######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006794 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الحكيم الترمذي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الأعضاء والنفس #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006794 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6794 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6794 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # عونك اللهم وحدك وصلواتك على محمد وآله، الحمد لله ولي الحمد وأهله: أما ~~ما سألت عن صفة القلب وأسمائه، و ### | صفة الصدر # وأحواله، وصفة النفس. وصفة إبليس وجنوده، وبيان سلطانه عليها وعللها ~~وشأنها وأحوالها وبدئها، وصفة المعرفة وما في حشوها، وصفة النور ولباسه، ~~وصفة خلق آدم عليه السلام المائة خلق، وصفة جنود المعرفة، وصفة العقل ~~ومعدنه ومجلس قضائه وأعوانه، وصفة مدائن المعرفة، وقراها وأسوارها وعمارها، ~~وبيان صفة المعسكر وبيوت الدواوين وخزائن الطاعات ومعادن الحكمة وسجون ~~النفس، وخلقة آدم، وبيان اسمه، وترجمة لا إله إلا الله، وبيان قوله: (ألست ~~بربكم) ، وتفسير اسم إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، وتفسير اسم إبليس ~~واسم فرعون، وتفسير قوله: (الله نور السماوات والأرض) . وتفسير شجرة ~~الزيتون، وتفسير شجرة طوبى. فهذه ثلاثة وثلاثون مسألة ولها غور بعيد لا ~~يمكن استقصاؤها لبعد قعرها، وسنذكر منه ما يفهمه ذو اللب، فإن الفؤاد أول ~~مدينة من مدائن النور، وللنور سبع مدائن: أولها: الفؤاد ثم الضمير ثم ~~الغلاف ثم القلب ثم الشغاف ثم الحبة ثم اللباب. # فالضمير قلب الفؤاد، والغلاف قلب الضمير، والقلب قلب الغلاف، والشغاف قلب ~~القلب، والحبة قلب الشغاف، واللباب قلب الحبة وهو معدن النور، فهذه سبع ~~مدائن بعضها في بعض. ولكل واحدة منها باب، ولكل مفتاح، وعلى كل باب ستر، ~~وبين كل واحد وواحد حائط، ومن وراء كل حائط خندق. ### | صفة الأبواب # أما باب الفؤاد فمن نور الرحمة، وأما باب الضمير فمن نور الرأفة، وأما ~~باب الغلاف فمن نور الجود، وأما باب القلب فمن نور المجد، وأما باب الشغاف ~~فمن نور العطاء، وأما باب الحبة فمن نور الألوهية، وأما باب اللباب فمن نور ~~العطف، وأما نور العطف فمن نور القربة، ونور القربة من نور الشفقة، ونور ~~الشفقة من نور الإرادة، ونور الإرادة من نور نور الإرادة وهو نور المحبة، ~~ونور المحبة من نور المنة، وهو علم دقيق لا يمكن فحصه. ### | صفة الستور # فأما ستر الفؤاد فالجمال، وأما ستر باب الضمير فالجلال، وأما ستر باب ms01 ~~الغلاف، فالسلطان، وأما ستر باب القلب فالهيبة، وأما ستر باب الشغاف ~~فالقدرة، وأما ستر باب الحبة فالعظمة، وأما ستر باب اللباب فالحياء، ~~والحياء من ستر الملك. ### | صفة المفاتيح # فأما مفتاح باب الفؤاد فالإقرار، وأما مفتاح باب الضمير فالتوحيد، وأما ~~مفتاح باب الغلاف فالإيمان، وأما مفتاح باب القلب فالإسلام، وأما مفتاح باب ~~الشغاف فالإخلاص، وأما مفتاح باب الحبة فالصدق، وأما مفتاح باب اللباب ~~فالمعرفة. # صفة الصدر # فأما الصدر فإنه مصدر الأمر ومعدن المشورة والقضاء ومجلس الملك وهو ~~العقل، وهو ربض المدينة وما والاها. # وللمدينة فيه أربعة أبواب؛ شارعة إليه وهو ميدان عظيم ومجلس بهي فيه ~~قناديل الرحمة، ومصابيح النور تزهو فيه من النور الذي في القلب، وشموع ~~لواحة تبرق بضوئها ونورها، من ذلك ما روى محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي ~~صالح عن ابن عباس وما روى الربيع عن أبي بن كعب في قوله عز وجل: (الله نور ~~السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة) ، قال ~~المصباح النور والزجاجة القلب والمشكاة الصدر، فكما دخل هذا المصباح في ~~الزجاجة فأضاء فكذلك أضاء الصدر ثم نزل الضوء من الكوة وهي المشكاة، فكذلك ~~نزل النور من الصدر فأضاء الجوف كله وهو النفس، وقال (أفمن شرح الله صدره ~~للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) ، وفيه معادن ~~ودرجات ومحاصل من قوله: (وحصل ما في الصدور) وفيه ساحة لطي الملك ومعسكره، ~~وموضع قضائه، وتزيين العمال، ومحشد الجيوش، وبحث الجنود وستور الرحمة، وله ~~سبع حيطان وسبع خنادق. ### | صفة الحيطان والخنادق # فأما حيطانه فله سبعة حيطان حوله ما بين كل حائطين منها خندق، فأما ~~الحائط الأول وهو الذي بينه وبين النفس فهو الاستعاذة، والثاني: من الذكر، ~~والثالث: من الاستنصار، والرابع: الاستغاثة، والخامس: المجاهدة، والسادس: ~~من التوكل، والسابع: من التسليم. # وأما خنادقه: فالظفر، والذكر، والعون، والنصرة، والهداية، والحسبية، ~~والنجاة. ### | تفسير الخندق # PageV01P001 # فأما الظفر، فهو خندق الاستعاذة من قول الله عز وجل: (فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ms02 ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون) ، فوعد على الاستعاذة حيث قال: (ليس له سلطان على الذين ~~آمنوا) ، سلب سلطان العدو، وسمي المستعيذ مؤمنا، وسمي المؤمن متوكلا حيث ~~قال: (وعلى ربهم يتوكلون) ، ثم وصف سلطانه، فقال: (إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه) . # وأما الذكر: فإنه خندق الذكر من قول الله جل وعز: (فاذكروني أذكركم) ، ~~فوعد على ذكرك له ذكره لك، ثم قال: (ولذكر الله أكبر) ، جلل ذكره وعظمه من ~~أن تناله أحد كما هو له أهل، وقيل في الحكمة، ذكر العبد بين ذكر الرب بذكره ~~الرب بالرحمة، فبذكره العبد من ذكره له بالثناء والحمد والعبودة، فبذكره ~~الرب بالتوبة والشكر والمغفرة والقبول، فذكر الله حرز وثيق وحصن حصين. # وأما العون: وهو التوفيق فإنه خندق الاستعانة إذ أمر بذلك في أم الكتاب ~~والسبع المثاني والقرآن العظيم، وشرط لعبده على نفسه أن نصفه له ونصفه ~~لعبده وأن لعبده ما سأله فقال: قل، (إياك نعبد وإياك نستعين) ثم قال: ~~(واستعينوا بالصبر والصلاة) ، فشهد لمن استعان به بالخشوع، واليقين بلقائه، ~~والرجوع إليه عند البعث، فقال: (إنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون ~~أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون) ، ثم قال: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ~~ورحمة) ، ثم شهد في الآية بالهداية لمن استعان به فقال: (أولئك هم ~~المهتدون) . # وأما النصر: فإنه خندق الاستنصار من قوله جل وعز: (إن تستفتحوا فقد جاءكم ~~الفتح) فوعد النصر على حد الاستنصار حيث قال: (فقد جاءكم الفتح) ، ثم قال: ~~(إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) . # وأما الهداية: فإنه خندق الجهاد في قوله: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو ~~اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم ~~المسلمين) الآية فأمر بالجهاد حق الجهاد ثم بين لهم منزلتهم عنده ~~وخصوصيتهم، فقال مبرزا لمنته عليهم طالبا لشكره منهم هو اجتباكم، فأنتم أهل ~~جبايتي جبيتكم من بين خلقي، فأنتم عبادي المجتبون ثم برهم وألطفهم وأظهر ~~لهم العذر وبين الحجج فإنه لم يحملهم إلا ما يطيقون، فقال: (وما جعل ms03 عليكم ~~في الدين من حرج) ، ثم نسب ملتهم إلى خليله إبراهيم يحرضهم عليها، فقال: ~~(ملة أبيكم إبراهيم) ، وشهد لهم بالنبوة لإبراهيم عليه السلام، أي كأنه إذا ~~هم من نفسه، أي بكرامة الآباء ألحق بهم الأولاد وأحفظ لهم وأتعدهم، من ذلك ~~قوله: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم) ، ومن ~~قوله: (وكان أبوهما صالحا) ، أي فإني إنما حفظت كنزهم تحت ذلك الجدار وعينت ~~خليلي الخضر لإقامته بسبب صلاح أبيها، ثم قال: (رحمة من ربك فإن رحمتي قريب ~~من المحسنين) ، ثم قال: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع ~~المحسنين) ، فوعد على الجهاد الهداية لسبله لا لسبيل واحد ثم شهد له ~~بالإحسان ونصره بمعيته. # رجعنا إلى ما كنا فيه، فقال: (هو سماكم المسلمين) ، فشهد لهم بالإسلام ~~ونسب تلك التسمية إلى خليله إبراهيم أي أنه أبوكم ومن أحق بتسمية الأولاد ~~من الآباء بود خليله وملته إليهم، ثم قال: (وفي هذا ليكون الرسول شهيدا ~~عليكم وتكونوا شهداء على الناس) ، حيث تجحد الأمم تبليغ رسل الله إليهم ~~الكتب، وحجج الله، ثم ذكره في آخره: (واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ~~ونعم النصير) ، حيث يتولى أموركم الكافر والمسلم وينصركم إذا استنصرتوه ~~ويرضى اليسير ويشكر الكثير ويكرم المطيع ويرحم العاصي ويقبل التوبة والحسنة ~~ويضاعفها، ويحط السيئة ويبدلها ويرفع الدرجة ويقبل العترة. # أما الحسبية: فإنه خندق التوكل في قوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه) ، ومن قوله: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) ، فشهد على المؤمن ~~بالتوكل. # PageV01P002 # وأما النجاة: فإنه خندق التسليم حيث ذكر من شأن إبراهيم وابنه عليهم ~~السلام، فقال: (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت ~~الرؤيا) . ثم قال: (وفديناه بذبح عظيم) ، (ونجيناه من الغم) ، ثم وعد بمن ~~فعل فعله بأن يعامله معاملته، فقال: (وكذلك ننجي المؤمنين) ، ثم شهد له ~~بالإيمان وسماه عبده، فقال: (إنه من عبادنا المؤمنين) ، ثم قال: (إنا كذلك ~~نجزي المحسنين) ، والإحسان هاهنا الإخلاص أي اختلس نفسه من نفسه ووفاء لربه ~~بما أمره به وتوكل عليه. ### | باب ms04 صفة الأبواب ### | التي على الصدر والبوابين # فالصدر له بابان شارعان إلى النفس، باب الأمر وباب النهي وبواباهما ~~المشيئة والقدرة، وعليهما ستران من الجبروت والملكوت وعلى البوابين لباسان ~~من نور الوحدانية والإلوهية حشوهما الرأفة واللطف والعطف والرحمة قد نسجهما ~~بنور السلطان والعظمة والهيبة والكبرياء. ### | باب صفة أساس الحيطان # فإن أساس الحيطان على سبعة أشياء على الشكر والرضا والصبر والإخلاص ~~والنية والقبول والإقرار. ### | باب المرمة والتعاهد # فأما استصلاح الحيطان ومرمتها وقوامها كي لا تنقض فتنهار أو تصيبها آفة ~~من ثقب أو ثلمة، أو نقص فثمانية أشياء وهي التهليل والتحميد والتكبير ~~والتمجيد والاستسلام والتسبيح والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ### | باب صفة النفس وما فيها # فإن النفس، نفسان: نفس ظاهرة، ونفس باطنة. # فأما الباطنة؛ فهي المذمومة، وأما الظاهرة فهي متابعة لمن قادها وغلب ~~عليها واستولاها من ذلك قول الله جل وعز عما يحكي عن شهادة يوسف عليه ~~السلام بالسوء فقال: "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء". # وقوله: (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا ~~يظلمون) ، فإنما تجادل في النفس الظاهرة النفس الباطنة، فقوله: (فقبضت قبضة ~~من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي) . وقوله: (تعلم ما في نفسي) ، ~~فهذه ### | صفة النفس الباطنة ### | وأما صفة النفس الظاهرة # فأنها تابعة لمن غلب عليها، "فإن غلب عليها" الملك وهو النور والعقل كانت ~~تابعة لهما فإن غلب عليها النفس الباطنة انقادت لها فمن قوله: (يوم تجد كل ~~نفس ما عملت من خير محضرا) لغلبة الملك عليها (وما عملت من سوء تود لو أن ~~بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه) ، أي نفس الشيطان وذلك أن هذه ~~النفس الباطنة نفس الشيطان ولها شأن نصفه في موضعه إن شاء الله، وقوله: ~~(ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من ذكاها) ، أي زكى، أي ~~أصلح النفس الباطنة لتصلح النفس الظاهرة بصلاحها، ومنه قوله تعالى: (يا ~~أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) ، وإنما قال المطمئنة لأن ~~الباطنة إذا ms05 قمعت وسجنت ووقى شحها، ضعفت وخمدت نيرانها، سكنت الظاهرة ~~واطمأنت من إساءتها لها ووقعت في راحة، ألا ترى إلى قوله تعالى: (ومن يوق ~~شح نفسه فأولئك هم المفلحون) ، فهاتان نفسان ظاهرة وباطنة كما وصفنا من ~~شأنهما، وهما مدينتان عظيمتان، "وبينهما تفاوت وتفاضل" وهما خارجان من ثلل ~~الحيطان والخنادق التي وصفنا وفيه أشياء ما لا يقدر وصفه مخافة طول الكتاب. # صفة النفس الباطنة # PageV01P003 # فأما صفة النفس الباطنة، فغن جوهرها من أخس التراب وأدناه وأخبثة وذلك ~~أنها من موضع موطئ إبليس ومرتكضه ومتخطاه وممشاه إذ كان فيها ملك ورئيس في ~~زي الملائكة مع ذلك الملأ فأصابها شؤم كفره لمواطئه عليها أياما في دهره مع ~~الشرك الذي كان فيه والكفر والتكبر إذ وصفه الله بالكفر وهو في لباس ~~التوحيد فشهد عليه بالكفر فأبطل ما أظهر من دينه بما كان في باطنه وضميره ~~من الجبلة عليه يوم خلقه فقال: (وكان من الكافرين) ، فلما خلق آدم من تراب ~~وجهه جميع الأرض أسودها وأحمرها خبيثها وطيبها سهلها وجبلها امتزج التراب ~~والموطئ والخطى بالأخرى فلما خلقه صار خلقة آدم عليه السلام على موطئه ~~وخطاه وصار الموطئ أخبث وأردأ من الخطوه "وسنصفه في موضعه إن شاء الله" ~~فصارت تلك التربة جوهر خلقة النفس، نفس آدم جبلة عليها ومنها، وصارت أس ~~النفس وقاعدتها، فلما فرغ منها وضعه تحت العرش فمر عليه إبليس وهو في زي ~~الملائكة. فقال لهم: أرأيتم أن أمركم الله بأمر أفتطيعونه! قالوا: نعم، ~~قال: فأنا لا أطيعه!! وذلك أنه نظر في أصل خلقته فعرف أنه خلق من ذاك ~~التراب فتهاون به، وقال إن أمرني أن أطيعه لم أطعمه وإن لم يطعن استنفرت ~~المجهود في استطاعته ونصبت الحرب بيني وبينه، قالت له الملائكة: ولم؟ قال: ~~لأنه خلق من تراب موضع قدمي وموطئ خطوتي وممشاي، فلي فيه وجهان: أما أحدهما ~~فهل يسجد الأب لابنه، والسيد لعبده، فإنه مني بمنزلة الابن أو العبد إذ خلق ~~من مرتكض رجلي وممشاي وما مسحت به قدمي منذ ألفي سنة. # أما الوجه الآخر ms06 فإن موطئ الواطئ وخطوته كبعض جسده، فلا بد لبعض الجسد من ~~الطاعة لبعضه، ولا بد لبعض الجسد الأدنى والأقل من الطاعة لبعض الجسد ~~الأعلى والأكبر، فقاس بهذه الأشياء أمر الله وخلقه، فأول من قاس اللعين ~~أبعده الله. ### | احتجاج إبليس # فيم احتج؟ قيل له: ما الدليل على ما احتج إبليس وما بيانه، وبيان حججه، ~~ما هو موجود مما قصده، قال: أرى احتجاجه في ذلك من قول الله تعالى: (فقبضت ~~قبضة من أثر الرسول) ، أي كان تلك القبضة من موطئ فرس جبريل عليه السلام ~~وكان على فرس الحياة، وإنما أخذ موضع حافره لما كان فيه من الحياة، فأينما ~~طرح من تلك القبضة أحيا كل شيء، وهو في قصة السامري يقول: فلو لم يكن ذلك ~~التراب من الفرس لما كان يحيا منه كل ميت ومنه قوله: (إنا نحن نحيي الموتى ~~ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) ، يقول: فإن الله ~~يكتب للمؤمن وعلى الكافر ما قدم من خير أو شر وآثارهم؛ والآثار: أي ما تحت ~~القدم، فيلحق الآثار بالأفعال، والآثار من الأجسام كما أن الأفعال من ~~الأجسام، ومن قوله عز وجل: (ولا يطئون موطئا يغيض الكفار ولا ينالون من عدو ~~نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح) ؛ كقول الله تعالى: نلحق، أي نجعل الموطئ من ~~العمل فموضع الوطء، والموطئ من الجسد كبعضه، فكأنه يقول: لو لم يكن الموطئ ~~من الوطئ كبعض الجسد لما جعل النيل والموطئ في الأجر سواء، فكما أن الوطء ~~من الواطئ، كذلك موضع الوطء من الموطئ، فهذه صفة النفس الباطنة والظاهرة. # PageV01P004 # رجعنا إلى ما كنا فيه من شأن النفس، فالموطئ إنما هو موضع القدم وخطوته، ~~وكان إبليس يوم وطئ تلك التربة كافرا في علم الله مطيعا في الظاهر كما وصف ~~الله، وكان من الكافرين ومن قوله: (اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) . فكما ~~وجدنا لمقام إبراهيم عليه السلام من الكرامة والمنزلة ما جعله الله قبله ~~لمن آمن، وأمرهم بأن يتخذوه مصلى وليس هو إلا أثر قدم في حجر ms07 فوقع لقدمه من ~~الحرمة ما إن اتخذ موضعه وأثره قبله لخلقه لا تقبل الصلاة في الآفاق إلا ~~به، فلم تقع له هذه الحرمة إلا أنه عد من القدم ولحقه به، كأنه هو القدم ~~نفسه، والقدم قد زال عنه وأبلته أيدي اللامسين واختلاف الزائرين، فليس إلا ~~رسم قد ذهبت عنه آثار الأصابع، فذلك لمقامي وقدمي وموطئي وآثري وخطواتي من ~~المنزلة مني، أي أعده من نفسي وبعضي وعضوي، ومنه في حديث آدم عليه السلام ~~حين أهبط إلى الأرض، في أرض عند ما يلي مطلع الشمس فجال جميع الدنيا، فما ~~كان تحت قدمه نالته رحمته وبركته فصار مدينة وما كان بين قدمه صار قرى، وما ~~لم يصيبه قدمه صار مفاوز، ومن ذلك فضل أهل المدينة على أهل القرى، فكما ~~نالت تلك التربة قدمه كذلك نالت شؤمه وكفره وكبره، وكما أضيف ذلك إلى آدم ~~عليه السلام، كذلك أضاف عدو الله ذلك الشؤم إلى نفسه وذلك أنه أدعى أن ~~الشؤم والكفر والعتو كان فيه قلما نالته التربة امتزج بها وصار كالشيء ~~الواحد ومنه سمي الخضر خضرا، لأنه أيما مشى في الأرض نالت بركته ولطفه ~~وطيبه فاخضر ما حول قدميه، وأصل الخضرة من نور الجلالة، وقوله عز وجل: (يا ~~أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) أي كونوا على الصلح الذي صولحتم ~~عليه، وهو الحلال والحرام خير أبوكم بين الحلال والحرام، وخير العدو، ~~فاختار أبوكم الحلال واختار العدو الحرام والفحش، واصطلحا على ذلك واصطلحت ~~ورثة إبليس على ذلك، فاصطلحوا نتم يا بني آدم على صلح أبيكم وما قد اختار ~~لنفسه ولكم من الطيبات، وما قد أباح لكم من خلال، (ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان) ، أي لا تتبعوا نفوسكم الباطنة، فإنها خلقت من خطوات الشيطان فإن ~~نهمتها نهمة الشيطان وما اختاره من الحرام فهذا السلم حصن لكم وكهف فادخلوا ~~في حصنكم وكهفكم إذ أحزنكم أمر من العدو (فإنه ليس له سلطان على الذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) ، فالسلم حصن، والتوكل حرز وثيق وخندق قعير وبحر ~~عميق. # وأما ما ms08 وصف في شأنه (وكان من الكافرين) ، فلما وطئها نالها من شؤمه وشؤم ~~كفره وظلمته وتمرده واستكباره الذي ظهر منه يوم السجود، فصار بهذا المعنى ~~كعضو منه فلما لعن صارت تلك التربة ملعونة حيث كانت، نالها ذلك السخط، فلما ~~رمى إليه الأباطيل صارت نهمة إبليس فيها ومراده من الدنيا ومطلبه ومحبوبه ~~ومسروره ومفرحه، ونالت تلك التربة في آدم ما نال صاحبها إذ كانت قد صارت ~~كعضو منه، فدبر إبليس عدو الله وقاس فوجدها في آدم عليه السلام قائمة ~~بعينها فاستغنمها منه إذ وجد آدم عليه السلام مجبولا على نهمة نفسه، أي ~~كأنه وجد مجبولا على عضو من أعضاء إبليس، فقال جسدي لا يعصيني، كيفما كان ~~فقوي بها عدو اله وفرح بما نال من الفرصة. # PageV01P005 # رجعنا إلى ما كنا فيه فلما أكرم الله آدم عليه السلام وأبرز فضله على ~~جميع الخلق، وأمره بالسجود فتكبر وأنف ليسجد لشيء رفع من تحت قدمه أدنى شيء ~~وأخسه، وقال (أنا خير منه خلقتني من نار) ؛ ذكر جوهره، والنار؛ من النور، ~~والنور من العزة، فأنا أحق أن يسجد لي، ثم ذكر جوهر آدم عليه السلام، فقال: ~~(وخلقته من طين) ، إن الطين من تراب والتراب ما الأرض، والأرض ممشاي وموطئي ~~فأسجد لنفسي؛ وأسجد لتحت قدمي، وأسجد لهوائي؛ فوصف الله ذلك في التنزيل ~~وحذر خلقه فقال: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) ، أي لا ~~تتبعوا الخطوة التي هي خلقتكم فإنها دعوة إبليس وهي تابعة صاحبها، وقال: ~~(وما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى) ، أي نهى النفس الطاهرة عن ~~الهوى والهوى الخلقة التي خلقت عليه وهي النفس الباطنة، وإنما سمى تلك ~~التربة نفسا لأن عدو الله ادعاها وإنما سماها هوى لأنها منتهى غلبت في ~~النفس الظاهرة وهويت بها إلى أمها فأمها الهاوية، وذلك أن إبليس خلق من ~~النار وذلك قوله: (وأما من خفت موازيمه فأمه هاوية) ، وقال: (أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه) ، ويقول: (اتخذ الهوى) ، أي نفسه الباطنة إلهه فجعل يطيعها ~~فيما تأمر أو تنهى، قد ms09 نصبها ربا بين عينيه ثم شهد عليهم إنهم كالأنعام ثم ~~ذكر بأنها أظل من الأنعام. # رجعنا إلى ما كنا فيه فلما صارت النفس الباطنة هوى إبليس وعضوا منه كما ~~ذكرنا أطاعت إبليس بما كان يأمرها من الفحش والأباطيل والمعاصي ولم يكن ~~للنفس الظاهر بد من الانقياد لها والطواعية فيما تشير فكانت تواتيها فيما ~~يكره الله وتخضع لها إذ كان فيها من الخبث مثل ما فيها وذلك إنها من تحت ~~القدم وهذه فيما بين القدمين الذي لم يطأها فأيد الله عبده بما وسع عليها ~~من الحلال وأباح لها وأحل وحرم؛ فنبذ الحرام والفحش إلى إبليس فرفعه ورمى ~~الحلال والحسن إلى العقل فرفعه، فأمر بالحرام إبليس فأطاعته النفس الباطنة، ~~فاشتهت النفس الظاهرة فأرادت أن تطيعها وتنقاد لها إذ كانت من جوهرها وإذ ~~كانت الشهوة فيها متحركة نبذ الله إليها بالحلال فتعلقت الظاهرة بها إذ كان ~~الغالب عليها ملكها فلم تنقذ للباطنة فعسكرت عليها الباطنة بجنود إبليس ~~وعسكر عليها الملك وهاجت الحرب فيما بينها وهي مذبذبة بين ذلك وتلك دار ~~الحرب لا سلم أبدا، والجوارح فيما حولها قرأها فمتى كانت الغلبة للملك ~~اطمأنت النفس الظاهرة ورضيت بما أحل الله لها ومتى كانت الغلبة لها كانت ~~منقادة منهوكة في الحرام. # PageV01P006 # رجعنا إلى ما كنا فيه من التحليل فأيد الله النفس الظاهرة بما أحل حتى ~~حلها من وثاق الهوى، وخلصها من سجنها، وأخرجها من رقها، فقال: (قل من حرم ~~زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) ، وقال: (كلوا مما في الأرض ~~حلالا طيبا) ثم قال على فوزه (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) ، ثم بين سبب ~~النهي فقال: (إنه لكم عدو مبين) ، فاعلم إن خطوات الشيطان هي التي تأمرك ~~بالسوء والفحشاء، وهي نفسك الظاهرة حتى تشتهي فأطعمها الحلال فإن الله أحل ~~وحرم فمن انتهى عن الحرام أبدل مكانه الحلال، وقال: (خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا) أي لم يكن لي فيما خلقت حاجة إنما خلقتها من أجلكم فخذوها من وجهها ~~ووحيها ما أحللت لكم فقد جعلت ms10 الحلال بينا والحرام بينا وما حرمت إلا ~~الخبائث والفواحش ومما لا لذة فيه، وما أحللت إلا الطيب واللذيذ فقال: ~~(كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) ، أي لا تطيعوا النفس الباطنة فإنها ~~تأمركم بالفحشاء والمنكر وقال: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا) ، أي من طاعتي في الحلال فإن في الحلال غنية عن الحرام، ~~قال الله جل وعز: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا ~~الله إن كنتم إياه تعبدون) ، فأباح أكل الحلال من الطيبات واقتضى الشكر على ~~ما أحل وأباح لا على النعمة، ثم قال: (إن كنتم إياه تعبدون) فجعل شكرك على ~~إباحته لك الحلال عبودة وتوحيدا، ثم اعتذر فيما حرم ووصف الحرام، فقال: ~~(إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله) ، أي إني ~~لم أحرم عليكم إلا مثل هذه فلو كنت أحللت لكم مكان هذه الطيبات تلك الفواحش ~~والحرام ما كنتم تصغون، وكيف كنتم تتأولون ذلك فاشكروني على إني أحللت لكم ~~شهوتكم التي تشتهون وحرمت عليكم ما تتقذرون وتخبث نفوسكم إذا ذكرتموها، ~~وقوله: (وما أهل به لغير الله) ، فالذي إذا ذبح لم يذكر عليه اسمي ما يصنع ~~به ذلك فقد اجتمع عليه سم الدنيا وذلك أن اسمي مبارك واسم الطاغوت والشيطان ~~شؤم وسم، فإذا لم يذكر اسمي وذكر اسم الطاغوت والشيطان كيف يهنئ ذلك في ~~البطون فإني إنما حرمت مثل هذه الأشياء، فقال: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~فلا إثم عليه) ، فاقتضى الشكر أيضا على أنه أحل لك الحرام في أوقات الضرورة ~~وأباح لك التناول، ثم قال: (إن الله غفور رحيم) ، أي لا يأخذ على ذلك ~~التناول من الحرام رحيم من رحمته أباح لك الحرام عند الضرورة، فهذا في ~~الدنيا، وما في الآخرة، (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن ~~الجنة هي المأوى) ، أي نهي نفسه الباطنة عن الحرام، وأعطاها من الحلال، ~~وقال: (لكم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين) لما انتهى عن اتباع النفس ms11 ~~الباطنة عن الحرام؛ فهذه صفة النفس الظاهرة والباطنة. # ولها أبواب سبعة شارعة إلى الجوارح، والجوارح سبع قرى حولها، فإذا كان ~~الملك لها أميرا عليها جاريا سلطانه كانت لها ساكنة والقرى مطمئنة يأتيها ~~رزقها رغدا من كل مكان فإذا كفرت بأنعم الله فأطاعت الباطن بالحرام وتركت ~~الحلال أذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون من موافقتها لما ~~كره الله لها. # PageV01P007 # وجعلنا إلى ما كنا فيه من شأن إبليس فلما أمر بالسجود تكبر فلعن، وقيل له ~~اخرج منها فأنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين، فأبلس وصار شيطانا رجيم ~~أبلس من كل خير، وسلب لباس الرحمة وصار عريان آيسا من رحمة الله وفاسقا ~~اجترا على الله، إذ قال له: خلقت خلقا أدنى مني وفضلته علي وهو ممن يعصيك ~~ويفسد في الأرض ويسفك الدماء وأشقيتني في جنبه وهو لم يطعك طرفة عين وأنا ~~قد عبدتك عبادة لا يصف الواصفون صفتها فما كان سبب ذلك؟ قال الله: (إني ~~أعلم ما لا تعلمون) ، قال: إذا سلطني عليه! قال: وما تصنع، قال: أجعله ~~عابدا لي؛ قال: هو لن يطيعك في ذلك، قال: إذا سلطني عليه، قال: لك ذلك، ~~قال: وهل يمكنني ذلك إلا بأجل والعمر الطويل، قال: ما تشاء، قال: (رب ~~فانظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) ، ~~قال: فبعزتك لأغوينه وولده أجمعين، قال: وكان آدم عليه السلام رجلا حييا ~~كريما لا يعرف الشر في الجنة مع زوجته يأكل منها رغدا حيث شاء فاحتال عدو ~~الله بكل حيلة للعداوة التي كانت فيه والحقد على ما شقى في جنبه وطرد من ~~الملكوت وغره بكل غرور حتى دخل الجنة كما هو في الحديث الطويل والقصة ~~الطويلة ثم لما دخلها تقدم إلى أهلها بالنصح والعطف، فقال داركما هذه إن لم ~~يكن لها خوف وموت، قالا ما هو؟ قال: هل نهاكما ربكما عن شيء؟ قال: نعم عن ~~هذه، قال: أف وأخذ بجبينه منحازا مريئا لهما أنه يحزن لهما، قالا: ما لك؟ ~~قال: أنا ms12 من الملائكة الذين يعلمون الغيب! قالا: وما تعلم من شأننا؟ قال: ~~(ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) ~~. ثم ألحق القسم بآخر الكلمة (إني لكما لمن الناصحين) فبما أعلمتكما من آخر ~~شأنكما، قالا: وما الحيلة؟ قال: (هل أدلكما على شجرة الخلد وملك لا يبلى) ~~فكلا من هذه فغرهما باسم ربهما، قال الله تعالى: (وقاسمهما أني لكما لمن ~~الناصحين فدلاهما بغرور) الآية فأخرجهما من الجنة فلما هبطوا إلى الأرض قال ~~اللعين معيرا من جرأة الكفر وحرقة الحقد ألم أقل لك أنه يعصيك ويطيعني ~~ويعبدني فمن أطاع شيئا عبده ومن عبده صار عبده فهو عبدي وفيه لي في أصل ~~الخلقة دعوى إذ خلقته من التراب، والتراب في الأرض، والأرض أثر قدمي وموطني ~~وممشاي وكان بها مسكني فخلقته في ملكي وملكي وموضع قدمي وقدم الواطئ حقه في ~~الحكم وبه عصاك إذ كان أصابه شؤمي وجرأتي وبه ظفرت عليه، قال: فما تشاء، ~~قال: سلطني عليه، قال: اذهب فقد سلطتك عليه فاطلب منه دعواك، قال: إذا ~~سلطني عليه فبعزتك لأغوينه وولده أجمعين، قال الله أن لي منه عبادا مخلصين ~~ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين، فقال إبليس اللعين (إلا عبادك ~~منهم المخلصين) فاستثناء اللعين على استثناء الرب جل وعز. ### | باب معاينة إبليس ### | وسؤاله الإله جل وعز الحرب على آدم عليه السلام وولده والعون والظفر # فقال يا رب إذ سلطتني عليه وشفيت صدري منه بما نبذت إلي مما سألت فزدني ~~قوة إلى قوتي، قال: تجري منه مجرى الدم، قال: يهزمني بذكرك، قال: قد وضعت ~~فيه النسيان والخطأ والغفلة، قال: ويغلبني بكثرة الولد، قال: لا يولد له ~~ولد إلا ولد لك مثلاه، قال: يغلبني بالقوة التي فيه، قال: اجلب عليهم بخيلك ~~ورجالك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم إن لا جنة ولا نار، فقال: شفيت ~~صدري منه لآتينهم من بين أيديهم الدنيا فأزينها في أعينهم ومن خلفهم ~~فأنسيها لهم وعن أيمانهم الذنوب فأزينها وآمرهم بها وعن شمائلهم بالتوبة ms13 ~~فأدخرها. ### | باب سؤال آدم عليه السلام ### | النصر والظفر على عدوه وإله الحرب وما يمنع به العدو من نفسه # PageV01P008 # فقال آدم صلى الله عليه سلطت علي عدوك وأيدته بقوتك فكيف أقواه، قال أحفك ~~بملائكتي، قال: زدني، قال: لا آخذك بالخطأ والنسيان، قال: زدني، قال: لا ~~أكتب عليك نية السيئة، قال: زدني، قال: فإن لم تعملها جعلتها حسنة، قال: ~~زدني، قال: أكتب لك ما نويت، قال: زدني، قال: إذا عملتها كتبت بعشر ~~أمثالها، قال: زدني، قال أزيدها سبعمائة، قال: زدني، قال: إلى أضعاف، قال: ~~زدني، قال: إذا عملت سيئة لم تكتب عليك إلى سبع ساعات، قال: زدني، قال: ~~رحمتي سبقت غضبي، قال: يا رب يغلبني بجنده وخيله، قال: لا يولد لك إلا وكلت ~~به من يحفظه، وذلك قوله تعالى: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من ~~أمر الله) ، قال: زدني، قال: التوبة مبسوطة إن تبت أو تاب أحد من ولدك إلى ~~سنة قبلت، وقال: زدني، قال: أرسل عليك رسلي، قال: زدني، قال: وأؤيدك بالصدق ~~ما لم تفارقه لن يغلبك، قال: زدني، قال: أعلمك كلامي، قال: زدني، قال: جعلت ~~الآذان وارثه لك في ولدك، قال: زدني، قال: اتخذ لك مسجدا تزورني فيه، قال: ~~زدني، قال: جعلت ذكري شرابا لك، قال: فما جنودي، قال: مائة خلق رأسهم ~~وقائدهم العقل، قال: ما العقل؟ وما الجنود؟ قال: العقل ملك الملك وهو ~~المعرفة وقائد العقل ومعدنه في الدماغ ومسكنه في الصدر وسلطانه في جميع ~~الجسد وله مائة أعوان كل عون على أمر. ### | باب سؤال إبليس المدد ### | وإله الحرب والجنود والأعوان على آدم عليه السلام # ثم تقدم عدو الله إبليس، فقال سلطت آدم علي بعد ما جعلتني مذموما مدحورا ~~وأشقيتني في جنبه وسلبتني خلعة الكرامة ولباس الملائكة من أجله وأعطيته إله ~~الحرب والجنود ونصرته وقويته وقضيت الحرب بيني وبينه فما آلتي؟ وما جنودي؟ ~~قال: ما تشاء، قال: أعطيته الكتب فما كتابي؟ قال: قال كتابك الوشم، قال: ~~فما رسلي؟ قال: الكهنة، قال: فما حديثي؟ قال: الكذب، قال: ms14 فما قرآني؟ قال: ~~الشعر، قال: فما مؤذني؟ قال: الغناء والمزمار، قال: فما مسجدي؟ قال: السوق، ~~قال: فما بيتي؟ قال: الحمام والكنائس، قال فما طعامي؟ قال: ما لم يذكر عليه ~~اسمي، قال: فما شرابي؟ قال: كل مسكر، قال: فما مصائدي؟ قال: النساء، قال: ~~فما سلاحي؟ قال: النساء، قال: أعطيته جنودا، فما جنودي؟ قال: من مائة خلق ~~من أخلاق السوء، والهوى مليكهم ضد كل خلق من أخلاق آدم صلى الله عليه، قال ~~فرضي اللعين. ### | باب صفة المعرفة وصفة لباسها # PageV01P009 # قال الله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله) ، فالقلب مضغة خلقها الله من بطانة الأرض مما ~~لم يمسه وطء إبليس ولا خطوته لأنه كان في سابق علمه أنه معدن معرفته ومن ~~ذلك لا يجد الشيطان عليه سبيلا، حيث قال: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) ، ~~أي على قلوبهم، ومنه قيل القلب بيد الرحمن ومنه في الحديث أنه سأل ربه خصلة ~~فقال ما هي يا إبليس، قال: السبيل على قلبه، قال: ذلك محرم عليك أن تدخله ~~أو تسلط عليه، ولكن لك سبيل ومجرى من النفس في العروق إلى حد القلب وأصل ~~العروق في النفس ورأسها في القلب، فإذا دخلت العروق وجريت فيها عرقت من ضيق ~~المجرى فامتزج عرقك بماء الرحمة في مجرى واحد وجرى إلى القلب مع شؤمك ونفخك ~~ونتنك وظلمتك ووصل إلى القلب سلطانك فغلبت صاحبه ومن أردت به ضرا أو اخترته ~~وجعلته وليا وصديقا ونبيا، قلعت العروق من باطن القلب ونزعتها منه فصار ~~القلب سليما فإذا دخلت العروق وجريت فيها لم ينله شؤمك ولم يصل إليه سلطانك ~~ولا ظلمتك إذ كانت أصل العروق منقطعة من باطن القلب وصار ما بين القلب وبين ~~أصل العروق فرجة فرضي اللعين بذلك، وقد ذكر الله تعالى في كتابه فقال: (إلا ~~من أتى الله بقلب سليم) ، القلب السليم الذي نزعت منه أصل العروق ثم ختم ~~عليه، فالقلب وإن كان شريفا فإنه قد خلق مما خلقت منه ms15 النفس ولكن التفضيل ~~مما بينهما أن النفس خلقت من أديم الأرض وظاهرها، والقلب من بطانة الأرض، ~~والأرض خلقت من كدورة الماء وخبثه وزبده وأصلها من الماء فهي يابسة خشنة، ~~والنور من اللطف فإذا تخلى القلب من النور ومائه ورطوبته ولطافته، رجعت إلى ~~جوهرها من الأرض يابسة خشنة فإذا دام بها ذلك قسا القلب أي يبس وصار إلى ~~حالتها وجوهرها، ولما احتج إبليس بما احتج على آدم عليه السلام وفضل نفسه ~~عليه نظر في نفسه واعتبر جوهره فقال: (خلقتني من نار وخلقته من طين) والنار ~~من النور وخلقته من تراب، والتراب من الظلمة، ولم يلتفت اللعين إلى أن ~~التراب من الطين والطين من الماء والماء حياة كل شيء، والماء يطفئ النار ~~فلذلك احتج بما احتج. ### | أما أصل معرفة المعرفة ومعرفة جوهرها # PageV01P010 # فإن الله لما أراد أن يخلق آدم عليه السلام جمع وجه أديم الأرض في الموضع ~~الذي أراد أن نتخذ منه البيت وهو الكعبة، ثم رفع تربتها منه وعجنها بماء ~~الرحمة، ثم جعل فيه نور المعرفة، وامتزج بها ماء الرحمة، ثم جعل فيه نور ~~المعرفة كالخميرة، ثم خمرها ووضعه أربعين يوما حتى نشف فيها نور المعرفة، ~~وامتزج بها ماء الرحمة، وخرج ونزع ما كان في باطنها إلى ظاهرها من النور ~~والبهاء ثم فتح خزائن الصور فاختار أحسن صورة فرفع مثاله وصورته منها ثم ~~رفعها فصور منها آدم عليه السلام على أحسن صورة، ثم نفخ فيه من نور الحياة ~~فأحياه بالنور وحركه بالنفخ، والنور الروح وهو روح الحياة فإن للروح حياة ~~فلم تدب الروح في جسد آدم عليه السلام ولم تمد عروقه منه حتى قذف الله ~~المعرفة وهو اصل النور الذي كان وضع في آدم عليه السلام حيث خمر طينته به ~~فلما التقى نور المعرفة والمعرفة في القلب انتشرا وابتهجا واقتربا حتى ~~اتصلا، فلما اتصلا حتى تعارفا فلما تعارفا عرف النور المعرفة والمعرفة ~~النور إذ كانا متصلين في البدء في مكان واحد عند الملك الأعلى منتصبا بين ~~يديه فاجتمع نوراهما على القلب ms16 وسطعا بنوريهما فأنارا القلب وأضاء في سلطان ~~النور وسطع منهما شعاع إلى العرش فوقف بين يدي الجليل فأتبع القلب بصر عينه ~~حتى انتهى منتهى الشعاع فشاهد المعرفة وأبصر الجلال وحجب إليها فالتقى نور ~~المعرفة ونور الشعاع وهو نور المعرفة والمعرفة بنفسها، فعرف ربه فلما أذن ~~له بالكلام أتى بما كان عاين وشاهد وعرف فقال: لا إله إلا الله فلما التمس ~~الروح المنقذ والسبيل للخروج إذ ضاق به ذرعا في الكون في موضع مضيق كريه ~~هائل وقد كان مخلي عنه في ساحات الملكوت فلم يجد السبيل اضطرب فنظر إليه ~~الرب نظرة حتى خر نار تعد من هيبة سلطانه فسكن فخرج التنفس منه ثم استقر، ~~فقال الحمد لله فلما أخرج ذريته منه نالهم ذلك النور الموضوع في أبيهم يوم ~~التخمير بالجصص فصار لكل منه حظ على قدر ما كان في القضاء في سابق علمه فمن ~~كان في سابق علمه أنه لا يؤمن لم يؤيده بالمعرفة ولم يمده بها وتركه على ~~ذلك النور الذي جبل عليه أبوه آدم عليه السلام فلم يعرف ربه لأنه لم يقذف ~~إليه المعرفة ليعرف النور المعرفة والمعرفة النور فيعرف صاحبها ربه وعلمه ~~أن سألته عنه ولم يعرفه ومن ذلك قوله: (فطرة الله الذي فطر الناس عليها) ، ~~وهو النور نور المعرفة، وقوله: (ولئن سألتهم من في السماوات والأرض ليقولن ~~الله) ، ومن كان في سابق علمه أنه يؤمن أمده بالمعرفة وقذفها إليه فالتقيا ~~وتعارفا وسطع نوراهما إلى الملك فدلا صاحبهما على ربه فاتبع القلب بصره إلى ~~ما سطع فوحدهما بين يدي الجليل في نور القربة فعرف العبد ربه، فمن ذلك قوله ~~تعالى: (أفمن كان على بينة ربه) ، وهو نور المعرفة ويتلوه شاهد منه وهو ~~المعرفة وإنما جمع تربته في موضع الكعبة كان في سابق علمه أن يتخذها لهم ~~قبلة. ### | وأما المعرفة # فأنه سئل أفعل الله هي أم فعل العبد، قال: المعرفة هي من العبد والمنسوبة ~~إليه وبها يصير محمودا عند ربه وبخلوه عنها يصير مذموما ولكن السبب الذي به ~~يصل ms17 العبد إليها خمسة أشياء، وهن لسن إليه ولكن محمود عند ربه باستعمالها ~~ومدرك ربه معرفة وبه وهن: الفهم والذهن والذكاء والحفظ والعلم، وهو ذكر ~~الفطرة وهن من الله لعبده وليس إلى عبده منهن شيء ولكنه محمود باستعمالهن ~~مذموم بترك استعمالهن. ### | وأما نور المعرفة # PageV01P011 # فهو من الله ربه ليس إلى العبد منه شيء وذلك أن الله عز وجل لما أراد أن ~~يخلق آدم عليه السلام خمر طينته بيده وولي تصويره نفسه وخلقه من شيئين من ~~أدنى شيء وأخسه وهو التراب وأعلى شيء وأشرفه وأطيبه وألطفه وهو ماء الرحمة ~~ووضع فيها شيئا أشرف الأشياء وأبهاها وأنورها أخرجه من خزان الربوبية وقده ~~بعلم الوحدانية عليه لباس الألوهية محشو بنور الجلال والفردانية، يحكي عن ~~رب كريم وإله عظيم وقادر لطيف ليس كمثله شيء وهو الحكيم الخبير، وهو نور ~~المعرفة ثم وضع فيه تلك الخمسة الأشياء التي ذكرناها ثم وضع الطينة تحت ~~عرشه أربعين خريفا حتى تشرب فيه كل ما وصفنا وخلص إلى كل عضو وعرق ومفصل ~~منه من قرنه إلى قدمه ثم نفخ فيه الروح حتى امتلأ منه واستقر فأخذ كل شيء ~~في آدم حظه من نفخ الروح ومن النور الذي وصفنا ومن قربة التصوير وصنعة اليد ~~ومن تلك الخمسة الأشياء التي وصفنا وأصابت جميع ذريته حظوظهم من ذلك كله هم ~~في صلبه كل على حياله وحصنه وصارت تلك الثلاثة عندهم آية لربهم ودليله عليه ~~واستدلوا بها على ربهم إذ نالوا من التصوير وصنعة اليد القربة ونالوا من ~~النفخ الحياة إذ كانت الحياة من حياته فحيوا به، ومن النور الذي ذكرنا وهو ~~نور المعرفة بالرؤية بلا كيفية ولا حد وإنما رأوا ذلك بتلك الخمسة التي ~~ذكرنا لو لم يكن تلك لم يقيموا على ذلك كله ولم يقدروا على معرفته. ### | أما الذهن # فيه يوصل إلى كل ما خفي عليه، وأما الفهم فبه يدرك الغيب، وأما الذكاوة ~~فبه يستخرج المكنون بالتحقيق، وأما الحفظ فبه يحاط، وأما العلم فبه يذكر ما ~~غاب، فباستعمال هذه عرفوا ربهم وبها ms18 فهموا عن ربهم، ووقفوا على صانعهم ~~وحفظوا ما نالوا منه وأسماؤهم في المقادير وهم في صلب أبيهم آدم عليه ~~السلام ذلك هدي العلي العظيم العليم، فلما أخرجهم من صلبه يوم الميثاق ~~ووضعهم على كفه ونالهم قربته واستعملوا الأشياء الخمسة دلتهم تلك القربة ~~على هذه القربة أن كليهما من الرب الرحيم فأيقنوا به فلما كلمهم دلهم نفخ ~~النور على أن الكلام من الذي نفخ الروح يومئذ إذ كان له عليهم بينه فيه ثم ~~لما تجلى لهم عن وجهه الجليل سطع منه نور على وجوههم وغشيهم به دلهم ذلك ~~النور الذي وضع في أبيهم وهو نور المعرفة على أن النور الذي غشيهم اليوم من ~~الجليل الجميل فعرفوه ربا واحدا أحدا فردا وذلك أنه لما اتفق النوران ~~والتقيا سطع على أعين قلوبهم النوران الربانيان دلهم على ربهم الفرد الواحد ~~فعرفوه وأيقنوا به، ويرون ذلك كله باستعمال تلك الخمسة التي وصفنا فالعبد ~~في استعمالهن محمود وفي تركهن مذموم على كل حال وفي كل وقت وفي كل مكان ~~وذلك أنه إذا لم يستعملهن في كل وقت ونسي صنع ربه به وما أكرمه به من النفخ ~~والنور والقربة يوم آدم ولم يذكرها ولم يحفظها بالفهم والذهن لم يعرف ربه ~~يوم الميثاق إذ لم يكن عنده ما يستدل به على كلامه وقربته ونوره الذي ~~ينالهم وهم في كفه، فالمعرفة واستعمال تلك الخمسة على العبد هو مطلوب بهن ~~ومحاسب عليهن محمود على استعمالهن، مذموم على تركهن، ونور المعرفة من الرب ~~ليس إلى العبد منه شيء ولا عليه ذم ولا مدح إذ كان ذلك من فعل الله بعبده ~~وإكرامه له به فإذا استعمل العبد تلك الخمسة فإن استعملهن خرجت المعرفة ~~فإذا استعمل المعرفة برز النور المتمكن فيها وهو نور المعرفة فالتقى النور ~~الميثاقي الذي غشيهم وسطع من الجليل عند التجلي فتشاكلا ولك يتشابه دلا على ~~ربهم فاستدل العبد بما سطع يوم الميثاق بما كان عنده من النور الذي وضع في ~~آدم يدل كل واحد منهما على نفسه أمن العبد ms19 وأيقن وعرفه ومثل ذلك مثل القدح ~~فالنور كالنار والمعرفة كالحديد متمكن فيه النار وهو النور الأول يوم ~~المقادير والحجر التجلي يوم الميثاق والنور متمكن فيه والقلب والفطنة ~~المندوق فلما قدح العبد الحجر بالحديد خرج منهما النار فالتقيا على القلب ~~فيلهما القلب فنوراه ودلاه على الله عز وجل. ### | وأما الكافر # PageV01P012 # فإنه لما سطع نور الجليل على عينه يوم الميثاق وناله قربة الكف وقربة ~~الكلام لم يكن عنده ما يستدل عليه فيعرفه تاه وتحير وذلك أنه نسي الصنع ~~الأول فترك استعمال تلك الخمسة فصارت حديدته وهي المعرفة كأنه لا يعي ما ~~الرحمة فيه فلم يعمل ذلك السطوع وتلاشي النار وبطل لم يقبله القلب إذ لم ~~يجد شاهدا على ذلك فصار مشبها مشتركا، قال الله تعالى: (أفمن كان على بينة ~~من ربه ويتلوه شاهد منه) ، فالبينة التي هي من ربه هي النور المقاديري ~~والشاهد الذي يتلوه من النور الميثاقي، وقال: (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى ~~من حي عن بينة) ، وقال: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) ، ~~ألا ترى أن العيون هذه بنورها لا تبصر شيئا حتى تؤيد بنور المدد ليلتقيا ~~بنوريهما على الشيء فيبصر الإنسان ما أحب فنور العين نور المعرفة متمكن ~~فيها وهو النور الذي وضع في آدم عليه السلام ونور المدد النور الميثاقي من ~~الجلال وهو نور البهاء أو السراج فما لم يلتق النوران على العين لم يبصر ~~الإنسان الشيء فكذلك ما وصفنا ألا ترى أن إبراهيم خليل الله صلى الله عليه ~~لما نظر إلى الكواكب والقمر والشمس قال: (هذا ربي) ، فلما استعمل الخمسة ~~الأشياء واستدل بما كان عنده فلم يتفق ولم يتشاكل نفاه، فقال: (لا أحب ~~الآفلين) ، وتبرأ من كل واحد منها، وذلك أنه لما وقع بصره على النور ظن أنه ~~نور ربه فقال هذا ربي، فلما استدل بما كان عنده من النور المقاديري الرباني ~~ونور الميثاقي المؤيدي واستعمل قدحه الذي ذكرنا لم يعمل شيئا وتلاشى ذلك ~~النور في جنب ما كان عنده ولم يتشاكلا ms20 ولم يدل على ربه كما دل الأولان ولم ~~تقبله فطنة قلبه ورآه زائلا علم أنه ليس من ذلك النور وتبرأ منه وفرغ إلى ~~ربه فقال: (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) ، إلى آخره، وذلك من ~~الله له ابتلاء واختيار إذ أراد أن يتخذه لنفسه خليلا ولا يتوهم عليه أنه ~~شرك في ربه ولهذا غور بعيد لا يمكن صفته وفي قدر ما وصفنا كفاية للمستنبط ~~العليم. ### | تفسير قوله ألست بربكم # قال له قائل: فقوله: ألست بربكم ما هذه الألف هاهنا، قال له وجهان: وجه ~~باطن، ووجه ظاهر. ### | أما الوجه الظاهر # فهو وجه الاستفهام، والاستفهام من السائل للمسئول يصف الجواب وهو التلقين ~~والإشارة إلى ما عند المسئول في قلبه من الموجود والمدرك والمفهوم عليه ~~والمعلوم والموصوف كذا وجدنا في مجاري كلام العرب وإنما استفهم الرب في ذلك ~~الوقت لأن نور المعرفة كان عندهم بالحظوظ التي أصابوا من أبيهم يوم الخلقة ~~وقربة النفخ وقربة التصوير وصنعة اليد، فقال: (ألست بربكم) ويذكرهم ~~ويستحفظهم ويستجلبهم الذكر من ذلك الصنع الذي صنع بهم يوم آدم عليه السلام ~~وما أكرمهم من النور ونفخ الروح وصنعة اليد ليذكروا ذلك ويستعملوا أفهامهم ~~وأذهانهم فيبرزوا بهن نور المعرفة فيستدلوا به على ذلك فيعرفوه ويؤمنوا به ~~ولا تكون المعرفة أبدا دون الرؤية أو السمع أو القربة كان بديا قبل ذلك ~~فإذا لاقاه بعد ذلك وقد سبق منه إليه قبل ذلك من قربة أو رؤية أو لقي أو ~~سمع أو صفة دالة عليه أو آية تشير إليه بما فيها من معنى يؤدي عنه فذكر ~~نفسه ذلك واستعمل الذهن في إصابته والوقوف على معرفته دله الذهن والفهم ~~والحفظ عليه فعرفه فقيل عارف ولا يقال لهذا علم فهو عالم إذ قد يستفهم ~~العالم بالشيء الجاهل فيقول ألست بعالم بالكتابة والحساب. والمستفهم لا ~~يعلم أن المستفهم كاتب أم لا؟ ولا يستفهم العارف بالشيء غير العارف لا يقال ~~لغير العارف ألست بالكاتب حتى يعلم أنه بها عارف فإذا كان له منه معرفة قبل ~~ذلك به ms21 استفهمه، فقال ألست بكاتب فيقول المستفهم بلى فدلك هذا المثال على ~~أن بني دم قد كانوا أصابوا حظوظهم يوم الخلقة من صنعة اليد والنفخ وصار ذلك ~~عندهم رسما على أعين قلوبهم فلما رأوا نوره يوم الميثاق وسمعوا كلامه ~~ونالوا قربة كفه استنار ذلك بما كان عندهم فدلهم ذلك عليه فعرفوه فلما ~~استفهمهم قال: ألست بربكم أي ألستم تعرفوني بالعلائم والشواهد والبينات ~~والآيات التي عندكم قالوا بلى فقبل الله شهادتهم وإقرارهم فجعلهم عبيده من ~~بين الخلق وصفوته ومجتباه وأحباءه وأولياءه. ### | وأما الوجه الباطن # PageV01P013 # فهو أن الألف أول الأسماء وأشرفها ومبتدؤها وأن جميع أسمائه التي تعرف ~~وما لا تعرف إنما خرجت منها فهو محشو بجميع أسمائه وصفاته كما أن الأرضين ~~كلها خرجت من تحت الكعبة ومدت منها من الأديم كذلك خرجت جميع أسمائه منه، ~~والألف في الكتابة حرف منتصف من غير وصل ولا فصل لا انحراف فيه ولا اعوجاج ~~فهو اسم الله دال بحرفيته وانتصابه واستقامته من غير انحراف ولا اعوجاج ولا ~~تمايل على المسمى الذي هو اسمه أنه واحدا أحدا صمد فرد أبد ودائم عدل تام ~~بارئ قائم بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم وهو في التهجي واستعمال ~~الأدوات ثلاثة أحرف ألف، ولام، وفاء ثم الألف منها ثلاثة أحرف، واللام ~~حرفان والفاء حرفان في التهجي وفي الكتابة حرف فاللام في التهجي لام وألف ~~وميم، والفاء فاء وياء، فمن الألف وهو الثلاثة الأحرف يخرج ثلاثة أسماء ~~الله واللطيف والفاضل، الله من الألف واللطيف من الاللام والفاضل من الفاء، ~~ثم تخرج من لام الألف اسمان لطيف ومجيد، اللطيف من اللام والمجيد من الميم، ~~ثم تخرج من ميم الميم الذي خرج من لام الألف اسمان ملك ومهيمن، ثم تخرج من ~~ميم الملك ولامه وكافة أسماء المولى والمحيي والمميت ومن ميم المهيمن وهائه ~~ويائه وميمه الآخر ونونه خمسة أسماء المعطي من ميمه الأول والهادي من الهاء ~~واليد من الياء والمكرم من الميم الآخر، والنون والناصر من النون فعلى هذا ~~المثال يخرج من الألف جميع ms22 الأسماء والصفات وهو في الكتابة حرف وفي التهجي ~~ثلاثة أحرف فقوله: (ألست بربكم) ، لما أراد الله أن يأخذ عليهم الميثاق ~~أبرز لهم هذا الألف على مثال الذي وصفنا حرفا منتصبا في صدورهم على أعين ~~قلوبهم ثم أشار لهم إليه حتى إذا رأوه ونظروا إلى حرفيته وانتصابه ~~واستقامته من غير انحراف ولا اعوجاج وفرديته من بين الأحرف وصموته ووقفوا ~~على معنى ربهم وهو في القول ثم قال: (ألست بربكم) والألف تماثله على أعين ~~قلوبهم يشير لهم إلى وحدانية الملك ويدلهم بآياته وصفاته عليه فأجابوا ربهم ~~ببلى واستدلوا باسمه الألف بحرفيته واستقامته ودلالته على ربهم وشهدوا له ~~بالوحدانية وأقروا له بالربوبية وأيقنوا بالفردية وأعلموا أن الله إنما ~~أبرز لهم هذا الاسم من بين أسمائه وصوره على أعين قلوبهم ليشهدوا به عليه ~~ويعرفوه بالآيات التي تشير الألف بما فيه إليها ويوقنوا بالمعاني التي تؤدي ~~الألف عنها يوقروا بالصفات التي تدلهم الألف عليها فاستدلوا بوحدانية الألف ~~على أن المسمى الذي الألف اسمه واحدا أحدا واستدلوا بفرديته على أنه فرد ~~واستدلوا بصموته على أنه صمد واستدلوا بحرفيته على أنه وتر واستدلوا ~~ببراءته عن الوصل والفصل على ديمومته وقدمه واستدلوا ببعده عن أن يشبه ~~الأشكال على كونه وبعده عن الكيفية ومنتهاه وحدوديته فعرفوه بالصفات ~~والآيات والبينات معرفة بلا كيفية ولا محدودية وأقروا له بالربوبية ~~ولأنفسهم بالعبودية فأجابوه بثلاثة أحرف وهو الباء واللام والياء فقالوا ~~بلي فرضي عنهم وقبل منهم وجعلهم في كنفه ثم صب عليهم النور وأشهدهم على ~~أنفسهم وأشهد الملائكة بذلك عليهم وكفى بالله شهيدا ولهذا غور بعيد لا يمكن ~~استفراغه ولا استفحاصه ولكن في قدر ما وصفنا كفاية وهداية لمن له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد، وإنما أجابوه ببلى ولم يجيبوه بنعم، وبلى ثلاثة أحرف ~~ونعم أيضا كمثله ثلاثة أحرف لأن في بلى ما ليس في نعم وما في نعم ما ليس في ~~بلى وإن كانا من الحروف سواء ولأن نعم ليس لها عند الاستفهام موضع ولا معنى ~~لأنه ليس في حروف نعم ms23 ويكون جوابا للاستفهام ولهذا غور بعيد لا يمكن وصفه ~~ولكن سنشرح منه شيئا لتفهموه، إن الباء اسم يخرج منه اسم البر والبر والرب ~~واحد في القلب فلما قال الله يوم الميثاق: (ألست بربكم) ؟ نظروا فقالوا إن ~~لله أسماء كثيرة وإنما استقررنا من بين أسمائه باسمه الرب والرب من البر ~~والبر مخرجه من الباء، والباء حرفان باء وألف فإنما يريد ربنا أن نقر له ~~باسمه البر ونجيبه به، والباء الذي في أوله باء الإضافة، والثاني اسمه البر ~~والبر من البار وفي البار الألف وهو اسمه الأول فأقروا له به وأجابوه باسم ~~هو في الحرف حرفان باء وراء والألف فيما بينهما مندمج لا يبرز إلا في وقت ~~تهجي الباء ليكون إقرارهم له باسمه الله وجوابهم له بحرف يوافق حرفه الأول ~~الذي ابتدأ به أول # PageV01P014 # كلامه في قوله بربكم الباء الذي قبل الراء وذلك أنهم نظروا فقالوا لم نقل ~~ربنا ألست بخالقكم ولا رازقكم ولا مولكم ولا إلهكم فإن له أسماء كثيرة ما ~~تعني ربنا في استقرارنا بهذا الاسم وهو الرب فتبين لهم أنهم إذا أجابوه ~~بالباء دخل فيه أشرف الأسماء وأولها وهو الألف مع ما وافقوا في جوابهم له ~~بباريهم الذي ابتدأوا جوابهم من قول الرب بربكم وقولهم بلى فجعلوا مفتتح ~~الجواب بمفتتح الاسم الذي استقر ربهم واستفهمهم به ليتفق الباطن من الكلام ~~من قوله بربكم بلى فوافقوا في الجواب بابتداء الباء ببائه وهو باء البر لا ~~باء الإضافة ووافقوا في المعنى الذي أراد أن يقروا له من جميع أسمائه بألف ~~الإله على ما أشار إليه ومثل لهم بديا فالباء هاهنا قالب الألف وهو المعنى ~~ما في القلب لا في القالب فقوله باء إنما هو ألف فالمعنى ما في القالب ~~والمشار إليه والقالب الاستعمال ألا ترى إلى حروف أبجد إنما ابتدأوا أول ~~حروفه بالألف ثم الباء فقالوا أب نجد الألف منه معنى اسمه الله والباء معنى ~~قولهم بلى وإلى حروفها الثمانية والعشرين ألف باء تاء ثاء وإنما جمعوا بين ~~الألف والباء هاهنا ms24 وجعلوا مفتتحه بالألف وتاليه الباء لأنهم لم يكتفوا ~~بالألف المندمج للعامة عند الاستعمال فقبلوه وجعلوا مفتتح كلامهم ألفا ~~مندمجا وجعلوا تاليه الباء كما هو في الأصل لأنهم علموا أن المبتغى الألف ~~والباء للاستعمال فأبرزوا ما كان مندمجا وجعلوه مفتتح الكلام وجعلوا التالي ~~الباء فقالوا أب وقالوا ألف وباء ولو تركوه على ما كان سبيله أن يقال هنا ~~بباء باء البر وباء بلى والألف مندمج فيما بينهما ولكنهم علموا أنهم إذ ~~قالوا ألف دخل فيه كل اسم ثم إذا قالوا باء كان قد دخل الباء مرة من الألف ~~ومرة الآن فهذان باءان ومبتدأهما الألف فترجموا إحدى الباءين وهو الذي من ~~الألف مندمج فيه وتركوا الباء الآخر المبرز على حاله تاليا للألف علامة ~~ورسما على القلوب ليوم الميثاق وجوابهم ربهم ببلى، فاسم آدم عليه السلام ما ~~لي أراه ألفا والدال تاليه وليس تالي اسمه الباء وهو أب البشر، قال: له ~~اسمان، أحدهما اسم الخلقة، والآخر اسم الفعل، أما اسم الفعل فإنه أب البشر ~~ففيه ألف والباء تاليه، وأما اسم الخلقة، فهو آدم الألف مبدأه والدال تاليه ~~لأنه لم يوجد عليه الميثاق يوم الميثاق ولم يستفهم وإنما عفي عنه لأنه كان ~~مصور يده قد شاهد القربة ونال نور الجلال وأبدل مكان الميثاق عرض الأمانة ~~فجعل مبتدأ اسمه الألف علامة لمعنى اسمه الله، والدال علامة الخلقة، أنه ~~خلق من أديم الأرض ونما خلق من الأرض لأن الله كان عالما به أنه إن خلقه من ~~نوره وبهائه اغتر وتجبر باتفاق النور "ومال إلى الزهو" والعوز والقربة ~~وغلبا عليه فأهلكاه. ألا ترى إلى إبليس كيف تجبر واستكبر بأصل خلقته وهو ~~نار العز على آدم في سجوده حتى كفر، وكيف مارى آدم في الخلقة فقال: (خلقتني ~~من نار وخلقته من طين) فعطف الله علينا بني آدم إذ خلق أبانا آدم من التراب ~~وعصمنا من دواهي أنفسنا وخلصنا من المهالك برأفته وليست تجري أسماء ذريته ~~على هذا السبيل إنما ذلك سبيل آخر وسبيل مجرى الأسماء أسماء الخلق ومدارها ms25 ~~على نحو آخر وهو ما يخرج من أفعالهم وأخلاقهم وطبائعهم وتصرفهم من حال إلى ~~حال وأما الموضع الذي يجعل تالي الألف واللام فهو سبيل مجرى الكلام وهو على ~~نحو ما ذكرنا بديا أن الألف اسم من أسمائه وأول الأسماء وأشرفها وهو الدال ~~على صانع الخلق وخالقهم فالألف ألف المعرفة واللام علم المعرفة ولا تكون ~~المعرفة دالة مع علمها إلا فيما وصفنا بديا في يوم الميثاق فإن الله أخرج ~~الألف يومئذ بغير علمها وهو قوله: (ألست بربكم) وكان سبيله مع العلم أن ~~يقول أل الألف مع اللام ليكون بروزه مع العلم ثم يقول لست بربكم فإن اللام ~~التي في قوله لست ليست بلام علم المعرفة وإنما هي لام لست نكرة لأن لام لست ~~ليست زائدة كألف كلام الله فالألف مع اللام معرفة مع العلم كقولك الدار ~~والرجل فالألف اسم يدلك ما فيه على المسمى واللام علمها وهو المصدق لها، ~~والنكرة أن تقول رجل ودار ليس فيها معرفة ولا علم وهو اسم مصمت وإنما أخرج ~~الله يومئذ الألف وحده من غير علم لأنه أحب أن يعرفوه ربا ويقروا به غيبا ~~من غير علامة يرون أو إشارة يبصرون سوى الذي في الألف فإن في حشوه # PageV01P016 # منن الدلائل والعلائم والبينات والدلالات ما يحملهم على وحدانيته ويدلهم ~~على فردانيته من غير علم المعرفة فأخرج الألف دالا بصفاته عليه من غير لام ~~كالنكرة وليست بنكرة إنما هي معرفة بلا علم ليكون معرفته به وإقرارهم به ~~غيبا كما دعاهم إليه غيبا فيمدحهم ويثني عليهم ويباهي بهم خلقه الآخرين، ~~وقال: (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب) .ل ~~والعلائم والبينات والدلالات ما يحملهم على وحدانيته ويدلهم على فردانيته ~~من غير علم المعرفة فأخرج الألف دالا بصفاته عليه من غير لام كالنكرة وليست ~~بنكرة إنما هي معرفة بلا علم ليكون معرفته به وإقرارهم به غيبا كما دعاهم ~~إليه غيبا فيمدحهم ويثني عليهم ويباهي بهم خلقه الآخرين، وقال: (الم ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ms26 الذين يؤمنون بالغيب) . # فقال له قائل، فقوله: "هو آية كلمة هي وما في حشوها فإني أسمع الله يشهد ~~وملائكته وأولي العلم على أنه هو وقال في سورة الإخلاص قل يا محمد (هو الله ~~أحد) "، وقال في آخر الحشر (هو الله الذي لا إله إلا هو) ثم قال في موضع ~~آخر: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) وقال في آية أخرى: (لا إله ~~إلا أنا فاعبدوني) ، قال هيهات هيهات أن يكون لهذا العلم في إهابك مساغ، ~~فإن هذا علم جليل دقيق، ولكن سنذكر منه شيئا لتستدل به على ما تريد قوله ~~هو، فإن هو كلمة محشوة في صفاته الإلهية والفردية والجلالة والملك والعزة ~~والقدرة والسلطان والجبروت وهو حرفان هاء، وواو، فالهاء منها الهداية، إن ~~الله وهو الهادي، والواو الوله لأن الوله لا يجوز ولا يستحق إلا الله ~~فمستقر جميع الصفات الآتية والأسماء الرفيقة في الهاء، والواصف لها، ~~والدليل مما فيه الخلق والمشير إليها والمعبر عنها، والمؤدي عن معناها ~~بكنهة الألف لا ترى أنه لما قال: (قل هو) ، لم يدل على صفاته حتى قال: ~~الله، فأبرز الألف، ثم قال: (أحد) ثم قال: (الله) ، فأبرز الألف، ثم قال: ~~(الصمد) ، فأبرز الألف قبل الصفات أولا ترى إلى قوله: (هو الله الذي لا إله ~~إلا هو) ، فسكت ثم قال: (الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر) ، ثم قال: (هو الله الخالق البارئ) ، لم يكتفي بهو في تلك المواضع ~~حتى ذكر بعده الله، ثم وصف فهو كلمة لا ينطبق بما فيها ولا تدل ولا تشير ~~ولا تصف وهو محشو بها، فالألف المعبر عنها بما فيها وهي في الكتابة حرف ~~الألف لا تظهر ألا عند القراءة والتهجي، وأما الواو الذي يتلوه فهو الاسم ~~وله الخلق إليه وإلهية الملك بوحدانيته، فالرب تعالى لما دعا الخلق إليه في ~~المقادير ووصف نفسه وصف بهو لأن فيه علم الغيب، ودعاهم إليه به، فقال: (شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو) ، ولما دعاهم إليه يوم الميثاق دعاهم إلي أنا ms27 ~~فقال: (لا إله إلا أنا فاعبدون) ، هذا إقرار ومر أن يعبدوه في الجملة ولما ~~دعاهم إلى عبادته ودعاته دعاهم إلى اسمه الله فقال: (فاعلم أنه لا إله إلا ~~الله واستغفر لذنبك) ، وقال: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم ~~الصلاة لذكري) ، فقوله: (هو) ، اسم لا ينطبق ولا يدل، وقوله: (أنا) ؛ اسم ~~مضمر فيه اسمه الله، وقوله: الله؛ اسم واضح دال الوصف. قيل له: اسمه إبليس، ~~أوله ألف وتاليه الباء، ما معناه، قال: ذاك ليس من هذا المعنى في شيء ذاك ~~اسم سماه الله به يوم أبى عليه بالسجود لآدم عليه السلام أخرجه من فعله، ~~وأما اسمه الذي هو اسمه فهو غزازيل فهذا اسم الخلق في البدأ، وذاك اسم سماه ~~الله به من فعله الذي بدا منه. ### | فأما تفسير اسمه عزازيل # فإن العزاز العبد، والآيل الرب، والعزاز مأخوذ من العزة، وذلك أنه خلق من ~~نار العزة، والعزة ثلاثة أحرف، والعزاز: أربعة أحرف وكل حرف منها يدل على ~~فعله إذ كانت الأسماء تدل على الأفعال، وهو العين والزاي والألف والزاي ~~الآخر فمن العين خرج علوه ومن الزاي خرج زهوه ومن الألف خرج إباءه ~~واستكباره وأما الزاي الآخر فهو ركن الكلام وعقبة لإتمام القالب في العربية ~~كقوله: الرحمن، وسبحان وأما المبتغى منه السبح والرحم، وأما أن منهما فهو ~~القالب على مجرى فعلان فهذا تفسير اسمه عزازيل. ### | وأما تفسير اسمه إبليس # PageV01P017 # فإنه خمسة أحرف كل حرف منها يدل على فعله الذي هو فيه ويبدو منه وهو ~~الألف والباء واللام والياء والسين، فأما الألف فإنه ألف الإباء والاستكبار ~~إذ كان إباءه من الاستكبار، كما قال: (أبى واستكبر وكان من الكافرين) ~~فإباؤه من الاستكبار واستكباره من الكفر. وأما الباء فإنه بالبراءة حيث برأ ~~من ربه بتركه السجود، وأما اللام فأنه لام لم، وأما الياء فإنه ياء لم يكن، ~~يقول لم يكن، وأما السين فإنه سين السجود فإذا جمعت الحروف كلها أدى المعنى ~~على أنه أبي على ربه واستكبر ولم يكن من الساجدين لآدم عليه ms28 السلام مع ~~الملائكة، قال الله تعالى: (إلا إبليس لم يكن من الساجدين) ، قيل له فاسم ~~إبراهيم عليه السلام أخرج أيضا مبتدؤه الألف ثم الباء. # اشرح لنا منه شيئا قال: أما تفسير اسم إبراهيم فإن كل حرف منه اسمه دليل ~~على فعله الذي كان من مندمجا فيه منكمنا كالنار في الحديدة وعلى ما أخرج ~~منه يوم الابتلاء والاختبار، فأما الألف فإنه ألف الإسلام، حيث قال الله ~~له: (اسلم) ، قال: (أسلمت لرب العالمين) . وشهد الله له ذلك ولابنه إسحاق. # فقال (فلما أسلما وتله للجبين) ، ويحتمل أن يكون ألف الإخلاص أنه كان ~~مخلصا ويحتمل أن يكون الألف ألف الإيمان إذ شهد بذلك فقال: (إنه من عبادنا ~~المؤمنين) ، ويحتمل أن يكون على ما ذكرنا بديا من أن الألف اسم الله والباء ~~علامة جوابهم بلى وكل حسن، وأما الباء على التفسير الذي ذكرنا إن الألف ألف ~~الإسلام فإنه باء البراءة حيث قال: (إني بريء منكم ومما تعبدون من دون ~~الله) ، ثم قال: (أنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله) ، وأما الراء ~~فإنه راء الرؤيا حيث قال: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ~~ترى) ، وأما الهاء فإنه هاء الهم، وأما الباء فإنه باء التصديق فإذا جمعت ~~من الحروف صار كلاما وأدى المعنى المبتغى منه في القول أنه أسلم لربه فيما ~~رأى في الرؤيا وهم أن يصدق رؤياه بذبحه ابنه فاكتفى الله بهمه وعفا عنه ~~ورضي عنه وفداه بكبش، وأما الميم الذي يعقبه فإنه ميم مه حيث هم بذبحه قال ~~الله جل وعز "مه" فسماه الله بذلك الاسم ولم يظهر بعد منه هذه الأفعال ~~لعلمه به وما يبدو منه بعد ذلك. # قيل له فاسم فرعون: أحببنا أن تشرح لنا منه شيئا ليكون لنا فائدة؛ قال: ~~أما تفسير اسم فرعون فإنه له اسمين: أحدهما الوليد، والآخر فرعون، وكان يدل ~~على فعله وسوء سيرته الذي منه بدا. # فأما الوليد فإنه أربعة أحرف: واو، ولام، وياء، ودال، فالواو واو الويل، ~~واللام لام اللعنة، والياء ياء ms29 اليوم، والدال دال الدين فإذا جمعت بينهما ~~أبدى المعنى على أن عليه الويل واللعن يوم الدين، فهذا اسم قد سماه الله به ~~وحشوه ما يصل إليه في الآخرة مندمج منكمن فيه في الويل واللعن. # وأما الاسم الآخر فهو فرعون فهو خمسة أحرف: وهو الفاء والراء والعين ~~والواو والنون؛ فالفاء فاء الفراق والتفريق والراء راء الركوب والركون، ~~والعين عين العلو، والواو واو الويل، والنون نون النار، فإذا جمعت بين ~~حروفه الخمسة أبدى عن المعنى على أنه حيث ملك فارق دينه، وفرق بين بني ~~إسرائيل، وركن إلى الأرض وركب هواه وعلا كما قال الله: (إن فرعون علا في ~~الأرض) ، وكما قال: (وإن فرعون لعال في الأرض) ، وكما قال بنفسه وادعى ~~الربوبية: (أنا ربكم الأعلى) فهذا ما بدا منه في الدنيا، وأما الواو والنون ~~فله الويل والنار يوم القيامة في خزي وهوان أبد الآبدين. # قيل له فتفسير لا إله إلا الله وترجمته: إن وفق الله لك أن تذكر لنا منه ~~شيئا شكرنا الله لك بالسداد والرشد، قال فأما تفسير لا إله إلا الله، فإنها ~~في الحروف عشرة أحرف لا آن وهاءان وثلاثة ألفات وثلاثة لامات، فأما إله ~~فثلاثة أحرف؛ والاسم منها في الألف وهو الاسم المنحول المستعار للأصنام ~~مأخوذ من اسم ربنا الله اختلافا واستراقا، وأما الله فهو أربعة أحرف؛ ~~والاسم منها في الألف، فالألفان اسمان: أحدهما محق بالتحقيق؛ وهو الله اسم ~~لربنا عز وجل والآخر مستعار مسترق منحول مختلف والهاءان علما إلوهيته إلى ~~المنسوب إليه بالألف وهو اسم في قوله: (إله) ، وقوله: (الله) وأحدهما ~~التحقيق والآخر مستعار كما ذكرنا. # PageV01P018 # فإذا قلت لا إله إلا الله فلا الثاني، لألف الإله، لأن الاسم المستعار ~~فيه وهو اسم الصنم، وإذا قلت إلا الله، فألف إلا هو المثبت لألف الله لأن ~~السم المستحب فيه وهو اسم ربنا جل وعز، وأما لا فهو عماد الألف هاهنا؛ لأن ~~الألف لا يمكن عبارته باللسان دون اللام إذ هو علمه فكذلك اللام لا يمكن ~~استعماله إلا مع الألف وإن استعمل ms30 دون الألف ذهب المعنى، وتلاشى المراد، ~~وبطل المبتغى، وصار كلاما آخر يؤدي إلى معنى آخر، ولأن الكلام التام عند ~~العرب لا يكون من ثلاثة أحرف إلا في أحرف قليلة منها قول الله: (كن) ، وهو ~~حرفان خرج منهما الملك والملكوت وشأن الدارين، وأمر الآخرة، وذلك تقدير من ~~العزيز العليم، أخرجه من خزائن الربوبية فقوله كن؛ نما هو في الأصل حرف ~~والنون قائمته، فلو قال ربنا لما شاء أن قال: كن من غير نون كان ما شاء، ~~ولكن أحب أن يخرجه مع القائمة ليفهم خلقه كلامه ومعناه في تنزيله في ~~شرائعهم على لغاتهم وألفاظهم ليكون أيسر على ألسنتهم وأفهم للسامع على ~~المراد ألا ترى إلى بعض رؤوس السور المبهمة كيف تاه الناس فيها، وكيف ~~اختلفوا في تفسيرها وهن "الطواسين والحواميم والميمات" وغيرها، وهن ثلاثة ~~أحرف، وأكثر فلولا إنهم تاهوا فيها إذن لهم أتوب في قوله: طس ويس ونون ~~وقاف، وكل حرف منها محشو بمعان وصفات وكل إنما هو بعض من كلام، كما قالوا ~~إن ألف لام ميم، فالألف منها اسم ربنا الله والله اسمه اللطف والميم اسمه ~~الملك فانظر كم حرف اللطيف، وكم حرف الملك، وكم حرف الله، وكم حرف الألف من ~~الله، وكم حرف اللام من اللطيف، وكم حرف الميم من الملك، وقد قال بعض ~~المفسرين إن الألف إلا الله وإن اللام لطف الله، وأن الميم ملك الله، ويقال ~~أيضا أن الألف اسم الله وأن اللام اسم جبريل، وأن الميم اسم محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فقوله (كن) هو حرف كقوله نون وقوله كاف والنون قائمته ليكون ~~للسامع أفهم وللقائل أيسر وأشبع في الكلام وأتم في القالب، فلا كلمة نفي ~~ولا كلمة إثبات ولا يكون الإثبات إلا بالألف ويكون النفي بغير الألف، لأن ~~الألف في لام مضمر مندمج فيه، فإذا قلت لا علمت أنه لام وألف، وإذا قلت إلا ~~علمت أنه لام وألفان أحدهما قبل لا والآخر بعد لا، ولا في الكتابة له فرعان ~~من أصل واحد وفي الكلام لا تظهر ms31 إلا في فتحة اللام ومدته، فاكتفى الله بنفي ~~كل معبود دونه بحرف لا لأنه وإن كان حرفا واحدا في الكتابة فإنه حرفان في ~~الأصل لام وألف، والفرعان اللذان فيه يدلان على ذلك، وإن خفي على الناس ~~معرفة ذلك والألف أشرف أسمائه وأعزها فاكتفى به في النفي وإن كان مضمرا فإن ~~له سلطانا ينفي وحدة اسم كل معبود سموا باسمه الله اختلافا واستراقا ~~وانتحالا واستعارة، ولم يكتفي به عند الإثبات حتى أبرز ألف إلا سوى الألف ~~الذي في لا وترك اللف الذي في الأعلى حال تأكيد وتثبيت، فقال عند النفي لا ~~حرف واحد وهو اللام وفيه الألف المضمر، وقال عند الإثبات ألا فترك لا على ~~حالة وأبرز ألفا آخر قبله ليكون حرفان ظاهران؛ ألف، ولام سوى الألف الذي في ~~لا لئلا يكون إثباته بحرف واحد كما إن النفي بحرف واحد فيشبه الإثبات النفي ~~في قوله (لا) فميز افثبات من النفي بالألف الذي أبرز قبل لا. ### | وأما ترجمة لا إله إلا الله # PageV01P019 # فليس على ما ذهب إليه العامة، ولا على ما فسره المفسرون، ولا على ما ~~ترجمه المترجمون، وقد غلطوا في ترجمته وتفسيره وقصدوا غير سبيله، وشرحوا ~~الظاهر وكتموا الباطن وما في حشوه، وذلك أنهم ترجموا قوله لا بالأعجمية ~~ميست وهو خطأ بين، وكيف يشبه لإبليس، أم كيف يشبه نه بالأعجمية نيست؟ ولو ~~كان كما ذهب إليه الناس من قولهم: لا إله: نيست خداي، لكان ليس إله على ~~قياس قولهم، ولكنهم بالخطأ يتكلمون وبالمحال يترجمون، وإلههم ينفون لا ~~الإله، وسنبين لك خطأ قولهم ومحال ترجمتهم لتفهمه، وتكون على علم منه إن ~~شاء الله والتوفيق بالله، إن لا كلمة نفي وتبرئة أبرزها الجليل لينفي بها ~~كل معبود دونه عن أن يكون مثله، وتنزه بها ربك عن أن يكون له شبيه أو يكون ~~له في ملكه شريك أو ولد كما زعم الكفار والمشركون وكفرة أهل الكتاب، والنفي ~~والتبرئة هو التسبيح والتنزيه، وأما ليس فهي كلمة جحود وإنكار، وليس ~~للإنكار والجحود هاهنا معنى ولا موضع، ms32 إنما هاهنا موضع النفي والتبرئة؛ ~~وهما التنزيه والتسبيح، وقد دعا الله سبحانه وتعالى الخلق إليهما، وبهما ~~أمر لا إلى الجحود والإنكار وذلك أن القوم لم يكونوا ينكرون أو يجحدون أن ~~ليس في السماء إله، ولكنهم يزعمون أن له ولدا يشبهه وهو عيسى، وإن له شريكا ~~في ملكه وهو هذه الأصنام، وإنه قد اتخذ صاحبة وهي مريم وإنه اصطفى البنات ~~على البنين؛ وهن الملائكة، وأن الشمس والقمر والشجر والكواكب له شركاء في ~~ملكه، وقد قال تعالى في كتابه يحكي عن قولهم (ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله) ؛ فدعا الله خلقه إلى أن ينفوا عنه مقالاتهم الرجسة، ~~وينزهوه عن ذلك كله، وأن ينفوا الآلهة التي اتخذوها من دون الله، ويوحدوه ~~بوحدانيته في ربوبيته، فإذا قال العبد: لا إله، وزعم أن ترجمته ليس إله ~~فإنما أنكر الإله المستحق وله جحد، وهو الرب تبارك اسمه "لا اسمه المستعار ~~وهو الصنم" لأن الاسم المستعار للصنم من اسم ربنا وهو الإله لا يدخل في ~~قوله: ليس، إنما يدخل الاسم المستحق وهو اسم الرب لأن الجحود إنما يقع ~~المستحق نصا، لا على المستعار المنحول، وإنما يقع النفي على المستعار ~~والمنحول، ألا ترى أنك إذا قلت ليس إله فقد جحدت اسم الإله الذي هو إله، ~~وإذا قلت لا إله فقد نفيت اسم الإله المستعار المنحول؛ لأن الله تعالى دعاك ~~أن توحده وتنفي ما دونه مما تسمى باسمه الله، وزعموا أنه إله دونه، وتنزهه ~~وتبرئه عن أن يكون دونه أحد أو معه في ملكه أحد، فأطلق لسانك على أ، تقول ~~لا إله وهو بالأعجمية "نه خدايست" هذا الذي تزعمون أنه إله دون إلهي وقد ~~سميتموه باسم الله، ثم تقول إلا الله، وبالأعجمية "جزاز خداي" الذي له اسم ~~الإله المستحق فإذا قلت ذلك فقد أجبتهم به، ورددت عليهم قولهم، وما سموا به ~~أصنامهم، ونفيت اسم إلهك عنه، ونزهت ربك عن كل ما أشركوا فيه، وبرأته عن أن ~~يكون في ملكه ما يشبهه، وأثبته ملكا فردا ووحدته أحدا صمدا، ms33 وسبحته بما هو ~~أهل، وأصبت معنى الله بقولك في الرد عليهم وعلى مقالاتهم الرجسة وناضحت عن ~~ربك، وانتقمت منهم نقمة ربك، ولاشيت أقوالهم، وأبطلت حججهم، ودمرت عليهم ~~تدميرا، ونصرت اسم ربك وقدسته من أقذارهم وفككت أسرته، وإذا قلت لا وزعمت ~~أن ترجمته ليس لم يكن لهم في قولك جواب، وتلاشى كلامك وبطل المعنى، وصار ~~النفي غير ذلك، لأن المعنى في كلامك يؤدي هاهنا على خلاف ما في الضمير، لأن ~~معناك من قولك هذا على النفي وإثبات الرب، وقولك على لسانك يؤدي نفي اسم ~~الله لا اسم الصنم، فكيف يغني عنك لو أنك تقول هات كوزا من ماء وفي ضميرك ~~معنى الخبز، وإن أردت أن يظهر لك قبح تلك الترجمة وفحشها، ورشد ترجمته ~~وحسنها، وإصابة المعنى في التمييز بينهما، مثلت لك لتدركه، فإن هذا حرف ~~لطيف لا يدرك ما قلنا ولا يفهمه إلا من دقق النظر، وكان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد، أرأيت لو أن لك فرسا ولرجل حمار قد سماه فرسا أتاك فقال ~~هذا فرسي كفرسك ما كنت تقول له: إن قلت له ليس بفرس نفيت فرسك، وجحدت أن ~~يكون فرسك فرسا لا حمارا لأن فرسه حمار ومتسمي باسم فرسك؛ ولو قلت ليس ~~بحمار كذبت لأنه حمار وليس فرسا. قيل اشرح لنا كيف سبيله، قال: إن قلت ليس ~~فرس إلا الفرس لم يكن كلاما لأنك قد نفيت الفرس الذي هو فرسي وجحدته قبل أن ~~تثبته وقبل أن تنفي # PageV01P020 # فرسهسه إذ أنه ليس بفرس، ألا ترى أنك حين قلت ليس فرسا نفيت فرسك لأنه هو ~~الفرس، ولم تقع كلمتك ونفيك على الحمار لأنك قلت ليس فرسا ولم تقل ليس ~~حمارا، وإنما هو حمار وإن قلت ليس حمارا لم يكن كلاما لأنك كذبت في قولك ~~ليس حمارا، فإذا قلت لا فرس فقد رددت عليه ما جاء به من الاسم المستعار من ~~فرسك على حماره، ثم قلت ألا الفرس، فأثبت اسم فرسك المستحق على فرسك الذي ~~هو اسمه، وكقول رجل للفلس ms34 هذا دينار فإذا قلت ليس دينارا نفيت الدينار لا ~~الفلس، لأن الفلس فلسا إنما سمي دينارا، وإذا قلت إلا الدينار، أثبت ~~الدينار الذي هو دينار. إذ أنه ليس بفرس، ألا ترى أنك حين قلت ليس فرسا ~~نفيت فرسك لأنه هو الفرس، ولم تقع كلمتك ونفيك على الحمار لأنك قلت ليس ~~فرسا ولم تقل ليس حمارا، وإنما هو حمار وإن قلت ليس حمارا لم يكن كلاما ~~لأنك كذبت في قولك ليس حمارا، فإذا قلت لا فرس فقد رددت عليه ما جاء به من ~~الاسم المستعار من فرسك على حماره، ثم قلت ألا الفرس، فأثبت اسم فرسك ~~المستحق على فرسك الذي هو اسمه، وكقول رجل للفلس هذا دينار فإذا قلت ليس ~~دينارا نفيت الدينار لا الفلس، لأن الفلس فلسا إنما سمي دينارا، وإذا قلت ~~إلا الدينار، أثبت الدينار الذي هو دينار. ### | تفسير قوله: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح) # PageV01P021 # قال كثرت التفاسير لهذه الآية من وجوه شتى، وكل حسان؛ ولكن التفسير ما ~~فسره الحكماء من الحكمة العليا التي خرجت من خزائن المعرفة ونطقت به ألسنة ~~أهل العقول من بحور الإلهام حتى صارت منها أودية ملأت الأفق، أما قوله عز ~~وجل (الله نور السماوات والأرض) ، فإن الأنوار كلها تسعة، وهن كلهن من نور ~~الله، فأما النور الأول فنور الشمس ولباسه الضوء، وأما الثاني فنور القمر، ~~وليس عليه لباس وإنما معنانا في ذلك لباس الباطن لا لباس الظاهر، فأما لباس ~~الظاهر فإن لكل واحد منهما لباسا، فلباس الشمس من العرش، ولباس القمر من ~~الكرسي، هذا في المجاز وفي التحقيق لا يقال لما ذكرنا لباس، إنما ذلك كسوة، ~~والكسوي سوى اللباس، الكسوة ما يواري العورة، واللباس ما يلبس فوق الثياب، ~~ذلك للنفس وهذا للعين، وشتان ما بينهما عند من له فهم ولب في التمييز ~~بينهما، ونكتة أخرى أن الكسوة لحاجة النفس، واللباس فرح القلب وفيه ما لا ~~يمكن الفحص عنه، ولو قصدت ذلك طال الكتاب، رجعنا إلى ما كنا فيه، وأما ms35 ~~النور الثالث فنور الكواكب، وأما النور الرابع فنور النهار، وأما النور ~~الخامس فنور البرق، وأما النور السادس فنور النار، وأما النور السابع فنور ~~الأعين، وأما النور الثامن فهو نور الجواهر، وأما النور التاسع فهو رأس ~~الأنوار وملكها وذلك أنه خرج من الوحدانية وعليه لباس الربوبية يدل على ~~الألوهية ويشير إلى الفردية وذلك قوله، (أفمن كان على بينة من ربه) ، فهو ~~نور المعرفة ويتلوه شاهد منه فهو نور هذه الشواهد والعلائم الذي يدل على ~~معنى الله ويشير إليه ويؤدي عنه بالصفات والذات والأسماء الدالات، وإنما ~~صار أبهر الأنوار وأعلاها وأشرفها وكلهن من رب واحد لأن تلك أنوار الظاهر، ~~وهذا نور الباطن فبنور الظاهر وبنور الباطن يرى الباطن لو أنك أردت أن تنظر ~~إلى ما غاب عنك بنور بصرك لم تطق ذلك أبدا. ونكتة أخرى أن بنور الباطن يرى ~~الظاهر والباطن كلاهما، وبنور الظاهر لا تطاق الرؤية إلا للظاهر فجميع ~~الأنوار التي ذكرنا بدت من ملكه وقدرته، والنور الأشرف وهو نور المعرفة ~~إنما بدا من الوحدانية، فتلك دالة على الملك والملكوت لأنها بدت منها ومن ~~نوريته خرجت هذه الأنوار كلها، فوصف نوريته الذي بدا من الملك لأهل ~~السماوات وأهل الأرض، ثم عطف على النور الأعلى والأشرف، وهو نور المعرفة ~~الذي بدا من الوحدانية فذكره وضرب له مثلا ليفهمه خلقه وليعرفوا كرامتهم ~~التي أكرمهم الله بها من بين خلقه ليشكروه على صنعه بهم ونظره لهم وعطفه ~~عليهم في سابق علمه بهم حيث لا أرض ولا سماء ولا عرش ولا كرسي ولا قدر ولا ~~قضاء ولا شيء ولا مقادير، نظر إليهم في هويته وفرديته وديمومته وقدمه ~~فاجتباهم وهداهم واختارهم لنفسه وجعل أسماءهم عنده في سابق علمه ليكون ~~خروجهم ذريتهم بين يديه في غيبة المكنون ينظر إليهم وكنفه بالمحبة عليهم ~~فيباهي به خلقه وخليفته حتى يمجدوه ويثنون عليه ويركعون ويسجدون له، وحيث ~~يسلون سيوفهم النورانية من أغمادها مموهة بماء المحبة محددة بالمعرفة، ~~مسقاة بإخلاص فيهزونها بالشوق بين يدي الجليل على بساط الفرح فتلمع سيوفهم ~~وتشرق ms36 منها أنوار فتحرق الحجب هيبته، وتحير الملائكة سلطانه وتحرق الشرك ~~واكفر نيرانه، ويرتعد من الشوق إلى صاحبها عرش الجليل، وينبع ويزهو جنان ~~الفردوس من طيبه فيا له من عز ويا له من شرف لو كنت تعقل، رجعنا إلى ما كنا ~~فيه، فقال: (كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري ~~يوقد) إلى آخر الآية، فأما وجه غربيته، فإنه يقول: كمشكاة، ككوة فيها ~~مصباح، والمصباح في زجاجة، والزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة: ~~يقول يوقد القنديل من دهن شجرة مباركة وهي الزيتون لا شرقية ولا غربية، ~~يقول: ليس في الشجرة شرقية ولا غربية؛ يكاد زيتها يضيء، يقول: يضيء القنديل ~~بغير نار ولو لم تمسسه نار، يقول: يضيء ضياء لو لم يكن نار، نور على نور ~~يقول: هو نور يعني الزيتون على نور، يقول على الزجاجة، يهدي الله لنوره من ~~يشاء وأما المثل فإنه يقول: كان بيت له مشكاة وهي الكوة، وفيها قنديل معلق ~~قد صب فيه ماء وفوقه دهن الزيت إلى أن جاوز النيزق وصارت الفتيلة فيها ~~مصبوغة، والقنديل يضيء أهل البيت بضوء الدهن، الذي فيه وهو دهن الزيتون من ~~غير نار كأنه كوكب دري في شدة ضوء ودريته. # PageV01P022 ### | تفسير مثل القنديل # فإن المشكاة الكوة، والبيت الصدر، والمصباح السراج، والمصباح الآخر ~~الفتيلة، والزجاجة نايزق القنديل، والزجاج الآخر نفس القنديل، ووقوده من ~~دهن زيت لا شرقية ولا غربية بلا نار، وهو الصدر والمصباح المنسوب إلى ~~الفتيلة اللسان والزجاجة المنسوبة إلى النايزق الحلق، والزجاجة المنسوبة ~~إلى نفس القنديل القلب، وأم الوقود الذي ذكر أنه من الزيتون هو المعرفة، ~~وأما الماء الذي هو تحت الدهن فهو ماء الرحمة. ### | ### | وأما تفسير القلب # # حيث سماه بالزجاجة من جميع الأشياء والجواهر وإنما شبه القلب بالزجاجة ~~لأن الزجاجة جوهرة أصلها من النور واستعمالها بالنور، وهي النار فلما ~~اجتمعا ودخل سلطان النار فيها ازدادت نورا وضياء، ويبست من سلطان حراريتهما ~~حرارة النار وحرارة النور وضعفت ورخوت فمهما أصابتها يد الآدميين انكسرت من ~~غلبة سلطان ms37 النار وحرارته عليها ولذلك قال: حكيم من الحكماء إنما شبه الله ~~قلب المؤمن بالزجاجة لأنها سريعة الانكسار بطيئة الانجبار أي إذا انكسرت لا ~~تقبل الجبر ولا تصلح حتى لا تصيبها النار فسماها لضعفه وسرعة انكساره وشدة ~~نوره وضوئه للزجاجة التي وصف. # وأما تفسير القلب # حيث شبهه بنوره وضوئه ودريته بغير نار بالكوكب من بين الأشياء الدريات ~~وإما شبه بالكوكب لأن الكوكب من المور ولباسه من النور، وهو معلق من السماء ~~يضيء لأهل الأرض من مسيرة خمسمائة عام وأكثر بغير نار بالنور الذي هو جوهره ~~والنور الذي هو لباسه، فشبه قلب المؤمن بضوئه ونوره وضوء المعرفة التي فيه ~~من الأرض لهل السماء بغير نار بالكوكب الذي يضيء لأهل الأرض من السماء بغير ~~نار، فقال كأنه كوكب دري، وكما أن القنديل يعلق بالهواء بحبل، والكوكب معلق ~~في السماء، كذلك القلب معلق في السماء وسماؤه العرش وحبله الإيمان وهو ~~الإقرار به. ### | وأما تفسير قوله: (يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء # ولو لم تمسسه نار) # قال؛ أما شجرة الزيتون فإن أصلها ومنبتها من شجرة طوبى التي هي في الجنة ~~أهداها الله لآدم يوم تاب عليه وزوده بها وسماها باسم سوى اسم طوبى، وهو ~~الزيتون، ولكنه بلطفه وحكمته غير حروفها وأبدل كل حرف منها بحرف آخر، ~~وختمها بحرف زائد ما ليس فيها وهي النون من الزيتون، وذلك أن طوبى أربعة ~~حرف طاء، وواو، وباء، وياء، وزيتون أربعة أحرف أيضا: زاي وياء وتاء وواو ~~وزيادة حرف في آخره وهي النون. ### | وأما تفسير الزيتونة # فإنها في الحروف خمسة أحرف كما ذكرنا، وهي الزاي والياء والتاء والواو ~~والنون وكل حرف منه يدل على فعله وما في حشوه، فالزاي زاي الزاد، والياء ~~ياء اليوم، والتاء تاء التوبة، والواو واو السمة حيث وسم الله تعالى شجرة ~~طوبى حين غرسها، ولها قصة نذكرها في بابها إن شاء الله؛ النون نون النور ~~فإذا جمعت بين حروفها المتفرقة دلل على أن الله عز وجل زود آدم عليه ms38 السلام ~~بها يوم تاب عليه، والنون علامة النور في الزيتونة، ودلالة على أن فيها ~~نورا يضيء القنديل بنوره من غير نار، كما قال: (يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار) ، هاهنا تم الكلام. ثم استأنف الكلام: (نور على نور) أي لأن ~~الزيتون نور على نور الزجاجة وهي القلب، والزيتونة المعرفة، يقول: كما أن ~~دهن القنديل من شجرة الزيتونة، كذلك دهن القلب من شجرة التوحيد، وشجرة ~~التوحيد هي التي ذكرها الله في القرآن (مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة) ، وهي ~~التوحيد أصلها ثابت في قلب المؤمن وفروعها في السماء وهو العرش (تؤتي ~~أكلها) يعني ثمرها كل حين كل ساعة بإذن ربها، نقول لا تثمر إلا بأمر ربها. ### | أما تفسير قوله: مباركة # فإن قصتها في ذكر قصة طوبى، وسنذكرها في موضعها إن شاء الله مع سمتها ~~التي ذكرنا. ### | وأما تفسير قوله لا شرقية ولا غربية # PageV01P023 # فذلك أن الله تعالى حيث أهداها إلى آدم عليه السلام يوم أهداها غرسها في ~~تلعة من الأرض، ولم يكن يومئذ حيطان تواري عن الشمس ولا ظل وكانت الدنيا ~~فيافي وبراري، أهدى الله حبة من حبات ثمرة شجرة طوبى حين تاب عليه، وقيل يا ~~آدم: إن فيك داعية تدعوك إلى جوهرها ولا بد لك من اتباعها وهي جوهرة التراب ~~وهي التي دعتك إلى أن أخرجتك من الجنة، وأسكنتك الأرض، فهي كما دعتك من ~~الجنة إلى أن أخرجت من جواري وأسكنتك جوهرها وهي الأرض فهي لا تدعك أن ترجع ~~إلى جواري وداري لأنها تحب جوهرها وتطمئن إليها وهي الأرض، وتنسيك الآخرة ~~فرحمتك يا آدم وزودتك بهذه الجنة، فإنها في الجنة، لتكون داعية لك إلى ~~جوهرها؛ وهي الجنة، كما أن جوهره الترابي يدعوك إليها وهي الأرض فخذ هذه يا ~~آدم واغرسها فغرسها فلما نبتت واستغلظت وأخرجت شطأها فازدهرت واستوت على ~~ساقها، أعجب آدم عليه السلام نباتها وكانت إذا طلعت الشمس طلعت عليها وإذا ~~غربت عنها فأينعت وازدهرت وأورقت واخضرت وتسنبلت وأثمرت وأخرجت على كل ورقة ~~منها سمة منقوشة بالسورية لا إله ms39 إلا الله، فلما نظر إليها آدم عليه السلام ~~أعجب بها، وقال ليتني أعرف اسمها، فقيل له: يا آدم هذه شجرة الزيتون، وهي ~~من شجرة طوبى، قال: يا رب ولم سميتها شجرة الزيتون وهي من شجرة طوبى، قال: ~~لأني زودتك بها يوم تبت عليك فالزاي زاي الزاد، والياء ياء اليوم، والتاء ~~تاء التوبة، قال: يا رب فما الواو الذي فيها؛ قال: تلك علامة السمة التي ~~وسمت بها أمها وهي طوبى فأخرجت هذه تلك السمة، قال: وما سمتها، قال: سمة ~~طوبى أني أنا الله، وسمة هذه هذا المنقوش على أوراقها وهي لا إله إلا الله، ~~قال: فما هذا النون في عقبها؟ قال: ذلك علامة النور الذي وضع فيها، فإن ~~فيها نورا نضيء منه، وهو الذي قال: (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار) . # رجعنا إلى ما كنا فيه فشبه دهن شجرة القلب: وهي المعرفة؛ بدهن شجرة ~~الزيتون التي؛ لا شرقية ولا غربية، وهي التي غرسها آدم عليه السلام يومئذ، ~~يقول: فكما أن الزيتونة إذا كانت بتلك الحال تكون أجود لثمرها وأحسن، كذلك ~~يكون ثمر شجرة المعرفة، أحسن وأجود إذا كانت لا شرقية ولا غربية، فشمس ~~الزيتونة شمسنا هذه وشمس شجرة المعرفة نظر الله الجميل إليها كل يوم بكرة ~~وأصيلا، وليس فيما بينه وبينها شيء يمنعه عن النظر إليها، وذلك أنه إذا كان ~~بين نظره وبين الشجرة هوية أو ذنب أو شيء لم يقع النظر على الشجرة، وبين ~~الشمس وبينه حائط أو ستر لم تقع عليهما الشمس، وبقيت تحت ظل الحائط فسقمت ~~وذبلت وتناثرت أوراقها واصفرت وتغيرت عن حالها، وما أخرجت من الثمار أخرجته ~~نكدا لا بذاقة لها، وخب عليها اليبس؛ ولذلك قيل أن الزيتون لا يستقر في بطن ~~المنافق حتى يقيء ولا يطيق أكله إلا كل مؤمن طيب؛ لأنه من طوبى، وطوبى من ~~الجنة ولا يستقر ثمر الجنة في بطن المنافق. ### | أما تفسير شجرة طوبى التي الزيتونة منها وتفسير سمتها والبركة التي فيها # PageV01P024 # فإن الله تبارك اسمه لما أراد أن يغرس شجرة ms40 طوبى خلق جوهره ثم سقها ~~فاستخرج منها حب ثم شقها فحشاها بالبرد والبركة والبهاء وطواها في لباس ~~الرحمة ووسمها بسمته إني أنا الله لا إله إلا أنا، ثم هيا لها مغرسا في ~~متوسط الجنان وميدانها ومجالسها فنثر المسك والورس وأخذها بيده يوم الأحد ~~فغرسها فيها، فنبتت من ساعتها، وأخرجت شظاها، وأورقت واسودت على ساقها، ~~واخضرت وازدهرت وأعينت واغصوصنت مائة غصن عدد درجات الجنة في كل درجة منها ~~غصن من ياقوته حمراء، وأصله من جوهرة صفراء، وأوراقها من زمردة خضراء، ~~وثمارها على صفاء اللؤلؤ، وبياضها أطيب من المسك وأحلى من العسل تؤتي أكلها ~~كل ساعة ما شاء الله حللا وطيبا وثمارا وجواري وغلمانا، منقوش على كل ورقة ~~منها كلام بالعربية إني أنا الله لا إله إلا أنا رحمتي وسعت كل شيء ~~فسأكتبها للذين يؤمنون بي ويصدقون محمدا خاتم الأنبياء فلما نظر الجليل ~~إليها رضى بها، وباهى بها على الأشجار والثمار، وقال رحمتي عليك ونظري إليك ~~إني أنا الذي خلقتك، إني أنا الذي ربيتك: إني أنا طويتك في لباس الرحمة، ~~إني أنا الذي وسمتك سمتي التي عليك، إني أنا الذي باركت عليك وحشوتك بالبر ~~والبهاء والبركة، إني أنا الذي غرستك بيدي فأنت غرسة يدي ومختارة خلقي من ~~بين الأشجار قد شققت لك اسما من صنعي بك، بما حشوت فيك؛ فأنت طوبى يا طوبى، ~~قال: فالطاء طاء الطي حيث طويتك من الرحمة، والواو واو السمة حيث وسمتك ~~بسمتي، والباء باء البر والبركة والبهاء التي حشوتك بها، والياء ياء اليد ~~أي بيدي غرستك، فكل حرف من اسمك دليل على صنعي بك، وعلى ما ما حشوتك به من ~~نظري لك، وطي لك بالرحمة، وحشوي لك بالبر والبركة وغرسي لك بيدي، فيا طوبى ~~لمن نالك، ويا طوبى لمن نظر إليك واستظل بك، أضن بك على خلقي؛ إلا على من ~~يقر بي على إقرار توحيدي، إني أنا الله لا إله إلا نا، وقد قيل، إن الأشجار ~~ثلاثة: شجرة الزيتونة في الأرض، وشجرة طوبى في الجنة، وشجرة المعرفة ms41 في ~~قلوب المؤمنين، فكل حرف من هذه الأسماء يدل على نفسها وصنع الله لها، فشجرة ~~الزيتونة اسمها الزيتونة وهي كما ذكرنا، وشجرة طوبى اسمها طوبى كما ذكرنا، ~~وشجرة المعرفة اسمها الطيبة كما قال تعالى (كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها ~~في السماء) فالتي في الجنة طوبى، والتي في قلوب العباد طيبة؛ فتلك أربعة ~~حروف، وهذه أربعة أحرف، ألا أن فيها واوا زائدة، وفي هذه هاء زائدة، وهناك ~~الباء قبل الياء، وهنا الياء قبل الباء، وهذا تدبير وتقدير من العزيز ~~العليم، فهمه من فهمه، وجهله من جهله، وسنذكر منه ما يستدل أولو العقل من ~~الناس. أما الطاعة فطاء الطاعة، وأما الياء فياء اليد، وأما الباء فباء ~~البيعة، وأما الهاء فهاء هو فإذا جمعت بين حروفها دل على أن الخلق بها ~~أطاعوا ربهم، وليد الله بايعوا وبها أطاعوا، وبها بايعوه، وذلك أن الله ~~تعالى لما أراد أن يأخذ عليهم الميثاق ويشهدهم على أنفسهم، ويبايعهم على ~~أنهم لا يطيقون أن يبايعوا يده حجرا أخرجه من الجنة فبايعوه به فسماها الله ~~شجرة طيبة لذلك، ومن ذلك قيل الحجر يمين الله في الأرض. ### | تفسير قوله عز وجل: ألم # قد تكلم الناس في ذلك حتى أكثروا، وحتى ذكرنا بعض ذلك في صدر كتابنا هذا ~~ولكن في الجملة نذكر منه ما يحتمله قلوب الخلق ويكون لأنابهم مساغا، أن حشو ~~الألف الوحدانية والربوبية والفردية والألوهية وأسمائه وصفاته الذاتية ~~فجميع ما يخرج من هذا النوع إنما يخرج من الألف وهو الله، وحشو اللام ~~اللطيف والبر والإحسان والعفو والرحمة والصفح وما يشبهها يخرج من اللام وهو ~~اللطيف، وحشو الميم الملك والقدرة والجبروت والسلطان والقهر والعذاب وما ~~يشبهها يخرج من الميم وهو الملك وفي بيان ما قلنا شفاء لمن له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد وعمى لمن جعل الله صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء. ### | تفسير قوله: (اهدنا السراط المستقيم) # PageV01P025 # فإن السراط المستقيم هو الإسلام، وقد هدى وأعطى، أليس بمحال أن يستهدوا ~~الإسلام وهم مسلمون، قال: هذا ليس على ما ms42 ذهب إليه الناس، أن الهدى هدى ~~الإسلام، وأن السراط المستقيم الإسلام، ولكن هذا من هداية الطريق لأن القوم ~~خافوا على أنفسهم من الأهواء المضلة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم، ~~"أن بني إسرائيل افترقت على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ~~وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة وهي ~~الجماعة". # PageV01P026 # فنظر أولو العقول من الناس، فقالوا إن هذه الفرق التي وصفها النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد ظهرت وكل تدعي على أنها هي الجماعة، وكل على ما هو عليه ~~فخرج مستبشر، كما قال الله تعالى في كتابه: (كل حزب بما لديهم فرحون) ، ~~قال: معجوبون وكل فرقة قد سمت صاحبتها باسم من أسماء ألا هو المضلة المروية ~~المنسوبة إلى النار، فتاه أولو العقول في ذلك، وخافوا على أنفسهم أنهم في ~~بعض منها، وأنهم لا يعلمون فجاروا إلى الله متضرعين خائفين فقالوا: (إياك ~~نعبد وإياك نستعين) ، يا ربنا على عبادتك اهدنا نقول عرفنا يا رب طريقك ~~المرضي ومنهاجك الواضح من بين هذه الطرق والسبل فإنهم يدعوننا إليه، ونحن ~~لا نعرف أهي طريقتك أم لا، الصراط تقول الطريق المستقيم الذي ترضاه لنفسك ~~وميزته بحكمتك من بينها؛ صراط الذين أنعمت عليهم وهم أهل الصلاح والأولياء، ~~غير المغضوب عليهم، غير طرق اليهود، ولا الضالين، ولا طرق النصارى، وهي ~~الأهواء، الاثنان والسبعون، فإنها قد فشت في هذه الأمة فلو أن واحدا منها ~~أخذ بواحدة منها أخذ بشعبة من تلك الأهواء النصرانية، فقولوا: اهدنا، يقول: ~~عرفنا على ليس ما ذهب إليه الناس من الهدى، فإن الله قد هداهم ومحال أن ~~يسأل الشيء الذي قد أعطى وذلك في اللغة جارية أن يقال أتهدي منزل فلان أي ~~أتعرف، ومثال ذلك في الدنيا لو أن رجلا حباه الله ببدرة من دنانير من غير ~~سؤال، ولا تعرض فنسي الرجل البدرة وتقدم إليه يسأله بدرة من دنانير، فما ~~ظنك به أليس يهان ويطرد، ويقال أليس قد أعطيناك أمس ما تسأل اليوم فأنت ~~كفور ms43 جهول فحرم العطية ويغلق دونه باب الملك فلو كان هذا لاستنكر بملوك ~~الدنيا ويقبح عندهم إذن لهو أقبح عند الجليل الجميل، ومثال الكلام الأول أن ~~القوم خافوا على أنفسهم اشتباه الطريق عليهم فاستعرفوا الله المرضي من ~~بينها كرجل دعاه الملك إليه على طريق يرضاه الملك أن يأتي إليه في ذلك ~~الطريق ومن منزل الرجل إلى الملك مسافات وجبايات وطرق مختلفة على عدد ~~الاثنين والسبعين فرقة، وعلى طريق منها دال يدله على الطريق ويزعم أن ~~الطريق المستقيم الذي يرضاه الملك ويجب أن يؤتى إليه فيه هذا ويحتج ويبين ~~ويريه العلائم والشواهد فينتبه الرجل ويقول، إن محبوب الملك من بين هذه ~~الطرق طريق واحد، وإن كل واحد من هؤلاء يزعم أن الطريق الذي هو عليه هو ~~المرضي المختار، وكل يدل بالحجج والشواهد فيتفكر الرجل في ذلك، ويقول لا ~~أرى حيلة على وجود تحري مسيرة الملك في الإتيان إليه على سبيل يرضاه الملك ~~ويختاره إلا بكتاب من عندي إليه أستهديه محبوبه ومختاره من هذه الطرق ~~وأستعرفه ليعرفني ويهديني إليه فإني قد تهت ولا أدري في أيها أسلك فاكتب ~~إليه وأستعرفه، فقال: عرفني أيها الملك طريقك المستقيم لأسلك فيه إليك فقد ~~اشتبه علي الطرق، فيقال له أي صراط تريد، فيقول صراط الذين أنعمت عليهم، ~~مننت عليهم بأن عرفتهم طريق الرشد من طريق الغي بعد ما تاهوا فيه كما تهنا، ~~فيقول لهم يعنون طريق اليهود ابتلاء واختبارا، فيقولون: غير طريق من غضبت ~~عليهم وهم اليهود، فيقول أفطريق النصارى، فيقولون: ولا طريق الضالين وهم ~~النصارى، وهم أصحاب الأهواء، فاستجاب لهم ربهم فقال (ولا يزالون مختلفين ~~إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) ، فقالوا: فأي سبيل سبيلك، فقال: قل يا محمد ~~(هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) ، فقالوا أي سبيل هذه ~~قال: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) ، قالوا على أي سبيل قال: ~~(اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) ، قالوا: وما ذاك، قال: (وإن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبيل فتتفرق بكم عن ms44 سبيله) ، قالوا أي صراط ~~هذا، قال: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه ~~سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) ، ~~ولذلك قال: لداود عليه السلام، يا داود لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا ~~بالأهواء فيصدك عن طريق محبتي أولئك قطاع طريق عبادي المريدين إن أدنى ما ~~أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة الإيمان من صدورهم، فبين الله سبيل مرضاته من ~~بين تلك الأهواء والسبل لعباده المريدين والمتحرين لمرضاته طريق الرشد في ~~أي من القرآن ويدلهم إلى الاقتداء بالأئمة الصالحين والتمسك بأخلاقهم ~~وسبيلهم ما وافق كتاب ربهم فإن في موافقة الكتاب # PageV01P027 # الحلول على بساطة مرضاة الله والتناول من ولائم الله والشرب من كأس ~~محبته. ول على بساطة مرضاة الله والتناول من ولائم الله والشرب من كأس ~~محبته. ### | باب تفسير لباس المعرفة # ملك قد ملكه الله وأحله موضعا من أشرف النفس وأضرفه وأعلاه وله لباس من ~~الجمال ولباس من الجلال، ولباس من السلطان، ولباس من العظمة، ولباس من ~~الهيبة، ولباس من الجود، ولباس من المجد، ولباس من الكرم، ولباس من الرحمة، ~~ولباس من الرأفة، ولباس من العطف، ولباس من الشفقة، ولباس من الجبروت، ~~ولباس من الملكوت وعليه تاج من الإلوهية قد سطع نوره إلى ذي العرش المجيد، ~~وله شأن أغور من هذا ننبه أفهام العوام من عجائبه، فقد كتمناه خوفا من ولوج ~~الوسواس على أعين قلوبهم والفتتان بها لكنه علم جليل. ### | باب تفسير حجبه # وبين يديه حجب من العدل والحق والعظمة والهيبة والسلطان وحجب من النور ~~وحجب من الرحمة وحجب من الكبرياء. ### | باب صفة العقل # وأما صفة العقل فإن الله تعالى خلق العقل من نور الهيبة وهو ثلاثة أحرف ~~من الكتاب: عين وقاف ولام، فللعين خمسة معاني: من العزة والعظمة والعلو ~~والعلم والعطاء، فهذا تفسير معنى العين، ولكل حرف منه جوهر فوضع من كل جوهر ~~فيه، فقولك عين فيه العظمة والعزة والعلو والعلم والعطاء، وأما القاف فلها ~~خمسة معاني فالقاف من ms45 القربة والقول والقرار والقوام والقدرة، فإن قلت: عق ~~دخل فيه العين والقاف، ومعاني العين ومعاني القاف، وأما اللام من اللطف، ~~واللطف من الرحمة، والرحمة من العطف، والعطف من الشفقة، والشفقة من الشوق، ~~والشوق من الحب، والحب: حرفان؛ حاء وباء، فالحاء من الحياة والحياء والحلم ~~والحكمة، فإذا قلت حاء دلل هذا الحاء على أن فيه الحياء والحياة والحلم ~~والحكمة، وأما الباء فمن البر والبهاء، فبحاء الحياة أحيا جسده، وبحاء الحب ~~أحيا قلبه حتى عرفه، وباء البر بره بنعم الحياة، وبباء البهاء باهى به عند ~~الملائكة فالعقل خلق فيه ما وصفنا تخرج حروف خلقته هذه المعاني، ثم هو في ~~صورته أحسن الخلق وأزينه، ثم في لباسه أحسن الألبسة وأشرفها، وحشاه بأنوار ~~الوحدانية والفردية والكبرياء، وكساه بكساء من نور الجمال ونور البهاء ونور ~~الجلال ونور الحسن ونور العظمة ونور الهيبة فلما فرغ من خلقه قال له: "أقبل ~~فأقبل" ثم قال له "أدبر فأدبر"، ثم قال: "أقعد فقعد"، فقال: "بعزتي ما خلقت ~~خلقا أحسن منك ولا أجمل منك ولا أشرف منك ولا أنبل منك خلقتك من نور وحشوتك ~~بالنور وكسوتك بالنور وقربتك بالنور وأمدك بالنور وأسكنتك معدن النور فأنا ~~النور ومعرفتي نور وكلامي نور وأنت من نور النور والبستك نور وحشوتك في ~~النور وأسكنتك في النور فأنت نور على نور أهدي لنوري من أشاء من عبادي"، ثم ~~قال له من أنا قال: أنت الله لا إله إلا أنت، قال: فقال الرب: بك أطاع وبك ~~أشكر وبك أعطي ولك الثواب وعليك الحساب؛ حدثنا بذلك فهذه صفة العقل. ### | باب صفة جنوده وأسماؤهم # فالعلم، والحلم، واليقين، والحق، والنصر، والفطنة، والفهم، والوقار، ~~والسكينة، والحياء، والصبر، والهدى، والرشد، والحفظ، والصيانة، والعفاف، ~~والرزانة، والتقى، والورع، والفكرة، والتذكر، والعفو، والبر، والرحمة، ~~والرقة، والرأفة، والعطف، واللين، والجود، والمجد، والعطاء، والكرم، ~~والحمد، والذكر، والثناء، والشكر، والهيبة، والسلطان، والكبر، والعظمة، ~~والفخر، والعز، والتواضع، والتضرع، والخشوع، والخضوع، والصدق، والصحة، ~~والإخلاص، والنية، والعزم، والحزم، والوفاء، والعدل، والسلامة، والسداد، ~~والإحسان، والشوق، والحكمة، والعبادة، والقناعة، والرضا، والحذر، والتدبر، ms46 ~~والرأي، والتوكل، والتفويض، والتسليم، والظفر، والنصر، والنصح، واصفح، ~~والغفران، والستر، والرعب، والرهبة، والرجاء، والخوف، والعظمة، والنوال، ~~والمداراة، والصمت، والحب، والأمر، والنهي، والصلابة، والخلق، والسمت، ~~والذهن، والإلهام، والمراقبة، والفني، والتوبة، والإنابة، والفرح، والسرور، ~~والعبرة، والعظمة، والندامة، والذكاوة، والكياسة، والزهد، فهذه مائة نفس ~~أفراس ورجال وأبطال وغيرهم وكل على أمر. ### | باب بيان أمر الجنود وعماله وأمرائه # PageV01P028 # فأما العلم والحلم فهما وزيرا العقل، واليقين قائد الجيش، والحق صاحب ~~المظالم، والنصر الفتح، والفطنة الطليعة، والفهم صاحب النيات، والوقار ~~والسكينة قائدان، والحياء صاحب السر، والصبر صاحب الاستدراج، والهدى والرشد ~~الدليلان، والحفظ والصيانة صاحب الكنوز، والعفاف والرزانة والتقى والورع ~~أصحاب الخزائن، والفكرة والتذكر صاحب المكر، والعفو والبر صاحب الصلح، ~~والرحمة والرقة والمراقبة واللطف والعطف واللين والمداراة فإنهم أعوان ~~القاضي، والجود والمجد والعطاء والكرم صاحب الأرزاق، والحمد والذكر والثناء ~~والشكر أصحاب المدد، والهيبة والسلطان والكبر والعظمة والفخر والعز الأبطال ~~المحاربون، والتواضع والخشوع والخضوع الرجالة، والصدق القاضي، والصحة ~~والإخلاص والنية والعزم والحزم أصحاب المبارزة، والوفاء الأمين، والعدل ~~السجان، والسلامة والسداد أصحاب الأعلام، والإحسان صاحب الرايات، والشوق ~~صاحب اللواء، والحكمة الحاكم، والعبادة الخدم، والقناعة والرضا قيم الأمور، ~~والحذر المدبر، والتدبير والرأي صاحب المشورة، والتوكل صاحب الحصن، والظفر ~~صاحب النصر الرماة، والنصح والصفح الرسل، والرغبة والرهبة والرجاء والخوف ~~الشاكر به، والمداراة والصمت أصحاب الرصد، والحب البندار، والأمر والنهي ~~العهد والميثاق، والصلابة الجلاد، والخلق والسمت وكيلان، والحدة صاحب ~~الشرطة، والذهن أمير الجيش، والإلهام رسول الملك الأعلى، والمراقبة صاحب ~~الأخبار، والفناء الطبال، والفرح والسرور والانبساط واللعب والعبرة ~~الجاسوس، والفطنة المبادئ، والذكاوة والكياسة أصحاب الفاشيات والجنايب، ~~والورع والزهد المحتسبان، والتوبة المقدمة، والندامة السباقة، فهذه صفة ~~الجنود وأمورهم وإمارتهم وعالمهم وأفراسهم ورجالاتهم. ### | باب صفة إبليس وصفة الهوى ### | وصفة جنوده # فأما صفة اللعين وصفة جنوده فإن له اثنا عشر وزيرا تحت يدي كل واحد منهم ~~مائة ألف قائد ثم تحت يد كل منهم مائة ألف، حتى على رجل واحد من بني آدم، ~~يبعث أكثر من ربيعة ومضر وكل قائد منهم على أمر وله أخلاق السوء ms47 مائة، وكما ~~أن ملك المعرفة العقل، كذلك الهوي ملكه، فأما أسماء وزرائه الاثني عشر؛ ~~فأولهم كرام بن الكريم، وهو صاحب مكارم الأخلاق في الجن والنهي عن مساوئها، ~~والأمر بالعقل والأخذ به، والثاني هامة بن إبليس وهو صاحب كبائر الذنوب، ~~والثالث شيعبان بن شوقيان وهو صاحب الأسواق يأمر بالتطفيف، والرابع الزوبع ~~بن دامغ وهو صاحب السعايات والنميمة، والخامس أم زوبر وهي صاحبة الحروب ~~التي تهيج بين الناس وتأمرهم بالقتال، والسادس شيطط بن لويط وهو الذي يأمر ~~بالقرطب والقيادة والفجور، والسابع سوقب بن ذوهب وهو صاحب الرياء والطامات ~~والخيانات، والثامن عذر بن خدع وهو صاحب المكر والخديعة والنكت وقلة ~~الوفاء، والتاسع زولة بن جراض وهو صاحب الوسوسة والجنون وحديث النفس، ~~والعاشر قسيط بن طيط وهو صاحب التخليط بين الناس وترك النصيحة والاستقامة، ~~والحادي عشر قانط بن قوطل وهو الذي يأمر بكل شر بالبذاء والشتم والمناقرة، ~~والثاني عشر عزاف بن حسود وهو صاحب الملاهي والمجالس التي يشرب فيها الخمور ~~ويعتكف فيها بالفجور وله عمله وصناع سوى ذلك ممن اتخذوا المعازف والملاهي ~~يفتنون بها الخلق ويلهونهم بها وكان بدو جميع الملاهي منهم. أسماء أصحاب ~~الصنائع والعملة وأصحاب المعازف والملاهي؛ وهم أكرم الخلق على اللعين، ~~أحدهم: أبو سملقة وهو أول من اعتصر العنب فخمره وشربه وتغنى، والهفاف، وهو ~~أول من عزف، وذلك أنه أخذ حفنة فحلب ماء الكرم وشرب منه ثم وضعها تحت الكرم ~~وغطى رأسها بورقة ثم عاد إليها بعد أيام فإذا لها هزير ورغوة سقاه أخاه ~~شربات منه فسكر فعزف فسمي أخوه عزافا وسمي هفافا وكان اسمه قبل ذلك مشقصا. ~~ومرة بن الحرث أول من اتخذ البربط وذلك أنه أتى هفافا يوما فسقاه الهفاف من ~~شرابه فطار فوقع في جزيرة من جزائر البحر فبقي فيها سنة يتفكر في أن يأتي ~~بشيء يذكر به كما ذكر الهفاف بالعصير فإذا هو يوما بطائر له صوت شجي حسن ~~فسمع صوته فأعجبه تلونه فنحت عودا وشد عليه خيوطا من لحاء الشجر حتى صيره ~~على صنعة العود فاتخذ ms48 عودا ثم اتخذ من بعد ذلك أوتارا من تغير اللحاء من ~~أذناب خيل البرية. # PageV01P029 # ولوقس بن لاقس أول من اتخذ المزامير، وذلك أنه مر يوما بالهفاف، ومرة ~~وهما يشربان ويطربان فسمع صوتا لم يسمع بمثله قط فدنا فشرب شرابا لم يشرب ~~مثله قط فطار حتى وقع إلى أرض بابل فمكث سنة متفكرا لبدع حتى سمع ليلة صوت ~~ذبابة فتناول قصبة فثقبها ثم نفخ فيها. # وصهيب بن عازب وهو الذي اتخذ الصنج وذلك أنه وقع عند الهفاف فأحب أن يكون ~~له شيء يذكر كما ذكر الهفاف وأصحابه فوقع في جزيرة في البحر فظل فيها دهرا ~~ملتمسا بدعة حتى هاجت يوما ريح عند الصيف ووقعت الريح في شجرة يابسة فصوتت ~~فأعجبته فاتخذ صنجا. # وأبو شكيم وهو الذي ابتدع الطبل وذلك أنه غطى يوما ذيله على باطية هفاف ~~فجعل هفاف يضرب يده عليها فصوت فجعل مكان الذيل جلدا. ### | باب أصحاب المنازل والحرف # فمن أصحاب المنازل والحرف شيطان يقال له القمام بن القشب وهو ساكن ~~المزابل ينضح البول على الثياب، وشيطان يقال له الزفوف بن الغارب وهو على ~~المطبخ يشغل النساء لتحترق الأخبزة فيغضب الأزواج وعلى القدور يملحونها، ~~والبرباض بن دخران وهو على الأموال والكنوز، والرائب بن لمس وهو صاحب ~~الحمام، والضحاك بن المقطب وهو على الزقاق والسكك والمربعات يرشد السكارى ~~إلى بيوتهم، والقطوف بن الحبر وهو على مجالس الغيان والعزف والمرق وهما ~~شيطانا العربدة، والحشود بن اللطف وهو الذي يجمع بين الغلمان والنساء، ~~والتحيت بن المفتحم وهو الذي على الأسواق وهو الذي على حوانيت الخمور. # باب لما أراد الله أن يسكن الخلق الأرض خلق الجان من نار السموم وخلق ~~زوبعة منه فغشيها فحملت إحدى وثلاثين بيضة فوضعت بيضة واحدة فتفلقت عن ~~قطربة وهي أم القطارب فلما أطلعت رأسها قالت الجنة وهي زوجة الجان يا ~~قطربة، قالت قطربة سميعا دعوت، قالت الجنة احضني ولدي، قالت قطربة ما خلفت، ~~فوضعت الجنة ثلاثين بيضة فحضنتها قطربة فتفلق منها عشر بيضات، فكان في ~~البيضة الأولى الأبالسة منهم ms49 الحرث أبو مرة عدو آدم عليه السلام ونسله ~~فسكنوا البحور، وتفلقت البيضة الثانية عن الوسواس فسكن الجزائر، وتفلقت ~~البيضة الثالثة عن الغيلان فسكنوا الخرابة والفلوات، وتفلقت البيضة الرابعة ~~عن السعالي فسكنوا الجبال والرمال، وتفلقت الخامسة عن الرهاوية فسكنوا ~~الأدغال والآجام، وتفلقت السادسة عن الأراجيل فسكنوا العيون ومجامع الطرق، ~~وتفلقت السابعة عن التهاويس فسكنوا الحمامات والمزابل والكنف، وتفلقت ~~الثامنة عن الهوام فسكنوا الهواء وغيره، وتفلقت التاسعة عن الأرائي فسكنوا ~~معارك الحروب والنواويس والقبور، وتفلقت العاشرة عن الدواجن فسكنوا الدور ~~والقصور وخيام الأعراب، أما العشرون البواقي فإن قطربة حملتهن فطارت في ~~الهواء حتى إذا كان بين مسقط عين الشمس ومطلع سهيل فلقت فسمت منهن خمسا، ثم ~~قالت اعمروا وانتشروا واكثروا ومضت حتى إذا كان بين مطلع سهيل وبين مطلع ~~قرن الشمس ففلقت وسمت منهن خمسا، وقالت لهن مثل ذلك ثم مضت حتى إذا كان بين ~~مطلع قرن الشمس ومطلع بنات نعش فلقت فسمت خمسا وقالت لهن مثل ذلك ومضت حتى ~~إذا كان بين مطلع بنات نعش وبين نعش فسمت خمسا، فقالت لهن مثل ذلك، ثم رجعت ~~القطربة إلى الجنة فقالت ملأت البر والبحر ففلقت كل بيضة عن ألف توأم ذكر ~~وأنثى، تحدثنا بذلك كله، فهذا كل عدو آدم وذريته فبث اللعين سراياه وشؤم ~~أموره يدبر ويسوط حتى أنه ليبعث ألف سرية على رجل واحد من ولد آدم صلى الله ~~عليه. # PageV01P030 # وأما صفة اللعين فحدثنا أبو مقاتل عن صلح بن سعيد عن أبي سهل عن الحسن ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن إبليس عدو الله كان يلقى ~~الأنبياء عليهم السلام ويتحدث إليهم من لدن نوح إلى عيسى ابن مريم عليهم ~~السلام وما بين ذلك من الأنبياء"، غير أنه لم يكن لأحد أكثر زيارة ولا أشد ~~استئناسا إلى يحيى بن زكريا عليه السلام وإنه دخل عليه ذات يوم فلما أراد ~~الانصراف من عنده قال له يحيى عليه السلام: يا أبا مرة واسمه الحرث وكنيته ~~أبو مرة وإنما سماه الله جل وعز ms50 إبليس لأنه أبلس من الخير كله يوم آدم عليه ~~السلام فقال له يا أبا مرة إني سائلك حاجة فأحب أن لا تردني عنها، فقال له ~~لك ذلك يا نبي الله، فسل فقال له يحيى بن زكريا عليه السلام إني أحب أن ~~تحبني في صورتك وخلقك وتعرض علي مصائدك التي بها تهلك الناس، فقال إبليس ~~سألتني أمرا عظيما ذقت به ذرعا وتفاقم خطبه عندي ولكنك أعز علي وآمن من ~~أردك بمسألة ولا أجيبك بحاجة ولكني أحب أن تخلو لرؤيتي فلا يكون معك أحد ~~غيرك فتواعد الغد عند ارتفاع النهار فصدر من عنده على ذلك فلما كان من الغد ~~في تلك الساعة مثل بين يديه قائما فنظر إلى أمر من أمر الله إذ هم ممسوخ ~~منكوس مقبوح هائل كريه جسده على مثال أجساد الخنازير ووجهه على وجه القردة ~~وشق عينيه طولا وشق فاه طولا حبال رأسه وأسنانه كلها عظم واحد لا ذقن له ~~أصلا ولا لحية وشعر رأسه مفلل مقلوب المنبت نحو السماء وله أربعة أيد يدان ~~في منكبيه ويدان في جنبيه وأصابعه مما يليه من القدم خلفه وعراقيبه أمامه ~~وأصابع يديه ستة وجسده أصغرا ومنخرا أنفه نحو السماء له خرطوم كخرطوم الطير ~~ووجهه قبل القفا أعمش العينين أعوج معوج له جناح وإذا عليه قميص مقلص قد ~~تمنطق فوقه فعل المجوس وإذا أكواز صغار وقد علقها من منطقة مقدمة، وحوالي ~~قميصه خياعيل شبه الشري في ألوان شتى من بياض وسواد وحمرة وصفرة وخضرة ~~وبيده جرس ضخم وعلى رأسه بيضة في قلبها حديدة مستطيلة معقفة الطرف فقال له ~~يحيى عليه السلام أخبرني يا أبا مرة عما أسلك مما أرى، قال: يا نبي الله ما ~~دخلت عليك على هذه الحالة إلا وأنا أحب أن أخبرك بكل شيء تسألني عنه ثم لا ~~أعمي عليك، فقال: حدثني يا أبا مرة عن نطاقك هذا فوق القميص، قال: يا نبي ~~الله نشبه بالمجوس أنا وضعت المجوسية وزينتها، قال: فاخبرني ما هذه الأكواز ~~التي هي معلقة من منطقتك مقدمة، ms51 قال: يا نبي الله فيها شهواتي ومخاعيلي ~~ومصائدي فأول ما أصيد به المؤمن من قبل النساء فإن هو اعتصم بطاعة الله ~~أقبلت عليه من قبل جمع المال من الحرام طمعا فيه وحرصا عليه، فإن اعتصم ~~بطاعة الله واجتنبني بالزهادة أقبلت عليه. # PageV01P031 # من قبل الشراب المسكر حتى أكدر عليه هذه الشهوات كلها ولا بد من أن يواقع ~~بعضها ولو كان من أزهد الناس قال فما هذه الخياعيل إلى طرف قميصك قال: يا ~~نبي الله ألوان صباغ النساء وزينتهن فلا يزال أحدهن تلون ثيابها حتى تأتي ~~على ما يليق بها فهناك أهش الرجال إلى ما عليها من الزينة، قال فما هذا ~~الجرس بيدك، قال يا نبي الله هذا معدن الطرب وجماعات أصوات المعازف من بين ~~بربط وطنبور ومزامير وطبول ودفوف ونوح وغناء، فأن القوم يجتمعون على محفل ~~شرب وعندهم بعض ما ذكرت من المعازف فلا يكادون يتنغمون في مجلس ويستدلون ~~ويطربون فإذا رأيت ذلك منهم حركت هذا الجرس فيختلط هذا الصوت بمعازفهم ~~فهناك يزيد استلذاذهم وطربهم ورقصهم فمنهم من إذا سمع هذا فيقرع أصابه ~~ومنهم من يهز رأسه قال يا نبي الله أحرز بها رأسي هذه البيضة من كل نكبة، ~~قال وما النكبة قال اللعنة، قال فما هذه الحديدة التي في قلبها، قال: يا ~~نبي الله هي التي أقلب بها قلوب الصالحين، قال: بقيت حاجة، قال: سل، قال: ~~ما بال خلقك وصورتك على كل ما أرى من القبح والتقليب والأفكار، قال يا نبي ~~الله هذا بسبب أبيك آدم عليه السلام إني كنت من المكرمين ممن لم أرفع رأسي ~~من سجدة واحدة أربعمائة ألف سنة فعصيت ربي في أمر سجودي لآدم أبيك فغضب ~~الله علي فلعنني فحولت من صورة الملائكة إلى صورة الشياطين ولم يكن في ~~الملائكة أحسن صورة مني فصرت ممسوخا منكوسا مقلوبا مقبوحا هائلا كريها كما ~~ترى، قال فهل أريت صورتك هذه أحدا قط ومصايبك بهذه الصورة، قال لا وعزة ربي ~~إن هذا الشيء ما نظر إليه آدمي قط ولقد أكرمتك ms52 بهذه دون الناس كلهم، قال ~~فتمم إكرامك إياي بمسألتين أسألك عنهما إحداهما عامة والأخرى خاصة، قال لك ~~ذلك يا نبي الله: فسل، قال: حدثني أي الأشياء أرجى عندك وأدعمه لظهرك ~~وأسلاه لكآبتك وأمره لعينك وأشد لركنك وأفرحه لقلبك، قال يا نبي الله إني ~~أخاف أن يخبر أحدا فيحفظون ذلك فيعتصمون به فيضيع كيدي، قال يحيى صلى الله ~~عليه وسلم "إن الله أنزل في الكتب شأنك وكيدك وبين لأنبيائه ولأوليائه ~~فاحترزوا بما احترزوا، وأما الغاوون فأنت أولى بهم قد تلعب بهم كالصولجة ~~بالكرة فحدث فليس قولك عندهم أدعى وأعز من قول الله، قال يا نبي الله إن ~~أرجى الأشياء عندي وأدعمه لظهري وأسلاه لكآبتي وأسره لأذني وأشده لرغبتي ~~وأفرحه لقلبي وأقره لعيني النساء فإنهن حبائلي ومصائدي وسهمي الذي به لا ~~أخطئ بهن لو لم يكن هن ما أطلقت إضلال آدمي، هن قرآت عيني بهن أظفر في ~~المهالك يا حبذا هن إذ اختممت بسبب النسالك والعباد والعلماء وغلبوني بعد ~~ما أرسلت إليهم الجيوش فانهزموا وبعد ما ركنت فقهرت النساء طاب نفسي وسكن ~~غضبي واطمأنت كظمي واستشف غيظي وسدت نفسي وقرت عيني واشتد أزري ولولا هن من ~~نسل آدم لسجدت لهن فهن سيداتي وعلى عنقي سكناهن وعلى نهماتهن ما اشتهت ~~امرأة من حبالتي حاجة إلا كانت أسعى لرأسي دون رجلي في إسعاف حاجاتها لأنهن ~~رجائي وظهري وعصمتي ومنيتي وثقتي وعوني قال: ما نفعل وفرحك من ضلالة الآدمي ~~بأي شيء سلطت عليه، قال: خلق الله الأفراح والأحزان والحلال والحرام وخيرني ~~فيهما يوم آدم عليه السلام فأخذت الشهوات والحرام والفحش والمناكير وصارت ~~تلك نهمتي وهوائي، خير آدم عليه السلام فاختار الأحزان والعبادة والحلال ~~وصار ذلك له نهمة ومنية وذاك منيتي وتهمته وهذا هوائي ونهمتي وشهوتي فذاك ~~شيؤه وماله ومدائحه وهذا شيئي ومتاعي وبضاعتي ومالي وشيء المرأة نفسه لأن ~~فيه نهمته وشهوته ونهمة المرأة وشهوتها حياته فإذا سلبت الحياة هلك وكم ترى ~~من خلق الله من سلب منه نهمته فمات وهلك كذلك إن لما أخذت ما ms53 اخترت صار ذلك ~~شهواتي وهوائي وحياتي ومهما سلبت هلكت ومهما ظفرت به فرحت وحيت فإذا رأيت ~~شهوتي وهواي وحياتي عند غيري قد سلبها مني اجتهد كل الجهد حتى أظفر بها ~~ليكون بها قوامي فهذا الآدمي سلب حياتي وهي الشهوة والهوى فجعلها في كنه ~~وحرزة وقد تهيأ ليقتلني ويحاربني فهل يدمن المحاربة ليصل المحق إلى حقه ~~ويقهر الظالم فهذه حالتي وشأني وسبب فرحي إذا غلبته قال وما ظلمك حيث تقول ~~يقهر الظالم قال لقد ظلمني إذا سلب هوائي جعله في كنه ولولا ظلمه كيف لا ~~أطلع أنا في خزنة وحلالي كما طمع هو في حزامي وهواي قال ليس بمحال أن تقول ~~أنا أريد استرداد هواي # PageV01P032 # منهه # PageV01P033 # وتفرح أن هو استعملها وتحزن إن لم يستعمل هواك في شؤونه قال إذا استعمل ~~هواي لست أحزن لكني أفرح لأنه قد أعطاني نهمتي لأن نهمتي الفرح إنما أحزن ~~لأنه قد جبل علي لكني أريد استعماله فإذا استعمله أعطاني منيتي وفرحي لأن ~~الشهوة منيتي ومختاري وحياتي فهو نفسي فإذا استعمل منيتي أحياني وفرحني لأن ~~استعماله على جهته فإذ لم يستعمله فهو كنه كالمسجون فإذا كان هو في كنه ~~مسجونا مقيدا وهو حياتي كنت كأني مسجون المقيد فصرت هزيما لأنه أبدلني ~~بمكان شيء شياه أي بمكان حياتي الموت فلا بدا لي من أن أحتال بكل حيلة ~~وأريده بكل خدعة وأهيئ وأزين الآلة والأدوات وأخرج الملاهي وأدواتها ~~وأحريها وأحركها وأحولها لعله يرى ذلك فيطرب ويذكر وينشط ويغتر ويقبح ~~ويستعمل الهوى الذي فيه هو حياتي وشهوتي فأحيا وأبهج حين يجد هو السبيل إلى ~~التحرك والخلاص من السجن وهذا ما لم أذكره لأحد قط منذ خلقت ولولا ما أرى ~~لك من الفضل والكرامة ما أخبرتك بهذا كله قال هذا الذي وصف إبليس هنا يصدق ~~بجميع ما قلنا من شأن الهوى بالنفس قال يحيى صلوات الله عليه والمسألة ~~الخاصة التي سألتك، قال: نعم سل، قال: هل أصبت مني فرصتك قط في لحظة من بصر ~~أو لفظة بلسان أو بقلب أو هم، ms54 قال اللهم لا إلا أنه كان يعجبني منك خصلة ~~لكبر ذلك عنك فوقع عندي موقعا شريفا فتغير لون يحيى عليه السلام من قوله ~~وتلبد وتقاصرت إليه نفسه وارتعد وارتعدت فرائصه وغشي عليه، قال: ما ذلك يا ~~أبا مرة، قال: أنت رجل أكول وكنت أحيانا تكثر الطعام فتشبع منه ويعتريك ~~الوهن والنوم والثقل والكسل والنعاس فكنت تنام عن حزبك أحيانا من الأوقات ~~التي كنت تقوم فيها بالليل فكان هذا يعجبني منك، وقال بهذا كنت تجد علي ~~فرصة قال نعم، قال: أما أشد لفرحك وما أشد لحزنك، قال: ذكرتك فلم تحفظ ولكن ~~أحمل إليك جميع ما يكره الله فهو مختاري وجميع ما يحب الله منبوذي فإذا رفع ~~الإنسان منبوذي لم أتمالك حتى احتال بكل حيلة وحتى أنبذه فأزين له مختالي ~~حتى يرفعه لأن حياتي في الستعماله ومختاري ومماتي وهلاكي وذلي وضعفي في ~~استعماله مرفوضي وممبوذي وهو الحلال الطيب من الأشياء والأحزان ومختاري ~~الحرام والخبيث من الأشياء والأفراح بما قد حضر الله عليه، قال إبليس حسبك ~~يا يحيى فرحا بما أظهر ليحيى كأنه قد وجد عليه فرصة، فقال يحيى عليه السلام ~~لم تجد علي فرصة في عمري إلا الذي ذكرت لي، قال اللهم لا إلا ذاكرا، قال ~~يحيى عليه السلام عاهدت الله نذرا واجبا علي أن أخرج من الدنيا ولا أشبع من ~~الطعام قال فغضب إبليس وحزن على ما أخبره فاحترز يحيى صلوات الله عليه ~~واعتصم وقال خدعتني يا ابن آدم، وأنا أعاهد الله ربي نذرا واجبا علي إلا ~~أنصح آدميا أبدا ولقد غلبتني يا ابن آدم وكسرت ظهري بما خدعتني حتى سلبت ~~آلتي فخرج من عنده غضبان متذمرا، فهذه صفة إبليس وبدو أمره وقصته ومصائده ~~وتفسير هواه وحياته. تفرح أن هو استعملها وتحزن إن لم يستعمل هواك في شؤونه ~~قال إذا استعمل هواي لست أحزن لكني أفرح لأنه قد أعطاني نهمتي لأن نهمتي ~~الفرح إنما أحزن لأنه قد جبل علي لكني أريد استعماله فإذا استعمله أعطاني ~~منيتي وفرحي لأن الشهوة منيتي ومختاري ms55 وحياتي فهو نفسي فإذا استعمل منيتي ~~أحياني وفرحني لأن استعماله على جهته فإذ لم يستعمله فهو كنه كالمسجون فإذا ~~كان هو في كنه مسجونا مقيدا وهو حياتي كنت كأني مسجون المقيد فصرت هزيما ~~لأنه أبدلني بمكان شيء شياه أي بمكان حياتي الموت فلا بدا لي من أن أحتال ~~بكل حيلة وأريده بكل خدعة وأهيئ وأزين الآلة والأدوات وأخرج الملاهي ~~وأدواتها وأحريها وأحركها وأحولها لعله يرى ذلك فيطرب ويذكر وينشط ويغتر ~~ويقبح ويستعمل الهوى الذي فيه هو حياتي وشهوتي فأحيا وأبهج حين يجد هو ~~السبيل إلى التحرك والخلاص من السجن وهذا ما لم أذكره لأحد قط منذ خلقت ~~ولولا ما أرى لك من الفضل والكرامة ما أخبرتك بهذا كله قال هذا الذي وصف ~~إبليس هنا يصدق بجميع ما قلنا من شأن الهوى بالنفس قال يحيى صلوات الله ~~عليه والمسألة الخاصة التي سألتك، قال: نعم سل، قال: هل أصبت مني فرصتك قط ~~في لحظة من بصر أو لفظة بلسان أو بقلب أو هم، قال اللهم لا إلا أنه كان ~~يعجبني منك خصلة لكبر ذلك عنك فوقع عندي موقعا شريفا فتغير لون يحيى عليه ~~السلام من قوله وتلبد وتقاصرت # PageV01P034 # إليه نفسه وارتعد وارتعدت فرائصه وغشي عليه، قال: ما ذلك يا أبا مرة، ~~قال: أنت رجل أكول وكنت أحيانا تكثر الطعام فتشبع منه ويعتريك الوهن والنوم ~~والثقل والكسل والنعاس فكنت تنام عن حزبك أحيانا من الأوقات التي كنت تقوم ~~فيها بالليل فكان هذا يعجبني منك، وقال بهذا كنت تجد علي فرصة قال نعم، ~~قال: أما أشد لفرحك وما أشد لحزنك، قال: ذكرتك فلم تحفظ ولكن أحمل إليك ~~جميع ما يكره الله فهو مختاري وجميع ما يحب الله منبوذي فإذا رفع الإنسان ~~منبوذي لم أتمالك حتى احتال بكل حيلة وحتى أنبذه فأزين له مختالي حتى يرفعه ~~لأن حياتي في الستعماله ومختاري ومماتي وهلاكي وذلي وضعفي في استعماله ~~مرفوضي وممبوذي وهو الحلال الطيب من الأشياء والأحزان ومختاري الحرام ~~والخبيث من الأشياء والأفراح بما قد حضر الله ms56 عليه، قال إبليس حسبك يا يحيى ~~فرحا بما أظهر ليحيى كأنه قد وجد عليه فرصة، فقال يحيى عليه السلام لم تجد ~~علي فرصة في عمري إلا الذي ذكرت لي، قال اللهم لا إلا ذاكرا، قال يحيى عليه ~~السلام عاهدت الله نذرا واجبا علي أن أخرج من الدنيا ولا أشبع من الطعام ~~قال فغضب إبليس وحزن على ما أخبره فاحترز يحيى صلوات الله عليه واعتصم وقال ~~خدعتني يا ابن آدم، وأنا أعاهد الله ربي نذرا واجبا علي إلا أنصح آدميا ~~أبدا ولقد غلبتني يا ابن آدم وكسرت ظهري بما خدعتني حتى سلبت آلتي فخرج من ~~عنده غضبان متذمرا، فهذه صفة إبليس وبدو أمره وقصته ومصائده وتفسير هواه ~~وحياته. # PageV01P035 # وأما أسماء المائة الخلق التي سأل إبليس ربه وجعلها جنوده كما أعطى آدم ~~صلوات الله عليه: فلما أعطي ىدم صلوات الله عليه المائة خلق وقيل له هذا ~~جند من جنود الله استعملها على عدوك إبليس فسأل إبليس ربه أن يعطيه أضدادها ~~كي يحاربه بها فأعطاه إياها فجعل الهوى ملكا وجعل ما أعطي تابعا له وأعوانا ~~وجنودا كما جعل العقل ما أعطي جنودا وأعوانا وهي الكفر، والجهل، والكبر، ~~والحسد، والحقد، والكر، والخداع، والغش، والغل، والخيانة، والعداوة، ~~والكذب، والزور، والبهتان، والبخل، والشر، والنميمة، والغيبة، والغضب، ~~والجبن، والمداهنة، والرياء، والسمعة، والشك، والشرك، والميل، والبدعة، ~~والضلالة، والغي، والخلابة، والغرور، والجور، والظلم، والبغي، والحمق، وقلة ~~المبالاة، والخفة، والطيش، واللعب، والعبث، واللهو، والسهو، والغفلة، ~~والسرور بالدنيا، والفرح بالدنيا، والعجلة، والفظاظة، والغلظة، والخشونة، ~~والعنف، والأنفة، والاستكبار، والفخر بالدنيا، والخيلاء، والتجبر، والحيرة، ~~والكسل، والثقل، والعجز، والتأخير، والملالة، والخطأ، والنسيان، والشهوة، ~~والوهم، والنهمة، والسبة، والأمل، والباطل، والغل، والتيه، والسفه، والضحك، ~~والحمق، والجزع، والكفران، وطلب العفو، وحب الدنيا، والإسراف، ومحمدة ~~الناس، والمدحة، والشبهة، والحرام، والزينة، والحرص، والفحش، والقساوة، ~~والشره، والأشر، والبطر والقنوط، والسماجة، والبذخ، والتخيل، والمرح، ~~والتمني، والتجبر، والنخوة، والتجسس، والغبن، والريبة، والشكاية، والحلف، ~~والصلف، فهذه الجنود التي أعطي وهي مائة خلق من أخلاق الهوى التابع له وهي ~~أعوان أخلاق آدم فعدو العلم ms57 الجهل، وعدو العلم الحرق، وعدو العقل البغي، ~~وعدو العمل الكسل، وعدو اللين الخشونة، وعدو التأني العجلة، وعدو اليقين ~~الشك، وعدو الورع الفجور، وعدو الشكر الكفران، وعدو الصدق الكذب، وعدو ~~الصبر الجزع، وعدو الرفق العنف، وعدو الصواب الخطأ، وعدو الذكر النسيان، ثم ~~على هذه الصفة إلى آخره، فمتى استعمل الآدمي خلقا من تلك الأخلاق أبرز ~~الهوى خلقا من أخلاقه ليحاربه لعله يقهره فهذه صفة الأخلاق وبيانها. # رجعنا إلى ما كنا فيه من شأن القلب والنفس والصدر ومعسكرهما فللقلب سبع ~~مدائن بعضها في بعض بحيطانها وأبوابها وستورها والملك في أقصاها وهو اللباب ~~بجنوده والصدر مدينة عظيمة حولها ممر فيه المدائن والمجالس والعسكر ~~والمعاون، والعقل معدنه في الدماغ ومسكنه في الصدر بجنوده وحشمه وهو والي ~~الملك أعني المعرفة. والنفس مدينتان عظيمتان؛ إحداهما في الأخرى، إحداهما ~~باطنة، والأخرى ظاهرة. # PageV01P036 # أما الباطنة فدار حرب والأخرى تابعة لمن غلب وتسلط واستولى، فيها صاحب ~~مأوى وهو الخناس وطليعته مبحث الأخبار وهو الجاسوس أعني الوسواس وهلاك ~~الآدمي منهما ومنه قول الله تعالى: (من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في ~~صدور الناس من الجنة والناس) ، كما وصفنا هذا كله بديا في موضعه؛ والجوارح ~~قرى حولها وعلى كل واحد منهما عامل فإذا كان العدو مغلوبا مقهورا والهوى ~~مسجونا كان الملك وهو المعرفة في سلطان جاري وملك وهيبة وكمال وأمر نافذ ~~مطاع مشكور وعز وشرف منورا قد سطع نور الجلال من لدنه إلى أقصى المدينة ~~وقراها وكانت المدينة بما فيها جنة طربة أعي القلب وكانت المدائن حوله ~~ساكنة مطمئنة قد انجلى عنها غيم الهوى وغمام الضلالة ودخان الشهوة والعامل ~~في عز وشرف وبهاء ورفعة منورا قد سطع نور الرعية والطاعة ونور الفرح منه ~~إلى أقصى المدائن وقراها وكانت القرى مطمئنة ساكنة وكان العمال بها مطيعة ~~والرعية في راحة ومال والخناس مقهور والوسواس منحجز والهوى مسجون، واللعين ~~مدحور محسور، وإذا غلب عليها العدو وأخذها عنوة وأمر عليها أميرا ودخل ~~الجنود مع أميره وحشمه بظلمته ودنسه وشهواته وملاهيه وأباطيله وخدعه ~~وأدناسه ونتنه ودخانه ms58 وغيمه قويت النفس وهي الهوى وحييت وتخلصت من السجن ~~والقيد وعسكرت واستعمل عليها عاملا وعلى القرى عمالا وثبت ملكه إلى أن يأخذ ~~مسكن العقل وموضع قضائه فيحمل عليه العقل بجنوده وتنصب الحرب بينهما فيثور ~~من بينهما عجاجة سوداء ودخان مظلم من نتن الهوى وظلمته فيظلم على العقل ~~ومسكنه وهو الصدر فيصير الملك ومن معه من الجنود في حجب من ظلماتها ~~ودخانها، فأما أن كان الغلبة له عليها وأما غلبة لها فإذا كان الغلبة لها ~~عليه انهزم العقل بجنوده من شدة الظلمة ونتنها ودخانها وضعف وذل وأخل ~~بمركزه ولجأ إلى ملكه وهو المعرفة بجنوده مستغيثا فزعا وتركوا الميادين ~~والمراكز وهو الصدر ووثب رجالة العدو وفرسانه مع الصدر وأخذوه ونزلوا به ~~وكان الأمر أمر العدو والسلطانسلطانه نافذ أمره مطاع مشكور والمدائن ساكنة ~~مطيعة والقرى محمودة مرضية والرعية مطواعة والعمال في منعة والعدو فرح ~~واللعين مستبشر مباه وكان الملك وملك الملك وهو العقل والمعرفة وجنودهما ~~وحشمهما محجوبين مسجونين مقهورين مذلين لا يجاوز أمرهما وسلطانهما ربض ~~المدينة وهو القلب فيجزع الملك من ذلك ويحزن ويستوحش فينقبض وينزوي فيتجلى ~~من القلب من نوره على قدر الانقباض والانزواء فيصير ذلك الموضع من القلب ~~خاليا من النور وكلما كان سلطان العدو أجرأ وأمره أنفذ كان الصدر أظلم، ~~وكلما كان الصدر أظلم كان الملك أحزن وأوحش وكلما كان الملك أوحش كان ~~انقباضه وانزواؤه أشد وكلما كان انقباضه أشد كان سلطان نوره أضعف كان القلب ~~أحزن وكان من نوره أخلى وذلك أنه لا يصل النور إلى حوالي القلب وزوايا نوره ~~لانقباضه وضعف نوره لوحشته ألا ترى إلى المصباح في بيت واسع كلما كان سلطان ~~السراج أشد كان ضوء البيت أضوأ وأنور وأسطع حتى يجاوز الزوايا وينفذ ~~المشاكي، وكلما كان سلطانه أضعف كان الضوء منه أضعف لا أنه ينقبض منه ولكن ~~قد ضعف الضوء فليس له سلطان يسطع لوحشته وظلمة دخانه على الصدور وعلى باب ~~القلب فإذا طال ذلك عليه وهو محبوس ومسجون محجوب قد حجبته غيوم جنود العدو ~~ودخانها ms59 منطوي سلطان نوره مرضت المدينة أي القلب وذلك أنها صارت كسية ~~مقحوطة قد منعت عنها الماء فيبست أشجارها وتغيرت ألوانها فلم يزل عليلا ~~مريضا حتى يموت ومن ذلك قول الله عز وجل: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يسكبون) ، قال الذنب على الذنب حتى يموت القلب وذلك أن العدو إذا كان مسلطا ~~على المدائن كان الأمر أمره وكانت الرعية مطيعة وكلما أمر أمرا أطيع فذلك ~~كسبت ورين على القلب أي انطوى نور من الملك على القلب وانقبض فإذا بطل ~~الانقباض منع الماء فإذا منع الماء عن المدينة وظهرت في ألوانها وأشجارها ~~الشدة واليبوسة حتى إذا طال ذلك وكثر مات القلب أي هلكت المدينة ويبست ~~أشجارها أصلا وذلك أن الروح حياة النفس والنور حياة القلب فإذا ضعف الروح ~~ضعف البدن ألا ترى إلى الإنسان إذا نام أو مرض أو غشي عليه لا يمكنه التحرك ~~ولا القيام، والروح فيه لم تنقض منه وكذلك القلب إذا انطوى سلطان النور ~~وانقبض ضعف القلب ويبس حتى يموت وكذلك الشجر إذا منعت # PageV01P037 # عنهاا الماء مرضت حتى تيبس فالنور للقلب كالماء للأرض وكالروح للجسد ومنه ~~سمي يحيى عليه السلام لأنه لم يعص ولم يهم بمعصية وذلك أنه لم يعمل عملا ~~يظلم عليه ويحجبه فاستوحش منه المعرفة فتنقبض فينطوي نورها ويمتنع فيتخلى ~~عن القلب قدره من النور فيبس ذلك الموضع منه ومنه قوله تعالى: (لينذر من ~~كان حيا ويحق القول على الكافرين) أي من قلبه حي كله بنور المعرفة لينطوي ~~عليه ليس من يحجب نوره أو يظلم عليه "فإذا طال ذلك" فيتخلى عن القلب قدره ~~من النور. لماء مرضت حتى تيبس فالنور للقلب كالماء للأرض وكالروح للجسد ~~ومنه سمي يحيى عليه السلام لأنه لم يعص ولم يهم بمعصية وذلك أنه لم يعمل ~~عملا يظلم عليه ويحجبه فاستوحش منه المعرفة فتنقبض فينطوي نورها ويمتنع ~~فيتخلى عن القلب قدره من النور فيبس ذلك الموضع منه ومنه قوله تعالى: ~~(لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين) أي من قلبه ms60 حي كله بنور ~~المعرفة لينطوي عليه ليس من يحجب نوره أو يظلم عليه "فإذا طال ذلك" فيتخلى ~~عن القلب قدره من النور. # PageV01P038 # رجعنا إلى ما كنا فيه فإذا طال ذلك على الملك شكى إلى الله طول ما يلقى ~~فأما أن يؤيده حتى ينهزم العدو ويستولي على أنصاره ويقهر جنوده وأما أن ~~يغضب فيلعن فإذا غضب فلا بد من إحدى أربع: أما أن يسلب المعرفة ويقفل على ~~قلبه، وأما أن يطبع عليه، وأما أن يجعله على خلاف، وأما أن يختم عليه ومن ~~ذلك قوله تعالى: (أم على قلوبهم أقفالها) ، وقوله: (فطبع على قلوبهم) ، ~~وقوله: (وقالوا قلوبنا غلف) ، وقوله: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) ~~وأشدها الختم فإذا سلب المعرفة، كما أن البدن قالب الروح، فالبدن ناطق سامع ~~بصير فإذا خرج الروح صم عمي وبكم، والقلب إذا خلا عن المعرفة عمي وصم وبكم، ~~ومن ذلك قوله: (صم بكم عمي فهم لا يعقلون) وللقلوب موتان: موت خروج النور، ~~وموت ضعف سلطان النور، والمعرفة كما ذكرنا، فنعوذ بالله من الخذلان ونسأل ~~الله أن ينصرنا على عدونا نصرا عزيزا ويجعله ذليلا مقهورا كما هو محسور ~~مدحور ويجعلنا أن نتخذه عدوا كما هو عدو وأن نتعظ وأن نتذكر بما وعظنا ربنا ~~وحذرنا في تنزيله فقال: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) ، وقال: (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء يلقون إليهم بالمودة) ، ~~وقال: (لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني) ، وقال: (لا ~~تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) ، وقال: (الشيطان لما قضي ~~الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم) ، وقال: (الشيطان يعدكم ~~الفقر ويأمركم بالفحشاء والمنكر والله يعدكم مغفرة منه) ، فنسأل الله أن ~~يجعلنا من أهل المغفرة وعدته إنه ملك كريم وإله عظيم ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله، قال الله عز وجل: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا ~~يخرج إلا نكدا) ، فالبلد النفس المطمئنة يريد الذي غلب عليها ماء الرحمة ~~والملك بأعوانه فاستولاها، وقهر العدو والنبات ms61 الثمرات وهي الأعمال الصالحة ~~وقوله عز وجل: (والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) فالذي خبث ما غلبها السبخة ~~والعدو فاستولاها لا يخرج ثمراتها أي أعمالها إلا نكدا فالقلب مستقر ماء ~~الرحمة ومعدن النور العطف والمعرفة والنفس أرض منبتة منها ذات سباخ فيه ~~الجوارح والأشجار وما يخرج من الجوارح من العمال الحسنة الثمرات فمتى ما ~~كانت السبخة فيها ذائبة فيها متلاشية كانت أنهارها تجري بمياهها من المستقر ~~إلى أشجارها ومن المستقر إلى المدينة وهي النفس سبعة أنهار على كل نهر ~~أنهار شتى من بين صغير وكبير، قيل له: ما السباخ التي ذكرت؟ قال: نصفه في ~~موضعه إن شاء الله، فإذا كانت أنهارها جارية صافية كانت المدينة ساكنة طيبة ~~مطمئنة والملك عليها أميرا فرحا مستبشرة وأشجارها غضة طربة مونقة مزدهرة ~~تؤتي أكلها كل حين بأمر ربها والأكل والثمرات وإذا ظهرت السباخ في أنهارها ~~وغلبت عليها غلبت الماء وامتزجت به فإذا لم يجر الماء في أنهارها وانتشفت ~~أشجارها تغيرت ألوانه وانقبضت وانزوت أوراقها واصفرت وتناثرت وسلبت منها ~~الطراوة والغضاضة ولم تخرج ثمراتها إلا في كد وشدة وما أخرجت أخرجت من بين ~~مر وحامض وحلو لغلبة السباخ عليها وامتزاجها بمياه الرحمة فذا دام ذلك وطال ~~تكدرت المياه كلها وغارت وتلاشت وذاب سقياها من ذلك الشرب فسدت عروقها وغضت ~~ويبست أشجارها أصلا فلم تثمر ولم تخرج ولم تتورق فحينئذ يغضب الجليل فحظر ~~عليها الماء وسد أفواه أنهار القلب فلم يدع أن يجري إلى المدينة ولا أن ~~يمده فخربت المدينة بما فيها وماتت ثم سلب ماء الرحمة من القلب وقسا فمات ~~فحزن القلب وخربت النفس ويبست الأشجار وصار كما قال تعالى: (وجعلنا قلوبهم ~~قاسية يحرفون الكلم عن موضعه) ، وقال: فإذا مات القلب وماتت النفس ويبست ~~الأشجار أثمرت الشوك وهو الكفر والشرك وذلك أن السبخة هي أصل النفس وجوهرها ~~وخلقتها وهي الهوى "والهوام والكفر" وذلك أنه من الهاوية فإذا نزع ماء ~~الرحمة من مستقره وسلب أبدل مكانه الكفر فصارت الأنهار تجري بمياه الكفر ~~وصار سقياها من مياه ms62 الكفر فإذا جرت المياه من ماء الكفر تشابكت أشجارها ~~وأثمرت ثمرات الكفر والشرك كما قال الله: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ~~ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) . فالبلد الطيب النفس إذا كانت قد غلب ~~عليها ماء الرحمة وأنهارها فصارت حية طيبة وصارت أشجارها طرية غضة مونقة ~~مزدهرة، والذي خبث أي خبث بغلبة السباخ # PageV01P039 # عليها في أنهارها فتشابكت أشجارها لما نزع ماء الرحمة وسلب وأبدل مكانه ~~الكفر، قيل له وما أصل السباخ والبر، وكيف أصل خلقها، وبدو أمرها وغلبتها ~~على الماء في أنهارها، بين لنا رحمك الله؛ قال: إن النفس نفسان، نفس باطنة، ~~ونفس ظاهرة، فأما أصل خلقة النفس الباطنة فمن موطئ الشيطان وتحت قدمه ~~وأثره. وأما النفس الظاهرة فمن خطوته وبين موطئه وهي ممدودة مبسوطة من ~~النفس الباطنة إذا كانت الخلقة هي الأس والبينة فهي كالقائمة الظاهرة، ~~والظاهرة مخلوقة عليها مركبة مفروزة فيها فلما عرف اللعين ذلك كله من نفس ~~آدم عليه السلام علم أنه سيظفر عليه إن احتلج إلى ذلك إذ وجد نصيبه فيه ~~قائما فلما أمر بالسجود نظر فوجد نصيبه في آدم وهو النفس فأبى وتكبر ووجد ~~اللعين ذلك في نفسه من نفسه فاتفقا فأبى وعتا وتكبر فلعن وطرد فلما أسكن ~~آدم عليه السلام الفراديس تفكر اللعين في أمره وأمر آدم عليه السلام إذ لمن ~~في جنبه فهاجت إبليس بحور الحسد مياها وأزبدت وامتدت فسألت منها عليه أودية ~~فاغتراف من ذلك بالقياس والحيلة على ما ينغض على آدم عليه السلام ما نال من ~~النعيم وما يسلبه تلك الكرامة، وبما يهلكه فاغتنم بالشجرة التي نهي الله ~~آدم عليه السلام عنها فاحتال حتى وجد عليه الفرصة من ذلك الوجد فلما قال ~~لآدم عليه السلام ما قال وأشار عليه بالأكل تفكر آدم عليه السلام في نفسه ~~فهاجت منه مياه النور والرحمة والنور والعلم وامتدت فاغترف آدم عليه السلام ~~منه الحكمة والنظر والتدبير بالأخذ إلى ما أشار وبالانتهاء عنه فكان مرة ~~يأتي على قبله أن لا ومر أن أذن فانتهى آدم ms63 عليه السلام يشاور في ذلك فسبق ~~اللعين إلى القسم بالغرور تصديقا على ما أتى على ما قلب آدم عليه السلام من ~~الدنو إذ كان ذلك من النفس الباطنة التي هي من موطئ اللعين فحرضه عليه ~~وندبه إليه ورد ما أتى على قلبه من الانتهاء وذلك أن الذي نهاه عن ذلك كان ~~الحكمة والعلم الذي ندبه إلى الأخذ كان من النفس الباطنة موافق اللعين وكان ~~سأل ربه أن يعطيه السلطان ليجري منه مجرى الدم في عروقه فأعطاه ما سأل إذ ~~كان موطئه في آدم عليه السلام قائما وهو النفس إذ سأل ربه المجرى في دعوته ~~والسبيل إلى حظه وهو أصل خلقه آدم عليه السلام إذ جبل من أثر تراب قدمه ~~وموطئه فصار ذلك وراثة في ولده فهو يجري منهم مجرى الدم ومن ذلك حرم الدم ~~المسفوح لما جرى مجرى اللعين والدم في مجرى واحد في العروق وذلك أن اللعين ~~يحبس فينحبس الدم الطيب في العروق الطيبة بنجاسته لجريهما معا في مجرى واحد ~~فإذا أراد اللعين أو بعض أعوانه أن يدنو من ابن آدم وجدت النفس الباطنة ~~ريحه فعرفته وإذا دنا منها حست أثره وعلمت أنه قد دنى فرحت وابتهجت واشرأبت ~~شوقا إليه إذ لقي بعض العضو بعض عضوه والحب حبه واهتشت لرؤيته وانتشت ~~للقائه وازدهرت للدنو إليه وانتشرت وسرت ودخل الشيطان يجري في العروق فعرق ~~من شدة السرور والابتهاج والدبيب في ضيق المجاري فامتزج عرقه بمياه الرحمة ~~التي تجري في مجاري العروق وتلطخت نجاسته في مجاري عروقه فتكدرت المياه ~~والدماء من نجاسته وعرقه وبجريه وغمامه ودخانه وعجاجته وظلمته وكثرت وامتدت ~~وكلما كان جريه فيها أدوم وأدأب كانت العروق بما فيها من مياه الرحمة أكدر ~~وأثقل حتى تتكدر وتتحمأ وتفور من ضفة الأنهار وهي العروق فإذا طال ذلك بها ~~ودام أزبدت واحمرت وأسبخت وتسلفت الكدورة والثقل فسدة أفواه المجاري ~~وانبثقت من كثرة الكدورة وسرة السباخ والزبد وخشنت العروق فلم يجد الماء ~~السبيل إلى المجرى فركدت المياه فيها فإذا ركدت اجتمعت المياه وفارت ms64 فوق ~~الضفة فأصابت السباخ والزبد الذي على الضفة وامتزجت بها فإذا طال ذلك بها ~~ودام انكسرت البثور والسدد من كثرة الماء وتطرقت وذهبت حفاير ندما وسبختها ~~ونجاسته فإذا جرت إلى الأشجار اصفرت الأوراق ويبست الأشجار "وذبلت الطرية ~~الغضة وتقبضت وانزوت الثمرات" ومررت الحلو الطيب وفسدت اللذيذة وذبلت ~~المزدهرة المونقة وشاكت الأشجار بما فيها من سلطان الهوا والكفر وذلك أنها ~~إذا طال ذلك بها ولم يعالج صاحبها إصلاحها بالمجاهدة على إخراج اللعين ~~وطرده وغضب الجليل سبحانه على صاحبه فسلبه ماء الرحمة ونور المعرفة وأبدل ~~مكانهما الكفر فتجري مياه الكفر والهوا مع اللعين في المجاري فإذا جرت إلى ~~الأشجار شاكت الأشجار من # PageV01P041 # سلطانن الكفر وأثمرت الأعمال السيئة، ولم تخرج المنافع إلا نكدا كما ذكر ~~الله تعالى: (والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) ، قيل له: وهل تخرج الأشجار التي ~~تشوك المنافع والثمرات الطيبة قال نعم ألا ترى إلى الكافر وما يجري عليه من ~~الأعمال الصالحة. وأثمرت الأعمال السيئة، ولم تخرج المنافع إلا نكدا كما ~~ذكر الله تعالى: (والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) ، قيل له: وهل تخرج الأشجار ~~التي تشوك المنافع والثمرات الطيبة قال نعم ألا ترى إلى الكافر وما يجري ~~عليه من الأعمال الصالحة. # 1 27 PageV01P042 ms65