######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037054 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (المتوفى: نحو 320هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أدب النفس #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037054 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37054 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37054 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1413 هـ - 1993 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: الدار المصرية اللبنانية، مصر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر وأعن، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # قال الشيخ الإمام العارف، أبو عبد الله أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم ~~الترمذي، رحمه الله تعالى: # إن الله أنشأ خلقه لإظهار ربوبيته، ولبروز آثار قدرته، وتدبير حكمته، ~~وليكون ذكره ومدحه مرددا على القلوب، وعلى ألسنة الخلق والخليقة، لما علم ~~في غيبه، فأنبأنا في تنزيله، فقال جل ذكره: (وخلق الله السموات والأرض ~~بالحق، ولتجزي كل نفس بما كسبت)، فأعلمنا لم خلق، فقال: (وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون). فقال أهل اللغة: إلا ليوحدون، ومثل ذلك قوله تعالى: ~~(إياك نعبد) يعني نوحد، لأن في # PageV01P011 # توحيدهم إياه بأن لا إله إلا هو، إقرار له بالملك والقدرة، وإضافة ~~الأشياء إليه. فهذه الكلمة تنتظم المدح، وأباح ذكره على كل حال، تقديما له ~~على سائر الحالات وأعمال البر، وحصر ما سواه من الأفعال في أوقات مخصوصة، ~~مع ما ذكر في الكتاب، وجرت به الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~بتفصيل الذكر على سائر الطاعات، لأن في الذكر مدحه، وجاءنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: (ما أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، ولا أحد ~~أحب إليه المدح من الله تعالى جده). حدثنا بذلك الجارود، قال: حدثنا أبو ~~معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ليس أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل، من ~~أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله عز وجل؛ ومن أجل ذلك حرم ~~الفواحش)، # PageV01P012 # وندب العباد في غير آية من كتابه إلى أن ينشروا ذكره، ويذكروا عنه جميل ~~صنائعه، فقال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها). في كل ذلك # يحثهم على مدحه وذكره بالجميل والثناء الحسن، وفي كل أسم له مدحه، وجميل ~~ذكره، ودعاهم إلى توحيده، فقال: (لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد). ~~وقال: (وما أرسلناك من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا ms01 إله إلا أنا ~~فاعبدون) أي وحدون، لأنك لا تكون له عبدا حتى يكون لك ربا لا شريك له، فمن ~~أشرك به خرج من نظام التوحيد، فهو وإن كان # PageV01P013 # له عبدا من طريق الملك، فالعبد بنفسه لم يصير نفسه عبدا، فيكون قد وحده ~~وعبده، وإنما أطاعه لأن الله تعالى أمره أن يطيع، فأطاعه مولاه بأمر الله ~~تعالى، فمن أطاع بأمر الله فهو مطيع لله، ثم إن الله تعالى دعاهم إلى أن ~~يوحدوه قلبا وقولا وفعلا، فمن قبل ذلك منه جملة، فاستقرت المعرفة بأنه ~~واحد، فاطمأن به قلبه، وترجم به لسانه عما في ضميره، وعزم على الفعل مائلا ~~له، فقد آمن به. وهذا كله من العبد في وقت واحد، فركب فيه الشهوات والهوى، ~~وجعل للشياطين فيهم وساوس يجرون فيه مجرى الدم، ويغوصون غوص النون في ~~البحر، وجعل القلب ملكا على الجوارح، فالشهوة تحرك البدن الساكن، وتزعج ~~القلب، والشيطان يمنيه له ويعده، والهوى يميل به ويقوده، فالمؤمن قلبه ~~مطمئن بالإيمان، والتوحيد ظاهر على لسانه، # PageV01P014 # فإذا جاء وقت فعل الأركان عمل فيه الشهوات، وزين له العدو، وماله به ~~الهوى، حتى يفعل الفعل الذي يخيل إليك في الظاهر أنه لم يؤمن بعهد، فهو ~~موحد بالقلب واللسان، ولكن لغلبة الشهوة وقوتها، فبظلمة هذا الهوى، ووسوسة ~~هذا العود والتزين، غلب على القلب لا على ما في القلب، مما في القلب من ~~المعرفة، فالقلب به مطمئن، ولكن صار مأسورا مقهورا، وهو أبدا لمن غلب عليه ~~وقهره. # فخلق اللوح، وجرى القلم بمقادير الخلق، وخلق السموات والأرض، والظالمات ~~والنور، والليل والنهار، والملائكة، والجنة والنار، والجن والشياطين، ~~والجبال والبحار، والدواب والأقوات والمعايش، وسائر الخليقة. # ثم خلق آدم عليه السلام، فاصطفاه، وجعله بديع فطرته، وأسجد له ملائكته، ~~وعلمه الأسماء، وأبان فضله وكرم بنيه، وحملهم في البر والبحر، وفضلهم على ~~كثير ممن خلق تفضيلا، وسخر له ولذريته ما في السموات والأرض # PageV01P015 # واستخرج ذريته من ظهره، وأخذ عليهم الميثاق، ثم ردهم إلى صلبه، ثم نقلهم ~~من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى دار الدنيا ms02 ليعبدوه، وليوفوا له ~~بما عهد إليهم يوم الميثاق، بأن لا يشركوا به شيئا، إلى آجالهم التي كتبها ~~في المقادير، إلى أن تنقضي مدة الدنيا، فيبعثهم للجزاء، وتبديل الأرض غير ~~الأرض والسموات، وبرزوا لله الواحد القهار، وليجزي كل نفس بما كسبت، ~~ليكونوا فريقين، فريقا في الجنة، وفريقا في السعير. # فمن نور الله قلبه بالإيمان قويت معرفته، واستنارت بنور اليقين، فاستقام ~~به قلبه، واطمأنت به نفسه، وسكنت ووثقت وأيقنت، وأتمنته على نفسها، فرضيت ~~لها به وكيلا، وتركت التدبير عليه، فإن وسوس له عدو بالرزق والمعايش، لم ~~يضطرب قلبه ولم يتحير، لأنه قد عرف ربه معرفة أنه قريب، وأنه لا يغفل ولا ~~ينسى، وأنه رءوف رحيم، وأنه رب غفور رحيم، وأنه عدل # PageV01P016 # لا يجوز، وأنه عزيز لا تمتنع منه الأشياء، وأنه يجير ولا يجار عليه، فكما ~~خلقه محتاجا مضطرا، فإنه سيوصله إليه من حيث يريد الرب تبارك وتعالى، لا من ~~حيث يريد العبد، على الهيئة التي يريد الرب، لا على الهيئة التي يريد ~~العبد، وبمقدار ما يريد الرب، لا بمقدار ما يريد العبد، وفي الوقت الذي ~~يريد الرب، لا في الوقت الذي يريد العبد؛ فعامة أهل التوحيد قد أيقنوا ~~بهذا، إيمانا به، وقبولا له، ولم يستقر ذلك الإيمان في قلوبهم، حتى إذا كان ~~وقت، الحاجة اضطربت قلوبهم وتحيرت، واشتغلت عن خالق الأشياء، ومالك الملوك، ~~وأهل اليقين الذين قد استنار الإيمان في قلوبهم، سكنت القلوب، واطمأنت ~~النفوس إلى ضمان ربها، وقربه منهم، وقدرته عليهم. # PageV01P017 # فهذا شأن الرزق والمعاش. وفوضوا أمورهم فيما سوى المعاش إليه، واتخذوه ~~وكيلا، لأنهم لما عرفوا بأنه رءوف رحيم منهم بأنفسهم، وأحق وأولى بأنفسهم ~~من العبيد بأنفسهم، لأنه خلقهم فصورهم، وركبهم وأحسن تقويمهم، وسوى ~~تعديلهم، فلم يكن لهم بأنفسهم من العلم والتدبير ما دبر لهم، وعرفه ملكا ~~قادرا قاهرا، يفعل ما يشاء، قد سبق علمه فيهم، بما يكون فيهم ولهم وعليهم، ~~وجرى مع سابق العلم لهم بذلك قلمه في اللوح المحفوظ، ليكون أوكد في قلوب ~~العباد، لأن سابق العلم غائب عن ms03 القلوب لا يدري كنفسه، واللوح قد خط بالقلم ~~فيه أمر محدود، وشخص مخلوق، ويدرك بالقلوب معاينة، فما عاين القلب وأدركه ~~أثبت عندهم مما لا تعاينه القلوب، ولا يمكن توهمه، فخلق اللوح وأثبت ~~مقاديرهم فيه، لا لحاجة به إلى ذلك، وليكون أثبت على القلوب، لتسكن النفوس ~~وتستقر على ما جرى القلم به، فإذا سكنت النفوس، تفرغت القلوب لعبادته، وحفظ ~~حدوده، وإقامة أموره، وسقطت أشغال النفوس عن القلوب # PageV01P018 # فيما يراد بها، وما يكون وما يحدث، لأنها قد أيست عن أن يكون غير ما جرى ~~به القلم، وعند الإياس تسكن النفوس، وإنما دعانا إلى أن بعبده، ونقيم ~~حدوده، ونقيم فرائضه، ونتجنب مساخطه، ولنا قلب واحد، فأثبت في اللوح ~~أرزاقنا وسعينا، وآثارنا وأحداثنا، ومدة آجالنا، وعامة أمورنا، لتطمئن ~~النفوس، وتخلص القلوب من وساوسها، فتبده بفراغ، وكل ذلك منه رحمة علينا، ~~وبين ذلك في تنزيله، فقال تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ~~إلا في كتاب من قبل أن نبرأها)، أي من قبل أن نخلق تلك المصيبة، ثم بين لم ~~فعل ذلك، فقال: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم). فإن ~~التأسي على الشيء الذي لم يقدر لك في اللوح هو استبداد وطلب ما ليس لك، ~~والفرح بما آتاك يلهيك ويشغلك عن المعطي، حتى تأشر وتبطر بما تعطى، فتهلك، # PageV01P019 # وإنما المبتغى منك في ذلك أن تلهو عن الغائب، وتفرح في الوجود الذي # أتاك بالأهل الذي أتاك، ثم بفضله ورحمته عليك، وإلى هذا ندبك فقال: (قل ~~بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون). وقال تعالى في شأن ~~الرزق: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ~~ومستودعها، كل في كتاب مبين). ثم قال تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها ~~إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين). أي من يأكل تلك الحبة ومن ~~يرزقها. فان اضطربت نفسه على ms04 ضمانه لقلة اليقين وغلبة الهوى وحرارة ~~الشهوات، خاطب نفسه فقال: يا أيتها # PageV01P020 # النفس لم تضطربين؟ قالت: لأني محتاجة، وخلقت مضطرة، ذات شهوات، لا أبصر ~~أمكنة الأشياء، ولا أعرف أوقاتها، ولا أعلم مقدارها، واشتبهت على كيفية ~~أسباب وصولها إلي. فقال لها: أيتها النفس، إن كنت قد آمنت بربك، فحقيق عليك ~~أن يكون كلام رب العالمين ووعده وضمانه وتكليفه، أثبت عندك وأوكد وأقوى من ~~الذي تبصرينه على المشاهدة، لأن البصر ربما أخطأ، وربما كان مسحورا، يرى ~~أنه كذلك وليس كذلك، وقول رب العالمين أصدق وأبر، وأوفى وأثبت من بصرك ~~بعينك، فلو أبصرت الشيء الذي يحويه ملكك اطمأننت وسكنت، فكيف لا يكون ~~بضمانه أشد طمأنينة، أرأيت لو كان لك ديوان فيه غرماء ملاء أسماؤهم، مكتوب ~~فيه: على فلان ألف درهم، وعلى فلان ألف دينار، وعلى فلان عشرة آلاف درهم، ~~أكنت تطمئنين؟ فإن وجدتها قد طابت وسكن اضطرابها لما وجدت في الديوان من ~~أسماء هؤلاء، وهم أهل صدق ووفاء، فأنشر # PageV01P021 # عليها ديوان رب العالمين، وهو القرآن المجيد المنسوخ في اللوح المحفوظ، ~~تنزيل من الرحمن الرحيم، نزل به الروح الأمين، على قلب محمد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، رسول رب العالمين، فقلب أوراقه، حتى تقف بها على آية ~~الرزق، حيث يقول تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله # رزقها). ثم قال لها: أيتها النفس المطمئنة، وجدت في ديوانك على هؤلاء ~~الغارمين ما وجدت، وفرحت وأمنت الفقر فطبت، فهذا في المصحف قوله: (على الله ~~رزقها). أهذا أعظم شأنا، وأصدق وأبر وأوفى، أم الذي وجدت في ديوانك؟ أما ~~تستحين أن تلقى ربك بهذه الحالة، ولكني قد فهمت لم اضطربت بعد أن أيقنت ~~بضمان ربك، إنك ذات شهوات، فيك شهوة العز، فأنت تهربين من الذل، وفيك شهوة ~~ألوان الطعام، فأنت تهربين من البؤس، فيك شهوة إدراك المنى، فأنت تهربين من ~~فوتها. # PageV01P022 # وإنما تضطربين لأنك أردت أن يكون رزقك في وقت، وأراد بك في وقت آخر، ~~واشتهيت أن يكون على صفة، وأراد ربك غير ذلك، وأردت ms05 من وجهه راحة، وأراد ~~ربك من وجه تتعبين فيه، وأردت كثيرا، وأراد ربك أقل من ذلك، فأصبحت وأمسيت ~~مخالفة لربك في مشيئاته وإرادته، فحملك ذلك على الشهوة، حتى غلبتك، فرمتك ~~في أودية المهالك، فأقبلت بهلعك وجزعك على حطام الدنيا، من سبيل الخبائث ~~والأقذار والشبهات والأوساخ، لسكون نفسك به، ثم منعت حقوق الله فيه من ظاهر ~~الأحكام، فقطعت الأرحام، وباغضت العباد، واستخفت بحقوق المسلمين والمؤمنين، ~~وهربت من إنصافهم، وجفوت أهل الحرمة، فأصبحت وأمسيت ظلوما غشوما، ووعيد ~~الله ينادي في سمعك قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا ~~تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين). # PageV01P023 # فهل تعرف مقدار الخردلة من الظلم ما هو، وكيف يكون؟ لو نجع فيك هذا ~~الوعيد لطارت منك الشهوات، ومات منك الهوى. فأهل الفهم راضوا أنفسهم ~~وتدبروا، فقالوا: كيف كيف لنا بأن لا نأسى على ما يفوتنا من الدنيا، وتمنوا ~~إليه حاجة، وطلبوا من أين يدخل الضرر عليهم، فوجدوا أنهم لما عارضتهم ~~الحوائج في أنفسهم، تحدثوا بها وتمنوها، وطلبوها على التملك والاقتدار، ~~وأطعموا أنفسهم في إصابتها، فلما فاتهم، وجدوا الأسى والحزن على # فوت ذلك؛ ففهموا أن هذا إنما دخل عليهم من أجل أنهم تمنوها، وأطعموا ~~أنفسهم في إصابتها، فوجدت النفس حلاوة وجودها، وقوى الهوى، فراضوا أنفسهم ~~بترك الشهوات، وقطع المنى، فخمدت نيران شهواتهم، ففارقوا الهوى جهدهم، ~~لمجاهدتهم إياه، حتى ذلل وأنقمع، وكلما بدا لهم أمر، أو خطر ببالهم، لم ~~يتمنوا ولا أطمعوا أنفسهم، وانتظروا ما يبرز لهم من المسطور في اللوح ~~السابق قبل خلق السموات، فسلموا لربهم، وانقادوا لحكمته كالعبيد، # PageV01P024 # فعاشوا في الدنيا بأرفع درجة، وأكرم منزلة عند أنفسهم، وأنعم بال وأقر ~~عين بهذا الدين، وماتوا بروح وريحان، ولقوا ربا غير غضبان، ورضوا عن ~~مولاهم، فرضى عنهم، فأيدهم في الدنيا بروح منه، وفي الآخرة قربهم ولطف ~~منهم، (أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون). أولئك (أولياء الله ~~لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). استنارت قلوبهم باليقين، فصارت أمورهم ms06 في ~~نوائبه كالمعاينة، كلما حل بهم أمر من عسر أو يسر، أو خوف أو أمن، أو ذل أو ~~عز، أو بلاء أو نعمة، حرقت أبصار قلوبهم، فأبصرت في لحظة أن هذا الأمر قد ~~كان في اللوح المحفوظ كما برز لنا الآن، وهو حكم الله علينا، لم يكن فيهم ~~من الشهوات ولا من الهوى من القوة ما يثقل عليهم قبوله من ربهم، وتلقوا ~~أمره بالهشاشة وطلاقة النفس وبشر # PageV01P025 # الوجوه، فهم الراضون والصابرون، قبلوا على كره من نفوسهم وجهد، لأن ~~شهواتهم حية قوية في نفوسهم، ويقينهم ضعيف، لم يبصروا اختيار الله لهم ذلك، ~~ورأفته ورحمته عليهم، ولم يكن لا اختيار الله تعالى ولا لمشيئته عندهم موقع ~~حلاوة، فكانت تلك الحلاوة تمازج مرارات النفوس، فتذهب بالمرارة، كما تجد ~~المرارات في الأدوية، فتمزج بالعسل والسكر وما أشبه ذلك، فيغلب عليه، فتفقد ~~تلك المرارات منه؛ وإنما تقع حلاوة صنع الصانع في قلبك على قدر حبك للصانع، ~~وإنما تحب الصانع على قدر معرفتك بقدره، وكلما كنت به أعلم، وكان هو أرفع ~~منزلة في الأشياء، كان # قدره عندك أعظم، وهو إليك أحب، ولذلك قيل: أشدهم حبا له أعلمهم به، ~~وأعرفهم له، ومنه قول بديل العقيلي: (من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا زهد ~~فيها). رواه ابن المبارك، عن سفيان الثوري رحمهما الله تعالى، قال: كتب ~~الحجاج بن فرافصة عن بديل رحمه الله. # PageV01P026 # فمن عجز عن الرياضة، فإنما يقبل أحكام الله تعالى ومشيئاته على حد ~~الإيمان، وصبر على أموره على حد التقوى بأركانه، على ثقل من نفسه، وتنغيص ~~وتكدير من عيشه، وجهد من قلبه؛ ومن راضها وأدبها استقامت في السير، وانفطمت ~~عن أخلاقها، وتداركه ربه بالنصر والمدد، وأنجز له الوعد: فقد بين هذا الشأن ~~في آيتين من كتابه، فقال: (وجاهدوا في الله حق جهاده) فأمر بمجاهدة النفس، ~~وفطمها عن أخلاق السوء، عن أن يريد غير ما يريد الرب جل وعلا، فلو تركنا في ~~جميع أعمارنا لكان، هذا أمرا هائلا عظيما، لكنه وعد في آية أخرى أن يخلصنا ~~من ms07 وباله، ويؤدبنا ويبصرنا، فقال: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن ~~الله لمع المحسنين). فهو هاديك، وهو معك في النصر والتأييد، فرحمته منك ~~قريب، ممن يقويك ومن يدركك. # PageV01P027 # وإنما الشأن أن تجاهدوا في بدء أمرك حق جهاده، فإذا أنت قد ظفرت بالوعد ~~الثاني قد أنجزه لك، فإذا هداك السبيل ملأ قلبك نورا وكلاءة ورعاية حتى لا ~~تزيغ، فهو المنيب، المقبل على ربه، القابل لأمره بالهشاشة والسرعة، ألا ترى ~~إلى قول الرسل الذين مضوا عليهم السلام حكى عنهم الرب تبارك وتعالى، حيث ~~قالوا: (ومالنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما ~~آذيتمونا). والتوكل هو أن تفوض أمرك إلى ربك، ثم ترضي بما يصنع بك، فعلموا ~~في قلوبهم أنهم إنما قووا على ذلك بما هداهم الله لسبيله. ومما يحقق ما ~~قلنا في شأن الراضي والصابر، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله ~~بن عباس رضي # الله عنهما: (فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا واليقين، فأفعل، فإن لم ~~تستطع فأصبر، فإن الصبر على ما تكره خير كثير. واعلم أن مع العسر يسرا، ومع ~~الكرب فرجا). حدثنا بذلك علي بن حجر، قال حدثنا بذلك # PageV01P028 # إسماعيل بن عياش وعيسى بن يونس، قالا: حدثنا عمر مولى غفرة، عن عبد الله ~~بن عباس رضي الله عنهما، عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك؛ فقد ~~بين رسول الله صلى الله عليه وسلم المنزلتين في هذا الحديث. # واعلم أن الصابر عاجز عن مقام الراضي، وأن الراضي باليقين أدرك ذلك، لأنه ~~عاين عواقب الأمور، وذلك بمنزلة رجل كان له كيس من دراهم، افتقده من حيث ~~وضعه، وهو لا يملك شيئا سواه، فثار في رأسه كالثيران، من شدة الوجد لفقده، ~~حتى تبين ذلك في أحواله وفي وجهه، وظهر اغتمامه بذلك، فقال له رجل ملئ وفي ~~بر صدوق: أنا أعطيك رأس السنة بدل كل درهم دينارا؛ فسكن إلى قوله، وسكن بعض ~~ما به من الوجد، فلا يخلو من الاغتمام، ويضيق صدره بمضي هذه المدة، فهو ~~يصبر ms08 على كره، إلا أنه مازج ما أطمع فيه، الوجد الذي في نفسه، فخف ما به ~~وهو كاره صابر؛ ورجل آخر افتقد كيسا من دراهم، وفي ملكه ملء بيوت من جواهر، ~~كل جوهر لا يدري ما قيمته فما يتبين عليه فقد ذلك الكيس، ولا يبالي به، وهو ~~في ذلك كالذي افتقد # PageV01P029 # فلسا وعنده كيس من دراهم. فالأول هو غنى بالمال، والثاني غنى بربه ~~ومليكه، فالأول فرح بالمال والأحوال، والثاني فرح بالله، ثم بفضله ورحمته، ~~عامة ملجئه ومفزعه إلى الله عز وجل، فالأول قلبه مأسور بالأشياء، قد ملكته ~~حلاوة الأشياء، والثاني سكن قلبه حلاوة قرب الله عز وجل، فالأول قلبه ~~بالأشياء، وبالأشياء تعلقه؛ والثاني مشتغل بالله وإليه منيب، وبه متعلق. # ومما يحقق عندنا حال هذا الثاني، ما أتت به الأخبار عن رسول الله صلى ~~الله # عليه وسلم، وعن السلف الصالح من بعده، حدثونا به عن ابن المبارك، عن صالح ~~المري، عن حبيب أبي محمد، وهو العجمي رحمه الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي ذر ~~رضي الله عنه ولم يرفعه؛ وأما غير ابن مبارك فرفعه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: يقول الله تبارك وتعالى لجبريل عليه السلام: يا جبريل، ~~انسخ من قلب العبد الحلاوة التي كان يجدها بي، فينسخها من قلبه، فيصير ~~العبد والها. # PageV01P030 # فإن اعترض في هذا القول معترض بالإنكار، وقال هذا غير موجود في الأنبياء ~~والرسل عليهم السلام، فقد جاءنا عنهم أنهم كانوا يبكون في المصائب، ويحزنون ~~عليها، ويجدون ألم الأشياء المكروهة، ويفرحون في المحبوب. فيقال له: يا ~~عاجز، وما يدريك ن أي شيء بكت الرسل وحزنت؟ وكيف كان همهم في المكاره؟ وكيف ~~كان فرحهم؟ ومن أي شيء ففرحوا؟ فرب فرح محمود، وعلى ذلك حب الله عباده؛ ورب ~~حزن ممدوح أهله في الدنيا والآخرة، ونطق الكتاب بالثناء عليهم، والبكاء على ~~سبعة أنواع، فما فوقها، كل نوع منها من شيء غير الآخر، فهل ميزت بين هذه ~~الأشياء، وهل اطلعت مطلع هذه المنازل؟ أم أنت رجل تبعت شيئا من ms09 هذا العلم ~~تفخر به، وترأست به، فأنت تريد أن تطفئ نور الله بفيك، وتنسب الرسل إلى ما ~~لم يأذن به الله، وتحير الخلق في سبيل الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ~~ولو كره المشركون والكافرون. # فإما فرح المتقين فبفضل الله ورحمته، وعلى ذلك دل عباده، وأما فرح ~~الأنبياء والصديقين فبه تبارك اسمه، # PageV01P031 # ولذلك روى لنا عن مالك بن دينار رحمه الله، قال: قرأت في بعض الكتب: يا ~~معشر الصديقين، تنعموا بذكري، فإن ذكري لكم في الدنيا نعيم، وفي الآخرة ~~جزاء. وقال في حديث آخر: (آثرتموني على شهواتكم، ورضيتم بي بدلا من خلقي، ~~فبي فافرحوا، وبذكرى فتنعموا، فوعزتي ما خلقت # الجنان إلا من أجلكم. وحدثنا عبد الرحيم عن حبيب الفارياني، في حديث له ~~ذكره عن حبيب العجمي رحمه الله، أنه كان يقول (ما) تفسيره: يا رب فرحت حتى ~~كدت أموت من الفرح، مثلك لي رب وأنا عبدك: (خدايا عجب است ممكن إزشادي ~~بميرم كه مراجو توخدائي)، وأما بكاؤهم فكانت الأنبياء عليهم السلام أرحم ~~البرية، فكلما ازداد العبد من الله تعالى قربه، كانت له من الرحمة أكثر. ~~وكذلك روى عن ابن المبارك، عن عبيد بن عمير، قال ما ازداد العبد من الله ~~تعالى قربه، إلا كان له من الرحمة ما ليس لغيره. حدثنا بذلك الجارود بن ~~معاذ # PageV01P032 # رحمه الله، عن علي وعمير بن عبد الله، فكانوا في المصائب يرحمون، فيبكون ~~ما يرون، وكانوا أعلم الناس بالموت، وكنه مرارته، وعظيم شأنه، وخطر المقدم ~~على الله عز وجل. فكانت قلوبهم ترق لما يرون، ألا ترى أنه قال في حديث ~~إبراهيم لابنه: (إنما هذه رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم). فكان يبكي، ويعد ذلك ~~رحمة ويحتسب بذلك البكاء على الله عز وجل؛ ألا ترى أنه عاب من لا يرحم، ~~فكانت تلك منه رقة، ومن هؤلاء القوم فتنة وصبابة. وكذلك وجدنا الخبر عن ~~الحزن يعقوب عليه السلام، أنه قال ليوسف عليه السلام: يا بني، إنما حزنت ~~عليك مخافة. وأيضا من طرق آخر قد يجوز أن ms10 يكون الله سبحانه إذ جعلهم أئمة ~~الخلق، هيج منهم أشياء، ليكون لمن بعدهم بذلك اعتبار. # وفي هذا كلام إلى غاية الطول، قد بيناه في كتاب (صفة القلوب وأحوالها، ~~هيئة تركيبها) وما يتردد في النفس في صدور القلوب. # PageV01P033 # رجعنا إلى ذكر ( ### | رياضة النفس # ): # قال له القائل: وما رياضة النفس؟ وكيف يكون ذلك؟ قال: يسير على من يسره ~~الله ووفقه. فأما الرياضة فهي مشتقة عربيتها من الرض، وهو الكسر؛ وذلك أن ~~النفس اعتادت اللذة والشهوة، وأن تعمل بهواها، فهي متحيرة، قائمة على قلبك # بالإمرة، وهي الإمرة بالشهوة، فيحتاج إلى أن يفطمها، فإذا فطمها عن ~~العادة انفطمت. ويقال في اللغة: راض ورض بمعنى واحد؛ فمن قال رض، فلما أدغم ~~الألف في الضاد، فشدد، ومن أبرز الألف خفف الضاد، فقال راض، فالرض الكسر، ~~فقيل في الأشياء المكسورة رض، وقيل في الأخلاق المكسورة راض. فهذه النفس ~~إذا فطمتها انكسرت عن الإلحاح عليك، ومنازعتك في الأمور، فإن النفس اعتادت ~~اللذة # PageV01P034 # والشهوة، وأن تعمل بالهوى، فإذا فطمتها عن العادة انفطمت؛ ألا ترى أن ~~الصبي إنما اعتاد ثدي أمه، كيف سكونه بذلك الثدي، إنما يحن إليه إذا فقده، ~~وكيف يفرح به إذا وجده؛ فكذلك النفس الشهوانية، فإذا فطم الصبي انفطم، حتى ~~لا يلتفت إلى ثدي بعد ذلك، لأنه وجد طعم ألوان الأطعمة، فلا يحن إلى اللبن، ~~كلك النفس إذا وجدت الطيب ### | اليقين # ، وروح قرب الله تعالى، وحلاوة اختيار الله عز وجل له، وجميل نظره لها، ~~لم تحن إلى تلك الشهوات. # قيل له: فبماذا يوجد اليقين؟ قال: بطهارة القلب، لأن اليقين طاهر، فيطهر ~~مكانه ومستقره. # PageV01P035 # قيل له: وما طهارته؟ قال: ترك ما اضطرب القلب عليه ورابك منه تورعا، دق ~~أو جل، ثم تطهره من التعلق بالشهوات، والاشتغال بها، فإذا أنت فعلت ذلك ~~صقلت قلبك، فصار لك مرآة بالتورع؛ فكلما تفكرت شيئا من أمر الآخرة، تمثل في ~~مرآتك، حتى تصير الآخرة لك معاينة، فإذا منعت قلبك عن حريق الشهوات، كما ~~تصون مرآتك عن حرارة أنفاسك، تمثل في قلبك الملكوت، حتى ms11 يصير أمر السموات ~~إلى العرش لك معاينة، تبصره بعيني قلبك، كأنك تنظر إليه، كما قال حارثة رضي ~~الله عنه: يا رسول الله، كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وإلى أهل الجنة كيف ~~يتزاورون، وإلى أهل النار كيف يتعاوون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~عرفت فالزم. عبد نور الله الإيمان في قلبه. فإذا صنت قلبك فصنه # بعد ما ذكرنا عن النظر إلى نفسك إعجابا وفرحا، بالغطاء لها انقطعت ~~الأسباب منك، وصفا لك طريقك إلى الله عز وجل بلا غبار ولا غيم، فلا يغان ~~على قلبك، # PageV01P036 # فإذا أصاب قلبك الغين استغفرت، كما قال رسو ل الله صلى الله عليه وسلم ~~إنه ليغان على قلبي، فأستغفر الله في اليوم مائة مرة. وهذا الغين من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليس كما يجده من بعده فيما نعلمه، فليس نراه من ~~طريق التخليط، ولا من طريق العيب، فقد كان قلبه أطهر، وشأن أمره أعظم، وأجل ~~من أن يظن به. # ولهذا الباب تفسير واضح من هذا، نبينه في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى، ~~في صفة القلب وخلقته وشرح اليقين ما هو. # أردنا أن نستتم ذكر النفس ورياضتها عدنا إلى ذكر رياضة النفس. ألا ترى أن ~~البازي كيف كان نفاره من الآدميين في الجبال الشامخات، فلما رب وأمسك على ~~التربية، أنس بصاحبه، وأخذت التربية بقلبه، واعتاد الكون معه، فنزع عن ~~النفار، وترك هم الطيران، واطمأن إلى صاحبه، حتى إذا أرسله وحثه على ~~الطيران طار، فأصاد وأمسك عليه صيده، تحريا لموافقة مولاه، ثم إن دعاه ممن ~~الطيران رجع، وآثر هواه على هوى موافقة نفسه، فأجابه منقضا إلى حبله ~~وسباقه؛ # PageV01P037 # أفلا يحق على مؤمن أبصر هذا أن يموت كمدا وعبرة وأسفا على فوت هذا من ~~نفسه، أن يكون طيره أسمع له وأطوع، وأشد تحريا لموافقته، وألزم لنصيحته من ~~العبد المؤمن لربه، ألا ترى إلى الدابة الخسيسة قيمتها قليلة، تؤخذ من ~~الدواب وقد اعتادت الرعي حيثما شاءت، كيف يروضها الرائض على قبول السرج ~~واللجام؟ وكيف يؤدبها ms12 حتى تأخذ السير؟ وكيف يؤدبها عند القناطر، وفي مواضع ~~الجلبة، يريد أن يشيعها حتى لا تهاب هذه المواضع إذا بلغت؟ وكيف تفتح ~~أذنيها عند المسير. وتميل يمينا وشمالا، لا ينقلب عنانها، فإن لم تجد قنطرة ~~فأهوى بعنانها، # وثبت إلى الجانب وثبة مخاطرة بنفسها، وأن استقبلها جلبة لم تهب، ولم تترك ~~سيرها، فتصير بحال تصلح للملك، فإن قومت قومت بالدنانير رفعة لها، لا ~~بالدراهم، فتجلل وتبرقع، ويصفى لها العلف، وتربط في مربط الملك؛ فإنما بلغت ~~هذا المبلغ، وسقط عنها جهد العمل وكده، وحمل أثقال الحمولات، وتخلصت من دبر ~~الظهر، ومشقة الاستعمال، # PageV01P038 # فإنها تركت هواها، ورفعت بالها عن نفسها، فإن خاطرت لم تبال، وإن أتعبت ~~نفسها لم تمل، وإن اقتضاها راكبها السير والركض والوثب، استفرغت مجهودها في ~~إعطاء كل ما يبتغى منها، من غير جمح ولا حزن ولا تلكؤ ولا شمس ولا كسل، ولا ~~تركت أدبها، وقد كانت قبل ذلك هملا في الرعي، تفعل ما هويت، فهي قريبة ~~القيمة من أشكالها من الدواب، وإنما اختصها الملك وأطاب علفها، وصانها عن ~~رؤية الناس، وجللها وعزلها عن الجهد والكد، بترك مراعيها وهواها ونشاطها، ~~وأنسها بأشكالها، واحتمالها التعب في جنب مالكها، وإعطاء المجهود بالصدق من ~~نفسها، ويقظة قلبها، ونظرها بقلبها إلى راكبها، ولو كانت إذا راضها لم تنقد ~~لمولاها، ولم تأخذ سيرها، ولم تؤدب بأدبه، فإن سيرها أبطأت في السير وإن ~~مال بعنانها امتنعت وشمست، وإن مدها جمحت فمدت به، وفي الموضع الذي كان ~~يريد السير منها امتنعت # PageV01P039 # من إعطاء ما فيها من القوة، وفي الموضع الذي أراد منها الوقوف حرنت، ~~فركبت هواها، فجاءت بالقوة التي امتنعت منها هناك في السير، فإن قهرها ~~باللجام، فأمسكت عن الركض، لم تمسك من أجل مولاها، ولكنها أمسكت من كبح ~~اللجام، والألم الذي خلص إلى كبوحيتها، فأشفقت على فيها وأسنانها ولسانها ~~وحنكها، فتركت حينئذ هواها، فجعلت تدور ولا تستقر، لأنها لم تسخ نفسها ~~الدنيئة بطاعة راكبها، ومع ذلك تبول وتروث في مكانها، وتبرك مكانها، فإن ~~استقبلها جلبة نفرت، وتركت ms13 سيرها، فرجعت قهقرى، فربما كانت من خلفها بئر أو ~~جرف تتردى فيها، وتنكسر وتقتل # نفسها، فهذه دابة خسيسة، فيها أخلاق السوء، لا تصلح للملك. وإنما تصلح ~~للحمولة، فتراها الشهر والدهر موكفة تحت حمولة، فمرة مهزولة، # PageV01P040 # ومرة دبرة جائعة، في عنف وسير وكد عمل، وهي دابة من الدواب؛ فكذلك يصير ~~العبد إذا راض نفسه بترك الشهوات، وقطع الأسباب، وانقطع عن اللذات، ومجاهدة ~~الهوى، وامتناعه عما يريد، حتى تذل وتنقمع، فحينئذ ينقاد القلب والعقل، ~~وتستقيم في سيرها على حد ما أمر به، ولا تهاب أحدا في أموره، ولا تخاف فيه ~~لومه لائم، إذا نابتة النوائب خاطر بنفسه في ذات الله، وأذنه مصغية إلى ~~مولاه، وقلبه شاخص إلى مشيئاته وإرادته، وإلى ما يبرز له من حجب الغيب، ~~فيقبله بالطوع والهشاشة، والانطلاق إلى ما يستعمله به، وكيف ينقله من حال ~~إلى حال، فإن رأى نصرته عد ذلك منه فضلا ورحمة، وإن رأى خذلانه فزع إليه، ~~والقى نفسه بين يديه، صارخا إليه، مستغيثا به، فهو ولي من أوليائه، رفع ~~باله عن نفسه، فرمى بها إلى ربها، فقال: أنت ربي، وأنت خلقتني لما تشاء، ~~ولا أشاء، ولا علم لي بشأني، وبما فعلت بي، ووجدتك أرأف وأرحم بي مني ~~بنفسي، فرفعت # PageV01P041 # بالي عن نفس، وألقيت بيدي إليك مسلما، فاقبلني، فإنك قد بينت في تنزيلك: ~~(ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى)، قد ألقيت ~~الخلق وراء ظهري، فنظري إليك، وقطعت الأسباب، فتعلقي بك، والله تبارك ~~وتعالى قائم عليه، يرعاه ويكلؤه، ويؤيده وينصره، ويقر عينه، والعبد مشغول ~~بربه، ينظر إلى ملكه، وينصر حقوقه، ويحفظ حدوده، ويعظم أموره، ويذب عن دينه ~~ما لا يحمل، ويدعو عباده، فهو وليه، ورب العزة وليه وهذا شأنه حتى يلقاه. # وبيان صفة هذا العبد موجود في الآثار. حدثنا إسماعيل بن نصر، قال: حدثنا ~~أبو منذر القطعي، قال: حدثنا عبد الواحد بن حمزة، عن مولى عروة بن الزبير، ~~عن عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه # PageV01P042 # وسلم، عن الله ms14 تبارك # وتعالى. وحدثنا إبراهيم بن المستمر البصري، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، ~~قال: حدثنا عبد الرحمن بن ميمون مولى عروة، عن عروة، عن عائشة، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: حدثني جبريل عن الله عز وجل - دخل حديث بعضهم ~~في بعض - أنه قال: (ما تقرب إلى عبدي بمثل أداء فرائضي، وإن عبدي ليتقرب ~~بالنوافل حتى أحبه، وما تقرب إلى عبدي بشيء من النوافل مثل النصح لي حتى ~~أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر، ويده التي ~~بها يبطش، ورجله التي بها يمشي، ولسانه الذي به ينطق، وفؤاده الذي به ~~يعقل). فما ظننا بعبد يعقل بالله، وينطق بالله، ويسمع بالله، ويبصر بالله، ~~ويبطش بالله، ويمشي بالله، كيف يكون سعيه وآثاره منقلبة في الدنيا. # PageV01P043 # قال له قائل: كيف يكون هذا؟ قال: هذا عبد قد يسره، وولي سياسته، وحفظه ~~ورعايته، واستعمله، فكان في صنعه، قد أمات فيه الشهوات، ويسر عليه الصعاب، ~~وبسط له النور، ومد له في الأسباب، وألهمه وفهمه، وصيره من أولي الألباب، ~~فإن نطق نطق بحكمة، وإن أنصت أنصت بفكرة، وإن نظر نظر بعبرة، وإن مشى مشى ~~بهيبة، وإن بطش بطش بغلبة، قد منع قلبه من التفكير، وسلب في الأمور ~~التدبير. وهذا كله موجود تحققه في الكتاب والخبر. # فأما في الكتاب فشأن الخضر عليه السلام، حرق السفينة، وقتل الغلام، وأقام ~~الجدار، فلو عمل في الظاهر ما قدر على ذلك؛ ثم قال في آخر أمره: (وما فعلته ~~عن أمري). فهذا من الله في الباطن، الذي يؤتيه من يشاء، وقد قال في ذكره ~~له: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا، وعلمنا من لدنا علما). ~~فقد # PageV01P044 # بين أن هذا له من طريق العلم الذي علمه ربه. وما ذكر من شأن ذي القرنين، ~~فقال: (إنا مكنا في الأرض، وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا). فأوتي ~~العلم الذي لم يؤت غيره. # فإن قال قائل: فهل يجوز لأحد أن يفعل على ما يتراءى له في قلبه، أو ms15 يقتدى ~~بالخضر عليه السلام فيما يبدو؟ قيل: لا، قد ختم الله تعالى بالرسول محمد ~~صلى الله عليه وسلم الرسالة، ولم يبق في الأرض بعده إلا الملهمون ~~والمحدثون. وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: قد كان في ~~بني إسرائيل محدثون، فإن يك في أمتي أحد منهم فعمر بن الخطاب رضي الله عنه. ~~وكان ابن عباس رضي الله عنه يقرأ هذه الآية (وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~ولا نبي ولا محدث). والنبي دون الرسول بدرجة، والمحدثون دون النبي بدرجة، ~~وللرسول درجة الرسالة، # PageV01P045 # وللنبي درجة النبوة، وللمحدث درجة الحديث. وقد أحكم الله بهذا الإسلام ~~الذي ارتضاه لنا دينا على لسان الكتاب والسنة، ما ليس لأحد فيه استبداد، ~~ولا تجاوز ولا تقصير، إنما هو حفظ الحدود، واتباع الأمر الجملة؛ ثم ~~الصديقون والملهمون والمحدثون أمور خارجة من الحدود والأحكام، وهو تدبير ~~الله عز وجل وكلاءته، على ما ذكرناه بدءا. # ولم نجئ بشأن ذكر الخضر ههنا لنطلق لمن بعده مثله، إنما أردنا أن نحقق أن ~~لله عبادا يضع عندهم من مكنون العلم ما شاء، وأن لهم عنده من المنازل ما ~~يتحقق عند من يفهم هذا، أن ذلك الذي قلنا كيف يكون، حتى به يسمع، وبه يبصر، ~~وبه ينطق، وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يعقل. # فأما ما ذكر في الأخبار، حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا الربيع بن روح ~~الحمصي، قال: حدثنا ابن عياش، عن ضمضم بن زرعة الخضرمي، عن شريح بن عبيد ~~الخضرمي، عن عبد الله بن زيد، قال: قال لقمان عليه السلام: ألا إن يد لله ~~تعالى على أفواه الحكماء، فلا ينطق # PageV01P046 # أحد إلا بما هيأه الله له. وحدثنا أبو بكر بن سابق الأموي، قال حدثنا عمر ~~بن عبيد الطنافسي، عن الأعمش، قال: جاء رجل إلى عمر رضي الله عنه، قال: إن ~~عليا شجني. فقال لعلي: لم شججت هذا؟ قال: # إني مررت به وهو مقاوم امرأة، فساءني مقامها، فصغيت لها، فسمعت ما كرهت، ~~فشججته. فقال عمر رضي الله ms16 عنه: أن لله في الأرض عيونا، وإن عليا من عيون ~~الله. حدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي ~~خالد، سمعه من قيس بن أبي حازم، قال: عرض أبو بكر الصديق رضي الله عنه فرسا ~~له، فقال غلام من الأنصار: احملني عليها يا خليفة رسول الله، قال: لأن أحمل ~~عليها غلاما قد ركب الخيل بعدلته، أحب إلى من أن أحملك عليها. فقال: لم؟ ~~فولله أنا خير منك فارسا، ومن أبيك. قال المغيرة: فما ملكت نفسي أن أخذت ~~برأسه فركبته، فأقبلا منخراه كأنهما عزلاء مزادة. # PageV01P047 # قال: فبلغ أبا بكر رضي الله عنه، أن ناسا من الأنصار يتوعدون المغيرة، ~~فقال أبو بكر رضي الله عنه: بلغني أن ناسا من الأنصار يتوعدون المغيرة، ~~والله لا يخرجوا من ديارهم أسرع من أن أقيدهم بروعة الله. # حدثنا الجارود، عن يزيد بن هرون، عن حماد بن سلمة، عن هشام، عن عروة، عن ~~أبيه، قال: أرسل أبو بكر الصديق خالد بن الوليد رضي الله عنهما إلى بني ~~سليم، فجعلهم في الحضائر، فحرقهم بالنار. قال عمر رضي الله عنه لأبي بكر ~~رضي الله عنه: تستعمل رجلا يعذب بعذاب الله؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: ~~دعنا عنك يا عمر، والله لا أشيم سيفا سله الله على المشركين، حتى يكون هو ~~الذي يشيمه. وقول رسول الله صلى الله عيه وسلم لسعد بن معاذ رضي الله عنه: ~~لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرفعة. والرفيع: السماء، والأرفعة: ~~جماعة. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أصاب فيهم حكم الله عنده. ~~وكان # PageV01P048 # حكم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتكون الغنيمة للمهاجرين دون ~~الأنصار، وذلك في شأن قريظة. # حدثنا عبد الكريم بن عبد الله، عن علي بن الحسن، عن عبد الله، قال: ~~أخبرني أبو # بكر بن أبي مريم، حدثني راشد بن أبي راشد، قال كنت مع خالد بن أبي معدان ~~يوما في بعض أسواق المدينة بحمص، فإذا نحن بنصراني أظهر الشرك بالله تعالى، ~~فقال لي ms17 خالد: احسر عن ذراعيك، ثم قال لي: دق أنفه، قال راشد: فوجأت أنفه ~~أن دققته، فانطلق النصراني فاستعدى علينا، فقال الوالي لخالد: ما حملك على ~~ما صنعت؟ قال: أرغم الله أنفه وأنف من ثقل عليه تأديبنا له، إنه ليس لهم أن ~~يظهروا شركا ولا صليبا، فيصنع هذا بهم حتى يكفوا عن إظهار الشرك بالله عز ~~وجل. # حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار عن حفص بن سليمان، عن مالك ~~بن دينار رحمه الله، قال: رأى عامر بن عبد قيس ذميا يظلم، فألقى رداءه ~~فقال: والله أتخفر ذمة وأنا حي؟ فاستنقذه. # PageV01P049 # فإذا فطمت نفسك عن حرارة الهوى، ووقعت حرارة الفطام على قلبك، فذابت تلك ~~الأخلاط عن قلبك، وطهر قلبك، وخرج صافيا كما خرج الذهب الذي أحمى، فتهافت ~~عنه تلك الأوساخ والأدناس، لأن للهوى على القلب أوساخا وأدناسا، كما كان ~~للمعاصي على قلب نكت سود، على ما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا عاد نكت أخرى، ~~فإذا تاب ونزع صقل قلبه، ثم تلا: (كلا، بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون). فإذا ذهبت المعصية بالتوبة ذهب سواده، وبقى دخانه، وذهب الشيطان، ~~وبقى ظله، كما ذهب الليل وبقى سدفه وآثاره عند وجه الصبح؛ فإذا تاب عن ~~المعصية # PageV01P050 # وهو ممن يستعمل الهوى، فالهوى باق بعد، فهذا قلب قد تاب ولم ينزع، فلم ~~يصقل قلبه بعد؛ وذلك أن المرآة المصقولة إذا نظرت فيها أرتك عن اليمين وعن ~~الشمال، وخلفك وأمامك، فإذا قلبت بها إلى عين الشمس هكذا، فلاقى نور المرآة ~~نور الشمس، وجدت الشمس تشرق في مكانك وفي بيتك؛ فكذلك إذا صقلت # مرآتك، وهي قلبك، نظرت عنها إلى الجنة والنار، وإلى بهاء الحسنات، وإلى ~~جمالها مرتبتها، وإلى قبح السيئات، والى الدنيا والآخرة، وإذا نظرت فيها ~~إلى تدبير خالقك، تراءى لك عجائب، وذلك النور الذي تجده عندك، إذا أقبلت ~~بمرآتك إلى عين الشمس، ليس هو الشمس، إنما هو نور حدث ms18 من بينهما، فإذا صفا ~~قلبك من الهوى، حينئذ تجد اليقين، لأن اليقين هو نور يحدث على قلبك من نور ~~معرفتك، ونور إلهك الذي هو نور السموات والأرض ونور كل شيء، فإذا أقبلت على ~~الله تبارك اسمه، أشرق القلب بالنور، فذلك اليقين؛ وإذا كان بالمرآة صدأ ~~فقلب بها إلى عين # PageV01P051 # الشمس، لم يشرق في البيت منه شمس، لأنه قد حال بين نور المرآة ونور الشمس ~~ذلك الصدأ، فكذلك القلب إذا أقبلت على الله تعالى وعليه الهوى، لم يشرق ~~بالنور الأعظم، لأن الهوى قد حال بين نور المعرفة وبين النور الأعظم، وهو ~~اليقين، فإذا ذهب الهوى، فنظرت له، تلاقى النوران، فأشرق في صدرك، فأبصرته ~~عين قلبك، فصار يقينا. واليقين في لغة العرب هو الشيء المستقر الثابت، تقول ~~العرب: قد يقن الماء في الحفيرة. # قال له قائل: أشرح لنا ### | صفة القلب # قال: القلب بضعة من لحم، في جوف بضعة أخرى، وهو الفؤاد، ومعدن النور ~~القلب، ومنه قيل خبز فئيد، لأنه في جوف الرماد الحار والجمر، فالبضعة ~~الخارجة هي الفؤاد؛ وإنما سمي قلبا لأنه يتقلب، وله عينان وأذنان وباب، ~~والصدر بيته، وإنما سمي صدرا لأن الأمور تصدر عنه، فالنور الذي في القلب ~~يعرف ربه، لأنه نوره، وهو حبة # PageV01P052 # القلب، واشتقاق الحب منه، لأنه وصل حبة قلبه، ومنه قوله عز وجل: (حبب ~~إليكم الإيمان)، أي أوصله إلى حبة القلوب، ثم قال تعالى: (وزينه في قلوبكم) ~~ولم يقل في فؤاد كم، ومما يحقق ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أتتكم أهل اليمن، هم ألين قلوبا، وارق أفئدة، فوصف القلب باللين، # والفؤاد بالرقة، فالنور إذا خرج من باب القلب أشرق في الصدر، فأبصر عين ~~الفؤاد ذلك النور، فإذا فكر في الجنة أو النار، أو في شيء من أمور الآخرة، ~~وقع لتلك الفكرة ظل على الصدر، فتمثل ذلك الشيء بين عيني القلب، فصار كأنه ~~ينظر إليه، وإذا ذكر الرب تبارك وتعالى لم يقع لذكره ظل على الصدر، ولكنه ~~يشرق النور، ويتلألأ النور في الصدر، حتى يكاد ms19 يغشى بصر القلب، لأن النور ~~إنما أشرق في الصدر، لأنه نوره، فإذا ذكر الأشياء، فالأشياء مخلوقة، فوقع ~~للأشياء ظل، وإذا ذكره تلألأ النور، ولم يقع في الصدر ظل، وهو بمنزلة قنديل # PageV01P053 # معلق في البت، فحائط البيت يشرق عليه نور الصباح، فإذا رفعت يدا أو شيئا ~~بين الحائط وبين المصباح، وقع لذلك الشيء على الحائط ظل، وتمثل ذلك الشيء، ~~فإذا رفعت بين المصباح وبين الحائط مصباحا آخر، ازداد ذلك إشراقا وضياء، ~~ولم يتمثل على الحائط صورة، ولا وقع ظل، فهذا شأن القلب. # فإذا حمى القلب بالفطام من الهوى فصفا، صار كالذهب يخرج من النار، فحينئذ ~~يحك بالحجر، اختبار لجودته. وذلك أن الذهب لاجتماعه وكثرته، أراك لون ~~حمرته، بقوة بعضه من بعض، وانضمام بعض إلى بعض، فإذا حككت منه شيئا بحجر، ~~وبقى بالحجر من ذلك شيء لطيف رقيق، تبين لك جودته أنه يريك في حال الضعف ~~والرقة، من آية قواه أنه قوى الحمرة، وأنه جيد؛ وذلك الرديء المغشوش يريك ~~حمرته ما دام كثير القدر، كثير الوزن، مجمع القوى، فإذا حككته بحجر، فبقى ~~الذي على الحجر، رأيته أصفر، فعرفت أنه ليس بجيد. # فكذلك القلب لا يتبين ما فيه حتى يفطم، ويريك أنه قد صفا بالفطام، فحينئذ ~~يحك بحجر البلوى، فيختبر سكونه # PageV01P054 # بمن، وإلفه مع من، أبالله سكونه ومعه ألفه، أم لعطائه سكن، ومع أحوال ~~نفسه ألف؟ فالحك هو النقصان، فمن كان سكونه به، وإلفه معه، لم يتغير ~~للنقصان، أعني نقصان العطاء، ولجزيله، لأنه للنقصان # والتجزيل يبين إلى ما سكنت، وهل قطعت الهوى، فهذه منزلة عبادتك له بما هو ~~أهله، وهو الذي يقال له: اعبد الله باليقين لا بالهوى، واليقين، عقيب ~~الهوى، فكل ما نقص من هذا ازداد من ذلك، فهما يتعاقبان أبدا، ويقال: الصبر ~~صبران: صبر على الشدائد، وصبر على ما يدعوك إليه الهوى، طاعة كانت أو ~~معصية، فإذا فطمت نفسك عن طاعة الهوى، حتى صار لك عادة ألا تطيع الهوى في ~~شيء من الأشياء، وإن أبيح لك ذلك الشيء، استنار قلبك باليقين، ms20 وهو نور مشرق ~~في الصدر، وعينك تنظر إلى ذلك النور، ونفسك يقظان بقرب الله عز وجل، كما ~~قال عامر بن عبد قيس رحمه الله: ما وقع بصري على شيء إلا رأيت الله أقرب ~~منه. وروى عن محمد بن واسع رحمه الله تعالى نحو من ذلك وإنما أدرك عامر هذه ~~المنزلة، لأنه راض نفسه # PageV01P055 # حتى صار بحال - حكى عن نفسه أنه قال: وجدت الدنيا أربعة أشياء، فما زال ~~يروض نفسه حتى أطاعه الهوى، حتى قيل له حيث يريد الشام: كيف تبكى على أهل ~~مصر؟ قال: لأن بها أخواني، وبها كثرة تجاوب المؤذنين، وبها ظمأ الهواجر. ~~قيل له: فقد أذن لك، أفلا ترجع؟ قال: أكره أن أرتحل رحلة هوي. # وكما روى عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى، أن رجلا قال لمعلمه: قد قطعت ~~الهوى. قال: أتفرق بين النساء والدواء؟ قال: نعم. قال: فأنت أوثقت الهوى ~~ولم تقطعه. # وكما روى عن عيسى ابن مريم عليهما السلام: هل يستوي عندكم هذان: كف من ~~تراب، وكف من ذهب، قالوا: لا. قال: فهما عندي سواء. فهذا قطع الهوى. # قال له قائل: أشرح لنا هذا. وكيف يستوي هذان في القلب؟ # قال: إن الناس إنما فرقوا بينهما، وفضلوا الذهب على التراب بالهوى، لما ~~رأوا منفعة الذهب، فضلوه من أجل المنفعة؟ # PageV01P056 # فينبغي لمن أراد التخلص من هذا، أن يروض نفسه، حتى يرى بنور اليقين ~~الأشياء كلها مستوية، بمعنى أنها خلق الله تعالى، ثم يرى المنازل التي ~~أنزلها الله تعالى، فبإنزاله إياها لها تلك المنزلة موافقة له، ولو شاء جعل ~~المنفعة التي في الذهب، في الزجاج وفي الحجر، ولكان الذهب ساقط المنزلة عن ~~القلوب، ألا ترى أن عمر رضي الله عنه أراد أن يتخذ الدراهم من جلود البقر. # فإنما ينبغي لك أن تفضل عندك شأن الدينار والدرهم، بما أنزل الله لا ~~بهواك، ألا ترى لو أن رجلا أتى سمرقند بعض هذه الكور التي تجوز فيها هذه ~~الفلوس، كان للفلوس عنده قدر، إن افتقدها حزن، وإن وجدها فرح؛ فإذا تحول ms21 ~~إلى كورة لا تجوز فيها تلك الفلوس، فلو رمى بها لم يبال؛ فهذا مما يدلك أن ~~الذهب إنما عظم موقعه من القلوب لعظم منفعته، بأنه صار ثمنا للأشياء، فمن ~~أجل ذلك بغض الله تعالى كثيرا من الناس من أجل أنهم رأوا منفعة الأشياء من ~~الدينار والدرهم، لا من الله عز وجل. # فينبغي لك أن تروض نفسك وتفطمها عن هذه الأشياء، حتى يصفوا قلبك، ويسير ~~باليقين، حتى ترى الدينار # PageV01P057 # والدرهم خلقين من خلق الله تعالى كسائر الخلق مبتدعا، ثم تنزلهما ~~بالمنزلة التي أنزلهما الله تعالى، فبإنزاله يفضلهما، ويرى المنفعة التي ~~فيهما من خالقهما، فحينئذ يستوي عندك حالهما، في أنهما خلقان من خلق الله ~~تعالى، فهذا عندنا معنى قول عيسى ابن مريم عليهما السلام. # فإذا غفلت عن النفس بعد رياضتها، فلا تأمن أن تعود إلى بعض عاداتها ما ~~دامت الشهوات منها حية، والهوى قائما، ألا ترى أن النفوس إذا ترك استعمالها ~~وتعاهدها وعتقت، كيف يأخذ البيت الأسفل من البيت الأعلى، فكلما رميت بها ~~سهما أخطأ الغرض، كذلك النفس إذا تركتها حتى تقوى شهواتها، ويشتد حرها في ~~الجوف، وتقوى ظلمة الهوى، أخذت من البيت الأعلى، وهو نور العقل ونور ~~المعرفة ونور # الروح ونور العلم، فتحرق بنيران الشهوات، من هذه الأنوار التي في القلب ~~بقدر قوتها؛ وإذا قويت بنيران الشهوات ضعفت الأنوار، فيظلم الهوى على ~~اليقين، فيتولد الشك على القلب من هذه الآفات، فتغلب على القلب هذه الآفات، # PageV01P058 # فمن ههنا يصرع، فهذا هو القلب المصروع، والمأسور في يد هواها؛ قلما خرج ~~منه عمل من أعمال البر، ثم لم يصب الغرض، فوقعت رميته يمينا وشمالا، وربما ~~خرج منه فلم يبلغ الغرض لضعف القوس؛ وذلك أنه رمى عن قوس قد أصابتها الآفات ~~والعلل؛ فكذلك آفة القلب الذي وصفنا، وربما أردت برا، مال بقلبك الهوى إلى ~~الشهوات يمينا وشمالا، حتى تحيد عن السبيل والسنة، وربما جاوزت الغرض، ~~وربما ضعف قلبك، فعلمت بغير نية، فلم يبلغ عملك إلى ربك، كما قصرت الرمية ~~عن الغرض؛ أفلا ترى كيف تعالج ms22 القوس وتحمى حتى تلين، فإذا لانت سويت، حتى ~~يرجع البيت الأعلى إلى مكانه، وإنما زال عن مكانه لأن البيت الأسفل لما قوى ~~وصلب مد البيت الأعلى بفضل قوته؛ فكذلك النفس لما قويت وصلبت شهوتها، ~~انتشرت وهاج هواها، فأحرقت أنوار القلب، والقلب هو رطب بالأنوار، لأن النور ~~هو من الله تعالى رحمة، والرحمة باردة، والقلب لين منقاد برطوبة تلك ~~الأنوار، # PageV01P059 # فإذا احترق النور صلب القلب وقسا ويبس، فخف عن ذكر الله، ولهى عنه، ~~فالمشروح صدره للإسلام، شرحه ربه (فهو على نور من ربه، فويل للقاسية قلوبهم ~~من ذكر الله) فمدت النفس آلتها، فصار في سلطانها، كما يحمي القوس حتى تلين، ~~ويتخلى عن البيت الأول. # كذلك تراض النفس بأن تحمى، وهو أن يمنعها اللذات والشهوات، فتحزن، ~~ويصيبها حرقات منع الشهوات في مصائبها، فبتلك تذل وتنقمع، وتلين وتتخلى عن ~~القلب، فيرجع القلب إلى مكانه بنور المعرفة ونور العقل ونور العلم ونور ~~فوائد العطايا؛ فكلما منعت النفس شيئا من هذه الشهوات، خلت عنه كما وصفنا؛ # كلما أعطيت النفس منيتها قويت، فصارت كالشجرة تثمر الحنظل والدفلي والمر ~~والصبر والسموم القاتلة، فإن أردت ألا تنموا، فالتدبير فيما عقل العبد ~~وفهمه، أن تحبس عنها الماء والسرقين والتراب الذي يلقى في اصله، حتى تيبس، # PageV01P060 # فتصير جذعا لا يثمر ولا يرجع عليك بالضرر؛ ثم لا يزال جذعا يعترض بين ~~عينيك، يشغلك عما سواه من الأشجار، فتشعل فيه نارا، حتى يذهب شخصه من بين ~~عينيك، فإذا هو قد ذهب أثره، وذهب ذكره. # وكذلك النفس: في التدبير أن تحبس عن النفس لذاتها وشهواتها، حتى تذهب ~~ثمراتها من هذه السموم القاتلة، التي تميت قلبك في الدنيا، فتصير أعمى من ~~العميان في الدنيا بصيرا في دين الله جل وعلا، فتقبل على مزبلة وهي الدنيا، ~~وإنما هي قنطرة، تداولتك أيدي أسود وأبيض وهو الليل والنهار، حتى تؤديك إلى ~~الخالق البارئ، المثيب المعاقب، فتعظم ما صغر الله، وتكرم من أهانه الله، ~~وتدنى من أقصاه الله، وتتعلق بمن لا بد أن تفارقه، وتعمر ما أذن في ms23 خرابه؛ ~~فإذا ذهب ثمراتها حبست عنها الفكرة فيها، والحديث عنها، والتذكر لها، حتى ~~تيبس، ثم لا تزال تمنية شهواتها قائمة بينك وبين ربك، تفرح بالعطاء، وترضى ~~بما تعطى به، وتروم ما لم تعط، وترى نفسها في الأشياء؛ فهي تحجبك وتشغلك، # PageV01P061 # حتى إذا من الله عليك بنور اليقين، فهي كالبرقة، كما تشعل شجرك نارا، ~~فيذهب أثره وذكره، كذلك البرقة تحرق قائمة نفسك، فيذهب أثرها وذكرها، ويبقى ~~والها منفردا به، فتكون الأشياء والأمور منك له وبه؛ فإذا أهملتها، وعجزت ~~عن رياضتها، رجعت عليك بوبال عظيم، تعرض عن دار دعاك إليها رب العالمين، ~~فقال تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام)، أمنك من آفاتها، فنسبها إلى اسمه ~~السلام من بين الأسماء؛ يعلمك أن لسكانها السلامة من الآفات، محشوة بالنعم، ~~مشحونة بالرضوان، وتلهى عنه باللعب والباطل؛ كفى بهذا عارا، وأنت عبد سخر ~~الله لك الخلق والخليقة لم # تنل حتى تكون ما عاشت قائما بتربية حقوقه، ناظرا لأموره، معظما لشأنه، ~~ذاكرا له، ناشرا عنه الجميل، مشتاقا بقلبك إلى لقائه؛ فأقبلت على تربيتك ~~نفسك، وطلبك لها العز والجاه، والمنزلة من الخلق، والذكر على الألسنة؛ فهذه ~~ربوبيته، فكيف تتفرغ للعبودية من طلب الربوبية؛ # PageV01P062 # فاشتغلت عنه، فسهوت ولهوت عن ربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، وجمل ~~صورتك، ودعاك فأعطاك وحباك، وأملك ومناك، ومن عظيم الخطر ومن ظلمة الكفر ~~نجاك. # فهذا الذي وصفنا من تركك الشهوات وتجنبك اللذات، ليس تحريم الذي أحل الله ~~لك، ولكن تأديب لنفسك، ورياضة لها، لأن هذه النعم إنما أمرت وأذن لك في ~~تناولها، على الأدب الذي أدبت به على لسان الكتاب والرسول؛ فلما ساء أدبك ~~لما فيه من أخلاط السوء التي مالت بك، لم تجد بدا من أن تعظمها مرة، حتى ~~يجد القلب فراغا إلى تعلم الأدب، فتأخذ طريقا؛ فأما قلب معلق بالشهوات، ~~مأسور باللذات، مقهور بالمنى، محبوس في سجن الهوى في بئر مظلم، فكيف يمكنه ~~أن يتناول ما أعطى بإذن الله؛ فإن بعض من خفى عليه هذا النوع من العلم، كبر ~~في صدره هذا، ms24 حتى ربما يفرح إلى الاحتجاج بقول الله تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات ما # PageV01P063 # أحل الله لكم، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين). وبقوله تعالى: (قل ~~من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق). فهذا من الاحتجاج ~~تعنيف، ومن القول تحريف، لأنا لم نرد بهذا التحريم، ولكن أردنا تأديب ~~النفس، حتى تأخذ الأدب، وتعلم كيف ينبغي أن تعمل في ذلك؛ ألا ترى إلى قوله ~~جل وعلا: (إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والأثم بغير الحق). ~~فالبغي في الشيء الحلال حرام، والفخر حرام، والمباهاة حرام، والرياء حرام، ~~والسرف حرام، فإنما أوتيت النفس هذا المنع من أجل أنها مالت إلى هذه ~~الأشياء بقلبها، حتى فسد القلب، فلما رأيت النفس تتناول زينة الله والطيبات ~~من الرزق، # تريد بذلك تغنيا أو مباهاة أو رياء، علمت أنها خلطت حراما بحرام، فضيعت ~~الشكر، وإنما رزقت لتشكر لا لتكفر؛ # PageV01P064 # فلما رأيت سوء أدبها منعتها، حتى إذا ذلت وانقمعت، ورآني ربي مجاهدا في ~~ذاته حق جهاده، هداني سبيله كما وعد تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا، وأن الله لمع المحسنين). فصرت عنده بالمجاهدة محسنا فكان الله معي، ~~ومن كان مع الله فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي ~~الذي لا يضل؛ وقذف في القلب من النور نورا عاجلا في دار الدنيا، حتى يوصله ~~إلى ثواب الآجل؛ ألا ترى إلى ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (إذا قذف النور في قلب عبد انفسح وانشرح، قيل: يا رسول الله، فهل لذلك ~~من علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، ~~والاستعداد للموت قبل نزوله)؛ وإنما تجافى عن دار الغرور، بما قذف في قلبه ~~من النور، فأبصر به عيوب الدنيا ودواهيها وآفاتها وخدعها وخرابها، فغاب عن ~~قلبه البغي والرياء والسمعة والمباهاة والفخر والخيلاء # PageV01P065 # والحسد، لأن ذلك إنما كان أصله من تعظيمه الدنيا، وحلاوتها في قلبه، وحبه ~~لها؛ وكان سبب نجاته من هذه ms25 آفات برحمة الله رياضته هذه النفس، بمنع ~~الشهوات منها. # وهذا في الآثار موجود قائم عن السلف، قد سارت به الركبان، من غير وجه؛ ~~حدثنا محمد بن سهل، قال: حدثنا عمر بن منصور القيسي قال: حدثنا عبد الواحد ~~بن زيد، عن الحسن، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ذات يوم: ~~(ماذا تقولون في صاحب إذا أنتم أكرمتموه ورحمتموه وأطعمتموه وسقيتموه، ~~دعاكم إلى شر غاية؛ وإذا أنتم أهنتموه وأعريتموه وأجعتموه وأعطشتموه ~~وأتعبتموه، دعاكم إلى خير غاية؟ قالوا: يا رسول الله، هذا شر صاحب في ~~الأرض. قال: إي والذي بعثني بالحق، هي أنفسكم التي بين جنوبكم). # PageV01P066 # وحدثنا صالح ابن محمد، قال: حدثنا أبو مقاتل، عن ابن عون بن أبي راشد، عن ~~الحسن رضي الله عنه، قال: بلغنا عن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، قال ~~في خطبته: (لا تضرين بكم الشهوات، فإنها أشد حرا في الجوف من النار، وأشد ~~سكرا من الخمر، وإنكم لا تدرون ما تأملون، إلا بالصبر على ما تكرهون، ولا ~~تنالون ما تحبون، إلا بترك ما تشتهون). # حدثنا عمر عن سهل بن تمام، عن عمار بن منصور، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: طهروا قلوبكم بقلة الطعام ~~تصفوا، فترق وتصلب وتستعف)؛ فصفاؤها لله، وصلابتها في الدين، ورقتها ~~للأخوان، واستعفافها في ذات الله تعالى. # فعالج قلبك حتى تعتقه من رق النفس بما وصفت، فإذا كان كذلك صفا قلبك من ~~كدورة الأخلاق، وطهر من شهوة الآثام، فاستقر اليقين فيه، لأن اليقين لا ~~يستقر حتى يرى مكانا ظاهرا، فتحيا القلوب وتصلب، لأنه من الله، قد قرب عبده ~~واصطفاه، فيصير حينئذ ما غاب عن العين من أمور الآخرة، وأمور الملكوت، بعين ~~قلب، فهو كالبرق في # PageV01P067 # ليلة ظلماء، إذا برقت أبصرت بعين رأسك جميع ما غاب عنك في تلك الظلمة، من ~~بئر أو جرف أو واد؛ أو ما ترى إلى حديث حارثة؟ حدثنا بذلك عبد الجبار بن ~~العلاء، قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن ms26 أنس، قال: بينما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يمشي إذ استقبله شاب من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا بالله حقا، قال: فانظر ما ~~تقول، فإن لكل قول حقيقة. قال: يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ~~ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني بعرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة كيف ~~يتزاورون، وكأني أنظر إلى أهل النار كيف يتعاون فيها. قال: عرفت فالزم. عبد ~~نور الله الإيمان في قلبه. فقال: يا رسول # الله، ادع الله لي بالشهادة. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فنودي يوما في الخيل، # PageV01P068 # وكان أول فارس استشهد، فبلغ أمه، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقالت: يا رسول الله، أخبرني عن ابني، إن يك في الجنة لم أبك عليه ~~ولم احزن، وإن يك غير ذلك بكيت عليه ما عشت. قال: يا أم الحارث إنها ليست ~~الجنة، ولكن جنة في جنان؛ والحارث في الفردوس الأعلى. فرجعت وهي تضحك وتقول ~~بخ بخ لك يا حارثة. # أفلا ترى أنه لما راض نفسه بأن قال: عزفت نفسي عن لذات الدنيا وشهواتها، ~~فكأني أنظر إلى عرش ربي، فصارت الأمور الغائبة عنده معاينة، فعمل على ~~الحقائق، وذهب الجهل، لأنه من نصب وتعب وعمل على المعاينة، زال الجهل عنه؛ ~~ومن عمل على غير المعاينة، فهو في جهد عظيم، ومخاطرة عظيمة من قبل نفسه، ~~إلا من عصم الله تعالى، لأنه كالسائر في الظلمة: أحيانا يمشي، وأحيانا ~~تنهشه حية، أو تلدغه عقرب، لا يبصر أين يضع قدمه، فهذه مخاطرة. # وأما جهده ثقل نفسه، فإنما ثقل أنه لم يعاين ما ثمرة هذه الأمور؛ هو ~~بمنزلة رجل قيل له: احمل هذه الحمولة، فثقل عليه، فهو يجد ثقلها على فؤاده، # PageV01P069 # فقيل له: أحمل، ولك هذا الدينار، فاستمر بالحمولة، ونهض بأعباء ثقلها، ~~فوجد خفة الحمولة، لأنه قوي القلب بما عاين من الدنيا، فقويت الأركان؛ أو ~~قيل له أحمل هذه الحمولة، فثقل عليه، فعلاه بالسيف أو ms27 بشعلة نار، فخلص إليه ~~الخوف، فاحتمله، فوجده خفيفا، لأن القلب قد عزم على احتماله، هربا من ~~السيف، أو قيل له احمل هذه الحمولة، فثقل عليه، فقيل له: هذا الملك وأنت ~~بعينه ينظر إليك، فوجد القلب قد انتقل عن حالته، إجلالا للملك، فاستمر ~~بالحمولة وقوى القلب، فإنما أدرك حمل هذه الحمولة بما عاين، فكذلك صاحب ~~النفس قد عاين وشاهد قلبه، مما هو أكثر مما هاهنا من معاينة بصر الرأس في ~~دار الدنيا؛ فالقلب الموقن، # صفته إذا تناول النعمة، فكأنما يتناولها من خالقه، فيأخذها بحياء، ومرة ~~بحلاوة، ومرة بمهابة، ومرة بخوف؛ وإذا نزلت به بلية أبصر بنور يقينه إلى ~~أموره، اختار له هذا، فظن به أحسن الظنون، لأنه أيقن أنه به أرحم منه بنفسه # PageV01P070 # وأرأف، فأتمن ربه، واتهم نفسه، وقال: ربي أعلم بما اختار لك، فإن لم أصلح ~~على اختياره وتقديره، لم أصلح على اختيارك وتقديرك أيتها النفس، واختيارك ~~أنزل بي هذه البلية لإحدى خلال: إما تكفيرا لخطيئة استوجب بها هذا العذاب ~~الأكبر، وإما رفع لي درجة يقربني إليه، وإما بينهما لأمر عظيم، أو عصمني من ~~ذنب، أو صرف عني داهية، أو عالجني بعقوبة، لأن يرفع عني عقوبة الآخرة، ففي ~~كل هذا خير. وأما العارف فإنه أجمله، فقال: هو مشيئة ربي، فمشيئته أحلى ~~عندي وأعظم على قلبي، من نفسي وجميع جوارحي، وهؤلاء قوم ولهت قلوبهم لديه، ~~فصارت أحكامه التي رضيها لهم منية قلوبهم، من إجلالهم له وإعظامهم. # عدنا إلى ### | صفة الموقن # وإذا ذكر الرزق وثق بالضمان، واطمأن بوفائه، فإن طلب طلبه مع سكون القلب، ~~على حد ما أمر به، فإذا # PageV01P071 # عرض له في ذلك شيء يكون فيه نقصان من حظه من الله تعالى، واعرض عنه، ~~وتوجه إلى ربه ينتظر من أين يفتح؛ والعارف تخلص من هذا كله، من الضمان ~~والوفاء، وشغل عن طلب الرزق بالرزاق، فقلبه في البحر الأكبر، قد تعلق قلبه ~~به، فإذا ذكر المنة غرق، وإذا ذكر العافية قلق، وإذا ذكر حلول الأجل شرق، ~~وإذا ذكر العيوب عرق، وإذا ذكر ms28 الرعاية والكلاءة ومق، وإذا رأى اللذات في ~~الطاعة مئق، وإذا ذكره تئق، وإذا حن إليه واشتاق غرق في أثقال المنة، وعظمت ~~آماله فيما لديه، وقلق من خوف زوال الإيمان، وشرق بغصته من حلول الأحزان، ~~لطول الحبس عنه في دار الدنيا، وغرق من الحياء لما يرى من عظيم بره ولطفه، ~~وجميل نظره، وحسن عوائده، ومن جميل صنائعه، # ومن هرب النفس منه، وإعراضه عن حقوقه، وإظهار جفوته؛ وهو من عظيم عطفه ~~عليه في كلاءته ورعايته، واصطناعه إليه؛ ومئق لما يرى من فتح باب الدعة، ~~وإكرامه بالطاعة، # PageV01P072 # وتقريبه إياه بما يمكن له مكن الخدمة، وتئق من طول الغربة، وشدة الحنين، ~~فأنسه به، وسكونه إليه، وهو ملجؤه وثقته، وكهفه وسنده ورجاؤه، لا يتهمه على ~~نفسه، ولا يسئ به الظن في نوائبه، بحسن معرفته بربه أنه غفور رحيم، ودود ~~حميد مجيد، واحد صمد قيوم، كفيل وكيل، جواد كريم، حنان منان، حي لا يموت، ~~لطيف بعباده، بر رحيم، شكور غفور، حليم عفو رءوف، معروف بالمعروف، محسن ~~مفضل، فضله عظيم، إحسانه دائم، كرمه ظاهر، فاطمأن قلبه، كما وضفه ربه، فقال ~~تعالى: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، إلا بذكر الله تطمئن ~~القلوب). وقال الله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث) إلى آخر # PageV01P073 # الآية؛ فبين أن القشعريرة إنما هي من الخشية، فإذا ذكروه في كرمه وجوده، ~~ورأفته ورحمته، لانت جلودهم وقلوبهم. # قال له قائل: فما بالنا نسمع هذا العلم فنفهمه ونعقله، ولا يبقى على ~~القلب منه شيء؟ قال: لأن نيران الشهوات في الخوف قد التهبت، فهي نيران سود، ~~مظلمة بالهوى، وهي مؤدية إلى نار الله الكبرى، فإذا التهبت ارتفع إلى ~~القلب، وأحرق تلك الأنوار، فخلا القلب من الموعظة والعلم الذي عليه، وهي ~~شبيهة بالنار التي تلهب حمرتها، فتحتاج إلى ماء كثير حتى تطفئه، كلما ألقيت ~~عليه قبضة من شئ، أو رششت عليه قليل ماء، انطفأ قليلا ثم التهب، فكذلك صاحب ~~الشهوة، إذا سمع الموعظة ذبل قلبه، وتخسفت نفسه، لما يصل إليه من الخوف، ~~لأن الوعيد مما تنكسر به النفس، ms29 وتخمد شهواتها؛ # PageV01P074 # ألا ترى أن الرجل يكون في لذة من لذات الدنيا ونشاط، فإذا بلغه وعيد من ~~السلطان انكسر، وذهب نشاطه، فوعيد الله تعالى لو خلص إلى القلب، لكانت ~~النفس والشهوات أشد انكسارا، ولكن لا يصل ذلك إلى # القلب، فهو صلب أبدا، فرح مرح، أشر بطر، فهو ينور بلهب، فإنما يطفأ ~~بالماء الكثير الغالب، وهو العلم المؤدي إلى الخوف والوعيد، وليس يوجد هذا، ~~فما الحيلة في ذلك؟ قال: إنا لا نعلم له حيلة، إلا أن يمنع من إلقاء الحطب ~~عليه، فإنه متى زاده وقودا اتقد، ونار والتهب وقوى، ومتى ما حبس عنه وقوده ~~خمد، حتى يصير رمادا، ويذهب حر التنور؛ كذلك ههنا، يحبس عنها الشهوات حتى ~~تخمد، فتذهب فورتها والتهابها، فحينئذ تتخلص أنوار القلب، ويقوي ويعمل ~~العقل عمله، ووجدنا في مبلغ عملنا أن الذي جاء في الحديث عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أن النار تنادي يوم القامة للمؤمن: جز يا مؤمن، فقد أطفأ ~~نورك لهبي؛ # PageV01P075 # هذا معناه أن من عالج شهوات نفسه وهواه حتى يقهرها وتتخلص أنواره، ويقوى ~~على قلبه، فقد أطفأ نور قلبه نيران شهواته المظلمة بالهوى، فهو النور يوم ~~القيامة، حتى يطفئ ذلك النور لهب النار عنه؛ ومن لم يعالج هذا من نفسه، ~~وخرج من الدنيا مع هذه النيران سوداء مظلمة، خفت من ألا يقوى نوره على أن ~~يطفئ لهب النيران على الصراط، لأنه لم يكن له نور على القلب يطفئ نيران ~~شهواته، وخرجت منه أعمال البر محترقة، مخلطة برياء، لأن عامة ما يعمل من ~~الطاعات إنما يعمل بهواه، وبما يخف عليه، وبما تنشط له النفس وتستحيله، لا ~~ينظر إلى ما يختار الله له، ولا يقبل علمه من ربه، إنما هو عامل لربه على ~~التملك والاقتدار، والاختيار للأحوال، حتى ربما حمله ذلك على ترك الواجب، ~~في جنب ما يتطوع به، وهذا موجود في الخلق، ترى الرجل يصلي بالليل، ويعق ~~والديه، ويصوم النهار، ويسوء خلقه في شأن فطوره وسحوره، ويغتاب الناسي، ~~وينفق في أعمال البر، ويكتسب الشبهات، ms30 ويعود المرضي، وينقل الجنائز، ويؤذي ~~المسلمين، ويطلب عوراتهم، ويعود # PageV01P076 # الأباعد، ويقطع الأرحام فهذا رجل جاهل بربه، يعبده بالهوى، كلما هوى أمرا ~~ركبه، وكذب فيما يقول إني أريد به الله. وإنما أتى فساد الخلق من # إهمال النفس، وترك تأديبها، وقلة النظر في أمر الله تعالى، وجهلهم به، ~~فلو عرفوه لاستراحوا من خدع النفس ودواهيها، لأن النفس إنما تطمع بمخادعة ~~من يجهل ربه، فأما العلماء بالله، العارفون بالنفس، والشيطان أقل وأذل هناك ~~أن يطمعها في خدعهم، لأن النفس إنما تظلم وتوسوس على القلب الشهواني، الذي ~~قد أسره الهوى، وليس لنور الطاعة في القلب ما يغلب الهوى والشهوات، وإنما ~~القوة الغالبة نور المعرفة، فمن أستنارات معرفته كانت أموره على بينة ~~ومعاينة، وذلك قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو علة نور من ~~ربه. . .) الآية، فوصف رسول الله صلى الله عليه وسلم علامات بالإنابة إلى ~~دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد # PageV01P077 # للموت قبل نزوله، ومنه قول حارثة: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرفت فالزم؛ من سره أن ينظر إلى عبد نور ~~الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى هذا. وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال له رجل: علمي غرائب العلم. قال: ما صنعت في رأس العلم؟ عرفت ~~الرب؟ قال: نعم. قال: فما صنعت في حقه؟ قال: ما شاء الله. قال: هل عرفت ~~الموت؟ قال: نعم: قال فما أعددت له؟ قال: ما شاء الله. قال: أذهب فتعلم رأس ~~العلم، ثم تعال أعلمك غرائب العلم. # PageV01P078 # أفلا ترى أنه أمره بتعلم المعرفة، وسماه رأس العلم، فقد كان مسلما، لأنه ~~سأله أن يعلمه غرائب العلم، وأنه كان أخبر بتلك المعرفة؛ فلما سأله: هل ~~عرفت الرب؟ أجابه عن معرفته، فلما سأله عن الامتحان عما صنع في حقه، انقطع ~~الرجل، فقال ما شاء الله. # وما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حدثنا بذلك صالح بن محمد، قال: ~~حدثنا القاسم العمري، عن عاصم بن عبد ms31 الله بن عامر بن ربيعه، عن أبيه: أن ~~رجلا أثنى على رجل عند عمر رضي اله عنه، فقال: صحبته في سفر؟ فقال: # لا. قال: فأتمنته على شيء؟ قال: لا. قال: ويحك! لعلك رأيته يخفض ويرفع في ~~المسجد. # ومثل ذلك عندنا مثل رجل رأى قوما لم يعرفهم إلا بالوجوه هكذا، فتعرف ~~أحوالهم، فوصف له رجلا رجلا، فقيل له: أما هذا الواحد فهو عالم لا يوجد له ~~في الدنيا نظير، لتبحره في العلم، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه شعبة؛ # PageV01P079 # ثم قال له: هذا الرجل الآخر غني، لا يوجد له في الغنى نظير، فعظم في ~~عينه، وأخذ من قلبه؛ ثم قيل له: وهذا الآخر كريم، لا يوجد له في الكرم ~~نظير، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ وقيل له هذا الآخر صانع الأشياء، لا ~~يوجد له نظير في كل صناعة، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ قيل له: وهذا الآخر ~~كفيل، يكفل الأرامل والأيتام، والضعفاء والفقراء، لا يوجد له نظير في رأفته ~~ورحمته، فعظم في عينه، وأخذ بقلبه؛ ثم قيل له هذا الآخر شكور، عارف ~~بالحقوق، إن أتيت أدنى شيء شكرك الكثير، ونشر عليك الجميل، فعظم في عينه، ~~وأخذ من قلبه؛ ثم قيل له: ولهذا مملكة وعز، ومنعة وسلطان، قد ملك المشرق ~~والمغرب، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ ثم قيل له: وهذا قوي لا يطاق، له قوة ~~ألف رجل من الرجال، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ فكل رجل منهم يوصف بواحدة ~~من هذه الخصال، يأخذ من قلبك شعبة، ويعظم في عينك شأنه، وقبل ذلك لم يكونوا ~~على قلبك هكذا؛ # PageV01P080 # فلو أن هذه الخصال كلها جمعت في رجل واحد، لكان يعظم في عينك، ويكبر شأنه ~~في صدرك، وتعظم منزلته عندك، ويأخذ بقلبك كله؛ فهذه الأشياء لو اجتمعت في ~~رجل واحد كانت عارية، وهي عطاء من ربه، فعندئذ لا يكون من ملكه رأس إبرة ~~وهو مخلوق يفنى ويبلى، فكيف بالعالم الذي لا يشبه علمه وغناه، وجوده وكرمه، ~~وحلمه ومجده، وبهاؤه وجمالته، ورحمته ms32 ورأفته، وقوته وقدرته، وسلطانه وبصره ~~بالأشياء، شيئا مما عند الآدميين، وإنما اتفقا # بالاسم، فأما الأشباه فتعالى ربنا رب العالمين عن أن يشبهه شيء من خلقه؛ ~~فإذا عرفت هذا من ربك فكيف يكون على قلبك أموره، ووعد ووعيده، وضمانه ~~وكفالته وقوته؟ فمن استنار قلبه بالمعرفة سكن قلبه واطمأن إلى ربه، ووثق ~~بقوله، فعظمت منزلة المؤمنين عند الله تعالى، حين قبلوا الإيمان بالجملة، ~~ثم أستأداهم الوفاء عند النوائب، فمنهم من وفى، ومنهم من سقط، وبقى في ~~الطرق، فأظلم عليه الهوى، ووقع من التخليط في الذنوب؛ # PageV01P081 # ومنه ما حذر الله صفيه داود عليه السلام، فقال: (إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)، ~~فلإنسان مطبوع على سبعة أخلاق: على الغضب، والرغبة، والرهبة، والشهوة، ~~والغفلة، والشك، والشرك. فالخلق كلهم أقروا بأن الله تعالى فطر الناس ~~عليها؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون؟ ~~سيقولون لله، قل أفلا تذكرون. قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم؟ ~~سيقولون لله. قل: أفلا تتقون؟ قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار ~~عليه إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله. قل فأنى تسحرون). وقوله تعالى: (ولئن ~~سألتهم من خلق السموات # PageV01P082 # والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله، فأنى يؤفكون). (ولئن سألتهم من ~~نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها؟ ليقولن الله؟ قل الحمد لله ~~بل أكثرهم لا يعقلون). فأقروا له تعالى بالربوبية من غير عقل، ثم أشركوا به ~~غيره في ملكه، فقال تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فأقروا ~~لله بالربوبية، ثم أشركوا فيه لأنهم نطقوا من قلب مظلم، وقد ضرب الله تعالى ~~لهم مثلا في كتابه فقال: (يكاد البرق يخطف أبصارهم، كلما أضاء لهم مشوا ~~فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا). # PageV01P083 # وقال: (كمثل الذي استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم، ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون). فأقروا له بالربوبية، ثم غفلوا عنه ونسوه، ~~فهذا الشك # والشرك والغفلة ms33 فيه، ثم الغضب مركب فيه، والشهوة كذلك، فالرغبة في النفس ~~من قبل النفس، والرهبة في النفس من أجل النفس، والخلق بهذه الصفة من مات ~~منهم فإن جهنم موعدهم، لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم، فإنما قسمت ~~على الأبواب هذه الأجزاء لهذه السبعة الأخلاق، فكل من غلب عليه خلق من هذه ~~الأخلاق نسب إليه، وألقى في ذلك الباب، وعذب في ذلك الدرك. وما يصدق ذلك ما ~~جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: للنار باب لا يدخل منه إلا من ~~شفى غيظه بسخط الله # PageV01P084 # تعالى، حدثنا بذلك أبي رحمه الله، قال: حدثنا عبد الله بن نافع الدينوري، ~~عن إسماعيل بن شيبة الطائفي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: من من الله عليه من ولد آدم ~~بالمعرفة، وجعل له نورا يمشي به في الناس، كان له وليا، يخرجه من الظلمات ~~إلى النور، وكان ميتا فأحياه. ووصف ذلك كله في كتابه، فقال تعالى: (أو من ~~كان ميتا فأحييناه)، وقال: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظالمات إلى ~~النور). وقال: (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور). وقال: (مثل نوره ~~كمشكاة فيها مصباح). # PageV01P085 # فوصفه إلى آخر الآية. قال: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام). ~~ثم قال: (لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون)، إخبار عن ~~المنة عليهم. فلما استنار قلب المؤمن بالنور الذي أعطى، نطق لسانه بتوحيده، ~~وعرف قلبه ربه، وصدقه في وعده ووعيده، فأستسلم وألقى يديه، فذهب عن الشك ~~والشرك والغفلة، فتيقظ وأيقن وأخلص، وبدل بالغفلة اليقظة، وبدل بالشك ~~اليقين، وبدل بالشرك الإخلاص، وبقيت فيه الشهوة والرغبة والرهبة والغضب، ~~وكلما أزداد العبد في إيمانه نورا وقوة وشعاعا، تنقص من الغضب والشهوة، ~~والرغبة والرهبة، فكل مؤمن على قدر إيمانه يكون من هذه السبعة باقية فيه، ~~يغفل عن ربه، وتعتريه الظلمة كالشك # وليس بالشك، ولكنه ريبة القلب واضطرابه وتغيره، كالشرك ms34 وليس بشرك، ولكنه ~~شرك الأسباب الموضوعة، فيتعلق بالأسباب، يكون اعتماد القلب على الأسباب، ~~وينسى ربه، لا لأنه يجحده، # PageV01P086 # إذا ذكر أقر، وإذا نسى تعلق قلبه بالأسباب، حتى يفتتن: والأسباب مثل ~~الحصن يدخل فيه الخائف، والسلاح يأخذه فيتقوى، فيكون اعتماده على الحصن ~~والسلاح، وينسى ربه، وكالدواء ليستشفى به، فينسى ربه في شأن الرزق، يطلب ~~ويسعى ويغفل عن ربه حتى يفتتن، فإذا ذكر لا يعمل فيه ذلك الذكر، وجميع ~~الخلق أسباب، القلب حائل بينه وبين رؤيته ذلك من ربه، وهو سبب المعصية ~~والفتنة؛ فإذا استنارت معرفته فعلمت، كانت كالشمس تشرق في قلبه بالأسحار، ~~ولا ظلمة ولا غبار، فصارت الأشياء له معاينة، فتخلص القلب حينئذ من ~~الأسباب، إلى ولي الأسباب، ومنه قول عيسى بن مريم عليه السلام: لو أن رجلا ~~مستكمل الإيمان يهز جبلا لزال عن مكانه؛ ومنه قوله لبعض الحواريين حين أراد ~~أن يلحقه في البحر، فيمشي على الماء معه: هات يدك يا قصي الإيمان، ثم مشى ~~به في موج البحر، # PageV01P087 # فقال: خفت الموج؟ قال: نعم. قال: ألا خفت رب الموج؟ ومنه قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: من أحب لله، وأبغض لله، ومنع لله، وأعطى لله، ونصح ~~لله، فقد استكمل الإيمان: ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لسلمان رضي الله ~~عنه: قل اللهم إني أسألك صحة في إيمان، وإيمانك في حسن خلق، ونجاحا يتبعه ~~فلاح، ومغفرة منك ورحمة ورضوانا. # وفي هذا الباب حديث كثير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومنه قول ~~الحسن البصري رحمه الله عليه في تفسير قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات ~~وهو مؤمن فلا كفران لسعيه)، قال: غير مستكمل الإيمان: (فأولئك لهم الدرجات ~~العلى، جنات عدن تجري من تحتها # PageV01P088 # الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء من تزكى). أي تطهر من الأسباب، وهو هذه ~~الأخلاق السبعة، فهم أهل الدرجات العلى في # جنات عدن، وهم الصديقون رفقاء الأنبياء؛ فمن هاهنا قالوا بزيادة الإيمان، ~~سموا هذا النور الذي يزداد العبد بربه معرفة به إيمانا، كالشمس شعاعها الذي ~~يقع بالأرض ms35 تسميه شمسا، والذي يطلع في المجرى تسميه شمسا، لأن هذا منه، ~~ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أمتي رجالا حال بينهم العرى ~~عن أن يأتوا مصلاهم، يمنعهم إيمانهم أن يسألوا الناس، منهم أويس القرني، ~~وفرات من حباب العجلى، رحمة الله عليهما. حدثنا الفضل بن محمد قال: حدثنا ~~زهير بن حرب، حدثنا ابن مهدي وعبد الله ابن الأشعث، عن سوار، عن محارب بن ~~دثار، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، # PageV01P089 # فسموا هذا النور إيمانا، وذلك جائز في اللغة؛ وعلى هذا التأويل قول الحسن ~~رحمه الله (غير مستكمل الإيمان)، أي لم يستكمل النور؛ فوجدنا التبحر في ~~العلم بالله بحسن المعرفة يملأ القلب نورا، يحرق ذلك النور جميع نيران ~~النفس، من الشهوات الهاوية في القلب إلى الإخلاد والتمكث، فلذلك تراه في ~~الآخرة يطفئ نوره نيران الآخرة والتمكث على الجسر، وهكذا صفة المؤمن يومئذ ~~على الجسر. قلنا كان أصل هذا الأمر، والمدار عليه، هو الإيمان به، وحسن ~~المعرفة له، كما وصفنا، من السكون والطمأنينة، والثقة به، والركون إليه، ~~على قدر ضعف اليقين وقوته، كما ذكرنا بديا؛ امتحن الله تعالى بفرائضه ~~وحدوده وأمره ونهيه، ونهاهم عن أشياء، وشهوات تلك الأشياء مركبة فيهم، ~~وأمرهم بأمور، فثقل عليهم إتيانها، وحد لهم حدودا، فمد هواهم إلى مجاوزتها، ~~وإلى التقصير فيها، والقعود عن إتمامها، ليظهر ما في ضمائرهم، ومقادير ~~إيمانهم في الضعف والقوة، لخلقه من في السموات والأرض # PageV01P090 # والملائكة وسائر الخلق، لكي إذا رفع بعضهم فوق بعض في الدرجات، لم ير أحد ~~من خلقه من الملائكة والسموات والأرض وسائر الخلق أحكامه بين عباده إلا ~~جميلا؛ وابتلاهم بالطاعة، وبالحدود والفرائض، والأمر والنهي، فقال: ~~(ولنبلونهم حتى # نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم). أي يستخرج أسرار ضمائرهم، ~~حتى يكون عذري يوم القيامة قائما، وأمري ظاهرا، فلا يرى خلقي مني ذلك إلا ~~حسنا جميلا ومعروفا؛ فلما علم أنهم يضيعون حدوده وفرائضه، من أجل الشهوات ~~المركبة فيهم، وضعف الإيمان، وقلة اليقين، علم أنه سيكون من هذا الخلق أمور ms36 ~~تحدث أسبابها من الهوى والشهوات، وقلة المعرفة بأمور ربه، وضعف اليقين، ~~وزجرهم عن أشياء رحمة منه عليهم، وتعظيما لهم، لأن من آمن ودخل في ولايته ~~وحزبه صار سعيدا بجنته، فحرم # PageV01P091 # دماءهم وأموالهم وأعراضهم، بعضهم على بعض، وحرم عليهم الغيبة، والبهتان، ~~والزور، والتجسس، وسوء الظن، وهتك الستر، وطلب العورات، والجهر بالسوء ~~والأذى، وحرم عليهم الزنا، لأن فيه الغيرة والأذى بعضا لبعض، وحرم الخمر، ~~لان فيها الأذى وتلف النفس وإهلاكها، وحرم الربا، ودل على المواساة ~~والتقارض، وقال: (ولا تنسوا الفضل بينكم)؛ ففي ذلك دليل على حضهم، ومنع ~~بعضهم من بعض، وحضهم على البر بعضهم لبعض، إبقاء عليهم، ومرفقا لهم، لأنهم ~~أهل خاصته وصفوته، ودعا إلى الصلوات الخمس، ليطهر أبدانهم، ودعاهم إلى ~~الزكاة ليطهر أموالهم، ودعاهم إلى الجمعة، ليطهر خطاياهم، ودعاهم إلى الحج، ~~ليعتق رقابهم من عظائم الإثم، ودعاهم إلى صلة الأرحام، ليرحم بعضهم بعضا ~~فيرحمهم، ودعاهم إلى الجهاد، ليتخذ منهم شهداء، ويرفعهم في الدرجات، ثم ~~دعاهم إلى نوع آخر من العبادة، ودعاهم إلى بر الوالدين، ليقوم بشكرهما من ~~أجل التربية، لأنه يبغض الكفور، # PageV01P092 # ودعاهم إلى الإحسان إلى الجار، وإلى ذي القربى، وإلى الصاحب بالجنب، وإلى ~~الضيف والمملوك؛ وكل هؤلاء أهل حقوق؛ ودعاهم إلى الإحسان إليهم، ليكون ذلك ~~شكرا لهم؛ فهذه الأشياء كلها عبادة تعبدهم بها. # فأما أصل الأمر، فهو ما وصفته لك في أول الكتاب، أنه دعاهم إلى أحكام # المعرفة، حتى يسكنوا إليه، فقلب العبد من قبل أن يؤمن أغلف، وللقلب عين ~~وآذان، فإذا كان العبد ممن خلقه الله تعالى للرحمة، وسبقت له منه الحسنى، ~~جعل له ذلك النور كما أنطق به الكتاب، فقال: (أو من كان ميتا فأحييناه). أي ~~بذلك النور؛ وهو قوله: (وجعلنا له نورا يمشي به في الناس). ولا نرى ذلك ~~النور إلا ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن ~~الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فقد علم من يصيبه ومن يخطئه، ~~ثم أخرجهم يوم الميثاق بيضا وسودا، ثم ms37 استنطقهم # PageV01P093 # يومئذ، فبلغنا عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: فأقروا له بالربوبية، ~~طوعا وكرها وتقية، فذلك قوله تعالى: (وله أسلم من في السموات والأرض طوعا ~~وكرها)، حدثنا بذلك عن ابن عمر، وعن أسباط، عن السدى، عن أبي صالح، وأبي ~~مالك، عن أبن عباس. ثم قال تعالى: (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من ~~نور). وقال: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه). فلما حيي ~~القلب بذلك النور، صار سميعا بصيرا، وروى عن لحسن رحمه الله عليه تفسير هذه ~~الآية: (وتنذر به قوما لدا.). قال: صم آذان القلوب، وعلى تأويل قوله تعالى ~~عندنا: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا، # PageV01P094 # وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون). وقال تعالى: (لينذر من كان حيا ويحق ~~القول على الكافرين فالحي هو المؤمن، فلما صار قلب هذا العبد منورا بما ~~رحمه الله، وقسم له في سابق علمه، صار القلب بلا غلاف، وأذن له ربه ~~بالأيمان به، قال تعالى: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بأذن الله)، فذكر هاهنا ~~الإذن للنفس، ثم ذكر القلب، فقال: (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، ~~وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان). فذكر تعالى فعله بالقلب ماذا فعل، ~~وذكر فعل النفس أنها قد آمنت، وبماذا آمنت، فخرج القلب من الغلاف، كسحابة، ~~انقشعت عن شمس، فاستنار، وسمع عن الله تعالى، وابصر الغيب، فصار مجتبي # PageV01P095 # من أهل # جباية الله تعالى؛ وذلك قوله عز وجل: (هو اجتباكم). وصار موسوما بسمة ~~الله، وهو ذلك النور الذي أصابه، فلما أهينت النفس، وانقادت للقلب، قبل ~~القلب ما سمع عن الله، وأبصر بالغيب، وعقله وعزم عليه، صار موسوما بسمة ~~الله ظاهرا وباطنا، فقيل هذا مؤمن، وهذا مسلم، لأنه قد آمن، ولأنه قد أسلم ~~وجهه إلى الله، ومن أسلم الوجه إليه، فقد أسلم إليه بكله، لأن الوجه اسم ~~جامع؛ ألا ترى أنك تقول في اللغة للسائرين بين الناس: رأيت وجوها كثيرة، ~~فدخل فيه البدن كله، والمؤمن إذا آمن وقبل أمره، فإنه يعمل على تسليم ms38 نفسه ~~إليه، لأن إيمانه إنما آمن بأنه ربه، فرقبته له، وجميع ما ملكت يمينه له، ~~فقد سلم إليه نفسه وملك يمينه، فهو المسلم، قال تعالى: (هو سماكم المسلمين ~~من قبل): أي في اللوح المحفوظ. # PageV01P096 # (وفي هذا): يعني في القرآن. (ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على ~~الناس): أي إذا جاءت الأنبياء، فسئلوا عن تبليغ الرسالة، فادعوا البلاغ، ~~فأنكرت الأمم، وقالوا: لم تبلغنا رسلك أمرك، فنسلم أنفسنا وملك يميننا لك، ~~ونأتمر بأمرك، فأنتم أهل تسميتي، الذين سميتكم مسلمين، بأنكم قد سلمتم إلي ~~أنفسكم، فيشهد لكم بذلك الرسول الذي بعثته بالمقام المحمود، الذي يغبطه ~~الأولون والآخرون، فبلغنا في الحديث: (وتشهدون أنتم لرسلي على أممها التي ~~لم تسلم لي نفسها، فبهذا صرتم شهداء رسلي، وحجتي عل خلقي). # فلما فتح القلب عينه أبصر وسمع لما حبب إليه الإيمان، أي وصل إلى حبة ~~قلبه، وتزين ذلك في قلبه، انقاد لربه، ألقى بيديه إلى ربه سلما، جاءت النفس ~~بظلمها وظلمتها، وهي الهوى، فوقفت بين يدي القلب، صار على القلب كالغشاء أو ~~كالسحابة المظلمة، فقيل غفلة، والأول كانت غلفة، فلما ذهبت الغلفة، حيث جاء ~~النور، وبقى الهوى غفلة. وقد نجد مثل هذا كثيرا في اللغة، يقال: جبذ وجذب، ~~وكشر # PageV01P097 # وشكر، وزرق ورزق، ومجر ومرج، وحدج وجحد، وعلم وعمل، وغرف # وغفر؛ ومثل هذا كثير، كلاهما مرجعهما إلى معنى واحد، ولكنهما اشتقا، ~~فأستعمل هذا في نوع، وهذا في نوع، والآخر في نوع، وإن كان القالب يختلف على ~~فعل وعفل، فإن الاشتقاق من معنى واحد، وخولف في القالب للاستعمال في نوعه، ~~ليعرف باختلاف القالب نوعه الذي عنى به؛ وكذلك العقل أيضا مثله، فقيل كشر ~~إذا تبسم فبدت أسنانه؛ وإذا بدا لقلبه فرأى نعمه إليه من الأسباب شكر، لأن ~~النعم قد بدت له، وكذلك قوله رزق، وهذا فيما بدا إليه من الأسباب في مطعمه ~~ومعاشه، وهذا فيما بدا إليه بالسبق، فيرزق به؛ وكذلك يقال في الحربة ~~والمرزق، فكذلك الغفلة والغلفة، معناه عندنا أن الغلفة في وقت الكفر، ~~والكفر هو الغطاء، فإذا ms39 ذهبت تلك الغلفة، ورفع الله الغطاء بمجيء # PageV01P098 # النور، بقيت الغلفة، وهو الهوى قائما فيما بينه وبين ربه، وكان للقلب ~~حجابان: حجاب غطي ظلمة الكفر، فإذا ذهب الغطاء بقي الحجاب الآخر قائما بينه ~~وبين ربه تعالى، فهو الذي يغفله وينسيه، وهي التي تسمى غفلة؛ فلما صارت هذه ~~النفس قائمة بظلمة هواها، وتلظى نيران شهواتها، بين قلب العبد وبين ربه، ~~بعد أن أسلم له وانقاد، واعترف وقبل أمره، وعزم عليه، فهو يتعاصى عليه، ~~وتستأديه الشهوات التي حرمت عليه، وتزلزله في شأن الرزق، وتوسوس إليه في ~~نوائبها وأمورها، على تدبيرها المنكوس، وجهلها المظلم، والرب الرحيم الرءوف ~~به، قد اختار له غير ذلك، مما هو أرفق به، وأبر له، وأزين به وأفضل، فقد ~~شغل القلب النظر إلى ما يبدو له من تضاربه وتدبيره له، فحديث النفس وسوسة ~~تدبيرها؛ وخيبته ومنته وأشقته وألهته، وأظلمت عليه الصدر، وهي سلاح عدوه ~~الشيطان الرجيم، بها يخدعك ويوسوس لك، ويزين لك، ويعين هواك عليك، # PageV01P099 # فلذلك قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أعدى عدوك نفسك التي بين ~~جنبيك. فلما كنت بهذه الحالة وقد ألقيت بيديك إلى الله سلما، بما جعل في ~~قلبك، أمرك بمجاهدته، فقال تعالى: # (وجاهدوا في الله حق جهاده). وأنبأك في كتابه شأن النفس والهوى، في آي ~~كثيرة، منها ما ذكر عن قول يوسف عليه السلام حيث قال: (وما أبرئ نفسي إن ~~النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي). وحيث قال لداود عليه السلام: (إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله). وقال تعالى: (وأما من # PageV01P100 # خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى). . . الآية، فأمره بالمجاهدة حق ~~المجاهدة، ثم أيدنا وشجعنا، فقال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهديهم ~~سبلنا، وإن الله لمع المحسنين). فسماه محسنا، ووعده أن يكون معه، ومن كان ~~الله معه فهو المنصور لا يغلب؛ فوعدك على المجاهدة حق جهاده، أنه هو الذي ~~يلي هدايتك سبيله. هذا ثوابه في العاجل، فكيف بثوابه في الآجل، إذا قدمت ms40 ~~عليه غدا بالمجاهدة، وبثمرة المجاهدة، فإن الهداية صارت ثمرة المجاهدة، ~~وبالهداية نلت ولاية الله تعالى، وبولاية الله نلت قربة الله وزلفاه. ثم ~~قال تعالى: (هو اجتباكم)، أي كما جعلتك من أهل جبايتي، جعلت لك نورا، وفتحت ~~عيني قلبك، وفتحت أذني قلبك حتى عرفتني، فالآن جاهد في ذاتي هواك وشهوات ~~نفسك، حتى يظهر انقيادك لأمري، ويعز ديني، وتعلو طاعتي. والمجاهدة على # PageV01P101 # قالب المفاعلة، والمفاعلة لا تكون إلا من اثنين، إلا في النادر في ~~الكلام، فأما العام فإنه من أثنين، فكأنه قال: (وجاهدوا في الله حق جهاده). ~~وقال في آية أخرى: (واعتصموا بالله). أي امتنع من شر النفس وحربها وعداوتها ~~بالله تعالى، فكأن النفس عدوك، يرميك بسهم الشهوة، والهوى يقويها، وهي ~~مظلمة، لا تستعين بالله عليك، وأنت ترميها بسهم المعرفة والعقل، وتستعين ~~بالله تعالى عليها، فأنت المنصور، لأنك بالله تجاهدها، وهي تجاهدك لا ~~بالله، فدلك ربك على الاعتصام منها به، ثم وعدك النصر، وشجعك على المجاهدة، ~~فقال: (هو مولاكم): أي يلي نصرتكم، ثم قال: (نعم المولى ونعم النصير): ~~ينبئك وهو يملك كثرة النصرة # ومتابعتها، فإذا تركت الاعتصام به خذلك، وخذلانه أن يمنع النصرة، فإذا ~~منع النصرة، فجاهدت النفس، رمتك بسهام الشهوة والهوى، فرميتها بسهام ~~المعرفة والعقل، لم تغلبها # PageV01P102 # وغلبتك، لأن العلم والعقل والمعرفة في القلب، والهوى والشهوة خارج من ~~القلب، قائم بين القلب وبين الرب، قد أظلم على سمعك وبصير عيني قلبك ~~بغشاوته، فسجن ما في القلب، وغلب على القلب، فصار بمنزلة سراج في بيت، ~~والسراج في الفخار، وعليها غطاء، فالبيت مظلم، فإذا انكشف الغطاء أبصر ما ~~في البيت، مما يضر وينفع، فإذا جاهدت النفس، فاعتصامك به في ذلك، ذكرك إياه ~~بأنك لا تستطيع دفع هذا إلا به، واستغناك به هو الذي يغنيك ويعنيك، فينصرك، ~~وكيف لا يعنيك وقد أمرك بأن تقول: (إياك نعبد وإياك نستعين). فيأمرك بالقول ~~بهذا حتى تسأله ثم لا يجيبك! وقال تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء)، ثم لا يجيب ولا يكشف! تعالى الله عن ذلك، ms41 وإذا نسيته في ذلك الوقت، ~~منع النصرة، لتركك ذكره، ولاقتدارك في الأمر، # PageV01P103 # وكيف لا يعاقبك بمنع ### | النصرة # وقد نسيته، واقتدرت في أمره، وقد أمرك بأن تقول لا حول ولا قوة إلا ~~بالله؛ فمن اقتدر في أمره والأمر كله لله، والخلق لله، والقدرة لله، عوقب ~~بأن يخذل، وعرف بالخذلان أن أقتداره كان خطأ، وأنه لا يقدر إلا به، وقال ~~تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم؛ وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من ~~بعده؟). # قال له قائل: فما النصرة؟ هل يمكن أن توصف؟ # فقال: إن نور المعرفة في القلب، حتى يخرج إلى عين القلب، والهوى قائم على ~~القلب حجابا، فإذا جاهد العبد هذا الهوى حق ### | المجاهدة # ، وحق جهاده هو غاية طاقة العبد، فنصرته أن يهديه سبيله، وهو أن يجعل له ~~طريقا # PageV01P104 # من قلبه إليه، حتى يصير عين قلبه كأنه يراه من غير كيفية، وهو قول جبريل ~~عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سأله عن الإحسان، فقال: أن ~~تعبد الله كأنك تراه. وقال # في حديث آخر: إن أقواما أيقنت قلوبهم، حتى كأنهم عبدوا الله على رؤية. ~~وقال ابن عمر رضي الله عنهما في حديث: إنا كنا نتراءى الله تعالى بين ~~أعيننا في الطواف. حدثنا بذلك قتيبة، عن محمد بن منير، عن ابن أبي رواد، عن ~~نافع، عن ابن عمر. وقال في حديث حارثة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: كيف أصبحت؟ قال: مؤمنا حقا. فسأله عن الحقيقة، فقال: كأني أنظر إلى ~~ربي على عرشه. هذا في رواية، حدثنا أبي، عن أبن أبي حبيش، عن عبد العزيز بن ~~أبي رواد. وأما رواية ثابت عن أنس، فإنه روى: كأني أنظر إلى عرش ربي. وهذا ~~النوع في الآثار كثير. # PageV01P105 # وإنما أدرك هذا حارثة بمجاهدات النفس؛ ألا ترى إلى قوله: عزفت نفسي عن ~~شهوات الدنيا ولذاتها. فهذا قطع الهوى، فإذا قطعه هداه الله طريقه، فإذا ~~نظر صار كأنه يراه بلا كيف؛ وهكذا وعد في كتابه، فقال: (والذين جاهدوا فينا ~~لنهديهم سبلنا). ms42 فإذا هداه طريقه، لم يبق على قلبه حجاب للشهوة والهوى، ~~لأنه فتح طريق قلبه إليه، فحينئذ يمكنه السكون إليه، ويطمئن القلب، ويثق ~~بوعده، ويأتمنه على نفسه، ألا ترى إلى قول الرسول حيث حكى عنهم، وقالوا: ~~(وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبيلنا). . . الآية. فأخبروا أنهم ~~إنما قدروا على التوكل، وهو تفويض أمر النفس إليه، بأنه هداهم لسبيله، فزال ~~الحجاب، أعني الهوى والشهوات عن بصر القلب، فلم يبق بين يدي قلوبهم شيء ~~يحجبهم، فصارت الأمور لهم كالمعاينة والمشاهدة. ألا ترى # PageV01P106 # إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث وصف القلب، فقال: أبصر الغيب ~~بالغيب فآمن، أو كما قال. فهذه نصرة الرب عز وجل. # فإذا تركت ### | المجاهدة # على الحقيقة منعك النصرة، فبقيت مخذولا، مأسورا في يدي الشهوة و ### | الهوى # ، فإذا صار القلب مأسورا، فهو كملك مأسور في يد العدو، فإذن تعذر عليه ~~الأعوان والجند، بل يذلون وينهزمون في الملاهي والأباطيل. # قال له قائل: فكيف تكون المجاهدة على الحقيقة، إذ قال حق جهاده؟ # فقال: اعتبر مجاهد الظاهر، وامتثل رجلين: أحدهما سلاحه تام، وحمل نفقة ~~سنة، وتجهز بما يحتاج إليه، ورافق في الطريق رفقاء، وتبسط في مسيره، وطرب ~~مع رفقائه، وتلذذ برؤية الكون ولقاء الناس، وفرح بما نسب إليه من الجهاد ~~والغزو، فقيل: هذا فلان الغازي، وطمعت نفسه في علو المرتبة، وارتفاع ~~المنزلة # PageV01P107 # عند الناس، واتخذ الجاه عندهم بذلك، ونال الكرامة في مسيره مقبلا ومدبرا، ~~وقلبه هاهنا معلق بحب الدنيا وما خلف فيها؛ فهذا حاله في الطريق، حتى إذا ~~بلغ المنتهى، فعلى وده أنه لا يلقى عدوا أبدا، ولا يسمع بذكره، فهو مقيم ~~هناك مع حنين قلبه إلى شهواته ومناه التي خلفها وراء ظهره، حتى إذا لقي ~~العدو، وجاهد مجاهدة مراوغ ليس له صدق القتال، يريد الروغان والنكص على ~~عقبه، والهرب، حتى إذا انقضى الجهاد مر منصرفا مسرعا إلى شهواته التي حن ~~إليها، والى مأواه الذي قد ألفه، ووطنه الذي قد استوطنه، قد سلم بنفسه، ~~وسلم سلاحه ودوابه وعامة نفقته، فجاء ms43 به كما ذهب به إلا النفقة، ما أنفق في ~~مسيره، وما أنفق أيضا فقد طرب إليه وتلذذ، وقضى مناه وشهواته بتلك النفقة؛ ~~فهذا قد سمى فعله هذا جهادا، فلم يكفر فعله، بل يعطي ثواب نفقته غدا، وثواب ~~عنائه وتعبه، وأنه كثر سواد المسلمين وأعانهم، وشايعهم. # PageV01P108 # ورجل أخذته حمية الإيمان، فغار لربه، فخرج يقصد محاربة عدو ربه، انتقاما ~~وتعظيما على عدوه؛ أو رجل أيس من نفسه أن يخرج منه خير ينجو به، ورأى قبح ~~مذاهبه، وسوء فعاله، فضاق به الأمر من شراهة نفسه، وقلة ضبطه لها، فاغتاظ ~~منها، وحمى لربه على نفسه ومقتها، وهاله عظيم خطره منها، فقدمها إلى العدو ~~لتحاربه، لعله أن يرزق الشهادة، فيقتل ويغسل بدمه سائر جسده، حتى يلقى الله ~~تعالى طاهرا من أقذار المعاصي. فهذا رجل خرج بهذه النية، أو بتلك النية ~~التي غاربها لربه وحمى له، وهو أرفع درجة من هذا # الذي برم بنفسه، وأراد التطهر، فلما لقي أحد هذين العدو، ونهمته في عامة ~~مسيره المحاربة، إما غيرة لربه وحمية، وإما طلب تطهير لبدنه، والظفر ~~بالشهادة، ظهر منه صدق اللقاء، فبادر وحارب وجاهد، فلم يلبث أن صار قتيلا، ~~وبالدماء مزمولا، وتبددت أعضاؤه من الضرب والطعن، وتبدد سلاحه هكذا وهكذا ~~من نهبة العدو، وأخذت دوابه وجميع ما هناك، وتقبل الله روحه، فجعله حيا، ~~يرزقه عنده، فرحا مستبشرا بما آتاه الله من فضله، كما وصف تعالى في تنزيله # PageV01P109 # قصة الشهداء، فقال: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء)، إلى آخر الآية، فصار روحه مقبولا، وصار عنده حيا فرحا، مستبشرا ~~مرزوقا، من غير تعب ولا كد ولا عناء؛ فهذا حق الجهاد في طلب الجهاد؛ والأول ~~رجل متحر للخير، طالب للثواب. فكذلك جهاد النفس حق جهاده، أن يصدق اللقاء، ~~فلا تسلم منه نفس ولا مال، فإذا أخذ في المجاهدة خلصت الهموم والأحزان إلى ~~النفس، وانقطعت اللذات والشهوات، وتغير اللون، ونحل الجسم، وضعف البدن، ~~وذهب الفرح والتسلط، واشتغل القلب، فضعف عن طلب الدنيا، قد خلص النكص في ~~المال، ms44 وتعطلت الأمور، ووجد المكاسب والأرباح، وأدبرت الدنيا ببهجتها ~~وزينتها، ولذاتها وعزتها، وبهائها وملكها، وصافها وخدعها، # PageV01P110 # وأقبلت الآخرة بحقائقها، من البكاء والأحزان والاستكانة والصلاة والصيام ~~والذكر والقرآن وأعمال البر، فشغل عن الأهل والولد، وعن التلذذ بقربهم، ~~والأنس بهم، فصار الولد يتيما، والأهل كالأرملة، والمسكن وحشا، وتعطلت ~~الأوقات التي كان يتلذذ فيها عند الغداء والعشاء، وتبدل بها جوعا ويبسا، ~~وبالضحك بكاء، وبالفرح حزنا، وبالسرور غموما، وبالراحة نصبا، وبالنوم سهرا، ~~وبالدعة تعبا وضيقا، وبالغنى فقرا، وبالعز ذلا، وبالمدح ذما، وبالثناء طعنا ~~وعيبا، فلم تسلم نفس ولا مال ولا جاه ولا قدر إلا ذهب كله، فهذا قتيل الله ~~قد تبددت نفسه وشهواته ومناه، وصار هواه # كالقتيل، فتخلص روحه عن هواه، فتقبل الله روحه، وأحيا قلبه، ورزقه من حيث ~~لا يحتسب، ووصل بقلبه إلى إلهه، ففرح واستبشر، فقلبه عنده فرح مستبشر حي؛ ~~فمن هاهنا برز الصديق على الشهيد، لأن الشهيد احتسب بنفسه على الله تعالى ~~مرة واحدة، حتى قتل، # PageV01P111 # والصديق يحتسب بنفسه، فلم يزل يقاتل هواه في كل حركة حتى قتل الهوي، فخلص ~~روحه وقلبه من الهوى، فهذا غاية الصدق، فسمي صديقا، لأنه لم يبق في نفسه ~~منازع، فصار البدن كله لربه مبذولا بصدق منه، لا منازعة للهوى فيه، فكما ~~صار الصديق عنده في الآخرة حيا مرزوقا، صار بالصدق هاهنا في القلب به ~~مرزوقا، فرحا مستبشرا بما آتاه الله من فضله، وكما صار الشهيد في الآخرة ~~بعد أن وصل إلى النعمة يشتهي أن يرد إلى دار الدنيا، فيقتل فيه، فصار منيته ~~كذلك الصديق ماتت شهواته، فصارت منيته ونهمته في ذكره وعبادته، ومنه قوله ~~تعالى في بعض الكتب: أيها الصديقون، تنعموا بذكرى، فإنه لكم في الدنيا ~~نعيم، وفي الآخرة جزاء. حدثنا ابن أبي زياد، قال: حدثنا سيار، عن جعفر بن ~~سليمان، عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى، قال: قرأت في بعض الكتب: إن سرك ~~أن تحيا وتبلغ علم اليقين، فاحتل في كل حين أن تغلب شهوات الدنيا، فإنه من ~~يغلب شهوات الدنيا يفرق الشيطان من ms45 ظله. # PageV01P112 # أفلا ترى أنه قال: إذا غلبت شهوات الدنيا حييت، لأن القلب إذا كان في ~~ظلمة الهوى وغفلته، كان كالميت، وليس بالميت، لأن الميت قلب الكافر، وقلب ~~الغافل كالميت، وليس به حياة، وقال: إذا فعلت هذا بلغت علم اليقين. فعلم ~~اليقين أن تعبده سبحانه كأنك تراه، وكذلك وصف الله تعالى علم اليقين في ~~تنزيله، فقال: (كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم)، فأخبر تعالى: أن ~~بعلم اليقين ترى الأشياء (ثم لترونها): أي غدا، يعني الجحيم، (عين اليقين). ~~فهذا حق الجهاد؛ وأما الآخر فإنه رجل أراد مجاهدة نفسه، فصام أياما، ثم ~~ترك، واجتنب بعض الشهوات، وتناول بعضا، # وحزن مرة، وفرح أخرى، وبكى يوما، وضحك أياما، وصام وصلى، وساح مرة هكذا ~~ومرة هكذا، وحمل على نفسه مؤنا كثيرة، وأتعب نفسه من طريق أنواع البر، من ~~سهر الليل، والحج، والجهاد، # PageV01P113 # إلا أن ذلك كله بهواه عمل، حيث طرب ونشط، لا بمجاهدة، فهذا رجل يريد أن ~~تسلم له نفسه وماله، ويقضي شهواته ومناه، ويكون مجاهدا، فهذا غير محقق ~~جهاده، يعطي ثواب التعب والعناء، ويؤجر عليه، ولكن لم يحارب ### | الهوى # في كل موطن حتى يقتله، فيكون قتيل الله تعالى، يقبل روحه، فيحييه، ويفرحه ~~بنفسه، فالحرب من عندك، والنصر من عند الله العزيز الحكيم، فإذا نصرت قتلت ~~هواك، وتخلص روحك منه وقلبك، فقبله وحياه ونوره، وهداه واجتباه ورعاه. # قال: له قائل: وما الهوى؟ # قال جوهرة النفس، لأن آدم عليه السلام خلق من تراب، فكان الهوى هو عنصره ~~الذي فيه جوهريته الترابية، فكانت تلك الترابية متشعبة في النفس، وهو صفوة ~~غذاء # PageV01P114 # الأم، والهوى تنفس النفس، وهو كدورته، وأصل جوهريته، وهو مظلم، وهو قوة ~~غذاء الأم، لأن التراب مظلم، وأمك إنما ربتك من اللبن، ومما أخرجت الأرض، ~~فلذلك قيل في الحديث: لكل شيء نفس، ونفس النفس الهوى، فما دام الروح فيك، ~~فأنت كون الروح، فإذا خرج منك، صار وجهك وجميع جسدك كأنه ذر عليك التراب، ~~لأنه لما زال الروح تغير الجسد إلى جنسيته الترابية، فقد علم شهوات الأرض ms46 ~~ولذتها، وعرفها بذلك العنصر المنظلم المتشعب. هناك له ميلان، يهوى إلى ~~جنسه. فسمي هوى، لأنه تهوى به النفس، والنفس تهوى بالقلب، والقلب يهوى ~~بالأركان إلى العقل، والعقل يهوى بجميع الجسد غدا إلى النار، فمن ههنا هواك ~~يميل بك إلى نعيم الأرض، لأنه من جنسه، وإليه يحن، وله يألف، فهذه النفس ~~مضطربة إذا حملت عليها أمر الله تعالى، كذلك الأرض لما حمل عليها # الخلق # PageV01P115 # اضطربت، فأسكنت بالجبال الرواسي حتى سكنت. كذلك النفس، إذا اضطربت فإنما ~~تسكن بالمعرفة، فكلما كانت معرفتك أعظم وأثقل على القلب، كانت النفس أسكن، ~~ومنه قيل: الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي، فحب المحمدة والرياسة ~~والعلائق والعلو بشهوة العز، وإنما أحب العز واشتهاه، لاستدامة نعمة النفس، ~~لأنه قد علم أنه إذا عز وعلا على الخلق، أدرك مناه، وجميع ما للجسد والنفس ~~فيه لذة، ويكون قد قهر الخلق كلهم، حتى يكون كله على ما يريد، لا يخلفه ~~أحد، فينال لذة جميع ما يهوى فيدعوك الهوى، ويميل بك إلى طلب اللذة، وقضاء ~~الشهوة، فإذا خاف أن لا ينال ما أراد، قهر الخلق كلهم، وقد علم أسباب ~~القهر، أنه إنما يكون بأخذ قلوبهم، أو بخوف في قلوبهم منه، لما يرون من ~~عزه، ونفاذ قوله وأمره، فلما فهمت النفس أن نوال اللذات والشهوات التي هي ~~النفس، علمتها في أخذ قلوب الناس، إما بمحبة مكتسبة، أو بتزين # PageV01P116 # عندهم ومدحة، حتى ينظروا إليك بعين التعظيم، وإما بعمل يخافونك عليه، ~~أحببت العز، واشتهيته وطلبته. فهذا كله إنما حصل منك من أجل نوال الشهوة ~~واللذة التي في نفسك، حتى تظفر به، فما ظفرت به فقد سمنت عليه، وفرحت وبطرت ~~وأشرت، وما لم تظفر به طلبت العز، وهي المنعة، لتقهر الناس، وتأخذ بقلوبهم، ~~حتى لا ترد في أمر شئته، أو هويته وأردته. # قال له قائل: فما ثمرة هذا الهوى؟ قال: ثمرته أن يدعوك إلى أن تدعي ~~الربوبية، فمن ههنا ادعى فرعون الربوبية، حتى يكون نافذ القول في شهواته ~~ومناه، جائز الأمر، دعاه ذلك إلى أن قال: ms47 (أنا ربكم الأعلى). هذه ثمرته، # PageV01P117 # ومن ههنا ضاق الأمر بنمرود، حتى احتال للقعود في التابوت، ليطير به إلى ~~الخالق الأعلى، زعم أني أحارب إله السماء، لم يحتمل للضيق الذي حل به من ~~قوة شهوته، وإرادة إنفاذ مناه، أن يسمع بذكر أحد غيره يقدر على شيء، فأراد ~~أن يطمس هذا الذكر، فأرى # أهل مملكته أني حاربته فقتلته، بما رجع إليه من السهم المدمى. هذا ثمرة ~~الهوى الذي يهوى بك إلى قضاء الشهوات، ودرك ما هو من جنسه، فأحذروه، فإن ~~الصغيرة الضعيفة منه تقوى حتى تصير كبيرة قوية، ترمي بك في أودية المهالك، ~~والمؤمن أنقذه الله تعالى بالمعرفة من أن يدعى الربوبية، أو يقصد لمحاربته، ~~لأن نفسه قد أيقنت، فأيست عن هذا المعنى، ولكن تطلب ما دون ذلك في أموره، ~~فليس هذا له بحقيق ولا خليق. # فقد حصل من جميع ما وصفنا إلى هذه الغاية، أن ظلمة هذه النفس الشهوانية ~~قد استولت على القلب، حتى عجز # PageV01P118 # عن حفظ الحدود، وألا تنهى عما زجرت عنه، وإيثار ما أمرت به، وعن أداء ~~الحقوق، وعن القيام بشكر إلهك، فحالت تلك الظلمة عن رؤية الوعد والوعيد، ~~وعن رؤية ربوبيته الظاهرة عليك، وقدرته النافذة فيك، وفي الأشياء كلها، ~~فافترق الناس في هذا الخطب العظيم فرقتين، فمنهم من أقبل على الحمية، ورفض ~~الشهوات، وآثر التنغيص على جميع لذات النفس، حتى ذل له وانقمع، فقوى على ~~وثاقه، ثم قوى على قطعه فقطعه، فأشرقت شمس معرفته من قلبه، وهو النور الذي ~~فيه، فأضاء كل شيء. رأى بذلك النور الربوبية الظاهرة، والقدرة النافذة ~~والسلطان القاهر للأشياء، وجري الأشياء كلها على مشيئاته وإرادته، فاستقام، ~~ولم يبق من الهوى والشهوة حركة تميل به، وتهوى هكذا وهكذا، عن مشيئات ربه، ~~وما استنار من قدرته النافذة، وربوبيته الظاهرة. ومنهم من ضعه عن هذه ~~الأمور، لم يقدر على رفض الشهوات، وقطع الهوى، فما زال مفكرا في قدرته، ~~ومعتبرا أمور الله عز وجل بقلب فارغ يريد الخير، مقبل على الله تعالى ~~بمجهوده، فكان يزداد بذلك كل يوم ms48 يقينا، # PageV01P119 # وقوة نور في تلك المعرفة، حتى غلب نور المعرفة ظلمة الهوى، فحرقه ومزقه، ~~وبدده، فاستكان لربه في أموره؛ ومنهم من كان هكذا في جهد وطلب، # فأدركته رحمة الله تعالى، فجذب قلبه جذبة إليه، فصار من الله بمحل ومكان، ~~بقطع الهوى، فصار دكا، واستنار القلب بما فيه، وذاقت النفس من حلاوة قرب ~~الله عز وجل ما لهت عن جميع شهوات الدنيا، فصار الهوى والمنية والفرح ~~والسرور درك ما نال من قرب الله عز وجل، فنجى من هذا، ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم # تم الكتاب بحمد الله ومنه. PageV01P120 ms49