######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_001332 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الحكيم الترمذي #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن علي بن الحسن أبو عبد الله الحكيم الترمذي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 360 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نوادر الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الضعيفة :: كتب الأحاديث الضعيفة والموضوعة :: مجموعات ومنتخبات وزوائد حديثية #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: نوادر الأصول في أحاديث الرسول #META# 030.LibURI :: JK_001332 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الرحمن عميرة #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الجيل #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1992م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV01P001 | 1 | PageV01P001 # | - * الأصل الأول # - * # | في بيان التحصين من لدغ العقرب وكلمة الاستعاذة بالكلمات # حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله ما نمت البارحة قال من أي شيء ~~قال لدغتني عقرب فقال أما انك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامة ~~كلها من شر ما خلق لم يضرك شيء إن شاء الله تعالى وفي رواية لم يضرك شيء ~~حتى تصبح PageV01P059 # وعن خولة بنت حكيم السلمية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى ~~يرتحل من منزله ذلك # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضوان الله عليهم أجمعين قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا فزع أحدكم في النوم فليقل أعوذ بكلمات الله ~~التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون فإنها ~~لن تضره فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده ومن لم يبلغ كتبها في ~~صك ثم علقها في عنقه PageV01P060 # وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين يقول أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان ~~وهامة ومن كل عين لامة # ويقول كان أبي إبراهيم يعوذ بهن إسماعيل وإسحاق عليهما السلام # قال أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين بن بشير الحكيم الترمذي المؤذن ~~كلمة الله التامة وكلمات الله التامات يؤديان إلى معنى واحد فمن قال كلمة ~~الله التامة فإنما أراد به الجملة ومن قال كلمات الله التامات فإنما أراد ~~الكلمة الواحدة التي تفرقت في الأمور في الأوقات فصارت كلمات ومرجعهن إلى ~~كلمة واحدة فكلمته التامة هي قوله تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون @QE@ # وقال الله تعالى @QB@ إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ms001 فيكون @QE@ # وإنما قيل تامة لأن أقل الكلام عند أهل اللغة على ثلاثة أحرف حرف يبتدأ ~~به وحرف يحشى به الكلمة وحرف يسكت عليه فإذا كان على حرفين فهو عندهم منقوص ~~و إنما نقصت لعلة مثل قوله يد ودم وغد وفم هذه كلها منقوصات لأنها على ~~حرفين وكذلك كن هي من الآدميين من المنقوصات لأنها على حرفين ولأنها كلمة ~~ملفوظة PageV01P061 بالأدوات ومن ربنا جل جلاله كلمة تامة لأنها ~~بغيرالأدوات و منفي عنه شبه المخلوقين وقال الله تعالى @QB@ وتمت كلمة ربك ~~@QE@ # ثم وصفها فقال @QB@ صدقا وعدلا @QE@ # أي قدسا واستواء ثم قال @QB@ لا مبدل لكلماته @QE@ أي ليس لأحد أن يعجزه ~~إذا قال لشيء كن وإنما قال بكلماته لتفرق هذه الكلمة في الأمور كلها فلكل ~~قضية ولكل إرادة من الأمور من ربنا في كل أمر كلام بقوله كن وهو ما روي عن ~~أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن الله عز ~~وجل إنما عطائي كلام وعذابي كلام # فأما قوله كن فالكاف من كينونته والنون من نوره وهي كلمة تامة بها أحدث ~~الأشياء وخلق الخلق فإذا استعاذ العبد بتلك الكلمة صارت له معاذا ووقى شر ~~ما استعاذ بها منه لأن العبد المؤمن لما عرف أن لا يكون شيء إلا ما جرى به ~~القضاء والقدر وإنما يمضي القضاء بقوله كن عظمت هذه الكلمة عنده فصارت ~~متعلق قلبه فإنما PageV01P062 تأخذه الرغبة في الأشياء والرهبة من الأشياء ~~وقلبه نازع إلى مشيئته وفؤاده مراقب لإرادته وأذنه مصيغة إلى كلمة كن وعينه ~~شاخصة إلى تدبيره # فإذا قال أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق وقي شر ما خلق وصار في ~~حصنه وارتتع في عياذه آمنا مطمئنا هذا لمن قالها بيقظة وعقل ما يقول وهذا ~~القول منه تحقيق الايمان لأنه آمن برب لا يملك أحد سواه شيئا ولا شريك له ~~في شيء وهذا لأهل اليقين الذين إذا قال أحدهم هذا القول استقر قلبه بعد ~~القول على مقالته واطمأنت نفسه # فأما أهل الغفلة ms002 فإنهم يعاذون على أقدارهم لحرمة الكلمة وهو مثل ما جاء ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا قال العبد حسبي الله سبع مرات ~~قال الله تعالى وعزتي لأكفينه صادقا أو كاذبا # فإنما قال صادقا أو كاذبا لأن السابق المقرب وهو الموقن إذا قال حسبي ~~الله صدقه بفعله فهو صادق لأنه لا يتعلق بعد ذلك قلبه بالأسباب وذلك مثل ~~قول إبراهيم عليه السلام حين وضع في المنجنيق من الجبل ليرمى به في النار ~~وعري من الكسوة وكتف بالوثاق فقال حسبي الله فعارضه جبريل عليه السلام في ~~الهواء امتحانا PageV01P063 وابتلاء وقال هل من حاجة يا إبراهيم وهو يهوى ~~في الجو فقال إبراهيم عليه السلام أما إليك فلا وقد بكت السموات والملائكة ~~وخزان المطر عليهم السلام لما حل به وجأرت إلى الله تعالى فأمر الله تعالى ~~بنصرته من حين استغاث به عبده فلم يلتفت إلى أحد من خلقه ولا إلى جبريل ~~مستغيثا حتى تفرد الله تعالى بنصرته فقال تعالى @QB@ قلنا يا نار كوني بردا ~~وسلاما على إبراهيم @QE@ # و إنما عارضه جبريل عليه السلام في الهواء بما عارضه ليبرز صدق مقالة ~~إبراهيم عليه السلام في قوله حسبي الله عن مكنون قلبه وليعلم الصادقون من ~~بعده غاية الصدق في المقالات فاتخذه خليلا ونوه باسمه في العالمين وهو أول ~~من يكسى يوم القيامة لأنه عري في دار الدينا في ذات الله تعالى فبدىء به من ~~بين الأنبياء والرسل عليهم السلام فهكذا يكون قول أهل اليقين في حسبي الله ~~والمخلط كذبه بفعله حيث تعلق بالأسباب وبالمخلوقين حتى صاروا فتنة عليه # فقوله حسبي الله قول الموحدين قول أهل الإيمان لا قول المحققين قول أهل ~~النزاهة واليقين فكذلك قوله أعوذ بكلمة الله التامة المقرب عينه وأذنه إلى ~~تدبيره وقضائه وقوله كن والمخلط عينه وأذنه إلى الأسباب والحيل والحرز ~~والحصون والوقايات فيعاذ على قدره لحرمة قوله واعترافه بأنها كلمة إيمان ~~فالاستعاذة بالله تعلق به محضا والاستعاذة بكلمته تعلق بتدبيره لأنه كذا ~~دبر أن تكون الأشياء بالكلمة وقال ms003 في تنزيله عز من قائل @QB@ وإما ينزغنك ~~من الشيطان نزغ فاستعذ بالله @QE@ PageV01P064 # و قال الله تعالى @QB@ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين @QE@ # فهما يدلان على أن ما كان من أمر الباطن فالاستعاذة به وما كان من أمر ~~الظاهر فالاستعاذة بكلمته لأن ما هو في الظاهر هو بقوله كن وما في الباطن ~~صنعه وقال @QB@ قل أعوذ برب الناس @QE@ # ثم قال @QB@ ملك الناس @QE@ # ثم قال @QB@ إله الناس @QE@ أمره أن يستعيذ بثلاثة من أسمائه @QB@ من شر ~~الوسواس @QE@ وهو باطن # فقوله رب أي مالك ربني فلان يربني فهو راب ثم قالوا رب فحذفوا الألف كما ~~قالوا بار ثم قالوا بر فقوله رب يؤدي إلى الملك وملك يؤدي إلى الملك وإله ~~يؤدي إلى وله القلوب فالوسواس آفة على القلب أمره أن يستعيذ بمالك وملك ~~وإله لأن المالك الذي أحاط بهم فملكهم والملك الذي نفذ أمره فيهم والاله ~~الذي أوله القلوب إلى نفسه PageV01P065 # ^ من شرالوسواس الخناس ^ وسوس عند الغفلة وخنس عند الذكر فاشتق له اسمان ~~من فعليه # ثم بين أين موضعه من الجسد فقال @QB@ الذي يوسوس في صدور الناس @QE@ ~~والصدر ساحة القلب وفيه الفكر ومنه تصدر الأمور # ثم بين أن الوسوسة جنسان فقال ^ من الجنة والناس ^ وسوسة جنية وهي ~~الشيطان و وسوسة إنسية وهي النفس # و كذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال هما وسواسان وإنما قال ~~وسوس لأنه يزعج وقوله أز يؤز أي أزعج يزعج وقال في تنزيله @QB@ تؤزهم أزا ~~@QE@ والهاء والهمزة والواو اخوات تجزىء الواحدة عن صاحبتيها فقوله أز وهز ~~ووز بمعنى واحد إلا أن كل واحدة تستعمل في نوع والزاء والسين أختان تجزىء ~~إحداهما عن الأخرى كما قالوا صقر وزقر وسقر فقوله وز وقوله وس يوس بمعنى ~~وسوس وقوله وسوس في قالب العربية فع فع لأنه في الأصل وس ثم كرر فقيل وسوس ~~لأن فعله على القلب مردد مكرر فأمره أن يستعيذ بالأسماء الثلاثة منه ~~PageV01P066 # ثم قال @QB@ قل أعوذ برب الفلق @QE@ وكل ما انفلق شيء عن شيء فهو فلق ms004 قال ~~أهل التفسير الفلق واد في جهنم إذا فتح وانفلق هر أهل النار من شدة حره ~~وقال بعضهم الفلق الصبح لأنه انفلق عن الليل وهو قوله تعالى @QB@ فالق ~~الإصباح @QE@ # و قال الله تعالى @QB@ فالق الحب والنوى @QE@ # فالحبة تنفلق فتنبت والنوى كذلك أيضا وليس هذا منهم اختلاف لأن الكلمة ~~تؤدي إلى كل شيء انفلق واعظم فلق في الدنيا فلق قلب المؤمن بنور الله تعالى ~~فقال @QB@ قل أعوذ برب الفلق @QE@ وهو فلق القلب إذا انفلق بنوره # و روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للقلب أذنان وعينان فإذا أراد ~~الله تعالى بعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه # @QB@ من شر ما خلق @QE@ وهو ظلمة الكفر @QB@ من شر غاسق إذا وقب @QE@ ~~والغسق الظلمة وهي ظلمة المعاصي وقوله وقب أي دخل @QB@ ومن شر النفاثات في ~~العقد @QE@ وهو السحر يعقد الساحر الذي قد باع آخرته بدنياه فاعطى ما تمنى ~~واختار وربنا عز وجل واسع كريم طلب آدم التوبة والطاعة فأعطي وطلب إبليس ~~تضليل ولد PageV01P067 آدم وغوايتهم وأن يعطى سلطان ذلك له فأعطي و طلب ~~الساحر منى الدنيا وأن يعطى كل شيء يتمناه برفض الآخرة وأن لا خلاق له فيها ~~فأعطي فهو يعقد خيطا أو وترا على منيته وينفث فيه من نفسه الخبيثة فيصل ~~ضرره إلى من يتمنى ذلك عليه @QB@ وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ~~@QE@ # و لما سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عجز عن نسائه وأخذ بقلبه لبث ~~في ذلك ستة أشهر فيما روي في الخبر ثم نزلت المعوذتان إحدى عشرة آية ~~واستخرج الوتر فيه العقد من ذلك البئر فكان كلما قرأ آية من المعوذتين ~~انحلت عقدة حتى حل العقد كلها وبرىء @QB@ ومن شر حاسد إذا حسد @QE@ وهو ~~العين والحاسد والحاصد بمعنى فهو يحصده بعينه أي يقطعه من الأصل هلاكا ~~ودمارا وهو أن يعجب بالشيء فلا يذكر خالقه فإذا هو قد حصده ودمره والحسد ~~إرادتك التي تريد بها إبطال PageV01P068 ذلك الشيء فنوره فلق الظلمات وهو ~~في دعوة ms005 إدريس عليه السلام أنت الذي فلق الظلمات نوره فاذا أورد على القلب ~~نوره فلق الظلمات فجميع ما ذكر في التنزيل من الاستعاذة به وجدناه يؤول إلى ~~الباطن من الأمور وما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال أمرني جبريل عليه ~~السلام أن أكررهن في السجود # و أعوذ بعفوك من عقابك فاستعاذ بالعفو من العقاب لأنه ضده وأعوذ برضاك من ~~سخطك فالرضى ضد السخط # ثم قال وأعوذ بك منك فاستعاذ به منه لأنه لا ضد له وهو كقوله لا مفر منك ~~إلا إليك وهو قوله تعالى @QB@ ففروا إلى الله @QE@ أي فروا منه إليه ~~PageV01P069 # | - * الأصل الثاني # - * # | في كلمة النجوى # عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا يجلس الرجل إلى الرجلين إلا على إذن منهما إذا كانا يتناجيان # روي عن النضر فيما يحكى عن أهل اللغة أن الجماعة إذا لم يكن فيهم ~~PageV01P070 غريب فحديثهم نجوى وإن جهروا فيما بينهم وإذا كانوا ثلاثة ~~وفيهم غريب فليس حديثهم بنجوى وإن أسروه قال الله تعالى ^ فلما استيئسوا ~~منه خلصوا نجيا ^ # وأهل النجوى إذا اجتمعوا نجيا فكأنهم في ستر أو وطن فكما يجب الاستئذان ~~في الدخول عليهم في أوطانهم فكذلك يجب الاستئذان في الجلوس إليهم فإن ذلك ~~أذى لهم وقطع عليهم وهتك لسترهم وهذا كله لعظم حرمة المؤمن وتجنب أذاه وإذا ~~كان وحده ففيه سعة لأنه ليس هناك سر يطلع عليه ولكن يحق على الورع أن يتحين ~~الوقت والحال وأن يتجنب التثقيل # قال إبراهيم النخعي رحمه الله من أمن الثقل ثقل # و قال أبو حنيفة رحمه الله عن حماد من خاف أن يكون ثقيلا فليس بثقيل # قال مغيرة لقد نهى الله تعالى عن التثقيل في قوله الكريم @QB@ فإذا طعمتم ~~فانتشروا ولا مستأنسين لحديث @QE@ # إلى قوله ^ والله لا يستحي من الحق ^ # و هذه الآية نزلت في بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أحسبها زينب رضي ~~الله عنها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وأولم ms006 عليها فلما أطعمهم ~~أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلو بأهله فقعدوا بعد الطعام ~~PageV01P071 يتحدثون في بيته ورسول الله صلى الله عليه وسلم مرة يخرج ومرة ~~يدخل وهم في البيت قعود لا يبرحون فنزلت هذه الآية # و كان أبو هريرة رضي الله عنه إذا استثقل رجلا قال اللهم اغفر لنا وله ~~وأرحنا منه # و قال حاتم بن عبد الله الأشجي انتهيت مع سفيان الثوري إلى أبي حنيفة ~~اليمامي رحمه الله وإذا هو جالس في تراب فدنونا منه وسلمنا عليه وقال له ~~سفيان رحمك الله تأذن فنجلس إليك قال لا فرجعنا فقال سفيان إن الرجل في كل ~~حالاته يحب أن يجلس إليه PageV01P072 # | - * الأصل الثالث # - * # | في تأثير الغضب في الإيمان # عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده رضوان الله ~~عليهم أجمعين قال قلت يا رسول الله أخبرني بوصية قصيرة فألزمها قال لا تغضب ~~يا معاوية بن حيدة إن الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل # و عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P073 إن الغضب ميسم من نار جهنم يضعه الله تعالى على نياط أحدهم ألا ~~ترى أنه إذا غضب احمرت عينه واربد وجهه وانتفخت أوداجه # و قال في حديث آخر إن الغضب جمرة توقد في قلب ابن آدم ألا ترى إلى انتفاخ ~~أوداجه وحمرة عينيه وذلك أن الشيطان ينفخ في تلك الجمرة # فشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بالعسل والصبر فكما يفسد الصبر ~~العسل فكذلك الغضب يدنس الإيمان ومرارته تذهب حلاوته ونزاهته فالإيمان حلو ~~نزه والغضب مر دنس # و روي عن عيسى عليه السلام أنه سأله يحيى بن زكريا عليه السلام عن الغضب ~~ما بدؤه قال الكبر ألا ترى أنك تغضب على من هو دونك ولا تغضب على من هو ~~فوقك بمثله # و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ~~ذرة من كبر قيل فما الكبر ms007 يا رسول الله قال أن تسفه الحق و تغمض الناس أي ~~تحقرهم PageV01P074 # و عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول ~~الله عز وجل لي العظمة والكبرياء والفخر والقدر سري فمن نازعني في واحدة ~~منهن كببته في النار والإيمان هو خضوع العبد والقاؤه بيده له سلما والكبر ~~ضده والغضب منه يبدو وينزع الشيطان بنفثه ونفخه حتى يتوقد ويهتاج فلذلك قال ~~يفسد الإيمان # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إني لأعلم كلمة لو قالها ~~لذهب عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وذلك عندما رأى رجلا يتمرغ أنفه من ~~الغضب وهو قوله تعالى ^ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم ^ # وإنما وضع هذا الميسم من النار في هذا الموضع من الآدمي لكي يغضب لله ~~تعالى في المواضع التي ينبغي فإن في الغضب قوة للآدمي على أمر الله تعالى ~~وهو محتاج إلى أن يعادي اعداءه ويحاربهم فبالغضب PageV01P075 يتقوى حتى ~~يحاربهم ويغير المنكر ويقيم حقوق الله تعالى و حدوده فللحق نفخة في تلك ~~الجمرة وللشيطان نفخة في وقته فنفخة الشيطان لها رجاسة تفسد الإيمان ~~وطهارته وطيبه وإذا كانت نفخة الحق فإنه يتقوى ويحمر وجهه ويمتلىء من نور ~~الحق ولا يفسد الإيمان وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب غضب لله ~~تعالى ولا يغضب لنفسه ولا لدنياه وكان إذا غضب رؤي ذلك العرق بين عينيه يرد ~~من الغضب ويظهر نتوؤه وانتفاخه وتحمر وجنتاه # و كان موسى عليه السلام إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا PageV01P076 # | - * الأصل الرابع # - * # | في أدب الانتعال # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتقل ~~أحدكم فليبدأ باليمين فإذا نزغ فليبدأ بالشمال وليكن باليمين أولهما يلبس ~~وآخرهما ينزع # اليمين محبوب الله و مختاره من الأشياء فأهل الجنة عن يمين العرش يوم ~~القيامة وأهل السعادة يعطون كتبهم بأيمانهم وكفة الحسنات من الميزان عن ~~اليمين والكرام الكاتبون وكاتب الحسنات منهم عن اليمين # و ms008 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوخى في كل فعل من مثل هذا اليمين ~~PageV01P077 توخيا لمختار الله تعالى وكان إذا شرب أعطى الأيمن فالأيمن ~~جرعته حتى أنه شرب يوما وأبو بكر رضي الله عنه عن يساره وغلام إعرابي عن ~~يمينه فقال للغلام أتأذن لي فأعطي الأشياخ فقال ما كنت لأوثر بفضلك على ~~نفسي أحدا فأعطاه الغلام وكان يبدأ باليمنى إذا دخل المسجد ثم إذا خرج أو ~~نزع نعله بدأ باليسرى كي يكون اليمين آخر العهد بمسجد الله تعالى وبما هو ~~خير للقدم ورفق له وكان يستعمل تدبير الله تعالى ويفتقده في كل شيء حتى في ~~ترجله وتنعله وطهوره # وعن أنس رضي الله عنه قال لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة ~~ونحر نسكه ناول رأسه الحلاق فقال ابدأ بالشق الأيمن فحلقه فأعطاه أبا طلحة ~~ثم ناوله الأيسر فحلقه فقال اقسمه بين الناس # و عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب أحدكم فليشرب بيمنه PageV01P078 # و عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~يمين الله ملأى سحاء لا يغيضها شيء بالليل ولا بالنهار # و عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال إن الله تعالى خلق آدم فمسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت ~~هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره بيساره فاستخرج منه ذرية ~~فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون # و عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خلق ~~الله الخلق وقضى القضية فأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء فأخذ أهل ~~اليمين بيمينه وأخذ أهل الشمال بالأخرى وكلتا يدي الرحمن يمين ثم قال يا ~~أصحاب اليمين قالوا لبيك ربنا وسعديك قال ألست بربكم قالوا بلى ثم قال ~~أصحاب الشمال قالوا لبيك PageV01P079 وسعديك قال ألست بربكم ms009 قالوا بلى فخلط ~~بعضهم ببعض فقال قائل منهم رب لم خلطت بيننا فقال لهم أعمال من دون ذلك هم ~~لها عاملون فقال قائل فما الأعمال قال يعمل كل قوم لمنزلتهم فقال عمر رضي ~~الله عنه إذا نجتهد # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأعمال أهي مؤتنف أم قد فرغ منها ~~قال بل فرغ منها # عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما خلق الله تعالى آدم ضرب بيده على شق آدم الأيمن فأخرج ذرية ~~كالذر ثم قال يا آدم هؤلاء ذريتك من أهل الجنة ثم ضرب بيده على شق آدم ~~الأيسر فأخرج ذرية كالحمم ثم قال هؤلاء ذريتك من أهل النار # وقال تعالى في تنزيله @QB@ والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه @QE@ وجاء في الخبر أن الجنة يؤتى بها فتوضع عن يمين العرش ~~يوم القيامة والنار عن يسار العرش ويؤتى بالميزان فينصب بين يدي الله وكفة ~~الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنة وكفة السيئات عن يسار العرش مقابل النار ~~وقال تعالى ^ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ~~^ # حدث جعفر بن كثير من آل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو يومئذ ابن ~~ثمانين سنة قال حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان PageV01P080 ~~إذا صلى الفريضة تياسر فصلى ما بدا له وأمر أصحابه أن يتياسروا ولا ~~يتيامنوا # و عن ضبيعة بنت المقداد بن معدي كرب عن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا صلى إلى عمود أو خشبة أو شبه ذلك لم يجعله نصب عينيه ولكن ~~يجعله على حاجبه الأيسر # قال كأنه يدل بهذين الفعلين من هذين الحديثين على أنه يتوخى اليمين فإن ~~العبد إذا أقام فإنما هو قبالة الله عز وجل # بذلك جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واليمين دل اسمه على ~~معناه فالأمن والإيمان واليمين كله موجود في هذا الاسم # و ms010 وجه آخر أنه كان يتياسر بصلاة التطوع عن موضعه الذي أدى فيه الفريضة ~~كأنه لا يجب أن يقدم على الفريضة شيئا ومما يحقق ذلك ما روي عن أبي صالح ~~الحنفي قال كان علي كرم الله وجهه يسلم تسليمتي الصلاة إحداهما اخفض من ~~الأخرى قيل لأبي صالح أيهما أخفض من الأخرى قال اليسرى وإنما توخى ذلك أن ~~يكون فرقا بين التسليمتين بالخفض ورفع الصوت ليؤدي حق كاتب الحسنات برفع ~~الصوت وكذلك حق من عن يمينه ليؤديه برفع ذلك الصوت وبخفضه عن اليسرى ليتبين ~~فضل اليمنى عن اليسرى PageV01P081 # | - * الأصل الخامس # - * # | في النهي عن القزع # عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن القزع والقزع أن يحلق وسط رأس الصبي ويترك ما حوله وكان هذا فعل القسين ~~وهم ضرب من النصارى وفي القرآن @QB@ ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا @QE@ ~~والقسيس في النصارى كالصديق في الإسلام وهومن قس أي قص أثر الرسول الذي ~~دعاه على لسانه # قال سلمان رضي الله عنه قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم @QB@ ذلك ~~بأن منهم قسيسين ورهبانا @QE@ فأقرأني ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا ~~PageV01P082 وأما حلق أوساط الرؤوس فذلك علامة لضرب منهم أحدثوه فيما بينهم # و لما بعث أبو بكر الصديق رضي الله عنه الجنود إلى الشام قال إنكم ستجدون ~~أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم لله تعالى وستجدون ~~آخرين اتخذ الشيطان في أوساط رؤوسهم أفحاصا فإذا أوجدتم أولئك فاضربوا ~~أعناقهم فالذنن تركوا الدنيا وحبسوا أنفسهم في الصوامع واعتزلوا أمر بترك ~~التعرض لهم ولم يطالبوا بجزية لأنهم تركوا فتركوا لأنهم كانوا صادقين في ~~سبيلهم وإن كانوا على ضلالة والذين خرجوا من الصوامع فلم يصبروا على العزلة ~~وفحصوا عن أواسط رؤوسهم فقد أخبر أبو بكر رضي الله عنه أن الشيطان دلهم على ~~ذلك علامة لأنفسهم وتشهيرا وإظهارا لما هم عليه كأنه يدل على أن ذلك الصنف ~~منهم بمنزلة من تزهد في هذا العصر وهو غير صادق في ذلك ms011 يريد بترك الدنيا ~~وقصد بلبس الصوف والخلقان وحف الشارب وتشمير الثياب والعمة المطوقة تحت ~~الحنك والاستقصاء في الكحل إلى اللحاظ المراياة فهذه علامات الطبقة الكاذبة ~~المتزهدة المتأكلة حطام الدنيا بما أظهروا من زيهم و شكلهم وتماوتهم و خشوع ~~نفاقهم فكذلك كان أولئك غير صادقين في عزلتهم في الصوامع فلم يصبروا عليها ~~فخرجوا وقد حلقوا أوساط رؤوسهم ترائيا وتشهيرا لأمرهم فأمر أبو بكر رضي ~~الله عنه بضرب أعناقهم لأنهم مع كفرهم لغيرالله عملوا في دينهم والذين ~~تركوا وحبسوا أنفسهم تركوا وما حبسوا PageV01P083 لأنفسهم لأنهم صادقون في ~~سبيلهم قال الله تعالى ^ و رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء ~~رضوان الله ^ ثم ذمهم فقال @QB@ فما رعوها حق رعايتها @QE@ # فإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الصبي أن يحلق وسط رأسه ~~للتشبه بهؤلاء الذين وصفناهم وأما قصة هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية فقد ~~روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل @QB@ ورهبانية ~~ابتدعوها ما كتبناها عليهم @QE@ # قال كانت ملوك بعد عيسى بن مريم عليه السلام بدلوا التوراة والإنجيل فقال ~~ناس لملوكهم ما نجد شتما أشد مما يشتموننا به إنهم يقرأون ^ و من لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ^ ^ و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الظالمون ^ @QB@ فأولئك هم الفاسقون @QE@ مع ما يعيبوننا به من أعمالنا ~~في قراءتهم فادعهم فليقرأوا ما نقرأ وليؤمنوا بما آمنا به فدعاهم فجمعهم ~~فعرض عليهم القتل وأن يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها ~~فقالوا وما PageV01P084 تصنعون بقتلنا دعونا وابنوا لنا أساطينا ادفعونا ~~فيها واتركوا لنا شيئا يدلى فيه طعامنا ولا نؤذيكم وقالت طائفة أخرى منهم ~~دعونا نهيم في الأرض و نسيح ونأكل مما تأكل منه الوحش و نشرب مما تشرب منه ~~الوحش فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا # و قالت طائفة أخرى منهم ابنوا لنا ديورا في الفيافي فنحتفر الآبار ونحترث ~~البقول ولا نؤذيكم ولا نمر بكم وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم ms012 ~~ففعلوا ذلك فيهم وقال الآخرون ممن تعبد من أهل الشرك نتعبد كما تعبد فلان ~~ونتخذ ديورا كما اتخذ فلان ونسيح كما ساح فلان وهم في شركهم لا علم لهم ~~بإيمان الذين اقتدوا بهم وقد فني من فني منهم فلما بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل انحط صاحب الصومعة من صومعته وصاحب الدير ~~من ديره وصاحب السياحة من سياحته فآمنوا به وصدقوه # قال الله تعالى @QB@ فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ~~@QE@ وقال ^ يا أيها الذين آمنوا اتفقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ^ أي أجرين بايمانهم بعيسى عليه السلام و بالتوراة و الإنجيل ~~وإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم @QB@ ويجعل لكم نورا تمشون به @QE@ وقال ~~^ لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء ^ PageV01P085 # قال أبو عبد الله فعلى هذا المثال عاملت متزهدة زماننا سمعت أنه مضى في ~~السلف الصالح من الصحابة والتابعين قوم اجتزوا بالدون من الحال فلبسوا ~~الصوف والخلقان و أكلوا النخالة وامتنعوا من الشهوات وشمروا الثياب ~~وامتنعوا من المخالطة صدقا و تورعا واحتياطا لدينهم كل ذلك خوفا من الله ~~تعالى أن يقدموا عليه متدنسين بحطام الدنيا مفتونين فيها وإنما فعل القوم ~~ذلك لضعف يقينهم بمنزلة من امتنع من دخول البحر سباحة مخافة الغرق لعجزه عن ~~السباحة فلم يكتب الله تعالى هذا عليهم بل احل لهم الطيبات والزينة ووسع ~~عليهم فابتدعوا تركها رهبة من الله تعالى وكانوا فيها صادقين فلم يعابوا ~~ولم يذموا لأنهم رعوا ما ابتدعوا حتى خرجوا من الدنيا مع صدق ما ابتدعوا ~~ابتغاء رضوان الله تعالى فخلف من بعدهم خلف اتبعوهم فيما ابتدعوه وهم غير ~~صادقين فيها فأقبلوا على لبس الصوف والخلقان وأكل النخالة والخبز المتكرج ~~يريدون بذلك إظهار الزهد وقلوبهم مشحونة بشهوات الدنيا تأكل دنياهم بدينهم ~~فما رعوها حق رعايتها كما فعل أصحاب الصوامع والديور واتبعوا القوم في ~~فعلهم وأس أمرهم على ضلالة # عن عبد الله بن ms013 مسعود رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا عبد الله بن مسعود قلت لبيك يا رسول الله ثلاث مرات قال هل تدري أي ~~عرى الإيمان أوثق قلت الله ورسوله أعلم قال فإن أوثق عرى الإيمان الولاية ~~في الله والحب فيه والبغض فيه يا عبد الله ابن مسعود قلت لبيك يا رسول الله ~~ثلاث مرات قال هل تدري أي الناس أفضل قلت الله ورسوله أعلم قال فإن أفضل ~~الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا في دينهم يا عبد الله بن مسعود قلت لبيك يا ~~رسول الله ثلاث مرات قال هل تدري أي الناس أعلم قلت الله ورسوله أعلم قال ~~فإن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل وإن ~~كان يزحف على أسته واختلف من كان قبلنا على PageV01P086 ثنتين وسبعة فرقة ~~نجا منهم ثلاث وهلك سائرها فرقة آذت الملوك وقاتلتهم على دين الله ودين ~~عيسى بن مريم حتى قتلوا وفرقة منهم لم يكن لهم بموازاة الملوك طاقة فأقاموا ~~بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى بن مريم فأخذتهم الملوك ~~وقتلتهم وقطعتهم بالمناشير وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا أن ~~يقيموا بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى بن مريم عليه ~~السلام فساحوا في الجبال وتزهدوا فيها فهم الذين قال الله تعالى ^ و ~~رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق ~~رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ^ فالمؤمنون ~~الذين آمنوا بي وصدقوني والفاسقون الذين كذبوني وجحدوني # فكأنه صلى الله عليه وسلم يخبر في هذا الحديث أن الذين ساحوا وترهبوا هم ~~الفرقة الثالثة التي قد نجت وان الذين أخبر أنهم ما رعوها حق رعايتها قوم ~~جاءوا من بعدهم يقتدون بهم في ذلك وليسوا على صدق من أمرهم أخذوا بظاهر ~~أمرهم وفعلهم فساحوا ولزموا الديور والصوامع وتركوا سبيل أصحابهم الذين ~~مضوا على ذلك PageV01P087 # | - * الأصل الثالث عشر # - * # | في العين المؤمنة إذا رأت منكرا ms014 # عن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا ينبغي لعين مؤمنة ترى أن يعصى الله تعالى فلا تنكر عليه # فالإيمان قد اشتمل على الجوارح السبع اللائي أخذ عليهن العهد والميثاق ~~وائتمن العبد عليهن ووكل برعايتهن ومستقره في القلب والشهوة في النفس ~~وسلطانها في الصدر ثم يتأدى إلى هذه الجوارح السبع فمن صدق الإيمان أن يكون ~~سلطان كل حارجة منطفئا بما اشتمل عليه من سلطان الإيمان فإذا كان كذلك فقد ~~ملك نفسه فلا يستعمل شهوة بجارحة من الجوارح السبع إلا فيما أذن الله له ~~فيه وإذا رأى غيره يستعملها فيما لم يأذن به الله أنكره والإنكار على ثلاثة ~~منازل فمنكر بقلبه ولسانه ويده ومنكر بقلبه ولسانه ومنكر بقلبه # وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الجهاد ثلاثة جهاد ~~باليد و اللسان و القلب و جهاد بالقلب واللسان و جهاد بالقلب و ذلك ~~PageV01P088 يستوجب بذلك القول المغفرة ولهذا ما روي في حديث آخر عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال لا يقولها عبد عند الموت إلا هدمت ذنوبه قيل فكيف ~~يا رسول الله لمن قالها في الصحة قال هي أهدم وأهدم # و إنما هدمت ذنوبه لأنه قالها وقد ماتت منه شهواته وندم على ما فرط منه ~~ندما صحيحا فهو تائب صادق والتائب الصادق على موعود الله تعالى في تنزيله ~~أن @QB@ يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات @QE@ ويكفر عنه ويدخله ~~الجنة قيل فكيف من قالها في الصحة فإنما يقولها في الصحة على تلك الصفة ~~التي هي عند موته بعد رياضة نفسه وموت شهواته وحرصه و رغبته وبعد زهادته ~~فيها وصفائه عن التخليط فهي أهدم وأهدم فأما المخلط عبد نهماته وشهواته عبد ~~دنياه عبد درهمه وديناره فلا نعلم أن قوله هذا يهدم ذنوبه حتى يصير مغفورا ~~له بهذه الكلمة لأنه لا ترجع هذه الكلمة منه إلى قلب موقن كما اشترط الرسول ~~صلى الله عليه وسلم في حديثه بل ترجع هذه الكلمة ms015 منه إلى قلب مفتون بدنياه ~~مأسور بشهوات نفسه سكران عن الآخرة حيران عن الله تعالى فقلبه ميال إلى ~~الهوى والقلب الموقن الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القلب الذي ~~استقر لربه واطمأن بحكمه وقنع بقسمه و انقاد لأمره وشخصت عيناه إلى رحمته ~~قد أيس من كل شيء إلا من رحمته فهو الذي إذا قالها هدمت ذنوبه لأنه صادق في ~~قوله وإنما سمي اليقين يقينا لاستقراره PageV01P089 في القلب وهو النور ~~يقال في اللغة يقن الماء في الحفرة أي استقر فإذا استقر النور دام وإذا دام ~~صارت النفس ذات بصيرة فاطمأنت فتخلص القلب من اشتغاله ودوائره # و إنما استقر اليقين في القلب لأن العبد جاهد نفسه في الله حق جهاده على ~~الصدق واليقظة من خدعها والتحرز من آفاتها حتى بلغ بها غاية الرياضة وانقطع ~~عاجزا فاستغاث بالله تعالى صارخا مضطرا فأجابه فإنه يجيب المضطر ويكشف ~~السوء ويجعله من خلفاء الأرض كذلك وعد في تنزيله فقذف النور في قلبه ففلق ~~تلك الظلمات التي ركدت في صدره على قلبه فانكشف الغطاء وصار أمر الملكوت له ~~معاينة بقلبه وهو قول حارثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال كأني ~~أنظر إلى عرش ربي بارزا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد نور الله عز ~~وجل الإيمان في قلبه وهذه كلمة جارية فيما جاء في الخبر من دعوة إدريس عليه ~~السلام وأن موسى عليه السلام علم ذلك في زمانه وأن نبينا صلى الله عليه ~~وسلم أعطى ذلك في زمانه فكان يدعو بهن وهي قوله يا نور كل شيء وهداه أنت ~~الذي فلق الظلمات نوره # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له له الملك و له الحمد يحيى و يميت و هو على كل شيء قدير مخلصا بها روحه ~~مصدقا بها لسانه وقلبه فتقت له السماء فتقا حتى ينظر الرب إلى قائلها من ~~أهل الدنيا و حق لعبد إذا نظر الله اليه ms016 أن يعطيه سؤله # فالروح يخلص من شهوات النفس وأسرها وكذلك القلب فإذا نطق اللسان بالكلمة ~~لم تنازعه النفس ولا القلب ولا الروح فكان ذلك صدقا # عن زيد بن الأرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله ~~PageV01P090 إلا الله مخلصا دخل الجنة قيل يا رسول الله وما إخلاصها قال أن ~~يحجره عن المحارم ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ يا معاذ ~~أخلص يكفيك القليل من العمل # و عن زيد بن أرقم أيضا رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن الله عهد إلي أن لا يأتيني أحد من أمتي بلا إله إلا الله لا يخلط ~~بها شيئا إلا وجبت له الجنة قالوا يا رسول الله وما الذي يخلط بها قال حرصا ~~على الدنيا وجمعا لها ومنعا لها يقول بقول الأنبياء ويعمل عمل الجبايرة # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~يذكر عن ربه عز وجل ان المؤمن مني بعرض كل خير اني أنزع نفسه من بين جنبيه ~~وهو يحمدني والعبد إنما يحمد الله وهو يقبض أعز شيء عليه بموت شهواته ولهذا ~~إذا رد إلى أرذل العمر وتبرم بالحياة وإذا انقطعت علايقه من الدنيا وتخلص ~~القلب من آفات النفس فنطق بالكلمة العظيمة استنار بها قلبه واطمأنت بها ~~نفسه وأخلص بها روحه فاستوجب المغفرة ولهذا كان السلف رحمهم الله يستحبون ~~أن يلقنوا المحتضر هذه الكلمة ويتعاهدونه بها وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلاالله PageV01P091 # فهذا عبد ركبته أهوال الآخرة فرضيت نفسه بها عند الموت فنطق بها فغفر له ~~ومن راض نفسه أيام حياته فتح له إلى الغيب فركبته أهوال سلطان الله الكريم ~~وعظيم جلاله فنطق بها عن مثل ذلك القلب فهو للمغفرة أقمن وأخلق PageV01P092 # | - * الأصل السابع # - * # | في ترجيح الرجاء على القنوط # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاجر ms017 ~~الراجي لرحمة الله تعالى أقرب منها من العابد # المقنط لجهله بالله بعد من رحمة الله وإنما رجاء العبد بالله على قدر ~~معرفته بالله وعلمه بجوده وكرمه والقنوط من الجهل ألا يرى إلى قوله تعالى ^ ~~و من يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ^ # والمقنط إنما يقنط غيره لقنوطه فهو ضال عن ربه وما تغني العبادة مع ~~الضلالة وقال تعالى ^ إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون ^ # واليأس من روح الله في الدنيا عند النوائب والكربات من سوء الظن ~~PageV01P093 بالله تعالى ومن ساء ظنه بالله انقطع عن الله تعالى و تعلق ~~بخلقه واستعاذ بالحيل ولا يلجأ إلى ربه وكذلك القانط من رحمته قلبه متعلق ~~بالجهد من الأعمال طالبا للنجاة بها وإذا فكر في ذنوبه ألقى بيديه نفسه إلى ~~التهلكة ورفض العمل # و روي عن الحسن البصري رحمه الله أنه سئل عن القنوط فقال ترك فرائض الله ~~في السر معناه إذا تراكمت عليه الذنوب أيس من نفسه فرفض الكل وقال قد ~~استوجبت النار وقد كان وقع عندي بعض من رزقة الله الإنابة فجعل يصوم فقلت ~~له ما هذا قال صوم شهر رمضان قلت أو لم تكن تصومه قال لا قلت لم قال كان ~~أصحابي لا يصومونه قلت وهم في الكورة معنا قال نعم قلت وما حملهم على ذلك ~~قال كانوا يقولون عملنا هذه الأعمال من سفك الدماء وأخذ الأموال وسائر ~~المعاصي فما يغني عنا الصوم والصلاة وكانوا لا يصومون رمضان ولا يصلون ~~المكتوبات إلا على أعين الناس يقولون قد استوجبنا النار فقلت هؤلاء قوم ~~أدركهم سخط الله فقنطوا من رحمته # عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال خرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال خرج من عندي خليلي جبرائيل عليه السلام آنفا فقال لي يا ~~محمد والذي بعثك بالحق إن لله تعالى لعبدا من عباده عبد الله خمسمائة سنة ~~على رأس جبل في البحر عرضه وطوله ثلاثون ذراعا في ثلاثين ذراعا والبحر محيط ~~به أربعة آلاف فرسخ ms018 من كل ناحية وأخرج الله تعالى له عينا بعرض الإصبع تبض ~~بماء عذب فيستنقع PageV01P094 في أسفل ذلك الجبل وشجرة رمانة تخرج كل ليلة ~~رمانة فتغذيه يوما فإذا أمسى نزل فأصاب من الوضوء وأخذ تلك الرمانة وأكلها ~~ثم قام لصلاته فسال ربه عز وجل عند وقت الأجل أن يقبضه ساجدا وأن لا يجعل ~~للأرض ولا شيء لشيء عليه يفسده عليه سبيلا حتى يبعثه ساجدا ففعل ذلك فنحن ~~نمر به إذا هبطنا وإذا عرجنا ونجد في العلم أنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين ~~يدي الله تعالى فيقول الرب عز وجل أدخلوا عبدي الجنة برحمتي فيقول بل بعملي ~~يا رب فيقول أدخلوا عبدي الجنة برحمتي فيقول بل بعملي يا رب فيقول للملائكة ~~قايسو عمل عبدي بنعمي عليه وبعمله فتوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادة ~~خمسمائة سنة وبقيت نعم الجسد فضلا عليه فيقول أدخلوا عبدي النار فينادي يا ~~رب برحمتك أدخلني الجنة فيقول ردوه فيوقف بين يديه فيقول يا عبدي من خلقك ~~ولم تك شيئا فيقول أنت يا رب فيقول أفكان ذلك من قبلك أم برحمتي فيقول بل ~~برحمتك فيقول من قواك لعبادتي خمسمائة سنة فيقول أنت يا رب فيقول من أنزلك ~~في جبل وسط البحر وأخرج لك الماء العذب من الماء المالح وأخرج لك كل ليلة ~~رمانة وإنمات تخرج الشجرة في السنة مرة وسألتني أن أقبضك ساجدا ففعلت ذلك ~~بك فيقول أنت يا رب فيقول فذلك رحمتي وبرحمتي أدخلك الجنة أدخلوا عبدي ~~الجنة برحمتي فنعم العبد كنت يا عبدي فأدخله الله الجنة قال جبرائيل عليه ~~السلام إنماالأشياء برحمة الله تعالى يا محمد # عن زيد بن أسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انه ليس أحد منكم ~~ينجيه عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله ~~برحمته PageV01P095 # و هذا الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ولا أنت كان أيضا في ~~عمى من هذا الأمر فإن الله تعالى من عليه بالنبوة وشرح الصدر وكل ms019 ذلك رحمة ~~منه قال الله تعالى @QB@ وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ~~@QE@ PageV01P096 # | - * الأصل الثامن # - * # | في بيان أن التعلق بالأسباب مع التوحيد لا يضر # عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أشفق ~~من الحاجة أن ينساها جعل في يده خيطا ليذكرها أو يذكره # الذكر والنسيان من الله تعالى إذا شاء ذكر وإذا شاء أنسى وربط الخيط سبب ~~من الأسباب لأنه نصب العين فإذا رآه ذكر ما نسي فهذا سبب موضوع دبره رب ~~العالمين لعباده كسائر الأسباب تحرز الأشياء بالأبواب والأقفال والحراس ~~ويستشفى من الأسقام بالأدوية وتقبض الأرزاق والأقوات بالطلب وكل أمر بحيلة ~~وسبب والأرض تخرج نباتها بالماء وهذا تدبيره في عباده والخيط والذكر ~~والشفاء وإيصال الأرزاق كل ذلك PageV01P097 بيده يجريها على الأسباب فأهل ~~اليقين لا تضرهم الأسباب وهم الأنبياء والأولياء عليهم السلام يمضون عليها ~~فيحترزون و يتداوون ويحترفون ويحتالون لأنه تدبير الله تعالى كذا دبر ~~لعباده أن يجري أمورهم على الأسباب امتحانا منه لهم لينظر من يتعلق قلبه ~~بالأسباب فتصير فتنة عليه ومن يتخلى عنها فيكون مع ولي الأسباب وخالقها ~~فيسلم من فتنة الأسباب لأن الأسباب لا تملكه فإنهم في الجملة كلهم آمنوا ~~واعترفوا بأن الأشياء كلها من الله تعالى ثم صاروا على ضربين فضرب منهم ~~توالت على قلوبهم الغفلات وركدت أشغال الشهوات وظلمتها على قلوبهم فحجتهم ~~عن الانتباه فصاروا كالنيام والسكارى عن رؤية هذا وذكره فإذا ذكروا ذكروا ~~فاذا انبهوا انتبهوا ثم عادوا إلى رقدتهم وغفلتهم فصار ذلك لهم كالخبر # والآخرون هم أهل اليقين قد خرجوا بيقينهم من الغفلة فالذكر على قلوبهم ~~دائم والأمور لهم معاينة كيف يجريها وكيف يدبرها فليس الخبر كالمعاينة فإن ~~استعملوا الأسباب لم تضرهم فكذلك هذا الخيط لما ربطه صار نصب عينه علامة ~~إذا وقع بصره عليه ذكر ما نسي ثم لا يحجبه ذلك الخيط عن صنع الله تعالى انه ~~هو الذي ذكره بهذا الخيط وحين ربطه لم يطمئن إلى الخيط ولم يركن ms020 ركون أهل ~~الغفلة بل ربطه ابتغاء موافقة تدبير الله تعالى الذي وضعه لعباده وكذلك ~~تداويه من اسقامه وطلبه لمعاشه و أخذه الجنة في الحرب وحفره الخندق من أجل ~~العدو وظاهر يوم أحد بين درعين و لا يظن برسوله الله صلى الله عليه وسلم ~~انه مال إلى الشيء من الأسباب غفلة مقدار طرفة عين PageV01P098 # | - * الأصل التاسع # - * # | في مرتبة روح المؤمن # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتز ~~العرش لموت سعد بن معاذ رضي الله عنه وذكر يوما عنده أن العرش اهتز لحب ~~الله لقاء سعد فقال ابن عمر إن العرش ليس يهتز لموت أحد ولكن سريره الذي ~~حمل عليه # و أحسب أن ابن عمر قصد بما دفع من ذلك تعظيما للعرش فهاب هذه الكلمة إذ ~~كان العرش أعلى شيء من خلقه وصفته ومنظره الأعلى وموضع تسبيحه ومظهر ملكه ~~ومبدأ وحيه ومحل قربه ولم ينسب شيئا من خلقه كنسبته فقال ذو العرش كما قال ~~ذو الجلال وذو العز وذو الكبرياء وذو القدرة و ذو العظمة وذو البهاء و ذو ~~الرحمة وذو الملك و لم يجز أن يقال ذو السموات و ذو الأرض و ذو PageV01P099 ~~الكرسي و ذو اللوح فلم يعط كلمة ذو من خلقه إلا للعرش فقط للقرب و ذو كلمة ~~لحق واتصال وظهور ومبدأ فكأن ابن عمر رضي الله عنه لحظ إلى هذه الناحية ~~فدفع أن يكون يهتز لموت أحد وأما سائر العلماء فلا نعلمهم دفعوا هذا القول ~~فإن للمؤمن عند الله تعالى مراتب علية قد أتت بها الأنبياء من عند الله ~~تعالى تنزيلا منها قوله تعالى @QB@ والله ولي المؤمنين @QE@ # و قول تعالى @QB@ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا @QE@ # و قوله تعالى @QB@ هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير @QE@ # و قوله تعالى ^ و بشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبير ^ # وقوله تعالى @QB@ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة @QE@ # و قوله تعالى ^ و لدينا مزيد ^ # و منها قوله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن أكرم على ms021 الله عز وجل من ~~الملائكة المقربين PageV01P100 # و منها قوله صلى الله عليه وسلم المؤمن أعظم حرمة عند الله من الكعبة # و منها قول معاذ بن جبل إن المتقين في الجنة لا يستتر الرب منهم ولا ~~يحتجب # و منها ما جاء في شأن الزيارة في الأخبار ووضع المنابر والأسرة و الكراسي ~~لهم على مراتبهم في مجلس الجبار جل جلاله فروي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لا يبقى أحد يومئذ في ذلك المجلس إلا حاضره الله تعالى محاضرة ~~حتى أنه ليقول يا فلان أتذكر غدرتك يوم كذا فيقول أو لم تغفرها لي فيقول ~~بلى # عن أبي هريرة و أبي الدرداء رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن في بيوت المؤمنين لمصابيح إلى العرش يعرفها مقربو الملائكة من ~~السموات السبع يقولون هذا النور من بيوتات المؤمنين التي يتلى فيها القرآن ~~و أعظم بنور يكون هناك في نور العرش مستبينا حتى يعرفه مقربوا الملائكة ~~واعتبر في الدنيا بنور الشمس أي نور يستبين في جنبه فكيف بالنور الذي ~~يستبين في نور العرش هناك # عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن ما تذكرون من جلال الله تعالى من تسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله ~~يتعاطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرن PageV01P101 لصاحبهن أفلا يحب ~~أحدكم ان لا يزال له عند الرحمن جل جلاله شيء يذكر به # و قد جاءت أحاديث في وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه تكشف عن التأويل عن ~~جابر رضي الله عنه قال اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ # وعن أنس رضي الله عنه قال افتخر الحيان من الأنصار الأوس والخزرج فقالت ~~الأوس منا غسيل الملائكة حنظلة ابن الراهب ومنا من اهتز لموته عرش الرحمن ~~سعد بن معاذ ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت بن الأفلح ومنا من اجيزت ~~شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت فقالت الخزرج منا أربعة جمعوا القرآن لم ~~يجمعه ms022 أحد غيرهم زيد بن ثابت وأبو زيد وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل رضوان الله ~~عليهم أجمعين # وعن الحسن البصري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد ~~اهتز عرش الرحمن لوفاة سعد بن معاذ فرحا به فرحا به فرحا به وإذا كان العبد ~~يفرح خالق العرش بلقائه ففرح العرش يدق PageV01P102 # | - * الأصل العاشر # - * # | في أن الحرص والاعتراض والعجلة شؤم # عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم ~~الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغترف الماء لكانت زمزم عينا ~~معينا # أنبأ أن الحرص داخل بالفساد على الأشياء لأن الحرص من النهمة والآدمي خلق ~~محتاجا عجولا فهو ينتظر الأسباب ويحرص عليها وإن كان معترفا على حد الإيمان ~~بالله تعالى أنه مسبب الأسباب وهذا لأهل اليقين أما أهل الغفلة فهم مفتونون ~~مشغولون بالأسباب عن خالق الأسباب وأم اسماعيل أدركتها الضرورة مع كربة ~~الغربة فأخذت تعدو في طلب الماء هكذا وهكذا وتستغيث فلما جاءها الغياث ~~أدركتها العجلة فاغترفت وأحرزته في وعائها فانقطع المدد فأخبر PageV01P103 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها لو اطمأنت في ذلك الوقت إلى من أجرى لها ~~ذلك لجرت وبقيت جارية لكنها شغلت بالموجود عن الذي أوجده وحملتها النفس على ~~الإحراز لتطمئن به وهو قول سلمان رضي الله عنه حيث رؤي يحمل جرابا فقيل له ~~ما هذا يا أبا عبد الله قال إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت فهذا عمل ~~النفس وليس عمل القلب لأن القلب موقن أن الرزق هو الذي يوصله الله تعالى ~~إليه في وقته والنفس في عماها وظلمتها تزعم ان الرزق هو الذي توعيه في ~~جرابها فصاحبه في بلاء من وسوسته وتقاضيه فإذا أراد صاحبه أن يتخلص من ~~وسوسته أسعفها بذلك كما فعل سلمان رضي الله عنه فيطمئن إلى ذلك # و قد يهيء الله تعالى له الرزق المكتوب من غير ذلك الذي هيأه في جرابه ~~والذي أوعاه يسلط عليه غيره فيصير رزق غيره ms023 حتى يتبين كذبها وجهلها فمن ~~أحرز ذلك فلطمأنينة نفسه والخلاص من وسواسها وهذا فعل يدخل فيه نقص على أهل ~~التوكل والأنبياء والأولياء عليهم السلام # والعارفون في خلو من هذا لأن الشهوات منهم قد ماتت والنفس قد اطمأنت ~~بخالقها والقلوب منهم قد حييت بالله تعالى والصدور منهم قد أشرقت بنور الله ~~تعالى والأركان منهم قد خشعت لله تعالى فسواء عليهم أحرزوا أو لم يحرزوا ~~فإن أحرزوا فليس ذلك منهم إحرازا إنما هو شيء قد ائتمنوا عليه فأخذوه من ~~الله تعالى بأمانة وقفوها على نوائب الحق سبحانه وتعالى قد امتلأت قلوبهم ~~من عظمة الله تعالى فلم يبق للدنيا بما فيها موضع إبرة توجد حلاوتها ولذتها ~~وشهوتها هنالك فقد ارتفعت فكر شأن الأرزاق والمعاش عن قلوبهم وتعلقت نفوسهم ~~بقلوبهم وتعلقت قلوبهم بخالق الأرزاق وعالم التدبير فقالوا حسبنا الله ~~فخرجت هذه الكلمة منهم من قلب حي بالله تعالى على سكون من النفس فلم يبق في ~~صدورهم اختلاج ولا تنازع ولا ريب فاستقرت الأركان فمتى ما وقع PageV01P104 ~~بأيديهم شيء من الدنيا لم يحبسوها لأنفسهم وعدوها أمانة قد ائتمنهم الله ~~عليها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنا خازن أقسم والله يعطي ~~فأنا أبو القاسم أقسم والله يعطي # عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا ~~لغد وعن أنس رضي الله عنه قال كنت خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ~~سنين فأهدي له طيران فتعشى بأحدهما وخبأت له أم أيمن الآخر فلما أصبح قال ~~يا أم أيمن هل عندك من غداء قالت أحد الطيرين قال يا أم أيمن أما علمت أن ~~أخي عيسى عليه السلام كان لا يخبأ عشاء لغداء ولا غداء لعشاء يأكل من ورق ~~الشجر ويشرب من ماء المطر يلبس المسوح ويبيت حيث يمسي ويقول يأتي كل يوم ~~برزقه قالت يا رسول الله لا اخبأ لك شيئا بعدها # عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ms024 أطعمنا يا ~~بلال قال ما عندي إلا صبر من تمر خبأته لك فقال أما تخشى أن يخسف الله به ~~نار جهنم أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا وخبأت أم سلمة قدرة من ~~لحم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته PageV01P105 في كوة فلما دخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قربته إليه فإذا هي قطعة كدانة أو حجر فلما ~~رآه قال هل سأل بالباب سائل قالت نعم قال فمن أجل ذلك أو كما قال # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ~~توكلتم على الله عز وجل حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح ~~بطانا قال في تنزيله @QB@ وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها @QE@ # ثم قال وإياكم أخبر أن المتوكل يرزق كما يرزق الطير قال له قائل فإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أدخل قوت سنة لعياله وقد تواترت الأخبار بذلك من ~~فعله أجاب وقال ليس الإدخال من الادخار في شيء إنما قسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مال خبير مما أفاء الله عليه فأدخل لعياله من الخمس قوتهم وكذلك ~~من فيء قريظة والنضير وتلك أمانة ائتمنه الله عليها وسلطه على ذلك وصرفها ~~في نوائب الحق والقلب منها خال ملك PageV01P106 من الملوك غني بالله حر من ~~الأحرار فماذا ضره وهل كان سبيل ذلك المال الذي أوتي إلا هكذا أن يصرفه في ~~نوائب الحق فصرفه في الكراع والسلاح وفي ذوي الحاجات من الأباعد فما باله ~~يحرم عياله فلم يجئك في الخبر أنه أدخل قوت سنة لنفسه إنما ذلك لعياله ~~وعياله كسائر الناس ولا يحمل عياله ما لا يطيقونه وإنما يطيق هذا الأنبياء ~~والأولياء وأهل اليقين الذين بهم تقوم الأرض قد طهرت قلوبهم و تنزهت نفوسهم ~~من تهمة الله تعالى ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال ~~له ذلك الرجل أوصني بوصية قصيرة قال اذهب فلا تتهم الله في نفسك ms025 # و قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن ما يقع بيده من المال لنوائب ~~الحق لا لنفسه وقد كان يصرفها في السلاح والكراع لحاجتهم في ذلك الوقت إلى ~~ذلك فكان يرفع مقدار قوت نسائه ليعلم ما يبقى هنالك فيصرفه في هذه الوجوه # و قد أمر الله تعالى بخزن الأموال وحفطها فقال تعالى ^ ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم التي جعل قياما ^ فإذا أحرزه فإنما يحرزه لما ينوب من حقوق الله ~~تعالى حتى يصرفه فيه فهو مأجور فيه وخازن من خزانه ومن أحرزه ليتخذه عدة ~~لنوائب نفسه ودنياه وهو في نقص وإدبار وخذلان من الله تعالى ومسئول غدا عن ~~كل درهم من أين ولم وفي أين فما قسم لعياله كان مثل ما قسم لغيره فإنه إحدى ~~نوائب الحق ولأن نفوس أزواجه كانت لا تطمئن إلا على الإحراز فلم يكلفهن ما ~~ليس ذلك لهن مقام وإنما زجر بلالا في حديثه لأنه قال خبأته لك وكذلك أم ~~أيمن وأم سلمة فإنها قالت خبأته لك PageV01P107 # فأما عياله فقد كان يبعث إليهم بما يبقى عندهم أياما فأما أم اسماعيل فإن ~~فعلها كان في حال الضرورة فلما زالت الضرورة أخذتها عجلة النفس فجعلته في ~~الوعاء فامتنع ما ظهر فانقطع المدد وإنما كان ذلك بدؤه من الكرام فلو تلقاه ~~كرم الآدمية لكان شكرا والشاكر يستحق المزيد ولكان يجري ولا ينقطع المدد ~~ولكنها تلقته بلؤم النفس فإن النفس لئيمة فتراجع الكرم وأعرض موليا لما لم ~~يجد له قابلا يحسن قبوله وكانت تلك عين سوغ الله عز وجل لها مخرجها من ~~الجنة إلى تلك البقعة من دار الدنيا وبعث جبرائيل عليه السلام فكانت منه ~~هزمة بعقبه فانبعث الماء فكان ذلك من كرم ربنا عاملها على بغيتها فكان ~~اللائق بهذا الفعل أن تأخذ منها حاجتها على تؤدة وإناءة وسعة صدر وحياء ~~وتكرم وتعفف وتذر ما بقي بين يدي من أجراه حتى تنظر ما يدبر فيه فلما عجلت ~~وأخذت تدبر لنفسها فعلت فعلا غير لائق بكرم ربنا عز اسمه وجلت قدرته ms026 ورحمته # و مثال ذلك في الآدميين موجود فيما بينهم فلو أن ملكا من ملوك الدنيا نظر ~~إليك في وقت حاجتك إلى شيء فرحمك كأنه رآك جائعا فهيأ لك مائدة عليها ألوان ~~الطعام لتأخذ منها حاجتك فجعلت تأكل لقمة و تضع لقمة تحت المائدة تخزنها ~~لنفسك أليس هذا مما يضعك عنده ولو نظر إليك وقت حاجتك إلى كسوة ففتح عليك ~~باب خزانته لتكتسي منها كسوتك فرفعت منها كسوتك ثم مددت يدك بالعجلة و ~~الحرص إلى أثواب لتخزنها فرفعت منها في بيتك وعندك أليس ذلك مما يضعك عنده ~~وأريته من نفسك أنك اتهمته على نفسك فأنت إذا نطقت و قلت أنت خير لي من ~~نفسي ألم يكن يضع ذلك القول منك على الهذيان ويقول في نفسه فإن كنت أنا ~~خيرا لك من نفسك فما الذي حملك على أن مددت يدك إلى ما لا تحتاج إليه من ~~الفضول تريد أن تخزنه لنفسك دوني فإذا كان هذا سمجا قبيجا عند ملوك الدنيا ~~فكيف بمن يعامل رب العالمين بمثل هذا فكلما أعطاك من الدنيا شيئا فتناولته ~~PageV01P108 على غير حد الأمانة فأنت في هذا اللؤم من الفرق إلى القدم حتى ~~تأخذه على سبيل أنه ماله ائتمنك عليه لتصرفه في نوائب حقوقه # فأول حقوقه نفسك وعيالك ثم أرحامك وجيرتك ثم نوائب الحق التي تنوبك واحد ~~على اثر واحد وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سئل فقيل يا رسول ~~الله إني أصبت دينارا قال أنفقه على نفسك قال أصبت آخر فلم يزل يقول أصبت ~~آخر وهو يأمره بصرفه في وجه حتى كان في السابعة قال أصبت آخر قال أنفقه في ~~سبيل الله وذلك أخسهن وأدناهن أجرا فإذا تناولته على حرص وشره تناولته لغير ~~الله فاحرازك لؤم ودناءة وظلمة يعود على القلب ودنس على الفؤاد وسقم في ~~الإيمان وسم في الطاعات ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سلمان ~~قل اللهم إني أسألك صحة في إيمان # فهل يأمره بسؤال الصحة في الإيمان إلا من ms027 سقم لأنه رأى في سلمان ما قال ~~إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت فمن كانت نفسه مطمئنة بالأحوال فهذا سبيله ~~ومن كانت نفسه مطمئنة بربه فلو أعطى الدنيا إليها كلها لم يلتفت إليها وكان ~~عيناه إلى ربه وسكونه إليه وكان فعل أبي بكر رضي الله عنه يدل على أنه ممن ~~هو بهذا موصوف وروي لنا أن أبا بكر رضي الله عنه تلا هذه الآية بين يدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم @QB@ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية @QE@ PageV01P109 # فقال ما أحسن هذا يا رسول الله فقال يا أبا بكر أما أن الملك سيقولها لك ~~عند الموت # فهذه نفس رضيت عن الله تعالى بجميع ما دبر لها من المحبوب والمكروه لأنها ~~لذت بجوار الله تعالى وقربه فلهت عن لذاتها الدنياوية فرضي الله عنها وبشرت ~~عند الموت بذلك # فأما قوله لكانت زمزم عينا معينا أي مرئيا ظاهرا تجري والمعين أن يعاين ~~بالعيون معناه أنه لا يركد ولكن يجري حتى يعاينوه فبقي عينا ولبس بمعين ~~لفعل أم إسماعيل عليه السلام PageV01P110 # | - * الأصل الحادي عشر # - * # | في حد التأديب في المماليك # عن ابن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا ~~تضربوا الرقيق فانكم لا تدرون ما توافقون # قد ندب الله تعالى العباد إلى تأديب أهليهم فقال @QB@ قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا وقودها الناس والحجارة @QE@ # فوقايتك نفسك وأهلك أن تعظها وتزجرها عن عمل يوردها النار وتقيم أودهم ~~بأنواع الأدب فمن الأدب الوعيد و منه الضرب و حبس المنافع و منه الرفق ~~والعطية والنوال والبر فإن ذلك ربما كان ادعى لهم من الوعيد والضرب وبين ~~النفوس تفاوت فنفس تضرع وتخضع بالبر والعطية و نفس تضرع وتخضع بالغلظة و ~~الشدة و لو استعملت معها الرفق والبر لأفسدتها و نفس بالعكس من ذلك و قد ~~جعل الله تعالى الحدود أدبا PageV01P111 لعباده ومزجرة للآخرين ومن دون ~~الحدود التعزير على قدر ما يأتون من المنكر وقد جعل الله تعالى ممر ~~الموحدين إلى الجنة ms028 على النار فقال تعالى @QB@ وإن منكم إلا واردها @QE@ ~~الآيتين فأدب الأحرار إلى السلطان و أدب العبيد والمماليك والأولاد إلى ~~السادات والآباء # و روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأن يؤدب أحدكم ولده خير ~~له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع وقال صلى الله عليه وسلم ما نحل والد ولده ~~أفضل من أدب حسن وقال صلى الله عليه وسلم إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ~~PageV01P112 # فأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتضربوا الرقيق فخليق أن يكون ~~إنما نهى عن ضربهم على غضب المولى لنفسه في نفع أو ضر لا لله تعالى وأما ~~إذا ضربه تأديبا ليقومه لئلا يعصي الله تعالى في أموره ولئلا يعصى المولى ~~في أموره اللازمة له فإن عصيانه وتضييع أموره معصية لله تعالى فذاك مما يجب ~~عليه وهو داخل في قوله تعالى @QB@ قوا أنفسكم وأهليكم نارا @QE@ # عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله ما تقول في ضرب ~~المماليك قال إن كان ذلك في كنهه وإلا قيد منكم يوم القيامة قيل يا رسول ~~الله ما تقول في سبهم قال مثل ذلك قيل يا رسول الله فإنا نعاقب أولادنا ~~ونسبهم قال إنهم ليسوا مثل أولادكم إنكم لا تتهمون على أولادكم # عن عبيد الله بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه رضوان الله عليهم أجمعين ~~قال قال رجل يا رسول الله كيف ترى في رقيقنا أقوام مسلمون يصلون صلاتنا ~~ويصومون صيامنا نضربهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوزن ذنبهم ~~وعقوبتكم إياهم فإن كانت عقوبتكم أكثر من ذنبهم أخذوا منكم قال أفرأيت سبنا ~~إياهم قال يوزن ذنبهم وأذاكم إياهم فإن كان أذاكم أكثر اعطوا منكم قال ~~الرجل ما اسمع عدوا أقرب إلى منهم PageV01P113 فتلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ^ وجعنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا ^ فقال الرجل ~~أرأيت يا رسول الله ولدي أضربه قال إنك لا تتهم في ولدك لا تطيب نفسا تشبع ~~وتجوع وتكتسى ms029 وتعرى # عن زياد بن أبي زياد رضي الله عنه قال جاء رجل فقال يارسول الله إن لي ~~مالا وإن لي خدما وإني أغضب فأعزم وأشتم وأضرب فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم توزن ذنوبه بعقوبتك فإن كانت سواء فلا لك ولا عليك وإن كانت ~~العقوبة أكثر فإنما هو شيء يؤخذ من حسناتك يوم القيامة فقال الرجل أوه أوه ~~يؤخذ من حسناتي قال فحسبت ماذا ألم تسمع إلى قول الله عز وجل @QB@ ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة @QE@ # فحديث ابن عمر رضي الله عنهما لا تضربوا الرقيق محمول على أنه لا يضربه ~~للتشفي من غيظه فإنه لا يدرى ما يوافق الضربة من أعضائه فربما وقعت على عين ~~ففقأها وربما وقعت على عضو فكسره وربما وقعت على صدر أو خاصرة فقتل أما ~~التأديب لله تعالى فهو تقويم للملوك وهو مأجور عليه وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته PageV01P114 # ومن أدب لله تعالى فمات في ذلك الأدب لم يؤاحذ به إذا كان ذلك حدا معلوما ~~فضربه ولم يجاوز ولم يتعد فيه # و روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من لاءمكم من رقيقكم ~~فأطعموهم مما تطعمون واكسوهم مما تكتسون ومن لا فبيعوهم ولا تعذبوا خلق ~~الله # فالضرب المحمود ما كان لله تعالى والضرب المحجور ما كان للنفس والناس في ~~هذا على طبقات فمن كان قلبه لله تعالى أمكنه أن يؤدبه في أمر الدنيا ~~والآخرة لله تعالى ومن لم يكن قلبه لله تعالى وكان الغالب عليه هواه ونفسه ~~لم يمكنه أن يضربه إلا في أمر الدين فقط حتى يكون لله تعالى # و أما في أمر الدنيا من ضر أو نفع فلا قوام له في تأديبه لأنه إنما يغضب ~~لنفسه ألا ترى أنه لما ارتفعت التهمة في شأن الولد ذهب القصاص لأن ذلك لله ~~تعالى و ذهب نصيب النفس و كذا اليتيم # و عن بلال رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله إن في حجري ms030 يتيما ~~أفأضربه قال نعم مما تضرب منه ولدك PageV01P115 # | - * الأصل الثاني عشر # - * # | في تعجيل إعطاء اجرة الأجير # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعط ~~الأجير أجره من قبل أن يجف عرقه وذلك أن أجرته عمالة جسده # و جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما يحكى عن الله عز وجل أنه قال ~~ثلاثة أنا خصمهم ومن كنت خصمه خصمته من باع حرا و أكل ثمنه أو ظلم أجيرا ~~أجره أو ظلم امرأة مهرها # فهؤلاء كلهم أحرار وهي أثمان نفوسهم فخصمهم مالكهم فلذلك أمر بتعجيل أجره ~~لأنه عجل منفعته ومن شأن الباعة إذا سلموا المبيع قبضوا الثمن عند التسليم ~~فهذا أحق وأولى إذا كان ثمن مهجته لا ثمن سلعته PageV01P116 # | - * الأصل الثالث عشر # - * # | في العين المؤمنة إذا رأت منكرا # عن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا ينبغي لعين مؤمنة ترى أن يعصى الله تعالى فلا تنكر عليه # فالإيمان قد اشتمل على الجوارح السبع اللائي أخذ عليهن العهد والميثاق ~~وائتمن العبد عليهن ووكل برعايتهن ومستقره في القلب والشهوة في النفس ~~وسلطانها في الصدر ثم يتأدى إلى هذه الجوارح السبع فمن صدق الإيمان أن يكون ~~سلطان كل حارجة منطفئا بما اشتمل عليه من سلطان الإيمان فإذا كان كذلك فقد ~~ملك نفسه فلا يستعمل شهوة بجارحة من الجوارح السبع إلا فيما أذن الله له ~~فيه وإذا رأى غيره يستعملها فيما لم يأذن به الله أنكره والإنكار على ثلاثة ~~منازل فمنكر بقلبه ولسانه ويده ومنكر بقلبه ولسانه ومنكر بقلبه # وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الجهاد ثلاثة جهاد ~~باليد و اللسان و القلب و جهاد بالقلب واللسان و جهاد بالقلب و ذلك ~~PageV01P117 أضعف الإيمان فأول ما يكل جهاد اليد ثم جهاد اللسان ثم جهاد ~~القلب حتى لا ينكر منكر # عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ms031 ما ~~كان لله نبي إلا وله حواريون يهدون بهديه ويستنون بسنته ثم يكون من بعده ~~خلوف يقولون ما لا يفعلون ويعملون ما ينكرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن ~~جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك مثقال حبة ~~من الإيمان # و هو كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شأن بني إسرائيل حين أحدثت ~~الملوك في دينهم الأحداث وأن أهل الهدى صاروا ثلاث فرق وقد ذكرنا ذلك في ~~الأصل الخامس في الحديث الذي نهى عن القزع فيه # و روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس لمؤمن أن يذل نفسه ~~قالوا و كيف يذل نفسه قال يتكلف من البلاء ما لا يطيق # معناه إذا علم أنه إن غيرالمنكر على القوي ابتلى به كف عنه وأنكر بقلبه ~~لأن ما يفسد أكثر مما يصلح PageV01P118 # عن أبي أمية الشعباني رضي الله عنه قال سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه ~~الآية @QB@ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم @QE@ فقال لي لقد سألت عنها ~~خبيرا سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا ثعلبة ائتمروا ~~بالمعروف وتناهوا عن المنكر فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحا مطاعا وإعجاب كل ذي ~~رأي برأيه فعليك نفسك فإن من بعدكم أيام الصبر المتمسك يومئذ بمثل الذي ~~أنتم عليه له كأجر خمسين عاملا قالوا يا رسول الله كأجرخمسين عاملا منهم ~~قال لا بل منكم # و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المتمسك بسنتي عند اختلاف أمتي ~~كالقابض على الجمر PageV01P119 # | - * الأصل الرابع عشر # - * # | في سر قوله صلى الله عليه وسلم لا تأمنن على أحد بعدي # عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا أبا عبيدة لا تأمنن على أحد بعدي # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمن الخلق و مفزعهم له عطف الآباء و ~~شفقة الأمهات و رحمة الوالدات وشهد الله له في تنزيله أعظم شهادة فقال عز ~~من ms032 قائل ^ عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ^ قد حشي ~~بالرأفة والرحمة والنصيحة لله تعالى في خلقه واسنتار قلبه بنور الله تعالى ~~فدقت الدنيا بما فيها في عينه وصغر عنده بذل نفسه لله في جنب الله فكان ~~مفزعا وكان مأمنا وكان غياثا وكان رحمة وكان أمانا فأما المفزع فقال في ~~تنزيله عز من قائل ^ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ~~واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ^ PageV01P120 # وفي المأمن قوله عز وجل @QB@ ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى ~~@QE@ # و في الغياث قوله تعالى @QB@ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ~~@QE@ وفي الرحمة قوله تعالى ^ وما أرسناك إلا رحمة للعالمين ^ وفي الأمان ~~قوله تعالى ^ و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم ^ # و ليس لأحد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المقام صديقا كان أو ~~فاروقا أو أمينا فلذلك قال لا تأمنن على أحد بعدي أي كأمنك علي فليس لمن ~~بعده عصمة الرسل عليهم السلام ألا ترى أن أبا بكر رضي الله عنه خطب الناس ~~فقال إن لي شيطانا يعتريني فاجتنبوني إذا غضبت لا أوثر في أشعاركم و ~~أبشاركم وإذا زغت فقوموني # و قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال ما منكم من أحد إلا وقد وكل ~~به قرينه من الشيطان قالوا ومعك يا رسول الله قال ومعي ولكن الله أعانني ~~عليه فأسلم وكان الله عصمه و أقامه على أدب القرآن وقال @QB@ وإنك لعلى خلق ~~عظيم @QE@ PageV01P121 # و روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه أراد قتل بعض المشركين العتاة وكان ~~أمرهم أن يقتلوه وإن وجدوه متعلقا بأستار الكعبة فجاء به عثمان رضي الله ~~عنه يسأل له الأمان فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سأله فسكت ثم ~~سأله ثالثة فأعطاه الأمان وقال انتظرت أن يقوم أحدكم فيضرب عنقه قالوا فهلا ~~أو مأت يا رسول الله قال إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة عين # و عن جابر بن ms033 عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يلتفت وراءه إذا مشى وربما تعلق رداؤه بالشيء أو بالشجر فلا ~~يلتفت حتى يضعوه عليه لأنهم كانوا يمزحون ويضحكون فكانوا قد أمنوا التفاته # عن هند بن أبي هالة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التفت ~~التفتوا جميعا PageV01P122 # | - * الأصل الخامس عشر # - * # | في تحقيق التهديد على زوارات القبور # عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال قبرنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوما فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرفنا معه ~~فلما حاذى بابه وقف وتوسط الطريق فإذا هو بامرأة مقبلة لا نظنه عرفها فلما ~~دنت إذا هي فاطمة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرجك يا فاطمة ~~من بيتك قالت أتيت أهل هذا الميت فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم لا يحفظ ~~ربيعة أي ذلك قال فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلك بلغت معهم ~~الكدا قالت معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيهم ما تذكر قال لو بلغت معهم الكدا ~~ما رأيت الجنة حتى يراها جدك أبو أبيك # قال قتيبة الكدا المقبرة بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم بمحو آثار ~~الجاهلية وكان من شأنهم إذا مات لهم ميت أن يخمشوا الوجوه وينتفوا ~~PageV01P123 الشعور و يشقوا الجيوب ويخرقوا البيوت فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليس منا من حلق أو خرق أو سلق # ولمن في حديث آخر ناشرات الشعور واللاتي ينعون بأصوات الحمير ونهاهم عن ~~زيارة القبور لحداثة عهدهم بالكفر لما في زيارة القبور من الفتنة حتى ~~استحكم إسلامهم وصاروا أهل يقين وبر وتقوى وصارت القبور لهم معتبرا بعد أن ~~كان مفتتنا خلى عنهم وقال صلى الله عليه وسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور ~~فزوروها فإن لكم فيها معتبرا # و سكت عن ذكر النساء لضعفهن ورقتهن وسرعة افتتانهن وقال صلى الله عليه ~~وسلم ما رأيت من نواقص عقول ودين أغلب للرجال ms034 منهن فقيل ما نقصان عقولهن ~~ودينهن يا رسول الله قال أما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين بشهادة رجل وأما ~~نقصان دينهن فترك الصلاة والصوم في الحيض PageV01P124 # و بايعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ما نطق به ~~التنزيل من قوله تعالى @QB@ ولا يعصينك في معروف فبايعهن @QE@ # و أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة أن لا ينحن عن أم عطية رضي ~~الله عنها قالت أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة أن لا ~~ننوح فما وفت منا امرأة إلا سبع نسوة منهن أم سليم وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يمنعهن عن حضور الجنائز وفي حديث بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة ~~عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نسوة في جنازة فقال ~~لهن ارجعن مأزورات غير مأجورات # عن أنس رضي الله عنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة ~~فرأى نسوة فقال أتحملنه قلن لا قال أتدفنه قلن لا قال فارجعن مأزورات غير ~~مأجورات # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات ~~القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج فبقي الخطر عليهن إلى آخر الدهر فإن ~~تخلت امرأة عن هذه الأمور فأتت قبرا لترمه أو تسلم أو تدعو أو تعتبر وقد ~~أمنت ناحية نفسها ذلك وماتت شهوتها وإنقطعت فتنتها فهي خارجة من النهي ~~PageV01P125 # و روي عن فاطمة رضي الله عنها أنها كانت تأتي قبر حمزة رضي الله عنه في ~~كل عام فترمه وتصلحه # و روي عن غير واحدة من النساء أنها كانت تأتي قبور الشهداء فتسلم عليهم ~~فأما مرمة القبر فلئلا يدرس أثره فينبش عنه لأنه إذا ذهب أثره حفر عنه لميت ~~آخر ولأن المسلم على الأموات وزائرهم يخفى عليه إذا ذهب رسمه فتبطل الزيارة ~~و هي حق من الحقوق ليس كالذي يسلم من بعد # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ms035 صلى الله عليه وسلم من زار ~~قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة مرة غفر له وكتب برا # عن ابن عمر رضي الله عنه قال من زار قبر أبويه أو أحدهما احتسابا كان ~~كعدل حجة مبرورة ومن كان زوارا لهما زارت الملائكة قبره # والتشديد الذي جاء في حديث فاطمة نراه في بدء الأمر ولا نعلم ذلك يحرم ~~الجنة لكن معناه أن من فعل ذلك كان يخاف عليه أن يسلبه الله الإسلام فإذا ~~سلبه لم ير الجنة أبدا وأعظم نعمة لله تعالى على عبده الإسلام وللإسلام سنن ~~ومنار كمنار الطريق فإذا عمل عملا يكون فيه إحياء سنن الجاهلية التي أطفأها ~~الله تعالى بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كفر منة الإسلام والكفور ~~ممقوت غير مأمون عليه السلب فكان إتيان المقابر من سنن الجاهلية فغلظ الزجر ~~لتموت تلك السنن PageV01P126 # | - * الأصل السادس عشر # - * # | في أن الورود في النارالدخول # عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا ~~وسلاما كما كانت على إبراهيم عليه السلام حتى ان للنار ضجيجا من بردهم ^ ثم ~~ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا ^ # كأن الله تعالى أحب أن يجعل ممر المؤمنين فيها كي إذا نجوا منها علموا من ~~أين نجوا وليس الخبر كالمعاينة وإذا وردوا دار السلام علموا أين حلوا ~~فالشيء إنما يعرف بضده ويعظم قدره ولذلك قالوا عند دخول الجنة الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن أي حزن قطع النيران التي خلص منها و جعلها بردا وسلاما ~~وعلموا أنهم لم يحلوا دار المقامة إلا من فضله وانهم لم يستوجبوا ذلك منه و ~~كأنه عز وجل أحب أن يبرز فضل الصادقين وبذلهم أنفسهم له وليأخذ بحقه من ~~الطبقة التي آثرت شهوات نفوسها بتضييع الحق وهم أهل لا إله إلا الله حتى ~~تنتقم النار PageV01P127 منهم مدة ثم تدركهم رحمة الله وقد محصوا ونقوا ~~وصلحوا لدار ms036 السلام وليجوز الصادقون وهم لا يشعرون بالنار قال الله تعالى ~~@QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون @QE@ # و إنما بعدوا عنها لأن نور الإيمان وبرد اليقين احتملهم واحتواهم فهم ~~يمضون في النار حتى إذا خرجوا منها قال بعضهم لبعض أليس قد وعدنا ربنا أن ~~نرد النار قالوا بلى ولكن مررتم بها وهي خامدة لأن الرحمة أظلتهم حتى أشرف ~~نور الإيمان في قلوبهم فخمدت النار من برد يقينهم ولذلك نسب البرد إلى ~~المؤمنين وأما ضجة النار فمن أجل أنها خلقت منتقمة من أهل الغفلة وحشيت ~~بغضب الله فإذا جاء المؤمن بنوره وبرده ضجت النار مخافة أن تبرد فتضعف عن ~~الانتقام # عن يعلى بن منبه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~النار لتنادي جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي # والنجاة من الله تعالى للعبد في هذا الموطن على قدر محله عنده ومحله على ~~قدر ما من الله عليه من المعرفة به وهو اليقين الذي جعل له من ذلك حظا # عن السدي عن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P128 أنه قال يرد الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم فأولهم كلمح ~~البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحلة ثم كشد الرجل ثم كمشيه ~~ثم كحبوه # وإنما ذكر الأعمال لأنها ظاهرة والظاهرة محنة الباطن وما في القلوب غيب ~~إلا عن خالق الغيب والظاهر شاهد ينبىء عما في الباطن PageV01P129 # | - * الأصل السابع عشر # - * # | في أن الدنيا أسحر من هاروت وماروت # عن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اتقوا الدنيا فوالذي نفسي بيده أنها لأسحر من هاروت وماروت # هاروت وماروت ليسا من جنس الآدميين والشيء إنما يألف جنسه والآدمي خلق من ~~الدنيا فهو يألفها و ينخدع لها و هاروت و ماروت لا يعلمان أحدا السحر حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر # فهذا يعلمك سحره و ينبئك فتنته والدنيا تعلمك ms037 سحرها وتكتمك فتنتها وتدعوك ~~إلى التحارص عليها والجمع لها والمنع منها فيتعلم منها ما يفرق بينه وبين ~~طاعة الله وبينه وبين رؤية الحق ورعايته ومحبتها PageV01P130 تلذذك ~~بشهواتها وتمنيك بأمانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك ولهذا قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حبك الشيء يعمي ويصم # فمن أحب الدنيا أعمته وأصمته عن آخرته ومن أحب الآخرة أعمته وأصمته عن ~~دنياه ومن أحب نفسه أعمته وأصمته عن الله ومن أحب الله أعماه وأصمه عن نفسه ~~فإن الدنيا تحجب عن الآخرة والنفس تحجب عن الله ودنياه إنما هي نفسه ~~وشهواتها فسحرها أقرب إليه من سحر هاروت وماروت فسحر نفسه ودنياه أصلي وسحر ~~هاروت وماروت دخيل وليس الدخيل كالأصلي PageV01P131 # | - * الأصل الثامن عشر # - * # | في كيفية الاحتراز عن الشيطان # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن ~~المؤمن ينضى شيطانه كما ينضى أحدكم بعيره في السفر # فالمؤمن قد وكل به قرينه من الشيطان وإنما يحترز منه بالله تعالى فإذا ~~اعترض لقلبه احترز بمعرفته وإذا اعترض لنفسه وهيأ شهواته احترز بذكر الله ~~عز وجل وإذا اعترض لاموره وأحواله احترز باسمه فهو أبدا نضو وقيد زجر به ~~فالبعير يتجشم في سفره أثقال حمولته و مع ذلك النصب يجوع ويظمأ ومع ذلك ~~مراعي مختلفة ومياه رنقة غير عذبة فإنما صار نضوا بهذه الأحوال فكذلك شيطان ~~المؤمن يتجشم PageV01P132 أثقال غيظه من المؤمن لما يرى من الطاعة والوفاء ~~لله تعالى وإذا أراد أن يشركه في طعامه وشرابه ولباسه ومنامه ومجلسه ومتصرف ~~أحواله زجره وطرده عنه بالتسمية فوقف منه بمزجر الكلب ناحية فإذا أراد أن ~~ينفره عنه نطق بالوحدانية وهي الكلمة العليا التي يهتز العرش لها فقال لا ~~إله إلا الله فإذا سمعها انتكس فصار أعلاه أسفله وولى على وجهه هاربا إلى ~~رسه وذلك قوله عز وجل @QB@ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم ~~نفور @QE@ # روي عن أبي الجوزاء أنه قال ليس شيء أطرد له من القلب من قول لا إله إلا ~~الله ms038 ثم تلا @QB@ وإذا ذكرت ربك في القرآن @QE@ الآية # عن عمرو بن مالك رضي الله عنه قال قرأت في التوراة إن سرك أن تحيي وتبلغ ~~علم اليقين فاحتل في كل حين أن تغلب شهوات الدنيا فإنه من يغلب شهوات ~~الدنيا يفزع الشيطان من ظله # عن سديسة مولاة حفصة رضي عنهما قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول ما لقي الشيطان عمر قط إلا خر لوجه # عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ما لقي الشيطان عمر في فج فيسمع صوته إلا أخذ في ~~غيره PageV01P133 # و مثل عمر رضي الله عنه في هذا الباب مثل أمير ذي سلطان وهيبة استقبله ~~مريب قد رفع إليه من ريبته أمورا شنيعة وعرفه بالعداوة له فانظر ماذا يحل ~~بهذا المريب إذا لقيه فإن ذهبت رجلاه فخر لوجهه فغير مستنكر PageV01P134 # | - * الأصل التاسع عشر # - * # | في حقيقة الفقه وفضيلته # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ~~العبادة الفقه وأفضل الدين الورع # و عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين # و روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ~~ألف عابد ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه PageV01P135 # والفقه هو انكشاف الغطاء عن الأمور فإذا عبد الله بما أمر ونهى بعد أن ~~فهمه وعقله وانكشف له الغطاء عن تدبيره فيما أمر ونهى فهي العبادة الخالصة ~~المحضة وذلك أن الذي يؤمر بالشيء فلا يرى زين ذلك الأمر وينهى عن الشيء فلا ~~يرى شينه هو في عمى من أمره فإذا رأى زين ما أمر به وشين ما نهى عنه عمل ~~على بصيره وكان قلبه عليه أقوى ونفسه ms039 به أسخى وحمد على ذلك وشكر والذي يعمى ~~عن ذلك فهو جامد القلب كسلان الجوارح ثقيل النفس بطيء التصرف والفقه مشتق ~~من تفقؤ الشيء يقال في اللغة فقأ الشيء إذا انفتح وفقأ الجرح إذا انفرج عما ~~اندمل والاسم فقيء والهاء والهمزة تبدلان تجزي إحداهما عن الأخرى فقيل فقيء ~~وفقيه والفهم هو العارض الذي يعرض في القلب من النور فإذا عرض انفتح بصر ~~القلب فرأى صورة ذلك الشيء فالانفتاح هو الفقه والعارض هو الفهم وقد ذكر ~~الله تعالى في تنزيله الفقه فقال @QB@ لهم قلوب لا يفقهون بها @QE@ # فاعلم أن الفقه من عمل القلب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للإعرابي ~~حين قرأ عليه @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ~~@QE@ فولى وقال حسبي حسبي فقال صلى الله عليه وسلم فقه الرجل # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه إنك لن تفقه حتى ترى للقرآن وجوها كثيرة ~~وان الله عز وجل كلف العباد أن يعرفوه ثم اقتضاهم بعد المعرفة أن يدينوا له ~~فشرع لهم شريعة الحلال والحرام والدين هو PageV01P136 الخضوع # والدون مشتق من ذلك وكل شيء اتضع فهو دون فأمرت بأمور لتضع نفسك لمن ~~اعترفت به ربا فسمي ذلك الفعل وتلك الأمور دينا فمن فقه أسباب هذه الأمور ~~التي أمر ونهى بماذا أمر ونهى ورأى زين ما أمر وبهاءه وشين ما نهى تعاظم ~~ذلك عنده وكبر في صدره شأنه فكان أشد تسارعا فيما أمر وأشد هربا وامتناعا ~~مما نهى فالفقه في الدين جند عظيم يؤيد الله تعالى به أهل اليقين الذي ~~عاينوا محاسن الأمور ومشاينها ومقدار الأشياء وحسن تدبير الله عز وجل لهم ~~في ذلك بنور يقينهم ليعبدوه على يسر ومن حرم ذلك عبده على مكابدة وعسر لأن ~~القلب وإن أطاع وانقاد لأمر الله عز وجل فالنفس إنما تخف وتنقاد إذا رأى ~~نفع شيء أو ضرر شيء والنفس جندها الشهوات وصاحبها محتاج إلى أضدادها من ~~الجنود حتى يقهرها وهي الفقه # قال له قائل صف لنا واحدة من ms040 هذه الأمور نفهم بها غيرها قال نعم أحل الله ~~عز وجل النكاح وحرم الزنا وإنما هو إتيان واحد لامرأة واحدة إلا أن هذا ~~بنكاح وذاك بزنى فإذا كان من نكاح فمن شأنه العفة والتحصين للفرج فإذا جاءت ~~بولد ثبت النسب وجاء العطف من الوالد بالنفقة والتربية والميراث وإذا كان ~~من زنا ضاع الولد لأنه لا يدري أحد من الواطئين لمن هذا الولد فهذا يحيله ~~على ذلك وذاك يحيله على هذا وحرم الله عز وجل الدماء وأمر بالقصاص ~~ليتحاجزوا وليحيوا وقال تعالى في تنزيله @QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ إلى ~~غير ذلك # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أراد الله بعبد خيرا يفقهه PageV01P137 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~يرد الله به خيرا يفقهه في الدين # عن يوسف بن ماهك قال كان معاوية رضي الله عنه قليل الحديث عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقل ما قام خطيبا إلا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين يا أيها الناس تفقهوا ~~PageV01P138 # | - * الأصل العشرون # - * # | في حكمة قصر أعمار هذه الأمة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر ~~أمتي من ستين سنة إلى سبعين # وقال صلى الله عليه وسلم معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين # وقال صلى الله عليه وسلم أقل أمتي أبناء السبعين PageV01P139 # قال أبو عبد الله من رحمة الله على هذه الأمة وعطفه عليهم أخرهم في ~~الأصلاب حتى أخرجهم إلى الأرحام بعد أن نفدت الدنيا ثم قصر أعمارهم لئلا ~~يتلبسوا بالدنيا إلا قليلا ولا يتدنسوا فإن القرون الماضية كانت أعمارهم ~~وأجسادهم وأرزاقهم على الضعف كان أحدهم يعمر ألف سنة وجسمه ثمانون باعا ~~بالباع الأول والحبة من القمح مثل كلوة البقر والرمانة الواحدة يجتمع عليها ~~عشرة نفر والعنقود مثله فكانوا ما يتناولونه من هذه ms041 الدنيا بهذه الصفة على ~~مثل تلك الأجساد في مثل تلك الأعمار فمنها أشروا وبطروا واستكبروا وأعرضوا ~~عن الله عز وجل فصب الله عليهم سوط عذاب على ما نطق به كتاب الله العزيز ثم ~~لم يزل الناس ينقصون في الخلق والخلق والأجل والرزق إلى أن صارت هذه الآمة ~~آخر الأمم حتى يأخذوا من الدنيا أرزاقا قليلة بأجساد ضعيفة في مدة قصيرة ~~حتى لا يأشروا ولا يبطروا فهذا تدبير من الله عز وجل رحمة لهذه الأمة ثم ~~ضوعف لهم الحسنات فجعلت الحسنة الواحدة بعشرة إلى سبعمائة إلى ما لا يعلمه ~~من التضعيف إلا الله تعالى وأيدوا باليقين واعطوا ليلة القدر فجعلت حسناتهم ~~على ثلاث منازل لأنهم ثلاثة أصناف ظالمون ومقتصدون وسابقون فالصنف الأول هم ~~أهل تخليط قوم موحدون لا يرعوون عن الحرام ولا يحفظون حدود الله تعالى @QB@ ~~خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا @QE@ فهم الظالمون فالحسنة منهم بعشر أمثالها # والصنف الثاني قوم متقون قائمون على الحدود وعلى سبيل الاستقامة وهم ~~المقتصدون فالحسنة منهم بسبعمائة لأن جوارحهم صارت مسبلة لله تعالى قد ~~استقامت على سبيل الله تعالى فإذا أنفقوا من جوارحهم عملا كان بسبعمائة ~~كالذي ينفق ماله في سبيل الله فهو PageV01P140 بسبعمائة ومما يحقق ذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم إذا حسن إسلام العبد تمم الله له عمله بسبعمائة ضعف # فقوله حسن إسلامه هو أن يستقيم ويكون مستقيم الطريق إلى ربه لا يعرج ~~يمينا وشمالا أي لا يعصى فهذا ترفع أعماله من جوارح طاهرة والأول من جوارح ~~دنسة # والصنف الثالث قوم أهل يقين انتبهوا وحييت قلوبهم بالله عز وجل وماتت ~~منها الشهوات وهم السابقون المقربون قال الله تعالى في السابقين @QB@ ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير @QE@ فأعمالهم مضاعفة لا يعلم ~~تضعيفها إلا الله عز وجل وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل من ~~أمتي ليبلغ وزن الحرف الواحد من تسبيحه زنة أحد # وما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال إن الرجل من هذه الأمة يعدل ms042 ~~عمل يومه سبع سموات وسبع أرضين # وما روي عن كعب رضي الله عنه أن الرجل من هذه الأمة ليخر ساجدا فيغفر لمن ~~خلفه فكان كعب رضي الله عنه يتوخى الصف الأخير من المسجد رجاء ذلك ويذكر ~~أنه وجده كذلك PageV01P141 # | - * الأصل الحادي والعشرون # - * # | في خصوصية هذه الأمة # عن أم الدرداء رضي الله عنها تقول سمعت أبا الدرداء يقول سمعت أبا القاسم ~~صلى الله عليه وسلم يكنيه قبلها ولا بعدها يقول إن الله عز وجل قال يا عيسى ~~إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا وإن أصابهم ما ~~يكرهون احتسبوا وصبروا ولا حلم ولا علم قال يا رب وكيف يكون هذا لهم ولا ~~حلم ولا علم قال أعطيتهم من حلمي وعلمي # فهذه أمة مختصة بالوسائل من بين الأمم محبوة بالكرامات مقربة بالهدايات ~~محظوظة من الولايات تولى الله هدايتهم وتأديبهم وتقريبهم مسمون في التوراة ~~صفوة الرحمن وفي الإنجيل حكماء علماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء ~~وفي القرآن أمة وسطا أي عدلا وشهداء الله في الموقف للأنبياء عليهم السلام ~~على الأمم وخير أمة أخرجت للناس والمنادون بجانب طور سيناء يا أمة أحمد ~~سبقت لكم رحمتي غضبي PageV01P142 أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن ~~تستغفروني وأجبتكم قبل أن تدعوني وهو قوله تعالى @QB@ وما كنت بجانب الطور ~~إذ نادينا @QE@ @QB@ أشداء على الكفار رحماء بينهم @QE@ @QB@ ومثلهم في ~~الإنجيل كزرع أخرج شطأه @QE@ الآية غر محجلون غر من السجود محجلون من ~~الوضوء وهو قوله تعالى @QB@ سيماهم في وجوههم من أثر السجود @QE@ # وعن عبد الله بن بشر المازني رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله كيف تعرف ~~أمتك يومئذ قال أرأيت لو كان لأحدكم خيل دهم وفيها أغر محجل أما كان يعرفه ~~قالوا بلى يا رسول الله قال فإن أمتي يومئذ غر من السجود محجلون من أثر ~~الوضوء سماهم الله مهاجرين وأنصارا هاجروا في ذاته الوطن والأهل والمال ~~والولد ونصروا الله تعالى ثم من سار على منهاجهم بعدهم سماهم تابعين بإحسان ~~ثم جمعهم ms043 بالرضى عنهم فقال @QB@ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه @QE@ وجمعهم في استحقاق ~~الفيء فقال @QB@ للفقراء المهاجرين @QE@ إلى أن قال ^ والذين جاءوا من ~~بعدهم ^ # وإنما نالوا هذه الكرامات بخطة واحدة وهو أن الله تعالى هداهم ~~PageV01P143 لسبيله وهو قوله تعالى ^ فبشر عباد الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب ^ # وقال صلى الله عليه وسلم أعطيت أمتي من اليقين ما لم يعط أمة # وقال صلى الله عليه وسلم ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما على مثله ~~آمن البشر وإني لم أبعث بآية وإنما أوحي إلي وحيا ثم أنا أكثر الأمم تبعا ~~قال له قائل وما تلك الهداية قال الهدى على ثلاثة منازل هدى على ألسنة ~~الرسل وهو البيان يدعوهم ويبين لهم فتلك هداية الظاهر وهو قوله تعالى ^ ~~فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ^ فإنما هداهم بالرسول عليه ~~السلام # وهدى بالقلب يجعل فيه نورا فيعرفه ربا واحدا وهو هدى التوحيد وهو قوله ~~تعالى @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا @QE@ فتلك هداية الباطن ~~وهو الإيمان قال الله تعالى @QB@ ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ # أعطاه نورا لمعرفته بأنه واحد ثم تركه مع مجاهدة نفسه في أمره ونهيه على ~~سبيل الاستقامة ليثيبه الجنة وإنما كان ذلك لأن الشهوات PageV01P144 أحاطت ~~بقلبه فلم تتركه على سبيل أهل الوفاء حتى يكون له عبدا بجميع جوارحه في ~~جميع منقلبه كما عرفه ربا فيكون واقفا عند أمره ونهيه مراقبا لحدوده فهذه ~~هداية العامة ولا ينال بهذا تلك الصفة التي ذكرت في التوراة والإنجيل ~~والفرقان لأن النفس بما فيها من الهوى غلبت على القلب ولا تتركه على ~~الاستقامة حتى تميل به يمينا وشمالا # وهدى على القلب وهو هدى الولاية والعصمة وهي أن يقذف الله في قلب العبد ~~نورا وهو اليقين حتى يهتك حجب الشهوات التي تراكمت في صدره فتصير الآخرة له ~~كالمعاينة وهو المراد بقوله تعالى @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم أولئك ms044 لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ كما قال حارثة رضي الله عنه كأني ~~أنظر إلى عرش ربي بارزا وإلى أهل الجنة كيف يتزاورون وإلى أهل النار كيف ~~يتعاوون فيها وعزفت نفسي عن الدنيا واستوى عندي حجرها ومدرها وذهبها وفضتها ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت فالزم عبد نور الله الإيمان في ~~قلبه فهذا نور على نور وذهبت ظلمات الشهوات من الصدر وهي التي كانت تحجبه ~~عن الله تعالى ووعده ووعيده وتزين له في صدره شهوات الدنيا وهو قوله تعالى ~~@QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين @QE@ # هدى التوحيد شرط المجاهدة وهي متقدمة عليها وهدى الولاية حكم المجاهدة ~~فهي متأخرة عنها وهذا الهدى نور يقذفه الله تعالى في القلب بعد المجاهدة ~~يستقر فيه وهو اليقين فإنما سمي يقينا لأنه استقر فيمتلىء قلبه نورا ويشرق ~~صدره به فيتصور له الدنيا والآخرة وشأن PageV01P145 الملكوت في صدره ويتصور ~~له أمور الإسلام حتى تذل النفس وتنقاد وتلقي بيديها السلم من الخشية ~~والهيبة والسلطان الذي حل بقلبه وفي صدره وهو قوله تعالى @QB@ أفمن شرح ~~الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه @QE@ # فشرح الصدر إنما يكون من النور الذي يستقر فيقال له نور اليقين وأما نور ~~التوحيد في القلب والصدر بتراكم دخان الشهوات مظلم كالليل وكالغيم وكالغبرة ~~وكالدخان وكالقتار # وهدى رابع على القلوب وهو هدى النبوة وهو نور وجهه الكريم يوصل قلوبهم ~~إلى وحدانيته و يشرق صدورهم بنوره ويجعلهم في قبضته ويرعاهم بعينه ويؤيدهم ~~بنور قدسه قال الله تعالى ^ اجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ^ وقال ~~@QB@ أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة @QE@ ثم قال @QB@ أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ # وقال الله تعالى @QB@ قل إن هدى الله هو الهدى @QE@ # أي إن ذلك الذي على ألسنة الرسل غير نافع ولا مغيث وإنما الهدى هداي الذي ~~أهدي على القلوب وإن كان ذاك أيضا يسمى هدى فهذا أحق الهدى وهو كما روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى ~~النفس ms045 PageV01P146 # وهدي الرسل عليهم السلام حجة الله على خلقه بأن يبين لهم على ألسنتهم ~~ضلالة سبيلهم ثم ذكر هدى هذه الأمة فقال @QB@ وقالت طائفة من أهل الكتاب ~~آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ~~@QE@ الآية إلى أن قال @QB@ قل إن الهدى هدى الله @QE@ # أي هذا الهدى الذي آتيناكم يا أمة محمد هدى الله فقوله إن الهدى معرفة ~~وليست بنكرة كأنه يشير إلى شيء منصوص يعني الهدى الذي أتى هذه الأمة هو هدى ~~الله أي هو الذي تولاكم بالهداية # ثم قال @QB@ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم @QE@ أي من الهدى وهو اليقين وهو ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطيت أمة من اليقين ما أعطيت هذه ~~الأمة # ثم قال @QB@ أو يحاجوكم عند ربكم @QE@ وهي المحاجة التي ذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث يوم القيامة PageV01P147 # ثم قال @QB@ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم يختص ~~برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم @QE@ # أما الحديث فعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا فقال من ~~يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط ألا فعملت اليهود ثم ~~قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ألا فعملت ~~النصارى ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى صلاة المغرب على قيراطين ~~قيراطين ألا فأنتم فغضب اليهود والنصارى وقالوا نحن أكثر عملا وأقل عطاء ~~فقال أظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال إنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء ~~فقوله نحن أكثر عملا وأقل عطاء فقال أظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال ~~إنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء فقوله نحن أكثر عملا وأقل عطاء هو المحاجة ~~عند ربهم قوله تعالى @QB@ أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه ~~من يشاء @QE@ # فذكر في الآية ms046 أن هذه الأمة مختصة بالرحمة مفضلة بالكرامة فالفضل الذي ~~آتاهم على الأمم أن أعطاهم اليقين فيه انكشف الغطاء عن قلوبهم حتى صارت ~~الأمور لهم معاينة # عن بكر بن عبد الله المزني رضي الله عنه قال لم يفضل أبو بكر PageV01P148 ~~رضي الله عنه الناس بكثرة صوم ولا صلاة إنما فضلهم بشيء كان في قلبه # عن عبد الرحمن بن زيد قال قال عبد الله أنتم اليوم أكثر صياما وجهادا ~~وصلاة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيرا منكم قالوا ~~فمم ذاك يا أبا عبد الرحمن قال كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة # وقال طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ما كان عمر رضي الله عنه أولنا ~~إسلاما ولا أقدمنا هجرة ولكن أزهدنا في الدنيا وأرغبنا في الآخرة # وأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عيسى عليه السلام فإن أصابهم ما ~~يحبون حمدوا وشكروا فالحمد هو التكلم بكلمة الحمد وأما الشكر فهو رؤية ~~النعمة من الله تعالى ومن رأى النعم من الله تعالى ذللته أثقال النعم ~~وإنقاد لله تعالى فإن الآدمي مطبوع هكذا ان من أحسن إليه فقد سبى قلبه وصار ~~له كالآخذ باليد يذهب به حيث يشاء والنفس يهيمها البر واللطف والرفق ~~والإحسان فإذا رأى العبد من الله تعالى إحسانه وبره تذلل له واستحيى منه أن ~~يخالف أمره # و روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال جبلت القلوب على حب من أكرمها ~~وبغض من أهانها # و عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أحبوا الله لما يغزوكم به من نعمه وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي ~~بحبي PageV01P149 # وعن الحسين رضي الله عنه قال قال موسى عليه السلام يا رب كيف شكرك آدم ~~عليه السلام قال علم أن ذلك مني وكان ذلك شكره # فأما قوله احتسبوا وصبروا فالاحتساب أن يرى ذلك الشيء الذي أخذه لله وإن ~~كان قد صيره باسمه فالأصل هو لله تعالى فيحتسبه ms047 لله تعالى كما في الأصل ~~وصبر أي ثبت فلم يزل عن مقامه لله عز وجل بزوال ذلك الشيء عنه فإن العبد ~~المؤمن يقول انا لله وها أناذا بين يديه مقيم في طاعته ونعم الله عليه ~~سابغة فإذا امتحنه وأزال عنه نعمه زال عن مقامه ذلك طالبا لتلك النعمة التي ~~زالت فليس هذا ثباتا والصبر هو الثبات على المقام بين يديه وان لا يعصيه # وأما قوله ولا حلم ولا علم فكأنه يخبر أن الله عز وجل قدر علما وحلما ~~لخلقه يتحالمون فيما بينهم ويتعالمون فبذلك الحلم يتخلقون بأخلاقهم كما قدر ~~فيهم رحمة واحدة فقسمها بينهم فبها يتراحمون فيما بينهم وبها يتلاطفون ومنه ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله عز وجل قسم بينكم أخلاقكم كما ~~قسم بينكم أرزاقكم PageV01P150 # و كانت هذه الأمة آخر الأمم فرق ذلك ودق فلو تركهم على دقة تلك الأخلاق ~~ورقة تلك الأحلام وقلة العلم لم ينالوا من الخير إلا قليلا يسيرا وهو قول ~~عبد الله بن عمر ولم يزل الناس ينقصون في الخلق والخلق والرزق والأجل من ~~زمن نوح عليه السلام وقد كان أحدهم يعمر ألف سنة # و روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن البرة فيهم كانت ككلوة البقر ~~والرمانة الواحدة يقعد في قشرها عشر نفر والرجل في خلقه ثمانون باعا فصارت ~~الأعمار ما بين الستين إلى السبعين والبرة هكذا والخلقة هكذا # فانظر كم التفاوت بين العمرين وبين الخلقتين وبين الرزقين فكذلك بين ~~الخلقين فكأنه على نحو ما ذكر لم يبق لنا من الحلم والعلم من الحظ إلا يسير ~~كان ما يفسد أكثر مما يصلح وكأنا في المثال كيأجوج ومأجوج إذ كان لا حلم ~~ولا علم فصرنا بمنة الله تعالى علينا بهذه الصفة التي وصف إن أصابهم ما ~~يحبون حمدوا وشكروا وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا حتى برزت هذه ~~الأمة على الأمم وصاروا صفوة الرحمن والمقدمين يوم القيامة والمبدوء بهم ~~وحرام على الأمم دخول الجنة حتى تدخلها هذه الأمة فسأل عيسى عليه ms048 السلام ~~ربه وقال كيف يكون هذا الفضل لهم ولا حلم ولا علم قال أعطيهم من حلمي وعلمي ~~وهو اليقين الذي أعطي هذه الأمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطي ~~أمتي ما لم يعط أحد وهو قوله تعالى @QB@ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم @QE@ ~~PageV01P151 # ثم قال @QB@ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم يختص ~~برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم @QE@ وقوله ^ وألزمهم كلمة التقوى ~~وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما ^ # فقوله أعطيهم من حلمي وعلمي أي أعطيهم النور في قلوبهم فتنشرح له صدورهم ~~وتتسع فهو حلمه وأصل الحلم إتساع القلب والصدر بالأمور فكلما دخل الصدر ~~فكرة أمر ذاب فيه وانهضم كما ينهضم الطعام في المعدة فاتسع الصدر للأمور ~~وصلحت وطابت فكل طعام لا ملح فيه فلا طعم له وكل أمر لا حلم له في القلب ~~فلا يتسع له ولا تجد النفس طعم ذلك الأمر فتلفظه فإذا لفظته ضاق الصدر فإذا ~~ورد النور على القلب اتسع الصدر لذلك الأمر فمنه تخرج محاسن الأخلاق ~~والأفعال وهو قوله عز من قائل @QB@ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور ~~من ربه @QE@ # والحلم والملح يرجعان إلى معنى واحد وكل واحد منهما ثلاثة أحرف تستعمل كل ~~واحد منهما في نوعه # وأما قوله ومن علمي فإنه لما ورد النور على قلوبهم صاروا في العلم بالله ~~تعالى وبأسمائه الحسنى بحيث سبى قلوبهم وصارت قلوبهم متعلقة بذكره فاحتشت ~~صدورهم من الحكمة وفهموا عن الله تعالى فصاروا أبرارا أتقياء فقهاء ولو ~~تركهم على قسمهم وحظهم في آخر الأمم من الذي قدر لجميع الأمم من الحلم ~~والعلم والرحمة لكانت PageV01P152 هذه الأمة أدنى الأمم وأخسها فلما من ~~عليهم بعطائه الواسع الكريم برزوا على الأمم # فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها ~~وأكرمها على الله تعالى فإنما قووا على أن صاروا مهاجرين وأنصارا هجروا ~~أوطانهم وأموالهم وأولادهم ونصروا الله تعالى ورسوله عليه السلام وصاروا من ~~بعدهم ms049 تابعين لهم بإحسان بمثل هذا العطاء الواسع واليقين النافذ أي النافذ ~~من الأسباب إلى ولي الأسباب لأن النفس من شأنها أنها لا تترك شيئا قبضت ~~عليه حتى تطمع في شيء خير منه وإلا فمخالبها أحد من أن يقدر على الانتزاع ~~منها فإذا كان في كفها درهم فأطمعت في دينار فرأت الدينار رمت بالدرهم ~~فأعرضت عنه ثم هي مقبلة على الدينار فإذا أطمت في جوهر فنظرت إلى الجوهر ~~الذي يعدل ملء بيت دينارا لهت عن الدينار وصارت خدرة ذبلة وضعفت قوة ~~مخالبها فصارت سلسة فأقبلت على الجوهر معرضة عن الدينار والدرهم مشتغلة ~~بالجوهر وتعنى به فلولا أن من الله على هذه الأمة بهذا اليقين حتى طالعوا ~~الملكوت وعظم جلال الله في صدورهم متى كانوا ممن يؤبه لهم ويعبأ بهم وهم ~~آخر الأمم وأقلهم حظا من الحلم والعلم الذي قدر لهذه الأمم # وروي عن كعب رضي الله عنه أنه قال لما نظر موسى عليه السلام في الألواح ~~قال يا رب إني أجد في الألواح صفة قوم على قلوبهم من النور أمثال الجبال ~~تكاد البهائم تخر لهم سجدا إذا رأوهم من النور الذي في صدورهم قال تلك أمة ~~أحمد يذمون أنفسهم ولا يعجبون بها فمن سعة أخلاقهم ونور قلوبهم أمكنهم أن ~~يهاجروا وينصروا PageV01P153 الله ورسوله وقالت بنو إسرائيل لموسى عليه ~~السلام @QB@ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون @QE@ # و عن عبد الله بن عمرو قال أجد في الكتب أن هذه الأمة تحب ذكر الله تعالى ~~كما تحب الحمامة وكرها وهم أسرع إلى ذكر الله من الإبل إلى وردها يوم ظمأها ~~PageV01P154 # | - * الأصل الثاني والعشرون # - * # | في النهي عن الأكل على الخوان وفي السكرجة والمرقق # عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على خوان قط ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق قلت لأنس فعلى ما كانوا يأكلون ~~قال على السفر # فالخوان هو شيء محدث فعلته الأعاجم والعرب لم تكن لتمتهنها وكانوا يأكلون ~~على السفر واحدتها ms050 سفرة وهي التي تتخذ من الجلود لها معاليق تنضم وتنفرج ~~فبالانفراج سميت سفرة لأنها إذا حلت معاليقها انفرجت فأسفرت عما فيها وإنما ~~سمي السفر لأسفار الرجل بنفسه عن البيوت والعمران # و قوله ولا في سكرجة لأنها أوعية الأصباغ ولم يكن من شأنهم PageV01P155 ~~الألوان إنما كان طعامهم الثريد عليها مقطعات اللحم وقال صلى الله عليه ~~وسلم انهس اللحم نهسا فإنه أشهى وأمرأ # قوله ولا خبز له مرقق فكان عامة خبزهم الشعير وإنما يتخذ الرقاق من دقيق ~~البر وقل ما يتخذ ويمكن اتخاذه من الشعير وإنما الرقاق لمن اتخذ الميسر ~~والميسر من فعل العجم والعرب تنهس اللحم عن وكيع ما درينا ما ورد طعام ~~المريض حتى جاءنا ابن المبارك و الميسر من تيسير اللحم و هو تفريق اللحم ~~اليسير على النفر الكثير # فإن قال قائل فقد جاء في الأخبار ذكر المائدة قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تصلي الملائكة على الرجل ما دامت مائدته موضوعة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال لو كان الضب حراما ما أكل على مائدة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال فرقد رأيت محمدا صلى الله عليه وسلم وطعمت على مائدته ~~الطعام # فالمائدة كل شيء يمد ويبسط مثل المنديل والثوب والسفرة لنسب إلى فعله ~~وكان حقه أن يكون مادة الدال مضاعفة فجعلوا إحدى الدالين ياء فقيل مائدة ~~والفعل واقع به فكان ينبغي أن يكون ممدودا ولكن خرجت في اللغة مخرج فاعل ~~كما قالوا سر كاتم وهو مكتوم PageV01P156 وعيشه راضية وهي مرضية وكذلك قد ~~خرجت في اللغة ما هو فاعل مخرج مفعول فقالوا رجل مشؤوم وإنما هو شائم وحجاب ~~مستور وإنما هو ساتر فالخوان هو المرتفع عن الأرض بقوائمه والمائدة ما مد ~~وبسط والسفرة ما أسفر عما في جوفه وذلك أنها مضمونة بمعاليقها # عن الحسن رضي الله عنه قال الأكل على الخوان فعل الملوك وعلى المنديل فعل ~~العجم وعلى السفرة فعل العرب وهو السنة # ولما غلب العجم على هذا الفعل قيل للخوان مائدة ومما يحقق ذلك ms051 ما جاء في ~~التنزيل من ذكر المائدة وإنما نزلت سفرة حمراء مدورة PageV01P157 # | - * الأصل الثالث والعشرون # - * # | في الأمر بقطع المراجيح # عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقطع ~~المراجيح # مرجح ومرجاح لغتان فمرجح جمعه مراجح ومرجاح جمعه مراجيح كمفتح ومفاتح ~~ومفتاح ومفاتيح وهو لهو ولعب إنما كان يفعله العجم في أيام النيروز تفرجا ~~وتلهيا عن الغموم التي تراكمت على قلوبهم من رين الذنوب وقد تأدت إلى العرب ~~سنتها والمؤمن قد تعتوره الأحزان والغموم لا محالة فمحال أن ينفك عنه غموم ~~الذنوب وأحزان مشيئة الله تعالى فيه هذا حال المقتصدة # فأما أهل المعرفة وهم المقربون فغمومهم من البقاء في الدنيا فإن الدنيا ~~مطبق المقربين ينتظرون متى الراحة منها وهو قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الدنيا سجن المؤمن PageV01P158 # وأما أحزانهم فمن ظماء الشوق إلى الله عز و جل فهذان الصنفان لم ينفكوا ~~من الغموم والأحزان وسائرهم مخلطون بطالون لعمرهم غافلون عن الآخرة سكارى ~~حيارى سكارى عن وعده ووعيده حيارى في سيرهم إليه وركض الليل والنهار بهم ~~إلى الله تعالى فهم الذين يفزعون من غموم الدنيا ورين الذنوب المعذبة ~~لقلوبهم في ظلمات سجون المعاصي إلى المرجاح تلهيا وتلعبا يتفرجون ويتنشطون ~~ويتلبسون ويلتمسون النزهة ونسيمها ولا يعلمون أن النزهة في نزاهة القلوب ~~وتطهيرها من آفات النفس وخدعها ورين الذنوب حتى يجدوا نسيم الملكوت وروح ~~قرب الله تعالى على قلوبهم في عاجل دنياهم # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الإيمان حلو نزه فنزهوا # فإذا التمس العبد هذه النزهة فهو نور على نور والقلب مشحون بالنور والصدر ~~مشرق بالنور يعلم من ربه ويعلم ما من به عليه ربه وهو عنه غنى ولكنه رحمه ~~فمن عليه مما يرى عنده فأي فرح يتسع مع هذا الفرح في قلب وكيف يبقى في قلب ~~فيه هذا الفرح بالله متسع للفرح بالدنيا وأحوالها فالقلوب التي تعتورها ~~غموم الآخرة هي نورانية تنفرج بتلك الأنوار التي يطالع بها الآخرة وعظيم ~~الرجاء من ms052 عند الماجد الكريم وأما القلوب التي تعتورها ظلمات المعاصي فهي ~~قلوب معذبة ونفوس لقسة وجوارح كسلة يريدون أن يستروحوا إلى مثل هذه الأشياء ~~من الملاهي ويتنفسوا في فسيح النزهات وقد أخذت غموم النفس بأنفاسهم وجرعتهم ~~الغيظ في أنهم لا يصلون إلى مناهم على الصفاء فالملوك تخوف الغدر والبيات ~~معهم والأمراء خوف العزل معهم PageV01P159 والأغنياء خوف السلب معهم ~~والأصحاب خوف السقم معهم فهذه مخاوف مظلمة تورد على القلب مغمات كسحائب ~~متراكمات تغور في جوفها من الحر ومع تلك السحائب حر مؤذ وذباب كلما ذب آب ~~وبراغيث يمنعن بعضهن عن الرقاد # فهذه صفة قلب المتنزهة بنزهة الدنيا فالسحائب معاصيه والذي يغور في جوفها ~~إصراره على المعاصي والحر المؤذي شهواته التي تغلي في صدره والذباب مناه ~~كلما قضى نهمته من شيء عادت الأخرى والبراغيث تنافسه في دنياه وفي أحوال ~~دنياه وثاب إليها فإذا لم يصل إليها رجعت عليه بحزازة فعضته وهو الحسد ~~والغيرة والبغضة والبخل والشح فأي قلب هذه صفته يتهنى بنعمة من نعم الدنيا ~~فلا يغرن عاقلا ظاهر فرحهم # كما روي عن الفضيل بن عياض أنه قال ذل المعصية والله في قلوبهم وإن دقدقت ~~بهم الهمالج أبى الله إلا أن يذل أهل معصيته فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقطع تلك المراجيح وكره لهم أن يتزيوا بزي من اشترى الحياة الدنيا ~~بالآخرة فلا خلاق له هناك مع أن الخطر في ذلك غير قليل فربما انقطع الحبل ~~فاندق العنق فصار معينا على نفسه فأما الذي يرخص فيه للتداوي لمريض ضاق ~~بعلته صدره أو للصبيان يعللون به فذاك لهم كالمهد يرج فيه حتى يذهب به ~~النوم لأن الطفل لا يعقل ما يصلح له ولا يصبر على الضجعة حتى يأخذه النوم ~~كما يصبر الكبير PageV01P160 فيعلل بتلك الأرجوحة فيهوي بجسده تلقفا ودفعا ~~حتى ينام فليس هذا بداخل عندنا في النهي لأن هذا يأخذه على الانتفاع به لا ~~على الأشر والبطر وعلى سبيل الملاهي في يوم أهل البطالات عن داود بن أبي ~~هند رضي الله عنه ms053 قال رأيت الشعبي يترجح فنظرت إليه فقال إنه نعت لي من وجع ~~ظهري ومحتاجه هذه النفس إلى تعليل في كل مكان وأن تداوى ويرفق بها والله ~~تعالى رفيق يحب الرفق في الأمور كلها # عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن الله يحب الرفق في الأمر كله # وعن القاسم بن محمد رضي الله عنه قال سمعت عائشة رضي الله عنها تقول قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من حرم حظه من الرفق PageV01P161 فقد حرم حظه ~~من خير الدنيا و الآخرة ومن أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا ~~والآخرة # ومن الرفق والتعليل بالنفس ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لما انتهيت إلى سدرة المنتهى فتدلى النور الأكبر فغشى السدرة فحار بصري ~~فحال دونه فراش من ذهب يعلله بذلك حتى يقوى بصره على رؤية النور لأن الفراش ~~إذا طار هكذا وهكذا حجبه مرة وانكشف له مرة # وما روي عنه صلى الله عليه وسلم في قصة المعراج أنه قال لما انتهيت إلى ~~قرب العرش تدلى رفرف فأخذني من جبرائيل عليه السلام تناولا إلى سند العرش ~~فجعل يهوي بي يخفضني مرة ويرفعني مرة # فذاك تعليل النفس وذلك أنها لا تقوى على مباشرة الأمور في دفعة واحدة إلا ~~قليلا قليلا فقربه الرفرف في رفعه العرش ثم خفضه ثم رفعه لكي تتمالك النفس ~~ولو كانت دفعة واحدة لكان قمنا أن لا يتمالك فكان الرفرف سببا لتداريه ~~والرفق به وإنما قيل رفرف لأنه يرفرف حول المشاهدة والقربة ويقال هو أخضر ~~من الدر والياقوت فيما جاء به الخبر وإن أردنا بما ذكرنا من هذه الأشياء أن ~~المرجاح الذي يوضع فيه الصبي أو المريض ليرجح بنفسه هكذا وهكذا حتى يجد ~~الصبر على الإستقرار في موطن واحد خارج من النهي وإنما وقع النهي على من ~~تشبه بأهل البطالة في ذلك اليوم وبالملوك الفراعنة الذين تلذذوا به فإن ذلك ~~فعل ملهى مطرب مع ms054 الغناء والجواري والسماع على شاطىء الأنهار في تلك الخضر ~~ونور الربيع وأخذت الأرض زينتها وزخرفها في أيام PageV01P162 النيروز مع ~~طيب الهواء وسجسجة الجو تنزهوا في نزهة الدنيا وتنعموا بالألوان وقضوا ~~المنى والشهوات وحف بهم المعازف وركبوا المراجيح فتعجلوا طيباتهم في حياتهم ~~الدينا # قال الله تعالى @QB@ ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في ~~الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون @QE@ # فبلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلم في امتناعه من التوسع في ~~النعيم فتلا هذه الآية الكريمة فقيل له يا أمير المؤمنين أليس هذا للكفار ~~فقال ثكلتك أمك الكفار أهون على الله تعالى من أن يعاتبهم ونظرت في هذه ~~الآية فوجدت مبتدأها ذكر الكفار وهو قوله تعالى @QB@ ويوم يعرض الذين كفروا ~~على النار @QE@ ثم قال في آخرها @QB@ فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم ~~تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون @QE@ # فأخبر أنه إنما جزاؤهم عذاب الهون بالاستكبار بغير الحق وبالفسق ليحذر ~~المؤمن أن يستكبر في أرضه بغير الحق وأن يفسق فإن دخول النار بالكفر وتضاعف ~~العذاب وقسمة الدركات بالأعمال السيئة والأخلاق السيئة ودخول الجنة ~~بالإيمان وتضاعف النعيم وقسمة الدرجات بالأعمال والأخلاق الحسنة ولما عير ~~الكفار بالكبر والفسق فزع عمر رضي الله عنه من ذلك وحق له أن يفزع من ~~التعجيل ببعض الطيبات في الحياة الدنيا والاستمتاع بها PageV01P163 # ومن ههنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أتي بعسل قد خيض ~~بماء فرده وقال أما إني لا أحرمه ولكني أتركه تواضعا لله تعالى # كأنه رأى أن النفس إذا أعطيت شهواتها فذاك من الاستكبار وإذا منعت فذاك ~~من التواضع لله تعالى هذا فيما حل وأطلق له فكيف بما حرم عليه وان الله ~~تعالى خلق الجنة فحشاها بالنعيم ثوابا لأهلها وخلق النار فحشاها بالعذاب ~~عقابا لأهلها وخلق الدنيا فحشاها بالآفات والنعيم محنة وابتلاء ثم خلق ~~الخلق والجنة والنار في غيب منهم لم يعاينوه فالنعيم والآفات ms055 التي في ~~الدنيا من أنموذج الآخرة ومذاقه فيها وخلق في الأرض من عبيده ملوكا أعطاهم ~~سلطانا أرعب به القلوب وملك به النفوس قهرا أنموذجا ومثالا لتدبيره وملكه ~~ونفاذ أمره ووصف الدارين وضرب الأمثال ثم قال @QB@ وتلك الأمثال نضربها ~~للناس وما يعقلها إلا العالمون @QE@ # وليس في الدنيا شهوة ولا نعمة إلا وهي أنموذج الجنة وذوقها ثم من وراء ~~ذلك فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ولا سمي للعباد ~~منها لم ينتفعوا بتلك الأسماء لأنهم لم يعقلوه ههنا ولا رأوه ولا أنموذج ~~لها في الدنيا والجنة مائة درجة وإنما وصف منها ثلاث درجات الذهب والفضة ~~والنور ثم ما وراء ذلك لا تحتمله العقول ولأهل الجنة تلاق وزيارات ومتحدث ~~من مواطن الألفة ومجتمع في ظل طوبى ويركبون رفارف والرفرف شيء إذا استوى ~~عليه رفرف به وأهوى به كالمرجاح يمينا وشمالا ورفعا وخفضا يتلذذ مع أنيسه ~~فإذا ركبوا الرفارف أخذ إسرافيل عليه السلام في السماع PageV01P164 # وقال طلحة بن مطرف رضي الله عنه يعجبني أن يمر بي يوم النيروز وأنا لا ~~أشعر به ومن ذهب يصوم في ذلك اليوم ويزيد في أعمال البر يتوخى بذلك خلافا ~~لهم فهذا مذهب أيضا ولكن المذهب الأول وهو ما ذكره طلحة بن مصرف أسلم له ~~فإن هؤلاء اتخذوه عيدا لنزهتهم وسرورهم وهذا قد اتخذه عيدا لعبادته ~~والإتخاذ يشبه الاتخاذ وإن كان العملان متباينين ألا ترى أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الجمعة وقال لا تتخذوه عيدا # وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أتي بفالوذج # فقال ما هذا قالوا إنه يوم نيروز وذلك بأرض العراق # قال نورزوا كل يوم كأنه أراد ان لا يعبأ به PageV01P165 # | - * الأصل الرابع والعشرون # - * # | في قوله صلى الله عليه وسلم احشر أنا وأبو بكر وعمر # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحشر ~~أنا وأبو بكر وعمر هكذا وأخرج السبابة والوسطى والبنصر وأراه ms056 قال ونحن ~~مشرفون على الناس # السبابة من الأصابع التي تلي الابهام وكانت في الجاهلية تدعى السبابة ~~لأنهم كانوا يسبون بها فلما جاء الله تعالى بالاسلام سموها المشيرة وذلك ~~أنهم كانوا يشيرون بها إلى الله عز و جل بالتوحيد وفي حديث وائل بن حجر ~~سماها السباحة ولكن اللغة سارت بما كانت تعرف في الجاهلية فغلبت # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~تأكلوا بهاتين و أشار بالابهام والمشيرة وقال كلوا بثلاث فإنها سنة ولا ~~تأكلوا بخمس فإنها أكلة الأعراب # فالأكل بالخمس علامة الحرص والاقتحام في الطعام وذلك مما يمحق البركة ~~ويفسد على أصحابه حتى يعافوه والأكل بإصبعين مما لا PageV01P166 يستوفي وهي ~~أكلة الملوك وزي أهل النخوة الذين يستكبرون و يمتنعون عن الأكل عتوا وتجبرا ~~وصلفا وإذا نظروا فبلحاظ أعينهم وإذا تكلموا فبأشداق أفواههم وإذا سمعوا ~~فبأصعار خدودهم وإذا تناولوا فبأطراف أناملهم وإذا مشوا فبأجنحة صدورهم ~~وتمطي خواصرهم متبخترين مشية مطيطا بضم الميم مدودا بطرا وعلوا والأكل ~~بثلاثة أصابع تواضع عن النخوة وعفة عن الحرص فالأول غلو والآخر تفريط وما ~~بينهما وسط # قال الحسن البصري رحمه الله ان دين الله وضع على القصد فدخل الشيطان فيه ~~بالإفراط والتقصير فهما سبيلان إلى نار جهنم وعنه أن دين الله تعالى وضع ~~دون الغلو وفوق التقصير # عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل ~~بثلاث أصابع بالإبهام والتي تليها والوسطى ثم رأيته لحق أصابعه الثلاث حين ~~أراد أن يمسحها فلعق الوسطى ثم التي تليها ثم الإبهام # فأما قوله صلى الله عليه وسلم أحشر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا ~~فهذا على درجاتهم فكانت إشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصابعه الثلاث # وروي لنا عن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشيرة منها كانت ~~أطول PageV01P167 من الوسطى والبنصر أقصر من الوسطى وذكر المنازل والإشراف ~~على الخلق وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلاهم اشرافا ثم ms057 من بعده أبو ~~بكر دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق عمر ثم من بعده عمر دون أبي بكر ~~رضي الله عنهما فمن لم يعرف شأن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل ~~تأويل هذا الحديث على الانضمام والاقتراب بعضهم من بعض وهذا معنى بعيد لأن ~~حشر رسول الله صلى الله عليه وسلم حشر الرسل عليهم السلام وحشر أبي بكر ~~وعمر حشر الصديقين رضوان الله عليهم أجمعين وكذلك مقامه في العرصات هو في ~~مقام النبيين ومقامهما من العرصات مقام الصديقين # عن ميمونة بنت كروم رضي الله عنها قالت خرجت في حجة حجها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولقد رأيتني أتعجب وأنا جارية من طول إصبعه التي تلي ~~الإبهام على سائر أصابعه PageV01P168 # | - * الأصل الخامس والعشرون # - * # | في أن الكتابة قيد للعلم وحفظ له من النسيان # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قيدوا ~~العلم بالكتابة # وفي المأثور من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ~~لما خلق آدم خلق لقلبه غاشية تنطبق مرة وترتفع مرة فما سمع والغاشية مرتفعة ~~حفظه وما سمع والغاشية منطبقة نسيه # عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يا أمير ~~المؤمنين مم يذكر الرجل ومم ينسى فقال إن على القلب طخاءة كطخاءة القمر ~~فإذا تغشت القلب نسي بن آدم ما كان يذكر وإذا تجلت ذكر ما كان نسي # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أول من خط بالقلم بعد آدم إدريس ~~عليهما السلام وسمي بذلك لأنه كان يدرس الكتب وكتب نوح PageV01P169 عليه ~~السلام ديوان السفينة وكتب الله تعالى التوراة لعبده موسى عليه السلام قال ~~تعالى ^ وكتبنا له في الألواح من كل شيء ^ وكتب الزبور من زبر الرجل أي كتب ~~وقال تعالى في تنزيله ^ وكل شيء فعلوه في الزبر ^ أي في اللوح وأول ما بدأ ~~شأن الكتابة بدأ القلم واللوح فكتب ما هو كائن ms058 # والكتاب حق وتدبير من الله تعالى لعباده والكتب الجمع بين الحروف ومنه ~~سميت الكتيبة لأنها جمعت فإذا قيدت المعاني بهذه الحروف المخطوطة التي هي ~~دلائل على المعاني فإن كانت محفوظة فالكتاب مستغنى عنه وإن نسيت صار الكتاب ~~نعم المستودع وإن دخل القلب ريب في ذلك نفى الريب واطمأنت النفس وقد أدب ~~الله عز وجل العباد وحثهم على مصالحهم فقال عز من قائل في شأن المداينة ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم @QE@ الآية # فاعلم أن الكتابة قسط عند الله تعالى وهو العدل يؤدي ما ائتمن واستودع ~~وأقوم للشهادة أي أحرى أن يقوم بها وأبعد من الشك والريبة ومن ههنا أخذ ~~طاووس فقال يسعه أن يشهد على خطه وهو لا يذكر فإذا كان تجار الدنيا في ~~المداينة فيما بينهم يقيدون الأمانات المؤجلة لئلا تدرس ليؤدوها في مواقيت ~~حلها ندبهم الله تعالى إليه ودلهم عليه كان تجار الآخرة في تقييد الأمانات ~~التي أخذ الله تعالى الميثاق فيها أن يؤدوه ولا يكتموه أحرى أن يحافظوا ~~عليها ويداوموا على إثباتها وتقييد رسومها لئلا تدرس ليؤدوها في مواقيتها ~~عند حاجة الخلق إليها في نوازلهم فإن أمانة الدين أعظم شأنا من أمانة ~~الدنيا وقد ائتمن الله تعالى PageV01P170 أهل الأموال ليحرزوها ويحفظوها ~~ويراقبوا أمر الله تعالى فيها من صرفها في وجوهها وإخراج حقوقها وإنفاقها ~~في السبل التي أذن الله تعالى فيها # وائتمن الله تعالى أهل العلم على ما أودعهم من نوره وبراهينه وكتبه وحججه ~~ليحرزوها ويحفظوها ويراقبوا أمر الله تعالى فيها من صرفها في وجوهها ووضع ~~كل شيء منها مواضعها وإخراج حقوقها لأهل الحاجة إليها وإنفاقها في السبيل ~~التي سبلها الله تعالى لهم ولهذا ما جاء في الخبر ان الله تعالى يختص هذين ~~الصنفين من جميع الخلق للحساب فيقول للعلماء كنتم رعاة غنمي ولأهل الأموال ~~كنتم خزان أرضي فقبلكم اليوم طلبني # فالمراعي بيد الخزان والمرعى بيد الرعاة إذا أرعى الخازن الغنم رعاه ~~الراعي وذلك أن مرعى الغنم دنياهم والدنيا بأيدي الخزان والرعاية بأيدي ~~الرعاة يسوقهم إليها فيرعيهم ويوردهم ms059 الماء حتى يعيشوا وهو العلم الذي بين ~~لهم منه وإن تردي مترد جبر كسيرته وإن عدى الذئب طردهم عنه بالكلاب وإن مال ~~إلى منابت السوء من السموم القاتلة صرف وجوههم عنها فهؤلاء الرعاة فهذا شأن ~~عظيم قد قلدوا من أمور الخلق فوقعت شدة الحساب عليهم وإذا منع الخازن هلكت ~~الغنم وإذا ضيع الراعي هلكت وكذلك جاء في الخبر أنه ينادى يوم القيامة يا ~~راعي السوء أكلت اللحم و شربت اللبن ولبست الصوف ولم تأو لي الضالة ولم ~~تجبر الكسيرة ولم ترعسها في مرعاها اليوم أنتقم منك # فأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من أشراط الساعة أن توضع ~~الأخيار وترفع الأشرار وأن تقرأ المثناة على رؤوس الناس وما PageV01P171 ~~شددت الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك فقالوا كتاب مع كتاب الله فإن ذلك ~~مما كانت اليهود فعلته وقد وصف الله تعالى في تنزيله الكريم فقال ^ فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا # و ذلك أنه لما درس الأمر فيهم وساءت رغبة علمائهم أقبلوا على الدنيا حرصا ~~وجمعا فطلبوا شيئا يصرف وجوه الناس إليهم فأحدثوا في شريعتهم وبدلوا ~~وألحقوا ذلك بالتوراة وقالوا لسفهائهم هذا من عند الله ليقبلوها عنهم ~~فتتأكد رياستهم وينالوا به حطام الدنيا وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا ^ ليس ~~علينا في الأميين سبيل وهم العرب أي ما أخذنا من أموالهم فهو حل لنا وكان ~~مما أحدثوا فيه أن قالوا لا يضرنا ذنب فنحن أحباؤه وأبناؤه تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا وإنما كان في التوراة يا أحباري ويا أبناء رسلي فغيروه ~~وكتبوا يا أحبائي ويا أبنائي فأنزل الله تعالى تكذيبهم # @QB@ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم @QE@ فقالت لن يعذبنا وإن عذبنا فأربعين يوما مقدار أيام العجل ~~فأنزل الله تعالى ^ وقالوا لن تمسنا النارإلا أياما معدودة قل أتخذتم عند ~~الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون بلى من كسب ~~سيئة ms060 ^ الآية # فحذر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأمة لما قد علم ما يكون في ~~آخرالزمان فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم معارضا لكتاب الله تعالى ~~PageV01P172 فيضلوا به الناس والمثناة ما ثني من الكتاب ليصرف وجوه الناس ~~عن كتاب الله تعالى فأما إثبات الكتاب وما سمعوا من الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من تفسيره وبيانه وشرحه فمحمود قال صلى الله عليه وسلم ألا وإني أوتيت ~~الكتاب ومثله فلا يتكئن أحدكم على أن يقول ما وجدنا في كتاب الله عز وجل ~~أخذنا به وما لم نجد تركناه في كلام نحو هذا # وكان الذين يأخذون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بصائر ويقين ~~وتجلية قلوب ويحفظون عنه فلما صاروا إلى القرن الذي يليه وظهرت الفتن احتيج ~~إلى إثباته في الكتب # فمنهم من هاب ذلك لأنه رآه حدثا وأمرا لم يكن على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهاب أن يكون بدعة ومنهم من تجاسر عليه لما رأى فيه من النفع كما ~~تجاسر أبو بكر رضي الله عنه على جمع القرآن وهابه عمر رضي الله عنه و قال ~~أنفعل ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر رضي الله عنه فلم ~~يزل يرادني في ذلك حتى شرح الله صدري لذلك كما شرح صدره فجمعوا على تأليفه ~~أبي بن كعب وقراء القرآن رضي الله عنهم فكذلك هذه الكتب لم يزل الناس كلما ~~مضى قرن احوج إلى تقييده وبيانه وشرحه لأن العلم في إدبار والجهل في إقبال ~~حتى غلب الجهل وأحاط بالخلق البلاء ونجمت قرون البدع فأحوج ما كانوا إلى ~~شرحه وبيانه في هذا الوقت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد أذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لغير واحد من أصحابه في ذلك رضوان الله عليهم ~~PageV01P173 # عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا شكى إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سوء الحفظ فقال استعن بيمينك # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه ms061 أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في صحيفة يكتب فيها ما سمع منه فأذن له # عن عبد الله بن عمرو أنه قال يا رسول الله أكتب ما أسمع منك قال نعم قال ~~عند الغضب والرضى قال نعم فإنه لا ينبغي أن أقول إلا حقا # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب حيث ~~افتتح مكة شرفها الله فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال اكتب هذا ~~لي يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتبوه لأبي شاه يعني ~~تلك الخطبة # عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال قيدوا العلم قلنا وما تقييده قال ~~علموا وتعلموا واستنسخوه فإنه يوشك أن يذهب العلماء ويبقى القراء لا يجاوز ~~قراءة أحدهم تراقيه PageV01P174 # | - * الأصل السادس والعشرون # - * # | في ذكر فتاني القبر # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ~~يوما فتاني القبر فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أترد إلينا عقولنا يا ~~رسول الله قال نعم كهيئتكم اليوم فقال عمر رضي الله عنه ففي فيه الحجر # المؤمن كريم على ربه يدل بزلفاه على خلقه فمن عرض له بسوء عارضه بإذن ~~الله معتزا بالله وكيف لا يكون هكذا وقد أوصى الله تعالى في تنزيله الكريم ~~@QB@ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون @QE@ # اعلم أن المنافقين لا يعلمون هذا فأما المؤمنون فقد بان لهم أن الله ~~تعالى قد أعزهم وبان لهم عند أنفسهم أنهم إنما يعتزون بالله تعالى فعمر ~~PageV01P175 رضي الله عنه حين ذكر له فتاني القبر كأنه غاظه ذلك من فعل ~~الفتانين ففزع إلى الله تعالى وسأل الرسول صلى الله عليه وسلم فإنما كان ~~يجد الخبر من الغيب على لسانه أترد إلينا عقولنا فلما قال نعم كهيئتكم ~~اليوم أنطقته الجرأة الدالة لا جرأة الحماقة وجرأة الدالة من اليقظة ~~والمعرفة وجرأة الحماقة من الجهل والغفلة فقال ففي فيه الحجر أي أنه إذا ~~كان ms062 عقلي الذي معي اليوم يرد علي كهيئته اليوم معي أسكته بحسن الجواب فكأني ~~ألقمته الحجر أي بجوابي وبما أعطي من سلطان الحق ونفاذ بصيرة العقل لأنه ~~نظر فوجده كأنه أعطي سلطان الامتحان ونظر إلى نفسه فوجده قد أعطي سلطان ~~الحق ونوره فلم يبال به وخلق خلقة منكرة وسمي منكرا لذلك وسمى صاحبه نكيرا ~~وقد وصفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أعينهما كالبرق الخاطف ~~وأصواتهما كالرعد القاصف وشعورهما تحت أقدامهما يحفران الأرض بأنيابهما ~~فإذا كان في القلب من سلطان المعرفة ما لا يهاب ملوك الدنيا وسائرها ما ~~ينفر منه القلوب فإنه لا يهاب منكرا ونكيرا وقال عمر رضي الله عنه في رواية ~~إذا أكفيهما يا رسول الله # و عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه خرج في سفر له فإذا الجماعة على ~~طريق فقال ما هذه الجماعة قالوا أسد قطع الطريق قال فنزل ومشى إليه حتى ~~قفده بيده ونحاه عن الطريق ثم قال ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~إنما يسلط على ابن آدم من خافه ابن آدم ولو أن ابن آدم لم يرج إلا الله لم ~~يكله الله إلى أحد غيره # و حديث ابن عمر رضي الله عنهما يدل على أن كلا إنما يرد إليه عقله الذي ~~خرج به من الدنيا على تلك الهيئة وبين العقول تفاوت فإذا كان عقل الرجل ~~وافرا فاستقبله هول من أهوال الدنيا من ذي سلطان أو PageV01P176 غيره ~~فاستقام ولم يدهش ولم تصبه الحيرة في أمره كان يومئذ مردودا عليه ذلك العقل ~~فإذا استقبله هول فتاني القبر لم يدهش ولم يتحير ومن كان عقله اليوم ما إذا ~~حل به شيء من ذلك الوجه دهش وتحير ولم يثبت على الإستقامة حتى مال كان إذا ~~إستقبله هول فتاني القبر هناك مثل ذلك وان الله تعالى يلطف لعبده المؤمن ~~وينصره ويثبته في الأحايين كلها قال عز من قائل @QB@ يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة @QE@ فعلى قدر ثباته ms063 في الدنيا ~~يكون ثباته في القبر # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر حديث ~~الصور فقال في آخر ذلك بقول الله تعالى لملك الموت عليه السلام من بقي ~~فيقول بقيت أنت الحي القيوم الذي لا يموت وبقي عبدك ملك الموت فيقول يا ملك ~~الموت أنت خلق من خلقي خلقتك لما ترى فقد مات الخلق كلهم فمت ثم لا تحيى ~~أبدا # و قد امتننع كثير من الرواة من رواية هذا الحرف ثم لا تحيى أبدا وهاب هذه ~~الكلمة وذلك مبلغ علمه فنظرنا في هذا الحرف فوجدنا أن الله تعالى يحب ~~المؤمن ومن حبه إياه رزقه الإيمان والمعرفة فقمن أن يترك إحياء ملك الموت ~~عليه السلام كرامة للمؤمنين فإن كل من لقي من أحد شدة ثقل عليه النظر إليه ~~فكيف بمن قتله وقطع روحه من كل مفصل حتى نزعه ألا ترى أنه كان يأتيهم عيانا ~~فشتموه وآذوه فشكا إلى الله عز وجل فصير أمر في خفاء وهيأ لهم الأسباب من ~~PageV01P177 الأمراض والعلل لكي يدرس ذكر ملك الموت عليه السلام عن قلوبهم ~~وألسنتهم ويقولون مات فلان بعلة كذا # ألا ترى أنه لطمه موسى عليه السلام ففقأ عينه فرجع يشكو إلى الله عز وجل ~~وإنما فقأ عين الصورة التي كان أتاه فيها وهذا عند من يجهل معناه منكر ~~مرفوع متهم رواته وكيف يتهم رواته وقد روته الأئمة من غير وجه # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان ملك ~~الموت يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى عليه السلام فلطمه ففقأ عينه فرجع ملك ~~الموت إلى ربه عز وجل فقال يا رب إن عبدك موسى فعل بي ما ترى ولولا كرامته ~~عليك لشققت عليه قال إرجع إلى عبدي موسى فقل له فليضع يده على متن ثور ~~فخيره بكل شعرة توازي كفه أن يعيش سنة فقال موسى عليه السلام يا ملك الموت ~~فما بعد ذلك فقال الموت قال فمن الآن قال ms064 فشمه شمة فقبض روحه فرد عليه بصره ~~فكان يأتي الناس بعد ذلك في خفية # و إنما استجاز ذلك موسى عليه السلام لأنه كليم الله تعالى كأنه رأى أن من ~~اجترأ عليه ومد يدا بالأذى إليه فقد عظم الخطب فيه وإنما اعتز بالله تعالى ~~ورغب في عبادته ودعوة الخلق إليه لا شحا على الحياة وحرصا على الدنيا ~~وتلذذا بها PageV01P178 # | - * الأصل السابع والعشرون # - * # | في أن من السنة مشاركة الجليس في الهدية # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أتى أحدكم بهدية فجلساؤه شركاؤه فيها # فالجلساء هم الذين داموا على مجالستهم معك وفاوضوك في أمورك فليس كل من ~~جلس إليك فهو جليسك كما يقال أكيلك وشريبك وحريفك ووزيرك وليس كل من أكل ~~معك مرة أو وازرك على أمر مرة بأكيل أو وزير فإذا أهدى لك فله من الحق أن ~~تحذي له منها لأن PageV01P179 كرامتك كرامته وهو من أهل وصية الله تعالى ~~بالإحسان إليه فقال @QB@ والصاحب بالجنب @QE@ # قيل في التفسير رفيقك في السفر وجليسك في الحضر وامرأتك التي تضاجعك # عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال يقول الله تعالى إني لأهم بعذاب أهل ~~الأرض فإذا نظرت إلى جلساء القرآن وعمار المساجد وولدان الإسلام يسكن غضبي # فليس كل من قرأ القرآن فهو جليس القرآن إنما الجليس من جالسه القرآن ~~وفاوضه وأبدا له عن أسراره وعجائبه وبواطنه وإنما يكون هذا لمن انتفى عنه ~~جور قلبه وذهبت خيانة نفسه فأمنه القرآن فارتبع في صدره وتكشف له عن زينته ~~وبهائه وكذلك عمار المساجد ليس كل من أنفق في مسجد أو رمه فهو من العمار ~~إنما عمار المساجد من عمرها بذكره قال الله تعالى @QB@ إنما يعمر مساجد ~~الله من آمن بالله واليوم الآخر @QE@ الآية فجليس القرآن من جالسه القرآن ~~فإذا وجدالقلب طاهرا جالسه القرآن وكشف عن وجهه فإن وجهه باطنه وهذا ظهره ~~الذي يعقله الناس # و منه ما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لنجد لقراءتك لذة يا ms065 ~~رسول الله ما لا نجد لقراءة أحد قال لأنكم تقرأونه لظهر وأنا أقرأه لبطن ~~فلا يكشف عن وجهه إلا الأمين الذي لا يخونه PageV01P180 # و مثله كمثل عروس مزين مد يده إليها دنس متلوث في المزابل متلطخ بالأقذار ~~وهي تعرض عنه أنفة وتعافه وتقذره فإذا تطهر ثم تزين فقد أدى حقها أقبلت ~~إليه بوجهها ففاوضته وصارت له جليسة فكذلك القرآن له ظهر وبطن فوجهه مما ~~يلي بطنه والزينة والبهاء والحسن في الوجه فلا يكون جليسا إلا من تطهر من ~~الذنوب ظاهرا وباطنا وتزين بالطاعة ظاهرا وباطنا فعندها يأمنه القرآن ~~فيتحلى له بزينته وبهائه ومواعظه وحكمه وما حشى الله تعالى فيه من المن ~~واللطف لعباده وحرام على من ليس هذه صفته أن ينال ذلك وكيف ينال البر ~~واللطف عبد آبق من مولاه هارب على وجهه لا يزداد على تجدد الأيام إلا هربا ~~بنفسه إنما ينال البر إذا أقبل إليه من إباقه تائبا نادما فيمكث في التوبة ~~مدة يظهر له نصحه فهناك فليتوقع بره ولطفه فكذلك هذا كيف ينال البر واللطف ~~من الله تعالى من قلبه مكب على حطام الدنيا وقضاء الشهوات و إنما البر ~~واللطف للمتقين والمحسنين وقال تعالى @QB@ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في ~~الأرض بغير الحق @QE@ # و عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من تواضع لله درجة رفعه الله ~~درجة ومن تواضع لله درجات رفعه الله درجات حتى يجعله في أعلا عليين ومن ~~تكبر على الله درجة وضعه الله درجة ومن تكبر على الله درجات وضعه الله ~~درجات حتى يجعله في أسفل سافلين PageV01P181 # فالمتكبر بغير الحق هو الذي يقضي نهمته وشهوته ولا يبالي أذن الله له ~~فيها أو لم يأذن فهو من الله تعالى على عقوبة أن يضيعه فكيف ينيله البر ~~واللطف الذي يريه أحباءه في تنزيله الكريم بل إذا تلاه صرف قلبه عنها فلا ~~يعيه ولا يفهمه كما صرف هذا بقلبه عن الله تعالى إلى نفسه ودنياه وروي في ~~التفسير في قوله تعالى @QB@ سأصرف عن آياتي ms066 الذين يتكبرون في الأرض @QE@ ~~قال أنزع عنهم فهم القرآن فلا يفهمونه ولا يحدون له حلاوة ولا لذاذة وذلك ~~أن الفهم نور إذا ورد على القلب دنس المعاصي ارتحل النور فتحير عن فهمه ~~وروي في الحديث أنه قال يأتي على الناس زمان يخلق القرآن في صدورهم حتى ~~يتهافت مثل الثوب الخلق البالي PageV01P182 # | - * الأصل الثامن والعشرون # - * # | في سر إماطة الأذى عن الطريق # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينما ~~رجل يمشي في الطريق إذا أبصر بغصن شوك فقال والله لأرفعهن هذا لا يصيب أحدا ~~من المسلمين فرفعه فغفر له # قال أبو عبد الله ليس برفع الغصن نال المغفرة فيما نعلمه ولكن بتلك ~~الرحمة التي عم بها المسلمين فشكر الله له عطفه ورأفته بهم # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما عبد لم ~~يعمل لله خيرا قط مر على بئر فشرب فإذا هو بكلب يلهث عطشا فغرف له بخفه ~~فسقاه فشكر الله له ذلك فغفر له وبينما عبد لم يعمل لله PageV01P183 تعالى ~~خيرا قط فمر على غصن شوك فأماطه عن الطريق فغفر الله له وبينما عبد لم يعمل ~~لله تعالى خيرا قط ففرق فخرج هاربا فجعل ينادي يا أرض اشفعي لي ويا سماء ~~اشفعي لي ويا كذا اشفعي لي حتى أصابه العطش فوقع فلما أفاق قيل له قم فقد ~~شفع لك من قبل فرقك من الله تعالى # قال أبو عبدالله فإنما غفر له من أجل الرحمة التي رحم بها الكلب وإنما ~~غفر له من أجل الفرق الذي حل بقلبه لأنه عمل فيه حتى فارق المعاصي أصلا ~~فتركه بالجوارح فعلا وتركه قلبا ونفسا فطهر الظاهر والباطن واماتت منه شهوة ~~كل معصية والذي يترك المعاصي بجوارحه وشهوتها في قلبه ونفسه تنازعه إلى ذلك ~~فإنه طهر ظاهره فلم يطهر باطنه فلم يستكمل التوبة بحقيقتها ولما أنزل الله ~~تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم @QB@ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ~~وأهليكم ms067 نارا وقودها الناس والحجارة @QE@ قال فلما تلاها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين خر فتى مغشيا عليه فوضع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده فإذا هو يتحرك قال يا فتى قل ~~لا إله إلا الله فأفاق الفتى وهو يقولها فبشره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالجنة فقال أصحابه يا رسول الله أمن بيننا فقال صلى الله عليه وسلم ~~أما سمعتم الله يقول @QB@ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد @QE@ # والرهب هرب القلب من هول سلطان الله وهو أكبر من الخوف و الخوف خيفته ~~وانزعاجه والرغب التهاب القلب حرصا على الشيء وهو أعلى من الطمع ~~PageV01P184 # | - * الأصل التاسع والعشرون # - * # | في النظافة # عن عبد الله بن بشر المازني رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قصوا أظافيركم وادفنوا قلاماتكم ونقوا براجمكم ونظفوا لثاتكم من ~~الطعام وتسننوا ولا تدخلوا علي قخرا بخرا # أما قص الأظفار فلأنها تخدش وتضر وهو مجمع الوسخ وربما أجنب ولا يصل ~~الماء إلى البشرة من الوسخ فلا يزال جنبا والأظافير جمع الأظفور والأظفار ~~جمع الظفر وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سها في صلاته فقال ~~وما لي لا أوهم ورفع أحدكم بين ظفره وأنملته ويسألني أحدكم عن خبر السماء ~~وفي أظافيره الجنابة والتفث # وأما دفن القلامة فإن جسد المؤمن ذو حرمة فما سقط منه فحظه من ~~PageV01P185 الحرمة قائم وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفن دمه ~~حيث احتجم كيلا يبحث عنه الكلاب # وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يحتجم فلما فرغ قال يا عبد الله بن الزبير اذهب ببهذا الدم فاهرقه ~~حيث لا يراك أحد فلما برز عمد إلى الدم فشربه فلما رجع قال يا عبد الله ما ~~صنعت به قال جعلته في أخفى مكان ظننت أنه خاف على الناس قال لعلك شربته قال ~~نعم قال لم شربت الدم ويل للناس ms068 منك وويل لك من الناس # عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بدفن ~~سبعة أشياء من الإنسان الشعر والظفر والدم والحيضة والسن والقلفة والمشيمة # والبرجمة ظهر عقدة كل مفصل وهو مجمع الدرن والراجبة قصب الإصبع ما بين ~~العقدتين فلكل إصبع برجمتان وثلاث رواجب إلا الإبهام فإن لها برجمة ~~وراجبتين أمر بتنقيتها لئلا تدرن فيحول درن تلك الفصول بين الماء والبشرة ~~وتبقى الجنابة واللثة هي اللحمة فوق الأسنان و دون الأسنان وهي منابتها ~~والعمور اللحمة القليلة بين السنين واحدها عمر أمر بتنظيفها لئلا يبقى فيها ~~وضر الطعام فتتغير النكهة وتنكر الرائحة # وقوله تسننوا أي استاكوا مأخوذ من السن أي نظفوا السن وقوله لا تدخلوا ~~علي قخرا بخرا المحفوظ عندي قلحا وقحلا والأقلح الذي اصفرت أسنانه حتى بخرت ~~من باطنها ولا نعرف القخر والبخر إلا الذي نجد له رائحة منكرة يقال رجل ~~أبخر ورجال بخر PageV01P186 # | - * الأصل الثلاثون # - * # | في أدب الصحبة # عن عبادة بن الصامت رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه # فالإجلال للكبير هو حق سنه الله تعالى أنه تقلب في العبودة لله تعالى في ~~مدة طويلة والرحمة للصغير هو موافقة لله تعالى بأنه رحمه ورفع عنه العبودة ~~فلم يؤاخذه بحفظ حد ولا حكم ومعرفة حق العالم هو حق العلم أن يعرف قدره بما ~~رفع الله من قدره وآتاه العلم قال تعالى @QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات @QE@ فيعرف درجاته التي رفع رفع الله له بما آتاه ~~من العلم PageV01P187 # | - * الأصل الحادي والثلاثون # - * # | في حقيقة الاستيداع وسره # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أردت سفرا أو تخرج مكانا فقل لأهلك أستودعكم الله الذي لا يخيب ودائعه # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر إن ~~الله إذا استودع شيئا حفظه أصل ms069 الوديعة هو الترك والتخلي عن الشيء وهو قوله ~~تعالى @QB@ ما ودعك ربك وما قلى @QE@ أي ما تركك # وإن الله تعالى جعل الأمور إنما تقوم بالأسباب محنة وبلوى لينظر من ينفذ ~~قلبه من الأسباب إلى ولي الأسباب ومن يتعلق بها فيكون قلبه سبيا من سبي ~~الأسباب فيكون مثله كما ذكر الله تعالى في تنزيله فقال PageV01P188 @QB@ ~~ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل @QE@ # فهذا في الظاهر تجد رجلا يعبد أصناما ورجلا سلما للواحد القهار وفي ~~الباطن رجلا في قلبه شركاء متشاكسون وهي شهواته التي تغلي في صدره فقد سبى ~~قلبه أسباب تلك الشهوات ورجلا قد انفرد قلبه للواحد وخلا من جميع الأسباب ~~وماتت نفسه من الشهوات @QB@ هل يستويان مثلا @QE@ ثم قال @QB@ الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون @QE@ # ثم قال تعالى @QB@ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ~~@QE@ # فأهل الظاهر لم يعبروا عن الأسباب إلى وليها فضيعوا حقوقه وركبوا مساخظه ~~وأهل اليقين يعلمون ربوبيته قائمة في الأسباب فلا تطرف عين ولا ينبض عرق ~~ولا تحس حاسة إلا بإذنه وقوام الأشياء ودوامها به فاحتدت أبصار قلوبهم بنور ~~اليقين فنفذت إلى تدبير ولي الأسباب فاستوطنت على القربة عاكفة على ربها عز ~~وجل وولت الأسباب ظهرا فهو يمضي في الأسباب كسائر الخلق والأسباب لا تأخذه ~~ولا تفتن قلبه لأن قلبه بين يدي الخالق مبهوت في جلاله وعظمته والأسباب من ~~وراء ظهره فهو يمضي فيها ولا يلتفت إليها # وإنما تأخذالأسباب من استنزلته نفسه وصار قلبه سبيا لنفسه وأسيرا من ~~أسرائه فإذا خلف شيئا في مكان أراد أن يغيب عنه واستودع الله ذلك الشيء فهد ~~امنه في ذلك الوقت تخل وتبرؤ من حفظه ومراقبته لأنه PageV01P189 ما دام معه ~~فهو في نفسه يحسب أنه هو الذي يحفظه ويكلؤه ويرعاه وهو يقول مع هذا @QB@ ~~الله خير حافظا @QE@ # ولكن هذا القول منه قول الموحدين لا قول الموقنين ثم اذا خلفه في حرز أو ~~في حراسة غيره أو أخفاه في موضع فقد وكله إلى ذلك الحرز والحراسة وإذا ms070 جعله ~~هكذا ثم مع هذا أودعه ربه سبحانه وتعالى فقد وكله إلى الله وتبرأ من حفظه ~~وحفظ حرزه وحارسه وتخلى منه مضى في تدبير الآدميين أن يحرزوا أو يحرسوا ثم ~~وكله إلى الله تعالى فوجده مليا وفيا كريما # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من توكل على الله كفاه # وقال صلى الله عليه وسلم من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ~~فإنه إذا توكل قوي قلبه ولم يبال بأحد وذهبت مخاوفه # وقال عز وجل @QB@ ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ # وقال صلى الله عليه وسلم من انقطع إلى الله كفاه # وان الله أعطى الخلق علم الأمور وعلم أسبابها وعلم حيلها وأعطاها القوة ~~ومعرفة التصرف في ذلك ولم يغنهم عن نفسه بما أعطاهم فالغافل الأحمق يرى أن ~~ما أعطي من هذه الأشياء يقتدر بها في الأمور ويتملك PageV01P190 فيريه الله ~~تعالى ضعفه وفقره وعجزه ويعرفه أنه لا يقوم له شيء إلا به وان الأسباب التي ~~أعطاها كلها له عجزة ضعفاء مثله وإذا قال العبد لا حول ولا قوة إلا بالله ~~تبرأ من الأسباب وتخلى من وبالها فجاءته القوة والعصمة والغياث والتأييد ~~والرحمة # قال المصنف رحمه الله حدثنا عبيد بن إسحاق العطار الكوفي قال حدثنا عاصم ~~بن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم قال حدثني زيد ~~بن أسلم عن أبيه قال بينما عمر رضي الله عنه يعرض الناس إذا هو برجل معه ~~ابنه فقال له عمر ويحك حدثني ما رأيت غرابا بغراب أشبه بهذا منك قال أما ~~والله يا أمير المؤمنين ما ولدته أمه إلا ميتة فاستوى له عمر رضي الله عنه ~~فقال ويحك حدثني # قال خرجت في غزاة وأمه حامل به فقالت تخرج وتدعني على هذا الحال حاملا ~~مثقلا قلت أستودع الله ما في بطنك قال فغبت ثم قدمت فإذا بابي مغلق قلت ~~فلانة قالوا ماتت فذهبت إلى قبرها أبكي فلما كان من الليل قعدت مع بني عمي ~~أتحدث وليس ms071 يسترنا من البقيع شيء فرفعت لي نار بين القبور فقلت لبني عمي ما ~~هذه النار فتفرقوا عني فأتيت أقربهم مني فسألته فقال نرى على قبر فلانة كل ~~ليلة نارا فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون أما والله إن كانت لصوامة قوامة ~~PageV01P191 عفيفة مسلمة انطلق بنا فأخذت فأسا فإذا القبر منفرج وهي جالسة ~~وهذا يدب حولها وناداني مناد من السماء أيها المستودع ربه وديعته خذ وديعتك ~~أما لو استودعت أمه لوجدتها فأخذته وعاد القبر كما كان فهو والله هذا يا ~~أمير المؤمنين # قال عبيد فحدثت بهذا الحديث محمد بن إبراهيم العمري فقال هذا والله الحق ~~وقد سمعت عم أبي عاصم يذكره وقال ورأيت ابن ابن هذا الرجل بالكوفة وقال لي ~~موالينا هو هذا PageV01P192 # | - * الأصل الثاني والثلاثون # - * # | في بطاقة البهتان وبيان الاحتراز منه # عن ابن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاء ~~بالعبد يوم القيامة فتوضع حسناته في كفة وسيئآته في كفة فترجح السيئات ~~فتجيء بطاقة فتقع في كفة الحسنات فترجح بها فيقول يا رب ما هذه البطاقة فما ~~من عمل عملته في ليلي ونهاري إلا و قد استقبلت به قال هذا ما قيل فيك وأنت ~~منه بريء قال فينجو بذلك # و روي في الخبر أن داود عليه السلام سأل سليمان عليه السلام ما أثقل شيء ~~فقال البهتان على البريء # عن علي كرم الله وجهه البهتان على البريء أثقل من السموات PageV01P193 ~~وإنما صار هكذا لأن الآدمي ائتمن على جوارحه السبع ووكل برعايتهن أيام ~~الحياة لئلا تدنس حتى يقدم على الله تعالى وهو مقدس يصلح لدار القدس وأن ~~يكون مجاورا للقدوس وزائرا له فإذا رعاهن هذا المؤمن ثم ضيع منه ما ضيع من ~~غفلة أو زلة أو فتنة فمن ورائه الندم والإقلاع والاستغفار وباب التوبة ~~مفتوح فإذا رعى العبد هذه الجوارح فقال هذا في عرضه ما هو بري منه فقد خونه ~~في أمانة الله تعالى عنده ولم يخن ورماه بداهية هو فيها ساع به إلى الله ~~تعالى ms072 وغير مقبولة سعايته لأن علام الغيوب مطلع على كذبه وكتب في شهداء ~~الزور وقد نهى الله تعالى عنه وقرنه بالشرك فقال تعالى @QB@ فاجتنبوا الرجس ~~من الأوثان واجتنبوا قول الزور @QE@ # و قال صلى الله عليه وسلم البهتان عدل بالشرك بالله # و سمي بهتانا لأنه يبهت القلب ويحيره من ظلمته فإن الظلم ظلمات وإذا بهت ~~القلب وتحير في الظلمة ذهبت الهداية والبصيرة وهو بمنزلة الشمس إذا انكسفت ~~فتهافت نورها فيصير الذي نيل من عرضه بهذا البهتان عند الله تعالى بحال ~~رحمة حيث أصيب من عرضه وخلص الألم إلى قلبه وإذا كان بريئا فهو أوجع لقلبه ~~PageV01P194 # | - * الأصل الثالث والثلاثون # - * # | في سر الاحتجاب وبيان حكمه # عن نبهان مولى أم سلمة رضي الله عنهما أنه حدث أن أم سلمة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم حدثته أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة ~~قالت بينا نحن عنده إذا أقبل إبن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد أن أمر ~~بالحجاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجبا منه فقلنا يا رسول الله ~~أليس هو الأعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه # قال أبو عبدالله إنما ضرب الحجاب عليهن كرامة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإجلالا له وصير الله تعالى أزواجه أمهات المؤمنين ليحرمن على من بعده ~~وقد تكلم بعضهم في حياته بشيء من تزويجهن فنزلت PageV01P195 @QB@ ما كان ~~لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند ~~الله عظيما @QE@ ونزلت @QB@ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه ~~أمهاتهم @QE@ # فانقطع الخطاب الذي كان فيما بينهم والطمع في شأنهن فصرن أمهات المؤمنين ~~وليس المؤمنون بمحرم لهن وذلك ليعلم أنه إنما صرن إمهات المؤمنين ليحرمن ~~على الرجال من بعده و ليس الرجال بمحرم لهن فقال تعالى @QB@ وإذا سألتموهن ~~متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن @QE@ # فكما حظر على الرجال النظر إليهن فكذلك حظر عليهن النظر إلى الرجال فبين ms073 ~~علة الحجاب أنه إنما أريد بذلك طهارة قلوب الصنفين جميعا قلوب الرجال منهن ~~وقلوبهن من الرجال # و روي في الخبر أن الحسن والحسين رضي الله عنهما كانا لا يريان أمهات ~~المؤمنين وإنما كان يدخل عليهن محارمهن من النسب والرضاع ومماليكهن ~~PageV01P196 # | - * الأصل الرابع والثلاثون # - * # | في حقيقة النظرتين # عن أبي امامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة أول مرة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة ~~يجد حلاوتها # فالنظرة الأولى نظرة الروح والنظرة الثانية نظرة النفس لأن الإنسان خلق ~~مفتوح العين عمول ناظراه لحاظ هكذا وهكذا فهو مأذون له في ذلك لأن من شأن ~~العين أن تطرف وتفتح فإذا وقع بصره على شيء فليس عليه شيء لأن قلبه لم يعمل ~~شيئا فإذا عمل بصره فإنما يعلمه والابتداء من القلب حتى تعمل العين فذاك ~~نظر تكلف فهو مسئول عنه والأول مرفوع عنه فلذلك قال ينظر إلى محاسن امرأة ~~أول مرة ثم يغض بصره لأنه لما وقع بصره على المحاسن أول مرة وجب عليه أن ~~يغض فالغض فعل العين فعليه يثاب والفتح والنظر بعد ذلك فعل العين فعليه ~~يعاقب يقال إن بصر العين متصل ببصر الروح من داخل فلذلك PageV01P197 قيل ~~الحياء في العينين لأن الحياء من فعل الروح ولذلك قيل لا تطلبن إلى أعمى ~~حاجة # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لا تطلبن إلى أعمى حاجة وإذا طلبت الحاجة ~~فاستقبل الرجل بوجهك فإن الحياء في العينين ولا تطلبنها ليلا وباكر في ~~حاجتك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم بارك لأمتي في بكورها # فلما غض بصره عما لا يخل فانما صان روحه أن تتدنس وقمع نفسه عن أن تلذ ~~بشهوة فأعطي نورا ثوابا عاجلا فوجد حلاوة العبادة # عن أبي امامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم النظر ~~إلى محاسن المرأة سهم مسموم من سهام الشيطان فمن صرف بصره عنها أبدله الله ~~تعالى ms074 عبادة يجد حلاوتها PageV01P198 # | - * الأصل الخامس والثلاثون # - * # | في أن الحسنة بعشرة # عن أبي أيوب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر # فمن أجل أن الله تعالى جعل الحسنة لهم بعشر أمثالها فصوم رمضان بثلثمائة ~~يوم كل كل يوم بعشرة وبقي من السنة ستون يوما فعدل كل يوم بعشرة فيحتسب له ~~على حساب تضعيف الحسنات كأنه صام الدهر كله PageV01P199 # عن معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الشهر كله لأن كل يوم يحتسب ~~له في التضعيف بعشرة أيام PageV01P200 # | - * الأصل السادس والثلاثون # - * # | في الشكر والصبر # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر # فالطعم فعل والصوم كف عن فعل فالطاعم بطعمه يأتي ربه بالشكر والصائم بكفه ~~عن الطعم يأتي ربه بالصبر # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الإيمان نصفان نصف ~~للشكر ونصف للصبر PageV01P201 # وفي حديث آخر عن ابن مسعود رضي الله عنه الصبر نصف الإيمان وإنما قال نصف ~~الإيمان لأن نصفه للشكر # ثم قال واليقين الإيمان كله ثم تلا @QB@ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ~~@QE@ وقال @QB@ وفي الأرض آيات للموقنين @QE@ # فجمع اليقين الصبر والشكر وإنما هو صنفان معطي فعليه الشكر وممنوع منه ~~فعليه الصبر فإذا شكر هذا فقد أتى من حقيقة الإيمان بنصفه وإذا صبر هذا فقد ~~أتى من حقيقة الإيمان بنصفه PageV01P202 # | - * الأصل السابع والثلاثون # - * # | في سر قتل الحيات والنهي عنه # عن سري بنت نبهان العنوية قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~اقتلوا الحيات صغيرها وكبيرها وأسودها وأبيضها فإن من قتلها كانت له فداء ~~من النار ومن قتلته كان شهيدا # فالحية عدو قد أظهرت العداوة وقد كانت وكلت بخدمة آدم عليه السلام في ~~الجنة فخانته وأمكنت عدو الله ms075 من نفسها حتى صيرته سببا لدخوله الجنة في ~~إغوائه فلما ألقاهم إلى الأرض تأكدت العداوة من عدو الله ومن الحية لآدم ~~عليه السلام وأولاده # قال وهب بن منبه لما أسكن الله عز وجل آدم عليه السلام الجنة وزوجته كانت ~~الشجرة وغصونها منشعبة بعضها في بعض وكان لها ثمر تأكله الملائكة تخلدهم ~~وهي الثمرة التي نهى الله تعالى آدم وزوجته عليهما السلام عنها فلما أراد ~~إبليس أن يستنزلها دخل في PageV01P203 جوف الحية وكانت الحية لها أربع ~~قوائم تحتية من أحسن دابة خلقها الله تعالى فلما دخلت الحية الجنة خرج من ~~جوفها إبليس وأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجته عليهما السلام عنها ~~فجاء بها إلى حوء فقال لها انظري إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها ~~وأحسن لونها فأخذتها حواء فأكلتها ثم ذهبت بها إلى آدم عليه السلام فقالت ~~انظر إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها فأكل منها آدم ~~عليه السلام فبدت لهما سوآتهما فدخل آدم في جوف الشجرة فناداه ربه أين أنت ~~قال أنا هنا يا رب قال ألا تخرج قال أستحيي منك يا رب قال اهبط إلى الأرض ~~التي خلقتك منها قال ملعونة الأرض التي منها خلقت لعنة تتحول ثمارها شوكا ~~ثم قال يا حواء غررت عبدي فإنك لا تحميلن حملا إلا حملت كرها فإذا أردت أن ~~تضعبي ما في بطنك أشرفت على الموت مرارا وقال للحية أنت التي دخل الملعون ~~في جوفك حتى غر عبدي ملعونة أنت لعنة تتحول قوائمك في بطنك ولا يكون لك رزق ~~إلا التراب أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك أين لقيت أحدا منهم أخذت بعقبه ~~وحيث لقيك شدخ رأسك # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلوا ~~الحية والعقرب وإن كنتم في الصلاة # عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال خمس ~~يقتلهن المحرم فذكر الحية فيهن PageV01P204 # عن عبد الله بن مسعود رضي ms076 الله عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمنى فمرت حية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلوها فسبقتنا إلى ~~جحر فدخلته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتوا بسعفة ونار فاضرمها ~~عليه نارا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن المثلة وعن أن يعذب ~~بعذاب الله # فلم يبق لهذا العدو حرمة حيث فاتته حتى اوصل إليه الهلاك من حيث قدر # وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول اخفروا ذمة إبليس عدو الله فإنه روي ~~في الخبر أن عدو الله إبليس قال للحية أدخليني الجنة وأنت في ذمتي # فأما ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من النهي عن قتل الجان فإن ~~تلك في صورة الحيات هن من الجن وهن سكان البيوت فإذا قتلتها ضرت بك # عن زيد بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~قتل دواب البيوت يعني الجان # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق ~~الله عز وجل الجان ثلاثة أثلاث فثلث كلاب و حيات PageV01P205 وخشاش الأرض ~~وثلث ريح هفافة وثلث كبني آدم لهم الثواب وعليهم العقاب ) # وفي رواية أبي ثعلبة الخشني صنف لهم أجنحة يطيرون يطيرون في الهواء يدل ~~قوله وثلث ريح هفافة وخلق الله تعالى الإنس ثلاثة أثلاث فثلث لهم قلوب لا ~~يفقهون بها وأعين لا يبصرون بها و آذان لا يسمعون بها إن هم إلا كالأنعام ~~بل هم أضل سبيلا وثلث أجسادهم كأجساد بني آدم وقلوبهم قلوب الشياطين وثلث ~~في ظل الله تعالى يوم لا ظل إلا ظله # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن بالمدينة نفرا من الجن أسلموا فمن رأى شيئا من هذه العوامر فليؤذنه ~~ثلاثا فإن له بعد ذلك فليقتله فإنه شيطان # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى أحد ms077 فخرج معه فتى منا من بني خدرة وهو حديث عهد بعرس فاستأذن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يطلع على أهله فأذن له فخرج الفتى وفي يده الرمح حتى ~~دخل الدار فوجد زوجته بباب حجرته جالسة PageV01P206 فأفزعه ذلك فقال ما ~~أخرجك من بيتك قالت حية منطوية عل فراشك هي التي ذعرتني فدخل الفتى فوكزها ~~برمحه وخرج بها إلى صحن الدار تضطرب فيه فماتت ومات الفتى من ساعته فذكر ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تقتلوا شيئا تجدونه في البيوت ~~منهن حتى تقدموا # عن ابن أبي ملكية قال قتلت عائشة رضي الله عنها جانا فأتيت في المنام ~~فقيل أما والله لقد قتلتيه مسلما فقالت لو كان مسلما ما دخل على أمهات ~~المؤمنين فقيل ما دخل عليك إلا وأنت مستترة فتصدقت وأعتقت رقابا # عن ثابت بن قطبة الثقفي قال جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~فقال إنا كنا في سفر فمررنا بحية مقتولة مشعرة في دمها فواريناها فلما ~~نزلوا أتتهم نسوة وأناس فقالوا أيكم صاحب عمرو قلنا من عمرو قالوا الحية ~~التي دفنتموها أمس أما أنه من النفر الذين استمعوا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قلنا ما شأنه قال كان حيان من الجن مسلمون ومشركون بينهم قتال ~~فقتل # عن الربيع بن بدر قال الجان من الحيات التي نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن قتلها هي التي تمشي ولا تلتوي # عن علقمة قال اقتلوا الحيات كلها إلا الجان الذي كانه ميل فإنه جنها ~~PageV01P207 # | - * الأصل الثامن والثلاثون # - * # | في أكل القثاء بالرطب وسره # عن عبدالله بن جعفر رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأكل القثاء بالرطب # قال أبو عبد الله فهذا جمع بين لونين فقد يجوز أن يكون قد اشتهاه فقضى ~~شهوته لله تعالى لتسكين النفس فإن النفس نازعة إلى ما فيه اللذة لها ولها ~~حق إذا استقامت لمولاها فأدى حقها وحمد الله وشكره عليها فلا يكون على ms078 ~~صاحبها وبال في مثل هذا وإنما الوبال على من قضى شهوته بنهمة غافلا عن ربه ~~سبحانه وتعالى منهوما بلذته لا يلتمس فيها حق النفس ولا يبتغي بها وجه الله ~~فالحساب أمامه وهو مسئول عن شكرها وقد يجوز أن يكون على غير هذا السبيل ~~الذي ذكرناه PageV01P208 ويحتمل أن يكون لمكان عياله أو ضيفه فعل ذلك فتوسع ~~من أجلهم في ذلك ولم يحمل قوته على ضعفهم فربما ينغص على الضيف أو العيال ~~إمساكه عنه واستوحشوا من فعله وتكدرت تلك النعمة عليهم ففيه تضييع حق الضيف ~~وحق العيال فيخالطهم في ذلك ويشركهم فيه ووجه آخر محتمل أيضا وذلك أن ~~القثاء بارد رطب والرطب حار فأحب أن يصيره مزاجا فيجمع بين الحار والبارد ~~كيلا يضربه واحد منهما على الانفراد # وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين ~~البطيخ والرطب # وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن يأكل البطيخ ~~بالرطب PageV01P209 # | - * الأصل التاسع والثلاثون # - * # | في مراتب الأخلاق وفضل العلم # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كنت ذات يوم رديف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ألا أعلمك خصلات ينفعك الله بهن قلت بلى يا نبي الله قال ~~عليك بالعلم فإن العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله والعمل قيمه ~~والرفق أبوه واللين أخوه والصبر أمير جنده # قال أبو عبدالله الإيمان مستقره في القلب ويشرق نوره في الصدر فإذا اعترض ~~فكر في الأمور تصور كل شيء على هيئته فيرى الخير في بهائه وحسنه والشر في ~~قبحه وشينه وإنما قيل علم لأنه علائم الإيمان و قد أظهر في الصدر باطن ما ~~في القلب فهو خليله لأنه قد خله إلى الإيمان أي ضمه لما ظهر العلم اهتدى ~~فمال إلى من آمن به ليأتمر بأمره وينتهي عن نواهيه والخلة الضمة في اللغة ~~يقال هذا ثوب خليل PageV01P210 وهو الذي شكه بالخلال فضمه إلى نفسه فكذلك ~~لما ظهر في صدر المؤمن شكه وجمعه حتى لا تنتشر جوارحه ms079 في شهواته وهواه # والحلم وزيره فالحلم هو سعة الصدر وطيب النفس فإذا وسع الصدر وانشرح ~~بالنور أبصرت النفس رشدها من غيها وعواقب الخير والشر فطابت وإنما تطيب ~~النفس لسعة الصدروإنما يتسع الصدر بولوج النور الوارد من عند الله و هو ~~قوله تعالى @QB@ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه @QE@ وإذا ~~دخل النور سهل تسليم النفس وذهبت عسرتها وكزازتها والملح يطيب الطعام ~~والحلم يطيب النفس # عن عبد الله بن جراد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليس الأعمى من يعمى بصره إنما الأعمى من تعمى بصيرته # قال الله تعالى في تنزيله الكريم @QB@ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور @QE@ فطيب النفس من روح اليقين وهو من أعظم النعم ~~PageV01P211 # وعن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بأس من ~~غني لمن إتقى والصحة لمن إتقى خير من الغني وطيب النفس من النعيم # فالغني بغير التقوى هلكة يجمعه من غير حقه ويضعه في غير حقه فإذا كان مع ~~صاحبه تقوى فقد ذهب البأس وجاء بالخير # عن محمد بن كعب أن الغني إذا كان تقيا آتاه الله تعالى أجره مرتين ثم تلا ~~@QB@ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل ~~صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون @QE@ # فليس من امتحن كمن لم يمتحن فقال في مؤمني أهل الكتاب @QB@ أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين بما صبروا @QE@ # فصبر الغني أشد من صبر الفقير كما أن محاربتك أسدا خلي عنه أشد من ~~محاربتك أسدا قد ربط بوثاق # قال مالك بن دينار رحمه الله يقول الناس مالك زاهدا وكيف لا يزهد وهو ~~مقبز عليه إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز نال الخلافة فلبس المسوح # وأما قوله والصحة لمن اتقى خير من الغنى فإن صحة الجسد عون على العبادة ~~والسقيم عاجز فالصحة خير من الغنى مع العجز # وأما قوله وطيب النفس من النعيم فقد ذكرنا ms080 أنه من روح اليقين على القلب ~~وهوالنور الوارد الذي قد أشرق في الصدر وأراح القلب PageV01P212 والنفس من ~~الظلمة والضيق لأن النفس بشهواتها في ظلمة والقلب في تلك الظلمات قد أحاطت ~~به فالسائر إلى مدعاة في ظلمة يشتد عليه السير ويضيق صدره لما يتخوف في ~~الطريق من المهاوي والمخاوف فإذا أضاء له الصبح انفقأت الظلمة ووضح الطريق ~~وزالت المخاوف فكذلك السائر بقلبه في شريعة الإسلام إلى الله تعالى إذا كان ~~قلبه في ظلمة شهواته وهواه هو بهذه الصفة وإذا أشرق نور اليقين في صدره ~~استراح القلب فهذه صفة الحلم فهو وزير المؤمن يوازره على أمر الله تعالى ~~وإذا لم يكن حلم ضاقت النفس وانفرد القلب بلا وزير # والعقل دليله يدله على مراشد الأمور ويبصره غيها ويهديه لمحاسنها ويزجره ~~عن مساوئها وخلق الله عز وجل العقل فقال وعزتي ما خلقت خلقا أحب إلي منك ~~فبك آخذ وبك أعطي وإياك أعاتب ولك الثواب وعليك العقاب PageV01P213 # وروي في الخبر أن الله تعالى قال يا موسى إنما أجزي الناس على قدر عقولهم # والعمل قيمة القيمة من شأنه أن يتوكل لك حتى يكفيك مهماتك والعلم الصالح ~~يهئ له في معاشه طيب الحياة قال الله تعالى @QB@ من عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ~~@QE@ فالحياة الطيبة في الدنيا والجزاء في الآخرة وقال تعالى @QB@ إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ # والرفق أبوه الأب له التربية مع العطف والشفقة وهو يشمل أحوال الولد ~~بالعناية ويجمع له وجوه المكاسب والرفق كشفير الأمور به يتأتى الأمور وبه ~~يتصل بعضها ببعض وبه يجمع ما تشتت منه ويأتلف ما تنافر وتبدد منه ويرجع إلى ~~المأوى ما شذ وهو يشمل أحوال المؤمن بالصلاح ويجمع له الخيرات والطاعات من ~~وجوه البر # واللين أخوه فالأخ آخية المرء و معتمده من المخلوقين فهو مستراحه إذا ~~أعيى ونصب استند إليه و استراح فكذلك اللين هو مستراح المؤمن به تهدأ نفسه ~~ويطمئن قلبه وتجد أركانه راحة ذلك وحدته ms081 وشدته وغضبه تعب بدنه وعذاب نفسه ~~ونصب قلبه وإنما يلين قلبه بهدو نفسه وإنما تهدو نفسه بموت شهواتها وإنما ~~تموت شهواتها بما أصبر قلبه بنور اليقين من جلال الله تعالى وعظمته وصار ~~كالدهن في اللين ومن غلظ قلبه وفظ واشتد فمن القسوة وإنما يقسو قلبه من ~~الغفلة عن الله تعالى وإنما يلين القلب لما يرطب بذكر الله تعالى وفي اللغة ~~عسى وعتا وقسا قريبة المعنى ويرجع المعنى إلى أنه يبس فكز وضد PageV01P214 ~~ذاك رطب فلان قال الله تعالى @QB@ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك @QE@ # فالفظاظة وغلط القلب تفرق المجموع وتبدد المؤتلف واللطافة ورقة القلب ~~تجمع المتفرق وتؤلف المتبدد وان القلب يلطف ويرق من النور وسببه الرحمة ~~ويفظ ويغلظ من حرارة الشهوات وقوة الغذاء والدم وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من شأنه المداومة على الحجامة إلى أن قبض وقال صلى الله عليه ~~وسلم ما مررت بملأ من الملائكة إلا أمروني بالحجامة وقالوا لي مرأمتك ~~بالحجامة # معناه عندنا لأنهم من بين الأمم أهل يقين فإذا اشتعل نور اليقين في القلب ~~ومعه حرارة الدم أضر بالقلب وبالطبع أيضا وكان صلى الله عليه وسلم يستعمل ~~الحناء في رأسه مع أنه لم يشنه الشيب وما خضب وإنما كان سبب الحناء أنه كان ~~يأتيه الوحي فيصدع فمن أجل الصداع كان يعالج بالحناء في رأسه حتى تخف حرارة ~~رأسه # والصبر أمير جنده والصبر هو ثبات القلب على عزمه فإذا ثبت الأمير ثبت ~~الجند لمحاربة العدو وإذا جاءت النفس بشهواتها فغلبت PageV01P215 القلب حتى ~~استعملت الجوارح بما نهى عنه فقد ذهب الصبر وهو ذهاب العزم فبقي القلب ~~أسيرا للنفس واستولت عليه فانهزم العقل والحلم والعلم والرفق واللين وجميع ~~جنوده PageV01P216 # | - * الأصل الأربعون # - * # | في تكثير التوبة # عن خبيب بن الحارث رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقلت يا رسول الله إني رجل مقراف الذنوب قال يا خبيب فكلما أذنبت فتب إلى ~~الله تعالى قلت ثم أعود ms082 يا رسول الله قال ثم تب قلت إذا يكثر يا رسول الله ~~قال عفو الله أكثر من ذنوبك يا خبيب # التوبة للعبد مبسوطة حتى يعاين قابض الأرواح وهو عند غرغرته بالروح وإنما ~~يغرغر به إذا قطع الوتين فشخص من الصدر إلى الحلق فعند ذلك حضور الموت ~~ومعاينة ملك الموت الذي وكل به فهو الذي يذيقه ومن قبل ذلك كان أعوانه ~~ليستوفون الروح وينزعونه من الجوارح والعروق قال الله تعالى @QB@ وليست ~~التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ~~@QE@ فباب التوبة مفتوح إلى PageV01P217 طلوع الشمس من مغربها ودواء الذنب ~~التوبة وشفاء العبد منه إذا ماتت شهوة ذلك الذنب منه # قوله عفو الله أكثر من ذنوبك أي فضل الله على العبد أكثر من نقصان العبد ~~وأنه كلما أذنب أبق من ربه عز وجل وكلما أبق ازداد عيبا وكلما ازداد عيبا ~~ازداد نقصا في القدر والجاه قال ففضل الله على العبد أكثر من نقصانه لأنه ~~يتفضل من كرمه ومجده فقبول التوبة من فضل الله ورجوعه بالتوبة إليه أيضا من ~~فضله فرب عبد لا يوفق للتوبة والعياذ بالله من ذلك PageV01P218 # | - * الأصل الحادي والأربعون # - * # | في الخوارج # عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الخوارج كلاب أهل النار # الخوارج قوم ضل سعيهم في الحياة الدين وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فهم ~~الأخسرون أعمالا حبطت أعمالهم فلا يقام لهم يوم القيامة وزن ذلك بأنهم قد ~~اجتهدوا ودأبوا في العبادة وفي قلوبهم زيغ ومرقوا من الدين # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وصفهم فقال يقراون القرآن ~~يقيمونه إقامة القدح لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية PageV01P219 # ما زال بهم التنطع والتعمق حتى كفروا الموحدين بذنب واحد حتى صاروا بذلك ~~إلى الأنبياء عليهم السلام للزيغ الذي في قلوبهم دخلوا فيما لم يأذن به ~~الله تعالى فقاسوا برأيهم وتأولوا التنزيل على غير وجهه هم الذين وصفهم ~~الله تعالى ms083 فقال ^ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله # وربما تمسكوا بآخر الآية ونهوا عن أولها حتى قال قائلهم لجابر بن عبدالله ~~أنت الذي تقول يخرج الله من النار قوما بعدما أدخلهم فيها قال نعم سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأين قول الله تعالى ^ وما هم بخارجين ~~منها ولهم عذاب مقيم ^ قال جابر انظر لمن هذا من مبتدأ الآية ^ إن الذين ~~كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ^ الآية # فالمؤمن يستر ويرحم ويعطف ويتوقى أن يلوم ويعير ويرجو من الله الرحمة ~~ويرجيه وهذا المفتون يهتك ويعير و يؤيس ويقنط ويكفر فهذه أخلاق الكلاب ~~وتقولهم كلبوا على عباد الله و نظروا إليهم بعين البغضة والعداوة والملامة ~~فلما دخلوا النار صاروا في هيئة أعمالهم كلابا كما كانوا على الموحدين في ~~الدنيا كلابا PageV01P220 قال أبو العالية ما أدري أي النعمتين أفضل أن ~~هداني للإيمان ثم لم يجعلني حروريا والله أعلم # عن أبي عاكف قال كنت بدمشق فجيء برؤوس الخوارج من العراق فنصبت على درجة ~~المسجد فبينا أنا قائم إذ أنا بشيخ على حمار قصير ينظر إليهم ويبكي ويقول ~~كلاب النار كلاب النار كلاب النار فسألت عنه فقالوا أبو أمامة صاحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فدنوت منه فقلت يا أبا أمامة أراك تبكي وتقول كلاب ~~النار قال رحمة لهم لأنهم قد صلوا وصاموا وحجوا واعتمروا ثم صاروا كلاب ~~النار قلت هذا شيء تقوله أم سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو ~~لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أوثلاثة أو أربعة حتى بلغ عشر مرات ما قلت ولكن ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنه سيكون من امتي قوم يقرأون ~~القرآن لاتجاوز قراءتهم تراقيهم يعبدون الله تعالى عبادة يحتقرون عبادة ~~الناس في عبادتهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا يعود فيه ~~حتى يعود أعلاه فوقه هم شر الخلق والخليقة هم شر قتلى تحت ms084 أديم السماء طوبى ~~لمن قتلهم أو قتلوه # والأزارقة صنف من الخوارج كان رئيسهم نافع بن الأزرق PageV01P221 وكان من ~~شأنه أن يخاصم يتأول القرآن في زمن ابن عباس رضي الله عنهما فنسب تبعه إليه ~~فقيل الأزارقة وفي زمن علي كرم الله وجهه كان رئيسهم ابن الكواء وفي زمن ~~التابعين رضوان الله عليهم أجمعين نجدة الحراوري وهو من بقية أهل حروراء ~~الذين خرجوا على علي كرم الله وجهه وحروراء قرية من قرى السواد # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجنهم ~~سبعة أبواب باب منها لمن سل سيفه على أمتي أو قال أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجل يعجبنا تعبده واجتهاده فذكرناه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~يعرفه ووصفناه بصفته فلم يعرفه فبينما نخن نذكره إذ طلع الرجل فقلنا هو هذا ~~يا رسول الله قال إنكم تخبروني عن رجل وعلى وجهه لسفعة من الشيطان قال ~~فأقبل حتى وقف على المجلس فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدك الله ~~هل قلت حين وقفت على المجلس ما في المجلس أحد أفضل مني أو خير من ي قال ~~اللهم نعم ثم دخل يصلي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقتل الرجل ~~قال أبو بكر رضي الله عنه أنا فدخل فوجده يصلي فقال سبحان الله أقتل رجلا ~~يصلي وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب المصلين فخرج فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مه قال وجدته بأبي أنت وأمي يصلي وقد نهيتنا ~~عن ضرب المصلين فقال صلى الله عليه وسلم من يقتل الرجل فقال عمر أنا فوجده ~~ساجدا فقال أقتل رجلا واضعا وجهه لله تعالى وقد PageV01P222 رجع أبو بكر ~~رضي الله عنه وهو أفضل مني فخرج إليه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مه فقال يا رسول الله ms085 بأبي أنت وأمي وجدته ساجدا فكرهت أن أقتله واضعا وجهه ~~لله تعالى قال صلى الله عليه وسلم من يقتل الرجل قال علي أنا قال أنت إن ~~أدركته قتلته فوجده علي قد خرج فجاء فقال وجدته بأبي أنت وأمي قد خرج قال ~~لو قتلته ما اختلف من أمتي رجلان كان أولهم وآخرهم واحدا # وقال محمد بن كعب القرظي هو الذي قتله علي يوم النهروان رؤيته مثل ~~البراغيث إنما نبت له جناحان يطير بهم حرقوص ذو الثدية # عن أبي سلمة رضي الله عنه قال وقف رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يقسم تبرا فقال يا محمد اعدل فرفع بصره إليه فقال ويلك إذا لم أعدل فمن ~~يعدل يوشك مثل هذا يظهرون يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإذا ظهروا ~~فاضربوا أعناقهم # قال والظاهر من قولهم وفعلهم يسبي نفوس الجهال والحمقى والباطن ظلمات ~~بعضها فوق بعض زيغ وكفر وزندفة وتشبيه PageV01P223 # | - * الأصل الثاني والأربعون # - * # | في فضيلة المؤذنين # عن معاوية رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤذنون ~~أطول الناس أعناقا يوم القيامة # قال أبو عبدالله المؤذنون هم دعاة إلى أمر الله فزيدوا على الناس مرتبة ~~بطول أعناقهم ليشرفوا على الناس بأعناقهم وهذا الطول عندنا في شخصهم ~~وخيالهم فأما نفس الخلقة بحيث خلقها الله تعالى من جنس خلق أهل الجنة وإنما ~~ذكر العنق للمقدار لأن هناك طبقة أعلى منهم هم الأنبياء والأولياء الذين هم ~~دعاة إلى الله تعالى زيدوا في القامة كلها لا في العنق فقط وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوصف في هذه الحياة بصفة تدل على ما قلنا وهو أنه عليه ~~السلام كان إذا مشى ربما إذا اكتنفه رجلان طويلان فيمشي هو بينهما فيطولهما ~~فإذا مشى وحده نسب إلى الربعة # قال علي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن بقصير ولا طويل وإذا ~~جاء مع الناس غمرهم PageV01P224 # عن أم معبد في صفته صلى الله عليه وسلم قالت كان أنظر الثلاثة منظرا # ووجه ms086 آخر أنهم أطول الناس أعناقا بمد أعينهم إلى عظيم ما يأملون من ~~الثواب ومد العين إلى الشيء تأميلا إشراف بالعنق فإذا كان يوم القيامة ووصف ~~الأنبياء والأولياء عليهم السلام إلى كرامة الله تعالى كانت قامتهم على حسب ~~درجاتهم في الموقف إذا أتوها حتى يصدروا من الموقف إلى الجنة فيعطون قامة ~~أهل الجنة ومما يحقق ما قلناه ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال أحشر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا وأخرج ~~السبابة والوسطى والبنصر ونحن مشرفون على الناس وقد ذكرناه في الأصل الرابع ~~والعشرون # ومما يحقق ما قلنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يحشر ~~الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صورة الذر يطأهم الناس تحت أقدامهم # فالمتكبرون الذين تكبروا على الله تعالى فلم يوحدوه قال تعالى @QB@ إنهم ~~كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون @QE@ فقامتهم قامة الذر يوم ~~القيامة فكل من كان أشد تكبرا كان أقصر قامة وعلى هذا السبيل كل من كان أشد ~~تواضعا لله تعالى فهو أشرف قامة على الخلق PageV01P225 # | - * الأصل الثالث والأربعون # - * # | في تسليم الحق وسر مصافحته لعمر رضي الله عنه # عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من ~~يصافحه الحق عمر وأول من يسلم عليه وأول من يأخذ بيده فيدخله الجنة # قال أبو عبدالله الرحمة والحق لهما شأن في الموقف يومئذ الحق يقتضي الخلق ~~عبودته والرحمة تشتمل على من وفى بالعبودة له فمن طالبه الحق بالعبوده ولم ~~تدركه الرحمه فقد هلك وكان من شأن عمر رضي الله عنه القيام بالحق وكان ~~الغالب على قلبه عظمة الله وجلاله وهيبته سبحانه وتعالى وكان الحق عز وجل ~~معتمله حتى يقوم بأمر الله ويحاسب نفسه وسائر الخلق على الذرة والخردلة في ~~السر والعلانية وهو الوفاء بما قلد الله الخلق من رعاية هذا الدين الذي ~~ارتضاه لهم وهو الإسلام فكأنه خلق عزا للإسلام PageV01P226 # وبذلك دعا رسول ms087 الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم أعز الدين بعمر بن ~~الخطاب أو بعمرو بن هشام # عن عائشة رضي الله عنها قالت دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن ~~الخطاب وأبي جهل بن هشام فأصبح عمر وكانت الدعوة يوم الأربعاء وهم تسعة ~~وثلاثون رجلا فأسلم عمر رضي الله عنه يوم الخميس فكبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة وخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان مختفيا في بيت الأرقم فأظهر الإسلام وطاف بالبيت وعمر متقلد ~~السيف حتى صلى الظهر معلنا # وكان كما قالت عائشة رضي الله عنها وكان أحوذيا نسيج وحده قد أعد للأمور ~~أقرانها # عن سعيد بن جبير عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن جبرئيل عليه السلام جاء ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أقرىء عمر السلام وأخبره أن ~~غضبه عز وأن رضاه عدل # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمر إن غضبك عز ورضاك حكم ~~PageV01P227 وهذا لأن من استولى على قلبه الحق إذا غضب غضب للحق وإذا رضي ~~رضي من أجل الحق وكان الغالب على قلب عمر رضي الله عنه الحق ونوره وسلطانه # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأقواهم في ~~دين الله عمر # وإنما القوة من أجل أن الحق على القلب سلطانه وكان أبو بكر رضي الله عنه ~~من شأنه القيام برعاية تدبير الله ومراقبة صنعه في الأمور حتى يدور مع الله ~~تعالى في تدبيره وكان مستعملا بالتدبير وعمر مستعملا بالحق فمن شأن أبي بكر ~~رضي الله عنه العطف والرحمة والرأفة والرقة واللين ومن شأن عمر رضي الله ~~عنه الشدة والقوة والصلابة والصرامة ولذلك شبه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حديثه أبا بكر بإبراهيم من الرسل وبميكائيل من الملائكة عليهم ~~السلام وشبه عمر بنوح من الرسل وبجبرئيل من الملائكة عليهم السلام فابتدأ ~~الله المؤمنين بالرحمة ورزقهم الإيمان ثم اقتضاهم حقه فشرع لهم ms088 الشريعة ~~واستهداهم القيام بذلك فمن وفى له بالقيام بذلك فقد أرضى الحق تعالى # فأبو بكر مع المبتدأ وهو الإيمان وعمر مع الذي يتلوه وهو الحق وهو ~~الشريعة لأن من حق الله تعالى على عباده أن يوحدوه وإذا وحدوه فمن حقه ~~عليهم أن يعبدوه بما أمرهم به ونهاهم عنه PageV01P228 # ولذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أمرت أن أؤول ~~الرؤيا على أبي بكر وأمرت أن أقرأ القرآن على عمر لأن الرؤيا جزء من أجزاء ~~النبوة والقرآن بيان حقوقه ولذلك قيل أبو بكر الصديق لأنه صدق بالإيمان ~~بكمال الصدق # وقيل لعمر فاروق لأنه يفرق بين الحق والباطل وأسماؤهما دليلان على ~~مراتبهما من الله تعالى بالقلوب ويكشف لك عن درجتيهما أن مجرى أبي بكر مجرى ~~صدق الإيمان ومجرى عمر مجرى وفاء الحق وكيف ما دار الحق مع العباد يوم ~~الموقف باقتضاء أمر الله عز وجل وحبسهم على الباب والانتقام بالنار منهم ~~فالعاقبة الرحمة لأن الرحمة لا تترك أحدا قال لا إله إلا الله مرة واحدة في ~~دار الدنيا في جميع عمره صدقا في قلبه ثم لم يوجد له مثقال خردلة من خير ~~إلا و تأخذه من النار ولو بعد مقدار عمر الدنيا # وكذلك جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الشفاعة إذا انقضت ~~شفاعة الرسل والملائكة والأنبياء والمؤمنين جاء محمد في المرة الرابعة صلى ~~الله عليه وسلم فيسأل فيمن قال مرة لا إله إلا الله فيقول الله عز و جل ~~إنها ليست لك ولا لأحد من خلقي فتجيء الرحمة من وراء الحجاب فتقول يا رب ~~منك بدأت وإليك أعود فشفعني فيمن قال لا إله إلا الله مرة واحدة فتجاب إلى ~~ذلك # فإنما أعطاهم قول لا إله إلا الله بالرحمة ثم لا تتركهم تلك الرحمة حتى ~~تأخذهم من الحق سبحانه وتعالى وانتقامه منهم بالنار ويكشف عن شأن درجتيهما ~~الأخبار المتواترة فمنها ماروي عن ابن شريحة قال سمعت عليا رضي الله عنه ~~على المنبر يقول إن أبا ms089 بكر أواه منيب القلب وان عمر ناصح الله فنصحه الله ~~تعالى PageV01P229 عن ابن سيرين رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه كان ~~إذا صلى فقرأ خفض صوته وكان عمر رضي الله عنه كان إذا قرأ جهر فقيل لأبي ~~بكر لم تصنع هذا قال أناجي ربي وقد علم حاجتي قيل أحسنت وقيل لعمر رضي الله ~~عنه لم تصنع هذا قال أطرد الشيطان وواقظ الوسنان قيل أحسنت فلما نزل @QB@ ~~ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا @QE@ فقيل لأبي بكر ~~ارفع شيئا وقيل لعمر اخفض شيئا # عن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه قال سمعت أبي يقول خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جاءت جارية سوداء فقالت يا نبي الله كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب ~~بين يديك بالدف فقال إن كنت نذرت أن تضربي وإلا فلا فدخل أبو بكر وهي تضرب ~~ثم دخل عمر فألقت الدف تحتها ثم قعدت عليه فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن الشيطان ليخاف منك يا عمر إني كنت جالسا وهي تضرب فدخل أبو بكر و ~~هي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب فلما دخلت أنت ألقت ~~الدف PageV01P230 # فلا يظن ذو عقل أن عمر في هذا أفضل من أبي بكر وأبو بكر شبيه برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ذلك ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع ~~الأمرين والدرجتين فله درجة النبوة لا يلحقه أحد وأبو بكر له درجة الرحمة ~~وعمر له درجة الحق # عن الأسود بن هلال رضي الله عنه قال قال أبو بكر رضي الله عنه لأصحابه ~~ذات يوم ما ترون في هاتين الآيتين @QB@ إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا @QE@ وقال @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم @QE@ # قالوا استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم بذنب قال لقد ~~حملتموها على غير المحمل @QB@ إن الذين قالوا ms090 ربنا الله ثم استقاموا @QE@ ~~فلم يلتفتوا إلى إله غيره @QB@ ولم يلبسوا إيمانهم بظلم @QE@ أي بشرك # عن الزهري أن عمر رضي الله عنه تلا هذه الآية @QB@ إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا @QE@ قال استقاموا و الله لله بطاعته ثم لم يروغوا روغان ~~الثعالب # عن مكحول رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان بين رجل ~~من المنافقين ورجل من المسلمين منازعة في شيء ادعاه المنافق فأتيا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقصا عليه قصتهما فلما توجه القضاء على المنافق ~~قال المنافق يا رسول الله ادفعني وإياه إلى أبي بكر قال انطلق معه إلى أبي ~~بكر فانطلق معه فقصا قصتهما على أبي بكر رضي الله عنه فقال ما كنت لأقضي ~~بين من رغب عن قضاء الله وقضاء رسوله فرجعا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا نبي الله ادفعني وإياه إلى عمر PageV01P231 قال انطلق معه إلى ~~عمر قال يا نبي الله أنطلق مع رجل إلى عمر قد رغب عن قضاء الله وقضاء رسول ~~الله قال انطلق معه فخرجا حتى أتيا عمر رضي الله عنه فقصا عليه قصتيهما ~~فقال عمر رضي الله عنه لا تعجلا حتى أخرج إليكما فدخل فاشتمل على السيف ~~وخرج عليهما فقال أعيدا علي قصتكما فاعادا فلما تبين لعمر رضي الله عنه أن ~~المنافق رغب عن قضاء الله وقضاء رسوله حمل سيفه على ذؤابة المنافق حتى خالط ~~كبده ثم قال هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله فأتى جبرئيل ~~عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن عمر قد قتل ~~الرجل وفرق الله بين الحق والباطل على لسان عمر رضي الله عنه فسمي الفاروق ~~ويلزم اسم الصديق من أقام الصدق في أموره كلها و يلزم اسم الفاروق من أقام ~~الحق في أموره كلها ولو كان في بعضها لكان هذا صادقا وذاك فارقا من العربية ~~في قالب فاعل وأما فعيل وفاعول هو الذي تمكن ذاك الأمر ms091 فيه فصار له عادة ~~وطبعا PageV01P232 7 الأصل الرابع والأربعون # | - * # في ما يعدونه صدق الحديث $ # قال المصنف حدثنا الحسين بن علي العجلي الكوفي قال حدثنا يحيى بن آدم قال ~~حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا حدثتم عني بحديث تعرفونه ولا تنكرونه قلته أو ~~لم أقله فصدقوا به وإني أقول ما يعرف ولا ينكر وإذا حدثتم عني بحديث ~~تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف PageV01P233 # فالرسل بعثوا إلى الخلق بحمل الأمور ومعرفة التدبير في الأمور وكيف ولم ~~وكنه الأمور عندهم مكنون قد أفشى الله من ذلك إلى الرسل من غيبه ما لا ~~يحتمله عقول من دونهم وبفضل النبوة قدروا على احتماله # فالعلم إنما بدأ من عند الله تعالى إلى الرسل ثم من الرسل إلى الخلق ~~فالعلم بمنزلة البحر فأجري منه واد ثم أجري من الوادي نهر ثم أجري منه جدول ~~ثم من الجدول إلى ساقية فلو أجري إلى الجدول ذلك الوادي غرقه وأفسده ولو ~~مال البحر إلى الوادي لأفسده وهو قوله تعالى في تنزيله الكريم ^ أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها ^ # فبحور العلم عند الله تعالى فأعطى الرسل منها أودية ثم أعطت الرسل من ~~أوديتهم أنهارا إلى العلماء ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغارا على ~~قدر طاقتهم ثم أجرت العامة إلى أهاليهم وأولادهم ومماليكهم سواقي بقدر ~~طاقتهم ومن ههنا ما روي في الخبر أن لله سرا لو أفشاه لفسد التدبير ~~وللأنبياء عليهم السلام سرا لو أفشوه لفسدت نبوته وللملوك سرا لو أفشوه ~~لفسد ملكهم وللعلماء سرا لو أفشوه لفسد علمهم وإنما يفسد ذلك لأن العقول لا ~~تحتمله فلما زيدت الأنبياء عليهم السلام في عقولهم قدروا على احتمال النبوة ~~وزيدت العلماء في عقولهم وبذلك نالوا العلم فقدروا على احتمال ما عجزت ~~العامة عنه # وكذلك علماء الباطن وهم الحكماء زيدت في عقولهم وبذلك نالوا العلم فقدروا ~~على احتمال ما عجزت عنه ms092 علماء الظاهر ألا يرى أن كثيرا من علماء الظاهر ~~دفعوا أن تنقطع الوسوسة من الآدمي في صلاته ودفعوا أن يكون له مشي على ~~الماء أو تطوي له الأرض أو يهيأ له رزق من غير وجوه الآدميين حتى أنكروا ~~عامة هذه الروايات التي جاءت في مثل هذه PageV01P234 الأشياء ولو عقلوا ~~لقالوا مثل ما قال مطرف بن عبدالله حين سار ليلة مع صاحب له فأضاء له طرف ~~عصاه كالسراج معه فقال له صاحبه لو حدثنا بهذا كذبنا فقال مطرف المكذب بنعم ~~الله يكذب بهذا ولو نظر علماء الظاهر إلى ما أعطى الله تعالى لهم من معرفته ~~وهي أعظم شيء في السموات والأرض لم يستعظموا ما إذا أعطي أحدهم دسجة من جزر ~~في برية من الأرض أو رغيفا بل قالوا هذا من الله الذي أعطانا معرفته التي ~~هي أثقل من سبع سموات وسبع أرضين لكنه من أعطي هذا العطاء الجليل فلم يرعه ~~حق رعايته ولم يشكر المعطي بل سها ولها وتبطل في صورة الكفور للنعمة مقبلا ~~على الدنيا ومن انتبه لما أعطي وانكشف غطاء قلبه رعى ما أعطي وعز عليه أن ~~يدنس خلعة الله الذي خلع على قلبه كما عز عليه أن يدنس خلعة الملوك في دار ~~الدنيا فكيف بالخلعة التي خلعها رب العالمين على قلوب الموحدين اشتعل في ~~قلوبهم نور التوحيد حتى عرفوه وآمنوا به فاشرقت صدورهم ونزع عنها ظلمة ~~الكفر وخلعها عنهم وخلع عليهم لباس التقوى الذي هو وقاية من النار # ثم قال في تنزيله الكريم @QB@ ذلك من آيات الله @QE@ وقال @QB@ حبب إليكم ~~الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون فضلا من الله ونعمة @QE@ ثم قال @QB@ والله عليم حكيم @QE@ ~~PageV01P235 # عليم بمعنى أعطى من هو من عباده حكيم في أمره بالحكمة فعل هذا لا بالجزاف # @QB@ هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم @QE@ # فمن انتبه لهذه النعمة ولهذا الفضل لم يستعظم أن تطوى له الأرض أو يعطى ~~رغيفا في برية والله يقول ms093 في تنزيله الكريم @QB@ ويستجيب الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله @QE@ # قيل هو الشفاعة يوم القيامة فرجل يشفع في أهل النار يوم القيامة وصار ممن ~~يجوز قوله بين يدي رب العزة في ذلك الموقف إن أعطاه رغيفا في الدنيا من حيث ~~لا يقدر عليه ماذا يكون فيه حتى ينكر هذا وما يخرج إنكار هذا إلا من قوم ~~جهلوا صنائع الله تعالى وتدبيره في خلقه ولم يتبين لهم كرامة الله إياهم # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لو عرفتم الله حق معرفته ~~لزالت بدعائكم الجبال # فعلماء الظاهر عرفوا الله ولكن لم ينالوا حق المعرفة فلذلك عجزوا عن هذه ~~المرتبة ودفعوا أن يكون هذا كائنا لأحد ولو عرفوه حق المعرفة لماتت عنهم ~~الشهوات وحب الرياسة والشح على الدنيا والنتافس في أحوالها وطلب الثناء ترى ~~أحدهم ينصب سمعه مصغيا إلى ما يقول الناس له وفيه وعينه شاخصة إلى ما ينظر ~~الناس إليه منه وقد عميت عيناه عن النظر إلى صنع الله وتدبيره فإن الله كل ~~يوم هو في شأن وقد صم أذنه عن مواعظ الله يقرأه ولا يتلذذ له ولا يجد له ~~حلاوة وكأنه إنما PageV01P236 عنى به غيره فكيف يتلذذ بما كلم به غيره ~~وإنما صار كذلك لأن الله تعالى خاطب أولي العقول والبصائر والألباب فمن ذهب ~~عقله وبصيرته ولبه في شأن نفسه ودنياه كيف يفهم كلام رب العالمين ويتلذذ به ~~وإنما وقع البر واللطف على أهل تلك الصفة # عدنا إلى تأويل الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم إذا حدثتم عني بحديث ~~تعرفونه ولا تنكرونه فنقول من تكلم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء من ~~الحق وعلى سبيل الهدى فالرسول صلى الله عليه وسلم سابق إلى ذلك القول وإن ~~لم يكن تكلم بذلك اللفظ الذي أتى به من بعده فقد أتى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بأصله مجملا فلذلك قال فصدقوا به قلته أو لم أقله إن لم أقله بذلك ~~اللفظ الذي يحدث به عني فقد قلته ms094 إذا جئت بالأصل والأصل مؤد عن الفرع # فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالأصل ثم تكلم أصحابه والتابعون رضوان ~~الله عليهم أجمعين من بعده بالفروع فإذا كان الكلام معروفا عند المحققين ~~غير منكر فهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم قاله أو لم يقله يجب علينا ~~تصديقه لأن الأصل قد قاله الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطاناه وإنما قال ~~ذلك لأصحابه الذين قد عرفهم بالحق فإنما يعرف الحق المحق وهو أولو الألباب ~~والبصائر فأما المخلط المكب على شهوات الدنيا المحجوب عقله عن الله تعالى ~~فليس هو المعني بهذا لأن صدره مظلم فكيف يعرف الحق وإنما شرط رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال إذا جائكم عني حديث تعرفونه ولا تنكرونه # وإنما تعرف وتنكر العقول التي لها إلى الله سبيل يصل إلى الله ونور الله ~~سراجه والعقل بصيرته والحق جيئته والسكينة طابعه فيرجع إلى PageV01P237 ~~خلقه والحق عنده أبلج يضيء في قلبه كضوء السراج يقينا وعلما به كما قال ~~ربيع بن خيثم إن على الحق نورا وضوءا كضوء النهار نعرفه وأن على الباطل ~~ظلمة كظلمة الليل ننكره فالمحقون هكذا صفتهم يعرفون الحق والباطل # وكذلك وعد الله تعالى المتقين فقال عز من قائل @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا @QE@ # قال أهل التفسير إخراجا أي من الشبهات والظلمات فأما محض التفسير فالمخرج ~~أن يجعل له نورا في قلبه يفرق بين الحق والباطل حتى يكون له مخرجا من ظلمة ~~الجهل وشبهات الدنيا فإن الجهل يظلم والدنيا تزين على الآدمي شهوته التي في ~~جوفه فتشبه عليه حتى تخدعه فبتقواه من هذه الأشياء يجعل له فرقانا وهو ~~النور يفرق بين الحق والباطل هذا ثواب التقوى في عاجل دنياه وثوابه في ~~الآخرة قربته وكرامته ورفعة درجته قال له قائل إن كان النظر في معرفة الحق ~~من الباطل إلى القلب فما الحاجة بنا إلى هذه الآثار قال اعلم أن الله تعالى ~~أنار القلب ووفر عقله والحق نور وعلى قلب الموحد نور يتقد من قلبه على ms095 قلبه ~~في صدره فإذا عرض أمر الله تعالى هو حق فوقع ذكره في الصدر على القلب التقى ~~نور الحق ونور القلب فأمتزجا وائتلفا فاطمأن القلب بما فيه وسكن فعلمت أنه ~~الحق وإذا عرض باطل فوقع ذكره في الصدر على PageV01P238 القلب والباطل ظلمة ~~التقت الظلمة ونور القلب فيفر النور ولم يمزج معه فاضطرب القلب # عن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جئت تسأل عن البر والإثم استفت قلبك البر ما إطمأنت إليه النفس والقلب ~~والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس # إنما ذكر طمأنينة النفس ليعلم أنها نفوس قد ماتت منها الشهوات وراضها ~~صاحبها و أدبها فقارنت القلب في الصدر في العبودية ولو كانت نفس شهوانية ~~بطالة لم تستحق أن ينظر اليها لما يحيك فيها وإلى ما يطمئن فالنفوس البطالة ~~تطمئن إلى الجهل ولا يحيك فيها الحق والخير ويستقر فيها الشر والباطل # عن عثمان بن عطاء عن أبيه رضي الله عنهما قال رجل أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا رسول الله أفتنا إن ابتلينا بالبقاء بعدك قال تفتيك نفسك ~~قال وكيف تفتيني نفسي قال عليه السلام ضع يدك على صدرك فإنه يسكن للحلال ~~ويضطرب من الحرام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وإن أفتاك المفتون إن المؤمن ~~يذر الصغير مخافة أن يقع في الكبير # عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال سمعت جدي صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P239 يقول دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ~~ريبة # وإنما صير رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة علامة لقلوب قد ملكت ~~النفوس وخلت من وساوسها الصدور لا القلوب التي قد ملكتها نفوسها وشحنت ~~بوساوسا صدورها قال الله تعالى في تنزيله الكريم @QB@ ولو أنهم فعلوا ما ~~يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ~~ولهديناهم صراطا مستقيما @QE@ وعد الهداية على فعل ما يوعظ به # وقال تعالى ms096 @QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا @QE@ # وقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا @QE@ ~~بالهداية في القلب والفرقان في القلب وهو نور يجعله الله في القلب فيشرق به ~~الصدر وتنجلي ظلمة الشهوات والهوى عن الصدور ويزول رين الذنوب فدلت الآيات ~~أن هذا لأهل التقوى والفاعلين بوعظه وأهل المجاهدة وهم أهل اليقين وطهارة ~~القلوب وأما العامة فإنهم يحتاجون إلى النصوص والآثار على ألسنة علماء ~~الظاهر لما دخل عليهم من آفة النفس وتخليطها فقد تراكمت على صدورهم سحائب ~~تترى من حب الدنيا PageV01P240 وحب الجاه وحب الثناء وحب الرياسة وحب ~~الشهوات وفتن الدنيا ورين الذنوب # فإذا عرض في الصدر ذكر شيء هو حق وعلى الحق نور حالت الظلمة بين نور الحق ~~ونور القلب فلم يمتزجا ولم يعرف القلب ذلك الحق فصاحبه في حيرة منه وإذا ~~عرض أمر هو باطل وعلى الباطل ظلمة امتزج الباطل بظلمة الشهوات ورين الذنوب ~~فلم يعلم القلب بشيء من ذلك لأن نور القلب قد انكمن في القلب ولم يشرق في ~~الصدر فليس لأهل التخليط من هذه العلامة شيء فإنه قال دع ما يريبك إلى ما ~~لا يريبك وصدره ممتلىء ريبا فكيف يتبين فيه الريب الزائد قال له قائل إن ~~رأيت أن تنص على حديثين حديث يعرفه المحقون ببصائهم ولا ينكرونه وحديث ~~ينكرونه لنعرف به الوجهين جميعا ومن قبل ذلك فأخبرنا ما معنى قولك يعرفه ~~المحقون ببصائرهم قال ان الحق الأعظم الذين انشعب منه الحقوق لا يسكن إلا ~~في قلب طاهر وكذلك اليقين لا يستقر إلا في قلب طاهر فمن لم يطهر قلبه فهذه ~~الأشياء نافرة عنه لا تجد مأمنها فإذا وجدت قلبا وقد تطهرت من أدناس الذنوب ~~ودرن العيوب فقد وجدت مأمنا فارتبعت فيه فوجدت صاحبه حكيما ووجدته موقنا ~~ووجدته محقا فالحكمة ينبوع قلبه ومثال بين عينيه واليقين مطالعة الملكوت ~~والحق مستعمله ومن لم يطهر قلبه فالحق نافر عنه فهو يتبع الحق ليعمل به ~~والحق هارب منه فلذلك يشتد عليه القيام بالحق ويثقل عليه حتى يعجز عنه ms097 ~~والمحق يجري فيه كالسهم وكالماء وكالدهن لينا وكالريح سرعة ومضيا # وأما حديث يعرفه المحقون فروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على ناقته الجدعاء فقال أيها الناس كأن الموت فيها ~~على غيرنا كتب وكأن الحق على غيرنا وجب وكأن الذي نشيع من الموتى عن قليل ~~إلينا راجعون نبوءهم أجداثهم PageV01P241 ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم ~~طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس طوبى لمن ذل نفسه من غير منقصة وتواضع ~~لله تعالى من غير مسكنة وأنفق مالا جمعه من غير معصية ورحم أهل الذل ~~والمسكنة و خالط أهل الفقه والحكمة طوبى لمن ذل نفسه وطلب كسبه وصلحت سيرته ~~وحسنت خليقته وكرمت علانيته وعزل عن الناس شره طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق ~~الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا غلام ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن قلت بلى يا رسول الله قال ~~إحفظ الله يحفظك إحفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في ~~الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله وقد جف القلم بما هو ~~كائن فلو جهد الخلق على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه ~~ولو جهد الخلق على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه فإن ~~استطعت أن تعمل لله بالرضى واليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما ~~تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر ~~يسرا PageV01P242 # و أما حديث ينكره المحقون فما روي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سليمان عليه السلام مر في موكبه برجل يقال ~~له مرعبدي وهو قائم يصلي فوقف عليه حتى فرغ فلم يرفع رأسه فلما رأى ذلك منه ~~نزل إليه فكلمه فقال له مرعبدي ألست ابن داود ms098 الخاطىء حملت الدنيا فوق رأسك ~~وجعلت الآخرة تحت قدميك فصرت محجوبا عن الدارين في كلام طويل عامته كذب لا ~~يقبله قلوب المحقين وقد جعل الله الرسل عليهم السلام أحباءه وأصفياءه ومن ~~قال لرسول مثل هذا فقد عابه ومن عابه فقد كفر بالله سبحانه وتعالى وقد جعل ~~الله إيماننا به منظوما به فإيماننا بالله لا يقبل منا حتى نؤمن بالرسل كما ~~آمنا به وكيف يجوز أن يقال لرسول الله جعلت الآخرة تحت قدميك والدنيا فوق ~~رأسك فهو بذلك راد على الله تعالى والله عز وجل يقول في كتابه الكريم ^ ~~ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك ~~نجزي المحسنين ^ # فسليمان من أهل هداية الله تعالى وسماه محسنا وهذا يحكى أنه قال جعلت ~~الآخرة تحت قدميك وصرت محجوبا عن الدارين وقال الله تعالى @QB@ ووهبنا ~~لداود سليمان نعم العبد إنه أواب @QE@ ثم قال لنبيه عليه السلام @QB@ أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ # فهذا الذي زور هذا الحديث أحسبه من هؤلاء الحمقى الذين يتزهدون في الدنيا ~~رياء وسمعة يريدون أن يتأكلوا هذا الحطام بسمة الزهد ولم PageV01P243 ~~يعرفوا ما الزهادة وما معناها حسبوا أن الزهادة شتم الدنيا وأكل النخالة ~~ولبس الصوف وذم الأغنياء ومدع الفقراء ومن جهله يزعم أنه قال مرعبدي ~~لسليمان عليه السلام ليس تقضي نهمة من الدنيا إلا نقص من ميزانك والله ~~تعالى يقول @QB@ هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب @QE@ ثم قال @QB@ وإن ~~له عندنا لزلفى وحسن مآب @QE@ # ومن الحديث الذي ينكره قلوب المحقين ما روي أن قوم موسى سألوا موسى عليه ~~السلام أن يسأل ربه عز وجل أن يسمعهم كلامه الكريم فسمعوا صوتا كصوت الشبور ~~إني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم أخرجتكم من مصر بيد رفيعة وذراع ~~شديد فهذا حديث من غرب فهمه وإنما الكلام شيء خص به موسى عليه السلام من ~~بين جميع ولد آدم عليه السلام فإن كان كلم قومه أيضا حتى أسمعهم كلامه فما ~~فضل موسى عليه السلام حيث سمي ms099 كليم الله من بين رسله عليهم السلام ومن ~~الحديث الذي ينكره قلوب المحقين ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~في قوله عز و جل @QB@ يوفون بالنذر @QE@ الآيات # قال مرض الحسن والحسين فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعادهما ~~عمومة العرب فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا وكل نذر ليس له ~~وفاء فليس بشيء فقال علي رضي الله عنه إن برأ ولداي صمت لله ثلاثة أيام ~~شكرا وقالت جارية لهم ثويبة إن برأ سيداي صمت لله تعالى ثلاثة أيام شكرا ~~وقالت فاطمة رضي الله عنها مثل ذلك PageV01P244 # فألبس الغلامان العافية وليس عند آل محمد قليل ولا كثير فانطلق علي رضي ~~الله عنه إلى شمعون اليهودي الخيبري فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير فجاء ~~به فوضعه في ناحية البيت فقامت فاطمة رضي الله عنها إلى صاع فطحنته ~~واختبزته وصلى علي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتى المنزل فلما وضع ~~الطعام بين يديه أتاهم مسكين فقال السلام عليكم أهل بيت محمد أطعموني ~~أطعمكم الله على موائد الجنة فسمعه علي رضي الله عنه فأنشأ أبياتا لفاطمة ~~رضي الله عنها وأنشأت فاطمة أبياتا له فأطعموه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم ~~لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح وفي اليوم الثاني قامت إلى صاع فاختبزته ~~فوقف بالباب يتيم فأنشأ علي كرم الله وجهه أبياتا وأنشأت فاطمة رضي الله ~~عنها أبياتا فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئا إلا الماء ~~فلما أن كان اليوم الثالث قامت إلى الصاع الباقي فطحنته وأختبزته فوقف ~~بالباب أسير استطعم أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فأنشأ علي رضي الله ~~عنه أبياتا وأنشأت فاطمة رضي الله عنها أبياتا فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة ~~أيام ولياليها لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح # فلما أن كان اليوم الرابع وقد قضى الله النذر أخذ علي بيده اليمنى الحسن ~~وبيده اليسرى الحسين وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم و هم يرتعشون ~~كالفراخ من شدة الجوع فلما ms100 أبصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا أبا ~~الحسن ما أشد ما أرى بكم انطلق بنا إلى ابنتي فاطمة فانطلقوا إليها وهي في ~~محرابها قد لصق بطنها بظهرها وغارت عيناها من PageV01P245 شدة الجوع فلما ~~أن رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف المجاعة في وجهها بكى فقال ~~واغوثاه أهل بيت محمد يموتون جوعا فهبط جبرئيل عليه السلام فقال السلام ~~يقرئك السلام يا محمد خذ هنيئا في أهل بيتك فأقرأه @QB@ يوفون بالنذر @QE@ ~~إلى قوله @QB@ جزاء ولا شكورا @QE@ # هذا حديث مزوق وقد تطرف فيه صاحبه حتى يشبه على المستمعين والجاهل يعض ~~على شفتيه تلهفا ألا يكون بهذه الصفة ولا يدري أن صاحب هذا الفعل مذموم قال ~~الله تعالى في تنزيله الكريم ^ و يسألونك ماذا ينفقون قل العفو ^ وهو الفضل ~~الذي يفضل عن نفسك وعيالك وقال صلى الله عليه وسلم خير الصدقة ما كان عن ~~ظهر غنى وابدأ بنفسك ثم بمن تعول # و افترض الله تعالى على الأزواج النفقة لأهاليهم وأولادهم وقال صلى الله ~~عليه وسلم كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت PageV01P246 # أفيحسب عاقل أن عليا رضي الله عنه جهل هذا الأمر حتى أجهد صبيانا صغارا ~~من أبناء خمس أو ست على جوع ثلاثة أيام ولياليها حتى تضرروا من الجوع وغارت ~~العيون فيهم لخلاء أجوافهم حتى أبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهم ~~من الجهد هب أنه آثر على نفسه هذا السائل فهل كان يجوز له أن يحمل على ~~أطفاله جوع ثلاثة أيام بلياليهن ما يروج هذا إلا على حمقى جهال أبى الله ~~لقلوب منتبهة أن تظن بعلي رضي الله عنه مثل هذا وليت شعري من حفظ هذه ~~الأبيات كل ليلة عن علي وفاطمة رضوان الله عليهما وإجابة كل منهما صاحبه ~~حتى أداه إلى هؤلاء الرواة فهذا وأشباهه عامتها مفتعلة # و مما ينكره المحقون ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في سنة ~~مائتين يكون كذا وفي العشرين والمائتين كذا وفي الثلاثين كذا وفي ms101 الأربعين ~~كذا وفي الخمسين كذا وفي الستين والمائتين تعكف الشمس ساعة فيموت نصف الجن ~~والإنس فهل كان كذا و قد مضت هذه المدة وعكوف الشمس لا يخلو منه بلد في شرق ~~أو غرب ودلالة أخرى وهو أن التاريخ لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإنما وضعوه على عهد عمر رضي الله عنه # عن ميمون بن مهران قال رفع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه صك محله شعبان ~~فقال عمر رضي الله عنه أي شعبان هذا الذي هو آت أو هو الذي نحن فيه ثم قال ~~لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ضعوا للناس تاريخا فقال بعضهم اكتبوا على ~~تاريخ الروم فقيل إنهم يكتبون من عند ذي القرنين وهذا يطول وقال بعضهم ~~اكتبوا على تاريخ الفرس فقيل إن الفرس كلما كان ملك أرخ من قبله فاجتمع ~~رأيهم أن ينظروا كم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فوجدوه عشر ~~سنين فكتب التاريخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P247 # ومما تنكره القلوب حديث رووه عن عوف عن أبي القموص قال شرب أبو بكر رضي ~~الله عنه الخمر يعني من قبل نزول تحريمها فقعد ينوح قتلى بدر وينشد أبياتا ~~فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فخرج حتى أتاه فرفع عليه شيئا في ~~يده فقال أبو بكر أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله فنزلت @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا إنما الخمر والميسر @QE@ الآية فهذا منكر من القول والفعل # و قد أعاذ الله الصديقين من فعل الخنا وأقوال أهله وإن كان قبل التحريم ~~فقد كان أبو بكر بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر و قد ~~وسم بالصديقية لأنه كان هو وعثمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~حراء فرجف بهم الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسكن حراء فإنما ~~عليك نبي وصديق وشهيد # وعائشة رضي الله عنها أعلم بأبيها من أبي القموص فهي تنكر هذا وتكذب ms102 أهله # وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما قال أبو بكر ولا عثمان بيت شعر في ~~جاهلية ولا في إسلام # و عنها أيضا أنها كانت تدعو على من يقول إن أبا بكر قال هذه القصيدة ~~وأولها # ( تحيا بالسلامة أم بكر % وهل لي بعد قومي بالسلام ) PageV01P248 إلخ ثم ~~قالت والله ما قال أبو بكر بيت شعر في الجاهلية ولا في الإسلام ولقد ترك ~~أبو بكر وعثمان شرب الخمر في الجاهلية وما ارتاب أبو بكر في الله منذ أسلم ~~ولكنه كان تزوج امرأة من بني كنانة ثم من بني عوف فلما هاجر أبو بكر طلقها ~~فتزوج بها ابن عمتها أبو بكر بن شعوب الكناني الشاعر فقال هذه القصيدة يرثي ~~بها كفار قريش الذين قتلوا ببدر فحملها الناس أبا بكر من أجل امرأته أم بكر ~~التي طلقها PageV01P249 # | - * الأصل الخامس والأربعون # - * # | في النهي عن إكراه المرضى على الطعام والشراب # عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~تكرهوا مرضاكم على الطعام فإن الله يطعمهم ويسقيهم # إطعام الله وسقياه الآدمي في دنياه هذا الذي هيأه في أرضه وسمائه وفي ~~الآخرة ما هيأه في جواره من جنانه ثم فيما بين ذلك من الله تعالى للعباد ~~لطائف من خزائنه في أحوالهم مثل مائدة عيسى عليه السلام ومثل ما أوتي مريم ~~حيث قيل @QB@ وجد عندها رزقا @QE@ # و سقياه مثل عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أصابهم العطش ~~PageV01P250 فانفجرت من أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم منابع الماء ~~حتى ارتوى العسكر وأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم فإن الله يطعمهم ~~ويسقيهم هو أنه يطهر قلوبهم من رين الذنوب إذا طهرهم من رين الذنوب من ~~عليهم باليقين فأشبعهم وأرواهم فذاك طعامه وسقياه لهم ألا ترى أنه يمكث ~~الأيام الكثيرة لا يذوق شيئا ومعه قوته ولو كان ذاك في أيام الصحة لضعف عن ~~ذلك وعجز عن مقاساته وأقل الناس طعاما الأنبياء ثم الأولياء وكلما كان ~~العبد أكثر حظا من ms103 اليقين كان أقل طعما وتناولا # روي عن عامر بن عبد قيس أنه داوم شهرا لا يأكل شيئا قال الأعمش سمعت ~~إبراهيم التيمي رحمه الله يقول لقد أتى علي شهر و ما أكلت طعاما ولا شرابا ~~إلا حبة من عنب أكرهوني عليها وما أنا بصائم وإني أقضي حوائجي # و روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الكافر يأكل في سبعة ~~أمعاء و المؤمن يأكل في معاء واحد # فقد فسرناه في بابه PageV01P251 # | - * الأصل السادس والأربعون # - * # | في بيان أنه مما يحصل عذاب القبر # عن ميمونة رضي الله عنها أنها قالت يا رسول الله من أي شيء عذاب القبر ~~أفتنا عن عذاب القبر قال من أثر البول فمن أصاب منه شيئا فليغسله بماء فإن ~~لم يصبه أو يجده فليسمحه بتراب طيب # جعل التيمم حالة الشك والتخوف أنه أصاب جسده البول دافعا لعذاب القبر كما ~~جعل غسله بالماء في الحالة التي يدري أنه أصابه دافعا وباله في القبر ~~PageV01P252 # | - * الأصل السابع والأربعون # - * # | في بيان أن مدة المحنة لم تقدر بثلاثة أيام # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صبر ~~أهل بيت على جهد ثلاثة إلا آتاهم الله تعالى برزق # إنما صار مدة المحنة ثلاثة أيام لأن العبد على أجزاء ثلاثة جزء منه ~~للإيمان وجزء للروح وجزء للنفس فالطمأنينة للإيمان والطاعة للروح والشهوة ~~للنفس فإذا منع أول يوم فجاع وصبر فذاك صبر الإيمان لأنه أقوى الثلاثة وإذا ~~منع اليوم الثاني فجاع وصبر فذاك صبر الروح يطيع ربه ولا يتناول ما لايحل ~~وإذا منع اليوم الثالث فجاع وصبر فذاك صبر النفس وتمت المحنة لأن المحنة ~~إنما تقع على أهل التهمة والإيمان عزيمتهم وكذا الروح وإنما التهمة للنفس ~~وفي اليوم الأول لم يتبين صبرها لأن الإيمان والروح لها معين وفي اليوم ~~الثاني الروح معين لها فإذا صبرت في اليوم الثالث برزت منقبتها وإنما وقعت ~~المحنة لشأن النفوس الكاذبة وامتحن ايمانهم قال الله تعالى @QB@ الم أحسب ~~الناس أن يتركوا ms104 أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون @QE@ PageV01P253 # | - * الأصل الثامن والأربعون # - * # | في أن البركة في بيع العقار منزوعة # عن سعيد بن حريث رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~باع دارا أو عقارا فليعلم أنه مال قمن أنه لا يبارك له فيه إلا أن يجعله في ~~مثله # وعن عمران بن الحصين الخزاعي البدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول من باع عقدة وهو يجد بدا من بيعها و كل بذلك المال ما ~~يتلفه قيل إنما نزعت البركة منها لأنها ثمن الدنيا المذمومة PageV01P254 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذاكر ~~الله أو معلما أو متعلما # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال ملعونة الدنيا وملعون أهلها إلا ذكر ~~الله تعالى وما آوى ذكر الله # و كل شيء أريد به وجه الله تعالى من الأمور والأعمال فهو مستثنى من ~~اللعنة لأنه قد آوى ذكر الله تعالى # وقيل إنما نزعت البركة عن ثمن العقار لأنه مخالفة لتدبير الله تعالى لأن ~~الله تعالى خلق الأرض وجعلها مهادا ومسكنا لا ليتجر فيها وجعل الجبال ~~أوتادا وبارك فيها وقدر فيها أقواتها و جعل أثمان الأشياء في الذهب والفضة ~~فإذا اتجر فيما خلق له بورك له فيه وإذا اتجر فيما خلق مهادا وسكنا نزعت ~~البركة عنه ولهذا سماه عقدة لأنه مهاد لك قد عقد مسكنا PageV01P255 # | - * الأصل التاسع والأربعون # - * # | في أن النفقة في التراب والبناء لا أجر فيها # عن خباب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يؤجر ~~العبد في نفقته كلها إلا ما كان في التراب أو قال في البناء # و في رواية كل نفقة ينفقها العبد يؤجر فيها إلا ما كان من نفقة في التراب # هذا ما عندنا في البناء الذي يجعله مرفقا لنفسه وأما المساجد التي هي لله ~~تعالى فلا يملكها أحد فهي خارجة من ذلك وقد جاءت الآثار عن رسول الله صلى ~~الله ms105 عليه وسلم أنه قال من بنى مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ~~PageV01P256 # فإنما صار غير مأجور في النفقة في التراب لأنه ينفق في دنياه وقد أذن ~~الله في خرابها وهو يزيد في زينتها التي جعلت فتنة وبلوى للعباد وتصير ~~عاقبتها إلى ما قال الله تعالى @QB@ وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا @QE@ # عن راشد بن الحارث أو غيره قال بنى أبو الدرداء كنيفا في منزله بحمص فكتب ~~إليه عمر رضي الله عنه لقد كان لك يا عويمر فيما بنت فارس والروم كفاية عن ~~تزيين الدنيا وقد أذن الله بخرابها فإذا أتاك كتابي هذا فارتحل من حمص إلى ~~دمشق قال يعني أنه عاقبه بما بنى # فإن كان البناء مما لا يستغنى عنه وقد بنى محتسبا فهو خارج عن ذلك لأن ~~الحاجة إلى المسكن كالحاجة إلى المطعم والمشرب والملبس والمركب فإن كان في ~~نفقته في هذه الأشياء محتسبا فهو مأجور فكذلك المسكن وإنما تأويل هذا ~~الحديث عندنا إذا بنى لنفسه بناء مرفق لا يحتسب بها # و جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كل نفقة ينفقها العبد على ~~نفسه فهي صدقه # وعن المقدام بن معدي كرب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنفقت ~~على نفسك فهو صدقة وما أنفقت على زوجك فهو صدقة PageV01P257 # | - * الأصل الخمسون # - * # | في الاعتصام بالكتاب والعترة وبيناها # عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول أيها الناس قد ~~تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي # و عن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال لما صدر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من حجة الوداع خطب فقال # أيها الناس إنه قد نبأني اللطيف الخبير أنه لن يعمر نبي إلا مثل نصف عمره ~~الذي يليه من قبل وإني أظن موشك أن أدعى فأجيب وإني فرطكم على الحوض وإني ~~سائلكم ms106 حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفونني فيهما الثقل الأكبر ~~كتاب الله تعالى سبب طرفه بيد الله تعالى وطرف بأيديكم فاستمسكوا فلا تضلوا ~~ولا تبدلوا والثقل الأصغر PageV01P258 عترتي أهل بيتي فإني قد نبأني اللطيف ~~الخبير أنهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دعاهم ثم تلا هذه الآية @QB@ ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا @QE@ # فذريتهم منهم فهم صفوة وليسوا بأهل عصمة إنما العصمة للنبيين عليهم ~~السلام والمحنة لمن دونهم وإنما يمتحن من كانت الأمور محجوبة عنه فأما من ~~صارت الأمور له معاينة ومشاهدة فقد ارتفع عن المحنة # وقوله صلى الله عليه وسلم لن يتفرقا حتى يردا على الحوض وقوله صلى الله ~~عليه وسلم ما إن أخذتم به لن تضلوا واقع على الأئمة منهم السادة لا على ~~غيرهم وليس بالمسيء المخلط قدوة وكائن فيهم المخلطون والمسيئون لأنهم لم ~~يعروا من شهوات الآدميين ولا عصموا عصمة النبيين وكذلك كتاب الله تعالى من ~~قبل ما منه ناسخ ومنسوخ فكما ارتفع الحكم بالمنسوخ منه كذلك ارتفعت القدوة ~~بالمخذولين منهم # و إنما يلزمنا الاقتداء بالفقهاء العلماء منهم بالفقه والعلم الذي ضمن ~~الله تعالى بين أحشائهم لا بالأصل والعنصر فإذا كان هذا العلم والفقه ~~موجودا في غير عنصرهم لزمنا الاقتداء بهم كالاقتداء بهؤلاء وقد قال تعالى ~~في تنزيله الكريم @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم @QE@ ~~PageV01P259 # فإنما يلي الأمر منا من فهم عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ~~ما يهم الحاجة إليه من العلم في أمر شريعته # و روي عن جابر وابن عباس وعدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~تفسير هذه الآية الكريمة @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~@QE@ قال هم العلماء والفقهاء # وإنما أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نرى إليهم لأن العنصر إذا ~~طاب كان معينا لهم على فهم ما يحتاج إليهم وطيب العنصر يؤدي إلى محاسن ~~الأخلاق ومحاسن الأخلاق تؤدي ms107 إلى صفاء القلب ونزاهته وإذا نزه القلب وصفا ~~كان النور أعظم وأشرق الصدر بنورة فكان ذلك عونا له على درك ما به الحاجة ~~إليه من شريعته PageV01P260 # | - * الأصل الحادي والخمسون # - * # | في بيان عدد الأبدال وصفاتهم # - * # عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الأبدال ثلاثون رجلا قلوبهم على قلب إبراهيم عليه السلام إذا مات الرجل ~~أبدل الله مكانه آخر # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال البدلاء أربعون رجلا اثنان وعشرون ~~بالشام وثمانية عشر بالعراق وكلما مات واحد بدل آخر فإذا كان عند القيامة ~~ماتوا كلهم PageV01P261 # وليس في الحديثين اختلاف وإنما هم أربعون رجلا فثلاثون منهم قلوبهم على ~~قلب إبراهيم عليه السلام دل عليه ما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال ~~ان الأنبياء عليهم السلام كانوا أوتاد الأرض فلما انقطعت النبوة أبدل الله ~~تعالى مكانهم قوما من أمة أحمد يقال لهم الآبدال لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ~~ولا صلاة ولا تسبيح ولكن بحسن الخلق وبصدق الورع وحسن النية وسلامة قلوبهم ~~لجميع المسلمين والنصيحة لله تعالى ابتغاء مرضاته بصبر وحلم ولب وتواضع في ~~غير مذلة فهم خلفاء من الأنبياء قوم اصطفاهم الله تعالى لنفسه واستخلصهم ~~بعلمه لنفسه وهم أربعون صديقا منهم ثلاثون رجلا على مثل يقين إبراهيم خليل ~~الرحمن بهم تدفع المكاره عن أهل الأرض والبلايا عن الناس وبهم يمطرون وبهم ~~يرزقون لا يموت الرجل منهم أبدا حتى يكون الله تعالى قد أنشأ من يخلفه ولا ~~يعلنون شيئا ولا يؤذون من تحتهم ولا يتطاولون عليهم ولا يحقرونهم ولا ~~يحسدون من فوقهم ولا يحرصون على الدنيا ليسوا بمتماوتين ولا متكبرين ولا ~~متخشعين أطيب الناس خبرا وأورعهم أنفسا طبيعتهم السخاء وصفتهم السلامة من ~~دعوى الناس قبلهم لا تتفرق صفتهم ليسوا اليوم في حال خشية و غدا في حال ~~غفلة ولكن مداومين على حالهم وهم فيما بينهم وبين ربهم لا تتدركهم الريح ~~العاصف ولا الخيل المجراة قلوبهم تصعد في السماء ارتياحا إلى الله تعالى ~~واشتياقا ms108 إليه قدما في اشتياق الخيرات @QB@ أولئك حزب الله ألا إن حزب الله ~~هم المفلحون @QE@ # قلت يا أبا الدرداء ما شيء أثقل علي من هذه الصفة التي وصفتها فكيف لي ~~بأن أدركها قال ليس بينك و بين أن تكون في أوسط ذلك إلا أن تبغض الدنيا ~~فإذا أبغضت الدنيا أقبل عليك حب الآخرة وبقدر ما PageV01P262 تزهد في ~~الدنيا تحب الآخرة وبقدر ما تحب الآخرة تبصر ما ينفعك وما يضرك فإذا علم ~~الله صدق الطلب من عبده أفرع عليه السداد واكتنفه بعصمته وتصديق ذلك في ~~كتاب الله العزيز @QB@ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون @QE@ # فنظرنا في ذلك فما تلذذ المتلذذون بشيء أفضل من حب الله تعالى وطلب ~~مرضاته # عن الحسن رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بدلاء ~~امتي لا يدخلون الجنة بكثرة صوم ولا صلاة ولكن دخلوها برحمة الله وسلامة ~~الصدور وسخاوة الأنفس والرحمة ولجميع المسلمين # عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال الأبدال بالشام وهم ثلاثون رجلا على ~~منهاج إبراهيم عليه السلام كلما مات رجل أبدل الله مكانه آخر # فالعصب بالعراق أربعون رجلا كلما مات رجل أبدل الله مكانه آخر عشرون منهم ~~على اجتهاد عيسى بن مريم عليه السلام وعشرون منهم قد أوتوا مزامير آل داود ~~والعصب رجال تشبه الأبدال # وعن وهب بن منبه في ما يجيء في مناجاة موسى عليه السلام عن الله تعالى ~~قال هم أربعون صديقا كلهم بي ولي وإلي # و روي في الخبر أن الأرض شكت إلى الله تعالى ذهاب الأنبياء عليهم السلام ~~و انقطاع النبوة فقال لها سوف أجعل على ظهرك صديقين أربعين فسكنت # فالصديقون إنما بانوا من الخلق بصدق القلوب مع الله تعالى لا PageV01P263 ~~بصدق الأعمال مع الملائكة والعمال ليس لقلوبهم طريق إلى الله تعالى إنما ~~طريق قلوبهم إلى الثواب والأنبياء والصديقون قد انكشف الغطاء عنهم وصار لهم ~~إلى الله طريق ليعبده كأنهم يرونه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اعبد الله كأنك تراه ms109 وهو ما وعد الله تعالى من هداية السبيل للذين جاهدوا ~~فيه فقال تعالى @QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا @QE@ # ويعقبه التوكل قال الله تعالى @QB@ وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا ~~سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا @QE@ وإنما سموا أبدالا لوجهين # وجه أنه كلما مات رجل بدل مكانه آخر لتمام الأربعين # و وجه آخر أنهم بدلوا أخلاقهم السيئة وراضوا أنفسهم حتى صارت محاسن ~~أخلاقهم حلية أعمالهم # و أما قوله تعالى في مناجاة موسى عليه السلام كلهم بي أي بي يقومون ~~ويقعدون وبي ينطقون وبي يأخذون ويعطون # وهو قوله عليه السلام فيما يحكى عن الله عز و جل فإذا PageV01P264 أحببت ~~عبدي كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وفؤاده فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق ~~وبي يأخذ وبي يبطش وبي يعقل # وقوله ولي أي هم صفوتي قد بذلوا لي قلوبهم ونفوسهم فهم لي لا يشركني فيهم ~~نفوسهم # و قوله إلي أي تأوي قلوبهم إلي في كل أمر وسعي و حال أما الذين قلوبهم ~~على قلب إبراهيم عليه السلام فهم الذين لا تسكن قلوبهم إلى من دون الله ~~تعالى في شيء من أمر الدين والدنيا وأما العصب فهم المحقون فمنهم مستعملون ~~على طريق الجهد ومنهم روحانيون قد أوتوا مزامير آل داود عليه السلام ~~PageV01P265 # | - * الأصل الثاني والخمسون # - * # | في أنه يقبض العبد حيث اثره # عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال إذا كان أجل العبد بأرض أتيت له الحاجة إليها حتى إذا بلغ أقصى أثره ~~قبضه الله سبحانه فتقول الأرض يوم القيامة رب هذا عبدك ما استودعتني # قال أبو عبدالله إنما صار أجله هناك لأنه خلق من تلك البقعة # و قد قال عز و جل في تنزيله الكريم @QB@ منها خلقناكم وفيها نعيدكم @QE@ ~~و إنما يعاد المرء من حيث بدأ # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ~~ببعض نواحي المدينة فإذا بقبر يحفر فأقبل حتى وقف عليه PageV01P266 فقال ~~لمن هذا ms110 قيل لرجل من الحبشة فقال لا إله إلا الله سيق من أرضه وسمائه حتى ~~دفن في التربة التي منها خلق # وروي أن الأرض عجت إلى ربها تعالى لما أخذت تربة آدم عليه السلام منها ~~فقال لها إني سأرده إليك فإذا مات دفن في البقعة التي منها تربته # و إنما صارت وديعة عندها حتى تقول يومئذ رب هذا عبدك ما استدعتني لإنها ~~عبدت ربها فالعبودة وديعة في الأرض حتى يبعث للثواب فيكون الحق عز و جل أحق ~~به من الأرض لأنه كان والي الحق ونصره فصار الحق أملك به فأعاده سويا وسلمه ~~إلى الحق ليعيده إلى دار السلام أو عبد جحد العبودة فهو مسجون في بطن الأرض ~~للحق عنده تبعة وطلبة حتى يبعث للعقاب فيكون الحق أحق به من الأرض وهو خصمه ~~وله فيما لديه طلبة وتبعة فإن الله تعالى لم يخلق جسده لعبا إنما خلقه للحق ~~وبالحق # و في الحديث أن الملك الموكل بالأرحام يأخذ النطفة من الرحم فيضعها على ~~كفه ثم يقول يا رب مخلقة أو غير مخلقة فإن قال مخلقة قال يا رب ما الرزق ما ~~الأثر ما الأجل فيقال أنظر في أم الكتاب فينظر في اللوح فيجد فيه رزقه ~~وأثره وأجله وعمله ثم يأخذ التراب الذي يدفن في بقعته فيعجن به نطفته فذلك ~~قوله الكريم @QB@ منها خلقناكم وفيها نعيدكم @QE@ # عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال إن النطفة إذا استقرت من الرحم ~~أخذها الملك بكفيه فقال أي رب أمخلقة أم غير مخلقة فإن قال غير مخلقة لم ~~تكن نسمة وقذفتها الأرحام دما وإن قال PageV01P267 مخلقة قال أي رب أذكر أم ~~انثى أشقي أم سعيد ما الأجل و ما الأثر و ما الرزق بأي أرض تموت فيقال له ~~إذهب إلى أم الكتاب فإنك ستجد هذه النطفة فيقال للنطفة من ربك فتقول الله ~~تعالى فيقال من رازقك فتقول الله فتخلق فتعيش في أجلها وتأكل رزقها وتطأ ~~أثرها فإذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك المكان # فالأثر هو ms111 التراب الذي يؤخذ فيعجن به ماؤه وذكر الزبير بن بكار الزبيري ~~المدني رضي الله عنه كتابا صنفه بعض أهل المدينة في فضل المدينة وكتابا ~~صنفه بعض أهل مكة في فضل مكة فلم يزل كل واحد منهما يذكر بقعته بفضيلة يريد ~~كل واحد منهما أن يبرز على صاحبه بفضيلة بقعته حتى برز المدني على المكي في ~~خلة واحدة عجز عنها المكي فقال إن كل نفس إنما خلقت من تربتها التي دفنت ~~فيها بعد الموت فكأن نفس الرسول صلى الله عليه وسلم إنما خلقت من تربة ~~مدفنه فبان أن تلك التربة لها فضيلة بارزة على سائر الأرضين # عن ابن سيرين رضي الله عنه يقول رحمه الله لو حلفت حلفت صادقا بارا غير ~~شاك ولا مستثن أن الله عز و جل ما خلق نبيه صلى الله عليه وسلم ولا أبا بكر ~~ولا عمر رضي الله عنهما إلا من طينة واحدة ثم ردهم إلى تلك الطينة ~~PageV01P268 # | - * الأصل الثالث والخمسون # - * $ في أن الكبائر لا تجامع طمأنينة القلب بالله تعالى # عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ~~ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن # و عن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن عائشة رضي الله عنهم مثله وعن عكرمة ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله و عن مدرك بن عمارة عن ابن أبي أوفى مثله # قال أبو عبدالله الإيمان هو الطمأنينة واستقرار القلب وإنما هما اثنتان # الأول طمأنينة التوحيد و هو أن يوحد الله تعالى فلا يلتفت إلى شيء سواه ~~فيتخذه ربا PageV01P269 و الآخر طمأنينة الإقبال وهي أن يكون مقبلا عليه ~~بجميع قلبه فلا يلتفت إلى شيء من شهوات نفسه ولا إلى أحوالها فالذي يسرق ~~ويزني هو في حالته تلك غير مطمئن إلى ربه سبحانه و تعالى طمأنينة الإقبال ~~ولو كان كذلك لم يزن ولم يسرق بل هو مقبل على شهوات نفسه ms112 وهو في طمأنينة ~~التوحيد والإيمان اسم يلزم العبد بفعله وبدؤه من النور الذي جعل الله في ~~قلبه فأحياه به وشرح صدره ونطق بتوحيده لسانه ^ و من لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور ^ # وكل شيء له مبتدأ ونهاية فأوله لازم ذلك الاسم له ومنتهاه هو البالغ ~~فالذي وحد ربه بقلبه ولسانه وقبل الشريعة هو مؤمن قد حرم ماله ودمه وعرضه ~~ثم هو أسير نفسه والمؤمن البالغ الذي ماتت شهوة نفسه و قطع قبله عن كل شيء ~~سواه و هذه قلوب الأنبياء والأولياء عليهم السلام وللمؤمنين بين هذين ~~الحدين درجات كل يعمل على درجته فكلهم عبيد قد أقروا له بالعبودة الكاملة ~~ولا يقر له بالعبودة الكاملة إلا الأنبياء و الأولياء و ذلك أنهم تركوا ~~مشيئتهم في جميع أمورهم لمشيئته وهكذا صفة العبيد رفض المشيئة في جميع ~~الأشياء وترك الاختيار للأحوال # ولا يقدر على هذا إلا من نور الله الإيمان في قلبه كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في صفة حارثة رضي الله عنه حيث قال له كيف أصبحت قال أصبحت ~~مؤمنا حقا قال وما حقيقة إيمانك قال كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وإلى أهل ~~الجنة كيف يتزاورون وإلى أهل النار كيف يتعاوون قال عرفت فالزم ثم قال من ~~سره أن ينظر إلى عبد نور الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى هذا فإذا إمتلأ ~~الصدر والقلب من PageV01P270 النور كان كما وصفه الله تعالى @QB@ أفمن شرح ~~الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه @QE@ # و كان المؤمن عندهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان بهذه ~~الصفة # و لذلك قال أبو بكر رضي الله عنه وددت أني شعرة في صدر مؤمن لما عرفوا ~~غور هذه الكلمة وأثنى الله تعالى على إبراهيم خليله عليه السلام بعدما شهد ~~له بالتسليم حين أراد ذبح ابنه وهو الإسلام وشهد له بالإحسان فأثنى عليه ~~فقال @QB@ إنه من عبادنا المؤمنين @QE@ وقيل ان الله تعالى إذا أثنى على ~~عبد فأبلغ في الثناء ms113 قال @QB@ إنه من عبادنا المؤمنين @QE@ # والله تعالى وصف المؤمنين في تنزيله الكريم فقال @QB@ إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا @QE@ ~~إلى قوله @QB@ أولئك هم المؤمنون حقا @QE@ # فمن ههنا استجاز من قال الإيمان يزيد وكما يزيد فإنه ينقص سمي الزائد من ~~النور في صدره إيمانا وما نقص فمنه ينقص والأصل الذي منه بدأ التوحيد قائم ~~فبأقل النور يصير موحدا فاطمأن به وعبده ربا وهو إيمانه حتى إذا نما النور ~~وامتلأ القلب وأشرق الصدر منه اطمأن إلى جميع مشيئآته وأحكامه وأموره كما ~~اطمأن به ومن قبل هذا لم يقدر أن يطمئن إلى مشيئآته وأحكامه للشهوات ~~المستولية على قلبه فلما امتلأ القلب من نوره خشية ومهابة ودخلت عظمته في ~~قلبه ماتت شهواته PageV01P271 وسكن قلبه إلى تدبيره وأحكامه وأقضيته كما ~~سكن على توحيده في بدء الأمر # وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة و كانوا إذا قالوا ~~مؤمن إنما يسمون ما يعرفون من أنفسهم وكان بعضهم في تخليط من هذا ألا ترى ~~أنه لما هاجت الفتن وقع التخليط # قال حذيفة رضي الله عنه لو رميت صخرة من أعلى مسجد ما أصابت مؤمنا # ولم يكونوا عندهم كفارا بما أحدثوا ولكن زلوا عن تلك الدرجة التي كانوا ~~يسمون أهلها بذلك الاسم ومما يحقق ذلك ما روي عن كعب بن مالك رضي الله عنه ~~كان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما نسمة المؤمن طائر ~~يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله تعالى يوم القيامة إلى جسده ثم يبعثه # قال أبو عبد الله فليس هذا لأهل التخليط فيما نعلمه إنما هو للصديقين ~~وكان إسم المؤمن عندهم هكذا # فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ~~إنما يعني بذلك الإيمان البالغ لا انه يذهب توحيده ويكفر وإنما يتأول مثل ~~هذا جهال الناس وحمقاهم ولو كفروا بذلك وزال عنهم الإيمان لكان حدهم القتل ~~وحدودهم قائمة جلد مائه في الزنى ms114 وقطع اليد في السرقة ولكن تأويل ذلك أنه ~~إذا زنى المؤمن فهو في ذلك فقد PageV01P272 نور إيمانه وحجبته شهوته التي ~~حلت به عن ذلك النور فسلب ذلك النور وصار محجوبا عن الله تعالى فلما تاب ~~راجعه النور وذلك النور يسمى إيمانا لأنه اطمأن بذلك إلى ربه عز اسمه فذهبت ~~طمأنينته في وقت استعمال الشهوة فاطمأن إلى شهوته والعبد عندما أدركته ~~الهداية من ربه عز وجل قد كان من قبل ذلك قلبه في تردد وجولان طالبا لمن ~~يتخذه ربا ويعبده فلما جاءته الهداية واستنار القلب سكن القلب واطمأنت ~~النفس عن الجولان والتردد في طلب المعبود فقيل آمن يؤمن إيمانا وهو في قالب ~~افعل # و من الخوف قيل أمن لأنه كان يضطرب فلما ذهب الخوف سكن فقيل أمن على قالب ~~فعل فكلما إزداد العبد نورا إزداد سكونا و طمأنينة عند أموره وأحكامه و من ~~قبل ذلك كان الغالب على نفسه شهوات نفسه فكان القوم إذا ذكروا المؤمن ~~يعلمون أنه ذلك المؤمن الذي قد اطمأن قلبه عند أموره وأحكامه إليه ومن ههنا ~~قال أبو الدرداء رضي الله عنه مثل الإيمان مثل قميصك بينا أنت لبسته إذ أنت ~~نزعته # وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال كان عبدالله بن رواحة إذا لقيني ~~قال اجلس يا عويمر فلنؤمن ساعة فنجلس فنذكر الله تعالى بما شاء ثم قال يا ~~عويمر هذا مجلس الإيمان إن مثل الإيمان ومثلك مثل قميصك بينا أنت نزعته إذ ~~لبسته وبينا أنت لبسته إذ نزعته يا عويمر القلب أسرع تقلبا من القدر إذ ~~استجمعت غلبا # و عن عتبة بن عبد الله بن خالد بن معدان عن أبيه عن جده رضوان الله عليهم ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الإيمان بمنزلة القميص مرة ~~تقمصه ومرة تنزعه PageV01P273 # و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لم يزن عبد قط إلا نزع نور الإيمان منه ~~ثم إن شاء رده وإن شاء منعه # و عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال ms115 ليأتين على الرجل أحايين وما في ~~جلده موضع إبرة من النفاق وليأتين عليه أحايين وما في قلبه موضع إبرة من ~~الإيمان # قال فإنما يخلو منه ذلك النور المشرق في صدره وأما الإيمان إيمان التوحيد ~~فهو بمكانه # و قول ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال لم يزن عبد قط إلا نزع منه نور ~~الإيمان يدل على تفسير حديثه الذي رواه لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن # و في قوله حين يزني و هو و قت الفعل دليل على أنه في ذلك الوقت صار ~~محجوبا عن النور و زائله # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن و لا ~~يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن قيل يا رسول الله فكيف يصنع إذا وقع شيء من ~~ذلك قال إن راجع راجعه الإيمان وإن ثبت لم يكن مؤمنا # و عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ~~ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ولا يقتل و هو مؤمن فاذا فعل نزع منه نور ~~الإيمان كما ينزع منه قميصه فإن تاب تاب الله عليه PageV01P274 # قال أبو عبدالله وإنما خفي شأن هذا وذهاب هذا النور من القلوب ورده عليه ~~لأن فتن القلوب قد عمت والصدور قد شحنت بظلمة الإصرار على الذنوب من المآكل ~~الرديئة والمكاسب الدنسة والأخلاق البذلة الفاسدة # و عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~المؤمن في الدنيا على ثلاثة أجزاء الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~والذي يأمنه الناس على أنفسهم وأموالهم والذي إذا أشرف على طمع تركه لله ~~تعالى # قال فالجزء الأول هم الظالمون لأنفسهم آمنوا ثم لم يرتابوا في إيمانهم و ~~لكنهم ضيعوا العبودة واستوفوا الرزق ms116 واكتالوا النعم بالكيل الأوفى وكالوا ~~الطاعات بكيل الخسران فهو من المطففين الظالمين # و الحزء الثاني قد أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم لأنه متق مستقيم وهو ~~المقتصد # و الجزء الثالث تركوا الهوى و شهوة النفس ورضوا بتدبيره في جميع الأحوال ~~فهم المقربون وذلك مثل ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أتي ~~بشراب قد خيض بعسل فتركه ثم قال أما إني لا أحرمه و لكني أتركه تواضعا لله ~~تعالى PageV01P275 # عن كثير بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله ~~عنها أطعمينا يا عائشة قالت ليس عندنا طعام قال أطعمينا يا عائشة قالت ~~والله ما عندنا طعام فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله إن المرأة ~~المؤمنة لا تحلف أنه ليس عندنا طعام وهو عندها فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وما يدريك أنها مؤمنة إن المرأة المؤمنة في النساء كالغراب ~~الأعصم في الغربان وإن النار خلقت للسفهاء وان النساء من السفهاء إلا صاحبة ~~القسط والسراج # قال أبو عبد الله يعرفك هذا الحديث أن المؤمن في ذلك الوقت بأية صفة كان ~~عندهم # فأم قوله صاحبة القسط والرج فالقسط العدل وهو الذي على سبيل استقامة وهو ~~المقتصد و القسط والقصد بمعنى واحد إلا أن هذا مستعمل في نوع وذاك في نوع ~~كما قيل توكيل وتفويض وكلاهما بمعنى واحد إلا أن التوكيل في أسباب الرزق ~~يستعمل والتفويض في سائر الأمور فالقسط العدل من أموره والقصد أن تأخذ من ~~كل أمر وسطه وهو الذي أمر به وأما السراج فهو اليقين و من أشرق في قلبه ~~اليقين فقلبه يزهر و منه قول حذيفة رضي الله عنه قلب أغلف وهو قلب الكافر ~~وقلب مصفح وهو قلب المنافق و قلب أجرد وأزهر وهو قلب المؤمن وإنما يزهر ~~بالسراج الذي فيه # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~شبهت خروج المؤمن من الدنيا إلى الآخرة إلا مثل خروج الصبي ms117 من بطن أمه من ~~ذلك الغم والظلمة إلى روح الدنيا # فالمؤمن الذي هو بالغ في إيمانه الدنيا سجنه وهي مظلمة عليه ضيقة حتى ~~يخرج منها إلى روح الآخرة وهذا غير موجود في العامة وإنما ذكر المؤمن ووصفه ~~بذلك ليعلم أن المؤمن عندهم البالغ في إيمانه وهو PageV01P276 كما قال أبو ~~الدرداء رضي الله عنه ما كفرتم فنتبرأ منكم ولا عندكم إيمان بالغ فنحبكم ~~عليه وما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم ولا أرى الله إلا قد تخلى عنكم # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال ما لكم لا تحابون وانكم اخوان على الدين ~~ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم ولو اجتمعتم على أمر تحاببتم ما هذا ~~إلا من قلة الإيمان في صدوركم ولو كنتم توقنون بخير الآخرة و شرها لكنتم ~~للآخرة أطلب لأنها أملك بأموركم فبئس القوم أنتم إلا قليلا منكم ما حققتم ~~إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم فما كفرتم فنتبرأ منكم وعامتكم ~~تركوا كثيرا من أمر دينهم ثم لا يستبين ذلك في وجوهكم ولا تغيير حالاتكم ما ~~هذا إلا شر حل بكم وإني لأرى الله قد تخلى عنكم فأنتم تخطئون وتمنون ~~الأماني والله إني لأستعين على نفسي وعليكم فإنما قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يزني الزاني وهو مؤمن أي بذلك الإيمان البالغ فأما ايمان ~~التوحيد فهو معه وإنما زال عنه نور الإيمان ألا يرى إلى قول أبي الدرداء ~~رضي الله عنه وإن زنا وإن سرق فلو كان زناه وسرقته يخرجه من إيمانه لم يدخل ~~الجنة # عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~@QB@ ولمن خاف مقام ربه جنتان @QE@ قلت يا رسول الله وان زنى وإن سرق فقال ~~ولمن خاف مقام ربه جنتان قلت وإن زنى وإن سرق فقال ولمن خاف مقام ربه جنتان ~~قلت يا رسول الله وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق وإن رغم أنف أبي ~~الدرداء PageV01P277 و مما يحقق ما قلنا ما ms118 جاء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين بروايات جمة وطرق شتى # قال أبو عبدالله فالمؤمن المخلط قد يلدغ مرات وهو لسكره لا يجد لدغة ~~اللدغة وقد عمل فيه حمة السم فلو قد أفاق لاحتاج إلى من يمسكه من الاضطراب ~~والتلوي وإنما عنى بالمؤمن ذلك البالغ الذي وقف به حذره على أمر عظيم كما ~~روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل ابن عباس عن أبي بكر رضي الله عنه ~~قال كان كالخير كله من رجل كان فيه حدة وسئل عن عمر رضي الله عنه فقال كان ~~كالطير الحذر الذي يرى أن له في كل طريق شركا يأخذه # فالمؤمن البالغ إذا وقع في الخطيئة وجع قلبه وتمرر عيشه وقلقت نفسه فهو ~~يتلوى كاللديغ يتململ ندما وتحسرا وأسفا يبيت ساهرا ويظل نائحا قد أنكت فيه ~~هذه الخطيئة سمها فكأنه أيقظته من الغفلة فلا يواقع تلك الخطيئة مخافة أن ~~يقع فيها وهذا لمن لدغته الخطيئة PageV01P278 وعمل فيه سمها كما فعل يوسف ~~عليه السلام بعد الهم كان لا يكلم امرأة حتى يرسل على وجهه ثوبا # عن أبي الأحوص عن عبدالله قال كان يوسف عليه السلام إذا جاءته امرأة ~~تستفتيه ألقى على وجهه ثوبا مخافة أن تفتتن # عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لها حين جاءته بعد ما طلقها زوجها فقال بيده على وجهه فاستتر به ~~وذلك بعد ما لقي من شأن زينب ما لقي # فأما مؤمن عمل بالخطيئة فلم تلدغه ولم يتبين فيه عمل سمها لأنه سكران قد ~~أسكرته شهوات الدنيا ومات قلبه عن الشعور بذلك فمتى يحذر حتى لا يلدغ وسم ~~الخطيئة هو الظلمة التي تتراكم في صدره على قلبه فتحجبه عن ربه فيصير قلبه ~~مسجونا محجوبا عن الملكوت وهو قول عبدالله بن عمر رضي الله عنه لنفس المؤمن ~~أشد ارتكاضا في الخطيئة من العصفور حين يغدف به والإغداف الإرسال يعني ~~إرسال ms119 الشبكة عليه # و قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إن المؤمن إذا أذنب فكأنه تحت صخرة ~~يخاف أن تقع عليه فتقتله والمنافق ذنبه كذباب مر على أنفة وقوله لا تجد ~~المؤمن بخيلا ولا تجد المؤمن جبانا ولا تجد المؤمن كذابا PageV01P279 # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خصلتان ~~لا تجتمعان في قلب مؤمن البخل وسوء الخلق # فهذه الخصال كلها موجودة في الموحدين فإذا ذكروا المؤمن فإنما يعنون به ~~الذين ذكرهم الله تعالى بأنهم مؤمنون حقا وصير لهم الدرجات في الجنة بما ~~ترقوا من درجات الإيمان # عن بكر بن عبدالله المزني رضي الله عنه أن الحواريين طلبوا عيسى عليه ~~السلام فقيل لهم توجه إلى البحر فجاءوه وهو يمشي على الماء يرفعه الموج ~~ويضعه فقال أفضلهم ألا أجيئك يا رسول الله فأدخل رجله الماء ورفع الأخرى ~~فقال أدركني فقد عرقت فقال يا قصير الإيمان أو قال هات يدك يا قصير الإيمان ~~لو أن لابن آدم مثقال حبة من خردل من اليقين مشى على الماء # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لو وزن ايمان أبي بكر رضي الله عنه ~~بإيمان أهل الأرض لرجع إيمان أبي بكر يإيمان أهل الأرض # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا أنه قال تزعمون أنكم مؤمنون وفيكم ~~مؤمن جائع # عن أبي إسحاق السبيعي رضي الله عنه قال سمعت وهب بن منبه رضي الله عنه ~~يقول اسمع يا أخي إلى ما أصف لك من صفة PageV01P280 المؤمن وجدت في التوراة ~~المؤمن الذي إلى الإسلام هدي وبالاقرار بدي ظاهر الإيمان بدنه على الإيمان ~~بني وذلك أنه عالم بالعلم ناطق بالحلم صادق بالفهم ورع عن الحرام بين ~~الإعلام كثير السلام لين الجانب قريب المعروف سريع الرضاء بعيد السخط يعلم ~~إذا فهم وإذا علم علم ويكف إذا شتم إن صحبته تسلم وإن شاركته تغنم وإن ~~فارقته تندم وإن سمعت منه تتعلم كثير الوقار مكرم للجار مطيع للجبار قلبه ~~بمعرفة الله زاهر ms120 ولسانه بذكر الله غازر وبدنه في طاعة الله ساهر فهو من ~~نفسه في تعب والناس منه في أرب فمثله كمثل الماء لأن الماء حياة الأشياء ~~كلها فكمال المؤمن الرضى وعمله التقوى مبغض للدنيا قليل المنى صادق اللسان ~~صابر البدن قانع القلب أن ائتمن أمانة أداها وإن ائتمن هو غيره لم يتهم أب ~~لليتيم وللأرملة رحيم وإلى الجنة مشتاق وبالوالدين غير عاق له علم يرضى ~~وعقل ينمى كلامه منفعة وجواره رفعة إن استكتمته كتم وإن استطعمته أطعم جواد ~~لله بالعطاء وللناس بحسن الخلق والرضى إن استقرض أدى وإن سئل أعطى إن كان ~~فوقك اتضع وإن كان دونك اعتدل فمثله كمثل شجرة ثبت أصلها وجاد فرعها وكثر ~~ثمرها فهو من رآها رغب فيها لا يأخذ شيئا إن أخذ رياء ولا يتركه إن تركه ~~حياء بل أخذه لله تعالى سالما وتركه لله تعالى غانما محاسب نفسه ناظر في ~~عيوبه مستعرض لعمله إن كان محسنا يخاف على نفسه أن لا يقبل منه وإن كان ~~مقصرا يخشى أن لا يغفر له وإن كان فاضلا كان شاكرا لا يظلم ولا يأثم ولا ~~يتكلف لين تدبيره كثير عمله قليل ذلله سهل أمره # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الورع ~~سيد العمل من لم يكن له ورع يرده عن معصية الله تعالى إذا خلا بها لم يعبأ ~~الله بسائر عمله شيئا # فذلك مخافة الله تعالى في السر والعلانية والاقتصاد في الفقر والغنى ~~PageV01P281 والصدق عند الرضاء والسخط ألا وإن المؤمن حاكم على نفسه يرضى ~~للناس ما يرضى لنفسه والمؤمن حسن الخلق وأحب الخلق إلى الله تعالى أحسنهم ~~خلقا ينال بحسن الخلق درجة الصائم القائم وهو راقد على فراشه لأنه قد رفع ~~لقلبه علم فمن شهد مشاهد القيامة يعد نفسه حنيفا في بيته وروحه عارية في ~~بدنه ليس بالمؤمن جفاء حملانه على نفسه الناس منه في منه في عفاء وهو من ~~نفسه في عناء رحيم في طاعة الله بخيل على دينه ms121 حي مطواع وأول ما فات ابن ~~آدم من دينه الحياء خاشع القلب لله تعالى متواضع قد برىء من الكبر ينظر إلى ~~الليل والنهار يعلم أنهما في هدم عمره لا يركن إلى الدنيا ركون الجاهل # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا جرم أنه إذا خلف الدنيا خلف ظهره ~~خلف الهموم والأحزان ولا حزن على المؤمن بعد الموت بل فرحه وسروره دائم بعد ~~الموت # فمن هذه صفته فلدغ من حجرالمعاصي مرة كان ذلك الحجر نصب عينيه أبدا فمتى ~~يمر بها حتى تلدغه ثانية فإنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوحشته ~~المعصية حتى أسهر ليله ما حل بقلبه من وجه الذنب كمن يفارق محبوبه من ~~المخلوقين بموت أو غيبة يفجع لفراقه # فألم المؤمن إذا أصاب الذنب أشد من مصيبته بفراق المخلوقين فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين أي هذا الأمر قد ~~لدغته مرة فأوجعته فوجع ذلك تذكرة له من الغفلة في ذلك PageV01P282 حتى لا ~~يقع فيه ثانية أي أن هذا صفة المؤمن وشرطة حتى يستحق شرط الإيمان # عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه أن نبي الله كان في سفر ومعه أبو بكر ~~وعمر رضي الله عنهما فأرسلو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه لحما ~~فقال أو ليس قد ظللتم من اللحم شباعا قالوا من أين فوالله ما لنا باللحم ~~عهد منذ أيام فقال من لحم صاحبكم الذي ذكرتم قالوا يا نبي الله إنما قلنا ~~والله إنه لعفيف ما يعيننا على شيء قال وذاك فلا تقولوا فرجع إليهم الرجل ~~فأخبرهم بالذي قال فجاء أبو بكر رضي الله عنه فقال يا نبي الله طأ على ~~صماخي واستغفر لي ففعل وجاء عمر رضي الله عنه فقال يا نبي طأ عل صماخي ~~واستغفر لي ففعل فهذا تكون اللدغة ألجأته الخطيئة إلى أن فزع إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وألقى نفسه في التراب تذللا وأن يطأ بقدمه عل صماخه ms122 ~~فهذا شأن المؤمن البالغ وأما الذي يلزمه اسم المؤمن فيحرم ماله ودمه وعرضه ~~فهم الموحدون # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن PageV01P283 # | - * الأصل الرابع والخمسون # - * # | في أول تحفة المؤمن بعد الموت # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ~~تحفة المؤمن أن يغفر لمن صلى عليه # المؤمن كريم على ربه عز وجل ومقدمه على رب كريم ومن شأن الملوك أن أحدهم ~~إذا قدم عليه بعض خدمه من سفرة طال غيبته فيها أن يتلقاه ببشرى وكرامة ~~ويخلع عليه ويجيزه بالجائزة السنية ويأمر بأن يهيأ له نزل والله تعالى ~~أرانا تدبير الملوك في الدنيا فإذا قدم عليه المؤمن لقاه روحا وريحانا ~~وبشرى على ألسنة الرسل عليهم السلام # قال الله تعالى ^ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم ~~الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم PageV01P284 ~~توعدون ) قال @QB@ من عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون @QE@ وقال @QB@ لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله @QE@ # وأول تحفته أن يغفر لحملته إلى بابه والمصلين عليه فإن الرجل من عرض ~~الناس ليحمل إليه الهدية فيستحيى أنه ينصرف عنه الحامل للهدية خائبا صفر ~~اليد حتى يناوله شيئا فكيف الملك من ملوك الدنيا والله تعالى أخرج المؤمن ~~إلى الدنيا ليستكمل ويستعد للقائه ويتزود للأخرة فما زال يسعى في إرضاء ~~الحق سبحانه وتعالى فلما مات غسلوه وطيبوه وكسوه وحملوه هدية إلى الحق عز و ~~جل فقبله الحق تعالى وأداه إلى الرحمة فلم يستجز أن ينصرف حملة هذه الهدية ~~خائبين فغفر لهم # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أول ما يجازى به العبد أن يغفر لمن يصلي ~~عليه قوله يجازي من الجائزة # والتحفة عندنا هي الطرفة والهدية هي العطية ومعناهما قريب إلا أن بينهما ~~نكتة في الفرق فالهدية ما تعطيه لتستميل به والهدي الميل ومنه قيل مشى ~~يتهادى أي يتمايل ومنه ms123 سمي الهدي لأنه يميل به إليه والطرفة شيء يعطيه بعد ~~الاستمالة وبعد أن صار له وليا وثقة فهو يطرفه بشيء يريد أن يحليه بذلك ~~كالسكر على رأس الأرز ونحوه والله تعالى يوالي بين نعمه على العبد ثم يريد ~~أن يبره ويطرفه بشيء ليس عنده في الجنة ليتجدد به بره فذلك البر يكون أعظم ~~موقعا ومن طرقه ما جاء في الخبر إذا أراد الله تعالى أن يتحف عبده المؤمن ~~سلط عليه من يظلمه PageV01P285 # لأن بلوى الدنيا كثيرة من الأمراض و المصائب و للنفس فيها فجعة ثم يرجع ~~إلى ربه تعالى في أن هذا صنعه وتدبيره وإذا ظلم اشتدت فجعته وتضاعفت لوعته ~~فتلك المصائب والأمراض هدايا من رب العالمين والظلم تحفة قد طرفه الله بها ~~والطرفة هي شيء يكون في الأحايين مرة لم يكن عنده مثله وقد سلط على يحيى بن ~~زكريا صلوات الله عليهما من ذبحه ذبحا وهذا شيء نادر طريف ليس مما يجري في ~~بلوى أهل الدنيا ومصائبهم وكذلك يجعل له الجنة ثوابا ثم يوجب له رضوانه ~~الأكبر ومن جعلت له الجنة هدية فتحفه من ألطافه الجسيمة PageV01P286 # | - * الأصل الخامس والخمسون # - * # | في بيان ما يهرم ويشب من الآدمي # عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يهرم ابن ~~آدم ويشب منه اثنان الحرص على المال والحرص على العمر الحرص لهيان الشهوة ~~والشهوة نار ذات دخان فكلما زدت النار وقودا إزدادت نورا وتلهبا وسمي المال ~~مالا لأنه يميل بالقلب عن الله تعالى والعمر مدة عمارة البدن بالحياة وذكر ~~المال لأن به ينال جميع الشهوات وذكر العمر لأن بدوامه تدوم الشهوات # فإذا ذهب العمر وزال المال تعطلت الشهوات فوجدت النفس PageV01P287 لذة ~~الشهوات ولذة دوام العمر فتشبثت به واستأثرت القلب والهرم الخالي من ~~الأشياء قد خلت طبائعة من الحرارة والقوى وقحل جلده من الحرارة لانتشاف ~~الحياة ماء جلدته ودق عظمه وانتشف النقص ماء شبابه ولا يطفىء لهيب الحرص ~~إلا الإيمان بالله فكلما ازداد العبد إيمانا بربه وهو النور ms124 الذي ينشرح به ~~صدره فهو على نور من ربه ازداد ثقة بربه و طمأنينة إليه وكلما إزداد ثقة ~~إزداد غنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن كثرة العرض إنما ~~الغنى غنى النفس فإذا استغنت النفس بالله تعالى لما دخل الصدر من نور ~~اليقين المنشرح به صدره صار عرض الدنيا فضلا # عن مكحول رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نفس ابن آدم ~~شابة ولو التقت ترقوتاه من الكبر إلا من امتحن الله تعالى قلبه للتقوى ~~وقليل ما هم # فهذا الخبر يكشف عما ذكرنا من المعنى لأن النفس معدن الشهوات فهي شابة ~~لأن الشهوات بمنزلة النار لا تزال متوقدة ما دامت واجدة للحطب فإذا أمسك ~~عنها الحطب خمدت خامدة لا محالة فكذلك النفس لا تزال رطبة متوقدة بشهواتها ~~ما دامت واجدة للنعم فإذا أمسك عنها ذبلت ويبست فإذا امتحن الله تعالى قلبا ~~للتقوى قوى صاحبه على PageV01P288 الامتناع من قضاء الشهوات والامتحان هو ~~أن يستخرج سره والسر هو النور الذي قذفه في قلبه فإذا استقر ذلك في قلبه ~~وأشرقه به صدره صار ذاك وقاية له من جميع مكاره الآخرة فقيل تقوى وإنما هو ~~وقوى حولت الواو تاء ومأخذه من الوقاية فإذا فعل ذلك فقد امتحنه لأنه يظهر ~~على الأركان بالأفعال المحمودة المرضية # فالنفوس شابة وإن هرمت الجوارح ونهدت الأركان لدوام التنعم بالمال والعمر ~~الا هذه الطبقة الممتحنة الذين استثناهم فنفوسهم هرمت في وقت شبابهم لإن ~~شهواتهم ذبلت وضعفت بالخشية التي دخلت قلوبهم لما اطلعوا عليه بقلوبهم من ~~علم الملكوت و لعلمهم بالله تعالى صاروا سبيا من سبيه فالمشغوف سبي من به ~~شغف # فإن شغفت بالدنيا فأنت سبيها وإن شغفت بالآخرة فأنت سبيها وإن شغفت ~~بالخالق فأنت سبيه وابن آدم ركب في طبعه أن لا تزال نفسه تجمع في طلب شيء ~~حتى إذا اطلعت على أفضل منه رفضب هذه وأقبلت على الأفضل فلا يزال طالبا ~~للدنيا حتى إذا طالع الآخرة رفض هذه وأقبل عليها فلا ms125 يزال لها طالبا حتى ~~إذا طالع الملكوت أقبل على مولاه ولها عن ذكر الدارين واشتغل بالماجد ~~الكريم فتراه سلس القياد منكسر القلب قد أخذت الأحزان بمجامع قلبه فقطعته ~~عن فكر الدنيا وأهلها وما هم فيه فهو حبيس الله في سجنه وهو قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر والمسجون عينه إلى الباب ~~يراقب دعوة من يدعى فيجيب PageV01P289 الأصل السادس والخمسون # | - * # في أن عدد الشرائع بتعدد الرسل $ # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه حدث أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول إن لله عز وجل ثلثمائة وخمس عشرة شريعة يقول الرحمن وعزتي لا ~~يأتين عبد من عبادي لا يشرك بي شيئا بواحدة منهن إلا أدخلته الجنة # فالرسل ثلثمائة وخمسة عشر ولكل رسول شريعة قال الله تعالى في تنزيله ~~الكريم @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ و قال @QB@ ثم جعلناك على ~~شريعة من الأمر فاتبعها @QE@ # و ان الله تعالى دعا العباد إلى دار السلام بعد أن دعاهم إلى الاقرار ~~بالتوحيد فأجابوه و إنما أجابه من هداه ثم شرع لكل رسول طريقا إليها وهو ~~الحلال والحرام فاحلال مرضاته والحرام مساخطه وإذا استقام العبد في سيؤه في ~~شريعته أدخله الجنة فقوله لا يأتيني عبد لا يشرك بي شيئا بواحدة من هذه ~~الشرائع أي شريعة زمانه ورسوله فلو PageV01P290 أتى رجل بشريعة هود في زمن ~~موسى عليهما السلام لم ينتفع به ولو أتى بشريعة موسى في زمن عيسى عليهما ~~السلام لم ينتفع به ولو أتى بشريعة عيسى في زمن محمد عليهما الصلاة والسلام ~~لم يقبل منه ولم ينتفع به إنما يقبل من كل عبد شريعته التي شرعت له على ~~لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وان الله تعالى شرع الطريق لعباده ليحلوا ~~حلاله ويحرموا حرامه كي يصلحوا لدار السلام يوم مقدمهم عليه PageV01P291 ~~الأصل السابع والخمسون # | - * # في حقيقة اليقين ومعنى العافية $ # عن سلمان بن عامر رضي الله عنه يقول سمعت أوسط البجلي على منبر حمص يقول ~~سمعت أبا بكر الصديق ms126 على المنبر وهو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على هذا المنبر عام أول والعهد قريب سلوا الله اليقين والعافية فإن ~~الناس لم يعطوا شيئا خيرا من اليقين والعافية # فاليقين هو استقرار النور في القلب والصدر وذلك أن نور الإيمان في القلب ~~والشهوات بظلمتها وفوران دخانها متراكمة على القلب قد أظلمت من الصدر و ~~حالت بين عيني القلب و بين رؤية أمور الغيب فهو مقر بالغيب من الجنة والنار ~~والحساب وأهوال الموقف وتدبير الله تعالى في دنياه إلا أن نفسه تشبه عليه ~~بخدعها وأمانيها لأنها لم تصر له كالمعاينة PageV01P292 و ليس الخبر ~~كالمعاينة فإذا امتلأ القلب من النور كان كمن قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لحارثة حين قال يا رسول الله كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا الخبر ~~فاليقين استقرار القلب بذلك النور يقال في اللغة يقن الماء في الحفرة أي ~~استقر وأما العافية والعفو فكل واحد منهما مشتق من صاحبه فالعفو في الآخرة ~~والعافية في الدنيا وهو أن يعفى عنك من الخذلان فلا تخذل حتى لا تقع في ~~الذنب وأن يعفى عنك حتى لا تصيبك الشدائد والبلايا وأصله من العفو فقد عفى ~~عنك أن يصيبك هذا وأن تصيبك شدائد الآخرة وكلاهما في المعنى واحد إلا أن ~~العفو يستعمل في أمور الآخرة والعافية في أمور الدنيا PageV01P293 # | - * الأصل الثامن والخمسون # - * # | في تفسير قوله تعالى @QB@ فروح وريحان @QE@ بالوجهين # عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ @QB@ ~~فروح وريحان @QE@ الراء مضمومة وقد قرئت الراء مفتوحة فمن قرأ فروح مضمومة ~~الراء ذهب إلى أن الروح أمر جليل من أمره يحل بالقلب فبه تطمئن القلوب إلى ~~الله تعالى وبه ينال الذكر الصافي وبه يصير محقا وبه يقدس القلب وبه يشتاق ~~عند حضور أجله إلى اللقاء فيهون عليه الموت ويبشر وتطيب النفس للشخوص إلى ~~الله وبه تأتلف قلوب المتحابين في الله وبه عصمة قلوب الأنبياء عليهم ~~السلام ومن قرأها فروح مفتوحة الراء فإنه ذهب إلى أن ms127 يسلم عليه ملك الموت ~~عليه السلام في ذلك الوقت ويقرئه السلام من رب العزة فيجد لذلك راحة على ~~القلب وهو قوله تعالى @QB@ تحيتهم يوم يلقونه سلام @QE@ PageV01P294 # | - * الأصل التاسع والخمسون # - * # | في معنى معاء الآدمي لم كانت سبعا فصارت واحدة # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~المؤمن يأكل في معاء واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء # و عن أبي موسى رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله # قال أبو عبدالله الإنسان مبني على سبعة على الشرك والشك والغفلة والرغبة ~~و الرهبة والشهوة والغضب فهذه أخلاقه وأي خلق من هذه الأخلاق إستولى على ~~قلبه نسب إليه دون الآخر ومما يحقق ذلك قوله تعالى ^ و إن جهنم لموعدهم ~~أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ^ فأهل النار مجزءون مقسمون ~~على هذه PageV01P295 الأبواب السبعة فكل جزء منهم صار جزءا بخلق من هذه ~~الأخلاق المستولية عليه # و مما يحقق ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للنار باب لا يدخلها منه إلا من شفا غيظه بسخط الله تعالى # و عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجهنم ~~سبعة أبواب باب منها لمن سل سيفه على أمتي # فهذه للرغبة والأول للغضب فابن آدم مبني على هذه الأخلاق السبعة فإذا ولج ~~الإيمان القلب نفى هذه السبعة من القلب فبقدر قوة الإيمان تذوب هذه الأخلاق ~~من النفس وعلى قدر ضعفه يبقى ضررهن فإذا اكمل النور وامتلأ القلب منه لم ~~يبق لهذه الأخلاق فيه موضع فنفى الشرك والشك والغفلة أصلا وصار بدل الشرك ~~إخلاصا وبدل الشك يقينا وبدل الغفلة انتباها وكشف غطاء معاينه وصار الغضب ~~له وفي ذاته وصارت الرغبة إليه والرهبة منه وصارت الشهوة منية وكانت نهمة ~~وبقدر ضعف الإيمان وسقمه يبقى من هذه الأخلاق في المؤمن فبقي منه شرك ~~الأسباب وشك الأرزاق وغفلة التدبير في كنه ms128 الأمور والرغبة والطمع في الخلق ~~والرهبة منهم في المضار والمنافع واستعمال الشهوات على النهمة فإيمانه ~~يقتضيه ما عقد في توحيده لربه أن هذه الأشياء كلها منه وله وأخلاقه تمنعه ~~الوفاء بذلك عند نوائبه فلذلك يبقى في عرصة القيامة محاسبا في مدة طويلة ~~والآخر كمل إيمانه فامتلأ قلبه من نور الإيمان فصار كما وصفنا بدءا فسقط ~~عنه الحساب غدا # فابن أدم يأكل في معاء واحد اعني الخلقة إلا أن هذه الأخلاق السبعة سوى ~~الغضب قد عملت على قلبه فصار كأنه يأكل في سبعة أمعاء فإذا آمن فامتلأ قلبه ~~من نور الإيمان سكنت هذه الأخلاق فشبع وروي لأنه PageV01P296 قد ثقل قلبه ~~بما ولج فيه من الإيمان فإذا آمن فإنما يأكل بمعاه الذي خلق فيه وكلما كان ~~أوفر حظا من إيمانه كان أقل لطعمه بهذا المعاء الواحد أيضا وإذا كان كافرا ~~فهذه الأخلاق الستة تعمل على قلبه حتى يصير كأنه يأكل في سبعة أمعاء لأن ~~الشرك والشك والغفلة والشهوة والرغبة والرهبة هي أعوان لحرصه فإذا أحرص لم ~~يشبع واحتاج إلى الكثير والذي سكنت عنه هذه الستة الأخلاق بولوج الإيمان ~~قلبه ذاب الحرص في جوفه وثقل الإيمان في قلبه فأكل بمعاه الذي خلق للآدميين ~~فاكتفى بذلك # عن أبي صالح السمان قال قدم ثلاثون راكبا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من غفار فيهم رجل يقال له أبو بصيرة مثل البعير فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأصحابه بددوا القوم فجعل الرجل يقيم الرجل والرجل يقيم ~~الرجلين على قدر ما عنده من الطعام حتى تفرق القوم غير أبي بصيرة قال و كل ~~القوم يرى أن ليس عنده ما يشبعه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك ~~قام واستتبعه فتبعه فلما دخل دعا له بطعام فوضعه بين يديه فكأنما لحسه ثم ~~دعا بقدح فحلب فيه فشربه حتى حلب له في سبعة أقداح فشربها وبات عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الإسلام فتكلم منه بشيء فلما خرج رسول ~~الله صلى ms129 الله عليه وسلم إلى صلاة الغداة واستتبعه فتبعه فصلى معه الغداة ~~فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل على القوم بوجهه فقال علموا ~~أخاكم وبشروه فأقبل القوم بنصح يعلمونه وألقى عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثوبا حين أسلم ثم قام فاستتبعه فتبعه فلما دخل دعا له بطعام فوضعه بين ~~يديه فلم يأكل إلا يسيرا حتى قال شبعت ثم دعا له بقدح فحلب فيه فلم يشرب ~~إلا يسيرا حتى قال رويت فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكبه فقال ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إنك كنت أمس كافرا وإنك اليوم مؤمن ~~وإن الكافر يأكل في سبعة أمعاء وإن المؤمن يأكل في معاء واحد PageV01P297 # | - * الأصل الستون # - * # | في أن للصائم دعوة مستجابة عند إفطاره # عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لكل ~~عبد صائم دعوة مستجابة عند إفطاره اعطيها في الدنيا أو ذخر له في الآخرة # فكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول عند إفطاره يا واسع المغفرة اغفر لي # خص أمة محمد صلى الله عليه وسلم من بين الأمم في شأن الدعاء فقيل @QB@ ~~ادعوني أستجب لكم @QE@ # و إنما كان يكون ذلك للأنبياء عليهم السلام فأعطيت هذه الأمة ما أعطيت ~~الأنبياء عليهم السلام فلما دخل التخليط في أمورهم من PageV01P298 أجل ~~الشهوات التي استولت على قلوبهم حجبت قلوبهم فالصوم منع النفس عن الشهوات ~~وإذا ترك شهوته من أجله صفا قلبه وصارت دعوته بقلب فارغ قد زايلته ظلمة ~~الشهوات وتولته الأنوار فاستجيب له فان كان ما يسأل في المقدور عجل له وإن ~~لم يكن كان مدخورا له في الآخرة وبلغنا أن العبد إذا دخل الجنة أعطي من ~~الجنة بقدر ما يستقر في ملكه ويجاز له ثوابه فإذا زيد قيل له هذا دعواتك ~~التي كنت لا ترى لها إجابة كان لك ذخرا عظيما # و عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى ms130 ~~الله عليه وسلم قال للصائم عند فطره دعوة لا ترد PageV01P299 # | - * الأصل الحادي والستون # - * # | في سجود الشكر # عن أبي بكر رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه ~~الأمر يسر به خر لله ساجدا شكرا # فالسجود أقصى حالة العبد في التواضع لله تعالى به ترتبط النعمة ويجتلب ~~المزيد فالشكر رؤية العبد النعمة ولا ينفك من رأى النعمة من الجبار إذا ~~استحيى خجل وتذلل وتواضع وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنه إذا ~~فرح غض بصره وغض البصر من الحياء لأن الحياء في العينين من أجل أن الحياء ~~من شأن الروح و بصره متصل ببصر الروح وأيضا الفرح في القلب مؤد إلى العين ~~فإذا انتهى الفرح إلى العين فلم يغضها انتشر الفرح وقوي فلم يكن صلى الله ~~عليه وسلم يحب أن ينتشر فرحه في دار الأحزان حتى يكون ذلك كله في دار الله ~~تعالى # عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال جئت أزور عائشة رضي الله ~~عنها فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحي إليه ثم سرى PageV01P300 عنه ~~فقال يا عائشة ناوليني ردائي فناولته ثم أتى المسجد فإذا مذكر يذكر فجلس ~~حتى قضى المذكر تذكرته افتتح @QB@ حم تنزيل من الرحمن الرحيم @QE@ فسجد ~~فطالت سجدته ثم تسامع به أظنه قال من كان على ميلين وملىء عليه المسجد ~~وأرسلت عائشة رضي الله عنها في حاجتها أن احضروا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلقد رأيت منه أمرا ما رأيته منه منذ كنت معه فرفع رأسه فقال سجدت هذه ~~السجدة شكرا لربي تعالى فيما أبلاني في أمتي فقال له - أحسبه أبو بكر رضي ~~الله عنه - و ما ذا أبلاك في أمتك قال أعطاني سبعين ألفا من أمتي يدخلون ~~الجنة فقال يا رسول الله إن امتك كثير طيب فازدد يا رسول الله قال قد فعلت ~~فأعطاني مع كل واحد من السبعين الألف سبعين ألفا قال يا رسول الله ازدد ~~لأمتك فقال بيديه ثم قال بهما ms131 إلى صدره أو إلى بعض جسده فقال عمر أو غيره ~~أوعيت يا رسول الله أو كلمة نحوها # عن عبد الله بن بكر أبي وهب السهمي حدثنا هشام بن حسان عن القاسم بن ~~مهران عن موسى بن وردان عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله تعالى أعطاني سبعين ألفا من أمتي يدخلون الجنة بغير ~~حساب فقال عمر يا رسول الله فهلا استزدته قال قد استزدته فأعطاني مع كل ~~واحد من السبعين الألف سبعين ألفا فقال رضي الله عنه يا رسول الله فهلا ~~استزدته قال استزدته فأعطاني هكذا وفتح أبو وهب يديه قال أبو وهب قال هشام ~~هذا من الله لا يدري ما عدده PageV01P301 # و هذا الحديث أتم وأشبع والأول لم يذكر فيه أنهم يدخلون الجنة بغير حساب # و عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أعطيت سبعين ألفا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب قلوبهم ~~على قلب رجل واحد واستزدت فزادني مع كل واحد سبعين ألفا # و عن أم قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج آخذا بيدها في سكة من ~~سكك المدينة حتى انتهى إلى بقيع الغرقد فقال يبعث منها سبعون ألفا يوم ~~القيامة في صورة القمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب # فقام رجل فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال أنت منهم فقام ~~آخر فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة # فهذا العدد من مقبرة واحدة فكيف سائر مقابر أمته وإنما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنت منهم كأنه رأى فيه أنه منهم والآخر لم يره بموضع ذاك ~~وأم قيس هي ابنة محصن و هي أخت عكاشة بن محصن الأسدي فالسبعون الألف ~~الأولون سقط عنهم الحساب لأن الله تعالى أيدهم باليقين حتى عاملوا الله ~~تعالى على الصدق والوفاء بيقينهم وهم أولياء الله تعالى لا ms132 خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون وهم السابقون المقربون يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا ممن ~~احتسب للحساب PageV01P302 في الموقف ممن وجبت له الجنة ثم يشفع كل واحد ~~منهم في سبعين ألفا ممن وجب عليه الوقوف طول الموقف # عن عبدالله ابن أبي أوفى قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى ~~برأس أبي جهل صلى ركعتين وصلى بهم يوم الفتح ركعتين # و سجد عمر بن عبد العزيز ثلاث سجدات تباعا حيث روى له أبو بردة بن أبي ~~موسى عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث الذي قال يجاء ~~باليهودي والنصراني يوم القيامة فيقال هذا فداؤك يا مسلم من النار ~~PageV01P303 # | - * الأصل الثاني والستون # - * # | في بيان أفضل الصدقة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من ~~صدقة بأفضل من صدقة يتصدقها على مملوك عند مليك سوء فالمملوك عند المليك ~~السوء مضطر والصدقة على المضطر أضعاف مضاعفة لأنهم ثلاثة أصناف فقير مستغن ~~عن الصدقة في ذلك الوقت وفقير محتاج ومضطر فالصدقة على المستغنى عنه وهو في ~~حد الفقر صدقة والصدقة على المحتاج مضاعفة والصدقة على المضطر أضعاف مضاعفة ~~والمملوك عند المليك السوء انتظمت حالته هذه الثلاث هو فقير و هو محتاج و ~~هو مضطر PageV01P304 # | - * الأصل الثالث والستون # - * # | في أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل الحسن # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~بعثتم إلي رسولا فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم # هذا من طريق التفاؤل وذلك أن أهل اليقظة والانتباه يرون الأشياء كلها من ~~الله تعالى وإذا ورد وارد حسن الوجه حسن الاسم تفاءل به وهو حسن الظن بالله ~~تعالى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولا يتطير لأن التفاؤل هو ~~حسن الظن بالله تعالى والفأل هو شيء يخص به قوم وليس يكون لكل أحد كالفراسة ~~والألهام وكالحكمة وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الفأل ms133 ~~مرسل # فمن أعطي حظا من التفاؤل انتفع به كمن أعطي الفراسة فله منها حظ ومن لم ~~يعط لم يكن له منها حظ والفأل قريب من الأركان والحظ نحوه PageV01P305 # وكانت قريش جعلت مائة من الأبل في من يأخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~فيرده عليهم حيث توجه إلى المدينة فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته ~~من بني سهم فتلقى نبي الله فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم من أنت قال ~~أنا بريدة فالتفت إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال يا أبا بكر برد أمرنا وصلح ~~فقال وممن قال من اسلم فقال لأبي بكر سلمنا قال ثم ممن قال من بني سهم قال ~~خرج سهمك فأسلم بريده وأسلم الذين معه جميعا فلما أن أصبح قال بريده لنبي ~~الله صلى الله عليه وسلم لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء فحل عمامته ثم شد ~~بها في رمح ثم مشى بين يديه صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله تنزل علي ~~فقال إن ناقتي مأمورة فسارت حتى وقفت على باب أبي أيوب الأنصاري رضي الله ~~عنه فبركت فقال بريدة الحمد لله الذي أسلم بنو سهم طائعين غير مكرهين # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال قال الله تعالى أنا عند ظن ~~عبدي بي فليظن بي ما شاء فإذا أحسن ظنه وفى له بما أمل وظن والتطير سوء ~~الظن بالله وهروب من قضائه والعقوبة إليه سريعة ألا ترى إلى العصابة التي ~~فرت من الطاعون كيف أماتهم قال الله تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم @QE@ # عن أبي رافع قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي مكتل فيه شاة ~~PageV01P306 مشوية فقال لي يا أبا رافع ضع ما معك ثم قال ناولني الذراع ~~فناولته فأكلها ثم قال ناولني الذراع فناولته فأكلها ثم قال ناولني الذراع ~~فقلت وهل للشاة أكثر من ذراعين فقال لو سكت لوجدتها ms134 PageV01P307 # | - * الأصل الرابع والستون # - * # | في معنى الفطرة الأصلية # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كل ~~مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تناتج الإبل من بهيمة ~~جمعاء هل يحس من جدعاء قالوا يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا قال الله ~~أعلم بما كانوا عاملين على الفطرة أي على الإسلام # و ذلك أن الله تعالى أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~فأسلموا له طوعا وكرها وألقوا بأيدهم اعترافا بربويته فمنهم مسلم ومنهم ~~مستسلم و في الجملة كلهم أقروا له بالربوبية وحده وبالسمع والطاعة له فأخذ ~~عليهم الميثاق ثم ردهم إلى الأصلاب فلما خرجوا من الأرحام إلى الدنيا ~~مولودين إنما خرجوا على تلك الفطرة فمن ولده يهودي أو نصراني أو مجوسي ~~فالولد في الحكم له PageV01P308 # قال المصنف رحمه الله الولد في الحكم لأبيه دون أمه لأن العظام والعصب ~~والعروق من الأب واللحم والدم والشعر والجلد من الأم فأصل الجسد من الأب ~~ألا ترى أن اللحم والدم والجلد والشعر يذهب ويجيء والجسد باق والعظام و ~~العصب والعروق إذا ذهب ذهب الجسد ولذلك نسب إلى أبيه والعصوبة له في ~~الميراث والولاية و سائر الأحكام # أما قوله كما تناتج الابل هل يحس من جدعاء فإنه يقول ان الانعام إذا ~~تناتجت فمولودهن صحيح سوي فعمد المشركون فجدعوا آذانها # روى عوف بن مالك الجشمي رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فصعد في البصر وصوبه وقال أرب إبل أنت أم رب غنم قلت من كل المال قد ~~آتاني الله تعالى فأكثر وأطيب قال أفلست تنتجها وافية أعينها وآذانها قلت ~~بلى قال فتجدع آذانها فتقول صرماء وتشق من هذه فتقول بحيرة فساعد الله أشد ~~من ساعدك وموساه أحد لو شاء الله أن يأتيك بها صرماء فعل # فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال فأبواه يهودانه وينصرانه كما ~~تناتج الإبل فهل تحس من جدعا أي أن الله تعالى خلقه ms135 سويا وافرا وافيا فأنتم ~~جدعتموه وكذلك خلق الله تعالى هذا المولود على الفطرة التي فطرهم حيث ~~استخرجهم من صلب آدم عليه السلام معترفين له بالربوبية وأنتم هودتموه ~~ونصرتموه ومنه قول الله تعالى @QB@ صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة @QE@ ~~PageV01P309 # كانت اليهود إذا ولد لهم ولد صبغته وكانت النصارى إذا ولد لهم مولود ~~صبغته في ماء لهم يقولون تطهر بذلك فقال الله تعالى @QB@ صبغة الله @QE@ أي ~~فطرة الله التي فطرهم عليها أحسن من صبغتهم # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ~~مولود يولد من ولد كافر أو مسلم فإنما يولدون على الاسلام كلهم ولكن ~~الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم فهودتهم ونصرتهم ومجستهم وأمرتهم أن ~~يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وقال الله تعالى و قوله الحق خلقت عبادي ~~حنفاء وأمرتهم أن لا يشركوا بي شيئا # عن عياض بن حمار رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~في خطبته ان الله تعالى أمرني أن أعلمكم وقال تعالى خلقت عبادي حنفاء ~~فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي وحرمت عليهم ما ~~أحللت عليهم # قال أبو عبدالله فهذا بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا وتأكدت حجة الله ~~عليهم وعملت أهواؤهم فيه لأن الشياطين وجدت قلوبا خالية والنفس والروح ~~يعقلان أمر الدنيا والمضار والمنافع والآيات ظاهرة من خلق السموات والأرض ~~والشمس والقمر واختلاف الليل والنهار وهذه حجج الله سبحانه و تعالى على ~~عبيده فذهبت بأهوائهم يمينا وشمالا وأما المؤمنون فهم أهل منة الله تعالى ~~من الله عليهم فجعل لهم نورا فأحياهم فقال ^ أو من كان ميتا فأحييناه ~~وجعلنا له نورا يمشي به في الناس PageV01P310 كمن مثله في الظلمات ليس ~~بخارج منها ) @QB@ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ # فأهل منته أحياهم الله تعالى بنوره وأهل عداوته حرموا ذلك فخابوا والحجة ~~عليهم قائمة بما أعطوا من المعرفة بأمور الدنيا # قال الله تعالى @QB@ قد أفلح من زكاها ms136 وقد خاب من دساها @QE@ إنما زكاها ~~بنور المعرفة وإنما دسي قلب الكافر وقوله دسي ودسس ودس كله بمعنى واحد و هو ~~أن يدس باب قلبه كما تدس الكوة حتى لا يقع في البيت ضوء فهو بيت مظلم وقد ~~مال به هوى نفسه # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يموت ~~لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسهم النار إلا تحلة القسم # عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخل الله تعالى ~~والديهم الجنة بفضل رحمته إياهم والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمه إلى ~~الجنة بسرره إذا احتسب # عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~يا عائشة من مات له فرطان من أمتي أدخله الله الجنة بفضل PageV01P311 رحمته ~~إياهم قالت يا رسول الله فمن كان له فرط واحد قال ومن كان له فرط واحد يا ~~موفقة قالت ومن لم يكن له فرط قال فأنا فرط أمتي لم يصابو بمثلي # فإذا كان الوالدن إنما يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته للولد فكيف يكون ~~رحمته للولد # عن عائشة رضي الله عنها قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد ~~المسلمين أين هم يوم القيامة قال في الجنة يا عائشة وسألت عن أولاد ~~المشركين فقال في النار يا عائشة قلت لم يدركوا الأعمال يا رسول الله ولم ~~تجر عليهم الأقلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ربك أعلم بما كانوا ~~عاملين # عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن السقط ~~ليراغم ربه عز و جل إذا إذا أدخل أبويه النار فيقال له أيها السقط المراغم ~~ربه قد أدخل أبويك الجنة فيقول لا حتى يجرهما بسرره # عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms137 أنه قال ~~يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرا فيقول ~~الممسوخ عقلا يا رب لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد مني ويقول ~~الهالك في الفترة يا رب لو أتاني منك عهد ما كان PageV01P312 من أتاه منك ~~عهد بأسعد بعهدك مني ويقول الهالك صغيرا يا رب لو آتيتني عمرا ما كان من ~~آتيته عمرا بأسعد بعمره مني فيقول الرب تبارك وتعالى فإني آمركم بأمر ~~أفتطيعونني فيقولون نعم وعزتك فيقول لهم فاذهبوا وادخلوا جهنم ولو دخلوها ~~ما ضرتهم شيئا فتخرج عليهم قوابض من نار يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله ~~من شيء فيرجعون سراعا ويقولون يا ربنا خرجنا وعزتك نريد دخولها فخرجت علينا ~~قوابض من نار فظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله تعالى من شيء ثم يأمرهم ~~ثانية فيرجعون ويقولون كذلك فيقول الرب خلقتكم على علمي وإلى علمي تصيرون ~~ضميهم فتأخذهم النار # عن عبدالله بن شداد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ~~رجل فسأله عن ذراري المشركين الذين هلكوا صغارا فوضع رأسه ساعة ثم قال أين ~~السائل فقال ها أنا ذا يا رسول الله فقال إن الله تعالى إذا قضى بين أهل ~~الجنة والنار لم يبق غيرهم عجوا فقالوا اللهم ربنا لم يأتنا رسولك ولم نعمل ~~شيئا فأرسل اليهم ملكا والله أعلم بما كانوا عاملين فقال إني رسول ربكم ~~إليكم فانطلقوا فاتبعوه حتى أتوا النار فقال لهم إن الله عز و جل يأمركم أن ~~تقتحموا فيها فاقتحمت طائفة منهم ثم اخرجوا من حيث لا يشعر أصحابهم فجعلوا ~~من السابقين المقربين ثم جاءهم الرسول عليه السلام فقال إن الله تعالى ~~يأمركم أن تقتحموا في النار فاقتحمت طائفة أخرى ثم أخرجوا من حيث لا يشعرون ~~فجعلوا من أصحاب اليمين ثم جاء الرسول فقال إن الله تعالى يأمركم أن ~~تقتحموا في النار فقالوا ربنا لا طاقة لنا بعذابك فأمر بهم فجمعت نواصيهم ~~وأقدمهم ثم القوا في النار PageV01P313 # قال أبو عبدالله الولد عضو ms138 من الرجل فإذا قدمه من قبل أن يبلغ الحنث فقد ~~عتق من أسار الذنوب وفي الشرع أن المملوك إذا عتق جزء منه شاعت الحرية في ~~جميع أجزائه فهذا الطفل قدم على ربه وهو غير مطلوب بذنب فصار حرا من رق ~~الذنوب وهو جزء من أجزاء الوالدين # وقوله لم يبلغوا الحنث أي ما أدركوا مدرك الرجال فتركوا الوفاء بما ~~عاهدوا يوم الميثاق # وقوله تحلة القسم يريد قوله تعالى @QB@ وإن منكم إلا واردها @QE@ # و عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سألت ~~ربي أولاد المشركين فأعطانيهم خدما لأهل الجنة قال لأنهم لم يدركهم ما أدرك ~~آباؤهم من الشرك ولأنهم في الميثاق الأول PageV01P314 # | - * الأصل الخامس والستون # - * # | في بيان قوله صلى الله عليه وسلم ان هذا المال خضرة حلوة # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه فلنعم المعونة هو # الأخذ على ثلاثة أوجه عندنا فالظالم يأخذه تمتعا والمقتصد يأخذه تزودا ~~والمقرب يأخذه تبلغا فالظالم لم يأخذه بحقه لأن الدنيا إنما خلقت متعة ~~للأعداء وهم الكفار يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم فهذا ~~قد ظلم نفسه حيث أخذها أخذ الأعداء قال الله تعالى @QB@ ذرهم يأكلوا ~~ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون @QE@ PageV01P315 # لأن المؤمن قد علم أنه عابر سبيل ولم يخلق للبقاء في هذه الدنيا فهو ~~مسافر يقطع الدنيا بعمره إلى الله تعالى والليل والنهار يركضان به اليه وقد ~~آمن بالله واليوم الأخر ومن صدق إيمانه أن يرفع باله عن الدنيا وييأس من ~~الخلود فيها ويأخذ منها ما يأخذ المتزود لما بين يديه من السفر الطويل وأخذ ~~التزود أن يكون له إرادة فيما يأخذ منها أن يأخذها لقوام دينه ويقدم فضله ~~ما بين يديه ليكون ذلك زادا له في المحشر فالأول ظالم أخذه أخذ الأعداء ~~وهذا أخذه بحقه فلنعم المعونة والثالث أخذه تبلغا لأنه خلق محتاجا مضطرا ~~لاينفك في دنياه ms139 أيام حياته من حاجة به إليه أما في نفسه وأما في المتصلين ~~به من عيال وقرابة وجيرة واخوان من أجل حرا وبردا وجوع أو عرى أو نوائب من ~~سقم أو غيره # و تدبير رب العالمين في هذا المال أنه وضعه في هذا الدار وأنه يصلح به ~~هذه المصالح فما تناول منه تناول منه تناول على التبلغ إلى الله تعالى ~~لينفذ عمره ويبلغ إلى ربه تعالى دافعا هذه النوائب التي تنوبه في هذه ~~الدنيا عن نفسه وعن هؤلاء بهذا المال الذي هكذا دبره رب العالمين وكان أبو ~~بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي المال بغير عدد ~~ولا تقدير يحثي حثوا ويعطي قبضات فراوده عمر رضي الله عنه على أن يقدر ~~ويفضل المهاجرين لفضلهم ومن له قدوة في الإسلام يبرر له ذلك بالمال فأبى ~~عليه وقال إن هذا المال بلاغ وخير البلاغ أوسعه وأجورهم على الله تعالى ~~فلما ولي عمر رضي الله عنه فضل أصحاب بدر وجعل بين الناس فضائل ففعل أبي ~~بكر رضي الله عنه فعل الصديقين المال عنده بلاغ فكلما تناول شيئا منه فقدمه ~~في نوع من أنواع البر لم يجعله عدة ليوم فقره كما فعل هذا المقتصد لأن عدة ~~الصديقين والمقربين خالقهم وأعينهم مادة إلى رحمته والمقتصدون ومن دونهم ~~عدتهم خالقهم عدة الايمان فإذا صاروا إلى الحقائق صيروا أعمالهم عدة ~~PageV01P316 # | - * الأصل السادس والستون # - * # | في أن الاختيار من الخير # عن أبي بكر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد ~~أمرا قال اللهم خر لي واختر لي # قال أبو عبد الله الخيرات كلها من خيرته والصفوة من الخيرات محبوبة ~~ومختارة خار لعباده الأعمال والأفعال واختار لنفسه من الذي خار لهم فذاك ~~محبوبه ومصطفاه سأله أن يخير له أن يرزقه الخير وإذا رزقه الخير وقاه الشر ~~ثم سأله أن يختار له من الخير محبوبه وله دعوة أخرى في حديث آخر وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم اللهم إني أسألك التوفيق ms140 لمحابك من الأعمال وصدق التوكل ~~عليك وحسن الظن بك # فانظر إلى هذه الخصال الثلاث كانها نظام واحد وهذا باب غامض يخفى على ~~الصادقين وإنما ينكشف للصديقين دون الصادقين لأن الصادق يفتش عن الأعمال ~~كيلا يدخل فيه العدو والنفس والهوى ويروجه عليه بخدعه فهو يبغي الصدق ~~والإخلاص ويلحظه والصديق يلحظ في أعماله إلى الله تعالى لأنه استقام قلبه ~~على الصدق وانطرد عنه الهوى واختسأ العدو فهو يفر من ظله وهو الذي ينكشف له ~~التوفيق PageV01P317 من الله لمحبوبه فرب عمل هو في الظاهر أعلى وأشرف على ~~ألسنة الرسل عليهم السلام والكتب المنزلة والمحبوب في ذلك الوقت ما هو دونه ~~في الظاهر فالذي يحبه في ذلك الوقت قد خفي على الأنبياء عليهم السلام حتى ~~سأله التوفيق لذلك # و أما بيان انتظام هذه الأمور في طلق فهو أن الله تعالى إذا وفقه لمحبوبه ~~و هو أدنى في الظاهر وآثر الأدنى وإن كان الأدنى في الحقيقة من محاب الله ~~تعالى فسأله صدق التوكل والتوكل هو أن يتخذ الله وكيلا ويفوض إليه جميع ~~أموره فسأله صدق ذلك حتى لا يتردد ولا يتلكأ فيه ويسارع فيه كما يسارع في ~~الذي كان عنده أعلى # ثم قال وأسألك حسن الظن بك فإن النفس إذا مرت في الادون دخلها سوء الظن ~~من قبلها فتقول لعلي فيه مخذول إذا أقبلت على الادون وأعرضت عن الأعلى في ~~الظاهر فسأله حسن الظن كي لا تأخذه الحيرة ولا يخاف أنه خذل فلهذه الخصال ~~الثلاث كلها منظومة محتاج إليها في طلق لا يستغني ببعضها عن بعض لمن سأل أن ~~يختار له محبوبه ويوفقه لمحابه من الأمور # فجاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهاتين اللفظتين وكلاهما ~~يؤديان إلى معنى واحد قوله اختر لي وقوله وفقني لمحابك فالاختيار من الخير ~~هو محابه في ذلك الوقت قال له قائل صف لنا واحدة من هذه الأمور نعتبر بها ~~ما سواها قال نعم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا يزور بيت الله ~~الحرام لبعد عهده ms141 به قصد عن البيت فكان محاب الله تعالى في ذلك أن يصالحهم ~~ويعطيهم ما يريدون من ذلك فإنهم كانوا يريدون أن لا يدخل مكة في هذه الهيئة ~~فحلق دون قضاء العمرة ونحر الهدي ولما يصل إلى البيت و لم يبلغ محلها وكان ~~في الظاهر تعظيم البيت والاعتمار والوفاء بالنذر وهو الاحرام وهدي البدن ~~وهي سبعون بدنة أعلى عندهم وأشرف والصلح والرجوع عنهم PageV01P318 محاب ~~الله في ذلك الوقت فاتسع لهذا الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يضق ~~به ذرعا واتسع أبو بكر رضي الله عنه وضاق عمر رضي الله عنه حتى صار إلى أبي ~~بكر رضي الله عنه فقال يا أبا بكر أليس هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو ليس نحن المسلمون فقال بلى فقال فعلى م نعطي الدنية في ديننا وهم الكفار ~~قال أبو بكر رضي الله عنه يا عمر الزم غرز رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واسمع وأطع فإني أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنا أشهد فلم ~~يصبر على ذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ألست ~~رسول الله أولسنا بالمسلمين أوليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلى م نعطي ~~الدنية في ديننا وهم الكفار قال أنا عبدالله ورسوله ولن أخالف أمره ولن ~~يضيعني # قال عمر رضي الله عنه فمازلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة ~~كلامي الذي تكلمت به يومئذ # فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين وكتب الكتاب فيما بينهم على ~~وضع الحرب عشر سنين يأمن منهم الناس ويكف بعضهم عن بعض فأمنوا ولقي بعضهم ~~بعضا وخالطوهم واستمعوا إلى القرآن وإلى ما جاء به عن الله تعالى والرجل ~~يكلم أخاه وصديقه ورحمه بذلك فدخل الناس أفواجا في دين الله مثل ما دخلوا ~~في سنين كثيرة # فانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف فوض أمره إلى الله تعالى ~~وأبرز صدق توكله وكيف حسن ظنه بالله تعالى فقال إني لن أخالف ms142 أمره ولن ~~يضيعني وكيف تابعه على ذلك أبو بكر رضي الله عنه واتسع PageV01P319 فيه ~~وكيف ضاق عمر رضي الله عنه ومن بعد عمر عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى بلغ من أمرهم أنه أمر مناديه فنادى بأن يحلقوا رؤوسهم فلم يحلقوا ~~حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيمة فقال يا أم سلمة ألا ترين أن ~~الناس لا يحلقون فقالت يا نبي الله بأبي أنت وأمي احلق أنت فلو قد رأوك ~~حلقت لقد فعلوه فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الناس يحلقون ومنهم ~~من قصر فقال اللهم اغفر للمحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال اللهم ~~اغفر للمحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا ~~والمقصرين يا رسول الله قال والمقصرين قالوا ظاهرت بالترحم والمغفرة ~~للمحلقين قال لأنهم لم يشكوا # فليس هذا شكا في أصل الفعل إنما الشك هنا ضيق الصدر بذلك الفعل احتاجوا ~~إلى أن يحلقوا وهم في إحرام ولم يحلوا بعد لأن السبيل كان عندهم في ~~الجاهلية وراثة أن لا يحل أحد من إحرامه دون الطواف بالبيت فلما أمرهم ~~بالحلق استعظموا ذلك وضاقت صدورهم ثم اتبعوه فقصروا كأنهم على كراهة شديدة ~~وهذا من خلق النفس وكزازته فحرموا الدعوة للكزازة التي فيهم وركوب الهوى # وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لن أخالف أمره أي لن أخالف أمر ~~الله أي لن أخالف ما استقبلني من وجه الأمر ومن توفيقه لما هو أحب إليه ~~وذلك أن أهل مكة لما تلقوه ليردوه في جمعهم أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في أسفل مكة فلما بلغ الحديبية بركت ناقته فقال الناس PageV01P320 ~~خلأت أي حزنت فقال صلى الله عليه وسلم ما خلأت وما لها ذلك بخلق كأن معناه ~~أن هذه ناقة مسخرة لصاحبها وصاحبها ليس بحرون فإذا لم يحرن الذي سخر على ~~ربه لم تحرن المسخرة فقال ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل فعلم أن بروك ~~الناقة ههنا ليس من الحرانة لأنه ms143 لم يحرن على ربه في أمره ولكن هذا شيء ~~بديع قد اختار له ربه ما هو أحب إليه فنزل وعسكر هناك وانتظر ما يكون ثم ~~وجه الرسل إلى أهل مكة واحدا بعد آخر أني لم أجئكم لحرب وإنما جئت معظما ~~للبيت ومعي هدي فعاهدوا الله أن لا يدخلها أبدا أو نحاربك ثم كان من تلك ~~الرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه فأتاه الخبر أن عثمان قد قتل فانتدب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لحربهم وقال لا نبرح حتى نناجزهم فدعا إلى البيعة ~~تحت الشجرة فبايعوه فقال أصحابه بعد ذلك بحين بايعنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على الموت وقال آخرون ممن فهم الأمر لم نبايعه على الموت لكن ~~بايعناه على أن لا نفر فأنزل الله تعالى @QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة @QE@ الآية فأوجب لهم رضاه وبشرهم بذلك ووعدهم النصرة ~~والفتح # و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في الطريق رؤيا أن يدخل المسجد ~~الحرام مع أصحابه محلقين ومقصرين لا يخافون فأخبر بها أصحابه فلم يشكوا ~~أنها تفتح لهم فلما استقبلهم هذا الصلح شكوا في الرؤيا وساءت ظنون كثير ~~منهم قال الله تعالى @QB@ فجعل من دون ذلك فتحا قريبا @QE@ فصالحوا ~~وانصرفوا فخرجوا إلى خيبر ففتح الله عليهم فاستأصلوا اليهود وهم أحد ~~الأعداء وغنموا العنائم الكثيرة وتقووا بما PageV01P321 غنموا وأخذوا العدة ~~من الكراع والسلاح وبلغ المشركين ذلك فذلوا وانقصموا # و عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل فقضى عمرته وأخلوا ~~له مكة من نسائهم وأولادهم حتى انصرف ثم عاد من العام القابل لفتح مكة في ~~عشرة آلاف رجل وكان ذلك العام الذي صدر عنه في سبعمائة وكثر أصحابه لدخول ~~الناس في دين الله وذلك للصلح الذي كان بينهم وما التقوا فوعظ بعضهم بعضا ~~وقرأ عليهم ما نزل # فانظر إلى محاب الله تعالى ومختاره وإلى محاب الخلق ومختارهم فقد كان ~~مختار الخلق أن يدخلوها عنوة فيقتلون ويقتلون وقد كان لله عز ms144 وجل فيها ~~أولياء قد اجتباهم واختارهم وسبقت لهم منه الحسنى ولم يجىء وقت إسلامهم بعد ~~وفيهم أيضا قد أسلموا من المستضعفين نساء وشيوخا وعجزة ولو دخلوها بقتال ~~لأصابهم معرة الجيش فقال الله تعالى في تنزيله الكريم @QB@ وهو الذي كف ~~أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم @QE@ # و كانت طائفة من أهل مكة خرجوا عليه من وراء عسكره فهزمهم أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا أسراء فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلذلك قوله تعالى @QB@ من بعد أن أظفركم عليهم @QE@ # ثم قال ^ و لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم ^ إلى قوله @QB@ عذابا أليما @QE@ PageV01P322 فهؤلاء ~~رجال مؤمنون ونساء مؤمنات قد كانوا هناك في أيديهم مستضعفين فلو دخلتم ~~الحرب لوطأتهم الخيل وهلكوا ولو تزيلوا أي فارقوهم وزايلوهم لعذبنا الذين ~~كفروا أي لنسلطنك عليهم بالحرب حتى تقتلهم ولكن هيأ الصلح وحبس الناقة ~~فبركت فلما بركت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حبسها حابس الفيل لا ~~تدعوني اليوم قريش إلى خطة فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها # وكان رجال مؤمنون ونساء مؤمنات في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات لم يخرجهم ~~الله تعالى إلى الدنيا وكان في سابق علمه أنه يخرجهم إلى مدة وأسماؤهم ~~مكتوبة في اللوح بالسعادة من الله تعالى فلو دخلوها عنوة لهلك آباؤهم ~~وأمهاتهم في الحرب ومعرة الجيش فلو تزيلوا أي زايلوا الأصلاب والأرحام ~~لعذبنا الذين كفروا أي الآباء والأمهات الكفرة وأنجينا هؤلاء الأطفال الذين ~~هم في علمي أوليائي فهيأ الله عز و جل الصلح بينهم حتى توالدوا وخرجوا من ~~أصلاب آبائهم من يعبد الله وحده وتهيأ للمستضعفين حال نجاح وفتح الله تعالى ~~مكة شرفها الله تعالى من العام الثالث عليهم وأظفره بهم # و من قبل فتح مكة سهل الله سبيله حتى جاء قاضيا لعمرته في ذلك الشهر الذي ~~كان جاء أول عام الحديبية فاعتمر وغاظ المشركين في ذلك واقتص الله عز و جل ~~لنبيه صلى الله عليه ms145 وسلم منهم كما ردوه وصدوه عن العمرة فأنزل الله تعالى ~~@QB@ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص @QE@ # ثم فتح الله تعالى عليه مكة من العام الثالث من الحديبية وهو سنة ~~PageV01P323 ثمان من الهجرة وكانت الحديبية سنة ست وقضاء العمرة في سنة ~~سبعة وافتتح مكة سنة ثمان من الهجرة فغص المسجد الحرام بأصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكان في عشرة آلاف حتى لم تجد ناقته موضعا تبرك فيه في ~~المسجد الحرام حتى دنا من البيت فاحتملوه على أيدي الرجال فدعا بالمفتاح ~~ففتح له فدخل البيت فصلى فيه ثم خرج فوقف على الباب فقال الله أكبر الله ~~أكبر صدق الله وعده ونصرعبده وهزم الأحزاب وحده # فانظر إلى هذه الكلمات عظم ربه وصغر ما دونه بتعظيمه ثم قال صدق الله ~~وعده نشر عن ربه الجميل بأنه وفي له ثم قال ونصر عبده رأى النصر من عنده ~~ورأى دوران الأمور به ونظر إلى تدبيره من لدن مبعثه وما لقي منهم من الأذى ~~والضرب والشتم والمصائب وما حرم أقاربه وأرحامه من بركة ما جاء به والى ~~الناس من افناء الناس غرباء كيف رزقوا ذلك واحد من الروم وواحد من الحبشة ~~وآخر من فارس وواحد من الخيام وآخر من حضرموت وبلاد الشام وأبو لهب وأبو ~~طالب وولد عمومته حاربوه و عادوه وأخرجوه من بلاد الله و من وطنه وبيت الله ~~الحرام وغربوه وتواطئوا على قتله وطلبوه فلم يظفروا به وانظر إلى تدبير ~~الله تعالى في الأنصار وبذلهم أنفسهم قال الله تعالى @QB@ فإن يكفر بها ~~هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين @QE@ # ثم حروبهم ببدر واحد وتلك العجائب التي كانت هناك مرة لهم ومرة عليهم إلى ~~يوم الحديبية وصلحه وأنهم قد وضعوا الحرب فيما قد وضعوا الحرب فيما بينهم ~~عشر سنين فضاق عمر رضي الله عنه بذلك يوم الحديبية ولم يعلم أن الله تعالى ~~سيفتح لهم مكة في العام الثالث من PageV01P324 عامهم في أعز نصر وأوفر جمع ~~فحسن الظن وسوء الظن ههنا يتيبن فرأى رسول ms146 الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ~~جميل صنع الله تعالى في أمره فقال الله أكبر صدق الله وعده ونصر عبده وهزم ~~الأحزاب وحده # فلو شاء الله تعالى لبعث مع محمد صلى الله عليه وسلم ملائكته عليهم ~~السلام معهم الشهب فيدمرون على من جحده ولكن تدبير الله تعالى في عباده في ~~التؤدة والتأني والرفق بهم ليتسعوا مع تدبيره فإن الإتساع مع تدبيره عبودة ~~والضيق من الاستبداد وكزازة النفس والعبودية الصادقة أن يدور مع تدبير الله ~~تعالى في الأحوال كيف ما دارت فهناك تكون عند الله تعالى راضيا في الأحوال ~~فيرضى عنك وهو قوله تعالى @QB@ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية @QE@ إطمأنت إلى الله سبحانه وتعالى وماتت شهواتها وذهب ~~استبدادها فرضيت عن الله تعالى في أحوالها على اختلاف محبوبها ومكروهها ~~فرضي الله عنها # فلما تكلم على باب الكعبة بما تكلم قال لأهل مكة وهو حوله ماذا تقولون ~~وماذا ترون أني صانع بكم قالوا أخ كريم وابن أخ كريم قال فإني أقول كما قال ~~أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين # قال عمر رضي الله عنه وانتضحت عرقا من الحياء من قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم و ذلك أني كنت قلت لهم حين دخلنا مكة اليوم ننتقم منكم ونفعل ~~ونفعل فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال استحييت من قولي # فهكذا يكون فعل الناظر إلى تدبير الله تعالى فيهم من قبل في تلك الأمور ~~الماضية وحكمته PageV01P325 # وأيضا قصة أخرى في شأن أبي جندل بن سهيل بن عمرو وكان مسلما في أيدي ~~المشركين مقيدا بمكة فلما جاء سهيل بن عمرو أبوه يراجع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الصلح وهو بعض رؤسائهم أبرم الصلح وكتب الكتاب فجاء ابنه أبو ~~جندل يرسف في قيوده قد انفلت من محبسه فقال يا محمد يا رسول الله إني مسلم ~~في أيدي المشركين واستغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين فقام ~~إليه أبوه فضرب ms147 وجهه ورده وقال يا محمد لقد لجت القضية فيما بيننا فتركه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده حتى رده فكاد المسلمون أن يفتتنوا في ~~ذلك الأمر وأخذهم الغيظ الشديد ولم يقدروا على شيء من الصلح وكان وقع الصلح ~~بينهم على أن من صار من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما ~~أن يرد عليهم ومن صار من المسلمين إليهم مرتدا لم يطلب فأجابهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فتحرك أصحابه في ذلك فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من جاءنا مسلما فرددناه عليهم فإن الله عز و جل جاعل له فرجا ~~ومخرجا ومن صار إليهم مرتدا فالى النار فما نصنع بمن ارتد عن دين الله # فأنظر إلى حسن ظنه حيث قال فإن الله جاعل له فرجا ومخرجا فكيف لا يحسن ~~ظنه وقد أوحى إليه عز و جل ^ و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث ~~لا يحتسب ^ # فالوحي قد نجع فيه وانكشف الغطاء عن قلبه حتى عاين حسن تدبير الله وصنائع ~~ربه وعرفه بالمجد والكرم فذهب سهيل بن عمرو بابنه إلى PageV01P326 مكة في ~~قيوده ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ففتح خيبر فقال عمر ~~رضي الله عنه كنت أماشي أبا جندل وهو في قيوده وهو جنب أبيه وأهوى بمقبض ~~سيفي نحوه أدنيه منه وأقول يا أبا جندل ليهن عليك فانما دم أحدهم دم كلب ~~وأدنى قائمة السيف منه رجاء أن يأخذ السيف فيضرب به أباه قال فضن الرجل ~~بأبيه وسهيل آخذ بتلبيبه يجره إلى المنزل وأبو جندل يصرخ يا معشر المسلمين ~~أرد إلى المشركين يفتنونني عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اصبر ~~واحتسب أبا جندل فإن الله عز و جل جاعل لك وللمسلمين فرجا إنا قد عقدنا ~~بيننا وبين القوم صلحا وانا لن نغدر # فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلبث إلا قليلا حتى انفلت أبو ~~جندل من قيوده ومر ms148 إلى ناحية البحر على طريق الشام فقعد هناك لأنه قد علم ~~أنه إن صار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجد بدا من رده عليهم لما ~~جرى بينهم في الصلح من ذلك فأقام هناك أياما فكان كل من سمع به من الشذاذة ~~المنفلتين ممن هم في مجالس المشركين لحق به حتى توافوا نحوا من سبعين رجلا ~~فقطعوا على المشركين عيرهم وأخذوا أموالهم وأضروا حتى بلغ من أمرهم وما ~~تأذى بهم المشركون أن وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن ~~يضمهم إلى نفسه حتى يرتفع عنهم ضررهم ثم أسلم سهيل بن عمرو وقتل شهيدا في ~~خلافه عمر رضي الله عنه # قال أبو عبدالله فأهل سعة الصدر عاشوا مع الله تعالى في دار الحبس والضيق ~~عيش أهل الجنان وإنما نالوا ذلك كله بذلك النور الذي إنشرح به صدورهم ~~فاتسعت لتدبير الله تعالى وان الله تعالى دبر للعباد امور امرن PageV01P327 ~~النفوس سلوك طريق ذلك التدبير وعرفوه ووطنوه ثم له تعالى في ذلك التدبير ~~تدبير آخر مختص # فأهل الضيق يتحيرون ويضيقون ومن عاين الصنعين والتدبيرين لم يضق وان لله ~~عز وجل في كل تدبير مشيئة إن شاء أمضاه وإن شاء أخره فالتدبير الذي قد وطنه ~~الناس ان يكون بالولد من ذكر و انثى فاختص الله تعالى لعيسى عليه السلام ~~تدبيرا فحملت به مريم من غير ذكر فتحير فيه علماء ذلك الزمان وأحبارهم وهلك ~~فيه العام والسفهاء وأدرك مريم رضي الله عنه بعض تلك الحيرة فقالت # ^ أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ^ @QB@ قال كذلك الله يخلق ~~ما يشاء @QE@ # فأبصرت وأذعنت لحكم ربها تعالى وتقدس فاستوجبت بذلك أن أثنى عليها رب ~~العالمين فقال ^ و صدقت بكلمات ربها ^ وقال ^ و امه صديقة ^ # و كذلك فعل زكريا عليه السلام فيما بشر به من الولد بعد الكبر و كذلك رزق ~~مريم رضي الله عنه @QB@ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال ~~يا مريم أنى لك هذا قالت هو ms149 من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ~~@QE@ # فقد علم الناس أرزاقهم من مظانها من السوق ومن الكدح ومن PageV01P328 ~~الكرم ومن الكيس ومن أيدي الخلق فرزقت على وجه التدبير المختص مما لم تمسه ~~أيدي العالمين فأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم التدبيرين ودخول أحدهما ~~في الآخر و خفاء شأنهما فسأل التوفيق وسأل مع التوفيق أن لا يكون من نفسه ~~إذا وفقه تلكأ وسأله إذا وفقه فلم يوافق شهوة نفسه أن يحسن الظن به فقد ~~يكون الرجل من أهل الغفلة يقول اللهم اختر لي ووفقني فإذا وفقه هرب من ~~مختار الله ودفع عن نفسه ذلك # بلغنا أن موسى عليه السلام قال يا رب أي عبادك أكثر ذنبا قال الذي يتهمني ~~قال ومن يتهمك يا رب قال الذي يستخيرني في الأمور فإذا اخترت له لم يرض ~~بقضائي وخيرتي # و أيضا قصة أخرى في شأن بدر وعدهم الله تعالى إحدى الطائفتين أنها لكم ~~الظفر بالعير أو الظفر بالعدو الذي انتدب من مكة وهم رؤساء الكفر وصناديد ~~قريش # وكان محاب الله تعالى في ذلك أن يظفروا بالعدو فيقتلهم على أيديهم ويقطع ~~دابرهم ومحابهم الظفر بالعير ليتقووا به وينكوا فيهم فقال في تنزيله الكريم ~~^ و تودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ^ الآية PageV01P329 # | - * الأصل السابع والستون # - * # | في عقاب من غش العرب # عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~غش العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي # غش العرب أن يصدهم عن سبيل الهدى أو يحملهم على أمور يبعدون بها عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومن فعل ذلك فقد قطع الرحم فيما بينهم وبين الرسول ~~صلى الله عليه وسلم # ومن غشهم أيضا أن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله وأن يضع ما رفعه الله ~~ويغمر فضلهم والأخبار قد أتت بفضلهم # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~الله تعالى قسم الخلق قسمين ms150 فجعلني في خيرهما قسما فذلك قوله PageV01P330 ~~تعالى ^ و أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ^ ^ و أصحاب الشمال ما أصحاب ~~الشمال ^ فأنا من أصحاب اليمين و أنا خير أصحاب اليمين # ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرهم ثلثا فلذلك قوله تعالى ^ فأصحاب ~~الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون ~~السابقون ^ فأنا من السابقين وأنا خير السابقين # ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خير قبيلة وذلك قوله تعالى ^ و جعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ^ فأنا أتقى ولد آدم ~~وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر # ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا فذلك قوله تعالى @QB@ إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا @QE@ # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذ مرت بنا امرأة من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعض ~~القوم هذه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان إنما مثل محمد ~~صلى الله عليه وسلم في بني هاشم كالريحانة في وسط النتن فسمعت المرأة فدخلت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرته له فخرج ولا أراه إلا مغضبا فصعد ~~المنبر وقال ما بال أقوال تبلغني عن أقوام أن الله تعالى خلق سبع ~~PageV01P331 سموات فاختار العليا فسكنها وأسكن سمواته من شاء من خلقه و خلق ~~سبع أرضين فاختار العليا فأسكنها خلقه ثم اختار خلقه فاختار بني آدم ثم ~~اختار بني آدم فاختار العرب ثم اختار العرب فاختار مضر ثم اختار مضر فاختار ~~قريشا ثم اختار قريشا فاختار بني هاشم ثم اختار بني هاشم فاختارني فلم أزل ~~خيارا من خيار ألا فمن أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم # عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني ~~جبرئيل عليه السلام فقال يا محمد إن الله بعثني فطفت شرق الأرض وغربها ~~وسهلها وجبلها فلم أجد حيا خيرا من العرب ثم ms151 أمرني فطفت في العرب فلم أجد ~~حيا خيرا من مضر ثم أمرني فطفت في مضر فلم أجد حيا خيرا من كنانة ثم أمرني ~~فطفت في كنانة فلم أجد حيا خيرا من قريش ثم أمرني فطفت في قريش فلم أجد حيا ~~خيرا من بني هاشم ثم أمرني أن أختار من أنفسهم فلم أجد فيهم نفسا خيرا من ~~نفسك # إنما ذكر النفس لأن الأخلاق هي في النفس حسنها وسيئها فهذا يدل على ما ~~قلنا أنه إنما طاف في هذا الخلق يطلب النفوس الطاهرة الصافية الزاكية ~~بمحاسن الأخلاق فمن أجل ذلك اختارهم فلم ينظر إلى أعمالهم فإنهم كانوا أهل ~~جاهلية إنما نظر إلى أخلاقهم فوجد الخير في هؤلاء وجواهر النفوس متفاوتة ~~بعيدة التفاوت وذلك أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام من قبضة # عن قسامة بن زهير عن الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم ~~على قدر الأرض جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض ومن ذلك السهل والحزن ~~والخبيث والطيب فالتربة الطيبة نفوسها سهلة PageV01P332 كريمة وليست فيها ~~كزازة ولا يبوسة ولا شعوثة فهم أحرار كرام ولدتهم أمهاتهم من رق النفوس ~~وشهواتها والآخرون كانت الحزونة في تربتهم فجاءت الكزازة والشعوثة والصعوبة ~~ولدتهم أمهاتهم عبيدا قد ملكهم رق نفوسهم بشهواتها وهو قول عيسى عليه ~~السلام فيما يعظ به بني إسرائيل فقال لا عبيد أتقياء ولا أحرار كرماء # معناه لستم من العبيد الذين يجاهدون أنفسهم ويتقون الله و لا من الأحرار ~~الذين نجوا من رق النفوس فساروا إلى الله تعالى سير الكرام بلا تعريج ولا ~~تردد والبخل والضيق والحدة والعجلة والحقد والحرص وما أشبهه من كزازة النفس ~~والجود والسماحة والسعة واللين والتؤدة والتأني والرفق من سهولة النفس ~~وطيبها فنفوس العرب بارزة أخلاقها لا ينكرها إلا معاند ولا يجحدها إلا مارد ~~إنها أخلاق الكرام فبهذا فضلوا لا باللسان العربي والله تعالى يحب معالي ~~الأخلاق ويبغض مدانيها # و مما يحقق ms152 ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم بدر أنه ~~سمع رجلا يقول بعد ما انصرفوا من بدر إنما قتلنا عجائز صلعا فأنكر ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم مه أولئك الملأ من قريش ~~لو نظرت إلى فعالهم لاحتقرت فعالك عند فعالهم لولا أن تطغى قريش لأخبرتها ~~بما لها عند الله تعالى اللهم إنك أذقت أول قريش نكالا فأذق آخرها نوالا # فالعرب بالأخلاق شرفوا وإلا فالشجرة واحدة وهو خليل الرحمن PageV01P333 ~~عليه السلام ومما يدلك على ذلك دعوات إبراهيم عليه السلام حيث رفع القواعد ~~من البيت وأتم بناءه فقال ^ ربنا و اجعلنا مسلمين لك ^ ثم قال ^ و من ~~ذريتنا أمة مسلمة لك ^ فإنما سأل من ذرية إسماعيل عليه السلام خاصة ألا يرى ~~أنه قال على أثر ذلك @QB@ ربنا وابعث فيهم رسولا منهم @QE@ يعني محمدا صلى ~~الله عليه وسلم # فالإسلام هو تسليم النفس وبذلها والجود بها ومن جاد بنفسه على الله تعالى ~~فلا أحد أحسن خلقا منه ولا أكرم منه فليس الشأن في الجود بالمال إنما الشأن ~~في الجود بالنفس حتى يسلمه إلى خالقه فجرت هذه الدعوة في ولد إسماعيل عليه ~~السلام خاصة أن صيرهم أمة مسلمة له فوهب لهم أخلاق الكرام حتى تكرمت نفوسهم ~~على الله تعالى بذلا حين جاءهم الرسول عليه السلام ومن قبل مجيء الرسول صلى ~~الله عليه وسلم كانت تلك الأخلاق ظاهرة فيهم فلما جاءهم الرسول عليه السلام ~~وجدهم مهذبين كراما فصاروا صديقين وأبرارا وأتقياء وحكماء وعلماء بالله ~~تعالى باذلين مهجهم وأموالهم لله تعالى والسيوف على عواتقهم والحجر على ~~بطونهم من الجوع وينصرون الله ورسوله # وبنو إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام ^ إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا ~~قاعدون ^ وقيل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم @QB@ إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل @QE@ PageV01P334 # فصار قولهم هنا كقول أبيهم حيث ألقي في النار حسبي من سؤالي علمه بحالي ~~فهل يمكن أن يقول هذا إلا ms153 من حسن خلقه فجاد بنفسه على الله تعالى وإنما قال ~~هذا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم أحد بعد ما انهزموا وأصابتهم جراحات ~~وقتل من قتل منهم وانصرف عسكر المشركين فنزلوا مكانا وتآمروا فيما بينهم أن ~~يجمعوا جمعا فيكروا عليهم ودسوا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هذا الخبر ليفزعوهم فانتدب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه رضوان ~~الله عليهم أجمعين و فيهم من الجراحات غير قليلة يمضون إلى جمعهم وفيهم ~~مشاة حتى أن الرجل ليغشى عليه في الطريق من كثرة ما يسيل من الدم من جراحته ~~فيحمله صاحبه يسيرون بمثل هذا الحالة إلى العدو ^ و قالوا حسبنا الله و نعم ~~الوكيل ^ فوجدوا العدو تفرقوا وذهبوا قال الله تعالى @QB@ فانقلبوا بنعمة ~~من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله @QE@ ولم يقل رضاء الله فان ~~الرضوان أكثر من الرضا وهو غاية الرضاء # فنهاية العرب إلى إسماعيل عليه السلام والشجرة واحدة و هو إبراهيم خليل ~~الله عليه السلام ولسانه عبراني وأنهما غصنان لهذه الشجرة إسماعيل واسحاق ~~عليهما السلام فاسماعيل عربي اللسان وإسحاق عبراني اللسان فاسماعيل أب ~~العرب واسحاق أب العبرانيين وهم بنو إسرائيل نسبوا إلى يعقوب عليه السلام ~~إسرائيل الله تعالى ابن إسحاق بن إبراهيم ولكل واحد من الغصنين حظ من الله ~~تعالى ونصيب وفضيلة وكرامة وموهبة فصارت وراثة في أولادهما إلى الأبد فظهر ~~في ولد إسحاق من تلك الموهبة والكرامة الجهد والعبادة وظهر في ولد ~~PageV01P335 إسماعيل حسن الخلق والسماحة والشجاعة والموهبة إنما تكون على ~~قدر الحظ والجاه له عنده على قدر ذلك فنظرنا إلى موهبه كل واحد منهما و من ~~أي خزانة أعطي لنستدل به على حظيهما منه فوجدنا الجهد والعبادة من خزائن ~~الحكمة والأخلاق من خزائن المنة فنظرنا إلى الحكمة والمنة من أين بدت كل ~~واحدة منهما فوجدنا الحكمة من العدل بدت والعدل من الربوبية والربوبية من ~~الملك والقدرة ووجدنا المنة أنها بدت من العطف والعطف من الفضل والفضل من ~~الجمال فمن الملك بدا ms154 الغضب فأسعرت فاستجرت النار واسودت من الغضب فهي ~~سوداء مظلمة مشحونة بغضبه ومن جماله بدت الرحمة وظهر الفضل والعطف حتى ~~اهتزت الجنان وتوردت واستنارت بنوره فهي بيضاء نورانية مشحونة برحمته وروحه ~~وإنما هي نظرة وجفوة فأهل الثواب سعدوا منه بنظرة واحدة وأهل العقاب شقوا ~~منه بجفوة واحدة ففهمنا بمبلغ ما علمنا من ظاهر ما عليهما وعلى أولادهما من ~~بعدهما ما بطن من حظيهما وموهبتيهما وإنما كثر ولد إسحق وظهروا في وقت موسى ~~عليه السلام حيث أنقذهم من ملكة فرعون وسخرته وجاء بالكتب من الله تعالى ~~وظهرت العبودة لله تعالى إلى وقت عيسى عليه السلام ثم صارت فترة فظهرت ~~منازلهم ودرجاتهم وجواهر نفوسهم بما عاملهم الله تعالى وما عاملوه وكثر ولد ~~إسماعيل وظهر شأنهم بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم و ظهرت سيرتهم في دينهم ~~وما عاملهم الله تعالى و ما عاملوه فتبين لنا بفعليهما شأن نفوسهم ومحلهم ~~من الله تعالى وحظوظهم # عن مكحول رضي الله عنه قال لما كثر بنو معد أغار منهم اربعون فارسا على ~~عسكر بني إسرائيل فيهم موسى و هارون عليهما السلام فملئوا أيديهم من ~~الغنيمة ورجعوا بغنيمتهم لم يستنقذ مما في أيديهم شيء فقالوا لموسى عليه ~~السلام أغار علينا بنو معد و هم قليل فكيف لو كانوا كثيرا وأنتم فينا فكيف ~~لو لم تكونوا فينا فادع الله PageV01P336 عليهم وكانت الأنبياء عليهم ~~السلام تفزع إلى الصلاة فصلى فقال اللهم إن بني معد أغاروا على قومي ففعلوا ~~وفعلوا وإن قومي أمروني أن أدعو عليهم فقيل له لا تدع عليهم فانهم عبادي ~~وانهم ينتهون إلى أداء أمري وإني أغفر لهم أول ما يستغفروني قال يا رب ~~اجعلهم من أمتي قال نبيهم منهم قال يا رب فاجعلني منهم قال استقدمت ~~واستأخروا # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث المعراج فلما ~~جاوزت موسى عليه السلام في السماء السادسة بكى موسى وقال يزعم بنو إسرائيل ~~أني أكرم ولد آدم على الله تعالى و هذا عبد أكرم على ms155 الله مني ولو كان وحده ~~هان ولكن الله تعالى قضى أن مع كل نبي تبعه من أمته ثم انطلق بي إلى السماء ~~السابعة فإذا إبراهيم عليه السلام ملزق ظهر ه بالبيت المعمور ومعه تبعه من ~~أمته فقال لي جبرئيل هذه منزلتك ومنزلة أمتك وهذا أبوك إبراهيم عليه السلام ~~فقال تعالى ^ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ~~معه والله ولي المؤمنين ^ # فألحق هذه الأمة بابراهيم عليه السلام وضمهم في الولاية جميعا ولم يدخل ~~فيه بنو إسرائيل وهم ولد إبراهيم أيضا فبين في هذا الحديث منزلتيهما ~~ودرجتيهما وانما أرى في السماء الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم على درجاتهم ~~وإبراهيم عليه السلام المقدم عليهم ووصف الله تعالى في تنزيله الكريم شأن ~~الأمتين فوجدنا شأن بني إسرائيل يجري على سبيل العدل وأساس الربوبية وشأن ~~في هذه الأمة يجري على سبيل الفضل والألوهية فظهرت في بني إسرائيل السياحة ~~والرهبانية وعليهم في شريعتهم الأغلال والآصاد PageV01P337 # وظهرت في هذه الأمة السماحة والصديقية والشجاعة والولاية وسيوف الله ~~تعالى في أيديهم يقتلون اباق عبيده ويردونهم لله تعالى للرق والعبودة وفك ~~عنهم الأغلال ووضع عنهم الآصاد فصاروا في حد الأمناء وجعلت شريعتهم أسمح ~~الشرائع وأوسعها فهم في عبودتهم في صورة الخدم وبنو إسرائيل في عبودتهم في ~~صورة عبيد الغلة ألا ترى أنه لما خاطبهم تعالى قال ^ يا بني إسرائيل اذكروا ~~نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياك فارهبون ^ كما يقول ~~الرجل لعبده أوف لي بهذه الغلة عند كل هلال أوف لك بالعتق في سنة كذا # ثم قال لهذه الأمة @QB@ يا أيها الذين آمنوا @QE@ فدعاهم بالكنية كنية ~~باطنها منة وظاهرها مدحة من عليهم في الباطن بالايمان ثم نسب ذلك إلى فعلهم ~~فقال آمنوا فمدحهم بذلك فبتلك الكنية دعاهم ودعا أولئك فنسبهم إلى أبيهم ~~فقال ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على ~~العالمين ) أي عالمي زمانكم ولكل زمان عالم # وقال لهذه الأمة @QB@ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم ~~@QE@ الآية ثم قال ms156 ^ و جاهدوا في الله حق جهاده ^ ثم قال @QB@ هو اجتباكم ~~@QE@ أي اختاركم ثم قال ^ و ما جعل عليكم في الدين من حرج ^ أي من ضيق @QB@ ~~ملة أبيكم إبراهيم @QE@ ثم قال @QB@ هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا @QE@ ~~أي من PageV01P338 قبل أن يخلقكم في اللوح المحفوظ سماكم هكذا ^ و تكونوا ~~شهداء على الناس ^ فهم شهداء الله تعالى للأنبياء عليهم السلام على الأمم ~~يوم القيامة ^ ليكون الرسول عليكم شهيدا ^ ^ و اعتصموا بالله هو مولاكم ~~فنعم المولى ونعم النصير ^ # فانظر إلى مخاطبة بني إسرائيل في أي صورة هي وانظر إلى مخاطبة هذه الأمة ~~في أي صورة هي يتبين لك أنهم في صورة عبيد الغلة وهذه الأمة في صورة عبيد ~~الخدمة وعبيد الخدمة أولى بالسيد من عبيد الغلة # فساحت بنو إسرائيل بأبدانهم إلى الجبال في مفاوز الدنيا عزلة بالأبدان من ~~الخلق كي يصدقوا الله تعالى في طلب ما عهد لهم ويوفوا بعهد الله عليهم # و ساحت أمة محمد صلى الله عليه وسلم بقلوبهم في مفاوز الملكوت إلى خالق ~~العرش عزلة بالقلوب عن همم النفوس كي يصدقوا الله في طلبه والوصول إليه # فإن الله تعالى دعا الخلق إليه فقال @QB@ استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي ~~يوم لا مرد له من الله @QE@ # و قال تعالى يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذ دعاكم لما يحييكم ~~) # و قال الله تعالى فيما حكى عنه النبي صلى الله عليه وسلم إلي إلي يأهل ~~الموت PageV01P339 الموت والفناء لا إلى غيري فإني قد قضيت بالرحمة على ~~نفسي وأوجبت المغفرة لمن استغفرني فأنا العفو أعفو عن صغير الذنوب وكبيرها ~~ولا أبالي # فلما أبطأت النفوس في الإجابة قال @QB@ والله يدعو إلى دار السلام @QE@ # فأهل الالتفات إلى الثواب والعقاب في الحياء من الفرق إلى القدم بين يديه ~~غدا لأن نفوسهم لم تسمح بالعبودة لربها إلا باسترواح إلى الثواب وهرب من ~~العذاب فهذه عبودة برشوة وعربون وليست عبودة الأنبياء ولا الصديقين ولا ~~الأولياء عليهم السلام فجعل حظوظ بني إسرائيل على قلوبهم في دار الدنيا ~~حقوقه ms157 وعهده وفي الآخرة جنانه ثوابا لرعاية حقوقه والوفاء بعهده وحظوظ هذه ~~الأمة على قلوبهم في دار الدنيا جلاله وعظمته وسلطانه ومعرفة آلائه وفضله ~~ورحمته و في الآخرة قربه ورفع الحجاب فيما بينه وبينهم وقدمهم في الدنيا ~~خروجا وأخرنا وقدمنا في الجنة دخولا وأخرهم # و روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الجنة محرمة على الأنبياء ~~حتى أدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتي # فبهذه الأمة فتح العبودة يوم الميثاق وبهذه الأمة يختم العبودة يوم تصرم ~~الدنيا وبهذه الأمة يفتح باب الرحمة فيدخلون داره # ثم ظهرت من معاملة بني إسرائيل ربهم ومن معاملة هذه الأمة ربها ما دلت ~~على نفوسهم وأخلاقهم ومحلهم من المكارم التي أعطيتا والمواهب فكانت مكرمة ~~إسماعيل عليه السلام بيت الله الذي خلقه قبل PageV01P340 السموات والأرض ~~فكانت زبدة بيضاء إذ عرشه على الماء مبوء الذكر هناك وخلق ملكين يسبحانه ~~ويقدسانه على الزبدة فأبيضت فهناك مظهره ومعلمه ومبوء ذكره وموضع تقديسه ~~ولا سماء ولا أرض ولا خلق فولاه الله تعالى رفع قواعد بيته مع أبيه دون ~~إسحاق عليهم السلام وجعل حجابته بيد ولده فهم يحجبون ويأتون وانبط زمزم ~~سقيا له ولولده من بعده ولجميع من أم البيت معظما وساق إليه عينا من عيون ~~الجنة ففتح فيه ينبوعا وجعله مهبط رحمته في كل يوم ومنه تنتشر على أهل ~~الدنيا فيختص منها أهلها بمائة رحمة وعشرين لأهل الدنيا # و مكرمة إسحاق عليه السلام الصخرة التي إليها يجمع الخلق و يحاسبهم وهي ~~صخرة من الجنة عليها الأرضون السبعة وهي رأس تلك الصخرة وأما المعاملة فإنه ~~لما جاءت المحنتان من الله تعالى لهما في وقتيهما برز ما في نفوسهم وبرز ما ~~لهم من الحظ في الغيب عنده بالمحنة فإن السيد إذا كان له عبيد فإنما يتبين ~~له حظوظ العبيد منه بمعاملته إياهم ويتبين جواهر نفوسهم بمعاملتهم إياه # و إنما كثر ولد إسحاق عليه السلام في زمن يوسف عليه السلام بمصر بعد ما ~~حاز الله تعالى ليوسف عليه السلام مدائن مصر وأسكنه ms158 إياها وجعل بيده ~~خزائنها ودخلها إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام في ستة وسبعين نفسا من ولده ~~وولد ولده ونسلهم فأنمى الله تعالى عددهم وبارك في ذريته حتى خرجوا إلى ~~البحر يوم غرق فرعون وهم ستمائة ألف من المقاتلة سوى الشيوخ والذرية ~~والنساء و جاوز عددهم ألف ألف فقال الله تعالى فيما يحكى عنهم ^ و لقد ~~جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم ~~لن يبعث الله من بعده رسولا ^ PageV01P341 # فهذا قولهم بعد أن صيرهم ملوك مصر وأربابهم فغير الله تعالى ما بهم ~~فصاروا سخرة لآل فرعون يخدمونهم خدمة العبيد والإماء ومن عجز عن الخدمة ~~لسنه وضع عليه الغلة فاستودى مساء كل يوم فإن أعطى وإلا غلت يمينه ويقتلون ~~أبناءهم مخافة رؤيا فرعون أنه يولد منهم مولود يكون هلاك ملكه على يديه ~~فبعث الله عز و جل موسى عليه السلام ورحمهم به فقال في تنزيله الكريم ^ و ~~نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ^ # الآية فجعل فيهم الأنبياء وبث فيهم الكتب وجعلهم أهل عبادة وجهد وميثاق ~~وعهد وأنقذ الله بني إسرائيل من ملكة فرعون وعذابه وسخرته بمبعث موسى عليه ~~السلام وغرق فرعون وجعل لهم في البحر طريقا يبسا فلما جاوزوه قالوا يا موسى ~~إن قلوبنا لا تطمئن ان فرعون غرق حتى أمر الله تعالى البحر فلفظه فنظروا ~~إليه فلما اطمأنوا وصاروا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه ~~وغرقوا في النعمة رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم فقالوا يا موسى إجعل لنا ~~إلها كما لهم آلهة حتى زجرهم موسى عليه السلام وقال @QB@ أغير الله أبغيكم ~~إلها وهو فضلكم على العالمين @QE@ أي عالمي زمانهم # ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة التي كانت مساكن آبائهم ويتطهروا ~~من أرض فرعون وكانت الأرض المقدسة في أيدي الجبابرة قد غلبوا عليها فقالوا ~~له أتريد أن تجعلنا لحمة للجبارين لو تركتنا في يدي فرعون كان خيرا لنا قال ~~@QB@ يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة ms159 @QE@ الآية ^ قالوا يا موسى إنا لن ~~ندخلها أبدا ما داموا PageV01P342 فيها فاذهب أنت وربك ) الآية حتى دعا ~~عليهم وسماهم فاسقين فبقوا في التيه أربعين سنة عقوبة # ثم رحمهم فمن عليهم بالمن والسلوى وبالغمام يظللهم وبالحجر ينفجر منه ~~اثنتي عشرة عينا إذا ضربه بعصاه فقالوا لو أن موسى انكسر عصاه لمتنا عطشا ~~فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام إذا كان وقت الماء فكلم الحجر ولا ~~تضربه بالعصى حتى ينفجر منه الماء من العيون بكلمتك ثم سار موسى عليه ~~السلام إلى طور سيناء ليجيئهم بالتوراة فاتخذوا العجل فقال لهم السامري هذا ~~إلهكم واله موسى فاطمأنوا إلى قوله ونهاهم هارون عليه السلام فقال @QB@ يا ~~قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح ~~عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى @QE@ # فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك العجل إلا إثني عشر ألفا فيما روي في ~~الخبر وتهافت في عبادته سائرهم وهم أكثر من ألفي ألف فلما رجع موسى ألقى ~~الألواح فرفع من التوراة ستة أجزاء وبقي جزء واحد وهو من مائة حبا للعجل ~~فظهرت على شفاههم صفرة وورمت بطونهم فتابوا فلم تقبل توبتهم دون أن يقتلوا ~~أنفسهم فذلك قوله تعالى @QB@ فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم @QE@ # فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم على بعض من لدن طلوع الشمس إلى ارتفاع ~~الضحى لا يسأل والد عن ولد ولا ولد عن والد ولا أخ عن أخيه كل من استقبله ~~ضربه بسيفه وضربه الآخر بمثله حتى عج موسى PageV01P343 عليه السلام إلى ~~الله تعالى صارخا يا رباه قد فنيت بنو إسرائيل فرحمهم الله تعالى فقبل توبة ~~من بقي وجعل من قتل في الشهداء # ثم قالوا ^ يا موسى أرنا الله جهرة ^ فجاءت صاعقة فأحرقت من جمعهم أربعين ~~ألفا فيما جاء في الخبر ثم عرض عليه ما في التوراة ليقبلوها فأبو وقالوا لا ~~نطيق هذا فنتق الله عليهم الجبل ونودوا منها ^ خذوا ما آتيناكم بقوة وإلا ~~رميناكم بالجبل فسجدوا على حروف وجوههم ينظرون إلى الجبل ويقولون قبلنا ~~قبلنا ms160 ثم قيل لهم قد وصلتم إلى بيت المقدس ^ وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ~~^ أي حط عنا بمنزلة قوله استغفر الله # جاء في الخبر أنهم أمروا أن يدخلوا الباب سجدا على ركبهم فعلم الله تعالى ~~منهم ضيق أخلاقهم وأنهم لن يدخلوها سجدا فلما صاروا إلى الباب طوطىء لهم ~~الباب حتى لم يمكنهم أن يدخلوها قياما فكزت نفوسهم والتوت وانكشف سوء ~~أخلاقهم فاستلقوا على ظهورهم زحفا على الإستاه وهم يقولون حنطة حنطة هطى ~~سمقائا سخرية واستخفافا بما أعطوا قال الله تعالى ^ فبدل الذين ظلموا قولا ~~غير الذي قيل لهم ^ الآية # و كان موسى عليه السلام شديد الحياء ستيرا فقالوا انه آدر فلما اغتسل وضع ~~على الحجر ثوبه فعدى الحجر بثوبه إلى مجالس بني اسرائيل وموسى على أثره ~~عريان وهو يقول يا حجر ثوبي فذلك قوله PageV01P344 تعالى ^ ولا تكونوا ~~كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ^ # ثم لما مات هارون قالوا له أنت قتلت هارون و حسدته حتى نزلت الملائكة ~~بسريره وهارون ميت عليه ثم سالوه أن يكون ما نقدم من أموالنا نعلم تقبلها ~~فجعلت نار تجيء من السماء فتقبل قربانهم # ثم سألوه أن يبين لنا كفارات ذنوبنا في الدنيا فكان من أذنب ذنبا أصبح ~~وعلى بابه مكتوب عملت كذا وكفارته قطع عضو من أعضائك يسميه له ومن أصابه ~~بول لم يطهر حتى يقرضه ويزيل جلدته من بدنه # ثم بدلوا التوراة من بعده وافتروا على الله وكتبوا بأيديهم ليشتروا به من ~~الدنيا عرضا ثم صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبيائهم عليهم السلام فهذه ~~معاملتهم مع الله تعالى وسيرتهم في دينهم قد انكشف لنا عن جواهرهم وأخلاقهم ~~وحظوظهم عن ربهم بما أنزل الله علينا من أخبارهم ولمن كان له فهم # و أما ولد إسماعيل عليه السلام فجعل فيهم السخاء هم أولو الأخلاق السنية ~~والمكارم ومنحهم من خزائنه تلك الأخلاق الطاهرة التي عيش أهلها عيش أهل ~~الجنان فإن صاحب الأخلاق قلبه في راحة لأن نفسه طيبة كريمة وصاحب الضيق ~~قلبه معذب لأن نفسه شكسة كزة ms161 يابسة فقيرة هذا من قبل أن تأتيهم الهداية ~~فلما جاءتهم الهداية من الله تعالى ورد على قلوب بني إسرائيل نور التوحيد ~~وروحه وتركوا مع مجاهدة نفس كزة يابسة ضيقة وورد على قلوب هذه الأمة نور ~~التوحيد وروحه و نور اليقين وروحه فقلوب بني إسرائيل مؤيدة بالتوحيد معذبة ~~بكزازة النفس وضيقها وقلوب هذه الأمة مؤيدة بالتوحيد مستريحة بنور ~~PageV01P345 اليقين وهو قوله تعالى @QB@ قل إن هدى الله هو الهدى @QE@ @QB@ ~~قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم @QE@ @QB@ قل إن الفضل بيد ~~الله يؤتيه من يشاء @QE@ ^ وكانوا أحق بها و أهلها ^ @QB@ يختص برحمته من ~~يشاء @QE@ # و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطيت أمة من اليقين مثل ما أعطيت ~~أمتي ومثل من أعطي اليقين ومن حرم ذلك كمثل شجرة لها غصنان والسقيا واحد ~~فلما جرى الماء إلى أحد الغصنين تحول طيبا بإذن الله تعالى وجرى في الغصن ~~الآخر فتحول ثمارا فمن الثمار حلو وحامض ومدخول وعفن و مر فمنه ما ينتفع به ~~و منه ما ينفى فيرمى به والطيب يطيب به كل شيء من المأكول والمشروب ~~والملبوس والمركوب والمنكوح # فهذه الأمة نفوسها طيبة أيدت بروح اليقين فخرجت الأعمال طيبة فيها ~~الهناءة والمراءة يهنأ بها الحق ويستمرىء بها # فولد إسماعيل عليه السلام لم يزالوا مذكورين بالسماحة والأخلاق السنية ~~يطعمون الطعام ويفكون العاني ويكفلون الأيتام ويرعون الذمام وهم في شركهم ~~ولم يسلط عليهم أحد فيسبيهم ويستخسرهم ولا صاروا ملكا لأحد من الفراعنة حتى ~~أكرمهم الله تعالى ببعث محمد صلى الله عليه وسلم وصاغ محمدا صلى الله عليه ~~وسلم صياغة برز على الأنبياء والرسل فصار PageV01P346 سيدا لجميع ولد آدم ~~عليه السلام وأنزل عليه كتابا مهيمنا على الكتب أجمل فيه التوراة والإنجيل ~~واختصر له الكلم وزاده المفصل وفاتحة الكتاب وآية الكرسي وخاتمة سورة ~~البقرة من كنزه الذي ادخره لهذه الأمة ووصفهم في التوراة بمحاسنهم لبني ~~إسرائيل من قبل أن يخلقهم بآلاف من السنين ولعيسى عليه السلام ولقومه في ~~الإنجيل حتى روي في ms162 الحديث أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يسمون في ~~التوراة صفوة الرحمن وفي الإنجيل حكماء علماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه ~~أنبياء # و قال عز و جل في القرآن الكريم @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا @QE@ الآية تصديقا لما في التوراة صفوة الرحمن وقال @QB@ كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس @QE@ وقال عز و جل @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ أي ~~عدلا ^ لتكونا شهداء على الناس ^ # أي شهداء للرسل بالبلاغ عندما تجحد الأمم تبليغ الرسل عليهم السلام ~~رسالات الله تعالى فتشهد هذه الأمة لنوح عليه السلام فمن دونه رسولا رسولا ~~أنهم أدوا الرسالة فيحكم الله تعالى بشهادتهم على سائر الأمم ويتخلص الرسل ~~عليهم السلام من أمانة الرسالة وذلك بعد ما يعدلهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~فذلك قوله تعالى @QB@ لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ~~@QE@ # فتكون شهادة أمة محمد صلى الله عليه وسلم يومئذ مقبولة على جميع الأمم ~~PageV01P347 لجميع الأنبياء عليهم السلام ثم أعطاهم سيفه ليقتلوا به أعداءه ~~ولا يقتل أعداءه إلا أولياؤه ثم قال @QB@ والله ولي المؤمنين @QE@ # فهم أولياء الله والله تعالى وليهم وهم أهل حميته وأنصاره فدعوا إلى ~~الحرب فوضعوا السيوف على عواتقهم وربطوا الحجر على بطونهم من الجوع والخرق ~~على ظهورهم من العري وقد هجروا أوطانهم ومقرهم وحرم الله تعالى عداوة في ~~الله لأهل الشرك وخرجوا من ديارهم وأموالهم ونابذوا أرحامهم في الله حتى ~~كان الرجل يقتل أباه وأخاه فكان أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ممن قتل ~~أباه فأنزل الله تعالى @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ~~@QE@ # ثم أثنى عليهم فقال @QB@ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ~~@QE@ الآية # و قالوا عندما استشارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر ~~الحرب مرنا بما شئت وسر بنا حيث شئت فلو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا موضع ~~بعيد ذكروه فوالله لا نقول لك كما قالت بنو ms163 إسرائيل @QB@ فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا @QE@ الآية # وافتتح خيبر وغنم الغنائم فقسم في المهاجرين ولم يقسم في الأنصار لإنهم ~~في أموالهم والمهاجرون خلفوا أموالهم بمكة وكانوا فقراء PageV01P348 فسمحت ~~الأنصار بذلك وكانوا حين قدموا المدينة ناصفوهم الأموال وواسوهم بالكثير ~~حتى كان الرجل يطلق إحدى امرأتيه ليتزوجها أخوه المهاجر # هذا كله لحب الله تعالى وحب طاعته وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنظر أي قلوب هذه وأي شيء في هذه القلوب من منن الله تعالى من خزائن فضله ~~وانظر أي نفوس هذه شيمها وأنظر أي أخلاق لهذه النفوس اللهم إنا نتقرب إليك ~~بحبهم فإنهم أحبوك ولم يحبوك حتى أحببتهم فبحبك إياهم وصلوا إلى حبك ونحن ~~لم نصل إلى حبهم فيك إلا بحظنا منك فتمم لنا ذلك حتى نلقاك به يا أرحم ~~الراحمين و أثنى الله تعالى على الأنصار رضوان الله عليهم أجمعين ومدح ~~سرائرهم فقال عز وجل @QB@ يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ~~مما أوتوا @QE@ # أي لا يجدون ضيقا ولا بخلا ولا نفاسة فما أوتي المهاجرين من غنيمة خيبر ~~ولم يؤت الأنصار ^ و يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ^ # يخبر أنه كان بالأنصار فقر وحاجة إلى تلك الغنائم فآثروا المهاجرين على ~~أنفسهم ثم أخبر أن هذا من منة الله تعالى على الأنصار أن أمات منهم الحرص ~~وهو الشح فقال عز من قائل ^ و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ^ # و إنما أمات منهم الحرص بما أعطاهم من اليقين وما يصنع من احتشى قلبه ~~بنور الله تعالى ويرى قربة الله منه بظلمات الدنيا و حطامها ولهوها وسار ~~بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فتح مكة وهو وطنهم و أرضهم ~~PageV01P349 المقدسة كما سار بها موسى عليه السلام فما تلكأ منهم شاب ولا ~~شيخ حتى فتح الله عليهم من غير أن يمسهم سوء ثم قبض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فابتعث الله تعالى لهذا الدين أئمة صديقين خلفاء الأنبياء عليهم ~~السلام وأوتاد الحق يقومون بالحق وبه يعدلون ms164 فتفاوت الأمران والشأنان شأن ~~بني إسرائيل وشأن هذه الأمة # عن سالم بن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال بينما رجلان جالسان إذ قال ~~أحدهما لقد رأيت البارحة كل نبي في الأرض وقال آلاخر هات قال رأيت كل نبي ~~معه أربعة مصابيح مصباح من بين يديه ومصباح من خلفه ومصباح عن يمينه ومصباح ~~عن يساره ومع كل صاحب له مصباح ثم رأيت رجلا قام أضاءت له الأرض وكل شعرة ~~في رأسه مصباح ومع كل صاحب له أربعة مصابيح مصباح من بين يديه ومصباح من ~~خلفه ومصباح عن يمينه و مصباح عن يساره فقلت من هذا قالوا محمد بن عبدالله # قال كعب رضي الله عنه ما هذا الحديث الذي تحدث به قال رؤيا رأيتها ~~البارحة قال والذي بعث محمدا بالحق انها في كتاب الله كما رأيت # فبرز ولد إسماعيل عليه السلام وهم العرب بما منحهم الله تعالى من أخلاقه # و جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ان لله مائة وسبعة عشر ~~خلقا من أتى بواحدة منها دخل الجنة PageV01P350 وروي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال الأخلاق في الخزائن فاذا أراد الله بعبد خيرا منحه خلقا # ألا يرى أن الرجل المفرط في دينه المضيع لحقوقه يموت وقد كان صاحب خلق من ~~هذه الأخلاق فتنطلق ألسنة العامة بالثناء عليه والمؤمنون شهداء الله في ~~الأرض كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # عن أنس رضي الله عنه قال مات رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأثنى عليه خير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت ثم مات آخر فأثني ~~عليه شر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت فقيل له يا رسول الله قلت ~~لذلك وجبت وقلت لهذا وجبت قال إنكم شهداء الله في الأرض ثم تلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ^ و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا # إذا مات صاحب التخليط ms165 انطلق ألسنة المؤمنين بالثناء عليه فيقال كان سخي ~~النفس فيقبل الله شهادتهم عليهم ويدخله الجنة بسخاوته ويموت أحدهم فيقال ~~كان لينا ويقال كان رحيما ويقال كان حسن الخلق ويقال كان حليما ويقال كان ~~رزينا وكان عطوفا أو برا أو متوددا وكان مواتيا منبسطا كان سهلا كريما كان ~~عفوا حمولا كان عفيفا كان شكورا كان شجاعا صارما # فهذه أخلاق الله تعالى أكثرها مما تسمى به والذي لم يتسم به فهو داخل ~~فيما تسمى به لأن اللين والرزانة من الحلم والرحمة والعفاف من النزاهة ~~والطهارة # فمن منحه الله تعالى واحدة من هذه الأخلاق يعطيه نور ذلك الآسم ~~PageV01P351 الذي تسمى به ربنا عز وجل فيشرق نوره على قلبه وفي صدره فيصير ~~لنفسه بذلك الخلق بصيرة فيعتادها ويتخلق بها فحقيق عليه إذا أكرمه بذلك أن ~~يهب لها مساويه ويستره بمغفرته ويدخله الجنة فإنه ما أعطاه ذلك حتى أوجب له ~~ذلك في غيبه # يحقق ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال بينما رجل لم ~~يعمل خيرا قط فرفع غصن شوكة من الطريق وقال لعل مارا يمر به فيؤذيه فغفر ~~الله له وإنما غفر له بالرحمة التي في قلبه وبالعطف الذي عطف على خلقه # و جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال بينما رجل حوسب فلم توجد له حسنة ~~فقال الله تعالى اذكر شيئا كنت تفعله في الدنيا قال العبد لا أذكر شيئا إلا ~~أني كنت أسامح الناس وآمر غلماني أن يسامحوهم في اقتضاء مالي منهم فيقول ~~الله تعالى فأنا أحق اليوم أن أسامحك # و روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يحب كل عبد طلق سهل ~~لين هين و حرمه على النار # و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ~~ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء PageV01P352 # و قال الجنة دار الأسخياء وما جبل الله قط وليا له إلا على السخاء ولجاهل ~~سخي أحب إلى الله تعالى من عابد ms166 بخيل # وقال صلى الله عليه وسلم حسن الخلق ذهب بخير الدارين ويدرك به الرجل درجة ~~الصائم القائم # فهذه أخلاق العرب منحها الله تعالى إياهم وطهرهم بالتوحيد وطيبهم باليقين ~~فعبدوا الله كأنهم يرونه فشرع الله تعالى لهم أوسع الشرائع وأسمحها وستر ~~عليهم ذنوبهم وجعل خروجهم منها بالندم والاستغفار وقال لبني إسرائيل عاقبوا ~~أبدانكم بذنوبكم فاقطعوا منها كذا وتجدونه مكتوبا على أبوابكم وقال لنا ~~توبوا إلى الله أي ارجعوا إلي بقلوبكم فيما بيني وبينكم وقال لهم قولوا حطة ~~أي حط عنا وقال لنا قولوا اغفر لنا # فجوهر هذا الكلام غير ذلك وإنما صار هذا هكذا لأن كلام كل قوم عند ربهم ~~على ما هم عليه فبنو إسرائيل لم يكن عندهم من اليقين ما عند هذه الأمة فلما ~~أذنبوا قيل لهم قولوا حطة وهذه الأمة بفضل يقينها استحيت من الله تعالى من ~~الذنب الذي يعمله وكأنه رأى نفسه خارجا من ستر الله عريانا فأعطى الكلمة ~~التي تكون دواء لما حل به فقيل له قل إغفر فمن استحيا من ذنبه ورأى نفسه ~~عاريا بين يدي الله تعالى قيل له قل اغفر ومن عجز عن رؤية هذا قيل له قل ~~حطة وصارت صدقاتهم عودا بها على فقرائهم فطابت نفوسهم بما رأوا على فقرائهم ~~من فضلهم وسكنت قلوبهم على الصدقات أنها تصير إلى الله PageV01P353 تعالى ~~قال الله تعالى @QB@ أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات @QE@ # و قال عليه السلام إن الصدقة لتقع في يد الله من قبل أن يأخذها السائل # فرزقهم الله تعالى من اليقين ما إذا قبل لهم الشيء سكنت قلوبهم فكان ~~أحدهم يمشي بصدقته إلى السائل لا يكلها إلى غيره ويقبلها من قبل أن يضعها ~~في يده ليقينهم بمن يأخذها منهم # وقيل إن قلوب هذه الأمة تأوي إلى ذكر الله كما تحن الحمامة إلى وكرها ~~ولهي أسرع إلى الذكر من ظمأ الإبل يوم وردها إلى الماء وأمرت بنو إسرائيل ~~أن يضعوا في أرديتهم خيوطا خضرا كي إذا نظروا إليها ذكروا السماء فاذا ms167 ~~ذكروا السماء ذكروا العرش فيذكرون الله تعالى ويوم الوفادة حيث اختار موسى ~~عليه السلام سبعين رجلا لميقات الله تعالى فلما صاروا إلى الجبل أعطاهم ~~الله تعالى ثلاث خصال فيما روي في الخبر فقال أعطيكم الحفظ لتقرؤها عن ~~قلوبكم فقالوا إنا نحب أن نقرأ التوراة نظرا فقال ذلك لأمة أحمد صلى الله ~~عليه وسلم قال وأعطيكم السكينة في قلوبكم فقالوا لا نقدر على حملها فاجعلها ~~لنا في تابوت فكلمنا منها إذا احتجنا قال فذلك لأمة أحمد قال وأعطيكم أن ~~تصلوا من الأرض حيث أدركتم قالوا لا نحب أن يكون ذلك إلا في كنائسنا قال ~~فذلك لأمة أحمد فكان نوف البكائي إذا حدث بهذا الحديث قال احمدوا ربكم الذي ~~شهد غيبتكم وأخذ PageV01P354 بحظكم وجعل وفادة بني إسرائيل لكم فجعل الله ~~السكينة في قلوب المؤمنين وجعل لهم الأرض مسجدا وطهورا وقرن الحفظ بالعقول ~~منهم ليقرءوا عن قلوبهم # و قال صلى الله عليه وسلم أعطيت أمتي ثلاثا لم يعط أحد صفوف الصلاة وتحية ~~أهل الجنة وآمين الا ما أعطي موسى وهارون من قوله آمين وكان من قبلهم ~~يتفرقون في الصلاة وجوه بعضهم إلى بعض وقبلتهم إلى الصخرة وإذا لقيهم لقي ~~أحدهم أخاه انحنى له بدل السلام يخضع له وفيه مؤنة يريد بذلك أمانه فأعطينا ~~تحته أهل الجنة أن يقول أحدهم بلسانه فيؤمنه وجعل سيماء عبودتنا يوم ~~القيامة على وجوههم وأطرافهم غرا من السجود محجلين من الوضوء وقد سجدت ~~الأمم من قبلهم فلم يظهر على جباههم ولا على أطرافهم وتلك بشارة أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم في الموقف وبهم يعرفون وهم أهل الله وخاصنته قيل يا ~~رسول الله من أهل الجنة قال أهل القرآن وما زال موسى عليه السلام يقول يا ~~رب إني أجد في الألواح أمة لهم كذا ويعملون كذا فاجعلهم أمتي ويقول الله ~~تعالى هم أمة أحمد حتى قال فيما روي يا ليتني كنت معهم غبطة بهم # و في الخبر عن ابن عباس رضي الله عنه أن موسى عليه السلام اشتاق إلى ms168 ~~رؤيتهم فقال الله تعالى له بطور سيناء أتحب أن أسمعك أصواتهم فقال نعم يا ~~رب فنادى يا أمة أحمد فأجابوه من الأصلاب لبيك اللهم لبيك فقال أعطيتكم قبل ~~أن تسألوني وأجبتكم قبل أن تدعوني ورحمتكم قبل أن تعصوني وغفرت لكم قبل أن ~~تستغفروني من لقيني منكم يشهد ان لا إله إلا أنا وأن محمدا عبدي ~~PageV01P355 ورسولي أدخلته جنتي فذلك قوله تعالى ^ و ما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا ولكن رحمة من ربك ^ # يمن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أي لم تكن يا محمد بجانب الطور إذ ~~نادينا أمتك ولكن كانت مني رحمة عليهم قبل أن أخلقهم فالعرب رأس الأمة و ~~سابقها إلى المكارم قال الله تعالى @QB@ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث ~~فيهم رسولا من أنفسهم @QE@ و قال ^ و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ^ ~~وقال ^ وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون ^ أي شرف لك ولقومك حيث خاطبتهم ~~بالوحي وسوف تسئلون عن شكر هذا الشرف # و العجم وإن شاركوا العرب في مناقب هذه الأمة لكان السبق للعرب وتلك ~~الأخلاق غير موجودة في العجم إلا في الواحد بعد الواحد تخلقا لا طبعا ~~وبلغنا أن كنانة كان إذا لم يجد من يأكل معه وضع بين يديه حجرا فأكل لقمة ~~وألقى إليه لقمة أنفة أن يأكل وحده وكانت مائدة عبد المطلب موضوعة وكان ~~يرفع منها للطير والسباع في رؤوس الجبال وكان سوط أدبه معلقا حيث يراه ~~السفيه يؤدبهم بذلك # عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني دعوت ~~العرب فقلت اللهم من لقيك منهم مؤمنا موقنا مصدقا بلقائك فاغفر له أيام ~~حياته وهي دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ~~ومن أقرب الناس إلى لوائي يومئذ العرب PageV01P356 # و مما يحقق ما قلنا قول الله تعالى @QB@ هو الذي بعث في الأميين رسولا ~~منهم @QE@ الآية ثم قال @QB@ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم @QE@ ثم قال @QB@ ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء @QE@ # فهم الرأس ونحن ms169 منهم لا أنهم منا والفضل لهم بما منحهم الله تعالى من ~~الأخلاق لا بمجرد اللسان فمن لم يوجد فيهم بهذه الأخلاق فهو هجين والهجنة ~~ضائرة جدا حتى في الخيل فكيف في الآدميين وبلغنا أن سليمان بن داود عليه ~~السلام أرسل الخيل من صنعاء إلى تدمر فتقدم فرسان من الخيل فقال المسبوق ~~للسابق لولا هجنة في أدركتني من ثماني عشرة جدة ما سبقتني PageV01P357 # | - * الأصل الثامن والستون # - * # | في الأمر بالعقد بالأنامل في الذكر # - * # عن حميضة بنت ياسر عن جدتها يسيرة رضوان الله عليهن أخبرتها أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمرهن أن يراعين الشمس بالتسبيح والتقديس والتهليل وأن ~~يعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات ومستنطقات # و عن حميضة عن جدتها يسيرة رضي الله عنهما قالت دخل علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ونحن نسبح بالسبح فقال ألقين أو دعن عنكن و عليكن بالأنامل ~~فسبحن بها فإنهن مسئولات مستنطقات # مراعاة الشمس مراقبة وقت طلوعها وغروبها وهو قوله تعالى ^ و سبحوه بكرة ~~وأصيلا ^ # و التقديس هو التنزيه وهو التكبير والتهليل هو التوحيد والعقد بالأنامل ~~من أجل أنها تنطق وتشهد لصاحبها # أما المؤمن فتنطق عنه بخير و تصمت عن السوء سترا من الله تعالى ~~PageV01P358 عليه و أما الكافر فتنطق عنه بالسوء وتصمت عن محاسنه لأنه لغير ~~الله فهو هباء منثور # قال الله تعالى @QB@ شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم @QE@ # كنى بالجلود عن الفروج ^ و قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا رجعوا باللوم ~~على الفروج لأن الأمر فيه أشد والعار أكثر # ثم بين بقوله ^ أنطقنا الله ^ الآيات أنها تشهد على من لم يعرف الله # فأما المؤمن فهو يعلم أن الله تعالى مطلع عليه فيتوب ويستغفر وإنما يعامل ~~المشرك بمثل هذه الأشياء فإنه لا يعرف الله تعالى معرفة الموحدين بل معرفة ~~المشركين # و معرفة المشركين معرفة الفطرة فليس لأحد أن ينكره ومعرفة المؤمنين معرفة ~~التوحيد والتنزيه قال الله تعالى ^ و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ~~^ وقال عز من قائل ^ قل لمن الأرض و من فيها ^ الآيات إلى ms170 قوله ^ فأنى ~~تسحرون ^ سحرتهم أهواؤهم وانقلبت بهم عن الله تعالى منكوسين لم يمن الله ~~تعالى عليهم بنور التوحيد ^ و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور ^ ~~PageV01P359 # | - * الأصل التاسع والستون # - * # | في أن حق المؤمن على المؤمن ست خصال # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى ~~على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى يفرغ من أمرها فله قيراطان أحدهما أو ~~أصغرهما مثل أحد # فالقيراط سدس المثقال فيما نرى أنه كان عند القوم في ذلك الزمان وقد تغير ~~بناحيتنا في عصرنا # و جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن للمسلم على المسلم ست ~~خصال يجيبه إذا دعاه ويسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويصلي عليه إذا ~~مات وينصحه إذا استنصحه ويشمته إذا عطس PageV01P360 # فذكر القيراط يعلمك أنه إذا صلى عليه فقد قضى سدس حقه وأما القيراط الآخر ~~بدفنه أو انتظاره حتى يدفن فذاك من النصيحة له وهي إحدى الخصال الست ومن ~~النصيحة أن يكون في المشهد والمغيب على حالة واحدة PageV01P361 # | - * الأصل السبعون # - * # | في فضل الشهيد وكرامته على الله عز و جل # عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا جابر ما لي أراك منكسرا قلت يا رسول الله استشهد أبي وعليه دين ~~وترك عيالا ودينا قال صلى الله عليه وسلم أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك ~~قلت بلى يا رسول الله قال ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب وأنه أحيا ~~أباك فكلمه كفاحا فقال تعالى يا عبدي تمن علي أعطيك قال يا رب تحييني فأقتل ~~فيك قال الله تعالى سبق مني أنهم إليها لا يرجعون ونزلت ^ و لا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ^ كفاحا أي وجاها وهو ~~كقوله شفاها إلا أن الشفاه للمخلوقين # والكفاح له غير موصوف بالأدوات وفيه ما يدل على أن قوله PageV01P362 ^ و ~~ما ms171 كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ^ أن هذا في الدنيا # أما في الآخرة فلأهل الجنان الحظ من الكلام كفاحا لما بذل نفسه لله تعالى ~~ساعة فاز بهذه الدرجة فكيف بالصديقين الذين بذلوا نفوسهم عمرا وتمنيه أن ~~يحيى لأنه وجد لذة بذله لنفسه حين قتل وإنما بذل نفسا خاطئة قد تدنست ~~بالذنوب فأحب أن يبذلها ثانية طاهرة PageV01P363 # | - * الأصل الحادي السبعون # - * # | في بيان المنافاة بين اللعان والصديق # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يكون اللعانون شهداء ولا شفعاء # اللعان متعسف لأن اللعنة مستأصلة فإن أجيب إلى ذلك فقد أهلك وإن لم يجب ~~فقد عمل عمله من الافراط والتعسف فهو جائر والجائر لا شهادة له # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون اللعانون شهداء لما عندهم ~~من الأحنة والعداوة والجور ولا يكونون شفعاء لأن قلوبهم خالية من الرحمة # و روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يدخل الجنة والذي نفسي ~~بيده أحدكم حتى يرحم العامة كما يرحم أحدكم خويصته # عن عائشة رضي الله عنه قالت سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر ~~رضي الله عنه وهو يلعن بعض رقيقه فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال يا أبا بكر لعانين وصديقين كلا ورب الكعبة فأعتق أبو بكر يومئذ بعض ~~رقيقه وجاء إليه فقال لا أعود إليه يا رسول الله PageV01P364 # | - * الأصل الثاني والسبعون # - * # | في الذكر الخفي # عن حنظلة الأسيدي وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقيني ~~أبو بكر رضي الله عنه فقال كيف أنت يا حنظلة قلت نافق حنظلة يا أبا بكر قال ~~سبحان الله ما تقول قلت نافق حنظلة قال مم ذاك قلت نكون عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيذكرنا بالجنة والنار حتى كأنا رأي عين أو كأنا نراهما ~~فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ففزع أبو بكر فقال ~~والله ms172 إنا لنلقى مثل هذا فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كيف أنت يا ~~حنظلة قلت نافق حنظلة يا رسول الله قال مم ذاك قلت نكون عندك يا رسول الله ~~فتذكرنا بالجنة والنار حتى كأنا رأي عين حتى اذا خرجنا من عندك عافسنا ~~الأزواج والأولاد والضيعات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي ~~PageV01P365 نفسي بيده إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي في الذكر ~~لصافحتكم الملائكة على فرشكم وطرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة # الذكر المذهل للنفوس إنما يدوم ساعة ثم ينقطع ولولا ذاك لما انتفع بالعيش ~~والناس في الذكر على طبقات فمنهم من يدوم له ذكره في وقت الذكر ثم تعلوه ~~غفلة حتى يقع في التخليط وهو الظالم ومنهم من يدوم له ذكره في وقت الذكر ثم ~~تعلوه معرفته بسعة رحمة الله وحسن معاملته مع عباده فتطيب نفسه بذلك فيصل ~~إلى معاشه وهو المقتصد على سبل الاستقامة # وأما أهل اليقين وهم السابقون المقربون جاوزوا هذه الخطة ولهم درجات ~~فأولها الخشية يمنتع بها من جميع ما كره الله تعالى دق أو جل و الخشية من ~~القربة والعلم بالله فإذا علم لزمه خوف العظمة لا خوف العقاب وإذا كان ~~الخوف لازما للقلب غشاه بالمحبة فيكون بالخوف معتصما مما كره وبالخشية ~~وبالمحبة منبسطا في أموره إذ لو ترك مع الخوف لانقبض وعجز عن كثير من أموره ~~ولو ترك مع المحبة لا ستبد وتعدى لكنه لطف له فجعل الخوف بطانته والمحبة ~~ظهارته حتى يستقيم به قلبه ثم يرقيه إلى مرتبة أخرى وهي الهيبة والأنس ~~فالهيبة من جلاله والأنس من جماله فاذا نظر إلى جلا له هاب وانقبض ولو ترك ~~هكذا لصار عاجزا في جميع أموره كجنة بلا روح وإذا نظر إلى جماله امتلأ كل ~~عرق منه فرحا وسرورا ولذة و نعيما لامتلاء قلبه ولو ترك PageV01P366 هكذا ~~أداه إلى التعدي والافراط لكنه لطف له فجعل الهيبة شعاره والأنس ms173 دثاره حتى ~~يستقيم به قلبه فهو عبد ظاهره الأنس بالله تعالى و باطنه الهيبة من الله ~~تعالى ثم يرقيه إلى مرتبة أخرى وهي مرتبة الانفراد بالله قربه القربة ~~العظمى وأدناه و مكن له بين يديه ونقاه وفتح له الطريق إلى وحدانيته فهو ~~ناظر إلى فردانيته فأحياه الله تعالى به واستعمله فبه ينطق وبه يعقل وبه ~~يعلم وبه يعمل وقد جاوز مقام الهيبة والانس إلى مقام الأمناء ويصير سيد ~~الأولياء والعارفين وأمان أهل الأرض ومنظر أهل السماء وخاصة الله تعالى ~~وموضع نظره وموضع سره وهو سوط الله في خلقه يؤدب به عباده وبه يحيي القلوب ~~الميتة وبه يرحم أهل الأرض وبه يمطر ويرزق ويدفع عنهم البلاء مفتاح الهدى ~~وسراج الأرض وهو شفاء الأدواء وإمام الأطباء كلامه قيد القلوب ونظره شفاء ~~النفوس وإقباله قهر الأهواء فهو ربيع يزهر بنوره وخريف يجتنى ثماره وكهف ~~يلجأ إليه ومعدن يؤمل ما لديه وفصل بين الحق والباطل وهو الولي العارف ~~والصديق المقرب والفاروق المجتبى واحد الله في أرضه كما قال إبراهيم عليه ~~السلام اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض # وقد قال النبي عليه السلام يكون في هذه الأمة رجال قلوبهم على قلب ~~إبراهيم عليه السلام # وقوله ساعة وساعة أي ساعة للذكر وساعة للنفس فساعة الذكر تكون الجنة ~~والنار رأي عينه وساعة يقبل على المعاش ومرمته لأن القلب ربما عجز عن ~~احتمال ما يحل به فيحتاج إلى مزاج ألا ترى أن ما روى أنس رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما انتهيت إلى السدرة إذا ورقها مثل ~~آذان الفيلة وإذا نبقها أمثال القلال فلما غشيها من أمر الله تعالى ما ~~غشيها تحولت ياقوتا وفي رواية حال دونها فراش PageV01P367 من ذهب وفي رواية ~~رأيت النور الأعظم ولط دوني الحجاب رفرفنا الدر والياقوت فأوحى إلي ما شاء ~~أن يوحي # لما لم يعم بصره للنور عورض بالزبرجد والياقوت وفراش الذهب حتى يقوى ~~ويستقر كأنه شغل قلبه بهذا المزاج عما رأى حتى لا ms174 ينفر ويجد قرارا ويقدر ~~احتماله فكان هذا من تدبير الله تعالى للعبيد و كان أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يطلبون تلك الساعة حتى قال معاذ رضي الله عنه لرجل تعال ~~نؤمن ساعة فذكر ذلك الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم قول معاذ وقال يا ~~رسول الله أو ما نحن بمؤمنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دع عنك قول ~~معاذ فإن الله تعالى يباهي به الملائكة # ولهذه قال عبدالله بن رواحة لأبي الدرداء يا عويمر تعال نؤمن ساعة فللقلب ~~أسرع انقلابا من القدر حين تغلي وإنما الإيمان بمنزلة القميص بينما أنت ~~لبسته إذ أنت نزعته # و لهذا قال صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن # أي أنه إذا فعل ذلك فقد خلع القميص ووضعه ناحية وإذا تاب ورجع إليه ~~بالصدق كساه وألبسه ذلك القميص فكان هذا الإيمان عندهم استقرار ذلك النور ~~وإشراقه في صدورهم حتى تصير الآخرة وأمر الملكوت لهم معاينة فمنهم من هذا ~~النور له دائم فتدوم له معاينة أمور PageV01P368 الآخرة وأمر الملكوت وهو ~~مع ذلك يصاحب الأزواج و الأولاد ويرم المعاش وعددهم في كل زمان قليل قال ~~الله تعالى ^ و السابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من ~~الأولين ^ فالثلة الجماعة وهم الأنبياء عليهم السلام # و ختمت النبوة برسولنا صلى الله عليه وسلم @QB@ وقليل من الآخرين @QE@ ~~وهم الأولياء عددهم قليل في كل زمان # و قال عليه السلام في كل قرن من أمتي سابقون وهم البدلاء والصديقون بهم ~~يسقون وبهم يرزقون وبهم يدفع البلاء عن أهل الأرض PageV01P369 # | - * الأصل الثالث والسبعون # - * # | في خصال سألها سليمان عليه السلام # عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول لما فرغ سليمان عن بناء بيت المقدس سأل ربه حكما يصادف حكمه ~~وملكا لا ينبغي لأحد من بعده وأن لا يأتي أحد هذا البيت لا يريد إلا الصلاة ~~فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ms175 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أما اثنتان فقد أعطيهما وأما الثالثة فأرجو أن يكون قد أعطى # قوله حكما يصادف حكمه معناه أن يحكم بين عباد الله بما يصادف حكم الله ~~تعالى لأن أمور العباد في الغيب وإنما أمروا أن يعملوا بالظاهر عندهم ~~بالشاهد أو اليمين وربما كان شاهد زورا أو كان في يمينه كاذبا فليس على ~~الحاكم إلا الحكم بما يظهر عندهم ويكلهم فيما غاب عنهم إلى الله تعالى وأما ~~سؤاله ملكه لا ينبغي لأحد من بعده فإن أحباب الله و خاصته يتنافسون في ~~المنزلة عنده ويغار أحدهم أن يتقدمه PageV01P370 غيره من نظرائه قال عليه ~~السلام في حديث المعراج لقيت موسى عليه السلام في السماء السادسة فلما ~~جاوزته بكى وقال يزعم بنو إسرائيل أني أكرم ولد آدم على الله عز و جل و قد ~~جاوزني # فللأنبياء والأولياء عليهم السلام تنافس في محل القربة وحق لهم ذلك فسخر ~~الله له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب أي ليته مع قوتها وشدتها حتى لا ~~تضر بأحد وتحمله بعسكره و جنوده و موكبه و كان موكبه فيما روي فرسخا في ~~فرسخ مائة درجة بعضها فوق بعض في كل درجة صنف من الناس و هو في أعلى درجة ~~منه مع جواريه وحشمه و خدمه و كانت الريح تحمله بهذا الموكب فتهوي به في ~~الجو مسيرة شهر في غداة واحدة و مسيرة شهر في رواح واحد قال الله تعالى ~~@QB@ غدوها شهر ورواحها شهر @QE@ # و كانت الريح لا تدع كلمة يتكلم بها إلا ألقتها في إذنه وعلم منطق الطير ~~و مر بوادي ^ فقالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان ~~وجنوده وهم لا يشعرون ^ # فمرت به الريح فألقته في مسامعه وسخر له الجن قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخذت ليلة شيطانا فخنقته حتى وجدت برد لسانه ولهاته على يدي ~~فأردت أن أربطه على سارية في المسجد لتنظروا إليه إذا أصبحت PageV01P371 ثم ~~ذكرت دعوة أخي سليمان فتركته وكان لكل نبي دعوة ms176 فجعلها سليمان في ذلك ~~وأخرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته # و عن عبد الرحمن بن عقيل رضي الله عنه قال انطلقت في وفد إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأتيناه فقال قائل منا يا رسول الله ألا سألت ربك ملكا ~~كملك سليمان فضحك ثم قال فلعل لصاحبكم عند الله أفضل من ملك سليمان إن الله ~~عز و جل لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة فمنهم من اتخذ بها دينا فأعطيها ومنهم ~~من دعا بها على قومه إذا عصوه فأهلكوا بها وإن الله تعالى أعطاني دعوة ~~اختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة فلكل نبي دعوة مجابة و سليمان ~~عليه السلام ما سأل الدنيا لنفسه وإنما سألها لله تعالى # و كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يسأل شيئا من الدنيا ولم يسأل كلها قال ~~اللهم اجعل أوسع رزقي عند كبر سني # وكان نوح عليه السلام سأل إهلاك الدنيا فقال ^ رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا فغرقت الدنيا كلها بدعوته وإنما سأل إهلاكها لله تعالى لا ~~لنفسه فأجيب إلى ذلك # وأما رسولنا صلى الله عليه وسلم فأخرها لتكون تلك الحاجة مقضية له في ~~اليوم PageV01P372 الذي يعز فيه العفو ويظهر الجود والكرم من ربنا وما يقضي ~~له هناك فالخلق إليه أحوج منه في هذه الدنيا مما سأل سليمان عليه السلام ~~فإنما سأله مملكة الدنيا وقد كان أبواه داود عليه السلام ممن عرضت عليه ~~الخلافة فقبلها وكان حاكم الله في أرضه # و عرضت على لقمان فأبى فأعطي الحكمة فكان حكيم الله في أرضه قال الله ~~تعالى ^ و لقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ^ # و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لقمان كان عبدا كثير التفكر حسن ~~النظر كثير الصمت أحب الله فأحبه الله فمن عليه بالحكمة نودي بالخلافة قبل ~~داود عليه السلام فقيل له يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض ~~تحكم بين الناس بالحق قال لقمان عليه السلام إن جبرني ربي قبلت ms177 فإني أعلم ~~إن فعل ذلك بي أعانني و علمني وعصمني وإن خيرني ربي قبلت العافية و لم أسأل ~~البلاء فقالت الملائكة بصوت لا يراهم يا لقمان لم قلت هكذا قال لأن الحاكم ~~بأشد المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان فيخذل أو يعان وإن أصاب ~~فبالحري أن ينجو ولئن أخطأ أخطأ طريق الجنة ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من ~~أن يكون شريفا ضائعا ومن يختار الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا ولا يصير ~~إلى ملك الآخرة فعجبت الملائكة لحسن منطقه فنام نومة فغط بالحكمة غطا ~~فانتبه فتكلم بها ثم نودي داود عليه السلام بعده بالخلافة فقبلها ولم يشترط ~~شرط لقمان فأهوى في الخطيئة فصفح الله عنه و تجاوز # و كان لقمان يوازره بعلمه وحكمته فقال داود عليه السلام PageV01P373 طوبى ~~لك يا لقمان أوتيت الحكمة وصرفت عنك البلية وأوتي داود الخلافة وابتلي ~~بالرزية والفتنة فكان داود عليه السلام يحكم بين خلقه قال الله تعالى ^ و ~~شددنا ملكه وآتيناه الحكمة و فصل الخطاب ^ # و سخرت له الجبال ليسبحن معه بالعشي والإشراق والطير كي يزداد قوة على ~~إسعاد الجبال والطير له بذلك فلا يفتر فترة الآدميين فإن في الإسعاد قوة ~~قال الله تعالى @QB@ يا جبال أوبي معه والطير @QE@ ثم قال تعالى @QB@ وألنا ~~له الحديد @QE@ فجعل الحديد في يده كالعجين يعمل الدروع فجعل قوته ومطعمه ~~منها ليكون من كديده # و روي في الخبر أنه كان عليه السلام يرتفع له كل يوم درع فيبيعه بستة ~~آلاف فينفق على بني إسرائيل أربعة آلاف وعلى عياله ألفين فأوتي داود ما ~~أوتي ثم قيل له @QB@ اعملوا آل داود شكرا @QE@ # وأعطي سليمان منطق الطير والريح وعين القطر أسيلت له ثلاثة أيام فاتخذ ~~منها تماثيل على صور الرجال من النحاس # روي عن إبن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى وتماثيل قال اتخذ سليمان ~~تماثيل من نحاس فقال يا رب انفخ فيها الروح فإنها أقوى على الخدمة فنفخ ~~الله فيها الروح فكانت تخدمه وكان اسبنديار من بقاياهم # فلما انتهت خلافة ms178 داود عليه السلام أراد أن يستخلف ابنه سليمان عليه ~~السلام قال له سليمان أبحب الولد تفعل هذا أم PageV01P374 بشيء أمرك الله ~~تعالى قال داود عليه السلام بحب الولد فأبى سليمان عليه السلام أن يقبلها ~~حتى أمره الله تعالى بذلك قال تعالى ^ و ورث سليمان داود ^ # و جعل الله تعالى السيف في يد محمد صلى الله عليه وسلم والرعب جنده يرعب ~~منه العدو مسيرة شهر وجعل قوته ومطعمه من الغنائم فقيل لداود عليه السلام ~~خذ هذا الحديد فقد ألنتها لك من عطفي عليك لتعمل منه دروعا فيكون منها رزقك ~~وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم خذ هذا الحديد الذي قد حددتها من سلطاني ~~فاضرب بها رقاب أعدائي وصيرت أموالهم نحلة وطعمة خصصتك بها من بين الخلق ~~ولم تكن لأحد قبلك ثم قال حلالا طيبا وفي السيف عز وسلطان وملك ليس في ~~التجارة ذلك فأنت تجاهد أعدائي لي وتملك ما خولتهم فتأخذ منهم ذلك على سبيل ~~القهر وأنا معك في النصرة # فلمحمد صلى الله عليه وسلم في هذا تكرمة العز والسلطان ولداود عليه ~~السلام تكرمة العطف أن لان له الحديد # قال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى بعثني بالسيف بين يدي الساعة حتى ~~يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة على من خالف ~~أمري و من تشبه بقوم فهو منهم # فلما ورث سليمان داود جعل دعوته في ذلك فسأل مملكة الدنيا كلها ليسوي ~~الدنيا وأهلها و يحكم فيهم حكما يصادف حكمه و ينفي الظلم عن أهل الأرض ~~وينصف بعضهم من بعض حتى الجن والإنس PageV01P375 و الطير و الوحوش و السباع ~~و بقاع الأرضين و الجبال و البحار فكان له حكم في كل ذلك و مملكة وسلطان و ~~أعين بالريح و الشياطين و الجن فسخر ذلك له وأعطي الفهم لما زيد في المعرفة ~~قال عليه السلام إن المعونة تنزل من السماء على قدر المؤنة # و كان يعول خلقا من خلق الله تعالى و يعطف على عبيد ms179 الله تعالى و إمائه ~~شفقة على خلق الله فوهب له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ثم قال @QB@ هذا ~~عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب @QE@ # فكان المهنأة فيه أنه لا تبعة له عليه وجعل نوح عليه السلام دعوته إهلال ~~الكفار لتطهر الأرض من أقذارهم و نجاسة شركهم شفقة على حق الله ليخلص الحق ~~من أنجاسهم ومحمد صلى الله عليه وسلم أخر دعوته إلى يوم الثواب و العقاب ~~ليفتح الله تعالى على لسانه خزائن الرحمة على عبيده في يوم بروز الجود و ~~الكرم و شدة الفاقة في ذلك المقام المحمود فعمت الملائكة و الأنبياء و ~~الرسل و جميع الموحدين بالرحمة و سكن الهول و اطمأنت القلوب و كان أهل ~~الموقف كلهم محتاجين إلى ما ادخره عليه السلام ليوم القيامة و صاروا عيالا ~~عليه حتى قال عليه السلام إن إبراهيم عليه السلام ليرغب إلي يوم القيامة في ~~تلك الدعوة و يحتاج إلي # و روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال عليه السلام لكل نبي دعوته دعا بها في ~~أمته فإني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة PageV01P376 # | - * الأصل الرابع والسبعون # - * # | في نشر السجلات يوم الحشر # عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول سيصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر ~~عليه تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر فيقول الله تعالى عبدي هل تنكر ~~من هذا شيئا فيقول هذه حجتك فيقول لا يا رب فيقول هل لك من حجة فيقول لا يا ~~رب فيقول بلى لا ظلم عليك اليوم فيخرج الله تعالى له بطاقة فيقول هذه حجتك ~~فيقول أي رب و ما تغني هذه البطاقة من السجلات فيقول يا عبدي لا ظلم عليك ~~اليوم فيؤتى بالميزان فتوضع السجلات في كفة و البطافة في كفة فطاشت السجلات ~~وثقلت البطاقة وإذا فيها شهادة أن لا إله إلا الله PageV01P377 # فهذا عبد كثرت سيئاته حتى غمرته فأدركه غوث تلك الكلمة وليست تلك ms180 بأول ~~مما قالها ولكنها كانت مقالة طاهرة خرجت من زكاوة قلبه في ساعة من عمره ~~فأنجته فحاطت ذنوبه وهدمتها وطاشت بالسجلات يوم الوزن لوزن تلك الكلمة ~~وإنما ثقلت لعظم نورها لأنها خرجت من نور استنار قلبه بالنطق بها وإذا أراد ~~الله بعبد خيرا من عليه في ساعة من عمره و نبهه فإذا انتبه انفتح قلبه ~~واستنار صدره من تلك الفتحة فإذا انفتح القلب خرج النور إلى الصدر فأشرق ~~فأي كلمة نطق بها في ذلك الوقت فإنما ينطق على شرح الصدر والمعاينة لصورة ~~تلك الكلمة تسمى كلمة الإخلاص و كلمة يقين تثقل في الوزن يوم الوزن و تكون ~~سببا لنجاة صاحبها و هذا لا يكون في شهادة التوحيد إذ لو كان لها لاستوى ~~الناس فيها # قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من قال لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيى و يميت و هو على كل شيء قدير ~~مخلصا بها روحه مصدقا بها لسانه و قلبه إلا فتقت له السماء فتقا حتى ينظر ~~الرب سبحانه و تعالى إلى قائلها من أهل الدنيا وحق لعبد إذا نظر الله إليه ~~أن يعطيه سؤله # شرط إخلاص الروح فإن الروح سماوي خلقها الطاعة والنفس أرضية خلقها الشهوة ~~معصية كانت أو طاعة فإذا قال العبد هذه الكلمة في وقت فتحة القلب و ~~استنارته و انشراح الصدر فنمقت النفس و ذلت و انخشعت و تخلص الروح من أسرها ~~و تعلقها به فصار روحه كالعازم PageV01P378 على هذه الكلمات بحقائقها فصار ~~خالصا لله تعالى و قد باين النفس و هواها و صدق بها لسانه و قبله لأن القلب ~~قد استنار بالكلمات فاستوى اللسان بالقلب و القلب باللسان و قد صدق بالكلمة ~~لسانه و قلبه وأخلص روحه فاستوجب النظر إليه فإذا أراد الله بعبد خيرا رزقه ~~فتحة قلبه وخرجت منه هذه الكلمة في ذلك الوقت فعظم وزنها و قدرها عند ربها ~~قال الله تعالى @QB@ الذين إذا ذكر الله ms181 وجلت قلوبهم @QE@ ثم قال @QB@ ~~أولئك هم المؤمنون حقا @QE@ وصفهم بحقيقة الإيمان # قالت عائشة و أم الدرداء رضي الله عنهما إنما إيمان الرجل في القلب ~~كاحتراق السعفة لا يكاد يلبث طويلا فإذا وجد أحدكم فليدع الله تعالى فإن ~~الدعاء عند ذلك يستجاب # و عن ثابت البناني رضي الله عنه عن رجل قال إني لأعلم متى يستجاب لي ~~قالوا و من أين تعلم ذلك قال إذا اقشعر جلدي و وجل قلبي و فاضت عيناي فذاك ~~حين يستجاب لي لأن هذه نفوس لا تحتمل ما يرد على القلب فتقشعر منه الجلود ~~أما أهل اليقين الذي استنارت صدورهم بنوره فهذا لهم دائم في الأمور كلها و ~~هم الذين يذكرون الله تعالى على كل حال لا ينقطع ذكرهم لأنهم بنور يقينهم ~~قد صارت قلوبهم بين يديه يعبدونه كانهم يرونه قال عليه السلام أعبد الله ~~كانك تراه و لأن نفوسهم قد إطمأنت إلى رؤية الملكوت و ما يرد على القلوب و ~~مرنت على ذلك و اعتادت PageV01P379 # و مثل ذلك في الدنيا مثل جرة لم يصبها الماء فإذا وضعتها في الماء انتشقت ~~وسمعت لها قشيشا فإذا تكرر عليها ذلك لم تسمع لها ذلك لأنها قد تشربت من ~~الماء وارتوت فكذلك قلب العارف قد ارتوى من سقيا الله تعالى # و عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي ~~جبرائيل يا محمد إن الله عز و جل يخاطبني يوم القيامة فيقول يا رب جبرائيل ~~ما لي أرى فلان بن فلان في صفوف أهل النار فأقول يا رب انا لم نجد له حسنة ~~يعود عليه خيرها اليوم قال يقول الله تعالى إني سمعته في دار الدنيا يقول ~~يا حنان يا منان فأته فاسأله ماذا عني بقوله يا حنان يا منان فآتيه فأسأله ~~فيقول و هل من حنان و منان غير الله فآخذ بيده من صفوف أهل النار فأدخله في ~~صفوف أهل الجنة PageV01P380 # | - * الأصل الخامس والسبعون # - * # | في أن غرس الله محفوظ في الدارين # عن ms182 أبي عتبة الخولاني رضي الله عنه و كان ممن صلى القبلتين مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال الله يغرس في ~~هذا الدين غرسا يستعملهم بطاعته فغرس الله محروس في الأحوال و محفوظ في ~~الأصلاب و الأرحام ومراعي في قطع الأسفار إليه يكلؤه و يرعاه و هم رجاله في ~~أرضه و أولياؤه و الدعاة إليه و غرس الله راسخ عروقه في الأرض باسق فروعه ~~في الملكوت غرسهم الله تعالى و أنبتهم و هو يجني ثمرتهم # و غرسهم أي اجتباهم بمشيئته و أنبتهم أي راض نفوسهم وأدبها و قوم أخلاقها ~~بتدبيره و هو يجني ثمرتها أي لما وصلوا إليه و قبلهم و رتب لهم عنده في تلك ~~الخلوات والمجالس و صاروا في قبضته و هو الذي يستعملهم بطاعته و هو قوله ~~عليه السلام فيما يحكي عن الله تعالى أنه PageV01P381 قال إذا أحببت عبدي ~~كنت سمعه و بصره و يده و رجله فبي يسمع و بي يبصر و بي ببطش و بي ينطق # و من علامة أولئك أنه يخرجهم من بطون أمهاتهم أحرارا من رق النفوس قد طبع ~~نفوسهم على أخلاق الكرام من السخاوة والشجاعة والسماحة والحلم والتأني و ~~النزاهة والصيانة فهذا حر من رق النفس و من كان ضد هذه الأشياء مثل البخل و ~~الضيق و المكر و العجلة و حدة الشهوة والحرص و الجبن فهو عبد نفسه فإن رزق ~~تقوى احتاج إلى أن يجاهد نفسه حتى لا يستعجل أركانه بما يصير به عاصيا فهو ~~و إن جاهد فهذه الأخلاق باطنه و هو قول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل فلا ~~عبيد أتقياء و لا أحرار كرماء فالعبيد الأتقياء هؤلاء الذين فيهم هذه ~~الأخلاق فهم أتقياء يتقون الله أن يعصوه بجارحة وتتردد فيهم هذه الأخلاق ~~فإن عملوا بطاعة عملوها بكزازة نفس و جهد و الأحرار الكرماء قد عوفوا من ~~هذه الأخلاق طبعا فإن انتهوا عما نهى الله تعالى عنه لم يحتاجوا إلى أن ms183 ~~يحاربوا و يجاهدوا نفوسهم و إن عملوا بطاعة عملوها تكرما وسماحة فقلبه لين ~~منقاد ليس فيه كزازة حيث ما قاده مولاه في أموره انقاد من غير تلجلج # قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقولوا للعنب كرم إنما الكرم قلب الؤمن ~~و إنما سمي العنب كرما لأنه لين ينقاد حيث ما استقيد PageV01P382 فكذلك ~~المؤمن قلبه لين رطب بذكر الله سبحانه و تعالى ينقاد لله تعالى في أموره و ~~أحكامه PageV01P383 # | - * الأصل السادس والسبعون # - * # | في منع الشيطان من المشاركة في كل شيء # عن نبيشة الخير و أنس بن مالك رضي الله عنه قالا قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أكل من قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة وصلت عليه # المؤمن إذا سمى الله تعالى على كل أمر منع الشيطان من مشاركته في طعامه و ~~شرابه و لباسه و جميع أموره و إذا ترك التسمية و جد فرصة فشاركه في ذلك حتى ~~في إتيانه أهله # و عن مجاهد رضي الله عنه قال إذا جامع الرجل أهله و لم يسم انطوى الجان ~~على إحليله فجامع معه فذلك قوله تعالى ^ لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان ^ ~~PageV01P384 # و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ~~فقال إن الله عز و جل أمرني أن أعلمكم ما علمني و أن أؤدبكم إذا اقمتم على ~~أبواب حجركم فسلموا يرجع الخبيث عن منازلكم وإذا وضع بين يدي أحدكم طعام ~~فليسم كيلا يشارككم الخبيث في أرزاقكم و من اغتسل بالليل فليحاذر على عورته ~~فإن لم يفعل فأصابه لمم فلا يلومن إلا نفسه و إذا رفعتم المائدة فاكنسوا ما ~~تحتها فإن الشياطين يلتقطون ما تحتها فلا تجعلوا لهم نصيبا في طعامكم # و عن ابن مسعود رضي الله عنه قال إذا وضعت يدك في الطعام فنسيت أن تقول ~~بسم الله فقل حين تذكر بسم الله في أوله وآخره فإنما يمتنع المؤمن من هذا ~~العدو باسم الله تعالى فإذا سمى على طعامه فالشيطان ms184 منه بمزجر الكلب وإذا ~~فرغ من الطعام و لم يلحس القصعة جاء الشيطان فلحسها لينال ما بقي هناك فإذا ~~لحسها فقد خلصها من الشيطان و لحسه فاستغفرت له وصلت عليه شكرا له ~~PageV01P385 # | - * الأصل السابع والسبعون # - * # | في حقيقة الرؤيا وان الشيطان لا يتمثل بالنبي صلى الله عليه وسلم # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآني ~~في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي فكان الرجل إذا قص ~~عليه الرؤيا يقول له كيف رأيته فإن جاء بالرؤيا على وجهها وإلا قال لم تره # قوله من رآني في المنام أي على نعتي الذي أنا عليه واعلم أن الرؤيا على ~~ثلاث منازل منها ما يريه الملك الموكل على الرؤيا فذاك حق و منها ما يمثل ~~له الشيطان و منها ما يحدث به المرء نفسه PageV01P386 # قال صلى الله عليه وسلم في رواية أبي هريرة رضي الله عنه الرؤيا ثلاثة ~~فرؤيا حق و رؤيا يحدث به المرء نفسه ورؤيا تحزين من الشيطان فمن رأى ما ~~يكره فليقم فليصل # و في رواية أبي قتادة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول الرؤيا على ثلاث منازل فمنها ما يحدث به المرء نفسه ليست بشيء و ~~منها ما يكون من الشيطان فإذا رأى أحدكم ما يكره فليبصق عن يساره و ليستعذ ~~بالله من الشيطان فلن يضره بعد ذلك و منها بشرى من الله تعالى رؤيا الرجل ~~الصالح جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة فإذا رأى أحدكم رؤيا فليعرضها ~~على ذي رأي ناصح فليقل خيرا أو ليتأول خيرا فقال عوف بن مالك الأشجعي رضي ~~الله عنه و الله يا رسول الله لو كانت حصاة من عدد الحصى لكان كثيرا # و في رواية لقيط بن عامر رضي الله عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم الرؤيا ~~على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت # فالرؤيا أصله حق جاء من عند الحق ms185 يخبر عن أنباء الغيب و هو من الله تعالى ~~تأييد لعبده بشرى و نذارة و معاتبة ليكون له فيما ندب له و دعي إليه عونا ~~وقد وكل بالرؤيا ملك يضرب من الحكمة الأمثال و قد اطلع على قصص ولد آدم من ~~اللوح فهو ينسخ منها و يضرب لكل على قصة PageV01P387 مثله فإذا نام و خرجت ~~نفسه تمثل له تلك الأشياء على طريق الحكمة لتكون له بشرى أو نذارة أو ~~معاتبة ليكونوا على بصيرة من أمورهم # فأما البشرى فمثل ما يروى أن صهيبا جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال ~~إني رأيت كأن يدك مغلولة إلى عنقك إلى سرير إلى الحشر فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه الله أكبر جمع لي ديني إلى يوم الحشر # و أما النذارة فما يروى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه رجع من اليمن ~~بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم معه برقيق قد أصابه هناك فقال ~~له عمر إذهب بها إلى أبي بكر حتى تطيب لك فأبى و قال إنما بعثني رسول الله ~~ليجبرني فيما أصابني من الدين و طيب لي الهدية فلما رجع إلى أهله و بات رأى ~~تلك الليلة كأنه قد وقع في ماء غمره فأتاه عمر فأخذ بيده حتى أخرجه منها ~~فلما أصبح غدا بالسبي إلى أبي بكر رضي الله عنه فقص عليه قصته فقال أبو بكر ~~قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعثك ليجبرك هم لك حل # و ما روي في فتح نهاوند حيث حمل إلى عمر السفطين فيهما حلي وقد كان ~~للنجيرجان كنز فدله ذلك الرجل على الكنز على أن له الأمان و لأهل بيته فجمع ~~ذلك فحمله السائب بن الأقرع إلى عمر رضي الله عنه مع أصحابه مجمع أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فختمه ووضعه في خزائنه فرأى تلك الليلة كأن ~~ملائكة جاءت بسفطين فأوقدوا ما فيهما جمرا يتوقد فجعلت أنثني عنهما و أنكص ~~و اقدم إليهما فكاد ms186 ابن الخطاب يحترق فأتبعه بريدا إلى الكوفة حتى جاء فقال ~~ما لي ولك يا سائب إني رأيت كذا فاذهب بهما إلى الكوفة وبعهما بأعطيات ~~المقاتلة والذرية # و أما المعاتبة فما روى سليمان بن يسار قال استيقظ أبو أسيد الأنصاري رضي ~~الله عنه وهو يقول إنا لله و إنا إليه راجعون فاتني وردي الليلة و كان وردي ~~البقرة فقد رأيت في المنام كان بقرة تنطحني PageV01P388 # وأما الخبر الذي يلقي إليه من أمر الدنيا و الآخرة مثل ما روى ابن عمر ~~رضي الله عنهما قال جاء رجل إلى عمر و هو عند أبي بكر رضي الله عنهما فقال ~~إني رأيت رؤيا فقال عمر رضي الله عنه لا حاجة لنا برؤياك فقال أبو بكر هات ~~قال رأيت كأن الناس قد حشروا فكأنك قرعت الناس بثلاث بسطات قلت بأي شيء قرع ~~عمر الناس بثلاث بسطات قال بأنه يكون خليفة و أنه لا تأخذه في الله لومة ~~لائم وأنه يقتل شهيدا فقال عمر رضي الله عنه أضغاث أحلام لا حاجة لنا ~~برؤياك قال أبو بكر رضي الله عنه رأيت خيرا و خيرا يكون فلما أتى عمر رضي ~~الله عنه الشام وبصر بالرجل قال علي بالرجل و قال أنت صاحب الرؤيا قال و ما ~~تصنع برؤياي و ما تنتهرني حتى أني قد جئت بأمر قال قصها قال رأيت كأن الناس ~~يحشرون فرأيتك قرعت الناس بثلاث بسطات فقلت بأي شيء قرع عمر الناس بثلاث ~~بسطات قال بأنه يكون خليفة قال فقد كانت نسأل الله خيرها ونعوذ بالله من ~~شرها قال و بأنه لا تأخذه في الله لومة لائم قال إني أرجو من الله أن يكون ~~كذلك أو أن يعلم الله ذلك مني قال و بأن تقتل شهيدا قال عمر رضي الله عنه ~~أما الشهادة فأني الشهادة ثم قال بلى يأتي الله بكافر فينقرني نقر الديك ~~فيكرمني الله بهوانه و يهينه بكرامتي # و كأن شأن الرؤيا عظيما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه روي ~~عن ms187 سفينة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح أقبل على ~~أصحابه قال أيكم رأى الليلة رؤيا فقال ذات يوم ذلك فقال رجل أنا يا رسول ~~الله رأيت كأن ميزانا دلي من السماء فوضعت في كفة الميزان و وضع أبو بكر في ~~كفة فرجحت بأبي بكر ثم رفعت وترك أبو بكر ثم جيء بعمر فوضع في الكفة الأخرى ~~فرجح أبو بكر بعمر ثم رفع أبو بكر و ترك عمر حتى جيء بعثمان فوضع في الكفة ~~الأخرى فرجح عمر PageV01P389 بعثمان ثم رفع الميزان فتغير وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم قال خلافة نبوة ثلاثين عاما ثم يكون ملك قال سفينة ~~أمسك سنتين أبو بكر وعشرا عمر وثنتي عشرة عثمان وستا علي رضوان الله عليهم ~~أجمعين # الرؤيا من أخبار الملكوت من الغيب و هو جزء من أجزاء النبوة وقد قال عليه ~~السلام يوم وفاته انه لم يبق بعدي من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة ~~وقال الله تعالى ^ لهم البشرى في الحياة الدنيا و في الآخرة ^ # قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قوله تعالى @QB@ لهم البشرى في الحياة الدنيا @QE@ قال هي الرؤيا الصالحة ~~يراها الرجل المسلم أو ترى له # و عن عبادة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا ~~المؤمن كلام يكلم به العبد ربه في المنام # وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى ^ و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب ^ قال في منامه # و علم الله تعالى يوسف عليه السلام تأويل الرؤيا وسماه حديثا فقال تعالى ~~^ و لنعلمه من تأويل الأحاديث ^ PageV01P390 # و المحدث على ثلاثة أنواع محدث بالوحي و هو الذي يخفق على القلب بالروح و ~~محدث في المنام أمره على الأرواح إذا خرجت الأرواح من الأجساد كلموا و محدث ~~في اليقظة على القلب بالسكينة فيعقلوه و يعلموه # أما المحدث في المنام مثل ما روي عن رقية ms188 بن مصقلة قال رأيت رب العزة جل ~~جلاله في المنام فقال و عزتي و جلالي لأكرمن مثوى سليمان التيمي و ما روي ~~عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله أنه قال ذات يوم اللهم فإنه قد وقع الشوق ~~إليك في قلبي والنظر إليك و قد علمت أنك لا ترى في الدنيا فهب لي من عندك ~~ما يسكن إليه قلبي فغفى في مجلسه ذلك ثم أفاق فقال سبحان الله فقيل له لم ~~سبحت قال من لطف ربي إني بينما أنا غاف إذا أتاني آت من ربي فقال يا رجل ~~أجب ربك فأتيت ربي فكاد يذهب بصري لنور ربي فناداني ربي فقال يا إبراهيم ~~تسألني بدلا من النظر إلي والشوق إلى لقائي فهل لذاك من بدل فقلت يا رب ~~دهشت في حبك و كان قلبي إليك فلم أتمالك أن قلت ما قلت فكيف تأمرني أن أقول ~~فقال يا إبراهيم من وجدت قلبه خاليا من الدنيا و الآخرة ملأته حبي حتى إذا ~~ملأته قبضت عنه فكان في قبضي فإذا كان في قبضي كنت سمعه الذي به يسمع و ~~بصره الذي به يبصر ويده الذي بها يبطش و عزتي و جلالي لو سألني جميع الدنيا ~~كلها في كفه لفعلت و كيف يتفرغ إلى المسألة من سهلت له السبيل إلى نفسي ~~وأريته كرامتي فإن كنت لا بد سائلا فاسألني أن أجمعك إلي و أونسك بكلامي و ~~آذن لأرواح انبيائي في الالتقاء معك فإن ذلك يهون علي لأوليائي # و هذا لأن العامة في تخطيط من الشهوات و ميل النفوس فلم يكلموا الا بعد ~~مزايلة الأرواح من النفوس والشهوات و لما صفت عقول المحدثين و طهرت قلوبهم ~~و تنزهت من الآفات و الشهوات والعلائق كلموا على PageV01P391 القلوب فإذا ~~كان الكلام على الأرواح في المنام جزءا من ستة و أربعين جزءا من النبوة كان ~~الكلام على القلوب في اليقظة أكثر من ثلث النبوة على قدر قربها من ربها في ~~تلك المجالس # و عن أبي سلمة رضي الله عنه قال ms189 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا ~~أنا نائم إذا اتيت بقدح لبن فشربت منه حتى أني لأرى الري جرى من أطرافي ثم ~~اعطيت فضلي عمر بن الخطاب فقال من حوله ماذا أولته يا رسول الله قال العلم ~~قال و رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي و منها ما يبلغ ~~الركب و مر عمر و عليه قميص يجره قالوا فما أولته يا رسول الله قال الدين ~~PageV01P392 # | - * الأصل الثامن و السبعون # - * # | في أن المعدة إذا كانت صحيحة ترجى معها النجاة # عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان عبد من عباد الله آتاه الله مالا وولدا فكان لا يدين لله دينا فلبث حتى ~~إذا ما ذهب عمر وبقي عمر ذكر فعلم أنه لم يبتئر عند الله خيرا دعا بنيه ~~فقال أي بني تعلموني قالوا خيرا يا أبانا قال فإني و الله لا أدع عند رجل ~~منكم مالا هو مني إلا أنا آخذ منه أو لتفعلن بي ما آمركم فأخذ منهم ميثاقا ~~و ربي قال اما اني فإذا مت فخذوني فألقوني في النار حتى إذا كنت حمما ~~فدقوني ثم اذروني في الريح لعلي أضل الله ففعلوا به و رب محمد حين مات فجيء ~~به أحسن ما كان قط فعرض على ربه فقال ما حملك على النار قال خشيتك يا رباه ~~قال إني أسمعك راهبا فتيب عليه PageV01P393 # و في رواية أبي سعيد رضي الله عنه دخل رجل الجنة ما عمل خيرا قط فذكر ~~الحديث # و في رواية أبي بكر رضي الله عنه فيقول الله عز و جل انظر إلى ملك أعظم ~~ملك في الدنيا فإن لك مثله وعشرة أمثاله فيقول لم تسخر بي وأنت الملك قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فذاك الذي أضحكني # قوله لا يدين الله دينا أي لم يكن يسير في شريعته سير المطيعين فأما قبول ~~الشريعة فلم يكن يخلو منه إذ لو جحد الدين ms190 لكفر و هو مثل قوله في الحديث ~~الآخر لم يعمل خيرا لله قط قوله أسمعك راهبا أي رهبت مني و هو كقوله هربت ~~مني و الهرب بالنفس و الرهب بالقلب فهذا عبد كانت المعرفة استقرت في قلبه ~~بالتوحيد لله تعالى و بالمبعث بعد الموت و الثواب و العقاب و الغالب عليه ~~الجهل بالله و بأمره فأهمل الحدود و عطل العمر فلما حضره الموت هاج منه خوف ~~التوحيد فأعمل في قلبه فطلبته نفسه الجاهلة بالله ملجأ و خلاصا من الله ~~فدلته نفسه على ما أوصى به أهله من الإحراق والسحق والتذرية فذهل عقله من ~~المخافة و انقطعت حيله فهذا بذلك فألجأه الله تعالى بالمعرفة من غير التفات ~~إلى العبودة قال الله تعالى ^ الذين آمنوا و لم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك ~~لهم الأمن و هم مهتدون ^ فلم يعمل خيرا قط فأدركته دولة السعادة فأصاب حظا ~~من الخشية و الخشية إنما تنال عند كشف الغطاء وانشراح الصدر بالنور و كان ~~قد PageV01P394 سبق له من الله تعالى أثره و حظ و هو يقطع عمره في رفض ~~العبودة و يضيعها فلما حضر أوان شخوصه إلى الله تعالى جاءت الأثرة و ~~السعادة بذلك الحظ الذي كان سبق له فاسنتار الصدر بالنور وانكشف الغطاء حتى ~~صار بحال لا يعقل ما يقول من الرهب من الله تعالى فقدم عليه معها فغفر له ~~بخشيته # و روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال بينما عبد لم يعمل لله ~~خيرا قط ففرق فخرج هاربا فجعل ينادي يا أرض اشفعي لي و يا سماء اشفعي لي و ~~يا كذا اشفعي لي حتى أصابه العطش فوقع فلما أفاق قيل له قم فقد شفع لك من ~~قبل فرقك من الله تعالى # و عن العباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما تحات عن الشجرة البالية ~~ورقها # و روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ms191 قال قال الله تعالى و عزتي لا ~~أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين فمن خافني في الدنيا أمنته في ~~الآخرة PageV01P395 # | - * الأصل التاسع والسبعون # - * # | في أن في الخل منافع الدين و الدنيا # عن عائشة رضي الله عنه قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أقفر ~~بيت فيه خل أقفر أي خلا والخل من الأدم التي تعم منافعها # و قيل في تفسير قوله تعالى @QB@ تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا @QE@ أنه ~~الخل و فيه منافع الدين و الدنيا فلذلك قال ما أقفر بيت فيه خل أي ما خلا ~~من أمر الدين و الدينا و ذلك بأنه بارد يطفىء حرارة الشهوة ويقطعها # و عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت كان عامة أدم أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعده الخل ليقطع عنهن ذكر الرجال # و خلق ابن آدم مجبولا على الشهوات الرجال منهم و النساء و كلما ~~PageV01P396 وجدوا عونا لهم على طفء ذلك منهم كان عونا لهم و كل شيء هو عون ~~للدين فالبركة حالة به وإذا بورك في الشيء سعد به أهله # قال عليه السلام فيما رواه أنس رضي الله عنه نعم الادام الخل PageV01P397 # | - * الأصل الثمانون # - * # | في دفع المنكرات بالدعاء # عن زياد بن علاقة عن عمه رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول اللهم جنبني منكرات الأعمال و الأخلاق و الأهواء و الأدواء # ابن آدم لا ينفك فيما عده عليه السلام في متقلبه ليلا و نهارا فالكبائر ~~منكرات الأعمال و سوء الخلق من منكرات الأخلاق وهو الحقد والحسد والبخل ~~والشح وما أشبهه والزيغ منكرات الأهواء والسل وذات الجنب والجذام وما أشبهه ~~منكرات الأدواء و هذه كلها بوائق الدهر و كان صلى الله عليه وسلم يقول أعوذ ~~بك من بوائق الدهر و فجأة النقم # فأما منكرات الأعمال و الأخلاق والأهواء فمنها ما يعظم الخطب فيه ~~PageV01P398 حتى يصير منكرا غير متعارف فيما بينهم فذاك الذي يشار إليه ~~بالأصابع # روي أن عبدالله بن عائد الثمالي رضي الله ms192 عنه حين حضرته الوفاة قال له ~~غضيف بن الحارث إن استطعت أن تلقانا فتخبرنا ما لقيت فتوفي فرؤي في المنام ~~فقال وجدنا ربنا خير رب يقبل الحسنات و يغفر السيئات إلا ما كان من الأحراض ~~قيل و ما الأحراض قال الذي يشار إليه بالأصابع في الشر # و روى الحسن رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بحسب ~~إمرىء من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من عصمه الله ~~تعالى إنما يشار إليه في دين لأنه أحدث بدعة و منكرا و في دنيا أحدث منكرا ~~من الكبائر فأشير إليه # و قوله عليه السلام بحسبه من الشر لأنه قد هتك الله ستره و المهتوك ستره ~~يكون في دنياه في عار و غدا في النار و من ستر الله عليه في الدنيا رجا له ~~العفو في الآخرة # قال عليه السلام إذا ستر الله على عبد في الدنيا لم يفضحه غدا # و قال علي رضي الله عنه أقسم على ذلك من غير أن أستثني لا يستر الله على ~~عبد فيفضحه غدا PageV01P399 # | - * الأصل الحادي والثمانون # - * # | في أن النفس تألف بمن يبرها و بيان سره # عن جابر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ~~دعي احدكم إلى طعام فليجب فان شاء طعم وإن شاء ترك # المقصود من الدعوة ابتغاء الألفة والمودة و في النفس هناة و في الصدر ~~سخائم و النفوس جبلت على حب من أكرمها و قد حثهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على الاجابة ليصل ذلك البر الذي بر به أخوه حتى تتأكد الألفة وتصفو ~~المودة وتنفي حزازات الصدر فإن صاحب الغل و الحقد لا يسلم له دينه من سوء ~~ما يضمر لأخيه فالإطعام بر للنفس يطفي حرارة الحقد و ينفي مكامن الغل و قد ~~كانت للقوم أحقاد الجاهلية فألف الله تعالى بين قلوبهم بالإيمان فحثهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على إجابة الدعوة لألفة النفوس ولذذلك قال ms193 عليه ~~السلام من لم يجب الدعوة فقد عصى الله و رسوله لأنهم كانوا يتخذون الطعام ~~يدعون عليها لنفي السخيمة PageV01P400 # فمن امتنع عليه ليثبت على الغل والحقد فقد عصى الله ورسوله وامتنع من حق ~~عظيم و الألفة من ثلاثة وجوه إذا حصل تأكد واستتم فالقلب يألف بالإيمان ~~الذي في قلب صاحبه والروح تألف بطاعته والنفس من شأنها الشهوة واللذة وليست ~~همتها الإيمان و الطاعة فتألف ببرها فإذا برها صفت وصارت طوعا وإلا فهو ~~كالمكره فإنما دعاه أخوه إلى قبول بره فندبه صلى الله عليه وسلم إلى أن ~~يقبل ذلك من أخيه كيلا يضيع كرامته و لا يجد الشيطان سبيلا إلى وسوسته ~~بالشر ثم له الخيار إن شاء طعم وإن شاء ترك وترك الإجابة مما يدل على ~~الجفاء و البعد و الاستهانة به فهناك يجد العدو سبيلا إلا أن يعتذر إليه ~~المدعو فيقبل الداعي عذره و إن أحس بالشر في الدعوة فله في التخلف عنها عذر ~~مثل إن كان ذلك الطعام لمباهاة أو رياء فله عذر في ترك الإجابة و قد نهى ~~عليه السلام عن طعام المتباهين أن يؤكل أو يكون في تلك الدعوة أمور منهي ~~عنها من اللهو و اللعب المحظور عليهم فهذا عذر لما روى الحكم بن عمير و كان ~~بدريا قال أرسل رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى ~~طعام و كان عليه السلام يحفر الخندق فجاء و أصحابه فقال ادخل يا نبي الله ~~البيت فدخل فرأى البيت منجدا مسترا فخرج فقال يا رسول الله ما أخرجك فقال ~~أطعمنا بالفناء فأطعمهم حتى إذا شبع القوم فلما تفرقوا قال يا رسول الله لو ~~كنت دخلت فإن البيت كان أبرد و أطيب قال إنك نجدت البيت و سترته و هذا لا ~~يحل شبهته بيت الله الله و لو شئب بسطت فيه و طرحت فيه وسائد PageV01P401 # | - * الأصل الثاني والثمانون # - * # | في أصل الأدوية و سر الحكمة في التداوي # عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول ms194 الله صلى الله عليه وسلم ~~إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله # و عن أسامة بن شريك رضي الله عنه يقول شهدت الأعراب يسألون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هل علينا جناح في كذا هل علينا جناح أن نتداوى فقال تداووا ~~عباد الله فإن الله تعالى لم ينزل داء إلا وضع له شفاء إلا الهرم ~~PageV01P402 # فالطبائع تتغير بحدوث الأزمنة من الحر و البرد و فساد الهواء فيصير داء ~~في الأجساد و تحدث في الجسد الأحداث من الطعم و ما يتعاطاه ابن آدم من قضاء ~~الشهوات واللذات و النصب والسهر و التعب و الهموم و ما يجتمع في الجسد من ~~الدم و المرة و البلغم و كل ذلك يحدث منه ما يتغير حاله فيحتاج إلى دواء ~~يسكن منه ما هاج فهذا تدبير الجسد فإذا ترك تدبيره ضيعه كما لو ترك تدبير ~~المعاش ضاع فالتداوي حق و هو فعل الأنبياء عليهم السلام و قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة و هم يلقحون النخل فقال ما أرى يغني هذا شيئا ~~فذهبت عامة ثمارهم و صارت دفلا فعرف أن التدبير من الله تعالى في ذلك غير ~~ما رأى فأمرهم أن يعودوا إلى ما كانوا عليه فكذا وضعت علل الأجساد أن تعالج ~~حتى ترد إلى الهيئة التي كانت عليها و لولا ذلك لكانت الأدوية مهملة و لم ~~يخلقها الله تعالى عبثا و كان سليمان عليه السلام تنبت في محرابه كل يوم ~~شجرة ثم تناديه الشجرة أنا دواء لكذا فتقطع و توضع في ديوان الطب فعامة ~~الطب إنما ورثوه من تلك الكتب # فالناس في التداوي على ثلاث طبقات # فالطبقة الأولى هم الأنبياء و الأولياء عليهم السلام أهل يقين ومشاهدة ~~يتداوون و قلوبهم مع خالق الدواء الذي جعل الشفاء في ذلك الدواء فهم ~~يتداوون على ما هيأ لهم من التدبير وينتظرون الشفاء من الله تعالى و قلوبهم ~~خالية عن فتنة الدواء # والطبقة الثانية هم أهل ms195 اليقين لم يأمنوا خيانة نفوسهم أن تطمئن إلى ~~الدواء و تركن إليه فيفروا من ذلك فكلما عرض لهم داء فوضوا الأمر في ذلك ~~إلى الله تعالى و توكلوا عليه و لم يتكلفوا تداويا و تركوا التداوي من ضعف ~~يقينهم خوفا على قلوبهم أن تطمئن نفوسهم إلى الدنيا فيصير سببا يتعلق به ~~قلوبهم و الأول أعلى و أقوى PageV01P403 # و الطبقة الثالثة أهل تخليط و قلوبهم مع الأسباب لا ينفكون منها فهم ~~محتاجون إلى التداوي ولا يصبرون على تركها و هم العامة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن ~~القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف و في كل خير احرص على ما ~~ينفعك ولا تعجز فإن غلبك أمر فقل قدر الله وما شاء فعل و إياك واللو فإن ~~اللو يفتح عمل الشيطان # فالأقوياء تداووا ومروا في الحيل والأسباب و قلوبهم مع رب الأدوية لا مع ~~الأسباب و هم الأنبياء و الأولياء عليهم السلام و المؤمن الضعيف انه يحجبه ~~تداويه عن الله تعالى و يتعلق قلبه به و ذلك لضعف يقينه و في كل خير و ~~القوي أحب إلى الله تعالى # و قوله احرص على ما ينفعك أي استعمل تدبير الله تعالى في هذه الأمور ولا ~~تعجز بتركه فإن استعملت ولم يكن الذي أردت فقل قدر الله وما شاء أي هكذا ~~كان قدر و شاء فارض بحكمه وإياك أن تقول لو كان كذا كان هذا الأمر كذا ولو ~~لم يكن كذا لكان كذا فهذا قول من يتعلق قلبه بالأسباب وعمي عن تدبير الله ~~تعالى وصنعه # وما رواه ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل ~~سبعون ألفا من أمتي الجنة بغير حساب قيل يا نبي الله من PageV01P404 هم قال ~~الذين لا يكتوون و لا يسترقون و لا يتطيرون و على ربهم يتوكلون # فإنما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم الكي واستعمال النار في الأدوية ~~و كذلك ms196 الرقى لأن أكثره يشوبه الشرك # قال عليه السلام أقرب الرقى إلى الشرك رقية الحية والجنون و كذلك الطيرة ~~من فعل الجاهلية فرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الخصال المكروهة انهم ~~تركوها تورعا و توكلوا على ربهم و لم يذكر أنهم لا يتداوون و ليس في طلب ~~المعاش و التداوي و المضي في الأسباب على تدبير الله تعالى ترك للتفويض ~~والتوكل إذ الأنبياء والرسل عليهم السلام هم طلاب المعاش و أهل الحرف و ~~التجارات # قال عليه السلام إن الله يحب أن يرى العبد محترفا # و مر عمر رضي الله عنه بقوم فقال من أنتم قالوا المتوكلون فقال أنتم ~~المتأكلون إنما المتوكل رجل ألقى حبة في بطن الأرض و توكل على ربه # و إنما ترك التوكل بالقلب إذا غفل عن الله تعالى و كان قلبه محجوبا فإذا ~~طلب المعاش أو تداوى صار فتنة عليه وتعلق قلبه به و قد نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الرقى ثم رخص فيما يؤمن فيه الشرك # روى جابر رضي الله عنه أن عمرو بن حزم دعا لامرأة بالمدينة PageV01P405 ~~لدغتها حية ليرقيها فأبى فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه ~~فقال عمرو إنك لتزجر عن الرقى فقال اقرأها عليه فقرأها فقال لا بأس بها ~~إنما هي مواثيق فارق بها # و عن جابر رضي الله عنه كان بالمدينة رجل يكنى أبا مذكر يرقي من العقرب ~~ينفع الله بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا مذكر ما رقيتك هذه ~~اعرضها علي فقال أبو مذكر شجة قرينة ملحة بحر قغطى فقال عليه السلام لا بأس ~~بها إنما هي مواثيق أخذها سليمان بن داود عليه السلام على الهوام و هذه لغة ~~حمير PageV01P406 # | - * الأصل الثالث و الثمانون # # | في التنبيه على أن العقوبة من الله تعالى تعم و الرحمة للمطيع # عن يوسف بن عطية الصفار قال سمعت ابن سيرين و سأله رجل فقال يا أبا بكر ~~ما تقول في هذا الذر يقع في طعامنا و ms197 شرابنا فنقتله فقال حدثنا أبو هريرة ~~رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيا من الأنبياء كان في ~~غزاة له فنزل تحت شجرة فلذعته نملة فامر بتلك الشجرة فاحرقت فأوحى الله ~~تعالى إليه الا نملة مكان نملة # كان هذا النبي قد حاور ربه في شأن الخلق و روي أن ذلك كان موسى بن عمران ~~فقال يارب تعذب أهل قرية بمعاصيهم و فيهم PageV01P407 المطيع فكأنه أحب أن ~~يريه ذلك من عنده فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى ظل شجرة مستروحا وعندها بيت ~~النمل فغلبه النوم فلما وجد لذة النوم لذعته النملة فأضجرته فدلكهن بقدمه و ~~أحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم فأراه الله تعالى العبرة في ذلك إنك ~~تحيرت في عذابي أهل قرية وفيهم المطيع و العاصي و إنما أجرمت إليك نملة ~~فكيف قتلتهم و ليس في هذا خطر عن قتل النمل لأن كل ما أذاك أبيح لك قتله ~~ألا ترى أن الفأر والغراب و الكلب و الحية و العقرب قد أبيح للمحرم قتلها و ~~كذلك سائر الهوام المؤذية إلا إن المؤمن لا يقتل هذه الأشياء عبثا و لكنه ~~يقتلها بحق إذا كان من تاذ أو خوف و ليس ذاك بأعظم حرمة من المؤمن و مع ذلك ~~يباح دفعه بالقتل PageV01P408 # | - * الأصل الرابع و الثمانون # - * # | في أن الناس ينزلون منازلهم و تدبير الله في اختلاف أحوالهم # عن ميمون بن أبي شبيب عن عائشة رضي الله عنه قالت مر عليها سائل فأمرت له ~~بكسرة ومر عليها رجل ذو هيئة فأقعدته فقيل لها فقالت إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمرنا ان ننزل الناس منازلهم PageV01P409 # دبر الله تعال لعبيده الأحوال غنى وفقرا و عزا و ذلا و رفعة و ضعة ~~ليبلوهم في الدنيا أيهم يشكر على العطاء و أيهم يصبر على المنع و أيهم يقنع ~~بما أوتي و أيهم يسخط ثم ينقلهم إلى الآخرة فذلك يوم الجزاء فالعاقل يعاشر ~~أهل دنياه على ما دبر الله لهم فالغني قد عوده ms198 الله النعمة وهي منه كرامة ~~ابتلاء لا كرامة ثواب قال الله تعالى ^ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ~~فأكرمه و نعمه فيقول ربي أكرمن و أما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ~~ربي أهانن كلا ^ # أي لست أكرم بالدنيا ولا أهين بمنعها فإذا لم تنزله المنزلة التي أنزل ~~الله تعالى استهنت به و جفوته من غير جرم استحق به ذلك الجفاء و تركه ~~موافقة الله تعالى في تدبيره وأفسدت عليه دينه و هو قوله عليه السلام ~~أنزلوا الناس منازلهم أي المنازل التي أنزلهم الله من دنياهم أما الآخرة ~~فقد غيب شأنها عن العباد فإذا سويت بين الغني والفقير في مجلس أو مأدبة أو ~~هدية كان ما أفسدت أكثر مما أصلحت فإن الغني يجد عليك إذا أزريت بحقه فإن ~~الله تعالى لم يعوده ذاك و الفقير يعظم ذلك القليل في عينه و يقنع بذلك لأن ~~تلك عادته و كذلك معاملة الملوك والولاة على هذا السبيل فإذا عاملت الملوك ~~بمعاملة الرعية فقد استخففت بحق السلطان و هو ظل الله تعالى في أرضه به ~~تسكن النفوس وتجتمع الأمور فالناظر إلى ظل الله عليهم في الشغل عن الالتفاف ~~إلى سيرهم و أعمالهم و إنما نفر قوم من السلف عنهم و جانبوهم لأنه لم تمت ~~شهوات نفوسهم و لم يكن لقلوبهم مطالعة ظل الله تعالى عليهم فخافوا أن ~~يخالطوهم أن يجدوا حلاوة برهم فتخلط قلوبهم بقلوبهم فجانبوهم و أعرضوا عنهم ~~و تأولوا في ذلك لحديث ابن PageV01P410 عباس رضي الله عنهما ملعون من أكرم ~~بالغنى و أهان بالفقر وهذا من قلة معرفتهم بتأويله فإنهم لو نظروا إليهم ~~بما ألبسوا من ظله لشغلوا عن جميع ما هم فيه و لم يضرهم اختلاطهم وبهذه ~~القوة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و التابعون من بعدهم بإحسان ~~يلقون الأمراء الذين قد ظهر جورهم و يقبلون جوائزهم و يظهرون العطف عليهم و ~~النصيحة لهم # وأما حديث ابن عباس رضي الله عنه فتأويله أن الذي يعظم في عينه ms199 حطام ~~الدنيا و باع آخرته بدنياه من المنافسة في الدنيا و الرغبة فيها و عظم شأن ~~الأغنياء في عينه لما يرى عليهم من الدنيا فيعظمهم و يتملقهم ويكرمهم ~~تكريما و تعظيما لما في أيديهم و إذا رأى من قد منع هذا و زويت عنه الدنيا ~~ازدراه و حقره فلغلبه الشهوات يعظم أبناء الدنيا و يحقر أبناء الآخرة فهو ~~مستوجب لعنة الله تعالى لأنه مفتون يكرم مفتونا فأما عبد دقت الدنيا في ~~عينه و رحم أهل البلاء فهو يرى الغني مبتلى بغناه قد تراكمت عليه أثقال ~~النعمة و غرق في حسابها و عليه و بالها غدا فيرحمه في ذلك كالغريق الذي ~~يذهب به السيل فإذا لقيه أكرمه و بره على ما عوده الله تعالى إبقاء على ~~دينه لئلا يفسد فإنه قد تعزز بدنياه و تكبر وتاه و يعظم ذلك في نفسه فإذا ~~حقرته فقد أهلكته لأن عزه دنياه فإذا أسقطت عزه فقد سلبته دنياه وهذه ~~محاربه لا عشرة فعليك أن تبره و تكرمه مداريا له على دينه و رفقا به و ~~ترحمه بقلبك و قد صغر في عينيك ما خوله الله تعالى من الدنيا وهذا فعل ~~الأنيباء والأولياء و بذلك أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إذا ~~جاءكم كريم قوم فأكرموه # أراد من عوده قومه الاكرام من غير أن ينسمه إلى دين أو صلاح فإذا ~~PageV01P411 أنت مأجور باكرام من عوده قومه الاكرام فكيف من عوده الله ~~تعالى و أكرمه و نعمه كرامة الابتلاء فإذا رأى ذا نعمة عظمه في الظاهر ~~تعظيم بر ولطف ليبقى من دينه و دين نفسه و ليكون تدبير الله تعالى الذي ~~وضعه له في العز و التعظيم بمكانه و هو في الباطن قلبه منه بعيد وهكذا أهل ~~الفساد من الموحدين يلطف بهم و يرفق بهم في الظاهر إبقاء على أحوالهم في ~~امر دينهم و الرفق محبوب مبارك # عن عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يحب ~~الرفق كله # و ms200 قال عليه السلام من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا و الآخرة ~~و من حرم حظه من الرفق حرم حظه من خير الدنيا و الآخرة # و قال عليه السلام إذا أراد الله تعالى بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب ~~الرفق صدق رسول الله PageV01P412 # | - * الأصل الخامس و الثمانون # - * # | في أن المؤمن يموت بعرق الجبين # عن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما و كان بخراسان فدخل على ابن أخ له يعوده ~~فوجده في الموت فإذا هو يعرق جبينه فقال بريدة الله أكبر سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول المؤمن يموت بعرق الجبين # المؤمن لما رأى من ذنوبه في وقت مقدمه على ربه فتراءى له قبح ما جاء به ~~فيستحيي منه فيعرق لذلك وجهه لأن ما سفل منه قد مات و إنما بقيت قوى الحياة ~~و حركاتها فيما علا و الحياة في العينين و ذلك وقت الحياء و الرجاء و الأمل ~~فإذا عرق فذاك علامة الإيمان فأما الكافر ففي عمى عن هذا كله PageV01P413 # و عن سعيد بن سوفة قال دخلنا على سلمان الفارسي نعوده و هو مبطون فقال ~~إني محدثك حديثا لم أحدثه أحدا قبلك و لا أحدث أحدا بعدك سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول ارقبوا الميت عند موته فأما إن رشحت جبينه و ذرفت ~~عيناه و انتشر منخراه فهي رحمة من الله تعالى قد نزلت به فإن غط غطيط البكر ~~المخنوق و خمد لونه و أزبد شدقاه فهو عذاب من الله تعالى قد حل به ثم قال ~~لامرأته ما فعل المسك الذي جئنا به من بلنجر قالت هوذا قال فألقيه في الماء ~~ثم اضربي بعضه ببعض ثم انضحي حول فراشي فإنه يأتيني الآن قوم ليسوا بجن و ~~لا إنس ففعلت فقمنا من عنده ثم رجعنا فوجدناه قد قبض # و عن عبدالله قال موت المؤمن بعرق الجبين إن المؤمن يبقى عليه خطايا من ~~خطاياه فيجازف بها عند الموت فيعرق لذلك جبينه PageV01P414 الأصل السادس ~~والثمانون # | - * # في ms201 أن الكيس من أبصر العاقبة و الأحمق من عمي عنها $ # عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا قال يا نبي الله أي المؤمنين أكيس قال ~~أكثرهم ذكر للموت و أحسنهم له استعدادا و إذا دخل النور في القلب انفسح و ~~استوسع قالوا ما آية ذلك يا نبي الله قال الإنابة إلى دار الخلود و التجافي ~~عن دار الغرور و الاستعداد للموت قبل نزول الموت ثم قرأ @QB@ أفمن شرح الله ~~صدره للإسلام فهو على نور من ربه @QE@ # الموت عاقبة أمر الدنيا فالكيس من أبصر العاقبة والأحمق من عمي عنها بحجب ~~الشهوات التي قامت بين يدي قلبه فاقتضته إنجازها و جاءته PageV01P415 ~~الأماني بمواعيدها الكاذبة المخلقة فتقول له خذها ثم تتوب و أتته الشهوة و ~~تقول له خذني إليك ثم تستغفر فإن الله غفور للمذنبين و حبيب للتائبين فهذه ~~حجب كثيفة دون العاقبة فلا يراها والكيس من سعد بجميل نظر الله تعالى و ~~اعطى النور الزائد على نور الموحدين و هو نور اليقين يهتك هذا النور الحجب ~~و الدخان و الظلمة التي في الصدر من الشهوات فسكن الدخان و انقشعت الظلمة و ~~استنار الصدر فأبصر عاقبة أمره و أنها قاطعة لكل لذة و شهوة و حائلة بينه و ~~بين كل أمنية و أن عمره أنفاس معدودة لا يدري متى ينفد العدد فصار من ذلك ~~على خطر عظيم و لا يعلم متى يحل به الموت ويبغت به الأمر فيرحل إليه من دار ~~الغرور مغترا به مخدوعا عنه مع دنس المعاصي و قبح الآثام فلا و صول إلى ~~توبة و لا مهلة له في إنابة فيكون مقدمه مقدم العبيد الاباق الذين أمهلهم ~~الله في الدنيا و حلم عنهم و كانوا يحكمون لأنفسهم بما يشتهون في دنياهم ~~وهم مستدرجون في مكره فيردهم إليه و يحكم فيهم بما يستوجبون من إباقهم قال ~~الله تعالى ^ ثم ردوا إلى الله تعالى مولاهم الحق ألا له الحكم و هو أسرع ~~الحاسبين ^ فالكيس نظر بنوره الذي من الله تعالى عليه ms202 به فأبصر أن الموت ~~قاطع لكل لذة حائل بينه و بين التوبة فانكسر قلبه وذبلت نفسه و خمدت نار ~~شهوته و اكفهر الحق في وجه أمنيته واستعد لكل ذنب توبة واعتذارا ومكان كل ~~سيئة حسنة و استغفارا لتكون الحسنة غطاء للسيئة و التوبة محاء للخطيئة فهذا ~~تفسير قوله عليه السلام أكيسهم أكثرهم ذكرا للموت و أحسنهم له استعداد ~~فالاستعداد أن يجانب التخليض مجانبة لا يحتاج إلى استمهال إذا فاجأه أمر ~~الله تعالى و جاءته دعوته فيقول أمهلني حتى أتوب و أصلح أمري و حسن ~~الاستعداد أن يكون قد استعد للقائه والعرض عليه بعد علمه أن الموت يؤديه ~~إليه فطاب قلبه بالله PageV01P416 تعالى و روحه بالطاعة و نفسه تتجنب ~~الشهوات والمنى و رفض التدبير لنفسه و تفويض ذلك إلى خالقه # و هذا صفة أهل اليقين الذين قال الله تعالى فيهم @QB@ الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة @QE@ الآية تسلم عليهم ~~الملائكة من الله تعالى و تبشرهم بدخول الجنة من غير حبس في موطن أي حساب ~~في موقف و إنما سموا طيبين لأنه لم يبق فيهم تخليط فطابوا روحا و طابوا ~~قلبا و طابوا نفسا و أما أهل التخليط لا يقال لهم هذه الكلمة عند الموت و ~~إنما يقال لهم @QB@ طبتم فادخلوها خالدين @QE@ عند باب الجنة بعد ما محصوا ~~بعذاب القبر و أهوال القيامة و تناول النيران فيهم بلفحاتها على الصراط و ~~الحبس في العرض الأكبر فإذا خلي عنهم و بلغوا باب الجنة نودوا @QB@ سلام ~~عليكم طبتم فادخلوها خالدين @QE@ # و قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الناس يعرضون ثلاث ~~عرضات يوم القيامة # فأما عرضتان فجدال و معاذير و أما في العرضة الثالثة تطاير الصحف فالجدال ~~للأعداء لأنهم لا يعرفون ربهم فيظنون أنهم إذا جادلوه نجوا وقامت حججهم و ~~المعاذير لله الكريم يعتذر إلى أنبيائه عليهم السلام و يقيم حجته عندهم على ~~الأعداء ثم يبعثهم إلى النار قال عليه السلام لا أحد أحب إليه المدح من ms203 ~~الله تعالى و لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى PageV01P417 # و العرضة الثالثة للمؤمنين و هو العرض الأكبر وهم على ضربين منهم من نبهه ~~في الحياة الدنيا فكاد يموت حياء و فرقا فأعطى الأمان غدا من ذلك فإنه لن ~~يجمع ذلك على العبد في موطنين # قال عليه السلام قال ربكم و عزتي و جلالي لا أجمع على عبدي خوفين و لا ~~أجمع له أمنين فمن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة و من أمنني في الدنيا ~~أخفته في الآخرة # و منهم من يريد أن يعاتبه حتى يذوق و بال الحياء منه و يرفض عرقا بين ~~يديه و يفيض العرق منهم على اقدامهم من شدة الحياء ثم يغفر لهم و يرضى عنهم ~~فمن استحيى من الله تعالى في الدنيا مما صنع استحيى الله تعالى من تفتيشه و ~~سؤاله و لا يجمع عليه حيائين كما لا يجمع عليه خوفين و قد ستر محاسنه ~~مساويه حتى يصير في ستر محاسنه و ستر عليه علمه حتى لا يستحيي من الخلق و ~~من نفسه # و قوله عليه السلام إذا دخل النور القلب انفسح و انشرح فدخول النور في ~~القلب و الانفساح في الصدر فإن الصدر بيت القلب و منه تصدر الأمور فيدخل ~~النور في القلب و منه ينفسح الصدر وينشرح و يتسع لأن الصدر كان مظلما ~~بالشهوات المتراكمة فيه و الأماني و الفكر و عجائب النفس و دواهيها فكان ~~يضيق بأوامر الله تعالى لأنها خلاف امنيته و هواه فلما قذف بالنور فيه نفى ~~الظلمة وأشرق الصدر واتسع فيه أمر الله تعالى و نصائحه و آدابه و مواعظه ~~فهذا كله علامة الباطن وأما علامة الظاهر فثلاث خصال أشار عليه السلام ~~إليها بقوله الإنابة إلي دار الخلود و التجافي عن دار الغرور والاستعداد ~~للموت فأما الانابة PageV01P418 إلى دار الخلود فهي أعمال البر لأنها وضعت ~~جزاء لأعمال البر قال الله تعالى @QB@ جزاء بما كانوا يعملون @QE@ # فإذا إنكمش في أعمال البر فهو إنابته و أما التجافي عن دار ms204 الغرور فهو أن ~~يخمد حرصه على الدنيا و لها عن طلبها و أقبل على ما يعنيه منها و اكتفى بها ~~و قنع فقد تجافى عن دار الغرور # و أما الاستعداد للموت هو أن يعلم أنه ربما كان في قضاء شهوة في مساخط ~~الله تعالى و يخافض بأمر الله تعالى و يبغت بدعوته ولا بد من الإجابة في ~~أسرع من اللمحة فلا رجاء للمهلة و لا وصول إلى التوبة فيحكم أموره بالتقوى ~~فكان ناظرا في كل أمر واقفا متأثيا متثبتا حذرا يتورع عما يريبه إلى ما لا ~~يريبه فمن فعل ذلك فقد استعد للموت وإنما صارت له هذه الرؤيا بالنور الذي و ~~لج القلب PageV01P419 # | - * الأصل السابع و الثمانون # - * # | في أن من الناس مفاتيح للخير و من الناس ناس مفاتيح للشر # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس ناس ~~مفاتيح للخير مغاليق للشر و من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن ~~جعل مفاتيح الخير على يديه و ويل لمن جعل مفاتيح الشر على يديه # فالخير مرضاة الله والشر مسخطه وإذا رضي الله عن عبد كان علامة رضاه عنه ~~أن يجعله مفتاحا للخير فإن رؤي ذكر الخير برؤيته وإن حضر حضر معه الخير وإن ~~ذكر ذكر الخير معه وإن نطق نطق بخير وعليه من الله تعالى سمات ظاهرة تذكر ~~بالخير من لقيه يتقلب في الخير بعمل الخير و ينطق بالخير و يفكر في الخير و ~~يضمر على الخير و هو مفتاح الخير حيث ما حضر وسبب الخير لكل من خالطه أو ~~عاشره أو صحبه والآخر يتقلب في الشر يعمل بالشر و ينطق بالشر و يفكر بالشر ~~و يضمر على شر فهو مفتاح الشر حيثما حضر وسبب الشر لكل من PageV01P420 421 ~~@ خالطه أو صحبه فصحبة الأول دواء لا ترجع منه إلا بزيادة و صحبة الثاني ~~داء لا ترجع منه إلا بنقصان فمن كان بين يدي قلبه دنياه فإنما يفتتح بدنياه ~~إذا لقيك و من كان ms205 بين يدي قلبه آخرته فإنما يفتتح بآخرته إذا لقيك و من ~~كان بين يدي قلبه خالقه فإنما يفتتح بذكره إذا لقيك قل انما ينشر عليك بره ~~ويحدثك عما يطالع قلبه فالناطق عن دنياه يرغبك فيها و يزين لك أحوالها ~~فالاستمتاع منه سقم يورطك في ورطته و يلقيك في وهدته و الناطق عن آخرته ~~يرغبك فيها و يزين لك أحوالها ويقلل الدنيا في عينك ويزهدك فيها ويقف بك ~~منها على سبيل خطر لما يخبرك عن فتنها و غرورها و خدعها و أمانيها الكاذبة ~~و ما يلقى أهلها غدا من شدة الحساب و أهوال القيامة و الناطق عن الله تعالى ~~عز ذكره يقف بك على تدبير الله تعالى و على سبيل الاستقامة في العبودة و ~~يلهيك عن نفسك و عن الدارين لما يفتح عليك من منن الله تعالى و إحسانه و ~~لما يكشف عن آلاء الله من الغيوب المستترة التي حرم هذا الخلف معرفتها و ~~الانتباه لها حتى يؤديك إلى سنن التوحيد فيرقى بك إلى فردانيته فتتفرد ~~للفرد الواحد و هم الكبراء الذين روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال يا أبا جحيفة جالس الكبراء و خالل الحكماء و سائل العلماء # فالعلماء بعلم اموره ينطقون فالمسألة لهم تسائلهم عن حلال الله و حرامه و ~~الحكماء بعلم تدبيره ينطقون فالمخاللة لهم تخالله و تصير له مأمنا فيفضي ~~إليك حكمته و الكبراء بعلم آلائه ينطقون تكبروا في كبرياء الله و عظمته و ~~انفردوا في فردانيته و اعتزوا به فرؤيتهم دواء و كلامهم شفاء فالمجالسة ~~لهؤلاء فقد جعل الله تعالى في الخير من البركة ما يغلب الشر حيث ما كان ~~PageV01P421 # | - * الأصل الثامن و الثمانون # - * # | في أن إجماع الأمة حجة و اختلافهم رحمة # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجمع ~~الله أمتي أو هذه الأمة على ضلالة أبدا و يد الله على الجماعة هكذا فاتبعوا ~~السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار # وعد ms206 الله رسوله أن لا يزال دينه ظاهرا على الأديان عاليا غالبا لأهلها ~~النصرة معه حيثما كان قال تعالى ^ هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ~~ليظهره على الدين كله ^ # و هذا الدين يشتمل على الإيمان و الإسلام فجملة الإيمان هو الايمان بالله ~~وحده لا شريك له و بالرسل عليهم السلام و الكتب كلها PageV01P422 و ~~الملائكة و اليوم الآخر والبعث والجزاء والقدر خيره و شره هذا جملة الإيمان ~~و جملة الاسلام هي الصلوات الخمس بوضوئها في مواقيتها و الغسل من الجنابة و ~~الزكاة و الصوم و الحج و تحريم ما حرم الله و تحليل ما أحل الله تعالى هذه ~~جملة الإسلام و عليه السواد الأعظم لا يختلفون فيه فمن شذ عن شيء منه فجحده ~~فقد خرج من الشريعة و خاب من الإسلام و زاغ عن سبيل الهدى و شذ إلى النار ~~ثم للعلماء مداخل و مقال في الحوادث من طريق الاحكام و اختلافهم فيها رحمة ~~واسعة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من الله تعالى عليهم بذلك و سهل لهم ~~سبل النظر و الاجتهاد في الرأي فيما لم يجدوا فيه تنزيلا و لا سنة عن ~~الرسول عليه السلام PageV01P423 # | - * الأصل التاسع و الثمانون # - * # | في صفة الجنان الأربع # عن عبدالله بن قيس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جنان الفردوس أربع جنتان من فضة آنيتهما و ما فيهما و جنتان من ذهب آنيتهما ~~و ما فيهما و ما بين القوم و بين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على ~~وجهه في جنة عدن # هذا تأويل قوله تعالى ^ و لمن خاف مقام ربه جنتان ^ و قوله ^ و من دونهما ~~جنتان ^ و قد وصفهم الله تعالى في سورة الرحمن و قوله ما بين القوم و بين ~~أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء في جنة عدن PageV01P424 # فجنة عدن دار الرحمن و مقصورته و الفردوس جنات الأولياء والأنبياء عليهم ~~السلام بقرب جنة عدن فعدن كالمدينة و الفردوس كالقرى حولها ms207 فإذا تجلى الرب ~~لأهل الفردوس رفع الحجاب وهو رداء الكبرياء فينظرون إلى جلاله و جماله ~~فحجابه في جنات عدن رداء الكبرياء و في الدنيا النار # و قال عليه السلام حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه ~~بصره # وهذا لأن أيام الدنيا أيام الملك و السلطان و الربوبية و أيام الآخرة ~~أيام المجد و الكرم والبر و المفاوضة فقال ههنا حجاب وهناك رداء # قال عليه السلام ان من أهل الجنة من ينظر إلى الله تعالى غدوة وعشيا # و في حديث آخر أن أهل الجنة يزورون في كل يوم جمعة فينظرون إلى الله ~~تعالى و للقوم في ذلك منازل ودرجات متفاوته PageV01P425 PageV02P001 | 2 | ~~PageV02P001 # | - * الأصل التسعون # - * # | في الفرق بين حسن الأشياء عند أولي الألباب وبين حسنها عند السفهاء # عن عائشة رضي الله عنها قالت أهدى النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حلية فيها خاتم من ذهب فيه فص حبشي فأخذه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعود أو ببعض أصابعه و إنه لمعرض عنه ثم دعا ابنة ابنته امامة ابنة ~~أبي العاص فقال ( تحلي بهذا يا بنية ) # جعل صلى الله عليه وسلم الحلية زينة لجوارح الإنسان فإذا لبسها زانه لذلك ~~وإذا زانه حلاه فصار ذلك العضو أحلى في أعين الناظرين ولذا سمي حلية لأنه ~~تحلي تلك الجوارح في أعين الناظرين وفي قلوبهم قال الله تعالى ^ وتستخرجون ~~منه حلية تلبسونها ^ وهي اللؤلؤ فما كان من ذهب فللاناث ويحرم على الذكور و ~~ما كان من فضة أو جوهر فمطلق للرجال والنساء و قد لبس صلى الله عليه وسلم ~~أم خاتما اتخذه من فضة وفصه منه # وعن نافع أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم صاغت حليا بثلاثين ألف ~~PageV02P005 درهم وجعلته حبيسا على نساء آل عمر رضي الله عنه فلم تكن تؤدي ~~زكاته و قد خلق الله تعالى الآدمي خلقا سويا بارزا فضله قدمه على سائر ~~الخلق في أرضه وكل خلق ربي حسن قال الله تعالى ^ أحسن كل شيء خلقه ^ # و ms208 ظهر حسن الأشياء عند أولي الألباب و البصائر و العقول لأنهم ينظرون إلى ~~صنعه في الأمور وأحكامه ولطفه في الأشياء و ظهر الحسن عند السفهاء ما تحلو ~~في نفوسهم عند موافقة شهواتهم فإنهم ينظرون بعين الشهوة وهي سقيمة والحكماء ~~ينظرون بعين الحكمة وهي صحيحة والعارفون ينظرون بعين المعرفة إلى صنعه ~~ولطفه فتبارك الله أحسن الخالقين والزينة والحلية حق وإنما يفسدها الإرادة ~~والقصد فإذا كان الإرادة لله تعالى فقد أقام حقا من حقوق الله تعالى و عبد ~~الله باقامته وإذا كان لغير الله صار وبالا كسائر الأشياء ومثل ذلك ما يروى ~~أن جماعة أتو منزل زكريا عليه السلام فإذا فتاة جميلة رائعة أشرق لها البيت ~~حسنا قالوا من أنت قالت أنا إمرأة زكريا قالوا فيما بينهم كنا نرى نبي الله ~~لا يريد الدنيا فإذا هو قد اتخذ امرأة جميلة رائعة قالوا فأين هو قالت في ~~حائط آل فلان يعمل له فأتوه فإذا هو قرب رغيفين فأكل ولم يدعهم ثم قام فعمل ~~بقية عمله وقال لهم حاجتكم قالوا جئنا لأمر ولقد كان يغلبنا ما رأينا على ~~ما جئنا له فقال هاتوا قالوا أتينا منزلك فإذا امرأة جميلة رائعة وكنا نرى ~~نبي الله لا يريد الدنيا فقال إني إنما تزوجت امرأة جميلة رائعة لأكف بها ~~بصري و أحفظ بها فرجي قال فخرج نبي الله مما قالوا و قالوا و رأيناك قربت ~~رغيفين فأكلت و لم تدعنا قال إن القوم استأجروني على عمل فخشيت أن أضعف عن ~~عملهم إن لم آكل ولو أكلتم معي لم يكفني و لم يكفكم فخرج نبي الله مما ~~قالوا PageV02P006 # | - * الأصل الحادي والتسعون # - * # | في الخصال المنظومة للشكر # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو ~~على المنبر يخطب الناس وتلا هذه الآية ^ إعملوا آل داود شكرا و قليل من ~~عبادي الشكور ^ # ثم قال ( ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي داود فقيل له ما هي يا ~~رسول الله قال العدل في ms209 الرضى والغضب والقصد في الفقر والغنى و خشية الله ~~في السر والعلانية ) # معناه أن هذه الخصال منتظمة للشكر من أتى الله بهن فهو شاكر وهو قوله ~~عليه السلام ( ثلاث منجيات و ثلاث مهلكات فأما المنجيات فخشية الله في السر ~~والعلانية و الحكم بالحق عند الرضى والغضب والاقتصاد عند الفقر والغنى و ~~أما المهلكات فشح مطاع و هوى متبع وإعجاب المرء بنفسه ) PageV02P007 # و قد أمر الله آل داود أن يعملوا شكرا أي يعملوا عملا يكون ذلك العمل ~~شكرا لما آتاهم من النعم وفضلهم بها فأجمل عليه السلام لهذه الأمة في ثلاث ~~خصال فقال من أوتيهن فقد أوتي الشكر فهو شاكر كشكر آل داود صلى الله عليه ~~وسلم ويجوز أن يكون معناه أن الأشياء التي أعطيت داود وسليمان عليهما ~~السلام فاستعملاها من أجلي شكرا لي ولم يبطروا بهذه النعمة فيغفلوا عني بل ~~صيروا استعمالها لي فصار شكرا وإذا أوتي العبد هذه الخصال الثلاث قوي على ~~ما قوي عليه آل داود عليه السلام PageV02P008 # | - * الأصل الثاني والتسعون # - * # | في الحث على ترك ما لا يعني # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من ~~حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) # الأشياء لا تكون قبيحة ولا حسنة في نفسها و إنما تحسن وتقبح بالشرع و ~~لهذا كان فيما تقدم من الشرائع أفعال قد أطلق الله تعالى فيها فكان غير ~~قبيح فلما حرمه حل به القبح كنكاح الأخوات و الجمع بين الأختين كان مطلقا ~~وكان حسنا فلما حرمها صارت فاحشة ومقتا و المسلم قد اعتقد بقلبه وحدانية ~~الله تعالى لا شريك له وعرفه ربا أسلم نفسه إليه و صار له عبدا بكل ما يأمر ~~و ينهى و يحكم ويشاء فامرهم بالحق و زجرهم من الباطل وبين الحق والباطل ~~PageV02P009 في تنزيله الكريم فكل شيء يعرض للمؤمن فلم يعنه تركه من فضول ~~الأشياء و فضول الطعام و فضول الكلام و فضول المال و فضول الأعمال و الأمور ~~التي له منها يد و ms210 غنى فترك هذه الفضولات دليل على حسن إسلام نفسه إلى ربه ~~و بذله عبودية له PageV02P010 # | - * الأصل الثالث والتسعون # - * # | في التعوذ بنسبة الحق تعالى # عن عثمان رضي الله عنه قال دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني ~~فقال أعيذك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد من ~~شر ما تجد فرددها سبعا فلما أراد القيام قال ( تعوذ بها فما تعوذ بخير منها ~~يا عثمان فمن تعوذ بها فقد تعوذ بما يعدل ثلث القرآن و بنسبة الله تعالى ~~التي رضيها لنفسه ) PageV02P011 # | - * الأصل الرابع والتسعون # - * # | في حكمة الله تعالى فيما نهى عن قتله و أمر بقتله # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل ~~النملة والنحلة و الهدهد والصرد # خلق الله تعالى في الأرض أمما ثم خلق آدم عليه السلام و أبرز فضله على ~~سائر البرية بأن سخر له ما في السموات و ما في الأرض قال الله تعالى @QB@ ~~خلق لكم ما في الأرض جميعا @QE@ بأن فضل الآدمي على سائر الأمم قال الله ~~تعالى ^ و لقد كرمنا بني آدم ^ الآية # و عن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( إن ~~الله تعالى خلق ألف أمة ستمائة في البحر و أربعمائة في البر و إن ~~PageV02P012 أول هلاك هذه الأمة الجراد فإذا هلكت الجراد تتابعته الأمم مثل ~~نظام السلك إذا انقطع ) # و إنما تهلك الأمم لهلاك الآدميين لأنها سخرت لهم و من فضل الآدميين على ~~سائر الأمم أن جميعها يعودون ترابا يوم القيامة والآدميون يوقفون للثواب ~~والعقاب والآدميون و غيرهم من الأمم جواهر على اختلاف تربتها التي منها ~~خلقت و قال صلى الله عليه وسلم ( إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من ~~جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأحمر و الأسود و الأبيض ~~و السهل و الحزن و الخبيث و الطيب ) # فكما ترى في بني آدم جواهرهم ms211 حتى يظهر منهم معالي الأخلاق ومدانيها كذلك ~~في سائر هذه الأشياء من الدواب و الوحوش و الطير فالحية أبدت جوهرها حيث ~~خانت آدم عليه السلام حتى لعنت و أخرجت من الجنة فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقتلها وقال ( اقتلوها و إن كنتم في الصلاة ) و الوزغة أبدت ~~جوهرها فنفخت على نار نمرود عليه اللعنة فلعنت # قال عليه السلام ( من قتل وزغة فكأنما قتل كافرا ) # و الفأر أبدت جوهرها فكن يقرضن حبال سفينة نوح عليه السلام PageV02P013 ~~فشكى نوح إلى الله تعالى فأوحى إليه أن امسح جبهة الأسد فعطس فخرج سنوران ~~فأكلا الفار ثم كثرت العذرة في السفينة فأوحى إليه أن امسح ذنب الفيل فنثر ~~خنزيران فاكلا العذرة و الغراب أبدى جوهره حيث بعثه نوح عليه السلام من ~~السفينة ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره و أقبل على جيفة و الحمار أبدى جوهره ~~حيث تلوط و نزا على ذكر # قال ابن سيرين ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار ~~والضفدع أبدى جوهره حيث جاء بالماء ليطفىء عن إبراهيم عليه السلام ناره ~~فأثيب أن جعل مكانه الماء و أنها أكثر الدواب تسبيحا و النملة أبدت جوهرها ~~حيث أثنت على سليمان عليه السلام فقالت @QB@ لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم ~~لا يشعرون @QE@ و النحلة مذكورة في التنزيل قال الله تعالى @QB@ أن اتخذي ~~من الجبال بيوتا @QE@ # و الهدهد كان رسول سليمان عليه السلام الي بلقيس و حامل كتابه و المؤدي ~~عنها خبرها إلى سليمان عليه السلام و الصرد يقال له صرد الصوام # قال أبو هريرة رضي الله عنه أول طير صام الصرد لما خرج إبراهيم عليه ~~السلام من الشام إلى الحرم في بناء البيت كانت السكينة معه والصرد وكان ~~الصرد دليله إلى الموضع والسكينة مقداره فلما صار إلى البقعة وقفت السكينة ~~على موضع البيت ونادت ابن يا إبراهيم على مقدار ظلي # نهى عن قتل النملة لأنها أثنت على سليمان عليه السلام بأبلغ ما تقدر ونهى ~~عن قتل النحل لأن فيه شفاء ms212 PageV02P014 # قال أبو هريرة رضي الله عنه الذبان كلها في النار يجعلها عذابا لأهل ~~النار إلا النحل # و نهى عن قتل العنكبوت لأنه نسج على غار رسول الله صلى الله عليه وسلم و ~~عن الهدهد لأنه كان دليل سليمان عليه السلام على الماء و عن الضفدعة لأنها ~~كانت تصب الماء على نار إبراهيم عليه السلام و عن الصرد لأنه دل إبراهيم ~~عليه السلام على البيت فقد علم الله سبحانه من جواهر هذا الخلق فاختار ~~لمحبوبه من الأمور من قد علم طيب جوهره و أظهر الآخرون بأفعالهم خبث ~~جواهرهم مثل الفأرة والغراب والوزغة و الحية ويحل قتلها من غير أذى فأما ~~غير ذلك إذا آذى فيحل قتله و دفع شره عن نفسه # و عن زيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تسبوا الديك فإنه يدعو ~~إلى الصلاة ) PageV02P015 # | - * الأصل الخامس والتسعون # - * # | في سر قوله تعالى @QB@ من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا @QE@ # عن حيان قال صحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة فقال لنافع لا تمر بي على ~~المصلوب يعني ابن الزبير قال فما فجئه في جوف الليل أن صك محمله جذعه فجلس ~~يمسح عينيه ثم قال يرحمك الله أبا خبيب ان كنت و ان كنت و لقد سمعت أباك ~~الزبير يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يعمل سوء يجز به في ~~الدنيا أو في الآخرة فإن يك هذا بذاك فهمه همه قال الله تعالى @QB@ من يعمل ~~سوءا يجز به @QE@ و هذا عام # ثم ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يجز به في الدنيا أو الآخرة و ~~ليس يجمع الجزاء في الموطنين # و روي أنه لما نزل قوله تعالى @QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ قال أبو بكر ~~رضي الله عنه يا رسول الله ما هذه ببقية منا قال يا أبا بكر إنما يجزى به ~~المؤمن في الدنيا ويجزى بها الكافر يوم القيامة PageV02P016 # و في رواية أخرى قال ألست تنصب ms213 ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء قال بلى قال ~~فذلك ما تجزون به # وقول ابن عمر ان يك هذا بذاك فهمه همه فإن ابن الزبير قاتل في حرم الله و ~~أحدث فيهما حدثا عظيما حتى أحرق البيت و رمى الحجر الأسود بالمنجنيق فانصدع ~~حتى ضبب بالفضة فهو إلى يومنا كذلك و سمع للبيت أنينا آه آه # و قد قال عليه السلام يوم فتح مكة إنها لا تحل لأحد بعدي وإنما احلت لي ~~ساعة من نهار و انها حرمت يوم خلق الله السموات والأرض # فلما رأى ابن عمر فعله ثم رآه مصلوبا ذكر قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال ذلك و ذلك لأن المؤمن من يجزى بالسوء في الدنيا بالنصب و التعب و ~~نوائب الدنيا الحزن والغم و الكافر يصيبه ذلك وليس ذاك جزاء له بالسوء الذي ~~قد عمل و ادخر جزاؤه إلى يوم القيامة لأن جميع ما يصيب الكافر من المصائب ~~لا يصبر فيها و إن صبر فصبره تجلد لا حسبة وتسليم و المؤمن في كل ذلك صابر ~~محتسب مذعن و الكافر ساخط على ربه مضمر على عداوته لأن المؤمن حبب إليه ~~الإيمان وزين في قلبه فالتذت نفسه وطابت فلان القلب ورق الفؤاد و راحت ~~النفس و طابت بلذتها فانقاد له و استسلم و ألقي بيديه سلما فان جاءته أحوال ~~المكاره تحملها و هو في ذلك راض عنه طيب النفس يحمده بلسانه و يرجوه بقلبه ~~و طابت نفسه بما يرى من رحمة PageV02P017 الله تعالى عليه بأنه قد محصه و ~~طهره و إذا خرج من الدنيا انقطع رجاؤه من جميع الخلق و كان متعلق رجائه ~~خالقه فإذا أعطى صحيفته يوم القيامة فأتى على سيئاته قيل له تجاوز عن ~~قراءتها فقد تجاوزنا عنك بما أصابك في الدنيا # قال صلى الله عليه وسلم ( ما من شيء يصيب المؤمن من حزن و لا نصب ولا وصب ~~حتى الهم يهمه إلا أن الله تعالى يكفر عنه سيئاته ) # و في رواية عائشة رضي الله عنها ms214 قال صلى الله عليه وسلم ( لا تصيب المؤمن ~~شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه خطيئة ) # و من ههنا قيل إن المرض إذا كان عقوبة لا يقبل الدواء لأنه قد جوزي بها ~~في الدنيا # قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء ~~فإذا كانت عقوبة فلا دواء له حتى تنقضي مدة العقوبة وينزل العفو إن شاء ~~الله تعالى ) PageV02P018 # | - * الأصل السادس و التسعون # - * # | في القبلة و تقبيل الباكورة # عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي ~~بالباكورة من كل شيء قبلها و وضعها على عينه اليمنى ثلاثا ثم على عينه ~~اليسرى ثلاثا ثم يقول ( اللهم كما بلغتنا أولها فبلغنا آخرها ثم يعطيها ~~أصغر الولدان ) # القبلة على وجوه قبلة شهوة و قبلة رحمة و قبلة حنين و قبلة اشتياق و كلها ~~عبادة إذا أريد بها وجه الله تعالى و أصلها من القلب لأن الرأفة و الرحمة ~~معدنهما القلب ثم تصير الرحمة منها إلى الكبد و الرأفة إلى الطحال و لذلك ~~قال علي كرم الله وجهه الرحمة في الكبد و الرأفة في الطحال # فإذا تقلب القلب بما فيه من الرأفة فارت الرأفة و إنما قيل رأفة ~~PageV02P019 لأنه يرؤف ويفور بحرارته و الرؤف و الفؤر بمعنى واحد و إذا فار ~~خرجت حرارته من فم القلب إلى الصدر و فار إلى الحلق فاستعمل الشفتين بذلك و ~~هو تقبيلهما لتقليب القلب بالرأفة فقبل و قبل و قلب بمعنى واحد إلاأن في ~~الشفتين قبل و في القلب قلب و إنما يفور ذلك من نور الإيمان و كانت ~~الأنبياء عليهم السلام أعظم نورا و أوفر حظا من الرأفة إذا عرفت هذا فقبلة ~~الشهوة للزوجة و ذاك من الرحمة و المودة التي جعلت بين الزوجين قال الله ~~تعالى ^ وجعل بينكم مودة و رحمة ^ # و الرأفة و الرحمة يهيجان الشهوة لأنها حارة وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقبل عائشة و ms215 يمص لسانها و هو صائم و أما قبلة الرحمة فهي ~~للولدان و من أشبههم و إذا قبله فمن رحمته له من لأنه ريحان الله تعالى ~~وكان يستروح إلى تقبيل الولد # قال صلى الله عليه وسلم حين قبل الحسن ( إنكم لتبخلون أو تجهلون وتجبنون ~~و أنتم لمن ريحان الله تعالى ) و في رواية ( من ريحان الجنة ) # وأما قبلة الحنين فهي للحجر الأسود فكان إذا قبل الحجر قبله حنينا إلى ~~الجنة لأنه من الجنة والجنة دار الله تعالى وإنما يحن الأنبياء عليهم ~~السلام إلى دار الله تعالى لأجل الله سبحانه وتعالى لا من أجل التنعم قال ~~صلى الله عليه وسلم لعمر حين قبل الحجر وبكى ههنا تسكب العبرات و أما قبلة ~~الاشتياق فهي للباكورة لأنه يرى أثر صنعه لعباده فأول ما تخرج الثمرة طريا ~~لم تدنس بظلمة الدنيا و هو فلقها قال الله تعالى @QB@ فالق الحب والنوى ~~@QE@ PageV02P020 # فإذا رأى الباكورة و هو الذي قد ابتكر بخروجه تحرك نور الإيمان بما أبصر ~~من صنعه ولطفه فانقلب بالرأفة التي فيه فانفلق القلب أي فتح بابه فخرجت تلك ~~الحرارة من القلب إلى الفم فاستعمل الشفتين بالحركة فيقبلها ثم يضعها على ~~عينه و أشفاره إكراما وتعظيما له ثم يدعو بذلك الدعاء ثم يعطيها من لم ~~يتدنس بالذنوب و هو الصبي لأن القلم عنه مرفوع و الرحمة عليه ظاهرة و لا ~~يؤاخذ بذنب PageV02P021 # | - * الأصل السابع والتسعون # - * # | في أن رهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله تعالى # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لكل أمة ~~رهبانية و رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله ) # فالرهبانية و السياحة قد كانت في الأمم الماضية كان أحدهم إذا علاه الخوف ~~والرهبة من الله تعالى ساح في البراري واتخذ صومعة في برية فترهب بها لتدوم ~~رهبته في تلك العزلة ليستعين بها على بذل النفس لله تعالى عبودة و أعطى ~~الله تعالى هذه الأمة السيف يضربون به وجوه أعدائه و يضربون قال الله تعالى ~~@QB@ يقاتلون في سبيل ms216 الله فيقتلون ويقتلون @QE@ # و هذه أعظم الامتحان في بذل النفس فمن تلقى سيوف العدو بوجهه فقد صدق ~~الله تعالى في بذل النفس له عبودة فهي رهبانية هذه الأمة ورسولنا صلى الله ~~عليه وسلم مبعوث بالجهاد و الحرب عن الله تعالى حمية له و نصرة لحقه و ~~كلمته العليا قال صلى الله عليه وسلم ( إن الله تعالى PageV02P022 بعثني ~~بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له و جعل رزقي تحت ظل ~~رمحي و جعل الذلة على من خالف أمري و من تشبه بقوم فهو منهم ) PageV02P023 # | - * الأصل الثامن والتسعون # - * # | في دعوة المغموم # عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دعوة فشغله إعربي فلما قام تبعته فلما خفت أن يسبقني إلى بيته ضربت بقدمي ~~على الأرض فالتفت فقال أبو إسحاق مه قلت يا رسول الله دعوة ذكرتها فشغلك ~~الإعرابي قال ( نعم دعوة ذي النون في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين ما دعا بها مسلم إلا استجيب له ) # العبد إذا وحده و نفى عنه الشرك ثم نزهه عما رآه عليه من السوء و اعترف ~~بأنه من الظالمين تكرم عليه ربه و تفضل على العبد فلم يخيبه فيما أمل و رجا ~~و كذلك وعد الله في تنزيله الكريم فقال ^ و ذا النون إذا ذهب مغاضبا ^ ~~الآية PageV02P024 # | - * الأصل التاسع و التسعون # - * # | في أن هدى الله تعالى على لسان الناطقين بالحق # عن أبي رافع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لأن ~~يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس ) # الهدى على يديه شعبة من الرسالة لأن الرسل عليهم السلام بعثت لتؤدي عن ~~الله تعالى عز و جل و تهدي عباده فالرسول هاد بما جاء من البيان و الله ~~هادي القلوب يهدي القلوب بما يهدي رسوله بالمنطق بيانا و أداء عنه فمن كان ~~داعيا إلى الله فهدى الله به عبدا فقد أخذ ms217 شعبة من الرسالة و احتظى من ثواب ~~الرسل حظا من الكرامة فلذلك صار خيرا له مما طلعت عليه الشمس قال الله ~~تعالى ( يا داود لأن تأتيني بعبد آبق أحب إلي من عبادة الثقلين ) # و إذا هدى الله تعالى قلبا على لسان ناطق بالهدى فقد أكرم الناطق بجزيل ~~الكرامة فمن إحدى الكرامات أن جعل لكلامه حكم الصدق و العدالة في القلوب و ~~كساه من النور كسوة تلج آذان السامعين من PageV02P025 تلك الكسوة فتخرق حجب ~~الشهوات حتى تصل إلى مستقر الإيمان من قلوبهم فيحيي ما مات منهم و يشفي ما ~~سقم منهم و جعل له من السلطان ما يذهل نفوس المخاطبين عن شهواتهم فيأخذ ~~بنواصي قلوب العبيد الاباق فيردهم إلى الله تعالى جذبا وجعله من العملة ~~الحرثة للقلوب يبذر بذره فيزرعه الله و ينميه # و روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من ~~أفضل ما أعطي العبد في الدنيا العافية و من أفضل ما أعطي العبد في الآخرة ~~المغفرة و من أفضل ما أعطي العبد من نفسه موعظة حسنه صدر بها قوم عن خير ) ~~PageV02P026 # | - * الأصل المائة # - * # | في حقيقة النصح لله تعالى و بيان سره # عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال الله ~~عز و جل أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي # فالنصح له الاقبال عليه بالعبودية و أن يرفض جميع مشيئاته بمشيئة مولاه و ~~أن لا يخلط بالعبودية شيئا من شأن الأحرار و أفعالهم فيكون في سره و ~~علانيته قد آثر أمر الله تعالى على هواه و آثر حق الله الكريم على شهوات ~~نفسه فهذا هو النصح لله تعالى # روي أبو امامة رضي الله عنه قال قال الحواريون لعيسى بن مريم عليه السلام ~~ما الناصح لله قال الذي يبدأ بحق الله قبل حق الناس و يؤثر حق الله تعالى ~~على حق الناس و إذا عرض أمران أحدهما للدنيا و الآخر للآخرة بدأ بأمر ~~الآخرة قبل أمر ms218 الدنيا # و هذا درجة المقتصدين و أما المقربون فقد جاوزوا هذه الخطة بجميع ~~PageV02P027 أمورهم كلها للآخرة لأنها صارت لله تعالى و قد ماتت نفوسهم عن ~~أن تأخذ بحظها من الأعمال وحيت قلوبهم بالله تعالى فاستوى عندهم عمل الدنيا ~~والآخرة وحقوق الله تعالى وحقوق الناس فصارت كلها حقوق الله تعالى عندهم و ~~لهذا كان صلى الله عليه وسلم يصلي و هو حامل أمامة بنت زينب فإذ سجد وضعها ~~و إذا قام رفعها # و روى شداد بن الهادي عن أبيه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في إحدى صلاتي العشاء و هو حامل إحدى ابني ابنته الحسن أو الحسين ~~فتقدم فوضعه عند قدمه اليمنى ثم صلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها قال ~~أبي فرفعت رأسي من بين الناس و إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد و ~~إذا الغلام على ظهره فعدت فسجدت فلما قضى صلاته قيل يا رسول الله لقد سجدت ~~سجدة ما كنت تسجدها أفشيء أمرت به أم كان يوحي إليك قال كل لم يكن و لكن ~~ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته # و عن علقمة قال قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم و معهم ~~هدية فقبضها ثم جلسوا و شغلوه بالمسألة فما صلى الظهر إلا عند العصر ~~فالأنبياء والأولياء المقربون عليهم السلام قد تخلصوا من نفوسهم فأعمالهم ~~خالصة لله تعالى دنيا كانت أو آخرة حق الله تعالى كان أو حق الناس لأن ~~الأمور قد صارت لهم معاينة بنور يقينهم و علموا أن الدنيا و الآخرة لله ~~تعالى و أن حق الناس هو حق الله تعالى أوجبه عليهم و هم في قبضة الله تعالى ~~يستعملهم في أمور دنياهم و أخراهم و حقوقه و حقوق الناس كيف شاء و قد ~~فارقهم المقتصدون في ذلك لأنهم قد احتاجوا إلى تقديم الأمرين و تمييز ~~الحقين لأنهم لما يفارقوا PageV02P028 أنفسهم فأي عمل عملوه من دنيا و آخرة ~~فحظوظ نفوسهم فيها قائمة لأن شهواتهم ms219 عاملة تأخذ بحظها فإذا اجتمع عليهم ~~أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة أو حقان أحدهما لله تعالى و الآخر للناس ~~فشهواتهم عاملة في أمر دنياهم منزوعة في أمر آخرتهم فمن نصيحتهم لله تعالى ~~أن يؤثروا الأمر الذي لا شهوة لنفوسهم فيه و يؤخروا ما فيه حظ للنفس # كما يروى عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت يا رسول الله إن بني أبي ~~سلمة في حجري و ليس لهم شيء إلا ما أنفقت عليه أفلي أجر إن أنفقت عليهم ~~فقال صلى الله عليه وسلم أنفقي عليهم فإن لك أجر ما أنفقت عليهم # فإذن المقتصد إذا صلى أو قرأ القرآن أو عمل شيئا من هذه الأعمال عدها ~~آخرة و إذا أكل أو شرب أو نام أو جامع عدها دنيا لأنه لا يقدر أن يخلصها ~~حتى يصفو من الشهوة النفسية فافترق أمراه دنيا و آخرة فما كان من أمر ~~الآخرة أمكنه تصفيته على حسب طاقته وما كان من أمر دنياه فالشهوة غالبة ~~عليه قاهرة له فمن النصح له أن يبدأ بأمر الآخرة و أما المقرب فقد صارت ~~شهوته منية فالفرق بين الشهوة و المنية أن النفس صارت حية بشهوتها فإذا عرض ~~لها ما تلتذ به اهتشت النفس بالعجلة إليه حرصا و شرها فتلك شهوة و المنية ~~لما ماتت شهوة النفس حيي القلب بالله تعالى فإذا عرض لها ما تلتذ به بالله ~~تعالى لحظت إلى الله تعالى و راقبت تدبيره فإن أعطيت أخذت و إن منعت قنعت ~~فتلك منية فالمقرب منيته فيما دبر الله تعالى له يراقب ما يبدو له من غيب ~~الملكوت فيتلقاه بالرضاء و الذلة والانقياد و القبول عبودة لله تعالى و ~~مسكنة فصارت الأمور كلها آخرة عنده و الحقوق كلها حقوق الله تعالى فالغالب ~~على أمور المقرب ذكر الله تعالى و الغالب على أمور المقتصد ذكر النفس ~~PageV02P029 # قال علي كرم الله وجهه في وصف الشيخين أن أبا بكر كان أواه القلب منيبا و ~~أن عمر كان عبدا ناصحا لله تعالى فنصحه ms220 # فالأواه لا يميز بين الأمرين لأنهما كلهما لله تعالى و ليس فيهما ذكر ~~النفس والناصح لله عبد تفرد لله تعالى بقيام حقوقه فكلما اجتمع أمران للنفس ~~في أحدهما نصيب آثر الذي لا نصيب لها فيه و بدأ به ففعل عمر رضي الله عنه ~~في الظاهر فعل المقتصدين و في الباطن من المقربين لأن المقربين صنفان صنف ~~منهم قد انفردوا في فردانيته فخلت قلوبهم من ذكر نفوسهم و الله تعالى ~~يستعملهم و وحدانيته تملك قلوبهم و هذه صفة أبي بكر رضي الله عنه و صنف ~~منهم لم يصلوا إلى هذه الخطة قد انكشف على قلوبهم من جلال الله تعالى و ~~عظمته ما ملأت قلوبهم من هيبته فهم القائمون على نفوسهم فلا يدعونها تلحظ ~~إلا إلى حق فالحق يستعملهم و الهيبة تملك قلوبهم و عمر رضي الله عنه منهم # روى كعب بن مالك أن أبا بكر رضي الله عنه أتى من اليمن بثلاثة سيوف أحدها ~~محلي فقال ابنه عبدالله بن أبي بكر مر لي بهذا السيف المحلي فقال أبو بكر ~~رضي الله عنه فهو لك فقال عمر رضي الله عنه بل إياي فاعطني فقال أبو بكر ~~فأنت أحق به فأخذه عمر رضي الله عنه فانقلب عمر بالسيف إلى منزله فراح و قد ~~جعل حلية السيف في ظبية و النصل معه فقال عمر يا أبا بكر استعن بهذه الحلية ~~على بعض ما يعروك و رمى بالنصل إلى عبدالله ابن أبي بكر و قال و الله ما ~~صنعت هذا نفاسة عليك يا أبا بكر و لكن للنظر لك فبكى أبو بكر رضي الله عنه ~~و قال يرحمك الله يرحمك الله # دق عند أبي بكر شأن ذلك السيف و حليه فلم يظهر على قلبه قدر ذلك فاستوى ~~عنده سؤال ولده و سؤال الأجنبي فأنعم ثم لما PageV02P030 سأله الأولى آثره ~~عليه و عمر نظر إلى الحق و إلى تدبير الحق فإن من تدبير الحق جل جلاله أن ~~ينزع الحلية فيستعين بها في النوائب و في النصل ms221 بلا حلية كفاية و تابعه أبو ~~بكر رضي الله عنه في ذلك لأنه أشار إلى الحق و بكى فرحا بما وجد من التأييد ~~و العون فيما قلده الله تعالى عند أخيه و صاحبه و دعا له بالرحمة لما وجده ~~ناصحا لله تعالى و لإمامه مشفقا عليه و لكن فعل أبي بكر فعل الرسل عليهم ~~السلام فالرسول و من في درجته قريب منه في سعة عظيمة من ملكه و فعل عمر رضي ~~الله عنه فعل المحقين لأنهم في أمر عظيم من القيام بحقه حزما و احتياطا و ~~صحة و تقويما # و قد روى زيد بن أسلم عن أبيه قال قدم عبدالله و عبيدالله ابنا عمر رضي ~~الله عنهم على أبي موسى الأشعري من مغربي لهما فقال أبو موسى وددت أني قدرت ~~أن أنفعكما قال ثم قال ههنا من مال الله فخذاه فاشتريا به تجارة من تجارة ~~المدينة واضمناه فإذا قدمتما فأديا المال إلى أمير المؤمنين و كتب إلى عمر ~~رضي الله عنه أن اقبض منهما كذا و كذا فلما قدما على عمر رضي الله عنه قال ~~لهما أديا المال و ربحه فأما عبدالله فسكت و أما عبيد الله فقال يا أمير ~~المؤمنين أرأيت لو تلف هذا المال أما كنت تأخذه منا قال بلى قال فلم تأخذ ~~الربح فقال رجل في مجلسه يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا قال فقاسمهما ~~الربح و أخذ المال فهذه معاملة عمر مع ولده و مع سائر الخلق إقامة الحق ~~ونصرته في الأمور كلها # قال صلى الله عليه وسلم إن الله ضرب الحق على لسان عمر و قلبه وقال في ~~رواية الحق بعدي مع عمر و قلبه و قال في رواية الحق بعدي مع عمر حيث كان ~~PageV02P031 # ووصفه ابن عباس رضي الله عنهما فقال كان عمر رضي الله عنه كالطير الحذر ~~الذي يرى أن له في كل طريق شركا فهذا شأن النصحاء لله تعالى # و روى جابر رضي الله عنه قال دخل أبو بكر رضي الله عنه ms222 على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم و كان يضرب بالدف عنده فقعد و لم يزجر لما رأى من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فجاء عمر رضي الله عنه فلما سمع رسول الله صوته كف عن ~~ذلك فلما خرجا قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله كان حلالا فلما دخل ~~عمر صار حراما فقال صلى الله عليه وسلم يا عائشة ليس كل الناس مرخيا عليه # فهذه كلمة تكشف لك أن المقربين صنفان صنف منهم قلوبهم في جلاله و عظمته ~~هائمه فقد ملكتهم هيبته فالحق سبحانه و تعالى يستعملهم في كل أمر فهم ~~مشرفون على الأمور مشمرون لها و صنف آخر قد أرخى من عنانه فالأمر عليه أسهل ~~لأنه قد جاوز قلبه هذه الخطة فقلبه في محل الشفقة في ملك الوحدانية و كلما ~~كان القلب محله أعلى و من القربة أوفر حظا كان الأمر عليه أوسع و هذا لأن ~~الله تعالى تلطف بلطفه بعبده المؤمن فإذا علم منه أن نفسه صعبة و أنه محتاج ~~إلى اللجام ألجمها بلجام الهيبة و أبدى على قلبه من سلطانه و عظمته لئلا ~~يفسد و إذا علم أن نفسه لينة كريمة أرخى من عنانه فأبدى على قلبه من ~~الوحدانية والفردانية ما انفرد له قلبه و نفسه و ماتت شهوته و ذهل عن ذكر ~~نفسه فهو يستعمله و هو يكلؤه فالمحق في الظاهر أعلا فعلا عند أهله و الأواه ~~في الباطن أعلا PageV02P032 # | - * الأصل الحادي والمائة # - * # | في أن العقوبة لا تثني في الآخرة # عن علي كرم الله وجهه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصاب في ~~الدنيا ذنبا فعوقب به فالله أعدل من أن يثني عليه عقوبته و من أذنب في ~~الدنيا ذنبا فستره الله و عفا عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء و قد عفا ~~عنه قال الله تعالى ^ و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفو عن ~~كثير ^ و الكثير من الله تعالى لا يحصى عددا # و ms223 قد بين صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ما يعفى عنه مما لا يعفى فقال ~~من أذنب ذنبا فستره الله ذكر الستر و قوله تعالى ^ و يعفو عن كثير ^ هم ~~الذين قد ستر الله عليهم فإذا دام هذا الستر لهم فالله سبحانه و تعالى أكرم ~~من أن يهتك ما قد ستره أيام الدنيا PageV02P033 # و قال صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى لأنا أكرم و أعظم عفوا من أن ~~أستر على عبد لي مسلم في الدنيا ثم أفضحه بعد أن سترته و لا أزال أغفر ~~لعبدي ما استغفرني # و قال عليه السلام يقول الله تعالى إني لأجدني أستحيي من عبدي يرفع يديه ~~إلى ثم أردهما صفرا قالت الملائكة إلهنا ليس لذلك بأهل قال الله تعالى لكني ~~أهل التقوى و أهل المغفرة و أشهدكم أني قد غفرت له # قال و يقول الله تعالى إني لاستحيي من عبدي و أمتي يشيبان في الإسلام ثم ~~أعذبهما بعد ذلك في النار # فنستغفر الله العظيم PageV02P034 # | - * الأصل الثاني والمائة # - * # | فيما كتب على جباه الجهنميين و جباه المتحابين في الله # عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يدخل قوم ~~النار حتى إذا صاروا فحما أخرجوا فأدخلوا الجنة فيقول أهل الجنة من هؤلاء ~~فيقال الجهنميون # هؤلاء قوم موحدون وحدوا الله تعالى بألسنتهم و قلوبهم و ضيعوا العبودة ~~التي أوجبها الله تعالى على خلقه امتحانا فهم مكذبون في الظاهر مصدقون في ~~الباطن فقدموا عليه مع كذب الظاهر و صدق الباطن و إنما و كل الحق بفعل ~~الظاهر فهو يقتضي الخلق القيام بذلك قال الله تعالى ^ و ما خلقت الجن و ~~الإنس إلا ليعبدون ^ # فإذا كان يوم الجزاء جاء الحق تعالى يقتضي حقه فلم يجد عندهم PageV02P035 ~~شيئا فحبسهم في النار ثم تدركهم رحمته و يترك ما وجب له من العبودة و يهبها ~~منهم و يعتقهم و يكتب على جباههم الجهنميون عتقاء الله تعالى و في رواية ~~محرري الرحمن رحمهم بصدق الباطن و ms224 أنهم كانوا لا يلتفتون إلى غيره و لا ~~يشركون به # و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ~~الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي ثم ماتوا عليها فهم في الباب ~~الأول من جهنم لا تسود وجوههم و لا تزرق أعينهم و لا يغلون بالأغلال و لا ~~يقرنون مع الشياطين و لا يضربون بالمقامع و لا يطرحون في الأدراك فمنهم من ~~يمكث ساعة ثم يخرج و منهم من يمكث فيها يوما ثم يخرج و منهم من يمكث فيها ~~شهرا ثم يخرج و منهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج و أطوالهم مكثا فيها مثل ~~الدنيا من يوم خلقت إلى يوم أقتت و ذلك سبعة آلاف سنة ثم إن الله عز و جل ~~إذا أراد أن يخرج الموحدين منها قذف في قلوب أهل الأديان فقالوا لهم كنا ~~نحن و أنتم جميعا في الدنيا فآمنتم و كذبنا وأقررتم و جحدنا فما أغنى عنكم ~~فنحن و أنتم اليوم فيها جميعا سواء تعذبون كنا نعذب و تخلدون كما نخلد ~~فيغضب الله تعالى عند ذلك غضبا لم يغضبه في شيء فيما مضى ولا يغضب في شيء ~~فيما بقي فيخرج أهل التوحيد منها إلى عين بين الجنة و الصراط يقال لها نهر ~~الحياة فيرش عليهم من الماء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ما يلي ~~الظل منها أخضر و ما يلي الشمس منها أصفر ثم يدخلون الجنة فيكتب في جباههم ~~عتقاء الله من النار إلا رجلا واحدا فإنه يمكث فيها بعدهم ألف سنة ثم ينادي ~~يا حنان يا منان فيبعث الله إليه ملكا ليخرجه فيخوض في النار في طلبه سبعين ~~عاما لا يقدر عليه ثم يرجع فيقول يا رب إنك أمرتني أن أخرج عبدك فلانا من ~~النار و إني أطلب في النار منذ سبعين سنة فلم أقدر عليه فيقول الله تعالى ~~انطلق فهو في وادي كذا و كذا تحت صخرة فأخرجه فيذهب فيخرجه منها فيدخله ~~الجنة ms225 PageV02P036 PageV02P037 تحت صخرة فأخرجه فيذهب فيخرجه منها فيدخله ~~الجنة # ثم إن الجهنميين يطلبون إلى الله تعالى أن يمحو ذلك الاسم عنهم فيبعث ~~ملكا فيمحو عن جباههم ذلك ثم إنه قال لأهل الجنة و من دخلها من الجهنميين ~~اطلعوا إلى النار فيطلعون إليهم فيرى الرجل أباه و يرى أخاه و يرى جاره و ~~يرى صديقه و يرى العبد مولاه ثم إن الله تعالى يبعث إليهم ملائكة بأطباق من ~~نار و مسامير من نار و عمد من نار فيطبق عليهم بتلك الأطباق و يشد بتلك ~~المسامير و يمد بتلك العمد ولا يبقى فيه خلل يدخل فيه روح ولا يخرج منه غم ~~و ينساهم الجبار على عرشه ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم و لا يستغيثون بعدها ~~أبدا و ينقطع الكلام فيكون كلامهم زفيرا و شهيقا فذلك قوله تعالى ^ إنها ~~عليهم مؤصدة في عمد ممدة ^ # أحب الله تعالى أن يظهر عذره عند أهل الجنان في تأخرهم دخول الجنة و أنهم ~~لم يدخلوها إلا برحمته و لم ينالوا جواره إلا بكرمه و هؤلاء قوم لم يتخلصوا ~~من نفوسهم في الآخرة كما لم يتخلصوا في الدنيا طرفة عين و أنفوا من هذا ~~الاسم أن ينسبوا إلى جهنم و استحيوا من إخوانهم و أرادوا أن تكون العقوبة ~~التي حلت بهم مستورة عند أهل الجنة و لا يدري أحد أنهم ممن ابتلوا بهوان ~~الله و عقوبته أنفة و ذهابا بنفسه و ليس في الجنة أذى إنما هي محشوة بكرم ~~رب العزة فترك الله تعالى محبته لمحابهم و محى عنهم ذلك الاسم تكرما و ~~تفضلا و إتماما للمن عليهم ولو كان لهم من الانسانية والتكرم لما آثروا ~~محابهم على محابه و لو كان المحبون له ابتلوا بهذا لم يسألوه أبدا أن يمحو ~~اسمه من جباههم و الكتابة على الجباه سيماهم في الجنان كما كتبت على جباه ~~أهل الصفوة والأولياء عليهم السلام هؤلاء المتحابون في الله PageV02P037 # روى ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~المتحابين ms226 في الله لعلى عمود من ياقوتة حمراء في رأس العمود سبعون ألف غرفة ~~يضيء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا يقول بعضهم لبعض انطلقوا ~~بنا ننظر إلى المتحابين في الله فإذا أشرفوا عليهم أضاء حسنهم أهل الجنة ~~كما تضيء الشمس أهل الدنيا عليهم ثياب خضر من سندس مكتوب على جباههم هؤلاء ~~المتحابون في الله PageV02P038 # | - * الأصل الثالث والمائة # - * # | في علامات أولياء الله تعالى # عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال قيل يا رسول الله من أولياء الله قال ~~الذين إذا رأوا ذكر الله # و في رواية أخرى عنه قيل يا رسول الله أي جلسائنا خير قال من ذكركم بالله ~~رؤيته و زاد في أعمالكم منطقه و ذكركم بالآخرة عمله # و في رواية عبدالله بن عمرو رضي الله عنه و قال صلى الله عليه وسلم ~~خياركم من ذكركم بالله رؤيته و زاد في عملكم منطقه و رغبكم في الآخرة عمله ~~و هم الأولياء الذين عليهم سمات ظاهرة من الله تعالى قد علاهم بهاء القربة ~~و نور الجلال و هيبة الكبرياء و أنس الوقار PageV02P039 فإذا نظر الناظر ~~إليه ذكر الله لما رأى عليه من آثار الملكوت والقلب معدن هذه الأشياء و ~~مستقر النور و شرب الوجه من ماء القلب فإذا كان على القلب نور سلطان الوعد ~~و الوعيد تأدي إلى الوجه ذلك النور فإذا وقع بصرك عليه ذكرك البر والتقوى و ~~وقع عليك منه مهابة الصلاح والعلم بأمور الله تعالى و متى كان على القلب ~~نور سلطان الحق ذكرك الصدق والحق و وقع عليك مهابة الحق والاستقامة و إذا ~~كان عليه نور سلطان الله تعالى و عظمته و جلاله ذكرك عظمته و جلاله و ~~سلطانه و إذا كان على القلب نوره و هو نور الأنوار بهتك رؤيته فكل نور من ~~هذه الأنوار كان في قلب فشرب وجهه من تلك الأنوار التي فيه لا غير قال الله ~~تعالى ^ و لقاهم نضرة و سرورا ^ أي سرورا في القلب و نضرة في الوجه ms227 فإذا سر ~~القلب برضاء الله تعالى عن العبد و بما يشرق قلبه و صدره من نوره حيث ينكشف ~~الغطاء نضرت الوجوه بما ولجت القلوب و هو الذي دله عليه السلام على الذكر ~~عند رؤيته وصيره علامة لأهل ولايته و الناس على ثلاث طبقات كل طبقة تعرف ~~بما عندها و هم رجال ما عندهم فرجال هم علماء بأمور الله تعالى من الحلال ~~والحرام فعليهم سمات العلم و بالعلم يعرفون و رجال هم علماء بتدبير الله ~~تعالى فعليهم سمات الحكمة وبالحكمة يعرفون ورجال هم علماء بالله تعالى ~~فعليهم سمات نوره وهيبته فبالله يعرفون فهم أولياء الله و هم الذين قال ~~عنهم عليه السلام لأبي جحيفة سائل العلماء و خالط الحكماء و جالس الكبراء ~~لأن في مجالستهم شفاء و في رؤيتهم دواء و سائر الناس عمال و عباد و أهل بر ~~وتقوى بذلك يعرفون وإلى أعمالهم ينسبون يقال هذا رجل زاهد و هذا رجل متق ~~فإذا جاء الولي ذهب هذا الذكر من القلوب وغلب على قلوب الناظرين ذكر الله ~~تعالى PageV02P040 # روى عمرو بن الجموح رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول قال الله تعالى إن أوليائي من عبادي و أحبائي من خلقي الذين يذكرون ~~بذكري و أذكر بذكرهم # و عن أنس رضي الله عنه يقول قالوا يا رسول الله أينا أفضل كي نتخذه جليسا ~~معلما قال الذين إذا رأوا ذكر الله لرؤيتهم # و قوله يزيد في عملكم منطقه لأنه عن الله ينطق و من كان يذكر بالله رؤيته ~~يزيد في العمل منطقه والناطق صنفان فصنف ينطق بالعلم عن الصحف تحفظا و عن ~~أفواه الرجال تلقفا و صنف ينطق بذلك العلم عن الله تلقيا فالذي ينطق عن ~~الصحف و هو غير عامل به يلج آذان المستمعين عريان بلا كسوة والذي ينطق كذلك ~~و هو عامل به يلج آذانهم عاريا خلق الكسوة لأنه لم يخرج من قلب نوراني و ~~إنما خرج من قلب دنس و صدر مظلم و إيمان مغشوش ms228 بحب الرياسة والعز و الشح ~~على حطام الدنيا و الذي ينطق عن الله تعالى إنما يلج آذان المستمعين مع ~~الكسوة التي تخرق كل حجاب وهو نور الله تعالى لأنه خرج من قلب مشحون بالنور ~~و صدر مشرق به فإذا خرج المنطق مع ذلك النور فولج آذان المستمعين خرق هذا ~~النور كل حجاب قد تراكم على قلوب المخلطين من رين الذنوب و ظلمة الشهوات و ~~محبة الدنيا فخلصته إلى نور التوحيد فأنارته و مثل ذلك مثل جمرة قد أحاط ~~بها الرماد فذهب بحرها و ضيائها فلما وصلت النفخة إليها طيرت الرماد عنها ~~فتلهبت و أضاءت البيت كذلك الكلمة التي تخرج من الناطق PageV02P041 عن الله ~~تعالى تخرج من نور و كسوته النور فإذا وصل إلى الصدر خرقت حجب الظلمات حتى ~~وصلت إلى القلب فأثارت نور التوحيد فأضاءت البيت فاستغفر وبكى و ندم و أبصر ~~قال الله تعالى ^ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني ^ ~~أي على معاينة و هذا لمن تفرغ من نفسه و اشتغل بالله تعالى فأما من ليس ~~عبدا لله تعالى ولا هو لله عز و جل و إنما قلبه عبد نفسه و لنفسه و مشغول ~~بشهوته و نهمته فكيف يدعو إلى الله تعالى # و قوله يزيد في عملكم منطقه فإنه إذا نطق نطق بآلاء الله تعالى و تدبيره ~~و صنعه فأما آلاء الله تعالى فهو ما أبدا من الهيبة في وحدانيته كالجلال ~~والجمال و العظمة والهيبة والكبرياء والبهاء و السلطان و العز و الفخر فهذه ~~صفات على قلوب الأنبياء والأولياء عليهم السلام فتمالكوا مع ذلك و احتملته ~~عقولهم و أما تدبيره فما دبر من خلقهم من تراب ثم جعل فيهم أرواحا سماوية ~~ثم أعطاهم جوارح قوالب لتلك الأرواح ثم اضطرهم إلى التربية و المعاش ثم دبر ~~لهم الموت ثم هيأ لهم يوما يحاسبهم و يفتشهم و يقتضيهم حقه فيه ثم جعل ~~ممرهم إلى الجنة على متن النار ثم أكرم و أهان و أدنى و ms229 أقصى وحرم و أعطى و ~~أبرز عدله ثم أفضل على من شاء بجوده و كرمه و منته فهذا من تدبيره منذ أبدا ~~خلقه و أما صنعه فأحوال العباد في الدنيا كيف يفقر و كيف يغني ويعز و يذل و ~~يملك وينزع الملك ويبتلي و يعافي و يغير الأحوال ساعة فساعة # و قوله و يرغبكم في الآخرة عمله لأن على عمله نورا و على أركانه خشوعا و ~~على تصرفه فيها صدق العبودة مع البهاء و الوقار والحلاوة و المهابة لأنه ~~عمل على معنى المعاينة وعامل الله بتلك الأعمال PageV02P042 عبودة لا ~~متاجرة فإذا رآه الراءون تقاصرت إليهم أعمالهم و هم في تلك الأعمال ~~بأعيانها و ليس لأعمالهم ذلك النور و تلك المهابة والحلاوة لأنهم يعاملون ~~على الرغبة و الرهبة والخوف و الطمع و هؤلاء أهل اليقين يعاملونه على ~~المعاينة على الشوق و المحبة عبودة له قد سبت قلوبهم محبته فعملوا على ~~اليسر وطيب و النفس # قال بعض الأنبياء عليهم السلام لبعض العباد أنتم تعملون على الرغبة و ~~الرهبة و نحن نعمل على الشوق والمحبة وشتان ما بين عبدين أحدهما يعمل لخوف ~~و عيد مولاه و حرمان وعده و الآخر يعمل لمولاه شفقة على عمله و نصحا له و ~~تذللا و تخشعا و محبة له و شغوفا به # قال صلى الله عليه وسلم لعوف بن مالك الجشمي رضي الله عنه أرأيت لو كان ~~لك عبدان أحدهما يخونك و يكذبك و الآخر يصدقك و لا يخونك أيهما أحب إليك ~~قال الذي يصدقني و لا يخونني قال فكذلك أنتم عند ربكم PageV02P043 # | - * الأصل الرابع و المائة # - * # | في أن التمطر من امارات المشتاقين إلى الله تعالى # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال أصابتنا السماء و نحن مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في مطر فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الثوب عن رأسه ~~حتى أصابه من المطر فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا قال لأنه قريب عهد بربه ~~سبحانه # هذا فعل المشتاقين ms230 و أولاهم بالله أشدهم شوقا و كلما ازداد العبد انتباها ~~و يقظة ازداد شوقا و كمدا و كان صلى الله عليه وسلم طويل الفكر دائم ~~الاحزان و لا يكون حزنه إلا من الحبس عن لقاء الصفاء فأعلاهم منزلة و ~~أقربهم قربا و أشدهم حرقة في القلوب شوقا و ينتظر متى يدعى فيجيب فكأنه صلى ~~الله عليه وسلم وجد روحا إلى ذلك المطر بما وصف من حداثة عهده بربه عز و جل ~~و كذلك جد المشتاق إلى لقاء من غاب عنه فهو قلق لمكانه فإذا ورد عليه منه ~~كتاب أو شيء PageV02P044 من آثاره كان له فيه أنس و إليه استرواح و به تلذذ # و روي عن موسى عليه السلام أنه كان يخرج إلى طور سيناء فربما ضاق عليه ~~الأمر في الطريق فشق قميصه من شدة الشوق و العجلة التي كانت تأخذه و هو ~~الذي حمله على سؤال الرؤية لما سمع الكلام قلق و غلي شوقه غلي المرجل و ضاق ~~به الأمر ففزع إلى الرؤية طمعا لتسكين غليانه فاعلم الله تعالى أنه لا ~~يحتمل ذلك فأبى عليه و ألقى إليه عذره بأن جعل الجبل دكا يعلمه أنك لا تقدر ~~احتمال ذلك لأن الجبل حجر و حديد و صخر و أنت لحم و دم # و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~قوله تعالى @QB@ رب أرني أنظر إليك @QE@ قال تعالى يا موسى لن تراني إنه لا ~~يراني حي إلا مات و لا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تفرق إنما يراني أهل ~~الجنة الذين لا تموت أعينهم و لا تبلى أجسادهم # و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أسألك الشوق إلى لقائك و لذة ~~النظر إلى وجهك الكريم # و عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اجعل في دعائك ارزقني لذة النظر إلى وجهك الكريم و الشوق إلى لقائك ~~PageV02P045 # | - * الأصل الخامس و المائة # - * # | في أن ms231 مناولة المسكين تقي ميتة السوء و أن خصلتين لا يكلهما إلى أحد # عن حارثة بن النعمان أنه جعل خيطا من مصلاه إلى باب حجرته و كان قد ذهب ~~بصره فيضع مكتلا فيه تمر وغير ذلك فكان إذا أسلم المسكين أخذ من ذلك المكتل ~~ثم أخذ الخيط حتى ينتهي إلى باب الحجرة فيناول المسكين فكان أهله يقولون ~~نحن نكفيك فيقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان مناولة المسكين ~~تقي ميتة السوء # ففي مناولة المسكين خصلة تعلو الخصال لأن الله تعالى قد شرف هذه الأمة من ~~بين الأمم و عظم شأنها و أكرمها بفضل يقينها و جعل صدقاتها تؤخذ من ~~أغنيائها فترد إلى فقرائها فيبقى النفع فيهم و كانت الأمم من بني إسرائيل ~~صدقاتها و قرباتها توضع فتجيء نار فتقبله و تترك من لم يتقبل منه فيصير ~~منهتك الستر و كانت نفوسهم لا تسخوا إلا على عيان وجهر حتى بلغ بهم أن ~~قالوا لموسى عليه السلام PageV02P046 @QB@ أرنا الله جهرة @QE@ و أيدت هذه ~~الأمة بفضل يقين فعلموا أن الشيء إذا أعطوه لله تعالى أن الله لا يضيعه و ~~تفضل عليهم أن ولي أخذ صدقاتهم بنفسه الكريمة فلم يكلها إلى ملائكته ولا ~~إلى أحد من خلقه قال الله تعالى ^ و هو الذي يقبل التوبة عن عباده و يأخذ ~~الصدقات ^ # و لهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لايكل خصلتين إلى أحد فكان يمشي ~~بالصدقة إلى المسكين و يستقي لوضوء الماء و لا يكله إلى أحد # و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم و ~~الذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقه حسنة طيبة فيضعها في حق إلا كانت تقع ~~في يد الرحمن يربيها كما يربي أحدكم فصيله أو فلوه حتى أن التمرة واللقمة ~~لتصير مثل الجبل العظيم ثم قرأ ^ يمحق الله الربا و يربي الصدقات ^ # و قال عليه السلام إن الصدقة لو جرت على يد سبعين نفسا لكان أجر أحدهم ~~مثل أجر ms232 آخرهم # و معناه أن هذه الأيدي كلها منتهية إلى يد الله تعالى بنقل تلك الصدقة ~~PageV02P047 # و كان علي بن حسين رضي الله عنه إذا أعطى لسائل شيئا قبله و وضعه على يده ~~و إنما قبله لأنه علم من يأخذه # و قوله صلى الله عليه وسلم مناولة المسكين تقي ميتة السوء لأنه يصير ~~بالمناولة في قرب الله تعالى و من وقع في قرب الله كان له مأمنا و ذمة و ~~كان في ذمته و يوقى مصارع السوء و ميتة السوء أن يموت مصرا على معصيته أو ~~قانطا من رحمته أو يفجأه الموت من غير توبة فمن كان في ذمة الله وقي هذه ~~الأشياء # قال صلى الله عليه وسلم من صلى الغداة فهو في ذمة الله لأنه شهد الله عز ~~و جل و ملائكته قال تعالى @QB@ إن قرآن الفجر كان مشهودا @QE@ معناه ليشهد ~~الله و ملائكته PageV02P048 # | - * الأصل السادس والمائة # - * # | في حقيقة الزهاد و حقيقة الإيمان و حقيقة الإخلاص # عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس ~~الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا باضاعة المال و لكن الزهادة أن لا ~~يكون شيء مما في يديك أوثق منك مما في يدي الله تعالى و أن يكون ثواب ~~المصيبة أحب إليه من أن لو نفيت المصيبة عنه و لكل حق حقيقة ولا يبلغ العبد ~~حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه و ان ما أخطأه لم يكن ~~ليصيبه و لكل حق حقيقه ولا يبلغ العبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمد في ~~كل شيء يعمله لله تعالى PageV02P049 # الزهد القلة فالزاهد قلت في عينه الدنيا بما فتح له من الغيب فرأى الآخرة ~~ببصر قلبه فاستقل هذه و تهاون بها و شخص بصره إلى ضامن الرزق الذي ضمن له ~~رزقه و وثق بضمانه و صار هذا الذي في يده كأنه أودع وديعة و كل بحفظها على ~~نوائب الحق لينفقها هناك و ضمان الرب لعبده الرزق له ms233 أوكد عنده و أعظم شأنا ~~من أن يتلف مما في يده و يكون ثواب المصيبة آثر عنده من أن لو بقي عنده ذلك ~~الشيء لأن الشيء من الدنيا و قد دق في عينه و الثواب من الآخرة و قد عظم في ~~عينه # فأما من لم يفتح بصره في الآخرة و عظم قدر الدنيا في عينه حتى وجد شيئا ~~منها إحتدت مخاليبه فيها و علق قلبه بها و لم يستبن عند قلبه ضمان الرزق و ~~كلما ذكر الفقر أو حبس في نفسه خيفة فركن إلى ما في يده فهذا و ان جانب ~~الدنيا و لبس المسوح و أكل الحشيش فليس بزاهد إنما هو متزهد يتكلف الزهد ~~بجوارحه # و قوله ولا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ~~فالموحدون كلهم يعلمون هذا علم اللسان و لكن لا تستقر قلوبهم مع هذه الكلمة ~~و لهذا يفرون من المخلوق فرارا فيه عصيان الله تعالى فأما أهل اليقين فقد ~~استقر هذا العلم في قلوبهم و انشرحت به صدورهم فكانوا في النوائب كرأي ~~العين أن هذا الذي ناب قد كان في سابق العلم ثم تصور عندهم كونه في اللوح ~~مسطورا فاستقرت نفوسهم لعلم يقينهم بذلك فهذا حقيقة الإيمان # و أما حقيقة الإخلاص فأن ينفي عن قلبه و صدره حب المحمدة والثناء و يكون ~~مخلصا لله تعالى في أمور يعملها من أعمال البر و ذلك لأن النفس تحب المحمدة ~~و الثناء لينفذ قوله و ينال نهمته في دنياه من خلقه و يقول بلسان التوحيد ~~هذا كله من الله تعالى ثم تراه معلق القلب بخلقه طامعا فيما لديهم غير ناج ~~من التزين والترايئ PageV02P050 يريد بذلك التحمد عندهم لتنال النفس ما ~~تطمع فيه و لم يبلغ حقيقة الاخلاص حتى استنار صدره بالإيمان و تعلق قلبه ~~بالله تعالى و ينجو من الخلق والأسباب و شخصت آماله إلى خالقه فينبىء الخلق ~~ما تصور في صدره مما تنطق الألسنة به من قوله لا مانع لما أعطي ولا ms234 معطي ~~لما منع PageV02P051 # | - * الأصل السابع و المائة # - * # | في أن الله تعالى أحق أن يستحيي منه # عن بهز بن حكيم عن جده عن أبيه رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله ~~عوراتنا ما نأتي منها و ما نذر قال احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت ~~يمينك # قلت أرأيت إذا كان القوم بعضهم في بعض # قال فإن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها # قلت أفرأيت إذا كان أحدنا خاليا # قال صلى الله عليه وسلم فالله سبحانه و تعالى أحق أن يستحيي منه # فالعورة كانت مستورة من آدم و حواء عليهما السلام و عاشا و دخلا ~~PageV02P052 الجنة فلما خرجا من ستر الله تعالى بالخطيئة و أكلا من الشجرة ~~و إنكشفت سوآتهما أمرا بالستر قال تعالى @QB@ ينزع عنهما لباسهما ليريهما ~~سوآتهما @QE@ # و الزوجة و ملك اليمين مطلق في ملامستهما فيحل النظر إليهما قال الله ~~تعالى ^ و الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فانهم غير ملومين ^ # إلا أن الحياء يحجر صاحبه عن ذلك و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتوقى أن يرى أحد من نسائه عورته # قالت عائشة رضي الله عنها ما رأيت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم و ~~ما رأى مني قط # و أما إذا كان خاليا فتعرى و لم يحتشم عن ذلك فهذا قلبه غافل عن الله ~~تعالى لم يعلم أن الله تعالى يراه ثم لا يأخذه الحياء ولا يثقل ذلك عليه # قال أبو بكر رضي الله عنه إني لأدخل الخلاء فأقنع رأسي حياء من الله ~~تعالى # و كان عثمان رضي الله عنه إذا اغتسل اغتسل في بيت مظلم PageV02P053 # | - * الأصل الثامن و المائة # - * # | في فضل الإحسان إلى اليتيم # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن إلى ~~يتيم أو يتيمة كنت أنا و هو في الجنة كهاتين و قرن بين اصبعيه # و في رواية أخرى أنا و كافل اليتيم له و لغيره ms235 إذا اتقى الله في الجنة ~~كهاتين # إنما فاق هذا سائر الأعمال لأن اليتيم افتقد بر أبيه و لطفه و تعاهده و ~~مصالح أموره و الله تعالى ولي ذلك كله يجريها على الأسباب فإذا قبض أبوه ~~فهو الولي لذلك اليتيم في جميع أموره يبتلي به عبيده لينظر أيهم يتولى ذلك # قال موسى عليه السلام يا رب أتميت أبوي الصبي و من لا PageV02P054 حيلة ~~له و تدعه هكذا قال يا موسى أما ترضى بي كافلا # فاليتيم كافله خالقه لأنه قطع عنه من كان قيض له و طوى عنه أسبابه فمن مد ~~يده إلى كفالته فانما ذلك عمل يعمله عن الله تعالى لا عن نفسه كما أن الرسل ~~عليهم السلام يعملون عن الله تعالى يؤدون عنه حججه إلى خلقه و بيانه و ~~هدايته و الذي يكفل اليتيم يؤدي عن الله تعالى ما تكفل به فلذلك صار بالقرب ~~منه في الدرجة في ذلك الموقف و ليس في الجنة بقعة أروح و لا أطيب و لا أنور ~~ولا آمن من البقعة التي يكون بها الرسل عليهم السلام فإذا نال كافل اليتيم ~~القرب من تلك البقعة فقد سعد جده و أما سائر الأعمال سوى الجهاد فيعمله ~~العمال عن أنفسهم و الجهاد فيه ذب عن الدين و إعلاء كلمة الله تعالى فهم ~~على أثر الأنبياء عليهم السلام يومئذ و بالقرب منهم و قد ذكر الله تعالى ~~شأن العفو فقال ^ و من عفا و أصلح فأجره على الله ^ # و لم يوجد شيء من أعمال البر أجره مضمونا في عاجل الدنيا غير العفو لأن ~~الرجل إذا ظلم وقع قلبه في سجن المعصية و صار محجوبا عن الله تعالى فهو و ~~إن تاب فهو غير مقبول منه حتى يتحلل المظلوم فيهب ظلامته فيكون في خذلان من ~~ربه و عمى عن رؤية الحق تعالى فإذا رحمه هذا المظلوم لما يعلم من فساد قلبه ~~و عفا و أصلح ما فسد من قلبه لسؤال ربه المغفرة له فإنما عمل لله تعالى لا ~~لنفسه ms236 فأجره على الله تعالى في عاجل الدنيا قال تعالى ^ و لمن صبر و غفر إن ~~ذلك لمن عزم الأمور ^ # فسمى سؤال الغفران له من عزم الأمور فقد أخذ هذا الذي عفا PageV02P055 و ~~طلب له المغفرة بحظ من أمر أولي العزم و كان أولي العزم من الرسل عليهم ~~السلام من يضر به قومه حتى تسيل دموعه على وجنته فاذا أفاق اللهم قال اغفر ~~لقومي فانهم لا يعلمون # و عن الحسن رضي الله عنه قال ينادي مناد يوم القيامة ألا من كان له على ~~الله أجر فليقم فلا يقوم إلا من عفا الله تعالى PageV02P056 # | - * الأصل التاسع والمائة # - * # | في أن الحوض لا يرده من كذب به # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي حوضا ما ~~بين عدن إلى عمان آنيته عدد نجوم السماء و له ميزابان أحدهما من ورق و ~~الآخر من ذهب يمدانه من الجنة لا يرد عليه من كذبه # فالحياض يوم القيامة للرسل عليهم السلام لكل على قدره و قدر تبعه و قد ~~هيأ له مشربا يروى منه فلا يظمأ بعدها أبدا # عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من ~~يدعى يوم القيامة أنا فأقوم و ألبي ثم يؤذن لي بالسجود فأسجد له سجدة يرضى ~~بها عني ثم يأذن لي فأرفع و أدعو بدعاء يرضاه عني فقلنا يا رسول الله و كيف ~~تعرف أمتك يوم القيامة # قال يقومون غرا محجلين من آثار الطهور و يردون إلى الحوض PageV02P057 ما ~~بين بصرى إلى صنعاء أشد بياضا من اللبن و أحلى من العسل و أبرد من الثلج و ~~أطيب ريحا من المسك فيه من الآنية عدد نجوم السماء من ورده فشرب منه لم ~~يظمأ بعده أبدا و من صرف عنه لم يرو بعده أبدا ثم يعرض الناس على الصراط ~~فيمر أوائلهم كالبرق ثم يمرون كالريح ثم يمرون كالطرف ثم يمرون كأجود الخيل ~~و الركاب و على كل ms237 حال و هي الأعمال والملائكة جانبي الصراط يقولون رب سلم ~~سلم فسالم ناج و مخدوش ناج و مرسل في النار و جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع ~~فيها رب العالمين ما شاء أن يضع فتنزوي و تنقبض و تغرغر كما تغرغر المزادة ~~الجديدة إذا ملئت و تقول قط قط PageV02P058 # | - * الأصل العاشر والمائة # - * # | في أن الولد من ريحان الله تعالى # عن أنس رضي الله عنه قال لما قبض إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدرجوه في أكفانه حتى أنظر ~~إليه فأتاه و انكب عليه و بكى # الولد من ريحان الله تعالى يشمه المؤمن فيلتذ به قال صلى الله عليه وسلم ~~إنكم لتجهلون و لتجبنون و تبخلون و انكم لمن ريحان الله تعالى # فكأنه صلى الله عليه وسلم أحب أن يتزود من ريحان الله تعالى آخر ~~PageV02P059 العهد به و لذلك قيل ريح الولد ريح الجنة فكان صلى الله عليه ~~وسلم يفعل فعل المشتاقين إذا هاج غليان الشوق إلى الله تعالى و لهذا كان ~~إذا مطرت السماء تجرد و كشف عن رأسه و أبرز ثم يتلقاه بجسده و يقول إنه ~~حديث العهد بربه و كان ينكب على الحجر الأسنود و يقول ههنا تسكب العبرات ~~ألا ترى أنه كان يستبطىء جبرئيل عليه السلام في مجيئه حتى قال يا محمد ما ~~نتنزل إلا بأمر ربك فانكبابه على إبراهيم صلى الله عليه وسلم تزود منه و ~~بكاؤه توجع منه لمفارقة من يشمه ريحانا من الله تعالى فنسب إلى الله تعالى ~~لأنه هبة الله و الهبة منه حشوها البر و اللطف و ظاهرها الابتلاء قال تعالى ~~^ يهب لمن يشاء إناثا و يهب لمن يشاء الذكور ^ # و قال صلى الله عليه وسلم أولادكم من هبة الله تعالى لكم فكلوا من كسبكم ~~PageV02P060 # | - * الأصل الحادي عشر والمائة # - * # | في أن إقراض الله تعالى سفاتج الآخرة و سره # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال لما نزلت @QB@ من ذا الذي ms238 يقرض الله قرضا ~~حسنا @QE@ قال أبو الدحداح الأنصاري أو أن الله تعالى يريد القرض منا قال ~~نعم يا أبا الدحداح قال أرني يدك يا رسول الله بأبي أنت وأمي قال فناوله ~~يده قال فإني أقرضت ربي حائطي فيه ستمائة نخلة قال فجاء إليه فنادى و هو ~~خارج من الحائط يا أم الدحداح مرتين قالت لبيك قال اخرجي فقد أقرضت ربي عز ~~وجل # القرض سفاتج الآخرة فان الله تعالى خلق هذا المال قواما لمعاش بني آدم و ~~جعل قوام الروح به فأحبه الآدمي على قدر نفعه منه و المحبة لازقة بالقلب ~~لأنها تخلص إلى حبة القلب أي باطنه وشهوته PageV02P061 و إنما هما بضعتان ~~قلب وفؤاد فالقلب ما بطن والفؤاد البضعة التي قد اشتملت على قلبه و في ~~الفؤاد العين والأذن قال الله تعالى @QB@ ما كذب الفؤاد ما رأى @QE@ # نسب الرؤية إلى الفؤاد ثم قد يجتمعان في اسم واحد فيقال للكل قلب كما قيل ~~نفس # و قال صلى الله عليه وسلم أتاكم أهل اليمن ألين قلوبا و أرق أفئدة وصف ~~القلب باللين و الفؤاد بالرقة و ذلك لأن القلب بضعة لحم في بضعة أخرى ~~فالقلب ما بطن منه و الفؤاد ما ظهر منه و فيه العينان و الأذنان يقال في ~~اللغة لخبز الملة خبز فئيد إذا كان له ظهارة و بطانة فنور التوحيد في القلب ~~و شهوة النفس قد خلصت إلى حبة القلب فلصقت به و ذاك معدن الإيمان و الحكمة ~~و العلم و مستقر النور و ليس بموضع شهوة فإن الشهوة داء القلب و سقم ~~الإيمان # قال صلى الله عليه وسلم حبك الشيء يعمي و يصم PageV02P062 فإذا خلص حب ~~الشهوات إلى القلب فقد أعمى بصر القلب و أصم أذنه لأنه صار سميعا و بصيرا ~~بالنور فإذا خالطه حب الشهوات و دخانها ثقل الأذن وغشي البصر و من ههنا قال ~~صلى الله عليه وسلم لسلمان رضي الله عنه قل اللهم إني أسألك صحة في الإيمان # سأل الصحة من السقم و سقم الإيمان ms239 ما خالط من شهوة النفس و قد ذكر الله ~~تعالى في تنزيله الكريم خروج العباد من أموالهم و ذكر ثواب كل واحد منها ~~فذكر الإنفاق و الإيتاء و الإطعام و أشار في جميع ذلك إلى المساكين و إلى ~~سبيله فقال تعالى ^ و ما تنفقوا من خير يوف إليكم ^ # و قال ^ و مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل ^ # و قال في شأن الصدقة ^ و يكفر عنكم سيئاتكم ^ # و قال في شأن الإطعام @QB@ فوقاهم الله شر ذلك اليوم @QE@ # فلما صار إلى ذكر القرض أشار إلى إقراضه دون خلقه و ذكر ثواب القرض فقال ~~^ إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم و يغفر لكم ^ PageV02P063 # وعد المغفرة و التضعيف و قال في موضع آخر @QB@ من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة @QE@ # و الكثير من الله تعالى لا يحصى و القرض زائد على الجميع في الاسم الذي ~~سمي به والشرط الذي علق به فقال تعالى @QB@ يقرض الله قرضا حسنا @QE@ # فالقرض هو القطع و سمي بالمقراض لأنه يقطع به الشيء اللاصق بالشيء و ليس ~~منه و إنما يحسن قرضه إذا قرضه من أصله قرضا لا يبقى هناك شئ فإذا أقرض ~~الشيء الذي قد لصقت شهوته و محبته بالقلب وصرفه إلى نوع من أنواع البر فقد ~~قرض محبته من قلبه لأنه قد فارقه ملكا و أخرجه إلى ملك غيره فأما إذا أعطى ~~و على قلبه كراهة الإعطاء و عسره فقد قطعه و بقي هناك شيء فلم يستأصله و ~~إذا أعطى و انتظر الخلف والثواب فقد شخصت عيناه إلى محبة شيء هو أعظم من ~~الذي أعطى فقد أنهك القطع و قصر فيه و هذا لأن الله تعالى ابتلى العباد بما ~~أعطاهم من الدنيا ثم سألهم منها بعد إذ ولجت لذة منافعه قلوبهم محنة ~~لسرائرهم فمن أسكرته لذة هذه المنافع فقد سكرت عقولهم عن الله تعالى فصارت ~~فتنة لهم فإن أعطى كرها أو أعطى على طمع ثواب أو خلف ms240 لم تصف عطيته وإنما ~~تصفو إذا أعطى ربه عطاء لا تتبع نفسه العطية ولا تنتظر الخلف منها ولا ~~الثواب عليها عطاء من كان الشيء عنده بأمانة فإذا استرد اغتنم ذلك منه و ~~تسارع إلى ردها و لا يقوى على هذه الخطة إلا أهل اليقين و هم المقربون ~~السابقون لأن الأشياء عندهم عواري و ودائع قبلوها عن الله تعالى بقلوبهم و ~~أمسكوها لله تعالى على نوائب حقوقه و قد سقط عن قلوبهم قدر الدنيا و ما ~~فيها و ولجت قلوبهم عظمة الله تعالى PageV02P064 فرقت الدنيا في أعينهم ~~فإذا أعطوا منها شيئا فإنما هي عندهم أمانة خرجوا منها إلى الله تعالى في ~~وقت نائبة الحق فهم خزانه و أعوانه و أمناؤه في أرضه و قد ماتت شهوات ~~نفوسهم عن جميع حطامها و إمساكها حرصا و عدة و الدنيا عندهم كما قال صلى ~~الله عليه وسلم إنما مثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح منها # وكما فعل أبو بكر رضي الله عنه حين حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الصدقة فأتاه بماله كله فقال ما تركت لأهلك يا أبا بكر قال الله تعالى ~~و رسوله # فالمستغني بالله لا بالمال هكذا قلبه فمن أعطى العطية و غناه بالله تعالى ~~لم تشخص عيناه إلى الخلف و الثواب و لم يكن عليه في وقت الإعطاء عسر ولا ~~كراهية فهذه عطية الأولياء ونفقاتهم و من قبيل ذلك ما فعله أبو الدحداح ~~فانه صفق يده على يد رسول الله بالعطاء فإن من أعطى الرسول فقد أعطى الله ~~فالرسول ولي الله تعالى في الأرض يتولى قبض ما يعطى لله تعالى حتى يضعه حيث ~~يأمر الله تعالى ثم صار إلى الحديقة لم يدخلها و أخرج عياله منها و خلا ~~عنها و قال إني أقرضته ربي و إنما توقى دخولها مخافة أن تتبعه نفسه شيئا ~~مما ذكرنا فلم يأمن نفسه فاجتنب دخولها لئلا يكون في النفس شيء منه ~~PageV02P065 # و قال صلى الله عليه وسلم كم من عذق مذلل ms241 لأبي الدحداح في الجنة # و كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه الشيء أخرج منه إلى الله تعالى و ~~كانت له سرية و كان بها معجبا فأعتقها و زوجها بعض مواليه فولدت له غلاما و ~~كان ابن عمر رضي الله عنهما يضم ولدها إلى نفسه ثم يقبله ثم يقول واها إني ~~أجد منك ريح فلانة يعني جاريته # قال و كان راكبا بعيرا له فأعنق و أعجبه سيره فقال أخ أخ فنزل ثم قال يا ~~نافع جلله و ألحقه بالبدن PageV02P066 # | - * الأصل الثاني عشر و المائة # - * # | في أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم هجرة المضطرين # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من زار ~~قبري وجبت له شفاعتي # زيارة قبره صلى الله عليه وسلم هجرة المضطرين هاجروا إليه فتوجب لهم ~~شفاعة تقيم حرمة زيارتهم و الشفاعة لمن أوبقته ذنوبه # قال صلى الله عليه وسلم شفاعتي للمتلوثين المتلطخين المؤيسين فأما ~~المتقون فقد كفوا أنفسهم # و شفاعته صلى الله عليه وسلم من الجود قال صلى الله عليه وسلم إن إبراهيم ~~PageV02P067 عليه السلام ليرغب إلي يوم القيامة و في حديث آخر يحتاج إلي و ~~شفاعة غيره من الأنبياء عليهم السلام من الصدق والوفاء والحظوظ PageV02P068 # | - * الأصل الثالث عشر و المائة # - * # | في أن أفضل الصلاة الصلاة لوقتها # عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم صل ~~الصلاة لوقتها فان أتيت الناس و قد صلوا كنت قد أحرزت و إن لم يكونوا صلوا ~~كانت لك نافلة # وقت الصلاة ممتد إلى آخر الوقت و أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه بما يكون بعده من الأحداث و الفتن حتى قال سيكون بعدي امراء يميتون ~~الصلاة فيصلونها لغير وقتها فصلوها لوقتها واجعلو صلاتكم معهم سبحة ~~PageV02P069 # و ظهر تأويل هذا الحديث في زمن بني أمية فإنه روى أبو مسلم قال كان ~~يخطبنا الحجاج يوم الجمعة فلم يزل يخطب حتى غربت الشمس ثم نزل ms242 و صلى الظهر ~~والعصر و المغرب # و روي سالم قال لما قدم الوليد بن عبد الملك جاءت الجمعة فجمع بنا فما ~~زال يخطب حتى مضى وقت الجمعة ثم ما زال يخطب حتى مضى وقت العصر و لم يصل ~~قال له القاسم بن محمد فما قمت وصليت قال لا قال فما صليت قاعدا قال لا قال ~~فما أو مأت قال لا و الله خشيت أن يقال رجل من آل عمر # و قوله صلى الله عليه وسلم كانت لك نافلة أي صلاتك التي صليت معهم هي ~~النافلة لأن الفريضة قد مضت PageV02P070 # | - * الأصل الرابع عشر والمائة # - * # | في أن البداية في الخيرات بالأكابر # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استن ~~فأعطي أكبر القوم ثم قال أمرني جبرئيل عليه السلام أن أكبر # و روى زيد بن رفيع قال دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرئيل و ~~ميكائيل وهو يستاك فناول رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرئيل السواك فقال ~~جبرئيل له أكبر أي ناول ميكائيل فأنه أكبر # و عند عبدالله بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استن أعطى ~~السواك الأكبر و إذا شرب أعطى الذي عن يمينه لأن أكبرهم سنا أقدمهم خروج ~~أسنان و من كان أقدم فهو أحق و هكذا في حق الجوارح يبدأ بالأقدم # روى أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أدهن ~~أحدكم فليبدأ بحاجبه فإنه يذهب بالصداع و ذلك أول ما ينبت على ابن آدم من ~~الشعر فإذا قدم الشيء في الخلقة فهو المقدم في التدبير عند خالقه و صاحبه ~~مطلوب بحفظ ذلك و رعايته ليقدم ما قدم الله سبحانه و تعالى و يؤدي حقه فإذا ~~اتبع الحق في كل شيء PageV02P071 من أمره فعقله مستريح و إذا اتبع الجهل ~~أتعبه لأن العقل مسكنه الدماغ و تدبيره على القلب فإذا بدأ بالحاجبين في ~~الإدهان فقد أدي حقه لأنه بدئ به في ms243 الخلقة فإذا ضيع الحق في ذلك فقدم ~~المؤخر و أخر المقدم فغير مستنكر أن يهيج الصداع لأن في فعله اتعاب الحق و ~~العقل و يبدأ بالأكبر فالأكبر في كل شيء لأنه إذا لم يبدأ به لم يوقره # و قال صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يوقر كبيرنا # و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~سقي قال إبدءوا بالأكابر فان البركة مع أكابركم # و قوله إذا شرب أعطي الذي عن يمينه لأن الإناء كان واحدا فإذا شرب الكبير ~~و قد فضلت فضلة لم يجد بدا من مناولته غيره فالحق لليمين و من على اليمين ~~كذلك يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P072 # | - * الأصل الخامس عشر والمائة # - * # | في المبادرة إلى الآخرة # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض ~~جسدي فقال كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور # الغريب نازع قلبه إلى الوطن ماد عينه إلى أهله شاخص أمله إلى وقت ~~الارتحال متى ينادى بالرحيل فيرتحل و كلما قطع مرحلة خف ظهره و هاج شوقه ~~ينتظر نفاد المراحل و نهاية المسافة فإذا بلغ آخر مر حلة قلق و ضاق ذرعا ~~فإذا وقع نظره على وطنه رق و دمعت عيناه فبكى من طول الغربة و مقاساة ~~الوحشة ثم بكى فرحا بوصوله PageV02P073 إلى الوطن و نظره إلى الأحباب فعلى ~~هذه الصفة دله صلى الله عليه وسلم أن يكون نازع القلب إلى دار السلام مادا ~~عينه إلى الملك العلام شاخصا أمله إلى دعوته ينتظر متى يدعى فيجيب و كلما ~~قطع يوما من عمر خف ظهره من أثقال العمر و هاج شوقه ينتظر نفاد الليالي ~~والأيام التي أجلت له و إذا بلغ آخر يومه قلق و ضاق ذرعا لخوف الخطر الذي ~~ركبه و أنه لا يدري بما يختم له فإذا كشف الغطاء عنه و بشر بالسلامة و أري ~~مكانه رق و ms244 بكى من طول الغربة و مقاساة جهد النفس ثم بكى فرحا بلقاء مولاه ~~و وصوله إليه و الغريب منفرد منكسر القلب لا يتهنى بعيش و إن كان في سعة من ~~العيش و نعمة لا يتوجع لما ينوبه في سفره و لا يجزع لما يقاسي من الشدة ~~لأنه يعلم أن سفره منقطع # و قوله وعد نفسك من أهل القبور أن يقول ساعة بعد ساعة الآن يحضرني أمر ~~الله تعالى فيعد نفسه منهم لا من الأحياء لأن أهل القبور قد انقطعت أطماعهم ~~من الأحياء و قطعوا الدنيا و رفعوا بالهم عنها و لهذا كان السلف يبادرون ~~إلى تصحيح الأمور مخافة أن يحال مما يحافظ بينهم و بين ذلك فإن الأمر قد ~~غيب عن الخلق و كان عامر بن عبد القيس رحمة الله عليه يمر مسرعا إلى أمر ~~فقيل له فقال أبادر طي صحيفتي و انتهى كرز بن وبرة إلى قنطرة و عليها زحام ~~فنزل عن حماره و قام يصلي و قال أكره أن تبطل من عمري ساعة و قيل لجعفر بن ~~برقان ألا تخضب قال أكره أن يأتيني رسول ربي و أنا مشتغل به و سئل محمد بن ~~النضر عن الصوم في السفر فقال المبادرة المبادرة فاغتنم و سئل داود الطائي ~~عن الرمي و تعليمه فقال إنما هي أيامك فاقطعها بما شئت PageV02P074 # | - * الأصل السادس عشر والمائة # - * # | في أن خوف الإقلال من سوء الظن بالله تعالى # عن عمر رضي الله عنه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن ~~يعطيه فقال صلى الله عليه وسلم ما عندي شيء و لكن اتبع علي فإذا جاء قضينا ~~فقال عمر رضي الله عنه ما كلفك الله ما لا تقدر عليه فكره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قول عمر فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أنفق و لا تخف من ~~ذي العرش إقلالا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك و عرف السرور في ~~وجهه لقول الأنصاري ثم قال صلى الله ms245 عليه وسلم بذلك أمرت # خوف الإقلال من سوء الظن بالله تعالى لأن الله تعالى خلق الأرض بما فيها ~~لبني آدم قال تعالى ^ خلق لكم ما في الأرض جميعا و سخر لكم ما في السموات و ~~ما في الأرض ^ PageV02P075 # فهذه الأشياء للآدمي قطعا لعذره ليكون له عبدا في الدنيا ويقدم عليه غدا ~~فيحرره من العبودية و يبعثه ملكا إلى داره فالمستقيم من رفع باله و همته عن ~~الدنيا و كان كل همته في إقامة العبودة و الكون له كما خلقه مراقبا لأموره ~~في السر و العلانية منقادا لحكمه يعد نفسه عبدا لا يملك شيئا و أحواله ~~عواري يقلبها وليها ساعة فساعة كيف شاء ليست له فيها مشيئة و يتوقى أن يفكر ~~فيها فيحدث له مشيئة ناظرا إلى ما برز له من مشيئة الغيب و خوف الإقلال ~~يضمحل من القلب بأن يحسن الظن بالله تعالى ويعلم أنه رب غني كريم و قد ~~استنار في صدره غناه و كرمه فإذا أنفق لم يخف الإقلال لأنه يخلف و لا يعوزه ~~شيء و إذا عرفه بالقلة أو بالضيق و البخل جبن في ذلك # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال الله ~~تعالى سبقت رحمتي غضبي يا ابن آدم أنفق عليك يمين الله ملأى سحاء لا يغيضها ~~شيء بالليل و النهار # و عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أطعمنا يا ~~بلال قال ما عندي إلا صبر من تمر قد خبأته لك قال أما تخشى أن يخسف الله به ~~نار جهنم أنفق يا بلال و لا تخشى من ذي العرش إقلالا # و عن الزبير رضي الله عنه قال جئت حتى جلست بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخذ بطرف عمامتي من ورائي ثم قال يا زبير إني رسول الله إليك ~~خاصة و إلى الناس عامة أتدري ماذا قال ربكم PageV02P076 قلت الله و رسوله ~~أعلم قال قال ربكم حين استوى على ms246 عرشه و نظر إلى خلقه # عبادي أنتم خلقي و أنا ربكم أرزاقكم بيدي فلا تتعبوا فيما تكفلت لكم ~~واطلبوا مني أرزاقكم و إلي فارفعوا حوائجكم انصبوا إلى أنفسكم أصب عليكم ~~أرزاقكم # أتدرون ماذا قال ربكم قال الله تعالى عبدي أنفق أنفق عليك و أوسع أوسع ~~عليك و لا تضيق فأضيق عليك و لا تضر فأضر عليك ولا تحزن فأحزن عليك # إن باب الرزق مفتوح من فوق سبع سموات متواصل إلى العرش لا يغلق ليلا ولا ~~نهارا ينزل الله تعالى منه الرزق على كل امرئ بقدر نيته و عطيته و صدقته و ~~نفقته من أكثر أكثر له و من أقل أقل له و من أمسك أمسك عليه يا زبير فكل و ~~أعطى و لا توك فيوكى عليك و لا تحصي فيحصى عليك و لا تقتر فيقتر عليك و لا ~~تعسر فيعسر عليك يا زبير إن الله تعالى يحب الإنفاق و يبغض الاقتار و إن ~~السخاء من اليقين و البخل من الشك فلا يدخل النار من أيقن ولا يدخل الجنة ~~من شك يا زبير إن الله يحب السخاء و لو بفلق تمرة و الشجاعة و لو بقتل عقرب ~~أو حية يا زبير إن الله تعالى يحب الصبر عند زلزلة الزلزال و اليقين النافذ ~~عند مجيء الشبهات و العقل الكامل عند نزول الشهوات و الورع الصادق عند ~~الحرام و الخبيثات يا زبير عظم الاخوان و جلل الأبرار و وقر الأخيار وصل ~~الجار و لا تماش الفجار و ادخل الجنة بلا حساب و لا عذاب هذه وصية الله إلي ~~و وصيتي إليك يا زبير PageV02P077 # | - * الأصل السابع عشر و المائة # - * # | في النعمة والرحمة و ذكر بلوغ ذرى الإيمان # عن واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث الله يوم ~~القيامة عبدا لا ذنب له فيقول له بأي الأمرين أحب إليك أجزيك بعملك أم ~~بنعمتي عليك قال يا رب تعلم أني لم أعصك قال خذوا عبدي بنعمة من نعمي فلا ~~تبغي له ms247 حسنة إلا استفرغتها تلك النعمة فيقول يا رب بنعمتك و رحمتك قال ~~فيقول بنعمتي و رحمتي و يؤتى بعبد محسن في نفسه لا يرى أن له سيئة فيقال له ~~هل كنت توالي أولياءي قال يا رب كنت من الناس سلما قال فهل كنت تعادي ~~أعدائي قال يا رب لم أكن احب أن يكون بيني و بين أحد شيء قال يقول الله عز ~~و جل و عزتي لا ينال رحمتي من لم يوال أوليائي و لم يعاد أعدائي # فالأول عبد غافل عن ربه متيقظ لآخرته مكب على نفسه يحب أن يلق الله تعالى ~~بالصدق من نفسه فيقتضي الثواب منه على صدقه و قد خفي عليه شأن المنة ~~والنعمة عاش حافظا لأموره مادا عينه إلى ثوابه فإذا لقيه نطق لسانه بما ~~توطنه في الدنيا و عامل الله تعالى PageV02P078 به فتح له الحق و طلب منه ~~ما يقتضيه شكرا لنعمه فأخذ بأصغرها فاستفرغت عمله فعندها انكشف له الغطاء ~~عن شأن المنة و النعمة و قدرهما فطلب النعمة و الرحمة وهذا عبد لم يفقه إذ ~~لو فقه و كانت له عبادة الثقلين عمر الدنيا لم يلحظ إليها أنه عمل شيئا و ~~لم يوازن ذلك أصغر نعمة من نعم الله تعالى # قال صلى الله عليه وسلم ما عبد الله بمثل الفقه و قال من أراد الله به ~~خيرا يفقهه في الدين و لو كان جريج الراهب فقيها لعلم أن إجابة أمه من ~~عبادة ربه تعالى # و أما العبد الثاني فهو عبد رعى نفسه و عجز عن رعاية الحق سبحانه فمن رعى ~~نفسه فإنما عمله حفظ جوارحه و أداء فرائضه ائتمارا لأمره و تناهيا عن نهيه ~~لئلا يهلك نفسه فلذلك صار للناس سلما و لم يدر أن في رعاية الحق نجاة نفسه ~~والراعي للحق انكشف له الغطاء عن جلاله و عظمته فاشتعلت الحرقات في جوفه ~~حبا له و شغوفا به حتى أداه ذلك إلى معرفته فامتلأ قلبه من جلال الله و ~~عظمته فوالى أولياءه و عادى ms248 أعداءه موافقة له كما أن من حل من قلبك محلا ~~ترى الدنيا به فيهيج حبك له أن تحب من أحبه و تعادي من عاداه و هذا من بلوغ ~~العبد ذرى الإيمان PageV02P079 # | - * الأصل الثامن عشر و المائة # - * # | في دعائه صلى الله عليه وسلم # عن عمر رضي الله عنه قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم ~~اجعل علانيتي صالحة و اجعل سريرتي خيرا من علانيتي اللهم إني أسألك من خير ~~ما يؤتي الناس من المال و الولد غير الضال و المضل # العلانية الصالحة مرضاة الله تعالى من الائتمار بأمر الله تعالى و ~~التناهي عن نهيه و السريرة التي هي خير من العلانية تعظيم أمره و نهيه و ~~الوقوف عند حكمه و ترك الاختيار في جميع أحواله وموافقته في مشيئته حتى ما ~~يحب إلا ما يحب ولا يكره إلا ما يكره و لا يريد إلا ما يريد # و قوله أسألك من صالح ما يؤتي الناس فإن الله يؤتي الناس ما يصير عليهم ~~وبالا ويؤتي ما يبارك لهم فيه فما بورك لهم فيه من مال و ولد فهو صالح ما ~~يؤتي و ليس ذلك بضال ولا مضل و ما نزعت منه البركة من المال و الولد فهو ~~الفاسد و هو الضال المضل PageV02P080 # | - * الأصل التاسع عشر والمائة # - * # | في مبادرة العاطس بالحمد # عن واثلة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من بادر ~~العاطس بالحمد لم يضره شيء من داء البطن # العطاس تنفس الروح وسطوعه إلى الملكوت حنينا إلى قرب الله تعالى لأنه من ~~عنده جاء و هو شيء لطيف طاهر طيب ملكوتي تمكن له في لحم و دم و أمر بالقرار ~~فيه فاستقر فهذا من لطف ربنا لعبده و كرامته إياه و لولا الأرواح لم ينتفع ~~بهذه الجوارح قال الله تعالى ^ و لقد كرمنا بني آدم ^ إلى قوله ^ و فضلناهم ~~على كثير ممن خلقنا تفضيلا ^ # وقال صلى الله عليه وسلم الأرواح للملائكة و الآدميين و الجن والانفاس ~~للدواب ms249 # و يقال ان الروح في الرأس ثم هو بعد كالسربال في الجسد قال الله تعالى ~~@QB@ فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان @QE@ PageV02P081 # دل على مستقر الروح و هو المقتل فإذا عطس المؤمن فإنما ذلك وقت ذكر الله ~~تعالى لعبده وتعزية للروح بما وقع فيه من الضيق فاذا خلص إلى الروح تاق إلى ~~موضعه وموطنه فتلك الصيحة منه فالمؤمن من رأى عظيم صنع الله تعالى في جسده ~~فحمده على صنعه و كرامته إياه بالروح فالمبادر بالحمد أفهمهم لذلك ألا ترى ~~أن آدم عليه السلام لما عطس بادر بالحمد فقال الله تعالى له يرحمك ربك سبقت ~~رحمتي غضبي # فكذلك المؤمن المتنبه لما عطس حمد فبورك عليه و إذا سمع عاطسا سبقه إلى ~~الحمد لأنه رأى عظيم صنع الله تعالى فيه فاستوجب بذلك البركة والعطف من ~~الله و إذا بورك فيه وقي داء البطن و هو وجع الخاصرة # و قد روي وقي وجع الخاصرة و المكر وسوء السرائر في الكليتين فذلك داء ~~البطن فإذا كان سابقا بالحمد كان متنبها و كان صدره و جوفه مستنيرا فلم ~~يعمل المكر فيه شيئا # روي أن الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه السلام إن عطس عاطس من وراء سبعة ~~أبحر فاذكرني # و لذلك قال صلى الله عليه وسلم حق المسلم على المسلم ست خصال فكان إحداهن ~~تشميت العاطس و ذاك تهنئة بما ظهر للعبد من الحال عند ربه تعالى فإذا لم ~~يهنه فقد استهان به و من استهان بأمر الله أهانه الله تعالى PageV02P082 # | - * الأصل المائة والعشرون # - * # | في أن أطيب الكسب كسب التجار و سني خصالهم # عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ~~الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا و إذا ائتمنوا لم يخونوا و إذا ~~وعدوا لم يخلفوا و إذا اشتروا لم يذموا و إذا باعوا لم يطروا و إذا كان ~~عليهم لم يمطلوا و إذا كان لهم لم يعسروا # فهذه خصال الحافظين لحدود الله و ms250 لا يقدر على الوفاء بها إلا من وثق ~~بضامن الرزق في شأن الرزق و سقط عن قلبه خوفه و سكنت نفسه و درس محسبة ~~الرزق من أين و كيف فعندها يستحق اسم التقوي والتقوي يصير رزقه من غير ~~محسبة قال الله تعالى ^ و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا ~~يحتسب ^ # و محسبة الرزق مظانه و معادنه و أسبابه التي تعلقت قلوب الخلق بها حتى ~~يعصي الله من أجل سبب لا يدري فيه رزقه أم لا مثل PageV02P083 ان اشترى ~~سلعة فخان فيها أو مدح بما ليس فيه فانما فعل ذلك لغنية قلبه و أنه يحسب أن ~~ذلك رزقه و معيشته و كم من مغرور بمثل هذا قد خدعه شيطانه و أماني نفسه ثم ~~يبغت بالموت و قد عري من منفعته فيصير مهنأة لوارثه والوبال عليه فلو سقط ~~عن قلبه محسبة معاشه و رزقه وعلم أن ذلك بيد الله تعالى يخرجه من مشيئة ~~الغيب فيجريها بالأسباب كان مراقبا لما يصنع مولاه مادا عينه إلى ما تختار ~~له ثم لا يتهمه إن أتاه غير ما تحب نفسه يؤتى برزقه عفوا صفوا و تقواه معه ~~و على رزقه طابع الإيمان # قال صلى الله عليه وسلم أفضل الأعمال أن لا تتهم الله تعالى في شيء قضي ~~عليك # و المتعلق بأسباب الرزق قلبه جوال و نفسه جشعة و هو كالهمج في المزابل ~~يطير من مزبلة إلى مزبلة حتى يجمع أوساخ الدنيا ثم يخلفها وراء ظهره وينزع ~~قابض الأرواح مخاليبه التي قد احتدت للقبض على حطام الدنيا و يلقى الله ~~تعالى بايمان سقيم دنسة وسخة و يخاطبه ربه عز و جل في وقفته بين يديه عبدي ~~من كنت تعرف لنفسك ربا و إلها فيقول له إياك عرفت و بك آمنت فيجيبه أمن ~~معرفتك إياي أو إيمانك بي كان يحل بك من خوف القوت والرزق ما عملك على أن ~~عصيتني بأنواع المعصية لأجله أشككت في ضماني أم اتهمتني أم أسأت الظن بي # فمن ms251 فتح له طريق الهداية إلى الله تعالى و عرف ربه عز و جل معرفة ~~الموقنين سقط عن قلبه هم الرزق و فكره ولها عنه و شغله PageV02P084 عن ذلك ~~خوف جلاله و عظمته فكفى مؤنته و من لم يفتح له طريق الهداية تعب قلبه بما ~~يرد عليه من المخاوف و نصب مما تتعاوره ظنون السوء بالله تعالى و كل بدنه ~~في السعي خلف زانية لا ترد يد لامس تتزين و تتشوق حتى إذا سبت القلب ولت ~~هاربة و المسبي على أثرها كالواله و هذا جزاء من أعرض عن الله تعالى ~~وإحسانه و أياديه و مننه و هل يجازى إلا الكفور المكب على جمع حطام الدنيا ~~من بين شبهة و حرام و حلال و قد عصى الله تعالى و ينفقها في شهواته و مناه ~~مضيعا لحدود الله تعالى فيها مسرفا بطرا يأخذون الدنيا على غفلة و يخزنونها ~~على تهمة و ينفقونها في نهمة و لا يذكرون ما أمامهم من الصراط و العرض على ~~الله تعالى والسؤال و نسوا وعيده الذي قدمه الله فقال ^ كلا إنها لظى نزاعة ~~للشوى تدعو من أدبر و تولى و جمع فأوعى ^ # و من قنعت نفسه بما أعطيت من الدنيا و لم يرفع بما سواه رأسا ورضيت في ~~الأحوال بتدبير الله تعالى و حكمه فقال له ^ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي ~~إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي ^ # و قال صلى الله عليه وسلم من انقطع إلى الله كفاه الله مؤنته و رزقه من ~~حيث لا يحتسب # و قال صلى الله عليه وسلم التاجر الصدوق مع النبيين و الصديقين و الشهداء ~~و عن قيلة أخت بني النمار رضي الله عنها قالت PageV02P085 كنت امرأة أشتري ~~و أبيع في السوق فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فأتيته و هو عند ~~المروة فقلت يا رسول الله إني امرأة أشتري و أبيع في السوق فيأتيني الرجل ~~يريد أن يشتري مني الشيء فأستام عليه بأكثر مما أريد أن ms252 أبيعه فلا أزال ~~أنقص و أنقص حتى أبيعه بالذي أريد و كذلك في الشراء قال فلا تفعلي يا قيلة ~~إذا أردت أن تبيعي شيئا فاستامي بالذي تريدين أن تبيعيه به أعطيت أو منعت و ~~إذا أردت أن تشتري شيئا فاشتري بالذي تريدين أن تشتريه به أعطيت أو منعت # و كان زاذان رضي الله عنه يبيع الكرابيس و كان يسوم سومة واحدة و كان إذا ~~جاء المشتري ناوله شر الطرفين PageV02P086 # | - * الأصل الحادي و العشرون و المائة # - * # | في أن الروحانيين قراء أهل الجنة و أن من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن ~~له أن يستمع أصواتهم # عن سهل من ولد أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يستمع الروحانيين في الجنة ~~فقيل و ما الروحانيون يا رسول الله قال قراء أهل الجنة # و في الجنة أئمة كالعرفاء و هم الأنبياء عليهم السلام إذا صاروا إلى الله ~~تعالى فهم أمام القوم والسابقون إليه و عرفاؤهم أهل القرآن الذين عرفوا به ~~ههنا تلاوة له و عملا به # قال صلى الله عليه وسلم أهل القرآن عرفاء أهل الجنة وقراؤها فيلذذون أهل ~~الجنة بما يعطون من الأصوات وحظ كل واحد منهم من الله PageV02P087 على قدر ~~درجته فمنهم من كانوا يفرحون في الدنيا بالعطاء مع نفوسهم فهم كذلك في ~~الجنة فرحهم بما يعطون في الجنة فبه يتلذذون و به يفرحون و منهم من كانوا ~~يفرحون بالله تعالى فهم كذلك في الجنة فرحهم بالله تعالى و دقت الجنة في ~~جنب فرحهم بالله تعالى و هم الأولياء و يسمون الروحانيين فالروح الذي على ~~قلوبهم شهرهم و حسن أصواتهم في الجنة حتى يطربوا ويلذذوا أهل الجنان و هذه ~~الطبقة على ثلاثة أصناف منهم من يكون الروح على قلوبهم و الفرح غالب عليهم ~~و مثالهم في الملائكة هم المقربون و منهم من يكون الهول على قلوبهم و ~~الأحزان غالب عليهم و مثالهم في الملائكة الكروبيون ms253 فالأول أهل روح من ~~شأنهم التسبيح و التحميد والتقديس فتح لهم من جماله و بهائه فانبسطوا و ~~ملكهم الفرح به و الثاني أهل كرب من شأنهم البكاء فتح لهم من جلاله وعظمته ~~فاكتأبوا و ملكهم الكرب و يقولون في تسبيحهم سبحانك ما لم تبلغه قلوبنا من ~~خشيتك فاغفر لنا يوم نقمتك من أعدئك # و إنما يأخذ كل واحد ما أعطي و ينظر إلى ما وضع بين يديه وكشف له عنه و ~~فتح له من الغيب فالكروبيون كربهم و أحزانهم من رؤية التقصير والروحانيون ~~شغلهم جماله عن الالتفات إلى أنفسهم و أعمالهم فإذا ذكروها لم تدعهم رؤية ~~جماله إلا أن يحسنوا الظن به فحسن الظن به غالب على رؤية التقصير و الفرح ~~لهم به دائم والروح على قلوبهم مترادف و صنف ثالث أعلى من هذين قد جاوزوا ~~هاتين الخطتين إلى وحدانيته فانفردوا به فشغلتهم وحدانيته عن الجلال ~~والجمال فهم أمناء الله تعالى وأعلامه في أرضه و قواد دينه و هم الذين قال ~~صلى الله عليه وسلم لأبي جحيفة جالس الكبراء و هم الذين تكبروا في عظمة ~~الله تعالى و جلاله و اعتزوا به و له # و الفرح على ثلاثة أضرب فرح بالدنيا الدنية الزائلة فقد خسر أهله ~~PageV02P088 و هو فرح الظالمين قال الله تعالى ^ و فرحوا بالحياة الدنيا و ~~ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ^ # وقال في قصة قارون @QB@ لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين @QE@ # و فرح بفضل الله تعالى و رحمته أن فضلهم بمعرفته و الإيمان به و هذا فرح ~~المقتصدين الشاكرين قال تعالى ^ قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون ^ # و فرح بالله تعالى حيث انتبهوا أنه ربهم في عظمته و جلاله و مجده و ~~كبريائه و ملكه و كرمه و غناه و هذا فرح المقربين # فالأول عبد ملكته دنياه فكان بها يفتخر و يصول و بها يفرح # ثم أفاق إفاقة فملكته نفسه بالعطايا التي وردت على قلبه فكان بها يفتخر و ~~يصول ms254 و بها يفرح ثم أفاق إفاقة فملكه الحق ليروضه و يؤدبه بين يديه حتى ~~يصلح له فإذا تمت رياضة الحق له بباب الملك الأعلى رفع الحجاب عن قلبه و ~~أوصله إلى قربه فكان بين يديه به يفتخر و به يصول و به يفرح حتى إذا اطمأن ~~على المقام و اعتاده و سكنت منه الأفراح و الأهوال و الدهشات من النظر إلى ~~جلاله وجماله قدمه إلى الوسيلة العظمى والقربة الأوفى فغرق قلبه في ~~وحدانيته فصار منفردا به مشغولا عن جميع صفاته فهو أمينه و واحد بين عبيده ~~فهو الذي إذا ناداه في أرضه يا واحدي يصدق في قوله و هوالذي قال صلى الله ~~عليه وسلم سيروا فقد سبق المفردون قالوا يا رسول الله و من المفردون قال ~~الذين اهتروا في ذكر PageV02P089 الله يأتون يوم القيامة خفافا يضع الذكر ~~عنهم أثقالهم # فالمهتر هو الذي خرف فذهب عقله فإذا تكلم هتر في كلامه كأنه يهذي و ~~المفرد قد فرد قلبه للواحد في وحدانيته وجاز من الجلال والجمال إلى ~~وحدانيته قد خمد نور عقله لنور وجهه الكريم فصار كالواله في ذكره كالذي ~~يهذي لأن من شأن العقل أن يقيم بك على الحدود و الأشياء المقدرة المعلومة ~~فإذا خمد العقل فقد ذهب عمله فهو الذي اهتر في ذكر الله تعالى فالمقتصدون ~~يتعبدون بذكره و يفرحون بفضله عليهم والصديقون به يتنعمون به و يفرحون فإذا ~~أدخلوا الجنة فهمة المقتصدين الوصول إلى ثوابه من المساكن والحور في الحجال ~~وهمة الصديقين و قصدهم قربهم إلى ربهم # يروي أن الملائكة يأتون المؤمنين يوم القيامة فيقولون يا أولياء الله ~~انطلقوا فيقولون إلى أين فيقولون إلى الجنة فيقولون إنكم لتذهبون بنا إلى ~~غير بغيتنا فيقال لهم ما بغيتكم فيقولون المقعد الصدق مع الحبيب # و قال صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ^ إن المتقين في جنات و نهر في ~~مقعد صدق عند مليك مقتدر ^ أن أهل الجنة يدخلون على الجبار كل يوم مرتين ~~فيقرأ عليهم القرآن و قد جلس كل امرىء ms255 منهم مجلسه على منابر الدر والياقوت ~~والزمرد والذهب و الفضة بالأعمال فلا تقر أعينهم قط كما تقر بذلك و لم ~~يسمعوا شيئا أعظم منه PageV02P090 و لا أحسن منه ثم ينصرفون إلى رحالهم ~~قريرة أعينهم ناعمين إلى مثلها من الغد # فهؤلاء الروحانيون الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قراء ~~أهل الجنة فمن استمع إلى صوت غناء في الدنيا ثم دخل الجنة حرم أصواتهم ~~PageV02P091 # | - * الأصل الثاني و العشرون و المائة # - * # | في أن خير هذه الأمة أولها و آخرها استقامة # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير ~~أمتي أولها و آخرها و في وسطها الكدر # و في رواية ابن عمر رضي الله عنهما مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير ~~أو آخره # و عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال بعثني خالد ابن الوليد بشيرا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مؤتة فلما دخلت عليه قلت يا رسول ~~الله فقال على رسلك يا عبد الرحمن أخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل زيد حتى ~~قتل رحم الله زيدا ثم أخذ اللواء جعفر فقاتل جعفر حتى قتل رحم الله جعفرا ~~ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل فقتل رحم الله عبد الله ثم أخذ ~~اللواء خالد ففتح الله لخالد فخالد سيف من سيوف الله تعالى فبكى أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم و هم حوله فقال ما يبكيكم فقالوا و ما لنا لا نبكي ~~و قد قتل PageV02P092 خيارنا و أشرافنا و أهل الفضل منا قال لا تبكوا فانما ~~مثل أمتي مثل حديقة قام عليها صاحبها فاجتثت رواكبها و هيأ مساكنها و حلق ~~سعفها فأطعمت عاما فوجا ثما عاما فوجا ثم عاما فوجا و لعل آخرها طعما يكون ~~أجودها قنوانا و أطولها شمراخا و الذي بعثني بالحق نبيا ليجدن بن مريم في ~~أمتي خلقا من حواريه و في رواية أخرى ليدركن المسيح من هذه الأمة أقوام ~~انهم لمثلكم ms256 أو خير منكم ثلاث مرات و لن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح ~~آخرها # من الله تعالى على هذه الأمة فقال تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~@QE@ و قال تعالى ^ و كذلك جعلناكم أمة وسطا ^ أي عدلا لا يميل إلى إفراط ~~ولا إلى نقصان فالميزان لسانه في وسطه و باستواء الطرفين والكفتين يستوي ~~لسان الميزان و يقوم الوزن فجعلت أوائل هذه الأمة و أواخرها ككفتي الميزان ~~يستويان لأنهم يهدون بالحق و به يعدلون و ما بينهما من العوج كلسان الميزان ~~يستقيم باستواء الكفتين فإنه إن مال الوسط إلى أي الجانبين مال إلى ركن ~~وثيق فعم استواء الكفتين اعوجاج الوسط # و قد جاء في الخبر أنه سيظهر العلم في آخر الزمان و يقبل الناس على ~~أمرالله تعالى حتى تتم حجة الله على عباده PageV02P093 # | - * الأصل الثالث والعشرون و المائة # - * # | في شرائط الولاية # عن أبي أمامة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~إن من أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاته أحسن عبادة ربه و ~~كان غامضا في الناس و كان رزقه كفافا فصبر عليه فعجلت منيته و قل تراثه و ~~قلت بواكيه PageV02P094 # و قال صلى الله عليه وسلم هكذا ونقر باصبعه هكذا # الولي من كتب الله له الولاية و جعل له حظا فبحظه من الله تعالى يقدر أن ~~يتولاه كما أن النبوة لمن كتب له النبوة و جعل له حظا فبحظه من الله تعالى ~~قامت له النبوة و بين الأنبياء عليهم السلام تفاوت في الدرجات قال تعالى ^ ~~و لقد فضلنا بعض النبيين على بعض ^ # و قال تعالى ^ لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله و رسوله ^ الآية و هذه الآية نزلت في أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله ~~عنه حين قتل أباه يوم بدر # و قال عبد الرحمن بن أبي بكر لأبيه رضي الله عنهما بعدما أسلم يا أبت لقد ~~أهدفت لي يوم بدر فضفت عنك فقال أبو ms257 بكر رضي الله عنه أما أنك لو أهدفت لي ~~ما ضفت عنك # و كتب الله لأهل الولاية و لايتهم و أيدهم بروح منه فلا تأحذهم ~~PageV02P095 في الله لومة لائم و لا حب ولد ولا والد ولا أهل و لا تالد # قال ابن عباس رضي الله عنهما لا ينال الرجل ولاية الله و إن كثرت صلاته ~~وصيامه حتى يحب في الله و يبغض في الله و يوالي في الله و يعادي في الله # فبين الأنبياء تفاوت في القلوب و الدرجات و كلهم أنبياء عليهم السلام ~~فكذلك الأولياء بينهم تفاوت و كلهم أولياء فهذا الذي وصفه صلى الله عليه ~~وسلم كأنه يحكي عن الله تعالى فقال إن من أغبط أوليائي عندي فالمغبوط من ~~يقرب درجته من درجة الأنبياء علوا و ارتفاعا مؤمن خفيف الحاذ مثل أويس ~~القرني و أشباهه و هذه صفة الظاهر لا صفة الباطن # و قد يكون من الأولياء من هو أرفع درجة و ذلك عبد قد ولي الله استعماله ~~فهو في قبضته يتقلب به ينطق و به يبصر و به يبطش و به يعقل شهره في أرضه و ~~جعله إمام خلقه و صاحب لواء الأولياء و أمان أهل الأرض و منظر أهل السماء و ~~ريحانة الجنان وخاصة الله و موضع نظره و معدن سره و سوط الله في أرضه يؤدب ~~به خلقه و يحيي القلوب الميتة برؤيته و يرد الخلق إلى طريقه و ينعش به ~~حقوقه مفتاح الهدى و سراج الأرض و أمين صحيفة الأولياء و قائدهم والقائم ~~بالثناء على ربه بين يدي رسوله صلى الله عليه وسلم يباهي به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك الموقف و ينوه الله باسمه في ذلك المقام و يقر عين ~~الرسول به صلى الله عليه وسلم قد اخذ الله بقلبه أيام الدنيا و نحله حكمته ~~العليا و أهدى إليه توحيده و نزه طريقه عن رؤية النفس و ظل الهوى و ائتمنه ~~على صحيفة الأولياء وعرفه مقاماتهم و أطلعه على منازلهم فهو ms258 سيد النجباء و ~~صالح الحكماء و شفاء الأدواء و إمام الأطباء كلامه قيد القلوب و رؤيته شفاء ~~النفوس و إقباله قهر الأهواء و قربه طهر الأدناس فهو ربيع يزهر بنوره و ~~خريف يجتنى ثماره و كهف يلجا إليه و معدن PageV02P096 يؤمل ما لديه و فصل ~~بين الحق و الباطل و هو الصديق و الفاروق و الولي و العارف والمحدث واحد ~~الله في ارضه # قال صلى الله عليه وسلم يكون في هذه الأمة قلوب على قلب إبراهيم عليه ~~السلام و هم صنف من البدلاء # و قال في شأن هلال عبد المغيرة بن شعبة هذا أحد السبعة الذين بهم تقوم ~~الأرض بل هو خير منهم # روي أبو الدرداء رضي الله عنه قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى الصلاة قال أبو الدرداء رضي الله عنه فخرجت من ذلك الباب فمضيت ~~فنظرت هل أرى أحدا فلم أر أحدا فدخلت فيه فقعدت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال أما أنك لست به يا أبا الدرداء ثم جاء رجل حبشي فدخل من ذلك ~~الباب و عليه جبة صوف فيها رقاع من آدم رام بطرفه إلى السماء حتى قام على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فقال كيف أنت يا هلال فقال بخير يا ~~رسول الله جعلك الله بخير فقال صلى الله عليه وسلم ادع لنا يا هلال و ~~استغفر لنا فقال رضي الله عنك يا رسول الله و غفر لك فقال أبو الدرداء فقلت ~~له استغفر لي يا هلال فأعرض عني ثم عاودته الثانية فأقبل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم قال أراض أنت عنه يا رسول الله قال نعم قال رضي الله عنك ~~و غفر لك ثم خرج و هو رام بطرفه إلى السماء فقال أبو الدرداء لقد رأيت عجبا ~~يا رسول الله لقد أقبل و هو رام بطرفه ms259 إلى السماء و ما يقلع ثم خرج و هو ~~على ذلك فقال صلى الله عليه وسلم لئن قلت ذاك ان قلبه لمعلق بالعرش أما أنه ~~لم يبق فيكم أكثر من ثلاثة أيام فأحصيت الأيام فلما كان اليوم الثالث و صلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر خرج من المسجد و نحن معه فخرج يؤم دار ~~المغيرة بن شعبة فلقي المغيرة خارجا من داره فقال له PageV02P097 آجرك الله ~~يا مغيرة قال يا رسول الله ما مات في دارنا الليلة أحد قال بلى توفي هلال ~~فالتمسه برسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده في ناحية الدار في إصطبل له ~~خارا على وجهه ساجدا ميتا فأمر أصحابه فاحتملوه فولي أمره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بنفسه حتى دفن ثم أقبل على أبي الدرداء فقال يا أبا الدرداء ~~أما إنه أحد السبعة الذين بهم كانت تقوم الأرض و بهم كنتم تستسقون المطر بل ~~هو خيرهم # فالصديقون أمان أهل الأرض و هم خلفاء النبيين لما خلت الأرض عن النبوة ~~شكت إلى الله تعالى و عجت فقال سوف أجعل عليك أربعين صديقا كلما مات واحد ~~بدل الله مكانه و الحظ هو أن فتح الله تعالى لعبده قلبه و قذف في صدره ~~النور حتى ينخرق حجب الشهوات و يضيء فهو على نور من ربه و جعل له طريقا ~~إليه فذاك مبتدأ الحظ فلا يزال يسير إليه و يأتيه المدد من النور حتى يصل ~~إليه فيظهر على قلبه جلاله و عظمته و جماله و بهاؤه فلا يزال هناك حتى يصل ~~إلى فرديته فيصير والها به مبهوتا في وحدانيته فهذا هو الحظ الوافر الباهر # قال الله تعالى ^ و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ^ # فالأنبياء عليهم السلام لهم حظ النبوة والأولياء لهم حظ الولاية قال ~~تعالى ^ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون الذين آمنوا و ~~كانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا و في الآخرة لا تبديل لكلمات الله ~~^ # هم طائفة من المؤمنين ms260 قد خصهم الله تعالى بالولاية و عصمهم باليقين و نور ~~قلوبهم بالهداية ولي الله تعالى منهم ذلك واجتباهم لنفسه PageV02P098 فهم ~~صنيعه و هم الذين ذكرهم الله تعالى @QB@ فبشر عباد الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه @QE@ # قال الضحاك رحمه الله أحسنه ما أمر الله تعالى النبيين من الطاعة و قال ~~صلى الله عليه وسلم في حديث جبرائيل عليه السلام حيث سأله عن الإحسان ما ~~الإحسان فقال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال فإذا ~~فعلت ذلك فأنا محسن قال نعم قال صدقت # فمن عبد الله كأنه يراه إستمع إلى القول فاتبع أحسنه و نظر إلى الأمور ~~فعمل بأحسنها PageV02P099 # | - * الأصل الرابع والعشرون والمائة # - * # | في ضغطة القبر وعذابه # عن حذيفة رضي الله عنه قال كنا في جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلما انتهينا إلى القبر جلس صلى الله عليه وسلم على شفته و جعل ينظر ثم قال ~~يضغط المؤمن في هذا ضغطة يزول منها حمائله و يملأ على الكافر نارا # فالمؤمن من أشرق نور الإيمان في صدره فباشر اللذات و الشهوات و هي من ~~الأرض و الأرض مطيعة و خلق الآدمي منها و قد أخذ عليه العهد و الميثاق في ~~العبودة فما نقض من وفاء العبودة صارت واجدة عليه فإذا وجدته في بطنها ضمته ~~ضمة ثم تدركه الرحمة فترحب عليه و على قدر مجيء الرحمة يتخلص من الضمة فإن ~~كان محسنا فإن رحمة الله قريب من المحسنين فلم يكن للضمة لبث و إن كان ~~خارجا عن حد المحسنيين يطول اللبث في الضمة حتى تدركه الرحمة و هذا لأن ~~المحسن توسع عليه الرحمة و تلك الضمة ضمة الشفقة لا ضمة السخطة لأنه كان ~~على ظهرها محسنا و كانت مشتاقة إليه PageV02P100 فلما وجدته في بطنها ضمته ~~كغائب وجد غائبه بعد الشوق إليه والظالم المخلط يكون لضمته لبث حتى تدركه ~~الرحمة والكافر لا خلاق له من الرحمة فيملأ عليه نارا # روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول ms261 الله صلى الله عليه وسلم إن ~~المؤمن في قبره في روضة خضراء يرحب له قبره سبعين ذراعا و ينور له قبره مثل ~~ليلة البدر أتدرون فيم نزلت هذه الآية @QB@ فإن له معيشة ضنكا @QE@ قال ~~عذاب القبر و الذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة و تسعون تنينا أتدرون ما ~~التنين تسعة و تسعون حية لكل حية منها تسعة رؤوس ينفخن في جسمه و يلسعنه و ~~يخدشنه إلى يوم يبعثون # و هذا لأن من عاد من بني آدم إلى الأرض بعد الموت و قد وضع الله تعالى ~~وزره فلا سبيل للأرض عليه لأنه نفسه قد طهرت من الدنس فإذا عاد جسده إلى ~~الأرض التي منها ابتدئت مع نور الإيمان و نور الطاعات فذاك جسد أشرف و أعظم ~~خطرا من أن تضمه الأرض و تضغطه فإن هذا الجسد صار في مرتبة أعظم من مرتبة ~~الأرض من منن الله تعالى فيها و طاعته لا تشبه طاعة الأرض لأن نفس الأرض ~~مجبورة و نفس الآدمي مفتونة بالشهوات فليست طاعة شيء من خلق الله تشبه طاعة ~~الآدمي لأنه يخرجه من بين شهوات و وساوس و عجائب PageV02P101 # و ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما في شأن سعد بن معاذ رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل قبره فاحتبس فقالوا ما حبسك يا رسول الله ~~قال ضم سعد في القبر ضمة فدعوت الله أن يكشف عنه # وفي رواية أخرى جلس على القبر فقال لا إله إلا الله سبحان الله هذا العبد ~~الصالح لقد ضيق عليه قبره حتى خشيت أن لا يوسع عليه ثم وسع عليه # و روي في الخبر أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال كان ~~يقصر في بعض الطهور من البول # فإن القوم من ابتداء الإسلام يتمسحون بالحجارة والتراب فلما نزل قوله ~~تعالى @QB@ رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين @QE@ فشا فيهم الطهور ~~فمنهم من كان يستنجي و منهم من كان يتطهر بالماء وليس الاستنجاء ms262 بذنب عندهم ~~ولا خطيئة فيحاسبون في قبورهم فمن ورد اللحد مع التقصير نالته ضمة الأرض ~~كما نالت سعدا مع عظم قدره فكانت ضمة ثم فرج عنه # قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في القبر حساب وفي الآخرة حساب فمن ~~حوسب في القبر لم يعذب في الآخرة # و عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا ~~البول فإنه من أول ما يحاسب به العبد في القبر PageV02P102 # و روي أنه لما توفيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازتها قال فكأنما يسفي على وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الرماد فلما دفنت ذهب عنه بعض ذلك فقالوا يا رسول الله ~~لا نزال نرى في وجهك ما نكرهه قال إني ذكرت ضعفها و ضغطة القبر فعفي لي ~~عنها و لقد ضغطت ضغطة سمع كل شيء صوتها إلا الثقلين # و قال صلى الله عليه وسلم لو أفلت من فتنة القبر أو ضمه لنجا سعد ولقد ضم ~~ضمة ثم أرخى عليه # و هذا لأهل الاستقامة يكون من التقصير ثم رفع عنهم لأن الحق يقتضي حقه ثم ~~تجيئه الرحمة فتكشف عنه # فأما الأنبياء والأولياء عليهم السلام فليس لهم ضمة و لا سؤال لأنهم ~~بحظهم من ربهم امتنعوا من ذلك و تخلصوا فان على قلوبهم من جلال الله تعالى ~~و عظمته ما إذا وردوا اللحود تهابهم اللحود من جلالتهم # قال صلى الله عليه وسلم من هاب الله تعالى أهاب الله منه كل شيء وقال صلى ~~الله عليه وسلم من اتقي الله أهاب الله عز وجل منه كل شيء و من لم يتق الله ~~أهابه الله من كل شيء # و قال صلى الله عليه وسلم لو عرفتم الله تعالى حق معرفته لزالت بدعائكم ~~الجبال PageV02P103 # و قرأ ابن مسعود رضي الله عنه على مصاب @QB@ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ~~@QE@ الآية فبرأ فقال صلى الله عليه وسلم لو قرأها موقن على جبل ms263 لزال و هذا ~~لأن القلب إذا كان له حظ من السلطان والهيبة والجلال نفذ قوله و فعله فمن ~~نور الله قلبه باليقين و فتح على قلبه من جلاله و عظمته و سلطانه هابه كل ~~من رآه # و من ههنا قال ابن عباس رضي الله عنهما والله لدرة عمر كانت أهيب في صدور ~~الناس من سيوف غيره # و كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يهابونه و إذا أرادوا أن ~~يكلموه بشيء رفعوا ذلك إلى بنته حفصة رضي الله عنها هيبة له # و عن نافع قال خرج عنق نار من حمرة النار لا تمر على شيء إلا أحرقته فاتى ~~عمر رضي الله عنه فأخبر بها فصعد المنبر و حمد الله و أثنى عليه و قال أيها ~~الناس أطفئوها بالصدقة فجاء عبد الرحمن ابن عوف بأربعة آلاف دينار فقال عمر ~~ماذا صنعت حصرت الناس فتصدق الناس فأتى عمر رضي الله عنه فقالوا له قد طفئت ~~فقال لو لم تفعل لذهبت حتى أنزل عليها و زلزلت المدينة على عهد عمر رضي ~~الله عنه حتى اصطفقت السرر فقام عمر رضي الله عنه على المنبر فقال أيها ~~الناس ما هذا ما أسرع ما أحدثتم قال فسكنت فقال لئن عادت لا أساكنكم فيها و ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع طلاقته و بشاشته إلى أصحابه و رحمته و ~~عطفه على الأمة يهابه الخلق كأنما على رءوسهم الطير حتى كانوا يغتنمون أن ~~يجيئهم أحد من البادية في جفائه فيسأله عن بعض الأمر و قال لرجل جلس عنده ~~فأخذته الرعدة فقال هون عليك فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد ~~PageV02P104 # فإذا كان هذا حال المؤمن على ظهر الأرض فكيف يجوز أن تضمه عن عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن إذا ~~مات تجملت المقابر لموته فليس منها بقعة إلا و هي تتمنى أن يدفن فيها فإذا ~~دفن في البقعة التي قضى الله أن يدفن فيها ms264 دخل عليه ملكا الرحمة فأجلساه ثم ~~سألاه فقال أحدهما للاخر أرفق بولي الله فانه نجا من هول شديد ثم يسأله عن ~~الرب فعظم إجلاله فأخبره بعظمته ثم يسأله عن نبي الله فصلى عليه و أثنى ~~عليه و ان الأرض تزينت له فقالت رب مني خلقته و في أعدته و مني تبعثه ~~للحساب فاذن لي حتى أدخل على عبدك فلان فأمر الله الأرض فتزينت في صورة لم ~~تر الأعين مثلها و دخلت على من هو أحسن منها فقالت له حين دخلت عليه ما ~~أحسن وجهك و أطول نعمك و أفسح مضجعك فقال لها و من رآك في هذه الصورة ~~فليحسن وجهه و ليطل نعمه و ليفسح مضجعه فقالت له أنت مني خلقت و علي أعدت و ~~في أكرمت و خرجت من عنده فكان ابن آدم ناعما حتى يبعث أولياء الله تعالى لم ~~يذق عذاب القبر و يبعث مبياض وجهه حتى يبلغ الجنة فتلقاه الملائكة فيقولون ~~سلام عليكم هذا بشراك الذي كنت توعد # عن أبي الحجاج الثمالي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول القبر للميت حين يوضع فيه و يحك يا ابن آدم ما غرك بي ألم تعلم ~~أني بيت الظلمة وبيت الفتنة و بيت الوحدة و بيت الدود ما غرك بي إذ كنت تمر ~~بي فدادا قال فإن كان مصلحا أجاب PageV02P105 عنه مجيب القبر فيقول أرأيت ~~ان كان ممن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر فيقول اني إذا أعود إليه خضرا و ~~يعود جسده عليه نورا و تصعد روحه إلى رب العالمين PageV02P106 # | - * الأصل الخامس و العشرون و المائة # - * # | في أن سعادة ابن آدم الاستخارة و الرضى بالقضاء # عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من سعادة ابن آدم استخارته ربه و من سعادة ابن آدم رضاه بقضاء الله تعالى ~~الاستخارة في الأمور لمن ترك التدبير في أمره وفوضه إلى ولي الأمور الذي ~~دبر له ذلك و ms265 قدره قبل أن يخلقه # قال الله تعالى لداود عليه السلام تريد و أريد و يكون ما أريد فإذا أردت ~~ما أريد كفيتك ما تريد و يكون ما أريد و إذا أردت غير ما أريد عنيتك فيما ~~تريد و يكون ما أريد # و سئل بعض السلف رحمهم الله تعالى بم تعرف ربك قال بفسخ العزم فالآدمي ~~يفكر و يدبر و يعزم و تدبير الله تعالى من ورائه بإبطال ذلك و تكون تلك ~~الأمور على غير ما فكر و دبر فأهل اليقين PageV02P107 و البصائر والتفويض ~~لما علموا علم اليقين أن إرادتهم تبطل عند إرادته رموا بإرادتهم و فكرهم و ~~أقبلوا عليه يراقبون تدبيره و ينتظرون حكمه في الأمور فإذا نابهم أمر قالوا ~~اللهم خر لنا فهذا من سعادته فإذا خار الله له رضي بذلك وافقه أو لم يوافقه ~~و الآخر ترك الاستخارة فإذا حل به تدبيره و قضاؤه سخط و ضاق به ذرعا و خنق ~~نفسه و لا يزداد إلا اختناقا و قد صار الوهن في عنقه # و من سنة الاستخارة ما روي جابر رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن ~~يقول إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني ~~أستخيرك بعلمك و أستقدرك بقدرتك و أسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر و لا ~~أقدر و تعلم و لا أعلم و أنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ~~خير لي في ديني و دنياي و معاشي و معادي و عاقبة أمري أو قال عاجل أمري و ~~آجله فاقدره لي و يسره لي و بارك لي فيه و إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي ~~في ديني و دنياي و معاشي و معادي و عاقبة أمري فاصرفه عني و اصرفني عنه و ~~اقدر لي الخير حيث كان ورضني به و تسمي حاجتك باسمها PageV02P108 # فان قيل هذا رضاه بالمقدور من المضار ms266 والمنافع في الدنيا فكيف يكون رضاه ~~بالمقدور من المعاصي قيل له رضاه بتقدير الله تعالى و سخطه على نفسه ~~بارادتها و على جوارحه في حركاتها فيما لم يؤذن له فيه و تقديره محمود عليه ~~لأنه لم يظلمك و من هو منزه عن الظلم فمحمود في جميع شأنه و قد اتخذ عليك ~~الحجة البالغة بما أعطاك من العلم و العقل و الهدى و البيان و لم يوجب لك ~~على نفسه العصمة إن شاء عصم و إن شاء خذل فارض بتقديره و لا تسخط عليه و ~~اسخط على نفسك الجائرة و معنى تقدير الله تعالى إبراز علمه في عبده من ~~الغيب فقد علم ما يعمل هذا العبد فابرز علمه PageV02P109 # | - * الأصل السادس والعشرون و المائة # - * # | في أن الندم التوبة # عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الندم ~~التوبة # و عن أنس رضي الله عنه مثله # الندم العزم على أن لا يعود و معناه إقامة القلب بين يدي الرب جل جلاله ~~لأن العبد بايع ربه أن يكون بين يديه و ما دام بين يديه فهو مطيع له فإذا ~~أقبل على عمل غيره فقد أعرض عنه و تولى فإذا انتبه من نومته أو أفاق من ~~سكرته انقلب راجعا إلى مولاه فوقف بين يديه عازما على أن لا يبرح فتلك ~~الإقامة تسمى ندما و منه سمى النديم لأنه مداوم على مجالسته و يقال مدن ~~الرجل بأرض كذا إذا أقام بها و منه سميت المدينة لإقامة الناس بها و ~~اتخاذها وطنا بحيث PageV02P110 لا يبرحون عنها فإذا كانت الإقامة بالبدن ~~قيل مدن و إذا كان بالقلب بين يدي الله تعالى قيل ندم فقدم الميم و أخر ~~النون هناك و قدم النون و أخر الميم ههنا و هو ذلك العزم الذي يعزم للإقامة ~~بين يدي الله تعالى مطيعا و التوبة الرجعة إلى الله تعالى و هو أن يعطي من ~~جوارحه لله تعالى ما يأمر به حتى يقيم العبودة التي لأجلها خلق فإذا ms267 أذنب ~~فقد منع الله تعالى من جوارحه العبودة فليس بمطيع و المؤمنون في أحوالهم ~~على ضربين # ضرب منهم سكارى و قد أسكرتهم شهوات نفوسهم عن الله تعالى و حالت تلك ~~الشهوات بين قلوبهم و بين العقل فلا يبصرون قبح ما يأتون لأن معدن العقل في ~~الدماغ و على القلب تدبيره فبذلك النور الذي على القلب من العقل يبصر محاسن ~~الأمور و مشانيها فجاءت هذه الشهوات فسدت طريق العقل فسكر و ضرب آخر قد ~~أفاقوا من سكرتهم بعمل النور الوارد على قلوبهم فأبصروا الوعد و الوعيد ~~فذهب سد الطريق فهم على معاينة من الجنة و النار إلا أنهم نيام عن الله ~~تعالى و هم المقتصدون أهل الاستقامة مطيعون لله تعالى حافظون لحدوده و لكن ~~لنومته عن الله إن أطاع و عمل أعمال البر استكثر ذاك من نفسه و إن تورع عن ~~الذنب كبر في صدره فعله و يرى أنه عمل شيئا عظيما و لم ير أنه غريق في نعم ~~الله تعالى و مننه و تتابع إحسانه فإذا أفاق الضرب الأول من سكرته و انتبه ~~الآخر من نومته فر إلى الله راجعا إلى الكون بين يديه فعزم على أن لا يبرح ~~فذلك العزم هو الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه توبة لأنه ~~باطن فيما بينه و بين الله تعالى و لم يظهره بلسانه و الاستغفار سؤال العبد ~~ربه أن يستره بعد ذلك فانه لما برح من بين يديه وترك مقامه فأخل بمركزه ~~انحطت درجته وبعد من ربه و خرج من ستره و تعرى فلما رجع بندمه إليه عاريا ~~استحيى منه و من خليقته فأمر أن يسأل ربه المغفرة أي الغطاء والستر فاذا ~~قال اغفر لي أي غطني واسترني فاني خرجت من PageV02P111 سترك و بقيت عاريا ~~بين يديك تنظر إلي ملائكتك و سماؤك و أرضك و لم يكن أحد يسترني غيرك و هو ~~مضطر لا يجد أحدا يستره عليه فستره الله تعالى و غفره قال الله تعالى ^ أمن ~~يجيب ms268 المضطر إذا دعاه و يكشف السوء ^ # و قال ^ و من يغفر الذنوب إلا الله ^ # فهذا عزم أهل اليقين و توبتهم فمن فهم ذلك فله حظه و من لم يفهم مر على ~~الظاهر كما وجد و قيل له التوبة و الاستغفار باللسان و الندم بالقلب ~~والإقلاع بالبدن والاضمار على أن يعود PageV02P112 # | - * الأصل السابع و العشرون والمائة # - * # | في بيان أن الدعاء لم صار مخ العبادة # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء مخ ~~العبادة # إنما صار مخا لها لأنه تبرؤ من الحول والقوة واعتراف بأن الأشياء كلها له ~~و تسليم إليه إن كان رزقا أو عافية أو نوالا أو دفع عقاب فمنه إذا سأله فقد ~~تبرأ من الاقتدار و التملك و الحول والقوة و الدعاء سؤال حاجة وافتقار ~~فإنما يظهر على القلب ثم على اللسان فما على القلب يسمى عبودة و ما على ~~اللسان عبادة # و عن كعب رضي الله عنه قال قال الله تعالى لموسى يا موسى قل للمؤمنين لا ~~يستعجلوني إذا دعوني ولا يبخلوني أليس يعلمون أني أبغض البخل فكيف أكون ~~بخيلا يا موسى لا تخف من أن تسألني عظيما و لا تستحي أن تسألني صغيرا اطلب ~~الي العلف لشاتك يا موسى أما علمت أني خلقت الخردلة فما فوقها و أني لم ~~أخلق PageV02P113 شيئا إلا و قد علمت أن الخلق يحتاجون إليه فمن سألني ~~مسألة و هو يعلم أني قادر أعطي و أمنع أعطيته مسألته مع المغفرة فإن حمدني ~~حين أعطيه و حين أمنعه أسكنه دار الحامدين و أيما عبد لا يسألني مسألة ثم ~~أعطيه كان أشد عليه عند الحساب ثم إذا أعطيته و لم يشكرني عذبته عند الحساب # و قال عروة بن الزبير رضي الله عنه إني لأسأل الله تعالى حوائجي في صلاتي ~~حتى الملح لأهلي # و كان محمد بن المنكدر رضي الله عنه يقول في دعائه اللهم قو ذكري فان فيه ~~منفعة لأهلي سأل القوة في ذلك للخروج من حق الزوجة ms269 لأن المرأة نهمتها في ~~الرجال فإذا لهي عن حاجتها فهو مسئول عن ذلك و ما سأل لقضاء نهمة نفسه ~~PageV02P114 # | - * الأصل الثامن و العشرون و المائة # - * # | في تلاقي الأرواح في الدنيا # عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن ~~أرواح المؤمنين لتتلاقى على مسيرة يوم و ما رأى صاحبه قط # الأرواح شأنها عجيب و هي خفيفة سماوية و إنما ثقلت إذا اشتملت النفس ~~عليها بظلمة شهواتها و إذا ريضت النفس و تخلص الروح منها وصفا من كدورتها ~~عادت إلى خفتها و طهارتها و كان لها شأن لا يؤمن به إلا كل مؤمن قلبه بالله ~~مطمئن و من ههنا قال عمر رضي الله عنه لأبي مسلم الخولاني حين ورد المدينة ~~بعدما ألقي في النار فلقيه عمر رضي الله عنه فقال أنشدك بالله أنت عبد الله ~~بن توسي الذي حرقه الكذاب صاحب صنعاء قال اللهم نعم فاعتنقه عمر رضي الله ~~عنه # و مثله ما يروى أن الحارث بن عميرة أتى باب سلمان رضي PageV02P115 الله ~~عنه فخرج إليه فقال أما تعرفني يا أبا عبد الله قال نعم عرف روحي روحك قبل ~~أن أعرفك # و مثله قول أويس لهرم حيث قال له السلام عليك يا أويس قال وعليك السلام ~~يا هرم بن حيان قال ومن أين علمت رحمك الله أني هرم بن حيان قال عرف روحي ~~روحك و إن الأرواح خلقت قبل الأجساد بألفي عام فتشامت كما تشام الخيل وهذا ~~لأن بصر الروح متصل ببصر العقل في عين الإنسان فالعين جارحة و البصر من ~~الروح و إدراك الألوان من بينهما فإذا تفرغ العقل و الروح من اشتغال النفس ~~أبصر الروح و أدرك العقل ما أبصر الروح فعلم و إنما عجزت العامة عن هذا ~~لشغل الأرواح بالنفوس و اشتباك الشهوات بها فيشغل بصر الروح عن درك هذه ~~الأشياء و لهذا قال صلى الله عليه وسلم يطلع عليكم من هذا الفج رجل من أهل ~~الجنة فاطلع جرير # و قوله ms270 صلى الله عليه وسلم إن أرواح المؤمنين لتتلاقى أراد بذلك المؤمن ~~المستكمل لحقائقه الذي قد شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ليس ~~الموحد الذي أقبل على شهواته و تشاغل عن عبودته حتى خلط على نفسه الأمور ~~قلبه مأسور و روحه مشغول و نفسه مفتونة فكيف يبصر أو يعقل PageV02P116 # | - * الأصل التاسع و العشرون و المائة # - * # | في أن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أمة ~~أمين و أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح # فالأمانة ترك الأشياء في مواضعها كما وضعت و إنزالها حيث أنزلت و قد جعل ~~الله تعالى الدنيا ممرا والآخرة مقرا والروح عارية والرزق بلغة والمعاش حجة ~~والفضول بلوى و وديعة و السعي جزاء إن خيرا فخير و إن شرا فشر و خلق الخلق ~~في ظهر آدم عليه السلام و استخرجهم و لهم بين يديه مقام قررهم بالعبودة و ~~قلدهم إياها و أخذ عليهم العهد و الميثاق ثم نقلهم من الأصلاب إلى الأرحام ~~و من الأرحام إلى الدنيا و من الدنيا إلى اللحود و من اللحود إلى النشور و ~~من المنشر PageV02P117 إلى المحشر و من المحشر إلى الصراط و من الصراط إلى ~~مقام العرض و السؤال من الوقت الذي بلغ الحلم إلى وقت فراقه من الدنيا و ~~خلق الليل والنهار ليركضا بالخلق إليه دءوبا فالأمين استقرت نفسه فأبصر هذه ~~الأشياء ببصيرة نفسه على هيئتها التي خلقت و إنما تبصر إذا سكنت و استقرت ~~واطمأنت إلى خالقها فقد صارت أمينة لا تخون و أما إذا كانت في العدو و ~~الالتفات إلى أحواله يمنة و يسرة و فيها شهوة ولها اخلاق رديئة دنيئة مفرطة ~~لأمر الله عجولة في مهواها تشبثت بمخاليبها في دنياها لما وجدت من اللذة و ~~قضاء النهمة عميت عن أنها دار ممر و ألهتها عن أن تذكر دار المقر وشغفت ~~بالحياة فنسيت عن أن تذكر الروح و كونها عارية ms271 و طلبت المعاش حرصا لتجمع ~~الكثيرة عدة لنهماتها و تناولت الرزق على قضاء شهواتها و لهت عن السعي و ~~رفعت بالها عنها و نسيت أنها تحتاج إلى سعي منها مع ركض الليل والنهار سعيا ~~يصلح في ذلك الموقف العظيم في صفوف الملائكة و الأنبياء والمرسلين وعباده ~~الصالحين و إنما جاءت هذه الفتنة من قبل النفس فإذا كانت ساكنة الطبع ~~مطمئنة الفطرة ميتة الشهوات وجدتها كريمة حرة و وجدت أخلاقها مستوية فأبصر ~~القلب الأشياء على هيئتها التي خلقت و صار ذا أمانة إذ ليس هناك ما يظلم ~~الصدر و يحجب النور عن إشراقه و لهذا قال صلى الله عليه وسلم ما من أحد من ~~أصحابي إلا لو شئت عبت عليه في خلقه غير أبي عبيدة بن الجراح PageV02P118 # | - * الأصل المائة و الثلاثون # - * # | في الاعتبار بكل شيء والاتعاظ بكل شيء # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم ~~البيت يدخله الرجل المسلم بيت الحمام و ذلك إذا دخله سأل الله تعالى الجنة ~~واستعاذه من النار و بئس البيت يدخله المسلم بيت العروس و ذلك لأنه يرغبه ~~في الدنيا و ينسيه الاخرة # و هذا لأهل الغفلة فأما أهل اليقين قد صارت الآخرة نصب أعينهم لا بيت ~~الحمام يزعجه و لا بيت العروس يستفزه لقد دقت الدنيا بما فيها في جنب ~~الآخرة حتى أن جميع الدنيا في أعينهم كنثارة الطعام من مائدة عظيمة و جميع ~~شدائدها في أعينهم كتفلة عوقب بها محرم استوجب القتل فلم يحتاجوا إلى ~~الاتعاظ والاعتبار بالحمام و عمل على قلوبهم شأن كرمه و جوده و مجده و بره ~~بعباده فأنساهم كل نعيم و بؤس فأما أهل الغفلة فيحتاجون إلى كل شيء من ~~الدنيا أن يتعظوا PageV02P119 منها و يعتبروا بها فإذا رأى بقعة حامية ذات ~~بخار و ماء حميم و مرة هائجة تذكره الآخرة و عجائبها و دار العقاب و فنون ~~عذابها و إذا عاين بقعة مزينة بزينة الدنيا منجدة بمتاع غرورها مشرقة ~~بحطامها مغشوشة ms272 بأفراح خدعها تمنيه نفسه و ترغبه في ذلك و أنسته الآخرة ~~لعاجل ما يجد من اللذة و الشهوة و دخول الحمام الذي ذكره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فمن دخله متأدبا بأدب الله تعالى مستترا طالبا لخلوة أو ~~غاضا بصره لا يرى عورة و لا يرى له # و قد جاء عنه صلى الله عليه وسلم ما يحذر ذلك و يؤدب و إن كان خاليا ~~اتقوا بيتا يقال له الحمام قيل يا رسول الله إنه يذهب الوسخ و يذكر النار ~~فقال إن كنتم لا بد فاعلين فادخلوه مستترين # و عن معاوية القشيري رضي الله عنه قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها ~~و ما نذر قال إحفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قلت يا رسول الله ~~فإذا كان أحدنا خاليا قال فالله أحق أن يستحيي منه PageV02P120 # | - * الأصل الحادي و الثلاثون و المائة # - * # | في أن الهدية خلق من خلق الإنسان # عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقناع من رطب واجر زغب فأعطاني ملء كفه حليا أو ذهبا فقال تحلي بهذه يا ~~بنية # القناع الطبق و كل شيء أقنع أي ارتفع من الأرض و أجر واحدة جرو و هو ~~القثاء أول ما يدرك و هو الذي له زغب كهيئة زئبر الثوب فالهدية خلق من خلق ~~الإنسان عليه دلت الرسل و إليه ندبت لائتلاف القلوب و لنفي سخائم الصدور ~~فإن ابن آدم مقسوم على ثلاثة أجزاء القلب بما فيه من الإيمان و الروح بما ~~فيه من الطاعة و النفس بما فيه من ا لشهوة فالإيمان يدعو إلى الله و الروح ~~تدعو إلى الطاعة و النفس تدعو إلى البر و اللطف و النوال فكانت القلوب ~~تأتلف بالإيمان و الأرواح بالطاعات و حظ النفس باقية فإذا تهادوا تمت ~~الألفة و لم تبق هناك حزازة و كان صلى الله عليه وسلم جوادا يقبل الهدية و ~~يكافىء من وجده بأمثالها و الربيع كانت ممن قتل ms273 أبوها يوم بدر و كان عليه ~~PageV02P121 صلى الله عليه وسلم يبرها و يكرم أحوالها فوافقت هديته سعة ~~الوجد منه و كان قلبه واسعا و أعطاها ملء الكف ذهبا ليعلم من بلغه ذلك و من ~~عاينه أن لا قدر للدنيا عنده و لأن للبر أثقالا فالكريم لا يكاد يتخلص من ~~تلك الأثقال إلا بأضعاف ذلك البر فإذا ضاعف في المكافأة انحطت عنه أثقال ~~بره و ذهب عنه وجل نفسه # و قوله صلى الله عليه وسلم تحلي بها يا بنية رخصة لها في الحلية و أنها ~~حق و أنه يجوز أن يقال لولد غيره يا بني و المكافأة حق من الحقوق و كل أحد ~~يكافىء على قدره من خلقه وسعته و لم يكن يخلو في ذلك الوقت بالمدينة من ~~فقير و ذي حاجة من أصحابه و لكنه كان يعطي على نوائب الحق فرأى هذا حقا ~~فأعطاه # قال وهب رضي الله عنه ترك المكافأة من التطفيف # ناول شاب الليث بن سعد رضوان الله عليهم أجمعين اترنج باكورة فأمره أن ~~يعطى دينارا و كان الأسخياء يفعلون مثل ذلك و جاءت عجوز إلى الليث بن سعد ~~رضي الله عنه فقالت يا أبا الحارث مر وكيلك أن يعطيني رطلا من عسل فإن ابني ~~مريض يشتهيه فقال لوكيله أعطها مطرا من عسل قيل له إنما سألتك رطلا فقال هي ~~سألت على قدرها و نحن نعطيها على قدرنا و المطر وقر بعير مائتان و خمسون ~~منا # و أتى قوم عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما فقالوا إن لنا مريضا قد ~~تشنجت أعضاؤه من الرياح و وصف لنا أن نعالجه بلبن الجواميس فينفعه فيه فنحب ~~أن تعيرنا من جواميسك فقال لوكيله كم لنا يا لطف من الجواميس قال خمسمائة ~~فقال سقها إليهم فقالوا رحمك الله إنا سألناك عارية قال إنا لا نعير ~~الجواميس و أعطاها إياهم و عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم PageV02P122 # الهدية رزق من الله طيب فإذا أهدي ms274 إلى أحدكم فليقبلها و ليعط خيرا منها ~~PageV02P123 # | - * الأصل الثاني و الثلاثون و المائة # - * # | في بيان صفات ولاة الأمور العادلين # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولي ~~من أمر أمتي شيئا فحسنت سريرته رزق الهيبة من قلوبهم و إذا بسط يده لهم ~~بالمعروف رزق المحبة منهم و إذا وفر عليهم أموالهم وفر الله عليه ماله و ~~إذا أنصف الضعيف من القوي قوى الله سلطانه و إذا عدل مد الله في عمره # فحسن السريرة من هيبة الله تعالى فإذا هاب عبد ربه ظاهرا و باطنا سرا و ~~علنا أهاب الله منه خلقه و صنائع المعروف لا تكون إلا من حسن الخلق و من ~~حسن الله خلقه أحبه و من أحبه الله ألقى محبته على قلوب عباده قال تعالى ~~لموسى عليه السلام ^ و ألقيت عليك محبة مني ^ # فكان لا يراه أحد إلا أحبه حتى فرعون اللعين الذي كان يذبح بني إسرائيل ~~لأجله و هو يوسعه في صدره و من بسط اليد سقط عن قلبه قدر الدنيا فهي و من ~~فيها مقبلة عليه خادمة له و إنصاف PageV02P124 الضعيف فانما أعطي السلطان ~~على أن يأخذ للضعيف من القوي و لولا ذلك لم يحتج إلى سلطان فإذافإذا فعل ~~ذلك فقد تمسك بالذي أعطي على هيئة ما أعطي فاديمت له قوة ذلك الذي أعطى و ~~إذا ضيع ذلك فقد ضيع سلطانه و ذلك لله فكيف يبقى معه قوة و السلطان ظل الله ~~في الأرض يأوي إليه كل مظلوم و إذا عدل مد في عمره لأن العدل صلاح الأرض ~~والجور فسادها و بالعدل قامت السموات والأرض فإذا جار فالأرض تعج منه و ~~السماء تجأر و البحار تئن و الجبال تشكو فيقطع الله عمره و إذا عدل وصل ~~الله عمره من كرمه فمد له لأنه أقام عدله الذي ارتضاه لنفسه عزت من نفس ~~كريمة شريفة PageV02P125 # | - * الأصل الثالث والثلاثون و المائة # - * # | فيما يعلم به منزلة العبد عند الله تعالى # عن جابر ms275 رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~أيها الناس من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده ~~فإن الله عز و جل ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه و إن لله سرايا من ~~الملائكة تحل و تقف على مجالس الذكر فاغدوا و روحوا في ذكر الله في الأرض ~~ألا فارتعوا في رياض الجنة قالوا و أين رياض الجنة يا رسول الله قال مجالس ~~الذكر قال فاغدوا و روحوا في ذكر الله و اذكروه بأنفسكم # فمنزلة الله عند العبد إنما هو على قلبه على قدر معرفته إياه و علمه به و ~~هيبته منه و إجلاله و تعظيمه له و خشيته و حيائه منه و الخوف من عقابه و ~~الوجل عند ذكره و إقامة الحرمة لأمره و نهيه و رؤيه تدبيره و الوقوف عند ~~أحكامه بطيب النفس و التسليم له بدنا و قلبا و روحا PageV02P126 و مراقبة ~~لتدبيره في أموره و لزوم ذكره و النهوض بأثقال نعمه و إحسانه و ترك مشيئاته ~~لمشيئاته و حسن الظن به في كل ما نابه و الناس في هذه الأشياء يتفاضلون ~~فمنازلهم عند ربهم على قدر حظوظهم منها فأوفرهم حظا من المعرفة أعلمهم به و ~~أعلمهم به أوفرهم حظا من هذه الأشياء و أوفرهم حظا منها أعظمهم منزلة عنده ~~و أقربهم وسيلة و أرفعهم درجة و على قدر نقصانه من هذه الأشياء ينتقص حظه و ~~تنحط درجته و تبعد وسيلته و يقل علمه و تضعف معرفته قال الله تعالى ^ و لقد ~~فضلنا بعض النبيين على بعض ^ # و إنما فضلوا على الخلق و بعضهم على بعض بالمعرفة له و العلم به لا ~~بالأعمال الظاهرة فبالمعرفة تطهر الأبدان و تزكو الأعمال و بها تقبل منهم ~~فإن اليهود و النصارى عملوا أعمال الشريعة فصارت هباء منثورا فمن فضل ~~بالمعرفة فقد أوتي حظا من العلم # قال صلى الله عليه وسلم حين عرج به إلى السدرة فإذا النور الأكبر ms276 قد تدلى ~~فالتفت إلى جبرائيل فإذا هو ميت من الفرق كالحلس الملقى من خشية الله فعرفت ~~فضل علمه بالله على علمي # و عن أنس رضي الله عنه قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ~~الصبح فصنع شيئا لم نره صنع في غيره مديده ثم أخرها فقلنا يا رسول الله لقد ~~صنعت في صلاتك شيئا لم نرك صنعت في غيرها قال إني رأيت الجنة فرأيت فيها ~~دالية قطوفها دانية حبها كالدباء فأردت أن أتناول منها فاوحى إليها أن ~~استأخري ثم رأيت النار فيما بيني و بينكم حتى رأيت ظلي و ظلكم فأومأت إليكم ~~أن استأخروا PageV02P127 فقيل لي أقرهم فانك أسلمت و أسلموا و هاجرت و ~~هاجروا و جاهدت و جاهدوا فلم أر لي فضلا عليكم إلا بالنبوة # فبالنبوة أدرك رؤية ما وصف فأدنيت الجنة منه ليعرف حاله صلى الله عليه ~~وسلم أنه بهذه المنزلة ليس بينه و بينها إلا قبض الروح و لهذا لما مد يده ~~ليتناولها أوحى إليها أن تأخري فإنه في بقية من أجله صلى الله عليه وسلم في ~~الدنيا و لا ينال أحد الجنة إلا بعد مفارقة الروح ثم أرى النار بينه و بين ~~القوم رضوان الله عليهم أجمعين يعرفه أنك قد جزت النار بقلبك بما أعطيت من ~~النبوة و فرغت من أمر الصراط و من خلفك من الأمة لم يجوزوا بعد بقلوبهم فهو ~~باق عليهم إلى يوم القيامة # قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس رضي الله عنه إذا ضرب الصراط على ~~النار قيل قرب أمتك فإذا دنوت منها قال لي جبرئيل يا محمد خذ بحجزتي فآخذ ~~بحجزة جبرئيل فيضعني من وراء النار ويقال للأمة جوزوا فيجوزون بأبدانهم ~~فمنهم في السرعة في مثل اللحظة و البرقة و منهم في مثل الريح و منهم في مثل ~~أجاويد الخيل و منهم ركضا و منهم سعيا و منهم مشيا و منهم زحفا # فالنبي صلى الله عليه وسلم بفضل النبوة جاز النار بقلبه أيام الحياة فلما ~~وصل ms277 إليها أجيز من غير تكلف و لا مباشرة و أهل اليقين لهم حظ من النبوة # قال صلى الله عليه وسلم الاقتصاد و الهدي الصالح و السمت الحسن جزء من ~~أربعة و عشرين جزءا من النبوة PageV02P128 # فيجوزونها بأبدانهم على قدر إيمانهم و يقينهم و حظهم من النبوة قال تعالى ~~@QB@ لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين @QE@ # فأهل اليقين في الدنيا يرونها بعلم اليقين فيجوزونها بقلوبهم ثم يرونها ~~عين اليقين غدا معاينة فمعاينة القلب علم اليقين و معاينة الجسد بعينه التي ~~ركبت فيه عين اليقين فمن أعطي علم اليقين في الدنيا طالع الصراط و أهوالها ~~بقلبه فذاق من الخوف و ركبته من الأهوال فوضع عنه غدا و مر عليها في مثل ~~البرق فأن الله تعالى لا يجمع على عبد خوفين # قال صلى الله عليه وسلم قال ربكم و عزتي و جلالي لا أجمع على عبدي خوفين ~~و لا أجمع له أمنين # و كل من كان له ههنا حظ من اليقين طالع بقلبه بقوة ذلك اليقين فعاين منه ~~ما ذاق من الخوف فسقط عنه من الخوف على قدر ما ذاق ههنا فكذلك تفاوت جوازهم # و قوله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت ظلي و ظلكم فيها فان النار سوداء ~~مظلمة و المؤمنون أهل نور و ضياء فوقع ضوءهم على ظلمة النار على مقادير ~~نورهم و أجسادهم # و قوله صلى الله عليه وسلم أقرهم معناه أنهم قد ائتمروا بأمري فاني ~~أمرتهم بالإسلام والهجرة و الجهاد فليس للنار عليهم سبيل لأن رحمتي قد ~~نالتهم PageV02P129 # قال الله تعالى ^ إن الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل الله أولئك ~~يرجون رحمة الله و الله غفور رحيم ^ حقق رجاءهم و أخبر أنهم صدقوا في ~~الرجاء ثم وعدهم المغفرة # و قوله صلى الله عليه وسلم و لم أر لي فضلا عليكم إلا بالنبوة كفى بها ~~فضلا و لا ينال ما وصف إلا بالأعمال و الأعمال إنما تقوم و يعظم خطرها ~~بالنيات و النية بدؤها من ms278 الإيمان يبدو لهم من إيمانهم ذكر الطاعة فينهض ~~قلوبهم إلى الله تعالى من مستقر نفوسهم و النية النهوض يقال ناء ينوء إذا ~~نهض فنهوض القلب من معدن الشهوات إلى الله تعالى بأن يعمل طاعة هو نية فأما ~~أهل اليقين فقد جاوزوا هذه المنزلة فإنه زايلت قلوبهم نفوسهم و صارت مع ~~الله تعالى و قد فرغوا من النية فمن كان قلبه بين يدي الله تعالى محال أن ~~يقال له نهض قلبه إلى الله في أمر فإن قلبه ناهض إليه بمرة واحدة واقف بين ~~يديه نهوضا لا يرجع و لا ينصرف إذ قد نقض الوطن و ارتحل إلى الله تعالى و ~~يعملون و قلوبهم هناك وافقة بين يدي الله تعالى في جلال الله و عظمته ~~باهتين سكارى و ما هم بسكارى فارتفع أعمال هؤلاء من الذين ينهضون بقلوبهم ~~في ذلك العمل لله عز و جل و يريدونه به و هم المقتصدون فتفاوتت لذلك مدة ~~جوازهم على الصراط PageV02P130 # | - * الأصل الرابع والثلاثون و المائة # - * # | في فضل الاستغاثة من النار بعفو الله تعالى # عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجلا في جوف الليل و هو يقول واغوثاه من النار يرددها ذلك ليلا طويلا ثم ~~غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنت القائل الليلة واغوثاه من ~~النار قال نعم يا رسول الله قال لقد أبكيت أعيان ملأ من الملائكة كثيرة # النار حشوها غضب الله و إنما اسودت من غضبه يحل ذلك الغضب عذابا بأجساد ~~العداة العصاة فتنتقم النار منهم لحق الله عز وجل جلاله والمستغيث منه على ~~ثلاثة أضرب مستغيث من نار الله بعفو الله ومستغيث من غضب الله تعالى برحمة ~~الله و مستغيث بالله من الله تعالى # و قد جمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أتاه جبرئيل و أمره أن ~~يكون PageV02P131 ذلك في السجود فقال أعوذ بعفوك من عقابك ثم قال و أعوذ ~~برضاك من سخطك ثم قال و ms279 أعوذ بك منك PageV02P132 # | - * الأصل الخامس والثلاثون والمائة # - * # | في قوله صلى الله عليه وسلم إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة # عن الأغر المزني رضي الله عنه قال خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم و هو رافع يديه و هو يقول يا أيها الناس استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~فوالله إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة # و في رواية و إنه ليغان على قلبي و إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة # المغفرة هي الغطاء والستر و منه سمي المغفر دبير الثوب و هو الذي يعلق ~~الثوب الجديد والعبد المؤمن بايع الله تعالى يوم الميثاق أن يطيعه و يكون ~~بين يديه فلما أذنب ذنبا و ترك مقامه خرج من ستره فتعرى PageV02P133 فقيل ~~له تب أي ارجع إلى مقامك فلما رأى نفسه عاريا طلب الستر ففزع إلى الله ~~تعالى عن عريه فستر فقيل ارجع إلى ربك إلى مقامك في البيعة مع الستر فأنت ~~في كنفه ما دمت واقفا بمقام البيعة فلذلك بدىء بالاستغفار ثم بالتوبة قال ~~تعالى @QB@ استغفروا ربكم ثم توبوا إليه @QE@ # و قال صلى الله عليه وسلم طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا و عن ~~أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن للقلوب صدءا ~~كصدأ الحديد و جلاؤه الاستغفار # و قال صلى الله عليه وسلم إن العبد إذا أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء ~~فإذا عاد نكتت أخرى حتى يسود القلب فإذا تاب و نزع صقل قلبه ثم تلا @QB@ ~~كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون @QE@ # و اعلم أن للمغفرة درجات فمغفرة الرسول صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ~~ذنبه و ما تأخر و مغفرة من بعده بأعمال بر عملوها لا يخلو من ذلك و الستر ~~أنواع فمنهم من لا يستر عليه أيام الحياة فإذا صار ممره إلى النار يستر ~~لئلا تصيبه النار و منهم من يستر في الموضعين ولم يستر عليه في العرض ومنهم ~~من يستر عليه في ms280 الموضعين والعرض عند الملائكة و خلا به ربه في السؤال فلقي ~~شدة الحياء و منهم من يستر عليه في الحجب عن نفسه حتى لا يراها فيستحيي و ~~منهم من يستر عليه سترا لا يذكرها حتى يذهب عنه ذكرها فذاك ستر PageV02P134 ~~بينه و بين العبد يستره عن عمله و حتى لا يخجل كما ستر أهل الجنان بالأنس ~~به إذا ذكروا ذنوبهم لم يخجلوا و لم يثقل عليهم ذكرها فكل من كان في الدنيا ~~من الأنس به أوفر حظا فإن ستره من ذنوبه هناك أكشف و أنسه بالله تعالى أكثر # و الأنس بالله تعالى من الاحتظاء من جماله فإذا كان قلبه عنده في ملك ~~الجمال فالغالب عليه الأنس و جزاء الأنس به اليوم الأمل غدا و من كان قلبه ~~عنده في ملك الجلال فالغالب عليه الهيبة و جزاؤه منه الأمن غدا و من كان ~~قلبه عنده في ملك ملكه و جاوز ملك الجمال و الجلال إلى وحدانيته و انفرد به ~~في فردانيته و هم الذين وصفهم صلى الله عليه وسلم سيروا فقد سبق المفردون ~~قالوا من هم يا رسول الله قال الذين اهتروا بذكر الله تعالى يضع الذكر ~~اثقالهم يأتون يومئذ خفافا فهم أمناؤه في أرضه قلوبهم في ملك الملك في تلك ~~الخلوة التي قد انقطع علم الصفات عندها فلا يوصف ما في قلوبهم أيام الحياة ~~فجزاؤهم غدا الدلال فصاحب الهيبة في عبودته و معاملته من الفرق كالميت في ~~كل أمر من أموره على هول عظيم و خطر جسيم و صاحب الأنس في عبودته و معاملته ~~قد خف عنه ذلك لما يأمل من عطفه و رأفته به و محبته و صاحب البهتة أمينه ~~فهو كالمطمئن لأنه صار في قبضته و هو يستعمله فباستعماله أشرف على الأمور ~~فهو المدل في دنياه المدل في آخرته و هو الأمين الذي بسطه فانبسط و هو ~~المحدث و هو أعلى من الصنفين الأولين صاحب الأنس و صاحب الهيبة فإن صاحب ~~الأنس بسطه الأنس بالملك و هذا قد ms281 بسطه الملك و شتان من بسطه الملك و من ~~بسطه الأنس بالملك PageV02P135 # | - * الأصل السادس و الثلاثون و المائة # - * # | في تأثير هيبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته و تأثير وفاته في ~~القلوب # عن أنس رضي الله عنه قال لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة أضاء كل شيء منها فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم كل ~~شيء منها و ما نفضنا الأيدي عن النبي صلى الله عليه وسلم و أنا لفي دفنه ~~حتى أنكرنا قلوبنا # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نورا أضاء العالمين قال تعالى ^ إنا ~~أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا ^ # فكان يستنير سراجه في العالمين و إذا مشى في الطريق فاح منه ريح الطيب ~~حتى يوجد عرفه في ممره صلى الله عليه وسلم فيعرف أنه مر بهذا المكان و كان ~~طاهرا طيبا طهره الله تعالى بالحفظ في الأصلاب والأرحام و طفلا و ناشئا و ~~كهلا حتى قدسه بطهر النبوة و شرفه بالقربة و طيبه بروحه و جلله ببهائه فمن ~~فتح الله قلبه بالنور الذي جعله في قلبه و أبصره و ما نحله الله تعالى و ~~زينه به كان رؤيته شفاء قلبه و دواء سقمه PageV02P136 ولا يخيب برؤيته عن ~~أن يكون شفاء القلب إلا من ختم الله على قلبه و جعل على سمعه و بصره غشاوة ~~كما قال تعالى ^ و تراهم ينظرون إليك و هم لا يبصرون ^ # و كانت هيبته و وقاره و جلاله و طهارته سدا بين القلوب و النفوس فكانت ~~النفوس قد ألقت بأيديها منقادة مستسلمة هيبة له و إجلالا و حياء منه صلى ~~الله عليه وسلم و كان له طلاوة وحلاوة ومهابة فأين ما حل ببقعة أضاءت تلك ~~البقعة بنوره وطلاوته و حليت بحلاوته و تهيأت شئونها بمهابته فلما قبض صلى ~~الله عليه وسلم ذهب السراج و زال الضوء و فاتت تلك الطلاوة والحلاوة و ~~المهابة # و قوله ms282 و ما نفضنا الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا أخبر عن قلبه و عن قلب ~~أشباهه من القلوب التي لم تغلب عليها الهيبة من الله تعالى و تأخذها هيبة ~~المخلوقين و كان صلى الله عليه وسلم آية من آيات الله العظمى فمن عرفه و ~~تمكنت معرفته من هذا الطريق فإذا فقده أنكر قلبه لأن نفسه كانت في قهر ما ~~أعطي الرسول صلى الله عليه وسلم من السلطان فلما أحست النفس بذهابه وجدت ~~زمامها ساقطة بالأرض كالمخلاة عنها فتحركت و تشوقت لمناها و أصاخت أذنا ~~لمطامعها و من غلب الهيبة من الله تعالى على قلبه و ملكته لم ينكر قلبه ~~بقبضه و لم يتغير شأنه بفقده و هم الصديقون و الأولياء عليه السلام فقد دخل ~~قلوبهم من جلال الله تعالى و عظمته ما بهتهم فهابوه و نفوسهم قد صارت ~~كالميتة من الخشوع لله تعالى فتلك هيبة احتشت القلوب منهم من محبة الله ~~تعالى فغمرت ما كان للمخلوقين فيها من المحبة من غير أن تزول هيبة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم و محبته من قلبه فإن كل ما عظمت هيبة الله تعالى و ~~محبته في قلب عبد فهو للهيبة من رسول PageV02P137 الله صلى الله عليه وسلم ~~أشد و حبه في قلبه أعظم و أصفى و لكن محبته وهيبته غامرة لما سواها فلا ~~يستبين بمنزلة واد ينصب في بحر فالوادي ينصب بهيبته و لكن لا يستبين في جنب ~~البحر و بمنزلة قمر مضيء فإذا أشرقت الشمس غمر إشراقها ضوء القمر فالقمر ~~يضيئ في مجراه و الشمس بإشراقها غالبة عليه كذا حب الله تعالى و هيبته في ~~حب الرسول صلى الله عليه وسلم و هيبته PageV02P138 # | - * الأصل السابع والثلاثون والمائة # - * # | في فضل نظرة المشتاق # عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نظر الرجل إلى أخيه على شوق خير من اعتكاف سنة في مسجدي هذا # الاعتكاف إقبال العبد على الله تعالى و التخلي عن الدنيا و شهواتها و كف ms283 ~~النفس عن التردد في ساحات العيش و منعها عن الانبساط و التفسح و مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم و موضع مهاجره و مبوء الاسلام يعدل الاعتكاف فيه ~~سنة اعتكاف ألف سنة في سائر المساجد # قال صلى الله عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما سواه ~~PageV02P139 # كذا حكم الاعتكاف فقد جعل صلى الله عليه وسلم النظر إلى أخيه على شوق منه ~~أكثر منه لأنه المؤمن لما انتبه بقلبه و عرف ربه تبارك و تعالى و اشتغل نور ~~اليقين في قلبه فانكشف له الغطاء عن جلاله و عظمته و جماله و مجده و بهائه ~~اشتاق إليه فلم يزل يدوم له الشوق حتى قلق و برم بالحياة و ضاق به ذرعا فهو ~~عطشان من ظمأ الشوق قد أسكرته محبته عن جميع الدنيا و أذهلته آماله فيها عن ~~جميع مناه فيها و أقلقته بقية أنفاسه و يتمنى أن ينقضي جميع أنفاسه في نفس ~~واحد حتى يطير بروحه إلى الله تعالى فهو في محبسه يتردد آثار من قد اجتباه ~~من بين خلقه و سبي قلبه بنوره و قد انقطع طمعه من أن يراه و هو ينادي في ~~خلال ذلك ارحم من تراه و لا يراك لأنه قد سبق إلى ذلك رأس المشتاقين كليم ~~الله صلوات الله عليه لما من عليه بالكلام طمع في الرؤية فآنسه و أعلمه سبب ~~المنع كالمعتذر فقال @QB@ لن تراني @QE@ أي لا تقدر ^ و لكن أنظر إلى الجبل ~~فإن إستقر مكانه فسوف تراني ^ # و كذلك فعل الحبيب بالحبيب إذا سأله حاجة لا طاقة له بها و لا يقوم لها و ~~ان الحاجة تضيع لم يواجهه بالمنع و لم يوحشه بالرد و يقيم لنفسه عذرا ~~فالمؤمن من يطلب الآثار إليه شوقا و لله تعالى في أرضه اربعة من آثاره بها ~~يقطع المشتاقون أعمارهم فاحدى الآثار كلامه و عليه طلاق فإذا نظر إلى ~~القرآن استروح لأنه كلامه و الثاني كعبته و هو بيته و معلمه و مظهره وعليه ~~وقاره ms284 فإذا نظر إليها استروح و الثالث السلطان و هو ظله و على ظله هيبته ~~فإذا نظر إليه استروح و الرابع وليه المؤمن و هو خليفته في أرضه و عليه نور ~~جلاله فإذا نظر إليه استروح لأنه حبيبه وفيه بره و سيماء نوره قد أشرق في ~~وجهه PageV02P140 # قال صلى الله عليه وسلم إن الله أعطى المؤمن ثلاثة المقة و الملاحة ~~والمحبة في صدور المؤمنين ثم تلا ^ إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات سيجعل ~~لهم الرحمن ودا ^ # و قال صلى الله عليه وسلم من نظر إلى أخيه نظر ود غفر الله له لأن ~~المشتاق آيس من أن ينظر إلى مولاه في الدنيا فإذا نظر إلى هذا العبد فانما ~~يقضي المنية من ربه ولا يشفيه ذلك بل يذوب على قدميه فكل لحظة بلحظة إلى ~~هذا العبد و قصد به التشفي من حرقات الشوق إلى الله تعالى و قد حبسه الله ~~تعالى بباقي أنفاسه يستوجب بتلك النظرة التي من أجل الله تعالى كانت و لم ~~يصل إلى مراده و منيته الرضوان والمغفرة منه و هؤلاء الأربعة الذين هم آثار ~~الله تعالى في أرضه بهم تقوم الأرض فإذا دنا قيام الساعة رفع القرآن و هدمت ~~الكعبة و ذهب السلطان و قبض الأولياء عن آخرهم فالمتنبهون إنما يأخذون من ~~القرآن لطائفه و طلاوته و يلحظون من السلطان هيبة ظله دون أفعاله و سيره و ~~من البيت وقاره دون الأحجار والبنيان و من الولي نور جلاله الذي قد أشرق في ~~صدره دون جسده و لحمه و دمه PageV02P141 # | - * الأصل الثامن و الثلاثون والمائة # - * # | في أدب التنزه في المأكول و تناوله # عن عبد الله بن بشير رضي الله عنه قال دخل علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فطعم ثم أتي بسويق فشرب ثم أعطي الذي عن يمينه و كان إذا أكل التمر ~~وضع النواة على ظهر اصبعه الوسطى والمشيرة ثم ألقاها # لو أخذ النواة بباطن أصابعه ثم عاد إلى بقية التمر لكان لا يخلو أن تكون ~~أصابعه مبتلة ms285 من ريق الفم عند أخذ النواة فكره أن يعود إلى بقية التمر وفي ~~يده بلة النواة مراعاة للأكيل و حرمة للصاحب ليتأدب به من بعده فإنه قد ~~يعاف الرجل صاحبه في فعله من ذلك ويكرهه فكان يأخذ النواة بظاهرإصبعيه و ~~يستعمل باطنهما في تناوله # و مما يحقق ذلك ما روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى أن يجمع بين التمر و النوى و بين الرطب و النوى على الطبق # و عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بطبق من رطب ~~فأكل منه شيئا ثم يلقي النوى من فمه بشماله فمرت به داجنة فناولها إياه ~~فأكلت PageV02P142 # | - * الأصل التاسع والثلاثون و المائة # - * # | في أن ما يستصلح به الأقوات سيد الأدم # عن عيسى بن أبي عزة رضي الله عنه قال سمعت أنس ابن مالك رضي الله عنه ~~يقول سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول سيد ادامكم الملح # فالملح به إصلاح الأطعمة و طيبها فيكون مزاجا للأشياء PageV02P143 # | - * الأصل الأربعون و المائة # - * # | في أن المرء مع من أحب # عن علي كرم الله وجهه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~متى الساعة قال و ما أعددت لها قال حب الله و رسوله قال فأنت مع من أحببت # الحب هيجه للسؤال عن قيام الساعة لأنه علم أن لقاء العبد سيده بعد قيام ~~الساعة فقلق و ضاق بالحياة ذرعا فسأل عن الساعة متى تقوم استرواحا إليها و ~~إنما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعددت لها تطلعا لمن يحن ضميره و ~~تعرفا للذي عجله عليه من السؤال إلى معدن هاجت هذه الكلمة و هذا السائل من ~~المشتاقين ألا ترى انه لم يذكر من عدته شيئا من أعمال البر و إنما ذكر الذي ~~كان بين يدي قلبه و ما اعترض به في صدره فأجابه على ما وجده عليه فقال أنت ~~مع من أحببت فالموحدون كلهم يحبون الله تعالى حب ms286 إيمان لأن PageV02P144 ~~الغالب عليه نفسه و شهوته و إنما يقلق لذلك و يجيش صدره إذا فاته شيء من ~~شهواته و نهماته في الدنيا فذاك إنما يعد للساعة أعمال بره و جعل ذلك عدته ~~يرجو لها الثواب من الله تعالى حتى إذا ورد القيامة حصلت سرائره و بلي خبره ~~واقتضى صدقه في الأعمال فان وجد صادقا في ذلك أثيب و أكرم على قدره و إن ~~وجد كاذبا رمي به في وجهه و هو موقوف في الحرصة يرجو بأعماله النجاة من ~~النار و نوال الثواب فتخلص حسناته وتصفى ثم توزن بالسيئات فإن فضل له شيء ~~أعطي بقدر ما فضل و هذا السائل قد كانت الأشياء كلها تلاشت عن قلبه في جنب ~~معبوده فلحبه إياه غليان في صدره فكان ذلك عدته فلذلك قال أنت مع من أحببت # و لعله كان أشدهم اجتهادا و أصفاهم عملا و أخلصهم قلبا و أطهرهم إيمانا و ~~أبعدهم عن كل ريبة و ريب و دنس و عيب و أخلقهم بمعالي الأخلاق و أنزههم عن ~~مدانيها لأن حب الله تعالى لا ينال إلا محبوبه قال تعالى ^ يحبهم و يحبونه ~~^ # بدأ بحبه إياهم ثم بحبهم له ثم وصف أخلاقهم و شمائلهم فقال @QB@ أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين @QE@ الآية # و إذا فتح الله قلب عبد و أشرق النور في صدره وانتبه من غفلته فمحال أن ~~لا يجيش صدره بحب مولاه حتى ينسى في حبه حب كل مذكور و يلهو عن كل شيء سواه ~~كما قال الحسن رضي الله عنه حق على من عرفه أن ينكر كل شيء سواه # و قال صلى الله عليه وسلم لا يبلغ أحدكم ذروة الإيمان حتى يكون ~~PageV02P145 الناس عنده أمثال الاباعر في جنب الله تعالى ثم يرجع إلى نفسه ~~فيكون لها أحقر حاقر # و قال صلى الله عليه وسلم حبك الشيء يعمي ويصم # فالقلب واحد فإذا أحب الدنيا أعماه و أصمه عن الآخرة فإن الحب حرارة ~~تتوقد في القلب فإذا ولج القلب حرارة الشهوة تعميه و ms287 تصمه عن كل شيء سواه و ~~إذا أحب الآخرة أعماه عن الدنيا و أصمه لأنه صارت له الآخرة معاينة بالنور ~~الوارد على قلبه و هاجت شهوته لها واستجر قلبه و توقد فأعماه و أصمه عن كل ~~شيء سواها و إذا أحب مولاه أعماه و أصمه عن جميع ما خلق و عن كل ما سواه ~~لأنه إذا توقد نوره في قلبه انكشف الغطاء عن جلاله وعظمته و جماله و بهائه ~~و كبريائه فأعماه و أصمه عن كل شيء سواه و هكذا ركب في طباع الآدميين أن ~~يسموا قلبه إلى الأرفع فالأرفع إذا رأى أهل النعيم و الزينة يسمي قلبه ~~أعظمهم قدرا و أوفرهم حظا من ذلك و إذا عاين الآخرة رق هذه في جنبها و إذا ~~وقع على قلبه من جلال الله و عظمته رق هذا كله في جنب ما عاين و يحب الآدمي ~~كلا على قدره و أهل المحبة قوم سبقت لهم من الله تعالى سعادة زائدة فاضلة ~~على من دونهم من عمال الله تعالى اجتباهم بمشيئته و هداهم بإنابتهم و هم ~~صنفان ذكرهما الله تعالى في تنزيله الكريم ^ الله يجتبي إليه من يشاء و ~~يهدي إليه من ينيب ^ # فالأول طريق الأنبياء عليهم السلام بمشيئته اجتباهم و جذب قلوبهم إليه ~~جذبة بمشيئته من غير تردد و تكلف و طلب و الثاني طريق الأولياء المهذبين ~~سلام الله تعالى عليهم أنابوا و ساروا إليه بقلوبهم و أوصلهم PageV02P146 ~~إليه فأحبهم و بحبه أوصلهم إلى حبه و قال الله تعالى @QB@ أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين @QE@ # و لهذا تفسيران تفسير المقتصدين أهل الاستقامة و تفسير الأولياء أهل ~~اليقين فأما أهل الإستقامة فيذل عند حق المؤمن لحقه و يرق له و يعطف عليه و ~~يحب له ما يحب لنفسه و يعز على الكافر بالله تعالى على باطله فيقهره ^ ~~يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم ^ فمن حبهم إياه دق شأن الخلف ~~و ذمهم و مدحهم في جنبه # و أما تفسير أهل اليقين @QB@ أعزة ms288 على الكافرين @QE@ يذلون عند كل مشيئة ~~لله تعالى فيظهر من الغيب من احكامه عليهم فينقادون له تسليما له بلا تلجلج ~~و يعزون على الباطل فيمتنعون منه حتى لا يجدوا سبيلا و لا تجد النفس إلى ~~خدعها طريقا و يعزون على أهله فلا يستقبلهم مضاد إلا انقمع لهم وسلس ولا ~~يخافون لومة لائم قد سقط عن قلوبهم خوف سقوط المنزلة عند الخلق و هذه عقبة ~~عظيمة من جازها فقد ولى الدنيا وراء ظهره و رفع عن الناس بالا و هما عقبتان ~~كئودتان فطلاب الآخرة أعرضوا عن الدنيا توليا عنها و أقبلوا على الآخرة الا ~~أنهم بقوا في العقبة الثانية فهم حرصاء أن يكون جاههم و قدرهم باقيا عند ~~الخلق و أن لا يسقطوا من أعينهم و هو الشهوة الخفية التي بكى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقيل له في ذلك فقال أخوف ما أخاف عليكم الشرك والشهوة ~~الخفية PageV02P147 # فحب الثناء و حب المحمدة هي الشهوة الخفية و هي من أقوى الأشياء في ~~الآدمي يبقى ذلك في العمال والقراء والزهاد و الورعين فهم منه في جهد و هذا ~~الذي حملهم على الاختفاء و الهرب من الخلق و إخفاء العمل و كتمان الأشياء ~~التي يكرمهم الله تعالى بها مخافة التزين و المباهاة في الأقوال فمن أشرب ~~حب الله قلبه شربة أسكرته عن الدارين و عن الخلق فطارت هذه المحبات عنه و ~~زال عنه حب المحمدة و الثناء ورفع المنزلة عند الخلق و ذهب باله و نسي هذا ~~كله ولا يبقى على قلبه إلا عظمة الله تعالى و جلاله إذ أشرق الصدر بنوره ~~فامتلأ من عظمته و لزمته هيبته و هاجت هوائج المحبة له و الشوق إليه و ظهر ~~الوله و الحنين فيه فحينئذ تموت هذه الأشياء منه و يحيى قلبه به و لا يخاف ~~في الله لومة لائم فإذا ترقى من هذه الدرجة إلى الدرجة العظمى فانفرد ~~بوحدانيته و بهت في جماله و جلاله واستولت على قلبه هيبته افتقد ذكر هذا ~~كله ms289 من نفسه فيصير في قبضته مستعمله في أموره معتزا به به يقوم و به يقعد و ~~به يتصرف في الأحوال # و هذا السائل الذي سأله صلى الله عليه وسلم عن الساعة من جملتهم و لهذا ~~روى أنس بن مالك رضي الله عنه في آخر الحديث كم من بدوي من رجال الله و ~~خاصته لا يعرف و لا يؤبه به # و قال ثابت البناني رضي الله عنه لا تسخروا من أحد و لا تستهزءوا من أحد ~~فإن أنس بن مالك رضي الله عنه حدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~بالبقيع فإذا هو باعرابي أعمش العينين خمش الذراعين دقيق الساقين عليه ~~شملتان و معه عكة من سمن يبيعها فجاء جبرئيل عليه السلام إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذا زاهر PageV02P148 هذا يحب الله و ~~الله يحبه فدنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا زاهر قال لبيك يا ~~رسول الله قال من يشتري مني زاهرا فقال يا رسول الله إذا تجدني كاسدا فقال ~~يا زاهر إن تكن عند الناس كاسدا فانك لست عند الله كاسدا إذا قدمت المدينة ~~فانزل علي و إذا أنا بدوت نزلت عليك PageV02P149 # | - * الأصل الحادي و الأربعون و المائة # - * # | في أي النساء خير # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله أي النساء خير قال التي ~~تسره إذا نظر و لا تعصيه إذا أمر و لا تخالفه لما يكره في نفسها و مالها # تسره إذا نظر لعفتها و جمالها فإن المرأة إذا كان لها جمال كان ذلك عونا ~~على عفة الرجل و دينه فلا يلحظ إلى إمرأة إلا كان في غنى عنها بما عندها من ~~جمالها # روي أن جماعة قصدوا دار زكريا عليه السلام فإذا فتاة جميلة رائعة قد أشرق ~~البيت لها حسنا قالوا من أنت قالت أنا امرأة زكريا عليه السلام قالوا بينهم ~~كنا نرى نبي الله زكريا لا يريد الدنيا فإذا هو اتخذ امرأة ms290 جميلة رائعة ~~فقال عليه السلام إني إنما تزوجت إمرأة جميلة رائعة لأكف بها بصري و أحفظ ~~بها فرجي PageV02P150 # و قال صلى الله عليه وسلم مثل عائشة في النساء كالثريد في الطعام فهذا ~~تمثيل منه و ذلك أن الثريد مشبع يجزي عن سائر الطعام يستغني به صاحبه عما ~~سواه ولا يقوم مقامه شيء من الطعام ولأن الله تعالى قد اخذ على الأزواج ~~ميثاقهم في شأن نسائهم و أمرهم بالإحسان إليهن و المعروف لهن قال تعالى ~~@QB@ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان @QE@ # و قال صلى الله عليه وسلم النساء عندكم عوان اخذتموهن بأمانة الله و ~~استحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله فيهن أي في حسن عشرتهن والخروج ~~إليهن من حقوقهن فمن رزق امرأة على وفاق نفسه كان ذلك عونا له على حسن ~~العشرة و إقامة الحقوق فإن النفس إذا هويت شيئا مالت إليه فصار أمرهما على ~~اتفاق فلم يبق للنفس تردد ولا تلكؤ فهذا قوله صلى الله عليه وسلم تسره إذا ~~نظر # و قوله و لا تعصيه إذا أمر فإنما عظم أمر الأزواج الذي يلزمهن ~~PageV02P151 أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه و لا تكلم غير ذي محرم من الرجال ~~و لاتمنع نفسها في حال حاجته إليها هويت أو لم تهو خف ذلك عليها أو ثقل # قال صلى الله عليه وسلم لا تمنع المرأة نفسها من الزوج و إن كانت على رأس ~~تنور # و في حديث آخر و إن كانت على قتب أي في حال ولادتها فإن القوابل كانت يعز ~~وجودها في تلك البوادي فيحملون نسائهم على القتب عند ولادها و قد هيىء ~~القتب بالأرض حتى يتمكن من القعود عليها فتلد و يقبلون ولدها من تحت القتب # و عن أبي كبشة رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كنا ~~جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرت بنا امرأة فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فدخل منزله ثم خرج إلينا قد اغتسل فقلنا نرى أن قد ms291 كان ~~شيء يا رسول الله قال مرت بي فلانة فوقعت في نفسي شهوة النساء فقمت إلى بعض ~~أهلي فوضعت شهوتي فيها و كذلك فافعلوا فانه من أماثل أعمالكم PageV02P152 # و قوله و لا تخالفه لما يكره في نفسها و مالها هو أن تساعده على أموره ما ~~لم يكن فيها معصية فإن حسن الصحبة في المساعدة و حسن العشرة ترك هواها ~~لهواه # روى أنس رضي الله عنه أن رجلا انطلق غازيا فأوصى امرأته أن لا تنزل من ~~فوق البيت و كان والدها في أسفل البيت فاشتكى أبوها فأرسلت إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تخبره و تستأمره فأرسل إليها اتق الله و أطيعي زوجك ثم ~~إن والدها توفي فارسلت إليه صلى الله عليه وسلم تستأمره فأرسل إليها مثل ~~ذلك و خرج رسول صلى الله عليه وسلم و أرسل إليها أن الله قد غفر لك ~~بطواعيتك لزوجك # و قال صلى الله عليه وسلم الدنيا متاع و خير متاعها المرأة الصالحة و قال ~~صلى الله عليه وسلم خير ما أعطي العبد من الدنيا زوجة مؤمنة تعينه على ~~إيمانه # و قال لقمان عليه السلام مثل المرأة الصالحة مثل التاج على رأس الملك و ~~مثل المرأة السوء كمثل الحمل الثقيل على ظهر الشيخ الكبير PageV02P153 # | - * الأصل الثاني والأربعون والمائة # - * # | في المعمرين في الإسلام # عن عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول قال الله عز و جل إذا بلغ عبدي أربعين سنة عافيته من البلايا الثلاث ~~من الجنون و البرص والجذام فإذا بلغ خمسين سنة حاسبته حسابا يسيرا و إذا ~~بلغ ستين سنة حببت إليه الإنابة و إذا بلغ سبعين سنة أحبته الملائكة و إذا ~~بلغ ثمانين سنة كتبت حسناته و ألقيت سيئاته و إذا بلغ تسعين سنة قالت ~~الملائكة أسير الله في أرضه فغفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و شفع في ~~أهله # يروى هذا الحديث بروايات أخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms292 و ليس فيها ~~حكاية عن الله تعالى # و في رواية أنس رضي الله عنه ما من معمر يعمر في الإسلام أربعين سنة إلا ~~صرف الله تعالى عنه ثلاثة أنواع من البلاء وقال في الخمسين لين الله حسابه # و في رواية أخرى عن أنس رضي الله عنه قال المولود قبل أن يبلغ الحنث ما ~~يعمل من حسنه كتبت لوالديه و إن عمل سيئة لم تكتب عليه و لا على والديه ~~فاذا بلغ الحنث و جرى عليه القلم PageV02P154 أمر الملكان اللذان معه أن ~~يحفظا و يسددا فإذا بلغ أربعين سنة و سرد الحديث إلى أن قال بعد التسعين ~~فإذا بلغ أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا كتب الله له بمثل ما كان يعمل ~~في صحته من الخير و إن عمل سيئة لم تكتب عليه # و في رواية أبي هريرة رضي الله عنه فإذا بلغ مائة سنة سمي حبيس الله في ~~الأرض حق على الله أن لا يعذب حبيسه في الأرض هذا الحديث يخبر عن حرمة ~~الإسلام وما يوجب الله تعالى لمن قطع عمره مسلما من الكرامات و ما يقصد في ~~ذلك بيان الأعمال و الدرجات واكتساب الطاعات فذاك ثوابه على قدر ما سعى و ~~اكتسب و مثل هذا موجود في حق الخلق ترى الرجل يشتري عبدا فإذا أتت عليه ~~ستون يقال عتق عندنا و طالت صحبته معنا فترتفع عنه بعض العبودة و يخفف عليه ~~في الضريبة فإذا زادت مدة صحبته زيدت رفقا و عطفا و إذا وجد منه تخليط و ~~إساءة عمل فلطول صحبته لا يمنع رفده و رفقه لإساءته فإذا شاخ و كبر اعتقه ~~احتشاما من بيعه والإساءة إليه # و لهذا قال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يستحي من عبده و أمته أن ~~يشيبا في الإسلام فيعذبهما PageV02P155 # ففي بلوغ العمر أربعين سنة استكمال الشباب واستجماع القوة و هو عمر تام و ~~لا يزال بعده في نقصان و إدبار فإذا عاش في الإسلام عمرا تاما وجب له من ~~الحرمة ms293 ما يدفع عنه الآفات الثلاث التي لا تقبل الدواء منه من الداء العضال ~~و وجود العدو إليه سبيلا في أخذ قلبه فإذا بلغ خمسين سنة و هو نصف المائة ~~التي هي أرذل العمر الذي يرفع عنه الحساب فهو على النصف من ذلك فخفف عنه ~~حسابه ولين و حوسب حسابا يسيرا و خفة الحساب في الدنيا أن لا يؤاخذه فيها و ~~لا ينزع منه البركة و لا يحرمه ألطافه و لا يقصيه و لا يخذله و من قبل ~~الخمسين لم يستوجب هذه الحرمة فإذا بلغ ستين سنة و هو عمر التذكر و التوقف ~~قال صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة نودي أبناء الستين @QB@ أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر @QE@ # فإذا عمر ستين سنة فقد جاء أوان التذكر لأن الأربعين منتهى استتمام القوة ~~فإذا جاوز إلى ستين فقد أتى عليه عشرون سنة في النقصان وهو نصف الأربعين ~~الذي هو منتهى القوة فقد افتقد من نفسه نصف القوة فلذلك صار حجة عليه فأوجب ~~له حرمة بأن رزقه الإنابة إليه فيما يحب و هو التذكر فإنه إذا تذكر رزقه ~~الإنابة إليه في الطاعات و لم يخذله حتى يصير عمره وبالا و حجة عليه فيعير ~~به كما يعير أهل النار قال الله تعالى ^ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~و جاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ^ # و إذا بلغ سبعين سنة فقد عمر حقبا من الدهر و هو سبعون سنة و هو غاية و ~~قد ينتهي إليه في الطول و هو منتهى أعمار هذه الأمة PageV02P156 # قال صلى الله عليه وسلم أقل أمتي أبناء السبعين و قال صلى الله عليه وسلم ~~معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين # فإذا عمر في الإسلام سبعين سنة قال هذا عبد قد كان في عبودة مولاه حقبا ~~لم يأبق منه و لم يتول حتى مات في عبودته و ذهب شبابه و قوته في طاعته ~~فأوجب له محبته و أحبه أهل السماء فإنه يشهر حبه فيهم ms294 و تحقيق ما ذكرنا ما ~~روى وهب قال مكتوب في التوراة أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده ابناء ~~الخمسين هلموا إلى الحساب لا عذر لكم أبناء الستين ماذا قدمتم و ماذا أخرتم ~~أبناء السبعين ماذا تنتظرون ألا ليت الخلق لم يخلقوا فإذا خلقوا علموا ~~لماذا خلقوا ألا أتتكم الساعة فخذوا حذركم # فإذا بلغ ثمانين سنة قبلت حسناته و تجاوز الله تعالى عن سيئاته فإنه عمر ~~ضعف العمر فإن العمر التام أربعون ثم عمر أربعين أخر في نقصان و إدبار في ~~الإسلام فاستوجب أن قبلت حسناته و تجاوز عن سيئاته فإن الله تعالى قال في ~~الاستقامة ^ حتى إذا بلغ أشده و بلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ^ إلى آخر ~~الآية و قال الله تعالى @QB@ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا @QE@ ~~إلى قوله @QB@ يوعدون @QE@ فهذا لمن بلغ أربعين سنة في الاستقامة ~~PageV02P157 # فإذا كان مخلطا فعمر في الإسلام ضعف أربعين أوجب له بحرمة ذلك العمر ما ~~يوجب للمستقيم في وقت الأربعين # روى أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ ~~الرجل من أمتي ثمانين سنة حرم الله جلده على النار و إذا بلغ تسعين سنة فقد ~~أفند و فقد عقله و كان العقل حجة الله عليه فغفر له ما تقدم من ذنبه بقطع ~~هذا العمر مسلما و ما تأخر بفقد عقله لأنه في أول ما اجتباه ألقى في قلبه ~~نور المعرفة فسبى قلبه عليه فما زال يستغله فيغل غلته ويؤدي خراجه حتى إذا ~~شاخ و كبر و عجز عن العلة و ذهبت القوة و فقد العقل رفع عنه الضريبة و ~~الخراج و تبعة الذنب فيما بقي و سمي أسير الله في الأرض لأنه في ربقة ~~الايمان كأسير في وثاق لا يقدر براحا قد عجز عن أعمال البر وهو في ربقة ~~الاسلام فإذا بلغ مائة سنة فقد رد إلى أرذل العمر فصار كالصبي فبلغ من ~~حرمته أن يجري له حسناته و لم يكتب عليه سيئاته لأنه قد ms295 بلي فوجد صادقا في ~~التوحيد لم يتردد فيه و دام عليه ناشئا فتيا و شابا طريا و كهلا سويا و ~~بجالا بهيا و شيخا رضيا فلما صار إلى أرذل عمره عاد إلى أحكامه طفلا و صبيا ~~فأجرى له ما كان يعمل من الحسنات في سالف أيامه و رفع عنه سيىء ما يجيء منه # قال الله تعالى @QB@ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل ~~سافلين @QE@ ثم استثنى فقال ^ إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات فلهم أجر ~~غير ممنون ^ أي غير مقطوع # و قال صلى الله عليه وسلم غير ممنون ما يكتب لهم صاحب اليمين فإن عمل ~~خيرا كتب صاحب اليمين و إن ضعف عن ذلك كتب له صاحب اليمين و أمسك صاحب ~~الشمال فلم يكتب سيئة PageV02P158 # | - * الأصل الثالث و الأربعون و المائة # - * # | في فضل ذاكر الله في أهل الغفلة # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخل ~~سوقا من أسواق المسلمين فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و ~~له الحمد يحيي و يميت و هو حي لا يموت بيده الخير و هو على كل شيء قدير كتب ~~الله له ألف ألف حسنة و حطت عنه ألف ألف خطيئة و رفعت له ألف ألف درجة # هذه كلمات يخرج بها العبد من حال الغفلة و إنما خص بها الأسواق لأن ~~الغفلة مستولية على أهلها و ذلك لأن الله تعالى هو المعطي و المانع و ~~القابض و الباسط و الرازق بيده خزائن الأشياء و مفاتيح الغيب فمن قدر على ~~شيء فبقدرته إياه قدر و وضع الأشياء في الأسباب و جعل الأسباب من أبواب ~~المكاسب و وجوه الأرزاق نصب أعين الآدميين PageV02P159 فأهل اليقين بنور ~~بصائرهم نفذوا من الأسباب إلى وليها بحيث لا تقدر الأسباب أن تصير فتنة ~~عليهم فهم يعملون في الأسباب مع وليها يزرعون و ينتظرون رحمتن فإذا أزكى ~~قالوا هذا من فضلك و رحمتك و يتجرون يبتغون الأرباح ms296 من فضل الله تعالى فإذا ~~تعذر عليهم شيء سألوه كما قال تعالى @QB@ وابتغوا من فضل الله @QE@ ^ و ~~اسألوا الله من فضله ^ # و أهل الغفلة تعلقت قلوبهم بالزراعات و الحرف و التجارات و ما وضع لهم ~~فيه من التدبيرات فاليه ينظرون و إياه يطلبون و به يفتنون و من أجله يعصون ~~فالأسواق معدن النوال و مظان الأرزاق و هي مملكة وضعها الله تعالى لأهل ~~الدنيا يتداولون ملك الأشياء فيما بينهم فترى الشيء الواحد يدور ملكه في ~~اليوم الواحد على أيدي المالكين مرات و التدبير على المملكة الأعلى و هي ~~العرش فملكة التداول في الأسواق و مملكة تدبير التداول هي العرش و السوق ~~رحمة من الله تعالى لعباده دبره معاشا لخلقه يدر عليهم منها حوائجهم ليلا و ~~نهارا و شتاء و صيفا و نقلا من بلد إلى بلد لتكون الأشياء كلها موجودة في ~~الأيدي عند الحاجة إليها قال تعالى ^ و قدر فيها أقواتها ^ # و جعل الذهب و الفضة أثمان كل شيء و ما سواها عرضا و صرف أرزاقهم إلى مثل ~~هذه الأرباح و صرف بوجوههم للطلب إلى مطالب الكسب لتكون الأسواق قائمة و ~~التدبير جاريا و المعاش نظاما و جعل الحرف والصنائع بعضها متعلقة بالبعض ~~ينتفع هذا بصنعة ذاك و ذاك بصنعة هذا و لو لم يكن هكذا لكان الواحد يحتاج ~~إلى آلة جميع الحرف و إلى تعلم كل حرفة في الأرض فيصيرون عجزة و أسواقهم ~~PageV02P160 بصنوف ما يحتاجون إليه مشحونة ثم صيرهم يبتغون من فضل الله ~~تعالى في هذه الأشياء بتغيير الأسعار فإن الله تعالى هو المسعر و هو القابض ~~و الباسط فبتغيير الأسعار يتناولون الأرباح و يدر عليهم الشيء بعد الشيء و ~~يكون ذلك معاشا لهم تفضل الله تعالى عليهم به فأهل الغفلة صيروا هذه الرحمة ~~وبالا على أنفسهم بتعلق قلوبهم بالأسباب و غفلتهم عن المدبر لها و السائق ~~أرزاقهم إليهم من فضله فالناطق بهذه الكلمات بين أولئك الغفلة في هذا الحظ ~~من ربه فتكتب له الحسنات و تمحى عنه ms297 السيئات و ترفع له الدرجات # قال صلى الله عليه وسلم ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في السنة ~~الحمراء # و هذا لأن العدو قد انتهز الفرصة من أهل الأسواق لما رأى من أحوالهم من ~~حرصهم و شحهم و رغبتهم في الدنيا و صيرها عدة و سلاحا لفتنته فدخلوا ~~أسواقهم و هم طالبون للمعاش و الرغبة فيهم حاصلة و الحرص كامن فنصب كرسيه ~~في وسط أسواقهم و ركز رايته و بث جنوده و قال دونكم من رجال مات أبوهم و ~~أبوكم حي فمن بين مطفف في كيل و طائش في ميزان و منفق سلعة بالحلف الكاذب و ~~حمل عليهم بجنوده حملة فهزمهم عن مقاومهم إلى المكاسب الرديئة و إضاعة ~~الصلوات و منع الحقوق فما داموا في هذه الغفلة على مثل هذه الأحوال فهم على ~~خطر من ربهم من نزول العذاب و تغير الأمور و كون الأحداث فالذاكر فيما ~~بينهم يرد سخط الله تعالى و يطفىء ثائر غضبه لأن في كلماته هذه نسخا لتلك ~~الأعمال قال تعالى ^ و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ^ # فيدفع عن أهل الغفلة بالذاكرين و عن غير المصلي بالمصلين و في ~~PageV02P161 هذه الكلمات التي ذكرها صلى الله عليه وسلم نسخ لأفعال أهل ~~السوق لأن قلوبهم قد وله بعضها إلى بعض في النفع و الضر فإذا قال لا إله ~~إلا الله كان نسخا لوله قلوبهم و إذا قال وحده لا شريك له يكون نسخا لما ~~تعلقت قلوبهم بعضها ببعض في نوال أو معروف أو رجاء نفع أو خوف ضر و قوله له ~~الملك و له الحمد نسخ لما يرون من صنع أيديهم و تصرفهم في الأمور بتحمل ~~بعضهم بذلك إلى بعض و قوله يحيي و يميت نسخ لحركاتهم و ما يرجون في أسواقهم ~~للتبايع أحياهم حتى انتشرت الحركات و يميتهم فلا يبقى متحرك و قوله و هو حي ~~لا يموت نفى عنه ما ينسب إلى المخلوقين من الموت و قوله بيده الخير أي هذه ~~الأشياء التي ms298 تطلبونها من الخير في الأسواق و هو على كل شيء قدير # و مثل أهل التخليط و الغفلة في الأسواق كمثل الذبان و الهمج يجتمعن على ~~مزبلة يتطايرن فيها على ألوان القاذورات فيقعن على ضروب ما هناك فعمد رجل ~~إلى مكنسة ذات شعوب و قوة فكنس هذه المزبلة فجرفها في الوادي فإذا البقعة ~~نظيفة و صاحبها معجب بها فالناطق بهذه الكلمات وجد أسواقا مشحونة بالكذب و ~~الفحش و الخيانة و الظلم و العدوان و الأيمان الكاذبة و المكاسب الرديئة قد ~~هزمهم العدو و هم على شرف حريق و نزول عذاب فنطق بهذه الكلمات و رمى ~~بالمزابل في وجه العدو و طهر الأسواق منهم و أطفأ نائره سخط الله تعالى و ~~ستر مساوىء أهل السوق و نفى ظلمتهم و طهر أرجاسهم فاستوجب من الله تعالى من ~~الثواب ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم PageV02P162 # | - * الأصل الرابع و الأربعون و المائة # - * # | في أن الموحد و الصديق في الناس قليل # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تجدون ~~الناس كالإبل المائة ليس فيها راحلة أوليس فيها إلا راحلة # فالراحلة هي التي قد ريضت و أدبت فسمحت بالطاعة و تركت شرتها وسارت ~~بزمامها و ذلت لصاحبها و أعطت سيرها و جادت بنفسها و أعطت من نفسها السير ~~في وجهها فما زال ذلك عادتها في الرجل و دأبها في الانقياد و صاحبها يرعاها ~~و يلي تأديبها و يتفقد أحوالها حتى تمكنت عنده منزلة و حظا حتى صيرها نجيبة ~~من نجائبه و كريمة من كرائم إبله سمحة لا تحرن و كريمة لا تجمح و جريئة لا ~~تنفر و وادعة لا تشمس و ساكنة لا تضطرب إذا حملت حملت PageV02P163 و إذا ~~سارت استمرت و إذا حركت أعنقت فصاحبها بأحوالها معجب و بها ضنين لا يملكه ~~أحدا و لا يطلق لغيره عليه يدا حتى يتحمل أثقال صاحبه فيكون من نجائبه ~~فكانت كإحدى الإبل المائة سائمة ترعي في مظانها و تذهب في مهواها ms299 يمينا و ~~شمالا لا ينتفع بها برسل و لا حمولة فالواحد منها ركوبه و سائرها للأكل قال ~~الله تعالى ^ و ذللناها لهم فمنها ركوبهم و منها يأكلون ^ فالذي ذلل للركوب ~~صارت راحلة و سائرها لحم # فكذلك الناس انتشروا على بسيط الأرض فربتهم نعم الخالق و أظلتهم سحائب ~~رحمته و اكتنفتهم رأفته و تولتهم نعمته و منته فإذا ألجمت أحدهم بلجام الحق ~~أو زممته بزمام الصبر هز رأسه و لوى عنقه فرمى باللجام و جاذب بالزمام فمر ~~شاردا و رمى بحمولته فمن المائة لا تجد فيها راحلة واحدة عز أن تجد نفسا ~~سمحة سخية منقادة مطيعة لربها قد ألقت بيدها سلما و انخشعت لعظمة ربها ~~ووطنت نفسها على العبودة فلا يزال في عطف الله تعالى و رحمته و تأييده و ~~نصرته حتى يصير ذا حظ من ربه فبحظه منه تنجب و تزكو نفسه و تطيب أخلاقه و ~~ينشرح صدره و تلين عروقه و يرطب قلبه و يألف ربه فإن رحله انقاد و إن سيره ~~سار و إن عطفه انعطف و إن كبح به وقف و إن بعثه انبعث و إن حركه هملج أو ~~جمز و إن أوقره استمر و ان أنصبه احتمل و إن خلى زمامه تفويضا إليه استقام ~~فهو لربه أليف و ربه به ضنين PageV02P164 # قال صلى الله عليه وسلم الله أضن بدم عبده المؤمن من أحدكم بكريمة ماله ~~حتى يقبضه على فراشه # و قال عليه السلام إن لله تعالى عبادا يضن بهم عن الأمراض و الأسقام ~~يحييهم في عافية و يميتهم في عافية و يدخلهم الجنة في عافية # فالراحلة في الإبل قليلة والنجيبة في الرواحل قليلة فالموحدون في الناس ~~قليل و المستقيمون بلجام الله في سيرهم قليل في الموحدين و الصديقون في ~~المستقيمين قليل قال الله تعالى ^ و قليل من عبادي الشكور ^ # فالسابقون أهل الشكر و الوفاء والمؤيدون بالمن و العطاء و الممتلئة ~~قلوبهم من الجلال و البهاء والعظمة الآلاء # قال صلى الله عليه وسلم طوبى للسابقين إلى ظل ms300 الله تعالى قيل و من هم يا ~~رسول الله قال الذين إذا أعطوا الحق قبلوه و إذا سئلوا بذلوه و الذين ~~يحكمون للناس بحكمهم لأنفسهم # و هذه صفة أهل القناعة فإنهم استغنوا بالله تعالى حتى قنعوا بما أعطوا و ~~لله انقادوا و ألقوا بأيديهم حتى بذلوا الحق إذ سئلوا و إلى الله تعالى ~~أقبلوا حتى عدل قلوبهم فصاروا أمناءه و حكامه في أرضه يحكمون للناس بحكمهم ~~لأنفسهم قال تعالى ^ فلنحيينه حياة طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون ^ # و في مناجاة موسى عليه السلام يا رب كيف أصل رحمي و قد تباعدوا عني في ~~مشارق الأرض و مغاربها قال يا موسى أحب PageV02P165 لهم ما تحب لنفسك و لا ~~يقوي على ذلك إلا عبد سقط عن قلبه منزلة نفسه و منزل دنياه و لها عنهما و ~~شغف بمولاه فنبه من رقدة الغافلين فانتبه و أشرق في صدره النور فوقف بقلبه ~~على جلال الله تعالى و عظمته و على جماله و بهائه و على كبريائه و سلطانه ~~فصارت دنياه عنده أقل من جناح بعوضة و صارت نفسه عنده قبضة من تراب وردت ~~على قلبه من محبة الله تعالى و الحلاوة التي وجد لها ما أسكرته و ألهته عن ~~محبة نفسه و دنياه و ما يؤمن بها إلا كل مؤمن قد إمتحن الله قلبه للإيمان و ~~قليل ما هم # قال صلى الله عليه وسلم يقول ( الله تعالى يا جبرئيل انسخ من قلب عبدي ~~المؤمن الحلاوة التي كان يجدها لي ) قال فيصير العبد المؤمن والها طالبا ~~للذي كان تعاهد من نفسه و نزلت به مصيبة لم ينزل به مثلها قط فإذا نظر الله ~~تعالى إليه على تلك الحال قال يا جبرئيل ( رد إلى قلب عبدي ما نسخت منه فقد ~~إبتليته فوجدته صادقا و سأمده من قبلي بزيادة ) # فهذه حلاوة المحبة من نالها فقد غلب على عقله و صارت جميع الأشياء خولا ~~لها كمن وجد درهما فأحبه على قدره ثم وجد دينارا فأحبه على ms301 قدره ثم وجد ~~جوهرا لا يدري ما قيمته قد رق في عينه الدرهم و الدينار لاستغنائه به و ~~انتفاعه بذلك أكثر من الاستغناء و الانتفاع بهما و إذا فتح الله قلب المؤمن ~~و نور صدره و عرفه من صفاته ما جهله قبل ذلك علم أن الخير كله بيد الله ~~تعالى و النفع منه كان غناه بالله تعالى أكثر و رجاؤه منه أعظم من الدينار ~~و الدرهم فإن أحبه حبا يلهيه عن حب الدرهم و الدينار فليس بعجيب بل هو ~~PageV02P166 المتمكن في العقول فإن من له بيت مملوء من دنانير فلو سقط منه ~~عشرة مثلا لم يجد على قلبه حزنا عليها و لو أهدي إليه هذا القدر لم يفرح ~~بها لاستغنائه بتلك الدنانير فإذا كانت هذه الدنانير قد أغنته و فرحته فرحا ~~لا يجده لحصول هذه الدراهم القليلة فرحا و لا لفواتها حزنا فما ظنك بمن عرف ~~الله تعالى في جلاله و عظمته و ملكه و عرف إحسانه إليه ألا يكون غناه به و ~~فرحه فرحا لا يجد لشيء من عروض دنياه فرحا و لا يجد على فواتها حزنا # روى أنس رضي الله عنه قال بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فأطلع رجل من الأنصار تنطف ~~لحيته من ماء وضوئه معلق نعله في يده الشمال فلما كان من الغد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فأطلع ذلك الرجل ~~على مثل مرتبة الأولى فلما كان من الغد قال صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ~~فأطلع الرجل فلما قام اتبعه عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال ~~إني لاحيت لأبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى ~~يحل يميني فعلت قال نعم فإذا له خيمة و نخل و شاة فلما أمسى خرج من خيمته ~~فاحتلب العنز و اجتنى لي رطبة ثم وضعه فأكلت فبات نائما و ms302 بت قائما و أصبح ~~مفطرا و أصبحت صائما ففعل ذلك ثلاث ليال غير أنه كان إذا انقلب على فراشه ~~ذكر الله تعالى و كبر حتى يقوم لصلاة الفجر فيسبغ الوضوء غير أني لا أسمعه ~~يقول إلا خيرا فلما مضت الليالي و كدت أحتقر عمله قلت يا عبد الله إنه لم ~~يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة و لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول لك ثلاث مرات في ثلاث مجالس PageV02P167 يطلع عليكم الآن رجل من ~~أهل الجنة فطلعت أنت تلك المرات الثلاث فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك ~~فأخبرني ما عملك قال فأت الذي أخبرك حتى يخبرك بعملي فأتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال ائته فمره فليخبرك فقلت إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يأمرك أن تخبرني قال أما الآن فنعم لو كانت الدنيا لي فأخذت مني لم ~~أحزن عليها و لو أعطيتها لم أفرح بها و أبيت و ليس على أحد في قلبي غل و لا ~~أحسده على خير أعطاه الله إياه # قال عبد الله لكني و الله أقوم الليل و أصوم النهار و لو وهبت لي شاة ~~لفرحت بها و لو ذهبت لحزنت عليها و الله لقد فضلك الله علينا فضلا بينا و ~~جماع الأمر في هاتين الخصلتين سقوط منزلة دنياك من قبلك و سقوط منزلة نفسك ~~عن قلبك فإذا لم يكن لدنياك عندك قدر لم تفرح به و لم تحزن عليه و إذا لم ~~يكن لنفسك عندك قدر لم تغل و لم تحقد على من آذاك # و قال صلى الله عليه وسلم حين سئل أي المؤمنين أفضل قال مخموم القلب صدوق ~~اللسان قالوا يا رسول الله ما مخموم القلب قال التقي النقي لا إثم فيه ولا ~~بغي ولا غل و لا حسد قالوا ما نعرف هذا فينا يا رسول الله فمن يليه قال ~~الذين شنئوا الدنيا و أحبوا الآخرة قالوا ما نعرف هذا فينا إلا رافع مولى ~~رسول الله صلى ms303 الله عليه وسلم فمن يليه قال مؤمن في خلق حسن # فالمخموم مؤمن ولج النور قلبه فأخرج ما فيه من شهوة النفس و الخمامة قماش ~~البيت و ما يكنس عن وجه الأرض فعز وجود هذا في وقتهم على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم و أبى الله أن يكون ذاك إلا في خاص من الناس قليل في كل وقت ~~قال تعالى في التنزيل في PageV02P168 بيان المقربين السابقين ^ ثلة من ~~الأولين و قليل من الآخرين ^ # و قال صلى الله عليه وسلم في كل قرن من أمتي السابقون # و قوله صلى الله عليه وسلم الناس كالإبل المائة تمثيل لأن الإبل المائة ~~هي سائمة ترعى مرعاها بهواها ليس على ظهورها حمولة و لا في أنفها أزمة و ~~لاخطم فهي في استبدادها تعمل ما هويت فإن لم يكن لها راع فكم من متردية في ~~جرف هار و كم من فريسة بين أنياب السباع و كم من آكلة دفلى تموت آكلته و ~~آخر تموت عطشا و آخر تموت جربا فالراعي يرعاهم المرعى و يجنبهم الدفلى ~~ويذود عنهم السباع ويعدل بهم عن الجرف ويوردهم المياه العذبة و كذلك الناس ~~هم بهذه الصفة فالراحلة هو الذي رحل نفسه و راضها و جنبها سموم الدنيا و ~~آفاتها و قوم أخلاقها حتى استقامت لله تعالى فصارت راحلة تركبها حقوق الله ~~تعالى فتنقاد لها و تحمل أثقال الحقوق فتسير بها إلى الله تعالى فإذا رحل ~~نفسه و ارتحل إلى الله تعالى ثم صار راعيا يرعى عباده فيصلح للرعاية يجنبهم ~~الآفات و يهديهم للهدايات و يوردهم المياه العذبة و هو العلم الصافي بلا ~~تخليط و لا كدورة و يعرفهم خداع العدو و مراصده و مكامن النفس و هو في ذلك ~~يحب أن تكون أمورهم على وفاق ما بين الله تعالى لهم و على محاب الله تعالى ~~و لا يكون كذلك فربما انتشرت الإبل عليه فيضطرب في ذلك و يتلوى و يقبل و ~~يدبر احتيالا و تكلفا و يضيق صدره بأمورهم فهو ms304 في جهد من ذلك لما يحب أن ~~تستوي أمورهم و تستقيم سيرتهم و يأبى الله إلا أن يكون كما قدر حتى إذا فتح ~~عليه باب النجباء الكرام فأبصر PageV02P169 بذلك النور أن هذا تدبيره لهم و ~~مشيئته فيهم و أنه أعلم بما يراد لهم فإنما خلقهم من وجه الأرض تربتها ~~مختلفة و أن القلوب أوعية في أرضه يضع فيها ما أحب و أن العقول مقسومة بين ~~العبيد و أن الأخلاق لهم من الخزائن ممنوحة و أن الأنوار على ما اختصه ~~برحمته من بينهم ممنونة و أن له من خلقه صفوة ^ و ربك يخلق ما يشاء و يختار ~~ما كان لهم الخيرة ^ و أن العبيد فقراء حتى يغنيهم الله من فضله غنى القلب ~~و أن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء و أن الهداية منه @QB@ يهدي الله لنوره ~~من يشاء @QE@ و أن الرسول صلى الله عليه وسلم عوتب في ذلك حتى قيل له ^ و ~~إن كان كبر عليك إعراضهم الآية و قوله تعالى ^ إنك لا تهدي من أحببت و لكن ~~الله يهدي من يشاء ^ # و كان ذلك بعد مضي السنين من النبوة ثم أدبه صلى الله عليه وسلم و قومه ~~فألقى بيده سلما و ذل لمولاه و ترك مشيئته لمشيئته و راقب تدبيره فيهم فصار ~~نجيبة من نجائبه يصونه مولاه عن المكاره والآفات و البلايا والعاهات وأثنى ~~عليه فقال ^ و إنك لعلى خلق عظيم ^ # قالت عائشة رضي الله عنها كان صلى الله عليه وسلم يرضى برضاه و يسخط ~~بسخطه PageV02P170 # | - * الأصل الخامس والأربعون و المائة # - * # | في حقيقة الخشوع # عن أم رومان والدة عائشة رضي الله عنهما قالت رآني أبو بكر أتميل في ~~صلاتي فزجرني زجرة كدت أنصرف من صلاتي ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليسكن أطرافه لا يتميل تميل اليهود ~~فإن سكون الأطراف من تمام الصلاة # فالوقوف في الصلاة ينبغي أن يكون وقوف تذلل و تخشع و الخشوع البالغ خشوع ~~القلب قال الله تعالى ms305 @QB@ الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ # و قد يتخشع الرجل بأركانه وليس بخاشع فإن أراد بخشوعه ابتغاء PageV02P171 ~~وجه الله تعالى فهو محمود و على ذلك مأجور و إن كان لغير الله تعالى فهو ~~تماوت و عليه ممقوت # قال صلى الله عليه وسلم تعوذوا بالله من خشوع النفاق قالوا يا رسول الله ~~و ما خشوع النفاق قال خشوع البدن و نفاق القلب # و معنى ذلك أن يتماوت و يرمي ببصره إلى الأرض تقربا و ترائيا و قال صلى ~~الله عليه وسلم حين رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته لو خشع قلبه لخشع جوارحه # فالخشعة للقلب الذي قد ماتت شهوات نفسه فاطمأن لفراغه من النفس و فراغه ~~من تكلفها و أما تميل اليهود فأصله أن موسى عليه السلام كان إذا قرأ ~~التوراة على بني إسرائيل تلذذ بما فيه و هاجت منه اللذة فكان يتمايل على ~~قراءته كالذي يضطرب على الشيء يقرأه فخلت قلوب ما بعده مما كان يجده عليه ~~السلام فاستعملوها من بعده على خراب القلوب و خلاء الباطن من ذلك # قال موسى عليه السلام يوم الوفادة إن هدنا إليك أي ملنا إليك و هو التوبة ~~فأخذوا هذا من قوله و جعلوا يتهادون في صلاتهم و كان موسى عليه السلام هبط ~~الوادي حين أنس النار و كان نعلاه من جلد حمار غير مزكى فقيل له اخلع نعليك ~~إنك بالوادي المقدس فأخذوا هذا من فعله و إذا صلوا خلعوا نعالهم فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم باهدار هذه الأفعال وقال سكنوا أطرافكم في الصلاة ~~و قال في حديث آخر صلوا في نعالكم و لا تشبهوا باليهود PageV02P172 و كان ~~موسى عليه السلام يعامل بني إسرائيل على ظاهر الأمور لقلة ما في باطنهم ~~فكان يهيب الأمور و يعظمها في الظاهر لهم و يكتفي لنفسه بما في باطنه عليه ~~السلام حتى أن بني إسرائيل لا تعظم التوراة فأوحى إليه أن هذه التوراة صارت ~~في حجور بني إسرائيل و لا تكاد تعظمها فحلها بذهب لم تمسه يد ms306 الآدميين ~~فأنزلت عليه الكيمياء فعلمه فعمد إلى اسماء تلك الأدوية و العقاقير ففرقها ~~ثلاثة أجزاء فأعطى جزءا منها هارون عليه السلام و جزءا منها يوشع عليه ~~السلام و جزءا منها قارون ليأتوا بها من الجبال كي لا يجتمع عند أحدهم ~~علمها فيعمل بها فذهب قارون فقعد على طريق هارون و يوشع عليهما السلام حين ~~رجعا من الجبال فاستدرجهما مختدعا لها فقال لكل واحد منهما بم أمرك موسى ~~فأخبره كل واحد منهما بالذي أمره فأثبتهما عنده فضم على الجزئين إلى الجزء ~~الذي عنده ثم عمد إلى الصفر فأذابه و ألقى عليه فأخذ يعمل ذلك شهره و دهره ~~حتى اجتمع له أموال كانت تحمل مفاتيح كنوزه سبعون بغلا قال الله تعالى ^ و ~~آتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ^ # و نافق فوعظ فقيل له ^ أحسن كما أحسن الله إليك و لا تبغ الفساد في الأرض ~~قال ^ إنما أوتيته على علم عندي ^ فخسف الله به و بداره الأرض # و كان موسى عليه السلام عمل هذا الذهب و حلى التوارة به ثم تركه و كان ~~يعامل أمته بظاهر الأمور فحلى باطنهم بتعظيم الله تعالى و تعظيم كلامه ~~فأمرت هذه الأمة بتسكين الأطراف و الخشوع PageV02P173 لربها في الظاهر ~~للعامة و في الباطن للخاصة قال الله تعالى @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم ~~في صلاتهم خاشعون @QE@ # فأهل الظاهر يحفظون لحظات العيون عن الالتفات يمنة و يسرة و جوارحهم عن ~~الحركات في غير ما أمروا به و أهل الباطن قد جاوزوا ذلك و حفظوا لحظات ~~القلوب لئلا تلحظ أحدا سواه فتكون قلوبهم منتصبة بين يدي الله تعالى كما ~~انتصبت جوارحهم في الظاهر و ذلك بما ولج قلوبهم من عظمة الله تعالى و جلاله ~~فهابت و استقرت في تلك الهيبة لله تعالى فانتفى عنهم وساوس نفوسهم و من ~~ههنا ما أنب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الوسوسة فقال هكذا أخرجت ~~عظمة الله تعالى من قلوب بني إسرائيل حتى شهدت أبدانهم و غابت قلوبهم ms307 لا ~~يقبل الله صلاة أمرىء لا يشهد فيها قلبه ما يشهد بدنه و إن الرجل ليصلي ~~الصلاة و ما يكتب له عشرها PageV02P174 # | - * الأصل السادس و الأربعون و المائة # - * # | في سر التحية بالسلام # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~تبدأوا بالكلام قبل السلام و من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه # شرط الله تعالى مع هذه الأمة في دينهم أن يأمن بعضهم بعضا و يسلم بعضهم ~~من بعض و لذلك سماهم مؤمنين مسلمين و الأسماء سمات الشيء فكل اسم دليل على ~~صاحبه ومشتق من معناه و الأسماء الأصلية هي التي جاءت من عند الله تعالى ~~مثل يحيى قال الله تعالى @QB@ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل ~~سميا @QE@ أي لم نجعل أحدا لا يذنب سواه لأن يحيى من الحياة و قد أحيى الله ~~تعالى قلبه به فلم يذنب و لم يهم به PageV02P175 # قال صلى الله عليه وسلم ما من آدمي إلا قد أخطأ أو هم بخطيئة غير يحيى بن ~~زكريا # و مثل أحمد قال الله تعالى ^ و مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ^ # قال صلى الله عليه وسلم أعطيت ما لم يعط أحد سميت أحمد و نصرت بالرعب # فكذلك شأن هذه الأمة و الأمم فإن كل أمة تسمت باسم من تلقاء نفسها مثل ~~اليهود و النصارى و المجوس فولي الله تعالى تسمية هذه الأمة فقال عز من ~~قائل @QB@ هو سماكم المسلمين من قبل @QE@ و قال صلى الله عليه وسلم إن الله ~~سمى أمتي فاشتق لها اسمين من اسمه و هو السلام و المؤمن و سماهم مسلمين و ~~مؤمنين فاسم هذه الأمة على الحقيقة الأصلية التي علم آدم عليه السلام ~~فاقتضى منها وفاء هذا الاسم أن يأمن بعضهم من بعض و يسلم بعضهم PageV02P176 ~~من بعض قال تعالى @QB@ إنما المؤمنون إخوة @QE@ وقال ^ و المؤمنون و ~~المؤمنات بعضهم أولياء بعض ^ و قال صلى الله عليه وسلم المؤمنون كرجل واحد # فوضعت هذا ms308 التحية فيما بينهم كرامة لهم فأكرم الله تعالى هذه الأمة بأن ~~جعل تحيتهم على ألسنتهم أشرف القول و أطيبها من قوله السلام عليكم و كان في ~~بني إسرائيل إذا لقي بعضهم بعضا ينحني له و يومىء برأسه كهيئة السجود فتلك ~~تحيتهم # روى أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطي أمتي ~~ثلاثا لم يعط أحد قبلهن السلام و هي تحية أهل الجنة و صفوف الملائكة و آمين ~~إلا ما كان من موسى و هارون # و إنما جعل السلام و هو اسم من أسمائه موضوعا بينهم ليكون أمانا للعباد ~~في الدم و العرض والمال # قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه السلام أمان للعباد فيما بينهم # و قال صلى الله عليه وسلم من بدأ بالسلام فهو أولى بالله و برسوله فلما ~~كان هذا السلام مأمن العباد فيما بينهم كان من بدأ بالكلام فقد ترك الحق و ~~الحرمة فحقيق أن لا يجاب PageV02P177 # | - * الأصل السابع والأربعون و المائة # - * # | في هم الأنبياء الثلاث و تنزههم عما لا يليق # عن أنس رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن ~~داود عليه السلام حين نظر إلى المرأة فهم بها قطع على بني إسرائيل بعثا و ~~أوصى صاحب البعث فقال إذا حضر العدو فقرب فلانا بين يدي التابوت فكان ذلك ~~التابوت في ذلك الزمان يستنصر به فمن قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل ~~أو ينهزم عنه الجيش الذي يقابله فقدم فقتل زوج المرأة و نزل الملكان على ~~داود عليه السلام فقصا عليه القصة ففزع منهم ففطن داود عليه السلام فسجد ~~فمكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه و أكلت الأرض ~~جبينه يقول في سجوده رب زل داود زلة أبعد ما بين المشرق والمغرب رب إن لم ~~ترحم ضعف داود و تغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلوق من بعده قال فجاءه ~~جبريل عليه السلام بعد أربعين ليلة فقال يا داود إن ms309 الله قد غفر لك الهم ~~الذي هممت به فقال له داود و قد علمت أن الله تعالى قادر على أن يغفر لي ~~الذي هممت به و قد عرفت أن الله تعالى عدل لا يميل فكيف بفلان إذا جاء يوم ~~القيامة فقال يا رب دمي الذي عند داود فقال له جبرئيل عليه السلام ما سألت ~~ربك ذلك و لئن PageV02P178 شئت لأفعلن قال نعم فعرج جبرئيل عليه السلام إلى ~~السماء و سجد داود عليه السلام فمكث ما شاء الله و نزل فقال سألت يا داود ~~عن الذي أرسلتني إليه فقال قل لداود إن الله يجمعكما يوم القيامة ثم يقول ~~له هب لي دمك الذي عند داود فقال هو لك يا رب فنقول له فإن لك الجنة فالهم ~~من الأولياء و الرسل عليهم السلام عظيم شأنه لأنه ميل عن الله تعالى فنسأله ~~العصمة في الحركات والسكنات إنه قريب مجيب # و روي أن قاضيا في بني إسرائيل بلغ اجتهاده أن طلب إلى ربه أن يجعل بينه ~~و بينه علما إذا هو قضى بالحق عرف ذلك و إذا قصر عن الحق عرف ذلك فقيل له ~~ادخل منزلك ثم مد يدك في جدارك ثم أنظر كيف تبلغ أصابعك من الجدار فاخطط ~~عندها خطا و كلما قمت من مجلس القضاء فامدد يدك إليه فإنك متى كنت على الحق ~~ستبلغه و إن قصرت عن الحق قصر بك و كان يجتهد و لا يقضي إلا بالحق و إذا ~~قام من مجلسه يأتي ذلك الخط فإذا بلغه حمد الله و أفضى إلى كل ما أحل الله ~~له من أهل و مطعم و مشرب فلما كان ذات يوم و هو في مجلس القضاء أقبل إليه ~~رجلان يريدان أن يختصما إليه و كان أحدهما له صديق فتحرك قلبه عليه محبة أن ~~يكون الحق له فيقضي له به فلما أن تكلما دار الحق على صاحبه فقضى عليه فقام ~~من مجلسه و ذهب إلى خطه و مد يده إليه فإذا الخط قد شمر إلى ms310 السقف و إذا هو ~~لا يبلغه فخر ساجدا و هو يقول يا رب شيئا لم أتعمده و لم أرده فبينه لي ~~فقيل له أتحسب أن الله تعالى لم يطلع على جور قلبك حيث أحببت أن يكون الحق ~~لصديقك فتقضي له قد أردته و أحببته و لكن الله قد رد الحق إلى أهله و أنت ~~لذلك كاره # و عن ليث رضي الله عنه قال تقدم إلى عمر رضي الله عنه PageV02P179 خصمان ~~فأقامهما ثم عادا ففصل بينهما فقيل له في ذلك فقال تقدما إلي فوجدت لأحدهما ~~ما لم أجد لصاحبه فكرهت أن أفصل بينهما على ذلك ثم عادا و قد ذهب ذلك ففصلت # و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال اختصم إلي سليمان عليه السلام فريقان ~~أحدهما من أهل امرأته جرادة و كان يحبها فهوى أن يقع القضاء له ثم قضى ~~بينهما بالحق فأصابه الذي أصابه عقوبة لذلك الهوى # و عن سالم مولى أبي جعفر المنصور قال خرجنا مع أبي جعفر إلى بيت المقدس ~~فلما دخل دمشق بعث إلى الأوزاعي فأتاه فقال يا أمير المؤمنين حدثني حسان بن ~~عطية عن جدك ابن عباس في قوله تعالى @QB@ يا داود إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض @QE@ ان ارتفع إليك خصمان فكان لك في أحدهما هوى فلا تشته في نفسك ~~الحق له فيفلج على صاحبه فأمحو اسمك من نبوتي ثم لا تكون خليفتي # يا أمير المؤمنين حدثني حسان عن جدك قال من كره الحق فقد كره الله لأن ~~الله تعالى هو الحق # يا أمير المؤمنين حدثني حسان عن جدك في قوله تعالى ^ لا يغادر صغيرة و لا ~~كبيرة إلا أحصاها ^ قال الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك فكيف بما جنته ~~الأيدي # فالهم بما عدل عن الحق هو ميل عن الله تعالى و إعراض و قلوب الأنبياء ~~عليه السلام معيار التوحيد و موازين الأعمال و حجج الله تعالى على الخواص و ~~الهم همان هم عارض لا قرار له ينفيه القلب PageV02P180 بيقظته و نباهته و ~~طيبه و نزاهته و ms311 نسيم روحه و فسيح ساحته و ذاك يعتري الأنبياء و الأولياء ~~عليهم السلام و ذاك مرفوع عنهم لأنه عارض لا يملكه و لا يتكلفه و لم يكن ~~فيه حركة في ظاهر و لا في باطن و إنما أيد من الروح و السكينة و اليقين و ~~هم آخر و هو هم عارض لله تعالى معه مشيئة و تدبير في أموره والأنبياء و ~~الأولياء عليهم السلام بمعزل عنه و في انحطاط منه و إنما يعتريه العامة فان ~~ربوبيته قاهرة لجميع ما عند هذا العبد من القوة و التأييد فإذا هو مخذول ~~فصار همه عزما وهو عقد القلب و صار بذلك في ميل عن الله تعالى و إذا ~~استعملوا هذا العزم فأخرجوه إلى الأركان فعملت به جوارحهم و قد بلي بالهم ~~الأول ثلاثة أعلام في الأرض من الرسل محمد و داود و يوسف صلوات الله عليهم ~~أجمعين # أما يوسف عليه السلام فهم بها حتى روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قعد ~~منها مقعد الرجال فانفرج السقف و تراءى له جبرئيل عليه السلام في صورة ~~يعقوب عاضا على إصبعه و نودي يا يوسف أتعمل عمل السفهاء و أنت مكتوب في ~~ديوان الأنبياء فولى هاربا ثم أوصلها تزويجا بعدما نالته العقوبة بالهم من ~~طول اللبث في السجن # عن وهب رضي الله عنه قال أصابت امرأة العزيز حاجة فقيل لها لو أتيت يوسف ~~فسألته فاستشارت الناس في ذلك فقالوا لا تفعلي فانا نخاف عليك قالت كلا إني ~~لا أخاف ممن يخاف الله تعالى قال فدخلت عليه فرأته في ملكه فقالت الحمد لله ~~الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته و جعل الملوك عبيدا بمعصيته قال فقضى ~~PageV02P181 جميع حوائجها ثم تزوجها فوجدها بكرا فقال لها أليس هذا أجمل ~~مما أردت قالت يا نبي الله إني ابتليت فيك بأربع كنت أجمل الناس كلهم و كنت ~~أنا أجمل أهل زماني و كنت بكرا و كان زوجي عنينا # و أما داود عليه السلام ففتح من المحراب باب الكوة و اطلع على ms312 تلك المرأة ~~فوقع في نفسه شأنها و فتنتها فلم يملك نفسه حتى وجه إليها من يومه ليضمها ~~إلى نسائه كي يسكن الهائج من نفسه انتظارا لما يكون فأبت المرأة فمشى إلى ~~بابها فمر بملكين يناجي أحدهما صاحبه و هو يقول لقد أكرم الله إبراهيم و ~~إسحاق عن مثل هذا الممشى و مضى فلم يعتصم حتى وقف ببابها فاستفتح فقالت من ~~ذا فأخبرها فقالت أعاذ الله داود من أن يمشي هذا الممشى فانصرف فكتب إلى ~~صاحب بعث كان زوجها فيه و أمره أن يقدم زوجها في مائتي رجل من بني إسرائيل ~~مع تابوت السكينة و كان من قدم معها لم يرجع حتى يفتح عليه أو يقتل فتقدم ~~فقتل فلما انقضت عدتها خطبها فتزوجها فلبث بذلك ما شاء الله فلم يرعه إلا و ~~قد تسور الخصمان عليه المحراب ففزع فقصا القصة و عرجا فانكشف الغطاء عن ~~داود عليه السلام و خر لله ساجدا أربعين صباحا حتى نبت المرعى حول و جهه و ~~غمر رأسه ثم نودي أجائع فتطعم أو عار فتكسى فنحب نحبة هاج المرعى من حر ~~جوفه فغفر له و بشر بها فقال يا رب هذا ذنبي فيما بيني و بينك قد غفرته ~~فكيف بفلان و كذا رجلا من بني إسرائيل تركت أولادهم أيتاما و نساءهم أرامل ~~قال يا داود لا يجاوزني يوم القيامة ظلم أمكنه منك ثم أستوهبك منه بثواب ~~الجنة قال يا رب هكذا تكون المغفرة الهنيئة ثم قيل يا PageV02P182 داود ~~ارفع رأسك فذهب ليرفع رأسه فإذا به قد نشب في الأرض فأتاه جبرائيل عليه ~~السلام فاقتلعه عن وجه الأرض كما تقتلع عن الشجرة صمغتها حتى سأل ربه تعالى ~~أن ينقش خطيئة في كفه فكان لا يبسط كفه لطعام ولا شراب إلا رآها فابكته # قال صلى الله عليه وسلم إنما مثل عيني داود مثل القربتين تنطفان الماء ~~لقد خدد الدموع في وجه داود خديد الماء في وجه الأرض و كان من دعاء داود رب ~~اغفر للخطائين لكي تغفر لداود ms313 معهم سبحان خالق النور إلهي خرجت أسأل أطباء ~~عبادك أن يداووا لي خطيئتي فكلهم يدل عليك إلهي أخطأت خطيئة قد خفت أن يجعل ~~حصادها عذابك يوم القيامة إن لم تغفرها سبحان خالق النور إلهي إذا ذكرت ~~خطيئتي ضاقت الأرض برحبها علي و إذا ذكرت رحمتك إرتد إلي روحي # و روي أنه كان إذا ذكرها انحلت مفاصله ثم يذكر رحمة الله تعالى فيرجع ~~بأوصالها إلى مكانها # و أما محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لما عاين زينب فوقع في ~~نفسه شأنها و ذلك أنه أبصرها قائمة في صحن الدار في درع و خمار أسود فلما ~~وقعت في نفسه فزع إلى الله تعالى و وضع يده على وجهه و قال سبحان مقلب ~~القلوب فنزهه تعوذا بالتنزيه و تغوثا بالاسم الذي منه حدث على قلبه التقليب ~~عن أن يقلبه بمشيئة تورثه غدا الحياء و العويل واضطراب الصوت في الملكوت ~~كما أورث من قبله من إخوانه عليهم الصلاة و السلام و صيره ملجأ و مفزعا و ~~استعمل التدبير الموضوع بين العباد أن غض بصره و مال بيده على وجهه ليكون ~~له PageV02P183 في ذلك تمسكن و تضرع و انقياد ليرحمه و يصرف عنه الفتنة ~~التي أحس بها فشكره على ذلك مولاه حيث فزع إليه و لم يفزع إلى نهمة النفس و ~~لم يتدبر بالحيل التي توصله إليها # روي في الخبر أنه أمسى زيد فآوى إلى فراشه قالت زينب رضي الله عنها لم ~~يستطعني زيد و ما امتنع عنه غير ما منعه الله مني فلا يقدر علي # و في بعض الروايات أن زيدا تورم ذلك منه حين أراد أن يقربها فعلم زيد بما ~~أخبرته زينب من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم و قوله حين أبصرها و صار ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و قال إن زينب تؤذيني ولا تاتي ما أحب و ~~لا تبر قسمي و لا تطيعني و تفعل و تفعل و إني أريد أن أطلقها # فقال له ^ أمسك ms314 عليك زوجك و اتق الله ^ فلم يزل زيد على عزمه الذي عزم ~~الله على قلبه فكما قلب قلب رسوله صلى الله عليه وسلم بهواها قلب قلب زيد ~~حتى يطلقها فلما انقضت عدتها نزل القرآن بتزويجها منه و ولي الله تعالى ~~تزويجها منه على لسان الروح الأمين فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل ~~عليها بغير إذن و كان قبل نزول الآية قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الخطبة إليها و وجه زيد بن حارثة يعلمها ذلك فدخل عليها و هي في مسجدها ~~فذكر لها حاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت حتى أؤامر ربي عز و جل ~~فنزلت قوله تعالى @QB@ زوجناكها @QE@ فهي بعد في مؤامرتها و زيد عندها إذ ~~دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن فقعد عندها و تلا الآية فخرت ~~ساجدة و كانت تفخر بذلك على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم و تقول إن ~~الله أنكحني من العرش و هو وليي من دون الخلق و السفير في ذلك جبرائيل # و كانت تسامي عائشة رضي الله عنها في الوسامة و الحظ من PageV02P184 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالت أنا الذي نزل تزويجي من السماء فقالت عائشة ~~رضي الله عنها أنا الذي نزل عذري من السماء في كتابه حين حملني ابن المعطل ~~على الراحلة قال الله تعالى ^ و إذ تقول للذي أنعم الله عليه و أنعمت عليه ~~^ أي زيد بالعتق ^ أمسك عليك زوجك و اتق الله و تخفي في نفسك ما الله مبديه ~~و تخشى الناس و الله أحق أن تخشاه ^ الآية # فعوتب رسول الله صلى الله عليه وسلم والحبيب يحب عتاب الحبيب حتى يدوم ~~الصفاء و يكون العتاب بدل الوجد # قالت عائشة رضي الله عنها لو أن محمدا قدر على أن يكتم شيئا من الوحي ~~لكتم هذه الآية # و سبب العتاب على وجهين # أحدهما قول ابن عباس رضي الله عنهما و تخفي في نفسك الحب لها و طلاقه ~~إياها و تزويجك ms315 بها و كان صلى الله عليه وسلم يهوى أن يخلي سبيلها و خشي ~~قالة الناس و ذلك أنه تبنى زيد بن حارثة فقال المنافقون ينهانا عن نساء ~~أبنائنا و يتزوج امرأة ابنه فخشي هذه القالة و قالوها من بعد تزويجه إياها ~~فنزلت قوله تعالى @QB@ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم @QE@ و نزلت @QB@ ~~ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله @QE@ PageV02P185 # إنما جاءت المعاتبة من قبل أنه قال @QB@ أمسك عليك زوجك @QE@ و هو يحبها ~~و يود في نفسه أن يطلقها و قد كان في الغيب أن سيطلقها و يبدي الله تعالى ~~ما في نفس محمد صلى الله عليه وسلم إذ يزوجها # الوجه الثاني ما ذكره علي بن الحسين رضي الله عنهما و هو جوهر من الجواهر ~~إنما عتب الله تعالى عليه فإنه قد أعلمه أن ستكون هذه الأمة من أزواجك فكيف ~~قلت بعد هذا لزيد أمسك عليك زوجك و أخذتك خشية الناس أن يقولوا تزوج امرأة ~~ابنه و الله أحق أن تخشاه فتراقب أمره و تدبيره فيك و فيها فتكون ممن أطلق ~~ذلك كي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ثم ~~قال ^ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل و كان أمر الله قدرا مقدورا ^ # فرض الله ما أعلمه أن تكون زينب من أزواجه و ذلك سنة الله تعالى في داود ~~عليه السلام حتى جمع بينه و بين تلك المرأة و كان ذلك قدرا مقدورا على داود ~~عليه السلام أن يكون الجمع بينهما على تلك الجهة و يغفر له و يضمن عنه ~~تبعته لخصمه PageV02P186 # | - * الأصل الثامن والأربعون والمائة # - * # | في الثلاثة التي تحت العرش # عن الحسين بن عبد الرحمن عن أبيه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثلاثة تحت العرش القرآن له ظهر و بطن يحاج العباد والرحم ~~تنادي صل من وصلني و اقطع من قطعني و الأمانة ظهر و بطن فالظهر ms316 يحاج العامة ~~و البطن يحاج الخاصة # و هذا لأن الأمة على صنفين أهل يقين و أهل علم فأهل العلم صنفان مخلط و ~~هو الظالم ظلم نفسه والحق عز و جل وملائكته والأنبياء صلى الله عليه وسلم ~~فإن الله تعالى بعث بالحق على أيدي الملائكة على ألسنة الرسل عليهم السلام ~~فإذا أخل بذلك سمي ظالما و مستقيم و هو المقتصد # و أما أهل اليقين و هم السابقون الأولياء المقربون فظاهر القرآن يحاج ~~المقتصد في تفسيره و الظالم في تخليطه و باطن القرآن يحاج السابقين ~~PageV02P187 المقربين في تقصيرهم و خطراتهم و زلاتهم قال الله تعالى @QB@ ~~اتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور @QE@ # فالظالم يتقي تخليطه حتى لا يدخل في عمله شيء نهى الله عنه و المقتصد قد ~~فزع من التخليط فهو يتقي أن يشوبه عجب أو رياء أو فساد أو خطأ و السابق قد ~~فرغ من هذا فهو يتقي الأسباب والعلائق و الاعتماد على شيء دونه و يتقي ~~الخطرات و هذا كله هو التقوى و لكنه يتقي كل صنف مما بقي عليه من التقوى ~~فإن لم يفعل حاجه القرآن بم بقي عليه # و أما قوله الرحم تنادي صل من وصلني و اقطع من قطعني فالرحم لها شأن عظيم ~~قال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت ~~الرحم فأخذت بحقوي الرحمن فقال مه قالت هذا مقام العائذ من القطيعة قال نعم ~~ألا ترضين أن أصل من وصلك و أقطع من قطعك قالت بلى قال فذلك لك ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إقرؤا إن شئتم @QB@ فهل عسيتم إن توليتم @QE@ ~~الآية # و قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال قال ~~الله تعالى للرحم خلقتك بيدي و شققت لك اسما من اسمي PageV02P188 و قربت ~~مكانك مني و عزتي و جلالي لأصلن من وصلك و لأقطعن من قطعك ولا أرضى حتى ~~ترضين # فخلق الله تعالى الرأفة و الرحمة يرؤف بها عباده ms317 و يرحم بها عباده ~~والرأفة غالبة على الرحمة و لها سلطان إذا تحرك علا كل شيء و غلب و بدء ~~الرأفة من رأفة الله تعالى و رأفته من فضله و الفضل من جماله فهذه الرأفة ~~التي خلقها يتراءفون و يتعاطفون و بها يتراحمون و يتعاطفون فقامت تناشد ~~ربها فقربها من رأفته و بين بدو مكانها من أين بداثم جعلها كالشجنة قد برزت ~~إلى ما دون العرش فلما قربها جعل لها السبيل إلى الحقو في القربة فشق لها ~~اسما من اسمه و هو الرحمن ثم جعل لها سلطانا ممدودا من الحقو كالشجنة إلى ~~ما تحت العرش فاستعاذت هناك من القطيعة حيث أشارت من مقامها فقال الله ~~تعالى لأصلن من وصلك أي اصل واصلك بهذه الرأفة مني و أقطع من هذه الرأفة من ~~قطعك فيكون صاحب القطيعة مقطوعا من رأفته قال صلى الله عليه وسلم الرحم ~~معلقة بالعرش # و قال في رواية ابن عمرو رضي الله عنهما يقول الله عز و جل أنا الرحمن و ~~هي الرحم جعلت لها شجنة من وصلها وصلته و من قطعها بنته لها يوم القيامة ~~لسان طلق تقوم فيما شاءت فقد PageV02P189 بين أنها الرأفة التي خلقها ثم ~~قامت مقام العائذ إلى الحقو من القطيعة فتلك شجنة ناتئة من العرش معلقة منه ~~بها يتواصلون و يتقاطعون و حرقتها في الأجواف و الرحمة هناك ثم هي مقسومة ~~بين الخلق فيها يتراءفون و بها يتعاطفون فإذا قطعها فقد انقطع من رأفة الله ~~تعالى فلذلك يجعل عقوبته في الدنيا و لذلك قيل أعجل البر ثوابا صلة الرحم ~~فأسرع الشيء عقابا البغي و قطيعة الرحم و هذا لأن الله تعالى خلق الإنسان ~~فجعل الرأفة منه في الطحال و هو في موضع الحقو يجد الآدمي منه حرقة تصل إلى ~~الفؤاد فيعلمه و هو الذي يسمى بالعجمية مهر و جعلها دما في الطحال له حرارة ~~ثم جعل لها في العروق مجرى منها فصيرها في الأرحام جارية ليصلوها قال صلى ~~الله عليه وسلم إذا أراد ms318 الله تعالى أن يخلق النسمة فغشى الرجل و المرأة ~~أحضر كل رحم له ثم قرأ @QB@ في أي صورة ما شاء ركبك @QE@ # و قال في رواية ابن بريدة إن رجلا من الأنصار ولدت له امرأته غلاما حبشيا ~~أسود فأخذ بيد امرأته فاتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت والذي ~~بعثك بالحق لقد تزوجني بكرا و ما أقعدت مقعده أحدا فقال صلى الله عليه وسلم ~~صدقت إن لك تسعة و تسعين عرقا و له مثل ذلك # فإذا كان حين الولد اضطربت العروق كلها ليس منها عرق الا يسأل الله تعالى ~~أن يجعل ذلك الشبه به فهذه عروق فيها دماء و الرحم خلقتها من المرأة كالكيس ~~و هي عضلة و عصب و عروق و رأس عصبها في الدماغ و لها فم بحذاء قبلها و لها ~~قرنان شبه الجناحين تجذب بهما النطفة لقبولها و من داخل فمها أربعة أفواه ~~إلى الرحم فإن دخل النطفة من باب فولد و إن دخل من بابين فولدان و على هذا ~~و هذه الدماء جارية من الأرحام إلى الأرحام منتقلة بعضها إلى بعض إلى ~~PageV02P190 هذه العروق فأمروا بالصلة لهذه الدماء لئلا تنقطع # قال صلى الله عليه وسلم بلوا أرحامكم ولو بالسلام فإن الدم إذا يبست ~~تقطعت فتبل حتى لا تنقطع وبللها من السلام و الزيارة والعطية # و قوله صلى الله عليه وسلم الأمانة تحت العرش فالأمانة معلقة بالإيمان # قال صلى الله عليه وسلم لا إيمان لمن لا أمانة له # و إنما آمن ليأمن الخلق جوره فإن الله تعالى عدل لا يجور و بدؤه من عدله ~~فهو معلق تحت العرش فهذه الثلاث تحت العرش القرآن و هو كلامه والرحم و هي ~~رأفته و الأمانة و هي أمانته PageV02P191 # | - * الأصل التاسع والأربعون و المائة # - * # | في أن الكلام عليك لا لك و ضروبه # عن أم حبيبة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام ~~ابن آدم كله عليه لا له إلا أمرا بالمعروف أو نهيا عن منكرأو ms319 ذكرا لله ~~تعالى # فاللسان ترجمان القلب يعبر عما في القلب من العلم فيرمي به إلى الأسماع ~~فيولج القلب إن خيرا فخير و إن شرا فشر قال صلى الله عليه وسلم الأذنان قمع # قال كعب لعائشة رضي الله عنها في نعت الإنسان قال عيناه هاد و أذناه قمع ~~و لسانه ترجمان و رجلاه بريد و كبده رحمة و رئتاه نفس و طحاله ضحك و ~~كلواتان مكر و القلب ملك فإذا طاب الملك PageV02P192 طابت جنوده و إذا فسد ~~الملك فسدت جنوده قالت هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينعت # و الكلام على ضروب منها ما يخلص للآخرة و يصفو فذاك مندوب إليه موعود ~~عليه خير و منها ما يخلص للدنيا و لا نصيب للآخرة فيه فذلك مزجور عنه موعود ~~عليه الوبال والعقوبة و منها ما يتجارى الناس فيما بينهم في أمر معاشهم مما ~~لا بد منه في الأخذ والإعطاء في تصرفهم و أحوالهم فذاك مأذون له فيه و ~~الحساب من ورائه والناس في أمر دينهم على ضربين فضرب منهم يعاملون الله ~~تعالى على الوظائف كعبيد الغلة يؤدون الغلة و ما بقي فهو لهم فقد خلى بينهم ~~و بين ذلك ثم هم في تصرفهم و أحوالهم يدبرون لأنفسهم و يهتمون لها و يكدون ~~و يسعون لنوائبهم و ينفقون على أنفسهم و عيالهم مشاغيل القلوب و الأبدان ~~متعبون بذلك فهم على تدبير أنفسهم يمضون و باختيارهم الأمور يعملون و غموم ~~ذلك متراكم على قلوبهم يحتاجون إلى توفير الغلة على المولى و تدبير معاشهم ~~و مرمة أمور عيالهم فهكذا من يعامل الله تعالى على هذا السبيل عهد إليه ربه ~~عز و جل من اداء فرائضه و اجتناب محارمه في الجوارح السبع من جسده و في ~~ماله و وعده على ذلك الجنة و على تضييعه أوعد النار قال الله تعالى ^ أوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم و إياي فارهبون ^ # فهو يقطع عمره بهذا و يقتضي منه الثواب غدا فإذا قدم على ربه عز و جل ~~حاسبه ms320 و حصل أموره و بلا سرائره فإذا وجده قد وفر حقوقه فيما عهد إليه ~~أعتقه من رق العبودية و مكن له في جواره ما يكون له جزاء لسعيه ووفاء لكده ~~فهؤلاء إن نطقوا بإذنه ينطقون فما صفا للآخرة فلرجاء ثوابه الذي وعد و ما ~~كان للمعاش و متصرف PageV02P193 الأمور فيما أذن لهم فيه و قفوا للحساب ~~فذاك عليه لا له حتى يتخلص منه فإن تخلص منه لا له و لا عليه فنعم ما يتخلص ~~مع أنه لا ينفك مع الخلاص من حسرة موجعة للقلب مفجعة للنفس إذ يرى أكثر ~~عمره قد أهدره و أبطله فإن أهل الغفلة حظهم من أعمارهم يوم القيامة الساعات ~~التي كانوا في أمور آخرتهم من أعمال البر و سائر ذلك هدر و إنما يثابون على ~~أعمال البر لأنهم عملوها على ذكر الاخرة فأما ما عملوها على العادة و ~~الشهوة و حظ النفس فلا نية لهم و لا حسبة فهو بطال غافل ينكشف له الغطاء ~~يوم الحسرة والندامة قال تعالى ^ و أنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في ~~غفلة ^ # فهؤلاء إن نطقوا فعن علومهم و عقولهم ينطقون و إن صمتوا ففي أحوالهم ~~يتفكرون و إياهم يذكرون و بدنياهم يشتغلون و في منامهم و شهواتهم يرتاحون و ~~هذا صفة هؤلاء المستورين المعروفين عند العامة بأعمال البر و بالعدالة ~~والصلاح والرئاسة والعلم فإنهم قد رضوا من حظهم بما نالوا من مرفق النفس ~~والوصول إلى النهمة ورضوا من دينهم بهذه الأعمال التي تستروا بها ليحمدوا ~~عند الخلق بذلك ولا تلحظ قلوبهم إلى مالك الملك الذي يراهم على هذه الصفة ~~حتى يستحيوا منه # و أما الضرب الآخر فهم يعاملون الله تعالى على العبودة كعبيد الخدمة ~~انتبهوا من رقدة الغافلين فدبروا لأنفسهم أمرا علموا أنه قد مضى التدبير من ~~قبل خلق السموات والأرض و أثبته في اللوح المحفوظ فائتمنوه على أنفسهم و ~~ألقوا بأيديهم سلما و فوضوا أمورهم إليه و شغلهم جلاله و جماله و عظمته و ~~مجده عن أن يتفرغوا ms321 لأنفسهم فيفكروا و يدبروا لها PageV02P194 أو يهتموا ~~لرزق أو يهربوا من حكم أو يتخيروا عليه في شيء من الأحوال عزا و ذلا و فقرا ~~و غنى و صحة و سقما و محبوبا و مكروها و قد وقفوا بقلوبهم بين يديه ناظرين ~~إلى جلاله مبهوتين في جماله منفردين بوحدانيته متعلقين بكرمه ينتظرون رزقه ~~و يراقبون تدبيره و يتوخون من الأمور محابه و آذانهم مصيخة إلى دعوته متى ~~يدعون فيجيبون فكلام هؤلاء في المندوب إليه مما صفا للآخرة و في المأذون ~~لهم مما يجارى بين أهل المعاش في أحوالهم قد صاروا شيئا واحدا لأنهم له و ~~في خدمته و أموره فإن نطقوا فعنه ينطقون و إن صمتوا فإياه يذكرون و به ~~يشتغلون و في نجواه يرتاحون # و قوله صلى الله عليه وسلم كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا هذه الخصال ~~أراد بذلك الضرب الأول و أما الضرب الثاني فهم أولياء الله تعالى و خاصة ~~عبيده فهم أمناء الله تعالى و خدمه فأعمالهم و متقلبهم كلها له فلا تبعة ~~عليهم في ذلك # وقال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى إذا أحببت عبدي كنت سمعه و ~~بصره و لسانه فبي يسمع و بي يبصر و بي ينطق و بي يعقل # فإذا كان ممن به ينطق إذا نطق فكيف يكون عليه في ذلك تبعة PageV02P195 # | - * الأصل المائة والخمسون # - * # | في أن من غير الحق من العلماء يمسخ و سر ما يمسخون به # عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون في ~~أمتي فزعة فيصير الناس إلى علمائهم فإذا هم قردة و خنازير # فالمسخ تغيير الخلقة و إنما حل بهم المسخ لأنهم غيروا الحق عن جهته ~~وحرفوا الكلام عن موضعه فمسخوا قلوب الخلق وأعينهم عن رؤية الحق فمسخ الله ~~تعالى صورهم و بدل خلقتهم كما بدلوا الحق باطلا فعلماء السوء على ضربين ~~منهم مكب على حطام الدنيا لا يمل من جمعه فتراه شهره و دهره يتقلب في ms322 ذلك ~~كالخنزير على المزابل يصير من عذرة إلى عذرة قد أخذ بقلبه دنياه و ألزمه ~~خوف الفقر و ألهجه باتخاذه عدة للنوائب لا يتفكر عليه تقلب أحوالها و لا ~~يتأذى بسوء رائحتها قد احتشمت من الحرام و وسخت حلالها من تراكم الشهوات ~~فأفعال هذا الضرب و اكبابه على هذه المزابل كإكباب الخنازير فإذا حلت ~~السخطة مسخوا هؤلاء في صورة الخنازير إن جوز المسخ في هذه الأمة و إن لم ~~يجوز ذلك فيحمل على أن معناه معنى الخنازير و الضرب الثاني هم أهل تصنع و ~~تراء و مخادعة و تزين PageV02P196 للمخلوقين شحا على رئاستهم يتبعون ~~الشهوات و يلتقطون الرفض و يخلون بسوء السريرة و يخادعون الله بالحيل في ~~أمورهم دينهم المداهنة و ساكن قلوبهم المنى و طمأنينتهم إلى الدنيا و ~~ركونهم إلى أسبابها رضوا من هذا كله بالقول دون الفعل فلما حلت السخطة ~~مسخوا قردة فإن من شأن القردة المداهنة و اللعب والبطالة و من شأن الخنزير ~~الإكباب على المزابل و العذرات PageV02P197 # | - * الأصل الحادي والخمسون و المائة # - * # | في ضروب البكاء و هي عشرة # عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إني قارىء عليكم سورة الهاكم فمن بكى فله الجنة فقرأ فمنا من بكى و منا من ~~لم يبك فقال الذين لم يبكوا قد جهدنا يا رسول الله أن نبكي فلم نقدر عليه ~~فقال إني قارئها عليكم الثانية فمن بكى فله الجنة و من لم يقدر أن يبكي ~~فليتباك # البكاء على ضروب و ينشأ من أسباب مختلفة # بكاء من فجعة النفس و هو بكاء مصائب النفس يهان و يضرب و يظلم في نفسه و ~~ماله فيبكي و يتولد منه صداع الرأس و ضعف البصر # و بكاء الخدعة و هو بكاء اللصوص يبكون و السرقة في أحضانهم لا يفارقونها ~~و تورث منه القسوة و المقت # و بكاء المباعدة و هو بكاء النساء و هو يورث الفترة PageV02P198 # و بكاء خوف الوعيد و هو بكاء من ms323 آمن بوعيد الله تعالى فرق قلبه بفجعة ~~النفس و هو يوجب الجنة و نزول الرحمة # و بكاء الحزن و هو من المراقبة و هو أن يعلم أنه لا يكون إلا ما شاء الله ~~تعالى و قد شخصت آماله نحوه ولا يصل إلى ذلك فلفقد ما يأمل تأخذه الأحزان و ~~هذا البكاء يورث نورا في القلب # و بكاء الفرح و هو لوجدان ما يأمل و يورث الطمأنينة و الثقة و حسن الظن ~~به # و بكاء الخشية فمن العلم بالله عز و جل و وجود السبيل إلى القربة رق قلبه ~~من الرحمة التي قرب قلبه منها و يورث الخشوع # و بكاء الشوق و هو يورث القربة # و بكاء الحنين إذا تحنن الله تعالى على عبد و قسم له الحظ من اسمه الحنان ~~فرأفته مظلة عليه تكتنفه و تحوطه فتثير البكاء منه من سابغ الرأفة و هذا ~~البكاء يورث الدنو و العطف و الشفقة # و بكاء القبضة و هو الذي يقال له الدنو فهو الذي أبكاه قال الله تعالى ^ ~~و انه هو أضحك و أبكى ^ # ورأى ابن عباس رضي الله عنهما رجلا يضحك في جنازة فقال هو أضحك وأبكى # قال صلى الله عليه وسلم فيما يذكر عن ربه تعالى أنه قال لموسى عليه ~~السلام أما البكاءون من خشيتي فلهم الرفيق الأعلى لا يشركهم فيه أحد # و قال خالد بن معدان رضي الله عنه ما بكى عبد من خشية PageV02P199 الله ~~تعالى إلا خشعت لذلك جوراحه و كان مكتوبا في الملأ الأعلى باسمه فلان بن ~~فلان منور قلبه بذكر الله تعالى # و عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول الباكي من خشية الله تعالى تهتز ~~له البقاع التي يبكي عندها و تغمره الرحمة ما دام باكيا # و قال عمر بن ذر رحمه الله تعالى إن البكاء من خشية الله يبدل بكل قطرة ~~أو دمعة تخرج من عينيه أمثال الجبال من النور في قلبه و يزاد في قوته من ~~العمل و يطفىء بتلك المدامع بحورا ms324 من النار # و عن مفضل بن مهلل قال أن العبد إذا بكي من خشية الله تعالى ملئت جوارحه ~~نورا و إستبشرت ببكائه و تداعت بعضها بعضا من هذا النور فيقال هذا غشيكم من ~~نورالبكاء # و قال فرقد السبخى رحمه الله تعالى قرأت في بعض الكتب أن العبد إذا بكى ~~من خشية الله تعالى تحاتت عنه ذنوبه كيوم ولدته أمه و لو أن عبدا جاء بجبال ~~الأرض ذنوبا و آثاما لوسعته الرحمة إذا بكى و إذا بكى على الجنة تشفع له ~~الجنة تقول يا رب أدخله علي كما بكى علي و إذا بكى خوفا من النار فالنار ~~تستجير له من ربه تقول يا رب أجره مني وبكي خوفا من دخولي # و عن كعب رضي الله عنه قال من بكى خوفا لله تعالى من ذنب غفر له ذلك ~~الذنب و من بكى اشتياقا إلى الله تعالى أباحه الله تعالى النظر إليه متى ~~شاء PageV02P200 # و قال الله تعالى في بكاء الحزن ^ تولوا و أعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا ~~يجدوا ما ينفقون ^ # و قال في بكاء الفرح ^ و إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض ~~من الدمع مما عرفوا من الحق ^ # و بكى صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم فقيل أتبكي يا رسول الله قال ~~إنما هذه رحمة و من لا يرحم لا يرحم # و أما حديث جرير رضي الله عنه فقد خاطب صلى الله عليه وسلم العامة ~~والمياسير و قرأ عليهم التكاثر و السؤال عن النعيم وفيه وعيد على أثر وعيد ~~فخوف الوعيد أبكاهم فقال من بكى فله الجنة قال تعالى ^ ذلك لمن خاف مقامي و ~~خاف وعيد ^ # و قوله صلى الله عليه وسلم فليتباك أي يتمثل لربه في صورة البكاء حتى ~~يلحقه بهم في الثواب # و أما بكاء السابقين و بكاؤهم بكاء أهل الخشية و المشتاقين و المحزونين و ~~بكاء من أبكى الله تعالى و أضحكه و هو إذا نظر إلى جلاله أبكاه و إذا نظر ~~إلى جماله ms325 أضحكه و من وراء هذه منزلة أخرى أشرف من هذه و هو بكاء الدنو ~~فتلك غمرات القلب صاحب هذا قلبه منفرد في وحدانيته فإذا أدناه أبكاه للرقة ~~التي تحل به فإذا رجع إلى مرتبته هابه فقلص دمعه وانتشفت الهيبة رقته فيبس ~~فإذا أدناه رق فبكى فالدنو منه بر لعبده فالبر يرقه و يبكيه قال هارون ~~PageV02P201 ابن أبي زياد رحمه الله إن البكاء مثاقيل لو وزن بالمثقال ~~الواحد مثل الجبال لرجح به البكاء و إن الدمعة لتخدر فتطفىء البحور من ~~النار و ما بكى عبد لله مخلصا في ملأ من الملأ إلا غفر لهم جميعا ببركة ~~بكائه # و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن عبدا بكى في أمة من الأمم ~~لأنجى الله تلك الأمة من النار ببكاء ذلك العبد و ما من عمل إلا له وزن و ~~ثواب إلا الدمعة فإنها تطفىء بحورا من النار و ما اغرورقت عين بمائها من ~~خشية الله إلا و حرم الله جسدها على النار و إن فاضت على خده لم يرهق وجهه ~~قتر و لا ذلة PageV02P202 # | - * الأصل الثاني والخمسون و المائة # - * # | في أن الشكر اعتراف و الصبر بالتسليم # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من نعمة و ~~إن تقادم عهدها فيجددها العبد بالحمد إلا جدد الله تعالى له ثوابا و ما من ~~مصيبة و إن تقادم عهدها فيجدد لها العبد الاسترجاع إلا جدد الله له ثوابها ~~و أجرها والشكر على النعمة يخفف أثقالها والصبر على الشدة يحرز لك ثمرتها # والشكر معرفتك بأن هذا منه فاداء فرائضه و حفظ الجوارح عن مساخطه والتكلم ~~بالحمد لله إتمام الشكر فإنه اعتراف بأن هذه النعمة منه و الصبر على ~~المصيبة و الثبات على حفظ الجوارح لئلا تعصى و التكلم بالاسترجاع اعتراف ~~بالتسليم له و كما أن الإيمان هو المعرفة لله تعالى بوحدانيته والطمأنينة ~~به و التسليم له قلبا و التكلم بلا إله إلا الله إعتراف بذلك و بحقيقة ms326 ~~العمل به ثم العبد مأمور بتجديد الإيمان بهذه الكلمة PageV02P203 # قال جددوا إيمانكم بلا إله إلا الله # فإذا كان إيمانه يتجدد بهذه الكلمة فكذلك حمده و استرجاعه يتجدد و هذا ~~لأن العبد يتكلم بلا إله إلا الله ثم يدنسها و يكدرها بسوء أفعاله لأن من ~~شرط المؤمنين في هذه الكلمة أن لا يكون لقلوبهم و له في شيء إلا إلى الله ~~وأنه لا إله غيره # فإذا نابتهم النوائب و ظهرت الحوائج ولهت قلوبهم إلى المخلوقين فقد دنسوا ~~هذه الكلمة و أخلقوها فأمروا بالتجديد و الاستقبال بالتكلم بها و كان من ~~شأن الصديق رضي الله عنه أن يقول كان كذا و لا إله إلا الله و فعلت كذا و ~~لا إله إلا الله # و هذا تفسير قول معاذ رضي الله عنه تعال نؤمن ساعة أي نذكره ذكرا يجمع ~~قلوبنا عنده و يكون الوله إليه فكذلك الحمد و الاسترجاع يدنسان و يخلقان ~~بضدهما من الأفعال التي تظهر من العبد فيجددان ذلك فيكتب له ثوابها يومئذ ~~لأنه جددها بالقول قال صلى الله عليه وسلم الحمد لله رأس الشكر ما شكر الله ~~عبد لا يحمده PageV02P204 # | - * الأصل الثالث والخمسون و المائة # - * # | في حقيقة الاستغفار # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~استطعتم أن تستكثروا من الاستغفار فافعلوا فإنه ليس شيء أنجح عند الله ~~تعالى ولا أحب إليه منه # و الاستغفار سؤال العبد من الله تعالى الستر و الغفر الغطاء وهذا لأن ~~الله تعالى اجتبى عبده و اختاره للإيمان و جعل نوره في قلبه فهداه لنوره و ~~أحياه به و جعل للنور الأعظم الذي في قلبه سترا من نور وقاية و لباسا له و ~~حجب ذلك عن أعين الثقلين فهذا النور الظاهر هو كسوة النور الباطن قال تعالى ~~^ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم و ريشا و لباس التقوى ذلك ~~خير ^ # و المؤمن في بهاء هذا الستر يمشي على أرضه والخليقة ينظرون إليه بعين ~~الجلال والشرف ms327 فإذا هم بالمعصية وعزم عليها تجافى عنه PageV02P205 الستر ~~فإذا عملها تباعد عنه و بقي العبد عاريا من البهاء والجلال والشرف فإن أصر ~~لم يزدد إلا ضعة و دنسا و لم يزدد الستر إلا بعدا و نزاهة عنه فإذا ندم رجع ~~إليه بقلبه فمدن هناك أي أقام و اقامة عزمه أن لا يبرح عن مقام الطاعة فإذا ~~سأل المغفرة قال استغفرك أي أسألك أن ترد علي الستر فيصير في ذلك النور ~~مستورا و بدو ذلك من آدم عليه السلام كان لباسه ستره و هو النور فلما عصى ~~انكشف النور و عري فذلك قوله تعالى @QB@ ينزع عنهما لباسهما ليريهما ~~سوآتهما @QE@ و قوله تعالى ^ فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما و وري عنهما ~~من سوآتهما ^ # قال جعل على عورة كل واحد منهما نور فلا يرى واحد منهما عورة الآخر و قد ~~جعل الله تعالى لهذه الجارحة من الآدمي شأنا عجيبا لأنه أداة الذرية في ~~صلبه إلى يوم القيامة والصلب باب الذرية و الفرج أداة الشهوة و لهذا سأل ~~داود سليمان عليهما السلام عن كلمات أن من اخبره بها ورثه العلم و النبوة ~~فمن جملته قال له أين باب الشهوة منك قال الفرج فقال أي باب الذرية منك قال ~~الصلب # و عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال أول ما خلق الله تعالى من ~~الإنسان فرجه فقال هذا أمانة خبأتها عندك فلا تبسل منها شيئا إلا بحقها # و قد خلق الله تعالى آدم ليذرأ من صلبه هذا الخلق فجعل مبتدأ خلقه من ~~الموضع الذي يذرأ منه الخلق ثم جعل الحياة في القلب و جعل هذه الآداة ركنا ~~من أركان القلب و منه ينشىء الريح فيقويه ليقدر على استعماله فبروح الشهوة ~~يقوى ويقدر على الاستعمال و خبأها PageV02P206 عنده و جعلها أمانة لئلا ~~يستعملها إلا فيما خلقت له ثم خلقت منه حواء و ستر عليها ذلك منها فلم ~~ينكشف الستر عنهما حتى عصيا فعريا # قال وهب رضي الله عنه الإيمان عريان فلباسه التقوى و ms328 زينته الحياء و ماله ~~الفقه فالمؤمن بين الخلق في ذلك اللباس يوقر و يعظم و يبجل و يهاب و ليس ~~يرى من تقواه إنما يرى عليه طلاوة اللباس و زهرته و لبق حركاته و تصرفه في ~~الأمور و عليه مهابة ذلك اللباس # و عن جبير بن نفير رضي الله عنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوما بالناس صلاة الصبح فلما فرغ أقبل بوجهه على الناس رافعا صوته حتى كاد ~~يسمع من في الخدور و هو يقول يا معشر الذين أسلموا بألسنتهم و لم يدخل ~~الإيمان في قلوبهم لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عثراتهم فإنه ~~من يتبع عثرة أخيه المسلم يتبع الله عثرته و من يتبع الله عثرته يفضحه و هو ~~في قعر بيته # فقال قائل يا رسول الله و هل على المؤمن من ستر # فقال ستور الله تعالى أكثر من أن تحصى إن المؤمن ليعمل بالذنوب فيهتك عنه ~~سترا سترا حتى لا يبقى منه شيء فيقول الله تعالى لملائكته استروا على عبدي ~~من الناس فإن الناس يعيرون ولا يغيرون فتحف به الملائكة بأجنحتها يسترونه ~~من الناس قال فإن تاب قبل الله منه ورد عليه ستوره و مع كل ستر تسعة أستار ~~فإن تتابع في الذنوب قالت الملائكة ربنا قد غلبنا و أقذرنا فيقول الله عز و ~~جل للملائكة إستروا على عبدي من الناس فإن الناس يعيرون و لا يغيرون فتحف ~~به الملائكة بأجنحتها يسترونه من الناس فإن تاب قبل الله تعالى منه فإن عاد ~~قالت الملائكة ربنا إنه قد غلبنا و أقذرنا فيقول الله PageV02P207 تعالى ~~للملائكة تخلوا عنه فلو عمل ذنبا في بيت مظلم في ليلة مظلمة في حجر أبدى ~~الله عنه و عن عورته # و قال سلمان الفارسي رضي الله عنه إن المؤمن في سبعين حجابا من نور فإذا ~~عمل خطيئة بعد الكبائر ثم تناساها حتى يعمل أخرى يهتك منها حجاب من تلك ~~الحجب و لا يزال كذلك فإذا عمل كبيرة من الكبائر تهتك ms329 عنه تلك الحجب كلها ~~إلا حجاب الحياء و هو أعظمها حجابا فإن تاب تاب الله عليه ورد تلك الحجب ~~كلها فإن عمل خطيئة بعد الكبائر ثم تناساها حتى يعمل أخرى قبل أن يتوب يهتك ~~عنه حجاب الحياء فالعبد لا يزال في عيب يحدثه و ستر يزول عنه و الستر ~~الأعظم قائم فإذا أذنب كبيرة عري # فقوله صلى الله عليه وسلم ليس شيء عند الله أنجح من الاستغفار لأنه ستر ~~نوره و لهذا قال صلى الله عليه وسلم لله أفرح بتوبة العبد من رجل وجد ضالته ~~في مفازة مهلكة عليها طعامه وشرابه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال دخلت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني حزينا فقال ما لي أراك حزينا يا ~~أبا هريرة فقلت كان بيني و بين أهل بيتي شيء فعجلت إليهم فقال أين أنت ~~ثكلتك أمك عن الاستغفار فوالذي بعثني بالحق إني لأستغفر في اليوم و الليلة ~~مائتي مرة فأكثر من الاستغفار فان في الأرض أمانين يوشك أن تفقدوا أحدهما ~~عن قريب و هو موت نبيكم قال الله تعالى ^ و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم ~~و ما كان الله معذبهم و هم يستغفرون ^ PageV02P208 فإنه يجيء يوم القيامة ~~محدقا بأعمال الخلائق له زئير حول العرش يقول إلهي حقي حقي فيجيبه الجبار ~~جل جلاله فيقول خذ حقك فما يترك من سيئات بني آدم إلا اجتحفها بالجملة # و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم من أدمن الاستغفار ~~جعل الله له من كل هم فرجا و من كل ضيق مخرجا و رزقه من حيث لا يحتسب # أشار إلى الإدمان إلى الاستغفار لأن الآدمي لا يخلو من ذنب أو عيب ساعة ~~فساعة # و لذلك صلى الله عليه وسلم قال خياركم كل مفتن تواب # فإن أدمن على الاستغفار خرج من العيوب و الذنوب و دخل في الستر الأعظم و ~~عادت عليه الستور فالإدمان عليه يحط الذنوب قال الله تعالى ^ و ما كان الله ~~معذبهم ms330 و هم يستغفرون ^ # فإذا كان العبد متيقظا مشرفا على أموره فكلما أعيب و أذنب أتبعهما ~~استغفارا لم يبق في وبالهما و عذابهما # و إذا كانت منه العيوب و الذنوب و لها عن الاستغفار تراكمت الذنوب و ~~العيوب فجاءت الهموم و الضيق والعسر و الكد و النصب في الدنيا PageV02P209 ~~و في الآخرة عذاب و إذا استغفر خرج من العيب و الذنب فصار له من الهموم ~~فرجا و من الضيق مخرجا و أسبغ عليه الرزق و هو قوله تعالى ^ و من يتق الله ~~يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب ^ # و التقوى اجتناب العيب والذنب فإذا وقع فيه لا يستقر حتى يتوب # و عن ابن مسعود رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم ما من رجلين مسلمين ~~إلا بينهما ستر فإذا قال أحدهما لصاحبه هجرا هتك سترالله تعالى # و قوله لا شيء أنجح عند الله و لا أحب إليه من الاستغفار فأقرب الأشياء ~~من الشيء كسوته و وقايته و لعظم قدر الشيء يجعل له وقاية و كسوة و سترا و ~~كل شيء له نفاسة و خطر جعل في ستر فهو محظور و عن الجميع مستور فإذا أذنب ~~العبد تباعد عنه الستر لنفاسته و نزاهته فإذا ندم فالندم و التوبة بدؤهما ~~من النور الذي في قلبه هو الذي يندمه و يقتضيه الرجوع إلى الله تعالى و ~~يهديه لذلك فلما أتي به و سأل الستر فإنما يسأل بالنور الذي في قلبه فيحبه ~~لحرمة ذلك النور قال تعالى ^ إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين ^ # فالتوابون هم الذي رجعوا إلى الله تعالى و تطهروا بقربه من نجاسة الذنوب ~~و رجاسة العيوب # قال صلى الله عليه وسلم إذا تاب العبد فقبل الله توبته أنسى الحفظة ما ~~كان يعمل و قيل للأرض و لجوارحه اكتمي عليه فلا تظهري مساوئه أبدا ~~PageV02P210 # و هكذا من شأن الخلق إذا أحب أحدهم آخر و استقبله في طريق و هو سكران ~~التفت يمنة و يسرة هل رآه أحد على ms331 تلك الحالة ثم ستره و أدخله منزلا و ~~أنامه إشقافا عليه و كراهة أن يراه على تلك الحالة أحد و إذا استغفر العبد ~~غفر الله له قال تعالى @QB@ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا @QE@ # و قال صلى الله عليه وسلم أربع من أعطيهن لم يمنع من الله من أربع من ~~أعطي الدعاء لم يمنع الإجابة قال الله تعالى @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ # و من أعطي الاستغفار لم يمنع المغفرة قال الله تعالى @QB@ استغفروا ربكم ~~إنه كان غفارا @QE@ ومن أعطى الشكر لم يمنع الزيادة قال الله تعالى @QB@ ~~لئن شكرتم لأزيدنكم @QE@ # و من أعطي التوبة لم يمنع القبول فإنه قال ^ و هو الذي يقبل التوبة عن ~~عباده و يعفو عن السيئات ^ # و هذه كلها على الحقائق لا على التجويز فحقيقة الاستغفار أن يرى العبد ~~عند الذنب خروجه من ستر ربه و تعريه فيأخذه الحياء كما يستحي إذا سلب عنه ~~ثوبه في ملأ عظيم فيعرى في ذلك الملأ فينقبض من الحياء # و حقيقة الشكر أن يرى النعمة منه رؤية القلب خلقه و تربيته و سياقته ~~PageV02P211 و إيصاله إليه فيأخذه من أثقال ذلك من الخجل ما يأخذه ممن أهدي ~~إليه نعما كثيرة كرات و مرات و دفعات # و حقيقة التوبة أن يرى إباقه من مولاه فيرجع إليه بندم و اعتذار و وجل و ~~حياء فيعزم على التوطن عنده بين يديه أشد من عزم من أبق من الآدمي و قد ~~أحسن إليه كل الإحسان و مناه العتق والبر واللطف فلما عاد إليه تأسف على ~~نفسه تلظيا من فعله و ثقل عليه أن يتراءى له من شدة ما يعلوه من الحياء فهو ~~يتستر منه بكل شيء ويتوطن أن لا يفارقه إلى الممات # و حقيقة الدعاء أن يسأله سؤال من احضر قلبه كما أحضر بدنه بتضرع و سؤال ~~مضطر فقير وجد إذن دخول على ملك عطوف رحيم # فإذا عامل العبد مع الله في هذه الخصال الأربع على غير ما و صفنا فيشبه ~~ذلك فعل السكران و النائم # و ms332 قولهما و لا يعبأ عند العقلاء بفعلهما و لا قولهما فالمخلط سكران و ~~المستقيم و هو الورع نائم و إنما يفوز بهذه الخطة العظيمة المتنبهون عن ~~الله تعالى مزق شعل أنوار الله حجب قلوبهم ثم أحرقها فانحسر القلب لأمر ~~عظيم فصارت هذه الأربع كلها عطاياه فاعطي الاستغفار و التوبة و الشكر ~~والدعاء # فاما من دون هؤلاء أمروا أن يتطهروا من الأوساخ و الأدران التي على ~~قلوبهم حتى يعطوا النور فتكون هذه الأربع لهم عطاء على الحقيقة فيجابوا إلى ~~ما وعدوا لأن الله تعالى لم يعد إلا على الحقيقة و الحقيقة هي بلوغ الصفة ~~التي رسم الله تعالى لعباده فيما بينهم فمن دعا حقا و استغفر حقا و شكر حقا ~~و تاب حقا يجاب PageV02P212 # قال صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله على عبد الدعاء فليدع فإن الله ~~يستجيب له # و قال أبو حازم رحمه الله لأنا من أن أمنع الدعاء أخوف مني من أن أمنع ~~الأجابة # فالدعاء هو العدو إلى الله تعالى بالقلب فإذا كان القلب في حبس النفس لا ~~يستطيع العدو إليه والتوبة الرجوع إلى الله تعالى بالقلب فإذا كان القلب في ~~حبس النفس لم يقدر و الاستغفار سؤال الغطاء من الذنب للعري فإذا كان النفس ~~حجاب القلب لا يقدر أن يرى عريه حتي يسبل الستر و الشكر رؤية النعمة فإذا ~~كان النفس حجاب القلب لا يقدر أن يرى نعمه فإذا أتي بهذه الأشياء فلم يأت ~~به على الحقيقة فإما إذا أعطى النور وعدا القلب إليه عند الحاجة فسأل أجيب ~~و أسعف به و إذا أعطي النور فرأى الاباق منه رجع إليه مع النور فتاب قبل ~~منه و إذا رأى العري فسأل الستر أعطي المغفرة و إذا رأى النعمة فشكر قبل ~~منه فأعطي الزيادة لأن الله تعالى يستأدي من الخلق الحقائق دون المجاز ~~PageV02P213 # | - * الأصل الرابع و الخمسون والمائة # - * # | في أن الغنى في النفس و التقى في القلب # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ms333 عليه وسلم إذا ~~أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه وتقاه في قلبه # الحاجة في النفس لأنها معدن الشهوات وشهواتها لا تنقطع فهي أبدا فقيرة ~~لتراكم الشهوات عليها واقتضائها وخوف فوتها قد برح بها وضيق عليها فهي ~~مغبونة و خلصت فتنتها إلى القلب فصار مفتونا فأصمته عن الله تعالى و أعمته ~~فإذا أراد الله بعبد خيرا قذف في قلبه النور فامتزق الحجاب و انحسر النور ~~الأصلي و أشرق هذا النور الوارد في القلب و الصدر فذاك تقواه به يتقي مساخط ~~الله تعالى وبه يحفظ حدوده وبه يؤدي فرائضه وبه يخشي الله تعالى ويصير ذلك ~~النور وقايته يوم الجواز على الصراط فيه يتقي النار حتى يجوزها إلى دار ~~الله تعالى فهذا تقواه في قلبه وأما غناه في نفسه فإنه إذا أشرق الصدر بذلك ~~النور تأدى إلى النفس فأضاء ووجدت النفس لها حلاوة وروحا ولذة تلهيه عن ~~لذات الدنيا و شهواتها وتذهب مخاوفها PageV02P214 وعجلتها و حرقتها و ~~بلاهتها تحيى بحياة القلب و تستضيء بنور القلب فتطمئن لأن القلب صار غنيا ~~بانتباهه عن الله تعالى و النفس جاره و شريكه ففي غنى الجار غنى وفي غنى ~~الشريك غنى و التقوى في القلب وهو النور و الغنى في النفس و هو الطمأنية ~~PageV02P215 # | - * الأصل الخامس و الخمسون والمائة # - * # | في تفسير قوله تعالى ^ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني # عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى ^ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ^ على البر والتقوى و التواضع و ~~ذلة النفس # البر ما افترض الله تعالى على العبد و التوقي والكف عما نهى الله تعالى ~~عنه و التواضع أن يضع مشيئته في أموره لمشيئة مولاه و ذلة النفس ترك المنى ~~في عطاياه في الدرجات و في إقامة هذه الأربع صفو العبادة # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قدم وفد اليمن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا أبيت اللعن فقال صلى الله عليه وسلم سبحان ms334 الله إنما يقال ~~هذا لملك و لست ملكا أنا محمد بن عبد الله # قالوا إنا لا ندعوك باسمك PageV02P216 # قال فأنا أبو القاسم # قالوا يا أبا القاسم إنا قد خبأنا لك خبيئا # فقال سبحان الله إنما يفعل هذا بالكاهن والكاهن و المتكهن و الكهانة في ~~النار # فقال له أحدهم فمن يشهد لك أنك رسول الله # قال فضرب بيده إلى حفنة حصباء فأخذها فقال هذا يشهد أني رسول الله # قال فسجن في يده و قلن نشهد أنك رسول الله # فقالوا اسمعنا بعض ما أنزل عليك فقرأ @QB@ والصافات صفا @QE@ حتى انتهى ~~إلى قوله تعالى @QB@ فأتبعه شهاب ثاقب @QE@ و إنه لساكن ما ينبض منه عرق ~~وان دموعه لتسبقه إلى لحيته # قالوا له إنا نراك تبكي أمن خوف الذي بعثك تبكي # قال من خوف الذي بعثني أبكي إنه بعثني على طريق مثل حد السيف إن رغبت عنه ~~هلكت ثم قرأ ^ و لئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ^ # إنما صار في مثل حد السيف لأن طريق الأعمال على النفس و مبتدأه من القلب ~~و طريقها على النفس فإذا مرت فلم يلتفت إلى النفس فقد صفا العمل و صفت ~~العبودة فهذه منزلتان إحداهما أشرف من الأخرى فالأولى أن يبتدىء العمل من ~~القلب فيخرج إلى الأركان و نفسه حية تحب أن تشركه في ذلك و الثانية أن تموت ~~النفس و يقوم PageV02P217 القلب في مقام الهيبة فيخرج العمل إلى الأركان ~~فلا يلتفت إلى النفس و لا بالنفس حراك فتشخص إليه طرفا فهذا صفو العبودة ~~يعمل ما يؤمر و لا يتكلف من تلقاء نفسه ولا يدبر لنفسه بل فوض ذلك إلى ~~مولاه لأن من شأن المحب أن لا تكون له نهمة دون لقاء الحبيب فإذا لم يهتد ~~إليه و وجد دليلا يؤديه إليه أن يققو أثر الدليل حتى يؤديه إليه قال الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ^ فاستقم كما أمرت ^ # فالاستقامة في السير أن لا يلتفت يمينا و شمالا و لا يعرج على شيء فيشتغل ~~به دونه # و اجتمع ms335 نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاضوا في الذكر ~~فرقوا فطربت نفوسهم و قالوا لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى فنعمله ~~فجاءت المحبة من الله تعالى فأنزل الله تعالى @QB@ إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص @QE@ # ليظهر صدق ما نطقوا به فخرجوا إلى القتال فلم يكن من بعضهم الذي قالوا ~~فأنزل الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون @QE@ # ثم قالوا إنا لنحب ربنا فامتحنوا فأنزل الله تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ PageV02P218 # فإن من شأن الكريم أن يحب من أحبه و لم ينل حبه أحد إلا من بعد حبه له ~~كما قال الله تعالى ^ يحبهم و يحبونه ^ # و الاتباع في سيرته علامة المحقين و سيرته العبودة في هذه الخصال الأربع ~~على ما ذكرنا PageV02P219 # | - * الأصل السادس و الخمسون و المائة # - * # | في سر الحياء والتقى و الصبر بالتمثيل # عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياء زينة ~~و التقى كرم وخير المراكب الصبر و انتظار الفرج من الله تعالى عبادة # الحياء من فعل الروح و الروح سماوي و عمل أهل السماء يشبه بعضه بعضا في ~~العبودة و النفس أرضي شهواني ميال إلى شهوة عقيب شهوة و منية على اثر منية ~~لا تهدأ و لا تستقر فاعمالها مختلفة لا يشبه بعضها بعضا مرة عبودة و مرة ~~ربوبة و مرة استسلام و مرة تملك و مرة عجز و مرة اقتدار فإذا ريضت النفس و ~~ذلت و أدبت انقادت و كان السلطان و الغلبة للروح جاء الحياء و الحياء خجل ~~الروح عن كل أمر لا يصلح في السماء فهو يكاع و يزين الجوارح و الأمور و هو ~~زينة العبد فمنه العفة و الوقار و الحلم PageV02P220 # و قوله و التقى كرم فالكرم ما انقاد و ذل و لذلك سمى شجرة العنب كرما ~~لأنه حيث ما مددتها امتدت وذلت لك # قال صلى الله عليه وسلم ms336 لا تقولوا للعنب كرما إنما الكرم قلب المؤمن # فإذا ولج النور القلب رطب و لان و برطوبته و لينه ترطب النفس و تلين و ~~تذهب كزازتها و يبسها و طفئت حرارة الشهوات بالنور الوارد على القلب لأنه ~~من الرحمة و الرحمة باردة فانقاد القلب فاتقى # و قوله و خير المراكب الصبر فالصبر ثبات العبد بين يدي ربه في مقامه ~~لأموره و أحكامه خف أو ثقل أحب أو كره يسرا و عسرا فهو خير مركب ركب به إلى ~~الله تعالى و هو مركب الوفاء بالعهد فإن الله تعالى خلق الدنيا ممرا لعبيده ~~إلى دار السلام فالقوم المختارون يأخذون الزاد و يمرون و من الوفاء أن لا ~~يلتفت إلى شيء سوى الزاد قال الله تعالى ^ أوفوا بعهدي أوف بعهدكم و إياي ~~فارهبون ^ أي فارهبوا من نفوسكم إلي والهرب و الرهب بمعنى واحد # و قوله انتظار الفرج من الله عبادة لأن في انتظار الفرج قطع العلائق ~~والأسباب إلى الله تعالى و تعلق القلب به و شخوص الأمل إليه و التبري من ~~الحول والقوة فهذا خالص الإيمان PageV02P221 # | - * الأصل السابع والخمسون و المائة # - * # | في فضل ماء زمزم # عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زمزم لما ~~شربت له # فزمزم سقيا الله و غياثه لولد خليله إسماعيل عليهما السلام فبقي غياثا ~~لمن بعده في كل نائبة إن شربت لمرض شفيت و إن شربت لغم فرج عنك و إن شربت ~~لحاجة استعنت و إن شربت لنائبة صلحت لأن أصله من الرحمة بدا غياثا فلأي شيء ~~شربه المؤمن وجد غوث ذلك الأمر PageV02P222 # | - * الأصل الثامن و الخمسون و المائة # - * # | في أن عمل الأنبياء والأولياء في الدارين خدمة و عبودة # عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ~~البيت كأحدكم يخيط ثوبه و يعمل كأحدكم # هكذا شأن الأنبياء والأولياء عليهم السلام لأنهم عبيد الله تعالى على ~~العبودة وقفوا بين يديه و رأوا أن هذه الأعمال التي للدنيا ms337 والآخرة كلها ~~تدبير الله تعالى في أرضه و أنها كلها معلقة بعضها ببعض و أنها لله تعالى ~~فما استقبلهم من أمر لم يؤثروا عليه شيئا ولا اختاروا من تلقاء أنفسهم أمرا ~~فلزموه و رفضوا لما سواه لأنهم يحبون أن يكونوا كالعبيد ما وضع بين أيديهم ~~عملوه عبودة حتى يلقوا الله تعالى بها فيضع عنهم رق العبودة ويرضي عنهم هذا ~~بغيتهم # و أما الآخرون فقد اختاروا من الأعمال و آثروا هذا على ذلك و ذاك على هذا ~~طلبا للأفضل لينالوا من نعيم الجنان و رفضوا كثيرا من الأعمال PageV02P223 # ضيعوا به حقوقا واعتبر هذا بحديث جريج الراهب حين نادته أمه و هو في ~~الصلاة يا جريج أرني وجهك من الصومعة فقال صلاتاه فآثرها على أمه فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لو كان جريج الراهب فقيها عالما لعلم أن إجابة أمه ~~من عبادة ربه # فمن فقه عن الله تعالى أمره و رأى تدبيره لم يجد بدا من رفض الاختيار فلا ~~يؤثر أمرا على أمر ولا حالا على حال و كان صلى الله عليه وسلم لما بعث ~~أصحابه إلى تبوك أمر عليهم زيد بن حارثة و قال إن قتل زيد فجعفر أمير عليكم ~~فقال جعفر رضي الله عنه يا رسول الله أتؤمر علينا زيدا قال إنك لا تدري في ~~أي ذلك خير # و روي أن موسى عليه السلام قال يا رب أي عبادك أكبر ذنبا قال الذي يتهمني ~~قال و من يتهمك يا رب قال الذي يستخيرني فإذا خرت له لم يرض بذلك # فمن جعل أمور الآخرة و أمور الدنيا كلها لله تعالى و أراد بذلك إقامة ~~العبودة فقد سقطت عنه مؤنة الأختيار و لا تملكه الأحوال ولا الأعمال ~~PageV02P224 # | - * الأصل التاسع و الخمسون و المائة # - * # | في المقة و الصيت وعلامة أهلها # عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المقة ~~من الله في الأرض و الصيت في السماء فإذا أحب الله تعالى عبدا نادى جبرئيل ~~في ms338 السماء أن الله تعالى يحب فلانا فأحبوه فتنزل المقة في الأرض # أراد بالصيت اضطراب الصوت و النداء و قوله تعالى ^ و ألقيت عليك محبة مني ~~^ قال ملاحة و حلاوة PageV02P225 # و قوله تعالى ^ و حنانا من لدنا ^ قال معبد الجهني رضي الله عنه الحنان ~~المحبب # و قال علي كرم الله وجهه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله ~~تعالى @QB@ سيجعل لهم الرحمن ودا @QE@ ما هو يا رسول الله قال المحبة يا ~~علي في صدور المؤمنين والملائكة المقربين يا علي إن الله تعالى أعطى المؤمن ~~ثلاثا المقة والمحبة والملاحة و المهابة في صدور الصالحين فمن اصطنعه لنفسه ~~قبل نفسه فوجد له حلاوة و ملاحة و من دعاه فأجابه وصدقه في الإفجابة قربه ~~فقبل قلبه فوجد له في القلوب وده و هو المحبة قال الله تعالى @QB@ واصطنعتك ~~لنفسي @QE@ # فكان لا يراه أحد إلا أحبه حتى فرعون الذي كان يذبح أولاد بني إسرائيل من ~~أجله كان يرشفه في حجره # فمن كان من بعده على مثل سبيله و طريقه إليه فله الحلاوة و الملاحة و من ~~سار إليه حتى وصل فنال القربة فله الود في القلوب # و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل ~~عبد صيت فان كان صالحا وضع في السماء و إن كان سيئا وضع في الأرض ~~PageV02P226 # | - * الأصل المائة والستون # - * # | في الاستعاذة من النفاق و ثمراته # عن أم معبد رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~اللهم طهر قلبي من النفاق و عملي من الرياء و لساني من الكذب و عيني من ~~الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور # و عن حنظلة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاءني جبرائيل إلا ~~أمرني بهاتين قال تقول اللهم ارزقني طيبا و استعملني صالحا # و النفاق ما كان ذا لونين يقين و شك و إخلاص و رياء و غير ذلك و إنما سمي ~~نفاقا لأنه يدخل ms339 عليه الأمر من بابين من باب الله تعالى فيقبل عنه من طريق ~~الإيمان و من باب النفس فيقبل عنها من طريق الشهوة و كذلك نافقاء اليربوع ~~يدخل من هذا الباب و يخرج من الباب الآخر PageV02P227 # و كذلك النفقة تأخذ باليد و تنفق بالأخرى فسأل صلى الله عليه وسلم ربه عز ~~و جل أن يطهر قلبه من آفات النفس فأجملها فقال طهر قلبي من النفاق و عملي ~~من الرياء # روي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال كنا نوب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يطرقه أمرا ويأمر بشئ قال فكثر أهل النوب والمحتسبون ليلة حتى كنا ~~نتحدث فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذه النجوى ألم ~~تنهوا عن النجوى فقلنا تبنا إلى الله يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيح ~~نتخوف منه فقال ألا اخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح قال بلى يا ~~رسول الله قال الشرك الخفي رجل يعمل لمكان رجل # و قوله صلى الله عليه وسلم و لساني من الكذب فإن اللسان يعبر به عن مكنون ~~القلب و إذا قال بلسانه ما لم يكن كذبه الله تعالى و كذبه إيمانه لأنه إذا ~~قال لشيء لم يكن انه قد كان فقد زعم أن الله تعالى خلقه و إذا أخبر أنه قد ~~كان و لم يكن الله تعالى كونه فقد افترى على الله تعالى # و لذلك قال أبو بكر رضي الله عنه الكذب مجانب للإيمان فإيمانه في قلبه ~~يكذبه فسأل أن يطهر لسانه من ذلك # و قوله صلى الله عليه وسلم و عيني من الخيانة فخيانة العين المسارقة كأنه ~~يريد أن يسرق ممن لا يسرق منه و يستخفي ممن لا تخفي عليه لمحة فإنه لا ينظر ~~و لكنه يلحظ سرقة و اختلاسا لمكان المخلوقين و قد غفل قلبه عن أن يراه أبصر ~~الناظرين قال الله تعالى ^ يعلم خائنة الأعين و ما تخفى الصدور ^ ~~PageV02P228 # و قوله في الحديث الآخر ارزقني طيبا و استعملني صالحا ms340 سأله عيش أهل ~~الجنان رزقهم طيب و أفعالهم صالحة كلها ليس فيها فساد فإن العباد على ضربين ~~منهم من وضع بين يديه فقيل له اعمل هذا و دع هذا و أقبل على هذا و جانب هذا ~~بين له الشريعة ثم قيل له سر فيها مستقيما و خذ الحق و اجتنب الباطل و ~~كثيرا ما يقع في التخليط و الأغاليط و يشوبه ما ليس منه و منهم من جازوا ~~هذه الخطة و عافوا لمنتهى و نسوه طهرت قلوبهم و أركانهم فاستعملهم ربهم في ~~الشريعة لمحابه و بما قد علم أن صلاحهم في ذلك فسأل صلى الله عليه وسلم ~~الاستعمال صالحا PageV02P229 # | - * الأصل الحادي والستون و المائة # - * # | في دعائه صلى الله عليه وسلم للأمة عشية عرفة و غداة المزدلفة # عن عباس بن مرداس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا ~~لأمته عشية عرفة بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء فأجابه أني فعلت إلا ظلم ~~بعضهم بعضا فأما ذنوبهم فيما بيني و بينهم فقد غفرتها قال يا رب إنك قادر ~~أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته و تغفر لهذا الظالم فلم يجبه تلك ~~العشية فلما كان الغداة غداة المزدلفة اجتهد في الدعاء فأجابه أني قد غفرت ~~لهم فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم ~~فيها فقال تبسمت من عدو الله إبليس انه لما علم أن الله قد استجاب لي في ~~أمتي أهوى يدعو بالويل و الثبور و يحثي على وجهه و يفر قد نالتهم المغفرة ~~عشية عرفة و ستروا من الذنوب والحق تعالى يناشدهم و يقتضي تبعات الخلق و لا ~~مرد له و لا معارض فلو تركهم و الحق سبحانه و تعالى لأخرجهم من الستر حتى ~~يعودوا إلى الحالة الأولى عراة فعطف الله تعالى عليهم و لم يخيب أضيافه و ~~زائريه و المنيخين بفنائه يستعطفونه و يسألونه سؤال المساكين فيضمن عنهم ~~التبعات و يرضى أهلها عنهم فغفرها فبقوا في ستره ورضي الحق جل جلاله ms341 ضمان ~~الكريم الوفي و خلا PageV02P230 عنهم فصاروا إلى تطواف بيته المحرم لائذين ~~به بعد أن أرضوا الحق تعالى و تطهروا من الأدناس فحباهم و خلع على قلوبهم ~~من النور و تلك عرائس الضيافة PageV02P231 # | - * الأصل الثاني والستون و المائة # - * # | في صفة الأولياء و حقيقة الولاية أو التحذير من إهانتهم # عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبرئيل عن الله ~~تعالى أنه قال من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة و إني لأسرع شيء إلى ~~نصرة أوليائي لأني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرب و ما ترددت عن شيء أنا ~~فاعله ترددي عن قبض روح المؤمن يكره الموت و أكره مساءته ولا بد له منه و ~~ما تعبد لي عبدي المؤمن بمثل الزهد في الدنيا ولا تقرب إلي عبدي المؤمن ~~بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فاذا ~~أحببته كنت سمعا و بصرا و يدا و مؤيدا إن سألني أعطيته و إن دعاني استجبت ~~له و إن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الغني ولو أفقرته لأفسده ذلك ~~وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر و لو أغنيته لأفسده ذلك و إن ~~من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الصحة و لو أسقمته لأفسده ذلك و إن من ~~عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا السقم ولو صححته لأفسده ذلك إني أدبر عبادي ~~بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير PageV02P232 # و في رواية عائشة رضي الله عنها فإذا أحببته كنت بصره الذي به يبصر و ~~لسانه الذي به ينطق و أذنه الذي بها يسمع و فؤاده الذي به يعقل و يده الذي ~~بها يبطش و رجله الذي بها يمشي # قوله من أهان لي وليا فالولي من ولي الله هدايته و نصره و أخذه من نفسه و ~~رفعه بمحمل علي جاهد فصدق الله في جهده حتى إذا استفرغ وسعه في ذلك ألقى ~~نفسه بين يديه ضرعا مستكينا مستغيثا به صارخا إليه ms342 مضطرا و قال تعالى ^ أمن ~~يجيب المضطر إذا دعاه و يكشف السوء و يجعلكم خلفاء الأرض ^ # فأجابه الله تعالى و رحمه و أخذه من نفسه بنور فتح لقلبه من الغيب فاشتعل ~~نارا أحرقت شهوات نفسه و أشرق الصدر بنوره فكشف السوء و جعله من خلفائه ~~إماما من أئمة الهدى و جعله ربيعا يشم أزهاره و خريفا يجتني أثماره و ولي ~~إقامته على طريقته حتى رتب له ما عنده و هو قوله تعالى ^ و الذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا و إن الله لمع PageV02P233 المحسنين ) # و قال صلى الله عليه وسلم المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله تعالى و ذلك ~~أفضل الجهاد # فمن أهان هذا الولي فقد خرج إلى مبارزة الله تعالى يريد أن يسلبه ما أخذ ~~ويأخذ منه ما قد رفع فيضعه # و قوله و إني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي فإن من تدبير الله تعالى أن ~~الحق عزو جل و الرحمة مقتضيان في شأن الخلق فالحق تعالى يقتضي عبودته فمن ~~لم يقبلها فهو ذرأ النار قال تعالى ^ لأملئن جهنم من الجنة و الناس أجمعين ~~^ # و من قبلها فوفى بها فلا حساب ولا عذاب و يدخل الجنة بسلام و من قبلها ~~فوفى ببعض و ضيع بعضا اقتضى الحق تعالى ذلك و النار منتقمة تأخذ من جسده و ~~تدع كما وفى ببعض و ترك بعضا فإذا قال جاءت المشيئة جاءت الرحمة فأخذته من ~~الحق تعالى فأنقذته من العذاب فإن الحق تعالى يقتضي الغضب و النار و تجيء ~~الرحمة لمن سبقت له رحمته غضبه فأخذته من الحق قال تعالى ^ سبقت رحمتي غضبي ~~^ # و هذا لعامة الموحدين فأما الأولياء فإنما نالوا الولاية بالرحمة العظمى ~~PageV02P234 فمن نازعه أو آذاه أو ظلمه فالرحمة خصمه والحق عز و جل خصم ~~الجميع فقد اجتمع الحق والرحمة في طلب ثأره من ظالمه فلذلك كان أسرع شيء ~~إلى نصرة أوليائه عليهم السلام والرحمة من المشيئة والحق من القدرة # و مما يؤيد ذلك ما روى ابن عباس رضي الله عنهما ms343 قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الله فيقوم أبو بكر ~~و عمر و عثمان و علي رضي الله عنهم فيقال لأبي بكر رضي الله عنه قم على باب ~~الجنة فأدخل فيها من شئت برحمة الله تعالى ورد منها من شئت بقدرة الله ~~تعالى و يقال لعمر رضي الله عنه قم عند الميزان فثقل ميزان من شئت برحمة ~~الله و اخف ميزان من شئت بقدرة الله و يقال لعثمان رضي الله عنه خذ هذه ~~العصا فذد بها للناس عن الحوض و يقال لعلي رضي الله عنه البس هذه الحلة ~~فإني قد خبأتها لك منذ خلقت السموات و الأرض إلى اليوم # فقد بين صلى الله عليه وسلم منازل القوم أنهم أهل الله عز و جل و خاصته و ~~أنه ينكشف ذلك لأهل الموقف غدا يظهره عليهم عند خلقه و قد صاروا أمناء الله ~~تعالى و وقفت قلوبهم بين يديه رافضين لمشيئتهم و لذلك سماهم أهل الله و ~~الأهل و الآل بمعنى يئولون إليه في كل شيء فيبرز لأهل الموقف مقاومهم ~~بقلوبهم و ضمائرهم التي كانت فيما بينهم وبين الله تعالى كرامة لهم و ~~تنويها بأسمائهم في ذلك الجمع فكان الغالب على أبي بكر رضي الله عنه الرحمة ~~في أيام الحياة و الغالب على عمر رضي الله عنه القيام بالحق و تعزيزه و ~~كأنهما كانا ممن هو في قبضته يستعمله فاستعمل هذا بالرحمة وهذا بالحق فهذا ~~وقف عند باب الجنة يطلب أهل الموقف بالرحمة ليوردهم الجنة و ذا يقف عند ~~الميزان و يطالب أهل الموقف بالعدل PageV02P235 و هو قوله صلى الله عليه ~~وسلم بي يسمع و بي يبصر و بي ينطق # و منه قول عمر رضي الله عنه حيث أتاه رجل و الدم يسيل على وجهه من شجته ~~فقال ويحك من فعل بك قال علي فقال علي رضي الله عنه رأيته مقاوما إمرأة ~~فأصغيت إليهما فساءني ما سمعت فشججته فقال عمر رضي الله ms344 عنه أصابتك عين من ~~عيون الله تعالى و إن لله تعالى في الأرض عيونا فهذا قوله صلى الله عليه ~~وسلم بي يسمع و بي يبصر و بي يبطش # و أما عثمان رضي الله عنه فكان الغالب عليه إغاثة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في نوائبه بالمال فحكمه في شأن الحوض ليذود من لم يستحق من الحوض ~~شرابا فإن الحوض غياث الخلق يومئذ # و أما علي كرم الله وجهه فالغالب عليه النفاذ في علم التوحيد و به كان ~~يبرز على عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و رضي الله عنهم و يدل ~~على ذلك خطبه فإنه بالغ في التوحيد والثناء على ربه تعالى و برز على غيره و ~~الحلة التي خبأها له هي حلة التوحيد فهذا قسم الله لهم و حظوظهم منه ~~فيظهرها الله تعالى يوم القيامة على أحوالهم # قال صلى الله عليه وسلم أرحم أمتي بأمتي أبو بكر و أقواهم في دين الله ~~عمر و أصدقهم حياء عثمان PageV02P236 # و قوله ما ترددت في شيء ترددي عن قبض روح عبدي فإن الموت خلق فظيع منكر ~~لا بد للأحباب أن يذوقوه و أمر ثقيل مر لا يخلو من أن يكرهوه و قد علم الله ~~تعالى أنه يشتد عليهم و يتأذون به فتردد في فعله لكراهة مساءتهم و قد قضى ~~الله تعالى على نفسه حتما أنه يفعله فمشيئته لموتهم تردد بين الحق و الرحمة ~~فالحق تعالى ينفذ الموت و الرحمة تدفعه و المشيئة مترددة بينهما مرة إلى ~~الرحمة و مرة إلى الحق فمن كان أيام الحياة اهتش إلى ذكر الله شوقا إليه ~~فغليان الشوق في قلبه مراجل و هذا الشوق في القلب بالرحمة فتلك الرحمة ~~تتحرك له عند كل نائبة و أعظم نوائبه الموت يريد خلاصه و الحق من ناحيته ~~يقتضيه أن ينفذ الموت عليه و المشيئة من الله تعالى مترددة فيما بينهما مرة ~~إلى هذا و مرة إلى ذلك ولا بد من الموت فأما غير هؤلاء فليس لهم هذا ms345 الحال ~~فإذا جاءت المشيئة مع الحق نفذ أمره قال تعالى ^ و جاءت سكرة الموت بالحق ~~ذلك ما كنت منه تحيد ^ # فالحائد من الموت أيام الحياة يأخذه الحق بتنفيذ الموت و ليس للرحمة حركة ~~في الدفع عنه لأن المشيئة لم تتردد بينهما فنفذ # و قوله إني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرب فالليث كريم لا يؤذي حتى ~~يجترأ عليه فاذا اجترىء عليه اصطفه حرب فكسر و دمر على من ظفر به فمن آذي ~~ولي الله تعالى فإنما يجترىء على الله تعالى يريد أن يحاربه فيأخذ منه ما ~~إصطفاه لنفسه فيفسد شأنه و يهدم تربيته و بنيانه فإن الولي إذا بلغ غاية ~~الصدق في السير إلى الله تعالى و مجاهدة النفس و فطم نفسه عن سيىء الأخلاق ~~و قد انقطعت حيلته و بقي بين يديه ينتظر رحمته انتخبه الله تعالى للولاية و ~~وكل PageV02P237 الحق به يهديه و يطهره و يسير به إليه و ترد إليه الأنوار ~~من قربه و تطهر نفسه و تميت منه الأخلاق الرديئة فذاك تربية الله تعالى له ~~فإذا تم البنيان و التربية كشف الغطاء و أشرق على صدره نوره و جعل لقلبه ~~إليه طريقا لا يحجبه عنه شيء فهو ولي الله يتولاه في أموره وهو يكلؤه و ~~يستعمله فمن يتعرض له و يظلمه فقد اجترأ على الله تعالى يريد أن يهدم ~~بنيانه و يفسد تربيته فغضب الله له # و هذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم إياك ونار المؤمن لا تحرقك و إن عثر ~~كل يوم سبع مرات فإن يمينه بيد الله تعالى إذا شاء أن ينعشه نعشه # و أراد بالمؤمن ههنا المؤمن البالغ و هو الولي لله تعالى الذي احتظى من ~~النور والقربة و قد تولاه الله تعالى فإذا تعرضت له بمكروه فنار نوره تحرقك ~~فأما العامة من المؤمنين فمعه نور التوحيد و لا حظ له من نوره فليس له نار ~~تحرق ولهذا حذرك صلى الله عليه وسلم أن يشتبه عليك أمره فإذا رأيته عثر أو ~~وقع ms346 في زلة أن تنظر إليه بعين الازراء كسائر العامة فإن يمينه بيد الله ~~تعالى لأنه صار في قبضته و قد أخذه من نفسه فهو يمسكه و هو يحفظه فإذا عثر ~~فتلك العثرة كانت في تدبير الله تعالى له ليجدد عليه أمر أو ليرفعه إلى ما ~~هو أعظم شأنا و ليست تلك عثرة رفض إنما هي عثرة تدبير كذا دبر له كما دبر ~~لداود عليه السلام تلك الخطيئة ثم انظر أي شيء كان له بعد الخطيئة من ~~الكرامة و القربة و ظهر له من الله تعالى الزلفة و العطف عليه فيكون ~~للأولياء عثرات يجدد الله تعالى لهم بها كرامات و يبرز لهم ما كان مغيبا ~~عنهم من حبه إياهم و عطفه عليهم فينعشهم فهو مع ذلك الذنب يمينه بيد الله ~~لم يكله إلى نفسه و لا تخلى عنه PageV02P238 و إنما يجري عليه الذنب ثم ~~ينعشه فيدخله الله الجنة و يدخل الذي يعير به النار # و قوله و ما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضته فإنما فرض الله ~~تعالى الفرائض من الصلاة و الصوم والزكاة والحج ليحط بها عنه الخطايا و ~~ليتطهر بها العبد قال تعالى ^ و أقم الصلاة طرفي النهار ^ إلى قوله ^ إن ~~الحسنات يذهبن السيئآت ^ فإن العبد قد يلهو عن العبودة و يطيع الهوى و يركب ~~الخطايا والذنوب # فهذه سيئآت قد قبحته و شانته فإذا صلى فالقيام تذلل و تسليم والركوع خشوع ~~و السجود خضوع و الجلوس رغبة و ضرع فهذه حسنات تذهب السيآت و تظهر الزين و ~~تستر الشين و أما الزكاة فقال تعالى ^ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم ~~بها ^ # و أما الحج فإن الله تعالى أمر بالوقوف ثم قال في آخره ^ فمن تعجل في ~~يومين فلا إثم عليه و من تأخر فلا إثم عليه ^ أي يرجعون مغفورين قد حطت ~~عنهم الآثام # فهذه الفرائض فرضها عليهم لتكون دواء للداء الذي اكتسبوه فإذا أقامها فقد ~~تطهر فصلح للقربة فإذا تنفل بعد ذلك استوجب المحبة فإن النفل ms347 في المغازي ~~كالعطف من الأمير على الواحد من أهل العسكر يخصه به و النفل زيادة على ~~القسمة خارج منها يبره الأمير على قدر عنائه في الحرب و بلائه فإذا تنفل ~~العبد بزيادة على الفرض ينفل القربة و المحبة فإذا أحبه أحياه و اختاره و ~~أوصله إلى حبة القربى و لكل PageV02P239 شيء حبة و حبة كل شيء وسطه و جوفه ~~و لبابه فنال القربة بأداء الفرائض و نفل بالمحبة بالتطوع فأوصل إلى أقرب ~~القربة و حبته فهناك يحيى قلبه بالحي الذي لا يموت فإذا أحياه به كان سمعه ~~و بصره و فؤاده و لسانه # و قوله و ما تعبد لي عبدي بمثل الزهد في الدنيا هكذا شأن العبد يزهد في ~~كل شيء لم يقدر له في اللوح فما أعطي علم أنه كان قدر له فقبله و ما منع ~~علم أنه لم يكن قدر له فرفع عنه باله فإذا فعل ذلك فقد أبرز صدق العبادة و ~~تهاون بالدنيا فلم يلحظ إليها فهذا منه تصديق إيمان و تحقيق لأنه لما أيقن ~~بالآخرة و نظر إليها بنور اليقين تلاشت الدنيا في عينه في جنب ما أعد الله ~~له في الآخرة فصغرت عنده و زهدت و إذا قل الشيء في عين المرء تهاون به ~~فإنما أبصروا قلة الدنيا بنور الإيمان الذي أبصروا به كثرة الآخرة و عظمها ~~فنيلوا بذلك و شرفوا و أعرضوا عن جميعها إلا ما قدر لهم في اللوح فعظموا ~~ذلك القدر الذي أوصل إليهم لأنهم علموا أن هذا وصل إليهم بتدبير الله تعالى ~~و صنعه و عطفه و رحمته فعظم شأن ذلك عندهم ففرحوا و استبشروا و حمدوا ربهم ~~و توسعوا في ذلك فمن بلغك عن أحد من أئمة السلف رحمهم الله أنه فرح بشيء ~~مما أوتي أو عظمه فإنما عظمه أو فرح به لا من طريق قدر الشيء بل فرحه ~~بتدبير الله تعالى و صنعه له كيف دبر له ما قسم له في اللوح و لها عما سوى ~~ذلك فأنعم فيه ms348 النظر كي لا تغلط و تظن بهم ظن السوء فالزاهدون متعبدة ~~فعبدوه بالزهد حتى تقربوا إليه و أعرضوا عن الدنيا و الأولياء عبيد تعبدوه ~~بالعبودة و تقربوا إليه حتى أعرضوا عن النفس فمن أعرض عن الدنيا أقام الزهد ~~و من أعرض عن النفس أقام العبودة # و عن الحسن رضي الله عنه بني الإسلام على عشرة أركان أحدها الإخلاص بالله ~~تعالى و هي الفطرة و معنى ذلك أن الخلق PageV02P240 فطروا على المعرفة فليس ~~أحد يقدر أن ينكره فهم يقرون به و يعرفونه معرفة الفطرة و قد استوى فيه ~~الخلق قال تعالى @QB@ فطرة الله التي فطر الناس عليها @QE@ # قوله الإخلاص بالله أي المؤمن لما أدركته الهداية و جعل الله تعالى له ~~نورا فأحياه خلص الله تعالى أمره # الثاني الصلاة و هي الملة و معنى ذلك أنها تشتمل على أفعال مضمومة بعضها ~~إلى بعض فصيرت فعلا واحدا و كذلك يجتمع الخلق بأجسادهم على هذا الأمر ~~الواحد فتكون صلاتهم مضمومة بعضها إلى بعض فتكون صلاة واحدة والملة ما ضمت ~~و لذلك سميت الخبزة المضمومة إلى الحفرة ملة # الثالث الزكاة و هي الطهرة و معناه أن الزكاة طهرة لهم من أدناسهم قال ~~تعالى ^ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم بها ^ # فإن الله تعالى جعل المال سببا لقوام معاشهم و خلقهم محتاجين مضطرين و ~~المضطر مفزعه إلى من اضطر إلى نفسه فترك مفزعه و جعل الباب الذي صير سببا ~~مفزعا لحاجته فمال بقلبه عن الله تعالى و لهذا سمي مالا لميل القلوب عن ~~الله تعالى إليها فقد دنس بذلك فقيل تصدقوا أي أعطوا من هذا المال ما يظهر ~~صدق أقوالكم انا لله و ان الأموال منه في أيدينا و سميت صدقة لأنه يظهر ~~بالإعطاء صدق أقوالهم فتصير صدقاتهم طهرة لهم من أدناسهم إذا أصابه من ~~الحلال يصير دنسا لميل قلبه عن الله تعالى فكيف بالحرام و الشبهة فالحرام ~~لا PageV02P241 يطهرها شيء و الشبهة موقوفة و الحلال متقبل و قد أمر الله ~~تعالى بالصدقة من مكاسب ms349 الحلال و الغنائم # الرابع الصيام و هي الجنة قال صلى الله عليه وسلم حفت الجنة بالمكاره ~~والنار بالشهوات و في الصيام ترك الشهوات فإذا تركها فقد ترك حفاف النار ~~فصار جنة له من النار # الخامس الحج و هي الشريعة فإن الله تعالى دعاهم إلى أن يؤمنوا به و ~~يسلموا إليه وجها و جعل البيت معلمه فهناك آثاره و آياته و قد كان من قبل ~~خلق الأرض زبدة بيضاء فاقتضاهم الإجابة له بإتيانهم المظهر الأعلى و هو ~~العرش قلبا و بإتيانهم المعلم الذي على الأرض بدنا و هما طريقان لهم إليه # السادس الجهاد و هي العزة و معنى ذلك أن الله تعالى دعا العباد إلى أن ~~يوحدوه فأجابته طائفة وامتنعت طائفة و تعززوا بالكبر الذي في صدورهم و ~~القوة التي في أبدانهم و النعمة التي أسبغها عليهم فقال للطائفة المجيبة ~~أنتم أنصاري و أوليائي @QB@ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب @QE@ فثارت ~~هذه الطائفة حمية لله تعالى و نصرته و ولايته فقتلوهم و أخذوهم و أسروهم ~~قال الله تعالى ^ و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين ^ فالجهاد هو العزة # السابع الأمر بالمعروف و هو الحجة لأن المرسلين بعثوا لذلك PageV02P242 ~~فمن فعله من بعدهم فهو من خلفائهم يقيم حجة الله على خلقه # الثامن النهي عن المنكر و هو الواقية قال الله تعالى @QB@ كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه @QE@ # و قال صلى الله عليه وسلم إن الظالم إذا لم يأخذوا على يديه يوشك أن ~~يعمهم الله بعذاب # و روى النعمان بن بشير رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على منبرنا هذا يقول مثل القائم على حدود الله و المداهن في حدود الله ~~والساكت عنه والراكب حدود الله كمثل قوم ركبوا سفينة فاقترعوا منازلها فأخذ ~~أحدهم القدوم فنقر السفينة فقال أحدهم لآخر يخرق السفينة و يريد أن يغرقنا ~~فقال له الآخر دعه فإنما يخرق مكانه فإن تركوه هلك و هلكوا و إن أخذوا على ~~يديه نجا و نجوا فإذا غيروا ms350 و نهوا كان ذلك واقية للعذاب # و التاسع الطاعة و هي العصمة فإن طاعة الأئمة منوط بطاعة الله تعالى و هي ~~عصمة بهم يعصمهم الله تعالى و يسكن الفتنة و يقمع أهل الريب و يقوم الحج و ~~الجهاد و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر PageV02P243 فالسلطان شأنه عظيم ~~و هو رحمة من الله تعالى فطاعتهم عصمة # و العاشر الجماعة و هي الألفة فإن الله تعالى جمع المؤمنين على معرفة ~~واحدة و شريعة واحدة ليألف بعضها بعضا بالله تعالى و في الله فيكونون كرجل ~~واحد قال الله تعالى @QB@ إنما المؤمنون إخوة @QE@ # فإذا لم يخرج إلى حدث و لا إلى بدعة فهو في الألفة معهم والله أعلم و ~~أحكم PageV02P244 # | - * الأصل الثالث والستون والمائة # - * # | في مذاهب أهل الأهواء # عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الذين ~~فرقوا دينهم و كانوا شيعا من هم قلت الله و رسوله أعلم قال هم أصحاب ~~الأهواء و أصحاب البدع و أصحاب الضلال من هذه الأمة يا عائشة إن لكل ذنب ~~توبة ما خلا أصحاب الأهواء و البدع ليس لهم توبة أنا منهم بريء و هم مني ~~براء # أهل الأهواء قوم استعملوا أهواءهم و الأهواء ميالة عن الله تعالى فحيث ما ~~مالت اتبعها قلوبهم لأنه لم يكن في قلوبهم من النور ما يصدهم عن إتباعها ~~قال الله تعالى @QB@ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله @QE@ # و سميت زيغا لأنها زائغة بالقلب عن الله تعالى و أهل الأهواء كلما ~~استحلوا شيئا ركبوه و اتخذوه دينا حتى ضربوا القرآن بعضه ببعض و حرفوه ~~فمنهم من يرفض حتى جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم و نسبوا الرسالة ~~PageV02P245 إلى علي كرم الله وجهه و منهم من اتخذه ربا فدخل عليه فقال أنت ~~ربي فقام علي فوطئه بقدمه حتى قتله و أحرقه بالنار # و منهم من أبدعوا من تلقاء أنفسهم بدعا فازالت بهم تلك البدع حتى أدتهم ~~إلى الخروج على ms351 علي رضي الله عنه و إلى حربه و هم الخوارج و أهل حروراء # و قوم قد تزهدوا بغير علم فأداهم الجهل إلى أن أبدعوا من تلقاء أنفسهم ~~بدعا و حسبوا أن الزهد في الدنيا تجنب الأشياء فعلا و العزلة من أهل الدنيا ~~فضيعوا الحقوق و قطعوا الأرحام و جفوا الخلق و اكفهروا في وجوه الأغنياء و ~~في قلوبهم من شهوة الغنى أمثال الجبال الشامخات و لم يعلموا أن أصل الزهد ~~موت الشهوات من القلب فلما اعتزلوها بالجوارح اكتفوا به و حسبوا أنهم ~~استكملوا الزهد حتى تأدى بهم الجهل إلى أن طعنوا في الأئمة الذين عرفوا ~~بسعة المعاش و كثرة المال حتى عابوا الأنبياء وطعنوا على سليمان عليهم ~~السلام # و قوم زعموا أنهم توكلوا على ربهم و أن الطلب شك و أن الرزق يأتي في وقته ~~فقعدوا رفضا للطلب والمكسب فضيعوا الأهلين و الأولاد في خلال ذلك يتدنسون ~~في أبواب المطامع و يخادعون الله تعالى في معاملته # و قوم اتخذوا العلم الذي هو حجة الله تعالى على عباده حرفة و صيروها ~~مأكلة فأكدوا بها رياستهم و احتظوا به من القلوب و صحبوا بها الملوك ختلا ~~لما في أيديهم من الحطام فلينوا لهم في القول طمعا لما في أيديهم و داهنوهم ~~لما يرجون من نوالهم و ساعدوهم على تجبرهم و جورهم PageV02P246 # و قوم مفتونون نسبوا إلى الدين والتقطوا الرخص و زلات العلماء فاتخذوها ~~دينا و تذرعوا بذلك إلى شهواتهم و زينوا للخلق بذلك تسترا على أحوالهم ~~السيئة من تعاطي الأشربة المحرمة و المكسبة الرديئة و أشباه ذلك # و قوم هم أهل الضلالة كالمشبهة والقدرية و الجبرية و الجهمية وأشباههم ~~مالت قلوبهم و أبدعوا و ضلوا عن الله تعالى فإن الله تعالى اقتضى للعباد ~~الإسلام دينا و الإسلام تسليم النفس و الدين الخضوع لله تعالى بتسليم النفس ~~إليه قال الله تعالى ^ و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ^ # فجعل الدين في تسليم النفس إليه فدانوا بأن سلموا نفوسهم إليه قبولا ~~لآمره ms352 و طاعته فأنزل كلاما فرقانا يفرق بين الحق والباطل و أمر بالاعتصام ~~به و أشار إلى دار السلام أن هذا مصيركم و إليها أدعوكم فقال ^ و اعتصموا ~~بحبل الله جميعا و لا تفرقوا ^ و هو عهده PageV02P247 الذي أنزل قال ^ و ~~الله يدعو إلى دار السلام ^ # و دل على الطريق المستقيم إليها من غير تعريج ولا تلوية و دبر في هذا ~~الطريق فرائض معلومة و سننا و أخذ زينة ليوم العرض عليه # فالزائغون تركوا الخضوع لله تعالى و تسليم النفس إليه ففارقوا دينهم ~~فصاروا شيعا و أحزابا و زين لهم سوء أعمالهم و سد عليهم باب القدر فاستبدوا ~~و تعمقوا في طلبه حتى هلكوا و أداهم ذلك إلى أن برءوا الله من قدرته و ~~شاركوه في مشيئته إفكا و افتراء وسد عليهم باب درك الكيفية فاستبدوا يطلبون ~~الكنه و الكيفية حتى عدلوه بخلقه و سد عليهم باب التعمق فما زالوا ينزهونه ~~حتى تاهوا في الإلحاد عنه فنفوا عنه ما لم ينف عن نفسه الكريمة # و قال صلى الله عليه وسلم قد افترقت بنو إسرائيل اليهود منهم على إحدى و ~~سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة و افترقت النصارى على اثنتين و سبعين ~~فرقة كلها في النار إلا واحدة و ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ~~كلها في النار إلا واحدة قيل يا رسول الله من هذه الواحدة قال السواد ~~الأعظم # و عن عمر رضي الله عنه قال أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم و أنا ~~أعرف الحزن في وجهه فأخذ بلحيته فقال إنا لله و إنا إليه راجعون ~~PageV02P248 # قال و أتاني جبرئيل فقال إنا لله و إنا إليه راجعون # قلت أجل فانا لله و إنا إليه راجعون فمم ذاك يا جبرئيل # قال إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير # فقلت فتنة كفر أو فتنة ضلالة # قال كل ذلك سيكون # قلت و من أين ذاك و أنا تارك فيهم كتاب الله تعالى # قال بكتاب الله يضلون و ms353 أول ذلك من قبل قرائهم و أمرائهم يمنع الأمراء ~~الناس حقوقهم فلا يعطونها فيقتتلوا و يتبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم ~~في الغي ثم لا يقصرون # قلت يا جبرئيل فبم يسلم من يسلم منهم # قال بالكف و الصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه و إن منعوا تركوه # و عن أفلح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث ضلالة الأهواء و اتباع الشهوات في ~~البطن والفرج و العجب # و إنما صار هؤلاء فرقا لأنهم فارقوا دينهم فبمفارقة الدين تشتتت أهواءهم ~~فافترقوا فأما اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده فقد اختلفوا في ~~أحكام الدين فلم يفترقوا لأنهم لم يفارقوا الدين و إنما اختلفوا فيما أذن ~~لهم النظر فيه والقول باجتهاد الرأي و اختلفت آراؤهم فاختلفت أقوالهم و قد ~~أمروا بذلك فصاروا باختلافهم محمودين لأنه أدى كل واحد منهم على حياله ما ~~أمر من جهد الرأي و النظر فيه # و كان ذلك الاختلاف رحمة من الله تعالى على هذه الأمة حيث PageV02P249 ~~أيدهم باليقين ثم وسع على العلماء منهم النظر فيما لا يجدون ذكره في ~~التنزيل و لا في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يلحقوه ببعض و كانوا ~~أهل مودة و عطف متناصحين أخوة الإسلام فيما بينهم قائمة فكل مسألة حدثت في ~~الإسلام فخاض فيها الناس و اختلفوا فلم يورث ذلك الاختلاف عداوة بينهم و لا ~~بغضا و لا فرقة علم أن ذلك من مسائل الإسلام يتناظر فيه و يأخذ كل فريق ~~بقول من تلك الأقوال ثم لا يكونون على أحوالهم من الشفقة و الرحمة و الألفة ~~و المودة و النصيحة كما فعل الصحابة و التابعون رضوان الله عليهم و كل ~~مسألة حدثت فاختلفوا فيها فردهم اختلافهم في ذلك إلى التولي و الإعراض و ~~الرمي بالكفر علم أن ذلك ليس من أمر الدين في شيء بل حدثت من الأهواء ~~المردية الداعية صاحبها إلى النار و تورث العداوة ms354 والتباين و الفرقة لأنها ~~من التي ابتدعها الشيطان فأقاها على أفواه أوليائه ليختلفوا و يرمي بعضهم ~~بعضا بالكفر لأنه ما خلت قلوبهم من خشية الله تعالى و خوف عقابه بما قدمت ~~أيديهم من ذكر الموت و الأهوال التي أمامهم و الاهتمام بصحة الأمور و طلب ~~الخلاص فيما بينهم و الانتباه لحسن صنيعه بهم و طلب النجاة من رق النفوس ~~إلى حرية العبودة لربهم عز و جل فلما خلت من هذه الأشياء قلوبهم وجد العدو ~~فرصة فألقى إليهم مثل هذه الأشياء التي يعلم المستنيرة قلوبهم أن هذا تكلف ~~و خوض فيما لا يعنيه مثل قولهم في الجبر و القدر و الاستطاعة قبل الفعل و ~~معه و طلب كيفية صفات الله تعالى و في الإيمان مخلوق هو أم لا و في القرآن ~~ما هو و في الإمامة من استحقها بعد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أداهم ~~ذلك إلى أن رفضوا الصحابة رضوان الله عليهم و أظهروا شتمهم فلولا خذلانهم و ~~نكوس قلوبهم لكانوا لا يشتغلون بمثل هذا و هم قوم قد مضوا إلى الله تعالى ~~بأعمالهم و هو يقسم لهم المنازل بهواه و يحمل بعضا على بعض قال الله تعالى ~~^ تلك أمة قد PageV02P250 خلت لها ما كسبت و لكم ما كسبتم و لا تسألون عما ~~كانوا يعملون ) # و قد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغا و معلما و هاديا فخرج من ~~الدنيا و قد بلغ الرسالة و أدى الأمانة و علم و هدى و أبلغ في النصيحة فأين ~~القول منه للأمة في هذه الأشياء و أين هدايته و تعليمه لهم و لم يوجد من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم خبر واحد في ذلك فإن كان بعث مبلغا و قد بلغ و ~~لم يكتم شيئا من الوحي فأين هذا في الوحي و في السنن التي جاءت عنه و قد ~~أدت عنه أئمة الدين آداب الإسلام في طعامهم و شرابهم و نومهم و خلائهم و ~~وضوئهم و لباسهم و مشيهم و ms355 زيهم و تركوا هذه الأشياء التي أدى اختلاف ~~القائلين عنه إلى اكفار بعضهم بعضا ليعلم أن هذه من مسائل الفتنة و أنها ~~تؤدي إلى الحيرة و أن الكلام في ذلك مما لم يؤذن فيه PageV02P251 # | - * الأصل الرابع و الستون والمائة # - * # | في أن أحب الأصوات إلى الله تعالى صوت عبد لهفان # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من صوت أحب ~~إلى الله تعالى من صوت عبد لهفان قالوا يا رسول الله و ما اللهفان قال صلى ~~الله عليه وسلم عبد أصاب ذنبا فكلما ذكر بذنبه امتلأ قلبه فرقا من الله ~~تعالى فقال يا رباه # اللهفان على مخرج فعلان إذا كان الشيء الغا غايته فهو غاية التلهف على ما ~~فاته بالتوجع و الفرق نفار القلب والعبد إذا اشتد هيبته و هو الغالب على ~~قلبه و ذكر ذنبه نفر قلبه بما يلاحظه فذاك الفرق فإذا امتلأ قلبه من ذلك ~~فرق فنادى نداء من ينحط من مهوى لا يدري ما قعره فهو في الانحطاط ينادي ~~نداء مستغيث يتلهف على ما فاته من مكان القربة بغاية التلهف يا رباه نداء ~~ندبة الثكلى نداء توجع و حرقة و للفرق شأن عظيم لأنه عاين القلب سلطانا ~~عظيما و هو في محل ملك الملك فلم يتمالك القلب أن لا يفرق لانه فتح له من ~~ملك الهيبة ما فرقه PageV02P252 # و روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن و بين يديه رجل فسقط فمات ~~فقال صلى الله عليه وسلم إن الفرق فلذ كبده أي قطعه لأن الكبد متصل بالقلب ~~من شقه الأيمن فحرارته أحرقت الكبد PageV02P253 # | - * الأصل الخامس والستون و المائة # - * # | في سنن المرسلين # عن مليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه عن جده رضوان الله عليهم قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس من سنن المرسلين الحياء والحلم و الحجامة ~~والسواك والتعطر # و في رواية أبي أيوب أربع من سنن المرسلين التعطر والحياء و النكاح و ~~السواك # معناه هذه ms356 الخمسة من شأنهم أما الحياء فإن النور إذا دخل القلب تخلص ~~الروح من أسر النفس فصار إلى طبعه السماوي فالحياء خجالة الروح و تلكيه عن ~~كل عمل لا يحسن في أهل السماء فصار الحياء من شأنهم لطهارة الروح من أسباب ~~النفس # و أما الحلم فهو سعة الصدر و انشراحه لورود النور PageV02P254 # و أما الحجامة فلأجل أن للدم حرارة و قوة و للنور حرارة فإذا لم ينقص من ~~حرارة الدم أضربه و تبيغ الدم فقتل لأن النور غالب على صدورهم و قلوبهم ~~فتغلي من ذلك دماؤهم فإذا لم يأخذوها فارت وأضرت و كان صلى الله عليه وسلم ~~يلقى من الصداع من نور الوحي فيغلف رأسه بالحناء ليخفف عن رأسه بالحناء ~~سلطان تلك الحرارة # و مما يحقق ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما مررت بملأ من ~~الملائكة ليلة أسري بي إلا قالوا يا محمد مر أمتك بالحجامة وإنما خصت هذه ~~الأمة من أجل زيادة النور قال صلى الله عليه وسلم ما أعطيت أمة ما أعطيت ~~أمتي من اليقين # و أما السواك فلأنه طريق التنزيل و الوحي الوارد و موضع نجوى الملائكة ~~فكانوا يقصدون تطييبها و تطهيرها لئلا يؤذي الملك و تضيع حرمة الوحي # و أما النكاح فإن الأنبياء عليهم السلام زيدوا في النكاح بفضل نبوتهم ~~فإنه إذا امتلأ الصدر بالنور وفاض في العروق التذت النفس و العروق فأثارت ~~الشهوة و قواها و ريح الشهوة إذا قويت فإنما تقوي من القلب و النفس فعندها ~~تجد القوة # قال صلى الله عليه وسلم أعطيت قوة أربعين رجلا من البطش و النكاح و أعطي ~~المؤمن قوة عشرة PageV02P255 # قال ابن عمر رضي الله عنهما ما أعطي أحد من الجماع بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما أعطيت أنا # و أما التعطر فإن الطيب يذكي الفؤاد و أصله من الجنة وحين تستر آدم عليه ~~السلام بورقة منها فرحم و تركت عليه فمن ذلك أصل الطيب ففي تذكية الفؤاد ~~قوة القلب و الجوارح ms357 لأن حسن القلب بالفؤاد لأن الأذن عليه والبصر له و ~~النور بين القلب و الفؤاد و الرؤية للفؤاد قال الله تعالى @QB@ ما كذب ~~الفؤاد ما رأى @QE@ # و الفؤاد اللحمة الظاهرة والقلب اللحمة الباطنة و إنما هي بضعة واحدة ~~بعضها مشتمل على بعض فأظهر فهو فؤاد فاذا كان الفؤاد منحرفا لم يع شيئا من ~~النور قال الله تعالى ^ و أفئدتهم هواء ^ أي منحرفة لا تعي شيئا ولا تعقل و ~~هو قوله صلى الله عليه وسلم أتاك أهل اليمن ألين قلوبا و أرق أفئدة ~~PageV02P256 # | - * الأصل السادس و الستون و المائة # - * # | في ذكر الفاجر بما فيه للتحذير منه # عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضوان الله عليهم قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أترعون عن ذكر الفاجر حتى يعرفه الناس إذكروه بما فيه يحذره ~~الناس # الفاجر هو الذي يفجر الحدود فإن الإسلام كحظيرة حظرها الله تعالى على ~~أهله فلا يتعدون حدود الحظائر فإذا ثلم أحدهم الحظيرة بالخروج منها متخطيا ~~إلى ما ورائها فقد فجرها و نعني بالفاجر الفاجر الموحد دون الكافر فإن ~~المشرك لا حرمة له و لا يتوقى لذكره و قد تورعوا عن ذكر المسلم لحرمة ~~التوحيد و لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحث على الستر وهو يقول من ستر ~~المسلم ستره الله تعالى و من هتك سترا لأخيه هتك الله تعالى ستره فهابوا ~~هذا الأمر PageV02P257 و كفوا فقال لهم صلى الله عليه وسلم أترعون عن ذكر ~~الفاجر # معناه إذا غلب عليه الفجور و قد أعلن به و هتك ستره فإذا لم يبق له سترا ~~استحال أن يستر أو يكتم أمره و في كتمان أمره خيانة و لهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم حتى يعرفه الناس ثم بين نفع الذكر فقال يحذره الناس و إنما هذا ~~الذكر لمن احتسب به النصيحة للعامة لئلا يعثر مسلم به فأما من ذكر تشفيا ~~لغيظه أو تنقما لنفسه فهو خارج عن هذا الحديث حتى يذكره على تلك النية ~~PageV02P258 # | - * الأصل السابع و ms358 الستون والمائة # - * # | في أن لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى و عرض الاعمال # عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم يبق من الدنيا إلا مثل الذباب تمور في جوها فالله الله في إخوانكم من ~~أهل القبور فان أعمالكم تعرض عليهم # الأرواح أنواع أرواح تجول في البرزخ فتبصر أحوال الدنيا و الملائكة تتحدث ~~في السماء عن أحوال الآدميين و أرواح تحت العرش و أرواح طيارة في الجنان ~~على قدر أقدارهم من السعي أيام الحياة إلى الله تعالى والعبودة له في محلهم # قال سلمان رضي الله عنه أرواح المؤمنين تذهب في بزرخ من الأرض حيث شاءت ~~من السماء و الأرض حتى يردها الله تعالى إلى جسدها فإذا تردت الأرواح هكذا ~~علمت أحوال الأحياء و إذا ورد عليهم ميت التقوا به فتحدثوا و تسائلوا عن ~~الأخبار و خرج من تدبير الله تعالى أن و كل بهم أيضا ملائكة تعرض أعمال ~~الأحياء عليهم كي إذا عرضوا عليهم ما يعاقبون به في الدنيا و يصابون به من ~~أنواع PageV02P259 المصائب من أجل الذنوب كان عذر الله تعالى ظاهرا مكشوفا ~~عند الأموات بأنه لا أحد احب إليه العذر من الله تعالى # قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس رضي الله عنه إن أعمالكم تعرض على ~~عشائركم و أقاربكم من الموتى فإن كان خيرا استبشروا به و إن كان غير ذلك ~~قالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم إلى ما هديتنا # و قال صلى الله عليه وسلم تعرض الأعمال يوم الاثنين و يوم الخميس على ~~الله تعالى و تعرض على الأنبياء و على الآباء والأمهات يوم الجمعة فيفرحون ~~بحسناتهم و يزدادون و جوههم بيضا و نزهة فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم # و روى أبو هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول إن الله تعالى يعتذر إلى آدم يوم القيامة بثلاثة معاذير يقول الله ~~تعالى يا آدم لولا أني لعنت الكذابين و ms359 أبغض الكذب و الحلف و أعذب عليه ~~لرحمت اليوم ذريتك أجمعين من شدة ما أعددت لهم من العذاب و لكن حق القول ~~مني لمن كذب رسلي وعصى أمري لأملئن جهنم منهم أجمعين و يقول الله تعالى يا ~~آدم إني لا أدخل أحدا من ذريتك النار و لا أعذب أحدا منهم بالنار إلا من قد ~~علمت في سابق علمي أني لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى شر مما كان فيه لم ~~يراجع و لم يعتب و يقول له يا آدم قد جعلتك اليوم حكما بيني و بين ذريتك قم ~~عند الميزان فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم فمن رجح منهم خيره على شره ~~مثقال ذرة فله الجنة حتى تعلم أني لا أدخل النار منهم إلا ظالما فإذا ستر ~~الله على عبد في دنياه عند PageV02P260 الأحياء ستر عليه عند الأموات و ذلك ~~لمن ولي الله تدبيره ستره لئلا يرى الخلق من الأحياء و الأموات معايبه # روي أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه خرج غازيا في أرض الروم فقص عليه ~~قاص فقال ليس أحد من بني آدم يعمل عملا أول النهار إلا عرض على معارفه من ~~أهل الآخرة في آخر النهار و لا عمل عملا في آخر النهار إلا عرض على معارفه ~~من أول الغد فقال أبو أيوب إن ذاك لكذاك اللهم لا تفضحني عند سعد بن عبادة ~~و لا عند عبادة بن الصامت مما عملت بعدهما فقال القاص و الله الذي لا إله ~~غيره ما كتب الله لعبد ولايته إلا ستر عورته و أثنى عليه بأحسن عمله # و معنى ولاية التدبير أن الله تعالى شرع السبيل و هدى القلوب و رزق ~~العقول و أكد الحجة بالرسل و بما جاءوا به من البيان و أيد بالملائكة يهدون ~~و يسددون و قيل لهم سيروا إلى الله تعالى سيرا مستقيما في هذا الصراط فإن ~~عارضتم نفوسكم بخلاف ما أمر الله تعالى فجاهدوها و سلوا الله المعونة # فهذا تدبيره الذي وضعه للجميع فمن صدق الله ms360 تعالى في مجاهدة النفس حتى ~~بلغ أقصاها لم يقدر على أكثر من أن يمنع قلبه من الكفر كما يمنع جوارحه من ~~العمل فهذا غاية جهاد النفس و تصحيح الباطن و الظاهر ونهاية الصدق فقد أتى ~~بالوسع و حال الطبع باق على تركيبه من الشهوة و اللذة والغضب والرغبة و ~~الرهبة و من هذه الأشياء حدثت المعاصي إلى القلوب و منه إلى الأركان فيجأر ~~إلى الله تعالى لكدورة الأخلاق فإنها تكدر عليه إيمانه فلا يصفو فعندها ~~يرحمه الله تعالى عند انقطاع أسبابه و تغوثه بها صارخا مضطرا فيأخذه من ~~تدبيره الذي وضعه لعباده و من مجاهدة النفس إلى تدبيره الذي وضعه لعباده و ~~من مجاهدة النفس إلى تدبير نفسه فهو القادر على ذلك PageV02P261 فيوكل به ~~الحق تبارك و تعالى حتى يسير به إلى منازل القربة فلما سار في القربة زيد ~~مركبا من النور ليسير به إلى محله من القربة فكل نور يزاد يموت من طبعه ~~بقدر ذاك لأنه يزاد بكل نور قربة و تخطي إلى محله فيزداد بالله تعالى علما ~~منه و خشية فالحق تبارك و تعالى يربيه بهذه الأنوار حتى إذا انتهت التربية ~~و تغير الطبع عن النفسية إلى خلق الإيمان جذب جذبة إلى محل القربة وانكشف ~~له الغطاء عن جلال الله تعالى و عظمته فانتهبت فيه و إذا الهوى قد طاوعته و ~~النفس قد ماتت فحيى قلبه بالله تعالى فهو الصدق فهذا و إن كان صديقا فلم ~~يخل من ذنب كان في سابق علم الله تعالى و جرى بذلك القلم في اللوح المحفوظ ~~فهو يعمله لا محالة لكنه في ستر عند الأحياء و في ستر عند الأموات و الله ~~سبحانه و تعالى أعلى و أعلم و أحكم PageV02P262 # | - * الأصل الثامن و الستون والمائة # - * # | في أن المرض للمؤمن تمحيص للذنوب # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل المريض ~~إذا برىء من مرضه و صح كمثل البردة تقع من السماء في صفائها و لونها # المؤمن ms361 يتلوث في شهواته فتدنس الأفعال و توسخ الأركان و تكدر الطلاوة ~~فإذا رحمه و أراد به خيرا أسقمه حتى يطهره و يصفيه فالمرض للمؤمن تمحيص من ~~الآثام كالفضة تلقى في كيرة ينفخ عليه يزول خبثه و تصفو فضته فتصلح للضرب ~~والسكة و التشرف باسم الملك على وجهه فشبهه بعد البرء بالبردة صفاء و طيبا ~~و طهارة و نظافة PageV02P263 # | - * الأصل التاسع والستون و المائة # - * # | في حسن المجاورة لنعم الله تعالى # عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى ~~كسيرة ملقاة فمشى إليها فمسحها فقال يا عائشة أحسني جوار نعم الله تعالى ~~فإنها قل ما نفرت عن أهل بيت فكادت ترجع إليهم # حسن المجاورة لنعم الله من تعظيمها و تعظيمها شكرها و الرمي بها من ~~الاستخفاف بها و ذلك من الكفران و الكفور ممقوت مسلوب فارتباط النعم في ~~شكرها و زوالها في كفرانها ومن عظمها فقد ابتدأ في شكرها و من صغرها أو ~~استخف بها فقد تعرض لزوالها و فيها رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم خصالا ~~غير واحدة منها الاستخفاف بالنعمة و الفساد و الاسراف PageV02P264 # ^ و الله لا يحب الفساد ^ # @QB@ لا يصلح عمل المفسدين @QE@ # @QB@ لا يحب المسرفين @QE@ # @QB@ لا يحب كل خوان كفور @QE@ PageV02P265 # | - * الأصل المائة والسبعون # - * # | في تفسير المروي للآية @QB@ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان @QE@ # عن أنس رضي الله عنه قال تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم @QB@ هل جزاء ~~الإحسان إلا الإحسان @QE@ ثم قال هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله ~~أعلم قال # إن ربكم يقول هل جزاء من أحسنت إليه بأن هديته للتوحيد إلا أن أسكنه داري ~~في جواري وهل جزاء من قربته بالمعرفة قلبا حتى يعرفني إلا أن أقربه في ~~المسكن نفسا حتى ينظر إلى وهل جزاء من أكرمته بمعرفتي إلا أن أغفر له ذنوبه ~~و أتجاوز عن سيئاته و أصفح عنه تكرمات كما تكرمت وجدت عليه بتوحيدي هل جزاء ~~من ابتدأته بهذه النعم العظيمة فمننت عليه بها إلا أن ms362 أحفظها عليه حتى أختم ~~له بها و أتمم عليه وله كرامتي PageV02P266 # | - * الأصل الحادي و السبعون و المائة # - * # | في أن الكلمة من الباقيات خير من الدنيا بحذافيرها # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن الدنيا ~~كلها بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكان الحمد لله أفضل من ~~ذلك # معناه من أعطي الدنيا ثم أعطي على أثرها هذه الكلمة حتى نطق بها لكانت ~~هذه الكلمة أفضل من الدنيا كلها لأن الدنيا فانية و الكلمة باقية قال تعالى ~~^ و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا و خير أملا ^ # وفي رواية لكان ما أعطي أفضل مما أخذ PageV02P267 # | - * الأصل الثاني و السبعون و المائة # - * # | في ذكر جملة من مكارم الأخلاق # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما محق ~~الاسلام محق البخل شيء قط ومن كف غضبه كف الله عنه عذابه ومن حفظ لسانه ستر ~~الله عورته ومن اعتذر إلى الله في الدنيا قبل الله تعالى معذرته # بني أس الإسلام على السماحة و الجود لأنه هو تسليم النفس والمال لحقوق ~~الله تعالى فإذا جاء البخل فقد ذهب بذل المال و من بخل بالمال كان بالنفس ~~أبخل و من جاد بالنفس كان بالمال أجود فالبخل يمحق الإسلام و يبطله ويدرس ~~الإيمان و فيه سوء الظن بالله تعالى و منع حقوقه والاعتماد على المال دون ~~الله تعالى # و قوله من حفظ لسانه ستر الله عورته إنما يحفظ عن أعراض المسلمين كيلا ~~يهتك استارهم فعاجل الله تعالى ثوابه بأن ستر عورته # و قوله من كف غضبه كف الله عنه عذابه فعذابه النار و حشوها غضبه و إنما ~~تلظت و تسعرت بغضب الله تعالى فإذا كف غضبه فقد PageV02P268 تواضع لله ~~تعالى فكف عنه غضبه و إذا كف غضبه فمن ورائه الرضى عن الله تعالى # و قوله من اعتذر إلى الله في الدنيا قبل الله معذرته فالكريم يقبل العذر ~~إذا اعتذر إليه ms363 صادقا كان أو كاذبا لأن اعتذاره ندم و توبة و إقبال إليه ~~فيأبى الكريم أن يخيبه من معذرته # قال صلى الله عليه وسلم ما من أحد يعتذر إلى أخيه فلم يقبل عذره إلا كان ~~عليه كخطيئة صاحب مكس و هو العشار PageV02P269 # | - * الأصل الثالث والسبعون والمائة # - * # | في قدر تعظيم الدنيا و المداهنة و وزر السيئآت # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~عظمت أمتي الدنيا نزعت منها هيبة الإسلام و إذا تركت الأمر بالمعروف و ~~النهي عن المنكر حرمت بركة الوحي و إذا تسابت أمتي سقطت من عين الله تعالى # شرط الإسلام تسليم النفس و بذلها لله تعالى عبودة فإذا عظم ما صغر الله ~~تعالى و حقرها و قد أخذت بقلبه فسبته ذهبت العبودة و لم يقدر على بذل النفس ~~لله تعالى فكان إسلامه مدخولا و إذا فسد الباطن ذهبت الهيبة لأنه لو هابه ~~لم يستقر قرارا حتى يصلح باطنه و إنما يهابه من صلحت سريرته # قال صلى الله عليه وسلم تمام البر أن تعمل في السر عمل العلانية و إذا ~~عظمت النفس الدنيا آثرها على حقوق الله تعالى PageV02P270 و لا يجتمع تعظيم ~~الحقوق و تعظيم الدنيا في قلب فأما إذا أسلم نفسه و وجهه إلى الله تعالى و ~~بذل نفسه لله تعالى عبودة صار من رجال الله تعالى و عبيده و خاصته فتعلوه ~~مهابة كما إذا صار عبدا للملك ظهر عليه من بهجة ملكه و غناه و وجدت له هيبة ~~فعبيد الله صدقا عليهم من الله تعالى طلاوة و حلاوة و ملاحة و مهابة فإذا ~~غيروا وبدلوا فعظموا الدنيا بخراب قلوبهم فقد ارتجعوا في نفوسهم فذهبت ~~الهيبة لأنه الآن ليس من عبيد الملك إنما هو عبد نفسه و هواه و دنياه و ~~شهواته و سلطانه # و قوله و إذا تركت الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حرمت بركة الوحي فإن ~~في ترك ذلك خذلانا للحق تعالى و جفوة للدين و في ذلك ms364 ذهاب البصيرة و فقد ~~النور فيصير القلب محجوبا فيحرم بركة الوحي فيقرأه و لا تعي اذنه منه شيئا ~~قد حرم فهمه و هو من أعلم الناس باللغة و أبصرهم بتفسيره و قد عمي عن ~~لطائفه و معانيه و وعده و وعيده و أمثاله لأنه إذا وقع من لسانه في أذنه ~~صار إلى قلب صدره مظلما فكأنه قد غرق في لجة إنما هو كلام يدخل سمعه فإذا ~~صار إلى الصدر صار في عمى و الذي أشرق صدره بالنور فعلى قلبه ينابيع الفهم ~~يلتذ باللطائف أحلى من القطائف و يفرح بالوعد و يحذر الوعيد و يرغب و يرهب ~~و يعتبر و يتعظ فهذا بركة الوحي # و قوله و إذا تسابت أمتي سقطت من عين الله تعالى لأن بدوه الكبر ~~والإستحقار للمسلمين و الحسد و البغي والتنافس في أحوال الدنيا فبهذا سقط ~~من عين الله و الساقط من عينه قد خرج من كلاءته و حفظه ورعايته فليستعد ~~للخذلان في نوائب الدين و الدنيا فإنه إذا زالت عنه رعايته ذهبت عصمته وله ~~في كل نائبة ورطة حتى تؤديه إلى الورطة الكبرى سلب الدين والانتكاص على ~~العقبين و من سقط عن عينه لم يبال في أي واد هلك و العياذ بالله تعالى منه ~~PageV02P271 # | - * الأصل الرابع و السبعون و المائة # - * # | في إيداع العهد بالدعاء بعد الصلاة # عن أبي بكر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال في ~~دبر الصلاة بعد ما يسلم هؤلاء الكلمات كتبه ملك في رق فختم بخاتم ثم رفعها ~~إلى يوم القيامة فإذا بعث الله العبد من قبره جاءه الملك و معه الكتاب ~~ينادي أين أهل العهود حتى يدفع إليه و الكلمات أن تقول # اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم إني أعهد ~~إليك في هذه الحياة الدنيا أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك و ~~أن محمدا عبدك و رسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك أن تكلني إلى نفسي تقربني ms365 ~~من الشر و تباعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل رحمتك لي عهدا ~~عندك تؤديه إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد # صاحب هذا العهد يتحلى بهذا العهد الذي عهد إلى ربه من الأسباب و يكون ~~متعلقه رحمته و لا يثق إلا بها و لا يلحظ النجاة إلا بها PageV02P272 و ~~يجعل هذا العهد في الدنيا كالوديعة عند ربه و انه أمله و رجاؤه فمن كرم ~~ربنا أن لا يقطع رجاءه و لا يخيب أمله قال الله تعالى @QB@ لا يملكون ~~الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا @QE@ # و اتخاذ العهد من صدق لا إله إلا الله و الوفاء بها و هو أن لا يعتمد ~~قلبك شيئا سواه في أمر آخرة و لا دنيا فيكون هو كافيك و حسبك من الدارين ~~PageV02P273 # | - * الأصل الخامس و السبعون والمائة # - * # | في سر الكلمات العشر بعد الصلاة # عن بريدة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال عشر ~~كلمات عند دبر كل صلاة و جد الله عندهن مكفيا مجزيا خمس للدنيا و خمس ~~للآخرة حسبي الله لديني حسبي الله لدنياي حسبي الله لما أهمني حسبي الله ~~لمن بغي علي حسبي الله لمن حسدني حسبي الله لمن كادني بسوء حسبي الله عند ~~الموت حسبي الله عند المساءلة في القبر حسبي الله عند الميزان حسبي الله ~~عند الصراط حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت و إليه أنيب # هذه مواطن نوائب العبد في دنياه و آخرته و قد جعل له في كل موطن سببا و ~~عدة يقطع به تلك النائبة فاذا أعرض عن العدة و السبب و ضرب عنه صفحا و ~~اغتنى بالله تعالى كافيا و حسيبا كفاه الله تعالى و كان عند ظنه به فعدته ~~في دينه العهد الذي أنزل و هو الحبل الذي أمر بالاعتصام به و عدته في دنياه ~~التوكل و الكسب من الطيب و عدته PageV02P274 فيما أهمه الحيل التي وضعت لكل ~~هم و حيلة و عدته في ms366 البغي الاحتراز و التجافي والأخذ بالحزم و عدته في ~~الحسد التواضع و المقاربة للحاسد و عدته في المكابدة بالسوء سد الأبواب ~~التي منها يجد الكائد السبيل عليه و عدته في الموت العمل الصالح و عدته في ~~المساءلة في القبر تصحيح الأمر للجواب و عدته عند الميزان كثرة الأعمال ~~لثقل الوزن و عدته عند الصراط النور للجواز فإذا لها عن هذه العدد و كان ~~الله تعالى شرح بها صدره و لم يشخص أمله إلى شيء سواه و لا لحظ إلى خلق ولا ~~إلى فعل و قال حسبي الله عند كل موطن فقد تعلق بربه تعالى و من تعلق به لم ~~يخيبه و كان له في تلك المواطن كظنه به # قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى أنا عند ظن عبدي بي و أنا ~~معه إذا دعاني # و كان إبراهيم عليه السلام لما وضع في المنجنيق ليرمي به في النار جأرت ~~السموات و الأرضون و الملائكة و الخلق والخليقة بكاء و عويلا قالت يا رب ~~عبدك يحرق بالنار فأذن الله لهم في نصرته ان استغاث بهم و دعاهم إلى نصرته ~~و رمي في الهواء إذ عارضه جبرئيل عليه السلام بلوى من الله تعالى فقال يا ~~إبراهيم هل من حاجة PageV02P275 فقال أما إليك فلا حسبي الله قال الله ~~تعالى ^ يا نار كوني بردا و سلاما على إبراهيم ^ # فولي الله تعالى نصرته إذ لم يفزع إلى أحد سواه فلم يكله إلى أحد من خلقه ~~فهذا صدق قوله حسبي الله فإذا لم يكن العبد في قلبه من الحقيقة ما كان ~~لإبراهيم عليه السلام فإن لكل مقال حرمة والله تعالى لا يضيع حرمته فإذا ~~ردد هذه الكلمات نفعته في هذه المواطن بأن كن شفعاء إلى الله تعالى و إذا ~~تكلم بها على يقظة و انشراح صدر وجد الله تعالى في هذه المواطن قد كفاه # قال صلى الله عليه وسلم إذا قال العبد حسبي الله سبع مرات قال الله تعالى ~~صدق عبدي لأكفينه صادقا ms367 أو كاذبا PageV02P276 # | - * الأصل السادس والسبعون و المائة # - * # | في أن حسن الجواب في خلال الخطاب من لطافة الفهم من قراءة الرحمن من ~~الوحي # عن جابر رضي الله عنه قال قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ~~الرحمن حتى ختمها ثم قال ما لي أراكم سكوتا للجن كانوا أحسن ردا منكم ما ~~قرأت عليهم هذه الآية من مرة ^ فبأي آلاء ربكما تكذبان إلا قالوا ولا بشيء ~~من نعم ربنا نكذب فلك الحمد # حسن الرد في الجواب من لطائف الفهم و أجساد الجن من نار و لم يشغلهم شغل ~~الآدميين فجوهرهم أرق و جوهر الآدمي أغلظ لأنهم من تراب و هذه السورة قد ~~عدد الله تعالى فيها النعم و خاطب بتعديده الثقلين و قال في ذكر كل نعمة ^ ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان ^ # فكل هذا القول سؤال يحتاج إلى رد الجواب فيه و أثنى صلى الله عليه وسلم ~~على مؤمن الجن بحسن ردهم الجواب و من رتبة الخطاب PageV02P277 أن لا يترك ~~الخطاب الذي له جواب مهملا ليكون المستمع كالغافل و كان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا أتوا على هذه الآية @QB@ أليس ذلك بقادر على أن ~~يحيي الموتى @QE@ # قالوا اللهم بلى # و إذا مروا بذكر النار استعاذوا بالله فاقتضاهم صلى الله عليه وسلم في ~~وقت قراءته عليهم ما وجده من الجن واستحسنه منهم و كان من أصحابه صلى الله ~~عليه وسلم من يشغله ذرو كلامه عن النظر في معناه إجلالا لكلام الله تعالى و ~~دهشا في ذكره و منهم من يتعلق قلبه بأول الآية فيشغله أولها عن ذكر ما ~~بعدها كما صلى علي بن فضيل بن عياض رضي الله عنه خلف إمام قرأ سورة الرحمن ~~فلما انفتل قيل له يا علي ألم تسمع إلى ما أعد الله للمؤمنين من نعيم ~~الجنان فقال شغلني ما قبلها عن ذكر الجنان يعني ذكر النار و سلطان كلام ~~الله تعالى على القلوب على قدر ما فيها من العلم بالله تعالى و الخشية له و ms368 ~~الحظ من القربة و إنما ينزل من القلب كلام كل واحد منهم على قدر منزلته ~~عنده # قال صلى الله عليه وسلم من أحب أن يعلم ما منزلته عند الله فلينظر ما لله ~~عنده من المنزلة فإن الله تعالى ينزل من العبد حيث أنزله العبد من نفسه ~~PageV02P278 # | - * الأصل السابع والسبعون والمائة # - * # | في كلمات الفرج و المغفرة و التلقين # عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول لقنوا موتاكم لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب ~~السموات السبع و رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين قالوا يا رسول الله ~~فكيف هي للحي قال أجود و أجود # و تسمي هذه الكلمات عند أهل البيت كلمات الفرج يدعون بها في النوائب ~~والشدائد # و ذلك ما روى علي كرم الله وجهه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفرت لك ذنوبك مع أنه مغفور لك لا إله إلا الله ~~العلي العظيم لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب السموات و رب ~~العرش العظيم الحمد لله رب العالمين PageV02P279 # | - * الأصل الثامن و السبعون و المائة # - * # | في حكمة الصدقة لم صارت بعشر والقرض بثمانية عشر # عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ~~على باب الجنة مكتوبا القرض بثمانية عشر و الصدقة بعشر فقلت يا جبرئيل ما ~~بال القرض بثمانية عشر والصدقة بعشر قال لأن صاحب القرض لا يأتيك إلا و هو ~~محتاج و ربما وضعت الصدقة في غني # المتصدق حسب له الدرهم بعشرة فدرهم صدقته و تسعة زائدة فصارت له عشرة و ~~القرض على ضعف الصدقة فدرهم قرضه يرجع إليه فلا يحسب بقي تسعة فتضاعف فيكون ~~ثمانية عشر والله أعلم و أحكم PageV02P280 # | - * الأصل التاسع والسبعون و المائة # - * # | في بيان أفضل ما أعطي الناس # عن أبي بكر رضي الله عنه و كان يخطب و قال قام فينا رسول الله صلى الله ms369 ~~عليه وسلم كقيامي فيكم ثم بكى ثم أعادها ثم بكى ثم أعادها ثم بكى فقال إن ~~الناس لم يعطوا شيئا أفضل من العفو والعافية فأسألوههما الله سبحانه و ~~تعالى # العفو والعافية مشتق أحدهما من الآخر ألا إن العفو يستعمل في نوائب ~~الآخرة و العافية تستعمل في نوائب الدنيا و أصل ذلك التفضل عليه أن يتفضل ~~على عبده فلا يعاقبه ولا يبتليه و العفو الدرس و معناه أن يدرس عنه آثار ~~الذنوب و البلاء عن جوارحه فإن لكل نعمة تبعة و لكل ذنب نقمة في الدنيا أو ~~في الآخرة فإذا درست عنه التبعات و النقمات تخلص بهذا في العفو و الله أعلم ~~PageV02P281 # | - * الأصل الثمانون و المائة # - * # | في الإلحاح في الدعاء و سر كونه محبوبا # عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن ~~الله يحب الملحين في الدعاء # الإلحاح ملق و المؤمن حبيب الله و كلما كثر سؤال الحبيب فهو أحب إلى محبه ~~والله تعالى يحب صوته # قال صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى لجبرئيل عليه السلام يا جبرئيل ~~قد قضيت حاجة فلان و أجبت دعوته و لكن احبسها عنه فاني أحب صوته # و عن وهب رضي الله عنه قال إن الله تعالى يقول أنزل البلاء استخرج منه ~~الدعوة # و إنما صار الملح محبوبا لأنه لا ينقطع رجاؤه فهو يسأل فلا يرى إجابة فلا ~~يزال يلح و لا ينقطع رجاؤه و لا يدخله اليأس فذلك لعلمه بالله تعالى و صحة ~~قلبه و صدق عبودته و استقامة و جهته فمن صدق PageV02P282 الله في دعوته ~~استعمل اللسان و انتظر بالقلب مشيئته فلا يضيق و لا ييأس لأن قلبه صار ~~معلقا بمشيئته فانتظاره المشيئة من أفضل ما يقدم به على ربه و هو صفو ~~العبودة واستعماله اللسان عبادة لأن في السؤال اعترافا بأنها له و إنتظار ~~مشيئته لقضائه عبادة فهو بين عبادتين و جهتين و أفضل الدعاء من داوم عليه # قال صلى الله عليه وسلم ليدع أحدكم ms370 و لا يقولن قد سألت و لم يستجب لي قال ~~صلى الله عليه وسلم إن العبد المؤمن يستجاب له فإذا قال العبد يا رب قال ~~الله تعالى لبيك فإذا سأله حاجة فإما أن يعجل له حاجته و إما أن يصرف عنه ~~شرا بدل حاجته و إما أن يدخر له في آخرته ما هو خير له مما سأل فلم تسقط ~~دعوته على كل حال # و أما أهل اليقين فإنهم يدعون و يلحون فإن أجاب قبلوا و إن تأخر صبروا و ~~إن منع رضوا و أحسنوا الظن و هم في الأحوال ساكنون مطمئنون ينتظرون مشيئته # قال سفيان الثوري رحمه الله أتيت أبا حبيب العدوي أسلم عليه و ما كنت ~~رأيته قط قال لي أنت سفيان الثوري الذي يقال قلت نعم نسأل الله تعالى بركة ~~ما يقال ثم قال يا سفيان ما PageV02P283 رأينا خيرا قط إلا من ربنا قلت أجل ~~قال فما لنا نكره لقاء من لم نر خيرا قط إلا منه ثم قال لي يا سفيان منع ~~الله إياك عطاء منه لك و ذاك أنه لم يمنعك من بخل ولا عدم و إنما منعه نظرا ~~و اختيارا يا سفيان ان فيك لأنسا و معك شغلا سلام عليك ثم أقبل على غنيمته ~~و تركني # فالإعطاء أحب إلى أهل الجود من الأخذ للسؤال و هم يلتذون بالجود و ~~الإعطاء أكثر مما يلتذ الآخذ بالنوال لأن الأخذ خلق الفقراء و الإعطاء خلق ~~الأغنياء و هو خلق أهل الجنان و هو خلق الله الأعظم و كان من دعاء سفيان ~~رحمه الله يا من يحب أن يسأل و يغضب على من لا يسأل و يا من أحب عباده إليه ~~من سأله فأكثر سؤاله و ليس أحد غيرك كذلك يا كريم و يا من أبغض عباده إليه ~~من لا يسأله و لم يطلب إليه و ليس أحد غيرك كذلك يا كريم و يا من أحب عباده ~~إليه من سأله العظيم و لم يعظم عليك و عزتك عظيم يا ms371 عظيم # و قال الله تعالى لموسى عليه السلام اطلب الي العلف لشاتك ولا تستحي أن ~~تسألني صغيرا و لا تخف مني بخلا أن تسألني و الله أعلم PageV02P284 # | - * الأصل الحادي والثمانون والمائة # - * # | في قراءة القرآن في أربعين ليلة # عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ~~أن يقرأ القرآن في أربعين ليلة فاستزاده حتى رجع إلى سبع # فالأربعون مدة الضعفاء و أولي الأشغال و يكون ختمه في السنة تسع مرات و ~~مدة الأربعين مرددة في الأشياء كثيرة و أما توقيت السبع فإنه للأقوياء ~~الذين يقوون على سهر الليالي و احترفوا العبادة و تفرغوا من أشغال النفس و ~~الدنيا # قال رجل يا رسول الله من قرأ القرآن في سبع قال ذاك عمل المقربين قالوا ~~يا رسول الله فمن قرأه في خمس قال ذاك عمل الصديقين قالوا يا رسول الله فمن ~~قرأه في ثلاث قال ذاك عمل النبيين و ذاك الجهد لا أراكم تطيقونه إلا أن ~~تصبروا على مكابدة الليل أو يبدا أحدكم بالسورة و همه في آخرها قالوا يا ~~رسول الله و في PageV02P285 أقل من ثلاث قال لا و من وجد منكم نشاطا ~~فليجعله في حسن تلاوتها # أراد صلى الله عليه وسلم بذلك المداومة عليه و أن يصيرها عادة و لو قرأ ~~في يوم و ليلة لكان عظيم القدر و كان عثمان رضي الله عنه ختم في ركعة واحدة ~~و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقرأه في سبع تيسيرا على الأمة # عن أوس رضي الله عنه قال احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ~~فقلنا له فقال إنه طرأ على حزب من القرآن فأحببت أن لا أخرج من المسجد حتى ~~أقضيه فقلنا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تحزبون قالوا ثلاث ~~سور و خمس سور و سبع سور و تسع سور و إحدى عشرة سورة و ثلاث عشرة سورة و ~~حزب المفصل ما بين قاف فأسفل # و دلهم ms372 رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول على حسن التلاوة ~~فإن القرآن موعظة و الله تعالى يحب أن تعقل مواعظه و نصائحه و لطائفه فإذا ~~خاطب عبده بشيء يريد إظهار ما لهم عنده من الأثرة و المحبة و يحب أن يعجل ~~أوائل بره في عاجل محياهم ليتلذذوا به و يفرحوا فإذا مر عليه التالي يهذه ~~هذاو قلبه في عماء من ذلك مقته كما أن واحدا منا إذا كلم آخر بشيء يريد به ~~بره والطافه فاستمع إلى كلامه باذنه لاهيا عن ذلك بقلبه سقط عن عينيه فكيف ~~برب العالمين و قد أدب الله تعالى عباده و دلهم على الترتيل فقال تعالى ^ و ~~رتل القرآن ترتيلا ^ # و قال تعالى ^ و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ^ PageV02P286 و ~~قال تعالى ^ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته و ليتذكر أولوا الألباب ~~^ # و دلهم على الترتيل والتؤدة والتدبر ليصل إليهم نفع ذلك فأفضلهم قراءة ~~أعقلهم عنه فمن أسرع القراءة وعقل عنه كان في نور عظيم ومنزلة علية لفضل ~~نوره و من قصر ذلك فالتفكر والتدبر خير له و أنفع PageV02P287 # | - * الأصل الثاني والثمانون والمائة # - * # | في أن النفس لا تموت حتى تستكمل رزقها # عن حذيفة رضي الله عنه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ~~فدعا الناس بيده هكذا فقال اجلسوا و أقبل الناس فقال بيده هكذا اجلسوا ثم ~~قال إني رأيتكم تطلبون معايشكم هذا رسول رب العالمين جبرئيل نفث في روعي أن ~~لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها و إن أبطأ عليها فاتقوا الله أيها الناس و ~~أجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق أن تأخذوه بمعصية فإن ~~الله لا يدرك ما عنده إلا بطاعته # الروع القلب والنفث هو من الروح و يشير في قوله هذا رسول رب العالمين أن ~~جبرئيل عليه السلام شاهده في ذلك الوقت PageV02P288 و الأرزاق معلومة و قسط ~~كل نفس واصل إليها و إن هربت منه و لا تموت حتى تستوفي ما قسم لها ms373 فحذرهم ~~صلى الله عليه وسلم عن الغفلة و دلهم على إجمال الطلب و هو أن يحسن نيته في ~~طلبه و يطلبه للعفة و لقوام الدين والقيام بما أمر الله تعالى في ذلك و ~~يحفظ فيه الجوارح و يبذل النصيحة و يراعي الأمانة و يتجنب الخيانة والحلف و ~~الكذب و الغش و يطلبه مع ذكر آخرته كما قال تعالى ^ رجال لا تلهيهم تجارة و ~~لا بيع عن ذكر الله ^ # طهر قلوبهم خوف ذلك اليوم و أذهل نفوسهم عن شهوة تستخفهم أو فتنة في ~~طلبها تستفزهم و أمات خوف العقاب منهم كل حرص و أكسلهم ثقل الحساب عن طلبه ~~فتخلصوا بذلك من فتنته PageV02P289 # | - * الأصل الثالث والثمانون والمائة # - * # | في أجر الصبر الجميل عند المصيبة # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله ~~تعالى إذا وجهت إلى عبد من عبادي مصيبة في بدنه أو في ولده أو في ماله ~~فاستقبله بصبر جميل استحييت يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر له ~~ديوانا # الصبر ثلاث الأول صبر الموحدين و هو أن لا يسخطوا على ربهم و لا يجوروه ~~فلموجب إيمانهم صبروا و اعترفوا أنه عدل في ذلك ثم أهملوا جوارحهم في ~~المعاصي لحرقة تلك المصيبة فهو صبر الظالمين # و الثاني صبر المقتصدين فإنهم صبروا بالقلب والجوارح فرضوا بالقلب عن ~~ربهم و حفظوا جوارحهم عن المعصية بسبب ما نزل بهم لكن في النفس شدة كزة و ~~مرارة و عسر و لم يملكوا أكثر من ذلك فهذا صبر قد أذهبت النفس بشؤمها جماله # و الثالث صبر المقربين فهو الرضاء لم تجد لوعة المصيبة مساغا PageV02P290 ~~في قلوبهم لما فيها من الحلاوة و اللذاذة بقرب الله تعالى لأن النور لما ~~اشتعل في صدورهم بعد امتلاء القلب منه و أحرقت شهوات النفس و مناها و صار ~~الصدر مستنيرا من نور القلب و شرح الله صدره بالإسلام لم يبق في النفس غل و ~~لا كزة و لا مرارة و لا عسر انتبهت النفس ms374 عن نومتها و خرجت من مشيئتها و ~~أفاقت عن سكرتها فصارت مشيئة الله تعالى عندها أحلى من مشيئته و صار بدل ~~المرارة حلاوة و عوض العسر غنى فأين ما برزت مشيئته في شيء من حجب غيبه ~~وقفت قلوبهم عند مشيئته و هم الصادقون في قولهم ما شاء الله كان # فصبر المخلطين صبر إيمان محشو بالجزع و صبر المقتصدين رضاء مع كزة النفس ~~و صبر المقربين رضاء القلب و رضاء النفس لأنه قد انكشف لهم أنه قد أوصلهم ~~إلى أشرف الأشياء لعطفه و رأفته و هو معرفته فلم يتهموه بعد ذلك في حال من ~~أحوال نفوسهم فكيف ما دبر لهم من محبوب أو مكروه وقع ذلك منهم موقع بر و ~~رحمة و عطف و رأفة كما قال معاذ رضي الله عنه حين اشتد به النزع في الطاعون ~~فيغشي عليه ثم يفيق فيقول اخنقني خنقك رب فوعزتك لا تزداد بذلك عندي إلا ~~حبا # و كان الربيع بن خيثم رضي الله عنه ربما خرج إلى صلاته في مرضه فغشي عليه ~~فيجده إخوانه صريعا في الطريق فيرشون عليه الماء حتى يفيق فيقول يا رب غط ~~ما شئت أن تغط فوعزتك لا تزداد بذلك عندي إلا حبا فيقال له إنك لفي سعة أن ~~لا تكلف نفسك هذا فيقول فكيف بهذا الذي ينادي حي على الصلاة لا أقدر أن لا ~~أجيبه PageV02P291 # و روى أبو موسى رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~الصبر رضاء # قوله فاستقبله بصبر جميل استحييت أن أنصب له ميزانا لأن العبد إذا صار ~~يتلقى أحكامه بالرضا و هو جمال الصبر صار من أوليائه و خاصته و الخاصة لا ~~يحاسبون و لا يفتشون و لا يقابلون في الثواب بالأعمال بل يرفعون إلى معالي ~~الدرجات بالحظوظ التي كانت في قلوبهم من ربهم و يسامحون بالنوال في الدرجات ~~كما سامحوا بنفوسهم و لم يكن لهم شيء أعظم منها فألقوها بين يديه عبيدا كما ~~خلقهم فثوابهم بغير حساب و نوالهم بغير ms375 مقدار و قربتهم بغير حد و لا ضبط ~~PageV02P292 # | - * الأصل الرابع والثمانون والمائة # - * # | في طلب الخير والتعرض لنفحات رحمة الله # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلبوا الخير ~~دهركم و تعرضوا لنفحات رحمه الله فإن لله تعالى نفحات من رحمته يصيب بها من ~~يشاء من عباده و سلوا الله أن يستر عوراتكم و يؤمن روعاتكم # فالنفحة الدفعة من العطية فيعطي في دفعة واحدة ما يأتي على كثير من النعم ~~والنفحات من فتحات باب خزائن المنن فإن خزائن الثواب بمقدار و على طريق ~~الجزاء و خزائن المنن تغرق الواحدة منها لأنها منه يمن جودا و عطفا و و قت ~~الفتحة غير معلوم و إنما غيب علمه عنهم ليداوموا على طلبها بالسؤال ~~المتدارك و يكونوا متعرضين له في كل وقت و كل حال فإنه إذا داوم على ذلك ~~كان وشيكا أن يوافق دعوته الوقت الذي يفتح فيكون قد ظفر بالغنى الأكبر و ~~سعد سعادة الأبد كملك قدر الأرزاق على عبيده و جنده شهرا شهرا ثم له في ~~خلال ذلك عطية من سماحة وجود فيفتح باب الخزانة فيعطي PageV02P293 منها ما ~~يعم و يستغرق في جميع الأرزاق الدارة التي أخذوها مدة سنين فمن وافق ذلك من ~~الملك استغنى آخر الأبد و لا يدري أي وقت يسمح و يعطف فينبغي أن يديم ~~الاختلاف إليه في اليوم مرارا رجاء أن يوافق تلك الساعة # قال لقمان عليه السلام لابنه يا بني عود لسانك أن تقول اللهم اغفر لي فإن ~~لله ساعات لا ترد # و قال الحسن أكثروا الاستغفار على أحوالكم فإنكم لا تدرون أي حين تنزل ~~المغفرة PageV02P294 # | - * الأصل الخامس والثمانون والمائة # - * # | في عثرة الحليم و تجربة الكريم الحكيم # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحليم ~~إلا ذو عثرة و لا حكيم إلا ذو تجربة # الحليم المنشرح صدره الذي يتسع صدره لمساوىء الخلق و سوء سيرتهم و كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms376 من أصبر الناس على أقذار الخلق # و قال الحسن رضي الله عنه ما سمعت الله تعالى نحل عباده شيئا أقل من ~~الحلم قال تعالى @QB@ إن إبراهيم لحليم @QE@ و قال @QB@ فبشرناه بغلام حليم ~~@QE@ # إنما عظم حلمهما بما أتسع صدرهما للأمر العظيم الذي حل بهما PageV02P295 ~~من الذبح فاتسع صدر إبراهيم عليه السلام لذبح ولده و صدر الغلام عليه ~~السلام لتسليم نفسه لله تعالى # فالحليم من يسلم النفس لربه عز و جل عبودة في جميع ما يأمر و فيما يحكم ~~عليه في الأحوال و الحلم و الملح واحد كما لا تطيب الأطعمة إلا بالملح لا ~~تطيب النفس إلا بالحلم # قال علي كرم الله وجهه الحلم كظم الغيظ و ملاك النفس و في الخبر أن أيوب ~~عليه السلام كان أحلم الناس و أصبره و أكظمه لغيظه # قوله لا حليم إلا ذو عثرة أي لا يتسع الرجل لما يرى من الخلق إلا بعد ما ~~يعثر فإذا رأى عثرته رحم الخلق و اتسع لهم و اتقى أن يلوم أحدا بعيب أو ~~يعيره بذنب # و كان داود عليه السلام يشدد على الخطائين و لا يجالسهم و قال يا رب لا ~~تغفر للخطائين لشدة الغيرة لله تعالى و كثرة الحنق عليهم فلما عثر كان ينظر ~~إلى أغمص مجلس في بني إسرائيل و يقعد معهم و يقول مسكين بين ظهراني مساكين ~~رب اغفر للخطائين كي تغفر لداود معهم # و قوله لا حكيم إلا ذو تجربة فالعقل يدل على الرشد و الحكمة نور يكشف عن ~~مكنون الأمور و لا تستكمل الحكمة مع كشف الغطاء و إطلاعه بالقلب حتى يطالع ~~الأمور بمباشرة النفس فإن كل شيء تجده القلوب فمباشرة النفس مع القلوب أثبت ~~و آكد فالحكيم قد انكشف له الغطاء فيرى عواقب الأمور و زينها و شينها فإذا ~~رأى ذلك بالجوارح كان ذلك عيانا لا يرفع و لا ينسى فبعد التجارب تستكمل ~~الحكمة لأنها كانت قبل التجربة معاينة القلب فصارت معاينة العين و كان ذلك ~~علم اليقين فصار الآن عين اليقين ms377 و لهذا قيل إن العقل بالتجارب PageV02P296 # | - * الأصل السادس والثمانون و المائة # - * # | في أن فزع وعد القرآن يورث الشيب و سر اللحظات # عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال قالوا يا رسول الله نراك قد شبت قال ~~شيبتني هود و أخواتها # الفزع يذهل النفس فينشف رطوبة الجسد و تحت كل شعرة منبع و منه يعرق فإذا ~~انتشف الفزع رطوبته يبست المنابع فيبس الشعر فابيض لذهاب رطوبته ويبس جلده ~~كالزرع إذا ذهب سقياه يبس وابيض و لهذا يسرع الشيب إلى المحرور لانتشاف ~~الماء لأن المرة يابسة فتأدت إلى المنابع فيبست وإبيض الشعر فالنفس تذهل ~~لوعيد الله تعالى فتذبل و ينشف ماءها ذلك الوعيد و الهول الذي حل بها فمنه ~~تشيب قال PageV02P297 الله تعالى @QB@ يوما يجعل الولدان شيبا @QE@ # و سورة هود و أخوتها مثل الحاقة و سأل سائل و إذا الشمس كورت و القارعة ~~ففيها ذكر الأمم و ما حل بهم من عاجل بأس الله تعالى ففي تلاوتها ينكشف ~~لقلوب العارفين سلطان الله تعالى و بطشه فتذهل منه النفوس و تشيب منه ~~الرؤوس و لو ماتوا من الفزع لحق لهم و لكن الله تعالى يلطف بهم في تلك ~~الأحايين حتى يعوا وحيه و تنزيله قال تعالى @QB@ لو أنزلنا هذا القرآن على ~~جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله @QE@ # و روي أنه صلى الله عليه وسلم تلا آية و عنده شاب فخر ميتا فقال صلى الله ~~عليه وسلم إن الفرق فلذ كبده أي قطعه # فأهل اليقين بارز على قلوبهم لحظات الله تعالى و العفو جنايب لولا ذلك ما ~~استقر لهم قرار من هول أخذه و اللحظة قد شملت القدرة و الحلم إلا أن أهل ~~اليقين قد اطمأنت قلوبهم فارتفعت في سعة عفوه # قال محمد بن الحنفية رضي الله عنه إن لله ثلثمائة و ستين لحظة يلحظ بها ~~إلى كل عبد من عبيده في كل صباح فإن أخذ أخذ بقدر و إن عفا عفا بحلم و كتب ~~علي بن الحسين رضي الله عنهما إلى الحجاج ms378 جواب كتابه الذي كان يوعده فيه ~~بلغني أن PageV02P298 رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن لله عز و جل في ~~كل يوم ثلثمائة و ستين لحظة يلحظ بها إلى أهل الأرض فمن أدركه تلك اللحظة ~~صرف الله عنه شر الدنيا والآخرة و أعطاه خير الدنيا و الآخرة و أرجو من ~~الله أن يدركني بعض لحظاته فيصرف عني شرك و يرزقني ما وعدني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فبلغ هذا الكلام هرقل فقال لا يخرج هذا إلا من أهل بيت نبوة ~~PageV02P299 # | - * الأصل السابع والثمانون و المائة # - * # | في النهي عن الاعتزاز بالعبيد # عن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اعتز ~~بالعبيد أذله الله تعالى # الاعتزاز الامتناع من الأشياء التي تنوبه فإن امتنع بمن لا يملك لنفسه ~~ضرا و لا نفعا فذاك من العزة و الاعتزاز بالعبيد من الجهل بالله و جهله به ~~سبب لضعفه في كل الأمور و قد دلهم الله تعالى على ما فيه رشدهم فقال ^ و ~~اعتصموا بالله هو مولاكم ^ # و الاعتصام به و الاعتزاز من ذرى الايمان و من اعتصم بالمخلوقين واعتز ~~لعرض الدنيا فهو المخذول في دينه الساقط عن عين الله تعالى و أوحى الله ~~تعالى إلى داود عليه السلام ما من عبد يعتصم بي دون خلقي فتكيده السموات و ~~الأرض إلا جعلت له من ذلك مخرجا PageV02P300 و ما من عبد يعتصم بمخلوق دوني ~~إلا قطعت أسباب السماء من بين يديه و أسخطت الأرض من تحت قدميه # و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى إني و الجن و الإنس ~~في نبأ عظيم أخلق و يعبد غيري و أرزق و يشكر غيري PageV02P301 # | - * الأصل الثامن و الثمانون والمائة # - * # | في خصال طعم يحصل بها طعم الإيمان # عن عبد الله بن معاوية العامري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال ثلاث من فعلهن طعم طعم الإيمان من عبد الله وحده انه لا إله إلا ms379 ~~هو و أعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه و لم يعط الهرمة و لا الذرية و لا ~~المريضة و لكن من أوسط أموالكم فإن الله يأمركم بخيره و لم يأمركم بشره و ~~زكى نفسه فقال رجل و ما تزكية نفسه قال أن يعلم أن الله معه حيثما كان # فالزكاة ثلاثة زكاة القلب لا إله إلا الله و زكاة المال إخراج ما افترض ~~الله فيه منه و زكاة النفس علمها بأن الله تعالى معه حيثما كان فإذا علم ~~ذلك استوت سريرته و علانيته و هابه و استحيى منه كل الخلق في كل وقت و مكان ~~والهيبة والحياء و ثاقان لنفس العبد من جميع ما كره الله سرا و جهرا و ~~ظاهرا و باطنا والنفس في هذه الأحوال تخشع لهيبته و تذل و تخمد شهواته و ~~تذبل حركاته و انبعاثه و تخجل و تنقبض للحياء منه فإذا كان من الله تعالى ~~لعبده تأييد بهذين فاكتنفاه فقد استقام # و أردنا بالعلم علم القلب لا علم اللسان فإن علم اللسان أصله من ~~PageV02P302 القلب و لا قرار له لأنه شرارة من شرر الإيمان و هي حجة الله ~~تعالى على ابن آدم و علم القلب علم اليقين # قال صلى الله عليه وسلم العلم علمان علم بالقلب فذاك العلم النافع وعلم ~~على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم # فالزكاة هي الطهرة والنماء فإذا قال العبد صادقا من قلبه هذه الكلمة ~~فإنما قوله من النور الذي أحيى الله تعالى به قلبه فذلك النور طهر جميع ~~جسده و لصدق هذه الكلمة ثلاث منازل أولها الظالمون و أوسطها المقتصدون و ~~آخرها المقربون فالظالمون زكوا قلوبهم و جوارحهم بهذا القول ثم دنسوها ~~بالمعاصي فهو مع ظلمه شريف المنزلة رفيع القدر لم يخرج بظلمه نفسه من ولاية ~~الله تعالى و من رحمته و لا زالت عنه حرمته و إن تابعوا زالت الأدناس و ~~صاروا من أهل نورالطاعات # و المقتصدون زكوا قلوبهم بهذه الكلمة و زكوا أموالهم و أجسادهم بالائتمار ~~بأمر الله ms380 و التناهي عن نهيه ثم ثبتوا على تزكية الأموال و الأجساد و دنسوا ~~قلوبهم بالرغبة و الرهبة والشهوة و الغفلة و الحرص و العجلة و محبة النفس و ~~هواها و محبة الدنيا و أحوالها # و المقربون زكوا بما زكى به المقتصدون و أقبلوا على قلوبهم فرعوها عن أن ~~تتدنس بشيء مما ذكرنا فكان مرعى قلوبهم بين يديه لم يكن للدنيا و لا للنفس ~~هناك دنو و لا لحاظ فتزكية قلوب الظالمين بنور التوحيد و جاءت الشهوات ~~بظلمتها و أحاطت بالقلب و لم يكن لنوره الذي أعطي ما يحرق هذه الشهوات ~~PageV02P303 # و تزكية قلوب المقتصدين بنور الإنابة فإنه إذا أناب العبد استنار قلبه ~~بنوره فأخرجه من سكر الظالمين فأفاق فخاف العقاب و رجا الثواب و أبصر ~~الآخرة حتى صارت نصب عينيه # و تزكية قلوب المقربين نور القربة فأحرق الشهوات و امتلأ القلب من نور ~~التوحيد و أشرق الصدر بنوره فأيقظه من نومة الغافلين فانتبه و في المقربين ~~قوم مصطفون مجتبون هم خاصة المقربين وهم المحدثون فتزكية قلوبهم نور وجهه ~~الكريم فهم في قبضته يتصرفون # فالظالمون علانيتهم أكبر من سريرتهم و هو الجور # و المقتصدون استوت سريرتهم و علانيتهم و هو العدل # و المقربون فضلت سريرتهم علانيتهم فللحظة من سرائرهم أعظم من أعمال ~~الثقلين عمر نوح عليه السلام # قال إبن مسعود رضي الله عنه إن الرجل من هذه الأمة يبلغ عمله يوما و احدا ~~ما يكون أثقل من سبع سموات وسبع أرضين في الوزن # و نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبل أحد فقال رب رجل من أمتي ~~يعدل الحرف الواحد من تسبيحة هذا الجبل # و قوله أن يعلم أن الله معه حيث ما كان فهذه تزكية النفوس و هذا العلم ~~علم الإنابة فإنه إذا أناب استنار فبقي خوفه معه فقيده عن المعاصي سرا و ~~جهرا و هو علم القلب الذي قال صلى الله عليه وسلم فذاك العلم النافع و ~~الظالم إنما يعلم علم إيمان أن الله تعالى معه ثم ms381 لا تأخذه مخافة هذاالعلم ~~حتى يقيده عن المعاصي سرا و جهرا فذاك هو العلم الذي قال صلى الله عليه ~~وسلم هو علم اللسان و أما المقرب فعلمه علم يقارب المعاينة قال صلى الله ~~عليه وسلم أن تعبد الله كأنك تراه PageV02P304 # و كلم عروة بن الزبير عبد الله بن عمر رضي الله عنهم في الطواف بشيء من ~~خطبة ابنته فلم يجبه فلما لقيه بعد ذلك قال إنا كنا نتراءى الله سبحانه و ~~تعالى في الطواف بين أعيننا فذاك الذي منعني من جوابك # و قال صلى الله عليه وسلم إن أفضل إيمان العبد أن يعلم أن الله معه حيث ~~ما كان # و هذا علم اليقين لا علم القلب و لا اللسان فالموحدون علموا أن الله ~~تعالى معهم و قررهم إيمانهم به ثم لم يعملوا في قلوبهم وراء ذلك شيئا و ~~المقتصدون أعطوا علم الإنابة و هو النور الذي إذا أناب أعطي فوجد المخافة ~~فقيده ذلك النور الذي ورد على قلبه عما كره الله تعالى و وقف به على سبيل ~~الاستقامة و المقربون من أعطي اليقين و انكشف الغطاء عن قلبه بنوره و هو ~~نور الأنوار فنظر إلى جلال الله تعالى و عظمته فاندست أعضاؤه بعضها في بعض ~~و صارت نفسه الشهوانية كشجرة أصابها الحريق فيبست حتى صارت جذعا و صارت ~~أركانه كوعاء فيه حبوب عذرا و ضعفا و عجزا ثم أحله مرتبة من مراتبه بين ~~يديه فأحيا قلبه فقوي بالله تعالى و خبت شهواته و رطب جسده و انبسطت جوارحه ~~و انفتقت أعضاؤه وعاش في غذائه و نجواه و بشراه بقية محياه مراقبا لأموره ~~كأنه يراه فحياؤه منه أكثر من حياء ملاء عظيم ضمهم اشراف المسلمين و هيبته ~~له أكثر من هيبته من ملك من ملوك الدنيا بل يدق حياؤهم في جنب حيائه منه و ~~هيبته لذلك الملك في جنب هيبته له و هو الذي قد علم حق الحق أن الله تعالى ~~معه فلولا أن الله تعالى يلطف له حتى ينبسط منه ms382 و يؤنسه و يقويه لا حتمال ~~ذلك لما قدر عليه و لا صلح للمعاش و العشرة PageV02P305 # | - * الأصل التاسع والثمانون والمائة # - * # | في أن الأرض تنادي ابن آدم كل يوم سبعين مرة # عن ثوبان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الأرض ~~لتنادي كل يوم سبعين مرة يا بني آدم كلوا ما شئتم و اشتهيتم فوالله لاكلن ~~لحومكم و جلودكم # هذا نداء متسخط فيه وعيد يقع على من أكل بشهوة و نهمة و غفلة فإن الله ~~تعالى سخر لنا لنشكر لا لنكفر والشكر ذكره عند كل نعمة و قبولها و الحمد ~~عليها فإذا غفل عن هذا كله فقد أكل منها بغير حق فسلطت الأرض عليه لتأكله ~~كما أكل منها بغير حق فأما الأنبياء و الأولياء عليهم السلام فلا تسخط ~~الأرض عليهم بل تفرح بكونهم على ظهرها و تفخر بقاعها بمنقلبهم عليها فإذا ~~وجدتهم في بطنها ضمتهم ضمة الوالدة الوالهة الواجدة بولدها و لأنهم أكلوا ~~بالله و لله و في ذات الله تعالى و من كان كذلك فالأرض أذل و أقل من أن ~~تجترىء عليه لأن الأرض دون النار و قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن النار تنادي جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي PageV02P306 # و قال صلى الله عليه وسلم إن النار تنزوي و تنقبض عند ورود المؤمن و قال ~~صلى الله عليه وسلم يجعل الله النار على المؤمن بردا و سلاما كما كانت على ~~إبراهيم # فإذا كانت النار تخمد لممر عبد فكيف تجترىء الأرض على أكله و روي في ~~الخبر أن الشهداء لا تأكلهم الأرض و روي أن من أذن سبع سنين لم يدود في ~~قبره # فإذا كان الشهيد و المؤذن قد امتنعا من الأرض بحالتيهما فحالة الأنبياء و ~~الصديقين والأولياء عليهم السلام أرفع من هذا و أجل فانهم هم الشهداء أيام ~~الحياة و الدعاة إلى الله تعالى على بصيرة # و روى جابر رضي الله عنه قال لما أراد معاوية رضي الله ms383 عنه أن يجري العين ~~إلى جنب أحد عند قبور الشهداء أمر مناديا فنادي فيهم من كان له قتيل فليخرج ~~إليه قال جابر فخرجنا إليهم فوجدناهم رطابا فرأيتهم ينثون على رقاب الرجال ~~كأنهم رجال نوم فأصابت المسحاة قدم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه فثارت ~~إصبعه فانبعث دما # ثم الأولياء على ثلاث مراتب منهم من أكل بالله تعالى و هو الأرفع و هو من ~~كان في قبضته قد انفرد به و خلص قلبه إلى وحدانيته فبه يقوم و به يقعد و به ~~ينطق على ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم عليه فإذا أحببت عبدي فكنت سمعه ~~و بصره الحديث # و منهم من أكل لله تعالى و مقامه دون مقام الأول و هو عبد ألقى نفسه بين ~~يديه سلما يراقب أموره فهو يمضي فيها كالعبيد لا يؤثر أمرا على أمر و لا ~~يدبر لنفسه تدبيرا بل يراقب تدبيره و يعمل له # و منهم من أكل في ذات الله سبحانه و تعالى و هو دون الثاني بدرجة ~~PageV02P307 و ذاك عبد قد شغف بحب الله تعالى و ذكر آلائه يبتغي في جميع ~~متقلبه رضاه فهم كلهم أهل ولاية الله تعالى و حرام على الأرض لحومهم و ~~دماؤهم لأنهم عبيد الله تعالى و خاصته والأرض سخرة لهم فالأرض تمضي في ~~سخرتها و العبيد يمضون في حقوق الله تعالى فإن الله تعالى جعل الأرض ممرا ~~للآدميين ليأخذوا منها الزاد ليقطعوا هذه السفرة فهي بلغتهم قل أو كثر ضاق ~~أو اتسع فالمنتبه اطلع على هذا المطلع فأخذها تزودا ووجهه إلى الله تعالى و ~~قلبه مع الله تعالى يسير إليه ركضا يقطع الليل و النهار كلما ذكر الموت و ~~ارتاح لعلمه بأن الموت يذهب به إليه و يقدم به عليه إذ ليس لأحد أن يقدم ~~على مولاه الذي هو عطشان إلى لقائه إلا بعد ورود الموت الذي و كله به و ~~الرسول الذي جعله بين يديه فإذا صار إلى ملحده لم يكن بينه و بين الأرض ms384 إلا ~~كل جميل # قال صلى الله عليه وسلم إنها تستاذن ربها في أن تدخل عليه في لحده في ~~صورتها التي خلقت فيها فإن لكل شيء صورة فيؤذن لها فتدخل عليه في تلك ~~الصورة و تؤنسه و تبشر به و تقول طال ما كنت تمشي على ظهري و أنا إليك ~~مشتاقة و يبكي ظهر الأرض عليه أربعين صباحا و تقول في بكائها يا رب عبدك ~~كان يذكرك في فجاجي و بقاعي أسفا على ما فاتها و افتقدت من ذلك و السماء ~~تبكي عليه فتقول يا رب عبدك كان ينزل عليه رزقه مني و يصعد عمله إلي فلا ~~يزال ذلك دأبهما من البكاء وهذا لأن الله تعالى جعل هذه الأرض سخرة للآدمي ~~لتكون له قواما قطعا لعذره و خلق الآدمي لعبودته و إقامة حقوقه فإذا اشتغل ~~العبد في إقامة حقوقه و نهمته و همته و هواه ذلك فالسخرة له سليمة طيبة بلا ~~وبال و إذا أحدث في السخرة حدثا لم يكن له بأن إشتغل عن إقامة حقه بها بما ~~سخر له عادت عليه وبالا و صارت عليه فتنة و قد تحولت العبودة عن الواحد إلى ~~الأعداد قال PageV02P308 الله تعالى ^ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء ~~متشاكسون و رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ^ # فهذه الآية لها ظهر و بطن فأما ظاهره فهو المشرك والموحد و باطنه رجل في ~~شركاء متشاكسون أي قلب فيه شركاء قد سبوه و ادعوه كل على ناحيته يدعيه فكل ~~همة لها شقص من قلبه فقد صار فيه شركاء أحزابا ففي قلبه أفراح شهوات الدنيا ~~و أحوالها اللذيذة و سلطان الكل قائم على قلبه يزاحم صاحبها فهم متشاكسون ~~أي متشاقصون فيما بينهم و هو مفتون بكل شهوة قد سبت شعبة من قلبه # روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه باع حمارا له فقال كان لنا موافقا و ~~لكنه أذهب شعبة من قلبي فبعته # و قال صلى الله عليه وسلم من تشعبت به همومه في دنياه لم يبال الله ms385 في أي ~~واد هلك # و باع عمر رضي الله عنه حمارا له فقال قد كان موافقا لنا و لكنه أذهب ~~شعبة من قلبي فبعته # فهذا قلب فيه فتنة المال و الأهل والولد والعز و حب الرياسة و الثناء ~~والمحمدة و فتنة العلم و رجلا سالما لرجل أي قلبا سلما للواحد الفرد ~~PageV02P309 فالمخذول من عبيده من قلبه بين هذه الشركاء فكلهم يدعيه و ~~يستعبده و كلهم ساخط عليه إذ لا ينال غاية نهمته والمؤيد من أخذ الله تعالى ~~بقلبه فجذبه إليه جذبة فأقامة في فرديته # و قد قال صلى الله عليه وسلم إن هذه الدنيا خضرة حلوة فاتقوها و قال صلى ~~الله عليه وسلم إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بحقه بورك له فيه و نعم ~~المعونة هو و من أخذه بغير حقه لم يبارك له فيه و كان كالذي يأكل ولا يشبع # فالأخذ بحقه أن يأخذه بحاجة إليه للتزود و الأخذ بغير حقه أن يأخذه بشهوة ~~التمتع PageV02P310 # | - * الأصل التسعون و المائة # - * # | في سر مكارم الأخلاق # عن عائشة رضي الله عنها تقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~مكارم الأخلاق عشرة تكون في الرجل و لا تكون في ابنه و تكون في الابن و لا ~~تكون في أبيه وتكون في العبد و لا تكون في سيده يقسمها الله تعالى لمن أراد ~~به السعادة صدق الحديث و صدق البأس و إعطاء السائل و المكأفاة بالصنايع و ~~حفظ الأمانة و صلة الرحم و التذمم للجار و التذمم للصاحب و اقراء الضيف و ~~رأسهن الحياء و كل خلق من هذه الأخلاق مكرمة لمن منحها # قال صلى الله عليه وسلم إن الأخلاق مخزونة عند الله فإذا أراد الله بعبد ~~خيرا منحه منها خلقا # و الأخلاق الطبيعية كالأكل و الشرب وغير ذلك و الأخلاق التي ركب عليها ~~الآدمي تلك أخلاق الطبيعة و قد عم الجميع ثم لله تعالى منائح من فضله لعبد ~~من عبيده يختصهم بمشيئته منا منه عليهم من المخزونات عنده PageV02P311 # قال ms386 صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق فهذا يدل على أن ~~الأنبياء عليهم السلام قبله صلى الله عليه وسلم كانت معهم هذه الأخلاق و ~~بقيت منها بقية بعث هو ليتممها # و قال صلى الله عليه وسلم إن لله مائة و سبعة عشر خلقا فمن أتى بواحدة ~~منها دخل الجنة # وقال عليه السلام إن الله تعالى يحب معالي الأخلاق فإذا جعل من محابه في ~~عبد من عبيده أنجاه محبوبه # و قال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم ~~أرزاقكم # فالله تعالى يحب العبد على أخلاقه إذا تخلق بها له فإذا تخلق بها لدنيا ~~كان من حرمة تلك المكرمة التي أعطيها أن يعقبه منها معروفا فإن كان ظالما ~~يتب عليه و رزق الإنابة و إن مات على غير توبة غفر له بحرمة ذلك الخلق و إن ~~كان كافرا خفف عنه العذاب # قال صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة رضي الله عنها ذهب حسن الخلق بخير ~~الدنيا و الآخرة # و قال إنه لينال بحسن الخلق درجة الصائم القائم # و قال صلى الله عليه وسلم رأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه بينه و بين ~~لله حجاب فجاءه حسن خلقه فأدخله على الله تعالى PageV02P312 # و عن علي رضي الله عنه قال سبحان الله ما أزهد الناس في الخير عجبت لرجل ~~يجيئه أخوه المسلم في حاجته لا يرى نفسه للخير أهلا فلو كنا لا نرجو جنة ~~ولا نخشى نارا ولا ثوابا ولا عقابا لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق ~~فانها مما تدل على سبيل النجاح # فقام رجل فقال فداك أبي و أمي يا أمير المؤمنين سمعته من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم PageV02P313 # قال نعم و ما هو خير منه لما أتانا سبايا طيىء وقعت لي جارية حماء حواء ~~لعساء لمياء عيطاء مسنونة الخدين صلته الجبين مقرونة الحاجبين صغيرة ~~الأذنين شماء الأنف مقبوضة الهامه درماء الكعبين خدلة الساقين لفاء الفخذين ~~خميصة الخصرين ممكورة الكحشين مسقولة المتنين ms387 فلما رايتها أعجبت بها و قلت ~~لاطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعلها في فيئي فلما تكلمت ~~نسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها فقالت يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا ~~تشمت بي احياء العرب فإني ابنة سرة قومي كان أبي يفك العاني و يحمي الذمار ~~و يقري الضيف و يشبع الجائع و يفرج عن المكروب و يطعم الطعام و يفشي السلام ~~و لم يرد طالب حاجة قط و أنا ابنة حاتم طيىء فقال يا جارية هذه صفة المؤمن ~~حقا لو كان أبوك إسلاميا لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم ~~الأخلاق و الله تعالى يحب مكارم الأخلاق فقام أبو بردة رضي الله عنه فقال ~~يا رسول الله الله يحب مكارم الأخلاق فقال يا أبا بردة لا يدخل الجنة أحد ~~إلا بحسن الخلق # فأما ما عده رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرا منها صدق الحديث و هو من ~~الإيمان لأن الكذب مجانب للإيمان لأنه إذا كذب فقال كان كذا ولم يكن فقد ~~افترى على الله تعالى لأنه زعم أن الله تعالى قد كونه وإن كان ذلك فزعم أنه ~~لم يكن فقد افترى على الله تعالى # قال أبو بكر رضي الله عنه الكذب مجانب للإيمان PageV02P314 # و قوله صدق البأس لأنه من الثقة بالله تعالى شجاعة و سماحة و إعطاء ~~السائل من الرحمة و المكافأة بالصنايع من الشكر و حفظ الأمانة من الوفاء و ~~صلة الرحم من العطف و التذمم للجار من نزاهة النفس و كذلك التذمم للصاحب و ~~إقراء الضيف من سخاوة النفس و الحياء من عفة الروح و كل خلق من هذه الأخلاق ~~مكرمة عظيمة يسعد بالواحد منها صاحبه فكيف لمن جمعت له المكارم و الأخلاق ~~الحسنة كثيرة و كلها تقرب إلى الله تعالى و لكن هذه مكارم تلك الأخلاق فكل ~~مكرمة منها تمنح العبد فهي له شرف و فضيلة في الدنيا و رفعة و وسيلة في ~~الآخرة PageV02P315 # | - * الأصل الحادي و التسعون و ms388 المائة # - * # | في الخصال الأربع التي تطهر الجسد والقلب # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أربع خصال إذا أعطي العبد فلا يضره ما عزل عنه من الدنيا حسن خلقه و ~~عفاف طعمه و صدق حديث و حفظ أمانة # هذه خصال كلها تطهر الجسد و القلب فأما حسن خلقه فأن يكون حسن العشرة مع ~~الخلق حسن الخلق مع أمر الله تعالى و نهيه حسن العشرة و الخلق مع تدبير ~~الله تعالى و أحكامه # و عفاف طعمه بأن يطعم ما لا يشوبه الحرام و لا الشهوة ولا المطامع و صدق ~~الحديث فأن يعف لسانه وحفظ أمانة بأن يحفظ جوارحه و ما ائتمن عليه ~~PageV02P316 # | - * الأصل الثاني والتسعون و المائة # - * # | في فضل صلاة الفجر يوم الجمعة # عن أبي عبيدة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~ليس من الصلوات أفضل من صلاة الغدوة يوم الجمعة في جماعة و ما أحسبه شهدها ~~أحد منكم إلا مغفورا له # يوم الجمعة اصطفاه الله تعالى و استأثر به على الأيام و ختم فيه آخر ~~الخلق و هو آدم عليه السلام و فيه قبضه و جعله يوم الجزاء و فيه تقوم ~~الساعة و فيه فصل القضاء و فيه زيارة الأحباب إلى الله تعالى في الفراديس و ~~صلاة الغدوة فإن الله تعالى يشهدها و ملائكته عليهم السلام كما قال صلى ~~الله عليه وسلم ثم قرأ ^ و قرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ^ # و لذلك قال صلى الله عليه وسلم من صلى الصبح في جماعة فهو في PageV02P317 ~~ذمة الله تعالى فإذا وافق العبد شهوده في يومه دخل في ستره و ذمته # فالستر المغفرة و الذمة الجوار و الحصن من العدو PageV02P318 # | - * الأصل الثالث والتسعون و المائة # - * # | في تمثيل بلال رضي الله عنه بالنحلة # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ببلال رضي ~~الله عنه و هو يقرأ من هذه السورة ms389 و هذه السورة و قال أخلط الطيب بالطيب ~~فقال صلى الله عليه وسلم إقرأ السورة على نحوها ثم قال مثل بلال كمثل نحلة ~~غدت تآكل من الحلو والمر ثم يمسي حلوا كله # النحلة مأمورة بذلك و جعل الحلو و المر رزقا لها فإن في الحلو شفاء و داء ~~و في المر شفاء و داء فأمرت بالجمع بين ذلك ليكون الداء بالشفاء و الشفاء ~~بالداء فيعتدل فلا يضره و يكون شفاء قال الله تعالى ^ و أوحى ربك إلى النحل ~~^ # فذللت لله تعالى مطيعة فاتخذت بيوتا من الأماكن التي تسير إليها و اتبعت ~~رزقها من حيث ذكر لها فالمر من الثمار كريه على كل دابة و نفس لكن النحلة ~~كما سخرت للآدمي فذلت و إنقادت كذلك PageV02P319 فيما صرفت إليها من الرزق ~~سخرت لأكلها حلوا كان أو مرا و قد نجد الدواب في مرعاهن يتقين كثيرا من ~~الكلاء و نبات الأرض فلا يقربن و ذوات الأجنحة يتقين كثيرا من الثمار فلا ~~يقربنه و سخرت النحلة لأكل كل الثمرات حلوها و مرها و محبوبها و مكروهها و ~~اتخذت النحل بيوتا بما أوحي إليها لتكون أوعية لما يجعل الله تعالى في ~~مأكولها من الشفاء للآدميين و لولا تلك البيوت لكان الذي يخرج منها يذهب ~~فسادا فهذه البيوت و إن كانت مساكنها فهي للعسل و لأمر الله تعالى و سائر ~~الهوام و الدواب و الطيور تتخذ المأوى و الأوكار لقرارها ثم أمرها الله ~~تعالى أن تأكل من كل الثمرات فإن لكل ثمرة نفعا فإذا أكلت من الكل فقد جمعت ~~النفع كله في أكلها و إذا تركت شهوتها استوى عندها محبوب الثمار ومكروهها ~~لما ذلت لأمر الله تعالى و صار هذا الأكل لله تعالى لا لنفسها إذ لو آثرت ~~المحبوب على المكروه لكان أكلها لنفسها فلما ذللت له عز و جل في أكل ~~الثمرات فيما وافقته و فيما لم توافقه صار ذلك شفاء بمنزلة الأدوية يخلط من ~~كل نوع فإذا ذلت النفس ذهبت الكراهة و انتظمت الطاعة ms390 في أكلها لله تعالى لا ~~لنفسها و حسب شهوتها و نهمتها صار ما في جوفها من المأكول حلوا و صار شفاء ~~لأسقام الآدميين ألا ترى أن البقرة صار لبنها شفاء ولحمها داء لأنها تأكل ~~من كل الشجر # قال صلى الله عليه وسلم عليكم بألبان البقر فإنها ترم أي تآكل من كل ~~الشجر # و قال صلى الله عليه وسلم لبنها دواء و سمنها شفاء و لحمها داء ~~PageV02P320 إنما صار لبنها دواء لأنها تأكل من كل شجر و صار لحمها داء ~~لأنها تأكل بالنهمة لأنها جعمة و لهذا ترعى من كل الشجر حلوه و مره ~~لجعامتها لأنها ذللت لله تعالى بأمر ربها كالنحل فإنها لم يلق إليها ما ~~ألقي إلى النحل إلهاما من الله تعالى و لهذا ترعى من المزابل و ترتع من ~~القاذورات لجعامتها فصارت لحمها داء واللبن الذي حدث عن أخلاط الشجر دواء ~~للنهمة عليها صارت لحمانها منزوعة البركة و كل شيء لا يبارك فيه فهو داء في ~~الدنيا و الآخرة فأما النحلة ذلت بالهام الله تعالى و أكلت من الحلو و المر ~~لله تعالى فصار ما في جوفها شفاء و لهذا نهى صلى الله عليه وسلم عن قتل ~~النحلة لأن في خلقها جوهرا يتقدم الجواهر و قد شرحناه فيما قبله و ثمرة هذه ~~الآية لمن صفا فكره فيها أن الله يعلمك أن النحلة التي سخرتها لك ذلت لي ~~فاستوى عندها في المطعم محبوبها و مكروهها و تركت نهمتها و شهوتها فجعلت ما ~~في بطنها حلوها و مرها حلوا كله و جعلته شفاء من الأسقام فكيف بالآدمي ~~المسخر له إذا ذلت نفسه لي فتركت نهمتها و شهوتها رياضة لها حتى إستوي ~~عندها المكروه و المحبوب من أحوالها و يصير ذلك المكروه كله عنده حلوا ~~محبوبا يكون كلامه شفاء للمذنبين و أفعاله شفاء للناظرين إليه من المعاصي و ~~رؤيته حياة قلوبهم # و أما تمثيل فعل بلال رضي الله عنه بالنحلة أنه إذا قرأ قصد آيات الرحمة ~~و صفات الجنة فيتلوها نظاما ms391 و إنما يقصد من القرآن ما طيب نفسه فأمره صلى ~~الله عليه وسلم أن يقرأ السورة على نحوها كما PageV02P321 جاءت ممزوجة و ~~الله تعالى أعلم بدواء العباد و حاجتهم إذ ولو شاء لصنفها أصنافا كل صنف عل ~~حدة لكنه مزجها ليعمل على القلوب على المزاج و لا يفهم نظامه إلا الأنبياء ~~و الأولياء عليهم السلام و حرام على قلوب التفتت إلى أحوال النفس أو حجبت ~~عقولها عنه لشهوة أن تفهم نظامه فنظامه في جميع كلامه نظام يعجز عنه الواصف ~~والمفكر و من هذا النظام تخرج اللطائف و كان بلال رضي الله عنه عجز عن ~~إدراكه فقصد ما تطيب به النفوس من آيات الرحمة فأمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يقرأ على نظام رب العزة و هو أعلم بالشفاء فانه سماه شفاء لما في ~~الصدور فإن في الصدور داء النفوس و هي الشهوات و إذا جاءت مواعظ الله تعالى ~~جاءت بالشفاء معها فذهب الداء ثم مثل شأن بلال رضي الله عنه بالنحلة تغدو ~~فتآكل حلوا و مرا ثم يمسي كلها حلوا فكذلك المؤمن يتلو آية الوعد فيسر قلبه ~~ثم يتلو آية الوعيد فينكسر قلبه فهو بين خوف و رجاء فهذا حلو و ذاك مر ثم ~~يطمئن إلى رحمة الله تعالى و إلى معرفته بربه فيصير حلوا كله قال الله ~~تعالى ^ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم و قلوبهم إلى ذكر ~~الله ^ # اقشعرت الجلود من هول الوعيد الذي حل بقلوبهم فهذه مرارة ثم اطمأنت ~~جلودهم و قلوبهم إلى ذكر الله تعالى بما عرفوه كريما رحيما سمحا جوادا ~~ودودا رؤوفا فطابت نفوسهم ولانت جلودهم فإذا تلا وعده رجا وإذا تلا وعيده ~~خاف ثم التوحيد لا يدعه حتى يجذب قلبه إلى ربه تعالى فيطمئن إلى عطفه فشبهه ~~بالنحلة تأكل حلوا و مرا ثم أمسى فعاد كله حلوا PageV02P322 # | - * الأصل الرابع و التسعون و المائة # - * # | في سر دعوات نبوية # عن أبي بكر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله علمني دعاء ms392 أدعو به قال قل ~~اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا و لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة ~~من عندك و ارحمني إنك أنت الغفور الرحيم # قد اعترف بالظلم ثم إلتجأ إليه التجاء مضطر لا يجد لذنبه ساترا غيره ثم ~~سأله المغفرة من عنده و إن كان الأشياء كلها من عند الله تعالى إلا أن لله ~~تعالى رحمة قد عمت الخلق في أرزاقهم و معاشهم و أحوالهم ثم له رحمة الإيمان ~~خص بها المؤمنين و له رحمة الطاعة و قد خص بها المتقين و له رحمة قد خص بها ~~الأولياء فبها نالوا الولاية قال الله تعالى ^ و الراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به كل من عند PageV02P323 ربنا ) إلى أن قال @QB@ وهب لنا من لدنك ~~رحمة @QE@ # و له رحمة قد خص بها الأنبياء عليهم السلام فبها نالوا النبوة قال الله ~~تعالى ^ و وهبنا لهم من رحمتنا ^ سألوه رحمة من عنده PageV02P324 # | - * الأصل الخامس و التسعون و المائة # - * $ في سر قوله تعالى ^ هو أهل التقوى و أهل المغفرة ^ # عن أنس رضي الله عنه قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ^ هو أهل ~~التقوى و أهل المغفرة ^ # فقال صلى الله عليه وسلم قال ربكم جل و عز أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي ~~اله فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان أهلا أن أغفر له و في رواية أخرى أنا ~~أهل أن أغفر له # فالعبد إذا اتقى أن يجعل معه إلها آخر فربنا أهل لذلك لأنه لا إله غيره ~~فهو أهل أن يتقي دعوى الشرك لأحد في ربوبيته و إلهيته و لو أشرك به لفعل ~~محالا لا يكون و ليس بكائن فمن اتقى كان أهلا أن يستر عليه ذنوبه و عيوبه و ~~يقيه ظلمة النار و حرها قال تعالى PageV02P325 ^ و الزمهم كلمة التقوى و ~~كانوا أحق بها و أهلها ^ # و في الرواية الأخرى فأنا أهل أن أغفر له و معناه أغفر لمن وحدني و اتقى ~~أن يجعل معي إلها و هذا ms393 رد على من قال إن أهل التوحيد يبقى في النار أبدا و ~~ما أتى من لفظ الخلد أراد به طول المكث قال الله تعالى @QB@ أخلد إلى الأرض ~~@QE@ أي أبطأ عن الآخرة إليها # و قال صلى الله عليه وسلم خيرني ربي بين لقائه و بين الخلد في الدنيا ~~فاخترت لقاء ربي ولا شك أن الخلد في الدنيا لا يكون أبدا # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز و جل # إني لأجدني أستحيي من عبدي يرفع يديه ثم أردهما # قالت الملائكة إلهنا ليس لذلك بأهل # قال الله تعالى لكني أهل التقوى و أهل المغفرة أشهدكم أني غفرت له ~~PageV02P326 # | - * الأصل السادس والتسعون و المائة # - * # | في ديدان القراء والتمسك بالسنة # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في آخر ~~الزمان ديدان القراء فمن أدرك ذلك فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم و منهم ~~و هو الأنتنون ثم تظهر قلانس البرود فلا يستحيي يومئذ من الرياء والمتمسك ~~يومئذ بدينه كالقابض على جمرة و المتمسك بدينه أجره كأجر خمسين قالوا أمنا ~~أو منهم قال بل منكم # و في رواية ابن مسعود رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم يأتي على ~~الناس زمان المتمسك فيه بسنتي عند اختلاف أمتي كالقابض على الجمر ~~PageV02P327 # القراء على ثلاثة أنواع ديدان القراء والصادقون والصديقون فأما ديدان ~~القراء فهم الذين تنسكوا في ظاهر الأحوال تصنعا ليأكلوا به الدنيا قد رموا ~~أبصارهم إلى الأرض و مدوا بأعناقهم تيها و تكبروا إعجابا بظاهر أحوالهم ~~يقصرون الخطأ و يتماوتون و ينظرون إلى أهل الذنوب بعين الإزدراء حقارة لهم ~~و عجبا بأنفسهم أعطوا القوة على لبس الخشن والصبر على ترك ملاذ الدنيا و ~~شهواتها و سخت نفوسهم بترك جميع اللذات في جنب لذة ثناء الخلق عليهم و ~~التعظيم لهم و النظر إليهم بعين الإجلال و سولت لهم نفوسهم أنه إنما تنال ~~الرفعة العظمى عند الخلق بترك ظاهر الدنيا و لذاتها حتى تنال ملكا بلا سلاح ~~و ms394 جندا بلا إرتزاق و غنى بلا خزانة و عبيد بلا ملك فسبت قلوبهم بما مناهم ~~فأقبلوا على ترك الدنيا و ذمها و ذم من تناولها و الطعن على من وسم بالغنى ~~من أئمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أداهم جهلهم إلى أن خرجوا ~~على من وسع عليه هذه الدنيا من الرسل عليهم السلام طعنا و رميا فمرقوا من ~~الدين و عظم شأن هؤلاء في أعين الخلق حين تركوا هذا الحطام و كبر في صدورهم ~~ذلك و حسبوا أنه لم يبق وراء هذا شيء و إن هذا عبد قد بلغ الغاية و لا ~~يعلمون أنه ترك شيئا قليلا مما لا يزن جميع ذلك عند الله تعالى جناح بعوضة ~~قد تركوا الدنيا من حيث يظهر للخلق و أخذوها من حيث يخفى عليهم اتخذوها ~~بتركها في الظاهر واكتسبوا عند الخلق منزلة نالوا في الباطن بتلك المنزلة ~~أوفر مما تركوها و أسهل مما تناولوها يزرون على أهل الغنى و يجفون أهل ~~الذنب و يشمئزون عن مخالطة العامة العبوس في وجوههم و التماوت في أركانهم و ~~عجب النفس في صدورهم وسوء الخلق في أفعالهم و ضيق الصدر في عشرتهم الواحد ~~منهم في نفسه أعظم من PageV02P328 ملء بلدته رجالا يهابهم الناس هيبة سوء ~~الخلق لا هيبة الحق والخشية هم الأنتنون لأنهم في نتن من الأمور و دناءة و ~~صدورهم أنتن من أمورهم لأنهم يموتون على الدنيا عشقا همتهم هواهم و دينهم ~~مناهم و تبعهم غواة و هم من الصدق عراة قد ملكوا القلوب بتصنعهم و ريائهم و ~~هجروا الخلق من أجل دنياهم كأنهم يقولون ضعوها حتى نرفعها و تخلوا عنها حتى ~~نملكها # روي في الخبر أن الله تعالى يقول لتارك الدنيا زهدت في الدنيا راحة ~~تعجلتها و يقول للعابد عبدتني فحملك العباد فوق رؤوسهم هل في وليا أو عاديت ~~في عدوا و عزتي لا ينال رحمتي من لم يوال في و لم يعاد في # و صنف آخر تصنعوا للخلق بزي أهل المسكنة و ms395 الفقر من حسن اللابس و طول ~~القلانس و طرة اللحى و صف الشوارب ليتمكنوا في صدور المجالس و ليستدروا ~~الحطام من الشياطين و الأبالس # فالمتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ظهور هذا كالقابض على ~~الجمر لأن هذين الصنفين قد تمكنوا من صدور الخلق لغلبة الجهل فهم المقتدي ~~بهم والمنظور إليهم فهم عند الخلق علماء و في الملكوت جهال # قال صلى الله عليه وسلم إن الله لا يقبض العلم ينتزعه إنتزاعا من قلوب ~~الناس و لكن يقبض العلماء فإذا ماتوا إتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا ~~بغير علم فضلوا و أضلوا PageV02P329 # فمن تمسك بالسنة بين ظهرانيهم بعد تمكنهم من الرياسة و نفاذ القول فيهم ~~فقد هتك سترهم و كشف عورتهم و أبان كذبهم و حط رياستهم و قطع مآكلهم و قد ~~بارزهم بالمحاربة و هم يستعدون لمحاربته ينتقصونه و يطلبون الغوايل منه ~~فصارت مؤنتهم عليه أعظم من مؤنة محاربة الكافرين لأن الكافر لا حرمة له و ~~القلب و الأركان قد تعاونوا عليه في إهلاكه و هذا معه حرمة الإيمان فاحتجت ~~إلى أن تداريه و تداهنه و تلاطفه و ترفق به و تراقب الله تعالى في شأنه و ~~تحتمل أذاه و تحفظ جوارحك حتى لا تعتدي و قلبك حتى لا يجور و همك فيه حتى ~~لا يغش و تنتظر الفرج من خالقك و ترى تدبيره فيه و فيك فلذلك شبهه بالقابض ~~على الجمر لأن الجمر يحرق اليد و هذا يحرق القلب و الكبد من تغييره الحق عن ~~جهته و اغترار الخلق به و تحتاج أن تعاشره معاشرة يسلم إيمانك و إيمانه ~~وتذب عن الحق الذي به ألف الله تعالى العباد و جمعهم عليه ذبا لا يدخل عليه ~~من ناحية أخرى بما يؤذية و يثلمه و تحفظ قلبك مع الله تعالى في هذه الأحوال ~~لأن هذا المسكين قد غلب عليه سكرتان سكرة الجهل و سكرة حب الدنيا و خطاب ~~السكارى على سبيل العدل و الإنصاف أمر من الصبر و أشد ms396 من القبض على الجمر # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أنتم اليوم على بينة من ربكم ~~تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تجاهدون في سبيل الله ثم تظهر فيكم ~~سكرتان سكرة العيش و سكرة الجهل و ستحولون إلى غير ذلك يفشو فيكم حب الدنيا ~~فإذا كنتم كذلك لم تأمروا بمعروف و لم تنهوا عن منكر و لم تجاهدوا في سبيل ~~الله و القائمون يومئذ بالكتاب والسنة في السر و العلانية السابقون الأولون ~~PageV02P330 # هذا شأن ديدان القراء # و أما الصادقون فهم قوم تابوا صدقا فتاب الله عليهم فأعطاهم نورا قذفه في ~~قلوبهم فشرح صدورهم من الذي أشرق في قلوبهم و برد و هج حر نفوسهم و سكن ~~غليان شهواتهم فأقبلوا على تصحيح أمورهم فيما بينهم و بين الله تعالى و عن ~~التخلي عن كل ما نهى الله عنه دق أو جل و جاهدوا أنفسهم في ذات الله تعالى ~~حق جهاده فلم يزل هذا دأب أحدهم يجاهد نفسه في شأن الاستقامة لله تعالى على ~~سبيل الطاعة و يأتيه المدد من الله تعالى نورا على نور حتى قوي على ترك ~~كثير من الحلال تحصنا مما نهى الله تعالى عنه حتى دق نظره في الأشياء و ~~ورعه عن دقيق الأمور التي يخاف منها غدا فثبت على ذلك يرجو الثواب و يخاف ~~العقاب و يطلب الخلاص في الإتيان بما امر و التناهي عن كل ما نهى و يعلم ~~أنه لا يثاب غدا إلا على الصدق مشغول بنفسه لا يتفرغ لغيره فيعيبه أو يزري ~~عليه في ريبه قد أوثقه خوفه من الله تعالى و ثاقا شغله عن جميع الخلق ~~برعاية هذه الجوارح السبع التي وكل برعايتهن و أخذ عليه العهد و الميثاق ~~فيهن يطلب إلى الله تعالى فكاكهن مما انفلق به من الأعمال السيئة و العون ~~على رعايته إياهن فيما بقي من عمره المأتم نهاره والنوح ليله و الصلاة ~~نحلته و الصوم عادته و كل ما شغله عن أمره فالهرب منه عزيمة قد ms397 تحصن من ~~الخلق بعزلته و باينهم بهمته مبتهلا إلى الله تعالى في طلب المغفرة لجماعته ~~و أهل ملته و هو على مثل هذا الحال يطلب معيشته و يقوت عياله و يحسن إليهم ~~و يعطف عليهم فإن كان عنده سعة أنفق من سعته و ألا يجري من وجوه المكاسب ~~أسلمها و أحمدها عقبى و جد فيه و اجتهد حفظا للجوارح في طلبها و أداء ~~الأمانة و إنصاف الخلق في تناولها و اجتزاء باليسير لنفسه و سعة على عياله ~~و عفة عن المطامع الخبيثة و نزاهة عن شبهات الدنيا و المكاسب الرديئة و ~~صيانة لوجهه و دينه عن المعايش الشائنة لدينه وكان في طلبها كالمضطر ~~PageV02P331 الذي لا يجد عنه مندوحة ليطلبها على خطر و حذر مخافة أن تدعوه ~~نفسه إلى فتنة وبلية و يقصد بذلك أن تطمئن نفسه كما قال سلمان رضي الله عنه ~~النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت يطلبها على أحسن هيئة و أجمل طلب مع قلب واثق ~~بالله تعالى في رزقه و نفس قنعة لم يفتنها حرصها حتى يدعوها إلى تناول شبهة ~~أو طلب رخصة قال الله تعالى ^ رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله ^ # فهؤلاء هم المقتصدون أهل الاستقامة أعينهم مادة إلى الثواب و التفاتهم ~~إلى أعمالهم عليها يعتمدون و بها يدلون و فيها يفكرون و عليها ينطقون و ~~إياها يطلبون حتى إذا وردوا عرصة القيامة و انكشف الغطاء صارت رؤوسهم بين ~~أرجلهم من الحياء فلولا رحمة الله تعالى التي قد شملتهم من الدنيا إلى ذلك ~~الموقف لكانوا من الهالكين # و أما الصديقون فقوم فتح لهم الطريق إلى الله تعالى فمروا إليه لا يعرجون ~~على شيء و لا يلتفتون إلى جنة و لا نار و لا ثواب و لا عقاب حتى وصلوا إلى ~~الباب فما زالوا إلى بابه يرفعون إليه شكواهم حتى فتح لهم و أشرق على ~~قلوبهم بنور جلاله فشغفوا به و شغلوا عن كل شيء سواه فوقفوا بين يديه ~~للعبودة صدقا و فوضوا إليه ms398 أمورهم و ائتمنوا على نفوسهم و آثروا مختاره كيف ~~ما دبر لهم و اختار رضوا عن الله تعالى في الأحوال و رضي الله عنهم عز و جل ~~في الأمور يقبلون النعمة منه و يتلقون أوامره و نواهيه بالبشاشة و السماحة ~~يراقبون أمره و يقفون عند حكمه و هم مع الله تعالى في كل أمر و حال فسلطان ~~الله على قلوبهم قد أمات من نفوسهم الشهوات فلا يخافون من خيانة النفس و ~~خروجها عليهم من مكامنها كما قال صلى الله عليه وسلم PageV02P332 ما لقي ~~الشيطان عمر إلا خر لوجهه و ما سمع حسه إلا فر # فهؤلاء أهل اليقين و هم السابقون المقربون @QB@ ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم @QE@ PageV02P333 # | - * الأصل السابع و التسعون والمائة # - * # | في شرف الخبز و قوام الروح # عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى ~~كسيرة ملقاة فمشى إليها فمسحها و قال يا عائشة أحسني جوار نعم الله فإنها ~~قل ما نفرت عن أهل بيت فكادت ترجع إليهم # الخبز غذاء الجسد و الغذاء قوام الروح و قد جعل الله تعالى الخبز أشرف ~~الأرزاق # قال صلى الله عليه وسلم أكرموا الخبز فإن الله عز و جل أنزله من بركات ~~السماء و أخرج له من بركات الأرض PageV02P334 # فاكرامه أن لا يوطأ ولا يطرح فإذا رمي به أو طرحه مطرح الرفض و الهوان ~~كان قد كفر النعمة و جفاها و في سعة الرزق قوة عظيمة على الدين فإذا جفاها ~~صيرت للنعمة العظمى نفرة و إذا نفرت لم تكد ترجع لأنها قد وسمتهم بالجفاء # و قال بعض التابعين الدنيا ظئر و الآخرة أم و لكل يتبعها بنوها فإذا جفوت ~~الظئر نفرت و أعرضت و إذا جفوت الأم عطفت لأن الظئر ليس لها عطف الأمهات و ~~هذه النعمة تخرج من هذه الأرض المسخرة هي بمنزلة الظئر تربيك PageV02P335 # | - * الأصل الثامن و التسعون و المائة # - * # | في أن المؤمن يبلى و يصفى # عن أنس رضي الله ms399 عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل المريض ~~إذا برىء و صح من مرضه كمثل البردة تقع من السماء في صفائها و لونها # يقدم الله تعالى إلى العباد أن يحفظوا جوراحهم من أن يتدنسوا ليصلحوا ~~لدار القدس في جوار القدوس فتركوا الرعاية و ضيعوا الحفظ فتدنسوا و توسخوا ~~فدلهم على أن يتطهروا بالتوبة فلم يفعلوا لأنهم تابوا من البعض و أصروا على ~~البعض على الجهد من نفوسهم الشهوانية ثم دعاهم إلى هذه الفرائض مثل الصلاة ~~و الزكاة والحج و صوم رمضان ليتطهروا بها قال تعالى في شأن الصلاة ^ و أقم ~~الصلاة طرفي النهار و زلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ^ ~~PageV02P336 # و قال في الزكاة ^ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم بها ^ # و قال في الحج ^ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه و من تأخر فلا إثم عليه ~~^ أي مغفورا له # و قال صلى الله عليه وسلم الصوم جنة # فدلهم على هذه الفرائض ليتطهروا بها خلطوها و غشوها و أدوها مع النقصان و ~~الوسوسة و المكاسب الرديئة # فلم يك هذا مما يطهرهم إذ لا تطهر النجاسة بالنجاسة و لا ينفى الوسخ ~~بالوسخ فلما رأى الله تعالى حالهم هذه و أنهم قد توسخوا و تدنسوا و كدرت ~~طينتهم فأبى أن يضيعهم و قد اكتنفتهم رحمته فداواهم بهذه الأسقام ليمحصهم و ~~يطهرهم ثم يداويهم و يشفيهم كما تداوي الشفيقة من الأمهات لولدها بمر ~~الأدوية البشعة لما تأمل من شفائه عن سقمه فسلط الله تعالى عليهم الأسقام ~~حتى إذا تمت مدة PageV02P337 التمحيص خرج منها كالبردة في الصفاء في القلب ~~و اللون في الوجه طلاوة و حلاوة # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى ابتلي عبدي المؤمن فإن ~~لم يشكني إلى عواده أطلقته من أساري ثم أبدلته لحما هو خير من لحمه و دما ~~هو خير من دمه ثم ليأتنف العمل # و شتان بين ما داويت بالفرائض جوارحك و بين ما داواك ربك فدواؤك قل ما ms400 ~~يخلو من العجب و الرياء والتخليط والشبه و ما داواك لا رياء فيه و لا عجب و ~~لا صلف و لاتخليط و إنما هي أسقام حل بلحمك و دمك و مخك و قواك ليأخذها و ~~يبدلك خيرا منها أو يقبضك إليه طاهرا حتى إذا وصلت إلى العرصة و اضطررت إلى ~~الجواز على الصراط إلى دار الله و جدتك النار قد تطهرت إما بالتوبة أو ~~بالفرائض أو بالأسقام و المصائب التي احتسبتها و صبرت عليها فطهرك و أعطاك ~~ثواب الصابرين وإن حمدته كتبك من الحامدين و قدم عليه بغير تمحيص مع دنس ~~المعاصي و أوساخها فالنار بالمرصاد قد أعدت منتقمة من الأعداء و مطهرة ~~للموحدين فإذا مر عليها أخذت في الممر من جوارحه تلك الأدناس فتأكل من لحمه ~~و دمه ثم يبدل لحما طريا و جسدا يصلح لدار السلام # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه وضع يده على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم و به حمى فوجدها من فوق اللحاف فقال يا رسول الله ما أشدها عليك ~~PageV02P338 # فقال صلى الله عليه وسلم إنا كذلك يشتد علينا البلاء و يضاعف لنا الأجر # فقلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء # قال الأنبياء # قلت ثم من # قال الصالحون إن كان الرجل ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحوها و ~~إن كان الرجل ليبتلى بالقملة حتى تقتله و إن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما ~~يفرح أحدكم بالرخاء PageV02P339 # | - * الأصل التاسع والتسعون والمائة # - * # | في تخير المغبون # عن علي كرم الله وجهه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المغبون لا ~~محمود و لا مأجور إذا استرسل في وقت المبالغة فاشترى فغبن لم يقع عند ~~البائع موقع المعروف فيحمد و لا يحتسب بما زاد على قيمته ليسر فيؤجر # فالكيس يماكس مستقصيا ولا يخرج ماله الذي ائتمن عليه و جعل قواما له ~~باطلا بلا حمد ولا أجر و في المكاس شرائط و هو أن يحفظ لسانه و أمانته و ~~عهده يماكس لا لحرص ms401 على الدنيا و لا رغبة فيها و هو مع ذلك حافظ لدينه و ~~دين صاحبه لئلا يأثم أو يؤثم # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجلين يتبايعان و أحدهما يقول ~~للآخر لا أعطيك و قال الآخر لا أزيدك فمر الرجل بالسلعة قد اشتراها ~~PageV02P340 فقال صلى الله عليه وسلم قد وجب إثم أحدهما و ساوم معاذ رضي ~~الله عنه رجلا سلعة فقال لا أعطيك فانصرف معاذ ثم دعاه فقال هل لك فيه قال ~~لا إني أكره أن أعينك على إثم PageV02P341 # | - * الأصل المائتان # - * # | فيما يقال عند إهلال الهلال # عن طلحة بن عبدالله رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا رأى الهلال قال اللهم أهله علينا باليمن و الإيمان و السلامة و الإسلام ~~ربي و ربك الله # و في رواية أخرى قال إلهي و إلهك وربي و ربك الله الحمد لله الذي سخرك ~~لنا # اليمن السعادة والإيمان الطمأنينة بالله تعالى كأنه سأله دوامها و ~~السلامة و الإسلام أن يدوم له الإسلام و يسلم له شهره # و قوله ربي و ربك الله فإن من الناس من كان يسجد للشمس و القمر دون الله ~~تعالى فقال تعالى ^ لا تسجدوا للشمس و لا للقمر و اسجدوا لله الذي خلقهن ^ ~~PageV02P342 # و قوله الحمد لله الذي سخرك لنا فخاطبه أن الإله إليه الربوبية و هو ~~الملك له وأنت مسخر لنا يحمده على تسخيره إياه شكرا له فقد سخره ليضيء لأهل ~~الأرض و قدره منازل ليعلم عدد السنين و الحساب و يكون معلم مواقيت حجنا و ~~ديوننا و عدد نسائنا و عند مستهل كل شهر حكم و أمر معلوم والله تعالى أعلم ~~بالصواب PageV02P343 # | - * الأصل الحادي والمائتان # - * # | في الحسنة الحديثة والذنب القديم # عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لم أر ~~شيئا أحسن طلبا و لا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم ^ إن الحسنات ~~يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ^ # الحسنة نور والسيئة ظلمة فإدراك ms402 النور الظلمة سريع لأن الحسنة نور مبتدأة ~~من نور الإيمان و الإيمان هدى الله فبنور الإيمان يحسن طلبه وبقوة هدى الله ~~تعالى يسرع إدراكه # فلما كان في الحسنة نور ربه كان هادي الحسنة حتى يلحق السيئة بسرعة ومركب ~~الحسنة فإن مركب الحسنة نيته والنية من نور التوحيد فمن كان مركبه نور ~~التوحيد فلحاقه بمن يطلب سريع في أسرع من الطرف فطلبه أحسن طلب لأن معه ~~هداه ومن ولى الله هداه فهداه في لحظة أو أسرع ومن ولى الله إبلاغه فدركه ~~في أسرع من الطرفة والقديم والحديث عند الله بمنزلة وإنما يتفاوت هذا عند ~~الآدمي وسائر المخلوقين ولأن السيئة قد تقدمت في الصحيفة موضع PageV02P344 ~~تخليطها منذ أعوام كثيرة والحسنة الحديثة لذلك الذنب هي التوبة وهي طالبة ~~لموضعها من الصحيفة أحسن طلب وأسرع إدراك حتى تصير مكتوبة تحت السيئة أنه ~~تاب ثم تضيء تلك الحسنة في مكانها حتى تعلو الظلمة التي على السيئة # وفي الخبر أنه إذا تناول العبد الصحيفة يوم القيامة أعطي منها ما يلي ~~السيئات فيجد تحت كل سيئة مكتوبة تاب وتلك حسنة تضيء بمكانها فتستر على ~~السيئة فيقرأها العبد فربما أتى العبد على عظيمة يشتد عليه النظر إليها ~~فتدركه رحمة من ربه في ذلك المكان فتستر عليه تلك العظيمة ويقال له جاوزها ~~لأنه قد كان دعاه أيام الحياة بأحسن التجاوز فإذا انتهى إلى آخرها غفر له ~~ما فيها فيصير جميع ما فيها بياضا لأن التوبة قد علت السيئة بضوئها ثم يقلب ~~الصحيفة فيقرأ الحسنات والخلق ينظرون إلى صحيفته حسنات فإذا قلبها نظروا ~~إلى الوجه الآخر فرأوها قد علت بضوئها فيقولون طوبى لهذا العبد لم يذنب ~~ذنبا قط فقبل حسناته فعند ذلك ينادي ^ هاؤم إقرءوا كتابيه ^ الآية ~~PageV02P345 # | - * الأصل الثاني والمائتان # - * # | في أن عرامة الصبي من ذكاة فؤاده # عن عمرو بن معد يكرب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عرامة الصبي في صغره زيادة في عقله في كبره # العرم المنكر وصار ذلك من ذكاوة فؤاده وحرارة ms403 رأسه والناس يتفاضلون في ~~أصل البنية في الفطنة والكياسة والحظ من العقل # والعقل على ضربين ضرب منه يبصر أمر دنياه وهو من نور الروح وهو موجود في ~~عامة ولد آدم عليه السلام إلا من كان فيه خلل أو علة وبينهم في ذلك العقل ~~تفاوت عظيم # وضرب منه يبصر أمر آخرته وهو من نور الهداية والقربة وذاك موجود في ~~الموحدين مفقود في المشركين وبين الموحدين في ذلك العقل تفاوت عظيم وسمي ~~عقلا لأن الجهل ظلمة وعمله على القلب فإذا غلب النور وبصره في تلك الظلمة ~~زالت الظلمة وأبصر فصار عقالا للجهل PageV02P346 # فالصبي إذا رؤي منه زيادة بصيرة في الأمور وذكاوة فهم قيل عارم والعرم ~~بلغة أهل العرب المسناة وهي السد وهي عربية يمانية فالصبي يسد أبواب ~~البلاهة بزيادة ذلك النور فيكايس في الأعمال ويهتدي للطائف الأمور ومحاسنه ~~بالنور الزائد المتقد في دماغه فإذا أدرك مدرك الرجال وجاءه نور الهداية من ~~الله تعالى فأمن كان الذي ركب في صغره عونا له في جميع أموره فصار بذلك ~~زيادة في عقله ومن لم يكن له ذلك في صغره فيكون فيه نقص العقول الديناوية ~~من البلة والحمق فإذا جاءه العقل الثاني إفتقد العون ولم يكن له في النوائب ~~هداية الطبع وإنما له هداية الإيمان فحسب وقد إجتمع للعارم هداية الطبع ~~وهداية الإيمان والله أعلم PageV02P347 # | - * الأصل الثالث والمائتان # - * # | في حق الولد على الوالد # عن أبي رافع رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله للولد علينا حق كحقنا ~~عليهم قال نعم حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية وأن ~~لا يرزقه إلا طيبا # الكتابة عون له على الدين والدنيا والسباحة منجاة من الهلاك والرماية دفع ~~عن مهجته وحريمه وشرف له عند لقائه العدو ولا يرزقه إلا طيبا لئلا ينبت ~~لحمه على سحت فتنزع منه البركة وهذه الخصال رؤوس الآداب PageV02P348 # | - * الأصل الرابع والمائتان # - * # | في حال التائب وإتباع الذنب بالحسنة # عن أبي سعيد الأنصاري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~التائب ms404 من الذنب كمن لا ذنب له والندم توبة التائب حبيب الله تعالى إن الله ~~يحب التوابين # والحبيب يستر الحبيب ويحب زينه فإن بدا شين ستره فإذا أحب الله عبدا ~~فأذنب ستره فصار كمن لا ذنب له فإن الذنب يدنس العبد والرجوع إلى الله ~~تعالى بالتوبة يطهره لأن بالرجعة يصير في محل القربة منه ومحل القربة ينوره ~~ويذهب دنسه PageV02P349 # قال صلى الله عليه وسلم إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا عاد ~~نكتت أخرى فإذا تاب صقل قلبه فذهبت النكتة وصارت كالمرآة تتلألأ ومن ههنا ~~قال الشعبي رضي الله عنه إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنبه حدثنا بذلك ~~عبدالله بن الوضاح النخعي قال حدثنا ابن يمان عن سفيان عن عاصم الأحول عن ~~الشعبي واعتبر بهذه الرأفة والرحمة التي وضعها في الآباء والأمهات ثم تراهم ~~كيف محل أولادهم منهم في محل البطالة والفساد من الرحمة عليهم والشفقة ~~والرفق بهم والتأني والانتظار والاحتراق عليهم مما يخافون عليهم من الوبال ~~وفرحهم بالتوبة إذا هم تابوا إلى الله تعالى فاعتبر بهذه الرأفة التي في ~~جميع الأمهات والآباء لو جمعها فوضعها في أم واحدة أو أب واحد لولد واحد ~~لكان لا يتراءى له فساد هذا الولد وسيئ عمله من عظيم الشفقة عليه والمحبة ~~له وكان ذلك ساترا له فكيف بالخالق الباري الماجد الكريم البر الرحيم الذي ~~يدق جميع رأفة أهل الدنيا ورحمتهم جنب رحمة من المائة المخلوقة ثم ماذا ~~تكون تلك في جنب الرحمة العظمى التي شملت كل الخير للعبيد فهذا العبد ~~المؤمن له كل هذا الحظ فإذا تاب صار في كنفه وهو في الأصل حبيبه فيدق ذنوبه ~~في جنب ما له عنده من الرأفة والرحمة وإن الله تبارك وتعالى اسمه لما وقعت ~~خيرته وجبايته على عبد من عبيده ثم أخرجه امه إلى الدنيا فأدركته الهداية ~~بما سبقت له من الجباية وكتب عليه هذا الذنب أنه سيصيبه لا محالة فلما ~~أصابه لم يتركه حيران فلم يغلق عنه باب التوبة وتكرم على أن يرجع ms405 إليه عبده ~~صدق الرجوع أن لا يقبله وإذا قبله صار كمن لا ذنب له في معنى القبول ~~PageV02P350 # | - * الأصل الخامس والمائتان # - * # | في أن الالتفاع لبسة أهل الإيمان # عن ابن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~الالتفاع لبسة أهل الإيمان والتردي لبسة العرب # الإلتفاع الالتحاف بالثوب متقنعا وهو أستر وكان صلى الله عليه وسلم يكثر ~~التقنع وذلك للحياء من الله تعالى لأن الحياء في العين والفم وهو من عمل ~~الروح وسلطانه في الرأس ثم هو متفش في جميع الجسد # وروي أن من أخلاق النبيين التقنع وهذا من آداب الأنبياء والأولياء عليهم ~~السلام لأنهم أبصروا بقلوبهم أن الله تعالى يراهم فصارت الأمور كلها لهم ~~معاينة يعبدونه كأن هم يرونه ففي الأعمال التي فيها حشمة يعلوهم الحياء ~~والحياء من الإيمان فلذلك قال لبسة أهل الإيمان # قال أبو بكر رضي الله عنه إني لأدخل الخلاء فأقنع رأسي حياء من الله ~~تعالى PageV02P351 # والتردي لبسة العرب توارثوه في الجاهلية من آبائها كانوا في إزار ورداء ~~والالتفاع ورثه بنو إسرائيل على أنبيائهم عليهم السلام لأنهم قطعوا أعمارهم ~~بالعبادة وكانوا أصحاب لفاع PageV02P352 # | - * الأصل السادس والمائتان # - * # | في أن الاعتبار في الاجتهاد بعقد العقل # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~بلغه عن رجل شدة عبادة سأل كيف عقله فإن قالوا غير ذلك قال لن يبلغ # وذكر له عن رجل من أصحابه رضي الله عنهم شدة عبادة واجتهاد فقال كيف عقله ~~قالوا ليس بشيء قال لن يبلغ صاحبكم حيث تظنون # العقل نور خلقه الله تعالى وقسمه بين عباده على مشيئته فيهم وعلمه بهم ~~فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما خلق الله العقل قال له أقبل ~~فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ثم قال له أقعد فقعد ثم قال له انطق فنطق ثم ~~قال له اصمت فصمت فقال وعزتي وجلالي وكبريائي وسلطاني وجبروتي ما خلقت خلقا ~~أحب إلي منك ولا أكرم علي منك بك ms406 أعرف وبك أحمد وبك أطاع وبك آخذ وبك أعطي ~~وإياك أعاتب ولك الثواب وعليك العقاب وما أكرمتك بشيء أفضل من الصبر ~~PageV02P353 # وقال صلى الله عليه وسلم إن أول شيء خلق الله تعالى القلم ثم خلق النون ~~وهي الدواة ثم قال له أكتب قال وما أكتب قال ما كان وما هو كائن إلى يوم ~~القيامة من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم ~~القيامة وذلك قوله تعالى @QB@ ن والقلم @QE@ # ثم ختم على في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة ثم خلق العقل ~~فقال وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت # قسم الله تعالى العقل بين خلقه على علمه بهم ثم قسم بين الموحدين عقل ~~الهداية على علمه بهم فتفاوت القسم فكل ما استقر في عبد كان دليله على ~~مقاديره الذي كان فيه يومئذ فكل فعل فعله يلهم العقل صاحبه في كل ما أذن له ~~وما خطر عليه فكل من كان حظه من العقل أوفر فسلطان الدلالة فيه أعظم وأنور # ومن شأن العقل الدلالة على الرشد والنهي عن الغي فكان صلى الله عليه وسلم ~~إذا ذكر له عن رجل شدة اجتهاد وعبادة سأل عن عقله لما قد علم أن العقل هو ~~الذي يكشف عن مقادير العبودة ومحبوب الله تعالى ومكروهه لأن العبادة ~~الظاهرة قد تكون من العادة وقد تكون من المساعدة فإن كان العقل يدله على ~~العبادة الظاهرة كان علامته أن يتورع عن مساخط الله تعالى فكان العقل مما ~~عقل عن PageV02P354 الله تعالى ما أمره ونهاه فائتمر بما أمره وانزجر عما ~~نهاه فتلك علامة العقل فإذا تعبد عن عقل تعبد عن بصيرة وإذا تعبد عن عادة ~~ومساعدة فلم يحسن الظن به # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا يعجبنكم إسلام رجل حتى تعلموا ما عقده ~~عقله # معناه لا يعجبنكم ظاهر ما ترون حتى تعلموا بأي شيء عقد عقله به فإن كان ~~عقله عقيد هواه لا يتورع ولا يتقي قال لن يبلغ صاحبكم ms407 حيث تظنون # قال صلى الله عليه وسلم الورع سيد العمل ومن لم يكن له ورع يرده عن معصية ~~الله تعالى إذا خلا بها لم يعبأ الله سائر عمله شيئا # فذلك مخافة الله تعالى في السر والعلانية والاقتصاد في الفقر والغنى ~~والصدق عند الرضاء والسخط الا وأن المؤمن حاكم على نفسه يرضى للناس ما يرضى ~~لنفسه والمؤمن حسن الخلق وأحب الخلق إلى الله تعالى أحسنهم خلقا ينال بحسن ~~الخلق درجة الصائم القائم وهو راقد على فراشه # قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه إنكم لتعملون أعمالا لهي أدق عندكم من ~~الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات # وقال صلى الله عليه وسلم يا عائشة إياك والمحقرات فإن لها من الله تعالى ~~طالبا PageV02P355 # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله ناجى موسى فكان فيما قال يا موسى إنه لن ~~يتقرب إلي المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم فإنه ليس من عبد يلقاني يوم ~~القيامة إلا ناقشته الحساب وفتشته عما كان في يديه إلا ما كان من الورعين ~~فإني أجلهم وأكرمهم وأدخلهم الجنة بغير حساب # وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث من لم يأت بهن يوم القيامة فلا شيء له ورع ~~يحجره عن محارم الله تعالى وخلق يداري به الناس وحلم يرد به جهل السفيه # وعن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله بأي شيء يتفاضل الناس قال ~~بالعقل في الدنيا والآخرة # قلت أليس يجزى الناس بأعمالهم قال يا عائشة وهل يعمل بطاعة الله تعالى ~~إلا من عقل فبقدر عقولهم يعملون وعلى قدر ما يعملون يجزون # وقال صلى الله عليه وسلم إن الرجل لينطلق إلى المسجد فيصلي فصلاته لا ~~تعدل جناح بعوضة وإن الرجل ليأتي المسجد فيصلي فصلاته تعدل جبل أحد إذا كان ~~أحسنهما عقلا قيل وكيف يكون أحسنهما عقلا فقال أورعهما عن محارم الله تعالى ~~وأحرصهما على أسباب الخير وإن كان دونه في العمل والتطوع # وعن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ms408 : قضي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين مهاجري وأنصاري فقال المهاجري يا رسول الله حقي ثابت وما قضى لي ~~شيئا قال الأنصاري صدق يا رسول الله إن PageV02P356 حقه ثابت وما قضيته ~~شيئا فقال صلى الله عليه وسلم فأد إليه فقال أما دعواه فقد أديت إليه وأما ~~حق ثواب معروفه فإنه علي أكافئه فقال المهاجري صدق يا رسول الله فقال صلى ~~الله عليه وسلم تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتا ان الرجلين ليستوي ~~عملهما وبرهما وصومهما وصلاتهما لكنهما يتفاوتان في العقل كالذرة في جنب ~~أحد وما قسم الله تعالى لخلقه حظا هو أفضل من العقل واليقين # قال وهب رضي الله عنه أجد في سبعين كتابا أن جميع ما أعطي الناس من بدو ~~الدنيا إلى انقطاعها من العقل في جنب عقل محمد صلى الله عليه وسلم إلا كحبة ~~رمل رفعت من بين جميع رمال الدنيا # وقال إن الشيطان لم يكن يكابد شيئا أشد عليه من المؤمن العاقل إنه ليكابد ~~مائة ألف جاهل فيسخرهم ويكابد المؤمن العاقل فيضعف عنه وما من شيء أحب إليه ~~من فتنة العاقل وفتنة عاقل أحب إليه من غواية ألف جاهل # وقال صلى الله عليه وسلم إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر وإنما ~~يقرب الناس الزلف على قدر عقولهم # وعن أنس رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله رجل يكون قليل العمل كثير ~~الذنوب قال كل آدمي خطاء فمن كانت له سجية عقل وغريزة يقين لم يضره ذنوبه ~~شيئا قيل وكيف ذاك يا رسول الله قال كلما أخطألم يلبث أن يتوب فيمحى ذنوبه ~~ويبقى فضل يدخله الجنة # قال ابن مسعود رضي الله عنه ومن أعقل ممن خاف ذنوبه واستحقر عمله ~~PageV02P357 # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ~~عويمر إزدد عقلا تزدد من ربك قربا قلت يا رسول الله كيف قال اجتنب مساخط ~~الله وأد فرائض الله تكن عاقلا ثم تنفل بالصالحات من الأعمال تزدد في ~~الدنيا عقلا ms409 ومن ربك قربا وعليه عزا # عن كعب رضي الله عنه قال تجد الرجل يستكثر من أنواع البر ويحتاط في صنائع ~~المعروف ويكابد سهر الليل وشدة ظماء الهواجر وهو في ذلك لا يساوي عند الله ~~جيفة حمار قالوا وكيف قال ذاك من قلة عقله وسوء رعايته ولعلك تجد الرجل ~~العاقل نائما بالليل مفطرا بالنهار لا يظهر لك بره ولا ينسب إلى صنائع ~~المعروف وبينهما كما بين المشرق والمغرب قيل وكيف ذاك قال لأن ربنا افترض ~~على عباده أن يعرفوه ويطيعوه ويعبدوه وإنما يطيعه ويعرفه ويعبده من يعقل ~~فأما الجاهل فإنه لا يعرفه ولا يطيعه ولا يعبده # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز ~~وجل خلق العقل أكثر من عدد الرمل فمن الناس من أعطي حبة من ذلك ومنهم من ~~أعطي حبتين ومنهم من أعطي مدا ومنهم من أعطي صاعا ومنهم من أعطي فرقا ~~وبعضهم وسقا فقال ابن سلام من هم يا رسول الله قال العمال بطاعة الله على ~~قدر عقولهم ويقينهم وجدهم والنور الذي في قلوبهم PageV02P358 # عن مهدي قال شهدت عمر وعنده ابن مسعود وأبو موسى رضي الله عنهم فقال أبو ~~موسى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رب رجل يعمل بطاعة الله فلعل ~~الحرف الواحد من تسبيحه وتحميده وبره أثقل من أحد ثم على قدر ذلك يتفاضل ~~عمله # قال ابن مسعود رضي الله عنه إن من المؤمنين من يكون عمله يوما واحدا أثقل ~~من السموات والأرض # قال عمر رضي الله عنه فكيف ذاك قال إن الله قسم الأشياء بين عباده على ~~قدر ما أحب أن يقسمه ولما خلق الخلق أقسم بعزته أنه أحب خلقه إليه وأعزهم ~~عليه وأفضلهم عنده وأرجح عباده أحسنهم عقلا وأحسنهم من كان في ثلاث خصال ~~صدق الورع وصدق اليقين وصدق الحرص على البر والتقوى فبكى عمر رضي الله عنه ~~بكاء نشج منه # وقال صلى الله عليه وسلم قسم الله العقل ثلاثة أجزاء فمن كان فيه ms410 فهو ~~العاقل حسن المعرفة بالله تعالى وحسن الطاعة لله وحسن الصبر لله تعالى فحسن ~~المعرفة الثقة بالله في كل أمرك والتفويض إليه والائتمار على نفسك وأحوالك ~~في الوقوف عند مشيئته لك في كل أمره دينا ودنيا وحسن الطاعة أن تطيعه في كل ~~أمر ثم لا تلتفت إلى نوال فتتخذه عدة دون الله تعالى # وحسن الصبر أن تصبر في النوائب صبرا لا يرى عليك أثر النائبة من ~~الاستكانة وأن تتلقى حكمه بالرضاء كما تتلقى ما وافق نفسك فيستوي عندك ~~المحبوب والمكروه PageV02P359 # | - * الأصل السابع والمائتان # - * # | في تفسير المغربين # عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فيكم ~~مغربون قلت يا رسول الله ما المغربون قال الذين يشترك فيهم الجن # فالجن والإنس ابتليا بالعبادة ولهما الثواب وعليهما العقاب وأمر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بالنذارة إلى الجن والرسالة إلى الآدميين فأنذرهم ~~وعلمهم القرآن فللجن مساواة بابن آدم في الأمور والاختلاط فمنهم من يتزوج ~~فيهم وكانت بلقيس ملكة سبأ أحد أبويها من الجن وربما غلب الجن الآدمي على ~~أهله فيأخذ بقلبها ويعذبها والامتناع منهم باسم الله تعالى فإذا أحب الآدمي ~~أن يطرده من مشاركته طرده باسم الله # قال صلى الله عليه وسلم ستر بين عورات بني آدم وبين أعين الجن إذا وضع ~~الرجل ثوبه أن يقول باسم الله قال مجاهد رضي الله PageV02P360 عنه إذا جامع ~~الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه # قال فذلك قوله تعالى @QB@ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان @QE@ PageV02P361 ~~PageV03P001 | 3 | PageV03P001 # | - * الأصل الثامن والمائتان # - * # | في سر شهادة العطاس # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من ~~حدث بحديث فعطس عنده فهو حق ) # العطسة تنفس الروح وتحننه إلى الله تعالى لأنها من الملكوت فإذا تحرك ~~ساطعا عند حديث فهو شاهد يخبرك عن صدقه وحقه # قال عليه السلام ( إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا PageV03P005 ~~عطس أحدكم فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه يشمته والتثاؤب من الشيطان فإذا ms411 ~~تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا قال هاه ضحك الشيطان منه ) # وقال عمر رضي الله عنه لعطسة واحدة عند حديث أحب إلي من شاهد عدل # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الفال مرسل والعاطس شاهد عدل # قوله ( الفال مرسل ) مثل ما يروى أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول ~~في العسكر يا حسن فقال أخذنا فالك من فيك واستقبله بريدة في طريق الهجرة ~~فقال ما اسمك قال بريدة فالتفت إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال برد أمرنا ~~قال ممن قال من أسلم قال سلمنا يا أبا بكر # ومعناه أن هذه الأسماء مما يرسله الله تعالى حتى يستقبلك كالبشير لك فإذا ~~تفاءلت فقد أحسنت به الظن والله سبحانه وتعالى عند ظن عبده # وعن أنس رضي الله عنه قال عطس عثمان بن عفان رضي الله عنه عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثلاث عطسات متواليات فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا عثمان ألا أبشرك هذا جبرائيل يخبرني عن الله تعالى أنه قال ( ما من ~~مؤمن يعطس ثلاث عطسات متواليات إلا كان الإيمان في قلبه ثابتا ) ~~PageV03P006 # | - * الأصل التاسع والمائتان # - * # | في النهي عن الجلوس على القبور # عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول ( لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ) # نهى أن يوطأ القبر أو يجلس عليه استهانة به إقامة لحرمة المسلم بعد موته # وعن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره أن توطأ ~~القبور إعظاما للمسلمين وإكراما لهم ويكره أن يتخذ القبور مسجدا وقبلة يصلى ~~إليها فإن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك # وروى بشر بن الخصاصية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يمشي في ~~القبور في نعلين فقال ( يا صاحب السبتين اخلع ) PageV03P007 # وفي رواية أخرى ( ألق سبتيك لا تشغله ) # هذا يدل على إقامة الحرمة وتعظيم شأن المسلم أن يمشي المرء على أعظم ~~مدفونة قد اختبأها الرب ms412 عز وجل واختارها لمحبته ملكا في الجنان في جواره # وقال عليه السلام لمن رآه جالسا على قبر ( انزل عن القبر لا تؤذ صاحبك ~~ولا يؤذيك ) # معناه أن الأرواح تعلم بترك إقامة الحرمة وبالاستهانة فتتأذى بذلك ~~PageV03P008 # | - * الأصل العاشر والمائتان # - * # | في أن أبا بكر رضي الله عنه ويومه خير من مؤمن آل فرعون # عن عمر رضي الله عنه قال ما نيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نيل ~~منه ذات يوم أنه كان يطوف بالبيت فدخلوا عليه فقطعوا عليه الطواف وأخذوا ~~بتلابيبه وقالوا أنت الذي تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا قال ( هو ذاك ) ~~وأبو بكر رضي الله عنه ملتزمه من خلفه وهو يقول أتقتلون رجلا أن يقول ربي ~~الله وعيناه تهملان فخلوا سبيله # مرتبة أبي بكر رضي الله عنه من الدين ومحله من الإسلام أن يذب عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحده ولم يهب شرقي الدنيا وغربيها PageV03P009 # وقال الحسن رضي الله عنه عاتب الله تعالى جميع أهل الأرض غير أبي بكر ~~فقال @QB@ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا @QE@ # وعن سالم بن عبيد قال لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قال رجل من ~~الأنصار منا أمير ومنكم أمير قال عمر رضي الله عنه سيفين في غمد لا يصطلحان ~~ثم أخذ بيد أبي بكر فقال من له هذه الثلاثة @QB@ ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا @QE@ ثم بايعه فبايع الناس أحسن ~~بيعة وأجملها # وعن علي رضي الله عنه قال اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث فأرادوا ~~قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل هذا يجاؤه وهذا يتلتله إلا أبو بكر ~~وله ضفيرتان فأقبل يجأ ذا ويتلتل ذا ويقول بأعلى صوته ويلكم أتقتلون رجلا ~~أن يقول ربي الله والله إنه لرسول الله فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذ ~~فقال علي رضي الله عنه ليوم من أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون إن ذلك رجل ~~كتم إيمانه ms413 فأثنى الله تعالى عليه في كتابه وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل ~~ماله ودمه لله تعالى # وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنهم قالوا لها PageV03P010 ما أشد ~~شيء رأيت المشركين بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان ~~المشركون قعودا في المسجد الحرام يتذاكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~يقول في آلهتهم فبينا هم كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاموا ~~إليه بأجمعهم وكانوا إذا سألوه عن شيء صدقهم فقالوا له ألست تقول في آلهتنا ~~كذا قال بلى فتشبسوا به بأجمعهم فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقيل له أدرك ~~صاحبك فخرج من عندنا وإن له غدائر فدخل المسجد وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلا ~~أن يقول ربي الله فلهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلوا إلى أبي ~~بكر فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا جاء معه وهو يقول ~~تباركت يا ذا الجلال والإكرام PageV03P011 # | - * الأصل الحادي عشر والمائتان # - * $ في المصافحة وسرها # عن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( إذا ~~التقى المسلمان كان أحبهما إلى الله أحسنهما بشرا لصاحبه فإذا تصافحا أنزل ~~الله تعالى عليهما مائة رحمة تسعون منها للذي بدأ بالمصافحة وعشرة للذي ~~صوفح ) # المؤمن عليه سمة الإيمان ووقاره وبهاء الإسلام وجماله فأحسنهما بشرا ~~أعقلهما عن الله تعالى ما من الله عز وجل عليه ويظهر بشره لعلمه بالله ~~تعالى ولمنة الله على عبده ولأن المؤمن عطشان إلى لقاء ربه شوقا إليه فإذا ~~رأى المؤمن اهتش إلى ذلك روحه وتنسم قلبه روح ما وجد من آثار مولاه فيطمئن ~~ويبشر بذلك فيظهر بشره وإنما صار أحب إلى الله تعالى بما له من الحظ من ~~الله تعالى ولأن الذي يظهر البشر لأخيه يسر أخاه المؤمن لأن في ذلك إظهار ~~المودة له PageV03P012 # وروي أن يحيى بن زكريا عليهما السلام إذا لقى عيسى عليه السلام بدأ ~~بالسلام فسلم عليه وكان لا يلقاه إلا باشا ms414 متبسما ولا يلقى عيسى إلا محزونا ~~شبه الباكي فقال له عيسى إنك تبسم تبسم رجل يضحك كأنك آمن فقال يحيى إنك ~~لتعبس تعبس رجل يبكي كأنك آيس فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام أن ~~أحبكما إلي أكثركما تبسما # وأما المصافحة هو الأخذ باليد وهو كالبيعة لأن من شرائط الإسلام الأخوة ~~قال الله تعالى @QB@ إنما المؤمنون إخوة @QE@ وقال ^ المؤمنون والمؤمنات ~~بعضهم أولياء بعض . . . ^ # شرط الله تعالى فيما بينهم الأخوة والولاية فإذا لقيه فصافحه كأنه يبايعه ~~على هاتين الخصلتين ففي كل مرة يلقى يجدد بيعته فيجدد الله تعالى لهما ~~ثوابا كما يجدد المصاب الاسترجاع فيجدد له ثواب المصيبة ويجدد صاحب النعمة ~~الحمد فيجدد له ثواب الشكر فللسابق إلى تجديد له تسعون رحمة كتمسكه ~~بالولاية والأخوة وإقامة الحرمة وأول ما ظهرت البيعة يوم الميثاق # ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما الركن يمين الله يصافح به عباده يوم ~~القيامة لأنهم يوم الميثاق بايعوا الله فصافحوا الحجر فلما أنزله من ~~الفردوس وضع في ركن البيت ودعى الناس إليها ليجددوا بيعتهم فكلما تمسحوا ~~فذلك منهم بيعة متجددة PageV03P013 # | - * الأصل الثاني عشر والمائتان # - * # | في فضل يوم عاشوراء وسر التوسيع فيه # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من وسع ~~على أهله يوم عاشوراء وسع الله تعالى عليه في سنته كلها ) # الأصل في ذلك أن سفينة نوح عليه السلام استوت على الجودي يوم عاشوراء ~~فقيل له @QB@ اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك @QE@ أي ~~الموحدين @QB@ وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم @QE@ وهم المشركون ~~وكانوا كلهم في صلبه وهذا السلام والبركات إلى آخر الدهر # وقيل له اهبط لتبوء لأهلك وولدك متبوأ صدق ومستقرا لمعاشك بهذا السلام ~~وهذه البركات فمن أراد أن يأخذ بحظه من تلك البركات فوافى ذلك اليوم كان في ~~تلك الهيئة هيئة من يبوء لأهله وعياله مرمة PageV03P014 لمعاشهم ويزيد في ~~وظائفهم ويهيئ لهم لينالهم حظه من ذلك السلام وتلك البركات لأن الله تعالى ~~استقبلهم بالدنيا بعد ms415 أن غرقها وخربها شرقا وغربا فلم يبق في جميع الدنيا ~~إلا سفينة نوح عليه السلام بمن فيها فرد عليهم دنياهم يوم عاشوراء وأمروا ~~بالهبوط للتبوئة والتهيؤ لأمر المعاش مع السلام والبركات عليهم وعلى الأمم ~~الموحدين الذين في صلبه فمن أتى عليه ذلك اليوم فكأنه في وقته يهبط من ~~السفينة ويهيئ لعياله معاشا وتناله السلامة والبركات لذلك # وروي أن من اكتحل يوم عاشوراء بكحل أثمد لم تتوجع عينه تلك السنة وعوفي ~~من الرمد وقال عليه السلام خير أكحالكم الأثمد فإنه ينبت الشفر ويجلو البصر # فالاكتحال مرمة العين وفي الكحل قوة للبصر ومدد للروح لأنه ينبت الأشفار ~~وهو ستر الناظرين ويقوي البصر فإنه يجليه ويذهب بالغشاوة وما يتحلب من ~~الماقين من فضول الدموع والبلة الطبيعية ينشفه الأثمد ولا يدعه يتلبث فيصير ~~غشاوة وغيما على حدقتيه وفيه مدد للروح لأن بصر الروح في الباطن متصل ببصر ~~العين فإذا ذهبت الغشاوة وصل النفع إلى بصر الروح ووجد لذهابه راحة وخفة ~~فإذا كان منه في هذا اليوم مرمة النفس نال البركة والسلامة وعوفي من الضيق ~~ووسع عليه سائر سنته وإن كانت مرمة الروح عوفي من الرمد PageV03P015 # | - * الأصل الثالث عشر والمائتان # - * # | في أن العبد يسأل عن صدق لا إله إلا الله والفرق بين أهل الكلمة وأهل ~~القول بالكلمة # عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى @QB@ ~~فوربك لنسألنهم أجمعين @QE@ قال عن لا إله إلا الله # معناه عن صدق لا إله إلا الله والوفاء بها # قال الحسن رضي الله عنه ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في ~~القلوب وصدقته الأعمال # ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من قال لا إله إلا الله مخلصا ~~دخل الجنة ) قيل يا رسول الله ما إخلاصها قال ( أن يحجره عن محارم الله ~~تعالى ) PageV03P016 # قال عليه السلام ( إن الله تعالى عهد إلي أن لا يأتيني أحد من أمتي بلا ~~إله إلا الله لم يخلط بها شيئا إلا وجبت له الجنة ) قالوا يا ms416 رسول الله وما ~~الذي يخلط بلا إله إلا الله قال ( حرصا على الدنيا وجمعا لها ومنعا لها ~~يقولون قول الأنبياء ويعملون أعمال الجبابرة ) # وثمرة هذه الكلمة لأهلها وأهلها من رعاها حتى قام بوفائها وصدقها ومن لم ~~يرعها فليس من أهل لا إله إلا الله إنما هم من أهل قول لا إله إلا الله ~~فأهل قول لا إله إلا الله من كان مرجعه إلى القول به والعمل بهواه وأهل لا ~~إله إلا الله من كان مرجعه إلى إقامة هذا القول وفاء وصدقا # قال عليه السلام ( لا إله إلا الله يمنع العباد من سخط الله تعالى ما لم ~~يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا ~~لا إله إلا الله ردت عليهم وقال الله تعالى كذبتم ) # وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يزال ~~قول لا إله إلا الله يرفع سخط الله عن العباد حتى إذا نزلوا بالمنزل الذي ~~لا يبالون ما نقص من دينهم إذا سلمت دنياهم فقالوا عند ذلك قال الله تعالى ~~لهم كذبتم كذبتم ) # وصدق لا إله إلا الله أن يقف عند صنع الله تعالى وعند أمره كالعبيد أما ~~صنعه فهو أحكامه عليك وتدبيره فيك مثل العز والذل والصحة والسقم والفقر ~~والغنى وكل حال محبوب ومكروه فتقف هناك كالعبيد لا تعصى الله في جنب ما حكم ~~عليك ودبر لك ويحكم به عليك وأما أمره فهو أداء الفرائض واجتناب المحارم ~~فلا تعصيه في ترك فريضة ولا انتهاك محرم وهذا أدنى منزلة في صدق لا إله إلا ~~الله لأنه بعد في حفظ الجوارح وأما المنزلة الأعلى أن PageV03P017 يكون مع ~~هذين حافظا لقلبه قد راض نفسه وماتت شهواته فما ورد عليه من أحكام الله ~~تعالى رضي بها واهتشت نفسه إلى قبولها حبا له وإعظاما وما أعطي من الدنيا ~~قنع بها وكان كالخازن الذي يعطيه مولاه شيئا يأتمنه عليه فهو يمسكها ~~بالأمانة يرقب متى يومئ إليه حتى يبذلها من غير تلجلج ms417 وما ورد عليه من أمره ~~ونهيه أنفذ من غير أن يلتفت إلى عوض عنها في عاجل أو ثواب في آجل # فهؤلاء هم السابقون راضوا أنفسهم وفطموها عن الشهوات فلما جاءهم أمر الله ~~وأحكامه انقادوا وذلت نفوسهم لأمره إعظاما لجلاله ذلة العبيد الذين قد ~~استسلموا لسيدهم وهم المبهوتون في طاعة الله تعالى لا يفرقون بين أمور ~~الدنيا والآخرة قد استوت عندهم لأنهم لله وبالله لا يخطر على بالهم عند ~~تصرفهم في الأمور اختيار الأمور والأحوال فإن كان في مرمة نفس أو إصلاح ~~معاش فهو لله وإن كان في أمر الآخرة فهو لله تعالى فأعمارهم غير معطلة كلها ~~عبادة لمليكهم عبدوا الله بنومهم كما عبدوه بسهرهم وبأكلهم كما عبدوه ~~بجوعهم وعبدوه بتناول الدنيا وأخذها كما عبدوه بتركها إنما نظرهم إلى ~~تدبيره لهم فعلى أي حال سار بهم إليه ساروا طيبة بذلك نفوسهم حسنة أخلاقهم ~~فإنهم نظروا إلى المقتصدين الذين لم يرضوا أنفسهم ولا فطموها عن الشهوات ~~إلا أن خوف الوعيد حال بين نفوسهم وبين المعاصي فحجرهم عن أعمال أهل الهلكى ~~وحملهم على أعمال أهل النوال لما أطمعوا من الثواب كفعل الدواب تتلكأ وتبطئ ~~في السير حتى إذا أحست بالدنو من المنزل استقلت الحمولة وجدت للسير تحننا ~~إلى الاوازي أو أحست بالسوط من راكبها فتهتاج في السير مجدا فهؤلاء قد ~~استحيوا من أن يكون شبيها بهم وأن تكون عبادتهم طمعا في الثواب أو رهبة من ~~العقاب فإن هؤلاء انقادوا لله تعالى من أجل نفوسهم وليس هذا بخالص العبودة ~~إنما خالص PageV03P018 العبودة لقوم هامت قلوبهم في حب الله تعالى وهامت في ~~جلاله وعظمته فانبعثوا لأعمال البر شفوفا بهم لعلمهم أنه يحب ذلك وامتنعوا ~~عن الآثام هيبة له وإجلالا لمعرفتهم أنه مساخطه ومكروهه فهذان الصنفان هم ~~أهل لا إله إلا الله إلا أن أحدهما أعلى من الآخر ومن لم يكن فيه ذلك فهو ~~من أهل قول لا إله إلا الله # قال عليه السلام ( ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في القبور ولا في ms418 ~~النشور كأني أنظر إليهم وهم ينفضون التراب عن رؤوسهم وهم يقولون الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن ) # والناس في الحزن على درجات وكل يحمد الله على إذهاب حزنه فالمتقون حزنهم ~~قطع النار وفوت الجنة ومجاهدة النفس أيام الحياة والصديقون حزنهم تقصير شكر ~~ما لزمهم من العصمة والتوفيق بأن وفقهم للطاعات وعصمهم من الآثام فوجدوا ~~أنفسهم مقصرين في شكره ينتظرون العفو والعارفون على صنفين وحزنهم على وجهين ~~فصنف منهم حزنهم حزن العاقبة وهو الغالب على قلبه فإنه اشتاق إلى الله ~~تعالى فرقي به إلى درجة الجلال والجمال فسكن شوقه لطعم لذة ما نال من ~~القربة فمر في العبودة بقوة حظه من الجلال وعظم عمله لغد بقوة حظه من ~~الجمال فهو مطمئن ساكن # ولهذا قيل لواحد منهم أما تشتاق فقال إنما يشتاق الغائب فاستعظموا هذا ~~وصيروه غاية الأمر ولا يعلمون أن وراء هذا درجة فيها تنافس الأنبياء ~~والأولياء عليهم السلام المجذوبين المحدثين وهو حزن القلق فإنه يقلقل ~~أحشاءهم إلى آخر رمق من الحياة حتى تخرج أرواحهم بغصة من الكمد لأنهم خلصوا ~~إلى فردانيته وتعلقوا بوحدانيته PageV03P019 فظمئت أكبادهم عطشا إلى لقائه ~~وهذا هو الذي أقلق موسى عليه السلام حتى حمله على سؤال الرؤية ثم عاش أيام ~~الدنيا عطشان إلى لقائه فمحال أن يستقر العارف حتى ينكشف له الغطاء يوم ~~الزيادة ويصل إلى ما سأل كليم الله عليه السلام لأنه كلما ازداد العبد إليه ~~قربا زاده مولاه دنوا فازداد هيمانا وولها حتى يقلق ويكمد ويحترق من نيران ~~الشوق PageV03P020 # | - * الأصل الرابع عشر والمائتان # - * # | في أن الأمثال من معدن الحكمة وأن المرأة لم مثلت بالسيف المصقول # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ~~لقمان عليه السلام على جارية في الكتاب فقال لمن يصقل هذا السيف # هذه كلمة تمثيل من معدن الحكمة وعامة الحكمة في الأمثال لأن الأمثال ~~أنموذج الآخرة والملكوت وبالخلق حاجة إلى معاينة الأجل وإنما يعاينوه ~~بالعاجل ولهذا ما ضرب الله تعالى الأمثال في تنزيله الكريم وعجل ms419 لأهل ~~الدنيا من نعيم الجنان أنموذجا من الأنوار والطيب والذهب والفضة واللؤلؤ ~~والزبرجد وسائر الجواهر لأنهم لو لم يروا ذلك في الدنيا لم يفهموا منه تلك ~~الصفة فوصف لهم ثلاث درجات درجة فضة ودرجة ذهب ودرجة نور وأمسك عن وصف سائر ~~الدرجات إذ ليس عندهم أنموذجاتها فيفهمون بها عنه ما يصفه فقال @QB@ لا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين @QE@ PageV03P021 # والسيف أمره وجي لا يكاد يلبث بصاحبه فكذلك المرأة شهوتها من بين الشهوات ~~كالسيف من بين الأسلحة # روي أن إبليس لما خلقت المرأة قال أنت نصف جندي وأنت موضع سري وأنت سهمي ~~الذي أرمي بك فلا أخطئ # وذكر الله تعالى في تنزيله الكريم حب الشهوات فبدأ بذكر النساء فقال عز ~~من قائل @QB@ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين @QE@ ليعلم أنها أقوى ~~الشهوات وقال @QB@ وخلق الإنسان ضعيفا @QE@ أي في شأن النساء وقال تعالى ~~@QB@ لتسكنوا إليها @QE@ ولا يكون السكن إلا من الاضطراب والجولان # وذكر الله تعالى في تنزيله الكريم شأن ثلاثة من أنبيائه وأعلام أرضه ~~ابتلوا بهن يوسف وداود ومحمد عليهم السلام # فأما يوسف فابتلي بامرأة العزيز فلما تزينت له وراودته @QB@ قال معاذ ~~الله إنه ربي أحسن مثواي @QE@ # فلم تزل في مراودته ومخادعته حتى خلت به في بيتها وغلقت الأبواب # فقالت له يا يوسف ما أحسن صورة وجهك # قال في الرحم صورني # قالت ما أحسن شعرك # قال هو أول شيء يبلى مني في قبري PageV03P022 # قالت ما أحسن عينيك # قال بهما أنظر إلى ربي # قالت ارفع بصرك فانظر في وجهي # قال أخاف العمى في آخرتي # قالت أدنو منك وتتباعد عني # قال أريد الاقتراب من ربي # قالت فادخل القيطون معي # قال القيطون لا يسترني من ربي # قالت فراش الحرير قد فرشته قم فاقض حاجتي # قال إذن يذهب من الجنة نصيبي # قالت إنك لجريء على سخطي # قال أريد بذاك مرضاة ربي # قالت أنت عبدي اشتريتك بمالي فتعظم علي # قال بجرمي وخطيئتي اشتريتني # قالت ضع يدك على صدري # قال إنه لا صبر لي على ms420 احتراق جسدي إذا زرعت في أرض غيري # قالت يا يوسف الجنينة قد عطشت قم فاسقها # قال الذي بيده مفاتيحها أحق بسقيها # قالت أعتقتك من الرق وجعلتك بمنزلة زوجي فبأي حول امتنعت مني # قال بحول ربي الذي في السماء معمره ومكان سيدي الذي في الأرض سلطانه ~~أخافه على نفسي # قالت إني مسلمتك إلى المعذبين # قال ذاك فعل إخوتي # قالت النار قد التهبت قم فاطفئها PageV03P023 # قال أخاف أن يحرقني بها ربي # فلم تزل تخدعه وتراوده حتى هم بها فلما حل سراويله ورد يده إلى جيب قميصه ~~ليخلعه ويدخل معها في فراشها ناداه مناد من السماء ثلاث مرات مهلا يا يوسف ~~فإنك إن واقعت الخطيئة محي اسمك من ديوان النبوة # فلم يكترث لذلك الصوت وغلبه ما حدث فيه من الشهوة فمثل الله تعالى له ~~أباه في مثل صورته التي عهده فيها فنظر إليه غضبان عاضا على أنملته المسبحة ~~يوعده فلما رأى ذلك يوسف عليه السلام كف وهرب موليا نحو الباب واتبعته ~~سيدته فتداركا عند الباب ينازعها ليخرج وتجره من خلفه ليرجع فانقد قميصه من ~~دبر وألفيا سيدها لدى الباب @QB@ قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن ~~يسجن أو عذاب أليم @QE@ # فلما رأى ذلك يوسف عليه ا لسلام أفشاها فقال @QB@ هي راودتني عن نفسي ~~@QE@ حتى آل الأمر إلى أن شاع أمرها في النساء وقبح عليها الأمر فجمعت ~~النساء وجعلت عيدا واستعانت بهن عليه وأوعدته وهددته إن لم يفعل ذلك ليسجنن ~~أو عذاب أليم وليكونن من الصاغرين @QB@ قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني ~~إليه @QE@ فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن # فلبث في السجن بضع سنين أي عشر سنين فلما انتهت مدة عقوبة الهم وجاء أوان ~~الخروج منه قال لذلك الذي كان حبسه الملك PageV03P024 ثم أخرجه @QB@ اذكرني ~~عند ربك @QE@ @QB@ فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين @QE@ أي ~~ثلاث سنين # فلما انتهت مدة عقوبة قوله @QB@ اذكرني عند ربك @QE@ جاء جبريل عليه ~~السلام فقال له إن الله تعالى يقول لك أتحب أن يكلك ms421 الله في شيء من أمرك ~~إلى فرعون عنده # قال يوسف عليه السلام أعوذ من ذلك برأفة ربي ورحمته فخرج من السجن وآتاه ~~الله تعالى ملك مصر وخوله خزائن أرضها حتى جمع بينه وبين يعقوب عليهما ~~السلام وجمع شمله في إخوته وأهل بيته وانتقلوا إلى مصر # وروي أن امرأة العزيز أصابتها حاجة فقالوا لها لو أتيت يوسف فسألته ~~فاستشارت الناس في ذلك فقالوا لها لا تفعلي ذلك فإنا نخاف عليك قالت كلا ~~إني لا أخاف ممن يخاف الله تعالى فدخلت عليه فرأته في ملكه فقالت الحمد لله ~~الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته وجعل الملوك عبيدا بمعصيته فقضى لها جميع ~~حوائجها ثم تزوجها فوجدها بكرا فقال لها أليس هذا أجمل مما أردت # فقالت يا نبي الله إني ابتليت فيك بأربع كنت أجمل الناس كلهم وكنت أنا ~~أجمل أهل زماني وكنت بكرا وكان زوجي عنينا # وأما داود عليه السلام فإنه قعد في المحراب والزبور في حجره يقرأه إذا ~~طائر بين يديه عليه من الألوان أكثرها وسليمان عليه السلام صغير يلعب عنده ~~فلما أهوى ليأخذه طار من الكوة وقيل إنه كان إبليس فظهر له في هيئة طائر ~~ليفتنه فأخرج داود عليه السلام PageV03P025 رأسه فوقع بصره على امرأة حسناء ~~تغتسل على رأس بركة في بستانها تحت محراب داود عليه السلام فرأت ظله في ~~البركة وأنه قد اطلع عليها إنسان فحركت شعرها فجللت جميع جسدها بشعرها فرجع ~~داود عليه السلام من الكوة بجسده وبقي القلب هناك فخرج من المحراب وقصد بيت ~~المرأة لينقلها إلى نسائه لتكون لنفسه في ذلك شفاء مما حدث حتى يقدم زوجها ~~أو ينتظر ما يكون فوقف على مدرجته ملكان يقول أحدهما لصاحبه لقد أكرم الله ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب عن مثل هذا الممشى فلم ينتفع بما سمع حتى صار من ~~أمره إلى أن كتب لصاحب البعث أن يقدم زوجها إلى التابوت وكان من قدم لذلك ~~لا يرجع حتى تفتح المدينة أو يقتل فقدم زوجها في نفر إلى التابوت فقاتلوا ~~حتى قتلوا # واعتدت المرأة ms422 فخطبها وتزوجها واشتغل عنها بالتوبة وأقبل على العبادة ~~متداركا لما سلف منه حتى شغل عن أمور بني إسرائيل وجعل يأكل قويهم ضعيفهم ~~فلا يجد الضعيف غياثا ويقيم شهرا ببابه فلا يصل إليه لشغله بما أحدث من ~~الأمر حتى طمع فيه سفهاء بني إسرائيل وائتمروا في خلعه فانطلقوا إلى إبن له ~~أكبرهم سنا وأعزهم عليه وهو يكرهه فخدعوه ومنوه الملك وقالوا أنت أكبر ولد ~~أبيك وقد كبر أبوك وشغل وعجز عن السياسة وضاعت حقوق الناس وأحكامهم وأنت ~~أحق من يدارك ذلك ولا نراه يكره ذلك فإن هو عاتبك في ذلك أخبرته أنك إنما ~~فعلت ذلك نظرا له وشفقة عليه حين خشيت PageV03P026 الأمم وضياع الناس وخشيت ~~على ملكه الأعداء فلم يزالوا يخدعونه حتى بايعهم فلم يشعر داود عليه السلام ~~حتى خلع وأصبح ابنه يبايع الناس ويدعو إلى نفسه # فلما بلغ ذلك داود عليه السلام عرف أنه عقوبة لذنبه فخاف الفتنة والبلاء ~~فهرب بنفسه ومعه أمير جنده وصاحب مشورته حتى إذا كان ببعض الطريق وهو يريد ~~جبلا يتحصن فيه لقيه رجل من بني إسرائيل قد غلب القضاة والحكام قبل داود ~~فلما ولي داود عليه السلام أنصف منه الضعيف وأقام عليه الحدود فلما نظر ~~الرجل داود في مذلة البلاء قال الحمد لله الذي نزع ملكك وأهانك وأذلك ~~وأفردك إلى نفسك وفرق عنك جموعك فسل ابن أخت داود الذي هو أمير جنوده سيفه ~~ليضربه فقال له داود عليه السلام مهلا فإن هذا ليس هو الذي يسبني على لسانه ~~ولكن الله هو الذي يسبني على لساني بذنبي وخطيئتي ومتى كان يطمع هذا أو ~~يرومني حتى يأذن الله له في فلم يظلمني ربي وأنا الذي ظلمت نفسي فلما ~~انطلقوا هاربين كمنوا في تلك الجبال لا يأمنون القتل # وكان لداود عليه السلام صاحب شورى يقال له نوفيل فغضب عليه وعزله واستبدل ~~به فقال ابن داود عليه السلام لنوفيل كيف الرأي في أمره قال أن تطأ فراشه ~~حتى يستيقن الناس أنه ليست لداود بقية عندك # قال كيف الرأي في ms423 قتاله # قال إن كنت تريد من يوم من الأيام فعجله اليوم ما دام مخذولا مسخوطا عليه ~~وإن أخرت أمره حتى يتوب الله عليه ويغفر له لم تطقه فهو الذي قتل جالوت وبز ~~طالوت ملكه وأذل رقاب الملوك # ثم استشار ابن داود آخر فقال له سمعت بابن نبي قتل أباه PageV03P027 أم ~~هل سمعت بنبي أذنب فلم تقبل توبته أم ماذا تقول لربك يوم القيامة وقد قتلت ~~نبيه وأباك ووطئت فراشه وما وجه من قتل أبا نبيا ونكح أمه ما أعلم يقبل ممن ~~فعل هذا صرف ولا عدل فإن كان لا محالة أنت ضابط هذا الملك وبما أجمعت عليه ~~من عقوق أبيك وخلعه فلا تطلبه ولا تقتله فإن كان الله تعالى قد أذن بفنائه ~~فما أكثر معاريض البلاء التي تكفيك ذلك منه وإن كانت له مدة وحياة يستكملها ~~ألفيتك لم تأثم بربك ولم تفرط بوالدك # فقال الرأي رأيك وما أسمعك عرضت بغش ولا ادخرت نصيحة وأنا متابعك على ما ~~في قلبك وكاف عن داود ما كف عني فإن قاتلني حميت نفسي مخافة أن يظفر ~~فيقتلني فقال له الرجل إن داود لن يقاتلك حتى يقبل الله توبته ويأذن له ~~لقتالك وإن ظفر بك أحياك وأمنك فإنه أعظم حلما وأوسع عفوا من أن يقتل ولده # ولبث داود عليه السلام من يوم خرج إلى أن رجع إلى ملكه سنتين وانقطع ~~الوحي فلما رد الله تعالى إليه ملكه سرح ابن أخته وهو أمير جنده فأمره أن ~~يدخل المدينة ثم يدعو إلى داود عليه السلام ويخبر بني إسرائيل أن الله ~~تعالى قد قبل توبته ورد إليه ملكه فاتبعوه إلا قليل منهم انحازوا إلى ابنه ~~وكرهوا أن ينظروا إلى وجه داود عليه السلام بعد الذي كان منهم فاستقبلوا ~~فقاتلوا قتالا شديدا حتى قتلوا وكف ابن داود عليه السلام فلم يقاتل حتى قتل ~~أصحابه # ثم إنه هرب حياء من أبيه وأن لا يرى أبوه وجهه فتبعه ابن أخت داود وعهد ~~إليه داود عليه السلام وحذره أن يقتله وقال له ms424 إياك أن تقتله فإني قاتلك به ~~إذا خالفت أمري فإنه أعز ولدي علي ابتلاني الله تعالى به ليذلني وينقمني ~~بذنبي ويهينني بخطيئتي وينزع ملكي ثم تداركني عفوه ورحمته فعفا عني وقبل ~~مني وقبل PageV03P028 توبتي فينبغي لي أن أعفو كما عفا وأرجو له من التوبة ~~ما رجوت لنفسي فليس هو بأعظم جرما مني فالحذر على دمه # فلحقه فوجده قد علقته شجرة دخل عود منها برنسه فاقتلعه من السرج وزلت ~~الدابة من تحته حتى اقتلعه العود فبقي معلقا وذهبت الدابة فطعنه ابن أخت ~~داود بالرمح حتى اعتدل فيه وترك وصية داود عليه السلام ثم انصرف وتركه حتى ~~مات معلقا فغضب داود عليه السلام وقال إني قاتلك عاجلا أو آجلا فوطن نفسك ~~على ذلك واستبقاه داود عليه السلام لأنه كان رجلا منصورا بعيد الصوت ~~والنكاية في العدو فكره أن يعجل قتله فلما حضرته الوفاة أوصى سليمان عليه ~~السلام بقتله فقتله ساعة رفع يده من قبره # فلما تيب عليه التوبة الظاهرة ورد الله تعالى إليه ملكه واطمأن نزل عليه ~~الملكان فتسورا المحراب على ما قص الله تعالى وانكشف عنه الغطاء عن فعله ~~فبرز صارخا متململا وسجد سجدة العويل والنوح دام في ذلك أربعين صباحا حتى ~~نبت العشب حول رأسه من دموع عينيه فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال يا داود ~~ارفع رأسك فقد غفر لك فقال يا جبرئيل كيف بالرجل قال إن الله تعالى قد ~~أعاضه الجنة وقد غفر لك فارفع رأسك # وأما محمد صلى الله عليه وسلم فإنه وافى باب زيد بن حارثة ووقع بصره على ~~امرأته زينب بنت جحش رضي الله عنها وهي في خمار أسود وكانت وسيمة وذات هيئة ~~وهي واقفة في صحن الدار فوقعت في نفسه فقال بكفيه على عينيه وتولى وقال ~~سبحان مقلب القلوب والأبصار فرجع إلى منزله فلما آوى زيد إلى فراشه عجز ~~عنها وحيل بينه وبين إتيانها فلما رأى ذلك أحس بأمر حادث من الله فجاء إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطلقها فاعتل بعلل تطييبا لقلب ms425 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال له ( اتق الله يا زيد وأمسك عليك زوجك ) فلم يزل ~~زيد PageV03P029 عن عزمه الذي عزم ا لله على قلبه فكما قلب قلب محمد صلى ~~الله عليه وسلم فهويها كذلك قلب قلب زيد حتى طلقها وانقضت عدتها فنزل ~~القرآن الكريم بتزويجها منه على لسان جبرئيل فلما نزل قوله تعالى @QB@ فلما ~~قضى زيد منها وطرا زوجناكها @QE@ قام عليه السلام فدخل عليها بغير إذن وهي ~~لا تعلم شيئا فقعد عندها # فأما يوسف عليه السلام حين البلاء قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ~~اعتصم بالله تعالى وأخذ العدة من التعوذ به وذكر إحسان من ملكه وكفران ~~نعمته أن يخون في أهله # وأما داود عليه السلام حين شخص له البلاء اعتصم بالحيل ونقل تلك المرأة ~~إلى نسائه لتطمئن النفس وأما محمد صلى الله عليه وسلم فزع إلى الله تعالى ~~فردا حين شخص له البلاء واعتصم بفردانيته فقال سبحان مقلب القلوب فذكر ~~نزاهته ومشيئته فتعلق بها وتضرع إليه أن لا يقلبها إلى ما لا يليق به ولا ~~يحسن عنده فكان عقبى نطق يوسف عليه السلام أن تركه حتى هم بها وكاد الأمر ~~أن يكون ثم تداركه برحمته التي بها نال الاستخلاص وصرف عنه بالبرهان وهو ~~جبرئيل في صورة يعقوب عليه السلام وهو سبب من الأسباب وكان عقبى تعلق داود ~~عليه السلام أن تركه حتى هم بما هم من شأن أوريا حتى مضى الأمر إلى آخره ثم ~~نبهه بالملكين وعاتبه وملأ المشرق والمغرب جزعا على مأتمه للمصيبة التي حلت ~~به وللحرقات التي هاجت منه وصارت إنابته وتوبته حديثا في العالمين ليكون ~~مددا للنواحين أيام الدنيا # وكان عقبى تعلق محمد صلى الله عليه وسلم أن ولي خلاصه من ذلك بنفسه فردا ~~ومنع زيدا من إتيانها وأخذ بقلبه عنها حتى طلقها ثم ولي تزويجها ~~PageV03P030 منه فردا وأنبأه من طريق الوحي أن قد زوجناكها وأخرج ذلك من ~~تدبير أهل الدنيا حيث تزوجوا بولي ورضاء وشاهدان ومهر فهذه مرتبة رفيعة ~~لمحمد صلى الله ms426 عليه وسلم حين أخرج تزويجه زينب من تدبيره لعامة من خلقه ~~فزوج أمته من عبده وولي ذلك بكرمه ورحمته وأشهد الوحي على ذلك وجعل مرتبته ~~صداقا لها منه وأعلم الأمة محل هذه القلوب الثلاثة أين كانت منه وبروز قلب ~~محمد صلى الله عليه وسلم على سائر القلوب PageV03P031 # | - * الأصل الخامس عشر والمائتان # - * # | في أن أبا موسى أوتي مزمارا من مزامير آل داود عليه السلام # عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لقد أوتي أبو ~~موسى مزمارا من مزامير آل داود ) فبلغ ذلك أبا موسى فقال يا رسول الله لو ~~علمت أنك تسمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا # الرمز والزمر بمعنى واحد إلا أن الرمز بالشفتين والزمر بالحنجرة والرمز ~~بتحريك الشفتين فإذا كان بصوت فهو كلام لأنه يدخل السمع فيكلم القلب أي ~~يؤثر فيصور معاني ذلك الصوت PageV03P032 الذي نطق به في الصدر وإذا كان ~~بغير صوت فهو رمز لأنه إشارة إلى حروف شفتيه فيقوم مقام الصوت فيفهم منه ~~وأما الرمز فإذا خرج الصوت من جو الصدر إلى جو الرأس حرك الحنجرة المركبة ~~بعضها على بعض حتى يرد الصوت ويرجعه فإذا تردد صارت له صداء وبذلك الصداء ~~يتلون الصوت فيصير ألوانا فتلذذ به لأن بين اللونين تدبيرا من تدبير الله ~~تعالى ولطفا من لطفه ففصل بين اللونين حتى إذا سمعت الأول ورد الثاني ثم ~~عاد الأول فورد على السمع طريا ثم عاد الثاني فورد طريا فتلك الطراوة على ~~السماع وجود اللذة ولهذا إذا دام اللون سمج وفقدت لذته فأخبر عليه السلام ~~أن هذه الأصوات الزائدة على أصوات العامة من عطاء ربنا وفضله وإنما يؤتي من ~~يشاء من رحمته فلما بلغ ذلك أبا موسى رضي الله عنه عظمت منة الله تعالى ~~عليه أن ركب في جسمه وخلقته شيئا له موقع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من عطايا ربه فقال لو علمت أنك تسمع لقراءتي لحبرته تحبيرا # والتحبير تلوين الصوت ومنه برد حبرة إذا كان ذا ألوان وقال ms427 تعالى @QB@ في ~~روضة يحبرون @QE@ # وخص أهل اليقين بهذا لأن النور يفتح سدد تلك الطرق التي هي مخارج الصوت ~~فيصفو # قال عليه السلام ( لم يبعث نبي إلا حسن الصوت حسن الصورة ) # وأبو موسى رضي الله عنه كان من أولياء الله تعالى المشتعلة PageV03P033 ~~قلوبهم بنوره سلام الله عليهم والذين لا تملكهم نفوسهم بل أوفرهم حظا فلم ~~يكن تأخذه محمدة الخلق فتملكه فلذلك أمكنه أن يقول لو علمت أنك تستمع ~~لقراءتي لحبرته تحبيرا يبتغي بذلك سرور رسول الله صلى الله عليه وسلم # قال عليه السلام ( المخلص من لا يحب أن يحمده الناس في شيء من عمله ) # وأحق من ينفق عليه صوته الممنون عليه بذلك هو الرسول عليه السلام لأن ~~الصوت الحسن حلية القرآن # قال عليه السلام لكل شيء حلية وزينة وحلية القرآن الصوت الحسن # والدليل أن أبا موسى رضي الله عنه كان من الأولياء أنه نزل قوله سبحانه ~~وتعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه @QE@ # قال عليه السلام ( نعم قوم هذا ) وأشار إلى أبي موسى رضي الله عنه فما ~~لبثوا إلا يسيرا حتى قدمت سفائن الأشعريين وقبائل اليمين من طريق البحر ~~وكان لهم بلاء في الإسلام في زمن PageV03P034 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكانت عامة فتوح العراق على يدي قبائل اليمن في زمن عمر رضي الله عنه # وعن زيد بن أسلم رضي الله عنه أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر ~~في نفر منهم لما هاجروا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في فلك وقد ~~أرملوا من الزاد فأرسلوا رجلا منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله ~~فلما انتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه يقرأ هذه الآية @QB@ ~~وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها @QE@ فقال الرجل ما الأشعريون ~~بأهون الدواب على الله فرجع ولم يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال لأصحابه ( أبشروا أتاكم الغوث ) ولا يظنون إلا أنه قد ms428 كلم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فوعده # فبينا هم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينهما مملوءا خبزا ولحما ~~فأكلوا منها ما شاءوا ثم قال بعضهم لبعض لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليقضي به حاجته فقالوا للرجلين اذهبا بهذا الطعام ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنا قد قضينا منه حاجتنا ثم إنهم أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله فما رأينا طعاما أكثر ~~ولا أطيب من طعام أرسلت به فقال يا رسول الله فما رأينا طعاما أكثر ولا ~~أطيب من طعام أرسلت به فقال ( ما أرسلت إليكم شيئا ) فأخبروه أنهم أرسلوا ~~صاحبهم فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ما صنع وما قال لهم فقال ~~صلى الله عليه وسلم ذلك شيء رزقكموه الله سبحانه # وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( يقدم عليكم ~~قوم هم أرق أفئدة منكم ) فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى PageV03P035 رضي ~~الله عنه فجعلوا يرتجزون ويقولون غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه # وقوله ( من مزامير آل داود ) فإن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان داود ~~عليه السلام يقرأ الزبور بسبعين صوتا يلون فيها وكان يقرأ قراءة يطرب منها ~~المحموم وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر ولا بحر إلا سمعن ~~لصوته # وعن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال كان داود عليه السلام يأخذ المعزفة ~~فيضرب بها ثم يقرأ عليهم يريد أن يبكي بذلك ويبكي والمعزفة تهيج من معدن ~~السرور ما فيه لا من موضع الحزن فدل أن هذا بكاء الشوق يبكي داود عليه ~~السلام ويبكي المشتاقين لأن المشتاق الهائم من طول الغيبة عمن اشتاق إليه ~~يشتد حزنه وفي باطن حزنه السرور لأن الحب أصله والسرور من الحب والشوق من ~~السرور والحزن من أجل الشوق فإذا لاقى قلبه أصوات السرور بكي . PageV03P036 # | - * الأصل السادس عشر والمائتان # - * # | في بئس العبد من ثمانية أوجه والتحذير ms429 منها # عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول ( بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى بئس العبد عبد سهى ~~ولها ونسي المبدأ والمنتهى بئس العبد عبد بغى وعتا ونسي المقابر والبلى بئس ~~العبد عبد يحتال بالدين والدنيا بئس العبد عبد يختل الدنيا بالشبهات بئس ~~العبد عبد يذله الرعب عن الحق بئس العبد عبد طمع يقوده بئس العبد عبد هوى ~~يضله ) # قوله ( تجبر واعتدي ) احتشى من الشهوات وعمل بهواه وجبر الخلق على هواه ~~وصار ذلك له عادة واعتدى في جبريته ونسي PageV03P037 الجبار الأعلى الذي له ~~الجبر وقد صغرت الدنيا بمن فيها والملكوت في ملك جبروته ودق # وقوله ( سها ولها ) سهوه بالأماني ولهوه بالشهوات ونسي المبدأ من أين خلق ~~ونسي المنتهى إلى أين يرد # وقوله ( بغى وعتا ) أي طلب العلو كلما رأى من الدنيا درجة أحب أن ينال ~~ذلك ويسلب غيره ليتفرد بها دون نظرائه ( وعتا ) يبس قلبه فإن حرارة شهوته ~~انتشفت رطوبة قلبه وما ركب فيه من الرأفة والرحمة الخلقية ونسي أن القبر ~~متضمنه ومحتوى على أركانه ومبلي لحمه ودمه أكلا # وقوله ( يحتال الدنيا بالدين ) فهو متصنع مداهن همته فيما يعرض له في ~~العاجل من النهمة متى ينالها لبعد قلبه عن الآخرة مترصد للتوثب على الدنيا ~~لينالها وليظفر بها منتهزا لفرصتها يتحلى بظاهر الإيمان ليطارد به الدنيا ~~وصير معالم الإيمان شبكة لحطامها وأوساخها يظهر الخشوع بالتماوت ليحظى عند ~~أهل الدنيا فينال من عزها وجاهها ويتحازن عند لقاء الخلق ويتنفس الصعداء ~~يظهر الاهتمام لدينه والتحسر على إدبار أمره وأسفه على ما يفوته من الدنيا ~~ويمتنع من قبول النزر اليسير من الدنيا ليكون في هيئة الزاهدين ولئلا ينكسر ~~جاهه عند الخلق ويصير عندهم في صورة الراغبين ومع ذلك قد هيأ على كل باب من ~~منالات الدنيا بابا من أبواب الدين ليختله من أيديهم يظهر الزهادة ليمال ~~عليهم الدنيا ويظهر العبادة لتكفي مؤنه ويظهر الورع ليؤتمن على الأموال ~~ويظهر الانقباض ليهاب ويظهر الشره على ms430 أهل الريب ليشار إليه بالأصابع ويطلب ~~الرياسة ليحكم في الخلق في معاملته تحكم الملوك ويطلب العز لنفاذ مشيآته ~~فيهم # قوله ( يختل الدنيا بالشبهات ) فهو رجل فر من الحرام ويغمص عند الشبهة ~~يخادع الله تعالى بذلك ويقول أفر من الحرام PageV03P038 # وقوله ( يذله الرعب عن الحق ) إذا استقبله حق من حقوق الله تعالى فأراد ~~أن يقيمه جاءت النفس بسوء ظنها فخوفته وجوه المهالك حتى ترعبه فتذله قد ~~علاه الرعب من سوء الظن فانكسر قلبه وانخلع جبنا # قال عليه السلام ( شر ما في الإنسان حرص هالع وجبن خالع ) # وقوله ( طمع يقوده ) هو أن يتمنى أمرا من شهوات الدنيا فلا يزال يتمنى ~~ويفكر حتى يجد طمعه في الفكر الذي جال في صدره فإذا وجد القلب طمعه قادته ~~تلك الشهوة # وقوله ( هوى يضله ) هو ترك الحق في أموره وفي سيره إلى الله تعالى حتى ~~يقع في الباطل والهوى والزيغ عن سواء السبيل PageV03P039 # | - * الأصل السابع عشر والمائتان # - * # | في سر دعوات أبي ذر رضي الله عنه # عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أتاه جبرئيل ~~عليه السلام فبينما هو عنده إذ أقبل أبو ذر فنظر إليه جبرئيل فقال هو أبو ~~ذر قلت يا أمين الله وتعرفون أنتم أبا ذر فقال نعم والذي بعثك بالحق ان أبا ~~ذر أعرف في أهل السماء منه في أهل الأرض وإنما ذلك لدعاء يدعو به كل يوم ~~مرتين وقد تعجبت الملائكة منه فادع به فسل عن دعائه فقال عليه السلام ( يا ~~أبا ذر دعاء تدعو به كل يوم مرتين ) قال نعم فداك أبي وأمي ما سمعته من بشر ~~وإنما هو عشرة أحرف ألهمني ربي إلهاما وأنا أدعو به كل يوم مرتين أستقبل ~~القبلة فأسبح الله مليا وأهلك مليا وأحمده مليا وأكبره مليا ثم أدعو بتلك ~~العشر الكلمات اللهم إني أسألك إيمانا دائما وأسألك قلبا خاشعا وأسألك علما ~~نافعا وأسألك يقينا صادقا وأسألك دينا قيما وأسألك العافية من PageV03P040 ~~كل بلية وأسألك تمام العافية وأسألك دوام العافية وأسألك ms431 الشكر على العافية ~~وأسألك الغنى عن الناس # قال جبرئيل يا محمد والذي بعثك بالحق لا يدعو أحد من أمتك هذا الدعاء إلا ~~غفرت له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر وعدد تراب الأرض ولا يلقاك أحد ~~من أمتك وفي قلبه هذا الدعاء إلا اشتاقت إليه الجنان واستغفر له المكان ~~وفتحت له أبواب الجنة ونادت الملائكة يا ولي الله أدخل من أي باب شئت # ( إيمانا دائما ) أن يدوم له توحيده حتى يختم له بذلك فلا يسلبه فيلقى ~~ربه بإيمانه وأن يكون له يقين يصير أموره معاينة ولا ينقطع ذكر الله تعالى ~~عن قلبه على كل حال ويصير قلبه خاليا عن ذكر كل شيء وينفرد للفرد الواحد ~~فيأنس به ويطمئن إلى حكمه وإذا غلبته شهوة أو رغبة أو رهبة أو غضبة فملكته ~~نفسه صار إيمانه في قلبه كشمس قد انكسفت فذهب ضوؤها فسأل إيمانا دائما أي ~~يدوم له شمسه فلا تنكسف حتى يكون صدره مستنيرا بنور اليقين في كل أمر # ومنه قول أبي الدرداء رضي الله عنه حين بلغه أن فلانا أعتق مائة رقبة ~~إيمان ملزوم بالليل والنهار ولسانك رطب بذكر الله تعالى أفضل من ذلك # وقال ابن رواحة رضي الله عنه إذا دام الإيمان على القلب دام الذكر # ومن ههنا قال معاذ رضي الله عنه تعال نؤمن ساعة PageV03P041 # وقال عليه السلام أشد الأعمال ذكر الله تعالى على كل حال # ( وقلبا خاشعا ) ماتت شهواته فذلت النفس لله تعالى وخشع القلب مما طالع ~~من جلال الله تعالى وعظمته # ( وعلما نافعا ) هو الذي تمكن في الصدر وتصور بالنور الذي أشرق في الصدر ~~فتصور الأمور حسنها وسيئها فيأتي حسنها ويجتنب سيئها فذلك العلم النافع من ~~نور القلب والعلم الذي تعلمه فذلك علم اللسان إنما هو شيء قد استودع الحفظ ~~والشهوة غالبة عليه قد أحاطت وأذهبت بظلمتها ضوءه # ( ويقينا صادقا ) ينفي الشك ولا يغلب الشهوة وهو يقين التوحيد ويقين آخر ~~نور مشرق للصدر غالب للشهوات صارت له أمور الدنيا والآخرة وأمر الملكوت ~~معاينة قد ورث ms432 قلبه الخشية والمحبة والهيبة والتعظيم لله عز وجل # ( ودينا قيما ) أي الخضوع لله تعالى بأمره ونهيه بأن يكون مسيره إليه في ~~الشريعة على سبيل الاستقامة لا زيغ فيه ولا بدعة فيحل ما أحله ويحرم ما ~~حرمه ويؤدي فرائضه ويجتنب مساخطه قال الله تعالى @QB@ وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين @QE@ الآية وأعلاه أن يدين لله تعالى حتى لا ~~يلتفت إلى أحد سواه فيكون هو ملجأه ومفزعه # ( والعافية من كل بلية ) بلية تعجيل عقوبة العبد مثل ما نزل بيوسف ~~PageV03P042 عليه السلام من لبثه في السجن بالهم وبلية امتحان مثل ما نزل ~~بأيوب عليه السلام قال الله تعالى @QB@ إنا وجدناه صابرا @QE@ # وبلية كرامة مثل ما نزل بيحيى بن زكريا الذي لم يعمل خطيئة قط ولم يهم ~~بها فذبح ذبحا وأهدي رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل فسأل العافية من ~~ذلك كله # والعافية أن لا يكله إلى نفسه ولا يخذله بل يكلؤه ويرعاه في كل هذه ~~الوجوه # ( ودوام العافية ) أن تدوم له فلا تنقطع وتمام العافية أن تكون عافية لا ~~شوب فيها والشكر على العافية فإن به ترتبط النعمة ويجلب المزيد والغنى عن ~~الناس بالاستغناء بالله تعالى وفيه الخروج من الرق إلى الحرية PageV03P043 # | - * الأصل الثامن عشر والمائتان # - * # | في أن العين حق # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~العين حق ولو كان شيء سابقا القدر لسبقه العين وإذا استغسلتم فاغسلوا ) # قال أبو عبد الله رحمه الله كان الله ولا شيء ثم أبدا ملكه وربوبيته ثم ~~خلق الخلق لإظهار ملكه ليدينوا له عبودة ولا يشغلوا بالأشياء عن صانع ~~الأشياء فيلهيهم عنه ويفتتنوا بهم فإذا أعجب واحد بشيء من خلقه غير ذلك ~~الحال ليفسد إعجابه وكان هذا حق من فعله لأن شرطه حين خلق الخلق أن ينتظروا ~~إلى صنعه ويرونه محمودا # قوله ( لو كان شيء سابقا القدر لسبقته العين ) فإن الله تعالى ~~PageV03P044 قدر المقادير قبل الخلق بخمسين ألف سنة فليس شيء من الخلق سبق ~~القدر لأنهم ms433 خلقوا بعد القدر وإنما قدر الخلق ليخلق ويظهر ملكه وربوبيته ~~فيحمدوه ويعبدوه ويضيفوا الأشياء إلى وليها وصانعها كما روي أن الله تعالى ~~قال ( ما خلقت الجن والإنس لحاجة كانت بي إليه ولكن لأبين به قدرتي ولأعرف ~~به الناظرين نفسي ولينظروا في ملكي وتدبير حكمتي وليدين الخلائق كلها لعزتي ~~ويسبح الخلق بحمدي ولتعنو الوجوه كلها لوجهي ) # فمن غفل عن الله تعالى ونظر إلى الأشياء بعين الغفلة فيعجب بها وتصير ~~فتنة عليه ومن شرط الله تعالى أن يعتبروا وعبروا عن الأشياء إلى خالقها ~~فإذا لم يعتبروا وبقوا مع الأشياء عجبا وفتنة فسد ذلك الشيء عليهم كي ~~ينبئهم ويعير عليهم عجبهم وقد تقدم شرط القدر على الخلق فلو كان شيء سابق ~~القدر لسبقته العين لقربه وجواره له ولا يسبقه لأن القدر قبل أن يخلق الخلق # وقوله ( فإذا استغسلتم فاغسلوا ) هكذا جرت السنة أن العاين يتوضأ أو ~~يغتسل ليغسل بتلك الغسالة هذا المعان فيخف ما به وينحل من ثقله كما ينحل ~~صاحب الأخذة من سحره # فإن أخذه المعان من قبل الحق فإن الحق عز وجل يقتضي أن ينسبوا الأشياء ~~إلى وليها ومالكها ولا يرضى أن تضاف إلى غير خالقها فإذا أخذت الأشياء عن ~~الأسباب في حالة الغفلة عن الله تعالى والشرط النظر إلى صنع الله تعالى ~~ولطفه في صنعه وبره بالعبد وعطفه عليه فاقتضى الحق تعالى شكره لولي الخلق ~~فإذا نظروا إلى الأشياء فأعجبوا بها ناشد الحق وليها في إفساد ما به أعجبوا ~~لأن تلك النعمة PageV03P045 حدثت من الملك من خزائن المنة على أيدي لطفه ~~فغيرها العباد بعمى النفوس عن جهتها فغير الله تعالى ما بهم قال الله تعالى ~~@QB@ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~@QE@ الآية # فغير الله تعالى الحال وأفسد عليها إعجابها رحمة للناظر والمنظور إليه ~~ليكون للناظر عبرة وللمنظور إليه خروجا من أن يكون سببا لما كره الله تعالى ~~من فتنة العباد من دونه فأمر هذا العاين أن يغتسل فإن الغسالة مرفوضة ~~تعافها النفس ms434 وجعل الله الشفاء فيما رفضت نفسها وعافته إذ ليس شيء في الأرض ~~مما يلائم النفس إلا ولها فيه شهوة وإليها نزوع فإذا استشفي هذا المعان بما ~~قد رفضت نفس العاين وليس لها فيه شهوة ولا إرادة تخلصت من آفة النفس تقربا ~~إلى الله تعالى بخلافها والرد عليها تأميلا للشفاء وحسن ظنه به فحقق الله ~~تعالى أمله ويفي بالظن فيعافيه وصارت النفس مزجورة مذمومة بفعلها # وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أكثر من ~~يموت من أمتي بالنفس بعد كتابه وقضائه ) يعني بالعين # وعن أنس رضي الله عنه قال كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيم ~~مريض فسأل عنه يوما فقالوا إنه لمثبت يا رسول الله قال ( أفلا استرقيتم فإن ~~ثلث منايا أمتي من العين ) وإنما صار كذلك لأن هذه الأمة فضلت باليقين على ~~سائر الأمم فحجبوا يقينهم بالشهوات فعوقبوا PageV03P046 بآفة رحمة من الله ~~لهم فإنه لما فضلهم باليقين وهو التأييد الأعظم لم يرض منهم بأن ينظروا إلى ~~الأشياء بعين الغفلة وتتعطل منة الله تعالى عليهم وتفضيله إياهم والله أعلم ~~PageV03P047 # | - * الأصل التاسع عشر والمائتان # - * # | في الاستعاذة بالله تعالى # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من ~~استعاذكم بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ومن استجاركم بالله فأجيروه ~~ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد ~~كافأتموه ) # الاستعاذة بالله تعالى دخول في مأمنه وحريمه ومن التجأ إلى ملك في الدنيا ~~هاب طالبه أن يتكلف عنه أذى وكف عنه إعظاما لمن التجأ إليه ولم يرض الملك ~~أن يتكلف الطالب منه بعد ذلك مكروها وإن خذله عد ذلك منقصة فكيف ممن دخل في ~~عياذ الله وجواره # وقوله ( من سألكم بالله فأعطوه ) فالسؤال بالله أن يسأل ربه أن يسأل هذه ~~الحاجة له فكأنه صير الرب عز وجل سائلا بينه وبين صاحبه إذا سأل بحق والله ~~تعالى لا يرد وإذا سأل بباطل فإنه لن يسأل ms435 بالله تعالى وإنما يسأل بالشيطان ~~PageV03P048 # سأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه شيئا فلم يعطه فقال أسألك بوجه ~~الله تعالى فقال له كذبت ليس بوجه الله سألتني إنما وجه الله الحق ولكن ~~سألت بوجهك الخلق # وقال صلى الله عليه وسلم ( من سألكم بالله فأعطوه وإن شئتم فدعوه ) # قال معاذ رضي الله عنه فإن سأل وهو مستحق فإن لم تعطوه فأنتم ظلمة وإن ~~عرفتم أنه غير مستحق أو اشتبه عليكم فلم تعرفوا أنه سأل بحق فيجوز أن لا ~~تعطوه وأما المعروف فإنه يكافئ فإن لم يجد المكافأة فالدعاء أكبر من ~~المكافأة بالشيء لأن الذي أعطاه عوضا من الدنيا وهذا قد كافأه بالمسألة من ~~الله تعالى نوالا ونوال العبد يدق في جنب نوال الله تعالى والعبد إذا صنع ~~إليه معروف فلم يجد ما يكافئ اشتد عليه لكرم طبعه وكونه عارفا بالصنائع ~~شاكرا له فأثقله معروفة فأوعزته الحاجة من الخلائق من أثقال معروفة ففزع ~~إلى الله تعالى وسأله أن يكافئه عنه وهو يحب هذا الخلق من المؤمن فإنه محض ~~الشكر فقمن أن يستجيب له PageV03P049 # | - * الأصل العشرون والمائتان # - * # | في أن القلب ملك والأركان عبيد # عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي ~~القلب # القلب ملك والأركان عبيد وإنما يعمل كل ركن في معمله بمشيئة القلب وأمره ~~والقلب عن مشيئة الله تعالى شاء لم يكله إلى أحد سواه ولم يطلع عليه أحدا ~~يضع فيه ما يشاء ويرفع منه ما شاء والنور والتوحيد فيه والطاعات منه وفكر ~~ذلك كله في الصدر وعنه تصدر الأمور ولذلك سمي صدرا والقلب لتقلبه والقلب ~~معدن النور ومستقر التوحيد ومنظر الرب سبحانه وتعالى والصدر موضع التدبير ~~والفكر والنفس معدن الشهوات فإذا وجدت النفس طريقا إلى القلب مرت بشهواتها ~~إليه فدنست الإيمان PageV03P050 # قال عليه السلام ( الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل ) # وقال أيضا عليه السلام ( الإيمان ms436 حلو نزه فنزهوه ونزاهته أن تفطم نفسك عن ~~الشهوات حتى لا يصل إلى قلبك منه بمنزلة ماء صاف جرى إليه ماء كدر فذهب ~~بصفائه أو عسل ماذي وصل إليه الصبر فغيره عن حالته لأنه إذا استقر في قلب ~~المؤمن توحيد رب كريم ودود ظهر له وداده وكرمه وبره فقد وجد حلاوة التوحيد ~~ونزاهته فإذا جاءت شهوات النفس سبيلا إلى القلب فخالطته وكدرته ومازجت ~~حلاوته فدنست وكدرت فأي خسران أعظم من هذا ومن خلع عليه ملك خير خلعه في ~~خزانته فدنسها بقلة التوقي لها عن مواضع الدنس أو لم يكن محقوقا أن يسلب ~~فيهان أم ليس على حياء من فعله في اليوم الذي دخل على الملك بتلك الخلعة ~~فما ظنك بمن خلع الله تعالى عليه التوحيد فدنسه فانظر ماذا حل به إذا دخل ~~عليه والقلب مثله مثل ملك له عبيد لهم هيئة وشارة ومراكب وزي الأغنياء ~~والملك فقير معدم ليس له مادة ولا كنز فإذا نظر إليه العاقل يقول ليس لهذا ~~الأمر نظام ولا له دوام فإنه معدم # فهذه الهيئآت التي أراها لا تدوم وسيحتاج إلى مثلها وليس له مدد وإن برز ~~له مناوئ يكون زوال ملكه وضياع هؤلاء العبيد ونظر أحوالهم وإن كان الملك ذا ~~كنوز ومادة والعبيد في هيئة بذة يقول في نفسه له بيوت أموال من الكنوز ففي ~~ساعة واحدة يصيرهم فرسانا بجميع آلتهم ويكسوهم من الكسوة ويعطيهم من العدة ~~ما يعرفهم لغناه فكذلك من كان قلبه بين يدي الله تعالى في غناه وسلطانه وقد ~~احتظى PageV03P051 منه الحظ الأوفى من جلاله وعظمته وكبريائه ومجده فهو في ~~تلك الأنوار مشرق صدره بها # فإذا رأى أركانه معطلة من أعمال البر لم يحيره ذلك لأن الملك غني فعري ~~الأرقام لا يضره إذ لا يترك فرضا وإنما يترك فضلا ولا تستبين الفضائل في ~~جنب ما تفضل الله تعالى به عليه من معرفته التي برز بها على الخلق وقد عرف ~~الله تعالى معرفة وثق به في جميع أحواله وفوض أموره إليه # فانظر إلى ms437 تدبيره مراقبا له قابلا لأحكامه قنعا بالذي يؤتى من دنياه ~~مؤتمرا بأمره مطمئنا به ليست له همة ولا نهمة ولا قرار إلا الخلاص من هذا ~~السجن الذي أخذ بنفسه قد ضاعت عليه الدنيا وصارت سجنا لطول احتباسه لأنه ~~ظمآن إلى لقاء مولاه # وأي شيء ألذ من لقاء العبد سيده الذي كان أمله من الدنيا والآخرة فأما ~~الإباق من العبيد الذين جهلوا سيدهم لا يحب لقاء سيده وهل شيء أثقل عليه من ~~لقائه لأنهم استطابوا الحرية وتعجلوها بتقلبهم في دنياهم وشهواتهم وهربوا ~~من العبودة فهم وإن كانوا قد عرفوه ولم يشكوا فيه بعد أن أيقنوا وعلموه علم ~~اللسان إلا أنهم جهال به لم ينكروه لأنه لم يتراء على قلوبهم نور جلاله ولا ~~حل بقلوبهم عظمته ولا تجلل عليها كبرياؤه ولا طالعت مجده وسلطانه ولا عاينت ~~منته وإحسانه ولا فهمت تدبيره ولطفه في الأمور ولا انتبهت لربوبيته ولا ~~شربت بالكأس الأوفى من محبته ولا ظمئت من الشوق إليه ولا ولهت وله العكف ~~ببابه ولا تفسحت في ساحات توحيده متأنسا بجماله ولا انفردت لأحديته ولا ~~حييت بحياته ولا خلصت لوحدانيته ولا طابت بنسيم قربه ولا انشرحت صدورهم ~~بذلك من قلوبهم بل علموا علما مجملا اقتضاهم الإيمان الإقرار بذلك قولا ~~PageV03P052 والاعتقاد له قلبا وصدورهم غير منشرحة بباطن علمه فمن جهل هذا ~~اكتفى بهيئة العبيد والملك فقير معدوم # والعاقل ينظر إلى صلاته وصيامه وحجه وجهاده وأعمال بره وكأنه نظر إلى ~~أركان وجوارح كهيئة العبيد عليهم هيئة مرتفعة ومراكب سرية وأسلحة وافرة ~~وإذا نظر إلى باطن أحدهم وجد خوف الرزق على قلبه كالجبال كاد يموت من همه ~~وخوف الخلق وسقوط منزلته عن قلوبهم ووجد فيهم الفرح بمدح الخلق لهم والثناء ~~عليهم وحب الرياسة وطلب العلو والتبصبص للأغنياء والاستحقار للفقراء ~~والأنفة منهم والاستكبار في موضع الحق والحقد على أخيه المسلم والعداوة ~~والبغضة وترك الحق لمخافة ذل ينزل به والقول بالهوى والرغبة في الدنيا ~~والحرص عليها والشح والبخل وطول الأمل والأشر والبطر والغل والغش والمباهاة ~~والرياء والسمعة والاشتغال ms438 بعيوب الخلق والمداهنة والإعجاب بالنفس والتزين ~~للمخلوقين والصلف والتجبر وغرة النفس والقسوة والفظاظة وغلظ القلب والغفلة ~~وسوء الخلق وضيق الصدر والفرح بالدنيا والحزن على فوتها وترك القناعة ~~والمراء في الكلام والجفاء والطيش والعجلة والحدة وقلة الرحمة وقلة الحياء ~~والاتكال على الطاعات وفضول الكلام والشهوة الخفية وطلب العز واتخاذ ~~الأخوان في العلانية على عداوة في السر والتماس المغالبة والانتصار للنفس ~~والتعظيم للأغنياء من أجل غناهم والاستهانة بالفقراء من أجل فقرهم والغيبة ~~والحسد والنميمة والجور والعدوان # فهذه كلها مزابل قد انضمت عليها طويات صدره وظاهره العبادة وأنواع أعمال ~~البر فإذا انكشف الغطاء عن هذه الأشياء بين يدي الله تعالى كان كمزبلة فيها ~~أنواع الأقذار غشيت بالديباج فلما رفع عنه الغطاء أخذت بالأنف من نتنها ~~وأعرض الناظرون عن قبحها فهذا المتصنع المرائي عبد شهواته لم يقدر أن يخلص ~~من عمله ونفسه PageV03P053 متقدة بنار الشهوة وقلبه مشحون بهوى نفسه ولو ~~اجتهد في إخلاص الصلاة والصوم فهو محتاج إلى أن يخلص في مشيته وركوبه ~~ونزوله وأكله وشربه ومنطقه وصمته وأخذه وإعطائه وجميع معاملاته ولو أخلص ~~هذا كله أليس هذه المزابل معه فهذه كلها عيوب والعبد إذا كثرت عيوبه انحطت ~~قيمته # والعاقل لا يغره ما رأى من ظاهر أحواله إذا اطلع على باطنه فوجده كما ~~وصفنا كمن رأى ملكا له عبيد في زي وهيئة ومراكب والملك بنفسه ليست له مادة ~~من الأموال وإذا رأى عبدا أركانه معطلة من أعمال البر وقلبه ملك من الملوك ~~مملوءة خزائنه أموالا وبيوته جواهر والأموال غناه بالله تعالى وأي غني أغنى ~~ممن استغنى بالله تعالى إذ الغنى بالأموال منقطع والغنى بالله تعالى دائم ~~إذ هو حي لا يزول وأما الجواهر فحكمة صفاته وقد عجز عن دركها العامة وإنما ~~خص بها الأنبياء والأولياء عليهم السلام أهل خدمة الله تعالى فإنه قد انفرد ~~بالفرد الواحد واحتظي من جلاله وعظمته وكبريائه ومجده وجماله فتواضع له ~~وخشعت جوارحه لخشوع قلبه وعظم أمر الله وحفظ حدوده وراقب تدبيره إعظاما ~~لجلاله وهيبته وتذللا لربوبيته فعنده الرأفة بالخلق ms439 والرحمة لهم واللين ~~والرأفة والحلم وسعة الصدر وتعظيم أمر الله تعالى والإخلاص له وحراسة القلب ~~ودوام الفكر والقناعة والرضى والإنابة والشوق إليه والتبرم بالحياة واليقظة ~~في الأمور والمعاينة لها والرزانة والصيانة والشفقة والعطف والتأني والوقار ~~والسكون والذكر الدائم والرهبة والرغبة والخوف والرجاء والأنس بالله تعالى ~~والسرور به والسخاء والجود والبشاشة والنصيحة وسلامة الصدر صار كمن رأى ~~عبدا في هيئة رثة والملك صاحب كنوز وجواهر فعلم هذا العاقل أن هذه الهيئة ~~لا تضر عبيده لأنه متى عرض لهم أمر فتح لهم بابا من خزائنه فعرفهم فكذا هذا ~~القلب قد امتلأ خيرا PageV03P054 وامتلأ جوارحه من هذا الخير فلساعة من ~~عمره بهذه الصفة أفضل من أعمال الثقلين دهرا وإذا تعطلت أركانه عن كثير من ~~أعمال البر فهو في الخير كله دائم عليه بدوام قلبه على ذلك وقليل من عمله ~~أزكى من عمل ذلك المخلط سنين كثيرة # يروى أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى ما به من ~~الضر قال ( ما بلغ بك ما أرى ) قال بأبي أنت وأمي السقم والحاجة قال له ( ~~أفلا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن أذهب الله عز وجل عنك ما بك ) قال بأبي أنت ~~وأمي ما أحب أن لي مما ترى بي وقعة بدر وأحد فقال عليه السلام ( يا أخا ~~الأنصار وأين تقع وقعة بدر وأحد من موضع الفقير القانع ) وشهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رجلا بالجنة فلم ير له صوم ولا صلاة فقيل له في ذلك ~~فقال إني أبيت وليس لأحد في قلبي غل ولو أعطيت الدنيا ما فرحت بها ولو أخذت ~~مني لم أحزن عليها # وعن أبي بكر بن عبد الله المزني رضي الله عنه قال إن أبا بكر رضي الله ~~عنه لم يفضل الناس بكثرة صلاة ولا صوم وإنما فضلهم بشيء كان في قلبه # وعن الحسن رضي الله عنه قال إن عمر لم يغلب الناس بالأعمال إنما غلبهم ~~بالصبر واليقين والزهد # وقال عبد الله رضي الله عنه أنتم اليوم ms440 أكثر صلاة وصوما وجهادا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيرا منكم قالوا مم ذاك قال كانوا ~~أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV03P055 فيما يحكي عن ربه عز وجل أنه قال يا موسى إنه لن يتصنع ~~المتصنعون بمثل الزهد في الدنيا ولن يتقرب المتقربون بمثل الورع عما حرمت ~~عليهم ولم يعبدني العابدون بمثل البكاء من خشيتي فأما الزاهدون فأبيحهم ~~الجنة حتى يتبوؤا منها حيث شاءوا وأما الورعون عما حرمت عليهم فإنه ليس من ~~عبد يلقاني يوم القيامة إلا ناقشته الحساب وفتشته عما في يديه إلا ما كان ~~من الورعين فإني أجلهم وأكرمهم وأدخلهم الجنة بغير حساب وأما البكاءون من ~~خشيتي فلهم الرفيق الأعلى لا يشركون فيه # وقال عليه السلام ( الورع سيد العمل ) # ومن لم يكن له ورع يرده عن معصية الله تعالى إذا خلا بها لم يعبأ الله ~~بسائر عمله شيئا فذلك مخافة الله في السر والعلانية والاقتصاد في الفقر ~~والغنى والصدق عند الرضى والسخط ألا وإن المؤمن حاكم لنفسه يرضى للناس ما ~~يرضى لنفسه وهذه الخصال لا تكون إلا لأهل القلوب # وقال أنس رضي الله عنه ما أعرف اليوم فيكم شيئا كنت عهدته على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لبس قولكم لا إله إلا الله # فصلاح القلب صلاح الجسد وعمارته عمارة دينه # قال عليه السلام ( من كان له قلب صالح تحنن الله عليه ) # وقال عليه السلام ( بالقلوب الصالحة يعمر الله الأرض وبها يخرب الأرض إذا ~~كانت على غير ذلك ) PageV03P056 # | - * الأصل الحادي والعشرون والمائتان # - * # | في أن الوسوسة من برازخ الإيمان # عن أنس رضي الله عنه أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجدون في صدورهم من الوسوسة فقال ( كيف ~~أنتم في ربكم ) قالوا لا نشك في ربنا ولأن يقع أحدنا من السماء فيتقطع أحب ~~إليه من أن يتكلم بما ms441 يجد في صدره فقال عليه السلام ( الله أكبر ذاك محض ~~الإيمان ) # وكان ثابت يقول اللهم أكثر لنا منه # قال أبو عبد الله أحكم الله تعالى الإيمان في قلوب من اجتباهم وهداهم ~~وأبرز أسماءهم بالسعادة في اللوح المحفوظ وأخرجهم يوم الميثاق في أصحاب ~~اليمين وفزع الشيطان من أن يوسوس إليهم في توحيدهم ما يبطله عنهم وكيف يجوز ~~ذلك وقد أخذ الله بقلبه وناصيته وفي قلبه نوره فكيف يقوم العدو لنوره حتى ~~يطفئه إذ ليس أحد ينشرح صدره بالله تعالى وبالنطق بلا إله إلا الله إلا ~~بمنة الله عليه PageV03P057 فلن يسلط عليه العدو حتى يبطله والله عز وجل ~~أكرم من أن يرتجع في منته ويسلط عليه العدو ألا ترى إلى قوله للعدو @QB@ إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا @QE@ أي مانعا شيطانه من أن يدخل ~~عليه في قلبه فيفسد توحيده لأن التوحيد هو الإيمان وذلك نور الله تعالى في ~~قلبه قال تعالى @QB@ حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم @QE@ # والقلب هو البضعة الباطنة والبضعة الظاهرة يقال لها فؤاد وفيها العينان ~~والأذنان والقلب يقلبه الله تعالى ولم يكله إلى أحد ولم يطلع عليها أحدا من ~~خلقه وإنما سلطان الشيطان في الصدر لأنه بيت القلب والنفس معدن الشهوات قال ~~تعالى @QB@ يوسوس في صدور الناس @QE@ # فالشيطان يزين ويشير ويمني ويحدث في صدور الناس الشهوة التي في النفس حتى ~~يضله ويفتنه وليس يجد المؤمن في نفسه شهوة الكفر لأن الله تعالى نزعها ~~بإيصال الإيمان إلى حبة قلبه ثم بقي شهوة الأشياء في قلبه ثم حرم وأحل ~~ليبلغه بالمجاهدة في هذه الشهوات فاذن المؤمن قد حلاه الله تعالى بالإيمان ~~وطهره وطيبه وزين قلبه وليس للكفر شهوة في النفس حتى يدخل الشيطان فيه ~~بظلمته فيزين له الشرك حتى يفسد توحيده ولا له إليه سبيل فإذا وسوس في صدره ~~أنكر القلب بما فيه من النور وإنكاره محض الإيمان لأنه اهتاج فاستنار وصار ~~كجمرة قد علاها الرماد لخمودها فلا تكاد تضيء مما علاها فوصلت إليه نفحة ~~فطار عنها رمادها ms442 فتوقدت وتلظت واستضاء البيت بتوقده فازدادت تلك الجمرة ~~فصارت محضة لما طار عنها الرماد PageV03P058 # فكذلك القلب فيه الإيمان وقد سقم وعلاه رماد حريق الشهوات فإذا جاءه ~~الوسواس بكيده وحديثه يريد به نقض توحيده كان ذلك كمن ينفخ في تلك الجمرة ~~لتتقد ويطير عنه الغبار وتلك النفخة هي أمر من الله تعالى خفي يلطف له من ~~لطفه ليفي له بما توكل له من قوله @QB@ وكفى بربك وكيلا @QE@ # فلما صار إيمانه ذا غبار رحمه ولطف له من حيث خفي على العباد بالعصمة ~~فمنع كيده من أن يفسد عليه توحيده واهتاج الإيمان منكرا لما جاء به ونافرا ~~عنه فطار عنه رماد الشهوات ودخانه واستوقدت جمرة الإيمان فأضاءت الصدر ~~فلذلك صار محض الإيمان لأنه في ذلك بلا رماد ولا دخان # ولهذا قال ثابت رضي الله عنه اللهم زدنا منه سأل الزيادة من لطف الله ~~تعالى لعبده # وقال عبد الله رضي الله عنه حيث سئل عن الوسوسة فقال ذاك برازخ الإيمان ~~والبرزخ الحاجز بين الشيئين # ولهذا قال عليه السلام ( مثل المؤمن مثل الفرس في آخيته يحول ويجول ثم ~~يرجع إلى آخيته ) # فيحق على المؤمن أن يقل عبؤه بوسوسته فأخسأ ما يكون إذا استحقر له ولم ~~يعبأ به فمن اعتراه ضعف في قلبه حتى يخاف على نفسه فذاك لضيق صدره وقلة ~~انشراحه وظلمة الشهوات والذنوب فإن وسوس إليه في التشبيه فالرد عليه أن ~~يقول في نفسه كل ما PageV03P059 تصور في صدري فالرب سبحانه وتعالى بخلافه ~~فإنه لا يتصور في صدري إلا مخلوق له كيفيه ومثل وربي لا يدري كيف هو ولا ~~مثل له ولا كيفية فما تمثل في صدري فهو غير ربي ثم جاء عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( الله الله ربي لا أشرك به شيئا ) لتطيب بها نفسه بما ضاق ~~منه صدره ليخرج من ضيقه بها إلى السعة PageV03P060 # | - * الأصل الثاني والعشرون والمائتان # - * # | في أن النجوم أمان لأهل السماء # والعلماء الصديقين أهل بيت النبوة أمان للأمة $ # عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال ms443 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي ) # فالنجوم هن الطوالع السوائر الغوارب عطارد والمريخ وزحل والمشتري والزهرة ~~وسميت نجوما لأنها تنجم أي تطلع من مطالعها في أفلاكها # قال تعالى @QB@ وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها @QE@ وما عدا ذلك ~~كواكب PageV03P061 # قال تعالى @QB@ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب @QE@ فالكواكب ~~معلقات من السماء كالقناديل والنجوم لها مطالع ومغارب فهن أمان لأهل السماء ~~فإذا ذهبت أتى أهل السماء ما يوعدون وعلى هذا يأول قوله عليه السلام ( مثل ~~أصحابي مثل النجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) # وليس المراد به من لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بايعه أو رآه ~~رؤية واحدة وإنما أراد من لازمه غدوة وعشية وكان يتلقى الوحي منه طريا ~~ويأخذ عنه الشريعة التي جعلت منهجا للأمة وينظر منه إلى آداب الإسلام ~~وشمائله فصاروا من بعده أئمة أدلة فبهم الإقتداء وعلى سيرتهم الاحتذاء ~~فكانوا يسمون عنده ويصبحون عنده ولازموه في السفر والحضر وتفقهوا في دين ~~الله وعرفوا الناسخ والمنسوخ والسنن وهم الذين أثنى الله عليهم وأمر نبيه ~~عليه السلام بالصبر معهم فقال @QB@ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي @QE@ # فهؤلاء هم النجوم الأدلة وشبههم عليه السلام بالنجوم لأن بهم الإقتداء ~~وهم من الأصحاب قليل عددهم كالنجوم لأنهم أهل بصائر ويقين وجاز لهم اجتهاد ~~الرأي بفضل اليقين والبصائر فلما اختلفوا في اجتهادهم جاز لكل أحد لم يكن ~~من أهل النظر والتمييز أن يأخذ بقول من أقوالهم تقليدا له ومن كان من أهل ~~النظر فاختار قولا من أقوالهم مجتهدا مستنبطا كان له ذلك وأما غير هؤلاء ~~فهم مثال الكواكب يضئن لأنفسهم وليسوا بأدلة ولا أئمة PageV03P062 # وقوله ( أهل بيتي أمان لأمتي ) فأهل بيته من خلفه من بعده على منهاجه وهم ~~الصديقون والأبدال الذين روى علي كرم الله وجهه قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # ( إن الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات منهم رجل أبدل الله ~~مكانه رجلا بهم يسقي الغيث ms444 وينصر بهم على الأعداء ويصرف عن أهل الأرض بهم ~~البلاء ) # فهؤلاء أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمان هذه الأمة فإذا ماتوا ~~فسدت الأرض وخربت الدنيا قال الله تعالى @QB@ ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض لفسدت الأرض @QE@ # وهذا لأن البيت من تبوئة الذكر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ~~ليبوئ لذكره في الأرض فبدأ بمكة فطرد ونفى الذكر ثم جعل الله تعالى له ~~مهاجرا ومستقرا فمن هاجروا إليه ولزموه فصاروا أهل الذكر فهم أهل بيته ومن ~~آووا إليه ولم يصيروا من أهل الذكر فليسوا من أهل بيته بل هم من أصحابه ~~وأتباعه قال تعالى @QB@ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين @QE@ وهم المهاجرون والأنصار فتبوئوا الدار والإيمان فصاروا أهل ~~بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبوئه الذكر PageV03P063 # وإنما يكون من أهل التبوئة من بوأ لذكره على طريقه صافيا غير مغشوش صادر ~~من إيمان غير مغشوش ولا سقيم وسقمه أن يمازجه شهوة النفس حتى تميل به عن ~~الله تعالى وتثقله عن أمره وتلهيه عن ذكره قال تعالى @QB@ لا تلهكم أموالكم ~~ولا أولادكم عن ذكر الله @QE@ # إذ الإيمان هو طمأنينة القلب إلى الله تعالى في كل أمر فإذا آمن به على ~~الجملة ثم مال يمينا وشمالا ليطمئن إلى الخلق والأسباب فذلك غش الإيمان إذ ~~خلط به ما ليس منه فأما الأنبياء والأولياء عليهم السلام قد اطمأنوا إليه ~~يراقبون ما يخرج من حجب الغيب من مشيئته وتدبيره فيقبلون منه اهتشاشا ~~وتسارعا لمشيئآته وأحكامه قد أخبتوا له وانخشعت نفوسهم لأن شهواتهم قد ماتت ~~من هيبة جلاله تعالى وتقدس فالمستحقون للذكر هم أهل الذكر وهم الذي ذكرهم ~~الله تعالى بحقيقة الذكر وهو أن لا يبقى على قلبه مع ذكره في ذلك الوقت ذكر ~~نفسه ولا ذكر مخلوق فذاك الذكر الصافي الذي لا غش فيه # قال عليه السلام ( يقول الله عز وجل من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ~~ما أعطي السائلين ) هذا فيمن شغله ذكر الخالق ms445 فكيف بمن شغله الخالق بأنسه ~~هذا فيمن شغله الخالق بأنسه فكيف بمن شغله الخالق بجلاله وجماله وكيف بمن ~~شغله الخالق في فردانيته بنفسه في وحدانيته وهم الذين أشار إليهم عليه ~~السلام فقال ( سيروا فقد سبق المفردون ) قيل يا رسول الله من المفردون ~~PageV03P064 قال ( الذين اهتروا في ذكر الله يأتون يوم القيامة خفافا يضع ~~الذكر عنهم أثقالهم ) # فالمهتر إذا نطق يشبه كلامه كلام من لم يستعمله عقله لأن العقل يخرج ~~الكلام على اللسان بتدبير وتؤدة وتأني وهذا المهتر إنما ينطق به فكأنه ~~الماء على لسانه يجري حتى يشبه الهذيان في بعض أحواله عند العامة وهو في ~~الباطن مع الله تعالى من أصفي الناطقين وأصدقهم والمهتر في اللغة الشيخ ~~الكبير الذي قد أفند عقله وهو يهتر في الكلام كالخرف فهذا قد خمد نور عقله ~~لنور وجهه الكريم بمنزلة قمر طلع عليه شمس فخمد نور القمر بضوء الشمس فلم ~~يعمل عقله ذلك العمل ومن خمد عقله للقرب والدنو فقد استوجب من الله تعالى ~~كرامة أنطق لسانه وحفظ عليه شأنه وأيده وعصمه فصار بيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لتبوئة الذكر على الوجه الذي بينا # والأهل والآل بمنزلة واحدة إذ الهاء والهمزة أختان تجزي أحديهما عن ~~الأخرى وإنما قيل أهل لأنه حيث ما ذهب به فهو راجع إلى ذلك المستقر فكذا ~~الآل حيث ما تفرق والنسب يؤول إلى الأصل فأهل البيت كل من رجع نسبه إلى ذلك ~~الأصل فكذا أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى قد أخذ ~~الرسول عليه السلام من خلقه فاختصه لنفسه واصطفاه لذكره فكان في كل أمر ~~قلبه راجعا إلى الله تعالى من عنده يصدر ومعه يدور وإليه يرجع فكان هذا ~~بيتا أشرف وأعلى من البيت الذي هيأ له في أرضه وهو النسب فكان هذا البيت ~~عاليا على ذلك البيت ألا ترى أنه غلب على النسب نسبة ما أكرمه الله تعالى ~~به من الأمانة فكان يقال محمد بن عبد الله ثم يقال محمد PageV03P065 الأمين ~~لأنه أعلى ms446 منه فلما جاءت الكرامة غلب على هذا الاسم فقيل نبي الله ورسوله # فكذا كان له بيت النسبة وأهل بيت النسبة فلما جاءه بيت الكرامة والنبوة ~~فغلب على ذلك البيت كان كل من رجع قلبه إلى الله تعالى على طريقه من أهل ~~ذلك البيت وهم الأربعون الذي خلفوه من بعده حتى تقوم بهم الأرض وبهم يمطرون ~~ويرزقون ولا يجوز أن يحمل على أهل بيت النسب لمعان أحدها أنه روي في الحديث ~~( فإذا ذهب أهل بيتي أتى أمتي ما يوعدون ) # فكيف يتصور أن يذهب أهل بيته حتى لا يبقى منهم أحد وهم أكثر من أن يحصى ~~وبركة الله تعالى عليهم دائمة ورحمته مظلة من فوقهم وقد قال عليه السلام ( ~~كل سبب ينقطع إلا سببي ونسبي ) # والثاني أن أهل بيته نسبة بنو هاشم وبنو عبد المطلب ولم يكونوا أمانا ~~لهذه الأمة حتى إذا ذهبوا ذهبت الدنيا # والثالث أنه قد يوجد منهم الفساد كما يوجد في غيرهم ومنهم المحسن ومنهم ~~المسيء # فبأي شيء صاروا أمانا لأهل الأرض فعلم أن المراد به من به PageV03P066 ~~تقوم الدنيا وهم أعلامه وأدلة الهدى في كل وقت فإذا تفانوا لم يبق للأرض ~~حرمة فعمهم بالبلاء # فإن قال قائل بحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقربهم منه صاروا أمانا ~~لأهل الأرض قيل حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيمة جليلة وفي الأرض ~~ما هو أعظم من حرمة ذريته وهو كتاب الله فلا نجد ذكره في الحديث ثم الحرمة ~~لأهل التقوى لأنه إنما عظمت حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لفضل النبوة ~~ما أكرمه الله تعالى به # والدليل على ذلك ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال دخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على فاطمة وعندها صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال # ( يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب يا فاطمة بنت محمد يا صفية عمة رسول ~~الله اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا سلوني من مالي ما ms447 ~~شئتم واعلموا أن أولى الناس بي يوم القيامة المتقون وإن تكونوا أنتم مع ~~قرابتكم فذلك لا يأتيني الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على ~~أعناقكم فتقولون يا محمد فأقول هكذا ثم تقولون يا محمد فأقول هكذا أعرض ~~بوجهي عنكم فتقولون يا محمد أنا فلان ابن فلان فأقول أما النسب فأعرف وأما ~~العمل فلا أعرف نبذتم الكتاب فارجعوا إلى قرابة بيني وبينكم ) # وروي أنه قال جهارا غير سرا ( ألا إن أوليائي منكم ليسوا بأبي فلان لكن ~~أوليائي منكم المتقون من كانوا وحيث كانوا ) PageV03P067 # وما زالت الطبقة الزائفة المفتونة بحب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نسبا مازالت بهم فتنتهم حتى عمدوا إلى كل شيء من هذه الأشياء فنسبوه ~~إليهم وحرموا غيرهم ذلك إعجابا بهم وفتنة وإن الله فضلهم بأن طيب عنصرهم ~~وطهر أخلاقهم واختار قبيلتهم على القبائل فلهم حرمة التفضيل والأثرة وحرمة ~~الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم فيحق علينا أن نحبهم حبا لا يرجع ~~علينا بوبال وظلمة وهؤلاء الغلاة جاءوا بأحاديث مختلفة وأكاذيب منكرة حتى ~~أداهم ذلك إلى أن طعنوا في الشيخين المهديين المرضيين الذين كان علي كرم ~~الله وجهه ينكل من فضله عليهما فقال لا أجد أحدا يفضلني عليهما إلا جلدته ~~حد المفترين # وبلغ من إفراط هؤلاء أن رووا أحاديث مختلفة يريدون أن يقيموا لعلي رضي ~~الله عنه فضلا وقد فضل الله عليا رضي الله عنه بأشياء كثيرة وفضائل جمة قد ~~أغناه عن مثل ذلك لكنهم تركوا لظلمة قلوبهم وشقاء جدهم تلك الأشياء وأقبلوا ~~على الكذب وتأولوا قوله تعالى @QB@ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت @QE@ إنما هم علي وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم وهي لهم ~~خاصة وكيف يجوز هذا ومبتدأ هذا الخطاب قوله عز وجل @QB@ يا أيها النبي قل ~~لأزواجك @QE@ إلى قوله @QB@ أجرا عظيما @QE@ # ثم قال @QB@ يا نساء النبي @QE@ إلى قوله @QB@ إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت @QE@ # ثم قال @QB@ واذكرن ما يتلى في بيوتكن @QE@ PageV03P068 # وهذا كلام منسوق بعضه على أثر بعض فكيف ms448 صارت هذه المخاطبات كلها لنساء ~~النبي عليه السلام قبلا وبعدا وينصرف ما في الوسط إلى غيرهن وهو على نسق ~~ونظام واحد لأنه قال @QB@ ليذهب عنكم الرجس أهل البيت @QE@ ثم قال على أثره ~~@QB@ في بيوتكن @QE@ # فكيف صار الكاف الثاني خطابا للنساء والأول لعلي وفاطمة رضي الله عنهما ~~وأين ذكرهما في هذه الآيات فإن قال إن كان الخطاب لنسائه فكيف قال @QB@ ~~ليذهب عنكم @QE@ ولم يقل ( عنكن ) # قلنا إنما ذكره لينصرف إلى الأهل والأهل مذكر فسماهن باسم التذكير وإن كن ~~إناثا # وقد يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما نزلت هذه الآية دخل ~~عليه علي وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم فعمد النبي عليه السلام ~~إلى كساء فلفها عليهم ثم ألوى بيده إلى السماء فقال ( هؤلاء أهلي أذهب عنهم ~~الرجس وطهرهم تطهيرا ) # فهذه دعوة منه لهم بعد نزول الآية أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها ~~الأزواج رضوان الله عليهم أجمعين PageV03P069 # | - * الأصل الثالث والعشرون والمائتان # - * # | في أخلاق المسافرين # عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( إذا اجتمع القوم في سفر فليجمعوا نفقاتهم عند أحدهم فإنه أطيب ~~لنفوسهم وأحسن لأخلاقهم ) # في النفوس ضيق وشح وللشيء عندهم قدر وما أتى الشح والبخل وتعظيم الشيء ~~إلا لضعف يقينهم وظلمة صدورهم لأن اليقين نور في قلبك فإذا تمكن صارت عين ~~قلبك ذا بصيرة أبصر الغيب بذلك النور فتريك ما في الملكوت فتصغر عندك ~~الدنيا بما فيها كما أن بصر عين الرأس يريك الأشياء في الدنيا فإذا ضعف ~~اليقين يعجزك عن رؤية الآخرة وعظيم ما في الملكوت فتصغر عندك بما فيها كما ~~أن بصر عين الرأس يريك الأشياء في الدنيا فإذا ضعف اليقين يعجزك عن رؤية ~~الآخرة وعظيم ما في الملكوت وبين اليقين تفاوت فأوفرهم حظا من اليقين ~~أكثرهم معرفة وأغزرهم علما بما في الملكوت وأخشاهم لله تعالى وأعلمهم ~~بتدبيره وأغناهم بغناه وهذا قليل في الناس PageV03P070 # وقد عجزت العامة من هذا لما ms449 يرون الأشياء بالأسباب وتعلقت بذلك قلوبهم ~~ومنها افتتنوا حتى عصوا الله في جنبه فمحال أن لا يكون للشيء قدر عندهم إلا ~~أن الله تعالى عصم طائفة منهم لخوف العقاب عن تناول حرامها وأوساخها # ثم هم مع ذلك لها يغضبون ولها يرضون وبها يفرحون ومن أجلها يحزنون وعظم ~~قدر ما في أيديهم من الحطام حتى لا تسخوا نفس أحدهم أن يخرج من يده فلسا ~~إلا على ذكر الخلف من الله تعالى في دنياه كما قال تعالى ^ وما أنفقتم من ~~شيء فهو يخلفه ^ أو على ذكر الثواب في الآخرة أن يعطيه قصورا وحورا وحبورا ~~وسرورا ولا تسخو نفوسهم على إتعاب جوارحهم وأعمالهم لله تعالى في شيء من ~~أعمال البر إلا على نوال الثواب غدا ولم ينتهوا عن محارم الله تعالى إلا ~~على خوف العقاب ركضا # فهؤلاء عبيد عبدوا الله من أجل نفوسهم لم تأخذهم هيبة عظمته وسلطان ~~كبريائه فيركض بهم في ميدان الطاعة ركضا وميدان الهرب عن مساخطه ركضا ~~إجلالا لرؤية الله تعالى إياهم على الأحوال وتوخيا لمحابه وتلذذا لعبودته ~~فإذا اجتمعت هذه الطائفة التي للشيء عندهم قدر في السفر وانفرد كل واحد ~~منهم لطعامه كانت في ذلك وحشة ونزعت البركة وفيه ذهاب الألفة وظهور الفرقة ~~والتصور بصورة أهل البخل والدناءة وإذا أنفق أحدهم على الجماعة لم يقم بذلك ~~وعجز عنه فالسبيل في ذلك ما ندبهم عليه السلام إليه أن يجمعوا نفقاتهم إلى ~~أحدهم حتى ينفقها عليهم فيكون أطيب لنفوسهم وأحسن لأخلاقهم فكل واحد إنما ~~خرج من يده مقدار كفايته وهو طيب النفس بذلك ولا يحتشم من الأكل ولو أنفق ~~واحد واحد يحتشم أحدهم من صاحبه ويستحيي ويثقل عليه حتى تجيء نوبته ~~PageV03P071 # وربما انقطع السفر وذهبت النوبة ففيما دل عليه السلام تسكين النفوس من ~~وجهي الحشمة والتثاقل والنفوس ساكنة والأيدي مجتمعة والألفة باقية والبركة ~~نازلة والبخل والشح زائل وخلق الإسلام قائم وسمي التناهد لأن النفس تنهد أي ~~تسارع إليها # وقد سبق ذكر النهد في التنزيل مما قص الله تعالى في شأن أهل ms450 الكهف من ~~قوله @QB@ فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما ~~فليأتكم برزق منه @QE@ # وقد قال عليه السلام ( إن أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي ) # وقال عليه السلام ( ألا أنبئكم بشراركم قالوا بلى يا رسول الله قال من ~~أكل وحده ومنع رفده وجلد عبده ) وقال أبو أمامة رضي الله عنه في قوله عز ~~وجل @QB@ إن الإنسان لربه لكنود @QE@ وهو الذي يأكل وحده # فأرشد عليه السلام العامة إلى النهد فأما الكرام ملوك الدين فهم أرفع ~~شأنا من أن يتناهدوا لأن قدر الشيء عن قلبهم ساقط ومن طبيعتهم السخاء ~~والجود وقل ما يجري فيما بينهم إذا انفردوا عن العامة وزن أو عدد ومجرى ~~أمورهم على صدق الأخوة يأخذ أحدهم من مال أخيه عند الحاجة فطابت بذلك ~~نفوسهم لأنه لا يأخذ لرغبة فيه أو شهوة أو قضاء نهمة بل يتناول لله تعالى ~~وعرف أخوه ذلك PageV03P072 منه وأمنه على نفسه وماله وشهد له قلبه بالشفقة ~~والعطف والرحمة فلا يتهمه على نفقه ولا على إمساك # قال الحسن رضي الله عنه إن كان الرجل ليدخل يده في كيس أخيه فما يسأله كم ~~أخذت # وقال أبو جعفر رضي الله عنه يدخل أحدكم يده في كيس أخيه قلنا لا قال لستم ~~بأخوة # وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ليس لي ثوب ~~أتوارى به قال ( فما لك جيران ) قال بلى قال ( فهل منكم أحد له ثوبان ) قال ~~نعم قال ( فيعلم أن لا ثوب لك ) قال نعم قال ( فيعود عليك بأحد ثوبيه ) قال ~~لا قال ما ذاك بأخ # ودخل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه على عمر رضي الله عنه وهو يصلي فعمد ~~إلى مزوده فأخذ منه سويقا وتمرا فأكله وفعل الحسن رضي الله عنه مثل ذلك # ودخل أبو أيوب السختياني رحمه الله كرم صديق له فأكل منه بغير إذن # وإنما كف الناس عن ذلك بعد مضي السلف رحمهم الله لتغير القلوب فلا يأمن ~~بعضهم بعضا لفقد الرحمة ms451 والعطف وذهاب الألفة وظهور الحسد فامتنعوا من أن ~~يتناول أحدهم شيء صاحبه إلا بإذنه ومن بعد الإذن تأن ونظر واحتياط وحذر ولم ~~يبق لأحد على غيره أمن وثقة إلا أولئك الأربعون البدلاء العارفون الذين دقت ~~الدنيا في أعينهم في جنب الآخرة ودقت الآخرة في جنب ملك الله تعالى وعظيم ~~ما أبرز من غيبه ودق ما أبرز من ملكه في جنب عظمته PageV03P073 وجلاله فهم ~~الذين لا قسمة بينهم ولا وزن ولا عدد يتناول أحدهم ما شاء من مال أخيه من ~~غير إذن وكان عليه السلام يعمل في مال أبي بكر رضي الله عنه كما يعمل في ~~مال نفسه كما قد عرف منه وهل كان يفعل في مال غيره مثل ذلك فإن مخالطة ~~المطبوع على السخاء أطيب والتناول من ماله أشهى والأكل من طعامه أطيب وأحلى ~~لأجل سقوط قدر ذلك عن قلبه # ولهذا كان أبو بكر رضي الله عنه تصدق بماله كله ولا يكاد أهل الانتباه ~~واليقظة يدخلون بيوت البخلاء ويتناولون من أطعمتهم إلا ويجدون ثقل ذلك على ~~قلوبهم ويفتقدون ذلك الطيب وتلك الحلاوة واللذة من طعامهم لأنهم قد أحسوا ~~بما في نفوسهم من قدر ذلك الشيء عندهم فيذهب طعمه وطيبه # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به نزل على القوم الذين ~~ذكرهم الله تعالى في تنزيله @QB@ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ~~@QE@ وعلمهم الشريعة ومستقرهم بأرض الصين من وراء نهر الرمل فسألهم عن ~~معاشهم فقالوا نزرع ونحصد ونجمعه في برية من الأرض فيخرج كل من احتاج إلى ~~شيء فيأخذ منه وسائره متروك هناك # فهذا صدق الأخوة في أهل الهداية بالحق والعدالة فصار العدل مقومهم والحق ~~عز وجل هاديهم وقد كانت أوائل هذه الأمة على هذا السبيل وقد أثنى الله ~~تعالى في تنزيله الكريم عليهم فقال عز من قائل @QB@ ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة @QE@ @QB@ ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا @QE@ ~~PageV03P074 # وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما افتتح خيبر قسم الغنائم ms452 بين ~~المهاجرين دون الأنصار فلم يجدوا في صدورهم ضيقا ولا حسدا ولا شكا ولا وجدا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم في فعله حين ضربوا بالسيوف حتى غنموا ثم ~~أعطى الغنيمة للمهاجرين دونهم فأثنى الله تعالى عليهم وشهد لهم بالصدق ~~وسقوط قدر الشيء عن قلوبهم وقول الله تعالى في كتابه الكريم ^ ليس عليكم ~~جناح أن تأكلوا من بيوتكم . . . ^ إلى قوله ( . . ^ أو صديقكم . . . ) إذن ~~بالغ # لكن الصديق له حقيقة فما لم يعرف حقيقة صداقته لم يغرر المتقي المتورع ~~بنفسه في ذلك وأول حقيقة الصداقة في سقوط قدر الشيء من قلبه فإذا لم يعرف ~~بهذا وإن صادقه بكل قلبه فهو مجتهد في صداقته ولا يخلو من كراهية وثقل أن ~~تناولت من ملكه شيئا وقد أذن الله تعالى في الأموال عن طيب النفس قال عز من ~~قائل ^ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ^ ولم يقل قلبا لأن ~~القلب ربما طاب ورضي بما فيه من الإيمان والنفس تكره بما فيها من الشهوة # وقال عليه السلام ( لا يحل لامرئ من عطاء أخيه إلا بطيب نفسه ) فالإقدام ~~في هذا اليوم على مثل هذا جرأة عظيمة إذ لا تعلم هذه الخصلة إلا لأولئك ~~الذين خلت قلوبهم من نفوسهم وتعلقت بالخالق الكريم فلا يبالون ما أقبل وما ~~أدبر ومن أخذ ومن أعطى يتناولون من الدنيا لله تعالى ويمسكونها لله على ~~نوائب الحق ويعطونها لله تعالى فإن تناولت من أموالهم لم يرجع عليك وبال ~~منهم إذ أخذتها لله تعالى فإن تناولته بغير حق يثقل فعله عليهم PageV03P075 # ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أسخى البشر والدنيا ساقطة ~~عن قلبه فقال ( إنما أنا خازن الله تعالى يعطي وأنا أقسم فمن أخذ مني شيئا ~~بطيب النفس بورك له فيه ومن أخذ مني شيئا وأنا له كاره فإنما يتأبطها نارا ~~) # وحاشا أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كره من أجل قدر ذلك ~~الشيء فإن ذلك بخل ولكن إنما كان تطيب نفسه ms453 بالإعطاء لمن سأل بحق وأخذ بحق ~~فأما من أحس به أنه يأخذه أشرا وبطرا وحرصا وجمعا فكان يعطيه على كراهة نفس ~~ويخبرهم أنه لا يبارك لهم فيه # وروي في الحديث أنه قيل يا رسول الله فلم تعطيه قال ( يأبى الله لي البخل ~~) # وكان عليه السلام لا يزن ولا يحصي وقال لعائشة رضي الله عنها ( لا توكي ~~فيوكى عليك ولا تحصي فيحصى عليك ) # وكان لا يدخر شيئا لغد ليرى الخلق عنده قلة قدره وقال جابر رضي الله عنه ~~ما سئل شيئا قط فقال لا PageV03P076 # | - * الأصل الرابع والعشرون والمائتان # - * # | في قوة الإيمان ويسر العمل # # | وهو التأييد والصبر والاستعفاف والاستغناء # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من ~~تصبر يصبره الله ومن يستعف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله وما أعطي عبد ~~عطاء هو خير وأوسع من الصبر ) # قال أبو عبد الله أعطاهم الله تعالى العقول ومن عليهم بالإيمان والصبر ~~والعفة والغنى إنما يخرج كله من الإيمان فإذا أعطي الإيمان فقد أعطي هذا ~~كله فبقوة الإيمان يصبر على طاعة الله ويستعف عن محارمه وتناول شبهات ~~الدنيا ويقوم في العبودة على سبيل الاستقامة ثم لا يتم له ذلك إلا بعون من ~~الله تعالى لأن النفس تقوم بهدم ذلك وتدعو إلى خلافه ووقع العبد في ~~المجاهدة معها فلولا عون الله تعالى العبد لمالت النفس ولكن سبيل العبد أن ~~لا يتخير PageV03P077 فإذا جاء موضع الصبر تصبر وعزم عليه فوشيكا يجيئه ~~العون من الله تعالى فوجد اليسر في أمره فذاك عون الله تعالى فإنه قبل ذلك ~~يدخل في الأمور مع الجهد لأن النفس تأبى ذلك فدخلت فيه بإكراه صاحبها لها ~~على ذلك فجاءه العون من الله تعالى فيسر عليها وعلى ذلك دل عباده @QB@ إياك ~~نعبد وإياك نستعين @QE@ # أمره بالعبادة وسؤال العون لأنه أعطي القوة على القيام بما أمره إلا أن ~~النفس تدعو إلى خلاف ذلك فجاءت شهواتها تريد أن تغلب القلب على ما أمر ~~فاحتاج عند مجاهدة النفس إلى عون ms454 من الله تعالى وهو نور على القلب يستنير ~~الإيمان ويمتزج به فيقوى القلب وتذل النفس وتخمد شهواتها فتذل النفس # فينبغي للعبد أن يقوم على كل أمر أمر به وأن ينتهي عن كل نهي نهي عنه بما ~~أعطي من العلم والعقل والإيمان وذلك مع جهد شديد ينتظر العون من الله تعالى ~~ولا يلقي بيده للتهلكة فإذا العون من الله تعالى يجيء وييسر عليه كل ذلك ~~فإن الله تعالى لم يأمرنا بأن نقول @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ ثم ~~يحبس عنا العون وقال الله تعالى @QB@ فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ~~@QE@ # وقال عليه السلام ( لن يغلب عسر يسرين ) # فاليسر الأول هو ما أعطي العبد من الآلة والمعرفة والعلم والقوة فلولا ~~النفس التي يحارب صاحبها بدفع ما تريد لكان الأمر قد تم PageV03P078 فإنه ~~قد أعطي يسر به يقوم الأمر الذي أمر ولكن جاءت النفس بشهوتها فاحتاج العبد ~~إلى يسر آخر فوعده الله تعالى فقال عسر عليك الأمر فأعطيتك مع العسر يسرا ~~وهو العقل الذي هو حجة الله تعالى على عباده إذ لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها ويسرا بعد الأمر حين تأخذه فيه وهو العون فإذا جاء العون انهزمت ~~النفس وخمدت الشهوة وهرب العدو وبطل كيده فهما يسران لم يغلبهما هذا العسر ~~الذي بينهما من مجاهدة النفس حتى يأتيك بحربه وجهاده ليصدك ويقهرك بشهواته ~~وهو قوله عليه السلام ( لن يغلب عسر يسرين ) فبشرهم أن العبد إذا استعمل ما ~~أعطي من اليسر في وقت هذا العسر الذي عارضته النفس به جاء اليسر الثاني فلن ~~يغلب هذا العسر هذين اليسرين واليسر الثاني هو عونه وهو عطف الله على ~~العباد ورحمته وإذا عطف على عبده لم يبق للنفس عليه سبيل ولا للعدو مطمع # وقوله ( من تصبر يصبره الله تعالى ) أي من استعمل ما أعطي من الصبر الذي ~~يخرج له من الإيمان صبره الله أي جاءه المدد والعون حتى يتم له صبره في يسر ~~وهكذا قال الله تعالى @QB@ واصبر وما صبرك إلا بالله @QE@ أي لا يتم ms455 ذلك ~~إلا بعون الله تعالى وغياث منه # وهكذا قوله ( من يستعفف يعفه الله ) فأما قوله ( فمن يستغن يغنه الله ) ~~أي من التجأ إليه في الحوائج صدقا فهو أكرم من أن يردك ويلجئك إلى عبيده # روى ثابت رضي الله عنه قال حبس ابن أخ لصفوان بن محرز فلم يبق بالبصرة ~~رجل له وجه عند الأمير إلا تحمل به عليه فلم يزده إلا شدة فبات ليلة فقيل ~~له في منامه يا صفوان اطلب الأمر PageV03P079 من وجهه فقام وتوضأ وصلى ~~ركعتين وسأل ربه ثم عاد إلى مضجعه فنودي بالباب يا صفوان هذا ابن أخيك قد ~~جئنا به فصار إلى الباب فإذا ابن أخيه فقال نبه الأمير في جوف الليل فبعث ~~إلى السجن فنودي أين ابن أخي صفوان فطلب حتى جيء به فإذا هو ذا # وخرج ابن عمر رضي الله عنهما في سفر له فإذا بجماعة على طريق فقال ما هذه ~~الجماعة فقالوا أسد قطع الطريق فنزل فمشى إليه حتى قفده بيده ونحاه عن ~~الطريق فقال ما كذب عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إنما يسلط على ~~ابن آدم من خافه ابن آدم ولو أن ابن آدم لم يخف غير الله لم يسلط الله عليه ~~غيره وإنما وكل ابن آدم لمن رجا ابن آدم فلو أن ابن آدم لم يرج إلا الله لم ~~يكله الله إلى غيره ) # وقوله ( وما أعطي عبد عطاء هو أوسع من الصبر ) لأن الصدر قد اتسع وانشرح ~~للنور الوارد على قلبه وإذا اتسع الصدر يسرت عليه الأمور كلها وإذا استقر ~~النور في القلب انفسح الصدر وانشرح وألقى بيديه سلما لمولاه في أمره ونهيه ~~وجميع أحكامه عليه وتدبيره له ولم يبق للقلب منازع لأن النفس تذل وتموت ~~شهوتها وتلقى بيديها حين يشرق الصدر فيحل بها من ذلك الإشراق خوف الله ~~PageV03P080 تعالى وخوف عقابه فتحل به الرهبة ثم يزداد النور فتدخله العظمة ~~فتحل بها الهيبة والخوف الخالص منه فتيبس وتذهب شهوتها وتخشع لله تعالى ~~فتصير تابعة للقلب فحين بدأ أول ms456 النور وجد العبد متسعا في صدره فقيل صابر ~~ثم زيد فهو صابر قانع ثم زيد فهو صابر راض مراقب واله ثم زيد فهو منفرد ~~لربه ولها عن الصبر والرضى والمراقبة والوله وهذا كله له والانفراد غالب ~~عليه فهو في قبضته يستعمله وهو قوله عليه السلام # ( كنت سمعه وبصره ويده ورجله ولسانه وفؤاده فبي ينطق وبي يعقل وبي يمشي ~~وبي يبصر وبي يبطش ) # وهو قول عمر رضي الله عنه حين شج علي رجلا فقال لعمر رضي الله عنه مررت ~~به وأصغيت إليه سمعي فإذا هو يكلم امرأة بكلام فلم أملك حتى ضربته فقال عمر ~~رضي الله عنه أيها الرجل أصابتك عين من عيون الله وإن لله في الأرض عيونا # والصبر ثبات النفس على حكم الله تعالى وتدبيره وأمره ونهيه ورمي شهوته ~~ومنيته وإنما يبصر ذلك بالنور الوارد على القلب فيطيب ويستقر ويوقن وأي شيء ~~أوسع منه وبذلك يثقل ميزانه ويملأ ميزانه وسعة كفته سعة السموات والأرض ~~PageV03P081 # | - * الأصل الخامس والعشرون والمائتان # - * # | في النهي عن إسكان النساء الغرف وتعليمهن الكتابة # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا ~~تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتابة ) # حذرهم ذلك لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجال وليس في ذلك تحصين لهن ~~ولا ستر فإنهن لا يملكن أنفسهن حتى يشرفن على الرجال فيحدث البلاء والفتنة ~~فحذرهم أن يجعلوا لها ذريعة إلى الفتنة # وهو كما قال عليه السلام ( ليس للنساء شيء خير لهن من أن لا يراهن الرجال ~~ولا يرين الرجال ) لأنها خلقت من الرجال فهمتها فيه وخلق في الرجل الشهوة ~~فجعلت سكنا له فغير مأمون كل واحد منهما في صاحبه وكذلك تعليم الكتابة ربما ~~كانت سببا PageV03P082 للفتنة وكتبت إلى من تهوى وفي الكتابة عين من العيون ~~به يبصر الشاهد الغائب وفي ذلك تعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسان فهو ~~أبلغ من اللسان فأحب عليه السلام أن يقطع عنهن أسباب الفتنة تحصينا لهن ~~وطهارة لقلوبهن PageV03P083 # | - * الأصل السادس والعشرون والمائتان ms457 # - * # | في أن رأس الحكمة لم صار مخافة الله # عن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رأس ~~الحكمة مخافة الله تعالى ) # فمخافة الله تعالى هي التي ألهت عن الأسباب حتى صارت رأس الحكم وهي تعلق ~~القلب بمشيئة الله تعالى ولما صار إلى المشيئة PageV03P084 أبهم عليه ~~الأمور فإنه يعلم أنه شاء فخلقه ولا يعلم أنه لماذا خلقه فظهر له بعض ~~المشيئة وخفي عليه آخر شأنه من مشيئته وأقلقه وألهاه وأذهله عن النفس وعن ~~دنياه فلما زايلته نفسه ودنياه انشرح صدره واتسع في الحكمة والله أحكم ~~PageV03P085 # | - * الأصل السابع والعشرون والمائتان # - * # | في حقيقة الفراسة ودواعيها # عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اتقوا ~~فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى ) # الفراسة مشتقة من الفروسية فركضه بالجوارح على الفرس فروسية وركضه ببصر ~~قلبه بنور الله تعالى هي فراسة فبالفرس يقطع مسافة PageV03P086 الدنيا ~~وبنور الله تعالى يقطع مسافة القلب وذلك أن على الأشياء دلائل وسمات وقد ~~وسم الله تعالى خلقه بذلك فبنوره تدرك تلك السمات حتى يدرك ما لم يأت بعد ~~وكان عمر رضي الله عنه تفرس روى عبد الله بن سلمة رضي الله عنه قال دخلنا ~~على عمر معاشر وفد مذحج وكنت من أقربهم منه مجلسا فجعل ينظر عمر إلى الأشتر ~~ويصوب بصره فقال لي أمنكم هذا قلت نعم فلأي باله تسأله ما له قاتله الله ~~كفى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم شره والله أني لأحسب أن للمسلمين منه ~~يوما عصيبا # وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال ما حذر عمر شيئا قط فتكلم به إلا كان # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم ) # وقال في قوله تعالى @QB@ إن في ذلك لآيات للمتوسمين @QE@ قال للمتفرسين # فالتوسم مأخوذ من السمة وهو أن يعرف سمات الله تعالى وعلائمه PageV03P087 ~~في الأمور والتفرس أن يركض قلبه فارسا بنور الله تعالى إلى أمر لم يكن بعد ~~فيدركه مثل ما ms458 أدركه عمر رضي الله عنه وما أدركه الحسن البصري رضي الله عنه ~~فإنه روي أنه قال لعمرو بن عبيد هذا سيد فتيان أهل البصرة إن لم يحدث وقال ~~لأيوب هذا سيد فتيان أهل البصرة ولم يستثن # وقال الشعبي رحمه الله لداود الأودي وهو يماريه إنك لا تموت حتى تكوى في ~~رأسك فكان كما قال # وإذا امتلأ القلب من نور الله تعالى نظرت عينا قلبه بنوره فأبصر في صدره ~~ما لا يحاط به وصفا فالفراسة من الله تعالى لعبده كائنة PageV03P088 # | - * الأصل الثامن والعشرون والمائتان # - * # | في تفسير الاستئناس # عن أبي أيوب رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله هذا السلام فما ~~الاستئناس قال ( يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة وأن ينحنح ~~فيؤذن أهل البيت ) # الاستئناس تنبيه والاستئذان عهد فندب إلى أن يبتدئ بالتنبيه ثم بالعهد ~~ليكون أوكد للعهد وأقوى للحجة وأنه إذا فوجئ بالسلام والإنسان في غفلة ~~والعقل عازب عنه كانت الحجة عليه أضعف يقول فوجئت بالسلام وعوجلت به فلم ~~أقبله بالتثبيت ألا ترى أن الله تعالى خاطب الخلق فقدم على الدعوة تنبيها ~~فقال @QB@ يا @QE@ وهو كلمة تنبيه حروف ذات أصداء لينبهك عما أنت به مشتغل ~~ليرجع إليك عقلك بصوته كأنه يعني بهذا أن يقول يا دعوة دعوة ثانية ثم قال ~~أي وهي كلمة الفتش مضمرة فيها من كأنه قال أيهم أريد بدعوتي ثم قال ها هو ~~تنبيه آخر يشير إلى شيء معلوم عينه معناه PageV03P089 من أذكر اسمه أريد ~~بدعوتي ثم قال ( الناس ) أو الذين آمنوا فهذه التنبيهات من إلقاء العذر ~~وإتمام الحجة قال الله تعالى @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون @QE@ # وقال صلى الله عليه وسلم ( لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى ولذلك ~~بعث الرسل عليهم السلام ) # فقال تعالى @QB@ لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على ~~أهلها @QE@ # فالاستئناس التنبيه ثم يكون بعده التسليم وعندهم كان التسليم هو ~~الاستئذان فإذا ردوا جاء الإذن بعد ذلك وإن قيل ارجعوا رجعوا وأدنى ~~الاستئذان ms459 النحنحة لأن الحس حس المجيء وقد يختلف فإذا سمع لم يدر السامع ~~أسبع أم بهيمة أم داهية من الدواهي فإذا تنحنح عرف أنه من جنسه فأنس به لأن ~~الآدمي يأنس بجنسه ويستوحش من غير جنسه وأعلا الاستئذان التسبيحة ليعلم ~~السامع أنه أخوه المسلم وذلك أفضل لأن بالتنحنح لا يعرف السامع أمسلم هو أم ~~كافر ولي هو أم عدو فتدخله روعة لمجيئه فإذا ذكر الله كان أوفر للاستئناس # وما رواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم أن ~~هذا خطأ من الكاتب إنما هو ( تستأذنوا وتسلموا PageV03P090 على أهلها ) ~~فهذا كلام جاهل أو ملحد يكيد الدين أو ليس فيما روى أبو أيوب رضي الله عنه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير الاستئناس ما يبطل هذا وكان كتاب ~~الله تعالى بين ظهراني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مضيعة حتى ~~كتب الكاتب فيها ما شاءوا أو زادوا أو نقصوا وكان الصحابة أهملوا أمر دينهم ~~حتى فوضوا عهد ربهم إلى كاتب يخطئ فيه ثم يقرؤه أبو بكر وعمر وأبي رضي الله ~~عنهم حيث جمعوه في خلافة أبي بكر رضي الله عنه ثم من بعده مرة أخرى في زمن ~~عثمان رضي الله عنه وهم على الخطأ وشعبة وأبو بشر رواة لا يعرفون ما غور ~~هذا وإنما ينكر هذه الأشياء ويدفعها الرعاة عقلوا عن الله تعالى وعن تدبيره ~~فهموا وهم المقربون أهل اليقين الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في قوله ( كنت سمعه وبصره ) فهو الذي ينفي هذه الأشياء ويدفعه فإذا نفاه ~~ودفعه فبه ينفي وبه يدفع لأنه به يعقل وبه ينطق وهو حجة الله تعالى على ~~خلقه وراعي غنمه وطبيب عباده فمن عارضه هلك وهو لا يشعر # ولهذا حذر صلى الله عليه وسلم فقال عن ربه عز وجل ( من آذى لي وليا فقد ~~بارزني بالمحاربة وإني لأسرع شيء في نصرة أوليائي أفيظن أن يفوتني كيف وأنا ~~الثائر لهم ) PageV03P091 # | - * الأصل التاسع والعشرون ms460 والمائتان # - * # | في أن أهل الغرف في الجنة ومراتب الدرجات # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغائر ~~في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا يا رسول الله تلك ~~منازل الأنبياء فلا يبلغها إلا هم قال ( بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا ~~بالله وصدقوا المرسلين ) # فأهل الغرف أهل العليين الذين قد ارتفعت درجاتهم إلى قرب العرش والإغتراف ~~الإرتفاع وسميت الغرفة لارتفاعها والجنة ثلاثة أثلاث أعلاها للسابقين ~~وأوسطها للمقتصدين وأدانيها وما فيها دني للمخلطين وعدن مقصورة الرحمن ~~وجنات عدن محل الأنبياء عليهم السلام والفردوس محل الأولياء وهي الغرف وهي ~~سرة الجنة بحيال باب PageV03P092 العرش فتوهموا أن تلك منازل الأنبياء ~~عليهم السلام لا يبلغها غيرهم فأعلمهم أن ذلك ليست بمنازل الأنبياء عليهم ~~السلام وإنما هو منازل الأولياء والأنبياء فوقهم لأن درجة النبوة أعلى ~~الأنبياء عليهم السلام فوق الغرف في جنات عدن وعدن كالمدينة وجنات عدن ~~كالقرى حولها والفردوس حول جنات عدن مضموم إليها منسوب منها كعوالي القرى ~~وما دونها من الجنان كالخيام والمراعي حول عوالي القرى فأعلم صلى الله عليه ~~وسلم أن الغرف منازل رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين أراد به إيمان ~~الصديقين لا إيمان المخلطين من الموحدين لأن أهل الغرف أهل الدرجات العلى # قال تعالى @QB@ ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ~~@QE@ ثم قال @QB@ وذلك جزاء من تزكى @QE@ أي تطهر من مساخط الله قلبا وقولا ~~وفعلا # وهذا شأن الصديقين لأن إيمانهم إيمان طمأنينة به وبجميع أحكامه وتصديقهم ~~المرسلين تصديق لله تعالى وسكون # وقال صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى @QB@ أولئك يجزون الغرفة بما ~~صبروا @QE@ قال الغرفة من ياقوتة حمراء أو زبرجد خضراء أو درة بيضاء ليس ~~فيها فصم ولا وصم وإن أهل الجنة ليتراءون الغرفة فيها كما يتراءون الكوكب ~~الدري الشرقي أو الغربي في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ~~منهم وانعما ms461 # وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود رضي الله عنه إن المتحابين ~~في الله لعلى عمود من ياقوتة حمراء في رأس العمود PageV03P093 سبعون ألف ~~غرفة يضيء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا يقول أهل الجنة بعضهم ~~لبعض انطلقوا بنا حتى ننظر إلى المتحابين في الله فإذا أشرفوا عليهم أضاء ~~حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا عليهم ثياب خضر من سندس مكتوب ~~على جباههم هؤلاء المتحابون في الله # فهؤلاء أهل الغرف وهم أهل محبة الله في الله تعالى وإنما تحابوا في الله ~~لمحبة الله تعالى وهو قوله تعالى ( حقت محبتي للمتحابين بجلالي ) # وقد وصف الله تعالى أهل الغرفة فقال @QB@ وعباد الرحمن الذين يمشون على ~~الأرض هونا @QE@ إلى قوله @QB@ واجعلنا للمتقين إماما @QE@ # وصف مشيهم وخطابهم وانتصابهم له ودعاءهم ونفقاتهم ونزاهتهم وانتباههم ~~وصدقهم ومحبتهم ونصحهم ثم قال @QB@ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا @QE@ # والصبر بذل النفس والثبات له وقوفا بين يديه بالقلوب عبادة وقال تعالى ~~@QB@ وما أموالكم ولا أولادكم @QE@ إلى قوله @QB@ وهم في الغرفات آمنون ~~@QE@ # ذكر أن القربة لا تنال بالأموال والأولاد وإنما تنال بالعمل الصالح يعلمك ~~أن هذا إيمان طمأنينة وتعلق قلب به في كل ما نابه وبجميع أموره وأحكامه ~~والعمل الصالح الذي لا يخلطه بضده PageV03P094 # فأما المخلط فغير مطمئن بأموره وأحكامه بل هو تابع لهوى نفسه يعمل على ~~شهوته وقضاء منيته # وهذان وإن كان إيمانهم إيمانهما برب واحد إلا أن ذلك قد جثمت على قلبه ~~شهوات نفسه فأظلمت صدره وانكمن نوره فلا يعمل شيئا من الإشراق والإنارة ~~وهذا البالغ من الله تعالى بنوره وهتك هذه الحجب من الظلمات وأمات منه ~~الشهوات وولج قلبه من عظمة الله تعالى وجلاله فأذهل نفسه واستقام القلب لله ~~تعالى # فعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل الغرف هؤلاء إذ لو جاز أن تنال ~~الغرف بالإيمان والتصديق الذي للعامة لكان جميع الموحدين في أعالي الدرجات ~~PageV03P095 # | - * الأصل الثلاثون والمائتان # - * # | في مراتب أهل الجنة # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله ms462 صلى الله عليه وسلم من ترك الكذب ~~وهو باطل بني له في ربض الجنة ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها ومن ~~حسن خلقه بني له في أعلاها # ترك الكذب هو ترك الشرك ولا كذب بأعظم من الشرك فمحل تاركه في ربض الجنة ~~وهو أدانيها فهذا الصنف هو الظالم # وترك المراء إذا اقتضاه الحق أمر الله من آداء فرائضه واجتناب محارمه أن ~~يخضع للحق ولا يماريه فيذهب برقبته من حق الله تعالى في أمره ونهيه فهذا ~~مقتصد فمحله في وسط الجنة # وأما حسن الخلق فإن الله تعالى دبر لعبده قبل أن يخلقه شأنه من الرزق ~~والأحوال والآثار كل ذلك موقت مقدر يبرز له في وقته PageV03P096 كما قدره ~~ودبره مرة سقم ومرة صحة ومرة غنى ومرة فقر ومرة عز ومرة ذل ومرة محبوب ومرة ~~مكروه فأحوال الدنيا تتداوله لا ينفك من تدبيره وقضائه والعبد يريد ما ~~وافقه واشتهاه وتدبير الله تعالى فيه غير ذلك فإذا راض نفسه وقمعها وخشعت ~~لله تعالى بما أريده من نور اليقين حسن خلقه واستقام قلبه وترك جميع ~~مشيئآته لمشيئته ينتظر ما يبرز له من تدبيره في جميع أحواله فيتلقاه بهشاشة ~~قلب وطيب نفس فهذا حسن الخلق فمحله في أعالي الدرجات وسوء الخلق حجاب بين ~~العبد وبين ربه لأنه من نفس شهوانية والنفس ما لم تمت شهوتها لا تنقاد للحق ~~ولا يتخلص القلب من مخاليبها ولا يبرأ الإيمان من سقمه # قال صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤيا ( رأيت رجلا من أمتي جاثيا على ~~ركبتيه وبينه وبين الله تعالى حجاب فجاءه حسن خلقه فأدخله على الله تعالى ) # وقال صلى الله عليه وسلم ( أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام يا إبراهيم ~~حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن ~~أظله في عرشي وأن أسكنه في حظيرة قدسي وأن أدنيه من جواري ) # وحسن الخلق على ثلاث منازل # أولها أن يحسن خلقه مع أمره ونهيه # الثانية أن يحسن خلقه مع جميع ms463 خلقه # الثالثة أن يحسن خلقه مع تدبير ربه فلا يشاء إلا ما يشاء له ربه # ومن أسوء خلقا ممن دبر الله المطر من بركات السماء سقيا لعباده وبلاده ~~يجعل فيه أرزاقهم ومعاشا لهم ويحيي بذلك أمة من الأمم والعبد يكرهه ويأباه ~~لأجل إنه يبتل ثيابه أو يتأخر عن سفر يريده PageV03P097 فثقل عليه تدبير ~~الله تعالى لهذه الأمة لشهوته لذلك العمل الذي هو فيه ومن كان ميت الشهوة ~~فأعماله كلها عبودة لله تعالى ومن كان يثقل عليه تدبيره وحسن خلقه في جميع ~~أموره وأحكامه وإن محاسن الأخلاق جاءت من الله تعالى وقد خزنه الله تعالى ~~عن خلقه فلا يعطيه إلا من أحبه وسعد جده فمن منحه خلقا من تلك الأخلاق ~~وتخلق بها يرى بهجة ذلك في شمائله وفي منطقه ومعاشرته حتى في سيماء وجهه ~~والله أعلم PageV03P098 # | - * الأصل الحادي والثلاثون والمائتان # - * # | في ظن العبد بربه إن كان حسنا حقق له ذلك وإن كان سيئا وكله إليه # عن واثلة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله ~~تعالى ^ أنا عند ظن عبدي فليظن بي ما يشاء ^ # فالظن ما تردد في الصدر وإنما يحدث من الوهم وهو هاجسة النفس وأيد الله ~~تعالى المؤمن بنور التوحيد في القلب ونور في الصدر ويطوف حول القلب حجابا ~~لذلك النور الأعظم فإذا هجست النفس بعارض أمر ونور الصدر بمكانه يضيء ~~استقرت النفس فاطمأن القلب وحسن الظن لأن النور الذي في قلبه يؤدي إليه أن ~~الله تعالى كافيه وحسبه في كل أموره وأنه كريم رؤوف رحيم عطوف وإذا كانت ~~PageV03P099 النفس ذات شهوة غالبة فارت بدخان شهوتها فأظلمت الصدر فصار ~~الصدر مظلما وجاءت النفس بهواجسها فاضطربت فذلك سوء ظنها بالله تعالى والظن ~~ظنان ظن عطاء فذاك الذي تستقر عليه النفس ويطمئن القلب ويوفي له بذلك ولا ~~يخيبه # قال ابن مسعود رضي الله عنه والله الذي لا إله غيره ما أعطي عبد عطاء ~~خيرا من حسن الظن بالله # والظن الآخر ظن خالطه تهمة فلم يطمئن القلب ms464 فإن خيب فغير مستنكر # وقوله ^ أنا عند ظن عبدي بي ^ أي أن القلب بيدي لم أكلها إلى أحد فإذا ظن ~~عبدي بي حسنا حققت له ذلك ولم أخيبه وإذا ظن بي سيئا وكلته إلى سيئ ما ظن ~~وتخليت عنه لأني أعطيته من النور في القلب ما يؤدي إلى الصدر وفي الصدر ما ~~يضيء فيتصور له ما يؤدي القلب إليه وضاع ذلك الضوء لقوة ما أتت به النفس من ~~دخان شهواتها وتقوية الشهوات من العبد فعوقب عليه ونسب إليه بتركه تعاهد ~~القلب حتى استولت النفس عليه فألهته عن ذكر الله # وقوله ^ فليظن بي ما شاء ^ أي يجدني قريبا وفيا بما أمل ورجا وإنما يحسن ~~ظنه من انفرد له بين يديه وأعرض عن نفسه ورفع عنه بالها فانكشف له الغطاء ~~عن رأفته ورحمته فاستقر قلبه ومن كان صاحب شهوات واشتغال بنفسه فلو انكشف ~~له الغطاء عن رأفته ورحمته لأفسد أمره وضيع حدوده وركب شهواته واجترأ فستر ~~عنه حتى يكون في مخافة وحذر ولهذا كانت الأنبياء عليهم السلام لما سكنت ~~شهواتهم وماتت نفوسهم وحييت بالله تعالى قلوبهم بشروا بالنجاة فلم تضرهم ~~البشرى بل زادهم ألها أي شكرا PageV03P100 # | - * الأصل الثاني والثلاثون والمائتان # - * # | في حكمة دعاء الرمد # عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصابه ~~الرمد أو أحدا من أهله وأصحابه دعا هؤلاء الدعوات اللهم أمتعني ببصري ~~واجعله الوارث مني وأرني ثأري فيه وانصرني على من ظلمني # جعل الله للبصر في الجسد محلا رفيعا ومكانا عاليا وفي الخبر أن العبد ~~يؤخذ يوم القيامة بنعمة البصر فيوجد قد استفرغ جميع حسنات العبد وبقي سائر ~~النعم عليه مع التبعة # ومن رفيع درهته على سائر الجوارح أنه ينظر به إلى الله تعالى يوم الزيادة ~~وبه يلذ تنعما برؤيته وبه ينظر إلى العبر في الدنيا فالعين قالب البصر ~~والبصر من نور الروح ولكل ذي جسم لطافة فالروح مسكنه في الدماغ ومعلقة في ~~الوتين وهو نياط القلب ثم هو منفش PageV03P101 في سائر الجسد ms465 من الظفر إلى ~~شعر الرأس نفخ فيه الروح من طرف إبهامه في المبتدأ ثم يخرج منه عند القبض ~~من طرف لسانه لأن الله تعالى رفع درجة اللسان على سائر الجوارح بالتوحيد ~~وبه يظهر ما في القلب # قال صلى الله عليه وسلم ( ما من شيء أحب إلى الله من بضعة لحم وذلك لسان ~~المؤمن وما من شيء أبغض إلى الله من بضعة لحم وذلك لسان الكافر ) # فجعل سبيل الروح عند خروجه من طرف لسانه ليكون آخر الجوارح موتا وتكون ~~حركة لسانه عند خروج الروح منه بالتوحيد والحياة مع الروح والعقل والمعرفة ~~فالروح نور والعقل نور والمعرفة نور ولكل نور بصر فبصر العقل متصل ببصر ~~الروح ولطافة الروح فما رق منها وصفا فهو في العين وإذا أبصر الناظر إلى ~~حدقة رأى الرقة واللطافة في الحدقة في ذلك السواد فتلك لطافة الروح كالماء ~~وبصر الروح في تلك الإنسانة في الحدقة فذلك النور المشرق فيه هو بصر الروح ~~والضوء من خارج وإدراك الألوان من بين هذا النور الذي في الإنسانة وبين ~~الضوء الذي هو خارج وحتى لا يجتمعان لا يدرك الناظر بعينه الألوان فهذا ~~لعامة الآدميين # ثم خص الموحدين بأن أرواحهم من النور وأرواح الكافرين من النار وليس ~~للكافر عقل فخص الموحد بالعقل فاجتمع نور التوحيد ونور العقل ونور المعرفة ~~ونور الروح في تلك الإنسانة فبها تبصر العين في الدنيا وتتمثل له أمور ~~الآخرة PageV03P102 # ثم خص الأولياء منهم بنور القربة ولذلك النور أيضا بصر فالنور في القلب ~~وبصره في بصر العين فبقوة ذلك يتفرس والفراسة أمر جليل من أمور الغيب خص ~~بها الأولياء عليهم السلام ينظرون بنور الله تعالى إلى سمات القدرة على ~~عبيد الله تعالى في الغيب فتوسمهم نظرهم ببصر ذلك العين الذي اتصلت الأبصار ~~فيها بعضها ببعض وغشيها بصر القدرة فيدركون سمات القدرة والتدبير فيخبرون ~~بالعجائب فهذا بصر الأولياء ثم للأنبياء عليهم السلام زيادة نور في أبصارهم ~~وهو بصر النبوة ثم للرسل عليهم السلام بصر الرسالة ثم لرسولنا صلى الله ~~عليه وسلم ms466 بصر سيادة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين فاجتمعت هذه الأبصار ~~كلها في إنسانة تلك الحدقة من عينه صلى الله عليه وسلم # وقال صلى الله عليه وسلم ( رأيت ليلة أسري بي من العلى الذرة تدب على وجه ~~الأرض من السدرة المنتهى ) # قوله ( أمتعني ببصري ) والإمتاع بالبصر أن يرى هذه العجائب من تدبير الله ~~تعالى من أمور الدنيا والآخرة ويرى كل شيء كما خلقه الله تعالى بما ينظر ~~إليه من العبر قال تعالى @QB@ وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل ~~عبد منيب @QE@ # والمنيب الذي قد أناب بقلبه فأقبل على الله تعالى وفرغ قلبه له من حشو ~~الدنيا وطهره من أدناس المعاصي وكدورة الأخلاق وفضول الدنيا فقربه ربه ~~وأدناه ونقى قلبه بنوره واحتد بصره في خلقه وصنعه وتدبيره فلو نظر إلى ورقة ~~لحار عقله فيها من العجائب التي فيها من رطوبتها ولونها وطعمها وريحها ~~ولينها ومقدارها وتقطيعها وهيئتها ونقوشها وتخطيطها واللطف الذي حواها على ~~PageV03P103 هذه الصفة ثم كل شجرة لها ورق لا يشبه الأخرى فللمؤمن المنيب ~~في هذا البصر بهجة # فأما المكب على نفسه في خلو من لطائف الله تعالى فيه التي هي عند العارف ~~أحلى من القطايف وبره وتدبيره ورحمته وإنما به شغل نفسه ماذا ينال منها من ~~عاجل النفع أكلا وتمتعا واعتقادا لما فضل منه حرصا على الدنيا وجمعا لها قد ~~اتخذه عدة لنوائبه دون الله تعالى واعتمد عليه فاستولت بهجة النفس عليهم ~~لينالوا بها عزا ويتمتعوا لهوا وسهوا فوقعوا في الخسران وحرموا رؤية البهجة ~~وصار عاقبة أمرهم إلى الكفران قال الله تعالى @QB@ لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون @QE@ # فسأل صلى الله عليه وسلم أن يمتعه ببصره الذي ينال به هذه الأشياء حتى ~~يتوسم به آيات الله وينظر به إلى سمات القدرة ويكون ممن يعبد الله بكل نظرة ~~فإنما أعطي العباد ليعبدوا الله تعالى بها لا ليتمتعوا بها تمتع الكفار قال ~~تعالى @QB@ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى ms467 لهم ~~@QE@ # فالمؤمن يتزود في جميع نظره وسعيه وعمله ينظر بعين العبرة والفكرة في أمر ~~الله تعالى ويتقرب إلى الله تعالى به ويتزود لآخرته والكافر يتمتع وإذا نظر ~~المؤمن بعين الغفلة والشهوة كان تمتعا فالمتنبه كلما نظر إلى شيء ازداد ~~علما وكان بصره رأس ماله والمزيد من العلم ربحه ولهذا جاءت به الأخبار أن ~~النظر إلى البحر عبادة وإلى العالم عبادة وإلى وجه الأبوين عبادة لأنه عبد ~~الله بتلك النظرة PageV03P104 # وقوله ( واجعله الوارث مني ) أي اجعل بصري آخر ما يخرج مني فيكون قد ختمت ~~لي بالنبوة والتوحيد والعقل فيكون بصري هو الوارث لجوارحي فإن هذه الأبصار ~~قد اجتمعت في هذا البصر فكان آخر ما يخرج مني لطافة الروح وهو بصر العين ~~فقط فالسعيد من قبض روحه وكان آخر ما يخرج منه بصر توحيده وعقله والشقي من ~~سلب ذلك ثم قبض روحه فكان آخر ما يخرج منه بصر روحه فقط # قال صلى الله عليه وسلم ( إن الروح إذا فارق الجسد تبعه البصر ألا ترى ~~إلى شخوص عينه ) # فسأل صلى الله عليه وسلم الإمتاع ببصره أن يديم له ذلك إلى أن تفارقه ~~روحه وكان آخر ما يخرج عنه بصره لأنه كان متصلا ببصر العقل والتوحيد ~~والولاية والنبوة والرسالة والقيادة والسيادة حتى يكون ذلك ختاما لأمره # وقوله ( وأرني ثأري ) معناه أرني ببصري هذا ما يكون في أمتي إلى آخر ~~الدهر من النصرة لما جئت به فاستجيب له فأري ملك فارس والروم في أمته ~~ومنازل الحكماء والعلماء والأئمة الهادية بالحق والقائمة بالعدل والفتن ~~التي هي كائنة في أمته والرحمة التي عمتهم # وقوله ( وانصرني على من ظلمني ) ظلم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكذب ~~وتنفى عنه منة الله تعالى عليه في شأن النبوة فسأل إظهار حقه الذي جاء به ~~فكانت تلك نصرة النبوة فكان المستعدي عليه على أحد أمرين إما أن يهديه الله ~~تعالى وإما أن يقتله PageV03P105 # | - * الأصل الثالث والثلاثون والمائتان # - * # | في حقيقة الخوف وحقيقة المعرفة # عن معاذ رضي الله عنه قال قال رسول الله ms468 صلى الله عليه وسلم ( لو خفتم ~~الله تعالى حق خيفتة لعلمتم العلم الذي لا جهل معه ولو عرفتم الله تعالى حق ~~معرفته لزالت بدعائكم الجبال ) # حقيقة الخوف لمن وصل قلبه إلى فردانيته فامتلأ من عظمة الفردية باهت في ~~جلاله فأينما وقع بصره على شيء وأينما دارت فكره واطلعت نفسه تلك المطالع ~~علم العلم الصافي الذي لا يمازجه شبهة ولا جهل بمنزلة الشمس إذا أشرقت على ~~أهل الدنيا بضوئه يريك الأشياء كلها حتى لا يخفى عليك منه شيء لعموم إشراقه ~~على الأشياء كلها فكذا شأن القلب إذا كمل علمه وأشرق نور الله تعالى في ~~صدره فذلك الضوء يريك أمر الملكوت وأمور الدنيا والآخرة وإنما ينال هذا ~~العلم بنور الخوف ونور الخوف ما أشرق في صدره من نور العظمة الفردية فخافه ~~حق خيفته وعلم العلم الذي لا جهل معه PageV03P106 لأنه يريك ذلك النور باطن ~~الأمور والأسرار التي في الغيوب التي خص الله تعالى بالكشف عنها الأنبياء ~~والأولياء عليهم السلام # وقوله ( حق معرفته ) أن تعرفه بصفاته العلى وأسمائه الحسنى معرفة يستنير ~~قلبك بها فإذا عرفته بذلك كان دعاؤك عن معرفة وحسن الظن به وقال عز من قائل ~~أنا عند ظن عبدي بي والكريم يستحيي أن يعرف بشيء ثم لا يكون له من ذلك ~~الشيء منه نوال فما ظنك بعبد يعرف ربه بالكرم ثم يدعوه فيقول يا كريم هل ~~يخيب العارف له بذلك وقد عرفه بالكرم معرفة يقين # وقد عرف الموحدون كلهم أنه كريم ولكن تلك معرفة التوحيد لا معرفة اليقين ~~ولهذا يعاملونه معاملة اللئام ولا يأتمنونه على أحوالهم إذ لو ائتمنه لم ~~يتخير الأحوال وألقى مفاتيح الأمور إليه حتى يكون هو الذي يختار له وإذا ~~اختار له ما تكره نفسه ويثقل عليها راض نفسه وأدبها حتى إذا اختار الله ~~تعالى له ذلك اهتش إلى المكروه كما يهتش إلى المحبوب ثقة به وتفويضا إليه ~~فهؤلاء الراضون عن الله تعالى رضي الله عنهم ورضوا عنه فهم أهل الخشية ~~والذين عرفوه بالكرم معرفة التوحيد يتخيرون له ms469 الأحوال فيهربون من الفقر ~~والذل ويحتالون لأنفسهم الأحوال المحبوبة ويطلبونها ويدبرون لأنفسهم أمورا ~~وإذا جاءهم المكروه من الأمور وذلك له صنع من الله جميل رأيت له نفسا دنية ~~وخلقا شكسا فلا يزال ذلك السوء يتردد في صدره حتى يتكدر عليه عيشه فإن كان ~~صاحب تقوى اتقى الله بجوارحه وصدره بهذه الصفة وإن خذل فترك تقواه خرج ذلك ~~من صدره إلى الجوارح فافتضح عند الملائكة وعقلاء خلقه في الأرض PageV03P107 # | - * الأصل الرابع والثلاثون والمائتان # - * # | في أن الطاعم الشاكر لم صار بمنزلة الصائم الصابر وأن الصبر أفضل # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ) # الصوم هو أن يعزم على أن يكف عن الطعام والشراب ومباشرة النساء طول ~~النهار والصائم كل ساعة تتردد فيه شهوة الطعام والشراب وغير ذلك مما هو ~~ممنوع منه فرد شهوته وتجرعت نفسه مرارة الرد فهو صابر يتجدد عليه الصبر ~~ساعة بعد ساعة عند تحرك كل شهوة في نفسه ومنعه منها فهو يردها ويثبت على ~~الوفاء بنذره فسمي PageV03P108 الصائم الصابر ولذلك قال الله تعالى ( الصوم ~~لي وأنا أجزي به ) إنما صار مختصا من بين الأعمال بأن نسبه إلى نفسه ~~الكريمة وإن كان الأعمال كلها لله تعالى لأن الصوم ليس بعمل الأركان ويقع ~~سرا فيما بينه وبين ربه سبحانه وتعالى والحفظة لا تعلم ذلك ولا تطلع عليه ~~وخفي عليه جزاؤه ومقدار ثوابه فولي الله تعالى ذلك لعبده لأنه كلما ترددت ~~شهوة تجددت للعبد عزمة على الثبات فله بكل عزمة ثواب جديد # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ( ما من نعمة وإن تقادم عهدها فذكرها العبد ~~فحمد الله عليها إلا جدد الله تعالى له ثواب شكرها كيوم شكره وما من مصيبة ~~وإن تقادم عهدها فذكرها العبد فاسترجع إلا جدد الله له ثوابها كهيئته يوم ~~أصيب ) # فللصائم بكل عزمة استئناف صبر قال الله تعالى @QB@ إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب @QE@ فقد خرج هذا من عمل الحفظة وإدراكهم # قال صلى الله عليه ms470 وسلم ( الأعمال كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلا ~~الصوم فإنه لا يعلم ثواب عامله إلا الله تعالى ) # وقال صلى الله عليه وسلم الأعمال عند الله سبعة عملان موجبان PageV03P109 ~~وعملان بأمثالهما وعمل بعشر أمثاله وعمل بسبعمائة ضعف وعمل لا يعلم ثواب ~~عامله إلا الله تعالى فأما الموجبان فمن لقي الله يعبده مخلصا لا يشرك به ~~شيئا وجبت له الجنة ومن لقي الله قد أشرك به وجبت له النار ومن عمل سيئة ~~جزي بمثلها ومن عمل حسنة جزي عشرا ومن أنفق ماله في سبيل الله ضعفت ~~بسبعمائة والصيام الذي لا يعلم ثواب عامله إلا الله تعالى # وقوله ( الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ) فالإيمان منقسم على الشكر ~~والصبر # قال صلى الله عليه وسلم ( الإيمان نصفان نصف للشكر ونصف للصبر ) # لأن العبد في جميع عمره بين محبوب ومكروه فالإيمان يقتضي الشكر عند ~~المحبوب والصبر عند المكروه فإذا وفى لهما وفر إيمانه فإذا طعم وهو محبوب ~~النفس فشكر فقد أتى بنصف وفاء الإيمان وإذا جاع وهو مكروه النفس فصبر فقد ~~أتى بنصف وفاء الإيمان وهكذا في جميع الأعمال وهذا لأن العبد لما آمن بقلبه ~~واعترف بلسانه امتحن صدق ما في قلبه وطمأنينة نفسه بالإيمان بالمحبوب ~~والمكروه فإن أبرز عند المحبوب شكرا وعند المكروه صبرا فقد أتى بوفاء ~~الإيمان # قال تعالى @QB@ الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين @QE@ ~~PageV03P110 # لأن الشهوة التي في ابن آدم من المحفوف بباب النار فإذا أثارها محبوب من ~~الأمور فهي حرفة يقتضي عليها الشكر وهو رؤيتها من خالقها والمقدر له وإذا ~~آثرها بمكروه فهي حرفة يقتضي عليها الصبر للمقدر الحاكم عليه بذلك لتظهر ~~صحة إيمانه فيباهي الله تعالى به يوم الموقف ملائكته عليم السلام إذا أتى ~~الله تعالى بالصبر والشكر PageV03P111 # | - * الأصل الخامس والثلاثون والمائتان # - * # | في أدب شرب الماء وفوائد كل شربة وحكمة الشكر والشفاء والوترية # عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله ms471 عليه وسلم ( إذا ~~شربتم فاشربوا بثلاثة أنفاس فالأول شكر لشرابه والثاني شفاء في جوفه ~~والثالث مطردة للشيطان وإذا شربتم فمصوه مصا فإنه أجدر أن يجري مجراه وأنه ~~أهنا وأمرأ ) # النفس الأول صار شكرا للمنتهين لما خلص إليه عذوبة الماء ورطوبته وبرودته ~~تراءى لقلبه لطف الله تعالى في ذلك الماء كيف جرت ربوبيته فيه حتى رطبه ~~وأعذبه وبرده فكانت رؤيته لذلك شكرا وإذا كان النفس الأول بهذه الهيئة ذهب ~~بالداء وإذا ذهب الداء جاءت نوبة الشفاء فلما شكر هذا العبد في النفس الأول ~~استوجب من الله تعالى المزيد قال تعالى @QB@ لئن شكرتم لأزيدنكم @QE@ ~~PageV03P112 # فاجتلب في النفس الثاني المزيد فصار شفاء لأن البركة قد اشتملت على ~~المزيد # وأما النفس الثالث صار مطردة للشيطان للوترية التي فيه فإن الله تعالى ~~وتر يحب الوتر فالنفس الأول رحمته والنفس الثاني شكره لعبده وهو مزيده ~~والنفس الثالث محبوبه لسمة الوترية فوتريته تعالى نفت كل خلط في الأعمال ~~مما يريد الشيطان أن يزاوجه لأنه مستعد لأن يزاوج بما يورد على القلوب في ~~ملك الصدور والموحد ينفي مزاوجته بحظه من وترية الله تعالى حتى يبطل كيده ~~ويصفو عمله لله تعالى الوتر ولذلك كانت العلماء يتوخون الوتر في كل شيء ~~فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وترا وإذا تكلم فأعاد الحديث أعاد ~~وترا وكان يتوخى الوترية في كل شيء وكان أبو هريرة رضي الله عنه يتوخى ~~الوترية في كل شيء حتى أنه كان يقرأ في صلاته بأم القرآن بثلاثة أنفاس وكان ~~ابن سيرين رضي الله عنه يتفقد بطلب ذلك حتى يأمر الخادم أن يضع على مائدته ~~من كل شيء وترا يتوخون بذلك محبوب الله تعالى والتماس البركة وانطراد ~~الشيطان ونفوره وإذا انطرد الشيطان بقي الشفاء على هيئته وثبت الشكر لصاحبه ~~قال صلى الله عليه وسلم ( إن الله ليرضى على العبد بالشربة الواحدة والأكلة ~~الواحدة يشربها أو يأكلها فيحمد الله عليها ) # وقال صلى الله عليه وسلم ( ما أنعم الله على عبد من نعمة صغيرة ولا ~~PageV03P113 كبيرة فحمد الله ms472 عليها إلا كان قد أعطي خيرا مما أخذ ) # فالنفس الأول للشكر وإنما يثبت الشكر للوترية في النفس الثالث لانطراد ~~الشيطان لأنه لم يكن مطرودا دخل عليه بوسوسة ما يبطل شكره بأن يوسوس إليه ~~في عذوبته أو في صفائه أو في برده خللا ينغص عليه النعمة حتى يغيب عن قلبه ~~لطف ربوبية الله تعالى في ذلك الماء في وقت الشرب # وقد استوجب العبد رضاء الله تعالى في شربة واحدة لهذه الآداب التي دأب ~~عليها مطيعا لله تعالى طالبا فيها حسن العمل وهذه الشربة الواحدة إنما رضي ~~الله بها عن العبد لأنه سمى في أولها وتنفس حين قطع الشكر للمزيد ليجتلبه ~~فإن المزيد أكثر من الشكر ثم تنفس فقطع ليجتلب الوترية فينفي العدو الحاسد ~~الذي قد أعد له في كل شيء حسدا فيثبت له الشكر فيدوم فإذا حمد الله فقد ~~ختمه بكلمة الصدق فرضي عنه بتلك الكلمة الصادقة وإذا حمد حمدا مع ترك الأدب ~~كانت كلمته مدخولة فلا يستوجب الرضى لأنه مع استيلاء الغفلة كحمد السكارى ~~وإذا رضي الله تعالى عن عبده أثنى عليه وأحبه ملائكته # قال صلى الله عليه وسلم ( من شرب الماء بثلاثة أنفاس بدأ فسمى في كل مرة ~~وحمد كل مرة سبح الماء في جوفه حتى يشرب ماء غيره ) PageV03P114 # وقوله ( إذا شربتم فمصوا ) لأن اللهاة تيبس من حرارة الجوف ولهبان الكبد ~~فتعطش اللهاة فإذا مص الماء كان كثير البرودة على اللهاة فيسكن العطش ~~فاستغنى عن كثرته إذ كثرة الماء تتخم وتحدث داء كثيرة فإذا مص أسرع إلى ~~تسكين العطش فاستغنى عن الازدياد ولأنه أرفق لمجراه في العروق # قال ( لا تعبه عبا فإن الكباد من العب ) # فإنه إذا عب أضر بالكبد لأنه مجمع العروق ومنه تنقسم في العروق فإذا عبه ~~في دفعة واحدة كان بمنزلة نهر فتحت مفتحه دفعة واحدة فدخل الماء جملة لم ~~يؤمن البثق والفساد فكذا إذا شربه عبا لا مصا لم تحتمل العروق وفاضت من ~~المعدة إلى العروق فربما كان على الطريق سدة في العروق فاحتبس الماء ms473 هناك ~~فدوي فصار خاما وقوي البلغم فحدثت منه أدواء في النفس وأورثت كسلا عن عبادة ~~الله تعالى وفتورا فمن لها عن تفقد ذلك يوشك أن يؤديه إلى ما هو أكبر منه ~~فكان صلى الله عليه وسلم شفيقا على الأمة رؤوفا رحيما أن يؤديهم إلى الله ~~تعالى مع زينة الإسلام وبهاء الإيمان فعلمهم تناول الطعام والشراب وكل شيء ~~للنفس فيه حق وقد طهره الله تعالى وأدبه وأحيا قلبه ونفسه فقبل أدبه وصار ~~مهذبا وأمرنا بالاتساء به فقال تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة @QE@ وجعل الإتباع له علامة محبته في قلوب العباد فقال @QB@ إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ فأوجب محبته لمن اتبعه PageV03P115 # | - * الأصل السادس والثلاثون والمائتان # - * # | في أن النوم مع الطهر كالصوم مع القيام # عن عمرو بن حريث رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~النائم الطاهر كالصائم القائم ) # الصائم بترك الشهوات يطهر وبقيامه بالليل يحيا والنائم نوم العدة محتسبا ~~إذا نام على طهارة بمنزلته فإن نفسه تعرج إلى الله تعالى فإذا كان طاهرا ~~قرب فسجد تحت العرش # قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما تعرج الأرواح إلى الله تعالى في ~~منامها فما كان طاهرا سجد تحت العرش وما كان غير طاهر سجد قاصيا فلذلك ~~يستحب أن لا ينام الرجل إلا وهو طاهر # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه إذا نام الإنسان عرج بنفسه PageV03P116 ~~حتى يؤتى بها إلى العرش فإذا كان طاهرا أذن لها في السجود وإن كان حنبا لم ~~يؤذن لها في السجود # وما قال أبو الدرداء رضي الله عنه إن النفس تعرج أصوب فإنه يروى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( وكل بالنفوس شيطان يقال له الهو فهو يخيل ~~إليها ويتراءى إلى أن ينتهي إذا عرج بها فإذا انتهت إلى السماء فما رأت فهو ~~الرؤيا التي تصدق ) إلا أن عبد الله بن عمرو إستجاز أن يسمي الروح باسم ~~قرينها كالقلب والفؤاد والنفس والروح قرينان إلا أن الروح سماوي ms474 يدعو إلى ~~الطاعة ومسكنه في الرأس والنفس أرضية تدعو إلى الشهوات وقد وضع في كل واحد ~~منهما شيء من الحياة فيعمل بتلك الحياة فبالنفس يأكل ويشرب ويسمع ويبصر ~~وبالروح يعف ويستحيي ويتكرم ويتلطف ويعبد ربه ويطيع والنفس هي الأمارة ~~بالسوء وهي حارة والروح بارد فإذا نام العبد خرجت النفس بحرارتها فعرج بها ~~إلى الملكوت والروح باق معلق بنياط القلب يحرس القلب بما فيه من التوحيد ~~وأصل النفس باق يتقيد بالروح وقد خرج شعاعها قال الله تعالى @QB@ الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى @QE@ # ولذلك تجد النائم استيقظ في أعضائه بردا في أيام الصيف لخروج حرارة النفس # والنفوس تشترك بين الآدمي والبهائم وفضل الآدمي بالروح السماوي ليكون ~~داعيا لنفسه إلى الطاعة وإذا نام العبد خرجت النفس فلقيت من أمور الملكوت ~~وأخبار الغيب ما يرجع إلى صاحبها بالعلم الشافي PageV03P117 # قال صلى الله عليه وسلم ( رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ~~) # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم ( لم يبق بعدي من النبوة شيء إلا المبشرات ~~رؤيا المؤمن ) # فإذا عرجت النفس صارت إلى فناء العرش فظهرت بقرب الله تعالى وبالسجود ~~الذي أذن لها فرجعت إلى صاحبها طاهرة بالقرب محبوة بكرامة السجود فصارت ~~بمنزلة الصائم الذي طهر بترك الشهوات وحيى بقيام الليل فهذه منزلة الصادقين ~~استوى نومه على طهارة بصيامه وقيامه # ولهذا قال معاذ رضي الله عنه لأبي موسى إني أنام نصف الليل وأقوم نصفه ~~فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي # فأما منزلة الصديقين خاصة الله تعالى فهي أرفع من هذا فإن النوم ~~PageV03P118 عندهم أثر من القيام لأن نفوسهم قد قلقت بين الأحشاء فهي تطلب ~~الانفلات إلى فسحة التوحيد إلى فحص العرش وطلبت العقول الوصول إلى الله ~~تعالى فاغتنم ما تطلب النفس فاقترنا فخرج العقل بحظه من القلب اشتياقا إلى ~~الله تعالى وخرجت النفس اشتياقا إلى فسحة العرش والروح الذي هناك فإذا رجعا ~~إلى البدن أوردا على الروح من الطهارات ms475 والكرامات ما لا يخطر على قلب بشر ~~حتى يرتاح ويطهر ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوخى نوم السحر # قالت عائشة رضي الله عنها ما ألقاه السحر عندي إلا نائما # فالسحر ساعة نزول الرب سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا واطلاعه على ~~الخلق والعطف عليهم والنداء ألا هل من داع فأستجيب له ألا هل من تائب فأتوب ~~عليه ألا هل من سائل فأعطيه ألا هل من مستغفر فأغفر له وهو باسط يده لمسيء ~~النهار أن يتوب بالليل ثم يقول من يقرض غير معدوم ولا مطول # فكان صلى الله عليه وسلم يتوخى النوم في ذلك الوقت لعروج نفسه إلى الله ~~تعالى فتلقاه في سمائه وهذا أفضل عنده من قيامه لأنه في حال القيام إنما ~~يعرج إليه قلبه بعقله وفي حالة النوم تعرج النفس والعقل والقلب فاجتماع ~~الثلاثة أفضل عنده فخاصة الله تعالى نالوا هذا الحظ وتوخوا بنومهم ذلك ~~فصاروا أفضل من الصائمين القائمين وأما الصادق فقد اعتدل نومه بصومه ومكثه ~~في نومه بقومته وإليهم أشار صلى الله عليه وسلم في الحديث وهذا مثل قوله ~~صلى الله عليه وسلم ( الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ) # فهذا شكر الصادقين عدل شكره على طعامه بصبره في صيامه فأما شكر الصديقين ~~فقد فاق وبرز على صبر الصائمين لأن الصبر ثبات العبد في مركزه عن الشهوات ~~برد ما يهتاج منه من الشهوات PageV03P119 في وجه النفس والشاكر من الصديقين ~~يطعم ويفتتح طعامه ببسم الله الذي يملأ تسميته ما بين السماء والأرض ويطفئ ~~حرارة شهوته ويرى لطف الله تعالى في ذلك الطعام ورأفته به في سياقته إليه ~~ويحمد الله تعالى على ما يرى من صنعة الله تعالى في ذلك الطعام حمدا لا ~~ينتهي فقد بان تفاوت ما بين هذين الحالين # وعند معاذ بن جبل رضي الله عنه قال أبطأ عنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بصلاة الفجر حتى كادت الشمس تدركنا ثم خرج فصلى بنا فخفف في صلاته ثم ~~انصرف فأقبل علينا بوجهه فقال على مكانكم أخبركم ms476 بإبطائي عنكم اليوم في هذه ~~الصلاة إني صليت في ليلتي هذه ما شاء الله تعالى ثم ملكتني عيني فرأيت ربي ~~في أحسن صورة وأجملها فقال يا محمد قلت لبيك يا رب قال فيم يختصم الملأ ~~الأعلى قلت لا أدري يا رب ثم قال يا محمد قلت لبيك يا رب قال فيم يختصم ~~الملأ الأعلى قلت لا أدري يا رب قال فوضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله ~~بين ثديي فعلمت من كل شيء وبصرته ثم قال يا محمد قلت لبيك يا رب قال فيم ~~يختصم الملأ الأعلى قلت في الكفارات قال وما هن قلت في المشي على الأقدام ~~إلى الجماعات وفي إسباغ الوضوء في السبرات وفي القعود في المساجد بعد ~~الصلوات قال ثم فيم قال قلت وفي إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة بالليل ~~والناس نيام قال سل قلت اللهم إني أسألك حب الحسنات وترك المنكرات وحب ~~المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في خلقك فنجني إليك منها غير ~~مفتون اللهم وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك ثم أقبل علينا ~~فقال تعلموهن وادرسوهن فإنهن حق PageV03P120 # فانظر كم بين النومة والقومة فهو قصد المشتاقين إلى الله تعالى في المنام ~~يتوخون بها تجدد أحوال النفوس ويتوقعون من الله تعالى المنن وكان أبو بكر ~~رضي الله عنه يقول لأن أسمع برؤيا صالحة أحب إلي من كذا وكذا PageV03P121 # | - * الأصل السابع والثلاثون والمائتان # - * # | في التعوذ بالله من الرغب # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تعوذوا ~~بالله من الرغب ) قال وكانت ابنة رغيبة فدعا الله عليها فماتت # الرغب كثرة الأكل والشبع مفقود حتى يحتاج صاحبه أن يثابر عليه في اليوم ~~مرات وذلك من غلبة الحرص ولهبان ناره يهضم ذلك الطعام وينشف رطوبته حتى ~~يسرع في يبسه فيصير تفلا يحتاج إلى أن ينفضه نفضا # وقال صلى الله عليه وسلم ( الرغب شؤم ) لأن ذلك من جعامة النفس وإذا كانت ~~النفس جعمة فصاحبها مفتون وجعامة النفس ms477 من قلة حظه من الله تعالى وبعد قلبه ~~منه وربة نفس مالت جعامتها إلى بطنه فيكون مفتونا ببطنه ولذة حلقه هالعا لا ~~يدع رطبا ولا يابسا وربة نفس مالت جعامتها بها إلى فرجه فكان منهوما بذلك ~~وإذا عجز عنه فعلا لكبر أو ضعف فقلبه منهوم ولسانه رافث وعينه طماحة ~~PageV03P122 خائنة قال صلى الله عليه وسلم ( أكثر ما يدخل الناس الجنة حسن ~~الخلق وأكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان البطن والفرج ) # وقال صلى الله عليه وسلم ( أشر ما في الإنسان شح هالع وجبن خالع ) # والشح الهالع هو الحرص الذي له حريق في الجوف وصاحبه لا يشبع والجبن ~~الخالع هو الذي إذا وقع الخوف في الرئة انتفخ من الجبن وسوء الظن حتى يرحل ~~القلب من مكانه فيبقى معلقا كالمتخلع والرغب مشتق من الرغبة والرغبة خلقت ~~من أخلاق الكفر # قال وهب رضي الله عنه وجدت في الحكمة مكتوبا بني الكفر على أربعة أركان ~~على الرغبة والرهبة والشهوة والغضب # فالرغبة ربع الكفر والمؤمن لا يرغب بل يتناول على الحاجة ولا يستمتع بل ~~يتزود لأنه مسافر قد أيقن بالبعث فهو في السير إلى ربه فما أخذه من الدنيا ~~أخذه تزودا ليقطع مسافة أيام الدنيا إلى يوم مقدمه عليه بالموت الذي حل به ~~والكافر قد ركن إلى الدنيا ونعيمها ولم يقر بالبعث ولا اطمأن إلى أنه صائر ~~إلى الله تعالى وإلى ما يأمله المؤمن من الرجاء العظيم والأمل الفسيح فيأخذ ~~من الدنيا متمتع ويأكل أكل متشبع # قال صلى الله عليه وسلم ( ما ملأ آدمي وعاء شرا له من بطن بحسب ~~PageV03P123 ابن آدم لقمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فثلث طعام وثلث شراب ~~وثلث نفس ) # وقال صلى الله عليه وسلم لأبي جحيفة رضي الله عنه حيث تجشأ ( يا أبا ~~جحيفة أقصر من جشائك فإن أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في ~~الدنيا ) # ويقال الشبع أب الكفر لأنه يحدث منه الأشر والبطر ومنهما يتكبر ويتجبر # وقال عليه السلام إن الله تعالى يحب القتير من أمتي قيل ms478 يا رسول الله وما ~~القتير قال قليل الطعم # وروي عن يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام أنه قال لإبليس هل وجدت مني ~~شيئا قط قال لا إلا أنك ربما شبعت فثقلت عن الصلاة فعاهد الله تعالى أن لا ~~يشبع حتى يخرج من الدنيا فأمر عليه السلام بالتعوذ منه ليعافى من هذه ~~الآفات إن شاء الله تعالى PageV03P124 # | - * الأصل الثامن والثلاثون والمائتان # - * # | في سبب زيادة العمر # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا بني أسبغ ~~الوضوء يزد في عمرك ) # فزيادة العمر على وجهين أحدهما أن العبد إذا عمر بالإيمان وبحياة القلب ~~به فذاك كثير وإن قل مدته لأن القصير من العمر إذا احتشى من الإيمان أربى ~~على الكثير لأن المبتغي من العمر العبودة لله تعالى كي يصير عند الله تعالى ~~وجيها ألا ترى أن المعمرين من الرسل عليهم السلام كلهم عمروا ما بين ~~المائتين إلى الألف ومحمد صلى الله عليه وسلم لبث في النبوة نيفا وعشرين ~~سنة فأربى على الجميع وتقدمهم لعظيم حشوه ووفور حظه ودنو قربه حتى قال ( ~~أنا سيد ولد آدم ولا فخر وإن الله تعالى أعطاني خصالا لم يعط أحدا قبلي ~~سميت PageV03P125 أحمد ونصرت بالرعب وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي ~~الغنائم ) # الوجه الثاني أن الله تعالى قدر الآجال والأرزاق والحظوظ من أهلها فجعل ~~بعضها واجبة وبعضها هدية ثم أثبت ذلك في الكتاب الذي عنده لا يطلع عليه أحد ~~ومنه نسخ إلى اللوح فيمحو من ذلك الأم ما شاء ويثبت ما شاء وإنما يمحو من ~~الهدايا بالأحداث التي تكون من أهلها في الأرض فأما الواجبات فقد وجبت ~~لأهلها فإذا حافظ المؤمن على الوضوء وأسبغه فإنما يدوم هذا الفعل لوفارة ~~إيمانه واتساع صدره شرحا للإسلام فهداياه في أم الكتاب مثبتة تربو بحفظه ~~وصونه للهدايا فإذا استخف بها دخل التخليط في إيمانه وذهبت الوفارة وانتقص ~~من كل شيئ بمنزلة الشمس التي ينكسف طرف منها فبقدر ما انكسف ولو مقدار رأس ~~إبرة انتقص من ms479 شعاعها وإشراقها فكذلك نور المعرفة بقدر ما ينكسف من شمسها ~~ينتقص من جميع أعماله وأخلاقه وسيرته في الدين بين يدي الله تعالى لأن ~~القلب صار محجوبا ومن حجب عن الله تعالى بمقدار رأس إبرة فزوال الدنيا ~~بكليتها أهون من ذلك فلا يزال العبد ينتقص ويدوم ويتراكم نقصانه وهو أبله ~~لا ينتبه بذلك حتى يستوجب الحرمان فتمحى الهدية ويبقى العبد خاليا ولو قد ~~عقل لما حل به وانتبه له لم يزل صارخا إلى الله تعالى حتى تثبت له الهدية ~~ويزاد في العمر فيؤخر أجله ويزداد في رزقه وقوته في أعمال الدين والدنيا ~~ويزاد في البركة في كل شيء منه # وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن الرجل ليبقى من ~~أجله ثلاثة أيام فيصل رحمه فيزيد الله تعالى في عمره ثلاثين سنة ) ~~PageV03P126 # وكيف لا يزاد في عمره وقد تعلق بقميص الرحمة والأخبار مستفيضة في نسأ من ~~أعمال البر أنه يزاد في عمره ثوابا لتلك الأعمال فذلك عاجل الثواب بشرى لما ~~أعد له في الآخرة من الثواب # وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال تذاكرنا زيادة العمر عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال ( لن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها زيادة العمر ذرية ~~صالحة يرزقها الله تعالى العبد يدعون له بعد موته يلحقه دعاؤهم فذلك ~~الزيادة في العمر ) # وعن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من كان يريد أن ~~يبسط عليه في رزقه وينسأ في أثره فليصل رحمه ) PageV03P127 # | - * الأصل التاسع والثلاثون والمائتان # - * # | في خصائص النبي الأمي وفي سر قوله أعطيت خمسا . . . إلخ # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~أعطيت خمسا لم يعطهن نبي من قبلي ولا أفخر بعثت إلى الأسود والأحمر وكان ~~النبي قبلي يبعث إلى قومه وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب أمامي ~~مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة فدخرتها ~~لأمتي فهي نائلة إن شاء الله ms480 تعالى لمن لا يشرك بالله شيئا ) # الرسول صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الخلق بمنزلة الأمير المؤمر يعطي ~~الإمارة والولاية والرعاية فهو بمنزلة الراعي يرعى غنمه في مراعي تسمن ~~عليها ويوردهم صفو الماء ويرتاد لهم في الصيف مشتاهم وفي الشتاء ~~PageV03P128 مصيفهم ويعد لهم لكل ليلة مأوى قبل هجومه ويفر بها عن مراتع ~~الهلكة ويجنبها الأرضين الوبئة ويحرسها من السباع ويحوطها عن الشذوذ ويلحق ~~شذاذها ويجبر كسيرها ويداوي مريضها ويجمع رسلها من الألبان والصوف لرب ~~الغنم فهذا راع ناصح لمولاه وأجره موفور عليه يوم الجزاء ومتوقع من رب ~~الغنم أفضل هدية على قدر ملكه # فالرسول عليه السلام هو راعي الخلق والخلق غنمه بعث ليرعاهم فشرع لكل ~~خارجة في واديها ماذا تباشر وماذا تجتنب فأحل من كل خارجة بعضا وحرم بعضا ~~وأوردهم من المياه أصفاها وهو العلم الصافي وهيأ لهم المشتى والمصيف وهو ~~الاستعداد في الحياة وأيام الصحة والقوة قبل الهرم والمرض قبل الموت وأعد ~~لهم المأوى فبين لهم عند حدوث الفتن كالليل المظلم إلى أين يأوون وبمن ~~يعتصمون ويعزلهم عن مراتع الهلكة وهي الشهوات الدنيوية المشوبة بالحرص ~~ويجنبهم الأرض الوبئة وهي الأفراح التي تحل بالقلب منها فيوبأ ويمرض منها ~~القلب ويحرسهم عن الشذوذ مخافة الذئاب وهو العدو ويجبر كسيرهم إذا وقعوا في ~~المعاصي ويدعوهم إلى التوبة ويعينهم عليها حتى يجبر كسيرهم ويداوي مريضهم ~~وهو أن يعظ مفتونهم حتى يخلصهم بالمواعظ من فتن النفوس ويحمل بهماتهم وهو ~~أن يدعو لهم ويستغفر لهم ويسأل الله تعالى قبول أعمالهم فهذا راع # وهو مع ذلك أمير يؤدبهم ويحملهم على المكاره ويسوقهم ويسير بهم بسوط ~~الأدب على مشارع الاستقامة ليوافي بهم الموقف بين يدي الله عز وجل فكل راع ~~إلا ومعه عصا يهش بها على الغنم ويؤدبهم بها وقد ذكر سبحانه عصا موسى عليه ~~السلام في تنزيله فكل راع مؤنته على قدر غنمه وكل أمير مؤنته على قدر رعيته ~~فالأمير المبعوث إلى كورة محتاج على قدر ولايته إلى آلة الولاية من ~~PageV03P129 الخدم والدواب والمراكب والكنوز على ms481 قدر ولايته لينفق في ~~إمارته فمن أمر على مجارستان فهو أقل حظا من هذه الأشياء التي وصفنا ومن ~~أمر على خراسان كانت حاجته إلى ما ذكرنا أكثر ومن كان أمير المؤمنين يحتاج ~~إلى كنز عظيم ومن ملك المشرق والمغرب احتاج إلى خزائن الأموال حتى يضبط بها ~~ذلك الملك فكذلك كل رسول بعث إلى قوم أعطي من كنز التوحيد وجواهر المعرفة ~~على قدر ما حمل من الرسالة فالمرسل إلى قومه في ناحية من الأرض إنما يعطى ~~من النبوة والكنوز على قدر ما يقوم به من شأن نبوته ورعاية قومه والمرسل ~~إلى جميع أهل الأرض كافة إنسها وجنها صلى الله عليه وسلم أعطي من المعرفة ~~بقدر ما يقوم بها في شأن النبوة إلى جميع أهل الأرض كافة فحظنا من قوله صلى ~~الله عليه وسلم بعثت إلى الأحمر والأسود وقوله تعالى له @QB@ وما أرسلناك ~~إلا كافة للناس @QE@ كحظه من ولاية ملك يملك الدنيا وجواهر شرقها وغربها ~~وما بينهما ومن ملك الأرض كلها جواهرها ومعادنها ومن ملك ناحية من الأرض ~~ليس له إلا معدن ناحيته وجوهر ذلك المعدن فلذلك قال صلى الله عليه وسلم ( ~~اختصر لي الكلام وأوتيت جوامع الكلم ) # ولذلك صار كتابه مهيمنا على الكتب وصار القرآن الكريم مشتملا على التوراة ~~والإنجيل والزبور والفرقان وبقي المفصل نافلة لهذه الأمة خاصة وأوحي إليه ~~بالعربية التي برزت على سائر اللغات بالاتساع وهي لسان أهل الجنة ولما أعطي ~~الرسالة إلى الكافة أعطي من الكنوز PageV03P130 مقدار الكفاية للجميع وأوتي ~~من الحكمة وجواهرها كلها وأوتي ختم الرسالة والرعب فبجواهر الرسالة قوي على ~~علم مختصر الحديث وجوامع الكلم # وكان التوراة يحملها سبعون جملا موقرة والزبور من بعدها والإنجيل من بعده ~~فجمع له ذلك كله في القرآن الكريم والفرقان في فاتحة الكتاب ولذلك سمي أم ~~الكتاب قال تعالى @QB@ ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم @QE@ ~~وهي سبع آيات سميت مثاني لأن الله تعالى جمع الكتب كلها في اللوح المحفوظ ~~ثم أنزل منها على كل رسول ما علم أنه محتاج إليه ms482 هو وأمته واستثنى فاتحة ~~الكتاب من جميع ذلك وخزنها لهذه الأمة فجميع علم التوراة والإنجيل والزبور ~~والفرقان مستخرج من أم القرآن والقرآن مستخرج من أمه وسائر الكتب في القرآن # قال صلى الله عليه وسلم ( أوتيت السبع يعني الطول مكان التوراة وأعطيت ~~المثاني مكان الإنجيل وأعطيت المتين مكان الزبور وفضلت بالمفصل ) # فمن عمي قلبه عن الله ولم يكن في قلبه نور الهداية لم يبصر آثار النبوة ~~على محمد صلى الله عليه وسلم وإنما يبصر منه شخصه وجثته قال تعالى @QB@ ~~وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون @QE@ # ومن هداه الله تعالى لنوره فانفتح عين قلبه بذلك واستقرت المعرفة ~~PageV03P131 في قلبه أبصر منه شخص النبوة بارزا من الحياة والذكاء واليقظة ~~والانقياد والسرعة والبراز والسبق والسماحة والكرم والسعة والجود والحياء ~~والسكينة والوقار والحلم ومن الأفعال السواك والحجامة والتعطر والجماع ويرى ~~على شخص النبوة شخص الرسالة فائقا من الجلال والبهاء والنزاهة والحلاوة ~~والطلاوة والملاحة والمهابة والسلطان وأصل هذا كله من اليقين والحب والحياة ~~وإنما نال المؤمنون من معرفة محمد صلى الله عليه وسلم على قدر معرفتهم ~~بالله وعلمهم به فمن صدق محمدا صلى الله عليه وسلم في الصحبة كان صدق صحبته ~~على قدر معرفته إياه وعلمه به وعلى حسب ذلك كان يترآى لبصر عينه في الظاهر ~~ما عددنا من الخلال فأوفرهم حظا من نور الله أوفرهم علما به وقدرة وجلاله ~~وخطير منزلته وأوفرهم علما به أسرعهم إجابة لدعوته وأبذلهم نفسا ومالا # ألا ترى أن أبا بكر رضي الله عنه لما أفشى إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه مبعوث صدقه على المكان ولم يتردد ولم يضطرب وقال علي كرم الله ~~وجهه حتى أسأل أبي ثم رجع عن الطريق وصدقه وصدقه عمر بعد مدة وبعدما أسلم ~~تسع وثلاثون نفسا فتم بإسلامه عدد الأربعين بعد دعوة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة أسلم من الغد ( اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن ~~هشام ) يعني أبا جهل فجرت الدعوة من عدو الله عمرو إلى محق ms483 الله عمر ~~PageV03P132 رضي الله عنه فسعد عمر رضي الله عنه وشقي عمرو ودل اسماهما على ~~حظيهما من الله تعالى ومقدار الكائن من أمريهما لأن عمر رضي الله عنه أول ~~اسمه مضموم مثقل والمضموم الذي قد آواه الله وضمه إلى باله وعمرو أول اسمه ~~مفتوح مخفف والمفتوح هو الذي أهمله الله تعالى وأخرجه من باله فضمة أول اسم ~~عمر رضي الله عنه دليل على أنه كان مضموما إلى بال الله تعالى فأعز الله ~~تعالى به الإسلام عزا حتى صار بمحل أن جاء جبريل عليه السلام فقال يا محمد ~~أقرئ عمر السلام وأخبره أن غضبه عز ورضاه حكم # وفتحة أول الاسم في عمرو تدل على أنه خرج من بال الله تعالى وقد انكشف ~~الغطاء عن شأنه فكانت كنيته في قريش أبا الحكم فجرت كنيته في أهل الإسلام ~~بأبي جهل وعلى حسب خروجه من بال الله تعالى عظمت آفته على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعلى الإسلام حتى قتله الله تعالى أذل قتلة وقد أكرم الله ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وأبرز فضيلته وكرامته بأن جعل لكل نبي وزيرا وجعل ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم أربعة من الوزراء فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ~~وزيرا الرسالة وعثمان وعلي رضي الله عنهما وزيرا النبوة ثم نحلهم من الحظوظ ~~من عنده فحظ أبي بكر رضي الله عنه منه العصمة والحياء وحظ عمر رضي الله عنه ~~الحق والوكالة وحظ عثمان رضي الله عنه النور والحياء وحظ علي رضي الله عنه ~~الحرمة والخلة فتفاوت أعمالهم في صحبتهم الرسول صلى الله عليه وسلم أيام ~~الحياة وفي سيرتهم في الأمة بعده على قدر حظوظهم فلما أحس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالإرتحال إلى الله تعالى من الدنيا وابتدئ له في وجعه وعجز ~~عن الخروج إلى الصلاة بالأمة أمر أبا بكر رضي الله عنه بالصلاة فاتفقت ~~الأمة على أنه هو الذي ولي الصلاة # وكان من صنع الله تعالى للأمة أن خفف الله عنه يوم قبض فخرج PageV03P133 ~~والمسلمون في ms484 صلاة الغداة ورجلاه يخطان الأرض حتى جلس إلى جنب أبي بكر رضي ~~الله عنه فصلى ليعلم الجميع أنه رضي بذلك من فعله لئلا يبقى لمعاند أو طاعن ~~مقال أنه لم يأمر بذلك أو أمره وهو مغلوب على عقله لشدة علته فأظهر الله ~~ذلك بما خفف عنه حتى خرج وقعد إلى جنبه فصلى من حيث انتهى أبو بكر رضي الله ~~عنه ثم صار المتأولون لذلك على صنفين منهم من يقول أبو بكر هو الإمام وصلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته ومنهم من قال بل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الإمام وأبو بكر المقتدي # قال أنس رضي الله عنه آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف ~~أبي بكر # وقال أبو بكر رضي الله عنه آخر صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفي ~~في ثوب واحد # وعن عائشة رضي الله عنها قالت مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه ~~الذي مات فيه جاءه بلال يؤذنه بالصلاة فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس قلت ~~إن أبا بكر رجل أسيف ومتى ما يقوم مقامك يبكي فلا يستطيع فلو أمرت عمر يصلي ~~بالناس قال مروا أبا بكر يصلي بالناس فإنكن صواحبات يوسف قالت فأرسلنا إلى ~~أبي بكر فخرج يصلي بالناس فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج ~~وهو يهادي بين رجلين ورجلاه يخطان بالأرض فلما أحس به أبو بكر ذهب ليتأخر ~~فأومأ إليه أن مكانك فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس ~~PageV03P134 إلى جنبه فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس ~~يأتمون بأبي بكر # وروى عبد الله بن زمعة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( مروا من يصلي بالناس ) فخرجت فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائبا ~~فقلت يا عمر صل بالناس فقام فلما كبر سمع صوته رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان رجلا مجهرا فقال هذا صوت ابن الخطاب فأين أبو بكر ms485 يأبى الله ذلك ~~والمسلمون فقال عمر ويحك يا ابن زمعة ماذا صنعت بي ما ظننت إذ قلت لي إلا ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك ولولا ذلك ما صليت بالناس فقال ~~والله ما أمرني ولكن لم أر أبا بكر فرأيتك أحق من حضر بالصلاة # وحديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت إن أبا بكر رضي الله عنه يصلي فصلاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم محسبة منها هكذا حسبت وهي في البيت # وحديث أنس رضي الله عنه أصح لأنه خارج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على رأي العين ولأنه روى أن أبا بكر رضي الله عنه ذهب ليتأخر ولو كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هو الإمام لكان لا يحبسه عن التأخر وكان يقوم مقام ~~الأئمة ولأن أبا بكر رضي الله عنه قال آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خلفي وأبو بكر رضي الله عنه أعلم بهذه القصة من جميع الناس فثبت ~~أن أبا بكر رضي الله عنه هو الذي ولي الصلاة والصلاة عماد الدين وأول شيء ~~فرضه الله تعالى يوم أوحى إليه والصلاة إقبال الله تعالى على العبيد ~~ليقبلوا إليه PageV03P135 في صورة العبيد تذللا بالوقوف وتسلما بالتكبير ~~وتبذلا بالثناء والتلاوة وتخضعا بالركوع وتخشعا بالسجود وترغبا بالجلوس ~~وتملقا بالتشهد # وقال صلى الله عليه وسلم ( الصلاة عماد الدين ) وقال صلى الله عليه وسلم ~~( الصلاة نور ) وقال صلى الله عليه وسلم ( إن الله تعالى جعل قرة عيني في ~~الصلاة ) # فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما لهما وزارة الرسالة وحاجة الخلق إلى ~~الرسالة أمس ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتدوا بالذين من بعدي ~~أبو بكر وعمر # فالحاجة إلى الإقتداء بالرسالة آكد ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بما عليه مدار الدين أبا بكر رضي الله عنه أن يتقدم ليتبعه الأمة ~~ويقتدي فلما رأى أبو بكر رضي الله عنه قوة ما أعطي من تقلده لضمان الصلاة ~~عن الله تعالى لعبيده ms486 وعن العبيد لله تعالى ثم عن الله PageV03P136 تعالى ~~في مرض الرسول صلى الله عليه وسلم أحس بالتأييد من الله تعالى بعد وفاته ~~صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى مؤيده فيما دون الصلاة من أمور الشريعة ~~وتقلد خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ولذلك قالت المهاجرون ~~والأنصار رضي الله عنهم في وقت المشورة قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فمن يؤخرك فبايعوه # ومما يحقق أنهما وزيرا الرسالة ما روى أبو أمامة رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إني رأيتني أدخلت الجنة فلما خرجت منها أتيت ~~بكفة فوضعت ووضعت أمتي في الكفة الأخرى فرجحت بأمتي ثم رفعت ثم جيء بأبي ~~بكر فوضع في كفة الميزان وجيء بأمتي فوضعت في الكفة الأخرى فرجح بها ثم رفع ~~أبو بكر وجيء بعمر فوضع في كفة الميزان ثم جيء بأمتي فوضعت في الكفة الأخرى ~~فرجح بها ثم رفع الميزان إلى السماء # وفي رواية سفينة مولى أم سلمة رضي الله عنهما خلافة النبوة ثلاثون عاما ~~ثم يكون ملكا فقال سفينة أمسك سنتي أبي بكر وعشر عمر وثنتي عشر عثمان وست ~~علي PageV03P137 # فمضى أبو بكر محمودا بنعمة الله تعالى عليه في الخلافة ثم نظر بحظه من ~~الله تعالى وبما وجد من تأييد الله تعالى بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~نظرا شافيا لحق الله ثم لنفسه فلم ير أحدا أحق بأن يخلف خلافة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من عمر رضي الله عنه وقد كان المهاجرون والأنصار حوله ~~فاختار منهم عمر رضي الله عنه ورأى الحق له حتى جادلوه فقالوا له استخلفت ~~علينا فظا غليظا فماذا تقول لربك قال أتهددوني وتخوفوني بربي أقول استخلفت ~~عليهم يا رب خير أهلك فمضى بسبيله وولي الأمر عمر من بعده فحقق فراسة أبي ~~بكر رضي الله عنه وإلهامه ووطأ الإسلام ومهده وزينه وأعزه # وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ( ما من أمة إلا ولها محدث فإن يك في ~~أمتي فعمر منهم ms487 ) وقال ( إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ) # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم ( الحق بعدي مع عمر حيث كان ) # وقال ( لو كان بعدي نبي لكان عمر ) # قد امتثل أبو بكر رضي الله عنه هذه الأشياء مع إلهامه وفراسته فاستخلفه ~~ففتح الله الفتوح على يده ومصر الأمصار ودر الأرزاق وبث السرايا وجنود الله ~~في نواحي أقطار الأرض حتى تمهد الإسلام PageV03P138 في الوطن الذي منه بدا ~~ثم أكرمه الله تعالى بالشهادة ففوض ذلك إلى ستة نفر أزكن فيهم الخير وأحسن ~~بهم الظن ولو وجد فيهم مساغا للفراسة أو حظا من الإلهام لنصه باسمه ولكنه ~~انسد عليه باب الفراسة وانقطع حظ الإلهام فرأى التفويض إلى هؤلاء خيرا من ~~إهمال أمر الأمة فقبض إلى الله وترك الأمر شورى بينهم فاختاروا من بينهم ~~واحدا بعد الاحتياط والتأني والتشاور وافتقدت الأمة وزارة الرسالة وحضرت ~~نوبة وزارة النبوة فاتفق أمر الستة على أحد وزيري النبوة إذ لم يبق منهم من ~~الأربعة إلا هذين عثمان وعلي رضي الله عنهما فلم يزالوا يستخيرون الله ~~تعالى حتى اتفقوا على عثمان رضي الله عنه ثم أقبلت الدنيا وجاء كفران ~~النعمة وهاجت الفتنة وعز اليقين وأدبر الحق راجعا إلى الله تعالى عند إقبال ~~الدنيا وذهبت حياة القلوب لكفران النعمة وتبديل الأمور وغلبة الهوى حتى قتل ~~عثمان رضي الله عنه وجاءت نوبة علي كرم الله وجهه والزمان بتلك الحال فلم ~~يبق لوزارة النبوة من القوة ما يقوم مقام أبي بكر ولا عمر رضي الله عنهما ~~بايعوا أبا بكر رضي الله عنه وسلوا على أهل الردة سيوفهم فلم يغمدوها ولم ~~يخذلوه ولم ينكثوا البيعة وبقي السيف مسلولا إلى انقضاء وزارة الرسالة بموت ~~عمر رضي الله عنه وبايعوا عليا كرم الله وجهه في وقته ثم نكثوا بيعته وسلوا ~~السيوف عليه وآخرون بايعوه وسلوا السيوف له ثم خرجوا عليه مارقين وآخرون ~~بايعوه وسلوا السيوف له وهم أهل الكوفة ثم خذلوه وآخرون امتنعوا من بيعته ~~وأبوا خلافته وحاربوه ولو كانت له وزارة الرسالة لصارت القلوب ms488 كلها كقلب ~~واحد وكانت الفئة القليلة المستضعفة يغلبون الفئة الكثيرة كما كان في زمن ~~أبي بكر رضي الله عنه ومن لحظ إلى علي رضي الله عنه بالقرابة والختونة ~~ومعاني ليس في هذا الأمر من شيء إنما هذا أمر الرسالة وإنما يقوم بها ~~القائم ويقوى بها بحظه من الله الذي ضمن حشو الرسالة PageV03P139 # وأما القرابة والميراث ومقالات جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ) فلعلي رضي ~~الله عنه من الفضائل والمناقب ما يستحق أن يوالي من والاه ويعادي من عاداه ~~وليس في ذلك ما يثبت له الخلافة ويقدم على أبي بكر رضي الله عنه # قال فضيل بن مرزوق سألت عمران بن علي هل فيكم إنسان مفترض طاعته تعرفون ~~له ذلك ومن لم يعرفه فمات مات ميتة جاهلية قال لا والله ما هذا فينا فهو ~~كذاب قلت له إن ناسا يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي ~~رضي الله عنه وإن عليا رضي الله عنه أوصى إلى الحسن رضي الله عنه وأن الحسن ~~أوصى إلى الحسين رضي الله عنهما وأن الحسين أوصى إلى علي ابن الحسين فقال ~~والله لما مات أبي وما أوصى بحرفين وإن هؤلاء لمتأكلون بنا # قال وسمعت الحسن بن الحسين أخا عبد الله بن الحسين رضي الله عنهم وهو ~~يقول لرجل ممن يغلوا فيهم ويحكم أحبونا في الله فإن أطعنا الله فأحبونا وإن ~~عصينا الله فابغضونا فقال الرجل إنكم لذو قرابة من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال والله لو كان الله نافعا بقرابة منه لنفع بذلك أقرب منه أباه ~~وأمه والله إني لأخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين كما يؤتي المحسن ~~منا أجره مرتين # ولو كان الأمر على ما يقولون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصي إلى ~~علي وأمره بالقيام بالأمر بعده ثم ترك على ما أمره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لكان علي في ذلك ms489 أعظم الناس خطيئة وجرما إذ ترك ما أمره رسول الله ~~PageV03P140 صلى الله عليه وسلم فقال له الرافضي ألم يقل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( من كنت مولاه ) فعلي مولاه فقال والله لو عنى به الامرة ~~والسلطان لأفصح لهم كما أفصح لهم بالصلاة والزكاة فقال هذا ولي أمركم من ~~بعدي فما كان وراء هذا فإن أنصح الناس للناس كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # وعن زيد بن علي قال لبعضهم ويلك من يخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى تعرض بالخلافة # فهؤلاء الغلاة قد تعلقوا بمثل هذه الأشياء حتى خرجوا إلى شتم وزيري رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ونسبوهما إلى الاغتصاب لحق الله تعالى # قال صلى الله عليه وسلم ( إن لي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل ~~الأرض فوزيري من أهل السماء جبرئيل وميكائيل عليهما السلام ووزيري من أهل ~~الأرض أبو بكر وعمر ) # وخرج صلى الله عليه وسلم ويمينه على أبي بكر وشماله على عمر فقال هكذا ~~نبعث يوم القيامة PageV03P141 # وقال صلى الله عليه وسلم ( أحشر أنا وأبو بكر وعمر ونحن مشرفون على الناس ~~هكذا ) وأشار بأصابعه الثلاث وكان سبابته أطول من الوسطى # وعن أسيد بن صفوان رضي الله عنه قال لما قبض أبو بكر ارتجت المدينة ~~بالبكاء كيوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجوه وجاء علي رضي الله ~~عنه باكيا مسرعا مسترجعا وهو يقول اليوم انقطعت خلافة النبوة حتى وقف على ~~باب البيت الذي فيه أبو بكر مسجى فقال # رحمك الله يا أبا بكر كنت إلف رسول الله وأنيسه وثقته وموضع سره ومشاورته ~~كنت أول القوم إسلاما وأخلصهم إيمانا وأشدهم يقينا وأخوفهم لله وأعظمهم ~~عناء في دين الله وأحوطهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجد بهم على ~~الإسلام وأيمنهم على أصحابه وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوالف ~~وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم هديا ~~وسمتا ورحمة وفضلا وخلقا وأشرفهم منزلة وأكرمهم عليه وأوثقهم عنده فجزاك ~~الله ms490 عن الإسلام وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين خيرا # كنت عنده بمنزلة السمع والبصر صدقت رسول الله حين كذبه الناس فسماك الله ~~في التنزيل صديقا فقال @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به @QE@ وآسيته حين ~~بخلوا وقمت معه عند المكاره حين قعدوا وصحبته في الشدة أحسن الصحبة ثاني ~~اثنين وصاحبه في الغار والمنزل عليه السكينة ورفيقه في الهجرة خلفته في دين ~~الله وأمته أحسن الخلافة حين ارتد الناس # وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي نهضت حين وهن أصحابك PageV03P142 ~~وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا ولزمت منهاج رسوله إذ وهنوا # كنت خليفته حقا لم تنازع ولم تصدع برغم المنافقين وكبت الكافرين وكره ~~الكارهين وصغر الفاسقين وغيظ الباغين # قمت بالأمر حين فشلوا ونطقت حين تتعتعوا مضيت بنور إذ وقفوا فاتبعوك ~~فهدوا # كنت أخضعهم صوتا وأعلاهم فوقا أقلهم كلاما وأصوبهم منطقا أطولهم صمتا ~~وأبلغهم قولا أكبرهم رأيا وأشجعهم نفسا وأعرفهم بالأمور وأشرفهم عملا # كنت والله في الدين يعسوبا أولا حين نفر الناس عنه وآخرا حين قفلوا كنت ~~للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا فحملت أثقال ما ضعفوا ورعيت ما ~~أهملوا وحفظت ما أضاعوا لعلمك ما جهلوا فشمرت إذ خنعوا وعلوت إذ هلعوا ~~وصبرت إذ جزعوا فأدركت أوتار ما طلبوا وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا ونالوا ~~بك ما لم يحتسبوا # كنت على الكافرين عذابا صبيبا ونهبا وللمؤمنين رحمة وإنسا فطرت والله ~~بفنائها وفزت بحبائها وذهبت بفضائلها وأدركت سوابقها لم تغلل حجتك ولم تضعف ~~بصيرتك ولم تجبن نفسك ولم يزغ قلبك ولم يخف # كنت كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف وكنت كما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أأمن الناس عليه في صحبتك وذات يدك وكما PageV03P143 ~~قال ضعيفا في بدنك قويا في أمر الله متواضعا في نفسك عظيما عند الله جليلا ~~في أعين المؤمنين كبيرا في أنفسهم لم يكن لأحد فيك مغمز ولا لقائل مهمز ولا ~~لأحد مطمع ولا لمخلوق عندك هوادة الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ له ~~بحقه ms491 والقوي العزيز عندك ضعيف حتى تأخذ منه الحق القريب والبعيد عندك في ~~ذلك سواء أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له شأنك الحق والرفق والصدق ~~قولك حكم وحتم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم فأقلعت وقد نهج السبيل وسهل ~~العسير وأطفئت النيران واعتدل بك الدين وقوي الإيمان وثبت الإسلام ~~والمسلمون وظهر أمر الله ولو كره الكافرون فجليت عنهم فأبصروا وسبقت والله ~~سبقا بعيدا وأتعبت من بعدك أتعابا شديدا وفزت بالخير فوزا مبينا فجللت عن ~~البكاء وعظمت رزيتك في السماء وهدت مصيبتك الأنام فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون # رضينا بقضاء الله وسلمنا له أمره فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله ~~بمثلك أبدا كنت للدين عزا وحرزا وكهفا فألحقك الله بنبيه وجمع بينه وبينك ~~ولا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك فإنا لله وإنا إليه راجعون # قال وسكت القوم حتى انقضى كلامه فبكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى علت أصواتهم فقالوا صدقت يا ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم # قوله ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ) وفر الله تعالى حظ الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأمته على الرسل كلهم وعلى سائر الأمم فحيث ما انتصبوا لله قياما ~~كان لهم من النور ما يتهيأ لهم الإقبال على الله وأقبل الله عليهم فطهرت ~~لهم بقاع الأرضين # وقوله وطهورا إذا لم يجدوا الماء الذي جعله الله طهورا للخلق PageV03P144 ~~وتعذر عليهم وجوده أمرهم أن يتطهروا من أحداثهم بالصعيد الطيب وهو التراب ~~الذي يصعدونها ويمشون عليها فجعل ما تحت أقدامهم طهورا لهم إذا لم يجدوا ما ~~فوق رؤوسهم من الماء وهو ماء الحياة الراكد تحت العرش الذي خلقه الله حياة ~~لكل شيء قال تعالى ^ وجعلنا من الماء كل شيء حي ^ # فمنه حياة القلوب والأرواح ومنه يحيون في قبورهم يوم النشور وإذا دخلوا ~~الجنة يغتسلون به حتى يكون ذلك لهم طهورا من الذنوب والأدران ومن شرب منه ~~زايلهم كل أذى في أجوافهم وصفت ألوانهم وجرت النضرة في أجسادهم ووجوههم ~~وأمنوا الموت لقوة الحياة التي ms492 في ذلك الماء وقد جعل الله تعالى أرزاق ~~الخلق من ذلك الماء يقدر في ليلة القدر وهي ليلة يحكم أرزاق المرتزقة من ~~خلقه في تلك الليلة إلى مثلها من قابل فإذا نفذ ذلك البحر نفخ في الصور ~~وذلك قوله تعالى @QB@ وفي السماء رزقكم وما توعدون @QE@ # وأنزل الله تعالى هذا الماء وسماه طهورا فإن الشيطان بنجاسته ورجاسته قد ~~وجد السبيل إلى الولوج في جوف ابن آدم وبدء ذلك كان حين أكل آدم صلى الله ~~عليه وسلم من الشجرة التي أشار العدو إليه بأكله فجعل العدو السبيل إلى ~~المعدة فجعل له هناك موطنا فلذلك نتن ما في جوفه حين أخرج من الجنة لرجاسة ~~العدو ونجاسته ثم ورث ذلك ولده فأمر آدم وولده بالوضوء لذلك وأعلمهم أن هذا ~~الماء طهور لهم يطهرهم من الآفات الظاهرة والباطنة فالظاهرة ما يخرج من ~~الآدمي من البول والغائط فإنه بلغ من عداوته أن جعل في ذلك الموطن الذي صير ~~له منك معدنا وهو مجمع الطعام فإذا انطبخ صار روثا ودما والدم غذاؤه وموضع ~~الروث منك مجلسه PageV03P145 # وبلغ من عداوته أنه ينفخ عليك فإذا خرج منك الصوت هيج الضحك من الطحال ~~فإن الطحال بيته ومنه يتسخط الآدمي في أموره وفيه مجمع نفاية البدن من ~~كدورة الدم وغيره وذاك الضحك الذي يهيج منك وممن سمعه من الناس وهو سخرية ~~منه وشماتة يريد أن يعلمك أني ههنا ليصغرك عند نفسك ويريك في باطنك ما يستر ~~عنك ليفسد منن الله تعالى عليك في جسدك الذي خلقه لك وقال تعالى @QB@ لقد ~~خلقنا الإنسان في أحسن تقويم @QE@ # فهذا العدو يحسدك في كل شيء ويصيبك منه آفاته ساعة فساعة من همزه ونفخه ~~ونفثه ونزغته ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعوذ منه فقال تعالى ~~@QB@ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون @QE@ # وقال تعالى @QB@ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم @QE@ # وقال تعالى @QB@ قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس ~~الخناس الذي يوسوس في صدور الناس @QE@ # فهل ms493 أمر أن يتعوذ منه إلا من تتابع الآفات وتواليها فجعل هذا الماء طهورا ~~من هذه الآفات التي تعتوره من هذا العدو الذي لا يفارقه وذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم ( ما من أحد من الآدميين إلا وله قرين من الشيطان موكل به ) ~~قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن الله تعالى أعانني عليه ~~فأسلم فلا يأمرني إلا بخير PageV03P146 # ووسواس هذا العدو ونزغاته وهمزاته ونفثاته تطمس وجه القلب وتذهب بحياته ~~وذهاب حياة القلب يوهن عقد الإيمان ويرخي عراه ويخمد توقده فيجد العدو ~~سبيلا إلى إهاجة النفس شهواتها وخدايعها وأمانيها واغترارها فإذا هاجت ~~النفس هاجت رياح الهوى فنسفت النفس والقلب والأركان فرمته في آبار المعاصي ~~إلا فيمن دخل في مأمن الله وحرزه ووكالته ومعاقله فجعل الله تعالى هذا ~~الماء طهورا للمؤمنين من آفاته الظاهرة والباطنة فأما في الظاهرة فليطهر ~~جوارحه من تلك الأحداث التي جرت عليها وفي الباطن يرد عليه ما ذهب من حياة ~~القلب قال تعالى @QB@ لنحيي به بلدة ميتا @QE@ # فالبلدة في الظاهر هي الأرض التي إذا وصل إليها ذلك الماء اهتزت وربت ~~وأنبتت من كل زوج بهيج والبلدة في الباطن القلوب تخلص إليها آفات العدو ~~فتموت عن الله فيحييها الله بذلك الوضوء # قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى @QB@ اعلموا أن الله يحيي ~~الأرض بعد موتها @QE@ يلين القلوب من بعد قسوتها # وقوله عليه السلام ( لن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ) PageV03P147 وقوله ~~عليه السلام لأنس رضي الله عنه ( يا بني إن استطعت أن لا تزال على الوضوء ~~فافعل فإنه من أتاه الموت وهو على وضوء أعطي الشهادة ) # والمؤمن البالغ إيمانه إذا أحدث لم يقدر أن يدوم على حدثه ولا يطمئن حتى ~~يتوضأ فيكون أبدا على الوضوء لأن قلبه في وقت الحدث يفتقد نزاهة الإيمان ~~وطيبه ووسواسه يصير عامله على القلب فانطفأ بعض توقد ناره فإذا توضأ عاد ~~إلى الحالة الأولى فإذا لم يجد الماء صار الصعيد لهم طهورا بدل الماء لهذه ~~الأمة خاصة لأن الأرض ms494 لما أحست بمولود محمد صلى الله عليه وسلم وبظهوره من ~~بطن أمه انبسطت وتمددت وتطاولت ولبست ثياب الدالة وافتخرت على السموات ~~وسائر الخلق بأنه مني خلق وعلى ظهري تأتيه كرامات الله تعالى وعلى متني ~~يتقلب نبيا يعبد ربه وعلى بقاعي تسجد جبهته وفي خلال أوديتي يتنزل كلام ~~الله ووحيه البارز على الكتب كلها وفي بطني مدفنه وأنا الذي أتضمن جسده ~~وعلى ظهري يكون خاصة الله من أمته وورثة ميراثه فجرت الأرض رداء فخرها فجعل ~~ترابها طهورا لأمته فبالأرض يتطهرون وينتصبون بها بين يدي الله تعالى ~~فحيثما ضربوا بأقدامهم بين يدي الله تعالى صارت الأرض من تحت أقدامهم مسجدا # قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله إنك إذا دخلت صليت في مواضع من ~~البيت أفلا نهيئ لك موضعا تصلي فيه فقال ( يا عائشة أما علمت أن المؤمن إذا ~~وضع جبينه لله طهرت تلك البقعة إلى سبع أرضين ) # وإنما صار التيمم لهذه الأمة عوضا عن الوضوء بالماء دون سائر الأمم لأنه ~~بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم طهرت الأرض فلما جاء بالتيمم إلى الأمة ~~قبلوه فحيثما مدوا أيديهم إلى بقعة صار ذلك التراب طاهرا PageV03P148 بمد ~~أيديهم وزايلته أنجاس الشرك والمعاصي التي عليها وإنما صارت طاهرة بمد ~~أيديهم على ذلك القبول الذي قبلوه عن الله تعالى قاصدا بالقلب التطهر قابلا ~~لما جاء به الهدية وهو محمد صلى الله عليه وسلم من المهدي هذه العطية ~~والتيمم كالطرفة والتحفة يتحف بها الملك عبده يريد به لطفه وبره فيظهر ذلك ~~التراب بمد اليد إليه وقبوله للهدية وهو محمد صلى الله عليه وسلم صار يطهر ~~ما جاء به تراب الأرض طهورا كطهور الماء الذي أنزله الله من بحر الحياة قال ~~تعالى @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ ثم قال @QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون @QE@ # وقولنا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الهدية صحيح فإنه قال صلى ms495 ~~الله عليه وسلم ( بعثت إليكم وإنما أنا رحمة مهداة ) # فهو من الله لنا هدية والرسل قبله بعثوا على الأمم حجة وعطية والهدية ~~ليست كالعطية فمن قبل العطية بورك له ومن لم يقبل تأكدت الحجة عليه وعوجل ~~بالعقوبة ورسولنا صلى الله عليه وسلم كان عطية وهدية فمن قبل محمدا صلى ~~الله عليه وسلم عطية وهدية سعد ورشد وصار سابقا ومقربا ومن قبل عطية ولم ~~يفطن للهدية سعد ولم يصب ثمرة الرشد ونجا بالسعادة ومن أباه وكفر النعمة ~~وجحدها كان حظه من السعادة النجاة من عقوبات الأمم التي عوجلوا بها في ~~الدنيا فسعدوا بهذا القدر وتأخر عنهم العذاب إلى يوم القيامة والأولون ~~عوجلوا بالعقوبة في الدنيا إلى أن ألحقوا بعذاب الآخرة فمن قبل محمد عطية ~~وهدية اجتباه الله ومن قبله PageV03P149 عطية هداه الله إليه بالإنابة وذلك ~~قوله تعالى @QB@ الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب @QE@ # والعطية من الرحمة والهدية من المحبة فمن رق لعبده ورحمه إذا رآه في بؤس ~~أو ضعف قواه وجبره بما يذهب ضعفه وبؤسه فهذه عطية من الرحمة ومن أحب عبده ~~أهدى إليه خلعا وحملانا يريد بذلك أن يختصه ويستميل قلبه ولذلك سميت هدية ~~لاستمالة القلب به فالرسل إلى الخلق عطايا من ربنا سبحانه وتعالى رحمهم ~~فبعثهم إليهم ليهديهم ويذهب عنهم بؤس فقر الكفر ويجبر كسيرهم وربنا عز وجل ~~قد رحمنا فبعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم عطية وهدية فجعل الإيمان ~~والإسلام في العطية وحكمة الإيمان والإسلام في الهدية وذلك قوله تعالى @QB@ ~~هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم @QE@ إلى أن قال @QB@ ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة @QE@ # فحكمة الإيمان والإسلام هدية لهذه الأمة بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~خاصة فضلا على الأمم والهدية كنوز المعرفة من خزائن السموات احتظى بها هذه ~~الأمة حتى صاروا موصوفين في التوراة صفوة الرحمن وفي الإنجيل حكماء علماء ~~أبرارا أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء وقال تعالى @QB@ قل إن الهدى هدى الله ~~@QE@ الآية # وقال صلى الله عليه وسلم ( ما أعطيت أمة من ms496 اليقين ما أعطيت أمتي ) # فإنما صير محمدا صلى الله عليه وسلم لنا ليهدينا إلى أعالي درجات الدنيا ~~عبودة PageV03P150 لنكون غدا في أعالي درجات الجنة بالقرب من رسولنا لتقر ~~عينه صلى الله عليه وسلم بنا # وقوله ( نصرت بالرعب ) أصله من فورة سلطان الله تعالى من باب النار فإذا ~~جعل نصرته من الرعب فقد أعطي جندا لا يقاومه أحد ولم يعط أحد من الرسل ذلك ~~فكان أين ما ذكر من مسيرة شهر وقع ذلك الرعب في قلب عدوه فذل بمكانه # وقوله ( أحلت لي الغنائم ) كانت الغنائم نجسة لأنها أخذت من العدو وملك ~~العدو كله نجس ألا يرى أن الله ذكر حلي آل فرعون فقال @QB@ أوزارا من زينة ~~القوم @QE@ # فكانت لا تحل لهم لنجاستها فكانوا يضعونها فتجيء نار من السماء فتأكلها ~~وكان هارون عليه السلام أمرهم أن يقذفوا ما في أيديهم من تلك الحلى التي ~~استعاروها من آل فرعون وقال لهم تطهروا فرموا بها فجمعها السامري فاتخذها ~~عجلا وقذف فيها التراب الذي كان رفعه من حافر فرس جبرئيل فرس الحياة للفتنة ~~التي كتب الله عليهم بلوى بها فذلك قوله تعالى @QB@ ولكنا حملنا أوزارا من ~~زينة القوم @QE@ تسمى أوزارا لنجاستها وأحلت لي الغنائم لهذه الأمة قال ~~تعالى @QB@ فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا @QE@ لمحمد وأمته لأنهم ضربوا ~~السيوف بحرارة حمية حب الله وزايلها رجاسة الكفر وأهله لأن حرارة الحب تقطع ~~علائق النفس وتحرق أسبابها # وعلائق النفس من أسباب الشرك وسائر الأمم لم يعطوا هذا فلم تطب لهم ~~الغنائم ولم تزل رجاسة أهل الكفر منها فلم تحل لهم PageV03P151 لأن بني ~~إسرائيل قاتلوا على الديار والأرضيين التي كانت لآبائهم قاتلوا عليها ~~ليردوها إلى ملكهم وأنبياؤهم بعثوا للدعوة إلى الله تعالى ونبينا صلى الله ~~عليه وسلم بعث للتوبة والملحمة يعني إن لم يتوبوا لحموا بالسيوف قال صلى ~~الله عليه وسلم ( أنا نبي التوبة وأنا نبي الملحمة ) # ومعنى ذلك أني بعثت إلى الأمة بأن أدعوا إلى لا إله إلا الله فإن أجابت ~~وإلا أمهلهم حتى يتوبوا وللتوبة انتظار ومدة ms497 والعذاب مأمون فيهم يتقلبون في ~~الشرك مع المدة فإن تابوا قبل الله ذلك منهم بأن جعلني نبي التوبة ومن ~~تمادى في ذلك لحمت أجسادهم بالسيوف فكما صارت الغنائم طيبة من رجاسة الكفر ~~فكذلك طابت الأرض من رجاسة الكفر والمعاصي بما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم من الأنوار القدسية فصارت لهم مسجدا وطهورا وطابت أيضا بليلة القدر ~~ومشاهدة الرب أهل الأرض بالقربة وكانت المشاهدة للنبيين على أجسادهم وأعطيت ~~هذه الأمة على أرضها حتى يراها من سبقت له الحسنى من الله بعينه أشواق ~~المشاهدة # وقال صلى الله عليه وسلم ( هذه ليلة كشف غطاؤها ) # وقال علي رضي الله عنه استأذنت ملائكة الروح في النزول إلى الأرض طمعا أن ~~ينالوا ما لم يكن عندهم في مقاومهم # قال الله تعالى @QB@ تنزل الملائكة والروح @QE@ PageV03P152 # وقال صلى الله عليه وسلم ( لا يرمي في تلك الليلة بنجم ولا يحدث فيها داء ~~) لأن الشياطين قد اختنست من أجل المشاهدة والخلق في مأمن من مشاهدة السلام ~~فهذا كله لهذه الأمة # وقوله ( أعطيت الشفاعة ) فإن تلك دعوة كانت لكل نبي فتعجلتها الأنبياء في ~~الدنيا وأخرها محمد صلى الله عليه وسلم ذخرا لأمته ونصيحة لله في عباده ~~فاستوجب بنصيحة الله برأفته على عبيده أن وضع دعوته في محل التربية حتى ~~تربو وتتضاعف حتى تخرج له يوم القيامة تلك الدعوة بهيجة يحتاج الخلق كلهم ~~إليها حتى إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم # قال صلى الله عليه وسلم لما أتاني جبرئيل بهذه الدعوة قلت إني ادخرتها ~~لأمتي فيحتاج الخلق كلهم إلي في هذه حتى إبراهيم خليل الله عليه السلام ~~PageV03P153 # | - * الأصل المائتان والأربعون # - * # | في فضل الأمانة # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا إيمان ~~لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ) # الإيمان عش الأمانة والأمانة في جوفه كالفرخ الذي يتفقأ عن البيضة ووكل ~~العباد بتربيتها كما يربي الطير فرخه في عشه ويزقه ويغدو في طلب تربيته حتى ~~ينقل إليه من أقطار الأرضيين ms498 ويكتنفه ويذب عنه ويقاتل من يرومه في عشه ~~تحننا عليه وشفقة وصيانة حتى ينبت له جناح ويطير معه فكذا المؤمن موكل بحفظ ~~الأمانة وقد قبلها مع قبول الإيمان ولم يتم له الإيمان إلا بقبول الأمانة ~~وكانت مستورة فأحب الله أن يبرزها حتى يقبلها آدم عليه السلام ظاهرا فمثلها ~~له درة بيضاء وجعلها مستورة في جوفه فعرضت على السموات والأرض والجبال ~~فهبنها وأشفقن منها لأنه انكشف الغطاء عن ذلك لهن وستر عن آدم عليه السلام ~~لطفا من الله حتى قبلها لتحرك ما في قلبه من الإيمان فلم يملك أن أسرع إلى ~~القبول مقتدرا فابتلي باقتداره PageV03P154 فسمي ظلوما لقبوله على الاقتدار ~~جهولا بما في باطن تلك الدرة فوضعها على العاتق فألزمها عنقه كطوق العبيد ~~وذلت لله رقبته فتكرر عليه الأمر للاقتدار وإنما عمل فيه الاقتدار وانسد ~~عليه باب التعلق بالله لما كان في ظهره من الأعداء فابتلي بقبول الأمانة ~~ليميز الخبيث من الطيب فقبله على الاقتدار فصار القبول حظ الأحباب وصار ~~الاقتدار حظ الإهداء وذلك قوله تعالى @QB@ إنا عرضنا الأمانة @QE@ الآية # ثم أعلم العباد لم فعل هذا فقال @QB@ ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~@QE@ الآية # ومعناه لأعذب الأعداء وأتوب على الأحباب فأغفر لهم سيئ ما عملوا وارحمهم ~~في تقصيرهم حتى تؤديهم الرحمة إلى دار رحمتي فتقلد حفظ هذه الأمانة فجرى ~~قبولها من القلب إلى الجوارح السبع فتجزأ حملها على هذه الجوارح فللعين جزء ~~وللسمع جزء ولليد جزء وللرجل جزء وللبطن جزء وللفرج جزء وللسان جزء وجعل ~~أمانة الفرج من بين الجوارح كلها مستورة وسميت فاحشة إذا كشف عنها بغير حق ~~والاستعمال لها بغير حق هلكة وتأديبه القتل بالحجارة والتنكيل والناظر ~~إليها عامدا ملعون والكاشف عنها منزوع الحياء ممقوت # وقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أول ما خلق الله من الإنسان فرجه ~~ثم قال ( هذه أمانة خبأتها عندك فلا تبسل منها شيئا ) إلا بحقها # فالسمع أمانة والبصر أمانة والفرج أمانة والبطن أمانة واللسان ~~PageV03P155 أمانة واليد أمانة والرجل أمانة فالذي يكشف لك عما خبأه ms499 الله ~~إهمالا واستعمل بغير حق استوجب هذه العقوبات والذي في الدنيا النكال والرجم ~~وأما الذي في الآخرة فإن أهل النار يتأذون من نتن فروج الزناة ويزدادون ~~بذلك عذابا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ( أكثر ما يدخل الناس النار ~~الأجوفان البطن والفرج ) # فقد قلد كل جارحة بقسطه من الأمانة فمن استبدل بها خيانة انتقص من وزن ~~إيمانه ومن ضوئه ما دام حيا وضوء الإيمان رأس مال الموحدين به يستضيئون في ~~السير إلى الله تعالى في الطاعات فإذا غاب الضوء ضل القلب بمنزلة قمر وقع ~~في كسوف فكسوف ضوء الأمانة في ظلمة الخيانة فكل فعل حرم الله على جارحة من ~~الجوارح فهتك تلك الجارحة ذلك الستر وانهتكت تلك الحرمة برفع حجابها فقد ~~خان الأمانة فالمتقون فهموا هذه القصة فخرست ألسنتهم عن أن تنطق بما نهى ~~الله عنه والسمع إلى الاستماع إلى ما نهى الله عنه وكل عضو كذلك وحفظوا ~~القلب وساحته وهي ا لصدر مع الله تعالى وفيما بينه وبين الخلق فكلما زلت ~~جارحة من جوارحك بفعل حظر الله عليك فقد ضيعت الأمانة بقدرها وانكسف من ضوء ~~قمرك بقدره ونقص من وزن إيمانك غدا بقدره فإذا حكمت شأن الجوارح السبع ~~وجعلتها في وثاق الأمانة فقد نجوت فإن كان ممن فتح لهم الطريق فسار إلى ~~الله صار حفظ الأمانة أصعب وأعظم خطرا وأوفر حظا من ثمرته لأنه حتى الآن ~~كان في كسب الجوارح عملا ينال به أجرا والآن قد وقع في كسب القلب سعيا إلى ~~الله ينال PageV03P156 به القربة فالحراسة ههنا للأمانة من الخواطر فإن ~~حرسها بحقها وصدقها تحول الضوء الذي كان بدءا شعاعا يتوهج يخطف بصائر النفس ~~فضوء الإيمان للصادقين مع جهدهم وشعاعه للصديقين مع تفويضهم فإن الكفر كليل ~~مظلم والإيمان في الصدر كالقمر فالموحدون يأخذ كل من ذلك القمر بقدره وكل ~~مطيع يأخذ بقدره من الضوء فإذا كان صادقا مطيعا لله في كل جارحة فالظاهر ~~مستقيم والباطن فاسد مجهود صار كمن أقمر ليلة بدر أو صار ضوء إيمانه كالقمر ~~ليلة ms500 البدر # إلا أن الضوء ليس له شعاع ولا حريق ومن فتح لقلبه الطريق إلى الله تعالى ~~فصار على منهج الصدق وهو البذل لنفسه لله غير ملتفت إليها تحول قمره شمسا ~~فإنما يبدو لقلبه من شعاع تلك الشمس بمقدار ما كان يبدو من القمر في مبتدأ ~~أمره فلا يزال يسير حافظا للأمانة في العطايا حتى تزول عنه الخيانة ويتبرأ ~~من النفس وينسيها وافتقد مشيئته بمشيئة مولاه ونسي أحوال نفسه لما طالع من ~~العظائم وأشرقت شمسه بتمامها بجميع شعاعها وذلك قوله لداود عليه السلام ( ~~يمشي تماما ويقول صوابا ) وقوله تعالى @QB@ ثم آتينا موسى الكتاب تماما على ~~الذي أحسن @QE@ وهو المؤمن المستكمل لوقارة الإيمان وبهائه # قال أبو بكر رضي الله عنه وددت أني شعرة في صدر مؤمن # وقال تعالى حين أثنى على إبراهيم عليه السلام @QB@ إنه من عبادنا ~~المؤمنين @QE@ # وقال صلى الله عليه وسلم ( ثلاثة تحت العرش القرآن له ظهر وبطن يحاج ~~العباد PageV03P157 والرحم تنادي صل من وصلني وإقطع من قطعني والأمانة ) # وقال صلى الله عليه وسلم انطلق ثلاثة نفر فدخلوا غارا فأرسل الله عليهم ~~صخرة فانطبق الغار عليهم فقال بعضهم لبعض قد ترون ما نحن فيه وما قد ~~ابتلينا به فلينظر كل رجل منكم أفضل عمل عمله فيما بينه وبين ربه فليذكره ~~ثم يدعو الله تعالى لعل الله يفرج عنا ما نحن فيه ويلقي عنا هذه الصخرة ~~فقال رجل منهم اللهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت عم وكانت من أحب الناس إلي ~~فطلبت منها نفسها فأبت علي إلا أن أعطيها مائة دينار فجمعتها من حسي ونسي ~~حتى جئتها بها فدفعتها إليها فلما قعدت منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت ~~وبكت فقالت يا عبد الله اتق الله ولا تفتح هذا الخاتم إلا بحقه فقمت عنها ~~وتركت الدنانير لها من مخافتك اللهم إن كنت تعلم أني إنما تركتها وتركت ~~الدنانير لها من مخافتك فافرج لنا من هذه الصخرة فرجة نرى منها السماء ففرج ~~الله عنهم منها فرجة فنظروا إلى السماء وقال الثاني اللهم ms501 إنك تعلم أنه كان ~~لي أبوان وكانت لي صبية صغار فكنت أرعى على أبوي وكنت أجيء بالحلاب فأبدأ ~~بأبوي فأسقيهما ثم أجيء بفضلهما على الصبية فأسقيهم وإني جئت ذات ليلة ~~بالحلاب فوجدت أبوي نائمين والصبية يتضاغون من الجوع فلم أزل بهم حتى ناموا ~~ثم قمت بالحلاب على أبوي ليلتي حتى قاما وشربا ثم جئت بفضلهما إلى الصبية ~~فأسقيتهم اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك من مخافتك فأفرج عنا منها ~~فرجة ففرج الله عنهم منها فرجة وقال الثالث اللهم إنك تعلم أنه كان لي أجير ~~يعمل عندي فأعطيته أجره فغمضه وذهب وتركه فعملت له بأجره حتى صار له بقر ~~وغنم ثم أتاني بعد حين يطلب أجره فقلت له PageV03P158 دونك هذا البقر ~~والغنم وراعيها فخذها وهي لك فانطلق فأخذها اللهم إن كنت تعلم أني إنما ~~فعلت ذلك من مخافتك فألقها عنا فألقى الله عنهم فخرجوا يمشون # وعن عطاء قال كان رجل من بني إسرائيل له مكان من الملوك ليس منهم ملك ~~يموت فيخلفه ملك إلا أنزله منه بمنزلته من الملك الأول فبعث على بني ~~إسرائيل ملك صالح دعا الناس إلى الحقوق والمظالم فارتحلت الأحياء إليه حي ~~حي ليس منهم أحد إلا وهو ينظر في شأنه ومن كانت له مظلمة يرد عليه مظلمته ~~ومن كان له حق أنصفه من حقه ومن كانت له حاجة قضى له حاجته حتى ارتحل حي ~~الفتى وارتحل هو فيهم وهم يظنون أن الملك سينزله منه منزلته من الملوك قبله # فدخل على الملك بعض قومه فقضى حوائجهم ورد عليهم مظالمهم حتى دخل الفتى ~~فكلمه بمثل ما كان يكلم به الملوك قبله فيعجبهم ويقربونه فقال له الملك ~~أولا تتقي الله وتؤدي الأمانة قال أية أمانة فأخذ رجل من حرسته بيده فأخرجه ~~فانصرف إلى قومه فقال لعل بعضكم سبقني عند الملك فحلفوا له فصدقهم فانصرف ~~إلى أهله # فمات ذلك الملك وبعث عليهم ملك صالح فدعا الناس إلى ما دعاهم إليه الملك ~~قبله فارتحل الناس إليه فارتحل الفتى مع حيه ms502 فلما دخل عليه كلمة الفتى ~~بالكلام الذي يكلم به الملوك قبله فيقربونه فقال له الملك أولا تتقي الله ~~وتؤدي حق الأمانة فقال أية أمانة PageV03P159 فأخذ رجل من حرسته بيده فأخرج ~~فانصرف إلى قومه فقال لعل بعضكم سبقني عند الملك فحلفوا له فصدقهم فانصرفوا ~~وانصرف الفتى إلى أهله فقال لا أحسب هذا إلا لما كنت أصبت مما لا يصلح لي ~~فوضع يده اليمنى على اليسرى ثم قال اللهم إني أبايعك على أن لا أسأل أحدا ~~شيئا أبدا فمكث بذلك ثم قال لا حاجة لي بقرب الناس ومخالطتهم # فانطلق إلى برية فتعبد فيها وتخرق عنه ثيابه وصار كهيئة المسمار المحترق ~~وجعل يأكل من نبات الأرض فبينا هو على ذلك إذ هو بشخين بين أيديهما طعام ~~يأكلانه فتعرض لهما فرفعها رؤوسهما ونظرا إليه حتى إذا علما أنه قد علم ~~أنهما قد نظرا إليه أكبا على طعامهما ثم رفعا رؤوسهما فدعواه فأقبل فإذا ~~هما يأكلان خبز شعير فنظرا إليه ثم قالا اجلس فجلس ثم مد يده إلى كسرة ~~فأمسكاها فنظروا إليه ثم أكبا على طعامنا ثم قالا كل فكبر فأمسكا بيده ~~وقالا لم كبرت على كعامنا قال إني كنت حلفت أن لا أسأل أحدا شيئا فلولا ~~أنكما قلتما كل لم أتناول طعامكما قالا أو لا تتقي الله وتؤدي الأمانة قال ~~وأية أمانة فوالله ما أخرجني من الناس إلا هذه الكلمة ولا لقيت ما تريان ~~إلا لها قالا أشرف هذا الشرف فانظر ما ترى وراءه ثم ارجع إلينا # فأشرف ثم رجع إليهما فقال رأيت خمسمائة ضائنة أو ستمائة لم أر مثلها حسنا ~~جميعا قالا أتأخذها بأمانة الله على أن تؤدها إلينا إذ نحن سألناكها صحاحا ~~شق الشعرة شطرين قال نعم فدفعا إليه هذا الغنم وانطلقا فنمت وبارك الله ~~فيها فنزل قرية من القرى وباع منها فاشترى منها رعاء فجعلت ترعى جناب ~~القرية وتأوي إليها فكثرت ونمت وبارك الله وجعل لا يبيع منها فيتخذ صنفا من ~~أصناف الأموال إلا بارك الله فيها ونما فتزوج النساء واتخذ ms503 السراري وكثر ~~PageV03P160 له الولد وكان في ذلك رجلا صالحا يقري الضيف وينول ابن السبيل ~~ويعطي السائل # فبينا هم على ذلك وقد أتى على ذلك سنون إذ هو بشيخين يقرعان عليه باب ~~داره فنادى غلامه فقال أنظر من يقرع باب الدار فخرج غلامه فإذا هو بشيخين ~~قال ما حاجتكما قالا حاجتنا إلى سيدك فرجع إلى سيده فأخبره قال انطلق بهما ~~ففرغ لهما بيتا في ناحية الدار ثم أفرشهما وأتحفهما وأطعمهما وأسقهما ~~فليبيتا بخير ثم ليغدوا لحاجتهما وهو يحسب أنه كان كمن يضيف فرجع الغلام ~~إليهما فقال إن سيدي أمرني أن أفرغ لكما بيتا وأن أفرشكما وأتحفكما ~~وأطعمكما وأسقيكما فتبيتا بخير ثم تغدوا لحاجتكما قالا هذا مكاننا أو يأذن ~~لنا عليه قال وهي ليلة قرة باردة شديدة البرد فرجع إلى سيده فأخبره فقال قل ~~لهما إني قد وضعت ثيابي وخلوت بأهلي فبيتا ثم أغدوا على حاجتكما فرجع ~~إليهما فأخبرهما قالا هذا مكاننا أو يأذن لنا فغضب العبد فأغلق الباب ~~دونهما وانصرف إلى مضجعه # فلما أصبح دعا غلامه فقال ويحك ما فعل ضيفاي قال عرضت عليهما ما أمرتني ~~فأبيا فأغلقت الباب وانصرفت قال ويحك تركت ضيفي في سقيع بغير عشاء لا جرم ~~لأفعلن بك ولأفعلن ائذن لهما فدخلا إليه فجعل يعتذر إليهما أتيتماني في ~~ساعة لا يدخل علي فيها فأمرت الغلام بقراكما فغمضتما ذلك فذكر لي أنه أغلق ~~الباب دونكما لا جرم لأفعلن به ولأفعلن # قالا إن لنا حاجة فأخلنا لحاجتنا فأمر من حوله فارتفع حتى إذا خلوا به ~~قالا هل تعرفنا قال لا قالا أتذكر شيخين أتيتهما ببرية كذا وكذا وبين ~~أيديهما خبز شعير يأكلانه وأنت كالمسمار المحترق قال أذكر قالا فما فعلت ~~الغنم قال فعلت خيرا كثرت ونمت واتخذت أصناف الأموال قالا ألست قد عرفت ~~شرطنا عليك قال PageV03P161 بلى صحاحا بشطرين قالا فادع لنا بما لنا قال ~~فدعا بدواوينه وإذ الأموال أكثر من أن تحصى إلا بكتاب فدعا بالغنم فقسمت ~~شطرين ثم دعا بالإبل والبقر وسائر الأموال فقسمت شطرين فقال قد ms504 فعلت ووفيت ~~لكما بالشرط قالا ائتنا بأمهات أولادك قال وما لكما وأمهات أولادي نساء قد ~~ولدن وعتقن قالا إن أثمانهن من مالنا قال لا أفعل قالا اتق الله وأد ~~الأمانة تعلم أنا لسنا نأخذك بسلطان وليس لنا عليك بينة وإنك إن تجحد يصدقك ~~الناس ويكذبوننا # قال فبات يتسلق على فراشه ويقول أيتها النفس اصبري واذكري الحال الذي كنت ~~عليه صدقا لعمري إن أمهات أولادي والنفقة عليهن لمن مالهما فلما أصبح قال ~~ادعوا بأمهات أولادي فدعا بهن فقسمهن شطرين فجعل يبكي بعضهم إلى بعض قال قد ~~فعلت فقالا ائتنا بنسائك قال وما شأن نسائي بنات قوم أحرار فأما أمهات ~~أولادي فهن من مالكما قالا إن صدقاتهن والنفقة عليهن من مالنا قال لا أفعل ~~قالا اتق الله وأد الأمانة تعلم أنا لسنا نأخذك بسلطان وليست لنا عليك بينة ~~وإنك إن تجحد يصدقك الناس ويكذبوننا # قال يا نفس اذكري الحال الذي أتيتهما عليه صدقاتهن عليهن والنفقة عليهن ~~من مالهما ائتوني بنسائي فأتي بهن فقسمهن شطرين قال قد فعلت قالا ائتنا ~~بولدك قال وما شأن ولدي أما أمهات أولادي فالثمن والنفقة من مالكما وأما ~~النساء فالصدقات والنفقة من مالكما وأما ولدي فخرجوا من صلبي فلم أكن ~~لأفعلن قالا اتق الله وأد الأمانة تعلم أنا لسنا نأخذك بسلطان وليست لنا ~~عليك حجة وإنك إن تجحد يصدقك الناس ويكذبوننا # قال أيتها النفس اصبري واذكري الحال الذي أتيتهما عليه أرأيت كسوة الولد ~~والنفقة عليهم أليست من مالهما ائتوني ببني فأتي بهم فقسموا شطرين فإذا ~~منهم غلام لا يعدل به أحد من الولد قال PageV03P162 قد قسمت وهذا غلام فإن ~~أحببتما أن تقوما قيمته ثم أرد عليكما الشطر فعلت قالا لا نريد أن تشتري ~~منا شيئا قال فهبا لي نصيبكما قالا ما نريد أن نعطي أحدا من حقنا شيئا قال ~~فأنا أهب لكما نصيبي قالا ما نريد أن تكون لك عندنا منة قال فماذا قالا قد ~~عرفت شرطنا عليك صحاحا كشق الشعرة قال أفأشقه قالا أنت أعلم قال والله ms505 لا ~~أفعل هذا أبدا قالا اتق الله وأد الأمانة تعلم أنا لا نأخذك بسلطان وليست ~~لنا عليك بينة وإنك إن تجحد يصدقك الناس ويكذبوننا # قال يا نفس اصبري واذكري الحال الذي أتيتهما عليه قربوا المنشار فأتي ~~بالمنشار قال خذا بناصيته وآخذ بناحيته قالا نعم ذاك لك قال فأخذا بناحية ~~المنشار وأخذ بناحيته ثم أدركته رقة الوالد فقال ابدءا فأشعراه به قالا أنت ~~أحق من بدأ قال إني لأجد له ما لا تجدان فأشعراه لي قالا أنت أحق من بدا ~~فتقاعس في المنشار ليأشره ورفعاه قالا إن كنت لفاعلا قال نعم والله حتى ~~أوفي لله بما جعلت له وأؤدي الأمانة قالا إذهب فلك أهلك وولدك ومالك بارك ~~الله لك لسنا من البشر كان هذا بلاء قضاه الله عليك فبررت وأوفيت ونحن ~~منعنا ملكي بني إسرائيل أن يعطياك شيئا لما قضاه الله عليك من البلاء ~~فاطمئن في مالك # وعن عطاء قال لما أعتق لقمان أعطاه مولاه مالا فبارك الله للقمان في ذلك ~~المال فكثر ونما وجعل لا يأتيه أحد يستقرضه قرضا إلا أقرضه لا يأخذ عليه ~~حميلا ولا رهنا إلا أنه إذا أراد أن يدفع إليه المال قال تأخذه بأمانة الله ~~لتؤدينه إلي عام قابل فإذا قال نعم دفعه إليه فجعل الناس يأخذون منه ويؤدون ~~فذكر فعل لقمان لرجل يسكن ساحل البحر تجارته في البحر لص ملط فاجر فقال ~~والله إن رأيت مالا أضيع من هذا ما يأخذ مني رهنا ولا حميلا والله لآتين ~~هذا PageV03P163 الرجل ولأقطعن من ماله مالا عظيما فأقبل إليه فقال يا ~~لقمان ذكر لي معروفك وأنا رجل أسكن كذا وكذا من ساحل البحر وتجارتي فيه فإن ~~رأيت أن تقرضني قرضا أصبت فيه ثم أؤديه إليك فعلت قال نعم وكم تريد فسمى له ~~فأكثر قال نعم أما أني لست أسألك جميلا حميلا ولا آخذ منك رهنا أتأخذه ~~بأمانة الله أن تؤديه إلى عام قابل في هذا اليوم قال نعم فدفع إليه ما سمى ~~وكتب عنده اسمه واسم أبيه ومنزله ms506 الذي سمى # فذهب بالمال فوضع يده فيه وخلطه بماله وعزم أن لا يؤديه إليه وأدرك ابن ~~للقمان فقال يا أبت إني أريد أرض كذا وكذا وإن رأيت أن تأذن لي فعلت قال ~~نعم يا بني إذهب فاحمل على دوابك وشد عليك ثيابك ثم ائتني أوصيك بوصيتي ~~ففعل ذلك ابنه ثم أتاه فقال قد فعلت يا أبت قد حملت على ظهري وشددت علي ~~ثيابي فأوصني قال نعم يا بني إن في طريقك مفازة فأبكر فيها الدلجة فإنه ~~ستعرض لك شجرة واسعة الظل تحتها عين فلا أعلمن ما قربت الشجرة ولا نزلت ~~تحتها يا بني إني أرجو أن يخرجك الله منها سالما فتأتي حي بني فلان وهم لنا ~~أصدقاء قد أعلم أنهم سيكرمونك يا بني وفيهم امرأة شابة كريمة الحسب كثيرة ~~المال وقد أعلم أنهم سيعرضونها عليك فلا أعلمن نكحتها ولا ضمنت لشيء من ~~أمرها يا بني أرجو أن يسلمك الله منها وإن رجلا يسكن ساحل كذا وكذا وقد ~~أتاني منذ حين فاقتطع من مالي كذا وكذا وهذا اسمه واسم أبيه فأته فاقبض ما ~~عليه ولا تبت عنده PageV03P164 ليلة يا بني أنظر الذي أوصيك به فافعله قال ~~الفتى نعم قال يا بني إن من أفضل ما أوصيك به إن صحبك في طريقك هذا رجل ~~أكبر منك فلا تعصه حتى ترجع إلي قال أفعل # فسار ابن لقمان حتى انتهى إلى المفازة بكر فيها الدلجة فإذا هو أبعد من ~~ذلك واسحق فقام قائم الظهيرة واشتد الحر وهو في وسط منها فبينا هو يسير إذ ~~عرضت له الشجرة فلما نظر إليها عرفها بنعت أبيه فإذا تحتها شيخ جالس فعدل ~~إليها فقال له الشيخ ما الذي تريد يا فتى قال أريد أن أسير قال فلا تفعل ~~فقد قام قائم الظهيرة وتوقد الحر ولكن انزل فاستظل في ظل هذه الشجرة وضع عن ~~دوابك واشرب من الماء فإذا أبردت فارتحل قال الفتى في نفسه هذه الشجرة التي ~~نهاني عنها أبي ما أريد أن أفعل قال أقسمت عليك لتنزلن ms507 قال ووافق ذاك منه ~~هواه وذكر أن أباه قال إن صحبك رجل هو أكبر منك فلا تعصه # فنزل الفتى فوضع عن دوابه واستظل وأكل وشرب ثم رقد وأبى الشيخ أن ينام ~~فلما استلقى ابن لقمان انحطت حية من رأس الشجرة فلما نظر إليها الشيخ رماها ~~فقتلها ثم قطع رأسها فجعله في قرابه وغيب لحمها حتى إذا برد النهار وأيقظ ~~ابن لقمان فقام فلم يستنكر من نفسه شيئا فحمل على دوابه وقال له الشيخ أين ~~تريد قال أريد أرض كذا وكذا قال أنا أريدها فهل لك في صحابتي قال ابن لقمان ~~أحب صاحب فلما نزلوا بالحي الذي سماهم له لقمان قالوا ابن لقمان فأنزلوه ~~وأكرموه # فبينا هم يأكلون عنده ويشربون إذ قال له رجل منهم يا ابن لقمان هل لك في ~~امرأة شابة كريمة الحسب كثيرة المال تنكحها قال ابن لقمان في نفسه هذه التي ~~منعنيها أبي ما لي حاجة بالنكاح قال الشيخ ما تعرضون عليه قالوا نعرض عليه ~~امرأة شابة جميلة كبيرة PageV03P165 الحسب كثيرة المال قال الشيخ أشباب ~~وجمال ومال ما يترك هذا أحدا نكحها قال ابن لقمان ما أريد النكاح يا عم ~~وإني لعلي رحلي قال أقسمت عليك لتفعلن فوافق ذلك منه هواه وذكر الذي عوفي ~~في الشجرة وأن أباه قال إن صحبت رجلا هو أكبر منك فلا تعصه فنكحها # فلما ملك عصمتها أتاه بعض صديق أبيه قال ما صنعت هذه امرأة قد نكحت تسعة ~~ليس منهم رجل إلا يصبح ميتا على فراشها وأنت العاشر فدخل الشيخ على ابن ~~لقمان وهو مهموم حزين قال ما يحزنك قال المرأة التي أمرتني أن أنكحها نكحت ~~قبلي تسعة ليس منهم رجل إلا يصبح ميتا على فراشها وأنا العاشر وأنا أكره ~~الموت قال انظر الذي آمرك به فافعله فإذا أدخلت عليك فلا تقربها حتى تأتيني # فأقبلوا بها إليه حتى أدخلوها عليه وكان من خلق أهلها وغلمانها أنها إذا ~~أدخلوها على الزوج حفوا بالبيت فإذا صاح كانت علامة موته دخلوا فاحتملوا ~~صاحبتهم وما معها ms508 وتركوه فحفوا بالبيت كما كانوا يصنعون وقال ابن لقمان ~~للمرأة إن لي حاجة فخرج إلى الشيخ فقال المرأة في البيت وأنا عندك قال ~~ائتني بمجمرة فيها جمر فأتاه بها ابن لقمان فعمد إلى رأس الحية التي قتل ~~عند الشجرة فجعلها على المجمرة ثم قال انطلق بها فاجعلها تحت المرأة فإذا ~~برد فائتني بها ففعل بها ابن لقمان فقال اجعلي هذا تحتك ففعلت فلما طفئ ~~الجمرة أخرجها فذهب ابن لقمان بها إلى الشيخ فإذا شبه الدودة محترقة في ~~المجمرة فقال إذهب إلى أهلك فلا بأس عليك فإن هذه التي كانت تقتل الرجال ~~فانطلق إلى أهله فأصبح قرير عين وأصبحت فرحة وتفرق الذين كانوا حفوا بالبيت ~~فلما أراد ابن لقمان أن يرتحل قال له الشيخ أين تريد قال غريما لنا في ساحل ~~بحر PageV03P166 كذا وكذا أريد أن آتيه فأقبض حقنا قبله قال فهل لك في ~~صحابتي قال أحب صاحب # فانطلق معه حتى إذا قدما الساحل سألا عن غريمهما فقال أهل البلد ذاك لص ~~ملط فاجر وكان قد عمد إلى قصر فبناه على ساحل البحر يمد البحر حين يمد فلا ~~يترك حول القصر شيئا إلا احتمله لا يخلص إلى القصر ولا إلى من فيه فأتاه ~~ابن لقمان وقال له حقنا عليك فقال مرحبا بيتا الليلة ثم اغدوا على مالكما ~~فقال ابن لقمان في نفسه هذا الذي منعني عنه أبي ما أريد أن أبيت الليلة قال ~~الشيخ ما تعرض عليه قال أعرض عليكما أن تبيتا الليلة ثم تغدوا على مالكما ~~قال افعل يا بني قال ما أريد ذاك قال أقسمت عليك لتفعلن قد أنسأته أطول من ~~ليلة فلا تنسئه ليلة فوافق ابن لقمان هواه وذكر الذي عوفي من الشجرة ~~والمرأة فباتا # فلما فرغ من عشائهما عمد إلى وطاء تحت القصر ففرش لهما على سريرين وقد ~~علم أن الماء إذا جاء احتملهما وعمد إلى ابن له فأضجعه على سرير فوقهما في ~~مكان قد علم أن الماء لا يبلغه فرقد ابن لقمان وأبى الشيخ أن ينام ms509 # فلما كان في جوف الليل أقبل البحر فلما رآه الشيخ أيقظ ابن لقمان فاحتملا ~~سريرهما فجعلاه مكان سرير الغلام وحملا سرير الغلام وهو نائم فوضعاه موضع ~~سريرهما وأقبل البحر فاحتمل الغلام بسريره فذهب به ولم يخلص إليهما # فلما أصبحا اطلع صاحب القصر ينظر ما فعل غريماه فإذا هما نائمان وإذا ~~ابنه قد ذهب فناداهما فقال مكرت بكما وحاق بي المكر فاغدوا على مالكما ~~فغدوا على مالهما فانتقداه ثم انصرفا إلى المرأة فأمرها ابن لقمان بالرحيل ~~فارتحلت فإذا أكثر مال قومها لها PageV03P167 مما كانت تصيب من الأزواج ~~فارتحلت بمال عظيم من أصناف المال وأقبل معه الشيخ حتى إذا شارفا منزل ~~لقمان قال الشيخ لابن لقمان أي صاحب وجدتني في سفرك قال خير صاحب كف الله ~~بك ورزق قال أفما لي فيما أصبت نصيب قال بلى نصفه لك طيبة لك به نفسي قال ~~فإما أن تقسم وتخيرني وإما أن أقسم وأخيرك قال ابن لقمان لا بل اقسم وخيرني ~~فعرف الشيخ هوى ابن لقمان في المرأة فعمد إليها وإلى شيء يسير من مالها ~~فعزله وعمد إلى عظيم المال فتركه # ثم قال لابن لقمان اختر قال ابن لقمان أما إنك عدلت وأنصفت حين خيرت فإن ~~كنت فعلت ما فعلت أختار المرأة وما معها فارتحل ابن لقمان بالمرأة وما معها ~~وقام الشيخ في عظيم المال # فلما سار ابن لقمان وكاد أن يتغيب عن الشيخ أدركه فقال أعطيتني مالك فبم ~~ذاك لعلك تخوفت مني شيئا قال ابن لقمان وما عسيت أن أتخوف منك ولكن لا يذكر ~~صاحب من صاحب أفضل مما أذكر منك وسألتني قال أتعطيني ذاك طيبة به نفسك قال ~~نعم قال فاذهب فلك أهلك ومالك بارك الله فيك لست من البشر أنا أمانة أبيك ~~الذي كان يأتمن بها الناس بعثني الله لأصحبك في طريقك ثم أردك إلى أبيك ~~صالحا فاطمئن في مالك مباركا لك فيه فصاحب الأمانة المحافظ عليها في أمان ~~الله حيث ما انقلب # وقال صلى الله عليه وسلم ( أول ما يرفع من ms510 الناس الأمانة ) # فالأمانة من الإيمان بمنزلة القلب من الجسد فإذا مال القلب إلى ~~PageV03P168 شيء مال الجسد إلى ما مال إليه القلب فالإيمان يشدد عقد القلب ~~ويؤكد عزمه ويقوي ضميره والأمانة في الإيمان بمنزلة العماد فإذا وهن العماد ~~يتضع صاحبه بسقم الإيمان وذهب بقوته فإذا جاءت الخيانة رفعت الأمانة لأنها ~~ضدها ولن يجتمعا وإذا رفعت الأمانة سقم الإيمان # قال صلى الله عليه وسلم ( يا سليمان قل اللهم إني أسألك صحة في إيمان ~~وإيمانا في حسن خلق ونجاحا يتبعه فلاح ) # والإيمان عطية من المنة والأمانة في الإيمان هدية من الجود فإذا ضاعت ~~الهدية ذهب بهاء العطية افتقد صاحبه زينته وحلاوته ولذاذته وذبلت النفس ~~واستراحت وإذا ذهب بها الشيء وثقلت عن المحافظة عليها وذهب قوة القلب لذبول ~~النفس وثقلها فحلت الخيانة محلها والخيانة في اللغة كل شيء يعمل من وراء ~~وهي مكر النفس فإنها لما لم تقدر على أن تستقبل القلب صبرا بالذي هويت من ~~المعصية أسرته من القلب والتمست الغرة والغفلة من القلب فأوجدته اللذة التي ~~وجدت فاستولت على القلب بسلطان اللذة في وقت غفلته عن الله تعالى وانقطاع ~~المدد من رأفة الله تعالى وإقباله عليه بأسباب العصمة فأمكنته أسره إياها ~~لأن القلب أضعف ما يكون في وقت الغفلة فتوجده شرا ومكرا تخادعه بها وتزين ~~له وتموه عليه # والأمانة قرينها اليقين وإنما ضاعت من قبل النفس وليس شيء أعز من اليقين ~~ولا أقل منه وإذا عز اليقين وقل كثر الشك وتذبذب القلب وإرتحلت الأمانة إلى ~~المبدأ وحلت الخيانة محلها فكيف ينتفع العبد بإيمان في جوفه الخيانة مكان ~~الأمانة كما كان اليقين علاوته فما ظنك PageV03P169 بشيء ذهب علاوته وبجسد ~~قطع رأسه أليس قد ذهبت حواسه فلا يبصر ولا يسمع ولا ينطق ولا يجد الروائح ~~فكذا من إفتقد اليقين لم يسمع عن الله ما خاطبه ولا أبصر ما كشف له وأراه ~~ولا ينطق عن الله بحكمته ولا وجد الريح الطيب الذي طيبه الله به وبذهاب ~~اليقين يموت القلب عن الله تعالى ولم يمت عن ms511 توحيده ولذلك تجده مخلطا يعمل ~~عمل الموحدين والمشركين والموقنين والشاكرين والجادين واللاعبين يعمل عمل ~~الجد بقوة اليقين الذي في التوحيد فأما اليقين الذي هو عماد القلب وهي ~~الأمانة في جوف الإيمان فقد فاته فلذلك صار مخلطا # قال صلى الله عليه وسلم ( خير ما ألقي في القلب اليقين ) # وقال صلى الله عليه وسلم ( إن عيسى كان يمشي على الماء ولو ازداد يقينا ~~لمشى في الهواء ) # وكان صلى الله عليه وسلم يقول ( ما أعطي أحد من اليقين ما أعطيت أمتي ) # قال ( وكان عيسى عليه السلام يقول ما أنزل في الأرض شيء أقل من اليقين ) # وأتي داود عليه السلام بصحيفة مختومة بالذهب من السماء فيها عشر مسائل ~~وأمر أن يسأل ولده منها فمن أجابه بما فيها فهو الخليفة فدعا سليمان من بين ~~أولاده فسأله أي شيء أقل في الأرض # قال اليقين # قال فأي شيء أكثر PageV03P170 # قال الشك # قال فأي شيء آنس # قال الروح في الجسد # قال فأي شيء أوحش # قال الجسد إذا خرج منه الروح # قال فأي شيء أحسن # قال الإيمان بعد الكفر # قال فأي شيء أقبح # قال الكفر بعد الإيمان # قال فأي شيء أمر # قال الفقر # قال فأي شيء أقرب # قال الآخرة إذ هو آت # قال فأي شيء أبعد # قال الدنيا إذا زالت عنك # قال فأي شيء أشر # قال المرأة السوء # ففك داود خاتم الصحيفة فنظر فإذا هو بتفسيرها في الكتاب لم يغادر منه ~~حرفا فاستخلصه # وقال صلى الله عليه وسلم ( سلوا الله اليقين والعافية فإن الناس لم يعطوا ~~شيئا خيرا من اليقين والعافية ) PageV03P171 # ومر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بمصاب فقرأ عليه فبرأ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( ما قرأت ) قال قرأت @QB@ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ~~@QE@ الآية فقال صلى الله عليه وسلم ( لو قرأها موقن على جبل لزال ) # فأوفر الناس حظا من اليقين أوفرهم حظا من الأمانة وأشدهم له حفظا وحراسة # قال صلى الله عليه وسلم ( المؤمن العبد حتى يأمن الناس بوائقه ) # وقال عليه السلام ( المؤمن الذي ms512 يأمنه الناس ) # وقال عليه السلام المؤمن في الدنيا على ثلاثة أجزاء الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ثم الذي يأمنه ~~الناس على أموالهم وأنفسهم ثم الذي إذا أشرف على طمع تركه لله تعالى # فهذه ثلاثة منازل للإيمان المنزلة الأولى نزلها صنف آمنوا بالله ~~PageV03P172 إيمان طمأنينة لا ريب فيه وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله بأداء الفرائض واجتناب المحارم إلا أن الرغبة فيهم باقية ومن كانت ~~الرغبة فيهم باقية فالخيانة فيهم كائنة فإن الله تعالى أعطى الخلق الأرواح ~~بما فيها من الحياة عارية وأعطاهم الدنيا عارية ووضعها ممرا للعباد ومتزودا ~~فمن اشتغل قلبه بالتمتع صيره كالمستقر وإنما جعلها للزوال والانتقال عنها ~~فمن تشبث بالحياة ولا يريد مفارقتها وفر من الموت فقد خان لأن العارية إذا ~~امتنع صاحبها من الخروج منها إلى مالكها قهر وسلب وسمي بامتناعه خائنا فكذا ~~الدنيا وضعت ممرا ومتزودا فمن صيرها مستقرا سلب يوم الخروج منها وهو خائن ~~وهو مع هذه الخيانة يقوم بأداء الفرائض بلا توفير وباجتناب المحارم بلا ~~تقوى وصيانة إنما التقوى إذا خرجت شهوة تلك الأشياء من قلبه وإنما اجتنب من ~~خوف العقاب غدا من غير أن يلتفت إلى صيانة المعرفة التي في قلوبهم فإن قال ~~له علام الغيوب غدا إن معرفتي كانت خلعتي على قلبك فاجتنب محارمي شفقة على ~~جلدك ولحمك ولم تلتفت إلى خلعتي فتخاف عليها الدنس والغبار وقد عظم عندك ~~شأن جسدك وجل قدره فباليت به واجتنبت المحارم توقيا عليه لا على خلعتي التي ~~بها طاب جسدك فماذا يقول هذا العبد فهذا من دناءة المنزلة # المنزلة الثانية من الإيمان صنف زالت عنهم رغبتهم فاشتاقوا إلى دار الله ~~فاطمأنت نفوسهم وطابت أروحهم فأمنهم الخلق على أموالهم وأنفسهم ولم يأمنوا ~~على أديانهم فلا تقبل القلوب منهم مواعظهم وإشارتهم إلى الله وإنما أمنهم ~~الناس للأمانة التي في جوف إيمانهم ولأن أرواح يتعارفون بما تضمنه من روح ~~الإيمان فإذا عاينوا الحق في فعل عامل به إستنارت له قلوبهم وعرفوا ms513 أنه ~~الحق فأمنت قلوب الخلق واطمأنت نفوسهم إلى ما عندهم قد أمنوا على النفوس ~~والأموال ولم يأمنوا منه على الدين PageV03P173 # والمنزلة الثالثة من الإيمان فهم قوم بلغوا ذروة الإيمان وسماه صلى الله ~~عليه وسلم ذروة لأنه شبه الإيمان بالجبل والنفس كريشة طياشة تهب بها الريح ~~فكلما كان الجبل أثقل كانت الريشة أسكن حتى إذا بلغ العبد ذروة الإيمان كان ~~كأنه على قلة جبل والنفس تحته مضغوطة لا يقدر على التحرك فلا يزال كذلك تحت ~~أثقال المعرفة حتى تصفو من عصارتها وتسيل منها تلك الفضول وتيبس عن رطوبة ~~الشهوات كما يبس الكسب الذي قد عصر تحت الأثقال حتى سال دهنه وبقي ثفله ~~يابسا فعند ذلك تجدها قد ماتت شهواتها وخمدت نيرانها خمودا افتقد حرها # فهذا الذي قال صلى الله عليه وسلم ( إذا أشرف على طمع تركه لله ) وإنما ~~قدر على ذلك بقوة ما فيه من الغنى بالله فالغنى بالله في ذروة الجبل وهو ~~أعلى الإيمان أولئك الذين يأمنهم الخلق على دينهم فتقبل القلوب مواعظهم ~~وإشارتهم إلى الله تعالى لأنهم يسيرون إلى الله وقلوبهم بين يدي نور ~~الإيمان ووقاره فإذا نطق أحدهم استنارت القلوب لنور مقالته وإذا شخصت ~~أبصارهم إليه توقرت النفوس لوقاره وهدأت الأركان وسكنت منهم الأصوات # وقال صلى الله عليه وسلم لما صعدت إلى السماء السابعة إذ هو برجل أشمط ~~جالس على كرسي عند باب الجنة وعنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس ~~وقوم في ألوانهم شيء فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فدخلوا نهرا فاغتسلوا ~~فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء ثم دخلوا نهرا آخر فخرجوا وقد خلصت ~~ألوانهم فصارت مثل ألوان أصحابهم فقلت يا جبرئيل من هذا الأشمط ومن هؤلاء ~~ومن هؤلاء وما هذه الأنهار التي دخلوها قال عليه السلام هذا PageV03P174 ~~أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض وأما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فقد خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا فتابوا فتاب الله عليهم وأما الأنهار فأدناها رحمة ms514 الله والثاني نعمة ~~الله والثالث وسقاهم ربهم شرابا طهورا # قوله ولا دين لمن لا عهد له فالدين اسم جامع منتظم لجميع الإسلام إلا أن ~~الإسلام هو تسليم النفس إلى الله عبودة وترجمة الدين هو الخضوع وأن تجعل ~~نفسك دون أمره ومن قبله فشرطه مع الله أن يكون كل أمره غالبا على قلبه ~~ونفسه وشهواته وإرادته كلها فمن وفى بها في جميع الأوقات فهو صادق مطيع وقد ~~وفى لله بما قبل منه ومن وفى بعضا وضيع بعضا فدينه منقوص وعلى حسب ذلك يقبض ~~الجزاء من ديان يوم الدين يوم ليس فيه لأحد أمر ^ ليوم ا تملك نفس لنفس ~~شيئا والأمر يومئذ لله ^ # وأما العهد فهو تذكرة الله الذي وضعه فيما بينه وبين العباد يوم أخذهم ~~للعبودة قبل خلق السموات والأرض فلما خرجوا إلى الدنيا نسيه الأعداء وحفظه ~~الموحدون ثم غلب الموحدين غفلة على ذلك الحفظ فوهلوا فأوفرهم حظا من الحفظ ~~أوفرهم حظا من الذكر فالأعداء في غفلة ومن الغفلة النسيان والأحباب في غفلة ~~ومن الغفلة الوهلة ومن الوهلة الخطايا ونقض العهد ودروس ذكر العهد فأوفرهم ~~حظا من العهد أوفرهم حظا من الدين وأشدهم انقيادا فالكافر ينسى PageV03P175 ~~والمؤمن يغفل فالكافر ناس لربه ونفسه من أين وإلى أين والمؤمن يتردد بين ~~الغفلات والذكر فالمؤمن أمين الله في أرضه ائتمنه على معرفته ووضعه في قلبه ~~وجعل قلبه خزانة له وأمنه عليها بما فيها من كنوز المعرفة ووكله بحراستها ~~من النفس الأمارة بالسوء ومن العدو الحاسد القائم في ظل النفس يرمي بالشيء ~~بعد الشيء إلى النفس ينتظر متى يفترض النفس فرصتها من القلب وليس أحد أعز ~~على الملك ولا أصفى حبا له من أمينه الذي ائتمنه على جميع الأشياء فإذا قام ~~العبد بحفظ الأمانة فهو أمين الله في أرضه وإذا وفى بالقيام وصدق الله فيه ~~فعين الله ترعاه وهو المستحق لاسم الإيمان # قال تعالى @QB@ إن المتقين في مقام أمين @QE@ فهو واحد الله في أرضه في ~~كل وقت وإنما سمي جبرئيل أمين الله قال تعالى @QB@ عند ms515 ذي العرش مكين مطاع ~~ثم أمين @QE@ # فقال أهل التفسير حل من الأمانة محلا أن يدخل سبعين ألف حجاب من نور بغير ~~إذن وائتمنه الله على وحيه فبرز اسمه في السموات بأنه أمين واستحق دخول ~~الحجب بلا إذن وفي كل حجاب سر ولذلك تجد ملوك الدنيا لا يطلق الدخول لأحد ~~بغير إذن متى شاء إلا لمن ائتمن على أسرار ما في وراء الحجاب PageV03P176 # | - * الأصل الحادي والأربعون والمائتان # - * # | في فضيلة غض البصر # عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من ~~نظر إلى محاسن امرأة فغض طرفه في أول نظرة رزقه الله تعالى عبادة يجد ~~حلاوتها في قلبه ) # فمحاسن المرأة مجالس الشيطان وموضع زينته التي قال تعالى @QB@ رب بما ~~أغويتني لأزينن لهم في الأرض @QE@ # فتلك الزينة يلقيها على المحاسن فإن وجد العبد في النظرة على غفلة عملت ~~الزينة التي بيده على عين الناظر عملا ينفذ إلى القلب فيأخذ القلب بمنزلة ~~السهم المسموم إذا خلص إلى الجسد فقد سمه من طرف السهم فدب في جميع الجسد ~~فتلك الزينة التي بيد العدو لها سم فإذا ألقاها على محاسن المرأة فإنما ~~يلقيها ليهيج نفوس الآدميين PageV03P177 التي هي ساكنة فإذا نظرت العين ~~وحظها من الدنيا زينة الأشياء وألوانها فإذا أخذت الزينة وألوانها على غفلة ~~وتخطى إلى ما لم يؤذن له في النظر إليها أو فيما أذن له وهو غير ذاكر لله ~~خلصت تلك الزينة التي بيد العدو إلى النفس فهيجتها فصارت بمنزلة السم يدب ~~في جميع الجسد فإذا تأدت إلى القلب خالطت حلاوة الإيمان وحرارته فتكدر ~~الإيمان وانكسفت المعرفة فصارت بمنزلة شمس صارت في كسوف فعلق القلب بتلك ~~النظرة بالمنظور إليها وصارت كجراحة مسمومة والذي حل بداود عليه السلام ~~إنما كان من نظرة واحدة والعبد أعطى جفون الناظرين حجة عليه وقطعا لعذره ~~وإخراسا للسانه # وفي الخبر أن الله تعالى يقول يا ( ابن آدم إن نازعتك عينك فأطبق فقد ~~جعلت لهما طبقا وإن نازعك لسانك فأطبق فقد أعطيتك طبقا وإن نازعك ms516 فرجك ~~فأطبق فقد أعطيتك طبقا ) يريد به الفخذين فهذا من الله تأييد لعبده فإذا ~~استقبل زينة الشيطان التي أعدها لغوايته بها بتأييده الذي أيده به جاءت ~~العصمة بعد التأييد وسكنت النفس وبطل كيد العدو وأثابه الله في عاجل الدنيا ~~ثوابا أن رزقه عبادة يجد حلاوتها مع ما يدخر له من ثواب الأجل # وفي الخبر ( ما ترك العبد شيئا من الدنيا لله إلا آتاه الله خيرا منه ~~وأفضل ) # وقال تعالى في قصة سليمان عليه السلام @QB@ نعم العبد إنه أواب @QE@ إلى ~~قوله @QB@ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب @QE@ # أخرجت له خيول من البحر منقوشة ذوات أجنحة فشغلته عن صلاة العصر حتى غربت ~~الشمس فدخلت عليه حرقة الفوت ووجد من PageV03P178 ذلك وجدا شديدا فسخر له ~~الريح ثوابا لعاجله ثم أعد له ثواب الأجل فقال @QB@ وإن له عندنا لزلفى ~~وحسن مآب @QE@ # فمن غض بصره فقد رد حلاوة هاجت منه حين أحست نفسه بالنظرة الأولى التي ~~كانت له فرد تلك الحلاوة على النفس فرجعت النفس قهقرى على عقبيها وبقيت ~~خزانة الله مصونة فأعقبه الله تعالى في عاجل دنياه بما صان خزانته فأهاج من ~~الخزانة من شرارات المعرفة حلاوة عبادة طرية وخلصه من وبال النظرة وجعل تلك ~~العبادة حصنه وتلك العبادة زاد قلبه يقطع بها مسافة العبودة أيام الحياة ~~وحلاوة العبادة تحفة من الله تعالى وأصلها من هيجان المعرفة فالعبادة كثيرة ~~وحلاوته عزيزة لا تنال إلا من طريق التحف فهي زاد قلوب العابدين وبالزاد ~~يقطع الأسفار أسفار الملكوت # قال صلى الله عليه وسلم ( أحب العيون إلى الله تعالى عينان عين غضت عن ~~محارم الله وعين حرست في سبيل الله ) وقال تعالى @QB@ قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم ويحفظوا فروجهم @QE@ # فخرجت مخرج النصيحة والعطف والتأييد وقال في سائر الأشياء افعلوا ولا ~~تفعلوا وبين الأمر والقول بون بعيد فوجد السابق سبيلا إلى صفاء الانتهاء ~~والمقصد سبيلا إلى الانتهاء مع التنازع قال تعالى @QB@ يعلم خائنة الأعين ~~وما تخفي الصدور @QE@ PageV03P179 # والمقصد حظه منه ما يتخلص من خيانة العين وما في الصدور ms517 باق # وكانت أم سلمة وميمونة رضي الله عنهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فدخل عليه ابن أم كتوم فقال صلى الله عليه وسلم احتجبا منه فقالتا يا رسول ~~الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال صلى الله عليه وسلم ( ~~أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه ) # وقال تعالى ^ وإذ سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ^ ثم قال @QB@ ~~ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن @QE@ # اعلم أن المبتغى منهم طهارة القلوب وإنما تطهر القلوب بحفظ الحواس ~~المؤدية الأخبار إلى الباطن وقد حذر الله عباده شأن الزناة وعظمه وبين ~~عقوبته وبين الرسول أن لكل جارحة منه حظا # قال صلى الله عليه وسلم ( العين تزني واليد تزني والرجل تزني والسمع يزني ~~ويصدق ذلك كله ويكذبه الفرج ) PageV03P180 # فتكذيب الفرج إياهن أن لا يوجب حدا فأما الأدناس والآثام فقد أصابت ~~الجوارح وحلت به # قال خالد بن عمران لا تتبعن البصر والنظر فربما نظر العبد نظرة ينفل فيها ~~قلبه كما ينفل الأديم في الدباغ فلا ينتفع به # قال صلى الله عليه وسلم ( النظر إلى محاسن المرأة سهم من سهام إبليس ~~مسموم فمن صرف بصره عنها رزقه الله تعالى عبادة يجد حلاوتها ) # وقال عيسى عليه السلام إياك والزناء فإنه من غضب الرب وإنما يثيره النظر ~~والشهوة واتباعهما ولا تكونن حديد النظر إلى ما ليس لك فإنه لن يزني فرجك ~~ما حفظت عينك وإن استطعت أن لا تنظر إلى ثوب المرأة التي لا تحل لك فافعل ~~ولا تستطيع ذلك إلا بالله # وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لك من ~~الجنة كنزا وإنك ذو قرنيها فلا تتبعن من النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست ~~لك الأخرى ) # فمعنى الكنز فاطمة وقرنيها الحسن والحسين رضي الله عنهم صيرها بمنزلة ~~الكنز لأن الكنز موضوع مستور إليه الموبل وسائر المال ظاهر يذهب ويجيء ~~والكنز أصل المال فشبه فاطمة رضي الله عنها من نعيم الجنة بالكنز من المال ~~ثم قال وأنت ذو قرنيها نسب PageV03P181 القرنين إلى فاطمة رضي ms518 الله عنها ~~ومعناه أن الحسن والحسين رضي الله عنهما قرناها وإنك يا علي ذو القرنين أي ~~تجد الحسن والحسين وهما سيد أهل الجنة لك ولدا # وقال صلى الله عليه وسلم ( أربع نساء سيد نساء العالمين مريم وآسية ~~وخديجة وفاطمة ) # وقال ( إنما فاطمة بضعة مني ) وقال لها عند موته ( إنك أسرع الناس لحوقا ~~بي ) فضحكت # فبشر عليا رضي الله عنه بأنها لك في الجنة ثم أوصاه على أثر البشرى وصية ~~الرسل على التلطف يحذره إتباع النظرة النظرة لئلا يطمس وجه الكنز ولا يغير ~~ما به من نعمة الله فإنه يحتاج إلى التطهير في شأن الوصول إلى الكنز وكان ~~صلى الله عليه وسلم إذا خص أحدا من أصحابه بموعظة وتحذير فإنما يقصد قصد ~~النكبة التي يخاف عليه منها وكان الغالب على قلب علي كرم الله وجهه محبة ~~الله والمحبة تسير إلى الله في ميدان السعة والتشجيع في الأمور والمحبة لها ~~حلاوة PageV03P182 وحرارة تهيج الشهوة وتذيب ماء الصلب فحذره عليه السلام ~~ما كان يخاف عليه فبشره بالكنز والقرنين ثم أتبعه الوصية وحذره كي يشفق على ~~ما بشره له في الجنة ويكون عونا على غض بصره ورد نفسه # قال صلى الله عليه وسلم ( لأعطين رايتي غدا لرجل يحب الله ورسوله ويحبه ~~الله ورسوله ) # فشهد له الرسول بحب الله إياه وبحب الله والمرء ينسب إلى ما يكون الغالب ~~عليه من الأمور والأعمال فكذلك من الحظوظ إنما ينسب أصحاب القلوب كل إلى ما ~~وفر له من الحظ من ذلك الشيء فأبو بكر منسوب إلى الرحمة وعمر منسوب إلى ~~الحق وعثمان منسوب إلى الحياء وعلي منسوب إلى المحبة وإنما نسب كل واحد ~~منهم إلى ما هو الغالب عليه وكان علي كرم الله وجهه ظاهر الأمر من بين ~~الأصحاب في شأن الثناء على الله تعالى وذكر الصفات وهذا علم المحبين وكان ~~معروفا بالانبساط والانطلاق والهشاشة إلى الخلق والمزاح حتى قال عمر رضي ~~الله عنه في حقه إنه رجل تلعابة وقال مرة أخرى به دعابة # وهذا لمن الغالب على ms519 قلب محبة الله تعالى لأن القلب ينبسط عند المحبة ~~وينقبض عند المخافة فإذا غلبت المحبة على الخوف انبسط وإذا غلب الخوف على ~~المحبة انقبض لأنه يلاحظ العظمة وفي وقت الانبساط يلاحظ جوده وكرمه فكان ~~انبساط علي رضي الله عنه إلى الخلق ومعاملته إياهم حسب ذلك من السعة والبشر ~~PageV03P183 والهشاشة وبتلك القوة أمكنته المحاربة وتشجع فيه ومن كانت هذه ~~صفته كانت شهوته هائجة وكان قرما في أمر النساء وكان يقول كنت رجلا مذاء ~~فكنت أغتسل في اليوم مرات حتى شجئت وكنت أستحيي أن أسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أجل ابنته فأمرت المقداد أن يسأله فسأله فقال يجزيك الوضوء # وكان قد هم أن يتزوج علي فاطمة رضي الله عنها حتى خطب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على المنبر فقال إن بني المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم ~~من علي وإن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ألا فإني لا آذن ثم لا آذن # وكان علي رضي الله عنه يريد أن يخطب العوراء بنت أبي جهل فقال صلى الله ~~عليه وسلم ( وما كان لعلي أن يجمع بين ابنة نبي الله وابنة عدو الله وإن ~~فاطمة بضعة مني يغضبني ما أغضبها ) # ووقعت في سهمه يوم فتح مكة جارية من سبي هوزان فذهب بها مستعجلا إلى أخته ~~أم هانئ لتزينها فهم في ذلك إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خلوا عن السبايا فبقي على قارعة الطريق ودخلت أم أيمن على فاطمة رضي الله ~~عنها فرأت في وجهها شيئا أنكرته فسألتها فأبت أن تخبرها فقالت إن أباك كان ~~لا يكتمني شيئا فقالت جارية وهبها أبو بكر لعلي فخرجت أم أيمن فنادت أما ~~لرسول الله حق أن يحفظ من أهله فقال علي رضي الله عنه ما هذا فقالوا له أم ~~أيمن تقول كذا فقال علي رضي الله عنه الجارية لفاطمة رضي الله عنها ومات ~~يوم مات عن سبع عشرة من بين حرة وأم ولد وكان هذا كله من غلبة ما ms520 ذكرنا على ~~قلبه PageV03P184 وقد حذره صلى الله عليه وسلم النكبة التي عرفها فيه وعرفه ~~خطرها ووبالها # وكان من شأنه صلى الله عليه وسلم إذا عرف من رجل شيئا يخاف عليه منه وعظه ~~من ذلك الباب ولهذا أخذ بطرف عمامة الزبير وقال ( يا زبير إني رسول الله ~~إليك خاصة وإلى الناس عامة يا زبير إن الله تعالى يقول أنفق أنفق عليك ولا ~~تصر فأصر عليك ) # هو إنما قصده بهذا لأن الزبير كان يزن ببخل وبلغ من إمساكه أنه كان يوصي ~~إليه أفاضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أموالهم لعلمهم بإمساكه ~~PageV03P185 # | - * الأصل الثاني والأربعون والمائتان # - * # | في فضيلة صوم شهر رمضان # عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~( إن شهر رمضان شهر فرض الله على المسلمين صيامه وسننت لكم قيامه فمن صامه ~~وقامه إيمانا واحتسابا خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه ) # ( صامه إيمانا ) أي آمن بما افترض الله عليه ثم صامه على تلك النية ~~والصوم والعزم عن الكف عن كل شيء يطعم ويشرب وعن إتيان النساء وهذا العزم ~~عن الكف عن كل شيء يطعم ويشرب وعن إتيان النساء وهذا العزم بين العبد وبين ~~ربه لا يطلع عليه أحد فهو في كل ساعة من يومه إذا اعترضت له شهوة فإنما ~~يمتنع منها لإيمانه بأن الله تعالى مطلع على سره وإضماره فذاك منه إيمان في ~~كل وقت PageV03P186 وساعة في رد كل شهوة مع طمأنينة نفسه بإن الله تعالى ~~يعلم عزمه وضميره في هذا الكف فيستقر لذلك قلبه ويعظم أمله هذا أكله إيمان # وقوله صلى الله عليه وسلم ( إيمانا واحتسابا ) فكل عمل ابن آدم إنما يقوم ~~بالنية والحسبة والنية قربتان تجريان في الأعمال معا فإذا انقطعت النية ~~انقطعت الحسبة والنية نهوض القلب إلى الله تعالى وبدؤها الخاطرة ثم المشيئة ~~ثم الإرادة ثم النهوض ثم اللحوق إلى الله تعالى بعقله وعلمه وذهنه وهمته ~~وعزمه وإضماره فههنا تتم النية ومن ههنا يخرج إلى الأركان فيظهر على ms521 ~~الجوارح فعله فمبدأ النية نهوض القلب ومنتهاه عزمه ثم الارتحال يقال ناء ~~ينوء أي نهض والعزم عقد القلب ولا يكون نية إلا بالعقد فإذا صح العزم خرج ~~الرياء والفخر والخيلاء من جميع أعماله # ثم الناس بعد ذلك على طبقات فالعامة لا بد لهم من أن يأتوا بهذه الصفة في ~~كل عمل يلتمسون ثوابه غدا وذلك موجود في العامة من الموحدين في كل عمل ~~أخلصوه لله تعالى فهذه الخصال موجودة في ذلك العمل إلا أنه لا يحسن أن يميز ~~هذا الاسم ويطالعه بقلبه في صدره لأن الصدر مشحون بأفعال النفس وفتنها ~~ووساوس شهواتها فمن أين يبصر في صدره الخواطر والمشيئآت والإرادات والنهوض ~~والإرتحال إلا أن الله لما رحم الموحدين ومن عليهم بالتوحيد ضمن هذه ~~الأشياء توحيدهم وأودعها قلوبهم فهم بتلك القوة يعملون أعمال البر فربما ~~أخلصوا وربما خلطوا وربما إطمأنوا وربما نافقوا ولذلك وقع الحساب في الموقف ~~لتخلط الإيمان بالنفاق والصدق بالكذب والإخلاص بشرك الأسباب # وإنما يستبين ما وصفنا لقلب أجرد أزهر في صدر فسيح قد شرحه الله للإسلام ~~فهو على نور من ربه رطب بذكر الله قد لان بلطفه PageV03P187 ورطب برحمته ~~وصلبت بآلائه وبذلك وصفه صلى الله عليه وسلم فقال ( قلب المؤمن أجرد أزهر ) # فصدره كمفازة جرداء فيها شموس تزهر ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ( إن ~~لله في الأرض أواني ألا وهي القلوب فخيرها أصفاها وأرقها وأصلبها ) # فأصفاها من كدورة الأخلاق وأرقها للإخوان وأصلبها في ذات الله تعالى # فأما الناس في النية على طبقات فنية العامة ارتحالهم إلى الله بهذا العقل ~~والعلم والذهن والهمة والإضمار والعزم ومبلغ ارتحالهم الجو إذ ليس لقلوبهم ~~من القوة ما يرتحلون ويطيرون لأنه لا ريش لقلوبهم فيطيرون والجو مسدود لأن ~~القلوب لما مالت إلى النفوس فأطاعتها انسد طريقها إلى ربها لأن القلوب إنما ~~أعطيت معرفة التوحيد ومن عليها بذلك لتمد النفس بما فيها من الشهوات إلى ~~الله فتطيعه فتمت حجة الله على القلب بما أعطى من القوة البالغة فلما ضعف ~~ولم يتشمر لأمر الله ms522 بما أعطي من الجنود ولم يجاهد النفس حتى يغلبها ~~ويأسرها بجميع ما فيها من الشهوات فيذلها وقال تعالى @QB@ وجاهدوا في الله ~~حق جهاده هو اجتباكم @QE@ # أي رفعكم من بين الأعداد جباية منه لكم ليتخذكم أحبابا ووضع PageV03P188 ~~في قلوبكم التوحيد بحلاوته كي إذا جاءت النفس بحلاوة شهواتها إلى القلب ~~ضربت بتلك الحلاوة وجهها وردها بقوة هذه الحلاوة الممنون عليه فإذا لم ~~يجاهد وانخدع لنفسه وبما تأتي به تحيرت الجوارح وتعطلت الأعمال التي بها ~~وكلوا # فهناك تجده لا يلتذ بطاعة ولا يستروح إلى ذكر إذ لا يجد رائحة الذكر لأنه ~~يخرج من صدر كالمزابل محشو بالخبث والخيانة والظلم والعدوان والرغبة ~~والتجبر والتعزز والتكبر والاستبداد والحقد والغلو وحب الأشياء التي يضاهي ~~الله بها وينازع رداءه فيرجو صاحبه أن يلتذ بطاعة أو يستروح إلى ذكر أو ~~يجاوز قلبه في عمله فإن اجتهد فأخلص في شيء وأخذ بحرمة ذلك التوحيد وقوته ~~فبجهد شديد ولا يجاوز قلبه الجو فهذا شأن العامة # وأما الصادقون وهم العباد والزهاد والقراء فنياتهم صاعدة عن هذه الأشياء ~~التي ذكرنا من العقل والعلم والفهم والهمة والعزم والإضمار فإذا بلغ المحل ~~الذي هناك استقر القرار في بيت العزة في سماء الدنيا وضعفوا عن تجاوز ذلك ~~إلى ما فوقه لأنه لا يقدر قلبه على الطيران إلى العلى وعلى قدر علمه وعقله ~~وذهنه واستعماله ذلك يمكنه أن يطير فتحظى تلك النفوس من ذلك المحل ويأخذ ~~قوتها ويستمر في الطاعة # وأما العارفون وهم الصديقون فإن نياتهم قد صارت كلها نية واحدة لأن القلب ~~قد ارتحل إلى الله تعالى بمرة ووجد الطريق واشتغل بالنفس بما فيها من ~~الشهوات لينة منقادة قد تحولت من الخيانة إلى الأمانة وانقادت للقلب فالقلب ~~أمير والنفس أسير فارتحال قلوبهم إلى المعسكر عند ذي العرش ولهم مطاف ~~وأعمالهم معروضة على الله في كل معرج وينظر إليها الرب ويتقبلها ثم توضع ~~بعد القبول في الخزائن الخاصة PageV03P189 # وأما العارفون حكماء الله فهم الذين أطلعوا على بدو الربوبية ومحل القدرة ~~فهم خاصة الله من بحور الله ms523 يعملون جميع الأعمال والأعمال غائبة عن القلوب ~~لأن الله تعالى نصب أعينهم في مجلس الملك فأجمل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذكر النية فقال ( الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) يعلمك إن ~~للنية درجات كل على درجته ينال ثمرتها # وقال صلى الله عليه وسلم ( لاعمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسبة له ) # والحسبة أن يحتسب على الله تعالى من العبودة التي قبل منه لأن العبد في ~~رق العبودية إلى يوم خروجه من الدنيا لأنه خلقه ليعبده ثم وعده أن يحرره ~~يوم القيامة إذا أتاه بالعبودة فيقعده ملكا في دار السلام قال الله تعالى ~~@QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ # فنحن نسعى في هذا الرق إلى يوم خروج الروح وقبض النفس عن الدنيا فمن أراد ~~الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا شكر الله لهم ~~بمغفرة الذنوب والرضاء عنهم PageV03P190 وتمليكهم الجنان وقضاء المنى ~~والشهوات على التأييد ورضوان من الله أكبر وإذا آمن العبد بربه ألقى بيديه ~~سلما إليه وقبل أمره وعبودته قبله الله وأقبل عليه بالعون قال تعالى @QB@ ~~إن الله مع الذين اتقوا @QE@ أي من العون والنصرة # وإذا أعرض مغترا بخدائع النفس وأمانيها وأكاذيبها فأقبل على النفس وقبل ~~منها ما تأتي به فقد أعرض عن الله تعالى ومال عنه وأعرض الله عنه وعذب قلبه ~~وانقطع المدد والعون فإذا تاب إلى الله وفزع وأدركه رحمة الله وغوثه بأن ~~فتح باب الرحمة نظرا منه لمنته وأياديه التي كانت له عند العبد فوجد القلب ~~خلاصا وعاد العون والمدد فلم يزل العبد يترقى درجة درجة وتفضل الله عليه ~~بالكرم وجاد بالإقبال فانتعش بعد النكس وحيى بعد الموت حتى توردت بساتين ~~توحيده وانفطر مكنون جواهره كانفطار الينابيع وانغلاق الحبوب عن بذرها ~~وازدهرت وأينعت وذلك قوله تعالى @QB@ فالق الحب والنوى @QE@ و @QB@ فالق ~~الإصباح @QE@ و @QB@ يخرج الحي من الميت @QE@ # فأخذ العبد يسعى في الرق والعبودية فكلما عمل برا من الأعمال احتسب به ~~على الله في العبودة التي قبل منه كمن ms524 عليه دين في عنقه فهو يفك رقبته ~~بأدائه شيئا بعد شيء وكل شيء يؤديه إلى صاحب الدين احتسب عليه في قضاء ~~الدين الذي في عنقه فهذا العبد يحتسب في نفسه وفي ذاته بهذا الفعل يحسبه ~~على الله تعالى في قضاء دينه وهو العبودة التي لها خلق التي قبلها فإذا نوى ~~واحتسب فقد أخلص PageV03P191 # قال الله تعالى @QB@ ليعبدوا الله مخلصين له الدين @QE@ فيكتب له أجر ~~العبودة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ( لا أجر لمن لا حسبة له ) # فرب رجل يعمل أعمال البر على العادة لا على يقظة العبودة فلا يكون له ~~احتساب ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ( ومن غشيانك أهلك صدقة ) قالوا يا ~~رسول الله نأتي شهواتنا ونؤجر قال ( أرأيت لو وضعتها في حرام أكنت توزر ) ~~قالوا نعم قال ( فتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير ) # معناه إذا زنى إنما قصد قضاء الشهوة فاحتسب على النفس بإعطائها منيتها ~~وقضائها شهوتها فإذا وضعها في حلال وأراد العفة عن الحرام احتسب بها قضاء ~~عن العبودة فصار ذلك منه صدقة على أهله ولذلك قال معاذ لأبي موسى أنا أنام ~~نصف الليل وأقوم نصفه فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي فإذا نام العبد تلذذا ~~وأتى أهله تلذذا لم يحتسبها قضاء على العبودة بطل أجره وبقيت العبودة في ~~عنقه فلقي الله وقد خسر أجر العبودة في ذلك الوقت الذي عطله وإذا مال بهذه ~~الشهوة إلى الحرام فإنما يقضي عبودة النفس وقد خلقه الله تعالى ليعبده فقبل ~~منه ثم ذهب فصبر نفسه عبدا لنفسه وشهواته وذهب بعبودة الله إليها ولهذا ~~استوجب اللعنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال PageV03P192 # ( لعن عبد الدينار لعن عبد الدرهم لعن عبد الخميصة وشيك فلا انتقش حبذا ~~عبد الله وعبيد الله ) # وقال صلى الله عليه وسلم ( لكل امرئ ما احتسب وعليه ما اكتسب والمرء مع ~~من أحب ومن مات على ذنابى طريق فهو من أهله ) # معناه ما ذكرنا أن ما احتسب قضاء عن العبودة فهو له وما لم يحتسب ولكن ~~اكتسب ms525 فهو عليه # وقال تعالى @QB@ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت @QE@ لأن الكسب فعل ~~الأركان والاكتساب فعل الذات يكتسب إتباع الهوى فيما تقضي النفس من مناها ~~وشهواتها ولذاتها فذاك عليه وإذا جاء الاحتساب من قوة القلب بذكر العبودة ~~مع النية الصادقة فتلك النية تحول العمل فصار للنية لا للهوى فيحتسب به على ~~الله قضاء العبودة لا قضاء الفهمة والشهوة فإذا صام رمضان إيمانا بما كتبه ~~الله عليه وبأنه يطلع على عزمه في صومه ورد شهواته في ساعات يومه فذاك كله ~~إيمان يتجدد عليه كل ساعة وهو سر بينه وبين ربه لا يطلع عليه ملك مقرب ولا ~~نبي مرسل ولذلك قال ( الصوم لي وأنا أجزي به ) PageV03P193 لأنه في ما بينه ~~وبينه ففي كل ردة من العبد لشهوته تعرض له جزاء من ربه وهو لا تدركه الحفظة ~~والكتبة PageV03P194 # | - * الأصل الثالث والأربعون والمائتان # - * # | في فضيلة الأمور الثلاثة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أوصاني حبيبي أبو القاسم صلى الله عليه ~~وسلم ( بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وأن لا أنام إلا على وتر وركعتي الضحى ) # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا ~~عويمر حافظ على أن لا تبيت إلا على وتر وركعتي الضحى مقيما أو مسافرا وصيام ~~ثلاثة أيام من كل شهر تستكمل الزمان كله أو قال تستكمل الدهر كله ) # العبد محسوب عليه عمره معدود له أنفاسه مقتضى منه العبودة في كل نفس من ~~عمره فأمر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقبول ما جاء به ~~الرسول من عنده على صدق الإعتقاد من قلبه ثم اقتضى ما قبل من الله تعالى ~~مجملا في جميع عمره فمنه ما اقتضى من وقت دون وقت وهو الفرائض ومنه ما ~~اقتضى PageV03P195 من الأوقات كلها وهو العبودة في كل نفس فأجمل الله تعالى ~~بعطفه وكرمه للعباد أمرا أجمل به العبودة كي إذا فعلوها استكملوا الدهر كله ~~عبودة فدلهم لعبودتهم في النهار على ركعتي الضحى بعد أداء الفرائض ms526 واجتناب ~~المحارم فإذا أدى المفروضة من صلاة الفجر انتظر طلوع الشمس وتحليل الصلاة ~~فإذا أضحت صلى ركعتين على سبعة أجزاء بسبع جوارح مقسومة هذه الأجزاء بما ~~ضمنت وحشيت على ثلاثمائة وستين جزءا ليخرج إلى الله من صدقة النفس # وذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( إن على كل آدمي ثلاثمائة وستين سلامى على ~~كل سلامى منها صدقة وركعتي الضحى تجزيك من هذا كله ) # فهذا صلاة يومه للعبودة # وأما صيام ثلاثة أيام من كل شهر فالحسنة بعشرة أمثالها فصوم ثلاثة أيام ~~من كل شهر يعدل ثلاثين يوما فقد صار العبد بهذا صائما في جميع عمره وبركعتي ~~الضحى قائما بهذا في نهاره كله # فأما في ليله فالفوز بصلاة الوتر فإذا كان صائما قائما في نهاره وبوتره ~~فائزا فقد استكمل الزمان كله فهذه دلالة الله لأهل السعادة على ما به ~~يستكملون العبودة بعد أداء الفرائض واجتناب المحارم فمن داوم على هذا كان ~~اسمه في ديوان الصائمين القائمين الفائزين وهو طاعم وشارب ونائم ليعلم يسر ~~الله تعالى لهذه الأمة ورفع الحرج عنهم في دينه وسماحته فيما اقتضاهم مما ~~له خلقهم فالوتر محبوب الله تعالى فيما خلق من الأشياء وقد كتب عليهم الخمس ~~المفروضات PageV03P196 غياثا لهم ليطفئوا بها حريقهم وما من صلاة يدخل ~~وقتها إلا قال أهل السماء يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم فأطفئوها فصرن هذه ~~الخمس مكتوبات والعهد في الكتاب فإذا أوفوا بالعهود أوجب لهم الجنة ثم كان ~~من عطفه أن زادهم صلاة الوتر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم # فالصلوات الخمس تكفير لسيئآتهم وفي ذلك الموقف من الوتر نوال تملأ منه ~~رغبتهم ومركز يجدون منها معاذاتهم فالنوم بعد النوال أفضل من أن يؤخرها إلى ~~آخر الليل فإذا أوتر أول الليل عرجت نفسه إلى الله في منامها مع الفوز ~~بالنوال والمعاذ فلذلك أوصاه صلى الله عليه وسلم أن لا ينام إلا على وتر ~~فكان أبو بكر رضي الله عنه يوتر قبل أن ينام فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( متى ms527 توتر يا أبا بكر ) قال في أول الليل قال أخذت بالحزم وقال ~~لعمر رضي الله عنه متى توتر يا عمر قال آخر الليل قال ( أخذت بالقوة ) # فالحزم احتياط وثقة والقوة ملكة النفس وأبو بكر لاحظ كنه الوتر ولهذا قال ~~أحرزت نهى وابتغي النوافل معناه أن في موقف الوتر نثار الله وغنمه فينتهبه ~~ويبتغي فيما بقي من الليل نوافل الرب وعمر لاحظ الساعة التي يؤدي فيها ~~الوتر من ساعات الليل وهي ا لساعة التي آثرها الله فهبط إلى السماء الدنيا ~~واطلع على عباده وناداهم وهي ساعة اهتز لها العرش واشتغلت الملائكة في ~~صفوفها وانقطعت صلاتهم لما رأوا من هبوط الرب إلى سماء الدنيا سماء العبيد ~~واطلع عليهم وناداهم وقد جعل الله تعالى للعباد موقفين موقف في كل سنة من ~~تاسع ذي الحجة وهو موقف الحج وموقف في كل ليلة بعد صلاة العشاء في الركعة ~~التي وسمها بالوترية تلك ركعة عليها PageV03P197 سمة الله تعالى بأن فضلها ~~على الأعمال فموقف الحج نطق به الكتاب وموقف الوتر نطق به لسان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # وللعباد في هذين الموقفين من الله نوال وقرات أعين لا يخطر على قلب بشر ~~فموقف الحج موقف المباهاة موقف الإسلام ألا ترى أنه يقال حجة الإسلام وقف ~~العبد ليسلم إليه رقبته عبودة ليتخذه عبدا فباهى الله به في سمائه وهبط إلى ~~سمائه العبيد ليطلع إليهم ويباهي بهم ملائكته والمباهاة أن يريهم بهاء ~~الإسلام الذي على عبيده في تسليمهم النفوس إليه معتذرين منعرضين ملقين ~~بأيديهم إليه سلما رافعي أيديهم إليه طمعا فيقول للملائكة انظروا إلى عبيدي ~~فتلك المباهاة وموقف الوتر موقف هدايا المعرفة للأولياء والأصفياء وحرمة ~~الإسلام للصادقين المجتهدين والرحمة العامة الموحدين فيدخل من ذلك الموقف ~~على الله بالتكبير ويقف بين يديه في القنوت يرفع إليه رغباته ويعتذر إليه ~~من عمل نهاره من تقصيره وتفريطه ويفتقر إلى الله تعالى ويتباءس ويتمسكن ~~ويتخشع ويتضع ويتعوذ من الأهوال والأخطار الذي هو عليها ويخرج منه ثناؤه ~~على ربه ومحامده له وذكر آلائه ms528 وبث مننه ونشر صنائعه واعتراف بمساوئه ~~واعتذار وتوبة إليه وقربة إليه وتنصل بالاستغفار وترض وملق وتضرع واستعاذة ~~بالمعاذ وتختيم بالكلمة التي بها يستجاب ويخاف مما خص الله تعالى هذه الأمة # قال صلى الله عليه وسلم أمرني جبريل ولقاني عند فراغي من فاتحة الكتاب ~~وعند الدعاء آمين وقال إنه كالطابع على الكتاب PageV03P198 وإذا ختم العبد ~~الدعاء بآمين صار الدعاء مطويا بالكتاب مصونا عن الآفات وعن تناوله وإطلاع ~~ما فيه وإنما ختم الكتاب لئلا ينشره أحد ولا يطلع عليه فإذا ختم العبد ~~الدعاء بآمين صانه عن أن يطلع فيه وصعد إلى الله بالختم مطويا مصونا عن ~~الآفات فيجيبه الله تعالى لأنه قد سبق منه القول بالخصوصية لأمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقال تعالى @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ # وفيهم ما فيهم من قلة الشكر والوفاء وكثرة التخليط والاستخفاف بأمر الله ~~والإعراض عن حق الله فلو لم يعطهم الختم حتى يختموا دعاءهم آمين فيصير ~~الختم مانعا لجميع الخلق بين العبد وبين الله من الهواء إلى العرش فكان ممر ~~دعائنا إلى العرش محل الدعاء ومعدن الإجابة والقضاء لكان لا يخلو من أن ~~يتعرض متعرض لإفساد ذلك حمية لله تعالى فإن الخلق كلهم مطيعون فإذا مرت ~~عليهم دعوة العصاة لم يؤمن أن يرموا فيها شيئا يكون فيه فسادا # قال صلى الله عليه وسلم إن على أبواب السماء حجابا يردون أعمال أهل الكبر ~~والحسد والغيبة # وقال صلى الله عليه وسلم إن العبد ليقول يا رب اغفر لي وقد أذنب فتقول ~~الملائكة يا رب إنه ليس لذلك بأهل قال الله تعالى ^ لكني أهل أن أغفر له ^ # فقد أعطى الله تعالى هذه الأمة كلمة الختم وهي آمين ليصعد دعوتهم إليه ~~مختومة لا يطلع على ما فيها أحد حتى لا يجدوا سبيلا PageV03P199 إلى الطعن ~~فيها ودعاء كل رجل يخرج على قدر ما عنده من قوة القلب في الدعاء فرب دعاء ~~داع يخرج من نور وافر بمنزلة شمس تطلع ودعاء يخرج مع تقصير فنوره بمنزلة ~~قمر يطلع ودعاء يخرج مع تقصير ms529 كثير فنوره بمنزلة كوكب وإنما تفاوت الدعاء ~~لاختلاف مخارجها من المعادن # قال صلى الله عليه وسلم إن القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض فإذا دعوتم ~~الله تعالى فادعوه وأنتم موقنون بالاستجابة فإن الله تعالى لن يستجيب دعاء ~~عن ظهر قلب غافل # فظهر القلب دعاء قد تعلمه العبد يدبر الكلمات بمضغة لسانه في حنكه ولهاثه ~~وليس عنده وراء ذلك شيء إلا تلك الإرادة التي من القلب يبتغي خيرا من عند ~~ربه وهو لا يدري ذلك الخير وهو عنده كالجزاف غير مفتقر إلى تلك الحاجة فهو ~~كصبي نطق من غير عقل وليس لكلام الصبي قدر عند الخلق إلا أن الكريم لما علم ~~إرادة الخير من الداعي أعطاه على ذلك أجرا إذا دعا على رجاء أن ينال منه ~~معروفا فأما الاستجابة فهو بعيد منها لأنه لم يخرج منه الدعاء على الجد ~~والاجتهاد ولو كان ذلك منه جدا لترك الإباق من ربه بالذنوب والمعاصي ~~والبطالات والإكباب على الدنيا والاستخفاف بحق الله وبداره وبيوم الحساب ~~وبوعده ووعيده ومواعظه وموته فإن الآبق من مولاه في الدنيا إذا دعاه في حال ~~اباقه ويراسله يستوجب بذلك المقت من مولاه لأنه في صورة المستهزئ به فمن ~~أثقل ظهره من الخبائث فصار كسلان لحما ودما ملقى على الأرض وخيما جلفا ~~جافيا فتعلم الأدعية عن ألسنة الناس ملتمسا بها نوالا لا عن فاقة وافتقار ~~خرجت من جوفه تلك الكلمات ولا علم له PageV03P200 بما سأل وإن كان أعلم ~~الناس باللغة فهو عالم بالكلمة من طريق اللغة جاهل بغور الكلمة ومعدنها ~~ووقتها وموضعها فهو جاهل بالمعنى أعمى عن حشوه فصاحب لا يصيب في دعائه جدا ~~ولا اجتهادا وإنما يدعو عن ظهر قلب فهذا عبد يجاب ولا يستجاب وإنما يجاب ~~لأنه مؤمن فالإجابة للمؤمنين والاستجابة للجادين المجتهدين المفتقرين ~~المرتعنين المتبائسين المتخشعين الموقنين إلا أن الله هو الكريم الجواد ~~أوسع لعبيده فجاد عليهم بالمعرفة التي هي أعظم الأشياء استحيى أن يترك هذا ~~العبد خاليا صفر اليدين إذا مد يده إليه حتى يأجره على ذلك فيكون ms530 ذلك إجابة ~~لا استجابة # قال عبد الرحمن بن غنم بينما نحن جلوس يوما عند معاذ بن جبل رضي الله عنه ~~إذ دعا بدعاء لم أسمع داعيا يدعو مثل دعائه فقلت له رحمك الله يا أبا عبد ~~الرحمن لو علمتني بعض ما تدعو به فقال لو كنت أعلم لك فيه خيرا كنت علمتك ~~فقلت سبحان الله لم لا تعلم لي فيه خيرا قال لأن رسول الله كان يدعو ~~بالدعاء الكبير الحسن الجميل الذي لا يستطيع أحد أن يقول مثله فقلت له يوما ~~يا رسول الله لو علمتني بعض ما تدعو به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لو كنت أعلم لك فيه خيرا لعلمتك فقلت سبحان الله يا رسول الله لم لا تعلم ~~لي فيه خيرا قال لأن أفضل الدعاء ما خرج من القلب بجد واجتهاد فذاك الذي ~~يسمع ويستجاب وإن قل # فالجد أن يقف العبد بقلبه في محل الدعاء والاجتهاد مفتقر القلب إلى الله ~~متبائس النفس # وقوله تعالى @QB@ أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ أراد إجابة تلبية على ما ~~قاله صلى الله عليه وسلم PageV03P201 إذا قال العبد يا رب قال الله تعالى ~~لبيك يا عبدي # وأما الاستجابة فقال تعالى ^ ادعوني أستجيب لكم ^ ثم بين في آية أخرى لمن ~~الاستجابة فقال @QB@ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ # وينبغي أن يكون الدعاء على هيئة وأدب فإن لكل أدب ثمرة ولكل هيئة زينة ~~يبدأ بمدائحه ثم الثناء عليه والتنزيه له ثم محامده وذكر آلائه وبث مننه ~~ونشر صنائعه والاعتراف بالمساوئ والتوبة إليه والاعتذار والتنصل والاستغفار ~~والتضرع والاستعاذة والاختتام بآمين والله أعلم وأحكم PageV03P202 # | - * الأصل الرابع والأربعون والمائتان # - * # | في بيان أقسام القرآن # عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل القرآن ~~العظيم على عشرة بشيرا ونذيرا وناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها وعظة ومثلا ~~وحلالا وحراما فمن ابتشر ببشيره وانتذر بنذيره وعمل بناسخه وآمن بمنسوخه ~~واقتصر على محكمه ورد علم متشابهه إلى عالمه واتعظ بعظته واعتبر بمثله وأحل ~~حلاله وحرم حرامه فأولئك ms531 هم المؤمنون حقا لهم الدرجات العلى مع النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وهو وارثي ووارث الأنبياء ~~من قبلي ولولا قسم أنه لا نبي بعدي لكان نبيا من أنبياء الله تعالى ولا ~~يزال في ضمان الله تعالى وكيف وحيث ما تلا القرآن غشيته الرحمة وتنزلت عليه ~~السكينة وكان بعين الله منورا له قلبه إلى يوم القيامة ويحشر يوم القيامة ~~في زمرتي وتحت لوائي ولوائي أبيض العود أخضر الرقعة أفيح الريح له لسانان ~~لسان يرى بالمشرق ولسان يرى بالمغرب يظل حملة القرآن والمتحابين في الله ~~ومن ضيع واحدة منهن فقد ضيع كلهن ويلقى الله غدا ظمآن محول PageV03P203 ~~القلب نادم القلب مرتعد الفؤاد حاسر القدم مستحييا من الرب مغفور له أو ~~معذب # قوله ابتشر ببشيره البشرى خبر عن الغيب فإن العبد في دار المحنة والبلوى ~~متعرض للآفات ممزوج بها مسئول عن الشكر عليها ومقتضى للبصر على مزاجها من ~~الآفات وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يظهر له من غيب الله غدا والخير كائنه ~~فأيد الله المؤمنين بخطاه وبشرهم بخبر نفى حيرتهم حتى قويت القلوب واطمأنت ~~النفوس وتخلص القلب من وساوسها وصار حرا مالكا قوي القلب وانتشر السرور في ~~الصدر فنضرت الوجوه وتلك النضرة تورث البشر قال الله تعالى @QB@ ولقاهم ~~نضرة وسرورا @QE@ نضرة في الوجوه وسرورا في القلب # فالسرور يفيض القلب من الفرح الذي حل بالنفس فالفرح في النفس والسرور ~~تولده في القلب وانتشاره في الصدر ثم يتأدى ذلك من مجمع العروق الذي على ~~القلب إلى العروق التي في الوجوه فتشرب جلده الوجوه من ذلك بمنزلة شجرة ~~شربت عروقها من الماء في أصلها فأدت عروقها إلى الأوراق فنضرت فإذا كان ~~كذلك على أن في الباطن خبرا سارا فعمل ذلك الكلام في قلبه وصدره حتى اختلط ~~بذاته فاختلط بسمعه وشمه وبصره ومخه وجميع جوارحه وهذا لمن استمع قلبه إلى ~~خطابه بأذني قلبه فاستقر فيه علم ذلك وورد العقل على قلبه بنهاء ذلك الخطاب ~~والفهم بمكنون لطائفه والفطنة بكشف الغطاء عن صور تلك ms532 اللطائف فطابت النفس ~~بذلك وازدهرت وأينعت عن الذبول والخمول فمن كان بهذه الصفة فقد ابتشر ~~بالبشرى PageV03P204 # وقوله انتذر بنذيره فإن العبد قد شرهت نفسه من الفرح بأحوالها وبسبب ~~نمائها فقطرت فإذا جاءها الوعيد من الله تعالى ذبلت وسكن تلظي تلك الأفراح ~~فتنغصت عليه حلاوتها وتكدر عليه صفو النعم فظهر في صدره من كدورة دخان ~~الوعيد ومرارة التنغص فتأدى ذلك إلى الوجه فأورثه العبوس فتجده مرة ذا بشر ~~ونضرة ومرة ذا عبوس وكسوف وإذا ورد عليه البشر أقر وجهه بذلك النضرة وظهر ~~البشر وزال عنه الكسوف وإذا ورد عليه الوعيد انكسف القمر الذي بوجهه وانعبس ~~فمن ابتشر ببشير الله وانتذر بنذيره فإنما يفعل ذلك بقلب عامر ومحال أن تجد ~~أحدهما وتفقد الآخر لأن ذلك فعل القلب # قوله وعمل بناسخه وآمن بمنسوخه فالناسخ آية قد أمر الله بالعمل بها وقد ~~كان قبل ذلك أمر بغير ذلك في آية نزلت قبلها والناسخ والمنسوخ بلوى من الله ~~لعبده لينظر أيعبد الله ظاهرا وباطنا أم يعبده في الظاهر ويعبد هواه في ~~الباطن # قال الله تعالى @QB@ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين @QE@ # معناه حتى نعلم من يجاهد نفسه في ذاتي ويصبر عما حرمت عليه وعلى ما ~~افترضت عليه وعلى ما حكمت عليه من الأحوال المكروهة مثل الفقر والذل والبؤس ~~والمرض # ثم قال ^ ونبلوا أخباركم ^ أي أنتم مني مع هذه المجاهدة والصبر أعلى طيب ~~النفوس أم على خبثها وترددها فإذا آمن بالمنسوخ وعمل بالناسخ فهذا عبد ~~منقاد لربه قد ألقى بيديه سلما PageV03P205 # قوله ( اقتصر على محكمه ورد علم متشابهة إلى عالمه ) فالمحكم ما خرج إلى ~~العباد من الحكمة البالغة مثل قوله تعالى @QB@ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ~~عليكم @QE@ وقوله @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه @QE@ إلى قوله @QB@ ~~ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة @QE@ # فأعلم العباد أنه لم يأمر بشيء ولا نهى عن شيء جزافا أمرهم ونهاهم ~~بالحكمة البالغة ms533 # وقد قال قوم من العلماء ليس لأمره ونهيه علة وإنما هو تعبد وليس كما زعم ~~فإنه تعبد لزم العباد العمل به ولكن تيقن أن الله تعالى لم ينه عن شيء ولا ~~أمر بشيء إلا بالحكمة تعالى الله عن الجزاف المهمل عن التدبير والتقدير ~~فتطلب تلك الحكمة في معادنها فإنها تبعثك على إقامة الأمر والنهي # ونحن نذكر صورة نستدل بها وهو أن الله تعالى افترض الصلاة على عباده فرجل ~~أداها تعبدا وآخر طالع الحكمة ببصيرته فوجد العبد موكلا لحفظ الجوارح السبع ~~السمع والبصر واللسان والبطن والفرج واليدان والرجلان بمنزلة عبد وكل بسبعة ~~أغنام لكل شاة منها مرعى على حدة فأمر بأن يرعاها في مراعيها ومتى تردى ~~واحد في جرف تبادر بإخراجه فإن عني بشأنهن ورعايتهن نال الكرامة وإن أهمل ~~ما اكتسب بفعله إلا مقتا وبعدا فهذا المؤمن في غفلاته كالراعي في نفشائه ~~وإنما سمي مؤمنا لأنه إطمأن إلى الله عبودة له واستقر قلبه وسمي مسلما ~~لتسليم جوارححه إليه في أمره ونهيه وعليه الوفاء بذلك إلى يوم لقائه فمتى ~~ما ضيع شيئا من أمره ونهيه دخل في وفاء تسليمه نقص بقدر ما ضيع PageV03P206 # وقد علم الله من العباد أنهم سيخلطون هذا التسليم بتضييع أموره فافترض ~~عليهم القيام بين يديه عبودة وتذللا معتذرين مما ضيعوا فقد قام العبد مقاما ~~جمع جوارحه المنتشرة في مراعيها بين يديه قد أزال سمعه عن الأمور والناس ~~وبصره عن النظر إليهم ولسانه عن خطاب الخلق ويده عن القبض والبسط ورجله عن ~~المشي وبطنه عن الطعام وفرجه عن الاعتمال فهذا من العبد تسليم إلى الله ~~مستقبلا معتذرا بالثناء والركوع والسجود مترضيا له حتى يرجع من عنده على ~~تجديد إسلامه ومزيد من فضل الله ورحمته فعبد أدى فرائضه على هذه الصفة من ~~المطالعة والعلم واليقظة والانتباه وآخر أداها تعبدا وهذا كله مستور عنه ~~فمتى يلحق هذا ذاك # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم إن الرجلين ليكونان في صلاة واحدة في سقف ~~واحد وكما بين صلاتيهما أبعد ما بين السماء والأرض ms534 # فالحكمة موجودة في جميع الأعمال وعللها قائمة لا يعلمها إلا أهلها وهم ~~قوم تخلصت قلوبهم من ظلمة الشهوات وخرجوا إلى البرهان العظيم وإلى النور ~~الأعظم # وأما المتشابه فأسرار الله التي طواها عن العباد وأسرار الرسل التي ~~أفضاها إليهم وطواها عن العباد وأسرار الأولياء التي أفضاها إليهم وطواها ~~عن سائر الموحدين فهذه أشياء قد اشتبه على الخلق لعجزهم عن احتمالها ~~فالمقتصر على محكمه لا يتعدى إلى ما شبه عليه بل يقتصر عنه على المحكم فإن ~~الحاجة به إلى المحكم والمتشابه زينة المحكم طواها الله عن العباد لعجزهم ~~عن احتمالها حتى إذا انكشف PageV03P207 الغطاء وتبحبحوا في دار الملك وزال ~~عنهم رق العبودة وصار الأمر جهرا وزاروا الله في داره طرقهم النظر إليه ~~واحتمال لذة كلامه أفضى إليهم الأسرار التي طواها عنهم قال ابن عباس ( رضي ~~الله عنهما ) : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : @QB@ قال رب ~~أرني أنظر إليك @QE@ فقال : # ( قال يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا ~~تفاق إنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم ) فقد ~~أعلمك سبب عدم الرؤية في دارالفناء وألقى عذره إلى موسى حيث قال @QB@ ولكن ~~انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني @QE@ # فحل بموسى من الصعق ما حل بالجبل من الدك ما حل يعلمه أنه لا يطيقه ~~احتماله ولذلك قال ( تبت إليك ) لأنه سأله ذلك من دار فانية قذرت بالشرك ~~والمعاصي لشفوفه بربه وزلة عقله فلطف الله له إلى أن ألقى إليه عذره في ترك ~~إجابته وألجأه إلى التوبة إذ تبين له حتى فزع إلى التنزيه له وإلى التوبة # وذهب قوم من الغلاة المعطلة إلى أن الله تعالى لا يرى في الدنيا ولا في ~~الآخرة واحتجوا بقوله تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ وزعمت أن هذه صفة ~~من صفاته فلا تنسخ ولا تتغير صفته فيكون في الدنيا بخلاف ما في الآخرة # فلما قيل لهم فمن عطل صفة من صفاته أليس قد انقطع نظام توحيده ms535 لأن العباد ~~وحدوا ربا بجميع صفاته فإذا عطلت صفة فقد PageV03P208 خرجت من توحيده ~~أفتزعمون أنه حين سأل الرؤية انقطع النظام وعطل صفة من صفاته # ففزعوا من هذا القول والتجأوا إلى أن موسى عليه السلام لم يسأل رؤية ~~العين وإنما سأل مشاهدة القلب فلما قيل لهم إن موسى عليه السلام قال @QB@ ~~رب أرني أنظر إليك @QE@ ولم يقل قلبي ينظر إليك وإن كان هذا السؤال للقلب ~~فلم تجلى للجبل قالوا إنما جعل في الجبل آية من آياته فتجلت الآية للجبل ~~يقال له يقول الله تعالى @QB@ فلما تجلى ربه للجبل @QE@ وأنت تقول آية من ~~آياته كفى له بهذا خزيا PageV03P209 # | - * الأصل الخامس والأربعون والمائتان # - * # | في التعوذ من النفاق # عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تعوذوا بالله من خشوع النفاق ) قيل يا ~~رسول الله وما خشوع النفاق قال ( خشوع البدن ونفاق القلب ) # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا ~~يعبث بلحيته في الصلاة فقال ( لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ) # قال أبو عبد الله فخشوع القلب من المعرفة فكلما كان أوفر حظا من العلم ~~بالله والمعرفة بآلائه كان أخشع فأثقال المعرفة حلت بالقلب فأدت القلب إلى ~~ثلاث خشعة وخضعة وذلة فالذلة الحذر والخضعة اللين والخشعة الانكسار ~~والانحناء فهذه صفة القلب # وأما صفة النفس تحت أثقال القلب فلها الخمود مكان ذلة القلب PageV03P210 ~~والانثناء مكان الخضعة والتهافت والتهاتر كالرمل مكان الخشعة كما وصف الله ~~تعالى في كتابه الجبال فقال @QB@ وكانت الجبال كثيبا مهيلا @QE@ أي رملا ~~ينهار ويتساقط # فإذا صارت النفس هكذا فصار القلب كما وصفنا بدءا فقد لزمه اسم الخشوع على ~~الحقيقة وذلك قوله تعالى @QB@ وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا @QE@ # ذهب الصوت وقوة ذرو الكلام وقال تعالى @QB@ ومن آياته أنك ترى الأرض ~~خاشعة @QE@ أي ساقطة هامدة # فمن لم يكن في قلبه تراكم أثقال المعرفة فتخشع بأركانه فذاك نفاق لأنه ~~تماوت وهو ms536 حي فالتماوت مراءاة والرياء نفاق مرة يرائي الله تعالى فيبتغي ~~عنده بذلك جاها ومدحا ومرة يرائي عبيده يبتغي عندهم جاها ومدحا فيتخشع وليس ~~بخاشع ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم # إذا قام العبد بين يدي الله لا يتفرغ للعبث في الصلاة وإنه كما انتصب لله ~~جسده في الظاهر فقد انتصب قلبه في الباطن وكما رمى ببصره في الظاهر حيث يقع ~~من الخلقة فكذلك رمى ببصر قلبه إلى المقام الذي رتب له إن كان من أهل ~~المرتبة وإلا في متعبده إن لم يكن من أهل المرتبة # قال له قائل وأين المراتب # قال الصديقون مراتبهم من العرش على أصنافهم عسكر دون العرش PageV03P211 ~~وعسكر على العرش وعسكر في الملكوت والخاصة في ملك الملك بين يديه فأبصار ~~قلوبهم هناك وأبصار وجوههم في مواقع الخلقة # قيل له وما مواقع الخلقة # قال إن العبد إذا أقام على الخلقة ثم رمى ببصره على الخلقة فأما يقع من ~~الأرض بمكان لو خر ساجدا لوقعت جبهته على تلك البقعة التي لو كان قائما ~~فرمى ببصره لم يتعد تلك البقعة ولم يقصر عنها وإذا ركع فرمى ببصره على ~~الخلقة فإنما يقع على موضع القدمين وإذا سجد فرمى ببصره فإنما يقع على موضع ~~الصدر منه وإذا قعد للتشهد فرمى ببصره فإنما يقع على رأس ركبتيه وطرف فخذيه ~~فهذا كله رمى ببصره حيث وقع ليس فيه تكلف ولا استعمال للبصر وإنما ~~الاستعمال في وقت النظر فهذا رمي خرج من سلطان البصر وليس بنظر والقلب رام ~~ببصره حيث وصفنا من العلى في مراتبهم مراتب الأولياء والصديقين ومن لم يكن ~~من أهل المراتب ففي متعبده بين العزة حيث استقر القرآن في وقت نزوله جملة ~~في شهر رمضان في السماء الدنيا فذاك محل المتعبد فمنها قبلوا القرآن بما ~~فيه من العبودة علم العباد هذه الصفة أو لم يعلموا فإنهم داخلون في هذا ~~الباب كما تجد المسلمين كلهم قد دخلوا في الميثاق يوم استخرجهم من الأصلاب ~~علموا أو لم يعلموا فإنما يجزون ms537 وتجزى أرواحهم ويحقق لهم بذلك الأشياء من ~~التقرب # ووجدنا للصلاة ثلاث مراتب عليها رتب أهل الصلاة وقد ذكرهم الله تعالى في ~~تنزيله فحافظون ومداومون وخاشعون # قال تعالى @QB@ الذين هم على صلاتهم يحافظون @QE@ ^ الذين PageV03P212 هم ~~على صلاتهم دائمون ) وعدهم عليها الكرامة في الجنة فقال تعالى @QB@ أولئك ~~في جنات مكرمون @QE@ # وقال @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ فوعدهم على ~~ذلك الفلاح # والفلاح اسم ينتظم الكرامة والترقي في الدرجات والأخذ من الجنة بغير حساب ~~والأثرة في ذات الله والمحافظة على الوقت والمداومة على استعمال الأركان ~~بحدودها في الصلاة وهو أن لا يلتفت في وقت الانتصاب ولا يتمايل ويسكن ~~أطرافه ولا يستعمل منها شيئا إلا لضرورة وعلة مثل الترواح على إحدى القدمين ~~ومثل حل شيء من جسده لذباب يؤذي أو بعوضة تشغله عن الصلاة فتلك ضرورة أو ~~بزاق أو مخاط فهذه كلها علل يعذر فيها وإذا ركع سوى ظهره لركوعه فيكون ~~مقدمه كمؤخره وإذا سجد خوى وجخى التخوية إعطاء كل مفصل وعضو حظه من ~~الانتكاس للسجود والتجخية توقيا للانبساط ليكون كهيئة الساجدين لا كهيئة ~~المنبطحين على الأرض ببطونهم وصدورهم فإن تلك ضجعة أهل النار على وجوههم ~~فإذا جخى توقى تلك الهيئة وإذا خوى أراد تركيب السجود بعضا على بعض وإنما ~~سمي سجودا لتركيب الأعضاء بعضها على بعض وإذا رفع رأسه من الركوع لم ينحط ~~حتى يفصل الركوع من السجود بقيام كل عضو منه إلى مكانه وإذا سجد فرفع رأسه ~~لم يعد إلى السجدة الأخرى حتى يعود قاعدا كما كان ويرجع كل عضو منه إلى ~~مكانه فذاك إتمام الركوع والسجود وإذا قعد جثا على ركبتيه PageV03P213 ونصب ~~اليمنى منه وافترش اليسرى معتمدا بجلسته عليها فالمداومة على الصلاة ما ~~وصفنا # وأما الخشوع فهو على القلب ومن عنده يبتغي فإذا لم يكن هناك فليس بخشوع ~~إنما هو مداومة فالمحافظة من الخشية والمداومة من الخوف والخشعة من التجلي ~~فإذا خشي القلب حافظ وإذا خاف داوم وإذا خشع فالأركان مستعملة في القبضة ثم ~~يتحول صفات الخشعة على اختلاف ms538 صور الأفعال فيها فأولها خشعة في صورة الأسر ~~ثم من بعدها خشعة الخدمة ثم من بعدها خشعة العبودة ثم من بعدها خشعة الرق ~~ثم من بعدها خشعة الحمد ثم من بعدها خشعة التعلق ثم من بعدها خشعة التضرع ~~والملق من الأمل الفسيح في خشعته لأنه قد جعل إلى ذلك سبيلا للأحباب وقال ~~تعالى في تنزيله @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ # عن المطلب بن أبي وداعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الصلاة مثنى ~~مثنى وتشهد في كل ركعتين وتباؤس وتمسكن وتقع بيديك وتقول اللهم اللهم فمن ~~لم يفعل ذلك فهو خداج قوله تباؤس مأخوذ من البؤس وهو أن تفتقر إلى ربك ~~افتقار من كان ترابا فخلق بشرا والتباؤس والتخشع قريب أحدهما من الآخر ~~والله أعلم وأحكم PageV03P214 # | - * الأصل السادس والأربعون والمائتان # - * # | في ما يقال عند النوم # عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ ~~فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ويمسح بهما ما ~~استطاع من جسده ويبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده ويفعل ذلك ثلاث ~~مرات # وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوذات PageV03P215 وينفث ~~فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده رجاء بركتها # عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا آوى إلى فراشه نفث بكفيه بقل هو الله أحد ~~والمعوذتين ثم يمسح بهما وجهه وعضده وصدره حيث ما بلغت من جسده فلما اشتكى ~~أمرني أن أفعل ذلك به فكنت أقول أعطني كفيك أمسح بهما ببركتهما # قال يونس فكنت أرى ابن شهاب يفعل ذاك إذا آوى إلى فراشه # عن زياد بن سعد أن ابن ms539 شهاب حدثه عن عروة عن عائشة رضي الله عنه قالت كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات فمسح بيديه ~~فلما اشتكى وجعه الذي قبض فيه طفقت أنفث عليه بالمعوذات وأمسح عليه بيديه # قال أبو عبد الله ففي حديث عقيل يخبر أنه بدأ فنفث فقرأ كأنه دل على أن ~~النفث كان قبل القراءة وفي حديث مالك بدأ بذكر القراءة ثم النفث # وفي حديث يونس بدأ بذكر النفث بالقراءة لأنه قال نفث بقل هو الله أحد فلا ~~يكون هذا النفث إلا بعد القراءة وإذا فعل الشيء بالشيء كان ذلك الشيء مقدما ~~حتى يأتي الشيء الثاني فقال في حديث يونس نفث بقل هو الله أحد دل على أن ~~القراءة مقدمة ثم نفث ببركتها لأنه يبتغي من قراءة هذه السور أن يصل إلى ~~الجسد PageV03P216 نورها وبركتها ولا يقدر على الإيصال إلا بمثل هذا وذلك ~~أن العبد إذا قرأ استنار صدره بنور ذلك الكلام الذي يتلوه كل قارئ على قدره ~~فإذا نفث فإنما ينفث من الصدر فالنفث من الروح والنفخ من النفس # وعلامة ذلك أن الروح بارد والنفس حار وإذا قال بف خرجت الريح باردة فذاك ~~من برد الروح وإذا قال هاه خرجت الريح حارة فتلك من النفس فالأولى نفثة ~~وهذه الثانية نفخة وإنما صار هكذا لأن الروح مسكنها في الرأس ثم هي منفث في ~~جميع الجسد والنفس مسكنها في البطن ثم هي منفشة في جميع الجسد وفي كل واحدة ~~منهما حياة بها يستعمل الجسد بالحركات فالروح سماوي والنفس أرضية والروح ~~عادتها الطاعة والنفس عادتها الشهوات فإذا ضم شفتيه اعتصرت الروح في مسكنها ~~فإذا قصد لإرسالها خرجت على شفتيه مع البرد فذاك النفث وإذا فتح فاه ~~فاعتصرت النفس فإذا أرسلت خرجت ريح حارة وإنما جاء الخبر بالنفث لأن الروح ~~أسرع نهوضا إلى نور تلك الكلمات وأوفر حظا من النفس والنفس ثقيلة بطيئة ~~عاجزة فأدى الروح إلى الكفين بذلك النفث ريحا قد باشرت أنوار الصدر التي ~~أنارتها تلك الكلمات وأشعلتها ms540 بما جاء من المزيد فإن في كل كلمة منها نورا ~~وفي كل حرف من تلك الكلمة نورا فإذا صارت الريح إلى الكفين بالنفث مسح بهما ~~وجهه وما أقبل من جسده ثم بعد ذلك حيث ما بلغ من جسده لأن الحق للوجه لأن ~~الصورة فيه ثم الحق من بعد ذلك لما أقبل من الجسد لأن قبالة المؤمن حيث ما ~~كان فهو لقبالة الله وكذلك قلبه في الباطن فالحق له في النفث أن يبدأ ~~بالوجه ثم بما أقبل من جسده وتفاوت النغثات من أهلها على قدر نور قلوبهم ~~وعلمهم بتلك الكلمات فإذا فعل ذلك بجسده عند إيوائه إلى فراشه كان كمن ~~اغتسل بأطهر ماء وأطيبه PageV03P217 # فما ظنك بمن يغتسل بأنوار كلمات الله تعالى وكان ذلك أيضا كثوب نفض من ~~غباره وخلص من شوكه وتباعد من الزهومات فعاد طريا طيبا فخرجت نفسه إلى الله ~~في منامه كذلك هذا سوى الاستغفار والتوبة والتسبيح والدعاء الذي أشار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للأمة عند منامهم وإنما اختار هذه القلات الثلاث ~~لأن في إحداهن مدحة الله تعالى ونعته فبه يطهر وينزه ويطيب وبالمعوذتين ~~يتخلص من الشرك ولأن على ابن آدم عدوين عظيمي المؤنة النفس والشيطان يأتيان ~~بالشك والشرك في اليقظة ويأتيان بالعين الحاسدة التي تهدم أركان النعمة # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العين حق وأكثر من يموت من أمتي ~~بعد قضاء الله بالنفس وإنما صار هكذا لأن هذه الأمة أيدت باليقين وفضلت به ~~وطريقهم إلى الله تعالى واسعة فطولبوا بما فضلوا أن ينسبوا كل شيء ~~يستحسنونه إلى خالقه ويبركوا فيقولوا تبارك الله فإذا تركوا ذلك إعجابا ~~بذلك الشيء تهافت ذلك الشيء وذهب حسنه وهلك # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم حيث سبق ناقة الاعرابي ناقة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حيث استبقا فقال حق على الله أن لا يرفع الناس أعينهم إلى ~~شيء إلا وضعه الله PageV03P218 # وإنما ذم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك العيون الغافلة عن الله تعالى ~~فسماها ms541 حاسدة فقال @QB@ ومن شر حاسد إذا حسد @QE@ # فإنما سمي حاسدا لأنه يحصد الأشياء حصدا ويستأصلها بسوء نظرته العاجزة عن ~~الله تعالى والسين والصاد يعتقبان يجزئ أحدها عن الآخر كقولك صراط وسراط # فإن قال قائل فإن كان هذا الناظر بغفلته هو الجاني فما بال المنظور إليه ~~لحقته العقوبة قيل ليس له ذا عقوبة ولكن هذا تدبير الله تعالى في عباده ألا ~~يرى أن الساحر يسحر بأخذته فيخلص الضرر إلى من سحره حتى يعالج # وكذلك فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزلت عليه المعوذتان فكان ~~جبرائيل عليه السلام يقرأ كل آية ويحل عقدة وذلك قوله تعالى @QB@ ومن شر ~~النفاثات في العقد @QE@ # فالساحر يعقد وينفث فيؤخذ بها أعضاء من يقصده بذلك فكذلك هذا يخلص إليه ~~ضرر نظرته المشوبة بالإعجاب حتى يأخذه # عدنا إلى حديث يونس عن الزهري قلنا فمن اتخذ هذا الفعل عندما يأوي إلى ~~فراشه عادة رأى النفع الظاهر في جسده وسائر أموره لأن النفس تعرج إلى الله ~~في منامها مع البركة والطهارة والنزاهة والتخلص من الشرك بقراءة هذه السورة ~~فتسجد تحت العرش وهي بهذه الصفة قد اغتسلت بهذه الأشياء فتنال من حباء الله ~~وكرامته ما ترجع به إلى الجسد بالخير الكثير والمزيد الشافي وإذا عرجت إلى ~~الله تعالى بغير هذه الصفة سجدت وهي خالية عن هذه الأشياء فينال من الحباء ~~والكرامة على قدره PageV03P219 # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال تعرج الأرواح إلى الله تعالى في ~~منامها فما كان طاهرا يسجد تحت العرش وما لم يكن طاهرا يسجد قاصيا فلذلك ~~يستحب أن لا ينام الرجل إلا وهو طاهر # قال أبو عبد الله فإنما ذكر عبد الله بن عمرو في حديثه الأرواح وإنما هي ~~النفوس وقد يسمي الشيء باسم قرينه كما قيل قلب وفؤاد فالقلب ما بطن والفؤاد ~~ما ظهر وفيه العينان والأذنان والخروج من منامها للنفوس وذلك قوله تعالى ~~@QB@ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى ~~عليها الموت ويرسل الأخرى إلى ms542 أجل مسمى @QE@ # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال إن النفوس تعرج إلى الله تعالى في ~~منامها فما كان طاهرا سجد تحت العرش وما كان غير طاهر تباعد في سجوده وما ~~كان جنبا لم يؤذن لها في السجود # قال أبو عبد الله فإذا كان بطهارة الوضوء ينال القربة تحت العرش حتى يسجد ~~هناك فكيف إذا أتى بطهارة وتوضأ ونزه وطاب وطهر بأنوار كلام الله تعالى ~~التي ترددت في صدره ونفث منها على جسده إن هذه لسجدة لها عند الله خطر عظيم ~~PageV03P220 # | - * الأصل السابع والأربعون والمائتان # - * # | في حسن الخلق # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصوم والصلاة # فدرجة الصوم درجة الصابرين ودرجة الصلاة درجة الشاكرين فإذا وصل العبد ~~إلى درجة الشاكرين والصابرين فقد جمع الإيمان كله وذلك قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الإيمان نصفان نصف للشكر ونصف للصبر # وإذا جمع العبد الإيمان كله انقطع بقوة هذا الإيمان إلى الله تعالى وإذا ~~انقطع إلى الله نجا من شرور النفس وخدعها وأمانيها وصار في معاذ الله من ~~وساوسها PageV03P221 # روى عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من انقطع ~~إلى الله كفاه مؤنته ورزقه من حيث لا يحتسب ) # وبذلك أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال @QB@ واذكر اسم ربك ~~وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا @QE@ # فمن تمسك بهذه الآية عاش حرا كريما ومات حرا كريما ولقي الله تعالى عبدا ~~صافيا خالصا # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث الرؤيا ورأيت رجلا ~~من أمتي بينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأدخله على الله تعالى # فهذا يحقق ما قلنا بدءا إن حسن الخلق يؤديه إلى الله انقطاعا عن النفس ~~وفتنتها وحسن الخلق على ثلاث منازل أول منزلة منها أن يحسن خلقه مع أمره ~~ونهيه ويأمر يأتمر وينتهي عن مناهيه فإذا أحكم ms543 هذا تخطى إلى المنزلة ~~الثانية وهو أن يحسن خلقه مع جميع خلقه على سبيل المساعدة والمقاربة ~~والمساهلة واللين والرفق والمواتاة والمواراة ومعاشرة الجميل فإذا حكم هذا ~~تخطى إلى المنزلة الثالثة وهو أن يحسن خلقه مع تدبير الله تعالى في كل ~~أموره فلا يريد إلا ما يريد الله ولا يشاء إلا ما يشاء الله # فعينه مادة إلى ما يبرز له ساعة فساعة من حجاب الملكوت من تلك الغيوب من ~~تدبيره فيتلقاه مهتشا راضيا وقد ائتمن الله على نفسه وأحوالها فهذا رجل قد ~~استكمل حسن الخلق واستراح قلبه واطمأنت نفسه واستقامت جوارحه وألقى إلى ~~الله بيديه سلما ووجدته كافيا كريما حسنا مولى وناصرا فنعم المولى ونعم ~~النصير PageV03P222 # وإذا قال حينئذ حسبي الله صدقه على عرشه وإذا قال كفى بالله وكيلا كفاه ~~الله وإذا توكل على الله هيأه له وإذا اتكل على كرمه وفى له بما هو سأله ~~ولو كان ذلك طي الأرض والمشي في الهواء ولو سأله يوم القيامة أمة لشفعه ~~فيهم وكان مسكنه في أعلى الجنان يحقق ما قلناه قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من ترك الكذب وهو باطل بني له في ربض الجنة ومن ترك المراء وهو محق ~~بني له في وسطها ومن حسن خلقه بني له في أعلاها # فالذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الدرداء رضي الله ~~عنه إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم وهو عندنا درجة المعاشرة ~~مع خلقه مع الائتمار بأمره والتناهي عما نهى عنه فهذا عبد نزل من حسن الخلق ~~درجتين فصار كمن صام نهاره وقام ليله فهو صابر شاكر وإنما بقيت الدرجة ~~العليا فتلك درجة المنفردين خاصة الله PageV03P223 # | - * الأصل الثامن والأربعون والمائتان # - * # | في الصبر عند المرض # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مرض ~~ليلة فصبر ورضي بها عن الله خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه # قال أبو عبد الله جاد العبد بنفسه على الله ليلة واحدة فجاد ms544 الله عليه ~~بمغفرة طهرته من جميع الذنوب فصار كمن لا ذنب له فهكذا شأن الكريم مع ~~المؤمنين هذا فيمن جاد عليه بليلة فكيف بمن جاد عليه في جميع عمره بماذا ~~يجود عليه يجود عليه غدا بوجهه الكريم حتى يصير بالصفة التي ذكرها في ~~تنزيله عندما ذكر لظى نعوذ بالله منها @QB@ وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله ~~يتزكى @QE@ إلى قوله @QB@ ولسوف يرضى @QE@ أي ابتغى بهذا التقوى والصفاء ~~PageV03P224 والإخلاص أن يلقى وجهه الكريم قلبا ويلقاه غدا في الموقف رؤية ~~ويلقاه في الفردوس نظرا وذلك منتهى المنى # والنظر أكثر من الرؤية لأنه يراه في الموقف رؤية الديان عرضا وقبولا ~~وجزاء وفي الفردوس رؤية الحنان نظرا وبهجة وسرورا ولذة ثم ختمه بقوله @QB@ ~~ولسوف يرضى @QE@ أي يعطى حتى يرضى وإنما يعطى ما يعقل العبد ثم بين وراء ~~ذلك ما لم يعقله # عن جابر بن عبد الله أظنه رفعه قال يقول الله تعالى يا أهل الجنان بقي ~~لكم شيء لم تنالوه فيقولون وما هو يا ربنا فيقول رضواني # فالرضوان آخر ما ينال أهل الجنة لا شيء أكبر منه ذكر الله جنات عدن في ~~تنزيله ثم قال @QB@ ورضوان من الله أكبر @QE@ # فكل عبد من أهل الجنة حظه من الرضوان هناك فيها على قدر جوده بنفسه على ~~الله في الدنيا ألا ترى إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الحديبية حيث بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت وكانت البيعة ~~تحت الشجرة في ذلك الوادي أنزل الله تعالى @QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين ~~إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم ~~فتحا قريبا @QE@ الآية # أوجب لهم الرضاء في بذلة واحدة بذلوا نفوسهم لله تعالى مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فكيف بمن بذل نفسه في جميع عمره لله فمن أوجب الله له ~~الرضاء عنه في الدنيا فحظه في الجنة الرضوان كله PageV03P225 # | - * الأصل التاسع والأربعون والمائتان # - * # | في مسألة التثبيت للميت عند الدفن # عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال كان ms545 رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~دفن ميتا وقف وسأل له التثبيت وكان يقول ما يستقبل المؤمن من هول الآخرة ~~إلا والقبر أفظع منه # قال أبو عبد الله رحمه الله فالوقوف على القبر وسؤال التثبيت للمؤمن في ~~وقت دفنه مدد للميت بعد الصلاة لأن الصلاة بجماعة المؤمنين كالعسكر له قد ~~اجتمعوا بباب الملك فيشفعون له والوقوف على القبر لسؤال التثبيت مدد العسكر ~~وتلك ساعة شغل المؤمن لأنه يستقبله هول المطلع وسؤال وفتنة فتاني القبر ~~منكر ونكير فإنما سميا فتاني القبر لأن في سؤالهما انتهارا وفي خلقهما ~~صعوبة ألا ترى أنهما سميا منكرا ونكيرا فإنما سميا بذلك لأن خلقهما لا يشبه ~~خلق الآدميين ولا خلق الملائكة ولا خلق طير ولا خلق البهائم ولا خلق ~~PageV03P226 الهوام بل هما خلق بديع وليس في خلقهما أنس للناظرين إليهما ~~خلقهما الله تعالى مكرمة للمؤمنين وتبصرة وهتكا لستر المنافق في البرزخ من ~~قبل أن يبعث حتى يحل عليه العذاب وإنما صارت مكرمة للمؤمن لأن العدو لم ~~ينقطع طمعه بعد فهو يتخلل السبيل إلى أن يحيره في البرزخ # ومما يحقق ذلك ما روى سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال حضرت عبد الله بن ~~عمر في جنازة فلما وضعه في اللحد قال بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول ~~الله فلما أخذ في تسوية اللحد قال اللهم أجره من الشيطان ومن عذاب القبر ~~ومن عذاب النار فلما سوى الكثيب عليه قام جانب القبر ثم قال اللهم جاف ~~الأرض من كثيبها وصعد روحه ولقه منك رضوانا فقلت لابن عمر أشيئا سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أم شيئا قلته من تلقاء نفسك قال إني إذا ~~لقادر على القول بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم # عن عمرو بن مرة قال كانوا يستحبون إذا وضع الميت في اللحد أن يقال اللهم ~~أعذه من الشيطان الرجيم فإنما كانوا يتخوفون من فتنة الفتانين من قبل العدو ~~وأنه يشبه على من كان في قلبه زيغ أيام ms546 الحياة فروي عن سفيان الثورى أنه ~~قال إذا سئل الميت من ربك تراءى له الشيطان في صورة فيشير إلى نفسه أي أنا ~~ربك فهذه فتنة عظيمة جعلها الله مكرمة للمؤمن إذا ثبته ولقنه الجواب فلذلك ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بالثبات يقول اللهم ثبت عند المسائل ~~منطقه وافتح أبواب السماء لروحه # فلو لم يكن للشيطان هناك سبيل ما كان ليدعو له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأن يجيره من الشيطان وإنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصة لأن الأمم ~~قبلها كانت الرسل تأتيهم بالرسالة فإذا أبوا كفت الرسل فاعتزلت PageV03P227 ~~وعوجلوا بالعذاب فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بعثه بالرحمة ~~وأمانا للخلق فقال @QB@ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين @QE@ # فأمسك عنهم العذاب وأعطى السيف حتى يدخل في الإسلام من دخل لمهابة السيف ~~ثم يرسخ في قلبه فأمهلوا فمن ههنا ظهر أمر النفاق فكانوا يسرون الكفر ~~ويعلنون الإيمان فكانوا بين المسلمين في ستر فلما ماتوا قيض لهم فتانا ~~القبر ليستخرجا سرهم بالسؤال فروي في الحديث أنه إذا سئل عن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قال لا أدري فيضرب بالمقامع فيقال له لا دريت و @QB@ يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة @QE@ # عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأمة ~~تبتلى في قبورها # وأما قوله ما يستقبل المؤمن من هول الآخرة إلا والقبر أفظع منه فهذا ~~للمؤمن خاصة وأما الكافر فما يستقبله من شيء إلا وهو أفظع من ما مضى لأن ~~المؤمن كلما قرب من ربه تيسر عليه الأمر وكان أقرب إلى الرحمة فإنما يحاسب ~~المؤمن في القبر ليكون أهون عليه غدا إذا وقف بين يديه لأن الله تعالى أنزل ~~عبده المؤمن من نفسه أنه يستحيي منه وأنه أوجب له محبته ورحمته ورأفته فإذا ~~كانت PageV03P228 هذه منزلته منه وكان من العبد جفاء وانتهاك شيء حرمه الله ~~أو اغترار بقول العدو ويستوجب بذلك العقوبة ليرضى الحق أناله ذلك ms547 في القبر ~~ليمحصه فيخرج من القبر وقد اقتص منه وأرضى الحق # عن حذيفة رضي الله عنه قال في القبر حساب وفي الآخرة حساب فمن حوسب في ~~القبر نجا ومن حوسب في القيامة عذب ولذلك ما روي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن أهل التوحيد الذين تأخذهم النار يميتهم الله إماتة حتى تحرق ~~النار منهم ما تحرق ثم يحييهم فينجيهم # عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فلا نعلم ~~الإماتة سببا أكشف عن المعنى من الذي ذكرنا أن الله تعالى بعدما أوجب لعبده ~~محبته ورأفته ورحمته وبذلك جعله أهلا للكلمة العليا لا إله إلا الله وكان ~~ممن دخل اسمه في الآية في التنزيل حيث يقول @QB@ وألزمهم كلمة التقوى @QE@ ~~ثم قال @QB@ وكانوا أحق بها وأهلها @QE@ # فمن دخل اسمه في هذا المديح وفي مثل هذه المرتبة ثم حبسه في النار حقوق ~~الله تعالى حتى يحترق منها ما يرضي الحق كان غير مدفوع أن الله عز وجل ~~يستحيي من العبد فيميته في تلك النار حتى يقضي للحق ما وجب له ويرضيه ثم ~~إذا أحياه أنجاه # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يستحيي من عبده ~~وأمته أن يشيبا في الإسلام شيبة فيعذبهما بالنار وفي حديث PageV03P229 آخر ~~إن الله تعالى ليستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا ~~PageV03P230 # | - * الأصل المائتان والخمسون # - * # | في بر الوالدين # عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال إني رأيت البارحة عجبا رأيت ~~رجلا من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرده عنه # قال أبو عبد الله فبر الوالدين شكر لأنه قال تعالى @QB@ أن اشكر لي ~~ولوالديك إلي المصير @QE@ فإذا برهما فقد شكرهما وقد قال في تنزيله @QB@ ~~لئن شكرتم لأزيدنكم @QE@ # فإنما وجد العبد العمر من ربه في وقت انفصاله من أمه وقد كان في البطن ~~حياة ms548 ولم يكن عمر فلما خرج أعطى العمر بمقدار PageV03P231 # فإذا وصل والديه ببر كان قد وصل الرحم الذي منه خرج والصلب الذي منه جرى ~~وكان في فعله ذلك شاكرا فزيد من ذلك العمر الذي شكر من أجله فرد عنه ملك ~~الموت يوهمك في هذا الحديث أن العباد إذا وصلوا أرحامهم زيد في أعمارهم ~~لأنهم بالصلة صاروا شاكرين فشكر الله لهم ووفى لهم بما وعد في تنزيله فقال ~~@QB@ لئن شكرتم لأزيدنكم @QE@ فزاد في أعمارهم # عن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيد في ~~العمر إلا البر ولا يرد القضاء إلا الدعاء وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب ~~الذي يصيبه # ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوءه فاستنقذه من ذلك # قال أبو عبد الله فعذاب القبر من البول والنجاسات # كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عامة عذاب القبر من البول ~~والنميمة # وإنما صار كذلك لأن البول من معدن إبليس من جوف الآدمي فإذا لم يتنزه ~~العبد من ذلك دخل قبره بنجاسات العدو فعذب في PageV03P232 القبر وعذاب ~~المؤمنين في البرزخ وعذاب الكفار في القيامة جعل الله هذا الماء طهورا يطهر ~~نجاسات الدنيا وأدناس الذنوب فإذا كان العبد مداوما على الوضوء فهو أبدا في ~~إزالة الأدناس ونفض الغبار عن دينه وإذا كان يوم البرزخ وجاء العذاب عذاب ~~الأدناس التي اكتسبها بالسيئات جاءه وضوءه فاستنقذه من العذاب # عن ميمونة رضي الله عنها إنها قالت يا رسول الله أفتنا عن عذاب القبر قال ~~من أثر البول فمن أصابه منه شيء فليغسله بماء فإن لم يصبه أو يجده فليمسحه ~~بتراب طيب # قال أبو عبد الله رحمه الله فالغسل لما يعلمه فإذا خفي عليه أن يكون ~~أصابه شيء وخاف من حيث لا يدري وهابه ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من شأن عذاب القبر دله على التيمم وذلك أن الجهل به ضرورة وفقد الماء ~~ضرورة وقد تفضل الله عز وجل على عبيده ms549 عند فقد الماء بالتيمم فصير طهورا ~~فكذلك في حال الشك والتخوف # عن جابر رضي الله عنه قال لما توفي سعد بن معاذ رضي الله عنه ووضع في ~~حفرته سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبح القوم ثم كبر وكبر القوم معه ~~فقالوا يا رسول الله مم سبحت قال هذا العبد الصالح لقد تضايق عليه قبره حتى ~~فرجه الله عنه فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال كان يقصر في ~~بعض الطهور من البول PageV03P233 # ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم # قال أبو عبد الله فالشيطان وجنوده قد أعطوا السبيل إلى فتنة الآدمي ~~وتزيين ما في الأرض له طمعا في غوايته وقد قال @QB@ بما أغويتني لأزينن لهم ~~في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ # فلو لم يجعل بيده شيء ما قدر على أن يزين ولكن قد أعطي سلطانا بتلك ~~الزينة التي أعطيها حتى يوصلها إلى النفوس ويهيجها تهييجا يزعزع أركان ~~البدن ويستفز القلب حتى يزعجه عن مستقره فلا يعتصم الآدمي بشيء أوثق ولا ~~أحصن من الذكر لأنه إذا هاج الذكر من القلب هاجت الأنوار فاشتعل الصدر بنار ~~الأنوار وهيج العدو من نفسه نار الشهوات بنفثه ونفخه ونار الأنوار تحرق نار ~~الشهوات وتحرق العدو فإذا رأى العدو هيج الذكر من القلب ولى هاربا ويترك ~~النفخ والنفث وخمدت نار الشهوة وامتلأ الصدر نورا فبطل كيده وذلك قوله ~~تعالى @QB@ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا @QE@ # وقال جل اسمه في التنزيل @QB@ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ~~وحفظا من كل شيطان مارد @QE@ وقال @QB@ إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ~~@QE@ # فهذه قصة السماء حرسها بشهب الكواكب ثم جعل صدور المؤمنين PageV03P234 ~~كذلك فجعل قلب المؤمنين خزانة لكنوز معرفته وجعل أعلام الكنوز في الصدر ~~مرفوعة لعين الفؤاد حتى يؤم عين الفؤاد العلم الذي رفع له في كل وقت علم ~~لأن الكنوز أنواع ولكل نوع علم فإنما يرفع العلم في الصدر لعين الفؤاد ms550 حتى ~~يتبع العلم فالأعلام زينة الصدر ومصابيحه فهؤلاء حراس السماء يحرسون أخبار ~~السماء حتى لا يسترق العدو سمع ما في السماء فإذا دنوا للسمع رموا بشهب ~~الكواكب وهؤلاء حراس الخزنة يحرسون كنوز المعرفة حتى لا يسترق العدو سمع ما ~~في الصدر تراءى لعين الفؤاد وتدبير ذات الصدور فإذا هاج الذكر فإنما يهيج ~~من هذه الأعلام التي في الصدر من تلك الكنوز التي في القلب فاشتعل القلب ~~نورا ولكل شعلة حريق فإن تراءى العدو في ذلك الوقت أحرقته تلك الشعلة يرمي ~~بشعاعها ويهرب العدو ويتخلص العبد فعلم العدو أن لله عبادا قد امتحنهم ~~للتقوى واستخلصهم للكرامة واستثناهم فقال @QB@ إلا عبادك منهم المخلصين ~~@QE@ # فإنما استخلصهم الله بالذكر فأصفاهم ذكرا وأطيبهم معدنا للذكر أقواهم على ~~العدو والعدو أشد نفارا منهم # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان ليفر من حس عمر وما ~~رأى الشيطان عمر إلا خر لوجهه # وقال تعالى في تنزيله @QB@ الوسواس الخناس @QE@ # فإنما سماه خناسا لأنه إذا جاء الذكر انخنس وذهبت قوته وإن تعرض في ذلك ~~الوقت احترق # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحيى بن زكريا عليهما السلام ~~PageV03P235 أمر بأن يأمر قومه بخمس خصال ويضرب لهم مثلا فقال رجل أتى ~~العدو من ناحية فقاتله فلما رأى أنهم أتوه من النواحي دخل الحصن وأغلق بابه ~~فاستقر آمنا في الحصن وبقي العدو خارجا # فالعبد إذا قاتل الشيطان بنوع من أنواع البر جاءه من نوع آخر فإذا جاء ~~الذكر هرب وتركه لأن للذكر نورا يحرق وليس لأعمال البر تلك القوة التي ~~يحترق منها العدو # ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من ~~أيديهم # قال فالعذاب إنما يقصد العبيد الاباق الذين هربوا وذهبوا برقابهم من الله ~~وأهل الصلاة كلما أبقوا عادوا إلى الله في وقت كل صلاة فوقفوا بين يديه ~~تائبين نادمين معتذرين مسلمين نفوسهم مجددين لإسلامهم يقرضونه بالتكبير ~~والتسبيح والتحميد والتهليل والركوع والسجود والرغبة والضرع إلى الله في ~~التشهد فسقطت عنهم عيوب إباقهم ms551 وهربهم وزالت عنهم العقوبات التي استوجبوها # ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما ورد حوضا منع فجاءه صيامه فسقاه ~~وأرواه # قال أبو عبد الله فهذا عبد اتبع هواه وأمعن في شهواته حتى بعد من الرحمة ~~فإذا بعد القلب من الرحمة عطش وإذا عطش يبس وإذا يبس قسا ولذلك قال @QB@ ~~فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله @QE@ وقال @QB@ ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ~~فهي كالحجارة أو أشد قسوة @QE@ PageV03P236 فبالرحمة يرطب القلب ويروى ~~وببعده من الرحمة يعطش فأورثه عطش القلب عطش يوم القيامة حتى رآه النبي صلى ~~الله عليه وسلم في منامه في القيامة في تلك الحالة فإذا ترك العبد إتباع ~~الهوى وامتنع من الشهوات عادت الرحمة إليه فروي لأن برد الرحمة يسكن حرارة ~~الشهوة التي تؤدي إلى العطش والصيام هو ترك الشهوات والمنى ورفض الهوى ~~وإنما جعل الحوض حوض الرسول غياثا لأهل الموقف لأنهم يقومون عطاشا من ~~قبورهم لأنهم دخلوها مع الهوى والشهوات لم يفارقوها إلا بمفارقة الروح ~~وخروج النفس فخرجوا من الدنيا عطاشا فاحتاجوا إلى الحوض ومن خرج من الدنيا ~~وفارق الهوى والشهوات سكن عطشه وروي برحمة الله من قرب الله فدخل القبر ~~ريان وخرج منها إلى الله يوم القيامة ريان من كل ماء عطشان إلى الله فأولئك ~~الذين يسقون قبل دخول الجنة حتى يرووا من حيث عطشوا # روي عن مالك بن دينار أنه قال ينادي مناد يوم القيامة أين أهل العطش فأول ~~من يقوم داوود عليه السلام فيسقي على رؤوس الخلائق فذلك قوله تعالى @QB@ ~~وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب @QE@ # وإنما خص داوود عليه السلام بذلك لأن الخطيئة عطشه فهو وإن تاب وقبلت ~~توبته وغفر الله له فذلك العطش باق إلى ذلك اليوم # ورأيت رجلا من أمتي والنبيون قعود حلقا حلقا لما دنا إلى حلقة طرد فجاءه ~~اغتساله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي # قال أبو عبد الله فالجنابة إنما سميت جنابة لأن الماء الذي جرى من صلبه ~~قد كان جاور في الأصل مياه الأعداء في ظهر آدم ms552 عليه PageV03P237 السلام ) ~~فأصابته زهومة تلك المياه بجواره وممره من الصلب إلى مستقر العدو في الجوف ~~ومستقره من المعدة إلى موضع الحدث هو كله معدنه وإذا خرج من العبد في يقظته ~~أوجب غسلا وإذا خرج في منامه حلما أوجب غسلا وإذا أخرج منه عند خروج الروح ~~منه يوم الموت أوجب غسلا بعد الموت ولذلك يغسل الميت ولا يصلى عليه حتى ~~يغسل كما كان الحي لا يجزيه الصلاة إلا بعد الغسل والغسل تطهير من أثر ~~العدو والجنب ممنوع من قراءة القرآن ومن أن يمسه بيده ومن أن يتخذ المساجد ~~مجلسا لأن الطهارة مفقودة وآثار العدو موجودة فإذا كان هكذا فهو ممنوع من ~~حلق النبيين ومجالسهم في الموقف لأن حلقهم في الموقف على مراتب فالرسل ~~مراتبهم معلومة والأنبياء دونهم كل صنف على مرتبته فهذا الجنب لو لم يكن ~~يغتسل في الدنيا لمنعه فقد طهارته عنهم فلما اغتسل في الدنيا صارت منزلته ~~بطهارته بحيث صلح وجاز أن يقعد إلى سيد الرسل صلى الله عليه وسلم ولما كان ~~أصل الجنابة من الفرج وجد المغتسل السبيل إلى أصل الفرج وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم # ورأيت رجلا من أمتي من بين يديه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن ~~فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من ~~الظلمة وأدخلاه النور # قال أبو عبد الله رحمه الله قد وعد الله تعالى في تنزيله في شأن الحج حط ~~الآثام عنه فقال @QB@ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم ~~عليه @QE@ # أي يرجع مغفورا له قد سقط عنه الآثام فتلك الظلمات كانت آثام العبد فإذا ~~قضى حجه وفى الله له بما وعد PageV03P238 وأما العمرة فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم روي عنه أنه قال العمرة الحج الأصغر # ورأيت رجلا من أمتي يكلم الناس ولا يكلمونه فجاءته صلة الرحم وقالت يا ~~معاشر المسلمين كلموه فكلموه # قال أبو عبد الله فالرحم أصل المؤمنين كلهم فمن تمسك بصلته فقد أرضى ~~المؤمنين كلهم ms553 ما بينه وبين آدم عليه السلام ومن تهيأ له صلة الرحم تهيأ له ~~إرضاء المؤمنين كلهم ومن كان قاطعا للرحم آيس المؤمنون من خيره ولذلك ما ~~روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الرحمة لا تنزل على قوم ~~فيهم قاطع رحم # قال وإنما صار هكذا لأن الرحمة منقطعة عنه وهو في سخط الله وإن الله خلق ~~الرحم بيده وشق لها اسما من اسمه فقال أنا الرحمن وأنت الرحم خلقتك بيدي ~~وشققت لك اسما من اسمي # ثم أرسل حواشي قميص الرحمة من العرش ليتعلق الخلق بها فمن وصل الرحم فقد ~~تعلق بحاشية القميص ومن قطعها قصرت يده عن حاشية القميص فانقطع عن رحمة ~~الله ولم يبق له إلا رحمة التوحيد فهذا الواصل للرحم كان رجلا قد عمل ~~السيئات الكثيرة وضيع الحقوق وحسن سيرته في هذه الخصلة الواحدة فلما وصل ~~الرحم نالت يده حواشي القميص فتعلق بها فنال الرحمة فجاءته الصلة فأخبرت ~~المؤمنين في القيامة كلموه معناه أنه دخل في رحمة الله التي يرحم بها ~~المؤمنين وصاروا كلهم له بعد أن كانوا عليه PageV03P239 # ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه فجاءته صدقته ~~فصارت سترا على وجهه وظلا على رأسه # قال أبو عبد الله رحمه الله فالصدقة إنما صارت سترا للمؤمنين من النار ~~لأنه إذا تصدق فإنما يفدي نفسه ويفل غرامة جنايته # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحيى بن زكريا عليهما السلام ~~أمر قومه بالصدقة فضرب لها مثلا فقال كمثل رجل قتل قتيلا ثم هرب فسأله ~~أولياؤه أن يجعلوا دية القتيل عليه نجوما ففعلوا لوا فأداها نجما نجما ففك ~~رقبته وصار إلى أهله مطمئنا فالنار إنما تطلب وجوه الجفاة في الموقف ~~لتلفحها فإذا أدى الجاني غرمه صار الأداء سترا على الوجه وظلا على الرأس ~~وهكذا شأن الفدية تأخذ بالحذاء ومن فوق فتقيك بنفسها من كل ناحية # ورأيت رجلا من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان فجاءه أمره بالمعروف ~~ونهيه عن ms554 المنكر فاستنقذاه من أيديهم فأدخلاه مع ملائكة الرحمة # قال أبو عبد الله رحمه الله فالزبانية شرط الملائكة والشرط لمن جاهر ~~بالمعاصي من أهل الريب يلتمسونهم في الطرق والمسالك ليأخذوهم فمن استتر ~~بستر الله وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو وإن استعمل أعمال أهل الريب ~~بعد أن يكون مستورا لا ينتهك فالشرط في الدنيا منتهون عن أخذه غير ملتمسين ~~أشباه هؤلاء لحرمة ذلك الستر فكذلك في الآخرة إذا طلبت الزبانية في عرصة ~~القيامة أهل المجاهرة بالمعاصي فوقع هذا المستور في أيديهم نفعه ذلك النهي ~~PageV03P240 عن المنكر والأمر بالمعروف وكل من عمل المعاصي في الدنيا سرا ~~لا يجاهر به فكائن منه أن ينهى عن المنكر إذا لقيه وإذا فعل ذلك كانت ~~ملائكة الرحمة أحق به من ملائكة العذاب ومن استحقته ملائكة الرحمة من ~~الموقف فقد نجا # ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه ~~فأخذ بيده فأدخله على الله تعالى # قال أبو عبد الله رحمه الله ينبئك في هذا القول أن العبد تحجبه ذنوبه عن ~~الله في الدنيا قلبا وفي الموقف غدا بدنا وإن حسن الخلق منيحة من الله ~~لعبده لأن الأخلاق في الخزائن فإذا أحب الله عبدا منحه خلقا منها ليدر عليه ~~ذلك الخلق كرائم الأفعال ومحاسن الأمور فيظهر ذلك على جوارحه فيزداد العبد ~~بذلك محبة توصله إليه في الدنيا قلبا وفي الآخرة بدنا وحب الله عبده يمحق ~~الذنوب محقا ويتركه من آثامه عطلا وإذا أحب الله عبدا أهدى إليه خلقا من ~~أخلاقه وإذا رحم الله عبدا أذن له في عمل من أعمال البر فهذه ثمرة الرحمة ~~وتلك ثمرة المحبة # ورأيت رجلا من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله فأخذ ~~صحيفته فجعلها في يمينه # قال أبو عبد الله رحمه الله فأعظم الأهوال في القيامة في ثلاثة مواطن عند ~~تطاير الصحف وعند الميزان وعند الصراط وذلك قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيما روي عنه أنه قال لا يذكر أحد ms555 أحدا في هذه المواطن فإذا وقعت ~~الصحيفة بيمينه أمن وبانت سعادته قال الله تعالى في تنزيله @QB@ فأما من ~~أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا @QE@ ~~PageV03P241 # عن الحسن رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال ربكم ~~تبارك وتعالى لن أجمع على عبدي خوفين ولن أجمع أمنين من أخفته في الدنيا ~~أمنته في الآخرة # فمن قاسى خوفه في الدنيا أوجب له الأمن يوم القيامة فإذا جاءه الهول عند ~~تطاير الصحف جاءه ذلك الخوف فنفعه بأن جعل صحيفته في يمينه حتى يأمن # ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه فجاءته إفراطه فثقلوا ميزانه # قال أبو عبد الله فالأفراط أولاده الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم فإنما ~~ثقل ميزانه لأنهم أطفال موحد قدموا على ربهم بلا شرك ولا ذنب فدبر الله ~~خلقهم من صلب موحد فبهم صار من أهل رحمة الله وإنما يثقل الموازين بالرحمة # وقال في حديث آخر من مات له ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحلم أدخله الله ~~الجنة بفضل رحمته إياهم # والموازين تثقل بالحسنات ومن أحسن الحسنات ذرية يخرجها الله من صلب موحد ~~ثم يقبضهم لم يتدنسوا بمعصية # ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ~~ذلك ومضى # قال أبو عبد الله الوجل هو في وقت انكشاف الغطاء لقلب المؤمن وهو خشية ~~العبد وإن جهنم حائلة بين العباد وبين الجنة حتى يضرب PageV03P242 الجسور ~~ويهيأ القناطر فعندها يستبين الصراط وهو الطريق لأهله فالخلق كلهم على شفير ~~جهنم وقوف هائبون لها فوجل العباد يجعل لهم السبيل ليقطعوها لأن الخشية ~~ثوابها المغفرة قال تعالى @QB@ إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة @QE@ # والمغفرة نورها ساطع وهو نور الرأفة فإذا جاءت الرأفة وجل العبد قلبا ~~وذهبت الحيرة وتشجعت النفس فمضت # ورأيت رجلا من أمتي قد هوى في النار فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله ~~في الدنيا فاستخرجته من النار # قال أبو عبد الله هذا عبد استوجب النار بعمله فأدركته رحمة الله ببكائه ms556 ~~من الخشية فأنقذته لأن دمعة الخشية تطفئ بحورا من النيران # ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة فجاءه حسن ظنه ~~بالله فسكن رعدته ومضى # قال أبو عبد الله رحمه الله حسن الظن من المعرفة بالله وعظم رجاء العبد ~~وأمله لربه من المعرفة فلم يضيع الله معرفة العبد لأنه هو الذي من عليه بها ~~فلم يرتجع في منه ووفى له بأن أعطاه حسن الظن في الدنيا من تلك المعرفة ~~الممنون بها عليه ثم حقق ظنه في ذلك الموقف أي كما عرفتني ثم ظننت من ~~معرفتك أني أنجيك فلك النجاة والأمان فسكن رعدته # ورأيت رجلا من أمتي يرجع أحيانا ويحبو أحيانا ويتعلق أحيانا فجاءته صلاته ~~علي فأخذته فأقامته ومضى على الصراط # قال أبو عبد الله رحمه الله الصلاة على الرسول من العبد بنوة PageV03P243 ~~لأبيه يريد أن يرى أباه مقام الولد للأب ولذلك أمر الله العباد أن يصلوا ~~عليه فذاك حق للرسول يقضونها بمنزلة الأولاد يقضون حقوق آبائهم وإذا كان ~~الولد هكذا فمن شأن الوالد أن يأخذ بيد الولد في وقت عثراته فيقيمه فصارت ~~صلوات العباد للرسول صلى الله عليه وسلم بمنزلة ذلك # ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته ~~شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة # قال أبو عبد الله رحمه الله فهذه كلمة جعلت مفتاحا لأبواب الجنة وإنما ~~غلقت دون هذا العبد كأنه جاء بمفتاح ليس له أسنان وقد نجد في الدنيا أن يجئ ~~الرجل بمفتاح الباب وقد ضاع بعض أسنانه فلا يزال يردده ويحركه حتى يفتحه ~~وإذا لم يكن بيده مفتاح لم يفتح فهذا عبد قد ضيع الأسنان فأغاثه الله بما ~~جاء به # وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤمنين يدعون من أبواب ~~الجنة وأن أبوابها مقسومة على أعمال البر فباب للصلاة وباب للصيام وباب ~~للصدقة وباب للحج وباب للجهاد وباب للأرحام وباب لمظالم العباد وهو آخرها ~~فهذه سبعة أبواب مقسومة على أعمال ms557 العباد برا وكذلك أبواب النيران مقسومة ~~على أعمال أهلها لكل باب منهم جزء مقسوم وباب للجنة زائد لأهل الشهادة يسمى ~~باب التوبة فأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه هذه الرؤيا ليعلم ~~العباد قوة هذه الأفعال التي ذكرها من العبيد أيام الدنيا ماذا لكل نوع من ~~هذه الأعمال من القوة هناك في الموقف وفي أي موطن ويؤيده ليعلم العباد ~~أجناس هذه الأفعال ليكثر منها كي إذا استقبله أهوال القيامة وتارات الموقف ~~نسأله عونها وقوتها PageV03P244 # | - * الأصل الحادي والخمسون والمائتان # - * # | في وصف مشي الرسول صلى الله عليه وسلم # عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب # وعن هند بن أبي هالة الكندي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطو ~~تكفئا إذا مشى كأنما يخط من صبب # عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ~~يتوكأ على شيء # قال أبو عبد الله فالمشي بالقلب ومن القلب يتأدى قوة المشي إلى الساقين ~~ألا ترى أن القلب إذا فزع وارتاع وقع القائم وذهبت رجلاه والسكران إذا غاب ~~ذهنه وعقله عن قلبه استرخت رجلاه فاختلفتا وربما وقع فإذا ثاب إليه عقله ~~وذهنه قوي ذلك لتعلم أن قوة جميع PageV03P245 الأركان بالقلب إذا كان الذهن ~~والعقل معه فكان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشحونا بكنوز المعرفة ~~شحن السفينة إذا أثقلت حتى غابت في الماء إلى منطقتها وكانت كنوزه على ~~صنفين عن اليمين أسرار الله وعن اليسار سمات الله فالرحمة مع الأسرار والحق ~~مع السمات وحب الله أمامه جؤجؤ السفينة وشوق الله له شراع سفينته وفرحه به ~~رياح الأفراح فكان إذا مشى مالت به الصنفات فمرة أثقال أسرار الله تميل به ~~ومرة أثقال سمات الله تميل به فإذا استقر قائما على المنبر أو قاعدا في ~~مجلس استقرت به أثقال الحب وإذا هبت رياح الأفراح وهاج الشوق قام إلى ~~الصلاة فقرت ms558 عينه فذلك قوله ( حبب إلي الصلاة وقيل لي خذ منها ما شئت وإن ~~الله جعل قرة عيني في الصلاة ) # فأثقال الأسرار مطوية عن الخلق إلا عن أهل جذبت الله الذين أدرجهم بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وجعلهم قرة عينه فسار بهم على طريقه وجعل سقياهم من ~~مشربه ومرعاهم من ملك الملك بين يديه على مائدته تلك ضيافة محمد صلى الله ~~عليه وسلم لقرة عينه في عرس الله وهو بدء الربوبية وبدء التدبير وتلك حكمة ~~الله وأثقال السمات حشو ما في الأمثال العليا والأسماء الحسنى فتلك حكمة ~~الخلق والحق موكل بهذه والرحمة العظمى منهضة بتلك فصار هذا القلب كسفينة ~~موقرة من كنوز المعرفة مشحونة بعلم الله محفوفة بآلاء الله تجري في بحر غيب ~~الله وهو بحر الذكر وهو ذلك البحر الذي من شرب منه شربة نسي نفسه ولم يلتفت ~~إليها إلى يوم اللقاء وهبوب رياح أفراح PageV03P246 الله قد هبت في شوق ~~الله إلى عبده ورفعت السفينة بما فيها من الكنوز وميلانها مرة هكذا ومرة ~~هكذا فالحق يمسكها عن الانقلاب من جانبه والرحمة تمسكها عن الانقلاب من ~~جانبها والعدل على كوثل السفينة يستقيم بسيرها بمجدافها ومجدافه مشيئة الله ~~تعالى فلولا المجداف لكان الشراع ورياحها تطير بها فتضرب بها صخرة حتى ~~تنكسر وتغرق أو تقذف بها إلى جزيرة يابسة فتلقيها على الأرض لوحا لوحا ولكن ~~المجداف الموكل به على كوثلها يستقيم بصدرها والحب غالب على الأشياء التي ~~في قلب المؤمن فلولا الثبات من الله تعالى بالمشيئة لطار الحب به كل مطير ~~ورمى به في واد قعير ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ ولولا أن ثبتناك لقد كدت ~~تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات @QE@ # فانظر أي وعيد هذا فإنما هاج من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الحب ~~لله حتى حرصه على دخولهم في الإسلام فأجابوه إلى الدخول في الإسلام على ~~شريطة أن لا يركعوا في صلاتهم وأن يتركهم حتى يتمتعوا باللات سنة فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms559 يكاد يحترق من الحب لله فيحرص على دخولهم في ~~الإسلام فلما جاءوا بهذه الكلمة وهم ثقيف أهل الطائف وجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من هذه الكلمة وجدا شديدا واشتعل نارا ودعا بوضوئه كالمتبرد ~~حتى قال عمر رضي الله عنه أحرقتم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرق الله ~~أكبادكم # وإنما احترق رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنهم طمعوا فيه أن ~~يجيبهم إلى ذلك لما رأوا من رفقه وعطفه وسروره بمجيئهم بعد أن كان قد ~~حاصرهم شهرا فهال رسول الله صلى الله عليه وسلم طمعهم فيه وخاف أن ~~PageV03P247 يكون قد أفرط في تعظيم مجيئهم وأنزل الله تعالى @QB@ وإن كادوا ~~ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا ~~أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم @QE@ # فلم ينسبه إلى أنه هم بالركون أو مال إليهم بل أعلمه أن الثبات هو الذي ~~عصمه يعلمه أن حبه هذا يهيج حرصه حتى تجد النفس السبيل إلى القلب فيشاركه ~~في المحبة لأن الحب في القلب والحرص في النفس فلولا التثبيت لأفتتن فأعلمه ~~المنة عليه بالعصمة وإن خطر الحب عظيم وأنه يسبي القلب فإذا لم يكن له ثبات ~~ذهبت قوة القلب فطارت به لغلبة الفرح الذي في الحب بمنزلة السفينة التي ~~طارت فصدمت بها جبلا فتكسرت قطعة قطعة وتبددت كنوزه في بحر الغيب غرقا فلا ~~حق بقي ولا رحمة PageV03P248 # | - * الأصل الثاني والخمسون والمائتان # - * # | في أن الأشربة من خمس # عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الأشربة من ~~خمس من الحنطة والشعير والتمر والزبيب والعسل فما خمر فهو خمر ) # قال أبو عبد الله رحمه الله قوله ( الأشربة من خمس ) أي هذه أشياء ينبذ ~~عليها الماء فيستخرج بالماء ما فيهن من القوة # قوله فما ( خمر فهو خمر ) يعني إذا تركته نيا على هيئته التي خرج فلم ~~تأخذ قوته بالنار فشربته خالطت القوة التي فيها قوة العدو التي أعطي فإنه ~~موكل بما أعطي من هذه الأشربة فإذا تركتها ms560 بقوتها جاء العدو بما بيده فخلطه ~~بها ثم وجد السبيل إلى المعدة بنصيبه فإذا دخل الجوف خمر القلب أي غطاه ~~وحال بين القلب والعقل لأن العقل في الرأس وشعاعه في الصدر والتدبير للعقل ~~مع القلب PageV03P249 في الصدر لأن عين الفؤاد في الصدر وشعاع العقل يشرق ~~من الصدر فبذلك الإشراق يهتدي القلب إلى ما حسن وقبح وإنما نزل القرآن ~~بتحريم الخمر والخمر اسم لما خمر الفؤاد أي يغطيه ويحول بينه وبين شعاع ~~العقل وكل شراب كانت فيه هذه الصفة فقد لزمه اسم الخمر ولزمه التحريم # ولذلك قال عمر رضي الله عنه الخمر ما خمر العقل أي غطاه ولذلك قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( كل مسكر خمر وكل خمر حرام ) المسكر هو المفعل ~~للسكر والسكر سد العقل ومنه يقال لسد النهر سكر ومنه قوله تعالى @QB@ سكرت ~~أبصارنا @QE@ أي سدت # فالماء جار في النهر فإذا ألقيت في بعض طريقه كيسا من التراب وغيره بقي ~~الماء إلى حيث انتهى فصار ما سفل من الكيس في بطن النهر خاليا فكذلك العقل ~~قراره في الدماغ ثم شعاعه جار إلى الصدر إلى عيني الفؤاد لتدبير الأمور ~~وتمييز الحسن والقبيح والضر والنفع فإذا شرب هذا الشراب ولم يكن أخذ قوته ~~بالطبخ فالعدو منه بنصيبه يخلص إلى الصدر برجاسته ونجاسته فإذا وقعت هذه ~~النجاسة والظلمة في هذا الطريق بين عيني الفؤاد والرأس صار سدا فيبقى الصدر ~~مظلما وما وراء السد ما يلي الرأس مضيئا مشرقا لا ينتفع بذلك عينا الفؤاد ~~فيبقى الصدر خاليا كما بقي النهر ويبقى عينا الفؤاد في ظلمة ما جاء به ~~العدو فسمى ذلك في النهر سكرا بفتح السين PageV03P250 وسمى هذا سكرا بضم ~~السين فمن أجاز طلاق السكران وفرق بينه وبين المعتوه والمجنون والصبي فلأن ~~السكر سد والعقل وراء السد قائم وهو حجة الله تعالى على العبد لوجوب ~~الأحكام عليه والصبي لم يعط عقل الحجة وهو تمام العقد الذي به يقوم حجة ~~الله وعلامته أنه إذا تم فحرارة ذلك النور تؤدي إلى الصلب فيخرج ms561 منه الماء ~~الذي يوجب الغسل إما بحلم أو بجماع فلذلك صيروا الحلم علامة الإدراك وجرى ~~الحكم عليه لأن العقل قد تم وقبل ذلك كان صغيرا لا يحتمل دماغه ذلك العقل ~~وأما العتاهة فهو التحير وهو أن يهيج من المرة ما يتأدى إلى الدماغ فيفسد ~~العقل ويخالطه فليس هناك عقل يقدر أن يعمل شيئا لأنه قد خالطه وكذلك الجنون ~~هو من المرة فكل ما ستر العقل من داء فذاك يخالط العقل ويفده وما كان من ~~شراب فإن ذاك سد ظلمة من رجاسة العدو والعقل من ورائه على هيئته لم يخالطه ~~شيء إلا أنه متمكن لانسداد الطريق وقد يكون هذا السد سدا رقيقا وسدا كثيفا ~~فربما عمل بعض عقله من خلال ذلك السد ألا ترى أنه يعقل شيئا ولا يعقل شيئا ~~لأن العقل بمكانه لم يخالطه شيء وفي حال الجنون خالط العقل ذلك الداء لأنه ~~خلص إلى الدماغ وأما الصبي فإنه لم يعط تماما وهو يزاد قليلا قليلا باللطف ~~حتى يبلغ من السن ما يحتمل ذلك وجد العقل مكانا ينفسخ فالذي فرق بين طلاق ~~السكران وطلاق المعتوه والمجنون والصبي إنما فرق لهذا وأما اللذين لم ~~يجيزوا طلاقه فإنما نظروا إلى افتقاد القلب العقل فإذا افتقده لم يلزموه ~~شيئا من الأحكام لأنه إنما تقوم الحجة بالعقل PageV03P251 # | - * الأصل الثالث والخمسون والمائتان # - * # | في أن القرآن مثله كجراب فيه مسك # عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعثا وأمر عليهم أميرا منهم هو أصغرهم فلم يسيروا فلقي النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجلا منهم فقال يا فلان ما لك أما انطلقتم قال يا رسول الله أميرنا ~~يشتكي رجله فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم أو بعث إليه فقال ( بسم الله ~~وبالله وأعوذ بعزة الله وبقدرته من شر ما فيها ) سبع مرات فبدأ الرجل ~~فقالوا له يا رسول الله أتؤمره علينا وهو أصغرنا فذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم قراءته للقرآن فقال يا رسول الله لولا أني أخاف أن ms562 لا أقوم به فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن القرآن مثله كجراب فيه مسك قد ربط فيه فإن ~~فتحته فاح ريح المسك وإن تركته كان مسكا موضوعا مثل القرآن إن قرأته وإلا ~~فهو في صدرك PageV03P252 # عن أبي أمامة رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم ( قال لا ~~تغرنكم هذه المصاحف المعلقة إن الله تعالى لا يعذب قلبا وعى القرآن ) # عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لو ~~كان القرآن في إهاب ما مسه النار ) # قال أبو عبد الله من حرمة القرآن أن لا تمسه إلا طاهرا وأن تقرأه وأنت ~~على طهارة وأن تستاك وأن تتخلل وتطيب فإن هذا طريقه وأن تستوي قاعدا إن كنت ~~في غير صلاة ولا تكون متكئا وأن تتلبس له كما تتلبس للدخول على الأمير لأنك ~~مناج وأن تستقبل القبلة بقراءته كان أبو العالية إذا قرأ اعتم ولبس وارتدى ~~واستقبل القبلة وأن تتمضمض كلما تنخع # عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يكون بين يديه ثور إذا تنخع تمضمض ~~وأخذ في الذكر وأن يمسك عن القراءة إذا تثاوب فإن التثاؤب من الشيطان وأن ~~يستعيذ بالله ويبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم وإذا أخذ في سورة لم يشتغل ~~بشيء حتى يفرغ منها إلا من ضرورة وإذا أخذ في القراءة لم يقطعها ساعة بساعة ~~بشيء من كلام الآدميين من غير ضرورة وأن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد ~~بكلامه فيخلطه بجوابه لأنه إذا فعل ذلك زال عنه سلطان الاستعاذة في البدء ~~وأن يقرأه على تؤدة وترسل وترتيل وأن يشتغل به ذهنه وفهمه حتى يعقل ما به ~~يخاطب وأن يقف على آية الوعد فيرتغب إلى الله تعالى ويسأله من فضله وأن يقف ~~على آية الوعيد فيستجير PageV03P253 بالله منه وأن يقف على أمثاله فيمتثلها ~~وأن يلتمس أعرابه وأن يؤدي لكل حرف حقه من الأداء حتى يبرز الكلام باللطف ~~تماما فإن لكل حرف عشر حسنات وإذا انتهت قراءته ms563 أن يصدق ربه ويشهد بالبلاغ ~~للرسل صلوات الله عليهم ويشهد على ذلك أنه حق فيقول صدقت ربنا وبلغت رسلك ~~ونحن على ذلك من الشاهدين اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط ثم ~~يدعو بدعواته وأن لا يلتقط الآي من كل سورة فيقرأها فإنه روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه مر ببلال وهو يقرأ من كل سورة شيئا فأمره أن يقرأ ~~السور كلها أو كما قال صلى الله عليه وسلم # ومن حرمته إذا وضع الصحيفة أن لا يتركه منشورا وأن لا يضع فوقه شيئا من ~~الكتب حتى يكون أبدا عاليا على سائر الكتب وأن يضعه في حجره إذا قرأه أو ~~على شيء بين يديه ولا يضعه بالأرض وأن لا يمحوه من اللوح بالبزاق ولكن ~~يغسله بالماء وإذا غسله بالماء أن يتوقى النجاسات من المواضع والمواضع التي ~~توطأ فإن لتلك الغسالة حرمة وأن من كان قبلنا من السلف منهم من يستشفي ~~بغسالته وأن لا يتخذ الصحيفة إذا بليت ودرست وقاية للكتب فإن ذلك جفاء عظيم ~~ولكن يمحوها بالماء وأن لا يخلي يوما من أيامه من النظر في المصحف مرة كان ~~أبو موسى الأشعري يقول إني لأستحي أن لا أنظر كل يوم في عهد ربي مرة وأن ~~يعطي عينه حظها منه فإذا العين تؤدي إلى النفس وبين النفس والصدر حجاب ~~والقرآن في الصدر فإذا قرأه عن ظهر قلب فإنما يسمع أذنه فيؤدي إلى النفس ~~وإذا نظر في الحظ كانت العين والأذن قد اشتركا في الأداء وذلك أوفر للأداء ~~وكان قد أخذت العين بحظها كالأذن # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~أعطوا أعينكم حظها من العبادة ) قالوا يا رسول الله وما PageV03P254 حظها ~~من العبادة قال ( النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه ) # عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن ) # ومن حرمته أن لا يتأوله عندما يعرض له من ms564 أمر الدنيا والتأول مثل قولك ~~للرجل إذا جاءك @QB@ جئت على قدر يا موسى @QE@ ومثل قولك @QB@ كلوا واشربوا ~~هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية @QE@ عند حضور الطعام وأشباه هذا ومن ~~حرمته أن لا يقال سورة كذا كقولك سورة البقرة وسورة النساء وسورة النحل ~~ولكن يقال السورة التي يذكر فيها كذا ومن حرمته أن لا يتلى منكوسا كفعل ~~معلمي الصبيان يلتمس أحدهم بذلك أن يرى الحذق من نفسه والمهارة فإن تلك ~~مجانة منهم ومن حرمته أن لا يقرأه بألحان الغناء كلحون أهل العشق ولا ~~بترجيع النصارى ولا نوح الرهبانية فإن ذلك كله زيغ # عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل العشق وأهل الكتابين ~~فإنه سيجيء قوم من بعدي يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح لا ~~يجاوز حناجرهم ) # ومن حرمته أن تجلل تخطيطه إذا خططته عن أبي حليمة أنه كان PageV03P255 ~~يكتب المصاحف بالكوفة فمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه فنظر إلى كتابه ~~فقال له أجلل قلمك فأخذت القلم فقططت من طرفه قطا ثم كتبت وعلي رضي الله ~~عنه قائم ينظر إلى كتابتي فقال هكذا نوره كما نوره الله تعالى # ومن حرمته أن لا يجهر بعض على بعض في القراءة فيفسد عليه حتى يبغض إليه ~~ما يسمع ويكون كهيئة المغالبة ومن حرمته أن لا يماري ولا يجادل فيه من ~~القراءة ولا يقول لصاحبه ليس كذا فلعل تلك القراءة صحيحة بين القراء فيكون ~~قد جحد كتاب الله تعالى ومن حرمته أن لا يقرأه في الأسواق ولا في مواطن ~~اللغط واللغو ومجمع السفهاء قال الله تعالى @QB@ وإذا مروا باللغو مروا ~~كراما @QE@ هذا إذا مر بنفسه فكيف إذا مر بالقرآن الكريم # ومن حرمته أن لا يتوسد المصحف ولا يعتمد عليه ولا يرمي به إلى صاحبه إذا ~~أراد أن يناوله ومن حرمته أن لا يصغر المصحف # عن علي رضي الله عنه قال لا تصغر المصحف # ومن حرمته أن لا يخلط ms565 به ما ليس منه ومن حرمته أن لا يحلى بالذهب ولا ~~يكتب بالذهب فيخلط به زينة الدنيا # عن أبي عوانة عن مغيرة عن إبراهيم أنه كان يكره أن يحلى المصحف أو يكتب ~~بالذهب أو يعلم عند رؤوس الآي أو يصغر # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا ~~زخرفتم مساجدكم وحليتم مصافحكم فالدمار عليكم ) PageV03P256 # عن ابن عباس رضي الله عنها أنه رأى مصحفا قد زين بفضة قال تغرون به ~~السارق وزينته في جوفه # ومن حرمته أن لا يكتب على الأرض ولا على حائط كما يفعل به في المساجد ~~المحدثة # عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بكتاب في أرض فقال لشاب من هذيل ما هذا قال من كتاب الله كتبه يهودي قال ~~لعن الله من فعل هذا لا تضعوا كتاب الله إلا في مواضعه # ورأى عمر بن عبد العزيز ابنا له يكتب القرآن على حائط فضربه ومن حرمته ~~أنه إذا اغتسل بكتابه مستشفيا من سقم أن لا يصبه على كناسة أو في موضع ~~نجاسة ولا على موضع يوطأ ولكن ناحية من الأرض في بقعة لا يطأها الناس أو ~~يحفر حفرة في موضع طاهر حتى ينصب من جسده في تلك الحفير ثم يكبسها أو في ~~نهر يختلط بمائه فيجري # ومن حرمته أن يفتتحه كلما ختمه حتى لا يكون كهيئة المهجور ولذلك كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا ختم يقرأ من أول القرآن قدر خمس آيات لئلا ~~يكون في هيئة المهجور # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء رجل فقال يا رسول الله أي العمل ~~أفضل فقال عليك بالحال المرتحل قال وما الحال المرتحل قال صاحب القرآن يضرب ~~في أوله حتى يبلغ آخره ثم يضرب في أوله كلما حل ارتحل # ومن حرمته أن لا يكتب المعاذ منه تدخلها الخلاء إلا أن يكون في غلاف من ~~آدم أو فضة أو غيرهما فيكون كأنها في صدرك ms566 PageV03P257 # ومن حرمته إذا كتبه وشربه سمى الله على كل نفس وعظم النية فيه فإن الله ~~يؤتيه على قدر نيته # عن محمد بن مروان عن أبي جعفر قال من وجد في قلبه سوءة فليكتب يس في جام ~~بزعفران ثم يشربه # عن مجاهد قال لا بأس أن يكتب القرآن ثم يغسله ويسقى المريض # عن هلال بن الصلت أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سورة يس تدعى في التوراة المعمة قيل وما المعمة قال تعم ~~صاحبها خير الدنيا وتكابد عنه بلوى الدنيا وتدفع عنه أهاويل الآخرة وتدعى ~~المدافعة القاضية تدفع عن صاحبها كل شيء وتقضي له كل حاجة ومن قرأها عدلت ~~له عشرين حجة ومن سمعها عدلت له ألف دينار في سبيل الله ومن كتبها ثم شربها ~~أدخلت جوفه ألف دواء وألف نور وألف يقين وألف بركة وألف رحمة ونزع من كل غل ~~وداء # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل شيء قلب ~~وقلب القرآن يس ومن قرأها فكأنما قرأ القرآن عشر مرات # فالقلب أمير على الجسد وكذلك يس أمير على سائر السور مشتمل على جميع ~~القرآن PageV03P258 # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~الله تعالى من شغله ذكري وقراءة القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي ~~السائلين وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه # فهذا فضل لا يحاط بكنهه إذ كان لا يحاط بفضل الله على جميع خلقه وإنما ~~صار هكذا لأنه كلامه منه خرج # عن عمرو بن دينار قال أدركت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقولون الله الخالق وما سواه المخلوق غير الكلام فإنه منه خرج وإليه ~~يعود # عن طاووس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رد العباد إلى الله ~~شيئا أحب إليه من كلامه # عن سفيان الثوري رضي الله عنه يقول سمعت أن ms567 قراءة القرآن أفضل من الذكر ~~وجاد ما غاص قائل هذا القول لأن الذكر هو شيء يبتدعه العبد من تلقاء قلبه ~~من علمه بربه والقرآن قد تكلم به الرب فإذا تلاه العبد فإنما يتكلم بشيء قد ~~كان عند الرب ولم يخلق ولا يتدنس فهو على طراءته وطيبه وأيضا ليس تأليف ~~العبد كتأليف الله تعالى قال تعالى @QB@ لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ # ألا ترى إلى قول الوليد بن المغيرة حيث استمع إلى القرآن وتحير فيه فقال ~~قد عرضته على رجز الشعر وهزجه وقريضه فلم يشبهه PageV03P259 وليس بسحر ولا ~~كهانة وإن عليه لطلاوة وإن له لحلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر # عن محمد بن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~القرآن أفضل من كل شيء دون الله تعالى وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل ~~الله على خلقه فمن وقر القرآن فقد وقر الله ومن لم يوقر القرآن لم يوقر ~~الله وحرمة القرآن عند الله تعالى كحرمة الوالد على ولده القرآن شافع مشفع ~~وما حل مصدق فمن شفع له القرآن شفع ومن محل به القرآن صدق ومن جعله أمامه ~~قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار حملة القرآن هم المحفوفون ~~برحمة الله الملبسون نور الله المعلمون كلام الله ومن والاهم فقد والى الله ~~ومن عاداهم فقد عادى الله يقول الله تبارك اسمه يا حملة القرآن استجيبوا ~~لربكم بتوقير كتابه يزدكم حبا ويحببكم إلى عباده يرفع عن مستمع القرآن بلوى ~~الدنيا ويدفع عن تالي القرآن شر الآخرة ومن استمع آية من كتاب الله كان له ~~خيرا من صبر ذهبا ومن قرأ آية من كتاب الله كان أفضل مما تحت العرش إلى ~~التخوم وإن في كتاب الله لسورة تدعى العزيزة يدعى صاحبها الشريف يوم ~~القيامة تشفع لصاحبها أكثر من ربيعة ومضر وهي سورة يس PageV03P260 # | - * الأصل الرابع والخمسون والمائتان # - * # | في سر كلمة التقوى # عن الطفيل ms568 بن أبي بن كعب عن أبيه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~وألزمهم كلمة التقوى لا إله إلا الله # قال أبو عبد الله إنما سميت كلمة التقوى لأن العبد إذا نطق بها إنما ينطق ~~عن نور التوحيد الذي في قلبه فإذا انتهى إلى الصراط صار ذلك النور له وقاية ~~من النار وذلك النور برد يخمد لهب النار لأن ذلك النور نور الرحمة وتلك ~~الرحمة هي حظ المؤمن من ربه فإذا نال العبد تلك الرحمة أشرق القلب بنور ~~التوحيد وأضاء الصدر من ذلك الإشراق ونطق اللسان عن نور وضوء فإذا انتهى ~~إلى الصراط صار ذلك النور والضوء وقاية فالنور يخمد ما تحت قدميه والضوء ~~يضيء له أمامه وينفرج له الطريق عن تلك الظلمة التي على الصراط PageV03P261 ~~من سواد النار فلذلك قيل كلمة التقوى لأنه بها يتقي من النار فكلمة لا إله ~~إلا الله أولها نفي الشرك وآخرها تعلق بالله فلا يقدر العبد أن يتعلق بالله ~~حتى يلزمه الله وإنما يلزمه الله بعدما يجعل له إليه سبيلا فإذا رحم عبدا ~~فتح له من قلبه الطريق إليه حتى إذا صار القلب محل التوحيد فهناك يلزمه ~~الله نور الكلمة فيصدر القلب عن الله بتوحيده إلى النفس حتى تطمئن النفس ~~وتسكن إلى ذلك وتستقر عن التردد والجولان في طلب معبود سواه فيستقر القلب ~~والنفس جميعا للعبودة له لما يأمر وينهى فصار تعلقها جميعا به في العبودة ~~وهو قوله @QB@ فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها @QE@ # فهذه عقدة القلب وطمأنينة النفس ثم بعد ذلك تمضي النفس في شهواتها حلا ~~وحراما وهي مع ذلك بالله مطمئنة أنه معبوده على إضمار أنها تقضي شهواتها ~~وتعود إلى مكانها ثانية وأما القلب فهو منكر لذلك مستمسك بعروته مقهور في ~~سلطان النفس حتى إذا أقبل الله على العبد بالرحمة وأعطاه سلطان التوبة خمدت ~~نار الشهوة وخرج القلب من آثار النفس فالعروة الوثقى هي ذلك النور الذي ~~ألزم الله قلب العبد فاستمسك به وقوي لا انفصام لها فإذا انتهى إلى ms569 الصراط ~~صار ذلك النور وقاية له من تحت قدمه وصار الضوء أمامه يطرق له في الظلمة ~~حتى يجوزها # وقد قلنا بدءا أن كلمة لا إله إلا الله أولها نفي الشرك وآخرها تعلق ~~بالله وإنما يتعلق بالله إذا استكمل التقوى وذلك أن الشرك على ضربين شرك ~~عبودة وشرك الأسباب وكلاهما علاقة وهو مشتق من الشرك الذي ينصب فيتعلق به ~~الصيد فإنما ينصب الشرك ويلقى هناك حبوب ينخدع الطائر لحاجته إليها حتى يقع ~~فيه فيتعلق وكذلك PageV03P262 السمك إنما يقع في حبالته لشهوة بطنه وكذلك ~~الآدمي إنما يقع في حبالة العدو حتى يتولى دون الله إلها ويتخذه معبودا ~~لشهوة نفسه يشتهي أن يعاين معبوده فيلتذ بالعبادة فطلب معبوده فلما لم يجده ~~مده العدو إلى شيء وصوت له من جوفه وزينه له فالتذ بصوته فعبده فهو يعبد ~~الشيطان ولا يدري بحيث أنه يعبد ذلك الوثن وذلك قوله تعالى لهم يوم القيامة ~~^ ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ^ وقال ^ ~~واستنفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب ^ # قال له قائل ما ذلك الصوت قال ذلك صوت أعطى العدو ليفتن به الآدميين أي ~~يهيج الحرقة التي في جوف الآدمي قال القائل وما تلك الحرقة قال تلك حرقة ~~الفرح الذي خلق من النار فوضع بباب النار وحفت النار به وهو الشهوات فمن ~~سمعها من المخذولين فقد سباه ومن سمعها من الموحدين لم يقدر أن يسبيه لأن ~~الله تعالى من عليه بالرشد ومن من عليه بالرشد فقد كره إليه الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة وذلك قوله تعالى @QB@ ولقد ~~آتينا إبراهيم رشده من قبل @QE@ # فمن أوتي الرشد لم يتلذذ بذلك الصوت ومن وجد قلبه خاليا عن ذلك سباه ألا ~~ترى أن الموحدين لما سمعوا صوته في المزامير والمعازف افتتنوا به ولولا أنه ~~يمازج بصوته ذلك الصوت من المعازف ما التذوا به وقد كره الله الكفر إلى ~~المؤمن ولم يكن إليه المعازف وأمره بالمجاهدة فإذا جاهد فتح له في الغيب ms570 ~~فنال من الأنوار ما لا تجد له هذه المعازف إليه سبيلا لأن الذي في جوفه من ~~الشهوة PageV03P263 قد مات فلم يجد العدو إليه سبيلا وقبل ذلك إنما كان ~~يلتذ بصوت المعازف الممازج لصوت العدو والمهيج لما في جوفه فلما وقع في ~~منازل القربة ماتت شهوته وخشع قلبه من جلال الله تعالى لم يجد العدو إليه ~~سبيلا فصارت لذة قلبه في حبه فدقت حلاوة جميع الأشياء عنده وصارت جميع ~~الأشياء مرفوضة # وإنما يتعلق القلب بالله إذا نجا من تعلقه بالشهوات والمشيآت والإرادات ~~فهذه كلها شرك الأسباب فإذا تخلص من هذا الشرك لم يبق له متعلق القلب بالله ~~فعندها صدق الله في مقالته لا إله إلا الله وتلك المقالة تملأ الكفة من ~~الميزان حتى تستميل بالسموات والأرض ومن فيهما من الخلق # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~قال موسى عليه السلام رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به قال قل يا موسى لا ~~إله إلا الله قال كل عبادك يقول هكذا قال قل لا إله إلا الله قال لا إله ~~إلا الله إنما أريد شيئا تخصني به قال يا موسى لو أن السموات السبع وعمارهن ~~والأرضين السبع في كفة و لا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله ~~PageV03P264 # | - * الأصل الخامس والخمسون والمائتان # - * # | في آية الكرسي وما يحرس به # عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ~~المنذر أية آية معك من كتاب الله أعظم قلت @QB@ الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم @QE@ قال فضرب في صدري فقال ليهن لك العلم أبا المنذر فوالذي نفس ~~محمد بيده إن لهذه الآية للسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش # أنزل الله تعالى هذه الآية وجعل ثوابها لقارئها عاجلا وآجلا أما في ~~العاجل فهي تحرس من قرأها من الآفات فإن الله تعالى خلق آدم فأحسن خلقه ~~وقال في تنزيله @QB@ لقد خلقنا الإنسان في أحسن ms571 تقويم @QE@ فمن ذا يقدر على ~~صفة حسن تقديره وقال @QB@ الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك ~~@QE@ PageV03P265 # فأخرج تقويمه وتسويته وتعديله من باب الرحمة وأخرج تركيب الصورة من باب ~~المشيئة ثم فضله بالروح وقرنه بالنفس وجعل فيهما الحياة للحراك للعبودة ثم ~~جعل تلك البضعة الجوفاء خزانته وهي القلب وجعل لها عينين تبصران الغيب ~~وأذنين يستمعان وحيه وكلامه وجعل لها بابا إلى الصدر للسراج المتوقد شعاعه ~~في الصدر وجعل تلك البضعة معدنا لجواهر التوحيد من الحكم البالغة والعلوم ~~العالية ثم خلق الآفات في ذلك اليوم الذي خلقه وهو يوم الجمعة ليقابل كل ~~شيء من صنعه الجميل في آدم وولده في الظاهر منه والباطن آفة ذلك الشيء ~~ليكون الآدمي حامدا له شاكرا يرتبط الصنع الجميل بالحمد والشكر ويحذر من ~~الآفة # ولما صار للعبد هفوات وغفلات من نزغات العدو ونفثاته ونفخاته من أجل ~~الشهوة المركبة فيه والهوا الهفافة فيها لا هبوب تلك الشهوات وهما سلاح ~~العدو وسبيله إلى الآدمي جعل كلمة الله العليا وهي كلمة لا إله إلا الله ~~وهي كلمة التقوى تقيه آفات الدنيا والآخرة وإنما تدخل الآفات من التقصير في ~~الشكر قال تعالى @QB@ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم @QE@ # وجاء في الخبر عن الله تعالى من قوله لبني إسرائيل إني أبتدئ عبادي ~~بنعمتي فإن قبلوا أتممت وإن شكروا زدت وإن غيروا نقلت وإن بدلوا غضبت # قال نوف البكالي آية الكرسي تدعى في التوراة ولية الله وتدعى قارئها في ~~ملكوت السموات عزيزا وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إذا دخل بيته قرأ ~~آية الكرسي في زوايا بيته الأربع كأنه PageV03P266 يلتمس بذلك أن يكون لها ~~حارسا من جوانبه الأربعة وأن ينفي الشيطان من زوايا بيته # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه صارع جنيا فصرعه عمر فقال له الجني خل عني ~~أعلمك ما تمتنعون به منا فقال إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي وقال الله ~~تعالى من قرأ آية الكرسي في دبر ms572 كل صلاة أعطيته ثواب الأنبياء # معناه ثواب عمل الأنبياء فأما ثواب النبوة فليس لأحد إلا للأنبياء عليهم ~~السلام # وقال جبرائيل عليه السلام لموسى عليه السلام إن ربك يقول من قال في دبر ~~كل صلاة مكتوبة مرة واحدة اللهم إني أقدم إليك بين يدي كل نفس ولمحة ولحظة ~~وطرفة يطرف بها أهل السموات وأهل الأرض وكل شيء هو من علمك كائن أو قد كان ~~أقدم إليك بين يدي ذلك كله الله لا إله إلا هو الحي القيوم إلى آخرها فإن ~~الليل والنهار أربع وعشرون ساعة ليس منها ساعة إلا يصعد إلي منه سبعون ألف ~~ألف حسنة حتى ينفخ في الصور وتشتغل الملائكة # ولما عجز عن إحصاء هذه الأشياء التي أجمل ذكرها على الانفراد وقال أقدم ~~بين هذه الأشياء أنه الله لا إله إلا هو كأنه يؤدي معناه إلى أنه قديم لم ~~يزل حي حييت به الأشياء فتحركت قيوم قامت به الأشياء فاستقرت الشفع ضم ~~الشيء إلى الشيء يقال شفع إليه أي رفع إليه شخصه وحاجته وكان في البدء وترا ~~وكل الأشياء لا تكون إلا بإذنه وإنما يخص الدعاء لأن الله تعالى أذن فيه ~~فقال @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ وقال في سائر الأعمال ^ إنما يتقبل ~~PageV03P267 الله من المتقين ) @QB@ ما بين أيديهم @QE@ الآخرة و @QB@ ما ~~خلفهم @QE@ الدنيا وقيل بالعكس عن ذلك # عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى @QB@ وسع كرسيه السماوات ~~والأرض @QE@ أي علمه معناه وسع ذلك العلم الذي عند الكرسي السموات والأرض ~~وإنما وضع الله علمه بحركات الخلق هناك ثم قرن الحفظ بذلك العلم فكما لا ~~يؤوده علم الحركات لا يؤوده حفظهما # أما قوله إن لها لسانا وشفتين معناه أن قراءة القارئ بها يصعد إلى الرحمن ~~فتقدس مليكه عند ساق العرش والتقديس سؤال الحراسة لقارئها لأن القدوس به ~~يتقدس الأشياء فإذا تقدست بقيت على هيئتها وتحصنت من الآفات فقراءة العبد ~~الآية اعتراف بما تضمنت به من صفاته وتجديد الإيمان به فيقع لقراءته حرمة ~~تنتهي إلى ساق العرش فتقدس فجعل ثواب التقديس ms573 حراسة العبد لكل ما هيأ الله ~~له من الحال المحمودة والموعود فيها والله أعلم PageV03P268 # | - * الأصل السادس والخمسون والمائتان # - * # | في زمزم واشتقاقه وهي من الجنة # عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زمزم لما ~~شربت له # زمزم بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أنبطه الله له غياثا في وقت ~~الاضطرار والإشراف على الموت بعدما كان يتمايل عطشا فبعث الله تعالى ~~جبرائيل عليه السلام فأدار بطرف جناحه على تلك البقعة ثم دفعها بعقبه دفعة ~~فانفتقت عن الماء من عين من الجنة من قبل الركن الذي يستلمه الناس اليوم ~~وزمزم هزمة جبرائيل عليه PageV03P269 السلام بعقبه اشتقت من الهزمة والهزمة ~~الدفعة ومنه الهزيمة وقوله @QB@ فهزموهم بإذن الله @QE@ أي دفعوهم وكسروهم # عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال بينما عبد المطلب نائم في الحجر إذ ~~أتى فقيل له احفر برة قال وما برة ثم ذهب عنه حتى إذا كان الغد نام إلى ~~مضجعه ذلك فأتى فقيل له أحفر مضنونة قال وما مضنونة ثم ذهب عنه حتى إذا كان ~~الغد نام في مضجعه فأتى فقيل له احفر طيبة ثم ذهب عنه فلما كان الغد عاد ~~لمضجعه فنام فيه فأتى فقيل له أحفر زمزم قال وما زمزم قال لا تنزف ولا تذم ~~ثم نعت له موضعها فقام فحفر حيث نعت له فقالت له قريش ما هذا يا عبد المطلب ~~قال أمرت بحفر زمزم فلما كشف عنه وأبصر الطوى قالوا يا عبد المطلب إن لنا ~~حقا فيها معك إنها بئر أبينا إسماعيل قال ما هي لكم لقد خصصت بها دونكم ~~فحفرها # فهذه الأشياء التي ذكرت لعبد المطلب في منامه دليلة على ما فيها # فأما قوله برة فمعناه أنها تعطيك الصدق من نفسها لأنها من الجنة وكل شيء ~~من الجنة فإن الأشياء المشتهات كائنة جميعها في الواحد منها وذلك قوله ^ ~~وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون ^ وقال @QB@ فيها ما تشتهي أنفسكم @QE@ ~~PageV03P270 # وكل شيء من الجنة موجود في واحد منها جميع الشهوات ألا ms574 ترى العينين ~~النضاختين المذكورتين في القرآن تنضخان بألوان الأشياء إن اشتهى ولي الله ~~من تلك العين طعاما نضخت وإن اشتهى شرابا نضخت وإن اشتهى جواري نضخت وإن ~~اشتهى دواب نضخت مسرجة ملجمة وبذلك جاء الخبر # وروي في الخبر أيضا أن السحابة تقف على رؤوسهم فينطق ماؤها فتمطر عليهم ~~ما يشتهون وإن الأشجار تنطق والأقداح تطير فتغترف بمقدار شهوة الشارب وذلك ~~قوله تعالى @QB@ قدروها تقديرا @QE@ أي لا يفضل عن الري ولا ينقص منه # وإن الرجل منهم ليمشي في بيوتاته ويصعد إلى قصوره وبيده قضيب فيشير به ~~إلى الماء فيجري معه حيث ما دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود ~~ويصعد حيث ما صعد من أعلى قصوره وذلك قوله تعالى @QB@ يشرب بها عباد الله ~~يفجرونها تفجيرا @QE@ # وإن الثوب الذي يلبسه ولي الله يتلون عليه في اليوم الواحد سبعين لونا ~~كلما خطر بباله لون تغير لباسه وتلون عليه بما اشتهت نفسه وكذلك فيما يطعم ~~ويشرب كلما تمنى أو خطر بباله شيء تغير ذلك الشيء الذي في فيه يمضغه إلى ~~طعم ما خطر بباله # فهذا كله وفاء ربنا لعبده حيث قال ^ وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون ^ ~~لأنهم ردوا شهوات نفوسهم في الدنيا فشكر الله لهم في داره فكلما تناولوا ~~بشهوة من طعام أو شراب أو لباس أو مركب PageV03P271 أو شيء من الأشياء فخطر ~~ببالهم في ذلك الشيء شهوة غيرها تحول ذلك الشيء إلى ما اشتهت أنفسهم لئلا ~~يتنغص عليهم عيشهم ولا يتكدر عليهم عطاء ربهم لأن الله تعالى وعد في تنزيله ~~أن الجنة عطاء غير مجذوذ أي غير منقطع # ولو كان إذا خطر بباله شيء احتج إلى مدة ومهلة حتى يناله لم يكن في ذلك ~~وفاء بالوعد فجعل الله الجنة ونعيمها له نهمة كلما خطرت بباله شهوة في شيء ~~تحولت له تلك في أسرع من طرفة عين إلى الشهوة الأخرى وفاء له بما وعد ليكون ~~عطاء غير مجذوذ دائما أبدا ألا يرى أنه يأتي زوجته وهي بكر فإذا قضى منها ~~شهوته عادت ms575 بكرا على حالها فهكذا شأن الجنة فإذا خرجت من الجنة إلى الدنيا ~~تلك الأشياء تغيرت أحوالها لأن الجنة محرمة على الآدميين حتى يذوقوا الموت ~~ألا ترى أن الحجر الأسود في الركن كان يضيء كالشمس فاسود لأدناس الآدميين ~~وسترت زينته عنهم فهو في الباطن كهيئته ولكنه مستور ولو دق فصار رضيضا لم ~~تجده إلا أسود في رأي العين وهو في الباطن على هيئته # عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا ما ضيع ~~من الركن من أنجاس الجاهلية وأرجاسها وأيدي الظلمة والأثمة لاستشفى به من ~~كل عاهة ولألفاه اليوم كهيئته يوم خلقه الله وإنما غيره الله بالسواد لئلا ~~ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة وإنها لياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة وضعه ~~الله لآدم حين أنزله في موضع الكعبة قبل أن تكون والأرض يومئذ طاهرة لم ~~يعمل عليها شيء من المعاصي وليس لها أهل ينجسونها ووضع لها صفا من الملائكة ~~على أطراف الحرم يحرسونه من جان الأرض وسكانها يومئذ الجن وليس ينبغي لهم ~~أن ينظروا إليه لأنه شيء من الجنة ومن نظر إلى الجنة دخلها PageV03P272 وهم ~~على أطراف الحرم حيث أعلامه اليوم محدقون به من كل جانب فلذلك حرم وسمي ~~الحرم # وعن وهب بن منبه قال كان الركن كرسيا لآدم عليه السلام يجلس عليه فالركن ~~حجر من الفردوس بعثه الله يوم أخذ الميثاق فوضعه بينه وبين العباد ليبايعوه ~~على ذلك الحجر فيمسحونه بأيدهم بيعة لله ولذلك أمر باستلامه # عن أبي وليد القرشي قال سمعت فاطمة بنت الحسين رضي الله عنهما تقول لما ~~أخذ الله ميثاق العباد جعله في الحجر فمن الوفاء لله بالعهد استلام الحجر ~~فكذلك ماء زمزم هو بهيئته على ما في الجنة من حلاوته ولذته ولونه إلا أنه ~~ممتنع أن يوجد للشاربين تلك الهيئة التي فيه من الجنة لإغاثة ولد خليل الله ~~عليهما السلام لأن إبراهيم صلوات الله عليه لما ولى نادته هاجر يا إبراهيم ~~إلى من تكلنا قال إلى الله تعالى فكان خليل ms576 الله صادقا في قوله فوفى الله ~~له بصدقه وأغاث ولده في وقت الاضطرار وبقي ذلك الغياث لمن بعده # وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم زمزم لما شربت له فالغياث أمر ~~جامع ينعكس ويطرد من جميع الأمور فإذا ناب العبد نائبة كائنة ما كانت فنواه ~~وقصده وجد ذلك الغوث فيه موجودا وإنما يناله العبد على قدر نيته # قال سفيان الثوري رحمه الله إنما الرقي والدعاء بالنية فالنية تبلغ العبد ~~عناصر الأشياء والنيات على قدر طهارة القلوب وسعيها إلى ربها في تلك ~~المراتب وتفسير النية النهوض يقال ناء ينوء أي نهض ينهض فالنية نهوض القلب ~~بعقله ومعرفته إلى الله فعلى قدر PageV03P273 العقل والمعرفة يقدر القلب ~~على السعي والطيران إلى الله فالشارب لزمزم إن شرب لشبع أشبعه الله وإن ~~شربه لري أرواه الله وإن شربه لشفاء شفاه الله وإن شربه لسوء خلق حسنه الله ~~وإن شربه لضيق صدر شرحه الله وإن شرب لانفلاق ظلمات الصدر فلقه الله وإن ~~شربه لغنى النفس أغناه الله وإن شربه لحاجة قضاها الله وإن شربه لأمر نابه ~~كفاه الله وإن شربه للكربة كشفها الله وإن شربه لنصرة نصره الله وبأية نية ~~شربها من أبواب الخير والصلاح وفى الله له بذلك لأنه استغاث بما أظهره الله ~~تعالى من جنته غياثا # فأما قوله مضنونة فإنما سميت لأنها قد ضن بها عمن قبله من الآدميين فجاد ~~الله بها على أب العرب إسماعيل عليه السلام لتبقى مكرمتها في ولده محمد صلى ~~الله عليه وسلم وفي أمته وأما قوله طيبة فإنها طابت بذات الله خلقها بيده ~~ثم طابت بجود الله وبعطفه على ولد خليله صلوات الله عليهما PageV03P274 # | - * الأصل السابع والخمسون والمائتان # - * # | في سر الدعاء عند المضجع # عن أبي رمثة الأنماري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ ~~مضجعه قال اللهم اغفر لي ذنبي واخسأ شيطاني وفك رهاني وثقل ميزاني واجعلني ~~في النداء الأعلى # أمر بالاستغفار فقال في تنزيله @QB@ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ~~@QE@ # فالمغفرة درجات بعضها أعلى من بعض ms577 فمغفرة الرسل عليهم السلام أعلى من ~~مغفرة من دونهم ومغفرة محمد صلى الله عليه وسلم أعلاها ألا ترى أنه جاء عنه ~~أنه قال إن لي دعوة أخرتها إلى يوم القيامة وإن إبراهيم عليه السلام ليرغب ~~إلي في ذلك اليوم # وقال إذا زفرت النار على أهل الموقف قال الأنبياء والرسل عليهم السلام ~~نفسي نفسي وقال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمتي أمتي PageV03P275 # فهذا لعلو درجته في المغفرة أمر أن يستغفر فلم يزل ذلك دأبه بعد ما بشره ~~الله تعالى في سورة الفتح بقوله @QB@ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر @QE@ فنزلت عليه في آخر أمره @QB@ إذا جاء نصر الله والفتح @QE@ إلى ~~آخر السورة # وإنما نزلت هذه بعد فتح مكة والبشرى بالمغفرة في سورة إنا فتحنا قبل ذلك ~~بنحو من سنين وذلك عند فتح خيبر فلم يزل ذلك دأبه ولم يفارق الاستغفار إلى ~~أن قبضه الله إليه ومن يحيط بالمغفرة إلا الله فكلما استكثر العبد من ~~سؤالها كان منها أوفر حظا # وروي في الخبر المأثور أن الاستغفار يخرج يوم القيامة ينادي يا رب حقي ~~فيقول خذ حقك فيحتفل أهله ويجتحفهم # وروي أن داود عليه السلام خرج يستسقي فلما انتهى إلى البر إذ قال اللهم ~~اغفر لنا ورجع فما تنام آخر الناس حتى رجع أولهم فكأنهم استقلوا ذلك منه ~~فأوحى إليه أن قل لقومك إني من أغفر له مغفرة واحدة أصلح له بها أمر دنياه ~~وآخرته # قوله أخسأ شيطاني فإنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الشيطان قالوا ولا أنت يا رسول الله ~~قال ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم # ثم تأول بعضهم هذه الكلمة فقال أي أسلم من كيده ودواهيه ونفر أن يحمل ~~معناه على الإسلام وليس ذلك بصحيح لأن قوله أسلم مفتوح الميم معناه انقاد ~~وأعطى بيديه سلما كقوله تعالى PageV03P276 @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا @QE@ أي أعطينا بأيدينا ms578 سلما كقوله تعالى @QB@ ~~وألقوا إلى الله يومئذ السلم @QE@ أي أعطوا بأيديهم وألقوا إلى الله أنفسهم ~~تسليما # فقوله أخسأ شيطاني أي أنك إذا أخسأته خسئ فلم يبق معه شر ولا كيد والخسأ ~~في لغة العرب الفرد والزكا الزوج وكل شيء انضم إليه شيء فزواجه فهو زكا ~~ومنه سميت الزكاة في المال زكاة يقال زكى الزرع وقوله ^ ذلك أزكى لكم ^ ~~وقوله ^ ما زكى منكم من أحد أبدا ^ ومنه قوله ^ وويل للمشركين اللذين لا ~~يؤتون الزكاة ^ أي لا يؤتون كلمة لا إله إلا الله فيخسئون من نورها فهم خسا ~~أي فرد خال عن النور والخير فيقول الله لهم في النار ^ إخسأوا فيها ولا ~~تكلمون أي كونوا في خلاء مني ومن رحمتي وعطفي فعندها ينقطع الكلام والنداء ~~ويطبق عليهم فلا يبقى لهم من الرب شيء فذلك الحال أخلى خلاء فقوله أخسأ ~~شيطاني أي أخله من جميع الشر حتى لا يكيدني بشيء # قوله فك رهاني فإن النفوس حظها من الدنيا النعمة نعمة البصر ونعمة السمع ~~ونعمة اللسان ونعمة سائر الجوارح وسائر النعيم التي تربى بها الجوارح وحظها ~~من ربها الحياة والعلم والذهن والمعرفة والعقل والحفظ والفطنة والقوة ~~فالنفوس مرتهنة بالنعم وإنما يفكها الشكر فعلم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أن العباد لا يبلغون كنه الشكر ففزع إلى PageV03P277 ربه أن يتولى فك رهانه ~~بجوده وفضله وقال في تنزيله @QB@ كل امرئ بما كسب رهين @QE@ وقال @QB@ كل ~~نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين @QE@ # فأصحاب اليمين هم الموحدون وحدوا الله بقلوبهم ثم أبرزوا ذلك التوحيد على ~~ألسنتهم فنطقوا بلا إله إلا الله فاقتضى الله عباده الوفاء بصدقها وصدقها ~~مستور عن الخلق وعند الله ظاهر فاقتضاهم حفظ الجوارح السبع عن المناهي ~~وأداء الفرائض ليبرز صدق الصادق وكذب الكاذب وكل الموحدين قد أخذوا بسهم من ~~سهام يمن اليمين كل على قدر صدقه فأول أصحاب اليمين الرسل عليهم السلام ~~وآخرهم من أتى الله بكلمة التوحيد نطقا بها ليس معه وراء ذلك شيء وأصحاب ~~الدرجات فيما بين ذلك وكل من أتى الله ms579 مع هذه الكلمة بشيء من أعمال البر من ~~حفظ جارحة وأداء فريضة واحدة فقد أتى بسهم من الشكر وعلى قدر ذلك الشكر فك ~~رهانه وبقيت سائر السهام عليه غرما ولذلك قال تعالى @QB@ إن عذابها كان ~~غراما @QE@ # فأوفرهم حظا من حفظ الجوارح وأداء الفرائض أوفرهم حظا من الشكر وهم الرسل ~~عليهم السلام وهم مع هذا مقصرون عن أنفسهم في الشكر قال الله تعالى @QB@ ~~كلا لما يقض ما أمره @QE@ أي لن يبلغ أحد أن يقضي أمره على كنهه # وكيف يقدر آدمي على أن يخرج من لحمه ودمه الذي أصله من التراب ومعه شهوات ~~نفسه ووساوسها أن يبلغ به كنه أمره الذي هو أهله هيهات فالآدميون عجزوا عن ~~ذلك فلذلك فزع إلى ربه فقال PageV03P278 فك رهاني حتى يكون الذي عجز عنه ~~الآدميون هو الذي يفكه بجوده فينجو من رهائن الشكر ألا ترى إلى قول موسى ~~عليه السلام يا رب أسبغت علي النعم فشكرتك عليها فكيف لي بشكر شكرك قال يا ~~موسى تعلمت العلم الذي لا يفوقه علم بحسبك أن تعلم أن ذلك من عندي فهذا ~~موضع العجز فإذا بلغ العبد موضع العجز فزع إلى الله حتى يجود عليه بما بقي ~~عليه من الشكر ففكه من رهنه # قوله ثقل ميزاني فالرسل في ستر الله الأعظم فإذا نصبت الموازين امتلأت ~~الكفتان من ورع أعمال النبوة وأفعال الرسالة والصدق لسان موازينهم فأهل ~~الموقف في أشد الأهوال في ذلك الوقت لأن الرحمة لم تخرج بعد من الحجب إليهم ~~والرب غضبان أسفا محتجب عن خلقه لشرك المشركين وعبادة الأوثان وفرية ~~المفترين فإذا نصبت موازين الرسل وطارت أنوار أعمالهم من الميزان إلى الله ~~تعالى سكن الغضب ورضي عنهم الرب وخرجت الرحمة من الحجب إلى أهل التوحيد ~~فأحاطت بهم فصار الموحدون في سرادقها فعندها يوزن أفعال العباد إنما قال ~~ثقل ميزاني أي وفر علي أنوار النبوة والرسالة حتى أكون أعظمهم نورا وأشدهم ~~صدقا حتى يكون عملي هو الذي يسكن غضبك على خلقك ويخرج الرحمة إلى الموحدين # قوله واجعلني في النداء ms580 الأعلى فإن الأنبياء عليهم السلام في الموقف لهم ~~مراتب على نحو مقاماتهم بقلوبهم فمن كان أقرب منزلة بقلبه في الدنيا فهو ~~أعلى مرتبة هناك فأعلى البداء هم السابقون الذي يبدأ بهم فكان هذا دعاؤه ~~حتى بشر بالمقام المحمود # قال مجاهد @QB@ عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا @QE@ قال يجلسه على عرشه ~~PageV03P279 PageV04P001 | 4 | PageV04P001 # | - * الأصل الثامن والخمسون والمائتان # - * # | في أخلاق المعرفة # عن الحسن رضي الله عنه أنه قال من لم يحفظ هذا الحديث كان نقصا من مروءته ~~وعقله قلنا وما ذاك يا أبا سعيد قال فبكى وأنشأ يحدثنا فقال لو أن رجلا من ~~المهاجرين الأولين اطلع من باب مسجدكم هذا ما أدرك شيئا مما كانوا عليه ما ~~أنتم عليه إلا قبلتكم هذه ثم قال هلك الناس ثلاثا قول ولا فعل ومعرفة ولا ~~صبر ونفس ولا صدق ما لي أرى رجالا ولا أرى عقولا وأرى أجسادا ولا أرى قلوبا ~~دخلوا في الدين ثم خرجوا وحرموا ثم استحلوا وعرفوا ثم أنكروا وإنما دين ~~أحدهم على لسانه ولئن سألته هل تؤمن بيوم الحساب قال نعم كذب ومالك يوم ~~الدين إن من أخلاق المؤمن قوة في دين وحزما في لين وإيمانا في يقين وحرصا ~~في علم وشفقة في معة وحلما في علم وقصدا في غنى وتحملا في فاقه وتخرجا في ~~طمع وكسبا من حلال PageV04P001 وبرا في استقامة ونشاطا في هدى ونهيا عن ~~شهوة ورحمة لمجهود وإن المؤمن عياذا لله لا يحيف على من يبغض ولا يأثم فيمن ~~يحب ولا يضيع ما استودع ولا يحسد ولا يطعن ولا يلعن ويعترف بالحق وإن لم ~~يشهد عليه ولا يتنابز بالألقاب في الصلاة متخشعا إلى الزكاة مسرعا في ~~الزلازل وقورا في الرخاء شكورا قانعا بالذي له لا يدعي ما ليس له لا يجمع ~~في القنط ولا يغلبه الشح عن معروف يريده يخالط الناس كي يعلم ويناطق الناس ~~كي يفهم وإن ظلم أو بغى عليه صبر حتى يكون هو الذي ينتصر له ثم قال الحسن ~~وعظني بهذا الحديث جندب بن عبد الله ms581 وقال جندب وعظني بهذا الحديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال حق على كل مسلم حفظه وتعلمه # هذه الخصال كلها من أخلاق المعرفة فمن ترقى في درجات المعرفة احتظى في كل ~~درجة بخلق من أخلاقها # قوله قوة في دين فالدين خضوع القلب وذبول النفس وكل شيء اتضع لشيء فقد ~~دان له ومنه سمي الدون فقيل هذا دون ذاك أي تحته وأوضع منه فانقياد القلب ~~وتوضيع النفس للحق وهو الدين فقلب الآدمي كثيف غليظ ونفسه صفيقة ممتنعة بما ~~فيها من الكبر فإذا جاءت المعرفة بأنوارها ذابت تلك الكثافة وانتشفت ~~الصفاقة والفظاظة لان القلب ورق الفؤاد ولذلك قال عليه السلام أتاكم أهل ~~اليمن ألين قلوبا وأرق أفئدة PageV04P002 # وإنما تلين القلوب لرطوبة الرحمة التي جاءت مع المعرفة لأن المعرفة لا ~~ينالها العبد إلا برحمة الله فإذا لان القلب برطوبة الرحمة ورق الفؤاد ~~بحرارة النور ضعف القلب وذبلت النفس فاحتاج إلى صلابة فكان من صنع الله ~~تعالى للعبد أن أعطاه من هذه الأنوار الثلاثة حتى دان القلب لله وهو نور ~~الرحمة ونور الحياة ونور العظمة فبنور الرحمة يلين القلب وينقاد بنور ~~الحياة ينصب لله عبودة وبنور العظمة يتصلب ويثبت إذا جاءته أمواج الشهوات ~~ليزيله عن مركزه ومقامه لأن العبد دعي إلى العبودة فمن أجاب ولان قلبه ~~فإنما لان وأجاب بنور الرحمة الذي ناله والذي لم ينله ذلك قسا قلبه أي يبس ~~بمنزلة غصن شجرة يابسة إذا مددته انكسر فإذا كان القلب رطبا فمددته انقاد ~~وانمال ثم لما أمر هذا العبد أن يكون منتصبا بين يدي خالقه لعبودته أيد ~~بالحياة في كبده حتى يتكبد ويقوى للانتصاب وذلك قوله تعالى @QB@ لقد خلقنا ~~الإنسان في كبد @QE@ # قال منتصبا فقوة الحياة في الكبد ومن تلك القوة ينتصب قلبه لله تعالى ثم ~~يحتاج إلى ثبات عند الزلازل لأن الشهوات إذا هاجت بأمواجها وهبوب رياحها في ~~عروق النفس وقعت الرجفة في النفس والزلزلة في القلب بمنزلة سفينة في بحر قد ~~علت أمواجه فصارت السفينة تتكفأ بما فيها فكذلك يصير ms582 القلب وإذا صار هكذا ~~وهن وذل فيحتاج هذا القلب إلى ثبات فإذا أيد بنور العظمة صلب وثبت # ولذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما رزق عبد شيئا ~~أفضل من إيمان صلب # وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله في الأرض ~~أواني PageV04P003 ألا وهي القلوب وأحبها إلى الله أرقاها وأصفاها وأصلبها # أرقاها للإخوان وأصفاها من الذنوب وأصلبها في ذات الله تعالى # قوله وحزما في لين فإن اللين يظهر على الأركان فإذا كان أصله من القلب ~~كان من السكينة وإذا كان أصله من النفس كان من الكسل فإذا كان من الكسل ~~انتشرت أمور دينه ودنياه وتبددت وضاعت وإذا كان من السكينة ثقل القلب بثقل ~~السكينة فسكنت الجوارح وإذا سكنت الجوارح من ثقل القلب ظهر الحزم في الأمور ~~والحزم هو اجتماع الأمور فيرى أمر دينه ودنياه كلها محكمة قد جمعت حزمة ~~حزمة # قوله وإيمانا في يقين فإن الموحدين من الله عليهم بنور التوحيد فوحدوه ثم ~~للنفس في الأسباب مرتع فإذا تعلقت بسبب من الأسباب لم تنتقض عقدة التوحيد ~~لأنها معقودة بالعقدة العظمى وهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها ولكن ~~دخل النقص في نوره المشرق في صدر فصار محجوبا عن الله وبقي مع الأسباب ~~فتراه الدهر من خوف الرزق مضطربا ومن خشية الخلق ذاهلا ومن الطمع فيما ~~لديهم أسيرا ولا يعمل لله إلا كأجير السوء فهذا موحد دني سفل ولا يقدر على ~~الوفاء والتوفير لما نطق لسانه يقول الحمد لله على نعمته ثم تراه كفورا في ~~الفعل ويقول الله أكبر ثم يتكبر على حق الله ويقول لا إله إلا الله ثم توله ~~قلبه إلى الأسباب فتراه عيير أهل الدنيا ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله ثم ~~يقتدر في الأمور ويقول صلى الله على محمد ثم يوهن عرى ما جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم بالسيرة المذمومة والأفعال السيئة ويقول يا رب ثم ينازعه في ~~تدبيره في ربوبيته PageV04P004 # ويقول ms583 توكلت على الله ثم يتخذ من دونه أولياء فيتعلق بهم لنوائبه وحوائجه ~~ويقول فوضت أمري إلى الله ثم يعرض عن تدبيره ويشتغل بتدبير نفسه ويقول ~~اللهم خر لي فإذا خار تسخط وتلوى ويقول حسبي الله ثم تراه يركن إلى كل ظلوم ~~قال الله تعالى ^ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ^ # فهذا مع هذه العقارب قد يسمى باسم الإيمان باعترافه وتوحيده وقبوله ~~الإسلام ولكن الحساب طويل والعذاب أليم في القبر والقيامة وعلى الجسر ~~فيحتاج مع هذا الإيمان إلى يقين فإذا نال اليقين تخلص من هذه العقارب وصار ~~موحدا شاكرا لله خالصا متواضعا والها إليه في كل حاجة مفوضا ملقيا نفسه ~~بيديه سلما فيتولى الله ويتولاه الله قد عز رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ووقره ونصره واتبع النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون # وقال الحسن البصري رضي الله عنه إن عمر رضي الله عنه لم يغلب الناس ~~بالصلاة والصوم ولكن بالزهد واليقين # وقال بكر بن عبد الله المزني أن أبا بكر رضي الله عنه لم يفضل الناس ~~بكثرة صوم ولا صلاة وإنما فضلهم بشيء كان في قلبه # وقال صلى الله عليه وسلم خير ما ألقي في القلب اليقين # وقال صلى الله عليه وسلم ما أعطيت أمة من اليقين ما أعطيت أمتي # وقال صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين وفساد آخرها بالبخل PageV04P005 ~~والأمل ولا يظهر البخل والأمل إلا من فقد اليقين ساء ظنهم بربهم فبخلوا ~~وتلذذوا بشهوات الدنيا فحدثوا أنفسهم بالأماني الكاذبة # قوله حرصا في علم قد اتجه على وجهين وجه منهما أن العلم بحر فإذا دخله ~~طالبه فتوسطه فلم ير له ساحلا ولا منتهى وسأم فيحتاج إلى حرص يعينه على ذلك ~~ويذهب بملالته والحرص إنما صار مذموما في أمر الدنيا لأن النفس كلما أعطيت ~~درجة من الدنيا نزعت إلى أعلى منها وهو في طلب الدنيا مذموم ولأنه لا يقنع ~~بما قدر له في اللوح من الرزق الذي قد فرغ الله منه لكل نفس والحرص في طلب ~~العلم محمود لأنه ms584 يترقى بعلمه بقلبه إلى علام الغيوب فكلما نال درجه قربت ~~منزلته عند ربه قال تعالى @QB@ والذين أوتوا العلم درجات @QE@ # وقال عليه السلام إن يوما لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله تعالى لا ~~بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم # فالحرص في طلب العلم يرقى بصاحبه والحرص في طلب الدنيا يحط بصاحبه # والوجه الآخر من الحرص أنه يحرص على البر والتقوى فيحتاج ذلك الحرص إلى ~~العلم لئلا يتعدى به حرصه في بره وتقواه إلى السقوط في التهلكة فيبر بما ~~يصير عقوقا ويتقي بما يصير وسوسة ويعمل البر غير مصيب للحق كما فعل جريج ~~الراهب في بره وكما فعلت بنو إسرائيل في تقواهم # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جريج ~~PageV04P006 الراهب كان متعبدا في صومعة زمن بني إسرائيل وكانت له أم تأتيه ~~فتناديه فتقول يا جريج فيقطع صلاته فيكلمها فأتته يوما فجعلت تناديه يا ~~جريج فجعل لا يكلمها ولا يقطع صلاته ويقول يا رب أمي وصلاتك فلا يكلمها ~~فلما رأت العجوز ذلك جزعت وقالت اللهم إن كان جريج يسمع كلامي ولا يكلمني ~~فلا تمته حتى ينظر في أمين المومسات وكانت راعية وراع يأويان إلى ديره فوقع ~~بها الراعي فحملت وكانت أهل القرية يعظمون الزناء إعظاما شديدا فلما ولدت ~~أخذوها فقالوا ممن ولدت قالت من جريج الراهب نزل فوقع بي فحملت فأتاه قومه ~~فنادوه يا جريج فجعل يقول يا رب قومي وصلاتك وجعل لا يكلمهم فلما رأوا ذلك ~~ضربوا صومعته بالفئوس فلما رأى ذلك نزل إليهم فقال ما لكم قالوا ذكرت هذه ~~أنها ولدت منك فضحك ثم صلى ركعتين ثم وضع يده على رأس المولود فقال من أبوك ~~فقال الراعي الذي كان يأوي معها إلى ديرك فلما رأى قومه ذلك جزعوا مما ~~صنعوا به وقالوا دعنا نبني لك صومعتك ونعيدها لك من ذهب وفضة فقال لا ~~أعيدوها على ما كانت فقال له قومه لم ضحكت ونحن نريد ما نريد من القتل ~~والشتم قال ذكرت ms585 دعوة والدتي ألا أموت حتى أنظر في أعين المومسات فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو دعت الله أن يخزيه لأخزاه ~~ولكنها دعت أن ينظر فنظر # قال مجاهد كان المولود أحد الثلاثة الذين تكلموا في المهد # عن يزيد بن حوشب الفهري عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV04P007 # يقول لو كان جريج الراهب فقيها عالما لعلم أن إجابة أمه من عبادة ربه # عن سعيد بن المسيب قال جاء عثمان بن مظعون إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا رسول الله غلبني حديث النفس فلم أحب أن أحدث شيئا حتى أذكر ~~ذلك لك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وما تحدثك به نفسك يا عثمان قال ~~تحدثني نفسي أن أختصي فقال مهلا يا عثمان فإن خصاء أمتي الصيام قال يا رسول ~~الله فإن نفسي تحدثني بأن أترهب في رؤوس الجبال قال مهلا يا عثمان فإن ترهب ~~أمتي الجلوس في المساجد انتظارا للصلاة قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني ~~أن أسيح في الجبال قال مهلا يا عثمان فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله ~~والعمرة والحج قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أخرج من مالي كله قال ~~مهلا يا عثمان فإن صدقتك يوما بيوم وتكف نفسك وعيالك وترحم المسكين واليتيم ~~فتطعمه أفضل من ذلك قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أطلق خولة امرأتي ~~قال مهلا يا عثمان فإن الهجرة في أمتي من هجر ما حرم الله عليه أو هاجر إلي ~~في حياتي أو زار قبري بعد موتي أو مات له امرأتان وثلاث وأربع قال يا رسول ~~الله فإن نهيتني أن أطلقها فإن نفسي تحدثني بأن لا أغشاها قال مهلا يا ~~عثمان فإن الرجل المسلم إذا غشي أهله أو ما ملكت يمينه فلم يكن من وقعته ~~تلك ولد كان له وصيف في الجنة وإن كان من وقعته ولد فمات قبله كان له فرطا ~~وشفيعا يوم القيامة وإن مات ms586 بعده كان له نورا يوم القيامة قال يا رسول الله ~~فإن نفسي تحدثني بأن لا آكل اللحم قال مهلا يا عثمان فإني PageV04P008 أحب ~~اللحم ولآكله إذا وجدته ولو سألت ربي أن يطعمنيه في كل يوم لأطعمنيه قال يا ~~رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن لا أمس الطيب قال مهلا يا عثمان فإن جبرائيل ~~عليه السلام أتاني بالطيب غبا وقال يوم الجمعة لا مترك له يا عثمان لا ترغب ~~عن سنتي ومن رغب عن سنتي فمات قبل أن يتوب ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم ~~القيامة # وأما تقوى بني إسرائيل فروي عن جامع بن شداد قال أتيت أبا بكر ابن عبد ~~الرحمن بن الحارث بن هشام بمكة فقلت يرحمك الله إذا خرجنا فأكل بعضنا الخبز ~~وتركه بعضنا كراهية له فكيف ترى فقال أيها الناس لا تغلوا في دينكم مرتين ~~حدثني أبو هريرة رضي الله عنه أن عيسى بن مريم عليه السلام ندب قومه بخبز ~~ولحم وشراب ثم أرسل إليهم فدعاهم فأقبلوا يمسحون أيديهم بملاء الكتان باغين ~~فقالوا لا نأكل من هذا اللحم لأن كبشه رضع من كلبه ولا نأكل من هذا الخبز ~~لأن سنبله نبتت في مزبلة ولا نشرب من هذا الشراب لأن حبله نبتت في مقبرة ~~قال فلم ترهم يا ابن أخي حبب إليهم اللحم حتى أنهم ليأكلون الخصي من حبهم ~~اللحم وإن الفويسقة تقع في إناء أحدهم فيخرجها ويشرب من حبه الشراب وإنه لا ~~يصلح له شيء إلا بمزبلة ثم التفت إلى مولى له فقال ولم يكن من أحب زادنا ~~إلينا الخبز # عن أبي قلابة قال بلغ النبي عليه السلام أن أناسا من أصحابه احتموا ~~النساء واللحم فأوعد النبي صلى الله عليه وسلم فيه وعدا شديدا حتى ذكر ~~القتل فقال لو تقدمت فيه لقتلت ثم قال إني لم أرسل بالرهبانية إن خير الدين ~~عند الله الحنيفية السمحة وإنما هلكت من قبلكم من أهل الكتاب بالتشديد فتلك ~~بقاياهم في الصوامع والديار اعبدوا الله ولا تشركوا به PageV04P009 شيئا ~~وأقيموا الصلاة وآتوا ms587 الزكاة وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم لكم # فمحتاج الحريص على البر والتقوى إلى العلم حتى يمسك حرصه عن التعدي وذلك ~~صدق الحرص الذي قال عبد الله بن مسعود لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما يا ~~أمير المؤمنين إن في هذه الأمة من يبلغ عمله في الميزان ما يكون عمل يوم ~~وليلة أثقل من سبع سموات فقال بم ذلك يا ابن أم عبد قال بصدق اليقين وبصدق ~~الورع وبصدق الحرص على البر والتقوى # قوله شفقة في معة فالشفقة تحنن الرأفة والإكباب على من يشفق عليه والمعة ~~هي الحاوية مشتقة من المعاء معاء البطن فإذا كانت الشفقة بغير معة انتشرت ~~وفسدت وإذا كانت في معة كانت الشفقة في حصن فلم ينتشر ولم يفسد لأن هناك ~~شيئا يحويها قال له قائل وما ذلك الشيء قال تعظيم حق الله فإذا أشفقت على ~~حق الله تعالى كانت تلك الشفقة حاوية لهذه الشفقة فلا ينتشر ولا ينبثق ولا ~~يتعدى إلى الفساد ألا يرى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جزعوا عند ~~الحدود في مبتدأ أمرهم فأنزل الله تعالى @QB@ لا تأخذكم بهما رأفة في دين ~~الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر @QE@ # وجلد عمر رضي الله عنه ابنه فقال يا أبت قتلتني فقال إذا لقيت ربك فاخبره ~~أنا نقيم الحدود # وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في فاطمة المخزومية حيث أراد قطعها في ~~سرقة PageV04P010 فغضب فقال والله لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتها ثم نزل ~~من المنبر فقطعها # قوله حلما في علم فالحلم سعة الخلق وإذا توسع المرء في أخلاقه ولم يكن له ~~علم افتقد الهدى وضل لأن توسعه يرمي به إلى نهمات النفس فيحتاج إلى علم يقف ~~به على الحدود وإذا كان له علم ولم يكن هناك حلم ساء خلقه وتكبر بعلمه لأن ~~العلم له حلاوة ولكل حلاوة شره فيضيق أخلاقه ويرمي به ضيق إلى شره النفس ~~وحدتها فيكون صاحب عنف وخرق في الأمور فيضيع علمه # قال الشعبي ما أضيف شيء إلى شيء أزين ms588 من حلم إلى علم # وقيل الحلم أرفع من العقل لأن الله تعالى تسمى بالحلم ولم يتسم بالعقل # عن الحسن رضي الله عنه ما سمعت الله نحل عباده شيئا أقل من الحلم قال ~~@QB@ إن إبراهيم لحليم @QE@ وقال @QB@ فبشرناه بغلام حليم @QE@ # فالحلم سعة الخلق والعقل عقال عن التعدي في أخلاقه والواسع في ~~PageV04P011 أخلاقه حر عن رق النفس ولذلك قال عيسى عليه السلام لبني ~~إسرائيل لا عبيد أنقياء ولا أحرار كرماء # فالحليم كريم أينما انقاد والحليم يحتمل أثقال الأمر والنهي بلا كبد ولا ~~مجاهدة فكان إبراهيم عليه السلام ممن احتمل الأثقال ابتلي بالنار وابتلي ~~بالهجرة والغربة وابتلي بسارة وابتلي بالختان وابتلي بذبح الولد فجاد بنفسه ~~وولده فقال الله تعالى @QB@ إن إبراهيم لحليم أواه منيب @QE@ # قوله قصدا في غنى القصد القسط إلا أن القصد في الأفعال والأعمال والقسط ~~في الأوزان قال الله تعالى @QB@ واقصد في مشيك @QE@ أي المشي الوسط لا ~~الوهن الكسلان ولا السريع العجلان # وروي أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءه ضيف فبينما هو قاعد عنده إذ جاءه ~~الراعي على يده بهمة قد ولدها فقال له اذبح شاة ثم قال للضيف لا تحسبن أنا ~~من أجلك ذبحنا ولكن لنا شياه مائة فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة ~~فهكذا القصد إن الله إذا رزقه اقتصد قال الله تعالى @QB@ فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات @QE@ # قال عليه السلام في قوله تعالى @QB@ اعملوا آل داود شكرا @QE@ من كان فيه ~~ثلاث خصال فقد أوتي ما أوتي آل داود خشية الله في السر والعلانية والقصد في ~~الغنى والفقر والعدل في الغضب والرضاء PageV04P012 # قوله تجملا في فاقة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ثائرا شعره ~~فقال لم يشوه أحدكم نفسه ورأى آخر في ثياب وسخة فقال أما يملك هذا ما يغسل ~~ثيابه وقال إن الله نظيف يحب النظافة وقال نظفوا أفنيتكم فإن اليهود لا ~~ينظفون # فالفقير صاحب الفاقة إذا كان حي القلب صاحب تقوى وجدته في نظافة وهيئة من ~~نظر إليه لم يوحشه ms589 ومن جالسه لم يثقل عليه ولم يتأذ به يأخذ شعره ويقلم ~~أظافره ويغسل أدرانه ويبيض أثوابه ويتطيب وينظف مجلسه ويكنس بيته وليس لذلك ~~كثير مؤنة وإنما يهملها من يهملها لنذالة النفس ودناءتها لا لأنه لا يجد ~~والقلب إذا مات لم يلتمس النظافات والطهارات # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربط الحجر على بطنه من الجوع ولا ~~يترك الطيب ويعاهد أحوال نفسه # وكان لا تفارقه المرآة والسواك والمقراض في السفر والحضر # وكان إذا أراد أن يخرج إلى الناس نظر في ركوة فيها ماء فيسوي من لحيته ~~وشعر رأسه ويقول إن الله جميل يحب الجمال # عن مكحول عن عائشة رضي الله عنها فمن أغفل ذلك ورفع البال عن نفسه ساء ~~منظره ووحشت هيئته فأدخل على إخوانه من المؤمنين الغم والهم من أجله وكان ~~ذلك كالشكوى إلى العباد من ربه وإذا تجمل في فاقته كان كالكاتم مصيبته ~~الشاكر لربه المتحمد إلى خلقه PageV04P013 # وروي عن عمران بن الحصين رضي الله عنه أنه لبس الخز فقيل له تلبس الخز ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أنعم الله على عبده أحب أن ~~يرى أثر ذلك عليه # وقد لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبا جديدا فقال الحمد لله الذي ~~كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في الناس # فهذا التجمل في الناس لا للناس إنما هو لله شكرا له ونشرا للجميل عنه ~~وإذا أصابته مصيبة سترها وكتمها # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من كتم مصيبته أربعين يوما ~~يخرج من الذنوب كيوم ولدته أمه # وروي عن علي بن الحسين رضي الله عنه أنه لدغته عقرب فصبر في ذلك الوجع ~~ليلته إلى الصباح كاتما له لئلا يعلم به أحد فلما أصبح أعتق رقبة شكرا لله ~~أن أعطاه الصبر حتى قدر على كتمانه # والعبد الحي القلب إذا أنعم الله تعالى عليه نعمة نشرها عند خلقه قولا ~~وفعلا وإذا نكب نكبة سترها وكتمها لئلا يرى العباد من أحوال نفسه ms590 ما يتحير ~~العباد فيه من سوء الحال لأن الله تعالى معروف بالمعروف فإذا رأوا سوءا ~~PageV04P014 تحيروا حتى يرجعوا إلى إيمانهم به أنه عدل لا يظلم ولا يجور ~~ولذلك استرجع أهل المصيبة لأنهم عندما يصابون تأخذهم الحيرة في أول الصدمة ~~وإذا ذكروا ربهم استرجعوا معنى قولهم @QB@ إنا لله وإنا إليه راجعون @QE@ ~~أي رجعنا إليك من حيرتنا وعلمنا أن ذلك لك وأن فعلك هذا بنا خير كله # قوله تحرجا عن الطمع فالطمع فيما في أيدي الخلق هو انقطاع عن الله ~~والمنقطع عن الله مخذول خائب لأنه عبد بطنه وفرجه وشهواته والطمع والرجاء ~~مقترنان إلا أن الرجاء صفة فعله أن يمد القلب عنقه إلى شيء والطمع وجود ~~القلب طعم ذلك الشيء الذي رجاه فهذا فتنة # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعوذ بالله من طمع يهدي إلى طبع # فالطمع إذا عمل في القلب وتمكن فيه طبع على قلبه لأنه يوله قلبه إلى ~~الخلق عن الله فتراه يتملق لهذا ويمدح ذاك في وجهه ويتبع هذا فيصير كالعبد ~~له فكم من حق يضيعه وكم من أمر يسكت عن الحق فيه فإذا نطق نطق بالهوى فهذا ~~قلب قد خرب ولذلك قال الله تعالى يا داود ما من عبد يعتصم بخلق دوني إلا ~~أسخطت الأرض من تحت قدميه وقطعت أسباب السماء من فوقه # وقال الله تعالى لموسى عليه السلام من رجا غيري وكلته إليه ومن وكلته ~~إليه فليستعد للفتنة والبلاء # قوله كسبا من حلال كل نفس قد فرغ الله من رزقها وأثبته في PageV04P015 ~~اللوح ثم أنزل بذلك قرآنا فقال @QB@ وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها @QE@ # فالمؤمن الموقن قد صار هذا الضمان له معاينة فاطمأن إلى ذلك ولم يتعد إلى ~~الحرام والذي ضعف يقينه بغلبة شهواته على إيمانه فيفتتن ويتعدى إلى الحرام ~~والشبهة # قوله برا في استقامة المؤمن إذا كان لين القلب رقيق الفؤاد عطف على الأهل ~~والولد والناس كلهم فإذا بر وكان بهذه الصفة لم يؤمن أن يزل عن ms591 الحق ~~والصواب فيصير البر عقوقا # عن إبراهيم النخعي كان يستحب أن يسوي الرجل بين ولده حتى في القبلة # عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اعدلوا بين أولادكم ~~في النخب كما تحبون أن تعدلوا بينكم في البر واللطف # وعن النعمان بن بشير أن أباه نحله غلاما فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يشهده فقال كل ولدك نحلته قال لا قال فاردده # فقوله برا في استقامة شرط وثيق وهو أن لا يمازجه الهوى والبر والملق ~~قرينان مشتبهان # قوله نشاطا في هدى فالنشاط هو انحلال النفس وانبساطها PageV04P016 ~~والأنشوطة هو العقد إذا مددته انحل من غير أن تحله فإذا عمل العبد عملا كان ~~من النفس فيه انقباض وكسل فإذا قارنها الهوى والشهوة نشطت وانحلت فأمر صاحب ~~هذا أن يتفقد حتى يكون نشاط نفسه وانحلالها في هدى لا في ضلالة # قال الله تعالى @QB@ ويحذركم الله نفسه @QE@ وقال @QB@ واعلموا أن الله ~~يعلم ما في أنفسكم فاحذروه @QE@ أي أحذروا أن لا يتلظى عليكم شعاع من نور ~~العظمة فتصير السموات والأرض جمرة واحدة # فالنشاط يحتاج إلى الهدى كيلا يفوته الحذر مثل الصبي إذا رأى معلمه انقبض ~~وتطأطأ فإذا افتقده انبسط وابتش وكان السلف الصالح ينبسطون إلى أهاليهم ~~وأولادهم وإخوانهم ويظهرون النشاط في الأمور ويتفقدون من أنفسهم الوقوف عند ~~الحدود كي لا يرتطموا في النهي # وقال إبراهيم النخعي يعجبني أن يكون الرجل في أهله كالصبي فإذا بغى منه ~~وجد رجلا يعني إذا طولب بما لا يجوز في الحق وجد صلبا في دينه # قوله نهيا عن شهوة فإن النفس ذات شهوات فإذا أطمعتها في واحدة طمعت في ~~أخرى ثم لا يزال كذلك حتى تستمر فتشرد على صاحبها شراد البعير # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من السرف أن تأكل كل ما شئت # معناه أن النفس إذا اعتادت هذا من صاحبها استمرت فإذا منعتها لم تقدر على ~~ذلك # وعن عكرمة رضي الله عنه أن النفس إذا أطمعتها طمعت وإن آيستها أيست وإن ~~فوضت إليها ms592 ضيعت PageV04P017 # قوله رحمة للمجهود فالمجهود أصناف مجهود في المعاش ومجهود في العبادة ~~ومجهود في البلاء فمن شأنه أن يرحم كل هؤلاء # قوله إن المؤمن عياذا لله عياذا الله هو الذي يعيذ عباده من السوء المؤمن ~~البالغ في إيمانه يعيذ العباد بفضل إيمانه من جوره فقد أمنه الخلق وصاروا ~~منه في معاذ لا يحيف على من يبغض أي بغضه إياه لا يحمله على أن يحيف عليه ~~وذلك قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ~~@QE@ الآية # قوله لا يأثم فيمن يحب أي لا يحمله حبه إياه أن يأثم في جنبه فإنه إذا ~~كان على غير ذلك كان بغضه لغير الله وحبه لغير الله # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يبلغ العبد ذروة ~~الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله # فمن كان حبه في الله وبغضه في الله لم يحمله البغض على أن يجور ولا الحب ~~على أن يأثم ومن أحب وأبغض لهوى نفسه جار على المبغض وأثم في جنب المحبوب ~~قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم @QE@ وذلك أنهم لما أرادوا الهجرة امتنع منهم بعض أزواجهم ~~وأولادهم فافتتن بعضهم بالأزواج والأولاد فأقاموا وتركوا الهجرة ومنهم من ~~مضى وتركهم فنزلت هذه الآية فيمن أثم في جنب محبوبه من الأهل والولد # قوله ولا يضيع ما استودع لأنه يشفق على ما يؤتمن عليه كشفقته على مال ~~نفسه لعظيم قدر الأمانة عنده PageV04P018 # قوله ولا يحسد لأن من عرف الله عرف أنه هو قسم الدنيا بين أهلها بحكمة ~~بالغة وقال @QB@ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها كل في كتاب مبين @QE@ ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وقال تعالى ~~@QB@ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من ~~بعده @QE@ وقال @QB@ وإن يردك بخير فلا راد لفضله @QE@ # فمن أيقن في إيمانه بهذه الكلمات لم يحسد الناس على فضل أوتوا وقنع بما ms593 ~~أوتي # وروي عن وهب بن منبه رضي الله عنه أن الله تبارك وتعالى اسمه كتب التوراة ~~بيده فيها عشر كلمات أمره بهن بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب الله تبارك ~~وتعالى اسمه كتبه لعبده موسى سبحني وقدسني يا موسى إني أنا الله لا إله إلا ~~أنا فاعبدني ولا تشرك بي شيئا فإني حق القول مني لتلفحن وجوه المشركين ~~النار واشكر لي ولوالديك إلي المصير أنسألك في عمرك وأقيك المتالف وأحييك ~~حياة طيبة وأقلبك إلى خير منها ولا تقتل النفس التي حرمت إلا بالحق فتضيق ~~عليك الأرض برحبها والسماء بأقطارها وتبوأ بسخطي والنار ولا تحلف باسمي ~~كاذبا ولا آثما فإني لا أطهر ولا أذكى من لم ينزهني ويعظم أسمائي ولا تشهد ~~بما لم تع سمعك ولم يحفظ عقلك ولم يعمد عليك قلبك فإني واقف أهل الشهادات ~~يوم القيامة على شهاداتهم ثم أسائلهم عنها سؤالا خفيا ولا تحسد الناس على ~~ما آتيتهم من فضلي فإني أنا الجواد بالعطية أعطي من شئت وأمنع من أردت ولا ~~تنفس عليهم نعمي ورزقي ولا تمدن عينيك ولا تتبعه نفسك فإن الحاسد عدو ~~لنعمتي PageV04P019 مضاد لقضائي ساخط لقسيمي الذي أقسم بين عبادي ومن يك ~~كذلك فلست منه وليس مني وأنا منه بريء ولا تزن ولا تسرق فأحجب عنك وجهي ~~ويغلق دون صوتك أبواب السماء ولا تغدر بحليلة جارك فإنه كبر مقتا عندي ~~وأحبب للناس ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك ولا تذبح لغيري فإنه ليس ~~يصعد إلي قربان أهل الأرض إلا ما ذكر عليه اسمي وتفرغ للسبت وفرغ له آنيتك ~~وأسقتك وثورك وحمارك ودوابك وجميع أهل بيتك # وذكر وهب رضي الله عنه أن هذه الكلمات العشر التي كتب الله لموسى عليه ~~السلام في الألواح مكتوبات في القرآن وذلك أن الله تعالى يقول @QB@ من يشرك ~~بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار @QE@ # وقال الله تعالى في الوالدين @QB@ أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير @QE@ # وقال في القاتل @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ms594 جهنم خالدا فيها وغضب ~~الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما @QE@ # قال في الحلف @QB@ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم @QE@ # وقال في الشهادة ^ ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسئولا ^ PageV04P020 # وقال في الحسد @QB@ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله @QE@ # وقال في الزنا ^ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ^ # وقال في السرقة @QB@ والسارق والسارقة @QE@ الآية # وقال في حليلة الجار @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب ~~الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ # وقال في التحاب بين الناس @QB@ إنما المؤمنون إخوة @QE@ # وقال @QB@ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم @QE@ # وقال في الذبائح @QB@ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ~~@QE@ # وقال في السبت @QB@ ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم ~~كونوا قردة خاسئين @QE@ # فمن عادى نعمة الله بحسده وسخط أمره وضاد قضاءه فمعرفته في PageV04P021 ~~سجن مظلم وسويداء قلبه لا أدري أتبقى معه حتى يختم له بها أم يسلب فيموت ~~كافرا عدوا لله وإن تفضل الله عليه بأن يتركها عليه وختم له بها لا أدري ~~متى ينجو من النار # قوله لا يطعن فالطعن قد يكون من الحسد وقد يكون من الغيرة والغيرة من ~~إبليس في صدر الآدمي كالعذرة من الآدمي فحق على كل مؤمن أن يعاف من الغيرة ~~فإذا طعن فقد هتك الستر وإنما يطعن في ستر الله ولو أن رجلا طعن في ستر ملك ~~من عظماء ملوك الدنيا لخاطر بنفسه وأهلكها فكيف بستر الله لأن المؤمن في ~~سبعين سترا من الله # عن الحسن البصري عن سلمان قال المؤمن في سبعين حجابا من نور فإذا عمل ~~خطيئة ثم تناساها حتى يعمل أخرى هتك عنه حجابا فإذا عمل كبيرة هتك عنه ~~الحجب كلها إلا حجاب الحياء وهو أعظمها حجابا فإن تاب تاب الله عليه ورد ~~تلك الحجب كلها فإن عمل خطيئة بعد الكبائر ثم تناساها حتى يعمل أخرى قبل أن ~~يتوب ms595 هتك عنه حجاب الحياء فلم يلقه إلا مقيتا ممقتا فإذا كان مقيتا ممقتا ~~نزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم يلقه إلا خائنا مخونا فإذا كان ~~خائنا مخونا نزعت منه الرحمة فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا فظا غليظا ~~فإذا كان فظا غليظا نزعت منه ربقة الإيمان فإذا نزعت منه ربقة الإيمان لم ~~تلقه إلا لعينا ملعنا شيطانا رجيما # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ما من رجلين مسلمين إلا بينهما من الله ~~ستر فإذا قال أحدهما لصاحبه هجرا هتك ستر الله # قوله لا يلعن اللعنة إذا خرجت من العبد استأذنت ربها فإذا صارت إلى من ~~رجمت إليه فلم تجد مساغا رجعت إلى ربها فقالت رب إني لم أجد مساغا فأمرت ~~بالرجوع إلى صاحبها PageV04P022 # قوله يعترف بالحق وإن لم يشهد عليه فالمؤمن أسير الحق يعلم أن الشاهد ~~عليه علام الغيوب وقد أيقن بما أنزل عليه من قوله @QB@ ولا تعملون من عمل ~~إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه @QE@ فقد اجتمع على قلبه أمران اثنان ~~العلم والشهادة فأخذته هيبة العلم وحياء الشهادة وقال تعالى @QB@ والله ~~يعلم متقلبكم ومثواكم @QE@ وقال @QB@ ألم يعلم بأن الله يرى @QE@ فلا يحوج ~~الموقن بهذا إلى أن يشهدوا عليه فهو معترف بالحق أبدا له أو عليه # عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتدرون من ~~السابقون إلى ظل الله يوم القيامة قالوا الله ورسوله أعلم قال الذين إذا ~~أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوا بذلوه وحكموا الناس كحكمهم لأنفسهم # قوله لا يتنابز بالألقاب فالنبز من شأن البطالين الذين رفعوا عن أنفسهم ~~البال وشرهت نفوسهم إلى التلذذ بالبطالات وفي ذلك حقارة للمؤمنين # وروي عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال له رجل يا أصلع فقال لقد كنت ~~غنيا عن لعنة الملائكة # وبلغ من تعظيم حق المؤمن أن يكنى ويدعي بالكنية لأن الاسم قد نالته ~~البذلة في صغره فلما بلغ وحل محل الإجلال جعلت له دعوة طرية مرفوعة عن ~~البذلة فكنى ms596 عن الاسم بشيء آخر تعظيما له PageV04P023 # وكانت الأعراب لجفائهم ينادون يا محمد يا محمد يا محمد فنزل @QB@ لا ~~تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا @QE@ فعلموا أن يقولوا يا نبي ~~الله وكانت كنيته أبا القاسم ولو دعي بتلك الكنية لكان مدعوا بما قد ابتذل ~~قبل النبوة # قوله في الصلاة متخشعا الخشوع من فعل القلب فإذا علم القلب أين قام ولمن ~~قام تخشع وإذا استقام القلب ذلت النفس وإذا ذلت النفس هدأت الجوارح # ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في صلاته قال لو ~~خشع قلبه لخشعت جوارحه # قوله إلى الزكاة مسرعا فالسرعة هي من حياة القلب يعلم أن المال ميال ~~بالقلوب عن الله فإذا مال القلب عن الله بشيء نزعت البركة من ذلك الشيء ~~فأمر بالتصدق منه ليظهر صدق إيمانه بأني لما ملت إلى هذا المال وأحببته ملت ~~عنه إلى الله تعالى بهذه العطية وبأن أخرجته من ملكي فسميت صدقة ثم سميت ~~زكاة لأن المال بسبب هذه العطية عادت إليه البركة فزكى وطهر العبد من الميل ~~عن الله فزكى # قوله في الزلازل وقورا الوقار يثقل قلب العبد فإذا نالته زلزلة بين بلوى ~~وشدة لم تستفزه ولم يتكفأ يمينا وشمالا والوقار إكليل الإيمان # قال زيد بن أسلم إن على الحق نورا وعلى الإيمان وقارا # قال داود عليه السلام إلهي دلني على عمل إذا أنا عملته نلت به ~~PageV04P024 وقارك فأوحى الله إليه يا داود أحبب المؤمنين من أجلي ولا يزال ~~لسانك رطبا من ذكري واعمل لي حتى كأنك تراني # قوله في الرخاء شكورا لأن وقت الرخاء النفس ساكنة والقلب مفتوح الباب ~~مشرق النور منكشف الغطاء فإذا تناول النعمة على نور من ربه كان شكورا ومن ~~كان في الرخاء شكورا كان في البلاء صبورا # قوله قانعا بالذي له القناعة ثواب الله العاجل للعبد بما أطاعه وهي طيب ~~النفس والحياة الطيبة # قال الله تعالى @QB@ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة ~~طيبة @QE@ وهي أن يملأ قلبه ms597 غنى حتى يكون غنيا بالله أغناه الله # وقال صلى الله عليه وسلم من استغنى بالله أغناه الله # وقال صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس # عن زيد بن رافع المدني رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال إن الله أنزل في بعض ما أنزل من الكتب قسما يقسمه يقول وعزتي وجلالي ~~وجمالي وعلوي ودنوي وارتفاع مكاني لمن آثر هواي على هواه لأجمعن له شمله ~~ولأكفينه ما أهمه ولأجعلن غناه في نفسه ولأضمنن السموات والأرض رزقه ~~ولأتجرن له من وراء تجارة كل تاجر ولمن آثر هواه PageV04P025 على هواي ~~لأشتتن عليه أمره ولأجعلن فقره بين عينيه ولأحضرنه همومه الحاضر منها ~~والغائب والقديم منها والحديث حتى لا يدري من أين يجيئه ومن أين يأخذه # وكان حق هذه الكلمة في الأعراب أن يقال قنعا بالذي له ولكن الرواة ربما ~~لحنوا في الأداء # ولذلك قال الحسن البصري أهلكتهم العجمة وقيل للحسن إنك لا تلحن قال إني ~~سبقت اللحن والقانع السائل يقال قنع يقنع قنوعا أي سأل وقنع يقنع قناعة أي ~~رضي # قال الله تعالى @QB@ وأطعموا القانع والمعتر @QE@ # وقال الشاعر # ( لمال المرء يصلحه فيغني % مفاقرة أعف من القنوع ) أي من السؤال # قوله لا يجمع في القنط القنط حرارة الحرص وإذا جمع كذلك لم يدعه الحرص أن ~~يتورع في مكاسبه # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن كيس ~~فطن حذر وقاف متثبت لا يعجل عالم ورع والمنافق همزة لمزة حطمة كحاطب ليل لا ~~يبالي من أين كسب وفيم أنفق # سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي بكر رضي الله عنه فقال كان كالخير ~~كله من رجل كان فيه حدة PageV04P026 وسئل عن عمر رضي الله عنه فقال كان ~~كالطير الحذر الذي يرى أن له في كل طريق شركا يأخذه # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من طلب الدنيا حلالا ~~واستعفافا على المسألة وسعيا على عياله وتعطفا ms598 على جاره جاء يوم القيامة ~~ووجهه كالقمر ليلة البدر ومن طلب الدنيا حلالا مفاخرا مكاثرا مرائيا لقي ~~الله وهو عليه غضبان # قوله لا يغلبه الشح عن معروف يريده الشح أقوى من البخل لأن الشح يدعو إلى ~~أن يأخذ مال غيره وما حرم عليه ويمنع حقوق الله في ماله والبخل يدعو إلى أن ~~يمنع المعروف من ماله والشح إنما هو من شح والحاء منه مضاعفة إنما هو شاح ~~يشوح أدغمت الألف في الحاء فشددت وقوله حاش يحوش هو أن يطرد الصيد من ~~النواحي إلى الصائد وكذلك الحرص يجمع أسباب المنال إلى ملكه فالحوش في فعل ~~الظاهر والشح في فعل الباطن والبخل والخلب بمعنى إلا أن الخلب أن يخادع ~~الناس في معاملاته والبخل أن يخادع ربه في معاملته على المعروف # قوله يخالط الناس كي يعلم يعني لا يخالطهم مخالطة استرواح إليهم وأنس بهم ~~ولكن مخالطة خبرة واعتبار وحذر وأخذ بالحزم # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يسأل الناس عما في الناس ~~وكان سؤاله على هذه الجهة لا للتجسس # قوله يناطقهم كي يفهم أي يفهم أحوالهم وأمورهم لأن الأسرار إنما تظهر ~~بالمناطقة ولذلك قيل إنما المرء بأصغريه وهما القلب واللسان فإذا ناطقهم ~~عرف كلا على درجته ولم يناطقهم لشهوة الكلام PageV04P027 جزافا بل يناطق ~~الحكماء ليزداد بالله علما والعامة ليفهم أحوالهم # قوله وإن ظلم أو بغى عليه صبر حتى يكون الرحمن هو الذي ينتصر له الصبر ~~الحبس ومنه المصبورة وهو أن ينصب طائرا غرضا ويرميه والمؤمن يعرف أن الله ~~عدل يأخذ من الظالم فإذا ظلم وجد الله مليا في الانتصار وأما في البغي فإن ~~صبر فقد أخذ بباب السلامة فإن انتصر فقد أثنى الله على المنتصر فقال ^ وإذا ~~أصابهم البغي هم ينتصرون ^ المنتصر ينتصر لحق الله لا لنفسه فإن خاف أن ~~تشركه النفس فيأخذ بحظها فالصبر أسلم PageV04P028 # | - * الأصل التاسع والخمسون والمائتان # - * # | في دفع الوسوسة # عن أبي المليح عن أبيه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~إني ms599 أدخل في صلاتي فما أدري على شفع أنفتل أم على وتر من وسوسة أجدها في ~~صدري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجدت ذلك فاطعن إصبعك هذا يعني ~~السبابة في فخذك اليسرى وقل بسم الله فإنها سكين الشيطان أو مدية الشيطان # ومعناه أن الطعنة بالسبابة مدية الشيطان إذا كان مبتدأها بسم الله ~~والمدية السكين الذي له وجهان كالخنجر في المقدار إلا إنها ذات وجهين فب ( ~~أسم الله تخلص تلك الطعنة بالسبابة إلى الشيطان فينال منه فخذه وساقيه حتى ~~يصير مقعدا زمنا فذلك أن الوسواس جاء صفة في الحديث كيف هو من الآدمي # عن عثمان بن أبي العاصي رضي الله عنه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الوسواس فقال ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا PageV04P029 أحسست ~~بشيء منه فاتفل عن شمالك ثلاثا ثم تعوذ بالله منه # عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال سألت الله عز وجل أن يريني الشيطان ~~ومكانه من ابن آدم فرأيته يداه في يديه ورجلاه في رجليه متشاعب في جسده غير ~~أن له خطما كخطم الكلب فإذا ذكر الله خنس ونكص وإذا سكت عن ذكر الله أخذ ~~بقلبه # فعلى نحو ما وصف أبو ثعلبة أنه متشاعب في الجسد أن في كل عضو منه لشعبة ~~منه # عن عبد الرحمن بن الأسود أنه قال بعدما كبر سني وضعفت ما أمنت من الزنا ~~وما يؤمنني أن يدخل الشيطان ذكري فيؤيده فهذا القول ينبئك أنه يتشعب في ~~الجسد # عن الأعمش عن جثيمة أنه كان يقول يقول الشيطان كيف ينجو مني ابن آدم وأنا ~~في صدره وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه # إنما يطير إلى الرأس في وقت الغضب لأن العقل في الرأس وإشراقه من الرأس ~~إلى الصدر لينظر عين الفؤاد بنور العقل فيميز بين الأمور ويدبر فإذا رأى ~~الشيطان الغضب قد هاج من الآدمي طار إلى رأسه حتى يحجب العقل عن أن يشرق في ~~الصدر # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms600 أنه قال الشيطان يجري من ابن آدم ~~مجرى الدم PageV04P030 # فمجرى الدم هي العروق المشتملة على جميع الجسد فدل هذه الأحاديث أن ~~الشيطان متشاعب في الجسد ثم سلطانه ومقعده في الصدر وقت الوسوسة # عن يحيى بن أبي كثير قال الوسواس له باب في صدر ابن آدم يوسوس إليه منه # عن وهب بن منبه إن إبليس وضع ابنا له بين يدي حواء وقال اكفليه فجاء آدم ~~عليه السلام فقال ما هذا يا حواء قالت جاء عدونا إبليس بهذا وقال لي اكفليه ~~فقال ألم أقل لك لا تطيعيه في شيء هو الذي غرنا حتى وقعنا في المعصية وعمد ~~إلى الولد فقطعه أربعة أرباع وعلق كل ربع على شجرة غيظا له فجاء إبليس فقال ~~يا حواء أين ابني فأخبرته بما صنع آدم عليه السلام فقال يا خناس فحيى ~~فأجابه فجاء به إلى حواء وقال اكفليه فجاء آدم عليه السلام فحرقه بالنار ~~وذر رماده في البحر فجاء إبليس عليه اللعنة فقال يا حواء أين ابني فأخبرته ~~بفعل آدم به فذهب إلى البحر فقال يا خناس فحيى فأجابه فجاء به إلى حواء ~~الثالثة وقال اكفليه فنظر إليه آدم فذبحه وشواه وأكلاه جميعا فجاء إبليس ~~فسألها فأخبرته حواء فقال يا خناس فحيى فأجابه فجاء به من جوف آدم وحواء ~~فقال إبليس هذا الذي أردت وهذا مسكنك في صدر ولد آدم وهو ملتقم قلب ابن آدم ~~ما دام غافلا يوسوس فإذا ذكر الله لفظ قلبه وانخنس # عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيطان ملتقم قلب ~~ابن PageV04P031 آدم فإذا ذكر الله خنس عنه وإذا نسي التقم قلبه # وأما التفل الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به أن يتفل عن يساره ~~فإن التفلة واصلة إلى وجه الشيطان فيصير قروحا وكذلك رمي الجمار إنما يرمى ~~رأس الشيطان ومطلعه حيث طلع لآدم عليه السلام ثم لخليل الله عليه السلام ~~فبقيت سنة لأن تلك الطلعة منه كائنة لكل مسلم حاج فإذا رمي الجمار شدخ رأسه ms601 ~~وطلعته حتى يختسئ وإنما أمر بسبع حصيات لأنه اطلع رأسه من سبع أرضين ونفسه ~~موثقة في سجين ولذلك سجنه تحت الأرض السابعة فبكل حصاة يختسئ في الأرض حتى ~~يبلغ خسئاته بالحصاة السابعة الأرض السابعة إلى مستقره فكذلك التفلة مع ~~تعوذك بالله يرد الذي جاء به من النزعة والوسوسة كالنار إلى وجهه فيحرق ~~فيصير قروحا # وروي عن الربيع بن خيثم أنه قصت عليه رؤيا منكرة وذلك أنه أتاه آت فقال ~~إني رأيت في المنام كأن قائلا يقول أخبر الربيع أنه من أهل النار فتفل عن ~~يساره ثلاثا وقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فرأى ذلك الرجل في منامه في ~~الليلة الثانية كأن رجلا جاء بكلب فأقامه بين يديه وفي عنقه حبل وعلى جبهته ~~قروح فقال هذا ذلك الشيطان الذي أراك في منامك رؤيا الربيع وهذه القروح تلك ~~التفلات الثلاث التي كانت منه PageV04P032 # | - * الأصل المائتان والستون # - * # | في أن كمال المرء في سبع # عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم ~~وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام # كمال المرء في العلم والحق والعدل والصواب والصدق والأدب واللبق وذلك أنه ~~إذا لم يعلم فهو جاهل بأمر الله فإذا علم أمر الله احتاج أن يكون محقا ~~فيعمل بذلك العلم فإذا عمل بذلك احتاج إلى إصابة الصواب في ذلك العمل بأن ~~لا يكون في غير وقته كالصلاة عند PageV04P033 طلوع الشمس وترك إجابة الأم ~~في الصلاة والغزو بغير إذن أبويه وقبل ذلك احتاج إلى العدل بأن يكون يريد ~~به وجه الله في ذلك العمل فإذا عدل احتاج إلى الصدق أن لا يلتفت إلى نفسه ~~فيوجب لها ثوابا فتحتجب عنه المنة فيصير معجبا فإذا صدق العبودة احتاج إلى ~~الأدب حتى يعمله كأن الله يراه بوقار وسكينة وهيبة ويقظة فإن الأدب بساط ~~العمل وإذا قام الأدب احتاج إلى اللبق وإنما يدرك اللبق بحياة القلب بالله ms602 ~~فهذا الكامل لأنه يعمل على المشاهدة على بصيرة قال الله تعالى @QB@ بل ~~الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره @QE@ أي لا يقبل عذره لأنه أعطي ~~البصيرة فأعماها بهوى النفس والبصيرة للقلب من نور معرفة الفطرة والعمى من ~~دخان النفس وحريق الشهوات وظلمتها # ثم من الله على مختاريه من ولد آدم من كل ألف واحد فوضع فيه الخير حتى ~~صار مختارا ثم من عليه بنور التوحيد وفي جوف ذلك النور نور المحبة فلما ~~وجدت النفس حلاوة نور المحبة رفضت حلاوة عبادة الأوثان وقبح عنده الشرك ~~وقويت بصيرته فهتكت كل حجاب بينه وبين ربه وصدرت أعماله من صدره إلى ~~الأركان على مشاهدة النفس ومعاينة القلب محل المقادير والقضاء من ملك ~~الجبروت وذلك قوله تعالى @QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ~~ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين @QE@ # فلم يجعل الدعاء على بصيرة إلا لتابعي محمد صلى الله عليه وسلم وتابعوه ~~من هاجر عما نهى الله عنه ونصر الحق في كل موطن وكان له السبق فهذا عبد قد ~~رضي الله عنه وأعطاه حبه فأحبه فاحتدت بصيرته حتى انتهت إلى المقام بين يدي ~~الله فباطن الأشياء له معاينة كظاهر الأشياء لأهل الغفلة PageV04P034 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور ~~الله # وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يأثره عن جبرئيل عليه السلام عن ~~الله تعالى إنه قال ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء فرائضي وإنه ليتقرب إلي بعد ~~ذلك بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع وبصره الذي به ~~يبصر ولسانه الذي به ينطق ويده التي بها يبطش ورجله التي بها يمشي وفؤاده ~~الذي به يعقل فبي يستعمل هذه الأشياء # فإذا أدى الفرائض وهو إقامة الأمر والنهي فقد هاجر وإذا تنفل بعد إقامة ~~الأمر والنهي فقد نصر الحق وإذا قطع العلائق نال السبق لأنه قد انفلت من ~~المتعلقين فعاد إلى ربه فهذا التابع بإحسان قال الله تعالى @QB@ والسابقون ~~الأولون من ms603 المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه @QE@ # فالسبق والأولية في كل أمر وعمل لهذه الطبقة التي هاجرت عن الآثام ونصرت ~~الحق فهم أهل الرضاء ومحبو الله لأنهم اتبعوا رأس المحبين محمدا صلى الله ~~عليه وسلم فنالوا من تلك المحبة التي أعطى محمد صلى الله عليه وسلم وقال في ~~PageV04P035 تنزيله @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر ~~لكم @QE@ فجعل اتباع محمد صلى الله عليه وسلم علما لمحبة الله فمن اتبعه ~~صدقا نال حبه صدقا # عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ قال على البر ~~والتقوى والتواضع وذلة النفس # فالبر والتقوى هو الهجرة التي ذكرناها والتواضع هو السبق لأن من تواضع ~~رفعه الله وذلة النفس نصرة الحق # قال له قائل وكيف صار نصرة الحق في النوافل دون الفرائض قال إن نصرة الحق ~~منه في الفرائض منكمنة لأنه إن ترك الفرائض فخوف الوعيد يحمله على القيام ~~بها فما دام يؤدي الفرائض فهو ناصر للحق ولكن النصرة منكمنة لأنه ربما ~~أداها من خوف العقاب والوعيد فإذا تنفل فقد انكشفت النصرة لأنه يعمل لا من ~~خوف الوعيد إنما يريد أن يتودد ويتقرب ويتحبب إلى ربه ألا ترى أنه قال في ~~حديثه وإنه ليتقرب إلي بعد ذلك بالنوافل حتى أحبه فإنما أوجب له حبه بما ~~تحبب إليه بالنوافل فقد تقرب العبد بالفرائض وتحبب ولكن كان ذلك منه منكمنا ~~لأن خوف الوعيد قد مازجه فبالنوافل ظهر ما كان منكمنا فأظهر له حبه فأوجبه ~~له # عن جابر رضي الله عنه قال جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعليه ثياب بيض فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه فقال يا رسول ~~الله ما الجمال قال صواب القول بالحق قال فما الكمال قال حسن الفعال بالصدق ~~PageV04P036 # عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله ~~غير أنه ms604 زاد فيه فرآه تبسم فقال ما يضحكك يا رسول الله أضحك الله سنك قال ~~يضحكني جمالك قال وما الجمال يا رسول الله فذكر بقية الحديث # فهذا الكمال موجود في الرجال بفضل العقول وتفاوتها لأن المعرفة مع العقل ~~والنساء منقوصات في العقل ولذلك صارت شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل # فأما مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم فإنهما برزتا على النساء بما أعطيتا ~~فكملتا قال له قائل فماذا أعطيتا حتى كملتا قال أعطيتا السبيل إلى الوصول ~~إلى الله ثم الاتصال به وذلك ما ندب الله إليه عباده المؤمنين فقال @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم ~~تفلحون @QE@ # وفيما قص الله علينا من نبأهما دليل على كمالهما من قوله @QB@ ضرب الله ~~مثلا @QE@ أي صفة للذين آمنوا ليتمثلوه فيطلبوا هذا المثال من أنفسهم @QB@ ~~امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة @QE@ والعند في اللغة ~~أقرب القرب بين يديه فسألت ربها مستقرا بين يديه في داره في مكان القربة ~~فلم تسأل ذلك إلا وقد طالعت نور القربة ثم قالت @QB@ ونجني من فرعون وعمله ~~@QE@ # سألت أن يخلصها من سلطان فرعون حتى لا يجتمعا في شأن البضاع على رائحة ~~الشرك ولذلك حرم الله على المؤمنين مشركات النساء حتى لا يجتمع رائحة ~~التوحيد مع رائحة الشرك وأباح نساء أهل PageV04P037 الكتاب لأنهن من الكفار ~~غير مشركات ثم قال ^ ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من ~~روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه ^ # فالتصديق بالكلمة أعظم الأشياء لأنها لم تعاين الملائكة وإنما سمعت صوت ~~البشرى @QB@ إن الله يبشرك بكلمة منه @QE@ فصدقت ولم تردد فسماها الله ~~صديقة في تنزيله فقال @QB@ وأمه صديقة @QE@ # فبالاتصال بلغ العباد أعلى منازل الصديقين فلا ينالهم في أمر الله حيرة ~~ألا ترى أن سارة لما بشرت بإسحاق كيف اضطربت حتى أنكرت الملائكة من قولها ^ ~~إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله ^ فتبين ههنا منها نقص وتبين ~~الكمال من مريم حيث بشرت بالكلمة من قوله @QB@ إن الله ms605 يبشرك بكلمة منه ~~اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم ~~الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين @QE@ # فعندها قالت @QB@ رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر @QE@ فإنما سألت من ~~أين هذا الولد لأنه قد جاءها من أمر الله ما ليس في البشر مثله والذي جاء ~~من أمر سارة ليس بمستنكر قد يكون مثله في البشر ألا ترى أنه لما جاء الولد ~~من إبراهيم وسارة لم يفتتن الخلق به ومجيء عيسى عليه السلام فتنة على ~~المفتونين PageV04P038 # | - * الأصل الحادي والستون والمائتان # - * # | في أخلاق الله المائة والسبعة عشر # عن عبد الله بن راشد قال حدثني مولاي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله مائة وسبعة عشر خلقا من أتى ~~بواحدة منهن دخل الجنة # وعن مروان يقول سمعت عثمان بن عفان يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول إن لله تعالى مائة وسبعة عشر خلقا من جاء بخلق منها دخل الجنة ~~بغير حساب فقلنا بينها لنا قال كظم الغيظ والعفو عند المقدرة والصلة عن ~~القطيعة والحلم عند السفه والوقار عند الطيش ووفاء الحق عند الجحود ~~والإطعام عند الجوع والعطية عند المنع والإصلاح عند الفساد والتجاوز عن ~~المسيء والعطف على الظالم وقبول المعذرة والإبانة للحق والتجافي عن دار ~~الغرور وترك التمادي في الباطل ألا وليس في أخلاق الله شيء أحب إليه من ~~الجود والكرم فإذا أراد الله بعبد خيرا وفقه لأخلاقه فتخلق بها وإذا أراد ~~الله بعبد شرا خلى PageV04P039 بينه وبين أخلاق إبليس وإن من أخلاق إبليس ~~أن يغضب فلا يرضى وأن يسمع فيحقد وشراهية النفس وهنتها وأخذ ما ليس لها ~~ونزقها إلى اللهو والباطل إلا وإن إبليس ليس هو على أحد أشد منه على القراء ~~الذين هم عند أنفسهم قراء لا يزال فيما بينهم يذهب ويجيء حتى يورث بينهم ~~العداوة والبغضاء فلو قلت حقا ما أقل من يجتمع منهم غدا في الآخرة إلا قوم ~~عطف بعضهم على ms606 بعض وتركوا الحقد والغضب وألحوا في الطلبة إلى الله أن ~~يقبلهم ويقبل معذرتهم # قال أبو عبد الله فالأخلاق موضوعة في الطبع ومعقلها في الصدر ومثل ذلك ~~مثل ملك له خزانة وقواد ومملكة فإن كانت الخزانة قليلة كنوزها وكورته صغيرة ~~ضاق بهؤلاء القواد وقال بعضهم لبعض هذا ملك له اسم الخزانة والكنوز وليس ~~لكنوزه مادة يجري علينا ويعيننا حتى نتخذ عدة للعدو الذي بمرصد منا ومن ~~ملكنا هذا وليست له مملكة فسيحة تنتشر فيها فيأخذ كل قائد منا ناحية من ~~المملكة فيدبر أمر الملك في أهل ناحيته فتعالوا ننتقل عن هذا إلى ملك ~~لمملكته فسحة ومنتشر فنتسع في نواحيها فيقود الجيوش إلى أعمالنا فإن العدو ~~بمرصد ولا نأمن أن ينتهز منا فرصة فالملك هو القلب وخزانته جوف القلب فيه ~~كنوز المعرفة وجواهر العلم بالله والعقل وزيره والصدر فسحته وساحته ومملكته ~~والأخلاق قواده والأركان رعيته ونواحيه وهي الجوارح السبع فهؤلاء القواد هم ~~الأخلاق في الصدر قواد الملك قيام بين عيني الفؤاد والعقل شعاعه يشرق بين ~~عيني الفؤاد يدبر أمر القلب والنفس في الجوف رابضة في مكانها تطلب الملك ~~وترصد لإنتهاز الفرصة ليخرج على الملك لأن شهوة الإمرة فيها والهوى بباب ~~النفس يتلهف عطشا ويتلظى بين يدي بصيرة النفس وذلك قوله تعالى @QB@ إن ~~النفس لأمارة بالسوء @QE@ وهي أبدا في طلب الإمارة لتتملك وتتأمر على ~~الجوارح PageV04P040 فإذا خطرت الخاطرة في الصدر بين عيني الفؤاد نظر العقل ~~فإن رآها حسنة وأمرا رشيدا قدر ودبر ماذا يراد وكم يراد ومتى يراد وإلى متى ~~يراد وإن رآها سيئة وغيا نفاها من الصدر ففي هذا الوقت للنفس منازعة مع ~~القلب والهوى مع العقل في هذه الخاطرة النفس تشتهي والهوى يزعج النفس ~~ويشجعها والعدو يزين ويمني ويغر فإذا جاء مدد الأخلاق بطل تزيين العدو ~~وأمانيه وانكشف غروره وأدبر الهوى قهقرى وجاء مدد كنوز المعرفة ومد الملك ~~يده إلى جواهر العلم بالله في الخزانة فانمحقت المخاطرة وأسبابها وجنودها ~~وأعوانها فإن الخاطرة كانت طليعة النفس والهوى والعدو هذا إن كانت خاطرة ms607 ~~الغي وإن كانت رشدا كانت طليعة الحق عز هذا الملك ومنعته وقوام مملكته بهذه ~~الكنوز وهؤلاء القواد وهي الأخلاق التي أحدقت بالقلب فإذا دبر العقل وقدر ~~ما رآه حسنا أمضاه القلب لأن محاسن الأخلاق كائنة في الطبع والنفس تتماسك ~~في الأمر وتنقاد للقلب بالطبع فإذا كان الخلق بالطبع ظهر ذلك الخلق وسلطانه ~~في الصدر حتى يقوى القلب به فيخرج من الصدر إلى الأركان ذلك الخاطر الذي ~~قدره العقل فعلا حسنا مقدرا مدبرا في يسر بلا عسر ولا تلجلج ولا تردد ولا ~~تقديم ولا تأخير ولا غلو ولا تقصير ولا التفات إلى رشوة النفس من طريق ~~الثواب والعلائق لأن الأخلاق تصير النفس حرة سخية وسخاوتها حريتها والسخاء ~~والخساء بمعنى واحد إلا أن الخساء هو البعيد من الأشياء والسخاء هو انفراد ~~النفس من الشيء وعتقها من رقها والخسا والزكا هما ضدان والخسا الفرد والزكا ~~الزوج وهما مقصوران غير ممدودين فجميع محاسن الأخلاق تؤول إلى الجود والكرم ~~والسخاء فإذا سخت النفس تكرمت وإذا تكرمت جادت # فأخلاق الله تعالى أخرجها لعباده من باب القدرة وخزنها للعباد في الخزائن ~~وقسمها على أسمائه الحسنى وأمثاله العليا فإذا أراد PageV04P041 بعبد خيرا ~~منحه منها خلقا ليدر عليه من ذلك الخلق فعلا حسنا جميلا بهيا فجبله في بطن ~~أمه على ذلك الخلق وإذا لم يكن مجبولا بذلك الخلق في بطن أمه قدر له علم ~~ذلك وحسنه وبهاءه ليتخلق العبد بذلك وتخلقه أن يحمل نفسه على فعل ذلك الخلق ~~حتى تعتاد نفسه ذلك # وروي عن وهب بن منبه أنه قال من داوم على خلق أربعين يوما صار ذلك له ~~خلقا أي بقي معه ذلك ولا يكون أصليا لأن المجبول عليه منحه الله تعالى ~~وهديته وإذا أهدي له ثبت له ذلك وكانت نفسه معجونة بذلك الخلق والرب لا ~~يرتجع في هديته # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من أدرك التكبيرة الأولى ~~في صلاة الجماعة أربعين يوما كتب له عتق من النار # عن عمر بن الخطاب رضي الله ms608 عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~صلى أربعين يوما في جماعة لا تفوته الركعة الأولى كتب له عتق من النار ~~PageV04P042 # فهذا إذا صار المشي إلى جماعة أربعين يوما خلقا فكذلك سائر الأخلاق لأن ~~الأخلاق احتمال أثقال المكاره والمشي إلى الجماعة احتمال مكروه لأنه لو شاء ~~صلاها في بيته فلما أمر بالمشي إلى الجماعة احتمل أثقال المكروه فقدر له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدار أربعين يوما ليصير له خلقا ويسقط عنه ~~الأثقال لأن سوء الخلق في طلب الراحة وإن هذه الأخلاق تفضل الله بها على ~~عبيده على قدر منازلهم عنده فمنح أنبياءه منها فمنهم من أعطاه منها خمسا ~~ومنهم من أعطاه منها عشرا أو عشرين وأكثر من ذلك وأقل فمن زاد منها ظهر حسن ~~معاملته ربه وحسن معاملته خلقه على قدر تلك الأخلاق ومن نقصه منها ظهر عليه ~~ذلك ولذلك ابتلي يونس عليه السلام بما ابتلي به حتى صار ذنبا وسجنه في بطن ~~الحوت حتى طهره وجعل ما حل به موعظة للموحدين وإنما سماه آبقا في تنزيله ~~@QB@ أبق إلى الفلك المشحون @QE@ لتضايق أخلاقه وترك احتمال أثقال الخلق في ~~ذات الله تعالى فعتب الله عليه ثم اجتباه بعطفه ورحمته وهذبه بكرمه # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال بعثت لأتمم مكارم الأخلاق # فأنبأنا في قوله هذا أن الرسل قد مضت ولم تتمم هذه الأخلاق كأنه بقيت ~~عليهم من هذا العدد بقية فأمر أن يتممها فأعلمنا في قوله هذا أن تلك ~~الأخلاق التي كانت في الرسل فيه ثم هو مبعوث لإتمام ما بقي منها ليقدم على ~~الله بجميع أخلاقه التي ذكرناها مائة وسبعة عشر خلقا فلا يجوز لنا أن نتوهم ~~عليه أنه بعث لأمر فقدم على ربه وهو غير متمم PageV04P043 له ومن أشرق في ~~صدره نور اسم من أسماء الله كانت له تلك الأخلاق التي لذلك الاسم هذا ~~للمجبولين ومن تخلق بذلك الخلق ولم يكن جبل عليه كان تخلقه طهارة لصدره ~~وقلبه من دنس ms609 الخلق السيئ الذي هو ضد هذا الخلق فإذا تطهر من سيئ الأخلاق ~~لتخلقه بمحاسن الأخلاق بجهد وكد شكر الله له ذلك فوجد قلبه طريقا إلى ذلك ~~الاسم وذلك قوله تعالى @QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله ~~لمع المحسنين @QE@ أحسن الله أخلاقه جهدا فكان الله معه بالتأييد والنصرة ~~والعون حتى تمت المجاهدة فشكر الله له ذلك فهداه السبيل إليه بأن كشف عنه ~~السوء حتى أشرق في صدره نور ذلك وهو قوله تعالى ^ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ~~ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ^ # وإذا كشف السوء صلح للخلافة في دينه ووجب عليك طاعته وذلك قوله تعالى ~~@QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم @QE@ # فلذلك قيل في حكمة الحكماء المعروفة في صفاء الأخلاق وطهارة القلب فإذا ~~طهر القلب من الريب وصفت الأخلاق من الدنس والكدورة نال العبد المعرفة التي ~~في القربة والوصول إلى ربه فإذا وصل القلب إلى ربه دان له فعندها أصاب ~~الدين الذي يدين الله به # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلق وعاء الدين رواه أنس بن ~~مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV04P044 # فالدين هو خضوع القلب مشتق من الدون الوضوع فإذا تواضع القلب وخشعت النفس ~~وألقت بيديها لله سلما فذلك دين العبد فإذا أمره بأمر ائتمر وإذا نهاه ~~انتهى وإذا قسم له من الدنيا قنع وإذا حكم عليه بحال رضي محبوبا كان أو ~~مكروها فهذه عبودة العبد وإنما قدر العبد على إقامة العبودة في هذه الأشياء ~~بخشعة النفس وخضعة القلب وتواضعه فذلك دينه وإنما قال الخلق وعاء الدين لأن ~~ذلك الخلق إذا كان للعبد مثل الجود والسخاء والكرم كانت النفس حرة من رق ~~الهوى والقلب حرا من رق النفس فهان عليه التواضع والخضوع لله والقناعة بما ~~قسم والرضاء بما حكم والائتمار بأمره والانتهاء عن نهيه وإنما يسر عليه ~~إقامة الدين من أجل ذلك الخلق فإذا كان للعبد ذلك الخلق كان وعاء لدينه من ~~ذلك الخلق يخرج له الدين وهو الخضوع والخشوع ms610 وبذل النفس لله واحتمال أثقال ~~المكروه ولما كان هذا الإسلام أشرف الأديان أعطاه أقوى الأخلاق وأشرفها وهو ~~الحياء # عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء # والحياء أصله من الحياة فإذا حيى القلب بالله استحيى وكلما ازداد حياة ~~بالله ازداد حياء منه ألا ترى أن المستحيي يعرق في وقت الحياء فعرقه من ~~حرارة الحياة التي هاجت من الروح فمن هيجانه يفور الروح بتلك الحرارة فيعرق ~~الجسد منه ويعرق منه ما علا لأن سلطان الحياء في الوجه والصدر PageV04P045 # عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت إن جبرائيل عليه السلام نزل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه شيء من حبوب يأكله متكئا فجلس يتصبب ~~عرقا فقمت إليه فجعلت أمسح العرق عن وجهه وأقول بأمي وأبي يا رسول الله ما ~~لك قال إن جبرائيل عليه السلام أتاني وأنا آكل متكئا فقال يسرك أن تكون ~~ملكا فهالني قوله قالت عائشة رضي الله عنها فما رأيت النبي عليه السلام أكل ~~متكئا بعد ذلك حتى فارق الدنيا # وإنما تصبب عرقا لفوران حرارة حياته بالله فكلما كان حياة القلب بالله ~~أعظم كان تسليمه لله أكثر وأوفر ونفسه أساس للانقياد لأن الإسلام هو تسليم ~~النفس لله والدين خضوعها وانقيادها فلذلك صار الحياء خلقا للإسلام ووعاء ~~للدين يستحيي فيتواضع ويستحيي فيخضع ويستحيي فيبذل نفسه لله ولا يبخل بها ~~عليه ومن الحياء انكسار النفس وذهاب رجوليتها ألا ترى أن المرأة لما فضلت ~~على الرجل بتسعة وتسعين جزءا من الحياء كيف كسرت شهوتها التي فضلت بها على ~~الرجل # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المرأة فضلت على الرجل بتسعة ~~وتسعين جزءا من الشهوة وفضلت من الحياء بتسعة وتسعين جزءا لتكسر تلك ~~الشهوات ما فضلت به من أجزاء الحياء PageV04P046 # فقد بان لك أن الحياء يكسر ويذهب بالقوة والجلادة والصلابة من النفس وإذا ~~كان ذلك يقوي القلب لأن الحياء من الحياة بالله والحياة ms611 بالله من نفس ~~المعرفة فأما ما ذكرنا من شأن المجبول على خلق ومن شأن الممنوح المتخلق به ~~فروي عن العلاء بن كثير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن محاسن ~~الأخلاق مخزونة عند الله فإذا أحب الله عبدا منحه منها خلقا حسنا أو خلقا ~~صالحا # وعن هود العبدي القصري عن جده قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحدث أصحابه إذ قال لهم إنه سيطلع عليكم من هذا الوجه ركب هم من خير أهل ~~المشرق فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتوجه في ذلك الوجه فلقي ثلاثة عشر ~~راكبا فرحب وقرب وقال من القوم قالوا نفر من عبد القيس قال فما أقدمكم هذه ~~البلاد التجارة قالوا لا قال أفتبيعون سيوفكم هذه قالوا لا فلعلكم إنما ~~قدمتم في طلب هذا الرجل قالوا أجل فمشى معهم يحدثهم حتى إذا نظر إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال هذا صاحبكم الذي تطلبونه فرمى القوم بأنفسهم عن ~~رحالهم فمنهم من سعى ومنهم من هرول ومنهم من مشى حتى أتوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخذوا بيده فقبلوها وقعدوا إليه وبقي الأشج هو أصغر القوم فأناخ ~~الإبل وعقلها وجمع متاع القوم ثم أقبل يمشي على تؤدة حتى أتى النبي عليه ~~السلام فأخذ بيده فقبلها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فيك خصلتان ~~يحبهما الله ورسوله قال وما هما يا رسول الله قال الأناءة والتؤدة قال يا ~~نبي الله أجبلا جبلت عليه أم تخلقا مني قال لا بل جبلا جبلت عليه فقال ~~الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله PageV04P047 # وأقبل القوم قبل تمرات يأكلونها فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم ~~بها يسمى لهم هذا كذا وهذا كذا قالوا أجل يا نبي الله ما نحن بأعلم ~~بأسمائها منك قال أجل فقالوا لرجل أطعمنا من بقية القوس الذي بقي من نوطك ~~والقوس قطعة تمر فأتاهم بالبرني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ~~البرني إما أنه من خير تمركم ms612 لكم إما أنه دواء لا داء فيه # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلة الحياء كفر # والكفر غطاء على القلب فإذا حل الغطاء بالقلب ذهب الحياء ومات القلب وإذا ~~انكشف الغطاء فإنما ينكشف لحياته بالله فإذا حيى استحيا ولذلك قال سفيان بن ~~عيينة الحياء أخو التقوى ولا يخاف العبد أبدا حتى يستحيي وهل دخل أهل ~~التقوى في التقوى وفي أمر الله إلا من الحياء # وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أشد حياء من العذراء في خدرها # وقال أبو بكر رضي الله عنه استحيوا من الله فإني لأدخل الكنيف فأقنع رأسي ~~حياء من الله تعالى # رجعنا إلى مبتدأ ما وصفنا من شأن المثل المضروب قلنا فإذا أراد العبد أن ~~يتخلق بخلق من هذه الأخلاق احتاج إلى أن يمكن له في الصدر الذي هو ساحة ~~القلب فمن كان أوسع صدرا كان بمنزلة من كان أوسع مملكة من المال حتى تجد ~~قواد الملك منفسحا فيأخذ كل قائد ناحية PageV04P048 فيتملك فيها على حشمه ~~فإذا اتسع صدره أخذ كل خلق من هذه الأخلاق ناحية من صدره وتمكن فيه ويسهل ~~على القلب إنفاذ أمر الله عز وجل وإذ ضاق صدره لم يستقر فيه خلق بمنزلة ~~أولئك القواد لما لم يجدوا فسحة انتقلوا إلى ملك آخر أوسع مملكة منه وأوفر ~~كنوزا ولذلك سأل موسى عليه السلام أول ما سأل حين بعثه إلى فرعون فقال @QB@ ~~رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري @QE@ فبشرح الصدر قدر على احتمال أثقال ~~المكروه حيث احتاج إلى أن يستقبل فرعون بالمكاره قد هرب منه خوفا من القتل # ومبتدأ هذا الأمر أن يعمل في توسيع الصدر حتى تصير له هذه الأخلاق وتوسعه ~~أن يترك الشهوات والنهمات ويجعل المكاره على النفس حتى تصير مدبوغة فعندها ~~تطهر الأخلاق ويشرق أنوار الأسماء في صدره فعنده يغزر علمه بالله تعالى ~~فيعيش عبدا غنيا بالله ما عاش PageV04P049 # | - * الأصل الثاني والستون والمائتان # - * # | في صورة النفس وإحيائها # عن ms613 أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع من ~~كن فيه حرمه الله تعالى على النار وحفظه من الشيطان من ملك نفسه حين يرغب ~~وحين يرهب وحين يغضب وحين يشتهي وأربع من كن فيه نشر الله عليه رحمته ~~وأدخله في محبته من آوى مسكينا ورحم ضعيفا ورفق بالملوك وأنفق على الوالدين # قال أبو عبد الله فالنفس في هذا الجسد ومعدنها في البطن ثم هي متفشية في ~~جميع الجسد والروح معدنه في الرأس ثم هو منفش في جميع الجسد والجسد قالب ~~للروح والنفس كليهما والحياة موضوعة في كليهما وحياة الروح أقوى وأكثر ~~وأخلص وأصفى من حياة النفس والدليل على ذلك أن الروح يأمر بالطاعة وذلك لأن ~~حياته أكثر وأقوى لأن أصله من روح الحيوان الذي ماء الحيوان منه الذي إذا ~~شرب منه PageV04P050 أهل الجنة بباب الجنة لم يموتوا وقال تعالى في تنزيله ~~@QB@ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان @QE@ فههنا حياة وفي الدار الآخرة حيوان # فهذه الحياة التي في الروح قليلة والماء الذي في الجنة والنهر الذي بباب ~~الجنة لاغتسال أهل الجنة يوم يدخلونها كله من ماء الحيوان والماء الذي تحت ~~العرش بحر راكد على مقدار أرزاق العباد وهو من ماء الحيوان وذلك قوله تعالى ~~^ وجعلنا من الماء كل شيء حي ^ # فإذا أنزل الله عز وجل إلى الأرض منه أحيا به الأرض وذلك قوله تعالى ^ ~~وأنزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ^ # ثم قال @QB@ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة @QE@ أي ميتة لا تتحرك @QB@ ~~فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت @QE@ فاهتزازها وربوها وحركتها من ~~الحياة التي دخلت فيها # ثم قال @QB@ إن الذي أحياها @QE@ يعني الأرض @QB@ لمحيي الموتى @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ أحيينا به بلدة ميتا @QE@ فإنما إحياء الأرض بماء الحيوان # وينزل الله تعالى على أهل القبور قبل نفخة الصور من ماء الحيوان حتى تنبت ~~أجسادهم وتحياهم ثم يبعث الأرواح وهم في قبورهم يتحركون قال له قائل وكيف ~~يتحركون بلا روح قال بالحياة التي نالتهم من ذلك ms614 الماء ويتحركون كما تحركت ~~الأرض بماء الحياة PageV04P051 @QB@ اهتزت وربت @QE@ وإهتزازها بالحياة ~~التي نالت أغصان الأشجار حتى أورقت وكل شيء يتحرك إنما يتحرك بالحياة # فالروح أوفر الأشياء حظا من هذه الحياة لأنه خرج من روح الحياة الأصلي ثم ~~من بعد ذلك أوفر الأشياء حظا من الحياة بعد الروح هذه النفس فالنفوس لجميع ~~الدواب والبهائم والطيور وفضل الآدمي بالروح للخدمة لأنه خادم ربه وسائر ~~الخلق سخرة للآدمي فالروح بما فيه من الحياة يدعو القلب إلى الطاعة والنفس ~~بما فيها من الحياة تدعو إلى الشهوات والأفراح والقلب أمير على الجوارح وعن ~~أمره يصدرن إلى الأعمال فالأمير يأمر بقوة المعرفة والعلم بالله # فقوله من ملك نفسه فالملك للقلب على النفس فمن كان قلبه مالكا لنفسه في ~~هذه الأحايين الأربع حين الرغبة وحين الرهبة وحين الشهوة وحين الغضب فقد ~~حرم على النار واختسأ شيطانه لأن الدنيا كلها في هذه الأربع فإذا ملك القلب ~~النفس بقوة المعرفة والعلم بالله فإن للمعرفة والعلم سلطانا عظيما وجنودا ~~كثيفة وكنوزا جمة للجنود فقد دقت دنياه في عينه وصغرت وتلاشت حتى صارت ~~كالهباء ومن ملكت نفسه قلبه بقوة الهوى وسلطان هذه الأربع وحدتها وغليانها ~~صارت دنياه في عينه كل شعبة منها كالجبال أو كالبحور وعظم في عينه شأنها ~~وشأن أحوال نفسه فيها وصارت الآخرة في عينه كالحلم فإن المحتلم يتعشق في ~~منامه على جارية حسناء ويثب إليها ويلقي نفسه عليها من شدة الشبق لأن ~~شيطانه يريد ذلك ويخدع نفسه البلهاء فيما مثل لها في منامه فإذا إنتبه وجد ~~نفسه خاليا مما رأى وإذا هو لم يزد على أن بال في فراشه فهذا لم يزد على أن ~~ضحك به الشيطان # فهذه صفة من يتعشق على الجنات من شهوة نفسه لسماع الأذن لا بحياة القلب ~~وإذا هو ميت على الدنيا من حبها ويعظمها تعظيما لا ينام ولا ينيم حرصا ~~وأشرا وشرها وبطرا حتى يأخذها من الشبهات بتضييع PageV04P052 الأمانات ~~والتفريط في الفرائض ونسيان الموت والمعاد والقبر والقيامة والحساب بين يدي ~~الله تعالى وقطع ms615 النار على الجسور ويمنع الحقوق ويعرض عن مواعظ الله عز وجل ~~وإذا تلا القرآن فكأنما ينشد شعرا أو يحكي كلام الناس لا يتحرك قلبه لوعد ~~ولا لنبأ من أنباء القرآن ولا تدمع عينه ولا يدري ما تلا إنما همه أن يطيب ~~نفسه بأني قرأت وتلوت فهو في مثل هذا القلب الخرب ممتلئ من الغش والغل ~~والحقد وطلب العلو والتعزز والتجبر والتكبر وإهمال الجوارح وتضييع البركة ~~على الجوارح السبع وهي الميثاق يتعشق على الحور ويتلمظ على فواكه الجنة ~~ويتشمم برياحين الجنان من بعد لسماع الأذن أبله من الأبالهة زبونا من زبون ~~الشيطان أحمق من حمقى أهل الغي ليس من الحياة في قلبه أن إذا سمع بذكر ~~الجنة قال الجنة دار الله فغمض عينيه حياء من الله تعالى وقال مثلي يصلح ~~لدار الله وأنا لا أصلح لدار أمير المؤمنين الذي هو عبده في الدنيا ثم دمعت ~~عيناه واحترق جوفه مخافة الفوت والبعد من الله تعالى لفوتها وأخذته الحسرة ~~والندامة حتى أداه ذلك إلى التضرع والحزن الدائم والتوقي والتورع وملك ~~النفس # فهذه النفس بفضلتها هي كالمحتلم الذي وصفنا أنه إذا انتبه استحيا من نفسه ~~بما سخر به شيطانه ووجد في نفسه حسرة حيث رأى نفسه خالية عما رأى في منامه ~~فهو بين حسرة وحياء # كذلك هو المتعشق بفضلته إذا قدم على الله استحيا منه حتى يتصبب عرقا ~~وتحسرت نفسه إذا رأى ما فاته من موعود الله للمطيعين الأتقياء فمن آتاه ~~الله المعرفة إذا تذكر الجنة بكى حياء من الله أن رأى جسدا توسخ وتدنس ~~الوسخ من الآثام والدنس من العيوب ورأى الجنة مقدسة بقدس الله مطهرة بطهر ~~الله مسفرة تضحك إلى أولياء الله تعالى فرجع إلى قلبه فرآه مع الأوساخ ~~والأدناس فاستحيى من الله وبكى على أيامه التي عطلها على اكتساب رضوان الله ~~واكتسب بها معاصي الله فهذا له PageV04P053 الرجاء كل الرجاء إذا قدم على ~~الله والنفس في هذه الأربعة صورتها عجيبة إذا اشتهت فصورتها كالريشة تهب ~~بها الريح وشهوة الأشياء متفاوتة وفرح ms616 النفس بكل شهوة على قدرها والشهوة في ~~الأول واللذة في الآخر وإنما قيل شهوة لهشاشة النفس والميل إلى ذلك الشيء ~~والمبادرة إليه لخوف الفوت فتلك هشاشة يقال هش واهتش وشهى واشتهى فالشهوة ~~مأخوذة من هناك واللذة إذا نال الشيء فانتهى إلى آخره فذل ذلك الهيج وسكن ~~سلطان الهشاشة يقال لذ وذل والذل انكسار وسكونها عن الاهتياج والاغتلام ~~والغلي فأول الشهوة كلظى النار ولهبها ودخانها وآخره وهي اللذة كالجمرة ~~التي بعد ما كانت تتلظى سكن ضرامها ولهبها وصارت خامدة علاها الرماد # فصورة النفس في الشهوة كريشة هبت بها ريح نكباء فهي تدير النفس دوران ~~الرحى وصورة النفس في الرغبة كعطشان يكاد يقطع عنقه من العطش فإذا رأى ~~الماء عبه عبا يكاد يلتهم التهاما أو كجائع غرثان وجد طعاما فالتقمه وبلعه ~~بلعا من غير مضغ وصورة النفس في الرهبة كالعلق في الديدان بينما هي منبسطة ~~مقدار إصبع طويلة إذ هي منقبضة مقدار فتر وكالقنفذ من الهوام بينما هي ~~منبسطة ترى صورتها وخلقتها إذا هي منقبضة كالكرة قد اقشعرت وشكست لضيق ~~خلقها وكالكلب اللهثان المخلوع الفؤاد من الجبن وكاللبدة البالية الملقاة ~~ذلا وجبنا # وصورة النفس في الغضب كالأسد الذي يفترس ويمزق ويقعد عليه ومرة كالنمر ~~يثب وثبة من لا يهاب ولا يبالي فيمزق ويكسر ويبدد # فإذا كان القلب أميرا وللأمير كنوز وجنود فقد ملك النفس فذهب سلطان النفس ~~وأفعالها فحفظ القلب بعقله ومعرفته وبعلمه بالله حدود الله في هذه الأحايين ~~الأربعة فإذا اهتاجت الشهوة من النفس أعطاها القلب بمقدار ما أذن الله لها ~~فيه وأحل لها ومنعها ما حرم عليها واستوثق منها حتى لا يتطاير شررها ويشتعل ~~نيرانها في العروق حتى لا PageV04P054 يجاوز الحدود لأن قوة النفس في ~~العروق وأعطاها من الرغبة ما أحل الله لها وصيره لها غنى وقوة في دينها ~~ودنياها واستوثق في جنبيها حتى لا يفيض من مجاريها وينطفح من الجانبين ~~فينبثق من المجاري ومن الرهبة بمقدار ما حذر الله أن يرهب وقواها في جنبها ~~وأمدها وشجعها بقوة العلم وأيدها ms617 بالمعرفة بالله وأعطاها من الغضب بمقدار ~~ما أطلق الله لها من ذلك فلا يحملها غضبها على أن يجاوز الحدود في الأمور ~~ولا يتعدى إلى الظلم ويكون مع غضبها متمسكة بالعدل ولا يتعداه إلى جور ~~فصاحب هذه الصفقة هو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع من كن فيه ~~حرمه الله على النار # وإذا خلا القلب من هذه المعرفة والعلم صار أسيرا للنفس بعد أن كان أميرا ~~عليها وذهب سلطانه وصار مملوكا للنفس فبرزت الشهوة في وقتها فأحرقت والرغبة ~~في وقتها فأفسدت والرهبة في وقتها فأضرمت والغضب في وقته فتسلط فجاء الخراب ~~والضياع والفساد فهذا ملك النفس للقلب وذاك ملك القلب للنفس # عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا ~~وهي القلب PageV04P055 # فالقلب ملك بصلاحه يصلح الجسد لأن التدبير إليه والنفس تحب الملك وتشتهيه ~~وتباري القلب فهي تطلب الفرصة وإذا نالت تملكت على القلب فأفسدته وبفساده ~~يفسد الجسد بمنزلة أمير وقع في الجيش وخارجي قد ملك على البلد فضاعت الحدود ~~والأحكام وخربت الكورة وظهر الظلم والعدوان والحريق والغارات فالحريق ~~المعاصي والغارات غارات كنوز القلب وصار الصدر كله معدن الجهل والشره ~~والبطر والشهوة والكبر والعلو والحرص والحسد والحقد وأخلاق الكفر وقد أمر ~~الله عز وجل بمجاهدة النفس فقال @QB@ وجاهدوا في الله حق جهاده @QE@ # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهاد جهادان وأفضلهما جهاد النفس # وإذا التقى القلب والنفس للمحاربة هذا بجنود الله من العلم والعقل ~~والمعرفة والفهم والفطنة والحفظ والكياسة وحسن التدبير والحراسة فأشرقت هذه ~~الأنوار واشتعلت شعاعاتها في النفس بجنود العدو من الهوى والشهوة والغضب ~~والرغبة والكبر والحرص والمكر والخديعة والمدد من الزينة والأفراح فاضطربا ~~وتحاربا فذلك وقت يباهي الله تعالى بعبده ملائكته والنصرة موضوعة في ملك ~~المشيئة في حجاب القدرة فإذا رأى الهوى النصرة ذل وانهزم العدو بجنوده ~~وأقبل بجمعه وجنوده على النفس حتى ms618 أسرها وحبسها في سجنه وقعد أميرا وجمع ~~جنوده وقواده الذين ذكرنا في الأصل المتقدم وهي الأخلاق وفتح باب بيوت ~~الأموال والخزائن ورزق الجنود من الأموال وزادهم من الخزائن في الآلة ~~والعدة فهذا ملك القلب للنفس حين تغضب وحين ترغب وحين ترهب وحين تشتهي قد ~~خسأ شيطانها وحرمت جوارحها على النار كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV04P056 # وإذا التقى القلب والنفس للمحاربة والتقى الجمعان كانت صفته كجبرئيل مع ~~محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر وإبليس مع الكفار يشجعهم ويقوي أمرهم ~~ويعدهم ويمنيهم فلما رأى جبرئيل نكص على عقبيه هاربا وقال @QB@ إني أرى ما ~~لا ترون إني أخاف الله @QE@ وإنما خاف الأسر أن يأسره جبرئيل فيفضحه ويريه ~~الناس فهرب وترك الجمع # وكذلك الهوى لما رأى المعرفة بسلطانها قد أقبلت والعقل على مقدمتها ~~والعلم بالله محيط بالعسكر والجنود نكص الهوى على عقبيه وتبرأ من الجنود ثم ~~من بعد هذا ملك آخر لأولياء الله وهو أن يحصل القلب في سلطان قبضه الله ~~ويملكه الله ويستعمله فإذا تعدى في الظاهر لم يفسد ولم يخرب ولم يخبر أحد ~~أن يستعمله بتغيير لأن ذلك حد الله في الباطن وقد خفي على الخلق والحد ~~عندهم في الظاهر غير ذلك فهذا قلب غلب عليه سلطان القبضة فملكه واستعمله ~~الله في قبضته كما استعمل الخضر في خرق السفينة وقتل الغلام وكان ذلك في ~~الباطن حد الله وفي الظاهر مخفيا عند الخلق ولذلك أنكره موسى عليه السلام ~~فهذه قلوب ملكها سلطان القبضة وتلك قلوب ملكها سلطان الحق والقلوب التي ~~ذكرنا بدءا ملكها سلطان النفس # ومما يحقق ما قلنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه مر برجل وهو يقاوم ~~امرأة فأصغى إليه سمعه فأنكر ما سمعه منه فشجه فجاء الرجل إلى عمر رضي الله ~~عنه والدماء تسيل فقال ويحك من فعل بك قال علي فقال عمر ما هذا يا أبا ~~الحسن فقص عليه فقال عمر أصابتك عين من عيون الله إن لله في الأرض عيونا ~~وإن عليا ms619 من عيون الله PageV04P057 # | - * الأصل الثالث والستون والمائتان # - * # | في حقيقة الفقه وفضيلته # عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ~~العبادة الفقه وأفضل الدين الورع # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم ما عبد الله بشيء ~~أفضل من فقه في دين ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء عماد ~~وعماد هذا الدين الفقه # وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~يرد الله به خيرا يفقهه في الدين PageV04P058 # قال أبو عبد الله الفقه مشتق من التفقؤ وهو انكشاف الغطاء عن الشيء يقال ~~تفقأت الثمرة عن أكمامها وتفقأ الحب عما فيه وفقأ عينه إذا انخرق الحجاب ~~وانكشف عن الحدقة فعلوم الأشياء في الصدر مجتمعة متراكمة بعضها على بعض ~~فإحساس القلب من ذلك العلم هو علم القلب أداه إلى الذهن وإلى الحفظ عند ~~الحاجة كنبعان العين ينفجر منه الشيء بعد الشيء فما دام هكذا فهو ساكن خامد ~~لا قوة له فإذا تصور في الصدر لعين الفؤاد قوي القلب بذلك الذي تصور فذلك ~~علم مستتر وفي القلب بقية من الضعف والخمود فإذا انكشف الغطاء عن الصورة ~~التي تصورت في الصدر فذلك الفقه لأنه حين تصور في الصدد أحس القلب بتلك ~~الصورة علما ولم يرها لأن الغطاء بينه وبين العلم قائم وهو ظلمة الهوى فهو ~~عالم بذلك الشيء يترجمه بلسانه ويتضمنه بحفظه وتمثل صورته لعقله وليست له ~~قوة ينتصب قلبه لذلك ويتشمر لفعله ويطمئن إليه حرارة العلم وقوته # فإذا انكشف الغطاء عن تلك الصورة التي صورها عقله صار عيانا للفؤاد فيقال ~~لذلك العيان علم اليقين قال الله تعالى @QB@ كلا لو تعلمون علم اليقين ~~لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين @QE@ فعين اليقين يوم القيامة وعلم ~~اليقين في الدنيا في الصدر فسماه رؤية ليعلم أن هذه رؤية عين الفؤاد وتلك ~~في الآخرة رؤية عين الرأس PageV04P059 # فهذا الذي انكشف له الغطاء وانفقأ الحجاب عن مكنون ms620 العلم أبصر بعين ~~الفؤاد صورة ذلك الشيء المعبأ فسمى ذلك فقها وإنما هو في الأصل فقىء الياء ~~مهموزة فأبدلت بالهمزة هاء فقيل فقه قال الله تعالى فيما يحكي عن قول شعيب ~~عليه السلام حيث قال لقومه يا قوم يا قوم ^ بقية الله خير لكم ^ @QB@ ويا ~~قوم استغفروا ربكم @QE@ ^ ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي ^ # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا عليه السلام يقول ذاك ~~خطيب الأنبياء لحسن دعائه قومه ومراجعته وتلطفه في الدعوة فقال في آخر ذلك ~~^ قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول ^ # فمن فقه قلبه ما يقال له تبين عليه أثره فهؤلاء الذين انتحلوا هذا الرأي ~~وأكثروا فيه الخوض سموا هذا فقها وخيل إليهم أن هذا هو الذي ما عبد الله ~~بمثله وهو هذه المسائل التي عندهم فقط ولا يعلمون أن أستاذيهم تكلموا بها ~~ثم قالوا وددنا أنا نجونا منها كفافا لا لنا ولا علينا مثل إبراهيم النخعي ~~والشعبي والحسن وابن سيرين رحمهم الله في زمانهم وأبي حنيفة وسفيان ~~والأوزاعي ومالك رحمهم الله في زمانهم فكل تمنى الخلاص منه لا له ولا عليه ~~وهؤلاء أعرضوا عن سائر العلوم التي حاجة الناس إليها في كل وقت وصار هذا ~~النوع فتنة لهم فتراه طول الدهر يقول يجوز ولا يجوز يدخل فيما بينه وبين ~~عباده مع الحيرة في ذلك ولا يدري أصواب هو أم خطأ ثم تراه في خاصة أمره ~~ودينه عوج كله فإقباله على نفسه حتى يكف منها ما لا يجوز خير له من إهماله ~~نفسه وإقباله على إصلاح الناس ذلك ليعلم أنه مفتون وكان PageV04P060 ~~المتقدمون أولى بالشفقة على الأمة والحرص على الدين والنصيحة لله فشغلهم ~~إصلاح أنفسهم عن الخوض في هذه الأشياء حتى يلهيه عن عيوب نفسه ويقال لهذا ~~المعجب إن كانت هذه الفضائل لمن تفقه في هذا النوع الواحد وكيف إذا فقهت ~~كلام رب العالمين الذي أدب به عبيده ووعظهم وعطف به عليهم كي يجعلهم غدا ~~ملوكا في دار السلام # فمن فقه عن الله ms621 عز وجل قوله @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره @QE@ أمسك عن الصغير والكبير والدقيق والجليل من الشر ~~ولم يستحقر ما دق من الخير وصغر ولم يستهن به وأمات هذا الوعيد من نفسه ~~البطالات كلها ألا ترى إلى الأعرابي الذي سمع من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هذه السورة قام وركب راحلته وقال حسبي حسبي ومر على وجهه فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقه الأعرابي فهكذا يكون الفقه # ومن فقه ما في السورة من شأن الأرض وأخبارها عن السرائر وذكر الصدر من ~~بين يدي الله @QB@ أشتاتا ليروا أعمالهم @QE@ ثم وجد أعماله موزونة بمثاقيل ~~الذر من الخير والشر كيف لا يكون هذا حسبه فيما بينه وبين الله # ومن فقه عن الله قوله عز وجل @QB@ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة @QE@ ~~الآية فكيف لا يكون هذا حسبه فيما بينه وبين العباد حتى ينصف الخلق من نفسه ~~ويؤدي إلى كل ذي حق حقه من نفسه وماله # ومن فقه عن الله قوله تعالى @QB@ وما من دابة في الأرض إلا على الله @QE@ ~~PageV04P061 رزقها ) الآية كيف لا يكون هذا حسبه فيما بينه وبين معاشه ولا ~~يخرج هم الرزق من قلبه حتى يثق بربه ويطمئن إلى ضمانه # ومن فقه عن الله قوله عز وجل ^ وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ^ كيف لا ~~يكون هذا حسبه من الثقة بخلفه حتى لا يجد في وقت الإنفاق ضيقا في صدره ولا ~~حرارة في نفسه # ومن فقه عن الله قوله عز وجل @QB@ زين للناس حب الشهوات من النساء @QE@ ~~الآية كيف لا يكون هذا حسبه في نزوله على ما اختار له ربه حتى يلهو عن حب ~~هذه الشهوات ويتشمر في طلب الذي أعلمه الله أنه خير من ذلك # ومن فقه عن الله عز وجل قوله @QB@ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ~~لنبلوهم أيهم أحسن عملا @QE@ و @QB@ إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا @QE@ ~~@QB@ إن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ كيف لا يكون هذا حسبه ms622 في معاملته ~~ربه حتى ينكمش في الإحسان # ومن فقه عن الله عز وجل قوله @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ ~~كيف لا يكون هذا حسبه حتى يعلم أنه خلق للعبودة وأن عبودته في جميع حركاته ~~كلها فإن كانت حركاته مما حسنها الله في تنزيله وعلى ألسنة رسله فقد عبده ~~وإن كانت سيئة فقد ترك عبودته PageV04P062 # ومن فقه عن الله تعالى قوله @QB@ ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفو عن كثير @QE@ كيف لا يكون هذا حسبه حتى تهون عليه المصائب كأنه قال ~~إنما قاصصتك بهذه المصيبة بشيء يسير من ذنوبك حتى أنبهك من رقدتك # ومن فقه عن الله قوله عز وجل @QB@ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ~~وإن يردك بخير فلا راد لفضله @QE@ كيف لا يكون هذا حسبه حتى ينقطع رجاؤه عن ~~المخلوقين ويصير حرا من رق نفسه ومن تبصبص خلقه وتخلص من تعيير الله حيث ~~عير المنافقين فقال @QB@ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم ~~لا يفقهون @QE@ برئ من الفقه من كان رهبته من المخلوقين غالبة على رهبته من ~~الله # وقال عز وجل في المنافقين @QB@ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند ~~رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ~~@QE@ فمن رأى حاجته ورزقه من الدنيا بيد الخلق دون الله حتى يضيع حقوقه ~~ويداهن في دينه فقد برأه القرآن من الفقه # ومن فقه عن الله عز وجل قوله @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ كيف لا يكون هذا ~~حسبه حتى يعلم أن الله عز وجل أكرمه بغاية الكرامة فلو أن ملكا كتب إلى عبد ~~من عبيده ارفع إلي حوائجك لامتلأ سرورا واتكل على هذا الكتاب مع أنه عبد ~~مثله لا يقدر على شيء في الحقيقة PageV04P063 # فهذا كتاب رب العالمين ينطق بأن الله تعالى قال هذا ولم يخرجه مخرج الأمر ~~ولكن أبرزه في معرض القول فقال @QB@ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم @QE@ فمن ~~يعلم ما في حشو هذه الكلمة اشتفى به ثم إذا ms623 دعا دعا على يقين من الإجابة ثم ~~ينتظر الوقت كما قال الله لموسى وهارون عليهما السلام @QB@ قد أجيبت ~~دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون @QE@ أي أن سبيل الذين ~~لا يعلمون الاستعجال # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل ~~ربه قيل كيف يستعجل ربه يا رسول الله فقال يقول دعوت فلم تستجب لي # فهل استعجاله إلا من قلة فقهه لا يعي أن ربه قد خار له حين يأتي وقته ~~فيعطيه أكثر مما سأل # وروي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا دعا العبد ~~قال الله تعالى يا جبرئيل احبس حاجة عبدي فإني أحب صوته وقد أجبته إلى ما ~~سأل # فإذا فقه هذا لم يستبطئ إجابته ولم يستعجل ربه فالفقه في هذا لا في تلك ~~المخاتلات والخدائع التي يجدها العبيد الاباق في سيرهم إلى الله ~~PageV04P064 في معايشهم من نهب الدنيا حرصا وجمعا وتضييعا لدين الله وربما ~~يكون صاحب هذا ممن خدعته نفسه فيقول أنا أشتغل بتسوية أمور الناس فيهمل أمر ~~نفسه لمحبة أن ينزل الخلق كلهم على قوله ويصدروا عن مشيئآته فإذا هو جبار ~~عات قد رمي بالعبودة وتشبه بالأرباب في تسوية أمورهم على الاقتدار ~~PageV04P065 # | - * الأصل الرابع والستون والمائتان # - * # | في سر غفرانك بعد الفراغ # عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج ~~من الخلاء قال غفرانك # قوله غفرانك طلب المغفرة على قالب فعلان وهو أعظم القوالب وأوفرها كأنه ~~طلب المغفرة الوافرة لأنه نظر إلى أمر عظيم وذلك أن آدم عليه السلام عجن ~~الله طينته وخمرها وصوره وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق ~~الله آدم عليه السلام من تراب وعجنه بماء من ماء الجنة فلم يكن يصلح له ~~مكان يليق به من هذه المكارم إلا داره فتوجه وكلله وختمه بخاتم الملك وكساه ~~ونظفه ووضعه على سرير ms624 هو وزوجته وأمر ملائكته بحملها إلى داره ولم يزالا في ~~داره طاهرين بالله فرحين مسرورين PageV04P066 مكرمين حتى إذا جاء وقت ~~الشقوة وغلب القضاء والقدر على جميع ما أعطاهما وخلص العدو إليهما فأكلا ~~بأمر العدو وصارت تلك الأكلة فرصة إبليس منهما والمأكول حظه منهما فصارا ~~عاريين من جميع هذه الكرامات وأخرجا مذمومين وصار مستقر تلك الأكلة سلطان ~~إبليس ومملكته والشيء المأكول منتنا وإنما أنتن لكينونة العدو ونجاسته ~~وكفره فيها فكلما ظهر من ذلك الموضع بول أو غائط أو ريح أمر بالوضوء وغسل ~~ذلك المكان فالوضوء من توضئة الأعضاء التي هي جوانب الجسد حتى تصير وضيئة ~~فإنما لاحظ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من الخلاء ذلك الذي حل ~~بأبيه فورثه عنه فظهر ذلك عليه فالتجأ إلى عظيم المغفرة فقال غفرانك أي ~~إنما القينا من تلك الخطيئة فلو أن رجلا وقف تحت ميزاب الكعبة حتى جرى من ~~الميزاب فتلقاه نغبة من الماء الذي نزل من السماء ولم يمازجه شيء من الدنيا ~~فدخل جوفه ثم خرج من هذه المخارج لأمر بالغسل والوضوء وحكم له بحكم النجاسة ~~لأن هذا الماء صار إلى المعدة في مجاورة العدو الذي جعل له السبيل إلى ~~الآدمي # كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم قالوا ومنك يا رسول الله قال ومني إلا أن الله أعانني عليه فأسلم # فمستقره تحت المعدة على مطحن العلف ثم يجري مع الدم في العروق سلطانه ~~فالمتنبه إذا دخل الخلاء وأحس حياة قلبه بما يخرج منه إستحيا وعرف أن هذا ~~ميراث تلك الخطيئة وذكر بدو أمره وأنه بسبب تلك الخطيئة ألقي إلى الدنيا ~~وقارف غيرها من الخطايا فالتجأ إلى سؤال الغفران # ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنع رأسه PageV04P067 # عن حبيب بن صالح رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~دخل المرفق لبس حذاءه وغطى رأسه # وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال إني ms625 لأدخل الكنيف فأقنع ~~رأسي حياء من الله تعالى # فهذه ملاحظة الرسل والأنبياء والأولياء عليهم السلام وأما العامة فهم لا ~~يرون هذا بقلوبهم ولا يعرفونه وإنما أدبوا بالحمد أن يقولوا الحمد لله الذي ~~أذهب عني الأذى وعافاني فردوا إلى حال النفس ونعمة الله عليهم # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أتى الخلاء قال اللهم أذهب عني الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ~~فإذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني # فهذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينه وبين الأمة فأما الكلمة ~~الأولى ففيما بينه وبين الله تعالى # وكذلك شأن الكبراء كلامهم في الباطن مع الله تعالى غير كلامهم في الظاهر # قال له قائل مثل ماذا قال في الظاهر مع الخلق يقولون لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له وفي الباطن معه يقولون لا إله إلا الله فقط وفي الظاهر ~~PageV04P068 يقولون الحمد لله الذي أطعمني وسقاني وأشبعني وأرواني وكساني ~~ولو شاء أجاعني وأظمأني وأعراني وفي الباطن يقول الحمد لله فقط وفي الظاهر ~~يقولون ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون وفي الباطن يقولون ما شاء الله ~~ينشرون مع الخلق عن الله تعالى ذكر ربوبيته والهيته وصنائعه ليكون ذلك ~~منشورا مشهورا وفي الباطن إذا قالوا لا إله إلا الله بقيت قلوبهم في ~~الوهيته ولا يلتفتون إلى شرك الشركاء فإن القلوب الوالهة يصعب عليها ~~الالتفات إلى غيره وكذلك في الحمد إذا رفعوا الحمد إليه بقلوبهم صعب عليهم ~~أن يلتفتوا إلى النعمة وكذا في المشيئة إذا وقعوا في بحرها ارتفع عنهم ذكر ~~كان ويكون # وعن ابن مقاتل رضي الله عنه قال كان ابن سيرين رحمه الله إذا خرج من ~~الكنيف فلم يره أحد خر ساجدا باكيا بما أنعم الله عليه أن سهل له خروج ~~الأذى PageV04P069 # | - * الأصل الخامس والستون والمائتان # - * # | في سر العمل وعلانيته # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله ms626 إني كنت أصلي في ~~بيتي فأسره فاطلع علي رجل فأعجبني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ~~أجران أجر السر وأجر العلانية # قال أبو عبد الله هذا رجل ناصح الله في خلقه أسر العمل لا عن ضعف يقين ~~ولكن خلا بربه يناجيه فلما اطلع عليه أعجبه رؤيته إياه كي ينتدب لمثله ~~ويقتدي به ولم تعمل فيه رؤيته فتتحرك من نفسه شهوة المدح لقوة يقينه ~~PageV04P070 # وروي معمر عن زيد رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أعمالكم ~~التي تحبون أن يعلم بها قال زيد والذي يكتمها ليسلم رفعه زيد إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # وقد أثنى الله عز وجل على قوم فسماهم عباد الرحمن وبين أن مثواهم غرف ~~الجنة وعدد خصالهم التي أثنى بها عليهم ثم حكى عن دعائهم قوله تعالى @QB@ ~~هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما @QE@ # سألوه أن يجعلهم أئمة لمن يقتدي بهم فلا يكون أمر هذا مكتوما وكيف يؤتم ~~به إن أسر العمل فهؤلاء نصحاء الله والدعاء إلى الله يدعون إلى الله ~~بأقوالهم وبأفعالهم التي يظهرونها على أعين الخلق يحدون الخلق على ذلك ~~وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة لك أجران أجر ~~السر وأجر العلانية لأنه نوى بالسر أمرا وبالعلانية أمرا ولو لم يكن هكذا ~~لم يكتب له أجران فإنه لا أجر لمن لا نية له فهذا عبد نوى أن يسر بعمله ~~ليخلو بربه كي لا يشكره عليه أحد غيره ثم لما اطلع عليه نوى أن ينتفع به ~~غيره بأن يقتدي به فالسر مضاعف على العلانية بسبعين ضعفا وعلانية هذا ~~مضاعفة على سره بسبعين ضعفا لأن سره خلوه بربه كيلا يشكره عليه أحد غير ربه ~~وإعلانه نصحه له في عباده ليس له في وقت سره التفات إلى مدح الناس فيهرب ~~منه ولا في علانيته المنزلة عند الناس # وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السر ~~أفضل من ms627 العلانية والعلانية أفضل لمن أراد به الاقتداء PageV04P071 # وإنما صار عمل السر مضاعفا على العلانية بسبعين ضعفا من جهات فجهة منها ~~إن الذي يسرها إنما أسرها ليصفو له لأنه إذا أحست نفسه بشعور الناس به علمت ~~أنه ينال بذلك عند الخلق رفعة وكرامة وصارت له من القلب منزلة تقضي حوائجه ~~ويعظم فرحت بذلك فإذا هو يطلب الجزاء من الله تعالى والثواب من الخلق فهذا ~~الذي في نفسه هذه الفتنة كائنة يجاهد نفسه في وقت العمل إذا أعلن به حتى ~~ينكر عليها ذلك ولا يرضى ولا يقبل منها هذه الوساوس فإن أغفل المجاهدة طرفة ~~عين وجد نفسه في عين هذه الفتنة فصاحب هذا ضعيف اليقين وإذا هرب من الإعلان ~~فأسره ضوعف له عمله بسبعين ضعفا لأنه يفرغ لله قلبه من أشغال النفس فإذا ~~أعلنها نصحا لله تعالى في عباده وحبا لأن يعبده الخلق صار السبعون مضاعفا ~~الضعف الذي لا يحصيه إلا الله تعالى # فإذا لم يكن من رجال الإعلان ولم يبلغ قلبه من المنازل محلا تموت فتنة ~~نفسه ويفتقد منها حب المدح من الخلق وفرح الرياسة والعلو أمسك عن الإعلان ~~وأسره وصفا العمل لصاحبه بتلك النية الصادقة وسلمت النية بما أسره فهذا ~~الوجه للمقتصدين # ووجه آخر للسابقين المقربين فإذا أسر العمل إنما يسره ليخلو بربه في تلك ~~الطاعة فإن الله تعالى موجود بكل مكان وفي كل طاعة فإذا أسر العمل وخلا ~~بربه برز له وجوده في صدره بين عيني فؤاده فمن يقدر أن يصف ذلك البروز وتلك ~~الحلاوة وذلك الطيب ومن يقدر أن يصف تصور القلب في أحواله وهشاشة النفس في ~~أحوالها وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سأله جبرائيل عليه ~~السلام ما الإيمان وما الإسلام وما الإحسان فأجابه في كل مسألة وقال في ~~الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال فإذا فعلت ~~ذلك فأنا محسن قال نعم قال صدقت قال فعجبنا من تصديقه له لأنهم لم يعرفوا ~~PageV04P072 أنه جبرائيل حتى أخبرهم رسول ms628 الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك # وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه لحقه ابن الزبير في الطواف فخطب إليه ~~ابنته ولم يكلمه ابن عمر فلما قدما المدينة ولقيه عروة قال له ابن عمر إنك ~~كلمتني في الطواف بما كلمتني وإنا كنا نتراءى الله بين أعيننا فهل لك فيما ~~سألت قال نعم فزوجه # وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال كنت جالسا في المسجد فدخل رجل فقرأ ~~قراءة أنكرتها عليه ثم جاء آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فلما انصرفا دخلنا ~~جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للرجل إقرأ فقرأ ثم قال للآخر إقرأ فقرأ فقال أحسنتما أو ~~أصبتما فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حسن قراءتهما سقط في ~~نفسي وودت أني كنت في الجاهلية فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~غشيني ضرب بيده في صدري ففضت عرقا وكأني أنظر إلى الله فرقا فقال يا أبي إن ~~ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أي رب هون على أمتي فرده ~~إلي الثانية أن إقرأ على حرفين فقلت يا رب هون على أمتي فرده إلي الثالثة ~~إن إقرأه على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألينها فقلت اللهم إغفر ~~لأمتي مرتين وأخرت الثالثة إلى يوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم عليه ~~السلام PageV04P073 # وعن عبد العزيز بن أبي رواد رضي الله عنه رفعه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في قصة حارثة حيث قال له كيف أصبحت يا حارثة قال مؤمنا حقا قال ~~ما حقيقة إيمانك قال كأني أنظر إلى الله فوق عرشه هذا في رواية عبد العزيز # وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في حديثه ~~كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا # رجعنا إلى ذكر صفة السابقين المقربين إنه إذا أسر العمل خلا بربه في ~~العمل فبرز له وجوده على ms629 القلب في الصدر والأول المقتصد أسر العمل فخلا ~~بطاعته وعبودته لا بربه فبرز له توحيده على قلبه في صدره # فالمقتصد يتولى تربية عمله التوحيد والسابق يتولى تربية عمله ربه الجواد ~~الكريم فإذا أسر السابق الذي هذه صفته عملا من أعماله فإنما يسره ليخلو ~~بربه فيجده في العمل وذلك قول عامر بن عبد قيس ما نظرت إلى شيء إلا رأيت ~~الله أقرب منه وقول محمد بن واسع ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله فيه فقد ~~تباين قولاهما مع رفعة قوليهما وجلالة حظيهما في القولين فإذا وجده السابق ~~في العمل عمل على مشاهدة القلب فعظمه وحسنه وبالغ فيه ثم جعله من وراء ظهره ~~فلم يلتفت إليه لأنه إنما يسره من أجل شيئين أحدهما أنه يريد أي يطفئ نار ~~شوقه إلى ربه بوجوده في العمل لأنه إذا وجده فأول ما يلاقي قلبه برد الرحمة ~~وقرة العين فإذا قرت عينه وناله برد الرحمة انطفت نار الشوق وسكنت فهذا وجه ~~PageV04P074 # ووجه آخر أن عين قلبه مادة إلى جلاله وعظمته يسأل بذلك نزاهة اليقين ~~فيزداد حياة بالله ولم يسره يريد بذلك تصفيته مما يخالط من فتنة النفس لأن ~~نفس هذا قد ماتت وافتقدت وساوسها قال له قائل هذا لم لم يعلن العمل حتى ~~يقتضي به الخلق قال صاحب هذا قد لها عن الثواب ووله بالماجد الكريم # ومن وجه آخر يسره يريد بذلك أن يغيبه عن أعين الخلق فإنهم إذا رأوا صلاة ~~وصوما وصدقة رأوا زينة وبهاء وزهدا ونزاهة وسخاء فأكرموه وعظموا منزلته ~~فإنما يسر أعماله لئلا يكتسب بها من الخلق هذه المنزلة غيرة لربه # وإذا أسرها من هذا الوجه كان ممن يباهي الله به ملائكته وقال هذا عبدي ~~حقا ولم يكن الله ليباهي به ويثني عليه ثم لا يفيده شيئا وأول ما يفيده أن ~~ينشر ثناؤه الذي أثنى به عليه في ملائكته على قلوب أهل الأرض حتى ينظروا ~~إليه بتلك العين وتتناسم الأرواح برؤيته وتتباشر القلوب بلقائه وتلتذ ~~العيون الشاخصة بالنظر إليه # قال عيسى عليه ms630 السلام إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن شفتيه وإذا تصدق ~~فليخف يمينه عن شماله وإذا صلى فليدل على بابه ستره فإن الله تعالى يقسم ~~الثناء كما يقسم الرزق # فهذه وجوه إسراره للعمل # وإذا أعلنه فإنما يعلنه حبا لأن يعبد الله في أرضه بمثل ما يعبده نصيحا ~~لله في ذاته وفي دينه وفي كتابه ورسوله وخلقه # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إن الدين هو النصيحة ثلاث ~~مرات PageV04P075 قيل لمن قال لله ولكتابه ولأمة المسلمين وعامتهم رواه ~~تميم الداري # فنصيحته لله من ذاته أن تكون عينه مادة إلى عظمة الله وفي دينه إلى حسن ~~تدبيره وفي كتابه إلى العمل بما فيه وفي رسوله إلى إتباعه وفي العامة إلى ~~حملهم على ما فيه نجاتهم # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيار عباد الله الذين يحببون الله إلى ~~عباده ويحببون العباد إلى الله ويمشون لله في الأرض نصحا # قوله يحببون الله إلى عباده أي يذكرونهم آلاء الله ونعمه وإحسانه ويحببون ~~العباد إلى الله أي يأمرونهم بالطاعة حتى يطيعوه فيحبهم ويمشون لله في ~~الأرض دعاة إلى الله وإلى دينه فالدعاة إلى الله دأبهم في شهرهم ودهرهم أن ~~يعلنوا الخير كي يقتدي الناس بهم ولذلك أثنى الله تعالى على من سأله فقال ~~@QB@ واجعلنا للمتقين إماما @QE@ # وإذا أسروا فالوجه الذي وصفنا فهم على مفرق الطريقين وهم على كلا ~~الطريقين مستقيمون وجيهون عند الله # عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما ~~خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقى عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة ~~من شدة الجبال فقالت يا رب هل من خلقك شيء PageV04P076 أشد من الجبال قال ~~نعم الحديد قالت يا رب هل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار قالت يا ~~رب هل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الماء قالت يا رب هل من خلقك شيء ~~أشد من الماء قال نعم التراب قالت يا رب هل من خلقك ms631 شيء أشد من التراب قال ~~نعم الريح قالت يا رب هل من خلقك شيء أشد من الريح قال نعم الإنسان يتصدق ~~بيمينه يخفيه من شماله هذه رواية أنس رضي الله عنه # وروى علي رضي الله عنه هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال عندما بلغ ذكر خلق الإنسان في هذا الحديث ثم خلق الإنسان يغلب الريح ~~يتقيها بيده ثم خلق النوم يغلب الإنسان ثم خلق الهم يغلب النوم فأشد خلق ~~ربك الهم # فحديث علي رضي الله عنه موافق لحديث أنس رضي الله عنه لأنه إذا صار يتصدق ~~سرا يخفي ذلك السر بيمينه من شماله كان قويا وهذا تمثيل فاليمين هي القلب ~~والشمال هي النفس ألا ترى أن الطاعة تخرج من إيمان القلب والمعاصي من شهوات ~~النفس فتأويل هذه الكلمة عندنا الذي قال يتصدق بيمينه يخفيها من شماله أي ~~يتصدق بقلبه ويخفيها من نفسه فالإيمان في القلب والهوى في النفس فإذا ~~أخفاها من الهوى فهذا الإنسان يغلب الريح يتقيها بيده كما وصفه علي رضي ~~الله عنه لأن الهوى تنفس النار فهو ريح يخرج منها فتمر بباب النار فتحمل ~~الشهوات إلى الآدمي إلى الموضع الذي قد ركب في الآدمي من تلك الشهوة حتى ~~يثيرها فيشتغل في العروق ويأخذ القلب فمرجع الروايتين إلى شيء واحد وهو أن ~~يعمل عملا مبتدأه من الإيمان من القلب فيسره من الهوى وإسراره أن لا يلتفت ~~إليه حتى يعجب به أو يرى لنفسه عملا فيتكل عليه وإذا تعلق بالأعمال نزع يده ~~من التعلق بالرحمة فوكله الله إلى نفسه وعمله ومنها بدأ هلاكه ولذلك قال ~~الله PageV04P077 تعالى يا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين قال وكيف ذاك ~~يا رب قال بشر المذنبين أن لا يتعاظمني ذنب أغفره وأنذر الصديقين أنه ليس ~~منهم أحد أنصبه للحساب وأقيمه على عدلي إلا هلك فالملتفت إلى أعماله يريد ~~أن ينجو من ربه بأعماله وإذا هو هلك # وهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس أحد منكم ينجيه عمله قالوا ms632 ~~ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته # والذي يغلب الريح هو الذي يغلب هواه في كل بر يعمل لله تعالى وأثر الأمور ~~عنده ما ثقل عليه لأنه يعلم أنه أصفى وأبرأ من هيئآت النفس وموردات الهوى ~~فهو يجتهد أن يخفيه من نفسه # فأما المقربون فإنهم عملوا لله كأنهم يرونه فلو أن أحدهم صار له عمل ~~الأولين والآخرين لتلاشى في عينه إذا صار قبالة عظمة الله وجلاله # وإنما قلنا إن حديث علي رضي الله عنه موافق لحديث أنس من أجل أن النوم في ~~الظاهر يغلب الإنسان وفي الباطن النوم هو الغفلة لا غفلة القلب ولكن غفلة ~~النفس عن أحوالها في الدنيا فإذا جاءت الغفلة نام القلب عن شهوات النفس ~~وأحوالها وأفراحها فإذا جاء الهم طار النوم فحيى القلب بالله فذاك الهم في ~~الظاهر هو أحوال النفس وفي الباطن هم ربه فلذلك قدر أن يتصدق بقلبه ويخفيها ~~من نفسه لأن صفته إن قطع همه بربه عنه نومة الغفلة فرجع الكلام إلى ما قلنا ~~إن المؤمن إذا صار PageV04P078 بهذه الصفة كان أشد وأقوى من الأرضين ~~والجبال والحديد والنار والماء والريح فهو أشد خلق ربه لأن ذلك الهم هم ~~النفس من أحوال الدنيا يطرد النوم وينفيه وهم القلب من أحواله في الملكوت ~~يطرد عنه النوم نوم القلب ونوم العين فالهم قد غلب هذه الأشياء # فلذلك قال ابن مسعود لعمر رضي الله عنهما إنا نجد أن عمل المؤمن في يوم ~~واحد أثقل من سبع سموات وسبع أرضين # وقال موسى عليه السلام فيما روي عنه يا رب إني أجد صفة قوم في قلوبهم من ~~النور أمثال الجبال الرواسي تكاد البهائم تخر لهم سجدا إذا رأتهم من النور ~~الذي في قلوبهم قال يا موسى تلك قلوب طوائف من أمة محمد إنما بلغوا ذلك ~~بإقبالهم على أنفسهم وذمهم لها وإنما هلك من هلك من قومك بالعجب بأنفسهم # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن لله ملائكة موكلين ~~بأرزاق ms633 بني آدم ثم قال لهم أيما عبد وجدتموه جعل الهم هما واحدا فضمنوا ~~رزقه السموات والأرضين والطير وبني آدم # فأما قول عيسى عليه السلام إن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق فإنما ~~يقسم الثناء على القلوب على أقدار محل العباد عنده وإنما يحل العباد عنده ~~حيث يحلون ربهم عز وجل من قلوبهم # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب أن يعلم ما منزلته عند الله ~~فلينظر ما منزلة ربه عنده فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من ~~قلبه # فقلوب الخلق في قبضته وبين اصبعين من أصابعه فيرى القلوب محل العبد من ~~صدق العبودة حتى يحبه العبيد وذلك قوله تعالى ^ إن الذين PageV04P079 آمنوا ~~وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هاب الله أهاب الله منه كل شيء ومن ~~خاف الله أخاف الله منه كل شيء ومن أحبه حببه الله إلى عباده وأثنى عليه ~~وهو قوله تعالى لموسى عليه السلام @QB@ وألقيت عليك محبة مني @QE@ وقوله ~~تعالى عند ذكر أنبيائه @QB@ وتركنا عليه في الآخرين @QE@ فإنما ينزل الثناء ~~على القلوب ويظهر السمات على الشخص # قيل في قوله تعالى @QB@ وألقيت عليك محبة @QE@ قال الحلاوة والملاحة # وعن الزهري قال يعطى الصادق ثلثي الحلاوة والمهابة والطلاوة # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قوله تعالى @QB@ سيجعل لهم الرحمن ودا @QE@ قال إن الله عز وجل أعطى المؤمن ~~المحبة والمقة والمهابة في صدور الصالحين # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر ~~الله PageV04P080 # وروي في حديث آخر قال موسى يا رب من أوليائك قال الذين إذا ذكروا ذكرت ~~وإذا ذكرت ذكروا # وقيل يا رسول الله من نجالس قال خياركم قيل ومن خيارنا يا رسول الله قال ~~من يذكركم بالله رؤيته ويزيد في عملكم منطقه ويزهدكم في الدنيا عمله # فقسمة الرزق على التدبير في الباطن وقسمة الثناء على منازل العباد في ~~الباطن في كينونتهم ms634 له عبيدا وتسليمهم إليه نفوسا ولأمره انقيادا ولأسمائه ~~علما فيورثهم خشوعا وطمأنينة وثقة فإذا هبته هابك الخلق وإذا عظمته عظمك ~~الخلق وإذا أحببته أحبك الخلق وإذا وثقت به وثق بك الخلق واطمأنت نفوسهم ~~إليك وإذا أنست به أنس بك الخلق وإذا نزهته نظر إليك الخلق بعين النزاهة ~~والطهارة يحكي لقلوب الخلق عن قلبك ما يراه من قلبك فإن شئت فازدد وإن شئت ~~فانقص فإنما تنقص من حظ نفسك فمنتهى قسمة الثناء أن خلط ذكره بذكره وجعل ~~على شخصه طلاوة سماته فإذا رأوه ذكروا الله قال له قائل وما تلك السمات قال ~~سمات الحظوظ قال حظوظ من ماذا قال حتى تخرج من المهد وتنفطم عن الرضاع ~~فعندها تعرف السمات إن شاء الله تعالى قال وما المهد وما الفطام قال ~~الإنسان من حين يولد فهو راكب هواه غير مفارق لشهواته ونهماته فهو في مهد ~~مناه كالصبي في المهد يريد في كل أمر أن يبر ويلطف له ويعطف عليه ويعمل ~~بهواه ويعلل كالصبي ويداري ويوافق في شيئآته هذا حاله إلى أن يشيخ ويكبر ~~ويدخل في عبودة قبره لم يدخل الله تعالى قط ولا تولى الله قط ولاية الحق ~~إنما تولاه ولاية التوحيد وحده بما من عليه من عقد الإيمان وقبل منه ~~الإيمان والإسلام أن يكون مطمئن القلب في الله تعالى في كل حال ساكنا عند ~~أحكامه مسلما إليه جميع جوارحه عند أمره ونهيه ثم هو عبد PageV04P081 آبق ~~منخلع العذار مستبد حرون جموح إذا أمره تثاقل وحرن وإذا نهاه جمح وإذا قسم ~~له بحسن تدبيره من الأحوال أرسل مشفريه كمشفري البعير وعبس وجهه وانقبض ~~انقباض القنفذ وإذا حكم عليه التوى وذلل بقدميه الأرض فهذا عبد دنياه وعبد ~~بطنه وعبد فرجه وشهواته ومناه فمتى يقدر هذا أن يعظم حقوق الله ويعظم أمره ~~ويتذلل له عبودة ومتى يصير هذا عالما بالله عارفا له وبمننه وإحسانه شاكرا ~~خاشعا خائفا لزوال النعمة مستحييا منه هيهات ما أبعد هذا فهذا رضيع في ~~المهد فلينظر أين يكون من تلك العرصة ms635 العظيم شأنها ومن تلك الصفوف كما يكون ~~الصبي من محافل الدنيا مع مخاطه وأدناسه وأوساخه ولهوه ولعبه من وراء الباب ~~لا يعبأ به ولا يهيأ له مجلس والذي فطم حتى تأدب وشب وأخذ الزينة والهيئة ~~والبهاء واللباس والأدب أين يقعد فلذلك من فطم نفسه عن الشهوات وعن ارتضاع ~~حلاوة الدنيا ورمى بعلل نفسه ورفع باله عن الخلق ماذا يقال له وماذا يكون ~~أعتقه الله من رق النفس بأنوار الهدى وحشا صدره من أنوار الحظوظ ووسمه ~~بسماته فالدنيا كلها تحت قدمه والخلق من وراء ظهره والله نصب عينه يتخطى ~~على أعناق الخلق في الموقف إلى الله يسبق الصفوف صفا صفا ويقال له ادن حتى ~~يغبطه الناظرون إليه من أهل القرية # وهو ما رواه أبو مالك الأشعري رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال اعقلوا واعلموا أن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء ~~يغبطهم النبيون والشهداء لمكانهم وقربهم من الله فقام أعرابي فقال يا رسول ~~الله من هم حلهم لنا فسر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول الأعرابي ~~فقال هم قوم لم تصل منهم أرحام متقاربة من أفناء الناس ونوازع القبائل ~~تحابوا في جلال الله عز وجل وتصافوا فيه وتزاوروا فيه وتباذلوا فيه يضع ~~الله لهم منابر من نور فيجلسون عليها وإن ثيابهم لنور ووجوههم نور لا ~~يخافون إذا خاف الناس ولا يفزعون إذا فزع الناس PageV04P082 أولئك أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن ~~الله تعالى إذا أحب عبدا أثنى عليه من الخير مثل عمله سبع مرات وإذا أبغض ~~عبدا أثنى عليه مثل عمله من الشر سبع مرات # وعن أبي الهيثم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله إذا أحب ~~عبدا أثنى عليه بسبعة أضعاف من الخير لم يعمله وإذا أبغض عبدا أثنى عليه ~~بسبعة أضعاف من الشر لم يعمله # عن أنس رضي الله عنه ms636 قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تدرون من ~~المؤمن قالوا الله ورسوله أعلم قال المؤمن من لا يموت حتى يملأ مسامعه مما ~~يحب ولو أن عبدا اتقى الله في بيت في جوف بيت إلى سبعين بيتا على كل بيت ~~باب من حديد ألبسه الله تعالى رداء عمله حتى يتحدث به الناس ويزيدون ~~والكلام مثل ذلك في فجوره قيل وكيف يزيدون يا رسول الله قال إن التقى لو ~~استطاع أن يزيد في بره لزاد والفاجر لو يستطيع أن يزيد في فجوره لزاد # وقال عليه السلام نية المؤمن أبلغ من عمله PageV04P083 # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله عز وجل لعبده يوم ~~القيامة عبدي عبدتني أكرمك الناس ووضعوك على رؤوسهم زهدت في الدنيا راحة ~~تعجلتها هل واليت لي وليا أو عاديت لي عدوا # عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال يؤتى يوم القيامة بعبد محسن في نفسه لا يرى أن له سيئة فيقال له هل كنت ~~توالي أوليائي # قال يا رب كنت من الناس سلما # قال فهل كنت تعادي أعدائي # قال يا رب إني لم أكن أحب أن يكون بيني وبين أحد شيء فيقول وعزتي لا ينال ~~رحمتي من لم يوال أوليائي ولم يعاد أعدائي # فأما الذي يفعل ويحب أن يحمد فهو على وجهين فإن كان حبه للحمد لأن يعلو ~~بذلك منزلته عند الخلق فهذا فتنة وإن كان حبه للحمد من نزاهة نفسه وشرف ~~قلبه في الدين يطلب الجمال والهيئة والله جميل يحب الجمال فإن طلبه في ~~أموره أن يحمد فهو محمود لأنه لم يطلب بذلك الحمد دنيا وإنما طلب به مسكة ~~الدين والعصمة لئلا يذل في خلقه فيذل دينه ولذلك قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليس المؤمن أن يذل نفسه وقال في خطبته طوبى لمن تواضع في غير ~~مذلة # قال بشر الثعلبي كنت جالسا عند أبي الدرداء رضي الله عنه فمر PageV04P084 ~~بنا ابن ms637 الحنظلة رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رجلا ~~متوحدا قل ما يجالس الناس إنما هو صلاة فإذا انصرف إنما هو تسبيح وتكبير ~~وتهليل حتى يأتي أهله فمر بنا فقال أبو الدرداء كلمنا كلمة تنفعنا ولا تضرك ~~فقال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فقدمت فقال رجل لو رأيتنا حين ~~لقينا العدو فطعن فلان فلانا فقال خذها وأنا الغلام الغفاري ورجل إلى جنبه ~~فقال كيف ترى قال ما أراه إلا أبطل أجره قال الآخر لا أرى بذلك بأسا ~~فتنازعا في ذلك حتى سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سبحان الله لا ~~بأس أن يؤجر ويحمد فسر بذلك أبو الدرداء فقال أنت سمعت هذا فجعل يقول نعم # وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله إني حب أن أحمد ~~كأنه يخاف على نفسه قال وما يمنعك أن تعيش حميدا وتموت فقيرا وإنما بعثت ~~لأتمم محاسن الأخلاق # وفي رواية أخرى أن هذا الرجل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ~~ثابت ابن قيس بن شماس # فهذا يحب الحمد لشرف نفسه وللتجمل هربا من الذم ونزاهة من دناءة النفس ~~لأن الحمد والذم ضدان فإذا فقد الحمد ظهر الذم وأما الذي يحب الحمد ~~للمباهاة وطلب العلو فذلك مذموم قال الله تعالى @QB@ تلك الدار الآخرة ~~نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض @QE@ وقال تعالى @QB@ ويحبون أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا @QE@ # وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة أن لا ~~تكون بشيء مما في يدك أوثق منك بما في يد الله تعالى وأن يكون ثواب ~~PageV04P085 المصيبة أحب إليك من أن لو نفيت عنك المصيبة ولكل حق حقيقة ولا ~~يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه ~~لم يكن ليصيبه ولا يبلغ العبد حقيقة الإخلاص حتى لا ms638 يحب أن يحمد على شيء ~~عمل لله عز وجل # فهذا فعل السابقين ومنزلة أخرى في هذا الباب أشرف من هذا كله وهو أن يحب ~~أن يحمد ومنبع حبه للحمد حب الله تعالى فهذا يحب أبدا أن يكتسي حمده فيرى ~~عليه تلك الكسوة وتنطلق الألسنة بذلك الحمد له فتكون تلك الألسنة شهود الله ~~له في أرضه فهذا أشرف المنازل وهو الذي سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال ~~@QB@ واجعل لي لسان صدق في الآخرين @QE@ أي الثناء الحسن فأجيب إلى ذلك ~~فقال @QB@ وتركنا عليه في الآخرين @QE@ # ومحمد صلى الله عليه وسلم فوض ذلك إلى ربه فزاده فقال @QB@ ورفعنا لك ~~ذكرك @QE@ فقرن ذكره بذكر نفسه ثم جعل لأمته من ذلك أوفر الحظ فقال موسى ~~عليه السلام يا رب من أولياؤك قال الذين إذا ذكروا ذكرت وإذا ذكرت ذكروا # وقيل يا رسول الله من أولياء الله قال الذين إذا رؤوا ذكر الله # عن أنس رضي الله عنه قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم إذ مرت ~~به جنازة فسأل عنها وأثنوا عليها خيرا فقال وجبت ثم مرت به أخرى فأثنوا ~~عليها شرا فقال عليه السلام وجبت فقلنا يا رسول الله قلت وجبت قال إن ~~المؤمنين شهود الله في الأرض إذا شهدوا للعبد بخير أوجب الله له الجنة وإذا ~~شهدوا للعبد بشر أوجب الله له النار PageV04P086 وما من عبد يشهد له أمة ~~إلا قبل الله شهادتهم والأمة الواحد إلى ما فوقه قال الله تعالى @QB@ إن ~~إبراهيم كان أمة @QE@ وقال @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس @QE@ # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من ~~مسلم يوضع في قبره فيثني عليه ثلاثة أهل بيت من جيرانه خيرا إلا قال الله ~~تعالى لملائكته قد قبلت شهادة عبادي لعبدي فيما ظهر وغفرت لهم ما لا يعلمون # رجعنا إلى ذكر السر والعلانية # عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى @QB@ إن تبدوا الصدقات فنعما ~~هي @QE@ قال # جعل ms639 الله صدقة التطوع يفضل سرها علانيتها سبعين ضعفا وجعل صدقة الفريضة ~~علانيتها تفضل سرها بخمسة وعشرين ضعفا وكذلك جميع الفرائض والنوافل في ~~الأشياء كلها # وإنما قال ابن عباس رضي الله عنهما فيما يرى ذلك من قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن عمل السر من التطوع يفضل العلانية بسبعين ضعفا ~~PageV04P087 # وقال في حديث آخر صلاة الرجل في جماعة يعني الفريضة تزيد على صلاته وحده ~~بخمس وعشرين درجة # وروي عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه في قوله تعالى @QB@ إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هي @QE@ قال الفرائض @QB@ وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء @QE@ ~~قال التطوع وجاد ما غاص أبو جعفر رضي الله عنه وحق لمعدن النبوة أن يكون ~~هكذا # وصف الله تعالى إبداء الصدقة بالنعمة فقال @QB@ فنعما هي @QE@ وإنما هي ~~نعم كقولك فعل وهو ضد بئس من البؤس والنعمة والبؤس ضدان وكل شيء جسم واحتشا ~~ورطب فهو نعمة وكل شيء هزل ويبس فهو بؤس ثم نسب فعل نعم إلى ما ولفظ ما ~~باطن الأشياء كأنه قال إبداء الصدقة نعم باطنة وإنما نعم الإبداء لأنه ~~فريضة افترضها الله على عباده دواء لأسقام قلوب العباد لأن القلوب سقمت بحب ~~المال ولذلك سمي مالا لأن القلوب تميل بحبها عن الله فأمر بمفارقته على ~~سبيل التصدق وهو إظهار صدق الإيمان لأن الله تعالى اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة # فسمي زكاة والزكاة عبارة عن النماء لأن فيه نمو ما نقص من نور قلوبهم ~~وارتحل من بركاتهم عن القلوب وتطهرا عن أدناس الميل إلى المال من الله ~~تعالى وتنزها عن حب المال وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان ~~حلو نزه فنزهوه # وسمي صدقة لأن فيه إظهار صدق الإيمان وقد حلف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال والذي نفسي بيده ما نقصت صدقة مالا قط PageV04P088 # وقال عليه السلام حين تصدق من تمر قدر مد قبضة قبضة والشيء مكانه على ~~هيئته فقيل يا رسول الله نراك تعطي ولا ينقص فقال رسول الله ms640 صلى الله عليه ~~وسلم أما تقرأون ^ وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ^ ولكنكم لا ترون الخلف ~~بقلة اليقين # وقال عليه السلام لو أن أم إسماعيل عليه السلام لم تغرف من زمزم لكان ~~زمزم عينا معينا # وروي إن عامر بن عبد قيس كان يأخذ عطاءه في ثوبه ثم يعطيها قبضة قبضة ~~فإذا بلغ المنزل وزن فيوجد كما هو وكان بنو أعمامه يفعلون مثل ذلك فينقص ~~فقالوا له في ذلك فقال إنكم تجربون الله عز وجل وأنا لا أجرب # وسمي المال خيرا في التنزيل والخير منه ما كان منزوع الحمة وحمة المال ~~وسمه حبك له وما لم ينزع حمته فهو مال لأنه مال بقلبه عن الله # قال الله تعالى @QB@ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا @QE@ وقال @QB@ إني ~~أحببت حب الخير عن ذكر ربي @QE@ وقوله تعالى @QB@ وإنه لحب الخير لشديد ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا @QE@ ~~PageV04P089 سماه خيرا عند حضور الموت لأنه عند انطفاء نار الشهوات وانطماس ~~حب المال وقال @QB@ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا @QE@ لأن ذلك وقت عطف ~~ورحمة من السيد على عبده يرغب في عتقه من الرق وتأخذه الحاجة لأن المال ~~قوام الدين # فمن أحب المال لحب الدين فقد صدق الله في إيمانه ولم يدخل عليه في حب ~~إيمانه ممازجة ولا شوب وعلامته أن يكون بما أعطي أشد فرحا منه بما بقي في ~~يده # ولذلك قال الله تعالى لداود عليه السلام يا داود هل تدري أي المؤمنين ~~أعظم منزلة عندي الذي هو بما أعطي أشد فرحا بما حبس # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست الزهادة في الدنيا بتحريم ~~الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة أن لا تكون بشيء مما في يدك أوثق منك ~~بما في يد الله تعالى وأن يكون ثواب المصيبة أحب إليك من أن لو نفيت ~~المصيبة عنك # عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن ملك الموت أتى إبراهيم عليه السلام ~~فأخبره بأن لله خليلا في الأرض فقال يا ملك الموت ms641 من هو حتى أكون له خادما ~~قال فإنك أنت هو قال بماذا قال إنك تحب أن تعطي ولا تحب أن تأخذ ~~PageV04P090 # قوله تعالى @QB@ إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي @QE@ سماه خيرا لأن الله ~~عز وجل أعطاه تلك الخيل المعروضة عليه بالعشي تلك الصافنات الجياد فكانت ~~تلك عطية الله تعالى لاحقة بما أعطي من الملك # قال تعالى @QB@ هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب @QE@ قال له قائل فما ~~الذي حل به من حبه حتى طفق مسحا بالسوق والأعناق فضرب سوقها وأعناقها قال ~~لأنه شغله حبه إياها عن صلاة العصر حتى فاتته ولم يكن حبه حب فتنة لأنه ~~أعطي الملك بلا حساب فعصم من الفتنة وما اعترض تلذذا إنما اعترض عطية الله ~~التي أعطاها بلا تبعة ولا حساب تلذذا بعطف الله ورأفته ثم لما شغله عن حب ~~ما هو أعظم منه رمى به كالمعرض عنه لأنه رأى في الصلاة إقبال الله تعالى ~~على عبده ولم ير في العطية ولا في اعتراضه للعطية إقبال الله تعالى فلما ~~رأى فوت الإقبال هاجت منه حرقة فوت الإقبال فرمى بهذا وتخلى عنه فشكر الله ~~له تلك الحرقة فأعطاه بدلا من الخيل ما لم يعط أحدا من الآدميين وهو الريح # قال تعالى @QB@ فسخرنا له الريح تجري بأمره @QE@ الآية وقوله تعالى @QB@ ~~وإنه لحب الخير لشديد @QE@ # المال في الأصل قوام العباد في أمر دينهم به يصلون ويصومون ويزكون ~~ويتصدقون فالأبدان لا تقوم إلا بهذا المال وأعمال الأركان لا تقوم إلا بهذا ~~المال منه يطعم ومنه يشرب ومنه يكتسي ومنه يسكن PageV04P091 من الحر والبر ~~وبه يتوقى الأذى والمشقة ويدفع الشدائد من الأحوال # قال الله تعالى @QB@ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ~~@QE@ # أعلمك أن هذا قيامك أي قوامك في أمر دينك ودنياك فالمؤمن دينه ودنياه ~~جميعا في دنياه وإن عمل لآخرته فإنما يعمل في دنياه وإن عمل لدنيا فإنما ~~يعمل في دنياه فهذا المال على ما وصفنا حقيق أن يسمى خيرا لأن الخيرات به ~~تقوم فإذا أحبه ms642 فاشتد حبه له فغير معيب ولا ملوم ثم يفترق حبه فيصير على ~~ضربين فإن كان حبه للمال من أجل حب الله فهو محمود وإن كان حبه له من أجل ~~حب نفسه الدنية البالية غدا في التراب فهو مذموم لأن حبه له من هذا الوجه ~~حب فتنة والفتنة تهديه إلى النار لأن ذلك الحب شهوة والشهوة بباب النار # وقال عليه السلام حفت النار بالشهوات # وإن كان من حب الله أحبه فذلك الحب نور على قلبه قال له قائل وكيف يكون ~~حب المال من حب الله تعالى قال علم العبد أن الله تعالى أمره بأمور وجعل ~~مرضاته في تلك الأمور وأن تلك الأمور لا تقوم إلا بالمال فمن أحب ربه أحب ~~أمره وابتغاء مرضاته ثم نظر فإذا تلك الأمور لا تقوم إلا بالمال فليس من ~~المحال أن يحب شيئا من أجل حب ربه ثم يعلم أن ذلك الشيء لا يقوم ولا يتهيأ ~~له إلا بشيء آخر ثم لا يحب هذا الشيء الثاني وكيف لا يحب العبد نعمة يلتذ ~~بها ويجد تلك النعمة PageV04P092 لحمد ربه فإذا خلصت إليه لذة ذلك الشيء ~~هيجت منه ذكر المنعم فأثارت في صدره نورا يجدد حمده وينكشف له الغطاء عن ~~عطف ربه ورحمته عليه فيزداد بذلك خضوعا وذلة وحياء منه وتتراكم عليه أثقال ~~الشكر فالنعم على هذا الوجه محقوقة أن تحب # ومن هذا القبيل ما أنعم به على سليمان عليه السلام ومن توهم أنه سأل ملكا ~~لا ينبغي لأحد من بعده لحب نفسه ولحب دنياه مع أن الله تعالى أثنى عليه ~~وقال @QB@ نعم العبد إنه أواب @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن له عندنا لزلفى ~~وحسن مآب @QE@ وقال @QB@ ومن ذريته داود وسليمان @QE@ ثم قال في آخر الآية ~~@QB@ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ # فسماه مهديا وأوابا وصاحب زلفة وحسن مآب فقد رد على الله فلم يؤمن عليه ~~الكفر # عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال لما قتل أبي يوم أحد دعاني النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال أتحب الدراهم ms643 قلت نعم قال لو جاءتني دراهم أعطيتك ~~هكذا وهكذا وهكذا وهكذا فقبض النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يعطيني فلما ~~استخلف أبو بكر أتاه مال من البحرين فدعاني فقال خذ كما قال لك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخذت بكفي جميعا وأخذت الثانية أقل منه فقلت عدوا هذا ~~فأعطوني مثله مرتين فعد فوجد سبعمائة وخمسين فأعطوني مثلها مرتين ~~PageV04P093 # فلو كان حب جابر رضي الله عنه للدراهم حب النفس والدنيا لكان معيبا وما ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهديه ولكنا نظن بجابر الأولى والأحق حيث ~~ناطق بهذه الكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعده على ذلك جزيلا # وقيل لابن عون أتحب الدراهم قال نعم قيل لم ذاك قال لأنها تنفعنا # وقال كعب رضي الله عنه أول من ضرب الدينار والدرهم آدم عليه السلام # وقال لا تصلح المعيشة إلا بهما # وعن وهب بن منبه الدنانير والدراهم خواتيم رب العالمين وضعها الله تعالى ~~معايش لبني آدم لا يؤكل ولا يشرب إلا بهما من جاء بخاتم رب العالمين قضيت ~~حاجته PageV04P094 # | - * الأصل السادس والستون والمائتان # - * # | في أن الله تعالى إنما ينظر إلى القلوب لأن كنوز المعرفة فيها والى ~~الأعمال # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ~~لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وأحسابكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم # قال أبو عبد الله إنما ينظر إلى القلوب لأنها أوعية الجواهر وكنوز ~~المعرفة فيها وينظر إلى أعمال الجوارح بأن مبتدأ الأعمال من القلوب فإذا ~~نظر إلى الجواهر ووجدها طرية سليمة كهيئتها محروسة من آفات النفس مكنونة عن ~~تناول النفس وتلمسها شكر لعبده فزاده في الجواهر وبصره بأقدارها وأخطارها ~~حتى يزداد بها غنى ومن استغنى بالله عز PageV04P095 وجل فلا قوي أقوى منه ~~قد آيست النفس من إجابته إياها وآيس العدو من غوايته # وإنما ندب العبد إلى التقوى وصار العبد لله وليا بأن حرس ما في قلبه من ~~المعرفة لله وصيره في وقاية من ms644 آفات النفس فلا يصل إليه آفاتها من أجل صون ~~تلك الجواهر فإن العدو يأتي بأضدادها يريد أن يضعها في تلك الأمكنة وينفي ~~عن قلبه ما وضعه الله تعالى فإن لم يقدر على النفي غطاه بما أورد عليه فلبس ~~عليه بمنزلة رجل في يده جواهر ودنانير فأكب عليه خائن مخادع يصحبه ويخالطه ~~في الأخذ والإعطاء فإذا أخذ منه جوهرا لينظر إليه يأخذ ياقوتة حمراء فلا ~~يزال يقلبها في كفه ينتظر بلاهته ويلتمس غرته حتى يبدله بها خرزة حمراء ~~صافية تشبهها وصاحبه قليل البصر بالجواهر إنما معرفته بها ما ينظر إليه من ~~ظاهرها ويأخذ منه لؤلؤة فيبدل بها عظما صافيا يشبهها ويأخذ منه فيروزجا ~~فيبدله بخزف ملون أزرق صقيل ويأخذ منه زمردة فيبدل بها فلقة من جوهر الزجاج ~~ويأخذ منه دينارا فيبدل به فلسا أصفر مدورا فهو لا يعرف من الدينار إلا ~~صفرته وتدويره وكتابته ومن الزمرد إلا خضرته ومن اللؤلؤة إلا بياضها ومن ~~الياقوتة إلا حمرتها فإذا رأى مثلها من الهيئة لم ينكر ذلك # فكذلك هذا الموحد أعطي المعرفة ليوحد ويتوجه إلى الواحد ويقبل على الواحد ~~ويبذل نفسه له عبودة ويأتمنه على نفسه ويتخذه وكيلا ويفوض إليه أموره ويترك ~~التدبير عليه ويثق به ويركن إليه ويتذلل لربوبيته ويتواضع لعظمته ويتزين ~~لبهائه ويتخذه عدة لكل نائبة من دنيا وآخرة # فلما رأى العدو ذلك حسده وشمر لاستلاب ما أعطي العبد فلم يقدر أن يكابره ~~ويستقبله بالقهر كما قهر الكفار وكابرهم ولكنه خادعه وأخفى خداعه في ظل ~~النفس فهو يوسوس إلى النفس والنفس توسوس PageV04P096 إلى القلب فإذا كان ~~القلب أبله ورفض الكياسة وكان مستثقلا في نوم البلاهة والغفلة انخدع لما ~~يورد العدو فأورده على توحيده شرك الأسباب بدلا وبالتوجه إليه توجها إلى ~~أولياء الأسباب وبالإقبال إليه إقبالا على أحوال النفس وببذل النفس له ~~عبودة بذل النفس لمناه وشهواته وبائتمانه على نفسه إئتمان ما جمع وحوى من ~~الدنيا وباتخاذه وكيلا إتخاذ علمه وبصره وحذقه بالأمور وكيلا وبالتفويض ~~إليه تفويضا إلى تدبيره وقوته مقتدرا وبالركون إليه ms645 ركونا إلى خدمه فلبس ما ~~أعطي من الكنوز بهذه الأشياء فانقطعت قوته ومادة معرفته من الله تعالى # فأي مغبون أعظم غبنا من هذا فبعدا له لأنه قد ترك نصيحة الله له فإنه ~~أنزل عليه نصيحته تنزيلا فقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ~~ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون @QE@ # فإنما يذكر الله تعالى من وحده في جميع أموره دينا ودنيا وتوجه إليه في ~~جميع نوائبه وحوائجه وأقبل عليه بكل همومه وبذل له نفسه بذل من يعلم أنه ~~مملوك مخلوق من تراب ممنون عليه بخلقه وبعظائم المنن وائتمنه على نفسه ~~سكونا إليه واتخذه وكيلا فاستراح من المخاوف وفوض إليه وقعد ببابه ينتظر ~~خروج تدبيره إليه وركن إليه ركون من استند إلى جبل شامخ لا يقدر أن يؤتي من ~~قبله واطمأن فمن ألهاه حب ماله وولده عن ذكر الله بهذه الأشياء فخسر أنه ~~أعظم من أن يوصف لأنه خدع فأبدل بما أعطي من الجواهر الخرز والخزف والزجاج ~~والعظام والفلوس فليت شعري في أي واد بقي توحيده وفي أي واد هو أولئك ~~ينادون من مكان بعيد # عن أبي معبد بن حبان أو عن حبان بن حجر قال قال رسول الله PageV04P097 ~~صلى الله عليه وسلم يأتي على الناس زمان القرآن في واد وهم في واد غيره # فإنما صار في واد لأن جواهرهم ودنانيرهم قد صارت خرزا وخزفا وفلوسا ~~وعظاما وزجاجا فالقرآن كلام رب العالمين جرى إليهم من أصل الجواهر ليعقلوا ~~عنه كلامه بأنوار تلك الجواهر فإذا خدعهم العدو بنفخة الكبر فيهم ونفثة ~~الشهوة وسلطان الهوى صارت هذه الأشياء بدلا فلم يوجد للخرز والخزف والفلوس ~~أنوار تشرق ليستنير الصدر لكلام رب العالمين أو يتراءى لعين الفؤاد في ~~ظلمات الكبر تلك المعاني واللطائف هيهات ما أبعد ما وقع القوم انخدعوا ~~للعدو بخيانة نفوسهم حتى أهلكهم قال الله تعالى @QB@ سأصرف عن آياتي الذين ~~يتكبرون في الأرض بغير الحق @QE@ # تلك قلوب عز ربي وجل عن أن ينظر إليها حتى يزين فيها الخرز ms646 والحصى والخزف ~~بدل الفلوس وتلك الجواهر وتلك قلوب صرفها الله عن آياته ودلائله فعميت ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور تلك قلوب أعرض الله عنها وشغلها بما كثر عليها ~~من دنياها الخربة من زينتها ولهوها ولعبها ومتاع غرورها تلك قلوب فرحت ~~بنفسها ودنياها الدنية وشهواتها الردية فطمسها الله عن الفرح به والقلوب ~~المطموسة معرض عنها خالقها قال الله تعالى @QB@ من قبل أن نطمس وجوها ~~فنردها على أدبارها @QE@ # وإذا أعرض الله عن قلب صار الصدر كنهار غربت شمسه وإذا أظلم الصدر انقبض ~~القلب وذبل وافتقر وصار أسير النفس فالفرح بالله برد يطفئ حرارة النفس ~~وشعاع ينير الصدر وحياة تهزم جميع الشهوات PageV04P098 ولطافة تجري في جميع ~~عروقك حتى تتأدى إلى مخ أعظمك وحلاوة تسكرك عن كل حلاوة دونها ولذة تلهيك ~~عن كل لذة دونها وبشرى يغرق فيها جميع آمال قلبك وهيمان في تلك البشرى يدق ~~الدنيا والآخرة في جنبها والفرح بأحوال النفس له حرارة تحرق وجه القلب ~~وساحته وهي الصدر حتى يصير للقلب حزونة كحزونة الأرض فيصبح حزينا على فوت ~~الدنيا # روي عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ~~ساخطا على ربه # وعن فرقد السنجي قال قرأت في التوراة من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ~~ساخطا على ربه ومن تضعضع لغنى ذهب ثلثا دينه ومن نزلت به مصيبة فشكاها إلى ~~الناس فإنما يشكو ربه # والفرح بأحوال النفس إذا اضطرم عليه نيران الحرص امتلأ الجو من دخانها ~~حتى يصير صدره كالليل الدامس وتعمى بصيرته والفرح بأحوال النفس له سلطان ~~يميت القلب ويحيي النفس وتهتز الشهوات بتلك الحرارة فهو يستحيي من الخلق ~~ولا يستحيي من خالقه كما قال في تنزيله @QB@ يستخفون من الناس ولا يستخفون ~~من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول @QE@ # وله حلاوة تسكر عن الله وبرد كبرد السم يدب في العروق ويحذر عن الإيمان ~~بالله ويصيرك كأنك خال عنه ويشتمل على روحك حتى يتغير إلى طبع النفس ~~وكدورتها وله لذة ms647 تلهيك عن الله تعالى وعن يوم الميثاق ويوم الميعاد لوفاء ~~الميثاق وله آمال كاذبة وأماني خادعة يهيم فيها هيمان المحتلم يثب على كل ~~مفروح من الدنيا وثبان المحتلم على PageV04P099 جارية قد عشقها فإذا انتبه ~~وجد نفسه عما وثب إليه خاليا وفي فراشه بائلا كذلك الفرح بالدنيا إذا قبض ~~روحه يجد نفسه خاليا من أفراح النفس ودنياها يقدم على ربه جنبا قد بال في ~~دينه وعبوديته وراث فيها كروث الحمار الذي قد حمل عن الله أسفارا على ظهره ~~من قبل أن يتطهر بماء الندم والكيس نظر إلى هذا الحال فاقشعر منها ورجع إلى ~~نفسه فوجدها كريمة حرة تنقاد وتسلس بلا كزازة فقام على الساق متشمرا في ~~تصفية قلبه وتطهيره ليرق ويجلى فإن المرآة إذا جليت فقابلها نور الشمس تولد ~~من بينهما إشراق يضيء البيت منه فكذلك القلب إذا جلى ثم يلاحظ نور الملكوت ~~أضاء الصدر وامتلأ من شعاعه فأبصرت عينا الفؤاد باطن أمور الله في خلقه ~~فذاك قلب قد استكمل الزينة والبهاء بما سبق من الطهارة والصفاء فصار قلبه ~~موضع نظر الله من بين خلقه فكلما نظر إلى قلبه زاده به فرحا وله حبا ومنه ~~قربا واكتنفه بالرحمة # عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله ~~تعالى في الأرض أواني ألا وهي القلوب فأحبها إلى الله أرقها وأصفاها ~~وأصلبها أرقها للإخوان وأصفاها من الذنوب وأصلبها في ذات الله فمن كان له ~~قلب صالح تحنن الله عليه وإنما يصلح إذا سكنت النفس بشهواتها والهوى بجنوده ~~واطمأن القلب أميرا على الجوارح نافذا سلطانه فعندها يحظى العبد من الله ~~الحنان فإذا تحنن عليه وجد القلب ريح الرأفة فيزداد طمأنينة إلى ربه ~~واهتاجت آماله فيأخذ في السير إليه فعنده تظهر الكنوز وإذا استغنى القلب ~~بالكنوز وصل العبد إلى زينة الأعمال وإنفاق الكنوز لمحاسن الأخلاق ومحمود ~~الفعال فعند ذلك ينظر الله إلى قلبه وإلى أعماله PageV04P100 # | - * الأصل السابع والستون والمائتان # - * # | في فضل العلم بالله # عن أنس بن مالك ms648 رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال العلم بالله ثم أتاه فسأله ~~فقال له مثل ذلك قال يا رسول الله إنما أسألك عن العمل قال إن العلم ينفعك ~~معه قليل العمل وكثيره فإن الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فالعلم ثلاثة أنواع علم بالله وعلم بتدبير ~~الله وربوبيته وعلم بأمر الله # وروي عن عيسى عليه السلام أنه قال العلماء ثلاثة عالم بالله ليس بعالم ~~بأمر الله وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله وعالم بالله عالم بأمر الله # كأن عيسى عليه السلام جعل العلم بتدبيره وربوبيته مع العلم بالله علما ~~واحدا وإنما صيرناه ثلاثة أنواع لأنا أردنا أن يتميز عند من لا يعقله علم ~~الله من علم التدبير لأن علم التدبير للعباد وهو داخل في باب العبودة وعلم ~~الله هو الثناء الذي يظهر على الألسنة من القلوب فالعلم رأس كل أمر وخلق ~~الله الخلق أصنافا ثم أعطى كل شيء علمه الذي PageV04P101 ينبغي له فبالعلم ~~يعرف ربه وبالعلم يعبد ربه وهو جواب موسى عليه السلام لفرعون حيث قال @QB@ ~~فمن ربكما يا موسى @QE@ ^ قال ربنا الذي أعطي كل شيء من خلقه ثم هدى ^ أي ~~أعطاهم خلقهم ثم هداهم من خلقهم ومن كونهم ومن يملكهم وبمن قوامهم # فالهدى هو العلم الذي أعطى كل شيء خلقه حتى هداهم إلى نفسه فالعرش فمن ~~دونه إلى الثرى كلهم أعطاهم خلقهم ثم عرفهم نفسه وهداهم خلق كل شيء فوضع ~~فيه الحياة وأعطاهم العلم به واقتضاهم القنوت له فقال تعالى @QB@ وله من في ~~السماوات والأرض كل له قانتون @QE@ والقنوت الركود بين يديه في مقامه الذي ~~أقامه # ثم بدأ خلق آدم عليه السلام وذريته فجعل الأشياء سخرة للآدميين وضع فيها ~~تلك الأشياء التي فيها منافع الآدميين وقوام معايشهم وأعطاها علم إخراج ذلك ~~إلى الأميين بمقدار معلوم ووزن معلوم وفي وقت معلوم وفي موضع معلوم فالعرش ~~مقصد القلوب ms649 والسموات ظلال أبدانهم وموضع أرزاقهم وتدبير أمورهم بما فيها ~~من الشمس والقمر والنجوم والرياح والحر والبرد والليل والنهار وما في الأرض ~~كلها سخرة لبني آدم فهم كلهم إلى الثرى مسخرون موكلون بإخراج ما وضع فيهم ~~من المنافع إلى الآدميين وأعطاهم العلم على قدر ذلك من الحاجة إلى إخراج ~~السخرة إليهم وخلق الآدميين للخدمة ووضع فيهم أنواره ليخرج الخدمة لله من ~~باطنه # فالحاجة بالآدمي إلى العلم بالله تعالى حسب ما له خلق فانظر كم بين ~~السخرة والخدمة فالسخرة لنا والخدمة لله تعالى فلو أن أحدنا أقيم لخدمة ملك ~~من ملوك الدنيا لعظم شأنه واحتاج إلى علم كثير وأدب PageV04P102 عظيم ~~وكياسة وافرة حتى يصلح لخدمته ولدوام القيام بين يديه ماثلا ليله ونهاره ~~حتى لا يضيع شيئا من خدمته فكيف بمالك الملوك ورب العزة واله العالمين فعلى ~~حسب ذلك الذي خلقنا له أعطانا من العلم وأوتينا من العلم ما عجزت الملائكة ~~عنه وقالت @QB@ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا @QE@ فعند هذا @QB@ قال يا ~~آدم أنبئهم بأسمائهم @QE@ فنحن خلقنا لما لم يخلق هؤلاء # فهؤلاء للسخرة لنا وللوكالة لإخراج المنافع إلينا لنقيم عبودته بأركاننا ~~بقوة تلك المنافع ولنتمثل بقلوبنا بين يديه على مثال الخدم لا تبرح قلوبنا ~~بين يديه قال تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ # فلو لم تصل هذه المنافع إلينا من قبل المسخرين الموكلين بنا لشغلت النفس ~~منا بحوائجها وضروراتها قلوبها فتزيلها عن مواضعها فلا تكاد تثبت فخلق لنا ~~ما في الأرض جميعا وسخر لنا ما في السموات فقال @QB@ هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا @QE@ وقال @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه @QE@ # فإذا إنقضت العبودة ذهبت السخرة وأعيد من خلق من التراب إلى التراب ومن ~~خلق من النار والنور رجع إلى معادنهما فعندها يستقبلك منافع لا تنقطع في ~~دار السلام أو مضار في دار الهوان لا تنقطع إما ملكا محبورا وإما عبدا آبقا ~~مدحورا فأوتي هؤلاء علم السخرة وأوتينا علم PageV04P103 الخدمة قال الله ~~تعالى @QB@ وعلم ms650 آدم الأسماء كلها @QE@ الآية # فلما نال العلم بالله والعلم بتدبير الله يسرت عليه الخدمة لأن هذين ~~النوعين يهديانه للخدمة قال له قائل ما الخدمة وما علمها قال # أما الخدمة فالقنوت بقلبك بين يديه ماثلا منتصبا كالمتشمر في قراطق ~~الخدمة مخفا مبادرا مسارعا مركبك في جميع أمورك وأما علم الخدمة فعلم ~~البساطين قال له قائل وما البساطان قال بساط القدرة وبساط العبودة فإذا ~~طالعت بساط القدرة بعقل وافر ثم طالعت بساط العبودة بكياسة وحذق حتى أدركت ~~تدبيره في العبودة وباطن أمره ونهيه وعلل التحليل والتحريم لماذا أحل ~~ولماذا حرم فبعلم بساط القدرة تملك نفسك وبعلم بساط العبودة تملك جوارحك ~~وخواطر قلبك فلم يقتض الله العباد شيئا لم يعطهم فالأشياء كلها من عند الله ~~كان الله ولا شيء معه فبسط بساط الربوبية من باب القدرة وبسط بساط العبودة ~~من باب العظمة ثم كان آخر خلقه الإنسان ابتدأ خلقه من التراب وجمع ترابه ~~بالماء فعجنه ثم صوره وركب جسده وجعله أجوف ثم وضع فيه الروح والنفس ~~والحياة والقوة والعلم والمعرفة والذهن والفهم والفطنة والحفظ والعقل ~~والكياسة والصبر والشهوة والرحمة والرأفة واللطف والحب والفرح والغضب ~~والسخط ثم اقتضاه استعمال ذلك كله وإبرازه من باطنه إلى ظاهر جوارحه فيكون ~~اعمالا عليها يثاب ويعاقب وفتح لعيني قلبه طريقا إلى المظهر للمعاملة لتفيض ~~منه أرزاقه وعطاياه وما يدر عليه من رحمته ومن ربوبيته وخلق العدو وأعطاه ~~السبيل إلى أجوافنا فيجري في عروقنا ومسكنه في صدورنا وجعل جنده وعظم قوته ~~في الهوى والهوى مثير الشهوات ودواعي الآدمي إلى مكابد العدو وغروره فمن لم ~~يعطه روحا PageV04P104 أو قوة أو علما أو ذهنا أو شيئا من هذه الأشياء لم ~~يقتضه ما يخرج له من ذلك الشيء كما لو أنه لم يعطك القائمة لم يقتضك الصلاة ~~قائما ولو لم يعطك القوة لم يقتضك الصوم ولو لم يعطك المال لم يقتضك الزكاة ~~ولا الحج ولو لم يعطك الكسوة أجزئ عنك الصلاة عريانا ولو لم يعطك الماء ~~أجزئ عنك التيمم # فكذلك ما في ms651 الباطن كل شيء لم يعطك لم يقتضك استعماله وإبرازه عنك وكل ~~شيء أعطاكه ووضعه فيك فإنما أعطاك لتبرزه فيكون ربك محمودا على ما وضع فيك ~~ناشرا في خلقه جماله ومحاسن فعاله وتكون عليه مثابا مكرما فإذا منعته ~~إبرازك إياه فقد ظلمت نفسك وضيعتها وضاعت عنك الأشياء التي وضعها فيك ~~فالقلب أمير على الجوارح والروح معلق بالوتين وهو عرق القلب والحياة في ~~الروح وكلما زيد من الحياة حيى القلب وزاد علمه ومعرفته وانبسط ذلك العلم ~~في الصدر وتميزت الأشياء وتدبر العقل في صدره فميز الحسن من السيئ فالعلم ~~إلى الذهن والتدبير والتمييز إلى العقل فجعل للقلب عينين وجعل لهما طريقا ~~إلى المظهر وهو العرش ومد بصر قلبك إلى مظهر نور العلم بالله والمعرفة لله ~~حتى يرجع بصره إلى صدرك بعلم عزيز وأمور مستقرة يعلم كنهها وكيفيتها ووضع ~~الشهوات في الجوف ففوران الشهوات لها دخان وغيوم لأنها من باب النار ~~وجالبها وناقلها الهوى فإذا صارت إلى الصدر صار الصدر كيوم مغيم قد حال بين ~~نور الشمس وبين قلبك فإلى أين تهتدي وأي طريق تسلك في ذلك الغيم وأي شيء ~~تتوقى حتى لا تتردى فيه مع ذلك الدخان وأي أرض مشاكة تتجنبها حتى لا تقع ~~فيها وأي مزبلة تحيد عنها حتى لا تتلوث في أقذارها فإذا سكنت الغيوم وذهب ~~الفوران وبرزت الشمس فأشرقت اهتديت للطريق وتتجنب الآفات لأنها صارت رأي ~~العين فإذا ذهبت الغيوم ورميت ببصر العين الذي على الفؤاد امتد البصر إلى ~~ذلك الذي PageV04P105 جعل لك الطريق إليه فجعلت ببصر عينك في ملكوت العرش ~~فرجع إلى القلب بالعجائب من تلك المشاهد ووقفت على تدبير عظيم من أمر الله ~~تعالى في شأنك فكل حركة ظهرت منك فإنما يظهرها الحياة وكل حركة ظهرت منك ~~بغير ذكرالله عز وجل فقد فاتك من الخدمة بقدرها وبقسطها يفقدك ذكر الله ~~تعالى إياك # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة ~~مرت لم يذكروا الله فيها روى ذلك معاذ بن جبل ms652 رضي الله عنه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيروا ~~سبق المفردون قالوا يا رسول الله وما المفردون قال هم المتهترون بذكر الله ~~حط الذكر عنهم أوزارهم فوردوا القيامة خفافا # وعن أبي جعفر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد ~~الأعمال ثلاثة ذكر الله على كل حال ومواساة الأخ من مالك والإنصاف من مالك # فأدوم الناس على الذكر أوفرهم للخدمة لكنا لا نقدر على مداومة الذكر مع ~~كل طرفة ومع كل نفس إنما هذا للملائكة الذين عروا من الشهوات ونحن لا نقدر ~~على ما قدرت عليه لأن آفات الجسد من الجوع والعطش والآلام تشغلنا وتذهلنا ~~فرضي منا عز وجل أن يكون PageV04P106 ذكره مع استعمال كل جارحة لا مع كل ~~حركة وذلك الجوارح السبع الكواسب للخير والشر وهي السمع والبصر واللسان ~~واليد والقدم والبطن والفرج فإذا ذكرنا مع تحريك كل جارحة بخير فرضي به ~~ذكرناه بنعمة تلك الجارحة علينا فهذا ذكر يترقى به العبد درجات حتى يبلغ ~~منازل المقربين الذين يدوم ذكرهم على كل حال لأن قلوبهم قد ملكتها عظمة ~~الله عز وجل وسبتها محبته وأما من دونهم فإذا حرك جارحة من هذه الجوارح ~~السبع بتلك الحياة التي فيها فإنما يحركها بالقلب والقلب أمير وذلك التحريك ~~منه استعمال لها فإذا قصد الخير فإنما يقصد ذكر الله وإياه أراد وإذا قصد ~~الشر بما دعاه إليه للهوى والشهوة فقد حاد عن الله تعالى واستعمل إمارته في ~~طريق الجور فجار على جوارحه وظلم نفسه حيث أرادها وأوجب لها النار وحرمها ~~ثواب الله # والحركات التي ذكرنا أولا التي خرجت من أركانه من غير استعمال لها بقلبه ~~مع كل نفس ومع كل طرفة لا تبعة عليه فيها لأنها حركات الحياة ليس فيها أمر ~~ولا نهي مثل نظرة الفجأة لأن عينيك مفتوحتان فليس عليك تبعة في وقوع بصرك ~~على الأشياء التي تراها بأول النظرة حتى تستعمله بقلبك ms653 وكذلك تقلبك في ~~مقعدك من قبض يد وبسط واتكاء واحتباء وأشباه ذلك هذا مما لا يمتنع منه ~~الآدمي من الحركات فإن ظهرت منك في ساعات تمر بك فإن كان قلبك غافلا عن ~~الله كانت خدمة قد فاتتك وثواب ضاع عنك المنعم يجري عليك رزقه ويذكرك ~~بادرار نعمه عليك وقد ضيعت في ذلك الوقت الخدمة فهو في ذكرك وأنت عنه في ~~غفلتك فإن لم تتبع بالتبعات لحقتك الحسرة التي قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإنما يتحسر أهل الجنة في الموقف لا في الجنة لما عرضت عليهم أيام ~~الدنيا وماذا خرج لهم من ذكر الله تعالى PageV04P107 # أما ثواب عمل الأركان من قصور الجنة ونعيمها وثواب الذكر من فرح الله ~~بالعبد وحبه له وتقريبه والبسط منه ثم نظروا إلى الساعة الأخرى التي لم ~~يذكروا الله فيها وقد حرموا ثوابها والمسخرون قد عملوا أعمالهم وأوصلوا ~~منافع السخرة إلى هذا الآدمي فضاعت الخدمة عن الآدمي بقدر ما غاب عن قلبه ~~ذكره ولو طرفة أو لحظة وذلك موضوع عن الآدمي لأنه خلق في غيب والملائكة في ~~جهر وكشف وعروا عن الشهوات والآدمي مبتلى بها فهو نساء خطاء عجول فلما خلق ~~الله تعالى خلقنا هكذا رحمنا وعطف علينا فأعطانا في القلوب من العلم به ما ~~أنبأنا في كتابه أن الملائكة عجزت عن ذلك العلم @QB@ قالوا سبحانك لا علم ~~لنا إلا ما علمتنا @QE@ # فالملائكة يطالعون بعيون أجسادهم ما تحت العرش وقلوب الآدميين تطالع ما ~~وراء الحجب من عظائم الأمور التي لا تدور الألسنة بذكرها ثم الآدميون على ~~ضربين ضرب أهمل القلب حتى خرجت الحركات منه بغير ذكر ولا نية فيما أذن الله ~~له من الأكل والنوم والشرب فهو في ذلك الوقت مضيع للخدمة بطال فتعظم حسرته ~~والضرب الآخر أهمل القلب حتى خرجت حركات في أمر لم يأذن به الله تعالى فصار ~~ذنبا ومعصية فذهب العبد بالرقبة أكل رزقه وأبق فاجتمع عليه أمران فوت ذهاب ~~الخدمة وعار الإباق فهو أعظم حسرة وأشد عقوبة فلما علم الله تعالى ms654 أن ذلك ~~نازل بعبيده لم يؤيسهم من رحمته بل ترك لهم بابين مفتوحين بابا عن اليمين ~~وهو باب التوبة وبابا تجاهه وهو باب الدعاء وبسط يده فتركها مبسوطة لمن رجع ~~إليه وبايعه على رد الرقبة وبذل النفس # عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ~~لا PageV04P108 ينام ولا ينبغي له أن ينام باسط يده لمسيء النهار أن يتوب ~~بالليل ولمسيء الليل أن يتوب بالنهار حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات ~~وجهه كل شيء أدركه بصره # فإذا تاب وأقام على سواء الطريق أشرق له نوران نور الحق ونور العدل فنور ~~الحق يمنعك عن الباطل والمعصية ونور العدل يمسكك عن الميل في الحق وهو أن ~~تكون في الطاعة مرائيا أو متصنعا أو مداهنا فتذهب عن الاستقامة وهو قوله ~~تعالى @QB@ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون @QE@ # فإذا ظفرت بهذين النورين وكانا لك فلزمتهما فأنت في كل أمر يحدث يخرج ~~حركاتك إلى الجوارح من قلب محق عدل فهذا قد أكل رزقه وقبض منافعه من ~~المسخرين وأدى إلى الله تعالى خدمته وفي خلال ذلك يستغفر للتقصير الذي ~~يتخوف منه فلم يبق للسموات والأرض ولا للشمس والقمر والليل والنهار عليه ~~تبعة ولا خصومة ومن كان بخلاف ذلك فهؤلاء كلهم خصماؤه فويل له من أرضه التي ~~يدفن فيها ماذا تعمل به وكيف تعصره عصرا وكيف تضغطه ضغطا ومن سمائه التي ~~يصعد بروحه إليها ومن ملائكة الله حيث يمر بروحه عليهم ومن جميع خلقه ~~المسخرين له يقولون قد استرحنا من هذا العبد الآبق ولذلك قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مستريح ومستراح منه # فالمستريح من غفر له والمستراح منه من هؤلاء خصماؤه يقولون أوصلنا إليك ~~السخرة فأين الخدمة فمن تاب وتطهر تولاه الله تعالى PageV04P109 واتخذه ~~حبيبا كما قال تعالى @QB@ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ ثم ~~أرضى عنه خصماءه # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ينادي مناد يوم القيامة ألا ~~من كان لله ms655 وليا فليعتزل ثم يقول أنا ضامن لمن ادعى قبلهم حقا # فهؤلاء الذين ضمن لهم آدميون ونادى جبرائيل عليه السلام بحب الله له ~~فبرأه من تبعة أهل السخرة # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صلاتكم علي معروضة يوم الجمعة ~~فأكثروا علي الصلاة فقال قائل كيف وقد رممت فقال إنا معاشر الأنبياء حرم ~~الله على الأرض أجسادنا أن تأكلها # أخبر عن حال الأنبياء عليهم السلام أن الأرض تبرأت منهم ولم تتبعهم مما ~~أكلوا فيها لأنهم تناولوا ما تناولوا منها بالحق والعدل # يحقق ما قلنا حديث جابر بن عبد الله أن شهداء أحد لما نقلوا عن قبورهم ~~إلى موضع آخر في زمن معاوية حيث أراد أن يجري الماء في ذلك الموضع أخرجوا ~~عن قبورهم بعد نحو من أربعين سنة رطابا حتى أصابت المسحاة قدم حمزة رضي ~~الله عنه فانبعث دما طريا # وقد حذر الله عن الميل عن الحق واتباع الهوى قال تعالى ^ يا داود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع PageV04P110 الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا ~~يوم الحساب ) # أعلمنا أن نسيان يوم الحساب يجرئنا على استعمال الهوى وترك الحذر من ~~العلم بالهوى وأعلمنا في آية أخرى أن في يوم الحساب إبلاء السرائر واستخراج ~~حاصل الصدور فإن قال قائل إن الله تعالى وضع في علما ومعرفة وقوة وذهنا ~~وغير ذلك من الأشياء ولكن منعني الإذن فبقي هذه الأشياء في غير عاملة ولا ~~مستعملة فمن حجة الله تعالى أن يقول إنما أعطيتك هذه الأشياء ووضعتها في ~~وعائك والوعاء هو القلب والنفس فإذا ذهبت بقلبك ونفسك عني وأقبلت على ~~الشهوات واستعمال الهوى فقد ذهبت بالنفس وبما فيها من هذه الأشياء الموضوعة ~~فيك وهي نعم مني فيك فلما غيرت بأن ذهبت بنفسك انقطع الإذن وبقيت الأشياء ~~غير عاملة وقال في تنزيله @QB@ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على ~~قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم @QE@ # وإذا ذهبت بروحك وحياتك ms656 وقوتك وعلمك وذهنك وفهمك وفطنتك وحلمك وبصرك ~~وكياستك فمازجتها بالهوى والهوى دنس قد خرج من النار ومر بالشهوات فاحتملها ~~إلى شهوتك الموضوعة في نفسك فأثارها فأغبر عليك صدرك وبقيت عينا الفؤاد في ~~الصدر في ذلك الغبار تائهة فغيرت النعم بأن قطعت الإذن عنك فإن وقفت نفسك ~~بين يدي بما فيها من الأشياء الموضوعة فقد بذلت نفسك لي وصرت أمينا من ~~أمنائي فأذنت للأشياء الموضوعة فيك إذنا عاما لا يحتاج إلى أن تستأذنني في ~~كل أمر مثال هذا العبد المحجور الذي لم يوثق بأمانته فإنه يحتاج في كل تصرف ~~إلى إذن خاص ولا يلزم السيد ضمان ما استدان PageV04P111 بغير إذنه بل تعلق ~~رقبته في يوم العتق والعبد الذي يوثق بأمانته يكون مأذونا مطلقا تاجرا ~~أمينا فلا يحتاج في كل تصرف إلى إذن خاص وكل ما يركبه من الديون يلزم السيد ~~كذلك عبدي المتهم الذي لا يبذل لي نفسه أحجر عليه لأضبطه أما إذا بذل لي ~~نفسه وتخلى من الهوى والشهوة اجتبيته وهديته كما وصف خليله @QB@ شاكرا ~~لأنعمه اجتباه وهداه @QE@ فهو في قبضة الله يستعمله على مشيئته ومحبته فإذا ~~نطقوا فيه نطقوا وإذا نظروا فبه نظروا وإذا سمعوا فبه سمعوا وإذا بطشوا فبه ~~بطشوا وإذا مشوا فبه مشوا وإذا تدبروا فبه تعلقوا # كذلك جاء عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن جبرائيل صلوات الله عليه عن الله تبارك وتعالى # قال له قائل وما بذل النفس لربه قال أن يترك جميع مشيئآته لمشيئته فإن ~~الله تعالى خلقه لما شاء لا لما شاء العبد ودبر له من أمر دنياه ما علم أن ~~صلاحه فيه فإذا ترك العبد مشيئته فصارت عينا قلبه شاخصتين إلى ما يبرز له ~~من الغيب فرضي به وقد فوض إليه قبل ذلك أمور فقد بذل له نفسه وزالت عنه ~~التهمة وصار أمينا من أمنائه فأذن لجميع ما وضع فيه أن يعملوا أعمالهم في ~~الباطن ويؤدوا إليه ثمراتهم فصار عبدا مأذونا تدور ms657 رحى حركاته بالقطب وهو ~~الإذن وعند ذلك صارت مشيئة ربه في مشيئته فمتى ما شاء شيئا أنفذه وكأن ذلك ~~الشيء الذي شاء العبد مشيئة ربه فهو الذي يقسم على ربه # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كم من ~~أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على ربه لأبره PageV04P112 # فإن كان من حجة العبد أن يقول وضعت في العقل والعلم والقوة والحياة ولكن ~~حبست عني الإذن وهذه الأشياء كلها جنود القلب والقلب أمير فمن حجة الرب ~~تعالى أن يقول إني وضعت هذا فيك لتكون النفس لي وقائمة بين يدي فخانت وزاغت ~~ولم تنظر إلى مشيئتي وتدبيري الذي سبق خلقها # والخائن كالعبد المحجور يطلق له الإذن في شيء ولا يطلق في شيء لأنه يفسد ~~ولا يضبط قال تعالى في تنزيله @QB@ وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ~~@QE@ # فالإذن للنفس بما وضع فيها فإن قال العبد مخاصما فهل أقدر أن أبذل نفسي ~~وأترك مشيئتي إلا بما تعطيني فإنك وضعت في الشهوات وإنما زاغت بي حلاوة ~~شهواتي وقوة هواني فمن حجة الرب تعالى أن يقول أعطيتك حلاوة معرفتي وقوة ~~الحياة بي وقائمة من عندي وتعلقا بحبلي فهلا جررت حلاوة شهواتك إلى حلاوة ~~معرفتي بقوة تلك الحياة وبثبات تلك القائمة ورسوخ قدمك في القائمة حتى ~~تنغمر حلاوة شهواتك في حلاوة معرفتي وتعلقك بحبلي حتى لا يقدر الهوى أن يمد ~~بك فههنا تنقطع الحجة وتتحير العبيد فالمؤمنون من الله عليهم في السير ~~بمشيئته وليس لأحد في المشيئة منازعة أن يقول لم شئت لفلان ولم تشأ لي ~~وكذلك المحبة فخلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فلما أصاب من ~~أصاب بمشيئته وأخطأ من أخطأ بمشيئته فقد علم من يصيبه ممن يخطئه فلما أبرز ~~السلطان النفر الذين لم ينالوا من ذلك الرش شيئا فتباعدوا فلما خرجوا من ~~صلب آدم عليه السلام PageV04P113 خرجوا سودا عميا عن الله فأقروا به كرها ~~على وجه التقية وذلك ms658 قوله تعالى @QB@ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها @QE@ # كذلك هؤلاء الموحدون أعطاهم كلهم آلات الطاعة في الباطن من العلم والذهن ~~والعقل ثم لم يعطهم ما به يبذلون أنفسهم له حتى لا يشاءون شيئا إلا ما شاء ~~الله من أجل الشهوات التي ركبت فيهم لأن للشهوات حلاوة وإنما أعطي ذلك من ~~يذل نفسه لله وقطع عن نفسه حب الشهوات مجاهدا لنفسه محاربا لهواه مادا ~~بقلبه إلى ربه ضرعا باكيا تجري دموعه على خديه فمرة يجثو ومرة ينتصب ومرة ~~يضع خده بالأرض ومرة يدعو ومرة يتملق حتى رحمه ربه واطلع على صدق بذله فمن ~~عليه بذلك الحب الذي هو أصل الحب عنده فأحياه بذلك وأذاقه من حلاوته ما جرف ~~كل حلاوة في نفسه كالسيل الذي يجيء فيجري بالكناسات وما فيها وبالمزابل بما ~~فيها من الأقذار والميتات فصارت بقاعا طاهرة فكذلك صدر هذا العبد بما نال ~~من هذا الحب فذهبت مشيئآته بحب خالقه فصار مأذونا بجميع ما فيه من الأشياء ~~الموضوعة فيه حتى أينعت ثمراتها ونورت عمالاتها على الجوارح ثم صيره في ~~أحوال الدنيا مقسما على ربه في ملكه قال الله تعالى @QB@ أهم يقسمون رحمة ~~ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا @QE@ # فرتب لتارك المشيئة مرتبة القسمة أن يتناول من ملكه حاجته من خزائن تلك ~~الحاجة بقلبه ثم يرفعه إلى ربه متمسكا ينتظر مشيئته فيجعل الرب مشيئته في ~~مشيئة عبده فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أقسم على الله لأبر ~~قسمه PageV04P114 فإقسامه أن يأخذ العبد من القسمة بمشيئته فيمضي أخذه ~~وإقسامه فهذا الحب بمشيئته يعطي ويمن ليس لأحد أن يقول لم شئت له ولم تشأ ~~لي ولم أحببته ولم تحبني # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ~~تعالى إذا أحب عبدا قال يا جبرائيل إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبرائيل عليه ~~السلام فيوضع له القبول في الأرض # فالعلم بالله يؤدبك في باطنك والعلم بتدبير الله يؤدبك في ظاهرك ms659 قال له ~~قائل كيف يؤدبه في الباطن قال يجعل ذلك العلم مراقبا لله فيقف به على حدود ~~المراقبة في الأمور كلها ويورثه الحياء منه ويقف به على مهابة أسرار الله ~~ويرضي نفسه رضا في أثقال الأعمال حتى يؤديه إلى التعلق به في كل الأحوال ~~قال فكيف يؤدبه علم التدبير في ظاهره قال # إذا علم التدبير تصور له صور الأعمال فرأى مراتب الأعمال عند الله ~~فالصلاة إقبال العبد على الله والزكاة فرار من شرك النفس والصوم وثاق النفس ~~ورباطها لله والجهاد حمية وتعصب لله والحج وفاء البيعة الأولى وتجديد بيعة ~~أخرى والجمعة قبول ضيافة الله وتناول جوائزه والأعياد اعتراض العبيد على ~~الله ومجالس الذكر تملق العبيد لله ومرتع في رياض الله ومؤآخاة المؤمنين ~~ومعاطاتهم مرمة عسكر الله والدعاء إلى الله نصيحة الله والرغبة إلى الله ~~افتقار العبد إلى الله فانظر إلى ما نطق به التنزيل وإلى ما جاءت به ~~الأخبار عن الرسول عليه السلام من ثواب PageV04P115 هذه الأشياء وحسن ~~الجزاء هل يشبه بعضه بعضا فإذا نظرت إلى ذلك علمت أن بينهن تفاوتا وإنما ~~اختلفت مثوباتها لاختلاف صورها ومن التدبير خرجت الصور فمن عرف هذه الصور ~~من الأعمال فإنما يعرفها بالعلم بتدبير الله تعالى فعلى حساب ذلك يقيم ~~حرمتها ويضعها مواضعها ألا يرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان ~~إذا صلى يعطي كل عضو منه حقه من الصلاة # ولذلك قال عمر رضي الله عنه أعطوا مرافقكم حظها من السجود معناه أن لا ~~يبسط ذراعيها فيبطل حظها من السجود # وقال ابن مسعود رضي الله عنه لأن يرضى إبهامي رضا أحب إلي من أن أستقبل ~~بهما غير القبلة إذا وضعت كفي بالأرض في حال السجود # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفريضة لم يصل في مكانه شيئا ~~من التطوع إقامة لحرمة الفريضة وكان إذا تطوع تياسر ويأمر بذلك ولا يتيامن ~~إقامة لحرمة اليمين وكان إذا صلى إلى عمود أو سارية أو عصى جعله على حاجبه ~~الأيسر ولم يجعله ms660 نصب عينيه إقامة لحرمة القبالة وكان علي رضي الله عنه إذا ~~سلم خفض تسليمته الأخرى قليلا من التسليمة الأولى لحرمة كاتب اليمين وأشباه ~~ذلك محفوظة عندهم PageV04P116 # | - * الأصل الثامن والستون والمائتان # - * # | في سر رواية الحديث بالمعنى # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما سمع منا فإنه رب مبلغ هو أوعى له من ~~سامع # عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ~~ورب حامل فقه غير فقيه # عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالحيف من منى فقال نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم ~~يسمعها فرب حامل فقه لافقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه PageV04P117 # قال أبو عبد الله اقتضى العلماء الأداء وتبليغ العلم فلو كان اللازم لهم ~~أن يؤدوا تلك الألفاظ التي بلغت أسماعهم باعيانها بلا زيادة ولا نقصان ولا ~~تقديم ولا تأخير لكانوا يستودعونها الصحف كما فعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالقرآن فكان إذا انزل الوحي دعا الكاتب فكتبه مع ما توكل الله له ~~بجمعه وقرآنه فقال @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه @QE@ وقال @QB@ وإنا له ~~لحافظون @QE@ # فكان الوحي محروسا مع الحرس يكتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كانت ~~هذه الأحاديث سبيلها هكذا لكتبها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل ~~جاءنا عن أحد منهم أنه فعل ذلك # وجاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه استأذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في صحيفة فأذن له # وأما سائر الأخبار فانهم تلقنوها منه حفظا وأدوها حفظا فكانوا يقدمون ~~ويؤخرون وتختلف ألفاظ الرواية فيما لا يتغير معناه فلا ينكر ذلك منهم ولا ~~يرون بذلك بأسا # وروي أنه لما قال ms661 رسول الله صلى الله عليه وسلم من كذب علي متعمدا ~~فليتبوأ مقعده من النار PageV04P118 # أمسك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرواية مخافة تغير الألفاظ ~~ثم سألوه عن ذلك فهداهم السبيل وأوضح لهم الطريق # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الرجل يحدث بالحديث فيقدم ويؤخر ويزيد وينقص قال إذا أصاب المعنى فلا بأس # عن عبد الله بن أكمية رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله إنا نسمع ~~الحديث فلا نؤديه كما سمعنا قال ما لم تحرموا حلالا ولا تحللوا حراما ~~وأصبتم المعنى فلا بأس # عن مكحول قال خرجنا إلى واثلة بن الأسقع فقلنا يا أبا الأسقع حدثنا بحديث ~~غض لا تقدم فيه ولا تؤخر حتى كأنا نسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال فغضب الشيخ وكان شيخا كبيرا فقال أجلسوني فأجلس فقال أما منكم أحد قام ~~في ليلة بشيء من القرآن قلنا ما منا إلا من قام بما رزق الله تعالى قال ~~فكأن أحدكم حالفا بالله ما قدم حرفا من كتاب الله ولا أخره إنا كنا أمسكنا ~~عن الحديث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعناه يقول إنه لا ~~بأس بالحديث قدمت فيه أو أخرت إذا أصبت معناه # ثم لما تداولت هذه الأحاديث طبقات القرون واشتبهت عليهم أصول العلم وهي ~~الحكمة وافتقدوا غور الأمور كثر التخليط بحال الزيادة والنقصان والتقديم ~~والتأخير فالحكماء ميزوا رواية الرواة صحيحها من سقيمها # قال له قائل مثل ماذا قال مثل ما روي عن أبي هريرة رضي الله PageV04P119 ~~عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أتاكم أهل اليمن ألين قلوبا ~~وأرق أفئدة # فميزت الحكماء بين اللفظين وحكموا لكل واحد بالصواب وذلك أن القلب هو ~~البضعة الباطنة والفؤاد البضعة الظاهرة التي فيها العينان والأذنان والنور ~~في القلب ويتأدى إلى الفؤاد فالرؤية للفؤاد والتقلب للقلب ولذلك سمي قلبا ~~والله تعالى يقلبه وفي الدعاء يا مقلب القلوب ثبت قلبي ms662 وقال @QB@ ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم @QE@ ولكن أصل التقليب للقلب وإن نال الفؤاد منه حظا ~~ولذلك لم يسم قلبا وسمي فؤادا # ونسب الرؤية إلى الفؤاد فقال @QB@ ما كذب الفؤاد ما رأى @QE@ لأن العينين ~~على الفؤاد يقال هذا خبز فئيد لخبز ملة لأن له ظاهرا وباطنا وظاهره مفشي ~~عليه فاللين للقلب والرقة للفؤاد لأنه إذا دخل النور القلب بالرحمة دخل ~~فرطب القلب بالرحمة ولان ثم لا يزال ذلك النور يعمل في ذلك القلب بحره ~~وحريقه حتى يرقق هذه البضعة الطاهرة لذوب تلك اللحمة فمن زيد في نور قلبه ~~كان أرق لفؤاده لذوب تلك البضعة من فؤاده واللين من قلبه لرطوبة الرحمة ~~فإنما وصف أهل اليمن بذلك وأخبر بحظهم من الله فمن لم يصل إلى معرفة هذا ~~الذي وصفنا وكانت روايته حفظا اشتبه عليه الأمر فمرة يقول ألين قلوبا أرق ~~أفئدة PageV04P120 ومرة يقول ألين أفئدة وأرق قلوبا فقلب المعنى واستحال ~~الكلام ولم يكن عنده تمييز الحكماء # ومثل قوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه البكر تستأذن والثيب تستأمر # فروى ابن المبارك رضي الله عنه عن علي بن المبارك رضي الله عنه بهذا ~~اللفظ وروى وكيع عن علي بن المبارك البكر تستأمر والثيب تستأذن # فالذي فقه هذا ميز الصواب من الخطأ فقال البكر تستأذن ألا ترى أنه قال ~~إذنها صماتها والثيب تستأمر حتى تتكلم وتأمر فإنها لا تستحيي فمن روى أن ~~البكر تستأمر فقد أحال لأن الاستئمار لمن ينطق بالأمر والاستئذان لمن سكوته ~~إذن فهو البكر فمن أراد أن يؤدي إلى من بعده حديثا قد سمعه جاز له أن يغير ~~لفظه ما لم يتغير المعنى وجاز له أن يقول أخبرني وحدثني وكذلك إذا كتب إليه ~~من بلدة أخرى جاز أن يقول أخبرني وحدثني فإن الخبر يكون شفاها ويكون بكتاب ~~وذلك قوله تعالى في تنزيله @QB@ من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير @QE@ # فإنما صار نبأ وخبرا بوصول علم ذلك إليه وكذلك يجوز أن يقول حدثني بأنه ~~قد حدث إليه الخبر فسواء حدث شفاها أو بكتاب ms663 وكذلك إذا ناوله كتابه فقال ~~هذا حديثي لك وهذا خبري إياك فحدث عني PageV04P121 وأخبر عني جاز له أن ~~يقول حدثني وأخبرني وكان صادقا في قوله لأنه قد أحدث إليه وأخبره فليس ~~للممتنع أن يمتنع من هذا تورعا ويتفقد الألفاظ مستقصيا في تحري الصدق يتوهم ~~أن ترجمة قوله أخبرني وحدثني لفظه بالشفتين وليس هو كذلك فاللفظ لفظ ~~والكلام كلام والقول قول والحديث حديث والخبر خبر فالقول ترجيع الصوت ~~والكلام كلم القلب بمعاني الحروف والخبر إلقاء المعنى إليك فسواء ألقاه ~~إليك لفظا أو كتابا وقد سمى الله القرآن في تنزيله حديثا حدث به العباد ~~وخاطبهم به وسمى الذي تحدث في المنام حديثا فقال @QB@ ولنعلمه من تأويل ~~الأحاديث @QE@ PageV04P122 # | - * الأصل التاسع والستون والمائتان # - * # | في فضل الفاتحة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~إن الله قال قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي يقول ~~العبد @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ يقول الله تعالى حمدني عبدي يقول ~~العبد @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ يقول الله تعالى أثنى علي عبدي يقول العبد ~~@QB@ مالك يوم الدين @QE@ يقول الله تعالى مجدني عبدي يقول العبد @QB@ إياك ~~نعبد وإياك نستعين @QE@ يقول الله تعالى هذه بيني وبين عبدي قال يقول @QB@ ~~اهدنا الصراط المستقيم @QE@ إلى آخر السورة يقول الله تعالى هذا لعبدي ~~ولعبدي ما سأل # قال أبو عبد الله قوله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فالصلاة تصلية ~~المرء بين يدي ربه لينال من سبحات وجهه الكريم لأن العبد إذا وقف بين يدي ~~ربه مصليا أقبل على الله بوجهه الذي هو مكارم PageV04P123 بدنه ثم وضع وجهه ~~بمكارمه على الأرض تذللا وتواضعا لوجهه الكريم ولذلك قال داود وغيره من ~~الأنبياء عليهم السلام سجد وجهي لوجهه الكريم وكان من جزاء الله له أن أقبل ~~عليه بوجهه فالمصلي هو كالمصطلي بنار يقف على النار حتى يدفئ جسده من حر ~~النار فأمر العباد أن يقفوا بين يديه بالإقبال عليه قلبا وبدنا فيقبل عليه ~~بوجهه الكريم فينالهم من سبحات وجهه ms664 ما يحيي قلوبهم من موت الشهوات ويطهر ~~جوارحهم من أدناس الذنوب فسمى ذلك الوقوف صلاة مشتقا من الصلى # فإذا وقف العبد فمن أدب الوقوف أن يترضى ربه بالثناء عليه فيذكر مدائحه ~~وصنائعه ثم يسأل حاجته وكانت لمحمد صلى الله عليه وسلم ولأمته حظوظ مخزونة ~~عند الله في سره وغيبه ليست لأحد من ولد آدم عليه السلام ولو أبرزها لمدت ~~الرسل والأمم عينها إلى تلك الحظوظ وظهرت الخصومة وكانوا يقولون في أنفسهم ~~نحن عبيدك من طينة واحدة فما هذه الحظوظ لهم دوننا وتحيرت الملائكة في شأن ~~هذه الأمة فأسر هذه الحظوظ في غيبه وألقاها إلى الدعاء ليخيل إلى الجميع ~~أنهم إنما نالوها من الدعاء وفتح لهم من باب الدعاء ما لم يفتح لأحد من ~~الأمم ونزل @QB@ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم @QE@ # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أعطيت أمتي ما لم يعط إلا ~~الأنبياء كان الله تعالى إذا بعث نبيا قال له ما جعل عليك في الدين من حرج ~~وقال لهذه الأمة @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ # وكان الله إذا بعث نبيا جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على ~~الناس PageV04P124 # وكان خالد الربعي يقول عجبت لهذه الآية @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ أمرهم ~~بالدعاء ووعدهم الإجابة وليس بينهما شرط قال له قائل مثل ماذا قال مثل قوله ~~@QB@ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ فههنا شرط وقوله @QB@ بشر ~~الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم @QE@ ليس فيه شرط العمل ومثل قوله ~~@QB@ ادعوا الله مخلصين له الدين @QE@ فههنا شرط وقوله @QB@ ادعوني أستجب ~~لكم @QE@ ليس فيه شرط وكانت الأمم تفزع إلى أنبيائها في حوائجهم حتى يسأل ~~الأنبياء لهم ذلك # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال أوحى الله إلى عبده المسيح أن قل لبني ~~إسرائيل إني لا أستجيب لأحد منهم دعوة ولأحد منهم قبله مظلمة # وقال في حديث آخر يا عيسى قل لبني إسرائيل أن لا يمدوا أيديهم بالرغبة ~~إلي حتى يبرأوا من أنجاس الذنوب # وقال في حديث ms665 لموسى عليه السلام لو دعاني حتى تنقطع أوصاله ما استجبت له ~~حتى تخرج الذنوب من بين أعضائه # فإنما خص الله هذه الأمة من بين الأمم بما أطلق لهم من الدعاء ورفع الشرط ~~الذي كان منه على بني إسرائيل ليصل إليهم تلك الحظوظ التي سبقت لهم من الله ~~الحسنى من قبل دعائهم فأعطاهم من اليقين ما نفذ PageV04P125 بقلوبهم إلى ~~محل الإجابة والإجابة هي جوبة الدعاء أن ينجاب لهم عن الحجاب دعاؤهم بنور ~~اليقين الذي فضلوا به # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطيت أمتي من اليقين ما لم يعط ~~أمة وذلك قوله تعالى @QB@ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم @QE@ ~~أي واسع لمن أعطي عليم بمن هو أهل لذلك يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم ) # فالاستجابة والإجابة هو أن ينفذ دعاء العبد بقوة نور اليقين حتى ينجاب ~~الحجاب فيجوز الدعوة إلى الله تعالى فيقف بين يديه مقتضيا للحاجة ولذلك قال ~~تعالى @QB@ فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ أي أجعل لدعوته جوبة ~~وهو المستقر حتى تقتضيني الحظ الذي وضعت له بين يدي فأقضي أي أمضي له من ~~بين يدي حتى يصل إليه ولو لم يكن حظ لم ينل شيئا ولم أترك دعوته مهملة بل ~~ذخرت له ذخيرة إذا قدم عليها ودانه لم يستجب له لما يرى من فضل تلك الذخيرة ~~على ما يسأل # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة # أي معكم نور اليقين حتى ينجاب لكم الحجاب وتنفذ الدعوة إلى PageV04P126 ~~ربها فلما كان شأن هذه الحظوظ على ما وصفنا وأحب الله أن يوصلها إليهم من ~~طريق دعائهم هيأ لهم فاتحة الكتاب فأنزلها على هذه الأمة دون سائر الأمم ~~وخصهم بها كما خصهم بالدعاء فجعل نصفها دعاء ونصفها ثناء ليثني العبد بقوله ~~تعالى @QB@ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين @QE@ إلى قوله ~~@QB@ إياك نعبد @QE@ ثم يرفع حاجته من قوله @QB@ وإياك نستعين @QE@ إلى ~~آخرها ثم أعطاهم آمين # خصهم من بين ms666 سائر الأمم ليصير التأمين طابعا على دعائهم فيختم به فأنزل ~~عليهم فاتحة الكتاب وخزنها عن الأمم ليثنوا عليه بأبلغ الثناء ويسألوه أوجز ~~المسائل ففي ذلك الثناء مجمع الثناء وفي تلك المسألة مجمع الحاجات وهذا لا ~~يعقله إلا أهله ثم وضعها في التنزيل وسماها القرآن العظيم فقال @QB@ ولقد ~~آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم @QE@ # فروي عن أبي هريرة عن أبي بن كعب رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده إنها السبع المثاني وإنها القرآن العظيم ~~يعني فاتحة الكتاب # فوفر الله حظ محمد صلى الله عليه وسلم وحظوظ أمته في حظه وبرز بذلك على ~~الخلق فجعل ذلك الحظ كله في PageV04P127 @QB@ بسم الله الرحمن الرحيم @QE@ ~~@QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ @QB@ مالك يوم ~~الدين @QE@ @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ @QB@ اهدنا الصراط المستقيم ~~@QE@ @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ # فختمها ب آمين فجعل مفتاحها بسم الله الرحمن الرحيم وختمها آمين ووضعها ~~في أم الكتاب الذي لم يطلع عليه أحد في الحجب مع الحكمة والرحمة بين يديه ~~ثم أصدرها مع سائر الكتب من أم الكتاب إلى اللوح المحفوظ ثم أنزل الكتب إلى ~~الرسل إلى الأمم واستثنى هذه الصورة منها فخزنها عن الرسل والأمم وادخرها ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته وصيرت هذه الصورة كلمات حروفها مؤلفة ~~منتظمة تلك الحروف لجميع حروف القرآن فسميت أم الكتاب لأن الكتاب استخرج ~~منها وسميت مثاني لأنها استثنيت من الرسل عليهم السلام فقال تعالى @QB@ ~~ولقد آتيناك سبعا من المثاني @QE@ أي سبع آيات مما استثنيناه من الكتب ~~فإدخرناه لك ولأمتك # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال الآية السابعة بسم الله الرحمن ~~الرحيم # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحو من ذلك # قال له قائل فكيف إذا قرأها الإمام افتتحها ب الحمد لله ولا يجهر ب بسم ~~الله قال إن علة مثل هذا لا يدرك إلا بالخبر # عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال كان المشركون يحضرون ms667 المسجد فإذا قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم قالوا هذا محمد يذكر ~~رحمن اليمامة يعنون مسيلمة فأمر أن يخافت بسم الله PageV04P128 الرحمن ~~الرحيم ونزلت @QB@ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها @QE@ # فبقي إلى يومنا هذا على ذلك الرسم وإن زالت العلة كما بقي الرمل في ~~الطواف وإن زالت العلة وبقيت المخافتة في صلاة النهار وإن زالت العلة فجعل ~~الله عظم الدعاء وجملته موضوعا في هذه الصورة نصفها فيه مجمع الثناء ونصفها ~~فيه مجمع الحاجات ثم قال في آية أخرى @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ فأنزل هذه ~~السورة لنتلوها ولندعو بها # فكما خزن هذه السورة عن سائر الأمم كذلك خزن قوله ^ ادعوني أسجب لكم ^ عن ~~سائر الأمم # فكانت الأمم تفزع إلى أنبيائها في وقت الحاجة وإنما كانت هذه للأنبياء ~~عليهم السلام فجعل لسانك مطلقا بالدعاء وكفيك مبسوطتين بالتناول وجعل هذا ~~الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي تدعو به لأن هذا كلام قد تكلم به ~~رب العالمين جل وعز فبينه وبين ما تدعو به من كلام نفسك بون بعيد وإنما ~~أطلق الله لهذه الأمة وفتح لهم باب الدعاء لينيلهم الحظوظ التي جعل لهم في ~~الغيب كي إذا وصلت إليهم فظهرت عليهم تلك الأشياء ظن الخلق أنهم نالوها من ~~قبل الدعاء ولذلك قيل ليس شيء أكرم على الله من الدعاء وصار للدعاء من ~~السلطان ما يرد القضاء # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن نفع ~~حذر من قدر فإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء ~~PageV04P129 # عن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرد ~~القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب ~~يصيبه والله أعلم PageV04P130 # | - * الأصل السبعون والمائتان # - * # | في أن من لا يرحم لا يرحم # عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من لا يرحم ms668 الناس لا يرحمه الله # قال أبو عبد الله الرحمة موضوعة في الآدمي فأوفرهم حظا منها أرحمهم لنفسه ~~ولخلقه فإذا رحم نفسه جنبها المعاصي والمساخط وطلب لها حسن عواقب الأمور ~~ليحسن منزلته عند ربه فينزله غدا داره الحسنى وذلك جزاء المحسنين فبالرحمة ~~يتخطى إلى الإحسان إلى نفسه ومنها يتخطى إلى الإحسان إليهم وكل من رحمته رق ~~قلبك له ودعتك الرقة إلى الإحسان إليه والعطف عليه بدوام الإحسان ومن أنجس ~~حظه من الرحمة غلظ قلبه وصار فظا فإذا غلظ قلبه لم يرق لنفسه ولا لأحد من ~~خلقه قال الله تعالى ^ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو PageV04P131 كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم # فالشديد يشدد على نفسه في الأحوال ويعسر ويضيق وكذلك على الخلق فهو من ~~نفسه في تعب والخلق منه في أذى واللين لأن قلبه ورطب بماء الرحمة وانتشف ~~ماء الرحمة يبوسة نفسه وأذهب حزازتها وكزازتها وأذهب قسوة قلبه فمن لم يكن ~~له وفارة حظ من الرحمة وجدته حديد النفس يابس الخلق قاسي القلب مكدود الروح ~~مظلم الصدر عابس الوجه منكر الطلعة ذاهبا بنفسه تيها وعظمة غليظ الرقبة ~~سمين الكلام عظيم النفاق قليل الذكر لله تعالى ولدار الآخرة ولهادم اللذات # عن عائشة رضي الله عنها قالت أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي ~~فقبله فقال رجل أتقبل هذا ما قبلت صبيا قط فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وما أملك إن كان الله نزع من قلبك الرحمة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال خليلي وصفيى أبو القاسم صلى الله عليه ~~وسلم ما نزعت الرحمة إلا من شقي # وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنها قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV04P132 الراحمون يرحمهم الرحمن ارحم من في الأرض يرحمك من في ~~السماء # فالرحمة المكتوبة على نفسه مائة رحمة والمقسومة منها واحدة بين خلقه فيما ~~روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالواحدة التي قسمها بين خلقه احتظى ~~منها ms669 الآدمي وسائر الأمم حتى الطيور والوحوش والبهائم فتلك رحمة العطف فبها ~~يتعاطفون قد اشترك فيها البرر والفاجر والولي والعدو وأما هذه الرحمة التي ~~وصفنا بدءا فهي رحمة الإيمان مأخوذة من الرحمة العظمى التي منها بدت تلك ~~المائة فأوفرهم حظا من المعرفة بالله والعلم به أوفرهم حظا من القربة ~~وأوفرهم حظا من القربة أوفرهم حظا من الرحمة فكلما كان القلب أقرب إلى الله ~~كان ألين وفؤاده أرق وكلما تباعد القلب من الله بمعصية يأتيها كان قلبه ~~أقسى وأبعد من الرحمة ألا يرى إلى قوله تعالى @QB@ فبما نقضهم ميثاقهم ~~لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية @QE@ # فإنما قست قلوبهم بالتباعد من الله من أجل نقض الميثاق وذلك لما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة إلا رحيم قالوا يا رسول الله كلنا ~~يرحم قال ليس رحمة أحدكم خويصته يعني أهله وولده ولكن حتى يرحم العامة ~~فرحمتك الخويصة هي رحمة العطف من الرحمة المقسومة بين خلقه ورحمتك العامة ~~من رحمة المعرفة بالله تعالى PageV04P133 # | - * الأصل الحادي والسبعون والمائتان # - * # | في جمع الهموم وتشعبها # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~يقول من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله هم آخرته ومن تشعبت به الهموم في ~~أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها وقع # قال أبو عبد الله رضي عنه الله فالهم للقلب وهو أمير الجسد وهو وعاء كنوز ~~المعرفة ومنها يفرق على جنده فالعقل والحفظ والذهن والفهم والفطنة والروح ~~هؤلاء كلهم مرتزقة من عند القلب والقلب ينفق عليهم من كنزه الذي أعطي وهو ~~المعرفة بالله تعالى والعلم به فإذا جاءته هموم أحوال النفس فقد تشعب قلبه ~~شعبا وشغل القلب بشعبها فضيع الكنز وفرق الجند وبقي مأسورا في يدي النفس ~~وأحوالها فلم يبال الله في أي أوديتها من تلك الشعوب هلك لأن هموم ~~PageV04P134 النفس ووساوس العدو تخوفك بالرزق وتخوفك بأحوال الدنيا وتقلبها ~~وترغبك في الجمع والمنع وتحل في قلبك ما فيه مصرعك وهلاكك وتزين لك أحوال ~~الدنيا ms670 فهذه كلها سموم قاتلة للقلب فمن تخلى من هذه الهموم كلها حتى صارت ~~همومه كلها هما واحدا كفاه الله الهموم من أمر الدنيا والآخرة والهم دبيب ~~القلب وهو على وجهين أحدهما هم دبيب وهو متجاوز عنه والآخر هم حلول # فالقلب إذا بدت له خاطرة دب إليها ثم يبقى في الطريق متحيرا عاجزا قد ~~انسد عليه الطريق فهذا هم يتجاوز عنه والهم الآخر يدب القلب بالخاطرة إلى ~~الشيء الذي بدأ حتى ينتهي منتهاه فيحل به فحلوله عزم وإضمار فإن كانت سيئة ~~صار قد هم بسيئة فهي وإن لم تكتب عليه قد انحط عن درجته لأنه قد عزم على ~~معصية فهذا هم حلول القلب وإنما يصير همه هما واحدا إذا نسي نفسه وأحوالها ~~وهو أن ينكشف له الغطاء عن المعرفة بالله تعالى حتى يرى الله كافيا له في ~~كل أمر من دنيا وآخرة فعندها يرفع باله عن التدبير لنفسه ويلقي ذلك كله إلى ~~الله تعالى تفويضا ويراقب ماذا يخرج له من تدبيره ساعة فساعة # فتدبير الله تعالى للمؤمن أعلى من تدبيره لنفسه فإذا رفض العبد تدبيره ~~وأقبل على محافظة تدبير الله في كل وقت ماذا يظهر له فقد استراح فإنما همه ~~في كل ساعة التوخي لمحاب الله في كل أمر من متقلبه فإنه إنما خلقه عبدا ~~ليكون له عبدا عارفا له عالما به فينظر بعين المعرفة والعلم إلى عظمته ~~وجلاله وبهائه وكبريائه وسلطانه ورحمته وإلى ملكه وتدبيره فيقر عينه ويمتلئ ~~قلبه فرحا به فعندها تظهر محبته على قلبه ويشتاق إلى لقائه ويتبرم بحياته ~~ويقلق بمكانه ينتظر متى يدعى فيجيب فهو مسجون برمق الحياة ولذلك قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الدنيا سجن المؤمن وسنته PageV04P135 # فالآدمي إذا أسنت ضاقت عليه المعيشة واشتد العيش فهو ينتظر الخصب والسعة ~~والمسجون وإن أحاطت به نعم الدنيا في سجنه فعينه شاخصة إلى باب السجن متى ~~يخلى عنه فيخرج عنه فالمؤمن اشتاق إلى لقاء من عرفه بما ذكرنا فضاق بالحياة ~~في الدنيا وانتظر الدعوة فهمه في الدنيا ms671 هم واحد وهو أن يلتمس محاب الله في ~~كل أمر دق أو جل فيكون ظاهر أمره حركات في طاعة الله وباطن تلك الحركات حب ~~الله تعالى به يغلي قلبه فهو الذي جعل همه هما واحدا وانقطع من الخلق إلى ~~الله تعالى فمن العباد يصعد إلى الله أعمال الجوارح ومن هذا أنوار الحب مع ~~كل نفس فنور هذا متواتر صاعد إلى السماء وأنوار العمال منقطعة قال الله ~~تبارك وتعالى صلى الله عليه وسلم @QB@ واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب ~~المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا @QE@ # فاسم الرب هو الاسم الأعظم المكنون الذي منه خرجت الأسماء فمن وصل إلى ~~ذلك الاسم المكنون وانكشف له الغطا عنه فقد تبتل إليه وانقطع عن الخلق ~~واتخذه وكيلا فعندها بطلت وكالة النفس وتعطلت الهموم وانتصب ذلك الهم ~~الواحد بين عيني فؤاده فاستكمل الصدر نورا فتتابعت أنوار حبه متواترة إلى ~~العلى # عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~PageV04P136 انقطع إلى الله كفاه الله مؤنته ورزقه من حيث لا يحتسب ومن ~~انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله ~~ملائكة موكلين بأرزاق بني آدم ثم قال لهم أيما عبد وجدتموه جعل الهم هما ~~واحدا فضمنوا رزقه السموات والأرض والطير وبني آدم وأيما عبد وجدتموه طلبه ~~فإن تحرى العدل فطيبوا له ويسروا وإن تعدى إلى غير ذلك فخلوا بينه وبين ما ~~يريد ثم لا ينال فوق الدرجة التي كتبتها له PageV04P137 # | - * الأصل الثاني والسبعون والمائتان # - * # | في الاعتزاز بالعبد # عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اعتز بالعبيد أذله الله # الاعتزاز بالعبيد مفتاحه حب العز وطلبه فإذا طلب العز للدنيا طلبه من ~~العبيد فترك العمل بالحق والقول بالحق لينال ذلك العز فعاقبة أمره الذلة ~~فإن الله تعالى ms672 يمهل المخذول حتى ينتهي به خذلانه إلى أن يستحق لباس الذل ~~وإن الله تعالى أظهر عزه وأخرج إلى العباد إزار العز ليجعل لهم من ذلك حظا ~~فإنما سماه إزارا ليعقل العباد عنه أن هذه قوة أخرجها إلى العباد ليقووا به ~~على الأعداء وليقوى به المحق على المبطل والأزر هو القوة وذلك قوله تعالى ~~@QB@ كزرع أخرج شطأه فآزره @QE@ أي قواه # والإرز موضعه من الآدميين من الوسط يتزرون على أوساطهم ليقووا ~~PageV04P138 ولذلك سمي إزارا لأنه قوة المرء فمن أسلم وجهه لله أوجب له حظا ~~من ذلك العز ومن أعرض عنه فأشرك به غيره في ملكه حرمه عزه ومن احتظى بذلك ~~العز فقد تزكى والزكاء النماء والاحتشاء والاكتناز فالمؤمن زكي محتش مكتنز ~~والكافر خال خاو رخو ضعيف # فمن ازداد لله تسليما وإليه طمأنينة في الأحوال كلها ازداد نموا واحتشاء ~~واكتنازا قال الله تعالى @QB@ قد أفلح من تزكى @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن ~~تزكى فإنما يتزكى لنفسه @QE@ وقال تعالى ^ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما ~~زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء ^ فمن تزكى فبفضله ورحمته ~~تزكى وهو نور التوحيد # ثم قواه حتى ربي ذلك النور بالشكر واستوجب المزيد وقال تعالى @QB@ ومن ~~يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين @QE@ # فقوى رسوله والمؤمنين بتلك العزة التي أخرجها من عزه وسماه عزة وسماه ~~إزارا ليعلم العباد أنها قوة لهم كل يحتظي منه على قدر بذل نفسه لله في ~~الائتمار بما يأمره ووضع له نفسه بالأرض ذلة وخشوعا في الانتهاء عما نهوا ~~عنه وترك مشيئآته في أحواله كلها لمشيئته فعلى قدر ذلك يستوجب الحظ من تلك ~~العزة فذلك قوله تعالى @QB@ سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على ~~المرسلين والحمد لله رب العالمين @QE@ PageV04P139 # | - * الأصل الثالث والسبعون والمائتان # - * # | في من يقص وتحقيق القصص # عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يقص إلا أمير أو مأمور أو مرائي # القصص اسم ms673 جامع دخلت فيه الموعظة والتذكرة والدعوة إلى الله والنشر عن ~~الله مننه وإحسانه ثم سمي ذلك قصصا من أجل أن قلب هذا يقتص أثرا لكل شيء ~~ويشير بقلبه إلى شيء ثم يعبر إشارات قلبه بلسانه للخلق فهو قاص عليهم لتلك ~~الأشياء أثرا أثرا فهذه كلمات لزمت أشياء كثيرة مما تشابهت صورها بعضها ~~ببعض فيقال قص أثره وهو أن يتبع أثره ويقال قص خبره وهو أن يتبع بقلبه صفة ~~ذلك الشيء الذي يخبر به فيتبع الصفة شيئا بعد شيء ويقال قص شعره وظفره وهو ~~أن يتبع بما زاد من شعره وظفره خروجا من جسده فيتبع ذلك فأزاله عنه # فالدعاء إلى الله بالموعظة والتذكرة لمن وصل إلى الله قلبا وكان ~~PageV04P140 مركز قلبه الحق والعدل وهو قوله تعالى @QB@ ومن قوم موسى أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون @QE@ # فقوم موسى عليه السلام أعطوا ذلك في عزلة من الخلق من ورائهم الرمل من ~~ناحية المشرق حيث لا يخلص إليهم أحد ولقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة أسري به فعلمهم القرآن وعرض عليهم الشريعة فقبلوها فأعطيت هذه الأمة ~~في الجماعة والعامة ما أعطي أولئك في العزلة فساروا في الجماعة بما سار ~~أولئك في العزلة بفضل يقينهم ووصول قلوبهم إلى الله فمركب قلوبهم الحق ~~وطريقهم إلى الله على العدل في ذلك الحق وهم أمراء الدين في كل وقت وهو ~~قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم @QE@ # فالقصص لهم ولمن يرونه أهلا لذلك المقام والثالث مرائي متكلف مذموم فهو ~~دخيل لا يجب أن يسمع منه PageV04P141 # | - * الأصل الرابع والسبعون والمائتان # - * # | في محبة الأسباب ومعرفة الشرك والتوحيد فيها # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك ~~أخفى على أمتي من دبيب الذر على الصفا # عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال قال أبو بكر رضي الله عنه وشهد به على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذكر الشرك فقال هو أخفى فيكم من دبيب ms674 ~~النمل وسأدلك على شيء إذا فعلت أذهب عنك صغار الشرك وكباره تقول اللهم إني ~~أعوذ بك أن أشرك بك فيما أعلم وأستغفرك لما لا أعلم تقولها ثلاث مرات # عن ابن جريج قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر ~~الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل فقال أبو بكر هل الشرك إلا ما عبد من دون ~~PageV04P142 الله قال يا أبا بكر الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل إن من ~~الشرك أن يقول الرجل ما شاء الله وشئت ومن الند أن يقول الرجل لولا فلان ~~لقتلني فلان أفلا أدلك على ما يذهب الله عنك به صغار الشرك وكباره قال بلى ~~يا رسول الله قال تقول كل يوم ثلاث مرات اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا ~~أعلم وأستغفرك لما لا أعلم # عن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كنت أكره ~~لكم أن تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم ما شاء ~~محمد # قال أبو عبد الله الرب واحد وجعل ربوبيته في الغيب وخلق العباد في الغيب ~~وأوله قلوبهم إليه فأقر كلهم بالعبودة له وعلى ذلك فطرهم فكلهم يفزعون عند ~~الحاجة إلى اسمه الله الذي جعل موله قلوبهم فثبت فريق منهم على إخلاصه ~~وأشرك فريق وذلك قوله تعالى @QB@ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون @QE@ @QB@ ليكفروا بما آتيناهم ~~وليتمتعوا فسوف يعلمون @QE@ # فجعل أمور العباد كلها يوصلها إليهم في الغيب قد ستر أموره بالأسباب فقال ~~أنا الرزاق ثم جعل أرزاقهم في ماء الحيوان تحت العرش ثم وكل ملائكته بالقطر ~~ثم السحاب لقبوله وسخر الرياح لتحمل كثيف السحاب ركاما ويبسط كيف يشاء ثم ~~أمر السحاب أن يدر القطر مطرا ثم أمر الأرض أن تقبل ودائع القطر ثم أمرها ~~أن تنفجر PageV04P143 عن ذلك القطر في أصلب موضع منها من أجواف الصخور من ~~الجبال وذلك قوله تعالى @QB@ أنزل من السماء ماء ms675 فسلكه ينابيع في الأرض ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ وفجرنا فيها من العيون @QE@ # ثم على الآدميين أن يحرثوا الأرض ثم أمر الأرض أن تنبت من كل زوج بهيج ~~وقال تعالى ^ أفرأيتم ما تحرثون ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ^ # ثم أمر الشمس أن تسير بحرها على وجه الأرض لتربية هذه الثمار والنبات ثم ~~أمر الريح عند الحصاد أن تذروه ثم على الآدميين طحنه وخبزه وأنزل النار ~~وجعلها في الشجر الأخضر وقال في تنزيله ^ هو الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ~~نارا ^ # فالنار موجودة في كل شجرة خشبة تحتك بالأخرى فتوري نارا وقال ^ أفرأيتم ~~النار التي تورون ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ~~ومتاعا للمقوين ^ # ومن اللباس غزل قطنه ونسجه وغسله وخياطته حتى يكتسوا وكذلك سائر الأشياء ~~التي أضطر إليها الآدمي فهذه كلها أسباب والآدمي يرى ما ظهر من هذه الأشياء ~~التي ذكرنا وفي باطنها ربوبيته وهو الذي دبر هذا كله من القدرة وأمضى ~~التدبير بمشيئته وأوصل إلى العباد قضيته في خفاء والعباد إنما يرون المطر ~~والحر والبرد والرياح والأرض والماء والزرع والحصاد والأيدي التي تتداوله ~~وربوبيته في PageV04P144 جميع الأشياء قائمة لا يكون شيء إلا بإذنه ولا ~~يقوم إلا به ولا يدوم إلا به فقلوب الآدميين ونفوسهم معلقة بالأسباب التي ~~يرونها فإذا احتاجوا إلى شيء طلبوا ذلك الشيء من مظانه الذي هناك عاينوه ~~فمن الله على الموحدين بمعرفتهم أن الرب واحد والوله بالقلوب في الحوائج ~~إلى الواحد الذي اسمه الله الذي خرجت الأشياء من ذلك الاسم # ولذلك أمروا أن يبدأوا في كل أمر بقول بسم الله كأنه يقول هذا الشيء بهذا ~~الاسم خرج ومن حرم المنة بقي مع الأسباب قلوبهم معلقة بها مفتونة فيها ~~فاتخذوا دونه أولياء فعبدوه ثم قالوا @QB@ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى @QE@ وقالت الرسل لهم @QB@ أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ~~ولا نفعا @QE@ حتى قال إبراهيم عليه السلام @QB@ أف لكم ولما تعبدون من دون ~~الله @QE@ والأف كلمة للشتم والصنعة # وأنزل على المؤمنين وحيا يثبت ms676 قلوبهم ويعلمهم الحجة فقال @QB@ وإلهكم إله ~~واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم @QE@ فقال المشركون أرنا آية فأنزل الله ~~تعالى @QB@ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار @QE@ إلى قوله ~~@QB@ لآيات لقوم يعقلون @QE@ # فأعلم أن العقل يدل عليه فيما أراهم من قدرته وقال @QB@ ما اتخذ الله من ~~ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان ~~الله عما يصفون @QE@ PageV04P145 # وأهل اليقين طلبوا الأشياء من المظان نفسا وجسدا ومن الله قلبا ويقينا ~~وإخلاصا قمن ضعف يقينه كان السبب بين عينيه فإذا طلب شيئا طلبه من السبب ~~قلبا ونفسا وإذا فاته منها شيء تلهف وأسف على الفوت ولام وذم وتردد في ~~اضطراب حتى يخرج دينه ويسقم إيمانه وإذا صار إلى القول يقول لا يكون إلا ما ~~شاء الله ولا يكون إلا ما قدر الله وإلا ما قضى الله وإذا قضى فلا يقوم شيء ~~ولا يدوم إلا بالله فإذا علم أن الكون من الله والدوام بالله كان هذا من ~~علم التوحيد وإنما هو كلحظة ثم يخفي في صدره هذا العلم حتى لا يشرق نوره ~~وإنما كانت شررة أو كلمحة أو برقة ثم ذهبت وبقي العبد مع شرك السبب فكلما ~~لحظ العبد إلى شيء من هذه الأسباب دونه فقد أتى بالشرك فإذا رأى السحاب ~~استبشر وإذا أنبت الأرض ابتهج ثم فرح وأشر وبطر لأن قلبه في غفلة عن الله ~~عز وجل فهذا قلب الموحد وقلب الكافر في غلفة فقلب المؤمن المتعلق بالأسباب ~~غافل وقلب الكافر أغلف فالغلفة غلاف القلب والغفلة حجاب القلب وهو هذه ~~الأسباب التي ذكرنا وقد انشق عنه الغلاف الذي كان في وقت الكفر وبقيت ~~الغفلة فهذه الغفلة لا يذهبها إلا ذكر الله تعالى فلا يزال الذكر الدائم ~~يذيبها بحرارة الحياة التي يزاد القلب بالذكر حتى يهتك حجب الأسباب كلها ~~ويذهب الخفاء ويصير الأمور كالمعاينة له فهو يمضي في الأسباب ولا يغفل عن ~~الله فيقبلها من عنده فإذا هاجت الريح استبشر بصنع الله لأنه ms677 علم أنه هو ~~الذي أرسلها بشرا بين يدي رحمته وإذا رأى تراكم السحاب استبشر بصنع الله ثم ~~يرى المطر سقيا كما قال ^ وأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه ^ إلى غير ذلك # فأهل اليقين هتكوا هذه الحجب بقوة نور اليقين حتى انكشف لهم الغطاء وفضل ~~الله هذه الأمة باليقين حتى صار ما بقي منهم من الشرك PageV04P146 أخفى من ~~دبيب النمل في القلة والرقة فهذا مدح لهذه الأمة لأن شرك الأسباب ذاب فيهم ~~وتلاشى بفضل يقينهم حتى صار أخفى من دبيب النمل لأن دبيب النمل لا يؤثر على ~~الصفا وكذلك ما بقي من الأسباب لا يؤثر على أهل اليقين لأن قلوبهم صلبت ~~باليقين وصار كزير الحديد والصخر # عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك ~~أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء وأدناه أن يحب على شيء من ~~الجور أو يبغض على شيء من العدل وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله ~~قال الله تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ # فأما قوله أن يحب على الجور ويبغض على العدل إنما يحب على الجور رجاء ~~المنفعة منه ويبغض على العدل خوف المضرة ورجاء المنفعة # عن وهب بن أبان عن عبد الله بن عمر قال خرج عبد الله ابن عمر رضي الله ~~عنهما في سفر له فإذا بجماعة على طريق فقال ما هذه الجماعة قالوا أسد قطع ~~الطريق فنزل فمشى إليه حتى قفده بيده ونحاه عن الطريق ثم قال ما كذب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال إنما يسلط على ابن آدم من خافه ابن آدم ولو أن ~~ابن آدم لم يخف غير الله لم يسلط الله عليه غيره وإنما وكل ابن آدم إلى من ~~رجاه ابن آدم ولو أن ابن آدم لم يرج إلا الله لم يكله الله إلى غيره # وإنما هو شرك وشك والشك هو ضيق الصدر فإذا أحست النفس PageV04P147 بمكروه ~~في الأمر انتفخت الرئة للجبن الذي حل بها ms678 فضاق الصدر حتى زحزح القلب عن ~~مكانه فإذا ضاق على القلب مكانه ضاق موضع التدبير وهو الصدر لأن عيني ~~الفؤاد مفتوحتان في الصدر وعند العينين تدبير الأمور ثم يصدر إلى الجوارح ~~ولذلك سمي صدرا لأن الأمور تصدر من هناك # وإنما سمي شكا لأن ذلك النائب من الأمر يشك سعة الصدر كما يشك الثوب ~~المبسوط فيجمع بعضه إلى بعض ويشك بشوكة أو بإبرة أو يخيط فيقال شك الثوب ~~وهو مشكوك فإذا انتفخت الرئة بما خطر على بال القلب من الخواطر وضاق على ~~القلب مكانه ترحل القلب عن مستقره وتذبذب وكان كالدلو المعلق أو القنديل ~~المعلق فإذا تحرك القنديل اضطرب الإشراق فصار بعضه ظلا وبعضه إشراقا ففي ~~الظل الضلالة وفي الإشراق الهدى فكلما تراكمت الأظلة انقبض الصدر فصار ~~مشكوكا كالثوب الذي شك وقبض بعضه إلى بعض فصار متراكما بعضه على بعض وصارت ~~له زوايا كذلك الصدر إذا انقبض حدثت له في زواياه أظلة فمنها يضل عن الله ~~ويفتقد الهدى وأما الشرك فهو مأخوذ من الشرك والشرك حبل فيه معاليق يعلق ~~بها أرجل الطير أو أعناقها أو أجنحتها حتى تؤخذ صيدا فكذلك الأسباب التي ~~وضعت فيها حاجات الآدمي فتلك الأسباب تأخذ بقلبه لأن شهوة تلك الأشياء في ~~نفسه فإذا اشتهاها له أحبها فإذا وصل حبها إلى قلبه ثم رأى القلب تلك ~~الأشياء من تلك أحب تلك الأسباب من أجل تلك الأشياء وذلك قوله تعالى @QB@ ~~زين للناس حب الشهوات @QE@ ثم عدد الشهوات فقال @QB@ من النساء والبنين ~~@QE@ الآية # فالشك ضيق الصدر والشرك تعلق القلب بالشيء وإنما يوسع القلب PageV04P148 ~~نور اليقين فكلما كان الصدر باليقين أنور كان أوسع وأكثر انشراحا فباليقين ~~ينجو العبد من وبال الشك وبالإخلاص ينجو من وبال الشرك فعندها يتولاه الله ~~وذلك قوله تعالى لداود عليه السلام يا داود هل تدري متى أتولاهم إذا طهروا ~~قلوبهم من الشرك ونزعوا من قلوبهم الشك فخلق الآدمي والأسباب مشتبكة به لا ~~يرى مسببا إلا في غيب وربوبية الرب قائمة في ذلك الغيب وفي جميع الأسباب لا ms679 ~~تكون إلا به فالله مكونها وبالله يدوم ما كون والآدمي لم ير التكوين ولا ~~التدويم إلا رؤية الإيمان بالغيب فاستقر قلبه إيمانا بذلك ثم جاءت النفس ~~بشكها وشركها فأوردت ولو رجعت على القلب حتى صار القلب ذا شك وشرك فلا يزال ~~صاحبها يضيع هذا الأمر ويهمله حتى يحل العقد ومنه عقدة الإيمان فيكفر والذي ~~أغاثه الله وأيده لما رأى ضعف اليقين وانقياد القلب للنفس بما أوردت عليه ~~فزع إلى الله حتى قواه وأيده فإذا رزق الله عبدا نور اليقين ونور التوحيد ~~صار القلب موقنا مخلصا فبقوة هذين يمحو خواطر النفس في الصدر تلك الخواطر ~~التي تورد شكا وشركا فاستقام القلب وصلب واستقرت النفس منقادة للقلب فإذا ~~صار بهذا الحال خفي ذلك الشك والشرك فلم يؤثر ما بقي من ذلك في قلوبهم كما ~~لا يؤثر دبيب النمل على الصفا لأن الذي خفي من البقية لا يقدر أن يزعزع ~~النفس أو يشغل القلب عن الله # ألا ترى أنه قال في حديث أبي بكر رضي الله عنه أفلا أدلك يا أبا بكر على ~~ما يذهب الله به صغار الشرك وكباره عنك قال بلى رسول الله قال تقول كل يوم ~~ثلاث مرات اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم # فصغار الشرك مثل قول الرجل ما شاء الله وشئت ومن الند أن يقول لولا فلان ~~لكان كذا وكذا PageV04P149 # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم ~~واللو فإن اللو يفتح عمل الشيطان # واللو مفتاح الحسرات وإذا تحسر القلب تعرى عن خلع الله # عن عبد الله رضي الله عنه قال جاء رجل فقال يا رسول الله أي الذنب أعظم ~~قال أن تجعل له ندا وهو خلقك # فالند هو شبيه بالضد لأن الضد صورة إبطال من يضاده والند من الندو وهو ~~التباعد والنفار معناه أن تجعل من دونه دافعا عنك فلا يدفع عنك إلا من ولي ~~خلقك # وجاء في الحديث ومن الند أن يقول ms680 لولا فلان لقتلني فلان وإنما صار أعظم ~~الذنوب لأنه يضعف اليقين ويعمل في حل العقدة وسائر الذنوب يعمل في قضاء ~~النهمة والتلذذ بالشهوات # ومعنى قوله عليه السلام الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا أن ~~هذه الأمة لما خصوا به من اليقين لا يؤثر فيهم ما بقي PageV04P150 من الشرك ~~إلا ما يخفى أثره والخبر سيق في معرض مدحهم وإظهار فضلهم على سائر الأمم ~~وليس كما يتوهمه قوم أن المراد من الخبر أن الشرك يخفى عليهم لغمارتهم ~~وجهلهم لأنه ما جاء في الحديث أن الشرك أخفى في الآدميين ولكنه قال أخفى في ~~أمتي ما بال هذه الأمة يخفى عليها من الشرك ما لا يخفى على بني إسرائيل ~~ويقين هذه الأمة أوفر قال عليه السلام ما أعطيت أمة من اليقين ما أعطيت ~~أمتي # وإنما معنى الخبر أن هذه الأمة لليقين الذي نالوه من فضل الله ورحمته ~~يذيب خواطر الشك والشرك في صدورهم فتدق وتخفى حتى لا ترى وتضعف حتى لا يؤثر ~~كونها على القلب كما لا يؤثر دبيب الذر على الصفا وأما كبار الشرك فهو أن ~~يعمل بطاعة الله يريد به غير الله رجاء اتخاذ المنزلة عنده فهذا موحد قد ~~غلب عليه الجهل فأمل غيره وإذا رجع إلى توحيده علم أنه لا يملك أحد نفعا ~~ولا ضرا دون الله # رئي شداد بن أوس في مصلاه وهو يبكي قيل ما أبكاك يا أبا عبد الرحمن قال ~~حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل وما هو قال بينا أنا عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إذ رأيت بوجهه أمرا ساءني قلت بأبي أنت ~~وأمي يا رسول الله ما الذي أرى بوجهك قال أمر أتخوفه على أمتي من بعدي قلت ~~وما هو قال الشرك والشهوة الخفية قلت يا رسول الله وتشرك أمتك من بعدك قال ~~يا شداد أما إنهما لا يعبدون شمسا ولا حجرا ولا وثنا ولكنهم يراءون ~~بأعمالهم قلت يا رسول الله والرياء شرك هو قال نعم ms681 قلت فما الشهوة الخفية ~~قال يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهوات الدنيا فيفطر PageV04P151 # وقال الحسن رضي الله عنه الرياء شرك # قال الله تعالى @QB@ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا @QE@ # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج ذات يوم إلى أصحابه وهم ~~يتناجون فقال ما هذا النجوى قالوا يا رسول الله كنا نتحدث عن فتنة المسيح ~~الدجال فقال عليه السلام ألا أخبركم بأعظم فتنة من الدجال رجل يعمل لمكان ~~رجل PageV04P152 # | - * الأصل الخامس والسبعون والمائتان # - * # | في غياث العباد في أربع السلطان والقرآن وأهل الإيمان وأشرف المكان ~~الكعبة # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~السلطان ظل الله يأوي إليه كل مظلوم من عباده فإذا عدل كان له الأجر وعلى ~~الرعية الشكر وإذا جار كان عليه الإصر وعلى الرعية الصبر وإذا جارت الولاة ~~قحطت السماء وإذا منعت الزكاة هلكت المواشي وإذا ظهر الزنا ظهر الفقر ~~والمسكنة وإذا خفرت الذمة أديل الكفار # قال أبو عبد الله رضي الله عنه إن الله تعالى أغاث عباده في أرضه ~~PageV04P153 بأربع بالقرآن وهو كلامه كي يهتدوا به إلى الله تعالى ~~وبالسلطان وهو ظله كي يتمانعوا به عما في أيديهم من المهجة والمال والأهل ~~والولد وبالإيمان وفيه نور كي يهتدوا به إلى خالقهم وبالكعبة وهي أشرف ~~البنيان كي يفوزوا بالرحمة التي فيها إذا طافوا بها فإذا قصدوا الله جعلوا ~~نوره مرآة قلوبهم فينظرون فيها إلى عجائب ما أبرز من ملكه من لدن عرشه إلى ~~الثرى وإلى عجائب تدبيره فيهم وإلى قدرته عليهم فأداهم ذلك النظر بقوة ذلك ~~النور إلى عظمته وجلاله ونفاد قدرته وإلى جوده وكرمه ولطفه وعطفه عليهم ~~وبره بهم وعظيم مننه فامتلأت صدورهم وقلوبهم به غنى وقويت أركانهم للقيام ~~بأموره وانقادت نفوسهم واستسلمت لله وإذا قصدوا القرآن جعلوا بسم الله ~~الرحمن الرحيم علما لعسكر القرآن فإن القرآن بمنزلة جند وعسكر فيه ألوان ~~الأسلحة وآلات الحرب والعدة ms682 فيه يحارب الهوى والنفس والعدو ويبطل مكائدهم ~~قال تعالى @QB@ فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى @QE@ # وبسم الله الرحمن الرحيم قسم من ربنا عند رأس كل سورة يقسم لعباده أن هذا ~~الذي وصفت لكم يا عبادي في هذه السورة حق وأني أفي لكم بجميع ما ضمنت في ~~هذه السورة من وعدي ولطفي وبري ثم حض الشيء الذي به عظمت فتنة العباد وهو ~~الرزق فخصه بقسم آخر فقال @QB@ فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم ~~تنطقون @QE@ # وإذا قصدوا الكعبة لاذوا بها وجددوا بيعة الإسلام الذي دنسوه وأخلقوه ~~باستلام الحجر الذي فيه بيعتهم حين استخرجهم من الأصلاب للميثاق ~~PageV04P154 # وإذا قصدوا السلطان ارتبعوا في ظله وسكنت نفوسهم في المستراح من ذلك الظل ~~فإن الظلم له وهج وحرارة تحرق الأجواف وتظمأ الأكباد فإذا رأت الغنم الظل ~~وأحست بالماء اندفعت في السير وصيرته مفزعا فإذا صارت إلى الظل مع الظمأ ~~والعطش الشديد لم تجد الماء فبقيت على اليبس ووجدت الذئاب قد سبقن إلى الظل ~~وقعدن بمرصد للغنم فما ظن العاقل بتلك الغنم ماذا يكون حالها وما ظنه برب ~~الغنم ماذا يقول للراعي وعسى أن يقول له ألم يكن معك أسلحة وحراس تطرد ~~الذئاب عن هذا المستراح وكيف سددت مجرى العيون حتى عطشت الغنم # وأما قوله إذا جارت الولاة قحطت السماء معناه انقطاع المطر من ماء ~~الحيوان الذي ينزل من تحت العرش من بحر الأرزاق إلى السماء في الأبزن ~~والأبزن هو مستنقع الماء في السماء فإذا أصاب السماء القحط انقطع عن الأرض ~~القطر فإذا انقطع القطر ماتت الأرض فلم تنبت لأن الأرض إنما تنبت بحياتها ~~وحياتها من ماء الحيوان فإذا جارت الولاة ذهب العدل عن الأرض وإذا ذهب ~~العدل منعت الحياة ماء الحيوان عن أن يقطر فالوالي فاصل بين الحق والباطل ~~فإذا ذهب الفاصل انقطعت الرحمة # وأما قوله إذا منعت الزكاة هلكت المواشي فإن الزكاة نمو المال والنمو من ~~البركة وإذا منعت الزكاة دنس المال ولا بقاء للبركة مع الدنس وإذا ارتحلت ~~البركة عن شيء ms683 هلك ذلك الشيء # وأما قوله إذا ظهر الزنا ظهر الفقر فمن أجل أن الغنى من فضل الله تعالى ~~والفضل لأهل الفرح بالله وبعطائه والمناكحة بمحاب الله وبأمره وحبه يلتقي ~~الزوجان على الأفراح بالله وعدهم الله بذلك في تنزيله الغني PageV04P155 من ~~فضله فقال @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين @QE@ الآية وبين في الآية ~~من أين يغنيهم فقال @QB@ من فضله @QE@ والفضل قبل القسمة # ولذلك قال عمر رضي الله عنه ما وجدنا الطلب للغنى في مثل الباءة وتلا هذه ~~الآية # فإذا زنى فقد آثر الفرح الذي هو من قبل العدو السابي لقلبه على الفرح ~~الذي ندب الله عز وجل إليه عباده فقال @QB@ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا @QE@ فذهب الفضل والغنى لأنه قد جاوره من يدنسه # وأما قوله إذا أخفرت الذمة أديل الكفار لأن المؤمن عاهد الله بالوفاء ~~بذمته فإذا أخفر نقض العهد وإذا نقض العهد وهي عقدة المعرفة لأن المعرفة ~~مقرونة بالعهد معقودة به فبنقض العهد يخاف انحلال العقد ومن قبل الانحلال ~~تذهب هيبة الإسلام ويقذف الوهن في القلوب # عن ثوبان مولى النبي عليه السلام قال سمعت النبي عليه السلام قال ليتداعى ~~عليكم الأمم كما يتداعى الأكلة إلى قصعتها قلت يا رسول الله ومن قلة بنا ~~يومئذ قال لا بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله المهابة ~~من صدور عدوكم منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن فقلت يا رسول الله وما الوهن ~~قال حب الدنيا وكراهة الموت PageV04P156 # | - * الأصل السادس والسبعون والمائتان # - * # | في ما تراءى للحكيم في منازل القربة مجاوبات للآية التي فيها السجدة # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد ~~قال سجد لك سوادي وخيالي وآمن بك فؤادي أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي هذا ما ~~جنيت على نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنب العظيم إلا أنت # عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ~~سجود القرآن بالليل مرارا سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره ms684 بحوله ~~وقوته PageV04P157 # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله دقيقه وجليله أوله وآخره سره وعلانيته # عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ~~سجوده أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك جل وجهك لا ~~أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك يا عظيم فقلت يا رسول الله لقد ~~سمعتك تقول في سجودك شيئا ما سمعتك تذكره قال وقد علمت ذلك قلت نعم قال ~~تعلميهن وعلميهن فإن جبرائيل عليه السلام أمرني أن أكررهن في السجود # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا رسول الله رأيتني هذه الليلة فيما يرى النائم كأني أصلي خلف ~~شجرة ورأيت كأني قرأت السجدة فسجدت فرأيت الشجرة مكانها سجدت لسجودي وهي ~~تقول اللهم اكتب لي بها عندك أجرا وضع عني بها وزرا واجعلها لي عندك ذخرا ~~واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود عليه السلام # قال ابن عباس رضي الله عنهما فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم السجدة ~~ثم سجد فسمعته يقول كما قال الرجل عن قول الشجرة PageV04P158 # | - * الأصل السابع والسبعون والمائتان # - * # | في الحكمة في فتاني القبر # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ~~يوما فتاني القبر فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أترد إلينا عقولنا يا ~~رسول الله قال نعم كهيئتكم اليوم فقال عمر رضي الله عنه ففي فيه الحجر # قال أبو عبد الله رضي الله عنه قد فسرنا هذا الحديث في الأصل السادس ~~والعشرين وبقيت علينا نكتة لم نأت على تفسيرها وذلك أنا سئلنا ما سبب هذه ~~الفتنة في القبر وقد انقطعت العبودة عند خروج الروح إلى الله موحدا وانكشف ~~الغطاء والجواب في ذلك والله أعلم أن الله تعالى من على الموحدين المؤمنين ~~بمعرفته وتوحيده وذلك ms685 من فضله ورحمته وخاب الآخرون عن فضله ورحمته وكان ~~يبعث الرسول بعد الرسول إلى الأمم فكان الممنون عليه يؤمن به ويتبع الرسول ~~في شريعته والخائب يكذب الرسول ويتخذ من دون الله وليا يعبده فكان يمهلهم ~~حتى يريهم الآيات ثم إذا لم يؤمنوا بعث عليهم عذابا ودمرهم PageV04P159 ثم ~~ينشئ قرنا آخر فكان هذا سنة الله في الذين خلوا من قبل وقال في تنزيله ~~عندما قص نبأ نوح وإبراهيم وعاد وثمود وشعيب وموسى وفرعون ثم قال @QB@ فكلا ~~أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا @QE@ ثم بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~رسولا فقال @QB@ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين @QE@ # وكان من رحمته أن أعطاه السيف بدل العذاب الذي كان يأتي الأمم بغتة ~~فيهلكهم كي يخوفهم بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام طوعا وكرها إذا مرنت ~~نفوسهم الكارهة في الدين على شريعة الإسلام انقادت وأطاعت وزايلهم الغش ~~والنفاق ومنهم من لم يزل النفاق فيهم إلى أن مات فستر الله عليهم ذلك فكان ~~المنافقون يخالطون المسلمين في مناكحاتهم ومواريثهم ومغازيهم ومعاملاتهم ~~والنفاق في القلب ولم يكن قبل ذلك نفاق إنما كان تصديق وتكذيب لأنه لم يكن ~~هناك تخويف بالسيف فكان المكذبون يجهرون بالتكذيب حتى يأتيهم عذاب الله ~~بغتة فلما جاءت هذه الأمة وخوفوا بالسيف دخلوا في الدين طوعا وكرها فجاءهم ~~الابتلاء في القبر ليظهر نصرة الله للمطيع في الحياة الدنيا الثابت في ~~قبوله الإسلام ويلقن الجواب عند السؤال ويضل الله الظالم الذي كان مع ~~النفاق أيام الحياة # يحقق ما قلنا ما روي عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هذه الأمة تبتلى في قبورها PageV04P160 # أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأمة خصوصا وإنما ابتلوا ~~ليميز الله الخبيث من الطيب قال الله تعالى @QB@ يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ~~ما يشاء @QE@ وقال ^ وما كان الله ms686 ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز ~~الخبيث من الطيب ^ الآية وقال @QB@ الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ~~آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين @QE@ # وقوله تعالى @QB@ ويفعل الله ما يشاء @QE@ تأويله والله أعلم أن من ~~مشيئته أن يرفع مرتبة أقوام عن السؤال وهم الصديقون والشهداء # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قيل له ما بال الشهداء لا ~~يفتنون في قبورهم فقال كفى ببارقة السيوف عليهم فتنة # معناه أنه أظهر صدق ما في ضميره حيث برز للحرب والقتل فلماذا يعاد عليه ~~السؤال في القبر فإذا كان الشهيد لا يفتن فالصديق أحرى أن لا يفتن # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقاه الله فتنة القبر PageV04P161 # عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~مات مرابطا في سبيل الله أجير من فتنة القبر وجزي على صالح عمله الذي كان ~~يعمله إلى يوم القيامة # فمن مات يوم الجمعة انكشف الغطاء عما له عند الله تعالى لأن يوم الجمعة ~~لا يسجر جهنم ويغلق أبوابها فإذا قبض الله عبدا من عبيده يوم الجمعة كان ~~دليل سعادته وحسن ما به عند الله فيوم الجمعة يوم الله الذي خلق فيه آدم ~~وذريته ويومه الذي تقوم فيه الساعة فيميز بين الأحباب والأعداء ويومه الذي ~~يدعوهم إلى زيارته في جنات عدن فلم يكن ليعطي بركة هذا اليوم إلا من كتب له ~~السعادة عنده فلذلك يقيه فتنة القبر على أن سبب فتنة القبر إنما هو لتمييز ~~المنافق من المؤمن في البرزخ من قبل أن يلقى الله لأن كلا الصنفين صلى ~~عليهما وفعل بهما سنتة الموتى من الغسل والتكفين فامتحنا بالسؤال ليهتك ~~المنافق من ستره بقوله لا أدري إذ ستر الله عليه نفاقه بحرمة ما أظهر من ~~المنطق الجميل فقال لا إله إلا الله ms687 محمد رسول الله # وروي عن سفيان الثوري أنه جاء في الخبر أنه عندما يقال له من ربك يدخل ~~الشيطان عليه فيتمثل له ويشير إلى نفسه فيقول أنا فطلبنا تحقيق هذا فوجدنا ~~في الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند دفن الميت ~~اللهم أجره من الشيطان # عن سعيد بن المسيب قال حضرت مع عبد الله بن عمر في جنازة فلما وضعها في ~~اللحد قال بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله فلما أخذ في تسوية ~~اللبن على اللحد قال اللهم أجرها من PageV04P162 الشيطان ومن عذاب القبر ~~ومن عذاب النار فلما سوى الكثيب عليها قام جانب القبر فقال اللهم جاف الأرض ~~عن جنبها وصعد روحها ولقها منك رضوانا فقلت لابن عمر رضي الله عنهما أشيئا ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم # عن عبد الله بن محمد أن إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم توفي فخرج ~~به فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي أمام سريره ثم دخل قبره فلما ~~رآه قد وضع في اللحد فاضت عيناه فلما رأوا ذلك أصحابه بكوا حتى ارتفعت ~~أصواتهم ثم أقبل أبو بكر رضي الله عنه فقال يا رسول الله تبكي وأنت تنهى عن ~~البكاء فقال يا أبا بكر تدمع العين ويوجع القلب ولا نقول ما يسخط الرب ثم ~~دفن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما من أحد يأتينا بماء نطهر به قبر ~~إبراهيم فأتى بماء فأمر به فرش على القبر ثم وضع يده اليمنى عليه من عند ~~رأسه فقال ختمت عليك بالله من الشيطان الرجيم والله أعلم PageV04P163 # | - * الأصل الثامن والسبعون والمائتان # - * # | في استكمال العبودية # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لن يؤمن عبد حتى يكون هواه تبعا لما جئت به # قال أبو عبد الله الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله هو ~~العبودة التي لها خلقوا قال الله تعالى ms688 @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون @QE@ وقال ^ ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ^ # فالعبودة في ترك الهوى واتباع ما جاء به فكل امرئ اجتمع فيه هذه الخصال ~~الست فقد استكمل العبودة الحق والصواب والعدل والصدق والأدب والبهاء فإذا ~~رفع أمرك إلى الله وقد اجتمعت هذه الست فيه لبق وإذا لبق قبل إذا عرض على ~~الله وإذا صلى الرجل فدعته أمه فلم يجبها فالصلاة حق وليس بصواب فالحق كل ~~أمر رضي الله به والصواب كل أمر رضي الله به في ذلك الوقت وأما العدل فأن ~~يكون PageV04P164 قلبك في إصابة الحق والعمل به لا يميل إلى النفس يريد به ~~الرياء وأما الصدق في العدل فأن يرمي ببصر قلبه إلى موضع المشاهدة وأما ~~الأدب فأن تضع كل شيء من الحركات موضعه وأما البهاء فوقاره وسكينته وزينته ~~ولبقه PageV04P165 # | - * الأصل التاسع والسبعون والمائتان # - * # في فضل العقل $ # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~بلغه عن رجل شدة عبادة سأل كيف عقله فإن قالوا غير ذلك قال لن يبلغ # وذكر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل من أصحابه شدة عبادة واجتهاد فقال ~~كيف عقله قالوا ليس بشيء قال لن يبلغ صاحبكم حيث تظنون # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يعجبنكم إسلام رجل حتى تعلموا ما عقدة عقله # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فالعقل خلق مخلوق من نور البهاء مقسوم بين ~~الموحدين من ولد آدم موضوع في الدماغ وإشراقه وشعاعه ومعتمله في الصدر بين ~~عيني الفؤاد فهو مدبر لأمره وآمر وزاجر ومميز ودليل وهاد ومبصر فبه عرف ربه ~~وبه علم ربوبيته وبه نظر إلى تدبيره وإلى ما أظهر لخلقه من ملكه وعجائب ~~قدرته PageV04P166 وصنعه وبه عرف جواهر الأمور من أمر الدين والدنيا وبه ~~نهض إلى ربه وذلك النهوض اسمه على ألسنة الخلق النية من قوله ناء ينوء أي ~~نهض ينهض وإنما ينهض ms689 بقصده وإلقاء همته لا أنه ينخلع عن مكانه فهمه وقصده ~~نيته وهي النهوض عن سكونه فهم القلب يطير إلى الله بنور العقول التي لها كل ~~على قدر حظه من العقل الذي قسم له ربه وبين القسم تفاوت وإنما تفاوتت الرسل ~~والأنبياء عليهم السلام ومن دونهم من الموحدين في منازل الدين وفي درجات ~~الجنان غدا بتفاضل العقول فالعبادة والاجتهاد فيها من ذات النفس ما هو وبال ~~على صاحبه لأن ذات النفس هو الهوى الذي حذرنا أتباعه في التنزيل فقال تعالى ~~@QB@ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله @QE@ # فإذا كانت العبادة والاجتهاد فيها مخرجها من تدبير العقل استقام الأمر ~~وصفت العبادة وذهب الجهد من ضيق النفس وعسرتها والهوى يضيق أمرها عليها ~~فإذا كان العقل ولي القلب غالبا للهوى فالهوى مقضي مدحور والقلب آمر مؤمر ~~عدل في إمارته فلا يستعمل جارحة إلا بما يدبر له العقل ولذلك كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا سمع بعبادة رجل سأل عن عقله فإذا كان العقل مغلوبا ~~كان القلب أسير الهوى والنفس فهو وإن اجتهد في العبادة فعامة عبادته خطأ ~~وجهل كما سبق في قصة جريج الراهب PageV04P167 # | - * الأصل الثمانون والمائتان # - * # | في الثلاثة التي تحت العرش # عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثة تحت العرش القرآن له ظهر وبطن يحاج العباد والرحم تنادي صل من وصلني ~~واقطع من قطعني والأمانة # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فظهر القرآن يحاج الظالمين أهل التخليط ~~وبطن القرآن يحاج المقتصدين لأن ظاهر القرآن يحاج لأهل الجنان وباطن القرآن ~~لأهل الغرف وهم السابقون وإنما يحاج المقتصدين لأنهم أقاموا ما أنزل إليهم ~~من ربهم على مجاهدة منهم لأنفسهم فأهل الجهد لا يقدرون على صفاء الأمر ~~وإنما يقيمونها مع كدورة النفس وعسرتها وتردها ونكدها فلا يبلغون حقائق ~~الأمور على الصفاء وإنما يبلغ حقائق الأمور صافية السابقون الذين عتقوا من ~~رق النفس فهم أحرار كرماء وأولئك عبيد أتقياء كما قال عيسى عليه السلام ms690 ~~لبني إسرائيل لا عبيد أتقياء ولا أحرار كرماء PageV04P168 # | - * الأصل الحادي والثمانون والمائتان # - * # | في وصية نوح عليه السلام بنيه وهي أربع كلمات # عن معاذ بن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقول ألا أخبركم عن وصية نوح عليه السلام بنيه حين حضره الموت قال إني واهب ~~لك أربع كلمات هن قيام السموات والأرض وهن أول كلمات دخولا على الله تعالى ~~وآخر كلمات خروجا من عنده ولو وزن بها أعمال بني آدم لوزنتهن فاعمل بهن ~~واستمسك حتى تلقاني أن تقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر والذي نفس نوح بيده لو أن السموات والأرضين وما فيهن وما تحتهن وزن ~~بهؤلاء الكلمات لوزنتهن # قال أبو عبد الله رضي الله عنه ونعمت المواهب ونعم الموهوب له هذا نوح ~~رأس المرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين أوصى ابنه عند وفاته وخروجه من ~~الدنيا ثم صير الوصية هبة ليكون تمليكا ولا يكون تمليك إلا من مالك فدلت ~~هذه الكلمة من قول نوح عليه السلام أني واهب لك أن هذه الكلمات وهبت لي ~~فأنا واهب لك من قبل أن يزول ملك الهبة مني بمزايلة الروح الجسد لأن أولاد ~~الرسل إنما PageV04P169 يورثون إرث النبوة بحكم الله قال الله تعالى @QB@ ~~وورث سليمان داود @QE@ وقال زكريا عليه السلام @QB@ فهب لي من لدنك وليا ~~يرثني ويرث من آل يعقوب @QE@ # وهذا الولد هو سام بن نوح فيما روي في الخبر وهو أب العرب والعجم ~~المجاورين للعرب وهم فارس والروم وأما حام فهو أب الحبشة والهند والسند ~~وأما يافث فهو أب الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج فكان هؤلاء الثلاثة ممن ~~ركبوا السفينة معه وامتنع كنعان الابن الرابع وحال بينهما الموج فكان من ~~المغرقين وإنما صارت هذه الكلمات الأربع قيام السموات والأرض وما فيهن ~~بالحق لأن الله تعالى خلق السموات والأرضين وما فيهن بالحق لتجزى كل نفس ~~بما كسبت وهم لا يظلمون وحقيقة القيام بالحق في الوفاء بمقالة سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله ms691 إلا الله والله أكبر وإنما يطالب الله عباده بحقيقة ~~القيام بهذه الكلمات الأربع حتى يرضي الحق فالسموات والأرض وما فيهن مسخرات ~~للآدمي ليقوم هذا الآدمي بمقالة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر منطقا وعملا ووفاء لطهارة هذه الأربع ونزاهتهن وقدسهن # فمن قام من الآدميين بهذه الأربعة بهذه الصفة التي وصفنا كان ولي هذه ~~الكلمات وكان ولي الله وبه تقوم السموات والأرض وما فيهن وإنما صارت في ~~الوزن أثقل من السموات والأرض وما فيهن وأوزن من أعمال بني آدم لأن هذه ~~الكلمات عماد الأعمال فبالتسبيح تطهر الأعمال وبالتقديس تحط أثقال النعم ~~وبالتهليل تقبل الطاعات وبالتكبير ترفع وينال الثبات PageV04P170 # وأما قوله أولهن دخولا على الله وآخرهن خروجا من عند الله فإن هذه ~~الكلمات رؤوس الكلام وأمناؤه ومهيمن على سائر الكلام فالأمناء أولهن دخولا ~~على الملك يوم يقعد لعرض الأخبار وتدبير الملك فيرفعون إليه أمور الرعية ثم ~~يأذن للرعية فيعترضهم فإذا خرجوا من عنده كان التدبير مع الأمناء وقضاء ~~حوائج الرعية على أيديهم وقبول معاذيرهم ونوال عطاياهم فكذلك هذه الكلمات ~~يدخلن على الله يوم تعرض الأعمال في كل إثنين وخميس ثم تجيء الأعمال بعد ~~ذلك على أثرهن فتعرض على الله فتزكية الأعمال وتوفيرها من هؤلاء الأمناء ~~يشهدون لها بالصدق وإذا خرجت الأعمال بقي هؤلاء عنده لتوفير التقصيرات ~~وتصحيح الأعمال وسؤال القبول والثبات وتربية الأعمال وتقوية النفوس ومدد ~~القلوب فهن المستأذنات للأعمال والمسهلات لسبل الأعمال والشفعاء والمزينات ~~لأن على طريق العرض سماطي الملك ملك الرحمة وملك العظمة وملك السلطان وملك ~~البهجة وملك الجمال وملك الجلال وملك البهاء فهذه الكلمات تطرف الأعمال إلى ~~مالك الملك وتسهل السبيل وتشفع وتزين وبهن يقرع الباب ومثل ذلك مثل ملك ~~أصبح فعرضت عليه أعمال الرعية واجتمعت الرعية على باب الملك فأول من يدخل ~~عليه الوجوه وسراة الرعية والمختصون بالوسائل فإذا دخلوا عليه قربهم في ~~المجلس وأدناهم من نفسه وأحلهم محل الأمناء والخاصة فإياهم يأتمن وعليهم ~~يقبل ومنهم وإياهم يسعف بالحوائج ومن أجلهم يأذن لهم وعلى ms692 قدر ما يثنى كل ~~واحد منهم على الرعية وينشر عن طاعاتهم للملك وصدقهم ووفائهم ونصحهم يقبل ~~الملك على هذه الرعية ويقضي حوائجهم ويجزل عطاياهم فهؤلاء وفود الرعية فهذا ~~مثل هؤلاء الكلمات ثم للقائلين بها درجات تتفاوت # ومثل ذلك مثل هذا الملك يجتمع ببابه هؤلاء الوفود فأول من يدخل ~~PageV04P171 عليه أوجههم عند الملك وأحسنهم هيئة وأعقلهم وأعذبهم منطقا ~~وأفصحهم لسانا وأصبحهم وجها وأطهرهم خلقا وأبهاهم زيا وسمنا وأنقاهم ثيابا ~~وأقصدهم مشيا وأفهمهم عنه إشارة وأوعاهم علما فالحظ كل الحظ والإسعاف كل ~~الإسعاف بالحوائج لمن كانت هذه صفته من بين الوفد # فكذلك هذه الكلمات قد وعتها القلوب ووعت معانيها الصدور وزينتها العقول ~~لأفئدة القلوب وأشرقت أنوارها بين أودية الأفكار وعلى بصائر النفوس وأسماع ~~هواجس الأحلام فمن كان قلبه واعيا لنور الله الأعظم وصدره مشرقا بذلك النور ~~وعين فؤاده منكشفة الغطاء عن زينة العقل وبهائه قد سد تراكم أنواره خلال ~~الرويات واجتذت لها أبصار النفوس وأذنت أسماع الهواجس واحتشت من نور الحياة ~~فإنما تخرج الكلمات إلى الله من بين هذه الأشياء فهذا بحر الله فيه جواهر ~~الله فإنما يصعد إلى الله جواهر قد غاص عليها قائلها من بحره فولي البحر ~~أعلم بأثمان تلك الجواهر وقد عجز عن علم أثمانها جميع الخلق قال له قائل ما ~~أثمانها قال حب الله فمن ذا يدرك حرارة الحب وفورانه وشعله ويعلم كنهها إلا ~~محبوبه الذي يثيره قال قائل وكيف يثيره قال يثير الحب الذي وضعه في العبد ~~بالحب الذي عنه للعبد فمن خرجت منه هذه الكلمات من حبه فدخلت هذه الكلمات ~~منه على الله كن أول من يدخل ثم يعرض أعماله بعد دخولهن وكل عمل إنما يقتضي ~~ثوابه هذا الحب الذي إنما صار هذه الكلمات وجيهة عند الله بهذه الأشياء ~~التي وصفنا وإنما نال هذه الأشياء بلب هذه الأشياء ولبه حب العبد لله ولب ~~ذلك حب الله لعبده ومن كان قلبه خاليا من جميع ما وصفنا إلا أنه مؤمن بهذه ~~الكلمات قد تضمن توحيده نفس هذه الكلمات ms693 وعلما بها ومعرفة لها فهو مقربها ~~ناطق بها باستقرار القلب بذلك التوحيد والإيمان قد خلا قلبه عن أنوارها ~~وحشو ما فيها فإنما PageV04P172 يصعد إلى الله إيمانه بتلك الكلمات فيدخل ~~من قائلها على هذه الهيئة وتلك على تلك الهيئة فإنما تكون كلمته من الله ~~قربا ودنوا ووسيلة وجواز قول ونوال عطية على قدر هيئته أو تلك على قدر ~~هيئتها # فاعتبر بهذا المثل الذي ضربنا لك بدءا من شأن الملوك والسراة المقدمين في ~~الإذن قال الله تعالى @QB@ وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون @QE@ ~~@QB@ وما يعقلها إلا العالمون @QE@ # فالغائص في بحر الله على هذه الكلمات هو عبد قد طالع مقاسم الكلمات كيف ~~انقسمت على أمور العباد في موضع المقسم على العرش وطالع حكمة التأليف لحروف ~~الكلمات في ملك الملك وطالع ما في حشو كل حرف منها في المبدأ فهو إذا نطق ~~بها لاحظ المقسم فوجه يلحظه كل كلمة من معدنها التي عزيت هذه الكلمة إلى ~~المعدن منه جرى إلى العبد وكل كلمة لها نوبة من الأمور والأفعال فالتسبيح ~~تنزيه من الهواجس والحمد يكشف عن النعم والصنائع والتهليل يبرأ عن العلائق ~~والتكبير يثبت القيومية له عن الزوال فعين فؤاده يدور مع دوران لسانه حتى ~~تقسم اللحظات الكلمات على الأمور فيلاحظ الهواجس ويلاحظ النعم ويلاحظ الشرك ~~ويلاحظ الزوال فينتقل لحظاته كما ينتقل دوران لسانه من كلمة إلى كلمة ~~PageV04P173 # | - * الأصل الثاني والثمانون والمائتان # - * # | في رأس النعم وشكر المنعم # عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في ~~البيت كسيرة ملقاة فمشى إليها فرفعها ومسحها وقال يا عائشة أحسني مجاورة ~~نعم الله فقل ما نفرت عن قوم فكادت ترجع إليهم # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فرأس نعم الدين نور التوحيد معرفة بالقلب ~~وشهادة باللسان أن لا إله إلا الله ورأس نعم الدنيا هذا الجسد الذي هو قالب ~~لهذه النعمة الفائقة للنعم فإن الله تعالى أنعم عليك بنور التوحيد حتى ~~عرفته ثم وضع حول قلبك في صدرك بيدرا من الأنوار ms694 يتربى فيها نور المعرفة ~~وأنعم عليك بهذا القالب المجسد ووضع حوله بيدرا من نعم الدنيا يتربى فيها ~~هذا الجسد وأمرت بحسن مجاورة نعم هذين فحسن المجاورة مع نور المعرفة أن لا ~~تذكر كل شيء سواه وأن لا تؤثر عليه أحدا وأن لا تقرن بمشيئآته مشيئآت النفس ~~وأن لا يلهيك الهوى عن الوله إلى الله تعالى في كل حالاتك وحسن مجاورة ~~الجسد أن لا تستعمل جارحة من جوارحك إلا له ولرضاه عز وجل PageV04P174 # | - * الأصل الثالث والثمانون والمائتان # - * # | في طنين الأذن # عن أبي رافع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طنت ~~أذن أحدكم فليصل على النبي عليه السلام ويقول اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد ذكر الله من ذكرنا # وعن عبيد الله بن المغيرة رضي الله عنه أنه كان يقال إذا ضرب أذن العبد ~~فإن الله يذكره فليذكر الله أو فليحسن ذكر الله # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الأرواح لتتلاقى في ~~الهوى وأحدهما من صاحبه على مسيرة يوم وليلة وإن الأرواح خلقت قبل الأجساد ~~بألفي عام فتشامت كما تتشام الخيل ثم هي جنود مجندة فإذا التقوا فما تعارف ~~منها ائتلف وما تناكر منها اختلف # هذا كله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV04P175 # وقال سلمان للحارث كيف أنت يا حارث قال ومن أين عرفتني قال عرف روحي روحك ~~وكذلك قال أويس لهرم بن حيان رحمهما الله ولولا أن الروح مشغولة بالنفس ~~وشهواتها لأوردت عجائب على صاحبها من درك الأشياء لأن لها سطوعا في الجو ~~تجول ثم تصعد إلى الله إلى مقامها الذي منه بدت ولكنها تدنست بما لبست من ~~أثواب اللذات وتكدرت بما شربت من كأس حب الدنيا وخالطت الهوى ومالت نحوه ~~فمن صفاه وأخلصه ونزهه فقد ظفر بنور اليقين وفاز بالحظ العظيم والكأس ~~الأوفى # وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبض قيل له إلى أين يا رسول الله ~~قال إلى السدرة المنتهى # فلكل رسول في السماء ms695 مستقر إذا قبض فلآدم عليه السلام في الدنيا وليحيى ~~وعيسى عليهما السلام في السماء الثانية وليوسف عليه السلام في السماء ~~الثالثة ولإدريس عليه السلام في السماء الرابعة ولهارون عليه السلام في ~~السماء الخامسة ولموسى عليه السلام في السماء السادسة ولإبراهيم عليه ~~السلام في السماء السابعة ولمحمد صلى الله عليه وسلم في السدرة المنتهى ~~بباب الله عند الحجاب فهو متشمر هناك يسأل الله لأمته في كل يوم لكل صنف ~~فللمتهافتين التوبة وللتائبين الثبات وللمستقيمين الإخلاص ولأهل الصدق ~~الوفاء وللصديقين وفارة الحظ # وكذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حياتي خير لكم ~~وموتي خير لكم # عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إني لكم بمكان ~~PageV04P176 صدق حياتي وإذا مت فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله إذا مت ~~قال لا أزال أنادي في قبري رب أمتي أمتي حتى ينفخ في الصور النفخة الأولى ~~ثم لا تزال دعوتهم لي مجابة حتى ينفخ في الصور النفخة الثانية # فطنين الأذن من قبل الروح أنه بحدة بصره وخفته وطهارته وحياته وسطوعه إلى ~~المقام أدرك في وقت سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم بباب الله له شيئا ~~وذكر الله إياه بخير فرجع إلى أصله المتمكن في رأسه وقلبه بذلك الخير ~~والبشرى فطنت الأذن لصوته وما جاء به من الخير فلذلك قال فليصل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأنه ذكره عند الله في ذلك الوقت وطلب منه شيئا فاستوجب ~~منه الصلاة ليكون فيه أداء حقه فهذا وما أشبهه مكرمات الموحدين من ولد آدم ~~عليه السلام وكذلك العطاس هو في ذلك الوقت ذكر من الله لذلك الروح بخير ~~فابتهج الروح وسطع نوره فذلك الصوت من سطوعه ولذلك قيل عطس وسطع وهما ~~كلمتان مستعملتان في نوعين يقال عطس وسطع فلذلك أمر أن يحمد ربه وأول من ~~فعل ذلك آدم عليه السلام لما استقر فيه الروح وذكر بخير فازدهر وسطع نوره ~~كالمسرور # وروي عن رسول الله صلى ms696 الله عليه وسلم أنه قال العطاس من الله ~~PageV04P177 وقال صلى الله عليه وسلم من حدث بحديث فعطس عنده فهو حق لأن ~~ذلك وقت ذكر الله للأرواح فلا يقول صاحبه إلا حقا ولذلك وجب للمسلم على ~~المسلم حق التشميت لأنه ظهر عليه أثر نعمة الله تعالى في ذلك الذكر # وروي أنه قال الله يا داود إن سمعت عاطسا من وراء سبعة أبحر فاذكرني ~~PageV04P178 # | - * الأصل الرابع والثمانون والمائتان # - * # | في أن الدنيا ملعونة إلا عن ثلاثة # عن عبد الله بن حمزة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الدنيا ملعونة ملعون من فيها إلا من ذكر الله أو معلم أو ~~متعلم # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فالدنيا هذه الدار التي دورت أرضها تدويرا ~~بجبل قاف وأحيط عليها بالجبل والآخرة هي الدار الآخرة وهذه أولى قال الله ~~تعالى @QB@ وإن لنا للآخرة والأولى @QE@ # وسميت هذه دنيا لأنها أدنى إليك والآخرة تعقب هذه إذا ذهبت هذه جاءت تلك ~~فتلك اسمها عاقبة قال الله تعالى @QB@ والعاقبة للمتقين @QE@ PageV04P179 # وسميت هذه عاجلة لأنها عجلت وتلك آجلة لأنها أجلت ففي هذه الدار زينة ~~وحياة وفي تلك الدار زينة وحياة وحياة هذه من الروح المركب في هذا القالب ~~الذي هو من اللحم والدم والعظم والعصب والعروق والشهوة واللذة في هذا ~~القالب وأصل الشهوة من الفرح وأصل اللذة من الذهن وأصل القالب من التراب ~~والحياة مسكنها في الروح والروح مسكنها في الدماغ ثم هو منفش في جميع الجسد ~~وأصله معلق في الوتين عرق القلب مشدود هناك وذلك العرق نياط القلب والنفس ~~مسكنها في الباطن ثم هي منفشية في جميع الجسد وأصلها مشدود بهذا العرق ~~والشهوات في النفس واللذة منها وعملها من الذهن فهذه الزينة والحياة التي ~~في النفس تستعمل هذا القالب فما كان من عمل العين خرج إلى العين وما كان من ~~عمل السمع خرج إلى السمع وما كان من عمل المنطق خرج إلى اللسان وما كان من ~~عمل اليد خرج إلى اليد ms697 وما كان من عمل الرجل خرج إلى الرجل فمخرج أعمال ~~الجوارح السبع من الفرح الذي في القلب ومن الزينة والحياة التي في النفس ~~فإذا حزن القلب ذبلت النفس وانطفأت نار الشهوة وتعطلت الجوارح عن العمل ~~وسكنت الحركات وإذا فرح القلب هاجت النفس وصارت قوية طرية وأثارت نيران ~~الشهوات واستعملت الجوارح فالفرح رأس مال أعمال الجوارح والعبد مبلو بهذا ~~الفرح فإذا حيى القلب بالله ففرح بشيء من زينة الدنيا تراءى ذلك النور الذي ~~في قلبه وتلك الحياة التي لقلبه صنع الله في تلك الزينة وخلقه لها ورحمته ~~فيها ورأفته على عبده بذلك فقبلها من ربه واستبشر بها وصار ذلك الفرح لله ~~ونطق بالحمد لله وأضمر على الطاعة شكرا لله وإظهارا لعلمه أن هذا له من ~~الله حتى يأخذ الفرح من صدره في جميع جوارحه فيذهب كسله وتقوى عزيمته ~~وتتجدد نيته وتطيب نفسه # فهذا عبد حامد لله شاكرا له قد صدق علمه بأنه من الله يقول بلسانه الحمد ~~لله ثم يصدقه بفعل جوارحه شكرا لله وإذا هاج الفرح PageV04P180 بتلك الزينة ~~من قلبه وكان قلبه محجوبا عن الله وصدره مظلما بغيوم الهوى ودخان الشهوات ~~ورين الذنوب لم يتراءى لعيني فؤاده في صدره صنع الله تعالى في تلك الزينة ~~ولا خلقه لها ولا رحمته فيها ولا رأفته عليه فجاء الهوى بكبره والنفس ~~بعلوها وتجبرها فصار الفرح للنفس وبالدنيا وبمراءات الأشكال ومباهاة ~~الأضداد فظهر الفساد من الجوارح وخرجت السيئات من الجسد كل سيئة من معدنها ~~من قلة الرحمة وقلة المبالاة وترك النصيحة وظهرت الفظاظة واليبوسة والغلظة ~~والقسوة ورذائل الأخلاق حتى صارت الجوارح إلى الغش والمكر والمخادعات وإلى ~~أفعال الجسد وإلى سوء النيات والمقاصد وخرج إلى الفرعنة والتجبر كل على ~~قدره يتنعمون بنعم الله ويتلذذون بتلك الزينة وتلك اللذات فرحا وأشرا وبطرا ~~في هيئة أهل الكفر بالله والجحود له فقد تبين أن أصل هذا الأمر كله الفرح # فمن قدر أن يصرف هذا الفرح منه إلى الله في كل عمل وفي كل أمر من دنيا أو ~~آخرة ms698 بنور قلبه وإلا فقد وقع في الوبال فإن كان فرحه في أمر الدنيا أشر ~~وبطر وإن كان في أمر الآخرة أعجب وتكبر وصار مرائيا فمن صرف ذلك إلى الله ~~لم يزدد لربه إلا خشوعا وحبا فحمده ودعاه ذلك إلى شكره بجميع جوارحه وذلك ~~حفظ الجوارح السبع على أمر الله وإقامة فرائض الله والقيام بحقوق الله ومن ~~لم يقدر على ذلك سباه فرحه فصار سبيا من سبي النفس # وإذا نالت النفس الفرح كان بمنزلة رجل متغلب وجد كنزا وأموالا جمة فاحتوى ~~عليها وفرقها فيمن اجتمع إليه من الغوغاء حتى صاروا أعوانه وأتباعه فخرج ~~بتلك القوة على أمير البلد وعمد إلى الأمير فسجنه فالأمير في الوثاق في ~~السجن والخارجي يرؤس أهل البلد فإن تداركه أمير المؤمنين بمدد وجيش وكنز ~~فقد نصره وإن تركه مخذولا فقد ذهبت الامرة فهذا شأن القلب مع النفس وقد حذر ~~الله تعالى عباده في PageV04P181 تنزيله في قصة قارون فقال @QB@ لا تفرح إن ~~الله لا يحب الفرحين @QE@ وقال ^ وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا متاع ^ وقال تعالى @QB@ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ~~هو خير مما يجمعون @QE@ # فدلك على الفرح بفضله ليصرفك عن الفرح بالجمع فإن فرح الجمع هلاك الدين ~~والقلب وفرح الفضل والرحمة يؤديك إلى الله لأن كل من فرح بشيء أقبل عليه ~~وطلبه فإذا رأى الله من عبد إقبالا على هذه الدنيا الدنية وعلى هذه الشهوة ~~الرديئة أعرض عنه ووكله إليها حتى يكون همه دنياه وهمته شهوات نفسه وطلبه ~~العلو فيها حتى يضاد أقضية الله وتدبيره فخسر الدنيا والآخرة وإذا رأى ~~إقباله على ربه صنع له جميلا وهيأ له تدبيرا ينال به فوز العاجل والآجل ~~وسعادة الدارين # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم فما أقبل عبد بقلبه على الله إلا أقبل ~~الله تعالى عز وجل بقلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة وكان الله بكل ~~خير إليه أسرع # فإذا نظر الله ms699 إلى عبد بالرحمة وقلبه مأسور في إسار النفس أمده من عنده ~~بما إذا صار المدد إليه تاب ومن رحمة الله تعالى على عبده إقباله فإذا أقبل ~~عليه تلظت جمرة الإيمان في القلب فتوردت أشجار الخيرات وأينعت كما يتورد ~~بساتين الدنيا ويتورد أشجارها إذا وجد الحر فإذا وجد القلب هذه القوة أقبل ~~على النفس بالزجر لها بسلطان قوي حتى PageV04P182 يقمعها بمنزلة ما ضربنا ~~له من المثل الخارجي إذا سمع أن جيش أمير المؤمنين قد أقبل هرب عن البلد ~~وخلى عنها وخرج الأمير من السجن فقعد في إمرته واحتوشته الجنود وفرق ~~الأموال والكنوز التي جاءته من أمير المؤمنين في جنده وقصد الخارجي يحاربه ~~ويتباعد قليلا قليلا والأمير خائف مع هذا الجند لا يأمن بياته وافتراصه فهو ~~مشغول بحرس جنده ونفسه ويسأل أمير المؤمنين زيادة في مدده فلا يزال يمده ~~حتى إذا أمده بغاية المدد أخذه أسيرا ويكون الخارجي قد نظر إلى كثرة المدد ~~فعلم أنه لا يقاوم أمير المؤمنين فألقى بيده سلما وأسلم وتاب على يدي أمير ~~المؤمنين فهذه صفة التائب إذا تاب احتاج إلى مجانبة النفس ومجاهدتها في كل ~~أمر فلا يزال كذلك ويزداد مددا وهو لا يأمنها مع ذلك المدد يخاف أن يثب ~~وثبة من زوايا جوفه فيأخذه لأن مكرها أعظم من أن يوصف حتى تجلى لقلبه شأن ~~الملكوت وأشرق في صدره أنوارها فامتلأ صدر العبد من جلال الله وعظمته ~~فبسلطان الجلال يأسر النفس ويسبيها وبالعظمة يولهها فإما أن يأخذها بتلك ~~القوة فيحبسها حتى تموت في سجن القلب غما وإما أن تلقي بيديها سلما وتذعن ~~للقلب وتنقاد له فتصير في يدي القلب كالأسير حتى إذا وجدت تلك اللذات التي ~~وردت على القلب من تلك الملكوت من العطايا اعتصمت بالقلب فتركت لذاتها ~~الفانية الدنية فعندها وصل العبد إلى أوائل العبودة ووضع في هذا القالب ~~الحياة والحياة في الروح والنفس وهما ريحان إحداهما أرضية والأخرى سماوية ~~فالحياة ههنا في الروح والنفس والجسد قالب فإذا خرجا بقي القالب لحما مواتا ~~وحياة الآخرة في ms700 كل شيء منه فكل شيء منه حي من قرنه إلى قدمه كل شعرة وكل ~~ظفر حي بحياته وذلك إذا شربوا ماء الحياة بباب الجنة قال الله تعالى @QB@ ~~وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون @QE@ PageV04P183 # أخرجه على قالب فعلان لبلوغ الغاية في التكثير كقولك رحمن ورحيم وعريان ~~وعار والذي يشرب ماء الحياة في الآخرة يجد اللذة والنعيم كل شعرة منه على ~~حدتها ويقوى على نعيم الجنة بقوة تلك الحياة # فجميع ما في هذه الدار التي سميت دنيا كله متاع هذه الحياة والمتاع ~~المنفعة والبلغة قال الله تعالى @QB@ زين للناس حب الشهوات من النساء ~~والبنين @QE@ إلى قوله @QB@ ذلك متاع الحياة الدنيا @QE@ ثم قال @QB@ ~~اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة @QE@ الآية # ثم ضرب المثل بالغيث ليريك عاقبتهما وقال @QB@ وما الحياة الدنيا إلا ~~متاع الغرور @QE@ ثم قال @QB@ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها @QE@ # ثم أخبرك لأي شيء جعل هذا فقال @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ ثم ضرب ~~المثل فقال @QB@ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء @QE@ ثم ~~قال في آخره @QB@ والله يدعو إلى دار السلام @QE@ # ثم قال ^ ءأنبئكم بخير من ذلكم ^ وبين ذلك الخير ما هو PageV04P184 فقال ~~@QB@ جنات عدن تجري من تحتها الأنهار @QE@ ثم بين لمن هي فقال @QB@ الذين ~~يقولون ربنا إننا آمنا @QE@ إلى قوله @QB@ بالأسحار @QE@ # وإنما صارت الدنيا ملعونة مذمومة من أجل أنها غرت النفوس بنعيمها وزهرتها ~~ولذتها والشهوة واللذة في النفوس فإذا ذاقت النفوس طعم النعيم اشتهت ولذت ~~فمالت عن العبودة إلى هوى النفس وإنما جعلها زينة في نفوس العباد وأعطى من ~~تلك الزينة العدو ليوسوس بتلك الزينة ويمازج بها تلك الزينة التي وضعها ~~الله في العباد وحبها وشهوتها ليبلوهم أيهم أحسن عملا في هذه الزينة ~~ليتواضع لله فيما أعطاه من الزينة ويشكره عليه أو يتكبر عليه ويكفره كما ~~قال سليمان عليه السلام حيث قال @QB@ أيكم يأتيني بعرشها @QE@ فقال ذلك ~~الجني @QB@ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك @QE@ فاستبطأه فقال الذي عنده ~~علم من الكتاب وهو اسم الله ms701 الأعظم @QB@ أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ~~فلما رآه مستقرا عنده @QE@ أعني السرير ^ قال هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر ~~أم أكفر ^ أي أقدر هذا الإنسي على ما لم أقدر عليه وأعطى ما لم أعط ~~فابتلاني برؤية ما أعطى ليبلوني ءأشكر فأعدته بما أعطاه من نعمة علي لأنه ~~حولي أو أحسده فأكفر النعمة # فهذه الأشياء إنما غرت المفتونين الذين لما تناولوها عميت عيونهم ~~PageV04P185 عن تدبير الله وتقديره وسياقته إليهم @QB@ ومن كان في هذه أعمى ~~فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا @QE@ # فوضع الله الدنيا مع زينتها وبهجتها وخلقنا فيها فحرم وأحل وأمر ونهى فمن ~~انتهى عن المحرمات وأدى الفرائض وتناول من الدنيا فعبده بتناولها لأنه ~~أخذها على الحاجة ومن السبيل التي أطلقت له فقد خرج من الذم وبرئ من الدنيا ~~المذمومة وإن تناول بشهوة ونهمة في غفلة عن الله تعالى فقد أخذ الدنيا ~~المذمومة ولا يصل إلى هذه المرتبة التي تبرأ من عارها وذمها ووبالها إلا من ~~وصل إلى الله فعظمته على قلبه وخشيته في صدره وذكره دائم على لسانه فليست ~~هذه دنيا مذمومة وإنما هو رزق ومعاش وتزود يأخذ العبد من مولاه ليقوم ~~بخدمته لأنه خلقه للخدمة وجعل هذه الأشياء كلها سخرة له فهو يأخذ من السخرة ~~للخدمة والآخر يأخذ من هذه السخرة لقضاء الشهوة والنهمة ليفرح به أيام ~~الحياة ليلهيه ذلك الفرح عن الله تعالى ويورثه الغفلة حتى يهتاج منه الكبر ~~وينظر إلى نفسه وهيأته وما أعطي من الدنيا فيعجب به فيفاخر الناس ويناطح ~~أشكاله فهو عبد فرجه عبد بطنه عبد هواه قد دخل في لعنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حيث قال لعن عبد الدينار لعن عبد الدرهم ثم قال بئس العبد عبد ~~نسي المبتدأ والمنتهى بئس العبد عبد سها ولها ونسي القبر والبلى بئس العبد ~~عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى بئس العبد عبد طمع يقوده بئس العبد عبد ~~هوى يضله بئس العبد عبد يختل الدنيا بدينه PageV04P186 # فهذا كله جاء عن رسول الله صلى ms702 الله عليه وسلم في خطبته وقال الله تبارك ~~وتعالى @QB@ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا @QE@ # روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال إن الرجل ليعجبه شراك نعله ~~يريد به أن يكون أجود من صاحبه فيدخل في هذه الآية # فاللعن واقع على ما يطلب به العلو ويلهي عن ذكر الله وعلى ما غرك من ~~الدنيا لا على النعيم واللذة فإن النعيم واللذة قد تناولته الرسل والأنبياء ~~والصديقون عليهم السلام فردهم تناولهم إلى الله ذكرا وشكرا ثم آووا منه إلى ~~المأوى وهو حفظ الحدود والقيام بحقوق الله تعالى محل الاستثناء والله أعلم ~~PageV04P187 # | - * الأصل الخامس والثمانون والمائتان # - * # | في أن القنوت وقوف العبد وإقباله وركود وخشوع # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل حرف ~~ذكره الله في القرآن عن القنوت فهي الطاعة # قال أبو عبد الله رضي الله عنه إنما صرفه إلى الطاعة لأنها أكشف الأشياء ~~وأشهرها عند الناس والعامة إنما تعرف الطاعة والمعصية فكل ما أمر الله به ~~فهو طاعة وكل ما نهى عنه فهو معصية فأما حاصل الاسم فالطاعة بذل النفس لله ~~فيما أمر ونهى والمعصية امتناع النفس واشتدادها لأن الله تعالى دعا العبد ~~إلى الوقوف بين يديه كالعبيد فالمؤمنون أجابوا دعوته وقبلوا العبادة ثم ~~دعاهم بعد ذلك إلى شيء بعد شيء فمن ائتمر بأمره وانتهى عن نهيه فقد وفى ~~بتلك الإجابة في المبتدأ وبذلك القبول فقيل أطاع فهو مطيع أي أعطى ذلك ~~البذل الذي قبله في المبتدأ فقوله أعطى وأطاع مشتق بعضه من بعض وحروفها في ~~العدد سواء PageV04P188 وفي التأليف مختلفة قدم العين هنا وأخر العين هناك ~~ليستعمل هذا في عطاء العبودة ويستعمل ذاك في عطاء الأشياء المملوكة ~~والمعصية من التعصيص وهو اشتداد النفس وامتناعها ومنه سمي العصا يقال في ~~اللغة تعيص عليه أي امتنع وتشدد # وأما القنوت فهو الركود وكل شيء استقر في مكانه فلم يتحرك فهو راكد ومن ~~ذلك سمي الماء ms703 راكدا إذا أمسك عن الجري والسفن رواكد قال الله تعالى @QB@ ~~إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره @QE@ يقال قنت ونتق والنتوق أن ~~يقابل الشيء بالشيء راكدا عليه وذلك قوله تعالى @QB@ وإذ نتقنا الجبل فوقهم ~~كأنه ظلة @QE@ # ومنه قول علي رضي الله عنه حيث سئل عن البيت المعمور فقال هو بيت في ~~السماء السابعة نتاق هذا البيت أي بحذائه # والقنوت مقابلة قلبك عظمة من وقفت له وبين يديه فإنه روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا صلى العبد أقبل الله عليه بوجهه # فمن حق إقباله عليه أن يقبل العبد بقلبه على عظمته وجلاله فهذه مقابلة ~~العبد بقلبه قبالة ربه فهذا القنوت ومرجعه إلى ما كشفه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال هو الطاعة لأنه إذا قابله بقلبه فقد أعطاه بذل النفس فقد ~~أطاعه وإنما صار إذا قابله باذلا لنفسه لأن القلب إذا لاحظ ببصر فؤاده ~~جلاله وعظمته خلص إلى النفس هول الجلال والعظمة فانقبضت وانقمعت وانخشعت ~~وذهلت عن هشاشتها وخمد تلظي نيران شهواتها لما أحست به PageV04P189 # عن مجاهد رضي الله عنه في قوله تعالى @QB@ وقوموا لله قانتين @QE@ قال ~~القنوت الركود والخشوع فجاد ما غاص مجاهد صار إلى الأصل # وأما التي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قانتين أي مطيعين فقول ابن ~~عباس رضي الله عنهما ظاهر التفسير وقول مجاهد باطن التفسير وقوله تعالى ~~@QB@ يا مريم اقنتي لربك @QE@ روي في التفسير أنه قال قومي لربك والقيام ~~غير القنوت ولو كان القنوت قياما لاستحال أن يقول @QB@ قوموا لله قانتين ~~@QE@ والقنوت صفة تحدث عن القيام # فقوله تعالى لمريم @QB@ اقنتي لربك @QE@ أي أطيعي ربك فهذا تفسير ظاهر ~~ولكن أريد من مريم القنوت في الباطن وهو أن تقبل بقلبها على الله مظلا على ~~النفس مشتملا على شهواتها لئلا تتحرك وتتفرق غليانا وتجيش حتى يفور دخانها ~~إلى الصدر إلى محل إشراق نور الألوهة فإنه ليس من حق عطايا ربنا أن يعطي ~~عبدا إشراق نور عظمته في صدره فيهمل العبد حراسته ms704 ورعايته حتى تفور حرارة ~~شهواته كفوران القدر التي تغلي إلى صدره كالدخان بين يدي نور العظمة في ~~صدره فإذا فعل ذلك حجب لأن ذلك الفوران كالدخان فإذا هاج من النفس وتأدى ~~إلى الصدر امتنع الإشراق واحتجب وبقي العبد محجوبا كأنه صار خاليا من ~~الزكاء # فأمرت مريم بالقنوت أي بالدوام وبالركود بمقابلة القلب قبالة عظمة الله ~~حتى يدوم لها التعظيم لجلال الله ولذلك سمي دعاء الوتر قنوتا لأن الصلاة ~~وقوف تخشع وتذلل يؤدى فرضه فإذا قنت فإنما خرج من صلاته التي افترضت عليه ~~وقام له متعرضا لربه إلى موقف آخر لرغبة أو PageV04P190 رهبة فسمي قنوتا ~~لأن ذلك مقام خرج من فعل صلاته إليه ودخل فيه بتكبيرة فقابل بقلبه محل ~~الرغبة والرهبة ومن قبل التكبيرة كان في محل التذلل والتخشع بين يدي عظمته ~~والآن في محل الرغبة والرهبة بين يدي جوده وكرمه فتباين التقابلان ~~والموقفان PageV04P191 # | - * الأصل السادس والثمانون والمائتان # - * # | في عثرة الحليم وتجربة الحكيم # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حليم ~~إلا ذو عسرة ولا حكيم إلا ذو تجربة # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فالحلم يعطي العبد من نور الجود فإذا خلص ~~إلى القلب نور الجود انحلت عقد النفس وكلت مخاليبها وتخلص القلب من رق ~~النفس ومن سخرتها ووثاقها واتسعت النفس بما نالت من القلب من نور الجود ~~فتولدت السماحة وإذا عثرت فوقعت في الذنب فهناك تبصر وتنفسح لما رأت عثرتها ~~اتسعت لغيرها في تلك العثرة وأبصرت أن العاثر هو كمثله إما مغبونا مخذولا ~~وإما معاقبا ولما رأى في نفسه في وقت العثرة أنه مغبون أو معاقب أو جاهل ~~فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حليم إلا ذو عثرة أي بعد العثرة وصل ~~إلى حقيقة الحلم وكنهه فأما قبل العثرة فقد يكون حليما وليس على كنهه كأنه ~~لم PageV04P192 يكمل حلمه بعد لأن نفسه لم تتسع بعد في الحلم الذي أعطي ~~فإذا جاءت العثرات اعتبر بها ورأى غيره فيها كما ms705 رأى نفسه في وقتها فهناك ~~يجد الحلم # وهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر ليس الغنى عن كثرة ~~العرض وإنما الغنى غنى النفس وليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان إنما ~~المسكين الذي قعد في بيته وقنع # فذاك الذي كثر عرضه هو أيضا غني ولكن الغنى على كنهه وحقيقته هو غنى ~~النفس والمسكنة على الحقيقة وعلى كنهها في من قعد في بيته وقنع بما أوتي # وأما قوله لا حكيم إلا ذو تجربة فالحكمة من نور الجلال فإذا أعطي العبد ~~انفجرت ينابيع الحكمة على قلبه فهذه الحكمة ينبوعها على قلبه فهي جاثمة ~~متراكمة وما لم يأخذه التجارب لم تقدر النفس على مطالعة الحكمة لأن النفس ~~بلهاء غنمية مشغولة بالشهوات فكيف تدرك الحكمة والحكمة باطن الأمور وأسرار ~~العلم فهي تعاين الظاهر ولا تدركه فكيف تدرك الباطن فإذا جرت الأمور صارت ~~هذه التجارب له كالمرآة ينظر فيها لأنها صارت معاينة ولذلك قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما ينتهي عقل الرجل إلى ثمان وعشرين ثم بعد ذلك التجارب # فالعقل للقلب والتجارب للنفس لأن العقل باطن والتجارب ظاهرة تبصر العين ~~وتسمع الأذن ويشم الأنف وتلمس اليد ويذوق اللسان PageV04P193 واللهاة ~~والتجارب ههنا وهذه الأشياء مسالك إلى النفس وعندها تشعر النفس بذلك للعقل ~~الذي أعطي لأن العقل مسكنه في الدماغ وفي الصدر يشرق بين عيني الفؤاد ~~والنفس لا تعلم بشيء من ذلك إلا ما يعلمها القلب ويفطن لها فإذا نالتها ~~التجارب عرفت وأيقنت لأنها صارت معاينة ما أدى إليها القلب من الحكمة ~~ودلالة العقل PageV04P194 # | - * الأصل السابع والثمانون والمائتان # - * # | في كلمة التقوى وصورة معناها في القلب والكنية والختم والقفل على القلب # عن أبي بن كعب عن أبيه رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول @QB@ وألزمهم كلمة التقوى @QE@ قال لا إله إلا الله # قال أبو عبد الله رضي الله عنه إنما سميت هذه الكلمة كلمة التقوى لأنه ~~صارت وقاية لتوحيده لأنه أثبت عقد المعرفة بإلهه قلبا وباللسان نطقا أنه ~~إلهه فلما ms706 أحدث الأعداء هذا الحدث وهو الشرك فأشركوا في ملكه غيره وذهبوا ~~بوله قلوبهم في الضر والنفع إلى الذي قصدوه بالعبودة رجاء وتأميلا لنوال ~~نفع ودفع ضر اقتضى الله المؤمنين كلمة نفي ذلك الحدث وهو قوله لا فنفوا ~~بقولهم لا هذا الحدث الذي أحدثته الفجرة الغواة الظلمة فصار قوله لا نزاهة ~~لرجاسة ما أتوا به وطهارة لنجاسته ووقاية لذلك العقد الذي اعتقدوه وحصنا ~~كثيفا لما في ذلك العقد وهو التوحيد ونور المعرفة فنسبت هذه الكلمة إلى ~~التقوى وإنما هو في الأصل وقوى مأخوذ من الوقاية PageV04P195 أي صار وقاية ~~لعقدة التوحيد أن لا يمازجه شرك ثان معه فإنه واحد لا ثاني له فرد لا نظير ~~له # وهذه الكلمة في قالب الافتعال لا في قالب فعل لأن فعل هو قالب الظاهر ~~وافتعل هو قالب الظاهر والباطن فقيل اتقى وكان حقه أن يقول أوتقى لأن الواو ~~في أصل الكلمة موضوعة لأنها أصيلة من قوله وقى يقي وقاية فلما صار افتعل ~~كان حقه أن يقال أوتقى فثقلت على الألسنة لاجتماع الواو والتاء فأدغمت ~~الواو في التاء وشددت التاء فقيل أتقى يتقي اتقاء والاسم منه تقوى # فقوله لا إله ينفي وقوله إلا إله استثناء لئلا يقع النفي على الجميع فلو ~~قال لا إله ثم اقتصر لكان نفي الجميع فابتدأ بنفي الحدث بقوله لا إله ثم ~~قال إلا الله لئلا يقع النفي على هذا الاسم وهو قوله إله فإنما هما كلمتان ~~نفي ب لا وأثبت ب إلا فقوله لا حرفان لام ثم ألف و إلا أربعة أحرف ألف ثم ~~لامان مدغمة أحدهما في الأخرى ثم ألف فكأنما أخرجت هذه الكلمة على صورة ~~إشارات القلوب وقصدها لأن القلب لما حيى بنور الحياة انفتحت عينا الفؤاد ~~بالنور وجاء نور الهداية ونور المعرفة فتراءى لعيني الفؤاد انزعج القلب ~~مرتحلا عن وطنه إلى ذلك النور الذي عاين حتى لقيه فاطمأن وسكن إلى معبوده ~~وبذل النفس للعبودة ثم خطر بقلبه بال إلهه وأنه أشرك في ملكه غيره وأن ~~قلوبا ولهت إلى غيره ms707 افتقارا فهاجت منه المحبة المنطوية في نور التوحيد ~~والهداية والمعرفة فحمى القلب من حرارة المحبة فمن تلك الحرارة قوي القلب ~~حتى قام منزعجا بعضلاته وعروقه فنفى ولههم وافتقارهم إلى من دونه وأبطله ~~فلما احتاج إلى إبراز تلك القوة للنفي أبرز باللام ثم بالألف وإنما ابتدئ ~~باللام لأن عظم القوة فيها وهي نزيع الألف فإنه كان أولا ألفا ثم نزع منها ~~لام فعظمت القوة في اللام فنفى القلب كل رب ادعى العباد له PageV04P196 ~~ربوبيته وولهت قلوبهم إليه دونه فابتداء هذا القلب الذي وصفنا بالنفي ~~لأرباب الأرض ثم سما عاليا حتى انتهى إلى الرب الأعلى فوقف عنده وتذلل وخشع ~~له واطمأن ووله إليه وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم @QB@ سبح ~~اسم ربك الأعلى @QE@ # أي أن هذه أرباب متفرقون والرب الله الواحد القهار فهداه إلى الرب الأعلى ~~وقال @QB@ وأن إلى ربك المنتهى @QE@ # فهذه صورة فعل القلب فلما احتاج إلى النطق والإبراز باللسان أعطي تلك ~~الحروف ففي النفي لام وألف وفي المستثنى الذي هو المنتهى ألف مخفوضة ولامان ~~وألف لاجتماع قوة اللامين على صورة فعل القلب يدلك على ذلك من قولنا كسر ~~الألف وخفضها لأن القلب من السفول ينزعج نافيا للأرباب ويصعد إلى الرب ~~الأعلى بالألف الآخر من قوله إلا فيثبته ربا لا شريك له واحدا لا ثاني له ~~أحدا لا نظير له فردا لا ند له صمدا لا شبيه له حيا لا مثل له قيوما لا ~~زوال له إلها لا وله إلا إليه # فأما قوله @QB@ وألزمهم كلمة التقوى @QE@ فإنه ألزم قلوبهم هذه الكلمة ~~بنور المحبة حتى نطقوا بها وذلك أنهم أعطوا المعرفة مع المحبة وأعطوا العقل ~~والعقل من نور البهاء فوجد القلب حلاوة المحبة ووجدت النفس فرح زينة نور ~~البهاء فسكن القلب واطمأن إلى الحلاوة واستقرت النفس للزينة فنشر عليه ~~التكلم بقول لا إله إلا الله وهو قوله @QB@ حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم @QE@ PageV04P197 فبحلاوة الحب وزينة البهاء صارت الكلمة لازمة ~~لقلوبهم حتى خرجت إلى اللسان فدلت الألسنة بها ودارت بحروفها ms708 التي نطقت ~~بمعناها فصارت منطقا أحاط بمعناها ولزمها وشددها كما أحاطت المنطقة بوسط ~~الرجل وشددت فهو الذي ألزمهم هذه الكلمة بما من عليهم بحلاوة الحب وزينة ~~البهاء # وأما قوله تعالى @QB@ وكانوا أحق بها وأهلها @QE@ فإنما صاروا كذلك لأن ~~الله تعالى خلق المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام فيما روي ~~لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الله ولا شيء فخلق المقادير وخلق ~~الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ~~ضل فقد علم من يخطئه ممن يصيبه # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة # عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا قد بشرتنا فاعطنا قال اقبلوا البشرى يا ~~أهل اليمن قالوا قد بشرتنا فأخبرنا قال كان الله ولا شيء ثم خلق العرش ~~فجعله على الماء وكتب في الذكر كل شيء PageV04P198 # عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك ~~النور اهتدى ومن أخطأه ضل # وعن عبد الله بن الديلمي قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص بلغنا أنك ~~تقول جف القلم بما هو كائن قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن ~~الله خلق خلقه ثم جعلهم في ظلمة ثم أخذ من نوره ما شاء فألقاه عليهم فأصاب ~~النور من شاء الله أن يصيبه وأخطأ من شاء الله أن يخطئه فمن أصابه النور ~~يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك ما أقول جف القلم بما هو كائن # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فيوم المقادير خلقهم وهم كالنجوم الذراري ~~ثم سلبهم الضوء ووضعهم في ترابية التربة ms709 التي أراد منها إنشاء خلق آدم عليه ~~السلام وقد طمس ضوءهم فلبثوا في تلك الظلمة مليا إلى أن مضى من المدة مقدار ~~خمسين ألف سنة أو نحوه فصاروا في طول ذلك اللبث في تلك الظلمة ثلاثة أصناف ~~فصنف منهم زعم أن الذي ملكنا لم يدم ملكه فعجز عنه ولو لم يكن كذلك لم ~~يتركنا ههنا كالمنسي وقال الصنف الآخر تركنا ههنا فنحن ننتظر ما يكون وما ~~يظهر لنا من أمره فالأول كفر والثاني نفاق وشك وقال الصنف الثالث تركنا ~~ههنا وهو دائم ونحن له يجعلنا حيث يشاء فأما الصنف الأول لما تكلموا بما ~~ذكرنا صارت تلك الترابية في أفواههم وقال لهم ما الذي رأيتم مني حتى ~~نسبتموني إلى العجز وانقطاع الملك فصارت هذه PageV04P199 الكلمة ختما على ~~أفواههم على تلك الترابية وهو قوله تعالى @QB@ ختم الله على قلوبهم @QE@ ~~فالختم غير مرفوع أبدا # وأما الصنف الثاني فشكوا فهم في الزندقة ينتظرون ما يكون ولم يستيقنوا ~~ولا استقرت قلوبهم فتناثرت تلك الترابية على أفواه قلوبهم لتذبذبهم مرة ~~إقبالا على الله ومرة إعراضا عنه ومرة إقبالا على بال النفس فلم يصر ختما ~~ولكن صار قفلا قد يرفع ويفتح إن شاء والختم لا يرفع أبدا ذلك قوله تعالى ~~@QB@ أم على قلوب أقفالها @QE@ # وأما الصنف الثالث فقالوا ربنا الذي يملكنا دائم يجعلنا حيث يشاء إن شاء ~~جعلنا في ظلمة وإن شاء جعلنا في نور ثم مدوا أيدي القلوب نحوه للتعلق به ~~فضرب بيديه إلى قلوبهم فقال أنتم لي عملتم أو لم تعملوا فصارت هذه الكلمة ~~مكتوبة على قلوبهم فمن أصابته يده اليمنى فهم الأولياء ومن أصابته يده ~~الأخرى فهم عامة الموحدين تناولهم فصيرهم في قبضته وصارت تلك الكلمة مكتوبة ~~بين أعين الفؤاد على قلوبهم وذلك قوله تعالى @QB@ أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان @QE@ وقال للآخرين @QB@ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهواءهم @QE@ فالطبع هو الختم # فهذه كانت صفتهم في البدو ولم يزل ينقلهم من حال إلى حال إلى أن نقلهم ~~إلى الطينة المعجونة طينة آدم عليه ms710 السلام قال تعالى في تنزيله @QB@ من حمإ ~~مسنون @QE@ PageV04P200 # ثم لما نفخ فيه الروح أخرج المتعلقين من كتفه الأيمن كهيئة الذر في صفاء ~~وتلألؤ وأصحاب الشمال كالحمة سودا من كتفه الأيسر والسابقون أمام الفريقين ~~المقربون وهم الرسل والأنبياء والأولياء عليهم السلام فقررهم وأخذ عهدهم ~~وميثاقهم على الإقرار له بالعبودة وأشهدهم على أنفسهم وشهد عليهم بذلك ثم ~~ردهم إلى الأصلاب ليخرجهم تناسلا من الأرحام أرحام الأمهات # عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله ~~تبارك وتعالى خلق آدم فضرب بيمينه على كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضا كالفضة ~~ومن اليسرى سودا كالحممة ثم قال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ~~ولا أبالي # معنى قوله هؤلاء في الجنة ولا أبالي والله أعلم أني لا أبالي ما يعملون ~~من خير أو شر فأقبل خيرهم وأغفر شرهم وذلك قوله تعالى @QB@ ووصينا الإنسان ~~بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها @QE@ إلى قوله ^ أولئك الذين ~~نتقبل منهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئأآهم وعد الصدق الذي كانوا يوعدون # وهو الوعد الذي وعدهم حيث ضرب بيديه إليهم تناولا ثم قال لهم أنتم لي ~~عملتم أو لم تعملوا وإنما صاروا بيضا كالفضة من أجل ذلك النور الذي أصابهم ~~والآخرون سودا من أجل الظلمة التي خلقهم فيها PageV04P201 # عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول إن الله خلق آدم وأخذ الخلق من ظهره فقال هؤلاء في الجنة ~~ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي فقال رجل يا رسول الله فعلى ماذا إذا ~~نعمل قال على مواقع القدر # عن هشام بن يسار الجهني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن هذه ~~الآية @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم @QE@ فقال عمر رضي ~~الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها فقال إن الله خلق ~~آدم فمسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة ms711 وبعمل أهل ~~الجنة يعملون ثم مسح ظهره بيده فاستخرج ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل ~~أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على ~~عمل أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق للنار استعمله بعمل أهل النار حتى ~~يموت وهو على عمل أهل النار فيدخله به النار # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة نطفة ثم علقة ~~مثل ذلك ثم مضغة مثل ذلك ثم يبعت الله الملك بأربع كلمات فيقول له اكتب ~~أجله وعمله ورزقه وشقي أو سعيد وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون ~~بينه وبينها إلا ذراع فيغلب عليه كتابه الذي سبق فيختم له بعمل أهل النار ~~فيدخله الله النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها ~~إلا ذراع فيغلب عليه PageV04P202 كتابه الذي سبق فيختم له بعمل أهل الجنة ~~فيدخله الله الجنة # فهذه قصة هذا الخلق سبق لهم ما سبق قال في تنزيله @QB@ إن الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى أولئك عنها مبعدون @QE@ # فالحسنى هي الجنة فمن سبقت له الجنة بوعد من الله تعالى ^ لا يسمعون ~~حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون ^ أي في الجنة فشكر الله لهم ما كان ~~لهم في تلك الظلمة من الطمأنينة إلى الله تعالى في وقت مبعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم وعرفهم منته عليهم فقال @QB@ وألزمهم كلمة التقوى @QE@ ثم شكر ~~لهم قديمهم في تلك الظلمة فأثنى عليهم بقوله @QB@ وكانوا أحق بها وأهلها ~~@QE@ أي أحق بهذه الكلمة وأهلا لهذه الكلمة بما تقدم منهم # وإنما استقروا هناك في تلك الظلمة ونطقوا بما نطقوا بما رش عليهم من نوره ~~هناك فأوجب لهم يومئذ محبته وجعل لهم ذلك النور حظهم من ربهم وأصحاب الختم ~~لم يصبهم النور فلم يكن لهم حظ وأصحاب ms712 القفل منهم من لاحظ له فهو لاحق ~~بأصحاب الختم ومنهم من له حظ في الغيب مكنون وحظهم أدنى الحظوظ ألا يرى إلى ~~قوله تعالى @QB@ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار @QE@ ثم قال @QB@ ~~إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله @QE@ فشرط ~~PageV04P203 لهم أربع شرائط ثم قال @QB@ فأولئك مع المؤمنين @QE@ ولم يقل ~~من المؤمنين # فهؤلاء لاحقة بهم فهم في عدد المؤمنين وحظهم من المحبة قليل وهم من أصحاب ~~القفل أدركتهم الرحمة الواسعة فصاروا متخلصين من النفاق ورفع القفل عنهم ~~حتى انفتحت عيون أفئدتهم مع هذه الشرائط الأربع التوبة إلى الله والإصلاح ~~لما خرب والاعتصام بالله والإخلاص لله فحينئذ ألحقهم بالمؤمنين ليعلم أنهم ~~لم يكونوا من المؤمنين الذين كتب في قلوبهم الإيمان يومئذ بقوله أنتم لي ~~عملتم أو لم تعملوا فهؤلاء يعتريهم ذلك النفاق بعد إيمانهم في اعمالهم فهم ~~الذين يدلون على الله بأعمالهم في الشريعة ويعجبون بشأن أنفسهم ويكبون على ~~أموالهم في عامة عمرهم يتكثرون بها ويتعالون على الخلق ويعاملون الله في ~~السر بخلاف العلانية ويراءون بأعمالهم ويتفاخرون على طلب الدنيا وجاهها ~~وعزها وفخرها وخيلاها ويضاهئون الله في مدائحه فالعزة لله جميعا والعلو لله ~~والكبرياء لله فهم في شهرهم ودهرهم طالبون لعز الدنيا ذهابا بأنفسهم عن ~~الخلق وعلوا عن أحوالهم وتكبرا عن الانقياد للحق لكبرياء نفوسهم ساخطين ~~لأقدار الله في الخلق وفي أنفسهم حاسدين لعباد الله في نعمهم مضادين ~~لأقضيته وتقديره وتدبيره فيهم فهؤلاء أصحاب الأقفال الذين كانت له فيهم ~~مشيئة أن تدركهم رحمته وجوده فإن للجود بعد انقضاء الرحمة المقسومة يوم ~~القيامة بين أهل الجنة عملا وشأنا عظيما جاد الله على من بقي في النار ~~آلافا من السنين وليس عنده مثقال ذرة خير إلا توحيده خرج له أيام دنياه من ~~باب الجود والرحمة العظمى فهم أصحاب الأقفال الذين كانت لله تعالى فيهم ~~مشيئة أن أدركتهم رحمته العظمى فلم يبال بما صنعوا فرفع عنهم القفل في ~~الدنيا حتى PageV04P204 نطقوا بالكلمة العليا وهي كلمة التقوى وأدخلهم ~~الجنة بلا عمل ولا ms713 خير قدموه نالوا هذا من باب الجود في محل القدرة ونال ~~المؤمنون المحبة من الذات وولهت قلوبهم بالذات حبا له PageV04P205 # | - * الأصل الثامن والثمانون والمائتان # - * # | في مبدأ الاستقامة ومنتهاها # عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال لما نزلت @QB@ الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم @QE@ شق ذلك على المسلمين فقالوا وأينا لم يظلم فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بذلك ألم تسمعوا إلى قول لقمان @QB@ إن ~~الشرك لظلم عظيم @QE@ # عن الأسود بن هلال عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنه سأل أصحابه عن ~~هاتين الآيتين @QB@ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم @QE@ فقالوا استقاموا فلم يذنبوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أي بشرك # عن الحسن رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى PageV04P206 @QB@ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا @QE@ أمتي ~~ورب الكعبة مرتين أوثلاثا # فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله ما ذكرك بهذه الآية # قال إن اليهود قالوا ربنا الله فلم يستقيموا فقالوا في عزير عليه السلام ~~ما قالوا وإن النصارى قالوا ربنا الله فلم يستقيموا فقالوا في المسيح ما ~~قالوا وإن أمتي قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلم يشركوا # قال أبو عبد الله الاستقامة اسم لفعل ولكل فعل حدان فحد منه مبتدأه والحد ~~الآخر منتهاه فالاستقامة مبتدأها انتصاب القلب لله تعالى رقا وتذللا وإلقاء ~~باليدين سلما فهذا أول العبودة ومبتدأ الاستقامة ثم قد يروغ يمينا وشمالا ~~عن الانتصاب لله تذللا وخشعة ويناله تجبر الكبرياء ثم يتوب ويرجع إلى الله ~~تعالى ويعود إلى مقامه من التذلل والرق ويصير إلى الاستقامة في مقامه فلا ~~يزال هذا دأبه مرة هكذا ومرة هكذا يقطع عمره على هذه الصفة فيختم له بإحدى ~~المنزلتين ومن أيد في الاستقامة حتى يمر إلى الله تعالى ولا يروغ في سيره ~~يمينا وشمالا فإذا وصل إلى الله فقد ذهب الروغان واستقام على الباب بعد موت ~~شهواته فهذا منتهى الاستقامة ورأيت ms714 فيما يرى النائم كأن سائلا يسألني عن ~~قوله تعالى @QB@ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا @QE@ فأردت أن أجيبه ~~بما عندي من ظاهر العلم فرأيتي قبالتي شخصا بيده صحيفة يقابل بها وجهي ~~مكتوب فيها @QB@ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا @QE@ أي اشتاقوا إلى ~~لقائه ثم انتبهت فقلت في نفسي هذا عين التفسير # وإذا نزل العبد منزلة المشتاقين فنهمته وشهوته اللحوق بربه فقلبه بالباب ~~عاكف والعاكف لا تزول استقامته فالناس فيما بين الحديث من PageV04P207 ~~مبتدأه إلى أعلاه كل قد أخذ من هذا بحظ فالديان يحاسبهم فيعطيهم من ثواب ~~هذه الاستقامة كلا على قدر ثباته وانتصابه لله وتوقيه للروغان عنه وكذلك ~~قوله تعالى @QB@ ولم يلبسوا إيمانهم بظلم @QE@ # فالإيمان هو طمأنينة القلب إلى الله واستقرار النفس بما استقر عليه القلب ~~وإنما صار ذلك كذلك بالنور فذلك النور اكتساب القلب به يكرم وعليه يتاب وبه ~~يجوز الصراط إلى دار السلام فإذا أذنب فالذنب ظلمة فقد ألبس ذلك النور ظلمة ~~وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة ~~سوداء فإن عاد نكت أخرى فلا يزال كذلك حتى يسود القلب فإذا تاب ونزع صقل ~~قلبه يعني يرفع عنه تلك النكت فينجلي القلب بنوره بمنزلة شمس خرجت عن ~~كسوفها فتجلت # فأقل الظلم ترك أصغر شيء من أمر الله وأعظم الظلم الشرك فذاك مبتدأه وهذا ~~منتهاه فترك أدنى أمر الله هو ظلم وبقدر ذلك أطبق على نور الإيمان وأظلم ~~الصدر منه بقدر ذلك لأنه افتقد إشراق ذلك النور على قدر ما أطبق فكلما ~~إزداد ذنبا ازداد افتقادا للإشراق وازداد ظلمة حتى يطبق عليه كله إذا انتهى ~~إلى منتهاه وهو رأس الذنوب وهو أعلاها والخلق فيما بين الحدين كل قد ألبس ~~إيمانه يعني من هذا الظلم ومن ذلك مثل الشمس إذا انكسفت فعلى قدر ما ينكسف ~~منها يفتقد الخلق إشراقها من الأرض فإذا انكسفت كلها صار نهارهم كالليل # فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلق منتهاه في حديث ومبتدأه في ms715 ~~حديث آخر # وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من بعده فقال أبو بكر رضي الله عنه ~~استقاموا فلم يشركوا PageV04P208 # وقال عمر رضي الله عنه استقاموا فلم يروغوا روغان الثعالب فقصد أبو بكر ~~لأدناه وعمر لأعلاه # وأما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم # روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في مسير ساره إذ عرض له إعرابي على بكر له فدنا فسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنهاه المهاجرون والأنصار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خلوا عنه فقال يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد جئتك من بلادي وتلادي ~~لأهتدي بهداك وآخذ من قولك فما بلغتك حتى ما لي طعام إلا من خضر الأرض ~~فاعرض الإسلام علي فعرض عليه فقبل فازدحمنا عليه فدخل خف بكره في بيت جرذان ~~فتردى الإعرابي فانكسر عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق والذي ~~بعثني بالحق لقد خرج من بلاده وتلاده وما له ليهتدي بهداي ويأخذ من قولي ~~فما بلغني حتى ما له طعام إلا من خضر الأرض كما قال أسمعتم بالذي عمل قليلا ~~وجزي كثيرا هذا منهم أسمعتم @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ فإن هذا منهم والذي بعثني بالحق ما بلغ ~~الأرض حتى ملئ شدقه من ثمر الجنة اغسلوا أخاكم وكفنوه وصلوا عليه قالوا يا ~~رسول الله أنشق أم نلحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللحد لنا والشق ~~لغيرنا # عن سخبرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعطي فشكر وابتلي فصبر ~~وظلم فغفر وظلم فاستغفر ثم سكت فقيل ما له يا رسول الله قال @QB@ أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون @QE@ فهذا أعلاه وحديث علقمة عن عبد الله أدناه # فوعد الله في تنزيله للمستقيم الأمان من الخوف والحزن والبشرى ~~PageV04P209 بالجنة ولمن لم يلبس إيمانه بظلم الأمن والاهتداء فكل إنما ~~ينال من ذلك الوعد بقدر ما فيه من الاستقامة وقلة اللبس ms716 فالمؤمن لما آمن ~~تقبل الله إيمانه ودخل في أمانه فله الأمن في الدنيا والآخرة من كل آفة ~~فلما أذنب خرج من أمان الله بقدر ذلك الذنب ونقص من الأمن بقدر ذلك واستحق ~~العقوبة بقدر ذلك وهو أن يزول نعمة من نعمه عنه بقدر ذلك وإن شاء تفضل وعفا ~~وإن عاقب زالت عنه من النعم بقدر ذلك وذلك قوله تعالى @QB@ ذلك بأن الله لم ~~يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم @QE@ # فالنعمة اسم جامع جملة لهذا الآدمي في بدنه ودينه ودنياه فلو لم يذنب لم ~~يأخذ منه شيئا وكان على هيئته وإنما جاءت الأمراض والنوائب والأحوال ~~المتغايرة لمكان الخطايا والذنوب غيروا فغير الله ما بهم وعفى عن كثير وقال ~~الله تعالى في تنزيله @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير @QE@ # فالاعتبار في هذا الأمر بقصة أبينا آدم عليه السلام فإن الله تعالى خلقه ~~بيده وأسجد له ملائكته وبوأه مع زوجته وعهد إليه عهدا أن هذا الذي أبى أن ~~يسجد لك هو عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى وعرض الأمانة على ~~السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها فنظر آدم إلى إباد هؤلاء فأخذته ~~الغيرة وهاج منه الحب لله فاحتملها وتقلدها فبقيت قلادة في عنقه فقيل له ~~هذه الجنة مسكنك فانظر أن لا يخرجك وزوجتك هذا العدو من هذا المسكن بأن ~~يغرك حتى تحدث فيه حدثا يكون خيانة للأمانة وقيل له إن لك فيها أي في الجنة ~~أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى وهذه الأربع قوام ~~الآدمي ومعاشه يعرفه أنك إن أحدثت أخرجت منها فإذا أخرجت PageV04P210 شقيت ~~أي صرت بمعزل من النعيم ولحقتك الشدة والتعب والنصب في هذه المعيشة فتحتاج ~~إلى أن تتكلف لجوعك طعاما ولعريك لباسا ولظمأك ماء ولضحاك وهو حر الشمس ~~مسكنا وكنا فلما أحدث أخرج منها وألقي عليه هذا الذي حذر من الشقاء دون ~~حواء فقيل تشقى ولم يقل تشقيان ومن ههنا علمنا أن نفقة المرأة ms717 على الزوج ~~فبقي ولده في هذا الشقاء إلى انقضاء الدنيا فكل من كان من ولده أحفظ لهذه ~~الأمانة كان أوفر حظا من أمان الله في الدنيا والآخرة لأنه إنما قبل الله ~~منه إيمانه بقبوله للأمانة # فأوفرهم حظا من وفاء الإيمان وحفظ الأمانة أوفرهم حظا من قبوله وإذا قبله ~~فهو في أمانة في الدنيا والآخرة وذلك قوله تعالى @QB@ إن الله يدافع عن ~~الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور @QE@ # وكان داود عليه السلام يقول في دعائه اللهم دافع عني من كل جانب وكان ~~يسأل الدفاع # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنه أن يقول أعوذ بك من كذا وبذلك ~~أمر في تنزيله وهو قوله تعالى @QB@ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ ~~بك رب أن يحضرون @QE@ وعليه أنزلت المعوذتان فالدفاع سؤال من بعد في الفرقة ~~والتعوذ تعلق به في القربة من القربة PageV04P211 # | - * الأصل التاسع والثمانون والمائتان # - * # | في تمثيل الحرص والسرف بالذئبين # عن كعب بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والسرف لدينه # قال أبو عبد الله رضي الله عنه وضع الله الحرص في الآدمي ثم ذمه في ~~المؤمنين بزمام التوحيد واليقين وقطع علائق الحرص بنور السبحات فمن كان حظه ~~من نور اليقين ونور السبحات أوفر كان وثاق حرصه أوثق والحرص محتاج إليه ~~الآدمي ولكن بقدر معلوم فإذا لم يكن لحرصه وثاق تعدى القدر الذي يحتاج إليه ~~فأفسد قال له قائل وما حاجة الآدمي إليه قال إن الحرص مدد القوة الموضوعة ~~في الآدمي ومثيرها وهي نار تتقد وأصلها من نور الحياة وبقدر ما تتلظى نار ~~PageV04P212 الحرص يظهر لهبها في الجوارح فإذا استعمل تلك الجارحة استعملها ~~باستفزاز وخفة وإذا سكن الحرص فترت القوة فبالحرص يقوى على تعب الأركان في ~~أعمال البر وبالحرص يصابر على طاعة الله تعالى وبالحرص يسمو إلى معالي ~~الدرجات ومن شأن الحرص الترقي في الدرجات ms718 وطلب الازدياد من كل شيء يناله من ~~الدنيا والآخرة وكذلك قيل في الحديث ما أعطي العبد شيئا من الدنيا إلا زيد ~~مثليه في الحرص والحرص والصرح مشتق بعضه من بعض فالصرح البناء العالي ~~المشرف الناتئ على البنيان وهو قوله تعالى @QB@ يا هامان ابن لي صرحا لعلي ~~أبلغ الأسباب @QE@ فهذا في الظاهر صرح وذاك في الباطن سمي حرصا لأنه به ~~يطلب الازدياد ويترقى في درجات المزيد علوا # ثم إذا نظر إلى من دونه اعتراه العجب وضال به على الخلق واستطال فرمى به ~~من ذلك العلو فلا يبقى له عضو إلا انكسر فأعطي الآدمي الحرص ليتقوى به على ~~الازدياد من أعمال البر وأمر أن يكون حرصه مزموما بزمام الخوف والخشية ~~مشحونا بأثقال السكينة والوقار ليكون معصوما من الإعجاب وترك الأدب في ~~الدين # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة حيث دخل المسجد ~~والناس ركوع فركع ومشى في ركوعه حتى وصل إلى الصف فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زادك الله حرصا ولا تعد # وكان قد تقدم إليهم فقال إذا أتيتم الصلاة فأتوها بالسكينة والوقار فما ~~أدركتم فصلوا وما فاتكم فأقضوا # وقال في حديث آخر التأني من الله والعجلة من الشيطان PageV04P213 # عن الحسن رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من استعجل ~~أخطأ # فالعجلة من الخفة والخفة من هيجان الحرص يزيل السكينة والوقار فهذا صاحب ~~الدين # وأما صاحب الدنيا فحرصه يحمله على طلب الازدياد طالبا لعلو الدرجات وقال ~~الله تعالى @QB@ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا @QE@ # فزجر عن طلب العلو في درجات الدنيا وحرم طالبه الدار الآخرة وهي الجنة ~~لأن الدنيا مقدرة مقسومة لن ينال عبد منها إلا ما قدر له وهي درجات بعضها ~~فوق بعض ليبلونا فيما آتانا قال تعالى في تنزيله ^ وهو الذي جعلكم خلائف ~~الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم ^ وقال @QB@ وما من ~~دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم ms719 مستقرها ومستودعها @QE@ ثم قال ~~@QB@ كل في كتاب مبين @QE@ # وإنما ضمن بيان مقداره لتسكن النفوس إلى ما قدر ويتفرغ القلب لما خلق له ~~من العبودة وإذا هاج الحرص وقع في الكبائر حتى يصير إلى عبادة الأوثان ~~فإنهم عبدوا الأوثان بأهواء النفوس كلما زين الشيطان في قلوبهم شجرا أو ~~حجرا نصبوه وثنا فعبدوه وحرصوا على ذلك وابتدروه قال الله تعالى @QB@ كأنهم ~~إلى نصب يوفضون @QE@ والوفض السرعة في المشي PageV04P214 # ولم يزل شأن الله مع الأنبياء أن ينزع إرادتهم ومشيئآتهم ليقفوا على ~~مراقبة مشيئته حتى استقاموا فرضي الله عنهم بموافقتهم إياه وتخليتهم عن ~~الجبرية فإن الجبار واحد قهار فليس للعبيد أن يتجبروا فيضاهئون الله وإنما ~~سمي الجبار جبارا لأنه مستبد بكبره يجبر الخلق على مشيئته فالجبار مضاد لله ~~مضاد لحكمه قال الله تعالى يا داود تريد وأريد ويكون ما أريد فإن أردت ما ~~أريد كفيتك ما تريد وإن أردت غير ما أريد عنيتك فيما تريد ويكون ما أريد # ولم يزل يهذب نبينا صلى الله عليه وسلم عن التحارص في الدين حتى يكون ~~بمقدار ومقداره أن يراقب أمر الله وما يبدو له من مشيئآته في كل أمر فيطمئن ~~إليه حتى استقام فأثنى عليه فقال @QB@ وإنك لعلى خلق عظيم @QE@ فسئلت عائشة ~~رضي الله عنها عن خلقه فقالت كان يرضى برضاه ويسخط بسخطه أي برضاء الله ~~وسخطه كأنه لم يبق له مشيئته # وبلغ من استقامته أنه فيما روي حين كان يقبض جاءه جبرائيل عليه السلام ~~فقال إن ربك يخيرك بين لقائه وبين الخلد فقال لا أختار حتى يختار لي ربي # فهذا غاية رفض المشيئة لم يحمله الشوق إلى ربه على اختيار اللقاء ولم ~~يحمله الكون بين الأمة في خالص العبودة ولذة الطاعات وتربية الأمة اختيار ~~الكون بين ظهرانيهم فألقى الاختيار إلى ربه فرفع جبرائيل عليه السلام إليه ~~وقد كان لملك الموت لا تنزعن محمدا حتى آتيك فرجع وملك الموت ينتظره فقال ~~يا محمد إن الله اختار لك لقاءه فقال تقدم يا ملك الموت فما زال يقول لقاء ms720 ~~ربي لقاء ربي حتى خرجت نفسه وكذلك فعل حيث خير بين أن يكون عبدا نبيا أو ~~ملكا PageV04P215 نبيا فلم يختره حتى أشار إليه جبرائيل صلوات الله عليه ~~وقد صار جبرائيل كهيئة الحلس الملقى ميتا من الفرق فأشار إليه بيده أن ~~تواضع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيا عبدا فقيل له إن لك بما ~~تواضعت أنك أول من تنشق عنه الأرض وأول خطيب وأول شفيع ولواء الحمد بيدك ~~ومفاتيح الكرم بيدك وتوقف جبرائيل فلم يختر له حتى ينظر ما يتجلى له من ربه ~~من ملكه فلما تجلى له ما تجلى صار كالميت من الفرق فذاك ملك الجلال واستدل ~~بذلك جبرائيل عليه السلام في ذلك الوقت أنه اختار له التواضع فجاء جبرائيل ~~بما جاء وأشار له بالتواضع ولو أراد أن يختار له أن يكون نبيا ملكا لكان ~~عسى أن يتجلى له ملك الجمال والبهجة فكان ينبسط جبرائيل عليه السلام ويأنس ~~بما يتجلى له فيستدل به على ما يختار له ربه فهذا شأن النبي عليه السلام # وإذا كان الحرص في الدين يضر فكيف بمن حرص على دنيا دنية يطلب بها العلو ~~على الخلق فمن فعل ذلك في دينه سمي جاهلا كما قال له @QB@ فلا تكونن من ~~الجاهلين @QE@ ويكون قد عميت بصيرته قال الله تعالى @QB@ فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ فعمي قلبه في ظلمات المعاصي ~~جمعا من غير حق ومنعا من حق وإنفاقا من غير حق # قال الله تعالى @QB@ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين @QE@ # وقال عليه السلام حبك الشيء يعمي ويصم PageV04P216 # إنما حرص على جمعه لحبه إياه فأعماه وأصمه عن أمر الله فيه وعن حقوقه فيه ~~وعن حدوده فيه وألهاه تكاثره به عن ذكر الموت حتى زار المقابر أصم أعمى قد ~~لحقته حقوق المال كالزنابير تلسعه وكالعقارب تلدغه وكالحيات تنهشه قال الله ~~تعالى ^ ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو ~~شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ^ # وروي عن ms721 رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي جمع من غير حله ومنع ~~الحقوق منه تمثل له ماله حية يطوق بها عنقه فتقض قضا بأسنانها شؤن رأسه ~~بأكل دماغه ثم يعود كما كان ثم يفعل به مثل ذلك فما زال هذا حاله في الموقف ~~حتى يقضي الله بين العباد ثم مصيره إلى ما شاء الله من النار أو غيرها # فالحرص في الدين يطمس العلم ويكون صاحبه جاهلا إن خرج الحرص من الوثاق ~~فإذا كان في وثاق انتفع به صاحبه لأن الله تعالى وضعه في الآدمي ليكون عونا ~~له وقوة على ما يحتاج إليه في الدين والدنيا وإذا كان الحرص مفقودا أداه ~~إلى العجز والكسل في أمر الله تعالى وفي عبودته فالحرص على الدنيا إذا كان ~~في وثاق يقفه على القناعة بما قسم الله له من دنياه فكلما أتاه شيء منها من ~~حله من غير طمع ولا إشراف نفس قبله من ربه وحمده عليه وقنع به والحرص في ~~دينه إذا كان في وثاق يقفه على حدود مراقبة المشيئة وتدبير الله ~~PageV04P217 # وروي لنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعث إليه بهدية كأنه امتنع من قبولها فقال له يا عمر ما آتاك الله من هذا ~~المال من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه فإنما هو رزق ساقه الله إليك # فمن أدبه الله وهذبه كان حرصه على ما وصفنا PageV04P218 # | - * الأصل التسعون والمائتان # - * # | في أن مراتب الشهداء سبع أو ثمان # عن جابر بن عتيك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ~~ثابت فوجده قد غلب عليه فصاح به فلم يجبه فاسترجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتيك ~~يسكتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية # قالوا وما الوجوب يا رسول الله # قال إذا مات # قالت ابنته والله إني كنت لأرجو أن تكون شهيدا ms722 فإنك قد كنت قضيت جهادك # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته ثم ~~قال ما تعدون الشهادة فيكم # قالوا القتل في سبيل الله # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله ~~المطعون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد PageV04P219 ~~وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيد # قال أبو عبد الله فالشهادة لها مرتبة عظيمة عند الله والصدق أعظم مرتبة ~~وقد ذكر الله في تنزيله الصنفين فقدم الصدق على الشهادة فقال @QB@ ومن يطع ~~الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين @QE@ # فبدأ بالأول فالأول ذكرالنبوة ثم الصدق ثم الشهادة ثم الصلاح فالصديق صدق ~~الله في بذل نفسه له في جميع عمره والشهيد صدق الله في بذل نفسه له في وقت ~~الوفاة وإنما نال الكرامة كل هؤلاء الأصناف ببذل النفس ومن بذل نفسه لله ~~تعالى فقد آثر الله على نفسه وذلك أن الله تعالى وضع للعبد في هذا القالب ~~أعني الجسد روحا به حيى وبالنفس التي في جوفه وهي الأمارة بالسوء المحبة ~~للحياة في الدنيا فعظم الآدمي هذه الحياة ههنا ليلتذ بالأشياء بقوتها وعظم ~~الله الحياة في الدار الآخرة وقال تعالى في تنزيله @QB@ وإن الدار الآخرة ~~لهي الحيوان لو كانوا يعلمون @QE@ # فالحيوان في الجنة والحياة في الدنيا وكل شيء على قالب فعلان فهو أكثر من ~~قالب فعيل وفاعل كقوله الرحمن والرحيم والعريان والعاري PageV04P220 وحسان ~~وحسن وندمان ونديم فالعريان هو المتجرد عن الثوب والعاري الذي أخلق ثيابه ~~وبلي قال النابغة # ( أتيتك عاريا خلقا ثيابي % على خوف يظن بي الظنون ) # فالحياة العظمى هي حياة الحي الذي لا يموت فمن حيى قلبه بالله سعد ~~وللحياة بين العباد درجات فالكافر ميت القلب حي الجسد بحياة الروح فيه ~~وحياة النفس الأمارة بالسوء والمؤمن حي القلب حي الجسد فحياة قلبه بالله ~~وحياة جسده بالروح والنفس فنال بتلك الحياة التوحيد ثم لم يزل ms723 يعمل الطاعات ~~يتقرب بها إلى ربه فكلما ازداد قربا زاده الله حياة قلب به وكلما ازداد من ~~الله قربه ازداد حياة حتى ينال درجة الشهادة فيبذل نفسه لله ويؤثر الله على ~~نفسه عند كل أمر لأن المؤمن ممتحن بالشهوات فإذا عارضته شهوة آثر الله على ~~تلك الشهوة فرفضها ولم يذق نفسه طعمها عادى نفسه في ذات الله فهذا عبد قد ~~أراد الله ورفض نفسه فحق على الله أن يريده ويؤثره وإن للشهوة حلاوة ولذة ~~ولوجود الله بالقلب لذة وحلاوة ووجوده أن يتراءى لفؤاده نور من أنوار فيهيج ~~من قلبه حبه له وشوقه إلى لقائه فكلما كان ذلك النور أعلى كان هيجان القلب ~~وفوران الشوق وسلطان الحب أقوى وأشد فمن عارضته شهوة من شهوات الدنيا فأعطى ~~نفسه حلاوتها ولذتها فقد آثر نفسه على الله تعالى فهو محجوب عن الله بقدر ~~ما آثر لأن قلبه قد صار والها عن الله بتلك الشهوة فبقدر ما صار وصار ولهه ~~إلى الشهوة نقص ولهه الذي يوله إلى الله وبقدر ذلك نقص من نور كلمة لا إله ~~إلا الله فإن نور كلمة لا إله إلا الله أثقل في الميزان من سبع سموات وسبع ~~أرضين وجميع ما فيهما من الخلق # وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال قال موسى عليه السلام ~~يا رب دلني على عمل أعمله # قال يا موسى قل لا إله إلا الله PageV04P221 قال يا رب دلني على عمل ~~أعمله قال يا موسى قل لا إله إلا الله قال يا رب دلني على عمل قال فأراد ~~نبي الله أن يعمل عملا ينهك منه بدنه فقال يا موسى إن السموات والأرضين ومن ~~فيهما من الخلق لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن # عن محمد بن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمسى في ~~الأنصار بقباء عشية خميس وأمسى صائما فأتاه أوس بن خولة الأنصاري لما أمسى ~~بقدح فذاقه فقال له رسول الله ms724 صلى الله عليه وسلم ما شرابك فقال ماء وعسل ~~أو لبن وعسل قال فوضعه وقال أما إني لا أحرمه ولكن أتركه تواضعا لله تعالى ~~فإنه من تواضع لله رفعه الله ومن اقتصد أغناه الله ومن بذر أفقره الله # فهذا يحقق لك ما قلنا بدءا أن من آثر الله على شهوة فقد بذل نفسه لله ومن ~~آثر الشهوة لقي ما لقي الخضر عليه السلام حيث عوتب على فعله وإنما يعاتب ~~الأحباب والخواص من العباد والأباعد لا يعاتبون ولا يبتغي منهم ذلك # روي عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال بينما الخضر عليه السلام قاعد على ~~شط البحر إذا أتاه سائل فوقف عليه فقال له أيها القاعد أسألك بوجه الله أن ~~تعطف علي بخير فغشي على الخضر عليه PageV04P222 السلام ساعة من مقالة ~~السائل بوجه الله فأفاق ثم قال أيها السائل سألتني بوجه الله لا أدري ما ~~أكافئك به وليس من الأشياء أكرم علي شيء من نفسي فقد بذلتك نفسي بعزة وجه ~~الله فدونك فبعها وانتفع بثمنها # فذهب به السائل فعرضه على البيع فباعه من رجل غني يقال له ساحم بن أرقم ~~فذهب به إلى منزله وله بستان صغير في داره بجنبها جبل كبير فدفع المسحاة ~~إليه وأمره أن ينحت شيئا من ذلك الجبل الذي في البستان قدر ما يغرس فيه ~~شيئا وغاب ساحم إلى حاجته وأقبل الخضر على النحت من ذلك الجبل فأبطأ مولاه ~~في حاجته فجاء إلى بيته ممسيا فقال لمن في البيت أطعمتم هذا الغلام قالوا ~~أيما غلام قال الذي اشتريته اليوم وجعلته في البستان قالوا لا علم لنا به ~~فاسترجع وأخذ الطعام ودخل عليه فإذا هو فرغ من ذلك الجبل وهذه وذلك الجبل ~~فرسخ في فرسخ قد سوى في ذلك البستان وأصلحه وفرغ منه وقام إلى الصلاة فنظر ~~ساحم إلى أمر عظيم وفرغ من ذلك فتعجب وكاد يغشى عليه فدنا منه فقال له من ~~أنت قال أنا عبدك قال نعم فما قصتك وما جنسك وممن أنت قال أما ms725 القصة فعبد ~~بيع وآخر اشترى وأما الجنس فمن آدم عليه السلام وآدم من تراب قال فمن أين ~~لك هذه القوة التي أرى قال من الله قال فأسألك بوجه الله لما صدقتني من أنت ~~فغشي على الخضر وسقط ساعة مغشيا عليه # فلما أفاق قال أنا الخضر المذنب فغشي على ساحم ساعة علم أنه الخضر فأفاق ~~ثم غشي عليه ثم أفاق وهو يقول سبحان خالق النور أعتقت عبدك ووليك وحبيبك ~~وصفيك خضر لوجهك وأسألك التوبة مما كان من استعمالي إياه فسجد الخضر سجدة ~~وهو يقول يا رب بوجهك بذلت نفسي وبوجهك أقررت بالرق وبوجهك بعت رقبتي ~~وبوجهك رددت إلي نفسي فمن الذي رجاك فخيبته ومن الذي خافك فلم PageV04P223 ~~تؤمنه ومن الذي دعاك فلم تجبه يا رب أدعوك دعوة الخاطئين يا رب أعتقني ساحم ~~فمن يعتقني من ذنوبي الموبقة خلصني ساحم من عبودته فمن يخلصني من سيئآتي ~~وذنوبي عند ذي العرش فقال له ساحم أقسمت عليك بعزة الله أن تخبرني بالسبب ~~كيف صرت عبدا وما الذي صير إلى أن بعت نفسك قال الوجه الذي أعتقني له ثم قص ~~عليه القصة # قال وقد عظمت علينا منتك يا ساحم فإن رأيت أن أقيم فأؤدي بعض ما يجب من ~~حقك أقمت وإن أذنت لي بالرجوع بعد إذ أعتقتني فأنت المأجور فيه فقال ساحم ~~فقد أذنت لك يا ولي الله ارجع بسلام واذكرني في دعائك فقال اللهم اغفر ~~لساحم وأرحمه رحمة لا عذاب بعدها قال فنودي قد أجبت يا خضر # قال ومضى خضر حتى أتى البحر فإذا هو برجل قائم على وجه الماء شاخص ببصره ~~إلى السماء وهو يقول يا من أمسك السموات بأمره فلا يسقط بعضها على بعض يا ~~من دحا الأرض وما فيها فأحصى عدد ما فيها من مثاقيل رملها وحصبائها يا من ~~عاقب الخضر بذنبه وابتلاه بالعبودة بذنبه خلصه واجعل توبته مقبولة بوجهك ~~أكرم الوجوه فدنا منه الخضر فقال السلام عليك يا عبد الله من أنت الذي تسأل ~~التوبة للخضر قال أنا الذي آمنت ms726 بجلال ربي فاشتغلت بأداء شكر إيماني وإن ~~الخضر لم يزل معصوما حتى رغب في الدنيا وأدخل في قلبه حبها فابتلي فقد ~~رحمته وأخلصت له دعائي فقال له أنا الخضر فقال إليك إليك أيها المذنب لا ~~تخالطني أيها الميال إلى الميالة والذيال إلى الذيالة والمغرور إلى ~~المغرورة أنسيت نعيم الآخرة فجرك النسيان إلى طلب نعيم الدنيا أو قد نسيت ~~شدة الآخرة وبؤسها فطلبت راحة الدنيا وسرورها أليس الله أبلاك بما ابتلاك ~~عقوبة منه عليك فلو قد نجوت مما قد رأيت لربحت يا خضر الخاطئ تبوأت لنفسك ~~مكانا كأنك تخلد فيها PageV04P224 وقد غرست لراحتك ظلا كأنك باق فيها أو ما ~~علمت أن أمكنتها مبدلة وأن أغراسها منقلعة وأن عمرانها مخربة وأن نعيمها ~~زائلة بمن فيها يا خضر الخاطئ أين كان قلبك ساعة غرستها حتى فرغت قلبك ~~لغرسها أين كانت فكرتك عن الآخرة أليس قد خلا قلبك عن ذكر الآخرة بذكر ~~الدنيا ساعة وإن الساعة في ذكر الآخرة لبلاغا للعاقلين يا خضر قد ابتليت ~~بالدعاء لك من عبودة الرحمن # قال وذلك أن الخضر كان له موضع معلوم على بعض شواطئ البحر فإذا خرج الخضر ~~إلى البر عبد الله تعالى فيه # قال فغرس في ذلك الموضع شجرة يعبد الله تعالى في ظل أغصانها إذا اشتهى ~~العبادة فيها استتر بها في عبادته فعلم الله منه حب الدنيا بقدر ما اشتهى ~~من تنزهه بها وإن كان ذلك في طاعته عاقبه الله تعالى بذلك السائل حتى صارت ~~عبادته في عبودة عبد من عباد الله ولم يدر الخضر أنه ابتلي بذنب حتى سمع ما ~~سمع من العابد القائم على ظهر الماء وكان اسمه سادون بن اشى فلما سمع الخضر ~~بذلك خر ساجدا وهو يقول يا رب ما طلبت بذلك إلا وجهك ورضاك فنودي يا خضر ~~آثرت الدنيا على الآخرة وفرغت قلبك لحبها دون حب الآخرة وعزتي ما لي في ~~حبها رضاء ولا أكرم من أحبها ولو كان لي في حبها رضاء لخصصت بها أوليائي ~~ولكن أزويها عنهم لهوانها ms727 علي وكرامتهم لدي أذهب فلا مرغب لي فيمن رغب في ~~الدنيا وأمكنها من قلبه فلولا ما أدركك من دعاء سادون لأنزلت عليك بوائقي ~~ولتتابعت عليك عقوباتي # قال وذلك أن سادون طلبه في مكانه الذي كان يسكن فيه أن يراه فلم يره في ~~مقعده ولم يجده فدعا الله أن يدله على الخضر ويعلمه مكانه وكان يعرف الخضر ~~والخضر لا يعرفه # قال فأري أن الخضر أحب الدنيا وزهرتها وعوقب بعقوبة كذا PageV04P225 وكذا ~~فوقف بين يدي الله قائما على الماء شاخصا ببصره إلى السماء وهو يقول يا رب ~~إن أنت أهنت عبدك الخضر بعد كرامته فمن يكرمه يا رب ارتكب عظيما وحمل ثقيلا ~~وخان نفسه ونسي العهد يا من لا ينسى كل ما كان ويكون من أمر عباده أذكر عند ~~ذنوب الخضر ما مننت به عليه من أنواع طاعتك وعظيم عبادته إياك يا من ناصية ~~الخضر بيده يا من ليس له حراك نفس ولا عصمتها ولا طرفة عين إلا بأمرك ~~ومشيئتك وقدرتك يا رب فاغفر له ما قدرت عليه من معصيتك وقدر عليه طاعتك ~~فإنها تذهب معصيتك يا رب فاستجاب الله له وخلص الخضر مما كان ابتلي به من ~~العقوبة # قال فرفع الخضر رأسه وأتى من ساعته سادون وهو يقول يا سادون الممنون علي ~~بمنة الله وجلاله أين عرفتني ولم أعرفك يا أخي فقال له سادون يا خضر إن ~~قلوب أولياء الله زاهرة نائرة لها شعاع كشعاع الشمس تطلع على قلوب أولياء ~~الله ألا ترى إلى الشمس ما أعظم قدرها وأكثر ضوءها فلو غشيتها الظلمة ~~القليلة لأذهبت بأكثر ضوئها وكذلك قلب ولي الله صاف طاهر فلو غشيه حب ~~الدنيا بقدر ذرة لأكدر ضوءها ولأضعف شعاعها فإذا خلص القلب من حب الدنيا ~~تراه ينظر إلى أولياء الله في مظانهم وقد عرفك قلبي فو الله لو كان قلبك ~~للدنيا مثل قلبي لعرفني قلبك كما عرفك قلبي فقال له الخضر يا سادون وكيف ~~قلبك للدنيا # قال بلغ من بغض الدنيا ما لو أن الله تعالى عرض ms728 علي الدنيا والجنة لأبيت ~~قبولهما ولست أريد الجنة مع ما أبغضها الله وذلك أني أؤثر رضاء الله على ~~رضائي فإن رضاء الله ترك الدنيا ورضائي دخول الجنة ولو أن الله خيرني بين ~~أن أبقى في الدنيا ونعيمها خالدا مخلدا أبدا لا أموت فيها وبين أن يقبضني ~~ويدخلني النار الساعة لاخترت أن يقبضني ويدخلني النار الساعة وذلك أني أؤثر ~~سخطي على سخط الله تعالى وأن PageV04P226 حب الدنيا سخط الله ودخول النار ~~سخطي أفتجد ذلك في قلبك يا خضر قال لا # قال لو كان ذلك في قلبك لكان يراني قلبك اذهب فليكن أكثر عبادتك بعض ما ~~أبغض الله وهي الدنيا ليس حب الدنيا بجمع أموالها وشهواتها وزهرتها ولكن حب ~~الدنيا أن يشغل قلبك عن حب الآخرة ولو طرفة عين أبغضها بغضا لا يكونن شيء ~~أبغض إليك منها فإنك لا تطيق أن تحب الآخرة إلا على قدر ما تبغض الدنيا ~~فقال يا سادون ادع الله تعالى أن يتوب علي بما ارتكبت فإني استحيي من ربي ~~أن أدعوه فقد حاربته مع عدوه فقال سادون يا رب قدرت على عبدك الذنب فارتكب ~~من الذنب ما ارتكب وما كان أهلا لذلك وهو عدل منك يا رب ثم قدرت له الخلاص ~~من عقوبتك يا رب وألهمته طلب التوبة من ذنوبه يا رب فتب عليه فقد عرف ذنبه ~~توبة مصر غير عائد يا رب إن الخضر سألني أن أدعوك فقد دعوتك مدلا عليك بما ~~وعدتني من حسن إجابتك في أوليائك # فنودي مر الخضر أن يزهد في الدنيا فإذا زهد في الدنيا اشتاق إلي ومن ~~اشتاق إلي اشتقت إليه ولا أشتاق إلى من لا أريد مغفرته ولم أرض عنه فأخبره ~~سادون فزهد بعد ذلك الخضر زهدا لم يزهد أحد مثله وكان سادون رجلا ملاحا ~~فكان ذات ليلة نائما على شط البحر إذ خرجت سمكتان فوقعتا حذاءه فسكت عنهما ~~سادون رجاء أن يخرجا إلى البر فيأخذهما فنادته إحداهما يا سادون أبلغ حبك ~~الدنيا أن تطمع في برها وبحرها والله إنك ms729 طمعت أن تصطاد من هو أعبد إلى ~~الله منك فنادتها صاحبتها يا هذه أتمنين على سادون بعبادتك ولم تؤد شكر ~~نعمة أنعمها الله عليك فقلت من أنتما فقالت الأخيرة أما التي نادتك بالكلام ~~الأول منت على الله فمسخها الله الآن فها هي ذي ممسوخة خرساء وأما أنا فمن ~~جنس السمك الذي كان يونس بن متى عليه PageV04P227 السلام في بطنها فقال ~~سادون كيف خصها الله بيونس عليه السلام من بين دواب البحر قالت كانت تعبد ~~الله في البحر بزهدها قال فكيف كان زهدها قالت كانت لا تبرح فإن أوتيت صيدا ~~عفوا أكلته وإلا صبرت فكانت دواب البحر تسميها السمكة الزاهدة فأكرمها الله ~~بنبيه ورسوله عليه السلام إكراما لها بزهدها فزهد سادون في مكانه زهدا ~~وأخلص لله عبادته فقام من ساعته فمر على الماء فلما توسط البحر وقف فلم يزل ~~إلى أن صار إلى الخضر يعبد الله ويدعوه # قال أبو عبد الله فنور هذه الكلمة بلغ هذا المبلغ فإنما بلغ بصدق القائل ~~ولو كان غير الصدق لكان المنافق قد قاله واليهود والنصارى قد قالوها ~~فأصدقهم في المقال أعظمهم نورا والصدق في المقال إنما يظهر من العبد ببذل ~~النفس لله وإيثاره ربه على نفسه في كل مشيئة وإرادة وشهوة فإذا آثر الله ~~فقد صدق الله في إرادته ربه ورفض نفسه فالنبي بفضل نبوته أراد الله إرادة ~~بزيادة الحياة التي في قلبه والصديق هو دون النبي والشهيد دونهما وهو أقل ~~حياة من الصديق والصديق أقل حياة من النبي والصالح أقل حياة من الشهيد ومن ~~حيى بالله نال نور اليقين فهؤلاء الأصناف على درجاتهم على ما وصفنا في ~~الحياة بالله واليقين به فأوفرهم حظا من الحياة واليقين أشدهم شوقا إليه ~~وإرادة له وإيثارا له على شهوات نفسه فالنبي رأس الشهداء ثم الصديق من بعده ~~ثم القتيل في سبيل الله ثم من بعد ذلك من هذه الأصناف التي ذكرها في الحديث ~~وأصناف آخرون مذكورون في غير هذا الحديث وإنما قال في هذا الحديث الشهادة ~~سبع ولم ms730 يقل ولا يكون شهيدا من وراء السبع إنما ذكر السبع في ذلك الموطن ثم ~~ذكر بعد ذلك أن الغريب إذ مات فهو شهيد ومن مات مرابطا فهو شهيد ومن خرج في ~~طلب العلم فمات فهو شهيد ومن دام على الطهارة متوضئا فهو شهيد ومن مات في ~~يوم الجمعة فهو شهيد PageV04P228 # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم موت ~~الغربة شهادة # عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من مات يوم ~~الجمعة أو ليلة الجمعة وقاه الله فتنة القبر # عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله وزاد ~~فيه وغذي وريح عليه من الجنة أي يرزقه تعالى # فأما تفسير الشهادة فإنه روي في الخبر أن الله تبارك وتعالى اسمه لما خلق ~~الموت فزعت الملائكة منه وعظم شأنه عندهم فقالوا من يقوم لهذا فقال تعالى ~~فيما روي عنه إن لي عبادا يتمنونه حبا للقائي يتجرعون مرارته ويهون ذلك ~~عليهم اشتياقا إلي ويرفضون الحياة الدنيا طالبين لي فعجبت الملائكة من شأن ~~هؤلاء العبيد وحنت إلى رؤيتهم قال فعرضت تلك الأرواح عليهم يومئذ فمن شهد ~~ذلك العرض يومئذ أثبت اسمه وسمي شهيدا أي شهداء العرض وكان من أهل هذه ~~الصفة فإذا خرج الروح منه صار إلى ذلك المعرض وكان من الأحياء المرزوقين ~~فلما صارت تلك الأرواح إلى الأجساد في الدنيا كانت PageV04P229 قلوبهم حية ~~بالله على الصفة التي وصفنا بدءا فمنهم الصديقون أولياء الله يتمنون الموت ~~لحب الله قال الله تعالى في تنزيله حين ادعت اليهود ولايته فقال @QB@ قل يا ~~أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن ~~كنتم صادقين @QE@ ثم قال @QB@ ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم @QE@ # ثم هؤلاء الأصناف الذين ذكرهم في الحديث هم في الغيب في ذلك العرض قد ~~اثبتت أسماؤهم في الشهداء لذلك المحل والعرض فوفق الله لهم هذه الأحوال فمن ~~غرق فأخذ الماء بنفسه كانت ms731 موتته موتة وحية أي سريعة بلا لبث فبذل نفسه لما ~~أيس من الحياة واختار لقاء الله وكذلك صاحب الحريق وصاحب الهدم والنفساء ~~بجمع إذا نشب الولد في البطن ايست من الحياة وآثرت لقاء الله وكذلك المطعون # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فقال وخز أعدائكم من الجن ~~فذاك قتيل الجن يائس صاحبه من الحياة فكذلك المبطون وصاحب ذات الجنب وهو ~~صاحب السل قد أيسا من الحياة لأن قوة الحياة قد ذهبت من المبطون والمسلول ~~وقد أحست نفوسهما بالموت وكذلك الغريب إذا أشرف على الموت فلم ير أهله ~~وولده ولا أحبابه تمنى الموت وبذل نفسه لأن هؤلاء إذا كانوا بالحضرة اشتد ~~على النفس فراقهم فأحبوا الحياة ففي هذا نقصان ولذلك تعوذ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال أعوذ بك من حب العيش عند حضرة الموت فإذا أحب أن يعيش ~~في ذلك الوقت الذي دعاه الله إليه فتلكأ وتردد فذاك عيب ونقص فأصحاب الفرش ~~في هذا العيب لا يتمنون الموت إذا حضر لحب العيش PageV04P230 وفتنة قلوبهم ~~بالأهل والولد وحطام الدنيا فذاك نقص وعيب # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء أمناء الله قتلوا أو ~~ماتوا على فرشهم # عن راشد بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس كل ~~قتيل شهيدا رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته # فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رأس الشهداء ثم من بعده أبو بكر ~~رضي الله عنه كذلك فإنهم صاروا شهداء بأنهم أمناء الله جعل الله أرواحهم ~~وأجسادهم عارية فيقبضهم عند نفاد آجالهم فكانوا في أيام الحياة يعدونها ~~عارية وكانت أعينهم مادة إلى الدعوة متى يدعون فيستجيبون بلا تلكؤ ولا تردد ~~فمن أحب العيش في الدنيا ولم يكن له حب لقاء الله فحضره الموت تلكأ وتردد ~~في بذل الروح فخرج من أن يكون من أمناء الله تعالى وكذلك وضع فيما بين ~~العباد لو أن رجلا أعطي شيئا عارية أو أودع وديعة ثم ms732 استردها صاحبها فتلكأ ~~هذا في ردها على مالكها فقد خان وضيع الأمانة فإنما يؤخذ منه بعد ذلك قهرا # فأمناء الله هم الذين أرواحهم عندهم عارية بأمانة الله فهم يتمنون الموت ~~حبا للقاء الله تعالى فإذا جاءهم الموت تجرعوا مرارته حبا للقائه ولم ~~يتلكأوا في رد العواري فلذلك صاروا أمناء الله وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هم الشهداء لأنهم كانوا يومئذ شهدوا ذلك العرض واليوم حين خرجت ~~منهم الأرواح صارت إلى المحل فشهدوا القربة فهم شهود عند الله في القربة ~~أحياء PageV04P231 فهذا يحقق ما قلنا بدءا فقد صير في حديثه القتيل والذين ~~ماتوا على فرشهم بمنزلة وسماهم شهداء يعلمك أن الشهادة ليست على القتل حدثت ~~إنما اسم الشهادة لزمهم لما وصفنا والكرامة نالوها من أجل أنهم رفضوا ~~الحياة وآثروا لقاء الله وأرادوه فأرادهم وكذلك الذي لا يزال على وضوء أيام ~~الدنيا لأن الله تبارك وتعالى قال @QB@ وأنزلنا من السماء ماء طهورا @QE@ ~~أي فعولا للطهر @QB@ لنحيي به بلدة ميتا @QE@ # فالأرض تحيا بذلك الماء وتنبت والآدمي خلق من الأرض فإذا أذنب مات قلبه ~~عن الله على قدر ذنبه فإذا توضأ كان ذلك الماء الذي أنزله طهورا يطهرجوارحه ~~ويزيل عنه المعاصي فيعود القلب إلى الحياة التي كانت فإذا دام وضوؤه وتتابع ~~كانت حياة قلبه دائمة فإذا دامت حياة قلبه تمنى الموت ولذلك قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حديثه لأنس إن حفظت وصيتي فلا يكون شيء أحب إليك من ~~الموت # عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده ~~الشهداء فقال إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ورب قتيل بين صفين الله أعلم ~~بنيته # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس من ~~أحد إلا وله كرائم من ماله يأبى بهم الذبح فإن لله تعالى خلقا من خلقه يأبى ~~بهم الذبح أقوام يجعل موتهم على فرشهم ويقسم لهم أجور الشهداء PageV04P232 # عن عبد الله بن عمرو رضي الله ms733 عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لله أضنن بدم عبده المؤمن من أحدكم بكريمة ماله حتى يقبضه على فرشه # فهذه صفة عبد مؤمن قد اطمأنت نفسه إلى ربه ولها عن الدنيا وأحوال النفس ~~وأناب قلبه إلى ربه وجاد بنفسه على ربه يقبل أحكامه وأقضيته على نفسه قبول ~~مهتش مشتاق إلى لقاء محب له بكل قلبه فكما جاد بنفسه على ربه ضن به ربه عن ~~أحوال البلاء ولم يدفعه إلى تلك الأحوال فلذلك يأبى به عن القتل في سبيله ~~حتى يقبضه على فرشه فيقسم له أجر الشهداء لأن الشهيد إنما بذل نفسه ساعة من ~~نهار حتى قتل فهذا بذل نفسه في جميع عمره فالله يضن بدمه كما يضن أحدنا ~~بنجيبته فإن النجيبة من كرائم ماله فلا تسخو نفسه أن يذبحها فكذلك ربنا يضن ~~به عن البلاء أن يعرض نفسه للبلاء ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في حديث عن حوشب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله ضنائن # وفي رواية إن لله عبادا يصونهم عن الأمراض والأسقام يحييهم في عافية ~~ويميتهم في عافية فيدخلهم الجنة في عافية قال له قائل فأين قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون قال هذا إذا ~~ابتلاهم فمن ابتلي من الأنبياء فهو أشد الناس بلاء # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دخلوا عليه وبه حمى ~~قال أبو سعيد رضي الله عنه فما كادت يدي تقار من شدة الحر حين وضعت يدي ~~عليه فقلت له يا رسول الله ما أشد حماك قال إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم ~~وإن أشد الناس بلاء الأنبياء PageV04P233 # فهذا إذا ابتلي فهو أشد الناس بلاء والذي قلنا باب آخر إنما ذلك في ~~التتابع والتواتر فكثير من الأنبياء تتابعت عليهم وتواترت حتى قتلوا بأنواع ~~القتل وأما الخواص من الأنبياء فقد عوفوا منهم إبراهيم خليل الرحمن عليه ~~السلام إنما ابتلي ببلية من البلوى ثم لم ms734 يزل معافا وإسماعيل وإسحاق وموسى ~~وهارون ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين فقد عرضوا للبلاء ثم رفع عنهم ولم ~~يبتلهم فيشملهم البلاء إنما البلاء لمثل أيوب عليه السلام ومثل يحيى بن ~~زكريا عليهما السلام حيث قتل صبرا ولزكرياء عليه السلام حيث نشر بالمنشار ~~في الشجر ومثل جرجيس وأشباهه عليه السلام # عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن لله ~~ضنائن من خلقه تغذوهم رحمته محياهم في عافية ومماتهم إذا توفاهم الله إلى ~~جنته أولئك الذين تمر عليهم الفتن كمثل قطع الليل المظلم وهم منها في عافية ~~والله أعلم PageV04P234 # | - * الأصل الحادي والتسعون والمائتان # - * # | في أن القلب الحقيقي في أثقال العظمة يتحمل بالمزاج # عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول ليس من اللهو إلا ثلاثة تأديب الرجل فرسه وملاعبته امرأته ورميه بقوسه ~~ونبله # وفي رواية عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كل لهو المؤمن باطل إلا ثلاثا فانهن حق رميه بقوسه وتأديبه فرسه ~~وملاعبته امرأته # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فاللهو ما يلهي قلب المؤمن عن الله تعالى ~~وهو كله مذموم إلا في هذه الثلاثة الأنواع لأن في هذه الثلاثة PageV04P235 ~~عونا على الدين وقواما له يرمي بقوسه لئلا تذهب عادته للرمي ولا يتشنج ~~أعضاؤه ومفاصله وكتفاه ويؤدب فرسه لئلا يجمح ولا يكون مستوليا على النزع ~~منه والفروسية لئلا ينقطع عنه شجاعته ويكون جريئا ذا قلب فإذا ترك ذلك ضعف ~~قلبه وجبن وملاعبته أهله ليسكن ما به وبها وهذا كله وإن كان ملهيا فهو في ~~الأصل حق وإنما رخص للمؤمن في التلهي بهذا لأن قلبه في أثقال العظمة فإذا ~~دام عليه ضاق به والتمس تفرجا وتخفيفا فيلجأ إلى هذه الأشياء التي هي في ~~الأصل حق حتى يكون مزاجا للمؤمن # ألا يرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به فانتهى إلى السدرة ~~وغشيها ما ms735 غشيها قال رأيت نورا ثم حال دونه فراش من ذهب وأخذني كالثبات ~~فذاك مزاج له ليتحمل رؤية ذلك النور كأنه لم يقدر على احتمال ذلك النور حتى ~~مازجه بذلك الفراش فأطاق احتماله # كذلك المؤمن البالغ إذا تراكمت على قلبه أثقال العظمة التمس متنفسا ليقوى ~~على احتمالها فصير رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه هذا اللهو الملهي ~~لقلبه حقا وتخفيفا عنه فإنما صارت هذه الأشياء ملهية لأن الرجل إذا رمى عن ~~قوسه توخى بقلبه تسديد السهم وإصابته للهدف فهو يجتهد في علم ذلك ووضعه يده ~~حيث وضع ففي ذلك مشغلة تلهي قلبه ولا يخلو من ذلك وفي إصابته حيث وضع شفاء ~~للنفس وقوة للقلب فسمي لهوا لأنه يلهيه وذلك اللهو حق وكذلك تأديبه الفرس ~~حتى لا يحرن ولا يجمح ويفهم شأن العنان ويتعلم السير والوثبان والوقوف ~~والاستدارة وفي ذلك مشغلة تلهيه وذلك حق وكذلك ملاعبته امرأته يريد بذلك ~~تسكينها وعفتها عن الرجال ففي ذلك ما يهيج عليه من الشهوة ويلهيه # ففي هذه الأشياء تفرج وخفة عن أثقال العظمة على قلب المؤمن فيكون مزاجا ~~والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب PageV04P236 # هذا آخر كتاب نوادر الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم والحمد ~~لله على توفيق إتمامه والصلاة والسلام على نبيه وحبيبه محمد صلى الله تعالى ~~عليه وسلم وعلى آله الطاهرين وأصحابه أجمعين تم PageV04P237 ms736