلى ميسرته علي بن مالك الجشمي (3)، وعلى أعنة الخيل الطفيل بن لقيط الحنفي، وعلى الرجالة مزاحم بن مالك السكوني (4). ### | ابتداء الوقعة ومن قتل فيها # قال: وزحف القوم بعضهم إلى بعض، وتقدمت الرجالة بين أيديهم، وابن الأشتر ينهاهم عن الجزع والفشل، ثم زخف بأصحابه رويدا حتى إذا أشرف على تل عظيم فنظر إلى عسكر القوم وتأملهم، وأهل الشام بعد لم يتحركوا ولا ظنوا أن أهل العراق يقدمون عليهم، فلما نظروا إلى الخيل ms0977 وقد وافتهم بادروا إلى خيولهم، وقدموا الرجالة بين أيديهم، فخيل هم ستون ألفا ورجالتهم اثنان وعشرون ألفا. قال: # فعباهم عبيد الله بن زياد. فجعل على ميمنته شرحبيل بن ذي الكلاع، وعلى ميسرته ربيعة بن مخارق الغنوي، وعلى جناح ميسرته عبد الله بن حملة الخثعمي، وفي القلب يومئذ الحصين بن نمير السكوني (5). قال: وأنفض عليهم أهل العراق مستعدين للموت وهم يقولون: اللهم إننا ما خرجنا إلى حرب هؤلاء القوم إلا شارين # PageV06P278 # بدمائنا وأموالنا الجنة، طالبين بدماء أهل بيت نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فانصرنا عليهم كيف شئت وأنى شئت، إنك على كل شيء قدير. قال: فوقف الفريقان بعضهم ينظر إلى بعض، وتقدم رجل من عتاة أهل الشام ومردتهم يقال له عوف بن ضبعان الكلبي حتى وقف بين يدي الجمعين على فرس أدهم ثم نادى: ألا يا شيعة أبي تراب! ألا يا شيعة المختار الكذاب! ألا يا شيعة ابن الأشتر المرتاب! من كان منكم يدل بشجاعته وشدته فليبرز إلي إن كان صادقا، وللقرآن معانقا! ثم جعل يجول في ميدان الحرب وهو يترجز ويقول: # أنا ابن ضعبان الكريم المفضل * إني أنا الليث الكمي الهذلي من عصبة يبرون من دين علي * كذاك كانوا في الزمان الأول يا رجال! فما لبث أن خرج إليه الأحوص بن شداد الهمداني وهو يرتجز ويقول: (1) أنا ابن شداد على دين علي * لست لمروان ابن ليلى بولي (2) لأصطلين الحرب فيمن يصطلي * أحوص نار الحرب حتى تنجلي (3) قال: فجعل الشامي يشتم الأحوص بن شداد، فقال له الأحوص (4): يا هذا لا تشتم إن كنت غريبا، فإن الذي بيننا وبينكم أجل من الشتيمة، أنتم تقاتلون عن بني مروان، ونحن نطالبكم بدم ابن بنت نبي الرحمن، فادفعوا إلينا هذا الفاسق اللعين عبيد الله بن زياد، الذي قتل ابن بنت نبي رب العالمين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حتى نقتله ببعض موالينا الذين قتلوا مع الحسين بن علي، فإننا لا نراه للحسين كفؤا فنقتله به، فإذا دفعتموه إلينا فقتلناه جعلنا بيننا وبينكم ms0978 حكما من المسلمين، فقال له الشامي: # إننا قد جربناكم (5) في يوم صفين عندما حكمنا وحكمتم، فغدرتم ولم ترضوا بما حكم عليكم. قال: فقال له الأحوص بن شداد: يا هذا إن الحكمين لم يحكما # PageV06P279 # برضا الجميع، وأحدهما خدع صاحبه الآخر، والخلافة لا تعقد في الخديعة، ولا يجوز في الدين إلا النصيحة، ولكن ما اسمك أيها الرجل؟ فقال الشامي: اسمي منازل الأقران حلال! فقال له الأحوص بن شداد: ما أقرب الاسمين بعضهم من بعض، أنت منازل الأبطال، وأنا مقرب الآجال! ثم حمل عليه الأحوص والتقيا بضربتين ضربه الأحوض ضربة سقط الشامي قتيلا، فجال الأحوص في ميدان الحرب ونادى: يا قتلة الحسين: هل من مبارز! فخرج إليه داود بن عروة الدمشقي مقنعا في الحديد على كميت له وهو يقول: # أنا ابن من قاتل في صفينا * قتال قرم لم يكن غبينا بل كان فيها بطلا حرونا * مجربا لدى الوغا كمينا قال: فضمه إليه الأحوص بن شداد الهمداني وجعل يقول: # يا بن الذي قاتل في صفينا * ولم يكن في دينه غبينا كذبت قد كان بها مغبونا * مذبذبا في أمره مفتونا لا يعرف الحق ولا اليقينا * بؤسا له لقد مضى ملعونا قال: ثم التقيا فضربه الأحوص ضربة ألحقه بصاحبه، ثم رجع إلى صفه وخرج الحصين بن نمير الكسوني وهو يقول شعرا، قال: فما لبث أن خرج إليه فتى من أهل الكوفة يقال له شريك بن جدير التغلبي (1) مجيبا له وهو يقول شعرا. # قال: فحاوله الحصين بن نمير السكوني فالتقيا بضربتين، ضربه الثعلبي ضربة جدله قتيلا، فدخل على قتلة الحسين رضي الله عنه من أهل العراق مدخل عظيم. # وتقدم إبراهيم بن الأشتر يومئذ على فرس له أغر محجل حتى وقف بين الجمعين، ثم نادى بصوت جهوري (2): ألا يا شرطة الله! يا شيعة الحق! ألا يا أنصار الدين! قاتلوا المحلين وأولاد القاسطين، وأعوان الظالمين، وجنود ابن مرجانة اللعين، أيها الناس! لا تطلبوا أثرا بعد عين، هذا عبيد الله بن زياد، قاتل الحسين بن علي وفاطمة بنت رسول الله ms0979 صلى الله عليه وآله وسلم * هذا الذي حال بين الحسين وبين الماء الفرات أن يشربوه وهم ينظرون إليه، هذا الذي بعث إلى الحسين بن علي أن لا أمان لك عندي أو تنزل على حكمي، ثم عدا عليه فقتله وقتل أهل بيته، وساق حرم # PageV06P280 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كسبايا الروم والترك والديلم من بلد إلى بلد، حتى أدخلوا على يزيد، إنه ما فعل فرعون ببني إسرائيل ما فعل هذا الملعون بأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وما هو قد جاءه الله بكم وجاءكم به، ولا أنتم في بلدكم ولا هو في بلده، والله إني لأرجو أن يكون الله تعالى لم يجمع بينكم وبينه في هذا الموضع إلا لهلاكه وهلاك من معه من هؤلاء المحلين. # قال: ثم تقدم إبراهيم بن الأشتر قدام أصحابه فجعل يضرب بسيفه قدما قدما وهو يقول شعرا. قال: ثم حمل وحمل (1) معه أهل العراق بأجمعهم، ثم اختلط (2) القوم فاصطفقوا بالسيوف، وتطاعنوا بالرماح، وتراموا بالسهام، وجعل إبراهيم بن الأشتر يقول لصاحب رايته: تقدم بين يديك، فداك أبي وأمي ولا تجزع! فو الله ما أشبه هذا اليوم إلا بيوم الخميس وليلة الهرير بصفين. قال: فجعل صاحب راية ابن الأشتر يتقدم وأهل العراق يقاتلون ويتبعون الراية. قال: ونظر رجل من أهل الشام إلى صاحب راية ابن الأشتر فحمل عليه، والتقوا واعتنقوا وسقطوا جميعا عن فرسهم إلى الأرض، فجعل يقول هذا: اقتلوني وأين كذا وكذا! وهذا يقول: اقتلوني وأين كذا وكذا! فقتل الشامي وانفلت صاحب راية ابن الأشتر. # قال: وحان وقت الصلاتين جميعا الظهر والعصر، فما صلى القوم إلا بالإيماء والتكبير، حتى إذا كان في وقت اصفرار الشمس انهزام (3) أهل الشام نحو مدينة الموصل، وأخذهم السيف، والقوم ينهزمون والسيف في أقفيتهم، واختلط الظلام. ونظر إبراهيم بن الأشتر إلى رجل من القوم وعليه بزة حسنة، ودرع سابغ، وعمامة خز دكناء، وديباجة خضراء من فوق الدرع، وقد أخرج يده من الديباجة وفيها صفيحة له مذهبة. قال: فقصده ابن ms0980 الأشتر لا لشيء إلا لتلك الصفيحة التي في يده والفرس التي تحته، حتى إذا لحقه لم يكذب أن ضربه ضربة فشرقت يداه وغربت رجلاه، واتكأ ابن الأشتر في ركابه فتناول الصفيحة، وغار الفرس فلم يقدر عليه! ولم يبصر الناس بعضهم بعضا من شدة الظلمة، فتراجع أهل العراق إلى عسكرهم والخيل لا تطأ إلا على القتلى. # PageV06P281 # قام: وأصبح (1) الناس وقد فقد من أهل العراق ثلاثمائة وسبعون رجلا، وأهل الشام قد كانوا في اثنين وثمانين ألفا فانفلت عشرة آلاف وثمانية رجال عامتهم جرحي، وقد ذكر ذلك بعض الشعراء في شعر له، قال: ثم اقبل ابن الأشتر على أصحابه فقال: ويحكم إني أتبعت البارحة رجلا وقد اختلط الظلام، فشممت منه رائحة المسك، ورأيت في يده هذه الصفيحة، ورأيت تحته فرسا جوادا فلم أزل حتى ضربته ضربة شرقت يداه وغربت رجلاه، فمددت يدي فأخذت هذه الصفيحة وفاتني الفرس! فقال له بعض أصحابه: أصلح الله الأمير! الفرس عندي وأنا آتيك به، وقد جعله الله لك. قال ابن الأشتر: فصيروا إذا إلى شاطئ الفرات موضع كذا وكذا فإنكم ترون الرجل قتيلا، فانظروا من هو؟ فإن نفسي تحدثني أنه عبيد الله بن زياد! # فمضوا فوجدوه، فأتوا برأسه حتى وضعوه بين يديه، فلما رآه كبر وخر ساجدا، ثم رفع رأسه وقال: الحمد لله الذي أجرى قتله على يدي. فأنشأ بعض أصحابه في ذلك يقول أبياتا مطلعه (2): # أتاكم غلام من عرانيين مذحج * جري على الأعداء غير نكول إلى آخرها. قال: ثم أمر إبراهيم بن الأشتر برأس عبيد الله بن زياد، ورأس الحصين بن نمير السكوني وشرحبيل بن ذي الكلاع الحميري، وربيعة بن مخارق الغنوي ومن أشبههم من رؤساء أهل الشام، فجمعت ثم قورت ونفضت، وكتبت الرقاع وعلقت في آذانهم بأسمائهم، ثم جمعت أيضا رؤوس القوم عن آخرها وبعث بها إلى المختار، وكتب إليه ابن الأشتر يعلمه بالوقعة، وكيف أهلك الله القوم، وأباد خضراءهم، وبدد شملهم. # قال: فوردت الرؤوس يومئذ على أهل الكوفة زيادة على سبعين ألف رأس، وفي أوائلها ms0981 رأس عبيد الله بن زياد. قال: فقوم من شيعة بني أمية اشتد عليهم ذلك، وأما شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجعلوا يكبرون ويقولون: الحمد لله الذي قتل المحلين، وشفا غليل المؤمنين. # قال: وبعث المختار برأس عبيد الله بن زياد والحصين وشرحبيل ومن أشبههم # PageV06P282 # إلى محمد ابن الحنفية، وأما باقي هذه الرؤوس فصلبت حول الكوفة. وكتب المختار إلى محمد ابن الحنفية رضي الله عنه كتابا و [وجه] معه ثلاثون ألف دينار. ### | ذكر الكتاب إلى محمد ابن الحنفية رضي الله عنه # بسم الله الرحمن الرحيم، للمهدي محمد بن علي، من المختار بن أبي عبيد، سلام عليك! أما بعد، فالحمد لله الذي طلب لك بالأوتار، وأخذ لك بالثأر ومن الأشرار وأبناء الفجار، فقتلهم في كل فج بقهر، وغرقهم في كل بحر ونهر، فشفى بذلك قلوب المؤمنين، وأقر به عيون المسلمين، وأهلك المحلين الفاسقين، وأولاد القاسطين، فأبادهم رب العباد أجمعين، فنزل بهم ما نزل بثمود وعاد، وغرقهم تغريق فرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، قد قتلوا أشر قتلة، ومثل بأشرافهم أقبح مثلة، فاحمد الله أيها المهدي على ما أتاك، واشكره على ما أعطاك، وأنعم عليك وأولاك، وقد وجهت إليك بثلاثين ألف دينار لتصرفها في أهل بيتك وقرابتك ومن لجأ إليك من شيعتك - والسلام عليك أيها المهدي ورحمة الله وبركاته. # قال: فلما ورد كتابه على محمد ابن الحنفية وقرأه على أهل بيته وشيعته خر القوم سجدا. ثم قام محمد ابن الحنفية وصلى ركعتين شكرا لله تعالى إذ قتل عبيد الله بن زياد وأصحابه، ثم أمر بالرؤوس أن تنصب خارج الجسر، فمنعه ابن الزبير من ذلك وأمر بالرؤوس فدفنت، ثم قسم محمد ابن الحنفية ذلك المال في أهل بيته وشيعته وقرابته. # قال: ونظر عبد الله بن الزبير إلى غلبة المختار على البلاد، فاشتد ذلك عليه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم يدر ما يصنع، قال: وسار ابن الأشتر حتى نزل الموصل، واحتوى على أرض الجزيرة كلها، فأخذها وجبى خراجها، ms0982 ووجه ببعض ذلك إلى المختار، وفرق باقي ذلك على أصحابه. قال: فصارت الكوفة وسوادها إلى حلوان إلى الماهين إلى الري وما والاها في يدي المختار، والجزيرة بأجمعها من ديار ربيعة ومضر في يد إبراهيم بن الأشتر ونوابه بها (1)، والشام # PageV06P283 # كلها وأرض مصر إلى الواحات (1) في يدي عبد الملك بن مروان، والحجاز كلها وأرض اليمن في يد عبد الله بن الزبير وأخيه مصعب بن الزبير بالبصرة، والمهلب بن أبي صفرة من قبل مصعب في وجوه الأزارقة يحاربهم. ### | ابتداء مسير مصعب من البصرة إلى الكوفة ومقتل المختار رحمه الله # قال: ونظر مصعب بن الزبير إلى إبراهيم بن الأشتر وقد احتوى على البلاد من الجزيرة وقد بقي المختار بالكوفة، فعزم على المسير إليه وكتب إلى المهلب بن أبي صفرة: أما بعد، فإننا قد عزمنا على المسير إلى الكوفة إلى محاربة المختار الكذاب، غير أني قد أحببت أن تشهد أمرنا، فإذا ورد كتابي هذا عليك فول (2) بعض أولادك حرب الأزارقة وأقبل إلينا راشدا إن شاء الله - والسلام -. قال: ثم دفع الكتاب إلى محمد بن الأشعث بن قيس الكندي (3) فقال له: سر إلى المهلب فليس له أحد سواك، فإنه إذا نظر إليك رسولا علم أن الأمر جد فلا يتخلف، وانظر لا تفارقه وأشخصه معك إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: فأخذ محمد بن الأشعث الكتاب وسار إلى المهلب والمهلب يومئذ بسابور من أرض فارس يحارب الأزارقة، فلما قرأ الكتاب قال: يا سبحان الله! أما وجد الأمير بريدا سواك؟ فقال محمد بن الأشعث: أبا سعيد! والله ما أنا ببريد لأحد: غير أن نساءنا وأبناءنا وأموالنا وعقارنا ومنازلنا في يد المختار، وقد غلبنا على ذلك وأجلانا عن بلدنا، وهذا إبراهيم بن الأشتر قد غلب على بلاد الجزيرة وخالف على المختار، والمختار اليوم فليس معه جيش، وإنما هو شرذمة قليلة، وإني لأرجو أن يظفرنا الله به فنرجع إلى نعمتنا التي لم تزل لنا ولآبائنا من قبلنا. # PageV06P284 # قال: فدعا المهلب برؤساء أصحابه فأحضرهم بين يديه، ثم حمد ms0983 الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس! إن الأزارقة ليس يريدون إلا ما في أيديهم، والمختار يريد ما يكون في أيديكم، وهذا كتاب مصعب بن الزبير يأمرني فيه بالقدوم عليه، فاستمعوا له وأطيعوا أمره! فو الله ما رأيت صوابا قط إلا سبقني إليه، وقد تعلمون أنه ليث عبوس، للأقران فروس، وهو خليفتي عليكم (1) إلى حين رجوعي إليكم - إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم -. # قال: ثم ودع المهلب أولاده وأهل عسكره، وسار في ألف رجل من فرسان عسكره حتى قدم البصرة، ودخل على مصعب بن الزبير، فقربه وأدناه وأجلسه معه على سريره، وأمر له بخلعة وجائزة ثم أمره بالتأهب إلى محاربة المختار. فقال له المهلب: أيها الأمير! أنا متأهب لك فاعزم إذا شئت! قال: فعندها أمر مصعب عسكره وأصحابه أن يعسكروا عند الجسر الأعظم. ثم خرج وخرج (2) الناس معه من البصرة، وجعل على كل قبيلة من قبائل العرب رئيسا يقتدون به وبرأيه وينتهون إلى أمره، فعلى قريش وأحلافها عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وعلى بني تميم كلها الأحنف بن قيس التيمي، وعلى قيس عيلان قيس بن الهيثم (3) السلمي، وعلى بني بكر بن وائل مالك بن مسمع الجحدري، وعلى قبائل عبد القيس مالك بن المنذر بن الجارود العبدي، وعلى قبائل كندة محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وعلى قبائل مذحج عبيد الله بن الحر الجعفي، وعلى قبائل الأزد يومئذ المهلب بن أبي صفرة. # قال: وبلغ ذلك المختار فعلم أنه قد أوتي من قبل إبراهيم بن الأشتر، لأنه قد # PageV06P285 # خذله وقعد عنه، فقام في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (1): أما بعد يا أهل الكوفة! فإن أهل مصركم الذين بغوا عليكم، وقتلوا ابن بنت نبيكم الحسين بن علي، قد كانوا لجأوا إلى أمثالهم من الفاسقين، فاستعانوا بهم عليكم، لما علموا أن ابن الأشتر خذلني وقعد عن نصرتي، وقد بلغني أنهم خرجوا من البصرة في جيش لجب إلى قبلكم، وإنما يريدون قتلي ليضمحل الحق، وينتعش الباطل، ويقتل أولياء ms0984 الله، ألا فانتدبوا رحمكم الله مع الأحمر بن شميط (2) البجلي، فإني أرجو أن يهلكهم الله على أيديكم هلاك عاد وثمود وما ذلك على الله بعزيز. قال: فأجابه (3) الناس إلى ذلك من كل جانب وقالوا: سمعنا وأطعنا. # ثم خرج وخرج بهم الأحمر بن شميط حتى عسكر بهم على موضع يقال له حمام أعين، وخرج إليه أمراء الأجناد فعسكروا معه في قريب من ثلاثة آلاف فارس وراجل، ثم سار الأحمر بأهل الكوفة حتى نزل المذار (4) وأقبل إليه مصعب بن الزبير حتى نزل قريبا منه في سبعة آلاف ما بين فارس وراجل ودنا القوم بعضهم من بعض، وتقدم عباد بن الحصين الحبطي (5) حتى وقف بين الجمعين ثم نادى بأعلى صوته: # ألا يا شيعة المختار! إننا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى بيعة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير. قال: فقال عبد الله بن كامل الهمداني: ونحن أيضا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى بيعة المختار بن [أبي] عبيد، وإلى أن نجعل هذا الأمر شورى في آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فمن زعم أنه أحق بهذا الأمر منهم برئنا منه في الدنيا والآخرة وجاهدناه حق الجهاد. # قال: فلما سمع مصعب بن الزبير ذلك غضب فقال: احملوا عليهم! فحمل عباد بن الحصين في قبيلة عظيمة على أصحاب المختار، فلم يزل منهم واحد عن موقفه قال: فعندها صاح محمد بن الأشعث وقال: يا أهل العراق! إلى متى # PageV06P286 # وحتى متى نكون أذلاء مشردين مطرودين عن أهلنا وأولادنا، كروا عليه كرة صادقة فإنهم مغلوبون إن شاء الله. قال: فاضطرب القوم وتصادموا، وحنق بعضهم على بعض، ووقعت الهزيمة على أصحاب المختار (1)، وقتل صاحبهم الأحمر بن شميط وانكشفوا فولوا الأدبار، وأخذهم السيف، فأما الرجالة فما التفت منهم أحد، وأما الخيل فما انفلت منهم إلا الجواد، فدخل أقلهم إلى الكوفة بأشر حالة تكون حتى صاروا إلى المختار، فأخبروه بذلك، فأنشأ الأعشى يقول شعرا (2). # قال: ونزل ms0985 بالمختار أمر عظيم من قتل أصحابه، وأيقن بالهلكة، ولم يجد بدا من التشجع، وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر كتابا بعد كتاب يسأله المسير إليه فلم يفعل، وأقبل مصعب بن الزبير حتى نزل في موضع واسط، ثم أمر أصحابه الرجالة فقعدوا في السفن وساروا إلى نهر يخرجهم إلى الفرات. قال: وبلغ ذلك المختار فأمر كل نهر علم أن يحمل من الفرات فسكر (3) بعضها بعضا، فبقيت سفن أصحاب مصعب في الطين، فلما نظروا إلى ذلك خرجوا من السفن وأقبلوا يسيرون نحو الكوفة ومصعب قد سار في خيلة على الظهر حتى وافى أصحابه. # قال: ودعى المختار برجل من أصحابه فاستخلفه على الكوفة، وقد أعد في القصر جميع ما احتاج إليه من آلة الحصار، ثم أقبل حتى نزل بحروراء (4) ودنا القوم بعضهم من بعض. فقال المختار: يا له من يوم لو حضرني فيه ابن الأشتر! ولكنه قعد عني وخذلني، ووالله ما من الموت بد! قال: واختلط الفريقان (5)، فأرسل مصعب بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة يقول: أبا سعيد! رحمك الله ما تنتظر أن تحمل على من بإزائك؟ أما ترى إلى تعبية جيش هذا الكذاب! فالتفت المهلب إلى بعض أصحابه فقال: إن الأمير (6) أعزه الله يظن أننا نلعب، ولا يعلم أني قاتلت # PageV06P287 # قتالا هو أشد من هذا، ولكن احملوا واستعينوا بالله واصبروا. # قال: ثم حمل المهلب وحمل الناس معه حملة صادقة، فحطموا أصحاب المختار وكشفوا، فصاح المختار بأصحابه: لا بأس عليكم أنا أبو إسحاق أنا جزار القاسطين، أين أصحاب الصبر واليقين، إلي إلي رحمكم الله! قال: فثاب إليه زهاء عن خمسمائة رجل، ليس فيهم رجل إلا وهو يعد برجال، فجعلوا يقاتلون قتالا لم يسمع الناس بمثله، والتفت رجل من أصحاب المختار يقال له عبد الله بن عمرو النهدي فقال: ويحكم أروني الموضع الذي فيه محمد بن الأشعث، فإنه ممن قاتل الحسين بن علي وشارك في دمه! فقالوا: ألا ترى هو في الكتيبة الحمراء على الفرس الأدهم؟ فقال: بلى قد رأيته، فدعوني وإياه. ثم رفع ms0986 رأسه إلى السماء وقال: اللهم إننا على ما كنت عليه بصفين، اللهم وإني أبرأ إليك ممن قتل أهل البيت بيت نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو شارك في دمائهم. قال: ثم حمل حتى خالط أصحاب مصعب بن الزبير، فجعل يضرب فيهم ضربا منكرا وهو في ذلك يلاحظ محمد بن الأشعث، حتى إذا أمكنته الفرصة وحمل عليه، ضربه ضربة على رأسه جدله صريعا (1). قال: واختلط الناس من أصحاب ابن الزبير بعبد الله بن عمرو هذا فقتلوه. # قال: وجعل المختار يقول: بأبي وأمي أنتم كروا على الحرب، كروا كروا على الثعالب الرواغة! قال: فجعل أصحاب المختار يقاتلون بين يديه أشد قتال يكون، وصاح مصعب بن الزبير بأصحابه وقال: سوءة لكم يا معشر العرب! أما ترون ما نحن فيه من أصحاب هذا الكذاب، أما فيكم من يحامي على دين أو حسب! قال: فعندها اجتمع (2) أصحاب أبطال العرب الذين كان المختار أخرجهم من الكوفة، مثل عبيد الله (3) بن الحر وشبث (4) بن ربعي وغيرهم من سادات أهل الكوفة، ثم حملوا على أصحاب المختار فهزمهم ولحق رجل منهم من أهل الكوفة عبيد الله (5) بن علي بن أبي طالب وهو لم يعرفه، فضربه من ورائه ضربة على حبل # PageV06P288 # عاتقه، جدله قتيلا. # قال: وصار أصحاب مصعب بن الزبير إلى حيطان الكوفة. ونزل المختار عن فرسه ونزل معه أشداء أصحابه، وركبوا على أفوه السكك، فلم يزالوا يقاتلون من وقت المغرب إلى الصباح، وانهزم المختار حتى دخل إلى قصر الإمارة، فقال له بعض أصحابه: أيها الأمير! أما خبرتنا أن نقتل مصعب بن الزبير في وقعتنا هذه؟ # فقال: بلى! ولكن أما تسمع قول الله تعالى، (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (1). # قال: وأصبح مصعب فعبي أصحابه تعبية الحرب، وأقبل نحو الكوفة حتى دخلها في جيشه ذلك، والمهلب بن أبي صفرة على يساره فقال له: أبا سعيد! يا له من فتح ما أهنأه لو لا قتل محمد بن الأشعث، فقال المهلب: صدقت أيها الأمير، قد قتل عبيد الله ms0987 (2) بن أبي طالب أيضا، قال مصعب: فإننا ما قتلناه وإنما قتله من كان من شيعته وشيعة أبيه. قال: ودخل أصحاب المختار إلى منازلهم، ودخل قوم منهم إلى قصر الإمارة، فصاروا مع المختار عازمين على الموت. ### | ذكر محاصرة المختار في القصر إلى وقت مقتله رحمه الله # قال: وجاءت الخيل حتى أحدقت بالقصر، فحاصروا المختار ومن فيه حصارا شديدا، حتى منه العطش، فكانوا ربما بذلوا في الرواية من الماء الدينار والدينارين والثلاثة. قال: وكانت (3) النساء في أول الأمر يأتين فيدخلن في القصر إلى أقاربهن بالطعام والماء، فبلغ ذلك مصعب بن الزبير فمنع النساء من ذلك. ثم قطع عنهم الماء، فكانوا يمزجون ماء البئر بالعسل والدوشاب (4) والتمر ويشربونه لما ينالهم من العطش. # PageV06P289 # قال: وجعل أصحاب مصعب ينادون المختار من خارج القصر ويقولون: يا ابن دومة! كيف ترى ما أنت فيه من الحصار، هذا جزاء من خالف على أمير المؤمنين عبد الله (1) بن الزبير وطلب الأمر لغيره! قال: فأشرف عليهم المختار من أعالي القصر ثم قال: يا جند المرأة! يا أعوان البهيمة! يا بقايا السيف! أتعيرونني بأمي دومة، حسناء الحومة، التي لا تسمع فيها اللائم لومة، أما والله لو كان من يعيرني بدومة من الفريقين عظيما لما عيرني بها، ولكن إن كنتم رجالا فاثبتوا لي قليلا، فو الله لأقاتلنكم قتال مستقل قد أئس من الحياة. # قال: ثم نزل المختار عن حائط القصر، فصب عليه سلاحه واستوى على فرسه، وجعل يتمثل بقول قيس غيلان بن سلمة بن معتب (2) الثقفي وهو يقول: # ولو يراني (3) أبو غيلان إذ حسرت * عني الهموم بأمر ما له طبق لقال (4) رعبا ورهبا يجمعان معا * غنم الحياة وهول النفس والشفق والموت أحمد شيء بالكريم إذا * ما قاله الدهر والآجال تخترق (5) قال: ثم أمر بباب القصر ففتح، وخرج في نحو من مائتي رجل ممن يثق بهم، فكر على أصحاب مصعب فهزمهم حتى ركب بعضهم بعضا. قال: ونظر إليه رجل من أصحاب البصرة يقال له يحيى بن ضمضم (6) الضبي، وكان إذا كرب خطت رجلاه ms0988 في الأرض لطوله، ولم يكن في أصحاب مصعب بن الزبير أفرس منه، فحمل على المختار ليضربه وضربه، فاستقبله المختار بضربة على جبينه أطار قحف رأسه فخر صريعا، وحملت الكتائب على المختار من كل جانب، فجعل يحاربهم ويرجع إلى ورائه حتى دخل القصر، واشتد الحصار على القوم، فجعل السائب بن مالك الأشعري يتمثل بقول عبيد الله بن حذاق حيث يقول أبياتا مطلعها: # PageV06P290 # هل للفتى من نياب الدهر من واقي * أم هل لحتم إذا ما حم من راقي إلى آخرها. قال: فسمع المختار هذه الأبيات من السائب بن مالك الأشعري فقال: لله در عبد الله بن حداق (1) ما أجود معناه في هذا القول، أما والله لو لا ما نحن فيه لأحببت أن أحفظ هذه الأبيات، وو الله يا سائب! إن لو كان معي عشرة لعلمت أننا نقهر مصعبا (2) وأصحابه. # قال: ثم أقبل المختار على أصحابه فقال: ويحكم اخرجوا بنا حتى نقاتل هؤلاء القوم فنقتل كراما، فو الله ما أنا بآئس إن أنتم صدقتموهم القتال أن تنصروا عليهم. قال: فأجابه أصحابه إلى ذلك، وقالوا: ما الرأي إلا ما رأيت! وليس يجب أن نعطي بأيدينا ولا نحكم هؤلاء على دمائنا، فاعزم على ما أنت عازم عليه من أمرك فها نحن بين يديك. قال: فعندها بعث المختار إلى امرأته أم ثابت الفزارية بنت سمرة بن جندب، فأرسلت إليه بطيب كثير وحنوط، فقام واغتسل وأفرغ عليه ثيابه وتحنط ووضع ذلك الطيب في (3) رأسه ولحيته، ووثب أصحابه يفعلون كذلك، فقال له رجل منهم (4): أبا إسحاق! أما بد من الموت؟ قال: قد رأيت والله عبد الله بن الزبير على الحجاز، وبني أمية على الشام، ومصعبا على العراق، ولم أكن بدون واحد منهم. وإنما خرجت أطلب بدماء أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وقد والله أشفيت نفسي من أعدائهم وممن شارك في دمائهم، ولست أبالي بعد هذا كيف أتاني الموت قال: ثم استوى على فرسه وجعل يرتجز ويقول شعرا (5). ثم أمر بباب القصر ففتح، وخرج معه ms0989 نفر (6) من أصحابه فلم يزل يقاتل ويقاتلون معه حتى قتلوا بأجمعهم وبقي المختار وحده، فجعل يقاتل والسهام تأخذه، فصاح مصعب بن الزبير بأصحابه أن احدقوا به فقد قتلت أنصاره. # قال: فأحاطت به الخيل من كل جانب، فجعل يكر عليهم ويكرون عليه حتى بلغوا به إلى الموضع الذي فيه حوانيت الزياتين اليوم، فأحاطوا به هنالك وألجأوه إلى # PageV06P291 # جدار هناك وقصده رجلان (1) من بني حنيفة أخوان (2) يقال لأحدهما طرفة (3) والآخر طراف (4) ابنا عبد الله بن دجاجة الحنفي وضرباه جميعا بأسيافهما. فسقط المختار إلى الأرض، فنزلا إليه فذبحاه واحتزا رأسه وأقبلا به إلى مصعب بن الزبير، قال: # فأمر مصعب بقطع يده اليمنى، فقطعت وسمرت على باب القصر، ثم أمر برأسه فنصب في رحبة الحدادين. # ثم أقبل مصعب وأصحابه حتى أحدقوا بالقصر فجعلوا ينادون لمن في القصر ويقولون: اخرجوا ولكم الأمان! فقد قتل الله صاحبكم. قال: ففتح القوم باب القصر وخرجوا، فأخذوا بأجمعهم حتى أتي بهم مصعب بن الزبير، فقدموا حتى وقفوا بين يديه، وجعل رجل منهم (5) يقول: # ما كنت أخشى أن أرى أسيرا * ولا أرى مدمرا تدميرا إن الذين خالفوا الأميرا * قد رغموا (6) وتبروا تتبيرا قال: فرفع مصعب رأسه إليه فقال: الحمد لله الذي أمكن منكم يا شيعة الدجال! قال: فتكلم رجل منهم يقال له بحير بن عبد الله السلمي (7)، فقال: لا والله ما نحن بشيعة الدجال، ولكنا شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما خرجنا بأسيافنا إلا طلبا بدمائهم، وقد ابتلانا الله بالأسر وابتلاك بالعفو أيها الأمير، والصفح والعفاف وهما منزلتان: منزلة رضا ومنزلة سخط، فمن عفا عفي عنه، ومن عاقب لم يأمن من القصاص! وبعد فإننا إخوانكم في دينكم وشركاؤكم في حظكم، ونحن أهل قبلتكم، لسنا بالترك ولا بالديلم، وقد كان منا ما كان من أهل العراق وأهل الشام، فاصفح إن قدرت. # قال: فكان مصعب بن الزبير قد رق لهذا المتكلم وأصحابه وهم بإطلاقهم # PageV06P292 # فوثب أشراف العرب (1) فقالوا: أيها الأمير! إن هؤلاء هم الذين قتلوا أبناءنا وإخواننا وبني أعمامنا، ms0990 وفي إطلاقهم فساد عليك في سلطانك وعلينا في أحسابنا قال: # مصعب: فشأنكم إذا بهم! قال: فاتكوا عليهم بالسيوف فقتلوهم صبرا - رحمة الله عليهم -. # قال: وأقبل مصعب حتى دخل قصر الإمارة، فجلس على سرير المختار، ثم أرسل إلى امرأتي المختار أم ثابت بنت سمرة بن جندب الفزارية وعمرة بنت النعمان بن بشير الأنصارية، فلما أتي بهما قال لهما مصعب: ما تقولان (2) في المختار؟ فقالت الفزارية: نقول فيه كما تقولون فيه، فقال مصعب: أحسنت اذهبي فلا سبيل عليك. فقالت الأنصارية: ولكني أقول كان عبدا مؤمنا، محبا لله ورسوله وأهل بيت رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإنكم إن قتلتموه لم تبقوا بعده إلا قليلا فغضب مصعب بن الزبير ثم أمر بها فقتلت (3). فقال بعضهم (4) في ذلك: # إن من أعجب العجائب عندي * قتل بيضاء حرة عطبول (5) قتلت هكذا على غير جرم (6) * إن لله درها من قتيل كتب القتل والقتال علينا * وعلى المحصنات (7) جر الذيول # PageV06P293 # قال: ثم بعث مصعب برأس المختار إلى مكة إلى عبد الله بن الزبير، فأمر عبد الله بن الزبير برأس المختار فنصف بالأبطح، ثم أرسل إلى عبد الله بن عباس فقال: يا بن عباس إنه قد قتل الله الكذاب، فقال ابن عباس: رحم الله المختار كان رجلا محبا لنا عارفا بحقنا، وإنما خرج بسيفه طالبا بدمائنا وليس جزاؤه منا أن نسميه كذابا. ### | ذكر كتاب مصعب بن الزبير إلى إبراهيم ابن الأشتر رحمه الله # من مصعب بن الزبير، إلى إبراهيم بن الأشتر، سلام عليك! أما بعد (1)، فقد قتل الله المختار وشيعته الذين دانوا بالكفر، وكادوا بالسحر، وإننا ندعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى بيعة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، فإن أجبت إلى ذلك فأقبل إلينا آمنا مطمئنا، فإن لك أرض الجزيرة وما غلبت عليه بسيفك من أرض المغرب ما بقيت وبقي سلطان آل الزبير، ولك بذلك عهد الله وميثاقه، وأشد ما أخذ (2) على أنبيائه من عهد وعقد - والسلام -. # قال: وعلم عبد الملك ms0991 بن مروان أن المختار قتل، فكتب إلى إبراهيم بن الأشتر (3): بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين، إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلام عليك! أما بعد، فقد علمت ما كان من آل الزبير أنهم تشغبوا على أئمة الهدى، ونازعوا (4) أهل الحق، وألحدوا في بيت الله الحرام، والله ممكن منهم وخاذلهم، وجاعل دائرة السوء عليهم عن قريب إن شاء الله، وأنا أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن قبلت وأجبت فلك بذلك سلطان العراق وما غلبت عليه من أرض المشرق أبدا ما بقيت وبقي سلطان آل مروان، ولك بذلك عهد الله وميثاقه - والسلام -. # قال: فدعا إبراهيم بخاصة أصحابه فاستشارهم في ذلك، فقال له قوم: أيها الأمير الرأي عندنا أن تدخل في طاعة عبد الملك بن مروان، فقال لهم ابن الأشتر: # PageV06P294 # ويحكم إنه ليس بالشام قبيلة إلا وقد وترتها (1) وقتلت رجالها في يوم عبيد الله، وما كنت بالذي اختار على مصري مصرا ولا على عشيرتي عشيرة، واللحاق بالعراق أحب إلي وأعود علي. # قال: ثم نادى في أصحابه وارتحل نحو الكوفة إلى مصعب بن الزبير، فلما دخل على مصعب قربه وأدناه، وأجلسه معه على سريره، ثم خلع عليه وأمر له بجائزة سنية، وصرفه إلى منزله، ثم كتب إلى أخيه عبد الله (2) بن الزبير، فأخبره بأمر ابن الأشتر وأنه قد دخل إلى الكوفة، فسر عبد الله بن الزبير بذلك سرورا شديدا. ثم ولى مصعب بن الزبير المهلب بن أبي صفرة أرض الموصل وعزله عن حرب الأزارقة، واستوت العراق والجزيرة والحجاز واليمن وأرمينية وآذربيجان لآل الزبير، والشام ومصر إلى آخر المغرب في يد عبد الملك بن مروان. ### | ثم رجعنا إلى أخبار عبيد الله بن الحر وخروجه على مصعب بن الزبير # قال: وكان مصعب بن الزبير قد ولى رجلا سخيا يقال له زجر بن قيس الجعفي جميع سواد الكوفة، قال: وكان زجر بن قيس هذا رجلا سخيا، لا يبقي على شيء، فأتلف مال السواد، ms0992 حتى كسر على مصعب سبعون ألف درهم، فأخذه مصعب فحبسه، فلم يكن عنده ما يؤدي. # قال: وجاء عبيد الله بن الحر حتى دخل على مصعب بن الزبير وسأله في زجر بن قيس، فأبى عليه أن يشفعه فيه، فقال ابن الحر: أيها الأمير! المال على من دونه! فأطلقه. فلما كان بعد ذلك بمدة يسيرة بعث مصعب إلى عبيد الله بن الحر يقتضيه المال، فقال ابن الحر للرسول: ارجع إلى الأمير فقل له يقول لك عبيد الله بن الحر: أيها الأمير! أما ما كان لك علينا فإنك تقتضيه منا، وما كان لنا عليك فلا تؤديه! أيها الأمير! إنما سرت إليك إلى البصرة معونة وتقوية لك! وقدمت معك إلى بلدي فأعنتك بنفسي وعشائري حتى قتلت المختار وظفرت بما تريد، لنصير منك إلى ما صار غيرنا من الولاية والحبا والكرامة، وكان ما وعدتنا قديما # PageV06P295 # ورجونا هبأ منثورا. قال: فسار الرسول إلى مصعب بن الزبير فأخبره بذلك، فأمسك عنه مصعب وفي قلبه منه ما في قلبه، فأنشأ عبيد الله بن الحر في ذلك يقول: # متى تسألوني ما علي وتمنعوا ال‍ * ذي لي لم أستطع على ذلكم صبرا أهان وأقضى ثم ترجى نصيحتي * وإني امرؤ يوفي نصيحته قسرا رأيت أكف المفضلين لديكم * ملأى وكفي من عطائكم صفرا وقدما كففت النفس عما يريبكم * ولو شئت قد أغليت في حربكم قدرا ولو شئت قد سارت إليكم كتائب * رآها سراعا نحو عقوتكم غبرا عليها رجال لا يخافون في الوغا * سهام المنايا والردينية السمرا قال: ثم أرسل عبيد الله بن الحر إلى فتيان صعاليك العرب فدعاهم وأخذ بيعتهم على أن يخرجوا معه على مصعب بن الزبير، فأجابوه إلى ذلك، ثم خرج معه القوم وهم سبعون رجلا في جوف الليل، حتى إذا صار على فرسخين من الكوفة. # قال: واتصل هذا الخبر بمصعب بن الزبير، فكأنه اغتم لذلك وخشي أن يخرج عليه ابن الحر في سواد الكوفة، فبعث إليه برجل يقال له سيف بن هانئ وكتب إليه: أما بعد! فقد بلغني ما ms0993 قد عزمت عليه من أمرك، وقد وجهت إليك رسولي أدعوك فيه إلى طاعتي على أنك تقاتل معي أهل الشام، ولك عندي بذلك خراج بادوريا (1) تأخذه لنفسك عفوا صفوا، فتفرقه فيمن أحببت من أهل بيتك وأصحابك وعشيرتك، فكف عما تريد أن تصنع - والسلام -. # قال: فلما قرأ عبيد الله بن الحر ضحك لذلك وقال: أو ليس لي خراج بادوريا (2) وغير بادوريا (2) من السواد، لا والله لا أجبت مصعبا إلى شيء أبدا. ثم أقبل على الرسول فقال له: إني أراك فتى ظريفا، فهل لك أن تصحبني فأغنيك عن مصعب بن الزبير؟ فقال له الفتى: جعلت فداك وإني أخاف على أهل بيتي وعشيرتي إن أنا فعلت ذلك، فلا تكلفني من الأمر ما لا أطيق. قال: فانصرف إلى صاحبك راشدا فأخبره بما سمعت. قال: فجاء سيف بن هانئ إلى مصعب فأخبره بذلك، فأنشأ عبيد الله بن الحر يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # أيرجو ابن الزبير اليوم نصري * لعاقبه ولم أنصر حسينا # PageV06P296 # إلى آخرها. # قال: فأرسل مصعب بن الزبير إلى وجوه أهل الكوفة فأحضرهم إلى مجلسه وأخبرهم بقصة عبيد الله بن الحر، فقال له رجل منهم: أصلح الله الأمير، إني أخبرك عنه بأمر! فقال مصعب: وما ذلك؟ فقال: إنه جاء يوم (1) من الأيام فاستأذن عليكم فلم يأذن له الحاجب، وجاء مسلم بن عمرو الباهلي فدخل، وجاء المهلب بن أبي صفرة فدخل، وجاء إليك الناس واحدا بعد واحد، ثم دخل بعد ذلك عبيد الله بن الحر، فلما خرج سمعته يقول أبياتا حفظتها منه وهي هذه الأبيات (2): # بأي بلاء أم بأية نعمة * بمسلم قبلي يبتدي والمهلب (3) ويدعى ابن منجوف أمامي كأنه * يطاعن قلبي بالوشيج المغلب (4) بسوء بلاء أم لقتل عشيرتي * أذل وأقصى عن حجابات مصعب قال: فقال له مصعب: دع هذا! هذا شيء ما لنا به علم، ولكن هاتوا آراءكم وأشيروا علي بمشورة يعم صلاحها! قال فقال له بعض جلسائه: أصلح الله الأمير! # إن عبيد الله بن الحر رجل صعلوك يأكل خبزة بسيفه، وهو مع ذلك رجل مطاع ms0994 في قومه وعشيرته لما يعلمون من بأسه وشدته، ولقد كان خالف على المختار بن أبي عبيد وقاتله غير مرة، وقد خالف أيضا على معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد وعبيد [الله] بن زياد، وهو رجل لا يرى لأحد عليه طاعة، ويوشك أن يثور في هذا السواد، فقتل ويفسد ويجلب الأموال كما فعل من قبل، والرأي في ذلك أن يبعث إليه الأمير - أيده الله - بالبر والألطاف ويعده ويمنيه حتى يقع في يده، ثم يخلده السجن، فقال مصعب: هذا هين يسير إن قبل ذلك منا. # PageV06P297 # قال: ثم جعل مصعب يتلطف له ويعرض عليه الولاية ويهدي إليه الهدايا. # قال: فلم يزل كذلك حتى رجع إلى الكوفة، فلما دخل وسلم على مصعب لم يرد عليه السلام ثم قال: يا بن الحر! كيف صنعت؟ فقال: صنعت ما قد علمت وكذا يصنع الرجال الذين فيهم خير (1) إذا لم يعطوا الرضا. قال مصعب! فأين أصحابك الذين معك؟ قال: خلفتهم ورائي وجئتك وحدي، فإن كان منك ما أريد وما ضمنته لهم فذاك، وإن أسأت إلي وخالفت ما قرأت عنك في كتابك كان (2) أصحابي من ورائي يفعلون ما آمر. قال: ثم أمر به مصعب فقيد بقيد ثقيل، ودعا بسجان يقال له واصل، فقال له: خذ هذا إليك وضيق عليه في السجن ما استطعت. # قال: فدعا واصل السجان بأعوانه وأمرهم فحملوا عبيد الله بن الحر من بين يدي مصعب حملا حتى انطلقوا به إلى السجن، فلما رآه أهل السجن كبروا وشمتوا. قال: وأقبل السجان فأخذ رداء كان على عاتق عبيد الله بن الحر وقال له: # يا بن الحر! أريد أن تكسوني هذا الرداء فإنه رداء نفيس وقلما رأيت مثله! قال: # فتبسم ابن الحر وقال: والله إن هذا ما أنت له بأهل، ولكن خذه ولا تلبسه، وبعه لغيرك وانتفع بثمنه. قال: فأخذ واصل السجان رداء عبيد الله بن الحر فتردى به، وجعل يخطر فيه ليغيضه ذلك، فأنشأ عبيد الله بن الحر يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # فلم أر يوما مثل يوم ms0995 شهدته * أبت شمسه مع غيمه أن تغيبا إلى آخرها. قال: فأقام ابن الحر في السجن شهرا كاملا، ثم كتب بعد ذلك إلى مصعب بكتاب بتهدده فيه بقومه وعشيرته ويخوفه من نفسه إن هو انفلت من السجن أن تجتمع إليه الجموع فيناويه في عزه وسلطانه، ثم [كتب] في كتابه أبياتا مطلعها: # لنعم ابن أخت المرء يسجن مصعب * لطارق ليل خائف أو لنائل إلى آخرها. # قال: فلما نظر مصعب بن الزبير في كتاب ابن الحر وشعره غضب لذلك وزبد وتمعر، ثم أرسل إلى وجوه أهل الكوفة فدعاهم، ثم قال: هذا ابن عمكم # PageV06P298 # عبيد الله بن الحر يتوعدني بالقتال إن هو أفلت من يدي، والله لأطيلن حبسه ولأزيدن في حديده، ولأذيقنه طعم الذل والهوان. ثم أمر مصعب فزيد في حديده، وأمر فضيق عليه في السجن أشد الضيق. # فلما بلغ ابن الحر ما هو فيه من ثقل الحديد وضيق الحبس كتب إلي بني عمه يشكو إليهم ويقول أبياتا مطلعها: # [و] من مبلغ الفتيان أن ابن عمهم * أتى دونهم باب منيع وحاجبه (1) إلى آخرها قال: فلما وصلت هذه القصيدة إلى بني عمه كأنهم تحركوا لذلك، وقال بعضهم لبعض: لا والله ما هذا بحسن أن يكون أخونا وابن عمنا محبوسا يقاسي ثقل الحديد وضيق السجن ونحن آمنون. قال: ثم وثب رجل منهم يقال له عطية بن عمر الجعفي (2) فقال: يا هؤلاء! قوموا بنا إلى هذا الأمير حتى نكلمه في صاحبنا، فإن هو شفعنا فيه وإلا ثرنا عليه فقاتلناه، فما هو أعز علينا ولا أعظم في عيوننا من المختار بن [أبي] عبيد الذي قتلناه في ساعة من النهار قال: وبلغ ذلك مصعب بن الزبير، فسكت عن القوم كأنه لم يعلم بشيء من ذلك، فلما كان الليل بعث إلى عطية بن عمر (3) الجعفي فأتي به في منزله، ثم أمر به مصعب فبطح بين يديه فضربه ثلاثمائة قضيب، ثم أمر به فقد وحمل إلى السجن، فحبس مع عبيد الله بن الحر. قال: وأصبحت قبائل الأزد ومذحج بالكوفة وقد بلغهم ms0996 ذلك، فكأنهم هموا بالمصعب ثم إنهم كفوا يومهم ذلك. # قال: ونظر عبيد الله بن الحر إلى عطية بن عمر وجزعه من ذلك الضرب والحبس، فقال: لا تجزع يا عطية! فإن الدهر يومان: يوم نعيم ويوم بؤس، والله يا عطية لأخرجن أنا وأنت من هذا السجن، ولأنغصن على مصعب بن الزبير عيشه، ولأدعون أهل السواد والناحيتين إلى المشمرخ (4) ولأحتوين على الفرات إلى هيت وعانات، ولآخذن خراج الشوش وما يليها من الرساتيق والقرى، ولأكرمن من جاءني # PageV06P299 # من الفتيان والصعاليك بالأموال والخيل والأثاث الفاخر إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فلا تجزع يا بن عمر، فما أقرب الفرج لأنه لم تكن شدة قط إلا جعل الله من بعدها فرجا ورخاء، ثم أنشأ في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # قول له صبرا عطي فإنما * هو السجن حتى يجعل الله مخرجا إلى آخرها (1). # قال: فلما بلغ قومه هذه القصيدة كأنها حركتهم، وقال بعضهم لبعض: إذ كان غدا فاجتمعوا بنا حتى ندخل على هذا الأمير نكلمه في صاحبنا، فإن هو شفعنا فيه وأخرجه من سجنه وإلا عاودناه في ذلك. قال: ثم بعثوا إلى عبيد الله بن الحر أننا عزمنا على أننا نسير إليه ونكلمه في أمرك، وقد أحببنا أن يكون معنا أبو النعمان إبراهيم بن الأشتر، فلا عليك أن تبعث إليه رسولا وتسأله أن يركب معنا، فإنه عظيم القدر عند الأمير، ولعله أن يستحي من فيشفعه فيك. قال: فكتب عبيد الله (2) بن الحر إلى إبراهيم بن الأشتر، ثم أثبت في رقعته هذه الأبيات: # بان الملامة لا تبقي ولا تدع * ولا يزيدك إلا أنها جزع لم يبق معذرة سعد فأعذرها * ولا مزاد وكانوا بئس ما صنعوا والحارثيون (3) لم أرض الذي نطقوا * عند الأمير وشر المنطق الشنع تبادروا أنهم نأتي أميرهم * وللمذلة في أعناقهم خضعوا فقد وردتم فذوقوا غب مصدر كم * لا ينهكم بعده ري ولا شبع ماذا يقولون وابن الحر محتبس * همت به مذحج والأنف مجتدع قد جللت مذحج ما ليس يغسله * ماء الفرات لأن ms0997 لم يشهد النجع الضاربون من الأقوام هامهم * بحيث يقرع عن هاماتها الصلع والطاعنون ولم ترعش أكفهم * إذا العوالي بأيدي القوم يخترع شم العرانين سادات كأنهم * بيض السيوف التي لم يعلها الطبع # PageV06P300 # أرجو قيام أبي النعمان إذ وهبوا * ومثله بجسيم الأمر يضطلع فإن يفك عبيد الله من كبل * فليس بعدك في إخراجه طمع فاجهد فدى لك والأقوام كلهم * ما بعدها من مساعي الخير متبع فابسط يديك فإن الخير مبتدر * عليائه وجدود القوم تصطرع قد قدمت لك مسعاة ومأثرة * من مالك وكذاك الخير منتجع والأمن والخوف أيام مداولة * بين الرجاء وبين الضيق متسع قال: فلما وردت هذه الأبيات على إبراهيم بن الأشتر كأنه تحرك لذلك، ثم بعث إلى قومه وعشيرته فجمعهم. قال: واجتمعت أيضا وجوه اليمن، وأقبل بهم حتى دخل على مصعب بن الزبير، فلما قضى التسليم قال: أعز الله الأمير! إنه لو وجد أحد على عبيد الله بن الحر كوجدي عليه لما كلمه أبدا من أجل الفعل الذي فعله بي في أيام المختار، وأما في وقته هذا فلا أعلم ذنبا يجب عليه الحبس، ووالله أعز الله الأمير! لقد وجهت إليه وأنت بالبصرة، فقدم عليك في أربعمائة فارس لا يرى منهم إلا الحدق في تعبية حسنة من الآلة والسلاح الكامل، ولقد بلغني أنه تجهز إليك يوم تجهز بنيف على مائتي ألف درهم، ثم قدم معك هذه البلدة فقاتل المختار قتالا عجيبا فعجب منه أهل بلده ولن يروك إلى هذه الغاية، وليس يجب على الأمير أصلحه الله أن يجمع عليه أمرين: ذهاب مال وضيق حبس - والسلام -. # قال: فلما سمع مصعب بن الزبير كلام إبراهيم بن الأشتر ورأى من معه من بني عمه وعشيرته كأنه استحيى ولم يحب أن يردهم بغير قضاء حاجة، فقال. إني قد سمعت كلامك ومقالتك أبا النعمان، وأنا نازل عنده ما تحب. قال: فجزاه ابن الأشتر ومن معه خيرا وأثنوا عليه جميلا، وانصرفوا إلى منازلهم. ثم بعثوا إلى عبيد الله بن الحر أن قد صرنا إلى الأمير - أصلحه الله - وكلمناه ms0998 في أمرك، فأجابنا إلى كل ما نحب ولكن لا عليك أن تكتب إليه كتابا لطيفا تعتذر إليه فيه مما فرقت به عنده والسلام. قال: فعندها كتب عبيد الله بن الحر إلى مصعب بن الزبير هذه الأبيات: # تذكرت قبل اليوم آية خلة * أضرت بحقي عندكم وهو واجب وما في قناتي من وصوم تعيبها * ولا ذم رحلي فيكم من أصاحب وتعلم إن كاتمته الناس أنني * عليك ولم أظلم بذلك عاتب وما أنا راض بالذي غيره الرضا * فلا تكذبنك ابن الزبير الكواذب PageV06P301 # رأيتك تعصيني وتشمت شانيا * كأني بما لم اجترم لك رائب فإن كان من عندي فبين فأنني * لصرمكم يا بن الزبير لهائب وإن كان من غيري فلا تشمت العدى * بنا وتدارك دفع ما أنت قارب وإن كان هذا الصرم منك لعلة * فصرح ولا تخفي الذي أنت راكب ففي كل مصر قاسط تعلمونه * حريص على ما سرني لك راهب أرى الحرب قد درت عليك وفتنة (1) * تضرم في الحافات منها المحاطب فحسبك قد جربتني وبلو تني * وقد ينفع المرء الكريم التجارب ألم تعلموا أني عدو عدوكم * وتشفى بنا في حربكم من تحارب أناضل عنكم في المغيب عشيرتي * وأما بنفسي دونكم فأضارب لكم بارد الدنيا ويصلى بحرها * إذا أعصى بالهاب السيوف القواضب فلسنا كراما إن رضينا بذاكم * ولم تتأهب في الحديد الكتائب ولولا أمير المؤمنين وبيعتي * لقد كثرت حولي عليك الجلائب قال: فلما وصلت هذه الأبيات إلى مصعب بن الزبير ونظر فيها، أرسل إلى عبيد الله بن الحر فأخرجه من محبسه وخلع عليه وحمله على فرس، وأمر له بمال. # قال: وسأله ابن الحر في ابن عمه عطية فأطلقه (2). قال: فصار ابن الحر إلى منزله. # فلما كان من الغد بعث إليه مصعب أني قد جعلت لك خراج بادوريا (3) ونواحيها فهو لك ولمن أحببت من أهل بيتك أبدا ما دام لآل الزبير سلطان بالعراق، قال: ثم أرسل مصعب إلى عماله فصرفهم عن بادرويا (4)، فأخذ خراجها وقسمه في أصحابه وبني عمه، ثم قال: انظروا لا أدعو بأحد منكم ms0999 في وقت من الأوقات إلا جاءني على فرس فأره وسلاح شاك، فإني قد عزمت على الخروج على مصعب بن الزبير، وعلى الغارة على البلاد، ولا أموت إلا كريما قال: ثم خرج من الكوفة ليلا فلحق به الناس من كل ناحية حتى صار في # PageV06P302 # خمسمائة رجل ما فيهم أحد إلا وعليه درع سابغ وبيضة محكمة. قال: فعندها عزم عبيد الله بن الحر على الغارة، ثم كتب إلى مصعب بن الزبير بهذه الأبيات: # فلا كوفة أمي ولا بصرة أبي * ولا أنا يثنيني عن الرحلة الكسل (1) فلا تحسبني ابن الزبير كنا عس * إذا حل أغفى أو يقال له ارتحل فإن لم أزرك الخيل تردي عوابسا * بفرسانها حولي فما أنا بالبطل (2) وإن لم تر الغارات من كل جانب * عليك وتندم عاجلا أيها الرجل فلا وضعت عندي حصان قناعها * فلا تجد عيني (3) بالأماني والعلل فإنك لو أعطيتني خرج فارس * وأرض سواد كلها وقرى الجبل وجدك لم أقبل ولم آت خطة * تسرك فآيس من رجوعي لك الهبل بل الدهر أو تأتيك خيل عوابس * شوازب قب تحمل البيض والأسل بفتيان صدق لا ضغاين بينهم * يواسون من أقوى ويعطون من سأل ألم يأتكم يوم العذيب تجالدي * به شيعة المختار بالمفصل الأقل وبالقصر قد جربتموني فلم أحم * ولم أك وقافا ولا طائشا فشل ويا رزأ أقوام بقصر مقاتل * وضاربت فرسانا ونازلت من نزل قال: ثم سار عبيد الله بن الحر في أصحابه حتى صار إلى موضع يقال له نفر (4)، فأغار على البلاد وأخذ الأموال ففرقها على أصحابه، ثم سار إلى موضع يقال له كسكر ففعل مثل ذلك. قال: فلم يزل ابن الحر على ذلك من شأنه يغير على البلاد ويقتل الرجال ويحوي الأموال، وبلغ ذلك مصعب بن الزبير فأرسل إلى إبراهيم بن الأشتر ووجوه أهل الكوفة فدعاهم، ثم قال: هذا عبيد الله بن الحر الذي كلمتموني فيه حتى أخرجته من السجن وأكرمته بغاية الإكرام، فخرج من الكوفة سرا واجتمع إليه من اجتمع، فالآن هو يفعل ما يفعل. قال فقال ms1000 القوم: أصلح الله الأمير! نحن إنما كلمناك في أمره لأننا رأينا أهل المصر قد فسدت قلوبهم عليك من # PageV06P303 # أجله، ولم نعلم الذي في قلبه، والآن فالأمير - أصلحه الله - أعلى به عينا. # قال: فعندها دعا مصعب بن الزبير برجل من فرسانه يقال له كريب بن زيد المازني، فضم إليه ألف رجل من فرسان أهل الكوفة والبصرة، ووجه بهم نحو عبيد الله بن الحر. # قال: فخرجت الخيل من الكوفة، وبلغ ذلك ابن الحر، فسار إليهم في أصحابه، حتى إذ هو وافى بهم بموضع يقال له الزنين (1)، فقاتلهم هنالك قتالا شديدا، فقتل من أصحابه نفر يسر، وقتل من أصحابه مصعب بن الزبير جماعة، وولي الباقون أدبارهم هرابا نحو الكوفة، فأنشأ ابن الحر يقول أبياتا مطلعها: # أقول لفتياني الصعاليك أسرجوا * عناجيج أذني سيرهن وجيف إلى آخرها. # قال: ثم أقبل عبيد الله بن الحر على أصحابه فقال: أخبروني عنكم يا معاشر العرب لماذا نعقد لآل الزبير بيعة في أعناقنا؟ فو الله ما هو بأشجع منا لقاء، ولا أعظم منا غني (2)، ولقد عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى آبائنا من قبل بأن الأئمة من قريش، منا غنى (2)، ولقد عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى آبائنا من قبل بأن الأئمة من قريش، فاستقيموا لهم ما استقاموا لكم، فإذا نكثوا أو غذروا فضعوا سيوفكم على عواتقكم ثم سيروا إليهم قدما قدما حتى تبيدوا خضراءهم، وبعد فإن هذا الأمر لا يصلح إلا لمثل خلفائكم الماضين مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فو الله لا نرى لهؤلاء فينا يدا فنكافيهم عليها، ولا نبذل لهم نصحا، ولا نلقي إليهم أزمتنا، لأننا ما رأينا بعد الأئمة الماضين إلى وقتنا هذا إماما صالحا، وقد علمتم أن قوي الدنيا ضعيف الآخرة، [فعلام تستحل حرمتنا] (3) ونحن أصحاب القادسية والمدائن وجلولاء وحلوان ونهاوند، وما كان بعد ذلك نلقى الأسنة بنحورنا، والسهام بصدورنا، والسيوف بجباهنا، وحر وجوهنا، وإلا فليس يعرف لنا فضل ولا يعطى حقنا، ولا يلتفت إلينا، فقاتلوا عن حريمكم ms1001 وذودوا عن فيئكم، فإن ظفرنا بما نريد فذاك حتى يرجع الحق إلى أهله، وإن قتلنا شهداء دون حريمنا وأموالنا وأهالينا، فأي الأمرين كان لكم فيه الفضل؟ ألا! إني قد أظهرت لهؤلاء العداوة والشحناء وقلبت لهم ظهر # PageV06P304 # المجن، وقد أتيتهم بمكة والبصرة ناصرا ومعينا، فما شكروا ولا حفظوا ولا رعوا إلي حقا، لكنهم سجنوني وقيدوني فضيقوا علي جهدهم وطاقتهم - والسلام -. قال ثم أنشأ يقول: # وقدما أتينا أن يقر ظلامه * وقدما وثقنا كل فتق من الأمر وكم من أبي قد سلبناه وقره * بأسيافنا حتى أقام على العسر بضرب يزيل الهام عن سكناته * وطعن بأطراف المثقفة السمر ومن شيعة المختار قبل سقيتها * بضرب على هاماتهم مبطل السحر قال: ثم سار ابن الحر إلى موضع يقال له عين التمر، وبعين التمر يومئذ رجل يقال له بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني في خمسمائة فارس (1)، فلما علم أن ابن الحر قد وافاه خرج إليه في أصحابه ودنا (2) القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا ساعة، فقتل من أصحاب بسطام ثلاثون رجلا وانهزم بسطام في باقي أصحابه، ودخل عبيد الله بن الحر إلى عين التمر فأخذ أموالها وقسمها في أصحابه. وبلغ ذلك بسطام بن مصقلة فرجع إلى حرب ابن الحر ثانية، فلما توافت الجيشان ودنا بعضهم من بعض نادى بسطام بأعلى صوته: يا بن الحر! هل لك في مبارزتي؟ قال: # فتبسم ابن الحر ثم قال: شر دهرك آخره، والله ما ظننت أن مثلك يسألني المبارزة أيام حياتي. ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه فاعتنقا جميعا وخرا عن فرسيهما إلى الأرض، فاستوى عبيد الله بن الحر على صدر بسطام فأخذه أسيرا، وولى (3) أصحاب بسطام منهزمين وقد قتل منهم جماعة، وأسر منهم جماعة وهي مائة وعشرون رجلا، فنظر إليهم ابن الحر فإذا عامتهم من بني عمه من الأزد ومذحج وقبائل اليمن، فقال: سوءة لكم يا معشر اليمن! إذ كنتم قومي وعشيرتي وتضربون في وجهي بالسيف مع مصعب بن الزبير، أما والله لو لا أن أخشى العرب أن تحدث عني ms1002 أني قتلت قومي وعشائري صبرا لما نجا منكم أحد، ولكن امضوا إلى قومكم فإنني قد مننت عليكم بأرواحكم. قال: فأطلقهم عبيد الله بن الحر عن آخرهم، ولم يقتل منهم أحد إلا من قتل في المعركة، ثم أنشأ يقول أبياتا مطلعها: # PageV06P305 # ألا هل أتى الفتيان بالمصر إنني * أسرت بعين التمر أروع ماجدا إلى آخرها. # قال: وبلغ مصعب بن الزبير ما فعله عبيد الله بن الحر بعين التمر، فأرسل إلى وجوه العرب فدعاهم ثم قال: يا أهل الكوفة! إنكم قد علمتم ما لقيت من هذا الرجل، وقد عزمت على أن آخذ كل قرابة له بالكوفة من ذكر وأنثى فأضعه في الحبس، فلعله إذا بلغه ذلك يرجع عما هو عليه من فعاله التي هو يفعلها. قال فقال له بعضهم: أيها الأمير! إن الله عزو جل يقول: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فإن كان عبيد الله بن الحر فعل ما فعل، فما ذنب القرابات وما ذنب النساء أن يحبسن بلا جرم كان منهن؟ قال: ثم تكلم إبراهيم بن الأشتر فقال: أصلح الله الأمير! إنه وإن كان عبيد الله بن الحر قد فعل هذا الفعل فقد فعل كذلك بالمختار، وذلك أن المختار عمد إلى امرأته أم توبة الجعفية فحبسها في السجن، فلعله قد بلغك ما كان منه أنه كبس الكوفة صباحا في أصحابه وكسر باب السجن وأخرج امرأته قسرا، ثم لم يرض بذلك حتى أخرج كل من كان في السجن من النساء وهو في ذلك يقاتل أصحاب المختار، حتى تخلص سالما هو وأصحابه. فقال ابن الزبير: قاتله الله من رجل فما أشجع قلبه، والله! ما رأيت ولا سمعت برجل في دهرنا هذا اجتمع فيه ما في ابن الحر، من كرم نفس وشجاعة قلب وصباحة وجه وعفة فرج، غير أنه لا يحتمل على هذه الأفاعيل التي يفعلها. # قال: وعزم مصعب على أن يوجه إليه بجيش كثير من الكوفة، وعلمت بذلك بنو عمه فكتبوا إليه، فلما نظر في كتب بني عمه تبسم لذلك وأنشأ يقول (1): # يخوفني (2) بالقتل ms1003 قومي وإنما * أموت إذا حان (3) الكتاب المؤجل لعل القنا تدني بأطرافها الغنى * فنحيا (4) كراما أو نكر فنقتل (5) ألم تر أن الفقر يزري بأهله * وأن الغنى فيه العلي والتجمل # PageV06P306 # إذا كنت ذا رمح وسيف مصمم * على سابح أدناك مما تؤمل وإنك إن لم تركب الهول لم تنل، من المال ما يرضى الصديق ويفضل إذ المرء لا قاني ومل حياته * فلست أبالي أينا كان أول ثم إن مصعبا كتب إليه كتابا: أما بعد، يا بن الحر! فإن حلمي هو الذي يردعني من أن أعجل عليك، ولو أردت ذلك لما عظم علي أمرك ولو كنت في جيش بعدد خوص العراقين، فالله الله في نفسك انظر لها غيرك، واقبل إلى العاقبة، واكفف عما أنت عليه، وسلني أي عمل شئت وأحببت حتى أوليك إياه، لا يعترض عليك معترض، وإن أبيت سرت إليك بنفسي وخيلي ورجلي، واستعنت الله عليك - والسلام -. # قال: فكتب إليه ابن الحر: أما بعد، يا بن الزبير! فإن كتابك ورد علي فقرأته، وفهمت ما فيه وما دعوتني (1) إليه من طاعتك والكف عن محاربتك، ووالله لقد دعاني إلى نصره من هو خير منك أما وأبا وأصلا وحسبا (2) وفرعا وحسبا الحسين بن علي وفاطمة الزهراء فلم أنصره، وإني على ذلك لمن النادمين، وأظن أني لمن الخاسرين، إلا أن يداركني رحمة رب العالمين، وأما وعيدك إياي المسير إلي بخيلك ورجلك فأنت وأصحابك أهون علي من جرامقة الجزيرة على عرب الحجاز - والسلام -. ثم أثبت في أسفل كتابه أبياتا مطلعها: # أتاني وعيد ابن الزبير فلم أرع * وما مثل قلبي بالوعيد مروع إلى آخرها. # قال: ثم مضى عبيد الله بن الحر فجعل يغير على السواد يمنة ويسرة، فيهزم الرجال ويحوي الأموال فيقسمها في أصحابه، ثم أمر فجعل يقطع البلاد، حتى صار إلى مدينة يقال لها تكريت على شاطئ الدجلة، وبها يومئذ عامل المهلب بن أبي صفرة فأخذه عبيد الله بن الحر فضرب عنقه صبرا (3)، ثم دخل إلى مدينة تكريت فاحتوى على أموالها. ثم سار منها يريد الموصل، وبها يومئذ ms1004 المهلب بن أبي صفرة من قبل مصعب بن الزبير، فلما بلغه خبر عبيد الله بن الحر سار إليه في أربعة آلاف # PageV06P307 # فارس. قال: وبلغ ذلك عبيد الله بن الحر، فرجع إلى تكريت فنزلها، ثم أرسل إلى من كان مع المهلب من بني عمه أن اكفوني أمركم ودعوني والمهلب، فإني أقوم به وبحربه إن شاء الله تعالى. ### | ذكر وقعة عبيد الله بن الحر مع المهلب بن أبي صفرة # قال: وعبيد الله بن الحر يومئذ في قريب من ألف فارس، على ميمنته عمرو بن جندب الأزدي، وعلى ميسرته المحسن بن خليد الحرمي، قال: # وتصادم (1) القوم واشتبكت الحرب بين الفريقين، فقتل من أصحاب عبيد الله بن الحر قريبا من ثلاثمائة فارس وقتل من أصحاب المهلب مثل ذلك، ووقعت الهزيمة على أصحاب ابن الحر، فانهزموا حتى بقي في مائة رجل أو أقل من ذلك، فقاتل ساعة بهم وانهزموا عنه المائة فبقي في تسعة، فقتل من التسعة رجلان (2) فبقي في سبعة، فقتل من السبعة أربعة فبقي في ثلاثة، فقتل من الثلاثة عمرو بن جندب الأزدي، وكان فارسا بطلا لا يصطلى له بنار، فبقي عبيد الله بن الحر في رجلين أحدهما المحسن بن خليد الحرمي و [الآخر] عبد الله بن قيس الخثعمي، فقال لهما (3) ابن الحر: لا تيئسا من الحياة واحملا (4) معي فإني حامل! ثم حسر عن رأسه وحمل في هذين الراجلين على أصحاب المهلب، فلما خالطهم ضرب رجلا منهم ضربة فصرعه عن فرسه، ثم ضرب ثانيا وثالثا وصاح: أنا ابن الحر! فولى القوم منهزمين من بين يديه يركب بعضهم بعضا. قال: وتراجع (5) إليه أصحابه الذين كانوا انهزموا عنه، فاحتوى عبيد الله على سواد المهلب، وجعل يذكر هذه الوقعة (6) وما # PageV06P308 # ناله فيها فأنشأ يقول أبياتا مطلعها: # فإن تك خيلي يوم تكريت أجمحت * وقتل فرساني فما كنت دانيا إلى آخرها. قال: ثم بعث عبيد الله بن الحر برجال من أصحابه في جوف الليل إلى عمرو بن جندب وأصحابه القتلى، فدفنوا على شاطئ الفرات حذاء مدينة تكريت، ثم ms1005 أقبل راجعا نحو الكوفة وهو يقول: # وأبيض قد نبهته بعد هجعة * فقام يشد السرج والمرء ناعس عليه دلاص كالأضاة وبيضة * تضيء كما يذكى من النار قابس ثم أقبل حتى نزل قريبا من الكوفة وبلغ ذلك مصعب بن الزبير فدعا بحجار (1) بن أبجر العجلي فضم إليه خمسة آلاف فارس ووجه بهم نحو عبيد الله بن الحر، فسارت الخيل من الكوفة حتى وافته بموضع يقال له دير الأعور، ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا، فقتل من أصحاب عبيد الله بن الحر جماعة وفشت فيهم الجراحات، وذلك في أول النهار، ثم وقعت الهزيمة بعد ذلك على أصحاب مصعب بن الزبير، فانهزموا حتى تقاربوا من الكوفة وقد قتل منهم من قتل، واحتوى عبيد الله بن الحر على ما قدر (2) عليه من دواب القوم وأسلحتهم وأسلابهم. # ثم أقبل ابن الحر حتى نزل بموضع يقال له صرصر فعسكر هنالك، وجعل مصعب بن الزبير يجمع له الجموع حتى اجتمع إليه نيف عن سبعة آلاف فارس، فضمهم مصعب بن الزبير إلى مسلم بن عمرو (3) الباهلي والحجاج بن حارثة الخثعمي. قال: وسارت العساكر من الكوفة نحو عبيد الله بن الحر حتى وافوه على نهر صرصر، وقد التأم (4) إلى الناس فصار في ألف وثلاثمائة فارس ما منهم إلا فارس مذكور. قال: ودنا (5) القوم بعضهم من بعض، واستأمن قوم من أصحاب مصعب بن الزبير إلى عبيد الله بن الحر، فلما رأى أصحاب مصعب ذلك وقع فيهم الفشل، فانهزموا متفرقين في البلاد، وغنم ابن الحر وأصحابه ما كان لهم من مال ودواب وسلاح، ثم أنشأ وجعل يقول أبياتا مطلعها: # PageV06P309 # نفيت لصوص الأرض ما بين عانة * إلى جازر حتى مدينة دسترا (1) إلى آخرها. # قال: ثم كتب مصعب بن الزبير إلى يزيد (2) بن رؤيم الشيباني يأمره بالمسير إلى عبيد الله بن الحر، قال: وكان يزيد بن رؤيم يومئذ بالمدائن من قبل مصعب بن الزبير، فلما ورد عليه كتاب مصعب سار (3) إلى عبيد الله بن الحر حتى وافاه في موضع يقال له باجسرى (4) والتقى القوم ms1006 هنالك، فاقتتلوا ساعة، فقتل من أصحاب يزيد بن رؤيم جماعة، وانهزم الباقون (5) وأتبعه عبيد الله بن الحر حتى وافاه بالمدائن. قال: وتحصن يزيد بن رؤيم في قصر المدائن، وأحدق عبيد الله بن الحر وأصحابه بالقصر حتى أصبحوا، ثم أنهم استمدوا بأهل مدينة الرومية فاجتمع أهل المدينتين جميعا على عبيد الله بن الحر وأصحابه، فقاتلهم ساعة فعلم أنه لا طاقة له بهم، فجعل يقاتلهم هو وأصحابه حتى تخلص من المدائن سالما. # ثم تقدم إلى سورا (6) وبها يومئذ عبد الرحمن العجلي من قبل مصعب بن الزبير، فخرج (7) إلى محاربة عبيد الله بن الحر وأصحابه، فقال ابن الحر لأصحابه: فداكم أبي وأمي! احملوا عليهم حملة صادقة، فلعلي أن أغنمكم مال سورا! قال: فصبر القوم بعضهم لبعض ساعة، ثم انهزم أهل سورا حتى دخلوا إلى المدينة، واحتوى ابن الحر وأصحابه على أسلابهم وأموالهم ودوابهم، ثم أنشأ ابن الحر يقول أبياتا مطلعها (8): # PageV06P310 # سل (1) ابن رؤيم عن جلادي وموقفي * بإيوان كسرى لا أوليهم ظهري إلى آخرها. ### | ذكر الأسود الذي كان يقطع الطريق واسمه الغداف (5) وكيف قتله عبيد الله بن الحر # قال: ثم سار عبيد الله بن الحر حتى نزل مدينة الأنبار، فلما رآه أهلها كأنهم اتقوه وهموا بالهرب من المدينة، فنادى فيهم ابن الحر: ليس عليكم من بأس! # أقيموا بمدينتكم أنتم آمنون! فتراجع القوم إلى منازلهم وأسواقهم، ثم أنهم حملوا إليه الميرة والهدايا، فقبلها منهم وقال: إن كانت لكم حاجة فاسألوني إياها. قال: # فتقدم إلى جماعة منهم من أهل الأنبار فقالوا: نعم، أيها الأمير! إن حاجتنا إليك حاجة لله فيما يرضي الله، ولك فيها ثواب عظيم. قال: وما ذاك؟ قالوا: ههنا حبشي يقال له الغداف (3) يقطع الطريق وحده ما بين مدينتنا هذه إلى مدينة هيت، ثم إنه يأتي مدينتنا هذه ليلا ونهارا، فلا يقدم عليه أحد لما يعلمون من بأسه وشدته، فإذا بلغه أن امرأة حسناء في موضع من المواضع هجم على تلك الدار فيأخذ المرأة ويكتف زوجها ثم يفجر بها، فإن تكلم زوجها قتله ثم ms1007 يخرج، فلا يقدر أحد عليه، فإن رأيت أن تريحنا منه وأهل هذه البلدة يقرون لك بالعبودية إلى آخر الدهر! قال: # فتغير وجه عبيد الله بن الحر وأدركته الغيرة والأنفة، ثم أقبل على أهل الأنبار فقال: # وأين يكون هذا الأسود؟ فقالوا: في وادي كذا وكذا قريبا من شاطئ الفرات. # قال: فدعا عبيد الله بن الحر بفرسه فاستوى عليه وأخذ سيفه وتقلد رمحه، ثم أقسم على أصحابه أنه لا يتبعه أحد منهم، ثم خرج من الأنبار في جوف الليل وهو يقول: # وأبيض قد نبهته بعد هجعة * وقد لبس الليل القميص الأرندجا وجدت عليه مغرما فقبضته * وفرجت ما يرجا به أن يفرجا وكنت إذا قومي دعوني لنجدة * شددت نطاقي حين أدعى وأسرجا فأكشف غماها وأكسب مغنما * وأطفي الذي قد كان فيها مؤججا # PageV06P311 # قال: ثم سار عبيد الله بن الحر حتى صبح الوادي الذي فيه الغداف، فنزل عن فرسه إلى ماء يجري في أول الوادي، فتوضأ ثم وثب فصلى الفجر وعنان فرسه في يده. ثم وثب فاستوى على فرسه وجعل يتلفت يمنة ويسرة فلا يرى أحدا حتى إذا بزغت الشمس وإذا هو بالغداف وقد خرج من شعب من شعاب ذلك الوادي على فرسه له أدهم أغر محجل، وفي يده رمح له طويل، وعلى رأسه عمامة له حمراء، وإذا هو أسود آدم، مشرف عظيم من الرجال. قال: فوقف له ابن الحر حتى حاذاه وصار قبالته، فقال له الغداف أيها الرجل! من أيت أقبلت؟ قال: من الأنبار، قال: # فأين تريد؟ قال: أريد إلى هيت، قال الغداف: بلغني أن عبيد الله بن الحر قد نزل بالأنبار، فأين يريد؟ قال: لاعلم لي بذلك، فقال الغداف: لقد بلغني عنه شدة وفروسية وإقدام على الرجال، ولعله ما نازل بطلا، ولقد كنت أحب أن أزوره وأراه، وأنظر إلى جلادته ومنازلته للرجال! قال: ثم جعل يساير عبيد الله بن الحر ويسأله عن حاله، حتى إذا أصحر عن الوادي قال له الغداف: انزل عن فرسك وانج! فقال له ابن الحر: أو تعرفني؟ قال: ms1008 لا، قال: فأنا ابن الحر وإياك أردت يا كلب! ثم حمل عليه واختلفا بطعنتين، فطعنه ابن الحر طعنة نكسه عن فرسه، ثم نزل إليه فذبحه واحتز رأسه [ووضع] في مخلاة، وأخذ سلاحه وسلبه، وأقبل يريد الأنبار، وأنشأ يقول: # إني رأيت بواد غبار رجلا * مثل الهزبر إذا ما ساور البطلا ضخم الفريسة لو أبصرت قامته * وسط الرجال إذا شبهته جملا سايرته ساعة ما بي مخافته * إلا التلفت حولي هل أرى دغلا أنشأ يسائلني عنه وأطعنه * فخر يهوي على الخيشوم منجدلا دهدهته بين أحجار وأودية * لا يعلم الناس غيري علم ما فعلا يدعى الغداف وقد مالت علاوته * إن الغداف وربي وافق الأجلا قال: ثم وافا عبيد الله بن الحر حتى دخل الأنبار وأمر برأس الغداف فنصب على باب المدينة. قال: وفرح أهل الأنبار بذلك فرحا شديدا ثم حملوا إليه هدايا كثيرة من الأطعمة والأشربة وغير ذلك، فقبلها منهم. # قال: وأقبل رجل من الأنبار وقال: أيها الأمير هل تعلم بالعراق من يدانيك أو يقوم مقامك؟ فقال: نعم، رجلا واحدا يقال له جرير بن مشجعة الجعفي، وهو اليوم مع بني عمه بالكوفة، ولو أنه معي أو في أصحابه أربعة مثله لكبست الكوفة PageV06P312 # فقتلت مصعبا واحتويت على ماله، وعسى أن يكون ذلك إن شاء الله. ثم جعل يقول: # لو أن لي مثل جرير أربعة * صبحت بيت المال حتى أجمعه ولم يلهني مصعب ومن معه * نعم الفتى ذلكم ابن مشجعه (1) ### | ذكر مسير عبيد الله بن الحر إلى عبد الملك بن مروان بالشام يسأله المعونة على مصعب بن الزبير # قال: ثم أقبل عبيد الله بن الحر على أصحابه وقال: تهيأوا الآن! فإني قد عزمت أن أسير بكم إلى الشام إلى عبد الملك بن مروان وأسأله المعونة على مصعب بن الزبير، فلعلي أشفي بنفسي منه ومن أصحابه قبل الموت. قال: ثم نادى في أصحابه وترحل نحو الشام، وأنشأ يقول أبياتا مطلعها: # وبالشام إخواني وجل عشيرتي * وقد جعلت نفسي إليك تطلع إلى آخرها. # قال: ثم سار حتى صار إلى ms1009 دمشق وبها يومئذ عبد الملك بن مروان، فوقف ببابه ثم استأذن له، ودخل فسلم، فرد عليه عبد الملك السلام، ثم أدناه وأقعده معه. # على سريره، ثم دعا بالخلع فخلع عليه، وأمر له بمائة ألف درهم، فقال له عبيد الله بن الحر: يا أمير المؤمنين! لم أزرك للمال، إنما أريد أن توجه معي رجالا أقاتل بهم مصعب بن الزبير، فلست بآيس من أخذ العراق لك يا أمير المؤمنين! # فأجابه عبد الملك بن مروان إلى ذلك، ثم أمر بمائة ألف درهم أخرى، وأمر له ولأصحابه بالمنازل والإنزال، وأجرى عليهم الأرزاق. ثم أمر له بأربعة آلاف رجل من أهل الشام (2)، فأعطاهم الأرزاق وضمهم إليه وأمرهم بالمسير معه. # قال: فسار القوم مع عبيد الله بن الحر حتى صاروا إلى الرقة، ثم انحدروا # PageV06P313 # على الفرات حتى صاروا إلى الأنبار، قال: فنزل عبيد الله بن الحر ومن معه من الأنبار يوما ثانيا، ثم إنهم تذاكروا شيئا من أمر صفين وما كان من محاربة أهل العراق لهم، فوثب بعضهم على بعض فاقتتلوا هنالك حتى تفانى الفريقان (1) جميعا من أهل الشام وأصحاب عبيد الله بن الحر على غير شيء. قال: وانفلت نفر من أهل الشام، فمروا هاربين على وجوههم، وبقي عبيد الله بن الحر في نفر يسير من أصحابه. ### | ذكر مقتل عبيد الله بن الحر # قال: وكان مصعب بن الزبير يومئذ بالبصرة وخليفته الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة (2) بالكوفة. فلما بلغه ما فيه عبيد الله بن الحر قلة أصحابه اغتنم ذلك، فدعا برجل من بني سليم يقال له عبيد بن العباس، فضم إليه خمسمائة فارس وأمره بالمسير إلى عبيد الله بن الحر. # قال: فسارت الخيل نحو عبيد الله بن الحر، فلما نظر الخيل وقد وافته التفت إلى من بقي من أصحابه فقال: يا بني الأحرار! اركبوا خيولكم وموتوا كراما! وإلا أخذتم أسارى فعرضتم على السيف كما عرض أصحاب المختار من قبلكم (3). # قال: فركب أصحابه وهم يومئذ أقل من خمسين دجلا، وركب عبيد الله بن الحر وجعل ms1010 يقول: # يا لك يوما قل فيه ثقتي * وغاب عني معشري وأسرتي ومذحج طرا وجل إخوتي * وصحبتي الحامون لي في كربتي يا قيس غيلان أصبتم فرصتي * وما أبالي إن أتت منيتي (4) قال: ثم حمل عليهم في أصحابه على قلتهم * فقاتل ساعة فقتل من أصحابه # PageV06P314 # نيف على ثلاثين رجلا وبقي في بضعة عشر رجلا، فقاتل حتى بقي خمسة، فجعل يرتجز ويقول: # لو أن لي من شيعتي رجالا * مشاعرا أعرفهم أبطالا لأحسنوا من دوني القتالا * ولم يهابوا في الوغى الآجالا قال: وقتل أصحابه الخمسة فبقي عبيد الله بن الحر يقاتل وحده وأحاطت به الخيل من كل جانب، قال: فطعنه رجل من بني محارب (1) يكنى أبا كدية (2)، فصرعه عن فرسه على شاطئ الفرات وغار فرسه، فوثب قائما وبقي يقاتلهم راجلا في جوف الماء، والقوم يرمونه بالسهام، ولا يدنو أحد منه غير أنهم يقولون: كيف ترى هذه السهام يا بن الحر! فقال لهم: إن كنتم رجالا كما تزعمون فابرزوا إلي واحدا بعد واحد حتى تعلموا أينا ابن الحر! قال: وأثخن بالجراحات فلم يستطع أن يقاتل القوم، فعمد إلى زورق من تلك الزوارق، فجلس فيه وقال لصحابه: عبرني إلى ذلك الجانب من الفرات وسلبي لك! قال: فجعل صاحب زورق يقذف به حتى صار إلى نصف الفرات وأصحاب مصعب ينادون صاحب الزورق: ويحك أيها الملاح! إن الذي معك هو طلب أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير وطلب مصعب بن الزبير، فاحذر على نفسك ورد الزورق إلينا ولك عشرة آلاف درهم! قال: فهم الملاح أن يرده إليهم. فلما حول رأس الزورق قام إليه عبيد الله بن الحر ليمنعه من ذلك، فقبض عليه الملاح وكان قويا في بدنه فاعتنقا جميعا واضطربا في الزورق ثم سقطا جميعا في الفرات فغرقا: وإذا بشيخ على شاطئ الفرات ينتف لحيته ويقول: # يا بختيار! يا بختيار! فقيل ما: ما قصتك يا شيخ؟ فقال: وما قصتي، هذا الملاح الذي غرق هو ابني بختيار، وكان يقتل هو الأسد في هذا البلد وحده إذا قدر عليه لشجاعته ms1011 وشدته، وكان يحمل هذا الزورق الذي لا يحمله عشرون رجلا فيخرجه من الفرات ويقيره ويرده إلى الماء وحده، حتى بلي بشيطان كم هذا فلم يفارقه حتى رمى به وغرق. قال: فجعل أصحاب مصعب بن الزبير يضحكون من الشيخ ويقولون له: لا عليك يا شيخ فإن الذي غرق ابنك وغرق معه عبيد الله بن الحر الجعفي، ولم يكن بالعراق أشجع منه قلبا، فتعز عن ابنك واحتسبه. قال: فقال الشيخ: إن # PageV06P315 # ابني لم يكن يغرقه إلا شيطان من شياطين هذه الدنيا. # قال: ثم دعا أصحاب مصعب بن الزبير بالغواصين، فغاصوا في الفرات حتى أخرجوا عبيد الله بن الحر من الماء، فاحتزوا رأسه وصلبوه على شاطئ الفرات، ثم بعثوا برأسه إلى أمير الكوفة الحارث بن عبد الله (1) بن أبي ربيعة، فوجه الحارث بالرأس إلى مصعب بن الزبير بالبصرة، ووجه مصعب بالرأس إلى أخيه عبد الله بن الزبير. # قال: وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فجزع، عليه جزعا شديدا، ثم قال: لله درك يا بن الحر! قد كنت فارس حرب، وكاشف كرب وفارس همة، وسداد ثغر، فلأسعدنك الله حيا وميتا، فلعمري لقد بلوك فلما وجدوك خوارا ولا فرارا، لكنهم ألفوك كرارا نفاعا ضرارا، وبالله يحلف عبد الملك ليأخذن بثأرك وثأر غيرك إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. قال: فأنشأ أنس بن معاوية البكري يقول أبياتا مطلعها: # يا عين أبكي عبيد الله ما طلعت * شمس النهار وأذري الدمع تسكابا إلى آخرها. ### | ثم رجعنا إلى أخبار محمد ابن الحنفية رضي الله عنه وعبد الله ابن الزبير وما كان بينهم من خلاف أحدهم على صاحبه # قال: ونظر عبد الله بن الزبير أنه قد صفت له العراقان جميعا والبصرة والكوفة بقتل المختار بن أبي عبيد وعبيد الله بن الحر، فأرسل إلى محمد ابن الحنفية بأخيه عروة بن الزبير أن هلم فبايع، فقد قتل الله الكذاب، وابن الحر المرتاب، والأمة قد استوسقت، والبلاد قد افتتحت، فادخل فيما دخل فيه الناس من أمر البيعة، وإلا فإننا منابذوك. # قال: فغضب ms1012 محمد ابن الحنفية من ذلك، ثم أقبل على عروة بن الزبير فقال: بؤسا لأخيك ما ألجه في إسخاط الله، وأغفله من طاعة الله، أنا أبايع أخاك وعبد الملك بن مروان بالشام يرعد ويبرق؟ قال: ثم وثب رجل من أصحابه فقال: # PageV06P316 # جعلت فداك يا بن أمير المؤمنين علي الرضي وابن عم النبي، والله! ما الرأي عندنا إلا أن توثق هذه الساعة في الحديد وتحبسه عندك، فإن أمسك عنك أخاه وبعث بالرضا وإلا قدمت هذا فضربت عنقه! فقال محمد ابن الحنفية: سبحان الله! أو يكون هذا الذي ذكرت من أعمال الجبابرة وأهل الغدر؟ معاذ الله أن نقتل من لم يقتلنا، أو نبدأ بقتال من لم يقاتلنا. قال: ثم أقبل ابن الحنفية على عروة بن الزبير فقال له: انطلق إلى أخيك هذا فقال له عني (1): إنك ذكرت أنه قد استوسق لك الناس وفتحت لك البلاد، وهذا عبد الملك بن مروان حي قائم يدعى له بالشامات كلها وأرض مصر، وفي يده مفاتيح الخلافة، ولست أدري ما يكون من الحدثان، فإذا علمت أنه ليس أحد يناويك في سلطانك بايعتك ودخلت في طاعتك والسلام. # قال: فرجع عروة إلى أخيه عبد الله بن الزبير فأخبره بذلك. ### | ذكر خطبة محمد ابن الحنفية رضي الله عنه وكلامه لأصحابه # قال: ثم قام محمد ابن الحنفية في أصحابه خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس! إن هذه الأمة قد ضلت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ربها، وتاهت عن معالم دينها إلا قليلا منها، فهم يرقعون في هذه الدنيا حتى كأنهم لها خلقوا، وقد نسوا الآخرة حتى كأنهم بها لم يؤمروا، فهم يضلون على الدنيا أنفسهم، ويقطعون فيها أرحامهم، ويفرطون لها عن سنة نبيهم، ولا يبالون ما أتوه فيها من نقص دينهم إذا سلمت لهم دنياهم، اللهم فلا تنسنا ذكرك، ولا تؤمنا مكرك، ولا تجعل الدنيا لنا هما، ولا تحرمنا صحبة الصالحين في دار السلام. # قال: ثم أقبل على أصحابه فقال: إني أرى ما بكم من الجهد، ms1013 ولو كان عندي فضل لم أدخره عنكم، وقد تعلمون ما ألقى من هذا الرجل الذي قرب دماؤه، وأساء جواره، وظهرت، عداوته، واشتدت ظعينته، يريد أن يثور بنا (2) في مكاننا هذا، وقد أذنت لمن أحب منكم أن ينصرف إلى بلاده، فإنه (3) لا لوم عليه مني، وأنا مقيم في هذه الحرم أبدا حتى يفتح الله لي وهو خير الفاتحين. قال: فقام إليه أبو عبد الله # PageV06P317 # الجدلي، وكان من خيار أصحابه فقال: سبحان الله! يا أبا القاسم نحن نفارقك على هذه الحالة وننصرف عنك؟ لا والله ما سمعنا إذا ولا أبصرنا ما نقلنا أقدامنا، وثبتت قوائم سيوفنا في أكفنا، وعقلنا عن الله أمرنا ونهينا. # قال: ثم وثب عبد الله بن سلع (1) الهمداني فقال: ثكلتني أمي وعدمتني إن أنا فارقتك وانصرفت عنك إلى أحد من الناس هو خير منك أو شبية بك! والله ما نعلم مكان أحد هو أصلح منك في وقتنا هذا، ولكن نصير معك، فإن نمت فمجدا وإن نقتل فشهداء، ولا والله لئن أقتل معك على بصيرة محتسبا لنفسي أحب إلي من أن أوتى أجر عشرين (2) شهيدا معك. # قال: ثم وثب محمد بن بشر الشاكري فقال: يا بن خير الأخيار وابن أبر الأبرار ما خلا النبيين والمرسلين! والله لئن آكل الأطعمة المحرقة والحلوى البالية والميتة والدم على حال الضرورة أحب إلي من البقاء مع القوم الظالمين، لأنه قد ابتلي الصالحون من قبلنا، فكانت تقطع أيديهم وأرجلهم، وتسمل أعينهم، ويصلبون على جذوع النخل أحياء، كما فعل ابن سمية زياد بن أبيه وابن مرجانة عبيد الله بن زياد الفاجر الفاسق بشيعتكم، فكانوا يقتلون صبرا كما قتل حجر بن عدي وأصحابه، وكل ذلك كانوا يقتلون وعلى ذلك كانوا يصبرون. قال فقال لهم محمد ابن الحنفية: جزاكم الله من صحابة خير ما جرى الصالحين الصابرين. # قال: وجد عبد الله بن الزبير في عداوة محمد ابن الحنفية كل ذلك ليبايع ابن الحنفية، وهو يأبى ذلك. قال: وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فكتب إلى محمد ابن الحنفية: ms1014 أما بعد فقد بلغني ما به ابن الزبير مما لست له أهل، وأنا عن قليل سائر إليه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فانظر إذا قرأت كتابي هذا فسر إلى ما قبلي أنت ومن معك من شيعتك، وانزل حيث شئت من أرض الشام آمنا مطمئنا إلى أن يستقيم أمر الناس، فنختار أي الخصال أحببت - والسلام -. # قال: فعندها عزم محمد ابن الحنفية على المسير إلى الشام، وكتب عبد الله بن عباس إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد فإنه قد توجه إلى بلادك رجل منا لا يبدأ بالسوء، ولا يكافئ على الظلم، لا بعجول ولا بجهول، سريع إلى # PageV06P318 # الحق، أصم عن الباطل، ينوي العدل، ويعاف الحيف، ومعه نفر من أهل بيته وعدة رجال من شيعته، لا يدخلون دارا إلا بإذن، ولا يأكلون إلا بثمن، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، فاحفظنا فيهم - رحمك الله! فإن ابن الزبير قد نابذنا ونابذناه بالعداوة - والسلام -. ### | ذكر كتاب عبد الملك بن مروان إلى ابن عباس مجيبا له عما كتب به إليه # قال: فكتب إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فقد أتاني كتابك توصيني فيه بمن توجه إلى ما قبلي من أهل بيتك، فما أسرني بصلة رحمك وحفظ وصيتك! # وكل ما هويت من ذلك فمفعول متبع، فانزل بي حوائجك رحمك الله إن أحببت فلن أعرج عن حاجة لك قبلي، فإنك أصبحت عظيم الحق علي مكينا لدي، وفقنا الله وإياك لأفضل الأمور - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # قال: فعندها تجهز محمد ابن الحنفية وخرج من مكة فيمن معه من أهل بيته وأصحابه، وبين يديه رجل من شيعته يرتجز ويقول أبياتا مطلعها (1): # هديت يا مهدي يا بن المهتدي * أنت الذي نرضى به ونقتدي إلى آخرها. # قال: ثم جعل أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني يرتجز أيضا بين يدي محمد ابن الحنفية وهو يقول أبياتا مطلعها: # يا إخوتي يا شيعتي لا تبعدوا * إن زعيم لكم أن ترشدوا إلى آخرها. # قال: ثم سار محمد ابن الحنفية حتى صار ms1015 إلى مدينة مدين، وبها يومئذ عامل # PageV06P319 # من قبل عبد الملك بن مروان يقال له مطهر بن يحيى العتكي، فلما نظر إليه هؤلاء القوم أمر بباب المدينة فأغلق، ولقي من ناحيتهم فناداهم (1) أصحاب محمد: يا أهل مدين! لا تخافوا فإنكم آمنون، إنما نريد منكم أن تقيموا لنا السوق حتى نتسوق منه ما نريد، نحن أصحاب محمد بن علي بن أبي طالب، لسنا نرزأ أحدا شيئا ولا نأكل شيئا إلا بثمن، قال: ففتح (2) أهل مدين باب مدينتهم وأخرجوا لهم الأنزال. # فقال محمد ابن الحنفية لأصحابه: أيها الناس! إني قد وطئت بكم آثار الأولين، وأريتكم ما فيه معتبر وتبصرة لكم إن كنتم تعقلون، ألم تروا ديار عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، كانوا عمار الأرض من قبلكم وسكانها، أعطوا من الأموال ما لم تعطوا، وأوتوا من الأعمار ما لم تؤتوا، فأصبحوا في القبور رميما كأنهم لم يعمروا الأرض طرفة عين، ولم تكن لهم الدنيا بدار. # قال: ثم سار محمد ابن الحنفية وأصحابه حتى نزلوا مدينة أيلة (3)، فجعلوا يصومون النهار ويقومون الليل، وجعل كل من مر بهم وقدم إلى دمشق يحدث عنهم ويقول: ما رأينا قوما قط خيرا من هؤلاء القوم الذين قد دخلوا أرض الشام، إنما هم صيام وقيام، لا يظلمون أحدا ولا يؤذون مسلما ولا معاهدا، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. قال: وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فندم على كتابه إلى ابن الحنفية وسؤاله إياه أن يقدم إلى بلاد الشام لما شاع في الناس من خبره وحسن الثناء عليه. ### | ذكر كتاب عبد الملك بن مروان إلى محمد ابن الحنفية من دمشق وجوابه إياه أما بعد، فإنك قدمت إلى بلادنا بإذن منا، وقد رأيت أن لا يكون في سلطاني رجل لم يبايعني، فإن أنت بايعتني فهذه مراكب قد أقبلت من أرض مصر إلى أيلة، فيها من الأطعمة والأمتعة والأشياء كذا وكذا، فخذ ما فيها لك، ومع ذلك ألف ألف درهم أعجل لك منها مائتي ألف درهم، وتؤخرني بقيتها إلى أن أفرغ من ms1016 أمر ابن الزبير ويجتمع الناس إلى إمام واحد، وإن أنت أبيت أن تبايع فانصرف إلى بلد لا سلطان # PageV06P320 # لنا بها - والسلام. # قال: فكتب إليه محمد ابن الحنفية: أما بعد، فإننا قدمنا هذه البلاد بإذنك إذ كان موافقا لك، ونحن راحلون عنها بأمرك إذ كنت كارها لجوارنا - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # قال: ثم خرج محمد ابن الحنفية من أيلة راجعا إلى مكة ومعه أهل بيته وأصحابه وهو يتلو هذه الآية: (قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) (1). # قال: ثم سار ابن الحنفية حتى صار إلى مدين، أقبل على أصحابه فقال: يا هؤلاء! أنتم نعم الإخوان والأنصار ما علمتكم، ولو كان عندي ما يسعكم لأحببت أن لا تفارقوني أبدا حتى تنجلي هذه الغمة، فإن أحببتم فانصرفوا إلى مصركم محمودين، فإنكم تقدمون إلى الناس وبهم إليكم حاجة، وأنا سأقدم إلى مكة إلى معاندة ابن الزبير، ولا أحب أن تكونوا مجهودين. قال: فعندها ودع أصحابه وانصرفوا إلى الكوفة، وبها يومئذ مصعب بن الزبير فأرسل إليهم فدعاهم، وقال من أنتم؟ وما أقدمكم إلى مصرنا هذا ذنبكم؟ فقالوا: نحن أصحاب محمد ابن الحنفية ولم نقدم لسوء، إنما قدمنا إلى بلدنا فاجعل لنا أرزاقنا واصطنعنا، وإن دخلت ذلك دخلنا في بيعتك وأقررنا في بلدنا وعشائرنا. قال: فأمرهم مصعب بن الزبير فبايعوه وأقاموا عنده. # ومضى ابن الحنفية بمن معه من أهل بيته ومواليه حتى نزل بشعب أبي طالب بمكة، وبلغ عبد الله بن الزبير فأرسل إليه أن ارتحل عن هذا الشعب أنت وأصحابك هؤلاء الذين معك، وإلا هلم فبايع. فقال ابن الحنفية لرسوله: ارجع إليه وقل له إن الله ms1017 تعالى قد جعل هذا البلد آمنا وأنت تخيفني فيه، ولست بشاخص عن مكاني هذا أبدا إلى أن يأذن الله لي في ذلك، فاصنع ما أنت صانع! وجرى بينهم اختلاف # PageV06P321 # شديد، وبلغ ذلك من كان بالكوفة من أصحابه الذين فارقوه، فرجعوا إليه في جمعهم حتى نزلوا في الشعب وقالوا: والله لا نفارقك أبدا أو لنموتن بين يديك! # قال: وأمسك ابن الزبير عن ابن الحنفية وكف عنه إلى أن حجت الناس. # فلما كان يوم النفر (1) أرسل بأخيه عروة بن الزبير وعبد الله بن مطيع العدوي في رجال من قريش إليه، فأقبل القوم حتى دخلوا الشعب إلى ابن الحنفية فقالوا: إن أمير المؤمنين يأمرك أن تتنحى عن هذا الشعب الذي أنت نازل فيه، فإنه قد عزم إن لم تفعل ولم تنتقل إلى موضع غيره أن يسير إليك حتى يناجزك، فإن أردت الشخوص فهذا يوم الجمعة قم فانفر مع الناس وامض إلى حيث شئت من البلاد! قال: فسكت ابن الحنفية وقام رجل من أصحابه يقال له معاذ بن هانئ فقال: أيها المهدي! إن هذا البلد قد جعل الله عزو جل، الناس فيه سواء العاكف فيه والباد، وليس أحد أحق به من أحد، وهذا الرجل قد ألحد في الحرم وسفك فيه الدم، وقد بعث إليك مرة بعد أخرى يأمرك بالتنحي عنه، فإنه هو أبى إلا إشخاصك تركا لأمر الله وجرأة عليه فقد بدأك بالظلم وبما لم تكن تستحله، وقد اضطرك وإيانا إلى ما لا صبر لك عليه فخل بيننا وبينه، فو الله! إني لأرجو أن آتيك به سلما أو يقتل هؤلاء أصحابه الفساق الجبارون وأعداء الصالحين، فإنما هم أعراب أهل اليمامة وجهال أهل مكة، ولقد قاتلهم قوم ينوون رضوان الله وثواب الآخرة، ولما ثبتوا للطعان والضراب ولا تذعروا بدعارة أولاد الحجل. قال: فغضب عبد الله بن مطيع من ذلك، ثم أقبل على ابن الحنفية فقال: يا أبا القاسم! لا يغرنك عن نفسك حائك أهل اليمن هذا وأشباهه، فإني أعلم أنهم إن أوردوك لم يصدروك، أفليس ms1018 هم قتلة أبيك وابن عمك وأخيك! # فقال ابن الحنفية: لا، بل هم أنصاري وشيعتي الذين عليهم أعتمد بعد الله تعالى. # فقال عبد الله بن مطيع: اقبل مني، إما أن تبايع هذا الرجل وإلا فأنج بنفسك من قبل التورط ومن قبل أن تتمنى النجاة ولات حين نجاة. قال: فقال معاذ بن هانئ لعبد الله بن مطيع: يا بن نساجة العبا! نحن نسلم لك ولصاحبك هذا، ولما نقتل بين يديه أو نبيدكم عن آخركم؟ قال: وارتفعت أصوات القوم، فسكتهم ابن الحنفية عن آخرهم، ثم أقبل على أصحابه فقال: أخبروني عنكم ماذا عندكم من الرأي، فإني أكره سفك الدماء في حرم الله وحرم رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال أصحابه: الرأي رأيك، فانظر ما هو الصواب فألقه إلينا، فإننا لن نعدوه، إن أمرتنا بقتال القوم # PageV06P322 # قاتلناهم، وإن أمرتنا بالكف عنهم كففنا وحمدنا الله على ذلك ورجونا الخيرة فيما قضى الله عزو جل من ذلك وقدر. # قال: فأطرق ابن الحنفية ساعة وقال: اللهم! إن هذا الرجل قد ظلمني وتعدى علي في إخراجه إياي من حرمك وحرم رسولك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، اللهم! فألبسه لباس الذل والخوف، وسلط عليه وعلى أشياعه وناصريه من (1) يسومهم سوء العذاب، اللهم! عاقبه بخطيئته، واجعل دائرة السوء عليه بسوء نيته وجريرته، وخذه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله، وأنزل به بأسك وغضبك الذي لا ترده عن القوم المجرمين. قال: ثم عزم ابن الحنفية على المسير إلى الطائف هو وأصحابه. ### | ذكر ما جرى بين عبد الله بن عباس وابن الزبير في أمر محمد ابن الحنفية قال: وبلغ ذلك عبد الله بن عباس أن ابن الحنفية يريد أن يمضي إلى الطائف، فأقبل مغضبا حتى دخل على عبد الله بن الزبير فقال: يا هذا! والله ما ينفعني تعجبي منك ومن ائتزازك وجرأتك على بني عبد المطلب، تخرجهم من حرم الله وحرم رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهم بالحرم وأعظم فيه نصيبا منك، أما والله إن ms1019 عواقب الظلم لترد إلى مساءة وندامة. فقال له ابن الزبير: يا بن عباس! إنه قد قتل الله المختار الكذاب الذي كنتم تمدون أعينكم إلى نصرته لكم، فقال ابن عباس: يا بن الزبير دع عنك المختار، فإنه قد بقيت لك عقبة تأتيك من أرض الشام، فإذا قطعتها فأنت أنت. قال: فغضب ابن الزبير ثم قال: والله يا بن عباس ما منك أعجب بل أعجب من نفسي! كيف أدعك تنطق بين يدي بملء فيك. قال: فتبسم ابن عباس ثم قال: والله ما نطقت بين يدي أحد من الولاة كما نطقت بين يديك! ولقد نطقت وأنا غلام (2) بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر الصديق فعجبوا لتوفيق الله إياي، ولقد نطقت وأنا رجل (3) بين يدي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وكانوا يرونني أحق من نطق، يستمع رأيي ويقبل مشورتي، وهؤلاء الذين ذكرتهم من # PageV06P323 # بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خير منك ومن أبيك. قال: فازداد غضب ابن الزبير ثم قال: لقد علمت أنك ما زلت لي ولأهل بيتي مبغضا منذ كنت، ولقد كتمتم بغضكم يا بني هاشم أربعين (1) سنة، فقال ابن عباس: فازدد إذا بي قضبا، فو الله لا نبالي أحببتنا أم أبغضتنا! قال له ابن الزبير: اخرج عني، لا أراك تقربني! قال ابن عباس: أنا أزهد فيك من أن تراني عندك. قال ابن الزبير: دع عنك هذا واذهب إلى عمك هذا فقل ليخرج عن جواري ولا يتربص، فإني ما أظنه سالما مني أو يصيبه مني ظفر. # قال ابن عباس: ما ولوعك بابن عمي وما تريد منه؟ قال: أريد منه أن يبايع كما بايع غيره! قال ابن عباس: مهلا يا بن الزبير! احذر، فإن مع اليوم غدا. قال ابن الزبير: صدقت مع اليوم غد، وليس يجب عليك أن تكلمني في رجل ضعيف سخيف، ليس له قدم ولا أثر محمود. قال: فتنمر ابن عباس غضبا ثم قال له: إنه ليس على هذا صبر يا ms1020 بن الزبير! والله إن أباه لأفضل من أبيك، أسرته خير من أسرتك، وإني لفي نفسه خير منك، وبعد فرماه الله بك إن كان شرا منك في الدين والدنيا. # قال ثم خرج ابن عباس من عند ابن الزبير مغضبا، وأقبل حتى جلس في الحجر، واجتمع إليه قوم من أهل بيته ومواليه، فقالوا: ما شأنك يا بن عباس؟ # فقال: ما شأني! أيظن ابن الزبير أني مساعده على بني عبد المطلب؟ والله إن الموت معهم لأحب إلي من الحياة معه، أما والله! إن كان ابن الحنفية سخيفا ضعيفا كما يقول لكانت أنملته أحب إلي من ابن الزبير وآل الزبير، فإنه والله عندي لأوفر عقلا من ابن الزبير وأفضل من دينا وأصدق منه حياء وورعا! قال فقال له رجل من جلسائه: يا بن عباس! إنه قد ندم على ما كان من كلامه، وهو الذي بعثنا اعتذارا. قال ابن عباس: فليكف عن أهل بيته، فقد قال القائل " غثك خير من سمين غيرك ". أما والله! لو فتح لي من بصري لكان لي ولابن الزبير ولبني أبيه يوم أرونان. ### | ذكر ما جرى بين ابن عباس وابن الزبير أيضا من كلام قبيح # قال: وبلغ ابن الزبير أن ابن عباس يقول فيه ما يقول: فخرج من منزله في عدة من # PageV06P324 # أصحابه حتى وقف في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن فيكم رجلا أعمى الله قلبه كما أعمى الله بصره، يزري على عائشة أم المؤمنين، ويعيب طلحة والزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويحل المتعة، فاجتنبوه، جنبه الله السداد. # قال: وكان ابن عباس يومئذ حاضرا، فلما سمع ذلك وثب قائما على قدميه، ثم قال (1): يا بن الزبير! أما ما ذكرت من أم المؤمنين عائشة، فإن أول من هتك عنها الحجاب أنت وأبوك وخالك وقد أمرها الله عز وجل أن تقر في بيتها، فلم تفعل فتجاوز الله عنها ورحمها، وأما أبوك وأنت وخالك طلحة وأشياعكم، فلقد لقيناكم يوم الجمل فقاتلناكم، فإن كنا مؤمنين ms1021 فقد كفرتم بقتالكم المؤمنين، وإن كنا كفارا فقد كفرتم بفراركم من الزحف، وأما ذكرت للمتعة أني أحلها، فإني إنما كنت أفتيت فيها في خلافة عثمان بن عفان وقلت: إنما هي كالميتة والدم ولحم الخنزير لمن اضطر إليها، حتى نهاني عنها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين رخص فيها على حد الضرورة، وسمعته حين حرمها ونهى عنها بعد ذلك، وإن الله تبارك وتعالى قد حرمها ونهى أن يرخص فيها، فما رخصت فيها لأحد بعد ذلك إلى يومي هذا، فإنه قد كان يجب عليك أن لا تذكر المتعة فإنك إنما ولدت من متعة، فإذا نزلت عن منبرك هذا فصر إلى أمك فسلها عن بردي عوسجة (2)، قال: فقال له ابن الزبير: اخرج عني، لا تجاورني! فقال: نعم والله لأخرجن خروج من يقلوك ويذمك. ثم قال ابن عباس: اللهم! إنك قادر على # PageV06P325 # خلقك وقائم على كل نفس بما كسبت، اللهم! وإن هذا الرجل فقد أبدى لنا العداوة والبغضاء فارمه منك بحاصب، وسلط عليه من لا يرحمه. # قال: ثم خرج ابن عباس من مكة إلى الطائف ومحمد ابن الحنفية في أصحابه، وجعل ابن عباس يقول بمن معه: أيها الناس! إن الله عز وجل قد حرم هذا الحرم منذ خلق السماوات والأرض وهؤلاء القوم قد أحلوه، ولكن انظروا متى يقصمهم الله ويغير ما بهم. قال فقيل له: يا بن عباس! أتعني ابن الزبير أم الحصين بن نمير السكوني؟ قال: بل أعني جميعهم وأعني الأمير الشامي يزيد بن معاوية الذي بتر الله عمره وقبضه على أسوء عمله. # قال: وسار (1) القوم حتى نزلوا الطائف وأخلوا مكة لعبد الله بن الزبير. قال: # وكان عبد الله بن عباس يقوم في أهل الطائف خطيبا فيذكر ابن الزبير بالقبيح ويذكر فعله بمحمد ابن الحنفية وسائر بني هاشم، فلم يزل كذلك إلى أن أدركته الوفاة (2)، وتوفي بالطائف، وصلى عليه محمد ابن الحنفية ودفن هنالك فقبره بالطائف بواد يقال له وادي وج. # قال: ms1022 وأقام ابن الحنفية بالطائف لا يرى الزبير ولا يذكره إلى أن خرج إلى اليمن، فيذكر شيعته الذين يقولون بالرجعة أنه دخل شعبا يقال له شعب رضوى في أربعين رجلا من أصحابه فلم ير له إلى اليوم أثر (3). ### | ذكر ابتداء فتنة البصرة وشغب أهلها وما كان بينهم من الحرب والعصبية # قال: أبو محمد عبد الله بن محمد البلوي حدثني أبو الحسن (4) علي بن محمد القرشي قال حدثني عثمان بن سليم عن مجالد عن الشعبي قال: ما رأينا # PageV06P326 # بالعراق أميرا كان أعنى بأمر الرعية من مصعب بن الزبير، كان يشتد في موضع الشدة ويلين في موضع اللين، وكان يعطي الجند في السنة عطاءين: عطاء في الشتاء، وعطاء في الصيف. # قال: وكبر على عبد الملك بن مروان مكان عبد الله بن الزبير بالحجاز ومكان أخيه مصعب بن الزبير بالعراقين، وكان عبد الملك يخرج في كل سنة من دمشق حتى يأتي موضعا يقال له وادي بطنان من وادي قنسرين فيعسكر هنالك، فإذا جاء الشتاء واشتد البرد انصرفوا جميعا، عبد الملك إلى الشام ومصعب إلى العراق (1). # قال: ثم إن مصعب بن الزبير خرج من البصرة كما كان يخرج وخلف عليها عاملا يقال له عبد الله بن عبيد المخزومي (2) وأقبل إلى الكوفة فنزلها، وكتب عبد الملك بن مروان إلى شيعته بالبصرة يأمرهم أن يثوروا بها وأن يأخذوا إن قدروا على ذلك. قال: وكان أهل البصرة يومئذ إنما هم صنفين، زبيريون ومروانيون، فتحركت شيعة بني مروان بالبصرة فهاجوا بها يأخذونها. وبلغ ذلك مصعب بن الزبير وهو يومئذ بالكوفة فدعا برجل يقال له زحر بن قيس الجعفي، وضم إليه ألف فارس وأمره بالمسير إلى البصرة، وأتبعه برجل يقال له قطن (3) بن عبد الله الحارثي في ألف فارس. قال: وثارت شيعة عبد الملك بن مروان وشيعة آل الزبير، فاقتتلوا في موضع يقال له المربد (4)، ووقعت الهزيمة على المروانيين وأخذتهم سيوف آل الزبير حتى بلغوا بهم إلى آخر المربد، قال: وأسر رجل من شيعة آل مروان يقال له مالك بن ms1023 مسمع الجحدري (5) وكان من سادات البصرة، وفي ذلك يقول بعض شعراء أهل البصرة حيث يقول شعرا. قال: ثم أتى بمالك بن مسمع هذا حتى وقف بين يدي عامل البصرة عبد الله بن عبيد المخزومي خليفة مصعب بن الزبير، فلما نظر إليه قال: عدو الله! وأنت أيضا من شيعة بني مروان ونحن لا نعلم، وقد بلغ من قدرك ما تؤلب على آل الزبير، يا أعور العين! يا أعمى القلب! ألست الذي يقول فيك # PageV06P327 # شاعر بني تميم حيث يقول: # إذا الجهل أمسى قاعدا لم نقم له * ونضرب رأس الجهل حين يقوم تعلم أبا غسان أنك إن تعد * تعد لك بالبيض الرقاق تميم تقاضوك عينا مرة فقضيتها * وفي عينك الأخرى عليك خصوم قال: ثم أمر به إلى السجن (1). قال: وهرب يومئذ كل من كان من شيعة المروانيين (2) فاختفوا في منازلهم وندموا على حربهم وما كان منهم. # قال: وبلغ ذلك مصعب بن الزبير فدعا بإبراهيم بن الأشتر فاستخلفه على الكوفة وأقبل مغضبا حتى دخل إلى البصرة مسرعا، ثم دعا بخليفته عبد الله بن عبيد المخزومي فقال له: ما صنعت بالقوم الذين خرجوا عليك؟ فقال: إني قد حبست بعضهم - أصلح الله الأمير! والباقون فإني لم أقدر عليهم، قال مصعب بن الزبير: # اعرض على الذين حبستهم حتى أراهم! قال: فعرضهم عليه. # قال: وكان أول من قدم عليه أبو حاضر الأسدي وهو الذي كان رأس البلية، فلما نظر مصعب بن الزبير قال له (3): يا بن كذا وكذا! ذهب الناس الذين فيهم خير عرفوا أنفسهم فأنت ما بالك لا تعرف نفسك يا بن نعجة! لئن بقيت لك لأردنك إلى أصلك. # قال: ثم أتي برجل يقال له مرة بن محكان التميمي وكان ممن يشتم آل الزبير ويقول فيهم القبيح، فلما نظر إليه قال: يا بن الخنا! وأنت أيضا ممن يبتدع إلى الفتنة ويطلب زوال دولة آل الزبير! ثم قال: من ههنا؟ اضربوا عنقه! قال: فأخرج مرة بن محكان (4) ليضرب عنقه وقد رفع صوته وهو يقول (5): # PageV06P328 # بني أسد إن تقتلوني ms1024 تحاربوا * تميما إذا الحرب العوان (1) اشمعلت بني أسد هل فيكم من هوادة * فتعفون إن (2) كانت بي النعل زلت أيمشي خداش بالبصيرة آمنا (3) * وقد نهلت منا الرماح وعلت فلا تحسب الأعداء إن غبت عنهم * وأوديت يوما أن حربي تخلت (4) قال فقدمه خداج بن يزيد الأسدي فضرب عنقه صبرا. # ثم أتي بعبد العزيز بن بشر التميمي، فلما وقف بين يدي مصعب بن الزبير قال: يا بن الأقطع (5)! أليس جدك الذي سرق عنز النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأتي به إليه، فإن كان خمسة أشبار لم يقطعه، ثم أتي به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد ذلك وقد سرق عنزا آخر فقطعه، يا بن الأقطع! إنما أنت علج، وأصل أبيك من كرمان و هجرته إلى البحرين، أما والله! لئن بقيت لك لتعلمن غب ما فعلت يا بن الخنا. # ثم أتي بعبيد الله (6) بن أبي بكرة، فلما نظر إليه مصعب بن الزبير قال له: يا ابن الفاعلة! أما تعرف نفسك وابن من أنت؟ إنما (7) كانت أمك أم الأحر بمنزلة كلبة صارف بزت عليها عدة كلاب على عدة ألوان، فجاءت (8) لكل كلب بما يشبهه، أما والله لئن بقيت لك لأردنك إلى مواليك سريعا إن شاء الله عز وجل. # قال: ثم أتي بعبد الله بن عثمان (9)، فلما نظر إليه مصعب بن الزبير قال له: # يا بقية آل ثمود! وأنت أيضا ممن يدعي الرئاسة والعروبية! والله لقد اجتمعت فيك خصال ثلاث ما اجتمعت في أحد مثلك: واحدة أنك من ثقيف، وثقيف إنما كان عبدا فاسقا مسفقا يسمى ثقيفا، وأخرى أن العرب قاطبة لا تعرف لكم نسبا، والثالثة # PageV06P329 # أنك من أهل بيت لا يعرف لهم أصل، وأيم الله! لئن بقيت لك يا مؤنث لألحقنك بأصلك (1) قال: فلم يزل مصعب بن الزبير كذلك، كلما قدم إليه رجل ممن خرج عليه، يكلمه بمثل هذا الكلام وأشباهه. قال: ثم جمعهم بأجمعهم وأمرهم بطلاق نسائهم، فطلقوا مخافة سيفه، ثم أمر بهدم دورهم، فهدمت عن آخرها، ثم أخذ أموالهم وتركهم ms1025 فقراء. # ثم دعا بخليفته عبد الله بن عبيد المخزومي فقال له: إني راحل إلى الكوفة لأمر لا بد منه، ولكن إن تحرك من هؤلاء القوم أحد فابعث إلي برأسه، قال: ثم رحل إلى الكوفة فنزلها. ### | ذكر مسير عبد الملك بن مروان إلى العراق ومقتل مصعب بن الزبير وابنه عيسى وإبراهيم ابن الأشتر والحرب العظيم الذي كانت بينهم # قال: وبلغ عبد الملك بن مروان ما فعل مصعب بن الزبير بشيعته بالبصرة، فاغتم لذلك غما شديدا، ثم إنه تهيأ للمسير إلى العراق، فدعا بسلاحه الذي يلبسه فوضعه بين يديه، ثم دعا بكرسي فجلس عليه، وأقبلت إليه امرأته عاتكة بنت يزيد بن معاوية ومعها جوار لها حتى وقفت بين يديه، فقالت: يا أمير المؤمنين! # أنشدك الله إن غزوت آل الزبير في هذه السنة، فقد علمت أنهم أشأم أهل بيت في قريش، فقال عبد الملك بن مروان: يا عاتكة! إنه قتل شيعتي بالبصرة، وأذلوا وطلقت نساؤهم وخربت دورهم وأخذت أموالهم، وقد أزمعت على المسير فلا بد لي من ذلك، فإما أن يبيدوني أو أبيدهم. قال: فبكت عاتكة وتبسم عبد الملك بن مروان، وجعل يتمثل بقول كثير حيث يقول: # إذا ما أراد الغزو لم يثن همه * حصان عليها نظم (2) در يزينها نهته فلما لم تر النهي عاقه * بكت فبكى (3) مما عناها قطينها # PageV06P330 # ثم دعا عبد الملك بن مروان بأخيه أبان بن مروان فاستخلفه على الشام، فخرج يريد العراق ومعه ثلاثة وستون ألفا من أهل الشام وأهل مصر فسار حتى صار إلى قرقيسياء. ### | ذكر زفر بن الحارث الطائي وعبد الملك ابن مروان ونزوله عليه ومحاربته له قال: وكان بقرقيسياء يومئذ رجل يقال له زفر بن الحارث الكلابي، وكان زفر ممن يتوالى آل الزبير ويقول بفضلهم وقد كان قاتل مروان بن الحكم مع الضحاك بن قيس يوم مرج راهط، وهو الذي يقول هذه الأبيات (1): # أريني سلاحي يا أمام فإنني (2) * أرى الحرب لا تزداد (3) إلا تماديا أتاني عن مروان بالغيب أنه * يريد دمي أو قاطع من لسانيا وفي ms1026 العيش منجاة وفي الأرض مهرب * إذا نحن رفعنا لهن المثانيا أتذهب كلب لم تنلها رماحنا * وتترك قتلى راهط هي ما هيا أيذهب (4) يوم واحد أسأته * بصالح أيامي وحسن بلائيا فلا نوم (5) حتى تنحط الخيل بالقنا * وللقوم عندي وقعة هي ما هيا (6) قال: فلما نزل عبد الملك بن مروان بقرقيسياء أقبل على أصحابه فقال: # والله! إني لأكره أن أخلف هذا الرجل ورائي وأسير إلى غيره وقد علمت أنه ممن يبغضنا ويتوالى آل الزبير. ثم أرسل إليه عبد الملك بن مروان يدعوه إلى طاعته، فأبي عليه زفر بن الحارث وخاف منه خوفا شديدا ولم يخرج إليه. قال: فأمر عبد الملك بن مروان بالمجانيق فركبت ثم نصبت على حصن قرقيسياء، وجعل القوم # PageV06P331 # يرمون الحصن بالحجارة رميا متداركا، وجعل رجل من أهل الشام يقول في ذلك: # كيف ترى قيسا يرى قيسا * حمقا يرى ذاك بها أم كيسا نقذف فيها زفرا وأوسا * بكل خطار يميس ميسا قال: فكان الذي يرمي بهذه المجانيق رجل يقال له حسان (1) بن بحدل، وقد ذكره زفر بن الحارث في قصيدة له حيث يقول: # لقد تركتني منجنيق ابن بحدل * أخاف من (2) العصفور حين يطير ملحا علي بالحجارة دائبا * لأني وقور والكريم وقور فلما رأي زفر بن الحارث أن عبد الملك بن مروان قد ألح عليه برمي الحجارة كأنه اتقى على نفسه وعلى أهله وماله: فاستجدى وخضع وذل وطلب الأمان، فأعطاه عبد الملك بن مروان ذلك (3)، فخرج إليه زفر بن الحارث فأمنه عبد الملك بن مروان وخلع عليه وسار من قرقيسياء (4) يريد العراق، فعبر الفرات وشق البلاد حتى خرج إلى أرض الجزيرة، ثم سار حتى نزل مدينة الموصل وأنشأ شاعر له (5) يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # لعمري لقد أصحرت خيلنا * بأكناف دجلة للمصعب إلى آخرها. # ثم سار عبد الملك بن مروان من الموصل يريد العراق، وبلغ ذلك مصعب بن الزبير فعزم على محاربته، فخرج من الكوفة حتى عسكر على عشرة فراسخ منها لكي يتلاحق به الناس، فإذا قد خذله عامة أصحابه، فاغتم ms1027 لذلك غما شديدا، ثم دعا بعبد الله بن أبي فروة مولى عثمان فقال له: ويحك! ما ترى؟ قال! أرى الناس قد خذلوك، فاستخلف على عملك رجلا من أصحابك وشد رواحلك والحق بأمير المؤمنين بالحجاز فكن معه هنالك، فقال مصعب بن الزبير: إني لأكره أن تتحدث # PageV06P332 # العرب عني بذلك أني ركعت أو رجعت عما أريد أن أصنع، ولكن هل لك أن تسير معي؟ فقال: لا والله أصلح الله الأمير؟ ما يتهيأ لي ذلك فلا تجشمني من الأمر ما لا أطيقه. # قال: وجعل مصعب بن الزبير ينظر إلى أصحابه ويستقل هم، ثم دعا بفرسه فركبه وركب الناس معه، ثم التفت إلى عروة بن المغيرة بن شعبة فقال: ويحك يا عروة! حدثني عن الحسين بن علي كيف صنع في حرب عبيد الله بن زياد؟ قال: # فجعل عروة بن المغيرة يحدثه عن الحسين بن علي رضي الله عنهم وكيف قتل. قال: # مصعب بن الزبير: فلنا أسوة بأبي عبد الله الحسين، قال: فضرب مصعب بن الزبير بسوطه على قربوص الفرس متمثلا بهذا البيت وهو يقول: # إن الألى بالطف (1) من آل هاشم * تأسوا فسنوا (2) للكرام التاسيا قال: وسار مصعب بن الزبير في أصحابه، وسار إليه عبد الملك بن مروان حتى وافاه بموضع يقال له دير الجاثليق، فعبي عبد الملك بن مروان أصحابه هنالك. ### | ذكر الوقعة بدير الجاثليق # قال: فعبي عبد الملك بن مروان أصحابه، فكان على ميمنته عبد الله بن يزيد بن معاوية، وعلى ميسرته خالد بن يزيد بن معاوية، وفي القلب محمد بن مروان أخو عبد الملك. وعبى مصعب بن الزبير أصحابه، فكان على ميمنته حمزة بن يزيد العتكي، وعلى ميسرته عبد الله بن أوس الجعفي، وفي القلب إبراهيم بن الأشتر. ودنا القوم بعضهم من بعض، فتراموا بالسهام ساعة ثم اختلطوا واشتبك الحرب بينهم، فجعل إبراهيم بن الأشتر يقاتل بين يدي مصعب بن الزبير قتالا لم يسمع الناس بمثله، حتى قتل من أهل الشام جماعة. قال: وأحدق به الخيل من كل جانب فطعنوه حتى صرعوه ms1028 عن فرسه، ثم اجتمعت عليه السيوف فوقعت به نيف على ثلاثين ضربة (3)، ثم برد ثم احتز رأسه - رضي الله عنه - فأتي به # PageV06P333 # إلى عبد الملك بن مروان، فوضعه بين يديه، فأنشأ بعض أهل الكوفة (1) يقول في ذلك: # سأبكي ولو لم تبك فرسان مذحج * على فارس ما زال في الحرب مجلبا (2) فتى لم يكن في إمرة (3) الحرب جاهلا * ولا بمطيع في الوغى من تهيبا أمان بجوال العنان لجامه * وقال لمن خفت ركائبه اركبا أبان أنوف الحي قحطان قبله * وأنف نزار قد أبان فأوعبا فمن كان (4) أمسى خائنا لأميره * فما خان إبراهيم في الحرب مصعبا قال: فلما قتل إبراهيم بن الأشتر رضي الله عنه تضعضع ركن مصعب بن الزبير، فالتفت إلى قطن (5) بن عبد الله الحارثي فقال له: أبا عثمان! قدم خيلك يرحمك الله! فقال: ما أرى ذلك صوابا، قال مصعب بن الزبير: ولم ذلك؟ # فقال: إني أخاف أن تسفك دماء مذحج في غير شيء، لأن القوم كثير، قال: # فالتفت مصعب بن الزبير إلى محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني فقال له: أبا عبد الرحمن! لو قدمت رأيتك قليلا نحو أهل الشام! قال: ما رأيت أحدا فعل ذلك فأفعله أنا. قال: فعندها قال مصعب بن الزبير: وإبراهيماه! ولا إبراهيم لي اليوم! رضي الله عنك يا إبراهيم يا بن الأشتر. # قال: فصاح به محمد بن مروان: يا معصب! يا بن الزبير! لك الأمان على ما حدثت، وقد آمنك أمير المؤمنين على ما كان منك، فلا تقتل نفسك. قال: # مصعب بن الزبير: أمير المؤمنين بالحجاز - يعني أخاه عبد الله بن الزبير -. قال: # ورمي مصعب بن الزبير بالسهام حتى أثخن بالجراحات فكاد أن يسقط عن فرسه. # قال: وجعل ابنه يقاتل بين يديه قتالا شديدا، فصاح به محمد بن مروان، إن كان # PageV06P334 # أبوك قد أبى أن يستأمن فهلم أنت إلينا فأنت آمن! فقال له أبوه: إن بني عمك قد آمنوك فصر إليهم فإني مقتول، فقال عيسى: لا والله! لا تحدث عني نساء قريش ms1029 بهذا أبدا. قال: ثم جعل عيسى يقاتل بين يديه حتى قتل، فنزلوا إليه فاحترزوا رأسه وأتوا إلى عبد الملك بن مروان حتى وضعوه بين يديه. # قال: وبقي مصعب بن الزبير لا يقدر أن يحرك يدا ولا رجلا من كثرة الجراحات، فحمل عليه عبيد الله بن زياد (1) بن ظبيان التميمي فطعنه طعنة نكسه عن فرسه، ثم جال في ميدان الحرب وهو يقول: # نحن قتلنا مصعبا وعيسى * وكم قتلنا قبله رئيسا قرما شجاعا بطلا نفيسا * به يؤوس مصرنا تأسيسا (2) قال: ثم نزل رجل من أهل الشام إلى مصعب بن الزبير فاحتز رأسه وجاء به إلى عبد الملك بن مروان فوضعه بين يديه، وأنشأ بعض أهل الكوفة (3) في ذلك يقول: # لقد أورث (4) المصرين حزنا (5) وذلة * قتيل بدير الجاثليق مقيم فما جاهدت في الله (6) بكر بن وائل * ولا صبرت يوم اللقاء تميم لعمري لقد ضاع الزمان ولم يكن (7) * بها مضري يوم ذاك كريم جزى الله كوفانا هناك ملامة * وبصري هم إن المليم مليم # PageV06P335 # قال: ثم أمر عبد الملك بن مروان برأس مصعب بن الزبير ورأس ابنه عيسى ورأس إبراهيم بن الأشتر، فحملت على رؤوس الرماح فطافوا بها في أجناد أهل الشام، فأنشأ حماد بن أبي ليلى يقول في ذلك: # إن الرزية يوم مس‍ * كن والمصيبة والفجيعة بابن الحواري الذي * لم يخطه يوم الوقيعة غدرت به مضر العرا * ق وأمكنت منه ربيعه فأصبت ثأرك يا ربي‍ * ع وكنت سامعة مطيعه يا لهفتي بالدير لو * كانت له بالدير شيعه أو لم يخونوا عهده * أهل العراق بني اللكيعه (1) قال: ثم سار عبد الملك بن مروان حتى قدم الكوفة وقد انهزم (2) الناس بين يديه، فدخل إلى قصر الإمارة ونادى في الناس فأعطاهم الأمان، ثم دعاهم إلى بيعته، فصاروا إليه طائعين غير مكرهين. ### | ذكر الكلام الشعبي (1) بين يدي عبد الملك بن مروان # قال: والشعبي (4) يومئذ جالس في مجلسه بين يديه، فقال: يا أمير المؤمنين! ما رأيت شيئا هو أعجب من هذه الأمور، قال عبد الملك بن مروان: # وما ذاك ms1030 يا شعبي؟ قال: دخلت هذا القصر فرأيت عبيد الله بن زياد في موضعك هذا قاعدا ورأس الحسين بن علي بين يديه، ثم دخلت بعد ذلك فرأيت المختار بن أبي عبيد قاعدا في موضعك هذا ورأس عبيد الله بن زياد بين يديه، ثم دخلت بعد ذلك فرأيت مصعب بن الزبير قاعدا في موضعك هذا ورأس المختار بن أبي عبيد بين يديه، وقد دخلت الآن فرأيت رأس مصعب بن الزبير بين يديك! قال (5): فقال عبد الملك بن مروان: صدقت يا شعبي! ولله عز وجل في أمره تدبير. # PageV06P336 # قال: ثم وثب عبد الملك بن مروان قائما ودعا بدابته، فركب وخرج من القصر حتى صار إلى الموضع يقال له النخيلة (1) فنزلها، وعرضت عليه قبائل العرب هنالك، ففرض لكل قوم من المال على أقدارهم. ### | ذكر مسير الحجاج بن يوسف الثقفي عليه ما يستحقه إلى الحجاز ومقتل عبد الله بن الزبير # ثم جمع عبد الملك بن مروان وجوه العرب إليه وقال: أيها الناس! إني راحل إلى الشام ولا بد لي من ذلك، ولكن هل من رجل جلد البجرة يكفيني أمر عبد الله بن الزبير! قال: فأقصر الناس عن ذلك ولم يجبه أحد بشيء. # وأقبل الحجاج بن يوسف إلى يزيد بن أبي بشر السكسكي - وهو صاحب شرطة عبد الملك بن مروان - فقال: أيها الأمير! إني قد رأيت البارحة في منامي رؤيا عجيبة كأني قد أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته حتى أخرجته من جلده، فإن رأيت أن تخبر أمير المؤمنين بذلك. قال فقال له يزيد بن أبي بشر: أنت غلام أحمق وتحتاج أن تؤدب، فقال له الحجاج: إن أنت أعلمت أمير المؤمنين بذلك وإلا أنا احتال في إعلامه وألزمتك الملامة من قبله. قال: فأقبل يزيد بن أبي بشر حتى دخل على عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين! إن هذا الغلام الثقفي الذي معنا الحجاج بن يوسف بن الحكم يذكر أنه رأى في منامه كذا وكذا، وقد رأيت له همة فأحببت أن أخبر أمير المؤمنين بذلك، ms1031 فقال عبد الملك بن مروان: علي به! فأتي بالحجاج، فلما أدخل إليه قال: ما الذي رأيت؟ قال: يا أمير المؤمنين! رأيت عبد الله بن الزبير كأني أخذته وسلخته حتى أخرجته من جلده، قال عبد الملك بن مروان: وهل فيك من خير؟ قال: نعم حيث أحببت يا أمير المؤمنين! قال عبد الملك بن مروان: فإني قد دعوت لها غيرك فأبى، وأرجو أن تكون عند ما تقول. # قال: ثم دعا عبد الملك بن مروان بالخلع فخلعها عليه وحمله (2)، وضم إليه # PageV06P337 # ستة آلاف رجل: ألفين من أهل الشام، وألفين من أهل مصر، وألفين من فرض العراق (1). ثم قال: يا حجاج! انظر أن لا تطأ الحرم بالخيل والجنود، ولكن انزل حيث شئت من أرض الحجاز، وامنع ابن الزبير الميرة، وخذ عليه الطرق واستعمل فيه الحصار إلى أن يأتيك رأيي! قال الحجاج: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين. # قال: فلما خرج الحجاج من عند عبد الملك بن مروان وثب ابن الأسود النخعي فقال: يا أمير المؤمنين! إنك قد أمرت هذا الغلام الثقفي بالمسير إلى مكة فأمره أن لا يهتك أستارها، ولا ينفر أطيارها، وليأخذ على ابن الزبير شعابها وجبالها وأنقابها، حتى يموت فيها جوعا أو يخرج عنها مخلوعا. قال عبد الملك بن مروان: # إننا قد أوصيناه بذلك ولن يتعد أمرنا إن شاء الله. # قال: ثم رحل عبد الملك بن مروان إلى الشام ورحل الحجاج نحو مكة، غير أنه أقبل حتى نزل الطائف وبها يومئذ محمد ابن الحنفية، فأرسل إليه الحجاج يدعوه إلى المشاورة في أمر عبد الله بن الزبير، فلم يأته ابن الحنفية ولا أشار عليه بشيء، فأمسك عنه الحجاج ولم يؤذه. # ثم كتب إلى عبد الملك بن مروان يعلمه بنزوله الطائف وأن عبد الله بن الزبير قد جمع جموعا كثيرة، ثم سأله الحجاج المدد، فأمده عبد الملك بن مروان بستة آلاف أخر، منهم أربعة آلاف من أهل الشام وألفا رجل من أهل مصر، فأما أهل مصر فأقبلوا في البحر، وأقبل أهل الشام على البر. قال: ms1032 فقدمت العساكر على الحجاج وهو بموضع يقال له الهدة بين مكة والطائف (2). PageV06P338 # قال: فعندها قام الحجاج فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أعوان الحق! إن الله تبارك وتعالى قد أعزكم بالطاعة، وخصكم بها دون غيركم، وقد علمتم ما عليه عبد الله بن الزبير بن شق العصا والخلاف على أمير المؤمنين، وقد ألحق في الحرم وسفك فيه الدم، ونحن سائرون إليه غدا إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # قال: فلما كان الغد نادى الحجاج في الناس بالرحيل نحو مكة وذلك يوم الثلاثاء، وأقبل حتى نزل بالأبطح (1). وبلغ ذلك عبد الله بن الزبير، فخرج إليه في أهل مكة وغيرهم ممن بايعه قبل ذلك، ودنا القوم بعضهم من بعض، فاقتتلوا يومهم، فلما أمسوا انصرف الحجاج إلى بئر ميمون بن سعيد الحضرمي فنزل هنالك، وانصرف عنه عبد الله بن الزبير. فلما كان من الغد زحف (2) القوم بعضهم إلى بعض فاقتتلوا، ودام الحرب بينهم أياما كثيرة. # وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فكتب إلى الحجاج: أما بعد فقد بلغني ما كان من محاربتك لعبد الله بن الزبير، فإذا ورد عليك كتابي هذا فابعث إليه واسأله الدخول في طاعتي وأعطه الأمان، فإن هو قبل ذلك فاحمله إلي مكرما، وإن أبى فجد في حربه، ولا تقصرن فيما كتبت به إليك - والسلام -. # فلما ورد كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج وقرأه بعث به إلى عبد الله بن الزبير، قال: فقرأ عبد الله بن الزبير كتاب عبد الملك بن مروان، فأقبل حتى دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فأخبر بما كتب به عبد الملك بن مروان إلى الحجاج، فقالت له أمه: يا بني! إنك قد ناديت القوم بالمنافرة وأسرعت لهم المدافعة، وغير هذا كان أخصب جنابا لعيشك، فأما إذ كنت لا تريد أن تكون ذنبا لبني أمية فاجعل الثقة بالله حشو قلبك ولا تحتجرن على بغي يوبقك مصدره - والسلام -. قال: فقال عبد الله: أحسنت يا أماه! وفقك ms1033 الله وسددك، فقد # PageV06P339 # قدحت عن شعل الحزم لما جعل الله عندك من وفور البصيرة، أما إنهم لو كانوا يطلبون مني ما يطلبون لإصلاح الأمة وتثبيت الألفة إذا لأجبتهم إلى ما يريدون ولو كان فيه موتي وفرجي وذهاب نفسي، ولكني رأيتهم قد شنوا علي مغار التعدي وسعوا إلي في سنن الظلم والعدوان، وفي موادعتي إياهم ذم العرب وعار الأبد، ولكني أقاتلهم في الله محتسبا، فإن أبلغ بقتالي إياهم ظفرا فذاك الذي أريد، فإنما طلبت العدل للرعية، وإن تؤخرني الأسباب فلا أكون صريع الارتياب. # قال: وعلم الحجاج أن ابن الزبير ليس يجيبه إلى شيء، فأمر أصحابه فتفرقوا عليه من كل وجه: من ذي طوى، ومن أسفل مكة، ومن قبل الأبطح، فاشتد الحصار على عبد الله بن الزبير وأصحابه، فنصبوا المجانيق (1) وجعلوا يرمون البيت الحرام بالحجارة، وهم يرتجزون بالأشعار (2). قال: وجعلت الحجارة لا تهد لكنها تقع في المسجد الحرام كالمطر، وكان (3) رماة المنجنيق إذا هم ونوا وسكتوا ساعة فلم يرموا يبعث إليهم الحجاج فيشتمهم ويتهددهم بالقتل، فأنشأ بعضهم يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # لعمر أبي الحجاج لو خفت ما أرى * من الأمر ما أمست تعذلني نفسي إلى آخرها. قال: فلم يزل الحجاج وأصحابه يرمون بيت الله الحرام بالحجارة حتى انصدع الحائط الذي على بئر زمزم عن آخره. قال: وانتقضت الكعبة من جوانبها. قال: ثم أمرهم الحجاج فرموا بكيزان النفط والنار، حتى احترقت الستارات كلها فصارت رمادا، والحجاج واقف ينظر في ذلك كيف تحترق الستارات، وهو يرتجز ويقول: # أما تراها ساطعا غبارها * والله فيما يزعمون جارها فقد وهت وصدعت أحجارها * ونفرت منها معا أطيارها وحان من كعبته دمارها * وحرقت منها معا أستارها لما علاها نفطها ونارها # PageV06P340 # قال: فلما نظر عبد الله بن الزبير إلى ما نزل ببيت الله الحرام خرج إلى القوم في أصحابه، فجعل يقاتل حتى قتل من القوم جماعة، ثم حمل عليه أصحاب الحجاج حتى ألجأوه إلى المسجد الحرام، وأمر الحجاج فأخذت الأبواب على عبد الله بن الزبير. # قال: فعندها التفت عبد ms1034 الله بن الزبير إلى أصحابه وهم أقل من ثلاثمائة رجل فقال: من منكم يكره الموت فليلحق بالقوم وهو في حل من بيعتي! فقال له عبد الله بن مطيع العدوي: لا والله ما كنت أفعل ذلك ولم يتحدث العرب عني بهذا أبدا فقال له عبد الله بن الزبير: وصلتك رحم يا بن أخ. قال: ثم أقبل عليه عبد الله بن عمير الليثي فقال: يا بن حواري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! لا والله! لا كان ذلك أبدا. # قال: فعندها خرج عبد الله بن الزبير إلى القوم فجعل يحمل عليهم، فقتل الواحد بعد الواحد قتل منهم جماعة، وقتل من أصحابه أيضا كذلك. قال: وجعل عبيد الله بن مطيع يكر على أصحاب حجاج وهو يرتجز ويقول: # أنا الذي فررت يوم الحرة * والألح لا يهرب (1) إلا مرة ما أحسن الكرة بعد الفرة * وأقبح الفرة بعد الكرة (2) قال: فلم يزل القوم على ذلك حتى أمسوا، وأمر الحجاج أصحابه أن لا يزالوا عن أبواب المسجد وأن يحرسوا عبد الله بن الزبير لكيلا يهرب. قال: وجعل عبد الله بن الزبير يطوف ليلته تلك بالبيت الحرام، وأخوه عروة يطوف معه وهو يقول: يا أمير المؤمنين! أنشدك الله في نفسك أن تتلفها، فقد قضيت ما عليك، وقد قاتلت حتى أبليت عذارا. قال: وعبد الله بن الزبير ساكت (3) لا يجيبه بشيء، حتى إذا أسفر الصبح تقدم إلى المقام فأذن وصلى بمن بقي معه من أصحابه فقرأ بهم الركعة الأولى بأم الكتاب وسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بأم الكتاب وسورة الإخلاص (4). # فلما انفتل من صلاته وثب فخرج من باب المسجد مناوشا لأصحاب الحجاج # PageV06P341 # حتى دخل على امرأتيه فودعهم، ثم خرج من عندهم يريد إلى أمه ليودعها، فإذا بها قد استقبلته ومعها درج فيه حنوط وطيب وكافور، فلما نظر إليها دنا فقبل بين عينيها، ثم بكى إليها وعزاها وصبرها، فقالت له: يا بني! اجمع عليك ثيابك، واشدد عليك إزارك وأعقد تكتك إلى ورائك، ولا تجمع على نفسك أمرين، الظفر ms1035 بدمك والجدل بجزعك، ولكن عليك بالصبر، فإنه من شيم آبائك. قال: فتبسم عبد الله بن الزبير ثم قال: الحمد لله الذي وهب لك يا أماه بجميل الصبر ما أرى أنهم يقتلونني فيما قد شحنت صدورهم خنقا وتركت جموعهم فرقا (1). # قال: ثم ودعها وأقبل إلى المسجد الحرام، فإذا القوم قد استقبلوه بالسيوف والرماح، فحمل عليهم حملة فكشفهم، ثم دخل المسجد الحرام واجتمع (2) إليه أصحابه، ودخل (2) إليه أصحاب الحجاج من جميع أبواب المسجد، فلم يزل يقاتلهم حتى بقي في سبعين رجلا، ثم قاتلهم حتى بقي في ثلاثين رجلا (3). قال: وتكاثروا عليه من كل جانب، واعتوره رجلان من أهل الشام، فضربه أحدهما بسيفه فأوهنه، وضربه الآخر على رأسه فسقط، وتكاثرت عليه السيوف حتى قتل (4). قال: وكبر أصحاب الحجاج بقتله، فسمعت أمه التكبير فقالت: قتل والله ابني عبد الله! فإنا لله وإنا إليه راجعون، فقد أحسن ابني حين لم يعط بيده ولم يبع القوم دينه. قال: وحمل أصحاب الحجاج على من بقي من أصحاب عبد الله بن الزبير، فقتلوا عن آخرهم في المسجد الحرام، ثم جزوا بأرجلهم حتى أخرجوا عن المسجد سحبا، وأمر بعبد الله بن الزبير فصلب منكسا وأمر برأسه فحمل إلى عبد الملك بن مروان، وكتب إليه يخبره بالخبر على جهته. # قال أهل العلم: فكان مقتل عبد الله بن الزبير يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى (5) سنة ثلاث و [سبعين، وله نيف و -] سبعون سنة (6) - # PageV06P342 # والله أعلم. وأقبل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم حتى وقف حذاء عبد الله بن الزبير، فنظره مصلوبا منكسا فتأمله ساعة وبكى واستغفر له وقال: والله يا ابن الزبير لئن علتك رجلاك اليوم فطال ما قمت عليها في ظل الليل بين يدي ربك، وإني لأسمع قوما يزعمون أنك شر هذه الأمة، ولقد أفلحت أمة أنت شرها. # قال: وانصرف عبد الله بن عمر إلى منزله، وأقبلت إليه أمه في اليوم الثالث حتى وقفت قبالته ثم بكت وقالت: اللهم! إني راضية عنه فارض ms1036 عنه، ثم أقبلت حتى دخلت على الحجاج (1) فوقف عليه ثم قالت: يا حجاج! أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال الحجاج: أما روحه فإلى مالك، وأما جثمانه ففي طريق البلاء. # فقالت: كذبت يا حجاج! إن الله تبارك وتعالى في ذلك أعدل من أن يجمع على ابني سيف القاسطين وثأر الظالمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يكون في أمتي رجلان: # أفاك ومبير (2)، فأما الأفاك فصاحبك عبد الملك بن مروان، وأما المبير فأنت يا حجاج! فقال: صدقت يا أسماء أنا مبير المنافق، فقالت: علمك شاهد عليك! # ثم ولت وهي باكية، فرق لها الحجاج وأمر بابن الزبير فنزل عن خشبته وحمل إليها، فأمرت به فصب عليه الماء وحنط وكفن وصلي عليه ودفن. # قال: وهرب عروة بن الزبير من الحجاج فصار إلى عبد الملك بن مروان مستأمنا إليه فآمنه وأكرمه، وبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد يا أمير المؤمنين! فإن عامة أموال عبد الله بن الزبير عند أخيه عروة وقد التجأ إلى أمير المؤمنين، ولست أقدر على شيء من أموال عبد الله إلى أن يوجه لي أمير المؤمنين بعروة من الزبير - والسلام -. قال: فهم عبد الملك بن مروان أن يسلم عروة بن الزبير إلى الحجاج (3)، ثم إنه استحيا من ذلك وتذمم أن يكون يسلم رجلا قد التجأ إليه، # PageV06P343 # فكتب إلى الحجاج أن لا سبيل لك على عروة فإني قد أمنته على نفسه وماله وأهله وولده فلا تعاودني في أمره بعدها - والسلام -. قال: فأمسك عنه الحجاج وجعل يتبع أموال عبد الله بن الزبير حتى احتوى على أمواله بأجمعها. # ثم كتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بأن الكعبة قد انتقض بعضها لما أصابها من حجارة المجانيق، وقد كنت هممت على بنائها، فلم أحب أن أقدم على شيء من أمرها دون أن أستطلع رأي أمير المؤمنين. قال: فلما ورد كتاب الحجاج على عبد الملك بن مروان دفع إليه ما أحب من الأموال، وكتب إلى الحجاج: إني قد بعثت ms1037 إليك بأخي عبد الله بن مروان ليكون هو الذي يتولى أمر الكعبة، فإن الكعبة لا يبنيها ولا يتولى أمرها إلا قرشي، فإذا قدم عليك فقم معه وأعنه، وإن احتاج إلى شيء من المال فادفع إليه، واضمم إليه جماعة من مشايخ قريش من أهل مكة ليقوموا معه في بناء الكعبة - والسلام -. قال: وقدم عبد الله (1) بن مروان ثم إنه أمر بهدم الجانب الذي يلي زمزم وما يليه إلى الركن اليماني، فهدم ذلك الجانب كله إلى آخره (2)، وأخذ الناس في البناء فكانت الحجارة كلها لا يحملها إلا مشايخ قريش، وهم الذين يبنون البيت والحجاج واقف يأمر وينهي، حتى إذا فرغ من بناء الكعبة وغلق عليها بابها وألبست الكسوة، انصرف عبد الله بن مروان إلى الشام، وأقام الحجاج بمكة ينتظر أمر عبد الملك بن مروان. ### | ذكر محمد ابن الحنفية رضي الله عنه وعبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف قال: وإذا كتاب عبد الملك بن مروان قد ورد على محمد ابن الحنفية: أما بعد! فإذا أتاك كتابي وبلغك رسولي فأخرج إلى عاملي الحجاج بن يوسف فبايعه واستقم، فإن الناس قد بايعوا واستقاموا، فإن فعلت ذلك منعت مني مالك وأهلك وولدك، وإلا فو الذي لا إله إلا هو لئن أنت أبيت وتربصت وارتبت وقدمت رجلا وأخرت أخرى لأسقيتك بكأس ابن الزبير ولأنزلنك بالمنزلة التي أنزلت بها نفسك - والسلام -. # PageV06P344 # قال: [فكتب -] (1) إليه ابن الحنفية: أما بعد! فقد أتاني كتابك ترعد لي وتبرق، وتذكر أن الناس قد بايعوا واستقاموا، وإنه لم يكن من شأني أن أبايع أحدا حتى يجتمع الناس على رجل واحد، كنت أنت أم غيرك، وأيما واحد من الناس رضوا به بايعته، وإلا فهذا مكاني حتى يحكم الله بيني وبين من أرادني بسوء وهو أحكم الحاكمين، وأما ما ذكرت أنك تسقيني بكأس ابن الزبير إن أنا لم أستقم ولم أبايع، فإن ذلك ليس إليك ولا بيدك، إن لله تعالى في كل يوم ثلاثمائة لمحة يحيي ويميت، ويعز ويذل، ويرفع ويضع، ويفعل ما يشاء ويحكم ms1038 ما يريد، وقد رجوت أن يلحقك بعض لمحاته فيرد عني كيدك وبغيك وظلمك - والسلام (2) -. # قال: فلما ورد كتاب محمد ابن الحنفية على عبد الملك بن مروان غضب لذلك، ثم استشار أهل الشام في قتله، فكل أشار عليه بذلك. قال: واتقى ابن الحنفية وخشي أن يكتب إلى الحجاج فيأمره فيه بأمر، ولم يجد من البيعة لعبد الملك بن مروان بدا، فعزم على الكتاب إليه في ذلك. ### | ذكر كتاب محمد ابن الحنفية إلى عبد الملك بن مروان # قال: فدعا ابن الحنفية برجل من شيعته يكنى أبا عبد الله ويعرف بالجدلي وكان من خيار شيعته، فكتب معه كتابا إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد! فإني لما رأيت هذه الأمة قد اختلفت نيتها، وضيعت دينها، وسفهت أحلامها، ونبذت علم كتاب الله ربها، وسفكت دماءها بغير حق، اعتزلتهم إلى البيت الحرام الذي من دخله كان آمنا، لأمنع بذلك دمي من الجهال والضلال والظالمين وكل جبار عنيد لا يؤمن بيوم الحساب، وتركت الناس أشياعا وأحزابا، كل يعمل على شاكلته، والله يقضي بالحق ويحكم يوم القيامة بين الخلق، فيجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وقد كان من رأيي ورأي من اتبعني واقتدى برأيي أن لا يجتمع بأحد اختلف (3) الناس عليه، ولا يخالف أحدا اجتمع (4) الناس له، وقد رأينا # PageV06P345 # أن قد اجتمع (1) الناس لك ونحن عصابة قليلون، وقد بعثنا إليك رسولا ليأخذ منك أمانا وعلى الوفاء لنا بذلك عهدا وثيقا فإن أجبت إلى ذلك كنا إليك سراعا، وإن أبيت فأرض الله واسعة، ولمن اتقى تكون العاقبة، وقد أردت بهذا الكتاب اتخاذ الحجة عليك، وفقنا الله وإياك لمراشد الأمور - والسلام -. # قال: فمضى رسول ابن الحنفية إلى عبد الملك بن مروان، وإذا رسول الحجاج قد أقبل إلى ابن الحنفية أن هلم فبايع! وإلا ألحقتك بمن قد علمت - والسلام - قال: فأرسل إليه ابن الحنفية: إني كتبت إلى عبد الملك بن مروان كتابا وأرسلت إليه رسولا ليأخذ لي منه أمانا، وإنما انتظاري لجواب الكتاب، ثم البيعة إذا أعطاني ms1039 ما سألت - والسلام. قال: فأرسل إليه الحجاج: يا بن الحنفية! وتشترط على أمير المؤمنين الشروط! والله لتبايعن طائعا أو كارها وإلا ألحقتك بابن الزبير. # قال: فكره ابن الحنفية أن يبايع الحجاج من قبل أن يقدم إليه رسول بالأمان من عند عبد الملك بن مروان وقال: ولج الحجاج في أمره حتى اتقاه ابن الحنفية على نفسه (2)، وأقبل عبد الله بن عمر بن الخطاب حتى دخل على الحجاج فقال: أيها الأمير! ما تريد من هذا الرجل؟ فوالله إنه لخير فاضل، وما أعلم في زمانه رجلا (3) مثله ولا أزكى على الله أحدا، فكف عنه أيها الأمير! فإنه قد كتب إلى ابن عمه كتابا وإنما ينتظر الجواب ثم يبايع. قال: فكف عنه الحجاج، وإذا بأبي عبد الله الجدلي قد أقبل بالجواب من عبد الملك بن مروان: أما بعد! فقد قدم رسولك بكتابك، فقرأته وفهمت ما ذكرت فيه وما نويت بذلك، وأنت لعمري عندنا البر المحمود، فأقبل إلينا آمنا مطمئنا مأمونا حبيبا قريبا، ولك بذلك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأشد ما أخذ الله على أنبيائه ورسله من العهود والمواثيق المؤكدة الغليظة أنك لا تهاج ولا تؤذي في سلطاننا أبدا ما بقيت أنت ولا أهلك ولا ولدك ولا أحد من # PageV06P346 # أصحابك شاهدا ولا غائبا، ولا يبدو لك منا شيء من المكروه، ولعمري! لئن نحن ألجأناك إلى الذهاب في الأرض الواسعة فقد ظلمناك وجفوناك وقطعنا رحمك، وما أنت لذلك بأهل لفضلك وإسلامك وحقك وقرابتك، فهلم إلي حين تقرأ كتابي إن شئت ذلك إلى الرحب والسعة والأثرة وحسن المنزلة - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # قال: وجعل عبد الملك بن مروان يقول لمن عنده: وما سبيلنا على ابن الحنفية، فقد والله سلم وغنم، ودارت لنا رحاها واضطرب بنا أمواجها. # قال: فلما ورد كتاب عبد الملك بن مروان على ابن الحنفية وقرأه، أقبل إلى الحجاج فبايع لعبد الملك بن مروان. # ثم تهيأ الحجاج للرحيل إلى الشام إلى عبد الملك بن مروان، واستخلف على ms1040 مكة رجلا من قبله ثم تجهز، وخرج معه ابن الحنفية، فقال الحجاج: يا بن الحنفية! انظر إذا قدمت على أمير المؤمنين أن تثني علي بما رأيت مني! فقال: # أفعل ذلك إن شاء الله تعالى. # قال: فلما قدم الحجاج على عبد الملك بن مروان ومعه ابن الحنفية دخل الحاجب فأعلمه بذلك، قال: فأذن عبد الملك بن مروان لمحمد ابن الحنفية قبل الحجاج فدخل، فلما رآه عبد الملك بن مروان قال: مرحبا بك وبقرابتك وبحقك! # إلى ههنا إلى ههنا! ثم أدناه وأجلسه معه على سريره، وأقبل عليه يسأله ويحدثه ساعة، ثم أذن للحجاج بعد ذلك فدخل، فلما نظر ابن الحنفية جالسا مع عبد الملك بن مروان حسده على ذلك وشق عليه ما رأى من إقبال عبد الملك بن مروان عليه، فقال: يا أمير المؤمنين! والله لقد أردت أن أضرب عنقه لو لا ما كنت قدمت إلي فيه، فقال له ابن الحنفية: أما والله يا حجاج! فبذراعك وعدتك وباعك وقوتك ورهطك فلا، وكان مثلك الذي يقدر على مثلي دون أن تراق الدماء، ولكن بذراع هذا وقوته وسلطانه نلت ما نلت. فقال عبد الملك بن مروان - رحمه الله -: صدقت! لعمري هو كما تقول يا أبا القاسم! ثم أقبل عبد الملك بن مروان على الحجاج فقال: مهلا يا حجاج! لا تسمعن أبا القاسم بعدها سوءا فلست له بكفء! فقال ابن الحنفية: أريد منك يا أمير المؤمنين أن ينزع عني سلطانه، فلا يكون لمثله علي سلطان! فقال عبد الملك بن مروان: لا سلطان له ولا لأحد من PageV06P347 # الناس عليك دوني، ولك في كل سنة إلى رحلة، ليس عليك فيها أميرا ولا مأمور، ولا تسألني حاجة إلا قضيتها لك، ورأيت ذلك لك علي غنما وحقا واجبا. # قال: ثم أمر له عبد الملك بن مروان في وقته بثلاثمائة ألف درهم، فأخذها وفرق على أصحابه منها مائة ألف درهم، ووجه بمائتي ألف إلى مكة والمدينة، فقسمت هنالك في أهل بيته وأقر بائه وسائر أولاد المهاجرين والأنصار، ثم إنه استأذن ms1041 عبد الملك بن مروان بعد ذلك بالانصراف إلى المدينة! فإذن له في ذلك وأحسن جائزته، ووصله أيضا بمال جزيل يزيد على مائتي ألف درهم. قال: فسار محمد ابن الحنفية في أصحابه حتى قدم المدينة سالما مغبوطا فرحا مسرورا، فلم يزل مقيما بها. قال: واستوت البلاد كلها لعبد الملك بن مروان. ### | ذكر ملك عبد الملك بن مروان وأخباره وما كان منه بعد أن استوسقت له الأمور # قال: فلما استوسق الأمر لعبد الملك بن مروان ودان (1) له الناس بالسمع والطاعة ولم يكن أحد يناويه، دعا برجل يقال له أمية بن عبد الله بن خالد القرشي فعقد له عقدا وولاه بلاد خراسان (2)، ودعا بخالد بن عبد الله بن [خالد بن -] أسيد القرشي فعقد له عقدا وولاه العراقين: البصرة والكوفة. # قال: فسار أمية بن عبد الله بن خالد حتى دخل بلاد خراسان من قبل عبد الملك بن مروان. قال: وكان أمية بن عبد الله سخيا جوادا، وهو الذي يقول فيه نهار بن توسعة الشاعر هذه الأبيات: # أمية يعطيك اللهي إن سألته * وإن أنت لم تسأل أمية أضعفا ويعطيك ما أعطاك جذلان ضاحكا * إذا عبس الكز اللئيم وقفقفا يرى الجود دوما سنه بمدامه * فلا يتبع المعروف منا ولا خفا هنيئا مريئا جود كف ابن خالد * إذا الباخل الكفين أعطى تكلفا # PageV06P348 # قال: فدخل أمية بن عبد الله أرض خراسان وبها يومئذ رجل يقال له بكير بن وشاح التميمي متغلبا عليها. ### | ذكر بكير بن وشاح التميمي وأمية بن عبد الله ابن خالد وبحير (1) بن الورقاء # قال: فلما بلغ بكير بن وشاح قدوم أمية بن عبد الله عاملا على بلاد خراسان ذلك عليه واتقاه على نفسه. قال: وكان في سجنه ابن عم لعبد الله بن خازم السلمي يقال له بحير بن ورقاء، فكأنه أحب أن يصالحه ويستظهر به على أمية بن عبد الله، فأرسل إليه أني إنما كنت حبستك على الظن والتهمة، والآن فقد أحببت صلحك على أن يكون أمري وأمرك واحدا، وتكون أيدينا واحدة على كل من ms1042 ناوانا ووافانا وأراد زوال النعمة عنا! قال: فأبى بحير بن ورقاء أن يصالحه (2)، فأقبل ضرار بن حصين (3) الطائي حتى دخل على بحير بن ورقاء وهو في السجن فقال له: يا هذا! # والله ما رأيت أحدا يحب أن ينسب إلى الحمق والعجز سواك، يدعوك بكير بن وشاح إلى الصلح ويتنصل إليك من ذنبه فتأبى عليه! والله لو بعث إليك فقتلك لما انتطحت فيك عنزان، يا هذا! صالح ابن عمك، واخرج من سجنك، وأنت على رأس أمرك، فو الله لأنت حيا خير من أن تكون ميتا. قال: فقبل بحير بن ورقاء مشورة الطائي وصالح بكير بن وشاح وخرج من سجنه، وأعطاه بكير بن وشاح أربعين (4) ألف درهم، وحلفه أن لا يخونه ولا يغتاله ولا يكون في نفسه من بكير إلا الخير. # قال: وقدم أمية بن خالد بن عبد الله خراسان فنزل مدينة مرو، ثم إنه جعل بكير بن وشاح خليفته وصاحب أمره (5)، وجعل بحير بن ورقاء على شرطته. ثم خرج غاديا حتى بلغ تخوم الترك (6) فقاتل وقتل وغنم، ثم إنه انصرف راجعا وبكير بن # PageV06P349 # وشاح على مقدمته. قال: فسبقه بكير بن وشاح فدخل فتحصن بها مخالفا عليه، قال: وأقبل أمية بن عبد الله وقد أنكر ذلك من فعل بكير حتى صار إلى مدينة مرو، فمنعه بكير بن وشاح أن يدخلها. قال: فأقام أمية على باب مرو أربعة أشهر لا يقدر على الدخول إلى مرو لحصانتها. قال: ثم دخلت السفراء بينهم بالصلح، فصالحه أمية على أن يعطيه مائتي ألف درهم وعلى أن يسوغه ما أخذ من أموال خراسان قبل ذلك. قال: ففتح بكير بن وشاح باب مدينة مرو، فدخلها أمية بعد أربعة أشهر وفي قلبه من بكير بن وشاح ما في قلبه. # قال: وأقبل إليه صاحب شرطته بحير بن ورقاء فقال: أيها الأمير! إن بكير بن وشاح فعل ما فعل، والآن يريد أن يخرج عليك، فكن منه على حذر؟ قال: فكأن أمية لم يصدق ذلك، ثم أرسل إليه الدسس واستبحث واستخبر فإذا الأمر ms1043 على ما قاله بحير بن ورقاء. قال: فدعا أمية ببكير بن وشاح هذا، فقال له: يا عدو نفسه! # أكلت أموال خراسان هذه المدة وأمير المؤمنين عنك مشغول بآل الزبير، ثم إني قدمت هذا البلد وقدمتك ورفعت قدرك، وجعلتك خليفتي وصاحب أمري، وجعلت جيشي تحت يديك، ثم إنك غدرت وتحصنت بمدينة مرو وأنا على بابها أربعة أشهر، ثم إني صفحت عنك وسوغتك ما أكلت وأخذت من أموال خراسان، ودفعت إليك مائتي ألف درهم، والآن تريد أن تخرج علي! قال فقال بكير: أصلح الله الأمير، مكذوب علي، ما أعلم من هذا شيئا! قال: فأقام عليه أمية البينة بذلك، ثم قال: من يقوم إليه فيضرب عنقه؟ فقام بحير بن ورقاء فقال: أيها الأمير! أنا أستحل دمه، فإنه رجل فاسق غدار، وهو الذي قتل ابن عمي عبد الله بن خازم السلمي! قال أمية: فدونك إياه إذا. قال: فضرب بحير بن الورقاء بيده إلى سيفه فاستله، فقال له بكير بن وشاح: لا تقتلني أنت ودع الأمير، كيف فإنك مطالب بدمي! فقال له بحير: أنت إنما تقول هذا من جزع القتل، فقال له بكير بن وشاح: # ستعلم ذلك عن قريب يا بحير! فقدمه بحير بن الورقاء فضرب عنقه صبرا، ثم أنشأ يقول: # يظن بكير أن ما في أضالعي * من الحقد يمحوه الكسا والدراهم وإني سأغضي عن أمور كثيرة * وقتل فتى آذاه ذو الفضل خازم PageV06P350 # فلست بخير يا بكير وخيره * لئن لم تقم يوما عليك المآتم على بطل قد فلق السيف رأسه * صريع نجيع تعتريه القشاعم قال: واحتوى أمية بن عبد الله على أموال بكير بن وشاح وقليلاه فاختاره لنفسه، وأقام في بلاد خراسان ليس أحد ينازعه في سلطانه، وجعل يغزو أطراف خراسان غزوا متداركا، فكلما فتح فتحا أو أصاب نفلا أخرج منه الخمس فوجه به إلى عبد الملك بن مروان وقسم باقي ذلك في أصحابه، حتى استقل وكثرت عنده الأموال، فأحب الراحة والرفاهية وترك الغزو، ولم يغز (1) أحدا، وأضر ذلك بأهل خراسان، فكتب بعض الأجناد إلى ms1044 عبد الملك بن مروان بكتاب يخبره فيه بقعود أمية بن عبد الله عن الغزو، وأثبت في آخر كتابه هذه الأبيات: # أضاع أمير المؤمنين ثغورنا * وأطمع فينا المشركين ابن خالد وبات على لين الحشايا منعما * يلاعب أمثال الدمى في المجاسد وليس أخو الهيجاء من بات آمنا * وأضحى بطينا همه في الثرائد ولكن أخوها من يبيت مشمرا * يناجي هموما قائما غير قاعد قال: فلما قرأ عبد الملك بن مروان كتاب أهل خراسان هم أن يعزل أمية بن عبد الله عن خراسان، ثم إنه لم ير ذلك رأيا، فكتب إليه يعذله على قعوده عن الجهاد ويحضه على قتال العدو، وأعلمه في كتابه إن هو لم يغز بالمسلمين يعزله ويستبدل به غيره. قال: وكان أمية يغير بالناس أيام الصيف والربيع، ويريحهم في أيام الشتاء والخريف، فلم يزل على ذلك من شأنه حينا من دهره متمسكا بخراسان إلى وقت عزله، وسنرجع إلى خبره بعد هذا إن شاء الله تعالى. ### | ذكر الجزيرة وأرمينية وأذربيجان وما كان بها من الحروب # قال: ثم دعا عبد الملك بن مروان بأخيه محمد بن مروان، فعقد له عقدا وولاه الجزيرة وبلاد أرمينية وأذربيجان، وضم إليه جيشا كثيفا. قال: فخرج محمد بن مروان من بلاد الشام في جيشه ذلك ومعه مسلمة بن عبد الملك بن مروان حتى نزل أرض الجزيرة، ثم دعا برجل من أصحابه يقال له عبيد الله بن أبي شيخ # PageV06P351 # العوي (1) فضم إليه عشرة آلاف رجل من أهل الشام وأمره بالدخول إلى بلاد أرمينية لمحاربة من بها من الخزر وأصناف الكفار. # قال: فسار عبد الله (2) بن أبي شيخ في جيشه ذلك حتى دخل بلاد أرمينية، وعلم أهل البلد بذلك، فاجتمعوا على المسلمين في خلق كثير يزيدون على مائة ألف، فقتلوهم عن آخرهم حتى ما انفلت منهم أحد، ثم احتووا على أموالهم وأسلحتهم، وما كان لهم من شيء فأخذوه. # قال: وبلغ ذلك محمد بن مروان، فاغتم لما قد نزل بالمسلمين وضاق به الأمر، ثم نادى في الناس وسار بنفسه في أربعين ms1045 ألفا، حتى إذا توسط بلاد أرمينية اجتمعت الروم والأرمن في جمع عظيم، فقاتلهم محمد بن مروان أشد القتال حتى خشي الفضيحة والغلبة لكثرة ما اجتمع عليه من الكفار، ثم إن الله تعالى هزم المشركين وأمكن بالمسلمين من أكنافهم، فقتلوا منهم بشرا كثيرا وسبوهم، واحتووا على بلادهم وأموالهم. قال: ثم أرسل محمد بن مروان بعد ذلك إلى ساحاتهم وأحرارهم (3) فوعدهم من نفسه الرضا وأنه يعطيهم ما يريدون ويولي عليهم من يحبون، فلم يزل كذلك حتى اطمأنوا إليه ووثقوا بناحيته ثم اجتمعوا إليه، فصالحهم على أمر من الأمور أرضاهم به، ثم قال: إني لست أثق بكم ولكن ادخلوا إلى كنائسكم هذه واحلفوا لي فيها بما أخلفكم أنكم لا تغدرون! ثم أعطوني بعد ذلك الرهائن وانصرفوا إلى بلادكم! قال: فأجابوه إلى ذلك، ثم دخلوا الكنائس ليحلفوا، فلما علم أنهم صاروا بأجمعهم في الكنائس أمر بأبوابها فأغلقت عليهم، ثم ضربت الكنائس وما فيها بالنار والنفط، فسميت تلك الكنائس المحترقة إلى يومنا هذا (4). # قال: ثم دعا محمد بن مروان بابن أخيه مسلمة بن عبد الملك فضم إليه جيشا وأمره بالمسير إلى مدينة الباب لمحاربة الخزر الذين بها، وبها يومئذ نيف على ثمانين ألفا من الخزر، قال: فسار مسلمة في جيشه ذلك حتى نزل على مدينة الباب، # PageV06P352 # فجعل مسلمة يحاربهم أياما كثيرة وليال، وهو في ذلك لا يقدر عليها ولا يطمع فيها لحصانتها ووثاقة سورها، لأن سورها إنما كان من بناء أنو شروان بن قباذ بن فيروز ملك فارس مما يبنى في الدهر الأول. # قال: فبينا مسلمة كذلك وإذا برجل من الخزر قد أقبل إليه خوفا على نفسه وأهله وولده، فقال: أيها الأمير! إني قد أقبلت إليك راغبا في دينك، أريد الدخول في الإسلام على أن تجعل لي معاشا أعيش به أنا وعيالي وأدلك على موضع تدخل منه أصحابك إلى هذه المدينة! قال: فضمن له مسلمة أن يعطيه ما أراد، فأسلم الخزري ووجه معه مسلمة بألف رجل من أشد أصحابه، وذلك في أول الليل. # قال: وجعل ms1046 (1) أصحاب مسلمة يسيرون وذلك الخزري بين أيديهم حتى صعد بهم الجبل من ناحية الوادي، ثم أحدر هم إلى موضع من السور قد كان (2) أهل الباب آمنون من ذلك الموضع، لا يخافون أن يؤتون منه. قال: فجعل الخزري يداخل الرجل بعد الرجل من المسلمين حتى أدخل بعضهم. قال: وبادرتهم أهل الباب من داخل المدينة ووقعت الصيحة فاجتمعوا على المسلمين، واقتتل الناس في ليلتهم تلك قتالا شديدا حتى كاد يسمع وقع السيوف على البيض والدرق كوقع الحديد بعضه على بعض، حتى إذا كان وقت السحر رفع المسلمون أصواتهم بالتكبير، وصاح رجل من عسكر مسلمة: ألا إنه الظفر ورب الكعبة! قال: وركب مسلمة في المسلمين ليعينوا إخوانهم، وفتحت الخزر بابا من أبواب المدينة وخرجوا هاربين على وجوههم، وصارت المدينة ونساؤهم في أيديهم وأولادهم. # قال: وعزم مسلمة على هدم سور المدينة، فقال له بعض أصحابه: لا تهدم هذا السور، فلعلنا نحتاج إلى هذه المدينة فتريد أن تكلفنا بناء هذا السور بالمؤنة الكثيرة، ولعلنا لا نبلغ من إحكامه ما نريد! فقال مسلمة: صدقت، ولكني حلفت أن أهدمه ولا بد لي من ذلك! فقال: فأهدم بعضه واترك بعضه، قال: فأمر مسلمة بهدم بعض السور لمكان يمينه. # PageV06P353 # ثم رحل بالمسلمين حتى صار إلى عمه محمد بن مروان بالغنائم الكثيرة، ومحمد بن مروان يومئذ في وسط بلاد أرمينية. قال: وجاءت الخزر ثانية حتى نزلت مدينة الباب كما كانت من قبل، وأقام محمد بن مروان بأرض أرمينية ضابطا لها وقد أذل من بها من الكفار ومعه ابن أخيه مسلمة بن عبد الملك، فلم يزالوا هنالك إلى وقت من الأوقات - وسنرجع إلى خبرهم إن شاء الله تعالى -. ### | ثم رجعنا إلى خبر الأزارقة # قال: ثم كتب عبد الملك بن مروان إلى خالد بن عبد الله بن أسيد (1) وهو أمير العراقين فأمره أن يوجه المهلب بن أبي صفرة إلى حرب الأزارقة. قال: فعزم خالد بن عبد الله على حرب الأزارقة، وبلغ ذلك قطري بن الفجاءة صاحب الأزارقة، فقام فهم خطيبا وقال: يا ms1047 معاشر المهاجرين! إنه قد صار أمرنا إلى ما كنا عليه، وقد كان الناس في المهابة على ما كانوا عليه. فقال له عبيدة بن هلال: يا أمير المؤمنين! أولا تخاف يوما مثل يوم عبد الله (2) بن ماحوز؟ فقال قطري: إننا نخاف ولكن مع الخوف رجاء. قال: ثم سار من بلاد فارس حتى تقاربوا من الأهواز فجبوا الخراج وقتلوا من ناواهم وقوي أمرهم، وتسارع الناس إليهم من كل ناحية. # وأقبل وجوه أهل البصرة إلى خالد بن عبد الله بن أسيد (3) فقالوا: أصلح الله الأمير! إن المهلب بن أبي صفرة ولي (4) نعمة أهل هذا المصر قد أمنوا به البلاء وألبسوا به العافية، وليس عليه أثار ولا له حاسد، وقد صار أمر الأزارقة إلى ما كانوا عليه بالأمس، وليس لهم غير المهلب لأنه قد ذاقهم ومارسهم في غير موطن، وهو السيف الذي لا يغمد، والحجر الدامغ لمن عند. قال فقال خالد بن عبد الله: إني # PageV06P354 # قد سمعت كلامكم وأنا نازل عندما تحبونه إن شاء الله تعالى ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # قال: فخرج (1) الناس من عنده، وأقبل خالد على من كان عنده من بني عمه فقال: ويحكم يا معشر قريش! والله لقد ذهب المهلب بحظ هذا المصر وأمير المؤمنين يظن أن أحدا لا يقوم مقام المهلب، وأيم الله لولا أني أكره أن يكون من يدي أمر يعصيه أمير المؤمنين (2) لبعثت أخي عبد العزيز إلى حرب الأزارقة! فقال له بعض بني عمه: أيها الأمير! إن أمير المؤمنين قد رأى مكان أخيك عبد العزيز فلا تعصه وابعث المهلب إلى حرب الأزارقة كما أمرت. فقال خالد بن عبد الله: حتى أنظر في ذلك. # قال: وغلبت الأزارقة على الأهواز (3) فعزم خالد بن عبد الله أنه يسير إليهم بنفسه، وأشار عليه نفر من بني عمه بذلك فقالوا: أيها الأمير! إنك إن سرت إلى الأزارقة بنفسك فهزمتهم سقطت منزلة المهلب من عيون الناس ونظر الناس إليك بعين الجلالة. # قال: فعندها عزم خالد بن عبد الله (4) على المسير إلى الأزارقة ms1048 بنفسه وأقبل إليه المهلب فقال: أيها الأمير! إنك سائر إلى هؤلاء القوم وأنا أعلم بحربهم منك، وليس لك بد من أن تحمل أموالك وسلاحك في السفن، فانظر إذا تقاربت من القوم فاعمل على أن تدخل سفنك إلى نهر الأهواز، وتخندق على عسكرك خندقا ثم تقاتلهم بخيلك ورجلك، فإن غلبتهم تقدمت، وإن غلبوك رجعت إلى خندقك. # قال: فتبسم خالد ثم قال: يا أبا سعيد! إن الأمر أسرع من ذلك وأسرع مما تذهب إليه، أتظن أني أريد أن أشتو هنالك، إنه ليس الخندق من شأني. قال: فانصرف # PageV06P355 # المهلب إلى منزله (1) وهو يقول: إني لأرى أمرا ضائعا. # قال: وجمع خالد بن عبد الله ما أراد من المال والسلاح وما يحتاج إليه من آلة الحرب، فحمل ذلك كله في السفن وعلى الظهر في الآلة والسلاح الشاك، فاقتتل القوم قتالا شديدا، وانهزم خالد بن عبد الله وسلمت سفنه بجميع ما فيها من مال وسلاح، ثم ملؤها (2) قصبا وأشعلوا فيها النار وأطلقوها، فأقبلت السفن تهوي والنار ملتهبة فيها كأنه الجبال. قال: وصاحت الأزارقة: يا خالد! يا مفلس! يا مخذول! ذهبت أموالك وبقيت فضيحتك، قال: فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (3) يقول أبياتا مطلعها: # أيا ابن أسيد لست ممن ترومهم * فخلهم من يومهم للمهلب إلى آخرها. # قال: وأقبل رجل من الأزد إلى المهلب فقال له: أبا سعيد! ما يقعدك فقد بلغت الأزارقة إلى فسطاط مازن؟ قال: فتبسم المهلب ثم قال: قد كنت أرى هذا بعينه: قال: ثم دعا المهلب بابنه يزيد، فقال له: يا بني ناد في قومك واخرج إلى القوم فإني لا حق بك إن شاء اله تعالى ولا قوة إلا بالله. قال: فخرج يزيد بن المهلب فنادى في قومه من الأزد، فأجابوه سراعا، فخرج في خمسمائة (4) رجل [من] بيته وسائر قومه، فالتقى القوم فاقتتلوا ساعة (5)، وانهزمت الأزارقة من بين يدي المهلب وأصحابه حتى صاروا إلى الأهواز فنزلوها، فأنشأ صاحبهم قطري بن الفجاءة يقول: # ألم يأتها أني لعبت بخالد * وجاوزت حد اللعب لو لا المهلب (6) وإنا أخذنا ms1049 ماله وسلاحه * وسقنا له نيرانها تتلهب فلم يبق منه غير مهجة نفسه * وقد كان منه الموت شبرا وأقرب # PageV06P356 # ولكن منينا بالمهلب أنه * رجا (1) قاتل في داخل الخلق منسب قال: فخرج المهلب إلى البصرة، فقال له خالد بن عبد الله بن أسيد: أردت أمرا كنت أولى به مني، أنت والله أعلم بحرب القوم، غير أني قد رأيت رأيا! قال المهلب: وما ذاك؟ أصلح الله الأمير! فقال: أوليك خراج الأهواز فتمضي إليها وتنفي الأزارقة عنها وتقيم بها، وأولي أخي عبد العزيز حرب القوم، فقال له المهلب: أيها الأمير! أنا لا أصلح للخراج، وأخوك عبد العزيز لا يصلح لحرب (2) الأزارقة، لأن هذا الأمر له شأن يسكع عنده الجبان ويثبت عنده الحازم. # قال: ثم وثب رجل من بني تميم يقال له سلمة بن عبد الله السعدي وكان شاعرا مجيدا، فأنشأ يقول أبياتا مطلعها: # أيا ابن أسيد وكنت امرأ * من أهل الحجاز من أهل الورع إلى آخرها. ثم أنشأ الصلتان العبدي في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # أيا ابن أسيد تبعت الهوى * وشر الفعال الهوى والمنى إلى آخرها. قال: فغضب خالد بن عبد الله من مقالة هؤلاء القوم وأبى أن يوجه إلى حرب الأزارقة إلا أخاه عبد العزيز. قال: وإنما أراد خالد بن عبد الله (3) أن يري أهل البصرة غناه عن المهلب وأن يسقط منزلته من عيون الناس، وأمره بالمسير إلى الأهواز ليجبي خراجها وينفي الأزارقة عنها. قال: وعلمت الأزارقة أن المهلب سار إلى ما قبلهم، فتنحوا من بين يديه إلى أرض فارس، ونزل المهلب بالأهواز على خراجها. # وتهيأ عبد العزيز للمسير إلى الأزارقة، فانتخب من الرجال ما أراد، وقربت أثقاله للرحيل، فأنشأ رجل من عبد القيس يقول أبياتا مطلعها: # أمامة لا تلحي فإنك مائقة * على طول ليلى من حذار الأزارقة إلى آخرها. قال: وسار عبد العزيز في جيشه ذلك (4)، وكتب خالد بن # PageV06P357 # عبد الله إلى الملك بن مروان: أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أيده الله بأن المهلب بن أبي صفرة رجل يجبي البلاد ويطاول ms1050 العدو، وقد وليته خراج الأهواز، وقد بعثت أخي عبد العزيز إلى حرب الأزارقة ومناجزتهم، وأمثال المهلب في الناس كثير. قال: فكتب إليه عبد الملك بن مروان: أما بعد فإن خطأي فيك حين وليتك أمر العراق كخطئك في عبد العزيز حيت توليته الحرب وتولي المهلب الخراج، انظر إذا ورد عليك كتابي هذا فاضمم أخاب عبد العزيز إلى المهلب، وابعث المهلب إلى حرب الأزارقة، فإنه رجل قد عرفهم وجربهم ومارسهم في غير موطن قبل هذا اليوم - والسلام (1) -. # قال: فكتم خالد بن عبد الله هذا الكتاب ولم يظهره للناس، قال: وجزع أهل البصرة من إرسال عبد العزيز إلى حرب الأزارقة وعلموا أنه لا يقوم بحربهم. قال: # وكتب عبد الله بن رفاع العامري من الشام إلى خالد بن عبد الله بهذه الأبيات: # قد أتاك الذي رأيت من الأم‍ * ر فأخطأت كل رأي سديد ليس للشام بالعراق عميد * غير شيخ يكنونه بسعيد ذاك ذاك المهلب بن أبي صف‍ * رة لا زال في العلى والمزيد ليس يدري النحوس أين رأوه * وهداه إليه سعد السعود ليس عبد العزيز قد علم النا * س كشيخ العراق يا بن أسيد ليس مثل المهلب بن أبي صف‍ * رة فينا المتوج الصنديد أجمع الناس في البلاء علي‍ * ه حين خافوا من العدو المبيد فنفاهم بالضرب في قحف الرأ * س وطعن يصمي الرشاش شديد فلئن أنت لم تعده إلى القو * فما ما تخافه ببعيد إن عبد العزيز يصلح للخف‍ * ض وقرب النساء وأكل الثريد ولجزر الجزور والعصب والري‍ * ط وذا الكبش النطاح الصيد إن يكن يهزم الكتائب بالطع‍ * ن وقرع الحديد فوق الحديد فادعون ذاك الذي منع المص‍ * ر ولم يبق غير قطع الوريد بعد أن زالت الكعاب عن الخد * ر جهارا وشاب رأس الوليد # PageV06P358 # رد عبد العزيز واستقبل الأم‍ * ر فما من أزاله برشيد قال: فبلغ هذا الشعر المهلب وكان يبعث إلى عبد الله بن رفاع هذا في كل سنة بعشرة آلاف درهم وأوصى بنيه به بعده، وكان يزيد بن المهلب يجريها ms1051 عليه إلى أن مات. # قال: وسار عبد العزيز بن عبد الله نحو الأزارقة فجعل يطوي البلاد حتى صار إلى فارس. قال: وسمعت به الأزارقة فطمعوا فيه ولم يعدوه بشيء، فسار إليه قطري بن الفجاءة وعبيدة بن هلال وعطية بن الأسود وعمرو القنا وصالح بن مخراق وعبد ربه الكبير وعد ربه الصغير، فسار إليه هؤلاء السبعة في سبعة آلاف من نخبة الأزارقة حتى صاروا إلى دار أبجرد بأرض يقال لها جور. فلما أرهجت الخيل من بعد التفت عبد العزيز إلى دهقان دار أبجرد فقال: هذه التي أراها بقر أو غنم؟ قال فتبسم الدهقان ثم قال: أيها الأمير! هذه خيل العدو، ألا تراها كأنها حبل ممدود. # قال: ودنت الخيل بعضها من بعض، فاقتتل (1) القوم ساعة، وانهزم عبد العزيز من بين يدي الأزارقة، ووضع السيف في أصحابه، فقتل منهم مقتلة عظيمة واصطلم العسكر بما فيه (2)، وأخذت امرأة عبد العزيز وهي (3) ابنة المنذر بن (3) الجارود العبدي، فأنشأ بعض أهل البصرة (4) يقول: # عبد العزيز فضحت جيشك كلهم * وتركتهم صرعى بكل سبيل من بين ذي عطش يجود بنفسه * وملحب بين الرجال قتيل وتركت قومك (5) لا أمير عليهم * فارجع بخزي (6) في الحياة طويل ونسيت عرسك إذ تقاد سبية * تبكي العيون برنة وعويل # PageV06P359 # ثم قدمت الأزارقة امرأة عبد العزيز فنودي عليها كما ينادى على الإماء، فبلغت [قيمتها] كذا وكذا ألفا، فتقدم قطري بن الفجاءة فضرب عنقها (1)، فأنشأ الصلتان العبدي يقول: # عبد العزيز فضحت جيشك كلهم * وتركتهم صرعى بكل مكان لما رأيت أبا نعامة مقبلا * يدعو عبية والرماح دواني وأخاهما عمرو القنا وفوارسا * شم الأنوف معانقي الأقران ولعبد رب في الهياج غماغم * ولصالح شغب على الفرسان أسلمت عرسك والبلاء موكل * بالقوم عند تشاجر المرآن وزعمت أنك كالمهلب نجدة * فحرمتها والبيت ذي الأركان قال: وأقبل المنهزمون (2) من أصحاب عبد العزيز حتى صاروا إلى الأهواز، وبها يومئذ المهلب بن أبي صفرة فخبروه بأمر الوقعة، فاغتم المهلب لذلك غما شديدا، ثم أمر بالجسور فقطعت خوفا من أن تدخل الأزارقة إلى البصرة. وبلغ ms1052 ذلك أهل البصرة فنزل بهم أمر عظيم من هزيمة عبد العزيز وفضيحته وقتل المسلمين، ثم خرجت رؤساؤهم إلى الأهواز إلى المهلب فقالوا له: أبا سعيد! أرأيت ما نزل بالمسلمين من هذا العدو؟ فقال لهم المهلب: قد رأيت ذلك، غير أن خالد بن عبد الله اتبع هواه وجاءني بأخيه، فولاه أمرا أعظم منه وولاني أمرا أصغر مني، وإنما أراد بذلك ما قد علم، فو الله ما ضرني ولا نفعه، ولا وضعني ولا رفعه، وإنما أراد بذلك ما قد علم، فو الله ما ضرني ولا نفعه، ولا وضعني ولا رفعه، غير أنه أهدى خطأه إلينا هذه المصيبة الذي قد استوى فيها المعزى والمعزى عليه، وقد قطعنا هذه الجسور ونحن مقيمون حتى ننظر ما يكون بعد هذا. # قال: ثم دعا المهلب رجلا من أصحابه يقال له الصعب بن يزيد الجهضمي فقال له: ويحك يا صعب! إنه قد أبطأ عنا خبر عبد العزيز، فلا ندري قتل أم أفلت؟ وأخوه خالد بن عبد الله قد شغلته الفضيحة عن طلبه (3)، ولكن احمل معك # PageV06P360 # شيئا من الكسوة وامض (1)، فلا ترجعن إلا بخبره حيث كان من أرض الله! قال: # فحمل الصعب بن يزيد ما أمر به المهلب وخرج من الأهواز، فلم يزل يسير حتى دخل أرض فارس، ثم جعل يسأل عن عبد العزيز حتى أصابه في أداني أرض جروز (2) مما يلي دار أبجرد في خرابة عند عجوز، ومعه شرذمة من أصحابه، وإذا هو جالس يوقد نارا، فلما نظر إليه الصعب بن يزيد ناداه فقال: مرحبا بالصابر المخذول! قال: فرحب به عبد العزيز ثم قال: كيف تركت أبا سعيد - يعني المهلب؟ فقال له الصعب: أبو سعيد والله كثير البكاء عليك، لائم لأخيك فيك. # فقال عبد العزيز: معك شيء من الطيب؟ قال: نعم معي طيب وكسوة. قال: # فبكى عبد العزيز ثم قال: يا صعب كان المهلب أولى مني بما أنا فيه، وكنت أحوج إلى ما في يده منه، يا صعب! النار والعار هزيمة من يدي عدو وفضيحة في حرمة، إني ms1053 لأستحيي أن أرفع رأسي إليك، قال: ثم جعل يقول: # ألم ترني والله بالغ أمره * تمنيت أمرا والأماني طوائل تمنيت ما كان المهلب ناله * وزين ذاك الجحدري مقاتل فلم آل في حرب الأزارق مثله * ولا مثله في الناس حاف وناعل أبى الله إلا أن يبين فضله * وكل سؤول كالذي قلت قائل منيت بأمر ينكس الرأس مثله * أردده في الصدر والدمع هامل قال: ثم بكى عبد العزيز وانتحب، فكساه الصعب بن يزيد ما كان معه من الثياب ودفع إليه الطيب الذي حمله له. ثم رجع إلى المهلب فأخبره بذلك. فقال المهلب: ويحك يا صعب فكيف رأيت؟ فقال: أيها الأمير! لا تسأل عن شيء، رأيته والله بشر وعر، أما النهار ففي أفنية النخل، وأما الليل ففي دهليز عجوز. فقال المهلب: والله ما أظنه يجتمع مع الناس في مجلس بعد هذه الفضيحة، فأنشأ المغيرة بن حبناء التميمي في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # قرت العين بالذي حدث الصع‍ * ب به من فضوح عبد العزيز # PageV06P361 # إلى آخرها. قال: ثم إن عبد العزيز مضى إلى مكة (1) فأقام بها حياء من الناس. # قال: واجتمعت الأزارقة وشجع بعضهم بعضا وأقبلوا يريدون البصرة، وبلغ ذلك خالد بن عبد الله أمير البصرة، فضاقت عليه الأرض بما رحبت ولم يد رما يصنع، ثم كتب إلى المهلب: أما بعد! فإني كنت عصيتك يوم الأهواز وعصيتك في عبد العزيز، وأنا أكره أن أعصيك اليوم، وليس لهذا العدو الكلب أحد سواك، وإنما تقاتل عن مصرك وتذب عن حريمك، فسر رحمك الله إلى عدوك، وأفرج هذه الغمة عن بلدك - والسلام -. # قال: فلما ورد الكتاب على المهلب وقرأه نادى في أصحابه فجمعهم إليه. ثم قال: اعلموا أنكم جندي الذي جيشكم الله لنكاية هذا العدو، ولو دخلتم البصرة لم تحشروا إلى ثانيه إلا بالسيف، وأنا أعلم إن اتصل خبر عبد العزيز بأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فإن خالدا لمعزول لا محالة (2)، وهذا عدو قد كلب علينا، وليس يجمل بنا إلا الإمساك عنه، ولكنا نسير إليه فنكفه عن ms1054 مصرنا إلى أن يأتي أمر أمير المؤمنين. قال فقال الناس: أيها الأمير! أمرك سمع وطاعة، فسر بنا رحمك الله حيث شئت. # قال: فسار المهلب من الأهواز يريد الأزارقة، وبلغهم ذلك فساروا نحوه، والتقى القوم فاقتتلوا يومهم ذلك إلى الليل ثم تحاجزوا، وبات الفريقان جميعا يحرسان بعضهم بعضا. # فلما كان من الغد وثب المهلب فعبي أصحابه ميامن ومياسر وكمناء وأجنحة، وعبت الأزارقة كذلك، ودنا الجيشان بعضهم من بعض. وخرج رجل من فرسان # PageV06P362 # الأزارقة يقال له الحصين بن مالك شاكا في سلاحه، حتى وقف بين الجمعين على فرس له أدهم الكغداف، ورفع صوته وجعل يقول أبياتا مطلعها: # إن عبد العزيز يوم جزور (1) * كان يرجو رجا المهلب فينا إلى آخرها. قال: فالتفت حبيب بن المهلب إلى رجل من أصحابه يقال له سعد بن نجد فقال له: ما ترى يا سعد؟ فقال: إن شئت كفيتك الرجل ولكنه عار عليك، لأنه قد سمى باسمك ولا أظنه يطلب غيرك، فقال حبيب: صدقت، ولا أحب أن يبارزه غيري، ثم حمل عليه حبيب والتقيا بطعنتين، طعنة في لبته طعنة فقتله. فلما قتل الحصين بن مالك جزعت الأزارقة عليه جزعا شديدا، فأنشأ عبيدة بن هلال اليشكري (2) يقول في ذلك: # قل للحصين لقد أصبت سعادة * بما كنت ما مارسته بمصيب وما كان في جمع المحلين فارس * يبارزه في النقع غير حبيب وأي امرئ يأوي الجزور بمعرك * يهاب ولكن كنت غير هيوب فيا رب يوم قد دعاني لمثلها * فلم أك فيما سألني بمجيب قال: ثم تقدم محرز بن هلال أخو عبيدة بن هلال حتى وقف بين الجمعين على فرس له وهو يقول: اللهم! إني أسألك الجنة ومرافقة أهل النهروان، ثم حمل فلم يزل يقاتل مقبلا غير مدبر حتى قتل. # قال: فدخل على الأزارقة من مقتل محرز بن هلال مدخل عظيم و [اغتموا] غما شديدا، وتقدم أخوه عبيدة بن هلال بعد ذلك حتى وقف بين الجمعين على فرس له يرثي أخاه محرزا، وهو يقول أبياتا مطلعها: # عجبت لأحداث الملاء وللدهر * وللحين يأتي ms1055 المرء من حيث لا يدري إلى آخرها (4) قال: ثم حمل عبيدة بن هلال فقاتل قتالا شديدا، واستماتت # PageV06P363 # الأزارقة بعد مقتل محرز بن هلال، فعزموا على المناجزة والقتال. قال: وثبت لهم المهلب وأصحابه إلى الزوال وصارت الدائرة عليهم، فقتل منهم بشر كثير وولوا مدبرين، واحتوى المهلب وأصحابه على كراعهم وعامة أموالهم. # واتصل الخبر بأهل البصرة فاشتدت لذلك ظهورهم، ثم وثب الأحنف بن قيس فقال: يا أهل البصرة! اشكروا الله ثم المهلب، فو الله لقد جلا الله به عنا أمرا عجز عنه القرم الحازم! والله! أن لو قلنا أن البصرة كلها للمهلب وأن الله تعالى أفاءها عليه كما أفاء غيرها على غير لصدقنا. قال: فقال (1) الناس: صدقت أبا بحر! ولن يجحد ذلك إلا عدو الإسلام، قال: فأنشأ حنظلة بن عرادة في ذلك يقول: # أقول وعيني تجتلي كل كوكب * ألا إن هذا المصر فيء المهلب نفى الذل عن أبنائنا ونسائنا * مولهة من بين بكر وثيب فلولا دفاع الله عنا لحلقت * بنا يوم جاؤوا الجسر عنقاء مغرب وقد كسفت شمس النهار وأطبقت * صبابة يوم أزرقي عصبصب فلا تكفروه واشكروه وعقبه * ولا الابن مما كان بالأمس كالأب قال: وبلغ عبد الملك بن مروان ما كان من أمر عبد العزيز وفضيحته بدار أبجر، فأقبل على جلسائه ثم قال: إن خالد بن عبد الله عصاني في الذي أمرته ولست أقدر على عقوبة له هو أكثر من عزله وفضيحته في قريش. ثم كتب إليه: أما بعد! فلو كانت عقوبتي إياك على قدر ذنبك (2) إذا لأتاك مني ما لا تقوم له ولا بقية بعده (3) ولكني جعلت عقوبتك عزلك، وذلك أني عهدت إليك في المهلب بن أبي صفرة عهدا وأمرتك بتقدمه، فلما ملكت أمرك آثرت أخاك على طاعتي، وإني الآن قد وليت بشر بن مروان ما في يدك من العمل، فسلمه إليه - والسلام -. ### | ذكر ولاية بشر بن مروان العراقين # قال: وكان بشر بن مروان يومئذ عاملا على الكوفة، فضمت إليه البصرة فكان # PageV06P364 # عامل العراقين جميعا. قال: فدعا بشر بن مروان ms1056 بعمرو بن حريث المخزومي فاستخلفه على الكوفة وأقبل إلى البصرة، فلما دخلها واستقر بها وإذا كتاب عبد الملك بن مروان وقد ورد عليه (1): أما بعد يا بشر! فإن أخو أمير المؤمنين وشقيقه، ومن زينه زينه وشينه شينه، فإن خالد بن عبد الله أمرته بأمري فقدم أمره وأخر أمري، وذلك أنه عزل رجلا مثل المهلب حجر الإسلام وشجا العدو، واستعمل ملكا لم يدعه إليه إلا قرب رحمه واتباع هواه، فإياك يا بشر أن تعزل المهلب عن حرب الأزارقة! فأعزلك كما عزلت خالدا - والسلام. قال: ثم أثبت عبد الملك بن مروان في كتابه إلى أخيه بهذه الأبيات: # يا بشر إنك إن عصيت فهذه * فعل كفعل أبي أمية خالد عزل المهلب والمهلب حية * صماء ما لسليمها من عائد وجاء أخاه بالذي قعدت به * حره علي ولم أكن بالراقد عاجلته قبل العتاب بعزله * وأخفته ببوارق ورواعد ولو أنني أمهلته يمشي بها * مرحا وكان أبو أمية رائدي أطرى أخاه كأنني عريته * وتشرب الصهباء شرب البارد فلقد جنى عبد العزيز جناية * ما عارها أبدا بعار بائد وجدوا الدواء بكل داء معضل * إلا دواء الحمق ليس بواجد فارم الأزارق بالمهلب إنه * شيخ العراق وفيهم كالواحد وكفى به لله درك وحده * قد يكتفي من رأيه بالواحد قال: فكتب إليه بشر بن مروان: أما بعد يا أمير المؤمنين! فإني كنت للمهلب على حالة نقلني الله عنها إلى ما هو خير منها، ولو وكلني الله إلى رأي لرضيت بغير رضا وأخذت من غير ثقة، ولكنه أدراني الخطأ خطأ والصواب رأيا، وقد أنفذت في المهلب ما أمرني به أمير المؤمنين أيده الله تعالى، ولم يكن يأتيه مني إلا ما يحبه - والسلام -. قال: ثم أثبت بشر (2) في كتابه هذه الأبيات: # سواء ومن أرسى ثبيرا مكانه * عصيتك أو دليت في ظلمة القبر وللموت أدنى من خلافك طرفة * وهل لي إن خالفت أمرك من عذر # PageV06P365 # إذا كان بشر في الأمور كخالد * وصاحبه الأدنى فشلت يدا بشر رأى خالد عزل المهلب للذي * أراد وكانت تلك ms1057 من عجب الدهر أيعزل ميمون النقيبة حازما * لأجبن من بوم يروع من صقر فلا أحرم الدهر المهلب سوله * ولا أخرج الدهر المهلب من أمري إذا أنا لم أتبع هواك فما الذي * أقول لربي يوم ألقاه في الحشر فأمرك عندي يملأ الصدر هيبة * وأهون منه ما يضيق به صدري قال: ثم دعا بشر بن مروان بأسماء بن خارجة الفزاري وعكرمة بن ربعي البكري فقال لهم: إنه قد ورد علي هذا الكتاب في المهلب من أمير المؤمنين وهوائي من ورائي في غيره. فما الذي عندكم من الرأي؟ فقال أسماء بن خارجة: أيها الأمير! إن أمير المؤمنين ما ولاك ما أنت فيه إلا ليعمل برأيك، فامض هواك فيمن يريد، فقال له عكرمة بن ربعي (1): أيها الأمير! لا تفعل فإن عزل المهلب عن الأزارقة متصل بعزلك، وإن أمير المؤمنين لا يحملك على مخالفته، فلا تخالفه وأنفذ المهلب إلى حرب الأزارقة فليس لهم أحد سواه. # قال: فلم يلتفت بشر بن مروان إلى مقالة عكرمة بن ربعي وغلبه هواه ورأيه، فأرسل إلى المهلب فعزله عن حرب الأزارقة وأمره بالرجوع إلى البصرة، فرجع وطمعت الأزارقة في الظفر، فرجعوا من سابور فارس حتى نزلوا الأهواز، ثم كتب صاحبهم قطري بن الفجاءة إلى بشر بهذه الأبيات: # ألا قل لبشر إن بشرا مصبح * بخيل كأمثل السراجين شزب يقحمها عمرو القنا وعبيدة * مفدى خلال النقع بالأم والأب هنالك لا تبكي عجوز على ابنها * فأبشر بجذع للأنوف موعب ألم ترنا والله بالغ أمره * ومن غالب الأقدار بالشر يغلب رجعنا إلى الأهواز والخيل عكف * على الخير ما لم يرمنا بالمهلب قال: فلما سمع بشر بن مروان هذه الأبيات كأنه أفكر في قوله، ثم دعا وجوه الناس فقال لهم: أخبروني هل تعلمون مكان أحد يقوم بحرب الأزارقة غير المهلب؟ # PageV06P366 # قال: فتكلم (1) قوم ممن يبغضون المهلب ويحسدونه فقالوا: نعم أيها الأمير! هذا محمد بن عمير بن عطارد وهو رجل من ربيعة، وهذا زحر بن قيس هو رجل من اليمن، وكل واحد من هؤلاء يمكنه القيام ms1058 بحرب الأزارقة! قال: فأرسل بشر بن مروان إلى أولئك الثلاثة (2) فدعاهم ثم ندبهم إلى حرب الأزارقة، فقالوا: أيها الأمير! إنه قد دعي إلى هذا الأمر قبل اليوم من هو أكثر منا غنى فلم يقدموا عليه ولم يقوموا به، وليس لهذا الأمر إلا الملهب. قال: وكان بشر لم يعجبه ذلك، فأنشأ رجل من الأزد في ذلك يقول: # يا بشر إنك للمهلب ظالم * والظلم عند المسلمين قبيح فارجع ففيك وفي أخيك بقية * طال اللجاج وطال ذا التجليح إن المهلب لا يبل سليمه * وعدوه حتى الممات جريح وله إذا عدم الرجال عقولهم، عقل يبيد به الرجال صحيح ما زال مذ عقدت يدا آراؤه * تغدو عليه خطة وتروح ليس الذين دعوتهم أمثاله * وهواك في غير المهلب ريح فاز المهلب بالفعال وقدحهم * فيما ألم من الأمور تسيح فارم (3) العدو به ولكن مستقينا * أن العدو بسهمه مذبوح ألزمته ذنبا ولو أنصفته * مات العتاب وأوتر التصريح قال: ففشا هذا الشعر في الناس حتى انتهى إلى بشر بن مروان، فأيقن بشر (4) أن الأزارقة غالبة على البلاد، فقال: والله إني لأستحي أني رأيت المهلب بالأمس غناي عنه وأحتاج إليه اليوم بالأهواز وغدا بالجسر وبعد غد (5) بالبصرة، وإنما يعمل برأي أمير المؤمنين فامض المهلب إليهم ودع اللجاج. # قال: فعندها بعث بشر بن مروان إلى المهلب فدعاه، وقد عمد إلى امرأته هند بنت أسماء بن خارجة فأقعدها من ورائه خلف الحجلة لتكون هي التي تكلم # PageV06P367 # المهلب. فلما دخل المهلب وسلم، رد عليه بشر السلام، ثم أمره بالجلوس فجلس، وكلمته امرأة بشر فقالت: أبا سعيد! إننا منك وأنت منا وإن كنا في غيرك، وهذا بشر بن مروان أخو أمير المؤمنين وشقيقه، وإن أخطأ فيك أمس فقد أصاب اليوم، وقد دعاك إلى أمر قد دعاك إليه من كان قبله، فأجبه إلى ما يدعوك إليه والسلام. قال فقال المهلب: إني قد سمعت كلامك أيتها المرأة! ولكن ليقل الأمير - أكرمه الله - ما أحب. قال: فتكلم بشر بن مروان فقال: أبا سعيد! لا تنظرن إلى ما ms1059 كان مني بالأمس، فإن هذا العدو قد كلبوا على الأرض وقد نزلوا منزلهم الأول بأماني الشيطان، وليس لهم أحد سواك، وإنما تجيب أمير المؤمنين وتدفع عن مصرك، وتصلح أمرا قد أفسده غيرك، وقد حال ما كان في صدري من أمرك، فهات الآن ما عندك؟ فقال المهلب: أيها الأمير! إني قد علمت الذي كان في قلبك، والأمير أيده الله أهل أن يتفانى عنه (1) وإن كانت منه زلة، عندي أن أقاتل هذا العدو على ما قاتلتهم أمس. قال بشر: فلك إذا ما كان لأصحابك قبل اليوم، أعطيك وإن أردت المزيد بعد الوفاء. قال: فدعا بشر بخلعة فجعلها عليه وقلده سيفا وعقد له عقدا، فخرج المهلب من عند بشر بن مروان حتى صار إلى منزله، فلما كان من الغد نادى في الناس فجمعهم، ثم وضع لهم العطاء فأعطاهم وتجهز، وخرج من البصرة في عشرة آلاف رجل من قومه من الأزد ومواليهم وثمانية آلاف من أخلاط القبائل، ثم سار يريد الأهواز، ورحلت الأزارقة من الأهواز حتى لحقت بسابور فارس، ودخل المهلب إلى الأهواز فأقام بها ثلاثا، ثم رحل حتى نزل بمدينة رامهرمز (2) في جميع أصحابه. # قال: واعتل بشر بن مروان بالبصرة علة شديدة واستسقى بطنه فمات (3)، وبلغ ذلك المهلب فاغتم غما شديدا، وتفرق عنه عامة أصحابه فدخلوا البصرة، وبقي المهلب برامهرمز في زيادة على عشرة آلاف، فقام في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن كنتم إنما تقاتلون هذا العدو لبشر بن مروان فقد مات بشر، وإن كنتم إنما تقاتلون لله فاثبتوا على ما أنتم عليه، فإن أمير المؤمنين حي # PageV06P368 # والعراق لا بد لها من أمير - والسلام -. # قال: وبلغ الأزارقة موت بشر بن مروان ففرحوا لذلك، وكتب رجل منهم إلى المهلب وأصحابه بهذه الأبيات: # قل لقوم مع المهلب قد ما * ت ابن مروان فارجعوا بسلام ودعوا رامهزمز وقراها * لا تمنوا أماني الأحلام قبل أن يعطف الجياد عليكم * عطفة الليث بالرماح الدوامي وسيوف مهندات خفاف * تترك الليث مقعصا في القتام قال: ms1060 فكتب إليه كعب بن معدان الأشقري (1) بهذه الأبيات: # إن بشرا والله يرحم بشرا * ويقي وجهه عذاب الجحيم وبري الدهر قوسه فرماه * بخطوب من الخطوب عظيم فلئن كانت المنون أتته * إن فينا لمنع هذا الحريم بأب الحرب وابنها وأخيها * حل في منصب واسم كريم [و] تمنى عناه في سالف الأز * د عظام النهى وأهل الحلوم ذاك ذاك المهلب بن أبي صف‍ * رة في الحرب كالهزبر الشنيم حاد عنه عبيدة بن هلال * ثم عمرو القنا بأنف رغيم واسألوا عبد ربه ورؤوسا * وذرى وائل وحي تميم من يقود الجياد يعثر في النقع * بفرسانها دوامي الشكيم ثم لا انصرف الأعنة والخيل * صحاحا كذا بغير كلوم قال: ثم قام قطري بن الفجاءة في الأزارقة خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معشر المهاجرين فإن بشر بن مروان قد مات وتفرق (2) الناس عن المهلب إلا قليل منهم، وهذا العراق ليس به أمير، فهل لكم أن تغنموا الفرصة من المهلب بن أبي صفرة بوقعة تواقعوه بها؟ فلعلنا أن نظفر منه بشيء. قال: فقام عبيدة بن هلال اليشكري فقال: يا أمير المؤمنين! إن المهلب لا يقيم بدار مضيعة، وقد بقي معه من أصحابه من يثق بهم، وهم الذين سرنا إليهم بالأمس فنفونا عن جسر # PageV06P369 # الأهواز حتى بلغوا إلى سابور، ولو أن المهلب رأى منا تحركا لم نبال (1) أن يسير إلينا فيمن معه فيلقانا، كان الأمر له أم عليه. قال: فقام عبد ربه الكبير فقال: يا أمير المؤمنين! دع عنك كلام عبيدة بن هلال، فإن المهلب لا يبرح من رامهرمز أبدا ولو أقام بها وحده أو يأتيه المدد، فإن أردته فهذا وقته ما دامت الخيل قد تفرقت عنه. # قال: فقام عمرو القنا فقال: يا أمير المؤمنين! دع عنك كلام هؤلاء، واترك المهلب ما تركك وأرده ما أرادك، فليس الذي في يده بأعظم مما في يديك، وإنك إن خاطرت لم يخاطر لأنه شيخ العراق ومعرك الحروب غير مدافع. قال: فقال قطري بن الفجاءة: أما إنه لولا علمي ms1061 بأن المشورة فيها البركة لما شاورتكم في شيء أبدا: غير أني أعلم رأيكم إن تركتم المهلب اليوم وطلبتموه غدا ندمتم أشد الندامة. # قال: وكتب المهلب إلى عبد الملك بن مروان يعلمه بجموع الأزارقة وما قد أزمعوا عليه من أخذ العراق. قال: فعندها ضاقت الأرض على عبد الملك بن مروان، ولم يدر ما يصنع، وخشي أن تتغلب الأزارقة على البلاد، فأرسل إلى أهل بيته وخاصته فجمعهم، ثم جمع سادات العرب ممن لهم النجدة والقوة والجلد، ثم قام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه. # PageV06P370 ### | ذكر كلام عبد الملك بن مروان على المنبر، وإجابة الحجاج إياه، وتولية الحجاج العراقين (1) جميعا # قال: فتكلم عبد الملك بن مروان، فقال: أيها الناس! إن العراق قد تكدر ماؤها، وظهر جدبها، وملح عذبها، وبدا وميضها، واشتد ضرامها، وكثر لهبها، وثار قتامها (2)، وعظم شررها، وعلا أمرها، وأبرق رعودها، وكثر وقودها، بحطب حي، وجمر ذكي، ودخان وهي، وهؤلاء الأزارقة، الطغاة المارقة، قد اشتدت شوكتهم، وتفرقت جرثومتهم، حتى قد حذرهم (3) الصغار، وليس يقوم لهم الكبار، فمن ينتدب لهم منكم بسيف قاطع، وسنان لامع، وقلب جامع، فيخمد نيرانهم وينتفع بها خطرها ويأمن الكاعب، ويرجع الغائب، ويصفو البلاد، ويسلس القياد؟ # قال: فسكت (4) الناس وقام الحجاج فقال: أنا للعراق يا أمير المؤمنين! فولني إياها، فأنا الليث القمقام، والليث الضرغام، والسيف الحسام، الهشام للعظام والهام، وأنا فراج الصفوف، وقاتل الألوف، ومأوى القرى والضيوف، وخلس الحمام والحتوف، والقنا والسيوف. قال فقال له عبد الملك بن مروان: اسكت! # فلست هناك. ثم قال: أيها الناس! إنه قد أطرقت الليوث، وكاعت الديوث، وتربصت البعوث، ولست أرى أسدا يقصد لفريسته، ولا ذئبا يسمو نحو بغيته، ولا نمرا يخرج من غيضته، فمن للعراق وحرب الأزارقة؟ قال: فسكت الناس وتكلم الحجاج فقال: أنا لها يا أمير المؤمنين! فولني إياها، فأنا الليث الغشمشم، والقرن # PageV07P005 # المنتقم، من الظالم الخائن، والغادر الآفن، أنا ذو النفاذ واللسان، والعدل والاحسان، والسرعة إلى الأقرن، عند تشاجر المران. قال فقال عبد الملك: إن لكل أمير آلة وقلائد، فما آلتك ms1062 وقلائدك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! الشدة واللين، والعفو والقتل، والريث والعجل، والرفق والحزق، والمكاشفة والمداراة، والإدناء والابعاد، والجفاء والتواضع، والصلة والحرمان، أنا الليث الهصور، المتقمص بجلد النمور، فمن رمقني بسوء حددته، ومن نازعني بددته، ومن لوى شدقيه جذعته، ومن تكبر علي قمعته، ومن نازعني قصمته، ومن دنا مني أكرمته، ومن نأى عني طلبته، و [من] ثبت لي طاعنته، ومن ولى عني لحقته، ومن أدركته قتلته، ومن ماحكته غلبته، ومن طلب الأمان أعطيته، ومن تواضع لي أدنيته، ومن سارع إلى طاعة أمير المؤمنين أن تسبرني وتجربني! فإن كنت للأعناق قطاعا، وللأرواح نزاعا، وللخراج جماعا، وفي الأمور نفاعا، وإلا استبدلت بي غيري. وفي رواية أخرى أنه قال: إن آلتي أن أزرع بدرهمك من يواليك، وأحصد بسيفك من يعاديك، سود لي قرطاسا واعقد لي خرقة في رأس قناة. فقال له: أنت لها ولكل شدة، فكتب عهد بيده. قال فقال له عبد الملك‌ بن مروان: أنت لها يا حجاج، فسر إليها مشمر الإزار، وشديد الحذار، فارفع الشريف، وقو الضعيف، فقد وليتك العراقين جميعا والبصرة، فاضغطها ضغطة يحيق بها أهل البصرة، وإياك وهوينا أهل الحجاز! فإن القائل يقول ألفا ولا يقطع حرفا. # قال: ثم التفت عبد الملك بن مروان إلى كاتبه فقال: اكتب عهده على العراقين، وأطلق يده في الرجال والسلاح والأموال ولا تجعل له علة، واعلم أهل العراق أنه قادم إليهم أميرا عليهم فليلزموا طاعته وليحذروا صولته. قال: فكتب عهد الحجاج على العراقين يوم الاثنين، وخرج يوم السبت، فلم يزل يسير حتى دخل الكوفة (1). # PageV07P006 ### | ذكر قدوم الحجاج إلى الكوفة وكلامه على المنبر # قال: فلما دخل الكوفة قدم (1) أشراف الناس ينظرون إليه من كل ناحية، حتى نزل على باب المسجد الأعظم، ثم دخل المسجد الأعظم من ساعته وعلى رأسه عمامة له حمراء قد اعتجر بها، وتنكب قوسا له عربيا وهو متقلد بالسيف حتى صعد المنبر فجلس عليه، واجتمع (2) الناس حتى انغص المسجد بأهله والحجاج جالس على المنبر ما يحدر اللثام عن وجهه ولا ينطق بحرف. ms1063 قال: وأهل الكوفة يومئذ ذوو هيئة وعزة وبزة ومنعة وحالة جميلة، الرجل منهم يدخل المسجد ومعه جماعة من أهل بيته ومواليه، وعليهم الخزوز وأشباه ذلك، قال: وفي المسجد يومئذ أشراف مجتمعون. قال: فتكلم رجل منهم فقال: لعن الله بني مروان حين يستعملون مثل هذا أميرا! فوالله لو كان كله كلاما لما كان شيئا! قال: والحجاج ساكت ينظر يمينا وشمالا، فلما أن رأى أن المسجد قد انغص بأهله قال: اجتمعتم؟ قال رجل منهم: نعم، قد اجتمعنا أصلح الله الأمير! فهات ما عندك، قال: فسكت الحجاج قليلا لا يأتي بجواب، فلما نظروا إلى سكوته أهووا بأيديهم إلى حصباء المسجد ليحصبوه. قال: وفطن الحجاج لذلك فقام قائما على قدميه، وخففت الطبول والاعلام على باب المسجد، وتكلم الحجاج وقال: أفعلتموها يا أهل الفتنة الداجنة! ثم سفر العمامة عن وجهه وجعل يقول: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني (3) صليب العود من سلفي نزار (4) * كنصل السيف وضاح الجبين وماذا يبتغي الاقران (5) مني * وقد جاوزت حد الأربعين # PageV07P007 # أخو الخمسين مجتمع أشدي * وهمي في مداواة الشؤون وإني لن يعود إلي قرني * غداة الروع إلا بعد حين (1) قال (2): ثم سكت هنية وقال: إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء، وإنها لترقرق [بين] (3) العمائم واللحى. # قال: ثم جعل يرتجز ويقول: # والقوس فيها وتر عرد * مثل ذراع الفيل أو أشد (4) لابد مما ليس منه بد * قد جد عني أمركم فجدوا قال: ثم سكت هنية فطفق يقول (5): # هذا أوان الشد (6) فاشتدي زيم * عند النطاح يغلب الكبش الأحم قد لفها الليل بسواق حطم * ململم الخلق عنوف في الظلم خدلج الساقين خفاق القدم * فلم تنم ليلتها ولم ينم بات يراعيها غلام ذو همم * ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم (7) * من يلقه يود كما أودت إرم قال: يا أهل العراق! إني لست‌ بأعرابي أعود بجراثيم العوسج، ولا أغمز (8) # PageV07P008 # كغمز التنين، ولا أقرع كقرع المرقة، ولا يقعقع لي بالشنان (1)، ولقد فررت عن ذكاء ms1064 (2)، وفتشت عن تجربة، وجربت‌ إلى الغاية القصوى، وإني لأحمد الرجل منكم بفعله وأحذوه بنعله، وإن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نكث كنانته فعجم (3) عيدانها عودا عودا، فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا وأحزمها أمرا وأصدقها مخبرا، فوجهني إليكم ورماكم بي أميرا عليكم، لان الشيطان قد باض في نحوركم، ودب ودرج في صدوركم، فأنتم له زين، وهو لكم قرين (ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا) (4)، يا أهل الكوفة! إنكم طالما أبطأتم عن الحق، وعدلتم عن الصدق، وسننتم سنن الغي والجهالة، وتسكعتم في العمى والضلالة، وأيم الله لأقرعنكم قرع المروءة، ولأعصبنكم عصب السلمة (5)، ولأقطعنكم عن خضاب الكثم، ولأبرينكم بري القلم، واعلموا أني لا أعد إلا وفيت، ولا أقول إلا أمضيت، ولا أدنو إلا فهمت، ولا أبعد إلا سمعت، فإياكم وهذه الهنات والجماعات والبطالات وقال وقيل وماذا يقول (6)، وأمر فلان إلى ماذا يؤول، وما أنتم يا أهل العراق ويا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الاخلاق! وإنما أنتم أهل قرية (كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) (7)، ألا! وإن خير الرأي ما هدى الله به العباد، إلى سبيل الرشاد، فليعقل من كان له معقول، أو لسان به يقول، أو ذهن به يصول، أو رأي مدخول، ألا! وقد أتتكم بائقة من بوائق الزمان، ذات علم وبيان، يتلوها سطوة من سطوات الله ذي الجلال، يحتاج فيها كرائم الأموال، يراق فيها الدماء، ويجعل الحرائر فيها إماء، ثم لا يستطيعون عند ذلك عبرا، ويرونها لكم غيرا، فهيهات هيهات! لما قد مضى وفات، ما الخبر ما الخبر! الحجاج حية ذكر، يجتلى بسيفه الهام والقصر، وله في كل يوم نهر ومزدجر، ألا! من استوسقت لنا # PageV07P009 # طاعته، فهو منا ونحن منه، ومن ركب الموماة وأخذ في الشبهات، فلات حين مناص، لأهل الهنات والمعاصي، يا أهل الكوفة! ما تخافون أن تغير عليكم الخيل الملجمة، عليها الكماة المعلمة، فتترك رجالكم كأمثال الزقاق الناصبة، السائلة بأرجلها العاصبة، ألا! إن سيفي سيروى ms1065 من دمائكم، ويفرى من جلودكم، فمن شاء فليحقن دمه، وإلا أطعمت السباع لحمه، وأقمت الرخم على شلوه، فمهلا مهلا يا أهل العراق! فإن مثلي يقرن الصعاب ويرتبط الخيل العتاق، لأني في الحروب ولدت، وفي الحروب نشأت وحنكت، ونبتت نواجذي، وصلع رأسي، ألا! وإني قد سست وساسني السائسون، وأدبني المؤدبون، فاستقيموا وبايعوا، واسمعوا وأطيعوا، واعلموا أنه ليس مني الاكثار ولا الاهدار، ولا الفرار والنفار، وإنما هو انتضاء هذا السيف البتار، ثم لا يغمد حتى يذل الله لأمير المؤمنين صعبكم، ويقيم له أولادكم، ألا! وإني وجدت اليسر مع الصدق، والصدق في الجنة، ووجدت الكذب مع الفجور، والفجور في النار، ألا (1)! وإن أمير المؤمنين قد أمرني أن أوفر عليكم عطاياكم وأن أشخصكم إلى مجاهدة عدوكم، وقد أمرت بذلك لكم، والحجاج بن يوسف‌ يعطي ربه عهدا يأخذه ويستوفيه منه، لئن بلغني أن رجلا منكم تخلف عن قبض عطائه يوما واحدا لأضربن عنقه، ولأنهبن ماله ولأهدمن داره (1). # ثم قال: يا غلام! اقرأ عليهم! [فقرأ عليهم] كتاب أمير المؤمنين إلى من بالعراق: بسم الله الرحمن الرحيم، من عند عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين، إلى من بالعراق من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم - فلم يقل أحد شيئا، فقال الحجاج: يا أهل الفتن! يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون عليه السلام! أما والله لأؤدبنكم بأدب غير هذا إن شاء الله ولا قوة إلا بالله! يا غلام! أعد القراءة، فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم، لم يبق أحد في المسجد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته، وعلى الأمير معه. قال: ثم قرأ الكتاب عليه بالسمع والطاعة للحجاج حتى إذا أتى على آخره قال (2) الناس: سمعنا وأطعنا أيها الأمير! # فمد الله لنا في عمرك. # PageV07P010 # قال: ثم نزل الحجاج عن المنبر ودخل إلى قصر الامارة فأقام ثلاثا، فلما كان في اليوم الرابع وقعد للناس وأمر بفتح أبوابه، ووضع للناس العطاء، فجعلوا يقبضون ويتجهزون إلى المهلب بن أبي صفرة لحرب الأزارقة. # قال: وأقبل رجل من بني تميم يقال له ms1066 عمير بن ضابئ (1) البرجمي ومعه نفر من بني عمه حتى أوقفهم على باب الحجاج، ثم دخل فسلم فقال: أيها الأمير! # أصلحك الله وأصلح على يديك، وجعلك صلاحا لمن لاذ بك ولجأ إليك وأناخ بفنائك، فإنك كهف للعرب وطودها بعد أمير المؤمنين، إني قد سمعت النداء وخرج اسمي في هذا البعث إلى حرب الأزارقة وأنا شيخ ولي ابن هو أقوى مني وأجلد في الحرب وأصبر في السفر، فإن رأى الأمير أيده الله أن يقبله مني بديلا ويمن علي بلزوم منزلي فعل موفقا مانا متفضلا، فإني سأملأ الأرض ثناء والسماء دعاء، والشاكر محبوب وقد أحبه الله عز وجل وأمر به عباده، فقال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه (واشكروا لي ولا تكفرون) (2) وقد قال الشاعر حيث يقول: # فإن كان يستغني عن الشكر ماجد * لعزة مجد وارتفاع مكان لما أمر الله العباد بشكره * فقال اشكروا لي أيها الثقلان قال فقال الحجاج: يا شيخ! فإننا قد أجبناك إلى ما سألت، انطلق فوجه بابنك بديلا فلا بأس بشاب يكون مكان شيخ. فلما ولى الشيخ من بين يدي الحجاج التفت كاتب الحجاج عنبسة بن سعيد (3) فقال: أصلح الله الأمير أتعرف هذا الشيخ؟ # فقال الحجاج: لا، قال: هذا عمير بن ضابئ البرجمي الذي دخل على أمير المؤمنين عثمان بن عفان في يوم الدار وهو مقتول فكسر ضلعا من أضلاعه، قال فقال له الحجاج: أيها الشيخ الضال! ألست‌ القائل يوم قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان هذا البيت: # أردت (4) ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله (5) # PageV07P011 # أتشهد يوم الدار ببدنك وتبعث اليوم بابنك بديلا! هل بعثت بديلا يوم الدار! # أما والله إن في قتلك صلاحا لأهل المصرين! يا غلام اضرب عنقه! قال: فتنحى الشيخ من بين يدي الحجاج فضرب عنقه فإذا رأسه يتدهده، قال: وسمع الحجاج ضجة بالباب فقال: ما هذا الضجيج؟ فقيل له: أصلح الله الأمير هؤلاء بنو عم هذا المقتول، فقال: ألقوا إليهم رأسه، فألقي إليهم الرأس، فلما نظروا إليه ولوا هاربين على وجوههم حتى دخلوا ms1067 منازلهم. قال: وجعل يتمثل بقول سويد بن أبي كاهل: # كيف يرجون سقاطي بعد ما * جلل الرأس مشيب وصلع ساء ما ظنوا وقد أبليتهم * عند غايات المنى كيف أقع رب من أنضجت غيظا صدره * قد تمنى لي موتا لم يطع ويراني كالشجا في حلقه * عسرا مخرجه ما ينتزع ويحييني إذا لاقيته * وإذا يخلو له لحمي رتع قال: وأقبل ابن الزبير الأسدي عند باب الحجاج فزعا مذعورا، فلقيه ابن عم له يقال له إبراهيم (1) فقال: ما وراءك يا بن الزبير؟ فقال: ورائي وا لله كل بلية، فقال: وما ذاك؟ قال: قتل عمير بن ضابئ صبرا فالنجاة النجاة! ثم أنشأ يقول: # أقول لإبراهيم لما لقيته * أرى الامر أمسى واهنا (2) متشعبا تخير فإما أن تزور ابن ضابئ * عميرا وإما أن تزور المهلبا (3) هما خطتا سوء (4) نجاؤك منهما * ركوبك حوليا من الثلج أشهبا (5) وإلا فما الحجاج غامد سيفه * يد الدهر حتى يترك الطفل أشيبا # PageV07P012 # قال: وأصبح الحجاج من غد فدعا بكاتبه، فقال: اكتب إلى المهلب بن أبي صفرة: أما بعد فإن بشر بن مروان وجهك إلى الحرب التي (1) للأزارقة وكان مستكرها لنفسه فيك، وأنا أريد لحاجتي إليك فأبشر وقر عينا وأثبت على حرب القوم، فوالله لأحشرن إليك حشرا ولأعجلن الرجال على إلحام الخيل، ولآخذن السمي بالسمي والكني بالكني والولي بالولي حتى يكون من يوافيك أكثر مما يفارقك، وما لي قول هو أعظم من نعمة الله عز وجل عليك - والسلام - (2). # قال: ثم أمر الحجاج مناديه، فنادى بالكوفة: ألا! إننا قد أجلنا من كان من أصحاب المهلب ثلاثا، فمن أصبناه بعد ذلك فعقوبته ضرب عنقه. قال: ثم دعا الحجاج بحاجبه زياد بن عروة وبصاحب شرطته سويد بن ثروان فقال لهما: اركبا في حماعة من الجند، وأمراهم (3) أن يعلقوا السياط في خناصرهم والسيوف في أيمانهم، واحشرا (4) الناس إلى المهلب حشرا، فمن تأخر وأبى فاستعملوا فيه السيف. قال: فحشرا الناس إلى المهلب بن أبي صفرة حتى لم يفقد من أصحابه الذين تفرقوا عنه رجلا واحدا. # قال: ثم كتب إليه ms1068 الحجاج يعلمه أنه قد جعل له الشرط الأول وأن له خراج ما غلب عليه من البلاد إلى أن يقضي حرب الأزارقة. قال: فكانت الأموال تنتقل إليه من أرض فارس إلى أرض‌ البصرة في البدر مكتوب عليها: (هذا ما أطعم الله المهلب بن أبي صفرة مما غلب عليه من بلاد الله) يحمله إلى قومه من العتيك، لا يعترض عليه معترض. # قال: وعلم (5) أهل خراسان بقدوم الحجاج إلى العراق فكتبوا إليه يشكون أميرهم أمية بن عبد الله بن خالد القرشي وأنه قعد عن الجهاد، وفي الكتاب إلى # PageV07P013 # الحجاج هذه الأبيات: # أحجاج بن يوسف أنت راع * وراعي القوم يحفظ ما أضاعوا وإنا معشر من جذم قيس * لنا في الناس مكرمة وباع عبرنا حقبة ولنا أمير * جبان القلب ذو خوف يراع وإنك قد وليت أمور قوم * وثغر لا يقوم له الشجاع وأنت المستغاث إذا ألمت * بأهل الثغر داهية شناع فلا تغفل فداك أبي وأمي * أناسا ما يعينهم القراع إذا فلوا كتائب خارجي * عدت أخرى وهمتها المضاع وما ينفك نصرتهم ببيض * تلالا في الأكف لها شعاع كذلك دأبنا في كل حرب * طوال الدهر أو يخزى (1) الكراع قال: فلما ورد كتاب أهل خراسان على الحجاج وقرأه ونظر في هذا الشعر كأنه هم أن يعزل أمية بن عبد الله عن خراسان، غير أنه اشتغل بأمر الأزارقة فكتب إليهم يعدهم ويمنيهم أنه يوجه إليهم بأمير يرضونه، وأخبرهم في كتابه أنه مشغول بحرب الأزارقة. # قال: فلما اجتمع للمهلب بن أبي صفرة أمره قام في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن الله قد دفع عني وعنكم ما كنا نخاف ونحذر من أمر (2) الأزارقة وقد كنا بدار مضيعة، وإن الله تبارك وتعالى أسأله أن يتم نعمته علي وعليكم، فاحمدوا الله على ما أعطاكم، وسيروا إلى عدوكم. قال: ثم نادى في أصحابه فسار وساروا معه حتى صار إلى أرجان (3) فأقام بها ثلاثا، ثم سار منها إلى سابور (4)، والأزارقة يومئذ بها وقد جعلوها دار هجرتهم. قال: فأقام المهلب ms1069 على سابور يحارب الأزارقة الليل مع النهار حتى حاربهم ثلاث سنين كملاء مثل يوم واحد. قال: وأرسل الحجاج إلى المهلب أن ناجز القوم (5)، ما تنتظر بهم إلى هذه # PageV07P014 # الغاية! فكتب إليه المهلب: أيها الأمير! إني أنتظر بهم ثلاث خصال (1): موت صاحبهم قطري بن الفجاءة، أو فرقة وتشتيتا، أو جوعا قاتلا، وأنا أرجو أن أدرك ذلك فيهم إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العظيم. # قال: وكان الحجاج قد ظن في نفسه أن المهلب ليس بناصح في حرب الأزارقة، فدعا برجل من أصحابه يقال له عبد الله بن الجراح وكان عنده من الثقات، فضم إليه قوما من أصحابه وقال: أريد منكم أن تسيروا إلى المهلب فتقيموا عنده أياما وتنظروا إلى حرب الأزارقة وتأتوني بالخبر (2)! قال: فسار القوم حتى صاروا إلى المهلب فنزلوا عنده شهرين كاملين، فجعلوا ينظرون إلى المهلب، وأنه يعبئ في كل يوم رجلا من أولاده في أول النهار، ثم يقاتلهم بنفسه في آخر النهار، ثم أقبل على الرسل بعد ذلك فقال: انظروا هل بعد هذا من جهد؟ فقالوا: لا والله يا أبا سعيد! ولا ظن الأمير أن حرب القوم على هذا الشأن. قال: ثم رجع القوم إلى الحجاج وتقدم عبد الله بن الجراح، فلما سلم وقضى حق التسليم قال له الحجاج: # ما وراءك يا بن الجراح؟ وكيف رأيت المهلب في حرب القوم؟ فقال: أيها الأمير! # رأيت والله منه ما سرني، رأيته يحتمل المصيبة ويلقى القوم بنفسه وأولاده فيجاهدهم في الله حق جهاده. قال فقال له الحجاج: ما أحسن ثناءك على المهلب؟ فقال: # أيها الأمير! إنه كان يفعل ذلك الفعال فحقيق بالثناء. # قال: وجعل المهلب يحارب القوم حتى حاربهم بعد ذلك سنة كاملة. قال: # فكتب إليه الحجاج: أما بعد، فإنك قد طاولت العدو وجبيت‌ البلاد، ولو شئت أن تفرغ من حرب الأزارقة لفرغت، ولكنك تحب المطاولة لجباية الأموال، فناجز القوم ولا تطاولهم - والسلام -. قال: ثم دفع الحجاج كتابه إلى رجل من ثقيف له لسان ذرب ومنطق ذلق (3) فقال له: صر ms1070 إلى المهلب وانظر أن تحثه على قتال القوم # PageV07P015 # ومناجزتهم فإنه قد طاولهم. فلما ورد كتاب الحجاج على المهلب وقرأه تبسم ضاحكا ثم قال: والله ما أنا والحجاج إلا كما قال أوس بن حجر (1): # ومستعجل عما يرى من آبائنا * ولو أضجرته الحرب لم يترمرم (2) قال: فجعل ذلك الثقفي (3) يتكلم ويخطب ويحرض على القتال، فقال له المهلب: أيها الرجل! إن الحرب ليس بالكلام ولا بالخطب، ولكن اصبر حتى ترى وتنظر إلى حرب القوم! قال: ثم نادى المهلب في الناس وزحف نحو الأزارقة، واختلط القوم فجعلوا يقتتلون من صلاة الظهر إلى أن انتصف الليل. قال: وبقي الثقفي حيران لا يدري ما يقول، ثم أقبل على المهلب فقال: حسبك يا أبا سعيد! # فقال له المهلب: اصبر قليلا ولا تعجل، قال: فلم يزل القوم يقتتلون إلى وقت السحر، وكاد الثقفي يموت لما رأى. قال: وأصبح القوم فرجع عن بعضهم بعض في وقت الضحى، فأنشأ رجل من أصحاب المهلب في ذلك يقول (4): # ما زلت يا ثقفي تخطب دانيا (5) * وتغمنا بوصية الحجاج حتى إذا ما الموت أقبل زاخرا * وسما لنا صرفا بغير مزاج وليت يا ثقفي غير مناظر * تبدين (6) بين أحزة وفجاج وبنو المهلب في الغبار كأنهم * أسد لبسن يلامق الديباج ليست مقارعة الكماة لدى الوغا * شرب المدامة في إناء زجاج # PageV07P016 # قال: ثم أقبل المهلب على هذا الثقفي فقال: انصرف الان إلى الحجاج فأخبره أن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب - والسلام -. قال: ثم كتب أبو خالد اليشكري مع هذا الثقفي إلى الحجاج بهذه الأبيات: # ألا قل لمن ظن المهلب خائنا * هلم فكن فينا مكان المهلب وحدث بتعليم القتال وحاربا * بأجسامنا (1) والعفو عن كل مذنب فإن رجالا غيبوا عن طعاننا * وعن ضرب هامات الليوث المجرب قد أعطوك من أمر المهلب عنوة * وقد ذهبت أبناؤه كل مذهب فلو ذقت كأسا من عبيدة مرة * وعمرو القنا أو عبد رب وشوذب ومن قطري أو عطية وابنه * ومن صالح أو من زبير ومصعب لا يقنت أنا في حلوق عدونا * شجى ناشب ms1071 سل يا بن يوسف تعجب فأرسل إلينا من يعاين فعلنا * يقل حين يخبرنا فدا لكم أبي قال: فغضب الحجاج من ذلك، ثم قال لجلسائه: ألا ترون إلى فعل هذا المروي قد أكل الأرض وجبا الأموال ثم يتربص بي وبأمير المؤمنين ويكتب إلي بمثل هذا وأشباهه. ثم قال: يا غلام! اكتب إلى المهلب! وابعث به إليه: أما بعد فإنك مري وابن مري (2)، وأيم الله لئن لم تجهد في قتال القوم لأبعثن إليك من يحملك على مكروهك - والسلام -. قال: فكتب إليه المهلب: أما بعد فقد ورد علي كتابك تذكر فيه أني مري وابن مري، وما أنكر ذلك وأنا مروي - اسم سمتنا به العجم، ولكن الأمير - أعزه الله - من قبيلة قد ادعت في خمس قبائل من العرب وما استقرت بعد قرارها في واحدة منها، واحدة أنهم بقية من بقايا آل ثمود، والثانية أنهم انتموا إلى وحاظة (3) ووحاظة لا عقب لها، والثالثة أنهم انتموا إلى زياد، والرابعة أنهم انتموا إلى هوازن، والخامسة أنهم انتموا إلى ثقيف، فليت شعري في أي الاحياء هم اليوم - والسلام -. قال: فقرأ الحجاج كتاب المهلب [و] استغرب ضحكا، ثم قال: أفحشنا على الرجل ففحش علينا، والبادي أظلم. # قال: ثم كتب بعض أصحاب المهلب إلى الحجاج بهذه الأبيات: # PageV07P017 # لعمرك ما أخطأ المهلب رأيه * فلا عاش فينا بالخطأ المهلب ولا ضن (1) عنا في اللقاء بنفسه * ولا ببنيه حين قال ألا اركبوا فآسوا رجالا قد وفتكم نفوسهم * بأنفسكم حفوا إليها وأعقبوا فما كان إلا القول حتى كأنهم * أسود بأكناف العرين تلهب لكل امرئ من كرة الخيل نوبة * يطاعن بالرمح القويم ويضرب إذا ما قاها جاء آخر بعده * فكل لكل في العجاجة معقب فلا ينثني إلا وثغرة نحره (2) * تسيل دما والرأس فيه ملحب فلولا بنوه في اللقاء وصبرهم * لقلنا لفرسان الأزارقة اذهبوا لكم كل ما كان المهلب حازه * من الأرض فاجبوه ولا تتهيبوا قال: فلما قرأ الحجاج هذه الأبيات جعل يقول: والله ما يختلج بقلبي أن قوما يثبتون لمثل هذه الحروب، ولكني أحب أن ms1072 أوجه بقوم ليأتوني بحقيقة ما يرون من حرب هؤلاء الأزارقة، فوالله لو كانوا من حجارة أو حديد لما زادوا. قال: ثم دعا الحجاج بعبد الاعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز وبعبد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب (3) وبجماعة من قريش فجهزهم، وقال: أريد منكم أن تسيروا إلى المهلب وتعلموا لي علمه وتأتوني بحقيقة أمره، فإنه قد عظم علي أمر هؤلاء الأزارقة، فقالوا: نفعل ذلك أيها الأمير. # قال: ثم سار القوم حتى قدموا على المهلب، والمهلب يومئذ نازل على باب سابور في عسكره، فلما رآهم رحب بهم وقربهم ثم سألهم عن حالهم، فقال له بعضهم: أبا سعيد! إن الأمير الحجاج قد كره مطاولتك لهذا العدو وقد أحب منك المناجزة لهم لكي يشغلك بغيرهم. قال: فسكت المهلب ساعة ثم رفع رأسه فقال: إنما أنا والحجاج كما قال الأول: # أبلغ أبا مالك عني مغلغلة * إن الكتائب لا تهزمن باللعب ثم أقبل عليهم فقال: إن الأمير أكرمه الله أتاه السماع فقبله وأتاه العيان فرده، # PageV07P018 # وقد كتبت إليه (أيها الأمير! إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فلا تكثر علي من رسلك فأنا أعلم بحرب القوم منك)، فزعم أنه هو الشاهد وأني الغائب، ولكن أقيموا إذ قدمتم الان حتى تعاينوا حرب الأزارقة، فوالله لا لقيتهم اليوم إلا بما لقيتهم أمس. قال: ثم نادى المهلب في أصحابه فركبوا، ونادى قطري بن الفجاءة في الأزارقة فركبوا، ودنا القوم بعضهم من بعض، وتقدم عشرة من أبطال الأزارقة ورؤسائهم وساداتهم حتى وقفوا أمام الخيل، منهم قطري بن الفجاءة المازني وهو صاحبهم وأميرهم، وعبيدة بن الهلال اليشكري، وعمرو القنا العنبري، وصالح بن مخراق العبقسي، وعطية بن الأسود الحنفي، وشوذب بن عامر العامري، وحيطان الايادي (1)، وعنترة المرادي (2)، وعبد ربه الصغير. قال: ونظر المهلب إلى ذلك فدعا ببنيه وهم يومئذ عشرة، كل وأحد يعد بألف: المغيرة ويزيد وحبيب وقبيصة ومدرك والمفضل ومحمد وحماد (3) وعبد الملك ومروان، قال: فأمر المهلب لكل واحد أن يخرج إلى رئيس من رؤساء الأزارقة. ms1073 # قال: فخرج يزيد وبين يديه رجل من الأزد وهو يرتجز ويقول أبياتا: # قل للشراة جاءكم يزيد * ذاك الذي لجمعكم مبيد ذاك الذي دماركم يريد * ذاك الذي قتاله شديد ذاك الذي ساعده حديد * من كل أمر شركم بعيد وعنده من قتلكم مزيد قال: ثم تقدم حبيب بن المهلب وبين يديه رجل من الأزد وهو يرتجز ويقول قل للشراة ذهب الزبيب * إذ جاءكم في ظله حبيب ذاك الحروب السيد المهيب * ذاك الذي بسيفه يصيب من كل أمر ساءكم قريب قال: ثم تقدم المفضل وبين يديه رجل من الأزد وهو يرتجز ويقول: # قل للشراة جاءكم مفضل * مودد مسود مبجل سنانه من طعنه تشلشل # PageV07P019 # وسيفه من ضربه مفلل * كأنه البازل حين يرفل والخيل تعدو قد علاها قسطل ثم تقدم المغيرة وبين يديه رجل من الأزد وهو يرتجز ويقول: # يا معشر الأزارق النحيره * أتاكم في خيله مغيره كفاه كف بالندى مطيره * وكفه الأخرى لكم مبيره ولا يرى كبيرة كبيره * لا بل يراها عنده صغيره قال: ثم تقدم مدرك وبين يديه رجل من الأزد وهو يرتجز ويقول: # يا قطري بن الفجاءة الأنوك * أين إذا ضاق عليك المسلك تسلك والخيل عليها مدرك * لن يبرح الدهر وهذا المعرك صفكم أو تهلكوا أو نهلك قال: فاختلط الفريقان (1) واقتتلوا من وقت الضحى إلى أن اختلط الظلام، ورسل الحجاج ينظرون إلى ذلك. قال: وسقط رمح بعض الأزارقة فأخذه رجل من أصحاب المهلب فحلفت الأزارقة أنهم لا يرجعون ولا يبرحون أن يأخذوا الرمح! # وحلف أصحاب المهلب أنهم لا يردونه عليهم! واقتتل (2) القوم على الرمح من وقت اختلاط الظلام إلى الصبح حتى قتل من الفريقين جماعة، فأنشأ المغيرة بن حبناء (3) التميمي يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # ليت شعري وللأمور قرار * هل بلغنا مدى رضا الحجاج إلى آخرها. # قال: ثم أقبل المهلب على رسل الحجاج فقال: كيف رأيتم حرب الأزارقة؟ # فقالوا: حسبنا ما رأينا فردنا إلى صاحبنا! فوالله ما رأينا أشد كلبا على الاسلام من هؤلاء الخوارج. قال: فخلع عليهم المهلب ورجعوا إلى الحجاج. ms1074 فلما دخلوا عليه قال: كيف رأيتم المهلب في حرب عدوه؟ فقالوا: أيها الأمير! ما رأينا قط قوما أضرب بسيف، ولا أطعن برمح، ولا أرمى بسهم، ولا أعود إلى الحرب من بين # PageV07P020 # الفرخ من قوم رأيناهم بالأمس من الفريقين. قال: فعذر الحجاج للمهلب على إبطائه، ثم كتب إليه أن أعمل برأيك وامض (1) لما أحييت، فقد علمت أن الرأي ما رأيت. # قال: وعبى قطري بن الفجاءة أصحابه تعبية الحرب وخرج من مدينة سابور، ونظر المهلب رهج الخيل فوثب فعبى أصحابه، ودنا القوم بعضهم من بعض، وتقدم عبيدة (2) بن هلال أمام الأزارقة فجعل يدعو للبراز ويطلب النزال، فصاح المهلب بابنه مدرك فقال: يا مدرك! اكفني عبيدة! قال: أفعل - أصلح الله الأمير! ثم خرج إليه المدرك! ونظره عبيدة فحمل عليه وبادره مدرك بطعنة مدركة، فولى عبيدة وله عوي كعوي الكلب، فأنشأ المغيرة بن حبناء (3) التميمي في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # من رأى مدركا غداة التقينا * إذ أتاه عبيدة بن هلال إلى آخرها. # قال: وكان عبيدة بن هلال قبل ذلك إذا لقي للحرب لا يولي ويقول: ما أولي دبري في الحرب ولكني أخاف النار! فلما كان ذلك اليوم وطعنه مدرك بن المهلب وولى من بين يديه ناداه مدرك: أين الفرار يا عبيدة؟ فقال: لست أفر ولكني أنحاز إلى فئة تمنعني، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (4) في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # قل للمهلب إن سيفك مدرك * حامي الحقيقة مدرك الأوطار إلى آخرها. # قال: واقتتل القوم على باب سابور بيوم ذلك إلى الليل، ثم انهزمت الأزارقة حتى دخلوا إلى المدينة ورجع المهلب إلى عسكره. # فلما كان الليل وهدأت العيون وسكنت الحركات خرجت الأزارقة من مدينة سابور مع نسائهم وأموالهم وأولادهم هاربين على وجوههم حتى صاروا على مسيرة # PageV07P021 # عشرين فرسخا من مدينة سابور. قال: وعلم المهلب أنهم قد تنحوا فأقام في عسكره يومه ذلك ولم يتبعهم، ثم أمر بعسكره فضرب على باب سابور، وبعث إلى أهل المدينة فأخذ منهم الخراج وعزم على أن يجعل سابور منزله وداره ويحارب ms1075 الأزارقة حيث كانوا، فأنشأ رجل من أصحاب المهلب يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # قل للأزارقة الذين تحزبوا * إن التفرق أول الاخراج إلى آخرها. # قال: وجعلت الأزارقة يتباعدون من بين أيدي المهلب والمهلب لا يتبعهم، وذلك أن الشتاء هجم عليه ووقعت الثلوج والأمطار واشتد البرد فلم يتبعهم المهلب، حتى إذا انحسر عنهم الشتاء أقبل على أصحابه فقال: أيها الناس! إن بيننا وبين عدونا على ما بلغني أقل من ثلاثين فرسخا وقد انحسر عنهم الشتاء وإنما هو وجيف ليلة الخيل، فإذا القوم قد وافوا، فصاح المهلب بغلام له يقال له: مازن، فقال: يا مازن! ناد في الناس بالرحيل. قال: فنادى مازن في الناس بالرحيل. ثم سار المهلب وأصحابه فلم يشعر إلا وخيل الأزارقة قد أقبلت كأنها كواسر العقبان. # ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا ساعة، ثم وقعت الهزيمة على الأزارقة فانهزموا إلى الموضع الذي جاؤوا منه. فقال المهلب: الحمد لله الذي كفانا شرهم، فوالله لو فاجأونا ونحن على غير أهبة الحرب لفضحونا. قال: ورجع المهلب وأصحابه إلى سابور، فأنشأ المغيرة بن حبناء (1) يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # أكدنا ومن أرسى ثبيرا (2) مكانه * يسأل بنا لولا أتينا المهلب إلى آخرها. # قال: فبينا المهلب ذات يوم يخطب الناس بسابور وذلك في يوم النحر إذ أقبلت الأزارقة في جيش عرمرم يقدمهم عمرو القنا، قال: وبلغ ذلك المهلب، فقطع الخطبة فقال: سبحان الله! في مثل هذا اليوم وافانا هذا العدو وإنه يوسف شريف عند الله تعالى لا يحب أن تسفك فيه الدماء، غير أن الله عز وجل يقول: (الشهر لحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما # PageV07P022 # اعتدى عليكم) (1). ثم أقبل المهلب إلى ابنه المغيرة ثم قال: يا بني! دع الناس وعيدهم وأخرج إلى أعداء الله! قال: فعبى المغيرة أصحابه وخرج من باب سابور، فلما صار على باب الخندق وإذا بعمرو القنا وقد تلقاه بجيشه، قال: فنظر إليه المغيرة فحمل عليه والتقيا بطعنتين طعنه المغيرة طعنة خر منها صريعا على وجهه، قال: ms1076 وذهب المغيرة ليضربه بسيفه فحمله ثلاثة نفر من الأزارقة بكير وحطان الايادي (2) وعميرة المرادي (3)، فانفلت عمرو القنا وهو لما به من طعنة المغيرة، فأنشأ المغيرة بن حبناء (4) التميمي في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # وما لاقى ذليل من عزيز * كما لاقى الشراة من المغيرة إلى آخرها. # قال: فتقدم فتى من الأزارقة من مذحج يقال له معاذ حتى وقف بين الجمعين فجعل يقول (5): # نحن صبحناكم غداة النحر * بالخيل أمثال الوشيج تجري (6) يقدمنا (7) عمرو القنا في الفجر * إلى أناس لهجوا بالكفر اليوم أقضي في الدماء (8) نذري * ومدرك ما أرتجي بوتر قال: فما لبث أن خرج إليه رجل من أصحاب المغيرة بن المهلب يقال له سعد بن أبي نجد الأزدي (9) والتقيا بضربتين، ضربه الأزدي ضربة جدله قتيلا، ثم # PageV07P023 # حمل على الأزارقة فجعل يضرب فيهم ضربا منكرا، فأنشأ رجل من أصحاب المغيرة في ذلك يقول: # ألا لله ما لاقى معاذ * غداة النحر من سعد بن نجد دعاه للبراز فما تلكأ * وسعد في صدورهم كأحد وسعد ماجد بطل هزبر * وثوب في الوغى كوثوب فهد فيا سعد السعود فدتك نفسي * أعدها في فوارسهم وأبدي قال: وانكشفت الأزارقة من بين يدي ابن المهلب كشفة فضيحة، فأرسل المغيرة بهزيمة القوم إلى أبيه المهلب يخبره بذلك، ثم دخل مدينة سابور فضحى مع الناس (1). # فلما كان بعد الأضحى بثلاثة أيام إذا بالأزارقة وقد أقبلت بخيلها ورجلها مستعدين للموت. قال: وبلغ ذلك المهلب فعبى أصحابه كما كان يعبئهم، ثم تقدم بنفسه حتى وقف أمام الخيل واتبعه بنوه، فاختلط الخيلان بعضها ببعض وكلبت الأزارقة على المسلمين فاشتد القتال، وحمل المهلب بنفسه على القوم فلم يزل يقاتل حتى جرح سبع عشرة جراحة، فقال له رجل من أصحابه يقال له عباس الكندي: أيها الأمير، أصلحك الله! إن الله تبارك وتعالى قد جعل كفاية من ولدك وفتيانك وقوم وعشيرتك، فلم تلقى هؤلاء الأعداء بنفسك؟ فقال له المهلب: يا عباس! إن الأسد إنما غلظت رقبته لأنه رسول نفسه، يا عباس! إن بني فرسان ولكنهم لا يبلغون في ms1077 الحرب مبلغي، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (2) في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # وليس إذا رأى ابن الورد بعد * ومسحا بالمهلب في الصباح إلى آخرها. # قال: وعزمت الأزارقة على أن يبيت (3) المهلب في عسكره، فزحفت (4) # PageV07P024 # الأزارقة في جوف الليل حتى أشرفوا على المهلب على باب سابور وعبيدة بن الهلال اليشكري أمام الأزارقة، فالتفت إلى أصحابه وقال: أيقظوا القوم لكيلا يقولوا إننا أتيناهم وهم نيام! قال: ثم جعل عبيدة يرتجز ويقول أبياتا مطلعها: # لسنا نريد غرة السبات * إن اغترار بكم من السوءات (1) إلى آخرها. # قال: فاستيقظوا الناس وصاح المهلب بأصحابه، وتصعصعت الرايات، وأجمحت الفرسان، وذاك في ليلة باردة ذات ثلج ومطر وريح منكرة. قال: وكان أول من ركب واستوى على فرسه مدرك بن المهلب، فتقدم أمام الخيل وتبعه الناس وهم يقولون: ألا! إنها روعة البيات! فاتقوا الله واصبروا! قال: ونظر مدرك بن المهلب إلى صالح بن مخراق في سواد الليل وهو يهدر كأنه الجمل الأورق، وكان من فرسان الأزارقة والمعدودين فيهم، فحمل عليه مدرك والتقيا (2) بضربتين، ضربه صالح بن مخراق ضربة على بيضته ثبت لها مدرك، ثم ضربه ضربة أداره عن فرسه، فأقعى صالح على رجليه، وتبددت خيل الأزارقة يمنة ويسرة، ثم تراجعوا واشتبك الحرب، فأصبح القوم وقد قتل من الأزارقة جماعة، فأنشأ المغيرة بن حبناء يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # نفسي فداء أخي الحفيظة مدرك * عند الثبات لوقعة كانت شجا إلى آخرها. # قال: فعظم مدرك بن المهلب من تلك الليلة في صدور إخوته وأحبه الناس حبا شديدا. وإذا عين للمهلب أقبل إليه فقال: أيها الأمير! إن أردت القوم الساعة فإن القوم قد صاروا إلى شعب بوان (3)! قال: فنادى المهلب في أصحابه فركبوا، وسار يريد القوم، ونظرت الأزارقة إلى غبار الخيل فعلموا أنها خيل المهلب فتعبوا للحرب، وإذا قطري بن الفجاءة أمام الخيل وهو يرتجز ويقول أبياتا مطلعها: # PageV07P025 # إن شجانا في الوغى المهلب * ذاك الذي سنانه مخضب (1) إلى آخرها. # قال: ثم حمل عليه المهلب بنفسه والتقيا بطعنتين فافترقا بجراحتين. قال: # وأطبقت الحرب ms1078 على الفريقين، وكان الفضل للأزارقة في أول النهار وللمهلب في آخره، حتى انتصف بعضهم من بعض، فأنشأ المغيرة بن حبناء (2) التميمي في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # إذا قطري جاءني مرجحنة * فشبهه الراؤون في الليل كوكبا إلى آخرها. # قال: وارتحلت الأزارقة من موضعهم حتى صاروا إلى إصطخر، قال: # ونظرت الأزارقة وإذا خيل المهلب قد وافتهم فرجعوا إليه وقد صفوا صفوفهم، ثم دنا بعضهم من بعض، وخرج حطان الايادي (3) وكان من فرسان الأزارقة وشجعانهم ذا بطش شديد لا يراه أحد إلا هابه وكره نزاله، فخرج حتى وقف بين الجمعين ثم جعل يرتجز ويقول: # ادعوا بعباس وادعوا سعدا * وابن أبي الزناق ادعوا غمدا والعتكي اليحمدي جلدا * ما إن أرى من النزال بدا قال: فالتفت المهلب إلى عباس الكندي وكان من الابطال، فقال: يا عباس! شأنك والرجل! فإنه قد بدأ باسمك. قال: فخرج إليه عباس الكندي والتقيا (4) بطعنتين، طعنه عباس طعنة انكسر رمحه في يده فبقي عباس بلا رمح، فقال: يا حطان! إنك رامح وقد انكسر رمحي، فإن أردت النصفة فألق رمحك وسابقني! فقال له حطان: قد أنصفت يا عباس! قال: ثم رمى حطان برمحه وضرب بيده للسيف، والتقيا للضراب، بادره عباس بضربة على بيضته فقد البيضة، ثم رمى حطان عن فرسه قتيلا، فأنشأ المغيرة بن حبناء (2) التميمي في ذلك يقول أبياتا # PageV07P026 # مطلعها: # دعاك شقي للشقاء فوارسا * فعاجله دون الفوارس عباس إلى آخرها. # قال: وانهزمت الأزارقة إلى إصطخر وتحصنوا (1)، وأقبل المهلب في خيله ورجله حتى نزل عليهم فحاصرهم بها شهرا كاملا. فلما كان بعد شهر خرجوا إليه وعزموا على المناجزة، ونظر المهلب إليهم وإلى ما قد أعدوا له من آلة الحرب، فقال لأصحابه: أيها الناس! إن البادئ بالقتال مغلوب، والمضطر معذور، ومن وطئ في داره فقد ذل، ومن صبر ظفر، وقد تكون البلايا بالذنوب، فانظروا كيف يكون صبركم اليوم. قال: ودنا القوم بعضهم من بعض، وأقبل عبيدة بن هلال وعمرو القنا حتى نزلا ووقفا على تل مشرف على عسكر المهلب، ثم رفع عمرو القنا ms1079 صوته وهو يقول: # كفى حزنا إنا ثلاثون ليلة * قريب وأعداء القران على خفض (2) وما هكذا [إنا] نكون وهذه * أضاقت على عمرو القنا سعة الأرض وأحسبهم أمسوا على حذو نعلنا * فذاك بذاك القوم بعض على بعض (2) قال: ثم انحط عمرو القنا على التل على أصحاب المهلب كأنه باز خطوف وهو يرتجز ويقول شعرا. قال: ثم انفض عبيدة بن هلال من التل كأنه الفحل القطم وهو يرتجز ويقول شعرا. # قال: فالتفت المهلب إلى ابن أخ له يقال له بشر (3) فقال له: يا بن أخ! أحب أن تكفيني أمر عبيدة بن هلال وعمرو القنا جميعا! فقال بشر: أفعل - أصلح الله الأمير -! قال: ثم خرج بشر ابن أخي المهلب نحوهم وهو يرتجز ويقول شعرا. قال: # PageV07P027 # ثم حمل بشر ابن أخي المهلب على عبيدة بن هلال فطعنه طعنة فإذا عبيدة في الأرض، فحماه أصحابه، وحمل عمرو القنا على بشر فالتقيا بضربتين، ضربه بشر في وجهه فرده إلى ورائه، ثم وقف في ميدان الحرب فأنشأ وجعل يقول أبياتا مطلعها: # وكأني مليك إذ سطع النق‍ * - ع وحولي من الرماح عوالي إلى آخرها. # قال: وتعاظم الامر بين الفريقين فاقتتلوا قتالا شديدا، وجعل قطري بن الفجاءة ينادي بأعلى صوته ويرتجز ويقول أبياتا مطلعها: # سبحان ربي باعث العباد * سبحان ربي حاكم المعاد (1) قال: وثار النقع وسطع الغبار وكلبت القوم بعضهم على بعض، وضرب يومئذ المهلب على جبهته ضربة منكرة حتى كاد أن يسقط منها عن فرسه، وتسايلت الدماء على وجهه ولحيته، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (2) في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # خلص القتال إلى المهلب بعد ما * منع الذمار وليس فينا مانع إلى آخرها. # قال: وانكشفت الأزارقة من بين يدي المهلب مفضوحين وقد قتل منهم نيف عن ثلاثين رجلا. # فلما كان من الغد زحف القوم بعضهم إلى بعض، وأقبل المهلب على أصحابه فقال: أيها الناس! إن كل من في عسكري فهو لي، ألا! وإني أحبكم، وأحب ما إلي أهل النجدة، فانظروا من كان يحب منكم أحدا منهم فإني أعفيه عن ms1080 صحبته رجلا من ولدي حتى أجعله في صحبته. قال: فوثب فتى من أهل الكوفة يقال له مالك بن أبي حبان الأسدي فقال: أيها الأمير! اسمع عني ما أقول، فقال المهلب: قل ما بدا لك! فأنشأ وجعل يقول: # اجعلني مع الحرون كأني * فارس الناس في عجاج الحرون فإذا قادني سواه فإني * لا أساوي عقال بان زبون # PageV07P028 # كلنا نطلب الحرون وما من * كان يهوى الحرون بالمغبون قد حمانا الركبان [منا] جميعا * وحمانا بقرية الزيتون إذ أتانا عبيدة بن هلال * يقدم القوم في دموك طحون وأتانا عمرو القنا بلواه * مزبدا في العجاج كالمجنون فدعاه المهلب بن أبي صف‍ * - رة ليس الحرون كالمأفون فكفاه ما همه وأتاه * بعد ضيق الخناق بالتهوين قال: فالتفت المهلب إلى ابنه حبيب فقال: يا بني! خذ هذا الفتى إليك واعتقده واحتفظ به فإنه يحبك، وأخرى أن ينفعك وقت حاجتك إليه. # قال: وتقدم عبيدة بن هلال أمام الأزارقة فجعل يرتجز ويقول: # حتى متى يقتلنا المغيرة * ومدرك فيكم له عفيره أصغركم وحدكم كبيره (1) قال: ثم حمل على خيل المهلب وطاعن ساعة ورجع إلى عسكره، وتقدم رجل من الأزارقة يقال له مالك بن قرير الطائي حتى وقف بين الجمعين فجعل يرتجز ويقول شعرا. قال: فما لبث أن خرج إليه فتى من أصحاب المهلب يكنى أبا الدرياق وكان شجاعا، فحمل عليه فطعنه طعنة فقتله، فأنشأ رجل من أصحاب المهلب يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # سال النزال فتى الأزارق مالك * فأجاب دعوته أبو (2) الدرياق إلى آخرها. # قال: وأقبل رجل من الأزارقة يقال له عطية بن الأسود الحنفي إلى قطري بن الفجاءة فقال: يا أمير المؤمنين! أريد أن توليني قتال المهلب وبنيه في هذا اليوم! # فقال قطري بن الفجاءة: قد فعلت ذلك. قال: فنادى عطية بن الأسود في فرسان الأزارقة فلم يبق منهم فارس مذكور إلا صار إليه، فدنا عطية بن الأسود حتى وقف بين الجمعين في قتال الأزارقة وشجعانه. والتفت المهلب إلى ابنه يزيد فقال: يا بني! هذا عطية بن الأسود قد أقبل في ms1081 فرسان الأزارقة فأخرج إليه في إخوانك الذين # PageV07P029 # تثق بهم في الاقدام على المكروه. قال: فنادى يزيد بن المهلب في فرسان الأزد، فاجتمعوا إليه من كل أوب، فقال لهم: اعلموا أنه من تخلف عني في وقت حاجتي إليه محوت اسمه من الديوان. قال فقال أصحابه: أبا خالد! انظر إن تخلف منا عنك أحد فاضرب عنقه. # قال: فدنا يزيد بن المهلب في أصحابه، ودنا عطية بن الأسود في أصحابه، وتقدم فتى من بني ضبة من الأزارقة فجعل يقول شعرا. قال: ثم حمل الضبي على يزيد بن المهلب فضربه فلم يصنع شيئا، وضربه يزيد ضربة لم يتمكن منه كما يريد، فسقط الضبي إلى الأرض فأخذه يزيد أسيرا، فلما رآه غلاما شابا استحيى أن يقتله فقال له: الحق بأهلك ما كنت الذي أقتل مثلك. # قال: ثم تقدم عطية بن الأسود حتى وقف بين الجمعين وطلب البراز، فذهب يزيد بن المهلب ليخرج إليه، فتقدم رجل من أصحابه فأخذ بلجام فرسه فقال: أبا خالد! لا تخرج إليه فإنه من الابطال المعدودين في الأزارقة، قال: فغضب يزيد بن المهلب ثم قال: أطلق ويلك لجام الفرس وإلا هممتك بالسيف! قال: فتنحى الرجل وحمل يزيد بن المهلب على عطية بن الأسود فالتقيا بضربتين [وضربة يزيد] ضربة على بيضته فصرعه عن فرسه، وهم أن يضربه أخرى غير أنه اشتغل بغيره، فوثب عطية بعده حتى اختلط بالقوم، فاقتتلوا يومهم ذلك إلى الليل. فلما اختلط القوم انهزمت الأزارقة وقد قتل منهم جماعة، فأنشأ رجل من بني أسد في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # أتانا عطية في خيله * فقال المهلب نادوا يزيدا إلى آخرها. # قال: فأقام القوم أياما متحاجزين قد كف بعضهم عن بعض، قال: وإذا قوم من الأزارقة (1) قد أقبلوا إلى سرح المهلب فاستاقوا منه نيفا على ثلاثمائة رأس. # قال: فصاح المهلب بابنه مدرك، فقال: يا بني! إن السرح قد ذهب بعضه، وإنما نحن بالله ثم بالسرح، فالحق القوم! قال: فنادى مدرك في فرسان الأزد، فركبوا وركب مدرك في خيله نحو السرح حتى ms1082 لحقه، وإذا رجل من الأزارقة يسوق السرح # PageV07P030 # وهو يرتجز ويقول شعرا (1). قال: فلم يشعر الأزارقة ومدرك بن المهلب قد وافاهم في خيله (2)، فلما نظروا إليه رجعوا إليه، فجعل رجل منهم يرتجز ويقول (3): # أكل يوم يبعث المهلب * خيلا عليه من بنيه أغلب ليس لنا في الأرض منه مهرب * لا شيء إلا الموت وإلا فاهربوا قال: فحمل عليهم مدرك بن المهلب في خيله، فقتل منهم من قتل واستنقذ السرح، وانهزمت الأزارقة وتركوا عامة أموالهم، فرجع مدرك بأسلاح وأسلاب القوم إلى العسكر، فقال له المهلب: ما فعلت يا بني؟ فقال: استنقذت السرح وجئت بعامة أسلاب القوم، فقال: ولم فاتك أحد منهم لم تقتله؟ فقال: أصلح الله الأمير! لقد قاتلت القوم أشد القتال، ولولا ذلك لما قدرت على السرح. فقال المهلب: هيهات يا بني! كل امرئ (4) لا أليه بنفسي فهو ضائع! فقال له رجل من أصحابه (5): أصلح الله الأمير! لئن كنت لا تريد من الرجال إلا مثلك فلا والله ما فينا من يساوي شسع نعلك، قال: ثم أنشأ ذلك الرجل يقول أبياتا مطلعها: # قل للمهلب والسياسة كاسمه * إن كنت تطلب للسياسة مثلكا إلى آخرها. # قال: فبينا المهلب نازل على باب إصطخر محاصرا للأزارقة إذ خرجوا في جوف الليل يريدون الهرب منها إلى المدينة البيضاء (6)، وذلك أنهم قد أكلوا جميع ما كان بمدينة إصطخر فخرجوا عنها هاربين، واتصل الخبر بالمهلب، فنادى في # PageV07P031 # أصحابه أن اركبوا! ثم تبعهم. قال: والتفتت الأزارقة إلى خيل المهلب قد وافتهم، فرجعوا إليه وعزموا على الموت، فتقدم عبيدة بن هلال وحسر عن رأسه وهو يرتجز ويقول: # حتى متى يتبعنا المهلب * كأنه في أثر صحبي كوكب في كل يوم معزبات (1) شزب * فرسانها من حنق تلتهب ليس لنا في الأرض منهم مهرب * ولا السماء أين أين المهرب (2) قال: فحمل عليه بشر ابن أخي المهلب (3) فطعنه طعنة، سقط عبيدة عن فرسه مفضوحا، فأنشأ بشر يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # يا مليك ابنة الملوك سل بي * وبطعني عبيدة بن هلال إلى آخرها. # قال: وصاح صالح ms1083 بن مخراق: يا معشر المهاجرين! موتوا على دينكم، وولوني قتال القوم! قال: ثم تقدم صالح أمام القوم وجعل ينادي: يا معشر المحلين بشر لبشر ونفر لنفر، والله لا برحت أموت أو تموتوا. قال: فالتفت المهلب إلى ابنه المفضل، فقال: أبا غسان! شأنك والرجل، فأخرج إليه في أصحابك فإنه قد خرج في أصحابه، فإنه عجل فتأن وإن أمسك فتقدم. قال: فخرج المفضل بن المهلب في خيله حتى وقف قبالة صالح بن مخراق، قال ثم قال: أنا أبو غسان فأثبت يا بن مخراق! قال: ثم عطف عليه المفضل والتقيا بضربتين، ضربه المفضل انفلت منها صالح بن مخراق وهو يولول، فناداه المفضل: إلى أين يا بن مخراق؟ إن كنت صادقا فاثبت! قال: فلم يجبه صالح إلى شيء واشتغل بما قد نزل به من الضربة. # قال: واشتد القتال وجعلت الأزارقة كلما مل منهم قوم من القتال تأخروا وتقدم آخرون، فقال المهلب: سبحان الله العظيم! والله ما رأيت ولا سمعت بمثل هؤلاء القوم ساعة قط، كان كل ما ينقص منهم أن يزيد فيهم. فقال المفضل: نعم والله. # أصلح الله الأمير! وأعجب من ذلك أني كلما قلت ملوا من الحرب قد عادوا حتى # PageV07P032 # كأنهم لم يفعلوا شيئا. فقال المهلب: هكذا الرجال يا بني، أما والله أن لولا الكتاب المؤجل إذا لأبادونا أو أبدناهم. # قال: وضجرت الأزارقة وملوا من الطعن والضرب فولوا مدبرين نحو المدينة البيضاء، فقال المهلب لأصحابه: لا تتبعوهم! فوالله ما انصرفوا حتى انتصفوا منا وانتصفنا منهم. قال: فأنشأ المغيرة بن حبناء التميمي في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # أتى ابن مخراق ليقضي نذره * وكان إذا ما قال افعل تفعلوا إلى آخرها. # قال: وأقبل المهلب حتى نزل على مدينة البيضاء والأزارقة مجتمعون بها، فنزل عليهم وحاصرهم وضيق عليهم غاية الضيق، فلما رأوا ذلك خرجوا إليه كالسباع الضارية، وجعل رجل منهم ينادي: يا معشر المحلين! حتى متى نفر منكم، هذا يوم نموت فيه جميعا. قال: وتقدم عمرو القنا حتى وقف بين الجمعين وجعل ينادي: أين أبو غسان؟ ms1084 أين المفضل بن المهلب؟ قال: فما لبث أن خرج إليه المفضل وبين يديه رجل من الأزد يحرضه على حرب القوم، وهو يقول أبياتا مطلعها: # أقدم فدتك النفس يا مفضل * فأنت من إخوتك المبجل إلى آخرها. # قال: فحمل عليه عمرو القنا (1) وفي يده لواء الأزارقة، وحمل عليه المفضل فطعنه في صدره طعنة، فأوهنه حتى سقط اللواء من يده فأخذ أصحاب المفضل اللواء من عمرو، ومر عمرو مجروحا لما به، فأنشأ المغيرة بن حبناء التميمي يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # يا عمرو لا تلقى المفضل بعدها * بلواء قومك إذ سلبت لواءكا إلى آخرها. # قال: وأقبلت الأزارقة على عمرو القنا فقالوا: يا عمرو! إنه قد أخذ منك اللواء ورجع بغيرك، ألا تعلم أنه عار عليك وعلى عشيرتك! قال: فرجع عمرو القنا إلى الحرب ثانية، واشتبك القتال بين الفريقين، وحمل عمرو القنا على رجل من # PageV07P033 # أصحاب المفضل قد كان اللواء في يده ليأخذه منه، وحمل عليه المفضل فضربه ضربة ثم قال: خذها يا عمرو! أنا الغلام الأزدي. قال: فولى عمرو القنا منهزما هو وأصحابه حتى دخلوا مدينة البيضاء، وذلك في وقت المساء. فقال المهلب لابنه المفضل: ادن مني يا بني! هكذا فكن كما كان آباؤك من قبل، فأنشأ الأشرس الحرمي في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # قل للمفضل قد شفيت نفوسا * يوم التقى الجمعان بالبيضاء إلى آخرها. ### | خبر سبرة (1) بن الجعد مع الحجاج بن يوسف # قال: ولما بلغ الحجاج ما فيه المهلب من حرب‌ الأزارقة وما لقي منهم فاغتم لذلك غما شديدا وامتنع من النوم وأرق ذات ليلة، فلما طال عليه ذلك دعى بصاحب حرسه فقال: اخرج فائتني بمحدث يقطع عني بعض هذه الليلة! قال: فخرج الحرسي فإذا هو برجل جسيم وسيم قد لقيه، قال له: أجب الأمير! قال: ففزع الرجل وطار عقله وأتى به حتى دخل على الحجاج، فلما سلم قال له الحجاج: إيه ما عندك! [فقال له الرجل: إيه ما عندك -] (2)، قال فقال الحجاج للحرسي: # ويلك! أمرتك أن تأتيني بمحدث فأتيتني برجل مرعوب ms1085 قد ذهب عقله، أخرجه عني، أخرج الله نفسك ونفسه! فخرج الحرسي فوجد إنسانا يصلي، فقال له: كلم الحجاج! قال: فأوجز الرجل في صلاته [ثم] أتى به حتى أدخل على الحجاج، فسلم بلسان طلق ذلق (3) وقلب شديد، فقال الحجاج: ممن الرجل؟ قال: رجل من ربيعة، قال: ومن أيها؟ قال: من بني شيبان، قال: فما اسمك وابن من؟ # قال: اسمي سبرة (4) بن الجعد، قال الحجاج: اجلس يا سبرة بن الجعد وأخبرني هل قرأت القرآن؟ فقال: نعم أيها الأمير لقد قرأته وجمعته في صدري، فإن عملت به فقد حفظته وإن لم أعمل به فقد ضيعته. # PageV07P034 # قال الحجاج: صدقت، فهل علمت من الفرائض (1)؟ فقال: نعم وإني لأعرف الاختلاف في الجد، قال: فهل تبصر الفقه؟ # قال: نعم، إني لابصر منه ما أقوم به أهلي وأرشد به ذا العماء من قومي. # قال: فهل نظرت في النجوم؟ فقال: نعم، إني لأعرف منازل القمر، وما أهتدي (2) به في السفر، قال: فهل تروي الشعر؟ قال: نعم، إني لأروي منه المثل وأعرف الشاهد من أيام العرب. قال: فاتخذه الحجاج سميرا وأجرى عليه رزقا، فلم يكن يسأله عن شيء من العلوم والاخبار والأحاديث والأسمار إلا وجد عنده من ذلك طرفا (3). # قال: وبلغ ذلك قطري بن الفجاءة صاحب الأزارقة، فاشتد عليه مكان سبرة بن الجعد من الحجاج لأنه كان قد يرى رأيهم، قال: فكتب إليه قطري بن الفجاءة بهذه الأبيات: # لشتان ما بين [ابن] جعد وبيننا * إذا نحن رحنا في الحديد المظاهر (4) وراح ابن جعد الخير نحو أميره * أمير بتقوى ربه غير آمر نجالد (5) فرسان المهلب كلنا * صبور على وقع السيوف البواتر أبا الجعد أين العلم والحلم والنهى * وميراث آباء كرام العناصر ألم تر أن الموت لا شك نازل * ولا بعث إلا للألى في المقابر عراة حفاة والموات لديهم * إلى ظلمة تغشى عيون النواظر (6) وتب توبة تهدي إليك سعادة * فإنك ذو ذنب ولست بكافر فإن الذي قد نلت يفني وإنما * بقاؤك في الدنيا كوقعة طائر # PageV07P035 # وسر نحونا تلق (1) الجهاد غنيمة * تفدك ابتياعا ms1086 رابحا غير خاسر (2) هي الغاية القصوى العظيم ثوابها * إذا نال في الدنيا الغنى كل تاجر قال: فلما قرأ سبرة (3) بن الجعد كتاب قطري بن الفجاءة توارى عن الحجاج ليلة من الليالي، ثم ركب فرسه فلحق بالأزارقة فصار معهم. قال: وطلبه الحجاج فلم يقدر عليه، وجعل يسأل عنه فلم يعطه أحد خبره، قال: فلم يرع الحجاج إلا وكتابه قد ورد عليه فيه شعر قطري بن الفجاءة الذي كان كتبه إليه، وفيه هذه الأبيات إلى الحجاج: # فمن (4) مبلغ الحجاج أن سميره * على كل دين غير دين الخوارج رأى الناس إلا من رأى مثل رأيه * ملاعين تراكين قصد المناهج فأي امرئ أمي امرئ يا بن يوسف * ظفرت به لم يأت غير الولائج إذا لرأيت الحق منه مخالفا * لدينك إن كنت أمرا غير فالج يسائلني الحجاج عن أمر دينه * وليس هواه للصواب بواشج فأضلل به من واشج خلجت‌ به * عن الدين والاسلام إحدى الخلائج وتهاب ثلج والمقيم بنهرها * إذا قستها في البعد من ملء عالج فيا ليتني إذ أمكنتني فرصة * فتكت به فتك امرئ غر نافج فقد كدت لولا الله أن أمزج الهوى * هدى الحق من قلبي بمذقة مازج فعممته مثل العقيقة صارما * يخال على متنيه ماء الصهارج فأقبلت نحو الله بالله واثقا * وما كربتي غير (5) الاله بفارج على ظهر محبوك العرى متمطرا * إلى فتية بيض الوجوه بناهج إلى قطري في الشراة معالجا * ولست إلى غير الشراة بعالج إلى عصبة أما النهار فإنهم * صموت من الفحشاء غير ممازج وأما إذا ما الليل جن فإنهم * هم الأسد أسد الحرب عند التهايج (6) # PageV07P036 # ينادون بالتحكيم لله إنهم * رأوا حكم عمرو كالرياح الهوائج وحكم ابن قيس مثل ذلك فاعصموا * بحبل شديد الفتل (1) ليس بناهج ولا خير في الدنيا إذا الدين لم يكن * صحيحا ولم يصمد لقصد المخارج قال: فلم قرأ الحجاج هذا الكتاب تغير لونه ووجهه، ثم رماه إلى كاتبه (2) وقال: هذا كتاب سميرنا الشيباني وكان من الخوارج ولم نعلم. قال: ثم جعل الحجاج يعض أنامله ويتأسف على ms1087 ما فاته من قتله. ### | ثم رجعنا إلى أخبار الأزارقة # قال: وأصبحت الأزارقة ذات يوم فخرجوا عن مدينة البيضاء إلى حرب المهلب وأصحابه في تعبية لم ير (3) مثلها قبل ذلك، وزحفوا حتى جعلوا مدينة البيضاء من ورائهم، وتقدم رجل منهم من بني ضبة يقال له زياد فجعل ينادي: يا معشر المحلين! هل من مبارز! قال: فصاح المهلب برجل يقال له الرقاد بن عمرو (4) فقال له: يا رقاد! أكفنا هذا الفارس! فقال: أفعل أصلح الله الأمير ولو أمرتني بالبراز إلى من هو أعظم خطرا منه. ثم حمل الرقاد بن عمرو على زياد الضبي، فطعنه طعنة خر منها قتيلا. قال: ونظرت الأزارقة إلى زياد الضبي قد سقط فضجوا بالبكاء، ثم انهم استماتوا فجعلوا يقاتلون أشد القتال إلى أن اختلط الظلام ثم تحاجز الفريقان وقد انتصف منهم خيل المهلب، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (5) يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # ولما بدت خيل تنادي * بأن الصياح للأعادي إلى آخرها. # PageV07P037 ### | خبر الجاريتين ابنتي تبع الحميري وخبر محمد بن يوسف أخي الحجاج وخبر السيف وهذا داخل في حديث الأزارقة # قال الهيثم بن عدي في بعض أخباره: كان محمد بن يوسف أخو الحجاج بن يوسف يومئذ عاملا على اليمن من قبل الحجاج، فدلوه على مطمورة هناك، فحفرها فإذا هو بحجر منقور طويل، وفي الحجر جاريتان عند رؤوسهما لوح من حجر مكتوب فيه الحميري: (يا أخي! وهذه أختي لميس، ونحن ابنتا تبع الحميري، غير أننا متنا ولا نشرك بالله شيئا. وإذا عند رأس إحداهما (1) هذه الأبيات مكتوبة في الحجر: # كنت العزيزة في قومي فما امتنعت * نفسي بعزتها لما أتى القدر لما أتاني الذي قد كنت أحذره * سلمت واستعجلتني عبرة درر وارفض من كان حولي من ذوي ثقة * كيما أوارى فلا شخص ولا أثر وأخرجوني من الدنيا وزينتها * وصار أكبر ما ألحقته المدر قال: وإذا عند رأس الأخرى مكتوب في الحجر هذه الأبيات: # جار الزمان علينا مثل ما صنعت * أيامه بابن ذي الصقرين ذي يزن كنا نرى وملاهي الدهر تذهلنا ms1088 * إن المنعم قد تعرى من الحزن كانت لنا جنة خضراء معشبة * للطير والوحش فيها صوت مرتهن قال: وإذا بين هاتين سيف مأثور لا يدرى ما قيمته، قال: فأخذ محمد بن يوسف ذلك السيف وخرج من المطمورة ورد الحفر إلى ما كان. ثم كتب إلى الحجاج يعلمه أمر المطمورة وبعث إليه بذلك السيف، قال: فنظر الحجاج إلى سيف قاطع من سيوف الأولين، فقال لجلسائه: ما يصلح هذا السيف إلا للمهلب يقاتل به هؤلاء الخوارج. قال: فبعث الحجاج بذلك السيف إلى المهلب وأمره أن يدفعه إلى أشد أولاده وأشجعهم. قال: فوهب المهلب هذا السيف لابنه المغيرة. # وزحفت الأزارقة نحو المهلب في جيش لجب، وتقلد المغيرة بذلك السيف وخرج نحو الأزارقة، ودنت الأزارقة يقدمهم صالح بن مخراق العبدي شاكا في السلاح، وعلى رأسه بيضة مجلية، وقد وضع على قفاه مزردة محشية بالقز وهو يرتجز ويقول: # PageV07P038 # قل للمحلين أتاكم صالح * وصالح في الحرب كبش ناطح وصالح في الغيل ليث كالح * وصالح ظفر وناب جارح يهوي به طرف سريع سالح * في كفه عضب حسام لائح ثم حمل على خيل المهلب، وحمل عليه المغيرة بذلك‌ السيف فضربه ضربة على بيضته فقدها حتى أسرع السيف إلى رأسه وسقط صالح بن مخراق عن فرسه، فحماه أصحابه وهو لما به، ثم حمل المغيرة على جميع الأزارقة وكان لا يضرب منهم بسيفه أحدا إلا جندله صريعا. قال: فلم يزل كذلك حتى انكشفوا من بين يديه، ثم رجع المغيرة إلى أبيه والسيف بيده خضيبا بالدماء. قال فقال المهلب: # أحسنت يا بني! لقد أخذته بحقه (1)، وأنا كاتب إلى الحجاج بما صنعت في هذا اليوم، فأنشأ المغيرة بن حبناء التميمي يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # قل للمهلب قد وقيت نفوسنا * ببنيك فعلة تبع ذي التاج إلى آخرها. ### | ذكر اختلاف الخوارج وتشتيت أمرهم # قال: ووقع الخلاف بين الأزارقة فاختلفوا فصاروا على ثلاث فرق: فرقة مع صاحبهم قطري بن الفجاءة، وفرقة مع عبد ربه الكبير، وفرقة مع عبد ربه الصغير. # قال: وتشتت أمورهم واختلفت كلمتهم، ms1089 فأنشأ رجل منهم يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # كفى حزنا أن الخوارج أصبحوا * قد انشتت نياتهم فتصدعوا (2) إلى آخرها. # قال: وبلغ المهلب ما هم فيه من التشتيت والاختلاف، فقال لأصحابه: # أبشروا! فهذا الذي كنت أرجو من هؤلاء الخوارج، وقد أذن الله في هلاكهم وبوارهم. # ثم وثب رجل منهم يقال له الصلت بن مرة الايادي إلى قطري بن الفجاءة # PageV07P039 # فقال: يا أمير المؤمنين! إننا كنا مرة أفاعي فأصبحنا اليوم خنافس، وقد كنا أسودا فأصبحنا ضباعا، وقد أصبح المهلب يرجو منا ما كنا نرجو منه، وقد بلغني أنك تريد الهرب، فإن (1) كنت إنما تريد الله والدار الآخرة فاثبت ومت حتى نموت معك، وإلا فدع أصحابك حتى يستأمنوا إلى المهلب فإنه يؤمنهم، قال: ثم أنشأ يقول أبياتا مطلعها: # أبقى لنا عبد رب بعد ألفتنا * طعن الصدور فصرنا ضحكة العرب (2) إلى آخرها. # قال: فلما سمع قطري بن الفجاءة هذه الأبيات استعبر باكيا ووطن نفسه على الموت، ونادى فيمن أجابه من الأزارقة وزحف إلى المهلب وأصحابه، ودنا القوم بعضهم من بعض، وتقدم قطري أمام الخيل وهو يرتجز ويقول شعرا. قال: فما لبث قطري بن الفجاءة أن خرج إليه المهلب بنفسه وهو يرتجز ويقول: # يا قطري أين أين المهرب * لا أين منك والفتى المهلب يطعن أحيانا وحينا يضرب * كأنه وسط العجاج يلعب قال: فعلم قطري أنه المهلب فجعل يرتجز وهو يقول: # إن يلقني بجده المهلب * اصبر وإلا لم يضرني المهرب شيخ بشيخ ذا وذا مجرب * رمحاهما كلاهما مخضب (3) قال: فاقتتل القوم يومهم ذلك إلى الليل. وارتحل عبد ربه الكبير وعبد ربه الصغير نحو بلاد كرمان أحدهم في سبعة آلاف والاخر في أربعة آلاف، فصار كل # PageV07P040 # واحد منهم على حدة. قال: وارتحل قطري بن الفجاءة حتى صار إلى مدينة جيرفت (1) فنزلها فيمن بقي معه من أصحابه. قال: وجعل كل واحد من هؤلاء القوم يعزم على قتال المهلب بنفسه وأصحابه ليتبين صبره وجهاده من جهاد غيره، وأنشأ كعب بن معدان يقول أبياتا مطلعها: # دعوا التبايع والاسراع وارتقبوا * إن ms1090 المحارب يشنأني وينتظر إلى آخرها. # قال: واشتد الحصار على قطري بن الفجاءة وأصحابه بمدينة جيرفت، واتصل الخبر بأصحابه أنه يريد الهرب، فقام إليه رجل من الأزارقة يقال له عامر بن عمرو السعدي فقال: يا أمير المؤمنين! إننا قد بلغنا عنك أنك تريد الهرب، فإن قاتلت قاتلت معك، وإن هربت فأنا أبرأ إلى الله منك! فقال قطري بن الفجاءة: من ههنا اضربوا عنقه! قال: فضرب عنق السعدي. فوثب ابن عم له فقال له: يا أمير المؤمنين! يكلمك ابن عمي بكلمة فيها رضى فتأمر بضرب عنقه! لا يجب أن يكون جوابك القتل، وعقابك السيف، فإن الطاغي يوجع، والمستعتب يعتب، ألا والله لم يبق معك أحد إلا فارقك! فإن فعالك هذه من فعال الجبارين، ثم أنشأ يقول (2): # أيا قطري بن الفجاءة ما لنا * من النصف شيء غير فعل الجبابر أما تستحي يا بن الفجاءة التي * لبست بها عارا وأنت مهاجر (3) أفي كل يوم للمهلب أسلمت (4) * له شفتاك الفم والقلب طائر فحتى متى هذا الفرار حذاره * وأنت ولي والمهلب كافر [و] إن قال يوما عامر فضربته * بأبيض مصقول فلله عامر أسرت ولم تأمر به فدماؤه * تسيل على ثوبيه والرأس نادر # PageV07P041 # أما حسبنا من عبد رب وصحبه * شجى ناشب لم تبتلعه الحناجر قتلت الذي لا تستطيع فراقه * حياتك لا تنفع وموتك صائر فمت قطري إن في الموت راحة * وأنت لديه لا محالة سائر قال: فهم به قطري أن يقتله، ثم إنه خشي أن يلتاث عليه أهل عسكره فسكت عنه، وجاء الليل فهرب ذلك الرجل في جماعة من الأزارقة حتى صاروا إلى المهلب فاستأمنوه، فأمنهم وأحسن جوائزهم، ثم أنشأ ذلك الرجل يقول (1): # قد قلت لما أرهجت لي عجاجة * هوى قطري وسطها يتذبذب فيا قطري بن الفجاءة ما لنا * جواب لحاك الله إلا المشطب فلما أبى إلا اللجاج بقتلنا * نظرت وكان المستجار المهلب عفو عن الذنب العظيم كأنه * لمن ليس يرجو العفو عن ذنبه أب عقوبته فيما يعاقب غيره * عليه بمصقول الظبي حين يغضب يعاتبه المرء الشفيق ms1091 نصيحة * يزيدهم عفوا إذا القوم أذنبوا لحقت به ما استبان ضلاله * كأني إليه (2) كنت بالأمس أهرب فما جئته أغشو إليه بشبهة * ولا طالبا مالا ولا المال أطلب ولكنني أحدثت لله توبة * قفلت إليها والقلوب تقلب ولم تك لي بعد البصيرة عرجة * ولم يك لي بعد المهلب مذهب قال: وبقي قطري بن الفجاءة مغموما [فيما] هو فيه، لأنه قد فارقه رجال من أصحابه، ففرقة مع عبد ربه بوادي كرمان، والذين هم معه بجيرفت هو منهم على وجل فلم يدر ما يصنع، وضاق به الامر، فأنشأ يقول (3): # أقول لنفسي حين طال حصارها * وفارقها للحادثات نصيرها لك الخير موتي إن في الموت راحة * فيأتي عليها حينها ما نصيرها (4) فلو أنها ترجو الحياة عذرتنا * ولكنها للموت يحدي بعيرها وقد كنت أوفي للمهلب صاعه * ويشجى بنا والخيل يثني نحورها # PageV07P042 # إذا ما أتت خيل لخيل لقيتها * بأقرانها أسدا يداني زئيرها ولا يبتغي الهندي إلا رؤوسها * ولا يلتقي الخطي إلا صدورها ففرق أمري عبد ربه وصحبه * أدار رحى موت عليها مديرها فقدما رأى منا المهلب فرصة * فها تلك أعداتي طويل سرورها وأعظم من هذا علي مصيبة * إذا ذكرتها النفس طال زفيرها فراق رجال لم يكونوا أذلة * وقتل رجال جاش منها ضميرها لقوني بالامر الذي في نفوسهم * ولا يقتل الفجار إلا فجورها عبرنا (1) زمانا والشراة بغبطة * يسر بها مأمورها وأميرها قال: ثم أرسل قطري إلى من كان معه في مدينة جيرفت وأوصاهم وعهد إليهم وقال: اعلموا أني قد عزمت غدا على الخروج إلى المهلب وأصحابه فانظروا كيف تكونون! فأرسلوا إليه أن يا أمير المؤمنين إننا قد عزمنا على الموت، فاعزم على ذلك. فلما كان من الغد فتح القوم أبواب المدينة وخرجوا منها إلى لقاء المهلب وأصحابه في زيادة على عشرة آلاف، وعبى المهلب أصحابه كما كان يعبيهم من قبل، ودنا القوم بعض من بعض، واختلطوا وتلاحموا واقتتلوا قتالا نسوا ما كان قبل ذلك، ولم يزالوا على ذلك يومين وليلتين. # فلما كان اليوم الثالث أقبل عبد ربه الصغير على ms1092 أصحابه وهو في أربعة آلاف، فقال: ويحكم يا معشر المهاجرين! إن قطريا وأصحابه في الحرب منذ يومين وليلتين، وهذا عار علينا أن نسلم إخواننا، ولكن سيروا بنا إليهم. قال: فلم يشعر المهلب إلا وعسكر لجب قد وافاه في أربعة آلاف من الأزارقة، فقال لابنه يزيد: أبا خالد! هذا عبد ربه الصغير قد أقبل، فاضمم إليك من أحببت من العسكر واكفني أمره، ودعني وقطري بن الفجاءة وأصحابه: قال: فما انتصف النهار حتى قتل عبد ربه الصغير وقتل عامة أصحابه، فما انفلت منهم إلا شرذمة قليلون. ونظر قطري إلى ما قد نزل بعبد ربه الصغير وأصحابه فولى منهزما، ووضع السيف في أصحابه فقتل منهم مقتلة عظيمة، ونجا قطري وأصحابه في الذين بقوا معه، فمر هاربا على وجهه، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (2) يقول أبياتا مطلعها: # PageV07P043 # نجا قطري والرماح تنوشه * على سابح نهد التليل مقرع إلى آخرها. # قال: ومضى قطري بن الفجاءة هاربا على وجهه حتى صار إلى مدينة الري ومعه عبيدة بن هلال ومن تبعهم من الأزارقة، فلما صار القوم إلى بلد الري افترقوا، فصار قطري إلى ناحية طبرستان، ومضى عبيدة بن هلال في نفر من أصحابه إلى بلد قومس (1)، فنزلها ثم بعث إلى المهلب بن أبي صفرة بهذه الأبيات: # طال ليلي وغير الدهر حالي * ورماني بصائبات النبال أفرق الدهر بيننا أي قطري * ورمانا بفتنة الدجال وأرى عبد ربه ترك الح‍ * - ق فهذا في الردى والضلال أوقدوها على الشراة وقالوا * شن هذا عبيدة بن هلال ولعمري إن هما زعماه * لقليل في جمعهم أمثالي إنني للصبور في حمس (2) الحر * ب بصير بما علي وما لي غير أني لم أحبها علم الل‍ * - ه ولا حل في اللجاج عقالي قرة العين بالشراة وأمسى * للمحلين غير ما زلزال وتبارى المهلب بن أبي صف‍ * - رة للقوم عند هلك الرجال مد رجليه للفراغ من الحر * ب ومد اليدين للأنفال وعيالي يطرحون بجيرف‍ * - ت لك الخير أين مني عيالي إن تنلهم يد المهلب في الحر * ب سبايا فإنني لا ms1093 أبالي يمنع الشيخ منهم عظم الخط‍ * - ب وأن ليس بيعهم بحلال إن من حالة المهلب في النا * س له هيبة وعز جلالي (3) قال: فذكروا أن المهلب قد وصلت إليه هذه الأبيات، فلما ظفر بمن بقي من الأزارقة اشترى عيال عبيدة بن هلال وأولاده بخمسين ألف درهم من ماله وألحقهم بقومه. # PageV07P044 # قال: وانضمت الأزارقة إلى عبد ربه الكبير فبايعوه بالخلافة وقالوا: نحن معك أو نفنى عن آخرنا. قال: فغضب لذلك عطية بن الأسود وخرج من العسكر مخالفا لعبد ربه، وتبعه عبد ربه في نفر من أصحابه فقال: يا أبا الأسود! ارجع رحمك الله ولا تشق العصا، فإن الناس قد بايعوني، فلا تخالف ما عليه إخوانك، فقال له عطية بن الأسود: لا حاجة لي في المقام معك. قال: فحمل عليه عبد ربه فطعنه في خاصرته طعنة فقتله ورجع إلى عسكره، فلما كان الليل لم يبق أحد من أصحاب عطية إلا خرج من العسكر وهم يقولون: الصلاة خلف عبد ربه حرام بعد هذا، ثم صاروا إلى المهلب فاستأمنوا إليه، فأمنهم وأحسن جوائزهم. # قال: وجمع عبد ربه الكبير من بقي معه من أصحابه ثم قام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا معشر المهاجرين! فإن كنتم فقدتم الرجال فلم تفقدوا الاسلام، وقد أراحكم الله من خمسة أشياء: من جفاء قطري بن الفجاءة، وأخلاط عبيدة بن هلال، ونخوة عمرو القنا، وغي عبد ربه الصغير، وفتنة عطية بن الأسود، وقد صيركم الله إلى بصائركم الأولى، فاحمدوا الله على ذلك! # وقد علمتم أن المهلب قد نزل بمدينة جيرفت واحتوى على غنائم إخوانكم وبني أعمامكم، وأنا سائر إليه فسيروا على بركة الله. # قال: ثم سار وسارت الأزارقة معه نحو مدينة جيرفت، وبلغ ذلك المهلب فنادى في أصحابه وأمرهم بالرحيل، ثم خرج من جيرفت كالمنهزم عنها، وأقبل عبد ربه في الأزارقة وقد بلغه خروج المهلب من جيرفت، فظن أنه قد انهزم بين يديه، فأقبل حتى دخل المدينة فنزلها في أصحابه. وعلم المهلب بذلك فرجع حتى ms1094 نزل بجيرفت وجميع جنده، ثم إنه قام في الناس خطيبا وقال: أيها الناس! إنكم نلتم ما رجوتم في عدوكم من الفرقة والتشتيت، وقد (1) كفاكم الله خمسة من قرناء الشيطان: قطري بن الفجاءة، وعبيدة بن هلال، وعطية بن الأسود، وعمرو القنا، وعبد ربه الصغير، وقد بقي عبد ربه الكبير، وأنا أرجو أن يقتله الله غدا إن شاء الله، والقوم لاقوكم فاصبروا. فقال (2) الناس: سمعا وطاعة! قال: فعندها عزم المهلب # PageV07P045 # على مناجزة القوم، وجعل يقول لأصحابه: لا تبدأوهم بالتقال حتى يبدأوكم، فإن القوم متكلون على ما في المدينة من الأطعمة، ولقد نفد ما عندهم وجاعوا وإلا خرجوا إليكم. قال: واشتد الحصار على الأزارقة في مدينة جيرفت حتى أكلوا جميع ما قدروا عليه، ثم إنهم خرجوا إلى حرب المهلب في تعبية وجيش لجب، قال: # وعبى المهلب أصحابه كراديس، وجعل في كل كردوس رجلا من أولاده، ثم أقبل عليهم وقال: يا بني! إنما أقاتل الله، وأنتم تقاتلون لله وعن أبيكم، وتذبون عن دين الاسلام، وليس يقاتل معكم إلا من رزقه الله النية في الجهاد، وليس أحد أولى بحرب منكم، فقاتلوا واصبروا وكونوا كما قال أخو قيس حيث يقول: # إن على أهل اللواء حقا * أن يخضبوا الصعدة أو بيرقا واعلموا يا بني! أنكم لا تملكون رقاب الناس وإنما تملكون طاعتهم، فكونوا كما قال الأول: # إذا أعطيت راحلة ورحلا * ولم أوضع فقام علي ناعي قال: فعندها جد بنو المهلب في القتال، وإذا غلام من الأزارقة وقد وقف على تل مرتفع ورفع صوته وجعل يقول (1): # أفرق الامر بيننا قطري * ولهجنا بلفظ قيل وقال ورمانا عمرو القنا بهواه * وأخوه عبيدة بن هلال ورضينا بعبد ربه والمر * ء رهين بجاذب الأهوال فلقد عاين المهلب ما كا * ن رجا من تقارب الآجال قال: ثم حمل ذلك الغلام على أصحاب المهلب فلم يزل يقاتل حتى قتل، واشتد الحرب على باب جيرفت يومهم ذلك من وقت الضحى إلى أن غابت الشمس. قال: وصاح رجل من أصحاب المهلب يقال له سلقط (2) بن عمرو ms1095 فقال: # أيها الناس! إنه قد جاء الليل وغابت الشمس والليل لا يقاتل فيه إلا الشجاع المطبوع على الشجاعة، فأيكم يبايعني على الموت؟ قال: فانتدبت له جماعة من فتيان الأزد، وتقدم سلقط هذا فيمن اجتمع إليه نحو الأزارقة، فلم يزل يقاتلهم هو # PageV07P046 # وأصحابه حتى ألجأهم إلى وادي جيرفت، وصاح المهلب بابنه يزيد فقال: يا بني! # ابسط خيلك على القوم، قال: فبسط يزيد خيله على الأزارقة، وثبتت الأزارقة للحرب، وجعل أصحاب يزيد بن المهلب لا يرون داعيا من الأزارقة إلا ورموه بالحجارة، فلم يزالوا كذلك إلى الصباح حتى قتل من الأزارقة بشر كثير، وقتل سلقط بن عمرو الأزدي، فأنشأ سماعة بن يزيد يقول أبياتا مطلعها: # توى سلقط في حومة الحرب مسندا * فيا عين جودي بالدموع لسلقط إلى آخرها. # قال: وولت الأزارقة منهزمين حتى دخلوا مدينة جيرفت بشر وعر، فأقاموا يومهم ذلك. فلما كان الليل إذا برجل من الأزارقة قد أشرف على سور المدينة وهو يقول أبياتا مطلعها: # إلى الله أشكو كربة أن تفرجا * وهما دخيلا لا أرى منه مخرجا (1) إلى آخرها. # قال: فلما سمع المهلب شعره التفت إلى رجل من أصحابه فقال: اسأله ممن هو؟ فناداه ذلك الرجل: أيها المتكلم ممن تكون؟ فقال: أنا رجل من الأزد من أهل الكوفة، وأنا ابن عم سراقة البارقي، وأيم الله أني لخائف أن أبتلي الفتنة. # قال: فلما أصبح المهلب عبى أصحابه للحرب ودنا من باب جيرفت، وبلغ ذلك عبد ربه رئيس الأزارقة فقام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (2): يا معشر المهاجرين! إن قطري بن الفجاءة عبيدة بن هلال وعمرو القنا وشيعتهم إنما هربوا رجاء البقاء. وليس إلى البقاء من سبيل وقد زحف إليكم القوم، وهؤلاء قوم بحدهم وحديثهم، فإن غلبوكم على الحياة فلا يغلبوكم على الموت، فانظروا أن لا يبقى الرماح إلا بالنحور والسيوف إلا بالوجوه، وتعجلوا إلى قبل أحداث هذه الدنيا، وهبوا أنفسكم لله في الدنيا يهبها لكم في الآخرة، ولا تيأسوا من النصر، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ms1096 بإذن الله والله مع الصابرين. # قال: فخرجت الأزارقة مستميتين (3) وقد عزموا على الموت. ودنا القوم # PageV07P047 # بعضهم من بعض، ثم أقبل رجل من الأزارقة حتى وقف بين الجمعين، قال: # وجعل يرتجز ويقول: # إن كان قد فارقتنا عبيده * وقطري ذو المدى البعيدة فعبد رب حمزه عنيده * وشوكه وكيده شديده (1) قال: ثم ح مل على أصحاب المهلب فكبا به فرسه فسقط إلى الأرض، فأخذ أسيرا وأتي به إلى المهلب حتى وقف بين يديه، فقال المهلب: اضربوا عنقه! # فقال: أيها الأمير! أنا ابن عم لك، أنا رجل من الأزد من بارق، وأنا صاحب الشعر البارحة. قال: فخلى عنه المهلب ولم يقتله. واختلط القوم فاقتتلوا قتالا شديدا، وصاح عبد ربه بأصحابه: يا معشر المهاجرين! روحوا إلى الله فإن القوم رائحون إلى النار. قال: فعندها كلبت الأزارقة واشتد القتال، ونزل عبد ربه عن فرسه فكسر جفن سيفه، ونزلت معه الأزارقة وكسروا جفون سيوفهم، وعزموا على الموت. # ونادى المهلب بأصحابه: يا معشر المسلمين! إن هذا يوم له ما بعده من الأيام وبصبركم أمس بلغتم اليوم، وبصبركم اليوم تبلغون غدا. قال: وكثرت القتلى في الأزارقة وعضهم السلاح وكأنهم كاعوا عن الحرب، ونظر المهلب إلى ذلك، فجمع أولاده وابطال أصحابه، ثم حمل وحملوا معه، فقتل عبد ربه وقتل معه قريب من أربعة آلاف رجل في ربضة واحدة، وسألت دماؤهم إلى وادي جيرفت حتى أحمر ماء الوادي، وبقي الباقون بلا نظام فولوا هاربين، فمنهم من دخل إلى مدينة جيرفت، ومنهم من استأمن إلى المهلب فأمنه، ومنهم من هرب على وجهه في البلاد، ودخل المهلب إلى مدينة جيرفت فاحتوى على ما كان فيها من أمتعة الأزارقة ودوابهم وسلاحهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم (2)، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (3) يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # ألم يأتها أن الأزارق شردوا * وصارت عليهم في البلاد الفضائح إلى آخرها. # PageV07P048 # قال: ثم جمع المهلب غنائم الأزارقة فجعل يقسمها في أصحابه على أقدارهم ومراتبهم، ثم أقبل حتى نزل في أصل شجرة في موضع سوق جيرفت وقال: يا غلام! خذ ms1097 عني سلاحي، قال: فنزع الغلام درعه وخفيه، وعلق سيفه على الشجرة، ثم مد رجليه وقال: الحمد الله الذي ردنا إلى ما كنا عليه من الخفض والدعة، فإنه ما كان عيشنا بعيش، فأنشأ رجل من أصحابه (1) وهو يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # لقد مس منا عبد رب وجنده * عقاب فأمسى سبيهم في المقاسم إلى آخرها (2). # قال: ثم رفع رأسه فإذا بقوم بين يديه لا يعرفهم، فعلم أنهم من الأزارقة فاتقاهم على نفسه أن يفتكوا به، فتبسم ثم قال: ما أشد عادة السلاح، يا غلام! رد علي درعي وهات خفي، قال: فأتي بدرعه فأفرغ عليه، ومد خفيه في رجليه. # وتقلد بسيفه، ثم قال: إني أرى وجوها ما أعرفها، ثم قال لأصحابه: خذوهم! # فأخذوهم، فقال لهم المهلب: ما أنتم؟ فقالوا: نحن قوم من الأزارقة، غير أننا عجزنا عن قتالك فاجتمعنا على قتلك في وقتنا هذا. قال: فضحك المهلب ثم قال: أجل ما أردتم ما لم يرده الله، فاختاروا الان واحدة من اثنتين: القتل أم التوبة، فقالوا: بل التوبة! فأوهبهم المهلب لقوم من عشائرهم (3)، فأنشأ رجل منهم يقول أبياتا مطلعها: # خلونا وقلنا للمهلب غرة * فأعجلنا لما رآنا المهلب إلى آخرها. # قال: ثم دفع المهلب كل جريح من الأزارقة إلى عشيرته فقال داووه فاخلطوه بأنفسكم، ومن رابكم أمره (4) فاعرضوه على السيف. قال: ثم جمع المهلب الأموال فسرحها مع غلمانه إلى البصرة وأقام بجيرفت حتى أعطى حقوقهم، ثم قام # PageV07P049 # في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس! أما ما مضى من جباية الأموال فقد كان لي دونكم من حقوقكم على الولاة، وأما ما بقي الان فهو لكم دوني، وليس أحد منكم ابتلى بلاء حسنا إلا وما ادخر الله له في الآخرة خير له من ثواب هذه الدنيا، فإياكم والحرص! فإن الحرص يضر بالرزق، وإياكم أن تمنوا على ربكم بالذي كان من جهادكم! فإن المن يحبط الاجر - والسلام -. ### | ذكر كتاب المهلب بن أبي صفرة إلى الحجاج بعد فراغه من الأزارقة # قال: ثم دعا المهلب برجل ms1098 يقال له بشر بن مالك الحرسي فأرسله إلى الحجاج بالفتح بشيرا (1)، وكتب معه كتابا (2): إلى الحجاج بن يوسف من المهلب بن أبي صفرة، أما بعد، فالحمد لله الكافي بالاسلام الذي أوصل الشكر بالمزيد، وقضى أن لا ينقطع المزيد منه حتى ينقطع الشكر من عباده، ثم إنه قد كان من أمرنا وأمر عدونا ما انتهى إلى الأمير خبره مع كل ذي صباح ومساء، وقد كانت مني إلى الأزارقة مطاولة ظن الأمير أيده الله أني جبيت بهم البلاد، ولعمري أن الذي جبته الأزارقة بنا لأكبر مما جبيناه بهم! وإن كنا قد نلناه منهم ما لم ينالوه منا، وقد كان الناس قد رعبوا منهم رعبا شديدا، حتى روعت بهم الفتاة الكعاب، ونوم بهم الصبي الرضيع، وأدنيت السواد من السواد حتى تعارفت (3) الوجوه، وحتى رغب الناس من النبل إلى الرماح، وعن الرماح إلى السيوف، وانتهزت من الناس الفرص وأخذت منهم الثياب، وكنت كالطبيب للمريض الذي يحميه مما يشتهيه ويسقيه مما يكره، وقد وليت قتالهم رجالا من قبلي، فأخطأوا الورد وأظمأوا الصدر، فعارهم قلائد في أعناقهم إلى يوم القيامة، فلم نزل (4) وعدونا على حالتين مختلفتين ما يسوءهم منا دون ما يسرهم، وما يسرهم منا دون ما يسوءنا منهم، حتى وقع فيهم الاختلاف والجوع، فلم يزل بهم ذلك وأصابهم البلاء، وهرب منهم أهل الخنى والسفاهة، # PageV07P050 # وأقام أهل الحياء والدين فاتقوا العار وتواصوا بالصبر، وأخذنا ما أخذوا به، وكنا أولى به منهم، فلم يزل الله تبارك وتعالى يمحصنا ويمحقهم، وينصرنا ويخذلهم، حتى بلغ بنا وبهم الكتاب أجله (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) (1)، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # قال: ثم طوى الكتاب ودفعه إلى بشر بن مالك بن لبيد الحرسي (2) وقال: # اعلم بأنك‌ ترد على الحجاج من قد علمت، فإذا وقفت بين يديه فانظر كيف تكون، فقال: كفيت أصلح الله الأمير. ### | ذكر الرسول وكلامه بين يدي الحجاج # قال: ثم رحل بشر بن مالك حتى قدم على الحجاج، فوقف بين يديه وسلم ثم ناوله الكتاب، ms1099 فلما قرأه الحجاج بن يوسف رفع رأسه إليه فقال: كيف المهلب؟ # فقال: بخير أصلح الله الأمير! قد نال ما رجا، وأمن ما خاف، فقال الحجاج: # الحمد لله، فكيف كان أمركم من عدوكم؟ قال: كنا إذا لقيناهم بحدنا وحدهم أيسوا منا وطمعنا فيهم، قال الحجاج: أجل، إن العاقبة للمتقين، فكيف كان بنو المهلب في الحرب؟ فقال: كانوا كفاة (3) السرح بالليل، وليوث الوغى بالنهار، قال الحجاج: فأين المهلب من بنيه؟ قال: فضله عليهم كفضلهم على غيرهم، قال: أجل، لأنهم خلقوا منه ولم يخلق منهم، قال: فكيف فاتكم قطري بن الفجاءة، قال: كادنا بعض ما كدناه به. قال الحجاج: صدقت، فأي بني المهلب أفضل؟ قال: ذلك إلى المهلب. قال الحجاج: فكيف الجند؟ قال: أرضاهم الحق وأغناهم النفل، قال الحجاج: فكيف رضاهم بالمهلب؟ فقال: لهم منه إشفاق (4) الوالد، وله منهم بر الولد، فقال الحجاج: أخبرني أكنت هيأت هذا الكلام الذي أسمعه منك؟ فقال: كلا أيها الأمير! إنه لا يعلم الغيب إلا الله! # قال: فتبسم الحجاج ثم التفت إلى كاتبه عنبسة بن سعيد فقال: هذا والله لكلام الحولى لا ما تجيء به أنت وأصحابك (5). قال: ثم أقبل عليه الحجاج فقال: هل # PageV07P051 # تقول الشعر؟ قال: نعم أصلح الله الأمير وأنا القائل (1): # قد حسمنا داء الأزارقة الده‍ * - ر فأمسوا كعادها وثمود (2) وأصبنا مع المهلب ما كا * ن تمنى من رأيه المحمود لم يضر ذاك بالوعيد ولا الكذ * ب ولم يضرر العدو وعيد لكن الضرب في العجاج بالبي‍ * - ض وطعن يشيب رأس الوليد (3) كل يوم يثور في عالي النق‍ * - ع أسود مخلوقة لأسود كلما شئت راعني قطري * فوق عبل الشوى أقب عنود مزبدا يضرب الكتيبة بالسي‍ * - ف وعمرو القنا على الصيخود (4) وأخوه عبيدة بن هلال * كالهمام المتوج الصنديد فإذا ما لقيتهم برد الخل‍ * - د على منيتي وأي برود ثم لا ينثني الخدود ولما * بل سيفي من ضربة الأخدود إن بشرا ومعبدا ومرادا * ووكيعا والصعب كانوا شهودي ثم لا أنطق الحديد بحرف * من فعالي ليس الفعال بمودي أو يقول ms1100 الأناس (5) أحسن والل‍ * - ه لبشر بن مالك بن لبيد نلت هذا مع المهلب إني * واثق ما شكرته بمزيد كلنا عنده كبعض بنيه * في سؤال لنا عن المفقود ويداوي جريحنا بيديه * ثم يكفي وليمة المولود كل خير يقوله الناس فيه * من بلاء ونائل محمود يجد الناس مثل من فقدوه * غير ذا الشيخ ليس بالموجود قال: فلما فرغ بشر بن مالك هذا من نشيده أمر له الحجاج بعشرة آلاف درهم # PageV07P052 # وفرس ودرع وغلام وجارية، ثم كتب إلى المهلب. ### | ذكر كتاب الحجاج إلى المهلب # أما بعد (1)، فإن الله تبارك وتعالى قد صنع لك وصنع بك خيرا. وقد كانت مني إليك ظهيرة، ودعاني إليها لجاج الحرب وتعجيل الفراغ، وأنت كنت أعلم بما يليك مني، وقد تيقنت من رأي البركة بمد الله ومنه، وقد فرغ الله بك من عدوك، وعلت يداك على ما كنت عليه، فأما قطري بن الفجاءة وعبيدة بن هلال وعمرو القنا وفلهم فنحن نكفيهم إن شاء الله. فانظر إن كان في القوم بقية تخافها على البلاد فأوقف لها خيلا تكون بإزائها، واستخلف على القوم (2) أجرا ولدك وأمضاهم عزيمة، وأقدم إلي على بركة الله وعونه، وليكن معك بنوك وفرسانك، ولا تأذن لاحد منهم بالانصراف (3) حتى تقدم بهم علي إن شاء الله - والسلام -. # قال: فلما ورد كتاب الحجاج على المهلب دعا بابنه يزيد فاستخلفه على بلاد كرمان، وقال: يا بني! اعلم قد كان بالأمس لك، اليوم لغيرك، وليس بسط يديك فيما تملك كبسطهما فيما لا تملك، واعلم يا بني أنه إنما لك من بلاد كرمان ما فضل عن الحجاج، وأنك لن تحتمل إلا ما يحتمل أبوك، وقد رأيتني يا بني في أيام مصعب بن الزبير وأنا لا أطالب بدرهم واحد فما سواه فكن يا بني كذلك، واعلم أن بلاد كرمان ليست لك ولا لأبيك بميراث، وانظر من تخلف معك من قومك فأحسن إليهم بقدر حاجتك إليهم، وإن (4) رابك أمر من الأمور فرده إلي - والسلام -. # قال: ثم تجهز المهلب وسار حتى قدم على الحجاج في ms1101 بنيه وفرسان أصحابه وشجعانهم، فلما دخل وسلم رد الحجاج عليه السلام ثم قربه وأدناه وأجلسه معه على فراشه، فقال المهلب: أيها الأمير! أحمد الله على هلاك هذا العدو حمد من يعلم أن النعمة منه وأن الحمد له (5)، وأشكره شكر الموجب لك به المزيد، ويهيئك # PageV07P053 # به النعم، فلسنا نمن على الله عز وجل ولا على الناس خيرا كان منا، بل الله المن علينا - والسلام -. قال الحجاج: أحسنت أبا سعيد! أتيت بكلام قليل في إيجاز، وقد قضيت ما عليك وبقي ما علينا، ولكني أحب أن تعرض علي فرسانك الذين كانوا يبلون بين يديك. قال: فجعل المهلب يعرض على الحجاج فارسا بعد فارس ويسميه له باسمه ويخبر بنجدته وشجاعته، حتى عرض عليه ستمائة وعشرون رجلا كل رجل منهم يعد بأل فرجل. قال: فأمر الحجاج لكل واحد من هؤلاء الابطال بجائزة سنية وأمر لسائر الجند بألف ألف درهم. ثم عقد للمهلب عقدا وولاه بلاد خراسان وعزل عنها أمية بن عبد الله (1). ### | ذكر ولاية خراسان للمهلب بعد فراغه من حرب الأزارقة # قال: فسار المهلب حتى دخل أرض خراسان في عسكر لجب ونزل مدينة مرو، ثم جعل يغزو الكفار غزوا متداركا لا يفتر من الجهاد، فخيل له بسمرقند، وأخرى ببخارا، وأخرى ببلخ، وأخرى بطخارستان (2)، وأخرى ببست (3)، وكلما فتح فتحا أخرج من ذلك الخمس فوجه به إي الحجاج وقسم باقي الفيء في أصحابه. قال: وفرح أهل خراسان بولاية المهلب بن أبي صفرة عليهم فرحا شديدا. ### | ذكر مسير سفيان بن الأبرد الكلبي لما بعث به الحجاج إلى حرب من انفلت من الأزارقة # قال: ودعا الحجاج برجل يقال له سفيان بن الأبرد الكلبي فضم إليه جيشا عظيما من أهل الشام وأهل العراق، وأمره أن يطلب قطري بن الفجاءة وأصحابه حيث‌ كانوا من بلاد الله، قال: فسار سفيان بن الأبرد من العراق حتى قدم مدينة # PageV07P054 # الري فنزلها، وقطري بن الفجاءة يومئذ بطبرستان قد تغلب عليها فأخذها وجعل يجبي خراجها. قال: فسار إليه سفيان بن الأبرد في جيشه ذلك، فبلغ ذلك ms1102 قطري بن الفجاءة فجمع إليه أصحابه من الأزارقة ومن التأم إليه من أهل البلد، ودنا القوم بعضهم من بعض (1) فاقتتلوا قتالا شديدا. قال: وكان تحت‌ قطري بن الفجاءة برذون له أشهب، فكبا به البرذون فسقط قطري وسقط عليه البرذون، فكسر فخذه وأحاطت به الخيل من كل جانب، فقال لهم قطري بن الفجاءة: يا فساق! يا فجار! # هلموا فهذه إربتكم التي كنتم تطلبون! قال: فبرز إليه رجل يقال له باذام (2) مولى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فضربه ضربة اتقاها قطري بيده، فنكى السيف في قطري فرمى بها، ثم ضربه أخرى فسقط قطري على قفاه، فتقدم إليه باذام (2) فقتله واحتز رأسه. # قال: وعطفت الخيل على أصحابه وفيهم عمرو القنا وصالح بن مخراق وفرسان من الأزارقة، فلم يزالوا يقتتلون حتى قتلت الأزارقة بأجمعها في معرك واحد (3)، فما انفلت منهم إلا رجل واحد يقال له قيس بن الأصم الضبي وهو الذي يقول أبياتا مطلعها: # صلى الاله على قوم شهدتهم * كانوا إذا ذكروا وذكروا شهقوا (4) إلى آخرها. # قال: ثم أمر سفيان بن الأبرد برأس قطري بن الفجاءة، ورأس عمرو القنا وصالح بن مخراق ورؤوس القوم بأجمعهم، فجمعت وعلقت في أعناقهم وآذانهم الرقاع وبعث بها إلى الحجاج وكتب إليه يخبره مع القوم. # PageV07P055 # قال: ثم سار سفيان بن الأبرد في أصحابه حتى صار إلى قومس، ونزل على ذلك الحصن الذي فيه عبيدة بن هلال، فأنشأ عبيدة بن هلال يقول (1): # ذكرت الصغير وأشياعه * فيما لك هما إلينا سرى فيا ليتني قبل هذا الحصار * ثويت بجيرفت فيمن ثوى ونحن من الخيل ذو منعة * أجش هزيما (2) إذا ما جرى قال: فلما طال الحصار على عبيدة بن هلال وأصحابه بقومس ركب سفيان بن الأبرد الكلبي ذات يوم ودنا من الحصن في نفر من أصحابه، ثم قال: يا معشر الأزارقة! حتى متى وإلى متى هذا الحصار؟ وأنتم قوم عرب تكرهون العار، اعلموا أنه لا أمان لاحد منكم عندي إلا من جاء برأس عبيدة بن هلال وأخيه وابن عمه، قال: فكاد القوم ms1103 يثبوا بعضهم على بعض لما فيهم من الجوع والجهد. قال: وأقبل عبيدة بن هلال حتى أشرف من الحصن على سفيان بن الأبرد وأصحابه، فقال: يا أهل الشام! يا عبيد من غلب! يا بقية الأحزاب! اجتمعوا إلي! فدنا (3) الناس من الحصن، فقال: أيما أحب إليكم: أقرأ القرآن أم أنشدكم الشعر؟ فقالوا: أما القرآن فقد حفظناه يا عبيدة بن هلال ولكن أنشدنا شيئا من شعرك. فقال عبيدة: يا فسقة يا فجرة يا كفرة! أتختارون الشعر على القرآن، يا عبيد عبد الملك بن مروان والحجاج دهمان! قال: ثم أنشأ يقول: # إلى (4) الله أشكو ما أرى (5) بجيادنا * تساوك هزلي مخهن (6) قليل فإن يك أفناها الحصار فربما * تشحط يوما (7) بينهن قتيل قتيل عزيز في العشيرة فقده * يودون لو يشرونه ببديل # PageV07P056 # تعاورها القذاف من كل جانب * بقومس حتى صعبهن ذليل وقد كن مما أن برين بغبطة * لهن بأبواب القباب صهيل فيا نفس صبرا كل ما حم واقع * وليس إلى ما تعلمين سبيل وقومي إلى دروازق الحصن فانظري * إلى خندق فيه الحصار طويل لعمري لئن أعطيت سفيان بيعتي * وخالفت ربي (1) إنني لجهول قال: ثم أمر عبيدة بن هلال بباب الحصن ففتح، ثم خرج في أصحابه إلى سفيان بن الأبرد وأصحابه، فاقتتلوا قتالا شديدا على باب الحصن ساعة، ثم نزل عبيدة بن هلال عن فرسه فعرقبه وكسر جفن سيفه وترك أصحابه ففعلوا كذلك، فلم يزل يقاتلون قتال قوم قد أيسوا من الحياة حتى قتل عبيدة بن هلال وأصحابه كلهم في معركة واحدة. فأنشأ بعض الخوارج (2) يقول أبياتا مطلعها: # ذكرت الشراة الصادقين (3) وقد فنوا * وذكرني أهل القران السذور (4) إلى آخرها. # قال: ثم أمر سفيان بن الأبرد برأس عبيدة بن هلال ورؤوس أصحابه، فجمعت ووجهت إلى الحجاج، ووجه بها الحجاج إلى عبد الملك بن مروان. # قال: وكان حرب الأزارقة من أول أمرهم وخروجهم إلى أن أبادهم الله تبارك وتعالى، وفرغ من حربهم ثمان عشرة سنة (5) والله أعلم. # PageV07P057 ### | ذكر خروج شيب بن يزيد وما كان من أمره وخروجه على الحجاج # قال: ms1104 فلما كان بعد ذلك بمدة قليلة خرج رجل من بني شيبان (1) يقال له شبيب بن يزيد حتى صار إلى دمشق وكان يرى رأي الشراة، فنزل على رجل من أشراف دمشق يقال له روح بن زنباع الجذامي، فقال روح: ممن الرجل؟ قال: # رجل من بني شيبان ثم أحد بني مرة، ولي شرف وقدر وطاعة في قومي، وقد فزعت إليك، فإن رأيت أن تكلم لي أمير المؤمنين أن يفرض لي فرضا وأكون في ناحية فعلت منعما! قال روح: أفعل ذلك وكرامة لك. ثم أقبل روح حتى دخل على عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين! عندي رجل من بني شيبان وله شرف وقدر في قومه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يلحقه بقومه وبغيره من أهل الشرف فعل منعما. فقال عبد الملك بن مروان: يا أبا زرعة! إني لأكره أن أفرض لاحد من أهل (2)... بالشام فرضا لان رأيهم رأي الخوارج، ولكن هل سألت هذا الرجل عن نسبه؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين - يذكر أن نسبه كذا وكذا، فقال عبد الملك بن مروان: ما أعرف هذا النسب. قال: فرجع روح بن زنباع إلى شبيب فقال: إني قد ذكرت لأمير المؤمنين وذكرت له نسبك، فذكر أنه لا يعرفك، فقال شبيب: أرجو أن يعرفني بعد هذا اليوم إن شاء الله! قال: ثم خرج شبيب حتى قدم العراق، وكان له منزل بالكوفة، فأرسل إلى امرأته وأمه فانتخبهما إليه، وجعل يبعث إلى قبائل العرب فيدعوهم إليه ويوعدهم الغارة، فلم يزل كذلك حتى اجتمع إليه جيش لجب. # قال: وبلغ ذلك الحجاج فوجه إليه برجل من أهل الشام يقال له عبيدة بن مخراق القيني في ألف فارس فهرمه شبيب وقتل عامة رجاله، ثم وجه إليه برجل يقال له يزيد بن هبيرة المحاربي في ألفي فارس فهزمه شبيب وقتل عامة أصحابه، ثم وجه إليه بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي فهزمه شبيب وأتى على أصحابه (3)، ثم وجه إليه بزحر بن قيس الجعفي (4) فهزمه هزيمة قبيحة وقتل من ms1105 # PageV07P058 # أصحابه جماعة، وانفلت زحر بن قيس وبه ثمانون طعنة وضربة واحدة وأنه ليحمل في القطن، ثم وجه إليه بعتاب بن ورقاء التميمي (1) فقتله شبيب وهزم أصحابه، ثم وجه إليه بالطهمان مولى آل بني معيط فقتله شبيب، فوجه إليه الحجاج بمولى له يقال له أبو الورد فقتله شبيب، ثم وجه إليه بزياد بن عمرو العتكي (2) فهزمه شبيب وقتل عامة أصحابه، ثم وجه إليه محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله (3) فقتله شبيب، ثم وجه إليه برجل يقال له الطرس (4) مولى بني تميم فقتله شبيب، كذلك أربع سنين كاملة يهزم عساكر الحجاج ويقتل رجاله. # قال: وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فضاقت عليه الأرض بما رحبت، ثم كتب إلى الحجاج يأمره أن يخرج إليه بنفسه. قال: فعندها خرج الحجاج من الكوفة في عسكر لجب حتى نزل بموضع يقال له السبخة (5). وبلغ ذلك شبيبا فسار إليه في جيشه ذلك فلم يشعر الحجاج إلا وخيل شبيب قد وافته وهم يقولون: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون! نحن المطالبون بدماء الأزارقة. قال: ثم وضعوا السيف في أصحاب الحجاج، فقتل منهم نيف عن مائة رجل وانهزم الباقون مع الحجاج حتى دخل الكوفة، ورجع شبيب بأصحابه حتى نزل مدينة الأنبار. # وكتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين الغوث الغوث! # فإن شبيب بن يزيد قد هتك الحريم، وأيتم الأولاد، وأرمل الأزواج. قال: فوجه إليه عبد الملك بن مروان بألف رجل من أهل الشام. قال: وبلغ الخبر إلى شبيب بأن الحجاج قد وافته الجيوش من أهل الشام في أربعة آلاف فارس، فأقبل على أصحابه فقال: ما الرأي عندكم الان؟ فقالوا: الرأي رأيك يا أمير المؤمنين! قال: # فإني رأيت أن أكبس الكوفة الليلة لنا أم علينا، فقال أصحابه: ها نحن معك، فافعل ما أحببت. قال: فاعلفوا إذا خيلكم وحشوها واسقوها، ففعلوا ذلك. ثم ركب شبيب وركب معه أصحابه، وأقبل نحو الكوفة ومعه أمه يقال لها الجهيزة في # PageV07P059 # امرأة من نساء الخوارج ومعه أيضا امرأته (1). قال: ms1106 وكانت غزالة من سبي أصفهان، فأقبلت غزالة ومعها خمسون امرأة من نساء الخوارج، قال: فسار شبيب أيضا في عسكره ومعه مائتان وخمسون امرأة من نساء الخوارج، قد تقلدن بالسيوف وفي أيديهن الرماح، وقد ذكر ذلك أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي في شعره حيث يقول أبياتا مطلعها: # أبي القاسطون من أهل العراق * على الله في الحرب إلا قسوطا إلى آخرها. # قال: فكبس شبيب بن يزيد الكوفة ليلا وقد هدأت العيون فلم يكذب أن دخل المسجد الأعظم (2)، فدعا بأمه وامرأته فأقعدهما على المنبر، ثم وضع السيف في أهل المسجد من المصلين والحرس فقتلوا بأجمعهم، وهو يقول: يا عدو الله! يا ابن أبي رغال! يا أخا ثمود! اخرج إلينا. والحجاج يقول لغلمانه: لا تكلموهم، فلعل الله أن يكفينا أمرهم. قال: وقد ذكر ذلك رجل من الخوارج (3) حيث يقول: # لعمري لقد نادى شبيب وصحبه * على الباب لو أن الأمير يجيب فأبلغ أمير المؤمنين نصيحة (4) * وذو النصح لو يصغى إليه قريب أتذكر إذ دارت عليك رماحنا * يمكن والكلبي ثم غريب فلا صلح ما دامت منابر أرضنا * يقوم عليها من ثقيف خطيب فإنك إن لم ترض بكر بن وائل * يكن لك يوم بالعراق عصيب فلا ضير إن كانت قريش عداتنا * يصيبون منا مرة ونصيب فإن يك منكم (5) كان مروان وابنه * وعمرو ومنكم هاشم وحبيب فمنا سويد والبطين وقعنب * ومنا أمير المؤمنين شبيب (6) # PageV07P060 # ومنا سنان الموت وابن عويمر * ومرة فانظر أين ذاك يغيب قال: فلم يزل كذلك حتى إذا طلع الفجر قال لبعض أصحابه: أذن وأقم، فأذن وأقام، وتقدم شبيب فصلى بأصحابه، فقرأ بهم في الركعة الأولى بأم القرآن والبقرة والثانية بأم القرآن وآل عمران، حتى كادت الشمس أن تطلع، ثم جلس في المحراب يسبح، وأقبلت الخيول من كل جانب حتى أحدقت بأبواب المسجد وهم يقولون: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون. # قال: وأقبل الحجاج ومعه أربعة آلاف رجل من أهل الشام، فخرج إليهم شبيب وأصحابه، واضطرب القوم في وسط السوق اضطرابا شديدا حتى قتل ms1107 من الفريقين جماعة فأنشأ عبد الرحمن بن عمرو الشيباني يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # يا ليتني في الخيل وهي تدوسهم * في السوق يوم اصطفن بالحجاج إلى آخرها. # قال: واشتبكت الحرب بين الحجاج وشبيب، وكثر القتلى بين الفريقين (1)، وحملت غزالة امرأة (2) شبيب فيمن معها من النساء وحمل أصحاب شبيب معهن (3)، وانهزم الناس من بين أيديهم حتى صار الحجاج إلى باب قصره فأنشأ بعض الخوارج في ذلك يقول (4): # صرعت غزالة قلبه بكتيبة * تركت مسامعه كأمس الدابر (5) ليث الخوان (6) وفي الحروب (7) نعامة * فتخاء تنفر (7) من صفير الصافر # PageV07P061 # هلا خرجت (1) إلى غزالة في الوغى * إذ صار قلبك في جوانح طائر (2) ألق السلاح وخذ وشاح معصفر * واعمد بمنزلة الجبان الكافر قال: فلم يزل شبيب وأصحابه يضارب فيهم ويطاعن من وقف الغداة إلى الليل، وأجهد أصحابه وقتل منهم جماعة، فانهزم شبيب وخرج من الكوفة ومضى هاربا على وجهه وقد قتل أصحابه، حتى صاروا إلى مدينة الأنبار فنزلها. # قال: ووجه الحجاج في طلبه برجل من الكوفة يقال له حبيب (3) بن عبد الرحمن الحكمي في ثلاثة آلاف رجل، وبلغ ذلك شبيبا فخرج إليه فيمن بقي من أصحابه، فاقتتل القوم يوما وليلة قتالا شديدا، ثم ولى شبيب منهزما حتى صار إلى بادرايا (4) وباكسايا (5) ثم صار من هنالك [إلى كرمان] فنزلها. # فوجه إليه الحجاج بسفيان بن الأبرد الكلبي، فأقبل سفيان حتى نزل على شاطئ الدجيل، وأقبل شبيب نحوه، فلما أقبل ليعبر الدجيل إلى ما قبله أمر سفيان بن الأبرد بالغواصين بجسر الدجيل فقطع، واستدارت السفن فغرق شبيب مع فرسه وسلاحه. قال: فأمر سفيان بن الأبرد بالغواصين فأخرجوه من الماء واحتزوا رأسه، ووجه به سفيان إلى الحجاج وقتل أمه جهيزة وامرأته غزالة (6) وقتل عامة أصحابه، فلم ينفلت منهم إلا القليل. # قال: وأسر سفيان بن الأبرد جماعة من أصحاب شبيب فوجه بهم إلى الحجاج، فلما وقفوا بين يديه رفع رأسه فنظر إلى شيخ منهم وسيم جسيم فقال له: # يا شيخ! اخترت الدنيا على الآخرة! قال: كلا يا حجاج! ولكني اخترت الآخرة على ms1108 الدنيا بخروجي عليك وعلى صاحب الفاجر. فقال الحجاج: اضربوا عنقه، فقال الشيخ: الحمد لله ولا حكم إلا لله، الحمد لله على ما قضى وقدر، ولكن لا تعجل يا حجاج فقد قلت بيتين من الشعر أريد أن أختم بها عملي، فقال الحجاج: # PageV07P062 # قل ما بدا لك، فأنشأ يقول: # أبرأ إلى الله من عمرو وشيعته (1) * ومن علي ومن أصحاب صفين ومن معاوية الغاوي وشيعته * لا بارك الله في القوم الميامين قال: ثم قدم فضرب عنقه. # ثم قدم إليه آخر، فقال له الحجاج: ما دينك أيها الرجل؟ فقال: أنا على دين صاحب الفلك، قال الحجاج: وأنا على دين صاحب الفلك أيضا، فما تقول في علي وعثمان؟ قال: كافران، فقدم ثم ضرب عنقه. # ثم قدم إليه آخر، فقال له الحجاج: ما دينك؟ قال: أنا على دين صاحب الأحقاف، قال الحجاج: وأنا على دين صاحب الأحقاف، فما تقول في علي وعثمان؟ قال: كافران جميعا، فقدم فضربت عنقه. # ثم قدم إليه رجل، فقال له الحجاج: ما دينك؟ فقال: أنا على دين صاحب الحجر، قال: فما تقول في علي وعثمان؟ قال: كافران، قال: فقدم فضربت عنقه. # وقدم إليه ثلاثة نفر في حبل وقد شدت أيدهم على أعناقهم، قال لهم الحجاج: ما دينكم؟ فقال أحدهم: أنا على دين الذي وفى، وقال الاخر: وأنا على دين صاحب الأيكة، وقال الثالث: وأنا على دين صاحب الألواح، فقال الحجاج وأنا على دين من ذكرتم، فقال: ما تقولين في الختنين علي وعثمان والحواريين طلحة والزبير والحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري؟ # فقالوا: نقول إنهم كفار وليس الحكم إلا لله رب العالمين، فقدموا فضربت أعناقهم صبرا. # ثم قدم إليه رجلان يحجلان في قيودهما حتى وقفا (2) بين يديه. فقال الحجاج لأحدهما: ما دينك؟ فقال: أنا على دين الاسلام الذي بعث الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، فهدى به من الضلالة، وأنقذ به من العمى والضلالة والجهالة، وعلى دين صاحبه أبي بكر الصديق الذي ولي أمور الناس من هذه الأمة فكان محمودا، ms1109 # PageV07P063 # وخرج من هذه الأمة مفقودا، وعلى دين صاحبه عمر بن الخطاب الذي عاش في الدنيا حبيبا، ثم قبضه الله إليه سعيدا وشهيدا. قال الحجاج: فما تقول في أمير المؤمنين عثمان بن عفان؟ قال: ذاك رجل لا يلتقي باسمه الشفتان، قال: فما تقول في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟ قال: ذاك رجل آمن صغيرا وكفر كبيرا. # قال: فما تقول في معاوية بن أبي سفيان؟ قال: وما أقول في رجل بين أطباق النيران ينادي: يا حنان يا منان! والرب عليه غضبان! قال: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ قال: وما الذي أقول في ابن طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعينه، لقد أخطأ خطيئة أطبق بها السماء على الأرض بتوليته إياك على رقاب المسلمين، فويل له من ديان يوم الدين! قال: دع عنك هذا، قال: ما تقول في أنا؟ فقال: ما عرفتك إلا عادلا قاسطا، فقال الحجاج: قاتلك الله من رجل كأنك أردت قول الله تبارك وتعالى: # (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) (1)؟ فقال: هذا أردت يا حجاج! قال: وكأنك أردت قوله عز وجل: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) (2)؟ قال: هذا أردت يا حجاج! # فقال الحجاج: أخروه، فأخروه فضربت عنقه صبرا. # ثم أقبل على الاخر فقال له: ما تقول فيما سألت عنه صاحبك؟ فأنشأ يقول (3): # أحجاج إني والذي أنا عبده * على خير للعالمين محمد ودين أبي بكر وصاحبه الذي * مضى عادلا في حكمه لا يفند ولست لعثمان بن عفان باغضا * ولا قائلا فيه مقالة ملحد وإن يك عثمان بن عفان ظالما * فربك للعبد الظلوم بمرصد وأما علي ذو المعالي فإنه * وصي نبي ذي سناء وسؤدد وإن يك مظلوما [له] الله ناصر * فينصره من كل باغ ومعتدي وقد كان مولى المؤمنين وإنني * مقر به في كل ناد ومشهد فذلك ديني لا أدين بغيره * ولست كهذا الكافر المتلدد (4) # PageV07P064 # قال: فأمر به الحجاج فأطلق من قيده، وكساه وأحسن إليه وألحقه بعطائه. # قال: ثم قدمت ms1110 إليه امرأة من نساء الخوارج وكانت من المتكلمات يقال لها أم علقمة، فقال لها الحجاج: يا عدوة الله! الحمد لله الذي قتل أباك وأخاك وزوجك، فقالت: نعم الحمد لله الذي قدمهم إلى الجنة وأخرني بعدهم، وقد علمت أنه لم يؤخرني إلا لذنب عظيم قد أتيته. فقال الحجاج: لأفعلن بك ولأفلعن! فقالت: ويلك يا حجاج! علي تبرق وترعد! والله لقد خفت الله خوفا جعلك في عيني أصغر من الذباب. قال: وجعلت أم علقمة تكلم الحجاج وهي منكسة الرأس، فقال لها الحجاج: ارفعي رأسك وانظري إلي، فقالت: إني لأكره أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه. قال: فأمر الحجاج بقتلها فكانت السيوف تأخذها وهي تقول: لا حكم إلا لله، حتى بردت. # قال: وكان آخر من قدم إليه رجل من هؤلاء الخوارج له شاهد وسمت وطلل، فلما هم الحجاج بقتله سمع ضجة بالباب، فقال لحاجبه: ما هذه الضجة؟ فقال: # نسوة بالباب يسألن (1) الاذن على الأمير، فقال الحجاج: ائذن لهم بالدخول، فدخلن وهن ثلاث وعشرون امرأة، كلهن أهل بيت هذا الخارجي الذي هم الحجاج بقتله، فقال لهن الحجاج: ما حاجتكم؟ فتقدمت امرأة منهن فقالت: أصلح الله الأمير! إن رأيت أن تتفضل باستماع ما أقول! فقال الحجاج: قولي ما أحببت، فأنشأت وجعلت تقول: # أحجاج لو (2) تشهد مقام بناته * وعماته يندبه الليل أجمعا أحجاج إما (3) أن تمن بتركه * علينا وإما أن تقتلنا معا أحجاج لم (4) تضجع له ونسائه * ثمانا وتسعا واثنتين وأربعا فمن رجل دان يقوم مقامه (5) * علينا فمهلا لا تزدنا تضعضعا # PageV07P065 # قال: فخلى الحجاج سبيله وزاده في عطائه مائة دينار، وكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بخبره وخبر النسوة والمرأة وشعرها. قال: فكتب إليه عبد الملك بن مروان: زده في عطائه دنانير أخرى! فصارت له زيادتان: زيادة الحجاج وزيادة عبد الملك بن مروان، فأنشأت‌ ليلى الأخيلية تمتدح الحجاج وهي تقول: # إذا نزل الحجاج أرضا منيعة * تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها * همام إذا هز القناة سقاها سقاها دماء المارقين ms1111 وعللها * إذا جمحت يوما وخيف رداها أحجاج لا تعط العصاة مناهم * فلا وإلهي لا تصيب مناها ولا كل حلاف تقلد بيعة * بأعظم حق الله حين شراها ### | ذكر عمران بن حطان الخارجي (1) # قال: وجعل الحجاج يطلب عمران بن حطان بالعراق أشد الطلب لأنه كان من رؤساء الخوارج وأعلامهم، وعلم عمران بن حطان أن الحجاج يطلبه، فضاقت عليه العراق فهرب حتى لحق بالشام خوفا من الحجاج، فنزل على قوم من بني غسان فأنكروه، وتحول عنهم فنزل على قوم من بني لخم فأنكره رب منزله، فتحول (2) حتى صار إلى روح بن زنباع الجذامي ونزل عليه، وكان عمران بن حطان هذا من أفصح الناس وأعلمهم بأيام العرب، وكان روح بن زنباع هذا سيدا في قومه عظيم القدر عند أهل الشام، فلما نزل عليه عمران بن حطان سأله روح بن زنباع عن اسمه ونسبه، فغير اسمه ونسبه وذكر أنه من أزد شنوءة، قال: فقربه روح بن زنباع وأكرمه بغاية الكرامة. ثم قال ذات يوم لعبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين! إن في ضيافتي رجل من أزد شنوءة لم أر مثله ساعة، ثم جعل يحدثه بما سمع منه من أخبار العرب، فقال عبد الملك بن مروان: ويحك يا أبا زرعة! هذا رجل علامة فصفه # PageV07P066 # لي، فقال: نعم يا أمير المؤمنين! هو رحل آدم، طويل، أفوه، فصيح، حسن الرواية للشعر، كثير الصلاة، ما دفعت إلى رجل هو أكثر صلاة منه ولا أعبد. قال فقال عبد الملك بن مروان: ويحك يا أبا زرعة! هذه صفة رجل مسلم زاهد، وإني لأحسبه حروري أهل العراق، ولكن إذا رجعت إلى منزلك فسله من الذي يقول: # إني لأحسبه يوما فأذكره (1) * من أرجح الناس عند الله ميزانا يا ضربة بحسام (2) ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرض رضوانا قال: فقال روح بن زنباع: إني قد سألت عن ذلك يا أمير المؤمنين، فأخبرني بهذا الشعر ورواه لي عن آخره وذكر أنه لعمران بن حطان في ملجم (3) وضربته علي بن أبي طالب! قال ms1112 فقال: يا غلام! علي بكتاب الحجاج! فجاء به فإذا فيه: # وإني لأخبرك يا أمير المؤمنين أن رأسا من رؤوس الخوارج يقال له عمران بن حطان كان قد أفسد قياما من الناس بالعراق، وقد كنت أردت أخذه، فلما ضاقت عليه العراق لطلبي إياه خرج إلى الشام، فهو ينتقل في مدائنها، وعلامته يا أمير المؤمنين أنه رجل آدم طويل أفوه، فإن ظفرك الله به فسرحه إلي لأطهر منه البلاد، وأريح منه العباد - والسلام -. # قال فقال روح: هذه والله صفته يا أمير المؤمنين! قال عبد الملك بن مروان: # فجئني به يحدثني يوما واحدا وهو آمن بأمان الله، واكتب له كتابا منشورا أن لا سبيل للحجاج عليه أبدا ما بقي. قال: فانصرف روح بن زنباع إلى منزله، ثم قال: أيها الشيخ! إن أمير المؤمنين أحب زيارتك فزره إن شئت، فإنه أمرني بذلك، فقال: ما أشوقني إلى محادثة أمير المؤمنين، لكني أخاف على نفسي، ولكن ائتني منه بكتاب أمان بخط يده. قال: فركب روح بن زنباع (4) فرسه ومر على وجهه، فقال عبد الملك بن مروان: أما الأمان فأكتبه لك، ولكني أظنك لا تجده في منزلك إذا رجعت فاعلم ذلك! فانصرف روح بن زنباع إلى منزله فإذا الامر على ما قال # PageV07P067 # عبد الملك بن مروان، فرجع إليه فأعلمه بذلك، فقال: قد علمت ذلك أبا زرعة! # والرجل هو عمران بن حطان. فلما كان بعد أيام أتاه غلام برقعة فقال: وجدت هذه الرقعة تحت فراش ضيفنا الذي هرب! قال: فنظر روح بن زنباع في الرقعة فإذا فيها هذه الأبيات (1): # يا روح كم من أخي مثوي نزلت به * قد ظن ظنك من لخم (2) وغسان حتى إذا خفته زايلت (3) منزله * من بعد ما قيل عمران بن حطان قد كنت ضيفك حينا لا يروعني (4) * منه طوارق (5) من إنس ومن جان حتى أردت بي العظمى فأوحشني * ما أوحش (6) الناس من خوف ابن مروان فأعذر أخاك ابن زنباع فإن له * في الحادثات (7) هناك ذات ألوان يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن (8) * وإن (9) معد ms1113 بن عدنان فعدنان لو كنت مستشعرا (10) يوما لطاغية (11) كنت المقدم في سري وإعلان لكن أبت لي آيات مفصلة (12) * عند (13) الولاية في طه وسبحان قال: فعلم روح بن زنباع أنه عمران بن حطان، وندم على ما أخبر به عبد الملك بن مروان. # قال: ومضى عمران حتى نزل على زفر بن الحارث الكلابي وكان زفر أيضا # PageV07P068 # سيدا في قومه، فقال له: ممن الرجل؟ فقال له: رجل من حمير من الأوزاع، وكان لزفر خؤولة من الأوزاع فقربه وأدناه، فأقام عنده مدة. ثم قال له ذات يوم: أيها الرجل! إني أرى لك حالا ليست كالأحوال، فإن كنت خائفا آمناك وإن كنت فقيرا أغنيناك (1)! قال: فتبسم عمران ثم قال: الله المؤمن والله المغني: وإنما أنا ابن سبيل. قال: فبينا هو كذلك إذا أقبل رجل من عند روح بن زنباع إلى زفر بن الحارث في أمر من الأمور، فلما نظر إلى عمران بن حطان ع رفه، فقال لزفر: هذا كان ضيفا لروح بن زنباع وهو رجل من الأزد، قال فنظر إليه زفر نظرة مغضب وقال: يا شيخ! # أزدي مرة وأوزاعي أخرى! أو نبأتني عن شأنك وأمرك كان خيرا لك! وكأنه أسمعه كلاما. قال: فسكت عمران بن حطان ولم يقل شيئا، فلما كان الليل هرب على وجهه في البلاد، وكتب (2) إلى زفر بهذه الأبيات: # إن التي أصبحت يعيي بها زفر * أعيا عياها (3) على روح بن زنباع أنشأ يسائلني (4) حولا لأخبره * والناس من بين مخدوع وخداع حتى إذا انجذمت مني حبائله * كف السؤال ولم يولع بإهلاعي فاكفف كما كف روح إنني رجل * إما صرح (5) وإما فقعة القاع وازجر لسانك عن شتمي ومنقصتي * ماذا تريدون من شيخ لأوزاع (6) إذا الصلاة فإني لست تاركها * كل امرئ للذي يسعى له ساعي أكرم بروح بن زنباع وأسرته * حتى دعا أوليهم للعلى داعي جاورته سنة فيما زعمت له (7) * عرضي صحيح ونومي غير تهجاع فارتع فإنك منعي بحادثة * حسب اللبي بما يوعيه من واعي (8) # PageV07P069 # قال: فعلم زفر بن الحارث أنه عمران بن حطان، فطلبه ms1114 ليأخذ أشد الطلب ليرده إلى منزله ويأخذ له الأمان، فلم يقدر عليه. # قال: ومضى عمران بن حطان حتى صار إلى بلاد عمان فنزل على قوم من الأزد وكانوا يرون رأيه ويتناشدون أشعاره ويبكون عليه وعلى أبي بلال الحروري قال: فتعرف إليهم عمران بن حطان وأقام بينهم آمنا مطمئنا لا يخاف أحدا ثم أنشأ يقول (1): # نزلت بحمد الله في خير أسرة * أسر بنا فيهم من الانس والخفر نزلت بقوم يجمع الله شملهم * وليس لهم عود سوى الحق يعتصر من الأزد إن الأزد أكرم أسرة * يمانية حقا إذا نسب البشر فأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر * بدوني وقالوا من ربيعة أو مضر أو الحي قحطان وتلك سفاهة * كما قال لي روح وصاحبه زفر وما منهما إلا يسر بتهمة * تقربني منه وإن كان ذا زمر فنحن بنو الاسلام والله واحد * وأولى عباد الله بالحق من شكر قال: فلم يزل عمران بن حطان مقيما بأرض عمان مدة من عمره إلى أن مات الحجاج وتغيرت الأمم، ثم صار إلى البصرة وبها يومئذ رجل يقال له سويد بن منجوف، وتحته امرأة من بنات الخوارج يقال لها حمرة، فلما سمعت بعمران بن حطان وعبادته ونسكه بعثت إليه أن خلصني من سويد بن منجوف فإني قد كرهته، وقد أحببت أن أكون لك فإن رأيي رأيك وديني دينك. قال: فأقبل عمران ومعه نفر من الخوارج حتى استأذنوا على سويد، فأذن لهم، فدخلوا وجلسوا فقال عمران: # أيها الرجل! إننا قد أتيناك في أمر لا أظن أن أحدا قبلنا جاء في مثله، قال: وما ذاك يا أبا شهاب؟ قال: إن حمرة امرأة من بنات المسلمين وقد كرهتك ونحن نحب أن تخلي سبيلها فإن أعوانها عليك من المسلمين كثير، فخل سبيلها طائعا فهو خير لك وأحسن بك. قال: فاتقى سويد على نفسه من الخوارج، ثم صاح بها وقال: يا حمرة! ما تقولين فيما تسمعين؟ فقالت: لا خير لك في مستكره ولست أحل لك لأنك لست على ديني ورأيي! قال: فخلى سويد سبيلها. فلما ms1115 انقضت عدتها # PageV07P070 # تزوجها عمران بن حطان ثم أنشأ يقول (1): # سويد بن منجوف كريم نمت به * جدود وآباء عظام الدسائع (2) دعتني إليه حاجة فوجدته * لعمر أبيك الخير سهل التسارع دعا حمرة لم يقبل الكفر قلبها * فلم تر رأي الفاضح الدين نافع فقال لها يا حمر ردي جوابه * بحق وكفي عن جواب المخادع فقالت مقال المستزيد لنفسه * خلاصا وكانت فورة للمقارع لم أر مطلوبا إليه حليله * أرد بمحمود من القول جامع على مثلنا منه فلله دوره * وإن ك ان شيخا للهدى غير تابع فقيل لسويد بن منجوف: أطلقت حمرة خوفا من الخوارج؟ فقال: لا، ولكني لا أحب أن يكون عندي من يكرهني، قال ثم أنشأ يقول: # تركت لعمران بن حطان أخته * وأعطيتها من أمرها ما تمنت وقد كان ديني في المنية دينها * فلما رأتني قد توليت ولت على غير ذنب كان مني علمته * على أنها صامت لجاجا وصلت فإن تكن الأيام أحدثن فرقة * فلست أبالي أكثرت أم أقلت وقد جاهرتني بالتجلد خدعة * على أنها قد ولولت وتملت فما أنا بالباكي عليها صبابة * ولا سائلا عن دارها حيث حلت قال: فلما هلك عمران بن حطان أتاها سويد بن منجوف فاستأذن عليها، فأذنت له ثم قالت: ما حاجتك؟ جئت خاطبا إليك نفسك، وأنا من قد عرفت وقد مضى (3) أبو شهاب لسبيله، فإن أردت شيئا من ذلك فلا تعدليه عندي. قال فقالت له: مكانك حتى أخرج إليك! ثم قامت فدخلت إلى مخدع لها فلبست مطرفا. # كان لعمران بن حطان ولفت‌ عمامته على رأسها وخرجت، فقال لها سويد بن منجوف: ما هذا يا حمرة؟ فقالت: إني سمعت خليلي أبا شهاب وهو يقول في بعض قوله (4): # PageV07P071 # ويلبس يوما عرسه من ثيابه * إذا قيل هذا يا فلانة خاطب كأن لم يكن من قبل ذاك ولم يكن * نصيب لها في سالف الدهر صاحب فأحببت أن أصدق قول أبي شهاب بلبسي هذا من ثيابه، فانصرف عني من حيث جئت فلا حاجة لي في التزويج بعد أبي شهاب. ### | ثم رجعنا إلى ms1116 الخبر الأول وأمر خراسان # وهذا ابتداء أمر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي، والحديث طويل وهذا ابتداء، وسنأتي به من أوله إلى آخره إن شاء الله تعالى. # قال: وصفت العراقان (1) للحجاج بن يوسف فلم يكن أحد يناويه، وجعل الحجاج يضرب على الناس البعوث ويوجه بهم في الاعمال، فخرج اسم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فلم يحب أن يخرج فيه، فجاء إلى أمه أم عمران بنت‌ سعيد بن قيس الهمداني فقال: يا أماه! إن الحجاج قد ضرب على الناس بعثا إلى موضع كذا وكذا وقد خرج اسمي في ذلك البعث، وقد أحببت أن تكلميه في ذلك فلعله أن يعفيني من الخروج فيه. قال: وكانت أم عمران امرأة عاقلة لبيبة جزلة من النساء، ولم يكن بالعراق امرأة هي أكرم على الحجاج منها لشرفها في قومها. قال: فركبت إلى الحجاج فكلمته في ابنها عبد الرحمن بن محمد، فقال الحجاج: يا أم عمران! إني ما كنت أحب أن أرخص لاحد من الناس في التأخر عن هذا البعث إلا أن يكون مشغولا بعمل من أعمال أمير المؤمنين، وما لحاجتك من مدفع وقد أعفيناه من ذلك البعث على أن يكون في أعوان أبي مسلم (2) حتى خليفته. # قال فقالت أم عمران: أيها الأمير! اجعله حيث شئت بعد أن تعفيه من السفر، قال الحجاج: فإنا قد أعفيناه يا أم عمران. قال: وانصرفت أم عمران إلى منزلها، وصار عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى أبي مسلم خليفة (3) الحجاج. قال: # وكان أبو مسلم هذا رجلا فهما عاقلا لبيبا عالما بالسنن والفرائض، وكان إذا أصبح واجتمع إليه الناس يقول لهم: لا تتكلموا واذكروا الله، ثم يبدأ هو بالكلام فيتكلم، # PageV07P072 # ثم يتكلم رجل منهم حتى يأتي على آخرهم، قال الشعبي (1): فجلس يوما كما كان يجلس في أصحابه، فتكلم وتكلم (2) الناس‌ حتى أفضى الكلام إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فتكلم وأوجز وأحسن، قال: فأعجبني منه وأنا لا أعلم ما في قلبه. # قال: ثم جمع الحجاج الناس ذات‌ يوم ms1117 فقال: دلوني على رجل يصلح للشرطة، فقال له كاتبه عنبسة: أصلح الله الأمير! عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في شرفه وجلده ومكانه من أهل مصره! فقال الحجاج: هو لها. قال الشعبي: فبادرت إليه وهو في منزل أمه أم عمران، فقلت له: البشرى يا أبا الأشعث! فقال: بماذا؟ فقلت: إن الأمير ذكر رجلا يصلح للشرطة فذكرك له عنبسة بن سعيد، قال الشعبي: فرأيته قد غضب فقال: ويحك يا أبا عمرو! ومثلي يتقلد سيفا ويمشي بين يدي ابن أبي رغال! والله ما رأيت أحدا قط على منبر يخطب إلا وظننت في نفسي أنا أحق بذلك منه! قال فقلت‌ له: دع عنك هذا، فإن الحجاج ليس ممن يعادى ولا ينابح، فلا تسأله عن نفسك! فتبينت الكراهة في وجهه. # ثم ركب وركبت معه إلى عنبسة بن سعيد كاتب‌ الحجاج، فلما دخلنا عليه قلت: أصلحك الله! إني قد أخبرت أبا الأشعث بما كان من برك وعنايتك ورأيك فكره ذلك! فقال عنبسة: ولم ذلك؟ قال ابن الأشعث: لأنه لا حاجة لي في ولاية الشرطة. قال الشعبي: فسكت عنبسة، فقلت له: جعلت فداك! تدارك إصلاح ذلك، فقال: أفعل ذلك. ثم ركب إلى الحجاج فلما دخل وأخذ مجلسه جعل يتناعس في المجلس، فقال له الحجاج: ولم ذلك؟ قال: لأني أشرت على الأمير أصلحه الله بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وهو رجل شريف شديد الحياء من الناس، فأخاف عليه الشفاعات. قال الحجاج: فلا حاجة لي فيه، ولكن دلوني على رجل يصلح لهذا الامر! فقال له بعض جلسائه: فأي رجل يريده الأمير - أصلحه الله؟ قال: دائم العبوس، طويل الجلوس، سمين الأمانة، أعجف الخيانة، يهون عليك شباك الاشراف في الشفاعات. فقال له أهل المجلس: ما نعرف مثل هذا إلا # PageV07P073 # عبد الرحمن بن عبيد السعدي، فقال له الحجاج: يا عبد الرحمن (1) إني قد استعملتك على الشرطتين جميعا البصرة والكوفة، فصيف عندنا بالكوفة وشت بالبصرة، فقال: أصلح الله الأمير! قد قبلت ما وليتني فاكفني حاشيتك وأهلك وولدك في الشفاعات! فقال: قد ms1118 كفيناك ذلك، يا غلام! مر المنادي فليناد: ألا! # ومن طلب شفاعة من حاشية الأمير وأهله وولده فقد برئت منه الذمة! قال الشعبي: # فوالله ما رأيت أحدا قط يشبه عبد الرحمن بن عبيد! كان إذا أتي برجل قد نقب على قوم منزلهم وضع منقبه في بطنه حتى يخرج من ظهره، وإذا أتي برجل قد شهر سلاحا قدمه فقطع يده، وإذا أتي برجل قد أحرق على قوم شيئا أمر به فأحرق بالنار حرقا، وإذا أتي برجل قد شك فيه آخره فضربه ثلاثمائة سوط وخلى عنه، وكان لا يحبس أحدا إلا في دين، وكان إذا انحدر إلى البصرة يخلف خليفة بالكوفة، وإذا رجع إلى الكوفة فخليفته بالبصرة، وكان خليفتاه جميعا يعملان في الناس كعمله. # قال: ودعا الحجاج أمية بن عبد الله (2) بن خالد بن أسيد فعقد له عقدا بولاية سجستان (3) وأمره أن يغزو أرض كابل، فسار أمية بن عبد الله في جميع عظيم حتى دخل أرض كابل وغلغل فيها، فلما أراد الخروج أرسل مالك البلد واسمه رتبيل فأخذ عليه الشعاب والعقبات والمضايق، فلم يقدر أمية على الخروج من البلد، فصالح رتبيل ملك كابل على مائتي ألف درهم، فأعطاه ذلك ثم خرج من البلد، وقد سلم وسلم أصحابه. # قال: وبلغ ذلك الحجاج، فكتب إلى عبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين! إن أمية بن عبد الله اشترى النار بالجنة وزاد مائتي ألف درهم! فكتب إليه عبد الملك بن مروان أن اعزله عن البلاد وول مكانه عبيد الله بن أبي بكرة (4). # قال: فتقدم ابن أبي بكرة إلى سجستان، ثم إنه جمع الناس وغزا أرض كابل # PageV07P074 # ومعه يومئذ شريح بن هانئ الحارثي في أهل الكوفة، فلما توسط المسلمون (1) البلاد وأخذ عليهم أيضا رتبيل العقبات والشعاب كما فعل بأمية بن عبد الله من قبل، قال: # فبقي ابن أبي بكرة لا يقدر على الخروج، فبعث إلى رتبيل أنك قد فعلت كذا الفعال بغيري، ولكن ما يغنيك، وما الذي تريد؟ قال: أريد منك أن تحط عني خراج عشر سنين ms1119 وتعطيني ألف ألف درهم ونصف ما معك من السلاح والكراع، وتعطيني ولدك وأشراف قومك رهائن حتى أخلي لك السبيل (2)! فأرسل ابن أبي بكرة إلى من كان معه من أهل البصرة وأهل الكوفة فأخبرهم بهذا الخبر. فقال البصريون: أيها الأمير! الرأي عندنا أن نصالحه ونعطيه ما سأل، فقال شريح بن هانئ الحارثي وأهل الكوفة: لا والله ما كان ذلك لرتبيل منا أبدا! قال: فغضب ابن أبي بكرة، ثم قال شريح بن هانئ: هذا ما أنت والاعتراض علي ما أريد، تريد أن تنقض علي أمري ويقتل المسلمون! فقال شريح: يا بن [أبي] بكرة! إنما أنت عبد حبشي، وشرفك بالبصرة حمامك وبستانك، فدع عنك هذه الرئاسة فإننا إنما قدمنا إلى هذا البلد لأجل الجهاد، والله لا متنا إلا كراما إن شاء الله (3). قال: ثم أقبل شريح على أهل الكوفة فقال: أخبروني عنكم ماذا نقول غدا لشباب مذحج بالكوفة؟ إننا قد اشترينا اللؤم بالكرم والكفر بالايمان والنار بالجنة كما فعل ذلك أمية بن عبد الله بن قبل! ثم قال: ألا! من كان ههنا من مذحج وهمدان فليتقدم معي إلى أعداء الله! # قال: فأجابه الناس من كل ناحية بالتلبية. قال: وكان شريح بن هانئ في وقته ذلك قد نيف على مائة سنة وهو أحد المعمرين، وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وأبا (4) بكر وعمر وعثمان، وقد شهد وقعة الجمل وصفين والنهروان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال: فتقدم يومئذ عشرة آلاف رجل من أهل الكوفة وهو يرتجز ويقول (5): # أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا * قد عشت بين المشركين أعصرا # PageV07P075 # ثمة (1) أدركت (2) النبي المنذر * وبعده صديقه وعمرا ويوم مهران ويوم تسترا (3) * والجمل المعروف يدعى عسكرا والجمع من صفينهم والنهرا * هيهات ما أطول هذا عمرا قال: فلم يلبث حتى حمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل، وقتل جميع من كان معه من أهل الكوفة (4)، وأما ابن أبي بكرة فإنه كره الموت، فصالح رتبيل ملك كابل على أنه يضع عنه خراج عشر سنين ويعطيه ألف ألف ms1120 درهم ويرهن عنده ابنه وأشراف قومه، ففعل ثم خرج من أرض كابل حتى صار إلى مدينة بست فنزلها، وبلغ ذلك الحجاج بن يوسف وأهل العراق، فأنشأ أعشى همدان وهو يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # ما بال حزن في الفؤاد يولج * [و] دمعك المنحدر المنهج إلى آخرها. # PageV07P076 ### | ابتداء أمر [ابن] الأشعث مع الحجاج بن يوسف # قال: فعندها دعا الحجاج بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فعقد له عقدا وضم إليه جيشا، وقال: قد علمت ما نزل بشريح بن هانئ والمسلمين (1) بأرض الكفار، وما كان من هذا المنافق عبيد الله بن أبي بكرة وما كان من صلحه من رتبيل، فسر ولا تعرج على شيء حتى تدخل أرض الداور (2) من بلاد الترك وكابل، ثم فرق الجنود بها وأبلغ فيها الغاية لأبعدها. ثم مكنه الحجاج بن يوسف من الأموال وضم إليه الاشراف من القبائل (3). # قال: وجاءت إخوة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، منهم قيس وإسحاق والمنذر والصباح (4) حتى دخلوا على الحجاج فقالوا: أيها الأمير! لا توجه عبد الرحمن في هذا الجيش، فإننا نتخوف أن يخرج عليك! قال: فتبسم الحجاج ثم قال: ليس هذا أول حسد الاخوة، وإنما أنتم حسدتموه لأنه ليس من أمكم. # فقالوا: أيها الأمير! أما نحن فقد قضينا ما علينا ونحن خارجون معه. # قال: وخرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث من الكوفة ومعه أشراف الناس # PageV07P077 # وفرسان أهل العراق حتى صاروا إلى فارس، وبها يومئذ رجل يقال له هميان (1) بن عدي السدوسي في عسكر لجب، غير أنه كان عاملا للحجاج فخالفه وعصى عليه وخلع الطاعة. قال: فحاربه ابن الأشعث حتى هزمه من فارس إلى كرمان وقتل عامة أصحابه، ثم بعث برؤوسهم إلى الحجاج وكتب إليه يخبره بموافقته إياهم. # قال: ثم سار إلى الأشعث إلى كرمان وكتب الحجاج إلى عبيد الله بن أبي بكرة فعزله عن سجستان، فخرج يريد العراق فأدركه الموت فمات في الطريق. # قال: وسار ابن الأشعث إلى رخج (2) فنزلها واقام بها. وجعل الحجاج يكتب إليه ويستحثه ويأمره بالمسير إلى ms1121 رتبيل والاقتحام عليه في بلده. قال: وعبد الرحمن يكتب إليه: أيها الأمير! لا تعجل علي، فإني وجهت عيوني ليأتوني بأخبار البلد وأنا قادم عليه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله (3). ثم كتب عبد الرحمن إلى رتبيل ملك كابل: أما بعد فإنك علج قد تعديت طورك، ودخلت في غير حدك، وكسرت خراج أمير المؤمنين، وقتلت المسلمين، وقد أعذر من أنذر، وأنا سائر إليك في الحد والحديد، والخيل والجنود، ثم إني لا أعاملك معاملة من كان قبلي، لكني أطأ بلدك، وأقتل ولدك، وآخذ مالك، وأسبي حريمك إن شاء الله. قال: فلما ورد كتاب ابن الأشعث على رتبيل كتب إليه: أيها الأمير! إنه لم يدعني إلى قتال أصحابك إلا ما حملوني عليه وما بدأوني به من الغدر وسوء السيرة، ولولا ذلك لم أفعل ما فعلت، وأنا نازل عندما أحببت، وغير مخالف أيها الأمير فيما أردت - والسلام -. قال: ثم وجه رتبيل بكتابه إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث حتى صار في جمع عظيم. # قال: وعزم ابن الأشعث على الخلع والعصيان، وكره الدخول إلى أرض الداور، ثم إنه جلس فكتب كتابا عن لسان الحجاج بن يوسف إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث: أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فاقتل فلانا وفلانا وابعث برؤوسهم # PageV07P078 # إلي! قال: ثم سمى جماعة من رؤساء العسكر، وطوى كتابه وختمه. ثم تركه حتى جف ختمه، ثم جعل يرسل إلى رجل بعد رجل من أجلاء عسكره فيخلو به فيقول: # يا هذا! هل أذنبت إلى الحجاج ذنبا؟ فيقول الرجل: لا والله أيها الأمير ما أعرف لي ذنبا إلى الحجاج، فيقول له: ويحك! فهذا كتابه إلي فيك يأمرني بقتلك، ولا والله ما كنت بالذي أقتل مثلك فاكتم علي هذا، قال: فلم يزل ابن الأشعث كذلك حتى غلظ قلوب الاشراف على الحجاج، ثم قال: ألا ترون أنه يكتب إلي ويأمرني بالدخول إلى بلاد الداور وإلى أرض رتبيل والاقدام عليه في بلده، ورتبيل في وقته هذا نيف على مائة ألف، والله ما يريد ms1122 بهذا إلا أن تهلكوا كما هلك جيش ابن أبي بكرة، وأخرى فإنه قد سار فيكم بما قد علمتم وشردكم في البلاد، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره، وأنا قد عزمت على خلعه وخلع صاحبه عبد الملك بن مروان، فماذا ترون؟ قالوا: ذا إليك أيها الأمير! وأمورنا تبع لأمرك (1). قال: فإني أريد أن أقوم فأخطب، فإذا أنتم سمعتموني أذكر بني مروان تقوموا فتكلموا بما بدا لكم! قال: ثم نادى ابن الأشعث في أصحابه فجمعهم، ثم قام فيهم خطيبا فحمد الله واثنى عليه، ثم ذكر بني مروان وسوء سيرتهم وما ارتكبوا من العامة، ثم ذكر الحجاج وما صنع قبل ذلك بعبد الله بن الزبير والحرم. قال: فوثب أولئك الرؤساء الذين أقرأهم الكتاب الذي صنعه عن الحجاج في قتلهم، فقالوا: أيها الأمير! فاخلعه - خلعه الله وخلع صاحبه من رحمته! قال ابن الأشعث: فإننا قد خلعنا ابن مروان وخلعنا الحجاج بن يوسف، ونحن منصرفون إلى جهادهم ومحاربتهم إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: وقد كان في عسكر ابن الأشعث رجل يقال له مصقلة بن رقبة العبدي # PageV07P079 # فأخذ على فجور فأتي به ابن الأشعث فأقام عليه الحد. فلما كان ذلك اليوم وقال ابن الأشعث ما قال وخلع الحجاج وعبد الملك بن مروان هرب‌ مصقلة بن رقبة هذا وهرب معه ثلاثة نفر، منهم: غدافر بن يزيد التيمي ولاوي بن شفيق بن ثور السدوسي وقتادة بن قيس الكندي، فهربوا حتى لحقوا بالحجاج فأخبروه بذلك. قال: وبلغ المهلب بن أبي صفرة ما قد عزم عليه، فكتب إليه من مدينة مرو. ### | ذكر كتاب المهلب بن أبي صفرة إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث (1) # أما بعد يا بن الأخ! فإنك قد وضعت رجلك في ركاب (2) طويل الغي لامة محمد صلى الله عليه وسلم، فأنشدك بالله يا بن الأخ ألا تداركت هذا في نفسك، أتترك المشركين وتقاتل المسلمين؟ لا تفعل يا بن الأخ! واذكر بلاء الحجاج عندك! إنه جمع لك أهل المصرين جميعا: البصرة والكوفة، ثم إنك تريد ms1123 أن تنقص ثغورهم وتضرب بعضهم ببعض، مهلا يا بن الأخ! واحذر العار في العاجلة والنار في الآجلة - والسلام -. # قال: وتواترت الاخبار إلى الحجاج بما قد عزم عليه ابن الأشعث فقال: أما إن إخوته قد نصحوني فلم أقبل ذلك منهم. # قال: وعزم ابن الأشعث على المسير إلى العراق لمحاربة الحجاج، ثم دعا عبد الله بن عامر التميمي (3) فاستخلفه على سجستان وأمره بمداراة رتبيل ملك الداور (4)، ثم جعل يجمع الناس ويعطيهم ويعدهم ويمنيهم، فقال له أعشى همدان: أيها الأمير! أما لنا منك نصيب؟ فقال له ابن الأشعث: ثكلتك أمك أبا المصبح! إن هذه أيام مداراة، ولكن أمهلني إلى أن يثني لي الوسادة ونظفر ببعض ما نريد، ثم انظر بعد ذلك (هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا) (5). # PageV07P080 ### | ذكر وفاة المهلب بن أبي صفرة ووصيته عند موته # قال: وحضرت المهلب بن أبي صفرة في تلك‌ الأيام الوفاة (1) وهو يومئذ بمدينة مرو الروذ، فدعا ببنيه فأجلسهم بين يديه فقال: يا بني! إني أوصيكم (2) بتقوى الله وصلة الرحم، فإن تقوى الله يعقب الجنة، وصلة الرحم تنسئ في الاجل وتثري المال، وتجمع الشمل، وتكثر العدد، وتعمر الديار وتعز الجانب، وأنهاكم عن معصية الله وقطيعة الرحم، فإنها تعقب الذلة، وتورث القلة، وتقل العدد، وتفرق الشمل، وتدع الديار بلاقع، وتذهب بالمال، وتبدي العورة، وعليكم يا بني بإكرام قومكم، فإنه ليس‌ لكم عليهم فضل، بل الفضل لهم عليكم إذ سودوكم وفضلوكم على أنفسهم، فانظروا إن سألوكم فأعطوهم، وإن شتموكم فاحتملوهم، واحذروا الجواب، واتقوا زلة اللسان، فإن الرجل تزل قدمه فيقوم من زلته، ويزل لسانه فيكون فيه هلكته، يا بني! اصطنعوا المعروف وحبوه، وانهوا عن المنكر واجتنبوه، وآثروا الحق على الباطل، والجود على البخل، والعرب على ما سواهم، وسودوا كباركم، وعرفوا فضل ذوي أنسابكم، يعظم بذلك منازلكم، وارحموا صغيركم، ووقروا كبيركم، وأجيروا يتيمكم وعودوا عليه بما قدرتم، وخذوا على أيدي سفهائكم، وتعاهدوا فقراءكم وجيرانكم، واصبروا للحقوق ونوائب الدهر، وعليكم في الحرب بالأناة والتؤدة عند اللقاء، وإياكم والطيش والعجلة! ms1124 والزموا الطاعة والجماعة، وإياكم والخلاف والفرقة! وعليكم بحفظ القرآن والسنن والفرائض! # وتأدبوا بآداب الصالحين من سلفكم، ولا تجالسوا أهل الدعارة والريبة، وإياكم والخفة والخوف في مجالسكم! وإياكم وكثرة الكلام في غير حاجة! فإنه لا يكاد يسلم صاحبه، وأدوا ما يجب عليكم من حق الله، واعلموا يا بني أني قد أبلغت إليكم في وصيتي، وجعلت لله الحجة عليكم في تركها، والثواب من الله على المحافظة عليها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # قال: ثم توفي بمرو الروذ فقبره (3) بها، فقال فيه نهار بن توسعة هذين البيتين: # PageV07P081 # ألا (1) ذهب الغزو المقرب للغنى * ومات الندى والجود بعد المهلب أقاما بمرو الروذ رهن ضريحه * وقد فقدا من كل شرق ومغرب (2) قال: ثم أنشأ كعب بن معدان الأشقري (3) أيضا يرثيه وهو يقول: # ترحلت الأجياد تبغي عميدها * أخا الحرب وارته السفائف والقبر يقولون هل بعد المهلب نعمة * من العيش إلا قد أتى دونها الدهر؟ # ولا نائل إلا قليل مصدد * قليل الغنى في الناس مطلبه وعر وهدت لذاك الأرض حتى كأنها * بكته الجبال الصم وانصدع الفجر وأظلمت الآفاق حتى كأنما * يرى دون ضوء الشمس من دونها ستر فمن ذا الذي يرجى لكل عظيمة * تحل بنا أو من يسد به الثغر بقينا بحالات أبي الدهر دونها * عرى الحزم والمعروف والنائل الغمر أيرجون أن يعرى سمرقند غيرها * وعليا بخارستان وانقطع النهر قال: فلما مات المهلب صار أمر خراسان إلى ابنه يزيد، فقال أصحاب ابن الأشعث: أيها الأمير! إنك قد عزمت على المسير إلى العراق، ولو بدأت بخراسان فأخذتها واستوليت عليها فإنها الثغر الأعظم! فقال ابن الأشعث: إنه لو كان غير يزيد بن المهلب بها لفعلت ذلك، ولكن يزيد رجل جليل القدر له عشيرة وطاعة في قومه، ودان الناس له بالسمع والطاعة، وأنا أكره أن أبدأ بنفسي بالانهزام، ولكن أسير إلى الحجاج بن يوسف، فإن ظفرت بالعراق فما أيسر والله أمر خراسان إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله [العلي] العظيم. ### | ذكر مسير ابن الأشعث إلى العراق لمحاربة الحجاج ms1125 # قال: ثم سار ابن الأشعث يريد (4) الحجاج فكان معه أخوه القاسم فلم # PageV07P082 # يفارقه، قال: وسار ابن الأشعث حتى صار إلى كرمان فأقام بها أياما، ثم استعمل عليها هارون بن دراع الحنفي (1)، وخرج منها يريد أرض فارس، وقد ركب تجيبا له برجل مدلج ولبس حلة صفراء والناس عن يمينه وشماله وهو يتمثل بقول مهلهل الثعلبي حيث يقول: # وأعز من ولد الأراقم ماجد * صلت الجبين معاود الاقدام خلع الملوك وصار تحت لوائه * غر الورى وأكابر الأقوام (2) قال: وسار حتى دخل أرض فارس فأقام بها أياما، ثم رحل عنها وركب نجيبا له برجل مدلج وعليه حلة حمراء وهو يتمثل بقول الحارث بن وعلة (3) الجرمي حيث يقول: # سائل مجاور جرم هل جنيت لهم * حربا تزايل بين الجيرة الخلط أم هل دلفت (4) بجرار له لجب * جم الصواهل بين السارة الفرط (5) وهل تركت (6) نساء الحي ضاحية * يوقدن وسط بيوت الحي بالخمط (7) قال الهيثم بن عدي: فأنبأني عبد الله بن عياش (8) [عن] الشعبي قال: كانت بفارس عجلة من بنات الفرس يقال لها أمير زاد وكانت من أجمل الناس، وكانت لا يبيت الرجل عندها إلا بمائة درهم، وكان مع ابن الأشعث رجل من بني تميم يكنى أبا حراثة وكان صاحب دعابة ومضاحكة، فبات عندها ولم يكن معه شيء يعطيها، فدفع إليها سرج برذونه، فلما هم ابن الأشعث بالرحيل من فارس عرض له أبو حراثة # PageV07P083 # هذا، فلما رآه ابن الأشعث قال: ما وراءك يا أبا حراثة؟ فجعل يقول: # أمير زاد ذهبت بالسرج * في فتنة الناس وهذا الفرج قال: فضحك ابن الأشعث وقال: استفكوا له سرجه، قال: وبلغ الحجاج بن يوسف فقال: ويلي عليه عدو نفسه يعاقب مصقلة بن رقبة العبدي على الزنى ويستفك سرج الزناة، إني لأرجو أن يخزيه الله إن شاء الله. # قال: فجمع الحجاج أصحابه فخطبهم ثم قال: أيها الناس! إن هذا الفاسق عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قد خلع الطاعة وفارق الجماعة وسار إلى ما قبلكم فهاتوا آراءكم! قال: فوثب عليه سلمة بن عبد الله ms1126 المنقري قال: أيها الأمير! رضينا بالله ربا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالاسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبعبد الملك بن مروان خليفة، وبك أميرا، أصلح الله الأمير! إن لم يكن نبي ولا كتاب ولا إمام لما رضينا بالحائك ابن الحائك عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. قال فقال الحجاج: # هذا كلام حسن لا أرده عليك ولا أدخله صداي حتى أبلو ما عندك. قال: ثم عقد له الحجاج عقدا وضم إليه خيلا، وأعطاه عشرة آلاف درهم، فهرب حتى لحق بابن الأشعث فصار معه. # ثم وثب في ذلك الوقت حنظلة بن الحارث الضبابي فقال: أصلح الله الأمير! # إنك قد وليت بلاد سجستان غلاما سفيها، ولم يكن لذلك أهلا، وأنا أرجو أن يدركه الله بإحدى عثراته! قال فقال له الحجاج: يا حنظلة! أما بالأمس فقلت لي إنه سيد الناس وفتى العرب، واليوم تقول إنه غلام سفيه - والله المستعان. ثم نزل الحجاج عن المنبر ودعا بحنظلة بن الحارث هذا، فعقد له عقدا وضم إليه خيلا وأمر له بعشرة آلاف درهم، فهرب حتى لحق بابن الأشعث فصار معه. # قال: وجعل الحجاج يتألف الناس والناس دون عيونهم إلى ابن الأشعث، فلما رأى ذلك كتب إلى عبد الرحمن بن مروان: يا أمير المؤمنين! الغوث الغوث من عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث! وإني قد وجهت إليك لاوي (1) بن شقيق السدوسي فليسأله أمير المؤمنين عما صنع ابن الأشعث - والسلام -. # PageV07P084 # قال: فلما ورد كتاب الحجاج على عبد الملك بن مروان وقرأه قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: هات ويحك يا لاوي (1) ما عندك من الخبر! قال: فجعل لاوي بن شقيق يحدثه له بخروج ابن الأشعث، وما كان منه، وعبد الملك بن مروان، يتغير وجهه ساعة بعد ساعة، ثم جعل يتمثل بقول الحارث بن وعلة (2) الجرمي وهو يقول (3): # ما بال من أسعى لتجبر عظمه * حفاظا وينوي من سفاهته كسري أعوذ على ذي اللب والجهل منهم * بحلمي ولو عاقبت غرقهم بحري أناة وحلما وانتظارا بهم غدا * فما أنا بالفاني ms1127 ولا الضرع الغمر وإني وإياهم بمنزلة القطا * ولو لم تنبه كانت الطير لا تسري أظن صروف الدهر والجهل منهم * ستحملهم مني على مركب وعر ألم تعلموا أني صبور على الأذى * وأن قناتي لا تلين على الكسر قال: ثم قام عبد الملك بن مروان في أهل الشام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أهل الشام! إن أهل العراق قد استعجلوني قدري قبل انقضاء أجلي، اللهم فلا تسلط علينا ظالما، ولا تسلطنا على ظلم ولي من أوليائك، اللهم أصيبت (4) سيوف أهل الشام على العراق حتى يبلغوا رضاك، فإذا بلغوا بهم رضاك فلا تجاوز بهم سخطك إنك على كل شيء قدير. قال: ثم نزل عن المنبر ودخل إلى منزله فجعل يعطي الناس ويجهزهم إلى العراق، وبعث إلى خالد بن يزيد بن معاوية فدعاه - وكان خالد بن يزيد علامة بأيام الناس عارفا بكتب الفتن، فقال له: ويحك يا أبا هاشم! هل تتخوف اليوم علينا من الرايات السود شيئا؟ فإننا نجد في الكتب أن ذهاب ملكنا على أيديهم، قال له خالد: وما اسم (5) [بلد] هذا الرجل الذي خرج عليك يا أمير المؤمنين؟ قال: سجستان، قال خالد: الله أكبر لا تخف (6) يا أمير # PageV07P085 # المؤمنين ما لم يأتك الامر من قعر مرو (1). قال: وجعل عبد الملك بن مروان لا ينام الليل من الفكر والغم، وربما هجع وأغفى ثم يستيقظ كالفزع المرعوب وهو يقول: # لقد تركني ابن الأشعث في هجوع، اللهم أدركه واكفني أمره كيف شئت وأنى شئت. # قال: وفصل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث من أرض فارس، ثم كتب إلى عباد بن الحصين الحبطي، وعباد يومئذ بالبصرة، فكتب إليه: أما بعد فقد عرفت رأيك وفضلك وقدرك وحالك وطاعتك في قومك وأهل مصرك، وقد عرفت الحجاج وسوء أثره فيكم، فاكتب إلي برأيك أتبعه فإنك المستمع منه والمقبول قوله - والسلام -. قال: فورد كتاب ابن الأشعث على عباد بن الحصين الحبطي، وعباد يومئذ شيخ كبير لا يستمتع منه بشيء إلا برأيه. فلما ورد عليه كتاب ابن الأشعث وقرأه ms1128 قال: أوه! لو قال هذا القول لي وبي حراك أو نهوض لأبليت لله وللمسلمين بلاء حسنا! قال: ثم إنه كتب إليه: أما بعد يا بن الأشعث! فإني لا أرى شيئا هو لك أمثل ولا خير لك من أن لا تمكن أهل البصرة من أذنيك، وإذا رأيت رأيا فأمضه - والسلام -. # قال: فعندها دعا ابن الأشعث برجل من أشداء أصحابه يقال له عطية بن عمرو العنبري، فضم إليه أربعة آلاف فارس وأمره أن يسير إلى كور فارس ورساتيقها فيجبي أموالها ولا يترك أحدا من شيعة الحجاج إذا قدر عليه إلا قتله. قال: فسار عطية بن عمرو في البلاد فجعل يجمع الأموال ويبعث بها إلى ابن الأشعث، وابن الأشعث يفرقها في الناس ويقوم بها ويأمرهم بالاستعداد للحرب والقتال، فأنشأ أعشى همدان يقول في ذلك: # من مبلغ الحجاج! * ني قد ندبت إليه حربا حربا مذكرة عوا * نا تترك الشبان شيبا وتجندل البطل الكم‍ * - ي وتملا الرعديد رعبا نبئت أن ابن (2) يو * سف خر من زلق فتبا # PageV07P086 # فابعث عطية في الخيو * ل يكبهن عليك كبا قال: وسار ابن الأشعث حتى نزل إلى الأهواز، وبلغ ذلك الحجاج وهو يومئذ بالبصرة، فدعا بالحكم بن أيوب (1) بن أبي عقيل فاستخلفه على الصلاة، وجعل عبد الله بن عامر بن مسمع على شرطة البصرة، ثم جمع الناس وخرج في جيش كبير حتى نزل على سبعة فراسخ من الأهواز (2). فدعا بعبد الله بن رميثة (3) الطائي من أهل حمص ومطهر بن حر العكي (4) من أهل الأردن، فضم إليهما ثمانية آلاف فارس وأمرهم بالمسير إلى ابن الأشعث جاد مجدا. ### | وهذه أول وقعة كانت لابن الأشعث مع الحجاج # قال: فسارت الخيل حتى نزلوا بساحة ابن الأشعث. قال: وعبى ابن الأشعث أصحابه وسار حتى وقف على نهر دجيل (5)، ثم صاح بفرسه وعبر فعبر الناس معه إلى خيل الحجاج ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا ساعة من النهار، وتقدم رجل من همذان من أهل الكوفة من أصحاب ابن الأشعث وفي يده راية له سوداء، فجعل يحمل ms1129 على أصحاب الحجاج فمرة يطاعنهم بالراية ومرة يضاربهم بالسيف، فلم يزل كذلك حتى قتل منهم جماعة. قال: فصاح به رجل منهم من أهل الشام: حسبك يا صاحب الراية من دمائنا في هذا اليوم! قال: وكثر القتل في أصحاب الحجاج. # قال: وبلغ ذلك الحجاج وذلك في يوم الأضحى والحجاج واقف على الجسر يخطب، فصعد إليه رجل (6) من أصحابه فأخبره بالخبر. قال: فنزل الحجاج من منبره مسرعا، ثم أمر بالأثقال وبالأموال فوضعت في السفن، ووقف ينتظر ما يكون # PageV07P087 # من أمر أصحابه، قال: وإنه لكذلك إذ أتاه الخبر بأن أصحابه الثمانية آلاف قد قتلوا بأجمعهم فما انفلت منهم أحد، قال: فجلس الحجاج في سفينة ومر في جوف الليل هاربا منهزما حتى دخل البصرة بأشد حالة تكون. # قال الهيثم بن عدي قال أنبأني عبد الله بن عياش (1) قال: كان لأهل العراق على أهل الشام النصر والظفر في ثلاثة مواطن، قتلوا منهم ستة وثمانون ألفا، منها وقعة بابلا (2) يوم يزيد بن أنس الأسدي رحمه (الله) حين وجه به المختار، قتل من أهل الشام ثمانية آلاف، ومنها وقعة خازر (3) مع إبراهيم بن الأشتر، قتل عبيد الله بن زياد وقتل معه نيف على سبعين ألفا، ومنها يوم دجيل (4)، قتل منهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ثمانية آلاف. # قال: وأقبل ابن الأشعث على أصحابه فقال: يا أهل العراق! أما هذا الذي كان فليس عندي بشيء، ولكني أريد عبد الملك بن مروان. قال: ثم أقبل من دجيل (4) في طلب الحجاج إلى البصرة، وبلغ ذلك الحجاج فقطع جسر الأبلة وضم الأسواق ثم نادى في عسكره وقال: يا أهل الشام! انظروا لا تتركوا بالمكلأ (5) شيئا من العلف والطعام إلا أخذتموه ونقلتموه إلى العسكر، فإنما الناس أحد رجلين: # فمن لحق ما أغطيناه من طعامه وعلفه، ومن لحق بعدونا فدمه حلال لنا. # قال: وأقبل ابن الأشعث ونزل بالبصرة ثم قال: علي بعباد بن الحصين الحبطي (6)! فإنه شيخ بني تميم، وإني أحب أن آخذ برأيه، قال: فأتي بعباد بن الحصين يحمل في محفة ms1130 له حتى قعد بين يديه، فلما رآه رحب به وقربه ثم قال: يا أبا جهضم! أشر علي برأيك، فقال له عباد بن الحصين: أيها الأمير! إنك قد أسأت الرأي حين سرت من سجستان إلى العراق ولم تبدأ بخراسان فتأخذها فتكون قد # PageV07P088 # جمعت أمر الثغر جميعا، وأسأت أيضا حين هزمت أصحاب الحجاج بدجيل (1) ولم تنزل الأهواز فتبعث إلى البلاد فتأخذها وتترك الحجاج ههنا يموت جزعا، والآن فإن الرأي عندي أن تترك المربد (2) وتضرب فيه عسكرك وتخندق على نفسك خندقا، فإن الحجاج قد نزل الزاوية (3)، فإن جاءتك خيل من قبله أخرجت إليها خيلا مثلها، قال: فقال له عبد الحميد بن المنذر بن الجارود: ويحك يا أبا جهضم! أتخندق خندقا على المربد وفيه دور بني أمية ودور الأزد ودور عبد القيس! لا والله ما هذا برأي! قال: فغضب عباد بن الحصين ثم قال: ويحك يا عبد الحميد! إن الامر عندنا أعظم من أن ينظر في الدور، إن غلبنا الحجاج فما أقدرنا على الدور! فقال عبد الحميد: لا ولكني أرى من الرأي أن تنزل الخريبة (4) فتعسكر بها ثم تقاتل عن البصرة كلها، قال: فوقع هذا الرأي بقلب ابن الأشعث فأخذ به. ثم نزل الخريبة فعسكر بها، ثم خندق على نفسه خندقا، وصار إليه أشراف الناس من قريش وسائر العرب، وعزم الحجاج على حربه. ### | وهذه الوقعة الثانية بالبصرة بين ابن الأشعث وبين الحجاج بن يوسف # قال: ودنا (5) القوم بعضهم من بعض، والحجاج يومئذ في ثلاثة وعشرين ألفا من أهل الشام ومن تبعه من أهل العراق، وابن الأشعث في زهاء عن ستين ألفا. # قال: وجعل الحجاج يقول لأصحابه: أيها الناس! إن حدث بي حدث فأميركم من بعدي حكم بن أيوب (6) بن الحكم، فإن أصيب فسفيان بن الأبرد الكلبي، فإن أصيب فيزيد بن هبيرة المحاربي. قال: فزحف الناس بعضهم إلى بعض فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من أصحاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث خمسمائة نفر من أشد أصحابه، منهم: عطية بن عمرو العنبري، والحريش بن هلال السعدي، ms1131 # PageV07P089 # وعبد الحميد بن المنذر بن الجارود العبدي (1)، وزياد بن مقاتل الجهدري وعبد الله بن رزام (2) الحارثي، هؤلاء الخمسة من فرسان أصحاب ابن الأشعث، وقتل من أصحاب الحجاج أيضا جماعة، فانتصف بعضهم من بعض، وجاء الليل فحجز بين الفريقين. فدعا ابن الأشعث بعبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم فاستخلفه على أصحابه وأمره بحرب الحجاج وأصحابه، ثم خرج ابن الأشعث من عسكره في جوف الليل في ألف فارس من أبطال عسكره فسار في الأجمة على الظهر حتى دخل الكوفة فأخذها، وأصبح الناس وقد فقدوا ابن الأشعث فلم يعلموا ما حاله وخبره إلا الذين أعلمهم من خاصته، قال: وتزاحف القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا، وأقام الحرب بين الحجاج، وبين عبد الرحمن بن العباس خليفة ابن والأشعث من بين يدي الحجاج وانهزم أصحابه حتى صاروا إلى الكوفة (3)، وابن الأشعث بها وقد احتوى على بيت مال الحجاج فأخذ جميع ما فيه، وقد أخذ أيضا عامل الحجاج الذي كان بالكوفة واسمه مطر بن ناجية (4)، قال: فهم ابن الأشعث بقتله، فقال: أيها الأمير! فإني من شيعتك! # قال: فاستبقاه ابن الأشعث وأمره، فصعد المنبر فشتم الحجاج وعبد الملك بن مروان جميعا ولعنهم، ثم حرض على قتال أهل الشام، فأنشأ رجل من أصحاب الحجاج يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # أبني تميم ما لمنبر ملككم * ما يستقر بعوده يتمرمر إلى آخرها. # قال: وبلغ الحجاج أن ابن الأشعث قد أخذ الكوفة واحتوى على بيت المال، فضاقت عليه الأرض بما رحبت ولم يدر ما يصنع، غير أنه جمع أصحابه فأعطاهم الارزاق وأمرهم بالاستعداد، ثم دعا بالحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل وهو ختن الحجاج على أخته زينب (5) فاستخلفه على البصرة ثم سار يريد الكوفة، حتى # PageV07P090 # إذا تقارب منها عدل وضرب عسكره بموضع يقال له دير الجماجم (1) على سبعة فراسخ من الكوفة، فنزل هنالك بأصحابه وأوليائه - والله أعلم وأحكم. ### | ذكر وقائع دير الجماجم. # قال: وجعل الحجاج يقول لأصحابه: هذا موضع حسن وليس بيني وبين ms1132 أمير المؤمنين نهر يمنعني من المسير إليه، ولي رستاقان هما في يدي بابل (2) والفلوجة. # قال: وبلغ ابن الأشعث أن الحجاج قد نزل بدير الجماجم، فدعا بابن عمه عبد الله بن إسحاق بن الأشعث فاستخلفه على الكوفة، ثم جمع أصحابه وسار نحو الحجاج حتى نزل قريبا من دير الجماجم، وكان بين عسكره وعسكر الحجاج بثق ماء مسدود، إذا بثق لم يقدر أحدهم على قتال صاحبه، فأرسل الحجاج إلى ذلك البثق ففتحه خوفا على عسكره أن يكبس في جوف الليل. # قال: وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فضم إليهم أشراف أهل الشام وأهل الجزيرة، ووجه بهم إلى الحجاج مددا له في سبعين ألفا، ثم كتب إلى ابن الأشعث بالأمان له ولأصحابه على أنه يرجع عما هو عليه ويوليه أي بلد شاء، وكتب أيضا إلى أهل العراق أنه قد بلغني ما أنتم عليه من شتمي وخلعي، فإن كنتم إنما تريدون عزل الحجاج عنكم عزلته، وأخرجت أهل الشام من بلادكم، ووليت عليكم من تحبون، ولا يرى العراق شاما أبدا - والسلام -. (3) قال: وأقبل عبد الله بن عبد الملك وعمه محمد بن مروان في سبعين ألفا حتى نزلوا بدير الجماجم وضربوا عسكرهم ناحية من عسكر الحجاج، ثم بعث عبد الله بن عبد الملك بن مروان بالأمان إلى ابن الأشعث الذي كتب له عبد الملك بن مروان، وبعث أيضا إلى أهل العراق بكتاب عبد الملك بن مروان إليهم، فعزم أهل العراق # PageV07P091 # على أن يقبلوا ما في الكتاب وأن يخذلوا ابن الأشعث، ثم بلغهم بعد ذلك أن عبد الله بن عبد الملك ومحمد بن مروان في طاعة الحجاج وأنهم يصلون خلفه، فغضبوا لذلك وشتموا عبد الملك والحجاج، وعزموا على الحرب والمناجزة. # قال: ودنا (1) القوم بعضهم من بعض، فقال عبد الله بن عبد الملك بن مروان: يا أهل العراق! أخرجوا إلينا أشرافكم حتى نكلمهم وننظر ماذا أنتم عليه عازمون! قال: فخرج أهل العراق حتى وقفوا قبالة أهل الشام، ثم انتسبوا بعضهم إلى بعض، فلما قال عبد الله بن عبد ms1133 الملك: أمير المؤمنين، قال أهل العراق: أما عبد الملك فقد عرفناه، وأما أمير المؤمنين فلا نعرفه، وقد خلعنا أبا الديان - يعنون بذلك عبد الملك بن مروان. قال: فرجع (2) القوم بعضهم عن بعض، فقال الحجاج: يا أهل الشام! أنى! قد آن لكم بأن القوم ما يريدون خلعي، إنما يريدون خلع أمير المؤمنين وخلعكم. # قال: ثم نادى الحجاج في أصحابه، ونادى ابن الأشعث في أصحابه، ودنا القوم بعضهم من بعض، وقد كان الحجاج في ثلاثة وعشرين ألفا فجاء المدد في سبعين ألفا فصار في ثلاثة وتسعين ألفا، وابن الأشعث يومئذ في زهاء عن ستين ألفا. فاقتتل القوم هنالك قتالا شديدا لم يسمع بمثله. قال الهيثم بن عدي قال عوانة: فمن الناس من يقول إنهم اقتتلوا أربعة أشهر وأقل من ذلك وأما عبد الله بن عياش (3) فيذكر عن أصحابه أنهم اقتتلوا مائة يوم، ليس من يوم إلا وينتصف ابن الأشعث من الحجاج، ويزيد يومئذ في عسكر ابن الأشعث زهاء عن ثمانية آلاف رجل من القراء والزهاد والعباد ممن يرى قتل الحجاج جهادا، منهم: محمد بن سعد (4) بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شداد بن الهاد سعد (4) بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شداد بن الهاد الليثي، وعامر بن شراحيل الشعبي، وزاذان أبو عمر مولى كندة، وأبو البختري الطائي، ومسلم (5) بن يسار، وسعيد بن جبير (6) - وأشباههم من الناس على ذلك، # PageV07P092 # مائة يوم مثل يوم واحد ما يفترون ولا يكيع بعضهم من بعض، فلما كان في آخر الأيام اقتتلوا من صلاة المغرب إلى أن أصبحوا، ثم رجع عن بعضهم بعض وقد قتل من الفريقين سبعة عشر ألف إنسان، ثم وضعوا السلاح. # وصعد ابن الأشعث إلى منبر له في عسكره - قد كان حمله قبل ذلك معه - فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن الحرب سجال تهلك فيها أنفس الرجال، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ظفر يوما قط حتى ينال منه ومن ms1134 أصحابه، فإن كان هذا الامر في قريش فقد فقأتم (1) بيضة قريش، وإن يكن في غيركم من العرب فأنا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس (2) بن معدي كرب، أيها الناس! إنكم لتعيرون آل مروان بأمهم الزرقاء، ولا والله ما كان لهم نسب قط أشرف من الزرقاء! # وإنكم تعلمون أن مروان هو الطريد ابن طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال: وإنه على منبره يقول ما يقول إذ نادى منادي الحجاج بالقتال، فزحف القوم بعضهم إلى بعض، فجعلوا يقتتلون ويتناجزون وابن الأشعث واقف على المنبر، وإن السهام لتأتيه من بين يديه حتى تجوزه فما يستتر منها بشيء ولا يتقيها، لكنه ينظر إلى أصحابه كيف يقتلون. فلم يزل كذلك حتى وقعت الهزيمة على أصحابه من خيل خرجت لهم في الكمين، فمروا منهزمين لا يقف أحد على أحد حتى دخلوا الكوفة، فلما نظر ابن الأشعث إلى ذلك نزل عن المنبر فاستوى على فرسه، ثم وقف على حامية الناس في قريب من ألف رجل، فجعل مرة يحمل عليهم فيكشفهم، ومرة يدنو من الكوفة، فنظر إلى أبياتها فكبر ودخلها فجعل يحمل نساءه وحريمه وأولاده وأمواله حتى صار إلى السوس فنزلها ومعه زهاء عن عشرة آلاف من أصحابه، وسائرهم قد تفرقوا في البلاد. # قال: والحجاج في موضعه ذلك بدير الجماجم لا يبرح حتى علم أن ابن الأشعث قد خرج، فأقبل حتى دخل الكوفة وتلاحقت به الناس من دير الجماجم، ثم دخل الحجاج إلى قصر الامارة ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه من كل ناحية. # قال: وتقدمت إليه قبائل النخع لتبايعه وتطابقه وتشايعه - والله أعلم وأحكم -. # PageV07P093 ### | ذكر مقتل كميل بن زياد رضي [الله] عنه صاحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال فقال الحجاج: يا معشر النخع! أخبروني عن كميل بن زياد من أبي قبيلة هو منكم؟ فقالوا: من بني الصهبان، فقال الحجاج: لا والله! لا خرجتم من الدار أو تأتوني به وإلا ضربت أعناقكم. قال: فقال الهيثم بن الأسود وكان ممن يتمسك بطاعة بني ms1135 مروان: أصلح الله الأمير! مهلا عن كميل بن زياد، فإن أمير المؤمنين عثمان بن عفان وأمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد ومعاوية بن يزيد ومروان بن الحكم وأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان كل هؤلاء قد عرفوا قدر كميل بن زياد، وقد عرفوا رأيه ومذهبه فعفوا عنه، فاعف عنه أيها الأمير! قال: # فغضب الحجاج ثم قال: أما والله يا بن الأسود لتحسن أو لتكربني! فقال الهيثم بن الأسود: قد والله حميته عنك يا حجاج! قال: ثم خرج من عنده وأتى بكميل بن زياد رحمة الله - والحجاج في وقته ذلك مشغول برجل قدم إليه يقال له عتيبة بن النهاس (1) العجلي، فقال له الحجاج: أنت عتيبة بن النهاس؟ فقال: نعم أصلح الله الأمير أنا عتيبة بن النهاس، فقال له الحجاج: بايعت عدونا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث؟ قال: نعم أيها الأمير بايعته خوفا على نفسي وأهلي وولدي ولم أقاتل معه أحدا، فليسعني عفوك واصطنعني - فقال الحجاج: يا عبد النخع أمقعد في الجماعة وصحيح في الفتنة! فعلت بعثمان بن عفان ما فعلت ثم عفا عنك يزيد وابنه معاوية بن يزيد ومروان بن الحكم وأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، ثم قدمت العراق فعفوت عنك وبررتك ورفعت قدرك، فلما نظرت إلى مطر بن ناجية - وهو أعرابي من أعراب بني تميم - يشتمني على المنبر ويشتم عبد الملك بن مروان نهضت معه في ذلك وصوبت رأيه! قال: ثم التفت الحجاج إلى يزيد بن هبيرة المحاربي فقال له: # يا يزيد! خذه إليك فاضرب عنقه صبرا، قال: فقدم كميل بن زياد رحمه الله فضربت عنقه صبرا (2). # قال: وجعل الحجاج يؤتى برجل بعد رجل فمنهم من يراقب فيه عشيرته فيعفو # PageV07P094 # عنه، ومنهم من يأمر بضرب عنقه. قال: وبلغ ذلك ابن الأشعث وهو يومئذ مقيم بالسوس فجعل يقول (1): # فما كنا أناسا أهل دين * فنصبر للبلاء (2) إذا ابتلينا وما كنا أناسا أهل دنيا * فننصرنا وإن لم نرج دينا (3) قال: فقال بكير بن هارون البجلي: أيها الأمير! إنما الدنيا ms1136 بالرأس، فإن لم تثبت الرأس فأحرى أن لا يثبت الذنب، ولو وقفت لوقفنا معك وكنا نموت كراما ولا نترك أرضا لبقية آل ثمود، قال: ثم أنشأ بكير بن هارون في ذلك يقول: # نفينا عتاة الشام عن عقر أرضنا * فلا خسر مضر ولا البيع رابح تركنا لهم صحر العراق وناقلت * بنا الأعوجيات الطوال السوائح فقل للغواني أن تبكين غيرنا * ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح لعمري لأهل الشام أطعن بالقنا * وأحمى لما يخشى عليه الصفائح قال: ثم دعا الحجاج بعمرو بن هانئ العنبسي فاستخلفه على الكوفة وخرج في طلب ابن الأشعث في زهاء عن ثلاثين ألفا، وترك باقي جيشه بالكوفة. ثم سار يريد المدائن وقد كان بالمدائن يومئذ محمد بن [سعد بن] أبي وقاص في قريب من عشرة آلاف من أصحاب ابن الأشعث، فلما أحص بالحجاج أنه قد وافاه ترك البلاد وخرج بمن معه هاربا حتى لحق بابن الأشعث وهو يومئذ بالسوس، قال: فونبه ابن الأشعث وقال: أنت في عشيرة آلاف فارس من نخبة أهل العراق وتهرب من بين يدي الحجاج، هلا وقفت له وقفة! فإن كانت لك فذاك، وإن لم تكن لك لم يضعف أمرك! قال: فسكت محمد بن سعيد بن أبي وقاص ولم يقل شيئا. قال: وجعل أعشى يضعف رأي أهل الكوفة ويخيبهم ويذكر صبر أصحاب الحجاج، فأنشأ في # PageV07P095 # ذلك أبياتا مطلعها (1): # أبى الله أن يتمم نوره * ويخمد نار الفاسقين فتخمدا (2) إلى آخرها. # قال: وبلغ هذا الشعر الحجاج بن يوسف فتبسم له ثم قال: (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم)، والله لئن ظفرت به لأضربن عنقه. قال: وبلغ هذا الشعر ابن الأشعث فقال: مدق والله أعشى همدان! لقد ونينا وعجزنا، يا غلام! # احمل إليه مائة دينار. # ثم جمع ابن الأشعث عساكره وسار بهم يريد البصرة، وبلغ ذلك الحجاج والحجاج يومئذ مقيم بالمدائن، فسار نحو ابن الأشعث أيضا يريد بالبصرة، فأخذ على شاطئ الدجلة حتى انتهى إلى موضع يقال له المفتح (3)، وبلغ ذلك ابن الأشعث فصار إليه حتى وافاه بالمفتح. ### | ذكر ms1137 وقعة القوم بالمفتح # قال: ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا قتالا شديدا. قال الهيثم: فذكر عوانة أنهم اقتتلوا بالمفتح عشرين (4) يوما، كل ذلك على الحجاج حتى قتل من أصحابه مقتلة عظيمة وهم أن ينهزم، فلما رأى ذلك بعث إلى الكوفة فجاءته الجيوش في أربعين ألفا، فلما رأى أصحاب ابن الأشعث ذلك كأنهم جزعوا من تلك العساكر ثم اقتتلوا، فصارت الدائرة على أصحاب ابن الأشعث، فقتل منهم في يوم واحد في معركة واحدة نيف على ثلاثة آلاف، وأسر منهم خلق كثير. فقال الحجاج: هذا فتح الفتوح. # PageV07P096 # قال: ثم اجتمعت القراء الذين في عسكر ابن الأشعث إلى الحسن بن يسار (1) البصري، والحسن يومئذ مقيم بالمفتح فقالوا له: يا [أبا] سعيد: هات ما عندك وتكلم بما ترى! فقال الحسن: إني أرى أنها فتنة صماء، وذلك أنكم لم تختلفوا في رب ولا نبي ولا كتاب ولا قبلة، فرحم الله عبدا اتقى ربه ونظر ليوم معاده! قال: # فقال له الناس: أبا سعيد! فما أغنى عنا كلامك. فكف عنا يرحمك الله! أيقتل منا مثل أبي البختري الطائي وعبد الله بن شداد بن الهاد وعبد الرحمن بن أبي ليلى وتقول هذه المقالة! إليك عني فما أنت إلا رجل مرائي مداهن. ### | ذكر الأسارى ومن قتل منهم صبرا يوم المفتح # قال: ثم أمر الحجاج أن تقدم إليه الأسارى! فأول من قدم إليه منهم الفضل بن مروان مولى بني البكاء وكان شريفا في الموالي، فقال له الحجاج: # أفضل؟ قال: نعم، قال الحجاج: خبرني عنك، ألم أستعملك؟ قال الفضل: # بلى استعبدتني، قال الحجاج: ألم أكرمك؟ قال الفضل: بل أهنتني! قال الحجاج: والله لأقتلنك! قال الفضل: والله لأخاصمنك في دمي إلى ربي، قال الحجاج: إذا أخصمك، قال الفضل: الحكم إلى غيرك! فقال الحجاج: اضربوا عنقه. # قال: ثم أتي بالطفيل بن حكيم الطائي فقال له الحجاج: أطفيل؟ قال: نعم يا حجاج! طفيل، قال: ألم تقدم العراق أعرابيا لا يفرض لمثلك ففرضت لك؟ قال طفيل: بلى، قال الحجاج: فما أخرجك علي؟ فقال: أبا محمد! ms1138 إن رأيت أن تأذن لي حتى ألحق بأهلي! فقال الحجاج: وأنت مشتاق إليهم؟ فقال: نعم يا حجاج! # فقال: ذهب والله عقل الرجل! سواء علي قتلت هذا أو قتلت مجنونا، خلوا عنه، قال: فكان ابن عياش (2) يقول: والله لقد كان طفيل بن حكيم من أعقل الناس وأدهاهم، ولكنه أوهم الحجاج أنه قد ذهب عقله، فأفلت من يده. # قال: ثم قدم إليه أعشى همدان، فلما نظر إليه الحجاج قال: يا عدو نفسه! # ألم أقدم العراق فأكرمتك، وقبلت شعرك، وجعلتك إمام قومك، وقدمتك عليهم في # PageV07P097 # الاذن؟ قال: بلى، قال الحجاج: فما أخرجك علي؟ ولست القائل في عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث: # فإذا سئلت المجد أين محله * فالمجد بين محمد وسعيد بين الأشج وبين قيس باذخ * بخ بخ لوالده وللمولود قال: أصلح الله الأمير أنا القائل: # أخبثا ولؤما وارتدادا وذلة * أهان إلهي ما أهان فأبعد (1) فقال: إنك لشديد التحريض على أهل العراق، ألست القائل: # أمكن ربي من ثقيف همدان * يوما إلى الليل أسلى ما كان يا عدو نفسه! لقد أمكن الله ثقيفا منك ولم يمكنك من ثقيف، والله (2) ما مدحت بعدها أبدا، ثم أمر به فضربت عنقه. # قال: وقدم إليه عامر بن المعتمر التميمي، فلما رآه الحجاج قال: هذا شيخ لم يقر على نفسه بالنفاق! فقال: بلى والله يا حجاج وأقول: ما فارقك إلا كافر. # فقال الحجاج: خلوا عنه. # قال: ثم قدم إليه أيضا رجل من بني تميم يقال له عمرو بن مالك فقال: يا حجاج! كافني ببلاء عندك ولا تقتلني، فقال له الحجاج! ما بلاؤك عندي؟ فقال: # قام فينا ابن الأشعث بسجستان فما ترك سوءا إلا قاله فيك، ثم إنه ذكر أبويك، فقمت إليه فقلت: أيها الرجل! أما الحجاج فأنت أعلم، وأما أبواه فكف عنهما فما والله فيهما من وصم ولا قادح. فقال الحجاج: ومن يعلم هذا منك؟ فالتفت التميمي إلى فتى من الأسارى من بجيلة. فقال: هذا يشهد بذلك وقد كان معي حاضرا في ذلك اليوم، قال فقال الحجاج للبجلي: هكذا ms1139 كان أيها الرجل؟ قال: # نعم أيها الأمير! لقد سمعت ذلك، قال الحجاج: خلوا عنهما جميعا. قال: فقال # PageV07P098 # للشاهد بعد ذلك: هل كان من هذا شيء؟ قال: لا والله! ولكني رأيت موضعا رجوت فيه الفرج. # قال: ثم قدم إليه قيس بن مسعود بن عطارد التميمي ومعه ابنه وابن أخيه، فلما رآه الحجاج قال: أمسعود؟ قال: نعم أيها الأمير! قال: ما ظننتك إلا عند صهرك أبي حفص عمر بن محمد بن الحكم بأرض البلقاء، ثم قال الحجاج: # اعزلوهم ناحية. فقال يزيد بن أبي كبشة السكسكي - كان جالسا عن يمين الحجاج - فقال: سبحان الله! (أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر) (1)؟ [فقال الحجاج]: أظننت أني إنما عزلتهم لمصاهرتهم إيانا، ردوهم، فضربت أعناقهم. # قال: ثم قدم إليه عمران بن عصام العنبري فقال له الحجاج: أعمران؟ قال: # نعم أيها الأمير! قال: ألم أقدم العراق وأنت صعلوك فشرفتك، وزوجتك سيدة نساء قومها ماوية بنت مقاتل بن مسمع ولست لها بكفوء؟ قال: قد كان ذلك، قال: فلما أخرجك علي؟ قال: الشقاء، قال: صدقت، ثم قدم فضربت عنقه. # فكان آخر من قدم إليه في ذلك اليوم رجل زعمت كندة أنه منهم، فلما وقف بين يدي الحجاج رفع صوته فقال: ما لك يا حجاج لا جزاك الله عن الاسلام والقرآن وآية خيرا، قال الحجاج: ولم ذلك؟ ويلك! قال: لأنك لم تأخذ فينا بقول الله تعالى إذ يقول: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها) (2) فنحن الذين كفروا بزعمك، فلا والله ما مننت ولا فديت! قال فقال الحجاج: ما له لعنه الله فلقد خصمني! قال: ثم التفت الحجاج إلى جلسائه فقال: ويحكم! أما كان فيكم أحد يتلو هذه الآية حتى تلاها هذا المنافق؟ خلوا سبيله وسبيل من بقي من الأسارى بقول ذلك الرجل. # قال: ومر ابن الأشعث منهزما حتى صار إلى السوس ثانية فنزلها في جميع أصحابه الذين بقوا معه. وأقبل الحجاج منصرفا على شاطئ ms1140 الدجلة حتى صار إلى موضع مدينة واسط، فنزل هنالك ثم قال: هذا منزل وسط بين البصرة والكوفة والأهواز والمدائن، ثم أمر فبني له بها قصرا ومسجدا فسمي واسطا إلى يومنا # PageV07P099 # هذا (1). قال: ثم دعا الحجاج برجل من وجوه أصحابه يقال له عمارة (2) بن تميم اللخمي فضم إليه جيشا كثيفا من أهل الشام والجزيرة والعراق ووجه به في طلب ابن الأشعث، فخرج ابن الأشعث للقاء عمارة، فالتقى القوم على شاطئ نهر السوس فاقتتلوا، وانهزم ابن الأشعث من بين يدي عمارة بن تميم هزيمة قبيحة، وتبعه عمارة فلم يزل يهزمه حتى بلغ إلى سابور فارس، والتقى القوم أيضا بسابور فاقتتلوا، وانهزم ابن الأشعث نحو بلاد كرمان وتفرق عنه أصحابه، ولم يتبعه عمارة بن تميم، وكتب إلى الحجاج يخبره بهزيمته من بين يديه، فأمر الحجاج بالرجوع عنه ### | ذكر هرب ابن الأشعث إلى بلاد كرمان # قال: وجعل ابن الأشعث يسير إلى بلاد كرمان وبين يديه رجل يمشي وقد تخرقت ثيابه وخفاه، فنظر إليه ابن الأشعث على تلك الحالة فجعل يقول: # منخرق الخفين يشكو الوجا * سكنه (3) أطراف مرو حداد شرذمة الخوف بلا مرة (4) * كذاك من يكره حر الجلاد قد كان في الموت له راحة * والموت رهن في رقاب العباد قال: فالتفت إليه رجل فقال (5): هلا ثبت حتى نموت معك. # قال: ومضى ابن الأشعث حتى انتهى إلى مدينة بست وبها يومئذ عامل يقال له عياض بن هميان (6) السدوسي فسكت عن ابن الأشعث حتى دخل المدينة، ثم وثب عليه فأخذه وشده في الحديد، وعزم أن يوجه به إلى الحجاج. قال: فقامت إلى عياض هذا أم ولد يقال له سهلة، فكلمته فيه فقالت: ويحك! تقتل مثل ابن # PageV07P100 # الأشعث وقد ولاك هذا البلد! اذكر بلاءه عندك مع أني لست آمنة عليك. قال: وإذا الجيوش (1) قد أقبلت حتى دخلت مدينة بست، فلما بلغهم أن ابن الأشعث في الحديد وجعلك عاملا على هذا البلد فتكبله في الحديد؟ فقال عياض: إني إنما فعلت بالأمير ما فعلت وأوثقته عندي مخالفة أن يدخل أرض ms1141 الترك ويتركنا ههنا بلا أمير. فقال ابن الأشعث لأصحابه: خذوه إليكم وأطلقوني من هذا الحديد. قال: # فأطلقوه، فعمد إلى عياض بن هميان هذا فضرب عنقه، وصلبه (2)، وأخذ أمواله وخرب منزله. # قال: واجتمع الناس إلى ابن الأشعث من جميع البلاد وجاءته الفلول الذين فارقوه، فصار في سبعين ألفا أو يزيدون، فعندها أعجبته نفسه وأشار عليه أصحابه، بمحاربة يزيد بن المهلب، فأبى عليهم وقال: مهلا عن يزيد! فإنه رجل لم يتحرك علي فيمن تحرك وأنا أنهاكم عنه، قال: فأبوا عليه وضعفوا رأيه، وقالوا: # لا بد لنا من محاربته، فقال لهم ابن الأشعث: أما إذا أبيتم علي فإني أجيبكم إلى ما تريدون من ذلك. ### | ذكر الوقعة مع يزيد بن المهلب # قال: فعقد ابن الأشعث بعبد الرحمن بن العباس بن ربيعة الهاشمي عقدا وضم إليه أصحابه (3) وأمره بمحاربة يزيد بن المهلب، قال: وخرج القوم نحو يزيد بن المهلب في زهاء ستين ألفا، ويزيد يومئذ بمدينة هراة (4) من خراسان، فلما بلغه مسير القوم إلى ما قبله جمع أصحابه وسار إليهم من هراة في جمع عظيم حتى وافاهم بموضع يقال له المنعرج ودنا القوم بعضهم من بعض، فقال يزيد بن # PageV07P101 # المهلب: ويلكم يا أهل العراق! أفسدتم علينا العراق ثم أتيتمونا ونحن في نحر العدو ليتفرقوا جماعتنا، تبا لكم من قوم ما أضل حلومكم! فناداه أصحاب ابن الأشعث وقالوا: أدر عنك يا مروزي! فإنا ندعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال يزيد: ويلكم من هذا الذي يرغب عن كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم! ثم قال: يا هؤلاء مهلا! فإني قد أجلتكم ثلاثا فتنظروا في أمركم، فقالوا: لا ولا ساعة من نهار، ثم عطعطوا وضجوا، فقال يزيد: اللهم! إني استنصرك عليهم، ثم حمل والتقى الجمعان فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من أصحاب ابن الأشعث بشعر كثير، وأسر منهم جماعة. # وفيمن أسر منهم: محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعياش (1) بن الأسود بن عوف الزهري، و [عمر بن] ms1142 (2) موسى بن عبيد الله (3) بن معمر التميمي،، وعتبة بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة، وجماعة من قبائل مضر واليمن، فأما اليمانية فأطلقهم يزيد بن المهلب، وأما المضرية فشدهم في الحديد ووجههم إلى الحجاج (4). # قال: فقدم بالأسارى على الحجاج، والحجاج يومئذ بواسط العراق، فأول من قدم إليه محمد بن سعد بن أبي وقاص وقد كان يلقب بظل الشيطان من طوله، فلما رآه الحجاج قال: يا ظل الشيطان! كيف رأيت صنيع الله بك؟ ثم التفت الحجاج إلى جلسائه فقال: إن هذا رغب عن يزيد بن معاوية وزعم أنه أحق بالامر منه، يتشبه بالحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ثم ما زال يركض في الفتن إلى أن تبع حوالي كندة وصار مؤدبا (5) للظالمين. # قال فقال محمد بن سعد: أيها الأمير! إنك قد ظفرت، فإن تعف فقد أمر الله عز وجل بالعفو، وإن تقتل فقد قدرت، فقال الحجاج: أبعدوه من بين يدي وهاتوا غيره، قال: فأتي بعتبة بن عبيد الله (6) بن عبد الرحمن بن سمرة، فقال له # PageV07P102 # الحجاج: يا بن الفاسق الدجال! كيف رأيت صنيع الله فيك وفي أبيك من قبل؟ # قال: فسكت ولم يقل شيئا، فقال: أبعدوه عني، فأبعدوه. وأتي بعياش (1) بن الأسود بن عوف الزهري، فلما رآه الحجاج قال: هذا والله المجهول في الجماعة المعروف في الفتنة، والله لقد وليت العراق سبع سنين فما علمت أن لهذا والدا يعرف. قال: ولم يزل الحجاج يوبخ رجلا بعد رجل ويقول فيه القبيح، ثم أمر الحجاج فضربت أعناقهم إلا نفرا منهم، سأله فيهم قوم فوهبهم لهم. # قال: ثم دعا الحجاج عمارة بن تميم اللخمي فضم إليه جيشا وأمره بالمسير إلى ابن الأشعث وأن يطلبه حيث كان، قال فسار إليه عمارة، وكتب ابن الأشعث إلى رتبيل ملك الداور: أما بعد فإن عساكر الحجاج قد سارت إلى ما قبلي، وإني قد عزمت على مصالحتك على أني قد ملكتك البلاد ولا جزية عليك - والسلام -. # قال: فأجابه ms1143 رتبيل (2) إلى ذلك وكتب إليه: إن أردت هذا ففرق من كان معك في البلاد من أصحابك وهلم إلي، فكن عندي إلى أن تنظر ما يكون من أمر الحجاج. قال: ففرق ابن الأشعث أصحابه في بلاد الداور ثم أقبل فيمن بقي معه حتى صار إلى رتبيل، فأكرمه رتبيل وقربه وأحسن إليه. # قال: وإذا كتاب الحجاج قد ورد على رتبيل: أما بعد فإن ابن الأشعث قد صار إلى ما قبلك، وقد وجهت إليك بعمارة بن تميم اللخمي في ثلاثين ألفا من أهل الشام لم يخلعوا طاعة ولم يبايعوا إمام الضلالة، يستعظمون الحرب استعظاما، ويقدمون عليها إقداما، فإذا قدموا بلدك فسلم إليهم ابن الأشعث وأنت آمن في بلدك أبدا ما بقيت، لا يؤخذ منك الجزية، ولا يغزوك أحد من العرب، وتعطى في كل سنة خمسمائة ألف درهم. # قال: فلما ورد كتاب الحجاج على رتبيل وثب على ابن الأشعث في ستة وعشرين رجلا من أهل بيته، فشدهم في الحديد. قال: وبلغ ذلك أصحاب ابن الأشعث المتفرقين في البلاد فهربوا، فمنهم من قتل، ومنهم من أفلت. ثم وجه رتبيل (3) بابن الأشعث وبأهله مليكة بنت يزيد العامري ومن معه إلى عمارة بن تميم # PageV07P103 # اللخمي. قال: وابن الأشعث يومئذ عليل وهو مع ذلك مثقل بالحديد فلم يصل إلى عمارة بن تميم حتى مات في بعض الطريق، فاحتز القوم رأسه وحملوه إلى عمارة، وأقبلوا بولده وأخيه ومن معه إلى عمارة. # قال: وكتب الحجاج إلى عمارة أن اضرب أعناقهم هنالك وابعث إلي برؤوسهم. قال: فقدمهم ابن تميم فضرب أعناقهم بأجمعهم هنالك، وبعث برؤوسهم إلى الحجاج، فوضعت بين يديه وأدخلت إليه مليكة بنت يزيد امرأة ابن الأشعث، فلما نظر إليها الحجاج قال: يا مليكة! أملكنا أمثل أم ملك الترك؟ # فقالت: أبا محمد! إن لم تكن فحاشا فاحذر الجواب! قال الحجاج: قد فعلت ولم أرد بهذا شيئا مما تظنين، وليس لك ذنب تعاقبين عليه يا مليكة! ثم جهزها الحجاج بجهاز حسن وألحقها بأهلها. ثم وجه برأس ابن الأشعث ورأس أخيه القاسم ms1144 ورؤوس أصحابه إلى عبد الملك بن مروان، فلما وضعت بين يديه خر ساجدا، ثم رفع رأسه فقال: الحمد لله على حسن البلاء وتظاهر النعماء! ثم أمر برؤوسهم فطيف بها في أجناد أهل الشام وأهل مصر، ثم بعث بها بعد ذلك إلى بئر برهرت - برهوت حضرموت فألقيت هنالك - انقضى أمر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. ### | ذكر مقتل سعيد بن جبير رحمه الله (1) # ثم دعا الحجاج برجلين من عتاة أصحابه: أحدهما إسماعيل بن الأوسط، والاخر المتلمس بن الأحوص، وهما جميعا من ثقيف، فضم إليهما نفرا من ثقات أصحابه، ثم قال: اطلبا لي الان سعيد بن جبير، فأتياني به من حيث ما كان، فإنه لم يكن فيمن خرج علي مع ابن الأشعث أشد منه! فخرج القوم في طلبه فجعلوا يسألون عنه وعن موضعه، فلا يرشدهم إليه أحد. قال: فبينما هم كذلك إذ مروا براهب في صومعة فوقفوا عليه فسألوه عنه، فقال الراهب: أما سعيد بن جبير فإني لا أعرفه، ولكني رأيت رجلا مر بي من عشية أمس عليه جبة من صوف وكساء، فتوضأ # PageV07P104 # بهذه البئر ثم صلى ركعتين ومضى في هذه البرية، فلا أدري إلى أين صار، قال: # فسار القوم عند ذلك وجعلوا يقتصون الأثر حتى وقفوا عليه، فوجدوه ساجدا، قال: # فلم يشعر سعيد بن جبير إلا والقوم على رأسه فسلموا عليه، فأوجز في صلاته ثم رد عليهم السلام. ثم قال: ما وراءكم عافاكم؟ فقالوا: نحن رسل الأمير الحجاج بن يوسف فأجب! فقال سعيد بن جبير: ولا بد لكم من ذلك؟ قالوا: نعم. فوثب سعيد ومشى معهم حتى انتهى إلى باب الدير وذلك في وقت المساء، فقال لهم الراهب: أصبتم صاحبكم؟ قالوا: نعم قد أصبناه، قال: فأدخلوا إذا الدير، فهذا موضع مسبع فلم يخل من السباع، وهذا وقت المساء! فبادروا ودخلوا، قال: # فدخل القوم وأبى سعيد بن جبير أن يدخل معهم، فقال له القوم: يا بن جبير! إنا نظنك أنك قد عزمت على الهرب! فقال: لا، ولكني لا أحب أن أدخل منزلا ms1145 لا يصلي فيه أهله الخمس، فأدخلوا وذروني ههنا على باب الدير، فإني أعطيكم عهد الله وميثاقه أن لا أبرح مكاني هذا حتى أصبح. قال: فتركوه ودخلوا الدير، وقام سعيد يصلي والراهب ينظر إليه من فوق صومعته، فلما مضى من الليل ما مضى إذا بالأسد واللبوة قد أقبلا جميعا إليه وهما يزئران حتى تقاربا منه ثم شماه وتنحيا عنه فريضا قريبا منه، والراهب ينظر إلى ذلك، فصاح بالقوم وقال: يا هؤلاء! قوموا وانظروا إلى صاحبكم! قال: فأشرف أصحاب الحجاج من فوق حائط الدير، فنظروا إلى سعيد بن جبير قائما يصلي والأسد واللبوة رابضان جميعا قريبا منه ، فعجبوا من ذلك، ثم قال بعضهم لبعض: بأي وجه نلقى غدا وقد ذهب بمثل هذا الرجل إلى الحجاج ولعله أن يقتله! وانصرف الأسد واللبوة وأصبح القوم، فأول من خرج إليه الراهب صاحب الدير فأسلم، ثم خرج إليه أصحاب الحجاج فقالوا: أيها الرجل الصالح! إن الحجاج قد أخذ علينا الايمان المغلظة أنا إن عايناك لم نفارقكم فنأتيه بك، فمرنا بما شئت! فقال سعيد: ولابد لكم إذا قد حلفتم أن تحضروني إليه، ولا راد لقضاء الله وقدره. قال: فحمله القوم على دوابهم وساروا حتى تقاربوا من واسط، قال لهم سعيد: لا تعجلوا، هذه واسط قد بلغناها، ولست أشك أن أجلي قد حضر، ولكني ذروني الليلة حتى آخذ أهبة الموت، فإذا أصبحت أدخلوني على صاحبكم! قال: فسكت القوم وخلوا عنه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: لا نطلب أثرا بعد عين، نخاف أن يهرب، فقال بعضهم: لا والله لا يهرب وقد أعطاكم على باب الدير من العهود والمواثيق ثم وفى لكم بما قال ولم يهرب! وقد رأيتم من الأسد واللبوة ما قد رأيتم، فذروه ليلته هذه يصنع ما بدا له قال: فتركه القوم ليلته PageV07P105 # ونزل القوم ناحية عنه، وقام سعيد يصلي وهو مع ذلك لا يأكل ولا يشرب، حتى إذا أصبح القوم وصلوا حملوه حتى دخلوا مدينة واسط والناس ينظرون إليه، فأتي به إلى باب الحجاج، ودخل إسماعيل بن ms1146 الأوسط فقال: أصلح الله الأمير! قد جئتك بسعيد بن جبير، وقد والله رأيت منه شيئا ما ظننت أن يكون لاحد في هذا الدهر، قال الحجاج: وما ذلك؟ فحدثه إسماعيل بما رأى من صومه وصلاته وخشوعه، وما رأى من الأسد واللبوة، قال: فزبره الحجاج وقال: أخرج فأتني به، قال: فأدخل سعيد بن جبير على الحجاج، فلما نظر إليه قال: لا مرحبا بك يا رأس النفاق! فقال سعيد: المنافق من كان من شيعة المنافقين، قال الحجاج: صدقت يا شقي! # قال: بل أنا سعيد بن جبير، [قال الحجاج]: بل أنت شقي بن كسير، قال سعيد: أمي كانت أعرف بي منك، قال الحجاج: لقد شقيت أمك حين ولدتك، قال سعيد: الغيب (1) يعلمه غيرك، قال الحجاج: يا عدو نفسه! ألم أقدم العراق وأنت بها فقربت منزلك ورفعت مرتبتك؟ ثم بلغني عنك علم وفقه فزدتك في عطائك؟ قال سعيد: قد كان ذلك يا حجاج! قال: فما الذي أخرجك علي؟ قال: # بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث فلم أر نقضها، قال: فغضب الحجاج ثم قال: يا عدو نفسه! فبيعة أمير المؤمنين كانت أحرى أن تفي بها من بيعة ابن الأشعث حوالي كندة، والله لأذيقنك (2) حياض الموت، ولأبدلنك بالدنيا نارا تلظى! قال سعيد: لو علمت‌ أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها. قال الحجاج: يا عدو نفسه! ما تقول في خلفاء بني أمية؟ قال: [لست] (3) عليهم بوكيل، ولا أقول ما لا أعلم. قال: فأي رجل أنا عندك؟ قال سعيد: يوم القيامة تعلم ذلك! قال الحجاج: فأحب أن تعلمني! # قال سعيد: أنا أهون على ربي من أن يطلعني على غيبه، قال الحجاج: فإنه لابد لك من أن تصدقني من نفسي، قال سعيد (4): لا أحب أن أكذب، وأنت‌ عندي رجل سوء. قال الحجاج: خبرني عنك ما بالك لا تضحك قط؟ قال: إني لم أر شيئا يعجبني فأضحك منه، وكيف يضحك مخلوق ولا يدري أتمسيه المنية أم تصبحه! ثم لا يدري بعد ذلك إلى الجنة يصير أم إلى النار! قال الحجاج: أصدقني # PageV07P106 # هل ms1147 سمعت لهوا قط؟ قال سعيد: لا ولا رأيته. قال: فدعا الحجاج بالعود والناي، فضرب بالعود ونفخ في الناي، قال: فبكى سعيد بكاء شديدا، فقال له الحجاج: # ما يبكيك؟ فقال: إذا أخبرك يا حجاج! أما هذه النفاخة فإنها ذكرتني نفخة إسرافيل إذا نفخ في الصور (ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل آتوه داخرين) (1)، وأما هذه الأخشاب والأوتار فإنها قطعت وفتلت من هذه المصارين لمعصية الله والله سائلك عنها يا حجاج! فقال الحجاج: ما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال سعيد: أقول إنه في الجنة، قال: فما تقول في بني مروان في الجنة هم أم في النار؟ قال سعيد: لو دخلت الجنة وفيها أهلها لعلمت من فيها. قال الحجاج: كيف شهدت لغير بني مروان بالجنة؟ فقال سعيد: شهدت لهم بشهادة الرسول لهم أن العشرة في الجنة، ولكن ما أنت يا حجاج وما هؤلاء وما سؤالك عن المغيب وقد عزب عليك علمه. قال الحجاج: الويل لك مني يا سعيد! قال سعيد: بل الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار. قال الحجاج: خذوه! فبادر إليه أعوان الحجاج، قال سعيد: (بسم الله مجريها ومرسها إن ربي لغفور رحيم) (2) ثم مضوا به ليقتل، قال الحجاج: ردوه! وهو يضحك. قال الحجاج: # وما يضحكك وقد بلغني أنك لم تضحك قط؟ قال: عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عنك. قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه! قال سعيد: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين) (3). قال الحجاج: اصرفوا وجهه عن القبلة! قال سعيد: (أينما (4) تولوا فثم وجه الله) إن الله واسع عليم. قال الحجاج: اضربوا وجهه بالأرض! قال سعيد: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) (5) قال الحجاج: اضربوا عنقه! # فقدم سعيد بن جبير فضرب عنقه - رحمه الله -. # قال: واختلط على الحجاج عقله، فلم يزل نادما على قتله حتى ربما كان # PageV07P107 # يستيقظ من نومه فزعا مرعوبا وهو يقول: ما لي ولسعيد بن جبير! قال: وبلغ ذلك (1) عبد ms1148 الملك بن مروان فكتب إلى الحجاج: أما بعد يا حجاج! فقد بلغني عنك سرف في القتل وتبذير في الأموال، وهاتان خلتان لا أحتمل عليهما أحد من الناس، وقد حكمت عليك في الخطأ الدية، وفي العمد القود، وفي الأموال أن تردها إلى موضعها، فإنها أموال الله ونحن أمناؤه عليها، وسواء عندي يا حجاج عطاء في باطل أو منع من حق - والسلام - (2). ثم أثبت في أسفل كتابه هذه الأبيات (3): # إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها * وتأبى رضائي بالذي أنا طالبه وتخشى الذي يخشاه مثلي فكن إذا * كذا الدر يوما ظن بالدر حالبه (4) وإن تر مني غفلة قرشية * فيا رب يوم غص بالماء شاربه وإن تر مني وثبة أموية * فهذا وهذا كل ذا أنا صاحبه فلا تأمنني والحوادث جمة * فإنك مجزي بما أنت كاسبه ولا تمنعن الناس حقا علمته * ولا تعط مالا ليس للناس واجبه (5) فإنك إن تعط الحقوق فإنما * تريد به الامر الذي أنا واهبه وإني لأغضي جفن عيني على الأذى * أريد به الامر الذي أنا راكيه وأملي لذي الذنب العظيم كأنني * أخو غفلة عنه وقد خب عاربه فإن كف لم أعجل عليه وإن أبى * وثبت عليه وثبة لا أراقبه # PageV07P108 # قال: فكتب الحجاج (1): أما بعد، فقد جاءني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرفي في القتل وبذري (2) في الأموال، ولعمري ما بلغت حقوق أهل الطاعة ولا عقوبة أهل المعصية! فإن كان قتلي العصاة سرفا وإعطائي المطيعين تبذيرا فليجعل أمير المؤمنين في ذلك حدا لا أعدوه إلى غيره، وبعد يا أمير المؤمنين فإني ما قتلت إلا فيك، ولا أعطيت إلا لك، وما قتلت عمدا فأقاد به ولا خطأ فآتي فيه الدية - والسلام -. # ثم أجابه عن أبياته وهو يقول (3): # إذا أنا لم أطلب رضاك واتقي * أذاك فيومي لا توارى كواكبه ولا أنا من يعطي الخليفة حبه * يعد من الامر الذي هو راهبه (4) وإن قارف الحجاج فيك خطية * فقامت عليه في الصباح نواديه إذا أنا لم أذن الشفيق لنصحه * وأقصي الذي تسري إلي عقاربه فمن يبغني ms1149 يوما ويرجو مروتي * ويحذرني والدهر جم نوائبه فأمري إليك اليوم ما قلت قلته * وما لم تقله لي فإني مجانبه فقف لي على حد الرضا لا أجوزه * مدى الدهر حتى يرجع الدر حالبه وإلا فذرني والأمور فإنني * شفيق رفيق أحكمته تجاربه قال: فلما ورد الكتاب على عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج أن اعمل برأيك - والسلام - (5). # قال: فاستقامت العراق جميعا للحجاج. فلم يكن أحد يناويه ولا يخرج عن طاعته، فأنشأ الفرزدق بن غالب يقول في ذلك: # إن ابن يوسف محمود صنائعه * سيان معروفه في الناس والمطر # PageV07P109 # هو الشهاب الذي يرمى العدو به * والمشرفي الذي يقضي له مطر لا يرهب الموت إن النفس باسله * والرأي مجتمع والجود منتشر أحيى العراق وقد مالت دعائمه * صرامة منه لا يبقي ولا يذر ### | ذكر خروج مسلمة بن عبد الملك إلى بلاد الروم قال: وتحركت الروم بأرض القسطنطينية وغيرها من بلاد الروم، فاجتمعوا في خلق عظيم وعزموا على مفاجأة المسلمين في دارهم، وأخذ الشام من أيديهم، وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فنادى في أهل الشام فجمعهم في المسجد الأعظم، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس! إن العدو قد كلب عليكم وطمع فيكم، وهنتم عليه لترككم العمل بطاعة الله تعالى، واستخفافكم بحق الله، وتثاقلكم عن الجهاد في سبيل الله، ألا! وإني قد عزمت على بعثكم إلى أرض الروم فماذا عندكم من الرأي؟ قال: فأجابه الناس بأحسن الجواب، ورغبوا فيما رغبهم فيه من الجهاد وعزموا على ذلك. قال: فعندها أمر عبد الملك بن مروان فكتب له أربعة كتب، كتاب منها إلى أبان بن عثمان - وهو عامله على الحجاز - أن يوجه إليه برؤساء أهل الحجاز وفرسانهم، وكتاب إلى علقمة بن مرداس الخولاني - وهو عامله على اليمن - أن يوجه إليه بفرسان أهل اليمن، وكتاب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان - وهو عامله على بلاد مصر - أن يشخص إليه بنفسه في أجناد أهل مصر، وكتاب إلى الحجاج بن يوسف، أن يوجه إليه بأجناد العراق. # ثم كتب ms1150 أيضا إلى أخيه محمد بن مروان وإلى ابنه مسلمة وهما يومئذ في بلاد أرمينية وأذربيجان فأشخصهما إليه في جميع من معهما من أجنادهما. # قال: فلما اجتمع الناس من جميع الأمصار قام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنكم قد علمتم ما ذكر الله عز وجل في كتابه من فضل الجهاد، وما وعد الله عليه من الثواب، ألا! وإني قد عزمت أن أغزو بكم غزوة شريفة إلى أليون (1) صاحب الروم فإنه قد طغى وبغى، وقد بلغني أنه قد جمع للمسلمين جموعا كثيرة وعزم على غزوكم ومفاجأتكم في دياركم، وقد علمت أن الله تعالى مهلكه ومبدد شمله وجاعل دائرة السوء عليه وعلى أصحابه، وقد جمعتم من كل بلد وأنتم أهل البأس والنجدة والشجاعة والشدة، وأنتم من قام لله بحقه ولدينه. # PageV07P110 # بنصرته، وهذا ابني مسلمة وقد أمرته عليكم، فاستمعوا له وأطيعوا يوفقكم الله ويرشدكم لصالح الأمور! قال فقال الناس: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين! قال: # فأمرهم عبد الملك بن مروان فعسكروا خارجا من مدينة دمشق في خلق عظيم، وخرج إليهم عبد الملك بن مروان فعبأهم هنالك، فجعل على كل قبيلة من القبائل رجلا من ساداتهم يقتدون برأيه وينتهون إلى أمره، ثم قال لابنه: يا بني! إني قد ندبتك لهذا الامر وشرفتك بهذا الجيش، فجعلته لك شرفا وذكرا إلى آخر الأبد، فكن يا بني بالمسلمين بارا رحيما وأميرا حليما، ولا تكن عنيدا كفورا ولا مختالا فخورا، واعلم يا بني! أن الروم سيلقونك بجيش كثير وجمع كبير، فثق بالله واستعن به وتوكل عليه، فكفى به وليا وناصرا، وانظر يا بني! لا يهولنك ما ترى من جمع الروم وكثرة عددهم، فإن الله تبارك وتعالى بفضله ومنه مهلكهم وضارب وجوههم ومرعب قلوبهم ومزلزل أقدامهم، ومعك يا بني بحمد الله خلق كثير، فإذا عزمت على حرب عدوك فاجعل عمك محمد بن مروان على ميمنتك، واجعل ابن عمك محمد بن عبد العزيز على ميسرتك، واجعل محمد بن الأحنف بن قيس‌ على طلائعك، وعبد الرحمن بن ms1151 صعصعة بن صوحان على جناحك، واعتمد في حربك على البطال بن عمر فإنه بطل شجاع مقدام شياع، وانظر يا بني! لا تكسل ولا تفشل ولا تجزع ولا تهلع، فإنك إن لم تفعل ذلك وتعديت ما أوصيتك به، استوجبت من الله المقت ومن عباده البغض ومن ملائكة اللعن، فإنه تعالى يقول: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) (1). # قال: ثم أقبل عبد الملك بن مروان إلى الناس، فقال: أيها الناس المسلمون! أنتم إخواني وأعواني، وهذا ابني مسلمة وهو سيفي ورمحي وسهمي، وقد رميت به في نحر هذا العدو، وبذلت دمه ومهجته لله عز وجل، ورجوت أن يقضي الله به جيش الروم، فأعينوه واعضدوه وقوموا معه، وانصروه إذا كسل، وشجعوه إذا فشل، وأيقظوه إذا غفا، وفهموه إذا هفا، فإن أصيب فالأمير بعده عمه محمد بن مروان، فإن أصيب فابن عمه محمد بن عبد العزيز، فإن أصيب فاختاروا من أحببتم الأفضل فالأفضل، والخيار في ذلك إليكم - والسلام -. # PageV07P111 # ثم دعا مسلمة فعانقه وقبل بين عينيه وقال: السلام عليك يا ولدي وقرة عيني وثمرة فؤادي! فإن نفسي تحدثني أني لا أراك ولا تراني بعد هذا أبدا - ثم بكى وبكى الناس لبكائه، وودع الناس بعضهم بعضا ورحلوا من عسكرهم يوم الجمعة، وذلك في أول يوم من رجب بعد صلاة الجمعة، وعبد الملك بن مروان معهم يشيعهم إلى أن نزلوا على فرسخين من مدينة دمشق، فأقاموا يومهم ذلك هنالك فلما كان من الغد ودعهم عبد الملك بن مروان ورجع إلى دمشق في نفر من أصحابه. # وسار القوم في الآلة والسلاح الكامل والزي الحسن والخيل العتاق والبراذين المطهمة حتى نزلوا بموضع يقال له مرج دابق (1). قال: فلم يزل مسلمة هنالك نازلا والناس يخرجون إليه ويتلاحقون به من كل موضع راغبين في الجهاد حتى صار في عسكر عظيم، ووافاه الفتية المدنيون التوابون. # ذكر الفتية المدنيين التوابين وهو خبر حسن قال: ذكر عيسى بن دأب أن هؤلاء ms1152 الفتية كانوا عشرة نفر منهم سليمان بن عمرو القرشي، وأخوه يحيى بن عمرو، وهارون بن الحصين التميمي، وأخوه أحمد بن الحصين، ومحمد بن زرعة العبدي، وأحمد بن محمد اليشكري، وبشر بن مطر الأزدي، وسعيد بن إسماعيل الطائي الأسدي، وعبد الله بن عمرو الطائي، ويعقوب بن عبد الله الأنصاري. # قال عيسى بن دأب: وكان السبب في توبة هؤلاء القوم أنهم كانوا بالمدينة على أمر من الأمور التي يحبها الله عز وجل، ولكل واحد منهم جارية يهواها من بنات العرب، فسليمان بن عمرو القرشي جاريته الذلقاء بنت أبي بهس‌ العدوية، وأخوه يحيى بن عمرو جاريته أم أبيها بنت أبي سلمة النهدية، وهارون بن الحصين جاريته أسماء بنت عمرو بن مذل الغطفانية، وأحمد بن الحصين جاريته قبول بنت المعذل الحنظلية، ومحمد بن زرعة العبدي جاريته سلمى بنت عبد العزيز العذرية، وأحمد بن محمد اليشكري جاريته ليلى بنت محصن السعدية، وبشر بن مطر الأزدي جاريته حجل بنت عكاشة الباهلية، وسعيد بن إسماعيل الأسدي جاريته ظلوم بنت مرة الكلبية وعبد الله بن عمرو الطائي جاريته هند بنت المحكم العجلية، ويعقوب بن عبد الكريم الأنصاري جاريته الهيفاء بنت رماحس الكلبية. # PageV07P112 # قال: وكان هؤلاء الفتية العشرة في كل نعمة سابغة، لا يأتي عليهم يوم من الأيام إلا وهم أشد سرورا وأطول حبورا من يومهم الذي مضى إلى أن وقع الخبر إليهم بأن عبد الملك بن مروان قد وجه جيشا إلى بلاد الروم، قال: وأراد الله عز وجل ما أراد من الخير وأحب الله عز وجل أن ينقذهم مما هم فيه من ظلمة المعاصي إلى نور الطاعة. قال: فأول من ارتدع منهم عما هو فيه ودعته نفسه إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى يحيى بن عمرو القرشي، فعزم على ذلك وجعل يسره في نفسه ولا يذكر لاخوانه شيئا مما قد عزم عليه، وهو مع ذلك يجالسهم ويحادثهم. # قال: فبينا هم ذات يوم على شرابهم ولهوهم إذ أخذوا شيئا من تناشد الاشعار التي قد أحدثوها بينهم، فجعل كل واحد ms1153 منهم يقول شيئا ويحيى بن عمرو القرشي ساكت لا ينطق بشيء حتى فرغوا من نشيدهم، فأحب أن يلقي إليهم شيئا مما قد عزم عليه من أمر التوبة ونزوع ما هو عليه، فأنشأ يقول: # قالت: سلوت فقلت: لست بجاحد * أنا والمهيمن ذي الجلال الواحد وسلخت ودك من فؤادي مثل ما * سلخ النهار من الظلام الراكد قالت: فعد فالعود عندي أحمد (1) * فأجبتها هيهات لست بعائد إني أخاف عذاب رب سرمد * تبدو فضائحه ولست ببائد قال: فلما سمع القوم من يحيى بن عمرو القرشي هذه الأبيات أنكروا ذلك منه إنكارا شديدا بليغا، ثم إنهم عضوه بألسنتهم وعذلوه فأكثروا فيه من عذله ولومه، ثم قالوا: يا هذا! قد سمعنا منك شيئا نخاف أن يكون فيه تفريق جماعتنا وتشتيت ألفتنا، وإننا نناشدك الله في ذلك. قال: فتبسم يحيى بن عمرو القرشي ثم حرك رأسه وأنشأ يقول: # إن في اللهو ما علمت سرورا * لا يرى في (2) حوادث الاقدار غير أني تركت ذلك خوفا * وحذارا (3) من شر عار ونار فأنيبوا إلى الاله وتوبوا * كم إلى كم نقيم في الاصرار؟ # قال: فلما سمع القوم ذلك أقبل عليه سليمان بن عمرو فقال: والله يا أخي # PageV07P113 # ما عدا جميع ما تكلمت به سويداء قلبي ولقد أخذ بمجامع قلبي وعقلي حتى لقد غلب على سمعي وصدري، وحال بيني وبين لذتي، ولقد علمت أن الامر كما ذكرت وأن الرغبة فيما رغبت، قال: ثم أنشأ سليمان بن عمرو يقول: # يا من يلوم مرفقا * يدعو إلى إسعاده أبدى النصيحة إذ دعا * لم يأل في إجهاده لا تنكروا ما قاله * من بذله لرشاده فلقد أتى بنصحه * موصولة بسداده قال: فلما سمع القوم كلام سليمان بن عمرو وميله إلى أخيه جعل بعضهم يقول لبعض: هذا ما كنا نحذر من تفريق الألفة وتكدير صفو العيش، فعند الله نحتسب ما فجعنا به منكما! قال: ثم انصرف القوم عن مجلسهم يومهم ذلك وهم مغمومون بأمر يحيى بن عمرو وأخيه سليمان. # فلما كان في الليلة المقبلة اجتمعوا أيضا فجلسوا، فلما ms1154 اطمأن بهم المجلس أقبل عليهم يحيى بن عمرو فقال: يا إخوتي ويا أخلائي ومن تقر عيني بصلاحهم واجتماع كلمتهم! إنه قد ينبغي للراقد أن يستيقظ من رقدته ويستجلي عن غشوته، ومهما شككتم في شيء فلا تشكوا في الموت، إنه نازل بي وبكم، وأسأل الله العصمة والتوفيق والتسديد لي ولكم - والسلام -، ثم أنشأ يقول: # دعوتكم للرشد والنصح جاهدا * وما زلت للاخوان مذ كنت ناصحا فإن تقبلوا نصحي تنالوا سعادة * وتأتوا طريقا بين القصد واضحا ومن يترك القصد المنير طريقه * يلاقي غدا نارا ويخلد كالحا قال: ثم أقبل عليهم سليمان بن عمرو فقال: يا إخوتي ومن قد عظمت حقوقهم علي وابيضت أيديهم عندي! إنكم قد علمتم ما افترقنا عليه في ليلتنا الماضية وما دعاكم إليه أخي يحيى بن عمرو الناصح لكم، الشفيق عليكم، فإن تجيبوا إلى التوبة والنزوع عما أنتم عليه فحظكم أصبتم وإلى الخير أجبتم، وإن تقيموا على ما أرى من لغطكم واتباعكم أهواءكم فإني أسأل الله لكم التوفيق - والسلام -، ثم أنشأ سليمان بن عمرو يقول: # سألت إلهي أن يؤلف بيننا * على الخير كالتأليف في سائر الدهر فقد عشتم عصرا وعصرا وإننا * لفي غمرة جهلاء نهوي وما ندري PageV07P114 # نلجج في بحر سكارى بحيرة * فحتى متى لسنا نفيق من السكرى وتوبوا تنالوا جنة الخلد إنما * ينال جنان الخلد من كان ذا صبر قال: فلما سمع بشر بن مطر الأزدي مقالة يحيى وسليمان بن عمرو واستحكم قولهما في قلبه أعجبه ذلك، ثم قال: لقد علم من أعين عقلا وأحضر هما أين موضع الحق - والسلام -، ثم أنشأ يقول: # لعمري لئن بعت الهداية بالعمى * وآثرت غير الحق إني لخاسر أأترك حظي بعد إذ أنا قادر * على أخذه والحق فيه بصائر سأجبر نفسي عن هواها وغيها * بصبر قوي الحزم والحر صابر قال: فلما سمع القوم مقالة بشر بن مطر الأزدي فغمهم ذلك غما شديدا. ثم أقبل هارون بن الحصين على أصحابه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أعظم الرزية بفرقتكم وأجل المصيبة بتباعدكم، والله ما ms1155 أظن هذا الامر إلا مشتتا جماعتنا، مكدرا علينا صفو عيشنا، لان الذي دعوتنا إليه من مزايلة ما نحن فيه شديد وهو أثبت وأرسخ من أن يزيله العظات أو أن يقلعه الصفات. قال: ثم افترقوا أيضا ليلتهم مغمومين. # فلما كان في الليلة الثالثة اجتمعوا، فلما اطمأن بهم المجلس أقبل عليهم محمد بن زرعة العبدي فقال: يا إخوتاه! اسمعوا عني كلامي وتدبروا بعقولكم فقد أتيتكم بأعجوبة! فقالوا: هات ما بدا لك! فقال: اعلموا أني فارقتكم الليلة وصرت إلى منزلي أرقا شديدا، حتى إذا كان قبيل الصبح أغفيت إغفاء، فإذا أنا بآت قد أتاني في منامي وهو يقول: هذه الأبيات: # يا تارك القصد بعد معرفة * وسالكا غيره من الطرق يحيى وأصحابه على رشد * كما جلى الليل ساطع الفلق فلا تكونن كالمقيم على * دحض مزل (1) أشفى على غرق قال: فلما سمعت ذلك استيقظت فزعا مرعوبا حتى كاد الخفقان أن ينزع قلبي حتى سكنني من كان بحضرتي. قال: فأقبل عليه يعقوب بن عبد الكريم (2) # PageV07P115 # الأنصاري فقال: يا أخي! فكأني والله وإياك إنما كنا على أمر واحد غير أن الالفاظ مختلفة، وذلك أني قمت عن مجلس حين افترقنا بالأمس وبي من الفرقة والأسف لتشتيت الفرقة ما لا أبلغ وصفه حزنا على إخواني، وما رأيت من مفارقتهم لنا ونقضهم علينا ما نحن فيه من الألفة والمودة، فأتيت إلى منزلي وظللت عامة ليلي أدير عيني على الغمض فلا أقدر على ذلك، فبينا أنا كذلك بين النائم واليقظان إذ أنا بهاتف يهتف بي وهو يقول: # يا خائضا في غمرة (1) الجهل * وحائدا عن واضح السبل لست على شيء فلا تكذبن * في راجع التوبة في مهل من قبل يوم معظم هائل * يشيب رأس المرضع الطفل فلما سمعت ذلك استيقظت وما معي شيء من عقلي، فهذا والله يا إخوتي ما رأيت. فلما سمع القوم ذلك عجبوا وجعل بعضهم يقول لبعض: كيف حتى خص محمد بن زرعة ويعقوب بن عبد الكريم (2) بهؤلاء الهواتف من بيننا هذا سكون لنا بنا. قال: ثم أقبل سعيد ms1156 بن إسماعيل الأسدي على محمد بن زرعة وهو يقول: # لولا الذي أضمرت من غدره * ما راعك الهاتف إذ يهتف خصصت بالهاتف من بيننا * ما لك في قولك لا تنصف والله رب العرش يا إخوتي * فإنني مجتهدا أحلف لا خنت من أهوى ولا شتمته * جهرا ولا مثلي به يوصف قال: ثم أنشأ هارون بن الحصين التميمي وهو يقول: # أبالأحلام أسلو عن هواي * لأقوام أتوا بالترهات أتونا يزعمون بأن آت * أتى بنصيحة عند البيات يحضهم على هجر وغدر * وقطع الحبل منا والشتات فمن يك راغبا عن وصل ألف * فلست براغب حتى الممات قال: وتفرق القوم أيضا ليلتهم تلك وقد وفق الله عز وجل للتوبة خمسة نفر: # [ابني] عمرو، وبشر بن مطر الأزدي ومحمد بن زرعة العبدي ويعقوب بن # PageV07P116 # عبد الكريم (1) الأنصاري، وبقي منهم خمسة: هارون بن الحصين [وأحمد بن الحصين] (2) وعبد الله بن عمرو الطائي وسعيد بن إسماعيل الأسدي وأحمد بن محمد اليشكري. قال: وجعل هؤلاء الخمسة الذين قد تابوا يدعون الله ويتضرعون في أن يراجع بقلوب إخوانهم إلى ما هم عليه من التوبة، فلم يزالوا كذلك إلى أن استجاب الله منهم دعاءهم في إخوانهم وأقبل بقلوبهم إلى طاعته، وكتب هارون بن الحصين إلى يحيى بن عمرو القرشي بهذين (3) البيتين: # نفسي الفداء لمن جلى الاله به * عنا العمى ووقاه مورد التلف قد كان ما بيننا في الدين مختلفا * فاليوم نحن جميعا غير مختلف قال: ثم كتب أخوه محمد بن الحصين إلى سليمان بن عمرو أيضا بهذين (3) البيتين: # أتتني منك موعظة * يقوم نصحها أودي فجئتك تائبا في اليو * م خوفا من عقاب غد قال: ثم كتب أحمد بن محمد اليشكري إلى محمد بن زرعة العبدي (4) بهذين البيتين: # نفسي فداؤك من فتى * منح النصيحة جاهدا فأطيع رأيك‌ لا أرى * للناصحين معاندا قال: ثم كتب عبد الله بن عمرو الطائي إلى بشر بن مطر الأزدي بهذين البيتين: # لقد قرأت كتابا منك هيجني * يدعو إلى الله إسرارا وإعلانا أجبته ودعوت الله مجتهدا * كما نكون على الخيرات ms1157 أعوانا قال: ثم كتب سعيد بن إسماعيل الأسدي إلى يعقوب بن عبد الكريم (5) # PageV07P117 # الأنصاري بهذين البيتين: # أتاني كتاب منك فيه مواعظ * تخط على خير وتدعو إلى رشد فأبصرت ما فيه من الحق والهدى * وفارقت من أهوى على أجهد الجهد فلما وصلت هذه الأبيات من هؤلاء الخمسة إلى إخوانهم فرحوا لذلك واستبشروا، واشتد سرورهم، ثم إنهم ابتهلوا إلى الله عز وجل في أن يقوي عزمهم على ما عزموا عليه من التوبة، فاستجاب الله لهم ذلك. قال: إنهم تواعدوا أن يجتمعوا في مشربة لهم فيكلم بعضهم بعضا، فاجتمعوا في مشربتهم تلك. قال: # وهي مشربة معروفة بالمدينة يقال لها مشربة التوبة وهي مشربة على العطارين بالمدينة. قال: فلما اجتمعوا هنالك اعتنقوا وبكى بعضهم إلى بعض لطول الفرقة وما كانوا عليه من التباعد، وحمدوا الله على ما ألف بينهم من التقوى، وسألوه التوفيق والعصمة مما هم عليه. ثم أقبل عليهم يحيى بن عمرو القرشي فقال: يا إخوتي! إنكم قد علمتم ما قد وعد الله عز وجل عباده... (1). # قال: ثم حمل على العلج فضربه ضربة على فخذه فقطعها، فسقط العلج ميتا. قال: وإذا بعلج آخر يقال بولص قد بدر إلى أحمد بن الحصين، قال: فنظر إليه أحمد فقصد نحوه وهو يقول: # دونك حربا لا تقيه ترسي * صبرا على المكروه مني نفسي كيما أنال منزلا في القدس * فإنما الدنيا كيوم أمس قال: واختلفا بطعنتين طعنه العلج في خاصرته جدله قتيلا - رحمه الله - قال: # فلما قتل هارون بن الحصين وأخوه أحمد خرج من بعدهما سعيد بن إسماعيل الأسدي نحو ذلك العلج وهو يقول: # يا بولص الروم إليك نفسي * قد طال في ظل الخطايا حبسي اليوم أحمي إخوتي بالحمس * كيما يكون بطن سبع رمسي قال: والتقيا بضربتين، ضربة الأسدي ضربة جدله قتيلا، قال: وخرج من بعده علج آخر يقال له قسطنطين الأصغر، قال: فقصده الأسدي وهو يقول: # PageV07P118 # يا أيها الداعي إلى الجلاد * في حومة الابطال والأنجاد أتاك ليث سلس القياد * ذو صولة يكرهها الأعادي ثم تطاعنا برمحيهما فلم ms1158 يصنعا شيئا، وتضاربا بسيفهما فلم يصنعا شيئا، فاعتنق كل واحد منهما صاحبه حتى سقطا عن فرسيهما إلى الأرض، فشد عليه العلج بخنجر كان معه فوجأه في نحر فقتله - رحمه الله -. قال: وخرج من بعده يعقوب بن عبد الكريم (1) الأنصاري نحو القسطنطين هذا العلج وهو يقول: # لتذهبن اليوم نفسي أسفا * إذ كنت بعد خمسة مخلفا قد نلت من لذة عيشي ما صفا * حسبي الذي عاينت حسبي وكفا ثم حمل الأنصاري على قسطنطين العلج فقتله. ثم وقف ودعا إلى البراز فلم يخرج إليه أحد، وكاعت الروم بعد قتل قسطنطين. # قال: وجعل مسلمة بن عبد الملك ومن معه من المسلمين يتعجبون من إقدام هؤلاء الفتية على الموت وصبرهم على الحرب، وكل واحد منهم يتلو صاحبه. # قال: والتفت بشر بن مطر الأزدي إلى إخوته الذين بقوا معه يعقوب بن عبد الكريم (1) الأنصاري وأحمد بن محمد اليشكري، ومحمد بن زرعة العبدي، فقال: يا إخوتي! إنه قد قتل منا خمسة ومضوا لسبيلهم ونحن ههنا أربعة ونرجو أن نلحق بهم عن قريب‌ إن شاء الله، ولكن هل ترون ما أرى؟ فقالوا: وما ترى يرحمك الله؟ # فقال: ويحكم! إني رفعت رأسي إلى السماء أنظر إلى هذه الغمامة التي (2) قد أظلت هذا العسكر فرأيت عجبا عجيبا، وذلك أني رأيت رجالا لم أر (3) مثلهم ولا مثل صورتهم ساعة قط، ومعهم خيام بيض لم أر (3) على حسنها شيئا، ونظرت إلى نسوة يطلعن علينا من هذه الغمامة ويضحكن إلى إخواننا هؤلاء الذين قتلوا، فهذا ما رأيت. قال: فعند ذلك اقشعرت جلود القوم ووقفت شعورهم، واشتاقوا إلى ما شوقهم إليه صاحبهم بشر بن مطر الأزدي، ثم غلبتهم أعينهم بالبكاء والترحم على إخوانهم، وجعل بعضهم يقول لبعض: إنه يجب علينا الان أن لا نقصر في جهاد هؤلاء القوم الكفار، فعسى الله أن يجمعنا مع إخواننا في مستقر رحمته. # PageV07P119 # قال: فكان أول من تقدم منهم إلى الحرب يومئذ بشر بن مطر الأزدي وهو الذي رأى ما رأى، فجعل يرتجز ويقول أبياتا مطلعها: # من كان في ms1159 شك وفي تعامي * فقد رأيت الحور في الغمام صبرا لهذا يا بني الكرام * حتى تحلوا ساحة السلام قال: ثم تقدم محمد بن زرعة العبدي وهو يقول: # إن كان لابد مصيري للفنا * فما مقامي بعد خمس ههنا إن نلت ما أبغي فقد نلت المنى * جنات عدن ليس فيها من عنا قال: ثم تقدم أحمد بن محمد اليشكري وجعل يرتجز ويقول: # لا خير في العيش بعد صحبي * حسبي من العيش حسب حسبي لا أرجع اليوم وأقض نحبي * ثم أحل في جنان ربي قال: ثم حمل هؤلاء الفتية فاقتتلوا قتالا شديدا. وجعل يعقوب بن عبد الكريم (1) الأنصاري يرتجز ويقول: # هيهات مني سفهي وطيشي * أقصد للحصن أمام جيشي قد ذهب السادة من قريش * لا خير لي من بعدهم في العيش قال: ثم حمل يعقوب بن عبد الكريم الأنصاري حملة يريد باب الحصن، قال: ولحقه إخوته الثلاثة حتى صاروا إلى باب حصن طوانة (2)، فجعلوا يقاتلون أشد القتال. قال: وصاح مسلمة بالمسلمين فحملوا وانكشفت الروم من بين أيديهم كشفة قبيحة. # قال: وجعل قوم يقاتلون وقوم ينقبون السور نقبا واسعا، وبادر يعقوب بن عبد الكريم (1) الأنصاري فدخل الحصن من ذلك النقب وجعل يقاتل أهل الحصن وحده، فلم يزل كذلك حتى قطعت إحدى قدميه ووثب قائما على تلك الحالة يقاتلهم على فرد قدم وهو يقول: # أضرب بالسيف على فرد قدم * والحر لا يجزع من وقع الألم # PageV07P120 # والموت بعد الألف أشفى للقرم * مع الذي أرجوه من باري النسم أرجو جنانا حققت كل النعم * مع فتية كانوا لعمري كالبهم في مجمع الحرب إذا الحرب اضطرم * خوفا من الله العزيز ذي النقم قال: فلم يزل الأنصاري يقاتلهم وحده ويدفعهم عن ذلك حتى دخل إليه إخوته الثلاثة، فأعانوا ودفعوا الروم عن ذلك النقب، ثم إنهم كبروا وصاحوا بأصحاب مسلمة، فدخل الناس من ذلك النقب وفتحوا باب الحصن، والأنصاري ينزف الدم من رجليه حتى مات - رحمه الله! وقتل إخوته الثلاثة الذين كانوا معه - رحمة الله عليهم أجمعين -! # قال: واشتغل المسلمون بالغنائم وجمعها، فجمعوا ms1160 شيئا كثيرا وخيلا وبغالا وحميرا وذهبا وفضة وأثاثا فاخرة. قال: فجمع مسلمة هذه الغنائم، فأخرج منها الخمس وقسم باقي ذلك على المسلمين، ثم وجه بالخمس إلى أبيه عبد الملك بن وكتب إليه يخبره بما فتح الله على يديه من حصن طوانة، فأنشأ أعشى تغلب يقول أبياتا مطلعها: # خير لمسلمة البنان فإنه * فضلت أنامله الأكف وطالها إلى آخرها. ### | ذكر مسير مسلمة بن عبد الملك إلى عمورية (1) بعد فتح طوانة # قال: ثم نادى مسلمة في أصحابه بالسير إلى عمورية، وبلغ شمعون صاحب عمورية بأن العرب قد سارت إلى ما قبله، فجمع من كان حوله من القرى والحصون الصغار فأدخلهم عمورية، ثم دعا بطريقا من بطارقته يقال له ورسيب، فضم إليه أربعة صلبان. تحت كل صليب عشرة آلاف، وأمره أن يكون على مقدمته. قال: # فسار ورسيب في أربعين ألفا على مقدمة شمعون. وأقبل شمعون من ورائه في ثمانين ألفا. وبلغ ذلك مسلمة بن عبد الملك فعبى أصحابه، ثم دعا بالبطال بن عمرو، فأمره أن يتقدم بين يديه، قال: فسار البطال في المقدمة ومعه عشرة آلاف من المسلمين لا يرى منهم إلا الحدق، حتى إذا أشرف على عمورية إذا ورسيب قد # PageV07P121 # استقبله في أربعين ألفا من النصرانية. # قال: ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا، فأسرع القتل في المشركين. # قال: وحمل ورسيب على البطال وهو لا يعلمه، وعلم البطال أنه ورسيب فخفق عليه ثم ضربه ضربة على قونس بيضته، فقد البيضة والهامة، وخر ورسيب قتيلا. ثم جال البطال في ميدان الحرب وهو يقول: # قد يقتل المرء بلا ذنوب * وربما كان أخا تكذيب لا سيما مثل الشقي ورسيب * جدلته بصارم قضيب مهند ذي صنعة وشوب * ليس بمفلول ولا خشيب قال: وبلغ ذلك شمعون صاحب عمورية بأن ورسيب قتل، فزحف بخيله ورجله يريد لقاء المسلمين، وأرسل البطال بن عمرو إلى مسلمة فخبره بذلك، فأقبل مسلمة في جماعة من المسلمين، حتى صاف الروم وصهلت الخيل وتداعت الفرسان، وأقوت الخيلان والجيشان، واستبشر المسلمون بما وعدهم الرحمن، من الخلود في ms1161 الجنان. قال: وتقدم عبد الرحمن بن صعصعة بن صوحان العبدي أمام المسلمين وهو يرتجز ويقول: # أنا ابن عبد القيس جدي صعصعة * ذو البأس والاقدام عند المعمعه إذا التقى الابطال وسط المعمعه * والروم قد سارت إلينا مجمعه ومن يخاف الله فالله معه ثم حمل فقاتل ساعة ورجع مجروحا. وتقدم عبد الله بن جرير بن عبد الله البجلي وهو يقول: # أنا ابن ذي الفضل فتى بجيله * جرير شيخي وله فضيلة فضيلة عظيمة جليله * من النبي صاحب الوسيلة ثم حمل على جميع الروم فقاتل ورجع مجروحا. قال: وتقدم محمد بن مروان أخو عبد الملك بن مروان وهو يقول: # أنا ابن مروان إذا الهيج اضطرم * أكز في الحرب كليث مقتحم بصارم عضب حسام ذي صرم * كذاك شيخي كان قدما والحكم قال: ثم حمل فقاتل، وحمل عليه شمعون بنفسه فطعنه طعنة منكرة، فرجع PageV07P122 # محمد بن مروان إلى صفه وهو لما به. وتقدم محمد بن عبد العزيز وهو يرتجز ويقول: # أنا ابن ذي الفضل الكريم الماجد * عبد العزيز القرم ذي المحامد وفي يميني مرهف الحدائد * يخترم الروس مع القماحد ثم حمل فقاتل ساعة ورجع مجروحا. قال: وترجل مسلمة بن عبد الملك فنزل عن فرسه ونزل الناس معه، واختلط القوم فاقتتلوا قتالا شديدا، وصبر القوم بعضهم لبعض، وصاح صائح من المسلمين: أيها الأمير! البشرى فقد قتل الله شمعون. قال: فكبر مسلمة وكبر المسلمون معه، وإذا البطال قد أقبل وفي يده رأس شمعون حتى ألقاه بين يدي مسلمة. قال: فعند [ذلك] وثب مسلمة واستوى على فرسه واستوى الناس معه على خيولهم ثم حمل وحمل الناس معه، وانهزمت الروم وولوا الادبار، وأذعنوا بالذل والصغار، وتسارع الناس إلى باب‌ عمورية فدخلوها بالسيف عنوة، فقتلوا مقاتلتها وغنموا أمتعتها وأموالها. قال: وكانت غنائم عمورية يومئذ تزيد على مائتي ألف مثقال من الذهب والفضة سوى الأمتعة والبغال والحمير. قال: فأخرج مسلمة من ذلك الخمس ووجه به إلى أبيه عبد الملك بن مروان (1)، وكتب إليه يخبره بفتح عمورية، وقسم باقي الغنائم في أصحابه. # قال: ms1162 ثم سار مسلمة من عمورية يريد القفورية (2) وبين يديه رجل من المسلمين وهو يقول أبياتا مطلعها: # أبلغ يديك وخير القول أصدقه * أما أبيت عميد الروم أليونا إلى آخرها. # قال: وسار المسلمون حتى إذا أشرفوا على القفورية نظروا فإذا هم بنقفور الأكبر قد خرج إليهم في زهاء سبعين ألف عنان سوى الرجالة. قال: وكان نقفور هذا ختن ملك الروم على ابنة أخ له، فلما نظر إلى جيش المسلمين صاح بأصحابه أن احملوا! ثم حمل وحمل معه أصحابه، وانكشف القوم من بين أيديهم كشفة قبيحة وقد قتل منهم جماعة. قال: ونادى مسلمة في أصحابه بأعلى صوته: يا أهل # PageV07P123 # الشام! لا شام لكم، ويا أهل العراق! لا عراق لكم، ويا أهل مصر! لا مصر لكم إن أنتم وليتم الادبار، اليوم يعلم الله منكم حسن الصبر واليقين. قال: ونادى محمد بن مروان وقال: يا أهل الاسلام! أما تستحيون أن ينهزم أهل الدين والقرآن من بين أيدي الكفرة وعبدة الصلبان! أما ترغبون فيما رغبكم فيه ربكم وأتاكم به نبيكم النصر! والله ينصركم ويثبت أقدامكم. # قال: فعندها صدقت عزيمات المسلمين وتراجعوا إلى الروم، والتحم القتال، وحمل نقفور وحده من بين أصحابه على مسلمة بن عبد الملك فضربه ضربة على بيضته نكسه إلى الأرض، ثم صاح بالروم فحملوا على المسلمين حملة كادوا أن يزيلهم عن مواقفهم غير أنهم ثبتوا للروم وأشرعوا الرماح في وجوههم ورشقوهم بالسهام، ورجعت الروم إلى ورائها، ووثب مسلمة فاستوى على فرسه ثم نادى بأعلى صوته: أيها الناس! إلي إلي! أنا مسلمة بن عبد الملك! يوجب الله لكم الرضوان. قال: فاجتمع عليه الناس ثم تواصوا بالصبر، ووغط بعضهم بعضا، وحملوا على الروم كحملة رجل واحد ووضعوا فيهم السيوف. قال: وكان نقفور أول قتيل. قال: وعلمت الروم بقتل نقفور فولوا الادبار والسيف يأخذهم، حتى صارت القتلى بينهم كالتلول بعضهم على بعض. قال: وسبق البطال بن عمرو وجماعة من المسلمين إلى باب مدينة نقفور (1)، فهجموا على أهلها فقتلوا من قدروا عليه، وأقبل مسلمة في جماعة من ms1163 المسلمين حتى أحاطوا بالمدينة، فاجتمعوا عليها وغنموا ما فيها. قال: وبلغت غنائم نقفورية (1) مائة وثمانين (2) ألف مثقال من الذهب والفضة سوى الدواب والأمتعة والرقيق. قال: وعرض مسلمة أصحابه، فإذا قد قتل منهم في نطوانة وعمورية والنقفورية ثمانمائة إنسان ما بين فارس وراجل. قال: فأخرج مسلمة الخمس من تلك الغنائم فوجه بها إلى أبيه عبد الملك بن مروان (3)، وقسم باقي ذلك على المسلمين. # ثم نادى بالرحيل وسار يريد السماوة الكبرى (4)، فأنشأ بعض المسلمين يقول # PageV07P124 # أبياتا مطلعها: # أي هذا الأمير عمرك الله * ولا زلت في الورى منصورا إلى آخرها. # قال: وسار المسلمون نحو السماوة وبها يومئذ بطريق من البطارقة الرومية يقال له إفريطون في ثمانين ألفا من الروم، وقد حصن السماوة قبل ذلك، ونصب على سورها عشرين منجنيقا وثلاثين عرادة. قال: فنزل مسلمة والمسلمون على السماوة ثم أمر بمجانيقه، فنصبت عليها من كل جانب، وترامى الفريقان رميا متداركا، ودام الحرب بينهم أربعين يوما، لا يفترون من ذلك ليلا ولا نهارا. # فلما كان بعد ذلك أقبل بطريق من بطارقة الروم يقال له قرطس إلى مسلمة بن عبد الملك حتى وقف بين يديه في جوف الليل فكفر له وقال: أيها الأمير! إن السماوة حصن حصين، وفيها خلق كثير، وليس يتهيأ لك أن تفتحها إلا أن يفتح لك من داخلها فتدخلها، وإن إفريطون هذا صاحب السماوة قد أساء إلي وغصبني على ابنة لي فأخذها مني قهرا وقد عزمت على أن أفتح لك هذا الباب الذي هو مقابلك، فإذا أصبحت فعبىء أصحابك واقترب من باب المدينة وألق الحرب بينك وبين الروم، وقد أبطال عسكرك في يديك فإني فاتح لك هذا الباب الذي هو مقابلك، قال فقال له مسلمة: إن أنت فعلت ذلك حملتك وكسوتك وبررتك بعشرين ألف درهم وخلطتك بأصحابي. قال فقال له قرطس: أيها الأمير! إذا دخلت المدينة فافعل من ذلك ما أحببت. قال: ثم رجع قرطس إلى المدينة. # فلما كن من غد عبى مسلمة أصحابه كما كان يعيبهم من قبل ذلك، ثم دنا من ms1164 باب المدينة وهي السماوة (1)، وبين يديه البطال بن عمرو في فرسان من أصحابه. # قال: ثم عطعطت الروم وكبر المسلمون، فاختلط الفريقان واشتبك الحرب على باب المدينة، وفتح ذلك البطريق الباب، واقتحم المسلمون معه فجعلوا يقتلون ويأسرون. قال: وفتح إفريطون بابا آخر من أبواب السماوة وخرج هاربا على وجهه ومعه خلق كثير من أصحابه حتى صار إلى المدينة من مدن الروم يقال له المسيحية. (2) قال: فضم المسلمون ما كان فبلغت غنائمها ألف ألف وثلاثمائة ألف # PageV07P125 # مثقال من الغنائم والذهب والفضة والأمتعة والدواب والرقيق، فأخرج مسلمة من ذلك الخمس ووجه به إلى أبيه عبد الملك بن مروان (1)، وقسم باقي ذلك على المسلمين، فأنشأ بعض المسلمين يقول أبياتا مطلعها: # نحمد الله ذا المعارج والطو * ل وذا الكبرياء والسلطان إلى آخرها. # قال: واقترب المسلمون من المسيحية، وبلغ ذلك إفريطون صاحب السماوة، فنادى في جميع النصرانية فاجتمعوا إليه، فخرج بهم من المسيحية وبين يديه بطريق يقال له شماس في ثلاثين ألفا وإفريطون من ورائه في أربعين ألفا. قال: # فدنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا قتالا شديدا، وحملت الروم بأجمعها على عساكر المسلمين حملة فهزموهم حتى ألحقوهم بالسماوة وقد قتل منهم جماعة، ثم رجع المسلمون عليهم فهزموهم حتى ألحقوهم بالمسيحية، واشتبك الحرب على باب المسيحية. قال: وجعل شماس البطريق يحمل على المسلمين حملة بعد حملة فيقتل ويرجع إلى أصحابه حتى قتل نفرا من المسلمين. قال: وحملت قبيلة من الروم على الضحاك بن يزيد السلمي فقتلوه وقتلوا معه جماعة من المؤمنين، وتقدم إفريطون صاحب السماوة في جمهور بطارقة الروم، فجعل يقاتل يكافئ المسلمين. # قال: وقصده محمد بن عبد العزيز على فرس له أصدى وهو يرتجز ويقول: # قد علم الروم ومن والاها * وكل علج أقلف ساواها إني إذا الحرب خبت لظاها * ألقيت أخراها على أولاها قال: واختلفا بطعنتين طعنه إفريطون طعنة قتله. قال: فاغتم المسلمون لقتل محمد بن عبد العزيز غما شديدا، وتقدم البطال بن عمرو حتى وقف حذاء إفريطون وهو يقول: # لابد من عرض ومن مقام * على ms1165 مليك صمد منعام فجاهدي يا نفس لا تلامي * بكل عضب ذكر حسام ثم حمل البطال على إفريطون والتقيا بطعنتين طعنه البطال طعنة جدله قتيلا، ثم نزل فاحتز رأسه ورفعه على رأس رمحه ثم كبر وكبر المسلمون معه. قال: # PageV07P126 # ونظرت الروم إلى رأس إفريطون وقد رفع فانكسروا لذلك انكسارا، وألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب فولوا الادبار وكبستهم خيل المسلمين وأخذتهم السيوف، فقتل منهم خلق كثير، وانهزم الباقون على وجوههم وسلموا مدينة المسيحية بجميع ما فيها، فدخلها المسلمون عنوة فقتلوا من قتلوا واحتووا على غنائمها، فبلغت غنيمة المسيحية نيفا على مائتي ألف مثقال من الذهب والفضة سوى الأمتعة والدواب والرقيق. # قال: وهجم عليهم الشتاء بالثلوج والأمطار والبرد الشديد، فأقام المسلمون بالمسيحية تلك الشتوة وهي مدينة من مدن الروم حصينة عامرة كثيرة البساتين كثيرة الخير، حتى إذا انحسر عنهم الشتاء زحفوا منها يريدون مدينة بدروق (1) وبها يومئذ بطريق يقال له لبوس، وكان لبوس عظيم القدر عند ملك الروم، فلما بلغه مسير المسلمين إلى ما قبله بعث إلى ملك الروم فخبره بذلك وسأله المدد، فأمده ملك الروم بخمسين ألفا، واجتمع إليه أيضا نيف على ثلاثين ألفا، فصار لبوس في نيف على ثمانين ألف فارس. قال: ودنا منهم المسلمون والقوم قد أعدوا على سور المدينة المجانيق والعرادات. قال: فكبر المسلمون ثلاث تكبيرات، فامتلأت قلوب الكفار رعبا وخوفا، وتقدم لبوس بطريق بدروق حتى وقف بين يديه وبين يدي أصحابه عن يمينه صليب وعن يساره صليب. # قال: ونظر إليه البطال بن عمرو وقد انبرى من بين أصحابه فأقبل إلى مسلمة بن عبد الملك فاستأذنه في الخروج إليه، فقال له مسلمة: أذنت لك، ولكن انظر أين تضع رمحك! فقال البطال بن عمرو: كفيت أيها الأمير! ليس مثلي من يحتاج إلى الوصية في مثل هذا الوقت. قال: ثم جعل البطال بن عمرو يرتجز ويقول: # قل للأمير ذي الصيال مسلمه * وابن الكرام السادة المكرمة ومقعص الابطال يوم الملحمه * إني أنا البطال جدي علقمة كم ساعد وبيضة وجمجمه * طرحتها عند ms1166 هياج الغمغمه وأسمر رويته من غلصمه * وأنت محمود بكل مكرمه قال: ثم رفع رأسه وخرج من الصف فجال جولة، ثم حمل على قلب الروم # PageV07P127 # وأمكنته الفرصة من لبوس فلم يكذب أن حمل عليه فضربه بسيفه ضربة فلق تاجه وهامته، فخر لبوس قتيلا ينحط (1) في دمه. قال: وولت النصرانية من غير قتال وأخذهم السيف، فقتل منهم مقتلة عظيمة، ومر الباقون على وجوههم لا يعرجون على شيء حتى لحقوا بحر القسطنطينية. قال: واقتحم المسلمون على مدينة بدروق فاحتووا على غنائمها فكانت أموالا كثيرة يجل وصفها عن شرحها. فأخرج مسلمة منها الخمس فوجه به إلى عبد الملك بن مروان (2)، وقسم الباقي في المسلمين، فأنشأ البطال بن عمرو يقول: # لقد علم الروم الأراجس أننا * قتلنا لدى الهيجاء منها رئيسها تركنا لبوسا في القتام مجدلا * فقبح ربي ذو الجلال لبوسها ونحن أبدنا في العجاج كماتهم * ونحن هزمنا جيشها وحميسها ونحن إذا ما الحرب ثبت وأرهجت * نخوض لظاها عنوة ووطيسها ونحن قسمنا فيئها ونساءها * ببدروق لما أن أثرنا شريسها وكان لبوسا كهفها وعمادها * وكان لعمري ليثها وهموسها وكانت له الابطال تسطو لأنه * إذا ناب أمر لم تجده حسيسها وسوف تكر الخيل فينا شوازبا * عناجيج تبدي في الغبار جسيسها نريد بها أليون (3) كيما نثيره * ونشفى لدى الحرب العوان نفوسها قال: وسار المسلمون يريدون بحر القسطنطينية، حتى إذا دنوا من خليج البحر لاحت لهم المدينة فنظروا إليها وإلى سورها، غير أنها في جزيرة وليس لها طريق إلا من جانب واحد وقد أوقف أليون ملك الروم المقاتلة على ذلك الطريق لكيلا يخلص أحد إلى الجزيرة. # قال: فجمع مسلمة من كان في يديه من الروم وأمرهم باتخاذ السفن وعزم على العبور إلى القوم. قال: فأخذ القوم في اتخاذ السفن ففرغوا منها بعد ثلاثة أشهر، ثم نادى مسلمة في الناس، فركبوا في السفن من دوابهم وأثقالهم ورفعت الشرع، وسار القوم يريدون الجزيرة. وبلغ ذلك أليون ملك الروم فأمر بمراكبه، فحمل فيها # PageV07P128 # المقاتلة بالآلة والسلاح الشاك والنيران ونصاحات النفط. قال: فلم يشعر ms1167 المسلمون وهم يسيرون في ذلك الخليج إلا ومراكب الروم قد وافتهم في الآلة والسلاح والاعلام والمطارد. قال: وكبر المسلمون وعطعطت الروم، ودنت المراكب بعضها من بعض، وهبت الريح ونصحت الروم، فأشعلت النيران ورجعت على الروم فاحترقت بعض مراكبهم. قال: وانكشفت المراكب الباقية بين أيدي المسلمين مفلولين حتى صاروا إلى ساحل الخليج. قال: وسار مراكب المسلمين سيرا قاصدا حتى حطت بساحة الجزيرة، فخرج المسلمون من المراكب وأخرجوا أثقالهم ودوابهم، فصاروا مع الروم في جزيرتهم. قال: ومدينة القسطنطينية في وسط الجزيرة وسائر الجزيرة لزروعهم ومواشيهم. قال: فجعل مسلمة يدور في الجزيرة مع جماعة من أصحابه يطلب موضعا يبني فيه بناء له ولأصحابه، حتى إذا أصاب موضعا كما يريد أمر الناس، فبنوا مدينة حذاء مدينة القسطنطينية وحصنوها وغلقوا عليها الأبواب، وسموها مدينة القهر. قال: والروم في خلال ذلك يحاربون المسلمون ويطمعون أنهم يمنعوهم من البنيان، والمسلمون يحاربونهم ويبنون، حتى إذا فرغوا من المدينة نادى مسلمة في أصحابه فركبوا، ثم زحف بهم في خيله ورجله حتى دنا من باب القسطنطينية. قال: وخرجت الروم في التعبية والآلة والسلاح، فاقتتل القوم قتالا شديدا. # قال: وإذا ببطريق من بطارقة الروم يقال له بوقاس قد خرج من صف الروم، فجعل يحمل على المسلمين فلا يلحق أحدا إ لا قتله. قال: فتحاماه الناس وخافوه وكاعوا عنه لما يرون من بأسه وشدته، قال: ونظر إليه البطال بن عمرو فتهيأ للحملة عليه ثم جعل يقول: # يا لك يوما ما رأينا قبله * فيما مضى من الحروب مثله يوما عبوسا قد أرانا حمله * وقد أتى بوقاس يبدي جهله هذا لأني قد أردت قتله * إن الجهاد قد عرفنا فضله قال: ثم حمل عليه البطال فالتقيا بضربتين ضربه البطال ضربة جدله قتيلا. ثم إنه حمل وحمل الناس معه، وولت الروم الادبار، فأخذهم السيف حتى ألحقوهم بمدينتهم، ورجع المسلمون مظفرين حتى دخلوا مدينة النهر وقد غنموا دوابا وسلاحا كثيرا وسلبا. PageV07P129 # ثم أمر مسلمة أصحابه بالغرس فغرسوا الأشجار من الكروم وأنواع الفواكه، وعزموا على المقام هنالك إقامة ms1168 من لا يريد الرجوع إلى بلاد الاسلام أبدا. قال: # وليس من يوم إلا والحرب يقع بين المسلمين والكفار، فيقتل من الفريقين وينتصف بعضهم من بعض، وكلما اجتمع عند مسلمة شيء من الغنائم يخرج منها الخمس فيوجه به إلى أبيه عبد الملك‌ بن مروان ويقسم باقي ذلك في المسلمين. ### | وههنا تقع أخبار يزيد بن المهلب وما كان من أمره ثم نرجع إلى أخبار قسطنطينية وانصراف المسلمين عنها إن شاء الله تعالى # قال: فكان مسلمة بن عبد الملك مقيما بأرض الروم ويزيد بن المهلب يومئذ بخراسان، وقد أحبه الناس حبا شديدا ومالوا إليه بالسمع والطاعة، حتى أنهم كانوا لا يحلفون إلا بحياته مثلا، فأقام يزيد بذلك ما شاء الله أن يقيم، ثم إنه تغير على بني عمه وغيرهم من أجناد خراسان، فجعل يبغضهم ولا يقبل فيهم وصية أبيه، حتى أبغضه أهل خراسان وجعلوا ينظرون إليه بغير العين التي كانوا ينظرون بها إليه قبل ذلك، ثم أنشأ منهم في ذلك يقول (1): # وما كنا نؤمل من أمير * كما كنا نؤمل من يزيد فأخلف ظننا فيه وقدما * زهدنا في معاشرة الزهيد إذا لم يعطنا نصفا أمير * مشينا نحوه مثل الأسود ولا يرضى الدناءة غير نكس * قضيب الباع يرهب للوعيد نجيء فلا نرى إلا صدودا * على أنا نسلم من بعيد فنرجع خائبين بلا نوال (2) * فما بال التجهم (3) والصدود فمهلا يا يزيد ومل إلينا * وذرنا من صنيعك بالعبيد # PageV07P130 # ولا تظهر عداوتنا فإنا * نسل عليك صارمة الحديد قال: وأقبل إليه ابن عم له يقال له ثابت بن كعب الأزدي، وكان من فرسان أهل خراسان وشعرائهم، فقال: أصلح الله الأمير! إني أرى قومي من الأزد وغيرهم من أجناد خراسان قد خشنت صدورهم عليك لما يرون من جفائك لهم، وقد كانوا قبل اليوم متشوقين إلى ولايتك عليهم، فلا يكونن جزاؤهم منك الجفاء والعقوق، فإن الأيام عوج رواجع وأنا لك ناصح - والسلام عليك -، ثم أنشأ يقول: # أبا خالد إن الأمور التي ترى * عوار فلا يبقى لشيء خلودها ألم ترها تمضي بقوم ms1169 أعزة * ذوي أسرة لم تغن عنها جنودها وأسورة كانوا ملوكا فأصبحت * أحاديث شيء قد أرقت حدودها وإنك في أمر العشيرة كلها * للابس أثواب العقوق جديدها تهين ذوي الأحساب منهم وتصطفي * لئامهم إذ كان ذاك بعيدها رأيت ذوي الأحساب عاصت حدودهم * لذاك وفات للئام حدودها قال: فقال له يزيد بن المهلب: يا ثابت! فإني أعتبكم من كل ما كرهتم وأكون لكم من الامر بحيث ما أحببتم إن شاء الله. # قال: وبلغ ذلك الحجاج بن يوسف فأحب أن يعزل يزيد بن المهلب عن خراسان فلم يقدر عليه، وكان الحجاج قد أذل أهل العراق بأجمعهم من البصرة والكوفة إلا يزيد بن المهلب وأهل بيته، فإنه لم يقدر عليهم حيلة واحدة لميل عبد الملك إليهم، وأخرى لامتناعهم بخراسان. قال: فرأى الحجاج أن يتزوج إليهم، فتزوج لأخت يزيد بن المهلب وكان لها مال وشرف وكمال، فزفت إليه من البصرة إلى واسط العراق. قال: وبلغ ذلك يزيد بن المهلب فكأنه أحس بالشر من قبل الحجاج. قال: وجعل الحجاج يكتب إليه ويأمره أن ينصرف من خراسان إلى ما قبله، ويزيد يعتل عليه بحروب خراسان، حتى إذا كان في آخر خلافة عبد الملك بن مروان (1) دعا الحجاج بالمفضل بن المهلب فولى الري وما والاه من البلاد. ثم كتب إلى أخيه: إني وليت أخاك المفضل بن الري وقد أمرته أن يتسلم خراسان منك فيكون خليفة لك بها إلى أن تنصرف إليها، فإذا ورد عليك كتابي هذا فسلم العمل إلى # PageV07P131 # أخيك المفضل واقدم إلي، فإني احتجت إلى مناظرتك في أمر مهم والحظ فيه لك - والسلام -. # فلما ورد هذا الكتاب على يزيد دعا برجل من أجلاء عرب خراسان يقال له حضين (1) بن المنذر الربعي، فقال: يا حضين (2)! إنه قد كثرت علي كتب الحجاج يأمرني بالمصير إلى ما قبله، وهذا أخي المفضل قد نزل الري وقد أمرني الحجاج أن أسلم إليه أمور خراسان، فهات ما عندك من الرأي، فقال له حضين بن المنذر: لا والله أيها الأمير! ما أشير عليك بالمصير إلى ms1170 الحجاج، لأني أخاف عليك الحبس والغرم، ولعله أن يقتلك ولا يبالي، ولعله إنما ولى أخاك المفضل الري ونواحيها مكيدة لك حتى تقع في يده، فاتق الله في نفسك وأقم بموضعك هذا فإنه خير لك، واعتل على الحجاج بحروب الترك والسغد فإنه يكف عنك، فإن هو فعل وإلا فخرج عليه وحاربه وتمسك بما في يدك من بلاد خراسان، فإنك إن حاربته أعانك الناس عليه لبغضهم إياه وكراهتهم لولايته. قال فقال له يزيد: ويلك يا حضين! أما قولك بأنه يحبسني ويغرمني فإني ما لا أشك في هذا، وأما أن يقدم علي بالقتل فما أظنه يروم ذلك وأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان حي، لأنه قد علم بأني وأبي وأهل بيتي من صنائع أمير المؤمنين، وبعد فإنا أهل بيت قد بورك لنا في الطاعة، فنحن نكره القطيعة، وقد كان أبي أوصاني قبل ذلك وأوصى إخوتي أن لا نخرج أيدينا من الطاعة ولا نفارق الجماعة (3)، ولابد لي من المصير إلى الحجاج على أي الأحوال. قال: ثم تجهز يزيد بن المهلب وخرج من بلاد خراسان في غلمانه ومواليه وبني عمه، وسار يريد العراق حتى صار إلى الري ونزلها، فقدم أخوه المفضل إلى خراسان (4). # قال: وبلغ الحجاج أن يزيد بن المهلب قد صار [فدعا قتيبة بن مسلم] (5) فعقد له عقدا وضم إليه جيشا وولاه خراسان، وقال له: سر وانزل همدان ولا تعلم # PageV07P132 # أحدا أنك متوجه إلى خراسان، ولكن ألق الخبر إلى الناس أنك على عمل الماهين، فإذا علمت أن يزيد بن المهلب قد توجه إلى ما قبلي فسر أنت إلى خراسان وخذ المفضل بن المهلب ومن قدرت عليه من آل المهلب واحملهم إلي، وانزل خراسان فجاهد الكفار الذين بها من الترك والسغد والرقس (1)، وكن بها إلى أن يأتيك أمري إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. قال: فخرج قتيبة بن مسلم حتى نزل همدان، ورحل يزيد بن المهلب من الري فصار إلى همدان وبها قتيبة بن مسلم، [فخرج] من همدان حتى وافى الري، وصار يزيد بن ms1171 المهلب إلى حلوان ونزل الموت بعبد الملك بن مروان. ### | ذكر موت عبد الملك بن مروان ووصيته عند موته إلى أولاده # قال: فلما نزل الموت بعبد الملك بن مروان دعا بأولاده وجلسائه فأجلسهم بين يديه ثم قال: يا بني! أوصيكم بتقوى الله، فإن التقوى أزين حلية وأحسن حلة (2)، ليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير منكم حق الكبير، وإياكم والاختلاف والفرقة! فإن بهما هلك الملوك الماضين وذوي (3) العز المتكبرين، وانظروا ابني مسلمة حفظه الله إذا قدم من أرض الروم، فاعرفوا له حق الجهاد في سبيل الله، وكذلك فاعرفوا لأخي محمد بن مروان حقه وسنه، وأكرموا الحجاج بن يوسف فإنه وطأ لكم البلاد، وأذل لكم العباد، وعقد لكم القناطر، وداس لكم رقاب العرب، وكفاكم المؤن وشدة الفتن، وانظروا يا بني أن تكونوا بني أم برة، لا تدب العقارب بينكم، وكونوا في الحرب أعوانا وعلى المعروف إخوانا، وضعوا ذخائركم عند ذوي الميراث منكم، فإنها أصون لأحسابكم، واشكروا لما يسدى إليكم، وكونوا ذوي حلاوة في مرارة، ولين في شدة، ألا! وإني قد استخلفت عليكم ابني الوليد من بعدي، فاسمعوا وأطيعوا، وإذا هلك فابني # PageV07P133 # سليمان، فإذا هلك فاختاروا من شئتم وأحببتم من أولادي أو من خيار بني أمية (1)، ثم أنشأ يقول (2): # انفوا الضغائن والتخاذل بينكم * في الغائبين وفي الحضور الشهد (3) بصلاح ذات البين طول بقائكم * إن مد في عمري وإن لم يمدد حتى تلين قلوبكم وجلودكم * لمسود منكم وغير مسود فلمثل ريب الدهر ألف بينكم * بتواصل وتراحم وتودد وتكون أيديكم معا في أمركم * ليس اليدان في التعاون كاليد لا تقطعوا أرحامكم فتفرقوا * ليس الجميع كواحد متفرد إن القداح إذا جمعن فرامها * بالكسر ذو حنق وبطش أيد عزت فلم توهن وإن هي بددت * فالوهن والتضييع للمتبدد قال: فأجابه الوليد وهو يقول: # إني لما أوصيتنيه لحافظ * أرعاه غير مقصر في المحتد وأكون للأعداء سما ناقعا * ولذي القرابة كالحميد الأيد ولكل إخواني وجل عشيرتي * أرعى المغيب في حفظهم في المشهد وأقوم بعدك في الرعية بالذي * أوصيتني بهم بحسن ms1172 تودد قال: فقال له عبد الملك: أحسنت يا بني! وأرجو أن تكون عند ظني بك، فانظر يا بني من مال عنك برأسه هكذا فكن كما قال حسان بن ثابت: # بنو الحرب لا نعيى بشيء نريده * ولا نحن مما يحدث الدهر نجزع لنا ميت في كل يوم فلا نرى * لنا مقلة في سالف الدهر تدمع قال: ثم جعل عبد الملك بن مروان يردد هذا البيت وهو يقول: # فهل من خالد إن نحن متنا * وهل بالموت للاحياء عار (4) # PageV07P134 # قال: ثم رفع صوته وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله! وفارق الدنيا، فكانت خلافته ثلاث عشرة سنة وستة أشهر - والله أعلم - (1). # قال: وصار الامر من بعده إلى ابنه الوليد، وبلغ ذلك يزيد بن المهلب فاغتم غما شديدا وعلم أن الحجاج قد خدعه وأخرجه من خراسان وولى قتيبة بن مسلم، فجعل يقول لمن معه: إن الحجاج بن يوسف لم يكن ليقدم علينا بسوء وأمير المؤمنين حي، والوليد لا يعرف حقنا ما كان أبوه يعرفه لنا من قبل. # قال: وبلغ المفضل (2) بن المهلب أن قتيبة بن مسلم قد ولي خراسان فكأنه أتقى على نفسه أمرا من الأمور، فخرج عن خراسان هاربا حتى لحق بالبصرة فنزلها عند أخيه مروان بن المهلب. # قال: وسار يزيد بن المهلب نحو العراق وهو في ذلك مغموم لا يدري كيف يقع من الحجاج، حتى إذا تقارب من أرض واسط أمر الحجاج باستقباله، فاستقبله الناس بالكرامة والبر حتى دخل على الحجاج فأكرمه وبره وأنزله وخلع عليه، فكان يزيد يغدو على الحجاج ويروح والحجاج لا يسأله عن شيء. ### | ذكر دخول قتيبة إلى خراسان أميرا عليها ثم نرجع إلى خبر يزيد بن المهلب قال: ودخل قتيبة بن مسلم بلاد خراسان فنزل مدينة مرو، فلم يكن بخراسان قيسي إلا استبشر بولايته ولا يماني إلا كره ذلك. قال: وجعل قتيبة يأخذ كل من كان يهوى إلى المهلب يحبسهم ويعذبهم ويطلب منهم الأموال ظلما وعدوانا، فأنشأ رجل من ms1173 أهل خراسان يقول: # أبا خالد ضاعت خراسان بعدكم * وذال ذوو الحاجات أين يزيد فلا مطر المروان بعدك قطرة * ولا اخضر فيها بعد عزلك عود # PageV07P135 # ينقص من دهري عظيم فقصرت * لنا في الأمور النائبات حدود شددت لها أزري وأيقنت أنها * جدود علت من فوقهن جدود لعل الذي ولى وكان ربيعنا * ترده أيامه فيعود قال: وكان الفرزدق بن غالب أيضا ممن يكره ولاية قتيبة بن مسلم وهو الذي يقول: # بكت جزعا مروا خراسان إن رأت * بها باهليا بعد آل المهلب تبدلت الحول القصار أنوفها * بكل فنيق (1) يحمل السيف أغلب أغر كأن البدر تحت ثيابه * نجيب إلى الام النجيبة والأب فوارس ضرابون والخيل تلتقي * عليها غبيط من دم متصبب وقال أيضا نهار بن توسعة الشاعر في ذلك: # كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها * وكل باب من الخيرات مفتوح فبدلت بعده قردا يطيف به * كأنما وجهه بالخل منضوح قال: فلما استقر قتيبة بن مسلم بخراسان أقبل رجل من عبد القيس يقال له تمامة بن القعقاع حتى دخل على قتيبة فقال: أصلح الأمير! أتأذن لي في الكلام وأنا آمن؟ قال قتيبة: ومن أنت؟ قال، أنا رجل من ربيعة من عبد القيس وأنا أحد بني لكيز، فقال: قل ما تشاء وأنت آمن، فأنشأ العبقسي يقول: # تعلم أبا حفص بأنا رعية * وأنك راع فانظرن كيف تصنع وإنا أناس أهل فخر ونجدة * على حدثان الدهر لا نتضعضع وأنت أمير والأمير مسلط * يضر إذا ما شاء يوما وينفع فإن لعبد القيس جأواء فحمة * ترى الموت في حافاتها الدهر يلمع وفتيان صدق من لكيز كأنهم * أسود فمنها (2) حاسر ومقنع إذا الملك الجبار لم يعط حقهم * مشى نحوه منهم همام سميدع فحلله عطبا إذا مس أعظما * يرى وحواليه ذئاب وأضبع إذا الذئب ولى عامرا عاد شلوه * جامع تستهوى إليه وتجمع # PageV07P136 # فإن تعطنا نصفا وتكرم سراتنا * تجدنا إلى ما شئت نسعى ونخضع ويأتيك منا عصبة عبقسية * لباسهم ما حاك كسرى وتبع هم يردون الموت دونك محسرا * رماحهم دون الأعادي شرع وقد علمت ms1174 قيس بن غيلان أننا * كرام يمانا ومع الرب أروع أبونا الذي لم يعط يوما دنية * ومات ‌وريب الدهر بالناس بجمع قال: فقال له قتيبة: أفرغت من شعرك؟ قال: نعم أصلح الله الأمير! فقال: # أما والله لولا ما أعطيتكم من الأمان لأخرجت لسانك من قفاك! أخرج من بين يدي عليك لعنة الله وعلى من جرأك على مثل هذا الكلام. ثم قال قتيبة: يا أهل خراسان! احذروا أن يصيبكم مني فاقرة فإنه ليس بعد السوط إلا السيف. قال: # فتقدم إليه رجل من رؤساء أهل خراسان وشعرائها يقال له حنظلة بن عرادة التميمي فأنشأ يقول: # أتيت خراسان ابن عمرو وأهلها * حيارى ونار بينهم تتحرق فأطفأتها والعدل منك سجية * وأنت لعمري للسداد موفق فمرنا أبا حفص بما شئت إننا * إلى كل ما تهوى نخب ونسبق فأنت لنا راع ونحن رعية * وكفاك بالاحسان فينا تدفق فلا تأخذنا يا قتيبة بما مضى * من الجهل إن الحر يعفو ويرفق قال: فسكن غضب قتيبة وأمر لقائل هذه الأبيات بجائزة، وقر قراره بمدينة مرو مجاهدا للترك والسغد والبرقس (1). ### | رجعنا إلى خبر يزيد بن المهلب والحجاج بن يوسف # قال: ثم دعا الحجاج بيزيد بن المهلب فطالبه بأموال خراسان وأخرج عليه أشياء لم يكن يزيد يعرفها حتى طالبه بسبعة آلاف ألف درهم، فأنكر يزيد ذلك، فدعا له الحجاج بالدهق فوضع على ساقيه، فلما مسه ألم الدهق رفع صوته فصاح، وسمعت أخته هند (2) صوت أخيها فصاحت ورفعت صوتها بالصراخ، ووثب الحجاج فدخل إليها فقال: تصيحين: يا هند وترفعين صوتك بالصراخ وأخوك قد كسر أموال # PageV07P137 # خراسان على أمير المؤمنين! أنت طاق إن صحت بعدها، قال: فرفعت صوتها صائحة، فقال الحجاج: وأنت طاق إن صحت بعدها! فرفعت لا والله أو ثلاث! # فطلقها ثلاثا فبانت منه، ثم ندم بعد ذلك أشد الندامة وأمر بيزيد إلى السجن وضيق عليه وجعل يستأديه الشيء حتى استأداه أربعة آلاف ألف درهم وبقيت عليه ثلاثة آلاف ألف (1)، ولم يقدر يزيد على أن يؤدي لك، وأيس الحجاج أن يستأديه أكثر من ms1175 ذلك. ### | ذكر هرب يزيد من السجن إلى بلاد الشام واتصاله بسليمان بن عبد الملك # قال: وكان يزيد بن المهلب مكرما للسجان وجميع من في السجن، وكان له مع ذلك طباخ وموائد منصوبة، فلم يزل كذلك حتى استمال قلوب أهل السجن، ثم إنه كتب إلى أخيه مروان بن المهلب ومن بالبصرة من إخوته وأهل بيته ومواليه فأمرهم أن يكونوا على أهبة الهرب. قال: ثم إنه كان يدعو بالسجان في كل وقت فيبره ويخلع عليه ويعده من نفسه بالجميل، والسجان يجيبه إلى ذلك ويمايله حتى بذل له يزيد ألف دينار على أن يعمل في خلاصه، فأجابه السجان إلى ذلك، ثم إنه وعده أن يهرب معه في ليلة كذا وكذا (2). فلما كانت تلك الليلة قعد السجان على باب السجن، ثم بعث إلى منزله فأتى بشراب فجعل يشرب ويسقي أعوانه ومن يلوذ به حتى أسكرهم ومضى من الليل بعضه، ثم بعث إلى يزيد بن المهلب أن قم فهذا وقتك، قال: فوثب يزيد ثم دعا بثياب طباخه فلبسها وغطى رأسه (3) وخرج من باب السجن ولم يمنعه مانع، فلما مر على السجان وأعوانه نظروا إليه فقالوا للسبحان: ما أشبه مشية هذا بمشية يزيد بن المهلب، فضحك السجان ثم قال: أخطأتم، هذا طباخ يزيد بن المهلب. # قال: ومضى يزيد بن المهلب حتى صار إلى شاطئ دجلة، وذلك في جوف الليل، لم يعرف ذلك الزورق من كثرة الزوارق، قال: وإذا بالسجان قد انسل من بين أصحابه وأقبل إلى شاطئ الدجلة فنظر إلى يزيد هنالك قائما فأخذ بيده وأقبل، # PageV07P138 # حتى قعدا جميعا في الزورق، ثم قال السجان للملاح: ادفع ولا تقف، فدفع الملاح زورقه وذلك في أوان المد وزيادة الماء، فلم يصبح القوم إلا وهم على البطائح (1)، فعدا لهم الملاح عن البطائح حتى خرج بهم إلى الشط. ثم دعا يزيد برجلين من تلك الناحية وكتب معهما كتابا إلى البصرة إلى إخوته وبني عمه ومواليه وأمرهم أن يلحقوا به، قال: وأقبلت إليه الخيل حتى وافته في موضعه ذلك (2). # قال: فركب ms1176 يزيد وركب معه إخوته وبنو عمه ومواليه وركب معه السجان أيضا، وسار في جميع من معه يؤم الشام وقد أمن الحجاج. # قال: وأصبح الحجاج فاتصل به الخبر، وطلب السجان فلم يقدر عليه وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وخاف أن يكون قد رجع إلى خراسان، فكتب إلى قتيبة بن مسلم أن كن على حذر فإن يزيد بن المهلب قد هرب من سجني ولا أدري أين توجه وأخاف أن يفسد عليك خراسان إن دخلها. قال: ومر يزيد ومن معه يؤم أرض الشام وهو لا يعرف الطريق. قال: فبينا هو كذلك إذ مر برجل من العرب راكب فرس له قد عارضه، فلما نظر إليه يزيد أمره بالوقوف، فقال له يزيد: ممن الرجل؟ قال: رجل من اليمن، قال: حياك وقربك! من أين أنت؟ قال: من أهل هذا البلد، قال: وأين لك الأهل؟ قال: في حي كذا وكذا، قال: وتخبر الطريق إلى أرض الشام؟ قال: أنا من أخبر الناس بالطريق، قال: فما اسمك؟ قال: # عبد الرحمن بن عاصم (3)، قال: يا عبد الرحمن! هل لك أن تكون دليلا إلى أرض الشام إلى أرض فلسطين، ولك عشرة آلاف درهم، وأحملك وأخلع عليك؟ فقال: # من أنت؟ قال: أنا رجل ما شددت إزاري منذ عقلت العقل إلا وأنا أمير وأخو أمير، وربما كنت أسيرا، قال فقال له الرجل: فأنت إذا يزيد بن المهلب! قال: أنا يزيد بن المهلب، وإنما هربت من سجن الحجاج أريد ابن عم لي بأرض فلسطين يقال له زهرة (4) بن عبد الرحمن الأزدي وأحببت بأن أكون في‌ ناحية ويكون هو الذي يأخذ لي الأمان من القوم، فقال عبد الرحمن بن عاصم هذا: أيها الأمير! فأنا أوردك إلى أرض فلسطين من موضعك هذا في سبع ليال، أسير بك ليلا وأنزل بك نهارا. # PageV07P139 # قال يزيد: الله أكبر فسر بنا، قال: فسار الدليل بين يدي يزيد فكان يسير به ليلا وينزل به نهارا، ولا يصبح به إلا على ماء من مياه العرب، حتى إذا تقارب من أرض الشام ونظر ms1177 إلى قصور الشام [و] فلسطين أدركهم الماء ذات ليلة ساروا وهم لا يشكون أنهم يصبحون في الموضع الذي يريدونه، حتى كان قبيل الصبح صاح يزيد بالدليل: ويحك يا عبد الرحمن! إني أرى النعاس قد غلبنا فكم بيننا وبين الموضع؟ # قال: ثلاثة أميال، قال: فانزل بنا حتى نرقد في ليلتنا هذه فقد أضر بي السهر! # قال: فعدل به الدليل إلى قصر هنالك في البرية فأنزله قريبا من باب القصر، فنزل يزيد ونزل من كان معه، ونام القوم فلم ينتبهوا إلا والشمس على ظهورهم، فاستيقظ القوم وعلموا أنه قد فاتهم الصلاة فنظروا إلى ساقية هنالك فتوضأوا منه وصلوا، وأشرفت امرأة من القصر ومعها جارية لها مملوكة فنظرت الجارية إلى يزيد بن المهلب فقالت لمولاتها: ما أشبه هذا الرجل بيزيد بن المهلب! فقالت لها مولاتها: # أو تعرفين يزيد بن المهلب؟ فقالت: وكيف لا أعرفه وقد كنت لبعض مواليه. قال: فرفع يزيد رأسه إليها وهو متلثم، قال: أيتها الجارية! ما اسمك؟ قالت: فلانة، قال: # فلمن هذا القصر؟ قالت: هذا قصر زينب بنت يوسف أخت الحجاج امرأة أبي عقيل الثقفي، فقال يزيد: إنا لله وإنا إليه راجعون! ما يفارقنا الحجاج حيث ما ذهبنا، ثم قال للدليل: ارحل بنا ويحك! قال: فرحل القوم حتى دخلوا أرض فلسطين. # ثم صار يزيد إلى زهرة (1) بن عبد الرحمن الأزدي، فنزل عليه وحدثه بقصته مع الحجاج وقال: أسألك أن تسير الان إلى سليمان بن عبد الملك بن مروان فتأخذ لي منه الأمان حتى أكون في ناحيته، فلا يقدم على أمير المؤمنين، ولا أخاف صولة الحجاج. قال: فركب زهرة بن عبد الرحمن إلى سليمان بن عبد الملك بن مروان فخبره بقصة يزيد وسأله أن يكون في‌ ناحيته حتى يأخذ له الأمان من الوليد بن عبد الملك. قال: فآمنه سليمان، فصار إليه يزيد فقربه وأدناه وخلع عليه وأقام عنده مدة مديدة. # وبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى الوليد بن عبد الملك كتابا: أما بعد يا أمير المؤمنين فإن يزيد بن المهلب قد كان ms1178 تغلب على بلاد خراسان فجبى أموالها، وأني بعثت إليه فأشخصته إلى ما قبلي فطالبته بسبعة آلاف ألف درهم، فأنكر ذلك # PageV07P140 # فحبسته، وأنه هرب من سجني وصار إلى أرض الشام، ثم إنه قد اتصل الان بأخي أمير المؤمنين وولي العهد سليمان بن عبد الملك، وأمير المؤمنين أعلى عينا - والسلام -. # قال: فلما ورد كتاب الحجاج على الوليد بن عبد الملك كتب إلى أخيه سليمان بذلك، فكتب إليه: أما بعد يا أمير المؤمنين إنما أجرت يزيد بن المهلب لأنه وأباه وإخوته من صنعائنا قديما وحديثا، ولم أجر عدوا لأمير المؤمنين، وقد كان الحجاج عذبه في حبسه وأرهقه وأغرمه أربعة آلاف ألف درهم ظلما وعدوانا، ثم طالبه بعد ذلك بثلاثة آلاف ألف درهم، وقد صار هذا الرجل إلي مستجيرا فأجرته، وأنا أغرم عنه هذه الثلاثة آلاف ألف درهم، فإن رأى أمير المؤمنين أيده الله أن (1) لا يخزيني في ضيفي فعل منعما إن شاء الله. # قال: فكتب إليه الوليد أنه لابد من أن توجه به إلي! قال: فعاوده سليمان في ذلك، فأبى الوليد ذلك وقال: والله لتوجهن به إلي مكبلا مغلولا. فلما ورد الكتاب على سليمان بن عبد الملك دعا بابنه أيوب فقيده، ثم دعا بيزيد فقيده، ثم شد يد هذا مع هذا بسلسلة وغلهما جميعا بغلين وحملهما إلى الوليد بن عبد الملك وكتب إليه: أما بعد يا أمير المؤمنين فإني قد وجهت إليك بيزيد بن المهلب فابدأ بأيوب من قبله ثم اجعل يزيد ثانيا واجعلني إذا شئت ثالثا - والسلام - (2). قال: فلما دخل يزيد بن المهلب وأيوب بن سليمان في سلسلة مع يزيد استحيى لذلك ثم قال: قد أسأنا إلى أبي أيوب إذ بلغنا به هذا المبلغ. قال: وذهب يزيد بن المهلب ليتكلم ويحتج عن نفسه فقال له الوليد: اسكت فقد قبلنا عذرك وعرفنا ظلم الحجاج. ثم قال: يا غلام! علي بالحداد، فدعا بالحداد وأطلق عنهما جميعا ووصل أيوب بن سليمان بثلاثين ألف درهم وردهما إلى سليمان. ثم كتب إلى الحجاج: أما بعد فإنه لا ms1179 سبيل لك على يزيد بن المهلب، فانظر لا تعاودني بعد هذا اليوم - والسلام -. # قال: فصار يزيد بن المهلب، عند سليمان بن عبد الملك بن مروان في أفضل المراتب وأعلى المنازل. # PageV07P141 ### | ثم رجعنا إلى خبر قتيبة بن مسلم وسنرجع إلى خبر يزيد بعد إن شاء الله تعالى # قال: واستولى قتيبة على خراسان ودان له الناس بالسمع والطاعة، فلم يكن بخراسان أحد يتقى من ناحيته إلا رجلان: أحدهما يقال له نيزك (1) البرقشي، وكان تركيا غير أنه أسلم على يدي بعض ولاة خراسان وكان مع ذلك شريرا غدارا، والاخر عثمان بن مسعود التميمي، وكان أيضا شريرا قتالا وكان متزوجا إلى الترك، وهو الذي قتل موسى بن عبد الله بن خازم السلمي من قبل. قال: فاتقى قتيبة بن مسلم من هذين الرجلين، غير أن نيزك (1) البرقشي قدم على قتيبة فصالحه (2) عن أرضه وبلاده وصار معه وناصحه، وأما عثمان بن مسعود فكأنه تأبى على قتيبة أن يصير إليه. قال: وجعل قتيبة يكتب إليه ويلطفه في كتبه ويختدعه بالهدايا، فلم يزل كذلك حتى صار إليه فقربه قتيبة وأدنى مجلسه وألطفه. قال: ودخل المجشر (3) بن مزاحم السلمي على قتيبة مسلما، فنظر إلى عثمان بن مسعود جالسا عن يمينه، فأحب أن يحرضه عليه فقال: أبا عمرو! وما فعل موسى بن عبد الله بن خازم السلمي؟ فقال عثمان: أعن ابن عمتك تسألني؟ فقال: نعم، عنه أسألك، قال: # استودعته نهر بلخ، وأيم الله لو كنت حاضرا في ذلك الوقت لألحقتك به! قال: # فعلم قتيبة بن مسلم أن الرجل قتال سفاك للدماء، فقال له: أبا عمرو! إن الأمير الحجاج بن يوسف قد كتب إلي فيك يأمرني بإزعاجك إلى ما قبله، فسر إليه فإنه قد علم حسن بلائك وما كان من نكايتك في العدو، فإنه يحب أن يراك ويكافئك على ذلك وبلغ بك ما أنت أهله في طاعتك وأثرك. فقال له ابن مسعود: نعم أيها الأمير! # ولكني انصرف فأتأهب لذلك، فقال قتيبة: وذاك لك. قال فقال المجشر (4) بن مزاحم: أيها الأمير! إن ms1180 صار إلى منزله لم يرجع إليك أبدا، ولم تره إلا في الخيل والكتائب، فإن بني تميم يحمونه، وله في الناس صنائع ليس لاحد مثلها، فقال له قتيبة بن مسلم: وما هذه الصنائع التي له عند الناس؟ قال: فوثب عثمان بن مسعود وخرج فلم يحب أن يسمع ذلك، فقال قتيبة: ويحك! فما هذه الصنائع؟ فإنه قد # PageV07P142 # وثب ولم يحب أن يسمعها، فقال من حضر: أيها الأمير! إنه أهديت إليه جارية حسناء وعنده قوم من بني عمه فأراد أن يدفعها إلى رجل منهم ثم قال: إن هذا لقبيح أن أدفعها لرجل وأترك الباقين! وكانوا ثمانين إنسانا فأمر لكل واحد منهم بجارية ووصيف، وله مثل ذلك كثير في الناس أيها الأمير! قال: فقال قتيبة: ردوه، فلما ردوه إلى قتيبة أمر به فقيد، ثم حمله على البريد ووجه به إلى الحجاج وكتب إليه: # أيها الأمير! اكفني عثمان بن مسعود أضبط لك خراسان إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال: وأدخل عثمان بن مسعود على الحجاج فنظر إلى رجل بهي جميل تام من الرجال، فتأمله الحجاج ساعة ثم أمر به فقيد بقيد ثقيل، ثم دعا به بعد ذلك بأيام فدخل على الحجاج وهو يحجل في قيده وذلك كأن ليس في رجله شيء، فقال له الحجاج: ارتفع! قال: فطفر [ابن] مسعود طفرة بقيده فاستوى مع الحجاج على سريره، فقال الحجاج: ما كنت أظن أن أحدا يقدر هذا، فقال عثمان: أيها الأمير! إن السلاح أثقل من هذا القيد وأنا أثب على الفرس ومعي سلاحي، فقال الحجاج: إني لم آمرك أن ترتفع معي على سريري، إنما أمرتك أن ترتفع في المجلس، ثم أمر به الحجاج إلى السجن ثانية وأمر أن يزاد في حديد. قال: ثم جعل يستأديه (1) حتى أخذ منه مالا عظيما، ثم لا يدري ما فعل به الحجاج بعد ذلك - والله أعلم -. ### | ذكر مغازي قتيبة بن مسلم بخراسان # قال: وعزم قتيبة على الغزو، فقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (2): أيها ms1181 الناس! إن الله عز وجل وإنما أحلكم هذا المحل ليعزبكم دينه ولتذبوا عن حرمات المسلمين، وقد أمركم بالصبر ووعدكم النصر، ووعد المجاهدين منكم في سبيله أفضل الثواب وأعظم الذخر، فتنجزوا موعد (3) ربكم ووطنوا أنفسكم على مضض الألم، وإياكم والهوينا والفشل - والسلام -. قال: فاستخلف على مدينة مرو (4) وخرج يريد بخارستان، حتى إذا صار بالطالقان (5) أقبل إليه دهاقين بلخ فعبروا # PageV07P143 # معه النهر، ثم سار قتيبة بن مسلم في عسكر لجب حتى صار إلى بخارستان فنزل عليها، وخرج إليه ملكها فصالحه وأعطاه الرضى وأخذ منه قتيبة الرهائن. # ثم سار يريد بيكند (1) مدينة من أداني بخارا وبها يومئذ خلق كثير من الترك والسغد والبرقس (2). قال: فسار إليهم قتيبة حتى نزل بساحتهم ونظر إلى عساكرهم، فلما أصبح وثب فعبى أصحابه ميامن ومياسر وقلبا وجناحا وكمينا، ثم زحف بهم إلى الكفار. # قال: وقد كان قتيبة وجه إلى الكفار بجاسوس يقال له تنذر (3) ليأتيه بأخبارهم، قال: وعلمت به الترك فأخذوه وأتوا به إلى ملكهم خاقان، فقالوا: أيها الملك! هذا رجل منا وهو عين لقتيبة بن مسلم علينا فمرنا فيه بأمرك، قال فقال له خاقان: ويحك يا تنذر! أنت رجل منا فما الذي يحملك على أن تكون عينا لقتيبة علينا؟ فقال تنذر: # أيها الملك! إن الرجل لمحسن إلي جدا، ولكن لك علي أن أرده عنك مع جيشه هذا الذي أتاك به، قال فقال له خاقان: إن فعلت ذلك يا تنذر فلك عندي عشرة آلاف درهم وغلام وجارية، وإن أنت مضيت ولم تفعل ذلك ثم وقعت في يدي ضربت ‌عنقك؟ قال تنذر: كفيت أيها الملك! ذرني وقتيبة. قال: ثم رجع تنذر إلى قتيبة فتقدم إليه سرا من أصحابه فقال له: أيها الأمير! إنه قد غرك الحجاج وألقاك إلى التهلكة، وهذا عامل يقدم عليك من قبل الوليد بن عبد الملك، فلا تحارب هؤلاء القوم في يومك هذا فإنك لا تدري كيف يكون الامر بينك‌ وبينهم! قال: فتبسم قتيبة من ذلك ثم قال: يا عدو الله! وما الذي أتاك بهذا الخبر ms1182 دوني، أهذا شيء دبرته على أن أصرف جيشي هذا عن الترك في يومي هذا، قال: ثم قدمه قتيبة فضرب عنقه صبرا (4). فرأى المسلمون قد راعهم ما فعل قتيبة بجاسوسه هذا، فقال قتيبة: أيها الناس! ما لي أراكم قد راعكم قتل تنذر هذا عبد أحانه الله وقد كنت أظنه ناصحا للمسلمين [بل كان] (5) غاشا لهم، فذروا عنكم ما كان مني إلى تنذر، وعليكم بجهاد عدوكم. # PageV07P144 # قال: فدنا القوم بعضهم من بعض، وتقدم خاقان ملك الترك وهياطلتهم. # قال: فالتفت قتيبة إلى رجل من أصحابه يقال له وكيع بن أبي سود التميمي، فقال: # يا وكيع! كم تقدر هؤلاء الكفار يكونوا؟ فقال: أيها الأمير! أقدر أنهم يزيدون على ثمانين ألفا، فقال قتيبة: صدقت، قد خبرت أنهم سبعة وثمانون ألفا ولكن ما عندك الان فيهم؟ فقال وكيع: أيها الأمير! عندي كل ما تحبه مني، فقال قتيبة أحسنت، ولكن لا تعجل بالحملة حتى أنظر ما يكون. قال: ثم تناوش القوم ساعة وكانت بينهم مناولة فأخذت السيوف من الكفار مأخذها فقتل منهم جماعة ثم التفت وكيع إلى قومه من بني تميم فقال: يا معشر المسلمين! انظروا من كان منكم يريد الموت فليتبعني، وكان كارها فليثبت في مكانه. قال: فأجابته بنو تميم بأحسن الجواب، فتقدم وكيع في زهاء عشرة آلاف من بني تميم ومواليهم، وساعدتهم بنو بكر بن وائل، وقصرت عنهم قبائل العرب من اليمن حسدا منهم لهم، فلم يساعدوهم على القتال. قال: فدنت منهم الترك فاقتتلوا قتالا شديدا، واختلط القووم من وقت بزوغ الشمس إلى زوالها، ثم صاح وكيع بن أبي سود بأصحابه وحمل وحملوا معه حملة منكرة، وصدقوهم الضرب والطعن، فولت الترك من بين أيدي المسلمين وأخذهم السيف، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وانهزم الباقون أقبح الهزيمة، فأنشأ نهار بن توسعة التميمي يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # لعمري لقد فازت تميم بذكرها * وسائر أحياء العراق وقوف إلى آخرها. # قال: ومضت الترك والسغد هاربين على وجوههم نحو الجبال والغياض قد ألقى الله تبارك وتعالى الخوف والرعب في قلوبهم. ms1183 ### | ذكر غنائم بيكند وما وجد في خزائنها # قال: ودنا قتيبة من مدينة بيكند فنزل عليها، ولم يزل محاصرا لها حتى فتحها بالسيف، فقتل مقاتلتها وهدم سورها حتى وضعها بالأرض ثم جمع غنائمها، فأخرج منها الخمس فوجه به إلى الحجاج، وكتب إليه يخبره بفتح بيكند، ثم قسم باقي الغنائم في المسلمين. قال: وقوي المسلمون بما أصابوا من غنائم بيكند، وتنافسوا في شراء السلاح حتى بلغ الرمح سبعين درهما، وبلغ الدرع سبعمائة درهم، وبلغت السيوف أثمانها على أقدارها، قال: وجلبت إليهم الدواب من كل بلد، PageV07P145 # وأصاب قتيبة في خزائن بيكند سلاحا كثيرا، فقسمه بين المسلمين، وأصاب أيضا خزانة مقفلة فأمر بفتحها ففتحت، فأخرج منها من آنية الذهب والفضة ما لا يحصى، وأصابوا أيضا في هذه الخزانة صنما عظيما من ذهب، فأمر قتيبة بإذابته فأذيب فخرج منه خمسون ومائتا ألف دينار (1). قال: وأصابوا في هذه الخزانة لؤلؤتين عظيمتين فعجب قتيبة من كبرهما وضيائهما، ثم دعا بسدنة بيت النار، فقال: خبروني كيف وقعت هاتان اللؤلؤتان إلى بلدكم هذه؟ فقالوا: أيها الأمير! إنا نظرنا ذات يوم إلى طائرين قد وقعا على بيت النار والأصنام فألقيا هاتين اللؤلؤتين من مناقرهما ثم طارا، قال: فعجب قتيبة من ذلك، ثم بعث بهاتين اللؤلؤتين إلى الحجاج وكتب إليه بخبرهما، فكتب إليه الحجاج: إني قد فهمت ما ذكرت من أمر هاتين اللؤلؤتين، وإن أعجب من أمرهما وأمر الطائرين سخاء نفسك لنا بهما أبا حفص - والسلام -. (2) قال: وكان عامة أهل بيكند يومئذ بالصين في تجارات لهم، فلما رجعوا نظروا إلى بيكند فطلبوا نساءهم وأولادهم، فجعلوا يشترونهم من المسلمين بالمال الجزيل. قال: وكانت امرأة رجل منهم قد وقعت مع ابنين لها إلى رجل من المسلمين يقال له عبد الله بن سليمان الغنوي، فطلبها زوجها وطلب أيضا ابنيها منه، واستام عليه الغنوي عشرة آلاف درهم، فقال له التركي: يا هذا! أنا أتزوج امرأة غير هذه فتلد في في سنتين غلامين، ولا أعطيك عشرة آلاف درهم، فقال له الغنوي: ذاك إليك فاصنع ما بدا ms1184 لك، قال: فاشترى التركي امرأته وابنيه بعشرة آلاف درهم، ثم لقي الغنوي بعد ذلك فقال له: أيها العربي! إنك لو أبيت علي أن لا تبيعني أهلي وابني إلا بأربعمائة ألف درهم لأخذتهن وطابت نفسي به. # قال: وعمر أهل بيكند مدينتهم ثانية بإذن قتيبة ونزلوا بها على أنهم يؤدون إليه في كل سنة شيئا معلوما. فصالحهم على ذلك وكتب عليهم بذلك كتابا. # قال: ثم سار قتيبة من بيكند إلى نومشكث (3)، فلما دنا منهم خرجوا إليه فصالحوه على مال يعطونه كل سنة على أنهم يكونون في طاعته، فقبل قتيبة ذلك # PageV07P146 # منهم (1). # ثم قفل يريد مرو فإذا بطرخان (2) ملك السغد وكور مغانون (3) ملك الترك قد أقبلا في مائتي ألف يريدون قتاله. قال: وقد كان قتيبة في الجيش وخلف أخاه عبد الرحمن بن مسلم على الساقة، فلما نظر إلى جيش الكفار قد وافاه في ذلك الخلق العظيم أرسل إلى قتيبة فأعلمه بذلك، فرجع قتيبة إلى ورائه، والتقى القوم فاقتتلوا قتالا شديدا إلى الليل، ثم ناجزهم في اليوم الثاني فقاتلهم، فكانت الدائرة على الكفار، فقتل منهم مقتلة عظيمة وانهزموا، وتبعهم قتيبة والمسلمون فقتلوهم قتالا ذريعا، وغنم المسلمون غنائم كثيرة، ثم رجع قتيبة إلى مرو ثم كتب إلى الحجاج خبره بوقعته هذه وكيف رزق عليهم الظفر، فوجه إليه بالخمس - والله أعلم -: ### | ذكر مسير قتيبة بن مسلم إلى بخارى # قال: ثم جمع قتيبة بن مسلم المسلمين وسار إلى بخارى، وبها يومئذ ملك عظيم الشأن يقال له معاينون بن راع (4) في نيف على أربعين ألفا، ونزل عليهم قتيبة بجيشه ودام الحرب أياما كثيرة لا يفترون من الحرب، حتى إذا عضهم السلاح ووجدوا ألم الجراح أرسلوا إلى قتيبة يسألونه الصلح على أنهم يعطونه مائتي ألف درهم ويعينونه بأنفسهم، فرضي قتيبة منهم بذلك، فأخذ منهما ما صالحهم عليه. # قال: وقد كان قتيبة أخذ منهم رجلا أعور أسيرا فكان شيطانا من شياطينهم، فقدمه ليضرب عنقه فقال: أيها الأمير! لا تقتلني وأنا أفدي نفسي بما قيمته ألف ألف درهم، قال قتيبة لأصحابه: ms1185 ما ترون فيما يقول هذا الكافر؟ فقالوا: أيها الأمير! # هذا الذي قد بذله رغبة وزيادة في الغنيمة فخذ منه ما قد بذل ولا تقتله، فقال قتيبة: # لا والله لا تروه باسمه مسلمة أبدا! ثم قدمه فضرب عنقه. # قال: وخرج أهل بخارا إلى قتيبة فصاروا معه في عسكره، فأنشأ المغيرة بن حبناء التميمي يمدح قتيبة بن مسلم وهو يقول أبياتا مطلعها: # PageV07P147 # عفت الديار بسفح طود شمام * إلا بقية أثلب وتمام (1) إلى آخرها. ### | ذكر نيزك البرقشي وهربه من عسكر قتيبة # قال: وهرب نيزك البرقشي من عسكر قتيبة في جوف الليل مع رجل من وجوه الترك (2) يقال له باذان يريد إلى قلعة باذغيس (3)، قال: فطلبه قتيبة فلم يقدر عليه فعلم أنه قد هرب، فوجه الخيل في طلبه فلم يقدر عليه، فأقبل نيزك إلى قلعته فدخلها، وهي قلعة حصينة لا ترام ولا يقدر عليها أحد، واسمها براسكين (4)، وهي التي يقول فيها الشاعر حيث يقول: # براسكين من حل ذروتها حاز ال‍ * - بلاد فإن شاء جار أو ظلما منيعة لم يرمها قبله أحد * تخالها كوكبا في الجو قد نجما تخال نيرانها من بعد منظرها * بعض النجوم إذ ما ليلها عتما لما أطاف بها ضاقت بساحتها * حتى أقروا له بالحكم فاحتكما قد ذل نيزكها من بعد عزته * وجاءها عارفا بالذل مهتضما قال: وسار قتيبة في عسكره وجنده حتى نزل على القلعة، قال: وسمعت ملوك خراسان بأن قتيبة قد سار إلى نيزك، ونيزك قد كان يسيء إليهم ويغير عليهم ولم يكن لهم في حيلة لحصانة قلعته (5). فلما سار إليه قتيبة زحفت معه ملوك خراسان ودخلوا في طاعته ورغبوا في معاونته، قال: وأقبل قتيبة حتى نزل أسفل القلعة ومعه أهل بخارا وأهل مرو والطالقان والفارياب وأهل بلخ وسرخس وما ولاها. قال: ثم # PageV07P148 # دعا قتيبة برجل من أصحابه يقال له سليم بن عبد الله وكان يقال له سليم الناصح، فأرسله إلى نيزك يدعوه إلى الطاعة ويعذله على هربه ويضمن له على قتيبة ما أحب (1). قال: فأقبل سليم الناصح هذا حتى ms1186 صعد الجبل وصار إلى باب القلعة، ثم استأذن على نيزك فأذن له، فدخل فلما نظر إليه نيزك قربه وأدناه ثم قال: ما وراءك يا سليم الناصح؟ فقال له سليم: ويحك ما الذي حملك على الهرب من العسكر وأنت أنت وقدرك عند الأمير هو القدر الذي علمت؟ فقال نيزك: ويحك يا سليم! إني لم أكن آمن على نفسي من قتيبة مع إكرامه إياي، لان العربي بمنزلة الكلب، إن ضربته نبح، وإن أطعمته بصبص، وإن غزوته فقاتلته ثم صالحته فأعطيته شيئا رضي، هذا رجل قدم إليه فلان الأعور قيل له ألف ألف درهم على أن لا يقتله فلم يقبل ذلك منه وقتله، فلما رأيت ذلك منه لم آمن على نفسي وهربت، فهات الان ما عندك يا سليم! فقال سليم: عندي والله أنه جال في جيشه كله وقد زحفت معه ملوك خراسان من جميع البلاد ولا أظنه نازحا عن موضعه هذا، وأظنه يشتو فيه هذا الشتاء هلك أم سلم، وأنا أرى لك من الرأي أن تنزل من قلعتك هذه ولا يعلم أحد بنزولك حتى تدخل إلى عسكره فتضع يدك في يده، فقال نيزك: ويحك يا سليم إن نفسي لتأبى ذلك، فقال سليم: إني ما جئتك إلا ناصحا مشيرا عليك، فأما إذا أبيت فإني منصرف عنك، قال: ثم وثب سليم لينصرف، فقال له نيزك: # فنغديك إذا يا سليم! [قال: إني لأظنكم في شغل عن تهيئة الطعام و -] (2) معنا طعام كثير، ثم قال سليم لغلامه: يا غلام! ائتنا بالطعام الذي حملناه معنا من العسكر، قال: فجاء الغلام بطعام كثير لا عهد له بمثله، فلما نظرت الأتراك إلى ذلك الطعام وحسنه وكثرته بادروا إليه فانتهبوه. قال: فاغتم نيزك لذلك، فقال له سليم: يا أبا الهياج! إني لك من الناصحين، أرى أصحابك هؤلاء إن طال بهم الحصار أن يستأمنوا قتيبة ويسلموك، فقال نيزك: أو أنزل إلى قتيبة من غير أمان وظني به أنه قاتلي؟ قال سليم: يا هذا! فإنه قد آمنك وإنما هو الذي أرسلني إليك أفتتهمني؟ ms1187 قال نيزك: لا أتهمك، فقال أصحابه مثل قول سليم وقالوا: اقبل منه قوله فإنه ناصح لك. قال: فدعا نيزك بدابته فركب وركب معه أصحابه، وخرج من باب القلعة حتى إذا صار إلى الدرجة التي ينتهي (3) منها إلى قرار الأرض ضرب # PageV07P149 # قبله، فالتفت إلى سليم الناصح فقال: يا سليم! من كان لا يعلم متى يموت فأنا أعلم متى أموت، إذا عاينت قتيبة فأنا ميت! فقال له سليم: كلا يا أيها الهياج! لا يكون إلا خيرا إن شاء الله. قال: وسار نيزك حتى إذا خرج من فم الشعب وقع التكبير في عسكر المسلمين (1)، ففزع الأتراك لذلك التكبير ثم تخلفوا عن نيزك، فقال نيزك: أما هذا أول الشر، فقال له سليم: لا عليك يا أبا الهياج! فإن تخلف هؤلاء عنك فهو خير لك من مسيرهم معك فسر. # قال: فسار نيزك حتى إذا دخل العسكر ونظر إليه قتيبة كلمه بلغة الباذغيسية ثم قال: مرحبا برجل غدار، ثم أمر به فحبس في خيمة لقتيبة وقيد بقيد ثقيل، وكتب إلى الحجاج يخبره بأمر نيزك هذا، فكتب إليه الحجاج أن اقتله فإنه رجل سوء غدار عدو لأهل الاسلام. قال: فورد كتاب الحجاج على قتيبة بعد أربعين يوما، فلما ورد عليه الكتاب دعا به قتيبة فأقبل يحجل في قيده حتى وقف بين يديه، فقال له قتيبة: يا نيزك! ألك عندي أمان؟ فقال: لا ولكن عند سليم الناصح أمان، فقال قتيبة: # كذبت يا عدو الله لا أمان لمثلك وقد رجعت عن دين الاسلام غير مرة، ثم قال قتيبة لأصحابه: ما تقولون في نيزك؟ قال: فصاح الناس من كل جانب (2) فقالوا: نقول إنه كافر فاسق مرتد غدار! قال: فدعا قتيبة بالسيف ليضرب‌ عنقه، فقال له نيزك: # إني إنما نزلت إليك بكتاب الله، قال قتيبة: وأنا أقتلك بحكم الله، قال نيزك: فإني أفدي نفسي منك بمال، قال قتيبة: وما مبلغ ما تفدي نفسك مني؟ قال: ألف ألف درهم، قال قتيبة: زدني، قال: ألف ألف درهم، قال: زدني، قال: ثلاثة آلاف ألف ms1188 درهم، فلم يزل حتى بذل له عشرة آلاف ألف درهم، فقال قتيبة: أين هذا المال؟ قال: في القلعة، قال: القلعة وما فيها لنا، والله لو لم يبق من أجلي إلا ثلاث كلمات لقتلتك (3). قال: ثم قدمه فضرب عنقه صبرا، وقتل معه سبعمائة رجل من أصحابه على دم واحد، فأنشأ المغيرة بن حبناء التميمي (4) في ذلك يقول أبياتا # PageV07P150 # مطلعها: # لعمري لنعمت غرة الجند غزوة * قضت نحبها من نيزك فاشمعلت (1) إلى آخرها. # قال: ثم بعث قتيبة إلى قلعة نيزك فاحتوى على ما فيها من الأموال والأسلحة والأثاث، واحتوى أيضا على أهل نيزك وولده وخدمه، فأخرج من ذلك كله الخمس فوجه به إلى الحجاج ووجه إليه برأس نيزك (2) ورأس ابن أخيه عثمان وبرؤوس القوم الذين قتلهم مع نيزك وقد علق في آذانهم الرقاع بأسمائهم، فلما وردت الرؤوس على الحجاج ونظر إليها دعا بعثمان بن مسعود التميمي من الحبس، فأقبل يحجل في قيوده، فقال له الحجاج: أتعرف هذه الرؤوس يا ع ثمان؟ قال: نعم أيها الأمير، هذه رؤوس أصحاب نيزك الذين كانوا معه وكانت نعمة الله عليهم سابغة، وهذا رأس نيزك البرقشي صاحب قلعة باذغيس، وهذا رأس ابن أخيه عثمان بن سور، فقال الحجاج: ويحك يا عثمان! الترك تسمي أولادها بعثمان؟ فقال: لا، ولكن سمي هذا باسمي لأني كنت مصاهرا لهم، قال الحجاج: فهل رأيت أحدا أعظم غنى ممن قتل هذا - وأومأ الحجاج إلى نيزك؟ فقال: نعم أيها الأمير، من قتل صاحب هذا الخاتم، فقال: هذا خاتم موسى بن عبد الله بن خازم السلمي - ثم رمى بالخاتم إليه، فنظر إليه الحجاج فإذا خاتم من ذهب قصة ياقوت أحمر، فقال الحجاج: # صدقت يا عثمان! إن من قتل صاحب هذا الخاتم هو أعظم غنى من قاتل نيزك. ### | خبر المنطقة # قال: ثم أقبل الحجاج على عثمان بن مسعود فقال له: يا عثمان! إنه قد كتب إلينا قتيبة بهذه المنطقة يذكر أنه منطقة نيزك فانظر إليها، قال: فنظر عثمان بن مسعود إلى المنطقة فقال: أيها الأمير! ليست هذه ms1189 منطقة نيزك، هذه منطقة رجل من عظماء الترك يقال له جبغويه (3) ومنطقة نيزك موصولة وهي نصف منطقة فيروز، وذلك أن منطقة فيروز لما قتل سقط عن فرسه في نهر خزار (4) فانقطعت منطقته فذهب السيل # PageV07P151 # بنصفها مما يلي الأبرين وصار إلى نيزك موصولة. قال فقال رجل ممن حضر مجلس الحجاج: كذبت أيها الأمير! هذه منطقة نيزك، فقال له عثمان: إذا عرب يا لكيع! # ما أنت وهذا؟ وما يدخلك فيما ليس من أمرك؟ ما علمك بالملوك ولباسهم؟ أنت تأكل الضب واليربوع والجرذ والقنفذ، أنا أعلم منك بأمور الملوك ودأبهم. قال: # فضحك الحجاج ثم قال: ردوه إلى الحبس! فردوه إلى الحبس، فلم يزل يعذب في الحبس‌ ويستأدى حتى مات في السجن من شدة العذاب، فهذا أصح خبر ورد علينا من أمر عثمان بن مسعود التميمي - والله أعلم -. ### | ثم رجعنا إلى خبر قتيبة بن مسلم # قال: فلما قتل قتيبة نيزك البرقشي دخل من ذلك على أهل خراسان فرح وسرور شديد، وقالت الشعراء في قتيبة أشعارا كثيرة، ومدحه نهار بن توسعة بهذه الأبيات: # أصبت ووفقت ابن عمرو ولم تزل * على كل حال [قد] توفق للرشد قتلت عدو الله نيزك بعد ما * أتى وجنود المسلمين على حقد فكم ثم كم من غمرة قد عقرتها * وكم عاند في القوم قومت للقصد وكم مقتر أنعشته يا بن مسلم * وأعطيته الآمال في طلب الحمد وكم من عظيم البال يحتال في الوغى * نزلت صريعا للدرين وللحد وكم بائس أغنيته بعد عيلة * فأصبح ذا مال كثير وذو لبد ومن متلد دغدغت بالسيف ماله * وقدما قديما كان يأوي إلى صفد ### | ذكر مسير قتيبة إلى مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان في وقت واحد # قال: ثم سار قتيبة يريد مرو الروذ، وبها ملك يقال له باذان، وقد كان باذام هذا أعان نيزك البرقشي على قتيبة وقتل ولدا له كبيرا وقتل له أخا صغيرا، وعلق رأسه في عنق أمه ثم أمر بقتلها بعد ذلك فقتلت، فقال له المجشر (1) بن مزاحم السلمي: أيها الأمير! لو كنت ms1190 وهبت هذه المرأة لرجل من أصحابك ولم تقتلها كان ذلك عندي أحسن! قال: فنظر إليه قتيبة نظرة ظن أنه سيقتله، ثم سكت ونادى في # PageV07P152 # أصحابه وسار إلى الطالقان، بها يومئذ من صعاليك الترك فحاربهم قتيبة يوما واحدا فظفر بهم، فقتل منهم جماعة وصلبهم، ثم استعمل على من بقي منهم أخاه عمرو بن مسلم، وسار يريد الفارياب، فلما دنا منها تلقاه ملكها مذعنا مقرا له بالسمع والطاعة، فلم يهيجه قتيبة ولم يؤذن ورده إلى بلده مكرما (1)، ثم سار منها إلى الجوزجان، فتلقاه أهلها سامعين مطيعين، وهرب ملكها إلى الجبل، فلم يطلبه قتيبة ولم يؤذ أحدا من أهل الجوزجان، غير أنه استعمل عليها عامر بن مالك الجماني (2) أحد بني تميم وهم أن يسير إلى غيرها فجاء إليه ملك الجوزجان سامعا مطيعا فصالحه قتيبة عن أرضه. قال: فمضى ملك الجوزجان إلى بلاده فشد عليه رجل من أصحابه فقتله، وبلغ ذلك قتيبة فطلب ذلك الرجل حتى وقع في يده، فأخذه قتيبة فطلاه بالنفط ثم صلبه وأحرقه بالنار. قال: وجعل قتيبة يقتل ويأمر وينهب حتى أذل الترك إذلالا ما أذلهم أحد قبله مثله قط، فأنشأ نهار بن توسعة في ذلك يقول: # أرك الله في الأتراك حكما * كحكم في قريظة والنضير قضاء من قتيبة غير جور * به يشفي الغليل من الصدور (3) قال: ثم جمع قتيبة من كان في يده من أسارى الترك، فكانوا نيفا على ثمانين رجلا من سادات الترك وملوكهم، فكبلهم بالحديد واستوثق منهم بالاغلال، ووجه بهم إلى الحجاج مع أموال كانت عنده من أموال الخمس، فأنشأ حاجب بن ذبيان المازني يقول أبياتا مطلعها: # كم من كمي تركت مجندلا * شلوا طريحا للذئب والرخم إلى آخرها. # قال: ثم رجع قتيبة إلى مرو فنزلها وأرسل إلى امرأة نيزك البرقشي فخطبها ليتزوج بها، فأرسلت إليه: أيها الأمير! إنك لست بخليفة ولا أنت الحجاج، إنما أنت أمير من أمراء خراسان مثل يزيد بن المهلب وغيره، وقد قتلت زوجي وولدي # PageV07P153 # واحتويت على أموالي ثم بعثت إلي تخطبني، أفما تخاف أن ms1191 أعمل في قتلك فآخذ بثأري منك؟ قال: فعلم قتيبة أنها قد صدقت في قولها وأنصفت وحققت فلها عنها وتركها. ### | ذكر مسير قتيبة إلى بلاد سجستان ثم منها إلى بلخ # قال: ثم جمع قتيبة أصحابه وسار بهم يريد سجستان، وبها يومئذ ملك يقال له رتبيل (1) في نيف عن سبعين ألفا من الكفار، فأقبل حتى نزل عليها، ثم أمر أصحابه بالغارة، فجعلوا يغيرون يمنة ويسرة على بلاد سجستان حتى ملأوا أيديهم من الغنائم. قال: وكره رتبيل ملك سجستان حرب قتيبة وعلم أنه لا يقوم له ولا لأصحابه، فأرسل إليه يسأله الصلح، فأجابه قتيبة إلى ذلك، ووقع الصلح بينهما على خمسمائة ألف درهم ومائتي رأس من الرقيق جوار وغلمان، فأخذ قتيبة منهم ذلك، فأخرج منه الخمس فوجه به إلى الحجاج، وقسم باقي ذلك في المسلمين. ### | ذكر مسير قتيبة إلى بلخ وما والاها من الكور # قال: ثم نادى قتيبة في أصحابه بالرحيل وسار حتى نزل على بلخ، وبها يومئذ ملك يقال له الشاه بن نيزك في جمع عظيم، فلما بلغه نزول قتيبة بساحته خرج إليه، ووقع الحرب بين الفريقين فاقتتلوا، فقتل من المسلمين نيف على سبعمائة رجل، وقتل من الكفار بشر كثير، وأسر منهم ألف رجل أو يزيدون، فقدمهم قتيبة وضرب أعناقهم صبرا، ثم إنه جلس ودعا بالطعام وجعل يتغدى والقتلى بين يديه وهو لا يكترث لذلك. قال: ونظر أهل بلخ إل يذلك من قتيبة فاتقوا وخافوا على أنفسهم خوفا شديدا وطلبوا الصلح، فأجابهم قتيبة إلى ذلك، فوقع الصلح بين قتيبة وبين أهل بلخ على ثلاثمائة ألف درهم وثلاثمائة رأس من الرقيق، فأخذ قتيبة منهم ذلك وكتب لهم كتابا بالصلح، ثم أخرج من ذلك المال الخمس فوجه به إلى الحجاج، وقسم باقي ذلك في المسلمين، فأنشأ زياد الأعجم يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # إن خير الولاة حر كريم يد * من كان قبله حين كيدا إلى آخرها. # PageV07P154 ### | ذكر مسير قتيبة إلى خوارزم # ثم سار قتيبة بجيشه حتى نزل على خوارزم، وبها يومئذ ملك يقال له ms1192 جنغان (1) في أربعمائة ألف عنان من أصناف الكفار، وقال: ولجنغان أخ يقال خرزاد (2) قد غلبه على أمره فليس له معه أمر ولا نهي، وكان يحب أن يقدم قتيبة إلى البلد، فسكت حتى جاء قتيبة ونزل حذاء خوارزم، وكتب إليه جنغان يعلمه أنه قد بذل له مائة ألف رأس‌ ومتاعا سماه له في كتابه على أن يدفع إليه أخاه ويملكه في بلاده، قال: فأرسل بكتابه إلى قتيبة سرا ولا يعلم به أحد من أهل خوارزم. قال: وبعث إليه بثلاثة (3) مفاتيح من الذهب. فقدم رسول جنغان على قتيبة وقد عزم على الحرب، فلما قرأ الكتاب أجابه إلى ما سأل، ثم إنه أظهر في عسكره أنه يريد السغد، ووقع الخبر بذلك بخوارزم، فقال خرزاد لأهل مملكته: إن قتيبة يريد السغد وقد أمنتم من حربه وأن يغزوكم في هذه السنة (4). # ثم نادى قتيبة بالرحيل نحو بلاد السغد قبل يومه ذلك، ثم رجع إلى بلاد خوارزم، فلم يشعر القوم إلا وقتيبة قد وافاهم، ففزعوا لذلك فزعا شديدا، ثم اجتمعوا إلى جنغان فقالوا: أيها الملك! ما عندك من الرأي؟ [قال]: ههنا لأخي خرزاد فصيروا إليه. قال: فاجتمع القوم إلى خرزاد فقالوا: إن هذا الرجل قد نزل بساحتنا يريد هلاكنا فهات ما عندك من الرأي، قال: فعلم خرزاد بأن أخاه قد كاتب قتيبة فهم بقتل أخيه، ثم خشي أن يقتله أهل البلد فلم يقتل أخاه، ثم نادى في الناس وخرج حتى نزل بموضع يقال له فنك (5)، ونزل قتيبة قريبا منه. قال: # وخوارزم يومئذ ثلاث مدائن يحيط لها مياه الفارقين. قال: ووقع الحرب بين الفريقين وسلم جنغان إلى قتيبة مدينتين من مدن خوارزم وصار معه في عسكره، وبقي خرزاد في المدينة الثالثة وطلب الأمان، ثم بعث إلى قتيبة: أنا أيها الأمير عبدك فاصطنعني واستبقني، فنعم العبد أنا لك! فقال قتيبة لرسوله: ارجع إليه فقل # PageV07P155 # عني: إن رضي أخوك جنغان بذلك آمنتك واستبقيتك، فكلمه واطلب إليه في ذلك. قال: فأرسل إليه خرزاد: أيها الأمير! إنه ليس في عسكرك أحد ms1193 يطمع أن يعيش خمسين سنة، وقد علمت أن مصيري إلى الموت، وليس مثلي من ذلك لأخيه، وإنما أحببت أن أكون لك لا لغيرك، والقتل أحب إلي من الطلب إلى أخي، فإن مت أو قتلت فإنه قد مات من كان أنبل مني وأشد مني تملكا وتجبرا - والسلام -. # قال: ووقع الحرب بين أهل خوارزم وبين قتيبة، فلم يكن إلا ساعة حتى أخذ خرزاد أسيرا، فأتي به إلى قتيبة حتى وقف بين يديه، فقال له قتيبة: كيف رأيت ما أنزل الله بك يا خرزاد؟ فقال: أيها الأمير! لا تلمني فإني ما ضربت بيدي إلى سيفي إلا لتحكم بيني وبينك فخذلني سيفي ولم يطاوعني، قال قتيبة: هذا يكون، ثم قدمه فضربت عنقه صبرا (1). فقال جنغان: أيها الأمير! إنك لم تشف صدري بعد، قال قتيبة: فما تريد يا جنغان؟ قال: أريد أن تقتل كل من كان معه علي، قال: # فجمعهم قتيبة وهم خلق كثير من الأسارى فسلمهم إلى جنغان، فقدمهم جنغان فضرب أعناقهم صبرا، ثم أخذ أموالهم فدفعها إلى قتيبة، ثم وفى بما كان ضمن له. قال: فأخرج قتيبة من ذلك الخمس فوجه به إلى الحجاج، وقسم باقي ذلك في المسلمين، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (2) يقول في ذلك أبياتا مطلعها (3): # إني رأيت أبا حفص يزينه (4) * أيامه ومساعي الناس تختلف إلى آخرها. ### | ذكر مسير قتيبة إلى السغد من بعد فتح خوارزم وما والاها # قال: فلما فرغ قتيبة من أمر خوارزم قام إليه المجشر (5) بن مزاحم السلمي # PageV07P156 # فقال: أيها الأمير! ههنا سر بيني وبينك! قال: فتنحى معه ناحية ثم قال: هات ما عندك، فقال: إن أردت السغد يوما من الدهر فاليوم، فإنه ما بينك وبينه إلا مسيرة عشرة أيام، قال فقال قتيبة: هل أشار عليك بهذا أحد * قال: لا، [قال: فأعلمته أحدا؟ قال: لا، قال:] (1) فوالله لئن تكلم بهذا غيرك من الناس لأضربن عنقك. # قال: ثم دعا قتيبة بأخيه عبد الرحمن بن مسلم فقال له: قدم الأثقال إلى مرو، فنادى عبد الرحمن بالرحيل إلى مرو، فارتحل ms1194 الناس ومضت الأثقال بين يديه وتبعها الناس يريدون إلى مرو، حتى إذا أمسى عبد الرحمن بن مسلم وهو في المسير أتاه كتاب أخيه قتيبة بن مسلم أن انظر إذا أصبحت فوجه الأثقال إلى مرو وسر أنت في الخيل والرجال إلى السغد، واكتم ذلك فإني من ورائك بالأثر إن شاء الله تعالى. # قال: فأمر عبد الرحمن بن مسلم بالأثقال فمضت إلى مرو، وانصرف هو في الخيل والرجال نحو سمرقند، وقام قتيبة في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، وقال (2): # أيها الناس! إنه الله عز وجل قد فتح عليكم من البلاد ما علمتم، وأنا أرجو أن يكون سبي سمرقند كسبي بني قريظة والنضير، فأبشروا ثم أبشروا - والسلام -. ### | ذكر كتاب الحجاج إلى قتيبة # قال: وإذا كتاب‌ الحجاج قد ورد على قتيبة: أما بعد فإني لست بآئس إذ فتح الله علينا وعليك خوارزم وأغنمنا أموالها وخزائنها وغنائمها أن يفتح الله عليك وعلينا ما بعدها، وقد بلغني أنك تريد المسير إلى سمرقند وأنا أنشدك أن غزوت بالمسلمين، وأنا أسأل الله أن يعز نصرك، وأن يحسن عاقبتك، وأن يمدك بالملائكة المردفين، وأن يرعب قلوب أهل سمرقند، وأن يخالف بين كلمتهم، وأن يلقي بأسهم بينهم، وأن يورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم، وأن يجعل دائرة السوء عليهم، إنه على كل شيء قدير - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # قال: فلما ورد كتاب الحجاج على قتيبة نادى في الناس فجمعهم وأقرأهم الكتاب، ثم ندبهم للمسير إلى سمرقند فخف معه الصغير والكبير من جميع مدائن خراسان، خرج معه السوقة بالعصي والمقاليع فضلا عن غيره. قال: فسار بهم قتيبة حتى قطع البلاد ثم سار إلى سمرقند فنزل عليها. # PageV07P157 ### | ذكر نزول قتيبة على سمرقند ومحاربته أهلها # قال: فنزل قتيبة على سمرقند وبها يومئذ ملكها غوزك بن أخشيد السغدي في ثلاثين ومائة ألف من السغد، قال: فأحدق قتيبة بأبوابها، وخرجت إليه السغد في الآلة والسلاح والعدة الكاملة، واشتبك الحرب بين الفريقين فاقتتلوا مرارا، كل ذلك ينتصف بعضهم من بعض، فلما كان بعد ذلك بأيام أقبل ms1195 نفر منهم حتى وقفوا على سور المدينة، ثم تكلم رجل منهم بالسغدية فقال: يا معشر العرب! على ماذا تقاتلونا وتدخلون على أنفسكم المشقة والعناء في أمر لا تصلون إليه؟ إنا قد وجدنا في بعض كتبنا أن مدينتنا هذه لا يفتحها إلا رجل اسمه أكاف الجمل، فانصرفوا عنا ولا تتعبوا خيلكم وتقتلوا أنفسكم، فقال قتيبة: ما الذي يقول هؤلاء القوم؟ فقال رجل ممن يفهم كلامهم: إنهم يقولون كذا وكذا، فقال قتيبة: الله أكبر! فأنا والله أكاف الجمل، أنا قتيبة والقتب قتب الجمل. قال: ثم جد في حربهم، فقتل منهم في ذلك اليوم خلق عظيم. # قال: وكتب ملك سمرقند إلى ملك الشاش (1) بأن العرب قد قاتلونا وقاتلناهم، فإن هم ظفروا بنا ساروا إليكم فانظروا لأنفسكم فإنما (2) نحن الجنة دونكم، فإن وصل إلينا كنتم أنتم أذل وأهون. فاجتمع أهل الشاش على نصرة أهل سمرقند، ثم إنهم أرسلوا إلى غوزك بن أخشيد أن أشغلهم أنت بالقتال حتى نبيت نحن عسكرهم. قال: وجعل أهل الشاش ينتخبون أهل النجدة والشجاعة من أهل بلدهم (3)، ثم إنهم ساروا مجمعين على بيات العسكر عسكر قتيبة، واتصل الخبر بقتيبة، فانتخب من عسكره سبعمائة (4) رجل، كل رجل منهم يحتاج إلى رجال، ثم قال لهم: اعلموا أن أهل الشاش قد ساروا إلى ما قبلكم يريدون أن يبيتوكم بزعمهم، فأخرجوا إليهم الان فاكمنوا لهم في موضع كذا وكذا، وذبوا عن دينكم وأحسابكم - والسلام -. # قال: فخرج المسلمون وذلك في وقت المغرب، فنزلوا على فرسخين من # PageV07P158 # عسكر قتيبة على طريق القوم الذي وصف لهم. قال: ورئيس المسلمين يومئذ صالح أخو قتيبة، ففرق أصحابه ثلاث فرق فجعلهم كمناء: كمينا عن يمينه، وكمينا عن شماله، ووقف هو في الفرقة الثالثة على قارعة الطريق، حتى إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه إذا أهل الشاش قد أقبلوا في الآلة والعدة التامة الكاملة، قال: فلما نظروا إلى المسلمين حملوا عليهم واختلط القوم، وخرج عليهم الكمينان عن يمينه ويساره فانطووا عليهم، وصبر الفريقان بعضهم لبعض ساعة، وشد على رجل من أهل ms1196 الشاش عظيم القدر فيهم فضربه ضربة على قرطه فأطار رأسه، ووقعت الهزيمة على الكفار، فانهزموا والسيف يأخذهم، فلما أفلت منهم إلا الشديد. قال: وأسر منهم جماعة، وانصرف المسلمون إلى قتيبة فخبروه بذلك، فقال قتيبة: جزاكم الله من جماعة، وانصرف المسلمون إلى قتيبة فخبروه بذلك، فقال قتيبة: جزاكم الله من قوم خيرا فلقد جاهدتم فأحسنتم الجهاد، وأبليتم فأحسنتم البلاء. قال: ثم قدم هؤلاء الأسارى فضرب أعناقهم عن آخرهم، ثم أقبل على كعب بن معدان الأشقري (1) فقال له: يا كعب! ألست القائل في المهلب بن أبي صفرة هذه الأبيات (2): # ألا ذهب الغزو (3) المقرب للغنى * ومات الندى والجود بعد المهلب أقاما (4) بمرو الروذ رهن ضريحه * وقد فقدا من كل شرق ومغرب فقال: بلى أيها الأمير! أنا قائل هذا، وأنا الذي أقول فيك: # فما كان مذ كنا ولا كان قبلنا * ولا كائن كالباهلي ابن مسلم أعم (5) لأهل الأرض باسا ونائلا * وأقسم فينا مغنما بعد مغنم (6) قال: فأمر له قتيبة بجائزة سنية، وأقبل حتى نزل على سمرقند، فوضع عليها المجانيق فجعل يحاربهم أشد الحرب. قال: فأرسل إليه غوزك بن أخشيد ملك # PageV07P159 # السغد: أيها الأمير! أنت إنما تقاتلني بإخواني من العجم (1)، فأخرج إلي العرب حتى تعلم كيف أحاربهم! قال: فغضب قتيبة لذلك ثم نادى في المسلمين فانتخب الابطال من عسكره فقدمهم إلى الحرب، وأمر أصحاب المجانيق بالرمي، فكان المسلمون يرمونه بحجارة المجانيق والسغد يرمونهم بالنشاب، فلم يزل المسلمون كذلك حتى ثلموا السور برمي الحجارة. قال: وصاح القوم بقتيبة أن ارجع عنا اليوم فإنا نصالحك غدا، فقال قتيبة: إنه قد جزع السغد فانصرفوا عنهم على كفرهم. # قال: فانصرف المسلمون (2) عنهم إلى عسكرهم (3). ### | ذكر صلح قتيبة بن مسلم على سمرقند ودخوله والمسلمين إياها # قال: فلما كان من غد دنا قتيبة من السور ووقع الصلح بين القوم، فصالحهم قتيبة على ألفي ألف درهم عاجلة ومائتي ألف درهم في كل سنة، وعلى ثلاثة آلاف رأس من الرقيق ليس فيهم صبي ولا شيخ، وعلى ما في بيوت النيران من حلية الأصنام، ms1197 وعلى أنهم يبنون لقتيبة في المدينة مسجدا، وعلى أنهم يخلون المدينة فلا يكون فيها مقاتل، ويدخلها قتيبة وأصحابه ويصلي ويخطب ويتغدى بها ثم يخرج (4)، فأجابه غوزك بن أخشيد إلى ذلك على أنه يدخل من باب كس ونسف ويخرج من باب الصين. قال: وأمر غوزك باتخاذ الطعام لقتيبة ولوجوه أصحابه ثم أمر بباب سمرقند ففتح، فدخل المسلمون المدينة بالتكبير، وأقبل قتيبة في إخوته وبني عمه حتى إذا صار إلى باب سمرقند قد استقبله غوزك بن أخشيد فسجد له، ثم مشى بين يديه حتى صار إلى بيت الأصنام فجلس فيه، وأقبل غوزك حتى وقف بين يديه بلا سيف، فجعل قتيبة ينظر إلى غلمان غوزك في مناطق الذهب المرصعة بالجوهر، فاغتاظ لذلك غيظا عظيما حتى احمرت عيناه وأراد أن يغدر بغوزك فتبين ذلك في وجهه، ثم إنه لم ير ذلك صوابا، فتم لغوزك ما صالحه عليه، فأنشأ # PageV07P160 # كعب بن معدان الأشقري (1) في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # ألا أيها الباغي قتيبة غيبة * أبى الله إلا أن يكون مؤيدا إلى آخرها (2). # قال فقال له قتيبة: أحسنت يا غلام! ادفع إلى الأشقري عشرة آلاف درهم. # قال: ثم دعا بالطعام، فأمر غوزك بن أخشيد بالموائد وقدمت، وعليها ألوان الأطعمة، فأكل قتيبة وإخوته وبنو عمه وقواده، حتى إذا فرغ القوم من من طعامهم وغسلوا أيديهم وثب قتيبة فصلى ركعتين، ثم دعا بكاتبه أن يكتب لغوزك بن أخشيد عهده الذي صالحه عليه. ### | ذكر العهد الذي كتب الغوزك بن أخشيد # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح قتيبة بن مسلم بن عمرو الباهلي غوزك بن أخشيد أفشين السغد، إنه صالحه وشرط له بذلك عهد الله وميثاقه وذمته، وذمة رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم وآله)، وذمة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان، وذمة الأمير الحجاج بن يوسف بن الحكم، وذمة المؤمنين، وذمة قتيبة بن مسلم، فصالحه عن سمرقند ورساتيقها كس ونسف أرضها ومزارعها وجميع حدودها على ألفي ألف درهم عاجلة، ومائتي ألف درهم في كل عام، وثلاثة آلاف ms1198 رأس من الرقيق ليس فيهم صبي ولا شيخ على أن يسمعوا ويطيعوا لعبد الله الوليد بن عبد الملك بن مروان وللأمير الحجاج بن يوسف وللأمير قتيبة بن مسلم، وعلى أن يؤدي غوزك بن أخشيد أفشين السغد ما صالحه عليه قتيبة بن مسلم من مال ورقيق، فما أعطى من ذلك في جزية أرضه من السبي يحسب له كل رأس بمائتي درهم، وما كان من الثياب الكبار كل ثوب بمائة درهم والصغار بستين درهما، وما كان من حرير فكل شقة بثمانية وعشرين درهما، والذهب الأحمر كل مثقال بعشرين درهما، والفضة البيضاء مثقال بمثقال، وعلى قتيبة بن مسلم العهد والميثاق أنه لا يعمل على غوزك بن أخشيد أفشين السغد بشيء ولا يغدر به ولا يأخذ منه أكثر مما صالحه عليه، فإن خرج على غوزك بن أخشيد عدو من الأعداء فعلى قتيبة بن مسلم # PageV07P161 # أن ينصره ويعاونه على عدوه، ويقول قتيبة بن مسلم بأني قد ملكتك يا غوزك بن أخشيد سمرقند وأرضها وحدودها وكس ونسف وبلادها وحصونها، وفوضت إليك أمرها، وأخذت خاتمك عليها، لا يعترض عليك معترض، وأن الملك من بعدها لولدك أبدا ما دامت لي ولاية بخراسان، شهد على ذلك الحضين بن المنذر البكري وضرار بن حصين التميمي وعلباء بن حبيب العبقسي ومعاوية بن عامر الكندي ووكيع بن أبي سود الحنظلي وإياس بن نبهان والأشجع بن عبد الرحمن والمحرر بن حمران والمجشر (1) بن مزاحم وعبد الله بن الأزور والفضيل بن عبد الله وعثمان بن رجاء والحسن بن معاوية والفضيل بن بسام، وكتب ثابت بن أبي ثابت كاتب قتيبة بن مسلم في سنة أربع وتسعين. قال: وختم قتيبة بن مسلم الشهود بخواتيمهم على هذا العهد، ودفع العهد إلى غوزك بن أخشيد، فأنشأ الفرات بن عبد الله السني (2) يقول في ذلك (3): # يرى الموت من عادى قتيبة مجهرا * وليس بوقاف ولا بمواكل ولكنه سمح بنفس كريمة * يصول بها يوم الفنا والقبائل فما لأبي حفص يزيد إذا سما * بأرعن مثل الطود جم الصواهل حوى السغد حتى شاع ms1199 في الناس ذكره * ونال التي أعيت على المتطاول ونال التي قد رامها الناس قبله * فأعيوا وأمسى ذكره غير خامل قال: ثم دعا قتيبة بأخيه عبد الرحمن بن مسلم (4) فجعله مقيما بمدينة سمرقند لئلا ينكثوا ولا يغدروا، ثم أقبل إلى مدينة مرو فنزلها، وكتب إلى الحجاج يخبره بما فتح الله عليه من سمرقند وما كان من صلحه إياهم، ووجه إليه الخمس من أموال سمرقند. ### | ذكر كتاب الحجاج إلى قتيبة # أما بعد، يا قتيبة! فقد استقبل الله عز وجل من أمرك بما لم يستقبل به أحد قبلك من التمكن في البلاد والظهور على الأعداء، فخذ ما آتاك الله بقوة وكن من # PageV07P162 # الشاكرين، وأعلمك يا قتيبة بأنك إلى الشدة في دين الله عز وجل أحوج منك إلى اللين والوهن والضعف، فاشدد يديك أبا حفص بما قلدك الله تبارك وتعالى من أمر خراسان، واتبع السياسة التي رضي الله بها عن عبده الصالح ذي القرنين إذ قيل له لما بلغ مغرب الشمس (يذا الفرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا) (1) فأحب الله تبارك وتعالى أن يبلوه فيما آتاه فهداه إلى طاعته ومرضاته من الحرم والقوة. # فقال: (أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا * وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا) (2)، فرضي الله بصنيعه الحسن وقص ذلك في كتابه العزيز على نبيه صلى الله عليه وسلم ليقتدي به أئمة الحق ورعاة الدين، فتدبر أبا حفص ما كتبت به إليك من موعظة العبد الصالح - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # قال: فوصل الكاب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان. ### | ذكر كتاب الحجاج إلى قتيبة عند وفاته # قال: ومرض الحجاج مرضته التي توفي فيها، فلما أحس من نفسه الضعف وعلم أنه ميت كتب إلى قتيبة أيضا بهذا الكتاب: أما بعد يا قتيبة! فإني كتبت إليك كتابي هذا وقد اشتد وجعي، لعل الله تعالى أن يجعل علتي هذه كفارة لذنوبي، والله أحب أن أخلد في هذه الدنيا كما ms1200 خلد إبليس اللعين - عليه من الله والملائكة والناس أجمعين اللعنة والخزي والبوار وسوء الدار - ولي أسوة برسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) والأئمة الصالحين من بعده، وإني لاعلم رجالا من المنافقين سيشتد سرورهم بما لي عند الله من عداوتهم إياي على دينه وأخذ حقه منهم، وإني لاعلم رجالا يشتد لذلك جزعهم لما يتخوفون من ظهور الأعداء، وقد علمت أن الذي ينصرهم في حياتي وهو الذي ينصرهم بعد مماتي، فانظر يا قتيبة أن تكون أشد مما كنت في أمر الله وجهاد الكفار والمنافقين، واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير، أستودعك الله يا قتيبة أنت ومن معك من المسلمين حتى نلتقي نحن وأنت غدا بين يدي الرب الرحيم. # قال: ثم توفي الحجاج فكانت وفاته بالعراق ليلة الجمعة لسبع مضين من شهر # PageV07P163 # رمضان لخمس أو ست وتسعين (1) - والله أعلم -، فأنشأ الفرزدق بن غالب يقول: # لبيك على الاسلام من كان باكيا * على الدين أو مستوحش الليل خائف وأرملة لما أتاها نعيه * أجادت له بالواكفات الذوارف وقالت لأتراب لها قمن حسرا * فقد مات راعي ذودنا بالتألف فما ضمنت أرض كمثل ابن يوسف * ولا خط يوما في بطون الصحائف قال: واتصل موت الحجاج بالوليد بن عبد الملك فأظهر عليه الحزن والجزع أياما كثيرة. ### | ذكر ولاية يزيد بن أبي كبشة على العراق ومسير قتيبة إلى فرغانة # قال: ثم دعا الوليد بن عبد الملك برجل يقال له يزيد بن أبي كبشة السكسكي فاستعمله على العراق في موضع الحجاج، وأمره أن يقر قتيبة بن مسلم على خراسان. قال: فأقبل يزيد بن أبي كبشة حتى نزل العراق، ثم كتب إلى قتيبة بن مسلم يخبره بولايته على العراق ويأمره بالمسير إلى فرغانة (2) ويحثه على ذلك. # قال: فلما ورد كتاب يزيد بن أبي كبشة على قتيبة نادى في أصحابه فجمعهم وأقرأهم الكتاب، ثم أمرهم بالتجهز إلى فرغانة لمحاربة أهلها. قال: فأجابه الناس إلى ذلك، فسار قتيبة في جيش عظيم حتى نزل أرض فرغانة، فجعل يقتل ويسبي حتى انتهى إلى الشعب الذي ms1201 ينتهي منه إلى الصين، وقد غنم المسلمون غنائم كثيرة. # ثم أقبل قتيبة حتى نزل على ملك فرغانة واسمه باشك وكان له حصن وثيق يقال له كذه، وقد جمع باشك في ذلك الحصن جميع ما يحتاج إليه من آلة الحصار، قال: # قأقام عليه قتيبة سبعة أشهر حتى فني ما كان عنده، ثم خدعه قتيبة فاستنزله من حصنه بغير أمان، ثم قدمه فضرب عنقه صبرا. ثم احتوى على أمواله وقليله وكثيرة، فأخرج من ذلك كله الخمس، ثم وجه به إلى يزيد بن أبي كبشة أمير العراقين، وقسم باقي ذلك في المسلمين، فأنشأ حاجب بن ذبيان المازني في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # PageV07P164 # كم من عدو قتلت ذي كلب * جهم المحيا صبحت بالحرب إلى آخرها. # قال: وبلغ الوليد بن عبد الملك أن قتيبة بن مسلم قد فتح فرغانة وظفر بأهلها وقتل ملكها، فكتب إليه (1): أما بعد، فإن أمير المؤمنين قد عرف بلاءك (2) في عدو المسلمين ونكايتك في المشركين، وأمير المؤمنين رافعك وصانع بك كل الذي تحب، فأتمم (3) مغازيك وانتظر ثواب ربك، ولا تغب أمير المؤمنين من كتبك حتى كأنه ينظر إلى جهادك والثغر الذي أنت فيه - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. ### | ذكر فتح كاشغر من أداني مدائن الصين ووفاة الوليد بن عبد الملك # قال: فلما فتح قتيبة فرغانة وكان من أمرها ما كان نادى في الناس فجمعهم ثم سار بهم إلى كاشغر (4)، وكاشغر من أداني مدائن الصين. قال: فسار إليهم قتيبة بخيله ورجله، حتى إذا تقارب من بلادهم نزل بعسكره في أداني أرضهم، ثم دعا برجل من أصحابه له كثير بن أيم الرياق (5) فضم إليه سبعة آلاف رجل من فارس وراجل ووجه بهم إلى كاشغر، قال: فأقبل كثير حتى نزل عليهم فقاتلهم قتالا شديدا، وسبى منهم مائتي رأس، فختم رقابهم ووجه بهم إلى قتيبة، فأنشأ نهار بن توسعة يقول في ذلك: # لقد ذاقت بنو الأتراك حربا * وذلا ليس بالذل الحقير وكم في الحراب حمق من أمير * وكم في الحرب حزم من أمير قال: ثم ms1202 رجع قتيبة بن مسلم من غزوته تلك وتوفي الوليد بن عبد الملك. # فكان ملكه تسع سنين وثمانية أشهر، وتوفي بدمشق في يوم السبت في النصف من # PageV07P165 # جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وهو يومئذ ابن سبع وأربعين سنة (1)، وكانت وفاته بعد وفاة الحجاج بأحد عشر شهرا - والله أعلم -. ### | ذكر ولاية سليمان بن عبد الملك وخبر يزيد بن المهلب # قال: فلما توفي الوليد بن عبد الملك صار الامر إلى أخيه سليمان بن عبد الملك، فدعا سليمان بيزيد بن المهلب فخلع عليه وحمله وعزم على أن يوليه العراقين: البصرة والكوفة. فقال له يزيد بن المهلب: يا أمير المؤمنين! إن العراق قد أجبر به الحجاج بن يوسف في ولايته وأنا رجل من أهل العراق، ومتى وليته وقدمت عليهم أخذتهم بالخراج، والخراج لا يستخرج إلا بالضرب والشتم والحبس الشديد، ومتى فعلت هذا بهم أكون عندهم كالحجاج فتغلظ علي قلوبهم، فإن رأى أمير المؤمنين أيده الله أن يعفيني من ذلك، وأنا أدله على رجل بصير بأمر الخراج وسياسة الأمور فيوليه إياها، قال سليمان: ومن هذا الرجل؟ فقال: صالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم، فقال سليمان: فإنا قد قبلنا ذلك منك وولينا خراسان إن أحببت، فقال يزيد: يا أمير المؤمنين! تلك غايتي ومنيتي. قال: فدعا سليمان بن عبد الملك بصالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم فعقد له عقدا وولاه العراق، وعقد ليزيد بن المهلب بلاد خراسان حربها وخراجها كما كان في أول مرة (2). ### | ذكر ابتداء خلاف قتيبة بن مسلم على سليمان بن عبد الملك وعصيانه إياه قال: [فخرج] يزيد بن المهلب من الشام أميرا على خراسان غير أنه صار إلى البصرة ليجتمع إليه الناس من إخوته وبني عمه ومواليه، قال: وبلغ ذلك قتيبة بن # PageV07P166 # مسلم فاتقى على نفسه لما كان ارتكب من آل المهلب في ولاية الحجاج، فنادى في الناس فجمعهم إليه ثم قال: أيها الناس! إن خليفتكم الوليد بن عبد الملك قد مضى لسبيله كما قد علمتم، وقد صار الامر إلى أخيه سليمان بن ms1203 عبد الملك، وقد علمتم منزلة يزيد بن المهلب منه، وقد بلغني أنه قد ولي هذا البلد وأنا أكره أن أكون في بلد وفيه مثل يزيد بن المهلب، وأنا ناظر في أمري بعد هذا - والسلام - (1). # ثم دخل قتيبة إلى رحله وكتب إلى سليمان بن عبد الملك يهنئه بالخلافة ويعزيه عن أخيه الوليد، ووجه بالكتاب مع رجل من الأزد، فلما ورد كتاب قتيبة على سليمان بن عبد الملك وقرأه أقبل على الرسول فقال: كيف رأيت قتيبة؟ فقال: يا أمير المؤمنين! رأيته كارها لولاية يزيد بن المهلب خراسان، وأظنه سيخالف على أمير المؤمنين. قال: فكتب سليمان إلى قتيبة: أما بعد، فإن الناس قد اشتد عليهم البلاء في ولاية الحجاج من الخوف والحبس والتشريد حتى ضاقت صدورهم، وقد أحب أمير المؤمنين أن يحل عقد الخوف عنهم وأن ينعشهم بالعدل والانصاف والامن، وقد فهم أمير المؤمنين كتابك وتهنئتك وما قد أضمرت في نفسك من الخلاف، فلا تفسدن صالح عملك بشق العصا فإن أمير المؤمنين (2) وإن عزلك عن خراسان ولاك غيرها، فأقبل إلى أمير المؤمنين فيمن أحببت من إخوتك وقوادك آمنا مطمئنا - والسلام -. # قال: فلما ورد كتاب سليمان بن عبد الملك على قتيبة جعل يحرك رأسه ثم أنشأ يقول: # رماني سليمان بأمر أظنه * سيحمله مني على شر مركب رماني بجبار العراق ومن له * على كل حي حد ناب ومخلب وللموت خير من حياة ذليلة * وحبل ضعيف قد وهى متقضب وللترك أدنى في الوداد مودة * وأقرب مني من بني المهلب قال: فوثب إليه رجل من أصحابه يقال له جهم بن زحر الجعفي فقال: أيها # PageV07P167 # الأمير! إنك قد أخذت في شيء لا يدرى ما هو فاشرحه لنا واسلك بنا سبيلا نعرفه، فقال قتيبة: إياك عني، واسمعي يا جارة! قال: فعندها وقع في قلوب الناس وعلموا أن قتيبة مخالف على سليمان بن عبد الملك وأنه قد عزم على العصيان، فأنشأ بعضهم في ذلك يقول: # أقتيب إنك قد أتيت عظيمة * فانظر قتيبة أين أين المهرب أصبحت ناكث بيعة أعطيتها * طوعا ms1204 فجلدك للخلافة أجرب مهلا فإنا لا نجيبك والذي * تدعو إليه من أمورك أعجب ما ابن المهلب بالذي يزرى به * نقص ولا في أمره متغلب ولانت أحقر والذي أنا عبده * في عينه من بقة تتذبذب فانظر لنفسك يا قتيبة فربما * نظر السفيه فضاق عنه المهرب قال: ثم دعا قتيبة برجل من أصحابه فوجه به إلى نيسابور وقال له: كن هنالك مقيما واكتب إلي بالاخبار الصحيحة من أمر يزيد بن المهلب حتى أعمل على حسب ذلك، وانظر أن لا تخفي علي شيئا من الأخبار. قال: فخرج ذلك الرجل حتى صار إلى نيسابور فنزلها، ثم جعل يستخبر الاخبار المتواترة بالصحة أن سليمان بن عبد الملك قد ولى يزيد بن المهلب أرض العراق وقد دفع إليه آل أبي عقل من أهل بيت الحجاج ليستأديهم الأموال - والسلام -. # قال قتيبة: لئن كان ولاه العراق فقد ولاه خراسان، اللهم! إني أسألك ميتة كريمة! قال: ثم عزم قتيبة على أن يأتي خوارزم فيتحصن بها، ثم بدا له في ذلك الرأي وعزم على أن يأتي فرغانة فيتحصن بها، ثم إنه قعد فافتعل كتابا على لسان سليمان بن عبد الملك: أما بعد، يا قتيبة! فقد بلغ أمير المؤمنين في الآثار الصادقة أن خليفة من خلفاء بني أمية اسمه اسم نبي يفتح الله على يديه مدينة القسطنطينية، فيجد فيها قميص آدم وجبة حواء ومائدة عيسى ابن مريم، ويفتح الله له أرض الصين فيحتوي على أموالها، وقليلها وكثيرها، وقد توجه أمير المؤمنين نحو القسطنطينية واثقا بالله وبالاخبار الصادقة أن الله عز وجل يفتحها على يديه، فانظر يا قتيبة إذا ورد عليك كتابي هذا فاغز بمن معك من المسلمين إلى أرض فرغانة، ثم سر منها إلى الصين، وعليك بالجد والجلد في أمر الله، فإن أمير المؤمنين واثق بطاعتك، عارف بيمنك وبركتك لما كان من العدو ومنك، وأنه رافعك وزائدك وصانع إليك ما لم يصنعه إلى PageV07P168 # أحد ممن كان قبله من الخلفاء - والسلام -، قال: ثم جمع قتيبة الناس فأقرأهم الكتاب وأمرهم بالاستعداد والتأهب والمسير ms1205 إلى فرغانة. # قال: فتجهز الناس وخرجوا على كره منهم، واتصل الخبر بسليمان بن عبد الملك، فكتب‌ إلى يزيد بن المهلب فأشخصه من البصرة إلى ما قبله، ثم قال: # اعلم أن قتيبة بن مسلم قد خاف من ولايتك أرض خراسان خوفا شديدا لا يكون لنا معه طاقة، فالرأي أن تكتب إليه كتابا تزين له المسير إلى فرغانة وتصوب له رأيه وتأمره أن لا يخرج عنها حتى يفتح الله قلاعها، وتأمر الرسول الذي يصل إليه بالكتاب أن يقول للناس بأن أمير المؤمنين قد زادكم في العطايا مائة مائة، وقد أذن لمن أحب منكم القفول أن يقفل إلى منزله، فإن الناس يحبون القفول إلى منازلهم وقتيبة يمنعهم من ذلك فيخالفونه. # قال: فكتب يزيد بن المهلب إلى قتيبة بن مسلم بما أمر به سليمان بن عبد الملك، فلما ورد الكتاب على قتيبة فرح بذلك واستبشر، ثم خرج إلى الناس فقرأ عليهم، فلما فرغ من قراءة الكتاب قام الرسول فقال: أيها الناس! إن أمير المؤمنين قد زادكم في العطاء مائة مائة وقد أذن لمن أحب منكم القفول إلى منزله فليقفل. قال: فعلم قتيبة أن هذا الرسول قد أغرى به الناس، فقال: أيها الناس! # إن هذا الرسول يمنيكم الضلال والأباطيل، إنه يريد بكم غير ما تظنون، إن سليمان بن عبد الملك إنما يدعوكم إلى أن تبايعوا ابنه أيوب، وأيوب غلام لا تحل ذبيحته، والله إن غ لامي هذا الذي يخدمني لافضل من أيوب بن سليمان. # قال: ثم دخل قتيبة إلى رحله فكتب إلى سليمان بن عبد الملك ثلاثة كتب: # كتاب منها في طومار يذكر فيه طاعته لعبد الملك بن مروان ولابنه الوليد، وأنه له (1) على مثل ما كان [لهما] (2) عليه في أول أمره (3)، وكتاب في ثلث طومار فيه فتوحه وأيامه وقدره عند العجم وبعد صوته فيهم، ويذم آل المهلب ويحلف بالله لئن استعمل يزيد بن المهلب على خراسان ليخالفنه (4) وليفتقن عليه فتقا عظيما، وكتاب # PageV07P169 # في ربع طومار بخلع سليمان والخلاف عليه. ثم قال: من يبلغ كتبي ms1206 هذه إلى سليمان بن عبد الملك فله دينه! فقال له مولى له (1): أنا أبلغها فهاتها! قال: فدفع قتيبة كتبه هذه إلى مولاه ثم قال: أوصل هذا الطومار الأكبر إلى سليمان بن عبد الملك أنت بنفسك، فإن قرأه وألقاه إلى يزيد بن المهلب فادفع إليه الثاني، [فإن قرأه وألقاه إلى يزيد فادفع إليه الثالث] (2) فإن قرأ الكتاب الأول ولم يدفعه إلى يزيد فاحبس الكتابين الآخرين معك ولا تدفعهما إليه. # قال: فقدم رسول قتيبة بن مسلم إلى الشام ووافاه يزيد بن المهلب عند سليمان بن عبد الملك، فدخل ودفع الطومار الأكبر إلى سليمان، فقرأه ثم ألقاه إلى يزيد، فدفع الثاني إليه فقرأه ثم ألقاه إلى يزيد، ثم دفع إليه الثالث فقرأه ووضعه إلى جانبه ثم تبسم وألقاه إلى يزيد (3) وقال: لقد ظلمنا قتيبة وإنه لعظيم الغناء حسن البلاء، ثم نهض وأمر برسول قتيبة فحول إلى دار الضيافة وأخذ الكتاب الثالث. فلما أمسى دعا سليمان برسول قتيبة فأعطاه صرة فيها دنانير فقال: هذه جائزتك وهذا عهد صاحبك قتيبة على خراسان مع رسولي هذا. قال: ثم وجه سليمان بن عبد الملك معه برجل من عبد القيس يقال له صعصعة (4)، فخرجا حتى إذا صارا بحلوان تلقاهما الناس بخلع قتيبة وعصيانه، قال: فمضى رسول قتيبة ورجع رسول سليمان إلى الشام. # قال: ودخل رسول قتيبة إلى خراسان فقال له قتيبة: وما وراءك؟ فقال: ورائي أني قد كنت أتيت بعهدك من أمير المؤمنين، فلما صرت إلى حلوان وسمع الرسول بخلعك رجع بعهدك إلى صاحبه. قال: فندم قتيبة على ما عزم عليه من الخلع والعصيان، ثم كتب إلى البحتري بن عبد الله الأسدي، وكان كبيرا أثيرا عظيم القدر عند أهل خراسان، فقال له: يا بحتري! إني قد جربت منك يمنا ورأيا، وقد كان # PageV07P170 # مني ما علمت، ولست آمن سليمان فهات ما عندك، قال فقال له البحتري: إذا أخبرك بذلك أن القوم قد عرفوك وعرفوا منك الطاعة، وقد علموا أن ما كان منك في العدو ليس بصغير، فهم لا يستنقذونك ms1207 من قدرك وموضعك وبعد صوتك. قال فقال له قتيبة: يا أعور! أتظن أني أخاف القتل، ما أخاف ولكني لا آمن أن يولي يزيد بن المهلب خراسان فيدعوني والناس حضور عنده فيقصر بي، والموت عندي أيسر من ذلك، قال فقال له البحتري: أيها الأمير أصلحك الله! إن ظني بيزيد بن المهلب وإن ولي خراسان فإنه لا يفعل بك ما تظن، وإن فعل بك ما تخاف لن ينقصك ذلك. قال فقال قتيبة: ذر عنك هذا، ما الذي تقوله الناس؟ فقال: يقولون بأنك خالع عاص، فقال قتيبة: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال البحتري: نعم ما قلت، ولكن انتظر رسولك وما يأتيك به من عند أمير المؤمنين، فإني أظن أنه سيأتيك بعهدك، فلا تعجل فتعرض نفسك وأهل بيتك للحرب والقتال، فإنه لا يدرى على ما ينجلي أمرك، قال فقال له قتيبة: ويحك يا بحتري! إنه قد جاء رسولي بعهدي إلى حلوان، غير أن رسول أمير المؤمنين رجع بالعهد إلى الشام، وأما الحرب والقتل فو الله ما من غائب هو أحب إلي من الموت وإني لأدعو بالأعاجم خاليا ومعهم خناجرهم وسيوفهم، وما منهم إلا من قد وترته بشتم أو بضرب أو بقتل ذي محرم فأتهددهم بالضرب والقتل فما يزيدهم ذلك إلا خضوعا وذلا، وإني لأخرج ليلا فأمشي وحدي في قميص بين قوم ما منهم رجل إلا وقد نالته مني عقوبة فما يعرض لي أحد منهم، ولقد دعوت بصاحب دواتي وقد كنت ضربته بالأمس فدعوته وأنا وحدي، فقام بين يدي طويلا سيفه معه وخنجره في وسطه وأنا لا أكلمه، وأقول إنه سيفتك بي، فما فعل بي شيئا ثم خرج من بين يدي فزعا مرعوبا، فلست أخاف القتل. # قال: ثم أرسل قتيبة إلى الحضين بن المنذر البكري فدعاه ثم قال: يا أبا محمد! إني أريد أمرا وأخاف أهل خراسان وانتقاصهم على المسلمين، فقال له الحضين بن المنذر: أيها الأمير! وما هذا الامر الذي تريد؟ قال: أريد أن أوجه إلى كاشغر رجلا في خيل وإلى طريق ms1208 فأحصن ذلك الطريق، قال فقال له الحضين بن المنذر: أيها الأمير! ههنا طريق واحد إن قدرت على إحكامه فالطريق كلها آمنة، قال قتيبة: وأي طريق هذا؟ فقال: طريق الاجل المقدر، قال: فغضب قتيبة وأخذ قلنسوته فضرب بها الأرض حتى انشقت، قال: فقال له الحضين: بئسما تفاءلت به PageV07P171 # لنفسك أيها الأمير، فقال قتيبة: لأنك تلقاني بكل ما أكره في كل وقت. قال: # فوثب الحضين فخرج من عنده. # وأرسل قتيبة إلى إخوته فشاورهم في أمره، فقال عبد الرحمن: قم فصر إلى سمرقند، وقل للناس من أحب المقام فله المواساة، ومن أراد الانصراف إلى بلده فغير مستكره، فإنه لا يقيم معك إلا الناصح لك، ثم حينئذ أخلع سليمان فإنه لا يأمنك، فقال له عبد الله بن مسلم: اخلعه (1). قال: فأخذ قتيبة برأي أخيه عبد الله، فأنشأ نهار بن توسعة يقول في ذلك: # شمر ونمر يا قتيبة بن مسلم * فإن يزيدا ظالم وابن ظالم ولا تأمنن الثائرين ولا تنم * فما ليل أصحاب التراب بنائم ولا تثقن بالأزد فالغدر رأيهم * ومكر منهم مستحل المحارم وإني لأخشى يا قتيب عليكم * معرة يوم مثل يوم ابن خازم ### | ذكر كلام قتيبة في خطبته # قال: فعندها نادى قتيبة في الناس فجمعهم، ثم قام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (2): أيها الناس! إنكم قد علمتم أني وليت أموركم فضممت الأخ إلى أخيه والابن إلى أبيه، وقسمت فيئكم، ووفرت عليكم عطياتكم، وقد جربتم الولاة قبلي، أتاكم أمية بن عبد الله فكان كاسمه في رأيه وعقله، يخضع في كور خراسان لا يجبي فيئا ولا ينكىء عدوا ولا مذعنا للطاعة ولا منيبا للمعصية، كتب إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان بأن خراسان لأي قوم لمطبخه، ثم جاءكم من بعده المهلب بن أبي صفرة فدوم بكم ثلاث سنين لا تدرون في طاعة أنتم أم في معصية، حتى بليت ثيابكم وذهبت أموالكم، لا يجبي فيئا ولا ينكىء عدوا، ثم جاءكم بنوه منهم ابن الرحمة (3)، [وإنما خليفتكم] (4) يزيد بن ثروان هبنقة (5) القيسي بل ms1209 هو # PageV07P172 # أحمق منه، وأقل عقلا من بأقل (1)، وقد رأيتم عدلي فيكم وإنصافي إياكم، فهاتوا ما عندكم. قال: فما أجابه أحد بشيء، قال: فغضب قتيبة لذلك ثم قال: يا أهل السافلة! ولا أقول: يا أهل العالية، وبني بكر بن باطل! ولا أقول: بكر بن وائل، ويا بني ذميم! ولا أقول: بني تميم، ويا أهل الشح والبخل بأي يوميكم تخوفونني أم بأي يوم تمنون علي! أبيوم حربكم أم بيوم سلمكم، وأنتم يا معشر الأزد تبدلتم بقلوس (2) السفن أعنة الحصن (3)، وبالمرادى (4) الرماح، وبالمجاذيف السيوف، وأنتم أعراب. وما الاعراب! ولعنة الله على الاعراب (الاعراب أشد كفرا ونفاقا) (5) جمعتكم من منابت الشيح والقيصوم كما يجمع قزع (6) الخريف بعد ركوبكم الأتن والبقر في جزيرة بني كاوان (7)، حتى إذا ملأتم أيديكم من غنائم الأعاجم وخدمتكم أبناء ملوك الترك والسغد قلتم كيت وكيت وذيت وذيت، أما والله لئن وليكم يزيد بن المهلب ليعصبنكم عصب النسعة (8) وليقرعنكم قرع المروة. # قال: فسكت الناس فما أجابه أحد بشيء، فجعل يتمثل بهذا البيت: # إن امرأ ملك اليمامة كلها * أعطى الملوك مقادة لم يضلل قال: فنهض الناس وتفرقوا وهم غضاب من شتمه لهم وسوء مقالته فيهم. # ودخل قتيبة إلى رحله وأقبل إليه إخوته وأهل بيته فقالوا له: أيها الأمير! ماذا أتيت إلى الناس في هذا اليوم! والله ما قصرت عن أهل العالية وهم شعارك ودثارك، ثم تناولت بني بكر بن وائل وهم أنصارك، ثم لم ترض حتى تناولت بني تميم وهم إخوتك، ثم تناولت الأزد وهم يدك وجناحك، فقال قتيبة: لأني تكلمت فما أجابني أحد منهم بشيء، وقد مضى القوم فذروهم، إن أهل العالية كابل الصدقة جمعت من كل أوب، وبنو بكر أمة لا تمنع يد لامس، وتميم جمل أجرب، وعبد القيس ما # PageV07P173 # يضرب الحمار ببطنه (1)، والأزد أعلاج وأشرار خلق الله، والله أن لو ملكت أمرهم لوسمتهم. # قال: فعندها مشى الناس إلى عبد الرحمن القسري، وكان قتيبة قد أضر به، فكلموه وقالوا: أما رأيت ما تكلم به هذا الرجل فينا وفي قومنا وعشائرنا؟ ms1210 فقال: قد بلغني ذلك، فما تريدون؟ فقالوا: نريد أن تدخل إليه فليأذن لنا في القفول إلى بلادنا، وهو أعلم بعد ذلك إن شاء فليخلع سليمان بن عبد الملك وإن شاء فليسمع وليطع، فإن هو لم يأذن لنا فلا يلومن إلا نفسه. قال فقال لهم عبد الرحمن القسري: يا هؤلاء! أنتم تعلمون الذي بيني وبينه من التباعد، ولكني ألقى أخاه عبد الرحمن بن مسلم فإنه من أمثلهم، فقالوا: ذاك إليك. # قال: فأقبل عبد الرحمن القسري حتى دخل على عبد الرحمن بن مسلم فسلم عليه ثم قال: إني لأحسب أن أخاك قتيبة قد خذل، ولولا ما كان منه إلي لكلمته في ذلك لان الناس قد هموا به، فليأذن لهم بقفولهم إلى بلادهم من قبل أن يتفاقم الامر. قال فقال له عبد الرحمن: إن قتيبة لا يخاف هذا الكلام، إني لو بعثت أمتي لفرقتهم في الجبال، قال: فغضب القسري من ذلك ثم قال: إ نك لو بعثت أمتك لنكحوها ورجعت إليك مفضوضة. قال: ثم خرج القسري من عنده، وأقبل عبد الرحمن بن مسلم حتى دخل على قتيبة فخبره بما كان تكلم به القسري وما يتكلم به القسري. # قال: فبلغ ذلك عباد بن إياس الغنوي فأقبل حتى دخل على قتيبة فقال: أيها الأمير! إنك قد أفسدت قلوب الناس عليك، فناد فيهم بالقفول إلى منازلهم حتى تذهب عنك العامة وأهل الأحقاد ثم ترى رأيك بعد ذلك، قال: لا أفعل ولا آذن لهم بالقفول. قال، فادع إذا بثقاتك من العجم، فلا يشعر الناس إ لا وأنت مشمر للحرب، ثم ادع من تخافه على نفسك فاضرب عنقه من قبل إجماع الكلمة عليك، قال قتيبة: لا أفعل ذلك. قال: فاعط الناس حقهم وأرضهم بالأموال، قال: لا ولا كرامة! قال: فأنت والله مقتول. # قال: ثم خرج عنه عباد بن إياس الغنوي، ونادى قتيبة في الناس فجمعهم ثم خرج إليهم فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أهل خراسان! حتى متى # PageV07P174 # يتبطح أهل الشام في فيئكم، والله لقد أدنوني وأقصوكم، ms1211 وأكرموني وهانوكم، ورفعوني ووضعوكم، يا أهل خراسان! أتيتكم وأنتم رجلان: رجل قد نزع سنان رمحه فجعله محراثا يحرث به، ورجل منكم على حربه إن هدرت هدر وإن سكنت استقر، لباسكم العباء، وطعامكم الخشب، فأطعمتكم الجرمق، وألبستكم النرمق، وبصرتكم ما لم تكونوا تتناولونه قبل ذلك، فنطقت فيكم الشعراء، وتفوهت فيكم الأدباء. خرجتم مع ابن الأشعث ثم أتيتموني خائفين من سيف الحجاج فآمنتكم وكففت عنكم، حتى إذا تم لكم الامن وأمنتم النقمة أشرتم وبطرتم النعمة، فأنشأتم تضربوني في الأمثال وتمنون الأماني، والله أن لو شئت لكنت أعز العرب دعوة وأكثرها ناصرا بما قد أفاءه الله علي. ثم قال: أين رماة الحدق! فقام أبناء ملوك السغد وأبناء ملوك الترك والطراخنة والبرقش وأبناء ملوك بخارستان وغيرهم من أبناء ملوك خراسان، وهم يومئذ زيادة على عشرة آلاف غلام لا يسقط لاحد منهم سهم. قال قتيبة: هؤلاء أعظم الأعاجم أخطارا، وأكرمهم نجارا، وأضرب منكم بالسيوف، وأثبت منكم عند اللقاء. قال: فسكت القوم فما أجابه أحد بشيء من ذلك، فازداد غضبه، ثم سكت وتنحى عن موضعه ذلك ودخل إلى رحله، ونهض الناس مزمعين (1) على حربه وقتله. ### | ذكر مقتل قتيبة بن مسلم واجتماع أصحابه على ذلك # قال: ثم إنهم مشوا إلى الحضين بن المنذر فقالوا له: يا أبا محمد (2)! هل لك أن نوليك أمورنا إلى أن يقدم علينا أمير من عند سليمان بن عبد الملك ويكفينا أمر قتيبة، فقد تعدى طوره وجاوز قدره، فقال الحضين: لا حاجة بي في ذلك، فقالوا: ولم؟ قال: لان مضر خراسان إنما ثلاثة أخماس (3)، بنو تميم خاصة الجيش وأكثرها فرسان، فهم لا يرضون أن يكون في غيرهم، وأخرى فإنكم إن أخرجتموهم من هذا الامر أعانوا قتيبة عليكم. قال فقالوا له: يا أبا ساسان! إن قتيبة قد وتر بني تميم بقتل ابن الأهتم (4) فقال: صدقتم ولكنهم يتعصبون للمضرية. # PageV07P175 # قال: فترك القوم حضينا، ثم صاروا إلى عبد الله بن حوذان الجهضمي، وهو يومئذ سيد من سادات الأزد، فكلموه في ذلك فلم يجبهم إلى شيء، فرجعوا ms1212 إلى الحضين بن المنذر فقالوا: يا أبا محمد! إن بكر بن وائل لا تخالفك ونحن نوليك أمرنا، فقال: ما أحببت أن يكون لي في هذا الامر ناقة ولا جمل، عليكم بغيري فإن قبائل مضر لا ترضى أن تسلبوها أمرها وتقتلوا ويولى الامر عليها غيرها. # قال: فتركوه وأقبلوا إلى حيان (1) بن إياس العدوي (2) فقالوا له: نريد منك أن تمشي معنا إلى الحضين بن المنذر فتكلمه في هذا الامر. فأقبل حيان إلى الحضين فقال: يا أبا محمد! ما الذي تكره من أن تخلع قتيبة ونوليك هذا الامر؟ فقال الحضين: أذكرك الله أبا معمر أن تراجعني في هذا الامر، فوالله ما أستطيع أن أستمعه - وكان الحضين في وقته ذلك قائما فجلس، ثم قال: والله ما يحملني رجلاي مخافة أن يبلغ قتيبة ذلك، فذرني وعليك بغيري. # فخرج حيان بن إياس من عند الحضين بن المنذر، ثم بعث إلى قوم من قبائل مضر فجمعهم، ثم قال: إنه لم يكن لهذا الامر إلا هذا الاعرابي - يعني وكيع بن أبي أسود التميمي (3)، فإنه رجل مقدام بطل، لا ينظر في عاقبة، وله عشيرة تطيعه وتقبل منه (4)، فصيروا إليه. ثم صار القوم إلى وكيع بن أبي سود فكلموه في ذلك، فقال وكيع: هات يدك يا حيان! فمد حيان يده فبايع وكيعا. # قال: واتصل الخبر بقتيبة بن مسلم بأن حيان بن إياس العدوي (5) قد بايع وكيعا وأنه قد أفسد عليه الناس، فقال قتيبة: والله لقد حذرنيه الحجاج قبل هذا اليوم حين وليته أمر السغد، فقال: أحذره فإن لك منه يوما أروباتا (6). # قال: وجعل الناس يصيرون إلى وكيع بن أبي سود فيبايعونه سرا حتى بايعه # PageV07P176 # خلق كثير، فجعل يتمثل بقول الأشهب بن رميلة حيث يقول: # سأجني ما جنيت وإن ركني * لمعتمد إلى ركن ركين قال: وبخراسان يومئذ من مقاتلة أهل البصرة أربعون ألفا، منهم بنو تميم عشرة آلاف ورئيسهم يومئذ ضرار بن حصين بن زيد الفوارس بن حصين بن ضرار، وعشرة آلاف من الأزد ورئيسهم يومئذ عبد الله بن حوذان الجهضمي، ms1213 والحضين بن المنذر البكري (1)، وعبد القيس خاصة في أربعة آلاف (2)، فهؤلاء كلهم (3) على قتيبة إلا من كان من قبائل قيس عيلان، فإنهم كانوا مع قتيبة. # قال: وجعل قوم يأتون قتيبة ويقولون له: أيها الأمير! عليك بالاستعداد والحذر فإن الناس قد بايعوا وكيعا وخلعوك، قال: فكان قتيبة لا يصدق بشيء من ذلك ويقول: هؤلاء قوم يحسدون وكيعا لأنه يشرب في منزلي ويسكر حتى يخدر ويحمل من منزلي وهو سكران لا يعقل، وهو يريد الخروج والخلاف علي، هذا لا يكون أبدا. قال: فجعل الناس يبايعون وكيعا ويقولون له: يا أبا المطرف! إنما نبايعك لأمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك ولمن يوليه علينا ولمن يستخلفه سليمان على أنك تسمع له وتطيع فلا تدعين غير هذا. قال وكيع: ما أدعي غير هذا وأنا سامع مطيع لكل من يقدم من عند أمير المؤمنين. قال: ودس قتيبة إلى وكيع رجلا يقال له ضرار بن سنان (4) الضبي على أنه يبايع وكيع ويأتي قتيبة بالخبر، قال: # فذهب‌ الضبي إلى وكيع فبايعه ثم جاء إلى قتيبة فخبره بذلك. قال: فأرسل قتيبة إلى وكيع أن صر إلينا أبا المطرف! فإنا قد احتجنا إلى مناظرتك، قال: فجاء رسول قتيبة إلى وكيع ووكيع في وقته ذلك قد طلى رجليه مغرة (5) وعلق على ساقيه خرزا وعنده رجلان من زهرة (6) يرقيانه من الحمرة، فقال له الرسول: أجب الأمير أبا المطرف! # فقال وكيع: قد ترى ما بي فكيف آتيه وأنا على هذه الحالة. # قال: فرجع رسول قتيبة # PageV07P177 # إليه فخبره بذلك، فقال قتيبة: عد إليه! فقال الرسول: أصلحك الله! فإني قد رأيت برجله شيئا لا يقدر على الركوب ولا أظن ذلك الوجع إلا قاتله، فقال قتيبة: لا شفاه الله مما به! عد إليه فأتني به على سرير محمولا، فرجع الرسول إليه فقال له: # يقول لك الأمير: إن لم تقدر على الركوب فتحملك الرجال على السرير، فقال وكيع: إن الرجال يحركونني على السرير فتزداد علتي هذه، قال: فرجع الرسول إلى قتيبة فأعلمه ذلك، فقال قتيبة: يا غلام! ms1214 قل لشريك بن الصامت (1): فلينطلق إليه وليأتني به سحبا على وجهه، قال فقال ثمامة بن ناجذ (2) العدوي: أنا آتيك به أصلح الله الأمير! قال: ثم أقبل ثمامة إلى وكيع فقال له: كن على أهبة فإن الرجل قد عزم على أخذك، قال: ثم قعد ثمامة عند وكيع فلم يرجع إلى قتيبة، فقال قتيبة: # أين شريك بن الصامت؟ فقال: ها أنا ذا أصلح الله الأمير! فقال: اذهب إلى وكيع فأتني به سحبا على وجهه، فإن امتنع عليك فجئني برأسه. قال: فقام هريم بن أبي طحمة التميمي فقال: أنا آتيك به أصلح الله الأمير! قال: وقام جماعة من بني تميم فقالوا: نحن نأتيك به أو برأسه أيها الأمير! فلا تقلق. ثم ركبوا إلى وكيع فقالوا له: # قم وإلا هلكت وأهلكتنا معك، قال: فدعا وكيع بسكين فقطع ما كان على ساقه من الخرز، ثم جعل يرتجز ويقول: # شدا على من رامني لا انكشف * يوما لهمدان ويوما للصدف (3) قال: ثم دعا بسلاحه ودرعه فتدرع وتقلد سيفه وتناول رمحه، ونادى في الناس فكأنهم إنما كانوا على أهبة، ثم مضى وحده نحو فسطاط قتيبة وهو يقول: # سنجنح حمل مكروهة * شدلها الشرسوف والقاصعا (4) # PageV07P178 # قال: فلقيه رجل من أصحاب قتيبة يقال له إدريس فقال له: أبا المطرف! إنك قد خفت من الأمير ما لم يرده بك وقد آمنك، فالله في نفسك. قال: فالتفت وكيع إلى أصحابه وقد لحقوا به فقال: أيها الناس! هذا إدريس وهو رسول قتيبة يؤمنني إن أنا أتيته، وكذب والله ابن الحدباء! لا والله أو يؤتى برأسي أو أوتي برأسه! # قال: وجعل الناس ينادي بعضهم بعضا وهم يقولون: افزعوا إلى وكيع شيخ تميم، قال: وأقبل الناس من كل أوب، وأقبل وكيع حتى وقف بإزاء فسطاط قتيبة، فصار بنو تميم والأزد مقابل الفسطاط، وقبائل ربيعة من وراء السرادق، وقتيبة في أهل بيته، وأقبلت قبائل قيس لينصروا قتيبة، فعلموا أنهم لا طاقة لهم بأهل العسكر. # قال: وسمع قتيبة الضجة فقال: ما هذا؟ قالوا: وكيع قد أقبل في عسكر، ms1215 قال: فدعا قتيبة دابته ليركبها فلم تقر الدابة ولم تقف، فقال: نحوها، فنحوها وقعد قتيبة على سريره وعليه قميص ورداء وهو معتم بعمامة بيضاء قد كانت أمه بعثت بها إليه قبل ذلك وقد احتبى بحمائل سيفه، وعنده يومئذ إخوته وجماعة من أهل بيته وعشائره، فقال له رجل من أصحابه يقال له ميسرة بن عبد الله الجدلي وكان شجاعا بطلا: أيها الأمير! إن شئت أتيتك برأس وكيع، فقال له قتيبة: اسكت، فسكت. # وأقبل رجل من موالي بني أسد يقال له يزيد بن مسلم، وقد كان قتيبة قبل ذلك ضربه وحلق رأسه ولحيته وأطافه في عسكره، فجعل يحرض الناس على قتيبة ويذكر من قتله قتيبة منهم قبل ذلك ويسميهم بأسمائهم، ويقول: أين بنو الأهتم؟ أين بشر بن صفوان؟ أين ضرار بن حسه (1) بن القاسم بن زياد؟ أين فلان؟ وأين فلان؟ قال: # فجعل يزيد بن مسلم يحض بني تميم ويذكرهم ذحولهم وقتلاهم ويجدد أحقادهم. # قال فقال قتيبة لرجل عنده: اخرج فناد: أين بنو عامر؟ فقال له رجل من بني عامر: # حيث تركتهم، فقال قتيبة: أذكركم الله والرحم! فناداه محفن بن جزء الكلابي (2): # أنت قطعتها، قال قتيبة: فلكم العتبى، قال محقن (3) بن جزء: لا أقالنا إذا إن أقلناك، قال: فجعل قتيبة يتمثل بهذين البيتين وهو يقول: # PageV07P179 # يا قوم صبرا على ما كان من مضض * إذ لم أجد لعتاة القوم أقرانا (1) لو كان قومي أحرارا لقد منعوا * سلوى يطائر عنه الناس خذلانا قال: فقال رجل من أصحاب قتيبة يقال له صالح بن حيان مولى مصقلة بن هبيرة لغلام له: يا غلام! ناولني قوسي، فقال له صالح بن مسلم أخو قتيبة بن مسلم: ليس هذا وقت قوس (2). # قال: ثم ذهب صالح بن مسلم ليكلم الناس فرماه (3) رجل من بني ضبة يقال له سليمان (4) ويلقب بريح أترنج بسهم فصرعه، فابتدره الناس فحمل إلى أخيه قتيبة، وكان أكبر ولد مسلم، فأدخل الفسطاط ورأسه مائل، فقام إليه قتيبة فجلس عنده ساعة حتى قضى، ثم رجع إلى سريره. وتقدم عبد ms1216 الرحمن بن مسلم أخو قتيبة، فرماه مولى لبني حنيفة يكنى أبا فديك بسهم فقتله. ثم أقبل يزيد بن الأهتم الأزدي على قومه من الأزد فقال: أيها الناس! تعلمون أن قتيبة بن مسلم هذا جعلني رئيسا عليكم؟ فقالوا: اللهم نعم، قال: فإني والله سمعته وهو يقول: والله لاستأصلن الأزد حتى لا يبقى لعمايتها سادة ولا قادة! قال: ثم تقدم في قومه من الأزد نحو فسطاط قتيبة بن مسلم متمثلا بهذا البيت وهو يقول: # أعلمه الرماية كل يوم * فلما قال قافية هجاني ويروى: # أعلمه الرماية كل يوم * فلما اشتد ساعده رماني قال: ثم تقدم سعد بن نجد الأزدي وجهم بن زحر الجعفي وفي يده راية له، فنظر إليه حيان بن إياس العدوي (5) فحمل عليه، وحمل عليه جهم فضربه بالسيف ضربة فوقع على معرفة البرذون فقطع تجافيفه وعنق الفرس، ورمى جهم بنفسه من # PageV07P180 # الفرس وحمل على العدوي برمحه راجلا، فهرب العدوي من بين يديه إلى قتيبة. # قال: وصاح رجل من أصحاب وكيع: ما تنتظرون بالرجل؟ تغدوا به قبل أن يتعشى بكم! قال: فدعا وكيع بالنار والحطب فأحرق الناس (1)، وبها نجوا ثم دنوا من الفسطاط، فدخل إلى قتيبة مؤذنه فقال: أيها الأمير! على ماذا أقبل؟ قال: على طاعة الله ورسوله محمد (صلى الله عليه وسلم وآله)، فخرج المؤذن فقاتل حتى قتل، وتقدم عبد الله بن وألان وعبد العزيز بن الحارث وميسرة [الجدلي] وعبد الرحمن بن عبد الله القسري - هؤلاء الأربعة، فخرجوا من القارة خوفا على أنفسهم أن يقتلوا، وتقدم عبد الله وعبد الكريم والحصين بن زياد (2) إخوة قتيبة، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم. وتقدم كثير بن قتيبة فقتل، ثم تقدم مغلس بن عبد الرحمن بن مسلم ابن أخي قتيبة فقاتل فقتل. فقال قتيبة لرجل واقف بين يديه يقال له جنادة الوائلي: انج بنفسك، فقال: لا والله وأقتل بين يديك! أنا أسلمك، قد أطعمتني الجرمق (3) وألبستني النرمق (4)! فقاتل فقتل. وخرجت أم ولد لقتيبة يقال لها الصماء فشد عليها رجل من القوم فقتلها. قال: وقتل حاجب ms1217 قتيبة شريك بن الصامت، وصبر قتيبة مع أخيه وهاجت بينهم قسطلانية، ومالت الأزد وبنو بكر فقطعوا أطناب السرادق، ثم هجموا على قتيبة، وقصده رجلان أحدهما سعد بن نجد (5) الأزدي والاخر جهم بن زحر الجعفي، فطعنه جهم بن زحر وضربه سعد بن نجد، ويقال: أنهما جميعا ضرباه فقتلاه، وقد ذكر ذلك الحضين بن المنذر البكري في قصيدة له حيث يقول: # ألم تر جهما وابن نجد تعاورا * بسيفيهما رأس الهمام المتوج وما أدركت في قيس عيلان نارها * بنو شنفر إلا بأسياف مذحج وإلا بفتيان العتيك وغيرهم * من الأزد في داج من الرهج أدعج أتاها ابن زحر بعد ما هب جمعها * فباشرها في حرها المتوهج أصم غداني كأن جبينه * مجاجة نفس في أديم ممجمج # PageV07P181 # قال: ودخل عبد الله بن حوذان الأزدي إلى قتيبة فاحتز رأسه (1) ومضى به إلى الأزد. قال: وطلب وكيع بن أبي سود الرأس، فقيل له: إن رأس قتيبة وخاتمه قد صار إلى الأزد، قال: فغضب وكيع ثم قال: لا والله لا أبرح أو أوتى بالرأس! وإلا ألقحت بها فتنة صماء، وإلا ذهب رأسي مع رأسه. قال فقال بعض أصحابه (2): يا أبا المطرف! فإنك تؤتى بالرأس فلا عليك! قال: وأقبل رجل من الأزد إلى قومه فقال: أحمقى أنتم! بايعنا رجلا وقلدناه أمورنا وعرض نفسه للتلف وتأخذون أنتم الرأس؟ احملوا إليه الرأس حتى يصنع به ما يشاء، قال: ثم أقبلوا بالرأس إلى وكيع وقالوا: يا أبا المطرف! إن هذا الذي احتز الرأس - وأومأوا إلى عبد الله بن حوذان أو عبد الله بن علوان، قال: فأمر له وكيع بثلاثة آلاف درهم، ثم بعث بالرأس إلى سليمان بن عبد الملك بن مروان مع رجل يقال له سليط بن عطية (3) الحنفي وأنيف بن حسان (4) العدوي في رجال من قومها، وكتب إليه يعلمه بقصة قتيبة بن مسلم وما كان من خلعه وعصيانه، فأنشأ عبد الله بن جمانة الباهلي يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # علام تلوم عاذلتي سفاها * وتلحاني وما أنا بالمليم إلى آخرها. # قال: وجعل الناس ms1218 يسلبون من قدروا عليه من قبائل باهلة، فأقبل قوم من قيس عيلان إلى عبد الرحمن بن عبد الله القسري (5)... إلى وكيع فقال: أبا المطرف! إنكم قد قضيتم شأنكم من قتيبة فعلى ماذا يسلب الناس؟ قال: فأرسل وكيع مناديه، فنادى في العسكر: ألا! من أخذ شيئا من سلب باهلة ولم يرده فقد حل دمه. قال: فرد الناس ما كان في أيديهم من السلب، قال: وأتي وكيع برجل قد سلب باهليا فقال له: أسلبته بعد ما سمعت النداء؟ ثم قدمه وكيع فضرب عنقه. # قال: وكان وكيع هذا من أخمر الناس، غير أنه كان فارسا بطلا لا يقوم له أحد عند # PageV07P182 # اللقاء، وخطب ذات يوم فلم يدر ما يقول، فحمد الله واثنى عليه ثم حضر فجعل يقول: # شربت خميرة فسكرت منها * فمال السرج وانقطع اللجام قال: وسعد المنبر ذات يوم فقال: أيها الناس! إني لست بخطيب ولكني والغ دم، وقد قتلت ابن الحدباء قتيبة بن مسلم، وكذلك سولت لي نفسي، ثم نزل عن المنبر. وقال لهريم بن أبي طحمة التميمي: أنت أخطب مني فاصعد واخطب، قال: فصعد هريم المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: لعن الله وكيعا (1) فلقد قتل رجلا ملعونا، قال فقال له وكيع وهو تحت رجله جالس: حسبك! لعنك الله ولعن من أنت أخطب منه! # قال: وقد أراد سليمان بن عبد الملك أن يولي وكيعا بلاد خراسان، فقال له ابن الأهتم: مهلا يا أمير المؤمنين! فإن وكيعا رجل أهوج مقدام ترفعه الفتنة وتضعه الجماعة. قال: فلما كان بعد قتل قتيبة بن مسلم دخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك فقال له: يا بن غالب! أسرك مقتل قتيبة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين! # وأنا الذي أقول في ذلك أبياتا مطلعها: # أتاني ورحلي بالمدينة وقعة * لآل تميم أقعدت كل قائم إلى آخرها. # قال: فأجابه رجل من باهلة وهو يقول أبياتا مطلعها: # أتتك لعمري بالمدينة وقعة * تعاظمها الأقوام إحدى العظائم إلى آخرها. # قال أبو الحسن المدائني: فلما قتل قتيبة ومضى لسبيله احتوى وكيع ms1219 بن أبي سود على بلاد خراسان، فأقام بها تسعة أشهر يولي ويجبي ويعزل، وسليمان بن عبد الملك يحب أن يولي يزيد بن المهلب خراسان غير أنه يقدم ويؤخر. قال: # ويزيد يومئذ قد صار إلى البصرة فهو مقيم بها عند أهل بيته وبني عمه يتوقع أن يؤمر بالمسير إلى خراسان. قال: ودعا سليمان بن عبد الملك بعبد الملك بن المهلب فقال له: أبا عبد الله! ماذا أنت صانع إن وليتك؟ فقال: يجدني أمير المؤمنين # PageV07P183 # بحيث أحب. قال: وبلغ ذلك يزيد بن المهلب فاشتد ذلك عليه (1)، وكتب سليمان بن عبد الملك أن يوليه خراسان، ويعلمه في كتابه أنه لا يقوم بأمرها أحد سواه. قال: وقدم أيضا رسول وكيع بن أسود من خراسان يطلب الولاية لنفسه. # قال: فنظر سليمان في كتاب يزيد بن المهلب، ثم نظر في كتاب وكيع بن أبي سود، ثم دعا بعبد الله بن الأهتم فقال له (2): خبرني كيف علمك بخراسان، فقال: # أنا أعلم الناس بها يا أمير المؤمنين! ولدت بها وبها نشأت. قال سليمان: الله أكبر! # فأشر علي برجل أوليه إياها، فقال: أمير المؤمنين أيده الله أعلم بمن يريد أن يولي، فإن ذكرهم خبرته بعلمي فيهم أيصلح لها أم لا يصلح، قال: فسمى له سليمان عدة من قريش، فقال ابن الأهتم: لا يصلحون لها، قال سليمان: فما تقول في وكيع بن أبي سود؟ فقال ابن الأهتم: وكيع رجل مقدام شجاع بطل همام حازم، غير أنه أعرابي وفيه جفوة، فقال له سليمان بن عبد الملك: صدقت ليس وكيع من رجال خراسان، قال ابن الأهتم: نعم يا أمير المؤمنين وشجاعة وكيع أكثر من عقله فإن وثق بثلاثمائة رجل من أصحابه لا يرى لاحد عليه طاعة، قال سليمان: فمن لها؟ قال ابن الأهتم: لا أبوح باسمه إلا أن يضمن لي أمير المؤمنين كتمانه، فقال: # سليمان لمن في مجلسه: اخرجوا، فخرج الناس، ثم قال سليمان: من هو الان يا ابن الأهتم؟ فقال: يزيد بن المهلب، فقال سليمان: يزيد بالعراق وأظنه بها أحب إليه، ms1220 فقال: صدقت يا أمير المؤمنين ولكن تكرهه على ذلك وتشخصه إلى خراسان، فليس لها أحد سواه لأنه قد كان بها حياة أبيه وبعد أبيه، فهو أعرف الناس بها، فقال سليمان: صدقت. # ثم كتب سليمان إلى يزيد بن المهلب: أما بعد، فإن عبد الله بن الأهتم كما (3) نحب وتحب في فضله وعقله ورأيه ودينه، وقد شاورته في أمر خراسان فوقعت # PageV07P184 # خيرته عليك، وقد وليتك إياها حربها وخراجها، فإذا أتاك كتابي هذا فاجمع إليك الناس وسر على بركة الله، فأمير المؤمنين رافعك ومبلغك أملك ومنيتك إن شاء الله - والسلام -. قال: ودفع سليمان الكتاب إلى ابن الأهتم وخلع عليه وأجازه. # قال: فسار ابن الأهتم سيرا حثيثا حتى دخل البصرة، ثم دخل على يزيد بن المهلب فسلم عليه، فرد عليه يزيد السلام ثم قال: ما وراءك يا بن الأهتم؟ فقال: # ورائي كل خير، ثم دفع إليه الكتاب، فلما قرأه قال: الله أكبر! إلى كم تنتظرني! ### | ذكر ولاية يزيد بن المهلب أرض خراسان # قال: ثم وثب يزيد من ساعة فتجهز، وقدم ابنه مخلدا على مقدمته إلى خراسان. قال: فسار مخلد بن يزيد حتى تقارب من مدينة مرو، وقدم أيضا خليفة له يقال له عمرو (1) بن عبد الله بن سنان (2) العتكي الصنابحي (3)، فأقبل هذا الصنابحي (3) حتى دخل مدينة مرو وبها يومئذ وكيع بن أسود، قال: فأرسل وكيع بن أبي سود [إلى] الصنابحي أن صر إلي فإني أريد مناظرتك، فأرسل إليه الصنابحي: أنت أعرابي جلف أحمق، أتأمرني بالمصير إليك وأنا قادم عليك؟ # فاستقبل أميرك وذر عنك الجهل والحمق. # قال: وخرج وجوه أهل مرو ليستقبلوا مخلد بن يزيد بن المهلب، قال: وتأنى وكيع ولم يخرج حتى أخرج كرها. قال: وترحل الناس لمخلد بن يزيد بن المهلب ومشوا بين يديه إلا هؤلاء الثلاثة: وكيع بن أبي سود ومحمد بن حمران (4) السعدي وعباد (5) بن لقيط أحد بني قيس بن ثعلبة، فإنهم لم ينزلوا لمخلد بن يزيد فأنزلوا كارهين حتى مشوا بين يديه. فلما دخل مخلد بن يزيد إلى مدينة مرو ms1221 أخذ عمال وكيع بن أبي سود فحبسهم وعذبهم من قبل قدوم أبيه عليه. # قال: وبلغ وكيع بن أبي سود بأن يزيد بن المهلب قد فصل من العراق فكتب إليه كتابا وبدأ باسمه قبل اسم يزيد، وقال في كتابه: أما بعد يا يزيد فإن أعطيتني ما # PageV07P185 # أريد وإلا فعلت وفعلت. فلما وصل الكتاب إلى يزيد وقرأه غضب وشتم وكيعا أقبح الشتيمة ثم سار حتى دخل الري فأقام بها ثلاثة أيام، ثم سار منها سيرا حثيثا. حتى إذا تقارب من مدينة مرو نادى المنادي في المدينة: ألا! إن الأمير قد أقبل، فمن أراد استقباله فليخرج، قال: فخرج الناس لاستقبال يزيد بن المهلب وخرج وكيع بن أبي سود فيمن خرج، وأقبل يزيد حتى دخل مدينة مرو فنزلها، وبعث إلى وكيع فدعاه وقال: أتكتب إلي وتبدأ باسمك قبل اسمي وتقول في كتابك ما تقول! والله لأقتلنك! فقال وكيع: لا تفعل ذلك لأنك شجاع وأنا شجاع، ولو كنت جبانا لقتلتني. قال: فشتمه يزيد وتهدده، فقال له وكيع: أما والله لقد علمت أنه ما وطأ لك البلاد ولا مهد لك الفرش غيري! ولو قدمت على قتيبة وإخوته وبني عمه لوجدت حسابهم خشنا، قال فقال له يزيد: يا عدو الله! أد مال الله الذي أخذت من كور خراسان، فقال: وهل كنت خائن (1) الله أيها الأمير؟ قال: فحبسه يزيد وحبس عماله وحاشيتهم وعذبهم بالدهق، فأنشأ عبد الله بن همام (2) السلولي يقول في ذلك: # خذ العفو واصفح يا يزيد فإنني * رأيت ثواب الله خيرا وأفضلا ولا تسمعن قول الوشاة فإنهم * يودون لو يسقى الرعاف المثملا خف الله في قوم تووا منذ خفتهم * يرجون عدلا من لدنك مؤملا وأنت ثمال يا يزيد فلا تكن * عليهم عذابا بالبلاء موكلا قال: ثم عزم يزيد على الغزو فضم جنده إلى ابنه مخلد، فغزا مخلد بالناس أرض الترك حتى صار إلى حصن لهم حصين وفيه من الترك خلق عظيم. قال: # فجاورهم مخلد بن يزيد وهم ينظرون إليه كأنه يريد إلى غيرهم مكيدة منه لهم، ms1222 حتى إذا بعد عنهم كر عليهم في أصحابه (3)، فقتل منهم من قتل، وبادر الباقون إلى مدينتهم فدخلوها، وهي مدينة عظيمة - وأخذوا أموالها (4) وقليلها وكثيرها وأخذوا جميع ما كان في المدينة وسبوا منها سبيا كثيرا وغنموا غنائم خطيرة. قال: وأتى # PageV07P186 # بامرأة ذلك الطرخان الذي قتل حتى وقفت (1) بين يدي مخلد بن يزيد بن المهلب، فقال لها مخلد بالتركية: اختاري من أحببت من أصحابي هؤلاء، قال: فنظرت المرأة إلى رجل من عبد القيس، وكان رجلا جميلا بهيا من الرجال وكان يخضب بالسواد، فنظرت إلى بياض في لحيته وصرف بوجهها عنه، ثم نظرت إلى محمد بن المهلب، أخذها قال له مخلد بن يزيد: وكل بخدمها وجواريها. وأقبل بالأموال والغنائم إلى أبيه يزيد بن المهلب. قال: وجعل يزيد بن المهلب يجمع عمال قتيبة بن مسلم فيعذبهم أشد العذاب ويستأديهم الأموال، ثم أخذ عمرو بن مسلم أخا قتيبة فعذبه ووضع في عنقه جامعة. ثم أمر مدرك بن المهلب بمطالبته، فلم يزل يستأديه حتى أخذ منه كل شيء قدر عليه. ثم دعا به يزيد فقال له: ويحك يا بن مسلم! إنما تجمع الرجال الأموال لثلاث خصال: يوسع الرجل على نفسه، والثانية ينوبه في عشيرته، أو يدفع عن نفسه أمرا من الأمور، وأنت فلا أراك تسخو نفسك لنفسك عن شيء من مالك! قال: فأومأ عمرو بن مسلم إلى مدرك بن المهلب بالدواة فأصاب أنفه وأدماه، ثم شتمه. فقال محمد بن المهلب: إن لهذا فعلا والله ما كففتم عن ماله ولا عن عرضه ولا عن بشره! كأنه لم يكن بي في حالكم، وكأنكم قد أمنتم أن تكونوا في مثل حاله. قال: ثم خرج محمد بن المهلب من عند أخيه مغضبا. فقال عبد الله بن الأهتم إلى يزيد فقال: أصلح الله الأمير إن قتيبة بن مسلم قتل أهل بيته وألقاهم إلى الكلاب، وإن الناس قد قتلوا قتيبة فقتلنا رسله كما قال الأول: # ألا يا كلب غيرك أرجعوني * وقد ألصقت خدك بالتراب ألا يا كلب فانتشري وسيري * فقد أودى عمير ms1223 بن الحباب ولكن فاقتلوا أولاد قوم * هم أخذوا مواريث الكلاب قال: وجعل يزيد بن المهلب يغزو أطراف خراسان مما لم يصل إليه قتيبة ولم يبلغه، ففتح فتحا بعد فتح حتى فتح حصونا كثيرة واحتوى على أموال خطيرة. قال: # فدخل عليه بعض شعراء خراسان فمدحه وأطنب في مدحه، فقال له يزيد بن المهلب: من أنت أيها الرجل؟ فقال: أنا فلان ابن فلان الفلاني، فقال يزيد: قد # PageV07P187 # عرفتك، ألست القائل في قتيبة بن مسلم حيث تقول: # قتيبة بن مسلم بن عمر * يرئس أقواما وقوما سري يعطي على غلاته واليسر * ما زال مذ كان شديد الأسر قال فقال له الشاعر: نعم أصلح الله الأمير أنا قائل ذلك والقائل فيك هذه الأبيات (1): # ما زال سيبك يا يزيد ينوبني * حتى انتعشت وجودكم لا ينكر أنت الربيع إذا تكون خصاصة * عاش السقيم به وإثرى (2) المقتر عمت سحائبكم جميع بلادنا (3) * فسقوا وأغدقهم ملث ممطر (4) فسقاك ربك حيث كنت مخيلة * ريا سحائبها تجود وتبكر قال: فوصله يزيد وأحسن جائزته. قال: وجعل يزيد لا يسمع برجل عمل بقتيبة يوما عملا إلا بعث إليه وأخذه وقيده وحبسه. فأرسل إليه أبو الحرباء الغنوي من السجن بهذه الأبيات: # يا بن المهلب لا تسمنا خطة * قد كنت تكرهها وأنت أسير إن الفضيلة كاسمها أكرومة * ولها خبور بين وسرور واصفح بعفوك عن ذنوب سراتنا * إن المسامح ذنبه مغفور وافعل كما فعل المهلب قبلكم * فيمن ولاه وسيفه مشهور قال: فعندها قصر يزيد عن عذاب القوم وعزم على المسير إلى جرجان. ### | ذكر مسير يزيد بن المهلب إلى جرجان وما كان منه إلى أهلها # قال: وكانت جرجان في زمان العجم وسلطانهم قد حوطوا عليها حائطا من # PageV07P188 # الاجر فجعلوها حصنا لا يرام وتحصنوا به من الترك. قال: وهو حائط طويل أحد طرفيه في البحر والطرف الاخر ممدود في البلاد، لان الترك إنما كانت تأتيهم من ناحية خوارزم فلا يقدرون عليهم من أجل الحائط. قال: وكان سابور ذي الأكتاف وخسرو وهرمز بن أنو شروان وقباذ بن فيروز وغيرهم من ms1224 ملوك الأعاجم قد غزوا جرجان وراموها في سالف الدهر فأعياهم ذلك ولم يقدروا عليها لحصانتها ولكثرة أهلها. قال: ثم إن أهل جرجان صالحوا الترك بعد ذلك وخالطوهم، ونزل الترك بين أظهرهم، فأقاموا فيهم ما شاء الله أن يقيموا ثم رحلوا عنهم إلى بلادهم، وبقيت منهم بقية يزيدون على أربعة آلاف فنزلوا دهستان، فكانوا يغيرون على جرجان ويؤذونهم غاية الأذى، فلم تزل بلاد جرجان على ذلك من حالها إلى أن جاء الله بالاسلام، فغزاها سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص (1) بن أمية في خلافة عثمان بن عفان (2)، فصالحوه على مائتي ألف درهم، فأخذ منهم سعيد ذلك المال وانصرف عنهم، ثم لم يغزها أحد بعد سعيد بن العاص. قال: وانقطعت الطرق أيضا إلى بلاد جرجان، فلم يكن يسلك طريق خراسان وناحية قومس إلا على وجل وخوف شديد. قال: وإنما كان الطريق إلى خراسان من ناحية فارس إلى كرمان ثم إلى خراسان. قال: وكان أول من سهل الطريق من قومس إلى خراسان قتيبة بن مسلم. قال: وكان قتيبة يكتب إلى الحجاج يستأذنه في غزو جرجان، فكتب إليه أن إياك والتوريط فيما لا طاقة لك به من جرجان وعليك بغيرها. # قال: وكان سليمان بن عبد الملك إذا سمع بفتوح قتيبة بن مسلم يقول لمن حضر من وزرائه: ألا ترون إلى فتوح قتيبة بأرض خراسان؟ قال: فكان يقول له يزيد بن المهلب: يا أمير المؤمنين! ليس هذه بفتوح ابن قتيبة عن فتح جرجان الذي قد أعيت الملوك من قبل وحالت بين الناس وبين خراسان (3). قال: فلما ولي يزيد بن المهلب خراسان لم تكن له همة إلا جرجان فسار إليها، حتى إذا تقارب منها وجد رائحة منتنة كريهة، فقال: ما هذه الرائحة؟ فقالوا: أيها الأمير! إن صول # PageV07P189 # التركي أغار هذه البلاد، فقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وهذه رائحة القتلى. قال فقال يزيد: قبح الله قتيبة! يترك هؤلاء وهم في بيضة الاسلام ويغزو فرغانة والصين، قال فقال رجل من بني تميم: أيها الأمير! إن قتيبة قد ms1225 كان أراد أن يغزو هذه الناحية غير أن الحجاج منعه من ذلك، فقال يزيد: وأين صول هذا التركي؟ # فقال: صول بجرجان وعساكره بدهستان (1). # قال: فسار يزيد إلى جرجان، وخرج صول من جرجان فصار إلى دهستان واجتمعت إليه الترك، فصار في قريب من مائتي ألف إنسان وسار إليه يزيد في عشرين ومائة ألف (2) من جند الشام وجند خراسان والعراق، ودنا الفريقان بعضهم من بعض، فاقتتلوا قتالا شديدا. قال: ونظر رجل من أهل العراق يقال له محمد بن أبي سبرة إلى رجل من الترك وهو يقاتل، فحمل عليه ليضربه بسيفه وبادره التركي بضربة على بيضته فقد البيضة، وذهب التركي ليجذب سيفه عن البيضة فلم يواتئه، وانخزل عليه محمد بن أبي سبرة فضربه ضربة فقتله، ثم أقبل نحو المسلمين وسيف التركي في بيضته كأحسن شيء نظر إليه. قال: وإذا بقبيلة عظيمة من الترك قد أقبلت وفيها زهاء أربعة آلاف شاكين في السلاح، فنظر إليهم يزيد بن المهلب، فلم يكذب أن حمل عليهم بنفسه وفي إخوته وبني عمه ومواليه (3)، فهزمهم حتى بلغ بهم إلى أبواب دهستان. # قال: فلما دام الحرب على أهل دهستان ورأوا أنه لا طاقة لهم بالمسلمين كاعوا عن الحرب فلم يحاربوا، فأرسل صول صاحب الترك إلى يزيد بن المهلب يسأله الصلح، فأجابه يزيد إلى ذلك. ووقع الصلح على ألف رأس من الرقيق وسبعمائة ألف درهم وعلى أن يطأ صول بساط يزيد بن المهلب. قال: فتم الصلح على ذلك (4)، وأخذ يزيد من القوم ما أخذ، فأخرج من ذلك كله الخمس فعزله، وقسم باقي ذلك في المسلمين، فأنشأ واثلة بن خليفة السدوسي يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # PageV07P190 # ما زال مذ كان أبو خالد * يزيد خرقا راغبا في السماح إلى آخرها. # قال: ثم سار يزيد حتى نزل على جرجان، فلم يحارب أهلها إلا ساعة من نهار حتى صالحوه، فوقع الصلح بينهم وبينه على ثلاثمائة ألف درهم ومائتي رأس رقيق، فأخذ منهم ما صالحهم عليه (1)، وولى عليهم أسد بن عبد الله الأزدي أو عبد الله ms1226 بن معمر اليشكري (2) في أربعة آلاف رجل وسار يريد طبرستان، فأنشأ فلان الحماني يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # إذا ما يزيد سار يوما بجيشه * إلى غاية منه أفادك مغنما إلى آخرها. ### | ذكر مسير يزيد بن المهلب # قال: وسار يزيد بن المهلب حتى دخل حدود طبرستان وملكها يومئذ الأصبهبذ جيل جيلان في جمع عظيم من الديلم وأصناف الكفار، فأمر يزيد بقطع الشجر وتسهيل الطرق وإصلاح المسالك، ثم وجه بأخيه مدرك بن المهلب في أربعة آلاف، ووقف يزيد في باقي الجيش. # قال: وبلغ الأصبهبذ مسير المسلمين إلى ما قبله، فأراد أن يهرب إلى الديلم، فقال ابنه: أيها الملك! بينا أنت ملك تهابك الناس ويتقونك وينظرون إليك بعين الجلالة إلى أن تصير مطلوبا تهرب من يزيد بن المهلب، وقد وقف له من ليس مثلك ولا فوقك؟ ولعل الديلم إن دخلت إليهم لا يوفون لك فتؤخذ أسيرا فتسلم إلى يزيد، قال: فأقام ولم يبرح، ثم استجاش بأهل جيلان فأجابوه بعشرة آلاف أو يزيدون. # قال: وبلغ ذلك يزيد بن المهلب فدعا بخداش بن المغيرة بن المهلب وأبي الجهم الكلبي فضم إليهما عشرين ألفا ووجه بهم إلى أصحابه معونة لهم (3). قال: # PageV07P191 # وسار إليهم سليمان الديلمي من قبل الأصبهبذ في جيش عظيم، فالتقى القوم واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل سليمان الديلمي، قتله ابن أبي سبرة الجعفي، وانهزم الكفار هزيمة قبيحة حتى اشتدوا في الجبل وأتبعهم المسلمون، قال: فسار الكفار إلى رؤوس الجبال فجعلوا يرمون المسلمين بالحجارة والنشاب. قال: ثم وقعت الهزيمة على المسلمين فانهزموا حتى صاروا إلى يزيد بن المهلب وقد قتل منهم جماعة. # قال: وأخذت عليهم المضايق والشعاب والطرق. # ثم كتب الأصبهبذ صاحب طبرستان إلى المرزبان صاحب جرجان بأنا قد قتلنا يزيد بن المهلب وأصحابه فاقتل أنت الان ومن يليك من العرب. قال: فعطف المرزبان وأصحابه على المسلمين بجرجان وهم أربعة آلاف فقتلوهم عن آخرهم (1) حتى ما أفلت منهم أحد وفيهم خمسون رجلا من بني عم يزيد بن المهلب. قال: # وبلغ ذلك يزيد بن المهلب. قال: وقد ms1227 أخذت عليه الطرق والمضايق، فعظم ذلك عليه وأسقط في يده. قال: فدعا بكاتب له يقال له عبد الله بن الحارث العجرمي وقد كان يزيد غضب عليه قبل ذلك بخراسان واستعفاه ووضع الجامعة (3) في عنقه ثم رضي عنه بعد ذلك، قال: فعزم يزيد على أن يوجه به إلى الأصبهبذ، فقال له: # أتوجهني إلى هذا الرجل وأثر الجامعة في عنقي! قال: فلم يرسله يزيد وضاق به الامر ولم يدر ما يصنع، ثم إنه دعا برجل يقال له حيان النبطي مولى مصقلة بن هبيرة الشيباني، وكان حيان هذا أصله من الديلم، وإنما قيل له نبطي لأنه كان ألكن لم يكن عنده عبارة ولكن كان له تدبير فدعاه يزيد بن المهلب وقال له: أبا الغمر (3)! # إني قد كنت أسأت إليك بخراسان وأغرمتك‌ وأخذت مالك، والآن قد احتجت إليك فلا يمنعك ما كان مني إليك من نصيحة المسلمين، إنه قد جاء من خبر جرجان ما قد علمت، وقد أخذ علينا هؤلاء الطرق كما ترى، فانظر لله وللمسلمين، قال فقال له حيان النبطي: أيها الأمير! إنه إن كان منك إلي ما كان فإني لم أترك النصيحة للمسلمين إن شاء الله. # PageV07P192 # قال: ثم ركب حيان وصار إلى الأصبهبذ، فأذن له ثم أدناه وأجلسه، فقال له حيان: أيها الأصبهبذ! إني وإن كنت على دين الاسلام فالأصل مني ومنك واحد، وأنا ناصح لك وقد كنت أصلحت بين العرب والترك ومن كان من وراء النهر، وأنصحهم فيقبلون نصحي فلا تقترن بما نلت من المسلمين من الهزيمة في وفيك هذا فإنك لا تطيق حرب أمير المؤمنين، وقد أرسل يزيد يستمد بالجيوش ولست آمن أن يأتيه من المدد ما لا تقوم له ومن الامر ما لا تطيقه، ويزيد بن المهلب في وقته هذا سريع إلى الصلح فإن قوي أمره لم يرض منك بالصلح، والرأي عندي أن تصالحه ينصرف عنك إلى جرجان فيكون حربه وسطوته عليهم لغدرهم وقتلهم لأصحابه. قال فقال له الأصبهبذ: ويحك يا حيان! إنه قد بلغني عن يزيد بن المهلب ms1228 إنه قد أساء إليك بخراسان واستصفى مالك والآن فإني أراك قد صرت له رسولا، فكيف هذا؟ # قال فقال له حيان: صدقت أيها الأصبهبذ قد كان منه إلى ما ذكرت وليس يمنعني ذلك من النصيحة لك وله، ومع ذلك فإن عجزت عن الصلح لما يريد أن يعطيه أعنتك بما تريد من المال، فلم يزل حيان كذلك حتى خدع الأصبهبذ، فاتفق الصلح بينه وبين يزيد بن المهلب على ألفي ألف درهم وأربعمائة وقر زعفران أو قيمة ذلك (1) وأربعمائة غلام على رأس كل غلام جام فضة وعلى كل جام طيلسان وشقة حرير وخاتم فضة أو ذهب، وعلى أن يدفع إليه خمسمائة رجل من الأتراك كانوا قتلوا ج ماعة من المسلمين ولجأوا إليه، وعلى أن يطلق له ثلاثمائة أسير قد كانوا في يده (2). قال: # فوقع الصلح على ذلك ولم يبرح حيان النبطي من عند الأصبهبذ حتى قبض ذلك كله وأتى به إلى يزيد بن المهلب. قال: ووصل الأصبهبذ حيان بثلاثمائة ألف درهم وخلى لهم الطريق. # قال: فانصرف يزيد عن بلاد طبرستان سالما غانما بعد الإياس من نفسه وأصحابه، فقدم أولئك الأتراك الذين وجه بهم الأصبهبذ فضرب أعناقهم عن آخرهم صبرا، وسار يريد جرجان ### | ذكر مسير يزيد إلى جرجان وما فعل بها وبأهلها # قال: فسار يزيد بن المهلب إلى جرجان حنقا عليهم لما كن من غدرهم # PageV07P193 # وقتلهم لأصحابه، وقد أعطى الله عهدا وميثاقا لئن ظفر بهم وظهر عليهم أن يبيرهم أو يدير الأرحية بدمائهم فيطحن ويخبز من الطحين ويأكل من ذلك الخبز. قال: وبلغ ذلك المرزبان فخرج عن جرجان هاربا حتى صار إلى قلعة (1) له في الجبل فتحصن بها، وهي قلعة بين غياض (2) ملتفة ليس لها إلا طريق واحد. قال: وعلم يزيد بن المهلب أن المرزبان قد خرج وصار إلى القلعة، فأقبل يزيد حتى نزل عليه وحاصره أربعة أشهر (3) لا يقدر منه على شيء وقاتلهم مرارا ونصب عليهم المجانيق (4) فلم يقدر من القلعة على حيلة. # فبينما يزيد بن المهلب على ذلك من شأنه وقد تطاول ms1229 نزوله على القلعة إذ خرج رجل من أصحابه من أهل طوس يقال له الهياج بن عبد الرحمن الأزدي إلى الصيد ومعه كلب، فنظر إلى ظبية أو وعل يتوقل في الجبل، فتبعه الأزدي في طريق على مثل شراك النعل وقد كان معه قوم من أهل العسكر، فقال لهم: قفوا مكانكم حتى أرجع إليكم فوقفوا له في موضع أشب كثير الشجر والشوك والوغل. قال: # والهياج بن عبد الرحمن يتبع الوعل ويتوقل في الجبل، فلم يزل كذلك حتى اطلع على القلعة من طريق خفي [و] وعر، فلما عاين ذلك انصرف راجعا، وخشي أن يشتبه عليه الطريق، فجعل يخرق (5) ما عليه من الثياب ويجعله على الشجر علامات، ولم يزل كذلك حتى انتهى إلى العسكر، ثم أقبل إلى عامر بن أينم (6) الواشجي صاحب شرطة يزيد بن المهلب، فذهب ليدخل إليه فمنعوه من الدخول، فصاح وقال: عندي نصيحة، فدعا به عامر بن أينم (7)، ثم قال: هات ما عندك من النصيحة، فقال: تحب أن تدخل هذه القلعة بلا قتال؟ قال: نعم، قال: فأدخلني على الأمير، فجاء به حتى أدخله على يزيد، فقال: أيها الأمير! ما لي عندك إن أخذت لك هذه القلعة بلا قتال؟ قال: لك عندي عشرة آلاف دينار، قال: فعجل # PageV07P194 # لي منها بأربعة آلاف درهم! قال: فأمر له يزيد بأربعة آلاف درهم، وضم إليه من الرجال ما أحب (1)، ثم دعا بابنه خالد فجعله معه وقال: انظر لا أراك منهزما. # قال: فسار القوم والهياج بن عبد الرحمن الأزدي بين أيديهم وذلك في جوف الليل (2)، وقد أضرمت النيران حول العسكر حتى صارت النيران كأمثال الجبال، قال: ونظر أهل القلعة إلى تلك النيران فهالهم ذلك، ثم خرجوا من باب القلعة يريدون حرب المسلمين كعادتهم وهم آمنون من ذلك الوجه الذي قد قصده المسلمون. قال: وأشرف المسلمون عليهم وعلى القلعة ونظروا إلى ما فيها، فكبروا واقتحموا. قال: فلم يشعر العدو إلا والمسلمون من ورائهم في القلعة فأعطوا بأيديهم، وفتحوا القلعة عنوة وأخذ المرزبان، وأخذت القلعة وجميع ما فيها من ms1230 الرجال والنساء والذرية والأموال، ولم يبرح خالد بن يزيد من موضعه ذلك حتى أصبح، ثم أقبل إلى أهله بأهل القلعة مع نسائهم وأموالهم وأولادهم وكثيرهم وقليلهم. فأمر يزيد بن المهلب بالمرزبان فضربت عنقه صبرا وأعناق أصحابه، واحتوى على أموالهم ونسائهم وأولادهم، ثم أمر بهدم حيطان القلعة، وأقبل حتى نزل على جرجان في موضع فوضع عليها المجانيق ورماها بالنيران والنفط، فلم يزل كذلك حتى فتحها عنوة بالسيف. ثم أمر بقتل القوم (3)، فلم يزل يقتل ويجتهد إلى أن جرت الأرحية، فلم يجر الدم فأجرى معه الماء، فدارت الأرحية بالماء والدم، فطحن واختبز له من ذلك الطحين خبزا فأكل وبر قسمه (4)، فأنشأ بعض بني عمه يقول في ذلك: # فتح الله للأمير يزيد * ذي المعالي والفضل والاحسان بلد الترك والأعاجم طرا * من قرى مروها إلى جرجان كمن القوم بالسلاح عليهم * كل قوم من القروم هجان ولقد وجه الجنود إليهم * واثقا بالمهيمن الحنان # PageV07P195 # فحباه الاله بالنصر لما * أن رماهم بالنفط والنيران ثم أمر يزيد بقتلى جرجان وقتلى القلعة فنصب لهم الخشب من باب جرجان إلى فرسخين منها فصلبهم عليها ميمنة وميسرة على طريق طبرستان، ثم جمع الأموال فأخرج منها الخمس وقسم باقي ذلك في المسلمين فأغناهم بغنائم لم يروا مثلها، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (1) يقول أبياتا مطلعها: # يهب الحصون بأهلها لصديقه * وجياد كل مقلص سباح إلى آخرها. ### | ذكر كتاب يزيد بن المهلب إلى سليمان بن عبد الملك بن مروان # قال (2): ثم كتب يزيد بن المهلب إلى سليمان بن عبد الملك: أما بعد، يا أمير المؤمنين! فإن الله عز وجل قد فتح الله فتوحا لم يفتحها على خليفة من خلفاء المسلمين من قبلك من أهل خراسان إلى جرجان ودهستان وطبرستان، وقد أعيى ذلك الفاروق وعثمان ومن بعدهما من الخلفاء، حتى فتح الله ذلك كرامة لأمير المؤمنين وزيادة في نعم الله عليه، وقد صار في يدي مما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة عشرون ألفا ألف درهم ms1231 (3)، وأنا باعث بهذه الأموال التي أفاء الله بها إلى أمير المؤمنين إن شاء الله - والسلام -. # قال فقال له كاتبه المغيرة بن أبي قرة (4) مولى بني سدوس: أصلح الله الأمير! # لا يتقدم هذا الكتاب إلى أمير المؤمنين، فإنك لا تدري ما يكون من الحدثان من اليوم إلى الغد ولكن احبس هذا الكتاب يكون عندك، واكتب إلى أمير المؤمنين بالفتح وسله أن يأذن لك بالشخوص إليه، تلقاه وتشافهه بما يريد، فذلك الرأي، فأبى يزيد ذلك ووجه بالكتاب. فلما قرأ سليمان بن عبد الملك بن مروان ذلك سره سرورا شديدا (5). # PageV07P196 # قال: وجعل يزيد يضم الأموال بعضها إلى بعض ويمد يده إلى أموال خراسان حتى أخذ منهم أموالا جليلة ظلما وعدوانا. قال: وكتب قوم من أهل خراسان إلى سليمان بن عبد الملك بأن يزيد بن المهلب يريد أن يتغلب على خراسان وأنه قد عزم على الخلع والعصيان كما فعل قتيبة بن مسلم، فلما قرأ سليمان بن عبد الملك كتاب أهل خراسان اغتم لذلك وضاق صدره وتحير في أمره ولم يدر ما يصنع، ثم استشار خاصته وأهل بيته ووزراءه، فقال له بعض وزرائه: يا أمير المؤمنين! إن الأموال التي قد صارت إلى يزيد بن المهلب ليست بقليلة، ومن صارت إليه مثل هذه الأموال أمكنه أن يتغلب على البلاد، والرأي في ذلك أن يوجه أمير المؤمنين إلى يزيد بن المهلب برجل من أهل بيته أو بعض إخوته حتى يأخذ ما عنده من الأموال، فإذا فعل به ذلك يكون قد قص جناحه، فإن رام العصيان لم يقدر على ذلك. قال فقال سليمان بن عبد الملك: هذا هو الرأي بعينه. ### | ذكر رجوع مسلمة بن عبد الملك إلى دار الاسلام بعد أربع عشرة سنة (1) # قال: ثم كتب سليمان إلى أخيه مسلمة بن عبد الملك، ومسلمة يومئذ بأرض الروم على باب القسطنطينية نازل في مدينة القهر التي قد ذكرناها قبل ذلك. قال: # فكتب إليه سليمان بن عبد الملك كتابا لطيفا يعزيه في أبيه عبد الملك وفي أخيه الوليد، وخبره في ms1232 كتابه بأمر يزيد بن المهلب، وأمره في كتابه بالانصراف إلى ما قبله ليوجه به إلى خراسان. # فلما ورد الكتاب على مسلمة لم يجد بدا من الانصراف إلى أرض الشام، ثم نادى في الناس أن اركبوا فإني قد عزمت على مناجزة أهل قسطنطينية، قال: فركب الناس وزحفوا نحوها. قال: وعلمت الروم بذلك فخرجوا إلى مسلمة في تعبية لم يخرجوا إليه في مثلها قبل ذلك اليوم، ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا، فقتل من الفريقين جماعة وولت الروم الادبار والسيف يعمل في أقفيتهم حتى دخلوا مدينتهم، واحتوى المسلمون على ما قدروا عليه من غنائمهم ورجعوا إلى مدينتهم القهر. # فلما كان من الغد إذا بكتاب ‌إليون ملك الروم وقد ورد على مسلمة: أما بعد أيها الأمير! فقد طال هذا الامر بيننا جدا ولم أظن أن أمرنا يكون هذا، والآن فإني قد # PageV07P197 # عزمت على مصالحتك على أنك ترحل عن هذه الجزيرة وترجع إلى المسيحية (1) وتقيم بها، ونؤدي إليك في كل سنة ألف ألف‌ درهم وألف أوقية من ذهب وخمسة آلاف رأس من البقر والغنم وألف رمكة بفحولها سوى ما يتبع ذلك من أنواع البزيون (2) والديباج والسقلاطون (3) وأشباه ذلك، وتسالمني وأسالمك إلى أن ترى رأيك في ذلك - والسلام -. # قال: فكتب إليه مسلم: أما بعد فقد ورد علي كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من الصلح على أنك تعطيني ما سميت وأرحل عنك إلى المسيحية، غير أني قد آليت يمينا لا كفارة لها أني لا أرحل عن هذه الجزيرة أبدا دون أن أدخل مدينتك هذه، فإذا دخلتها نظرت بعد ذلك فيما ذكرت، وإن أنا لم أدخلها صبرت عليك أبدا حتى يفتح الله على يدي، فإن وصلت إلى ذلك فذاك الذي أريد، وإن تكن الأخرى وقتلت أو مت شهيدا مجاهدا كان المصير إلى ثواب الله عز وجل الذي وعده عباده المجاهدين في سبيله - والسلام -. # قال: فمضى الرسول بالكتاب، ونادى مسلمة في الناس فركبوا، فزحف بهم إلى باب قسطنطينية، وبلغ ذلك إليون ملك الروم، فأقبل معه أشراف أهل مملكته ms1233 وبطارقتهم حتى أشرف على المسلمين، ثم قال: أيها الناس! إن أميركم مسلمة؟ # فإني أريد كلامه مشافهة، قال: فدنا مسلمة حتى وقف حذاءه ثم قال: أنا مسلمة! # فما الذي تريد؟ قال: بلغني ما كان من يمينك التي حلفت بها أنك لا تقلع حتى تدخل مدينتي هذه، وقد رضيت ورضيت الروم أيضا بذلك على أنك لا تدخلها إلا وحدك، لا يكون معك ثان ولك الأمان حتى تخرج، قال مسلمة أيضا: رضيت بذلك أن أدخل وحدي على شرط أنك لا تغلق الباب وعلى أن يقف البطال بن عمرو على باب المدينة في جميع أصحابي، فإن كان منكم إلي غدر اقتحم البطال مدينتكم فقتل المقاتلة وسبى النساء والذرية وأخذ الأموال، قال إليون: قد رضينا بذلك. # قال: ثم أمر إليون بالباب الأعظم ففتح، ثم أمر بصف الخيل والرجالة من باب المدينة إلى باب الكنيسة العظمى بالرايات والاعلام، وترتبت البطارقة بأحسن ما # PageV07P198 # يقدرون عليه من الزينة [و] وقفوا سماطين على طريق مسلمة، ثم أذن إليون بالدخول إلى المدينة. فأقبل مسلمة على البطال بن عمرو فقال: إني داخل هذه المدينة وقد علمت أنها دار النصرانية (1) وقصبتها وعزها وما أريد بدخولي إليها إلا عز الاسلام وإذلال الكفر، ولست أدري ما يكون من الحدثان، فانظر إذا صليتم العصر ولم أخرج فاقتحموا المدينة بخيلكم ورجلكم فاقتلوا وأحرقوا، والأمير من بعدي عمي محمد بن مروان، فاسمعوا له وأطيعوا. قال: ثم كبر مسلمة تكبيرة عالية ودخل قسطنطينية وحده وعليه درع وبيضة ومن فوق الدرع عمامة بيضاء، وقد تقلد سيفين وفي يده رمح وفي رأسه عذبة بيضاء. قال: ورمقته الروم بأبصارها من كل ناحية متعجبين من شجاعته وإقدامه وشدة قلبه. قال: ومسلمة يسير في المدينة فلا ينظر إلى أحد حتى صار إلى باب قصر إليون ملك الروم، [فلما نظره إليون] وثب قائما وقد كان قاعدا على باب قصره، فقام إلى مسلمة فقبل يده، ثم سار معه راجلا حتى صار مسلمة إلى باب‌ الكنيسة ثم دخل الكنيسة راكبا، واشتد ذلك على الروم وجزعوا لذلك ms1234 جزعا شديدا، وهموا بمسلمة، فمنعهم من ذلك إليون. قال: ونظر مسلمة إلى صليبهم الأعظم، والصليب من الذهب المرصع بالجوهر، وقد نصب على كرسي من ذهب. قال: فدنا مسلمة من الصليب فاحتمله عن الكرسي ووضعه بين يديه، فقال له إليون: أيها الأمير! إن الروم لا ترضى بهذا وأخاف عليك منهم الشغب، فرد الصليب إلى موضعه ولك قيمته! قال: فحلف مسلمة أن لا يخرج إلا والصليب معه، قال: وضجت الروم لذلك، فقال لهم إليون: كفوا إياكم الرجل، ذروه يأخذه ولكم علي مثله، فإني أخاف عليكم البطال بن عمرو أن يقتحم عليكم فيقتل رجالكم ويسبي نساءكم وذريتكم وأموالكم ويحرق مدينتكم، قال: فسكت القوم، وخرج مسلمة من الكنيسة والصليب معه وإليون ملك الروم يسايره، حتى إذا توسط مسلمة المدينة رفع الصليب منكسا على رأس رمحه والقوم سكوت ما فيهم أحد ينطق بشيء خوفا من البطال بن عمرو أن يهجم عليهم فيمن معه من المسلمين. # قال: وخرج مسلمة من المدينة في وقت العصر والصليب على رأس رمحه وقد هم البطال بن عمرو وأصحابه أن يقتحموا المدينة في ذلك الوقت، فلما نظروا إلى مسلمة كبروا بأجمعهم تكبيرة واحدة. قال: وسار مسلمة حتى دخل مدينة القهر. # فلما كان من الغد كتب مسلمة إلى إليون ملك الروم: أما بعد، فإن الله قد # PageV07P199 # أظفرني بك وأعلاني عليك، وجعل جدك الأسفل، فله الحمد على إعزاز أوليائه وإذلال أعدائه، وقد عزمت على الرحيل عن بلدك إلى بلاد الشام، فابعث إلي ما صالحتني عليه فإني راحل عن قريب إن شاء الله. قال: فكتب إليه إليون: للأمير مسلمة بن عبد الملك من إليون ملك الروم، أما بعد، فقد بعثت إليك عشرين ألف ألف درهم وخمسة آلاف رأس من البقر والغنم وخمسة آلاف أوقية من الذهب وألف رمكة بفحولها، وبتاج من الذهب مرصع بالجوهر لك خاصة دون أصحابك، وأنا أسألك أيها الأمير أن تفي بما ضمنت وترحل عن هذه الجزيرة وتقيم حيث شئت من أرض الروم - والسلام - (1). قال: فلما أتاه الكتاب وورد عليه تلك ms1235 الأموال وذلك التاج، عمد مسلمة إلى ذلك التاج فباعه في العسكر وضمه إلى تلك الأموال، وأخرج من ذلك كله الخمس، وقسم باقي ذلك في المسلمين. # ثم أمر مناديه، فنادى في الناس فجمعهم وخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! أعلمكم أني في غمرات وغموم منذ بضع عشرة (2) سنة، ولم أخبركم بشيء من ذلك مخافة أن تفشلوا عن قتال عدوكم ولعله قد بلغكم بعض ذلك، أعلمكم أني لما عبرت هذه الجزيرة وأمرتكم ببناء هذه المدينة ورد علي الخبر بموت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فكتمتكم ذلك مخافة العدو، ثم ولى الناس أخي الوليد بن عبد الملك، فأقام في ملكه تسع سنين وثمانية أشهر وأياما، # PageV07P200 # فكان يكتب إلي وأكتب إليه، ولعله قد بلغكم وقد توفي الوليد وقام بالامر من بعده أخي سليمان بن عبد الملك منذ ثلاثة (1) وعشرين شهرا، وهذا كتابه يأمرني بالقدوم عليه لامر قد دهمه من بلاد خراسان من قبل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وأنا راحل إلى ما قبله إن شاء الله ولا قوة إلا بالله، فأحببت إعلامكم بذلك. قال: فبكى الناس ثم قالوا: هلم أيها الأمير حتى نبايعك، فأنت أحق بهذا الامر، فقال مسلمة: مهلا عافاكم الله! فإني رجل قد بلغ الناس عني ما قد فعلت بأرض العدو طول هذه المدة، ولا أحب أن أشق العصا وأخرج على رجل قد بايعه الناس طائعين غير مكرهين، وأنا قد بايعت أخي سليمان فبايعوه رحمكم الله! قال: فبايع الناس سليمان بن عبد الملك. # ونادى مسلمة في الناس بالرحيل، فرحلوا إلى بلاد الشام، ثم قدمت المراكب لعبور خليج البحر، ثم كتب إلى إليون ملك الروم: من مسلمة بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى إليون صاحب الروم، أما بعد فإني قد أحببت أن أحسن إليك لأني رأيتك محبا للعاقبة وأنا راحل عنك، وقد تركت عندك مسجدي الأعظم وهو وديعتي فانظر لا تقلعن منه حجرا، لا تنقصن من سقفه خشبة، ولا تكسرن منه عودا واحدا فما سواه، وإياك أن تعبر ms1236 هذا الخليج في طلبي أو تطلب أثري إذا أنا عبرت من جزيرتك هذه، فإنك أن تعديت ما أمرتك به رجعت إليك ثم لا أقلع عنك أبدا أو يهلكك الله على يدي، فاقبل من ذلك ما شئت أو دع - والسلام على عباد الله الصالحين -. قال: فكتب إليه إليون: للأمير مسلمة بن عبد الملك من عبده إليون صاحب الروم، أما بعد، فقد فهمت كتابك وجميع ما ذكرت، وأنا لك أيها الأمير على السمع والطاعة، لا أخرج عن الطاعة ولا أتعدى عن أمرك، وأما مسجدك أيها الأمير فإني أحلف لك بالنصرانية والإنجيل والمعمودية أني آمر بسد بابه، فلا يقلع منه حجر ولا يكر منه عود ولا يدخله أحد من الروم أبدا ما دمت حيا، وقد وجهت لك أيها الأمير بمائة رمكة يتبعها مائة قلو وخمسمائة ثوب بزيون وسقلاطون (2) هدية مني. # لك خاصة دون أصحابك - والسلام -. قال: فلما ورد الكتاب على مسلمة بن عبد الملك والهدايا عمد إليها فوزعها في المسلمين ولم يفضل نفسه عليهم بقليل ولا كثير. # PageV07P201 # ثم دعا البطال بن عمرو فقال له: مر الناس بالعبور، قال: فنادى البطال بن عمرو في الناس بالرحيل، فرحل الناس وقعدوا في المراكب وساروا في خليج البحر، وتخلف مسلمة في ثلاثمائة فارس من نجباء عسكره حتى إذا علم أن المراكب في لجج البحر أقبل إلى باب المدينة، ثم وقف عليه وأرسل إلى إليون ملك الروم فدعاه، فأقبل إليون مسرعا إلى مسلمة، فلما نظر إليه نزل عن دابته ثم دنا فقبل يده فقال: أيها الأمير! ائذن لي في تشييعك، فأبى عليه مسلمة وأمره بالرجوع، فرجع إليون إلى مدينته، ومضى مسلمة في هؤلاء الثلاثمائة حتى صار إلى الخليج، فركب في مركب أعد له، فعبر وعبر من كان معه حتى لحق بأصحابه. قال: وأقام مسلمة على شاطئ الخليج ستة أيام، ثم رحل ورحل الناس عنها. قال: وأمر إليون بخراب مدينة القهر فخربت عن آخرها إلا مسجدها فإنه لم يمس. # قال: وسار مسلمة في المسلمين حتى صار إلى المسيحية (1)، فلما ms1237 نزلها وقع الوباء في المسلمين، فمات منهم خلق كثير من الرجال والنساء والصبيان. قال: # وهم أهل المسيحية بالوثوب على المسلمين لما رأوا من ضعفهم، قال: وبلغ ذلك مسلمة فنادى في أصحابه أن ضعوا فيهم السيف، فقتل جماعة من أهل المسيحية ثم أمر بخرابها، فخربت عن آخرها ووضع سورها بالأرض. قال: ثم سار مسلمة إلى النقفورية (2) فنزلها وأدركه الشتاء، فأقام بها ستة أشهر. # وتوفي سليمان بن عبد الملك، وكان ملكه سنتين وثمانية أشهر (3)، وتوفي بموضع يقال له مرج دابق في يوم الجمعة لثلاث ليال بقين من المحرم سنة تسع وتسعين (4)، وهو يومئذ ابن خمس وأربعين سنة (5)، وصار الامر إلى عمر بن العزيز. ### | خلافة عمر بن عبد العزيز (6) # قال: وكان يزيد بن المهلب يومئذ مقيما بجرجان، فلما بلغه موت سليمان # PageV07P202 # كأنه اغتم لذلك وجعل يقول لمن حضره من أصحابه: إن معاوية بن أبي سفيان إنما كان له ولد واحد فملك الخلافة هو وابنه بضعا وعشرين سنة، وسليمان بن عبد الملك له سبع سنين، فمتى يخرج هذا الملك منهم! لا يخرج إلى يوم القيامة! # ولنبايعن الأطفال من ولد سليمان. قال: وظن يزيد بن المهلب أنه سيملك الخلافة من بعد سليمان ابنه أيوب، قال: وإنه لكذلك إذ بلغه أن أيوب بن سليمان قد مات، فعجب لذلك ثم نادى في أصحابه بالرحيل إلى نيسابور، فسار بين يديه راجزا له وهو يقول: # إن كان أيوب مضى لشأنه * فإن داود لفي (1) مكانه يقيم ما قد زال من سلطانه * كذا يكون الملك في أوانه قال: ثم أقبل يزيد بن المهلب إلى نيسابور فنزلها، وكتب إلى عماله فقدموا عليه من أطراف خراسان، وقدم عليه أخوه مدرك بن المهلب من بلخ ومعه هدايا كثيرة، وقدم ابنه مخلد بن يزيد من طخارستان ومعه مائة دابة من دواب طخارستان. # قال: واتصل به الخبر أن الامر قد صار إلى عمر بن عبد العزيز، فجلس بنيسابور متمسكا بما في يديه. # قال: ومسلمة بن عبد الملك يومئذ مقيم بالنقفورية من بلاد الروم، فلم يشعر إلا ms1238 وكتاب عمر بن عبد العزيز قد ورد عليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة بن عبد الملك، أما بعد! فأعظم الله لك الاجر في أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، وبارك له فيما صار إليه! فإن أهل الشام قد بايعوني طائعين غير مكرهين على أني أعدل في الرعية وأقسم الفيء بالسوية، وأنا أسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى، فإذا ورد عليك كتابي هذا فاسمع وأطع توفق وترشد، وعجل بالقدوم علي، وإياك والخلاف والشقاق فتفسد ما أصلحت وتنقض ما أبرمت! وادخل في الطاعة وكن مع الجماعة، واقدم إلي بجميع ما معك من المسلمين - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته - (2). # قال: فلما ورد كتاب عمر بن عبد العزيز على مسلمة بن عبد الملك دعا بوجوه # PageV07P203 # أصحابه ثم استشارهم في المسير إلى عمر بن عبد العزيز، فقالوا: أيها الأمير! نشير عليك بأن لا تخالف، وأن تكون مع الجماعة، فإنك بحمد الله ممن يحتاج إليه ويرغب فيما عنده لما قد أعطاك الله من العلم والحلم والشدة والشجاعة والنجدة والشرف في أهل بيتك ونكايتك في العدو، ولا تفسدن هذه الخصال بالخلاف والشقاق، فيكون آخر أمرك إلى الدمار والشنآن والتبار، فقال مسلمة: لعمري لقد أحسنتم المشورة، وقد ولي هذا الرجل وهو أهل لما هو به لدينه وورعه وزهده وعبادته ونسكه وشرفه في قومه، وأنا سائر إليه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # قال: فعندها نادى مسلمة في الناس وسار حتى صار إلى عمورية، فأقام بها أياما حتى عزل عماله عن جميع بلاد الروم. ثم سار من عمورية يقطع البلاد حتى صار إلى طرطوس. ثم رحل عنها إلى دمشق في ثلاثين ألفا من الناس، وقد كان دخل إلى بلاد الروم في ثمانين ألفا. قال: ولم يدخل دمشق إلا بأمر عمر بن العزيز، فأقبل بجيشه حتى وقف بباب عمر بن عبد العزيز ثم استأذن، فلم يأذن له فانصرف إلى منزله، فلما كان من الغد ركب إليه في عشرة آلاف ms1239 فارس، فلم يأذن له فانصرف إلى منزله، ثم ركب إليه من الغد فلم يأذن له، فركب إليه من الغد وحده وخلفه غلام له فاستأذن [فأذن] له، فلما دخل عليه وسلم فرد عليه عمر السلام، وأذن له بالجلوس فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين! أحب أن تخبرني ما ذنبي، إن كنت أذنبت ذنبا فقد أذنب غيري، وإن كنت أخطأت فالخطأ يكون من بني آدم، والكمال لا يكون إلا لله عز وجل. فقال له عمر بن عبد العزيز: يا مسلمة! إنك ضربت بالناس برا وبحرا، وسهلا وجبلا، وقتلت الناس ‌وبلغت موضعا لم تؤمر به، وأردت أن يقال: غزا مسلمة وفعل مسلمة وفتح مسلمة وأغار مسلمة! فطلبت بذلك الاسم والذكر، فالويل لمن عمل في هذه الدنيا رياء للناس! وقد قيل إنك فعلت وصنعت، فإن كنت فعلت ما فعلته لله تبارك ‌وتعالى لا تريد به الحمد والذكر من الناس فطوباك! وإن فعلت ما فعلت رياء للناس فقد صار عملك هباء منثورا، وبعد فغفر الله لنا ولك أبا سعيد وتجاوز عنا وعنك! فإنه متجاوز كريم. ثم قال: حدثني عن القسطنطينية وعن بنيانها، فقال مسلمة: نعم يا أمير المؤمنين! أما بناؤها فقد كنت أراه بالحجارة والجص خلا كنيستها العظمى وقصر ملكها إليون، فإنهما جميعا من الرخام الأبيض، وأما سورها فلها سبعة أسوار مختلفات الأبواب، ومع ذلك فإنها PageV07P204 # أكثر بلاد الله خيرا، وليس لها من خليج البحر إلا طريق واحد - فهذه صفتها يا أمير المؤمنين! قال: ثم قام مسلمة وانصرف إلى منزله، ودعا عمر بن عبد العزيز برجل يقال له سراقة بن عبد الرحمن التميمي فعقد له عقدا وولاه الثغر، وأمره أن لا يجاوز طرطوس إلى غيرها. # قال: وجعل مسلمة يغدو في كل يوم إلى عمر بن عبد العزيز مسلما عليه وينصرف إلى منزله. قال: وبلغ عمر أن مسلمة كل يوم يمضي ينفق على مائدته ألف درهم، فأرسل إليه عمر وسأله أن يتغدى عنده، فأجابه مسلمة إلى ذلك. قال: فأمر عمر طباخه بأطعمة كثيرة وباتخاذ العدس والبصل ms1240 والزيت - وهذا كان أكثر طعامه، ثم إنه أوصى طباخه فقال: إذا جاء مسلمة وقدمت المائدة فابدأ بالعدس، ثم قدم ما بدا لك! قال: وحضر مسلمة بن عبد الملك من غد للطعام، فلم يزل عمر يحدثه ويسأله أخبار الروم حتى انتصف‌ النهار، وجاع مسلمة جوعا شديدا، فقال عمر لطباخه: قدم المائدة فقد جاع أبو سعيد جوعا شديدا! فقدم المائدة، وابتدأ بالعدس والبصل والزيت كما أمره عمر. قال: فأكل مسلمة من ذلك العدس حتى شبع، ثم قدمت الألوان بعد ذلك فلم يأكل مسلمة منها شيئا، فقال له عمر: كل أبا سعيد! ما بالك قد رفعت يدك؟ فقال: قد شبعت يا أمير المؤمنين! فقال عمر: يا سبحان الله! فأنت تشبع من عدس، لعله إنما يقوم علينا بدرهم واحد، وينفق على مائدتك كل يوم ألف درهم، اتق الله أبا سعيد ولا تكن من المسرفين، واجعل نفقة مائدتك في بطون جائعة، فإنه أقرب لك إلى الله عز وجل، فقال مسلمة: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين ولا أعصي لك أمرا، وانصرف مسلمة إلى منزله. ### | ذكر كتاب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن المهلب # بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين إلى يزيد بن المهلب (1)، أما بعد يا يزيد فإن سليمان بن عبد الملك كان عبدا من عباد الله أنعم عليه ثم قبضه إليه، وقد كان استخلفني واستخلف أخاه يزيد من بعدي، وإن # PageV07P205 # الذي ولاني الله تبارك وتعالى من ذلك وقلدني (1) ليس بهين علي، ولو كانت رغبتي في اتخاذ أزواج واعتقاد (2) أموال كان الله تبارك وتعالى قد أعطاني من ذلك وبلغ بي أفضل ما بلغه بأحد من خلقه، وإني لخائف فيما ابتليت به من أمر هذه الأمة حسابا شديدا وسؤالا حفيا (3)، وقد بايعني الناس أجمعون، فبايع رحمك الله ومر من قبلك بالبيعة - والسلام -. قال فقرأ يزيد بن المهلب كتاب عمر بن عبد العزيز ثم ألقاه إلى بعض إخوانه فقرأه (4). # ثم دعا بابنه مخلد فاستخلفه على خراسان وخرج يزيد بن المهلب ms1241 يريد العراق ومعه وجوه خراسان. وخرج حتى صار إلى الري [و] وجه بجميع ما كان معه من الأموال إلى البصرة. ثم خرج من بعد ذلك يريد البصرة وإذا عدي بن أرطأة الفزاري قد أقبل في طلب يزيد بن المهلب، حتى إذا صار إلى العراق فنزل بواسط دعا برجل يقال له موسى بن الوجيه الحميري، فوجه به في طلب يزيد إلى البصرة وكتب إليه: # أما بعد يا يزيد فإن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز قد ولاني العراقين جميعا البصرة والكوفة. وما والاهما من البلاد، فإن كنت في السمع والطاعة فأقبل إلي راجعا - والسلام -. قال: فأخذ موسى بن الوجيه الكتاب ثم أقبل وقعد في طيار، وسار في الدجلة سيرا حثيثا حتى لحق بيزيد بن المهلب بموضع يقال له نهر معقل قبل أن يدخل البصرة فدفع إليه الكتاب، فلما قرأ يزيد الكتاب كتاب عدي بن أرطأة قال: # سمع وطاعة لأمير المؤمنين وعامله. ثم رجع مع موسى بن الوجيه إلى واسط (5). # فلما دخل يزيد بن المهلب على عدي بن أرطأة سلم عليه وهنأه بولاية العراق، فرد عليه عدي بن أرطأة السلام وأمره بالجلوس، فقال له عدي: أبا خالد! إن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أمرني أن أقبض منك الأموال التي جبيتها من بلاد خراسان وجرجان وطبرستان، فقال يزيد: أيها الأمير! إنه كان ذلك، غير أني فرقته في أجناد خراسان وقويتهم به في جهاد عدوهم ولم أدخر من تلك الأموال شيئا، قال فقال له عدي بن أرطأة: دع هذا يا بن المهلب وأخرج من هذه الأموال، وإلا # PageV07P206 # حملتك إلى أمير المؤمنين فيرى فيك برأيه، قال فقال له يزيد: أيها الأمير! إذا شئت ذلك فافعل، فإني ما أكره المسير إلى أمير المؤمنين. قال: فأمر به عدي بن أرطأة فحبس عنده بواسط لكي يحمله إلى عمر بن عبد العزيز. قال: وقدم وجوه أهل خراسان وساداتهم يتظلمون من يزيد بن المهلب حتى صاروا إلى واسط ودخلوا على عدي بن أرطأة. ### | ذكر القوم المتظلمين من يزيد بن ms1242 المهلب وما كان من كلامهم بين يدي عدي بن أرطأة وما كان من رده عليهم بجواب لم يسمع بمثله # قال: فأول من تقدم وكيع بن أبي سود التميمي فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته! قدمت أيها الأمير خير مقدم للفضل والمغنم وجزيل القسم وفوائد النعم، فأنت أيها الأمير من كان إليه هوانا وغايتنا ورغبتنا ومنتهانا، فالحمد لله الذي أرانا هذا اليوم وأراحنا من إمارة هؤلاء القوم، فإذا جاء الحق زهق الباطل، وجاءنا الله بالأمير الفاصل، أيها الأمير أصلحك الله! أعذنا من هذا العماني يزيد بن المهلب، الذي انتهك المحارم واستحل العظائم، يأخذ هذه الأموال من غير حلها، ويضعها في غير موضعها وحقها - والسلام - (1). # قال: ثم تقدم هريم بن أبي طحمة (2) التميمي فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، أيها الأمير! أتم الله عليك النعمة، وهنأك الكرامة، وختم لك بالسعادة والسلامة والنجاة من أهوال يوم القيامة، فإن الأمير أسعده الله أبعد العرب همة، وأوفاها ذمة، إن حكم عدل، وإن قال فعل، ولي حقوق يجب على الأمير حفظها، وقد كانت من يزيد بن المهلب إلينا سيرة استحل بها حرمنا واستطال بها علينا، فأنصفنا منه أيها الأمير وأعدنا عليه، وإلا ركبت فيه إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - والسلام -. # ثم تقدم عمر بن يزيد فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته! # أسأل الله للأمير أتم النعماء وأحسن البلاء وأفضل العطاء، فإن الأمير أيده الله تعالى # PageV07P207 # غياث المظلوم وفراج الهموم، وقد فزعنا إليه في أمور ملمة مقطعة مهمة آتاها إلينا يزيد بن المهلب واجتر بها لدينا، لم يفعل ذلك بعز عشيرته ولا بشرف إمرته، ولكن بقسوة قلبه وجرأته على ربه، وبسلطان أمير المؤمنين الماضي سليمان بن عبد الملك، فأنصفنا منه أيها الأمير وأعدنا عليه، وإلا ركبت فيه إلى أمير المؤمنين عمر. # قال: ثم تقدم محمد بن مسلم الباهلي، فلما سلم هم أن يتكلم، فقال له عدي بن أرطأة: يا هذا أربع قليلا فإنكم قد تكلمتم فأكثرتم، فإن شئتم جمعت ms1243 بينكم وبين صاحبكم حتى تسمعوا منه، فإن أحببتم أن يكون ذلك في خلوة، وإن أحببتم أن يكون ذلك علانية على رؤوس الاشهاد. قال: فأرسل عدي بن أرطأة إلى يزيد بن المهلب فدعا به من محبسه، فلما دخل وسلم أمره عدي بن أرطأة بالجلوس فجلس، ثم أقبل على القوم فقال: هذا صاحبكم الذي ذكرتموه وطلبتموه، فكلموه الان بما تريدون. ### | وهذا كلامهم ليزيد بن المهلب على رؤوس الاشهاد. # قال: فتكلم وكيع بن أبي سود فقال: الحمد لله الذي أذلك، وأوهن أمرك، وصغر قدرك، وقصر يدك، فنطقت فيك غ ير مقمع ولا مبكت، فالآن توعر ما استسهلت وتجازى بما استحللت، وتكافأ بما فعلت، فإنما فتحت خراسان فتح الخونة وقد كانت قبل ذلك مكنونة، ثم تشكو نعماي إليك، ولأحسن بلائي لديك، فاردد علي يا عدو نفسه ما لم تكسبه أنت ولا آباؤك من قبلك! وإلا ركبت فيك إلى أمير المؤمنين عمر - والسلام -. # قال: ثم تكلم هريم بن أبي طحمة (1) فقال: يا بن المهلب! الان حملت على ذنبك وقلة خوفك من ربك إذا زالت عنك إمارتك، وأوبقك جريرتك، وودعك سلطانك، وخذلك أعوانك، وأخذت بذنوبك، ورميت بعيوبك يا بن الرحمة شرة حرة وأمة، فاردد الان ما أخذت من أموالنا بغير حقها، وإلا ركبت فيك إلى أمير المؤمنين عمر. # ثم تكلم عمر بن يزيد فقال: يا بن المهلب! أخذت أموالنا وانتهكت محارمنا # PageV07P208 # وقد أقام الله عز وجل إماما عادلا، لا تأخذه في الله لومة لائم، والله يا عدو نفسه أن لولا حق الله تبارك وتعالى وسلطان أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك لما كنت أنت وقومك بالذين يغلبوننا ولا ينثروننا، فإن كنت ابتلعتها حلوا فإنك ستقيؤها بريش علق وعلقم، ثم تغص بها غصص الشيخ الأدرد مع ركوبي فيك إلى أمير المؤمنين عمر. # قال: ثم تكلم محمد بن مسلم الباهلي قال: يا بن المهلب أنا الذي لم آل لك عملا قط ولم تطلبني بنيل كان مني إليك ولا دخل، فكيف بك إذا حتوت راكبا فأحمل السيف على عداوتك ms1244 فأسقيك بما سقيت وأجزيك بما أسديت لا أنام إذا هجعت، ولا أراعيك إذا خضعت مع ركوبي فيك إلى أمير المؤمنين عمر. # قال: وكان هؤلاء الأربعة يتكلمون والناس يستمعون ويزيد بن المهلب مطرق إلى الأرض لا يتكلم بشيء حتى فرغ القوم من كلامهم، أقبل عليه عدي بن أرطأة فقال له: إنه قد تكلم خصماؤك فما الذي تقول يا يزيد؟ ### | ذكر جواب يزيد لهؤلاء القوم # قال: فقال يزيد: الحمد لله على سراء أمره وضرائه، وما قدم إلينا من كثير نعمائه، الذي كان من سرور فمنه، وما كان من غير ذلك‌ فمن آلائه وحسن بلائه، فأما ما وصفتم من عدل الأمير أيده الله فهو المحمود فهمه، العظيم حلمه، ثم إن أمور العباد بيد الله فمسيء ومذنب ومعاقب ومعطب، فأما أنت يا وكيع بن أبي سود فإنك وكيل باطل، لست في أمرك بشيء من طائل، إن دعيت لغي كنت له منقادا، وإن دعيت إلى خير ازددت منه بعادا، شيخ أروه معتوه أبله، إن قدموك قدمتهم، وإن أخروك تبعتهم، صدك عن المجلد أصلك، وأمال بك عن الحق جهلك، ثم علي ثكلتك أمك بعد العدم! إن فتحت خراسان فتح الخونة، وكانت قبل فتحي لها مكنونة، إنه لو علم أهل خراسان أن رجلا هو أشهى وأهفى منك رأيا لقلدوه أمورهم، ولكنك أنت بمنزلة الحاضنة على بيض أخرى، فالمؤنة عليها والفراخ لغيرها، وأما أنت يا هريم بن أبي طحمة، الذاكر للرحمة! للأمة اللخناء، الموصوفة بالشنعاء، المعروفة بالسوءاء، المصروفة عن سريرات النساء، جاءت بك مشبها في العشيرة، وكانت بأبيك خبيرة، مع أن لله علي نذرا واجبا لئن أظفرني الله بك فيما يكون من الجديدين، لأقطعن منك أعز الوصلتين، ثم لأبينها إبانة الشعرى من الفرقدين، إلا أن تراجع، ولما رأى أن ذلك لك شافع، وأما أنت يا عمر بن PageV07P209 # يزيد! فوالله إنك لفي ضحضاح من اللوم أقيح، ومركز من الذل أقبح، وحشاش في موضع من القبائل وما أراك منها قان الحامل، وأيم الله ما أظن أنك قمت هذا المقام، مجترئا ms1245 علي هذا الكلام، حتى مزجت خمرة ذات سورة فملأت منها بطنك، وأفضت علي سبالك، وطفطفت علي شواربك، ثم دعتك نفسك إلى ما يقصر عنه باعك، ويقل دونه متاعك، وأما أنت يا باهلة! فوالله لانت المسند في محتدك، والمقهور في بلدك، المخالف في قولك، الضعيف في فعلك، وأيم الله إن لو كنت ثائرا من أحد لاستثأرت من هذا القاعد إلى جنبك وكيع بن أبي سود المتقرب إلي بقتل أخيك قتيبة بن مسلم وأصحابه، وإنما تهددكم إياي بأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أعزه الله وأيده فمن طلب شيئا فليركب. قال: ثم وثب يزيد بن المهلب‌ فنفض ثوبه في وجوه القوم وخرج، فالتفت عدي بن أرطأة فقال: كيف رأيتم مصادر الكلام، والله لقد أفحمكم حتى رأيت وجوهكم قد ارتدت! وما رأيت أحدا منكم يقدر على إجابته. قال: ثم أقبل عدي بن أرطأة على أهل مجلسه فقال: هذا والله رجل أهل العراق وعميدها، فلله دره ودر أبيه! ### | ذكر قدوم يزيد بن المهلب على عمر بن عبد العزيز # قال: ثم أمر عدي بن أرطأة بيزيد بن المهلب فقيد وحمل إلى عمر بن عبد العزيز (1)، فلما دخل عليه وسلم أمره بالجلوس فجلس، وسأله عمر عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان بن عبد الملك (2)، فقال يزيد: نعم يا أمير المؤمنين إني قد كنت من سليمان بالمكان الذي قد علمت، فكتبت إليه بذلك الكتاب ليسمع به الناس، وقد علمت أن سليمان لم يكن ليأخذني بما كتبت به إليه، ولا كنت أخاف أن يأتيني من قبله أمر أكرهه. قال فقال له عمر بن عبد العزيز: يا بن المهلب! دع عنك هذا، فإني ما أجد بدا من أخذك بتلك الأموال حتى تؤديها وإلا حبستك بها، فاتق الله يا بن المهلب‌ وأد ما قبلك فإنها حقوق المسلمين ولن يسعني تركها عليك. # قال: فأبى يزيد بن المهلب بأن يقر له بشيء، فأمر به عمر فزيد في حديده، وأمر بحبسه. # PageV07P210 ### | ذكر قدوم مخلد بن يزيد بن المهلب على عمر بن عبد ms1246 العزيز من خراسان # قال: وقدم مخلد بن يزيد بن المهلب من خراسان إلى عمر بن عبد العزيز، فلما دخل سلم عليه بالخلافة ووقف بين يديه، ثم قال: يا أمير المؤمنين! إن الله تبارك وتعالى قد صنع لهذه الأمة بولايتك عليها (1)، وليس يجب أن تكون أشقى الناس بها، فلماذا تحبس والدي ولا ذنب له؟ قال: أحبسه بالمال الذي احتازه من خراسان، وكتب به إلى سليمان بن عبد الملك بن مروان، قال فقال مخلد: يا أمير المؤمنين! فصالحني عنه بما أحببت، فقال عمر: لست أصالحك على شيء أبدا، ولا يخرج من محبسي أو يؤدي ما عليه! فقال مخلد: يا أمير المؤمنين! إن كان هاهنا بينة يشهدون عليه بهذا المال فخذه به، وإن لم تكن بينة فصدق مقالته واستحلفه (2)، فقال عمر: لا أحلفه ولا يخرج من محبسي أو يؤدي ما عليه! قال: # فسكت مخلد بن يزيد وخرج من عند عمر بن عبد العزيز، فالتفت عمر إلى جلسائه فقال: هذا عندي خير من أبيه. # ثم إن مخلد بن يزيد اعتل علة شديدة، فمكث فيها أياما عليلا، ثم مات بعد ذلك. وبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فأرسل إلى يزيد بن المهلب أن أخرج من محبسك وافرغ من أمر ابنك، فإذا دفنته فارجع إلى محبسك. قال: فأرسل إليه يزيد إن رأيت أن تصلي عليه أنت يا أمير المؤمنين، فإني لا أخرج من هذا الحبس إلا وأنت راض عني. قال: فصار عمر بن عبد العزيز إلى مخلد بن يزيد وقد فرغ من جهازه وحمل على أعواد المنايا، فصلى عليه، فلما دفن التفت عمر إلى من كان معه فقال: لقد مات اليوم فتى من سادات الأزد. ### | ذكر ولاة خراسان وأرمينية # قال: وبقيت خراسان بلا أمير، فدعا عمر بالجراح بن عبد الله الحكمي فعقد له عقدا وولاه بلاد خراسان، قال: فسار الجراح بن عبد الله حتى صار إلى خراسان ونزل مدينة مرو. ثم دعا عمر أيضا برجل يقال له عبد العزيز بن حاتم فعقد له عقدا # PageV07P211 # وولاه بلاد ms1247 أرمينية، قال: فسار عبد العزيز بن حاتم يريد أرمينية، وبلغ عمر بن عبد العزيز عنه أمر من الأمور، فأرسل إليه فعزله، وولى مكانه عدي بن عدي الكندي، [فسار عدي] إلى بلاد أرمينية حتى نزل البيلقان، وكان يصيب أهلها العطش، فحفر لهم عدي نهرا وأجرى فيه الماء، فذلك النهر إلى يومنا هذا لا يعرف إلا بنهر عدي (1). قال: فأقام عدي بن عدي على عمله بأرمينية بضعة عشر شهرا، ثم عزله عمرو ولى مكانه الحارث بن عمر والطائي. قال: فأقبل الحارث بن عمر إلى بلاد أرمينية حتى نزل برذعة، فأقام بها شهرا، ومرض عمر بن عبد العزيز مرضته التي مات فيها، ويزيد بن المهلب في السجن، فلما علم أن عمر بن عبد العزيز قد مرض جعل يحتال في الهرب من السجن مخافة من يزيد بن عبد الملك، لان يزيد بن المهلب علم أنه إذا مات عمر بن عبد العزيز فلن يلي الخلافة إلا يزيد بن عبد الملك. قال: وإنما كان خوف يزيد بن المهلب من يزيد بن عبد الملك لامر كان بينه وبينه قديما - والسلام -. ### | خبر يزيد بن المهلب ويزيد بن عبد الملك # قال: وقد كان يزيد بن المهلب في أيام سليمان بن عبد الملك دخل ذات يوم إلى الحمام، وخرج وعليه حلة له يمانية، وفي رجله نعل له يصر صريرا شديدا، وقد تضمخ بالغالية، فقال يزيد بن عبد الملك وهو جالس إلى جنب عمر بن عبد العزيز: قبح الله هذه الدنيا وما فيها! لوددت أن مثقال غالية بألف دينار فلا ينالها إلا كل شريف! قال: فسمع ذلك يزيد بن المهلب فالتفت إلى يزيد بن عبد الملك فقال: يا مؤنث! ألي يقال هذا وأنا ابن المهلب بن أبي صفرة! إنما كان يجب عليك أن تقول: وددت أن الغالية لا توجد إلا في جبهة الأسد فلا ينالها إلا مثلي، قال: # فقال عمر بن عبد العزيز: مهلا أبا خالد! ولا كل هذا، فإنه ولي عهد، ومع اليوم غد. قال: فالتفت يزيد بن عبد الملك ms1248 فقال: والله يا بن المهلب لئن وليت هذا الامر يوما من الأيام لأقطعن خير طابق من يديك! فقال له يزيد بن المهلب: والله لئن وليت هذا الامر وأنا حي لأضربن وجهك بخمسين ألف سيف. وهذا كان السبب بين # PageV07P212 # يزيد بن عبد الملك ويزيد بن المهلب (1). فلما مرض عمر بن عبد العزيز اتقى يزيد بن المهلب على نفسه، فأرسل إلى مواليه الذين كانوا معه بالشام وأمرهم أن يعدوا إبلا ليهرب عليها، ثم إنه صانع الحرسي بألف دينار وخرج ذات ليلة من الدار التي هو محبوس فيها، ثم أقبل إلى الموضع الذي قد أعدت له فيه الإبل، فركب وركب معه مواليه، ومضى هاربا على وجهه حتى صار على مراحل من الشام، وتقارب من العراق. # ثم كتب إلى عمر بن عبد العزيز (2): أما بعد يا أمير المؤمنين فوالله إن لو علمت أنك تبقى حيا ما برحت من محبسي الذي حبستني فيه أبدا حتى تكون أنت الذي تخرجني، والتي رأيتك عليلا فعلمت أنك إن مت لم آمن يزيد بن عبد الملك على نفسي لما قد علمت ما كان بيني وبينه فلا تظن بي غير ذلك - والسلام -. # قال فقال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن كان يزيد بن المهلب يريد بهذه الأمة شرا فاكفهم شره (3)، إنك على كل شيء قدير، وذلك عليك يسير. ### | ذكر وفاة عمر بن عبد العزيز # قال: وحضرت عمر الوفاة فدعا بابنه محمد فأقعده بين يديه فأوصى إلى بوصيته وعهد إليه عهده، ثم قال: يا بني! اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: إن الامام إذا كان عادلا في رعيته ثم مات وألحد في قبره يترك على ما ألحد في قبره، وإذا كان ظالما غشوما قلب على شماله. فانظروا إذا أنا مت فضعوني في لحدي وسرجوا علي اللبن وذروني ساعة، ثم ارفعوا اللبنة التي على رأسي، فانظروا فإن كنت على حالتي التي وضعت عليها فالحمد لله رب العالمين، وإن رأيتموني قد انقلبت على شمالي فإنا لله وإنا إليه راجعون! قال: ms1249 ثم مات عمر بن عبد العزيز. وكانت خلافته سنتين وستة أشهر ويومين، وتوفي بموضع يقال له دير سمعان يوم الاحد لست ليال خلون من # PageV07P213 # رجب سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة (1). # PageV07P214 ### | [خلافة يزيد بن عبد الملك] (1) ذكر فتنة يزيد بن المهلب وخروجه على يزيد ابن عبد الملك # قال: فلما أفضت الخلافة إلى يزيد بن عبد الملك لم يكن له همة إلا طلب يزيد بن المهلب، فكتب إلى عدي بن أرطاة الفزاري (2) وهو عامله على العراقين يأمره أن يأخذ كل من قدر عليه بالبصرة من بني عمه وشيعته فيستوثق منهم ويحبسهم. فلما ورد الكتاب على عدي بن أرطاة بعث المفضل وحبيب ومروان وحماد وجميع إخوة يزيد بن المهلب فحبسهم وحبس مواليهم وشيعتهم. قال: وأقبل يزيد بن المهلب من بلاد الشام وهو لا يعلم أن الكتاب قد سبق إلى البصرة وقد حبس إخوته ومواليه وشيعتهم، فلما نزل بموضع يقال له القطقطانة (3) اتصل به الخبر بموت عمر بن عبد العزيز وولاية يزيد بن عبد الملك وحبس إخوته بالبصرة، فاغتم لذلك غما شديدا، ولم يكن معه في وقته ذلك إلا أقل من مائة رجل ممن اتبعه من أهل الشام ومن مواليه وبني عمه. قال: وبلغ ذلك عبد الحميد بن عبد الرحمن عامل الكوفة فدعا برجل يقال له هشام بن [مساحق بن] (4) عبد الله بن مخرمة الكناني وضم إليه ثلاثمائة رجل من أهل الكوفة، وأمره بالمسير إلى يزيد بن المهلب، # PageV08P217 # وقال: انظر إن قدرت أن تأتيني به أسيرا فافعل! فقال له هشام بن [مساحق بن] عبد الله: أيها الأمير: لك علي أن آتيك به في حبل! قال: ثم خرج هشام بن [مساحق بن] عبد الله فيمن معه من أصحابه حتى نزل العذيب (1)، ورحل يزيد بن المهلب من القطقطانة (2) نحو البصرة، فلم يقدر عليه هشام بن [مساحق بن] عبد الله، فأنشأ بعضهم يقول في ذلك: # وسار ابن المهلب في نفير * وأحجم عنه شيخ بني كنانة (3) وعرس والبنانة كان حزما * ولم يعرف قصور القطقطانة (4) قال: ms1250 ورجع هشام [بن مساحق] بن عبد الله خائبا إلى الكوفة لم يصنع شيئا. # ومضى يزيد بن المهلب نحو البصرة وعدي بن أرطاة عامل البصرة قد جمع إليه جند أهل البصرة في الآلة والسلاح، وقد تقارب يزيد من البصرة فنزل على مرحلة منها (5)، ثم بعث إلى عدي بن أرطاة: أيها الأمير! إنك حبست إخوتي ومالي وأهل بيتي بلا ذنب كان منهم إليك وذلك أني أنا المطلوب فأخرجهم من حبسك، وأنا أصالحك على أني لا أدخل البصرة ولا أقربها وأخليك وإياها حتى آخذ لنفسي الأمان من أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك، فأبى عليه عدي بن أرطاة أن يقبل ذلك منه. قال: وجعل سادات أهل البصرة يخرجون إلى يزيد بن المهلب، وكلما أتاه واحد منهم أحسن إليه ومناه حتى صار في قريب من ثلاثة آلاف، قال: وقعد عامة أهل البصرة في منازلهم ممن كان يهوى يزيد بن المهلب، حتى بقي عدي بن أرطاة في أصحابه الذين قدموا معه من الشام ونفر يسير من قيس غيلان وبني تميم، وعزم عدي بن أرطاة على محاربة يزيد بن المهلب. ### | ذكر محاربة عدي بن أرطاة يزيد بن المهلب بالبصرة # قال: ثم جمع عدي بن أرطاة أصحابه فقال لهم: اعلموا أنه ليس يتهيأ لي أن # PageV08P218 # أفتح لكم بيت المال في وقتي هذا ولا أن أعطيكم منه شيئا إلا بإذن أمير المؤمنين (1)، ولكني قد أمرت لكم بنفقة من مالي فخذوها وتوزعوها بينكم، فإذا أنا فرغت من يزيد بن المهلب كتبت إلى أمير المؤمنين بذلك ثم إني أضع لكم الارزاق فأعطي كل رجل منكم على قدر ما أرى منه فيما قد عزمت عليه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. قال: # ثم أمر للناس بشيء يسير لا قدر له فاقتسموه بينهم، فأصاب كل رجل منهم درهمان لا أقل ولا أكثر، فأنشأ الفرزدق بن غالب يقول: # أظن رجال الدرهمين يقودهم (2) * إلى الموت آجال لهم ومصارع وأكيسهم (3) من قر في قعر بيته * وأيقن أن الموت لابد واقع (4) قال: وأقبل يزيد بن ms1251 المهلب فيمن معه من الناس حتى نزل قريبا من المريد، وسار إليه عدي بن أرطاة في أهل الشام ومن جاءه من أهل البصرة، فلما دنا القوم بعضهم من بعض دعا يزيد بن المهلب بأخيه محمد بن المهلب وابن عم له يقال له المهلب بن العلاء بن أبي صفرة فضم إليهما ألف رجل وأمرهما بالتقدم، فالتقى القوم للقتال وحمل بعضهم على بعض فاقتتلوا قتالا شديدا، وحمل محمد بن المهلب على رجل من أصحاب عدي بن أرطاة يقال له المسور بن عباد الحنظلي (5)، فضربه بسيفه ضربة على أنف البيضة فقطع أنف البيضة وأسرع السيف في أنفه. ثم حمل أيضا على هريم بن أبي طحمة (6) ليجتذبه عن فرسه إلى الأرض فلم يقدر على ذلك، قال: وضحك هريم بن أبي طحمة (6) وقال: هيهات يا بن أخ! إن عمك أثقل مما تحسب، قال: ثم تقدم غلام لحبيب بن المهلب يقال له دارس وكان فارسا بطلا، فجعل يرتجز ويقول: # أنا غلام الأزد اسمي دارس * ليث غضوض هرت خنابس إن تميما ساء ما يمارس * إذا التقينا فارس وفارس # PageV08P219 # ثم حمل دارس على جميع أهل البصرة ففرق الناس يمنة ويسرة، وقتل منهم جماعة وجرح منهم بشر كثير، فأنشأ الفرزدق بن غالب يقول في ذلك: # تفرقت الخيلان (1) إذ صارح دارس * ولم يصبروا تحت (2) السيوف الصوارم جزى الله قيسا عن يزيد (3) ملامة * وخص بها الأدنين أهل الملاوم (4) فقل لعدي حال ما كنت تبتغي * إليك ولا تحفل بجند الدراهم أتاك فتى لم تخدم القوم أمه * طويل السرى ألفيته غير نائم قال: وأقبل يزيد بن المهلب في نفر من بني عمه ومواليه حتى حمل على عدي ابن أرطاة وأصحابه حملة فكشفوهم حتى بلغ بهم إلى دار الامارة، ثم إنه كسر السجن فأخرج من كان فيه من إخوته وبني عمه ومواليهم وشيعتهم فضمهم إليه، ومر عدي بن أرطاة منهزما (5) حتى دخل دار الامارة وانهزم الناس ودخلوا منازلهم. وأقبل يزيد بن المهلب حتى نزل في دار أم محمر بنت عبد الله بن عثمان الثقفي ms1252 (6) وأرسل إلى عدي بن أرطاة فأتى به أسيرا هو وجماعته من بني عمه، فلما وقف بين يدي يزيد جعل يتبسم، فقال له يزيد: مما تضحك وتتبسم؟ والله لقد كان ينبغي لك أن يمنعك من الضحك خلتان: إحداهما الفرار (7) من الكريهة حتى أعطيت بيدك كما تعطي الأمة الوكعاء، والثانية أني أتيت بك وأنت تتل [كما يتل] (8) العبد الآبق إلى أربابه، وليس معك مني عقد ولا عهد فما يؤمنك مني إن أضرب عنقك؟ قال فقال له عدي بن أرطاة: أبا خالد! إنك قد قدرت ومننت فتلك شيمتك، وإن عاقبت فبما كسبت يداي مع أني أعلم أن بقائي متصل ببقائك وإن أهلكتني أنت مطلوب منه أخرى، فإنك قد رأيت جنود الله بالشام، وعلمت بلاء الله عند أهله في كل موطن من مواطن أهل الغدر والنكث، فتدارك أمرك وزلتك بالتوبة واستقالة العثرة من قبل أن # PageV08P220 # يرمي بك البحر بأمواجه، فإن طلبت الإقالة لم تقل (1)، قال فقال له يزيد بن المهلب: أما قولك إن بقائي متصل ببقائك، فلا أبقاني الله حياة طائر إن كان لا ينفعني إلا بقاؤك، وأما قولك بأني مطلوب بدمك، فوالله أن لو كان في يدي عشرة آلاف رجل من أهل الشام ليس فيهم رجل إلا وهو أجل منك وأعظم قدرا ثم ضربت أعناقهم في صعيد واحد لكان إمساكي عنهم بعد ذلك أشد عليهم وأهول عندهم في صدورهم من قتلي أولئك العشرة آلاف، وأما قولك أن تدارك أمرك وزلتك واستقل عثرتك، فوالله ما استشرتك في أمري، ولا (2) أنت عندي بواد ولا ناصح. ثم قال يزيد بن المهلب: انطلقوا به للسجن، فوالله لو هممت بقتله لكان ذلك عندي أهون من دم قراد، ولكني أحبسه كما حبس بني المهلب وضيق عليهم وكانوا يسألونه الترفه والترفق فلم يفعل ذلك، فحبس عدي بن أرطاة وبايع الناس يزيد بن المهلب على كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ### | ذكر فتنة يزيد بالبصرة # قال: فبايع الناس (3) يزيد وسلموا إليه بيت المال وفيه يومئذ عشرة آلاف ألف ms1253 درهم، فأخذها يزيد وفرقها في الناس، ثم إنه بعث إلى عماله إلى الأهواز وفارس وكرمان ومكران والسند والهند وسائر البلاد فاحتوى عليها، ثم نادى في الناس فجمعهم إلى المسجد الجامع، فلما تكاملوا صعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال: أيها الناس! أنا رجل منكم أعني بما تعنون به، وأحامي على ما تحامون عليه، ولست أقول بأني خليفة ولكني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم وإلى جهاد أهل الشام محرقي البيت الحرام، فإن جهادهم أفضل من جهاد الترك والديلم، ألا! فاسمعوا وأطيعوا رحمكم الله. # قال: فالتفت النضر بن أنس بن مالك إلى الناس فقال: يا هؤلاء! إنكم # PageV08P221 # تسمعون الرجل يدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فأجيبوا الرجل ولا تخذلوه! قال: فسمعه الحسن البصري وهو يقول ذلك، فالتفت إلى قوم كانوا إلى جانبه فقال: وهذا النضر بن أنس بن مالك وهو أيضا ممن يعين على الفتنة! قال: # ثم قام الحسن فخرج من المسجد، فإذا هو بالناس قد اصطفوا ليزيد بن المهلب سماطين ينتظرون أن يخرج من المسجد وهم يقولون: إنه ليدعونا إلى سنة العمرين، قال: فتبسم ثم قال: إن هذا الذي يدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإلى سنة العمرين هو الذي‌ كان يقتل الناس بالأمس في هوى بني أمية، فالآن لما غضب عليهم [غضبة] (1) وخالفهم نصب لكم قصبا وعلق (2) عليها خرقا، ثم قال: إني أدعوكم إلى سنة العمرين، إن من سنة العمرين أن يؤخذ فيوضع في رجله قيد ثقيل ثم يرد إلى محبسه الذي كان فيه، ولا يلقي الفتنة بين الناس. قال: # فصاح به الناس من كل جانب: يا أبا سعيد! كأنك متعصب لفساق أهل الشام، [فقال: أنا راض عن أهل الشام، قبحهم الله وبرحهم] (3) أو ليس هم الذين أحلوا حرم الله وحرم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يقتلون أهل المدينة ثلاثة أيام وينهبونهم، لا يتناهون عن انتهاك حرمة ولا عن إبداء عورة؟ أو ليس ms1254 هم الذين رموا بيت الله الحرام بالحجارة والنيران والعذرة؟ وما لهم قبحهم الله ولا رحمهم وجعل دائرة السوء عليهم وعلى من يتعصب لهم. قال (4): فسكت الحسن ولم يقل شيئا وصار إلى منزله (4). # وخرج يزيد بن المهلب من المسجد وبين يديه الاعلام والمطارد، وقد أحدق به الناس يمنة ويسرة ومن بين يديه ومن خلفه، والقطامي الشاعر بين يديه وهو يرتجز ويقول أبياتا مطلعها: # لعل عيني أن ترى يزيدا * يقود جيشا جحفلا رشيدا (5) إلى آخرها. # قال: ودخل يزيد إلى منزله وقد استوسق له الامر، وأقبل إليه ابن عمه حتى # PageV08P222 # وقف بين يديه ثم أنشأ وهو يقول (1): # أظن بني مروان قد باد ملكهم * وإن كنت لا تشعر بذلك فاشعر وعش‌ ملكا أو كن كريما فإن تمت * وسيفك مشهور بكفك تعذر قال: وبلغ يزيد بن عبد الملك أن يزيد بن المهلب قد تغلب على العراق والجبال وسائر البلاد، وقد ظفر بعدي بن أرطاة وأصحابه فحبسهم، واحتوى على بيت مال البصرة فأخذه وقسمه في أصحابه، فضاقت عليه الأرض بما رحبت، وجعل يرى في ذلك رأيه. وبلغ ذلك ثابت بن كعب الأزدي وهو يومئذ بخراسان، فكتب إلى يزيد بن المهلب بكتاب يحرضه فيه على بني أمية ويأمره بحربهم، وأثبت في أسفل كتابه هذه الأبيات: # أيزيد كن في الحرب إن هيجتها * كأبيك لا رعشا ولا رعديدا أثر المجرب في الحروب ولم تزل * نارا تسعر للعداة جديدا ما كان في أبويك قادح هجنة * فيكون زندك في الزنود صلودا يا ليت أسرتك الذين تغيبوا * كانوا لأمرك بالعراق شهودا فترى مواطنهم إذا اختلف القنا * والمشرفية يوقدون وقودا نارا تجلى (2) المصطلين بحرها * أسدا قساور في اللقاء أسودا صورا إذا كثر الصياح ترى لهم * في كل معركة هنالك صيدا هلا سألت بهم فتخبر عنهم * من كان أعلى ناصرا وعديدا وأحق بالصبر الجميل وقد رأوا * قول العداة تبرعا ووعيدا إن امرءا حدثت ربيعة دونه * والرأس من يمن فمات عميدا لضعيف ما ضمت جوانح صدره * إن لم يصبح بالجنود جنودا منكل أشوس قاصد يوم ms1255 الوغى * رأس المتوج إن أراد صدودا قال: فلما وردت هذه الأبيات على يزيد بن المهلب ونظر فيها كأنه هش لها ودعته نفسه إلى قتال بني أمية وعزم على ذلك. # قال: ودعا يزيد بن عبد الملك بأخيه مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه # PageV08P223 # العباس بن الوليد بن عبد الملك، فضم إليهما جميع من بالشام من المقاتلة وأمرهما بالمسير إلى يزيد بن المهلب (1). قال: فسار العباس بن الوليد في عشرين ألفا من جنود أهل الشام حتى نزل الحيرة حذاء أهل الكوفة، وأقبل مسلمة بن عبد الملك في ثلاثين ألفا حتى نزل الأنبار. وبلغ ذلك يزيد بن المهلب، فجمع أصحابه فخطبهم وقال: يا أهل العراق! إن أهل الشام قد نهضت إليكم في خمسين ألفا فهاتوا آراءكم رحمكم الله! قال: فقام إليه أخوه حبيب بن المهلب، فقال: الرأي عندي أن تخرج من البصرة في جميع أصحابك حتى تصير إلى فارس فتنزلها، ثم تأخذ بالشعاب والعقاب، ثم تدنو من بلاد خراسان فتطاول القوم، فيكون القلاع والحصون في يدك وأهل الجبال معك، فإن سار القوم إليك قاتلتهم واستعنت الله عليهم. قال فقال يزيد: يا أخي! ليس هذا برأي، أتريد أن تجعلني طائرا على رأس جبل، والله ما الرأي عندي إلا مصادمة القوم، لي كانت أم علي. # قال: ثم دعا يزيد بن المهلب بأخيه مروان بن المهلب فاستخلفه على البصرة، ثم نادى في أصحابه وخرج حتى نزل بنهر معقل (2) ومعه الأموال والآلة والسلاح، قال: فضرب عسكره هنالك. قال: وجعل مروان بن المهلب يحث الناس على الخروج إلى أخيه يزيد بن المهلب ويأمرهم أن يلحقوا بعسكره، قال: # وكان الناس يخرجون والحسن البصري يثبط الناس عن الخروج ويقول (3): أيها الناس! الزموا منازلكم وكفوا أيديكم، واتقوا الله ربكم، لا يقتل بعضكم بعضا على دنيا زائلة وطمع فيها يسير ليست لأهلها بباقية. وليس الله عنهم فيما كسبوا براض، واعلموا بأنه لم تكن فتنة قط إلا وأكثر أهلها الخطباء والشعراء والسفهاء وأهل التيه والخيلاء، وليس يسلم منهم إلا الجهول الحقير والمعروف التقي، ms1256 فمن كان منكم تقيا فليلزم منزله، وليحبس نفسه عما يتنافس فيه الناس من هذه الدنيا الدنية - والسلام. # قال: فبلغ مروان أن الحسن البصري يقول ما يقول ويثبط الناس عن الخروج إلى حرب بني أمية، فقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! قد بلغني عن هذا الشيخ الضال المرائي بأنه يثبط الناس عنا ويأمرهم # PageV08P224 # بخذلاننا. ووالله! لو أن جاره نزع من خص داره قصبة لظل أنفه يرعف دما من الغيظ عليه وينكر علينا وعلى أهل مصرنا أن نطلب بحقنا! أما والله! ليكفن عنا وعن ذكرنا وعن الجمع إليه سقاط (1) أهل الأبلة وعلوج فرات البصرة [و] إلا ناله منا ما يكره (2). قال: فغضب عامة الناس للحسن البصري وهموا بالوثوب على مروان بن المهلب، فقال لهم الحسن البصري: مهلا! فإني نهيتكم أن تقتلوا أنفسكم مع غيري، ولست أحب أيضا أن يقتل بعضكم بعضا لأجلي، فالزموا منازلكم، فإني أكره أن يكرمني ربي بهوان مروان بن المهلب (3). # قال: وسار يزيد بمن معه من الناس حتى نزلوا بواسط العراق، فأقام بها حتى تكامل عسكره، ثم دعا بابنه معاوية فاستخلفه على واسط، وجعل عنده الأموال والخزائن والأسارى الذين أخذهم بالبصرة يوم الوقعة، ثم إنه سار حتى صار إلى فم النيل إلى موضع يقال له العقر (4) من أرض بابل فنزل هنالك، وعزم على حرب القوم. قال: وبلغ مسلمة بن عبد الملك نزول يزيد بن المهلب بالعقر فأمر بالسنن فجمعت له، ثم أمر فعقد له جسر على الفرات وأمر بالناس فعبروا. قال: وبلغ ذلك العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فأقبل من الحيرة حتى نزل مع مسلمة. # قال: ودنت العساكر من يزيد بن المهلب في خمسين ألفا، ويزيد يومئذ في نيف عن عشرين ألفا، فقام في أصحابه خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إني قد سمعت الناس ‌في عسكري هذا وقولهم بأنه قد جاء مسلمة بن عبد الملك، وقد جاء العباس بن الوليد، وجاء أهل الشام فخبروني من مسلمة، ms1257 فوالله ما مسلمة عندي إلا جرادة صفراء قسطنطين بن قسطنطين (5)! ومن العباس بن الوليد! # فوالله ما العباس عندي إلا نسطوس بن نسطوس (6)! ومن أهل الشام! فوالله ما هم إلا سبعة أسياف سبعة أسياف خمسة منها لي واثنان علي! وإنما أتاكم مسلمة والعباس في برابرة # PageV08P225 # وأقباط وجرامقة وأنباط وجراجمة وأخلاط مغاربة وسقالبة، زراعون وفلاحون أوباش وأخناش، فلا يهولنكم أمرهم، فوالله ما لقوا مثل جدكم! وإني لأرجو أنهم ما جاؤوا إلا لهلاكهم وحلول النعمة بهم، وليس يردعهم عن غيهم إلا الطعن في نحورهم والضرب بالمشرفية على قممهم، فأعيروني سواعدكم ساعة تصطفقون بها هامهم وخراطيمهم، فإنما هي غدوة أو روحة حتى يحكم الله بينكم وبين القوم الظالمين. # قال: فأقام القوم على ذلك ثلاثة أيام (1) ليس بينهم حرب ومسلمة بن عبد الملك يبعث إلى يزيد بن المهلب ويسأله أن يحقن الدماء ويرجع عما هو عليه على أن يوليه ويولي إخوته أي بلد شاء وأحبوا، ويزيد يأبى ذلك. # قال: ثم أقبل يزيد على أصحابه فقال: إني قد عزمت أن أنتخب من عسكري هذا ثمانية آلاف (2) رجل فأضمهم إلى محمد بن المهلب وآمره أن يكبس عسكر مسلمة ليلا فيضع فيهم السيف، فإن كان ما أحب فذاك وإلا ناجزتهم غدا إن شاء الله ولا قوة إلا بالله، فإني أرجو أن ينصرني الله عليهم. قال فقال له رجل من أصحابه يقال له السميدع: أيها الأمير! إن القوم يذكرون أنهم يدعوننا (3) إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد (صلى الله عليه وعلى آله)، فكيف تغدر بهم وبناسهم (4). قال: فتبسم يزيد ثم قال: ويحك يا سميدع! وتصدق هذا أن بني أمية يعملون بالكتاب والسنة! # وقد فعلوا بالحرمين ما فعلوا، وهدموا البيت، وقتلوا ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن الزبير وصلبوه منكسا، اقبلوا مني وابدأوهم قبل أن يبدأوكم وبادروا القوم، فليسوا عندي بشيء، ولا يهولنكم مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد، فوالله لوددت أنهما وجميع بني أمية وأنا وإخوتي في حظيرة واحدة! فلا يبقى منا إلا ms1258 من غلب بسيفه، والله أن لو كانوا في الأرض جميعا وأنا وحدي ليس معي أحد من الناس لما برحت هذه العرصة أبدا! لي كان أم علي. قال: فأبى عليه أصحابه أن يبيتوا القوم، فأمسك عنهم (5). # إذا كان من الغد دنا القوم بعضهم من بعض وذلك في يوم الجمعة (6)، قال: # PageV08P226 # وعبى مسلمة أصحابه ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين، وعبى يزيد أصحابه كذلك (1)، وجالت الخيلان وخرج رجل من أهل الشام يدعو المبارزة، فما لبث أن خرج إليه حبيب (2) بن المهلب والتقيا بصربتين، ضربه حبيب ضربة اتقاها الشامي (3) بحجفته فقدت الضربة الحجفة ووصل إلى يد الشامي، وعلى كف الشامي يومئذ كف من حديد فقطع السيف الكف فرمى بها إلى الأرض، فولى الشامي إلى أصحابه وهو لما به، فصاح به حبيب بن المهلب: عليك بالمنجل والحصاد، فإن المنجل أعود عليك من مبارزة الاقران. قال: ثم حمل الفريقان بعضهم على بعض فاقتتلوا قتالا شديدا، وجعل يزيد بن المهلب يقاتل أهل الشام قتالا لم يسمع بمثله حتى قتل منهم جماعة، ثم جعل يدنو من صفوف ‌أهل الشام حتى نظر إلى مسلمة واقفا في القلب، فنادى يزيد بن المهلب: يا مسلمة! هل لك أن تبرز إلي وتعفي الفريقين من القتال؟ قال: فالتفت مسلمة إلى أصحابه فقال: ما تقولون؟ فقال له رجل من بني كليب يقال له عياش الفحل (4): أصلح الله الأمير! إنه يزيد بن المهلب فارس العراق قاطبة، فقال له مسلمة: صدقت يا عياش! إنه لكذلك ولكنه قد دعاني إلى المبارزة وهذا عار علي إن لم أبرز إليه، فقال له عياش الفحل: صدقت أصلح الله الأمير! هو والله العار أو الموت، فاختر أيهما شئت، قال: فسكت مسلمة ولم يبرز إليه. قال: وإذا برجل قد أقبل إلى يزيد بن المهلب فقال: أيها الأمير! ما يقيمك وقد قتل حبيب بن المهلب؟ فقال يزيد: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا خير في العيش من بعد حبيب، والله لقد كنت أحب الحياة من قبل ولقد أبغضتها في وقتي هذا! قال: # ثم تقدم ms1259 يزيد بن المهلب على برذون له أشهب وسيفه في يده كأنه صاعقة، فجعل يقاتل قتال رجل قد أيس من الحياة، فما يدنو من كتيبة من كتائب أهل الشام إلا كشفها حتى قتل منهم بشرا كثيرا. # قال: وإذا برجل من أصحابه قد أقبل إليه فقال: أيها الأمير! أعظم أجرك في أخيك ابن المهلب! قال: فبقي يزيد واقفا لا يحلى ولا يمر، فقال رجل من بني عمه: (5) أيها الأمير! أشير عليك أن تنهزم إلى واسط فتنزلها وتخندق على نفسك # PageV08P227 # خندقا ويأتيك مدد أهل البصرة والبحرين وأهل عمان في السفن فتقاتل عدوك إذا أتاك. قال فقال له يزيد: قبح الله هذا الرأي! إلي يقال هذا! والله إن الموت لأيسر علي من ذلك، وإني لم أزل أبغض الهزيمة مذ كنت. قال فقال له الرجل، أيها الأمير! إني إنما قلت هذا القول لما أتخوف عليك، ألا ترى إلى ما حولك كأنهم جبال حديد؟ قال فقال يزيد؟ ما كنت بالذي أبالي أجبال حديد كان أم ج بال نيران (1)! فاذهب عنا إن كنت لا تحب أن تقاتل معنا، قال: ثم جعل يزيد يتمثل بقول الأعشى وهو يقول: # أبالموت يرميني سفاها وإنما * رأيت منايا الناس يسعى دليلها (2) فما ميتة إن متها غير عاجز * بعار إذا ما غالت النفس غولها قال: ثم حمل يزيد بن المهلب على أهل الشام وحمل الناس معه فاقتتلوا قتالا شديدا، وارتفع الرهج وسطعت الغبرة واضطرب القوم اضطرابا شديدا. ثم انجلت الغبرة عن الفريقين وقد قتل منهم نيف على ثلاثة آلاف، وإذا بيزيد بن المهلب في وسط القتلى من الفريقين (3) وقد وقعت به نيف على ثلاثين ضربة، فأنشأ بعض أهل الشام يقول: # ألا ترى بطشة الله التي بطشت * بابن المهلب إن الله ذو نقم فما الجياد من البلقاء منصلتا * شهرا يغلغل في الأرسان واللجم حتى أتت أرض هاروت لعاشره * فيها بنو دحمة الحمراء كاللجم لما رأوا أن مكر الله حاق بهم * وأنهم مثل ضلال من البهم فأصبحوا لا نرى إلا مساكنهم * كأنهم من ثمود الحجر ms1260 أم إرم قال: وإذا أربعة من ولد المهلب قد قتلوا في معركة واحدة منهم حبيب بن المهلب وحماد بن المهلب ومدرك ويزيد، فأنشأ بعض آل المهلب في ذلك يقول: # سقى الله أجسادا ببابل كسروا * سيوفهم والأثرى المعضدا حبيبا وحمادا وذا البأس والندى * يزيد وأسقى مدركا ومحمدا # PageV08P228 # بني الحرب عند الحرب بأسا ونجدة * وفي المحل قناصون جودا وسؤددا قال: وانهزم المفضل بن المهلب بمن معه من الجنود مع بني إخوته وسائر أصحابه حتى صاروا إلى واسط، فأخرجوا الأسارى الذين كانوا قد أتوا بهم من البصرة وهم ثلاثة وثمانون رجلا، فضربوا أعناقهم على دم، ثم حملوا الأموال والخزائن وقعدوا في السفن وانحدروا إلى البصرة. قال: وأسر ذلك اليوم من أصحاب يزيد بن المهلب نيف على أربعمائة (1) رجل، فأتي بهم إلى مسلمة بن عبد الملك حتى وقفوا بين يديه. # قال: فعزل مسلمة منهم ثلاثين رجلا من رؤسائهم ليحملهم إلى يزيد بن عبد الملك، وضرب أعناق الباقين. قال فقال هؤلاء الثلاثون: أيها الأمير! إنما نحن الذين انهزمنا بالناس حتى ظفرتم بيزيد وأصحابه فكان جزاؤنا منكم الأسر والقتل! قال: فلم يلتفت مسلمة إلى ذلك (2)، فأنشأ حاجب بن ذبيان المازني يقول: (3) لعمري لقد خاضت قريش دماءنا * بأسيافنا حتى انتهى بهم الوحل وما حمل الأقوام من أمر ديننا * حرام ولا حل إذا التمس الذحل (4) حقنتم دماء المصلتين عليكم * وجر على فرسان شيعتك القتل وقربهم العريان فرسان قومه * فيا عجبا أين الملامة والعدل (5) قال: ثم أتي مسلمة برأس يزيد بن المهلب ورؤوس إخوته حبيب وحماد ومدرك ومحمد حتى وضعت بين يديه، فقال مسلمة: أترى هؤلاء القوم قد خرجوا علينا كانوا يظنون أن الخلافة فيهم، لئن كانوا ظنوا ذلك فلقد ظنوا إفكا وزورا، فأنشأ جرير بن الخطفي يقول (6): # آل المهلب جذ الله دابرهم * أضحوا رفاتا فلا أصل ولا طرف # PageV08P229 # إن الخلافة لم تخلف ليملكها * عبد لأزدية في خلقها عنف والأزد قد جعلوا الأزدي قائدهم * فقتلتهم جنود الله فانتتفوا إن المرون (1) رجوا ما لم يكن لهم * في سالف الدهر معروفا ms1261 ولا عرفوا قال: ثم أمر مسلمة بيزيد بن المهلب فصلب على دقل سفينة منكسا وصلب معه خنزير إلى جنبه فكانا جميعا معلقين بقلس من قلوس السفينة. فأنشأ رجل من أهل الشام يقول: # لقد عجبت من الأزدي جاء به * يقوده للمنايا حين مغرور حتى رآه عباد الله في دقل * منكس الرأس مقرونا بخنزير والقلس أهون بأس أن يجر به * في الماء مطلية الألواح بالقير يأبى لآل أبي العاص إن غضبوا * من كل سيف حديد الحد مأثور قال: ثم أقبل مسلمة بن عبد الملك حتى نزل بالحيرة وأمر بمن معه من الأسارى حتى حملوا إلى الشام، فلما دخلوا على يزيد بن عبد الملك ونظر إليهم قال: إنهم أنصار يزيد بن المهلب فلقد خاب من اغتر بنصرة أمثاله، ثم أمر بهم فضربت أعناقهم، وكانوا ثمانين رجلا فما أبقى منهم على واحد. ثم أقبل على رجل من آل المهلب كان في ناحية يزيد بن عبد الملك فقال له: يا أخا الأزد ما تقول في بني عمك هؤلاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين! قوم زرعتهم الطاعة وحصدتهم الفتنة. # قال: ثم أمر يزيد بن عبد الملك برأس يزيد بن المهلب فطيف به في مدائن الشام لينظر إليه، ثم أتي به بعد ذلك فنصب على باب توماء (2) بدمشق، ونصب رؤوس إخوته عن يمينه وشماله، فأنشأ سالم بن وابصة (3) الأسدي يقول: # ألم تر أن الله أنزل نصره * علينا وأعطانا به أعظم الاجر غداة بغى أهل العراق فشايعوا * لواء يزيد بن المهلب ذي الغدر فجئنا به لا يسمع الصوت في الثرى * ولا يشتكي شكوى أنين ولا فقر تعرف أهل الشام بالشام رأسه * به بدت الاحداث من حادث الدهر قال: ثم كتب يزيد بن عبد الملك إلى أخيه مسلمة يأمره أن يطلب آل المهلب # PageV08P230 # حيث كانوا فيقتلهم ولا يبقي على أحد منهم. قال: فلما ورد كتاب يزيد بن عبد الملك إلى أخيه مسلمة بذلك جاء النذير إلى آل المهلب فخبرهم بذلك وهم يومئذ مقيمون بالبصرة، غير أنهم قد أعدوا المراكب فركبوا ms1262 فيها ومعهم أموالهم ونساؤهم وأولادهم، وقد حملوا معهم دوابهم وأسلحتهم، ثم ساروا في البحر إلى كرمان فخرجوا من مراكبهم هنالك وحملوا ما معهم على الدواب، وساروا يريدون إلى قندابيل (1) من بلاد الهند ليتحصنوا بها. # قال: واتصل الخبر بمسلمة بن عبد الملك أن القوم قد مضوا نحو بلاد الهند فوجه في طلبهم بقائدين: أحدهما يقال له مدرك بن ضب الكلبي، والاخر هلال بن أحوز التميمي، في عشرة آلاف رجل من أهل الشام. قال: فسارت الخيل سيرا حثيثا حتى وافت أرض فارس، ثم خرجوا عنها لا يعرجون على شيء حتى صاروا إلى كرمان، ومن كرمان إلى أرض الهند إلى قندابيل (2)، وبقندابيل (2) يومئذ رجل من الأزد يقال له وادع (3) بن حميد، قد كان ولاه يزيد بن المهلب قبل ذلك. فلما نظر إلى آل المهلب قد لجأوا إلى ما قبله أمر بأبواب المدينة فأغلقت ومنعهم من الدخول إليها. قال: وتوافت عساكر أهل الشام في عشرة آلاف، فلما نظر إليهم المفضل بن المهلب أقبل إلى إخوته وبني عمه فقال: اعلموا أنه الموت، فإن كان لا بد فموتوا كراما، قال: ثم دنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا قتالا شديدا، فأول من قتل منهم ممن كان مع المفضل بن المهلب النعمان بن إبراهيم بن الأشتر ومحمد بن إسحاق (4) بن الأشعث بن قيس الكندي وجماعة من سادات أهل العراق. # قال: وجعل آل المهلب خاصة يقاتلون قتالا شديدا قتال قوم قد يئسوا من الحياة، حتى قتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة ثم قتلوا بأجمعهم، فما أفلت منهم إلا من هرب ودخل إلى غياض بلاد الهند، ثم صار بعد ذلك إلى خاقان ملك الترك فآمنهم وأحسن إليهم، فأنشأ موسى بن سحيم التميمي يقول أبياتا مطلعها: # لقد غضبت للدين قيس وشمرت * تميم ولم تفلل تميم وفلت إلى آخرها. # PageV08P231 # قال: وبعث هلال بن أحوز بن المازني برؤوس القوم ونسائهم وأولادهم إلى مسلمة بن عبد الملك وهو مقيم بالحيرة. فلما وضعت الرؤوس بين يديه جعل ينظر إليها ويقول: هذا رأس المفضل بن المهلب ms1263 كأنه جالس بين يدي يحدثني، هذا رأس عبد الملك بن المهلب، هذا رأس مروان بن المهلب، هذا رأس فلان، هذا رأس فلان، ثم حلف مسلمة أنه يبيع نساءهم وأولادهم بيع العبيد والإماء، فقام إليه الجراح بن عبد الله الحكمي فقال: أصلح الله الأمير! فإني قد اشتريتهم منك بمائة ألف درهم تبرئة ليمينك! فقال مسلمة أخزاه الله: قد بعتك إياهم. قال: ثم استحى مسلمة أن يبيع قوما أحرارا فقال للجراح: أقلني في بيعتي، قال: قد أقلتك أيها الأمير! فأعتقهم مسلمة وخلى سبيلهم وألحقهم بقومهم بالبصرة (1). # ثم دعا بعبد الرحمن بن سليم الكلابي (2) فولاه العراقين ورحل إلى الشام - يزيد بن عبد الملك وقد فرغ من أمر العراق، فأنشأ رجل من أهل الشام يمدح مسلمة بن عبد الملك ويقول: # إن الذي مد علينا نعمه * وقد أحاطت بالعراق الدمدمه دعوة مشؤم دعا بالمشأمه * فاتبع الظالم قوم ظلمه فالله يحني منهم بمسلمه * من بعد ما وبعد ما وبعد مه كانت بنات الموت عند الغلصمه * كادت الحرة أن تدعى أمه ### | ثم رجعنا إلى فتوح خراسان وأرمينية وأذربيجان من فتوح الترك والخزر # قال: فلما فرغ يزيد بن عبد الملك من أمر يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وصفت له البلاد دعا بسعيد بن عمرو الحرشي (3) فولاه بلاد خراسان ما كان من دون النهر إلى سمرقند وما والاها إلى أرض فرغانة وأمره بالعدل، ودعا برجل من أهل حمص يقال له ثبيت (4) النهراني فولاه بلاد أرمينية وأذربيجان، وضم إليه جيشا وإلى # PageV08P232 # هذا جيشا. قال: فأما سعيد بن عمرو فإنه سار حتى دخل بلاد خراسان فجعل يصالح البلاد ويتقدم حتى عبر نهر بلخ، ثم صار إلى بخارا فنزلها، ثم ارتحل منها إلى سمرقند فنزلها، وبلغه أن ملك فرغانة قد عاث في البلاد وأفسد، فصار إليه سعيد بن عمرو حتى دخل أرض فرغانة، ثم نزل على حصن من حصونهم حصين وفيه يومئذ جلنج ملك فرغانة (1). قال: فأقام سعيد بن عمرو الحرشي على ذلك الحصن محاصرا لجلنج، فأرسل إليه جلنج وصالحه على ms1264 السمع والطاعة وعلى أن يؤدي إليه مائة ألف درهم، خمسين غلاما وخمسين جارية، وأن يخرج إلى سعيد بن عمرو فيضع يده في يده، فرضي سعيد بن عمرو بذلك. فلما كان الليل نام عامة المسلمين ولم يشعروا إلا وجلنج ملك فرغانة قد كبس العسكر في خمسة آلاف رجل من الكفار، فقتل من المسلمين جماعة قبل أن يركبوا، ثم ركب الناس خيولهم واستقبلوا بها الكفار بالسيوف والرماح والسهام. قال: فاجتمع الكفار على حرب المسلمين فاقتتلوا قتالا شديدا، وأمكن الله المسلمين منهم في وقتهم ذلك إلى أن أصبحوا قريبا من ثلاثة آلاف وقتل صاحبهم جلنج الملك. قال: وغنم المسلمون غنيمة حسنة، فقسمها سعيد بن عمرو في المسلمين بعد أن أخرج منها الخمس وبعث به إلى يزيد بن عبد الملك، فأنشأ نعيم بن دارم الفريعي يقول في ذلك: # لعمري لقد أردت سيوف سعيدنا * جلنجا فلم نبد بذلك مفخرا قتلنا جلنجا واستبحنا حريمه * بسمر ترى منها المدجج أزورا ضربناه أم الرأس والنقع ساطع * فخر صريعا للجبين مغفرا وكنا إذا رام العدو طلابنا * أبينا ويأبى أن نضام ونقبر قال: ثم إن يزيد بن عبد الملك عزل سعيد بن عمرو الحرشي وولى مكانه عبد الرحمن بن سليم الكلابي، ثم عزل عبد الرحمن بن سليم عن خراسان وولاه العراق ورد سعيد بن عمرو إلى خراسان، ثم عزل أيضا عبد الرحمن بن سليم عن العراق وولى مكانه ابن عمه عبد الملك بن بشر بن مروان من قبله. قال وولى عبد الملك بن بشر العراقين جميعا كما وليها أبو بشر بن مروان من قبله وكان عبد الملك بن بشر هذا جوادا سخيا لا يبقي على شيء، وهو الذي يقول فيه الشاعر: # PageV08P233 # جئت بشرا زائرا فوجدته والله سمحا * وقصدته متعمدا ليلا فما أصبحت صبحا حتى رأيت نواعما يدلجن بالبدرات دلجا * فلبست ثوبا للغنى وطويت للافلاس كشحا قال: ثم أرسل يزيد بن عبد الملك أيضا إلى سعيد بن عمرو الحرشي فعزله عن خراسان وولى مكانه مسلم بن سعيد بن أسلم (1) بن زرعة ms1265 الكلابي. قال: فسار مسلم بن سعيد هذا حتى نزل مدينة مرو فأقام بها متمسكا بما في يديه لا يغزو أحدا. # قال: وسار ثبيت (2) النهراني في خلق كثير من أهل الشام وأهل الجزيرة حتى دخل بلاد أرمينية. قال: وسمعت به الخزر فاجتمعوا عليه في نيف على ثلاثين ألفا في موضع يقال له مرج الحجارة. قال: فدنا منهم المسلمون. فاقتتلوا هنالك، فقتل من المسلمين بشر كثير، واحتوت الخزر على عسكر المسلمين فغنموا جميع ما فيه، وأقبل المسلمون مغلولين حتى صاروا إلى الشام إلى يزيد بن عبد الملك وأميرهم النهراني معهم، فاغتم يزيد بن عبد الملك لذلك غما شديدا، ثم دعا النهراني فوبخه على صنيعه وهزيمته من بين أيدي الخزر، فقال النهراني: والله يا أمير المؤمنين ما جبنت ولا نكبت عن لقاء أعداء الله وقد لصقت الخيل بالخيل والرجل بالرجل، ولقد طاعنت حتى انقصف رمحي وضاربت حتى انكسر سيفي، غير أن الله عز وجل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ### | ذكر دخول الجراح بن عبد الله الحكمي بلاد أرمينية وما كان منه في الخزر قال: ثم دعا يزيد بن عبد الملك بالجراح بن عبد الله الحكمي فعقد له عقدا وضم إليه جيشا كثيرا وأمره بالمسير إلى بلاد أرمينية. قال: فسار الجراح بن عبد الله في جيش عرمرم حتى دخل إلى بلاد أرمينية، وتسامعت به الخزر فهربوا من بين يديه حتى صاروا إلى مدينة الباب والأبواب. قال: وسار الجراح بالمسلمين إلى أن صار إلى برذعة فنزل بها أياما حتى استراح أصحابه وأراحوا دوابهم، ثم رحل من هنالك حتى عبر نهر الكر (3) وسار يريد الباب والأبواب، فلم يزل كذلك حتى صار إلى نهر # PageV08P234 # يقال له روباس (1) على فرسخين من مدينة الباب، فنزل هنالك حتى أرسل إلى ملوك الجبال، فأقبلوا إليه من كل ناحية. # فلما عزم على المسير إلى الخزر رحلت الخزر عن مدينة الباب حتى لحقوا بلادهم، وأقبل إلى الجراح بن عبد الله رجل من أهل تلك الناحية من أصحابه، فقال: أيها الأمير! أخبرك أن ms1266 أربيس بن بسباس ملك بلاد الكر قد بعث إلى ملك الخزر يخبره بمسيرك إلى ما قبله فاعمل على حسب ذلك! قال: فأمر الجراح بن عبد الله مناديه فنادى في العسكر: ألا! إن الأمير مقيم ههنا ثلاثة أيام (2) فاستكثروا من الزاد والعلق والحطب وما تحتاجون إليه! قال: فنادى المنادي بذلك في العسكر، وأرسل أربيس بن بسباس إلى ملك الخزر. فلما كان الليل وهدأت العيون أمر الجراح بن عبد الله أصحابه بالرحيل نحو الباب والأبواب. قال: فرحل المسلمون في جوف الليل ولهم ثلاث مشاعل قد رفعت في عسكرهم: مشعلة عظيمة في أول العسكر، وأخرى مثلها في وسط العسكر، وأخرى في آخره. ثم ساروا حتى انتهوا إلى مدينة الباب والأبواب، فإذا ليس فيها أحد من الخزر، قال: فدخلها المسلمون وخرجوا من الباب الاخر. قال: فنزل الجراح بعسكره عند عين باب الجهاد على نصف فرسخ من مدينة الباب، فلما أصبح دعا برجل من أصحابه فضم إليه ثلاثة آلاف فارس، وقال له: سر حتى توافي أرض حداق (3) فلا تدعن لأهلها شيئا إلا أغرت عليه، واقتل من قاتلك وانظر لا تطلع الشمس إلا وأنت في عسكري معي على نهر الران. قال: وسار الجراح فيمن بقي معه وهم عشرون ألفا حتى نزل على نهر الران على ستة فراسخ من مدينة الباب. فلما أصبح قائداه (4) اللذان وجه بهما ومعهما نيف على عشرة آلاف فارس من الماشية وثلاثة آلاف رأس من السبي. # قال: وبلغ نارستيك ابن خاقان ملك الخزر بأن الجراح بن عبد الله نزل بنهر الران في خمسة وعشرين ألفا من العرب وأنه قد أغار وقتل وغنم غنائم كثيرة فنادى في أصحابه # PageV08P235 # ثم سار في أربعين ألفا حتى صبح نهر الرن قال: ودنا القوم بعضهم من بعض والجراح بن عبد الله يومئذ على بغلة له دهماء فقال: أيها الناس! إنه ليس لكم من فئة تلجأون إليها بعد الله غيري، وقد علمتم من قتل منكم فإلى الجنة ومن ظفر فالغنيمة والذكر الحسن. قال: ثم تناوش القوم فاختلطوا لساعة وارتفع ms1267 الرهج والقتام فصارت الريح على الخزر فولوا منهزمين، واتبعهم مسلمون يقتلونهم حتى بلغوا إلى موضع (1) يعرف بالحصين وقد قتل منهم خلق كثير، قال: فغنم الجراح وأصحابه من غنائم الخزر شيئا كثيرا. وأقبل حتى نزل على الحصين يومه ذلك، قال: ونزل أهل الحصين في الأمان وصالحوه على مال فقبل ذلك منهم، ثم حولهم إلى أرض يقال لها حيزان (2) فأنزلهم هنالك، ثم إنه سار من الحصين حتى صار إلى مدينة من مدن الخزر يقال لها برعوفا (3) فأقام عليها ستة أيام يحاربهم، ثم إنهم سألوا الصلح بعد ذلك فأجابهم الجراح إلى ما أرادوا وحولهم إلى رستاق يقال له رستاق قبله فأنزلهم بقرية يقال لها الغانية (4). # ثم سار الجراح من برعوفا حتى صار إلى البلنجر (5) قد جمعوا نيفا على ثلاثمائة عجلة، فشدوا بعضها على بعض وجعلوها حول حصنهم كما دار الحصن ليمنعوا بتلك العجل حصنهم. قال: فوثب رجل من أصحاب الجراح إلى سيفه فاستله عن غمده ثم نادى بأعلى صوته: من يهب نفسه لله؟ فأجابه المسلمون إلى ما سأل، فقال: اتبعوني! فاتبعه قريب من مائة رجل (6) بالسيوف وتقدموا نحو تلك العجلة وسهام الكفار تأخذهم من فوق السور وهم يتقدمون، حتى إذا دنوا من العجل تقدم رجل منهم فضرب حبل عجلة منها، فقطع الحبال وانحدرت العجل تتبع بعضها بعضا منحدرة حتى صارت إلى عسكر المسلمين. قال: واشتد الحرب بين المسلمين وبين أهل بلنجر ساعة من النهار، ثم إنهم انهزموا وأخذ المسلمون الحصن عنوة بجميع ما فيه (7). # PageV08P236 # قال: وهرب صاحب البلنجر في نحو من خمسين رجلا من الخزر حتى صار إلى قريب من سمندر (1)، وصارت البلنجر بما فيها من الأموال والنساء والذرية في أيدي المسلمين، فأنشأ رجل منهم يقول شعرا. قال: وأخذ الجراح امرأة صاحب البلنجر وأولاده وخدمه، فنادى عليهم فبلغوا ثلاثين ألف درهم، فاشتراهم الجراح بماله ثم جعلهم في عزلة. قال: وخاض الناس في ذلك فقال قائل منهم: ما اشتراها إلا لجمالها، وقال قائل: وما اشتراها إلا لمالها، وقال بعضهم: ما اشتراها إلا لشرفها في ms1268 الخزر، قال: وبلغ الجراع ذلك فنادى في الناس فجمعهم ثم قال: # إنه قد بلغني ما تكلمتم به في أمر هذه المرأة وإني لم أشترها لمالها ولا لجمالها ولا لشرفها، ولكني أحببت أن أردها إلى زوجها وأرده إلى مدينته هذه ليكون لنا مصلحة ومجازى لمن أرسله إلى أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك. قال: فقال الناس: # جزاك الله خيرا أيها الأمير! فنعم ما رأيت! قال: ثم بعث الجراح إلى صاحب البلنجر وأعطاه الأمان وأعلمه أنه راد عليه أهله وماله وولده وخدمه، وأنه مقرره في أرضه. قال: فأقبل صاحب البلنجر إلى الجراح بالأمان، فرد عليه أهله وماله وولده وخدمه وأقره في بلده (2). # ثم سار الجراح من أرض البلنجر في جماعة المسلمين حتى نزل على أرض الوبندر (3) وهم يومئذ أربعون ألف بيت. فلما نظروا إلى عسكر المسلمين قد نزل عليهم جزعوا بذلك وعظم لديهم، ثم إنهم سألوا الصلح، فأجابهم الجراح إلى ذلك وأخذ منهم أموالا كثيرة وعزم على المسير منها إلى سمندر، قال: وإذا كتاب ورد عليه من صابح البلنجر مكتوب فيه: أيها الأمير! إني قد أحببت أن أحسن إليك كما أحسنت إلي وأكافيك على فعلك الجميل بردك علي أهلي ومالي وولدي وخدمي، أخبرك أيها الأمير أنه قد اجتمع عليك من الخزر جمع عظيم لا طاقة لك بهم وقد انتقضت عليك ملوك الجبال، فإذا ورد عليك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل راجعا من موضعك الذي أنت فيه، فإني خائف عليك وعلى من معك من أصحابك. قال: فلما ورد كتاب صاحب البلنجر على الجراح بن عبد الله نادى في أصحابه بالرحيل، فرحل ورحل الناس معه راجعين إلى نحو من جبل الكيل، ثم # PageV08P237 # صاروا من رستاق إلى رستاق حتى انحط الجراح وأصحابه على رستاق يقال له شكى (1). قال: وأدركهم الشتاء فأقام الجراح وأصحابه هنالك، ثم كتب إلى يزيد بن عبد الملك يخبره بما فتح الله على يده من الكفار ويسأله المدد. قال: فلما ورد كتاب الجراح على يزيد بن عبد الملك عزم ms1269 أن يمده بخيل ورجال يقوى بهم على الخزر. # قال: وأرسل أيضا أهل العراق إلى يزيد بن عبد الملك يشكو عاملهم، فعزله وولى مكانه عمر بن يزيد بن هبيرة (2) الفزاري، قال: فقدم عمر بن يزيد عاملا على العراقين جميعا: البصرة والكوفة، ودان له الناس بالسمع والطاعة، والجراح بن عبد الله مقيم بأرض شكى يتوقع المدد بأن يأتيه من الشام، حتى إذا انقضى عنه الشتاء إذا الخبر قد ورد عليه بأن يزيد بن عبد الملك قد مات، وكان ملك يزيد بن عبد الملك أربع سنين وشهرا واحدا (3)، وتوفي ليلة الجمعة لأربع ليال بقين من شعبان سنة خمس (4) ومائة وهو يومئذ ابن أربعين سنة (5) - والله أعلم -. وصار الامر # PageV08P238 # إلى أخيه هشام بن عبد الملك، فأقر الجراح بن عبد الله على بلاد أرمينية ووعده أن يمده بجيش لمحاربة الخزر، ثم إنه عزل عمر بن يزيد بن هبيرة عن العراق وولى مكانه خالد بن عبد الله القسري وأمره أن يوجه بأخيه أسد بن عبد الله عاملا على خراسان وأن يأخذ عمر بن يزيد بن هبيرة فيعذبه حتى يستخرج ما عنده من المال الذي أخذه من العراق. قال: فقدم خالد بن عبد الله القسري عاملا على العراق جميعا ونزل البصرة، ثم أخذ عمر بن يزيد بن هبيرة فجعل يعذبه بأنواع العذاب ويستأديه الأموال حتى شق ذلك على أهل البصرة مشقة شديدة، لان عمر بن يزيد قد كان محبا لأهل البصرة، فشق عليهم ما قد نزل به من ذلك العذاب فقال الفرزدق بن غالب في ذلك: # ألا قطع (1) الرحمن ظهر مطية * أتتنا تخطى (2) من دمشق بخالد وكيف يؤم الناس من كانت أمه * تدين بأن الله ليس بواحد (3) قال: وكان عمر بن يزيد إذا اشتد به ألم العذاب يصيح ويقول: يا هشام! يا هشام! المستغاث من عذاب خالد! فأنشأ نصر بن سيار الكناني يقول في ذلك: # أرى مضر المصرين قد ذل نصرها * ولكن عسى أن لا يذل سنامها فمن مبلغ بالشام قيسا وخندقا * أحاديث قد هاجت علينا سقامها ms1270 دم ابن يزيد صار حلا لخالد * وفينا بقيات الهدى وإمامها أنقتل فيكم إن قتلنا عدوكم * على دينكم والحرب باد قتامها أثار بقتل ابن المهلب خالد * ألهفي لنفس ليس يهدى أنينها قال: وجعل عمر بن يزيد بن هبيرة يحتال ويتلطف وبذل ما يقدر عليه لمن معه في السجن حتى نقبوا له في السجن نقبا وجعلوا النقب على مثال السرب، فدخل عمر بن يزيد بن هبيرة من ذلك النقب ومر تحت الأرض حتى خرج من ذلك السرب فأفلت من السجن، فقال بعضهم في ذلك: # ولما رأيت الأرض قد سد ظهرها * ولم نر إلا تحتها لك مخرجا # PageV08P239 # دعوت الذي ناداه يونس بعد ما * هوى في ثلاث مظلمات ففرجا فأصبحت تحت الأرض قد سرت سيرة * وما سار سار مثلها حين أدلجا وما احتال محتال كحيلته التي * لها نفسه تحت الضريحة أولجا وظلماء تحت الأرض قد خفت هولها * وليل كليل الطيلساني أدعجا قال: وعلم خالد بن عبد الله القسري بهرب عمر بن يزيد، فوجه في طلبه برجل يقال له مالك بن المنذر بن الجارود العبدي، فخرج مالك بن المنذر في نفر من غلمانه حتى لحق عمر بن يزيد في بعض الطريق وهو يريد الشام فقتله، ثم رجع إلى خالد بن عبد الله فخبره ذلك. قال: وبلغ ذلك هشام بن عبد الملك فأرسل إلى مالك بن المنذر بن الجارود فأشخصه من العراق، فلما دخل عليه وسلم قال له هشام: لا سلم الله عليك ولا حياك ولا مرحبا بك ولا أهلا يا عدو الله! أقتلت عمر بن يزيد بن هبيرة! فوالله لقد كان خيرا منك أبا وأما وحسبا ونسبا وريشا وعقبا! # فقال مالك: ولم ذلك يا أمير المؤمنين؟ أو لست ابن المنذر بن الجارود؟ قال: # فغضب هشام من ذلك ثم أمر فوجئت عنقه وهشم أنفه وأدمي فوه، ثم أمر به إلى السجن فلم يزل يعذب بألوان العذاب حتى مات. # قال: ثم كتب هشام بن عبد الملك إلى الجراح وهو يومئذ مقيم بأرض شكى يأمره بمحاربة الخزر ويعده ms1271 في كتابه أن يمده بجيش أهل الشام، قال: فطمع الجراح في ذلك ثم صار من أرض شكى حتى صار إلى حصن برذعة، ثم صار من هنالك إلى مدينة يقال لها البيلقان، ثم إلى مدينة ورثان (1)، وباجروان (2) ثم إلى أردبيل فنزل بها، وبها يومئذ خلق كثير من المسلمين يزيدون على ثلاثين ألفا. # قال: فنزلها الجراح ثم جعل يبث منها السرايا إلى موقان وجيلان وطالقان (3) فتغير وتأسر وتقتل وترجع السرايا إلى أردبيل، وبعث خاقان ملك الخزر إلى جميع أصناف الكفر ممن كان على دينه وملته فاستمدهم إلى حرب المسلمين فأجابوه إلى ذلك، فضمهم بأجمعهم إلى ابنه نارستيك بن خاقان وأمره بالمسير إلى أذربيجان لمحاربة الجراح بن عبد الله وأصحابه. قال: فسار نارستيك بن خاقان في ثلاثمائة ألف من # PageV08P240 # الخزر وأصناف الكفار حتى نزل مجمع النهرين: نهر الكر ونهر الرس. ثم سار من هنالك إلى ورثان فأخذها وقتل عامة أهلها، ثم خرج منها يريد الجراح بن عبد الله وأصحاب الجراح يومئذ متفرقون في بلاد أذربيجان. # قال: فجعلت الخزر تقتل كل من قدر عليه من المسلمين ويغيرون ويحرقون وينهبون، وبلغ ذلك الجراح بن عبد الله فكتب إلى هشام بن عبد الملك يخبره بذلك ويسأله المدد، قال فتباطأ هشام عن نصرة الجراح وأقبلت الخزر حتى نزلوا قريبا من أرض أردبيل (1). ### | ذكر محاربة الجراح بن عبد الله مع الخزر ومقتله رحمة الله عليه # قال: وخرج الجراح بن عبد الله حتى صار إلى مرج جبل يقال له السبلان (2) فضرب عسكره هنالك، ثم رحل حتى صار إلى نهر على قارعة الطريق فعقد له جسرا - قال: وذلك الجسر إلى يومنا هذا لا يعرف إلا بجسر الجراح. قال: وكان مع الجراح يومئذ دهقان أذربيجان واسمه مردان شاه وكان مجوسيا، فأقبل على الجراح فقال: أيها الأمير! إنك في قلة من الجيوش، والعدو في جيش كثير وجند كبير، وليس ينبغي للقليل من الجيش أن يصحر للجيش الكثير في الأرض المستوية، ولكن هذا جبل سبلان (3) قريب منك، فمل إليه وانزل في سفحه واجعله ms1272 وراء ظهرك وقاتل العدو من وجه واحد إلى أن يأتيك المدد من عند أمير المؤمنين. قال فقال له الجراح: يا مردان شاه! أظنك جبانا، فقال، لا ما جبنت قط، ولكن قد أشرت عليك بالصواب، فقال الجراح: ما كان نساؤكم باللاتي يتحدثن عني بأني جبنت عن قتال أعداء الله. قال: ثم سار الجراح من موضعه ذلك حتى نزل بقرية يقال لها شهرازاد، فحط الأثقال هنالك على تلك القرية. قال: وفي أصل ذلك التل عين ماء جارية، فلما استقر به الموضع إذا الخزر قد أقبلت في السيل والليل، وعبأ الجراح أصحابه ودنا القوم بعضهم من بعض. فقال مردان شاه الدهقان للجراح بن عبد الله: # أيها الأمير! ألستم تزعمون في دينكم أن الرجل إذا كان مخالفا لكم ثم إنه شهد # PageV08P241 # بشهادة الحق وضرب بسيفه في المشركين حتى يقتل فإنه في الجنة شهيد / فقال له الجراح: بلى يا مردان شاه! إنا نقول ذلك ولا نشك فيه! قال: فخرج الدهقان بسكين كان معه فقطع كشحا كان في وسطه، ثم نزع ثيابه وشهد بشهادة الحق، ثم أخذ سيفه وتقدم نحو الخزر فلم يزل يقاتل حتى قتل. قال: واشتد القتال بين المسلمين والخزر وكلبت الخزر على القتال وجعل المسلمون يروغون عن الحرب (1). فقال: هو ما ترى أصلح الله الأمير! فقال: ناد بهم (هلموا إلى الجنة لا إلى النار! هلموا إلى الهدى لا إلى الحبار! هلموا إلى الرحمن لا إلى الشيطان! # هلموا إلى الجنان لا إلى النيران!) فجعل الغلام ينادي كذلك والقوم يروغون من شدة الحرب، قال: فعندها حمل الجراح وهو يرتجز ويقول: # لم يبق إلا حسبي وديني * وصارم ذو صنعة مسنون لله در الصبر من قرين * قرين صدق غير ما خؤون قال: ثم حمل على جميع الخزر، فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم مقتلة عظيمة وقتل (2). # قال: ووضعت الخزر السيف في أصحاب الجراح فقتلوهم بأجمعهم إلا سبعمائة رجل أو دون ذلك، فإنهم انهزموا حتى صاروا إلى جبل سبلان (3) واشتغل الخزر عنهم بما صار إليهم من الغنائم، وأمر ms1273 نارستيك بن خاقان بطلب الجراح فطلبوه في القتلى حتى وقفوا عليه، فأمر به نارستيك فاحتز رأسه، ثم احتوى على أمواله وأهله وولده وجواريه وخدمه وجميع ما كان له. # قال: وخرج رجل من عسكره يسمى صقليا، فلم يزل يسير إلى هشام بن عبد الملك، فدفع إليه خاتم الجراح وخبره بخبره وخبر أصحابه وكيف قتلوا، قال: # فبكى هشام بن عبد الملك بكاء شديدا حتى علا نحيبه وبل لحيته بدموعه، وبكى المسلمون في كل بلد حزنا منهم على الجراح وأصحابه، فأنشأ بعض أهل الشام يقول في ذلك أبياتا مطلعها: # نفسي الفداء لجراح وقد نحبت * نفس الجبان وضاق الورد والصدر # PageV08P242 # إلى آخرها. # قال: وسارت الخزر إلى أردبيل فنزلوا عليها وصابرهم أهل أردبيل أياما كثيرة وليالي، فلما طال عليهم الحصار ولم يأتهم غياث أسلموا المدينة. قال: فدخل الخزر مدينة أردبيل عنوة بالسيف، فقتلوا المقاتلة وسلبوا النساء والذرية وغنموا ما كان فيها، ثم إنهم تفرقوا في رساتيقها فينزلونها ويقتلون وينهبون ويحرقون ويفجرون. # قال: وجعل هشام بن عبد الملك يستشير وزراء خاصته فيما قد نزل به من أمر الجراح بن عبد الله وأصحابه وامتنع من النوم وضاقت الأرض عليه برحبها، ثم أقبل على مولى له يقال له سالم فقال: ويحك يا سالم! ما الذي عندك من الرأي؟ فقال سالم: والله يا أمير المؤمنين! إن دعاءك إياي للمشورة أعظم عندي مما فعلت الخزر بالمسلمين، أنا عندك في موضع مشورة فتستشيرني؟ عليك بأصحابك وصنائعك وفوادك ووجوه العرب فاستشرهم في ذلك الامر ثم افعل بعد ذلك ما تريد وبما يعزم الله لك عليه. قال: فجعل هشام يدخل إلى منزله ويخرج ولا يستقر به موضع استعظاما لما قد انتهى إليه من أمر الجراح وأصحابه، قال: فكلمه خادم يقوم على رأسه فقال: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك! هؤلاء الاشراف الذين قد ألزمتهم بابك وأجريت عليهم أرزاقك لأي شيء يرادون إلا لمثل هذا اليوم! فقال هشام: # والله لقد صدقت في ذلك! علي بهم، قال: فأدخل عليه كل من كان ببابه فاستشارهم هشام ms1274 في أمره، فتكلم جماعة وقالوا: يا أمير المؤمنين! ليس لهذا الامر إلا سعيد بن عمرو الحرشي فإنه رجل مجرب وقد علمت ما كان منه بخراسان في جهاد الترك والسغد، وهو رجل مقدام بطل همام، غير أنه ضعيف البصر ونحن نرجو أن يقوم بأمر الخزر. قال فقال هشام: هو لها ما لها! سواه. ### | ذكر أمر سعيد بن عمرو الحرشي وخروجه إلى الخزر # قال: وكان سعيد بن عمرو هذا ينزل مدينة من مدائن الشام يقال لها منبج، فأمر هشام كاتبه فكتب: أما بعد يا سعيد! فقد كان من أمر الجراح بن عبد الله وأصحابه ما لا يخفى عليك، فانظر إن ألفاك كتابي هذا وأنت قاعد فقم، وإن ألفاك قائما فلا تقعد، فإن الامر يجل عن الوصف - والسلام -. PageV08P243 # قال: فلما ورد كتاب هشام على سعيد بن عمرو وقرأه وثب قائما، واستوى على بغل له وأمر بني عمه بالركوب فركبوا، وسار حتى قدم على هشام بن عبد الملك وهشام يومئذ على موضع يقال له الرصافة فاستأذن، فأذن له فدخل وسلم فرد عليه هشام السلام ثم أمر بالجلوس فجلس، فقال له هشام: يا سعيد! قتل أخوك الجراح بن عبد الله وقتل إخوانك من المسلمين بأرض أردبيل، فماذا عندك من الغناء؟ (1) فقال سعيد: يا أمير المؤمنين! ما كنت قط أقوى مني هذا اليوم، فقال هشام: الحمد الله على كل حال على ذلك، وكيف بصرك من ضعفه؟ فقال: يا أمير المؤمنين! هذا يوم يبصر فيه الأعمى ولا مخبأ لعطر بعد عروس (2)، قال فقال هشام: أحسنت! وهذا كان ظني بك. قال: ثم أمر هشام فطلب من خزانته رمح من رماح أهل بدر، فما أصيب إلا رمح واحد فأتي به إلى هشام، فعقد للحرشي إلى ذلك الرمح عقدا بيده ودفعه إليه، فقال الحرشي: يا أمير المؤمنين! إني قد رأيت في منامي رؤيا عجيبة، فقال هشام: وما الذي رأيت يا سعيد؟ قال: رأيت كأني أتيت بنخل كثيرة فجعلت أحطمها برمحي حتى أتيت على غايتها، ثم إني أدخلت إلى قبر الجراح ms1275 بن عبد الله وأخرجت من فيه، ثم انتبهت فزعا مرعوبا، فصرت بنفسي إلى محمد بن سيرين وقصصت عليه ما رأيت، فقال: أما النخل فإنها عساكر الخزر وأنت قاتلها إن شاء الله، وأما دخولك قبر الجراح فأنت الثائر بدمه. قال فقال هشام: والله إني لأرجو أن يقصم الله بك الكفار! وما ذلك على الله بعزيز. قال: # فتناول الحري اللواء ثم صاح بغلام له: يا فرج! خذ هذا اللواء إليك، فقال هشام: يا سعيد! هذا اسمه أو أردت بذلك الفأل؟ فقال: بل هو اسمه يا أمير المؤمنين، قال: فأمر هشام بن عبد الملك له بخمسين درعا وخمسين سيفا وخمسين رمحا وخمسين مغفرا وخمسين قوسا وخمسين كنانة، وحمله على عشرة أفراس عربية، ثم انتخب له وجوه أهل الشام وأشراف العرب فضمهم إليه وقال: سر يا سعيد حتى تنزل الرقة، فلا تبرحها إلى أن يلحقك الناس. # قال: فسار الحرشي في قومه وبني عمه وسادات أهل الشام حتى نزل الرقة، وجعل هشام يندب إليه الناس حتى صاروا في ثلاثين ألفا. قال: ووجه إليه هشام # PageV08P244 # بمائة ألف درهم وأمره بالتقدم إلى العدو. قال: فرحل الحرشي بجيشه ذلك، كان لا يمر بمدينة من الجزيرة إلا استنهض أهلها إلى حرب الخزر فيجيبه من كل مدينة قومهم ممن يريد الجهاد، فلم يزل كذلك حتى صار إلى مدينة يقال لها أرزن (1) فإذا هو بقوم من أصحاب الجراح قد استقبلوه مفلولين يريدون الشام، فلما نظروا إلى الحرشي بكوا بكاء شديدا ثم نعوا إليه الجراح، فبكى الحرشي حتى علا نحيبه، ثم فرق عليهم مالا قواهم به وأمرهم بالرجوع معه إلى الجهاد، وجعل لا يلقاه واحد إلا أعطاه عشرة دنانير، ثم إنه دخل إلى الدرب الذي يعرف إلى يومنا هذا بدرب بني زرارة فقطعه حتى خرج إلى مدينة خلاط (2) وفي قلعتها يومئذ جماعة من الكفار، فأقام عليها أياما حتى فتحها، وقتل مقاتلتها، وقسم على أصحابه غنائمها. ثم تقدم من خلاط (3) فجعل يفتح قلعة بعد قلعة وحصنا بعد حصن حتى صار إلى برذعة فنزلها ms1276 وتباشر به أهل برذعة من المسلمين الذين بها. قال: ونارستيك بن خاقان يومئذ في بلاد أذربيجان يقتل ويسبي (4). قال: واجتمع الناس إلى الحرشي من كل أوب عازمين على الجهاد، فقام في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معشر المسلمين! فليعد موسركم على معسركم، فليس هذا يوم ادخار الأموال، ألا! ومن كان عنده فضل دابة فليحمل عليها رجلا من المسلمين، واستعينوا بالله وتوكلوا عليه، واستنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم. قال: فناداه الناس من كل ناحية: سمعنا وأطعنا أيها الأمير! فسر بنا إلى عدونا يرحمك الله عز وجل. ### | ذكر الرجل الرستاقي # قال: وسار الحرشي من برذعة حتى نزل البيلقان، فلما استقر بها أقبل إليه رجل من رستاقها فقال: أصلح الله الأمير! إني رجل ملهوف فاسمع مني ما أقوله، فقال الحرشي: قل ما بدا لك، فقال: إن نارستيك بن خاقان لما قتل الجراح بن عبد الله وفعل بأهل أردبيل ما فعل بعث إلى هذا الرستاق بطرخان من طراخنته، ففرق أصحابه في هذه القرى فأخذ ابنتين لي، فجردهما من ثيابهما وأمرهما أن تسقياه الخمر عريانين، وهو الان نازل في قرية من هذه الرستاق آمنا مطمئنا لا يعلم بشيء # PageV08P245 # من خبر قدومك إليه، فيصبح سكران ويمسي سكران، فوجه إليه أيها الأمير معي برجل من أصحابك فعسى الله تبارك وتعالى أن يمكن منه وأستنقذ منه ابنتي وأنت في ذلك مأجور! فاغتم الحرشي لذلك غما شديدا، ثم دعا برجل من بني عمه يقال له عبد الملك (1) بن مسلم العقيلي فضم إليه جماعة من فرسان أصحابه ووجه بهم الرستاقي إلى القرية التي فيها الطرخان، ثم أقبل بعبد الملك بن مسلم حتى أوقفه على البيت الذي للطرخان، قال: فصعد العقيلي وتطلع من كوة (2) البيت فإذا هو بالطرخان سكران لا يعقل والجاريتان عند رأسه، قال: فرمى بنفسه من كوة (2) البيت فسقط على الكانون، ثم وثب على الطرخان، فلم يزل يضربه بسيفه حتى قتله، ثم احتز رأسه وخرج إلى أصحابه والجاريتان معه فسلمهما إلى أبيهما، ثم ms1277 وضع السيف فقتل كل خزري كان في تلك القرية وغنم ما غنم، ثم رجع إلى الحرشي فخبره بذلك. قال: فكان ذلك أول فتح كان للحرشي. # قال: واتصل الخبر بالحرشي بأن نارستيك بن خاقان ملك الخزر محاصر لأهل مدينة ورثان في جمع عظيم، فدعا برجل من أهل البيلقان يقال له بردك (3) - وكان بردك هذا من أبناء فارس، وكان مع ذلك شجاعا بطلا، وكان فصيحا بالخزرية، وكان يعرف بصاحب البرذون الأبلق. قال: فدعاه الحرشي فقال: يا بردك! أنت ترجل مسلم وأريد منك أن تهب نفسك لله وللمسلمين وتصير إلى ورثان فتعلمهم أني قادم إليهم لكيلا يسلموا مدينتهم إلى الخزر! قال فقال له الرجل: أفعل ذلك أيها الأمير إن شاء الله! قال: فخرج الرجل في جوف الليل يريد إلى مدينة ورثان، فلما أصبح وقع عليه قوم من الخزر فأخذوه ثم سألوه عن ح اله، فخبرهم أنه رسول الحرشي إلى أهل ورثان يعلمهم أن الحرشي قادم، قال فقال له الخزر: أين الحرشي؟ قال: بالبيلقان، قالوا: فإن أحببت الان أن نخلي سبيلك وأن تنجو بنفسك فتقدم إلى مدينة ورثان وخبرهم بأنه ليس بقادم عليهم أحد من العرب حتى يسلموا المدينة إلينا! قال فقال لهم: أفعل ذلك غير أنكم قد أخذتم برذوني هذا الأبلق وأنا لا أعرف إلا به، فردوه علي وقربوني من المدينة، قال: فردوا عليه برذونه، فاستوى عليه ثم نادى بأعلى صوته: يا أهل ورثان! هل تعرفونني؟ فقالوا: # PageV08P246 # نعم أنت بردك (1) البيلقاني صاحب البرذون الأبلق، فقال: صدقتم أنا هو، ولكن أبشروا قد جاءكم سعيد بن عمرو الحرشي في عسكر لجب وهو بالبيلقان، فشدوا أيديكم بمدينتكم ولا تسلموها إلى الخزر، فإن الحرشي يصبحكم غدا (2) إن شاء الله ولا قوة إلا بالله! وأما أنا فإني مقتول - وعليكم السلام -. قال: فلما سمع أهل ورثان ذلك رفعوا أصواتهم بالتكبير، وعلمت الخزر أن بردك قد نصحهم وبشرهم بقدوم الحرشي عليهم، فشدوا عليه بالسيوف فقتلوه. # قال: وبلغ ذلك الحرشي فأمر بحطب كثير، فجمع له، ثم أمر فألهبت فيه النيران لكي ms1278 يرتفع دخانه فيعلم أهل ورثان أني قادم عليهم، قال: ونظرت الخزر إلى ذلك الدخان فارتحلوا عن باب ورثان حتى صاروا إلى صحراء البلاشجان (3) ومن البلاشجان إلى حصن باجروان. قال: وأقبل الحرشي إلى باب ورثان فنزل على بابها يومه ذلك، فخرجوا إليه بالأطعمة والعلوفة، وانضم إليه منهم زهاء على ألفي فارس، فارتحل الحرشي من ورثان في طلب الخزر من بين يديه إلى ناحية أردبيل وإلى ناحية الميمذ (4)، وأقبل الحرشي حتى نزل باجروان. # فلما استقر به الموضع إذا بفارس قد أقبل على فرس كالقرطاس الأبيض من شدة بياضه وعلى الفارس أيضا ثياب بيض حتى وقف على الحرشي، والحرشي قاعد على باب حصن باجروان فسلم عليه، فرد عليه الحرشي السلام ثم قال: من أنت عافاك الله؟ فقال له الفارس؟ أنا عبد من عبيد الله، ولكن هل لك أيها الأمير في الجهاد والغنيمة من حاجة؟ قال الحرشي: وكيف لي بذلك؟ فقال: هذا عسكر الخزر في عشرة آلاف (5) أهل بيت من المسلمين أسارى وسبايا وقد نزلوا على أربعة فراسخ من موضعك هذا بأرض يقال لها رستك (6) فإن أردتهم فهذا وقتهم، قال: ثم تركه صاحب الفرس ومضى. ونادى الحرشي في أصحابه: أيها الناس! اركبوا إلى الجهاد والغنيمة رحمكم الله! وانظروا أن لا يصحبني منكم إلا صاحب بيضة محكمة # PageV08P247 # ودرع سابغ وسيف قاطع، ثم دعا الحرشي بدرعه وأفرغه عليه وتقلد بسيفه، ثم قدم إليه فرسه فسما وتقدم على باب باجروان، فجعل ينظر إلى قائد بعد قائد حتى خرج إليه أربعة من القواد في أربعة آلاف رجل على ما أراد من الهيئة والسلاح، فقال: حسبكم، الان اغلقوا الباب، فغلق باب باجروان. # ثم دعا الحرشي - ليأتيهم بالخبر - برجل يقال له إبراهيم بن عاصم العقيلي فأرسله إلى الخزر، قال: وكان إبراهيم هذا فصيحا بالخزرية، فأقبل يسير في جوف الليل نحو عسكر الخزر والحرشي من ورائهم في أربعة آلاف. قال: وسيفه إبراهيم بن عاصم هذا فدخل عسكر الخزر وكان يلبس كلباسهم ويتشبه بهم، فجعل يجول في عسكرهم راجلا والخزر آمنون مطمئنون. ms1279 قال: وإذا طرخان من طراخنتهم عنده سرية للجراح بن عبد الله فهو يراودها عن نفسها وهي تبكي وتقول: يا رب! ما لنا أحد سواك وقد ترى ما نحن فيه، فوعدك الحق. قال: فلما سمع إبراهيم بن عاصم مقالة الجارية هم أن يهجم على الطرخان فيقتله، ثم إنه خشي أن يقتل ولا يبلغ حاجته، فرجع إلى الحرشي فخبره بذلك. قال: فبكى الحرشي ومن معه من المسلمين بكاء شديدا، ثم أمسكوا عن بكائهم وجعلوا يسيرون حتى أشرفوا على عسكر الخزر في آخر الليل والقوم نيام، فلما نظر إليهم الحرشي على تلك الحالة فرق عليهم أصحابه من أربعة أوجه وأمرهم أن لا يقدموا إليهم حتى لا يسمعوا التكبير. قال: وبرق عمود الصبح فكبر الحرشي وكبر معه المسلمون، وسمع الأسارى التكبير فأيقنوا بالفرج، ووضع المسلمون فيهم السيف، فما بزغت الشمس حتى أبيدوا بأجمعهم في معركة واحدة وهم عشرة آلاف، فما أفلت منهم إلا رجل واحد وإنه سار إلى نارستيك بن خاقان فخبره بذلك، فأنشأ رجل من المسلمين يقول أبياتا مطلعها: # تشبث لمتي همي بما لا * يهم به الضعيف من الرجال إلى آخرها. # قال: وجمع الحرشي غنائم الخزر، واستنقذ المسلمون والمسلمات والذراري الذين كانوا في أيدي الخزر ودوابهم، وسار حتى صار إلى باجروان. # قال: فما دخلها حينا حتى أقبل إليه صاحب الفرش الأشهب (1) فقال: السلام # PageV08P248 # عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته! فقال له الحرشي: أيها [الرجل] أين أنت؟ # فإني قد أمرت لك بجائزة فخذها فإنك رجل ناصح دال على الخبر والاجر والثواب، فقال له: أيها الأمير! تكون هذه الجائزة عندك فإنها (1) أحرز لها، ولكن هل لك أيها الأمير في الغنيمة الباردة؟ فقال الحرشي: وكيف لنا بذلك؟ فقال: هذا جيش الخزر قد أقبل ومعهم أموال المسلمين وحرم الجراح بن عبد الله وأولاده، وهم يريدون إلى بلادهم غير أنهم نزلوا على نهر الميمذ (2) من ههنا على فراسخ يسيرة للخيل، فإن أردتهم أيها الأمير فهذا وقتهم. قال: ثم مضى الرجل ونادى الحرشي في أصحابه، وسار بهم نحو نهر ms1280 الميمذ، فلما أشرف على النهر إذا هو بجيش الخزر في عشرين ألفا أو يزيدون ومعهم الأسارى من المسلمين والمسلمات، قال: فكبر الحرشي وكبر المسلمون معه، ثم حملوا على جميع الخزر ووضعوا فيهم السيف، فلما أفلت منهم إلا الشريد، واحتوى الحرشي على الغنائم، واستنقذ الأسارى، وإذا فيهم جواري الجراح وأولاده وحرمه وجميع أمواله، فجعل الحرشي يضم أولاد الجراح إلى صدره ويبكي ويقول: يا بني أخي! ليتني كنت مع أبيكم فنحيى جميعا أو نموت جميعا! قال: ثم سار الحرشي بالمسلمين والمسلمات والغنائم يريد إلى باجروان، فأنشأ رجل من بني عبس يقول أبياتا مطلعها: # أنا العبسي أذكر مجد قومي * يحوزون النهاب ويحكمونا إلى آخرها. # قال: ودخل الحرشي إلى باجروان بغنائم الخزر. # قال: وبلغ ذلك نارستيك بن خاقان ملك الخزر فهم أن يقتل نفسه من شدة الغم، ثم أقبل على طراخنته ووجوه أصحابه فقال: ويلكم يا معشر الخزر! أنتم تعلمون أني قفلت الجراح وهو ملك من البلاد، ثم استبحت عسكره وأسرت من أسرت، وسبيت من سبيت، ثم جاءكم رجل على بغل في قلة وذلة ففعل بي وبكم ما فعل وأخذ غنيمتي فقتل أصحابي، أفليس الموت خيرا لي من ذلك؟ قال: # فضجت الخزر من كل ناحية وقالوا: أيها الأمير! لا عليك فإنها نأتيك به أسيرا فاصنع به ما أحببت. قال: فعندها جعل نارستيك بن خاقان يجمع أطرافه ويضم إليه أصحابه من جميع بلاد أذربيجان، حتى اجتمع له خلق كثير، وبلغ ذلك سعيد بن # PageV08P249 # عمرو الحرشي فأرسل إلى ورثان والبيلقان وبرذعة وقبلة (1) وإلى جميع بلاد أرمينية، فحشر إليه الناس من المزرفة (2) والمطوعة (3) وسائر الناس، فسار بهم في جمع عظيم. قال: وإذا بصاحب الفرس الأشهب قد أقبل فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته! فقال له سعيد بن عمرو: يا هذا أنت رجل مبارك علينا، وذلك أنك عرضتنا للغنيمة والشهادة غير مرة، وقد اجتمعت لك عندنا جوائز وقد أمرنا لك بها، فلم لا تأخذها يرحمك الله؟ فقال: تكون هذه الجوائز عند الأمير إلى وقت حاجتي إليها، ms1281 ولكن هل للأمير في نارستيك بن خاقان وجيشه وفي الجهاد والغنيمة؟ # قال الحرشي: ما أحوجنا إلى ذلك! قال: فإنه قد سار إلى ما قبلك في جمع عظيم ومعه أربعون ألف عجلة عليها المسلمون والمسلمات والذراري والأمتعة، فإن أردتهم فهذا وقتهم. قال: ثم مضى الرجل، ونادى الحرشي في أصحابه، فركبوا بأجمعهم، ثم سار بهم سيرا عنيفا حتى وافى بهم أرض برزند (4) وبها يومئذ نارستيك بن خاقان في جملة عساكر الخزر، فلما نظر إلى عساكر العرب واقفة عبى أصحابه تعبية الحرب، وعبى الحرشي أصحابه كذلك في وقت العصر، وتقدم على برذون له أدهم وسيفه على عاتقه، وتقدم المسلمون معه نحو الخزر. قال: # وصدقتهم الخزر القتال فدفعوا المسلمين دفعة اضطروهم إلى سفح الجبل. فلما نظر الحرشي إلى ذلك‌ حسر البيضة عن رأسه ثم وعظ الناس وذكرهم وحرضهم على القتال، وقال: ويحكم! يا أهل الاسلام إلي! تنهزمون من بين يدي هؤلاء الأغنام الذين لا يعرفون الله ولا يعبدونه، أما تسمعون أطيط العجل عليها المسلمون والمسلمات أسارى ينادون: وا محمداه! وا أبا القاسماه! قال: فثاب إليه المسلمون من كل ناحية، ثم إنهم صدقوا القتال فقاتلوا قتالا شديدا، وصدق الله وعده وأعز جنده ونصر أولياءه وأذل أعداءه، وانهزمت الخزر من بين يدي المسلمين هزيمة قبيحة ومعهم ملكهم نارستيك بن خاقان، واحتوى الحرشي وأصحابه على سوادهم وأموالهم وقليلهم وكثيرهم، وحاز العجل ومن عليها من المسلمين والذراري والأمتعة، وأنشأ رجل من المسلمين في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # لنا هضبة تعلو الهضاب بعيدة * من الذل يخشى درها من يحاربه # PageV08P250 # إلى آخرها. # وانهزمت الخزر على وجوهها، والمسلمون في طلبهم حتى بلغوا بهم إلى شاطئ لهم (1)، ثم رجعوا عنهم وساقوا الأسارى والغنائم إلى باجروان. # قال: وإذا بصاحب‌ الفرس الأشهب قد أقبل إلى الحرشي فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته! قم أيها الأمير وناد في أصحابك فليركبوا. فهذا نارستيك بن خاقان عدو الله قد التأم عليه عامة من شذ عنه من أصحابه، وقد أقبل إليك في جمهور الطراخنة وفرسان الخزر، ms1282 وقد نزل على نهر موقان (2) في جمع عظيم وجيش كثير، فلا يهولنك أمرهم أيها الأمير! فإن الله ناصرك وخاذلهم وجاعل دائرة السوء عليهم، فإني خائف أن يصبحك غدا في جمعه ذلك وليس الامر بصغير، وقد أعذر من أنذر. قال: ثم تركه ومضى، ونادى الحرشي في أصحابه من المسلمين أن لا يبقى أحد من المسلمين صغير ولا كبير إلا ركب واستعد للموت. # قال: فركب المسلمون بأجمعهم، ويقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، بالله استعنا وعليه توكلنا وهو حسبنا ونعم الوكيل! قال: ثم دعا الحرشي بقوم من ثقات أصحابه وأمرهم بحفظ مدينة باجروان ومن بها من المسلمين والمسلمات والغنائم، ثم سار في ثلاثة وخمسين ألفا من أهل الشام والجزيرة ومن التأم إليه من جميع البلاد حتى وافى نهر موقان (3)، وإذا نارستيك بن خاقان هنالك في تسعين ومائة ألف. فلما نظر إلى غبار خيل المسلمين وثب فعبى أصحابه، ودنا منهم الحرشي على غير تعبية حتى وافقهم هنالك، ثم دعا بعصابة فعصب بها حاجبه وقال: أيها الناس! هل فيكم من يعرف نارستيك بن خاقان؟ فقالوا: نعم، هو صاحب التاج الواقف تحت البيداء الأعظم الذي عليه الرأس. فقال الحرشي: وما ذلك الرأس؟ قالوا: رأس الجراح بن عبد الله، قال: فدمعت عينا الحرشي ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! لا خير في الحياة بعد هذا اليوم. ثم صاح بالناس فحمل وحملوا معه، فلم يكذب الحرشي أن وصل إلى نارستيك بن خاقان فضربه على تاجه ضربة صرعه عن فرسه إلى الأرض. قال: واجتمعت إليه الخزر فخلصوه من المعركة، واشتد القتال بين الفريقين فقتل من المسلمين ومن الخزر خلق كثير، وغرق في نهر موقان ما لا يحصون كثرة، وانهزم الباقون نحو البحر، ثم أخذوا على # PageV08P251 # الساحل حتى صاروا إلى مجمع النهرين من الكر والرس، فأنشأ رجل من قيس غيلان يقول أبياتا مطلعها: # وقيس أوطأت خاقان ذلا * وقائع منهم فيها اعتداء إلى آخرها. # قال: وجاء الليل فهجم على المسلمين والحرشي قاعد ما ينام وسلاحه عليه، ms1283 فكلما جاء رجل في جوف الليل يقول الحرشي: من أنت؟ فيقول: أنا فلان أصلح الله الأمير! فلم يزل الحرشي كذلك يفتقد فرسان أصحابه حتى حلوا بأجمعهم إلا رجلا واحدا وهو الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي. قال: فاغتم الحرشي له غما شديدا ولم يدر ما حاله، حتى إذا كان في الثلث الأخير من الليل إذا رجل قد أقبل، فقال الحرشي: من هذا؟ أنا فلان أصلح الله الأمير! قال الحرشي: # ويحك! هل رأيت الهذيل بن زفر؟ فقال: نعم أيها الأمير رأيته على فرس له أبلق وهو يحاول رجلا من الخزر على شاطئ النهر، فلا أدري إلى ماذا صار أمره، قال الحرشي: ويحك! فهلا وقفت عليه وأعنته بنفسك! سوءة لك من رجل! وإن كنت عربيا فلا أكثر الله في العرب مثلك! أترى رجلا مسلما يحاوز رجلا كافرا فلا تعينه بنفسك! قال: فلما أصبح إذا بالهذيل بن زفر قد أقبل ورأس‌ الخزري معلق من سرجه، فقال له الحرشي: ويحك يا هذيل! لقد غررت بنفسك في مثل هذا الكلب! فقال الهذيل: أصلح الله الأمير لقد لقيت منه عشاء ولا مارست في هؤلاء الخزر رجلا هو أشد منه. # قال: ثم جمع الحرشي غنائم الخزر وسار حتى صار إلى باجروان، فأخرج من تلك الغنائم كلها الخمس، وقسم باقي ذلك في المسلمين، فبلغ منهم كل رجل من المسلمين ألف وثمانمائة دينار سوى الأثاث والدواب. قال: ثم وجه الحرشي بالخمس من تلك الغنائم إلى هشام بن عبد الملك وكتب إليه يخبره بما فتح الله عز وجل على يديه من الخزر، فسر هشام (1) بذلك سرورا شديدا، ثم كتب إلى الحرشي يجزيه ويجزي المسلمين خيرا ويبشرهم بثواب الله الجزيل الذي وعد عباده المجاهدين في سبيل الله. # قال: وهربت الخزر على وجوهها نحو بلادهم والمسلمون في طلبهم حتى # PageV08P252 # بلغوا بهم أرض الشروان (1)، ثم مضت الخزر من هنالك ولم يتبعهم المسلمون، وأقام الحرشي بأرض الشروان (2) ينتظر أمر هشام وما يأمر به. ### | ذكر ولاية مسلمة بن عبد الملك وعزل سعيد ابن عمرو الحرشي ms1284 عن البلاد # قال: وإذا كتاب قد ورد على الحرشي بأن مسلمة بن عبد الملك قد ولاه أمير المؤمنين، وكتب إلى الحرشي: أما بعد فإذا ورد عليك مسلمة بن عبد الملك فسلم عليه وسلم إليه العمل وأقدم على أمير المؤمنين ليكافئك على فعلك الجميل. قال: فلما قرأ الحري الكتاب قال: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين وللأمير مسلمة. ثم أقام في موضعه ذلك لا يحارب أحدا. # قال: وأقبل مسلمة بن عبد الملك من الشام أميرا على أرمينية وأذربيجان حتى صار إلى مدينة برذعة فنزلها، ثم أرسل إلى الحرشي فأشخصه إليه من أرض الشروان، فلما جاءه ودخل عليه قال له مسلمة: يا سعيد! ألم يأتك كتابي أمرتك فيه أن لا تتعرض لحرب الخزر حتى أقدم عليك! فلم هونت بنفسك وخاطرت بمن معك من المسلمين؟ فقال الحرشي: أصلح الله الأمير! إنه لم يرد علي كتابك إلا بعد ما هزم الله الخزر وأمكن منهم، ولو ورد علي كتابك قبل ذلك لما تعديت أمرك، فقال مسلمة: كذبت، ولكن أحببت أن يقال: فعل الحرشي وقتل الحرشي، وصرم الحرشي، فقال الحرشي: إني لم أرد ذلك ولكني أردت ما عند الله وكان الرأي ما صنعت، والأمير أصلحه الله يعلم أن هذا كما أقول - والسلام. # قال: فغضب مسلمة من ذلك، ثم أحر بالحرشي فوجئ في عنقه وشتمه، وأمر بلوائه فضرب على رأسه، وسحب برجله إلى السجن (3). # قال: فجلس الحرشي في سجن برذعة واتصل الخبر بهشام بن عبد الملك، فغضب على أخيه مسلمة غضبا شديدا ثم كتب إليه: أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين ما كان من خطئك في سعيد بن عمرو الحرشي وشتمك له واستخفافك بحقه وضربك # PageV08P253 # بلوائه على رأسه وسحبك له برجله إلى السجن، وقد علمت أنك قد حسدته، نعم الله على أمير المؤمنين به، فلو كنت قد تداركت زلتك فيه بالاكرام والاعتذار إليه إذا لأعفاك أمير المؤمنين من موجدته عليك وقبل توبتك فيه، ولكنك تماديت في لجاجك فبقيت عليك موجدة أمير المؤمنين ولست تدري ما يكون حالك غدا عند ms1285 رب العالمين، فإن ذلك لمن أعظم الأمور قالة عند أهل الاسلام فيك، فأما مآلك عند الله من الاثم فإن الامل في عفو الله عظيم - والسلام -. # قال: فورد الكتاب على مسلمة وقد عبر نهر الكر وتقارب من بلاد الشروان، فلما قرأ الكتاب كأنه ندم على ما فعل بالحرشي. قال: وإذا كتاب هشام قد أقبل إلى الحرشي على البريد يعتذر إليه بما فعل به مسلمة، وتنصل إليه وبعده الرضاء له ولأهل بيته وعشيرته. قال: فجاءت رسل مسلمة أيضا على البريد إلى البرذعة، فأخرج الحرشي من السجن، وانطلقوا به إلى الحمام فنظفوه وألبسوه خلعا قد بعث هشام إليه، ثم جاءه بقارورة وقد ملئت غالية، فغلوه بها وحملوه على البريد إلى هشام. قال: فلما أدخل عليه قربه هشام وأدناه وخلع عليه وأحسن جائزته، ثم أقطعه وأقطع أهل بيته وعشيرته قطائع، فهي اليوم لا تعرف إلا بهم من ذلك اليوم والزمان الماضي. ### | ذكر مسير مسلمة بن عبد الملك إلى جهاد الكفار ومحاربته لهم # قال: وسار مسلمة بالمسلمين حتى نزل على قلعة حيزان (1) من أرض الشروان فدعا أهلها إلى الطاعة فأبوا عليه، فحاربهم أياما فلم يقدر عليهم فأمسك عن قتالهم، ولم يزل محاصرا لهم حتى فني طعامهم، وجاعوا جوعا شديدا، فبعثوا إليه وسألوه الأمان على أنه لا يقتل منهم أحدا، فحلف لهم مسلمة أنه لا يقتل منهم رجلا واحدا ولا كلبا واحدا، فرضوا بذلك ولم يحسنوا أن يستوثقوا لأنفسهم، ثم نزلوا من قلعتهم وكانوا ألف رجل من المقاتلة، فقتل منهم تسعمائة وتسعة وتسعين مقاتلا وخلى عن رجل واحد، وقتل كل كلب كان في القلعة ما خلا كلبا واحدا، ثم أمر بهدم حصنهم فهدم حتى وضع بالأرض، ثم أمر بنسائهم وأولادهم فأسكنوا أرض # PageV08P254 # حيزان (1). # ثم سار مسلمة من هناك يريد مدينة الباب والأبواب، وكان لا يدخل بلدا إلا سالمه أهلها وخرج إليه ملكها بخيله ورجله. قال: فاجتمع إليه ملوك الجبال (2) بأجمعهم وأدوا إليه الخراج وساروا معه، حتى صار إلى مدينة الباب وفي قلعتها يومئذ ألف رجل من ms1286 طراخنة الخزر وكان رتبهم ملك الخزر هنالك فلم يعرض لهم مسلمة إلا بسبيل الخير لكنه تركهم وجاز من مدينة الباب حتى صار إلى الحصنين اللذين هنالك فلم ير فيهما أحدا، ثم سار إلى البلنجر فلم ير فيه أحد. # وبلغ خاقان ملك الخزر بأن مسلمة بن عبد الملك قد دخل إلى بلاده، فجعل يجمع الجموع من أرض الخزر حتى صار في جمع عظيم. قال: وسار مسلمة في جيشه ذلك حتى صار إلى الوبندر ثم إلى سمندر فلم ير هنالك أحدا، فجاز يريد إلى خاقان ملك الخزر. قال: وإذا الأمم قد سارت إلى مسلمة مع جميع أصناف الكفار فيما لا يطيقهم مسلمة ولا جيشه ولا يحصي عددهم إلا الذي خلقهم. قال: فلما علم بذلك مسلمة أمر أصحابه أن يوقدوا النيران، ففعلوا ذلك. فلما كان الليل تركوا خيامهم مضروبة في موضعها وارتحلوا بعد عشاء الآخرة، وجعل مسلمة يطوي المراحل طيا فجعل كل مرحلتين مرحلة، غير أنه قدم الضعفاء بين يديه والأقوياء أهل الجلد والشجاعة على الساقة، فلم يزل كذلك حتى صار إلى مدينة الباب (3). # ثم أقبل حتى نزل ما بين الرمل إلى باب واق (4) وما يليه، ثم إنه خندق على نفسه خندقا فحصن نفسه وعسكره بالخندق والحسك. قال: وأقبلت الخزر في جمع لم ير مثله. فلما نظر مسلمة إلى ذلك جمع أصحابه من ملوك الجبال الذين كانوا معه فقال لهم: ما الرأي في هذا العدو؟ فقالوا: أيها الأمير! أمدنا بقناديل النشاب وقدمنا أمام عسكرك وذرنا وإياهم، فإن قتلنا فإلى الله والجنة، وإن فتحنا فتحا فذلك الذي نريد. فقال مسلمة: أما إنكم قد نصحتم في المشورة فجزيتم عن الاسلام خيرا. قال: ثم وثب مسلمة فعبى أصحابه ميمنة وميسرة وقلبا وجناحا، وقدم ملوك # PageV08P255 # الجبال بين يديه وأمرهم بقناديل النشاب، ثم أمر بلوائه فنصب بين يديه. قال: ونظر خاقان ملك الخزر إلى ذلك اللواء، فأقبل على طراخنته وأهل الشدة من أهل طاعته فقال لهم: اعلموا أن هذا اللواء ما نشر مذ عقد إلا في هذا اليوم ms1287 فتقدموا نحوه، فإن قدرتم على أن تأخذوه وتكسروه فقد ظفرتم، فأخرجوا الان وانظروا لا ينصرفن أحد منكم إلا وقد أثر فيه أثرا محمودا! قال: فخرج طرخان من طراخنة الخزر في كردوس عظيم نحو المسلمين، وضرب مروان بن محمد بن مروان بطن فرسه فخرج من بين أصحابه وعليه قباء حرير أصفر وقد شد بريطة صفراء وقد خالف بين طرفيها على كتفيه، فقال: أيها المسلمون! فداكم أبي وأمي! إني أسألكم صبر ساعة، وضربا بالرؤوس على القرابيس، وقلة الكلام فإن كثرته فشل، ولا يضربن أحد منكم بسيفه إلا الوجه واليد. قال: فأجابه المسلمون بأحسن الجواب. ثم تقدم مروان بن محمد بن مروان وتقدم الناس نحو كراديس الخزر، قال: وثارت عجاجة وغيرة شديدة فلم يبصره أحد منهم. قال: وتقدم سليمان بن هشام إلى عمه مسلمة فقال: # أيها الأمير! قتل والله مروان! فقال مسلمة: كلا ما قتل فاسكت! فسكت سليمان بن هشام وانكشفت العجاجة فنظر مسلمة إلى المسلمين من أصحاب مروان بن محمد فإذا بمروان بن محمد قد لصق بكراديس الخزر وقد قتل منهم جماعة وأصحابه وإنه ليمسح سيفه على معرفة (1) فرسه من دماء الخزر. # قال: وغضب خاقان ملك الخزر ثم أقبل على طراخنته وقال: أنا واقف من ورائكم أنظر إلى أفعالكم، فلا تستحيون أن يفضحكم رجل واحد! قال: ثم عبى كردوسا آخر أحسن من الاخر وأكثر رجالا وعدة. فقال: (2) أنا أفدي هذه الوجوه! # اعلموا أنه قد أتتكم مفاتيح الجنة ولكم ما وعدكم الله من جزيل ثوابه أنه من قتل منكم قد فاز بالثواب العظيم والجنة التي لا عدد لها وربكم لا يخلف الميعاد. قال: ثم حمل مروان بن محمد وأصحابه على كراديس الخزر فقتل منهم أكثر مما قتل في المرة الأولى وجرح منهم بشرا كثيرا، قال: وجعل خاقان كلما أخرج إلى المسلمين كردوسا من الخزر انفرد له مروان بن محمد وأصحابه فيأتي عليه حتى قتل من الخزر مقتلة عظيمة، ثم رجع إلى عسكر المسلمين فوقف فيه كما كان. ودعا مسلمة بالطعام فجعل يأكل هو ms1288 وبنو عمه ووجوه الناس وخاقان واقف على فرسه مغتاظا ينظر # PageV08P256 # إليه لا يدري ما يقول، ثم أقبل على طراخنته فقال: لأقتلن نفسي اليوم شر قتلة! # ويلكم يا معشر الخزر! أنتم عشرة أضعافهم لاه عنكم يأكل ويشرب لا يبالي بكم ولا يحفل. قال فقال له الخزر: أيها الملك! لا تغضب فإنه إذا كان غدا أرضيناك وأتيناك بصاحبهم أسيرا فتصنع به ما أحببت. # قال: فلما أصبح خاقان عبى أصحابه كما كان يعبيهم بالأمس ثم إ نه انتخب الخزر خاصته فجعلهم بين يديه وفي القلب وأوصاهم وتقدم إليهم أن لا يقصروا في القتال. وعلم مسلمة بذلك فقال: ويلي على العلج الأقلف بعد الخزر فيجعلهم بين يديه والله لأعدن لهم خزر الغرب. قال: ثم عبى مسلمة الناس فجعل على ميمنته مروان بن محمد، وعلى ميسرته سليمان بن هشام، وعلى القلب العباس بن الوليد، وعلى الجناح الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي. قال: ودنا القوم بعضهم من بعض فالتحموا، واشتبك الحرب بين الفريقين، وكان الرجل من المسلمين يحمل على الخزري فيطعنه برمحه ثم يجر الرمح فينثني عليه فيضربه بسيفه حتى يقتله. # قال: فلم يزل القوم كذلك حتى تعالى النهار، قال: وإذا برجل قد أقبل إلى مسلمة بالأمان راغبا في دين الاسلام، فقال: هل لك في خاقان ملك الخزر؟ فقال مسلمة: وأين هو؟ فقال: في العجلة التي قبالتك التي عليها الديباج. قال: فأرسل مسلمة إلى مروان بن محمد فدعاه إليه ثم قال: أبا عبد الله! ألا ترى العجلة التي عليها الديباج؟ قال مروان: بلى قد رأيتها، فقال مسلمة: فإنها عجلة خاقان وهو قاعد فيها. قال مروان: فأنا له، قال مسلمة: وأنا معك أبا عبد الله! فوالله لئن نحن قدرنا عليه في هذا اليوم فلقد ذهبنا بذكرها آخر الأبد! قال: فتقدم سليمان بن هشام إلى عمه فقال: أيها الأمير! اسمع كلامي ولا تعجل، قال مسلمة: هات ما عندك، فقال سليمان: خاقان لم يقعد في العجلة إلا وقد عبى أصحابه وأبطال الخزر عن يمينه وشماله ومن ورائه، ولست ms1289 آمن إن خرجت أنت ومروان أن يأمر الطراخنة فيحدق بكما، فلا يتهيأ لكما الرجوع إلى عسكركما إلا بعد ذهاب الأنفس، ولكن الرأي عندي أن تنتخب رجلا من أبطال عسكرك يكون قد عرفته بالبأس والشدة، فتضم إليه نفرا من أبطال عسكرك، ثم تأمره بالاقدام إلى خاقان. قال: فعلم مسلمة أن سليمان قد أتى بالرأي، فدعا برجل من أصحابه يقال له ثبيت (1) النهراني وكان # PageV08P257 # أحد الابطال، فقال له مسلمة: يا ثبيت! إني قد اخترتك من بين فرسان أصحابي لهذا الامر الذي قد ندبتك له، فإن وجدتك على ما ظننت بك في البأس والاقدام وبلغت من الامر ما أريد بلغت في عطائك، وأجزتك بعشرة آلاف درهم، وعرضتك لنوال أمير المؤمنين، ونوهت باسمك، وإن أنت كععت (1) وقصرت فلله علي عهد لأصلبنك على شجرة أقدر عليها. قال فقال له ثبيت: أصلح الله الأمير! مرني بما أحببت. قال مسلمة: اضمم إليك ألف رجل ممن تعرفهم وتثق بهم في البأس والشجاعة، ثم احمل بهم على عسكر خاقان، فلا ترجع أو تهزمه أو تأخذه أسيرا إن قدرت على ذلك. قال فقال ثبيت: أصلح الله الأمير! أما أخذه فلا أدري أقدر عليه أم لا! ولكن للأمير أيده الله علي أن لا أرجع أو أهزمه وأهزم أصحابه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # قال: ثم انتخب ثبيت النهراني ألف رجل من فرسان أهل الشام، ثم إنه عهد إليهم عهدا وأوصاهم وصية وقال: انظروا لا تقاتلون لمسلمة ولا لأمير المؤمنين هشام، ولكن قاتلوا عن دين الله وجاهدوا في سبيل الله. فقال له أصحابه: كفيت يرحمك الله! فاحمل حتى نحمل معك فترى ما تحب إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! قال: فتقدم ثبيت النهراني في هؤلاء الألف نحو خاقان، وخاقان يومئذ في عجلة له يقال لها الجدادة (2) وقد فرشت له بأنواع الفرش، وقد عليت بقية من ديباج، وعلى رأس القبة رمانة من ذهب. قال: فلم يكذب ثبيت النهراني أن صار إلى العجلة فضرب القبة بسيفه ضربة ms1290 خرقت الضربة الديباج ووصل السيف إلى خاقان فلم يصبه شيء، ففزع خاقان من ذلك ووثب من العجلة مسرعا إلى برذون له قد شد بجنب العجلة فاستوى عليه ومر منهزما فلم يقدر عليه، وحمل المسلمون على الخزر حملة، فولوا الادبار منهزمين وقد تفرقت عساكرهم حتى صاروا هاربين إلى بلادهم، فأنشأ ثبيت النهراني يقول أبياتا مطلعها: # كم كم وكم لي من يوم له رهج * وسط العجاجة بالهندية البتر إلى آخرها: # قال: وجمع مسلمة غنائم الخزر فقسمها في المسلمين بعد أن أخرج منها # PageV08P258 # الخمس ثم نادى في أصحابه وأقبل نحو مدينة الباب، وفي قلعتها يومئذ ألف بيت من الخزر، فأقام عليها محاصرا لهم أياما كثيرة فلم يكن له فيهم حيلة (1)، فهم أن ينصرف عنهم وإذا برجل قد أقبل إليه من بعض تلك الأبواب فقال: أصلح الله الأمير! إن دفعت إليك هذه القلعة بمؤنة يسيرة هل ترد مالي وأهلي وولدي؟ قال مسلمة: نعم، لك ذلك، قال: فادفع إلي الساعة مائة رأس من البقر والغنم حتى أدفع إليك هذه القلعة، قال: فأمر له مسلمة بما أراد، فأقبل إلى العين التي استخرجها لهم أنو شروان بن قباذ في أول الدهر وأجراها إلى القلعة، فقال: احفروا هذا الموضع، حتى إذا بلغوا إلى الماء قال: قدموا الان هذه البقر والغنم فانحروها في هذه العين! فجعلوا ينحرون والدم يجري مع الماء إلى صهاريجهم، حتى إذا علم ذلك الرجل أن الدماء كلها قد صارت إلى الصهاريج أمر بقطع الماء فقطع عنهم، وأجرى آبارها إلى الوادي، وأصبح القوم وقد امتلأت صهاريجهم دما. فلم يلبثوا إلا ليلة حتى أنتنت الصهاريج، ثم إنها انتعشت بعد ذلك بالدود (2)، فعطشوا عطشا شديدا، وأقبل ذلك الرجل إلى مسلمة فقال: أيها الأمير! قد هلك القوم عطشا فتنح عن باب القلعة وعن طريقهم حتى يهربوا وتصير القلعة في يدك، قال: # فأمر مسلمة أصحابه فتنحوا عن باب القلعة. فلما كان الليل فتح القوم الباب وخرجوا هاربين على وجوههم، وصارت القلعة في أيدي المسلمين. وجاء مسلمة حتى دخل القلعة فنظر ms1291 إليها وإلى حصانتها، ثم أمر أن تكنس تلك الصهاريج من ذلك الفرث والدم فكنست. ثم أجرى فيها الماء كما كان. ثم أمر مسلمة بمدينة الباب فقسمت أربعة أرباع: فجعل ربعا لأهل دمشق، وربعا لأهل حمص، وربعا لأهل فلسطين، وربعا لسائر أهل الشام والجزيرة، فهي اليوم لا تعرف إلا بهم. # قال: ثم دعا مسلمة برجل من أصحابه يقال له فرنر (3) بن سويد الثعلبي فولاه مدينة الباب والأبواب، وأمره أن يجعل أبرجة المدينة إهراء للحنطة والشعير والسلاح، وأن يقيم شرف المدينة ويغلق عليها أبوابا من الحديد، ثم جعل مسلمة رتبة مدينة الباب مائة دينار وعشرة دنانير في كل سنة غير القمح والزيت والرزق شهرا بشهر (4). قال: ثم دعا مسلمة بابن عمه مروان بن محمد فاستخلفه على جماعة # PageV08P259 # المسلمين بمدينة الباب، وانصرف حتى رجع إلى هشام بالشام فخبره بما فتح الله على يديه وأنه قد استخلف مروان بن محمد على جماعة من المسلمين. # قال: وعلمت الخزر أن مسلمة بن عبد الملك قد انصرف عنهم إلى بلاد الشام، فرجعوا إلى بلادهم التي أخذت منهم فأخذوها وسكنوها. وبلغ ذلك مروان ابن محمد فجمع الناس وعرضهم فكانوا يزيدون على أربعين ألفا، فسار بهم حتى صار إلى البلنجر، ثم رحل عن البلنجر في بلاد الخزر، ثم جعل يقتل ويسبي حتى قتل من الخزر خلقا كثيرا، وسبى الذراري والنساء واستاق المواشي حتى صار إلى مدينة الباب سالما غانما، وذلك في وقت الشتاء والبرد الشديد، فسميت هذه الغزوة غزوة الطين لكثرة الأمطار والوحول، وفي هذه الغزاة أمر بحذف أذناب الخيل فحذفت بأجمعها لكثرة اللبق والندى. # قال: وشتا مروان بن محمد تلك الشتوة بمدينة الباب، فلما كان في وجه الربيع بعث إليه هشام بن عبد الملك فعزله عن البلاد وأشخصه إليه، ودعا سعيد بن عمرو الحرشي فعقد له عقدا وولاه البلاد (1). قال: فتقدم سعيد بن عمرو الحرشي في أيام الربيع أميرا على جميع الأرمينية وأذربيجان والران وجرزان (2)، فصار إلى مدينة الباب فنزلها، ثم جعل يغزو الخزر الليل مع النهار فلا ms1292 يجف له لبد إلى أن ضعف بصره وكتب إلى هشام بن عبد الملك يخبره أن الماء الأسود قد نزل في عينيه وقد رق بصره، فليس يبصر سهلا ولا جبلا. قال: فأرسل هشام بثقته من الشام لينظر هل هو على ما قال أم لا! قال: فتقدم الثقة فنظر إلى سعيد بن عمرو فإذا هو كما قال. قال: فكتب إلى هشام يخبره بذلك، فأرسل هشام إلى الحرشي فعزله عن البلاد (3)، ودعا بمروان بن محمد بن مروان فعقد له على أرمينية وأذربيجان، وأمره بمحاربة الخزر. # قال: وأقبل مروان من الشام في عشرين ومائة ألف حتى صار إلى أرمينية، ثم # PageV08P260 # نزل بموضع يقال له كساك (1) على أربعين فرسخا من مدينة برذعة وعشرين فرسخا من تفليس، ثم جعل يقاتل ملوك أرمينية وبطارقتها حتى أذعنوا له بالسمع والطاعة. ثم إنه تقدم فجعل يفتح قلعة بعد قلعة حتى فتح قلاع أرمينية كلها، ثم كتب إلى جميع الأجناد الذين بالباب والأبواب أن يدخلوا بلاد الخزر وأن يوافوه بمدينة سمندر. # قال: ثم نادى مروان في أصحابه وسار حتى دخل باب اللان (2) فجعل يقتل ويسبي ويحرق حتى صار إلى سمندر وهي مدينة من مدائن الخزر. قال: ووافته عساكر المسلمين في خمسين ومائة ألف، فعندها عبى أصحابه هنالك تعبية حسنة ولم يترك معه قائدا ولا تابعا ولا خادما إلا ألبسه بيضة، وحمله رمحا وفي رأسه سنان كأنه شعلة نار. قال: وكان العسكر من شدة البريق لا يمر به طائر فيجاوزه حتى يسقط متحيرا من شدة بريقه وشعاعه. قال: ثم سار حتى انتهى إلى المدينة البيضاء التي يكون فيها خاقان ملك الخزر. قال: وهرب خاقان من بين يدي مروان حتى لحق بالجبال، ونجح مروان في بلاد الخزر بالمسلمين حتى جازهم فكان من ورائه، ثم إنه أغار على الصقالبة وما يليه من أصناف الكفار، وسبى منهم عشرين ألف أهل بيت. # ثم أقبل حتى نزل على نهر الصقالبة (3) ودعا برجل من شجعان أهل الشام يقال له الكوثر بن الأسود العنبري وكان على شرطته فقال ms1293 له: ويحك يا كوثر! إنه قد جاءني عين فخبرني أن خاقان ملك الخزر قد وجه إلينا بطرخان من طراخنته يقال له هزار طرخان في أربعين ألفا من أبناء الطراخنة ولكن جز هذا النهر إلى ما قبلهم واكمن لهم في مثل عدتهم، فإذا أصبحت‌ فإني موافيك إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال فقال الكوثر: أصلح الله الأمير! إنا قد أمسينا وهذا وقت يختلط فيه الظلام، فليمهلني الأمير إلى غد. قال: فغضب مروان ثم قال: والله لئن لم تعبر الساعة هذا النهر لأضربن عنقك ولأقتلن أهل بيتك بأجمعهم، فاختر الان من أمرك ما أحببت! قال الكوثر: فإني أعبر أصلح الله الأمير! قال: ثم انتخب الكوثر # PageV08P261 # من ساعته ذلك أربعين ألف رجل من فرسان العسكر، ثم عقدت له الأطواق فعبر الكوثر وعبر معه من الناس زهاء ألف رجل. قال: فسار بهم الكوثر يومه ذلك حتى إذا تعالى النهار إذا هو برجل استقبله في عشرين فارسا من فرسان الخزر معهم الكلاب والبزاة وهم يتصيدون. قال: فشد عليه الكوثر فقتله وقتل أصحابه الذين كانوا معه، فلم يفلت منهم أحد. قال: وأخذ المسلمون أسلحتهم ودوابهم ومضى الكوثر وأصحابه حتى نزلوا إلى جنب غيضة أشبة، فلما استقر بهم الموضع إذا بدخان قد ارتفع من جوف الغيضة، فقال الكوثر: ما هذا الدخان؟ فقال بعضهم: يجب أن يكون ههنا عسكر من عساكر الخزر، قال: ثم نادى الكوثر في أصحابه فركب وركبوا معه وسار نحو الدخان، فلم يشعر الخزر إلا والكوثر على رؤوسهم في أربعين ألفا، فوضعوا فيهم السيف، فقتل منهم عشرة آلاف، وأسر منهم سبعة آلاف، وأفلت الباقون على وجوههم في الغياض والأودية والجبال، ثم أقبل الكوثر إلى هؤلاء الأسارى الذين في يده فقال لهم: خبروني ما فعل قائدكم هزار طرخان؟ فقالوا: إنه خرج يتصيد في نفر من أصحابه فلا ندري ما فعل! قال: فعلم الكوثر أن الذي استقبلهم هزار طرخان، فأخذوا في وقت الغلس بأجمعهم، ثم سار الكوثر راجعا فلم تطلع الشمس ms1294 من اليوم الثاني إلا ورأس هزار طرخان ورؤوس أصحابه في عسكر مروان على أطراف الرماح. # قال: وبلغ ذلك خاقان ملك الخزر فجزع لذلك جزعا شديدا وأعطى بيده. # ثم أرسل إلى مروان بن محمد: أيها الأمير! إنك قد سبيت الخزر والصقالبة وقد قتلت وبلغت غايتك، فما الذي تريد؟ فقال مروان للرسول: أريد منه أن يسلم أو أقتله وآخذ ملكه فأجعل لغيره، فاستأجله الرسول ثلاثة أيام حتى يرجع إلى خاقان وينصرف إليه بالخبر. قال: فأجابه مروان بن محمد إلى ذلك. فانصرف الرسول إلى خاقان فأخبره بذلك، فأرسل خاقان إلى مروان: أيها الأمير! إني قد قبلت الاسلام وأجبت وأحببت، ولكن وجه إلي برجل من أصحابك يشرحه لي. قال: # فوجه إليه مروان برجلين أحدهما نوح بن السائب الأسدي، والاخر عبد الرحمن بن فلان الخولاني قال: فخرجا جميعا إلى خاقان وعرضا عليه الاسلام، فقال خاقان للترجمان: قل لهما عني: أريد منكما أن تحلا لي الخمر والميتة، فقال الخولاني الأسدي: تحل له ذلك حتى يسلم، فإذا أسلم وأسلم القوم أخبرناهم أن ذلك حرام عليهم، فقال الأسدي: ما كنت بالذي أحل ما حرم الله ولا أحرم ما أحل الله، لان الدين لا يصلحه إلا النصيحة والصدق، ثم أقبل الأسدي على الترجمان فقال له: PageV08P262 # قل لصاحبك هذا إنه ليس في دين الاسلام أن أحل الحرام ولا أن أحرم الحلال، فإن أسلمت حرمت عليك الميتة والدم ولحم الخنزير [و] كل شيء لا يذكر عليه اسم الله إذا ما ذبح. فلما قال ذلك الترجمان ذلك لخاقان قال خاقان لترجمانه: قل لهما عني: أنتم المسلمون حقا! قال: ثم أسلم خاقان ملك الخزر وأسلم معه خلق كثير من أهل بيته وأهل بلده (1). قال: فأقره مروان على ملكه ثم آخاه أخوة الاسلام وودعه وقبل هداياه، وسار راجعا يريد مدينة الباب والأبواب ومعه يومئذ سبي الكفار أربعون ألفا أو يزيدون، فأنزلهم مروان بموضع يقال له نهر السمور (2) إلى السهل من أرض الكر (3)، ثم إنه كتب إلى هشام بن عبد الملك يخبره بذلك، ووجه إليه ms1295 الخمس من جميع ما أفاء الله عليه. # قال: وجاء الشتاء وأقام مروان تلك الشتوة بموضع يقال له كساك (4)، فلما انسلخ عنه الشتاء وجاء الربيع عزم على الدخول إلى أرض السرير (5)، وكتب إلى عامله أسيد بن زافر السلمي أن يوافيه إلى أرض السرير فيمن معه من الجند والمقاتلة. قال: ورحل مروان من كساك حتى عبر نهر الكر وصار إلى بلد يقال له شكى ومن شكى إلى أرض السرير، فصار إلى قلعة يقال لها قلعة البلال وهي قلعة منيعة وحصينة، فأقام عليها شهرا كاملا لا يصل إلى شيء منها، فلما كان بعد شهر دعا الحدادين فأمرهم أن يصنعوا له أعمدة من حديد على مثل السكك، ففعلوا ذلك، ثم أمرهم أن يتخذوا ألواحا من خشب، فلما فرغ له من ذلك أمر بالأعمدة فحملت‌ على البغال، ثم أقبل إلى مؤخر القلعة ومعه يومئذ ثمانية آلاف رجل من نخبة عسكره عليهم الدروع والمغافر، فجعلوا يدخلون تلك الأعمدة ما بين حجارة السور واحدا حذاء الاخر، ثم وضع على عمودين لوح من خشب من تلك الألواح، وصعد # PageV08P263 # عليها الرجال وأهل القلعة غافلون لا يعلمون أنهم يؤتون من وراء القلعة، واقتحم مروان وأصحابه القلعة، فأخذ مقاتلهم بأجمعهم أخذا باليد، ثم قعد مروان على صخرة على باب القلعة، فجعل يدعو برجل رجل من أهل القلعة فيضرب أعناقهم حتى أتى على آخرهم، ثم إنه فرق نساءهم وأولادهم وأموالهم على أصحابه، وأمر بسور القلعة فهدم حتى وضع بالأرض. # قال: ثم رحل إلى حصن آخر يقال له حصن عميق (1)، فنزل عليه وحاربه أهل عميق حربا شديدا فظفر بهم مروان، فقتل رجالهم، وسبى نساءهم وأولادهم، وهدم حصنهم. # قال: واتصل الخبر بصاحب السرير فهرب من بين يدي مروان حتى صار إلى قلعة لا ترام يقال له خيزج (2)، وأقبل مروان حتى نزل عليها، فأقام أياما فلم يقدر عليها بوجه من الوجوه ولا بحيلة من الحيل. قال: وحلف مروان بيمين ليست لها كفارة أنه لا يبرح من هذه القلعة أو يدخلها أو يموت قبل ذلك. ثم ms1296 أمر الناس بالبنيان فبنوا حذاء القلعة، فلم يزل مروان مقيما على باب هذه القلعة حولا كاملا، فلما أعيته الحيلة فيها وثب فاغتسل بالماء غسلا نقيا وذلك جسده دلكا شديدا حتى ذهب رائحة الطيب، ثم دعا بثياب طباخه فلبسها، ولف على رأسه عمامة وسخة، ولبس خفين عظيمين، ثم إنه قعد وكتب كتابا من نفسه من مروان بن محمد إلى صاحب السرير: أما بعد فإني قد حلفت أني لا أنصرف أو تسالمني وأسالمك آخر الدهر، فإن رأيت أيها الملك أن تأذن لي حتى أدخلها وأنظر إليها فعلت ذلك منعما إن شاء الله تعالى. قال: ثم إنه شدد وسطه وأخذ الكتاب في يده وصعد وحده حتى وقف على باب القلعة، ثم استأذن وقال: قولوا للملك: رسول مروان بالباب! قال: فخبروا الملك بذلك فأذن له، فدخل حتى وقف بين يدي الملك ودفع إليه الكتاب، فأخذه ودفع إلى ترجمانه، فجعل يقرأ عليه بلسانه حتى أتى على آخره، ثم قال: خذوا هذا الرجل وأديروه في القلعة حتى ينظر هل لاحد إليها من سبيل! قال: فأخذ القوم بيدي مروان وجعلوا يديرونه في القلعة، ومروان ينظر إلى عمارة القلعة وتحصينها، حتى نظر إلى موضع يتهيأ أن تؤخذ القلعة منه، فنظر إليه وتأمله وعرفه. ثم أقبل على # PageV08P264 # القوم فقال: أعطوني خبزا آكل فإني جائع وأخاف أن يرحل مروان ولا ألحقه! قال: # فدفعوا إليه رغيفين وقطعة لحم دابة، وأخرجوه من باب القلعة، فأقبل مروان بن محمد حتى صار إلى عسكره، ثم دعا بثيابه فلبسها وقعد وكتب إلى صاحب السرير: # أما بعد يا بن الخبيثة! فأنا مروان بن محمد، وأنا الذي كنت رسول نفسي، فقد ؟؟؟ يميني التي كنت حلفت بها أني لادخل إلى قلعتك، وقد دخلتها ودرت فيها وعرفت مسالكها، وأنا أرجو أن أدخلها ثانية إن شاء الله وأنفك راغم فانظر أي رجل تكون! قال: فلما ورد كتاب مروان على صاحب السرير علم أن مروان بن محمد قد عمل عليه حتى دخل قلعته، فكأنه اتقى على نفسه وكتب إلى مروان يسأله ms1297 الصلح، فأجابه مروان إلى ذلك، فوقع الصلح بينهما على خمسمائة غلام وخمسمائة جارية شقر (1) الشعور والحواجب والأشفار (2) وعشرة آلاف دينار وخمسمائة (3) مد من طعام يحمل في كل سنة إلى مدينة الباب، فقبض مروان ذلك كله من صاحب السرير. # ثم رحل حتى نزل على حصن يقال له تومان (4)، فصالحوه على مائة رأس من السبي (5) وألف دابة وألف (6) مد من الطعام يحمل إلى مدينة الباب في كل سنة. # قال: ثم رحل مروان حتى نزل على حصن حمزين (7). وإذا أهل الحصن قد استعدوا لمحاربته، فحاربهم مروان وأصحابه حربا شديدا حتى كثر القتلى في المسلمين. فقال مروان: أيها الناس! أيما رجل صعد هذه القلعة فأخذها عنوة فله ألف دينار وله أفضل جارية في هذه القلعة! قال: فوثب رجل من العرب من تنوخ فقال: أنا لها أيها الأمير! قال: ثم أقبل التنوخي إلى موضع كان قد عرفه قبل ذلك، فجعل يصعد والقوم لا يعلمون حتى صار في رأس القلعة، ثم كبر ففزع القوم فعضوا أيديهم وسلموا القلعة بما فيها، فدخلها المسلمون عنوة، وخرج صاحبها حمزين شاه هاربا على وجهه حتى صار إلى القلعة الأخرى فتحصن فيها، وأخذ المسلمون ما # PageV08P265 # كان فيها من الأموال والنساء والذرية. ثم أقبل مروان على التنوخي الذي صعد القلعة فقال: إني قد كنت ضمنت لك ألف دينار وأنا أدفعها إليك، ولكن اختر أنت أي جارية شئت! قال: فوثب التنوخي إلى جارية حسناء فأخذها وقال: هذه أصلح الله الأمير! فقال: خذها فهي لك، قال فأخذ التنوخي الجارية وجعل ينحدر يريد العسكر فضربت الجارية بيدها إلى التنوخي فأعتنقته ثم رمت بنفسها وإياه إلى الوادي، فتقطعا جميعا على الحجارة فماتا. قال: فغضب مروان لذلك فقدم الرجل القلعة بأجمعهم فضرب أعناقهم، فما أبقى منهم أحدا، ثم إنه بث خيله بأرض حمزين فأخرب نيفا على ثلاثمائة قرية من قراهم. ثم أقبل حتى نزل على ملكهم حمزين شاه في قلعة وعزم على حصاره، فصالحه حمزين شاه على خمسمائة رأس من السبي وخمسمائة (1) مد من الطعام يحمل في ms1298 كل سنة إلى مدينة الباب. # قال: وجعل مروان بن محمد يفتح قلعة بعد قلعة حتى فتح جميع قلاع بلاد السرير وحمزين وتومان وسندان (2) وما والاها. ثم أقبل راجعا إلى مدينة الباب فنزلها، وهجم عليه الشتاء. و [لما] جاء الربيع أرسل إلى جميع ملوك الجبال فأقدمهم عليه من الشروان وإيران (3) وقيلان (4) وطبرستان وجميع البلاد إلى أربيس بن بسباس ملك الكر (5) فإنه امتنع عليه فلم يأته وأقبل مروان بن محمد حتى نزل على قرية يقال لها بيلستان (6) في بطن نهر السمور، ثم إنه بث الغارات في بلاد الكر، فجعل يغير وينهب ويحرق، فلم يزل على ذلك حولا كاملا. فلما كان بعد ذلك وطال الحصار على أربيس خرج من قلعته ليلا ومر هاربا على وجهه في نفر من أصحابه ومروان لا يعلم بذلك. قال: ومضى أربيس على وجهه حتى جاوز مدينة الباب والأبواب، ثم إنه مر بغلام راع فقال لأصحابه: خذوا شاة من غنم هذا الراعي، فأخذوا شاة من الغنم ونزل أربيس في موضعه ذلك، ثم إنه نزع ثيابه وجلس في قباء، وتفرق أصحابه فمنهم من يسلخ له تلك الشاة ليأكل منها ومنهم من # PageV08P266 # اشتغل يرعى الدواب. قال: وأقبل ذلك الغلام الراعي وفي يده قوس له وسهام حتى وقف من وراء شجرة، ثم رمى أربيس بسهم له فقتله. قال: وتنازع أصحابه وقالوا بألسنتهم وكلامهم: قتل الملك! قال: وهرب الغلام الراعي حتى صار إلى القرية ثم إنه خبر إياهم بما فعل. # قال: فأقبل الراعي حتى دخل مدينة الباب والأبواب، ثم سار إلى أميرها أسيد بن زافر السلمي فخبره بذلك. قال: فركب أسيد بن زافر من ساعته في نفر من أصحابه حتى صار إلى الموضع فنظر إلى أربيس بن بسباس قتيلا، فأمر برفع رأسه ثم احتوى على قليله وكثيره ورجع إلى مدينة الباب، ثم دعا بابنه يزيد فدفع إليه الرأس فقال له: سر إلى الأمير مروان فضع الرأس بين يديه. قال: فسار يزيد حتى صار إلى مروان وهو نازل في بطن نهر السمور حذاء القلعة، ms1299 فاستأذن يزيد بن أسيد على مروان فأذن له، فدخل وسلم، فقال له مروان: كيف أبوك يا يزيد؟ فقال: بخير أصلح الله الأمير! على أني جئتك ببشارة! قال: وما بشارتك؟ قال: رأس أربيس بن بسباس. قال: فجب مروان من ذلك ثم قال: ويحك! أربيس في قلعته وأنت قد أتيتني برأسه! قال: فخبره يزيد بن أسيد بأمر أربيس، فأمر مروان بالرأس فرفع على رمح له حذاء القلعة، ثم كبر المسلمون وأشرف أهل القلعة فنظروا إلى رأس صاحبهم أربيس، فأعطوا بأيديهم وذلوا وخضعوا، فأعطاهم الأمان وأقرهم في بلدهم ووظف عليهم في كل سنة عشرة آلاف (1) من الطعام يحمل إلى مدينة الباب (2). # قال: ثم سار مروان إلى بلاد أذربيجان فغزا أهل موقان وجيلان (3) والنهر والطالقان، وقتل منهم مقتلة عظيمة وسبى منهم نيفا على عشرة آلاف من نسائهم وأولادهم ففرقهم على أصحابه. ثم أقبل حتى نزل برذعة، وقد فتح أرمينية كلها وأذربيجان وجميع البلاد، فليس أحد يناويه في سلطانه. قال: وفي تلك السنة حبس كميت بن زيد (4) الأسدي رحمة الله عليه. # PageV08P267 ### | ذكر حبس الكميت رحمة الله عليه # حدثني إبراهيم بن عبد الله بن العلاء القرشي المدني قال: حدثني نصر بن خالد النحوي قال: حدثني الحكم بن سعيد الأسدي قال: أخبرني عيسى بن أعين وكان حاجبا لأبي عبد الله جعفر بن محمد رضي الله عنهما قال: كان السبب في حبس الكميت بن زيد (1) الأسدي أنه كان يقعد في المحافل وعلى قوارع الطرق فينشد الاشعار التي يمدح فيها بني هشام (2) ويهجو بني أمية ثم قال هذه القصيدة: # من لقب (3) متيم مستهام * غير ما صبوة ولا أحلام ففضل فيها بني هاشم على بني أمية حيث يقول: # ساسة لا كم يرى رعية (4) الن‍ * - اس سواء ورعية الانعام لا كعبد المليك أو كوليد * أو سليمان بعد أو كهشام قال: وبلغ ذلك خالد بن عبد الله القسري وهو يومئذ أمير العراقين من قبل هشام فأخذ الكميت وحبسه في سجنه، ثم كتب إلى هشام بن عبد الملك يخبره بذلك، وكتب هشام إلى ms1300 خالد بن عبد الله القسري أن خذ الكميت فأخرج لسانه من قفاه واقطع رجليه واصلبه على باب داره. قال: وبلغ ذلك أبان بن الوليد البجلي وكان صديقا للكميت فكتب إليه إلى السجن بهذه الأبيات: # إن كنت ذا قصبات في الخداع فرم * بدر السماء تنل أو مت على صمد أو فاتخذ نقبا في الأرض تنج به * وما أراك بناج آخر الأبد كن كالحسام سطت بالجفن شقرته * والامر أسرع من كف إلى عدد ولا تكن حفصا رهنا بقبضته * بذي الإماء وثق بالواحد الصمد قال: فلما وصلت هذه الأبيات إلى الكميت أيقن بالقتل وعلم أن أبان بن الوليد قد نصحه، فكتب إليه يجيبه على أبياته وهو يقول: # أسمعتها أذنا للغيب سامعة * أبا الوليد فلا عميت من رشد # PageV08P268 # كم من أخي حسد باتت عقاربه * تسري إلي فلم تضرب ولم تكد وبين مبتسم تبدو نواجذه * شماتة قد طوى كشحا على كمد لولا امتنانك عودا بعد بدأته * لكنت قبل ترى منا بلا قود قال: ثم بعث الكميت إلى امرأته أم ولد وهي ابنة عمه، وذلك أنه الكميت بن [زيد بن] خنيس (1)، وامرأته حبى بنت عبد الواحد بن خنيس، وخنيس ابن مجالد بن ربيعة بن قيس بن الحارث بن وهب بن عمرو بن مالك بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس [بن مضر -] بن نزار (2). # قال: فأرسل إليها الكميت أن أدركيني فقد هلكت، واحتالي لي بحيلة وإلا فقدت الكميت ولا كميت لك. قال: وكانت ابنة عمه هذه من بناء الشيعة، وكانت برة عاقلة لبيبة من النساء، فوثبت من ساعتها إلى ثيابها فلبستها، ثم أقبلت ومعها نسوة من بنات عمها إلى باب السجن، فقال السجان: من هؤلاء النسوة؟ فقيل له: هذه امرأة الكميت قد جاءت لتزور زوجها، قال: فأخرج الكميت إليها، فأوقفته بين النساء ثم ألبسته ثيابها وعلمته مشيتها فقالت: اخرج الكميت إليها، فأوقفته بين النساء ثم ألبسته ثيابها وعلمته مشيتها فقالت: اخرج الان مع هؤلاء النسوة وانج بنفسك وذرني أنا، ms1301 فليس أحد يتعرض لي! فتنقب وخرج من باب السجن مع النساء، فلما مر على السجان جعل ينظر إلى مشيته فقال: قبح الله هذه من مشية فما أشبهها بمشية رجل! قال: وجعل الكميت يمشي مع النساء ومشيته لا تخفى على أحد، حتى إذا صار إلى بني تميم مر على جماعة منهم (3)، فقال رجل من دهاتهم: # والله ما هذه المشية عندي إلا مشية رجل غير أنه قد تنقب ولا شك عنه يريد إلى بعض الأعراس، ثم قال لغلام له أسود: ويلك يا غلام! اذهب واتبع تلك المرأة فانظر إلى أين تدخل! قال: فذهب الغلام، فصاح به شيخ من بني تميم يقال له سعيد بن بديل (4) فقال: ويلك ارجع يا أسود! ويلك ما لك واتباع النساء! وذلك أن الشيخ وقع في قلبه أنه رجل فلم يحب أن يفضحه. قال: فرجع عنه الأسود ومضى الكميت حتى صار من النجع إلى آل علقمة الحضرمي، فدخل إلى دورهم فاستجار بهم فأجاروه، وهو الذي يقول فيهم حيث يقول: # PageV08P269 # ولولا آل علقمة اجتدعنا * بأيدينا أنوف مصلتينا قال: وقع الخبر في السجن أن الكميت قد هرب، فوثب السجان فدخل السجن إلى الموضع الذي كان فيه الكميت فإذا هو بامرأة الكميت جالسة، فما نظر إليها صاحت صيحة وقالت: وراءك لا أم لك! قال: فعلم السجان أنه قد عمل عليه فخرق ثوبه وصاح ووضع التراب على رأسه ثم قال لأعوانه: ويلكم امرأة دخلت السجن فخدعتني وخدعتكم فأخرجت زوجها من السجن فجلست في موضعه وأنتم لا تعلمون! قال: وبلغ ذلك خالد بن عبد الله القسري فبعث إلى السجان فأحضره، ثم أمر به فجرد من ثيابه وضربه بالسياط ضربا شديدا حتى أنه قد قتله، ثم قال: # مثلك يكون على سجن أمير المؤمنين! قال: ثم بعث خالد إلى امرأة الكميت فأحضرها وقال لها: يا عدوة نفسها (1)! أخرجت الكميت من السجن وجلست في موضعه وهو طلبة أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك؟ فقالت: نعم والله أخرجته ووقيته بنفسي، فاصنع ما بدا لك! قال: فتبسم خالد ms1302 ثم قال: هكذا فلتكن الحرة، فأطلقها ولم يتعرض إليها إلا بسبيل خير (2)، ثم إنه أخذ الطرق على الكميت أياما كثيرة وليالي فلم يقع له على أثر فأمسك عنه، ثم كتب إلى هشام بن عبد الملك يخبره بذلك، وأن الكميت هرب من السجن، وخبر الامرأة وكيف خدعت السجان، فاغتاظ هشام من ذلك غيظا شديدا ولم يدر ما يصنع. # قال: وخرج الكميت من المنزل الذي كان فيه في جوف الليل بعد عشرين يوما ومعه نفر من بني عمه من بني أسد يريد أرض الشام، فأخذ على طريق السماوة (3) فكان يسير الليل فيهتدي بالنجوم، فإذا أصبح نزل، فلما كان في الليلة الثانية من مسيره وأصبح أقبل على من كان معه فقال: أبشروا فقد أمنتم! ثم سار مع أصحابه نهارا فإذا بشخص قد أقبل من البعد ففزع أصحابه وأوتروا قسيهم، فقال الكميت: # ما شأنكم؟ فقالوا: نرى شيئا مقبلا. قال: فنظر إليه الكميت ساعة ثم قال: لا عليكم هذا ذئب قد أتاكم، قال: وتقارب الذئب منهم فذهب بعض بني عمه ليرميه فقال الكميت: مهلا لا ترموه، فإنه إنما جاءكم مستطعما فأطعموه! قال: ثم التفت # PageV08P270 # الكميت إلى مولى يقال له صاعد فقال: يا صاعد! الق له شيئا! فألقى إليه صاعد ذراعا من لحم فأكلها، ثم قال: صب له شولا من ماء! قال: فصب له صاعد بقية ماء كان في القربة، فشرب. فقال الكميت: أجرنا إن شاء الله تعالى! قال: ثم سار القوم فجعل الذئب يعوي عواء شديدا، قال بعضهم: ويله! فما له يعوي؟ أليس قد أكل وشرب؟ فقال الكميت: أظنه يخبرنا أنا على غير طريق وقد صدق فتيامنوا، فتيامن القوم فسكن عواؤه. قال: فلم يزل الذئب يتبع الكميت وأصحابه ويطعم ويسقى إلى أن نظر القوم إلى أقطار الشام فانصرف عنهم الذئب، فأنشأ الكميت يقول: # لقينا بها ذئبا ضريرا كأنه * إلى كل من لاقى من الناس مذنب مضيعا إذا أثرى كسوبا إذا عدا * لساعته ما يستفيد ويكسب تضور يشكو ما به من خصاصة * وكان من الافصاح بالشكو ms1303 يعرب فنشنا (1) له من ذي المزاود بضعة * وللزاد آسار تلقى (2) وتوهب وقلنا له هذا لك اليوم عندنا * ومن ذي الأداوي عندنا لك مشرب فصب له شولا من الماء صاعد * فسكن عنه غلة تتلهب قال: ثم دخل الكميت أرض الشام ليلا، وصار إلى مسلمة بن عبد الملك مستجيرا به من هشام بن عبد الملك، فوقف بين يديه وأنشأ يقول: # يا مسلم بن أبي الولي‍ * - د لميت (3) إن شئت ناشر كم قال قائلكم لعا * لك عند عثرته لعاثر (4) وغفرتم (5) لذوي الذنو * ب من الأصاغر والأكابر فلقد نزلت إليكم * غير المبجل للمعاذر علقت حبالي من حبا * لك ذمة الجار المجاور ومحل بيتي من بيو * تك غير منقض الدوائر فالآن صرت إلى أمي‍ * - ة والأمور إلى المصاير # PageV08P271 # قال فقال له مسلمة: ويحك يا كميت! قد والله رأيت أمير المؤمنين حنقا عليك شديدا، وما أثق بنفسي لك منه، ولكني أشير عليك بواحدة، إنه قد مات له ابن يقال له معاوية، وهو غذا صائر إلى القبر (1)، فكن أنت هنالك قبل مجيئه فاستجر به وأنا أعينك على ذلك. قال: فانصرف الكميت من عند مسلمة، ثم إنه بكر إلى قبر معاوية بن هشام فجلس إليه، وقد هيأ أبياتا من الشعر، وخرج هشام من قصره يريد القبر ومعه سادات بني عمه من بني أمية ومسلمة يسير عن يمينه، فلما نظر إلى الكميت من بعيد قال: إني أرى رجلا قاعدا عند القبر، فقيل: يا أمير المؤمنين لعله مستجير قد استجار بالقبر! فقال هشام: قد أجرنا كل من قد استجار إلا الكميت، فقال مسلمة: يا أمير المؤمنين وما الكميت حتى يستثنى باسمه! قال هشام: فإنا قد أجرناه وإن كان الكميت. قال: ودنا هشام إلى القبر، فوثب الكميت قائما وهو يقول: # تأوب عيني داءها فاستهلت * بعبرة محزون هضاب وقلت على هالك من آل فهر بن مالك * له كشفت شمس النهار وكلت فلا تحسب الأعداء إن مات أنني * خذلت ولا أبيات قومي قلت سأبكيك للدنيا وللدين إنني * رأيت يد المعروف بعدك شلت قال: ms1304 فدمعت هينا هشام، ثم دنا فجلس عند القبر، فوثب الكميت قائما على قدميه ثم استأذن في الكلام، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال (2): إن الله عز وجل جعل أولياء دعوته وسيوف نقمه وأنصار دينه ورقباء عدله وورثة فضله وعيبة علمه ومعادن حكمه، وخلفاءه في عباده وبلاده آباء أمير المؤمنين أطال الله في العافية! # ومنتهى الرغبة في بقائه، فهم المطهرون من الدنس، المصفون من النجس، النجباء في النسب، البلغاء في الحسب، النخباء في الأزل، السمحاء في المحل، الحكماء المساميح، الرحماء المناصيح، لا كفره ممنوع ولا فجره، ولا معازيل ولا سائل في الهيجاء، ولا مهاذير في الملاء، ولا حمد في اللواء، ولا مناكيد عند العطاء، ولا جبن عند الأعداء، ولا قحط قنط في السنين، ولا سقط فرط عن المقلين، ولا حزر بزر للدائرين، ولا مطلق الألسنة بجهل الجاهلين، لا مروعون بالأهاويل ولا لاهون بالأباطيل، أهل الحلوم عن البوادر والعلوم بالمخاطر، ولطاف # PageV08P272 # أمير المؤمنين أيده الله تعالى وكريم عنصره وطيب جوهره، شاد له ما شرف بناؤه وزهر بهاؤه، فلم يأل أن زاد بناء ونماء وعلوا وبهاء باللين في رعيته، والعدل في سيرته، والبذل في فضله، والتوفيق من عدله، والكرم من شيمته، والصدق من ضريبته، والحق من رأيه، والمن من آلائه، والعفو عن العثرة والحلم بعد البدرة، ثم إنني كنت أيد الله أمير المؤمنين تهت في حيرة، وتحيرت في غمرة، زين لي خطلها، واستفزني أملها (1)، وعشيتني أمورها، وغرتني غرورها، أسار بي غاويها، وهتف بي داعيها، فأجبت إلى الضلالة، وتسكعت في الجهالة، حيران حائرا عن الحق، نافرا قائلا بغير الصدق، ملتبا بالعمر، خابطا في الظلمة، جائزا عن الرشدة، متأملا بغير فهم، ناظرا إلى غير علم، حتى إذا انجلت عني غياهبها بعد اسمدرار ناظري إليها، وانقشع لي سحابها عن طمع رجائي فيها، سئمت حياء العدى من أمير المؤمنين الذي أثبت الله به وبآبائه أركان الاسلام، وقوم به وبهم دعائم الأيام، فصادفت عز وجوده على منهمره، وثمار أفنان رأفته على مهتدله، وفي ذلك أقول: # ما أبالي إذا ms1305 لقيت هشاما * وبنيه قبيلة والدبيرا البسوا العدل والسكنية * والحلم ثيابا فلن أراها نحورا قال: فتبسم هشام لفصاحة الكميت ولما أتى به في ذلك الوقت من هذا الكلام. ثم قال: كيف أمنتني يا كميت وقد قلت ما قلت؟ فقال: إن شئتم أمير المؤمنين أيده الله أمنتني من سطوته، ورفع من قدري ما كان خاملا بمشافهته، وربط من ج أشي ما كان منحلا بمخاطبته، وكرمه أطمعني في عفوه وأطلق لساني بعد كعمه، ثم قال: عائب (2) ومذنب تاب فمحا باليقين (3) ذنبه وبالصدق كذبه. فالتوبة قبل الحوبة، والصفح بعد القدرة. قال هشام: وما الذي (4) أفلتك من مخالب القسري وقد أسهرت ليله وأطلت فكره؟ فقال: يا أمير المؤمنين! أفلتني منه صدق النية في التوبة، فتاب عن صفاحي مناسمه، أو غشي عن عيون حرسه حتى طلقت من وثاقه. وخرجت خروج القدح من محبسي على رغم أنفه، قال هشام: فما الذي # PageV08P273 # حملك على الغواية (1)؟ قال: الذي أغوى آدم من قبلي (فنسي ولم نجد له عزما). قال هشام: فهل قلت في خروجك من السجن شيئا؟ قال الكميت: نعم يا أمير المؤمنين أنا القائل في ذلك: # لقد رام مني خالد وابن خالد * دواهي شتى من جهاد ومن ختل فما أطلقا من محكماتي عقيدة * وما ازداد إلا مرة لهما قتلي عصيت فلم أحلل عليهم بدرة * ولم يجدوني ذا سقاط وذا فشل فلما أحلوني بصلعاء صيلم (2) * وصول عبوس الليل بين أبي الشبل خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل * على الرغم من تلك النوابح والمشلي (3) علي ثياب الغانيات وتحتها * عزيمة أمر شبهت سنة النصل قال: فأطرق هشام يفكر في أمره ثم رفع رأسه وقال: خبرني بأي قديم وحديث هجوت بني أمية ولولا سعة أحلامها لضاق عليك الأرض برحبها، ويخص بلهواتك زلاها وعذبها؟ قال: فسكت الكميت وتكلم رجل من حاشيته، فقال: يا أمير المؤمنين! ما خسر بذلك إلا حظه، ولا أحبط إلا عمله، ولا ضر إلا نفسه إذ حاول بشعره من أراد الله حط درجته، وحط من أراد الله أن يعلي مرتبته. قال: ms1306 فأشار هشام إلى ذلك الرجل أن كف فسكت الرجل وتكلم الكيمت فقال: يا أمير المؤمنين! تقبل توبة مذنب راجع عن ذنبه، ولا تفزعه بما كان من تفريطه عن طريق الحق، قال هشام: فليفرج روعك فقد أجرناك، وعفونا كل ما كان منك إذا أنبت إلى الحق، واعترفت بالذنب. قال: ثم وصله هشام بعشرة آلاف درهم (4)، ووصله مسلمة بخمسة آلاف درهم (5). ثم أخذ له كتاب منشور من هشام: لا سبيل لاحد عليه - والسلام -. # PageV08P274 ### | ذكر أخبار الكميت في أهل البيت رضي الله عنهم وهي أخبار حسان منتخبة # قال عبد الله بن زرارة: سمعت أبي يقول: كنا عند أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنهما إذا الكميت قد استأذن، فأذن له فدخل ثم جلس وأنشد أبا جعفر رضي الله عنه قصيدته الميمية حيث يقول: (من لقلب (1) متيم مستهام). # حتى إذا فرغ منها قال أبو جعفر: يا كميت! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان بن ثابت إنك لا تزال مؤيدا ما نصرتنا بلسانك. # قال: ودخل الكميت بن زيد وأخوه الورد بن زيد على أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه في بعض أيام التشريق بمنى فقال الكميت: يا بن رسول الله صلى الله عليه وسلم! قد قلت أبياتا أفلا أنشدكها؟ فقال له أبو جعفر: يا أبا المستهل! # عليك بذكر الله فإنها أيام ذكر، فقال: صدقت يا بن رسول الله! وإني أحب أن تسمعها، فقال: هات ما بدا لك! فأنشده كميت قصيدته التي يقول فيها (2): # ألا أبلغ أمية حيث حلت * وإن خفت المهند والقطيعا (3) قال: فرأيت أبا جعفر وقد حسر عن ذراعيه ثم تحول إلى القبلة ورفع يديه فقال: اللهم اغفر للكميت! يقوله ثلاثا. # قال حكم بن سعيد الأسدي: أخبرني عيسى بن أعين وكان راويا لأبي عبد الله جعفر بن محمد رضي الله عنه قال: كنت أنشد أبا عبد الله أشعار الكميت، فإذا أنشدته مديحه في بني أمية يقول: ما أشعره! وإذا أنشدته فيهم يقول: هذا شاعرنا أهل البيت! فإذا أنشدته ms1307 شعره في ادعائه بالقبائل يقول: ما أنسبه. # قال أبو ثميلة: قال داود بن مصعب الأسدي: دخلت أنا والكميت بن زيد # PageV08P275 # على فاطمة بنت الحسين أم عبد الله بن الحسن (1) بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فألقت لنا وسائد فجلسنا، ثم أقبلت على الكميت فقالت: يا كميت - جزاك الله عنا خيرا، فلقد أحببتنا حين أبغضنا الناس، ومدحتنا ح ين غلبنا الناس، ووصلتنا حين قطعنا الناس. قال: ثم دعت له بقدح سويق وماء فجدحته بيدها وناولته إياه، فأخذ الكميت وشربه، ثم إنها أشارت إلى الجارية بشيء وقالت: يا أبا المستهل! إنا قد أمرنا لك بمركب وستين دينارا نفقة، فإن أنت تقبل ذلك! قال: فهملت عيناه بالدموع ثم قال: والله يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم! لا أرزأك ولا أرزأ غيرك على شيء من مدحتكم شيئا أبدا حتى يكون الذي أقول فيكم يجزيني عليه ربي، وأيم الله! لولا أني طلبت البركة في هذا السويق إذ جدحته بيدك إذا لما ذقته، ثم هض فخرج من عندها. # قال: وقال يحيى بن يزيد قال أبي يزيد بن علي أخبرني عمي عمر بن الحسن قال: قدم علينا الكميت بن زيد إلى المدينة، فاستنشدناه ذات يوم، فأنشدنا قصيدة له في رسول الله (صلى الله عليه وسلم وعلى آله) هذه الأبيات (2): # سل الهموم لقلب غير متبول * ولا رهين لدى بيضاء عطبول ولم أقف بديار الحي أسألها * أبكي معارفها ضلا بتضليل (3) ما أنت والدار إذ صارت معارفها * للريح مدرجة ذات الغرابيل تسدي الرياح بها ذيلا وتلحمه * ذيلا بمعتطف منها ومشمول (4) نفسي فداء الذي لا الجور سنته * ولا المعاذير من بخل وتبخيل نفسي فداء رسول الله قيل له * مني ومن بعدها أدنى لتفليل الحازم الامر والميمون طائره * والمستضاء به والصادق القيل قال: فبكى الناس بكاء شديدا، وانصرف الكميت إلى منزله، فجمع له أصحابنا ألف دينار وكسوة من الثياب الجدد وغير ذلك، ثم بعثوا بها إليه فردها، # PageV08P276 # فقال: إني لم أقل ما قلته للدنيا، ولو أردت ms1308 الدنيا لاتيت من الدنيا فائدة، ولكني رجوت ثواب الله عز وجل والتقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحبتكم، فأما ما أصاب أجسادكم الطاهرة من هذه الثياب فإني أقبله وألبسته ألتمس بذلك البركة، وأما هذه الألف دينار وما لم يصب أجسادكم فلا حاجة لي فيها، ولو كنت محتاجا لكنتم أحق من آخذ منه شيئا، ولكني غني بحمد الله ومنه. قال: ثم أخذ الثياب التي قد لبست، ورد سائر ذلك ولم يقبل منه شيئا. # قال: وكتب هشام بن عبد الملك إلى خالد بن عبد الله القسري يأمره أن يكتب إلى أخيه أسد بن عبد الله بخراسان (1) بالجهاد، فجمع أسد بن عبد الله المسلمين وسار نحو الترك والسغد فرجع مفلولا ولم يصنع شيئا، ثم رجع في السنة الثانية، غزا فلم يصنع شيئا، ثم غزا في السنة الثالثة فوغل في بلاد الترك وجبالهم وشعابهم فرجع ولم يصنع شيئا وقد مات من أصحابه خلق كثير من الجوع والعطش. ثم أرسل أسد بن عبد الله إلى وجوده قواده مثل نصر (2) بن سيار الكناني وعبد الرحمن بن نعيم المازني (3) وسورة بن الحر (4) الدارمي والبختري بن أبي الدرهم القيسي فقال لهم: # يا أعداء الله! والله ما أوتى إلا من قبلكم، وذلك أنكم لا تنصحون أمير المؤمنين في الجهاد ولا تناصحون. قال: ثم جردهم فضربهم بالسياط، وحلق رؤوسهم ولحاهم، وقيدهم وغل أيديهم إلى أعناقهم، وبعث بهم إلى أخيه خالد بن عبد الله القسري إلى العراق، فأنشأ نصر بن سيار يقول في ذلك (5): # بعثت بالعتاب في غير جرم * في كتاب تلوم أم حكيم لا تلومي على البلاء فإن الل‍ * - ه يؤتي البلاء بعد النعيم قال: وبلغ ذلك هشام بن عبد الملك فغضب لما فعل أسد بن عبد الله بهؤلاء القوم، فأرسل إليه فعزله عن خراسان (6)، وولى مكانه رجل من أهل الجزيرة يقال # PageV08P277 # له الأشرس بن عبد الله السلمي. # قال: فقدم الأشرس بن عبد الله السلمي أرض خراسان في جيش عظيم. # قال: وبلغ ذلك الترك والسغد فاجتمعوا له ببخارى ms1309 في نيف على مائة ألف. قال: # وسار حتى وافى الكفار في أرض بيكند، واقتتل الناس هنالك قتالا شديدا، فقتل من المسلمين زيادة على ألف رجل من بني تميم، وقتل من الكفار مقتلة عظيمة وولوا منهزمين فلم تقم لهم قائمة دون سمرقند، ورجع الأشرس بن عبد الله بأصحابه حتى عبر النهر وصار إلى بلخ. وبلغ ذلك هشام بن عبد الملك، فأرسل أيضا إلى الأشرس بن عبد الله فعزله عن خراسان (1)، وولى مكانه الجنيد بن عبد الرحمن المزني (2). # قال: وأقبل الجنيد حتى دخل أرض خراسان، ثم سار حتى نزل على أرض بلخ، وأمر بعقد الأطواق ثم عبر بالمسلمين. وبلغ ذلك خاقان ملك الترك، فسار نحو المسلمين في سبعين ومائة ألف حتى صار إلى نهر بلخ، فاقتتلوا قتالا شديدا، وحمل رجل من المسلمين يقال له واصل بن عمرو (3) على جميع الترك حتى خالطهم، ثم وصل إلى خاقان الملك فضربه على البيضة، فرمى بها عن رأسه، وولى ملك الترك منهزما هو وأصحابه، ووضع فيهم السيف، فقتل منهم نحو ثلاثة آلاف رجل، فأنشأ واصل بن عمرو ويقول في ذلك: # فلولا الله ليس ‌له نصير * وضربي قويس الملك الهمام أكر عليهم اليحموم كرا * ككر الشرب آنية المدام قال: وانصرف الجنيد بن عبد الرحمن إلى مدينة مرو فنزلها، وشتى بها تلك الشتوة. فلما انسلخ عنه الشتاء أقبل بالمسلمين حتى نزل على نهر بلخ، وقد لحق به نصر بن سيار وأصحابه الذين كانوا حملوا من خراسان إلى العراق، وذلك أن هشام بن عبد الملك أرسل إلى خالد بن عبد الله القسري فأمره بإطلاقهم وأن يلحقهم بالجنيد بن عبد الرحمن ليكونوا معه، فعبر الجنيد بالمسلمين نهر بلخ، ثم دعا برجل # PageV08P278 # يقال له سورة بن الحر (1) الدارمي فعقد له عقدا، وضم إليه أربعة آلاف رجل، ووجه به إلى بخارستان (2). قال: وأما عمارة بن حريم المري فإنه عقد له عقدا وأرسل به إلى بخارستان، فلم يحارب أهلها حتى أذعنوا له بالسمع والطاعة، فأخذ منهم الأموال والرهائن ورجع إلى صاحبه الجنيد بن ms1310 عبد الرحمن. # وأما سورة بن الحر فإنه سار إلى سمرقند، فلما دخلها بلغ ذلك خاقان ملك الترك فسار إليه في خمسين ألف من الترك والسغد حتى نزل على سمرقند (3). قال: # وبلغ ذلك الجنيد بن عبد الرحمن وهو نازل على شاطئ نهر بلخ في ثمانية وعشرين ألفا، فهم أن يسير بالمسلمين إلى سمرقند، فقال له نصر بن سيار (4): لا تعجل فإن سورة بن الحر الدارمي وأصحابه في جوف سمرقند، وسمرقند مدينة حصينة منيعة. # فقال الجنيد: والله إن معي من بني عمي خمسمائة رجل، كل رجل منهم يعد بألف من الترك، ووالله لو لم يكن معي غيرهم للقيت بهم ملك الترك وجميع من معه من الكفار، قال: وجعل الجنيد يتمثل بهذا البيت (5) ويقول: # أليس أخو الهيجاء أن يشهد الوغى * وأن يقتل الابطال ضخما على ضخم (6) قال: ثم سار الجنيد بمن معه من المسلمين يريد إلى سمرقند وهو يرتجز ويقول: # ما حالتي اليوم وماذا علتي * إن لم أقاتلهم فجزوا لحيتي (7) قال: وبلغ خاقان مسير الجنيد بن عبد الرحمن إلى ما قبله، فأرسل إلى طريق # PageV08P279 # كس (1) ونسف (2) منن طريق البرية فغور الأبئار والطرق. وبلغ ذلك الجنيد بن عبد الرحمن فعلم أنه لا يقدر يسلك البرية، فأخذ على طريق آخر يقال له طريق الشعب. فلما توسطه هو وأصحابه وإذا بالترك قد أحدقوا بالمسلمين من كل ناحية على غير أهبة. قال: ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا قتالا لم يقاتلوا مثله في يوم مضى قبله. قال: وجعل نصر بن سيار يقاتل قتالا لم يسبقه إليه أحد من نظرائه، فلم يزل كذلك حتى انكشف على وجوههم وصارت الفعلة في أيدي المسلمين وقد قتل من الترك مقتلة عظيمة، وغنم الناس غنيمة عظيمة (3). # قال: وتكلم قوم عند الجنيد بن عبد الرحمن فقالوا: أصلح الأمير! إنه ليس يجب أن يغفل عن مثل نصر بن سيار ولا يقصر في بره لشرفه وشرف آبائه وسابقتهم في الاسلام وما قد رأى الأمير أصلحه الله من فعاله في هذا اليوم. قال: فغضب الجنيد بن ms1311 عبد [الرحمن] وقال: من نصر بن سيار؟ وما كان من نصر بن سيار؟ # فوالله إن أقل رجل في بني عمي قد عمل في هذا العدو ما لم يعمله نصر بن سيار، ولا يقدر عليه ولو عمر الدهر! قال: وبلغ ذلك نصر بن سيار فأنشأ يقول (4): # إن نشأت وحسادي ذوو عدد * يا ذا المعارج لا تنقص (5) لهم عددا إن تحسدوني على حسن البلاء لكم (6) * فإن مثل بلائي ولد الحسدا قال: فبلغ الجنيد بن عبد الرحمن ما قال نصر بن سيار، فأرسل إليه وترضاه وتعذره وأعتبه من موجدته عليه. # قال: وجعل خاقان يجمع الجموع لحرب المسلمين حتى صار في مائة ألف، وسار الجنيد في ثمانية وعشرين ألفا (7)، وأرسل إلى سورة بن الحر الدارمي وهو يومئذ بسمرقند أن أخرج بمن معك إلى خاقان، فإني قد زحفت إليه بخيلي ورجلي، فكن أنت من ورائه وأنا من بين يديه، فعسى الله تبارك وتعالى أن يهلكه. قال: # PageV08P280 # فخرج سورة بن الحر من مدينة سمرقند في عشرين ألفا من أصحابه وممن اتبعه من أهل سمرقند. قال: وعلم خاقان بذلك فقال لأصحابه: ذروا عنكم الجنيد بن عبد الرحمن، واعطفوا بنا إلى سورة بن الحر وأصحابه! قال: فعطفت الترك والسغد نحو المسلمين الذين خرجوا من مدينة سمرقند، والتقى القوم للقتال، والجنيد بن عبد الرحمن لا يعلم بذلك ولا يرحل بعد من موضعه، فاقتتل المسلمون مع الترك قتالا شديدا، فلم يكن لهم بهم طاقة، فقتلوا المسلمين بأجمعهم رحمة الله عليهم (1). # قال: وإذا برجل من أهل سمرقند قد أقبل مكتوفا وفي عنقه رأس ابن الحر، قال: فنظر إليه الجنيد بن عبد الرحمن من بعيد فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قتل والله سورة بن الحر وأصحابه! قال: وضج المسلمون بالبكاء والنحيب، فأنشأ رجل من أصحاب الجنيد يقول: # تطاول ما أنان علي ليلي * ولكن لا يطول على النيام إذا أغفيت أرقت نوم عيني * حوادث قد أنحن على التمام مصاب عشيرتي وجلاء ثغري * على مر المصيبات العظام قال: وشمت نصر بن سيار بالجنيد ms1312 بن عبد الرحمن فجعل يعرض (2) به وهو يقول: (3) أبغضت من عينك (4) تبريحها * وصورة في جسد فاسد كنت تظن الحرب إذ رمتها * كشربك القرقف والبارد (5) تلعب (6) بك الترك وأبناؤها * لعب صقور بقطا وارد قال: ثم أرسل الجنيد بن عبد الرحمن إلى مرو وبخارستان وإلى جميع من كان على دين الاسلام فحشرهم إليه، ثم عرضهم فكانوا ثلاثة وأربعين ألفا، فضمهم # PageV08P281 # إلى رجل من أصحابه فوجه به نحو خاقان ملك الترك. قال: وخاقان يومئذ على باب سمرقند وقد حاصر أهلها أشد الحصار، حتى عزم أهلها أن يسلموها. قال: فلم يشعر إلا وخيل المسلمين قد أشرفت، فلما نظر إليها أهل سمرقند فرحوا بذلك واستبشروا واشتدت ظهورهم. قال: ونظر خاقان إلى عساكر المسلمين قد وافت، فعبى أصحابه ودنا من خيل المسلمين، والتقى القوم على باب سمرقند فاقتتلوا، ونزل المسلمون عن دوابهم وجثوا على الركب وعزموا على الموت، واشتد القتال بين الفريقين، فقتل من المسلمين يومئذ بشر كثير، وقتل من المشركين زيادة على عشرة آلاف، وانهزم خاقان في باقي أصحابه، فمروا هاربين في الجبال والأودية والغياض حتى صاروا إلى بلادهم. وبلغ ذلك الجنيد بن عبد الرحمن فأقبل حتى دخل مدينة سمرقند، فنزلها ثم جمع أموالها، فأعطى كل ذي حق حقه، وفضل من أراد من أصحابه وبني عمه، وقصر بنصر بن سيار وبني عمه، فلم يفعل بهم ما يجب أن يفعل بأمثالهم من العطية والجوائز، فأنشأ نصر بن سيار يقول: # لئن كنت في دنيا وملك أصبته * بلا حسب زال ولا طعان فقد يبتلي ذو الملك بالبخل والغنى * ويصرف عن ورى الزناد هجان لعمري لقد أصبحت في اليوم راغبا * وقد حل منك اللوم كل مكان قال: ودعا الجنيد بن عبد الرحمن برجل من بني عدي يقال له موسى بن النصر (1) فضم إليه خمسة آلاف رجل من المقاتلة وجعله مقيما بمدينة سمرقند، ثم رحل حتى صار إلى مدينة مرو فنزلها، وكتب إلى هشام بن عبد الملك يخبره بما كان من أمر خاقان ومحاربته إياه، وبعث أيضا مع الكتاب إلى ms1313 هشام بهدايا ومطارف من هدايا خراسان ودوابها وأموالها، ثم إن الجنيد بن عبد الرحمن مرض بمدينة مرو مرضا شديدا واستسقى بطنه فمات (2)، فقبره بمرو. # فلما مات الجنيد بن عبد الرحمن وثب رجل من أصحابه يقال له الحارث بن سريج، فتغلب على خراسان، واحتوى على مرو الروذ وفارياب والنمرود (3) والطالقان وعامة مدائن خراسان، فأخذها وجعل يجبي أموالها ويفرقها في أصحابه، # PageV08P282 # حتى التأم إليه خلق كثير من أهل الذعارة والفساد. قال: وبلغ ذلك هشام بن عبد الملك فدعا برجل يقال له عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي (1)، فولاه بلاد خراسان، فلم يكن له طاقة بالحارث بن سريج، فعزله هشام وولى مكانه أسد بن عبد الله القسري (2). قال: قدم أسد بن عبد الله بلاد خراسان، وهذه قدمته الثانية فنزل مدينة مرو وجعل يوجه الجيوش لمحاربة الحارث بن سريج. قال: ونظر الحارث بن سريج إلى كثرة الخيل قد وافته من كل ناحية فجمع إليه أصحابه، ثم سار حتى دخل بلاد الترك فصار إلى خاقان مستأمنا إليه. قال: فأنزله خاقان مدينة من مدائن الترك يقال لها فاراب (3) فجعلها طعمة له ولأصحابه. قال: وسار أسد بن عبد الله القسري من مدينة مرو في جيش لجب يريد حرب ابن سريج، حتى إذا صار إلى مدينة بلخ أدركته الوفاة فتوفي بها (4)، وتولى أخوه خالد بالعراق. قال: فأرسل هشام إلى يزيد بن خالد فولاه العراق جميعا مكان أبيه، وأرسل إلى نصر بن سيار فولاه بلاد خراسان بأجمعها من دون النهر إلى ورائه إلى أرض الشاش وفرغانة وما يليها. قال: فكان نصر بن سيار عاملا على خراسان يغزو أطرافها، فكلما فتح بلدا تألف به أهله، ويخفف عنهم الخراج حتى أحبه الناس ومالوا إليه. وجعل يزيد بن خالد بن عبد الله القسري يجور على أهل العراق فيأخذ أموالهم ويقتل رجالهم، حتى بلغ منهم كل مبلغ. قال: وشكاه الناس إلى هشام بن عبد الملك ورفعت فيه القصص وكتبت فيه الكتب. قال: فدعا هشام بن عبد الملك بيوسف بن عمر (5) الثقفي فولاه ms1314 العراقين جميعا البصرة والكوفة وما والاهما، وأمره أن يأخذ يزيد بن خالد فيعذبه بكل عذاب يقدر عليه، ويستخرج ما عنده من الأموال التي جباها من أهل العراق. ### | ذكر ولاية يوسف بن عمر الثقفي العراق وابتداء أمر زيد بن علي بن الحسين ومقتله # قال: فتقدم يوسف بن عمر الثقفي العراق، فأقبل حتى نزل الحيرة ووجه # PageV08P283 # بعماله إلى جميع البلاد، ثم أرسل إلى يزيد بن خالد القسري فأشخصه إليه من البصرة، فاستأداه جميع ما عليه من الأموال، وجعل يعذبه بأنواع العذاب لكي يستصفيه الأموال، فقال له يزيد: أيها الأمير! لا تعجل علي بالقتل فإن لي مالا على قوم كنت استودعتهم إياه، وأرجو أن آخذه منهم فأدفعه إليك! فقال له يوسف: ومن هؤلاء الذين تذكر أنك استودعتهم هذا المال؟ فقال: أصلح الله الأمير! أولهم زيد بن علي بن حسين بن علي ومحمد بن عمر (1) بن علي بن أبي طالب وداود بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب وإبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري وأيوب بن سلمة بن عبد الله المخزومي (2). # قال: وكان هؤلاء القوم يومئذ بالشام عند هشام بن عبد الملك فكتب يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك فخبره بذلك، فأرسل هشام إلى هؤلاء القوم فدعاهم وذكر لهم ما كتب به إليه يوسف بن عمر مما ادعى عليهم يزيد بن خالد القسري، فأنكروا ذلك وقالوا: يا أمير المؤمنين! ما له قبلنا دعوى ولا طلبة، ولعله إنما أراد أن يتبرد بنا من ذلك العذاب الذي هو فيه. قال هشام: فإني باعث بكم إلى يوسف بن عمر ليجمع بينكم وبين صاحبكم، فقال له زيد بن علي: أنشدك الله يا أمير المؤمنين والرحم أن تبعث بي إلى يوسف بن عمر! فإني أخاف أن يتعدى علي. قال هشام: # ولم يتعدى عليك وليس له ذلك؟ قال: ثم أمر هشام كاتبه فكتب إلى يوسف بن عمر (3): أما بعد فقد وجهت إليك بالقوم الذين ادعى عليهم يزيد بن خالد ما ادعى، فإذا ms1315 قدموا عليك فاجمع بينهم وبين صاحبهم، فإن هم أقروا (4) بما ادعى عليهم فوجه بهم إلي، وإن هم أنكروا فسله البينة عليهم، فإن لم يقم البينة فاستحلفهم بعد صلاة العصر يوم الجمعة في مسجد الجامع بالله الذي لا إله إلا هو إنه ما استودعهم يزيد بن خالد وديعة ولا له مال عليهم لا قليل ولا كثير! فإذا حلفوا فخل سبيلهم - والسلام -. # قال: فقال القوم: يا أمير المؤمنين! إنا نخاف أن يتعدى علينا يوسف بن عمر، فقال هشام: كلا إني باعث معكم رجلا لا يقدم عليكم بشيء من المكروه. # PageV08P284 # قال: فخرج القوم من الشام فجعلوا يسيرون حتى قدموا العراق، ثم صاروا إلى الحيرة وبها يومئذ يوسف بن عمر، ثم دخلوا فسلموا فرد عليهم السلام، ثم أدناهم ورحب بهم، وقرب زيد بن علي خاصة فأقعده إلى جنبه وألطف به في المسألة، وأقبل إليه وإلى من معه فقال: إن يزيد بن خالد القسري محبوس في سجني، غير أنه يذكر أن له عندكم مالا استودعكم إياه، فما تقولون؟ قال: فأنكروا ذلك بأجمعهم وقالوا: أصلح الله الأمير! ما استودعنا مالا ولا له (1) قبلنا دعوى ولا طلبة. قال: فأمر يوسف بن عمر بيزيد فأحضره، ثم قال له يوسف بن عمر: هؤلاء القوم الذين ادعيت عليهم، فهات ما عندك! فقال يزيد بن خالد: أيها الأمير! ما لي عندهم قليل ولا كثير، ولا دعوى ولا طلبة، بوجه من الوجوه ولا بسبب من الأسباب. قال: فغضب يوسف بن عمر ثم قال: إنما كنت تهزأ بي وبأمير المؤمنين! ثم أخرج القوم إلى المسجد الأعظم بعد صلاة العصر فحلفوا، فخلى سبيلهم. فخلف ثلاثة منهم بالمدينة. وأقام زيد بن علي بن الحسين ومحمد بن عمر بن علي بالكوفة. قال: وجعل يوسف بن عمر يعذب يزيد بن خالد القسري بأنواع العذاب حتى مات. ### | ابتداء خبر زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم # قال: وجعلت الشيعة من أهل الكوفة يختلفون إلى زيد بن علي ويأمرنه (2) بالخروج على هشام بن عبد الملك ويقولون له: والله ms1316 يا بن رسول الله إنا لنرجو أن تكون المنصور من آل محمد! وإنه قد دنا هلاك بني أمية (3). قال: فأقام زيد بن علي بالكوفة، وجعل يوسف بن عمر يسأل عنه فيقال: إنه مقيم بالكوفة لم يبرح بعد. قال: فأرسل إليه يوسف بن عمر أن أخرج عن البلد وصر إلى غيره، فبعث إليه زيد بن علي أيها الأمير! إني عليك (4) وإني على الخروج! فأمسك عنه يوسف بن عمر أياما، ثم بعث إليه واستحثه على الخروج وأغلظ له في القول وتهدده، فلما رأى زيد بن علي أن يوسف بن عمر قد ألح عليه في الخروج لم يجد # PageV08P285 # بدا من ذلك، فعزم على الرحيل إلى المدينة، ثم تجهز وخرج، وأرسل معه يوسف بن عمر برجل يبلغه العذيب (1). قال: فسار زيد بن علي من الكوفة حتى صار إلى العذيب ورجع عنه رسول يوسف بن عمر، وخرجت الشيعة خلف زيد بن علي فلحقوه بالمغيثة (2) فقالوا: أين تذهب يا بن رسول الله وتذر الكوفة ولك بها مائة ألف سيف يقاتلون عنك بني مروان؟ ننشدك الله إلا ما رجعت! فوالله لو أن قبيلة واحدة من قبائلنا همت أن تقاتل عنك أجناد الشام لما كبر ذلك عليهم. قال: فلم يزالوا به حتى أنعم لهم زيد بن علي في ذلك، فانصرفوا عنه إلى الكوفة على أن يرجع إليهم. قال: وأقبل عليه محمد بن عمر فقال: أنشدك الله يا بن رسول الله إلا لحقت بأهلك وصرت إلى المدينة ولا تقبل مقالة أحد من هؤلاء الذين يدعونك إلى ما يدعونك إليه! فإني أخاف أنهم لا يفون لك بما يقولون. # قال: فلم يقبل زيد من محمد بن [عمر بن] (3) علي ما قال له وأقبل راجعا إلى الكوفة، فدخل مستخفيا ونزل عند رجل من شيعته يقال له نصر بن خزيمة العبسي. قال: وعلمت الشيعة بذلك فجعلوا يختلفون إليه باللطف والبر من كل ناحية، وهم في ذلك يكتمون أمره خوفا من يوسف بن عمر الثقفي. قال: وأقبلت إليه امرأة من الأزد يقال لها أم ms1317 عمرو بنت الصلت (4) ومعها بر لطيف، فدخلت إليه وسلمت عليه، وكانت امرأة وسيمة من النساء، فلما نظر إليها زيد بن علي وكلمها رآها فصيحة الكلام حلوة المنطق، فقال لها زيد: من أنت أيتها الامرأة؟ فقالت: # أنا امرأة من الأزد، فقال زيد بن علي: ألك زوج؟ قالت: لا يا بن رسول الله! ما لي زوج، فقال لها زيد: فهل لك أن تزوجيني نفسك؟ فقالت: والله إن فيك لرغبة لو أردت التزويج، قال زيد: فما الذي يمنعك من ذلك؟ قالت: والله إن فيك لرغبة لو أردت التزويج، قال زيد: فما الذي يمنعك من ذلك؟ قالت: جعلت فداك! فأنا أعرف بنفسي، فإنه يمنعني من ذلك كبر سني، فقال زيد: كلا ما أنت عندي كما تقولين ورضيت بك، فقالت: أنا أعرف بنفسي بما أتت علي من السنين. ولو كنت مزوجة مدى الدهر ما عدلت بك أحدا، ولكن لي ابنة وهي أجمل مني وأنا أزوجكها إن أحببت ذلك! فقال زيد: فقد أحببت ذلك إن كانت مثلك، فقالت: جعلت # PageV08P286 # فداك! إن خالقها ومصورها لم يرض أن يجعلها مثلي، لكن جعلها أنظر مني وأضوأ وأحسن شكلا (1) وأكمل مني عقلا. قال: فتبسم زيد بن علي ثم قال: لقد رزقت فصاحة ومنطقا حسنا فأين فصاحة ابنتك من فصاحتك؟ فقالت: جعلت فداك يا بن رسول الله! أما أنا فنشأت بالحجاز، وهي نشأت بالكوفة، وما أقرب ما بيني وبينها في الفصاحة. فقال زيد: فإني قد رضيتها. قال: ثم واعدها وقتا، وجمع نفرا من الشيعة فتزوجها، ثم تجهزت وزفت إليه، فبنى بها وأولدها جارية، ثم ماتت بعد ذلك، فاغتم عليها زيد غما طويلا. # قال: وكان زيد بن علي رضي الله عنه لا يطيل المكث في مكان واحد خوفا على نفسه من يوسف بن عمر أن لا يعلم بمكانه. فكان يكون مرة بالأزد عند بني عم امرأته ومرة في بني عبس، والشيعة في خلال ذلك يبايعونه على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، ms1318 وقسمة الفيء بين أهله بالسوية، ورد المظالم [واقفال المجمر] (2) والنصر لأهل البيت على من نصب لهم العداوة وجهل حصتهم. فكان الناس يبايعونه على ذلك، فإذا أقر الرجل منهم بذلك وبهذه البيعة يضع يده على المبايع ثم يقول: # عليك بهذه البيعة عهد الله وميثاقه وذمته (3)! فإذا قال ذلك الرجل: نعم، يمسح يده على يده ثم يقول: اللهم أشهد! ثم يكتب اسمه عنده، فلم يزل كذلك حتى بايعه خمسة عشر ألف إنسان من شيعته من أهل الكوفة. قال: ويوسف بن عمر لا يعلم بشيء من ذلك. # قال: ثم تحول زيد بن علي إلى جبانة (4) سالم فنزل دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة في أدنى بني فهد عند مسجد هلال بن عامر، فلم يزل على ذلك من شأنه بضعة عشر شهرا حتى أحكم أمره وأخذ البيعة على شيعته، ثم إنه أمرهم بالاستعداد والأهبة للخروج. قال: وشاع ذلك في الناس حتى تحدثوا به سرا وعلانية. # قال: وأقبل رجل من هل الكوفة يقال له سليمان بن سراقة البارقي إلى # PageV08P287 # يوسف بن عمر فخبره بذلك، فقال يوسف بن عمر: ويحك فكيف علمت بذلك؟ # فقال: لأنه خبرني الصدوق أنه قد بايعه الناس على ذلك ووجه بكتبه إلى أهل السواد يواعدهم بالخروج، فضاقت الأرض برحبها على يوسف بن عمر، ثم إنه بعث إلى عامله الحكم بن الصلت بالكوفة ويحذره أمر زيد بن علي ويأمره بالطلب والتفتيش، ثم أرسل إلى الطرق فأخذت، فكان لا يمر أحد إلا فتش مخافة أن يكون معه كتاب. # قال: فبينما أهل المصالح على الطرق إذا برجل مر وفي يده عصاة وهو مستعجل فصاحوا به ثم قالوا: من أين أنت؟ قال: من بلاد الشام، ففتش فلم يوجد معه شيء، فضرب أحدهم يده إلى العصا فأخذها وجعل يقلبها وينظر إليها، فإذا على ناحية منها قطعة شمع ملصقة فقلع ذلك الشمع، فإذا جانب العصا مجوفة وفي جوف الحفر كتاب مدرج، فأخذ الكتاب والرجل فأتى بهما إلى يوسف بن عمر. فأخذ الكتاب ففضه فإذا فيه: بسم ms1319 الله الرحمن الرحيم، من زيد بن علي بن الحسين بن علي، إلى أهل الموصل وسائر بلاد الجزيرة، سلام عليكم! أما بعد، فاتقوا الله عباد الله الذي خلقكم ورزقكم، وبيده أموركم وإليه مصيركم، فإنكم قد أصبحتم تعرفون الحق إذ أنتم تواصفونه بينكم، ووصفه واصف لكم، ولا ينتفع واصف الحق ولا الموصوف له حتى يعين من قام به عليه، وقد قال الله تعالى (والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (1). وقد دعا محمد صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من قبل كما أمره الله سبحانه فقال (يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) (2)، وقد عرفتم حالكم الذي أنتم عليه من الفتنة في دينكم، والبلاء في معايشكم من أمر سفك الدماء، والاستئثار عليكم بغيكم، فهذا ما أنتم عليه واليوم مقيمون وبه آخذون، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، والدفع عن المستضعفين، ومجاهدة الظالمين الذين انتبزوا أهل البيت بيت نبي رب العالمين، فبادروا إلى عبادة الله، واحذروا أن يحل بكم عذاب الله وبأسه، وما حل على ما كان قبلكم من أهل معصيته والتولي عن أمره، وراجعوا الحق واحموا أهله، وكونوا لهم أعوانا إليه ليكونوا من المفلحين، والسلام على عباد الله الصالحين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. # PageV08P288 # قال: فلما قرأ يوسف بن عمر هذا الكتاب تغير وجهه وامتلأ غيظا وغضبا، ثم قدم هذا الرجل الذي معه الكتاب فضرب عنقه صبرا (1)، وبعث إلى عامله بالكوفة الحكم بن الصلت فأمره أن يطوف بالكوفة بالليل وأن يستبحث بالنهار عن زيد بن علي. قال: وبلغ ذلك زيد بن علي فخاف على نفسه أن يؤخذ قبل الاجل الذي كان بينه وبين أهل السواد فلم يدر ما يصنع، قال: وأقبل إليه نفر من أصحابه الذين كانوا قد بايعوه فقالوا له (2): إنا قد بايعناك وإنا نحن خارجون معك، ولكن ms1320 ما تقول في هذين الرجلين الظالمين أبي بكر وعمر؟ فقال زيد بن علي: مهلا لا تقولوا فيهما إلا خيرا، فإني لا أقول فيهما إلا خيرا، ولا سمعت من آبائي أحدا يقول فيهما إلا خيرا. قال فقال له القوم: فترى أن بني أمية ما ظلموك؟ فقال زيد بن علي: ليس القياس في ذلك بسواء، إن بني أمية قتلوا جدي الحسين بن علي رضي الله عنه وحملوا رأسه إلى الشام، وقتلوا أهل المدينة ونهبوها ثلاثة أيام، ثم رموا بيت الله الحرام بالحجارة والعذرة والنار، وأبو بكر وعمر لم يفعلا من ذلك شيئا. قال: # فغضب القوم ثم قالوا: إن جعفر بن محمد هو أحق بهذا الامر منك، ثم تركوه وصاروا إلى جعفر بن محمد بالمدينة، فدخلوا وسلموا عليه وقالوا: يا بن رسول الله! إنا كنا بايعنا عمك زيد بن علي وهممنا بالخروج معه، ثم إنا سألناه عن أبي بكر وعمر فذكر أنه لا يقول فيهما إلا خيرا، قال: فقال جعفر بن محمد: وأنا لا أقول فيهما إلا خيرا، فاتقوا الله ربكم، وإن كنتم بايعتم عمي زيد بن علي ففوا له بالبيعة وقوموا بحقه، فإنه أحق بهذا الامر من غيره ومني. قال: فرجع القوم إلى الكوفة وجاؤوا حتى دخلوا على زيد بن علي. # قال: فجمع للقوم الحكم بن الصلت كل فارس مذكور من أهل الكوفة فأدخلهم إلى المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بن علي بيوم واحد، وخرج زيد ليلة الأربعاء (3) من دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة ومعه ثمانية عشر رجلا وقد # PageV08P289 # رفعت بين أيديهم النيران في هرادي (1) القصب وهم ينادون: يا منصور! قال: # وسمع ذلك أمير الكوفة الحكم بن الصلت فأمر بدروب الأسواق فغلقت عن آخرها، وأمر بأبواب المسجد الأعظم فغلقوها لكي لا يخرج إلى معاونة زيد بن علي أحد. # قال: وارتفعت الضجة والتكبير من كل ناحية والناس يخرجون إلى زيد بن علي. # قال: واجتمع إليه مائتان وعشرون (2) رجلا. قال: وأصبح الناس. فنظر زيد إلى من وافاه من أصحابه فقال: ms1321 يا سبحان الله العظيم! أين الناس؟ أحصيتهم أمس في ديواني خمسة عشر ألف إنسان وإنما وافاني منهم هؤلاء فقط! قال: فقالوا له: # يا بن رسول الله! الناس محصورون في المسجد الأعظم لكي لا يخرج إليك أحد، فقال زيد: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكم يبلغ هؤلاء المحصورون في المسجد؟ أين الباقون لا يخرجون إلينا؟ أما! إنهم أهل النكث والغدر. # قال: وتعالى النهار، وأقبل يوسف بن عمر من الحيرة ومعه أشراف الناس حتى وقف على تل قريب من الكوفة وأمر الناس بالتقدم إلى الحرب، فتقدم الناس واختلط بعضهم ببعض واقتتلوا ساعة، وحمل عمرو بن عبد الرحمن (3) صاحب شرطة الكوفة على زيد بن علي ليضربه، فحمل عليه رجل من أصحاب زيد يقال له نصر بن خزيمة العبسي فضربه ضربة جندله صريعا، ثم حمل على جيش أمير الكوفة فقتل منهم جماعة وهزمهم هزيمة فضيحة. وتقدم زيد بن علي حتى صار إلى جبانة الصائدين (4) فإذا هو بجماعة من أهل الشام يزيدون على سبعمائة (5) رجل، فلم يكذب زيد بن علي أن حمل عليهم فقتل منهم جماعة وهزمهم بين يديه. ثم أقبل الناس وإذا هو أيضا بجيش عظيم من أهل الشام على الخيل العتاق والسلاح الشاك. # فلما نظر إليهم حسر عن رأسه ثم حمل عليهم فكر بعضهم على بعض، وقتل منهم خلقا كثيرا. قال: وجعل يوسف بن عمر يوجه بقائد بعد قائد من وجوه أهل الشام وزيد بن علي واقف على أقل من ثلاثمائة رجل، فليس يقدم عليه جيش إلا أتى على # PageV08P290 # عامته وهو ي خلال ذلك يرفع صوته ويقول: أيها الناس! إنكم قد بايعتمونا وأخذنا عليكم العهود والمواثيق أنه قد جاء الحق وزهق الباطل! قال: فكان الرجل منهم يسمع النداء وهو في منزله وهو لا يخرج، فقال زيد بن علي: ما أخلفكم! قد فعلتموها يا أهل الكوفة! قال: واشتبك الحرب بين الفريقين ونادى منادي يوسف بن عمر: ألا! من جاء برأس زيد بن علي فله ألف درهم، ومن جاء بأسير فله مثل ms1322 ذلك، قال: وكان يوسف بن عمر لا يأتي بأسير إلا ضرب عنقه وأحرقه بالنيران، وزيد بن علي يقاتل هو وأصحابه، وابنه يحيى يقاتل من جانب آخر، وليس يزيد أصحابه على ما هم عليه. فلما رأى ذلك أقبل على نصر بن خزيمة: جعلت فداك يا بن رسول الله! أما والله لأضربن بين يديك بسيفي هذا أبدا حتى أموت! # فاحمل بنا يا بن رسول الله حملة لعلنا أن نقرب من المسجد الأعظم فننادي الناس بالخروج إلينا فإنهم محصورون! قال: فجعل زيد بن علي يحمل على هؤلاء القوم وأصحابه معه، ويدنون رويدا رويدا حتى صاروا قريبا من دار حريث بن عمرو المخزومي فقاتل هنالك ساعة، وحمل عليه أهل الشام حتى بلغوا به وبأصحابه إلى دار عمر (2) بن سعد بن وقاص، واشتد الحرب هنالك ساعة، ثم حمل عليهم زيد بن علي في أصحابه حتى بلغ بهم إلى المسجد الأعظم، ثم دفعهم دفعة أخرى حتى أخلاهم من المسجد، وأقبل حتى وقف على باب الفيل وجعل ينادي في المسجد ممن هو من شيعتهم ويقول: ويحكم يا أهل الكوفة! أخرجوا من الذل إلى العز! اخرجوا من الفقر إلى الغنى! أخرجوا من الضلالة إلى الهدى! اخرجوا إلى (3) الدين والدنيا! فلستم في دين ولا دنيا، ويحكم! أنا زيد بن علي بن الحسين، أنا الذي بايعتموني بالأمس! اخرجوا بارك الله فيكم! قال: فهم من كان في المسجد أن يكسروا باب المسجد ويخرجوا إلى زيد بن علي، فصعد أهل الشام على سطح المسجد فجعلوا يرمونهم بالحجارة والنشاب، واشتبك الحرب على باب المسجد، فقتل نصر بن خزيمة العبسي وهو أجل من كان مع زيد بن علي. قال: ثم قتل من # PageV08P291 # بعده معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة وهو صاحب منزل زيد بن علي، وقتل أيضا زيادة بن عبد الله الفهري (1) وجماعة من أصحاب زيد بن علي فحملت رؤوسهم إلى يوسف بن عمر. قال: ثم صاح زيد بأصحابه فحمل وحملوا معه على أهل الشام فهزموهم حتى بلغوا بهم إلى السبخة. قال: واشتد ms1323 الحرب هنالك فقتل من أصحاب زيد بن علي سبعون رجلا (2)، وجرح منهم بشر وثبت زيد بن علي فيمن معه هنالك، فلم يزل يقاتلهم هو وابنه يحيى ومن معه إلى أن جاء وقت المساء. # قال: وتقدمت الناشبة من أصحاب يوسف بن عمر فأفرغوا سهامهم بين أيديهم. وجعلوا يرمون رميا شديدا متداركا، وليس يقصدون بسهامهم غير زيد بن علي، وزيد يحمل عليهم كالليث المغضب، ولا يشبه في حملاته إلا بالحسين رضي الله عنه، فبينما هو كذلك إذا بسهم قد أقبل حتى وقع في جبهته فغرق في رأسه (3)، فسقط زيد عن فرسه وهو لما به وذلك في المساء، فاحتمل حتى أدخل إلى دار رجل من أهل همدان (4)، وهرب ابنه يحيى حتى دخل إلى دار رجل من الشيعة، وتفرق أصحابه هاربين في السكك والمحال حتى صاروا إلى منازلهم مجروحين لما بهم. قال: وأتي زيد بن علي بالطبيب (5) لينزع السهم من جبهته، فلما نزع السهم فلم يلبث أن شهق شهقة فارق الدنيا - رضي الله عنه -! فكفن في ثيابه واحتمل في جوف الليل حتى دفن في السبخة ولم يعلم أحد في ذلك الوقت بموضع قبره. # قال: وأصبح يوسف بن عمر من الغد وقد بلغه أن زيد بن علي قد مات وأنه دفن في جوف الليل فلم يعلم بموضعه، فأقبل إليه رجل من بطانته فخبره أن غلاما لزيد (6) بن علي مجروح في بعض الدور، فقال يوسف بن عمر: علي به! فأتي بذلك الغلام جريحا فقال يوسف بن عمر: لمن أنت؟ فقال لزيد بن علي، فقال: # هل لك علم بزيد بن علي أين دفن؟ فقال: لا أيها الأمير! فقال: ويلك! إنك إن # PageV08P292 # دللتني عليه نجوت وإلا قتلتك وأحرقتك بالنار، فاختر من ذلك ما أحببت! قال: # فكأن الغلام جزع من القتل والحرق فقال: نعم هو مدفون بالسبخة في موضع كذا وكذا، قال: فأرسل يوسف بن عمر إلى ذلك الموضع فنبش ذلك الموضع عن زيد بن علي، فأخذ وصلب بالكناس، إلى جنبه نصر بن خزيمة العبسي ومعاوية بن إسحاق بن ms1324 زيد بن حارثة وزياد بن عبد الله الفهري (1). قال: وبلغ ذلك كميت بن زيد الأسدي الشاعر وهو يومئذ في منزله، فبكى بكاء شديدا، ثم أنشد يقول: (2) أتاني ابن النبي فلم أجبه * أيا لهبي على القلب الفروق حذار منية لابد منها * وما دون المنية من طريق قال: ثم أقبل يوسف بن عمر من الحيرة حتى دخل الكوفة فلم يكذب أن صار إلى المسجد الأعظم فدخل وصعد المنبر، فشتم علي بن أبي طالب وولده رضي الله عنهم أجمعين شتما قبيحا، ثم شتم أهل الكوفة وأوقع بهم، وقال (3): أبشروا يا أهل الكوفة بالذل والصغار! فوالله لأحرمنكم العطاء ولأفعلن بكم ولأصنعن! قال: # فتهددهم بأشد التهدد وتوعدهم بأعظم الوعيد ثم نزل عن المنبر وأمره بتفتيش الدور، فكان لا يؤتى بأسير ولا جريح إلا قتله وأحرقه بالنار. ثم أرسل إلى امرأة زيد بن علي فأتي بها، فلما دخلت عليه قال لها: يا عدوة الله! تزوجت زيد بن علي؟ فقالت: نعم والله تزوجت بزيد بن علي! ثم قال: خرقوا عليها الثياب، وعلي بالسياط! فقالت امرأة زيد: ويلك يا عدو الله! إني امرأة ليس يجب علي أن تخرق ثيابي، فقال: دعوا كلامها شقوا ثيابها! وأخذتها السياط من كل ناحية، فقالت: # ويلك! إني إحدى خالاتك، إني امرأة من الأزد وأمك امرأة من الأزد، فقال يوسف بن عمر: لعن الله من أنت ‌خالته! فقالت: نعم ولعن الله من هي أقل نسبا منك أمك! فقال يوسف بن عمر للجلادين: اقتلوها! فجعل القوم يضربونها أشد ضرب يكون وهي تقول: ويلك! ما أنت حر، ما أنت من الحرب، والقتل بالسيف يا بن عبد آل ثمود! فلم يزل كذلك حتى ماتت - رحمهما الله -! ثم أمر بها فألقيت على قارعة الطريق، فجاء إليها قوم من بني عمها في جوف الليل فحملت ودفنت. # PageV08P293 # قال: ثم أرسل عدو الله لعنه الله إلى رجل من خيار الأزد يقال له القاسم بن عمرو. فقال: أنت الذي دخلت في تزويج زيد بن علي فزوجته؟ قال: نعم، كان ذلك، وليس عن ms1325 مثل زيد بن علي رغبة وهو من ولد فاطمة وعلي. قال: جردوه! # فجردوه وأخذته السياط، قال: فجعل الشيخ يقول: يا يوسف بن عمر القصاص! # ماذا تكون حجتك غدا بين يدي الله وقد قتلت نفسا بغير حق! قال: فلم يزل الأزدي يقول ذلك حتى فاضت نفسه - رحمة الله عليه -! قال: فقتل يوسف بن عمر من شيعة آل محمد خلقا كثيرا - رحمة الله عليهم -! # قال: ثم كتب إلى هشام بن عبد الملك كتابا يحرضه فيه على خراب الكوفة وقتل أهلها واستئصالهم عن جديد الأرض. فكتب إليه هشام: أما بعد يا بن عمر فإن الامر ليس كما ذكرت في أهل الكوفة، وإن أهل الكوفة لنا سامعون مطيعون، ولولا قعودهم عن زيد بن علي وخذلانهم إياه لما قدرت عليه، فانظر إذا ورد عليك كتابي هذا فأطلقهم وأحسن إليهم ومن لهم بإعطائهم وزد لهم في جوائزهم وأرزاقهم، ولا تقصر لهم في شيء مما كتب به إليك - والسلام -. قال: فلما ورد كتاب هشام على يوسف بن عمر قرأه، ونادى في الناس فجمعهم إلى المسجد، ثم قام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما والله يا أهل الكوفة! ولو كان الامر إلي ما أمرت لكم بعطاء ولا بروث أبدا ما دمت لي ولاية بالعراق، ولكن الامر من أمير المؤمنين هشام، وقد أمر لكم بأرزاقكم، فكونوا علي في غد لتأخذوها. # قال: وبلغ ذلك جعفر بن محمد رضي الله عنه ما فعل به زيد بن علي رضي الله عنهما بالكوفة، فاستعبر باكيا ثم قال (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) (1). ثم قال جعفر ذهب والله عمي زيد وأصحابه على ما ذهب عليه جده علي والحسن والحسين عليهم السلام، شهداء من أهل الجنة، التابع لهم بإحسان مؤمن، والشام فيهم ضال، والراد عليهم كافر، وإنهم ليحشرون يوم القيامة أحسن الخلق زينة وهيئة ولباسا، الملائكة: هؤلاء خلف الخلف ورعاة الحق، ولا يزالون كذلك حتى ينتهى بهم إلى الفردوس ms1326 الاعلى، فويل لقاتلهم من جبار الأرض والسماء. # PageV08P294 # قال موسى بن حبيب العجلي: حدثتني نخلة بنت عبد الله وهي أم ولد عمر وكانت من العابدات الصالحات قالت: رأيت بعد أن قتل زيد بن علي وصلب ثلاثة أيام فيما يرى النائم كأن نسوة من السماء نزلن عليهن ثياب حسنة، حتى أحدقن بجذع زيد بن علي، ثم جعلن يندبنه وينحن عليه كما تنوح النساء في المأتم. # قالت: ونظرت إلى امرأة قد أقبلت وعليها ثوب لها أخضر يلمع منه نور ساطع، حتى وقفت قريبا من أولئك النساء ثم رفعت رأسها وقالت: يا زيد قتلوك! يا زيد صلبوك! # يا زيد سلبوك! يا زيد إنهم لن تنالهم شفاعة جدك عليه الصلاة والسلام غدا في القيامة. قالت نخلة بنت عبد الله: فقلت لإحدى النسوة تلك: من هذه المرأة الوسيمة من النساء؟ فقالت: هذه فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) تسليما كثيرا. ### | ثم نذكر خبر يحيى بن زيد بن علي بعد ذلك وهربه من يوسف بن عمر إلى جوزجان ومقتله بها رضي الله عنه # قال: وخرج يحيى بن زيد من الكوفة هاربا بعد قتل أبيه بشهر أو أقل من ذلك (1) ومعه جماعة من شيعته حتى صاروا إلى نينوى، فانكب على قبر جده الحسين بن علي رضي الله عنهما وجعل يشكو ما نزل به وبأبيه زيد بن علي. ثم خرج من نينوى حتى صار إلى المدائن، وبها يومئذ عامل ليوسف بن عمر يقال له البختري المختار المحاري (2). قال: فنزل يحيى بن زيد [بن] (3) علي على قوم من اليهود، وإذا كتاب يوسف بن عمر قد ورد على البختري أن اطلب يحيى بن زيد بن علي، فقد بلغني أنه قد صار إلى المدائن وقد نزل على قوم من اليهود وقد استجار بهم. قال: فطلبه البختري المختار فأصابه بالمدائن، فقال له: قم فقد جاء كتاب يوسف بن عمر في طلبك والحق أي بلد شئت! وهذه عشرة آلاف درهم لك نفقة! قال: فخرج يحيى بن زيد من المدائن فلم ms1327 يزل يسير ومعه نفر من شيعته حتى صاروا إلى الري ومن الري إلى قومس، فنزل على رجل من أهلها يقال له # PageV08P295 # زياد بن أبي زياد القشيري، ثم رحل منها حتى صار إلى سرخس، فنزل على زيد ابن أخي تميم بن عمرو ستة أشهر، ثم رحل من سرخس حتى صار إلى بلخ فنزل على الحريش بن (1) عمرو بن داود الشيباني (2)، ثم رحل منها حتى نزل إلى مرو وبها يومئذ نصر بن سيار الليثي، فدخل يحيى بن زيد إلى مرو ليلا فنزل دار أبي حفصة رجل من بني قيس بن ثعلبة. قال: وإذا كتاب يوسف بن عمر قد ورد على البريد إلى نصر بن سيار يعلمه أن يحيى بن زيد قد صار إلى خراسان فاطلبه، واعلم أنه فتى شاب، أسمر، أنزع، مسنون الوجه حين استوفت لحيته. قال: فجعل نصر بن سيار يطلب هذه الصفة بمدينة مرو، وبلغ الخبر يحيى بن زيد فقال لمن معه من شيعته: # تفرقوا من قبل أن تؤخذوا وذروني والقوم! قال: فتفرق القوم عنه. قال: واتصل الخبر بنصر بن سيار أن هذه الصفة بعينها في دار أبي حفصة، قال: فدعا نصر بن سيار برجل من أصحابه يقال له عصمة بن عبد الله الأسدي فأمره أن يركب إلى دار أبي حفصة في طلب يحيى بن زيد، فأقبلت الخيل حتى أحدقت بالدار وهي دار سكان، فجعل يخرج من الدار الواحد بعد الواحد، وكلما يخرج رجل ينظر إليه عصمة بن عبد الله فلا يرى الصفة، فلم يزل كذلك حتى خرج عليه يحيى بن زيد من الدار وعليه دراعة صوف‌ وقلنسوة مثل ملابس المكاريين وقد حمل أكافا على عاتقه، قال: فعرفه عصمة بن عبد الله الأسدي فضرب الاكاف بسوطه، ثم قال: يا صاحب الاكاف! إني قد عرفتك فامض عن الدار وعن البلد قبل أن تؤخذ. قال: # فخرج يحيى بن زيد من ساعته هاربا حتى صار إلى الجوزجان، فلما هم أن يدخلها لقيه رجل من أهلها فقال له: يا هذا أظنك يحيى بن زيد! ms1328 فقال له يحيى بن زيد: وكيف علمت أني يحيى بن زيد؟ فقال: إنه قد ورد الكتاب الساعة برمتك وصفتك من مدينة مرو، قال: فعلم يحيى بن زيد أنه مأخوذ، فرجع عن الجوزجان ولم يدخلها حتى صار إلى مدينة بلخ ثانية فدخلها ليلا، ونزل على رجل من شيعته يقال له يونس بن سليم. وقال: وأمير بلخ يومئذ رجل يقال له عقيل بن معقل الليثي (3) وهو ابن عم نصر بن سيار، فاتصل به الخبر أن يحيى بن زيد معه في البلد، فنادى في الناس فجمعهم إلى المسجد الأعظم، ثم جعل يفتش الدور ويطلب يحيى بن زيد، فلا يبلغه أن رجلا ببلخ يعرف بمحبة أهل البيت إلا # PageV08P296 # أتي به فضربه بالسياط. قال: وأقبل فتى يقال له قريش بن الحريش (1) فنظر إلى أبيه يضرب بالسياط، فتقدم إلى عقيل بن معقل الليثي فقال: أيها الأمير! لا تقتل أبي بالضرب فلو كان يحيى بن زيد ممن يمكن أن يكون في عين أحد من الناس ثم كان في عين أبي لما رجع جفنه عنه، ولكني أنا أرشدك إلى يحيى بن زيد وهو في دار يونس‌ بن سليم مولى أبي بكرة في غرفة ومعه عشيرته. قال: فأرسل عقيل بن معقل الليثي إلى دار يونس بن سليم. فاستخرج يحيى بن زيد من عرفة الدار ثم أتي به إلى عقيل بن معقل الليثي، فلما دخل عليه دعا له بالحديد ثم كبله وغل يمينه إلى عنقه، ثم شدت قيوده بالسلاسل بعضها إلى بعض، وحمل إلى مدينة مرو إلى نصر بن سيار الليثي، فأنشأ أبو نميلة صالح الابار (2) مولى بني عبس يقول: # ألم تر ليثا ما الذي ختمت به * لها الويل في سلطانها المتزايل بنفسي وأمي فاطمي نقضوا * زمان عمي من أمة وتخاذل قال: ثم إن نصر بن سيار أمر بحبس يحيى بن زيد فحبس في سجن مرو، وكتب إلى يوسف بن عمر الثقفي يخبره بذلك، وكتب يوسف بن [عمر إلى] (3) هشام بن عبد الملك، وإذا هشام في السياق، فما لبث يحيى ms1329 بن زيد في السجن أياما قلائل حتى توفي هشام، فكان ملكه تسع عشرة سنة وثمانية أشهر، وتوفي بموضع يقال له الرصافة لست ليال خلون من شعر ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومائة، وهو يومئذ ابن أحد وستين سنة (4). # قال: وصار الامر إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فبايعه الناس وسلموا إليه # PageV08P297 # الخلافة والحلة والقضيب والخاتم، فأنشأ الوليد بن يزيد في ذلك (1): # طال ليلي وبت أسقى المداما * إذ أتاني البريد ينعي هشاما وأتاني بحلة وقضيب * وأتاني بخاتم ثم قاما فنعى لي هشاما نعيا وحيا * رافع الصوت مشرقا بساما فجعلت ألوي من بعد فقدي * أفضل الناس ناشئا وغلاما ذاك ابني وذاك قرم قريش * خير قرم وخيرهم قداما وهذه آخر مملكة هشام بن عبد الملك بن مروان - والله أعلم -. ### | ذكر إمارة الوليد بن يزيد بن عبد الملك # قال: فلما صار الامر إلى الوليد بن يزيد أقر محمد بن مروان (2) على بلاد أرمينية وأذربيجان، وأقر يوسف بن عمر على العراقين، وأقر نصر بن سيار على خراسان. # قال: ثم كتب الوليد بن يزيد إلى نصر بن سيار يأمره أن يفك يحيى بن زيد من قيوده وحديده. وأن يكرمه بغاية الكرامة، ويخلي سبيله يلتحق بأي بلد شاء. قال: # فلما ورد الكتاب على نصر بن سيار أمر بيحيى بن زيد فأخرج من سجنه وخلع عليه وأكرمه ووصله بعشرة آلاف درهم، ثم قال له: إن أمير المؤمنين الوليد بن يزيد يأمرك أن تنحدر إلى العراق فتكون بها إلى أن يأتيك أمره. فقال يحيى بن زيد: أفعل ذلك ولا أعصى لك ولا أمر المؤمنين أمرا. # قال: ثم خرج يحيى بن زيد من مدينة مرو ومعه نفر من شيعته وهم قريبون من مائة رجل، فلم يسر حتى إذا صار على فرسخين من مدينة نيسابور، وبلغ ذلك عمرو بن زرارة فقال لأصحابه: اعلموا أن يحيى بن زيد قد هرب من سجن مرو وأفلت من نصر بن سيار ولا يدري ما يكون منه، ولكن تعبأوا واخرجوا بنا إليه (3)! # قال: ثم خرج ms1330 إليه عمرو بن زرارة من مدينة نيسابور في عشرين ألفا من أصحابه # PageV08P298 # وخاصة أهل البلد. قال: ونظر يحيى بن زيد إلى ذلك الحق قد وافوه. فوثب إلى درعه فأفرغه عليه ثم قال لأصحابه (1) الذين معه: كونوا رجالا وحاموا عن أنفسكم في هذا اليوم وإلا قتلتم! فتقدم يحيى بن زيد حتى وقف أمام أصحابه ثم قال: يا هؤلاء! لماذا خرجتم إلي، فوالله ما أردتكم، وإنما أنا رجل مجتاز فخلوا لي الطريق أجوز! قال: فلم يكلمه أحد منهم ورمي بالنشاب، فرجع إلى ورائه وجعلت السهام تأخذ أصحابه حتى قتل منهم جماعة. قال: ويحيى بن زيد يومئذ على فرس له قد حمله عليه نصر بن سيار، وعليه جبة صوف، وهو مقلد بسيف حنفي، فقال لأصحابه: يا هؤلاء أنتم تعلمون أني لم أرد هؤلاء القوم، وإنما أنا ماض إلى العراق كما أمرت، وهؤلاء القوم قد بغوا علي كما ترون، وهم عازمون على قتلي وقتلكم، وأنا مانع عن نفسي فامنعوا عن أنفسكم! قال فقال له أصحابه: يا بن رسول الله! # إنهم لو كانوا في أضعاف ما هم فيه لما أمكناهم من أنفسنا، ولكن ناشد القوم واعذر إليهم. فإن هم ارتدعوا ورجعوا عنا وإلا قاتلناهم واستعنا الله عليهم. قال: فعندها ناشد يحيى بن زيد وقال: يا هؤلاء اتقوا الله وانصرفوا عنا، فإنا لن نخرج من مدينة مرو إلا بإذن الأمير نصر بن سيار وأمير المؤمنين الوليد بن يزيد (2)، وهو الذي أرسل إلى عامله فأطلقني، فإن لم تصدقوا ما أقول فاكتبوا إلى صاحبكم نصر بن سيار واسألوه عن ذلك، وأنا نازل على باب مدينتكم هذه إلى أن يرد عليكم الكتاب! # قال: فلم يلتفت القوم إلا كلام يحيى بن زيد ثم حملوا عليه وعلى أصحابه، فاقتتل القوم ساعة وحمل أبو الفضل وهو أخو يحيى بن زيد من الرضاعة فقاتل قتالا شديدا حتى أتى إلى عمرو بن زرارة أمير نيسابور فلم يكذب أن ضربه ضربة جندله صريعا، ووقعت الهزيمة على أهل نيسابور، فلم يقف أولهم على آخرهم فولوا مدبرين، ms1331 وأخذهم السيف من كل جانب إلى أن قتل منهم خلق عظيم، ودخل الباقون إلى مدينة نيسابور مغلولين فأنشأ بعضهم يقول: # ألم تر أهل نيسابور لما * لقوا الابطال لم يغنوا قتيلا لقوا مائة وهم عشرون ألفا * فما صبروا ولا منعوا قتيلا قال: ثم أقبل يحيى بن زيد على أصحابه فقال: إنا كنا قد عزمنا على المسير # PageV08P299 # إلى العراق، وكان من أمر هؤلاء ما كان، وهذا حديث عظيم قد أتيناه ولم نجد بدا من ذلك، وليست لنا العراق بعد هذا اليوم بدار، فارجعوا بنا إلى خراسان، فإن متنا متنا كراما. # قال: فعزم القوم على ذلك ثم ساروا يريدون الجوزجان، وبلغ ذلك نصر بن سيار فاغتم غما شديدا ثم قال: هذا من فعال أمير المؤمنين وجنايته علينا وعلى نفسه، وأما أنا فقد كنت حازم الرأي على أن يخرج يحيى بن زيد من سجني أبدا إلا على قفاه. قال: ثم جعل نصر بن سيار يرثي عمرو بن زرارة ومن قتل معه في ذلك اليوم وأنشأ يقول: # ألموا (1) بالقبور فودعوها * وأقر قبورهم عني السلاما ولو سمع السلام لرد عمرو * ولكن لا يطيقون الكلاما هم صدعوا الفؤاد وأوجعتني * مصائبهم (2) غداة لقوا الحماما قال: ثم خرج نصر بن سيار يريد يحيى بن زيد وعلى مقدمته خليفة له يقال له سالم (3) بن أحوز المازني في ثلاثة آلاف ونصر بن سيار في سبعة آلاف من ورائه حتى وافوا يحيى بن زيد قد التأم إليه سبعمائة فارس من أهل البصائر والنجدة والشجاعة. # قال: ونزل يحيى بن زيد بقرية من قرى جوزجان يقال لها أرغونة (4)، ونزل سالم بن أحوز في عشرة آلاف، ودنا القوم من القوم، وذلك في أول النهار، وجعل يحيى بن زيد يحمل عليهم بسيفه ويطردهم بين يديه وهو يقول: # أنا ابن أمي وأبي * أنا ابن فاطمة وعلي قال: واشتد القتال بين الفريقين إلى أن حانت الظهر، فصاح يحيى بن زيد: # يا هؤلاء! هذا وقت الصلاة فأمهلونا حتى نصلي وتصلون أيضا إن كنتم من أهل الصلاة! قال فقال سالم ms1332 بن أحوز: صدق الرجل فذروه فليصل وتصلون أنتم أيضا. # قال: فدخل يحيى بن زيد وأصحابه إلى حديقة عظيمة وفيها نهر يجري فتوضأوا # PageV08P300 # وصلوا. ثم استووا على ظهور خيولهم وخرجوا إلى القوم حتى صافوهم، وتقدم رجل من أصحاب يحيى بن زيد حتى واقف أمام أصحابه وأنشأ يقول: # أيها المجلب الواجد علينا * كيف ترجو النجاة يوم الحساب أعلى أحمد النبي اعتقدتم * خيبته الرؤوس والأذناب قال: ثم حمل قائل هذه الأبيات بين يدي يحيى بن زيد، فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة ثم رجع، فقال: هل وفيت يا بن رسول الله؟ فقال يحيى: نعم وزاد على الوفاء. قال: ثم حمل يحيى بن زيد في جميع أصحابه على القوم، فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، وجعلت السهام تأخذه من كل ناحية حتى أثخن بالجراحات، ورق أصحابه حتى بقي في خمسين رجلا، فالتفت إليهم يحيى بن زيد فقال: أيها الناس! أنتم في حل من بيعتي فمن شاء أن يثبت معي فليثبت [ومن شاء أن يرجع -] إلى هؤلاء الفوم فليفعل، وأما أنا فلست بارحا من هذا الوقت حتى يقضي الله من أمره ما يشاء. قال فقال له أصحابه: لا والله يا بن رسول الله لا فارقناك أبدا أو لا يبقى منا أحد، فقال يحيى بن زيد: جزاكم الله خيرا من قوم فلقد قاتلتم ووفيتم! ثم حمل وحملوا عليهم معه، فلم يزل يقاتل هو وأصحابه حتى قتلوا بأجمعهم وبقي وحده، فجعل يحمل عليهم والسهام تأخذه من كل ناحية حتى سقط إلى الأرض (1)، وأقبل سالم بن أحوز حتى وقف عليه ثم قال لأصحابه: انزلوا فخذوا رأسه! قال: فنزل إليه سورة بن محمد بن عزيز الكندي فاحتز رأسه - رحمة الله عليه -! فأنشأ عبد الله بن عرين العبدي يقول: # قتلوا مسلما على غير جرم * لا ينجو من فتنة الدجال يوم ولوا شتى عباديد عنه * كنعام هربن من أحبال وأبت نفسه الفرار حفاظا * حين ساروا لقتله الضلال ثم سلبوا يحيى ما كان عليه من درعه وثيابه وسلاحه وتركوه ms1333 عريانا بصحراء لجوزجان. قال: وساروا برأسه إلى نصر بن سيار، فوجه نصر بالرأس إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وخبره في كتابه بما كان من أمره. ثم أرسل نصر بن سيار إلى موضع يحيى بن زيد الذي هو فيه مدفون فاستخرجوه، واستخرجوا أخاه أبا # PageV08P301 # الفضل فصلبا جميعا بالجوزجان على قارعة الطريق، أحدهما حذاء الاخر. فلم يزالا كذلك إلى أيام أبي مسلم وخروجه بخراسان، وهو الذي أمر بهما فأنزلا عن خشبتيهما فكفنا وحنطا وصلي عليهما ودفنا بأرض الجوزجان. # ثم كتب الوليد إلى عامله يوسف بن عمر بالعراق وأمره أن يحط زيد عن خشبته، وأن يحط جميع من كان معه من أصحابه المصلبين هنالك، وأن يحرقهم بالنار والنفط حتى يصيروا رمادا، ثم وضعوا في قواصر وذروا في الفرات، فأنشأ رجل من أهل خراسان يقول: # تقطعت الأسباب بيني وبينكم * بني عبد شمس أو تلاقون مثلما زمانا ابن سيار يلم أخي الخنا * وداهية دهياء تجتلب الدما أصاب بلا دخل إماما مهذبا * بريا من الفحشاء ليثا مصمما قال: فما هو أن قتل يحيى بن زيد رحمة الله عليهما حتى وقع الاختلاف بالشام بين الوليد بن يزيد بن عبد الملك وبين يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فقتل الوليد وبتر الله عمره. ### | ذكر سبب الاختلاف وسبب إمارته # قال: وكان سبب إمارته أن أباه يزيد بن عبد الملك استخلفه بعد هشام بن عبد الملك، فلما انقضى أمر هشام صار الامر إليه، وكان هشام ولاه الحج سنة ست عشرة (1) ومائة فحمل معه كلابا في صناديق وحمل معه قبة حمراء، وأراد أن ينصبها على الكعبة، فخوفه أصحابه وقالوا: لا نأمن الناس عليك ولا علينا معك! فلم يحركها، وظهر للناس منه تهاون في الدين واستخفاف حتى اتهموه بالزندقة حتى بلغ ذلك هشاما، فطمع في خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام. ثم أتاه وقال: أجعلها لك من بعده (2). # وتمادى الوليد في شرب الخمر وطلب اللذات فأفرط، حتى قيل إنه فتح المصحف في وقت، فخرج عليه (واستفتحوا وخاب كل ms1334 جبار عنيد من ورائه جهنم # PageV08P302 # ويسقى من ماء صديد) (1) فنصب المصحف ورماه حتى خرقه، وقال في ذلك (2): # أتوعد كل جبار عنيد * فها أنا ذاك جبار عنيد إذ ما جئت ربك يوم حشر * فقل يا رب مزقني الوليد فقال له هشام: ويحك يا وليد! والله لا أدري على الاسلام أنت أم لا! ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته غير متحاش فيه، فكتب إليه الوليد هذا (3): # يا أيها السائل عن ديننا * نحن على دين أبي شاكر نشربها صرفا وممزوجة * بالسخن أحيانا وبالفاتر فغضب هشام على ابنه مسلمة وكان يكنى أبا شاكر، وقال له: يعيرني بك الوليد وأنا أرشحك للخلافة فالزم الأدب واحضر الجماعة، وولاه الموسم سنة تسع عشرة (4) ومائة، فأظهر النسك والوقار واللين، وقسم بمكة والمدينة أموالا، فقال مولى لأهل المدينة هذه الأبيات (5): # يا أيها السائل عن ديننا * نحن على دين أبي شاكر الواهب‌ الجرد بأرسانها * ليس بزنديق ولا كافر يعرض (6) بالوليد بن يزيد، وأم مسلمة: أم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص. وكان الوليد شديد البطش طويل أصابع الرجلين، حتى كان ينزع سكة حديد بخيط يشد في رجله على الدابة ويثب ولا يمس الدابة. # وكان هشام طرد الوليد إلى مفازة (7) وقطع منه الارزاق والرسوم ليهلكه، وبقي # PageV08P303 # بها إلى أن مات هشام، فكان يمشي مع أبي الزبير المنذر بن [أبي -] (1) عمرو في تلك المفازة ويشكو هشاما إليه، إذ أقبل رجلان (2) على البريد فقال الوليد: هؤلاء رسل هشام نسأل الله السلامة! فلما دنوا منه سلما عليه بالخلافة، فغشي عليه فرحا ثم قال لهما: أمات هشام؟ قالا: نعم، قال: فممن الكتاب؟ قال: من مولاك سالم بن عبد الرحمن صاحب الرسائل. وولي الوليد الامر وزاد في عطيات أهل الشام مع زيادتهم عشرا، وأجرى على زمنى أهل الشام مع زيادتهم عشرا، وأجرى على زمنى (3) أهل الشام وعميانهم ونسائهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادم وقائد، وكان يطعم كل من وفد إليه، ويطعم من صدر من الحج وينزله بمنزلة يقال له زيزاء (4) ثلاثة أيام ويعلف ms1335 دوابهم، ولم يقل لشيء سئل عنه لا، وقال: ما تعودت غير نعم. # وحين ولي أقر نصر بن سيار على خراسان كلها، وأنفذ إلى الوليد برابط وطنابير وأبارق الذهب والفضة وخمسمائة مملوك كلهم يضربون ويلهون (5). # ثم بعد ذلك وقت الخلاف بينه وبين يزيد بن الوليد لخلاعته ومجانته واستخفافه بالنساك وتماديه في الخسارة والضلالة ومنادمته العشاق حتى روي عنه أنه قال (6): # تلقى بالنبوة هاشمي * بلا وحي أتاه ولا كتاب فقل الله يمنعني طعامي * وقل لله يمنعني شرابي فما أتى عليه إلا أيام حتى جمع عليه يزيد (7) بن الوليد بن عبد الملك أهل # PageV08P304 # الشام (1)، فهرب الوليد إلى دمشق، وروي أنه دخل القصر فأحاطوا به، فجلس الوليد وأخذ مصحفا وقال: يوم كيوم عثمان، فعلوا الحائط، وكان أول من علا يزيد بن عنبسة السكسكي فأخذ بيد الوليد وهو يريد أن يحبسه ويؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة فيهم منصور بن جمهور وعبد السلام اللخمي والسري بن زياد بن أبي كبشة وغيرهم، فضربه عبد السلام على رأسه والسري على وجهه، واحتز أبو علاقة رأسه. وقدم بن على يزيد بن الوليد وقال: أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق الوليد! # وكان يزيد يتغدى فسجد لله تعالى ومن كان معه فرحا، كما سجد أبو العباس السفاح حين هلك مروان بن محمد. وكان ملكه سنة وشهرين، وقتل يوم الأربعاء لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة وهو ابن خمس وأربعين سنة (2). # وصار الامر إلى يزيد بن الوليد بن عبد الملك وهو الملقب بالناقص (3)، فأقر مروان بن محمد على أرمينية وأذربيجان، وأقر نصر بن سيار على خراسان. ثم لم يلبث يزيد بن الوليد حتى مات، وكان ملكه ستة أشهر ويومين، وتوفي بدمشق يوم # PageV08P305 # الاحد لعشرة من المحرم سنة سبع وعشرين ومائة وهو يومئذ ابن أربعين سنة (3). # وصار الامر إلى أخيه إبراهيم بن الوليد، وبلغ ذلك مروان بن محمد بن مروان، فدعا برجل من أصحابه يقال له عاصم بن يزيد بن عبد الله الهلالي فاستخلفه على أرمينية وأذربيجان، ثم ms1336 شخص من معه من أهل الشام والجزيرة حتى قدم أرض الشام، فلما تقارب من مدينة حمص، خرج إليه أهلها فحاربوه وحاربهم، ثم إنهم اصطلحوا بعد ذلك وبايعوه، ثم سار مروان إلى دمشق، فإذا قد استقبله سليمان بن هشام وأصحابه [فانهزموا] من بين يدي مروان هزيمة قبيحة حتى صاروا إلى دمشق. وأقبل مروان حتى صار إلى دمشق، فخرج إليه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك فبينما خلع نفسه من الخلافة شهرين وأياما قلائل أقل من عشرة أيام صار الامر إلى مروان بن محمد بن مروان فدخل مدينة دمشق، وأخذ خالد بن يزيد بن عبد الملك (2) وعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فقتلهما جميعا ثم صلبهما على باب الجابية بدمشق، ثم صلى مروان بن محمد بالناس في المسجد الأعظم صلاة الجمعة، وخرج فنزل دير أيوب، فبايعه الناس هنالك وسلموا له الخلافة، وذلك لأربع عشر ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبع (3) وعشرين، فأرسل إلى نصر بن سيار، فأقره على أرمينية وأذربيجان، فاستقام الامر لمروان بن محمد (4) وظهرت الشراة بأرمينية وأذربيجان. # PageV08P306 ### | ذكر ابتداء أمر الشراة وخروجهم في ولاية مروان بن محمد بن مروان # قال: وكان السبب في أمر الشراة أن رجلا من أهل البيلقان يقال له مسافر بن كثير القصاب كان يرى رأي الشراة، وكان الذي أوقفه على ذلك رجل يقال له الضحاك الحروري. قال: فخرج مسافر بن كثير هذا في جملة من يرى رأي الشراة حتى صار إلى مدينة أردبيل، وبها يومئذ قوم ممن يرى رأي الشراة، فلم يزل القوم مجتمعين حتى صاروا في جماعة من الشراة... # قال: وبلغ ذلك عاصم بن يزيد الهلالي وهو يومئذ بمدينة البيلقان، فأرسل إلى رجلين من أهل البيلقان ممن كانا يريان رأي الشراة أحدهما يقال له أبان بن ميمون والاخر قتيبة بن صدقة، فأخذهما جميعا فحبسهما جميعا في سجن البيلقان. # واتصل الخبر بمسافر بن كثير القصاب رئيس الشراة وهو يومئذ مقيم بمدينة ورثان (1)، فخرج في جوف الليل من ورثان في جماعة من أصحابه حتى ms1337 أتوا البيلقان، فوضعوا السلاليم وصعدوا إلى السور. وكان أول من صعد منهم عصمة بن مسلم البيلقان، فأخذ صاحب الحرس فضرب عنقه على السور. ثم إنهم نزلوا إلى المدينة البيلقان وقد خرج عنها الأمير عاصم بن يزيد الهلالي إلى مدينة برذعة. قال: فأخذت الشراة خليفة له ثم جاؤوا إلى باب السجن، فأخرجوا قتيبة بن صدقة وأبان بن ميمون. ثم إنهم أظهروا أمر الشراة بمدينة بيلقان، فاجتمع إليه الناس من كل ناحية، حتى صاروا في عسكر لجب، فخرج بهم صاحبهم مسافر بن كثير القصاب من مدينة البيلقان حتى صاروا إلى يونان (2)، وبلغ ذلك الأمير عاصم بن يزيد الهلالي، فنادى في أصحابه ثم خرج، فضرب عسكره على نهر البربر (3) على باب مدينة برذعة. # قال: فإذا رجل قد أقبل من ناحية برذعة فأخذته الشراة وأقبلوا به إلى صاحبهم مسافر بن كثير، فقال له مسافر: من أين أقبلت؟ قال: من برذعة، قال: فهل لك علم من عاصم بن زيد؟ قال: نعم. هو نازل على شاطئ نهر البربر على غير الجادة بموضع كذا وكذا. قال له مسافر: فهل تعرف الطريق إلى عسكره بالليل؟ # PageV08P307 # قال: نعم، قال مسافر: فإني قد جعلت لك في هذه الليلة ثلاثمائة درهم على أن تسير معنا فتوقفنا على عسكره! فقال الرجل: قد أحببتك إلى ذلك. قال: فنادى مسافر بن كثير في أصحابه وسار بهم ذلك الرجل، وسار بأصحابه في جوف الليل حتى وافى بهم عسكر عاصم بن يزيد قبل الصبح، ونظرت إليه الشراة فكبروا وحملوا واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل أمير برذعة عاصم بن يزيد وقتل معه جماعة من أصحابه، وانهزم الباقون ومعهم ابن لعاصم يقال له زفر حتى دخلوا برذعة بشر حالة تكون، فاحتوى مسافر بن كثير وأصحابه على سواد عاصم بن يزيد، وأخذوه ورجعوا إلى مدينة البيلقان فنزلوها. # وبلغ ذلك مروان بن محمد بن مروان وهو يومئذ خليفة بالشام. فاشتد ذلك عليه، ثم إنه دعا برجل من قواد أهل الشام يقال له عبد الملك بن مسلم العقيلي، فضم إليه جيشا كثيفا، ms1338 وعقد له عقدا وولاية على بلاد أرمينية وأذربيجان بأجمعها حربها وخراجها، وأمره بمحاربة الشراة. قال: فأقبل عبد الملك بن مسلم من الشام في جيش لجب حتى إذا صار إلى برذعة فنزلها، ثم خرج منها في جيشه الذي قتل الشراة إياه قبل ذلك حتى نزل بموضع يقال له جسر الحجارة، فعسكر هنالك حتى اجتمع إليه الناس، ثم إنه سار يريد حرب الشراة، فالتقى الفريقان ما بين برذعة ويونان واقتتلوا هنالك، فقتل عبد الملك بن مسلم هنالك، فقام أخوه إسحاق بن مسلم العقيلي في الناس من بعده، ودام الحرب بين إسحاق بن مسلم وبين الشراة، وكانوا لا يفترون ليلا ولا نهارا من الحرب، وكانت حروبهم ما بين برذعة ويونان، فلم يزل إسحاق بن مسلم يحارب مسافر بن كثير القصاب وأصحابه الشراة إلى أن ظهرت المسودة بأرض خراسان مع أبي مسلم، ودنا زوال بني أمية - فهذا أكرمك الله آخر الفتوح، ونبتدئ بعد هذا في أخبار نصر بن سيار والكرماني وأبي مسلم الخولاني الخراساني. PageV08P308 ### | ابتداء خبر خراسان مع نصر بن سيار وجديع ابن علي الكرماني وأبي مسلم عبد الرحمن بن مسلم # وكان السبب في ذلك أن نصر بن سيار الليثي كان متحاملا على غير قومه شديد العصبية على ربيعة واليمن، وكان يقدم بني عمه من بني مضر عليهم، فتولى على كورة من كور خراسان رجلا من مضر من بني كنانة أو من بني أسد وتميم وغيرهم من قبائل مضر ولا يحفل بربيعة ولا باليمن، فغضبوا لذلك، ثم إنهم مشوا إلى رجل من الأزد أزد عمان من بني عم المهلب بن أبي صفرة يقال له جديع بن علي ويعرف بالكرماني، وذلك أنه ولد بكرمان بمدينة يقال لها جيرفت في أيام الأزارقة، وكان جده من شيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فكان هذا الكرماني كبيرا في قومه من الأزد، عظيم القدر والخطر في اليمن، فمشت إليه ربيعة وبنو عمه من الأزد وسائر اليمن فشكوا إليه نصر بن سيار وشدة عصبيته عليهم، وسألوه أن يركب ms1339 إليه فيكلمه في ذلك، فقال الكرماني: أما إني أردت أن أكلمه في هذا الذي ذكرتم، غير أني ما أعرف كيف يكون موقع كلامي منكم، فقالوا له: صر إليه وقل له ما شئت. # قال: فلما دخل عليه بجل بن نصر بن سيار، فقال: يا مولاي! ما هذا الفعل الذي تفعله؟ تفضل بني عمك على أهل اليمن وساداتهم من غيرهم! قال: فغضب نصر بن سيار من كلامه، ثم أمر به إلى السجن (1)، فانطلقوا به يجرونه جرا عنيفا إلى السجن. فبلغ ذلك أهله وعشيرته فاجتهدوا في تلخيصه في الليل [من] مسيل العذرة الخارجة من السجن وأعلموه بذلك أن صر إلينا منه، وكان رجلا جسيما، فلما كان في وقت هدوء الليل أخذه غلام له ويجعل يشحطه لعظم جسده إلى أن # PageV08P309 # خرجوا به من السجن (1). فلما كان من الغد سمع بذلك نصر بن سيار فأرسل إلى السجان، فلما حضر سأله عن ح اله فقال: يا مولاي! لم يخرج من باب السجن وإنما خرج من مسيل الماء، فقال له: كذبت بل أخذت منه جعلا وتركته! ثم أمر به فضرب بالسياط إلى أن مات. # ثم أرسل صاحب شرطته إلى الكرماني أن صر إلينا فنحن ما أردنا بك ذلك إلا خوفا لفتنة، ولكن نريد أن نستشيرك في أمر، فصر إلينا مطمئنا آمنا. فلما دخل صاحب شرطته على الكرماني وبلغة ذلك، قال له: صر إلى صاحبك وقل له: # يا بن الخبيثة وابن القطعاء لا كان ذلك أبدا، أتريد أن يدهمني بمكره وبلائه، فوالله لولا أنك رسول لضربت عنقك! قال: فخرج عصمة (2) من عنده فقال: أيها الأمير! # ما رأيت علجا قط أشد منه، ولكني أعجب من يحيى بن نعيم الربعي (3) وأصحابه، والله إنه لأشد تعظيما له وإجلالا من بني عمه. قال: فدعا نصر بن سيار بدواة وبيضاء، ثم كتب إلى يحيى بن نعيم بهذه الأبيات: # إنا وهذا الحي من يمن * عند الفجار معاشر أكفاء قوم لنا منهم تراث ‌جمة * ولهم لدينا إحنة ودماء قال: فلما وصلت هذه الأبيات إلى يحيى ms1340 بن نعيم الربعي وفهمها أقبل على الرسول وقال: لولا أنك رسول لبعثت إليه برأسك، ولكن أبلغه عني وقل له: يقول لك يحيى بن نعيم: خبرنا عن يد أبيك التي قطعت اليمنى كانت أم اليسرى؟ قال: # فانطلق الرسول إلى نصر بن سيار فأبلغه ذلك، فقال نصر: ما أعرفني بقلة عقول ربيعة! # ثم دعا نصر برجل من أصحابه يقال له [قديد بن -] (4) منيع، وكان صديق الكرماني وقال له: صر إليه وأعذر إليه أن يقع بيننا وبينه. قال: فأقبل [قديد بن] # PageV08P310 # منيع حتى دخل على الكرماني وقال: يا هذا! تعرف ما بيني وبينك من الصداقة، فلا توقع الخلف بيننا وبينه، وإن كنت حقدت عليه بحبسك فاحبسه كما حبسك أو تأخذ منه رهنا ويأخذ منك رهنا وصر إليه، فإن كان منه شيء بعد ذلك فيد بيد، فأجاب الكرماني إلى ذلك وقال: نعم، هؤلاء ولداي علي وعثمان، فما يعطيني هو؟ فوالله ما نعرف له ولدا ولا والدا ولا عشيرة غير العشيرة التي ينتمي إليها. قال فقال له: مهلا أبا علي! فإنك لم تكن سفيها قط، فأسألك بالله أن لا يكون خراب هذه البلدة على يديك، فإني ما أظن أن أحدا من العرب أنصح لي منك، قال: فلم يجبه الكرماني إلى شيء، وانصرف قديد بن منيع إلى نصر بن سيار، فأعلمه بذلك. # قال: ووثب بنو تميم إلى نصر بن سيار وقالوا: أيها الأمير! ما ننتظر بهذا الكلب. عاجله قبل أن يكثر جمعه، قال: فوثب إلى نصر بن سيار ابن عم له يقال له عقيل بن معقل الكناني (1) فقال: أصلح الله الأمير! لا تلتفت إلى أقوال هؤلاء ولا إلى ما يشيرون به عليك، فإني أخاف بشؤم نفسك أن يدخل البلاء على عشيرتك في محاربتك لهذا الرجل، فإن أمير المؤمنين مروان بن محمد قد انتقض عليه بعض أمره وقد خرجت عليه طائفة من الشراة وأخاف أن يزول عنه أمره إلى غيره، فلا تعجل في أمرك. فقال له نصر بن سيار: صدقت يا عقيل! ولكن صر إليه وكلمه فلعله ms1341 يرتدع عما هو عليه. قال: فأقبل عقيل بن معقل حتى دخل على الكرماني فسلم وجلس ثم قال: أبا علي! اعلم أنك قد سننت لهؤلاء السفهاء سنة لم تكن بخراسان قبل اليوم، وأخاف أن يوقعك هذا الامر أنت ونصر بن سيار فيما تكرهان، وبعد فأنت اليوم شيخ العرب وسيد قومك، فقل ما أحببت‌ فإنك مجاب إلى ما تحب، ولا تطمع هؤلاء السفهاء فيما دخلوا فيه، فإني أرى شيئا أخاف أن تذهل فيه العقل وتشخص فيه الابصار. قال فقال له الكرماني: صدقت يا عقيل! ولكنه ابن الأقطع، فقال عقيل: # عزمت عليك ألا سكت عن ذكره بقبيح، فإني ما سمعته ما يذكرك إلا بالجميل. قال فقال الكرماني: يا عقيل! لا تكثر فليس إلى ما يريد ابن الأقطع من سبيل، قال فقال له عقيل: يا أبا علي! ههنا شيء آخر، قال: وما ذاك؟ قال: يتزوج إليك وتتزوج إليه، فقال الكرماني (2): إذا لا أفعل ذاك لأنه ليس لي بكفوء، فقال عقيل: # PageV08P311 # سبحان الله يا أبا علي! تقول بمثل هذا الرجل من بني كنانة وشرفه وقدره! فقال: # والله لو كان مصاصا في بني كنانة لفعلت! ولكن ليس كذلك، قال عقيل: فما تقول أبا علي؟ أنصرف عنك اليوم وأعود إليك غدا؟ فقال الكرماني: إنما أنت تعود بمثل هذا الكلام فلا تعد، فقال عقيل (1): أبا علي! إنه ليس بعد هذا شيء وأخاف أن تهلك غدا بدار مضيعة! فقال الكرماني: أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال (2): فرجع عقيل إلى نصر بن سيار، فقال: أيها الأمير! أنت والله في غرو من أمر هذا الرجل! وذلك أنه قد عظم أمره وكثف جمعه واشتدت شوكته، فإن كنت رجلا تقوم في هذا الامر وإلا فالزم منزلك، فإنك قد خيرت ذلك إما أن تلزم منزلك حتى يولي هو من يريد، وإما أن تحمل من أموال خراسان ما أحببت وتنصرف إلى أمير المؤمنين مروان، فاختر من الثلاث (3) ما بدا لك. قال: فغضب نصر بن سيار من ذلك غضبا شديدا، ثم صاح ms1342 بصاحب شرطته سالم (4) بن أحوز المازني، فقال له: يا سالم! سر إلى هذا الملاح فاكفني أمره وائتني برأسه الساعة. # قال: فنادى سالم في أصحاب نصر بن سيار فركبوا، وسار إلى باب الكرماني وعلى بابه يومئذ أربعة آلاف رجل ما يرى منهم إلا الحدق. قال: فصاح سالم بن أحوز بقائد من قواد الكرماني يقال له محمد (5) بن المثنى، فقال: يا بن المثنى! قل لصاحبك هذا الملاح: يخرج إلينا! فقال له ذلك محمد بن المثنى، فخرج إليه في أصحابه فاقتتلوا ساعة، فقتل من أصحاب الكرماني قريب من عشرين رجلا، وقتل من أصحاب نصر بن سيار نيف على مائة رجل، فانهزم سالم بن أحوز إلى دار نصر بن سيار فأعلمه بذلك. قال: فأرسل إليه نصر بعصمة بن عبد الله الأسدي حتى وقف قبالة أصحاب الكرماني، ثم قال: أما والله لو علمتم (6) أن السمك لا يغلب # PageV08P312 # اللخم (1) أبدا! فصاح به يحيى بن نعيم الربعي (2): يا بن الفاعلة إن كنت صادقا فاثبت‌ لنا! ثم حمل الفريقان بعضهم على بعض، فقتل من أصحاب الكرماني ثمانية نفر ومن أصحاب نصر بن سيار سبعون رجلا، وانهزم عصمة بن عبد الله الأسدي وأصحابه، وأصحاب الكرماني في أقفيتهم حتى ألحقوهم بصاحبهم. فأقبل عصمة بن عبد الله مجروحا لما به حتى دخل على نصر بن سيار فخبره بذلك. فلم يزل نصر يوجه إلى حرب الكرماني واحدا بعد واحد حتى وجه إليه سبعة قواد، ما منهم قائد إلا يرجع مفلولا ومجروحا، حتى كان آخر قائد وجه به إليه مالك بن عمرو الحماني (3) وكان من المعدودين في بني تميم، فصار إلى باب الكرماني في قريب من أربعة آلاف فارس، ثم وقف وصاح بابن المثنى: إن كنت رجلا فابرز إلي وذر الناس جانبا! فقال له محمد بن المثنى: قد أنصفت يا أخا تميم! ثم برز إليه والتقيا للضراب فبدره التميمي بضربة على حبل عاتقه فقطع درعه، وضربه محمد بعمود كان في يده على بيضته فهشم البيضة حتى وصل العمود إلى رأس التميمي فجندله صريعا. ms1343 قال: والتحم القتال والامر بين الفريقين، فاقتتلوا ساعة، وجعل نصر بن سيار يمد أصحابه والكرماني يمد أصحابه، حتى كثرت من الجانبين القتلى يومهم ذلك. وغلق أهل مرو أبواب حوانيتهم وأبواب دورهم وعطلت الأسواق. # قال: ثم تواعد القوم وخرجوا إلى موضع يقال له الجياد (4)، فخندقوا على أنفسهم وجعلوا يقتتلون الليل والنهار، حتى اقتتلوا سنة كاملة لا يفترون ولا يملون. # قال: وكتب نصر بن سيار إلى مروان بن محمد بهذه الأبيات: # أبلغ أمير المؤمنين رسالة * مخبرة عن محكمات الرسائل بأن عداة الله أضحوا بأرضنا * يسوموننا اطفاء حق بباطل ونحن حماة الدين نسمو إليهم * بأسيافنا والمسندات الأوائل قال: فلما ورد هذا الشعر على مروان بن محمد اغتم لذلك غما شديدا، # PageV08P313 # وجعل نصر بن سيار يفكر في أمره فلم يجد له حيلة، ورحل مروان بن محمد من الشام بحيلة حتى نزل مدينة حران من بلاد الجزيرة فجعلها دار مملكته، وعزم أن يصير إلى خراسان بنفسه، ثم إنه خشي أن يذهب الشام والجزيرة من يده فجعل يقدم في ذلك ويؤخر، وتحرك أبو مسلم عند ذلك وعزم على الخروج. PageV08P314 ### | ابتداء خبر أبي مسلم (2) # قال: وكان أبو مسلم في قديم الزمان غلاما حدثا وكان يعمل في السواجير (2) واسمه عبد الرحمن بن مسلم. قال: وكان يخدم قوما من بني عجل بخراسان يقال لهم بنو عيسى بن معقل (3). قال: وكان أبو مسلم مع ذلك غلاما لبيبا حسن الأدب والفهم، فوقع في قلبه حب بني هاشم. قال: وخرج قوم من شيعة ولد العباس يريدون الحج منهم سليمان بن كثير الأحوال ومالك بن الهيثم وقحطبة بن شبيب ولاهز بن قريظ وجماعة ممن يرى رأيهم من ولد العباس، فدفعوا له مالا كانوا قد حملوه من خراسان، وجعلوا يختلفون إليه وأبو مسلم معهم لا يفارقهم، فقال محمد (4) بن علي: من هذا الغلام الذي أراه معكم؟ فقالوا: غلام من أبناء السراجين موالي عيسى بن معقل، فقال محمد: أفحر هو أم عبد؟ فقالوا: أما آل معقل فيزعمون أنه من آلهم، وأما هو فيزعم أنه حر ms1344 وابن حر، فقال محمد بن علي: # ما أدري ما تقولون، ولكني أراه غلاما عاقلا لبيبا، وأرى فيه علامات بينة، وأرجو أن يكون ممن يتحرك في دولتنا. قال فقال له القوم: أيها الامام! فمتى يكون ذلك فقد طال ملك بني أمية؟ فقال محمد بن علي: هذا والله زماننا وهذا وقت دولتنا! ولقد سمعت آبائي يذكرون أن إذا كانت سنة الحمار فعند ذلك يظهر أمرنا، وتجاب # PageV08P315 # دعوتنا، ويموت أمر بني أمية، ويظهر الرايات والبنود من كور مرو بخراسان، وتقتل بنو أمية تحت كل حجر ومدر، فقالوا: وما سنة الحمار؟ فقال: إنه لن تمضي مائة سنة من أمر قوم إلا ينتقض (1) أمرهم، لقول الله عز وجل (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنه يحي هذه الله بعد موتها إلى قوله: كيف ننشزها) (2) وقد اقترب الوعد الذي وعدناه ورب الكعبة! # قال: ثم أقبل محمد بن علي على شيعته هؤلاء، فقال: اعلموا أنكم في سنة الحمار وكأني بهذا الغلام وقد تحرك‌ في هذا الامر - يعني أبا مسلم - فانظروا إذا كان ذلك فانصروه وقوموا معه في هذا الامر ووازروه، ولعلكم لا تروني بعد عامكم، لأني أحس بضعف في بدني، وأظن أن قد اقترب أجلي، ولكن قد جعلت هذا الامر في ابني إبراهيم المقيم بحران، فإن أصيب فابني عبد الله ابن الحارثية (3) - يعني أبا العباس - فإن أصيب فابني عبد الله - يعني أبا جعفر المنصور -. # قال: وقدم القوم من مكة من عند محمد بن علي إلى خراسان، فجعلوا ينظرون إلى أبي مسلم بغير العين التي كانوا ينظرون إليه بها قبل، وكتموا ما سمعوا من محمد بن علي في أبي مسلم، بل كانوا يجتمعون إليه أحيانا فيتكلمون ويدبرون آراءهم بينهم وأبو مسلم يقول لهم: لا تعجلوا وأبشروا، فما أقربكم مما تريدون! # وأنا وزير صاحب الرايات السود، وكأنكم بي وقد أظهرتها. قال: فلم يزل أبو مسلم بخراسان لازما منزله لا ينطق بشيء ولا يتحرك، حتى إذا وقع الحرب بين الكرماني وبين نصر بن سيار ونظر أبو ms1345 مسلم إلى الغلبة الكرماني أيقن بالفرج وجعل يقول لمن هو على رأيه: أبشروا فقد دنا الامر! قال: وتوفي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رحمه الله (4)، وبلغ ذلك أبا مسلم. فأقبل يدعو الناس إلى ما هم عليه من أمر ولد العباس، والناس يجتمعون إليه من كل أوب، فذكر أهل العلم بهذه الاخبار أن # PageV08P316 # أبا مسلم أتى إليه ألف رجل وهم الذين بايعوه بدوا غير أنهم كانوا في بيوتهم لا يظهرون. قال: وسمع بذلك نصر بن سيار، فلم يكن لأبي مسلم حيلة لاستقباله بحرب الكرماني عير أنه كتب إلى مروان بن محمد هذه الأبيات (1): # أرى خلل الرماد وميض جمر * أحاذر أن يكون لها اضطرام فإن لا تخمدوها تجر حربا * يكون وقودها قصر وهام فإن الناس كالزندين توري * وإن الفعل يقدمه الكلام أقول من التعجب ليت شعري * أأيقاظ أمية أم نيام فإن يك قومنا أضحوا رقودا * فقل قوموا فقد حان القيام فأنتم في الكريهة أسد غاب * إذا كان النذير بها الحسام وأكرم في زلازلها اصطبار * إذا نشرت وثار لها قتام تطيف بكم كرائم عبد شمس * لدى الهيجاء ضاق بها المقام وهم عذر الأباطم من قريش * فكاهلها المقدم والمشام إذا صدع بقية لا تأوه * وما صدعوا فليس له التيام قال: فلم يلتفت مروان بن محمد إلى ما كتب إليه نصر بن سيار ولم يجبا بشيء (2)، فعلم نصر بن سيار أن أمر بني أمية قد أدبر. # وكتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة (3) وهو يومئذ بواب في العراق، من قبل مروان بن محمد: أما بعد، فإن البيعة واحدة وقد علمت ما أنا فيه من حرب الكرماني، وقد خرج علي أيضا من أبناء السراجين من لا يعرف له دين، وقد اجتمع إليه نفر من أهل خراسان من شيعة ولد العباس، فأنشدك بالله أن تضيع بلاد خراسان فقد مضى الامر من أيدي بني أمية، وأريد منك أن تمدني بألف‌ عمامة شامية - والسلام -، ثم أنشد أسفل كتابه هذه الأبيات (4): # PageV08P317 # أبلغ إليك وخير القول أصدقه * وقد ms1346 تبينت أن لا خير في الكذب هذي خراسان أرض قد رأيت بها * بيضا لو أفرخت قد حدثت بالعجب فراخ عامين إلا أنها كبرت * لما يطرن وقد سربلن بالزغب وإن يطرن ولم يحتل لهن بها * يلهبن بلدان حرب أيما (1) لهب قال: فلم يلتفت [يزيد بن عمر بن] (2) هبيرة إلى كتاب نصر بن سيار وجعل يقول: وما أصنع! وما أبالي بخراسان إذا سلمت لي العراق (3). # قال: فعندها طمعت بنو هاشم في الخلافة، فكتب الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم إلى عبد الله بن الحسن (بن الحسن) بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين هذه الأرجوزة: # دونك أمرا قد بدت أشراطه * وريشت من نبله أمراطه إن السبيل واضح صراطه * لم يبق إلا السيف واختراطه قال: وطمع آل أبي طالب خاصة في الخلافة. قال: حدثني أبو الحسن المدائني قال: حدثني أبو الحسن بن الفرات قال: سايرت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس فقال داود بن علي لعبد الله بن الحسن بن الحسن: أبا محمد! لو أمرت ابنيك محمدا وإبراهيم أن يظهروا ويتحركوا في هذا الامر فقد انقضت دولة بني أمية إن شاء الله، ألا تسمع الاخبار وانتقاضها على نصر بن سيار! فقال عبد الله بن الحسن: إنه لم يأت الوقت الذي يظهر بعد، فقال عبد الله بن علي: أبا محمد إنكم لستم الذين تظهرون على بني أمية، بل نحن والله نظهر عليهم، وأنا الذي والله أقتلهم وأبيدهم وأنتزع الامر منهم عن قريب إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وما ذلك على الله بعزيز، قال: فسكت عبد الله بن الحسن بن الحسن ولم يتكلم. # PageV08P318 # قال: ونظر أبو مسلم إلى [أنه] لا مدد لنصر بن سيار فطمع فيما أراد من الخروج، ثم بعث إلى الكرماني أن أثبت على ما أنت عليه فأنا معك لا عليك! # قال: فصارت كلمة ms1347 أبي مسلم والكرماني واحدة. والتأمت العسكران على نصر بن سيار جميعا. قال: ثم أمر أبو مسلم أصحابه بالوساد ثم كتب إلى جميع الكور بخراسان أن سودوا فإنا قد سودنا، وقد دنا زوال ملك بني أمية. قال: فسود أهل نيسابور ومرو الروذ والطالقان وما يليها وجميع الكور طاعة لأبي مسلم. قال المدائني: وإنما أمرهم أبو مسلم بالسواد لأنه جعل السواد حدادا لمصيبة زيد بن علي ويحيى بن زيد رضي الله عنهما. قال: فلم يبق مدينة بخراسان إلا لبسوا السواد وجعلوا ينوحون وينعون على زيد بن علي ويحيى بن زيد ويذكرون مقتلهما. # قال: ثم بعث أبو مسلم إلى الجوزجان (1) وإلى نهاوند وبها يومئذ يحيى بن زيد مصلوب، فأمر به فأنزل من خشبته وكفن وصلوا عليه ودفن. ثم جعل أبو مسلم يتبع قتلته - أي يحيى بن زيد - فيقتلهم تحت كل حجر ومدر، حتى قتل بيحيى بن زيد وزيد بن علي ثمانون ألفا أو يزيدون من شيعة بني أمية ومن شارك في دم يحيى بن زيد حتى قتل ولد الولد، وهو الذي يقول: # أجيبوا عباد الله آل محمد * فذا عنهم الداعي يحاب ويكرم قتلت بزيد بن الحسين وابنه * ثمانين ألفا من كمي ومعلم قال: فعندها أعطى نصر بن سيار بيده واتقى على نفسه، ثم كتب إلى أهل مرو وغيرهم ممن قد علم أنهم على رأيه ومذهبه، وسألهم أن ينصروه ويقيموا معه ويوازروه على حرب الكرماني وأبي مسلم، وكتب إليهم بهذه الأبيات (2): # أبلغ ربيعة في مرو وإخوتها * فليغضبوا (3) قبل أن لا ينفع الغضب ولينصبوا الحرب إن القوم قد نصبت * حربا يحرق من حافاتها الحطب (4) ما بالكم تلحقون الحرب بينكم * كأن أهل الحجى عن فعلكم غيب # PageV08P319 # وتتركون عدوا قد أظلكم * [ممن -] (1) تأشب لا دين ولا حسب ليسوا إلى غيره منا فنعرفهم * ولا صميم الموالي إذ هم نسبوا قوما يدينون دينا ما سمعت به * عن الرسول ولم تنزل به الكتب فمن يكن سائلا (2) عن أصل دينهم (3) * فإن دينهم أن تقتل العرب ويقسم الخمس من أموالكم أسرا * من ms1348 العلوج ولا يبقى لكم نسب وينكح فيكم قسرا بناتكم * لو كان قومي أحرارا لقد غضبوا قال: فلما نظر نصر بن سيار أنه ليس يجيبه أحد ممن يكتب إليه أحب أن يفرق بين الكرماني وبين أبي مسلم، فكتب إلى الكرماني: ويحك أبا علي! لا تغتر بأبي مسلم وأصحابه، فإنه ليس يريد هذا الامر لك ولا لنفسه، إنما يريده لبني هاشم. # فإني خائف عليك منه، ولكن هلم حتى ندخل جميعا إلى مدينة مرو ونكتب بيننا كتابا بالصلح، ويحلف كل واحد منا لصاحبه أن تكون كلمتنا واحدة على أبي مسلم، قال: فوعد الكرماني أن يجيبه، ثم أقبل على أبي مسلم فقال: إن نصر بن سيار قد كتب لنا بكذا وكذا، فما ترى أن نخرج إليه وأسأله أن يخرج إلي على أن يكتب بيني وبينه هذا الكتاب بين العسكرين، ثم أغتاله برجل من أصحابي فيحمل عليه ويقتله، فقال أبو مسلم: ما أرى لك رأيا غير هذا. # قال: فخرج الكرماني حتى وقف قريبا من نصر بن سيار ومعه قريب من مائة، أوصى رجلا من أصحابه بما يريد من قتل نصر بن سيار، ثم بعث إليه رسولا أن اخرج إلي حتى نكتب بيننا ذلك الكتاب الذي ذكرت في وسط العسكرين! قال: # فخرج ابن سيار في قريب من مائة فارس وقد أوصى رجلا من أصحابه يقال له الحارث بقتل الكرماني. قال: ودنا الفريقان بعضهم من بعض، والكرماني يومئذ بلا درع، وعليه قباء أبيض ويسمى بلغة أهل خراسان خشلبود (4). قال: فلما نظر نصر بن سيار إليه وهو في تلك الحالة التفت إلى الحارث (5) بن سريج وكلمه بالفارسية: هذا وقته، قال: فحمل الحارث بن سريج على الكرماني وطعنه طعنة في خاصرته جندله # PageV08P320 # قتيلا. قال: وكبر أصحاب نصر بن سيار وطمعوا في أبي مسلم بعد ذلك. قال: ثم أمر نصر بن سيار برأس الكرماني فأخذه وقوره وحمله برمحه إلى مروان بن محمد، وكتب إليه نصر بن سيار بالخبر على جبهته، وفي آخر الكتاب: هذه الأبيات (1): # لعمري لئن كانت نزار تتابعت ms1349 * علي بغدر حين خابت حدودها لقد غمزوا مني قناة صليبة * أبى على من شانها الضيم عودها وقدت ذوي الأحساب منهم من أقدمي * وذا الدجل حتى عاد حربا يبيدها وأصلحت من ساداتها كل فاسد * وأسرعت في خير الذي لا يسودها وكنت لها كهفا منيعا وجنة * ليأوي إليها كهلها ووليدها فمالوا على السوءات ثم تمردوا * وهل يفعل السوءات إلا مريدها فللترك [قد] أوفى نزار بعدها * ولا يأمنن الغدر يوما عميدها أحاشوا نزار الشام إن نزارها * أبوه أباي وهنيء (2) عميدها خليفتنا الساعي لنا ببراتنا * فطالبت (3) أوتار العدى وميدها أمروان إني قد منيت بمعشر * خوارج سوء ما يلين شديدها أجاهدهم في الله حقا لأنني * أومل دارا لا يبيد خلودها وكم كم أجاشوا من جنود وأوقدوا * أشانيب نيران سريع خمودها فأوردت خوفا بتها الموت عنوة * كذاك منايا الناس يدنو بعيدها قال: فلما كان بعد قتل الكرماني زحف نصر بن سيار إلى أصحاب أ‌بي مسلم، ونادى أبو مسلم في أصحابه، ودنا الفريقان بعضهم من بعض واقتتلوا ساعة، وهوى علي بن الكرماني إلى تميم بن نصر بن سيار وهو يقاتل أشد قتال، فحمل عليه وهو يقول: أنا ابن الكرماني! ثم طعنه طعنة أصابه، ثم نادى بأعلى صوته: يا بن سيار! كيف ترى أخذ الثأر! قال: وأسرع القتل في أصحاب نصر بن سيار، وانصرف الفريقان بعضهم عن بعض بقية يومهم ذلك، فأنشأ نصر بن سيار يرثي ولده يقول أبياتا مطلعها (4): # نفى عني العزاء وكنت جلدا * لإجلاء الفوارس عن تميم إلى آخرها. # PageV08P321 # قال: وباكر القوم الحرب فاقتتلوا قتالا شديدا، وأثخن نصر بن سيار جراحا، وقتل من أصحابه جماعة، وانهزم من بين يدي أبي مسلم هزيمة قبيحة ولم يقم له قائمة. قال: # فأنشأ رجل من أصحاب أبي مسلم يقول أبياتا مطلعها: # لسنا نبالي لدى الهيجاء من أحد * مما نطالب عن عجم ولا عرب إلى آخرها. # قال: وجعل أمر أبي مسلم يعلو يوما بعد يوم حتى خافه الناس من جميع النواحي بكور خراسان، وكان إذا ذكر إنما يقال (قال الأمير كذا ms1350 وكذا). وكان يخطب له فيقال: اللهم أصلح الأمير أمير آل محمد. # قال: وكان أهل بلاد خراسان على فرقتين، فكور منها يدعون (1) لمروان، وكور منها يدعون لأبي مسلم أنه الأمير أمير آل محمد. قال: وتفاقم الامر بين أبي مسلم ونصر بن سيار جدا، وكانوا إذا دنوا للقتال يتشاتمون ويذم بعضهم بعضا، وكان نصر بن سيار ينشد ويقول في ذلك أبياتا مطلعها: # درجت دينا وأهلا أنت تاركهم * ما الخير دينا وأهلا لا يذمونا إلى آخرها. # قال: ودامت الحرب بين أبي مسلم وبين نصر بن سيار، ومال أهل خراسان إلى أبي مسلم فأعطوه طاعتهم وحملوا إليه أموالهم. قال: ونظر نصر بن سيار أنه لا طاقة له بأبي مسلم فك عن الحرب أياما، فلم يحارب ودخل مدينة مرو وجلس في منزله وسلم الامر. قال: ودعا أبو مسلم بأربعة نفر من أصحابه منهم عامر بن إسماعيل الجرجاني وأخوه عمرو وسليمان بن كثير ولاهز بن قريظ (2)، قال: سيروا إلى أرض نصر بن سيار فأقرئوه مني السلام وقولوا إن الأمير يقول لك أن قد جاءنا كتاب من عند الامام إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وإنا نحب أن نعرضه عليك فصر إلينا آمنا مطمئنا! قال: فأقبل القوم فاستأذنوا على نصر بن سيار فأذن لهم، فدخلوا وسلموا وبلغوا رسالة أبي مسلم. قال: وجعل لاهز بن قريظ يقول: (يا موسى إن الملا يأتمرون بك) (3) فعرف نصر بن سيار أن أبا مسلم (4) # PageV08P322 # يدعوه ليقتله، فقال: نعم وكرامة ونعما عيني أجيبكم إلى ما أحببتم ولكن أمهلوني الساعة حتى أنظر حاجة وأخرج إليكم، فجلس القوم ودخل نصر بن سيار بستانا له. # وذاك في جوف الليل وكانت ليلة مظلمة. ثم دعا بصاحب دوابه فقال: أئتيني ببرذوني الفلاني، فأتاه فركب في ثلاثين غلاما (1) وترك ماله قليله وكثيره وخرج من باب البستان هاربا على وجهه إلي ناحية نيسابور. قال: وأبطأ عن الرسل فعلموا أنه قد هرب، فرجعوا إلى أبي مسلم فخبروه بذلك، فقال أبو مسلم: ذروه الان يمضي حيث يشاء، ولكن ms1351 ما الذي استراب منكم؟ فقالوا: والله ما لنا بذلك من علم ولكن تكلم هذا فقال (يا موسى إن الملا يأتمون بك) ولم يتم الآية! فقال: هذا الذي دعاه إلى الهرب، قال: ثم قدم أبو مسلم لاهز بن قريظ فضرب عنقه. ثم أقبل إلى دار نصر بن سيار فانتهبها وأمر بإحراقها (2)، ثم استولى على جميع بلاد خراسان، ووجه عماله إلى جميع البلاد، فاحتوى عليها وجبى جميع خراجها. # ومضى نصر بن سيار إلى نيسابور في غلمانه وأولاده وجميع من معه من بني تميم فمضى إلى الري، ثم خرج منها يريد العراق حتى إذا صار على تسعة فراسخ من الري بموضع يقال له فسطانة (3) توفي هنالك فدفن بها، وأنشأ رجل من بني تميم يقول أبياتا مطلعها: # ألا من لنفس غاب عنها عزاؤها * ودمع لعين ما يجف بكاؤها إلى آخرها. # قال: وبلغ أبا مسلم أن نصر بن سيار قد هلك، فدعا بقحطبة بن شبيب فضم إليه جيشا يزيدون عن عشرين ألف فارس وأمره أن يتقدم إلى جرجان فيأخذها ويتقدم منها إلى غيرها! قال: فسار قحطبة إلى نيسابور فجبى خراجها وفرقه على أصحابه، # PageV08P323 # وسار منها حتى وافى جرجان، وبها يومئذ رجل من قبل بني هبيرة (1) يقال له نباتة بن حنظلة الكلابي (2) في جمع عظيم من أهل الشام والعراق، وقد خندق على نفسه خندقا يتحصن به من قحطبة بن شبيب وأصحابه. قال: ودنا إليهم قحطبة بن شبيب وأصحابه. قال: فجعل على ميمنته خالد بن برمك، وعلى ميسرته أسد بن عبد الله الخزاعي، وعلى الجناح موسى بن كعب العقيلي. ثم أقبل قحطبة على أصحابه فقال: أيها الناس! أتدرون من تقاتلون! إنما تقاتلون قوما حرقوا (3) كتاب الله وبدلوا دينه وتولوا عن أمره، وإن هذه البلاد كانت لابائهم (4) الأولين وكانوا ينصرون على عدوهم بالعدل والاحسان، ثم بدلوا وغيروا وظلموا فسخط الله عليهم وانتزع سلطانهم وسلط (5) عليهم أذل أمة كانت من الأرض، ثم بدلوا فغلبوهم على بلادهم واستنكحوا نساءهم واسترقوا أولادهم وقتلوا آباءهم، فلم يزالوا ع لي ذلك من حالهم ms1352 إلى وقتهم هذا، فرفع الله رأسكم وأعلى أمركم، ثم جاء بكم إليهم وسلطكم عليهم وينتقم منهم بكم، ألا! وقد عهد إلي الأمير أمير آل محمد صلى الله عليه وسلم بأنكم تلقونهم فيهربون وتقتلونهم بإذن الله - والله مع الصابرين - (6). # قال: ودنا قحطبة بن شبيب وأصحابه من سادات أهل خراسان إلى نباتة بن حنظلة صاحب جرجان، وذلك يوم الجمعة أول يوم من ذي الحجة (7)، فالتقوا فاقتتلوا يومهم ذلك من وقت طلوع الشمس إلى وقت الزوال، فقتل جماعة من أهل خراسان، ثم وقعت الهزيمة على أصحاب جرجان، فقتل نباتة بن حنظلة [وابنه] (8) وقتل معهما نيف عن عشرة آلاف رجل من أهل الشام، وهرب الباقون وبدد شملهم، وأمر قحطبة برأس نباتة بن حنظلة ورأس ابنه (9) أن يحملا إلى أبي مسلم، # PageV08P324 # وكتب إليه بالفتح. ثم إنه دخل مدينة جرجان، فقتل من أهلها جماعة (1) ممن كان يرى برأي بني أمية، ثم جبى خراجها جميعه فأعطى أصحابه بعض ذلك، ووجه باقي الأموال إلى أبي مسلم، ثم نقلوا منها إلى الدامغان وإلى سمنان (2) فلم يمنعه مانع، فجبى خراجها ووجه به إلى أبي مسلم. # ثم سار إلى الري فنزلها فلم يحاربه أحد من أهلها، وكتب إليه يستأذنه في التقدم إلى غيرها. قال: فكتب إليه أبو مسلم يستأمره بالمسير إلى أصبهان. قال: # فرحل قحطبة من الري في جيشه ذلك يريد أصبهان، ثم سار إلى قاشان، وبلغ ذلك عامر بن ضبارة، فخرج في مائة ألف (3) أو يزيدون. قال: ودنا قحطبة بمصحف كان معه وأمر به، فعلق في رأس رمح طويل، ثم نادى مناديه: يا أهل الشام! ندعوكم إلي ما في هذا المصحف من تفضيل محمد صلى الله عليه وسلم وتفضيل بني هاشم! قال: وكان أصحاب عامر بن ضبارة يشتمون قحطبة ويشتمون أبا مسلم وولد العباس، فقال قحطبة لأصحابه: احملوا عليهم وقولوا (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) قال: فحمل الفريقان بعضهم على بعض، واقتتلوا ساعة من النهار، فقتل من أصحاب قحطبة نفر يسير، وقتل عامر بن ضبارة صاحب أصبهان. ms1353 وقتل من حضر من أهل الشام وغيرهم خلق كثير لا يحصون كثرة. وبعث قحطبة برأس عامر بن ضبارة إلى أبي مسلم وكتب إليه بالفتح، ثم إنه دخل مدينة أصبهان، فقتل منها من قتل، وجبى خراجها ووجه به إلى أبي مسلم. # ثم سار منها إلى نهاوند وبها يومئذ مالك بن أدهم بن محرز الباهلي والحكم بن ثابت بن مسعر الخثعمي (4). وبها أيضا أولاد نصر بن سيار في جماعة من أصحاب أبيهم. قال: فنزل قحطبة وأصحابه على نهاوند، فحاصروا القوم حصارا شديدا وضيق عليهم غاية الضيق ووضع عليهم المناجيق، فجعل يرميهم ليلا ونهارا. وهو مع ذلك يدعوهم إلى طاعة أبي مسلم وهم لا يجيبون إلى ذلك. قال: فبينما القوم في محاربة أهل نهاوند إذ أرسل مالك بن أدهم الباهلي يسأله أن يعطي له ولأصحابه # PageV08P325 # الأمان ولجماعته من أهل الشام، فلما خرج مالك بن أدهم (1) إليه وخرج أيضا جماعة من أصحاب نصر بن سيار، قال: وعلم بهم قحطبة وبقدومهم، وكانوا يزيدون على أربعين رجلا وفيهم أولاد نصر بن سيار فغدر بهم فضرب أعناقهم ووجه برؤوسهم إلى أبي مسلم وكتب إليه بالفتح. # ثم دخل نهاوند وجبى خراجها ووجه به إلى أبي مسلم. # ثم سار منها إلى حلوان وبها يومئذ عبد الله بن العلاء الكندي (2) من قبل ابن هبيرة فخبر بخبر قحطبة، فلما أحس بخيل قحطبة أنها وافته خرج من حلوان هاربا إلى أن صار إلى يزيد بن [عمر بن] (3) هبيرة فأعلمه بذلك. قال: ووصل قحطبة إلى مدينة حلوان فجبى خراجها فقوى به أصحابه. # وعزم على المسير إلى العراق ثم ادعى برجل من أصحابه يقال له عبد الملك بن يزيد ويكنى أبا عون، فضم إليه أربعة آلاف رجل وأمره بالسير إلى شهر زور، وبها يومئذ رجل من قبل يزيد بن [عمر بن] (3) هبيرة يقال له عثمان بن سفيان في خمسة آلاف فارس من أهل الشام وأهل العراق، فلما بلغه مسير أبي عون إليه خرج وتلقاه على فرسخين من شهر زور فاقتتلوا هنالك، فقتل عثمان بن ms1354 سفيان (4) وقتل جماعة من أصحابه وانهزم الباقون على وجوههم مشردين في البلاد. قال: # وبعث أبو عون ابن سفيان (5) إلى قحطبة بن شبيب ودخل إلى شهر زور. # قال: وبلغ ذلك إلى يزيد بن [عمر بن] (3) هبيرة فرحل من واسط إلى العراق في خلق عظيم حتى صار إلى جلولاء فنزلها، ثم إنه خندق على نفسه خندقا (6) وجمع إليه أصحابه. وبلغ ذلك قحطبة بن شبيب فرحل من حلوان فنزل خانقين. # ورحل يزيد بن [عمر بن] (3) هبيرة راجعا إلى ورائه حتى نزل بموضع يقال له # PageV08P326 # الدسكرة (1). وبلغ ذلك قحطبة فقال لبعض أصحابه: ذر ابن هبيرة ينزل أين شاء ويرحل إلى حيث يشاء فلسنا نريده، وإنا نريد لصاحبه مروان بن محمد بن مروان إلى أن تعرض لحربنا فلا نجد بدا من دفعه عنا. قال: ثم أقبل قحطبة على أصحابه وقال: اطلبوا دليلا يدلنا على أرض العراق وطريق الكوفة ويأخذ بنا على غير الجادة، قال: فوثب رجل من همذان يقال له خلف بن مورع فقال: أيها الأمير! # أعرف الطريق أنا من ههنا إلى الكوفة إلى براعن (2) يزيد بن [عمر بن] (3) هبيرة فلا تراه ولا يراك، فقال: إذا سر بين أيدينا فإذا سلم الله فلك عندي عشرة آلاف درهم. # قال: فسار الهمذاني بين يدي قحطبة حتى عبر لهم نهرا يقال له تامرا (4)، ثم سار في طريق قاصد حتى صار بهم إلى مدينة يقال له عكبرا (5) على شاطئ الفرات وهي الدجلة، ثم عبر بهم من الدجلة آلى موضع يقال له أوانا (6). # قال: فنزل قحطبة أوانا (6)، واتصل الخبر إلى يزيد بن [عمر بن] (3) هبيرة فقال لأصحابه: ما تقولون الان في أمر قحطبة؟ فقالوا: أيها الأمير! إن قحطبة يريد الكوفة فذره وانزل إلى خراسان فخذها، فقال ابن هبيرة (7): أسير إلى خراسان وفيها أبو مسلم الخراساني في مائة ألف عنان، لا، ولكني أبادر إلى قحطبة وأسبقه إلى الكوفة. وسار يزيد إلى الكوفة فاقتربت العساكر بعضها من بعض، وأقبل قحطبة حتى نزل على شاطئ الفرات وأمر أصحابه بالنزول إلى الجانب الاخر وذلك ms1355 وقت المساء، فجعل القوم يعبرون ووافتهم العساكر مع يزيد بن [عمر بن] (3) هبيرة وقد عبر عامة الناس، فتناوش القوم وأقبلوا على شاطئ الفرات، واختلط الظلام وذهب قحطبة ليحمل على جماعة من بني يزيد، فانهار الجرف من تحت قوائم الفرس فسقط به في الفرات فغرق ولم يعلم به أحد من أصحابه، غير أنهم كانوا يقاتلون أشد القتال حتى أصبحوا، فانهزم أصحاب يزيد بن [عمر بن] (3) هبيرة هزيمة قبيحة وقد # PageV08P327 # قتل منهم خلق كثير. # قال: وافتقد أهل خراسان قحطبة فلم يروا له خبرا، فبينما هم كذلك إذ نظروا إلى فرسه على شاطئ الفرات وجميع ما عليه مبلول، فعلموا أنه قد غرق في جوف الليل (1). قال: فأقبل الناس على الحسن بن قحطبة فبايعوه. قال: فجمع الحسن الناس وسار بهم إلى الكوفة. قال: وبلغ ذلك إلى يزيد بن [عمر بن] (2) هبيرة فتنحى عن سواد الكوفة راجعا إلى وسط العراق فنزل بها أيضا، وفي الكوفة رجل من قبله يقال له عبد الرحمن بن بشير العجلي، فخرج عن الكوفة إلى أن لحق بصاحبه. # وسار ابن قحطبة حتى دخل الكوفة في نيف وثلاثين ألفا من أهل خراسان ومن اتبعه من أهل العراق وأقبل إليه أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال وكان يعرف بالوزير وزير آل محمد صلى الله عليه وسلم، فلما رآه الحسن بن قحطبة قام إليه وقبل يده وتنحى عن مجلسه حتى أجلسه، ثم قال: أيها الوزير إن الأمير أبا مسلم قد أمرنا بطاعتك فما تأمرنا؟ # قال: فوثب أبو سلمة من وقته وركب معه الحسن بن قحطبة، ونودي في الناس فاجتمعوا إلى المسجد الأعظم ولم يبق هاشمي ولا غير ذلك من أشراف أهل الكوفة إلا وقد اجتمعوا وهم لا يدرون لأي شيء يجتمعون. ### | ذكر البيعة وعقد الخلافة لولد العباس ابن عبد المطلب السفاح # قال: وبالكوفة يومئذ جماعة من العلوية، قوم يظنون أن البيعة تكون لولد أبي طالب، وقوم يظنون أن البيعة تكون لولد العباس. قال: فاجتمع الناس وتكاملوا في المسجد، وأقبل أبو سلمة حفص بن سليمان ms1356 حتى صعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وخطب الناس، ثم قال: أيها الناس! انظروا غذا ولا يبقى أحد ممن يلبس السلاح ويركب الخيل إلا ويلبس السواد ويوافي هذا المسجد حتى تعتقد البيعة لأهلها - والسلام -. قال: فعندها أيس الناس من آل أبي طالب من البيعة، وانصرف الناس إلى منازلهم فجعلوا يصبغون الأقبية والعمائم والاعلام، فما أقبل الصباح إلا وأهل الكوفة كلهم لابسون السواد، ثم صاروا إلى المسجد الأعظم، # PageV08P328 # فركب بعضهم بعضا، وضربت الطبول، وخفقت الرايات، ونفخت البوقات، وارتفع التكبير، أقبل أبو سلمة حفص بن سليمان حتى دخل المسجد وعليه سواد، ثم صعد المنبر فحمد الله واثنى عليه، وذكر محمدا فصلى عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، ثم قال: أيها الناس! هل أنتم راضون بما أصنع؟ فقالوا: رضينا بأمرك، افعل ما بدا لك، فقال: إن الأمير أمير آل محمد أبا مسلم الخراساني عبد الرحمن بن مسلم كتب إلي وأمرني أن أقيم للناس خليفة هاشميا، لتستريح هذا الخلق من جور بني أمية العاتين الظالمين الفسقة الذين قتلوا ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا! وإنا قد نظرنا في أخبار بني هاشم وذوائبها فما رأينا فيها أحدا هو أجل ولا أعبد من علي بن عبد الله بن عباس وابنه محمد، وكل بني العباس خيرون فاضلون، وقد ارتضيت لكم عبد الله بن [محمد بن] (1) علي بن عبد الله بن عباس، وهو الزكي في حسبه، التقي في نسبه، العدل في سيرته، فهل رضيتم به؟ قال: فضج الناس من كل جانب: نعم رضينا. # ثم نزل أبو سلمة عن المنبر وأرسل إلى عبد الله بن محمد فدعاه، فأقبل عبد الله بن محمد على بغلة له دهماء (2) وهو معتم بعمامة سوداء وعليه ثياب سود حتى دخل المسجد، وذلك في يوم الجمعة، وقد أذن المؤذن، فصعد أبو العباس عبد الله بن محمد المنبر، فحمد الله واثنى عليه وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ثم خطب خطبة بليغة (3) شوق فيها إلى الجنة وحذر فيها من النار، وذكر ما ms1357 وعد الله عباده المتقين وما أعد الله للظالمين، ثم قال: أيها الناس! بايعوا ولا تختلفوا، فإنكم لم تبايعوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة الأخيار بعده أهدى من هذه البيعة، لأنكم كنتم مقهورين مظلومين، وكنا معكم على مقت مغلوبين مغصوبين، فأقام الله لنا شيعتنا من أهل خراسان، فعرفوا لنا أقدارنا وطلبوا لنا بثأرنا، فالحمد لله رب العالمين والسلام. # قال: ثم نزل فصلى بالناس صلاة الجمعة، فلما فرغ من صلاته جلس قريبا من السرير ثم بسط يديه، فازدحموا عليه بالبيعة حتى كسروا درابزين المقصور. # PageV08P329 # قال: فكانت بيعته لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة - والله أعلم -. فهو أول من ملك من ولد العباس، وهو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن [عبد] المطلب بن هاشم، وأمه امرأة من العرب من بني الحارث بن كعب واسمها ريطة بنت عبيد الله (1) بن عبد الله بن عبد المدان (2) ابن الديان بن قطن بن زياد (2) بن الحارث بن كعب. # قال: وكان مروان بن محمد يومئذ مقيما بأرض حران. فلما بلغه أن الناس‌ قد بايعوا ولد العباس أخذ إبراهيم بن محمد أخا العباس فقتله، وعزم على محاربة بني هاشم وولد العباس. ### | ذكر حديث مروان وما كان منه بعد بيعة بني العباس للناس # قال: ثم دعا مروان بإسماعيل بن عبد الله القسري فقال: ويحك يا أبا هاشم! # أبو مسلم بخراسان قد تغلب عليها وعلى سائر الجبال، وهذا عبد الله (3) بن محمد بالعراق وقد بايعه الناس، وأنت المدين به في الأرض، فهات ما عندك، فقال له إسماعيل بن عبد الله: يا أمير المؤمنين! خبرني على ماذا عزمت حتى أشير عليك، فقال مروان: أزمعت والله على أن أسير بعيالي وأهلي وخدمي وأموالي ومن يتبعني من الناس ثم إني أقطع الدرب وأصير إلى مدينة من مدن الروم فأنزلها، وأكاتب ملك الروم لعله ينصرني على عدوي! فقال إسماعيل بن عبد الله: أعيذك بالله (4) يا أمير المؤمنين من هذا الرأي ms1358 أن تحكم أهل الشرك من بناتك وحريمك! وهي الروم الذي لا وفاء لها ولا ذمام، ولا تدري ما تأتي به الأيام، فإن حدث بك حادث بأرض الروم ضاع من بعدك حريمك وولدك ومالك، ولكن أشير عليك أن تقطع الفرات وتصير إلى الشام، فإنهم إذا نظروا إليك لم يعدوا إليه ولم يعدلوا بك أحدا، فتكون الشام # PageV08P330 # لك ومصر، وإنه بقية من خلفك (1). فإن رأيت ما تحب منها فنعمة، وإن تكن الأخرى فتمضي إلى إفريقية فهي أصلح لك من بلاد الروم. فقال مروان: صدقت يا أبا هاشم! هذا هو الرأي، غير أني قد عزمت على أمر، وهو أن أواقع القوم وقعة واحدة وأنظر كيف يكون أمري، فإن كان الذي أريده وإلا فالشام بين أيدينا. ### | ذكر مسير مروان بن محمد إلى محاربة ولد العباس رضي الله عنهم # قال: ثم تعبى مروان وخرج من حران في جيش غزير يريد الموصل، وجعل الناس يستنفرون الناس، فصاروا إلى مدينة الموصل وقد اجتمع إليه مائة ألف عنان. # قال: وبلغ ذلك أبا العباس فخطب الناس وخبرهم بمسير مروان إلى أرض الموصل، ثم قال: من ينتدب إليه منكم؟ قال: فتكلم عم أبي العباس عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس فقال: أنا له يا أمير المؤمنين! فقال أبو العباس: أنت له فسر على بركة الله وعونه. قال: فجمع عبد الله بن علي أصحابه فعرضهم وأعطاهم الارزاق، ثم خرج من الكوفة في عشرين ألفا أو يزيدون حتى نزل مدينة يقال لها الحديثة وهي على سبعة فراسخ من الموصل. قال: وسار إليه أبو (2) عون عبد الملك ابن يزيد من شهر زور في أربعة آلاف، فصار عبد الله بن علي في أربعة وعشرين ألفا ويزيدون. # فبلغ ذلك مروان بن محمد فصار من مدينة الموصل في مائة ألف عنان حتى نزل على شاطئ نهر يقال له الزاب (3) حذاء عسكر عبد الله بن علي. قال: ثم أمر مروان فعقد له جسرا على الزاب ثم نادى في أصحابه فركبوا، وركب مروان فرسه الأشقر ms1359 الذي كان يذكره الناس فيقولون: أشقر مروان، وكان فرسا عتيقا لم ير في ذلك الدهر مثله. قال: فركبه مروان حتى وقف على الجسر فنظر إليه مليا ثم قفع فرسه وعبر إلى عسكر عبد الله بن علي، وعبر إليه أصحابه، وعبر عبد الله بن علي وأصحابه إليهم، ثم إنه عبى أصحابه ميمنة وميسرة وقلبا وجناحا. وتقدم حتى وقف في القلب. ومالت الخيلان بعضها على بعض فاقتتلوا من ضحوة النهار إلى أن جاء وقت الظهر، فكانت الدائرة على أصحاب عبد الله بن علي وقتل منهم جماعة، فرفع # PageV08P331 # عبد الله رأسه إلى السماء فقال: إلهي وسيدي ومولاي! إلى كم نقتل فيك وفي طاعتك! إلهي وسيدي ومولاي! أنت تعلم أن هؤلاء القوم الذين نقاتلهم هم الذين قتلوا أهل بيت نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وشردوهم في البلاد، اللهم! فانصرنا عليهم يا ذا الجلال والاكرام. قال: واشتبك الحرب بينهم، فصارت الدائرة على أصحاب مروان فقتل منهم بشر كثير وجعل بعضهم يقف خلف بعض، وصاح مروان: يا معشر السكاسك (1) والسكون احملوا! فقالوا: قل لبني عامر (2) أن يحملوا، فقال مروان: يا بني عامر (3) احملوا! فقالوا: قل لأسد وتميم أن يحملوا. قال: فأحس مروان بالخذلان فالتفت إلى صاحب علمه (4) فقال: قدم علمك! قال: لا أفعل، قال: لئن لم تفعل لأشوهن بك، قال: لئن قدرت فافعل. قال: ثم نكس علمه وقفع فرسه وصار إلى عبد الله بن علي، قال: ونظر أهل الشام إلى صاحب علمه قد استأمن فانكسروا لذلك، ووقع فيهم القتل وعزموا على الهزيمة. قال: وثنى مروان رأس فرسه أيضا فظنوا أنه قد انهزم، فولى الناس وجعلوها هزيمة. قال: وجعل مروان يناديهم: ويحكم أنا أمير المؤمنين! أنا مروان بن محمد! فلم يعرج عليه أحد من الناس، فلما رأى ذلك انهزم. قال: وتبعه عبد الله بن علي هو وأصحابه، فجعل البعض يأخذهم من شاطئ الفرات إلى أرض الموصل. قال: وانقطع الجسر فغرق من أصحاب مروان خلق كثير، فجعل عبد الله بن علي يتلو هذه الآية (وإذ فرقنا بكم ms1360 البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون) (5). قال: وجعل رجل من أصحاب عبد الله بن علي ينظر إلى هزيمة القوم وما حل بهم من الانكسار يزدجر ويقول (6): # لج الفرار بمروان فقلت له (7) * عاد الظلوم ظليما همه الهرب أين الفرار وترك الملك إن ذهبت * عنك الهوينا فلا دين ولا حسب قال: واحتوى عبد الله بن علي على جميع ما كان في عسكر مروان وضمه # PageV08P332 # وقسمه بين أصحابه، ثم كتب إلى أمير المؤمنين أبي العباس يخبره بذلك وبالوقعة وهزيمة مروان بن محمد، فلما قرأ أبو العباس الكتاب جعل يتلو هذه الآية (فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت واته الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء) (1)، فقال له جلساؤه: قتل مروان يا أمير المؤمنين؟ فقال: يقتل إن شاء الله، فإنه ليس بعد هزيمة الظالم إلا قتله، فأنشأ رجل من همذان في ذلك يقول أبياتا مطلعها: # تعسا أمية قد زلت بكم قدم * وأصبح الملك من أيديكم انتزعا وما لها من بني العباس مضطلع * بالحمل لو كلفوها غيره طلعا خذها هنيئا أبا العباس أنت له * رود الشباب لها مستقبلا جدعا خذها هنيئا مريئا أنت صاحبها * للدين طرا وللدنيا وما جمعا ميراث أحمد كانوا يلعبون به * يا رب مستحصد غير الذي زرعا قال: ومر مروان منهزما لا يلوي على شيء حتى صار إلى حران، فنحمل بحريمه وأولاده وحاشيته وأمواله ومر على وجهه هاربا حتى عبر الفرات وصار إلى قنسرين من أرض الشام، فخرجت عليه قبائل: بنو طيء وتنوخ، فانتهبوا عامة أمواله، ثم صار إلى حمص ففعلوا به ذلك، ثم صار إلى دمشق وهي دار بني أمية، فخرج عليه أهلها فمنعوه دخولها فمر هاربا على وجهه حتى وصل إلى مصر والخيل في طلبه. فصار إلى مدينة يقال له الفرما (2) فنزلها. ### | ذكر مسير عبد الله بن علي في طلب مروان ابن محمد بن مروان # قال: وسار عبد الله بن علي إلى أرض الموصل وأقام بها ثلاثة أيام، ووافاه أخواه (3) من العراق: صالح بن علي وعبد الصمد بن علي، ووردوا ms1361 إليه في عشرة # PageV08P333 # آلاف (1). قال: فعندها دعا عبد الله بن علي رجلا من أصحابه يقال له محمد بن صول فولاه الموصل وديار ربيعة. ثم سار إلى حران فنزل (2) الدار التي قتل فيها إبراهيم بن محمد الامام، ثم سار إلى منبج، ثم رحل إلى مدينة حلب، فكان لا يدخل مدينة إلا استقبله أهلها وقد تسودوا وبرقعوا الاعلام السود، فلم يزل كذلك حتى صار إلى مدينة دمشق وفيها يومئذ الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم (3)، فنزل عبد الله على باب يقال له الشرقي، ونزل صالح بن علي على باب الجابية، وعبد الصمد على باب الفراديس، وحميد بن قحطبة على باب توما، وأحدقت العساكر بمدينة دمشق، ووثب بعضهم على بعض فجعلوا يقتلون من جوف المدينة عصبة لبني العباس وعصبة لبني أمية، فكانت الغالبة سيوف بني العباس، فوثبوا على عامل دمشق الوليد بن معاوية بن مروان (4) فقتلوه، وفتحت الأبواب كلها، فدخل عبد الله بن علي (5) فسكن الناس وأمنهم، وأقام بدمشق أياما (6). ثم رحل منها إلى فلسطين فنزلها، ووجه بأخيه صالح بن علي في طالب مروان بن محمد بن مروان. ### | ذكر مقتل مروان بن محمد # قال: فخرج صالح بن علي في عشرة آلاف عنان أو يزيدون يريدون مروان بن محمد بن مروان، ومروان يومئذ مقيم بمدينة الفرما (7) بأرض مصر. قال: فلما بلغه مسير صالح بن علي إليه ليقتله عمد إلى ما كان في البلاد من العلف والطعام فأحرقه عن آخره، ثم خرج هاربا نحو بلاد مصر حتى جاز إلى الفسطاط، ثم رحل عنها ، فكان لا يمر بشيء من العلف إلا أحرقه، وصالح بن علي في طلبه حتى نزل بأرض يقال لها العيونة (8) ثم دعا بعامر بن إسماعيل الجرجاني (9) فضم إليه أربعة آلاف عنان # PageV08P334 # ووجه به في طلب مروان بن محمد. قال: ومروان يومئذ بمدينة يقال لها عين شمس وهي مدينة فرعون، فجاء عامر بن إسماعيل حتى دخل المدينة في جوف الليل ونظر فإذا غلام في يده برذونة يقودها، فقال: يا غلام! لمن هذه البرذونة؟ ms1362 فقال: لبعض غلمان أمير المؤمنين مروان، قال: وأين مروان؟ قال: ها هو نازل في الكنيسة. # قال: فقصدت الخيل إلى باب الكنيسة، وعلم بذلك مروان فوثب إلى درعه فأفرغه عليه وتناول سيفه وخرج إلى القول وجعل يضاربهم. قال: وجعل عامر بن إسماعيل يقول لأصحابه بالفارسية: دهيد يا جوانگان! فبينما مروان كذلك إذ حمل عليه رجل من أصحاب عامر بن إسماعيل يقال له محمد بن شهاب المازني فطعنه في خاصرته طعنة جندله قتيلا (1) وأحدقت به الخيل، ونزل إليه غلام محمد بن شهاب فاحتز رأسه، ثم وضع السيف فيمن بقي من أصحابه، فلما أفلت منهم إلا ما أخذ أسيرا. # قال: فأنشأ رجل من أهل الكوفة يقول أبياتا مطلعها: # نزع الخلافة من بني مروان * رب علا بالطول والاحسان ما زال مروان يقرب خطوة * ويحرق الأرضين بالنيران ويروغ منها في البلاد ولم يكن * قدر الاله يجل عن مروان ولقد رماهم (2) صالح بفوارس * شم الأنوف معانقي الاقران فاستخرجوه من الكنيسة صاغرا * ولعاوروه بذلة وهوان وأتاه للحين المباح فوارسا * ألقوا الطعان بساحة الميدان ساروا برأس الرجس مروان الذي * فتك الورى بالظلم والعدوان قال: ثم احتوى عامر بن إسماعيل وأصحابه على دواب مروان وأمواله وسلاحه وقليله وكثيره، وساروا برأسه إلى صالح بن علي حتى وضعوه بين يديه، فوجه صالح بالرأس إلى أخيه عبد الله بن علي (3) وهو مقيم بأرضه، فوجه به عبد الله بن علي إلى أمير المؤمنين أبي العباس. # PageV08P335 ### | ذكر كتاب عبد الله بن علي إلى أمير المؤمنين أبي العباس [عبد الله بن محمد بن علي] (1) ابن عبد الله بن العباس # بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله أمير المؤمنين من (2) عبد الله بن علي، يسلم عليك، أما بعد، فأتبعنا عدو الله (3) الجعدي إلى مقر فرعون عدو الله، فقتله الله بمدينة شبيهه وهو فرعون ذو الأوتاد، فأراح الله منه العباد والبلاد، وقد فتح الله على أمير المؤمنين ببلاد الشام وبلاد مصر، فاسأل الله يا أمير المؤمنين أن يزيدك من فضله - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -. # قال: وكذلك ملك ms1363 مروان خمس سنين وشهرين، وقتل في سنة اثنتين وثلاثين ومائة ليلة الأربعاء لليلة خلت من ذي القعدة، وهو يومئذ ابن اثنين وستين سنة (4)، وهو الأزرق الملقب بالجعدي (5). # قال المدائني: فبلغه: لما أتي برأس مروان بن محمد من الشام فوضع بين يدي أمير المؤمنين أبي العباس، فالتفت إلى جلسائه وقال: من منكم يعرف هذا الرأس؟ قال: فتكلم فراس (6) بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي وجدته أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: يا أمير المؤمنين! هذا رأس خليفتنا بالأمس، وكان والله لنا نعم الخليفة! قال: فغضب أبو العباس من ذلك ثم قام من مجلسه وتفرق الناس، ثم بعث إليه دعاة وقال: ما حملك على ما تكلمت به؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إن مروان بن محمد كان بي بارا محسنا فلم أقدر على نصرته حقا لما قد # PageV08P336 # أخذه الله علي من ميثاقكم، وكرهت أن أخرج من الدنيا ولاحد علينا يد له لا أكافيه عليها بقول ولا فعل، وإنه والله يا أمير المؤمنين أنت أبر بي وأكثر إلي إحسانا منه فتجنب ذلك يكن شكري لك، فقال أمير المؤمنين: اجتنبت يا أبا هشام ومثلك فليصطفه الرجل. قال: ثم أمر له بثلاثين ألف دينار (1). # قال المدائني: لما نصب رأس مروان بالكوفة على رمح واجتمع إليه الناس ينظرون إليه. وفيهم يومئذ حفص بن النعمان مولى عبد الله بن زياد، فجعل ينظر إليه ويترحم عليه ويقول فيه كل جميل، فرفع خبره إلى أبي العباس فدعا به ثم قال: # كيف قلت؟ فقال: ما قلت إلا كل جميل، فقال رجل ممن حضر: يا أمير المؤمنين! كذب، ما قال جميلا ولكنه نظر إلى رأس مروان وجعل يترحم عليه ويستغفر له، فقال حفص بن النعمان: كذب يا أمير المؤمنين! إني نظرت إلى رأس مروان فأنشأت أقول: # عبرنا زمانا على دولة * تسام من الذل ألوانها وكانت أمية في ملكها * تجور وتظهر طغيانها فلما رأى الله أن قد طغت * ولم يطق الله عدوانها رماها بسفاح آل الرسول * محمد يكفيه أعنانها فأهلا ببيعة ms1364 آل الرسول * ومن كان نرقب إبانها ورحمة ذي العرش تترى عليك * ولا رحم الله مروانها فقال الناس: إنه لم يقل كذا يا أمير المؤمنين! ولكنه مدح بني أمية، فقال أبو العباس: اسكتوا فقد علمت ما قال، ثم قال: أنشدني ما قلت وأنت آمن! فقال: # نعم يا أمير المؤمنين! إن القوم كانوا إلي محسنين فقلت هذه الأبيات شرح حالي: # إن المكارم من أمية والألم * كانوا العيون لذي الشين اللزم أضحى رهائن فقده صاروا بها * هاما لتحريق الرياح للنسم صارت أكاليل الرماح رؤوسهم * وكم يقول مغرم.......... (2) لهفي عليهم سادة من بعدهم * أخنى الزمان على الفقير المعدم فقال له أبو العباس: صدقت! هكذا قلت ولا تلام، ثم أمر له أبو العباس # PageV08P337 # بجائزة سنية، فانصرف غانما. # قال أبو الحسن المدائني: وبلغني أن أبا عطاء السندي دخل على أمير المؤمنين أبي العباس، فأنشده قصيدته التي يقول فيها: # إن الخيار من البرية هاشم * بنو أمية أرذل الأشرار وبنو أمية عودهم من خروع * ولهاشم في المجد عود نضار أما الدعاة إلى الجنان فهاشم * وبنو أمية من دعاة النار قال: فلم يصله أبو العباس بشيء وقال: هذا الشعر لغيره، فخرج من عنده وهو يقول: # يا ليت جور بني مروان عادلنا * وإن عدل أبي العباس في النار قال: فبلغ ذلك لأبي العباس فضحك ثم قال: لا يلام، ردوه، فأمر له العباس بثلاثمائة دينار. # قال أبو الحسن المدائني: دخل جحد بن خرعب (1) على أمير المؤمنين أبي العباس فأنشده أبياتا مطلعها: # تبيت نساء بني أمية نوما * وباللطف قبلي ما ينام حميمها إلى آخرها. # قال: فدمعت عينا أبي العباس فبكى وبكى من كان بحضرته من آل أبي طالب وسائر بني هاشم، ثم أمر بجحد بن جرعب بألف دينار. # وعقد لعمه داود بن علي على الحرمين وأمر بقتل من قدم عليه من بني أمية، فقتل منهم داود بن علي من قتل، ثم جعل يسأل عنهم فيقتلهم تحت كل حجر ومدر حتى سمع داود بن علي رجلا يلبي وهو يقول في تلبيته: لبيك اللهم ms1365 لبيك يا مهلك بني أمية! قال: فدعاه داود بن علي فأعطاه ألف دينار. # ثم كتب أبو العباس إلى عمه عبد الله بن علي وهو بالشام كتابا يكرر فيه عليه أن لا يدع من بني أمية أحدا ويقدر عليه إلا قتله. قال: فجعل عبد الله بن علي وهو بالشام يقتلهم تحت كل حجر ومدر ويخبره بذلك، فكتب إليه أبو العباس أنه تتبع قبورهم وتنبشها وتخرج ما فيها من العظام. فأول من نبش قبره معاوية بن أبي # PageV08P338 # سفيان، فما أصابوا فيه إلا شبه خيط (1)، وثانيه نبش قبر يزيد بن معاوية لعنه الله، فما أصابوا فيه إلا رميما، وكذلك قبر معاوية بن يزيد ومروان بن الحكم، وأما عبد الملك بن مروان فما أصابوا في قبره شيئا إلا جمجمته وأضلاعه، كذلك ابنه الوليد بن عبد الملك، أصابوا فقارات ظهره، وكذلك مسلمة بن عبد الملك بن مروان (2)، فما أصابوا إلا صلبه وبعض جمجمته، [وكذلك سليمان] بن عبد الملك، ما أصابوا إلا عظما واحدا. وكذلك ابن يزيد (3) وابن الوليد (4) والوليد بن مسلمة وسائر بني أمية، ما أصابوا في قبورهم إلا العظم، فجمع عبد الله عظامهم من كل موضع فأحرقها بالنار، إلا قبر عمر بن عبد العزيز رحمه الله فإنه لم ينبش، ثم أنشأ عبد الله بن علي يقول (5): # حسبت أمية أن سيرضى هاشم * عنها ويذهب زيدها وحسينها كلا ورب محمد علم الهدى (6) * حتى تباح كنوزها وحزونها (7) ويهد عرش بنائها عن قدره * وتقر من آل الرسول عيونها وتذل كل خليلة لخليلها * بالمشرفي ويسترد ديونها قال: فلم يزل عبد الله بن علي كذلك حتى فعل بهم الأفاعيل، فأنشأ شريف بن ميمونة (8) يقول أبياتا مطلعها: # يا أيها الباكي أمية طلة * أرسل دموع العين طال بكاؤها إلى آخرها. # قال أبو الحسن المدائني: أخبرني أبو العباس الفلسطيني وكان من غلبة أهل العلم في عصره قال: بعث عبد الله بن علي إلى أمير المؤمنين أبي العباس بمشايخ # PageV08P339 # أهل الشام، فلما دخلوا إليه قال لهم أبو العباس: يا أهل الشام! ما حملكم على ms1366 الخروج مع بني أمية على بني هاشم وهم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أولى الناس بهذا الامر من غيرهم؟ قال: فحلف الشاميون بالله الذي لا إله إلا هو أنهم ما علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذرية ولا أهل بيت غ ير بني أمية حتى وليتم أنتم هذا الامر. قال: # فتبسم [أبو] العباس تعجبا من جهل أهل الشام ولم يؤاخذهم بشيء من أمروهم، قال: فأنشأ إبراهيم بن المهاجر يقول: # أيها الناس اسمعوا أخبركم * عجبا زاد على كل العجب عجبا من عبد شمس ‌أنهم * فتحوا للناس أبواب الكذب ورثوا أحمد فيما زعموا * دون عباس بن عبد المطلب كذبوا والله فيما ادعوا * يحرز الميراث إلا من قرب PageV08P340 ### | ذكر أخبار سديف بن ميمون مولى السجاد علي ابن الحسين بن أبي طالب رضي الله عنهم وأشعاره الملاح بين يدي أمير المؤمنين # قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: ولما أكثر عبد الله بن علي من قتل بني أمية بالشام، وأكثر داود بن علي من قتلهم بالحجاز، هرب من كان بالشام من بني أمية والحجاز حتى صاروا إلى العراق، حتى اجتمعوا ووفدوا على أبي العباس وفيهم سليمان بن هشام بن عبد الملك وولدان له، فلما دخلوا على أبي العباس وقفوا بين يديه فسلموا عليه، ثم مشوا إليه بالرحم والقرابة، وأعلموه طاعتهم له، وأنهم من أمم كان آباؤهم فعلوه من قبل. قال: فقبل أبو العباس منهم وقربهم وأدناهم، وكانوا يدخلون عليه ويسلمون ويخرجون. قال: فبلغ ذلك سديف بن ميمون وهو يومئذ بالشام عند عبد الله بن علي، فقال لعبد الله بن علي: أنا بريء من أولاد السجاد علي بن الحسين إن لم أهيج عليه أضغانه وأبعث عليهم أحقاده في أبيات من الشعر أدخل عليه بها. # قال: ثم أقبل سديف من الشام حتى وصل إلى العراق ووقف بباب أبي العباس ثم استأذنه، فدخل أبو غسان الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين! إن رجلا أناخ راحلته بالباب وقال: استأذن لي على أمير ms1367 المؤمنين، فقلت: يا هذا! انزع ودع متاع سفرك وأودع راحلتك ثم عد إلي حتى استأذن لك، فقال: والله لا سفرت‌ عيني إلا بين يدي أمير المؤمنين. فقال أبو العباس: فهل سألت عن اسمه؟ فقال: قد سألت عن ذلك، فزعم أنه سديف بن ميمون، فتبسم أمير المؤمنين وقال: ائذن له حتى يدخل: فخرج الحاجب فأذن له، فدخل وإذا به رجل طويل وهو متكئ على محجن في يده، فلما نظر إلى وجه أبي العباس سفر عن وجهه وسلم، فرد عليه أبو العباس السلام، فسأله الدنو فأذن له، فدنا إلى فصل أبي العباس، ثم رجع PageV08P341 # القهقهري إلى ورائه حتى قام في آخر البساط، ثم رفع صوته وأنشأ يقول أبياتا مطلعها: # ظهر الحق فاستبان مضيا * إذ رأينا الخليفة المهديا إلى آخرها. # قال: فلما فرغ سديف من إنشاده قال أبو العباس: خلق الانسان من عجل يا سديف - أو قال: خلق الانسان عجولا، ثم تمثل أبو العباس بقول سابق البربري حيث يقول: # حتى الضغائن أنى لهم سلقوا * فلم يكافوا ولا الأبناء أبناء (1) قال: ثم أمر له بجائزة سنية. # فلما كان بعد شهر أو أقل من ذلك أقبل إلى أمير المؤمنين سديف فوقف بالباب ثم استأذن، فأذن له فدخل والمجلس غاص بالناس، فأعطى حق التسليم، فقال أبو العباس: يا سديف! قل شيئا، فأنشأ سديف يقول أبياتا مطلعها: # ألا من لقلب مستهام متيم * تكلم لا تبعد عن الناس تكلم إلى آخرها. # قال: فلما فرغ من إنشاده قال له أبو العباس: أحسنت يا سديف! فهل من مزيد؟ # فقال: نعم يا أمير المؤمنين! فقال: قد أذنت لك فهات وهزني ما استطعت! فأنشأ يقول أبياتا مطلعها: # أمير المؤمنين أولى رجاء * بأقوام تبيض وهي داء وحد السيف للداء الدواء إلى آخرها. # قال: فدمعت عينا أبي العباس وأمر بسديف بجائزة سنية، وانصرف إلى منزله ومشت إليه العلوية من ولد الحسن والحسين فقالوا: يا سديف! # إنه ليس أحد يقول بالتحريض على أمير المؤمنين وقتلهم سواك، فما عليك أن تقول قصيدة وفيها تحريض أمير المؤمنين ms1368 على قتلهم فيقتلوا كما قتلونا في سالف الدهر، قال فقال سديف: كفيتم، اسكتوا، فأنا بريء من أولاد السجاد إذ لم أحرض على قتلهم ولا أبقي منهم أحدا! قال: ثم أقبل سديف حتى وقف على باب أبي العباس # PageV08P342 # واستأذن، فأذن له فدخل وسلم، فلما رآه تبسم في وجهه ثم قال أمير المؤمنين يا: # سديف! أنشدنا شيئا! فرفع صوته وأنشأ يقول أبياتا مطلعها: # دار سلمى نهيضة الأبيات * لست من أسرتي ولا من كنات إلى آخرها. # قال: فقال أبو العباس: أحسنت يا سديف، أعد، فأعاد! ثم قال: # أعد، فأعاد، فقال أبو العباس: يا صالح! أعط سديفا ألف دينار، ثم قال للحاجب: أغلق الباب وهات الكافر كوبات (1)، قال: فدخل الأعوان وفي أيديهم الخشب المسودة، فقال أبو العباس: انكوا على أعداء الله! فإن هذا يوم قد أذن الله في هلاكهم. قال: فنكوا على بني أمية بالخشب فقتلوهم عن آخرهم - وهم ثمانون رجلا أو يزيدون - فما أبقى أبو العباس منهم على أحد إلا على الثلاثة: سليمان بن هشام بن عبد الملك وابنيه، فإنه أبقى عليهم فلم يقتلهم من وقته. ثم أمر بالأنطاع فألقيت عليهم، وأمر بالموائد فأحضرت ووضعت على الأنطاع، ثم التفت إلى من حضر من ولد العباس وولد أبي طالب رضي الله عنهم فقال: كلوا فقد برد الغليل. # قال: وكان القوم يأكلون وإن الموائد لترفع أو تحط من تحرك القوم ونفسهم. قال: # ثم أمر بهم فصلبوا في بستان له في داره. قال: وإنه ذات يوم يأكل ومعه جماعة من ولد أبيه وولد علي بن أبي طالب‌ رضي الله عنهم وباب البستان مفتوح إذ فاحت روائح القوم، فقال من كان حاضرا على المائدة: يا أمير المؤمنين! لو أمرت بغلق هذا الباب؟ فقال: إن رائحتهم لأعجب من رائحة المسك! فكلوا واحمدوا الله تعالى على هلاكهم. # قال: فبينا هو ذات يوم كذلك إذ استأذن سديف بن ميمون فأذن له فدخل، فلما مثل بين يديه تبسم أبو العباس في وجهه فقال: إيه أيا سديف! فطفق ينشد ويقول أبياتا مطلعها ms1369 (2): # أصبح الملك ثابت الأساس * بالبهاليل (3) من بني العباس # PageV08P343 # إلى آخرها. # قال أبو العباس: يا صالح! ألم آمرك أن تعطي سديفا ألف دينار؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين! ولي من ذلك عذر، قال: لا عذر لك، الان اعطه ألف دينار وخيار ثيابي، ثم قال: خذها حتى ننظر فيما قلت. # قال: فلما خرج سديف بن ميمون من عند أبي العباس قال سليمان بن هشام: # يا أمير المؤمنين! إن مولاك سديفا يستحثك على قتلي وقتل ولدي هذين، وقد رأيت قتلت من أهل بيتي وبني أبي من قتلت، وقد بلغني أنك تريد أن تغتالني! قال: # فغضب أبو العباس وقطب من كلامه فقال: أما إلى وقتي هذا فإني قد كنت عزمت أن لا أطالبك ولا أطالب بنيك ‌بشيء مما كنت أطلب به أهل بيتك، وقد وقع في قلبك أني أريد أن أغتالك، فيا جاهل! ما الذي يحول بيني وبينك إن أردت قتلك حتى أريد أن أغتالك! ثم نهض أبو العباس عن مجلسه فدخل قصره، وقام سليمان بن هشام وابناه فخرجوا. ثم عاد إلى مجلسه ودعا بأبي الجهم بن عطية وقال: علي بشرطة وبعبد الجبار بن عبد الرحمن - وكان على حرسه -، فأمرهما أن يخرجا سليمان بن هشام وابنيه إلى القرى ويأتيا برؤوسهم (1). قال: فلما أخرجوا علم سليمان ما يراد به وبولديه فقال: إنه لابد من إنفاذ ما أمركما به ولكن قدماهما بين يدي حتى احتسبهما ثم اتبعاني بهما، قال: ففعل به وبابنيه ما سأل، وردت رؤوسهم إلى أبي العباس حتى وضعت بين يديه، فأمر بها فنصبت قبالته، ثم قال لمن حضر عنده في مجلسه: أيكم يحفظ شعر الفضل بن عبد الله بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة الهاشمي؟ فقال بعضهم: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين! قال: هاته، فطفق يقول أبياتا مطلعها: # واني لأغضى عن أمور كثيرة * ولولا الذي أرجو من الامر لم أغض إلى آخرها. # قال أبو العباس: قد فعل الله بهم ذلك، وإذ لو كان صاحب‌ هذا الشعر حيا لقرت عيناه. # PageV08P344 ### | ذكر مسير [أبي] ms1370 (1) جعفر المنصور إلى يزيد بن [عمر بن] هبيرة ومحاربته له قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: لما فرغ أمير المؤمنين أبو العباس من قتل بني أمية دعا بأخيه أبي جعفر فضم إليه جيشا كثيفا من أهل العراق وأمره بحرب يزيد بن [عمر بن] (1) هبيرة. قال: فسار أبو جعفر في جيشه حتى نزل على واسط العراق، وبها يومئذ يزيد بن [عمر بن] هبيرة في خلق كثير من أهل الشام، وقد حصن مدينة واسط غاية التحصين. قال: فأمر أبو جعفر بالمجانيق فنصبت على المدينة وجعل يحارب القوم وقد ضرب عسكره حذاء مدينة واسط، فليس من يوم إلا ويقتل من الفريقين خلق، وأكثر القتل في أهل الشام، حتى إذا قتل منهم من قتل ورأوا أنهم لا طاقة لهم بأبي جعفر وأصحابه أقبلوا على يزيد بن [عمر بن] هبيرة وقالوا: أيها الأمير! إن مروان بن محمد بن مروان قد قتل فنحن على ماذا نقتل أنفسنا وعمن تقاتل وليس لنا بالقوم طاقة! وما الرأي ههنا إلا صلح القوم، قال: فعندها بعث يزيد بن [عمر بن] هبيرة أني لست بخارج إليك دون أن تكتب لي كتابا يكون فيه أمان لي ولمن عندي، فأجابه أبو جعفر إلى ذلك ثم كتب إليه هذا الأمان (2): # PageV08P345 ### | ذكر كتاب الأمان الذي كتبه أبو جعفر - ليزيد بن [عمر بن] هبيرة # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله بن محمد بن [علي بن -] (1) عبد الله بن العباس أبي جعفر أخي أمير المؤمنين أبي العباس، إلى يزيد بن [عمر بن] هبيرة ولمن معه من أهل الشام والعراق وغيرهم ممن نحا إليهم، ومن هم بمدينة واسط من المسلمين والمجاهدين (2)، ومن معهم من نسائهم وأولادهم ومواليهم وعبيدهم، أني قد آمنتكم على أنفسكم أمان الله الذي لا إله إلا هو الذي يعلم من سرائر العباد ما يعلم من علانيتهم أمانا صادقا لا يصيبه غش ولا يخالطه باطل، وقد أعطيت يزيد بن [عمر بن] هبيرة الفزاري عهدا خالصا مؤكدا، وذمة الله وذمة رسول الله صلى ms1371 الله عليه وسلم وذمة أنبيائه المرسلين وملائكته المقربين، وهذا الأمان لك يا يزيد بن [عمر بن] هبيرة ولأصحابك ولمن نحا إليك من قوادك ووزرائك وشيعتك، فأنت وهم آمنون بأمان الله، لا يؤخذون بذنب ولا زلة ولا جريرة ولا بجرم ولا بجناية في سفك دم تعمدا ولا خطأ، ولا بأمر سلف منكم، يا يزيد بن عمر بن هبيرة! وقد أذنت لك بالمقام في مدينة واسط إن شئت، ثم سر عنها إذا شئت أنت ومن معك بدواب وسلاح لا تخاف عدوا سهلا وبرا وبحرا، ولا ينالك أمرا تخافه في ساعة من ليل أو نهار، ولا أدخل في أماني هذا غشا ولا خديعة ولا مكرا، ولا يكون مني إليك ومن ذلك دسيسة مما تخاف من مطعم ومشرب أو لباس، وقد أذنت لك ولأصحابك يا يزيد بالدخول إلى عسكري من أي وقت أحببته إلى وقت رحيلكم من مدينة واسط، فإن نقض عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أبو جعفر أخو أمير المؤمنين أبي العباس فاجعل لك ولأصحابك ولشيعتك من أمنتكم هذه فلا قبل الله منه صرفا ولا عدلا! وعليه من المحرجات الايمان المغلطة، والله شاهد عليه بما أكد على نفسه من هذه الايمان، وكفى بالله وكيلا شاهدا وكفيلا - والسلام -. قال: فلما فرغ من أمانه ختم عليه ووجه به إلى يزيد بن [عمر بن] هبيرة. # قال: فصار يركب في كل يوم إلى أبي جعفر فيسلم عليه ويجلس عنده ساعة ويرجع إلى منزله. فلما كان بعد ذلك اليوم بأيام بلغ أبا جعفر أن يزيد بن [عمر بن] # PageV08P346 # هبيرة قد نقض ما كان عليه من الوفاء، وأنه يدعو إلى خلع بني العباس سرا، فبلغ أبا جعفر ذلك، ولم يبلغ ما بلغه حتى اتصل ذلك بأبي العباس أمير المؤمنين، فكتب أبو العباس إلى أخيه أبي جعفر بذلك وقال: إنه قد نقض ما كان عليه من العهد وخالف الامر وقد أبيح دمه فاقتله! قال: فلم يقبل أبو جعفر ذلك أيضا وجعل يسأل ويبحث عن ms1372 صحة ذلك حتى صح عنده من الثقات العدول، فعندها أمر بقتله (1)، فقتل وقتل معه أربعون (2) رجلا من شيعته وأهل بيته. قال وأنشد الهلالي (3) يقول أبياتا مطلعها: # غلب العزاء حرارة الصدر * والصبر عقد عزيمة الامر (4) إلى آخرها. ### | خبر السيد بن محمد الحميري # قال أبو الحسن المدائني: أخبرني أبو العباس الفلسطيني قال: دخل السيد (5) بن محمد الحميري على أمير المؤمنين أبي العباس السفاح (6) فوقف بين يديه وأنشأ يقول بعد أن استأذن في ذلك أبياتا مطلعها: # PageV08P347 # دونكموها يا بني هاشم * فجددوا من عهدها الدارسا (1) إلى آخرها. # قال: فلما فرغ من إنشاده أمر له أبو العباس بجائزة سنية حسنة، ثم قال: # سل حاجة نعطها لك! قال: نعم يا أمير المؤمنين حاجتي أن ترضى عن سليمان الهاشمي وتكتب له بعهدة على الأهواز! قال: قد رضيت عنه، وكتب له بعهدة. قال: فأخذ السيد العهدة وسار بها إلى سليمان بن حبيب وهو يومئذ بالأهواز، فدخل إليه وناوله العهدة وأنشأ وجعل يقول أبياتا مطلعها: # أتيناك يا خير أهل العراق * بخير كتاب من القائم إلى آخرها. # قال، فقال له سليمان بن حبيب: شاعر وزائر وشفيع وشريف، سل حاجتك! # فقال: نعم يا أمير المؤمنين! حاجتي جارية وخلعة وبغلة وفرس وغلام وبدرة! فقال: قد أمرنا لك بذلك، وهي لك علينا في كل سنة. ### | خبر عبد الله بن سعيد السعدي # قال أبو الحسن المدائني: لما فرغ أمير المؤمنين أبو العباس من قتل بني أمية وأمر يزيد [بن عمر] بن هبيرة دخل عليه عبد الله بن سعيد السعدي فمثل بين يديه قائما وقضى حق التسليم ثم استأذن في الكلام فأذن له، فقال: الحمد لله الذي قصم بك أنياب الكفر، وأذل بك أهل الخسر، وفقأ بك عيون الفتن، وبرد بك من الامن، وشفا بك غليل المؤمنين، وأرعب بك قلوب المخلين، فأباح لك خمارهم، وقتل بك آباءهم وأبناءهم، تكميلا لعقوبتهم، وتبديلا لتغير نيتهم، فأصبحوا أحاديث ومثلا لمن بغى وخلى، يستبشر بقتلهم البلاء. وأهل الأرض وأهل السماء، فكان قتلهم شفاء الأوجاع، وكيل الصاع بالصاع، الرحب الذراع ms1373 الواسع # PageV08P348 # الباع، إذا علمت قلبا منصورا، ورأيا مبرورا، وسيفا مشهورا، شفيت‌ به صدورا، وأجليت الغم، ووقعت الهم، وكشفت الظلم، وقضيت العدم، عن الوجوه إلى أصحاب الهاشميات المؤثرات، القطاعات المظلومات، على فوت من القتل، وانقراض الأهل، ودروس السبل، ووقوع المحل بصوت بعيد الهمة، قديم النعمة، سريع النقمة، كريم الضربة، ميمون النصبة، شبعي الكتبة، قال: ثم طفق يقول: # كم طالب من قبلها وطالب * وراغب من قبلها وراغب جم المعالي دمت الضرائب * قد صح للأعداء بالكتائب قال: فتبسم أبو العباس من حسن كلامه، ثم قال: إن من كلام ما يشبه الدر وهذا منه، ثم أمر له ببدرة وغلام يحملها إلى منزله والغلام له. ### | ذكر مسير أبي جعفر المنصور إلى بلاد خراسان إلى أبي مسلم # قال أبو الحسن المدائني: ولما فرغ أبو العباس من أمر العراق والشام ومصر وما والاها دعا بأخيه أبي جعفر فأمره بالخروج إلى بلاد خراسان ليؤكد البيعة على أهلها ويلقى أبا مسلم فيسمع كلامه. قال: فخرج أبو جعفر من العراق (1) في ثلاثمائة رجل من مواليه وخدمه وحشمه، حتى صار إلى الري، وبلغ ذلك أبا مسلم فأرسل إلى جميع عماله بالبلاد فأمرهم أن يستقبلوا أبا جعفر وأمرهم أن يكرموه غاية الاكرام ففعلوا ذلك، فكان أبو جعفر يسير من مدينة إلى مدينة حتى إذا تقارب من مدينة مرو وخرج أبو مسلم فتلقاه على فرسخين منها، فلما نظر إليه نزل وبادر وقبل يده وفخذه وسار بين يديه، فأمره أبو جعفر بالركوب فركب ودخل مدينة مرو، فنزل دار أبي مسلم، فأقام بها أياما لا يسأله أبو جعفر عن شيء غير أنه يرى أن أهل خراسان بأجمعهم سامعون مطيعون، فسر أبو جعفر بذلك سرورا شديدا وأخذ البيعة على أبي مسلم وأصحابه وهم بالانصراف إلى العراق. قال: فجمع أبو مسلم أموالا كثيرة من أموال خراسان فدفعها إلى أبي جعفر ليحملها إلى أمير المؤمنين، ووقع له أنها هدايا من جوار وغلمان ودواب وثياب فاخرة، فقال أبو جعفر لأبي مسلم: إنك اليوم منا بالمكان الذي علمت وإنا نشكو ms1374 إليك أبا سلمة حفص بن سليمان فإنه قد شمخ بأنفه # PageV08P349 # على أمير المؤمنين حتى أنه ما يعد الخلافة بشيء وأنه يعترض علينا اعتراضا يجل عن الوصف، ولا والله ما يمنع أمير المؤمنين من الإساءة والوقوف عليه إلا عصبتك لأنك أنت الذي جعلته مشيرا ووزيرا. قال: فتغير وجه أبي مسلم ثم قال: قد فعلها أبو سلمة. أما إني أذنت لأمير المؤمنين ولك فيه فاصنعا ما أحببتما، فإنما أنا عبيد من عبيد أمير المؤمنين، وأهل خراسان سامعون عبيد السمع والطاعة، وأنا أسرع قدومي إلى أمير المؤمنين إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # قال: وجهز أبا جعفر بأحسن الجهاز وصرفه إلى العراق. فلما دخل أبو جعفر على أبي العباس خبره بجميع ما رأى من طاعة أهل خراسان وأن أبا مسلم قد أذن لك في قتل أبي سلمة. قال: فلم يبت أبو سلمة إلا مقتولا من ليلته (1)، وفي ذلك قال سليمان بن المهاجر البجلي (2) شعرا: # إن الوزير وزير آل محمد * أودى فمن يشناك كان وزيرا (3) قال: ثم أقبل أبو العباس على أبي جعفر فقال له: كيف رأيت أبا مسلم؟ # فقال: والله يا أمير المؤمنين رأيته جبارا من الجبابرة! ولا الخلافة تصفو لك ما دام في الحياة، فاكتم على ما خبرتك به - والسلام -. ### | ثم رجعنا إلى أخبار أرمينية وأذربيجان # قال: ثم دعا أبو العباس برجل من أصحابه يقال له محمد بن صول، فضم إليه جيشا وولاه أرمينية وأذربيجان، فسار إليها محمد بن صول في جيشه ذلك حتى دخل أذربيجان، والتأم إليه الناس فصار في مائة ألف عنان، قال: وفي البلاد ذلك # PageV08P350 # اليوم مسافر بن كثير القصاب (1) قد استولى على بلاد أذربيجان خاصة. فلما سمع بقدوم محمد بن صول إلى البلاد مضى إلى قلعة يقال لها قلعة الكلاب (2) من بلاد الروم فتحصن بها، وسار محمد بن صول حتى نزل عليه، فلم يزل يحاربه حتى قتله وقتل جماعة من أصحابه وهرب الباقون إلى جبال سجستان. قال: وبعث محمد بن صول برأس مسافر بن كثير ms1375 ورؤوس أصحابه إلى أمير المؤمنين أبي العباس، وأقبل إلى مدينة يقال لها البيلقان فنزل بها أياما، ثم رحل إلى مدينة برذعة فأقام بها مدة في ولايته. ثم بعث أبو العباس إلى محمد بن صول فعزله وولى أخاه أبا جعفر أرمينية وأذربيجان وبلاد الجزيرة، فأقبل أبو جعفر حتى دخل بلاد أرمينية وكان يشتي بموضع يقال له كيران (3) ويصيف بمرج يقال له الضاربة من أرض جرزان. # قال: وقدم أبو مسلم من خراسان على أبي العباس في جيش عظيم، (4) وبلغ أبا جعفر (5) قدوم أبي مسلم (6) من خراسان فكأن لم يحب أن يكون أبو جعفر بأرمينية وأبو مسلم بالعراق، واتقى أن يكون منه غائلة أو شيء من بغض الخلافة، فدعا بالحسن بن قحطبة فاستخلفه على عمله وانصرف إلى العراق، فكان الحسن بن قحطبة خليفة أبي جعفر في البلاد إلى أن توفي أبو العباس. # قال عبد بن سالم مولى بني مخزوم: سمعت مشيخة بني سالم يقولون: كانت خلافة أبي العباس أربع سنين وسبعة أشهر، وتوفي بالأنبار (7) ليلة الاحد ثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة سبع وثلاثين ومائة، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة (8)، وصار الامر إلى أخيه أبي جعفر وهو الملقب بالمنصور. # PageV08P351 ### | [خلافة أبي جعفر المنصور] # الحسن بن الحباب المقرئ البغدادي قال: حدثني داود بن رشيد قال حدثني طعمون (1) الخادم: قال: حدثني سلامة بن المنصور قالت أمه: رأيت وأنا حاملة به كأن قد خرج من فرجي أسد فأبقى على الأرض وضرب بيديه وزأر، فأقبلت السباع إليه من كل ناحية، فكلما أتاه سبع يسجد له، حتى سجدت له سائر السباع عن آخرها. # قال أحمد بن يحيى: حدثني زيد مولى المنصور قال: لما أفضت الخلافة إلى المنصور أقبل إليه سديف بن ميمون فدخل عليه فاستأذن لأذن له بالنشد، فقال أبياتا مطلعها: # هذا القائم العدل الذي كنا نرجيه * لذي الاسلام والدين وأوتاد مراثيه إلى آخرها. # قال: فأمر له المنصور بجائزة سنية وكساه أثوابا من وشي آل مروان. # فلما ولى من بين يديه ناداه: يا بن السوداء! قال: ms1376 فرجع إليه سديف وهو خائف مرعوب، فوقف بين يديه فقال: كأني بك يا سديف وقد قدمت المدينة تقبل رجل عبد الله بن الحسن (2) وتقول: يا بن رسول الله! تأخذ منهم ما يقوم بأودنا، والله لئن بلغني عنك ذلك لأقتلنك أشر قتلة! فقال سديف: العبد عبدك يا أمير المؤمنين! وهل يخون عبد سيده! قال: ثم انصرف سديف إلى المدينة ففعل بعبد الله بن الحسن (2) وبابنيه ما كان المنصور قد قاله، فحقد عليه ولم يبد ذلك لاحد. قال: فقدم سديف إلى العراق بعد ذلك وبلغ ذلك المنصور، فأمر بحبسه، فلما ضاق به الحبس كتب إلى المنصور بهذه الأبيات: # بني العباس فيم سجنتموني * وكنت على مودتكم حريصا أتصبح من أمانكم الأعادي * وأصبح من مودتكم خميصا # PageV08P352 # وكسر من طاعن خنق عليكم * تركت أخمص أخمصه رهيصا (1) فقال المنصور: والله لا تركته ظالعا رهيصا. قال: ثم أمر به فأدخل في جوالق وضرب بالكافركوبات (2) حتى مات - رحمه الله -. # قال: وقال يحيى بن عبد الله الهاشمي: لما بايع (3) الناس المنصور أقبل أبو مسلم إلى عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فقال له أبو مسلم (4): لم قعدت عن هذا الامر بعد أبي العباس وأنت للخلافة أهل ومحل؟ فقال له عيسى بن موسى: ويحك يا أبا مسلم! إنما نحن بنو عم فأينا صار إليه الامر فهو محل. فقال أبو مسلم: صدقت وأنت أخير إلينا من أبي جعفر، فإن شئت خلعناه وعقدنا لك البيعة! قال: فغضب عيسى بن موسى ثم قال: سبحان الله! أبا مسلم! # ويجوز هذا أن أتقدم على عمي وهو شيخ كبير وصنو أبي! والله لو قدمني عليه أمير المؤمنين الماضي لكرهت ذلك فكيف طاعة عمي فأكون مخالفا للحق قاطعا للرحم متعرضا لشقاء الدنيا. قال: وبلغ أبا جعفر ما كان من كلام أبي مسلم لعيسى بن موسى فحقد عليه، فكان هذا أول حقد حقده المنصور على أبي مسلم ولم يبد له شيئا من ذلك. ### || ذكر خروج عبد الله بن علي بن عبد الله ms1377 بن عباس على أبي جعفر المنصور بالشام # قال: وبلغ ذلك عبد الله بن علي (5) ما كان من بيعة الناس لأبي جعفر المنصور وهو يومئذ بالشام، فدعا بأخ له من الرضاع يقال له زيد فقال: ويحك يا زيد! إن الخليفة أبا العباس قد مضى لسبيله وقد بايع الناس أبا جعفر فما الرأي عندك؟ فقال: # PageV08P353 # إنك لاحق الناس بهذا الامر، لأنك عم والعم والد، قال: فأرسل عبد الله إلى وجوه قواده وحشمه وخاصة أهل دولته وأهل بيته فدعاهم وقال لهم: إنكم علمتم أن [أبا] العباس أمير المؤمنين وجهني إلى مروان بن محمد فقتلته وانتزعته من هذا الامر ومن جميع بني أمية، وقد كان أمير المؤمنين أبو العباس جعل لي هذا الامر من بعده لأني عمه ووارثه وأنا مستحق لهذا الامر دون غيري (1)، غير أني أحببت أن آخذ رأيكم، فهاتوا ما عندكم من الرأي، قال: فقام إليه من كان عنده فبايعوه وسلموا عليه بالخلافة، وبادر الناس إلى بيعته حتى بايعه خلق كثير من أهل الشام، ودعي له على منابرها بالخلافة. ثم إنه سار من الشام نحو أرض الجزيرة حتى صار إلى الرقة فنزلها، ثم دعا بأخيه عبد الصمد بن علي فجعله ولي عهده وولاه بلاد الجزيرة. # قال: وبلغ المنصور أمر عبد الله بن علي فدعا بأبي مسلم وأمره بالخروج إليه. فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين! إن لي حاجة فإن رأى أمير المؤمنين أكلمه فيها، فقال المنصور: قل ما بدا لك! فقال: يدفع إلى أمير المؤمنين عبد الجبار بن عبد الرحمن وصالح بن الهيثم (2) وخالد بن برمك حتى أقتلهم، ففي قتلهم صلاح أمير المؤمنين، قال: فغضب المنصور من ذلك وقال: أدفع إليك شرطتي وشرطة أخي وصاحب خراجي وخراج أخي فتقتلهم! فإذا فعلت ذلك فما يكون عذري غدا وماذا يقول في الناس! وأطرق المنصور إلى الأرض، وندم أبو مسلم على ما تكلم به وقد علم أن المنصور قد غضب، فجعل يترضاه ويقول: إنما كانت مني هفوة يا أمير المؤمنين فاغفرها لي، ولم يزل كذلك ms1378 إلى أن أظهر أمير المؤمنين المنصور أنه قد رضي عنه. ### || ذكر خروج أبي مسلم إلى عبد الله بن علي ومحاربته له # قال: وظهر أبو مسلم من العراق في أربعين ألف يريد حرب عبد الله بن علي حتى صار إلى الجزيرة من ديار ربيعة، وانهزم عبد الصمد من بين يدي أبي مسلم إلى الرقة، وبها عبد الله بن علي فخبره بذلك. قال: وجمع عبد الله بن علي الناس # PageV08P354 # ووضع لهم الارزاق وأعطاهم، وقد جمع خمسين ألفا من أهل الشام والجزيرة، ثم سار حتى وصل إلى مدينة حران وترك أمواله وخزائنه بالرقة. وبلغ ذلك أبا مسلم فسار إليه في عسكره وجنوده، حتى التقى القوم فاقتتلوا قتالا شديدا، وانتصف بعضهم من بعض. ثم إن عبد الله بن علي أمر فخندق على نفسه خندقا، وخندق أبو مسلم أيضا على نفسه خندقا، ودام الحرب بينهما أربعة أشهر لا يفترون من ذلك. # قال: وعلم عبد الله بن علي أنه لا طاقة له بأبي مسلم فهم بالهرب، وجعل أهل الشام يستأمنون إلى أبي مسلم حتى استأمن منهم خلق كثير. فلما رأى عبد الله بن علي ذلك خرج ليلة من الليالي من عسكره بأنه يريد أن يكبس عسكر أبي مسلم، ثم مضى في جوف الليل فجعل يسير سيرا ماضيا إلى الرقة (1). قال: # وأصبح عبد الله بن علي وقد فقدوه فعلموا أنه قد هرب، فأرسلوا إلى أبي مسلم يسألون الأمان فآمنهم، وكتب إلى المنصور يخبره بهروب عبد الله بن علي وأخيه عبد الصمد. قال: وصار كتاب أبي مسلم إلى المنصور وهو نازل بدير يقال له دير الجاثليق، فلما فتح الكتاب وقرأه سمى ذلك الدير دير الفتوح، ثم كتب إلى أبي مسلم وأمره بطلب عبد الله بن علي حيث كان. قال: وأرسل أبو مسلم يريد عبد الله بن علي، وعلم عبد الله بن علي بذلك فترك أمواله وخزائنه بالرقة ثم عبر الفرات هو وأخوه عبد الصمد بن علي، فأما عبد الصمد بن علي فصار إلى الرصافة (2) فنزلها، وأما عبد الله ms1379 بن علي فإنه صار إلى الشام ومن الشام إلى مكة ومن مكة إلى البصرة ومن البصرة إلى أخيه سليمان بن علي (3)، فأنشد أبو ميسرة في ذلك شعرا. # قال: فسار أبو مسلم حتى دخل الرقة واحتوى على جميع أموال عبد الله بن علي وخزائنه. وما كان أخذ من أموال بني أمية فاحتوى على ذلك كله. ثم صار إلى الرصافة فنزل عليها فحاصر عبد الصمد حتى أخذه وقيده ووجه به إلى المنصور. ثم صار إلى حران فنزلها ووضع العطاء لأصحابه وأعطاهم الارزاق سنة. # قال: وكتب سليمان بن علي إلى المنصور يسأله أن يعطي عبد الله الأمان # PageV08P355 # فأجابه إلى ذلك، فقال عيسى بن علي لكاتبه عبد الله بن المقفع: أحب أن تكتب لأخي عبد الله أمانا مؤكدا حتى أوجه به إلى المنصور، قال: فكتب عبد الله كتابا لعبد الله بن علي لا يكون لاحد مثله واستقصى فيه غاية الاستقصاء، فلما ورد الكتاب بالأمان على أمير المؤمنين المنصور ونظر فيه شق ذلك عليه، لأنه كان مغتاظا على عبد الله بن علي وأراد قتله، فقال: من كتب هذا الأمان؟ فقيل له: كتبه عبد الله بن المقفع (1) كاتب عيسى بن علي، فقال أما لنا من يكفينا ابن المقفع ويريحنا منه؟ # قال: وبلغ هذه الكلمة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وهو يومئذ بالبصرة من قبل المنصور، فعزم على قتل ابن المقفع (2). ### || ذكر مقتل عبد الله بن المقفع # قال المدائني: كان السبب في مقتل عبد الله بن المقفع أن سفيان بن معاوية المهلبي كان ربما حضر إلى الديوان بالبصرة فتقع المسألة بعد المسألة فيلقيها ابن المقفع على سفيان بن معاوية فإذا لم يفهمها يقول له ابن المقفع: وقعت والله يا مهلبي! قال: فغضب المهلبي ذات يوم فشتم ابن المقفع فقال له: كم توبخني؟ # فقال له ابن المقفع: يا بن المغتلمة! أداعبك فتشتمني! والله ما رضيت أمك برجال العراق حتى تزوجت برجال الشام! قال: فسكت عنه المهلبي وحقد عليه، فلما قال المنصور: أما لنا ms1380 من يكفينا أمر ابن المقفع! عزم المهلبي على قتله. ودعا عيسى بن علي بابن المقفع فأرسله إلى سفيان بن معاوية في حاجة له، فقال ابن المقفع: إني أخاف على نفسي لكلام جرى بيني وبينه، فقال عيسى بن علي: # إني أخاف على نفسك وأنا حي! فقام عبد الله بن المقفع وصار إلى سفيان، قال: # والله يا بن المقفع أنا ابن المغتلمة كما قلت إن لم أقتلك قتلة ما سبقني إليها أحد. # ثم قام ودخل المطبخ وقال: علي به! فأتي بابن المقفع، فقال المهلبي لغلمانه: # PageV08P356 # اسجروا التنور! فأسجر حتى حمي، ثم أمر بقطع يده اليمنى فألقيت في التنور، ثم أمر باليسرى فألقيت في التنور، ففعل ذلك بيديه ورجليه، ثم احتمل بعد ذلك فألقي في التنور واحترق (1). قال: واحتبس خبر ابن المقفع على عيسى بن علي فأرسل في طلبه، فقيل: كان ههنا وانصرف. قال: وعلم عيسى بما فعل بابن المقفع، فكتب في ذلك إلى المنصور، فأرسل المنصور يأمر بإشخاص المهلبي فأشخص، ثم سأل عن ذلك فأنكر ولم يكن هنالك بينة (2)، فذهب دم ابن المقفع هدرا. فأنشأ بحير بن زياد يقول في ذلك شعرا. وقال أيضا فيه مطيع بن زياد: # لا تأمن الاخوان رب فجيعة * كما فجمع الاخوان بابن المقفع أتته المنايا فاختلسن حياته * فودعه الاخوان غير مودع ### || ذكر أبي مسلم ومخالفته على المنصور وما كان من أمره # قال: وبلغ المنصور أن أبا مسلم قد احتوى على أموال كثيرة لعبد الله بن علي فوجه إليه يطلبها منه مع رجل يقال له يقطين بن موسى (3) وأخذ ما صار إليه من تلك الأموال. فلما قدم عليه يقطين أنزله أبو مسلم وأكرمه ثم قال: ما الذي أقدمك أبا علي وكيف خلفت أمير المؤمنين؟ فقال: خلفته سالما بحمد الله غير أنه قد أرسلني إليك لقبض ما صار إليك من الأموال التي لعبد الله بن علي وخزائنه وهذا كتابه إليك، فلما قرأه غضب ورمى به من بين يديه ثم قال: ومن ابن سلامة حتى يكتب إلي فتفحص عما صار ms1381 إلي من أموال عبد الله بن علي وقد قتلت رجالي وهذا كتاب أمير المؤمنين. قال: فقال يقطين بن موسى: أيها الأمير! إن أمير المؤمنين رأيه فيك أحسن من رأيك فيه، فقال: لا ولا كرامة! وسيعلم ابن سلامة عن قريب كيف يكون الامر بيني وبينه، قم وانصرف إليه وخبره بما سمعت. # وانصرف يقطين بن موسى إلى المنصور فخبره بذلك. قال: فتغير وجه # PageV08P357 # المنصور وسكت ساعة، ودعا بكاتبه فقال: اكتب إلى أبي مسلم كتابا لطيف، وخبره في الكتاب أني قد تجاوزت عنه وتركت له جميع الأموال وأنا مضعفها له. وقد وليته الشام وأرض خراسان ليستخلف على الشام من يريد وليقدم على بركة الله وعونه - والسلام - (1). قال: فلما ورد الكتاب على أبي مسلم تبسم ضاحكا ثم قال: # وابن سلامة يوليني الشام وخراسان أو ليس الشام وخراسان لي وفي يدي! أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون، أيخدعني ابن سلامة وقد أضاء الصبح لذي عشاء. قال: ثم رمى بكتاب‌ المنصور من يده وتمثل بهذا البيت وهو يقول: # الق الصحيفة لا تبال وإن يكن * مكرا كمثل صحيفة المتلمس قال: وكان الحسن بن قحطبة يومئذ مع أبي مسلم بالشام وقد ك ان يكتب بالاخبار سرا إلى المنصور، فكتب إليه يخبره بكلام أبي مسلم وكتب إليه في آخر الكتاب: إني أخبرك يا أمير المؤمنين أن الشيطان الذي كان ينفخ في رأس عبد الله بن علي قد انتقل إلى رأس أبي مسلم - والسلام -. قال: فضاق الامر على المنصور ولم يدر ما يصنع. # ونادى أبو مسلم لأصحابه بالرحيل راجعا إلى خراسان، ثم صار حتى تقارب من مدينة يقال لها كفرتوثا نظر إلى نهر هنالك يقال له سريا (2) فالتفت إلى هشام ابن عمه وكان من أجلاء أصحابه فقال: ما اسم هذا النهر؟ فقال: أصلح الله الأمير! # اسمه سريا، فقال أبو مسلم: فأين علم الشيطان الذي يقول الشاعر: # ولا تهبط السريا بمال تحبه * ولا أعلم الشيطان إن كنت تفعل قال: فقال هشام بن عمر: أيها الأمير! هو هذا التل عن يسار الطريق. قال: ms1382 # ودخل أبو مسلم مدينة كفرتوثا فأقام بها ثلاثة أيام ورحل عنها، وتخلف عنه الحسن بن قحطبة لعلة كانت به قد اعترته في بدنه. قال: وسار أبو مسلم إلى نصيبين وأقام بها أياما حتى استراح أصحابه ثم رحل عنها، فلما خرج من باب الشرقي وعبر [فإذا] # PageV08P358 # رجل يقال له الهرماس جعل يقول: # إني لاذكر منيتي وتحيتي * خلفي فأرفعها بحب زميلا إني لأكره أن أعيش مظلما * طول الحياة وأن أموت ذليلا ثم أقبل على هشام بن عمر فقال له: اكتب بهذين البيتين إلى ابن سلامة حتى يعلم أني أبو مسلم. # قال: ثم سار حتى دخل الموصل، فلما نزلها أقبل إليه جماعة من أصحابه ممن يهوى دولة المنصور فقالوا: أيها الأمير! إنا نريد الحج فأذن لنا في ذلك، فتبسم أبو مسلم وقال: ليس هذا وقت أوان حج، فمن أراد أو أحب منكم الانصراف فلينصرف مصاحبا! قال: فتفرق عن أبي مسلم جماعة من أصحابه فصاروا إلى المنصور. وخرج أبو مسلم من الموصل يريد بلاد خراسان ومعه دليل يدله على الطريق حتى أخرجه من شهرزور إلى حلوان، فلما نزلها إذا كتاب المنصور قد ورد عليه من هنالك يأمره بالانصراف إلى ما قبله ويحلف له بالمحرجات من الايمان أنه لا يبدأه بمكروه وأنه يكون له أكثر مما كان ويجعله وزيره وصاحب أمره. قال: فلما قرأ أبو مسلم كتاب المنصور التفت إلى كاتب له يقال له شبيب، فقال: يا شبيب! لئن رجعنا إلى العراق بعد أن شارفنا جبال خراسان فإنا كما قال الأول: (أتتك بحائن رجلاه) (1). قال: ثم رجل أبو مسلم من حلوان يقطع البلاد ويطوي المراحل طيا ولا يعرج على شيء حتى صار إلى الري فلم يقم بها إلا يوما واحدا، ثم رحل عنها مجدا حتى صار إلى مرو ثم كتب إلى المنصور. ### || ذكر كتاب أبي مسلم إلى المنصور # بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عبد الله أمير المؤمنين، من عبد الرحمن أبي مسلم (2)، أما بعد يا أمير المؤمنين! فإني كنت اتخذت أخاك إماما ودليلا على ms1383 ما فرض الله على خلقه، فكان ظني أنني أنزلت منه بمحله العلم لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستجهلني بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعا في قليل من حطام دار قد # PageV08P359 # نعاه (1) الله إلى خلقه وزهد عباده فيها، ثم إنه مثل لي الضلالة في صورة الهدى، وأمرني أن أجرد السيف وأرفع الرحمة ولا أقيل العثرة ولا أقبل المعذرة والبلاء في ذلك كله واقع بنفسي لا يزجرني عن ذلك بتوفيق ولا رشاد، حتى سقم عندي البريء وبرئ السقيم، فوترت أهل الدين والدنيا في طاعتكم وتوكيد (2) سلطانكم حتى عرفكم من كان جهلكم (3)، وخافكم من كان يهون عليه أمركم وأوطأت غيركم ممن كان فوقكم من آل الرسول بالذل والهوان والاثم والعدوان، ثم إن الله تعالى قد أدركني منه بالندم واستنقذني بالتوبة فإنه يعف ويصفح فإنه كان للأوابين غفورا. ### || جوابه (4) # قال: فكتب إليه المنصور: أما بعد أبا المجرم العاصي! فإن أخي رحمه الله تعالى كان إمام الهدى يدعو إلى الله على بصيرة ويقين من أمره، فأوضح السبيل وقد تفرقت بالناس السبل، وأقامك فيها على منهاج الحق الذي عليه آثار النبوة وما في الكتاب، فلو بأخي الرضى اقتديت وبرأيه اهتديت وإلى أمره انتهيت لما كنت عن الحق جائرا، لكنك لم تكن لنا في طاعة قط يوما واحدا، وما زلت منذ انتحلت مودتنا وولايتنا يهوي بك الريح من مكان سحيق، لا يسنح لك أمران إلا كنت لأرشدهما تاركا، ولأغواهما مؤاتيا، تقتل على الغضب وتبطش بطش الجبارين، فأوقع الله بك الثلاث الموجبات من الله تبارك وتعالى إنه عز وجل قال: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (5) و (فأولئك هم الفاسقون) (6)، و (فأولئك هم الظالمون) (7)، فجمعهن الله فيك، فرويدا أبا مجرم حتى يبلغ الكتاب أجله، وأمير المؤمنين يقسم بالله رب العالمين وملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين # PageV08P360 # وعباده الصالحين وأخيه العباس أنهما قد برئا إلى الله منك فيما اقترفت من القتل والامر العظيم، وستعلم عن قريب أبا مجرم إذا أحاطت بك العساكر وأخذتك الصفائح أي رجل ms1384 تكون! وأقسم بالله العلي العظيم الذي لا إله غيره إن عبرت البحر لطلبتك ولو بلغت إلى مطلع الشمس ومغربها، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل. # قال: فلما فرغ وورد الكتاب على أبي مسلم وقرأه ضاق به ذرعا، ثم إنه ذل وخضع وخشي أن تأتيه الجيوش من العراق ولا يقوم لها، فكتب إلى المنصور يستعطفه ويسأله أن يعطيه الأمان، ثم بعث بكتابه مع أبي إسحاق صاحب حرسه (1)، فأجابه المنصور إلى ذلك. ### || ذكر قدوم أبي مسلم من خراسان على المنصور ومقتله بين يديه # قال: فخرج أبو مسلم من خراسان ومعه خلق عظيم حتى صار إلى العراق. # قال: فكان لا يمر ولا يقدم على موضع إلا استقبلوه بالبر والاحسان والاكرام حتى إذا صار إلى باب المنصور خرج إليه أبو الخصيب الحاجب فقال: إن أمير المؤمنين يأمرك أن تنصرف إلى المنزل الذي قد استعد لك! قال: فانصرف إليه، وقد أعد له جميع ما يحتاج إليه من فرش وغير ذلك من طعام وشراب، وجعلت الالطاف تأتيه من عند المنصور في كل وقت، فأقام كذلك ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الرابع أرسل إليه المنصور فدعاه، قال: فركب أبو مسلم وصار إلى الباب فدخل الحاجب فأعلم المنصور، فقال: ذره ولا تعجل، والمنصور جالس في مجلسه وحده ليس عنده أحد إلا من لا يحتشمه غير أنه يفكر في أمر أبي مسلم وما يريد أن يصنع وهو يقول شعرا، قال: ثم أذن لأبي مسلم بالدخول، فدخل وسلم، فلم يرد عليه السلام ثم أومأ إليه أن اجلس! فجلس أبو مسلم على وسادة وعليه يومئذ قباء ديباج أسود، فأقبل # PageV08P361 # عليه المنصور فقال: أبا مجرم! إني أريد أذكرك شيئا لا أراك تنكرها، أتنكر دخولك على أمير المؤمنين الماضي رحمة الله عليه وتسليمك عليه وأنا جالس في مجلسه ولا تراني أهلا للسلام؟ أتذكر مقالتك لابن أخي عيسى بن موسى (1) إن شئت خلعنا أبا جعفر وبايعناك؟ أتذكر شتمك لي بالشام بين يدي يقطين بن موسى (2) وقولك له: # ومن ابن سلامة؟ أكانت أبا مجرم ms1385 أمك أفضل من سلامة وهي تحت محمد بن عبد الله بن عباس؟ قال: وجعل المنصور يذكره شيئا بعد شيء (3)، فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين! لا تذكر هذه الأقاويل، واذكر حس بلائي وقوامي لكم بهذه الدولة! قال: فعندها شتمه المنصور وقال: يا عدو نفسه! أنت ما فعلت ذلك، [إنما عملت] بحميتنا (4) وقيام شيعتنا وما سبق من الله تعالى في أمر دولتنا، ولو كان الامر إليك لما قطعت فتيلا، ألست الكاتب إلي وتبدأ باسمك قبل اسمي؟ # أولست الذي كتبت إلينا تخطب آمنة (5) بنت علي بن عبد الله بن عباس وتزعم أنك ابن بنت سليمان بن علي (6)! وإنما أنت عبد لعيسى بن معقل العجلي لقد ارتقيت يا عدو الله مرتقى صعبا. فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين! إنه لا يجب أن يبلغ منك الغضب كل هذا، فإن قدري أصغر من ذلك، فقال له المنصور: أنسيت استخفافك بحقي وتهجمك إياي بالكلام مرة بعد أخرى؟ أنسيت نظرك إلي شزرا؟ قال: ثم غمز عليه المنصور من على رأسه، فضربه عثمان بن نهيك ضربة بالسيف على جبل عاتقه، فسقط أبو مسلم عن الوسادة وهو يقول: وانفساه! قال: المنصور: يا بن الخبيثة! فعال الجبارين وجزع الصبيان! قال: ثم ضربه أبو الخصيب الحاجب بالسيف ضربة على رأسه فاضطرب اضطرابا شديدا، وجعل المنصور يقول هذه الأبيات: # PageV08P362 # اشرب (1) بكأس كنت تسقي بها (2) * أمر في الحلق من العلقم زعمت أن الدين لا ينقضي * فاستوف بالكيل (3) أبا مجرم قال: فلم تزل السيوف تأخذه حتى برد، فأنشأ بعضهم يقول أبياتا مطلعها: # أبا مجرم اشرب بكأس سقيته * بكف‌ امرئ ما هم أن يتكلما إلى آخرها. # قال: وكان أبو دلامة الشاعر قد خدمه قبل ذلك فلم يعطه شيئا وهدده بالقتل، فلما كان ذلك اليوم وبلغه قتله أنشأ يقول أبياتا مطلعها: # أبا مجرم عبدا لعيسى بن معقل * أخا دلف لا قول من يتكذب إلى آخرها. # قال: وضج أصحاب أبي مسلم وهم بالباب فاستعظموا قتله، فخرج إليهم أبو الخصيب الحاجب فقال: اسكتوا! فإن أمير المؤمنين يقرأ عليكم ms1386 السلام وقد أمر لكم بأرزاق سنية وضمكم إلى من أحببتم من أهل خراسان، وبعد فإن أبا مسلم إنما كان عبدا من بعض عبيد أمير المؤمنين، فتعدى طوره وجاوز حده في صنائع أمير المؤمنين، مثله كثير. قال: فسكت الناس ووضعت لهم الارزاق، ثم بعث برأس أبي مسلم إلى خراسان، وكتب المنصور إلى أبي داود (4) وهو يومئذ خليفة أبي مسلم على خراسان فولاه البلاد وبعث إليه بالخلع، واستقر أهل خراسان ونسوا أبا مسلم (5) كأنه لم يكن، واستقام الامر للمنصور بعد قتل أبي مسلم، لأنه لم يبق أحد غيره. ### || ذكر فتح أبي جعفر (6) المنصور إرمينية وأذربيجان # قال: ثم دعا المنصور يزيد بن أسيد بن زافر السلمي فعقد له وولاه بلاد إرمينية، ودعا بيزيد بن حاتم فولاه بلاد أذربيجان. قال: فسار يزيد بن أسيد من العراق إلى إرمينية، فنزل مدينة يقال لها برذعة ثم فرق عماله في البلاد، وكتب إليه # PageV08P363 # المنصور: أما بعد فإن بلاد إرمينية لا تستقيم ولا تصلح إلا بمصاهرة الخزر، والرأي عندي أن تصاهر القوم حتى تستقيم البلاد، وإلا فإني خائف عليك وعلى جميع عمالك من الخزر، فإنهم إذا أرادوا واجتمعوا غلبوا، فانظر ولا تخالف أمري واجتهد في مصاهرة الخزر - والسلام -. ### || ذكر تزويج يزيد بن أسيد بن زافر السلمي إلى ملك الخزر # قال: فلما ورد كتاب المنصور على يزيد أرسل إلى خاقان ملك الخزر واسمه تعاطر (1) فخطب إليه ابنته وكان يقال لها خاتون، فأجابه ملك الخزر إلى ذلك، فتزوجها يزيد بن أسيد على مائة ألف درهم، وزفت خاتون من بلاد الخزر إلى بلاد الاسلام ومعها عشرة آلاف من أهل بيت من الخزر، ومعها أربعة آلاف رمكة بفحولها، وألف‌ بغل وبغلة، وألف إنسان، وعشرة آلاف جمل خزري من الجمال الصغار، وألف جمل تركي كل جمل منها بسنامين، وعشرون (2) ألف شاة، وعشر عجلات على مثل القباب، لها أبواب مضروبة بصفائح الذهب والفضة، مفروشة بالسمور، ومجللة بالديباج، وعشرون (3) عجلة فيها أمتعة وآنية من الذهب والفضة وغير ذلك. # قال: فلما وردت بنت ملك الخزر إلى ms1387 بلاد الاسلام ومعها هذا الخير الكثير أنزلت‌ بموضع يقال له القباب على باب البرذعة، قال: فأنزلت هنالك ثم أرسلت إلى يزيد أن ابعث لي نساء من نساء المسلمين حتى يعلمنني الاسلام ويقرئنني القرآن، فإذا تعلمت ذلك فشأنك بي. فأرسل إليها يزيد بعدة نساء من برذعة، فعلمنها الاسلام وأقرأنها القرآن. قال: ولم يبق قائد من قواد يزيد بن أسيد إلا وهدى لها من الهدايا على قدر طاقته، حتى إذا تعلمت خاتون القرآن وعرفت الاسلام ألقت عنها السيف والخنجر، فعلم يزيد بن أسيد أنها أذنت له في الدخول، فأقبل عليها بإذنها وإذا قد اختضبت وتزينت. قال: فبنى بها يزيد بن أسيد، وأقامت عنده سنتين وأربعة أشهر، وولدت منه ولدين ثم ماتت (4) بعد ذلك ومات ولداها جميعا ببرذعة، فاغتم عليها يزيد غما شديدا. # PageV08P364 ### || ذكر انتقاض الخزر على المسلمين بعد موت خاتون # قال: وعلمت الخزر بموت خاتون بنت ملك الخزر، فتحركوا على المسلمين فاجتمعوا في جيش عظيم وساروا حتى افترقوا من الباب والأبواب. قال: وسار إليهم يزيد بن أسيد في قريب سبعة آلاف فارس فلم يكن له بهم طاقة، فكتب إلى أبي جعفر المنصور وخبره بذلك، فلما قرأ المنصور كتاب يزيد اغتم لذلك وخشي أن ينتقض عليه أمره، فكتب إلى أهل الشام وأخبرهم بأن يلحقوا يزيد بن أسيد (1) بأرمينية! فوافى يزيد نيف عن عشرة آلاف رجل، ثم وافته عساكر العراق عسكرا بعد عسكر، فأول من وافى من العراق جبريل بن يحيى في عشرة آلاف، ومخلد بن الحسن في عشرة آلاف، وحميد بن قحطبة في عشرة آلاف، وحرب الراوندي (2) في خمسة آلاف، فذلك خمسة وثلاثون ألفا من أهل العراق. قال: وسار يزيد بن أسيد (1) ومعه عشرون ألفا من أهل الشام والجزيرة، وخمسة وثلاثون ألفا من أهل العراق، فذلك ستون ألفا. قال: وسار بهم يزيد حتى دخل نهر الكرم وصار إلى بلد الشروان. قال: وإذا كراديس الخزر قد أقبلت مثل النيل وقطع الليل في زهاء عن مائتي ألف فارس. قال: والتقى للقتال في أرض الشروان، فلم ms1388 ير المسلمون يوما كان أشد منه، وذلك أنه قتل منهم مقتلة عظيمة، وانهزم يزيد بن أسيد حتى دخل مدينة برذعة، ومضى خاقان ملك الخزر وأصحابه وقد غنموا غنيمة لم ير مثلها. # قال: ومى يزيد إلى العراق فخبر المنصور بما نزل بالمسلمين من الخزر، فاغتم المنصور لذلك غما شديدا. ثم قال: ويحك يا يزيد! فما الحيلة؟ قال: # الحيلة أن تجعل في الأبواب أجنادا يرتبون فيها فتكون ردا للخزر وحوزا للاسلام، وما أرى رأيا غير هذا، فعندها بعث المنصور إلى جميع الكور الذي بالشام والجزيرة والعراق، وانتخب من أهل النجدة سبعة آلاف رجل كل رجل يعد برجال. ثم دعا إبراهيم بن أبي عون والهيثم بن سعد وضم إليهما عشرين (3) ألفا، ثم أرسل إلى مدائن الشام والجزيرة فحشر من أجنادها عشرة آلاف، ثم ضم الكل إلى يزيد بن أسيد، ثم أمره بالمسير إلى أرمينية. # وسار إلى مدينة برذعة ثم رحل منها حتى صار إلى نهر الكر فعبر بهؤلاء الخلق # PageV08P365 # وسار بهم حتى صار إلى مدينة الباب والأبواب فنزلها ورمها وأحكم الأبواب التي لها. # ثم أمر ببناء الأبواب فبنيت على هيئة مدينة النبات ممدودة على السور إلى جبل يقال له الكنك (1). فأول الأبواب باب يقال له كمبخ ثم البردنة ثم الحميد ثم باب الحديد وباب واف وباب الرسل الصغرى وباب الرسل الكبرى وباب أرسى وباب أدرموسى وهو آخر الأبواب (2). قال: ثم فرق يزيد بن أسيد هؤلاء الأجناد الذين كانوا معه فأنزلهم الباب والأبواب وجعلها مسكنا لهم ولعقبهم، وأجرى لهم الارزاق التي كانت بنو أمية أجرت لهم قبل ذلك. # قال: ثم بعث المنصور بعد ذلك إلى يزيد بن أسيد فعزله عن إرمينية وولى مكانه بكار بن مسلم العقيلي فكانت ولايته سنة وأربعة أشهر، ثم عزله المنصور وولى مكانه الحسن بن قحطبة الطائي، فأقبل حتى دخل إرمينية في خمسين ألفا من أهل خراسان وأهل الشام والعراق. فلما دخل الحسن بن قحطبة إلى بلاد إرمينية انتقضت عليه الضياربة (3). وهم صنف من أصناف الكفار بأرض يقال لها أرض ms1389 جرزان فلم يقدر الحسن بن قحطبة على أن يسكنهم فكتب إلى المنصور، فأمده المنصور بأربعة من قواده منهم عامر بن إسماعيل الجرجاني (4) وعيسى بن موسى الخراساني والفضل بن دينار ومقاتل بن صالح، فأقبل هؤلاء القواد في ثلاثين ألف فارس فسار بهم الحسن بن قحطبة إلى جرزان. قال: واجتمعت الضياربة وأهل حاحط (5) وهم أيضا صنف من الكفار فاجتمعوا على المسلمين في جمع عظيم واقتتلوا، فظفر الله المسلمين بهم، فقتلوا في معركة واحدة منهم عشرة آلاف وأغنمهم الله أموالهم ودوابهم وسلاحهم، ورجع قواد المنصور إلى العراق. # وبقي الحسن بن قحطبة بإرمينية، فأقبل حتى نزل إلى مدينة برذعة، ودعا بابن له يقال له قحطبة فولاه الباب والأبواب، ودعا بابنه إبراهيم فولاه بلاد جرزان من تفليس وما والاها، ودعا بابنه محمد فولاه إرمينية الرابعة من بلاد أخلاط وقاليقلا (6) # PageV08P366 # وما والاها (1). ### || ذكر موشابذ (2) البطريق ومحمد بن الحسن بن قحطبة # قال: وكان بأرمينية الرابعة بطريق يقال له موشابذ (2) وكان من أبناء ملوك الروم وساداتهم، وكان محمد بن الحسن بن قحطبة هذا رجلا شرها لا يسعه شيء من شدة حرصه على أخذ الأموال، وكان لا يرى على هذا البطريق شيئا حسنا إلا يأخذه، فرأى في إصبعه خاتم فضة من ياقوت من أحسن شيء يكون، فقال له: هبني هذا الخاتم فقد أعجبني! فقال موشابذ: إن هذا خاتم أبي وليس أحب أن يصير إلى غيري، ولكن يقومه الأمير أيده الله ويأخذ مني قيمته! قال: فأبى إلا أخذ الخاتم، فقال له موشابذ: إذا كان غدا وجهت به إليك مع ما يشبهه. قال: وانصرف موشابذ إلى منزله ثم كتب من ساعته إلى بطارقته الذين حوله فاستعان بهم على حرب محمد بن الحسن بن قحطبة، فأجابه إلى ذلك. فجمع موشابذ البطارقة وجعل يحاربه، وسمع بذلك حمرة بن جرجيق بطريق بلاد جرزان فجمع الجموع وجعل يقاتل إبراهيم بن الحسن بن قحطبة وهو يومئذ بمدينة برذعة، فضاق به الأمير ولم يدر ما يصنع. قال: واجتمع إليه الكفار من كل ناحية غضبا منهم لموشابذ، فلم ms1390 يكن للحسن بهم طاقة، فكتب إلى المنصور بذلك، فأمده بعشرة آلاف من أهل العراق، فساروا حتى نزلوا بمدينة أخلاط وسار إليهم الحسن بن قحطبة من برذعة في جيش عرمرم، والتقى القوم على شاطئ بحيرة أخلاط، فاقتتلوا فقتل موشابذ البطريق وقتل معه نيف من ثلاثة آلاف، وانهزم الباقون على وجوههم والسيف يأخذهم إلى أن صار المسلمون إلى كنيسة موشابذ فأصابوا فيها مالا كثيرا وسلاحا ومتاعا فأخذوه، ثم رجعوا إلى موشابذ فأخذوا رأسه ورؤوس أصحابه من البطارقة والعلوج [وأرسلوها] إلى المنصور، فأنشد عقبة بن طير النميري يقول أبياتا مطلعها: # ألم تر أعلجا ساروا إلينا * مغلقة الكنائس بادرينا إلى آخرها. # PageV08P367 ### || ذكر وفاة أبي جعفر # قال: فلما أتت على أبي جعفر في خلافته عشرون (1) سنة دعا بوجوه بني هاشم ووجوه قواده وخاصته وأخذ عليهم البيعة لابنه محمد بن المنصور وسماه المهدي، وجعله ولي العهد من بعده. وكتب له على الناس بذلك كتابا (2)، وأخذ عليهم العهود والمواثيق. ثم دعا بابنه المهدي فأمره بالخروج إلى جرجان، وأوصاه أن يحسن إلى الناس. ثم أوصاه وقال (3): يا بني! أنت خارج إلى هذا الوجه ولست أدري ما يكون من الحدثان فافهم على ما أقول لك، اعلم يا بني! أن الخليفة لا يصلحه إلا الطاعة (4)، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى المسلمين بالعدل أقدرهم على العفو (5)، وأنقص الناس عقلا (6) من ظلم من هو دونه. قال: ثم جعل المنصور يتمثل بهذين البيتين: # العيش أحلى ما يكو * ن على حلاوة أمره كم شامت بي إن هلك‍ * - ت وقائل لله دره. # قال: ثم ودعه المنصور وانصرف، ومضى المهدي إلى جرجان. # قال يزيد بن عبد الله الهلالي: حدثني سراج خادم المنصور قال: خرج المنصور حاجا بعد خروج المهدي إلى جرجان ونزل منزلا في طريق مكة ونظر وإذا في وسط المنزل والطريق هذه الأبيات: # لعمرك ما حجت قريش لحبه * ولكنها حجت لحب الدراهم وما حجت الأنصار إلا تعرضا * لسب ولي العهد من آل هاشم ولا حجت الاعراب إلا ضراعة * مدنسة الأثواب ركن الدعائم ولكن من ms1391 قد حج من صلب ماله * على نية أبناء تلك الأعاجم # PageV08P368 # قال: وإذا أسفل بيتين مكتوبة أيضا: # لعمري لئن كانت قريش تعرضت * لسب امرئ عام عن الحق ظالم لما صادفت ذا المكرمات ابن جعفر * ولا مصعبا جمال تلك المعالم قال: فعلم المنصور أنها كتابة قديمة، فقرأها وحفظها إلى أن دخل مكة، فنزل في دارها من دورها، فإذا على الحائط الذي للدار مكتوب بخط جليل القدر. # قال: فأمر الربيع أن يقرأ ما على الحائط، فامتنع من قراءتها، فقام المنصور ليقرأها، وإذا هما بيتان من الشعر: # أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت * سنوك (1) وأمر الله لا شك (2) واقع (3) أبا جعفر هل (4) كاهن أو منجم * لك اليوم عن رد المنية دافع (5) قال: فرفع المنصور إلى فراشه فأسقط في يده حتى امتنع من الطعام والشراب، فلما قضى حجه وأراد الانصراف اعتل علة شديدة وأيس من نفسه. # قال الرقاشي: حدثني أبو كلثوم صاحب المنصور قال: دعاني المنصور بمكة وهو شديد العلة، قال: قد علمت بما كان من ملك مع أبي مجرم (6) في أيامه وما كنت تفشي إليه من سري، والله لأقتلنك أشر قتلة، فلا تعجل إلا أن أقوم من علتي هذه! قال: فخرجت من عنده والموت قابض على حلقي، فمن شدة ما ك ان بي من الغم حملني النوم فإذا بهاتف يهتف بي بهذا البيت وهو يقول: # يعقد المرفق لي بيمين * وهو في غفلة بريب المنون قال: فانتبهت فزعا مرعوبا، فارتفعت الضجة فقلت: ما الخبر؟ فقالوا: # مات أمير المؤمنين. # قال أيوب بن عبد الله صاحب المنصور: كانت خلافة المنصور اثنتين وعشرين # PageV08P369 # سنة إلا سبعة أيام، وتوفي ببئر ميمون بن الحضرمي ودفن هناك. وقال الرقاشي: قال أبو كلثوم: مات ببئر ميمون ودفن بالحجون (1) لست ليال خلون من ذي الحجة (2) سنة ثمان (3) وخمسين ومائة وهو ابن أربع وستين سنة (4). ### | [خلافة المهدي] # وصار الامر إلى ابنه المهدي واسمه محمد، وأمه أم موسى ابنة منصور الحميرية (5)، فقدم المهدي من جرجان وقعد في الخلافة عشر (6) سنين ومات - والله أعلم وأحكم -، وكان للمهدي ms1392 أخبار وأسمار لا تدخل في الفتوح. # قال ابن يقطين (7): كنا عند المهدي ذات يوم فقال: إني أصبحت جائعا فأتوني بشيء! قال: فأتي بأرغفة ولحم بارد، فأكل ثم قام فقال: إني داخل ذلك النهر (8) نائم فيه فلا يوقظني أحد حتى أستيقظ أنا من ذاتي! إذ سمعنا بكاءه، فبادرنا إليه وقلنا: مما بكاءك؟ فقال: رأيت الساعة رجلا لو كان في مائة رجل لما خفي، فوقف على باب هذا النهر وجعل يقول هذه الأبيات فحفظتها منه (9): # كأني بهذا القصر بد باد أهله * وأوحش منه أهله ومنازله وصار عميد القوم من بعد نعمة * وملك إلى قبر عليه جنادله فلم يبق إلا ذكره وحديثه * تنادي بليل معولات حلائله # PageV08P370 # قال: فلم يشك أحد أن أجله قد اقترب. قال علي بن يقطين: فكنا معه بعد ذلك في قصر الرصافة ببغداد فأرسل إلى وجوه بني هاشم ورؤساء القوم فأحضرهم ثم أخذ عليهم البيعة لابنه موسى وسماه الهادي وجعل هارون من بعده ولي العهد وسماه الرشيد، فقال في ذلك أهل الأدب هذه الأبيات: # قد نشرت أرضنا السماء به * وقال فيه من يقرأ الكتبا محمد مورث خلافته * موسى وهارون بيعتان أبا وقد ذكر ذلك أيضا مروان بن أبي حفصة في قصيدة له حيث يقول: # عقدت لموسى بالرصافة بيعة * شد الاله بها عرى الاسلام موسى الذي عرفت قريش فضله * ولها فضيلتها على الأقوام مهدي آمنة التي أمنت به * للذل آمنة من الاعدام موسى وصي عصا الخلافة بعده * جفت بذاك مواقع الأقلام فلتعلون خير مدافع * أعواد منبرها وطرفك سام قال: ثم لم يلبث المهدي بعد ذلك قليلا حتى مات (1)، فكانت مدة خلافته عشر سنين وشهرا واحدا، وتوفي بموضع يقال له ماسبذان ودفن في دير الغنم ليلة الخميس لثمان ليال بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة (2). ### | [خلافة موسى الهادي بن المهدي] (3) # وصار الامر إلى ابنه الهادي ويكنى أبا محمد (4)، وقد كان موسى يومئذ بجرجان فولى له البيعة أخوه هارون ببغداد، وقدم عليه لاخذ البيعة مولى له يقال له نصير. قال: فكان موسى ms1393 هذا مفتوح الفم لا يطيق بضم شفتيه فلذلك قيل له: # موسى أطبق. وقد كان مع ذلك لا يفتر عن الشرب ليلا ونهارا، ولم يكن له شيء من # PageV08P371 # الفتوح، وله أخبار مع العلوية لا نحب أن نوردها. # قال أبو بشر المازني: حدثني صباح مولى المهدي قال: حدثني مراقب مولى المهدي قال: كانت تحت الهادي امرأة يقال لها أم موسى (1)، فقال لها الهادي: ما آسف على شيء من أمر الخلافة إلا عليك وأخاف أن يتزوجك أخي هارون من بعدي، فقالت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين! ما كنت لافعل ذلك ولا يجتمع رأسي ورأسه أبدا! قال: فأرسل موسى إلى أخيه هارون فدعاه واستحلفه بالايمان المؤكدة أنه لا يتزوج أم موسى من بعده، فحلف له هارون بما استحلفه. ثم مات الهادي من تلك الخبيثة التي ظهرت برجله (2)، فكانت خلافته سنة وشهرين وعشرين يوما، وتوفي ببغداد يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة وهو ابن ثمانية وعشرين سنة (3)، وصار الامر إلى أخيه هارون أبي جعفر بن محمد المهدي وهو الرشيد، وأمه الخيزران أم ولد، وقال قوم: لا بل كانت عربية. ### | [خلافة هارون الرشيد] (4) # قال إبراهيم بن إسحاق الموصلي: أخبرني أبي قال: فلما أفضت الخلافة إليه بعث إلى أم موسى (5) امرأة أخيه فخطبها، فأرسلت إليه: أو ليس قد حلفت يا أمير المؤمنين لأخيك ما حلفت؟ فأرسل إليها: إني كفرت عن يميني! فزوجته نفسها، فبينما هي ذات يوم نائمة مع الرشيد إذا انتبهت مرعوبة فزعة، فقال لها الرشيد: ما قضيتك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين! رأيت الساعة سيدي موسى الهادي أخذ بعضادة هذا الباب وهو يقول هذين البيتين: # إن الذي غرة منكن واحدة * بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور # PageV08P372 # أنت التي خنت عهدي بعد موثقة * إن لا يكن كذبت عنك الأخابير قال فقال لها الرشيد: هذا من عمل الشيطان. # قال: ثم إن الرشيد اتخذ البرامكة وجعلهم وزراءه، وأفشى إليهم أسراره وقدمهم على غيرهم. قال إسماعيل بن عزوان: كنت من منزل ثمامة بن أشرس ms1394 فسمعته يقول: لم يجتمع لخليفة قط من ولد العباس ما اجتمع للرشيد، وزراؤه البرامكة الذين لم ير مثلهم ولا جودهم وكرمهم فيمن مضى وسلف، ونديمه العباس (1) بن محمد، وحاجبه (2) الفضل بن الربيع أعظم الناس أبهة وأكمل الناس نعمة، وقاضيه أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم وجندب دهره في الحيل وأمضى أصحابه في الحكمة، وشاعره مروان بن أبي حفصة كبير دهره، ومغنيه (3) إبراهيم الموصلي، وضاربه بالعود زلزل، وزامره برصوما (4)، وأكبر من هذا قدرا وأفخر زوجته زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور التي كانت من أرغب الناس في الخير، وهي التي جاءت بالماء إلى الحرم بعد امتناعه - وغير ذلك مما لا يحصى -. # قال ثمامة بن أشرس: ولا اجتمع لاحد من بني العباس ولا غيرهم ممن مضى من الخلفاء ولا من بني أمية ولا لخلق ممن ولي الخلافة من المال ما اجتمع عند الرشيد، وذلك أنه اجتمع في خزانته بيور من المال، والبيور: ألف ألف دينار -، وهذا لا يحصى إلا أن يكتب ويحسب بعد ذلك. # تم كتاب الفتوح # PageV08P373 ### || [حكاية الامام الشافعي مع الرشيد] (1) # حدثنا أبو محمد قال: أخبرنا عبد الله بن محمد البلوي قال: حدثني عمار بن يزيد المدني قال: حدثني أحمد بن عبيد الحيري - وكان من غلبة أصحاب العلم - قال: # دخلت ذات يوم أنا ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة على الرشيد فناظرنا بين يديه ساعة، فقال الرشيد: هل تعرفان لي رجلا يقوم بصدقات اليمن أوليه ذلك؟ فقال محمد بن الحسن: بلى يا أمير المؤمنين قد وجدته. قال: ومن هو؟ قال: # محمد بن إدريس الشافعي، وهو رجل فقيه عالم، ويجمعه وإياك يا أمير المؤمنين عبد مناف بن قصي، فقال الرشيد: علي به لكي أنسبه. قال: يا أمير المؤمنين! هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن (1) عبيد بن عبد يزيد (2) بن هاشم بن المطلب (3) [بن عبد مناف -] (4) بن قصي. فقال الرشيد: # علي به! فما كان بأسرع أن أتي بالشافعي، فلما دخل وقضى حق التسليم أمره بالجلوس فجلس، ms1395 فقال: يا شافعي! فقال: لبيك يا أمير المؤمنين! فقال: كيف علمك بكتاب الله؟ فإنه أولى ما يبتدأ به، فقال: يا أمير المؤمنين! إن الله تبارك وتعالى قد جمعه في صدري وجعل ديني دفينه، فأنا أعقد عليه في كل أموري، ولكن أعلم فأي علم تريد مني يا أمير المؤمنين؟ علم بتنزيله أو علم تأويله، أم علم مكيه أو علم مدنيه، أم [علم] ليله أم علم نهاره، أم سفره أم حضره (5)، أم ناسخه # PageV08P375 # أم منسوخه، أم محكمه، أم متشابهه. قال: فتبسم أمير المؤمنين الرشيد ثم التفت إليه وقال: إن الرجل لكما وصفت إن لم تكن فيه نخوة قريش! قال: فسكت الامام الشافعي ولم يقل شيئا، فقال له الرشيد: كيف علمك بالفرائض؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما شذ علي شيء منها، وإني لأعرف حلالها وحرامها واختلافها، فقال: # وكيف علمك بالاحكام؟ فقال: يسأل أمير المؤمنين عما شاء وعن أي نوع شاء من نوع الاحكام وما اختلف فيه الاسلام، فقال: كيف علمك بالطب؟ فقال: إني لأعرف ما قالت فيه فلاسفة الهند والروم وأبقراط وجالينوس وأرسطاطاليس وغيرهم من العلماء والحكماء، قال: فكيف علمك بالنجوم؟ قال: إني لاعلم قطب الدائرة (1) ومنازل القمر والبروج كلها من المؤنث والمذكر وما يهتدي به البر والبحر، قال: # فكيف علمك‌ بالشعر؟ فقال: لقد رويت منه القديم والحديث، والجد والهزل، وما يحض‌ على المكارم والبذل، قال: فكيف علمك بالعرب؟ فقال: إني لأعرف أنساب‌ السادة الكرام والأراذل اللئام، فقال الرشيد: يا بن إدريس! لقد ادعيت من العلوم عظيما وإخالك بما ذكرت عليما، فعظ أمير المؤمنين عظة تبين له بعض‌ ما ادعيت! فقال: نعم يا أمير المؤمنين! على طرح الحشمة وترك الهيبة وقبول النصيحة وإلقاء رداء الكبرياء عن عاتقك، فقال الرشيد: ولك ذلك وأنت‌ آمن، فقل ما بدا لك! قال: فجثا الشافعي على ركبتيه بين يديه ثم قال: يا ذا الرجل! من أطال عنان الامر في العز طوى عنان الحزن في المهلة، ومن لم يبادر إلى طريق النجاة كان مقيما على قلة الاكتراث بالمرجعة إلى ms1396 الله تعالى، ومن استعمل حسن الظن فيما يحذر من المحذور كان في أمره كمثل نسج العنكبوت، وأليس الناس من بادر مطايا المراجعة إلى دار المقامة، ولو فعلت ذلك لما أنفذت إليك يد الندامة ولا الحسرات غدا في عرصات المقامة، ولو فعلت ذلك لما أنفذت إليك يد الندامة ولا الحسرات غدا في عرصات القيامة، ولكنك أتيت ‌من جلد لا يؤدى حقه إلى طليل، ومن أذن يمج الكلام مجي عن اذنك ثم أعقبك التواني والاغترار بنفسك، ولو كان لك دليل يدل على ما سقط من عيبك لشغلك ذلك عن عيب غيرك لكن ضرب عليك الهوى رواق الحيرة فتركك إذا أخرجت يدك لم تكد تراها، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور! فاتق الله أيها الرجل تقوى من يعلم أن الله عليه رقيب، ومن علم أن الله بالقيامة حسيب. قال: فدمعت عينا أمير المؤمنين الرشيد حتى بل منديله، فقال له بعض خدم الخواص: اسكت فقد أبكيت أمير المؤمنين! قال: فالتفت إليه # PageV08P376 # الشافعي مغضبا ثم قال: إليكم عني يا عبيد الرجعة! أولستم الذين باعوا أنفسهم من هذه الدنيا بطلب الشفعة! أما رأيتم من استدرج من الأمم الماضية والقرون الخالية! # أما رأيتم كيف علم مستورهم وأمطرت عليهم المنايا بالفناء فاضمحل سرورهم فأضحوا بعد خفض عيشهم ولين رفاهتهم في نسيم البطالين حصائد النعم ومدارج المتالف والنقم. قال فقال الرشيد: يا بن إدريس: لقد سللت علينا حسامك من لسانك وهو أمضى من سيفك وسنانك! فقال: يا أمير المؤمنين! هول ك إن شئت وإن قبلت. وإن شئت كففت عن ذلك! قال الرشيد: فإنا قد قبلنا موعظتك ونحن موجهوك إلى أرض اليمن لتكون على صدقاتهم، فسر على بركة الله وعونه! ولا ترفعن إلي باطلا ولا تمنعن ذا حق حقه. قال: ثم خلع عليه الرشيد وحمله وأحسن جائزنه، وأمر الكاتب أن يكتب له عهدا. # وسار الشافعي حتى دخل اليمن فأقام بها حولا كاملا، واتصل الخبر إلى الرشيد أن الشافعي يريد أن يخرج عليه علويا بأرض اليمن - وكان ms1397 الخبر باطلا، فغضب الرشيد لذلك غضبا شديدا، ثم أرسل إلى الشافعي فحمله، وحمل معه بضعة من أصحابه حتى وافوا الرشيد، قال: وبلغ الخبر إلى محمد بن الحسن [فأقبل] على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين! تأن في أمر هذا الرجل ولا تعجل عليه، فإنه فقيه الحجاز وأنا مخالف له على مذهبه، ولعل الناس يقولون أنا الذي سعيت به إلى أمير المؤمنين! قال: فزبره الرشيد زبرة وقال: اخرج من بين يدي فأنت الذي أشرت علي به، فوالله لأقتلنه قتلة ما سبقني أحد إليها. قال: فخرجت إلى الشافعي فإذا هو في سراويله وقد عري من ثيابه، فتقدمت إليه وقلت: لا ع ليك أبا عبد الله! اتق الله واتكل عليه، فإني أرجو أن يكون لك من الله فرج وأن يسلمك الله منه، فإني قد كلمته فيك فزبرني حتى اتقيته على نفسي غير أنه رجل فصيح، وأنت بحمد الله قد رزقت الفصاحة، فهيىء له كلاما تستمليه به، قال: فإني لكذلك أكلمه. إذ دعا به فأدخل، فلما رآه الرشيد قال: بسم الله الرحمن الرحيم (يايها الذين امنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهلة فتصبحوا على ما فعلتم ندمين) (1) فقال الرشيد: أوليس الكلام والامر على ما قيل فيك يا بن إدريس؟ # فقال: يا أمير المؤمنين! أوليس في الناس علوي إلا ويظن أن الناس له عبيد! فكيف أخرج رجلا يريد أن يجعلني عبدا وأغدر بسادات بني عبد المطلب وأنا منهم وهم # PageV08P377 # مني! قال: فسكن عن الرشيد غضبه، ثم قال: أستغفر الله من كل ذنب وخطيئة! # اجلس، فجلس، ثم قال الرشيد: يا غلام علي بتخت من ثياب العلماء! فأتي به فخلع عليه، ثم قال: علي بمحمد بن الحسن! وأنا من وراء الستر فدخلت فرحا مسرورا، فقال الرشيد: يا محمد! قد شهد قلبي لهذا الرجل بالصدق، فاجلس معه وناظره إلى وقت خروجي إليكما، وحلفه أن لا يرخص في يمين المكره. قال: ثم وثب الرشيد فدخل إلى قصره، قال: فأقبلت على الشافعي فقلت: يا أبا عبد الله! # من ms1398 كان في طاعة الله كان الله في حاجته. قال: فناظرته ساعة، ثم قلت: الساعة يخرج أمير المؤمنين وقد أمرني أن أحلفك أن لا ترخص في اليمين المكرهة، فقال: # وقد عزمت‌ على أن تحلفني؟ فقلت: بهذا أمرني أمير المؤمنين، فقال: يا أبا عبد الله! وأمير المؤمنين لا يعلم بيميني هذه التي حلفتها لك أنا هي يمين مكره، فقلت: # صدقت. فخرج الرشيد فوثبت قائما وقام الشافعي، فقال الرشيد: يا محمد! حلفته كما أمرتك؟ قال فقلت: يا أمير المؤمنين! إنه يزعم أنه مكره على يمينه، فضحك الرشيد، ثم قال: يا شافعي! لا ترخص في يمين المكره فإنها لازمة لك ولمن حلف بها، فقال الشافعي: نعم يا أمير المؤمنين! حاجتي النظر في أمور الرعية والقسم بالسوية، فقال الرشيد: ومن يطيق ذلك يا بن إدريس؟ فقال: يطيق ذلك من تسمى باسمك واستعد إلى موضعك، قال الرشيد: ثم ماذا؟ قال: انظر لجيران رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الرشيد: وما أصنع بهم؟ قال: تغمر الفقير وتحسن الصنيعة إلى أولاده وأولاد أصحابه، قال الرشيد: أفعل ذلك يا غلام! احمل إلى المدينة ثلاثمائة ألف درهم وفرق عليهم، وإلى أهل مكة مثل ذلك. ثم التفت إلى محمد بن الحسن فقال: هل ناظرته بشيء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين! قد جرت بيني وبينه مناظرة. قال: فناظره بين يدي حتى أسمع، فأقبل عليه محمد بن الحسن فقال: أبا عبد الله! ما تقول في رجل تزوج امرأة ودخل بها، وتزوج ثانية ولم يدخل بها، وتزوج ثالثة ودخل بها، وتزوج رابعة ولم يدخل بها، ثم أصاب الثانية أم الأولى، وأصاب الرابعة عمة الثالثة؟ فقال الشافعي: أما الثانية فلا يدخل بها لقول الله عز وجل (فإن لم تكونوا دخلتم بهن) (1) وقد دخل بابنتها فحرم عليه الدخول # PageV08P378 # بأمها (2)، وأما الرابعة فلا يدخل بها قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يتزوج الرجل المرأة على عمتها وعلى خالتها. ثم أقبل عليه الشافعي وقال: ما تقول رحمك الله أبا عبد الله! كيف استقبل النبي صلى الله ms1399 عليه وسلم يوم النحر وكيف كبر؟ قال: فتقنع محمد بن الحسن ولم يكن عنده من ذلك جواب، فقال الشافعي: يا أمير المؤمنين! يسألني عن الاحكام فأجيبه، وأسأله عن سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبني، فقال الرشيد: قد كان ذلك. ثم قال: يا غلام! بدرة تحمل إلى منزل الشافعي! ثم أقبل عليه الرشيد وقال: إذا شئت فانصرف! قال: فانصرف الشافعي إلى منزله غانما سالما مؤيدا من ربه - رحمة الله ورضوانه عليه -. ### || وأيضا خبر الشافعي - رحمة الله عليه - # حدثنا أبو محمد قال: أخبرنا بعض أهل العلم قال: سمعت أبا العباس يقول - وهو محمد بن يزيد المبرد اليماني البصري - قال: كان الشافعي - رحمه الله - من أشعر الناس، قال: فأخبرني الربيع بن سليمان أن الشافعي نعى إليه بعض إخوانه فحزن عليه حزنا شديدا وحضر جنازته، فلما صلى عليه ودفن التفت إلى ابن أخيه فأنشأ يقول هذه الأبيات: # إني أعزيك لا أني على طمع * من الحياة ولكن سنة الدين فما المعزي بباق بعد صاحبه * ولا المعزى وإن عاشا إلى حين وقال: إن الشافعي دخل أرض مصر في سنة مائتين، فأقام بها أربعين سنين كوامل ثم توفي بها (2)، فقبره يقال له: المعظم - والله أعلم - وقد ذكر ذلك محمد بن إبراهيم البوشنجي في قصيدة له يرثي بها الشافعي ويذكر فيها بضعة عشر رجلا من أجلاء أصحابه وبمن كان يقول معه بقوله ويميل إليه ويناضل عنه، منهم: # أبو عبد الله أحمد بن حنبل، وأحمد بن سنان (3) القطان، وإسماعيل بن يحيى # PageV08P379 # أبو المزني (1)، وعبد الله بن الزبير الحميدي، والحسن بن محمد بن الصباح (2) الزعفراني، والربيع بن سليمان المرادي (3) و (4) يوسف بن يحيى (4) البويطي، وأبو ثور إبراهيم بن خالد البغدادي، و (5) أحمد بن صالح (5) المصري، وعبد الله بن صالح الكاتب، والليث بن سعد، وأحمد بن عقيل الحجازي، والحارث بن مسكين صاحب مسائل مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي المروزي، وأبو عبيد (6) القاسم بن سلام (7)، فهؤلاء ممن ms1400 قد ذكرهم محمد بن إبراهيم البوشنجي (8) في شعره. ### || ثم رجعنا إلى أخبار الرشيد بن المهدي رضي الله عنه # قال: ثم عقد الرشيد للفضل بن يحيى البرمكي عقدا وولاه أذربيجان وإرمينية، فخرج إليها الفضل في جيش عظيم حتى نزل برذعة، ثم خرج منها إلى مدينة الباب والأبواب، ثم خرج منها عازما إلى قلعة يقال لها حمزين، فحارب أهلها فلم يظفر منهم بشيء، وأقبل راجعا حتى صار إلى مدينة برذعة فأقام بها مدة يسيرة، ثم دعا برجل يقال له (9) عمر بن أيوب الكناني (9) فاستخلفه على عمله ومضى إلى العراق، ثم نزل (9) عمر بن أيوب الكناني (9) وولى مكانه أبا الصباح مولى الأشعريين. قال: وجعل أبو الصباح يجور على أهل إرمينية، فوثب عليه أهل برذعة فقتلوه وأقعدوا مكانه سعيد بن (10) محمد اللهبي. # PageV08P380 ### || ذكر أبي مسلم الشاري وخروجه على الرشيد # قال: وخرج أبو مسلم الشاري على الرشيد وكان خروجه من مدينة البيلقان. # فوجه إليه الرشيد برجل يقال له إسحاق بن مسلم العقيلي في خمسة آلاف فارس من أهل العراق، وبلغ ذلك أبا مسلم الشاري فزحف إلى إسحاق بن مسلم، حتى إذا وافاه بمدينة ورثان فالتقى القوم هنالك فاقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الدائرة على إسحاق بن مسلم صاحب الرشيد فانهزم من بين يدي أبي مسلم الشاري هزيمة قبيحة. وبلغ ذلك الرشيد فبعث إليه برجل يقال له العباس بن جرير بن خالد القسري (1) فهزمه أبو مسلم الشاري أيضا، فوجه إليه الرشيد برجل يقال له معدان (2) الحمصي فقتله أبو مسلم الشاري، ثم سار من موضعه ذلك إلى مدينة من مدائن إرمينية يقال له القسوى (3)، فأخذها وجبى خراجها وفرقه على أصحابه، ثم سار منها إلى مدينة دبيل من بلاد إرمينية، فحاصرها أربعة أشهر فلم يقدر عليها، فأقبل راجعا إلى بلاد السجستان حتى صار إلى البيلقان فنزلها، ثم جعل يغير على البلاد ميمنة وميسرة فيقتل ويحرق وينهب. # قال: وبلغ ذلك الرشيد فوجه إليه ثلاث عساكر ثلاثين ألفا، منهم يحيى الحرشي (4) في عشرة آلاف ويزيد بن مزيد (5) الشيباني في عشرة آلاف. ms1401 قال: فأقبل يحيى الحرشي (5) في عشرة آلاف على طريق الجزيرة. قال: فأقبلت هذه العساكر من كل جانب، فمات قبل أن توافيه العساكر. # قال: فلما مات أبو مسلم الشاري قام بعده السكن بن موسى بن حيان البيلقاني، فخرج من مدينة البيلقان يريد لقاء يحيى الحرشي (6) فلقيه ببلاد أذربيجان فقاتله هنالك، ثم انهزم السكن بن موسى وأخذ ابنه يقال له الخليل أسيرا، ومضى السكن بن موسى فيمن معه من الشراة يريد محاربة يزيد بن مزيد (7) الشيباني فاستأمن # PageV08P381 # إليه فأمنه يزيد بن مزيد (1) وأصحابه. قال: وعزل الرشيد جميع من كان بإرمينية وأذربيجان، دعا سعيد بن سلم (2) ابن قتيبة فولاه البلاد جميعها. ### || ذكر ولاية سعيد بن سلم بلاد إرمينية وما نزل بالمسلمين منه في ولايته قال: فأقبل سعيد بن سل حتى نزل مدينة برذعة، ثم دعا برجل يقال له نصر بن عنان فولاه مدينة الباب والأبواب. قال: فأقبل نصر بن عنان حتى نزل مدينة الباب والأبواب وبالباب يومئذ رجل يقال له النجم بن هاشم (3)، فأرسل إليه سعيد بن سلم رجلا يقال له الحارث مولى الفضل بن يحيى البرمكي إلى مدينة الباب ليجبي خراجها، قال: فقام أهل المدينة إلى نصر بن عنان فقالوا: أيها الأمير! إن مدينتنا هذه لم يؤخذ منها خراج قط لأنها في نحر العدو وأهلها يحاربون الخزر والأمير سعيد بن سلم (4) قد وجه الحارث مولى الفضل بن يحيى البرمكي ليأخذ خراجنا فاكتب إليه كتابا في ذلك. فقال نصر بن عنان: إذا لا أكتب إليه كتابا في ذلك والرأي عندي أنكم تؤدون خراجكم، فإن أمير المؤمنين الرشيد لا يحتمل لاحد كثير الخراج! قال: فسكتوا عنه وخرجوا من عنده وصاروا إلى حيون (5) بن النجم بن هاشم فاستشاروا في ذلك، فقال حيون: إن صاحب الخراج بعد ما وافاكم. فإذا تقارب منكم ومن أرضكم فذروني وإياه. # قال: وأقبل الحارث الفضل بن يحيى يريد مدينة الباب والأبواب ليأخذوا إليه خراجها، فخرجوا إليه في جماعة من أصحابه فحاربه وقتل من أصحابه من قتل، وأخذ ما كان معه من ms1402 خيل ودواب وأثقال ولم يتركه يدنو من المدينة. # قال: فكتب الحارثي مولى الفضل بن يحيى كتابا إلى سعيد بن سلم فخبره بذلك، فلما قرأ سعيد الكتاب أرسل النجم بن هاشم فخبره بما فعل ابنه حيون بصاحب الخراج. قال: فحلف النجم بن هاشم أنه لا يعلم بشيء من ذلك. قال: # PageV08P382 # فغضب سعيد بن سلم ثم عمد إلى النجم بن هاشم فقيده وحبسه في سجن برذعة. # وبلغ ذلك حيون بن النجم فوثب على نصر بن عنان فحبسه كما حبس أباه ببرذعة. # قال: وبلغ ذلك سعيد بن سلم فدعا بالنجم بن هاشم وضرب عنقه ووجه برأسه إلى ابنه حيون بن النجم، قال: فوثب حيون بن النجم على نصر بن عنان العامل فأخرجه من السجن وضرب عنقه وبعث برأسه إلى سعيد بن سلم. # قال: فاشتد غضب سعيد بن سلم من ذلك، ثم نادى في أصحابه وخرج من مدينة برذعة في عسكر لجب يريد محاربة حيون بن النجم. قال: وبلغ ذلك حيون. # فأرسل إلى خاقان ملك الخزر بهدايا قيمتها مائة ألف درهم، وكتب إليه يسأله أن يصير إليه حتى يغنمه بلاد الاسلام. قال: وأقبل خاقان في أربعين ألف فارس من الخزر والطراخنة إلى مدينة الباب والأبواب ليأخذوها وينفذوا إلى بلاد الاسلام. فقام أهل المدينة إلى حيون بن النجم فقالوا: أيها الأمير! الله الله فينا! فإنه إن يدخل خاقان ملك الخزر مع جيشه إلى مدينتنا هذه فقد هلكنا وهلكت معنا، فقال حيون: # صدقتم لا عليكم استقروا في مدينتكم أنتم، ثم أقبل خاقان ملك الخزر إلى حيون بن النجم، فقال: أيها الأمير! مرني بأمرك! فقال حيون: أيها الملك! ناد في أصحابك أن يتبعوني، ثم جاء بهم حيون بن النجم إلى جانب الصور من ناحية الأبواب فهدموا منه فجة، وتقدموا إلى بلاد الاسلام (1). قال: وكان سعيد بن سلم ومن معه قد تقاربوا إلى مدينة الباب والأبواب، فلما بلغه ذلك ولى هاربا بين يدي الخزر حتى صار إلى برذعة. قال: ووقع خاقان وأصحابه في بلاد الاسلام فقتلوا من المسلمين ms1403 مقتلة عظيمة وسبوا منهم مائة ألف ما بين رجل وامرأة وصبي، ثم انصرفوا إلى بلادهم (2)، وانصرف حيون بن النجم إلى مدينة الباب والأبواب. # قال: وبلغ ذلك الرشيد فاغتم غما شديدا لما قد نزل بالمسلمين، ثم أرسل إلى سعيد وعزله عن البلاد، وولى مكانه علي بن عيسى بن ماهان (3) فلم يقم بأمر البلاد كما يحب. فعزله الرشيد وولى مكانه يزيد بن مزيد (4) الشيباني، فأقبل يزيد # PageV08P383 # حتى دخل إرمينية، فنزل مدينة برذعة وأمن الأسود والأبيض وسكن الناس، ثم بعث إلى الحارث مولى الفضل بن يحيى ومن كان معه من شيعة سعيد بن سلم فكبلهم بالحديد وحملهم إلى الرشيد، ثم إنه كتب إلى أهل الأبواب وأعطاهم الرضى وأصلح البلاد، فأحبه الصغير والكبير، ولم يزل مقيما ببرذعة إلى أن أدركه الموت فمات بها، فولى مكانه أسد بن يزيد، ثم عزله أيضا وولى مكانه خزيمة بن خازم التميمي. قال: فأقبل خزيمة بن خازم حتى نزل برذعة فأصلح أمور الناس. ثم صار إلى الأبواب فحمل الفساق والدعار ومن لا خير فيه إلى باب الرشيد، وأقام خزيمة بن خازم في إرمينية ولم يزل مقيما فيها والناس عنه را ضون وقد أصلح أحوالهم. ### || ذكر أخبار الرشيد التي كانت منه في آخر عمره # قال بكر بن إسماعيل بن عروان: كان الرشيد خليفة يحب أن يسمع الاخبار الحسنة والاخبار الغريبة ويقتدي بأهل الاخبار من الملوك والأئمة من قبله، فأرسل إلى بعض الشعراء ذات يوم فدعاه - وأظنه سلم (1) الخاسر أو غيره، فقال: ويحك يا فلان! من الذي يقول هذه الأبيات: # وكنت إذا حاولت أمرا رميته * بجرمى حتى يبلغا منتهاهما وكنت إذا ما استصعب الألف والنوى * علي فله نصان (2) جميعا هواهما عمدت إلى (3) دار المغبة منهما * وخليت نفسي من طلاب سداهما قال فقال له الشاعر: يا أمير المؤمنين! هذا لشماخ بن ضرار (4) فقال الرشيد: # قاتله الله ما أرصن قوله وأتقن شعره. قال: ثم أمسك ساعة وأرسل إلى الأصمعي فدعاه وسأله عن هذه الأبيات. قال: فأنشده الأصمعي عن آخرها، قال الأصمعي فقال الرشيد: ms1404 أحسنت اجلس! فجلست وهو ساكت عني لا يتكلم بشيء. وقد أزق وقلق قلقا شديدا، فجعل يقعد مرة ويتكئ أخرى، ثم أنشأ يقول أبياتا مطلعها: # PageV08P384 # إذا عزمت على أمر بعاجله * إن الرشيد الذي بالامر يعتصم إلى آخرها (1). # قال: ثم رفع الرشيد رأسه إلى خادم له فقال: علي بأبي الفضل (2) جعفر بن يحيى! فمضى الخادم إليه فأتى به. فلما دخل وسلم وأخذ مجلسه قال: يا أبا الفضل! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات من غير وصية والاسلام جذع وكلمة العرب مجتمعة، فاجتمع الناس على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فما لبث أن ارتد عامة العرب واختلف أكثرهم، فقاتل بمسلمها مرتدها. وقهر بمطيعها عاصيها، وإن أبا بكر رضي الله عنه جعل الامر إلى عمر فسلمت له (3) العرب شورى، فكان ما قد بلغك من أكثره والأمور التي قد عدلت الأمة عن جهاتها وصارت هذه الأمور إلى غير أهلها وولاتها، وقد عنيت بصحيح (4) هذه الأمور وتولية هذا العهد، وقد أحببت أن يكون هذا الامر فيمن أرضى سيرته وأحمد طريقته، وبنو هاشم ما تكون إلى ابني محمد بأهوائهم وفيه ما فيهم (5) من الانقياد لهواه، والتبذير (6) لما حوت يداه، (7) ومشاركة النساء والإماء في رأيه (7)، وابني عبد الله المرضي الطريقة الأصيل الرأي الموثوق (8) به في كل الأمور، فإن أنا ملت إلى ابني عبد الله أسخطت بني هاشم، وإن أفردت ابني محمدا بهذا الامر لن آمن تخليط الرعية وضعفه عن سياستها، وقد دعوتك لهذا الامر فأشر علي بمشورة يعم فضلها أو نفعها لأنك مبارك الرأي حسن الروية. قال فقال جعفر بن يحيى (9): يا أمير المؤمنين! إن كل زلة مستقالة إلا هذا # PageV08P385 # العهد، فإن الزلة فيه لا تدرك (1)، والخطر (2) فيه غير مأمون، والنظر في هذا الامر روية ومجلس غير هذا. قال الأصمعي: فعلمت أنه يريد الخلو، فوثبت وخرجت من المجلس. فلم يزالا في مناجاة ومناظرة إلى أن مضى من الليل أكثره، ثم افترقا على ما اجتمعا عليه من الخلافة وأنها تكون من بعده لابنه محمد ابن زبيدة، ms1405 ومن بعد محمد لابنه عبد الله. # قال: وبلغ الخبر محمدا فأقبل حتى دخل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين! إنك كنت وعدتني أن تعقد لي هذه البيعة وولاية العهد، لما رجوت في ذلك أن يكون الخيرة لأمير المؤمنين أبقاه الله أن يشرك معي أخي عبد الله في أمري من غير أن يبلو مني شيئا أصنعه ولا وهنا عن حرمة ولا ضعفا عن جهاد، وأخي عبد الله عندي كبعض إخوتي أرى له ما لهم وأحفظ له ما أحفظ لهم، ولو لم يكن أمير المؤمنين أبقاه الله ينظر في ذلك! فقال له الرشيد: يا ابني! قد سمعت كلامك ولا آمن عليكما حول الزمان ومشي الناس إليكما وتفريق كلمتكما، فلا تعاودني في مثل هذا الامر. قال: فأمسك محمد وعلم أنه لا سبيل لمراجعته. # قال: وبلغ ذلك زبيدة فأقبلت حتى دخلت على الرشيد فقالت (3): والله ما أنصفت ابني محمدا! وليته العراق فأعريته (4) من العدد والقواد، ووليت عبد الله الجبال وبلاد خراسان وجعلت له الأموال والسلاح والقواد، فقال لها الرشيد: وما أنت وتمييز الاعمال (5)! ومع هذا فإني أتخوف ابنك على عبد الله ولا أتخوف عبد الله على ابنك! قال: فسكتت زبيدة وانصرفت إلى منزلها. ### || وهذه أخبار حسان من أخبار الرشيد # كتبتها عن بعض‌ أهل الأدب وألحقتها بكتابك لتنظر فيها فإنها أخبار منتخبة. # قال أبو عبد الله البجلي: حدثني يحيى بن زكريا النحوي قال: حدثني # PageV08P386 # علي بن حمزة الكسائي قال (1): دخلت على أمير المؤمنين الرشيد بعد ثلاث عشرة سنة من خلافته، فلما قضيت حق التسليم أمرني بالجلوس فقال: يا علي! فقلت: # لبيك يا أمير المؤمنين! فقال: ألا تحب أن ترى عبد الله ومحمدا؟ فقلت: ما أشوقني إلى معاينة ذلك! قال: فأمر بعض الخدم بإحضارهما، قال: فأقبلا كأنهما كوكبا وقد غضا أبصارهما وقاربا بخطوهما حتى وقفا على باب المجلس ثم سلما على [أبيهما] (2) بالخلافة ودعوا له بأحسن دعاء وألطفه. # فأمرهما بالدنو منه، ثم أمرني أن استقرئهما بأبواب من النحو، فما سألتهما عن شيء إلا وأحسنا الجواب والخروج ms1406 منه، فسر الرشيد بذلك سرورا شديدا، فقال: يا علي! كيف ترى مذهبهما وجوابهما؟ فقلت: إن أذن لي أمير المؤمنين قلت! فقال: قل ما تشاء، فأنشأت هذه الأبيات: # أرى قمري أفق وفرعي بشامة (3) * يزينها فرع (4) كريم ومحتد سليلي أمير المؤمنين وحائزي * مواريث ما أبقى الأمين محمد يجزان أعناق النفاق بسلمة * فودهما عضب وحزم مهند قال ثم قلت: يا أمير المؤمنين! هما فرعان زكي أصلهما، وطاب (5) مغرسهما، فمتع الله أمير المؤمنين بهما وآنس جميع الأمة ببقائه وبقائهما! # ثم قلت لهما: هل ترويان شيئا من الشعر؟ # فقالا: نعم. فاستنشدتهما، فأنشدني محمد هذه الأبيات: # وإني لعف الفقر مشترك الغنى * وتارك شكل (6) لا يوافقه شكلي وشكلي شكل لا يقوم لمثله * من الناس إلا كل ذي سعة مثلي ولي نيقة في البذل والمجد لم يكبر * تأنقها فيما مضى (7) أحد قبلي # PageV08P387 # وأجعل مالي دون عرضي جنة * لنفسي (1) وأستغني (2) بما كان من فضلي قال: ثم أنشد عبد الله هذه الأبيات يقول: # بكرت تلومك مطلع الفجر * ولقد تلوم بغير ما تدري ما إن جعلت بها وقد عتيت * أن لا تحكم طائعا أمري ملك الأمور علي مقتدر * يعطي إذا ما شاء (3) من يسر ولرب مغتبط تمد له (4) * ومفجع (5) بنوائب الدهر ومكاشح لي قد مددت له * نحرا بلا ضرع ولا غمر حتى يقول لنفسه لهف * في أي مذهب غاية أجري ويرى قناتي حين يغمزها (6) * غمز الثقاف بطيئة الكسر (7) قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! ما رأيت أحدا من أبناء الخلافة (8) ومن معادن النبوة كأغصان هذه الشجرة الزاكية ولا أحسن ألفاظا ولا أشد اقتدارا منهما على (9) ما قد تحفظا ورويا، فأسأل الله أن يزيد [بهما] الاسلام تأييدا وعزا، وأن يدخل بهما على أهل الترك قال: فأمن الرشيد على دعائي ثم قبضهما إلى أن رأيت دموعه تجري على صدره، ثم أمرهما فذهبا. # وأقبل علينا وقال: كأنكما بهما وقد (10) طلع نجم السماء ونزل مقادير السماء، وبلغ الكتاب أجله، وانتهى الامر إلى وقته، وقد تشتت أمراهما واختلفت كلمتاهما وأظهرت عداوتهما وانقطعت قرائن الرحمة والرأفة منهما، حتى ms1407 تسفك بينهما الدماء وتهتك بهما ستور النساء ويكثر بينهما القتلى ويتمنى كثير من الاحياء أنهما كانا بمنزلة # PageV08P388 # فقلت: يا أمير المؤمنين! هذا الخبر في مولدهما أو أمر وقع لأمير المؤمنين في أمرهما؟ فقال: بل بأثر واحد حملته العلماء عن الأوصياء. والأوصياء حملوه عن الأنبياء عليهم السلام. ### || وهذا خبر آخر حسن # قال الهيثم بن عدي: أخبرني خلف الأحمر النحوي (1): قال بعث أمير المؤمنين هارون الرشيد لتهذيب (2) ابنه محمد، فلما دخلت عليه قال: يا أحمر! إن أمير المؤمنين دفع إليك مهجة قلبه وثمرة فؤاده (3) وجعل يدك فيه مبسوطة ومقالتك فيه مصدقة. فكن له بحيث وضعك فيه أمير المؤمنين، أقرئه القرآن وروه الشعر وفهمه السنن وعلمه الفرائض وبصره مواضع الكلام، ومره بالرزانة والاقتصاد في نظره، وامنعه الضحك إلا في وقته، وجده (4) بتعظيم بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه (5) قال فقلت: نعم يا أمير المؤمنين! لا أتعدى أمرك فيه وأكون له على ما أمرتني. # قال: وكنت كثيرا ما أشد عليه في التأديب وأمنعه الساعات التي يتفرغ فيها للعب، فشكى ذلك إلى خالصة جارية زبيدة. قال: فجاءتني خالصة ذات يوم برسالة من أمه زبيدة بالكف عنه وأن أجعل له وقتا يرتع فيه، قال: فقلت لها: إن أمير المؤمنين في عظم قدره لا يحتمل على التقصير ولا يرضى منه بالزلل والمنطق والجهل بشرائع الدين والسنن والغفلة عن الأمور التي فيها قوام السلطان وإحكام سياسة الرعية. فقالت خالصة: صدقت يا أحمر! غير أنها والدة ولا تملك نفسها ولا تقدر على كف إشفاقها عليه. ### || خبر خالصة وحديثها للأحمر # فقالت خالصة: يا أحمر! حدثتني السيدة زبيدة بنت جعفر بن المنصور أنها # PageV08P389 # رأت (1) في الليلة التي حملت بمحمد كأن ثلاث نسوة قد أقبلن فوصلن إليها، فقعد ثنتان عن يمينها وواحدة عن شمالها فأمرت واحدة منهن يدها على بطنها وقالت: # ملك جزل، عظيم البذل، ثقيل الحمل، نكد الفعل، فقالت الأخرى (2): ملك غمر، قصير العمر، سليم الصدر، منهتك الستر، وقالت الأخرى: ملك قصاف، عظيم الاتلاف (3)، قليل الانصاف، ms1408 كثير الخلاف. قالت زبيدة: فانتبهت وأنا فزعة مرعوبة لما رأيت، فلم أر هؤلاء النسوة حتى كانت الليلة التي وضعت فيها فأتينني في منامي في الزي الذي رأيتهن فيه، فقعدن عنده واطلعن في وجهه. ثم قالت واحدة منهن: شجرة نضرة (4)، وريحانة خضرة، وروضة زاهرة، [ثم قالت الثانية: عين غدقة] (5) قليل بقاءها سريع فناءها، عجل ذهابها، فقالت الأخرى: سفيه عارم، طلاب المغارم، جري على العظائم، جسور على المآثم، فقالت الأخرى: عدو لنفسه، وضعيف [في -] (6) بطشه، سريع [إلى -] (6) غشه. قالت زبيدة: # فانتبهت مرعوبة وقلت: لعل هذا مما يطرق النائم، حتى إذا تم رضاعه أتين ثلاثتهن كما رأيتهن حتى قعدن عند رأسه، فقالت واحدة منهن: ملك جبار، متلاف غدار (7)، بعيد الآثار، كثير العثار، قالت الأخرى: ملك (8) مخصوم، محارب مهزوم، راغب محروم، سقيم منهوم (9)، قالت الأخرى (10): احفروا قبره، هيئوا أمره، وقربوا الكنانة، شقوا أكفانه، فإن موته خير من حياته. # ثم قالت خالصة: ويحك يا أحمر! وقد بعثت السيدة زبيدة إلى المنجمين ومن يبصر تعبير الرؤيا فقصت عليهم رؤياها، فكانوا يبشرونها بطول عمره ويعدونها ببقائه، وقلبها كثير الحذر عليه لما رأت في منامها. قال: ثم بكت خالصة # PageV08P390 # وقالت (1): ويحك يا أحمر! وهل يدفع الاشفاق والحذار! وهل يمنع الاحتراز واقع القدر! هل يقدر الحاذر أن يدفع عن أحبابه [الاجل] (2). ### || وهذا خبر حسن # قال: وقال عثمان بن سليم: حدثني العباس بن الفضل قال: كان أمير المؤمنين الرشيد قد جعل ابنه محمدا في حجر الفضل بن يحيى وأمره أن يبالغ في أمره وتأديبه وأن يدخل العلماء والفقهاء عليه. قال: فسمعت الفضل بن يحيى ذات يوم يقول الهيثم بن بشير الواسطي إذا دخلت اليوم فأقسم على ولي العهد محمد الأمين فليكن أكثر ما تحدثه به عن سفك الدماء، فإني أحب أن يشرب الله قلبه للذمة لها وأن يلهمه للعفاف عن سفكها، فإني خبرني بعض العلماء عن عامة من روى الحديث وطلب العلم أنهم وجدوا في مأثور رواياتهم والكتب التي يتدارسونها على أئمتهم أن الأمير الذي ينشر العدل ويحيي به السنة ms1409 ويميت به الجور، فإن الله تبارك وتعالى قد جمع فيه اسمي نبيه صلى الله عليه وسلم اسمين معظمين محمدا وأمينا، لان قريشا كانت تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمينا قبل أن ينزل الوحي. قال: فكان الرشيد قد ألزم العناية بابنه محمد خاصة حتى كان يفتقده في أحواله، ثم إنه وضع عليه العيون ليأتوه بأخباره وأخبار من يسامره من بني هاشم أهل من أهل الأدب وغيرهم، قال: فاجتمع ذات يوم عند محمد الأمين فلم يشعر إلا بحركة وطء أمير المؤمنين فجلس على سرير كان في صدر الدار، ثم أقبل على محمد فقال: يا حبيبي! ما لي لا أرى عندك إلا مواليك! قال: ثم سار بيده إلى ابن أم عبيدة، فقام حتى وقف بين يديه، فقال: # هل تروي شيئا من الشعر؟ قال: نعم، هذه الأبيات: # كأن فاها لم يؤنسها في * ليلتها موهنا ولم ينم بيضاء من بني حشوم * بيضاء من سحب ما بالعلم دع عنك سلمى إذ فات مطلبها * واذكر خليلتك من بني الحكم ما أعطياني إلا سألتهما * ألا وإني لحاجري كرم إلى متى لم تكن عطيته * عندي بما قد فعلت محتشم قال: فصاح الرشيد: اسكت يا بن الخنا! فوالله إن حمقك لشبيه بحمق # PageV08P391 # أبيك! قال: ثم أمر سعيد بن جابر بالقيام إليه واستنشده، فأنشد سعيد بن جابر هذه الأبيات: # لا أرى مثل ابن بشر لازمة * أناخت ولا ضيف من الناس نازل إليك ابن بشر عادة يتبعنها * تباري رؤوس اليعملات الزوائل ولم يك من ماض من الناس مثله * ولا ما يرجى في بطون الحوامل ولكن حواها من سماطيط عادة * خلال الأعادي دارس غير مائل فورثها بشرا بنيه فأصبحت * لهم نفلا من طيبات الأوائل قال فقال الرشيد: والله ما عديت عقل من آذاك. قال العباس‌ بن الفضل: ثم أمرني بالقيام فقمت على هيبة حتى وقفت بين يديه فقال: أنشدني! فأنشدته هذه الأبيات: # تسربل هارون الخلافة فالتقت * عليه عراها واستهلت فصولها إذا أمة الاسلام ألقت قناعها * بدارجة الاحداث بان مخيلها فحلى بها ms1410 هارون والناس بعده * لماضية الاحكام سهل سبيلها مكائد ترميهم بنيل مكانها * سهام المنايا في يديه سحيلها قال: فالتفت الرشيد إلى ابنه محمد وقال: يا بني! إذا استخدمت أحدا فاستخدم أهل العقل والأدب فإنك إن استخدمتهم سروك، وإن استعنتهم أعانوك. # قال العباس بن الفضل: والله ما زلت أتعرف قدري عند الأمير من ذلك اليوم إلى أن فرق الموت بيننا. ### || ثم رجعنا إلى الخبر الأول من أمر الرشيد وابنيه محمد وعبد الله # قال: ثم إن الرشيد عزم بعد ذلك على الحج لكي يأخذ البيعة لأولاده جميعا محمد وعبد الله في جماعة ممن يحضر الموسم، فحج بالناس في سنة [ست و -] (1) ثمانين ومائة، فلما صار بالكوفة أمر لهم بعطاءين، فلما دخل إلى المدينة أمر لهم ثلاثة أعطية (2)، فلما صار إلى مكة فرق الجوائز والصلات بها، ثم إنه أخذ البيعة لمحمد وعبد الله عند البيت الحرام، قال: ثم إن الرشيد استخلفهما من بعد # PageV08P392 # بحضرة أهل الموسم وبني هاشم وسائر قريش. فقال شيخ من بني هاشم: يا أمير المؤمنين! هذا ابنك محمد ولي عهدك من بعدك، وهذا أخوه عبد الله من بعده، فما بال ابنك القاسم؟ قال: فتبسم الرشيد ثم قال: يا شيخ! فهل سمعت فيه بشيء؟ # فقال: أما بعينه فلا، ولكنني سمعت ابن أخي الزهري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # يا بن عباس! الثالث من ولد العباس من ولدك يملك الأرض، ويركب الحمار، ويلبس الصوف، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويظهر العدل. قال: فسر الرشيد بذلك سرورا شديدا ثم لم يبرح حتى جعل [القاسم] (1) أيضا ولي العهد من بعد إخوته وسماه المؤتمن، فكان محمد الأمين وعبد الله المأمون والقاسم المؤتمن. # ثم كتب بذلك كتابا مؤكدا (2)، وأشهد أهل الموسم على ما كتب، وأفرد ابنه محمدا بالامر، وجعل عبد الله من بعده. # ثم انصرف إلى العراق فدعا بابنه المأمون وعقد له عقدا بيده وولاه من باب الري إلى أقصى خراسان وسجستان، وأفرده بها في حياته وبعد موته، وأخذ على ابنه العهود والمواثيق أنه لا ms1411 يعزله عنها ولا يبعث إليه كتابا، وكتب أيضا له بالعراق كتابا مؤكدا وثيقا على محمد وعبد الله، وأمر المأمون له بالسمع والطاعة لأخيه الأمين، وأن يملك منهما صاحبه بما يحتاج إليه من خيل ورجل عند حاجته إليه، وضم إليه قواد معروفون هرثمة بن أعين والوليد بن المسيب وعبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وغيرهم من القواد، ثم إنه قسم بينهم الأموال والسلاح وأخذ عليهما العهود والمواثيق بالوفاء بما شرطا على أنفسهما (3). وفي تلك السنة قتل جعفر بن يحيى البرمكي، وقد أعيا قتله من حضر فكيف من غاب. ### || ذكر خبر الأصمعي في قتل جعفر ابن يحيى البرمكي # قال العباس بن الفضل: سمعت الأصمعي يقول (4): بعث إلي الرشيد في ليلة # PageV08P393 # يرتاب فيها البريء، فأردت الدخول عليه فمنعت من ذلك وأجلت فدخلني من ذلك رعب شديد، وجعلت أتذكر ذنبا فلا أجده، فلما دخلت عليه سلمت وهو رام بجهمته على قضيب كان في يده، فرفع رأسه إلي وقال: يا عبد الملك! من الذي يقول هذه الأبيات: # لو أن جعفر خاف (1) أسباب الورى * لنجا بمهجته طمر ملجم (2) ولكان من حذر المنون بحيث لا يربو اللحاق به العقاب القشعم (3) لكنه لما تقارب يومه (4) * لم يدفع الحدثان منه منجم قال فقلت: لا أعرف هذه الأبيات، قال: فالتفت إذا إلى ورائك! هل تعرف هذا الرأس؟ فإذا بطشت من فضة وفيه رأس جعفر بن يحيى البرمكي، فقلت: والله لا أعرف هذا الرأس رأس من في هذا الوقت، فقال: بلى هو رأس من كنا في ذكره، والله ما قتلته حتى استخرت الله تعالى فيه مرارا. قال: فخرجت من عنده وقد أفرج روعي حتى صرت إلى منزلي وعلمت أن الأبيات التي أنشدها له لا لغيره. # قال: فلما كان من الغد نظرت إلى الناس يتعادون إلى خشبة وعليها جثة. # قال: فقال إسماعيل بن غزوان: حدثني أبو عبد الله المروزي - وكان متولي أمر الأسواق - قال: لما قتل جعفر بن يحيى لم يترك أحد من البرامكة إلا أخذه واستوثق منهم بالحديد وحبسهم، ثم ms1412 إنه مضى إلى الري فأقام بها ما شاء الله أن يقيم، ثم إنه ولى على كور خراسان من أراد من القواد وولى علي بن عيسى على جميع الامراء وجعله خليفة للمأمون، ثم انصرف راجعا يريد العراق فأدركه الأضحى في الطريق فنزل وضحى في موضع يقال له قصر اللصوص، ثم رحل من هنالك حتى صار إلى بغداد، فلما بلغ الجسر نظر إلى جعفر بن يحيى على خشبة فأمر بإحراقه فأحرق، فأقام بها ما أحب الله أن يقيم، ثم إنه مضى يريد الرقة وقد حمل معه يحيى بن خالد وابنه الفضل وموسى ومحمدا أخوي الفضل. قال: فبينما هو يسير ذات ليلة مقمرة # PageV08P394 # باردة فقال: علي بالفضل بن يحيى الساعة! قال: وكان الفضل عديل أبيه يحيى في المحل، فلما دعا به أيس من الحياة وأيس الناس منه، ثم أنزل وعليه قميص رقيق ودراعة طاق فحمل على بغلة، وقد أوقفت عمارية الرشيد، فتقدم إليه الفضل على البغل، فقال له الرشيد: يا فضل! فقال: لبيك يا أمير المؤمنين! فقال: ادن مني! قال: فدنا منه، فقال: هات يدك! فمد يده، فوضع الرشيد في يده درهما واحدا (1)، ثم قال: إني كنت قد حلفت أفقرك حتى تحتاج إلى درهم، فقال الفضل: فقد بر الله قسم أمير المؤمنين! قال: وفر الرشيد كلامه لا يرتفع، فعلم أن ذلك من البرد فجعل عليه دراعة كانت عليه مبطنة فلبسها، قال: ثم أمر بفك‌ قيوده ورده إلى محله، ثم سار حتى دخل الرقة فنزلها. وبعثت أم الفضل بن يحيى إلى مسرور الخادم فدعته، ثم قالت: إني عندي شيئا أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين ولا ينظر إليه غيره. قال: فأقبل مسرور الخادم فاستأذنه في ذلك فأذن له، فجاءه من عندها بسفط لطيف مختوم هندي وعليه قفل من ذهب، فجاء به حتى وضعه بين يديه فأمر بفتحه ففتح، فإذا فيه سرته وقميص ولادته وأمور مما يتولى الحواضن، فدمعت عينا الرشيد ثم قال: ليس إلى خلاصه سبيل، ورد السفط إليها وأرسل إليها عشرة آلاف ms1413 درهم وأمرها أن تزور ابنها في الحبس في أي وقت أحبت! فيقال: إن يحيى بن خالد كان نائما فجاؤوا ليهنئوه فإذا هو مات (2). والفضل أيضا ضرب بالسياط حتى مات (3). # قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: حدثني عمرو بن محمد النخعي الرقي وكان أبوه وعمه ممن يلعبان بالشطرنج، قال: كنت عند أمير المؤمنين الرشيد بالرقة ألعب بالشطرنج، فلعبت معه ذات يوم وليلة على شاطئ الفرات والشمعة بين يديه، فارتفع عليه شاه رخ ضربته إياها فمثلت بيت شعر لأبي كبير (4) الهذيلي حيث يقول: # تلمظ (5) السيف من شوق إلى النفس * فالسيف يلحظ والاقدار تنتظر قال: والله ما قلت هذا البيت تعمدا مني لشيء، وإنما جرى على لساني، # PageV08P395 # فقال الرشيد: يا نخعي! أعد هذا البيت! فأعدته، ثم قال: يا مسرور! علي بابن أبي شيخ صاحب جعفر بن يحيى الساعة! ثم قال: فأتي به يحجل في قيوده، فأمر به فضربت عنقه وألقيت جثته في العراة، ثم عاد إلى لعب الشطرنج كأنه لم يصنع شيئا. ### || ذكر خبر رافع بن الليث بن نصر بن سيار وخروجه على الرشيد # قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: كان علي بن عيسى بن ماهان قد جار على أهل خراسان فأذل ملوكها حتى فسدت قلوبهم، فكتب رافع بن الليث إلى الرشيد هذه الأبيات: # أرى النار قد شبت وهب لها الصبا * فما وجها من جانب الليث قد سطع إذا أشعلت في الليث نار ولم يكن * لها من طفى لم يلبث البيت أن يقع أرى خدعا لم يبن لم يقف آرض * عليه فبادر قبل أن تبنى الخدع فدان أمير المؤمنين وولها * سواه فما من قال حقا كمن خدع قال: فلما نظر الرشيد إلى كتاب رافع بن الليث‌ وفهم هذا البيت اغتم ذلك وخشي أن يعزل علي بن عيسى عن خراسان فيخرج عن الطاعة فكان يقدم في ذلك (1): قال: وثار أهل خراسان وخرجوا مع رافع بن الليث على الرشيد (2)، وغلب رافع على سمرقند وما والاها وما كان وراء نهر بلخ، فأخذ ذلك كله وهزم علي بن عيسى ms1414 فأخرجه من بلاد خراسان. قال: فوجه إليه الرشيد برجل من قواده # PageV08P396 # يقال له هرثمة بن أعين في جيش عظيم، فأطال محاربته فلم يظفر منه بشيء، فاشتد ذلك على الرشيد، ثم إنه كتب إلى رافع بن الليث كتابا لطيفا يسأله فيه أن يرجع عما هو عليه على أن يعطيه الرضا ويوليه خراسان وسائر أرضها وبلادها، فأبى رافع بن الليث أن يقبل شيئا من ذلك وجعل يتغلب على مدينة بعد مدينة فيأخذها، حتى احتوى على جميع بلاد خراسان. ثم كتب‌ إلى الرشيد بهذه الأبيات يقول: # ليت الهوى والهجر والنار * وكل بكاء على الدار ما الفخر لوم الناس إلا الوغى * في جحفل للموت جرار وبدلت ما تكسبه بالقنا * في حالتي عسر وأيسار النار لا العار فكن امرءا * فر من العار إلى النار فهنىء بأخلاق كنانية * عرفن في نصر وسيار وهن في ليث وفي رافع * تراث خيار لخيار ثم أمر (1) بضرب الطبول وتهيأ للرحيل وأعطى الناس الارزاق ثم خرج من بغداد في جيش عظيم (2)، وقد كان يجد علة في بدنه فيسأل الأطباء عن علته، فيهونون عليه الامر ويعدونه بالسلامة والبرء من وجعه، فلم يزل كذلك يقطع البلاد حتى صار إلى طوس فنزلها، ثم دعا بابنه المأمون وضم إليه جيشا ووجه به إلى مرو، وأمره أن ينزل بها ويوجه بالجيش إلى رافع بن الليث. قال: وسار المأمون حتى نزل إلى مدينة مرو، ودامت الحروب بين المأمون ورافع بن الليث، فاجتمعت العساكر على رافع بن الليث من كل جانب، فجعل يحاربهم حربا شديدا ولا يفتر من ذلك، وفي وجهه وجوه القواد مثل علي بن عيسى وهرثمة بن أعين زن أشبههما من القواد، والمأمون مقيم بمرو. # قال: واشتدت العلة بالرشيد وضعف ضعفا شديدا، ثم جعل يقول: صبرا لامر الله، وينشد: # وإني من قوم كرام يزيدهم * رخاء وصبرا شدة الحدثان (3) ثم إنه استراب بما كانت الأطباء تعده وتمنيه من الصحة والعافية. قال: # PageV08P397 # واجتمعت عنده الأطباء فلم يعف عنه شيئا، قال: فأرسل الرشيد إلى طبيب من أهل فارس يقال ms1415 له الأسقف (1)، فأشخص إليه والرشيد يومئذ في قصر حميد الطوسي (2)، فقال: انزلوا هذا الطبيب حتى يستريح، فإذا كان غداة غد فأتوني به! قال: فأنزل الطبيب، وأمر الرشيد بقوارير فيها أبوال كثيرة مختلفة فجمعت، فلما أن كان من الغد أرسل إلى الطبيب فدعاه، ثم أمر أن تعرض القوارير على الطبيب فعرضت عليه، فكان يصف‌ لكل قارورة وصاحبها بما يعلم من علته، حتى إذا قدم إليه قارورة الرشيد ونظر إليها قال: قولوا لصاحب هذه القارورة أن يدع الحمية ويوصي، فإنه لا يقوم من علته هذه! فلما سمع الرشيد ذلك الكلام من الطبيب أيس من الحياة وذرفت عيناه بالدموع، وجعل يتمثل بهذين البيتين (3): # إن الطبيب بطبه ودوائه * لا يستطيع دفاع محذور القضا ما للطبيب يموت بالداء الذي * قد كان يبرئ غيره فيما مضى قال: ثم أقبل الرشيد بن المهدي على الفضل بن الربيع وهو واقف بين يديه فقال: يا فضل! ما يقول الناس؟ قال: يقولون خيرا يا أمير المؤمنين! فقال: على كل حال اصدقني عن أراجيفهم، فإني أظنهم يقولون قد مات أمير المؤمنين الرشيد بالله. قال: فبكى الفضل وتغرغرت عيناه بالدموع. قال: فاستوى الرشيد جالسا على خيله ثم قال: أسرجوا لي! فأسرجوا له حمارا مصريا، ثم حمل حملا حتى استوى عليه فكاد لحم فخذيه أن يسقط ولم يمكنه أن يثبت على السرج فقال: # أنزلوني، قد صدق الطبيب (4)، أنا والله ميت لا شك في ذلك! قال: ثم دعا بأكفانه فنشرت بين يديه، وأمر بقبره فحفر وهو ينظر إليه (5). ثم جعل يسترجع ويبكي على نفسه وهو يتمثل بقول صالح بن عبد القدوس حيث يقول: # وكم من ذي مصانع قد بناها * وشيدها قليل الخوف عات فبات ولم يروع من زوال * ولا يخشى المنايا الرازيات # PageV08P398 # ولما صار الرشيد بطوس دعا العباس بن موسى، فقال له: يا عباس! في علمنا المدروس أنه يموت بطوس، فقال: بل يشفي الله أمير المؤمنين، فقال: هو ما أقول، فلما زادت عليه جعل يقول: # إني بطوس مقيم * مالي بطوس حميم أرجو إلهي لما ms1416 بي * فإنه بي رحيم فقد أتى بي طوسا * قضاؤه المحتوم فليس إلا رضاه * والصبر والتسليم قال: وكان في سجنه قوم من الأسارى قد كان بعث بهم هرثمة بن أعين فأمر بهم، فأخرجوا من السجن حتى وقفوا بين يديه، فقال لهم: أعداء الله! أنتم الذين أزعجتموني عن موضعي وخنتموني المؤنة والتعب والسفر بخروجكم علي، والله لأقتلنكم قتلة ما سبقني أحد إليها (1)، قال: ثم أمر بهم ففصلوا عضوا عضوا حتى أتى آخرهم. # ثم دعا برؤوس القواد ومن حضر من فرسان العسكر وسادات بني هاشم فلما اجتمعوا عنده: ### || ذكر وصية الرشيد عند موته # - فحمد الله وأثنى عليه، وذكر محمدا صلى الله عليه وسلم، وقال: إنكم قد علمتم أن كل حي ميت وكل حي فان (2)، وأن هذه الحالة التي أنا عليها هي الحالة التي لم أزل آثر فيها وأوطن نفسي على تجرع أهوالها، وقد ترون ما قد نزل بي من الامر، وأنا أوصيكم بثلاث وأنهاكم عن خمس: أوصيكم باجتماع كلمتكم، والمناصحة لأئمتكم (3)، وأنهاكم عن الفرقة والقطيعة والغش والغل والحسد، وأوصيكم بعد ذلك بحفظ الجنود فإنها سيوفكم القاطعة ورماحكم النافذة وسهامكم الصائبة # PageV08P399 # وودائع الله فيكم، وعليكم بالمباعدة لأهل الأهواء والضلالة والبدع (1) المكروهة، ولا تأخذوا بظنة. ولا تخيفوا ذا طاعة، ولا تهاونوا بذي خلاف ومعصية، وانظروا ابني حنيفا محمدا وعبد الله، فمن بغى منهما على صاحبه فردوه عن طريقه و [أيدوا] أثبتهما حجة. قال: ثم أقبل على الفضل بن الربيع فقال: يا فضل! # قال: لبيك يا أمير المؤمنين! فقال: إذا أنا مت فخذ القضيب والبردة والخاتم والحق بابني محمد الأمين وكن معه حتى تكاتفه وتؤازره على أمره، واكتبوا إلى ابني المأمون بما يكون من أمري. قال: ثم إنه استمسك لسانه فمات رحمه الله. ### || ذكر وفاة الرشيد ورؤياه قبل موته # ذكر جبريل بن بختيشوع أنه كان مع الرشيد في الرقة وكان أول من يدخل عليه في كل غدوة (2)، قال: فدخلت عليه يوما فسلمت فلم يرفع رأسه وطرفه ووجهه [ورأيته -] (3) عابسا مهموما، فوقفت بين يديه مليا وهو على ms1417 تلك الحالة، فلما أطال ذلك أقدمت عليه وقلت: جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين! فيا سيدي! ما حالك هكذا؟ فقال: رأيت هذه الليلة رؤيا أهالتني وأفرحت قلبي، فقلت: فرجت عني يا أمير المؤمنين! ثم دنوت وقبلت رجليه وقلت: هذا يكون من بخارات رديئة أو من السوداء، وإنما هي أضغاث أحلام، قال: فأقصها عليك وهي أني رأيت كأني جالس على سريري هذا إذ بدت من تحتي ذراع كنت أعرفه وكف أعرفها لا أفهم اسم صاحبها، وفي الكف تربة حمراء، فقال قائل - أعرفه - ولا أرى شخصه: هذه التربة التي تدفن فيها! فقلت: وأين هذه التربة؟ قال: بطوس! وغابت اليد وانقطع الكلام وانتبهت، قال فقلت: يا سيدي! هذه والله رؤيا بعيدة! وأحسبك أخذت مضجعك وفكرت في خراسان وفي حروبها! قال: وقد كان ذلك، قلت: لذلك جاءك هذا الفكر. ثم لم أزل به أطيب نفسه بضروب الحيل حتى سلى وانبسط. # فمضت بعد ذلك أيام فنسي ونسينا تلك الرؤيا، ثم قدر الله تعالى مسيرنا إلى خراسان حين تحرك رافع بن الليث فخرج، فلما صار في بعض الطريق ابتدأت به العلة حتى # PageV08P400 # دخلنا طوس ونزلنا في منزل حميد بن عبد الله (1)، فبينا أمير المؤمنين في بستان ذلك القصر متمرض إذ ذكر تلك الرؤيا، فوثب متحاملا يقوم ويسقط، فقال: يا جبرئيل! # تذكر رؤياي في طوسي، ثم رفع رأسه إلى مسرور الخادم وقال: جب لي من تربة هذا البستان! فمضى مسرور وأتى وفي كفه من التربة حاسرا عن ذراعيه، فلما نظر إليها قال: هذه والله الذراع التي رأيتها (2) في الشام، وهذه التربة الحمراء، فأقبل على البكاء والنحيب، ثم مات بعد ثلاثة أيام، ودفن في ذلك البستان نصف الليل لثلاث خلون من شهر جمادى الأول سنة ثلاث (3) وتسعين ومائة، واستخلف ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة وهو يومئذ ابن اثنتين وعشرين سنة، وتوفي ليلة الاحد وهو ابن خمس (4) وأربعين سنة، فملك ثلاثا (5) وعشرين سنة وشهرا (6) وسبعة عشر يوما (7)، وكان مولده بالري، وفي ms1418 ذلك يقول أبو العتاهية: # إن أمير المؤمنين في خلقه * حن به البر إلى مولده ليصلح الري وأقطارها * ويمطر الخير بها من يده وهذا في رواية بكر بن إسماعيل، وقيل: كان ملكه ثلاثا (8) وعشرين سنة وستة عشر يوما. وكان جسيما جميلا وسيما، أبيض جعد الشعر قد وخطه الشيب، وكان يصلي كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا أن تعرض له علة، وكان يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم، وإذا حج حج معه مائة من الفقهاء، فالسنة التي لا يحج فيها أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة، وكان في الهيبة والسياسة مثل المنصور و [في] السماحة مثل السفاح. فلما مات كتب الخير إلى المأمون وهو يومئذ بمرو، # PageV08P401 # وكتب أيضا بالخبر إلى محمد الأمين وهو يومئذ بمدينة السلام بغداد، وصار الامر إلى ابنه محمد الأمين. ### | [خلافة محمد الأمين] # قال الحسن بن المنصور: أخبرني الفضل بن زرارة قال: لما صارت الخلافة إلى محمد الأمين أخرج كل من كان في حبس الرشيد ببغداد، واتخذ الفضل بن الربيع وزيرا، وجعل ابنه العباس بن الفضل بن الربيع حاجبا، واتخذ إسماعيل بن صبيح كاتبا، ونصب ابنه موسى لولاية العهد من بعده وأخذ له البيعة وسماه الناطق بالله، وجعله في حجر علي بن موسى بن ماهان، فجعل بعض الشعراء يقول في ذلك - وهو أبو نواس: # لقد قام خير الناس من بعد خيرهم * فلس على الأيام إذ قام معتب فأمسى أمير المؤمنين محمد * وما بعده للطالب العرف مطلب وقال فيه أبو نواس أيضا: # رضينا بالأمين عن الزمان * فأضحى الملك معمور المعاني (1) تمنينا على الأيام شيئا * فقد نلنا به ثمر الأماني وقال فيه أبو نواس أيضا: # لئن كان ريب الدهر غال أمامنا * ولم يخطه لما رماه مقاصد (2) فإن الذي كنا نؤمل بعده * وندخره للنائبات محمدا وقال أبو نواس أيضا: # ملكت على طين السعادة واليمن * وحزت إليك الملك مقتتل السن لقد طابت الدنيا بملك محمد * وزيدت به الأيام حسنا على حسن قال: ثم إن الفضل بن الربيع حمل تلك ms1419 الأموال التي كان الرشيد أمر بها لعبد الله المأمون، وحمل البردة والقضيب والخاتم ولحق بالأمين محمد ابن زبيدة، # PageV08P402 # فلما قدم الفضل عليه فرح به فرحا شديدا وقربه وأدناه وجعله وزيره وصاحب أمره وأعماله، وفوض إليه ما وافى به. قال: وكان الفضل بن الربيع هو الذي يولي الأمور والولاة ويعزلهم، ويرفع من أراد رفعه. ويضع من أراد وضعه. قال: واحتجب الأمين فلم يكن يصل إليه أحد ولا يجلس الناس إلا في فرط، وكان الفضل بن الربيع هو المتولي لجميع الأمور وأسباب الملك وتدبيرها، وقد ذكر ذلك أبو نواس في قصيدة حيث يقول: # لعمرك ما غاب الأمين محمد * عن الامر يعنيه إذا شهد الفضل ولولا مواريث الخلافة إنما * له (1) دونه ما كان بينهما فضل قال: وحدثني أبو يزيد المهلبي قال: لما صارت الخلافة إلى محمد الأمين فخلى للهو واللعب والنزهة، ثم إنه ابتاع أنواع الجواهر واشتغل بالنساء، فلما أسرف في ذلك وطال على الناس ذلك وجدوا في قلوبهم قسوة، فدخل عليه إسماعيل بن صبيح وهو كاتبه وصاحب سره فقال: يا أمير المؤمنين! إن قوادك وجندك وعامة رعيتك‌ قد ساءت ظنونهم، وخبثت أنفسهم، وكبر عليهم ما يرون احتجابك عنهم وإهمالك النظر في أمورهم، فلو جلست لهم ساعة من نهار ليدخلوا فيسلموا على أمير المؤمنين؟ فقال الأمين: إني فاعل ذلك غدا إن شاء الله تعالى. قال: فلما كان من الغد جلس الأمين في مجلسه وأمر ببابه ففتح، وأمر بالستور فرفعت، وأذن للناس فدخلوا عليه وجلسوا في أماكنهم ومراتبهم، فقام الخطباء فخطبوا، قام الشعراء فأنشدوا، وقام فيمن قام يومئذ أبو نواس فقال: يا أمير المؤمنين! إن هؤلاء الذين أنشدوا إنما هم أهل مدر وحجر وشياه وإبل، وقد حفت ألفاظهم وغاضت بحورهم وليس لهم بصر بمدح الخلفاء ونشر مكارم الكرماء، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في النشيد فليفعل! قال: فأذن له الأمين في ذلك، فأنشد يقول: # ألا دارها بالماء حتى تلينها * فلم تكرم الصهباء حتى تهينها أغالي بها حتى إذا ما ملكتها * أهنت بإكرام ms1420 الخليل مصونها وصفراء قبل المزج بيضاء بعده * كأن شعاع الشمس يلقاك دونها قال فقال له محمد الأمين: يا عدو الله وعدو نفسه! أليس قد نهيت عن شرب # PageV08P403 # الخمر واللهو واللغو فيها بالشعر؟ فقال: يا أمير المؤمنين! ما شربت منها محرما ولا فارقت منها دينا منذ نهيتني عنها، وأنا القائل في ذلك (1): # أيها الرائحان باللوم لوما * لا أذوق المدام إلا شميما نالني بالملام فيها إمام * لا أرى في خلافه مستقيما قال: فتبسم الأمين وأحسن جائزته وانصرف. ### || ذكر خبر الشعراء الثلاثة وهو أبو نواس والرقاشي ومصعب (2) مع محمد الأمين (3) قال: خرج محمد ابن زبيدة الأمين ذات ليلة يطوف في قصره إذ نظر بعض الجواري التي (4) له تطوف في القصر وهي سكرى، وقد سقط الرداء عن منكبيها وانكشف صدرها، فأعجب بها محمد الأمين ابن زبيدة فدعاها إلى نفسها، فقالت: # ذرني فإني طامث، وواعدته أن تزوره في غد، فانصرف محمد الأمين إلى فراشه ينقلب جنبا جنبا، فلما أصبح أرسل إليها فقالت: كلام الليل يمحوه النهار. فقال محمدا ابن زبيدة: انظروا من الباب من الشعراء! فقالوا: الرقاشي ومصعب (3) وأبو نواس، فقال: أدخل بهم علي! فلما دخلوا وأعطوه حق التسليم قال لهم: ليقل كل واحد منكم بيتين من الشعر على (كلام الليل يمحوه النهار). قال: فابتدأ الرقاشي ينشد ويقول: # متى تصحو وقلبك مستطار * وقد منع الرقاد (5) فلا قرار وقد تركتك صبا مستهاما (6) * فتاة لا تزور ولا تزار إذا ما زرتها وعدتك وعدا (7) كلام الليل يمحوه النهار # PageV08P404 # ثم تقدم مصعب (1) فقال: # أما والله لو تجدين وجدي * لأذهب بالردا عنك السرار فكيف وقد تركت الجسم عبرا * وفي الأحشاء من ذكراك نار تبسم ضاحكا من غير عجب * كلام الليل يمحوه النهار ثم تقدم أبو نواس فقال: # تمادى الحب وانقطع المزار * وجاهرنا فلم يغن الجهار وليلة (2) أقبلت في القصر سكرى * ولكن زين السكر الوقار وهز الريح أردافا ثقالا * وغصنا فيه رمان صغار وقد سقط الردا عن منكبيها * من التهييف واسترخى الإزار فقلت الوعد سيدتي فقالت: كلام الليل يمحوه النهار فقلت ms1421 الوصل سيدتي فقالت * غدا وإليك في ذاك الخيار فلما أسفر الصبح التقينا * وقد غلب التصبر والقرار فقال محمد الأمين: يا غلام! جرد أبا نواس واضربه خمسمائة سوط، فقال أبو نواس: ولم يا أمير المؤمنين؟ فقال: والله ما كنت إلا ثالثا أو مطلعا علينا! # فقال: والله ما كنت ثالثكم ولا مطلعا عليكم، ولكن علمت مراد أمير المؤمنين فقلته، فقال: يا غلام! أعط أبا نواس عشرة آلاف درهم (3)، واعط الاثنين عشرة آلاف درهم بينهما. ثم أمر فأخرجوا. # ويحكى أن الأمين كان يشرب ذات ليلة على بساط نرجس، وكانت تلك الليلة قد أبدر قمرها وكان الذي يسقيه خادمه كوثر فطرب وقال: # وصف البدر حسن وجهك حتى * خلت أني وما أراك أراكا وإذا ما تنفس النرجس الغ‍ * - ض توهمته نسيم شذاكا ثم أمر الأمين فنودي له في الجند أن أمير المؤمنين قد عزم على الركوب فلا يتخلف أحد له ديوان، فركب الأجناد والكتاب وأصحاب الأقلام والوزراء وأرباب # PageV08P405 # المناصب في أحسن زي وأكمل هيئة وأعدت له الحراقات والزلالات في الدجلة، فنهض ولبس أثوابه وتقلد سيفه وركب إلى شاطئ الدجلة، وكان قد بنى له حراقات لم يعمل مثلها: إحداهما على مثال الأسد، والأخرى على مثال العقاب. قال: # واصطفت الناس على شاطئ الدجلة ومر أمير المؤمنين منحدرا سائرا والزلالات على يمينه وشماله. قال: فما يظن أحد أنه نظر إلى شيء أبهى ولا أحسن من ذلك ولا أجمل منه، وفي ذلك يقول أبو نواس (1): # سخر الله للأمين مطايا * لم تسخر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سار برا * سار في الماء راكبا ليث غاب أسدا باسطا ذراعيه (2) يعدو * أهرت الشدق كاشر الأنياب لا يعانيه باللجام ولا الس‍ * - وط (3) ولا غمز رجله في الركاب عجب الناس إذ رأوك سرت عليه * كيف لو أبصروك فوق العقاب ذات يمن وميسر وجناحي‍ * - ن تشق العباب بعد العباب بارك الله للأمين وأبقا * وأبقى له رداء الشباب ملك تقصر المدائح عنه * هاشمي موفق للصواب وقال الفضل بن زياد: أخبرني وصيف خادم الأمين محمد ابن زبيدة ms1422 قال: # [لما] أفضت الخلافة إلى الأمين محمد ابن زبيدة بعث إلى أسد بن يزيد بن مزيد الشيباني فعزله عن بلاد إرمينية وولى مكانه إسحاق بن سليمان بن علي الهاشمي، قال: فوجه إسحاق بن سليمان بابنه الفضل على مقدمته إلى إرمينية فدخلها واتصل به أبوه، وما زال في يد إسحاق بن سليمان الهاشمي إلى أن وقع الاختلاف بين الأمين وبين أخيه المأمون، فاتصل الحروب والوقائع إلى أن قتل الأمين - والله أعلم -. ### || ذكر المخالفة بينهما ومقتل الأمين # قال: لما دخل عام أربع وتسعين ومائة أمر محمد الأمين بالدعاء لابنه موسى # PageV08P406 # على المنابر وسماه الناطق بالحق (1) وفسد بينه وبين المأمون ومكر كل واحد منهما بصاحبه، ولم يكن ذلك من رأي الأمين محمد ولا عزمه بل كان عزمه الوفاء لأخيه بما كان قد احتلف عليه لهما والده الرشيد من العهود والمواثيق، ولم يزل الفضل بن الربيع يصغر عن الأمين حال المأمون ويزين له خلعه، حتى قال: ما ينتظر أمير المؤمنين بعبد الله والقاسم! اخلعهما، فإن البيعة كانت [لك] متقدمة قبلهما ودخلا بعدك (2)، وعاونه على ذلك علي بن عيسى بن ماهان والسندي وبكر بن المعتمر حتى أزالوا محمدا الأمين عن رأيه، فأول ما أظهر الأمين من الخلاف أنه ترك دعاء المأمون على المنابر ودعا لابنه موسى، والثاني أنه كتب إلى المأمون يسأله أنه يتجافى عن كورتين من كور خراسان وأنه يوجه العمال إليهما من قبله - يعني الأمين محمد -، والثالث [أنه] تمكن من نفسه صاحب بريد يكتب إلى الأمين بخبره. # فلما ورد الكتاب على المأمون بذلك اشتد عليه وغضب غضبا شديدا، وشاور الفضل بن سهل وأخاه وجميع شيعته، فقال الجميع: السبيل أن تصبر ولا تنقض العهد فإنه إن بغى عليك أخوك فالله ناصرك عليه، وليكن جوابك إليه جوابا حسنا وأظهر له التواضع والطاعة، ففعل ما أشاروا عليه به (3). وأمر المأمون عماله وحراسه من حدود الري أن لا يأتي أحد من العراق ولا أحد من خراسان إلا بجواز بعد أن يفتش غاية التفتيش، فكان أهل خراسان يحبون ms1423 المأمون ويتقربون إليه ويوالونه موالاة صادقة. وكان للمأمون ببغداد أموال وأولاد فطلب من الأمين فلم يردها إليه. # وشاور الأمين يحيى بن سليم وكان ذا رأي وعقل رصين ومعرفة بأمور الدول في خلع المأمون، فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين! لا تجاهره مجاهرة يستنكرها الناس ويظهر شناعتها للعامة، ولكن الرأي يا أمير المؤمنين! أن تستدعي (4) الجند بعد الجند (4) والقائد بعد القائد، وتنوبهم (5) بالألطاف والهدايا، وتستميلهم # PageV08P407 # بالأطماع، فإذا ذهبت (1) قوته واستقرت (2) رجاله أمرته بالقدوم عليك، فإن قدم كان الذي تريد، وإن أبى كنت قد تناولته وقد قل جنوده وضعف ركنه. وكان للمأمون بباب الأمين صاحب خبر ينتهي إليه بالاخبار، فكتب إلى المأمون في ذلك كتابا وجعله في عود منقور من أعواد الاكاف مع امرأة، وكانت الامرأة تمضي على المسالح، وقد سد الفضل بن الربيع أفواه الطرق وأن لا يجوزها أحد، فجاءت المرأة إلى صاحب البريد وعرفته، فرفع الخبر إلى المأمون، فأشخص طاهر بن الحسين فيمن ضم إليه من قواده وأجناده، فسار مجدا لا يلوي على أحد حتى ورد الري فنزلها. # ووجه محمد الأمين عصمة بن حماد بن سالم الهمذاني إلى همذان وولاه حرب كور الجبل وأمره أن يقيم بهمذان ويوجه مقدمته إلى ساوة (3)، وأقبل بعد ذلك علي بن عيسى بن ماهان على محمد الأمين فقال: إن أهل خراسان كتبوا إلي أني إن خرجت إليهم أطاعوني وانقادوا إلي، فولاه محمد نهاوند وهمذان والجبل وقم وأصبهان حربها وخراجها. وضم إليه جماعة من القواد، وأمر له بمائتي ألف دينار ولابنه بخمسة آلاف دينار (4)، وأمر له بألفي سيف محلى وستة آلاف ثوب للخلع، فشخص علي بن عيسى في أربعين ألف فارس لحرب المأمون، وذلك في سنة خمس وتسعين ومائة (5)، وحمل معه قيد من فضة ليقيد به المأمون بزعمه، وشخص معه الأمين إلى النهروان حتى روع العسكر وكتب إلى عصمة بالانصراف إلى عند علي بن عيسى بن ماهان. # فلما نزل علي بن عيسى همذان ولى عليها عبد الله بن حميد (6) بن قحطبة، ثم شخص علي بن عيسى ms1424 يريد الري فسار حتى بلغ الري على تعبئته، فلقيه طاهر بن الحسين في أقل من أربعة آلاف، فحاربه وقتله (7) وقطع رأسه وأرسل به إلى # PageV08P408 # المأمون (1). # وقال شاعر من بغداد في ذلك لما رأى تشاغل محمد بلهوه وبطالته وتخليته التدبير على الفضل وتسليم الأمور إليه: # أضاع الخلافة غش الوزير * وفسق الامام وجهر المشير لواط الأمور أعجوبة * وأعجب منه خلاق الوزير ففضل وزير وبكر مشير * يريدان ما فيه حتف (2) الأمير ومن ليس يحسن غسل استه * ولم يخل من بوله في سرير فلما انتهى إلى الأمين قتل علي بن عيسى بن ماهان واستباحة عسكره وجه عبد الرحمن بن جبلة في عشرين ألف فارس من الأنبار وحمل الأموال معه، وولاه ما بين حلوان إلى ما غلب من أرض خراسان وأمره بسرعة السير، فتوجه حتى نزل همذان وضبط أطرافها واستعد للقاء طاهر بن الحسين. وكان يحيى بن علي بن عيسى لما قتل أبوه هرب في جماعة وأقام بين الري وهمذان، وكتب إليه [محمد الأمين] أن استعد وازحف إلى طاهر! واستقبله طاهر مع جيشه على قاتله قتالا شديدا، فهرب عبد الرحمن ودخل مدينة همذان، فأقام طاهر مع جيشه على باب المدينة وقطع عنهم الماء حتى تبرموا للقتال، فأرسل عبد الرحمن إلى طاهر بن الحسين وسأله الأمان له ولمن معه، فآمنه طاهر ووفى له (3)، وكان عبد الرحمن خائفا من أهل همذان أن يقبضوه، وصالح لما رأى أيضا من ظفر طاهر ونصره وخذلان أصحابه. # وسمي طاهر ذا اليمينين وصاحب حبل الدين (4) لما قتل علي بن عيسى وكاتب إلى المأمون يخبره وأن رأسه في حجره وخاتمه في إصبعه وسلم على المأمون بإمرة المؤمنين. # PageV08P409 # فلما دخلت سنة ست وتسعين ومائة خلع محمد بن هارون ببغداد وأخذت البيعة للمأمون، وحبس محمد في قصر أبي جعفر مع زبيدة، وكان الحسين بن علي بن ماهان حبسه، فقام أسد الحارثي (1) وجمع خلقا وجاء إلى باب‌ القصر، وقاتل الحسين بن علي وأصحابه قتالا شديدا وأسره، ودخل أسد على محمد وكسر قيده وأقعده في مجلس الخلافة، ms1425 ثم رضي محمد عن الحسين بن علي وخلع عليه وعلى أصحابه ورد إليه قيادته، وجددت البيعة لمحمد، وكان حبسه يومين. # وتوجه طاهر بن الحسين إلى الأهواز وبها يومئذ محمد بن يزيد المهلبي مع جيش عظيم متوجه نحو طاهر، وقاتله بنفسه قتالا عظيما لم ير مثله في هذه الأيام، وانتهى بعض أصحاب طاهر إلى محمد بن يزيد وطعنه طعنة عظيمة بالرمح صرعه، وتبادر أهل العسكر بالطعن والضرب حتى قتلوه وحزوا رأسه، وخرج طاهر حتى حصل بباب بغداد فأخذ أصحاب محمد في الغارة. # وقام العيارون وأهل الفساد يتعلقون بالمرأة الصالحة بالسوق ولا يمنع، ويحملون أولاد التجار وهم عند آبائهم ولا يجترئون على منعهم، وانتشر أمر محمد وضعف وتبدد جنده وأحس من طاهر العلو عليه والظفر. ثم استأمن خزيمة بن خازم ومحمد بن علي بن عيسى وخلعا محمدا ودعوا للمأمون، فسكن العسكر وألزموا مساكنهم واستقروا في منازلهم، وغدا الطاهر على المدينة الشرقية وأرباضها (2) والكرخ وأسواقها وهدم قنطرتي الصراة العتيقة والحديثة، واشتد عندهما القتال على أصحابه، وباشر القتال بنفسه، وقاتل من كان معه بدار الرقيق فهزمهم حتى ألحقهم بالكرخ وهزم أصحاب محمد، وقصد إلى المدينة التي لأبي جعفر فأحاط بها وبقصر زبيدة، وحاصر قصر الخلد، وخرج محمد وابنه وأمه إلى مدينة أبي جعفر وتفرق عامة جنده وخصيانه وجواريه في السكك والطرق لا يلوي أحد منهم على الاخر، وتفرق الغوغاء والسفلة، وتحصن محمد بالمدينة هو ومن يقاتل معه، وحاصره طاهر وأخذ عليه الأبواب ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق والماء، وبلغ أمره إلى أنه أكل وطلب الماء فلم يجده. # وذكر عن إبراهيم المهدي أنه كان نازلا مع محمد المخلوع في مدينة المنصور # PageV08P410 # لما حاصره طاهر، فخرج ذات ليلة من قصره يريد أن يتفرج من الضيق الذي هو فيه فصار إلى قصر القرار (1) فقال لي: يا إبراهيم! أما ترى طيب هذه الليلة وحسن هذا القمر في السماء وضوءه في الماء فهل لك والشرب؟ فقلت: شأنك وما تريد جعلني الله فداك! فدعا برطل من نبيذ فشربه، ثم ms1426 أمر بسقيته مثله، فابتدرت أغنيه من غير أن يسألني لعلمي بسوء خلقه، فغنيت ما كان يحبه، فقال لي: ما تقول فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أحوجني إلى ذلك! فدعا بجارية متقدمة عنده يقال لها صعب (2)، فتطيرت من اسمها ونحن في ذاك الحال الذي نحن فيه من الضيق والحصر، فلما صارت بين يديه قال: غني! فغنت (3) بشعر النابغة الجعدي: # كليب لعمري (4) كان أكثر ناصرا * وأيسر ذنبا (5) منك ضرج بالدم قال: فاشتد عليه ذلك البيت الذي غنته له ثم تطير منه، فقال: غني غير هذا! فغنت (6): # أبكي فراقهم عيني فأرقها * إن التفرق للأحباب بكاء ما زال يعدو عليهم صرف دهرهم * حتى تفانوا وريب (7) الدهر عداء فقال لها: لعنك الله! أما تعرفين تغني غير هذا؟ فقالت: يا سيدي! ما تغنيت إلا بما ظننت أنك تحبه، وما هو إلا شيء جاءني، ثم أخذت في غناء آخر: # أما ورب السكون (8) والحرك * إن المنايا كثيرة الشرك ما اختلف الليل والنهار ولا * دارت نجوم السماء في الفلك إلا لنقل السلطان عن ملك * قد انقضى ملكه إلى ملك # PageV08P411 # وملك ذي العرش دائم أبدا * ليس بفان ولا بمشترك (1) فقال لها: قومي عليك غضب الله! فقامت وبين يديه قدح محكم الصنعة، فعثرت بالقدم فكسرته. فقال لي: يا إبراهيم! أما ترى ما جاءت به هذه الجارية ثم ما كان من أمر القدح، والله ما أظن أمري إلا وقد قرب! فقلت: أطال الله عمر أمير المؤمنين وأعز ملكه! فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتا من دجلة (قضى الامر الذي فيه تستفتين) (2) فقال لي: يا إبراهيم! أما سمعت ما سمعت؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين ما سمعت شيئا، ثم عاود بالحديث فعاد الصوت (3)، فوثب من مجلسه ذلك مغتما، ثم ركب ورجع إلى موضعه في المدينة، فما كان بعدها إلا ليلة أو ليلتان حتى قتل وحدث من أمره ما حدث. # وفي رواية أخرى أنه لما اشتد به الحصار اشتد اغتمامه فضاق ذرعا، فدعا بندمائه والشراب ليتسلى به، وكان له جارية يختصها من بين جواريه، ms1427 فأمرها أن تغني، وتناول كأسا يشربه، فحبس الله لسانها عن كل شيء فغنت: # كليب لعمري كان أكثر ناصرا * وأكثر ذنبا منك ضرج بالدم فرماها بالكأس فطرحها الأرض ثم دعا بكأس أخرى فتناولها، ودعا بجارية أخرى فأمرها بالغناء فغنت: # قومي هم قتلوا أمين أخي * فإذا رميت يصيبني سهمي (4) قال: فرمى وجهها بالقدح ورمى الصينية برجله وعاد إلى ما كان فيه من همه وغمه، فلم يلبث أن قتل بعد ذلك بأيام يسيرة. ويروى أن محمدا الأمين لما حاصره # PageV08P412 # طاهر بن الحسين قال: # يا فضل قد حاصرني طاهر * إني على ما فاتني صابر لم يبق من ملكي إلا الذي * تراه والخسران والناصر وقال محمد الأمين أيضا حين يئس من الملك وعلا عليه طاهر بن الحسين حيث يقول: # يا نقس قد حق الحذر * أين المفر من القدر كل امرئ مما يخا * ف ويرتجيه على خطر من يرتشف صرف الزما * ن يعض يوما بالكدر ويحكى أن كوثرا الخادم كان عند الأمين محمد عزيزا، فخرج يوما ليرى الحرب فأصابته رجمة في وجهه، فجعل يبكي ويمسح الدم عن وجهه، فاشتد عليه ذلك فقال في المعنى: # ضربوا قرة عيني * ولأجلي ضروبه أخذ الله بقلبي * من أناس أحرقوه ولما صار محمد الأمين إلى المدينة وعلم قواده أنه ليس لهم وله فيها عدة الحصار دخل على محمد حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم [بن -] (1) الأغلب الإفريقي فقالوا له: قد آل حالك وحالنا إلى ما ترى وقد رأينا رأيا نريد أن نعرضه عليك‌ ونرجو أن يكون صوابا، فقال: وما هو؟ فقالوا: قد تفرق الناس عنك من كل جانب وأحاط بك العدو، وقد بقي معك من خيلك ألف (2) فارس خيارها، فنرى أن نختار من قد عرفناه بمحبتك من الاغراء تسعمائة (3) رجل، فتحملهم على هذه الخيل وتخرج ليلا من بعض الأبواب حتى تلحق بالجزيرة فتفرض الفروض وتجبي الخراج وتصير في مملكة واسعة وملك جديد، فيسارع إليك الناس وتنقطع ع نك الجنود التي في طلبك، فقال لهم: نعم ما رأيتم! وعزم على ذاك. # واتصل ms1428 الخبر بطاهر بن الحسين، فكتب إلى سليمان بن أبي جعفر ومحمد بن # PageV08P413 # عيسى بن نهيك (1) والسندي بن شاهك (2): والله إن لم تقروه وتردوه عن هذا الرأي لا تركت لهم ضيعة إلا قبضتها ولا يكون لي همة إلا أنفسكم، فدخلوا على محمد وقالوا (3): قد بلغنا الذي عزمت عليه فنحن نذكرك‌ الله في نفسك إن هؤلاء صعاليك وقد ضاقت عليهم المذاهب وهم يريدون الأمان على أنفسهم عند أخيك وعند طاهر وهم بين يأخذوك أسيرا أو يأخذوا رأسك فيتقربوا بك إلى عدوك ويجعلوك سبب أمانهم. ولما انتقض هذا الرأي عزم على الخروج إلى هرثمة، فقالوا: الخروج إلى طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة. # فقال: ويحكم! أنا أكره الخروج إلى طاهر وذلك لمنام رأيته، وذلك أني رأيت في منامي كأني على حائط من آجر شاهق في الهواء عريض الأساس وثيق لم أر حائطا يشبهه في الطول والعرض والوثاقة، وعلي سوادي وسيفي وقلنسوتي وخفي. # وكان طاهر في أصل ذلك الحائط بيده شيء يضرب به ذلك الحائط حتى سقط الحائط وسقطت قلنسوتي عن رأسي، وأنا أتطير من طاهر وأكره الخروج إليه، وهرثمة مولانا، وهم بالخروج إليه وعملت حراقة ليركبها مع هرثمة، فعلم طاهر بن الحسين، فوثب طاهر وأكمن نفسه في الخلد، فلما صار إلى الحراقة (4) خرج طاهر إليه وأصحابه فرموا الحراقة (5) بالسهام والحجارة، فمالوا ناحية الماء فانكفأت الحراقة، فغرق محمد وهرثمة ومن كان فيها، فسبح محمد حتى سار إلى بستان موسى (6)، فظن أن غرقه كان حيلة من هرثمة عليه، فعبر الدجلة حتى صار إلى قرية الصراة، وكان محمد بن حميد (7) هناك، فصاح بأصحابه فأخذوه وحبسوه وحملوه على برذون، وألقي عليه إزار من أزر الحبل غير مفتول، وصار به إلى منزل إبراهيم بن جعفر البلخي، وكان نازلا بباب الكوفة وأردف رجلا يركب خلفه كي لا # PageV08P414 # يسقط كما يفعل بالأسير، فذبحوه ذبحا من قفاه وأخذوا برأسه، فمضوا به إلى طاهر بن الحسين، وتركوا جثته إلى وقت السحر، ثم أدرجوه في جل وحملوه. فلما أصبح طاهر نصب رأس ms1429 الأمين على البرج برج حائط البستان الذي على باب الأنبار. # وخرج أهل بغداد إلى النظر إليه، وأقبل طاهر يقول هذا رأس المخلوع محمد (1). # فلما قتل محمد ندم جيش بغداد على تسليمهم إياه، ووثب الجند بعد قتله بطاهر بن الحسين يريدون قتله، فهرب منهم وتغيب أياما حتى أصلح أمرهم. وبعث طاهر بن الحسين برأس محمد الأمين ابن زبيدة إلى المأمون، فلما بلغ الرأس إليه ووضع بين يديه بكى ذو الرئاستين وقال: سل علينا سيوف الناس وألسنتهم طاهر، أمرناه أن يبعث به أسيرا فبعث به قتيلا، فقال المأمون: قد مضى ما مضى فاحتل في الاعتذار. # وكان ولاية محمد بن الرشيد وهو أبو موسى يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الاخر سنة ثلاث (2) وتسعين ومائة، وقيل: بل من ذي القعدة. # وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام وهو ابن خمس (3) وعشرين سنة. # وقيل: ثمان - والله أعلم (4) -. ولم يل الخلافة هاشمي الأبوين إلا علي بن أبي طالب والحسن بن علي ومحمد الأمين، لأنه أمه أم العزيز الملقبة بزبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور وهي صغيرة وكانت بيضاء، وكان المنصور يرقصها وهي صغيرة ويقول: أنت زبيدة! يلصق بها. # وقال خزيمة بن الحسن يرثي المخلوع على لسان (5) أم جعفر يقول (6): # PageV08P415 # لخير إمام قام من خير عنصر * وأفضل سام فوق أعواد (1) منبر لوارث علم الأولين وفهمهم * وللملك المأمون من أم جعفر كتبت وعيني تستهل دموعها * إليك ابن عمي من جفوني (2) ومحجري وقد مسني ذل وفقر وفاقة * وأرق عيني يا بن عمي تفكري [وهمت لما لاقيت بعد مصابه * فأمري عظيم منكر حد منكر -] سأشكو الذي لاقيته بعد فقده * شكا الحزين المستهام المقهقري أتى طاهر لا طهر الله طاهرا * فما طاهر في فعله بمطهر فأخرجني مكشوفة الوجه حاسرا * وأنهب أموالي وأحرق آدري فعز على هارون ما قد لقيته * وما مر بي من ناقص الخلق أعور فإن كان ما أسدي بأمر أمرته * صبرت لامر من قدير مقدر وإن تكن الأخرى فغير مدافع * إليك أمير المؤمنين فغيري ms1430 تذكر أمير المؤمنين قرابتي * فديتك من ذي حرمة متذكر وكان طاهر بن الحسين وقال فيه قائل (3): # يا ذا اليمينيين (4) وعين واحده * نقصان عين بيمين زائده وقال الأمين: أنا أعميته في مكايدة طاهر بن الحسين حين حاصره ببغداد حيث يقول: # منيت بأشجع المقلين نفسا * تزول الراسيات ولا يزول إذا ما الرأي قصر عن أناس * فرأي الأعور الباغي يطول له في كل معضلة رقيب * يشاهدنا ويعلم ما نقول فليس بمغفل أمرا عناه * إذا ما الامر ضيعه الغفول (5) وصار الامر إلى أخيه المأمون وهو أبو العباس. # PageV08P416 ### | [خلافة المأمون بن هارون الرشيد] (1) # قال: وبويع المأمون ببغداد في الشهر الذي قتل فيه محمد الأمين ابن زبيدة والمأمون بخراسان. قال: وقد كان أهل بغداد هموا بالتغلب على طاهر بن الحسين وهموا أن يعقدوا الخلافة لإبراهيم بن المهدي. قال: فعندها كتب طاهر بن الحسين إلى المأمون يخبره بذلك. قال: فبادر المأمون وقدم إلى بغداد بعد قتل محمد ابن زبيدة بشهرين وثمانية عشر يوما. فلما دخل إلى بغداد نزل في القصر الذي يقال له باب الذهب، وأمر ببناء قصره الذي في عسكر المهدي فأخذوا في بنائه. # وفي تلك السنة ظهر ابن طباطبا العلوي (2) بالكوفة مع أبي السرايا (3) السري بن منصور الشيباني (3)، فأرسل إليه المأمون في جيش عظيم، فحاربوه حربا شديدا، فأتى به المأمون فأمر به فضرب عنقه صبرا (4). فلما استقر المأمون ببغداد خرج عليه رجل من العرب يقال له نصر بن شبث. ### || ذكر خبر نصر بن شبث وخروجه على المأمون بن الرشيد # قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الخزاعي عن أبيه عن عبد الصمد عن يحيى عن أبيه قال: كان نصر بن شبث هذا رجلا من قيس غيلان من بني عقيل وكان يسكن مدينة يقال لها كيسوم وكان في عنقه بيعة المخلوع محمد ابن زبيدة، فلما بلغه ما كان من طاهر بن الحسين كأنه غضب لذلك وانتظر أن تأتيه الولاية من عند المأمون، فلم تأته فتغلب على البلاد وكسر الخراج، واجتمع إليه أهل الذعارة. # قال: وبلغ المأمون ms1431 ذلك فأمر طاهر بن الحسين بالخروج إليه. قال: فسار إليه طاهر في عسكر لجب، حتى إذا تقارب من بلده نزل وكتب إليه وإلى وزير له يقال له # PageV08P417 # العباس بن زفر: أما بعد فإن الله تعالى ولي من والاه وعدو من عاداه، وقد علم الله تعالى أنكما من أعدائه ولستما من أوليائه، وبالله أحلف قسما صادقا لأوردنكما ونساءكما وذريتكما موارد الهلكة أو تذهب نفسي قبل ذلك! وقد عرفتماني ولم يخف عليكما ما نزل بالمخلوع محمد ابن زبيدة مني! وأنا الذي يقول: # ملكت الناس قسرا واقدارا * وقتلت الجبابرة الكبارا ووجهت الخلافة نحو مرو * إلى المأمون تبتدر ابتدارا (1) قال: فأجابه نصر بن شبث: # أتيت‌ بكذبة ونطقت زورا * ولم تحذر وقائعي الكبارا وهيجت العفرني في عرين * وفقت الأسد قسرا واقتدارا قال: فلما وصلت إليه هذه الأبيات غصب طاهر بن الحسين ثم إنه سار حتى تقارب من مدينة كيسوم، فلم يبق بينه وبينها إلا مرحلة واحدة لا أقل ولا أكثر، فكتب إليه: أما بعد فاقبل الأمان تر خيرا، وإياك من الضراب والطعان! قال: فكتب إليه نصر بن شبث بهذه الأبيات: # إذا ظلمت حكامنا وولاتنا * خصمناهم بالمرهفات الصوارم سيوف تخال الموت خالف حدها * مشطبة تفري رؤوس الجماجم ثم كتب إليه أسفل كتابه: إن شئت فاستقم وإن شئت فاستأخر - والسلام -. # قال: فسار طاهر بن الحسين في جيش عرمرم، والتقى القوم للقتال، واشتبك الطعام والضراب بين الفريقين، فجعل نصر بن شيث يضارب القوم بسيفه وهو يرتجز ويقول: # إني غلام قد خرجت من مضر * أضرب بالسيف إذا الرمح انكسر قال: واقتتل القوم قتالا شديدا. قال: وجعل طاهر يكر على الخيل التي لنصر بن شبث فيقاتل أشد قتال، ثم يقف ويتروح ويقول: # دهن الغبار وصحفتي مصقولة * ومطيتي ظهر الأقب الأشقر وإذ تنازعني أقول لها اصبري * موت يريحك أو صعود المنبر # PageV08P418 # قال: وكان يقال إنه يقف ويتروح ويقول: # ما لبست الدرع مذ كنت حذارا من حمامي * لا ولا أنا بالذي كنت فرارا من مقامي قال: ثم وقعت الهزيمة على طاهر بن ms1432 الحسين وأصحابه، وانهزموا من باب مدينة كيسوم إلى باب مدينة الرقة زهاء عن أربعين ميلا، ويقال أربعين فرسخا. # قال: فلم يزل نصر بن شبث يضاربهم بالسيف إلى أن مات طاهر بن الحسين. # قال: ووجه المأمون إلى نصر بن شبث بعبد الله بن طاهر (1) في ثلاثين ألف، فلما علم نصر بن شبث بكثرة هذه الجيوش فكأنه اتقى على نفسه وبني عمه وأن تذهب نعمته وتخرب مدينته، فأرسل إلى عبد الله بن طاهر يسأله الأمان فأعطاه ذلك (2)، فدخل نصر بن شبث في أمانه فأحسن إليه عبد الله بن طاهر وولاه وخلع عليه ووصله ووفى له، وانصرف إلى العراق عنه. # وروي أنه طلب الأمان على أنه لا يطأ بساط المأمون أمير المؤمنين، فقال له (3) محمد بن جعفر (3): لم لا تطأ بساط المأمون؟ فقال: لجرمي، فقال المأمون: والله ما تركته على ذلك أو يطأ بساطي! أتراه أعظم جرما من (4) الفضل بن الربيع (4) فإنه أخذ قوادي وأموالي وجندي وسلاحي وجميع ما أوصى به أبي لي فذهب به إلى محمد وتركني بمرو فريدا وحيدا وأفسد علي أخي حتى كان من أمره ما كان. فكتب المأمون لنصر بن شبث كتابا فيه الأمان (5). ### || ذكر خروج طاهر بن الحسين على المأمون ووفاته # قال: وكان طاهر بن الحسين عند المأمون فحضر في بعض أيامه فجلس الشرب، فأمره بالجلوس فقال: يا أمير المؤمنين! ليس لصاحب الشرطة أن يجلس بين يدي سيده، فقال له المأمون: ذلك في مجلس العامة وأنا في مجلس الخاصة، # PageV08P419 # فأذن له أن يجلس، ثم بكى حتى اغرورقت عيناه بالدموع، فقال له طاهر: لم بكيت يا أمير المؤمنين؟ لا أبكى الله لك عينا وأذعنت لك العباد! قال: أبكي لامر ذكرته. قال: وانصرف طاهر واستدعى بهارون بن جيغونة (1) وقال: خذ معك ثلاثمائة ألف درهم فاعط الحسين الخادم مائتي ألف - وكان مقدما عند المأمون يطلع على جميع أسراره وما في نفسه - واعط كاتبه محمد بن هارون مائة ألف درهم واسأله أن يسأل المأمون لم كان بكاءه. قال: ففعل ذلك، فلما تغدى ms1433 المأمون قال: يا حسين! اسقني، قال: لا والله يا أمير المؤمنين لا أسقيك حتى تقول لم كان بكاءك حين دخل عليك طاهر بن الحسين! قال: يا حسين! هذا أمر إن خرج من رأسك قتلتك! قال: يا سيدي! ومتى أخرجت لك ‌سرا! قال: إني ذكرت محمدا أخي وما ناله من الذلة فخنقتني العبرة فاسترحت‌ إلى الإفاضة ولن يفوت طاهر مني ما يكره، فأخبر حسين طاهرا بذلك. فركب طاهر إلى أن أتى إلى [أحمد بن] أبي -] (2) خالد، فقال: إن الثناء مني ليس برخيص وإن المعروف عندي ليس بضائع فغيبني عنه وعن عينه - يعني المأمون -، فقال: سأفعل (3) ذلك، وركب ابن أبي خالد إلى المأمون فقال له: ما نمت البارحة، فقال: لم؟ فقال: لأنك وليت غسان (4) خراسان وهو ومن معه أكلة رأس، فأخاف أن يخرج عليه خارجة من الترك فتصطلمه، قال: فمن ترى لها؟ قال: طاهر بن الحسين، قال: يا أحمد! هو والله خالع. قال: أنا الضامن له فأنفذه يا أمير المؤمنين! فدعا بطاهر من ساعته فعقد له، فشخص من وقته ونزل بستان خليل بن هاشم، فحمل إليه في كل يوم ما أقام به مائة ألف درهم التي يحمل إلى صاحب خراسان والجبال من حلوان، وكان خروجه من بغداد ليلة الجمعة لليلة بقيت من ذي القعدة [سنة 205]. فودع طاهر ابنه عبد الله وكتب له كتابا جمع فيه آداب الأولين والآخرين وعلمه فيه السياسة (5). # فخرج طاهر إلى خراسان وعبد الله ابنه إلى مصر وأرض الشام. # فلما دخلت سنة (6) سبع ومائتين (6) توفي فيها ذو اليمنين طاهر بن الحسين وكان # PageV08P420 # اعتل من حمى وحرارة (1)، فوجد في فراشه ميتا. وكان قبل وفاته بيوم صعد المنبر فخطب، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له وخلعه وقال: اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أنبياءك واكفها مؤنة من بغي عليها! وكان كلثوم بن (2) ثابت بن أبي سعد (2) على بريد خراسان اتقى لنفسه ولمن يخصه فقال: أنا مقتول لأني لا أكتم الخبر. قال: فانصرفت فاغتلست غسل الموتى وائتزرت بإزار ms1434 ولبست قميصا وطرحت السواد عني وكتبت إلى المأمون، فلما صلى العصر دعاني فحدث ما حدث. فخرج طلحة بن طاهر فقال: ردوه! فردوني وقد خرجت، فقال لي: قد كتبت بما كان؟ [قلت: نعم -] (3)، قال: فاكتب بوفاته! فأعطاني خمسة آلاف درهم ومائتي ثوب، فكتبت بوفاته وبقيام طلحة بن طاهر بالجيش. قال: فوردت الخريطة على المأمون بخلعه غدوة ودعا بابن أبي خالد فقال له: اشخص وائت به كما ضمنته. قال: أبيت ليلتي! فأذن لي بعد ج هد، ووافت الخريطة بموته ليلا فدعاه فقال: قد مات. قال: فمن ترى؟ قال: ابنه طلحة، فقال: هو الصواب. # قال: فاكتب بولايته، فكتب. وأقام طلحة واليا على خراسان في أيام المأمون ست سنين بعد موت أبيه طاهر ثم توفي، وولى عبد الله بن طاهر خراسان، فكان يتولى قتال بابل (4)، فأقام بالدينور (5) ووجه الجيوش. فلما وردت وفاة طلحة على المأمون بعث يحيى بن أكثم إلى عبد الله بن طاهر يعزيه في أخيه ويهنئه بولاية خراسان. # وولى علي بن هشام حرب بابل (6). ولما أتى المأمون نعي طاهر بن الحسين قال: # الحمد لله الذي قدمه وأخرنا. # فلما فتح عبد الله بن طاهر مصر وصار واليا عليها وعلى الشام كتب إلى المأمون كتابا، فكتب المأمون جوابه في ظهر الكتاب الذي له وهو يقول: # PageV08P421 # أخي أنت [و -] مولاي * ومن أشكر نعماه فما أحببت من أمر * فإني الدهر أهواه وما تكره من شيء * فإني لست أرضاه لك الله على ذاك * لك الله لك الله فقال رجل من إخوته (1) للمأمون: يا أمير المؤمنين! إن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد أبي طالب وكذا كان أبوه قبله. فلما سمع المأمون ذلك اغتم غما شديدا ودس عليه رجلا في هيئة الفقراء والزهاد والنساك وأنفذه إلى مصر، فقال له: ادع جماعة من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم بن طباطبا واذكر من مناقبه شيئا ثم صر بعد ذلك إلى بعض بطانة عبد الله بن طاهر، ثم ائته وادعه وابحث معه عن دفين نيته بحثا شافيا وأتني بما تسمع ms1435 منه. فعمل الرجل ذلك ودعا جماعة إلى ما أوصاه المأمون. # ثم كتب رقعة إلى عبد الله ودفعها إليه وقت ركوبه، فلما انصرف خرج الحاجب إليه فأدخله عليه وهو قاعده وحده، فقال له: قد فهمت جملة من كلامك، فهات ما عندك! فقال الرجل: ولي أمانك وثقة الله (2)؟ قال: لك ذلك، فأظهر له ما أراد ودعاه إلى القاسم، فقال له عبد الله: أتنصفني أيها الرجل؟ قال: نعم، [قال] فهل يجب الشكر لله على العباد؟ قال: نعم، قال: فهل يجب الشكر للناس بعضهم لبعض عند الاحسان؟ قال: نعم، قال: فتجيء إلي وأنا على هذه الحالة التي ترى، ولي خاتم بالمشرق وخاتم بالمغرب وفيما بينهما أمري مطاع وقولي مقبول، ثم إني إذا التفت عن يميني وشمالي فأرى نعمة هذا الرجل لي غامرة قد ملك بها رقبتي فتدعوني إلى الكفر بهذه النعم، وتقول لي اغتدر، والله لو دعوتني إلى الجنة عيانا لما نكثت بيعة هذا الرجل، فسكت الرجل. ثم إن عبد الله قال للرجل: والله إني أخاف على نفسك فارحل عن هذا البلد لتسلم. # فلما أيس الرجل من عبد الله بن طاهر وأنه لم يستجب له بشيء مما حدثه عاد الرجل قافلا إلى بغداد، فوصل إلى المأمون فأخبره الخبر، فسر المأمون وقال: # ذلك غرس يدي وترب تلقيحي، فلا تظهرن لاحد من ذلك شيئا. # وفي هذه السنة وهي سنة إحدى عشرة (3) ومائتين نادى المأمون: برئت الذمة # PageV08P422 # ممن ذكر معاوية أو فضله على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأظهر قوله بخلق القرآن وتفضيل علي بن أبي طالب (1)، وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة والمحدثين وإظهار القول بالعدل والتوحيد وخلق القرآن - فقال كل من ذكر في الكتاب بخلق القرآن، إلا الذي كتب هذا الكتاب محمود فإنه يشهد أن القرآن منزل غير مخلوق، ونعوذ بالله من إلحاد الملحدين، ورجعت إلى ما كان - قال: فأجاب الناس إلا أربعة نفر منهم أحمد بن حنبل وسجادة والقواريري ومحمد بن نوح، فأمر بهم (2) إسحاق بن إبراهيم (2) فشدوا ms1436 في الحديد، فأجاب سجادة فأطلقه وكذلك القواريري، وحمل محمد بن نوح وأحمد بن حنبل إلى طرسوس. ### || ذكر تزويج المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل # قال: وتزوج المأمون ببوران بنت‌ الحسن بن سهل وبنى بها في شهر رمضان المعظم سنة عشر (3) ومائتين، فلما جلس المأمون معها نثرت عليها جدتها ألف درة في صينية ذهب، فأمر المأمون أن تجمع وتجعل في الاناء كما كانت وتوضع في حجرها، فقال: هذه نحلتك وسلي حاجتك! فقال لها جدتها: كلمي سيدك أمير المؤمنين! فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدي، فقال: قد فعلت، ثم سألت الاذن لزبيدة أم جعفر في الحج، فأذن لها. فلما نظر المأمون إلى بوران وهي جالسة على حصير من ذهب وقد نثرت عليها الدر الكبار، والدر يلوح على الحصير المذهب، فقال المأمون: قاتل الله الحسن بن هانئ كأنه رآني حيث يقول: # كأن صغري وكبري من مواقعها * حصاة در على أرض من الذهب وفي تلك الليلة أوقدت شمعة عنبر وزنها أربعون منا في تور من ذهب، فأنكر المأمون ذلك وقال: هذا إسراف. وأقام المأمون عند الحسن بن سهل تسعة عشر (4) يوما. # ومات في هذا العام شهريار بن شروين (5)، فصار في موضعه سابور ابنه، # PageV08P423 # فنازعه مازيار بن قارن فأسره وقتله، وصارت الجبال في يد مازيار. ### || ذكر خروج إبراهيم بن المهدي على المأمون # قال: لما ورد علي بن موسى إلى المأمون أكرمه وبر به، وجعل الخلافة له بعد موته (1)، وكتب له عهدا وثيقا وأشهد عليه به (2)، وأعطاه ابنته أم حبيب، وزوج ابنته أم الفضل من محمد بن [علي بن -] (3) موسى - وسماه الرضى من آل محمد صلى الله عليه وسلمن، وضرب السكة باسمه وكتب ذلك إلى الآفاق، وأسقط لبس السواد، ولبس الخضرة وأمر بذلك. فلما ورد كتابه إلى بغداد وشق ذلك على العباسيين فخلعوا المأمون وبايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي بالخلافة ومن بعده لابن أخيه إسحاق بن موسى، وقد ذكر ذلك دعبل بن علي الخزاعي في قصيدة له حيث يقول: # نفر ابن شكلة بالعراق وأهلها * فدنا إليه ms1437 كل نذل مائق أنى يكون ولا يكون ولم يكن (4) * يرث الخلافة (5) فاسق عن فاسق وذلك في سنة اثنتين ومائتين، وكان يعرف إبراهيم ابن شكلة وسموه المبارك. # فلما سمع المأمون منهم ذلك انتقل من خراسان ومعه علي بن موسى الرضى حتى صار إلى طوس، فلما صار أقام عند قبر أبيه أياما، ثم إن علي بن موسى الرضى أكل عنبا فأكثر منه فمات فجأة (6)، وذلك في آخر صفر سنة ثلاث ومائتين، فأمر به المأمون أن يدفن عند قبر أبيه الرشيد، وصلى عليه المأمون، وشخص إلى بغداد، فلما وصل ببغداد اختفى إبراهيم بن المهدي، وانكسفت الشمس انكسافا ذهبا ضوءها، وغاب أكثر من ثلثيها، وذلك يوم الاحد لليلتين بقيتا من ذي الحجة. # فكانت أيام إبراهيم بن المهدي كلها سنة واحدة وأحد عشر (7) شهرا، وانقطعت مادة الفتنة. # وكان بنو العباس جميعهم يختلفون إلى المأمون في الخضرة وكل من يرى عليه # PageV08P424 # السواد يخرق، فاجتمع بنو هاشم إليه وقالوا: يا أمير المؤمنين! تركت لباس أهل بيتك ودولتهم ولبست الخضرة، فقال لهم المأمون: إن عليا رضي الله عنه ولى عبد الله بن العباس البصرة وعبيد الله (1) اليمن، ومعبدا (2) مكة وقثم البحرين، فكانت هذه في أعناقنا حتى كافيناه في ولده بما فعلت، ولا يكون بعد هذا إلا ما تحبون، وكتب إليه في ذلك قواد خراسان، ثم إنه ورد عليه بعد الله بن طاهر بن الحسين وكان يبجله ويكرمه إكراما عظيما وأمره أن يسأله حوائجه، وكان أول من سأله رد السواد ولبسه وأن يعيد دولة الاباء، فلما كان يوم السبت الذي يتلوه جلس المأمون وعليه ثياب خضر، فلما اجتمع إليه بنو العباس والقواد والكتاب وكان مجلسا عاما، فاجتمع الناس إليه فدعا المأمون بالسواد فلبسه، ودعا بخلعة سوداء ألبسها ابن طاهر (3)، ثم دعا بعدهم قوادا فألبسهم أقبية وقلانس سود، وذلك يوم السبت لسبع بقين من صفر. وكان المأمون لبس الخضرة بعد دخوله بغداد تسعة (4) وعشرين يوما. # وقيل: كان المأمون لما خرج من خراسان ووصل في عقبة حلوان قال لأحمد بن [أبي ms1438 -] (5) خالد: إني لأجد رائحة العراق وقد ذكرت في هجومنا على أهل بغداد وليس معنا إلا خمسون ألف درهم مع فتنة غلبت على قلوب الناس واستبعدوها فكيف يكون إن هاج هائج، ثم قال بعد أن أطرق مليا: اعلم أن الناس على طبقات: # ظالم، ومظلوم، ولا ظالم ولا مظلوم، أما الظالم فليس يتوقع إلا عفونا، وأما المظلوم فليس يتوقع إلا أن ينتصف بنا، ومن كان لا ظالما ولا مظلوما فبيته يسعه. # ثم إن المأمون لم يزل في طلب إبراهيم بن المهدي حتى أخذه متنقبا مع نسوة فجلس ثم أحضره حتى وقف بين يديه (6)، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال أمير المؤمنين: لا سلام الله عليك استغواك الشيطان حتى حدثتك نفسك بالأباطيل وبما ينقطع منه الأعناق. فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين! # PageV08P425 # مهلا مهلا، فإن ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى، ولك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة وشرف وعدل السياسة، ومن تناوله الاغترار (1) بما مد له من أسباب العدل (2) والرجاء أمن معاداة الدهر على نفسه وهجمت به الأيام على التلف، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب (3) كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن أخذت فأخذت بحقك، وإن عفوت فبفضلك، والفضل بك أولى يا أمير المؤمنين! وأنشأ يقول: # ذنبي إليك عظيم وأنت أعظم منه * فجد بحقك أولا فاصفح بعفوك عنه إن لم أكن في من الكرم فكن هو قال: فرقرق الدمع يجول في عيني المأمون ثم قال: يا إبراهيم! القدرة تذهب بالحفيظة والندم توبة وبينهما عفو الله، وهو أعظم مما يحاول وأكبر مما يؤمل، ولقد جئت إلى العفو حتى ظننت وخفت أن لا أوجر عليه (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم) (4). ثم أمر بفك حديده والاخذ من شعره، وأدخله الحمام وخلع عليه، ورد أمواله جميعها إليه، فأنشأ إبراهيم يقول: # رددت مالي ولم تضنن علي به * وقبل ردك مالي قد حقنت دمي (5) فإن جحدتك ما أوليت من كرم * إني أبا للوم أولى منك بالكرم قال: ms1439 ثم إنه أنشأ أيضا (6): # إن الذي خلق الفضائل كلها * في صلب آدم للامام السابع ملئت قلوب الناس منك مهابة * فتظل تكلؤهم بقلب خاشع فعفوت عمن لم يكن عن مثله * عفو ولم يشفع (7) إليك بشافع ورحمت أطفالا كأفراخ القطا * وعويل عانسة كقوس‌ النازع # PageV08P426 # وفي رواية أخرى: إنهما لما تخاطبا قال المأمون: إن هذين أشارا علي بقتلك وأومأ إلى الحسن بن سهل وابنه العباس، فقال: يا أمير المؤمنين! إنهما أشارا عليك بما يشار على مثلك في مثلي، لكنك دفعت ما خفت بما رجوت، وكفاك الله مؤنة الكلف. فقال المأمون: مات والله الحقد عند حسن الاعتذار، وإن من الكلام لما هو أحسن من الدر، وهذا منه اعتذار من ذنبك يا عم! فقال: يا أمير المؤمنين! إن ذنبي عظيم وهو أعظم من أن أتفوه به في عذر، وعفو أمير المؤمنين أجل من أن أقابله بشكر، فقال المأمون: عد يا عم إلى رتبتك والانبساط وكثرة النشاط، فقال: على شريطة يا أمير المؤمنين؟ فقال: شريطة ممطاة، وحكومة مستجلاة، فقال إبراهيم: # إذا قد أكملت المنة، وتممت العارفة، وهممت الموهبة، فأريد أن تكون لي أمير المؤمنين بظهر كما قيل: # فما عز أن واش وشى بي عندكم * فلا ترهبنه أن يقال له مهلا كما إنه لو قد وشى بي عندكم) لقلنا تزحزح لا قربا ولا سهلا فقال المأمون: فأزيد عليه وأقول: # وساعي إن أتى بعيب عزه نسوة * جعل الاله خدودهن نعالا وأزيد عليه فأقول: # ما حطك الواشون من رتبة * عندي وما ضرك مغتاب كأنهم أثنوا ولم يعلوا عليك * وعندي بالذي عابوا قال: وكان بعد ذلك إذا دخل عليه وهو نشوان أو على شرب يقول له: أنت الخليفة الأسود، فقال له يوما: ما أنت الخليفة الأسود؟ فقال: أنا الذي من عليه أمير المؤمنين بالعفو عند المقدرة، ولكني كما قال عبد بني الحسحاس (1): # أشعار عبد بني الحسحاس حين أتى * عند الفخار مقام العين والورق إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما * أو أسود الخلق إني أبيض الخلق فقال المأمون: يا عم! أخرجك ms1440 الهزل إلى الجد، لكنك كما قيل في المعنى: # PageV08P427 # ليس يزري السواد بالرجل * ولا بالفتى الأديب الأريب (1) إن يك‌ للسواد منك نصيب * فبياض الاخلاق منك نصيبي قال: فما عاوده المأمون بالتقريع بعدها. # وقيل: إنما وقعت الفتنة ببغداد لان المأمون ولى الحسن بن سهل أمور العراق، فقصر في أمور الخاصة والعامة، فوقعت الفتنة والقتال ونقموا عليه أشياء، ولهذا بايعوا إبراهيم بن المهدي، فشخص المأمون عند ذلك من خراسان، ثم إن الحسن بن سهل غلب عليه السوداء وتغير عليه عقله، فشد بالحديد وحبس في بيت (2). وكان المأمون ولى الحسن بن سهل كل ما افتتحه طاهر بن الحسين من كورة الجبال والفارس والأهواز والبصرة والكوفة والحجاز، فقيل للمأمون: إن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعتك ما أبلى، وافتتح ما افتتح من البلاد، وقاد إليك الخلافة مزمومة، فلما وطأ لك الامر أخرجته من البيت وصيرته بالرقة في زاوية، حتى ضعف أمره، وإنه لو ك ان على خلافتك ببغداد لضبط الملك ولم يجترئ عليه من اجترأ على الحسن بن سهل. وقيل: إن هذه الكلمات قالها هرثمة في حق الحسن بن سهل، فدس إليه من قتله (3). ثم إن المأمون ارتحل من مرو، فلما أتى سرخس شد قوم على الفضل بن سهل وهو في الحمام، فقتلوه بالسيوف حتى مات، وذلك يوم الجمعة سنة اثنتين ومائتين وله ستون سنة، قتله أربعة أنفس (4). ### || ذكر بلاد الشاري وخروجه على المأمون # قال: ولما مضت من خلافة المأمون بضعة عشر سنة خرج عليه رجل من الشراة يقال له بلال (5) بأرض الجزيرة بناحية التحديد من برية سنجار (6). قال: والتأم # PageV08P428 # إليه الناس فصار في جمع كثيف، وجعل المأمون يوجه العساكر عسكرا بعد عسكر، فكان كلما أتاه عسكر واقعه فهزمه، فلما رأى المأمون ذلك خرج إليه بنفسه حتى نزل بقرية يقال لها العلث وهي بضع عشر فرسخا من بغداد، ثم إنه وجه القواد والشاكردية في طلب بلال الشاري. قال: وعلم بلال بذاك فتنحى بين يديك تلك العساكر حتى دخل إلى بعض البراري حتى خفي أمره، ms1441 وطلب فلم يوجد. قال: ودخل شهر رمضان فرجع المأمون إلى بغداد في جميع عسكره. قال: وعلم بلال بذلك وأن المأمون رجع إلى بغداد فجعل يجمع الجموع حتى صار في جميع عظيم. قال: # وبلغ ذلك المأمون، فدعا بابنه العباس وابنه هارون وضم إليهما جيشا عظيما وأمرهما بالمسير إلى بلال الشاري، فأقبل العباس وهارون (1) ابنا المأمون حتى صارا إلى الموصل، ثم رحلا من مدينة الموصل إلى مدينة يقال لها بلد، فنزلاها وأعطيا الناس الارزاق. ثم إنهما رحلا من بلد إلى أن دخلا برية سنجار، والتقى القوم للقتال بقرية يقال لها تل أعفر، فاقتتلوا قتالا شديدا، فوقعت الهزيمة على أصحاب المأمون فانهزموا إلى أن صاروا إلى مدينة بلد. وبلغ ذلك المأمون فدعا بعجيف بن عنبسة وعلي بن هاشم (2)، فضم إليهما عشرة آلاف رجل، ووجه بهما مؤنة لابنيه العباس وهارون. قال: فاجتمعت العساكر ببلد، ثم ساروا نحو بلال الشاري. والتقى القوم في برية سنجار فاقتتلوا قتالا شديدا، ووقعت الهزيمة على الشاري. وقتل من عسكره نيف عن ثلاثة آلاف فارس، وانهزم الباقون مشردين في البلاد، واحتوى أصحاب المأمون على دوابهم وأسلحتهم. ثم حمل رأس بلال الشاري ورؤوس أصحابه إلى المأمون. ### || ذكر خروج المأمون إلى بلاد الروم # قال: لما قتل بلال الشاري عزم المأمون على غزو بلاد الروم (3)، ثم إنه دعا بإسحاق بن إبراهيم بن مصعب فاستخلفه على بغداد وعزم على الغزو. وقال مسرور الكبير: فإني لواقف بين يدي المأمون في وقت خروجه إلى بلاد الروم، وفي يدي درع، يريد المأمون أن يلبسه إذ خرجت عليه جارية يقال لها عرنت (4) وكانت تهواه # PageV08P429 # ويهواها، فقالت، ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد الخروج إلى بلاد الروم، فقالت: قتلتني والله يا أمير المؤمنين! ثم أدرت دموعها على خديها، وأنشأت تقول: # سأدعوك (1) دعوة المضطر ربا * يثيب على الدعاء ويستحب لعل الله أن يكفيك حربا * ويجمعنا كما تهوى القلوب قال: فضمها المأمون إلى صدره وأنشأ يقول: # فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها * وإذ هي تذري الدمع عنها الأنامل عشية قالت: ms1442 يا حبيبتي قتلتني * وقتلي بما قالت هناك تحاول ثم قال: يا مسرور! احفظها وتعهدها إلى حين رجوعي، فلولا قول الأخطل حيث يقول: # [قوم -] (2) إذا حاربوا شدوا مآزرهم * دون النساء ولو باتت بأطهار فلولا هذا البيت لأقمت. ثم خرج المأمون من بغداد في عسكر لجب حتى صار إلى الموصل فنزلها حتى تلاحق به الناس. ثم خرج المأمون من الموصل سائرا إلى بلاد الجزيرة حتى صار إلى الرقة إلى قصر أبيه الرشيد. ثم دعا بابنه العباس فضم إليه جيشا وأمره أن يدخل إلى بلاد الروم من ناحية طرسوس (3)، قال: ومضى المأمون حتى دخل بلاد الروم من درب يسمى درب الحرب، فكان أول ما فتح الله على يديه من بلاد الروم مطمورة ويقال لها مأجدة فأعطاهم الأمان، ثم نقلهم عنها إلى طرسوس. ثم سار حتى نزل على قرية يقال لها قرة فحاربه أهلها حربا شديدا، ثم إنهم سألوه الأمان بعد ذلك على أنهم يدفعون إليه نفرا من أسارى المسلمين قد كانوا عندهم محبسين. قال: ثم رحل المأمون عنهم حتى نزل على أخرى يقال لها أرله (4)، فلما قاربها أتاه الخبر أن أهل قرة قد غدروا، فسار إليهم المأمون حتى نزل عليهم، ثم أمر بالمنجنيق فنصب على حصنهم من كل ناحية، وحاربهم حربا شديدا # PageV08P430 # حتى قتل منهم جماعة وهدم ناحية من حصنهم بحجارة المجانيق. قال: عندها صاح القوم وطلبوا الأمان، فأمنهم ورفع عنهم السيف، ثم دعا ببطريق يقال له باطليش فأعطاه ألف دينار، وأمرهم أن يرموا حصنهم لما كانت المجانيق قد أثرت فيه. قال: ثم أقبل المأمون حتى نزل على المطمورة التي يقال لها معلويه (1)، فلما نزل عليها وهم بحربهم خرجوا إليه فطلبوا الأمان، فأعطاهم ذلك وكساهم وأحسن إليهم وردهم إلى حصنهم. قال: ثم دعا المأمون مولى له يقال له عجيف بن عنبسة فضم إليه جيشا ووجه به إلى عزالينوس صاحب حصن سنان (2). قال: فأقبل عجيف ومعه قائد من قواد المأمون يقال له جعفر بن دينار (3)، حتى نزلا على حصن سنان. # قال: ونظر عزالينوس إلى ms1443 الخيل قد أحدقت بالحصن فخرج إلى عجيف بالأمان وأعلمه بأنه سامع مطيع. قال: فبعث عجيف إلى المأمون بذلك، فبعث المأمون يأمر عجيفا بالانصراف عنهم، فانصرف عجيف من حصن سنان. # قال: وجاء الشتاء فرحل المأمون عن بلاد الروم حتى صار إلى دمشق فنزلها. # قال: فأرسل توفيل بن ميخائيل ملك الروم رسلا فقدموا على المأمون وهو يومئذ بدمشق، فدفعوا إليه كتاب صاحبهم [توفيل بن] ميخائيل، فنظر المأمون فإذا عنوان الكتاب: من توفيل بن ميخائيل إلى عبد الله بن هارون. قال: فغضب المأمون ورمى الكتاب من يده، ثم أقبل على الرسول فقال: خبروني ما الذي حمل صاحبكم على أن يكتب إلي وبدأ باسمه قبل اسمي؟ قالوا: لا نعلم إنما نحن رسل وما علينا إلا البلاغ المبين، فقال المأمون: صدقتم وليس أكلفكم ما لا طاقة لكم به، لكن قد علمتم أني أسن منه بل بعض ولدي أسن منه؟ فقالوا: قد علمنا ذلك ولا شك فيه. # فقال المأمون: كان يجب عليه أننا لو كنا متساويين في الدين أن يقدمني على نفسه، والأخرى أني خليفة، وأبي الرشيد وجدي المهدي خليفة، وخال أبي أبو المنصور خليفة، وأنا ابن الخلائف، لا يدفعني عن ذلك دافع، وأخرى فيعلم أني قدمت من حرب محمد ابن زبيدة، وأخرى فقد علم صاحبكم أني نازل بمدينة دمشق وهي دار بني أمية وقصبة مملكتهم، فهم الذين غصبونا حقنا وبعد هذا عزالينوس صاحب حصن سنان مخالف لصاحبكم، فليس يقدر واحد منهما على ضرر ولا نفع مع كثرة # PageV08P431 # من معه من الخيل والجنود، فكيف يكتب إلي بكتاب يبدأ فيه باسمه قبل اسمي؟ # قال: فقال الرسل: إن أعطيتنا الأمان تكلمنا! فقال: لكم الأمان، فقالوا: من قعد على سرير الملك فقد ساوى غيره من الملوك كائنا من كان، فغضب المأمون وقال: # لولا ما أعطيتكم الأمان لما رجع إلى صاحبكم منكم أحد، ولكن ارجعوا بغير جواب وإن كان ملكا يساوي غيره كما تقولون. فرجعت الرسل إلى توفيل فخبروه بما كان من كلام المأمون قال: وجمع المأمون عساكره وسار يريد ms1444 بلاد الروم، فأقبل من ناحية طرسوس من درب يقال له درب السلام. ونزل على حصن يقال له أرطيعوا (1)، فلما هم بمحاربة أهله فلم يحاربون وطلبوا منه الأمان، فأحسن إليهم وردهم لحصنهم. ثم سار إلى أن نزل بحصن يقال له الأخرب فافتتحه صلحا. # ثم إنه سار حتى نزل على هرقلة في جميع أصحابه فحاربهم أياما كثيرة لا يفتر من حربهم. فسألوه الأمان فأعطاهم، وإذا رسل توفيل أتوا إلى المأمون بهرقلة يطلبون الصلح، فزبرهم المأمون وقال: لا أرى منه شيئا دون أن يسلم إلي جميع بلاد الروم. قال: فرجعت الرسل إلى توفيل فخبروه بما قال المأمون. ولم يزل المأمون حتى فتح (2) أخوه أبو إسحاق (2) اثنين وثلاثين حصنا من حصون الروم. ثم سار بنفسه حتى نزل على حصن يقال له صمله (3) فقاتل أهله حتى فتحه عنوة وسبى من كان فيه من النساء والذرية. # قال: فبينما المأمون كذلك إذ ورد عليه كتاب من الأفشين وكان عامله ببرقة يخبره أنه قد خرج بمصر رجل يقال له عبدوس الفهري. وقد التأم إليه خلق كثير. # قال: فرحل المأمون من بلاد الروم بعساكر يريد بلاد مصر، حتى نزل في موضع يقال له العريش ودعا بأخيه أبي إسحاق فضم إليه جيشا كثيفا وأمره أن يطلب عبدوسا الفهري. فانحاز عبدوس هو وأصحابه إلى ناحية من أرض مصر. قال: وأحدقت به الخيل من كل جانب واشتعلت النار حواليه، فلما نظر إلى ذلك خرج هاربا هو وأصحابه، فأخذ أسيرا ومعه أصحابه، فضرب المأمون عنقه وعنق أصحابه، # PageV08P432 # وانصرف راجعا حتى وصل مدينة دمشق، فأقام بها أيام الشتوة، ورحل بعساكره حتى نزل بلاد لؤلؤة فحارب أهلها. قال: وإذا كتاب توفيل بن ميخائيل يسأل المأمون أن يكف عن أهل لؤلؤة على أنه يطلق له كل أسير في يديه من المسلمين (1). فأبى ذلك وصعب عليه أمر لؤلؤة، فحصن حولها، ووكل بها قوما من أصحابه، وأمرهم بالمحاربة، ورحل عنها المأمون. فأقبل المأمون إلى بلاد الروم، وبلغ ذلك توفيل فرحل قبل أن يوافيه المأمون إلى بلاده، ونزل المأمون ms1445 على لؤلؤة وحاصرهم حصارا شديدا إلى أن أخرجوا إليه بالأمان وسلموه لؤلؤة، فأخذ من الأموال والثياب والدواب والرقيق ما أراد. ثم رحل في عساكره إلى أن صار إلى الرقة، فخرج توفيل في ثمانين ألفا فجعل يغير على أطراف بلاد المسلمين، فجعل يقتل الرجال ويذبح الأطفال إلى أن قتل خلقا كثيرا من المسلمين. قال: فأنشد عبد الرحمن في ذلك: # أبلغ لديك سفيه الروم توفيلا * قولا سيلقى له إن عاش تنكيلا أهلكت نسوان أهل العز قاطبة * والنسل أهلكت تحريفا وتفصيلا قال: وبلغ المأمون ما قد فعل كلب الروم توفيل بالمسلمين، فاشتد غضبه وجمع عساكره وسار إلى أن نزل في موضع يقال له البذوندون (2) فمرض هناك، فأمر أن يكتب إلى العمال. فقال [الكاتب: قال لي -] أخوه أبو إسحاق: ألحق في الكتب (من عبد الله المأمون أمير المؤمنين وأخيه أبي إسحاق الخليفة)، فقلت (3): # إنك لتعرضني لسفك دمي، فقال: أحب منك ذلك. فرافقته يومي ذلك وسألت عنه الأطباء فقالوا: إنه لميت، فشاورته في ذلك، فنظر إلى نظرة كاد أن يبلعني وقال: # اكتبوا ما شئتم، فكتب ما أراد أبو إسحاق. فلما اشتد مرض المأمون صار يرفع طرفه إلى السماء ويقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من يزول ملكه! يا من لا يموت ارحم من يموت! فتقدمت إليه جارية وجلست عند رأسه وأنشأت يقول: # يا ملكا لست بناسيه * يا ليتني بالنفس أفديه # PageV08P433 # ثم بكت واشتد بكاءها، فأجابها المأمون يقول: # باكيتي من جزع أقصري * قد علق الرهن بما فيه فلما كان في ليلة الاحد استمسك لسانه وتوفي رحمه الله. وكان قد أكل الرطب وشرب بعده الماء فمات. واعتل أخوه أبو إسحاق إلى أن عاد إلى بغداد. # وقيل: إن المأمون قال لبعض الخدم: من يغني؟ قبل مرضه في بلاد الروم، فقال: يا مولاي ما يغني أحد، فقال: ويلك إنه ليغني بشيء حفظته، وهو هذا: # أم لتعجب لمنزلة ودور * حلت بين المسفر والحرور كأن بقية الأثر فيه * بقايا الخط بالقلم الزبور ومات من علته في اليوم الثالث، وكانت وفاته ms1446 لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وهو يومئذ ابن ثمان وأربعين سنة. وكان مولده سنة سبعين ومائة في شهر ربيع الأول (1)، وكان ربعا (2) جميلا، طويل اللحية رقيقها قد وخطه الشيب، أقنى أعين (3)، فخده خال أسود. وكانت خلافته عشرين سنة وسنة أشهر وسبعة عشر يوما. وقد وصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات: # الموت أخرجني من دار مملكتي * فالقبر مضطجعي من بعد تتريف لله عبد رأى قبري فأعبره * وخاف من بعده ريب التصاريف هذا مصير بني الدنيا وإن جمعوا * فيها وغرهم طول التساويف أستغفر الله من جرمي ومن زللي * وأسأل الله نورا يوم توقيفي ### || ذكر سيرة المأمون وما جمع فيه من مكارم الاخلاق # قال: وكان المأمون فصيحا أديبا شاعرا حكيما كريما، وإنه قال لعلي بن صالح: أريد رجلا من أهل الشام يجالسني، فالتمست ذلك فأدخلته إلى المأمون، فلما سلم استدناه وكان في مجلس الشرب. فقال: إني أردتك لمجالستي، فقال # PageV08P434 # الشامي: إن الجليس يا أمير المؤمنين إذا كانت ثيابه دون ثياب جليسه يلحقه لذلك غضاضة، قال: فأمر المأمون أن يخلع عليه، فقال: يا أمير المؤمنين! إذا كان قلبي متعلقا بعيالي فما تكون محادثتي! فأمر له بخمسين ألف درهم تحمل إلى منزله، فقال: يا أمير المؤمنين! وثالثة، فقال: وما هي؟ فقال: دعوت إلي شيء يحول بين المرء وعقله، فإن كانت مني هفوة يغفرها أمير المؤمنين، قال: لك ذلك. # وكانت الثالثة منه تمام الكرم. # ومن حلمه أنه لما عفا عن عمه إبراهيم عجزه القوم من أهله وأكثرهم لاموه، فقال: # لما رأيت الذنوب جلت * عن المكافاة بالعقاب صيرت فيها العقاب عفوا * أحرى من الضرب للرقاب أرجو بذاك الصلاح جهدي * وعفو ذي الأنعم الرغاب ومن فصاحته في الشعر أنه نظر يوما إلى غلام حسن الوجه في الموكب فقال: # ما اسمك يا غلام؟ فقال: لا أدري، فقال: أو يكن أحد لا يعرف اسمه؟ قال: # فاسمي الذي أعرف به لا أدري * بما يصنع الحب المبرح في صدري لئن كان بي أمر ونهي عن ms1447 الورى * فإني طوع الحب والنهي والامر ولست أبالي الشمس والبدر إنني * أرى كل حسن ليس للشمس والبدر ومن عدله في حكمه أنه جلس يوما للمظالم، فأتت امرأة فقالت (1): # يا خير منتصف يهدى له الرشد (2) * ويا إماما به قد أشرق البلد تشكو إليك عميد الناس أرملة * عدي عليها فما يقوى بها الأسد وابتز مني ضياعي بعد منعتها * لما تفرق عني الأهل والولد قال: فأجابها عن ذلك: # في مثل ذلك عيل الصبر والجلد (3) * وأقرح القلب هذا الحزن والكمد # PageV08P435 # هذا أوان صلاة العصر فانصرفي * وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد فالمجلس (1) السبت إن يقض (1) الجلوس لنا * أنصفك فيه وإلا المجلس الاحد فحضرت يوم الاحد، فقال المأمون: من خصمك؟ قالت: العباس ابن أمير المؤمنين، فقال (2) أمير المؤمنين ليحيى بن أكثم: أجلسها معه، فجعل كلامها يعلو على كلامه. فقال بعضهم: أتصيحين على ابن أمير المؤمنين؟ فقال أمير المؤمنين: # أمسك فإن الحق أنطقها والباطل أخرسه، وأمر برد ضياعها وحملها إلى بلدها، وأعطاها عشرين ألف درهم. وقيل: إن العباس بن المأمون كان مولعا بشراء الضياع، والمعتصم مولعا بجمع الرجال وشراء الغلمان، فكان المأمون إذا رآهما يتمثل بهذين البيتين: # يبني الرجال وغيره يبني القرى * شتان بين قرى وبين رجال قلق بكثرة ماله وجناده * حتى يفرقها على الابطال قال الحسن بن سعيد: أخبرني محمد بن حماد قال: كان المعتصم مع أخيه المأمون بالثغر، فلما توفي المأمون أراد الناس أن يبايعوا ابنه العباس فأبى ذلك وقال: ما هذا الحب البارد! قد بايعت وسلمت الخلافة إليه، فسكن الجند. وخرج المعتصم نحو بغداد مسرعا خوفا على نفسه من قواد المأمون، وكانوا قد هموا به لأنهم اتهموه بقتله. قال: فصار المعتصم إلى بغداد في مستهل شهر رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين، فصلى على أخيه المأمون، وحمل هو وابنه العباس المأمون فدفناه في دار الخاقان خادم الرشيد (3). وصار الامر إلى أخيه المعتصم بالله. ### | [خلافة المعتصم بالله] (4) # قال: فلما صار الامر إليه وجه إسحاق بن إبراهيم بن مصعب إلى حرب الخرمية، وعقد له على الجبال، ms1448 فحاربهم فقتل منهم ستين ألفا من الرجال، وهرب الباقون إلى الروم. وكان قد قتل منهم في مدة محاربتهم له نحو مائة ألف مقاتل سوى # PageV08P436 # النساء والصبيان - والله أعلم -. ### || ذكر تولية الأفشين ومحاربته بابك الخرمي، وتوليته إرمينية وآذربيجان # قال: فلما استوثق الامر لأبي إسحاق المعتصم بعث عماله إلى جميع البلاد، ثم ولى الأفشين إرمينية وأذربيجان، وأمره أن يحارب بابك الخرمي، فأقبل الأفشين حتى نزل بموضع قد كان بمدينة يقال لها برزند، ثم إنه بناها وجعلها على مفرق هذا الطريق، وهي أربعة طرق ما بين البذ وموقان وأردبيل وورقان ونزلها، واجتمع إليه العساكر فعزم على محاربة بابك الخرمي. قال: وكانت أول وقعة الأفشين مع بابك بموضع يقال له أرشق على سبعة فراسخ من مدينة أردبيل، فانهزم بابك من بين يديه حتى دخل البذ، ووجه الأفشين برجل يقال له محمد بن سليمان السمرقندي إلى مدينة برذعة فولاه إياها، وأقام الأفشين على محاربة بابك، وكان يحاربه حربا دائما، فكتب إليه المعتصم أن أثبت على حربه، ولا تعجل إلى أن يرد عليك كتابي. قال: فكان الأفشين يحارب بابك على الدوام، فأقام المعتصم ببغداد سنتين. ثم خرج سنة عشرين ومائتين، فنزل بموضع يقال له القاطول (1) وأمر ببناء مدينة سامراء (2)، حتى إذا فرغ من بنائها انتقل إليها فنزلها. # قال: والأفشين في خلال ذلك قد اشتغل بمحاربة بابك وقد ألح عليه بالحرب حتى أخرجه في بلد البذ واحتوى على بلاده، فلما رأى بابك أنه لا طاقة له به خروج من بلده هاربا في عشرين رجلا حتى صار إلى بلد يقال لها كذج (3) متنكرا كي لا يعرف، قال: فنظر أهل الكذج (3) إلى بابك فلم يعرفوه، غير أنهم ناوشوه ليأخذوا ما معه من الأثقال. قال: فحمل عليهم بابك فجعل يقاتلهم. قال: فاتصل الخبر بصاحب المدينة واسمه سهل بن سنباط، فأقبل في جماعة من أصحابه، فلما نظر إلى بابك عرفه فجعل يخادعه ويظهر إليه بره ولطفه، حتى آنس إليه بابك فجاء به سهل بن سنباط إلى قلعته، ثم دعاه بالشراب فأكل ms1449 وشرب، فلما سكر دعا له # PageV08P437 # سهل بن سنباط بقيد فقيده وشد يمينه إلى عنقه ثم ضمه إلى جماعة من أصحابه وبعث به إلى الأفشين، فلما نظر الأفشين إلى بابك فرح لذلك فرحا شديدا، ثم بعث إلى سهل بن سنباط بهدايا قيمتها ألف ألف درهم. قال: وبلغ المعتصم ما فعله سهل بن سنباط ببابك فأرسل إليه بتاج من ذهب مرصع بالدر والجوهر، فقوم ذلك فكان قيمته خمسمائة ألف درهم، ثم إنه بطرقه على جميع بطارقته. قال: # وحمل الأفشين ببابك إلى المعتصم فأمر به فضرب عنقه، وصلب بسر من رأى، وصلب أخوه ببغداد. وكان ظهور بابك سنة إحدى ومائتين. # وفي رواية أخرى: إن المعتصم عقد للأفشين على الجبال وحرب بابك وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادي الآخرة فعسكر بمصلى بغداد. ووجه المعتصم أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل وأمره أن يبني الحصون التي أخربها بابك بين زنجان وأردبيل. فبعث بابك سرية فهزمها محمد بن يوسف، فكانت أول هزيمة على أصحاب بابك. ولما صار الأفشين إلى برزند عسكر بها يوم الحصون. # وأنزل محمد بن يوسف بخش (1) وحفر فيه خندقا. وحمل المعتصم مع بغا الكبير مالا إلى الأفشين، فأراد بابك أن يكبسه فيأخذه، فوقعت محاربة عظيمة بين الأفشين وبابك، وانصرف بابك مخذولا وأراد أن يطول الامر على أفشين ولا يحاربه حتى تثلج تلك الجبال فيضطرب الأفشين إلى الهرب من شدة البرد. فقال بعض من في عسكر الأفشين: إني رأيت في المنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أنت حاربت هذا الرجل وجددت في أمره وإلا أمرت الجبال أن ترميك بالحجارة، فتحدث الناس في العسكر علانية، فدعا الأفشين بهذا الرجل الذي ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه في المنام وقال له: الله يعلم نيتي للناس قبل هذا وما أريد بهذا الخلق، ولو أراد الله تعالى برجم الجبال لاحد لرجم الكفار وكفانا مؤنتهم. فقال رجل من الحاضرين: أيها الأمير! لا تحرمنا الشهادة إن كانت حضرت، فإنما قصدنا ثواب ms1450 الله تعالى، دعنا وحدنا حتى نتقدم بإذنك، فلعل الله عز وجل أن يفتح على أيدينا، فقال الأفشين: # اعزموا على بركة الله وعونه أي يوم أردتم - ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # فعبى الأفشين الجيوش، وأحدقت بالتل الذي عليه آذين (2) صاحب جيش بابك، وجعل على كل ناحية واحدا من أصحاب الجيوش مثل أبي سعيد وجعفر الخياط # PageV08P438 # وأحمد بن الخليل. فتقدم أبو سعيد في جماعة وحمل الناس حملة واحدة وكان آذين (1) قد هيأ فوق الجبل عجلا عليها صخر، فلما حمل الناس عليهم دفع العجل على الناس، فأفرج الناس له لما رأوا العجل قد خرج [من] الصخر. # فلما رأى بابك الناس ‌قد أحدقوا به من كل جانب ولم تنفعه حيلته من العجل راسل الأفشين من حيث أن سمع كلامه أن يأخذ له أمانا من أمير المؤمنين، فوعده الأفشين بذلك، وطلب الرهائن على صدقه. والأفشين على ذلك إذ أقبلت البشارة أن أعلام المسلمين (2) قد دخلت البذ وصعدت قصور بابك، وكان قد كمن في قصور بابك ستمائة رجل، وهي أربعة قصور، ففتح الكمباء أبواب القصور وخرجوا رجالة يقاتلون الناس، ومر بابك خارجا على وجهه حتى دخل الوادي (3)، وأمر الأفشين النفاطين وأصحابه أن يضربوا البلد وتلك القصور بالنار، فأحرقت كلها وهدمها وجعلها قاعا صفصفا، وقتل أصحاب بابك الذين في القصور والبذ عن آخرهم، وسبى أولاد بابك وأهله، وهرب بابك إلى ناحية إرمينية، فكتب الأفشين إلى ملوكها وبطارقتها وأمرهم أن يحفظ كل واحد ناحيته (4) ولا يسلكها أحد إلا أخذوه حتى يعرفوه، فجاء الجواسيس إلى الأفشين فأخبروه بموضعه في الوادي وكان واديا كبيرا فيه العشب والشجر، طرفه بإرمينية وطرفه الاخر بأذربيجان ولم يمكن الخيل أن تنزل فيه، فاستخفى فيه لكثرة الشجر ومياهه وجعل الأفشين على كل طريق خيلا من أربعمائة إلى خمسمائة. فورد كتاب المعتصم مختوما بالذهب فيه أمان لبابك (5). # فدعا الأفشين رجلا يحمل إليه ذلك، فلم يجسر أحد أن ينزل به من أولاده ولا من أصحابه، فقام رجلان منهم فقالا: اضمن لنا أنك تجري على ms1451 عيالنا رزقا، فضمن لهما ذلك، وأخذا الكتاب وتوجها به، وكتب معهما ابن بابك الكبير كتابا يعلمه الخبر ويسأله أن يصير إلى الأمان فهو أسلم له. فلما قرأ بابك كتاب ابنه ضرب عنق من حمله، وعلق كتاب الأمان على صدره ولم يفضه، وقال للاخر: اذهب إلى ابني # PageV08P439 # وقل له: لئن عشت يوما واحدا وأنت ملك كان أصلح من أن تعيش أربعين سنة عبدا. # ولم يزل بابك في تلك الغيضة حتى فني زاده (1). وكان أصحاب مسالح الأفشين كلهم يحفظون الأرض، فأصاب بابك الجوع فأشرف، فإذا هو بحراث على فدان له في بعض الأودية، فقال لغلامه: انزل إلى هذا الحراث وخذ معك دنانير، فإن كان معه خبز فخذه وأعطه! وكان للحراث شريك، فنظر إلى الرجل من بعيد فأخذ خبز شريكه، فظن أنه يأخذه غضبا، فعدا إلى المسلحة وأعلمهم أن رجلا جاءهم وعليه سيف وسلاح، فركب صاحب المسلحة وكان في جبال ابن سنباط، [ووجه إلى سهل بن سنباط بالخبر، فركب ابن سنباط -] (2) وجماعة معه حتى صار إلى بابك، فنزل ابن سنباط فقبل الأرض بين يديه وقال: يا سيدي! إلى أين تريد؟ # قال: بلاد الروم، فقال: لا تجد أحدا أعرف مني بحقك وليس بيني (3) وبينك لسلطان عمل، ولا يدخل علي أحد وأنت عارف بقصتي (4)، فكن عندي في حصني هذه الشتوة وبعد ترى رأيك فأنا عبدك، فركن بابك إلى كلام ابن سنباط وأقام في حصنه. فكتب ابن سنباط إلى الأفشين يعلمه أن بابك عنده عبد الله [في حصن] ابن اصطفانوس (5) أخوه جميعا عندي في الحصين. فكتب إليه الأفشين: إن كان هذا صحيحا فلك عندي وعند أمير المؤمنين ما تريد، ووصف الأفشين صفة بابك لرجل من خاصته ووجه به إلى ابن سنباط، وكتب إليه يعلمه أنه قد وجه برجل يحب أن يرى بابك، فقال للرجل: ليس يمكن أن تراه إلا في الوقت الذي يكون فيه منكبا على طعامه للغداء، فإذا رأيتنا قد طلبنا الغداء فالبس ثياب الطباخين الذين معنا على هيئتنا فتفقد منه على ما تريد. ففعل ms1452 ذلك، فرفع بابك رأسه فأنكره وقال: من هذا الرجل؟ فقال ابن سنباط: هذا رجل نصراني من أهل خراسان منقطع إلينا منذ كذا وكذا سنة، فقال بابك: لم طاب لك المقام ههنا؟ قال: تزوجت. قال: صدقت، # PageV08P440 # يقول المثل (1): من أين أنت؟ فيقول: من حيث امرأتي. # ثم رجع إلى الأفشين ووصف له ما رأى، فوجه الأفشين أبا سعيد وبوزباره إلى ابن سنباط وكتب معهما إليه [وأمرهما ألا يخالفا ابن سنباط فيما يشير به -] (2) ففعلا ذلك. فكتب ابن سنباط إليهما بالمقام في موضع ذكره لهما، وأنفذ إليهما بالميرة الكثيرة (3). ثم إنه قال لبابك: أنت مغموم في هذا الحصن، وههنا واد طيب، فلو خرجنا إليه ومعنا باز وباشق نتفرج إلى وقت الغداء في الصيد؟ فقال بابك: إذا شئت فافعل ذلك. قال: وكتب ابن سنباط إلى أبي سعيد وبوزباره يعلمهما بذلك وبما قد عزم عليه، ويأمرهما أن يوافياه واحد من ذا الجانب والاخر من الجانب الاخر بعسكريهما، وركبا بالغداة وواعدهما إلى موضع كذا وكذا، فأنزلا وأخذا بابك فجاءة. # فلما نظر بابك إليهما وأحدقت به العساكر قالا له: انزل! قال: ومن أنتما؟ # فقال أحدهما: أنا أبو سعيد، والاخر: بوزباره. فقال: نعم، فثنى رجله ونزل، ونظر إلى ابن سنباط فشتمه وقال: بعتني ليهودي بالشيء اليسير، لو أردت لأعطيتك أضعافه، فقال أبو سعيد: فاركب إذا، فحملوه إلى الأفشين وعليه دراعة بيضاء وخف قصير. فلما وقف بين يدي الأفشين حبسه مع أخيه في بيت واحد (4). وكان وصول بابك إلى الأفشين ببرزند، وذلك لعشر خلون من شوال سنة اثنتين وعشرين ومائتين. # وكان المعتصم قد أوقف على كل رأس فرسخ من سامرا إلى معسكر الأفشين فرسا مضمرا يحمل الثوب إليه وكانت الخريطة تصل إليه في أربعة أيام أو أقل من الأفشين إلى سامرا. ولقد قالوا: لما قدم الأفشين على المعتصم ببابك تلقاه هارون بن المعتصم وأهل بيته (5)، وأراد أن يشهره ويريه للناس. فقال: على أي شيء يحمل هذا وكيف يشهر؟ فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين! لا شيء أشهر من # PageV08P441 # الفيل، قال: ms1453 صدقت، وأمر بتصنع (1) الفيل كعادته، وحمل بابك عليه في قباء ديباج وقلنسوة سمور، فقال محمد بن عبد الملك الزيات في ذلك: # قد خضب الفيل كعاداته * يحمل سلطان خراسان والفيل لا تخضب أعضاؤه * إلا الذي شأن من الشان فلما دخل إلى المعتصم من باب العامة أمر أن يحضر سياف بابك - وكان اسمه نورنون (2) - فحضر، فأمر أن يقطع يدي بابك ورجليه، فقطعهما فسقط، فأمر بذبحه، وشق بطنه واحتز رأسه ووجه به إلى خراسان، وصلب بدنه بسامرا عند العقبة. # وأمر المعتصم لسهل بن سنباط بألف ألف درهم وتاج البطرقة ومنطقة مغرقة بالجوهر، ولابنه معاوية بمائة ألف درهم. وكان يعطي لأفشين كل يوم يحارب‌ فيه عشرة آلاف درهم سوى الارزاق والأموال والمعاون، وفي كل يوم لم يركب فيه خمسة آلاف درهم. ثم إن المعتصم توج الأفشين وألبسه وشاحين بالجواهر ووصله (3). # وكانت مدة قتاله سنتين وخمسة أشهر وأياما (4) - والله أعلم -. # ولقد كانت مدة خلافته (5) مثل مدة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه، وكان عمره أربعا وعشرين سنة، وكانت وفاته بسامرا في القصر المهذب (6)، وصلى عليه أحمد بن محمد بن [أبي] (7) إسحاق المعتصم بالله - وهو المستعين بالله -، وكنيته أبو # PageV08P442 # العباس (1)، ودفن في موضع يقال له الجوسق. وصار الامر من بعده إلى المستعين بالله، ثم خلع نفسه بعد ثلاث سنين وثمانية أشهر وعشرين يوما (2) # فهذا آخر الفتوح. # والله أعلم وأحكم (3). # PageV08P443 ms1454