######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010216 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الحكيم الترمذي #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (المتوفى : نحو 320هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 320 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المنهيات #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: كتب متفرقة في الأخلاق والسلوك #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: المنهيات #META# 030.LibURI :: JK_010216 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # والحمد لله رب العالمين، بما حمد به نفسه، كما هو أهله؛ والصلاة على محمد ~~عبده ورسوله، وعلى آله، كما هو أهله. # قال أبو عبد الله رحمه الله: حدثني أبي، عن رجاء بن نوح،عن عباد ابن ~~كثير، عن عثمان الأعرج، عن يونس بن عبيد وحوشب، عن الحسن: أنه قال: حدثني ~~سبعة رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم: أبو هريرة، وجابر ~~بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار؛ ~~كلهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزيد بعضهم على بعض: أنه نهى. # قال أبو عبد الله رحمه الله: وحدثنا الفضل بن محمد بن وزير الدمشقي قال: ~~حدثنا حمزة بن ربيعة، عن عباد بن كثير بن قيس الثقفي، عن عثمان الأعرج، عن ~~الحسن: أنه قال: حدثني رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم: ~~أبو هريرة الدوسي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن عمرو بن ~~العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار، وأنس ~~بن مالك؛ يزيد بعضهم على بعض: أنه نهى. # قال أبو عبد الله رحمه: فقد نظرنا في هذا الحديث، في هذه الأشياء التي ~~رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عنها، فإذا هي متفاوتة؛ ~~فمنها نهى أدب، ومنها نهى تحريم. وقد جمعها الحديث كله، ولم نجد شيئا قد ~~نهى عنه إلا بحق. وذلك أن ضرره راجع إلى بعده عن سبيل الهدى؛ فإن سبيل ~~الهدى مستقيم إلى الله تعالى، ومن زاغ فإنما يزيغ عن الله تعالى؛ ~~والاستقامة تقرب العبيد إلى الله، وأن الله - تبارك اسمه - دعا العباد إلى ~~دار السلام وأعلمهم أنهم ملاقوه، وبعث رسوله عليه السلام؛ فقال: (قل هذه ~~سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى). فمن أجابه فعلا فقد ~~أجابه، وإجابته اتباع رسوله فيما زجر عنه. وقال الله تعالى في تنزيله (وما ~~آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه ms001 فانتهوا). # فوجدنا النهى على ضربين: منه نهى تحريم تأديب، ومنه نهى تحريم. فمن ترك ~~الأدب انحط عن درجته، ومن وثب على التحريم سقط في الهلكة. # الاحتباء في ثوب واحد # وأما قوله:) نهى أن يحتبى الرجل في ثوب واحد(. # فقمن أن يكون إنما نهى عنه من أجل أن العورة تبدو إذا احتبى به؛ لأنه لم ~~يتستر، فإذا احتبى بدت عورته. # وكان القوم حديثى عهد بجاهلية، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، فلم يكونوا ~~يحتشمون من التعرى وكشف العورة. فلما من الله تعالى عليهم بالإسلام؛ ~~فأدبهم، وأمرهم بالستر في غير آية من التنزيل، وأمرهم بغض الأبصار، وحفظ ~~الفروج؛ فقال (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، ويحفظوا فروجهم). وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم) لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى ~~عرض أخيه(، فشدد في هذا، وحسم هذا الباب على الخلق. # اشتمال الرجل في ثوب واحد # وأما قوله:) نهى أن يشتمل الرجل في ثوب واحد(. # فالاشتمال: أن يلتف بثوبه، ويرفع أحد جانبيه يمينا وشمالا على عاتقه. ~~فهذا مثل ما وصفنا بدءا أنه ستبدو عورته إذا فعل ذلك. # اشتمال الصماء # وأما قوله:) نهى أن تشتمل الصماء بثوب(. # فالعلة فيه مثل ذلك أيضا. فأما الصماء: فهو أن يلتف بثوب، ثم يخرج يده ~~اليمنى من عند صدره. # حدثنا عبد الكريم بن عبد الله السكرى، حدثنا على بن الحسن، عن عبد الله ~~بن المبارك، عن جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضى الله عنه: أنه ~~كان يكره أن يلتحف الرجل بثوبه، ثم يخرج يده من قبل صدره؛ وقال: تلك ~~الصماء. # الانتعال قائما # وأما قوله: )نهى أن ينتعل الرجل وهو قائم - وقال: إني أخاف أن يحدث به ~~داء لا دواء له(. # فقد بين العلة فيه؛ فللجسد عليك حق، فإذا حملت عليه ما لا يطيق، فحدث به ~~داء؛ فقد ظلمته. PageV01P001 وإنما جعل قوام البدن على الرجلين، فإذا ~~انتعلت قائما، لم تجد بدا. من أن ترفع قدما لتنعلها، فصار حمل البدن على ~~رجل واحدة؛ فاضطربت العروق، فإذا ms002 اضطربت العروق، لم يؤمن أن يحدث داء؛ لأن ~~العروق مجارى الدم ومجارى الريح؛ فإذا تضايقت في حال الاضطراب، هاج الدم، ~~وهاجت الرياح؛ فربما وقعت في مرض لا تخرج منه أبدا، وربما فاض الدم من ~~العروق إذا اختنق العرق عند تضايقه من مكانه؛ فصار الدم علقة، فإذا صارعلقة ~~لم يجر، وكان دمه فاسدا، وربما انكمشت الرياح الحادثة، وهاجت الساكنة؛ فهذا ~~أمر عظيم. # وقد أوصى الله العباد في شأن النفس؛ فقال: (ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة). # وقال: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما). ثم قال: (ومن يفعل ذلك ~~عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا). فانظر أى وعيد ~~هذا! وظلم النفس كظلم العباد.. فهذه أشياء خفية؛ فخفى على العامة عظيم ~~مرجوع ضررها إلى النفس. وإنما تستر له لأنه ستره، فنحن نقيم ستره، لا أن ~~نسبر عنه، فالستر غير التستر عنه. وأيضا خلة أخرى أن الجن والشياطين ينظرون ~~إلى عورات بنى آدم، فيضحكون ويستهزئون. حدثنا بشر ابن خالد البصرى،حدثنا ~~سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبدالملك، حدثنا الأعمش، عن زيد العمى، عن أنس بن ~~مالك رضى الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ستر بين أعين ~~الجن وبين عورات بنى آدم إذا وضع الرجل ثوبه أن يقول: بسم الله) وكذلك في ~~البراز يخاف أن ترميه الجن بداهية. # وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال في البراز حتى يخطوا ~~على أنفسهم دائرة؛ كى يكون ذلك حريما لهم، فلا يصل إليه الجن بداهية. حدثنا ~~قتيبة، عن ابن لهية، عن عقيل عن ابن شهاب، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم )إذا اغتسل أحدكم في براز من الأرض ولم يجد ما يستتر به، فليخطط ~~على نفسه خطا، وليغتسل وسط الخط(. # أحكام قضاء الحاجة # البول في المغتسل # وأما قوله: )نهى أن يبال في المغتسل(. # فقد بين في حديث آخر:)أن منه يحدث عامة الوسوسة( وذلك أن المغتسل في ذلك ~~الزمان - أعنى المدينة - كان في أرض ذات ms003 سباخ، فإذا صب الماء استنقع، وصار ~~ذلك الموضع وحلا، فإذا بال فيه استنقع واختلط بذلك الطين الذي فيه البول. ~~وأما إذا كان مغتسلا مقاما ومشيدا، فجرى فلم يبق هنالك بول، فلن يجد ~~الوسواس سبيلا إلى أن يحدث نفسك بشيء. # البول في الماء الراكد # وأما قوله:) ونهى عن البول في الماء الراكد(. # فهذه غدران المدينة والمواضع التي يستنقع فيها الماء، وهي قليلة، لا عرض ~~ولا طول؛ فإذا بال فيها لم يؤمن أن يجيء جاء فيغترف منه للوضوء. # وقد نهى في حديث آخر)عن أن يبول في الماء الراكد ثم يغتسل فيه أو يتوضأ ~~منه(. ثم قال أبو هريرة رضى الله عنه: وليبل في الماء الجارى أن شاء. حدثنا ~~بذلك الجارود بن معاذ، حدثنا عمر بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن أبى ~~المهزم، عن أبى هريرة، قال: وحدثنا الشقيقى، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت ~~عبد الله بن بريدة يبول في الماء الجارى. # حدثنا الحسن بن مطيع، حدثنا خلف بن أيوب، عن يحيى بن زكريا، عن يونس، عن ~~الحسن، قال: لا بأس بالبول في الماء الجارى. # قال أبو عبد الله رحمه الله: وإنما وقع النهى في الماء الراكد إذا كان ~~قليلا ليس له عرض ينبسط ولا طول يمتد؛ فذلك بمنزلة الإناء. وأما إذا انبسط ~~حتى يشبه الجارى في اطراد بعضه على بعض، فهو لاحق بالجارى؛ ألا ترى إلى قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر وهو راكد: (هو الطهور ماؤه، الحل ~~ميتته) # البول في المشارع # وأما قوله:) نهى أن يبول في المشارع(. # فإن مشارع المدينة راكدة وذلك أن العيون المنتبذة عن المدينة كانت تشرع ~~منها إلى المدينة، فتجرى إلى حوض، وهو المشرعة، فيستقى منه. # فهذا والأواني واحد؛ لأن المشارع - الماء الجارى فيها كالساكن ليس له ~~انصباب وجرى كالنهر، فذلك البول يدور مع الماء في المشرعة، ولا يكاد يخرج ~~إلا بعد مدة. PageV01P002 فكل مكان لا يكون مجرى الماء فيه قوة وانصباب، ~~فإذا بال فيه فالبول هناك موجود. وإنما رخص في الماء ms004 الجارى لجريه وذهابه. ~~وقلما يوجد في المشارع ذلك الجرى السريع الذي يذهب بأثر البول؛ ألا ترى ~~أنهم لم يعنوا بالجرى الضعيف من الأنهار حتى يكون له قوة، فمنهم من قال حتى ~~يدهده بعرة أو جوزة. # قال: حدثنا عمر بن أبى عمر،حدثنا شريح بن النعمان، قال: سمعت أبا يوسف ~~يقول في الماء الجارى القليل: إذا كان بقدر ما إذا رفعت بكفيك منه، فاض من ~~الجانبين، ولم ينقطع أعلاه من أسفله؛ فلا بأس به. # وتأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: )إذا كان الماء قلين لم يحمل ~~خبثا( على ذلك تأولوه. # قال: وسمعت أبا يوسف يقول في تأويل الحديث الذي جاء) إذا كان الماء قلين( ~~إذا كان عينه تنبع، وكانت مقدار قلتين، وهو جار وله نبعان، فلا بأس به. # حدثنا الجارود، حدثنا عيسى بن الفضل المروزى، عن عبد الله ابن المبارك في ~~تأويل هذه الحديث، قال: إذا كان الماء قلين جاريا. حدثنا عمر بن أبى ~~عمر،حدثنا شريح بن النعمان، قال: سمعت أبا يوسف يقول في تأويل هذا الحديث:) ~~إذا كان الماء قلين( إذا كان عينه تنبع، وكانت مقدار قلتين، وهو جار وله ~~نبعان؛ فتوضأ من نبعانه؛ فلا بأس به. # البول والفرج باد للشمس أو القمر # وأما قوله:) نهى أن يبول الرجل وفرجه باد إلى الشمس أو القمر(. # فإن الشمس والقمر خلقان من خلقه، وآيتان من آياته، وكسوتهما من نور العرش ~~فيما روى لنا. # فلا تستقبل بعورتك إياهما إعظاما لهما، وإجلالآ لذلك النور. # وقد قال الله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل، ~~وجعلنا آية النهار مبصرة). حدثنا عمر بن يحيى بن نافع الأيلى، عن أنس بن ~~مالك في قوله تعالى: (فمحونا آية الليل) قال: سواد في القمر. # وأيضا علة أخرى: أن الملائكة الموكلين بسياقتهما معهما؛ فإذا بدا لهما ~~بدا للملائكة. # وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:)أجلوا - أو قال أكرموا - ~~الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا في حالين. الغائط والجنابة( وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms005 يستر عورته عن عائشة رضى الله عنها. وقالت ~~عائشة رضى الله عنها:)ما رأيت منه - يعنى عورته - (. # حدثنا الجارود، حدثنا الفضل بن موسى، عن عبد السلام بن حرب، عن الأعمش،عن ~~أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء لم يرفع ~~ثوبه حتى يدنو من الأرض. # استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط # وأما قوله:) نهى أن تبول مستقبل القبلة (. # فإن القبلة بيت الله.. بسط الأرض، وجعلها بساطا لعباده ومهادا ومسكنا، ~~واختار موضع البيت لنفسه فلم يملكه أحدا، وجعله محل الرحمة ومعلمه ومظهره. ~~وهو بحذاء البيت المعمور، وبحذاء العرش؛ فله حرمة عظيمة. وهو بعين الله، ~~وصفوته من الأرض؛ فإذا استقبله بفرجه، فقد أسقط حرمته، واستهان به. # حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمس، حدثنا إبراهيم بن عيينة، عن ابن ~~الصباح، قال: سمعت من أبى نصير، عن مولى لأبى بكر، عن أبى بكر رضى الله ~~عنه، قال: من انحرف عن القبلة من غائط أو بول تعظيما لجلال الله تعالى، لم ~~يستو منحرفا حتى يغفر الله له. قال: ومن مقت نفسه في ذات الله آمنه الله من ~~مقته. # ثم روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه تبول مستقبل القبلة.. حدثنا ~~الجارود بذلك، حدثنا عبيد الله موسى، حدثنا عيسى الخياط، عن نافع، عن ابن ~~عمر، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كنفيه مستقبل القبلة. # قال عبيد الله: حدثنا عيسى، عن أبيه، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم،)لاتستقبلوها ولا تستدبروها(. قال عيسى: فذكرت ذلك ~~للشعبى، فقال: صدق أبوهريرة، وصدق ابن عمر. أما قول أبى هريرة، فذاك في ~~الصحراء لا يستقبلها ولا يستدبرها. وأما قول ابن عمر رضى الله عنهم، فذاك ~~كنيف بيت صنع للنتن ليس فيه قبلة؛ استقبل حيث شئت. حدثنا سهل بن العباس، ~~حدثنا عبد الله بن نمير العوفى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كنفيه لبنتين مستقبل القبلة ms006 يبول. # التبول قائما # وأما قوله:) نهى أن يبول الرجل وهو قائم(. # فهذا على معنيين: PageV01P003 أحدهما: أنه إذا بال قائما لم يؤمن من أن ~~يصيبه من النضح، وقال صلى الله عليه وسلم )استنزهوا من البول، فإن عامة ~~عذاب القبر منه( وروى أنه مر بقبر، فقال:)أتسمعون ما أسمع؟(، قالوا: لا يا ~~رسول الله؛ فقال:)لولا تمريغ في قلوبكم، وتزبيد في حديثكم لسمعتم ما أسمع، ~~إن صاحب القبر أقعد فضرب فصاح صيحة تسمع من الخافقين، وتطاير كل عضو منه ثم ~~عاد إلى مكانه(. قيل: يا رسول الله، في ماذا؟ قال: )في البول(. # قال: وذكر لنا أنه لما وضع سعد بن معاذ الأنصارى رضى الله عنه، الذى اهتز ~~العرش لوفاته، في قبره تضايق عليه قبره؛ فسبح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم قال: )لقد تضايق على هذا العبد الصالح حفرته، ثم فرج عنه(. # قيل:يا رسول الله، مم ذاك؟ فقال:) كان يقصر في بعض طهوره( وذلك أن القوم ~~كانوا لا يستنجون بالماء، ويكتفون بالأحجار. وكان عهدهم بذلك الأمر كذلك. ~~فلما ظهر الاستنجاء كانوا يفعلون ولا يفعلون. # فشأن البول عظيم؛ وإنما صار عندنا كذلك؛ لأن آدم عليه السلام لما أكل من ~~الشجرة، وجد العدو سبيلا إلى جوفه، فاستقر عند المعدة؛ فلذلك ما خرج من ~~أسفل البدن صار حدثا، وكان ذلك الشيء نجسا. وما خرج من أعلى البدن مثل ~~الدموع والنخاعة والمخاط كان طاهرا ولم يكن طهوره حدثا. فما كان في جوف ابن ~~آدم مما يلى مستقره ينجس بنجاسته وكفره. # وإذا بال قائما لم يؤمن من النضح، وكان النبى صلى الله عليه وسلم: )يرتاد ~~ويتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله(. # حدثنا بذلك صالح بن عبد الله، حدثنا حماد بن زيد، عن واصل مولى أبى ~~عيينه، عن يحيى بن عبيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. # وكان إذا وجد مكانا أو موضعا يتمكن فيه بال قائما؛ فقد روى عنه صلى الله ~~عليه وسلم، من وجوه كثيره: أنه قد فعل ذلك. # ثم روى عنه: أنه كره ذلك. # ففعله ms007 عندنا ذلك في تلك المواضع التى إذا بال فيها قائما كان أنزه له، ~~وتركه لذلك في المواضع التى إذا بال فيها قاعدا كان أنزه له. ولا نظن به ~~صلى الله عليه وسلم غير ذلك. وروى عنه:أنه مر بسباطة قوم فبال قائما. # فهذا ما قلناه إنه لما أمن من النضج لم يعبأ بالقيام. # وعله أخرى: أن القيام حال غير متمكن، ومادام قائما فإن العروق قائمة ~~بقيام البدن، والقلب منتصب، ومجمع العروق عند القلب، فما دام القلب منتصبا ~~فالعروق كذلك، فإذا قعد استرخت العروق؛ ألا ترى أنك تجد عن البول استرخاء ~~القلب. وما دام لا يسترخى لا يقدر أن يبول. وإذا أراد أن يمسكه إنما يمسكه ~~بالقلب؛ لأن مجمع العروق هنالك يصرر حتى يستمسك. فإذا قعد على قدميه كان ~~سبيل البول أوسع، وجريه أسهل؛ لا سترخاء القلب وتخلية التصرير. فهذا غير ~~مدفوع. # الاستنجاء بروث أو عظم # وأما قوله:) نهى أن يستنجى بروث أو بعظم(. # فذلك من أجل أن الجن لما انصدعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ~~أسلموا وبايعوا، رجع منهم راجع إليه فسأله الزاد، فرمى إليهم بعظم وروث، ~~فصار العظم لحما والروث طعاما، وكان ذلك زادهم. # حدثنا عبد الله بن الوضاح النخعى، حدثنا حفص بن غياث، عن داود ابن أبى ~~هند، عن الشعبى، عن علقمة عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم:)لا تستنجوا بالعظم ولا بالروث؛ فإنهما زاد إخوانكم من الجن(. # حدثنا صالح بن محمد، حدثنا إبراهيم بن محمد الأسلمى، عن الصالح مولى ~~التوأمة، عن ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهما، قالا: جعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم زاد الجن العظام والروث، ولا يمرون على شئ منه إلا وجدوه ~~لحما وشعيرا. PageV01P004 حدثنا صالح، حدثنا سعيد بن سالم القداح، عن ~~إسرائيل عن أبى فزارة، عن أبى زيد مولى عمرو بن حريث، عن عبد الله بن ~~مسعود، قال:كنت مضطجعا عند الكعبة، فمر بى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~فحركنى برجليه، وقال:)الحقنى( فتناولت إدارة رجل ms008 إلى جنبى فأخذتها، ثم ~~انطلقت معه، ثم برز، ثم خط على خطا، فقال:)لا تبرح هذا الخط، فإنك إن خرجت ~~لم ترنى ولم أرك(. ثم انطلق، فبت ليلى قائما على رجلى، فسمعت صوتا لم أسمع ~~مثله، فهممت أن أخرج، ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في وجه الصبح، قلت: يا رسول الله، ما نمت الليلة، ~~ومازلت قائما، قال عليه السلام:)أما إنك لو جلست لم يضرك(، ثم قال: )هل من ~~طهور؟(، قلت: نعم يا رسول الله، فتناولت الإدارة وأنا أراها ماء، فإذا هي ~~نبيذ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )تمرة طيبة وماء طهور(، ثم توضأ ~~وصلى خلفه رجلا، فلما سلم قال لهما:)ألم اقض لكما ولقومكما حوائجهم؟( قلا: ~~بلى ولكنا أحببنا أن نشهد الصلاة معك، قلت: يا رسول الله، سمعت صوتا لم ~~أسمع بمثله فهممت أن أخرج، ثم ذكرت قولك؛ فقال: )أما إنك لو خرجت لم ترنى ~~ولم أرك، أما الصوت الأول فسألوا الرزق فدعوت الله أن يرزقهم فأمنوا،وأما ~~الصوت الآخر فسلمت عليهم فردوا السلام(، قلت: يا رسول الله، ما رزقهم؟ ~~قال:)الروث والعظم( قلت: وكيف يأكلون الروث والعظم؟ قال:) أما الروث فيكون ~~أخضر كما كان وأما العظم فينهشون منه(. # حدثنا عمر بن ابن عمرن حدثنا ربيع بن روح الحوطى، حدثنا بقية، حدثنى نمير ~~بن يزيد القينى، حدثنا أبى، حدثنا قحافة بن ربيعة، حدثنى الزبير بن العوام ~~رضى الله عنه، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء في ~~مسجد المدينة، فلما انصرف قال: )أيكم يتبعنى إلى وفد الجن الليلة؟(، فسكت ~~القوم، فلم يتكلم أحد منهم، ثم قال لنا ذلك ثانيا، فلم يتكلم من القوم أحد، ~~فمر بى يمشى، فأخذ بيدى، فجعلت أمشى معه، وما أحد مشى معه غيرى، حتى حبس ~~عنا جبلا المدينة، وأفضينا إلى أرض براز، فإذا نحن برجال طوال كأنهم الرماح ~~يستنفرون ثيابهم من بين أرجلهم، كلما رأيتهم غشيتنى رعدة حتى ما تمسكنى ~~رجلاى من الفرق، ms009 فلما دنا منهم خط رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبهام ~~رجله في الأرض دائرة، وقال لى:)اقعد في وسطها(، فلما جلست فيها ذهب عنى كل ~~شئ كنت أجده من ريبة، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينى وبينهم ~~قريبا، ثم تلا عليهم قرآنا رقيقا حتى سطع الفجر، ثم انصرفوا فمر بى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال:)الحق، فرجعنا نمشى غير بعيد، فقال لى:) ~~التفت(، وقد أسفرنا، فقال:)انظر هل ترى من هؤلاء القوم أحدا حيث كنا؟(، ~~قلت: يا رسول الله، إنى لأرى حيث كنا سوادا. فخفض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يده إلى الأرض، فأخذ عظما وروثة، فضم أحدهما إلى الآخر، ثم رمى بهما ~~قبلهم، ثم قال صلى الله عليه وسلم:)رشد أولئك ورشد قومهم(. قال الزبير رضى ~~الله عنه: لا يحل لأحد سمع بهذا الحديث أن يستنجى بعظم ولا روثة بعده. # الاستنجاء بتراب قد استنجى به مرة سابقة # وأما قوله:) نهى أن يستنجى بتراب قد استنجى به مرة(. # لأنه لا يخلو أن يكون عليه عذرة يابسة، فلا يكون ذلك له طهورا. وإنما ~~يتطهر بالتراب الطاهر الذى لم يستنج به. حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا ~~الجراح بن مليح، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعى، قال: لا تستنجوا ~~بعظم، ولا رجيع، ولا بحجر قد استنجى به مرة. # مباشرة الرجل الرجل، والمرأة المرأة، دون ثوب بينهما # وأما قوله:) ونهى أن يباشر الرجل الرجل، والمرأة المرأة، لا ثوب بينهما(. # فهذا فعل يدعو إلى الفتنة والبلاء، فلا ينبغى للمسلم أن يتعرض لذلك، فإن ~~النفس ذات شهوة، والشيطان مزين. ومن ها هنا استغنى الرجال بالرجال، والنساء ~~بالنساء. # كشف ما يحدث في الجماع # وأما قوله:) ونهى أن يتحدث الرجل بما يخلو به مع أهله، وأن تتحدث المرأة ~~بما تخلو به مع زوجها(. PageV01P005 فهذا فعل مستور، فيه حشمة وحياء؛ ~~فإخفاؤه أستر، فإذا حدث به. ووصفه، فمثل ذلك كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: )كمثل شيطان لقي شيطانة، فأتاها على قارعة الطريق(؛ لأن ms010 الحديث ~~بذلك داع إلى الفتنة والبلاء، فربما حدث بشيء يسير يسبى قلبه بذلك إلى ~~امرأته وتسبى المرأة قلبها بذلك إلى زوجها. # قضاء الحاجة تحت شجرة مثمرة # وأما قوله:) ونهى أن يقضى الرجل حاجته تحت شجرة مثمرة(. # فمن أجل أن في ذلك فسادا؛ فربما سقط من تلك الشجرة ثمرة فوقعت في العذرة، ~~فإذا كان عند جناه فما سقط من الجنى فهو فيه؛ ففي هذا ضرر. # قضاء الحاجة على ضفة نهر # وأما قوله:) ونهى أن يقضى الرجل حاجته على ضفة نهر(. # فهذا مثل الأول؛ ففي هذا ضرر على الناس؛ إذ لا يمكنهم الدنو من الماء ~~للوضوء والاستقاء منه؛ ففيه أذى وضرر على المسلمين. # قضاء الحاجة في الطريق العام # وأما قوله:) ونهى أن يقضى الرجل حاجته على طريق عام(. # فهذا مثل الأول.والطريق العامر: هو الذى يسلكه الناس. وإنما شرط العامر ~~من أجل ضرر المسلمين والتأذى بذلك. # وقال:)من قضى حاجته في طريق عام، أو على ضفة نهر، أو تحت شجرة مثمرة، ~~فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين(. # فإنما استوجبوا اللعنة من الله لأذى المسلمين؛ فأنه قال:)من أذى مسلما ~~فقد آذانى، ومن آذانى فقد أذى الله(. # الاستنجاء باليمين # وأما قوله:) نهى أن يستنجى الرجل بيمينه(. # فإن اليمين مختار الله من الأشياء، وبه يرجو أن يتناول صحيفته، وبه يأكل ~~ويشرب ويأخذ ويعطى، وبه يصافح المسلمين، فلا يحق عليه أن يمتهنه للغائط؛ ~~فأن في الشمال كفاية، وحقيق عليه أن ينزهه عن ذلك إقامة لحرمة ما فضله ~~الله. # قطع النخلة المثمرة # وأما قوله:) نهى أن تقطع النخلة الحاملة(. # فمن أجل أن ذلك فساد؛ لأن النخلة إذا حملت فهي وإن صارت بسرا. فالذى يرطب ~~منه ثلاث تمرات كل يوم أو كل أربع من كل شمروخ،ولا يرطب الشمروخ كله في يوم ~~واحد كالعنب، وإنما يجتنى منه في كل يوم شيئا قليلا من كل شمروخ، فإذا ~~قطعها دفعة واحدة كان فيه فساد؛ لأن فيه رطبا، وفيه ما لم يبلغ أناه ولم ~~يدرك. # وكانت النخلة معاشهم، وفي الطعام هناك عزة، وكأنه أحب ms011 أن يرفقوا بمعاشهم. # والنخلة عمة الآدميين. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال:)أكرموا عمتكم النخلة؛ فإنها من فضلة طينة آدم عليه السلام(.ألا ترى ~~أنها تحتاج إلى اللقاح، فإذا قطعت وهى حامل كان فيه فساد؛ فشبه فسادها ~~بفساد النفس، قتلت خطأ فصارت عليه غرامة دية لولى القتيل وكفارة عتق ~~رقبة،فكأنه شبه الفساد بالفساد. # الحذف بالبندق # وأما قوله:) فنهى عن الحذف بالبندق(. # فإن ذلك كالمثلة؛ ألا ترى أنه يصير المرمى به موقوذا، وينكسر كله، ولا ~~يكون كالذبيحة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:) إن الله كتب الإحسان ~~على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ~~ذبيحته(.والحذف بالبندق أمر وبيل بعيد من الإحسان، ويصير ميتة، وفيه فساد ~~ومثلة. # اللعب بالحمام # وأما قوله:) ونهى عن اللعب بالحمام(.فإن ذلك خصلة من خصال قوم لوط، وهى ~~فعل يصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وإذا لعب به اصطاد حراما، وأضاع صلاته، ~~ودعاه ذلك إلى الفتنة والإشراف على الجيران. # وروى في الخبر أن:)من لعب بالحمام افتقر(؛ وكيف لا يفتقر وقد قسا قلبه؟! ~~وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يتبع حمامة فقال:) ~~شيطان يتبع شيطانة(. # تسبيل الإزار # وأما قوله:) نهى عن تسبيل الإزار(. # فذاك من أجل الكبر والخيلاء؛ فإن من يسبل إزاره ويجره تعززا وقلة مبالاة ~~وتيها، وزهوا بنفسه، واحتقارا لعباد الله، وكبرا على خلق الله؛ فهذا عبد قد ~~ضاد الله في ملكوته ونازعه في ردائه. # وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:)كان رجل مما كان قبلكم في ~~الأمم الخالية يتبختر في مشيته في مجالسهم وطرقهم، فقال الله تعالى ~~لملائكته: انظروا لعبدى كيف ينازعنى ردائى؟! يا أرض ابتلعيه، فابتلعته، فهو ~~يتجلجل فيها إلى يوم القيامة(. PageV01P006 حدثنا أبى، عن صالح بن محمد، عن ~~حفص بن سالم، عن ابن شهاب، عن الحسن، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: وحدثنا إبراهيم بن هارون،حدثنا زكريا بن حازم الشيبانى، عن ~~قتادة، عن أنس، عن ms012 رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: )يقول الله: ~~تعالى أربعة لم أشرك فيهن أحد: الفخر، والعظمة، والكبر، والقدر سرى؛ فمن ~~ينازعنى في واحد منهن كببته في جهنم(. # وعامة الأحاديث التى جاءت عن جر الإزار، إنما تدل على أن النهى مع الشرط، ~~قال:)من جر الإزار خيلاء(؛ فدل هذا على أن النهى عن جر الإزار إذا كان ~~خيلاء. # حدثنا قتيبة عن سعيد، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع وزيد بن أسلم وعبد الله ~~بن زبير، كلهم يخبر عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:)لا ~~ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء(. # وحدثنا قتيبة،عن مالك،عن أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة،عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال:)لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا(. # فهذا الإسبال والجر للثوب إنما كره للمختال الفخور. # وروى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما ~~أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة. # وقد كان في بدء الإسلام المختال يلبس الخز، ويجر الإزار ويسبله؛ فنهوا عن ~~ذلك. # وقد كان فيهم من يلبس الخز ويسبل الإزار فلا يعاب عليه، منهم أبوبكر رضى ~~الله عنه؛ حيث قال:يا رسول الله، إنى رجل قليل اللحم فإذا أبرزت سقط إزارى ~~على قدمى وقد قلت ما قلت؟ قال:)لست منهم يا أبا بكر(. حدثنا بذلك أبى، ~~حدثنا أحمد بن يونس، عن زهير، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن ~~أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )من جر ثوبه خيلاء لم ينظر ~~الله إليه يوم القيامة(؛ فقال أبوبكر رضى الله عنه: بأبى أنت يا رسول الله، ~~إن أحد شقى إزارى يسترخى إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم:)لست ممن يصنعه خيلاء(. # حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبى، عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن خيثمة، ~~قال:أدركت ثلاثة عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسون الخز. # حدثنا سفيان،عن أبيه،حدثنا ms013 محمد بن قيس،عن أبى عون،قال:كان بن الحسن ~~والحسين رضى الله عنهما يلبسان الخز. # حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا يزيد بن زريع، عن عمرو بن أبى وهب، قال: ~~سمعت بكر به عبد الله المزنى في المسجد البصرة يقول: كان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الذين لا يلبسون لا يطعنون على الذين يلبسون. # حدثنا سفيان،حدثنا أبى،حدثنا عتبة بن عبدالرحمن، عن على بن زيد بن ~~جدعان،عن سعيد بن المسيب.. في لبس الخز، قال: إذا صلح قلبك فالبس ما بدا ~~لك.. فذكرت ذلك للحسن رحمه الله: إن من صلاح القلب ترك الخز. # حدثنا سفيان،حدثنا أبى،عن منصور، عن أبى وائل، قال: كان عبد الله يسبل ~~إزاره، فقيل له؛ فقال: إنى رجل حمش الساقين. قال سفيان: يعنى رقيق الساقين. # فقد وضح لنا أن سبب النهى إنما هو الخيلاء، فإذا علم من قلبه أنه مختال ~~فليجتنب وكان في بدء الأمر رفع الإزار إلى أنصاف الساق تجنبا للخيلاء ~~والمراءاة، وكذلك تشمير القميص، فلم يزل الناس في تبديل من سوء ضمائرهم، ~~حتى صار ذلك تصنعا ومراءاة؛ فكان من شمر الإزار والقميص ممقوتا لسوء مراده. # وروى عن أيوب السختيانى رحمه الله: أنه طول قميصه له الخياط في ذلك؛ ~~فقال: السنة اليوم في هذا الزى، أو كلاهما هذا معناه.. كأنه ذهب إلى أنه ~~إنما نهى عن طوله للخيلاء فشمروا. فاليوم صار التشمير مراءاة وتصنعا ~~وتزيينا للخلق يختالون في الدنيا بالدين!! وروى أن عمر بن عبدالعزيز رحمه ~~الله كان قميصه وجبته تضرب شراك نعليه. # الاجتماع على الشراب # وأما قوله:) ونهى عن الجمع على الشراب(. # فلعله من أجل أن ذلك تشبه بأهل الفسق حين يجتمعون على الفسق يديرون ~~الأقداح. # حدثنا أبى، حدثنا ثابت بن محمد الزاهد، حدثنا ابن شهاب، عن الأجلح، قال: ~~قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: شراب المؤمنين أن يشربوا على أثر طعامهم ~~ما طاب لهم، وشراب المنافقين أن يضعوا الأقداح يديرونها بينهم يتشبهون بأهل ~~الشرك. # نكاح المرأة على عمتها أو على خالتها # وأما قوله:) نهى أن ms014 تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها(. PageV01P007 ~~فهذا إذا فعله فقد جمع بين امرأة ومحرمها، وقد حرم الله تعالى في تنزيله ~~الجمع بين المرأة وابنتها، والجمع بين الأختين؛ فإذا نكحها على عمتها فقد ~~جمع القطيعة؛ لأنه ليس واحد منهما بمحرم للأخرى. # نكاح ابنتي العم # وأما قوله:) نهى عن نكاح ابنتى العم(. # من أجل القطيعة، فقد كشف عن وجه العلة؛ لأن الغيرة كائنة،فإذا جمع بين ~~ابنتى العم كأن كان له عمان ولكل واحد منهما ابنة فليس واحد منهما محرم ~~للأخرى.فهذا مطلق..ولكن إذا فعل جاءت الغيرة وجاءت قطيعة الرحم. # وهذا ليس نهى تحريم،إنما هو نظر للدين، ونصيحة لله في دينه؛ لأن النكاح ~~للفعلة، فلا ينبغى أن يستعف من ناحية، ويخرب دينه من ناحية أخرى. # نكاح الشغار # وأما قوله:) نهى عن نكاح الشغار(. # وهو أن يقول: زوجنى ابنتك هذه على أن أزوجك ابنتى هذه. # فهذا لا يجوز لأن البضع لا يملك إلا المال، وقد جعل بضع كل واحدة منهما ~~مهرا للأخرى. وقد جعل الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم خاصة أن يملك ~~بلا مهر؛ فقال: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى إن أراد النبى أن ~~يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين). فالمؤمنون لا يملكون الأبضاع إلا ~~بالمال، وإذا زوجه ابنته على أن يزوجه ابنته فقد صير بضعها مهرا للأخرى. # التزوج من ولائد أهل الكتاب # وأما قوله:) ونهى أن يتزوج ولائد أهل الكتاب(. # فإن الله تعالى شرط عند إطلاقه لعباده تزويج الإماء المؤمنات؛ فقال:( ومن ~~لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ماملكت أيمانكم من ~~فتياتكم المؤمنات). # توارث أهل ملتين # وأما قوله:) نهى أن يتوارث أهل ملتين(. # فالأديان - أديان الضلالة - كلها ملة واحدة؛ لأن الأديان كلها كفر واحد، ~~فلا يتوارث أهل ملتين. # وقد جاء عن أسامة بن زيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أنه قال: ~~)لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم(. # حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومى وعبد الجبار بن العلاء، قالا:حدثنا ~~سفيان، قال:سمعناه من الزهرى يقول: سمعت ms015 على بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وهذا من أجل أن الميراث إنما يرثه باتصال الرحم، والكافر لا وصلة له؛ ~~لأنه منقطع عن الله، ومن انقطع عن الله لم يتصل رحمه بشيء؛ لأن الرحم بدت ~~وشق لها اسما من اسمه. فهذا المسلم إنما يستحق مال الميت باتصاله بميته، ~~وإنما اتصل بميته لاتصاله برحمه، وإنما اتصل برحمه لا تصاله بالرحمن الذى ~~بدت منه. فإذا انقطع عن الله فمتى يتصل؟! وروى عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال:)خلق الله تعالى الرحم فقامت فأخذت بحقوى الرحمن، فقالت: هذا ~~مقام العائذ بك من القطيعة، فقال:مه، أنا الرحمن، وأنت الرحم، خلقتك بيدى، ~~وشققت لك اسما من اسمى، وقربت مكانك منى؛ ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأن ~~أقطع من قطعك؟(. حدثنا ببعض ذلك قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم ابن إسماعيل ~~المدنى، عن معاوية بن أبى المزرد مولى بنى هاشم، حدثنى عمى أبو الحباب سعيد ~~بن يسار، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحدثنا ببعضه ~~الفضل بن محمد، حدثنا عمران بن بكار الحمصى، حدثنا على بن عياش، حدثنا محمد ~~بن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: قال الله تعالى للرحم )خلقتك بيدى، وشققت لك اسما من اسمى، ~~وقربت مكانك منى؛ وعزتى وجلالى لأصلن من وصلك، ولأقطعن من قطعك؛ ثم لا أرضى ~~حتى ترضين(. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فهذه نفوس متباية، فإنما تتصل بالأرحام ~~المتصلة لا بالأرحام المنقطعة: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه ~~الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق). فكيف يقرنه بالميت المسلم حتى يستحق ~~بقرباه شيء وقد قال الله تعالى: (فبعدا لقوم لا يؤمنون). وقد قيل: إن أهل ~~الملل قد تباينوا بمللهم، فلا يرث اليهودى النصرانى، ولا النصرانى المجوسى. ~~فصير أهل كل دين ملة، واحتج بقوله:)لا يتوارث أهل ملتين(. فإذا تشتت مللهم ~~لم يتوارثوا. PageV01P008 ولم يأخذ ms016 بهذا القول علماؤنا من أهل الكوفة، ~~ورأوا أن الكفر كله ملة واحدة.. يحقق قولهم هذه الآية (إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم ~~يوم القيامة). ثم قال: (هذان خصمان اختصموا في ربهم، فالذين كفروا قطعت لهم ~~ثياب من نار).وذكر الذين آمنوا، فصير الكفر والإسلام ملة، حتى صيرهم خصمين ~~في ربهم. # الرقية # وأما قوله:) ونهى عن الرقية(. # فهذا عندنا الحيات والجنون. وتلك أخذوها من الهند؛ فخاف أن يمازحه الشرك. # وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أقرب الرقى إلى الشك ~~رقية الحية والمجانين). # فأما الرقى التى يرقيها الراقى بالقرآن والعزائم يستشفى، فلا بأس به؛ لأن ~~هذا تبرك وتفاؤل. # وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن عمرو بن جرير، حدثنا ~~قتيبة ابن سعيد،حدثنا ابن لهية، عن أبى الزبير، عن جابر: أن عمرو بن جرير ~~رضى الله عنه دعى لامرأة بالمدينة لدغتها حية ليرقيها، فأبى، فأخبر به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه، فقال عمرو:إنك لتزجر عن الرقى؛ ~~فقال:)اقرأها(،فقرأها عليه،فقال:)لا بأس به، إنما هى مواثيق فارق بها(. # وحدثنا ابن أخى يحيى بن عيسى الرملى، أخبرنى عمى، عن الأعمش، عن أبى ~~سفيان، عن جابر، قال: كان لى خال يرقى من العقرب، فنهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الرقية، فأتاه خالى، فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، ~~ونحن نرقى من العقرب! فقال عليه السلام:)اعرضوها على(، فقال:)إنما هذه ~~مواثيق لا بأس بها، من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل(. # وحدثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفى، حدثنا أبوبكر بن عياش، عن مغيرة،عن ~~إبراهيم، عن الأسود، قال: قلت لعائشة رضى الله عنها: إنا نزلنا واديا، فقتل ~~صاحب لنا حية، فصرع لحينه، فرقيته بكلمات بالحميرية فقالت: أى شيء هي؟ ~~قلت:)شجه. قرنيه. ملحة. بحرا.فقطا( قال: فقالت:ما بها بأس. # وروى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أنه قال: مررت بحى، فإذا سيد القوم ~~بينهم، فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ، فأعطونى مائة شاة؛ فذكرت ذلك ms017 لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: (من أين علمت أنها رقية؟)، قلت:ألقى في نفسى؛ ~~فقال: (لقد كان يؤخذ برقية باطل، لقد رقيت برقية حق؛ خذها واضربوا لى معكم ~~بسهم). # قال: فقد كشف سبب النهى، وأطلق الذى لا يشوبه شيء من مهجور الكلام. # قال: وحدثنا عقبة بن قبيصة، حدثنا أبى، عن منصور، عن المنهال، حدثنا سعيد ~~بن جبير، عن ابن عباس، قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن ~~والحسين يقول:)أعيذكما بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامة، ومن كل عين ~~لامة(، ثم يقول:)هكذا كان أبى يعوذ إسماعيل وإسحاق(. # تعليق التمائم # وأما قوله:) ونهى عن تعليق التمائم(. # وهو أن يعلق خرزة كى لا تصيبه الآفة، وخرزة كى يذهب الجنى. وأن العبد إذا ~~اتكل على شيء وكله الله إليه وخذله وأعطاه مناه حيث قصد له استدراجا. # فقد كره العلماء كل شيء يعقد، مثل الوتر والأعواد التى تقطع فيمسكه ~~الإنسان للفروج، والحديد الفولاذ الذى يجعله في العضد كيلا تصيبه آفة الجن. ~~فهذا وأشباهه غواية الشيطان؛ ومن أجل هذا كره العلماء كثيرا من التعويذات ~~والعزائم. وإنما كرهوا من جهتين: إحداهما: هذه، والثانى: أن فيه اسم الله ~~تعالى ويخالط به الخلاء. # وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: )من تعلق شيئا وكل إليه(. # وروى عن ابن مسعود رضى الله عنه: أنه رأى في عنق ولده شيئا من ذلك، فقال: ~~أن آل محمد ابن أم عبد لأغنياء عن الشرك. # وذكر عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه رأى على رجل حديدة، ~~فقال:)ما هذه؟(، قال:من الواهنة. قال:)فأنها لا تزيدك إلا وهنا(. وقد ذكر ~~الله في تنزيله فقال: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن).. قال ~~الله تعالى: (فزادهم رهقا).. # وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا نزلوا واديا قال أحدهم: أعوذ بسيد هذا ~~الوادى أن يضرنى أحد من الجن في هذا الوادى!فلم يزدادوا بها إلا رهقا. ~~PageV01P009 فهذا كله من التمائم، كأنه اشتق هذا الاسم من أن هذه الأشياء ms018 ~~تكلفها العباد لتتم به الأمر من دوام العافية ودفع البلاء، ولا تتم إلا ~~بها، فسموها تميمة؛ ألا ترى أن عائشة رضى الله عنها قالت: ليس من التمائم ~~ما علق بعد نزول البلاء. حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهية، عن بكير بن ~~عبد الله ابن الأج، عن القاسم بن محمد،عن عائشة رضى الله عنها قالت: ليس من ~~التمائم ما علق بعد نزول البلاء. كأنها ذهبت إلى أن هذا بعد نزول البلاء ~~استشفاء وتبرك وتفاؤل. فإذا عقد الحمى بالوتر، فإنما يعقد بما يقرأ من ~~القرآن؛ وإنما يستشفى بأسماء الله وبالقرآن، والعقد منه تفاؤل، والفأل من ~~حسن الظن بالله عزوجل. # حدثنا أبو عمار الحسن بن حريث الخزاعى،حدثنا أوس بن عبد الله بن بريدة، ~~عن أبيه، عن جده، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولا يتطير. # وإن العبد إذا أحسن الظن بالله في الأمور، وأمله، ورجاءه، وفي له الكريم ~~بذلك. فعقد الحمى، وما أشبه ذلك، هو من طريق التفاؤل، فإذا فعله على هذا ~~السبيل وفى له بحسن ظنه. # إتيان العراف وتصديقه # وأما قوله:) ونهى أن يؤتى العراف يسأله ويصدقه؛ وقال:من صدقه فقد برئ مما ~~أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم(.. # فذلك لأن العراف يعرفه من علم الغيب - ما لم يعرف - رجما، وإنما قاله من ~~تلقاء نفسه، والعراف والكاهن يتلقون الأخبار عن الشياطين؛ وذلك أن الشياطين ~~تسترق السمع من السماء مما تتحدث به الملائكة من قضاء يقضيه ربنا تبارك ~~وتعالى،فإذا استرق الشيطان من ذلك شيئا ألقاه إلى الكاهن فيتخذ ذلك أصلا ~~وبينى عليه الأكاذيب؛ فيروج عنه ذلك بذلك الواحد الذى يصدق فيه ويظهر صدقه. # والعرافة، والكهانة، والعيافة؛ كلها قريب بعضها من بعض. والعيافة: زجر ~~الطير،وهو الذى يخبر عن أصواتهم بالأمور، وإنما من الله تعالى بذلك على رجل ~~من ولد آدم فيما نعلمه وهو سليمان صلوات الله عليه فقال: )يا أيها الناس ~~علمنا منطق الطير(. وأما هؤلاء الذين يدعون هذا فادعاؤهم باطل. # الرنة # وأما قوله:) ونهى عن الرنة(. # فإن أول ms019 من رن إبليس. ويقال: إنه رن ثلاث رنات: عند خروجه من ملكوت ~~السماء وحلول اللعنة به، ورنة عند بعث محمد صلى الله عليه وسلم، ورنة ثالثة ~~حين نزلت فاتحة الكتاب. # والرنين صرخة أصلها من السخطة؛ فلذلك عظم شأنها، فمن فعلها عند المصائب ~~كأنه إذا فعلها أبدى ما يدل على أنه سخط على الله، والسخط على الله من ~~النفاق. # النياحة # وأما قوله:) ونهى عن النياحة(. # فإن النوح من فعل النادمين على الذنوب، وهو (ستيون) بالأعجمية.وأما أهل ~~المصائب فهذا منهم محال؛ لأنه من السخطة. وأهل الذنوب ينوحون ندما على ما ~~فرط منهم من الجفاء وأسفا على ما فاتهم من المركز الذى أحلوا به؛ فإن لكل ~~مؤمن مركزا بين يدى الله، وهو حزب الله؛ فإذا أذنب، فقد زال عن المركز، ~~وخرج من الستر، فتفرد عن المأمن. فهو ينوح على ذلك. فهذا نوح التوبة فإن ~~النوح ظاهر فعله، والحنين باطن فعله، حن إلى المركز فناح عليه؛ لأنه وإن ~~تاب؛ فإنه لا يقدر على رد تلك الساعات التى مضت في وقت المعصية، وقد زال عن ~~المركز؛ ألا ترى إلى قوله عزوجل: (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا ~~فيه). # فمراكز الموحدين بين يدى الله نصب عينه، وعين الله عليهم؛ فإذا زال عن ~~المقام، وتداركه الله تعالى بأن تاب عليه، ناح على تلك الساعات التى مضت ~~ومركزه خال عن العبودية غائب عن حزب الله. # وكذلك شأن الملائكة.. ألا ترى إلى قول الله تعالى: (وما منا إلا له مقام ~~معلوم). فهذا المقام ليس مقاما لأجسامهم، إنما هى مقام أعمالهم. ~~PageV01P010 وكذلك مراكز الموحدين إنما هى مراكز أعمالهم بين يدى الله ~~تعالى. ثم لقلوبهم مقاوم. وقد تتفاوت المراكز بألف ألف درجة، وأكثر من ذلك ~~مما لا يحصيه العدو تفاوتا. وإنما قيل للملائكة مقاوم، وللموحدين مراكز؛ ~~لأن الموحدين هم أهل حرب يجاهدون الشيطان في ذات الله ويجاهدون نفوسهم، ~~فلهم في جهادهم ألوية وروايات قد ركزوها بين يدى الله في محل عظيم في ~~الملكوت، إليها ترفع أعمال العباد، ثم يبعث بها إلى ms020 الخزائن، ومنها ما لا ~~يبعث، ولكن يختالها وجه رب العالمين فيضعه عنده لنظرته إليها إلى يوم البعث ~~لحبه إياهم. ومقاوم أعمالهم معلومة من وراء ذلك، كل على درجته. # فهذا النائح إنما ينوح على فوت ما لا يقدر على رده، فإذا استعمل أهل ~~المصائب ذلك الفعل فهو محال وسمج، كأنهم يريدون رد الموت وحياة هذا الذى ~~دعاه الله لوقته فأجابه. # وأما البكاء فزينة وحلية، فإذا كان البكاء لله تعالى، تهبطها رحمة ورأفة، ~~قد عملت فيه، به الخوف بحرارة الرأفة وسالت إلى الرأس، فأسبل دمعة من غير ~~تكلف يرحم بها من نزل به الموت الفظيع شأنه، وخاب مقدمه على الله؛ فهو ينظر ~~بعين بصيرة إلى عظيم شأن الموت الذى حل به، وإلى هول المقدم، وإلى فراق ~~المحبوب؛ فتعمل فيه الرآفة فتدمع لذلك عينه، ويحزن به قلبه، فهذا محمود ~~وبذلك يزين أهل المصائب أن يعظموا ما عظم الله، وأن يحزنوا لما أحزنهم، وأن ~~يتوجعوا لفراقه. # وقد رويت الأخبار في شأن أحوال السلف الماضين في شأن المصيبة، فاختلفت ~~أحوالهم على تباين الطبيعة والنفوس العزيزة، فمنهم من بكا ورق، ومنهم من ~~تجلد فلبس وتهيأ وتزين وتبسم، ومنهم من استكان، ومنهم من أظهر السرور واتخذ ~~الطعام وجمع الإخوان. # فأعلاهم في هذا الباب من أقر الأمور مقرها، ووضعها بالمحل الذى وضعها ~~الله؛ فهذا فعل الأنبياء والأولياء، ولفضل النفس والمعرفة قروا على ذلك. # والآخرون خافوا من لخيانة النفوس ففزعوا إلى التسليم وتدافع الإخوان في ~~إظهار الرضا بحكم الله، والتشاغل عن المصيبة كى يستكملوا ثواب الصابرين. ~~فهؤلاء ضعفاء من الضعف عملوا وردوا الدمعة، وتناسوا، وخالطوا الناس، ~~وتشاغلوا، ولهوا عن المصيبة؛ خوفا من التقصير في شأن الصبر.. حتى وجد ~~الشيطان سبيلا في هذا أيضا، فدعاهم في زماننا هذا إلى خدعة عظيمة ليجتمعوا ~~على السرور، واتخاذ طعام كطعام الولائم، وانبساط وتفارح؛ يريدون بذلك إقامة ~~الصبر في الظاهر، فإذا ظاهرهم خلاف فعل الرسل والأنبياء. # وسمج هذا في رأى العين أن يكون لملك الموت ولرسل رب العالمين أثر في بيت، ~~وسلطان يزعزع الأرواح ms021 من النفوس، وتصير النفوس جيفة ملقاة تنتقل إلى بيت ~~البلى؛ ثم يكون هنالك شبه العزف، والقصف، واللغط، والضوضاء، والفرح، وقلة ~~المبالاة، يزعمون أن هذا يوم شكر؛ إذ أنه خرج من الدنيا، فتخلص من آفاتها، ~~وختم له بالإسلام. # فهذا كله تحسن بالقول، وتفارح بالجهد، والنفس ممتلئة من الوجد. وإقامة ~~الصبر في ظاهر الأمر يسير في جنب باطنه؛ فهو يظهر السرور وفي النفس من وجع ~~الفراق جزع وتلهف. فهذا خراب الباطن. وإنما الصبر الوافر أن تكون بقلبك ~~راضيا عن الله، ونفسك طيبة مع الله فيما حكم، قد حبب إليك حبه حكمه، وطابت ~~نفسك بالمصيبة. # فهذا الصبر الوافر؛ لأن لحبه حلاوة ولفراق هذا النفس التى حل بها الموت ~~مرارة. فالمرارة في النفس، والحلاوة في القلب. فكلما ثارت حرقة من موضع ~~الرأفة عملت في شأن الدمعة حتى يجرى الماء. فكلما ثارت مرارة من النفس من ~~أجل الفراق تلقته حلاوة محبة الله في الصبر فأبطلته؛ لأنهما اجتمعا في ~~الصدر، فتلاشت المرارة، وثبتت الحلاوة؛ لغلبه المحبة وسلطانهما. فإذا لم ~~يكن هذا فما يغنى هذا السرور الظاهر. # واتخاذ العرس أخاف أن يصير هذا تصنعا ورياء؛ لأنه يكفيه حفظ الجوارح أن ~~يعصى الله بجارحة من أجل تلك المصيبة؛ فهذا صبر الظاهر. # وإن فر من التقصير والاستكانة، فتبسم، ولبس من صالح ثيابه، كما فعل مطرف ~~في وفاة أبيه؛ فهذا أيضا حسن، وهو دون الأول. # فأما رجل حلت به مصيبة فاجعة محرقة، شأنها عظيم في الملكوت، فيذهب فيتخذ ~~عرسا، ويجتمع في بيته لغط وضوضاء، فهذا سمج، وقد جاوز القصد، وتكلف جهلا. ~~فأن أراد به الله فهو جهل عندنا، وإن أراد به التصنع فممقوت. PageV01P011 ~~وفعل الأقوياء أن يضع كل شيء موضعه: السرور في موضعه، الحزن في موضعه. ~~ويتقرب إلى الله بذلك الحزن، كما يتقرب بالسرور؛ لأن ذلك كله لله وبالله. ~~ولو أن رجلا شكر في موضع الصبر لكان لشكره موضع هناك، ولو قال عند الذنب: ~~(الحمد لله) لكان لقوله هناك موضع. ولكن الحمد في موضع النعمة، والاستغفار ~~في موضع الذنب، والشكر ms022 في موضع النعمة، والصبر في موضع الشدة، فإذا حولته ~~وجدت لكل منه متسعا في الأخر؛ ولكن هذا نفص في التدبير، ونكس للأمور. وروى ~~أن عمر بن الخطاب مر بعثمان رضى الله عنهما وهو قاعد، فبدأه عثمان بالسلام، ~~فقال عمر رضى الله عنه: يا أبا محمد، ولم تنكس السنة؟! ففي هذا القدر عتب ~~عليه عمر رضى الله عنه؛ السلام من المار على الجالس؛ لأنه هو الوالج عليه. ~~والسلام أمان من العباد، فإنما ينبغى الأمان من الوارد. فإذا أزلته عن ~~موضعه انتقض. فوجدنا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو سيد ولد آدم عليه ~~السلام، عند المصائب، إظهار تعظيم أمر وإجلاله، ويبكى ويحزن. ولما توفى ~~الله ابنه إبراهيم بكى، ثم قال:) إنما هذه رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم، ~~القلب يحزن، والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب يا إبراهيم. لولا أنه سبيل ~~مأتى، ووعد حق، لحزنا عليك أشد من هذا. ولو عاش إبراهيم بعدى لكان صديقا ~~نبيا(. ثم قال لأصحابه: )إنما نهيتكم عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت رنة عند ~~مصيبة، وصوت مزمار عند نعمة(. فهذه الرنة صرخة من موضع السخط خرجت، وهذا ~~المزمار ملاهى الشيطان، صوته جاء بها فمازج هذا المزمار، وجاء بها فصوت في ~~الأوثان، حتى سبى قلوب عبدة الأوثان. ولهذا غور بعيد، وقد وصفناه في كتاب " ~~الأولياء " . # وقالت عائشة رضى الله عنها في شأن وفاة سعد بن معاذ: كان رسول صلى الله ~~عليه وسلم إذا اشتد به الحزن أخذ بلحيته. # ووجدنا ذكر يعقوب صلى الله عليه وسلم في التنزيل أنه حزن على يوسف عليه ~~السلام، فلم يذمه الله تعالى على ذلك مع ما أدى الحزن من نفسه؛ وذلك أنه ~~قال عندما استحكمت أمور البلاء عليه، وحبس الولد الآخر بسبب ما ادعى عليه ~~من السرقة: (وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف). # ويا كلمة دعاء ونداء الأسف للهبان الحريق؛ وذلك أن الحزن أصله من الرأفة، ~~والرأفة لها حريق، ومعدنها في الطحال.. كذلك روى عن على بن أبى طالب رضى ~~الله ms023 عنه، حدثنا بذلك العباس بن عبد العظيم العنبرى، حدثنا موسى بن مسعود، ~~عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن الزهرى، عن عياض بن خليفة، عن على ~~رضى الله عنه، قال:)الرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال(. # حدثنا أبى، حدثنا إسماعيل بن صبيح اليشكرى، حدثنا صلاح بن وقاد الأنصارى، ~~عن سعد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن داود عليه السلام قال لابنه: يا ~~بنى، أين موضع الرأفة منك؟ وأين موضع الرحمة؟ قال:موضع الرأفة الطحال، وأما ~~موضع الرحمة فالكبد. # فهذه الرأفة إذا هاجت فلها لهبان، وإذا طار اللهب إلى الصدر اخترق ظاهر ~~القلب ووجهه، فصار كاللسان المخترق بالشيء الحار، فصارت على القلوب كحزونة ~~الأرض، واشتقاق الحزن من ذلك؛ فكان يعقوب عليه السلام حين قال: (يا أسفى) ~~دعا الأصل الذى من معدن الرأفة، فقال: (يا أسفى).. إنما هو ذلك اللهبان ~~الذى كان يلتهب من الرأفة لفراق يوسف عليه السلام لطول الغيبة، ولم يكن قد ~~وجد خبر موته فيحتسبه عند الله، فيطمئن إلى وصوله إلى الله. # وأنبياء الله أكثر الخلق رأفة، وأوفرهم حظا منها، وأرحم البرية؛ فكانت ~~الرأفة تلتهب فيه، فلما بلغ التلهب و التلظى مبالغة دعاة كالمستروح إليه ~~وقال: (يا أسفى على يوسف). والأسف مما يدل على الشدة من الحزن والغضب ~~جميعا؛ لأن الغضب له حريق.. ألا ترى إلى قوله تعالى: (فلما آسفونا انتقمنا ~~منهم)، يخبر أنه: لما اشتد غضبى عليهم تلهب فطار اللهب فحلت النقمة بفرعون ~~وقومه. PageV01P012 فإنما نادى يوسف عليه السلام ذلك الأسف عند اشتداد حريق ~~الرأفة .. ألا ترى أنه لما نادى الأسف نداء الندبة بهذه الياء - حكى الله ~~عند ندائه: (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم). وذلك أنه لما هاج اللهب منه ~~لم يقل منه: (يا يوسفاه)؛ لأنه وجد يوسف عليه السلام مرتهنا بحكم الله بشيء ~~قد سلف من يعقوب عليه السلام مستورا عن الخلق، ثم صار ظاهرا.. حدثنا عبد ~~الله بن أبى زياد، حدثنا عبد الله بن أبى سميط ابن عجلان، قال: سمعت أبى ~~يقول: بلغنا ms024 أن يعقوب عليه السلام قال له ربه: أتشكونى؟! فوعزتى لا أكشف ما ~~بك حتى تدعونى. فقال عند ذلك: (إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله)، فقال له ~~جبريل عليه السلام: الله أعلم بما تشكو يا يعقوب. وإنما قال ذلك من قبل لما ~~قيل له: ما الذى أذهب بصرك؟ قال: حزنى على يوسف، فقيل: فما الذى قوس ظهرك؟ ~~قال: حزنى على أخيه. فأوحى الله تعالى إليه: أتشكونى؟! فوعزتى لا أكشف ما ~~بك حتى تدعونى. فقال عند ذلك: (إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله)؛ فأوحى الله ~~إليه: وعزتى لو كانا ميتين لأحييتهما لك حتى تنظر إليهما، وإنما وجدت عليكم ~~أنكم ذبحتم شاة، فقام عليكم مسكين، فلم تطعموه منها شيئا، فأن أحب خلقى ~~الأنبياء، ثم المساكين، فاصنع طعاما وادع عملة المساكين. فصنع طعاما، ثم ~~قال: من كان صائما فليفطر الليلة عند آل يعقوب. وقوله:) عملة المساكين( أى ~~صوامهم وعبادهم. وكانت مساكين بنى إسرائيل بهذه الصفة لمسكنة العباد، ~~وسائرهم فقراء. # فهذا فعل كان قد بدر من يعقوب عليه السلام، وهو لا يستغربه؛ فجعله الله ~~لبلائه، وجعل البلاء سببا لاستخراج صبره، وامتحان قلبه. # وإن ربنا كريم إذا أراد أن يبتلى عبده لاستخراج ما في ضميره وإبرازه لأهل ~~سمائه وأرضه استحيا أن يبتليه من غير علة أو سبب؛ فيكون ذلك كالارتجاع في ~~العطية.. ألا ترى إلى قوله: (وما بكم من نعمة فمن الله)، ثم قال: (ذلك بأن ~~الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). وإذا أراد ~~الله أن يبتلى عبدا ليبرز صبره الجميل الذى تولى وصفه بنفسه منه من الله ~~تعالى أعطاه من العافية والرجاء والنعمة، فجعل على مقدمة البلاء سببا ~~كالعلة، مثل ما فعل يعقوب عليه السلام، وكذلك روى في قصة أيوب عليه السلام؛ ~~ليظهر صبره وشرفه على الخلق، وتكون الخلق به مقتدين، قال: وبلغنا أنه كان ~~على مقدمة البلاء أنه كان عند فرعون يوم دخل عليه موسى عليه السلام، وكان ~~أيوب عليه السلام عن نصرته، وكانت منه كلمة أو كلمتان ms025 كالمدارى، فكان هذا ~~موجده في الستر على أيوب، فجعله سببا لبلائه؛ فابتلاه وجعل البلاء سببا ~~لإبراز صبره، والثناء عليه، والاحتجاج بفعله على الخلق. # وكذلك في شأن إبراهيم عليه السلام؛ حيث كسر الأصنام، ثم قيل له: أأنت ~~فعلت هذا بآلهنتا يا إبراهيم؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا. فابتلى بالحريق، ثم ~~جعلها عليه بردا وسلاما، وأبرز صبره وبذل نفسه لله في العالمين. وقال في ~~شأن خروجه إلى الصيد: إنى سقيم. فابتلى بذبح ابنه، ثم خلصه وفداه بذبح ~~عظيم، وقال في شأن سارة حيث مر بها على الملك فقال: هى أختى. فابتلى بفراق ~~إسماعيل وهاجر. # وكذلك في شأن موسى عليه السلام، ومثل هذا كثير. فوجد يعقوب يوسف عليهما ~~السلام مر تهنا بما سلف متعلقا بحكم الله بحق الله، فلم يستجر أن يناديه ~~نداء النادبين، وهاج منه الشوق إليه والحنين من النفس لحبه إياه، ومعاذ ~~الله أن يتوهم على يعقوب عليه السلام أن حبه كان مذموما شهوانيا، وإنما ~~أحبه من بين ولده لحب الله فيه.. أفليس قد ظهرت الحبية فبرز على جميع ~~إخوته: علما، وحلما،وكرما،وصحفا، وبرا، وتقوى، وعبودية، وبذلا، وسخاء، ~~وجمالا في معالى الأخلاق. # وكذلك وجدنا فاطمة رضى الله عنها، فحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ~~لحبية الله فيها من بين ولده. # وكذلك نجد أولاد الأنبياء لهم تفاوت ولهم أثرة، فإذا تلك الأثرة ليست من ~~الآباء من قبل نفوسهم الميالة بالهوى والشهوة، وإنما ذلك بقلوب طاهرة، ~~وأفئدة زكية، وصدور عالمة بتلك الأشياء؛ فتميل قلوبهم إلى بعض أولادهم دون ~~بعض من أجل حظ لهذا الولد عند الله ما ليس لغيره.. PageV01P013 ألا ترى أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما ذكر أولاد خديجة رضى الله عنها، فقالت: ~~يا رسول الله، أين أطفالى منك؟ قال:: (في الجنة). فهل ذكر غير هذا شيئا؟ ~~وقال عليه السلام عند ذكر إبراهيم عليه السلام: (لو عاش إبراهيم بعدى لكان ~~صديقا نبيا)، يعلمك بأنه محظوظ عند الله تعالى حظ الصديقين، وحظ النبيين، ~~ولم يرزقه من الأجل في الدنيا ما ms026 يظهر عليه الصديقية والنبوة قلبا وجوارح. ~~وحظه هناك في الآخرة قائم حظ صديق نبى، ولو عاش لظهر عليه هذا. # فلما استحكم البلاء على يعقوب عليه السلام، وطال الأمر، وعملت الرأفة، ~~وغلبت مرافق الشوق، وتلهبت الرأفة؛ فلم يستجز أن يناديه وهو متعلق بحق الله ~~الذى قد وجب على يعقوب بسبب ذلك المسكين. وهو ينتظر ماذا يبرز له من الغيب ~~في هذا الحكم، ويحسن ظنه بالله ولا ييأس من روح الله؛ لأنه متوقع من كرم ~~الله؛ فنادى الأسف الذي عليه أسف. فلما ناداه صار ذلك اللهب إلى الرأس ~~كالمحبب له، فذهب ببصره، قال الله تعالى: (وابيضت عيناه من الحزن فهو ~~كظيم). فإنما كظم عن نداء يوسف، وكن عنه، فنادى أسفه؛ فحمد الله له وذكر ~~كظمه أنه واقف عند حكمى، معظم لأمرى، ومن تعظيمه ووقوفه عند حكمى لم يذكر ~~اسم من اشتاق إليه وحنت نفسه، فنادى الأسف. فلولا أن ذلك الأسف زينة ~~لبلائه، وحلية لمصابه، ما كان ليناديه، ولا ليذكر في التنزيل شأنه. # فهؤلاء الأنبياء والرسل عليهم السلام يضعون كل شيء موضعه كما وصف الله ~~تعالى، فيقدرون عليه بما قواهم الله تعالى من النبوة. # كذلك روى لنا سليمان عليه السلام:أنه حزن على ابنه حزنا شديدا حتى عزى ~~بأن يمثل ملك فجاءه متخاصما مع آخر، فقال: إن هذا مشى في زرعى واتخذ طريقا. ~~فقال له سليمان عليه السلام: ما حملك على ذلك؟ فقال: لأنه زرع في طريق ~~الناس وممرهم. ففطن سليمان عليه السلام بأنه أريد بذلك فتعزى. # وكذلك روى عن موسى عليه السلام؛ حيث بكى على هارون عليهما السلام، فقال ~~الله تعالى:يا موسى ما هذا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ما كان ينبغى لك أن تحن على ~~فقد شيء معى، ولا أن تستأنس بغيرى، ولا أن يكون بكاؤك على هارون إلا لى. # وفي هذا كلام كثير تركناه لئلا يطول.. # فالأقوياء هذا فعلهم، يعظمون أمر الله، فإذا أبكاهم بكوا، وإذا أحزنهم ~~حزنوا، وإذا خوفهم خافوا، وإذا أضحكهم ضحكوا، وإذا بشرهم فرحوا، وإذا بسطهم ~~انبسطوا. # والضعفاء من خوف خيانة النفوس، إذا ms027 أبكاهم دافعوا البكاء، وإذا أحزنهم ~~فزعوا وردوا ذلك إلى أمور السرور، وإذا خوفهم تحيروا، وإذا أضحكهم اتهموا ~~وحسبوها استدراجا ومكرا، وإذا بشرهم نسبوا ذلك إلى الوسوسة، وإذا بسطهم ~~انقبضوا وحسبوه خذلانا. فهذا كله لانسداد الطريق فيما بينهم وبين الله، ~~والحجب التى تحجب النفس مدلاة على عينى الفؤاد والصدور منهم لفوزان دخان ~~الشهوات، وأخلاق النفس مغيمة كغيوم الآفاق إذا أحاطت بالأرض فحجبت إشراق ~~الشمس. # لواحق النياحة # وأما قوله:) ونهى عن النياحة، والاستماع إلى النياحة؛ ونهى عن الجمع عند ~~صاحب الميت، وعن إطعام الناس آل الميت، وعن الإجابة إلى طعام الميت؛ ونهى ~~أن يقعد الرجل في بيته للمصيبة ثم يؤتى فيعزى(. # فهذا كله معدود في صفحة النوح؛ لأن صاحب المصيبة أصابه حكم الله في ذلك ~~الشيء، وخلص إلى النفس ما كرهت، واقتضاها إيمانه التسليم لله، والتعرى من ~~المنازعة مع الله في ذلك الشيء الذى استأثر به؛ فسلموا بقلوبهم، واسترجعوا ~~بألسنتهم؛ اعترافا بأن الملك لله، والمرجع إليه؛ فيرد إلينا ما أخذ منا ~~وأضعافه. # وأهل الكفر في عمى من ذلك، فكانت نفوسهم تنازع وتتبع الغائب، فإذا لم تجد ~~صاح ورن النوح التعديد بعد أحوال الغائب وما كان ألفا به، ويتوجع، ويتفجع؛ ~~فليس عنده نور المعرفة فيطفى به ثائرته. فذلك الصراخ من سخطه على ربه في ~~حكمه، وضيق صدره بما حل به من حكمه، يضيق عن التسليم لأنه ضاق عن النور من ~~أن يلج فيه؛ فيصرخ، ويرن، وينتف الشعر، ويشق جيبا، ويخمش وجها، ويعدو أحوال ~~الميت؛ توجعا وأسفا على ذلك. PageV01P014 كل ذلك تلظيا على حكم ربه، وسخطا ~~على مقدوره، واشتداد على تدبيره. وإنما أوتى ذلك لأنه متكبر جبار، ومن ~~الجبر والكبر الذى فيه تكبر على الله أن يقول لا إله إلا الله: (إذا قيل ~~لهم لا إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون). لما ~~حجبهم عن رحمته جهلوا الرحمن، ولما قال لهم: وحدوا،استكبروا واشمأزت ~~قلوبهم: (وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون). فعند المصائب والمكاره ~~ضيقت قلوبهم تلك الجبرية التى فيهم؛ فمن ms028 ضيق الصدر صرخوا، ونتفوا، وخمشوا، ~~وخدشوا، وشقوا الجيوب. ومنهم من يحرق نفسه، ومنهم من يجدع أنفا وأذنا. # فالنياحة هي تعديد الأحوال كالمراثى لتتوقد نار المصيبة، وحرقات الرأفة، ~~وتقوى الفجيعة. فذلك من السخط والتلهف على الفائت المفقود. وكانوا يحتشدون ~~لذلك، ويتخذون عليه الطعام، وتتبع نساؤهم الميت إلى المدفن بهذه الصفات، ~~ويقعدون محتشدين متعاونين على إقامة هذا الرسم أياما وشهورا جزعين ساخطين، ~~ويزورون القبور فيظهرون من الجزع أكثر مما في باطنهم بنفورهم عن كل نعمة ~~وموضع سرور، كهيئة المقهور المتكلم المتشكى ممن قهرة وظلمه. # فهذه كلها أحوال المشركين في مصائبهم.. # فلما ابتعث الله رسوله الله صلى الله عليه وسلم بدين الإسلام، أمرهم ~~بالصبر والنزول على حكمه، وأكرم الأمة ببعثه، وبشرهم، وبين لهم الثواب في ~~الأجل - وزجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النياحة، وعن كل ما أشبه ~~النياحة، وكل سبب من أسبابها؛ حتى نهى عن البكاء؛ فقال في شأن ميت مات ~~بحضرته: (إذا وجب فلا تبكين باكية). أراد بذلك حسم هذا الباب على المسلمين ~~لحداثة عهدهم بأمر الجاهلية، حتى بلغ من حسمه أن نهاهم عن زيارة القبور. # فكذلك كل أمر حرمه الله، وكان لذلك الأمر أسباب، حرم تلك الأسباب الداعية ~~إلى ذلك الأمر، منها تحريم الخمر؛ فلما حرمت الخمر زجر عن كل شراب في دباء، ~~أو حنتم، أو مزفت، أو مقير، أو نقير؛ مخافة أن يشتد الشراب وهم لا يعملون. ~~وإن كان في زق فاشتد انشق الزق. فلما هدأت النفس،ومرنت عن الانتهاء عما نهو ~~عنه، أطلق لهم فقال:)كنت نهيتكم عن النبيذ فاشربوا، ولا تشربوا مسكرا، وكنت ~~نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها معتبرا(، ثم قال: )ولا تقولوا ~~هجرا(. فبين عليه السلام علة النهى أنهم كانوا إذا زاروا القبور قالوا ~~هجرا، فصاروا إلى النياحة، فلما تمسكوا وعقلوا الإسلام أطلق لهم الزيارة. # وحسم عليهم أبواب النياحة حتى إذا اهتدوا وفقهوا أطلق لهم من ذلك ما لم ~~يكن به بأس. # فلما جاءه نعي جعفر رضى الله عنه، قال: )اصنعوا لآل جعفر طعاما؛ فقد ms029 ~~أتاهم أمر شغلهم(. حدثنا المخزومى عبد الجبار، حدثنا سفيان، عن أبى ~~إسرائيل، عن طلحة بن مصرف، سأل يحيى بن عبد الله: أتجتمع عندكم النساء عند ~~خروج الميت؟ قال: نعم، قال: فتلك النياحة فلا تفعلوا. # حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الفضل بن فضالة، عن ربيعة بن سيف المعافرى، ~~عن أبى عبد الرحمن الحبلى، عن عبد الله بن عمرو، قال: قبرنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ميتا، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~انصرفنا، فلما حاذى بابه وقف وتوسط الطريق، فإذا امرأة مقبله لا نظنه ~~عرفها، فلما دنت فإذا هي فاطمة رضي الله عنها فقال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم:)ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟(، فقالت: أتيت أهل هذا الميت فرحمت ~~إليهم ميتهم - أو عزيتهم - (لا يحفظ ربيعه أى ذلك قالت)، قال أبو عبد ~~الرحمن: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:)فلعلك بلغت منهم الكدى؟(، ~~قالت: معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر، قال: )لو بلغت معهم الكدى ما ~~رأيت الجنة حتى يراها جدك أبو أبيك(. قال قتيبة: الكدى المقابر. ~~PageV01P015 حدثنا المخزومى، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن حسن ~~ابن المعتمر:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة معها مخمرة، وهو ~~يريد أن يصلى على جنازة، فصاح صيحة، فقام لا يكبر، فما زال يصيح بها حتى ~~دخلت المدينة، فلما توارت بالبيوت، تقدم النبي عليه السلام وكبر عليها. ~~فهذا كله في بدء الأمر.. حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا جرير، عن عطاء بن ~~السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى الله عنه، قال: احتضرت بنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فضمها إليه، وجعلها بين يديه، فوضعها وقد قضت، فبكت أم ~~أيمن، فقيل لها: وما لي لا أبكي والنبي عليه السلام يبكي؛ فقال النبى عليه ~~السلام:)إنى لا أبكى، إنما هى رحمة(. # إن المؤمن بخير على كل حال، تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله. # فإنما نهى عن البكاء في بدء الأمر لحسم الباب، ms030 وطمس أفعال الجاهلية ~~وسنتها، ثم أطلق في إرسال الدموع، ثم قال:)ما كان من القلب أو العين فمن ~~الله، وما كان من اليد أو اللسان فمن الشيطان(. # حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبى، عن ابن ليلى، عن عطاء عن جابر، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما بكى عند موت إبراهيم عليه السلام قال رجل: يا ~~رسول الله، أليس قد نهيتنا عن البكاء؟! قال: )إنما نهيتكم عن صوتين أحمقين ~~فاجرين: صوت رنة عند مصيبة، وصوت مزمار عند نعمة(. # حدثنا المخزومى، حدثنا سفيان، عن الأعمش،عن شقيق قال: لما مات خالد بن ~~الوليد رضى الله عنه اجتمع نساء بنى المغيرة في بيته يبكين عليه، فقيل لعمر ~~رضى الله عنه: وما على نساء بنى المغيرة لو أهرقن على أبى سليمان سجلا أو ~~سجلين ما لم يكن نقع أو لقلقه. والنقع: شق الجيب، واللقلقة: الصوت. # وعمر رضى الله عنه يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:)أن الميت ليعذب ~~ببكاء أهله(؛ ليعلم أن البكاء المنهى عنه هو الصوت، والتعديد نوحا، وأما ~~الدموع فهو بكاء رحمة. # فقد دل ذلك على أن هذه الأشياء من الحزن والدمع خارج من هذه الأشياء؛ فإن ~~الرسول عليه السلام شدد في ذلك بدءا حتى عقل الناس وفقهوا في الدين، فوسع ~~الأمر عليهم في إسبال الدموع، وفي الاجتماع، واتخاذ الطعام؛ شفقة على أهل ~~الميت. # فكل ما كان لله فهو حسن؛ فإذا أصاب المسلم مصيبة قعد للتعزية هو وأهل ~~بيته، معظمين الموت، ولهذا الميت الذي خلا منه مصلاه، وآثار إسلامه وبركة ~~عبودته. وتحازنوا على ما دخل من النقص في عدد المسلمين؛ فإن فقد رجل من ~~المسلمين أعظم من فقد الدنيا بما فيها من الزينة والنعم. فقعد ليعزى، أو ~~لئلا يشتد على إخوانه عن المسلمين طلبه وتتبع الأبواب في لقائه، فقعد على ~~هذه النية؛ فهو مأجور. فإذا رق وبكى فهو مأجور؛ لأنه إن لم يرسل دمعته رجع ~~ذلك الحزن على نفسه وذلك مما يضر به فإذا فعل ذلك على هذا القصد فهو مأجور. ms031 ~~وهو فعل المسلمين: رحموا، ورقعوا، وحزنوا، وبكوا، وطعموا، واجتمعوا، وزاروا ~~القبور، وسلموا على الموتى، ودعوا، وعظموا أمر الميت وأمر الله، وسلموا ~~إليه أمرهم قلبا، واطمأنوا إلى فعله، طيبة بذلك نفوسهم. وأكرمت هذه الأمة ~~بفضل الإسترجاع، فأنه لم يعط أمة هذا. فهذا سبيل المهتدين الصابرين. # وأما من بكى رياء، وجمع الناس للمراءاة، والتزين، والفخر، والخيلاء، ~~واتخذ على ذلك طعاما، وباهى، وقعد للتعزية للتكبر والعلو؛ فهذا أمر ~~الجاهلية. # قال: وسمعت أبا يعلى يقول: سمعت الحسن بن الربيع يقول: أخذ ابن المبارك ~~من أيوب السختيانى أمرين من أمر الناس: مات يعلى بن عطاء ولم يترك ذكرا، ~~فقعد أيوب السختيانى على بابه؛ وكان أيوب إذا قدم من سفر أطعم.. فمات سهل ~~بن على ولم يترك ذكرا، فقعد ابن المبارك على بابه؛ وكان إذا قدم من سفر ~~أطعم. # المعازف واللهو # وأما قوله:) ونهى عن المزمار عند النعمة، ونهى عن الدف والكوبة، ونهى عن ~~الرقص ونهى عن كل ذى وتر، ونهى عن اللعب كله(. PageV01P016 فهذا كله من ~~الباطل، وليس في هذا شيء من الحق. وقد أمر الله تعالى رسوله الله صلى الله ~~عليه وسلم بمحقه؛ فليس شيء من هذا حق. حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا فرج ~~بن فضالة، عن على بن يزيد، عن القاسم، عن أبى أمامة، قال: رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم:)إن الله تعالى بعثنى رحمة للعالمين، وأمرنى بمحق المعازف، ~~والمزامير، والصليب، وأمر الجاهلية. وحلف ربى بعزته: لا يشرب عبد من عبيدى ~~جرعة من خمر متعمدا إلا سقيته من صديد أهل النار يوم القيامة، مغفورا له ~~معذبا، ولا يتركها من مخافتى إلا سقيته من حياض يوم القيامة، ولا يسقيها ~~صبيا صغيرا أو ضعيفا مسلما إلا سقيته من صديد أهل النار يوم القيامة مغفورا ~~له أو معذبا(. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فالفرح مقسوم على أولاد آدم كلهم، مركب في ~~أجسادهم؛ فذهبت طائفة منهم فاستعملته في عبادة الأوثان، وطائفة استعملوه في ~~دنياهم، وطائفة استعملوه في ذات الله. # فمن فرح بالأوثان فأجزانه دائمة في ms032 النار، ومن فرح بدنياه فخسرانه بين ~~يدى الله غدا مع الخسران، ومن فرح بالإسلام والطاعة شكر على ذلك وأثيب ~~عليه، ومن فرح بالله قرب وحيى وأكرم وشرف وبويء له منازل في عليين، قال ~~الله تعالى: (وفرحوا بالحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا ~~متاع)، ثم قال: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون). ~~ثم روى أنه قال للصديقين: أيها الصديقون، تنعموا بذكرى، وبى فافرحوا. # فالمشتغلون بنفوسهم فرحوا بما فضلهم الله به من الإسلام ومن عليهم؛ ~~والمشتغلون بالله انكشف لهم الغطاء، وفرحوا بالله، وتاهت قلوبهم في جلال ~~الله؛ ففرحوا بأديانهم، قال الله تعالى: (كل حزب بما لديهم فرحون). فخابوا ~~حين استعملوا هذا الفرح الذى أعطوا في دين تلقوه من الشيطان. # فلما جاء الله بالإسلام، وبعث محمدا رسوله الله صلى الله عليه وسلم، وهو ~~سبب الفرح والرحمة، أمره بمحق كل فرح فرح به أهل الباطل؛ فأمره بكسر ~~الأوثان والصلبان، وأمره بحق العازف والمزامير، وكل ذي وتر؛ لأن ذلك فرح ~~فيه حظ الشيطان؛ وجعل الفرح بيده، فهو يمزجها في هذه الأصوات؛ حتى يضربوا ~~بذلك حظ الشيطان؛ حتى لا يكون فرح إلا بالله وبالعبودية له. فمنهم من فرح ~~بالعبودة، ولم يكن له طريق إليه فيفرح به، ومنهم من فرح بالله. # فهذا سبب تحريم العازف، واللعب بكل ما يلهى عن الله. ويوضع كل هذا في ~~الميزان في كفة الباطل. # والمعازف كل ما تجد نفسك لصوته إذا حرك عزوفا، فالعزوف سلطان الشهوة، ~~وإنما صار كذلك لأن الشهوة التى فيك إنما هى من المحفوفة بباب النار ~~بالشهوات، فتلك خلقها الله ذات زينة وضياء وبهجة فتنة للعباد، وقسم للعدو ~~منها حظا، وجعل للآدميين حظا. فحظوظ الآدميين، في أجوافهم، وحظ العدو عنده؛ ~~فإذا مازج بحظه حظوظ الآدميين، اهتاجت شهوات الآدميين، وتلظت فتنتهم. وقد ~~روى حديث يحيى بن زكريا عليه السلام حين سأل إبليس: ما هذه الأكواز الصغار ~~التى علقتها على وسطك؟ قال: فيها شهوات بنى آدم، فأنا أذيقهم إياها واحدا ~~واحدا، حتى آخذهم بواحدة منها. ms033 # وأما الصوت الذى يخرج من الأوثان، فذلك أصله من اللطف، أعلى له إبليس حظا ~~من اللطف يومئذ فأعطى على الاستدراج، فهو بذلك يصوت في أجواف الأصنام، فسبى ~~بها قلوبا خلت من التوحيد. وإذا خرجت الأصوات من كل ذى وتر مازج ما أعطى من ~~اللطف بهذا الصوت حتى تفتن القلوب بذلك، وسبا نفوسهم الشهوانية. # وأهل التوحيد حشى توحيدهم بالفرح بالله، فلا يقدر العدو أن يسبى قلوبهم ~~ونفوسهم بما عنده من الفرح.. ألا ترى إلى قوله تعالى: (ولكن الله حبب إليهم ~~الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان). فإذا كانت ~~المحبة والزينة في قلب، فذاك قلب محشو من الفرح بمولاه، وهو لا يعلم لغلبة ~~الشهوات، وغلبة أفراح الدنيا، قد انكمش بما فيه من الفرح.. ألا ترى أنه إذا ~~وعظ وذكر بالله كيف تدمع عيناه، وكيف يقع في العويل. PageV01P017 قال: ~~وسمعت الجارود بن معاذ يقول لوكيع رحمه الله: أنت تصوم الدهر وتتعب، فمم ~~سمنك هذا؟! من سرورى بالإسلام. فليست هذه البدانة من تربية أغذية الدنيا؛ ~~فإذا فرح الإنسان بدن ولحم فكل فرح من فرح الدنيا فهو أملك بذلك البدن ~~واللحم. فإن كان فرحه بالله فالله أولى، وإن كان فرحه بأمر الله أولى به ~~وهو طاعته وعبودته، وأن كان فرحه بدنياه فدنياه أملك به وأولى،فإذا كانت ~~الدنيا ضاع المسكين، وتحولت أفراحه أحزانا ودهشا وحيرة وأسفا وندما. وإن ~~كان فرحه بمعبوده من الرجس والأوثان، فهو أولى به؛ فالنار معه، والشيطان ~~قرينه،. وكذلك ما حرم الله من هذه الأشربة سببها الأفراح التى تهتاج به ~~فيه، حتى تفسد عليه عقله. ومن أجل ذلك لا يكاد يجد منهمكا في هذا الشراب لا ~~يصبر عنه؛ لما وجد من لذة الفرح في عاجل الدنيا. # الكذب # وأما قوله:) ونهى عن الكذب(. # فإن القول بالكذب هو افتراء على الله؛ ولذلك قيل: الكذب مجانب ~~الإيمان؛لأنه إذا قال )كان كذا( ولم يكن ذلك الشيء؛ فقد زعم أن الله تعالى ~~قد كون ذلك الشيء؛ لأنه لا كائن إلا بمكون، فإذا قال )كان( ولم ms034 يكونه الله ~~صار كذبا على الله. وإذا قال لشيء وقد كان )إنه لم يكن( فقد نفى ما كونه ~~الله، فقال الله تعالى: (إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله). # ولو أبيح الكذب لم تستقر القلوب على شيء عند وجود الأخبار، فكان القائل ~~يقول والقلب لا يطمئن لقوله؛ لأنه لا يدرى أصدق أم كذب. فلما حرم الكذب بان ~~الصدق، واستقرت القلوب على أخبار القائلين. ومن ظهر كذبه افتضح، وانتهك ~~ستره، وهان، وذل، فوقع الحذر من الكذب، فاطمأنت القلوب لأخبار المخبرين. # الغيبة والاستماع إليها # وأما قوله:) ونهى عن الغيبة، وعن الاستماع إلى الغيبة(. # فالغيبة تناول لعرض المؤمن، وله ذمة وحرمة عظيمة بما فيه من التوحيد؛ ~~فصار حرام الدم، حرام المال، حرام العرض؛ لأن المال قوام الدين والعرض. # والموحد في ستر التوحيد، كل شيء من شأنه دينا وخلقه؛ فإذا ذكرته بشيء من ~~السوء، فإنما يخرج شيئا مستورا بستر الله تعالى، فقد هتك الله تعالى. # والمستمع له شريك؛ فلولا المستمع لم يصر قوله غيبة؛ لأنه نطق بها عنده، ~~وبين يديه يهتك ستره، وإنما يصير هتكا بالقول لأنه أظهر عنده. فاعتبر بملك ~~من ملوك الدنيا أسدل سترا على بابه، فعمد رجل إلى ذلك الستر فهتكه، ماذا ~~يحل للجرأة التى اجترأ؟ والمستمع غير السامع؛ لأنه قد يسمع وهو لا يرضى به، ~~فإذا استمع فقد شركه؛ لأنه أعمل سمعه في ذلك ورضى به. # النميمة والاستماع إليها # وأما قوله:)ونهى عن النميمة والاستماع إليها(. # فالنميمة أن ينم على أخيه المسلم إلى مسلم آخر ما يوحشه به عنده. فهذا ~~أفسد ما أصلح الله، وعمد إلى الوصلة التى وصلهم الله بها فحل عقدها، حتى ~~تولدت عداوة وبغضة بينهم. فهذا فعل يؤدى إلى فساد عظيم، ويفضى إلى الشرور ~~كلها. ولذلك قال عليه السلام: )لا يدخل الجنة قتات(. لأنه جندى الشيطان ~~وجاسوسه يحرش ويغرى حتى يفرق ما جمعه. # النظرة الثانية # وأما قوله:) ونهى عن النظرة الثانية(. # فمن أجل أن العين مفتوحة على خلقتها، وبصره واقع على الأشياء بلا قصد من ~~القلب، فذاك ms035 باستعمال العين، فتلك النظرة هى لك؛ لأن تلك عن غير إرادة ~~لحلال أو حرام، وإنما هى لمحات الخلقة لإحساس القلب بالأشياء. فإذا وصلت ~~اللمحة إلى القلب والنفس هجست الهواجس من النفس إلى القلب بإرادة، فخرجت ~~الإرادة إلى البصر، فرمى ببصره إلى ذلك الشيء مدركا له، فإن كان ذلك الشيء ~~محرما عليه وجب عليه أن يكف بصره عن الرمى حين هجس الهاجس من نفسه وتحركت ~~الإرادة، فإن لم يكف عن النظرة الثانية فهى عليه، وهو آثم بذلك، والنظرة ~~الأولى موضوعة عنه؛ لأنها عن غير إرادة لشيء معلوم. # اليمين الكاذبة # وأما قوله:) ونهى عن اليمين الكاذبة(. قال:)ومن حلف بيمين صبر كاذبة ~~ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان(. PageV01P018 وقد وصفنا ~~بدءا أن الكذب هو زعم أنه لم يكن وقد كونه الله تعالى، فهو قائل على الله ~~تعالى زورا. وإذا حلف على ذلك فهو يريد أن يؤكد ذلك النفى باسمه، فهذه جرأة ~~على الجرأة. والصبر هو أن يثبت على هذه الجرأة، ولا يهاب، ولا ينفر قلبه من ~~أن يؤكد شيئا لم يكونه الله، وهو يريد أن يثبته باسمه الأعظم، يريد به ~~اقتطاع شيء من حطام الدنيا مما قسم لأخيه وجعل له رزقا. فلذلك عظم الخطب ~~فيه، وحل الغضب به. وروى عن الله تعالى أنه قال: (يا موسى لا تحلف بى ~~كاذبا؛ فمن حلف على كاذبا ألقيت عليه ثقال الفيلوت. قال: )يارب: وما ~~الفيلوت؟ قال: السكر من غير شراب(. فمن سكر عن الله فماذا يبقى معه؟ وكيف ~~يكون حال مقدمه على الله وهو سكران عن الله فقد أسكره غضبه عليه؟ # السحر # وأما قوله:) ونهى عن السحر(. # فالسحر هو أمر قد خالطه الشرك، وذلك أن إبليس سأل ربه سلطانا فأعطى، فأخذ ~~على ذلك عهدا من ربه ليكون بذلك مسلطا على أشياء، فاتخذ مجلسا عند هاروت ~~وماروت، وهيأ جنوده هناك ليعلم السحر؛ فكل من أتاه من الآدميين، فإنما يقصد ~~في الظاهر هاروت وماروت، فإذا أتاه وأشرك أعطاه من ذلك العهد وقيض له عونا ms036 ~~شياطينه لا يفارقه، يكون معه حيثما ذهب ينفث ويعقد باسم المسحور، فجعل ~~السحر بذلك المقصود له في ذلك؛ وذلك قوله عزوجل: (ومن شر النفاثات في ~~العقد). # وإنما ينفث الساحر شيطانه الذى هو فيه، والشيطان خلق من نار، فإذا أشرك ~~وخرج منه التوحيد لزم الشيطان قلبه، فإذا نفث في العقد هيج جميع ما في جسد ~~هذا المسحور، وأخذ أعضاءه بتلك العقد. # وهذا ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة. وإنما هى داران: دنيا، وآخرة.. ~~مجتاز متزود منها بلغة إلى دار الله في داره؛ فقد نزع أمله، وشخص قلبه ~~إليها، فمنع مناه من هذه إلا ما هيأه الله من رزق، وهو مقتض عليه الشكر، ~~وأعطى في الآخرة مناه وشهواته. # كذلك هذا الساحر لما أشرك، أعطى من الدنيا ما اشتهت نفسه من طريق السحر، ~~على قدر ما أعطى إبليس من السلطان في إدراك الأشياء وتعجلها وتكونها له على ~~مناه؛ استدراجا ومكرا لينتقم منه ومن أتباعه من الشياطين والآدميين يوم ~~القيامة. # وهذا بلوى من الله لعباده؛ فوصف الله تعالى ذلك في تنزيله فقال: ( وما ~~كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا). وذلك أنه لما مات سليمان عليه السلام، ~~كفرت طائفة من بنى إسرائيل، فقالوا: ما أطاق سليمان هذا الملك إلا بالسحر ~~الذى وجدنا تحت كرسيه، وقد كان الشيطان كتب أبوابا من السحر في الوقت الذى ~~حل به ما حل، قال الله تعالى: (وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب)، وهو ذلك ~~الشيطان؛ فبرأه الله تعالى من ذلك القول الذى قالت اليهود في زمن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان)، أى ~~اتبعت اليهود ما كتبه الشياطين في ذلك الوقت من السحر فأكفروه، قال: (وما ~~كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ~~ببابل هاروت وماروت). والشياطين يعلمون الناس السحر، والملكان هاروت وماروت ~~يعلمان الأخذة، وهو ما يفرقان بين المرء وزوجه.ثم قال: (وما يعلمان من أحد ~~حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين ms037 المرء ~~وزوجه).ثم قال: ( ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الأخرة من خلاق).لأنه ~~اشترى الشرك؛ فلم يبق له في الآخرة نصيب. # فأعطى هذا شهوته ومناه من الدنيا، التى آثرها، واختارها،وتعجلها. وأعطى ~~الموحد الصابر على توحيده شهوته ومناه من الآخرة التى آثرها.. قال الله ~~عزوجل: (إنى جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون)؛ صبروا على التوحيد ~~ففازوا بالجنة. وخسئ الآخرون حين قال لهم (اخسئوا فيها ولا تكلمون). ثم ذكر ~~الموحدين فقال: (إنه كان فريق من عبادى يقولون ربنا آمنا)، وذكر الآية. ~~PageV01P019 وقد شرحنا صفة السحر وما يعلم الملكان في كتاب " الأولياء " ~~وبدء السحر من أين جاء؟ وكيف كان سببه؟ وروى عن مجاهد أو غيره: أنه كان بين ~~هاروت وماروت وبين الآدميين شيطان يعلم في سنة مسألة تعزيزا له وتعظيما ~~ليكون طريا على قلوب الغواة المفترين. # الطيرة # وأما قوله:) ونهى عن الطيرة(. # فالطيرة هى الفرار من أقدار الله وأقضيته، وهى لاحقة به حيثما فر. فالفار ~~ممقوت.. ألا ترى إلى قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ~~ألوف حذر الموت. فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم(. # قال: مقتهم بفرارهم، فقال لهم الله: موتوا، فماتوا بكلمة عن آخرهم، ثم ~~تفضل عليهم بأن أحياهم لآجالهم الباقية. # والطيرة: أن يسمع صوت طائر في أول النهارن أوف ي ابتداء عمل، أو استقبلك ~~رجل ناقص الخلق أو أعمى أو مشوه، فتتشاءم وتترك ذلك الوجه. فهذا قد ساء ظنه ~~بربه من غير أصل معقول، ثم يفر من قدرة؛ فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك. # فهذا المتطير قد ساء ظنه بربه، ففر من ذلك الأمر وتركه، فالضرر حال به؛ ~~لأنه فار من ربه مسىء الظن به؛ فأدركه بذلك الذي ظن وعاجله كي يعلم أن ربه ~~غير معجز، قال الله تعالى فيما يحكي: (قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا ~~لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم). قالت الرسل بل: (طائركم معكم)، أي أن ~~الذي طار من عند الله من أقداره وأقضيته هو معكم لازم لكم. قال ms038 الله تعالى: ~~(وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) وقال في قصة صالح: (قالوا: اطيرنا بك ~~وبمن معك، قال: طائركم عند الله، بل أنتم قوم تفتنون). # الكهانة # وأما قوله: )ونهى عن إتيان الكهان(. # فالكهنة تلاميذ الشياطين يترقون إلى الجو الأعلى، يسترقون السمع من ~~الملكوت، إذا حدثت الملائكة بشيء قد أذن الله فيه، وهو كائن في الأرض عن ~~قريب، فيفشون الخبر في السماء إلى وقت الظهور على الأرض. # فهؤلاء الكهان قد ألفوا الشياطين ووزروهم على دعوى علم الغيب، وقد خزن ~~الله تعالى غيبه من العباد، فقال تعاى: (ولله غيب السموات والأرض) ولا يعلم ~~الغيب إلا الله، وإذا أظهره في السموات على أفواه الملائكة، بارزته ~~الشياطين فاسترقت ، ومرت به إلى الأرض، فأدته إلى تلامذتها من الآدميين ~~ليخبر به ناسا، يريد بذلك إبطال ما تفرد الله به من علم الغيب وخزنه عن ~~الخلق إثباتا للوحي وتأكيدا لشأنه. # فالكاهن يرجم بالغيب عن في شيطان، فهو رسوله، ويزيد فيه من الكذب غير ~~قليل، يروج ذلك كله بالكلمة الواحدة المسترقة التي تظهر في وقتها في الأرض. ~~ومن أجل ذلك جعل الكواكب حرسا للسماء، وجعلها رجوما للشياطين، فقال: (إنا ~~زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب)، إلى قوله: (ثاقب)؛ فالخطفة هي ~~الإستراق، والشهاب رجم الكواكب بنوره حتى يحرقه إن أصابه. وقوله: (وأنا ~~لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا) قال ابن عباس: تحرس بلا حول ~~ولا قوة إلا بالله.. حدثنا صالح بن محمد، حدثنا سليمان بن عمرو، عن عبد ~~الملك بن عمير، عن ابن عباس رضي الله عنه. # ؟؟حضور اللعب أو الباطل # وأما قوله: )نهى عن حضور اللعب وحضور الباطل(. # فإن الله تعالى لم يخلقه عبثاس، ولا تركه سدى، وإنما خلقه ليعبده. فإذا ~~كان معطلا، فلا له ولا عليه، وهو غدا متحسر نادم متلهف على ما فاته. # فإذا عمل لله في أمر دنياه وآخرته، فهو له ولا عليه، وثوابه قائم دائم. # وإذا حضره غيره شركه في ذلك اللعب والباطل، لأنه إنما يلعب من أجل أن ~~يريه بذلك شيئا ولولا الخلقف ms039 ما رأى أحد. # ؟إجابة الفاسقين ومجالستهم ومحادثتهم # وأما قوله: )ونهى عن إجابة طعام الفاسقين، ومجالستهم ومحادثتهم(. # فالفاسق من ترك إسم الله عامدا لتركه. والفسق: الخروج، يقال في اللغة: ~~فسقت النواة من قشرتها. وكذلك قال في شأن إبليس: (كان من الجن ففسق عن أمر ~~ربه). PageV01P020 فالخروج على وجهين: فمنهم من فسق عن أمر به مردا أو ~~تكبرا أو جحودا، ومنهم من فسقعن أمره فتنى وتمردا على ربه. فهذا فاسق وليس ~~بكافر؛ فالأول مجترىء على الله، وهذا مجترىء بقوة التوحيد. فالرجاء العظيم ~~الذي في حشو توحيده، والمحبة، والأثرة التي احتسشت النفس بها من ربه، ~~فتجرأت. # والمجيب لدعوة الفاسق عون له على ما هو فيه من الشر والفتنة والمعصية؛ ~~وفي مجالستهم توقير لهم، وفي محادثتهم أنس بهم؛ فهذا كله عون، وقال الله ~~تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان). # ؟مخالطة الدعي # وأما قوله: )ونهى عن مجالسة الدعى، ومؤاكلته، ومشاربته، ومحادثته،وهو ~~الذي يدعى إلى غير أبيه، والمنتمى إلى غير مواليه، ملعون على لسان نبيه ~~عليه السلام(. # وذلك أنه كفور، والكفور ممقوت؛ فهذا الدعي سلاسلة أبيه وفلذة كبده، وعطف ~~قلبه؛ ولده، ورباه، وتبناه، وحاطه حياطة الآباء، فذهب وتبرأ من أبيه، وادعى ~~أنه لغيره، فهذا قد كفر النعمة وانتسب إلى الفجور؛ فهذا مستوجب اللعنة. # وكذلك عبد أعتق، وولى نعمته أعتقه، فذهب ووالى غيره؛ فهو كفور لنعمة ~~الله. # وأما الدعى، وهو ولد الزنا، فذاك جسد ركب في بطنه أمه على حرام، فاختلط ~~الماءان، وامتشجا على معصية الله. فهو وإن لم يكن له ذنب فيما عمل أبواه، ~~فأصل الخلقة مبنية على أمر عظيم لم يجز فيه طهارة ولا عفة. # ولذلك قيل لود الزنا شر الثلاثة، ولا يؤمن في الصلاة ولد زنية. # ومن العلماء من قال: لا يجوز في عتق الرقبة ولد الزنا. فإنما شددوا في ~~هذا لأنهم نظروا إلى أصل البنية، وهو بمنزلة بذر نبت في أرض غصب، فالبذر ~~وإن كان لصاحبه ملكا، فإنما كان الزرع في أرض لا ملك له فيها، فصار ذلك ~~الزرع حراما.. فكذلك هذا الولد ms040 بذر - قد بذره في محترث لا ملك له فيها، فما ~~زرع من ذلك البذر فخلقه الله تعالى كان ذلك الخلق حراما، والحرام مرفوض. # الغناء # وأما قوله: )نهى عن الغناء، وعن الإستماع إلى الغناء(. # فالغناء مهيج للنفوس الأمارة بالسوء، الداعية إلى ركون الدنيا وشهواتها، ~~الملهية عن ذكر الله، وعن ذكر ما أعد. فهذه الفنوس أسود رابضة في عرينها، ~~فإذا هيجت الأسود، فعارضها في ذلك الوقت معارض، كان حتفه فيه. ولذلك روى عن ~~فضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: الغنا رقية الزنا. # حدثنا الجارود، حدثنا الفضل بن موسى، عن داود بن عبد الرحمن المكي، عن ~~خالد بن عبد الرحمن، قال: كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك فسمع غناء من ~~الليل، فأرسل إليهم بكرة فجىء بهم، فقال: إن الفرس ليصهل فتسودق له الرمكة، ~~وغن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة، وإن التيس ليثب فتستحرم له العنز، وإن ~~الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة..اخصوهم. قال عمر بن عبد العزيز: هذا مثلة ~~لا تحل.. فخلى سبيلهم. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فالغناء هو صوت فيه كلام ذو معان، فالصوت ~~مهيج للقلوب خاصة، وما في الصوت من الكلام خاصة مهيج للنفوس، وما في الكلام ~~من المعاني مهيج للهوى. # وإن كانت هذه المعاني مما تدل على الله، تنعم القلب، وأقبل إلى الله، ~~وانقادت النفس تابعة له، ومال الهوى إليها ومعها. # وإن كانت هذه المعاني مما تدل على هنات النفس، وشأن الدنيا وبالها ~~وأحوالها، تنعمت النفس ولذت، وانقاد القلب أسيرا في يدها، ووجد الهوى ~~والعدو سبيلا إلى صرعته. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )تغنوا ~~بالقرآن( وقال: )ليس منا من لم يتغن بالقرآن(. وقد ذهب بعض العلماء في ~~تأويل هذا الحديث إلى " الغنى " فقال: يستغنى به عما سواه.. PageV01P021 ~~وليس هذا معناه، ولكن تأويله من حسن الهبوب به والترديد والترجيع.. ألا ترى ~~انه قال في الحديث: )ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن( قال ~~أبو عبد الله رحمه الله: فالترنم هو التلون بالألوان، ms041 ومنه قيل للعندليب ~~إذا صوت إنه ليترنم. وإنما قيل غناء لأنه إذا صوت به فإذا ارخى في حلقه ~~صوته عن به، أي دخل خيشومه، فغض من صوته ثم أرسله فجهر به حتى يكون ذا ~~ألوان؛ فهو مأخوذ من الغنة لأنه اغتن بالحروف والصوت ثم أبرزه ليتلون. ~~وكذلك خلق ابن آدم، إنما يعظم الأمر عنده بالتلون ليتجدد، لأن كل لون يرد ~~فهو جديد طرى. وإذا كان لون واحد عتق عند النفس وخلق فيبرمه. فتلون الأشياء ~~من أجل النفس؛ لأنها ملولة سريعة الملل؛ لأنها ضعيفة خفيفة شهوانية طياشة، ~~لا تكاد تصاير الأشياء سعة وغناء، كفعل القلب؛ فإن القلب ذو وقار وسكينة ~~وغناء وطمأنينة، وإنما تلونت الأشياء من أجل أن يتهنى بها. # حدثنا سليمان بن أبي هلال الذهبي، حدثنا عبد الجبار بن الورد المكي أخو ~~وهيب، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن السائب، عن أبي لبابة، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: )ليس منا من لم يتغن بالقرآن(. يا أبا محمد، ~~أريت من كان منا ليس بحسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع. فالغناء، والشعر، ~~والحداء، والرجز، جرت الأخبار باجتناب ذلك والزجر عنه، فنظرنا كيف هذه ~~الأخبارن فوجدنا هذه الأشياء إنما هي أصوات فيها كلام ومعان؛ فما كان من ~~ذلك لله بالقرآ، وبالكلام المرضي، فهو محمود. # وماكان للنفس والدنيا فهو مذموم. فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالشعر حيث هجا حسان بن ثابت المشركين، وكذلك كعب بن مالك، وابن رواحة، ~~وقال: )لكأنما تنضحونهم بالنبل(. # حدثنا علي بن حجر، حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة رضي ~~الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع منبرا لحسان بن ~~ثابت في المسجد ينشد عليه الشعر ويقول: )إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما ~~نافح عن الله وعن رسوله(. وحدثنا علي حدثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن ~~هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشةن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. # ثم روى ms042 عنه في حديث آخر: )لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء ~~شعرا( فهذا شعر وتشبيب ومهاجاة المسلمين. وقد بين الله تعالى في كتابه ~~حالهم واستثنى منهم المحمود، فقال: (والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم ~~في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون مالا يفعلون)، ثم استثنى منهم فبرأهم من ~~الذم فقال: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا ~~من بعد ما ظلموا). فاستثنى منهم من تكلم بالشعر، وذكر الله كثيرا، وأراد ~~بذلك الإنتصار لله، ولرسوله، ولدين الله، وللمؤمنين. فذلك عمل صالح، وعدة ~~من عدد الحرب، وقوام الدين. # حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عبد الرحمن ابن زياد بن ~~أنعم، عن عبد الرحمن بن نافع، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: )الشعر بمنزلة الكلام: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح ~~الكلام(. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فمن ابتغى به وجه اله، والدار الآخرة، صار ~~في الميزان مع الحسنات. وما ابتغى به فرح الدنيا، وسرورها، وبهجتها، صار ~~هباء منثورا. # وكذلك الحداء والرجز ما ابتغى به وجه الله، والدار الآخرة، والمعونة على ~~الدين، فهو في ميزان العمل. وما ابتغى به أفراح الناس، فهذا مذموم.ز ألا ~~ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: )يا ابن الأكوع، ~~هات لنا من هناتك(، - يعني الرجز - يريد التخفيف على المشاة حوله.. # وقال ابن رواحة يوم دخل مكة بين يدي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم: # خلوا بنى الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الحق في رسوله # يارب إنى مؤمن بقبيله ... أعرف الحق فى قبوله # ضربا يزيل الهام ع، مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله PageV01P022 فقال ~~عمر رضي الله عنه: يا ابن رواحة، في حرم الله وبين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مه يا عمر " لأنه رأى ~~كلامه عدة وقوة للمؤمنين، ونكاية للعدو. # فإذا تغنى بالقرآن، فهو ترجيع؛ لأن في القرآن بشرى ولطائف، ms043 فإذا تغنى به، ~~طرب القلب، فمر بالنفس، فمال بها إلى ناحيته. والنفس تسرع في الإجابة في ~~الطرب والبهجة ما لا تسرع في الوعيد. وإنما بشروا ليطربوا لا ليذلوا ~~وينكسروا، فكفى بالوعيد كاسرا للنفس وقامعا لها. وفي الوعد طعم وذوق، وفي ~~الطرب تورد وزهرة وتنزع. وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة أبي موسى ~~رضي الله عنه، فقال: )لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود(، فقال أبو ~~موسى: يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا. # وكان داود عليه السلام إذا قرأ الزبور لون في صوته سبعين لونا، فيقرؤه ~~بألحان يطرب بها المحموم، ويقف الطير عن طيرانه، ولم تبق دابة في بر ولا ~~بحر إلا استمعت لقراءته. # تعليم الأطفال الغناء وثمن المغنية وأجرتها # وأما قوله: )ونهى عن تعليم الصبيان الغناء، وعن تعليم الفتيات، وعن ثمن ~~المغنية، وعن أجر المغنية(. # فهذا من أجل ما قلنا بدءا إن هذا لهو ولعب.. ألا ترى إلى قوله تعالى: ~~(ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل ع، سبيل الله). # فإذا كان الغناء لهوا يضل عن سبيل الله، فتعليم الصبيان فساد لهم، وكذلك ~~المغنية. وإنما تعلم ليرتفع ثمنها عند أهل الريب والفساد؛ لأنهم يبغون بها ~~نصيب النفس. # حدثنا على بن حجر السعدي، حدثنا المشمعل بن ملحان من ولد عدى بن حاتم ~~الطائى، عن مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زهر، عن زهر، عن علي بن يزيد، عن ~~القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )لا يحل ~~تعليم المغنيات، ولا بيعهن، وأمانهن حرام. وفي مثله نزلت: (ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله). حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا فرج ~~بن فضالة، عن ابن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نحو هذا. # حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا قيس بن جعفر الدارمي، حدثني عبيد الله بن ~~رؤيةب بن العجاج، عن أبيه، عن جده، قال: قال لي أبو هريرة ms044 رضي الله عنه: يا ~~عجاج شبب بالعراض والدمث، وإياك وأعراض المسلمين(. # بيع العلم وثمنه # وأما قوله: )ونهى عن بيع العلم وثمنه(. # فالعلم هو دين الله ابتعث به أنبياءه؛ فلا يباع بعرض الدنيا. وقد أخذ ~~الله على أهل الكتاب ميثاقهم أن يبينوه ولا يكتمونه، فباعوه؛ فذمهم الله ~~قال: (فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا) يعني الدنيا (فبس ما ~~يشترون). # وقال في التوراة: )علم مجانا كما علمت مجانا(. # وقال لنبيه عليه السلام: (قل ما أسألكم عليه من أجر، وما أنا من ~~المتكلفين). # ولم يطلق لأحد أن يبلغ عن الله ما ائتمنه عليه من علمه ووحيه يعرض ~~الدنيا. وكذلك العلماء نعدهم خلفاء الرسل، وهم مبلغون عن الله، فليس لأحد ~~منهم أن يأخذ عليه نوالا من حطام الدنيا. فقد كان العلماء يتوقون في حالة ~~البيع والشراء أن يحابوا أو يزادوا لمكانهم من العلم؛ حتى روى لنا عن الحسن ~~البصري رحمه الله أنه قيل له: هذا لك بكذا. فقال: إنما جئت أشتري بدرهمي لا ~~بديني. فهذا إذا قبل المحاباة طمعا فيه من أجل دينه، فأما إذا عرف له حقه ~~من غير طمع، فلا بأس به. ولم يزل أهل الدين يعرف لهم، ويؤثرون على غيرهم من ~~الناس. وكان عليه السلام يؤثر، ويفضل، ويعرف له على نبوته ومكانه من الله ~~تعالى. # الشعر المهجور # وأما قوله: )ونهى عن الشعر، وعن مجالسة الشاعر(. PageV01P023 فقد وصفنا ~~شأنه بدءا أن هذا هو الشعر المهجور. فإن كان وقع النهي عن ثمنه على الصحيفة ~~فالمعنى على ما وصفنا من أنه كلام مهجور. وأما إذا كان كلاما محمودا، ~~فالبيع وثمنه غير داخل في ذلك النهى.. ألا ترى أنه ما نهى عبد الله بن ~~رواحةن وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وهم شعراء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يذبون عنه ويهجون الكفار ويعيرونهم وينكون فيهم، كما وصفهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وقال: )لكأنما تنضحونهم بالنبل(. # وإنما معناه في النهي عندنا عن مجالسة الشعراء عمن كان بهذه الصفة التي ~~ذكر الله تعالى: ms045 (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ~~وأنهم يقولون مالا يفعلون) فبين أنهم في أودية الضلالة يهيمون طعنا وتعييرا ~~ومثالب للأموات ورميا بالفرى لفروج المحصينات. فمن جالسه فهو تابعه، وهو ~~فار. ثم استنثى المحمود منهم، فقال: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا). وما كان من الشعر بعد ذلك ~~حكمة وموعظة، فهو خارج عن هذا المنهى، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: )إن من الشعر لحكمة( فقد نجد كثيرا من الحكم قد نقلتها ~~الأئمة بالقوافي في الأحاديث(. # لبس الذهب للرجال # وأما قوله: )ونهى عن لبس الذهب للرجال(. # فالذهب أغلى شيء في الدنيا. والجبابرة الفراعنة إنما قصدت من الدنيا ~~لاستعمال أغلى شيء منها.. ألا ترى إلى قول فرعون: (فلولا ألقى عليه أسورة ~~من ذهب)، يعرف قدر موسى من طريق الذهب؛ فحلية الذهب هو زى الجبابرة. # قال: وروى في الخبر: أن الله تعالى قال: قل لبني إسرائيل: لا تلبسوا لباس ~~أعدائي، ولا تركبوا مراكب أعدائي؛ فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي. # فهؤلاء الجبابرة عمدوا إلى أعالي النعم، وغلى أعزه عند الخلق؛ فتناولوه ~~من الدنيا، يريدون بذلك الخيلاء والفخر على عباد الله تكبرا وتعظما وتيها، ~~وهو الذهب والحرير وركوب النمور؛ لأن النمر عزيز أخذه لا يكاد يتمكن منه. # فأما الذهب والحرير، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، ورقى ~~المنبر، فقال: )هذان محرمان على ذكور أمتي، حل لإناثهم(. فسبب ذلك التحريم ~~وعلته أن الذهب والحرير للرجال خيلاء وتجبر وتعظم؛ فحرم ذلك عليهم من أجل ~~هذا الضرر العظيم، وأحل للإناث لأنها زينة لهن وعون على العفة للأزواج. فهن ~~إن افتخرن وتعظمن واختلن، فهن إناث ليس منهن فراعنة ولا جبابرة. # لبس القسى # وأما قوله: " ونهى عن لبس القسى " . # فهو قريب مما وصفنا، القسى ثياب حمر كالأرجوانن قال: وروى عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: طالحمرة زينة الشيطان " قال: وروى في الخبر في ~~قوله عز وجل: (فخرج على قوم ms046 فى زينته) قال: في ثياب حمر - يعني به قارون - ~~. # حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا أبو ثميلة يحيى بن واضح، حدثنا عبيد الله ~~بن سليمان، عن الضحاك، قال: سمعت نزالا عن عبد الله أنه كره القسى، ويرويه ~~عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ؟؟؟؟؟؟لبس الحرير # وأما قوله: )ونهى عن لبس الحرير والقز، وعن لبس الديباج، وعن لبس الخز، ~~وعن الركوب على جلود النمور(. # فجنس منه الصوف، وجنس منه الحرير، وجنس منه الجلود المدبوغة، وجنس منه ~~السداب. فإنما صارت كلها مضمومة في نهى واحد من أجل أنها زي الفراعنة ~~والجبابرة. ولو كانت من أجل أجناسها لرد كل شيء إلى جنسه، ثم أطلق لهم الخز ~~من أجل أنه شيء دونها، وقد يكون منه الخسيس الذي يوازى القطن والكتان وأصله ~~صوف، فهو وإن كان لينا فإنه كساء، وليس في الأكسية خيرية، فهل سمعت الله ~~ذكر في الجنة خزا كما ذكر الحرير والسندس والإستبراق. فهذا كله إبريسم. ~~فأما الخز فهو شعر ليست من لباس الجبابرة والفراعنة، بل يأنفون من ذلك، ~~وإنما هو للقواد والدهاقين والبطاريق.. ألاترى أنه أبيح للرجال التحلي ~~بالفضة مثل الخواتيم ونحوه، ثم نهى عن الشرب في آنية الفضة وسوى بالذهب؛ ~~لأن هذا تشبه بأهل الكفر. PageV01P024 فإنما زجر عن هذه الأشياء كي لا ~~يتشبهوا بأهل الكفر بالله، وليضاهوا أولياء الله فيما وعدهم في الآجل، فمن ~~فعل ذلك قيل له يوم القيامة حين يعرض على ربه: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون). # ؟تفليج الأسنان والتنمص والخصاء # وأما قوله: )ونهى عن تفليج الأسنان، وعن التنمص، وعن الخصاء). # فهذا كله مثلة، والمثلة أن تفعل فعلا تتشبه بالخالق وتتمثل؛ لأن من شأنه ~~أن يفعل ما لم يكن فيخلق. # فتفليج الأسنان أن يعالجه بالحديد، حتى يميز بين الأسنان، فيجعل بينهن ~~خللا. فقد بدلت خلق الله، وتمثلت بهف ي أن تغير خلقه، وترتاد أن تكون على ~~ما تريد. # والتنمص، وهو نتف الشعر من الجبين، ففيه مؤونة عظيمة في نتفه، ولو كان ms047 ~~حلقا لكان ايسر، ولكنه نتف، وألم وجيع، وتعذيب للنفس. # وكذلك الخصاء، ذكره الله تعالى، فانت تريد أن تجعله في خلق الإناث، وهو ~~قوله: (لا تبديل لخلق الله) قال:هوالإخصاء. # الوشم # وأما قوله: )ونهى عن الوشم " . # فهو وخز بالإبر حتى يصير كتابة على اليد أو صورة شيء ممن يهوى، ثم ينضحه ~~بالنبل، ويذر عليه ليبقى أثره هناك كالخلقة. # فهذا كله من فعل أهل الجاهلية أشرا وبطرا؛ اتباعا للهوى وللشيطان، وقد ~~وعد الله في تنزيله فقال: (إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم ~~أجمعين) بسلطان عليهم جار في الغواة وهم تبعه، واستثنى الله عباده منهم ~~فقال: (إن عبادى ليس لك عليهم سلطان). فلا تجد مؤمنا يتبع الشيطان، إنماهو ~~تابع لهواه. # فهذه الأشياء التي زجر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي من تمرد ~~أهل الكفر وبطرهم. # وأما ما كان من مثل حلق الرأس في النسك، أو للأذى، أو للحر في الصيف يريد ~~أن يخفف عن نفسه مؤونة الشعر، ومثل الختان، والحجامة؛ فهذا من أجل منفعة ~~الدين أوالدنيا؛ فهو غير داخل في ذلك. # قال: وسئلت عائشة رضي الله عنها: عن حف المرأة لزوجها جبينها؟ ونتف الشعر ~~حتى تحفيها، فقالت: لا بأس به، إنما هي شيء تزين المرأة به نفسها لزوجها. # قال: وسئلت من التداوي من الكلفب الوجه؟ فقالت: كانت إحدانا تطلى وجهها ~~بالورس ونحوه للكلف. # خروج المرأة من بيت زوجها بدون إذنه # وأما قوله: )ونهى أن تخرج المرأة من بيت زوجها إلا بإذنه. فإن خرجت بغير ~~إذنه لعنتها ملائكة السماء وملائكة الرحمة وملائكة العذاب حتى ترجع(. # فإن المرأة خلقت مسكنا للرجال، وكذا أخبر في تنزيله: (وجعل منها زوجها ~~ليسكن إليها). وقالك (خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها). # فأصل تزويجها للعفة والسكون؛ فإن النفس تضطرب للشهوة الهائجة فتهبط في ~~الهلكة والدنس؛ فجعلت هذه ليسكن عن الإضطراب ويعف عن الدنس. فإذا عقد ~~النكاح، وضمن المهر؛ فالمرأة في وثاقه، ومهرها لازم عليه، ونفقتها جارية ~~على الزوج، ومن حق الزوج عليها أن تكون مستعدة لحاجته ms048 إليها. وهي لا تدري ~~متى يكون وقت الحاجة، ومتى تهيج الشهوة فعرضت له الحاجة إليها، فإذا فقدها ~~عند الحاجة خيف عليه أن يجد الشيطان سبيلا إلى إهلاكه، فيقع في الزنا. فهذه ~~عاصية قد استوجبت اللعنة في الملكوت. وربما خرجت فعرضت نفسها للرجال، وفي ~~الزوج غيرة، فهو يقاسي تلك الغيرة والمرأة في الخيانة له أن ترى شخصها ~~غيره، فيلتذ بمحاسنها فوق الثياب، وهي في وثاقه وملكه، ونفقتها جارية عليه، ~~وقد بذل مهرها وألزم نفسه ذلك. # فإذا خرجت بإذن الزوج، فقد سقطت هذه المؤن عنها، وليس عليها من قبل الزوج ~~تبعة في وقت الفقد عند الحاجة. # وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه خرج يوما فرجع من الطريق ~~كالمستعجل، فرؤى ذلك في وجهه، في البيت نساء فخرجن، فأتى أهله، ثم خرج ~~ورأسه يقطر، فقال: )إنه ألقى في نفسي شهوة النساء، فقمت لذلك، ورجعت إليكم، ~~كان ذلك فافعلوا هكذا من أماثل أعمالكم(. وقال في حديث آخر: )إذا رأى أحدكم ~~امرأة، فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته، فليواقعها، فإن ذلك يرد ما في ~~قلبه(. # ولذلك كان يغزو وبرفقته إحدى نسائه مخافة الحاجة. # تطيب المرأة للمسجد # وأما قوله: )نهى ان تتطيب المرأة للمسجد(. PageV01P025 فإن فعلت لم تقبل ~~صلاتها حتى تغتسل اغتسال الجنابة. فهذا الطيب داع إلى الفتنة، وكان النساء ~~يخرجن إلى المسجد في ذلك الزمان لصلاة المكتوبة، فنهين عن الطيب؛ لئلا يوجد ~~ريحها فتكون فتنى، وأمرت بالإغتسال عن فعلت ذلك كالإغتسال من الجنابة ~~بالأشنان والسدر كي يذهب عبق العطر. # تزين المرأة لغير زوجها # وأما قوله: )ونهى أن تتزين المرأة لغير زوجها(. # فإنف علت كان على الله ان يحرقها بالنار؛ فالتزين لغير الزوج تبرج وتطلع ~~وتشرف للرجال، وقال الله تعالى: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية). وقال: (ولا ~~يضربن بأرجلهن ما يخفين من زنتهن)، وهو صوت الخلخال، فإذا فعلت ذلك وتزينت ~~لغير زوجها فهذا فساد عظيم في قلبها، وخيانة للزوج. # وإن لم تكن ذات زوج فالفتنة فيها باعثة إلى ما هو أعظم من ذلك، كما قال ms049 ~~ذلك الرجل: " طلقها " قال: لا اصبر عنها إن فعلت ذلك فتراني احبهان قال: ~~فأمسكها إن شئت فاستمتع بها " حدثنا بذلك عبد الجبار بن العلاء، حدثنا ~~سفيان، عن هارون بن زياد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بذلك. حدثنا عبد الكريم، عن علي بن عبد الله، حدثنا جعفر بن ~~حبان، عن معاوية بن قرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. # كلام المرأة # وأما قوله: (ونهى أن تتكلم المرأة مع غير زوجها أو ذي رحم غير محرم إلا ~~خمس كلمات فيما لا بد منه(. # فهذا سببه ما تقدم، لأن الكلام نغمة، وفي النغمة فتنة وشهوة، فإذا كلمت ~~غير زوجها فقد أذاقته بعض شهوتها، فقد خانت زوجها.. الا ترى أنه استنثى ~~المحرم لأنها لا تحل له، وقرب رحمها منه يحول دون أن يجد طعما للذاتها. ثم ~~أطلق لها في كلمات محظورات ذات عدد لا بد لها منها للضرورة. # قال أبوعبد الله رحمه الله: وكان عندنا رجل أعمى، افتتن بجارة له، حتى ~~ابتلى بلاء عظيما وخرب منزله، فسألت عن سبب ذلك، فقيل: كان بينهما كوة، ~~فكانت تجىء تلك المرأة فتحدث إمرأة الأعمى ويستمع الأعمى إلى حديثها، ~~فافتتن بها لحلاوة نغمتها وعذوبة ألفاظها.. فيما ذكر لي. # والنغمة شأنها عظيم، ومن ها هنا قال: )من نابه شيء في صلاته، فلتسبح ~~الرجال، ولتصفق النساء(؛ لحال النغمة، فإن فيه افتتانا للمصلين إذا سمعوا ~~نغمة المرأة بالتسبيح. والمراة جند من جنود إبليس عظيم؛ ولذلك قال إبليس ~~حيث خلقت المرأة: فأنت نصف جندي، وأنت موضع سري، وأنت سهمي المسموم الذي ~~أرمي بلك فلا أخطىء. وإنما صارت مسمومة لأنها خلقت من الضلع الذي يجاور ~~موضع الشهوة، من آدم عليه السلام. فهي من قرنها إلى قدمها شهوة حتى شعرها ~~وظفرها؛ فلذلك أمرت أن تستر كل شيء منها إلا ما ظهر مما لا يمتنع وهو: ~~الوجه والكفان؛ فبالوجه تنظر، وبالرجل تمشي، وباليد تتناول. # ألا ترى كيف حجب الله نساء النبي من المؤمين وقال ms050 (وإذا سألتموهن متاعا ~~فاسألوهن من وراء حجاب) ثم قال: (ذلكم اأطهر لقلوبكم وقلوبهن). فرحم الله ~~العباد، فمنعهم النظر إليهن كيلا يقعوا في خيانة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، ولا يقعن في خيانة الرسول عليه السلام. فما ظنك بمن خان محمد صلى ~~الله عليه وسلم في أهله ماذا يحل به من الله؟ حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا ~~سعيد بن أبي مريم المصري، حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا خالد بن يزيد، عن ~~عثمان بن سعيد، قال: لقى يحيى ابن زكريا عيسى عليهما السلام، فقال يحيى ~~لعيسى عليهما السلام: يا روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، حدثني.. قال ~~عيسى عليه السلام: بل أنت فحدثني؛ أنت خير مني؛ أنت روح الله وكلمته تقعد ~~مع الروح؛ فحدثني ما يبعد من غضب الله. قال له عيسى عليه السلام: لا تغضب. ~~قال: يا روح الله، ما يبدي الغضب ويثبته؟ قال: التعزز، والحمية، والفخر، ~~والعظمة. قال: يا روح الله، هؤلاء شداد كلهن؛ فكيف لي بهن؟ قال: سكن الروح، ~~واكظم الغيظ. ثم قال له: وإياك واللهو؛ فيسخط الله عليك، وإياك والزنا؛ ~~فإنه من غضب الرب. قال: يا روح الله، ما يبدي الزنا وثبته ويقيده؟ قال: ~~النظر، والشهوة، واتباعها.. لاتكونن حديد النظر إلى ما ليس لك؛ فإنه لن ~~يزنى فرجك ما حفظت عينيك، ولن تستطيع ذلك إلا بالله. # امتناع المرأة عن زوجها PageV01P026 وأما قوله: )ونهى أن تمنع المرأة ~~نفسها عن زوجها ولو كانت على قتب، إذا كانت طاهرة(. # فهذا قد تقدم وصفه؛ لأن الزوج قد ضمن المهر، والنفقة، وعقدالعقد؛ لتكون ~~مستعدة له في وقت الحاجة؛ ليعف عما حرم الله تعالى. # فأوقات الحاجة هي لاحقة بالمفروضات الواجبات.. ألا ترى أنه أطلق الله ~~تعالى له أربعا؛ لأنها صارت مشغولة عنه بالحيض. # وقوله: )ولو كانت على قتب( فهو قتب البعير. وذلك أنهم في الجاهلية كانوا ~~أهل بادية، وقلت القوابل عندهم، فكن يقعدن على قتب الأرض عند الطلق حتى ~~تلد. فلم يعذرها في ذلك الوقت الذي تطلق للولادة أن تمنع نفسها حتى تبذل، ms051 ~~وهي في ذلك الوقت عند الولادة في وقت الحيض، فإن رأت الدم فهي طاهرة؛ لأن ~~ذلك ليس بدم حيض، وإذا كان الولادة في وقت الحيض فهي معذورة، من أجل الحيض؛ ~~ولذلك شرط في الحديث فقال: )إذا كانت طاهرة( لأنها ربما ولدت في أيام ~~حيضها. # بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه # وأما قوله: )ونهى عن بيع النخل حتى تزهو وتجيء بحمار أو بصفار، وعن بيع ~~العنب حتى يسود، وعن الحب حتى يشتد وعن الثمرة حتى تطعم في أكمامها(. # فهذا كله مثال واحدالعباد أكل الأموال بالباطل. فربما باع النخل، وقد بدا ~~ثمرته؛ لأن الله تعالى قد حظر على ا، ولم تصربحال ينتفع بها؛ لأنها كحب ~~الرمان المتراكم؛ فذاك ما لا نفع فيه فإذا أصابته آفة، وهو بتلك الحال، فقد ~~صار الآخذ لثمنه آكلا بالباطل. # فإذا احمار واصفار، فقد صار بحال ينتفع به، فقد أعطى ثمنا في شيء ينتفع ~~به إن كان الله تعالى يرزقه السلامة حتى يدرك، وإلا فقد أخذ شيئا ينتفع به. # وكذلك العنب إذا كان عوزقا لا ثمن له، وكذلك الحب الذي لم ينعقد ولم يبلغ ~~الفرك، وعن الثمرة حتى تطعم في أكامها. # فك ثمرة صار لها ثمن في ذلك، ومن قبل ذلك فيه ما لم ينعقد ليس له ثمن، ~~فإذا أصابته آفة في ذلك الوقت لم يكن ما أخذ من ثمنه إلا بالباطل؛ لأنه لم ~~يعط عنه عوضا. # وكذا بكيله من الثمر والمحاقلة أن تقول: أبيعك هذا الزرع بحقله ثم يحصد ~~بعد بكذا درهم. فهذا غرر فقد أخذ ماله على شيء لا يدري يكون أم لا. # بيع السنين # وأما قوله: )ونهى عن بيع السنين(. # وهو أن يقول: أبيعك ثمرة هذا النخل لكذا وكذا من السنين بكذا درهم. # فهذا غرر؛ فقد أخذ ماله على شيء لا يدري أن يكون أم لا. # المزابنة والمحاقلة # وأما قوله: )ونهى عن المزابنة والمحاقلة(. # وهو أن يقول: أبيعك ثمرة هذا النخل بكذا قفيز من تمر. فهذا ربا؛ لأنه لا ~~يدري لعل التمر الذي على رؤوس ms052 النخل زائد على الذي يكيل له؛ لأن التمر ~~بالتمر، والبر بالبر، سواء بسواء، والفضل ربا، وكذلك العنب بالزبيب. # بيع القردة والخنازير # وأما قوله: )ونهى عن بيع القردة، وعن جلود القردة والخنازير؛ لأن القرد ~~والخنزير سبع وقد نهى عن كل ذي ناب من السباع(. # وكذلك الذئب والنمر وكل ذي ناب فهو سبع، لا يجوز بيعه، ولا ثمن له؛ لأنه ~~حرام لا ينتفع به، ومباح قتلهن، وما أبيح لك قتلهن فلا يملك، وما لا يملك ~~لم يجز بيعه، ولا ملك لأحد عليهن. # ولو قتل رجل ذئبا في يد آخر أو أسدا أو قردا أوخنزيرا، لم يكن عليه شيء.ز ~~ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدر شأن الكلاب، وأمر بقتلهنن ~~ولم يجعل للكلاب ثمنا، غلا كلب الصيد وكلب الماضية. فلما ظهر النفع من جنس ~~منهن، وقع الملك، وحل بيعهن، وغرم قاتلهن. # حدثنا ابن مسلم، حدثنا على بن سعيد المسروقى، حدثنا عباد ابن عوام، عن ~~محمد بن أبي إسحاق، عن عمران بن أبي أنيس: أن رجلا كان له كلب صيد، قد أعطى ~~به عشرين بعيرا، فتزوج بامرأة وأمهرها ذلك الكلب، فقتله؛ فرفع ذلك إلى ~~عثمان رضي الله عنه، فغرمه عشرين بعيرا. # بيع الصنم # وأما قوله: )ونهى عن بيع الصنم(. # فكذلك أيضا؛ لأنه لا ثمن له، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )أمرني ~~ربي بكسر الأوثان، ومحق المعارف(. فكيف يجوز بيع شيء أمر الله تعالى رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بمحقه وإبطاله. # وكذلك بيع المزامير والمعارف، وهو باطل، ولا ثمن له، ومن كسره لم يغرم ~~شيئا. حدثنا صالح بن محمدن حدثنا قيس بن الربيع عن أبي إسحاق، عن شريح أنه ~~أتى برجل كسر طنبور الآخر، فلم يضمنه شريح. # الشطرنج والنرد والجوز PageV01P027 وأما قوله: )ونهى عن بيع الشطرنج، وعن ~~اللعب به؛ ونهى عن النرد، واللعب به، وعن مخالة اللاعب بالنرد. ونهى عن ~~القمار كله، وعن اللعب بالجوز للصبيان. # فهذا كله من القمار، وهو الميسر.. قال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ms053 ~~الصلاة، وعن ذكر الله؛ فهو قمار. فإنما نهى عن ذلك كله؛ لأنه ملهى، يدعو ~~إلى القمار، ويلهى. # فأما بيع الشطرنج والنرد فهو شيء لا ثمن له؛ لأنه لا نفع، ولو كسر وأحرق ~~لم يضمن الكاسر شيئا. وقد رخص ابن عمر للصبيان في اللعب بالجوز في أيام ~~العيد فيما روى عنه؛ لأن ذلك منهم غير طلب القمار. والذي جاء من النبي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تأديبا لهم. واللعب كله باطل، وما خلق الخلق ~~للعب. # الخمر # واما قوله: )ونهى عن شرب الخمر، وعن بيع الخمر، وعن أن يعصر الخمر، وعن ~~أن يشترى الخمر، وعن حمولة الخمر،ونهى أن يسقى الخمر؛ فإن الله تعالى لعن ~~الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وبائعها،وآكل ثمنها، وحاملها، ~~والمحمولة إليه(. # وقال صلى الله عليه وسلم: )من شربها فهو كعابد الوثن، ولا يقبل له صلاة ~~أربعين يوما؛ فإن مات وفي بطنه شيء منها كان حقا على الله تعالى أن من طينة ~~الخبال(. قيل: وما طينة الخبال؟ قال: )صديد أهل النار وما يخرج من فروج ~~الزناة( فيجتمع ذلك في قدور جهنم فيصير حميما فيشربه أهل النار ويصهر به ما ~~في بطونهم والجلود. # وأما قوله: )ونهى عن شرب الخمر( فكل شراب خامر العقل أو خالطه حتى شده عن ~~أن يشرق على قلبه فهو خمر. وكذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث قام ~~على المنبر خطيبا في شأن الخمر. # فالخمر نزل تحريما أيضا كالربا، فلما كان الربا أبواب، فكذلك الخمر ~~أجناس. فالخمر ما خامر العقل وغشاه؛ فكل شيء مغطى فهو مخمر. فالعصير إنما ~~يغلى ويصير رجسا بما يناله من يد العدو، وذلك أن العدو خلق من مارج من نار، ~~فإذا أدخل يده فيه فخاضه أزبد وغلى؛ فرجاسته في يده.. ألا ترى أنه قال في ~~تنزيله: (رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) فعمله هو إدخال يده فيه حتى يغلى من ~~حرارة يده المعلونة؛ فرجاسته منها. # فحرمه الله؛ لأنه لما دخل طار إلى رأسه، إلى معدن العقل، فأفسده، وسد ~~الطريق إلى ms054 القلب. وذلك أن العقل في الدماغ، وشعاعه وعمله في القلب، ~~وتدبيره في الصدر. فإذا صار سدا، بقى العقل في الدماغ منكمنا، فاستد ~~الطريق. ولذلك قيل: سكر، أي سد. وفي ذلك قيل: سكر النهر، أي سده. وسكر غيره ~~وساكر بنفسه. ومن ذلك قوله تعالى حكاية: (سكرت أبصارنا) أي سدت. فكل شراب ~~إلى، فإنما هو من وضع يد الشيطان فيه، فهو داخل مع نصيبه إلى المعدة، وآخذ ~~للذهن، وحابس للعقل، ويبقى الإيمان منفردا في القلب. فالحمد لله على تحريمه ~~على عباده. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فهذا سبب من الله في الظاهر لما هو في ~~الباطن، وذلك أن الحلاوة خرجت من الفرح في الأصل، فإذا شربه فرح، والله لا ~~يحب الفرحين بغيره، فطبع الآدمي علىالفرح بوجود كل شيء حلو، وقد وضع في ~~العنب عامة الفرح. # وروى عن وهب: أن آدم عليه السلام لما دخلها أول ما أكل منها العنب، ~~فامتلأ فرحا حتى ثمل، فعندها أكل من الشجرة، ووجد العدو سبيلا إلى خدعه. ~~فعامة الخلق هلكوا في أفراح الدنيا.. ألا ترى كيف ذمة الله تعالى: (وفرحوا ~~بالحياة الدنيا).. وقال: (ولا تفرحوا بما آتاكم).. وقال: (لا تفرح إن الله ~~لا يحب الفرحين). # وقال: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون). # فالأفراح كلها مذمومة، إلا فرحين: فرح بالله، وهو فرح الصديقين؛ وفرح ~~بفضل الله ورحمته وهو الإسلام والقرآن. # والفرح يقسى القلب، فإذا صار فيه الشراب دب فيه الفرح، فلذلك يشتد على ~~هؤلاء الشربة مفارقته والنزوع عنه؛ لأنهم قد وجدوا لذة الفرح. فهم يحتملون ~~مرارته، وأذاه، وغائلته، وصوره العاجل؛ ويخاطرون بما أمامهم من الهول ~~العظيم، والعذاب الأليم، والوعيد الذاهل لأهله. فإذا طبخ بالنار لم يبق ~~للشيطان نصيب، ولم يكن له سلطان في صدره، حتى يجىء بتلك النار، وهي نار ذات ~~زينة وبهجة وشهوة، فيأخذ منها العدو، وفتنتها في الصدر في وقت سلطانه، ~~وإنما يكون سلطانه مع نصيبه من الشراب، فلم يقدر على فتنته إذا ذهب نصيبه. ~~PageV01P028 وأما قوله: )ونهى أن يعصر الخمر( ms055 فهو أن يعصر العنب على نية ~~الخمر، فهو حرام عليه، وأما شرب العصيرن فلا بأس به مالم يغل. وإنما نهى عن ~~أن يعصر الخمر، أى للخمر. وكذلك بيعه وشراؤه وثمنه وحمولته. # وقوله: )يسقى الصبيان(، يعني في الدواء، وأن الله لم يجعل الشفاء فيما ~~حرم عليكم. # وقوله: )عاصرها ومعتصرها(، إذا عصرها للخمر. والعاصر هو الفاعل له، ~~والمعتصر هو الذي يعصر له. وشاربها، وساقيها، وحاملها؛ فهؤلاء شركاء في هذه ~~الحرمة. # وقال: )شاربها كعابد الوثن( لا عقل لهما، قد أحاط فرح العباد لهما بقلبه، ~~وشارب الحمر قد صار في هذا الوقت مسلوب العقل ممتلئا فرحا من ذلك الشراب، ~~فاشتبها في صفة الحال، لا في الملة؛ لأن هذا مسلم، وذاك كافر. ولكنه شبهه ~~به لسلب العقل وفرحه به، فكان المشركون يفرحون بآلهتهم.. ألا ترى إلى قوله ~~(كأنهم إلى نصب يوفضون)، والوفض السرعة في النهوض كالرمل. وروى عن الحسن ~~رحمه الله أنه قال: يبتدرون آلهتهم أيهم يستلمها قبل. # الربا # وأما قوله: )نهى عن أكل الربا، وعن الشهادة على الربا، وعن كتابة الربا، ~~وعن إطعام الربا، ولعن آكل الربا، ومواكله، وكاتبه، وشاهده(. # فهؤلاء كلهم قد تعاونوا على هذا الإثم والعدوان، وكل قد أخذ بحظه من ~~الحرام، وكذلك الخمر. # نكاح التحليل # وأما قوله: )ونهى عن المطلقة أن تتزوج زوجا آخر يحلها للأول، ونهى الذي ~~تزوجها ليحلها للزوج الأول، ونهى زوجها الأول إذا علم ذلك؛ فإن الله تعالى ~~لعن الذي يفعل ذلك في المستحل والمستحل له(. # فهذا التحليل مخادعة؛ لأن الله تعالى أدب المؤمنين، وأمرهم بالطلاق ~~للعدة، وهو أن يطلقها طاهرا في طهر لم يجامعها فيه، فلما طلق ثلاثا جميعا ~~كان ذلك معصية ووزرا. فإن طلقها واحدة للسنة، ثم واحدة عذر في الثنتين، ولم ~~يعذر في الثالثة، فقيل له: لا تحل لك بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيرك؛ كي ~~تتأدب وتحذر، فلا تطلق ثلاثا. فإذا ذهب يعمل على التحليل، فقد طمس وجه ~~الأدب، وكان فيه ضرر يعم؛ فزجر رسول الله صلى الله عليهوسلم باللعن؛ لأنه ~~نكاح دلسة وخدعة ms056 وغرور لا رغبة فيه. # بيع وسلف # وأما قوله: )ونهى عن بيع وسلف(. # فهو أن يقول: أشتري منك بكذا على أن تقرضني كذا. # شرطان في بيع # وأما قوله: )ونهى عن شرطين في بيع(. # فيقول: أخذت هذا منك بالنقد بكذا، وبالنسيئة بكذا، فافترقا على قولين لم ~~يجب واحدا منهما، ولا يؤدي أحدهما ما لزمه. # بيع ما ليس عنده # وأما قوله: )ونهى عن بيع ما ليس عنده(. # فمن أجل أنه عقد البيع على شيء لم يملكه، لا يدري أيملكه أم لا، فلم ~~يملك. وقد تأول بعض العلماء أن المواعدة داخلة في النهي، وهو أن يواعده ~~فيقول: اشتر كذا حتى أشتري منك. # ربح ما لم يضمن # وأما قوله: )ونهى عن ربح ما لم يضمن(. # فهو الذي يشتري الشيء، ثم يبيعه قبل القبض، وقبل أن يدخل في ضمانه. وهذا ~~باب يدخل فيه أشياء كثيرة من الإجارات، والزراعات، والمضاربات. فكل شيء لم ~~يدخل في ضمانه، فربح من ذلك الوجه، فهو منهي عنه؛ لأنه لا يملكه بعد. # الجلالة # وأما قوله: )ونهى عن الجلالة، وركوبها، وألبانها من البقر، والغنم، ~~والإبل وقال: تحبس الإبل أربعين يوما، والبقر كذلك، والغنم سبعة أيام(. وفي ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم: )تحبس الدجاجة ثلاثة أيام(. # والجلالة التي تأكل الجلة، وهي العذرة، فهذا ليس بمحرم، ولكنه يعاف ~~ويتنزه منه، وإنما تحبس للتنظيف. وإنما كره ألبانها؛ لأن العذرة صارت علفا ~~لها وغذاء، ومنها يدر لبنها. وإنما كره ركوبها لعرقها ولعابها. # والعذرة شيء قد خالطه يلبس في جوف الإنسان فرجاسته بالعدو وقد نالته. ~~والعذرة رجس، ومن اعتلفها صارت رجسا .. ألا ترى أن الله تعالى سمى الخمر ~~رجسا؛ في تنزيله، فقال: (أو لحم خنزير فإنه رجس) من بين السباع؛ لأنه خلق ~~في سفينة نوح عليه السلام لأكل العذرة، فصارت العذرة غذاء له، فأصابته ~~رجاسة الشيطان. # ضرب الوجه # وأما قوله: )ونهى أن يضرب الرجل خده او خد غيره(. # فإن الله تعالى أكرم هذا الآدمي بصورته، فصارت لها حرمة، فنهى عن ضرب ~~الوجوه والتقبيح. PageV01P029 حدثنا الجارود بن معاذ، ms057 حدثنا جرير، عن ~~الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: )إن الله خلق آدم على صورة الرحمن؛ فلا ~~تقبحوا الوجوه(. ونهى عن ضرب وجوه البهائم؛ لأن الوجه أكرم الأشياء على ~~الخلق. # ضرب الوجه # وأما قوله: )ونهى أن يضرب الرجل خده أو خد غيره(. # فإن الله تعالى أكرم هذا الآدمي بصورته، فصارت لها حرمة، فنهى عن ضرب ~~الوجوه والتقبيح، حدثنا الجارود بن معاذ، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن حبيب ~~بن أبي ثابت، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: )إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، فلا تقبحوا الوجوه( ونهى عن ~~ضرب وجوه البهائم؛ لأن الوجه أكرم الأشياء على الخلق. # مصافحة الذمى # وأما قوله: )ونهى عن مصافحة الذمى). # لأنه كافر، والصفاح للمسلم، لأنه أخوه في دينه وصفيه؛ للمصافاة يصافحه، ~~وللإيمان يؤمنه بالسلام عليه؛ فلا يستحق الذمى هذا. # عظام الفيل # وأما قوله: )ونهى أن ينتفع بعظام الفيل(. # فالفيل غير مطلق أكل لحمه، وعظامه فيه دسومة فخليق أن يكون من أجل ذلك. ~~وقد جاء الرخصة من الآثار. # البول في الإناء الذي ينتفع به # وأما قوله: )ونهى أن يبال في الإناء الذي ينتفع به(. # فهذا تنزه، وليس بحرام؛ لأن الإناء الذي بال فيه تشرب البول فيه؛ فهو ~~خليق أن لا يشرب فيه ولا يؤكل. # مجامعة المرأة مستقبلا القبلة # وأما قوله: )ونهى أن يجامع الرجل امرأته مستقبل القبلة(. # فهذا لتعظيم البيت، ومن أجل ذلك نهى عن البول مستقبل القبلة. # مجامعة المرأة بعد الخروج من الخلاء دون أن يتوضأ # وأما قوله: )ونهى أن يجامع الرجل امرأته وقد خرج من الخلاء حتى يتوضأ(. # فهذا تأديب، وخليق أن يكون الشيطان معه حين خرج من الخلاء، فإذا توضأ ~~تباعد منه.. ألا ترى أنه يؤمر إذا دخل الخلاء أن يقول: )أعوذ بك من الخبث ~~والخبائث(. # النوم جنبا بلا وضوء # وأما قوله: )ونهى أن يبيت الرجل وهو ms058 جنب حتى يتوضأ(. # فهذا تأديب.. وقد جاء رخصة في ذلك.. حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقى، ~~حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يجنب ثم ينام ولا يمس ماء. # قول: مسيجد ومصيحف # وأما قوله: )نهى أن يقول الرجل: مسيجد ومصيحف( فهذا من أجل أنه صغرها ~~بالتسمية، ولا يحتملان التصغير، وفيه جفاء عظيم وهو من شره النفس وبطرها. # تلقي الجلب وبيع حاضر لباد # وأما قوله: )ونهى أن يستقبل الرجل الرفاق معهم البيوع حتى يقدموا السوق(. # فهذا في بدء الأمر، لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهي ~~خالية من المرافق والمعاش؛ فأحب أن تكون عامرة لأنها دار الهجرة؛ حتى تطمئن ~~نفوس من يهاجر؛ فنهاهم عن استقبال الأعراب وتلقي الركبان؛ كي يدخلوا السوق، ~~فهناك يكون بيعهم؛ كي يعم الجميع نفع الجلب الذي جاءوا به، وترخص الأسعار. # )ونهى أن يبيع حاضر لباد(؛ حتى يقدم البادي وهو لا يعلم سعر البلد فيسهل ~~في بيعه؛ فنهى الحاضر أن يبيع له على الاستقصاء كي يرزق الناس بعضهم من ~~بعض. # وهذا في بدء الأمر، حتى عمرت الأسواق، وكثر الجلب واتسع الناس، واستقرت ~~دار الهجرة وألفة الناس. # وكان ينهى عن قطع أشجارها، وعن الإصطياد فيها، كل ذلك توخيا لنزهتها ~~وسعتها؛ كي يرغب الناس في توطينها، فلما توسعوا سقط هذا النهي عامته. # وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )لا بيع حاضر لباد، ودعوا ~~الناس يرزق الله بعضهم من بعض(. # بيع الماء # وأما قوله: )ونهى عن بيع الماء(. # لأن الماء حياة الخلق، والمسلمون شركاء فيه للشقة والحيوان. فأما الأرض ~~فكل يملك من الماء ما في يده يسوقه إلى أرضه، فإذا باع بالمكيال أو ~~بالمقدار جاز، وإن باع في النهر فهو بيع فاسد لا يدري ما يعقد عليه البيع. # فهذا من هذه الجهة فاسد. # وخلة أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث الناس على بذل فضل الماء ~~كي يتسامحوا، ولا ينسوا الفضل ms059 بينهم؛ فقد ندب الله العباد إلى ذلك، فقال: ~~(ولا تنسوا الفضل بينكم) فقال صلى الله عليه وسلم: )من منع فضل ماء ليمنع ~~به كلأ منعه الله فضله يوم القيامة(. PageV01P030 منع الكلأ # وأما قوله: )ونهى عن منع الكلأ(. # فهذا مثله؛ لأن المسلمين فيه شركاء لمرعى دوابهم؛ لأنه لم ينبته، ولم ~~يعمل فيه عملا، إنما أنبته الله مرعى للبهائم ثم خلقه، فإذا نبت في أرض ~~مملوكة، فمن سبقه إليه فاحتشه فهو له، وكذلك روى عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: )المسلموهن شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار( وهذا شيء عام ~~لا يستغنى عنه ولا يسوغ منعه. # غش اللبن # وأما قوله: )ونهى أن يشاب لبن لبيع(. # فهذا إذا صب الماء فيه حتى يزداد في الكيل، فهو غش وخيانة، وإنما باع ~~الماء بسعر اللبن!! # تعاطي السيف مسلولا # وأما قوله: )ونهى أن يتعاطى السيف مسلولا( وقال: )ليغمده ثم يناوله(. # فهذا لتعظيم الدماء، ولعله إن أعطاه مسلولا أن يزل فيقتل لآخر، فيكون ~~المعطي معينا له، وليغمده حتى يكون هو الذي يسله، فيكون وباله عليهن ولا ~~يشركه المعطي. # سل السيف في المسجد # وأما قوله: )ونهى أن يسل السيف في المسجد(. # وذلك أن المسجد يبنى للذكر، والسيف منه الموت إلا أن يعصم الله.. ألا ترى ~~إلى قوله: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون9 فإنما رأوا السيوف في الحرب فيه الموت فسماه الله تعالى الرؤية. # برى النبل أو تريشه أو المرور به في المسجد # وأما قوله: )ونهى أن يبرى النبل في المسجد، أو تريش، أو يمر بها في ~~المسجد إلا وهو آخذ بنصولها(. # فهذا كله خوفا من أن يصيب مسلما في المسجد، وليس السلاح من شأن المسجد. # رفع الأصوات في المسجد، ونشدان الضالة، وإنشاد الشعر، وإقامة الحدود، ~~والإقتصاص، والبيع # وأما قوله: )ونهى عن رفع الأصوات في المساجد، وأن تنشد الضالة، وأن ينشد ~~الشعر، وأن تقام فيه الحدود، وعن أن تقاص فيه الجراحات، وعن البيع فيه(. # فهذا كله يشبه بعضه بعضا؛ لأن فعل ms060 هذا كله في المسجد ترك لحرمة المسجد؛ ~~لأن المسجد بيت الله، أذن الله أن يرفع، ويعظم، ويشرف، ويذكر إسم الله فيه، ~~ومن أتى المسجد فقد زار ربه، وأن في التوراة مكتوبا: من أتى المسجد فقد ~~زارني وضافني، ولن أرض له قرى دون الجنة، فالمساجد بيوت طيبة.. # حدثنا يحيى بن أحمر الطائي، حدثنا محمد بن مسلم الطائي، حدثني خال عبد ~~الله بن المؤذن، عن سعيد بن المسيب، قال: من جلس في المسجد، فإنما يجالس ~~ربه، وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: (الله نور السموات والأرض). ثم قال: ~~(في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) فقوله (فى) ينبك عن قول سعيد، ~~فإذا رفع الصوت فيه في خصومة، أو لغط، أو لغو؛ فقد ضيع حرمته. فرفع الصوت ~~في الدعاء، والذكر، والقرآن، والمناظرة للتفقه في الدين، محمود كله؛ ولهذا ~~بنى، لأن هذا كله ذكر الله. # وإقامة الحدود والاقتصاص من الجراحات عقوبات، والمسجد موضع نزول الرحمن. ~~وناشد الضالة طالب دنيا، وإنما بني لطلب الآخرة. وكذلك البيع والشراء فهو ~~أرباح الدنيا، وإنما بني لأرباح الآخرة ولمتاجرة الملك الأعلى لا لمتاجرة ~~العباد. والبيع يحضره الشياطين واللغو والكذب، والمسجد ليس بحقيق لمثل هذا. # وأما إنشاد الشعر، فإن كان من الشعر الذي فيه قوام الدين، ويرجع إلى ~~محمود الأمر؛ فهو خارج من النهي؛ فقد فعله حسان بن ثابت في مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وفي حرم الله تعالى حين دخل مكة، وفعله عبد الله بن ~~رواحة رضي الله عنه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلمن وفي حرم الله ~~تعالى حين دخل مكة، والحرام مسجد كله. وما كان فيه تشبيب ومباح أن يبسط، ~~فالمسجد معظم ومنزه عن ذلك؛ لأنه للذكر بنى. ألا ترى إلى قوله تعالى: (في ~~بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه). وقال: (ومساجد يذكر فيها اسم الله ~~كثيرا). # دخول الرجل الحمام العام بدون مئزر # وأما قوله: )ونهى أن يدخل الحمام إلا بمئزر(. PageV01P031 فمن أجل ~~العورة؛ لأن النظر إلى عورة المسلم ms061 حرام، وقد سترى الله ذلك على آدم وحواء ~~عليهما السلام، وقال الله تعالى: (ليبدى لهما ما وورى عنهما من سوءاتهما). ~~فهو سوأة قد وريت عنهما، فأمر ولده بالستر، فإذا دخل بغير مئزر فقد أثم، ~~إلا أن يكون خاليا ليس معه أحد، فليس بآم، وقد ترك الأدب.. حدثنا محمود بن ~~عبد الله بن بزيغ البصرى، حدثنا يزيد بن زريع، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن ~~جده، قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ ~~قال: " احفظ عورتك إلا عن زوجك أو ما ملكت يمينك(. قلت: أرايت إن كان أحدنا ~~خاليا؟ قال: )فالله أحق أن تستحي منه(. # دخول المرأة الحمام العام # وأما قوله: )ونهى أن تدخله المرأة(. # فمن ذلك أيضا حظر عليها أصلا تأديبا.. وجاء عن عمر رضي الله عنه: أنه كتب ~~إلى أمراء الأجناد بالنهى عن ذلك إلا من سقم. فإذا كانت سقيمة، ودخلت ~~مستترة، فلا بأس به. # والرجل قد أبيح له دخوله بمئزر، والمرأة من قرنها إلى قدمها عورةن فاحتيط ~~لهن أن لا يدخلن إلا من سقم. # حدثنا بذلك يحيى بن أحمر الطائي، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن ~~أبي مريم الغساني، عن حكيم بن عمير: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب: أن ~~الحمام حرام على كل مؤمن إلا بمئزر، وعلى النساء إلا من: سقم. وإسماعيل، عن ~~الأحوص بن حكيم،عن عمير، عن أبيه، عن عمر بمثله. # النظر إلى العورة # واما قوله: )ونهى أن ينظر الرجل إلى عورة الرجل، والمرأة إلى عورة ~~المرأة(. # فتلك سوأة، وقد سترها الله، وسماها سوأةن وخلق آدم عليه السلام وسترها ~~عنه وعن زوجته. وإنما ظهر لهما ذلك بالمعصية، فاستحييا مما رأيا. # فذاك موضع حياء. وقال: (يا بني آدم، قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سواءتكم). فإذا نظرت إليها فقد نظرت إلى شيء قد واراه الله باللباس الذي ~~أنزل من أجله، وهتكت ستر الله؛ ولذلك قال سليمان: لأن أموت، ثم أنشر، ثم ~~أموت، ثم أنشرن أحب إلى ms062 من أن أرى عورة مسلم، أو يرى عورتيس. وفي هذا كلام ~~كثير قد شرحناه في كتاب " العلل " . # الخلوة بالأجنبية # وأما قوله: )ونهى أن يخلو الرجل بإمرأة غير محرم(. # فهذا فعل داع إلى فتنة عظيمة، وروى في الخبر: أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قال: )ما خلا رجل بامرأة غير ذات رحم محرم إلا كان الشيطان ثالثهما(. # قال أبو عبد الله رحمه الله: العصمة عصمتان: عصمة من الله عز وجل على ~~القلب، وعصمة من الله على طريق الأسباب. فإذا خلا بامرأة غير محرم فقد ذهبت ~~الأسباب، وانقطعت العصمة، فإن أدركته عصمة اللهعلى الإنفراد برحمة منه وفضل ~~وإلا فقد هلك.. ألا ترى أن يوسف عليه السلام لم ينصرف حتى رأى البرهان، وهو ~~جبريل على صورة يعقوب صلى الله عليهما، فحينئذ ولىهاربا، وهذه عصمة على سبب ~~خاص كرامة من الله، ليس كالأسباب العامة. # والأسباب العامة هو أن يهم بأمر، فيحدث حدث من الأمر، فيقطع عليك هذا، ~~نويحول بينك وبينه، من خوف، أو حياء، أو نقص تدبير، أو يجىء إنسان، فيحول ~~بينك وبينه أحداث الدنيا. فهذه عصمة وسبب. # حدثنا محمد بن الضحاك، حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يذكر عن مجاهد، ~~قال: لو لم يصب المسلم من أحيه المسلم شيئا إلا أن حياءه يمنعه من المعاصي. # فهذه عصمة الأسباب. # حدثنا عبد الوهاب بن فليح المكي، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن يحيى ~~بن جعرة: أن رجلا وجد امرأة على غدير فراودها عن نفسها، فلما جلس منها ذهب ~~يحرك ذكره، فإذا هو مثل الهدبة، لم يقدر على شيء منها؛ فندم، فأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يركع أربع ركعات، فنزلت: (أقم الصلاة طرفي النهار). # الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر # وأما قوله: )ونهى أن يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر(. # فلإت اللعنة غير مأمونة أن تحل تلك المائدة، فأما البركة فقد ارتفعت، لأن ~~كل رزق فمادته من البركة، فإذا انقطع المدد صارت رزءا ms063 في الدنيا، ووبالا في ~~الآخرة. # الأكل بالشمال # وأما قوله: )ونهى أن يأكل الرجل بشماله(. PageV01P032 فإن الشمال ~~للشيطان، واليمين للملك، وكاتب الحسنات عن اليمين، وكاتب السيئات عن ~~الشمال، وغدا صفوف أهل الجنة عن اليمين، وصفوف أهل النار عن الشمال، والجنة ~~عن اليميني، والنار عن الشمال؛ فمختار الله عز وجل من الأشياء والبقاع ~~اليمين. # فما كان من أكل، أو شرب، أو ليس، أو تناول مرفق، فباليمين. وما كان من ~~مرفوض وإزالة أذى فبالشمال، مثل: الإستناء، والامتخاط، وما أشبهه. # حدثنا الفضل بن محمد، حدثنا محمد بن عبد الله الرملي، حدثنا مؤمل ابن ~~إسماعيل، عن مبارك بن فضالة، حدثني عبيد الله بن مسلم بن يسار، سمع أباه ~~يقول: إني لأكره أن أمس فرجي بيميني،وأنا أرجو أن أخذ به كتابي. # النفخ في الطعام والشراب # وأما قوله: )ونهى عن النفخ في الطعام والشراب( فهذا إذا كان مع غيره، فهو ~~مؤذ له، ولعله ان يعاف صاحبه ذلك، فيكون قد أفسد عليه. وأما إذا كان وحده ~~فلا نعلم به بأسا؛ لأنه ليس فيه أذة ولا إفساد على أحد. # حدثنا محمد بن علي الشقيقي، حدثنا أبي، حدثنا أبو عصمة، عن الحجاج،عن عبد ~~الملك، عن إبراهيم، قال: إنما كره النفخ في الطعام. # حدثنا محمد، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن زيد، حدثني صاحب لي، عن إسحاق بن ~~سويد، قال: سألته عن النفخ في الطعام؟ قال: لا أدري. إلا أن الأحنف قالك إن ~~في الإنسان ريحان، فإذا أراد أن يبرد الشيء قال: تفه، وإذا أراد أن يسخن ~~قال: آه. # حدثنا عبدان بن عثمان، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا بكار بن عبد ~~الله، قال: سمعت وهب بن منبه قال: الروح في الرأس، والنفس في البطن، فإذا ~~التقيا جاء النوم. والروح يأمر بالخير، والنفس تأمر بالشر، والريح الحارة ~~من النفس، والباردة من الروح، وهي باردة. # قال أبو عبد الله رحمه الله: وزاد فيه غيره عن وهب قال: ثم نفخ وهب على ~~يده فقال: " أف " ثم قال: هذه من الروح، وهي باردة. ثم قال: ms064 " آه " قال: ~~هذه من النفس، وهي حارة. # النفخ في الصلاة # وأما قوله: )ونهى أن ينفخ في الصلاة(. # فإن النفخ في الصلاة مجراه مجرى الكلام؛ ولذلك قال علماؤنا: إذا كان نفخ ~~يسمع فهو كلام، ويقطع الصلاة؛ لأن النفخ إنما هو " أف " أو " تف " وهي ~~كلمة. وقد ذكر الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: (أف لكم)، وقال: (ولا ~~تقل لهما أف) فهذه كلمة بالغة. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: )لو علم الله شيئا أردة في العقوق من أف لذكره( حدثنا عمر بن أبي عمر، ~~حدثنا محمد بن حجر، عن أبي جعفر، عن زيد بن علي، عن أبيه عن جده، عن علي ~~رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وصسلم: )لو علم الله من ~~العقوق شيئا أردة من أف لذكره؛ فليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل ~~النار، وليعمل العاق ما شاء أن يعمل، فلن يدخل الجنة(. # حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا هارون الراسبي، عن جعفر بن حيان، عن أبي ~~رجاء، قال: " الأف " الكلام القذع الردىء الجفى. # قال أبو عمرو بن العلاء رحمه الله: " الأف " وسخ في الأظفار، والتف ~~قلامتها. # الصلاة إلى مقبرة أو حمام # وأما قوله: )ونهى عن الصلاة إلى موضع حش، أو حمام، أو مقبرة(. # فهذا تأديب، ولا نعلم أنه يفسد صلاته ما أمامه. وإذا كانت بينه وبين هذه ~~الأشياء سترة فلا بأس به. وإذا لم تكن سترة ففيه وحشة؛ لأن الحش متغوطة ~~الناس؛ وإنما سمى حشا؛ لأنه موضع النخيل، وكانوا يتغوطون هناك للسترة، ~~والحمام أقذار الناس وغسالتهم، والمقبرة دفن الموتى، وفيها البلى، وتبدد ~~العظام، والأوصال. فلا يستحب أن يستقبل الله تعالى بمثل هذه الأشياء. # أربع كنى # وأما قوله: )ونهى عن أربع كنى: عن أبي مالك، وأبي الحكم، وأبي القاسم، ~~وأبي عيسى(. # فإن هذه الألفاظ غير عذبة، فيها بعض الوحشة؛ لأن الكنى إكرام المؤمن ~~وإجلاله. والاسم متبذل، فإذا أريد إجلاله كنى عن الاسم المتبذل.. ~~PageV01P033 والأسماء في الأصل على الحقائق هي سمات ms065 الأشياء، ثم أحدث الناس ~~أشياء صيروها علائم فيما بينهم تفاؤلا وتطيرا، فأول اسم بدا في الخلق آدم ~~عليه السلام؛ لأنه مشتق من أديم الأرض، وكأنه مشتق من الإدام، لأنه جمع بين ~~ترابه ومائه وعجن، وكأنه مشتق من الأدمة وهي الوسيلة، وهذا والأوسط واحد؛ ~~لأن الذي يقرب والذي يجمع يقرب أيضا، فإنما سمي آدم فيصير هذا له سمة، ثم ~~كنى عن اسمه، فقال: أبا البشر، فأكرم بذكر الأبوة، فكل من كنى من بعده من ~~ولده عن إسم من الأسماء بالأبوة، ثم ألحق أبوته باسم من الأسماء تفاؤلا ~~بشيء أو تطيرا من شيء، ففزع إلى التفاؤل، لا أنه تطير.. فهذا شأن الكنى. # فأما النهي عن أبي مالك، فيرى أنه استوحش من هذه اللفظة، لأنه لا مالك ~~إلا الله، ومنه بدأ الملك للمالكين، فحسن أن يسمى مالك لأنه قد مملكهم. ~~وأول المالكين الله تعالى. فإذا قلت " يا مالك " " يا أبا الحكم " ففيه ~~وحشة. # وأما أبو عيسى، فإذا قلت " يا أبا عيسى " فتلك الوحشة موجودة؛ لأن الله ~~تعالى يقول: (رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) فنفى عنه أبوة ~~الآباء. # وأما قوله " أبي القاسم " فهو كما قال صلى الله عليه وسلم: )أنا أبو ~~القاسم؛ الله يعطى، وأنا أقسم، فكان سيد الخزان " وما زال جوادا حتى منعه ~~الله من الإعطاء، فقال: (ولا تبسطها كل البسط). وكان يقول: )يأبى الله لي ~~البخل(. وما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم قط فقال: لا. فثبتت أبوته ~~إلى القسمة. فهذه كنيته، ومكرمة عظيمة. # ومن قال: إنما كانت هذه الكنية له متقدمة قبل نبوته من أجل ابنه القاسم " ~~. فهو كذلك، ولكن هكذا قدر الله تعالى ان يكنى بذلك، حتى يكون قاسما من ~~قسامه، فيكنى عن إسمه بالأبوة بالقسمة، حتى كنى عن ذلك فعل الله ورسوله. # ثم أدب الله المؤمنين فقال: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا). وإنما يدعو بعضهم بعضا بالإسم والكنية، فأين إجلال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا سويته بالناس؟ فأدبهم حتى قالوا: ms066 يا رسول الله، يا نبي ~~الله، فأما الجفاة الأعراب فكانوا يجيئون ويقولون: يا محمد. فأدب الله ~~المؤمنين بذلك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )سموا باسمي ولا تكنوا ~~بكنيتي(. فتأول من بعده هذه الكلمة على ضروب شتى؛ فمنهم من قال: قد أطلق ~~الإسم للعامة، وحظر الكنية على مذهب ما جاء به الخبر من القسمة )الله يعطي، ~~وأنا أقسم(. ومنهم من قال: قد أطلق الإسم وحظر الكنية على من له هذا الإسم، ~~فليس له أن يجمع بين كنيته واسمه فيتشبه به؛ لأنه سمى محمد وأحمد على الإسم ~~الأصلي وكذلك الكنية. ومنهم من قال: هذا في حياته، فلما قبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ارتفع النهي. # أربعة أسماء # وأما قوله: )ونهى عن أربعة من الأسماء: يسار، ونافع، وبركة، ورافع(. # فاليسر واليسار من الله تعالى، والنافع هو الله، والبركة عنده ينزلها حيث ~~شاء، والرافع هو الله يرفع ويخفض، بيده ميزان القسط. فهذه أسماؤهم؛ فكره.. ~~ألا ترى انه لا يكره أن يسمى عليما أو حكيما أو مالكا؛ فاليسر والنفع ~~والبركة والرفع أصله من الربوبية. # وهذا تأديب وليس بحظر. # قتل النملة والهدهد والصرد والنحل # وأما قوله: )ونهى عن قتل النملة، والهدهد، والصرد، والنحل(. # فإن الدواب خلقت من الأرض من الموضع الذي رفعت منه تربة آدم عليه السلام، ~~فجعلت سخرة له. فأما ما كان من التربة مما يلي أسفل آدم عليه السلام فهو ~~السباع وما لا يؤكل، وما كان مما يلي أعلاه فذلك مما يؤكل، والحمامة من ~~موضع القلب، فلذلك يؤنس بها وتأنس بالآدميين، وهو قوله تعالى: (أو لم يروا ~~أنا خلقنا لهم مم عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون). فعمل الله كان في ~~تربة آدم عليه السلام، ثم خلق مما عملت الأيدي هذه الدواب، أي من ذلك ~~الموضع. ثم كل دابة راجعة إلى تربتها، وإلى جوهرها من الأرض. PageV01P034 ~~وقسم الله الخير والشر بين خلقه، فوضع الخير في بعض، والشر في بعض.. ألا ~~ترى أن الضفدع كيف نصرت إبراهيم عليه السلام بالماء الذي نقل ms067 بفمه ليطفئ ~~ألا ترى أن الوزع كيف نفخ النار على إبراهيم عليه السلام عداوة له، وولاية ~~لإبليس؛ لأنه من جنس الحية؟ وألا ترى أن الغراب كيف ترك أمر الرسول عليه ~~السلام، وأقبل على جيفة حمامة، وجفا حيث خرج من السفينة يوم استوت سفينة ~~نوح عليه السلام على الجودي؟ وألا ترى أن الحمامة كيف أسرعت الرجعة وفي ~~منقارها ورق الزيتون، وعلى رجليها أثر الطين؛ فهذه جواهر الأرض، فالنملة ~~كيسة.. ألا ترى أنها تجمع في صيفها لشتائها حرزا وأخذا بالحزم، فلم يكن هذا ~~لها من بينالدواب إلا ولها هناك فضل معرفة وبصر؟ ألا ترى كيف قالت عندما ~~أقبل سليمان عليه السلام في موكبه حتى تبسم نبي الله ضاحكا من قولها، ~~فقالت: (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا ~~يشعرون). ألا ترى أنه فزع عندما سمع هذه الكلمة إلى إيزاع الشكر؛ لأنها ~~ذكرت الحطم، ثم نسبته إلى أن يفعل ذلك. # وأما الهدهد، فحدثنا سليمان بن حميد أبو الربيع الأيادي، حدثنا عون بن ~~عمارة، عن الحسن الجعدي، عن الزبير بن حريث، عن عكرمة، قال: إنما صرف الله ~~شر سليمان عليه السلام عن الهدهد لأنه كان بارا بأبويه. # وسمعته يقول: إن ملكا خرج إلى الصيد في يوم صحو، فقابله حراث يرجع مع ~~آلته إلى بيته، فقال للملك: ارجع فهذا يوم مطير، فلم يقبل الأمير ما قال ~~ومضى، وكان ساعة جاء المطر؛ فقال الأمير: هو رجل منجم، على به. # فقال: لست بمنجم، ولكن أعلم علم النمل أنه يدخل طعامه يوما يعلم أنه يكون ~~مطرا في بيته، ويخرجه يوما يعلم أنه لا يكون مطرا؛ فهم منجم لا أنا. # وأما الصرد، فحدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن مهدي، عن قرة بن خالد، عن ~~موسى بن أبي غليط، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: الصرد أول طير صام. ~~وروى في الخبر: أنه كان دليل إبراهيم عليه السلام حيث سار من الشام لبناء ~~الكعبة. # وأما النحلة، فمذكورة في التنزيل بالطاعة لله تعالى، فقال: (وأوحى ربك ms068 ~~إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون) إلى قوله: ~~(ذللا) فالثمرات منها ما هو حلو، ومنها مر، ومنها بشع، ومنه حامض، ومنه ~~حار، ومنه رخو لين؛ فذلت لله فأكلت من الكل وتركت شهوتها، فجعل الله ما في ~~بطنها عسلا حلوا كله، وصير فيه شفاء للناس؛ لأنها لم تأكل بنهمة ولا شهوة، ~~وإنما أكلته طاعة وذلة لربها؛ فصارت بذلك سالكة لسبل ربها بترك النهمة ~~والهوى؛ يعلم العباد أن السالك لسبيله من ترك النهمة في الأمور. # فهذه زنابير احتملت من ربها كل هذا الثناء، ونالت هذه المرتبة؛ فكيف ~~بالآدمي المكرم المفضل على البرية، وقد قال الله تعالى: (وفضلناهم على كثير ~~ممن خلقنا تفضيلا). # التحريش بين البهائم # وأما قوله: )ونهى أن يحرش بين البهائم، أو يمثل بها، وقالك من فعل ذلك ~~فهو ملعون(. # فإن الله وضع العدل بين خلقه، ثم لم يرض من الظلم بقليل، ولا كثير، ~~ولامثقال ذرة، ولا حبة خردل، وليس بتارك أحدا من خلقه يوم القيامة حتى يقضي ~~له، حتى أن الشاة الجماء ليقاد لها من القرناء. فإذا حرش، فقد دعاهم إلى ~~الظلم، واستعملهم بذلك؛ فالوبال راجع إليه يوم القيامة إذا كان هو سبب ذلك. # التخنيث ومخالطة المخنث # وأما قوله: )ونهى عن التخنيث، وعن حديث المخنث، ومحادثة المخنث، وعن ~~مجالسة المخنث، وعن صحبة المخنث، وعن إجابة دعوة المخنث، وقال: لعن الله ~~المخنث(. # فالمخنث خلق هائل شأنه، فظيع أمره؛ فظاهره رجل، وباطنه امرأة. فالذي في ~~باطنه حول أحوال الظاهر حتى مده إلى أحوال النساء قولا ومشيا وعملا ولباسا ~~وزيا وهيئة، فقد حلت به اللعنة؛ لأنه مسخ، فنفسه نفوس النساء، وخلقته خلقة ~~الرجال؛ فلذلك لا تكاد تجد منهم تائبا لأن نفسه الممسوخة قد غيرت قلبه ~~وطبعه إلى أخلاق النساء وطلبهن للرجال. # وهذا آية عظيمة من آيات الله عز وجل يعتبر بها المسلمون، ويستعيذون بالله ~~من شرها، فكأنه جعل هذا موعظة للخلق ليشكروه على لباس العافية. PageV01P035 ~~وقد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مخنث، فنفاه إلى ms069 البقيع. ~~فلما كان زمن عمر رضي الله عنه، استأذنه في الدخول إلى المدينة ليسأل ~~الناس، فأذن له في الجمعة مرة. # حدثنا حميد بن الربيع اللخمي، حدثنا بكر بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ~~عبد الكريم، عن مجاهد، عن عامر بن سعد، عن سعد بن مالك: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نفى رجلا مخنثا من المدينة فكان كذلك حتى إمرة عمر رضي الله ~~عنه، فكان يرخص له أن يدخل يوم الجمعة المدينة فيتصدق عليه. # حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، حدثنا الحسن بن أبي صالح البجلي، عن عبد ~~الرزاق، عن يحيى بن العلاء، حدثنا بشر بن نمير، سمع مكحولا يقول: حدثنا ~~يزيد بن عبدالله الجهني، عن صفوان بن أمية، قال: كنا عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فجاء عمرو بن مرة، فقال: يا رسول الله، إن الله كتب على ~~الشقوة، فلا أراني أرزق إلا من ضرب دفى بكفي، فأذن له في الغناء من غير ~~فاحشة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم )لا آذن لك، ولا كرامة، ولا ~~نعمة، كذبت أي عدو الله، فقد رزقك الله حلالا طيبا فاخترت ما حرمه الله ~~عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من خلال. ولو كنت تقدمت إليك لفعلت بك، ~~قم عني وتب إلى الله. أما إنك إن فعلت بعد التقدمة شيئا ضربتك ضربا وجيعا، ~~وجعلتك مثلة، ونفيتك من أهلك، وأحللت سلبك نهبة لفتيان المدينة(، فقام عمرو ~~وبه من الشر والحزن ما لا يعلمه إلا الله، فقال عليه السلام بعد ما تولى: ~~)هؤلاء العصاة من مات منهم بغير توبة حشره الله كما كان يوم القيامة مخنثا ~~عريانا، لا يستتر من الناس بهدبه، كلما قام صرع( فقام عرفطة بن نهيك ~~التيميمى، فقال: إن أهلي مرزوقون من هذا الصيد، ولنا فيه قسم وبركة، وهو ~~مشغلة عن ذكر الله، وعن الصلاة في الجماعة، وبنا غليه حاجة، أفتحله أو ~~تحرمه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: )أحله، لأن الله تعالى قد أحله، ~~نعمالعملن ms070 والله أولى بالعذر، وقد كان لله رسل قبل كلها تصطاد أوتطلب الصيد ~~ويكفيك من الصلاة في الجماعة إذا غبت عنها في طلب الرزق حبك للجماعة، وحبك ~~ذكر الله وأهله، فابتغ على نفسك وعيالك حلالا، فإن ذلك جهاد في سبيل الله، ~~واعلم أن عون الله مع صالح التجار( سمعته يقول: سأل عرفطة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك لأن العرب تقول إن الوحش دواب الجن يركبونهن، فلا ~~يجوز صيدهن، فلذلك سأله عرفطة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال. # الاختصار تحزنا على المصائب # وأما قوله: )ونهى عن الإختصار يتحازنون على مصائبهم(. # وروى في الخبر: أن إبليس نزل من السماء بهذه الصفة مدحورا مطرودا. ~~والإختصار أن يأخذ بيده على خصره من الجانبين. # التثاؤب في الصلاة # وأما قوله: )ونهى عن التثاؤب في الصلاة، وقال: ليمسك بيده على فيه؛ فإن ~~الشيطان يضحك منه(. # التثاؤب أصله. من قلة المبالاة ألقى إلى إبليس.. ألا ترى أنه قال: )يضحك ~~في جوفه(؛ فالضحك من ذهاب البال. # حدثنا هارون بن حاتم الكوفي، حدثنا ابن إدريس، عن ابن عجلان، عن أبي ~~حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )إذا تثاءب ~~أحدكم في صلاته فليقل: سبحان الله( فإنما أمر بالتسبيح من بين الكلام، ولم ~~يؤمر بالتهليل ولا بالتكبير ولا بالتحميد؛ لأن مبتدأ هذه الكلمة وهو السين ~~من قوله: )سبحان الله( فإذا نطقت بها، وضممت شفتيك انقمع وذهب سلطانه لذكر ~~الله. وإذا هللت أو كبرت أو حمدت، فمبتدأ كلمته مفتوح، وهو الألف واللام، ~~فإذا نطق بها مع الفتح وجد العدو سبيلا إلى الدخول. # الحلف بالآباء والكعبة والحياة # وأما قوله: )ونهى أن يقول الرجل: لا وأبيك، أو يقول: لا والكعبة، لا ~~وحياتك وحياة فلان(. # فهذا حالف بغير الله، فمن حلف بالله فإنما يريد بذلك الشيء أن يثبته باسم ~~الله، وإذا حلف بغير الله فقد ضاده؛ لأن هذه الأشياء كلها زائلة والله دائم ~~لا يزول، وإنما يؤكد إثبات الأشياء بالدائم الذي لا يزول، فكذا ms071 وصفه بين ~~العباد. فإذا أردت أن تؤكده بشيء هو زائل فإن، فكأنك تريد أن تثبت له ~~ديمومته. # قول: لا نزال بخير ما بقيت! # وأما قوله: )ونهى أن يقول الرجل لا نزال بخير ما بقيت(. PageV01P036 فإنه ~~قد نسب الخير إليه، والخير والنعمة لولي النعمة، فبقاؤه لا يجدي نفعا. وقد ~~نسب الخير إلى غير مستحقه فهذا كفران. وإذا اعترف أن الخير كله بيد الله ثم ~~يقول لعبده لا تزال بخير ما بقيت، فهذا حكم منه على الله فما يدريه أن يكون ~~كذلك. # قول ما شاء الله وشئت! # وأما قوله: )ونهى أن يقول: ما شاء الله وشئت(. # فهذا شرك في المشيئة، فهي لفظة سيئةن وقول شينع؛ لأن المشيئة لله، ~~وبمشيئته شاء العبد، قال الله تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله.فلا ~~يجمع بين المشيئتين؛ لأن مشيئة العبد إنما تقوم بمشيئة الله تعالى، فإذا ~~نطقه بالواو، فقد جمع بينهما وسوى، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئت، كما نطق ~~به الكتاب، وكما هو في الأصل؛ فإنه لا يقدر أحد أن يشاء شيئا حتى يشاء الله ~~ذلك، فعند ذلك يشاء العبد. # الحلف بغير الله # وأما قوله: )ونهى أن يحلف بغير الله(. # فقد وصفنا بدءا فمن لم يرض بالله فليس من الله، فإنما يؤكد الحادث من ~~الأفعال والأخبار باسمبه، فمن لم يرض بذلك، فلنفاق فيه، والمنافق ليس من ~~الله. وذلك فعل من خلا قلبه من عظمة الله، ولا يجد تعظيم اسمه على قلبه. # فهذا الأصل، فلما ساءت رعة الخلق، وأدبر الزمان بهم إلى ظهور الجهل ~~والمنكر، فإذا عرض عليه اليمين بالله اجترأ، فإذا عرض عليه اليمين بالطلاق ~~امتنع. فامتناعه لما يعلم أنه يقع في الحرام من تقية الإسلام في صدره، وإذا ~~اجترأ على اليمين بالله، فإنما يفعله لجهله بالله وقلة خوفه منه وحيائه. # فإذا اضطر الإنسان لشيء من هذا، وهو يعلم أن صاحبه بهذه الصفة، فحلفه ~~بالطلاق والعتاق ونحوه لم أر به بأسا. # الحلف بسورة من كتاب الله # وأما قوله: )ونهى أن يحلف بسورة من كتاب ms072 الله عز وجل، فقال: من حلف بشيء ~~من كتاب الله تعالى، فعليه بكلامه يمين، فمن شاء بر، ومن شاء فجر(. # فكتاب الله كلام الله، فالحلف بكلامه كالحلف بفعل من أفعاله، فإن حلف على ~~التبري منه فهو يمين سوء. # وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: )من حلف بملة سوى ~~الإسلام، أو قال: إنه برىء من الإسلام، فإن كان صادقا فلن يرجع إلا الإسلام ~~سالما، وإن كان كاذبا فهو كما قال(. # فهذا معناه إذا حلف على شيء ماض فقال: إن كنت فعلت كذا فأنا برىء من ~~الإسلام، وقد فعلها، فقد كفر عقد يمين. فإن كان صادقا فقد أساء القول ~~بالتبري من الإسلام، وكيف لا يكون مسيئا، وإنما أعطى الإسلام من المنة، وهو ~~على أعظم خطر؛ لأنه لا يدري ما يكون في العاقبة، فيجترىء أن يلفظ بمثل هذه ~~اللفظة مستخفا بهذا الخطر، ولا يخاف أن يسلبه الله بكفرانه واستخفافه. وأما ~~إذا حلف به على شيء لم يكن، فهو يريد أن يؤكد ذلك الشيء بهذه اللفظة، فقد ~~أساء في قوله، ولكنه إن حنث في ذلك لزمته كفارة يمين. # سوم الرجل على سوم أخيه، وخطبته على خطبة أخيه # وأما قوله: )ونهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه، وأن يخطب على خطبة أخيه(. # فمن أجل أن في هذا إفسادا، وهو داعية إلى الشحناء، فمنع القوم من ذلك. # حدثنا أبي، عن مطرف، عن مالك بن أنس: أنه لا يسوم على سومه ما لم يرد، ~~فإذا رد فله أن يدخل في سومه، فكذلك الخطبة إذا رد مرة فله أن يدخل في ~~خطبته. ولقد كان رجل مادام يسوم ويماكس لا يسع أحدا الدخول فيه لكثرة الضرر ~~في ذلك، ولا يسد على الرجل بيع شيء يريده لمكان هذا السائم، ثم لا يزال ~~يتردد ويماكس والراغبون في ذلك بمعزل عنه ينتظرون رفضه، فهذا ضرر. # مجامعة المرأة في حضور أحد # وأما قوله: )ونهى أن يجامع الرجل المرأة وعنده أحد حتى الصبي في المهد(. # فهذا تأديب؛ لأنه إذا سمع ms073 الوجس غيره رجلا أو امرأة افتتن به. وأما ذكر ~~الصبي في المهد، فهذا تشديد وحسم للباب حتى لا يطمع أحد في الكبير، فأما ~~الصغير فلا يعلم به بأسا وكذلك صغير لم يعقل، وقد ذكر الله في تنزيله فقال: ~~(أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) فإذا كان طفلا بهذه الصفة ~~أجنبيا جاز له أن ينظر إلى المرأة الأجنبية، وإن كان رضيعا في المهد فهذا ~~أحرى أن لا يكون به بأس في حال الجماع؛ وإنما حظر هذا الفعل من أجل ~~الإفتتان. PageV01P037 حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم، حدثنا عباد بن العوام، عن ~~أبي شيبة، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه كان ينام بين جاريتين. ~~قال: وروى عن الحسن: أنه كره ذلك لاستماع الوجس. # ؟؟حد الشفرة والشاة تنظر # وأما قوله: )ونهى أنتحد الشفرة والشاة تنظر(. # فهذا لأنها تفزع، ويهولها ذلك؛ لأنها تعلم. فهذا لقلة الرحمة، ومن لا ~~يرحم لا يرحم. # وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: )إن الله كتب الإحسان على ~~كل شيء، فإذا قتلتهم فأحسنوا القتلة(. # حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، ~~قال: )أمر رسول الله صلى الله عليبه وسلم بحد الشفار، وأن تواري عن ~~البهائم(. فهذا من الإحسان، وإنه يحب المحسنين. # ؟محو اسم الله تعالى بالبزاق # وأما قوله: )ونهى أن يمحو اسم الله تعالى بالبزاق) لأن البزاق من شأنه أن ~~يتفل، فالتفل على الشيطان. فهو وإن كان طاهرا، فهو مهجور مرمى بهن فلا يحسن ~~ان يلقى على إسم الله تعالى.. ألا ترى أن الشيء إذا استحقر واستهين به بزق ~~عليه صاحبه، وكذلك إذا خسىء يتفل عليه؟ فهذا المحو لإسم الله تعالى بالبزاق ~~تشبيه بالتفل؛ فهو قبيح. # ؟قعود الرجل في المسجد وهو جنب # وأما قوله: )ونهى أن يقعد الرجل في المسجد وهو جنب(. # فهذا لتعظيم حرمة المسجد؛ لأنه إنما بنى للذكر، وقال الله تعالى: (ولا ~~جنبا إلا عابري سبيل) وإنما رخص للمجتاز الذي يعبره لأن القاعد ms074 متوطن. # ؟اتخاذ المسجد طريقا # وأما قوله: )ونهى أن يمر في المسجد يتخذه طريقا حتى يصلى فيه ركعتين(. # فهذا تأديب.. كره أن يسوي المسجد يتخذه طريقا حتى يصلى فيه ركعتين(. # فهذا تأديب .. كره أن يسوي المسجد بسائر البقاع عند الناس، فإذا مر فيه ~~مجتازا فلا بأس به عندنا والله أعلم؛ لأنه قد ذكر في تنزيله مع الجنابة ~~لعابري سبيل، فإذا كان بغير جنابة فهو أحرى أن يوسع له. ولكن هذا إذا اتخذه ~~طريقا لنفسه فلا يزال فيه كالذي يصير الشيء وطنا يدوم عليه، فهو غير محبوب ~~حتى يصلي ركعتين، فيكون ممزوجا فعلها بفعل المرور إذا صيره طريقا، فقد ~~أخرجه من حد المسجد، فهو عنده مسجد صلاته في مروره مرتفق ورخصة؛ لأنه إنما ~~بنى للصلاة، فمادام له فيه صلاة فهو مقيم لحرمة ما بنى له، فإذا أعده طريقا ~~ورفض الصلاة فيه فقد أخرجه مما بنى له، فهو منهى عنه. # ؟؟ندب الميت وأما قوله: )ونهى أن يندب الميت(. # فالندبة داعية إلى الفتنة والجزع، لأن المرائي والكلام يعمل في النفوس، ~~فيهيج الرفأة حتى يرق الفؤاد فيجزع. # وربما كان في الندبة افتخار ومديح لا يستحقه الميت وهو لا يدري مقدمه على ~~الله، فهو على غرور يتكلم.. ألا ترى إلى حديث أنس بن مالك: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقف على قبر شاب قتل شهيدا، فقال قائل: هنيئا لك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )وما يدريك؟ فعله كان يبخل بما لا ~~ينقصه، ويتكلم فيما لا يعنيه(. فالندبة تزكية، وقد زجر الله عن التزكية ~~للنفوس؛ والبراءة لها، والشهادة لها. # ؟نعي الميت في القبائل # وأما قوله: )ونهى أن يقال: مات فلان فاشهدوه، وأن ينعى في القبائل(. # فهذا من أجل أن هذا فعل أهل الجاهلية، كانوا يتكاثرون، ويتفاخرون بالجمع، ~~ويتزينون بذلك، وهو رياء وسمعة. # ؟؟التعري بالليل والنهار # وأما قوله: )ونهى عن التعري بالليل والنهار(. # فمعناه أن يكون هذا التعري بارزا. فأما في بيت مستور يغتسل فيه، فإن كان ~~في إزار فهو أفضل، فإن لم يكن ms075 فهو في سعة غير آثم، ولكنه ترك الأفضل. فإذا ~~تعرى بارزا لم يأمن أن يفجأه بعض من لا يحل له النظر فيراه عريانا، وقد أمر ~~الله تعالى بحفظ الفروج، وقال: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم)، أي لا يتعروا فقد أمر بالستر، وغض البصر عمن لا يستر. # حدثنا أبي رحمه الله، حدثنا مكي بن إبراهيم، عن بهز بن حكيم، عن أبيه،عن ~~جده، قال: وحدثنا محمد بن عبد الله بن بزيغ البصري، حدثنا يزيد بن زريع، عن ~~بهز، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما ~~نذر؟ قال: )احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك( قلت: فإن كان أحدنا ~~خاليا؟ قال: )فالله أحق أن يستحى منه(. PageV01P038 ؟قيام الرجل بالليل ~~والنهار منتصبا عريانا وأما قوله: )ونهى أن يمشي الرجل بالليل والنهار ~~منتصبا عريانا(. # فقد ذكرنا شأنه وأن هذا من فعل الجاهلية. وكانوا لا يبالون من التعري لما ~~قد سلبوا من الحياء. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~)الحياء من الإيمان(. وروى عنه أنه قال: )قلة الحياء كفر(. # حدثنا بذلك الجارود، حدثنا سليمان بن عمرو النخعي، حدثنا يزيد بن أبي ~~حبيب المصري، عن مرثد بن عبدالله، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: )قلة الحياء كفر(. # قال أبو عبد الله رحمه الله: الإنتصاب عريانا هو من قلة المبالاة وقلة ~~الحياء. قال: وأيضا خلة أخرى أن يخاف عليه من الجن أن ترميه ببلية. وقد جاء ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: )من اغتسل في براز من الأرض ~~بالليل، فليخط حوله دائرة ليغتسل فيها(. حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن ~~عقيل، عن ابن شهاب بذلك. فهذا إذا لم يجد ما يستتر به، واحتاج إلى غسل فعل ~~مثل ذلك، حتى لا يجد العدو وأعوانه سبيلا إليه. # والتعري الذي ذكر في الحديث أن يتخلى عن جميع ثيابه بلا حاجة ولا ضرورة، ~~فأما المستنجي والمغتسل فلا يجد بدا ms076 من كشف عورته. وقد أبان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذلك. # حدثنا بشر بن خالد العسكري، حدثنا مسلمة بن هشام بن عبد الملك، عن الأعمش ~~عن زيد العمى، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )ستر بين ~~أعين الجن وبين عورات بني آدم إذا وضع أحدهم ثوبه أن يقولك بسم الله(. # وروى عن موسى بن عمران عليه السلام: أنه كان إذا أراد أن يغتسل دخل الماء ~~مع ثوبه، ثم يرفعه قليلا قليلا حتى يغيب حتى يغيب جسده في الماء، فحينئذ ~~يضع ثوبه. # وحدثنا الجارود، حدثنا الفضل بن موسى، عن عبد السلام بن حرب، عن الأعمش، ~~عن زيد العمى، عن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرفع ثوبه ~~عند الحاجة حتى يدنو من الأرض. # مباشرة الرجل امرأته وهي حائض بدون ثوب # وأما قوله: )ونهى أن يباشر الرجل امرأته وهي حائض إلا وبينهما ثوب(. # فهذا حسم على الناس كي لا تجد النفس ذريعة إلى الوقاع بها؛ فإنه إذا ~~باشرها في وقت الحيض خيف عليه الفتنة حتى يتعدى إلى الوقاع. # والأصل أنه يحل له منها كل شيء إلا الجماع، وأما فيما دون الفرج فهو مباح ~~له في وقت الحيض، ولكن الرسول عليه السلام أدب المؤمنين، وحسم عليهم ~~الأبواب الداعية إلى الفتنى. # حدثنا الجارود، عن وكيع، عن عبيد بن عبد الرحمن، عن مروان الأصفر، قال: ~~سمعت مسروقا قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: ما يحل للرجل من امرأته إذا ~~كانت حائضا؟ قالت: كل شيء إلا الفرج. # بيات الرجل على سطح دون أن يحبس قدميه شيء # وأما قوله: )ونهى أن يبيت الرجل على سطح وليس يحبس قدميه شيء دونه(. # فهذا لأنه يخاف أن يتردى عن السطح في نومه إذا انقلب. فإذا كان في الستر ~~بقدر ما يمسك رجليه فلا بأس، وذلك أدنى الستر. # الحجامة يوم الأربعاء ويوم السبت # وأما قوله: )ونهى عن الحجامة يوم الأربعاء ويوم السبت وقال: من فعل ذلك ~~فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه(. ms077 # فالسبت هو يوم قد أسبت الله الخلق فيه، وذلك أنه ابتدأ في خلقه يوم ~~الأحد، فخلق الأرض في يومين، والسماء في يومين، وقدر في هذه الأيام ~~أقواتها، فذلك أربعة أيام، فأمسك يوم الأربعاء عن جرى الأشياء، وخلق الجنة ~~والنار يوم الخميس، ثم خلق آدم يوم الجمعة، وهو آخر خلقه، لأن هذه الأشياء ~~كلها خلقت له، ومن أجله، ومن أجل ذريته، فختم الخلق به. PageV01P039 ثم لحظ ~~إلىالخلق لحظة يوم السبت يعرفهم نفسه،ويلهمهم ربوبيته، وأقبل على الكلام، ~~فأثنى على نفسه، ومجد نفسه، وخاطب خلقه. وذلك في الأخبار مروي. فأطرق له كل ~~شيء وأنصت له كل شيء، وأقروا بالملك، وذلوا وانقادوان فاسبتوا من كلامه، ~~فسمى يوم السبت، وبالأعجمية شه مشتق من الحيرة والإسبات، وهو الخدر وسنة ~~النعاس، والسنة ريح النوم، فصار الخلق كالموقوذ من أثقال الكلام، ومنه قوله ~~عز وجل: (وجعلنا نومكم سباتا) فإذا أسبت فهو ثقيل يحذر، فهذا في كل سبت ~~موجود. فإذا احتجم الرجل يومئذ فإنما يحتجم في وقت ركود الدم وإسباته فيعود ~~برصا. وأما يوم الأربعاء فهو يوم قدر الله الأقوات فيه، والدم قوت النفس ~~وغذاؤها، فلا يخرج في وقت تقدير الأقوات فيعود برضا وفرحا. # وفي غير هذا الحديث كراهية الحجامة يوم الثلاثاء. حدثنا ابي، عن موسى بن ~~إسماعيل، عن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه: أن أبا بكرة كان ~~ينهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء، ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: )فيها ساعة لا يرقأ فيها دم(. # حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أسيد الكلابي، حدثنا زاجر بن الصلت، عن ~~عبد الله بن حفص،عن عبد الله بن القاسم، عن أبيه: أن أبا بكرة كان ينهى عن ~~الحجامة يوم الثلاثاء، ويقول: هو اليوم الذي أنزل فيه الحديد؛ فلا يستعمل ~~الحديد في اليوم الذي أنزل فيه، وهو يوم الدم؛ فلا يهيج الدم في يوم ~~مهتاجه. فإذا كان يوم اهتياجه مخافة أن لا يرقأ، فكذلك لا يهيج في يوم ~~إسباته مخافة أن يجمد وينعقد فيصير ms078 برصا. # الكلام أو العبث يوم الجمعة والإمام يخطب # وأما قوله: )ونهى عن الكلام يوم الجمعة والإمام يخطب، وعن اللعب بالحصى، ~~والإيماء، وعن إشارة بيده أو برأسه والإمام يخطب وقال: )من تكلم يوم الجمعة ~~والإمام يخطب؛ فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له(. # قال أبو عبد الله رحمه الله: إنما قصرت عن أربع فجعلت ركعتين من اجل ~~الخطبة؛ لما علم الله أن بالناس حاجة إلى الموعظة والتذكرة، فأمر قائدهم أن ~~يقوم في كل أسبوع مرة، يجمعهم لصلاتهم، ويذكرهم بأيام الله ويعظهم؛ فاشتملت ~~هذه الجمعة على أمر عظيم من الثواب الجزيل والفضل. # فمن ذهب يتكلم في ذلك الوقت فقد شغل قلبه عن الموعظة. وكذلك الإيماء ~~والإشارة فيه مشغلة عن الموعظة وإن قل ودق شأنه، فهو لاغ. # وقوله: )لا جمعة له(، أي يذهب فضل جمعته وجزيل ثوابه، لا أنها تبطل ويؤمر ~~بالإعادة، بل صلاته جائزة، ولكنها منقوصة، وقد ذهب حظه من فضل الجمعة؛ فقد ~~بقيت صلاته مقصورة إلى ركعتين وفاته فضل جمعته. # الخضاب بالسواد # وأما قوله: )ونهى عن الخضاب بالسواد(. # فهذا من أجل أنه غرر، فإن أراد أن يتزوج ولم يبيحه كان غررا ومن أجل أن ~~الشيب وقار أكرم الله به إبراهيم عليه السلام ومن تبعه على ملته، فإذا شاب ~~وغيره بالسواد فكأنه رفض تلك الكرامة وزينتها وحرم وقاره؛ لأنه يريد أن ~~يتشبه بالحالة الأولى. # وهذا تأديب واختيار من النبي صلى الله عليه وسلم للأمة. ومن فعله لم يقع ~~في النهي المأثوم، وقد كان الحسن والحسين رضي الله عنهما يخضبان بالسواد، ~~وقد فعله كثير من الصحابة، غلا أن الخضاب على الغالب الحمرة والصفرة، فقد ~~زجر عن ذلك في وقته. # حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن أبي رباح، عن مجاهد، قال: أول ~~من خضب بالسواد فرعون. # فهذا فعل الجبارين الذين يأنفون من الشيب، ويكرهون أن يكونوا في زي ~~الضعفاء المشيخة. فأما عبد تذلل لله عبادة وعبودية، فإن خضب بالسواد ليتزين ~~به عند أهله أو ليهيب العدو إذا خرج غازيا، فإن الشاب أنكى ms079 في العدو من ~~الشيخ وأهيب له، لم تلحقه سنن الفراعنة، وهو على كل مراده أمر جميل. # حدثنا قتيبة، عن ابن لهيعة،عن خالد بن أبي عمران، عن سعد بن إسحاق بن كعب ~~بن عجرة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )غيروا ~~الشيب، ولا تقربوه السواد، ولا تشبهوا باليهود(. # حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثنا سفيان، عن الزهري،عن أبي سلمة، ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه. # حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر، ~~قال: جيء بأبي قحافة يوم فتح مكة ولحيته كالثغامة بياضا، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلمك )غيروا هذا الشيبن وجنبوه السواد(. PageV01P040 قال ~~أبو عبد الله رحمه الله: فالشيب وقار، وإنما قصد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لتغييره مخالفة أهل الكتاب. # حدثنا حميد بن الربيع اللخمي ويعقوب بن شيبة قالا: حدثنا محمد بن كناسة، ~~عن هشام بن عروة، عن أخيه عثمان بن عزوة، عن الزبير بن العوام، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: )إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم(. # حدثنا علي بن حجر، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: )غيروا اللحى ولا تشبهوا بالأعاجم(. # وحدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق العبدي، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله ~~بن المبارك، حدثنا الأجلح، عن عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود الديلين عن ~~أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )إن أحسن ما غيرتم به ~~الشيب الحناء والكتم(. # وحدثنا علي بن حجر السعدي ويحيى بن أحمد الطائي، قالا: حدثنا إسماعيل بن ~~عياش الحمصي، حدثنا سالم بن عبد الله الكلاعي، عن أبي عبد الله القرشي، عن ~~عبد الله ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: )الصفرة ~~خضاب المؤمن، والحمرة خضاب المسلم، والسواد خضاب الكافر(. # وحدثنا محمد بن يحيى القصري، حدثنا أبو حمص العبدي، عن محمد ابن إبراهيم ~~بن عكاشة ms080 السدي، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: )عليكم بالحناء؛ فإنه خضاب الإسلام، يزيد في العقل، ويجلي ~~البصر، ويذهب بالصداع، ويزيد في الجماع، ويزين المؤمن. وعليكم بالصفرة؛ ~~فإنها خضاب الإيمان(. # حدثنا أبي رحمه الله، حدثنا جندل بن والق، حدثنا عبيد الله بن عمرو ~~الرقى، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: )يكون قوم في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد لا ينظر ~~الله إليهم يوم القيامة(. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فهذا فعل أهل العتو والجبرية في آخر الزمان، ~~وكذلك كان من قبل فعل الفراعنة. فإن المرء إذا شاخ راح، وإذا راح استحقره ~~السفهاء، واستوقره العقلاء، وكان أهل العتو يأنفون من ذلك، ويغيرونه ~~بالسواد، يخفون على الناظرين إليهم أحوالهم. # فهذه مثلة يريد أن يعود في هيئة الشاب، وقد قال الله تعالى في تنزيله ~~فيما يحكي عن قول العدو: (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله). وقال الله تعالى: ~~(لا تبديل لخلق الله). فإذا أذهب المغير وقاره بسواد، فهو كأنه يريد أن ~~يعود كما كان، لحبه للشباب، وحرصه على العمر. فإنه يكره الشيب؛ لأنه علامة ~~لإقباله على الموت... ألا ترى أن أول من خضب بالسواد فرعون، فهو السابق على ~~العتو. # إلا ان المجوس يحفون لحاهم، ويعفون شواربهم، يريدون بذلك التعلم والتجلد ~~للسنين، فقال صلى الله عليه وسلم: )خالفوا المجوس؛ جزوا الشوارب، وأوفروا ~~اللحى(. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )إن أهل الشرك يعفون شواربهم ~~ويحفون لحاهم، فخالفوهم فأعفوا اللحى وحفوا الشوارب(. # ففي مذهب كسرى التجلد والتجبر والعتو، وأن يكون في هيئة الغلمان والشبان. ~~وفي مذهب محمد صلى الله عليهوسلم التواضع، والعبودية لله، والتطهير، وزينة ~~الرجال في اللحى( وتطهرهم في قص الشارب لئلا يبقى فيه وضر الطعام(. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فأما منيرخص في خضاب السواد من السلف فلمعنى ~~غير هذا. # حدثنا محمد بن مرزوق البصرين حدثنا علي بن عيسى، حدثنا الصديق بن ms081 عمر، ~~حدثني رفاع السدوسي، حدثنا ابن صهيب، حدثه عن أبيه صهيب، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: )اختضبوا بالسواد؛ فإنه أنس للزوجة، ومكيدة ~~للعدو(. # وحدثنا على بن حجر، حدثنا شعيب بن إسحاق الدمشقي، قال: سمعت أبا لاحق ~~يحدث عن عبد الله بن معاوية، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~)اختضبوا بالسواد؛ فإنه أنس للنساء، وهيبة للعدو(. # حدثنا قتيبة، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن الجعد بن عبد الرحمن، عن السايب ~~بن سبيع، بعثه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو أبيض الرأس واللحية، فرجع ~~وهو أسود الرأس واللحية يتراءى ويتمارى في معرفته. PageV01P041 وحدثنا عبد ~~الجبار، حدثنا الحسن بن حبيب بن ندية، عن عبد الصمد ابن حبيب، عن أبيه، عن ~~الحكم بن عمرو الغفاري، قال: دخلت أنا وأخي رافع على عمر بن الخطاب رضي ~~لاله عنه وأنا مخضوب بالحناء وأخي بالصفرة، فقال: أما خطابك فخضاب الإسلام، ~~وأما خضاب أخيك فخضاب الإيمان... وسئل عن السواد، فكرهه. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأنه: )آنس للزوجة، ومكيدة للعدو(، وكذلك قول عمر رضي الله عنه من بعده على ~~الوجهين جميعا. فللنساء على أزواجهن حقوق، منها حق التزين لهن وقال ابن ~~عباس رضي الله عنه: إني لأحب أن أتزين لأمرأتي كما أحب أن تتزين لي. # فمن التزين أن يخفي شيبه، ويخضبه بسواد، فإن كان لهذا يفعله فهو خارج من ~~النهي عندنا.. ألا ترى أن محمد بن الحنفية رحمه الله لما خرج إلى الناس في ~~حمراء أنكروا عليه، فقال: هذا ألقته على أهلي، وإنهن يحببن منا ما نحب ~~منهن... حدثنا بذلك فضالة بن فضل، والجارود به معاذ، قالا: حدثنا يزيغ ~~الحنظلي، عن أبي وهب، عن الضحاك، عن محمد بن الحنفية. # ألا ترى أن عثمان رضي الله عنه لما دخل بامرأته، فرأت به منالشيب، ففطن ~~لها عثمان رضي الله عنه، فقال لها: إنما وراء الشيب ما تحبين. # فللنساء في هذا تمييز ونظر وميل إلى الأشب ms082 فالأشب؛ لأن نهمتها في الرجال؛ ~~لأنها خلقت من الرجل. # وكذلك الحسن بن علي رضي الله عنه اختضب بالسواد؛ لأنه في الخبر أنه تزوج ~~ثلثمائة. # وإنما قال: )الحمرة خضاب الإسلام، والصفرة خضاب الإيمان(؛ لأن الإسلام في ~~الحياة، والإيمان عند الموت؛ لأنه إذا قرب الموت زالت عنه أعمال الشريعة، ~~والإسلام ما ظهر، والإيمان ما بطن. حتى يقدم إلى ربه وقد غير شيبه، لئلا ~~يشبه أهل الكتاب... ألا ترى إلى قوله عليه السلام في دعائه على الجنازة: ~~)اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على ~~الإيمان(. # الجرس # وأما قوله: )ونهى عن الجرس) فالضرب به يشبه المعازف؛ لأنها تصوت وتتلون، ~~وتلذذ السامعين، قال: وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: )لا تصحب ~~الملائكة رفقة فيها جرس( ومحاضر الشيطان عند ضرب الجرس.. ألا ترى أن الجن ~~والشياطين يدعون بضرب الجرس، وبطنين الطست، وما أشبه ذلك. فالأصوات مقسمة ~~على جميع الخلقن فكل له منه حظن وإن العدو سال ربه زيادة في حله ليكون له ~~بذلك تبع يؤويهم إليه فأعطى على الإستدراج لأنه ينال على المكر والخداع، ~~فلما اعطى استعملها في هذه الأصوات من المعارف والمزامير والجرس والصيح ~~والصفير، فمزج الذي عنده من ذلك بهذه الأصوات التي تحدث منها هذه الأشياء، ~~فما كان من ذلك الجنس فهو حظ الشيطان، وتجتنبه الملائكة. # تكنية الذمى # وأما قوله: )ونهى أن يقال للذمي: يا أبا فلان(. # فذاك من أجل أن الكنية كرامة وإجلال، فلا يحيا بها الذمي، ولا يوجب له ~~ذلك، ولا يستحق الإجلالا، لأنه عدو الله. # الخاتم المصنوع من الحديد أوالصفر أو الذهب # وأما قوله: )ونهى أن يتختم الرجل والمرأة بخاتم من حديد، وعن خاتم الصفر، ~~وخاتم الذهب(. # فالحديد حلية أهل النار، وأما خاتم الصفر فمن أجل الأصنام، وأما خاتم ~~الذهب فمن أجل أن الذهب محرم على الذكور. # حدثنا أبي، حدثنا جندل بن والق، حدثنا محمد بن الفضل بن عطية، عن عبد ~~الله بن مسلم الباهلي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: دخل ms083 رجل من ~~الأنصار على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من حديد، فقال: )مالي ~~أرى عليك حلية أهل النار؟ن فنزعه فاتخذ خاتم من شبه. فقال )مالي مالي أجد ~~منك ريح الأصنام؟ فقال: فماتأمرني يارسول الله؟ قال: )اتخذه فضة، ولا تتمه ~~مثقالا(. # فأما الخاتم من الذهبن فروى في حديث آخر: ان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خرج وبيده ذهب وحرير، فقال: )هذان حرامان على ذكور أمتي، حل لإناثهم( ~~حدثنا بذلك قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي ~~أفلح الهمداني، عن عبد الله زريز الغافقي: أنه سمع علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: )إن هذين حرام على ذكور ~~أمتي(. PageV01P042 حدثنا محمد بن علي الشقيقي، حدثنا عبد الله بن المبارك، ~~أخبرني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن ~~عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: )هذان محرمان على ذكور ~~أمتي حل لإناثهم(. # أخبرنا يحيى بن أحمر، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي ~~الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )لا يتختم بالذهب ولا ~~يلبس القسى(. # حدثنا سليمان بن أبي هلال الدهني، حدثنا أبو الأحوص، عن أشعث بن أبي ~~الشعثاء، عن معاوية بن سويدن عن البراء بن عازب، قال: نهانا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن التختم بالذهب(. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فإنما وقع هذا النهي على الرجال دون النساء؛ ~~لأن المرأة تتزين لزوجها للعفة عن الحرام، وليس على الرجال من الزينة كل ~~ذلك، إنما على الرجال التنظيف والتطهير والتطييب؛ لأن بغية النساء من ~~الرجال الفراش، لأن المرأة خلقت من الرجل، فنهمتها في الرجال، والرجل يتخير ~~ويبغي الزينة والحلية؛ لأن نهمته متشعبة في النساء وفي غيرها من سائر ~~الشهوات(. # وروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: )خلق الرجل من طين، ms084 ~~فنهمته في الطين، وخلقت المرأة من الرجل؛ فنهمتها في الرجال(. # وقال الله تعالى جده: (أو من ينشأ في الحلية). # فالحلية لهن دون الرجال. # حدثنا على بن حجر، شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ربيع بنت معوذ ~~بن عفراء، قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب وأجر زعب، ~~فأعطاني ملء كفه حليا أو ذهبا. حدثني يعقوب بن شيبة، حدثني إسحاق بن عيسى ~~الطباع، عن شريك بإسناده مثله غير أنه قال: أعطاني ملء كفه ذهبا وقال: ) " ~~تحلى به(. # حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا عبد الله بن نمير، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى ~~بن عباد، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أهدى النجاشي إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بحلى فيها خاتم من ذهب، فيه فصى حبشي، فأخذه رسول ~~الله صلى الله عليهوسلم بعود أو ببعض أصابعه، وإنه ليعرض عنه، فدعا ابنته ~~أمامة بنت أبي العاص، فقال: )تحلى بهذا يا بنية(. # حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي، حدثني سرى بن عبد الله، عن جعفر بن محمد، عن ~~أبيه، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلادة، فقال: )لأعطينها أحب ~~أهلي إلى(؛ فتغير ألوان نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل واحدة تقول ~~يعطى صاحبتي، حتى إذا استبان في وجوههن وأمامة في ناحية البيت، فقال: " ~~تعالى يا بنية " فعلقها في عنقها(. # حدثنا موسى بن عبد الله السيقل، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن ~~أم محمد، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. # قال أبو عبد الله رحمه الله: أما ما جاء من حديث البراء: نهانا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن خاتم الذهب. ثم روى من فعله - فذاك له خاص. حدثنا ~~محمد بن بشار، حدثنا محمد بن مجعفر وابن مهدي، حدثنا شعبة، عن أبي السفر، ~~قال: رأيت على البراء رضي الله عنه خاتما من ذهب. # حدثنا محمد بن شجاع المروزي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن ms085 أبي إسحاق قال: ~~رأيت على البراء خاتما من ذهب. # وحدثنا محمد بن مقبل، حدثنا عيسى بن خالد، عن شيخ من أهل جوزجان، قال: ~~رايت على البراء خاتما من ذهب، فقلت: ما هذا؟ قال: رخص لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # وحدثنا محمد بن معمر البصرى، حدثنا إبراهيم بن عبد الله الباجي، حدثنا ~~أبو المغيرة الجوزجاني، عن البراء بن عازب، قال: أعطاني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خاتما من ذهب، فقال: )تحل ما ألبسك الله ورسوله(. # فهذا كشف عن أمر البراء أنه له خاص ومكرمة من الله.. ألا ترى أنه قال: ~~)ما ألبسك الله( والذي قال: )نهانا( فإنما هي للعامة. # وأما الذي يتخذ آنفا من ذهب أو سنا، فليس ذلك من اللباس ولا التحلي. # حدثنا حميد بن علي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )حدثنا ~~إسماعيل بن عبد الله بن أبي، قال: أصيب أنفي، فأمرني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن اتخذ أنفا من ذهب(. # حدثنا علي بن محمد بن مروان السدى، حدثني أبي، حدثنا هشام بن عروة، عن ~~أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: انكسر سن لعبد الله بن عبد الله بن ~~أبى، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل مكانه سنا من ذهب. ~~PageV01P043 وحدثنا الجارود، حدثنا النضري، حدثنا أبو الأشهب، عن عبد ~~الرحمن بن طرقة بن عرفجة: أن جده عرفجة بن سعد أصيب أنفه يوم الكلاب في ~~الجاهلية فاتخذ أنفا من ورق، فأنتن عليه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأمره أن يتخذ أنفا من ذهب. # قلت لأبي الأشهب: عبد الرحمن أدرك جده عرفجة؟ قال: نعم. # ؟نقش الحيوان في الخاتم # وأما قوله: )ونهى أن ينقش الحيوان في الخواتيم(. # لأنه إذا نقش يحول صورة، والمصور هو الله تعالى، وقد زجر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن التصاوير، وقال: )أشد الناس عذابا المصورون، يقال لهم: ~~أحيوا ما خلقتم(. # فإذا نقش في الخاتم حيوانا، ثم ختم به في طينة أو في ms086 شيء صارت صورة. # وأما ما جاء من الأخبار في نفس من لبس من الصحابة والتابعين الخواتيم ~~التي فيها هذه النقوش، فروى عن حذيفة: أنه لبس خاتما عليه نقش كركيين ~~متقابلين، وفلان لبس خاتما فيه ذباب، وأشباه هذا - أحاديث كثيرة. سمعت ~~سفيان بن وكيع يقول: سمعت أبي يقول لما حدث بهذه الأحاديث: أن هذه خواتيم ~~العجم، فلما فتحوا كور الأعاجم غنموها، فإنما لبسوها من أجل أنها غنيمة، ~~ولم يعبئوا بذلك النقش. # حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج، حدثنا عقبة بن خالد السكوني، عن أبي أمية ~~بن يعلى الثقفي، عن أبي الزناد، قال: رأيت في يد أبي بردة بن أبي موسى ~~خاتما من فضة عتيق، عليه أسدان متقابلان، بينهما رجل يلحسانه. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فهذا خاتم قد روى في الأخبار أنه خاتم ~~دانيال عليه السلام، لما فتحت تستر غنموه وأميرهم أبو موسى فأصابه في ~~الفىء، وذلك أن دانيال عليه السلام لما ألقى في البئر، وفيه أسدان قد خرجا ~~فجعلا يلحسانه - كي يكون نصب عينيه عطف الله عليه. فلما لبسه أبو موسى رضي ~~الله عنه لم يغيره عن حاله. وهذا كما فعل داود عليه السلام أحب أن تكون ~~الخطيئة نصب عينيه، فسأل ربه أن ينقشها في كفه، ففعل، فكان إذا رآهما ~~اضطربت يده فوقع الإناء من يده. # نقش إسم الله تعالى على الخاتم # وأما قوله: )ونهى أن ينقش إسم الله على الخاتم(. # فهذا تأديب وحسم على الناس لكي يعظموا إسم الله تعالى؛ فإنه يلبس ذلك ~~ويدخل في الخلاء ويستنجي. وهذا إنما نهى عن هذا الإسم خاصة فيما نعلم؛ لأن ~~الله تعالى لا يشركه أحد فيه بنو آدم فيسموا بها، فإن نقش بها، على ~~الخواتيم لم يكن داخلا في هذا النهي عندنا. وإنما خص إسم الله تعالى؛ لأن ~~إسمه الذي هو إسمه من العظمة أن يجل هذا الإسم عن أن يدخل به المواضع ~~الدنيئة. # وأما ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نقش خاتمه ثلاثة أسطر " ~~محمد رسول ms087 الله الله " : محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، فلم يجئنا أنه ~~كان يدخل به الخلاء. # حدثنا أحمد بن مدرك الهروي، حدثنا عون بن جعفر، عن مسرف بن أبي معاذ، عن ~~صالح بن مرداس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: لما ارتقى ~~موسى عليه السلام جبل طور سيناء رأى الجبار في أصبعه خاتما، فقال: يا موسىن ~~ما هذا؟ قال: يا رب حلى من حلى الرجال. # قال: فهل عليه شيء من أسمائي أو كلامي؟ قال: لا يا رب: قال: فاكتب عليه ~~لكل أجل كتاب. # حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا شباب بن خليفة، حدثنا الأنصاري، عن أبيه، عن ~~ثمامة بن عبد الله بن أنس: أن نقش خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة ~~أسطر: )محمد رسول الله(. # حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبري، حدثنا ~~أبي، حدثنا محمد بن ثابت البناني، حدثني أبي، عن أنس، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أنه اتخذ خاتما من ورق نقشه " محمد رسول الله " . # حدثنا يحيى بن أحمر الطائي، حدثنا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، ~~عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من فضة ونقش فيه " ~~محمد رسول الله " وقال: " لا ينقش أحد على نقشه " . # حدثنا محمد بن بشار العبدي، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا زمعة ابن صالح، ~~عن سلمة بن وهرام، عن يعلى بن أمية، قال: صنعت لرسول صلى الله عليه وسلم ~~خاتما لم يشركني فيه أحد، ونقشه؛ " محمد رسول الله " . PageV01P044 حدثنا ~~محمد بن ميمون المكي، حدثنا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر ~~قال: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب، ثم ألقاه، ثم اتخذ ~~خاتما فضة، فجعل فصه من باطن كفه، ثم نقش عليه " محمد رسول الله " وقال: ~~)لا ينقش أحد على نقش خاتمي(.قال أبو عبد الله رحمه الله: معناه أنه إنما ~~نقش ليختم به الكتب، وذلك أنه ms088 قيل له: إن الملوك لا يقرون الكتاب إذا لم ~~يكن مختوما، فلذلك قال: لا ينقش على مثل نقشه؛ لاشتباه الأمر، ودخول الضرر. ~~وكذلك خاتم الخلافة ممنوع أن نقشه على مثل نقشه لاشتباه الأمر. # وأما قوله: )جعل فصه مما يلي بطن كفيه( فذلك عندنا بمعنى دخول الخلاء. # حدثنا أبو الربيع الأيادي، حدثنا إسحاق بن نجيح الملطي، عن ابن جريج، عن ~~عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قال: كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من فضة، وكان يجعله مما يلي راحته. # حدثنا أبو الربيع الأيادي، حدثنا إسحاق بن نجيح الملطي، عن ابن جريج، عن ~~عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قال: كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من فضة، وكان يجعله مما يلي راحته. # حدثنا أبو الخطاب الحرشي، حدثنا زياد بن يحيى، حدثنا عبد الله بن ميمون ~~القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه. # وحدثنا بشر بن القاسم النيسابوري، حدثنا ابن نمير، حدثنا إبراهيم بن ~~الفضل، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الله بن جعفر: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يتختم في يمينه. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فهذا لحال الإستنجاء، كأنه كره أن يستنجي ~~والخاتم فيه ذلك النقش. حدثنا الجارودن حدثنا يحيى بن الضريس، عن عبد ~~العزيز بن أبي رواد، قال: سالت عكرمة عن الرجل يدخل الخلاء وعليه خاتم فيه ~~اسم الله؟ قال: يجعل فصه في كفه، ثم يقبض عليه، فيكون كالقرآن في صدره. # الصلاة بعد العصر وبعد الفجر # وأما قوله: )ونهى عن الصلاة في ساعتين: بعد العصر، وبعد الفجر(. # ففي النهار ثلاث ساعات الصلاة فيهن محرمة: وفي وقت طلوعها، ووقت زوالها، ~~ووقت غروبها. فحسم على الناس باب الصلاة بعد العصر وبعد الفجر حتى لا يقعوا ~~في الوقت المحرم، فالساعات محرمة فيها بعد الفجر وبعد العصر منهي عنها. # حدثنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله ms089 بن المبارك، حدثنا ~~موسى بن علي بن رباح اللخمي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، قال: ثلاث ساعات ~~نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر موتانا: حتى ~~تطلع الشمس بازغة، وحين يستوي الزوال، وحين تضيف للغروب حتى تغرب(. # صيام ستة أيام؟ # وأما قوله: )ونهى عن صيام ستة أيام: يوم الفطر، ويوم النحر، ويوم يشك فيه ~~من رمضان، وثلاثة أيام بعد النحر(. # فأما قوله: )يوم الفطر( فيكون فصلا بين الفريضة والتطوع. # وأما " النحر " فلأكل القربان؛ لأنه طعمة الله، قال: (فكلوا منها وأطعموا ~~القانع والمعتر) فبدأ بالأكل، ثم الإطعام. وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يطعم يوم الفطر قبل أن يخرج، ولا يطعم يوم النحر حتى يرجع فيأكل من ~~لحم الأضحية، كأنه أحب أن يكون على ريق الغذاء، فيرجع فيذبح الأضحية فيأكل ~~منها، فكان يأكل من كبدها؛ لأنه موضع الرحمن من كل ذي روح، فذاك كالتداوي ~~والإستشفاء فيه. # وأما " يوم الشك " فمن أجل أنه إذا صام فكأنه زاد في الفرض، وذاك إذا صام ~~على انه من الفرض، وأما إذا صامه تطوعا فقد فعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكان يصوم شعبان كله يصله إلى رمضان، كأنه يتأول في قول الله تعالى: ~~(فصيام شهرين متتابعين توبة من الله). PageV01P045 وأما " أيام النحر " فهي ~~أيام خروج الناس من الإحرام. وإذا حظر الله على العباد شيئا فانتهى وقت ~~الحظر أحب أن يرجعوا إلى إطلاقه. ألا ترى أنه قال: (لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم) ثم قال: (وإذا حللتم فاصطادوا) وقال: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) ثم قالك (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض) فكان عبد الله من بشر إذا قضى الصلاة خرج ثم عاد إلى المسجد، فأحب ~~أن يطلق ويراهم مطلقتين، كما رآهم في الحظر محظورا عليهم. فكانوا في ~~الإحرام، فإذا فرغوا أحب الله الله تعالى أن يراهم محلين... ألا ترى إلى ~~قوله عليه السلام: )أيام التشريق أيام أكل وشرب وبعال(. وكان القوم ms090 في ~~الإحرام ممنوعين من التبعل، فلما أطلقوا أحب الله لهم ذلك، فنهوا عن صيامه ~~ليكونوا في هيئة المطلقين المحلين من إحرامهم، وليتقوى الذاكر على ذكره؛ ~~فإنها أيام ذكر. # واعتبر برجل له عبد، قيد عبده، ثم أطلقه، فثبت على مكانه كالملقى نفسه ~~كسلا، فهذا مستثقل وخم، بعيد عن الكياسة، لا يفرح بإطلاقه، فكأنه لم يعبأ ~~به.. ألا ترى إلى قوله: )إن أحب عبادي إلى أعجلهم فطرا(. فهذه مبادرة إلى ~~رخصته، فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. # وكذلك نهى عن صيام الأضحى والفطر فيما نرى ليخرج من صومه يوم الفطر، ~~وليأكل من لحم أضحيته يوم النحر. حدثنا سعيد المخزومي، عن سفيان بن عيينة، ~~عن الزهري عن أبي عبيد، قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ~~فبدأ بالصلاة، ثم خطب فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهىعن صيام ~~هذين اليومين، أما يوم الفطر ففطركم من صيامكم، وأما يوم الأضحى فتأكلون من ~~لحوم نسككم. فقد بين عمر رضي الله عنه العلة فيه. # سفر المرأة فوق ثلاث دون زوج أو ذي محرم # وأما قوله: )ونهى أن تسافر المرأة فوق ثلاث إلا مع زوج أو ذي محرم(. ~~PageV01P046 فهذا توقيت ومقدار السفر الذي يقدر فيه لقصر الصلاة وانقطاع ~~المسح على الخفين، كأنه رأى أن ما دون مسيرة ثلاث وإن كان يسمى سفرا فليس ~~بذلك السفر الذي يوجب العذر. وإن غابت المرأة عن وطنها، فليست تلك غيبة ~~غربة؛ لأن في الغربة تضييعا لافتقاد الأحوال: أحوال الوطن.. ألا ترى إلى ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: )من مات غريبا مات شهيدا(، فإنما صار ~~هكذا لأنه افتقد أحوال التربية والنعمة والتغذية. وهذا كله نصيب النفس؛ ~~فإنما تحب الحياة، فإذا افتقدت هذا كله فما تصنع بالحياة؟ فيجد القلب حينئذ ~~الزهادة والخلاصة من شهوات النفس، فيقدر أن يحتسب بنفسه على الله، فكتب ~~شهيدا، لأن الشهيد هو الذي احتسب نفسه على الله.. ألا ترى إلى قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ms091 )الشهداء أمناء الله قتلوا أو ماتوا(. فإنما صار ~~أمينا إذا تخلص العبد من إيثار النفس وأحب الموت وتمناه، فذلك قد سلم نفسه ~~إلى الله، واحتسب بها عليه. ومن لم يخلص قلبه من أسر النفس، فنفسه متشبثة ~~بحب الحياة الدنيا للشهوة الغالبة، فهو فار من الموت، فإذا مات لم يكن ~~شهيدا، وليس هو من أمناء الله؛ لأن الأمين من إذا أعطى شيئا عاريةن فيسال ~~الرد، رده بلا كره. والخائن من قد ولج في رده حتى يؤخذ منه بغير طيبة نفسه، ~~قال الله - عزوجل - عندما قالت اليهود والنصارى: نحن أولياء الله: (قل يا ~~أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس، فتمنوا الموت إن ~~كنتم صادقين)، ثم أعلم العباد الذي منعهم من ذلك فقال: (ولا يتمنونه أبدا ~~بما قدمت أيديهم). فمن قدم سوءا، فهو عبد آبق، فار من الله تعالى؛ فكيف ~~يتمنى القدوم عليه؟ وكيف تطيب نفسه بالموت؟ وكيف يكتب شهيدا، والشهيد من ~~يختار وجه الله ورزقه هناك عنده في محل القربة ليشهده، فيلزمه هذا الإسم؟ ~~فأخبر أن الولي يتمنى الموت، وكذلك المقتول في سبيل الله سلم نفسه إلى الله ~~بذلا فقلل الإسم، وكذلك المطعون أيس من الحياة، وكذلك النفساء أيست من ~~الحياة فطابت نفسها بالموت فهي باذلة، وكذلك الغريق، وصاحب الحرق، وكذلك ~~صاحب الهدم، والمبطون؛ فهؤلاء كلهم قد طيبوا أنفسهم بالموت، واحتسبوا على ~~الله، وتركوا الخيانة في شأن الروح لما أيسوا من الحياة، فقبل الله ذلك ~~منهم، وألحقهم بالشهداء. فهذا الغريب قد لحق بهم أيضا من أجل ما وصفنا أنه ~~لما اقتقدت نفسه تلك الأشياء طلب الموت وسلس قيادة وتخلى عن تشبث النفس ~~بها، فخرج من الخيانة، وصار من الشهداء، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صير توقيت الثلاث اغترابا، وما دون ذلك حكمه حكم الحضر، وإنما سمى حضرا ~~لأنه تحضره النعمة والتربية، وسميت غربة لأنه أغرب نفسه وتباعد، وسمى سفرا ~~لأنه أسفر عن النعمة إلى البراز. # إحراق شيء من الحيوان بالنار # وأما قوله: )ونهى أن يحرق ms092 شيء من الحيوان بالنار(. # فإنه ليس لأحد أن يعذب بعذاب الله. والنار مثلة، والمثلة تشبه بفعل الله؛ ~~لأن الله تعالى يعذب بالنار إذا عاقب. # وقد جاء حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شان الحية، حدثنا عمر ~~بن أبي عمر، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن إدريس، عن شريح، عن عمرو بن ~~دينار، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود،عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمنى فمرت حية، فقال صلى الله عليه وسلم: " اقتلوها " ~~فسبقتنا إلى جحر فدخلتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )هاتوا بسعفة ~~ونار فأضرموها عليه نارا( قال نعيم: حدثت به ابن أبي عتبة وابن إدريس حي، ~~فجعل يتعجب، فلم يصبر حتى قام إليه وسمع منه. # قال أبو عبد الله - رحمه الله - : وليس هذا الحرق، ولكنه لما فاتتهم وهي ~~عدو لهم احتال في إيصال الهلاك إليها لما أحب أن يقيم العداوة التي نصبها ~~الله بينهم حيث قال: (اهبطوا بعضكم لبعض عدو) فإقامة عداوتك في شأن الحية ~~وشأن إبليس مما يتقرب به إلى الله، فلما ابتدروا قتلها سبقتهم، فاحتال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لقتلها كي يخفر ذمة إبليس، ويقيم العداوة التي ~~نصبها الله بينهم، وينتصر إلىالحق، فإنها مالت إلى الباطل وإلى إبليس، ~~فألقى النار على الصخرة كي تحمي فتموت غما فليس ذلك حرقا. PageV01P047 ~~وكانت الحية أقيمت في الجنة لخدمة آدم عليه السلام، وكانت ذات قوام ولها ~~عرف كأحسن من بين نابيها، حتى دخل وكلمه منها، فلعنت ولعن إبليس، وسلبت ~~قوائمهان وجعلت تمشي على بطنها، وجعل رزقها في التراب، وقال لها إبليس: أنت ~~في ذمتي، فلا تخافي من الذي أصابك. فكان ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: ~~اخفروا ذمة عدو الله. فلما لعنت تكلمت، فروى في الخبر أنه قال لها الرب ~~تعالى: وتتكلمين أيضا، فشق لسانها حتى خرست. # حدثنا الهاشمي، حدثنا عبد الرزاق، عن عمر بن عبد الرحمن، قال: سمعت وهب ~~بن منبه يقول: قال الله تعالى لآدم ms093 عليه السلم عندما أكل من الشجرة: ملعونة ~~الأرض التي منها خلقت لعنة يتحول ثمارها شوكا. ولم يكن في الأرض ولا في ~~الجنة شجرتان أفضل من الطلح والسدر، ثم قال: يا حواء، غررت عبدي؛ فإنك لا ~~تحملين حملا إلا حملتيه كرها، فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفت على ~~الموت مرارا. وقال للحية: أنت الذي دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي؛ ~~ملعونة أنت لعنة تتحول قوائمك في بطنك، ولا يكون لك رزق إلا التراب؛ أنت ~~عدو بني آدم، وهم أعداؤك، أين لقيت واحدا منهم أخذت بعقبه، وحيث لقيك شدخ ~~رأسك. # قال أبو عبد الله - رحمه الله - : فهذه عداوة أصلية متأكدة يتقرب بها إلى ~~الله، وإنما أعطيت السم في نابها لمتنع به عن ولد آدم. ولتحذر فتقتل؛ ولذلك ~~قال رسول الله صلى الله عليه نوسلم: )اقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في ~~الصلاة(. حدثنا بذلك عبد الوهاب بن فليبح، حدثنا عبد العزيز عبد الصمد، ~~حدثنا بذلك عبد الوهاب بن فليح، حدثنا عبد العزيز عبد الصمد، حدثنا هشام ~~أبو المقدام، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وحدثنا محمد بن موسى الحرشي، حدثنا عبد الرحيم، بن زيد العمى، عن ~~أبيه، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. # وأبيح للمحرم قتلها. حدثنا قتيبة، عن ليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )خمس يقتلن في الحرم: منها الحية(. # وحدثنا يزيد بن عمرو بن يزيد البزاني عبد الله الفتوي، حدثنا أحمد بن حرب ~~الغساني، حدثتني ساكنة بنت الجعد، عن سري بن نبهان الغنوية، قالت: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: )اقتلوا الحية: صغيرها وكبيرها، ~~وأسودها وأبيضها؛ فإن من قتلها كانت له فداء من النار، ومن قتلته كان ~~شهيدا(. # قتل الجان # أو ماقوله: )ونهى عن قتل الجان(. # فذلك طائفة منالجن قد أنست بالمسلمين، ولهم مساكن في بيوتات المسلمين، ~~وخلقتهن خلقة الحيات. ms094 فهم الجان، فإذا قتلوا أضروا بالقاتل: أولياءه ~~وعشيرته. وروى لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه زجر عن ذلك. حدثنا ~~بذلك سفيان بن وكيع، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدثني صيفي، عن أبي ~~سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )إن بالمدينة نفرا من ~~الجن أسلموا، فمن رأى شيئا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا، فإن بد له بعد ~~ذلك فليقتله؛ فإنه شيطان(. # حدثنا الزبير بن بكار الزبيري، حدثنا سعيد بن سعيد المقبري، عن أخيه، عن ~~جده أبي سعيد الخدري، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، فخرج ~~معه فتى من بني خدرة هو حديث عهد بعرس، فاستأذن رسول الله صلى الله ~~عليهوسلم أن يطالع أهله، فأذن له، فخرج الفتى وفي يده رمح حتى دخل الدار، ~~فوجد زوجته بباب حجرته جالسة، فافزعه ذلك، فقال: ما أخرجك من بيتك؟ قالت: ~~حية مطوية على فراشك، هي التي ذعرتني. فدخل الفتى فركزها برمحه ثم خرج بها ~~في الرمح ترتكض فماتت، ومات الفتى من ساعته. فذكر ذلك لرسول الله صلىالله ~~عليه وسلم فقال: )لا تقتلوا شيئا تجدوه في البيوت منهن حتى تقدموا(. # وحدثنا محمد بن أيوب السختياني، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن ~~صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قال ~~رسول الله صلىالله عليه وسلم: )الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون ~~في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون(. PageV01P048 قال: وزاد ~~فيه غيره عن أبي أسامة، عن أبي المنيب، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، ~~عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )خلق الله الجن ~~ثلاثة أثلاث: فثلث كلاب وحيات وخشاش الأرض، وثلث ريح هفافة، وثلث كبني آدم ~~لهم الثواب وعليهم العقاب. وخلق الله الإنسان ثلاث أثلاث: فثلث لهم قلوب لا ~~يعقلو بها، ولم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها؛ إن هم إلا ~~كالأنعام، بل ms095 هم اضل. وثلث أجسامهم أجسام آدم عليه السلام وقلوبهم قلوب ~~الشياطين. وثلث في ظل يوم لا ظل إلا ظله(. # حدثنا ابن أبي مسرة، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا حاتم بن إسماعيل، ~~حدثنا إسماعيل بن مجمع، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، حدثني عمر بن الخطاب: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل ذوات البيوت - يعني الجان. # وحدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن أبي قيس الأودي، عن علقمة، ~~قالك اقتلوا الحيا كلها إلا الجنان الذي كأنه ميل فإنه جنها، ولا يضر أحدكم ~~كافرا قتل أو هو - يعني الحيات(. # حدثنا صالح بن محمد، حدثنا يحيى بن واضح أبو ثميلة، حدثنا ربيع بن بدر: ~~الجان التي نهى رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها هي التي ~~تمشي ولا تلتوي(. # حدثنا نصر بن فضالة،عن محمد بن سلام البيكندي عن ابن المبارك، قال: علامة ~~الجنية أنها إذا مشت لا تلتوي. # تقبيل الرجل الرجل أو التزام الرجل الرجل # وأما قوله: )ونهى أن يقبل الرجل الرجل، أو يلتزم الرجل الرجل(. # فهذا فعل يدعو إلى ريبة وفساد. فهذا للعامة، وليس كل الناس يستوي. # وحدثنا صالح بن محمد، حدثنا قبيس بن الربيع، عن الأجلح بن عبد الله ~~الكندي، عن الشعبي، قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أتاه ~~البشير بأن جعفر قد خرج من أرض الحبشة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~)لا أدري بأيهما أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر( فخرج يتلقاه، فالتزمه، وقبل ~~بين عينيه. # قال أبو عبد الله - رحمه الله - فالإلتزام والتقبيل من فعل الأولياء وأهل ~~المحبة، والعامة نفوسهم معهم، والخيانة معهم كائنة. فالأولياء قد تنزهوا ~~وبرئوا من الخيانة.. ألا ترى أنه قبل بين عينيه؛ وذلك أن المأخوذ بالناصية ~~الذي قد أخذ بناصيته إلى الله. # الإنحاء أو السجود لغير الله # وأما قوله: " ونهى أن ينحني الرجل للرجل، أو يسجد لأحد غير الله(. # فهذا تواضع وعبادة، ولا يستحق ذلك أحد غير الله؛ لأن الإنحناء ms096 كالركوع، ~~والركوع لله. وقد كان في الأمم قبلنا إذا لقى الرجل الرجل انحنى له، يريد ~~بذلك أمانة. فأكرم الله عز وجل هذه الأمة بتحية أهل الجنة، وخصهم بها فجعل ~~السلام أمانا بينهم. # حدثنا محمد بن علي الشقيقي، حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن عباس، حدثنا أبو ~~سلمة الحمصي، عن يحيى بن خالد: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: ~~السلام أمان الله في الأرض. # وحدثنا الشقيقي، حدثنا أشعث بن سوار، عن كردوس بن عياش، عن ابن مسعود - ~~رضي الله عنه - قال: السلام إسم من أسماء الله تعالى؛ فأفشوه بينكم نصحا من ~~عند قلوبكم. معناه أن يكون في ذمة أمانك في الظاهر والباطن، فلا تؤذه ولا ~~تخنه بفعلك، ولا تضمر له على سوء، ولا تحله من رحمتك ورأفتك ونصحك. # حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أوفى، عن أنس، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: )إن الله تعالى أعطاني ثلاث خصال لم يعطها ~~أحدا قبلي: السلام وهو تحية أهل الجنة، وصفوف الصلاة وهي صفوف الملائكة، ~~وآمين.. إلا ما كان من موسى وهارون(. معناه أن موسى دعا وأمن هارون عليهما ~~السلام، وهو قول: (ربنا اطمس على أموالهم) الآية، فقال: (قد أجيبت ~~دعوتكما). قال أبو عبد الله - رحمه الله - : فجعل لهذه الأمة بدلا من ~~الإنحناء السلام، فإن عاد إلى ذلك فقد رفض كرامة الله. # شرب الخليطين # وأما قوله: )ونهى عن شرب الخليطين: البسر والتمر(. # فهو من أجل أنه إذا اختلط النيىء بالنضيج اشتد وقواه. # الذبح بالسن أو الظفر # وأما قوله: )ونهى أن يذبح بالسنب والظفر(. # لأنه لا يقطع قطع الشيء الحاد، وإنما يبرد الأوداج ويمزقها فيصير كهيئة ~~الموقوذة، وإذا لم يقطع الودج لم يسل الدم، فجمد فيه، فصار آكلا للدم. # المثلة # وأما قوله: )ونهى عن المثلة(. PageV01P049 فالمثلة تشبه وتمثل بالخلائق، ~~وتبديل خلقه تعالى. # الإنتباذ في الدباء والحنتم والنقير والمزفت # وأما قوله: )ونهى عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت: أن ينبذ في شيء ~~منها(. # وذلك أن الدباء هو القرع، فإذا اشتد ms097 فيه وغلا لم يشعر، وكذلك الحنتم وهي ~~جرار مقبرة، وكذلك النقير وهو خشب منقور مجوف، والمزفت، وهو الذي قد ضرب ~~بالزفت. # فهذه أوعية لا تنشق إذا إلى ما فيها فيعلم به صاحبه فيجتنبه. فإنما حرم ~~عنه باب شرب النبيذ الذي يغلي ويشتد، والمراد منه هذا. ثم لما استحكم تحريم ~~كل مسكر في قلوبهم فاجتنبوه، قال: )إن الأوعية لاتحرم شيئا ولا تحله( أدخلي ~~عنهم فقال: )اشربوا من الأشربة ما طاب لكم، فإذا خبث فذروه(. حدثنا بذلك ~~صالح بن محمد، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # حدثنا أبي، حدثنا الحماني وعفان قالا: حدثنا أبو الأحوص، عن يحيى بن ~~التميمي، عن عمرو بن عامر، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: )كنت نهيتكم عن الأوعية، فاشربوا فيها، ولا تشربوا مسكرا(. # وقال عثمان رضي الله عنه: اشربوا فيها ما شئتم، فمن شاء أو كي سقاه على ~~إثم. حدثنا حفص بن عمر، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا فرق ~~السنجي، حدثنا جابر بن زيد: أنه سمع مسروقا يحدث عن ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: )كنت نهيتكم عن هذه الظروف، فانتبذوا فيها، ~~واجتنبوا كل مسكر(. # حدثنا ابن أبي مسرة، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا عبد الله بن وهب، ~~حدثنا إبن أبي صالح، عن أيوب بن هلال، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: )ألا إن وعاء لا يحل شيئا ولا يحرمه، وكل ~~مسكر حرام(. # ؟التنخم في قبلة المسجد # وأما قوله: )ونهى عن التنخم في قبلة المسجد(. # فالقبلة لها حرمة عظيمة؛ لأنها قبالة بيت الله، وقباله معلمه، وقبالة ~~البيت المعمور، وقبالة العرش. والنخامة فضول الرأس والصدر، فلا يرمى بها في ~~القبلة، فيكون كالشيء الذي لا حرمة له.. ألاترى أنه ليس من الأدب أن يبزق ~~الرجل عن يمينه ولا أمامه، وكذلك روى عن رسول الله ms098 صلى الله عليه وسلم أنه ~~زجر عن ذلك، وقال: )عن يساره أو تحت قدمه(. # ؟البزاق في البئر الذي يشرب منه # وأما قوله: )ونهى عن البزاق في البئر يشرب منه(. # فمن أجل أن هذا إفساد على كل مستقى يعاف ويقذره، ولعله أن يكون في بعض ~~بزاقه ماخالطه دم؛ فإنه ينجس بئره من حيث لا يعلم(. # ؟تغيير الحدود بغير حق # وأما قوله: )ونهى أن يحول شيء من تخوم الأرض، قال: ومن فعل ذلك فعليه ~~لعنة الله(. # فالتخوم: الحدود فإذا حول أو غضب أو أخذ من أرض غيره، فقد روىعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: )من ظلم شبرا من الأرض، فأخذه بغير حق، طوقه الله ~~من سبع أرضين(. # وذلك أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، جعلها بساطا لعباده، وصير ~~فيها معاشهم، ثم ملكهم على مقاديره؛ فمن تعدى حده الذي أذن له فيه، فأخذه ~~من غير الوجه الذي أذن فيه، صار غاصبا لأرض الله. وهي أرض واحدة فتقت فجعلت ~~سبعا، فالغاصب لها يطوق ذلك الذي غصبه من سبع أرضين، حتى يجىء بها يوم ~~القيامة في عنقه(. # ووجدنا ملك الأشياء كلها إنما أذن الله تعالى للعباد في تناولها من ستة ~~اوجه للأغنياء، ومن ثمانية أوجه للفقراء: من الغنيمة، والتجارة، والوصية، ~~والهبة، والهدية، والميراث.. فهذه ستة للأغنياء، وللفقراء زيادة وجهين: من ~~الصدقة، واللقطة. فما تناولوا من الدنيا من هذه السبل الثمانية أبيح لهم ~~وسائر ذلك حرام. # ؟الوصال في الصوم وأما قوله: )ونهى عن الوصال في الصوم(. # فإنه إذا واصل ترك هدية الله، وذلك أن الله تعالى أهدى إلى هذه الأمة ~~الغذاء المبارك، وهو السحورن جعله طعمة لهم؛ فهو تارك طعمة.. ألا ترى إلى ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: )السحور هو الغذاء المبارك؛ فتسحروا ولو ~~بجرعة من ماء(. PageV01P050 فالآدمي إنما له طعامه غدوا وعشيا، علىهذا ركب ~~وغذى. وكذلك في الآخرة لهم رزقهم منها بكرة وعشيا. فالصائم من الأمم ~~الماضية أمر بترك غذائه إلى عشائه فصيرها واحدة، فعطف الله على هذه الأمة ~~فجمع ms099 لهم الغذاء والعشاء، ولم يحل بينهم وبين ذلك، وإنما أمرهم أن يقدموا ~~هذا الغذاء قبل طلوع الفجر العشاء بمكانه في وقت يجمع لهم في صومهم الأمرين ~~جميعا. # وسائر الأمم كانوا إذا تعشوا حرم عليهم إلى مثلها من اليوم الثاني، وكذلك ~~كان في بدء هذه الأمة، فسمح الله لهم في ذلك، فقال: (علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم). فالتوبة من الله الرحمة والعفو ~~والجود؛ فرحم وجاد وقال: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) فإذا واصل ~~الصوم ذهب هذا كله. وأيضا خلة أخرى: إن كل يوم فرض على حدة، فإذا واصل لم ~~يكن فصل بين الفرضين. # ؟التبتل # وأما قوله: )ونهى عن التبتل(، وقال: من لم ينكح فليس منا(. # فالتبتل عن النساء: رفض النكاح، وقال صلى الله عليه وسلم: تزوجوا توالدو، ~~فإني مكاثر بكم الأمم(. وهذه أمة محبوبة مرحومة، فيحب أن يكثروا. # قال: وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: )ما أحل الله حلالا ~~أحب إليه من النكاح، وما أحل حلالا أبغض إليه من الطلاق(. حدثنا يحيى بن ~~أحمر الطائي، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن حميد بن مالك اللخمي، عن مكحول، عن ~~معاذ بن جبل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا تبتل ذهب كله. # قال: وروى عن سعيد بن المسيب: ان النبيين عليهم السلام فضلوا بكثرة ~~الجماع لما فيه من اللذة. # وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: )أعطيت قوة أربعين رجلا ~~في النكاح وأعطى المؤمن قوة عشرة(. # قال: وروى عنه: أنه شكا إلى جبريل عليه السلام قلة الجماع، فتبسم جبريل ~~عليه السلام حتى تلألأ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثناياه، ثم ~~قال: أين أنت من الهريسة؛ فإن فيها قوة أربعين رجلا. حدثنا بذلك عمر بن أبي ~~عمر، حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي، حدثنا أرطأة بن المنذر السكوني، عن مكحول ~~عن أبي هريرةن عن رسول ms100 الله صلى الله عليه وسلم مثله. # قال أبو عبد الله رحمه الله: في التبتل انقطاع النسل، وفقد ما خص الله ~~تعالى به هذه الأمة من شأن النكاح.. ألا ترى قوله: (فاتوا حرثكم أنى شئتم، ~~وقدموا لأنفسكم) فروىعن عطاء أنه قال: التسمية عند النكاح. ثم قال: (واتقوا ~~الله واغلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين) وقال صلى الله عليه وسلم: )إن من ~~سنتي النكاح(. # ؟القزع # وأما قوله: )ونهى عن القزع(. # وهو أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضه، فهذا تشبه بالقسيس. # وذكر شرح هذا بتمامه في نوادر الأصول في بابه. # ؟بيع السمك في الماء # وأما في قوله: )ونهى عن بيع السمكة في الماء(. # فهذا أيضا غرر لا يدري يصيبه أم لا.. وقد نهى عن بيع الغرر. وهذا ~~وأشباهه، وكل بيع على خطر، لا يدري صاحبه أيقدر على تسليمه أم لا؛ فهو غرر، ~~وأخذ ماله ولم يعط شيئا. # ؟بيع المضامين والملاقيح وأما قوله: )ونهى عن بيع المضامين والملاقيح(. # وهو أن يقول: أبيعك ما تضمن بطن هذه الجارية، أو هذه الناقة، أو ما يلقح ~~العام. # ؟بيع حبل الحبلة # وأما قوله: )عن بيع حبل الحبلة(. # وهو أن يقول: أبيعك حبل هذا الحمل الذي ظهر في البطن، فإذا ولدت وكبرت، ~~فأناأبيعك الآن ذلك الحبل الذي يتوقع من هذا الحبل. # فهذا كله باطل كلام وربح؛ أخذ ماله على كلام يرجو. # ؟بيع المصاحف # وأما قوله: )ونهى عن بيع المصاحف( PageV01P051 فمن أجل أن ذلك الذي فيه ~~كتاب الله تعالى وكلامه، فليس لأحد ان يأخذ عليه ثمنا. ومن رخص فيه، فإنما ~~يرخص من أجل أنه رأى البيع واقع على الورق والرق.. ألا ترى ان الدراهم ~~البيض يتبايع بها وفيها سورة ثابتة، فلا يقع البيع على الكتابةن وإنما يقع ~~يقع على الفضة. كذلك العلم لا يباع، وإذا بيعت فإنما تقع على الصحف، لا على ~~العلم الذي فيه. وهذا النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأديب. وقد ~~كره ذلك كثير من العلماء، ورخص فيه آخرون لما ذكرت. # ؟إستئجار الأجير دون أن ms101 يعلمه أجره # وأما قوله: )ونهى أن يستأجر أجيرا حتى يعلمه أجره(. # فهذا من أجل أنه شرط علما، ولم يشترط أجرا، ولم يتعاقد على شيء، وإن ~~تنازعا اشتبه الأمر، ويؤدي إلى المجازفة والخصومة، فلا ينبغي له أن يقدم ~~على ما يعقب مثل هذا، فإنه فساد. فإذا لم يعلم أجره، فقد استعمل الجهل، ~~ويلزمه أجر مثله. # ؟منع الجار أن يغرز خشبة في جداره # أما قوله: )ونهى أن يمنع جاره أن يغرر خشبة في حائطه(. # فهذا إقامة لحرمة الجار، وفي منع ذلك قطيعة ووحشة وتباغض، وفي الحكم له ~~أن يمنع ذلك؛ لأنه ملكه، ولكن منعه يؤدي إلى فساد وتباين، وهو في ذلك مسقط ~~لحرمة الجار، وهو عندي داخل في منع الماعون إن شاء الله تعالى، وقد قال ~~الله تعالى: (فويل للمصلين، الذين هم ع، صلاتهم ساهون. الذين هم يراءون. ~~ويمنعون الماعون). والماعون هو كل شيء مرتفق به ويمتهن، ورأسهن الركوة، ثم ~~من بعده العواري مثل: الفأس، والدلو، والقدر. # بيع الحيوان بالحيوان نسيئة # وأما قوله: )ونهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة(. # فمن أجل أنهما إذا تبايعا بذلك بتعاين على شيء يعلمان مالذي وجب كل واحد ~~منهما ما وجب له عليه، فإذا تبايعا والحيوان معلوم متفاوت، فرب بعير خير من ~~خمسة أبعرة، فلم ينعقد بيعهما على معلوم، وهذا مجهول. # وإنما البيع عن تراض، فلو تنازعا لم يدر واحد منهما ما وجب له عليه، فإذا ~~تبايعا والحيوان معلوم في نفسه غائبا كان أو حاضرا فهو جائز؛ لأن البيع وقع ~~على عين معلوم، فيدريان مايتطالبان وما وجب على كل واحد منهما. # ؟عقر المواشي في دار الحرب دون ضرورة وأما قوله: )ونهى عن عقر المواشي في ~~دار الحرب(. # فمن أجل أنه فساد، وكذلك إحراق الزرع. # المبارزة بدون إذن الإمام # وأما قوله: )ونهى عن المبارزة بغير إذن الإمام(. # لأن الإمام إنما نصب ليؤتم به في أمر الحرب؛ لأنه يوفق من أجل العسكر ~~مالا يوفق لواحد من نفسه. وربما بارز فأصيب. وفي ذلك نكاية في المسلمين وفي ~~الإمام؛ فلا ينبغي ms102 أن يفعل ذلك إلا بإذن الإمام. # ؟الإمامة بالأجر # وأما قوله: )ونهى عن الإمامة بالأجر(. # فالإمامة عبادة يعبد ربه، ويقتدي به من خلفه، والعبد لا يأخذ على عبادة ~~مولاه أجرا إلا منه، وإن أخذ فباطلا أخذه، ولا يجب له عليه شيء. # تعليم القرآن بالأجر # وأما قوله: )ونهى عن تعليم القرآن بالأجر(. # فمن أجل أن القرآن رحمة من الله تعالى وهو عهد الله، ورحمته لا تباع ولا ~~تشترى، فقال: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين). # ؟الآذان بالأجر # وأما قوله: )ونهى عن الآذان بالأجر(. # فمن أجل أن المؤذن يدعو إلى الصلاة والفلاح، فهو داع إلى الله، ولا يحل ~~أن يأخذ على الدعاء إلى الله أجرا، قال الله تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا ~~إلى الله) فإذا ابتغى أجرا، فهو كأنه يقول: إن أعطيتني أدع، وغلا لم أدعك ~~إلى الله تعالى. # بيع الولاء وهبته PageV01P052 فالولاء ونعمة تولاها المعتق على عبده إن ~~فك رقبته من الرق، وهو ولى نعمته، فإذا مات هذا المعتق فميراثه للمعتق، ولا ~~يقدر هذا المعتق أن يجعل ولاءه الذي هو له لبعض ورثته دون بعض، أو لرجل ~~أجنبي، ببيع أو هبة أو وجه من الوجوه. فإذا مات وله ورثة، فإنما ترث ورثته ~~ماله لا نعمته التي أنعم بها على مملوك فأعتقه. وإن كان المعتق ترك اثنين، ~~فمات أحد الإثنين وترك أولادا، ثم مات المعتق. وإن كان المعتق ترك اثنين، ~~فمات أحد الإثنين وترك أولادا ثم مات المعتق، فالولاء لهذا؛ لأن الباقي دون ~~أولاد هذا الأب الذي مات، وهو قوله: )الولاء للكبر) لأن الأول لما مات لم ~~يورث ولاؤه أحدا؛ لأن تلك النعمة اصطنعها إلى عبده، فإذا مات المعتق، فأقرب ~~الناس إليه من ولي فك رقبته وأنعم بها عليه، فلذلك يرث ماله. وهذا إذا لم ~~يترك ورثة، فإن مات أحد الإثنين، فإنه لم يكن ورث شيئا فيورثه ولده، فإن ~~مات والأب الأكبر حيا، فهو أولى من ولد ابن الميت. فالولاء لحمة كلحمة ~~النسب؛ فكما أن النسب لا يباع، ms103 فكذلك الولاء. # نزو الحمير على الخيل # وأما قوله: )ونهى أن تنزى الحمير على الخيل(. # فلأنه احتال في خلق الله، ومنه تكون البغال، وفي حديث آخر قالوا: يا رسول ~~الله، إن ننزي الحمير على الخيل. قال )إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون(. # وهو فعل الملوك الجبابرة، وهذا زنا من البهائم. حدثنا بذلك عمر بن أبي ~~عمر بن حفص بن عمر، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ~~ابن عباس رضي الله عنه، في قوله تعالى: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: جاء ~~جبريل عليه السلام فقال: يا يوسف أماعلمت أن الطير إذا زنا تساقط ~~ريشه،وأنالثور إذا زنا وقع الدود في قرنه، وزنا الطير أن تنزوا حمامةعلى ~~الدجاجة، وزنا الثور أن ينزو على حمار أو جنس غير جنسه(. # العرافة # وأما قوله: )ونهى عن العرافة(. # فالعريف يحتمل وزر القوم لأن فيه ظلما وتعديا غلا ما عصم الله تعالى. # وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: )لا بد للناس من عريف، ~~والعريف النار( وإن كان أراد بقوله نهى عن العرافة والكهانة وشبهه، فهذا ~~أشد وأمر؛ فإن الكاهن يقال له " عريف " وهوالذي يزعم أنه يعرف أمور الغيب، ~~وهو كاذب لايقدر على ذلك؛ إذ لم يطلع علىغيبه إلا من ارتضى. # الهجران # )ونهى عن الهجران(، وقال: من كان لا بد فاعلا فلا يهجران أخاه فوق ~~الثلاث، ومن مات مهاجرا لأخيه كانت النار أولى به(. # ففي الهجران محقرة ومذلة، قد منعه السلام وبر اللسان.. ألا ترى أنهقال في ~~شأن النساء: (واهجرهن في المضاجع) يكون تأديبا لها لأن هجران المضاجع ~~استهانة ورفض. فالهجران ن يصارم اخاه على العداوة والبغضاء، وقد هتك حرمة ~~الإسلام ونبذها وراء ظهره. فإن كان لا بد مؤدبه فثلاث ولا يجاوز. # الصرف # وأما قوله: )ونهى عن الصرف(. # فلأن عامته ربا. حدثنا يزيد بن مغفل ولد أبي طيبة، حدثنا ابن فضيل، عن ~~ليثن عن مجاهد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: )لو ms104 أن أهل الجنة تبايعوا - ولا يتبايعون - لكان بيعهم البر. ~~ولو أن أهل النار تبايعوا لكان بيعهم الصرف. وإن إبليس ليحب الصرف كما يحب ~~أحدكم ولده(. حدثنا أبو طالب الهروي، حدثنا شبيب بن سليم المصري، قال: سمعت ~~الحسن البصري يقول: لو أصابني أشد حر في الأرض ما استظللت تحت ظل صيرفي. # الاستعانة بالمشركين في الحرب # وأما قوله: رونهى ان يقاتل المشركين بالمشركين(. # لأن الاستنصار بالأعداء محال، وأن الله تعالى يعدل بعضهم ببعض فلا ~~ينصرهم، فمن أجلهم يخاف الحرمان. # قتل الصبيان # وأما قوله: )ونهى عن قتل الصبيان(. # فمن أجل أنهم ذرية، وليس لهم نكاية، ولعل الله يقبل بقلوبهم فهذا موت أن ~~يكف عن قتلهم ولا يسوقهم إلى النار، فإن لم يرزقوا الإسلام كانوا سببا ~~يرتفق بهم المسلمون، وهم بمنزلة الأموال التي يغنمونها. # عقر الخيل في القتال # وأما قوله: )ونهى أن تعقر الخيل في القتال(. # فمن أجل أنه فساد إلا عند الإستئصال إذا استحر القتال وحميت النفوس قامت ~~النصرة، فعندها يعقرون الخيل، ويكسرون غمد السيوف، ويحملون حملة اليأس من ~~الحياة. # بيع الذهب بالفضة نسيئة PageV01P053 وأما قوله: )ونهى عن بيع الذهب ~~بالفضة نسيئة( فهذا كله ربا. # بيع الذهب بالذهب # وأما قوله: )ونهى عن بيع الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن سواء بسواء(. # فهذا كله ربا، وقد شرحناه في كتاب " العلل " . # والله أعلم تم بحمد الله تعالى PageV01P054 ms105