######OpenITI# #META# iso: نوادر الاصول النسخه المسنده ط النوادر #META# عدد الأجزاء: 7 #META# المحقق: توفيق محمد تكلة #META# ndata: نوادر الD0F82699نه أعلم. #META# archive: 20 #META# comp: 1 #META# مصدر الكتاب: [مكتبة يا باغي الخير أقبل - ملتقى أهل الحديث] #META# bkid: 34123 #META# الكتاب: نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم - النسخة المسندة #META# bkord: 8307 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم - النسخة المسندة ¶ المؤلف: الحكيم الترمذي (285 ه) ¶ المحقق: توفيق محمد تكلة ¶ الناشر: دار النوادر ¶ الطبعة: الأولى 1431 ه - 2010 م ¶ عدد الأجزاء: 7 ¶ ملاحظات: [موافق للمطبوع - مقابل على المطبوع- إمكانية الانتقال للصفحة ورقم الحديث] ¶ مصدر الكتاب: [مكتبة يا باغي الخير أقبل - ملتقى أهل الحديث] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# الناشر: دار النوادر #META# Lng: محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي #META# المؤلف: الحكيم الترمذي (285 ه) #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# higrid: نحو 320 #META# idx: 1 #META# max: 3113 #META# auth: الترمذي، الحكيم #META# cat: متون الحديث #META# authno: 647 #META# authinf: الحكيم الترمذي ( 000 - نحو 320 ه = 000 - نحو 932 م) ¶ محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي: باحث، صوفي، عالم بالحديث وأصول الدين. ¶ من أهل (ترمذ) نفي منها بسبب تصنيفه كتابا خالف فيه ما عليه أهلها، فشهدوا عليه بالكفر. وقيل: اتهم باتباع طريقة الصوفية في الإشارات ودعوى الكشف. وقيل فضل الولاية على النبوة، ورد بعض العلماء هذه التهمة عنه. وقيل: كان يقول: للأولياء خاتم كما أن للأنبياء خاتما. وقال السبكي: فجاء إلى بلخ - أي بعد إخراجه من ترمذ - (فقبلوه) لموافقته إياهم على المذهب. وأخطأ بعض مؤرخيه من المتأخرين بأن جعل العبارة: جاء إلى بلخ (فقتلوه) وهذا لا يتفق مع بقية ما قاله السبكي من موافقتهم إياه على المذهب. وفي (لسان الميزان) أن أهل ترمذ هجروه في آخر عمره لتأليفه كتاب (ختم الولاية وعلل الشريعة) وأنه حمل إلى بلخ فأكرمه أهلها وكان عمره نحو تسعين سنة. ¶ واضطرب مؤرخوه في تاريخ وفاته، فمنهم من قال سنة 255 وسنة 285 ه، وينقض الأول أن السبكي يذكر أنه حدث بنيسابور سنة 285 كما ينقض الثاني قول ابن حجر: إن الأنباري سمع منه سنة 318 أما كتبه، فمنها (نوادر الأصول في أحاديث الرسول - ط) و (الفروق - خ) يفرق فيه بين المداراة والمداهنة، والمحاجة والمجادلة، والمناظرة والمغالبة، والانتصار والانتقام الخ، وهو فريد في بابه. ¶ وله كتاب (غرس الموحدين) و (الرياضة وأدب النفس - ط) و (غور الأمور - خ) و (المناهي) و (شرح الصلاة) لعله (الصلاة ومقاصدها - ط) و (المسائل المكنونة - خ) وكتاب (الأكياس والمغترين - خ) و (بيان الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب - ط) رسالة طبعت سنة 1958 مصدرة بترجمة حسنة لمؤلفها وبأسماء 57 كتابا أو رسالة من تصنيفه، و (العقل والهوى - خ) [ ثم طبع ] و (العلل - خ) رسالة، وفي الظاهرية، بدمشق بعض رسائله ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# bk: نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر #META# الطبعة: الأولى 1431 ه - 2010 م #META# ad: 320 #META# ملاحظات: [موافق للمطبوع - مقابل على المطبوع- إمكانية الانتقال للصفحة ورقم الحديث] #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-02 #META#Header#End# ### | CHECK [الغلاف] # نوادر الأصول # في معرفة أحاديث الرسول # صلى الله عليه وسلم # النسخة المسندة # تصنيف # الحكيم الترمذي # أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن بشر المؤذن # المتوفى في حدود سنة (285 ه) # رحمه الله تعالى # تحقيق # توفيق محمد تكلة # دار النوادر # الطبعة الأولى # 1431 ه - 2010 منوادر الأصول ¶ في معرفة أحاديث الرسول ¶ صلى الله عليه ~~وسلم ¶ النسخة المسندة ¶ تصنيف ¶ الحكيم الترمذي ¶ أبي عبد الله محمد بن ~~علي بن الحسن بن بشر المؤذن ¶ المتوفى في حدود سنة (285 ه) ¶ رحمه الله ~~تعالى ¶ تحقيق ¶ توفيق محمد تكلة ¶ دار النوادر ¶ الطبعة الأولى ¶ 1431 ه ~~- 2010 م ----NO PAGE NO------ ### | CHECK [المجلد الأول] ### || AUTO بسم الله الرحمن الرحيم وبه الإعانة والتوفيق # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد، وآله أجمعين. # أخبرنا الفقيه أبو هريرة عبد الرحمن بن عبد الملك القلانسي في شهور سنة ~~سبعين وأربع مئة، قال: أنبأنا أبو الفضل عبد الصمد [بن] محمد ابن محمد ~~العاصم، قال: أنبأنا محمد بن محمد بن الحسن الكردي، عن محمد بن يعقوب بن ~~أبي بكر القاضي، ويحيى بن زكريا، عن محمد بن علي ابن عبد الله الحكيم ~~الترمذي. # وأخبرنا الفقيه عبد الرحمن هذا، قال: أنبأنا الشيخ أبو بكر بن القصير، عن ~~أبي الحسن العامري، عن محمد بن محمد بن يعقوب، قال: أنبأنا محمد بن علي ~~الحكيم الترمذي، قال: PageV01P005 ### || AUTO الأصل الأول # 1 - حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رجل: يا رسول الله! ما نمت البارحة، ~~قال صلى الله عليه وسلم: ((من أي شيء؟))، قال: لدغتني عقرب، فقال: ((أما ~~إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامة كلها من شر ما خلق، لم يضرك ~~شيء -إن شاء الله تعالى-)). # 2 - حدثنا إبراهيم بن يوسف الحضرمي الكوفي، PageV01P007 ~~قال: ثنا الأشجعي عبيد الله بن عبد الرحمن، عن سفيان الثوري، عن سهيل بن ~~أبي صالح، عن أبيه، عن أبي ms0001 هريرة رضي الله عنه، قال: لدغت عقرب رجلا، فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: ((أما إنك لو قلت حين أمسيت: ~~أعوذ بكلمات الله التامة كلها من شر ما خلق، لم يضرك شيء حتى تصبح)). # 3 - حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ليث بن سعد، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن ~~الحارث بن يعقوب، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن سعد بن أبي PageV01P008 ~~وقاص، عن خولة بنت حكيم السلمية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ~~قال: ((من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق، لم ~~يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك)). # 4 - حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، بلغه عن يعقوب بن عبد الله ~~[بن] الأشج، عن بسر بن سعيد مولى الحضرميين، عن سعد بن أبي وقاص، عن خولة ~~-رضي الله عنها-، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. PageV01P009 # 5 - حدثنا علي بن حجر، ثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن ~~شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا فزع ~~أحدكم في النوم، فليقل: أعوذ بكلمة الله التامة من غضبه وعقابه، ومن شر ~~عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون؛ فإنها لن تضره))، فكان عبد الله بن ~~عمرو يعلمها من بلغ من ولده، PageV01P010 ~~ومن لم يبلغ، كتبها في صك، ثم علقها في عنقه. # 6 - حدثنا عقبة بن قبيصة بن عقبة السوائي، قال: حدثني أبي، قال: ثنا ~~سفيان، عن منصور، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين، ~~يقول: ((أعيذكما بكلمات الله التامة، من شر كل شيطان وهامة، ومن كل عين ~~لامة))، ويقول: ((كان أبي إبراهيم يعوذ بهن إسماعيل وإسحاق)). PageV01P011 # قال أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن بشير الحكيم الترمذي المؤذن: # فقوله: (كلمة الله ms0002 التامة، وكلمات الله التامات)، يؤديان إلى معنى واحد، ~~فمن قال: كلمة الله التامة، فإنما أراد به الجملة، ومن قال: كلمات الله ~~التامة، فإنما أراد الكلمة الواحدة التي تفرقت في الأمور في الأوقات، فصارت ~~كلمات، ومرجعهن إلى كلمة واحدة، فكلمته التامة هي قوله: كن: {إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون}، وقال: {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون}، وإنما قيل: تامة؛ لأن أقل الكلام عند أهل اللغة على ثلاثة أحرف: # 1 - حرف يبتدأ به. # 2 - وحرف تحشى به الكلمة. # 3 - وحرف يسكت عليه. # فإذا كان على حرفين، فهو عندهم منقوص، وإنما نقصت الكلمة لعلة؛ مثل قوله: ~~يد، وغد، ودم، وفم، هذه كلمات منقوصات؛ لأنها على حرفين، وكذلك (كن) هي من ~~الآدميين من المنقوصات؛ لأنها على حرفين، ولأنها كلمة ملفوظة بالأدوات، ومن ~~ربنا -تعالى اسمه- كلمة تامة؛ لأنها بغير الأدوات، ومنفي عنه شبه ~~المخلوقين. PageV01P012 # وقال تعالى: {وتمت كلمة ربك}، ثم وصفها فقال: {صدقا وعدلا}؛ أي: قدسا ~~واستواء. # وأصل الصدق: هو من القدس والطهارة، وما لا يشوبه شيء من غير جنسه، يقال: ~~فالكلمة تامة طاهرة من الريب والشبه، مستوية من العدول هكذا وهكذا، فهو ~~قوله: {صدقا وعدلا}، فالكلمة قوله: (كن)، ثم قال: {لا مبدل لكلماته}؛ أي: ~~ليس لأحد أن يبدل كلمته إذا قال لشيء: (كن) حتى يعجزه ويرده، وإنما قال: ~~(بكلماته)؛ لتفرق هذه الكلمة في الأمور كلها، وإذا قال لكل أمر ولكل شيء: ~~(كن)، فهن كلمات، فلكل قضية وإرادة من ربنا، وكل أمر كلام بقول: (كن)، وهو: # ما روي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن الله تعالى: # ((إنما عطائي كلام، وعذابي كلام)). # 7 - حدثنا بذلك صالح بن محمد، أنبأنا عبد الحميد ابن بهرام الفزاري، عن ~~شهر بن حوشب، قال: حدثني ابن غنم، عن أبي ذر. PageV01P013 # فأما قوله: (كن)، فالكاف من كينونته، والنون من نوره، وهي كلمة تامة، بها ~~أحدث الأشياء، وخلق الخلق، فإذا استعاذ العبد بتلك الكلمة، صارت له معاذا، ~~ووقي شر ما ms0003 استعاذ بها منه؛ لأن العبد المؤمن لما عرف أن لا يكون شيء إلا ~~ما جرى به القضاء والقدر، وإنما يقضي القضاء بقوله: (كن)، عظمت هذه الكلمة ~~عنده، فصارت متعلق قلبه، فإنما تأخذه الرغبة في الأشياء، والرهبة من ~~الأشياء، وقلبه نازع إلى مشيئته، وفؤاده مراقب لإرادته، وأذنه مصغية إلى ~~كلمة: (كن)، وعينه شاخصة إلى تدبيره، فإذا قال: ((أعوذ بكلمة الله التامة ~~من شر ما خلق))، وقي شر ما خلق، وصار في حصنه، وارتتع في عياذه آمنا ~~مطمئنا. # هذا لمن قالها بيقظة، وعقل ما يقول، وهذا القول منه تحقيق الإيمان؛ لأنه ~~آمن برب لا يملك أحد سواه شيئا، ولا شريك له في شيء، وهذا لأهل اليقين ~~الذين إذا قال أحدهم هذا القول استقر قلبه بعد القول على مقالته، واطمأنت ~~نفسه، فأما أهل الغفلة، فإنهم يعاذون على أقدارهم بحرمة PageV01P014 ~~الكلمة، وهو مثل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: # ((إذا قال العبد: حسبي الله سبع مرات، قال الله تعالى: وعزتي! لأكفينه، ~~صادقا أو كاذبا)). # فإنما قال: ((صادقا أو كاذبا))؛ لأن السابق المقرب، وهو الموقن إذا قال: ~~حسبي الله، صدقه بفعله، فهو صادق؛ لأنه لا يتعلق بعد ذلك قلبه بالأسباب، ~~وذلك مثل قول إبراهيم -صلوات الله عليه- حين وضع في المنجنيق من الجبل ~~ليرمى به في النار، وعري من الكسوة، وكتف بالوثاق، فقال: ((حسبي الله))، ~~فعارضه جبريل عليه السلام في الهواء امتحانا وابتلاء، فقال: هل من حاجة يا ~~إبراهيم؟ وهو يهوي في الجو، فقال إبراهيم: ((أما إليك، فلا)). # وقد بكت السماوات والملائكة وخزان القطر لما حل به، وجأرت إلى الله عز ~~وجل، فأمر الله تعالى بنصرته من حين استغاث به عبده، فلم يلتفت إلى أحد من ~~خلقه، ولا إلى جبريل عليه السلام مستغيثا حتى تفرد الله عز وجل بنصرته، ~~فقال: {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم}. PageV01P015 # وإنما عارضه جبريل في الهواء بما عارضه؛ ليبرز صدق مقالة إبراهيم في قوله: ~~((حسبي الله)) عن مكنون قلبه، وليعلم الصادقون من بعده غاية ms0004 الصدق في ~~المقالات، فاتخذه خليلا فأشاد، ونوه باسمه في العالمين، وهو أول من يكسى ~~يوم القيامة؛ لأنه عري في دار الدنيا في ذات الله تعالى، فبدئ به من بين ~~الأنبياء والرسل -عليهم السلام-، فهكذا يكون قول أهل اليقين في ((حسبي ~~الله)). # والمخلط كذبه بفعله؛ حيث تعلق بالأسباب وبالمخلوقين حتى صاروا فتنة عليه، ~~فقوله: ((حسبي الله))؛ قول الموحدين، قول أهل الإيمان، لأن قول المحققين ~~قول أهل النزاهة واليقين. # فكذلك قوله: ((أعوذ بكلمة الله التامة)). # فالمقرب عينه وأذنه إلى تدبيره وقضائه في قوله: (كن). # والمخلط عينه وأذنه على الأسباب والحيل، والحرز والحصون والوقايات، فيعاذ ~~على قدره؛ لحرمة قوله، واعترافه بأنها كلمة إيمان. # فالاستعاذة بالله تعلق به محضا، والاستعاذة بكلمته تعلق بتدبيره؛ PageV01P016 ~~لأنه كذا دبر أن تكون الأشياء بالكلمة. وقال في تنزيله: {وإنما ينزغنك من ~~الشيطان نزغ فاستعذ}، وقال: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين}. # فهما يدلان على أن ما كان من أمر الباطن، فالاستعاذة به، وما كان من أمر ~~الظاهر، فالاستعاذة بكلمته؛ لأن ما هو في الظاهر هو بقوله: (كن)، وما في ~~الباطن صنعه. # وقال: {قل أعوذ برب الناس}، ثم قال: {ملك الناس}، ثم قال: {إله الناس}، ~~فأمره أن يستعيذ بثلاثة من أسمائه {من شر الوسواس}، وهو باطن. # فقوله: {برب}؛ أي: مالك، يقال في اللغة: ربني فلان يربني، فهو راب؛ أي: ~~ملكني يملكني، فهو مالك، ثم قالوا: رب، فحذفوا الألف، كما قالوا: بار، ثم ~~قالوا: بر. # فقوله: رب، يؤدي إلى الملك، وملك يؤدي إلى الملك، وإله يؤدي إلى وله ~~القلوب به، فالوسواس آفة على القلب، فأمره أن يستعيذ بمالك وملك وإله؛ لأن ~~المالك: الذي أحاط بهم، فملكهم، والملك: الذي نفذ أمره فيهم، والإله: الذي ~~أوله القلوب إلى نفسه. # {من شر الوسواس الخناس} وسوس عند الغفلة، وخنس عند الذكر، فاشتق له اسمان ~~من فعليه. # ثم بين أين موضعه من الجسد، فقال: {الذي يوسوس في صدور الناس}، فالصدر: ~~ساحة القلب، وفيه الفكر، ومنه تصدر الأمور. PageV01P017 # ثم بين أن الوسوسة جنسان، فقال: {من الجنة ms0005 والناس}: وسوسة جنية، وهي ~~الشيطان، ووسوسة إنسية، وهي النفس. # وكذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: ((هما وسواسان)). # 8 - حدثنا بذلك محمد بن علي الشقيقي، ثنا محمد ابن أعين خادم عبد الله، ~~ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا عثمان ابن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما. # وإنما قيل: وسوس؛ لأنه يزعج. # وقوله: أز؛ أي: أزعج يزعج، وقال في تنزيله: {تؤزهم أزا}، والهاء والهمزة ~~والواو أخوات، تجزئ الواحدة عن صاحبتها، فقوله: أز وهز ووز بمعنى واحد، إلا ~~أن كل واحدة تستعمل في نوع. # والزاي والسين أختان، تجزئ إحداهما عن الأخرى، كما قالوا: سقر، وصقر، وزقر. # فقوله: وز، وقوله: وس يوس بمعنى واحد. # وقوله: وسوس في قالب العربية: فع فع؛ لأنه في الأصل وس، ثم PageV01P018 ~~كرر فقيل: وسوس؛ لأن فعله على القلب مردد مكرر، فأمره أن يستعيذ بالأسماء ~~الثلاثة الذي ملك القلوب، ونفذ أمره فيها، وولهت إليه من شر ما يعمل على القلب. # ثم قال: {أعوذ برب الفلق}، فكل ما انفلق شيء عن شيء، فهو فلق. # قال أهل التفسير: الفلق: واد في جهنم إذا فتح وانفلق، هر أهل النار من ~~شدة حره. # وقال بعضهم: الفلق: الصبح؛ لأنه انفلق عن الليل، وهو قوله: {فالق ~~الإصباح}. # وقال: {فالق الحب والنوى}، فالحبة تنفلق فتنبت، والنوى كذلك أيضا، وليس ~~هذا منهم اختلاف؛ لأن الكلمة تؤدي إلى كل شيء انفلق. # وأعظم فلق في الدنيا فلق قلب المؤمن بنور الله تعالى، فقال: {قل أعوذ برب ~~الفلق}، وهو فعل القلب إذا انفلق بنوره. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((للقلب أذنان وعينان، ~~فإذا أراد الله تعالى بعبد خيرا، فتح عينيه اللتين في القلب)). # {من شر ما خلق}، وهو ظلمة الكفر، {ومن شر غاسق إذا وقب}، والغسق: الظلمة، ~~وهي ظلمة المعاصي، وقوله: {وقب}؛ أي: دخل. PageV01P019 # {ومن شر النفاثات في العقد}، وهو السحر، يعقد الساحر الذي قد باع آخرته، ~~واشترى بها دنياه، فأعطي ما تمنى واختار، وربنا واسع كريم، طلب آدم ms0006 التوبة ~~والطاعة، فأعطي، وطلب إبليس تضليل ولد آدم وغوايتهم، وأن يعطى سلطان ذلك ~~له، فأعطي، وطلب الساحر منى الدنيا، وأن يعطى كل شيء يتمناه من الدنيا برفض ~~الآخرة، وأن لا خلاق له فيها، فأعطي، فهو يعقد خيطا أو وترا على منيته، ~~وينفث فيه من نفسه الخبيثة، ونفسه الرجس، فيصل ضرره إلى من يتمنى ذلك عليه، ~~{وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله}. # فأمره أن يستعيذ برب الفلق الذي فلق قلبه بنوره، من شر الذي نفث في ~~العقد؛ ليأخذ بقلبه عن الذي فلق قلبه عن طاعته إلى هواه. # ولما سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عجز عن نسائه، وأخذ بقلبه، ~~لبث في ذلك ستة أشهر فيما روي في الخبر، ثم نزلت المعوذتان إحدى عشرة آية، ~~فاستخرج الوتر فيه العقد من ذلك البئر، فكان كلما قرأ آية من المعوذتين، ~~انحلت عقدة حتى حل العقد كلها وبرئ. # {ومن شر حاسد إذا حسد}، وهو العين، والحاسد والحاصد بمعنى واحد، فهو ~~يحصده بعينه أي: يقطعه من الأصل هلاكا ودمارا، وهو أن يعجب بالشيء، فلا ~~يذكر خالقه، فإذا هو قد حصده ودمره. # والحسد: إرادتك التي تريد بها إبطال ذلك الشيء. PageV01P020 # فنوره فلق الظلمات، وهو في دعوة إدريس صلى الله عليه وسلم: ((أنت الذي فلق ~~الظلمات بنوره، فإذا أورد على القلب نوره، فلق الظلمات)). # فجميع ما ذكر في التنزيل من الاستعاذة به وجدناه يؤول إلى الباطن من ~~الأمور. # وما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أمرني جبريل عليه السلام أن ~~أكررهن في السجود: أعوذ بعفوك من عقابك)). # فاستعاذ بالعفو من العقاب؛ لأنه ضده. # ((وأعوذ برضاك من سخطك))، فالرضا ضد السخط. # ثم قال: ((وأعوذ بك منك))، فاستعاذ به منه؛ لأنه لا ضد له، وهو كقوله: ~~((لا مفر منك إلا إليك)). # وهو قوله تعالى: {ففروا إلى الله}؛ أي: فروا منه إليه. PageV01P021 ### || AUTO الأصل الثاني # 9 - حدثنا إبراهيم بن يوسف الحضرمي، ثنا عمران ابن عيينة، عن عبد العزيز ~~بن أبي [رواد، عن نافع، عن ms0007 ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم]: ((لا يجلس الرجل إلى الرجلين إلا على إذن منهما إذا كانا ~~يتناجيان)). # 10 - حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، ثنا أبو بكر PageV01P023 ~~الحنفي، ثنا عبد الله العمري، عن نافع وسعيد المقبري، عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # قال أبو عبد الله رضي الله عنه: فالنجوى: هو الحديث الخاص فيما بينهم، ~~وإن كثر عددهم. # وروي عن النضر فيما يحكي عن أهل اللغة: أن النجوى إذا كانت جماعة، ولم ~~يكن فيهم غريب، فحديثهم نجوى، وإن جهروا فيما بينهم، وإذا كانوا ثلاثة، ~~وفيهم غريب، فليس حديثهم بنجوى، وإن أسروه. # (فنظرت أين أجد في التنزيل ما يصدق ما حكاه النضر عن أهل اللغة فإذا هو ~~قوله تعالى: {فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا}، فذكر أن الإخوة خلصوا من ~~الناس حتى لا يكون فيهم غريب، ثم سمى حديثهم فيما بينهم: نجوى)، فأهل ~~النجوى إذا اجتمعوا نجيا، فكأنهم في ستر، أو وطن، فكما يجب الاستئذان في ~~الدخول عليهم في أوطانهم، فكذلك PageV01P024 ~~يجب الاستئذان في الجلوس إليهم، فإن ذلك أذى لهم، وقطع عليهم، وهتك لسترهم، ~~وهذا كله لعظيم حرمة المؤمن وتجنب أذاه، وإذا كان وحده، ففيه سعة؛ لأنه ليس ~~هناك سر يطلع عليه، لكن في حد الورع: حق على الورع أن يتحين الوقت والحال، ~~وأن يتجنب التثقيل. # فإنه روي عن إبراهيم النخعي: أنه قال: ((من أمن الثقل، ثقل)). # 11 - حدثنا بذلك الجارود، ثنا سليمان بن عمرو النخعي، عن المغيرة، عن ~~إبراهيم، قال: ((من أمن الثقل، ثقل)). # 12 - حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا يونس بن بكير، ثنا أبو حنيفة، عن حماد، ~~قال: ((من خاف أن يكون ثقيلا، فليس بثقيل)). # 13 - حدثنا عمر بن أبي عمر، ثنا الحسن بن ثابت، عن جرير، عن مغيرة، قال: ~~نهانا الله عن التثقيل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم تلا قوله ~~تعالى: {فإذا طعمتم فانتشروا ولا PageV01P025 ~~مستئنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ms0008 والله لا يستحي من الحق}. # فقد بين أن في الثقيل أذى، فيحق على أهل الورع أن يتفقدوا هذا من أنفسهم. # وكانت قصة هذه الآية نزلت في بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، أحسبها ~~زينب -رضي الله عنها-، تزوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأولم عليها، فلما ~~أطعمهم، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخلو بأهله، فقعدوا بعد الطعام ~~يتحدثون في بيته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مرة يخرج، ومرة يدخل، وهم ~~في البيت قعود لا يبرحون، فنزلت هذه الآية. # 14 - حدثنا عمر، ثنا إبراهيم بن موسى، عن أبي بشر بن المفضل، ثنا محمد ~~أبو سهل محمد بن شهاب صاحب الساج، عن إبراهيم بن أبي بكر، قال: كان أبو PageV01P026 ~~هريرة رضي الله عنه إذا استثقل رجلا، قال: ((اللهم اغفر لنا وله، وأرحنا منه)). # 15 - حدثنا محمد بن حرب المروزي، قال: حدثني حفص بن حميد، عن عبد الله بن ~~المبارك، قال: أخبرني حاتم بن عبد الله الأشجعي، قال: انتهيت مع سفيان ~~الثوري إلى أبي عصمة اليمامي، فإذا هو جالس في تراب له، قال: فدنونا منه ~~نسلم عليه، فقال له سفيان: (رحمك الله، تأذن فنجلس إليك؟ قال: لا، فرجعنا، ~~فقال سفيان): إن الرجل ليس في كل حالاته يحب أن يجلس إليه. # قال حفص: ثم رأيت حاتما الأجشعي في عقد محفوظ، فسألته يحدثني به. PageV01P027 # قال حفص: ثم رأيت عبد الله في جنازة أبي عصمة، والدموع على خديه، فقال: يا ~~حبذا تلك الخلوة؛ أن يخلو الرجل بنفسه، فيذكر إخوانه، فيقول: أين فلان، أين ~~فلان، أين أبو عصمة؟ PageV01P028 ### || AUTO الأصل الثالث # 16 - حدثنا عمر بن أبي عمر، ثنا عتبة بن سعيد بن رخص الحمصي، عن إسماعيل ~~بن عياش، ثنا أبو بكر الهذلي، عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، ~~عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بوصية قصيرة فألزمها، ~~قال: ((لا تغضب يا معاوية بن حيدة؛ إن الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر ~~العسل)). # قال أبو عبد الله: ms0009 فالإيمان حلو نزه، والغضب مر دنس. PageV01P029 # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الغضب ميسم من نار جهنم على ~~نياط قلب ابن آدم)). # 17 - حدثنا بذلك صالح بن محمد، ثنا يحيى بن واضح، عن الحسن بن عمارة، عن ~~المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الغضب ميسم من نار جهنم يضعه الله تعالى على ~~نياط أحدهم، ألا ترى أنه إذا غضب، احمرت عيناه، واربد وجهه، وانتفخت ~~أوداجه؟)). # قال: وفي حديث آخر: ((إن الغضب جمرة توقد في قلب ابن آدم، ألا ترى إلى ~~انتفاخ أوداجه، وحمرة عينيه؟ وذلك أن الشيطان ينفخ في تلك الجمرة)). # فشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بالعسل والصبر، فكما يفسد الصبر العسل، PageV01P030 ~~فكذلك هذا الغضب يدنس الإيمان، ومرارته تفسد حلاوته ونزاهته. # وروي عن عيسى -صلوات الله عليه-: أنه سأله يحيى بن زكريا -صلوات الله ~~عليهما- عن الغضب، ما بدؤه؟ قال: الكبر، ألا ترى أنك تغضب على من هو دونك، ~~ولا تغضب على من هو فوقك بمثله؟ فالكبرياء لله، من نازعه فيه، فقد نازعه رداءه. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه ~~مثقال ذرة من كبر))، فقيل: ما الكبر يا رسول الله؟ قال: ((أن تسفه الحق، ~~وتغمص الناس))؛ أي: تحقرهم. # 18 - حدثنا إبراهيم بن هارون البلخي، ثنا زكريا ابن حازم الشيباني، عن ~~قتادة، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((يقول الله ~~تعالى: لي العظمة والكبرياء والفخر، والقدر سري، فمن نازعني في واحدة منهن، ~~كببته في النار)). PageV01P031 # والإيمان: هو خضوع العبد لربه، وإلقاؤه بين يديه له سلما، والكبر ضده، ~~الغضب منه يبدو، وينزغ الشيطان بنفثه ونفخه حتى يتوقد ويهتاج، فلذلك قال: ~~يفسد الإيمان، فيكدره، ويمرره. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إني لأعلم كلمة لو ~~قالها، لذهب عنه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم))، وذلك عندما ms0010 رأى رجلا ~~يتمزع من الغضب، وهو قوله: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله}. # وإنما وضع هذا الميسم من النار في هذا الموضع من الآدمي؛ لكي يغضب لله ~~تعالى في المواضع التي ينبغي، فإن في الغضب قوة للآدمي على أمر الله تعالى، ~~وهو محتاج إلى أن يعادي أعداءه ويحاربهم، فبالغضب يتقوى حتى يحاربهم، ~~وبالغضب يقدر يغير المنكر، ويقيم حقوق الله عز وجل وحدوده، فللحق نفخة في ~~تلك الجمرة التي هي ميسم، وللشيطان نفخة في وقته، فنفخة الشيطان لها زهومة ~~ورجاسة، فلذلك يفسد الإيمان ونزاهته وطهارته وطيبه، وإذا كانت نفخة الحق، ~~فإنه يتقوى، ويحمر وجهه، ويمتلئ من نور الحق، ولا يفسد الإيمان، ولا يذهب ~~بطهارته وطيبه، فالنفس طيبة، والقلب قوي ذو سلطان، والأركان عاملة، والأمر مستمر. PageV01P032 # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب، غضب لله، ولا يغضب لنفسه، ولا ~~لدنياه. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب، رئي العرق بين عينيه، فيندر ~~من الغضب، وظهر نتوؤه وانتفاخه، وتحمر وجنتاه. # وكان موسى -صلوات الله وسلامه عليه- إذا غضب، اشتعلت قلنسوته نارا. PageV01P033 ### || AUTO الأصل الرابع # 19 - حدثنا محمد بن موسى الحرشي، ثنا فضيل ابن سليمان، ثنا موسى بن عقبة، ~~عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((إذا انتعل أحدكم، فليبدأ باليمين، فإذا نزع، فليبدأ بالشمال، وليكن ~~اليمين أولهما يلبس، وآخرهما ينزع)). # 20 - حدثنا قتيبة، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله سواء. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فاليمين محبوب الله ومختاره من الأشياء، ~~فأهل الجنة عن يمين العرش يوم القيامة، وأهل السعادة يعطون كتبهم بأيمانهم، وكفة PageV01P035 ~~الحسنات من الميزان عن اليمين، والكرام الكاتبون، وكاتب الحسنات منهم عن ~~اليمين. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوخى في كل فعل من مثل هذا اليمين ~~توخيا لمختار الله. # وكان إذا شرب، أعطى الأيمن فالأيمن جرعته، ms0011 حتى إنه شرب يوما وأبو بكر عن ~~يساره، وغلام أعرابي عن يمينه، فقال للغلام: ((أتأذن لي فأعطي الأشياخ؟))، ~~فقال: ما كنت لأوثر بفضلك على نفسي أحدا، فأعطاه الغلام. # وكان يبدأ باليمين إذا دخل المسجد، وإذا خرج، أو نزع نعله، بدأ باليسرى؛ ~~كي يكون اليمين آخر العهد بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، فإذا ~~انتعل، أو دخل المسجد، فالحق لليمين، فأقام له حقه؛ لأن الله تعالى اختاره ~~وفضله، ثم إذا خرج أو نزع، بقي ذلك الحق له، فجعله في آخر الأمور؛ كي يبقى ~~له ذلك الخير أكثر مما كان لليسار؛ ليكون فضله على اليسار في كل وقت قائما؛ ~~في وقت ابتداء الخير، والانصراف عن الخير وقطعه؛ لأنه إذا دخل المسجد، فهو ~~في رحمة الله تعالى وخير، فقدم اليمنى إلى تلك الرحمة، وإذا خرج، أخرها؛ ~~ليكون بقاؤها في PageV01P036 ~~الرحمة أكثر، وقدم اليسرى، وإذا انتعل، فهو رفق للقدم، فقدم اليمنى في ~~الرفق، وإذا نزع، قدم اليسرى؛ ليكون ذلك الرفق باقيا على اليمنى، وإن قلت ~~المدة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعمل تدبير الله تعالى، ~~ويتفقده. # فروي عنه: ((أنه كان يحب التيمن في كل شيء، حتى في ترجله وتنعله ~~وطهوره)). # 21 - حدثنا بذلك محمد بن بشار الهجري، ثنا يحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، ~~قالا: ثنا شعبة، عن أشعث بن سليم، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة -رضي الله ~~عنها-، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 22 - وحدثنا صالح بن عبد الله، ثنا أبو الأحوص، عن أشعث بن أبي الشعثاء، ~~عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة -رضي الله عنها-، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV01P037 # ((أنه كان يتيمن ما استطاع في طهوره إذا تطهر، وفي لباسه إذا لبس، وفي ~~ترجله إذا ترجل، وفي تنعله إذا تنعل)). # 23 - حدثنا سفيان بن وكيع، ثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حسان، عن ابن ~~سيرين، عن أنس رضي الله عنه، قال: لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الجمرة، ونحر ms0012 نسكه، ناول رأسه الحلاق، فقال: ((ابدأ بالشق الأيمن))، فحلقه، ~~فأعطاه أبا طلحة، ثم ناوله الأيسر فحلقه، فقال: ((أعطه الناس)). # 24 - حدثنا قتيبة، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أتي بلبن قد PageV01P038 ~~شيب بماء، وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر، فشرب، ثم أعطى الأعرابي، ~~فقال: ((الأيمن فالأيمن)). # 25 - حدثنا قتيبة، عن مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، بنحوه. # 26 - حدثنا قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الله، عن ابن ~~عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إذا أكل ~~أحدكم، فليأكل بيمينه، وإذا شرب، فليشرب بيمينه)). PageV01P039 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # وإنما ذكر الله عز وجل من شأن اليمين ما أعلم العباد مختاره وفضيلته. # 27 - حدثنا عبد الجبار، ثنا سفيان، ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((يمين الله ~~ملأى سحاء، لا يغيضها شيء بالليل والنهار)). # 28 - حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أبي أنيسة: أن عبد ~~الحميد بن عبد الرحمن بن PageV01P040 ~~زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني، عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله تعالى خلق ~~آدم، فمسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل ~~أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيساره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء ~~للنار، وبعمل أهل النار يعملون)). # 29 - حدثنا صالح بن عبد الله، ثنا درست بن زياد، ثنا جعفر بن الزبير، عن ~~القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خلق الله ~~الخلق، وقضى القضية، وكان عرشه على الماء، فأخذ أهل اليمين باليمين، وأخذ ~~أهل الشمال بالشمال)). PageV01P041 # 30 - حدثنا الحسن بن مطيع، ثنا ms0013 عبد الله بن بكر السهمي، ثنا بشر بن نمير، ~~عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((خلق ~~الله الخلق، وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين، وعرشه على الماء، فأخذ أهل ~~اليمين بيمينه، وأخذ أهل الشمال بشماله، وكلتا يدي الرحمن يمين، ثم قال: يا ~~أصحاب اليمين! قالوا: لبيك ربنا وسعديك، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ثم قال: PageV01P042 # يا أصحاب الشمال! قالوا: لبيك وسعديك، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فخلط ~~بعضهم ببعض، فقال قائل منهم: رب! لم خلطت بيننا، فقال: {ولهم أعمال من دون ~~ذلك هم لها عاملون}، فقال قائل: فما الأعمال؟ فقال: يعمل كل قوم لمنزلتهم)) ~~فقال عمر رضي الله عنه: إذا نجتهد. # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأعمال: أهي شيء مؤتنف، أم فرغ ~~منها؟ فقال: ((بل قد فرغ منها)). # 31 - حدثنا عبد الرحيم بن حبيب، ثنا بقية بن الوليد، ثنا مبشر بن عبيد، ~~عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((لما PageV01P043 ~~خلق الله آدم عليه السلام، ضرب بيده على شق آدم الأيمن، فأخرج ذروا كالذر، ~~ثم قال: يا آدم! هؤلاء ذريتك من أهل الجنة، ثم ضرب بيده على شق آدم الأيسر، ~~فأخرج ذروا كالحمم، ثم قال: هؤلاء ذريتك من أهل النار)). # وقال في تنزيله: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه}. # وجاء في الخبر: أن الجنة يؤتى بها، فتوضع عن يمين العرش يوم القيامة، ~~والنار عن يسار العرش، ويؤتى بالميزان، فينصب بين يدي الله عز وجل، وكفة ~~الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنة، وكفة السيئات عن يسار العرش مقابل النار. # فقال: {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين. في سدر مخضود. وطلح منضود. وظل ~~ممدود}، فوصفهم أين هم، ثم قال: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال. في سموم ~~وحميم}، فوصفهم أين هم، PageV01P044 ~~فوجدنا لليمين ذكرا بالفضيلة عنده، وعنده في خلقه ذكرا بالغا متقدما من أجل ~~ذلك أيضا، فيما نرى كان ms0014 رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى، ثم إذا أراد ~~التنفل بعد ذلك، تياسر، وإذا صلى إلى خشبة، تياسر عنها، فهذا داخل في الباب. # 32 - حدثنا بذلك عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث العنبري، ثنا ~~أبي، ثنا بكر بن كليب، حدثني جعفر بن كثير من آل أبي طالب، وهو يومئذ ابن ~~ثمانين سنة، قال: حدثني أبي: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~صلى الفريضة، تياسر، فصلى ما بدا له، ويأمر أصحابه أن يتياسروا، ولا ~~يتيامنوا)). # 33 - حدثنا عمر بن أبي عمر، ثنا الربيع بن روح الحمصي، عن بقية، عن ~~الوليد بن كامل، عن حجر، أو PageV01P045 ~~ابن حجر المهلب، قال: حدثتني ضبيعة بنت المقداد بن معدي كرب، عن أبيها: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الفريضة إلى عمود، أو خشبة، أو ~~شبه ذلك، لم يجعله نصب عينيه، ولكن يجعله على حاجبه الأيسر. # قال: كأنه يدل بهذين الفعلين من هذين الحديثين، على أنه يتوخى اليمين؛ ~~فإن العبد إذا قام، فإنما هو قبالة الله عز وجل، بذلك جاءت الأخبار PageV01P046 ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # واليمين دليل اسمه على معناه، فالأمن والإيمان واليمين كله موجود في هذا الاسم. # ووجه آخر: أنه كان يتياسر بصلاة التطوع عن موضعه الذي أدى فيه الفريضة، ~~كأنه يحب أن لا يقدم على الفريضة شيئا في شأن المقام؛ لأن الانصراف إلى ~~اليمين موضع أفضل من اليسار. # ومما يحقق ذلك: # 34 - ما حدثنا به سهل بن العباس، ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن ~~أبي صالح الحنفي، قال: كان علي يسلم تسليمتي الصلاة إحداهما أخفض من ~~الأخرى. # قال أبو معاوية: حدثني علي بن مسهر، عن إسماعيل ابن سميع، قال: قلت لأبي ~~صالح: أيهما أخفض؟ قال: اليسرى. PageV01P047 # وإنما توخى بهذا عندنا: أن يكون فرقا بين التسليمتين بالخفض ورفع الصوت؛ ~~ليؤدي حق كاتب الحسنات بتلك التسليمة برفع الصوت، وكذلك حق من عن يمينه؛ ~~ليؤديه برفع ذلك الصوت، ويخفض اليسرى؛ ليبين ms0015 فضل اليمنى على اليسرى، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. PageV01P048 ### || AUTO الأصل الخامس # 35 - حدثنا محمد بن موسى الحرشي، ثنا عثمان بن عثمان الغطفاني، قال: ~~حدثني عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: ((نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن القزع)). # والقزع: أن يحلق رأس الصبي، ويترك بعضه. # 36 - حدثنا سفيان، ثنا عبدة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما، قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزع)). PageV01P049 # قال أبو عبد الله رحمه الله: فالقزع: أن يحلق وسط رأس الصبي، ويترك ما ~~حوله، وكان هذا فعل القسيسين، وهم ضرب من النصارى، وهم الذين ذكروا في ~~التنزيل، فقال الله تعالى: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون}. # فالتقسس: فعل نسب إليه، والرهبنة كذلك أيضا فعل نسب إليها، والقس واحد، ~~وهو على قالب فعل، والقسيس واحد، وهو على قالب فعيل، والجمع قسيسون، وإنما ~~هو قاس، فحذفت الألف فقيل: قس، كما تقول: بار، وبر، وراب، ورب، والسين ~~والصاد بمعنى واحد، فإنما هو قاس وقاص؛ أي: يقتس ويقتص أثر الرسول الذي دعي ~~على لسانه، وهم الصديقون، وإنما هو قاس؛ كقولك: صادق، وقسيس؛ كقولك صديق، ~~والجمع قسيسون؛ كقولك: صديقون. # ومما يحقق ذلك: # 37 - ما حدثنا به أبي رحمه الله، حدثنا الحماني، ثنا نصير ابن زياد ~~الطائي، عن صلت الدهان، عن حامية بن رئاب، قال: سمعت سلمان، وسئل عن قوله ~~تعالى: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا}، قال: هم الرهبان PageV01P050 ~~الذين في الصوامع، قال سلمان رضي الله عنه: قرأت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا}، فأقرأني: {ذلك بأن منهم صديقين ~~ورهبانا}. # يدل على أن هذه قراءة كانت يقرأ بها؛ ليعلم أن القسيس والصديق بمعنى ~~واحد، وأن القسيس هو الذي يقص أثر الرسول بما جاء به على الصدق والوفاء في ~~جميع أموره دينا ودنيا، فلذلك جاءت القراءتان جميعا تجزئ إحداهما عن ~~الأخرى، وكان ذلك لغة في بني إسرائيل، وفي لغة العرب ms0016 بني إسماعيل: صديق. # وأما حلق أوساط الرؤوس، فذلك علامة لهم، وهو فعل مذموم أحدثوه فيما ~~بينهم، وهو ضرب منهم. # 38 - حدثنا بذلك عبد الكريم بن عبد الله، ثنا علي بن PageV01P051 ~~الحسن، ثنا عبد الله، ثنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: ~~أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما بعث الجنود نحو الشام يريد يزيد بن أبي ~~سفيان، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، فقال: أوصيكم بتقوى الله، وأمرهم ~~بأمور، فكان فيما قال: إنكم ستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم ~~وما حبسوا أنفسهم له، وستجدون آخرين اتخذ الشيطان في أوساط رؤوسهم أفحاصا، ~~فإذا وجدتم أولئك، فاضربوا أعناقهم. # قال: فالذين تركوا الدنيا، وحبسوا أنفسهم في الصوامع، واعتزلوا، أمر بترك ~~التعرض لهم، فلم يطالبوا بجزية؛ لأنهم تركوا، فتركوا؛ فالذين خرجوا من ~~الصوامع، فلم يصبروا على العزلة، وفحصوا عن أوساط رؤوسهم، فقد PageV01P052 ~~أخبر أبو بكر رضي الله عنه: أن الشيطان دلهم على ذلك، وأنها ضلالة، وأنهم ~~صيروا ذلك الحلق علامة لأنفسهم، وإظهارا لما هم عليه، كأنه يدل على أن ذلك ~~الصنف منهم بمنزلة من تزهد في هذا العصر، وهو غير صادق في ذلك، يريد تأكل ~~الدنيا، فأول ما قصد في زهده لبس الصوف والخلقان، وحف الشارب، وتشمير ~~الثياب، والعمة المطوقة تحت الحنك، والاستقصاء في الكحل إلى اللحاظ، فهذه ~~كلها علائم هذه الطبقة الكاذبة المتزهدة المتأكلة حطام الدنيا بما أظهروا ~~من زيهم وشكلهم وتماوتهم، وخشوع نفاقهم. # فكذلك أولئك كانوا غير صادقين في عزلتهم في الصوامع، فلم يصبروا عليها، ~~فخرجوا، وقد حلقوا أوساط رؤوسهم ترائيا وتشهيرا لأمرهم، فأمر أبو بكر رضي ~~الله عنه بضرب أعناقهم؛ لأنهم -مع كفرهم- لغير الله عملوا في دينهم، وهم ~~نصارى، والذين ترهبوا وحبسوا أنفسهم تركوا وما حبسوا له أنفسهم؛ لأنهم ~~صادقون في سبيلهم، وإن كانوا في ضلالة، قال الله تعالى: {ورهبانية ابتدعوها ~~ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله}، ثم ذمهم فقال: {فما رعوها حق ~~رعايتها}. # فإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ms0017 الصبي أن يحلق وسط رأسه ~~للتشبيه بهؤلاء الذين وصفناهم عندنا، والله سبحانه أعلم. # وأما قصة هؤلاء الرهبانية الذين ذم الله سبحانه شأنهم: # 39 - فحدثنا عمر بن أبي عمر، قال: ثنا إبراهيم ابن أبي الليث ببغداد، ~~قال: حدثنا الأشجعي، عن سفيان PageV01P053 ~~الثوري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~في قوله تعالى: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان ~~الله}: فكانت ملوك بعد عيسى بن مريم -صلوات الله عليه- بدلوا التوراة ~~والإنجيل، فقال ناس لملوكهم: ما نجد شتما أشد مما يشتمونا به أنهم يقرؤون: ~~{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، {ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الظالمون}، {فأولئك هم الفاسقون}. مع ما يعيبوننا به من ~~أعمالنا في قراءتهم، فادعهم فليقرؤوا بما نقرأ به، وليؤمنوا بما آمنا به، ~~قال: فدعاهم فجمعهم، فعرض عليهم القتل، أو أن يتركوا قراءة التوراة ~~والإنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا: # وما تصنعون بقتلنا؟ دعونا، وابنوا لنا أساطينا ادفعونا فيها، واتركوا لنا ~~شيئا يدلى فيه طعامنا، ولا نؤذيكم. PageV01P054 # وقالت طائفة أخرى منهم: دعونا نهيم في الأرض، ونسيح ونأكل مما تأكل منه ~~الوحوش، ونشرب مما تشرب منه الوحش، فإن قدرتم علينا في أرضكم، فاقتلونا. # وقالت طائفة أخرى منهم: ابنوا لنا ديورا في الفيافي، فنحتفر الآبار، ~~ونحرث البقول، فلا نؤذيكم، ولا نمر بكم، وليس أحد في القبائل إلا له حميم ~~فيهم، ففعلوا ذلك. # قال: فقوله: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ~~فما رعوها حق رعايتها}. # قال آخرون ممن تعبد من أهل الشرك، وبقي من بقي منهم، قالوا: نتعبد كما ~~تعبد فلان، ونتخذ ديرا كما اتخذ فلان، ونسيح كما ساح فلان، وهم في شركهم، ~~لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، وقد فني من فني منهم، فلما بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبق منهم إلا قليل، انحط صاحب الصومعة عن ~~صومعته، وصاحب الدير عن ديره، وصاحب السياحة عن سياحته، فآمنوا به، وصدقوه. PageV01P055 # قال ms0018 تعالى: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون}، فقال الله ~~عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته} أي: أجرين: أجر بإيمانهم بعيسى وبالتوراة والإنجيل، (وأجر بإيمانهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقهم، {ويجعل لكم نورا تمشون به}، قال: ~~القرآن؛ {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل ~~بيد الله يؤتيه من يشاء}. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فعلى هذا المثال عاملت متزهدة زماننا، سمعت: أنه مضى في السلف الصالح من ~~الصحابة والتابعين قوم اكتفوا بالدون من الحال، فلبسوا الصوف والخلقان، ~~وأكلوا النخالة، وامتنعوا من الشهوات، وشمروا الثياب، وامتنعوا من ~~المخالطة؛ صدقا وتورعا واحتياطا لدينهم، كل ذلك خوفا من الله سبحانه وتعالى ~~أن يقدموا عليه متدنسين بحطام الدنيا، مفتونين فيها، وإنما فعل القوم ذلك ~~-لضعف يقينهم- بمنزلة من امتنع من دخول البحر PageV01P056 ~~مخافة الغرق؛ لعجزه عن السباحة، ولم يكتب الله هذا عليهم، بل أحل لهم ~~الطيبات والزينة، ووسع عليهم، فابتدعوا تركها رهبة من الله عز وجل، وكانوا ~~فيها صادقين، فلم يعابوا، ولم يذموا؛ لأنهم رعوا ما ابتدعوا حتى خرجوا من ~~الدنيا مع صدق ما ابتدعوا ابتغاء رضوان الله، فخلفهم من بعدهم خلف اتبعوهم ~~فيما ابتدعوا، وهم غير صادقين فيها، فأقبلوا على لبس الصوف والخلقان، وأكل ~~النخالة والخبز المتكرج، يريدون بذلك إظهار الزهد، وقلوبهم مشحونة بشهوات ~~الدنيا تأكلا دنياهم بدينهم، فما رعوها حق رعايتها كما فعل أصحاب الصوامع ~~والديور، واتبعوا القوم في فعلهم، وأس أمرهم على الضلالة. # 40 - حدثنا يعقوب بن شيبة، قال: نا عبد الرحمن [بن المبارك العيشي: ثنا ~~الصعق بن حزن: أخبرني عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق الهمداني]، عن سويد بن ~~غفلة، عن عبد الله ابن مسعود، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((يا عبد الله بن مسعود!))، قلت: لبيك يا رسول الله -ثلاث مرات-، قال: ((هل ~~تدري أي عرا الإيمان أوثق؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإن أوثق عرا ~~الإيمان: الولاية في الله، ms0019 والحب فيه، والبغض فيه، يا عبد الله بن ~~مسعود!))، قلت: لبيك يا رسول الله -ثلاث مرات-، قال: ((هل تدري أي الناس PageV01P057 ~~أفضل؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإن أفضل الناس أفضلهم عملا إذا ~~تفقهوا في دينهم، يا عبد الله بن مسعود!)) قلت: لبيك يا رسول الله -ثلاث ~~مرات-، قال: ((هل تدري أي الناس أعلم؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ~~((أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصرا في العمل، وإن ~~كان يزحف على استه. # واختلف من كان قبلنا على اثنين وسبعين فرقة، نجا منهم ثلاث، وهلك سائرها: ~~فرقة أزت الملوك وقاتلتهم على دين الله، ودين عيسى بن مريم حتى قتلوا، ~~وفرقة لم يكن لهم بموازاة الملوك طاقة، فأقاموا بين ظهراني) قومهم، فدعوهم ~~إلى دين الله، ودين عيسى بن مريم، فأخذتهم الملوك فقتلتهم وقطعتهم ~~بالمناشير، وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك، ولا أن يقيموا بين ~~ظهراني قومهم، يدعوهم إلى دين الله ودين عيسى بن مريم، فساحوا في الجبال، ~~وترهبوا فيها، فهم الذين قال الله -تبارك وتعالى-: PageV01P058 # {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق ~~رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون}، فالمؤمنون: ~~الذين آمنوا بي وصدقوني، والفاسقون: الذين كذبوني وجحدوني)). # 41 - حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر الثوري، قال: حدثنا عارم بن الفضل عن ~~الصعق، بمثله. # فكأنه يخبر في هذا الحديث: أن الذين ساحوا وترهبوا هم الفرقة الثالثة ~~التي قد نجت، وأن الذين أخبر عنهم أنهم ما رعوها حق رعايتها PageV01P059 ~~قوم جاؤوا من بعدهم يقتدون بهم في ذلك، وليسوا على صدق من أمرهم، أخذوا ~~بظاهر فعلهم، فساحوا، ولزموا الديور والصوامع، وتركوا أمر أصحابهم الذين ~~مضوا على ذلك. PageV01P060 ### || AUTO الأصل السادس # 42 - حدثنا روح بن قرة اليشكري، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا ~~يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن هصان بن كاهل، عن عبد الرحمن بن سمرة، ~~قال: سمعت معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى ms0020 الله عليه ~~وسلم: ((ما من نفس تموت تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، يرجع ذلك ~~إلى قلب موقن، إلا غفر الله له)). PageV01P061 # 43 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد الكلابي، قال: حدثنا أبي، ~~عن أبيه، عن حميد بن هلال، عن هصان بن كاهل، عن عبد الرحمن بن سمرة، عن ~~معاذ ابن جبل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # 44 - حدثنا محمود بن المهدي أبو بشر، قال: حدثنا سهل بن أسلم، عن حميد بن ~~هلال، عن هصان ابن كاهل، عن عبد الرحمن بن سمرة، عن معاذ، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، بمثله. # قال أبو عبد الله: # فهذه شهادة شهد بها عند الموت، وقد ماتت منه الشهوات، وذهلت نفسه لما حل ~~به من هول الموت، وذهب حرصه ورغبته، وسكنت أخلاق السوء منه، وذل وانقاد، ~~وألقى بيديه سلما لرب العالمين إلقاء العبيد، PageV01P062 ~~فاستوى الظاهر منه بالباطن، فلقي الله عبدا مخلصا، فغفر له بتلك الشهادة ~~الصادقة التي وافق ظاهرها باطنها، وأما الذي يقوله أيام صحته، فقوله مع ~~التخليط؛ لأنه يشهد بهذه الشهادة، وقلبه مشحون بالشهوات والمنى، ونفسه شرهة ~~بطرة ميتة على الدنيا عشقا وحرصا وولوعا، وعلى الأركان من الأفعال علامة ما ~~في باطنه، فلا يستوجب بذلك القول المغفرة. # ولهذا ما ورد في حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يقولها ~~عبد عند الموت إلا هدمت ذنوبه))، قيل: وكيف يا رسول الله لمن قالها في ~~الصحة؟! قال: ((هي أهدم وأهدم)). # فإنما هدمت ذنوبه؛ لأنه قالها وقد ماتت منه شهواته، وندم على ما فرط منه ~~ندما صحيحا، فهو تائب صادق، والتائب على موعود الله في تنزيله أن: {يقبل ~~التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات}، ويكفر عنه، ويدخله الجنة. PageV01P063 # قيل: فكيف من قالها في الصحة، فإنما يقولها في الصحة على تلك الصفة التي هي ~~عند موته يقولها بعد رياضة لنفسه، وموت شهواته، وحرصه، ورغبته، وبعد زهادته ~~فيها، وصفائه عن التخليط، فهي أهدم وأهدم. # فأما مخلط ms0021 عند نهماته وشهواته، عبد دنياه، عبد درهمه وديناره، فلا نعلم ~~أن قوله هذا هدم ذنوبه حتى يصير مغفورا له بهذه الكلمة؛ لأنه لا ترجع هذه ~~الكلمة منه إلى قلب موقن؛ كما اشترط الرسول في حديثه، بل ترجع هذه الكلمة ~~منه إلى قلب مفتون بدنياه، مأسور بشهوات نفسه، سكران عن الآخرة، حيران عن ~~الله، فقالبه ميال إلى الهوى. # والقلب الموقن الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو القلب الذي ~~استقر لربه، واطمأن لحكمه، وقنع بقسمه، وانقاد بأمره، وشخصت عيناه إلى ~~رحمته، قد أيس من كل شيء إلا من رحمة الله، فهو الذي إذا قالها، هدمت ~~ذنوبه؛ لأنه صادق في قوله. # وإنما سمي اليقين يقينا؛ لاستقراره في القلب، وهو النور. # يقال في اللغة: يقن الماء في الحفيرة؛ أي: استقر، فإذا استقر النور، دام، ~~وإذا دام، صارت النفس ذات بصيرة، فاطمأنت، فتخلص القلب من أشغاله ودوائره، ~~فإنما استقر اليقين في القلب؛ لأن العبد جاهد نفسه في الله حق جهاده على ~~الصدق، واليقظة من خدعها، والتحرز من آفاتها، حتى بلغ بها غاية الرياضة، ~~وانقطع عاجزا، فاستغاث بالله صارخا مضطرا، فأجابه، فإنه يجيب دعوة المضطر، ~~ويكشف السوء، ويجعله من خلفاء الأرض، كذلك وعد في تنزيله، فقذف النور في ~~قلبه، ففلق به تلك الظلمات التي ركدت في صدره على قلبه، فانكشف الغطاء، ~~وصار أمر الملكوت له معاينة بقلبه، وهو: PageV01P064 # قول حارثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: كأني أنظر إلى عرش ربي ~~بارزا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عبد نور الله الإيمان في ~~قلبه)). # وهذه كلمة جارية فيما جاء في الخبر من دعوة إدريس صلى الله عليه وسلم، ~~وأن موسى علم ذلك في زمانه، وأن نبينا -صلوات الله عليه- أعطي ذلك في ~~زمانه، فكان يدعو بهن، وهو قوله: ((يا نور كل شيء وهداه، أنت الذي فلق ~~الظلمات نوره)). # ومما يحقق ما قلنا: ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # 45 - حدثنا بذلك عبد الله بن إسحاق الجوهري مستملي أبي ms0022 عاصم، قال: حدثنا ~~أبو عاصم النبيل، عن وبر ابن أبي دليلة، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن ~~ميمون، قال: حدثني يعقوب بن عاصم، قال: حدثني رجلان من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من قال: ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله PageV01P065 ~~الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير مخلصا بها روحه، مصدقا بها لسانه ~~وقلبه، إلا فتقت له السماء فتقا حتى ينظر الرب -تبارك وتعالى- إلى قائلها ~~من أهل الدنيا، وحق لعبد إذا نظر الله إليه أن يعطيه سؤله)). # قال: فالروح إنما تخلص من شهوات النفس وأسرها، وكذلك القلب، فإذا نطق ~~اللسان بالكلمة، لم تنازعه النفس، ولا القلب، ولا الروح، فكان ذلك صدقا، ~~فقبل منه. # 46 - حدثنا عمر، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا الهيثم بن جماز، ~~عن أبي داود الدارمي، عن زيد ابن أرقم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((من قال: لا إله إلا الله مخلصا، دخل الجنة))، قيل: يا رسول الله! ~~وما إخلاصها؟ PageV01P066 # قال: ((أن تحجزه عن المحارم)). # ولهذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: ((يا معاذ! أخلص دينك، ~~يكفيك القليل من العمل)). # فالإخلاص أن تخلص إيمانك حتى لا تفسده شهوات نفسك، فالفرائض التي فرضت ~~عليك قليلة في العدد، الشأن في المحارم. # 47 - حدثنا عمر، قال: حدثنا عمر بن عمرو الربعي، عن عبيد الله الوصافي، ~~عن أبي بكر الحنظلي، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((إن الله عهد إلي أن لا يأتيني PageV01P067 ~~أحد من أمتي بلا إله إلا الله لا يخلط بها شيئا، إلا وجبت له الجنة))، قال: ~~يا رسول الله! وما الذي خلط بها؟ قال: ((حرصا على الدنيا، وجمعا لها، ومنعا ~~لها، يقول بقول الأنبياء، ويعمل بعمل الجبابرة)). # قال: فموقن قد راض نفسه حتى ماتت شهواته، فنطق بهذه الكلمة، فرجعت الكلمة ~~إلى قلب موقن قد ثبت للوفاء بما ms0023 نطق به، فاستوجب المغفرة، وموقن قد ماتت ~~شهواته عند وفاته، وذهلت نفسه، وذهب تخليطه، فألقى بيديه لربه سلما، وجاد ~~بنفسه، وعظم أمله ورجاؤه فيه، فنطق بهذه الكلمة، فرجعت الكلمة إلى قلب موقن ~~قد ذهب تخليطه، واستغفر ربه، وتاب إلى ربه، وعزم قلبه على الثبات له على ~~ذلك ما عاش، ولو ساعة واحدة، فاستوجب المغفرة؛ لأنه نطق بها، وقد زال عنه ~~التخليط. # 48 - حدثني أبي رحمه الله، قال: حدثنا أحمد بن يونس، عن أبي بكر بن عياش، ~~رفعه إلى ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيما يذكر عن ربه: أنه قال: ((المؤمن مني يعرض كل خير، إني أنزع نفسه من ~~بين جنبيه، وهو يحمدني)). PageV01P068 # 49 - قال: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن ~~عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ~~الله، بمثله. # 49/م- حدثني أبي، حدثنا محمد بن عاصم المصري، عن عبد العزيز بن محمد، عن ~~عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمثله. # قال: فالعبد إنما وصل إلى حمده، وهو يقبض منه أعز شيء عليه؛ بموت شهواته، ~~فإنما يحب الحياة بالشهوة التي ركبت فيه، فيتلذذ بها. # ألا ترى أنه إذا رد إلى أرذل العمر كيف يتبرم بالحياة، ويشتهي الفراق؟ ~~فقد انقطعت شهواته في ذلك الوقت، وانقطعت علائقه وأسبابه، وتخلص القلب من ~~آفات النفس، فنطق بالكلمة العظيمة، فاستنار بها قلبه، PageV01P069 ~~واطمأنت بها نفسه، وأخلص بها روحه، فاستوجب المغفرة، فلذلك كان السلف ~~يستحبون أن يلقنوا المحتضر هذه الكلمة، ويتعاهدونه بها؛ لما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لقنوا موتاكم)). # فهذا عبد ركبته أهوال الآخرة، فرضيت نفسه بها عند الموت، فنطق بها، فغفر ~~له، والأول عبد قد راض نفسه أيام حياته، ففتح له في الغيب، فركبته أهوال ~~سلطان الله، وعظيم جلال الله، فنطق بها عن مثل ذلك القلب، فهو ms0024 للمغفرة أقمن وأخلق. PageV01P070 ### || AUTO الأصل السابع # 50 - حدثنا روح بن قرة اليشكري، قال: حدثنا عبد الله بن يحيى الثقفي، عن ~~سلام بن سليم، عن زيد العمي، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الفاجر الراجي لرحمة الله أقرب ~~منها من العابد المقنط). # قال أبو عبد الله: وذلك أن الفاجر الراجي لعلمه بالله قرب من الرحمة، ~~فقربه الله، والعابد المقنط جاهل بالله، ولجهله بالله بعد من PageV01P071 ~~رحمة الله، وإنما رجاء العبد بالله على قدر معرفته بالله، وعلمه بجوده ~~وكرمه، والقنوط من الجهل، ألا ترى إلى قوله: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا ~~الضالون}. # فالمقنط: إنما يقنط غيره لقنوطه، فهو ضال عن ربه، فما تغني العبادة مع ~~الضلال. # وقال: {لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون}. # فالإياس من روحه في الدنيا عند النوائب والكربات، من سوء الظن بالله، فهو ~~أبدا خاسر مفتون يتعلق بالأسباب، ولا يلجأ إلى ربه، ولا يستغيث به، إنما ~~ملجؤه خلقه، وبهم يستغيث، وبالحيل التي وضعت، وقلبه منقطع عن الله، متعلق ~~بخلقه، وكذلك القانط من رحمته قلبه متعلق بالجهد من الأعمال، طالبا للنجاة ~~بها، فإذا فكر في ذنوبه، ألقى بيديه إلى التهلكة، ورفض العمل. # وروي عن الحسن البصري: أنه سئل عن القنوط، فقال: ترك فرائض الله في السر. # معناه: أنه إذا تراكمت عليه الذنوب، أيس من نفسه، فرفض الكل، وقال: قد ~~استوجبت النار. # وقد كان وقع عندي من بعض من رزقه الله الإنابة، فجعل يصوم، فقلت له: ما ~~هذا؟ قال: صوم شهر رمضان، قلت له: أولم تكن تصومه؟ PageV01P072 # قال: لا، قلت: لم؟ قال: كان أصحابي لا يصومونه، قلت: وهم في الكورة معنا؟ ~~قال: نعم، قلت: وما حملهم على ذلك؟ قال: كانوا يقولون: عملنا هذه الأعمال ~~من سفك الدماء، وأخذ الأموال، وسائر المعاصي، فما يغني عنا الصوم والصلاة، ~~فكانوا لا يصومون شهر رمضان، ولا يصلون المكتوبات إلا على أعين الناس، ~~يقولون: قد استوجبنا النار، فقلت: هؤلاء قوم قد ضرب ms0025 الله على قلوبهم ~~بالسخطة، فقنطوا من رحمته. # 51 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا هشام بن خالد الدمشقي، قال: حدثنا ~~عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال: حدثني سليمان بن هرم، عن محمد بن ~~المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: ((خرج من عندي خليلي جبريل صلى الله عليه وسلم آنفا، فقال لي: ~~يا محمد! والذي بعثك بالحق! إن لله لعبدا من عباده عبد الله خمس مئة سنة ~~على رأس جبل في البحر، عرضه وطوله ثلاثون ذراعا في ثلاثين ذراعا، والبحر ~~محيط به أربعة آلاف فرسخ من كل ناحية، وأخرج الله له عينا عذبة بعرض الأصبع ~~تبض بماء PageV01P073 ~~عذب، فيستنقع في أسفل ذلك الجبل، وشجرة رمانة تخرج في كل ليلة رمانة، ~~فتغذيه يوما، فإذا أمسى، نزل، فأصاب من الوضوء، وأخذ تلك الرمانة فأكلها، ~~ثم قام لصلاته، فسأل ربه عند وقت الأجل أن يقبضه ساجدا، وأن لا يجعل الأرض ~~ولا لشيء يفسده عليه سبيلا حتى يبعثه الله ساجدا، ففعل، فنحن نمر به إذا ~~هبطنا، وإذا عرجنا، ونجد في العلم أنه يبعث يوم القيامة، فيوقف بين يدي ~~الله -تبارك اسمه- فيقول له الرب: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول: بل ~~بعملي يا رب، فيقول: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول: بل بعملي يا رب، ~~فيقول للملائكة: قايسوا عبدي بنعمتي عليه، وبعمله، فتوجد نعمة البصر قد ~~أحاطت بعبادته خمس مئة سنة، وبقيت نعم الجسد فضلا عليه، فيقول: أدخلوا عبدي ~~النار، فينادي: رب! برحمتك PageV01P074 ~~أدخلني الجنة، فيقول: ردوه، فيوقف بين يديه، فيقول: يا عبدي! من خلقك ولم ~~تك شيئا؟ فيقول: أنت يا رب، فيقول: أفكان ذلك من قبلك أم برحمتي؟ فيقول: بل ~~برحمتك، فيقول: من قواك لعبادة خمس مئة سنة؟ فيقول: أنت يا رب، فيقول: من ~~أنزلك في جبل وسط اللجة، وأخرج لك الماء العذب من الماء المالح، وأخرج لك ~~كل ليلة رمانة، وإنما تخرج الشجرة في السنة مرة، وسألتني أن أقبضك ساجدا، ~~ففعلت ذلك بك؟ فيقول: أنت ms0026 يا رب، فيقول: ذلك برحمتي، وبرحمتي أدخلك الجنة، ~~أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فنعم العبد كنت يا عبدي، [قال جبريل]: إنما ~~الأشياء برحمة الله)). PageV01P075 # 52 - حدثنا أحمد بن مرة، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني سليمان ~~بن هرم في مجلس الليث ابن سعد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # قال: فالجهل بالله وبتدبيره في خلقه أدى هذه الطبقة إلى مثل هذه الأشياء. # 53 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم، عن ~~أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV01P076 # إنه ليس أحد منكم ينجيه عمله))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا ~~أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمته)). # قال: فهذا الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ولا أنت)) كان ~~في عمى من هذا الأمر، أفلا يعلم أن الله من عليه بالنبوة، ومن عليه بشرح ~~الصدر، أفلا يعلم أن المنة من الرحمة، فإنما ينجيه يوم القيامة بتلك ~~الرحمة، وهل خرجت الأعمال من الأركان إلا بتوفيقه، وهل كان له التوفيق إلا ~~بالرحمة، وذلك قوله عز وجل: {وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ~~من ربك}. PageV01P077 ### || AUTO الأصل الثامن # 54 - حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا سعيد بن زكريا المدائني، ~~عن سالم أبي الفيض، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أشفق من الحاجة أن ينساها، جعل في يده ~~خيطا؛ ليذكره أو يذكرها)). PageV01P079 # 55 - حدثني أبي رحمه الله، قال: حدثنا الفيض بن الفضل الكوفي، قال: حدثنا ~~سالم بن عبد الأعلى الأودي، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # ولم يرفعه الأودي. # 56 - حدثنا علي بن خشرم، قال: حدثنا سعيد بن محمد الوراق، عن سالم بن عبد ~~الأعلى الأودي، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر رضي الله ms0027 عنهما، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، بمثله. # 57 - حدثنا أبو الخطاب الحرشي، قال: حدثنا سهل بن حماد، قال: حدثنا سالم ~~بن عبد الأعلى، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # قال أبو عبد الله: فالذكر والنسيان من الله، إذا شاء ذكره، وإذا شاء PageV01P080 ~~أنساه، وربط الخيط سبب من الأسباب؛ لأنه نصب العين، فإذا رآه، ذكر ما نسي، ~~فهذا سبب موضوع دبره رب العالمين لعباده كسائر الأسباب. # تحرز الأشياء بالأبواب، والأقفال، والحراس، ويستشفى من الأسقام بالأدوية، ~~وتقبض الأرزاق والأقوات بالطلب، وكل أمر بحيلة وسبب، والأرض تخرج نباتها ~~بالماء، وهذا تدبيره في عباده، والخيط والذكر والشفاء وإيصال الأرزاق، كل ~~ذلك بيده يجريها على الأسباب. # فأهل اليقين لا تضرهم الأسباب، وهم الأنبياء والأولياء، يمضون عليها، ~~فيحترزون، ويحترفون، ويحتالون، ويتداوون؛ لأنه تدبير الله، كذا دبر لعباده ~~أن يجري أمورهم على الأسباب؛ امتحانا منه لهم؛ لينظر من يتعلق قلبه ~~بالأسباب، فتصير فتنة عليه، ومن يتخلى عنها فيكون مع ولي الأسباب وخالقها، ~~فيسلم من فتنتها؛ لأن الأسباب لا تملكه، فإنهم في الجملة كلهم قد آمنوا ~~واعترفوا بأن الأشياء كلها من الله، ثم صاروا على ضربين: # فضرب منهم توالت على قلوبهم الغفلات، وركدت أشغال الشهوات وظلمتها على ~~قلوبهم، فحجبتهم عن الانتباه، فصاروا كالنيام والسكارى عن رؤية هذا وذكره، ~~فإذا ذكروا، ذكروا، وإذا نبهوا، انتبهوا، ثم عادوا إلى PageV01P081 ~~رقدتهم وإلى غفلتهم، فصار ذلك لهم كالخبر. # والآخرون: هم أهل اليقين، قد خرجوا بيقينهم من الغفلة، والذكر على قلوبهم ~~دائم، والأمور لهم معاينة كيف يجريها، وكيف يدبرها، فليس الخبر كالمعاينة، ~~فإن استعملوا الأسباب، فلم تضرهم، فكذلك هذا الخيط، لما ربطه، صار نصب ~~عينيه علامة، إذا وقع بصره عليه، ذكر ما نسي، ثم لم يحجبه ذلك الخيط عن صنع ~~الله أنه هو الذي ذكره بهذا الخيط، وحين ربطه، لم يطمئن إلى الخيط، ولم ~~يركن ركون أهل الغفلة، بل ربطه ابتغاء موافقة تدبير الله الذي وضعه الله ~~لعباده. # وكذلك تداويه من أسقامه، وطلبه لمعاشه، ms0028 وأخذه الجنة في الحرب، وحفر ~~الخندق من أجل العدو. # وظاهر يوم أحد بين درعين، فلا تظن به صلى الله عليه وسلم أنه مال إلى شيء ~~من الأسباب غفلة مقدار طرفة عين. # فصير الله الأسباب محنة للعباد؛ ليميز الخبيث من الطيب، قال الله -تبارك ~~اسمه-: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من ~~الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء}. PageV01P082 ### || AUTO الأصل التاسع # 58 - حدثنا الحسين بن علي العجلي، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، قال: ~~حدثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اهتز العرش لموت سعد ~~بن معاذ)). # 59 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو، ~~عن أبيه، عن جده، عن عائشة، عن أسيد بن حضير، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((اهتز العرش PageV01P083 ~~لوفاة سعد بن معاذ)). # قال أبو عبد الله: فتأول ناس في هذا، فقالوا: العرش سريره الذي حملوه ~~عليه، واحتجوا بحديث رووه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه تأوله هكذا. # 60 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا جرير، عن عطاء ابن السائب، عن مجاهد، عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما، قال: ذكر يوما عنده حديث سعد: ((إن العرش اهتز لحب ~~الله لقاء سعد))، فقال ابن عمر: إن العرش ليس يهتز لموت أحد، ولكنه سريره ~~الذي حمل عليه. PageV01P084 # قال: فهذا مبلغ ابن عمر رضي الله عنهما من علم ما ألقي إليه من ذلك، وفوق ~~كل ذي علم عليم، وأحسب أن ابن عمر رضي الله عنهما قصد بما دفع من ذلك ~~تعظيما للعرش، فهاب من هذه الكلمة، إذ كان العرش أعلى صفوته وخلقه ومنظره ~~الأعلى، وموضع تسبيحه، ومظهر ملكه، ومبدأ وحيه، ومحل قربه، ولم ينسب شيئا ~~من خلقه كنسبته، فقال: {ذو العرش}، كما قال: ذو العزة، وذو الجلال، وذو ~~الكبرياء، وذو ms0029 القدرة، وذو العظمة، وذو البهاء، وذو الرحمة، وذو الملك، ولم ~~يجز أن يقال: ذو السماوات، وذو الأرض، وذو الكرسي، وذو اللوح، فلم تعط ~~كلمة: ذو من جميع خلقه إلا للعرش فقط، للقرب. # وذو: كلمة لحق واتصال وظهور ومبدأ، فكأن ابن عمر رضي الله عنهما لحظ إلى ~~هذه الناحية، فدفع أن يكون يهتز لموت أحد. # وأما سائر العلماء، فلا نعلمهم دفعوا هذا القول، فإن للمؤمن عند الله ~~مراتب قد أتت به الأنبياء من عند الله تنزيلا. # منها: قوله تعالى: {والله ولي المؤمنين}، وقوله: {ذلك بأن الله مولى ~~الذين آمنوا}، وقوله: {هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير}، وقوله: {هو ~~سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على ~~الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ~~ونعم النصير}، وقوله: PageV01P085 # {هو اجتباكم}، وقوله: {وكان بالمؤمنين رحيما. تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد ~~لهم أجرا كريما}، وقوله: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا}، ~~وقوله: {فبشر عباد}، وقوله: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم}، وقوله: {إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية. جزاؤهم عند ربهم جنات ~~عدن تجري من تحتها الأنهار}. # وقوله: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}، وقوله: {يا ~~عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون}، وقوله: {يوم ترى المؤمنين ~~والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات}، وقوله: ~~{وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء}، وقوله: {إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم}، ثم ~~قال: {إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. يختص برحمته من يشاء}. # وقوله: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم}، وقال: ~~{يهدي الله لنوره من يشاء}، وقوله: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض ~~هونا}، ثم قال في آخره: {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية ~~وسلاما}، ثم قال: {إن الأبرار يشربون من كأس}، ms0030 فذكر قصتهم إلى آخرها، ~~وقوله: {محمد رسول الله PageV01P086 ~~والذين معه أشداء على الكفار}، وقوله: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر}. # ومنها: وقوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}، وقوله: {ولدينا مزيد}. # فمن يحجر كرامة الله لهذا المؤمن، وحبه له، وعظيم محله عنده، وجعلهم ~~جيرانه وزواره، ورفع الحجاب فيما بينه وبينهم للتجلي. # وفيما جاءت به الأخبار -ما لو تفكر في هذا، وفي الأخبار- ذو لب، علم أن ~~ذلك غير مستنكر ولا مدفوع. # منها: قوله عليه السلام: ((إن المؤمن أكرم على الله من الملائكة ~~المقربين)). PageV01P087 # ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن أعظم حرمة عند الله من الكعبة)). # ومنها: قول معاذ بن جبل رضي الله عنه: إن المتقين في الجنة لا يستتر الرب ~~منهم ولا يحتجب. # ومنها: ما جاء في شأن الزيارة في الأخبار، ووضع المنابر، والأسرة، ~~والكراسي لهم على مراتبهم في مجلس الجبار. # فروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لا يبقى أحد يوم ~~القيامة في ذلك المجلس إلا حاضره الله محاضرة، حتى إنه ليقول: يا فلان! ~~أتذكر غدرتك يوم كذا وكذا؟ فيقول: أولم تغفرها لي؟ فيقول: بلى)). # 61 - حدثنا بذلك الفضل بن محمد، قال: حدثنا محمد بن المصفى الحمصي، قال: ~~حدثنا سويد بن عبد العزيز، قال: حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد ~~بن المسيب، قال: لقيني أبو هريرة رضي الله عنه، فحدثني بذلك، قال: PageV01P088 # وأخبرني بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 62 - حدثنا محمد بن محمد بن حسين، قال: حدثنا إسحاق بن المنذر، قال: ~~أخبرنا الفرات بن السائب، قال: حدثنا مكحول، عن أبي هريرة، وأبي الدرداء ~~رضي الله عنهما، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن بيوتات ~~المؤمنين لمصابيح إلى العرش يعرفها مقربو الملائكة من السماوات السبع، ~~يقولون: هذا النور من بيوتات المؤمنين التي يتلى فيها القرآن)). PageV01P089 # فإذا كان نور المؤمن هناك في نور العرش مستبينا حتى يعرفه مقربو الملائكة، ~~فليس ms0031 هذا إلا لأمر عظيم، واعتبر بهذا في الدنيا أي نور يكون هذا حتى يستبين ~~في نور الشمس في الدنيا، فإذا كان هذا هكذا، فكيف بالنور الذي يستبين في ~~نور العرش هناك؟! # 63 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا ابن نمير، عن موسى الطحان، عن عون ~~بن عبد الله، عن أبيه، أو أخيه، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((إن ما تذكرون من جلال الله في تسبيحه وتحميده ~~وتكبيره وتهليله يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل به يذكرن لصاحبهن، ~~أفلا يحب أحدكم أن لا يزال له عند الرحمن شيء لا يذكره به)). PageV01P090 # وقد جاءت أحاديث في شأن وفاة سعد ما يكشف عن التأويل فيه. # 64 - حدثنا هارون بن حاتم الكوفي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن ~~الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ، ~~لما مات سعد، نزل جبريل فقال: يا محمد! رجل من أمتك مات اهتز له العرش، ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فإذا امرأة في المسجد، ~~فقالت: يا رسول الله! إن سعد بن معاذ قد مات، فشهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جنازته، فجلس على القبر، فقال: ((لا إله إلا الله، سبحان الله -ثم ~~قال-: هذا العبد الصالح لقد ضيق عليه قبره حتى خشيت أن لا يوسع عليه، ثم ~~وسع عليه)). PageV01P091 # 65 - حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: ~~حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، قال: افتخر الحيان من الأنصار: ~~الأوس والخزرج، فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة: حنظلة بن الراهب، ومنا من ~~اهتز لموته عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومنا من حمته الدبر: عاصم بن ثابت بن ~~الأفلح، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين: خزيمة ابن ثابت، فقال الخزرج: ~~منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه أحد غيرهم: زيد بن ثابت، وأبو زيد، وأبي ~~بن كعب، ومعاذ بن جبل. # 66 - حدثنا نصر بن ms0032 يحيى، قال: حدثنا محمد بن يعلى السلمي، عن محمد بن ~~عمرو بن علقمة، عن بحر بن PageV01P092 ~~مرار بن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن الحسن البصري، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((لقد اهتز عرش الرحمن لوفاة سعد ابن معاذ فرحا به، فرحا ~~به، فرحا به)). # فقد كشف عن معنى اهتزازه أنه الفرح للقائه، وإذا كان العبد ممن يفرح خالق ~~العرش بلقائه، ففرح العرش به يدق في جنب فرح خالقه. PageV01P093 ### || AUTO الأصل العاشر # 67 - حدثنا حميد بن الربيع اللخمي، قال: حدثنا محمد بن حميد، عن معمر، عن ~~أيوب، وكثير بن كثير بن المطلب، يزيد أحدهما على الآخر، عن سعيد بن جبير، ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم))، أو قال: ((لو لم تغترف الماء، ~~لكانت زمزم عينا معينا)). PageV01P095 # قال أبو عبد الله: ينبئك أن الحرص داخل بالفساد على الأشياء؛ لأن الحرص من ~~النهمة، وخلق الله هذا الآدمي في غيب منه فقيرا محتاجا مضطرا، فهو ينتظر ~~الأسباب، ويطلبها، ويحرص عليها، وهو معترف على حد الإيمان به أنه هو الذي ~~يجريها ويوصلها إليه على أيدي الأسباب، ثم تأخذه الحيرة والعجلة التي ركبتا ~~فيه، هذا لأهل اليقين كائن. # وأهل الغفلة مفتونون فيها، يعصونه، ويضيعون حدود الله خالق الأسباب، ~~فأدرك أم إسماعيل ما يدرك الآدميين من هول الغربة والوحشة في تلك المفازة ~~والعطش الذي حل بابنها، وكربها شأن ذلك، حتى أخذت تعدو هكذا وهكذا في طلب ~~الماء، وتستغيث، فلما جاءها الغياث، لم تنفك من العجلة التي ركبت في ~~الآدمي، وخلق الإنسان من عجل، فاغترفت، فأحرزته في وعائها، فانقطع المدد، ~~فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنها لو اطمأنت في ذلك الوقت إلى من ~~أجرى لها ذلك، لكفيت عن PageV01P096 ~~الاغتراف والإحراز في الوعاء، لجرت، وبقيت جارية إلى يومنا هذا، ولكنها لما ~~عاينت الماء، اهتشت النفس إليه؛ للحاجة والضرورة التي قد كانت حلت بها، ~~فشغلت بالموجود عن الذي أوجده، ms0033 حتى حملتها النفس على الاحتراز؛ لتطمئن. # وهو قول سلمان، حيث رئي يحمل جرابا، فقيل له: ما هذا يا أبا عبد الله؟ ~~قال: إن النفس إذا أحرزت رزقها، اطمأنت. # فهذا عمل النفس ليس عمل القلب؛ فإن القلب موقن أن الرزق هو الذي يوصله ~~الله إليه في وقته، والنفس في عماها وظلمتها تزعم أن الرزق هو الذي توعيه ~~في جرابها، فصاحبها في بلاء من وسوستها وتقاضيها، فإذا أراد صاحبه أن يتخلص ~~منها حتى لا توسوسه، ويفرغ قلبه من وسوستها، أسعفها بذلك، كما فعل سلمان، ~~فتطمئن إلى ذلك، PageV01P097 ~~وتسكن، ويتفرغ القلب ويستريح من تقاضيها. # ومما تورد عليه في هذا الباب يهيئ الله له رزقه المكتوب له في اللوح من ~~غير ذلك الذي هيأه في جرابه، حتى تبين له كذبه وجهله، وإذا الذي وعاه سلط ~~عليه غيره حتى أخذه، فصار الذي وعاه رزق غيره، فمن أحرز ذلك، فإنما فعله ~~لطمأنينة نفسه وقرارها؛ ليتفرغ قلبه لله من وسواسها، وهذا فعل يدخل فيه نقص ~~على أهل التوكل، والأنبياء والأولياء والعارفون في خلو من هذا؛ لأن الشهوات ~~منهم قد ماتت، والنفس قد اطمأنت بخالقها، والقلوب منهم قد حييت بالله، ~~والصدور منهم قد أشرقت بنور الله، والأركان منهم قد خشعت لله، فسواء عليهم ~~أحرزوا، أو لم يحرزوا، فإن أحرزوا، فليس ذلك منهم إحرازا، إنما هو شيء قد ~~ائتمنوا عليه، فأخذوه من الله بأمانة، ووقفوها على نوائب الحق، فما صار ~~بأيديهم من الدنيا، فهي موقوفة ينتظرون نوائب الحق، قد ملئت قلوبهم من عظمة ~~الله وجلاله، فلم يبق للدنيا بما فيها موضع رأس إبرة تحل حلاوتها وشهوتها ~~ولذتها هنالك. # فقد ارتفعت فكر شأن الأرزاق والمعاش عن قلوبهم، وتعلقت نفوسهم PageV01P098 ~~بقلوبهم، فعلقت قلوبهم بخالق الأرزاق، وعالم التدبير، وقالوا: حسبنا الله، ~~فخرجت هذه الكلمة منهم من قلب حيي بالله على بصيرة من النفس، فلم يبق في ~~صدورهم اختلاج ولا تنازع ولا ريب، واستقرت الأركان، فمتى ما وقع بأيديهم ~~شيء من الدنيا، لم يحبسوها لأنفسهم، وعدوها أمانة قد ائتمنهم الله عليها. # كما قال ms0034 رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا خازن أقسم، والله ~~يعطي، فأنا أبو القاسم أقسم، والله يعطي)). # 68 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، ~~قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد)). PageV01P099 # 69 - حدثنا أحمد بن رشيد بن خثيم الهلالي، قال: حدثي عمي أبو معمر سعيد بن ~~خثيم، قال: حدثني محمد بن النضر الملائي، قال: كنت عند الحجاج، وعنده أنس ~~بن مالك، فقال: كنت خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فأهدي له ~~طيران، فتعشى بأحدهما، وخبأت له أم أيمن الآخر، فلما أصبح، قال: ((يا أم ~~أيمن! هل عندك من غداء؟))، قالت: أحد الطيرين، قال: ((يا أم أيمن! أما علمت ~~أن أخي عيسى لا يخبئ عشاء لغداء، ولا غداء لعشاء، يأكل من ورق الشجر، ويشرب ~~من ماء المطر، ويلبس المسوح، ويبيت حيث يمسي، ويقول: يأتي كل يوم PageV01P100 ~~برزقه؟))، قالت: يا رسول الله! لا أخبأ لك شيئا بعدها أبدا. # 70 - حدثنا محمد بن عمر بن الوليد الكندي، قال: حدثنا مفضل بن صالح، عن ~~الأعمش، عن طلحة اليامي، عن مسروق، عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: ((أطعمنا يا بلال))، قال: ما عندي إلا صبر من تمر ~~قد خبأته لك، فقال: ((أما تخشى أن يخسف الله به في نار جهنم؟! أنفق بلالا، ~~ولا تخش من ذي العرش إقلالا)). PageV01P101 # 71 - حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو غسان، عن قيس، عن أبي حصين، عن يحيى بن ~~وثاب، عن مسروق، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بمثله. # وخبأت أم سلمة فدرة من لحم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعته في ~~كوة، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قربته إليه، فإذا هي قطعة ~~كدانة أو حجر، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((هل سأل بالباب ~~سائل؟))، قالت: نعم، قال: ((فمن أجل ذلك))، أو كما ms0035 قال. # 72 - حدثنا علي بن سعيد المسروقي، وعلي بن حجر، قال[ا]: حدثنا ابن ~~المبارك، عن حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن عبد الله بن هبيرة، عن أبي ~~تميمة الجيشاني، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: PageV01P102 # ((لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح ~~بطانا)). # وقال تعالى في تنزيله: {وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها}، ثم ~~قال: {وإياكم}، فأخبر أن الدواب لا تحمل رزقها، وأن المتوكل يرزق كما يرزق الطير. # قال له قائل: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل قوت سنة لعياله، وقد تواترت PageV01P103 ~~الأخبار بذلك من فعله. # قال له: ليس الإدخال من الادخار في شيء، إنما قسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خيبر مما أفاء الله عليه، فأدخل لعياله من الخمس قوتهم، وكذلك من ~~بني قريظة، والنضير، تلك أمانة ائتمنه الله عليها، وسلطه على ذلك، وقسم، ~~وصرفها في نوائب الحق، والقلب منه خال، ملك من الملوك غني بالله، حر من ~~الأحرار، فماذا ضره؟ وهل كان سبيل ذلك المال الذي أوتي إلا هكذا؛ أن يصرفه ~~في نوائب الحق، فصرفه في الكراع والسلاح، وفي ذوي الحاجات من الأباعد، فما ~~باله يحرم عياله؟ فلم يجئك في الخير: أنه أدخل قوت سنة لنفسه، إنما ذلك ~~لعياله، وعياله كسائر الناس، ولا يحمل عياله ما لا يطيقونه، فإنما يطيق هذا ~~الأنبياء، والأولياء، وأهل اليقين الذين تقوم بهم الأرض، قد طهرت قلوبهم، ~~وتنزهت نفوسهم من تهمة الله. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال له ذلك الرجل: قد ~~أكثرت علي، فأوصني بوصية قصيرة، قال: ((اذهب ولا تتهم الله على نفسك)). PageV01P104 # فأهل اليقين فوضوا أمرهم إلى الله عز وجل، وخلت قلوبهم من فكر التدبير ~~لأنفسهم من جميع أمورهم وأحوالهم، فزالت التهمة عنهم. # وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقعت الأموال بيده، يصرفها في ~~الكراع والسلاح؛ لحاجتهم في ذلك الوقت ms0036 إلى ذلك، فكان يرفع مقدار قوت نسائه؛ ~~ليعلم ما يبقي هناك، فيصرفه في هذه الوجوه، فكأن الذي يدخره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنما يخزنه على نوائب الحق، فلا يضره خزنه، وإنما يضر الذي ~~خزنه لنفسه، فكذلك الذي ادخره. # وقد أمر الله تعالى بحرز الأموال وحفظها، فقال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم التي جعل الله لكم قياما}، فإذا أحرزه، فإنما يحرزه لما ينوب من ~~حقوق الله، حتى يصرفه فيه، فهو مأجور فيه، وخازن من خزانه، وإذا أحرزه ~~ليتخذه عدة لنوائب نفسه ودنياه، فهو في نقص وإدبار وخذلان من الله، ومسؤول ~~غدا عن كل درهم منه، من أين، ولم، وفي أين؟ فليس في إدخال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قوت سنة لعياله علينا دخل فيما قلناه، فإنه كان خازنا، فلما ~~وقع بيده، قسم لعياله مثل ما كان يقسم لغيرهم، فإنه إحدى نوائب الحق. # وأيضا خلة أخرى: أنه كائن أن نفوس أزواجه كانت لا تطمئن إلا على الإحراز، ~~فلم يكلفهن ما ليس ذلك لهن مقام، وإنما زجر بلالا في PageV01P105 ~~حديثه أنه قال: خبأته لك يا رسول الله، فقال: ((أما خفت أن يخسف الله به في ~~نار جهنم؟!)). # كما صنعت أم سلمة، فصارت بضعة اللحم فلذة حجر؛ لأنها خبأت له. # والحديث الذي جاء أنه قال لأم أيمن ما قال كذلك أيضا، فإنها قالت: خبأته لك. # وكذلك قول أنس: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد)). # فهذا يدل على أنه كان لا يدخر لنفسه. # فأما عياله، فقد كان يبعث إليهم مما يبقى عندهم أياما، فأما فعل أم ~~إسماعيل، فإنها كانت في حال ضرورة، فلما زالت الضرورة، أخذتها عجلة النفس ~~التي ركبت في الآدمي، فجعلته في الوعاء، فاستقر، وامتنع ما ظهر؛ لانقطاع ~~المدد، وإنما كان ذلك بدؤه من الكرم، فلو تلقاه كرم الآدمية، لكان شكرا، ~~والشاكر في مزيد، وكان يجري فلا ينقطع المدد، ولكنه تلقاه لؤم النفس؛ فإن ~~النفس لئيمة، فتراجع الكرم وأعرض موليا لما لم يجد له قابلا ms0037 يحسن قبوله، ~~وكانت تلك عين سوغ الله لها مخرجها من الجنة كرما إلى تلك البقعة من دار ~~الدنيا، وبعث جبريل عليه السلام، فكانت منه هزمة بعقبه، فانتبع الماء، فكان ~~ذلك من كرم ربنا، عاملها على بغيتها وسالمتها، فكان الأليق بهذا الفعل منها ~~أن تأخذ منها حاجتها على تؤدة PageV01P106 ~~وأناة، وسعة صدر وحياء منه، وتكرم وتعفف، وتذر ما بقي بين يدي من أجراه لها ~~حتى تنظر ما يدبر فيه، فلما عجلت وأخذت تدبر لنفسها، فعلت فعلا غير لائق ~~بكرم ربنا علينا. # ومثال ذلك في الآدميين فيما بينهم موجود، فلو أن ملكا من ملوك الدنيا نظر ~~إليك في وقت حاجتك إلى شيء، فرحمك؛ كأن رآك جائعا، فهيأ لك مائدة عليها ~~ألوان الطعام؛ لتأخذ منها حاجتك، فجعلت تأكل لقمة، وتضع لقمة تحت المائدة ~~تخزنها لنفسك، ألم يكن. # ولو نظر إليك في وقت حاجتك إلى كسوتك، ففتح عليك باب خزانته لتكتسي منها، ~~فرفعت منها كسوتك، ثم مددت يدك بالعجلة والحرص إلى أثواب لتخزنها في بيتك ~~وخزانتك، أليس ذلك مما يضعك عنده؟ وأريته نفسك من عندك أنك اتهمته على ~~نفسك، وأنت إذا نطقت، قلت: أنت خير لي من نفسي، ألم يك يضع ذلك القول منك ~~على الهذيان، ويقول في نفسه: فإن كنت أنا خيرا لك من نفسك، فما الذي حملك ~~على أن مددت يدك إلى ما لا تحتاج إليه من الفضول تريد أن تخزنه لنفسك دوني؟! # فإذا كان هذا سمجا قبيحا عند ملوك الدنيا مثل هذه المعاملة، فكيف بمن ~~يعامل رب العالمين بمثل هذا؟ فكلما أعطاك شيئا من الدنيا، فتناولته على غير ~~حد الأمانة، فأنت في هذا اللؤم إلى القرن والقدم حتى تأخذه على سبيل أنه ~~ماله ائتمنك عليه؛ لتصرفه في نوائب حقوقه. PageV01P107 # فأول حقوقك: نفسك، وعيالك، ثم أرحامك، وجيرتك، ثم نوائب الحق التي تنوبك، ~~واحدا على أثر واحد. # وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سئل، فقيل: يا رسول الله! إني ~~أصبت دينارا، قال: ((أنفقه على نفسك))، قال: أصبت آخر؟ قال: فلم ms0038 يزل يقول: ~~أصبت آخر، وهو يأمره بصرفه في وجه حتى كان في السابعة، قال: أصبت آخر، قال: ~~((أنفقه في سبيل الله، وذلك أخسهن وأدناهن أجرا)). # رواه سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # 73 - حدثنا بذلك صالح بن محمد، قال: حدثنا القاسم العمري، عن محمد بن ~~حميد مولى آل مخرمة، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. PageV01P108 # فإذا تناولته على طمع أو حرص أو شره، صارت عليك فتنة، وكنت تناولته لغير ~~الله، وأنت يطال في عمرك، فإحرازك وادخارك لؤم وعيب ودناءة، وظلمة تعود على ~~القلب، ودنس على الفؤاد، وسقم في الإيمان، وسم في الطاعات. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا سلمان! قل: اللهم إني ~~أسألك صحة في إيمان)). # فهل يأمره بسؤال الصحة في الإيمان إلا من سقم؛ لأنه رأى في سلمان ما قال: ~~إن النفس إذا أحرزت رزقها، اطمأنت، فمن كانت نفسه مطمئنة بالأحوال، فهكذا ~~سبيله وشأنه، ومن كانت نفسه مطمئنة بربه، فلو أعطي PageV01P109 ~~الدنيا كلها، لم يلتفت إليها، وكانت عيناه إلى ربه، وسكونه إليه، وكان فعل ~~أبي بكر رضي الله عنه يدل على أنه ممن هو بهذا موصوف. # وروي لنا أن أبا بكر رضي الله عنه تلا هذه الآية بين يدي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: {يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية}، ~~فقال: ما أحسن هذا يا رسول الله! فقال: ((يا أبا بكر! أما إن الملك سيقولها ~~لك عند الموت)). # 74 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا علي بن بحر، عن سويد بن عبد ~~العزيز، عن ثابت بن عجلان، عن سليم بن أبي عامر، قال: سمعت أبا بكر الصديق ~~رضي الله عنه يقول: قرئت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فذكر ~~الحديث إلى آخره، مثله. PageV01P110 # فهذه نفس رضيت عن الله بجميع ما دبر لها من المحبوب والمكروه؛ لأنها لذت ms0039 ~~بجوار الله وقربه، فلهت عن لذاذتها الدنيا، فرضي الله عنها، وبشرت عند ~~الموت بذلك. # وأما قوله: ((لكانت زمزم عينا معينا))؛ أي: مرئيا ظاهرا تجري، فالعين: ~~التي تعاين بالعيون، معناه: أنها لا تركد، ولكن تجري ظاهرا حتى يعاينوه، ~~فبقي عينا، وليس بمعين؛ لفعل أم إسماعيل -رحمة الله عليها-. PageV01P111 ### || AUTO الأصل الحادي عشر # 75 - حدثنا نصر بن علي الحداني، قال: أخبرني عكرمة بن خالد بن سلمة ~~المخزومي، قال: سمعت أبي يقول: سمعت ابن عمر رضي الله عنه يقول: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تضربوا الرقيق؛ فإنكم لا تدرون ما ~~توافقون)). # قال أبو عبد الله -رحمة الله عليه-: فالضرب أصله تأديب، وقد ندب الله ~~العباد إلى تأديب أهلهم، فقال: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس ~~والحجارة}، فوقايتك نفسك وأهلك: أن تعظها وتنصحها، وتزجرها عن عمل يوردها ~~النار، وتقيم أودهم بأنواع الأدب، فمن الأدب: PageV01P113 # الموعظة، ومن الأدب: الوعيد، ومن الأدب: الضرب، وحبس المنافع، ومن الأدب: ~~الرفق والعطية والنوال والبر، فإن ذلك ربما كان أدعى لهم من الوعيد والضرب، ~~وبين النفوس تفاوت، فنفس تضرع وتخضع لك بالبر والعطية والرفق، فهي نفس ~~كريمة، ونفس تضرع وتخضع بالغلظة والشدة والعنف عليها، فهي نفس لئيمة، فلو ~~حملت هذا على تلك النفس، لأفسدتها، ولو حملت هذا على النفس الأخرى، ~~لأفسدتها. # وقد جعل الله الحدود أدبا لعباده، ومزجرة للآخرين، وموعظة للمتقين، ومن ~~دون الحدود تعزيرا على قدر ما يأتون من المنكر، فأدب الأحرار إلى السلطان، ~~وأدب المماليك والعبيد والأولاد إلى السادات والآباء، هذا كله داخل في ~~قوله: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا}، فإذا أدبه قومه، وإذا قومه، فقد وقاه ~~النار؛ لأن في الأدب قمع النفس الأمارة بالسوء، والنار دار الأعداء، والجنة ~~دار الأولياء، وهم الموحدون، وجعل ممر الموحدين إلى الجنة على النار، فقال: ~~{وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا. ثم ننجي الذين اتقوا ونذر ~~الظالمين فيها جثيا}، فوعد النجاة للمتقين، وحذر الموحدين، وجعل خبر ممرهم ~~عليها وعيدا PageV01P114 ~~هائلا، عظيما شأنه، يذهل النفوس، ويخمد الشهوات، ms0040 فالأدب غذاء النفوس ~~وتربيتها للآخرة. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لأن يؤدب أحدكم ولده ~~خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع)). # 76 - حدثنا بذلك صالح بن عبد الله، قال: حدثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، عن ~~ناصح المحلمي، عن سماك، عن جابر بن سمرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV01P115 # 77 - وحدثنا نصر بن علي الحداني، ومحمد بن موسى الحرشي، قالا: حدثنا عامر ~~بن أبي عامر الخزاز، قال: حدثنا أيوب بن موسى الحرشي، عن أبيه، عن جده، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن)). PageV01P116 # وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ضرب الرقيق إذا زنوا فقال: # ((إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها، ثم إذا زنت، فليجلدها)). # 78 - حدثنا بذلك قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وزيد بن خالد ~~الجهني، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. PageV01P117 # فالحدود والتعزير بمكانهما على الأحرار والرقيق. # وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تضربوا الرقيق))، فخليق أن ~~يكون إنما نهى عن ضربهم على غضب المولى لنفسه على نفع أو ضر، لا لله، فأما ~~إذا ضربه تأديبا ليقومه؛ لئلا يعصي الله في أموره، ولئلا يعصي المولى في ~~أموره اللازمة له، فإن عصيانه وتضييع أموره معصية لله، فذلك مما يجب عليه، ~~وهو داخل في قوله: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا}. # (فالعبيد والإماء من الأهلين، وإنما حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~-فيما نرى- أن يضرب في نفع أو ضر؛ فإن قليلا من الناس من يتمالك هناك حتى ~~يكون ضربه لله، لا لنفسه، إلا أهل اليقين الذين قد عروا عن خيانة النفوس، ~~فهم في قبضة الله، به ينطقون، وبه يبطشون، فأدبهم شفاء للصدور بما فيها، ~~ومن دونهم من الناس قلما يسلمون على ضرب المماليك في ضر أو نفع إلا وغضبهم ms0041 ~~لأنفسهم، لا لله، فإذا ضربوا، فالقصاص قائم فيما بينهم يوم لا يجاوزه ظلم ~~ظالم، ولا ظالمه، وهو بالمرصاد). # 79 - حدثنا محمد بن مقاتل، قال: حدثنا عيسى بن PageV01P118 ~~إبراهيم القرشي، عن داود بن قيس المديني، عن زيد بن أسلم، قال: قال رجل: يا ~~رسول الله! ما تقول في ضرب المماليك؟ قال: ((إن كان ذلك في كنهة، وإلا، ~~أقيد منكم يوم القيامة))، قيل: يا رسول الله! ما تقول في سبهم! قال: مثل ~~ذلك، قالوا: يا رسول الله! فإنا نعاقب أولادنا ونسبهم، قال: ((إنهم ليسوا ~~مثل أولادكم، إنكم لا تتهمون على أولادكم)). # 80 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا أصبغ بن الفرج، قال: أخبرني ابن ~~وهب، عن مخرمة، أخبره، عن أبيه، عن عبد الله بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن ~~أبيه، قال: قال رجل: يا رسول الله! كيف ترى في رقيقنا، أقوام مسلمون يصلون PageV01P119 ~~صلاتنا، ويصومون صيامنا، نضربهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((يوزن ذنبهم وعقوبتكم إياهم، فإن كانت عقوبتكم أكثر من ذنبهم، أخذوا ~~منكم))، قال: أفرأيت سبنا إياهم؟ قال: ((يوزن ذنبهم وأذاكم إياهم، فإن كان ~~أذاكم أكثر، أخذوا منكم))، قال الرجل: ما أسمع عدوا أقرب إلي منهم، فتلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك ~~بصيرا}، فقال الرجل: أرأيت يا رسول الله ولدي، أضربهم؟ قال: ((إنك لا تتهم ~~في ولدك، لا تطيب نفسا تشبع ويجوع، وتكتسي ويعرى)). # 81 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا زافر بن سليمان، عن إسماعيل بن ~~عياش، عن عمر مولى غفرة، عن زياد بن أبي زياد، قال: جاء رجل فقال: يا رسول ~~الله! إن لي مالا، وإن لي خدما، وإني أغضب، فأعزم وأشتم وأضرب، PageV01P120 ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((توزن ذنوبه بعقوبتك، فإن كانت سواء، ~~فلا لك ولا عليك، وإن كانت العقوبة أكثر، فإنما هو شيء يؤخذ من حسناتك يوم ~~القيامة))، فقال الرجل: أوه، أوه، يؤخذ من حسناتي؟ أشهدك يا رسول الله أن ~~مماليكي أحرار، أنا لا ms0042 أمسك شيئا يأخذ من حسناتي، قال: ((فحسبت ماذا؟ ألم ~~تسمع إلى قول الله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} الآية؟!)). # قال أبو عبد الله: # فقد كشفت هذه الأحاديث عن الوجهين جميعا، فكل ضرب للماليك مما هو لله حد، ~~أو تعزير، أو تقويم للمماليك يؤدبه لله، فهو مأجور، وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته))، وكل ضرب إنما ضربه PageV01P121 ~~تشهيا لشيء غاظه، فالقصاص قائم، فإن كان في ذلك تعد، أخذ بالعدوان من ~~حسناته على ما جاء في التنزيل، فذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فحديث ابن عمر: ((لا تضربوا الرقيق)) محمول على أن لا يضربه للتشفي ~~لغيظه، فإنه لا يدري ما يوافق الضربة من أعضائه، فربما وقت على عين ففقأها، ~~وربما وقعت على عضو فكسر، وربما وقع على صدر أو خاصرة فقتل، فحذرهم أن ~~يضربوا مماليكهم، فيحدث منهم حدث يشرك في دمه. # ومن أدب لله، فمات في ذلك الأدب، لم يؤاخذ به إذا كان ذلك حدا معلوما، ~~فضربه، فلم يجاوز، ولم يتعد فيه. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من لاءمكم من رقيقكم، ~~فأطعموهم مما تطعمون، واكسوهم مما تكتسون، ومن لا، فبيعوهم، ولا تعذبوا خلق ~~الله)). PageV01P122 # فالضرب المحمود: ما كان لله، والضرب المهجور: ما كان للنفس. # والناس في هذا على طبقات: فمن كان قلبه لله، أمكنه أن يؤدبه في أمر ~~الدنيا والآخرة لله، ومن لم يكن قلبه لله، فكان الغالب عليه هواه ونفسه، لم ~~يمكنه أن يضربه إلا في أمر الدين فقط، حتى يكون لله، فأما في أمر الدنيا من ~~ضر أو نفع، فلا قوام له في تأديبه؛ لأنه إنما يغضب لنفسه، ألا ترى أنه لما ~~ارتفعت التهمة في شأن الولد، ذهب القصاص؛ لأن ذلك لله، وذهب نصيب النفس، ~~وكذلك اليتيم. # 82 - حدثنا أبي رحمه الله قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا أبو معاوية، عن ~~الحجاج، عن عبد الملك بن رزين، عن بلال، قال: قال رجل: يا رسول الله! إن في ~~حجري ms0043 يتيما، أفأضربه؟ قال: ((نعم، مما تضرب منه ولدك)). PageV01P123 ### || AUTO الأصل الثاني عشر # 83 - حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن المؤذن، قال: حدثنا موسى ~~بن عبد الله بن سعيد الأزدي، قال: حدثنا محمد بن زياد الكلبي، عن بشر بن ~~الحسين الهلالي، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعط الأجير أجره من قبل أن يجف عرقه)). PageV01P125 # قال أبو عبد الله -رحمة الله عليه-: وذلك لأن أجرته من عمالة جسده. # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن الله -تبارك اسمه-: ~~أنه قال: ((ثلاثة أنا خصمهم، ومن كنت خصمه، خصمته: من باع حرا وأكل ثمنه، ~~أو ظلم أجيرا أجره، أو ظلم امرأة مهرها)). # فهؤلاء كلهم أحرار، وهي أثمان نفوسهم، فخصمهم مالكهم، فلذلك PageV01P126 ~~أمر بتعجيل أجره؛ لأنه قد عجل منفعته، ومن شأن الباعة إذا سلموا المبيع ~~قبضوا الثمن عند التسليم، فهذا أحق وأولى؛ إذ كان ثمن مهجته، لا ثمن سلعته. PageV01P127 ### || AUTO الأصل الثالث عشر # 84 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عبد الله ابن أبي حسان القيسي، عن ~~حسن بن علي بن حسين، عن أبيه، عن حسين بن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ينبغي لعين مؤمنة ترى أن يعصى الله فلا تنكر ~~عليه)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: فالإيمان قد اشتمل على الجوارح السبع اللاتي ~~أخذ عليهن العهد والميثاق، وأتمن العبد عليهن، ووكل برعايتهن، ومستقره في ~~القلب، والشهوة في النفس، وسلطانها في الصدر، ثم يتأدى إلى هذه الجوارح ~~السبع، فمن صدق الإيمان أن يكون سلطان كل جارحة منطفئا بما اشتمل عليه من ~~سلطان الإيمان، فإذا كان كذلك، فقد ملك نفسه، ولا يستعمل شهوة بجارحة من ~~الجوارح السبع إلا فيما أذن الله له فيه، فإذا رأى غيره قد استعملها فيما ~~لم يأذن به الله، أنكره. PageV01P129 # والإنكار على ثلاثة منازل: فمنكر بقلبه ولسانه ويده، ومنكر بقلبه ولسانه، ms0044 ~~ومنكر بقلبه. # وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((الجهاد ثلاثة: ~~جهاد باليد واللسان والقلب، وجهاد باللسان والقلب، وجهاد بالقلب، وذلك أضعف ~~الإيمان)). # قال: فأول ما ذكر جهاد اليد، ثم جهاد اللسان، ثم جهاد القلب حتى لا ينكر منكر. # 85 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرنا ~~عبد العزيز بن محمد، قال: حدثني الحارث بن فضيل، عن جعفر بن عبد الله بن ~~الحكم، عن PageV01P130 ~~عبد الرحمن بن مسور بن مخرمة، عن أبي رافع مولى رسول الله، عن ابن مسعود، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما كان لله نبي إلا وله حواريون يهدون ~~بهديه، ويستنون بسنته، ثم يكون من بعده خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويعملون ~~ما ينكرون، فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمن، ومن ~~جاهدهم بلسانه، فهو مؤمن، وليس وراء ذلك مثقال حبة من إيمان)). # وهو كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شأن بني إسرائيل: أن الملوك ~~لما أحدثت في دينهم الأحداث، صار أهل الهدي على ثلاثة فرق: فرقة قاتلت ~~الملوك على دين الله، وفرقة لم يكن لهم طاقة بقتالهم، ولكنهم قاموا في PageV01P131 ~~قومهم، فذبوا عن دينهم، فأخذوا وقتلوا، وفرقة خرجت من بين أظهرهم، فساحت في ~~البراري، فنجت هذه الثلاثة، وهلك سائرهم. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ليس لمؤمن أن يذل ~~نفسه))، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: ((يتكلف من البلاء ما لا يطيق)). # معناه: أنه إذا علم أنه إذا غير المنكر على القوي، ابتلي به، فكف عنه، ~~وأنكر بقلبه؛ لأن ما يفسد أكثر مما يصلح. # وروي: أن هذه الآية إنما نزلت في شأن هؤلاء؛ قوله تعالى: {يأيها الذين ~~آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} أنها في وقت الفساد، وأنه ~~لا يقبل منكر، فعندها لا يضرك ضلالتهم. PageV01P132 # 86 - حدثنا محمد بن أبان الهلالي، قال: حدثنا أيوب بن سويد الرملي، قال: ~~حدثنا عتبة بن أبي ms0045 حكيم، قال: حدثني عمرو اللخمي، عن أبي أمية الشعباني، ~~قال: سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية: {يأيها الذين آمنوا عليكم ~~أنفسكم}، فقال لي: لقد سألت فيها خبيرا، سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: ((يا أبا ثعلبة! ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، وإذا ~~رأيت دنيا مؤثرة، وشحا مطاعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك؛ فإن من ~~بعدكم أيام الصبر، المتمسك يومئذ بمثل الذي أنتم عليه له كأجر خمسين ~~عاملا))، قالوا: يا رسول الله! كأجر خمسين عاملا منهم؟ قال: ((لا، بل ~~منكم)). PageV01P133 # 87 - حدثنا حميد بن علي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حدثنا ~~جعفر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن المغيرة، عن ~~إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((المتمسك بسنتي عند اختلاف أمتي كالقابض على الجمر)). PageV01P134 ### || AUTO الأصل الرابع عشر # 88 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا محمد بن وهب الواسطي، عن الوليد ~~بن مسلم، عن أبي بكر بن أبي مريم، قال: حدثني حكيم بن عمير أبو الأحوص، عن ~~أبي ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا عبيدة! لا تأمنن على أحد بعدي)). PageV01P135 # قال أبو عبد الله: فالرسول صلى الله عليه وسلم مأمن الخلق ومفزعهم، له عطف ~~الآباء، وشفقة الأمهات، ورحمة الوالهات، وشهد الله له في تنزيله أعظم ~~شهادة، فقال تعالى: {عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم}. # فقد حشي بالرأفة والرحمة، والنصيحة لله في خلقه، واستنار قلبه بنور الله، ~~فدقت الدنيا بما فيها في عينه، وصغر عنده بذل نفسه لله في جنب الله، فكان ~~مفزعا، وكان مأمنا، وكان غياثا، وكان رحمة، وكان أمانا. # فأما المفزع: فقال تعالى في تنزيله: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما}. # وكان مفزعا لهم عند الذنوب يصيرون إليه حتى يستغفر لهم. # وفي المأمن: قوله ms0046 تعالى: {ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى}؛ أي: ~~يأمنون بقوله: لا ينطق عن الهوى. # وفي الغياث: قوله تعالى: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها}. # وفي الرحمة: قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. PageV01P136 # وفي الأمان: قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}، فليس لأحد بعد ~~الرسول هذا المقام، صديقا كان أو فاروقا أو أمينا، فلذلك قال: ((لا تأمنن ~~على أحد بعدي))؛ أي: كأمنك علي؛ كأنه دله على أن يكون على حذر، ويحترس، ولا ~~يتكل، ولا يأمن على من بعده كاتكاله عليه؛ فإن الشيطان يجري من بني آدم ~~مجرى الدم، وليس لمن بعده عصمة الرسل -عليهم السلام-. # فالمعصوم مأمون، ومن خلا من عصمتهم فغير مأمون أن يستغل العدو منهم هفوة ~~أو زلة، ألا ترى أن أبا بكر رضي الله عنه خطب الناس فقال: ((إن لي شيطانا ~~يعتريني فاجتنبوني إذا غضبت، لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم، وإذا زغت، ~~فقوموني)). # وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((ما منكم أحد إلا وقد وكل ~~به قرينه من الشيطان))، قالوا: ومعك يا رسول الله؟ قال: ((ومعي، ولكن الله ~~أعانني عليه فأسلم)). PageV01P137 # فكأن الله قد عصمه، واكتنفه، وتولاه، وطهره، وطيبه، وحسن أخلاقه، وأقامه ~~على أدب القرآن، وأثنى عليه فقال تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم}، وكان قد بلغ ~~من أمانته ما يعجز الواصف عنه. # وروي عنه: أنه أراد قتل بعض المشركين العتاة، وكان قد أمرهم أن يقتلوه، ~~وإن وجدوه متعلقا بأستار الكعبة، فجاء به عثمان يسأل له الأمان، فسكت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ثم سأله فسكت، ثم سأله الثالثة، فأعطاه الأمان، ~~فقال: ((انتظرت أن يقوم أحدكم فيضرب عنقه))، قالوا: فهلا أومأت؟ قال: ((إنه ~~لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين)). # وروي عنه -أيضا-: أنه كان إذا مشى لا يلتفت، فكان أصحابه قد أمنوا ~~التفاته، ويضحكون، ويمزحون، فربما تعلق رداؤه بشجرة، أو بشيء، فيقوم، ولا ~~يلتفت حتى يضعوه عليه. PageV01P138 # 89 - حدثنا بذلك: الفضل بن محمد، قال: حدثنا ms0047 عبد الرحمن بن عبد الحكم ~~المصري -بالراء- المصري، قال: حدثنا شعيب بن يحيى، قال: حدثنا عبد الجبار ~~بن عمر، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يلتفت وراءه إذا مشى، وربما تعلق رداؤه بالشيء، أو ~~بالشجرة، فلا يلتفت حتى يضعوه عليه؛ لأنهم كانوا يمزحون ويضحكون، فكانوا قد ~~أمنوا التفاته. # 90 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا جميع بن عمر العجلي، قال: حدثنا ~~رجل من بني تميم من ولد أبي هالة، عن ابن لأبي هالة، عن الحسن بن علي، عن ~~هند ابن أبي هالة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التفت، التفت جميعا. PageV01P139 ### || AUTO الأصل الخامس عشر # 91 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا المفضل بن فضالة، عن ربيعة بن سيف ~~المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: ~~قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فلما انصرف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وانصرفنا معه، فلما حاذى بابه، وقف، وتوسط الطريق، فإذا هو ~~بامرأة مقبلة، لا نظنه عرفها، فلما دنت، إذا هي فاطمة، فقال لها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟))، قالت: أتيت أهل هذا ~~الميت، فرحمت إليهم ميتهم، أو عزيتهم -لا يحفظ ربيعة أي ذلك قال-، فقال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فلعلك بلغت معهم الكداء؟))، قالت: معاذ ~~الله! وقد PageV01P141 ~~سمعتك تذكر فيهم ما تذكر، قال: ((لو بلغت معهم الكداء، ما رأيت الجنة حتى ~~يراها جدك أبو أبيك)). # قال قتيبة: الكداء: المقبرة. # قال أبو عبد الله: فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم لمحق آثار ~~الجاهلية وطمسها، فكان من شأنهم إذا مات لهم ميت أن يخمشوا الوجوه، وينتفوا ~~الشعور، ويشقوا الجيوب، ويخرقوا البيوت، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((ليس منا من حلق أو خرق أو سلق)). PageV01P142 # ولعن في حديث آخر: ناشرات الشعور، واللاتي ينعون بأصوات الحمير، وزجرهم عن ms0048 ~~ذلك زجرا شديدا، ونهاهم عن زيارة القبور؛ لحداثة عهدهم بالكفر، ولما كان ~~لهم في زيارة القبور من الفتنة، حتى إذا رآهم قد استحكموا الإسلام، وصاروا ~~أهل يقين وبر وتقوى، وصارت القبور لهم معتبرا بعد أن كانت مفتتنا، خلى عنهم. PageV01P143 # فقال: ((إني نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإن لكم فيها معتبرا)). # وسكت عن ذكر النساء؛ لضعفهن ورقتهن وسرعة افتتانهن، وأنهم لسن بموضع ثقة ~~من ذلك، وأن عقولهن على النصف من عقول الرجال. # وقال -عليه الصلاة والسلام- فيما روي عنه: ((ما رأيت من نواقص عقول ودين ~~أغلب للرجال منهن))، فقيل: ما نقصان عقولهن ودينهن PageV01P144 ~~يا رسول الله؟ قال: ((أما نقصان عقولهن، فشهادة امرأتين بشهادة رجل، وأما ~~نقصان دينهن، فترك الصلاة والصوم في الحيض)). # وبايعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ما نطق به التنزيل ~~من قوله: {ولا يعصينك في معروف}، فبايعهن، وأخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في البيعة: أن لا ينحن. # 92 - فحدثنا الجارود، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن ~~حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في البيعة: أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة إلا تسع نسوة، منهن أم سليم، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنعهن عن حضور الجنائز. PageV01P145 # 93 - حدثنا أبو الحجاج النضر بن طاهر البصري، قال: حدثنا بكار بن عبد ~~العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ~~نسوة في جنازة، فقال لهن: ((ارجعن مأزورات غير مأجورات)). # 94 - حدثنا أبو الأشعث العجلي، وأبو الحجاج، PageV01P146 ~~قالا: حدثنا محمد بن حمران، عن الحارث بن زياد، عن أنس رضي الله عنه، قال: ~~خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فرأى النسوة، فقال: ~~((أتحملنه؟))، قلن: لا، قال: ((أفتدفنه؟))، قلن: لا، قال: ((فارجعن مأزورات ~~غير مأجورات)). # 95 - حدثنا سفيان، قال: حدثني أبي، عن شعبة، عن محمد بن جحادة، قال: سمعت ~~أبا صالح ms0049 يحدث عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. PageV01P147 # قال أبو عبد الله: فبقي الحظر عليهن إلى آخر الدهر، فإذا كانت امرأة قد ~~انفردت عن هذه الأمور، وتخلت، فأتت قبرا لترمه، أو تسلم، أو تدعو، أو ~~تعتبر، وقد أمنت ناحية نفسها ذلك، وماتت شهواتها، وانقطعت فتنتها، فذلك ~~مطلق لها عندنا، وهو خارج عن النهي. # ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما آمن الرجال، أطلق لهم في ~~ذلك؛ لزوال علة النهي، فكذلك في النساء إذا زالت تلك العلة، فهن والرجال ~~سواء، وكذلك كل شيء إذا نهي عنه من أجل شيء، فإذا فقد ذلك الشيء، عاد إلى ~~الأصل، فصار مطلقا. # وروي عن فاطمة: أنها كانت تأتي قبر حمزة في كل عام، فترمه. # وروي عن غير واحدة من النساء: أنها كانت تأتي قبور الشهداء، فتسلم عليهم. PageV01P148 # 96 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن نمير عن زياد بن المنذر ~~الهمداني، عن أبي جعفر، قال: كانت فاطمة -رضي الله عنها- تأتي قبر حمزة، ~~فترمه، وتصلحه. # فأما مرمة القبور؛ فلئلا يدرس أثره، فينبش عنه؛ لأنه إذا ذهب أثره، حفر ~~فيه لميت آخر. # وأيضا علة أخرى: أن المسلم على الأموات وزائرهم يخفى عليه إذا ذهب رسمه، ~~فتبطل الزيارة، وهي حق من الحقوق ليس كالذي يسلم من بعيد. # 97 - حدثنا محمد بن النعمان بن شبل بن النعمان الباهلي، قال: حدثنا محمد ~~بن النعمان عم أبي، عن يحيى بن العلاء، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من زار قبر ~~أبويه أو PageV01P149 ~~أحدهما في كل جمعة مرة، غفر له، وكتب له براءة)). # 98 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا أبو مقاتل، عن عبد العزيز بن أبي ~~رواد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: من زار قبر أبويه، أو ~~أحدهما احتسابا، كان كعدل حجة مبرورة، ومن كان زوارا لهما، زارت ms0050 الملائكة قبره. PageV01P150 # فالتشديد الذي جاء في حديث الفضل بن فضالة، ومقالة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لفاطمة -رضي الله عنها- نراه في بدء الأمر؛ حيث شدد على الرجال ~~والنساء؛ لكي يرتدعوا عن سنن الجاهلية، وتطمس آثارها. # فأما قوله: ((لو كنت معهم، لم تري الجنة حتى يراها جدك)). # فهذا من تغليظ النهي والزجر، ولا نعلم ذلك من الذي يحرم على صاحبه الجنة، ~~حتى يخلد في النار أبدا؛ لأنه قال: ((حتى يراها جدك))، ولكن معناه: على أن ~~من فعل ذلك كان يخاف عليه أن يسلبه الله الإسلام، فيخرج مسلوبا، فإذا سلبه، ~~لم ير الجنة أبدا، وأعظم نعمة الله على عبده الإسلام. # ((وللإسلام سنن ومنار كمنار الطريق)). PageV01P151 # فإذا عمل عملا يكون فيه إحياء عمل الجاهلية التي أطفأها الله بسيف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وسيوف المهاجرين والأنصار، فقد كفر منة الإسلام، ~~والكفور ممقوت غير مأمون عليه السلب، فكان إتيان المقابر من إحياء سنن ~~الجاهلية، فغلظ الزجر؛ لينزجر، أو تموت تلك السنن. PageV01P152 ### || AUTO الأصل السادس عشر # 99 - حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا ~~أبو صالح الحراني غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد، عن أبي سمية، قال: سألت ~~جابر ابن عبد الله عن الورود، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: ((الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين ~~بردا وسلاما، كما كانت على إبراهيم -صلوات الله عليه-، حتى إن للنار ضجيجا ~~من بردهم، {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا}. PageV01P153 # قال أبو عبد الله: كأن الله عز وجل أحب أن يجعل ممر المؤمنين فيها؛ كي إذا ~~نجوا منها، علموا من أين نجوا، فليس الخبر كالمعاينة، وإذا وردوا دار ~~السلام، علموا أين دخلوا، فالشيء إنما يعرف بضده، ويعظم قدره عند هذا ~~الآدمي، فلذلك قالوا عند دخول الجنة: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ~~ربنا لغفور شكور}. # {أذهب عنا الحزن}: قطع النيران حيث خلصنا منها، وجعلها بردا وسلاما ~~علينا، ms0051 {الذي أحلنا دار المقامة من فضله}، وذلك أنهم ركبوا أهوالا كأمثال ~~الجبال لما عاينوا النيران، وعلموا أن ممرهم فيها، فأخذتهم الأحزان من ~~وجوه، لا من وجه واحد، فلما نجوا، حمدوا ربهم على ما أذهب عنهم الحزن، ~~وعلموا أنهم لم يحلوا دار المقامة إلا من فضله وكرمه، وأنهم لم يستوجبوا ~~ذلك منة، وكأنه -تبارك وتعالى- أحب أن يبرز فضل الصادقين، وبذلهم أنفسهم ~~له، وليأخذ الحق بحقه من أولئك الطبقة التي آثرت شهوات نفوسها بتضييع الحق، ~~وهم أهل لا إله إلا الله، حتى تنتقم النار منهم في طول مدة، ثم تدركهم رحمة ~~الله، وقد محصوا ونقوا وهذبوا وصلحوا لدار السلام، فيبدل لهم أجسادا، ~~ويجعلهم في جواره ملوكا، وليجوز الأولياء والصديقون وهم لا يشعرون بالنار. # قال الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك PageV01P154 ~~عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون}. # وإنما بعدوا عنها؛ لأن النور احتملهم واحتوشهم، فهم يمضون في النار، حتى ~~إذا أخرجوا منها، قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار؟ قالوا: ~~بلى، ولكن مررتم بها وهي خامدة. # وأما ضجة النار، فمن بردهم، وهو برد المؤمنين، وذلك أن الرحمة باردة تطفئ ~~غضب الرب، فبالرحمة نالوا النور، حتى أشرق في قلوبهم وصدورهم، فعرفوه، ~~وآمنوا به، وعبدوه، وكان نوره في قلوبهم، والرحمة مظلة عليهم، فخمدت النار ~~من بردهم عندما لقوها. # ألا ترى أنه قال في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حتى إن للنار ~~ضجيجا من بردهم))، فنسب البرد إلى المؤمنين. # وأما ضجة النار: ((فمن أجل أنها خلقت منتقمة [من] أهل الغفلة، وحشيت بغضب ~~الله، فإذا جاءت الرحمة ببردها، والمؤمن بنوره؛ ضجت النار مخافة أن تبرد، ~~فتضعف عن الانتقام. # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحقق ما قلنا. # 100 - حدثنا عبد الكريم بن عبد الله، عن منصور بن PageV01P155 ~~عمار، عن بشير بن طلحة الجذامي، عن خالد بن دريك، عن يعلى بن منية، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تقول ms0052 النار للمؤمن: جز يا مؤمن؛ فقد ~~أطفأ نورك لهبي)). # 101 - حدثنا أبو عبد الله بن إسحاق المؤدب، ثنا يوسف بن سعيد، ثنا سليم ~~بن منصور بن عمار، عن بشير بن طلحة الخشني، عن خالد بن دريك، عن يعلى ابن ~~منية، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((تقول النار للمؤمن: جز يا مؤمن؛ ~~فقد أطفأ نورك لهبي)). PageV01P156 # 102 - وبهذا الإسناد قال: ((ينشئ الله لأهل النار سحابة، فإذا رأوها، ذكروا ~~سحائب الدنيا، فتناديهم: يا أهل النار! ما تشتهون؟ فيقولون: نشتهي الماء ~~البارد، قال: فتمطرهم أغلالا تزداد في أغلالهم، وسلاسلا تزداد في ~~سلاسلهم)). # والنجاة من الله للعبد في هذا الموطن على قدر محله عنده، ومحله على قدر ~~ما من عليه من المعرفة به، وهو اليقين الذي جعل له في ذلك حظا. PageV01P157 # 103 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل، عن ~~السدي، قال: سألت مرة عن ذلك، فحدثني عن عبد الله: أنه حدثهم عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((يرد الناس النار، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، ~~فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحله، ثم كشد ~~الرجل، ثم كمشيه، ثم كحبوه)). # فإنما ذكر الأعمال؛ لأنها ظاهرة، والظاهر محنة الباطن، وما في القلوب غيب ~~إلا عن خالق الغيب، فالظاهر خاصة لمعرفته أدرك معرفة الباطن، فالظاهر شاهد ~~ينبئ عما في الباطن، فلذلك ذكر الأعمال. PageV01P158 ### || AUTO الأصل السابع عشر # 104 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا محمد ابن وهب الواسطي، قال: ~~حدثنا بقية، قال: حدثني عتبة بن أبي حكيم، قال: حدثنا أبو الدرداء الرهاوي، ~~عن عبد الله ابن بسر المازني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((اتقوا الدنيا، فوالذي نفسي بيده! إنها لأسحر من هاروت وماروت)). PageV01P159 # قال أبو عبد الله: فهاروت وماروت ليسا من جنس الآدميين، وكل إنما يألف ~~بجنسه، وينخدع له، والآدمي خلق من الدنيا، فبها يألف، ولها ينخدع، وشهوات ~~الدنيا في تركيبه مطبوع عليه، فلذلك صارت أسحر من ms0053 هاروت وماروت، وهاروت ~~وماروت لا يعلمان أحدا السحر {حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون ~~منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه}. # فهذا يعلمك سحره، وينبئك فتنته، والدنيا تعلمك سحرها، وتكتمك فتنتها، ~~وتدعوك إلى التحارص عليها، والتنافس فيها، والجمع لها، والمنع منها، فتتعلم ~~منها ما يفرق بينه وبين طاعة الله، ويفرق بينه وبين رؤية الحق ورعايته، ~~والسحر يأخذ بالقلب عما أنت مقبل عليه من زوجة أو غيرها، فالدنيا أسحر ~~منها، تأخذ بقلبك عن الله، وعن القيام بحقوقه، وعن وعده ووعيده، وسحر ~~الدنيا محبتها، وتلذذك بشهواتها، وتمنيك بأمانيها الكاذبة، حتى تأخذ بقلبك، ~~ولهذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حبك الشيء يعمي ويصم)). PageV01P160 # 105 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، ~~قال: حدثنا ابن المبارك، عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني، عن خالد بن محمد ~~الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((حبك الشيء يعمي ويصم)). # فمن أحب الدنيا، أعمته، وأصمته عن آخرته، ومن أحب الآخرة، PageV01P161 ~~أعمته وأصمته عن دنياه، ومن أحب نفسه، أعمته وأصمته عن الله -تبارك ~~وتعالى-، ومن أحب الله عز وجل أعماه وأصمه عن نفسه، فإن الدنيا تحجب عن ~~الآخرة، والنفس تحجب عن الله تعالى. # فدنياه إنما هي نفسه وشهواته، فسحرها أقرب إليه من سحر هاروت وماروت، ~~فسحر نفسه ودنياه أصلي، وسحر هاروت وماروت دخيل محدث، وليس الدخيل كالأصلي. PageV01P162 ### || AUTO الأصل الثامن عشر # 106 - حدثنا حميد بن الربيع اللخمي، قال: حدثنا سعيد بن شرحبيل، قال: ~~حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن ثوبان، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن المؤمن ينضي شيطانه؛ ~~كما ينضي أحدكم بعيره في السفر)). PageV01P163 # قال أبو عبد الله: فالمؤمن قد وكل به قرينه من الشيطان، فإنما يحترز منه ~~بالله، فإذا اعترض لقلبه، احترز بمعرفته، وإذا اعترض لنفسه، وهيأ شهواته، ~~احترز بذكر الله، وإذا اعترض ms0054 لأموره وأحواله، احترز باسم الله، وهو أبدا ~~نضو، وقيد زجره به، فالبعير يتجشم في سفره أثقال حملوته، ومع ذلك النصب ~~يجوع ويظمأ، ومع ذلك مراع مختلفة، ومياه رنقة وغير عذبة، فإنما صار نضوا ~~لهذه الأحوال. PageV01P164 # فكذلك شيطان المؤمن يتجشم أثقال غيظه من المؤمن؛ لما يرى من الطاعة والوفاء ~~لله، وإذا أراد أن يشركه في طعامه وشرابه، ولباسه ومنامه، ومجلسه ومنصرف ~~أحواله، زجره، وطرده عنه بالتسمية، فوقف منه بمزجر الكلب ناحية، وإذا أراد ~~أن ينفره حتى يشتغل عنه بنفسه، نطق بالوحدانية، وهي الكلمة العليا التي ~~يهتز العرش لها، فقال: لا إله إلا الله، فإذا سمعها، انتكس، فصار أعلاه ~~أسفله، وولى على وجهه هاربا إلى رسه. # وذلك قوله -تبارك وتعالى-: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ~~أدبارهم نفورا}. # فروي عن أبي الجوزاء: أنه قال: ليس شيء أطرد له من القلب من قول: لا إله ~~إلا الله، ثم تلا: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا}. # 107 - حدثنا بذلك ابن أبي زياد، قال: حدثنا سيار، عن جعفر، عن عمرو بن ~~مالك، عن أبي الجوزاء. # 108 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا PageV01P165 ~~سيار، عن جعفر، عن مالك، قال: قرأت في التوراة: إن سرك أن تحيا وتبلغ علم ~~اليقين، فاحتل في كل حين أن تغلب شهوات الدنيا؛ فإنه من يغلب شهوات الدنيا، ~~يفرق الشيطان من ظله. # 109 - حدثنا عبد الرحمن بن الفضل بن موفق الكوفي، قال: حدثنا أبي، عن ~~الأوزاعي، عن سالم، عن سديسة مولاة حفصة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: ((ما لقي الشيطان عمر رضي الله عنه قط إلا خر لوجهه)). PageV01P166 # 110 - حدثنا سفيان، عن وكيع، قال: حدثنا عتبة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن PageV01P167 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ما لقي الشيطان عمر رضي الله عنه ~~في فج، فسمع صوته، إلا أخذ في غيره)). # ومثل عمر في هذا الباب مثل أمير ms0055 ذي سلطان وهيبة، استقبله مريب، قد رفع ~~إليه من ريبته أمور شنيعة، وعرفه بالعداوة له، فانظر ماذا يحل بهذا المريب ~~إذا لقيه، فإن ذهبت رجلاه، وخر لوجهه، فغير مستنكر. PageV01P168 ### || AUTO الأصل التاسع عشر # 111 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا معلى ابن هلال، عن ابن أبي ليلى، ~~عن الشعبي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع)). PageV01P169 # 112 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا الحسن ابن علي، عن يوسف بن خالد ~~السمتي، قال: أخبرنا مسلمة بن قعنب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ما عبد الله بشيء أفضل من فقه ~~في دين)). PageV01P170 # 113 - حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: ~~أخبرنا يزيد بن عياض، عن صفوان بن سليم، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ما عبد الله ~~بشيء أفضل من فقه في دين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل ~~شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه)). # قال أبو عبد الله: والفقه: هو الفهم، وانكشاف الغطاء عن الأمور، فإذا عبد ~~الله بما أمر ونهى بعد أن فهمه وعقله، وانكشف له الغطاء عن تدبيره فيما أمر ~~ونهى، فهي العبادة الخالصة المحضة. PageV01P171 # وذلك أن الذي يؤمر بالشيء، فلا يرى زين ذلك الأمر، وينهى عن الشيء، فلا يرى ~~شينه، فهو في عمى من أمره، فإذا رأى زين ما أمر به، وشين ما نهي عنه، عمل ~~على بصيرة، وكان قلبه بها أقوى، ونفسه لها أسخى، وحمد على ذلك وشكر، والذي ~~يعمى عن ذلك؛ فهو جامد القلب، كسلان الجوارح، ثقيل النفس، بطيء التصرف. # والفقه: مشتق من تفقؤ الشيء، يقال في اللغة: فقأ الشيء: إذا انفتح، وفقأ ~~الجرح: إذا انفرج عما اندمل، فالاسم منه فقء، والهاء والهمزة تتبدلان، تجزئ ~~إحداهما عن الأخرى، فقيل: فقيء، ms0056 وفقيه. # والفهم: هو العارض الذي يعرض في القلب من النور، فإذا عرض، انفتح بصر ~~القلب، فرأى صورة ذلك الشيء في صدره، حسنا كان أو سيئا، فالانفتاح هو ~~الفقه، والعارض هو الفهم. # وقد ذكر الله تعالى في قوله الفقه، فقال: {لهم قلوب لا يفقهون بها}، ~~فأعلم أن الفقه من فعل القلب. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين قرأ عليه: {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}، فولى وقال: حسبي حسبي، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فقه الرجل))؛ أي: فهم. PageV01P172 # وقول أبي الدرداء رضي الله عنه: إنك لن تتفقه حتى ترى للقرآن وجوها كثيرة. # وأن الله -تبارك وتعالى- كلف العباد لما أعطاهم من العلم أن يعرفوه، ثم ~~اقتضاهم بعد المعرفة أن يخضعوا له فيدينوا، فشرع لهم شريعة الحلال والحرام؛ ~~ليتدينوا له بمباشرتهم الحلال، واجتنابهم الحرام، ويؤدوا إليه فرائضه، فذلك ~~الدين، وهو الخضوع له، والدون: مشتق من ذلك، وكل شيء اتضع، فهو دون. # فأمرت بأمور لتضع نفسك لمن اعترفت به ربا، فسمي ذلك الفعل، وتلك الأمور ~~منك دينا، فشرع الله لهم الدين، فقبلوه طائعين؛ أي: مطيعين أنفسهم له بذلا ~~وعبودة، فمن فقه أسباب هذه الأمور التي أمر ونهى، ولاحظ PageV01P173 ~~منه ماذا أمر، ورأى زينه وبهاءه، تعاظم ذلك عنده، وكبر في صدره شأنه، فكان ~~أشد تسارعا فيما أمر، وأشد هربا وامتناعا مما نهى، فالفقه في الدين جند ~~عظيم يؤيد الله به أهل اليقين الذين عاينوا محاسن الأمور ومشاينها، وأقدار ~~الأشياء، وحسن تدبير الله في ذلك لهم بنور يقينهم؛ ليعبدوه على يسر، ومن ~~حرم ذلك، عبده على مكاره وعسر؛ لأن القلب، وإن أطاع وانقاد لأمر الله ~~تعالى، فالنفس إنما تخف وتنقاد إذا رأت نفع شيء، أو ضرر شيء، فالنفس جندها ~~الشهوات، ويحتاج صاحبها إلى أضدادها من الجنود، حتى يقهرها، وتنقاد له وهو الفقه. # قال له قائل: صف لنا واحدا من هذه الأمور نفهم بها غيرها؟ # قال: نعم، أحل الله النكاح، وحرم الزنا، فإنما هما إتيان واحد ms0057 لامرأة ~~واحدة، إلا أن هذا بنكاح، وذلك بزنا، فإذا كان بنكاح؛ فمن شأنه العفة ~~والتحصين للفرج، فإذا جاءت بولد، ثبت النسب، وجاء العطف من الوالد بالنفقة ~~والتربية والميراث، وإذا كان من زنا، ضاع الولد؛ لأنه لا يدري أحد من ~~الواطئين لمن هذا الولد، فهذا يحيله على ذلك، وذلك PageV01P174 ~~يحيله على هذا، وحرم الله الدماء، وأمر بالقصاص؛ ليتحاجزوا، وليحيوا، ولذلك ~~قال في تنزيله: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون}. # وأحرز الأموال، وأمر بقطع اليد السارقة؛ ليتمانعوا بما ملكت أيديهم، ~~وكذلك قال في تنزيله: {فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله}. # قال: فالنكل: الامتناع، فأمر بقطع يده؛ ليمتنع من ذلك، فإن عاد، فرجله، ~~فلعل بما أمر ونهى تنبيها لأولي البصائر والعقول، ولمن رزق لبا. # 114 - حدثنا المهدي بن علي السمناني، قال: حدثنا أحمد بن صالح المصري، ~~قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن عباد بن سالم، عن سالم ~~بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبد خيرا، يفقهه)). PageV01P175 # 115 - حدثنا محمد بن زنبور المكي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، قال: ~~حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنه، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من يرد الله به خيرا، يفقهه في ~~الدين)). # 116 - حدثنا نصر بن علي الحداني، قال: أخبرنا هارون بن مسلم، قال: أخبرنا ~~عبيد الله بن الأخنس، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث مولى بني عبد ~~الدار، عن يوسف بن ماهك، قال: كان معاوية قليل الحديث عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقلما قام خطيبا إلا قال: سمعت PageV01P176 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيرا، يفقهه في ~~الدين))، يا أيها الناس! تفقهوا. PageV01P177 ### || AUTO الأصل العشرون # 117 - حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن ربيعة، عن ms0058 ~~كامل بن العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((عمر أمتي من ستين سنة إلى سبعين سنة)). PageV01P179 # 118 - حدثنا يحيى بن المغيرة المخزومي المدني، قال: أخبرنا ابن أبي فديك، ~~عن إبراهيم بن الفضل، عن المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((معترك المنايا ما بين الستين إلى ~~السبعين)). # 119 - حدثنا هارون بن حاتم الكوفي، قال: حدثنا ابن أبي فديك، عن إبراهيم ~~بن الفضل، عن المقبري، عن PageV01P180 ~~أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أقل ~~أمتي أبناء السبعين)). # قال أبو عبد الله: فهذا من رحمة الله على هذه الأمة، وعطفه عليهم، حرسهم ~~في الأصلاب حتى أخرجهم إلى الأرحام بعد أن نفدت الدنيا، ثم قصر أعمارهم؛ ~~لئلا يتلبسوا بالدنيا إلا قليلا، ولا يتدنسوا؛ فإن القرون الماضية كانت ~~أعمارهم وأجسادهم وأرزاقهم على الضعف، كان أحدهم يعمر ألف سنة، وجسمه ~~ثمانون باعا بالباع الأول، والحبة من القمح مثل كلوة البقر، والرمانة ~~الواحدة يجتمع عليها عشرة نفر، والعنقود مثله، فكانوا يتناولون من هذه ~~الدنيا بهذه الصفة على مثل تلك PageV01P181 ~~الأجساد، وفي مثل تلك الأعمار، فمنها أشروا، وبطروا، واستكبروا، وأعرضوا عن ~~الله، فصب عليهم سوط عذاب. # فقال الله تعالى في تنزيله: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد. ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد. وثمود الذين جابوا الصخر بالواد. وفرعون ذي ~~الأوتاد. الذين طغوا في البلاد. فأكثروا فيها الفساد. فصب عليهم ربك سوط}، ~~ثم قال: {إن ربك لبالمرصاد}؛ أي: لهم، ولجميع خلقه. # 120 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا أبو ضمرة، عن زيد بن أسلم، قال: لقد ~~رأيت ضبعا وأولادها رابضة في حجاج عين رجل من العمالقة. # 121 - حدثنا أبي رحمه الله قال: حدثنا حوشب، عن عبد الكريم، قال: حدثنا ~~المبارك بن مجاهد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن كعب الأحبار، قال: ~~بلغني أن نوحا كان قاعدا، فجاءه ms0059 شاب صبيح، فنظر إليه نوح، فقال: يا هذا! كم ~~أتى لك؟ قال: مئتا سنة، قال: احتلمت؟ قال: لا، ثم جاءه آخر أجمل من الأول، ~~فقال له: كم أتى لك؟ قال: خمس مئة سنة، قال: احتلمت؟ قال: لا، فلم يزل PageV01P182 ~~الناس ينقصون في الخلق والخلق والرزق والأجل. # روي ذلك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. # إلى أن صارت هذه الأمة آخر الأمم، وصارت أرزاقهم في هذه الهيئة، والأجسام ~~بهذه المقادير، والأعمار بهذا القصر، حتى أخذوا من الدنيا أرزاقا قليلة ~~بأجسام ضعيفة في مدة قصيرة، حتى لا يأشروا، ولا يبطروا معا، فهذا تدبير من ~~الله رحمة لهذه الأمة، وخيرة لهم، ثم ضوعف لهم في الحسنات، فجعلت الحسنة ~~الواحدة بعشر إلى سبع مئة إلى ما لا يعلمه من التضعيف إلا الله، وأيدوا ~~باليقين، وأعطوا ليلة القدر، وذلك لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قصر أعمارهم، وجد من ذلك وجدا شديدا لحال العبودية، والأخذ بحظهم منها، ~~فأعطوا ليلة القدر. # 122 - كذلك حدثني به أبي، عن مطرف، عن مالك بن أنس رضي الله عنه. PageV01P183 # فجعلت حسناتهم على ثلاث منازل؛ لأنهم ثلاثة أصناف: ظالمون، ومقتصدون، ~~وسابقون. # فالصنف الأول: هم أهل تخليط، قوم موحدون لا يرعوون عن الحرام، ولا يحفظون ~~حدود الله، خلطوا عملا صالحا، وآخر سيئا، فهم الظالمون، والحسنة منهم بعشر ~~أمثالها. # والصنف الثاني: قوم هم متقون، متورعون، قائمون على الحدود على سبيل ~~الاستقامة، وهم المقتصدون، والحسنة منهم بسبع مئة؛ لأن جوارحهم قد صارت ~~مسبلة لله، قد استقامت على سبيل الله، فإذا أنفقوا من جوارحهم عملا، كان ~~بسبع مئة، كالذي ينفق ماله في سبيل الله، فهو بسبع مئة. # ومما يحقق ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حسن إسلام العبد، ~~تمم الله له عمله بسبع مئة ضعف)). PageV01P184 # فقوله: (حسن إسلامه): هو أن يكون مستقيم الطريق إلى ربه، لا يعرج يمينا ولا ~~شمالا؛ أي: لا يعصي، فهذا ترفع أعماله من جوارح طاهرة، والأول من جوارح دنسة. # والصنف الثالث: قوم أهل ms0060 يقين، انتبهوا، وحييت قلوبهم بالله، وماتت منها ~~الشهوات، وهم السابقون المقربون، فأعمالهم مضاعفة لا يعلم تضعيفها إلا الله ~~عز وجل، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل من أمتي يبلغ ~~بوزن الحرف الواحد من تسبيحه زنة أحد)). # وما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه قال: إن الرجل من هذه الأمة يعدل ~~عمل يومه سبع سماوات وسبع أرضين. # وبما روي عن كعب: إن الرجل من هذه الأمة ليخر ساجدا، فيغفر لمن خلفه، ~~فكان كعب يتوخى الصف المؤخر من المسجد رجاء ذلك، ويذكر أنه وجده كذلك في ~~التوراة. PageV01P185 # وقد ذكر الله عز وجل في تنزيله هذه الأصناف، فقال: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ~~مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله}، ثم قال: {ذلك هو الفضل الكبير}. # وقال في شأن التضعيف: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}، فقد دخل فيه ~~الكل، ثم قال: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة}. # فهذا لمن أنفق ماله في سبيل الله، فكيف من أنفق جوارحه في سبيله؟! # فإذا لم تكن الجوارح سليمة، لم يمكنه أن ينفق منها في سبيله، إنما ينفق ~~منها كما ينفق أحدهم دراهمه في سبيل الخيرات هاهنا في وطنه. # ثم قال: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة}. # فالقرض الحسن: هو الذي يعطى من غير التفات إلى ما أعطي، فهذا PageV01P186 ~~له بأضعاف ما لا يحصى عدده، وقد أجملنا هذه الكلمة في تفسير القرض الحسن، ~~وقد شرحته في بابه في قصة أبي الدحداح رضي الله عنه. PageV01P187 ### || AUTO الأصل الحادي والعشرون # 123 - حدثنا أبو سنان، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا معاوية ~~بن صالح، عن أبي حلبس يزيد بن ميسرة، قال: سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا ~~الدرداء رضي الله عنه يقول: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، -وما ~~سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها- يقول: ((إن الله قال: يا عيسى! إني باعث من ~~بعدك أمة إن أصابهم ms0061 ما يحبون، حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون، صبروا ~~واحتسبوا، ولا حلم ولا علم، قال: يا رب! كيف يكون هذا لهم، ولا حلم ولا ~~علم؟ قال: أعطيهم من حلمي ومن علمي)). PageV01P189 # قال أبو عبد الله: فهذه أمة مختصة بالوسائل من بين الأمم، محبوة بالكرامات، ~~مقربة بالهدايات، محظوظة من الولايات، ولي الله هدايتهم وتأديبهم، وقرب ~~منازلهم، ورفع منقلبهم في علياء الدرجات، مسمون في التوراة: صفوة الرحمن، ~~وفي الإنجيل: حكماء، علماء، أبرار، أتقياء، كأنهم في الفقه أنبياء. # وفي القرآن: {أمة وسطا}؛ أي: عدلا، وشهداء الله في الموقف للأنبياء على ~~الأمم، وخير أمة أخرجت للناس. # والمنادون بجانب طور سيناء: يا أمة أحمد! سبقت لكم رحمتي غضبي، أعطيكم ~~قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، PageV01P190 ~~وأجبتكم قبل أن تدعوني. # وهو قوله: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا}، و{يعجب الزراع ليغيظ بهم ~~الكفار}، {أشداء على الكفار رحماء بينهم}. # غر محجلون، غر من السجود، محجلون من الوضوء، وهو قوله جل جلاله: {سيماهم ~~في وجوههم من أثر السجود}. # 124 - حدثنا حفص بن عمرو، قال: أخبرنا الحكم بن نافع الحمصي، قال: حدثنا ~~صفوان بن عمرو السكسكي، عن يزيد بن خمير الرحبي، عن عبد الله بن بسر ~~المازني، قال: قيل: يا رسول الله! كيف تعرف أمتك يومئذ؟ قال: ((أرأيت لو ~~كان لأحدكم خيل دهم، وفيها أغر محجل، أما كان يعرفه؟))، قالوا: بلى يا رسول ~~الله، قال: ((فإن أمتي يومئذ غر من السجود، محجلون من آثار الوضوء)). PageV01P191 # جعلهم الله أهل حمية ونصرة، فسماهم مهاجرين وأنصارا، هاجروا في ذاته الأهل ~~والمال والولد والوطن، ونصروا الله، ثم من سار على منهاجهم بعدهم، سماهم ~~تابعين بإحسان، ثم جمعهم في استحقاق الفيء الذي خصهم به من بين الأمم، ~~وقال: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا}، ولم تحل لأمة قبلهم. # فقال في ذكر الفيء: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم}، ثم قال: {والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر ~~إليهم}، وهم الأنصار. # ثم قال: {والذين جاءوا من بعدهم}، وهم التابعون، فجعلهم في ms0062 هذه اللقمة ~~الهنية الطيبة المباركة التي صيرت طعمة لهذه الأمة خصوصا شركاء، فلم يخرج ~~التابعين من ذلك. # ثم جمعهم في الرضا عنهم، فقال: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه}. # وقد شرحت هذه القصة في ((نوادر المسائل)). PageV01P192 # فنشر الله كرامة هذه الأمة، وسعادة جدهم عنده، وما منحهم من الأخلاق، وما ~~من به عليهم من بين الأمم في الكتب من التوراة والإنجيل والفرقان؛ لعظم ~~أقدارهم عنده، فإنما صارت هذه الأمة حكماء علماء، وأبرارا وأتقياء فقهاء، ~~وعلى الكفار أشداء، وفيما بينهم رحماء، وغيظا للكفار، وممن يعجب الزراع بهم ~~بخطة واحدة بها نالوا هذه الأشياء، وهو أن هداهم لسبيله، وهو الذي تولى ~~هدايتهم، فبالهداية نالوا ذلك، والأولون لم ينالوا ذلك إلا الواحد بعد ~~الواحد، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت أمتي من اليقين ما ~~لم تعط أمة)). # وهو قوله: {فبشر عباد. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}، ثم قال: ~~{أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب}. # ومما يحقق ما قلنا: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ~~((ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما على مثله آمن البشر، وإني لم أبعث ~~بآية، وإنما أوحي إلي وحيا، ثم أنا أكثر الأمم تبعا)). PageV01P193 # 125 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثني ابن أبي ~~الزناد، عن أبيه، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إني أطمع أن أكون ~~أعظم الأنبياء أجرا عند الله يوم القيامة، كلهم أوتي من الآيات ما الذي ~~أوتيته بمثله اعتبر البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، ثم ~~أنا أكثرهم تابعة)). # قال له قائل: وما تلك الهداية؟ قال: إن الله -تبارك اسمه- {يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم}. # فمن هداه هدي التوحيد، فإنما أعطاه نورا هداه لمعرفته بأنه واحد، ثم تركه ~~مع مجاهدة نفسه في أمره ونهيه، ms0063 حتى يقطع عمره بذلك، فيلقاه مجاهدا لنفسه ~~على سبيل الاستقامة، فيثيبه الجنة على ذلك، وإنما صار PageV01P194 ~~هكذا؛ لأنه أعطاه من النور ما عرفه ربا واحدا لا شريك له، ثم جاءت الشهوات، ~~فأحاطت بقلبه، فلم تتركه على سبيل أهل الوفاء، حتى يكون له عبدا بجميع ~~جوارحه، في جميع منقلبه، كما عرفه ربا، فيكون واقفا عند أمره ونهيه، مراقبا ~~لحدوده، فهذه هداية العامة، فلن تنال بهذا تلك الصفة التي ذكرت في التوراة ~~والإنجيل والفرقان؛ لأن النفس بما فيها من الهوى غلبت على القلب، فلا تتركه ~~على سبيل الاستقامة، حتى تميل به يمينا وشمالا. # وأما هداية العصمة والولاية بأن يقذف الله في قلب العبد نورا وهو اليقين، ~~حتى يهتك حجب الشهوات التي تراكمت في صدره على قلبه، فيمتلئ قلبه نورا، ~~ويشرق صدره، فتصير الآخرة له كالمعاينة. # كما قال حارثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كأني أنظر إلى عرش ربي ~~بارزا، وإلى أهل الجنة كيف يتزاورون، وإلى أهل النار كيف يتعاوون فيها، ~~فعزفت نفسي عن الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عرفت فالزم، ~~عبد نور الله الإيمان في قلبه)). PageV01P195 # فهذا نور على نوره، وذهبت ظلمات الشهوات من الصدور وهي التي كانت تحجبه عن ~~الله، وعن وعده ووعيده، وتجلى في صدره شأن الدنيا، فعامة هذه الأمة من ~~السلف برزوا، وصاروا أئمة، باليقين النافذ قد نفذوا الأسباب إلى وليها، فلم ~~يبق مع الأسباب، ولا بقيت لهم علاقة، وهو قوله: {والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}. # فالهدى على ثلاث منازل: # هدى على سنة الرسل: وهو البيان يدعوهم، ويبين لهم، فتلك هداية الظاهر، ~~وهو قوله: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}، فإنما هداهم ~~بالرسول. # وهدى على القلب: يجعل فيه نورا، فيعرفه ربا واحدا، وهو قوله: PageV01P196 # {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس}، فتلك هداية ~~الباطن، وهو الإيمان. # وهدى على القلب هدى الولاية: هو أن يقذف النور في قلبه بعد هذا، ويستقر ~~فيه، وهو اليقين. # وإنما سمي يقينا؛ ms0064 لأنه استقر، فيمتلئ قلبه نورا، ويشرق صدره به، ويتصور ~~له الدنيا والآخرة، وشأن الملكوت في صدره، ويتصور له أمور الإسلام، حتى تذل ~~النفس وتنقاد، ويلقي بيديه سلما من الخشية والهيبة والسلطان الذي حل بقلبه، ~~وفي صدره، وهو قوله: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}، ~~فشرح الصدر إنما يكون من النور الذي يستقر، فيقال له: يقين. # وأما نور التوحيد في القلب والصدر بتراكم دخان الشهوات مظلم كالليل، ~~وكالغيم، وكالغبرة، وكالدخان، وكالقتار. # وهدى رابع على القلب: هدى النبوة: وهو نور وجهه الكريم يوصل قلوبهم إلى ~~وحدانيته، ويشرق صدورهم بنوره، ويجعلهم في قبضته، ويرعاهم بعينه، ويؤيدهم ~~بروح قدسه، قال الله -تبارك اسمه- في تنزيله: {قل إن هدى الله هو الهدى}. # أي: إن ذلك الهدى الذي على ألسنة الرسل غير نافع ولا مغيث، PageV01P197 ~~فإنما الهدى هداي الذي أهدي إلى القلوب، وإن كان ذاك أيضا يسمى هدى، فهذا ~~أحق الهدى، وهو كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس الغنى عن ~~كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس)). # فقال: إن هدى الله هو الهدى، وهدى الرسل حجة الله على خلقه بأنه بين لهم ~~على ألسنتهم ضلالة سبيلهم، وأعطاهم إخلاصا ومعرفة بالأمور، ونصرا لا يغني ~~شيئا، وأن هدى الله هو الهدى، ثم ذكر هذه الأمة، فقال في مبتدئه: {وقالت ~~طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا ~~آخره لعلهم يرجعون}. PageV01P198 # وكانت هذه حيلة من اليهود؛ كي يشبهوا على المسلمين، فيستزلوهم، فأمروا ~~طائفة منهم أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيؤمنوا به، ثم يرجعوا ~~إليه من آخر النهار مرتدين يخاصموه ويحاجوه، حتى يشككوا أصحابه، فقال الله ~~-تبارك اسمه-: قل يا محمد: {إن الهدى هدى الله}؛ أي: إن الهدى الذي آتيتكم ~~يا أمة محمد هدى الله. # وقوله: {إن الهدى} معرفة، وليست نكرة، كأنه يشير إلى شيء مخصوص؛ يعني: ~~الهدى الذي أتى هذه الأمة هو هدى الله؛ أي: هو الذي تولاكم بالهداية، ثم ~~قال: {أن يؤتى أحد مثل ms0065 ما أوتيتم}؛ أي: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ أي: من ~~الهدى، وهو اليقين، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أعطيت أمة ~~من اليقين ما أعطيت هذه الأمة)). # ثم قال: {أو يحاجوكم عند ربكم}، وهي المحاجة التي ذكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث يوم القيامة. # ثم قال: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. يختص ~~برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم}. # فأما الحديث: # 126 - فحدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن ~~نافع، عن ابن عمر رضي الله عنه، عن PageV01P199 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((مثلكم ومثل اليهود والنصارى، كمثل ~~رجل استعمل عمالا، فقال: من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على ~~قيراط قيراط؟ ألا، فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى ~~صلاة العصر على قيراط قيراط؟ ألا فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل من صلاة ~~العصر إلى صلاة المغرب على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم، فغضبت اليهود ~~والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملا، وأقل عطاء، فقال: أظلمتكم من حقكم شيئا؟ ~~قالوا: لا، قال: إنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء)). # فقوله: (نحن أكثر عملا وأقل عطاء) هو المحاجة عند ربهم قوله: {أو يحاجوكم ~~عند ربكم قل إن الفضل بيد الله}، فذكر في الآية: أن PageV01P200 ~~هذه الأمة مختصة بالرحمة، مفضلة بالكرامة، فالفضل الذي آتاهم على الأمم: أن ~~أعطاهم اليقين، فبه برزوا،، وفيه انكشف الغطاء عن قلوبهم، حتى صارت الأمور ~~لهم معاينة. # 127 - حدثنا المؤمل بن هشام اليشكري، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ~~غالب القطان، عن بكر ابن عبد الله المزني، قال: لم يفضل أبو بكر الناس ~~بكثرة صوم ولا صلاة، إنما فضلهم بشيء كان في قلبه. # 128 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: أخبرنا الحسن بن سوار، عن المبارك، عن ~~الحسن، قال: إنما غلب عمر الناس بالزهد واليقين. # 129 - حدثنا أبو السائب سلم بن جنادة، قال: حدثنا أبو معاوية، ms0066 عن الأعمش، ~~عن عمارة بن عمير، PageV01P201 ~~عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد الله: أنتم اليوم أكثر صياما وجهادا ~~وصلاة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا خيرا منكم، فقال ~~فبم ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: كانوا أزهد في الدنيا، وأرغب في الآخرة. # 130 - حدثنا أحمد بن عبد الله المهلبي، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي ~~خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: قال طلحة بن عبيد الله: ما كان عمر أولنا ~~إسلاما، ولا أقدمنا PageV01P202 ~~هجرة، ولكن أزهدنا في الدنيا، وأرغبنا في الآخرة. # 131 - (حدثنا أحمد بن عبد الله المهلبي، قال: حدثنا شقيق بن أبي خالد، عن ~~قيس بن أبي حازم). # فأما قوله في حديث عيسى -صلوات الله عليه- قال: ((فإن أصابهم ما يحبون، ~~حمدوا وشكروا)). # والحمد: هو التكلم بكلمة الحمد. # أما الشكر: فرؤية النعمة من الله، ومن رأى النعم من الله، ذللته أثقال ~~النعم، وانقاد لله، فإنما الآدمي مطبوع هكذا أن من أحسن إليه، فقد سبى ~~قلبه، وصار له كالآخذ باليد يذهب به حيث يشاء، والنفس يهيمها البر واللطف، ~~والرفق والإحسان، فإذا رأى العبد من الله إحسانه وبره، تذلل له، فاستحيا ~~منه أن يخالف أمره. # ولهذا ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: جبلت القلوب على حب PageV01P203 ~~من أكرمها، وبغض من أهانها. # رواه الأعمش، عن خيثمة، عن عبد الله. # 132 - حدثنا أحمد بن عبد الله الأزدي، قال: حدثنا يحيى بن معين، عن هشام ~~بن يوسف الصنعاني، عن عبد الله PageV01P204 ~~ابن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده ~~عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي ~~لحبي)). # 133 - حدثنا عبد الله بن الوضاح اللؤلئي، قال: أخبرنا يحيى بن يمان، عن ~~يوسف الصباغ، عن الحسن، قال: قال موسى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا ~~رب! ms0067 كيف شكرك آدم؟))، قال: علم أن ذلك مني، فكان ذلك شكره. PageV01P205 # وأما قوله: (احتسبوا وصبروا). # فالاحتساب: أن يرى ذلك الشيء الذي أخذه لله، وإن كان قد صيره باسمه، ~~فالأصل هو لله، فتحتسبه لله، كما هو في الأصل. # وصبر: أي: ثبت، فلم يزل عن مقامه لله بزوال ذلك الشيء عنه؛ فإن العبد ~~المؤمن، يقول: أنا لله، وها أنا ذا بين يديه مقيم في طاعته، ونعم الله عليه ~~سابغة، فإذا امتحنه، وأزال عنه نعمه، زال عن مقامه ذلك طالبا لتلك النعمة ~~التي زالت، فليس ذلك ثباتا، والصبر هو الثبات على المقام بين يديه، فلا يعصيه. # وأما قوله: (لا حلم ولا علم)، فكأنه يخبر: أن الله تعالى قدر حلما وعلما ~~لخلقه يتحالمون فيما بينهم، ويتعالمون، بذلك الحلم يتخلقون بأخلاقهم، كما ~~قدر فيهم رحمة واحدة، فقسمها بينهم، فبها يتراحمون فيما بينهم، وبها ~~يتلاطفون. # ومنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما ~~قسم بينكم أرزاقكم)). PageV01P206 # فكانت هذه الأمة آخر الأمم، فرق ذلك ودق، فلو تركهم على رقة تلك الأخلاق، ~~ورقة تلك الأحلام، وقلة العلم، لم ينالوا من الخير إلا يسيرا. # وهو قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: ولم يزل الناس ينقصون في ~~الخلق والخلق والرزق والأجل من زمن نوح، وقد كان أحدهم يعمر ألف سنة. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن البرة فيهم كانت ككلوة البقر، ~~والرمانة الواحدة يقعد في قشرها عشرة نفر)). # 134 - حدثنا بذلك الفضل بن محمد، قال: حدثنا PageV01P207 ~~هشام بن خالد الدمشقي، عن خالد القسري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما. # والرجل في خلقه ثمانون باعا، فصارت الأعمار ما بين الستين والسبعين، ~~والبرة هكذا، والخلقة هكذا. # فانظر كم التفاوت بين العمرين، وبين الخلقين، وبين الرزقين، فكذلك بين ~~الخلقين، فكأنه على نحو ما ذكر لم يبق لنا من الحلم والعلم من الحظ إلا ~~يسير كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وكنا في المثال: # كيأجوج ومأجوج، إذ كان ms0068 لا حلم ولا علم، فصرنا بمنة الله علينا بهذه الصفة ~~التي وصف، إن أصابهم ما يحبون، حمدوا، وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون، ~~صبروا، واحتسبوا، حتى برزوا على الأمم، وصاروا صفوة، والمتقدمين يوم ~~الموقف، والمبدوء بهم، وحرام على الأمم دخول الجنة حتى تدخلها هذه الأمة، ~~فسأل عيسى ربه، فقال: كيف يكون هذا الفضل لهم، ولا حلم ولا علم؟ قال: ~~أعطيهم من حلمي وعلمي، وهو اليقين الذي أعطيت هذه الأمة. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت أمتي ما لم يعط أحد)). PageV01P208 # وهو قوله تعالى: {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم}، ثم قال: {قل إن الفضل بيد ~~الله يؤتيه من يشاء والله واسع}؛ أي: بفضله {عليم}؛ أي: ممن هو له أهل ~~{يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم}، وقوله تعالى: {وألزمهم كلمة ~~التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما}. # فقوله: (أعطيهم من حلمي وعلمي)؛ أي: أعطيهم النور في قلوبهم، فتنشرح له ~~صدورهم، وتتسع، فهو حلمه. # والحلم: اتساع القلب والصدر بالأمور، فكلما دخل الصدر فكرة أمر، ذاب فيه، ~~وانهضم كما ينهضم الطعام في المعدة، فاتسع الصدر للأمور، وصلحت الأمور فيه، ~~فطابت، فكل طعام لا ملح فيه، فلا طعم له، وكل أمر لا حلم له في القلب، فلا ~~يتسع له، ولا تجد النفس طعم ذلك الأمر، فتلفظه، فإذا لفظته، ضاق الصدر، ~~فإذا ورد النور على القلب، اتسع الصدر لذلك الأمر، فمنه تخرج محاسن الأخلاق ~~والأفعال، وهو قوله: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}. # والحلم والملح يرجعان إلى معنى واحد، وكل واحد منهما ثلاثة أحرف يستعمل ~~كل واحد منهما في نوعه. PageV01P209 # وأما قوله: (ومن علمي)، فإنه لما ورد النور على قلوبهم، صاروا في العلم ~~بالله، والعلم بأسمائه الحسنى، إلى ما سبى قلوبهم، وصارت قلوبهم متعلقة ~~بذكره، فاحتشت صدورهم من الحكمة، وفهموا عن الله، وصاروا أبرارا أتقياء ~~فقهاء، فلو تركهم على قسمتهم وحظهم في آخر الأمم من الذي كان قدر لجميع ~~الخلق من الحلم والعلم والرحمة، لكانت ms0069 هذه الأمة أدنى الأمم وأخسها، ولما ~~من عليهم بعطائه الواسع الكريم، برزوا على الأمم، فلذلك: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها ~~وأكرمها على الله تعالى)). # فإنما قووا على أن صاروا مهاجرين وأنصارا، هجروا أوطانهم وأموالهم ~~وأولادهم، ونصروا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وصاروا من بعدهم تابعين ~~بإحسان بمثل هذا العطاء الواسع، واليقين النافذ؛ لأن النفس من شأنها أنها ~~لا تترك شيئا PageV01P210 ~~قبضت عليه حتى تطمع في شيء خير منه، وإلا، فمخاليبها أحد من أن تقدر على ~~الانتزاع منها، فإذا كان في كفها درهم، فأطمعت في دينار، فرأت الدينار، رمت ~~بالدرهم، وأعرضت عنه، ثم هي مقبلة على الدينار، فإذا طمعت في جوهر، فنظرت ~~إلى الجوهر الذي يعدل ملء بيت دينارا، لهت عن الدينار، وصارت خدرة ذبلة، ~~وضعفت قوة مخاليبها، فبقيت سلسة، فأقبلت على الجوهر معرضة عن الدينار ~~والدرهم، مشتغلة بالجوهر، وتعنى به. # فلولا أن الله تعالى من على هذه الأمة بهذا اليقين حتى طالعوا الملكوت، ~~وعظم جلال الله في صدورهم، حتى كانوا ممن يؤبه لهم، ويعبأ بهم، وهم آخر ~~الأمم، وأقلهم حظا من الحلم والعلم الذي قدر لهذه الأمة! # وروي لنا عن كعب: أنه قال: لما نظر موسى في الألواح، قال: رب إني أجد في ~~الألواح صفة قوم على قلوبهم من النور أمثال الجبال، تكاد البهائم تخر لهم ~~سجدا إذا رأوهم؛ من النور الذي في صدورهم، قال: تلك أمة محمد، يذمون ~~أنفسهم، ولا يعجبون بها، فمن سعة أخلاقهم، ونور قلوبهم، أمكنهم أن يهاجروا، ~~وينصروا الله ورسوله، وقالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~ههنا قاعدون}. # ولهذه الأمة من العلم بالله وبوحدانيته ما لم يسبقهم إليه أحد إلا ~~النبيون، ومما يدل على ذلك: أنه جعل في هذه الأمة صديقين خلفا من النبيين. PageV01P211 # 135 - حدثنا محمد بن محمد بن حسين، ثنا الحجاج ابن منهال، عن حماد بن سلمة، ~~عن ثابت، عن أبي طيبة، عن عبد الله بن عمرو، قال: أجد في الكتب: أن ms0070 هذه ~~الأمة تحب ذكر الله كما تحب الحمامة وكرها، وهم أسرع إلى ذكر الله من الإبل ~~إلى وردها يوم ظمئها. # وفيما روي في حديث شعيا: إن الله تعالى قال لبني إسرائيل: ((سميتكم ~~أحبائي، فهان عليكم ذلك، وسأؤثر بذلك الاسم من يطيعني، ويعقل أمري، قوما ~~إذا زكت أعمالهم، علموا أن ذلك مني، وإذا أقسموا، لم يقسموا بغيري، ولا ~~يسبون، ولا يلعنون زرع بركتهم وأبناءهم، وأجيبهم من قبل أن يدعوني، وأعطيهم ~~من قبل أن يسألوني، وأوفقهم من قبل أن يتكلموا، أبعث لهم نبيا أميا عبدا، ~~المتوكل المصطفى المرفوع المختار، يعفو ويصفح، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ~~أفتح به أعينا كمها، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، أسدده لكل جميل، وأهب له كل ~~خلق كريم، أجعل السكينة لباسه، والبر PageV01P212 ~~شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة معقودة ضميره، والصدق والوفاء طبيعته، ~~والعفو والمغفرة والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدي إمامه، ~~والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأرفع به بعد الخمالة، ~~وأسمي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به ~~بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأجعل أمته خير أمة رعاة الشمس، ~~طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت إلي، ألهمهم التسبيح ~~والتكبير والتمجيد والتحميد والتوحيد في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم، ~~ومنقلبهم ومثواهم، يصفون في مساجدهم كما تصف الملائكة حول عرشي، أوليائي ~~وأنصاري أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان، يصلون لي قياما وقعودا، وركوعا ~~وسجودا، يخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي وفاء بعهدي، ويقاتلون في ~~سبيلي صفوفا وزحوفا، يطهرون الوجوه والأطراف، ويأتزرون على الأنصاف، ~~ويكبرون ويهللون على الأشراف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهبان ~~بالليل، ليوث بالنهار، ينادي مناديهم في جو السماء، لهم دوي كدوي النحل، ~~إذا غضبوا هللوني، وإذا فزعوا كبروني، وإذا تنازعوا سبحوني، أجعل في أهل ~~بيته وذريته السابقين والصديقين، والشهداء PageV01P213 ~~والصالحين، وأمته من بعده يهدون بالحق، وبه يعدلون، أختم بكتابهم الكتب، ~~وبشريعتهم الشرائع، وبدينهم الأديان، وأختم بهم الخير الذي بدأته، ذلك من ~~فضلي أؤتيه من أشاء)). PageV01P214 ### || AUTO الأصل الثاني ms0071 والعشرون # 136 - حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى الزمن، ثنا معاذ بن هشام، حدثني ~~أبي، عن يونس، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، قال: ((ما أكل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على خوان قط، ولا في سكرجة، ولا خبز له مرقق)). # قلت لأنس: فعلى ماذا كانوا يأكلون؟ قال: على السفر. PageV01P215 # قال أبو موسى: يونس هذا هو ابن أبي الفرات الإسكاف. # قال أبو عبد الله رحمه الله: الخوان: هو شيء محدث فعلته الأعاجم، ولم تكن ~~العرب لتمتهنها، وكانوا يأكلون على السفر، واحدتها: سفرة، وهي التي تتخذ من ~~الجلود، ولها معاليق تنضم وتنفرج، وبالانفراج سميت: سفرة؛ لأنها إذا حلت ~~معاليقها، انفرجت، فأسفرت عما فيها، فقيل: سفرة. # وإنما سمي السفر سفرا: لإسفار الرجل بنفسه عن البيوت والعمران. # وقوله: (ولا في سكرجة)؛ لأنها أوعية الأصباغ للألوان، ولم يكن من شأنهم ~~الألوان، إنما كان طعامهم الثريد عليها مقطعات اللحم. # وكان يقول: ((انهسوا اللحم نهسا؛ فإنه أشهى وأمرأ)). # 137 - حدثنا بذلك عبد الجبار: قال: حدثنا سفيان، عن عبد الكريم بن أبي ~~أمية، عن عبد الله بن الحارث، عن صفوان بن أمية، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: ((انهسوا اللحم PageV01P216 ~~نهسا؛ فإنه أشهى وأمرأ)). # وقوله: (ولا خبز له مرقق): فكان عامة خبزهم الشعير، وإنما يتخذ الرقاق من ~~دقيق البر، وقلما يمكن اتخاذه من الشعير، وإنما الرقاق لمن اتخذ الميسر، ~~وليس ذلك من شأن العرب، إنما هو من فعل العجم، والعرب تنهس اللحم. # وسمعت الجارود يذكر عن وكيع، قال: ما درينا ما البر ما هو حتى جاءنا ابن ~~المبارك. # والميسر: هي عربية مولدة، وليست بأصلية فيما أحسبه، كأنه أخذ من تيسير ~~اللحم؛ لأنه اتخذ تيسير اللحم اليسير على النفر الكثير، وإذا كان لحما، أخذ ~~كل إنسان بضعة لم يتسعوا فيه ولا تيسروا، فاتخاذ الميسر هو قسمة وتوزيع بين ~~الأكلة، وذلك الانتهاس. PageV01P217 # والتعرق: هو فعل العرب في عامة هذه الأشياء أيسر من فعل العجم، طبعوا على ~~الضيق والعسر والنكد، إلا من انتخبه الله، وامتحن قلبه ms0072 للتقوى، واصطفاه ~~للعبودية، فشرح صدره، وطهر خلقه، ولست أعني بقول: العرب، من نرى في زماننا ~~بهذه الناحية، فإن عامة هذه الناحية نزعت بهم عروق أمهاتهم المولدات إلى ~~أخلاقهم، وطبائعهم، وكثر خلط السوء فيهم من عروق العجم، وأخلاقهم، فبقياتهم ~~هجين، إنما أعني أولئك الصفوة الذين جرت نطفهم من الأصلاب الكرام إلى ~~الأمهات الحرائر ذوي الأحساب والعناصر السنية، وإنما ذكرت هذا؛ لئلا يشتبه ~~عليك الأمر فيما ذكرت من شأن العرب. # وكذلك الخوان: أحسبها عربية مولدة؛ لأنه لم يكن عند القوم، فإن قال قائل: ~~فقد جرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر المائدة. # 138 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، والجارود، قالا: حدثنا الحماني، عن ~~مندل، عن عبد الله بن يسار مولى عائشة بنت طلحة، عن عائشة -رضي الله عنها-، ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تصلي الملائكة على الرجل ما ~~دامت مائدته موضوعة)). PageV01P218 # 139 - حدثنا زياد بن أيوب، أخبرنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لو كان الضب حراما، ما أكل على مائدة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 140 - حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا محمد بن سلام العطار، حدثني الحسن بن ~~مهران الكرماني، قال: سمعت فرقدا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~رأيت محمدا صلى الله عليه وسلم، PageV01P219 ~~وطعمت على مائدته الطعام. # قال: فالمائدة: كل شيء يمد ويبسط؛ مثل: المنديل، والثوب، والسفرة، نسب ~~إلى فعله، وكان من حقه أن يكون ماددة، الدال مضاعفة، فجعلوا إحدى الدالين ~~ياء، فقالوا: مائدة، والفعل واقع به، فكان ينبغي أن يكون ممدودا، ولكن خرجت ~~في اللغة مخرج فاعل؛ كما قالوا: سر كاتم، وهو مكتوم، وعيشة راضية، وهي ~~مرضية، وكذلك خرجت في اللغة ما هو فاعل مخرج مفعول، فقالوا: رجل مشؤوم، ~~وإنه هو شائم، وحجاب مستور، وإنما هو ساتر. # فالخوان: هو المرتفع عن الأرض بقوائمه. # والمائدة: ما مد وبسط. # والسفرة: ما أسفر عما في جوفه، وذلك أنها مضمومة بمعاليقها. # 141 - حدثنا ms0073 عمر بن أبي عمر، حدثنا سهل بن تمام، حدثنا يحيى بن دينار ~~البكري والد همام، عن الحسن، قال: الأكل على الخوان فعل الملوك، وعلى ~~المنديل فعل PageV01P220 ~~العجم، وعلى السفرة فعل العرب، وهو سنة. # فكان هذا بدو هذه الأشياء، فلما غلب العجم على هذا الفعل من الأخونة؛ نسب ~~الأخونة إلى المائدة، فقيل للخوان: مائدة، ومما يحقق ما قلنا: إن المائدة ~~هي التي تبسط وتمد، ما جاء في التنزيل من ذكر المائدة، وإنما نزل سفرة ~~حمراء مدورة، وإنما سألوا فقالوا: {ربنا أنزل علينا مائدة من السماء}. # قال الله تعالى: {إني منزلها عليكم}، فجاء في الخبر: أن سفرة نزلت من ~~السماء عليها الطعام. # 142 - حدثنا بذلك: عمر بن أبي عمر، حدثنا عمار ابن هارون الثقفي، عن ~~زكريا بن حكيم الحنظلي، عن علي ابن زيد بن جدعان، عن أبي عثمان النهدي، عن ~~سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال: لما سألت الحواريون عيسى بن مريم -صلوات ~~الله عليه- المائدة، قال: فوضع لباس الصوف، ولبس ثياب المسوح، وهو سربال من ~~مسوح أسود، ولحاف أسود، فقام فألزق القدم بالقدم، وألزق العقب PageV01P221 ~~بالعقب، والإبهام بالإبهام، ووضع يده اليمنى على اليسرى، ثم طأطأ رأسه ~~خاشعا لله، ثم أرسل عينيه يبكي، حتى جرى على لحيته، وجعل يقطر على صدره، ثم ~~قال: {اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ~~وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين}، قال الله: {إني منزلها عليكم فمن ~~يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين}. # فنزلت سفرة حمراء مدورة بين غمامتين، غمامة من فوقها، والأخرى من تحتها، ~~والناس ينظرون إليها، فقال عيسى عليه السلام: اللهم اجعلها رحمة، ولا ~~تجعلها فتنة، إلهي أسألك من العجائب فتعطيني، فهبطت بين يدي عيسى عليه ~~السلام، وعليها منديل مغطى، فخر عيسى ساجدا، والحواريون معه، وهم يجدون لها ~~رائحة طيبة لم يكونوا يجدون قبل ذلك، فقال عيسى عليه السلام: أيكم أعبد لله ~~عز وجل، وأجرأ على الله، وأوثق بالله، فليكشف عن هذه السفرة حتى نأكل منها، ms0074 ~~ونذكر اسم الله عليها، ونحمد الله عليها، فقال الحواريون: يا روح الله! أنت PageV01P222 ~~أحق بذلك، فقام عيسى -عليه الصلاة والسلام-، فكشف عنها، فإذا عليها سمكة ~~مشوية ليس فيها شوك، يسيل سيلان الدسم، وقد نضد حولها من كل البقول ما خلا ~~الكراث، وعند رأسها ملح وخل، وعند ذنبها خمسة أرغفة، على واحد منها خمس ~~رمانات، وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر زيتون، فبلغ ذلك اليهود، فجاءوا غما ~~وكمدا ينظرون إليه، فرأوا عجبا، فقال شمعون، وهو رأس الحواريين: يا روح ~~الله! أمن طعام الدنيا، أم من طعام الجنة؟! # فقال عيسى: أما افترقتم بعد عن هذه المسائل؟ ما أخوفني أن تعذبوا! قال ~~شمعون: وإله إسرائيل! ما أردت بذلك سوءا، فقالوا: يا روح الله! لو كان مع ~~هذه الآية آية أخرى؟ فقال عيسى عليه السلام: يا سمكة! احيي بإذن الله، ~~فاضطربت السمكة طربا تبصبص عيناها، ففزع الحواريون، فقال عيسى: ما لي أراكم ~~تسألون عن الشيء، فإذا أعطيتموه كرهتموه؟! ما أخوفني أن تعذبوا PageV01P223 ~~وقال: لقد نزلت من السماء، وما عليها طعام من الدنيا، ولا طعام من الجنة، ~~ولكنه شيء ابتدعه الله عز وجل بالقدرة البالغة، فقال لها: كوني، فكانت. # فقال عيسى: يا سمكة! عودي كما كنت، فعادت مشوبة كما كانت. # فقال الحواريون: يا روح الله! كن أول من يأكل منها. # فقال عيسى عليه السلام: معاذ الله! إنما يأكل منها من طلبها وسألها، فأبت ~~الحواريون أن يأكلوا منها خشية أن تكون مثلة وفتنة، فلما رأى عيسى ذلك، دعا ~~عليها الفقراء والمساكين، والمرضى والزمنى، والمجذومين والمقعدين والعميان، ~~وأهل الماء الأصفر. # فقال: كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم، واحمدوا الله عليه، وقال: يكون ~~المهنأ لكم، والعذاب على غيركم، فأكلوا حتى صدروا عن شبع ألف وثلاث مئة ~~يتجشؤون، فبرئ كل سقيم أكل منه، واستغنى كل فقير حتى الممات، فلما PageV01P224 ~~رأى ذلك الناس، ازدحموا عليه، فلم يبق صغير ولا كبير، ولا شيخ ولا شاب، ولا ~~غني ولا فقير، إلا جاؤوا يأكلون منه، فضغط بعضهم بعضا. # فلما رأى ذلك عيسى عليه السلام، ms0075 جعلها نوائب بينهم، فكانت تنزل عليهم ~~يوما، ولا تنزل يوما؛ كناقة ثمود، ترعى يوما، وتشرب يوما، فنزلت أربعين ~~يوما، تنزل ضحى، فلا تزال هكذا حتى يفيء الفيء موضعه، فيأكل الناس منها حتى ~~ترجع إلى السماء، والناس ينظرون إليها حتى توارى عنهم، فلما تم أربعون ~~يوما، أوحى الله إلى عيسى عليه السلام: # يا عيسى! اجعل مائدتي هذه للفقراء دون الأغنياء، فتمارى الأغنياء في ذلك، ~~وعادوا الفقراء، وشكوا، وشككوا الناس. # فقال الله: يا عيسى! إني آخذ بشرطي، فأصبح منهم ثلاثة وثلاثون خنزيرا ~~يأكلون العذرة، يطلبونها في الأكناف بعد ما كانوا يأكلون الطعام الطيب، ~~وينامون على الفرش اللينة، PageV01P225 ~~فلما رأى الناس ذلك، اجتمعوا حول عيسى عليه السلام، وجاءت الخنازير جثوا ~~على ركبهم قدام عيسى، فجعلوا يبكون، والدموع تقطر منهم، فعرفهم عيسى، فجعل يقول: # ألست بفلان؟ فيومئ برأسه، ولا يستطيع الكلام، فلبثوا كذلك سبعة أيام، ~~ومنهم من يقول: أربعة أيام، ثم دعا الله أن يقبض أرواحهم، فأصبحوا لا يدرى ~~كيف ذهبوا، الأرض ابتلعتهم، أو ما صنعوا!؟. # 143 - حدثنا الفضل بن محمد، حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، حدثنا يحيى ~~بن صالح، حدثنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة، عن الحسن، قال: دخلنا على عاصم بن PageV01P226 ~~حدرة، فقال: ((ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بواب قط، ولا مشي معه ~~بوسادة قط، ولا أكل على خوان قط)). # قال العباس: عاصم بن حدرة رجل من الأنصار. PageV01P227 ### || AUTO الأصل الثالث والعشرون # 144 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبر [نا] ~~زياد أبو عمر، عن صالح أبي الخليل، عن عائشة -رضي الله عنها-: ((أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمر بقطع المراجيح)). PageV01P229 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # المراجيح: هو شيء من فعل العجم، تأدت إلى العرب سنتها، وسنة العجم مزجور ~~عنها، والتزيي بزيهم، وهو لهو ولعب. # وهما لغتان: فمن قال: مرجح: فجمعه مراجح، ومن قال: مرجاح: فجمعه مراجيح ~~كقوله: مفتح: وجمعه مفاتح، ومفتاح: وجمعه مفاتيح. # وهذا شيء إنما يفعله العجم في أيام النيروز، تفرحا ms0076 وتلهيا عن الغموم التي ~~تراكمت على قلوبهم من رين الذنوب، وأكثر ما يستعمله ملوك العجم، والمؤمن قد ~~اعتورته الأحزان والغموم لا محالة، فمحال أن ينفك عنه غموم الذنوب، وأحزان ~~مشيئة الله فيه، فهذا حال المقتصد مع الله تعالى، فأما أهل المعرفة، وهم ~~المقربون، فغمومهم من البقاء في الدنيا، فإن الدنيا مطبق المقربين ينتظرون ~~متى الراحة منها. # وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدنيا سجن المؤمن)). PageV01P230 # وأما أحزانهم: فمن ظمأ الشوق إلى الله تعالى. # فهذان الصنفان لم ينفكوا من الغموم والأحزان، وسائرهم مخلطون بطالون ~~لعمرهم، غافلون عن الآخرة، سكارى، حيارى، سكارى عن وعده ووعيده، حيارى في ~~سيرهم إليه، وركض الليل والنهار بهم إلى الله، فهم الذين يفزعون إلى الله ~~من غموم الدنيا، ورين الذنوب المعذبة لقلوبهم في ظلمات سجون المعاصي إلى ~~المراجح تلهيا وتلعبا، فيتفرجون، ويتنشطون، ويلتمسون النزهة ونسيمها، ولا ~~يعلمون أن النزهة في نزاهة القلوب، وتطهيرها من آفات النفس وخدعها، ورين ~~الذنوب، حتى يجدوا نسيم الملكوت، وروح قرب الله على قلوبهم في عاجل دنياهم. # وروي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الإيمان حلو نزه ~~فنزهوه)). # فإذا التمس العبد هذه النزهة، فهو نور على نور، القلب مشحون بالنور، ~~والصدر مشرق بالنور، يعلم من ربه، ويعلم ما من به عليه ربه، وهو عنه غني، ~~لكنه رحمه، فمن عليه مما يرى عنه، فأي فرح يتسع مع هذا PageV01P231 ~~الفرح في قلب، وكيف يبقى في قلب فيه هذا الفرح بالله متسع للفرح بالدنيا ~~وأحوالها، والقلوب التي تعتورها غموم الآخرة نورانية تنفرج بتلك الأنوار ~~التي يطالع بها الآخرة، وعظم الرجاء من عند الماجد الكريم. # وأما القلوب التي تعتورها ظلمات المعاصي، فهي قلوب معذبة، ونفوس دنسة، ~~وجوارح كسلة، يريدون أن يستروحوا إلى مثل هذه الأشياء من الملاهي، ويتنفسوا ~~في فسيح النزاهات، وقد أخذت غموم النفس أنفاسهم، وجرعتهم الغيظ في أنهم لا ~~يصلون إلى مناهم على الصفاء، والملوك على خوف الغدر والبيات معهم، والأمراء ~~خوف العزل معهم، والأغنياء خوف السلب معهم، والأصحاء ms0077 خوف السقم معهم. # فهذه مخاوف مظلمة تورد على القلب مغمات، كسحائب متراكمات تفور في جوفها ~~من الحر، ومع تلك السحائب حر مؤذ، وذباب كلما ذب آب، وبراغيث يمنعن من ~~الرقاد. # فهذه صفة المتنزهة بنزه الدنيا، والسحائب معاصيه، والذي يفور في جوفها ~~إصراره على المعاصي، والحر المؤذي شهواته التي تغلي في صدره، والذباب مناه، ~~كلما قضى نهمته من شيء عادت الأخرى، والبراغيث تنافسه في دنياه، وفي أحوال ~~دنياه، وناب إليها، فإذا لم يصل إليها، PageV01P232 ~~رجعت إليه بحرارة، فعضته، وهو الحسد والبغضة، والغيرة والبخل والشح، فأي ~~قلب هذه صفته يتهنى بنعمة من نعم الدنيا، فلا يغرن عاقلا ظاهر فرحهم. # فهو كما روي عن الفضيل بن عياض أنه قال: ذل المعصية والله في قلوبهم وإن ~~دقت بهم الهمالج، أبى الله إلا أن يذل أهل معصيته. # فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع تلك المراجيح، وكره لهم أن ~~يتزيوا بزي من اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، فلا خلاق له هناك، مع أن في ~~ذلك من الخطر غير قليل، فربما انقطع الحبل، واندق العنق، فصار معينا على نفسه. # فأما الذي يرخص فيه للتداوي به، أو لمريض ضاق بعلته ذرعا، أو للصبيان ~~الذين يعللونهم به، فذاك لهم كالمهد يرجح فيه حتى يذهب به النوم؛ لأن الطفل ~~لا يعقل ما يصلح له، ولا يصبر عل الضجعة، حتى يأخذه النوم، كما يصبر ~~الكبير، فيعلل بتلك الأرجوحة، فيهوي بجسده تلقيا ودفعا حتى ينام. # فليس هذا بداخل عندنا في النهي؛ لأن هذا يأخذه على الانتفاع به، PageV01P233 ~~لا على الأشر والبطر، وعلى سبيل الملاهي في يوم أهل البطالات. # 145 - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد المؤمن، عن داود بن أبي هند، قال: ~~رأيت الشعبي يترجح، فنظرت إليه، فقال: إنه نعت لي من وجع ظهري. # ومحتاجة هذه النفس إلى تعليل في كل مكان، وأن تدارى، ويرفق بها. # 146 - حدثنا حميد بن الربيع اللخمي، قال: حدثني أبو ضمرة، قال: حدثني ~~الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: قال رسول ms0078 ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب الرفق في الأمر كله)). # 147 - حدثنا هارون بن حاتم، ثنا محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي ~~مليكة، عن القاسم بن محمد، قال: سمعت عائشة -رضي الله عنها- تقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((من حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من PageV01P234 ~~خير الدنيا والآخرة، ومن أعطي حظه من الرفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا ~~والآخرة)). # ومن الرفق والتعليل: ما روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ~~قال: ((لما انتهيت إلى سدرة المنتهى، فتدلى النور الأكبر، فغشي السدرة، ~~فحار بصري، فحال دونه فراش من ذهب)). # يعلله بذاك حتى يقوى بصره على رؤية النور؛ لأن الفراش إذا طار هكذا ~~وهكذا، حجبه مرة، وانكشف له مرة. PageV01P235 # وما روي عنه في قصة المعراج أنه قال: ((لما انتهيت إلى قرب العرش، تدلى لي ~~رفرف، وأخذني من جبريل، تناولا إلى سند العرش، فجعل يهوي بي، يخفضني مرة، ~~ويرفعني أخرى)). # فذاك تعليل للنفس، وذلك أنها لا تقوى على مباشرة الأمور في دفعة واحدة، ~~إلا قليلا قليلا، فقربه الرفرف حتى رفعه في مرفعه إلى العرش، ثم خفضه، ثم ~~رفعه، لكي يتمالك النفس، ولو كانت في دفعة واحدة؛ لكان قمنا أن لا يتمالك. # فكان الرفرف سببا لتداريه، ورفقا به. # ويقال: إن الرفرف خلق من خلق الله ممن اختصه للخدمة بين يديه، فمن حاله ~~هذه الأمور، وإنما قيل: رفرف؛ لأنه يرفرف حول المشاهد والقربة بين يديه، ~~ويقال: هو أخضر من الدر والياقوت فيما جاء به الخبر. # فإنما أردنا بما ذكرناه من هذه الأشياء: إقامة شأن المراجيح للصبيان أنه ~~يحتاج الصبي لصباه، وطفوليته على الأشياء المحبوبة، أن PageV01P236 ~~يعلل؛ كي يقوى على مقاساة ما يفطمه عنه، فمن شأن الصبي التردد والتقلب في ~~لهوه فلا يستقر؛ لينام وهو محتاج إلى ذلك، فيوضع في المرجاح فيرجح نفسه ~~هكذا وهكذا حتى يجد الصبر على الاستقرار في موطن واحد، وإنما قيل رجحان ~~الميزان من هذا؛ لأنه يميل إحدى الكفتين، ms0079 فإذا كان هذا للحاجة إليه لمريض ~~أو صبي لا يجد قرارا، فهو خارج من النهي. # وإنما وقع النهي عندنا: على من تشبه بأهل البطالة في ذلك اليوم، وبالملوك ~~الفراعنة الذين تلذذوا به، فتلذذ هذا بمثل ذلك، فإن ذلك فعل مله مطرب مع ~~الغناء والجواري، والسماع على شواطئ الأنهار في تلك الخضر، ونور الربيع، ~~وأخذت الأرض زينتها وزخرفها في أيام النيروز مع طيب الهواء، وبنفس البرد، ~~وتأخر الحر، وسجسجة الجو، تنزهوا في نزه الدنيا، وتنعموا بالألوان، وقضوا ~~المنى والشهوات، وحف بهم المعازف، وركبوا المراجيح، فتعجلوا طيباتهم في ~~حياتهم الدنيا. # قال الله تعالى: {أذهبتم طيبتاكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم ~~تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون}. # فبلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلم في امتناعه من التوسع من ~~النعيم، PageV01P237 ~~فتلا هذه الآية، فقيل له: يا أمير المؤمنين! أليس هذا للكفار؟ فقال: ثكلتك ~~أمك! الكفار أهون على الله من أن يعاتبهم. # فنظرت في هذه الآية، فوجدت مبتدأها ذكر الكفار، وهو قوله تعالى: {ويوم ~~يعرض الذين كفروا على النار}، ثم قال في آخره: {فاليوم تجزون عذاب الهون ~~بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق}. # فأخبر أنه إنما جزاؤهم العذاب الهون بالاستكبار بغير الحق، وبالفسق؛ ~~ليحذر المؤمن أن يستكبر في أرضه بغير الحق، أو أن يفسق؛ فإن دخول النار ~~بالكفر، وتضاعف العذاب، وقسمة الدركات بالأعمال السيئة، ودخول الجنة ~~بالإيمان، وتضاعف النعيم، وقسمة الدرجات بالأعمال الصالحة، والأخلاق ~~الحسنة، فإنما عير الكفار بالكبر والفسق، ففزع عمر رضي الله عنه من ذلك، ~~وحق له أن يفزع من تعجيل بعض الطيبات في الحياة الدنيا، والاستمتاع بها. # ومن هاهنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أتي بعسل قد خيض ~~بماء فرده وقال: ((أما إني لا أحرمه، ولكن أتركه تواضعا لله)). PageV01P238 # كأنه رأى: أن النفس إذا أعطيت شهواتها، فذلك من الاستكبار، وإذا منعت، فذلك ~~من التواضع لله تعالى، هذا فيما حل وأطلق له، فكيف بما حرم عليه؟ ms0080 # وأن الله تبارك وتعالى خلق الجنة، فحشاها بالنعيم ثوابا لأهلها، وخلق ~~النار وحشاها بالعذاب عقابا لأهلها، وخلق الدنيا فحشاها بالآفات والنعيم ~~محنة وابتلاء، ثم خلق الخلق، والجنة والنار في غيب منهم لم يعاينوه. # فالنعيم والآفات التي هي في الدنيا هي أنموذج الآخرة، ومذاقه ما فيهما. # وخلق في الأرض من عبيده ملوكا، أعطاهم سلطانا أرغب به القلوب، وملك به ~~النفوس قهرا أنموذجا ومثالا لتدبيره وملكه، ونفاذ أمره ومعاملته، فجعل خبر ~~ذلك كله تنزيلا، فوصف الدارين، ووصف ملكه، وقدرته، وتدبيره، ومنته، ~~وصنائعه، وضرب الأمثال على ذلك، ثم قال: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما ~~يعقلها إلا العالمون}. # فالعلماء بالله فهموا عن الله أمثاله؛ لأن المثل إنما هو صفة شيء قد PageV01P239 ~~شاهدته، يريك صفة ما غاب عنك، ويبصرك ما تبصره بعينك؛ لينفذ بصر قلبك إلى ~~ما لا تبصره عينك، فيعقل قلبك ما خوطبت به من خبر الملكوت، وخبر الدارين في ~~معاملة ملك الملوك، فليس في الدنيا نعمة ولا شهوة إلا وهي أنموذج الجنة ~~وذوقها، ثم من وراء ذلك فيها: ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر. # فلو سمى للعباد منها، لم ينتفعوا بتلك الأسماء؛ لأنهم لم يعقلوه هاهنا، ~~ولا رأوه، وليس لها أنموذج في الدنيا، والجنة مئة درجة، وإنما وصف منها ~~ثلاث درجات: الذهب، والفضة، والنور، ثم من وراء ذلك غير معقول، ولا تحتمله ~~العقول. # وكذلك ما في الدنيا من الشدة والعذاب، فهو أنموذج دار العقاب، ثم من وراء ~~ذلك ما لا تحتمله العقول من ألوان العذاب، كل ذلك يخرج لهم من غضبه، ولأهل ~~الجنة من رحمته، وكل من تناول من عبيده من دنياه مما أبيح له، وشكره عليها، ~~أبدل له من الجنة ما يدق هذا في جنبه، ومن تناول مما لم يبح له، فقد حرم ~~نفسه حظه من الدرجات، ومن كذب بها، حرم الجنة بما فيها أجمع، فلأهل الجنة ~~عرائس وولائم وضيافات. PageV01P240 # فالعرائس: الدعوة، وذلك أن رب العزة دعاهم إلى دار السلام؛ ليجدد لهم ~~أبدانا طرية، وأعمارا أبدية، ms0081 فأجابوه. # والولائم للأرواح، والضيافات للزيارة، ولأهل الجنة تلاق وزيارات فيما ~~بينهم، ومتحدث في مواطن الألفة، ومجتمع في ظل طوبى، يلقون الرسل هناك ~~ويزورونهم. # ومجالس الملائكة فيما بينهم، وأسواق يأتونها يتخيرون فيها الصور، وهدايا ~~من الرحمن في أوقات الصلوات. # ويغدى ويراح عليهم من ألوان الأطعمة والأشربة والفواكه بكرة وعشيا، ~~أرزاقهم دارة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، ومزيد من الله يوما بيوم، فإذا أتاهم ~~المزيد، نسوا ما قبله. # ثم لهم متنزه يخرجون إليها في رياض على شاطئ نهر الكوثر، عليه خيام الدر ~~مضروبة، الخيمة ستون ميلا في عرض مثله، من لؤلؤة واحدة، ليس لها باب، فيها ~~جوار عبقات أبكار لم ينظر إليهن ملك، ولا أحد من أهل الجنة من الخدم ~~والحور، وهو قوله تعالى: {فيهن خيرات حسان}. # وإذا قال الله تعالى لهن: حسان، فمن يقدر أن يصف حسنهن؟ ثم قال: {حور ~~مقصورات في الخيام}. PageV01P241 # فتلك خيرة الرحمن اختار صورهن الحسان من الصور، يدعى من سحائب الرحمة، ~~فأمطرت جواري حسانا على مشيئة الكريم، نور وجوههن من نور العرش، فضربت ~~عليهن خيام الدر، فلم يرهن أحد مذ خلقهن، فهن مقصورات في الخيام، قد قصرن؛ ~~أي: حبسن على أزواجهن من جميع الخلق. # فأهل الجنة يتنعمون في القصور مع الأزواج، ويلبثون في النعمة ما شاء ~~الله، حتى إذا كان اليوم الذي يريد الله عز وجل أن يجدد لهم نعمة ونزهة، ~~نودي في درجات الجنان: يا أهل الجنان! إن هذا يوم نزهة وسرور، وتفسح وحبور، ~~فاخرجوا إلى متنزهكم، فيخرجون على خيول الدر والياقوت من أبواب مدائنهم إلى ~~تلك الميادين، ثم يسيرون من تلك الميادين إلى تلك الرياض على شاطئ نهر ~~الكوثر، فيهديهم الله تعالى إلى منازلهم، فينزل كل رجل منهم عند خيمته، ولا ~~باب لها، فتنصدع الخيمة عن باب، وذلك بعين ولي الله؛ ليعلم أن التي فيها لم ~~يطلع عليها أحد، وفاء لما قدم الله عز وجل من الوعد في دار الدنيا حيث قال: ~~{فيهن خيرات حسان}، ثم قال: {حور مقصورات في الخيام}، ثم قال: {لم يطمثهن ~~إنس ms0082 قبلهم ولا جان}. PageV01P242 # ويستوي معها على سرير النزهة في تلك الحجال، فيمال عليهم من وليمتها، فإذا ~~طعموا الولائم، سقاهم الله شرابا طهورا، وتفكهوا بطرف الفواكه التي جدد ~~الله لهم من تلك الهدايا في ذلك اليوم، وأحلى الحلل، يخلع عليهم كسوة ~~الرحمن، واشتغلوا بالخيرات الحسان يقضون منهن الأوطار والنهمات، ثم يتحولون ~~إلى مجالس العبقريات المنشآت بألوان النقوش على شواطئ الأنهار في تلك ~~الرياض، يركبون الرفارف الخضر، ويتكئون عليها، وهو قوله تعالى: {متكئين على ~~رفرف خضر وعبقري حسان}. # وإذا قال الله عز وجل لشيء: حسان، فماذا بقي؟ # فالرفرف: هو شيء إذا استوى عليه رفرف به، وأهوي به، كالمرجاح يمينا ~~وشمالا، ورفعا وخفضا، يتلذذ به مع أنيسه، وإذا ركبوا الرفارف، أخذ إسرافيل ~~في السماع. # وروي في الخبر: أنه ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا أخذ ~~في السماع، قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم وتسبيحهم، فإذا ركبوا الرفارف، ~~وأخذ إسرافيل في السماع بألوان الأغاني PageV01P243 ~~تسبيحا وتقديسا للملك القدوس، فلم يبق في الجنة شجرة إلا وردت، ولم يبق ستر ~~ولا باب إلا ارتج وانفتح، ولم يبق حلقة على باب إلا رنت وطنت بألوان ~~طنينها، ولم يبق أجمة من آجام الذهب إلا وقع هبوب الصوت في مقاصبها، فزمرت ~~تلك المقاصب بفنون الزمر، ولم يبق جارية من جواري الحور العين إلا غنت ~~بأغانيها، والطير بألحانها. # ويوحي الله تعالى إلى الملائكة: أن جاوبوهم، وأسمعوا عبادي الذين نزهوا ~~أسماعهم عن مزامير الشيطان، فيجاوبونهم بألحان وأصوات روحانيين، فتختلط هذه ~~الأصوات فتصير رجة واحدة، ثم يقول الله عز وجل: # يا داود! قم عند ساق عرشي، فمجدني، فيندفع داود في تمجيد ربه بصوت يغمر ~~الأصوات ويجليها، وتتضاعف اللذة، وأهل الخيام على تلك الرفارف تهوي بها، ~~وقد حفت بهم أفانين اللذات والأغاني، فذلك قوله عز وجل: {فهم في روضة ~~يحبرون}. # 148 - حدثنا محمد بن موسى الحرشي، حدثنا عامر PageV01P244 ~~ابن يساف العنزي، قال: سألت يحيى بن أبي كثير عن قوله تعالى: {في روضة ~~يحبرون}. # قال: الروضة: اللذة والسماع. # فبينما هم ms0083 على لذاتهم وسرورهم إذا انفتح لهم باب الملك القدوس من جنة ~~عدن، فارتجت أصوات صفوف الملائكة الروحانيين من جنة عدن بتماجيد الماجد ~~الكريم إلى درجات الجنان، وثارت ريح عدنية بألوان الطيب والروح، والنسيم ~~نسيم القربة، وسطع على إثر ذلك نور، فأشرقت منه رياضهم وجنانهم وشواطئ ~~أنهارهم، وامتلأ كل شيء منه نورا، حتى ناداهم الجليل جل جلاله من فوق ~~رؤوسهم: # السلام عليكم أحبائي وأوليائي وأصفيائي، يا أهل الجنة! كيف وجدتم ~~متنزهكم؟ هذا يومكم بدل نيروز، أعدائي طلبوا يوما من الدنيا ليجددوا على ~~أنفسهم النعمة التي قد كدروها على أنفسهم لخبثهم وشقائهم، PageV01P245 ~~فلم ينالوا ما طلبوا من اللذة، وخسروا من خبث ما طلبوا في العاجل، فلم ~~يصبروا حتى ينالوا هذا الذي أعددت في الآجل لأهل طاعتي، فأعرضتم عما إليه ~~أقبلوا، وامتنعتم مما فيه تنافس الملوك، فاليوم يذوقون وبال ما تنافسوا ~~فيه، وشيك ما انقطع ما طلبوا من اللذة والنهمة في دار الفناء، وصاروا إلى ~~الذل والهوان، وجزيتم بما صبرتم جنة وحريرا، ومتنزها وسلاما، فهذا يوم ~~نيروزكم ومتنزهكم، وغدا يوم زيارتكم في داري في جنة عدن، فطالما رأيتكم في ~~دار الدنيا في مثل ذلك اليوم، مشتغلين بطاعتي، والمترفون في لهوهم ولعبهم، ~~سكارى حيارى، عصاة متمردين، يتنعمون بحطام الدنيا، ويفرحون بتداولها بينهم، ~~وأنتم تراقبون جلالي، وتحفظون حدودي، وتراعون عهودي، وتنفقون على حقوقي. # ويفتح لهم باب من أبواب النيران، فيفور لهبها ودخانها، وصراخ أهلها ~~وعويلهم؛ لينظر أهل الجنان من هذه المجالس إلى ما من الله عز وجل، فيزدادون ~~غبطة وسرورا. # وينظر أهل النار من تلك السجون والمحابس في تلك الأغلال والقيود، ~~فيتحسرون على ما فاتهم، فيستغيثون بوجوه أهل الجنان إلى الله PageV01P246 ~~تعالى، وينادونهم بأسمائهم، فيقول الله تعالى: {هم وأزواجهم في ظلال على ~~الأرائك متكئون. لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون. سلام قولا من رب رحيم. ~~وامتازوا اليوم أيها المجرمون. ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين. وأن أعبدوني هذا صراط مستقيم}. # فتجيش بهم النار، فتفرق جمعهم، وينقطع نداؤهم، ms0084 فترمي بهم إلى جزائر ~~النار، فإذا خرجوا إليها، دنت إليهم عقارب لها أنياب كأمثال النخل، ثم يقبل ~~عليهم سيل من نار من تحت العرش حشوها غضب الله، فتقذفهم في بحار النيران، ~~وينادي مناد: هذا يومكم الذي كنتم تبارزوني فيه بالعظائم، وتتمردون على ~~نعمتي، وتفرحون في دار الأحزان والعبودية، فما تضاهون به ما أعددت لأهل ~~طاعتي، فقد انقطعت عنكم تلك اللذات، فذوقوا وبال ما آثرتموه؛ فإن أهل الجنة ~~قد اشتغلوا عنكم بالتواكل والنعم، وبالولائم، وألوان الفواكه، وظرف ~~الهدايا، وافتضاض العذار، وركوب الرفارف، والتلذذ بالأغاني، وألوان السماع، ~~فسلامي عليهم، وإقبالي بالبر واللطف، والمزيد ما يستفرغ نعميهم؛ ليهنؤا ~~بنعيمهم، ويزدادوا لذة على لذة. PageV01P247 # فيا أهل الجنة! هذا لكم بيوم أعدائي الذين تباعدوا، وأهدوا إلى ملوكهم، ~~وقبلوا هداياهم، وأنتم الفائزون. # فإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع المراجيح؛ ليظفروا بما وعد ~~الله من بدل المراجيح من الرفارف الخضر، كما نهاهم عن المعازف، ومزامير ~~الشيطان؛ ليظفروا بما وعد الله من سماع الجنة. # 149 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثني موسى بن سعيد ~~الراسبي، وعبد الله بن عرادة الشيباني، قال: حدثنا القاسم العجلي، عن زيد ~~بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رجل: يا ~~رسول الله! إني رجل حبب إلي الصوت الحسن، فهل في الجنة صوت حسن؟ قال: ((إي ~~والذي نفسي بيده! إن الله تعالى ليوحي إلى شجرة في الجنة أن أسمعي عبادي ~~الذين اشتغلوا بعبادتي وذكري عن عزف البرابط والمزامير، فترفع بصوت حسن لم ~~يسمع الخلائق بمثله من تسبيح الرب وتقديسه)). PageV01P248 # 150 - حدثنا عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا موسى، حدثنا أبان، عن الحسن، وأبي ~~قلابة، قالا: قال رجل: يا رسول الله! هل في الجنة من ليل؟ قال: ((وما هيجك ~~على هذا؟ قال: سمعت الله عز وجل يذكر في الكتاب: {ولهم رزقهم فيها بكرة ~~وعشيا}، فقلت: الليل من البكرة، والعشي، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((ليس هناك ليل، إنما هو ضوء ونور ms0085 يرد الغدو على الرواح، والرواح على ~~الغدو، ويأتيهم طرف الهدايا من الله لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها ~~في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة)). # 151 - حدثنا أبو الخطاب، حدثنا سهل بن حماد -هو أبو عتاب-، حدثنا جرير بن ~~أيوب البجلي، حدثنا الشعبي، عن نافع بن بردة، عن أبي مسعود الغفاري، PageV01P249 ~~سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من عبد يصوم يوما من رمضان ~~إلا زوج زوجة من الحور العين في خيمة من در مجوفة، بما نعت الله من: {حور ~~مقصورات في الخيام}، على كل امرأة منهن سبعون حلة ليست على لون الأخرى، ~~وتعطى سبعين لونا من الطيب ليس منهن ريح لون على ريح الآخر، لكل امرأة منهن ~~سبعون سريرا من ياقوتة حمراء موشحة بالدر، على كل سرير سبعون فراشا، على كل ~~فراش أريكة، لكل امرأة منهن سبعون ألف وصيفة لحاجتها، وسبعون ألف وصيف، مع ~~كل وصيف صحفة من ذهب فيها لون من طعام يجد لآخر لقمة منها لذة لم يجدها ~~لأوله، ويعطى زوجها مثل ذلك على سرير من ياقوت أحمر عليه سوار من ذهب موشح ~~بياقوت أحمر، هذا لكل يوم صامه من رمضان، سوى ما عمل من الحسنات)). PageV01P250 # قال أبو عبد الله رحمه الله: فصير المشركون هذا اليوم نزهتهم، وعيدا من ~~أعيادهم، وسموه يوما جديدا، وبلسانهم نوروزا، واضطربوا فيه؛ طلبا لتجدد ~~النعمة، وإحداث لهو ولعب في تفرج وتفسح، فهاب المسلمون أن يلتفتوا إلى هذا ~~اليوم ويعبؤون به. # حتى قال طلحة بن مصرف: يعجبني أن يمر بي ذلك اليوم وأنا لا أشعر به. # وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه أتي بفالوذج، فقال: ما هذا؟ ~~فقال: إنه يوم نوروز، وذلك بأرض العراق. فقال: نورزوا كل يوم. # كأنه أراد أن لا يعبأ به. # ومن ذهب يصوم ذلك اليوم، ويزيد في أعمال البر، يتوخى بذلك خلافا لهم، ~~فهذا مذهب أيضا، ولكن الطهارة من ذلك أسلم له؛ فإن هؤلاء PageV01P251 ~~اتخذوه عيدا لنزههم، وسرورهم، ولذاتهم، وهذا قد اتخذه عيدا لعبادته. # ألا ms0086 ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الجمعة، وقال: ~~((لا تتخذوه عيدا)). # فإذا أحدث الرجل في يوم قد اتخذه أهل الشرك لأنفسهم عبادة وصوما، فقد ~~اتخذه لنفسه، فالاتخاذ قد يشبه الاتخاذ، وإن كان العملان متباينين. # 152 - حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا علي بن الحسن، أخبرنا عبد الله، أخبرنا ~~ابن لهيعة، قال: أخبرني أبو يونس مولى أبي هريرة، سمع أبا هريرة رضي الله ~~عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تصوموا يوم الجمعة ~~تتخذوه عيدا)). # 153 - وحدثنا عبد الله، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن ~~عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه. PageV01P252 # 154 - حدثنا عمرو بن محمد العثماني، حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثني جعفر ~~بن إبراهيم بن محمد بن علي ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عن علي بن ~~حسين، قال: أخبرني أبي، عن جدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((لا تجعلوا قبري عيدا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي وسلموا حيث ما ~~كنتم، فستبلغني صلاتكم وسلامكم)). PageV01P253 # فإذا كان في إتيان القبر للدعاء يصير ذاك كهيئة العيد، وفي صوم يوم الجمعة ~~مداوما عليه كذلك أيضا، كان في صوم يوم النيروز كذلك أيضا إذا أحدثوا فيه ~~شيئا من أعمال البر، فكأنهم اتخذوه عيدا. # - فالسلامة فيما قال طلحة بن مصرف: يعجبني أن يمر بي ولا أشعر به. # -وما قال علي بن أبي طالب: نورزوا كل يوم. # 155 - حدثنا بذلك محمد بن محمد بن حسين، حدثنا يونس بن محمد، عن حماد بن ~~سلمة، عن علي بن زيد، عن مسعر التميمي، عن علي رضي الله عنهما: أنه أتي ~~بفالوذج، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم النيروز، قال: نورزوا كل يوم. # ولم يجئنا عن أحد من السلف فيما نعلمه في صوم ذلك اليوم إلا عن مقاتل بن ~~حيان، ولا أراه إلا قاله من تلقاء نفسه، كأنه رأى أن أهل ms0087 الشرك يعصونه في ~~ذلك اليوم بمحدث من المعاصي، فأحب أن يحدث لله طاعة، فندب إلى ذلك غيره، ~~وما ذكرناه بدءا أعجب إلينا. PageV01P254 # 156 - حدثنا الجارود، حدثنا النضر، عن عوف، عن أبي المغيرة القواس، عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: من أتى بلاد العجم، وصنع ~~نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك، حشر معهم يوم القيامة. # 157 - حدثنا الجارود، حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن الحسن: ~~أنه كان إذا سئل عن صوم يوم النيروز، قال: ما لكم وللنيروز؟! لم تعظمونه؟ ~~دعوه، ولا تتلفتوا إليه، فإنما هو يوم الأعاجم. PageV01P255 ### || AUTO الأصل الرابع والعشرون # 158 - حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن المؤذن، حدثنا صالح بن ~~عبد الله، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي البختري، عن عبد الله، عن نافع، ~~عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أحشر ~~أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا))، وأخرج السبابة والوسطى والبنصر، ~~وأراه قال: ((نحن مشرفون على الناس)). PageV01P257 # قال صالح: قال أبو بكر: لم يكذب أبو البختري في هذا الحديث. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فالسبابة من الأصابع: هي التي تلي الإبهام، ~~وكانت في الجاهلية تدعى: السبابة؛ لأنهم كانوا يسبون بها، فلما جاء الله ~~بالإسلام، كرهوا هذا الاسم، فسموها: المشيرة، وذلك: لأنهم كانوا يشيرون بها ~~إلى الله بالتوحيد. # وفي حديث وائل بن حجر: سماها: السباحة. # ولكن اللغة سارت بما كانت تعرف في الجاهلية، فغلبت. # 159 - حدثنا الفضل بن محمد، حدثنا هشام بن خالد الدمشقي، حدثنا بقية، عن ~~ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((لا تأكلوا بهاتين))، وأشار بالإبهام والمشيرة، وقال: ~~((كلوا بثلاث؛ لأنها سنة، ولا تأكلوا بخمس؛ لأنها أكلة الأعراب)). PageV01P258 # قال أبو عبد الله رحمه الله: فالأكل بخمس: علامة الحرص والاقتحام في ~~الطعام، وذلك مما يمحق البركة، ويفسد على أصحابه حتى يعافوه، والأكل ~~بإصبعين، ms0088 مما لا يستوفى، وهي أكلة الملوك ذوي الكبر، وزي أهل النخوة الذين ~~يستكبرون، ويمتنعون عن الأكل عتوا وتجبرا وصلفا، فإذا نظروا، فبلحاظ ~~أعينهم، وإذا تكلموا، فبأشداق أفواههم، وإذا استمعوا، فبإصعار خدودهم، وإذا ~~تناولوا، فبأطراف أناملهم، وإذا مشوا، فبأجنحة صدورهم، وتمطي خواصرهم، ~~متبخترين مشية المطيطاء تكبرا وعلوا. # والأكل بثلاثة أصابع تواضع عن النخوة، وعن صورة المتجبرين والمتكبرين، ~~وعفة عن صورة الحرصاء المتقحمين في الطعام جعامة، واستيفاء لما أوجبه الحق ~~عليك من إطعامك نفسك، فالأول علو، والآخر إفراط وتقصير، وما بينهما وسط، ~~وهو القصد، وقال في تنزيله: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا}، ~~فحمد الوسط من ذلك. PageV01P259 # والإقتار: هو فعل المتكبرين مقتر على نفسه نعمة قد أعطيها. # فيأكل بإصبعين ذهابا بنفسه تيها وتكبرا. # والإسراف: فعل المتقحمين، يأكل بأصابعه كلها وبكفه حتى تأخذه التخمة ويدوى. # ولهذا كما قال الحسن البصري: إن دين الله وضع على القصد، فدخل الشيطان ~~فيه بالإفراط والتقصير، فهما السبيلان إلى نار جهنم. # وروي عنه من وجه ما يشبه هذا أيضا. # 160 - حدثنا عتبة بن عبد الله اليحمدي، أخبرنا ابن المبارك، عن عوف، عن ~~الحسن، قال: إن دين الله وضع دون الغلو، وفوق التقصير. # 161 - حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا ابن أبي زائدة، عن هشام بن عروة، ~~قال: حدثني عبد الرحمن بن سعد، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: ((كان PageV01P260 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بأصابعه الثلاث، فإذا فرغ، لعقها)). # 162 - حدثنا الجارود، حدثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن سعد، ~~عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # 163 - حدثنا الشقيقي، أخبرنا أبي، عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن سعد، ~~عن ابن كعب، عن أبيه، قال: PageV01P261 # ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل الطعام، فلعق أصابعه)). # 164 - حدثنا محمد بن علي الشقيقي، أخبرنا أبي، أخبرنا عبد الله قراءة على ~~ابن جريج، أخبرنا هشام بن عروة: أن ابن كعب بن عجرة ms0089 أخبره عن كعب بن عجرة ~~رضي الله عنه، قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع ~~-قال هشام: بالإبهام، والتي تليها، والوسطى-، ثم رأيته لعق أصابعه الثلاث ~~حين أراد أن يمسحها، فعلق الوسطى، ثم التي تليها، ثم الإبهام)). # فأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((أحشر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة ~~هكذا))، فهذا على درجاتهم، فكانت إشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأصابعه الثلاث على ما روي لنا عن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ~~المشيرة منها كانت أطول من الوسطى، ثم الوسطى أقصر منها، ثم البنصر أقصر من ~~الوسطى، فإنما ذكر المنازل والإشراف على الخلق، فقال: ((نحشر هكذا، ونحن ~~مشرفون)). PageV01P262 # فكأنه أعلم أن إشرافهم على الخلق في الموقف على ما مثل لهم من الأصابع أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلاهم إشرافا، ثم من بعده أبو بكر دون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وفوق عمر، ثم من بعده عمر دون أبي بكر في رفعة ~~الإشراف وعلوه، فمن لم يعرف شأن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حمل ~~تأويل هذا الحديث على الانضمام والاقتراب بعضهم من بعض في محل القربة، وهذا ~~معنى بعيد، لا أعلمه يوافق إلا في حالة واحدة؛ لأنا لا نشك أن حشر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من قبره إلى الموقف غير حشر أبي بكر وعمر، أو حشره ~~عليه السلام حشر الرسل، وحشر سادات الرسل أيضا، وحشر أبي بكر وعمر حشر ~~الصديقين، وكذلك مقامه من العرصة هو في صف الرسل أمامهم في مقام أمين، ~~ومقامهما من العرصة في مقام الصديقين، وفي صفهم، فهذا معنى لا يحتمل عندنا، ~~والصحيح عندنا ما ذكرناه بدءا. # 165 - حدثنا الفضل بن محمد الواسطي، أخبرنا عبد الرحمن بن خالد القطان ~~الرقي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عبد الله بن مقسم الطائفي، حدثتني عمتي ~~سارة بنت مقسم: أنها سمعت ميمونة بنت كردم، وقالت: ((خرجت في حجة حجها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت ms0090 رسول الله صلى الله عليه وسلم على PageV01P263 ~~راحلته، وسأله أبي عن أشياء، فلقد رأيتني أتعجب وأنا جارية من طول أصبعه ~~التي تلي الإبهام على سائر أصابعه)). # قال: فحدثني أبي، قال: ذكرت ذلك لعبد الله بن الحسن، فقال: نعم، كذلك ~~كانت أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عبد الله بن يزيد بن مقسم ~~الذي يقال له: ضبة، وعمته سارة. # 166 - كذلك أخبرنا به أبي، عن الحسن الحلواني، عن يزيد بن هارون، بهذا ~~الإسناد، والله أعلم. PageV01P264 ### || AUTO الأصل الخامس والعشرون # 167 - حدثنا سليمان بن أبي هلال الذهبي، أخبرنا عبد الحميد بن سليمان ~~المدني، حدثنا أبو عمرو، عن عبد الله بن المثنى الأنصاري، عن عمه ثمامة بن ~~عبد الله بن أنس، سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((قيدوا العلم بالكتابة)). PageV01P265 # قال أبو عبد الله -عليه رحمة الله-: فالحفظ قرين العقل، والقلب مستودعها، ~~والنسيان كائن في ابن آدم، وأول من نسي آدم -عليه الصلاة والسلام-، فسمي ~~إنسانا، فنسيت ذريته، قال الله تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم ~~نجد له عزما}. # وبلغنا في المأثور من الحديث: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن ~~الله تعالى لما PageV01P266 ~~خلق آدم عليه السلام، خلق لقلبه غاشية تنطبق مرة، وترتفع أخرى، فما سمع ~~والغاشية مرتفعة، حفظه، وما سمع والغاشية منطبقة، نسيه)). # وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلفظة أخرى يرجع معناها إلى هذا. # 168 - حدثنا صالح بن محمد، أخبرنا ابن واضح، عن إسماعيل بن عياش، عن ~~ثعلبة بن مسلم الخثعمي، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~أنه قال لعمر ابن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين! مم يذكر الرجل، ~~ومم ينسى؟ فقال: إن على القلب طخاة كطخاة القمر، فإذا تغشت القلب، نسي ابن ~~آدم ما كان يذكر، وإذا انجلت، ذكر ما كان نسي. # فالعلم يعقل، ثم يحفظ، فإذا كان القلب معلولا بهذه العلة، وكان PageV01P267 ~~النسيان كائنا، ms0091 فخيف ذهابه، قيد بالكتابة؛ لئلا يفوت ويدرس، فنعم المستودع. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن أول من خط بالقلم بعد آدم ~~عليه السلام: إدريس عليه السلام))، وسمي بذلك؛ لأنه كان يدرس الكتب. # 169 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، أخبرنا إبراهيم ابن هشام بن يحيى ~~الغساني، حدثنا أبي، عن جدي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أول الرسل آدم، وآخرهم محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وأول أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى -عليه الصلاة والسلام-، ~~وأول من خط بالقلم إدريس، وأعطي آدم الخط، فصارت وراثة في ولده، ثم علم ~~نوحا عليه السلام)). # حتى كتب ديوان السفينة، وكتب الله عز وجل التوراة لعبده موسى عليه ~~السلام، قال PageV01P268 ~~تعالى: {وكتبنا له في الألواح}، فتلك كتابة وليها الله تعالى لعبده موسى ~~بيده كرامة له، وقربه نجيا، حتى سمع صريف القلم، وكانت من زبرجد، فلما صارت ~~في يده، صارت حجارة؛ ليكون مستورا عن بني إسرائيل؛ لأنها كانت من الجنة، ثم ~~نسخت منها، وكتب الزبور باللغة السائرة، يقال: زبر الرجل؛ أي: كتب. # وقال في تنزيله: {وكل شيء فعلوه في الزبر}؛ أي: في اللوح. # فأول ما بدأ شأن الكتابة بدأه بالقلم واللوح، وكتب ما هو كائن، فالكتاب ~~حق، وتدبير من الله عز وجل لعباده، وهو حروف مصورة مختلفة التخطيط علائم ~~تدل على المعاني، وإنما سمي كتابا؛ لأنها حروف منظومة، والكتب النظام، ومنه ~~سميت الكتيبة؛ لأنها نظمت وجمع بعضها إلى بعض، فإذا قيدت المعاني بهذه ~~الحروف المخطوطة التي هي علائم ودلائل على المراد والمعاني، فإن كانت ~~محفوظة، فالكتاب مستغنى عنه، PageV01P269 ~~وإن نسيت، صار الكتاب نعم المستودع، وإن دخل القلب ريب في ذلك، نفي الريب، ~~واطمأنت النفس، وقد أدب الله العباد، وحثهم على مصالحهم، فقال في شأن ~~المداينة: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه}، ~~فوعظهم في ذلك، ثم قال: {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ~~ترتابوا}. # فأعلمك أن الكتابة ms0092 {أقسط عند الله}، وهو العدل يؤدي ما اؤتمن واستودع، ~~{وأقوم للشهادة}؛ أي: أحرى أن يقوم بها، وأبعد من الشك والريبة، فإنه ينفي ~~الشك والريبة والوسوسة، فإن الريب منها فقد نسب الكتابة إلى العدالة. # ومن هاهنا نرى أخذ طاوس حتى قال: يسعه أن يشهد على خطه وهو لا يذكر. # 170 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، حدثنا محمد ابن الحسن الليثي، حدثنا ~~ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه في الرجل يشهد على شهادة ~~فينساها، قال: لا بأس أن يشهد إن وجد علامته في الصك، أو خط يده. PageV01P270 # قال محمد: قال ابن المبارك: استحسنت هذا جدا. # ومما جاءت الأخبار به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه حكم في أشياء ~~غير واحدة بالدلائل والشواهد، وعن الرسل من قبله ما يدل على صحة هذا ~~المذهب؛ لأن الحاجة في ذلك أن يعرف أنه الحق، فإذا علمه، وشهد به، فقد يجوز ~~أن يكون شيء حدث به نفسه، فصار الحديث له علما، فيجوز له أن يشهد بعلمه، ~~ولا يلتفت إلى هذه الحالة التي قد يجوز أن يكون كائن مثلها، فكذلك يجوز له ~~أن يشهد على خطه وعلامته، إن دله ذلك على أن هذا حق، وقد شرحنا ذلك في باب: ~~الشهادات في الأحكام. # فإذا كان تجار الدنيا في المداينة فيما بينهم يقيدون الأمانات المؤجل ~~لئلا تدرس؛ ليؤدوها في مواقيت حلها، كما ندبهم الله تعالى إليه، ودلهم ~~عليه، كان تجار الآخرة في تقييد الأمانات التي أخذ الله عليهم الميثاق فيها ~~أن يؤدوها، ولا يكتموها، أحرى وأخلق أن يحافظوا عليها، ويداوموا على ~~إثباتها، وتقييد رسومها؛ لئلا تدرس؛ ليؤدوها في مواقيتها عند حاجة الخلق ~~إليها في نوازلهم؛ فإن أمانة الدين أعظم شأنا من أمانة الدنيا، وقد ائتمن ~~الله عز وجل أهل الأموال على الأموال؛ ليحرزوها، ويحفظوها لله، ويراقبوا PageV01P271 ~~أمر الله عز وجل فيها؛ من صرفها في وجوهها، وإخراج حقوقها، وإنفاقها في ~~السبل التي أذن الله فيها. # وائتمن الله أهل العلم على ما أودعهم من نوره وبراهينه، ms0093 وكتبه وحججه؛ ~~ليحرزوها ويحفظوها، ويراقبوا أمر الله فيها؛ من صرفها في وجوهها، ووضع كل ~~شيء منها في مواضعها، وإخراج حقوقها لأهل الحاجة إليها، وإنفاقها في السبل ~~التي سبلها الله لهم. # لهذا ما جاء في الخبر: ((أن الله يختص للحساب هذين الصنفين من جميع ~~الخلق، فيقول للعلماء: كنتم رعاة غنمي، ولأهل الأموال: كنتم خزان أرضي، ~~قفوا فقبلكم اليوم طلبتي)). # فالمراعي: بيد الخزان، والرعي: بيد الرعاة، إذا أرعى الخازن الغنم رعاية ~~الراعي، وذلك: أن مراعي الغنم دنياهم، والدنيا بأيدي الخزان، والرعاية ~~بأيدي الرعاة، تسوقهم إليها، وترعاهم، وتوردهم الماء حتى يعيشوا، وهو العلم ~~الذي بين لهم منه، وإن تردى أحد منهم متردي، جبر كسيرته، وإن عدا الذئب، ~~طرده عنهم بالكلاب، وإن مال إلى منابت السوء من السموم القاتلة، صرف وجوههم ~~عنها، فهؤلاء الرعاة. PageV01P272 # فهذا شأن عظيم قد قلدوا من أمور الخلق، فوقع شدة الحساب عليهم، فإذا ضيع ~~الخازن، هلكت الغنم، وإذا منع الراعي، هلكت. # ولذلك قال فيما جاء في الخبر: ((ينادي يوم القيامة: يا راعي السوء! أكلت ~~اللحم، وشربت اللبن، ولبست الصوف، ولم تأو الضالة، ولم تجبر الكسيرة، ولم ~~ترعها في مراعيها، اليوم أنتقم لهم منك)). # وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من أشراط الساعة: (أن توضع ~~الأخيار، وترفع الأشرار)، وأن تقرأ المثناة على رؤوس الناس لا تغير)). # وما شددت الصحابة رضي الله عنهم إلا في ذلك، فقالوا: كتاب مع كتاب الله؟! ~~فإن ذلك مما كانت اليهود فعلته. PageV01P273 # وقد وصف الله عز وجل في تنزيله، فقال: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ~~ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم ~~وويل لهم مما يكسبون}. # وذلك أنه لما درس الأمر بينهم، وساءت رغبة علمائهم، أقبلوا على الدنيا ~~حرصا وجمعا، فطلبوا شيئا يصرف وجوه الناس إليهم، فأحدثوا في شريعتهم، ~~وبدلوها، وألحقوا ذلك بالتوراة، وقالوا لسفهائهم: {هذا من عند الله}؛ ~~ليقبلوها عنهم، فتتأكد رياستهم، وينالوا بها حطام الدنيا وأوساخها، وكان ~~مما أحدثوا فيه أن قالوا: {ليس علينا ms0094 في الأميين سبيل}، وهم: العرب؛ أي: ما ~~أخذنا من أموالهم فهو حل لنا. # وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا: لا يضرنا ذنب، فنحن أحباؤه وأبناؤه، تعالى ~~الله عن ذلك، وإنما كان في التوراة: يا أحبائي! ويا أبناء رسولي! فغيروه، ~~وكتبوه: يا أحبائي، وأبنائي! فأنزل الله عز وجل تكذيبهم: {وقالت اليهود ~~والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم}. فقالت: لن ~~يعذبنا، وإن عذبنا، فأربعين يوما مقدار أيام العجل، فأنزل الله عز وجل: ~~{وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف ~~الله عهده أم تقولون على الله ما لا PageV01P274 ~~تعلمون}. ثم أكذبهم بقوله تعالى: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون}. # فحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأمة لما قد علم ما يكون في آخر ~~الزمان، وقد قال: ((تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، ~~إلا فرقة واحدة)). # فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين معارضا لكتاب الله، فيضلوا به ~~الناس، والمستثناة ما قد استثني من الكتاب؛ ليصرف وجوه الناس عن كتاب الله، ~~ويشغلهم به، فأما إثبات الكتاب، وما سمعوا من الرسول في تفسيره، وبيانه ~~وشرحه، فمحمود. # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله، ~~فلا يتكئن أحدكم على أريكته فيقول: ما وجدناه في كتاب الله، أخذنا به، وما لم PageV01P275 ~~نجده، تركناه)). # في كلام نحو هذا، فالذين [كانوا] يأخذون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أهل بصائر ويقين، وتجلية قلوب [فكانوا] يحفظون عنه، فلما صاروا إلى القرن ~~الذي يليه، وظهرت الفتن، احتيج إلى إثباته في الكتب. # فمنهم: من هاب ذلك؛ لأنه رآه حدثا، وأمرا لم يكن على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فهاب أن يكون بدعة. # ومنهم: من تجاسر عليه؛ لما رأى فيه من النفع، كما تجاسر أبو بكر رضي الله ~~عنه على جمع القرآن، وهابه عمر، وقال له: أتفعل ما لم يفعله رسول ms0095 الله صلى ~~الله عليه وسلم؟! قال عمر: فلم يزل يرادني في ذلك حتى شرح الله صدري لذلك، ~~كما شرح صدره، فجمعوا على تأليفه: أبي بن كعب، وقراء القرآن. PageV01P276 # فكذلك هذه الكتب، لم يزل الناس كلما مضى قرن أحوج إلى تقييده وبيانه وشرحه؛ ~~لأن العلم في إدبار، والجهل في إقبال، حتى غلب الجهل، وأحاط بالخلق البلاء، ~~ونجمت قرون البدع، فأحوج ما كانوا إلى شرحه وبيانه وإثباته في هذا الوقت، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله. # فإن كياد الدين أكثر، ودروس العلم أعم، وقد أذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لغير واحد من الصحابة رضي الله عنه في ذلك. # 171 - حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا يحيى بن جهم، أخبرنا الحارث بن نبهان، ~~وأخبرنا موسى بن إسماعيل، عن أبان بن يزيد، كلاهما: عن عبيد الله بن ~~الأخنس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلا شكا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سوء الحفظ، فقال: ((استعن بيمينك)). PageV01P277 # 172 - حدثنا أبي رحمه الله، حدثنا الحماني، عن ابن إدريس، عن ليث، عن ~~مجاهد، عن عبد الله بن عمرو: أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~صحيفة يكتب فيها ما يسمع منه، فأذن له. # 173 - حدثنا عمر، حدثنا يزيد بن عبد ربه، عن بقية، حدثني عبد الرحمن بن ~~ثابت بن ثوبان، حدثني أبو مدرك، حدثني عباية بن رفاعة بن رافع، عن رافع بن ~~خديج، قال: قلت: يا رسول الله! إنا نسمع منك أشياء، أفنكتبها؟ قال: ~~((اكتبوا ولا حرج)). PageV01P278 # 174 - حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا علي بن المديني، عن يعقوب بن إبراهيم بن ~~سعد، حدثني أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عمرو بن شعيب: أن سعيد ابن المسيب ~~حدثه: أن مجاهدا أبا الحجاج حدثه: أن عبد الله ابن عمرو حدثهم: أنه قال: يا ~~رسول الله! أكتب ما أسمع منك؟ قال: ((نعم)). قلت: عند الغضب والرضا؟ قال: ~~((نعم؛ فإنه لا ينبغي أن أقول إلا حقا)). PageV01P279 # 175 - حدثنا الجارود، حدثنا ms0096 الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي، حدثني الزهري، ~~قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثني أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خطب حيث افتتح مكة، فقام رجل من أهل اليمن يقال له: أبو ~~شاه، فقال: اكتب لي هذا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((اكتبوا لأبي شاه -يعني: تلك الخطبة-)). # 176 - حدثنا عمر بن أبي عمر، أخبرنا نعيم بن حماد، عن الحسن بن حبيب ~~النكري، عن عمران بن مالك الأنصاري، حدثنا عبد الله بن راشد مولى عثمان، عن ~~عثمان ابن عفان، قال: قيدوا العلم، قلنا: وما تقييده؟ قال: علموه PageV01P280 ~~وتعلموه، واستنسخوه؛ فإنه يوشك أن يذهب العلماء، ويبقى القراء، لا تجاوز ~~قراءة أحدهم تراقيه. # 177 - حدثنا علي بن حجر السعدي، حدثنا أبو الخطاب، قال: رأيت واثلة بن ~~الأسقع يملي على قوم في الألواح، وهم يكتبون. # 178 - حدثنا عتبة بن عبد الله بن عتبة الأزدي، حدثنا عبد الله بن ~~المبارك، أخبرنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: رأيت ~~عتبان بن مالك، فحدثني بحديثه في مالك بن الدخشم، فأعجبني، فقلت لابني: ~~اكتبه، فكتبه. # 179 - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حماد بن زيد، PageV01P281 ~~قال: أتيت سلما العلوي، فسألته عن شيء، فقال لي: عليك بأبان بن أبي عياش؛ ~~فإني رأيته عند أنس بن مالك يكتبه في السراج بسبورجة. # قال قتيبة: السبورجة: الألواح. # 180 - حدثنا الفضل بن محمد، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا بقية، عن عتبة ~~بن أبي حكيم، قال: حدثني هبيرة بن عبد الرحمن، قال: كنا إذا أكثرنا على أنس ~~بن مالك، ألقى إلينا سجلا، ثم قال: هذه أحاديث كتبتها عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وعرضتها عليه. PageV01P282 ### || AUTO الأصل السادس والعشرون # 181 - حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي المصري، حدثنا ~~ابن وهب، حدثني حيي، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوما فتاني القبر، فقال عمر ms0097 رضي الله ~~عنه: أترد إلينا عقولنا يا رسول الله؟ فقال: ((نعم، كهيئتكم اليوم)). فقال ~~عمر: ففي فيه الحجر. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فالمؤمن كريم على ربه، يدل بزلفاه على خلقه، ~~فمن عرض له بسوء، عارضه بإذن الله معتزا بالله، وكيف لا يكون هكذا، وقد ~~أوحى إليه في تنزيله: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا ~~يعلمون}. PageV01P283 # فأعلم أن المنافقين لا يعلمون هذا، أما المؤمنون، فقد بان لهم أن الله ~~تعالى قد أعزهم، وبان لهم عند أنفسهم أنهم إنما يعتزون بالله، فعمر رضي ~~الله عنه حين ذكر له فتاني القبر، فغاظه ذلك من فعل الفتانين، ففزع إلى ~~الله، وسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنما كان يجد الخبر من الغيب على ~~لسانه: أترد إلينا عقولنا؟ فلما قال: ((نعم، كهيئتكم اليوم))، أنطقته ~~الجرأة، جرأة الدالة، لا جرأة الحماقة، جرأة الدالة من اليقظة والمعرفة، ~~وجرأة الحماقة من الجهل والغفلة. # (فقال: ففي فيه الحجر)؛ أي: إنه إذا كان عقلي الذي معي اليوم يرد علي ~~كهيئته اليوم معي، أسكته من حسن الجواب، ووفارته وتمامه، فكأني ألقمته ~~الحجر؛ أي: بجوابي، وبما أعطى من سلطان الحق، ونفاذ بصيرة العقل؛ لأنه نظر، ~~فوجده كأنه أعطي سلطان الامتحان، ونظر إلى نفسه، فوجده قد أعطي سلطان الحق ~~ونوره، فلم يبال به؛ فإنما سلط على سؤاله الجواب، وخلق خلقة منكرة، وسمي ~~منكرا لذلك، ولصاحبه نكيرا مثل ذلك أيضا. PageV01P284 # ألا ترى كيف وصفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعينهما كالبرق ~~الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وشعورهما تحت أقدامهما، يحفران الأرض ~~بأنيابهما)). # فسميا منكرا ونكيرا، فمنظرهما هائل، فإذا كان في القلب من سلطان المعرفة ~~ما لا يهاب في الدنيا ملوك الدنيا وفراعينها، ولا يبالي بكل شيء تنفر منه ~~القلوب، ولا يهابه كأن الذي في قلبه يدله على أنه لا يبالي به، ولا يهابه. # وقال في رواية أخرى: ((إذا أنا أكفيكهما يا رسول الله)). # فقد عرف عمر رضي الله عنه قوة عقله، وما أعطاه الله من سلطان الحق، فلما ~~علم أنه مردود ms0098 عليه يومئذ، تشجع، وكيف لا يتشجع وهو يجد في قلبه أنه لا ~~يخاف إلا الله، ولا يهاب الحروب، ولا معاداة ملوك الدنيا شرقا وغربا، وهذا ~~ابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يفعل هذا الفعل بسبع من السباع، ويروي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يروي. PageV01P285 # 182 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، حدثنا الحكم بن المبارك، أخبرنا بقية بن ~~الوليد، عن بكر بن حذلم الأسدي، حدثني وهب بن أبان، عن عبد الله بن عمر رضي ~~الله عنهما: أنه خرج في سفر له، فإذا بجماعة على الطريق، فقال: ما هذه ~~الجماعة؟ فقالوا: أسد قطع الطريق. قال: فنزل، فمشى إليه حتى قفده بيده، ~~ونحاه عن الطريق، ثم قال: ما كذب عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ~~((إنما يسلط على ابن آدم من خافه ابن آدم، ولو أن ابن آدم لم يخف غير الله، ~~لم يسلط الله عليه أحدا، وإنما وكل ابن آدم إلى من رجا ابن آدم، ولو أن ابن ~~آدم لم يرج إلا الله، لم يكله الله إلى غيره)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: فمن لا يهاب ملوك الدنيا ومنابذتهم ~~ومعاداتهم في الله، ولا يهاب السباع المؤذية، فحقيق أن لا يهاب منكرا ~~ونكيرا. PageV01P286 # وهذا الحديث الذي روي من شأن عمر رضي الله عنه يدل [على] أن كلا إنما يرد ~~إليه عقله الذي خرج به من الدنيا على تلك الهيئة، وبين العقول تفاوت، فإذا ~~كان عقل الرجل وافرا، فاستقبله هول من أهوال الدنيا من ذي سلطان أو غيره، ~~فاستقام، ولم يدهش، ولم تصبه الحيرة في أمره، كان يومئذ مردودا عليه ذلك ~~العقل، فإذا استقبله هول فتاني القبر، لم يدهش، ولم يتحير، ومن كان عقله ~~اليوم ما إذا حل به شيء من ذلك دهش وتحير، ولم يثبت على الاستقامة حتى مال، ~~كان إذا استقبله هناك مثل ذلك، وأن الله -تبارك وتعالى اسمه- يلطف بعبده ~~المؤمن، وينصره، ويثبته في الأحايين كلها، وقال تعالى: {يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت ms0099 في الحياة الدنيا وفي الآخرة}. # فعلى قدر ثباته في القبر وسرعة الإجابة، وكلما كان أسرع إجابة، كان أسرع ~~تخلصا من الهول. # وروي لنا في الخبر، عن وهب بن منبه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر حديث الصور، وعن إسماعيل بن رافع. # 183 - حدثنا بذلك داود بن حماد القيسي، حدثنا عبدة بن سليمان، عن إسماعيل ~~بن رافع، عن محمد بن زياد الأنصاري، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي PageV01P287 ~~هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر حديث الصور، ~~وقال في آخر ذلك: # ((يقول الله عز وجل لملك الموت: من بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي القيوم، ~~الذي لا يموت، وبقي عبدك ملك الموت، فيقول: يا ملك الموت! أنت خلق من خلقي، ~~خلقتك لما ترى، فقد مات الخلق كلهم، فمت، ثم لا تحيا أبدا)). # فكأنه امتنع كثير من رواة هذا الحديث من رواية هذا الحرف فيه: ((ثم لا ~~تحيا أبدا))، وهاب هذه الكلمة، وذلك مبلغ علمه. # رواه عمر بن هارون، فلم يجد فيه هذا الحرف، فنظرنا في هذا PageV01P288 ~~الحرف، فوجدنا أن الله عز وجل يحب المؤمنين جدا، ومن حبه إياهم رزقهم ~~المعرفة والإيمان به، ورزقهم النبوة والولاية والطاعة، وقد عظم شأنهم، ~~وكرموا عليه، فإذا كان يوم القيامة، وبعث أحباءه من الرسل والأنبياء وسائر ~~المؤمنين، فنظروا إلى ملك الموت، وقد لقوا منه ما لقوا من الأذى والتعب، ~~فكان يدخل عليهم النظر إليه الهم والثقل، فتمنى أن يترك أحباءه كرامة لهم، ~~وكذلك نجد في طبع الآدميين هاهنا أن كل من لقي من أحد شدة، ثقل عليه النظر ~~إليه، فكيف من قتله، وقطع روحه من كل مفصل حتى نزعه؟! ألا ترى أنه كان ~~يأتيهم عيانا، فشتموه وآذوه، فشكا إلى الله حتى صير أمره في خفاء، وهيأ لهم ~~الأسباب من الأمراض والعلل؛ لكي يدرس ذكر ملك الموت عن قلوبهم وألسنتهم، ~~ويقولون: مات فلان بعلة كذا. # ألا ترى: أنه لطمه موسى -عليه الصلاة ms0100 والسلام-، ففقأ عينه، فرجع يشكو إلى ~~الله عز وجل، فإنما فقأ عين الصورة التي كان أتاه فيها، وهذا عند من يجهل ~~معناه منكر مدفوع، متهم رواته، وكيف تتهم رواته، وقد روت الأئمة من غير وجه؟ # فأما وجه واحد: PageV01P289 # 184 - فحدثنا به أبي رحمه الله: حدثنا علي بن محمد المنجوري، حدثنا حماد بن ~~سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: ((كان ملك الموت يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى -عليه ~~الصلاة والسلام-، فلطمه، ففقأ عينه، فرجع ملك الموت إلى ربه، فقال: يا رب! ~~إن عبدك موسى فعل بي ما ترى، ولولا كرامته عليك، لشققت عليه، قال: ارجع إلى ~~عبدي موسى، فقل: فليضع يده على متن ثور، فخيره بكل شعرة توازي كفه أن يعيش ~~سنة، فرجع إلى موسى عليه السلام، فأخبره بذلك فقال موسى: يا ملك الموت! فما ~~بعد ذلك؟ قال: الموت، قال: فمن الآن، فشمه شمة، فقبض روحه، فرد عليه بصره، ~~فكان يأتي الناس بعد ذلك في خفية)). PageV01P290 # 185 - حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد، حدثنا جعفر ابن حيان، عن الحسن، قال: ~~لما أتى ملك الموت موسى، فلطمه، ففقأ عينه. # 186 - حدثنا علي، عن حماد بن سلمة، عن غير واحد، عن الحسن، بمثله. # قيل للحسن: هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فإنما استجاز موسى -صلوات الله عليه- ذلك؛ ~~لأنه كليم الله؛ كأنه رأى أن من اجترأ عليه، أو مد إليه يدا بأذى، فقد عظم ~~الخطب فيه، ألا ترى أنه احتج عليه، فقال: من أين تنزع روحي؟ أمن فمي؛ فقد ~~ناجيت ربي؟ أم من سمعي؛ وقد سمعت به كلام ربي؟ أم من يدي؛ وقد قبضت بها ~~الألواح؟ أم من قدمي؛ وقد قمت بين يديه أكلمه بالطور؟ أم من عيني؛ وقد أشرق ~~وجهي لنوره؟ فرجع إلى ربه مفحما، والمطيع لله يفحم بالله. PageV01P291 # ألا ترى إلى ms0101 قول مريم لجبريل عليه السلام: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ~~تقيا}؟ فكان موسى بحظه من الله مدلا، وحق لمن يسمع كلام ربه أن يدل. # روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنه كان إذا كلم موسى ربه، ~~أتاه جبريل بحلتين من الجنة، وكرسي من جوهر الجنة، فيقعده عليه، ويقول: ~~قدوس قدوس، فيقول ربه: لبيك لبيك يا موسى)). # فمن يقدر أن يتفكر في هذه الكرامة، وفي كنه هذه المكرمة؟ فإذا رجع منها، ~~ونزل من الكرسي، كان يبرقع وجهه، وكان لا يراه أحد إلى أربعين يوما إلا مات ~~من نور وجهه، فلما رأى ذلك، اتخذ برقعا. # وروي في الخبر: أنه قال: ((يا رب! أهكذا كلامك؟ قال: يا موسى! إنما كلمتك ~~بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسنة كلها، ولو كلمتك بكنه كلامي، لم تك ~~شيئا)). # 187 - حدثني أبي رحمه الله، عن ابن الأصبهاني، عن أبي PageV01P292 ~~أسامة، عن ابن المبارك، عن معمر ويونس، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الله ~~بن الحارث، قال: أخبرني جرز بن جابر الخثعمي، قال: سمعت كعبا يقول ذلك. PageV01P293 # وروي في الخبر: ((أنه قبض عليه جبريل بجناحه، فمر به في العلى حتى أدناه، ~~حتى سمع صرير القلم حيث كتب الله له الألواح)). # فالعبد الذي يحظى من الله كل هذا الحظ، إن مد أحد إليه يده بمكروه، ~~فامتنع منه، فإنما اعتز وامتنع بمن أكرمه، وليس هذا لمن امتنع واعتز بنفسه ~~الدنية، وشح على الحياة حرصا على الدنيا، وتلذذا بها، هذا عبد دني، وفعله ~~دني، هو مقهور في الحياة، وعبد للموت، وذاك عبد اعتز بالله، وشح على الحياة ~~حرصا على ما كان يتلذذ به من كلام الله، وقرب الله. # وبلغنا: أنه لما جاء ملك الموت بعد ذلك، قال موسى: الآن فقد قرت عيني؛ ~~-أي: بمنتك ونعمتك-، فقال: يا موسى! أما ترى أن ألبس وجهك نورا مثل الشمس ~~ثنتي عشرة مرة وأضعافه؟! # فمن عرف ما أعطي موسى -عليه الصلاة والسلام-، لم يستنكر فعله بملك الموت؛ ~~لأن ملك الموت ms0102 إنما جاءه في أن يقطع عنه ما هو فيه، فقد علم الله ما الذي ~~هيجه على ذلك، فتجافى عن فعله. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مررت بموسى -صلوات الله ~~عليه- ليلة أسري [بي]، فوجدته قائما يصلي في قبره))؟ PageV01P294 # فهذه مرتبة موسى عليه السلام حيث جاءه بالكلام والمناجاة، ولم يقطع عنه بعد ~~الموت لذة تلك النجوى، فإنما قصد بهذا الفعل الذي فعل بملك الموت؛ لأنه حسب ~~بالموت تنقطع نجواه من ربه، ولم يفعل ذلك حرصا على حياة الدنيا. # وجاءنا في الخبر: أن موسى لما كثر عليه الناس وتزاحموا، حتى كاد يعجز ~~عنهم، بعث الله ألف نبي يكونون له أعوانا على ما هو فيه من قراءة التوراة، ~~وتعليم بني إسرائيل، فمال الناس عنه إلى أبواب الأنبياء، فأدركته الغيرة. # فروي عن وهب بن منبه: أنه قال: فأماتهم الله كلهم في ليلة واحدة؛ كرامة ~~لموسى -عليه الصلاة والسلام-. # فليس هذا غيرة الآدميين طبعا، ولا غيرة أهل الرغبة والتنافس، إنما غار ~~لله، لم يطق أن ينظر إلى هؤلاء الأنبياء يعملون عنه لحب الله، كأنه أحب أن ~~يقوى على ذلك حتى يكون هو المتولي لذلك كله دون أحد من خلقه، وهذا موجود في ~~طبع الآدميين، من أحب ملكا، وشغف به، فأمره بأمر، ثقل عليه أن يشركه في ذلك ~~أحد، ويكون في توليته ذلك بنفسه شفاء لغليان حبه، وهذا لا يعقله إلا أهله، ~~ومن قد أخذ من هذا الأمر شعبة. # فإنما فقأ موسى -عليه الصلاة والسلام- الصورة التي أتاه فيها، لا عين ملك ~~الموت الذي هو عينه، وهذا في تحرز الكلام، كذا يقال: والله سبحانه وتعالى أعلم. PageV01P295 ### || AUTO الأصل السابع والعشرون # 188 - حدثنا الجارود بن معاذ، حدثنا الحماني، حدثنا العنزي، عن ابن جريج، ~~عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((إذا أتي أحدكم بهدية، فجلساؤه شركاؤه فيها)). PageV01P297 # قال يحيى: ولم يروه غير مندل. # 189 - حدثنا أبي رحمه الله، حدثنا أبو نعيم، [و] الحماني، ms0103 عن مندل، عن ~~ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، بمثله. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فالجلساء: هم الذين قد داوموا على مجالستك ~~وفاوضوك في أمورك، حتى صاروا معك كشيء واحد. PageV01P298 # وليس كل من جلس إليك فهو جليسك، إنما الجليس الذي تفضي إليه أسرارك، ~~ومخالطك في أمورك، فله حق وحرمة، كما تقول: أكيلك، وشريبك، وحريفك، ووزيرك، ~~وليس كل من أكل معك أكلة، أو شرب شربة، أو وازرك على أمر مرة بأكيل ولا ~~بحريف ولا بوزير، فكذلك الجليس، فإذا أهدي إليك وهو حاضر، فله من الحق ~~والحرمة أن تهدي له منها؛ لأن كرامتك كرامته، وهو من أهل وصية الله عز وجل ~~في تنزيله بالإحسان إليه، فقال: {والصاحب بالجنب}. # 190 - فحدثنا يوسف بن سلمان الباهلي البصري، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن ~~ابن عجلان، عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {والصاحب بالجنب}، قال: جليسك في ~~الحضر، ورفيقك في السفر، وامرأتك التي تضاجعك. # فإنما نطق التنزيل بجملة الاسم، فقال: {والصاحب بالجنب}، فذكر PageV01P299 ~~الصحبة بالقرب، ثم عم بهذه الصفة هذه الأصناف الثلاثة. # فأما جليسك في الحضر: فهو صاحب سرك ومستراحك، تفضي إليه غمومك وهمومك. # وأما رفيقك في السفر: فهو الذي يرافق أمورك، يحفظ عليك متاعك، ويؤانسك، ~~ويعين على نوائبك في السفر، وإن حدث بك حدث الموت، قبل وصيتك، ونعاك ~~لمخلفيك، ورد ما معك إليهم إلى ذريتك. # وأما امرأتك التي تضاجعك: فمرافقها أكثر من أن تحصى؛ من الغذاء، ~~والتربية، ومهاد العيش، وعفتك بها عمن سواها. # فهؤلاء كلهم قد صحبوك بالجنب، فاستوجبوا منك الشكر، وإنما وجب لهم عليك ~~الحق؛ لأن الله تعالى أقام لك من ناحيتهم مرفقا ونفعا، فإن لم توجب لهم ~~حقا، لم تشكرهم، والله لا يحب الكفور. # 191 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، عن جعفر، عن مالك بن ~~دينار، قال: يقول الله تعالى: ((إني لأهم بعذاب أهل الأرض، فإذا نظرت إلى ~~جلساء القرآن، وعمار المساجد، وولدان الإسلام، سكن غضبي)). ms0104 PageV01P300 # فليس كل من قرأ القرآن فهو جليس القرآن، إنما الجليس من جالسه القرآن، ~~وفاوضه، وأبدى له عن أسراره، وعجائبه، وبواطنه، فإنما يكون هذا لمن انتفى ~~عنه جور قلبه، وذهبت خيانة نفسه، فأمنه القرآن، بأن يقع في صدره، ويكشف له ~~عن رغبته وبهائه. # وكذلك عمار المساجد، ليس كل من أنفق في مسجد فبناه، أو رمه، فهو من ~~العمار، إنما عمار المساجد من عمره بذكره، وقال: {إنما يعمر مساجد الله من ~~آمن بالله}. # فجليس القرآن من جالسه، فإذا وجد القلب طاهرا، جالسه، وكشف له عن وجهه، ~~فإن وجهه باطنه، وهذا ظهره الذي يعقله الناس. # ومنه: ما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لنجد لقراءتك لذة -يا ~~رسول الله- ما لا نجد لقراءة أحد؟ قال: ((لأنكم تقرؤونه لظهر، وأنا أقرؤه ~~لبطن)). # فلا يكشف عن وجهه إلا للأمين الذي لا يخونه. PageV01P301 # ومثله كمثل عروس مزينة، مد يده إليها دنس متلوث في المزابل، متلطخ ~~بالأقذار، فالزوج يمد يده إليها، وهي تعرض عنه أنفة، وتعافه وتقذره، فإذا ~~تطهر، ثم تزين، فقد أدى حقها، أقبلت إليه بوجهها مفاوضة، وصارت له جليسة، ~~فكذلك القرآن له ظهر وبطن، فوجهه ما يلي بطنه، والزينة والبهاء والحسن في ~~الوجه، فلا يكون جليسا إلا لمن تطهر من الذنوب ظاهرا وباطنا، وتزين بالطاعة ~~ظاهرا وباطنا، فعندها يأمنه القرآن، فيتجلى له بزينته وبهائه، ومواعظه، ~~وحكمه، وما حشى الله فيه من البر واللطف لعباده، وحرام على من ليس هذه صفته ~~أن ينال ذلك. # وكيف ينال البر واللطف عبد آبق من مولاه، هارب على وجهه، لا يزداد على ~~تجدد الأيام إلا هربا بنفسه، إنما ينال البر إذا أقبل إليه من إباقه تائبا ~~نادما، فيمكث في التوبة مدة يظهر له نصحه، فهناك فليتوقع بره ولطفه، فكذلك هذا. # كيف ينال البر واللطف من الله تعالى من قلبه مكب على أحوال نفسه ودنياه، ~~وقد ضيع العبودة، وأقبل على تربية نفسه، وجمع حطام دنياه مغرورا على ~~التكاثر، والتفاخر، والعلق، وقضاء المنى والشهوات، وإنما البر واللطف في ~~تنزيله للمتقين وللشاكرين، ms0105 وللصابرين، وللخاشعين، وللمنيبين، وللمخبتين، ~~وللمحسنين. # وقال عز وجل: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق}. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من تواضع لله درجة، ~~رفعه الله درجة، ومن تواضع لله درجات، رفعه الله درجات حتى يجعله في أعلى PageV01P302 ~~عليين، ومن تكبر على الله درجة، وضعه الله درجة، ومن تكبر على الله درجات، ~~وضعه الله درجات حتى يجعله في أسفل سافلين)). # فالمتكبر بغير الحق هو الذي يقضي نهمته، وشهوته ولا يبالي أذن الله له ~~فيها أو لم يأذن، فهو من الله على عقوبة أن يضعه، فكيف ينيله البر واللطف ~~الذي يريه أحباءه في تنزيله، إذا تلاه، صرف قلبه عنه، فلا يعيه، ولا يفهمه؛ ~~كما صرف هذا بقلبه عن الله إلى نفسه ودنياه، فروي في التفسير في قوله: ~~{سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق}: # قال: أنزع عنهم فهم القرآن فلا يفهمونه، ولا يجدون له حلاوة ولا لذاذة، ~~وذلك: أن الفهم نور، فإذا ورد على القلب دنس المعاصي، ارتحل النور، فتحير ~~عن فهمه. # وروي في الحديث أنه قال: ((يأتي على الناس زمان يخلق القرآن في صدورهم ~~حتى يتهافت مثل الثوب الخلق البالي)). PageV01P303 ### || AUTO الأصل الثامن والعشرون # 192 - حدثنا محمد بن زنبور المكي، حدثنا إسماعيل ابن جعفر المدني، حدثنا ~~العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: ((بينما رجل يمشي في الطريق إذ أبصر بغصن شوك، ~~فقال: والله! لأرفعن هذا؛ لا يصيب أحدا من المسلمين، فرفعه، فغفر له). PageV01P305 # قال أبو عبد الله رحمه الله: فليس برفع الغصن نال المغفرة فيما فعله، ولكن ~~بتلك الرحمة التي عم بها المسلمين، ألا ترى إلى قوله: ((لأرفعن هذا؛ لا ~~يصيب أحدا))، فشكر الله له عطفه ورأفته. # ومما يحقق ذلك: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ~~((بينما عبد لم يعمل لله خيرا قط مر على بئر، فشرب، فإذا هو بكلب يلهث ~~عطشا، ms0106 فغرف له بخفه، فسقاه، فشكر الله له ذلك، فغفر له)). # 193 - حدثنا قتيبة، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بذلك. # ((وبينما عبد لم يعمل لله خيرا قط، فمر على غصن شوك، فأماطه عن الطريق، ~~فغفر الله له، وبينما عبد لم يعمل خيرا قط، ففرق، فخرج هاربا، فجعل ينادي: ~~يا أرض! اشفعي لي، ويا سماء! اشفعي لي، ويا كذا! اشفعي لي، PageV01P306 ~~حتى أصابه العطش، فوقع، فلما أفاق، قيل له: قم؛ فقد شفع لك من قبل فرقك من ~~الله عز وجل)). # 194 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، عن صالح بن محمد، عن أبي مقاتل، عن أبي ~~الحجاج، وهو خارجة، عن ابن عجلان، عن رجل، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فإنما غفر له من أجل الرحمة التي رحم بها الكلب، وإنما غفر له من أجل ~~الفرق الذي حل بقلبه، والفرق يصحح التوبة، ويكملها، فقد وعد الله التائب ~~مغفرته ومحبته في تنزيله، وإنما سمي فرقا؛ لأنه حل به من الخشية، ومن خوف ~~الله عز وجل، ما ماتت منه كل شهوة، وكل معصية، فطهر الظاهر والباطن بتركه ~~بالجوارح فعلا، وبتركه قلبا ونفسا، فالفرق من الله صيره هكذا، فغفر له، ~~والذي يترك المعاصي بالجوارح، وشهوتها في نفسه وقلبه، ونفسه تنازعه إلى ~~ذلك، فإنه إن طهر ظاهره، لم يطهر باطنه، فلم يستكمل التوبة بحقيقتها. PageV01P307 # وهذا الفرق قد عمل فيه، حتى فارق المعاصي أصلا، وأصل الفرق عندنا: ما ينفتح ~~له من قرب الله، فينكشف له الغطاء عن جلال الله وعظمته، ثم عن سلطانه، ~~فيفرق من هيبة ذلك السلطان قلبه، حتى يكاد ينخلع القلب من مستقره، وتموت ~~شهواته من الخوف، وهذا الذي وصف من هذا العبد الذي لم يكن عمل خيرا قط، ~~ففرق، فإنما أصاب الفرق، وانكشف له الغطاء بدولة وسعادة سبقت له من الله عز ~~وجل، فختم له بذلك، وإلا، فإن الفرق لا يناله إلا النبلاء ms0107 الأولياء. # 195 - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا محمد بن خنيس المكي، قال: سمعت عبد ~~العزيز بن أبي رواد يقول: لما أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه ~~وسلم: {يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا}، قال: فلما تلاها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، خر فتى مغشيا عليه، فوضع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده، فإذا هو يتحرك، فقال: ((يا فتى! قل: لا ~~إله إلا الله))، فأفاق الفتى وهو يقولها، فبشره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالجنة، فقال أصحابه: يا رسول الله! أمن بيننا؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((أما سمعتم الله يقول: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}. PageV01P308 # ومثله: ما روى بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في عبد لم يعمل خيرا قط، فقال لأهله: إذا أنا مت، فأحرقوني، ثم ذروني. # قد كنت شرحته في بابه، فقال له ربه: إني أسمعك راهبا، فغفر له. # فكذلك هذا أيضا، قد كانت سبقت له من الله سعادة، فتداركه بها عند الموت، ~~فرزقه الله تعالى الرهبة (حتى حل به ما حل، وتكلم بما تكلم من الدهش وتضايق ~~الأحوال عليه. # والرهبة): هو هرب القلب من شدة الخوف، والخوف خفته، وانزعاجه، فالرهبة ~~أكبر من الخوف. PageV01P309 # ألا ترى أن الله تعالى لما ذكر أنبياءه، فقال: {ويدعوننا رغبا ورهبا}، ولما ~~ذكر من دونهم، فقال: {يدعون ربهم خوفا وطمعا}. # فالرغب: هو التهاب القلب حرصا على الشيء الذي يطلبه، فهو أعلى من الطمع. # والرهب: هرب القلب من هول سلطان الله. # فوصف هذا العبد الذي لم يعمل خيرا قط في يوم مقدمه عليه بالرهبة، يخبرك ~~أن الرهبة صنعت به ما صنعت، حتى أداه ذلك إلى أن أمر أولاده أن يحرقوه، وقد ~~بينا تفسير الخوف في بابه، والله أعلم. PageV01P310 ### || AUTO الأصل التاسع والعشرون # 196 - حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، عن عمر بن ~~بلال الفزاري، قال: سمعت عبد الله ms0108 بن بسر المازني يقول: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((قصوا أظافيركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقوا براجمكم، ونظفوا ~~لثاتكم من الطعام، وتسننوا، ولا تدخلوا علي قخرا بخرا)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: فأما قوله: (قصوا الأظافير)، فمن أجل أنه ~~يخدش، ويخمش، ويضر، وهو مجمع الوسخ، فربما أجنب، ولا يصل PageV01P311 ~~الماء إلى البشرة من أجل الوسخ، فلا يزال جنبا. # ومن أجنب، فبقي موضع إبرة من جسده بعد الغسل غير مغسول، فهو جنب على ~~حاله، حتى يعم الغسل جسده كله، فلذلك ندبهم إلى قص الأظافير. # والأظافير: جمع الأظفور، والأظفار جمع الظفر، فمن قال: ظفر: فجمعه أظفار، ~~ومن قال: أظفور: فجمعه أظافير. # 197 - سمعت أبا داود المصاحفي يذكر عن النضر ابن شميل، عن الخليل بن ~~أحمد، قال: ينبغي أن يكون واحد الأظافير أظفورا. # قال النضر: وسمعت أبا شهلة العتكي يقول: واحد الأظافير أظفور. # وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سها في صلاته، فقال: ((وما لي ~~لا أوهم، ورفغ أحدكم بين ظفره وأنملته؟! ويسألني أحدكم عن خبر السماء، وفي ~~أظافيره الجنابة والتفث)). PageV01P312 # وأما قوله: ((ادفنوا قلاماتكم))، فإن جسد المؤمن ذو حرمة، فما سقط منه، ~~وزال عنه، فحظه من الحرمة له قائم، فيحق عليه أن يدفنه كما أنه لو مات دفن، ~~فإذا مات بعضه، فكذلك أيضا مقام حرمته بدفنه كيلا PageV01P313 ~~يتفرق، ولا يقع في النار، أو في مزابل قذرة، وقد أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بدفن دمه حيث احتجم؛ كيلا تبحث عنه الكلاب. # 198 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، أخبرنا موسى بن إسماعيل، حدثنا الهنيد ~~بن القاسم بن عبد الرحمن بن ماعز، قال: سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير: ~~أن أباه حدثه: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ، ~~قال: ((يا عبد الله! اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد))، فلما برز عن ~~رسول الله، عمد إلى الدم، فشربه، فلما رجع، قال: ((يا عبد الله! ما صنعت ~~به؟))، قال: جعلته في أخفى ms0109 مكان ظننت أنه خاف عن الناس، قال: ((لعلك ~~شربته؟))، قال: نعم، قال: ((لم شربت الدم؟! ويل للناس منك، وويل لك من ~~الناس)). PageV01P314 # 199 - حدثنا أبي رحمه الله، حدثني مالك بن سليمان الهروي، قال: حدثنا داود ~~بن عبد الرحمن، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها-، ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان: # ((الشعر، والظفر، والدم، والحيض، والسن، والقلفة، والمشيمة)). PageV01P315 # وأما قوله: ((نقوا براجمكم)) # والبراجم: تلك الفصول من المفاصل، وهو مجمع الدرن، واحدها برجمة، وهو ظهر ~~عقد كل مفصل، وظهر العقد يسمى: برجمة. # وما بين العقد: راجبة، وجمعها رواجب، وذلك مما يلي ظهرها، وهي قصبة ~~الإصبع، فلكل إصبع برجمتان، وثلاث رواجب، إلا الإبهام، فإن لها برجمة ~~وراجبتين، فأمر بتنقيته؛ لئلا يدرن، فتبقى فيه الجنابة، ويحول الدرن بين ~~الماء والبشرة. # وأما قوله: ((نظفوا لثاتكم)). # فاللثة واحدة، واللثات جماعة، وهي اللحمة فوق الأسنان، ودون الأسنان، وهي ~~منابتها. # والعمور: اللحمة القليلة بين السنين، واحدها: عمر، فأمر بتنظيفها؛ PageV01P316 ~~لئلا يبقى فيه وضر الطعام، فتتغير عليه النكهة، وتتنكر الرائحة، ويتأذى ~~الملكان؛ لأنه طريق القرآن، ومقعد الملكين عند نابيه. # وروي في قوله تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}. # قال: ((عند نابيه)). # 200 - حدثنا بذلك محمد بن علي الشقيقي، قال: سمعت أبي يقول ذلك عن سفيان ~~بن عيينة، وجاد ما قال. # وذلك أن اللفظ عمل الشفتين يلفظ الكلام عن لسانه إلى البراز. # وقوله: {لديه}؛ أي: عنده. # واللد والعند في لغتهم السائرة بمعنى واحد، وكذلك قوله: (لدن)، والنون ~~زائدة، فكأن الآية تنبئ أن الرقيب عتيد عند تلفظ الكلام، وهو الناب. # وأما قوله: ((تسننوا))، وهو السواك، مأخوذ من السن؛ أي: نظفوا السن. # وقوله: ((لا تدخلوا علي قخرا بخرا))، فالمحفوظ عندي: ((قحلا وقلحا)). # 201 - وسمعت الجارود يذكر عن النضر، قال: الأقلح: الذي قد اصفرت أسنانه ~~حتى بخرت من باطنها، PageV01P317 ~~ولا نعرف القخر والبخر إلا الذي نجد له رائحة منكرة لبشرته، يقال: رجل ~~أبخر، ورجال بخر. # 202 - حدثنا ms0110 الجارود، أخبرنا جرير، عن منصور، عن أبي علي، عن جعفر بن ~~تمام بن العباس، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((استاكوا، ما لكم تدخلون علي قلحا؟!))، والله أعلم. PageV01P318 ### || AUTO الأصل الثلاثون # 203 - حدثنا إسماعيل بن صالح، حدثنا ابن وهب، عن مالك بن خير الزيادي، عن ~~أبي قبيل المعافري، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: ((ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف ~~لعالمنا حقه)). PageV01P319 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالإجلال للكبير: هو حق سنة الله تعالى، تقلب في العبودة لله تعالى في ~~مدة طويلة. # والرحمة للصغير: هو موافقته لله تعالى بأنه رحمه، ورفع عنه العبودة، فلم ~~يؤاخذه بحفظ حد، ولا حكم. # والمعرفة للعالم حق العلم: أن يعرف قدره بما رفع الله من قدره، فآتاه ~~العلم؛ فإن الله تعالى قال في تنزيله: {يرفع الله الذين آمنوا منكم}، ثم ~~قال: {والذين أوتوا العلم درجات}. فيعرف له درجاته التي رفع الله له بما ~~آتاه من العلم. PageV01P320 ### || AUTO الأصل الحادي والثلاثون # 204 - حدثنا حميد بن الربيع اللخمي، أخبرنا سعيد بن شرحبيل، أخبرنا ابن ~~لهيعة، عن الحارث بن ثوبان، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أردت سفرا، أو تخرج مكانا، ~~فقل لأهلك: أستودعكم الله الذي لا تخيب ودائعه)). # 205 - حدثنا عمرو بن محمد العثماني، حدثنا ابن PageV01P321 ~~أبي السري، حدثنا رشدين، أخبرنا الحسن بن ثوبان، عن موسى بن وردان، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # 206 - حدثنا سفيان، أخبرنا أبي، عن سفيان، عن نهشل الضبي، عن قزعة، عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال ~~لقمان: إن الله إذا استودع شيئا، حفظه)). PageV01P322 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فأصل الوديعة: هو الترك والتخلي عن الشيء. # وهو قوله تعالى: {ما ودعك ربك وما ms0111 قلى}؛ أي: ما تركك. # وإن الله تعالى جعل الأمور تقوم بالأسباب؛ محنة وبلوى لأهلها؛ لينظر من ~~ينفذ قلبه من الأسباب إلى ولي الأسباب، ومن يتعلق بها، (فيكون قلبه سبيا من ~~سبي الأسباب)، فيكون مثله كما ذكر الله في تنزيله، فقال: {ضرب الله مثلا ~~رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا}، ثم قال: {الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون}. # فهذا في الظاهر تجده رجلا يعبد أصناما شتى، ورجلا سلما للواحد القهار، هل ~~يستويان؟ وفي الباطن رجلا في قلبه شركاء متشاكسون، وهي شهواته التي تغلي في ~~صدره، فقد سبى قلبه أسباب تلك الشهوات، ورجلا قد انفرد قلبه للواحد، وخلا ~~من جميع الأسباب، وماتت نفسه من الشهوات {هل يستويان مثلا}؟ # ثم قال: {الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون}. PageV01P323 # ثم قال: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}. # فباطن هذه الأمثال إنما طالعها أهل اليقين ببصائر نفوسهم، ونور يقينهم، ~~فوضع الله هذه الأمور في الأسباب، وربوبيته في الأسباب قائمة، فلا تطرف ~~عين، ولا ينبض عرق، ولا تحس حاسة من الحواس بشيء إلا بإذنه، وقوام الأشياء ~~ودوامه به، كيفما تصرفوا في الأمور، وتقلبوا في الأحوال، فإنما يتصرفون في ~~ربوبيته، فالموحدون وحدوه، وأخلصوا إليه التوحيد، ثم بقيت قلوبهم مع ~~الأسباب التي منها يرون بدو الأسباب حين تبدو، ولم يعبروا إلى ولي الأسباب ~~ومدبرها لهم، فتشبثت نفوسهم بالأشياء، وتعلقت قلوبهم بها، حتى افتتنوا بها، ~~وعصوا الله من أجلها، فضيعوا حقوقه، وركبوا مساخطه. # وأهل اليقين: احتدت أبصار قلوبهم بنور اليقين، فنفذت إلى تدبير ولي ~~الأسباب، فصارت لهم معاينة، ووصلت إلى ولي الأسباب، فاستوطنت على القربة ~~هناك عاكفة على ربها، وولت الأسباب ظهرا، فهو يمضي في الأسباب كسائر الخلق، ~~والأسباب لا تأخذه، ولا تغير قلبه؛ لأنه قلبه PageV01P324 ~~هناك بين يدي الخالق، مبهوت في جلاله وعظمته، والأسباب من وراء ظهره، فهو ~~يمضي فيها، ولا يلتفت إليها، فلا تجد الأسباب سبيلا إلى أن تفتنه، وإنما ~~يأخذ الأسباب كل أحمق قد أسرته نفسه، فقلبه في غطاء عن الله، ms0112 فلا يرى ~~الأشياء تبدو له إلا من الأسباب، والنفس في خدعها وغرورها من ورائه، فلا ~~يزال هكذا حتى يصير قلبه سبيا من سبي النفس، وأسيرا من أسراها، لا يعمل إلا ~~ما تهوى به نفسه. # فإذا خلف شيئا في مكان، وأراد أن يغيب عنه؛ استودع الله عز وجل ذلك ~~الشيء، فهذا منه في ذلك الوقت تخل وتبرؤ من حفظه ومراقبته؛ لأنه ما دام ~~معه، فهو في نفسه يحسب أنه هو الذي يحفظه ويكلؤه ويرعاه، وهو يقول مع هذا: ~~{فالله خير حافظا}. ولكن هذا القول منه قول الموحدين، لا قول الموقنين ~~المنتبهين لما يقول، فما دام معه، فهو يحفظه. # ثم إذا خلفه في حرز، أو في حراسة، أو أخفاه في موضع، فقد وكله إلى ذلك ~~الحرز والحراسة، وإذا جعله هكذا، ثم مع هذا أودعه ربه سبحانه وتعالى، فقد ~~وكله إلى الله، وتبرأ من حفظه، وحفظ حرزه وحارسه، وتخلى منه مضى في تدبير ~~الآدميين أن يحرزوا أو يحرسوا، ثم وكله إلى الله، فوجده مليا وفيا كريما. PageV01P325 # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من توكل على الله، ~~كفاه)). # وقال في حديث آخر: ((من سره أن يكون أقوى الناس، فليتوكل على الله)). # لأنه إذا توكل، قوي قلبه، ولم يبال بأحد، وذهبت مخاوفه. # وقد قال في تنزيله: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}. فإذا PageV01P326 ~~كان الله عز وجل حسبه، فكفى به حسيبا. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من انقطع إلى الله عز ~~وجل، كفاه)). # فإن الله أعطى الخلق علم الأمور، وعلم أسبابها، وعلم حيلها، وأعطاهم ~~القوة، ومعرفة التصرف في ذلك، ولم يغنهم عن نفسه بما أعطاهم، فكلهم مع جميع ~~ما أعطاهم الله فقراء مضطرون؛ لأنه لا يكون شيء إلا به. # فالغافل الأحمق: يرى ما أعطي من هذه الأشياء، فيقتدر بها في الأمور، ~~ويتملك، فيريه الله عجزه، وفقره، وضعفه، ويعرفه أنه لا يقوم له شيء إلا به؛ ~~فإن الأسباب التي أعطاهم كلهم ضعفاء فقراء مثله، فإذا قال العبد: ms0113 لا حول ~~ولا قوة إلا بالله، تبرأ من الأسباب، وتخلى من وبالها، فجاءته القوة ~~والعصمة، وجاءه الغياث والتأييد، والرحمة تكنفه، فالوديعة التي تودع العبد PageV01P327 ~~ربه، إنما هو تخل وتبر من الحول والقوة. # 207 - حدثنا أبي رحمه الله، حدثنا عبيد بن إسحاق العطار الكوفي، ثنا عاصم ~~بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما، قال: حدثني ~~زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: بينما عمر يعرض الناس، إذا هو برجل معه ابنه، ~~فقال له عمر: ويحك! ما رأيت غرابا بغراب أشبه من هذا منك، قال: أما والله ~~يا أمير المؤمنين! ما ولدته أمه إلا ميتة، فاستوى له عمر، فقال له: ويحك! ~~حدثني، قال: خرجت في غزاة وأمه حامل به، فقالت: تخرج وتدعني على هذه الحالة ~~حاملا مثقلا؟ قلت: أستودع الله ما في بطنك، قال: فغبت، ثم قدمت، فإذا بابي ~~مغلق، قلت: ما فعلت فلانة؟ PageV01P328 # قالوا: ماتت فذهبت إلى قبرها، فبكيت عنده، فلما كان من الليل، قعدت مع بني ~~عم لي أتحدث، وليس يسترنا من البقيع شيء، فرفعت لي نار بين القبور، فقلت ~~لبني عمي: ما هذه النار؟ فتفرقوا عني، فأتيت أقربهم مني، فسألته، فقال: نرى ~~على قبر فلانة كل ليلة نارا، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أما والله! ~~إن كانت لصوامة، قوامة، عفيفة، مسلمة، انطلقوا بنا، وأخذت فأسا، فإذا القبر ~~منفرج، وهي جالسة، وهذا يدب حولها، وناداني مناد من السماء: أيها المستودع ~~ربه! خذ وديعتك، أما لو استودعته وأمه، لوجدتها، فأخذته، وعاد القبر كما ~~كان، فهو -والله- هذا يا أمير المؤمنين. PageV01P329 # قال عبيد: فحدثت بهذا الحديث محمد بن إبراهيم العمري، فقال: والله! هذا حق، ~~وقد سمعت عم أبي عاصم يذكره، فقال: رأيت هذا الرجل بالكوفة، فقال لي ~~موالينا: هو هذا، والله أعلم. PageV01P330 ### || AUTO الأصل الثاني والثلاثون # 208 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: أخبرنا ابن ~~المبارك، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول ~~الله ms0114 صلى الله عليه وسلم: ((يجاء بالعبد يوم القيامة، فتوضع حسناته في كفة، ~~وسيئاته في كفة، فترجح السيئات، فتجيء بطاقة، فتقع في كفة الحسنات، فترجح ~~بها، فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة؟ فما من عمل عملته في ليلي ونهاري إلا ~~وقد استقبلت به، قال: هذا ما قيل فيك، وأنت منه بريء. قال: فينجو بذلك)). # قال أبو عبد الله: فإنما ثقلت البطاقة؛ لأن البهتان عظيم شأنه. # وروي في الخبر: أن داود سأل سليمان عليه السلام: ما أثقل شيء؟ فقال: PageV01P331 # البهتان على البريء. # 209 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا الربيع ابن يحيى، عن المسعودي، ~~قال: أنبأني المنهال بن عمرو، عن سويد بن غفلة، عن علي رضي الله عنه، قال: ~~البهتان على البريء أثقل من السماوات. # وإنما صار هكذا؛ لأن الآدمي اؤتمن على جوارحه السبع وهي ظواهر، ووكل ~~برعايتهن أيام الحياة؛ لئلا تدنس، حتى يقدم على الله وهو مقدس يصلح لدار ~~القدس، وأن يكون مجاورا للقدس، ومجاورا له ومحدثا، فإذا رعاهن هذا المؤمن، ~~ثم ضيع منه ما ضيع من غفلة، أو زلة، أو غلبة، أو فتنة حلت، فمن ورائه ~~الندم، والاستغفار، والانقلاع، وباب التوبة مبسوط، فإذا رعى العبد هذه ~~الجوارح، فقال هذا في عرضه ما هو منه بريء، فقد خونه في أمانة الله عنده، ~~ولم يخن، وزعم أنه سرق من الله جارحة ولم يسرق، ودنس عرضه وليس يدنس، وألزم ~~جوارحه من الشين والعار ما لم يلزق به، وتهافت عنه، وبقيت الكلمة في عنق ~~صاحبها راجعة بوبالها، وعارها، وشنارها، وهتك له سترا لم ينهتك، ورماه PageV01P332 ~~بداهية هو منها بريء، وساع به إلى الله، وغير مقبول سعايته؛ لأن علام ~~الغيوب مطلع على كذبه، وكتب في شهداء الزور، وقد نهى الله عنه، وقرنه ~~بالشرك، فقال: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور}. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((البهتان عدل بالشرك بالله)). # وسمي بهتانا: لأنه يبهت القلب، ويحيره؛ من ظلمته؛ فإن الظلم ظلمات، فإذا ~~بهت القلب، وتحير في الظلمة، ذهبت الهداية والبصيرة، فخرب القلب، ms0115 وهو ~~بمنزلة الشمس إذا انكسفت فتهافت نورها، فيصير الذي نيل من عرضه بهذا ~~البهتان عند الله بحال رحمة؛ حيث أصيب من عرضه وخلص الألم إلى قلبه، بغرض ~~أتعبه وأنصبه، فلم يرض الله له عوضا إلا من الجنة، فكيف إذا أتعب قلبه؛ لأن ~~البهتان يصل وجعه إلى القلب، وإذا كان بريئا، فهو أوجع لقلبه، والله أعلم. PageV01P333 ### || AUTO الأصل الثالث والثلاثون # 210 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، قال: أخبرنا عبد الله بن ~~المبارك، قال: أخبرنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن نبهان مولى أم سلمة: ~~أنه حدثه: أن أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثته: أنها كانت ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة، قالت: بينما نحن عنده، إذ أقبل ~~ابن أم مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((احتجبا منه))، فقلنا: يا رسول الله! أليس هو أعمى لا ~~يبصرنا، ولا يعرفنا؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفعمياوان ~~أنتما؟! ألستما تبصرانه؟!)). PageV01P335 # قال أبو عبد الله: فإنما ضرب الحجاب عليهن كرامة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وإجلالا له، وصير الله أزواجه أمهات المؤمنين؛ ليحرمن على من بعده، ~~وقد تكلم بعضهم في حياته بشيء من تزويجهن، فنزلت: {وما كان لكم أن تؤذوا ~~رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما}. # ونزلت آية: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم}. # فانقطع الخطاب الذي كان فيما بينهم، والطمع في شأنهن، فصرن أمهات ~~المؤمنين، وليس المؤمنون لهن بمحرم، وذلك ليعلم أنه إنما صرن أمهات ~~المؤمنين؛ ليحرمن على الرجال بعده، وليس الرجال بمحرم لهن، فقال: {وإذا ~~سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن}. # فكما حظر على الرجال النظر إليهن، كذلك حظر عليهن النظر إلى الرجال، فبين ~~علة الحجاب: أنه إنما أريد بذلك طهارة قلوب الصنفين PageV01P336 ~~جميعا؛ قلوب الرجال منهن، وقلوبهن من الرجال. # وروي في الخبر: أن الحسن والحسين كانا لا يريان ms0116 أمهات المؤمنين، وإنما ~~كان يدخل عليهن محارمهن من النسب والرضاع، ومماليكهن. PageV01P337 ### || AUTO الأصل الرابع والثلاثون # 211 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، قال: أخبرنا عبد الله بن ~~المبارك، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، ~~عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ما ~~من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة أول مرة، ثم يغض بصره، إلا أحدث الله له ~~عبادة يجد حلاوتها)). # قال أبو عبد الله: # فالنظرة الأولى: نظرة الروح. PageV01P339 # والنظرة الثانية: نظرة النفس. # لأن الإنسان خلق مفتوح العين، عمول ناظراه، لحاظ هكذا وهكذا، فهو مأذون ~~له في ذلك؛ لأن من شأن العين أن تطرف، وتفتح، فإذا وقع بصره على شيء فليس ~~عليه شيء؛ لأن قلبه لم يعمل شيئا، فإذا عمل بصره بعد ذلك، فإنما يعلمه، ~~والابتداء من القلب، حتى تعمل العين، فذلك نظر تكلف، فهو مسؤول عنه، والأول ~~مرفوع عنه، فلذلك قال: ((ينظر إلى محاسن امرأة أول مرة، ثم يغض بصره))؛ ~~لأنه لما وقع بصره على المحاسن، وجب عليه أن يغض. # فالغض: فعل العين، فعليه يثاب، والفتح، والنظر بعد ذلك: فعل العين، فعليه ~~يعاقب، ويقال: إن بصر العين متصل ببصر الروح من داخل، فلذلك قيل: الحياء في ~~العينين؛ لأن الحياء من فعل الروح، ولذلك قيل: لا تطلبن إلى أعمى حاجة. # روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما. # 212 - حدثنا به محمد بن محمد بن حسين، قال: حدثنا المعلى بن أسد، قال: ~~حدثنا عمر بن مساور العتكي، PageV01P340 ~~قال: حدثني أبو جمرة الضبعي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لا تطلبن ~~إلى أعمى حاجة، وإذا طلبت الحاجة، فاستقبل الرجل بوجهك، فإن الحياء في ~~العينين، فلا تطلبها ليلا، وباكر في حاجتك؛ فإن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ((اللهم بارك لأمتي في بكورها)). # فلما غض بصره عما لا يحل، فإنما صان روحه أن تتدنس، وقمع نفسه عن أن تلذذ ~~بشهوة، فأعطي نورا، ثوابا عاجلا، فوجد حلاوة ms0117 العبادة. # 213 - حدثنا عمرو بن زياد الحنظلي، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك في ~~مجلس حماد بن زيد سنة ثلاث وسبعين ومئة، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله PageV01P341 ~~ابن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((النظر إلى محاسن المرأة سهم من سهام إبليس مسموم، فمن ~~صرف بصره عنها، أبدله الله عبادة يجد حلاوتها)). PageV01P342 ### || AUTO الأصل الخامس والثلاثون # 214 - حدثنا محمد بن زنبور المكي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، ~~قال: حدثنا سعد بن سعيد ابن قيس الأنصاري، عن عمر بن ثابت بن الحارث، عن ~~أبي أيوب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((من صام رمضان، ثم أتبعه ~~ستا من شوال، فكأنما صام الدهر)). PageV01P343 # 215 - حدثنا عباد بن بكر بن عباد بن كثير الثقفي، قال: حدثنا عبد الله بن ~~يزيد، قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو زرعة عمرو بن جابر ~~الحضرمي، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: ((من صام رمضان، وستا من شوال، فكأنما صام السنة كلها)). # 216 - حدثنا محمد بن عمرو السويقي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن ~~صفوان بن سليم، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، مثله. PageV01P344 # 217 - حدثنا محمد بن محمد بن حسين، قال: حدثنا حسان بن أبي حسان البصري، عن ~~همام بن يحيى، قال: حدثنا المثنى بن الصباح، عن رجل من رهط أبي هريرة، عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فهذا من أجل أن الله -تبارك اسمه- جعل ~~الحسنة لهم بعشرة أمثالها، فصوم رمضان بثلاث مئة يوم، كل يوم بعشرة، وبقي ~~من السنة ستون يوما، فيعدل كل يوم بعشرة، فتحسب له على تضعيف PageV01P345 ~~الحسنات، كأنه صام الدهر كله، وكذلك الحديث الآخر الذي جاء على غير هذا ~~السبيل ms0118 هكذا تأويله. # 218 - حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر الثوري، قال: حدثنا روح بن عبادة، ~~قال: حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((من صام ثلاثة أيام من كل شهر، فقد صام الشهر كله)). # لأن كل يوم يحتسب له في التضعيف بعشرة أيام. PageV01P346 ### || AUTO الأصل السادس والثلاثون # 219 - حدثنا يحيى بن المغيرة أبو سلمة المخزومي، قال: حدثنا ابن أبي ~~فديك، عن يزيد بن عياض، سمع معن ابن محمد الغفاري يحدث عن حنظلة بن علي ~~الأسلمي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ~~قال: ((الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: فالطعم: فعل، والصوم، كف عن فعل، فالطاعم ~~بطعمه يأتي ربه بالشكر، والصائم بكفه عن الطعم يأتي ربه بالصبر. # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((الإيمان نصفان: نصف للشكر، PageV01P347 ~~ونصف للصبر)). # وقال في حديث آخر عن ابن مسعود: ((الصبر نصف الإيمان)). # فإنما قيل: (نصف)؛ لأن نصفه للشكر، ثم قال: ((واليقين: الإيمان كله))، ثم ~~تلا: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}. ثم قال: {إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين}. # فجمع اليقين والصبر والشكر، وإنما هما صنفان: معطى له، فعليه الشكر، ~~وممنوع منه، فعليه الصبر، فإذا شكر هذا، فقد أتى من حقيقة الإيمان بنصفه، ~~وإذا صبر هذا، فقد أتى من حقيقة الإيمان بنصفه. # وإنما قيل إيمانا؛ لأن حقيقة الإيمان كان عندهم من الإيمان، ولنا مسألة ~~في التفرقة بين درجة الشكر والصبر، وهو في كتاب ((النوادر من المسائل)). PageV01P348 ### || AUTO الأصل السابع والثلاثون # 220 - حدثنا يزيد بن عمرو بن يزيد بن البراء بن عبد الله بن البراء ~~الغنوي، قال: حدثنا أحمد بن الحارث الغساني، قال: حدثتني ساكنة بنت الجعد، ~~عن سرى بنت نبهان الغنوية، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~((اقتلوا الحيات كبيرها، وصغيرها، وأسودها، وأبيضها؛ فإن من قتلها، كانت له ~~فداء من النار، ومن قتلته، كان ms0119 شهيدا)). # قال أبو عبد الله: فالحية عدوة، وقد أظهرت العداوة، وقد كانت وكلت بخدمة ~~آدم -صلوات الله عليه- في الجنة، فخانته، وأمكنت عدو الله PageV01P349 ~~من نفسها، حتى صيرته سببا لدخول الجنة في إغوائه، فلما ألقاهم إلى الأرض، ~~تأكدت العداوة من عدو الله، ومن الحية لآدم وولده. # 221 - حدثنا سليمان بن العباس الهاشمي، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن عمر بن ~~عبد الرحمن، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: # لما أسكن الله آدم الجنة وزوجته، كانت الشجرة غصونها متشعبة، بعضها في ~~بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة يخلدهم، وهي الثمرة التي نهى الله آدم ~~عنها وزوجته، فلما أراد إبليس أن يستزلهما، دخل في جوف الحية، وكانت الحية ~~لها أربع قوائم، كأنها بختية من أحسن دابة خلقها الله، فلما دخلت الحية ~~الجنة، خرج من جوفها إبليس، وأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجته عنها، ~~فجاء بها إلى حوى، فقال لها: انظري إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها، وأطيب ~~طعمها، وأحسن لونها! فأخذتها حوى فأكلتها، ثم ذهبت بها إلى آدم، فقالت: ~~انظر إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها! فأكل منها ~~آدم، فبدت لهما سوءاتهما، فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه PageV01P350 ~~ربه: أين أنت؟ قال: أنا هنا يا رب، قال: ألا تخرج؟ قال: استحي منك يا رب، ~~قال: اهبط إلى الأرض التي خلقتك منها، قال: ملعونة الأرض التي منها خلقت، ~~لعنة تتحول ثمارها شوكا، ولم يكن في الأرض ولا في الجنة شجرتان أفضل من ~~الطلح والسدر. # ثم قال: يا حوى! غررت عبدي، فإنك لا تحملين حملا إلا حملتيه كرها، وإذا ~~أردت أن تضعي ما في بطنك، أشرفت على الموت مرارا. # وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك، حتى غر عبدي، ملعونة أنت لعنة ~~تتحول قوائمك في بطنك، ولا يكون لك رزق إلا التراب، أنت عدوة بني آدم، وهم ~~أعداؤك، أينما لقيت أحدا منهم، أخذت بعقبه، PageV01P351 ~~وحيثما لقيك أحد منهم، شدخ رأسك. # قال عمر بن عبد الرحمن: قيل لوهب: وهل كانت ms0120 الملائكة تأكل؟ قال: يفعل ~~الله ما يشاء. # وفي رواية أخرى: كانت الشجرة تحتك الملائكة بثمرها تخلدهم. # فعداوة الحية أصلية متأكدة، لا تبقي في ضرر بني آدم غاية إلا من عصم ~~الله، وإنما أعطيت السم في نابها؛ لتمتنع بها عن ولد آدم، ولتحذر، فتقتل، ~~وقد شاركت إبليس في ضرر ولد آدم وعداوتهم، وتظاهرت معه، فلذلك من قتل حية، ~~فكأنما قتل كافرا، {وكان الكافر على ربه ظهيرا}؛ أي: للشيطان، فكذلك الحية. # 222 - حدثنا محمد بن موسى الحرشي، قال: حدثني عبد الرحيم بن زيد العمي، ~~عن أبيه، عن محمد بن كعب PageV01P352 ~~القرظي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((اقتلوا الحية والعقرب، وإن كنتم في الصلاة)). # 223 - حدثنا عبد الوهاب بن فليح المكي، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد ~~الصمد، قال: حدثنا هشام أبو المقدام، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. PageV01P353 # 224 - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((خمس يقتلهن المحرم))، ~~فذكر: ((الحية)) فيهن. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فليس لها حرمة ولا ذمة، وقاتلها في أجر إذا ~~احتسب بها، ومن قتل كافرا، كان فداءه من النار؛ لأنه عادى الله، ووالاه ~~المؤمن، فإذا PageV01P354 ~~أذنب الولي، فاستوجب النار بذنوبه، فدي المؤمن بالكافر الذي عادى الله، ~~وأغاثه الله بموالاته ربه، فكذلك المؤمن إذا قتل الحية، فكأنما قتل عدو ~~الله؛ لأنه سالم عدو الله وعدو أبيه، فبقي ذلك الشر في ولده إلى يوم ~~القيامة. # 225 - حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا ~~ابن إدريس، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن ~~مسعود، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى، فمرت حية، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقتلوها))، فسبقتنا ms0121 إلى جحر فدخلته، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هاتوا بسعفة ونار، فأضرموها عليها ~~نارا)). PageV01P355 # قال نعيم: حدثت به ابن أبي شيبة، وابن إدريس حي، فجعل يتعجب، ولم يصبر أن ~~قام حتى صار إليه وسمعه منه. # فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن المثلة، وعن أن يعذب بعذاب الله. # فلم يبق لهذا العدو حرمة، حيث فاتته، حتى أوصل إليه الهلاك من حيث قدر. # وروي عن إبراهيم النخعي: أنه كره أن تحرق العقرب بالنار، وقال: هو مثلة. # فيشبه أن يكون إبراهيم لم يبلغه هذا الأثر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وعمل على الأثر الذي جاء: ((أن لا تعذبوا بعذاب الله)). # فكان على هذا السبيل العمل عنده، ولكن لما أعجزتهم الحية فوتا، أحب أن ~~يقيم عداوته في الله، ويخفر ذمة إبليس. # فإنه روي في الخبر: أن عدو الله إبليس قال لها: أدخليني الجنة، وأنت في ذمتي. # فكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: اخفروا ذمة إبليس عدو الله. PageV01P356 # وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غار، فنزلت عليه: {والمرسلات عرفا}، فأخذتها رطبة من في رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فخرجت علينا حية من جحر، فابتدرناها لنقتلها، فانسابت ~~في جحر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وقيت شركم كما وقيتم شرها)). # قال: فسببه أن يكون هناك في الغار لم يجد نارا، فتركها، أو لم يكن بالجحر ~~هيئة ينتفع بالنار هناك، أو لم يمكن إضرامها بالنار. # فأما ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن قتل الجنان، فإن ~~تلك في صورة الحيات، هن من الجن، وهن سكان البيوت، فإذا قتلتها، أضرت بك. # 226 - حدثنا ابن أبي ميسرة، قال: حدثنا يعقوب ابن محمد الزهري، قال: ~~حدثنا حاتم بن إسماعيل، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن الزهري، ~~عن سالم، عن أبيه، قال: حدثني زيد بن الخطاب: ((أن رسول الله نهى عن قتل ms0122 ~~ذوات البيوت -يعني: الحيات-)). PageV01P357 # 227 - حدثنا محمد بن أيوب السمناني، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: ~~حدثني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة ~~الخشني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الجن على ثلاثة أصناف: ~~صنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يرحلون ~~ويظعنون)). # وزاد فيه غيره: عن أبي أسامة، عن أبي منيب، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي ~~سلمة، عن أبي الدرداء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((خلق ~~الله الجن ثلاثة أثلاث: فثلث كلاب وحيات وخشاش الأرض، وثلث ريح هفافة، وثلث ~~كبني آدم لهم الثواب، وعليهم العقاب. PageV01P358 # وخلق الله تعالى الإنس ثلاثة أثلاث: فثلث لهم قلوب لا يفقهون بها، وأعين لا ~~يبصرون بهان، وآذان لا يسمعون بها {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا}. ~~وثلث أجسادهم أجساد بني آدم، وقلوبهم قلوب الشياطين، وثلث في ظل الله يوم ~~لا ظل إلا ظله)). # 228 - حدثنا سفيان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، قال: حدثني ~~صيفي، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن بالمدينة ~~نفرا من الجن أسلموا، فمن رأى شيئا من هذه العوامر، فليؤذنه ثلاثا، فإن بدا ~~له بعد ذلك، فليقتله؛ فإنه شيطان)). PageV01P359 # 229 - حدثنا الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن ~~الزبير، قال: حدثنا سعد بن سعيد المقبري، عن أخيه، عن جده، عن أبي سعيد ~~الخدري، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، فخرج معه فتى منا ~~من بني خدرة، وهو حديث عهد بعرس، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يطلع على أهله، فأذن له، وخرج الفتى وفي يده الرمح، حتى دخل الدار، فوجد ~~زوجته بباب حجرته جالسة، فأفزعه ذلك، فقال: ما أخرجك من بيتك؟ قالت: حية ~~منطوية على فراشك، هي التي ذعرتني، فدخل الفتى، فوكزها برمحه، وخرج بها إلى ~~صحن الدار ms0123 تضطرب فيه وماتت، ومات الفتى من ساعته، فذكر ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: ((لا تقتلوا PageV01P360 ~~شيئا تجدوه في البيوت منهن، حتى تقدموا)). # 230 - حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ~~حاتم بن أبي صغيرة، عن ابن أبي مليكة، قال: قتلت عائشة -رضي الله عنها- ~~جانا، فأتيت في المنام، فقيل لها: أما والله! لقد قتلتيه مسلما، فقالت: لو ~~كان مسلما، ما دخل على أمهات المؤمنين، فقيل: ما دخل عليك إلا وأنت مستترة، ~~فتصدقت، وأعتقت رقابا. PageV01P361 # 231 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن أبي ~~إسحاق، عن ثابت بن قطبة الثقفي، قال: جاء رجل إلى عبد الله، فقال: إنا كنا ~~في سفر، فمررنا بحية مقتولة مشعرة في دمها، فواريناها، فلما نزلوا: أتاهم ~~نسوة، أو أناس، فقالوا: أيكم صاحب عمرو؟ قالوا: من عمرو؟ قالوا: الحية التي ~~دفنتموها أمس، أما إنه من النفر الذين أسلموا، واستمعوا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قلنا: ما شأنه؟ قال: كان جان من الجن، مسلمون ومشركون ~~بينهم قتال، فقتل. PageV01P362 # 232 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثني يحيى بن واضح، قال: حدثني الربيع بن ~~بدر، قال: الجان من الحيات التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قتلها، هي التي تمشي ولا تلتوي. # 233 - حدثنا نصر بن فضالة، عن محمد بن سلام البيكندي، عن ابن المبارك، بمثله. # 234 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن أبي قيس ~~الأودي، عن علقمة، قال: اقتلوا الحيات كلها، إلا الجان الذي كأنه ميل؛ فإنه ~~جنها، ولا يضر أحدكم، كافرا قتل أو مسلما هو. # والله أعلم. PageV01P364 ### || AUTO الأصل الثامن والثلاثون # 235 - حدثنا محمد بن الحسن الليثي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد الزهري، عن ~~أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل ~~القثاء بالرطب)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: فهذا جمع بين لونين، فيجوز أن يكون اشتهاه، ~~فقضى شهوته ms0124 لله؛ لتسكين النفس؛ فإن النفس نازعته إلى ما فيه اللذة لها، ~~ولها حق إذا استقامت لمولاها، فأدى حقها، وحمد الله وشكره عليها، فلا يكون ~~على صاحبها وبال في مثل هذا، وإنما الوبال على من قضى شهوته بنهمة، وهو ~~غافل عن ربه، منهوم بلذته، لا يلتمس فيها حق النفس، PageV01P365 ~~ولا يبتغي بها وجه الله، فالحساب أمامه، وهو مسؤول عن شكرها. # ويجوز أن يكون على غير هذا السبيل الذي ذكرناه، ويحتمل أن يكون لمكان ~~عياله أو ضيفه فعلى ذلك، فتوسع في ذلك من أجلهم، ولم يحمل قوته على ضعفهم، ~~فربما ينغص على الضيف أو العيال إمساكك عنه، واستوحشوا من فعلك، وتكدرت تلك ~~النعمة عليهم، ففيه تضييع حق الضيف، وحق العيال، فيخالطهم في ذلك، ويشركهم فيه. # ووجه آخر محتمل لذلك أيضا، وذلك أن القثاء بارد، والرطب حار، فأحب أن ~~يصيره مزاجا، فيجمع بين الحار والبارد؛ كيلا يضر به واحد منهما على ~~الانفراد، فكل هذه الوجوه محتملة لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. # 236 - حدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي، قال: حدثنا معاوية بن هشام، قال: ~~حدثنا سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها-: ~~((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين البطيخ والرطب)). PageV01P366 # 237 - حدثنا عبدة، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا جرير بن حازم، ~~عن حميد الطويل، عن أنس رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يأكل البطيخ بالرطب)). PageV01P367 ### || AUTO الأصل التاسع والثلاثون # 238 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا علي بن عبد الحميد المعني، قال: ~~حدثنا أبو النضر جرير بن حازم الأزدي، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما، قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ألا ~~أعلمك خصلات ينفعك الله بهن؟))، قلت: بلى يا نبي الله، قال: ((عليك بالعلم؛ ~~فإن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيمه، والرفق ~~أبوه، واللين أخوه، والصبر أمير جنوده)). PageV01P369 # قال أبو ms0125 عبد الله رحمه الله: فالعلم ما يتصور في الصدر، وذلك أن الإيمان ~~مستقره في القلب، فإذا أشرق نوره في الصدر، ثم اعترضت فكر في الأمور من ~~الخير والشر، صار لكل فكرة ظل في الصدر على هيئة، فالخير يتصور في بهائه ~~وحسنه وزينته، والشر في قبحه وشينه وظلمته، فإنما قيل: علم؛ لأنه علائم ~~الإيمان، قد أظهر في الصدر باطن ما في القلب، فهو خليله؛ لأنه قد خله إلى ~~الإيمان؛ أي: ضمه، لما ظهر العلم اهتدى، فمال إلى من آمن به؛ ليأتمر بأمره، ~~وينتهي عن نهيه. # والخلة: الضمة في اللغة، يقال: هذا ثوب خليل، وهو الذي شكه بالخلال، فضمه ~~إلى نفسه، فكذلك العلم، لما ظهر في صدر المؤمن، شكه وجمعه، حتى لا تنتشر ~~جوارحه في شهواته وهواه. # ((والحلم وزيره)): # فالحلم: هو سعة الصدر، وطيب النفس، فإذا وسع الصدر، وانشرح بالنور، أبصرت ~~النفس رشدها من غيها، وعواقب الخير والشر، فطابت، وإنما تطيب النفس بسعة ~~الصدر، وإنما يتسع الصدر بولوج النور الوارد من عند الله، وهو قوله تعالى: ~~{أفمن شرح الله صدره للإسلام PageV01P370 ~~فهو على نور من ربه}. # فإنما دخل النور، واتسع الصدر؛ لما أبصر العناية، ويسر عليه تسليم النفس ~~لله عبودة في أمره ونهيه، وانقادت له، وذهبت عسرته وكزازته، والملح يطيب ~~الطعام، والحلم يطيب النفس. # فإنما طابت النفس لما عاينت بنور اليقين من حسن العواقب طأطأ بنور ~~اليقين، وتلك بصيرة اليقين. # 239 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا محمد ابن مخلد التيسي الرعيني ~~أبو أسلم، قال: حدثنا يعلى ابن الأشدق العقيلي، قال: حدثني عمي عبد الله بن ~~جراد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس الأعمى من يعمى بصره، PageV01P371 ~~وإنما الأعمى من تعمى بصيرته)). # وهو قوله تعالى في تنزيله: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي ~~في الصدور}. فطيب النفس من روح اليقين، وهو من أعظم النعم. # 240 - حدثنا رزق الله بن موسى الناجي، قال: حدثنا معن القزاز، قال: حدثنا ~~عبد الله بن سليمان بن أبي سلمة مولى الأسلميين، ms0126 عن معاذ بن عبد الله بن ~~خبيب، عن PageV01P372 ~~أبيه، عن عمه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا بأس بالغنى لمن ~~اتقى الله، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعم)). # قال رزق الله: قال معن: يعني: غنى المال، والغنى بغير تقوى هلكة، يجمعه ~~من غير حق، ويضعه في غير حقه، فإذا كان هناك مع صاحبه تقوى، فقد ذهب البأس، ~~وجاء بالخير. # 241 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا أبو PageV01P373 ~~الخير المدني عبد المنعم بن بشير، قال: حدثنا أبو مودود، عن محمد بن كعب، ~~قال: إن الغني إذا كان تقيا بالله، آتاه أجره مرتين، ثم تلا: {وما أموالكم ~~ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم ~~جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون}. # (وهذا عبد قد امتحنه الله، فوجده صادقا، وليس من امتحن كمن لم يمتحن، ألا ~~ترى أن مؤمني أهل الكتاب امتحنوا بالفترة، لما بعث) رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، آمنوا به، وكانوا على دين، فقال الله في تنزيله تعالى: {أولئك ~~يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا}. # فصبر الغني أشد من صبر الفقير، كما أن محاربتك أسدا قد خلي عنه، أشد من ~~محاربتك أسدا قد ربط بالوثاق، فقهره هين الشأن من المخلى عنه. # وما القول إلا ما قال مالك بن دينار -رحمة الله عليه-، قال: يقول الناس: ~~مالك زاهد، وكيف لا يزهد وهو فقير مقتر عليه، أو كما قال، إنما الزاهد عمر ~~بن عبد العزيز، نال الخلافة، فلبس المسوح. PageV01P374 # وأما قوله: ((الصحة لمن اتقى خير من الغنى))؛ فإن صحة الجسد عونا على ~~العبادة، فالصحة مال ممدود، والسقيم عاجز، والعمر الذي أعطي به تقوم ~~العبادة، والصحة مع العمر خير من الغنى مع العجز، والعاجز كالميت. # وأما قوله: ((وطيب النفس من النعم)). فقد ذكرنا بدءا: أنه من روح اليقين ~~على القلب، وهو النور الوارد الذي قد أشرق في الصدر، فأراح القلب والنفس من ~~الظلمة والضيق والضنك؛ لأن النفس بشهواتها في ms0127 ظلمة، والقلب في تلك الظلمات ~~قد أحاطت به، فالسائر إلى مرعاه في ظلمة، يشتد عليه السير، ويضيق صدره لما ~~يتخوف في الطريق من المهاوي والمخاوف، ومن الآبار، ووعورة الطريق، وغير ذلك ~~من الهوام والسباع واللصوص، فهو يسير في ثقل وصعوبة، فيحل به من عسرته ~~النكد والتعب والنصب. # وإذا أضاء له الصبح، انفقأت الظلمة، ووضح الطريق، وزالت المخاوف، وذهبت ~~العسرة، واستراح القلب، واطمأنت النفس. # فكذلك السائر بقلبه بشريعة الإسلام إلى الله، إذا كان قلبه في ظلمة ~~شهواته وهواه، هو بهذه الصفة. PageV01P375 # فإذا أشرق نور اليقين في صدره، أبصر، فذهبت الحيرة، وزالت المخاوف، ونفي ~~الجبن والشك، واستراح القلب، فهذه صفة الحلم، فهو وزير المؤمن، يؤازره على ~~أمر الله، وعلى ما يقتضيه العلم، فإذا لم يكن حلم، ضاقت النفس، وانفرد ~~القلب بلا وزير. # والعقل دليله: يدله على مراشد الأمور، فيبصره عيبها، ويهديه لمحاسنها، ~~ويزجره عن مساوئها، وخلق الله العقل، فقال: # ((وعزتي! ما خلقت خلقا أحب إلي منك، فلا أكمنتك فيمن أحب، فبك آخذ، وبك ~~أعطي، وإياك أعاتب، ولك الثواب، وعليك العقاب)). PageV01P376 # وروي في الخبر: أن الله -تبارك اسمه- قال: ((يا موسى! إنما أجزي الناس على ~~قدر عقولهم)). # فقسم العقل بين خلقه على ما شاء من المقادير، فتفاوتت المقادير في ~~التفضيل، فأوفرهم حظا من العقل أبصرهم بالأمور، وهو نور مسكنه في الدماغ، ~~وتدبيره على القلب، كما أن الروح مسكنه في جوف القلب معلق بالوتين، ثم هو ~~متفرق في جميع الجسد قد اشتمل عليه. # والعمل قيمه، يكسب له المساكن والقصور والخدم في جنان الله، ويهيئ له في ~~معاشه طيب الحياة؛ فإن الله -تبارك وتعالى اسمه- قال: {من عمل صالحا من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم PageV01P377 ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}. # فالحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء في الآخرة، فالقيم من شأنه أن يتوكل ~~لك حتى يكفيك مهماتك. # والرفق أبوه: فالأب له تربية، ومع التربية عطف ومرحمة وشفقة، وتلطف له في ~~أموره للولد، فكذلك الرفق له عمل الأبوة، يحوطه، ويتلطف له في أموره، ويشفق ~~على ms0128 أحواله، ويعطف عليه بالرأفة، ويغذوه، والرفق كعشير، به تتأتى الأمور، ~~وبه يتصل بعضها ببعض، وبه يجتمع ما تشتت منه، فيأتلف ما تنافر وتبدد، ويرجع ~~إلى المأوى ما شذ، فكما كان الأب حاملا لأحوال ولده، جامعا له من وجوه ~~المكاسب، كذلك الرفق حاملا لأحوال المؤمن، جامعا له الخيرات والطاعات من ~~وجوه البر. # واللين أخوه: فأخو المرء معتمده من المخلوقين، فهو مستراحه، إذا أعيا أو ~~نصب، استند إليه، فاستراح، فكذلك اللين، هو مستراح PageV01P378 ~~المؤمن، يهدئ نفسه، ويطمئن قلبه، وتجد أركانه راحة ذلك، وحدته، وشدته، ~~وغضبه تعب بدنه، وعذاب نفسه، ونصب قلبه، وإنما يلين قلبه بهدوء نفسه، وإنما ~~تهدأ نفسه بموت شهواتها، وإنما تموت شهواتها بما أبصر قلبه بنور اليقين من ~~جلال الله، وعظمته، فصار كالدهن باللين، ومن غلظ قلبه، وفظ، واشتد، فمن ~~القسوة، وإنما يقسو قلبه من الغفلة عن الله، فإنما يلين القلب لما ترطب ~~بذكر الله، وقد قال جل جلاله: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله}. # وفي اللغة السائرة: قسا وعتا وعسا، يقسو ويعسو ويعتو، كلها قريبة المعنى، ~~يرجع المعنى إلى أنه يبس وكز، وضد ذلك: رطب فلان. # قال الله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك}. # فالفظاظة وغلظ القلب يفرق المجموع، ويبدد المؤتلف، واللطافة ورقة القلب ~~تجمع المتفرق، وتؤلف المتبدد، وإن القلب يلطف ويرق من النور وسببه: الرحمة، ~~ويفظ ويغلظ من حرارة الشهوات، وقوة الغذاء، والدم، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من شأنه المداومة على الحجامة إلى أن قبض -عليه الصلاة والسلام-. # وقال: ((ما مررت بملأ من الملائكة إلا أمروني بالحجامة، وقالوا PageV01P379 ~~لي: مر أمتك بالحجامة)). # معناه عندنا: لأنهم من بين الأمم أهل يقين، وإذا اشتعل نور اليقين في ~~القلب، ومعه حرارة الدم، أضر بالقلب، وبالطبع أيضا. # وكان مما يستعمل الحناء في رأسه، حتى روي في الأخبار عمن رآه من الوفود ~~والأعراب، ففشا عنهم في الأخبار أنه لا يخضب، فدفع ذلك أنس رحمه الله، ~~وقال: لم يشنه الشيب، وما خضب، ms0129 وإنما كان سبب الحناء: أنه كان يأتيه الوحي، ~~فيصدع، فمن أجل الصداع، كان يعالج بالحناء في رأسه، كي تخف حرارة رأسه، فإن ~~ذلك النور إذا هاج بورود الوحي، قوي. # وجدنا عن أنس -فيما قلنا- هذا الحرف الواحد: أنه كان يأتيه الوحي، فيصدع، ~~فيستعمل الحناء للصداع. # والصبر أمير جنوده: فالصبر هو ثبات القلب على عزمه، فإذا ثبت الأمير، ثبت ~~الجند لمحاربة العدو، وإذا جاءت النفس بشهواتها، فغلبت القلب حتى استعملت ~~الجوارح بما نهي عنه، فقد ذهب الصبر، وهو ذهاب العزم، فبقي القلب أسيرا ~~للنفس، واستولت عليه، فانهزم العقل، والحلم، والعلم، والرفق، واللين، وجميع ~~جنوده التي أعطي. PageV01P380 ### || AUTO الأصل الأربعون # 242 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا علي ابن عبد الحميد المعني من ~~ولد معن بن زائدة، عن نوح بن ذكوان الغنوي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ~~عائشة -رضي الله عنها-، عن جبيب بن الحارث، قال: أتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! إني رجل مقراف للذنوب، قال: ((يا جبيب بن ~~الحارث! فكلما أذنبت، فتب إلى الله)). قلت: ثم أعود يا رسول الله. قال: ~~((ثم تب إلى الله)). قلت: ثم أعود يا رسول الله. قال: ((ثم تب إلى الله)). ~~قلت: إذا يكثر يا رسول الله؟! قال: ((عفو الله أكثر من ذنوبك يا جبيب)). PageV01P381 # قال أبو عبد الله رحمه الله: فالتوبة للعبد مبسوطة حتى يعاين قابض الأرواح، ~~وهو عند غرغرته بالروح، وإنما يغرغر به، إذا قطع الوتين، فشخص من الصدر إلى ~~الحلق، فعندها المعاينة، وعندها حضور الموت؛ لأن الموت إنما يجيء به ملك ~~الموت الذي وكل به، فهو الذي يذيقه، ومن قبل ذلك، كان أعوانه يسوقون الروح، ~~وينزعونه من الجوارح والعروق. # قال الله -تبارك اسمه-: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر ~~أحدهم الموت قال إني تبت الآن}. # فحضور الموت إذا حضر ملك الموت، وإنما يحضر عند قطع الوتين، وغرغرة الصدر ~~والحلق بخروج الروح، فهناك يذيقه الموت حتى تطير الروح PageV01P382 ~~من رائحته، وتذهب معه الحياة، فليس ms0130 ذلك وقت توبة، فأما قبل حضور ملك الموت، ~~فالتوبة مبسوطة، وإن كان في السوق. # وباب التوبة مفتوح إلى طلوع الشمس من مغربها، فكلما أذنب العبد، ثم تاب، ~~فقد رجع إلى الله، ودواء الذنب: التوبة، وشفاء العبد منه إذا ماتت شهوة ذلك ~~الذنب منه. # فقوله: إذا يكثر يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عفو ~~الله أكثر من ذنوبك))؛ أي: فضل الله على العبد أكثر من نقصان العبد، فإنه ~~كلما أذنب، أبق من ربه، فكلما أبق، ازداد عيبا، وكلما ازداد عيبا، ازداد ~~نقصا في القدر والجاه، قال: ففضل الله على العبد أكثر من نقصانه؛ لأنه ~~يتفضل من كرمه ومجده، (فالعبد ينقص من لؤمه وفقره، فكلما ظهر نقص، تفضل ~~عليه بستر يستره حتى لا يبدو نقصه وعيبه، فإن كثرت ذنوبه، فستره أكثر من ~~ذنوب العبد، وإن كثر نقصه وعيبه، ففضله أكثر، وفضله على عبيده من جماله، ~~والعبد مع نقصه وعيبه يرجع إلى ربه، فربه بفضله وكرمه وجماله أولى بالرجوع ~~على عبده بأمله)). # ورجوع العبد إلى ربه من فضله، فكم من مذنب قد منعه من فضله، وحل به سخطه، ~~وحرم التوفيق والتوبة! PageV01P383 ### || AUTO الأصل الحادي والأربعون # 243 - حدثنا محمد بن الوزير الواسطي، قال: حدثنا إسحاق الأزرق، عن ~~الأعمش، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((الخوارج كلاب أهل النار)). # قال: الخوارج: قوم ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا، فهم الأخسرون أعمالا، الذين حبطت أعمالهم في الدنيا، فلا يقيم [الله] ~~لهم يوم القيامة وزنا، وذلك أنهم قد اجتهدوا، ودأبوا ونصبوا PageV01P385 ~~في العبادة، وفي قلوبهم زيغ، فمرقوا من الدين بما أغواهم شيطانهم. # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وصفهم، فقال: ((يقرؤون ~~القرآن، ويقيمونه إقامة القدح، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق ~~السهم من الرمية)). # ما زال بهم التعمق والتنطع حتى أكفروا الموحدين بذنب واحد، حتى صاروا ~~بذلك إلى الأنبياء؛ للزيغ الذي في قلوبهم، دخلوا فيما ms0131 لم يأذن الله به، ~~فقاسوا الدين برأيهم، وتأولوا التنزيل على غير وجهه، وفحصوا عن متشابه ~~القرآن، ولجوا فيه؛ ليعلموا ما ستر الله علمه عن العباد، وهم الذين وصفهم ~~الله في تنزيله فقال: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا}. # ثم ذكر فزع الراسخين إلى ربهم عندما رأوا خذلان الزائغين، فقالوا: {ربنا ~~لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}. # ولدن: كلمة عند العرب معناها: عند، وأن الرحمة التي خلقها مئة رحمة، فقسم ~~واحدة منها بين عباده، وادخر عنده تسعا وتسعين، ورحمته أوسع وأفضل من هذه ~~المئة التي خلقها، فسأله الراسخون في العلم رحمة من لدنه؛ أي: من عنده تكون ~~تلك الرحمة عصمة لهم من الزيغ الذي حل PageV01P386 ~~بالآخرين، فتهوكوا بعدما كانوا أبصروا، وخذلوا بعد ما كانوا أبدوا، حتى ~~صاروا كلاب النار. # قال أبو عبد الله رحمه الله: فهم كما وصفهم الله يتبعون ما تشابه (من ~~القرآن، يبتغون بها الفتنة)، حملوا الخاص على العام، والعام على الخاص، ~~وتمسكوا بآخر الآية، ولهوا عن أولها. # حتى قال قائلهم يوما لجابر بن عبد الله: أنت الذي تقول: يخرج الله من ~~النار قوما بعدما أدخلهم فيها؟ قال: نعم. سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. قال: فأين قول الله تعالى: {وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم}. # فقال جابر: انظر لمن هذا في مبتدأ الآية: {إن الذين كفروا لو أن لهم ما ~~في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ~~ولهم عذاب أليم. يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم}. # فالمؤمن يستر، والمؤمن يرحم، ويعطف، والمؤمن يحوط ويستغفر، ويتوقى أن ~~يلوم، ويعير، ويرجو له من الله المغفرة والرحمة، ويرجيه ويؤمله، وهذا ~~المفتون: يهتك، ويعير، ويؤنب، ويؤيس، ويقنط، ويكفر، فهذه أخلاق الكلاب، ~~وبفعلهم وبقولهم كلبوا على عباد ms0132 الله، ونظروا إليهم بعين البغضة والملامة، ~~فلما دخلوا النار، صاروا في هيئة أعمالهم كلابا، كما كانوا على الموحدين في ~~الدنيا كلابا. PageV01P387 # 244 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا مطر أبو عبد الرحمن، قال: سمعت أبا ~~العالية يقول: ما أدري أي النعمتين أفضل: أن هداني للإسلام، أو لم يجعلني ~~حروريا. # 245 - وعن صالح بن عبد الله، قال: حدثنا يوسف ابن عطية، عن أبي غالب، ~~قال: كنت بدمشق، فجيء برؤوس خوارج من العراق، فنصبت على درج المسجد، فبينما ~~أنا قائم، إذا بشيخ على حمار قصير، ينظر إليهم ويبكي، ويقول: كلاب النار، ~~كلاب النار، كلاب النار، فسألت عنه، فقالوا: هذا أبو أمامة الباهلي صاحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدنوت منه، فقلت: يا أبا أمامة! أراك تبكي ~~وتقول: كلاب النار؟! قال: رحمة لهم؛ لأنهم قد صلوا، وصاموا، وحجوا، ~~واعتمروا، ثم صاروا كلاب النار. قلت: هذا شيء تقوله، PageV01P388 ~~أم سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو ~~مرتين أو ثلاثا أو أربعا حتى بلغ عشر مرات، ما قلته. ولكن سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنه سيكون من أمتي قوم يقرؤون القرآن، لا تجاوز ~~قراءتهم تراقيهم، يعبدون الله عبادة، يحتقرون عبادة الناس في عبادتهم، ~~يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لا يعود فيه حتى يعود أعلاه ~~فوقه، هم شر الخلق والخليقة، ثم شر قتلى تحت أديم السماء، طوبى لمن قتلهم ~~أو قتلوه)). # 246 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا حشرج بن ~~نباتة، قال: حدثني سعيد بن جهمان، قال: أتيت عبد الله بن أبي أوفى، فسلمت ~~عليه، قال: ما فعل والدك؟ قلت: قتلته الأزارقة، قال: لعن الله الأزارقة ~~-ثلاثا-، حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم كلاب أهل النار، قلت: ~~الأزارقة PageV01P389 ~~وحدهم، أم الخوارج كلهم؟ قال: بل الخوارج كلهم، قلت: فإن السلطان يظلم ~~ويفعل بهم ويفعل، قال: فتناول يدي، فغمزها غمزا شديدا، وقال: ويحك يا بن ~~جهمان! عليك ms0133 بالسواد الأعظم؛ فإن كان السلطان يسمع منك، فأته فأخبره بما ~~تعلم، فإن قبل منك، وإلا فدعه، فلست بأعلم منه. # قال: والأزارقة: صنف من الخوارج، كان رئيسهم نافع بن الأزرق، وكان من ~~شأنه: أن يخاصم بتأويل القرآن في زمن ابن عباس رضي الله عنهما، فنسب تبعه ~~إليه، فقيل: الأزارقة. # وفي زمن علي رضي الله عنه، رئيسهم: ابن الكواء. # وفي زمن التابعين: نجدة الحروري، وهو من بقية أهل حروراء، الذين خرجوا ~~على علي رضي الله عنه. # وحروراء: قرية من قرى السواد. # 247 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: أخبرنا جعفر PageV01P390 ~~ابن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن كعب، ~~قال: للشهيد نوران، ولمن قتله الخوارج عشرة أنوار، ولجهنم سبعة أبواب، باب ~~منها للحرورية، ولقد خرجوا على داود عليه السلام في زمانه. # فيقال: فإنما خرجوا على داود لما رأوا من وهن الأمر، وضعفه، واشتغاله بما ~~ابتلي به، فخدعوا ابنه، وملكوه على أنفسهم، وخرجوا عليه. # 248 - حدثنا ابن أبي زائدة الهمداني، قال: حدثنا عثمان بن عمر البصري، ~~قال: حدثنا مالك بن مغول، عن جنيد، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لجهنم سبعة أبواب: باب منها لمن سل سيفه ~~على أمتي))، أو قال: ((أمة محمد صلى الله عليه وسلم)). PageV01P391 # 249 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثني يحيى ابن واضح، قال: حدثنا موسى بن ~~عبيدة، عن هود بن عطاء، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رجل يعجبنا تعبده واجتهاده، فذكرناه لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم باسمه، فلم يعرفه، ووصفناه بصفته، فلم يعرفه، فبينا نحن ~~نذكره، إذ طلع الرجل، فقلنا: هو هذا يا رسول الله! قال: ((إنكم لتخبروني عن ~~رجل على وجهه لسفعة من الشيطان)). قال: فأقبل حتى وقف على المجلس، فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنشدك الله، هل قلت حين وقفت على المجلس: ~~ما في المجلس أحد أفضل ms0134 مني، أو خير مني؟)). قال: اللهم نعم، ثم دخل يصلي. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يقتل الرجل؟)). قال أبو بكر رضي ~~الله عنه: أنا، فدخل، فوجده يصلي، فقال: سبحان الله! أقتل رجلا PageV01P392 ~~يصلي، وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب عنق المصلين! فخرج. ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مه؟))، قال: وجدته -بأبي أنت وأمي ~~يا رسول الله- يصلي، وقد نهيتنا عن ضرب المصلي. قال: ((من يقتل الرجل؟)). ~~قال عمر: أنا، فوجده ساجدا. قال: أأقتل رجلا واضعا وجهه لله، وقد رجع أبو ~~بكر، وهو أفضل مني؟! فخرج إليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((مه؟))، قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، صلى الله عليك وسلم، وجدته ~~ساجدا، فكرهت أن أقتله واضعا وجهه لله. قال: ((من يقتل الرجل؟)). قال علي: ~~أنا، قال: ((أنت إن أدركته، قتلته)). فوجده علي قد خرج، فجاءه فقال: وجدته ~~-بأبي أنت وأمي- قد خرج، قال: ((لو قتلته، ما اختلف من PageV01P393 ~~أمتي رجلان، كان أولهم وآخرهم واحدا)). # قال موسى: وأخبرني محمد القرظي: أنه هو الذي قتله علي رضي الله عنه بعد ~~يوم النهر: حرقوص ذو الثدية. # 250 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، عن موسى بن عبيدة، ~~عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، قال: وقف رجل على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو يقسم تبرا، فقال: يا محمد! اعدل، فرفع بصره إليه، فقال: ~~((ويلك! إذا لم أعدل فمن يعدل؟! يوشك مثل هذا يظهرون، PageV01P394 ~~يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، فإذا ظهروا، فاضربوا أعناقهم)). # 251 - حدثنا علقمة بن عمر [و] التميمي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن ~~عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يجيء ~~أقوام في آخر الزمان سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرؤون ~~القرآن لا يجاوز تراقيهم، فمن لقيهم، فليقتلهم؛ فإن فيه أجرا لمن قتلهم. PageV01P395 # قال: فالظاهر من قولهم وفعلهم يسبي النفوس؛ نفوس ms0135 الجهال والحمقى، والباطن ~~ظلمات بعضها فوق بعض؛ زيغ وكفر، وزندقة، وتشبيه من كل لون، قد لون الشيطان ~~في قلوبهم، فجعل أعمالهم يوم القيامة هباء منثورا. PageV01P396 ### | CHECK [المجلد الثاني] ### || AUTO الأصل الثاني والأربعون # 252 - حدثنا عمرو بن عبد الله بن حنش الأودي، قال: حدثني أبي، عن سفيان، ~~عن طلحة بن يحيى، عن عيسى بن طلحة، عن معاوية بن أبي سفيان، قال: قال رسول ~~الله: ((المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة)). # قال أبو عبد الله: المؤذنون هم دعاة إلى أمر الله، فزيدوا على الناس PageV02P005 ~~مرتبة بطول أعناقهم؛ ليشرفوا على الناس بأعناقهم، وهذا الطول عندنا في ~~شخصهم وخيالهم، فأما نفس الخلقة بحيث خلقها الله من جنس خلق أهل الجنة، ~~وإنما يراد من هذا الإشراف إشرافهم على الناس. # وإنما ذكر العنق للمقدار؛ لأن هناك طبقة أعلى منهم، فزيدوا في القامة ~~كلها، لا في العنق فقط، فذكر المؤذنين بمقدار على حسب مرتبتهم، فقيل: ~~العنق، ولم يقل: أطول الناس قامة، وهذا في الخيال والشخص. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصف في هذه الحياة الدنيا بصفة تدل ~~على صحة ما قلنا، وأنه كان إذا مشى، فربما اكتنفه رجلان طويلان، فيمشي هو ~~بينهما، فيطولهما، فإذا مشى وحده نسب إلى الربعة. # وروي عن علي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~بقصير، ولا طويل، فإذا جاء مع الناس، غمرهم. # 253 - (قال: حدثنا بذلك يحيى بن سليمان بن أبي PageV02P006 ~~فضالة الخزاعي المدني، قال: حدثنا) حزام بن هشام الخزاعي، عن أبيه، عن جده، ~~عن أم معبد في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: كان أنظر الثلاثة منظرا. # قال: كأن معناها فيما وصفت: أنه إذا كان بين اثنين، فهو أنظرهم، وهو ~~الثالث، فهذا حال الرسول في الدنيا في الخيال والشخص على أعين الناظرين ~~(خيالهم وشخصهم أطول الناس، فقدر لهم من البدن مقدارا، فقيل: أعناقهم، وهم ~~الدعاة إلى أمر الله؛ لأنهم يدعون إلى الصلاة، وإن كانوا يسمون: دعاة إلى ~~الله في بعض الأحوال، فالدعاة إلى ms0136 الله لهم مرتبة أعلى) من هذا، فهذا وجه. # ووجه آخر: أنهم أطول الناس أعناقا بمد أعينهم إلى عظيم ما يأملون من ~~الثواب، فإنهم كانوا يدعون إلى أمر الله في كل يوم وليلة خمس مرات، ومد PageV02P007 ~~العين إلى الشيء تأميلا يشرف بالعنق، فهذا للدعاة إلى أمر الله، فكيف ~~الدعاة إلى الله؟ فهم أطول الناس قامة، فالأنبياء والأولياء هم الدعاة إلى الله. # ألا ترى إلى ما ذكرنا من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقامته في ~~الدنيا، وما كان يرى الناظرون إليه من طوله، وهو من الرجال ربعة، فرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأس الدعاة إلى الله عز وجل، فكانت هذه صفته في ~~شأن القامة، فإذا كان يوم القيامة، ووصلت الأنبياء والأولياء إلى كرامة ~~الله، كانت قامتهم على حسب درجاتهم في الموقف إذا أتوها حتى يصدروا عن ~~الموقف إلى الجنة، فيعطون قامة أهل الجنة. # ومما يحقق ما قلنا في طول القامة للأولياء بعد الأنبياء على درجاتهم: # 254 - ما حدثنا به صالح بن عبد الله، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي ~~البختري، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((أحشر أنا وأبو بكر وعمر هكذا، ونحن مشرفون على ~~الناس))، وأرانا أبو بكر السبابة والوسطى والبنصر. PageV02P008 # فإشراف أبي بكر وعمر على الناس لطول قامتهم، فكانوا رؤوس الدعاة إلى الله ~~عز وجل، أحدهما صديق، والآخر فاروق، أفلا ترى أنه جعل في هذا الحديث ~~لإشرافهم على الناس درجات، فقال: ((أحشر أنا وأبو بكر وعمر هكذا))، فأشار ~~بالسبابة والوسطى والبنصر. # فكانت سبابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أطول من الوسطى، والوسطى أطول ~~من البنصر، وليس كما يعرف من القامة أن سبابتهم أقصر من الوسطى، فإنما أشار ~~بأصابعه الثلاث، وذكر إشرافهم على الناس كافة يدل على قامته كسبابته من ~~وسطاه، ثم يدل على قامة أبي بكر كوسطاه على بنصره، ثم يدل على قامة عمر ~~كبنصره من وسطاه ومن سبابته، ثم الخلق ms0137 من بعده في شأن القامة كالخنصر في ~~قصره من الأصابع، وسكت عن ذكرهم. # فأما شأن سبابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطوله على الأصابع، # 255 - فحدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا عبد الرحمن ابن خالد الرقي، قال: ~~حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا عبد الله بن مقسم الطائفي، قال: حدثتني ~~عمتي سارة بنت مقسم: أنها سمعت ميمونة بنت كردم تقول: خرجت في حجة حجها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~راحلته، PageV02P009 ~~ودنا إليه أبي فسأله، ولقد رأيتني أتعجب من طول إصبعه التي تلي الإبهام على ~~سائر أصابعه، قالت: فحدثني أبي أنه قال: ذكرت ذلك لعبد الله بن الحسن، ~~فقال: نعم، كذلك كانت أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال أبو عبد الله: هو يزيد بن مقسم، وعمته سارة بنت مقسم، فنسب إلى جده. # 256 - قال: كذلك أخبرنا به أبي، عن الحسن الحلواني، عن يزيد بن هارون، عن ~~عبد الله بن يزيد بن مقسم، عن عمته، عن ميمونة. PageV02P010 # ومما يحقق ما قلنا: # ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((يحشر المتكبرون ~~يوم القيامة في صورة الذر، تطؤهم الناس تحت أقدامهم)). # قال: فالمتكبرون الذين تكبروا على الله، فلم يوحدوه، وقال في تنزيله: ~~{إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون}، فقامتهم قامة الذر يوم ~~القيامة، فكل من كان أشد تكبرا، كان أقصر قامة، وعلى هذا السبيل، وكل من ~~كان أشد تواضعا لله، فهو أشرف قامة على الخلق. PageV02P011 ### || AUTO الأصل الثالث والأربعون # 257 - حدثنا عمرو بن عبد الله بن حنش الأودي، قال: حدثنا إسماعيل بن محمد ~~الطلحي، عن داود بن عطاء المدني، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن سعيد ابن ~~المسيب، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أول من ~~يصافحه الحق: عمر، وأول من يسلم عليه، وأول من يأخذ بيده، فيدخله الجنة)). PageV02P013 # قال أبو عبد الله: فالرحمة والحق لهما شأن ms0138 في الموقف يومئذ، الحق يقتضي ~~الخلق عبودته، والرحمة تشتمل على من وفى بالعبودة له، فتصير وقايته من جميع ~~هول ذلك اليوم ووباله، فمن طالبه الحق بالعبودة، ولم تدركه الرحمة، فقد ~~هلك، (ومن طالبه الحق بالعبودة، فوجده قد وفى، نجا بلا حساب ولا عذاب، وهو ~~المسلم)، ومن طالبه الحق بالعبودة، فوجده لم يف بشيء منها، فقد هلك، وهو ~~الكافر، ومن طالبه الحق بالعبودة، فوجده وفى ببعضها، وضيع بعضها، ثم تاب، ~~أنقذته الرحمة بالتوبة، ومن وجده لم يتب، فهو موقوف على هول عظيم، وعذاب ~~شديد إلى حلول الرحمة به، فتأخذه من الحق بعد أن ينتقم الحق منه مليا، وهو ~~الظالم. # فكان من شأن عمر رضي الله عنه القيام بالحق، فكان الغالب على قلبه عظمة ~~الله وجلاله، وهيبته، فكان الحق معتمله حتى يقوم بأمر الله، ويحاسب PageV02P014 ~~نفسه وسائر الخلق على الذرة والخردلة في السر والعلانية، وهو الوفاء بما ~~قلد الله الخلق من رعاية هذا الدين الذي ارتضاه لهم، وهو الإسلام، فكأنه ~~خلق عزا للإسلام. # وبذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ((اللهم أعز الدين بعمر ~~بن الخطاب، أو بعمرو بن هشام)). # 258 - حدثنا عبد الله بن عبيد الله بن إسحاق بن محمد ابن عمران الطلحي ~~المدني، قال: حدثني أبي عبيد الله بن إسحاق، قال: سمع أبي من عبد الله بن ~~محمد بن عمران ابن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبد الله، قال: حدثني أبي ~~محمد بن عمران، عن القاسم بن محمد عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: دعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب، وأبي جهل بن هشام، فأصبح ~~عمر، وكانت الدعوة يوم الأربعاء، وهم تسعة وثلاثون رجلا، فأسلم عمر يوم PageV02P015 ~~الخميس، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى ~~مكة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مختفيا في دار الأرقم بن أبي ~~الأرقم، فأظهر الإسلام، وطاف بالبيت، وعمر متقلد السيف حتى صلى الظهر معلنا. # قال أبو عبد الله: فهذا بدو ms0139 أمره صلى الله عليه وسلم، وكان كما قالت ~~عائشة -رضي الله عنها-: ((كان أحوذيا نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها)). # ومما يحقق ما قلنا من شأنه: # 259 - ما حدثنا به حسين بن حسن المروزي بمكة، قال: حدثنا إبراهيم بن ~~رستم، عن يعقوب القمي، عن جعفر ابن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه: ((أن جبريل جاء إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال: ~~يا محمد! أقرئ PageV02P016 ~~عمر السلام، وأخبره: أن غضبه عز، ورضاه عدل)). # 260 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا يوسف بن واقد الرازي، قال: حدثنا ~~يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((يا عمر! إن غضبك عز، ورضاك حكم)). PageV02P017 # قال أبو عبد الله: فاللفظان يرجعان إلى معنى واحد، وذلك أن كل من كان سلطان ~~قلبه الحق، فغضبه للحق عز للدين، ورضاه عدل؛ لأن الحق هو عدل الله، فرضاه ~~بالحق عدل منه على أهل ملته. # وقوله: ((رضاه حكم)): إذا رضي عمر، فكأن الحق قد رضي؛ فإن الخصومة والطلب ~~يوم القيامة للحق، فمن أخذه، فأخذه حكم، ليس لأحد من الملائكة، ولا للرسل ~~معارضة، فمن كان الحق مستوليا على قلبه، فهو على هذه الصفة إذا غضب، غضب ~~للحق، وإذا رضي، رضي من أجل الحق، فلذلك [كان] غضبه للحق عزا، ورضاه حكما ~~وعدلا؛ لأن الغالب على قلب عمر رضي الله عنه الحق، ونوره، وسلطانه. # ومما يحقق ذلك من شأنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أرحم ~~أمتي بأمتي: أبو بكر، وأقواهم في دين الله: عمر)). PageV02P018 # فإنما القوة من أجل أن على القلب سلطانه. # فكان أبو بكر من شأنه القيام براعية تدبير الله، ومراقبة صنعه في الأمور ~~والأشياء، حتى يدور مع الله في تدبيره، وكان مستعملا بالتدبير، وعمر ~~مستعملا بالحق، فمن شأن أبي بكر العطف، والرحمة، والرأفة، واللين. ومن شأن ~~عمر الشدة، والقوة، والصلابة، والصرامة. # فلذلك شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0140 في حديثه: أبا بكر بإبراهيم من ~~الرسل، وبميكائيل من الملائكة، وشبه عمر بنوح من الرسل، وبجبرائيل من ~~الملائكة، فابتدأ الله المؤمنين بالرحمة، ورزقهم الإيمان، ثم اقتضاهم حقه، ~~فشرع لهم الشريعة، واستهداهم القيام بذلك، فمن وفى له بالقيام بذلك، فقد ~~أرضى الحق. # فأبو بكر مع المبتدأ، وهو الإيمان، وعمر مع الذي يتلوه، وهو الحق، وهو ~~الشريعة؛ لأن من حق الله على عباده: أن يوحدوه، فإذا وحدوه، فمن حقه عليهم، ~~أن يعبدوه بما أمرهم به، ونهاهم عنه. # ولذلك: # ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((أمرت أن أؤول الرؤيا ~~على أبي بكر، وأمرت أن أقرأ القرآن على عمر)). PageV02P019 # 261 - فحدثنا بذلك محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا بذلك محمد بن عثمان التنوخي ~~الدمشقي، قال: حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # لأن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، والقرآن بيان حقوقه، ولذلك قيل لأبي ~~بكر: صديق؛ لأنه صدق بالإيمان بكمال الصدق. # وقيل لعمر: فاروق؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، واسماهما دليلان على ~~مراتبهما من الله بالقلوب، وشأن درجتيهما: في الأخبار متواترة، يكشف لك عن ~~شأن درجتيهما: أن مجرى هذا مجرى صدق الإيمان، ومجرى عمر مجرى وفاء الحق، ~~وكيف ما دار الحق على العباد يوم الموقف باقتضاء أمر الله، وخاصمهم، وحبسهم ~~على النار، فانتقم منهم بالنار، فالعاقبة للرحمة؛ لأن الرحمة لا تترك أحدا ~~قال: لا إله PageV02P020 ~~إلا الله مرة واحدة في دار الدنيا، في جميع عمره، صدقا من قلبه، ثم لم يوجد ~~له مثقال خردلة من خير، إلا وتأخذه من النار، ولو بعد مقدار عمر الدنيا. # وكذلك: جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الشفاعة: ((إذا انقضت ~~شفاعة الرسل، والملائكة، والأنبياء، والمؤمنين، جاء محمد صلى الله عليه ~~وسلم شافعا في المرة الرابعة، فيسأل عمن قال: لا إله إلا الله، فيقول الله ~~تعالى: إنها ليست لك، ولا لأحد من خلقي، فتجيء الرحمة من وراء الحجاب، ~~فتقول: يا رب! منك بدأت، وإليك أعود، فشفعني ms0141 فيمن قال: لا إله إلا الله مرة ~~واحدة، فتجاب إلى ذلك)). # فإنما أعطاهم قول لا إله إلا الله بالرحمة، ثم لم تتركهم تلك الرحمة حتى ~~تأخذهم من الحق، وانتقامه منهم بالنار. # فأما ما ذكرنا من شأن درجتي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وكشف ذلك من ~~الأخبار المتواترة عن درجتيهما: # 262 - فحدثنا أبي، قال: حدثنا علي بن محمد، PageV02P021 ~~عن منصور بن أبي الأسود، عن كثير بن إسماعيل، عن صفوان، عن قبيصة الأحمسي، ~~عن أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: سمعت عليا على المنبر يقول: إن ~~أبا بكر أواه منيب القلب، وإن عمر ناصح الله، فناصحه الله. # 263 - وعن مؤمل بن هشام، قال: حدثنا إسماعيل ابن إبراهيم، عن سلمة بن ~~علقمة، عن ابن سيرين: أن أبا بكر كان إذا صلى، فقرأ، خفض صوته. وكان عمر ~~إذا قرأ، جهر، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي PageV02P022 ~~ربي، وقد علم حاجتي، قيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد ~~الشيطان، وأوقظ الوسنان. قيل: أحسنت، فلما نزلت: {ولا تجهر بصلاتك ولا ~~تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا}، فقيل لأبي بكر: ارفع شيئا، وقيل لعمر: ~~اخفض شيئا. # 264 - حدثنا محمد بن علي الشقيقي، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا الحسين ~~بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، قال: سمعت أبي يقول: خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~جاءت جارية سوداء، فقالت: يا نبي الله! كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب ~~بين يديك بالدف، فقال: ((إن كنت نذرت أن تضربي، وإلا فلا))، PageV02P023 ~~فدخل أبو بكر رضي الله عنه وهي تضرب، ثم دخل علي رضي الله عنه وهي تضرب، ثم ~~دخل عثمان رضي الله عنه وهي تضرب، ثم دخل عمر رضي الله عنه، فألقت الدف ~~تحتها، ثم قعدت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان ~~ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا، وهي تضرب، فدخل أبو بكر، وهي ms0142 تضرب، ثم ~~دخل علي، وهي تضرب، ثم دخل عثمان، وهي تضرب، فلما دخلت أنت، ألقت الدف)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: فلا يظن ذو عقل ولب: أن عمر أفضل من أبي بكر ~~في هذا، وأبو بكر شبيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ممن جمع الأمرين والدرجتين، فله درجة النبوة، ولا ~~يلحقه أحد، وأبو بكر له درجة الرحمة، وعمر له درجة الحق. # 265 - حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج، قال: حدثنا ابن إدريس، عن أبي إسحاق ~~الشيباني، عن أبي بكر بن PageV02P024 ~~أبي موسى، عن الأسود بن هلال، قال: قال أبو بكر لأصحابه ذات يوم: ما ترون ~~في هاتين الآيتين: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا}، وقوله: {الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانكم بظلم}؟ قالوا: استقاموا، فلم يذنبوا، ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم؛ أي: بذنب. قال: لقد حملتموها على غير المحمل. إن الذين قالوا ~~ربنا الله، ثم استقاموا، فلم يلتفتوا إلى غيره، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم؛ ~~أي: بشرك. # 266 - حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن الحسن، PageV02P025 ~~عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري: أن عمر تلا هذه الآية: {إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا}، قال: استقاموا -والله- لله بطاعته، ثم لم ~~يروغوا روغان الثعالب. # 267 - حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا أيوب ابن مدرك، قال: سمعت مكحولا ~~-رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم-، قال: كان بين رجل من ~~المنافقين، ورجل من المسلمين منازعة في شيء ادعاه المنافق، فأتيا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقصا عليه قصتهما، فلما توجه القضاء على المنافق، قال ~~المنافق: يا رسول الله! ارفعني وإياه إلى أبي بكر، قال: ((انطلق معه إلى ~~أبي بكر)). فانطلق معه، فقصا قصتهما على أبي بكر، فقال: ما كنت لأقضي بين من رغب PageV02P026 ~~عن قضاء الله وقضاء رسوله، فرجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~يا نبي الله! ادفعني وإياه إلى عمر، فقال: ((انطلق معه إلى عمر))، فقال: ms0143 يا ~~نبي الله! أنطلق مع رجل إلى عمر وقد رغب عن قضاء الله، وقضاء رسوله، فقال: ~~((انطلق معه))، فخرجا حتى أتيا عمر، فقصا عليه قصتهما، فقال عمر رضي الله ~~عنه: لا تعجلا حتى أخرج إليكما، فدخل، فاشتمل على السيف، فخرج إليهما، ~~فقال: أعيدا علي قصتكما، فأعادا، فلما تبين لعمر: أن المنافق قد رغب عن ~~قضاء الله وقضاء رسوله، حمل السيف على ذؤابة المنافق حتى خالط كبده، ثم ~~قال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله، وقضاء رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد! إن عمر قد قتل ~~الرجل، وفرق الله بين الحق والباطل على لسان عمر)). # فسمي الفاروق. # وإنما يلزم اسم الصديق من أقام الصدق في أموره كلها، وإنما يلزم PageV02P027 ~~الفاروق من أقام الحق في أموره كلها، ولو كان في بعضها؛ لكان هذا صادقا، ~~وذلك فارقا، من العربية في قالب فاعل، فصار هذا في قالب فعيل، وذلك في قالب فاعول. # وعند أهل اللغة معروف: أن فعيلا وفاعولا هو الذي تمكن ذلك الأمر فيه، ~~فصار له عادة، فعند ذلك يقال له: فعيل، وعند ذلك يقال له: فاعول، وفي المرة ~~والمرتين لا يقال له ذلك، إنما يقال له: فاعل، حتى يصير له ذلك الأمر عادة ~~وطبعا، فعند ذلك يقال له: فعيل، وفاعول. PageV02P028 ### || AUTO الأصل الرابع والأربعون # 268 - حدثنا الحسين بن علي العجلي الكوفي، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: ~~حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حدثتم عني بحديث تعرفونه ولا تنكرونه، ~~قلته أو لم أقله، فصدقوا به؛ فإني أقول ما يعرف ولا ينكر، وإذا حدثتم عني ~~بحديث تنكرونه ولا تعرفونه، فكذبوا به؛ فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف)). PageV02P029 # قال أبو عبد الله رحمه الله: فالرسل بعثت إلى الخلق بحمل الأمور، ومعرفة ~~التدبير في الأمور، وكيف ولم، وكنه الأمور عندهم مكنون، قد أفشى الله من ~~ذلك ms0144 إلى الرسل من غيبه ما لا تحتمله عقول من دونهم، وبفضل النبوة قدروا على ~~احتماله. # فالعلم إنما بدأ من عند الله إلى الرسل، ثم من الرسل إلى الخلق، فالعلم ~~بمنزلة البحر، فأجري منه واد، ثم أجري من الوادي نهر، ثم أجري من النهر ~~جدول، ثم من الجدول إلى ساقية، فلو أجري إلى الجدول ذلك الوادي، لغرقه، ~~وأفسده، ولو مال البحر على الوادي، لأفسده، وهو قوله في تنزيله: {أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها}. # فبحور العلم عند الله، فأعطى الرسل منها أودية، ثم أعطت الرسل PageV02P030 ~~من أوديتهم أنهارا إلى العلماء، ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغارا ~~على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة إلى سواقيهم من أهاليهم وأولادهم ومماليكهم ~~بقدر طاقة تلك السواقي. # ومن هاهنا: # ما روي في الخبر: أن لله سرا، لو أفشاه، لفسد التدبير، وللأنبياء سرا، لو ~~أفشوه، لفسدت نبوتهم، وللملوك سرا، لو أفشوه، لفسد ملكهم، وللعلماء سرا، لو ~~أفشوه، لفسد علمهم. # وإنما يفسد ذلك؛ لأن العقول لا تحتمله، فلما زيدت الأنبياء في عقولهم، ~~قدروا على احتمال النبوة، وزيدت العلماء في عقولهم، وبذلك نالوا العلم، ~~فقدروا على احتمال ما عجزت العامة عنه. # وكذلك علماء الباطن، وهم الحكماء زيدت في عقولهم، فقدروا على احتمال ما ~~عجزت عنه علماء الظاهر، ألا ترى أن كثيرا من علماء الظاهر دفعوا أن تنقطع ~~الوسوسة من الآدمي في صلاته، ودفعوا أن يكون له مشي على الماء، أو تطوى له ~~الأرض، أو يهيأ له رزق من غير وجود الآدميين، حتى أنكروا عامة هذه الروايات ~~التي جاءت في مثل هذه الأشياء، فلو عقلوا، لقالوا مثل ما قال مطرف بن عبد ~~الله حين سار ليلة مع صاحب PageV02P031 ~~له، فأضاء له طرف عصاه كالسراج معه، فقال له صاحبه: # لو حدثنا بهذا، كذبنا، فقال مطرف: المكذب بنعم الله يكذب بهذا. # فلو نظر علماء الظاهر إلى ما أعطاهم الله فأبصروه؛ لاستحيوا من مقالتهم ~~ودفعهم هذه الأشياء، ولكن لم ينظروا إلى ما أعطاهم الله من نعمه من عبد ~~يرزقه الله معرفته، ms0145 وهو أعظم في السماوات والأرض، فلا تستعظمه، (فإذا رزقه ~~دستجة من جزر في برية من الأرض، أو رغيفا، تعجب به، واستعظمه)، وقال: من ~~أين هذا؟ ألا يرجع إلى نفسه فيقول: هذا الذي أعطاني مما هو أثقل من سبع ~~سماوات، وسبع أرضين، فجعل له قرارا على قلبي، وأنطق بتعبيرها لساني من أين ~~هذا؟ أهو لأنك أعطيت هذا العطاء الجليل، فلم ترعه حق رعايته، ولم تشكر ~~المعطي، وسهوت ولهوت، وتبطلت، وبقيت في صورة الكفور للنعمة، مقبلا على ~~الدنيا. # والذي انتبه لما أعطي، فانكشف غطاء قلبه، رعى ما أعطي، وعز عليه أن يدنس ~~خلعة الله التي خلع على قلبه، كما عز عليك أن تدنس PageV02P032 ~~خلعة الملوك في دار الدنيا، فلو أن ملكا خلع على أحدهم من هذه الثياب ~~المرتفعة من الخزوز وما أشبهها؛ لوقاه أن يتخذه بذلة أو مهنة، لكن يصونه ~~ويستره ويلبسه في الأعياد، فكيف بالخلعة التي خلعها رب العالمين على قلوب ~~الموحدين. فاشتعل في قلوبهم نور التوحيد حتى عرفوه، وآمنوا به، وأشرقت ~~صدورهم، ونزع عنها ظلمة الكفر، وخلعها عنهم، وخلع عليهم لباس التقوى، ثم ~~قال في تنزيله: {ذلك خير ذلك من آيات الله}. # فيصير ذلك وقاية لهم يوم ممرهم على النار حتى لا تصيبهم النار، فسمي لباس ~~التقوى، وهو مشتق من الوقاية. # وقال: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم}، فهو ذلك النور، ثم قال: {حبب ~~إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون. فضلا من الله ونعمة}، ثم قال: {والله عليم حكيم}. # عليم: بما أعطى، من هو من عباده، ومن أي طينة خلقه. حكيم: في أمره ~~بالحكمة، فعل هذا لا بالجزاف، {وهو أعلم بكم إذ أنشأكم من PageV02P033 ~~الأرض}؛ حيث كنتم ترابا {وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم}. # فمن انتبه لهذه النعمة، ولهذا الفضل الذي أعطاه رب العالمين، لا يستعظم ~~أن تطوى له الأرض، أو يعطى له رغيف في برية، وهو الذي يقول في تنزيله: ~~{ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله}. # قال: الشفاعة يوم القيامة، ms0146 فرجل شفع يوم القيامة في أهل النار، وصار ممن ~~يجوز قوله بين يدي رب العزة في ذلك الموقف، إن أعطاه في الدنيا رغيفا في ~~مفازة من حيث لا يقدر عليه، ماذا يكون فيه حتى ينكر هذا، وما يخرج إنكار ~~هذا إلا من قوم جهلوا صنع الله وتدبيره في خلقه، ولم يتبين لهم كرامة الله إياهم. # وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لو عرفتم الله حق ~~معرفته، لزالت بدعائكم الجبال)). # فعلماء الظاهر عرفوا الله، ولكن لم ينالوا حق المعرفة، فلذلك PageV02P034 ~~عجزوا عن هذه المرتبة، ودفعوا أن يكون هذا لأحد كائنا، ولو عرفوه حق ~~المعرفة، لماتت عنهم شهوات الدنيا، وحب الرئاسة، والشح على الدنيا، ~~والتنافس في أحوالها، فطلبوا العز وحب الثناء والمحمدة، ترى أحدهم قد بقي ~~سمعه مصغيا إلى ما يقول الناس له وفيه، وعينه شاخصة إلى ما ينظر الناس إليه ~~منه، وقد عميت عيناه عن النظر إلى صنع الله وتدبيره؛ فإن الله {كل يوم هو ~~في شأن}، وقد صم سمعه عن مواعظ الله، يقرأ القرآن، ولا يلتذ به، ولا يجد له ~~حلاوة، كأنه إنما عنى بذلك غيره، فكيف يلتذ بما كلم به غيره، وإنما صار ~~كذلك؛ لأن الله تعالى إنما خاطب أولي العقول والبصائر والألباب، فمن ذهب ~~عقله وبصيرته ولبه في شأن نفسه ودنياه، كيف يفهم كلام رب العالمين، ويلتذ ~~به، ويجلو بصره، وهو يرى صفة غيره، وإنما وقع البر واللطف على أهل تلك ~~الصفة، وإياهم خاطب. # (وقد تبدلت صفة هذا وقعنا في واد عريض مما كنا فيه، فلا نقدر أن نستقصي ~~صفة ذلك، ولا يفرغ ما في صدورنا إلى يوم القيامة بين يدي رب العالمين، ~~وإنما خاطب الله بما خاطب من هذه اللطائف في تنزيله لذوي PageV02P035 ~~العقول منهم، لا الأبدان، فإذا ذهبت العقول، ضاعت المخاطبة، فإذا ردوا ~~العقول إلى الله منيبين إليه، أدركتهم مخاطبته، فلذوا بلطائفه)). # عدنا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: ((إذا حدثتم عني ~~بحديث تعرفونه ولا تنكرونه، قلته ms0147 أو لم أقله، فصدقوا به؛ فإني أقول ما يعرف ~~ولا ينكر، وإذا حدثتم عني بحديث تنكرونه ولا تعرفونه، فكذبوا به؛ فإني لا ~~أقول ما ينكر ولا يعرف)). # فمن تكلم بعد الرسول بشيء من الحق، وعلى سبيل الهدى، فالرسول سابق إلى ~~ذلك القول، وإن لم يكن تكلم بذلك اللفظ الذي أتى به من بعده، فقد أتى ~~الرسول بأصله مجملا، فلذلك قال: ((فصدقوا به، قلته أو لم أقله))، وإن لم ~~أقله بذلك اللفظ الذي تحدث به عني، فقد قلته؛ إذ جئت بالأصل، والأصل يؤدي ~~إلى الفرع، فجاء الرسول بالأصل، ثم تكلم أصحابه والتابعون من بعده بالفروع، ~~فإذا كان الكلام معروفا عند أهل التحقيق، غير منكر، فهو قول الرسول، قاله ~~أو لم يقله، يجب علينا تصديقه؛ لأن الأصل قد قاله الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، وأعطاناه، وإنما قال ذلك لأصحابه الذين قد عرفهم بالحق، فإنما يعرف ~~الحق المحق، وهم أولو الألباب والبصائر، فأما المخلط المكب على شهوات ~~الدنيا، المحجوب عقله عن الله، فليس هو المعني بهذا؛ لأن صدره مظلم، فكيف ~~يعرف الحق، وإنما شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((إذا جاءكم عني ~~حديث تعرفونه ولا تنكرونه)). PageV02P036 # فإنما يعرف، وتنكر العقول التي لها إلى الله سبيل، يصل إلى الله، فنور ~~الله: سراجه، والعقل: بصيرته، والحق: جنيبته، والسكينة: طبائعه، فيرجع إلى ~~خلقه، فالحق عنده أبلج، يضيء في قلبه كضوء السراج يقينا وعلما به كما قال ~~ربيع بن خثيم: # 269 - حدثنا به أبي رحمه الله، قال: حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن أبيه، ~~عن ربيع بن خثيم، قال: إن على الحق نورا وضوءا كضوء النهار تعرفه، وعلى ~~الباطل ظلمة كظلمة الليل تنكره. # فالمحققون هكذا صفتهم، يعرفون الحق والباطل. # هكذا كما وصفه الربيع بن خثيم، وكذلك وعد الله المتقين فقال: {يأيها ~~الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا}. # فقال أهل التفسير: (مخرجا)؛ أي: من الشهوات والظلمات. # وأما محض التفسير، فالمخرج أن يجعل له نورا في قلبه، يفرق بين PageV02P037 ~~الحق والباطل، حتى يكون له مخرجا ms0148 من ظلمة الجهل، وشبهات الدنيا؛ فإن الجهل ~~مظلم، والدنيا تزين على الآدمي بشهوتها التي في جوفه، فتشبه عليه حتى ~~تخدعه، فبتقواه من هذه الأشياء يجعل له فرقانا، وهو النور الذي يفرق به بين ~~الحق والباطل، هذا ثواب التقوى في عاجل دنياه، وثوابه في الآخرة قربه، ~~وكرامته، ورفعة درجته. # قال له قائل: فإن كان النظر في معرفة الحق من الباطل إلى القلب، فما ~~الحاجة بنا إلى هذه الآثار؟ # قال: بنا إليها من الحاجة ما لا يستغنى عنها، وقد سألت عن مسألة لها، ~~فتفهم؛ فإني أريد أن أستقصي في جوابها لك على الاختصار والإيجاز، إن الله ~~-تبارك اسمه- أكرم هذا المؤمن بمعرفته، فآمن به، واطمأن إليه، فوفر عقله، ~~وأنار قلبه، وأشرق صدره، فالحق نور، وعلى قلب المؤمن نور يتقد من قلبه على ~~قلبه في صدره، فإذا عرض أمر هو لله حق، ووقع ذكره في الصدر على القلب، ~~فالتقى نوره ونور القلب، امتزجا وائتلفا، فاطمأن القلب بما فيه، وسكن، وقد ~~علمت أنه الحق، وإذا عرض باطل، فوقع ذكره في الصدر على القلب، وللباطل ~~ظلمة، التقت الظلمة ونور الحق، فيفر النور، ولم يمتزج معه، فاضطرب القلب؛ ~~لولوج الباطل. PageV02P038 # فهذا أمر واضح قد اتخذه الله حجة على عباده أن جعل على الحق نورا، وفي ~~القلب نورا، فلا يحتاج إلى استشهاد أهل الظاهر، فهذا علم وأمر لا يغيب عنه ~~طرفة عين، يكون معه حيثما كان، فهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 270 - حدثنا بذلك عبد الأعلى بن واصل الأسدي، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب، ~~عن حماد، عن محمد ابن عبد الله الأسدي، عن وابصة بن معبد، قال: قال لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((جئت تسأل عن البر والإثم: استفت قلبك، البر: ما ~~اطمأنت إليه النفس والقلب، والإثم: ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن ~~أفتاك الناس)). # قال: فإنما ذكر طمأنينة النفس مع القلب؛ ليعلم أن هذه نفوس قد PageV02P039 ~~ماتت منها الشهوات، وقاربت القلب في الصدر في العبودة، ولو كانت نفس ~~شهوانية بطالة ms0149 لم تستحق أن ينظر إلى ما يحيك فيها، وإلى ما يطمئن، فالنفوس ~~البطالة تطمئن إلى الجهل، ولا يحيك فيها الحق، والخير، ويستقر فيها الشر ~~والباطل. # ولكن لما ذكر النفس، فقال: ((البر ما اطمأن القلب والنفس إليه))، علمنا ~~أنه عنى هذه النفوس التي راضها أهلها، وأدبوها حتى قارنت القلب في سعيها ~~وصدقها. # 271 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا زافر ابن سليمان، عن عثمان بن ~~عطاء، عن أبيه، قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله! أفتنا بأشياء إن ابتلينا بالبقاء بعدك. فقال له: ((تفتيك نفسك)). ~~فقال: وكيف تفتيني نفسي؟ قال: ((ضع يدك على صدرك، فإنه يسكن للحلال، ويضطرب ~~من الحرام، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن أفتاك المفتون، إن المؤمن يذر ~~الصغير مخافة أن يقع في الكبير)). PageV02P040 # 272 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا إدريس، عن شعبة، عن بريد بن أبي ~~مريم الكوفي، عن أبي الحوراء، عن الحسن بن علي رضي الله عنهما، قال: سمعت ~~جدي صلى الله عليه وسلم يقول: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق ~~طمأنينة، والكذب ريبة)). # والحلال بين، والحرام بين، قد بين الله في تنزيله، فما أحل وحرم PageV02P041 ~~هو الحق، وعليه النور، وبين الحلال والحرام شبهات، فذلك الذي يسكن إليه ~~القلب ويضطرب، فما سكن عليه القلب، فهو لاحق بالحلال، وما نفر عنه القلب، ~~فهو لاحق بالحرام. # هذا عند المحققين الذين وصفناهم بطهارة القلب، ونور اليقين في صدورهم، ~~فكل ذكر في صدورهم مما أحله التنزيل سكن إليه القلب والنفس، وما حرمه ~~التنزيل نفر عنه القلب، واضطربت النفس، وما اشتبه على العامة وعلماء الظاهر ~~أمره، فعلى قلوبهم بيان ذلك، أهو مما يلحق بالحلال، أم يلحق بالحرام؟ فإن ~~سكن القلب إليه، ألحقه بالحلال، وإن اضطرب قلبه، ونفر منه، ألحقه بالحرام، ~~هذا لأهل اليقين، وطهارة القلوب، لا شبهة لا تخلو من أن تكون حراما أو حلالا. # وإنما اشتبه عند علماء الظاهر؛ لأنهم لم يجدوا فيه تنزيلا، ولا أثرا ~~منصوصا عن ms0150 الرسول صلى الله عليه وسلم، فتشبه عندهم مرة بالحلال، ومرة ~~بالحرام، وأفسدوا الشاهد الذي في قلوبهم، والحجة التي اتخذ الله عندهم، كما ~~أفسدوا عقولهم فدنسوها، وأفسدوا إيمانهم فأسقموه، وأفسدوا جوارحهم الطاهرة ~~فلطخوها به، وأفسدوا طريقهم إلى الله فسدوها. # وإنما صير رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة علامة لقلوب ما ملكت ~~النفوس، وخلت من وسواسها الصدور، لا القلوب التي قد ملكتها نفوسها، وأشحنت ~~بوسواسها صدورها، وقال الله في تنزيله: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان ~~خيرا لهم وأشد تثبيتا. وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما. ولهديناهم صراطا ~~مستقيما}. فوعد الهداية على فعل ما يوعظ به، والأجر العظيم في الآخرة، ~~والثبات في الدنيا. PageV02P042 # قال أبو عبد الله: فهذه الآية، وقوله: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} ~~بمعنى واحد؛ لأن تقوى الله هو الفعل بما يوعظ به، فقال هاهنا: {يجعل لكم ~~فرقانا}، وقال هنا: {ولهديناهم صراطا مستقيما}. # والهداية في القلب، والفرقان في القلب، وهو نور يجعله في قلبه، فيشرق به ~~صدره، وينجلي عن صدره ظلمة الهوى والشهوات، ورين الذنوب، فإذا ورد عليه أمر ~~هو حق، عرفه؛ لأنهما قد التقيا، فائتلفا، وإذا ورد عليه باطل، عرفه؛ لأن ~~القلب قد نفر منه عند التقائه، فقد أعلم في الآيتين أن هذا لأهل التقوى، ~~وللفاعلين بوعظه، وإنما احتاجت العامة بعد ذلك إلى الشرح والبيان، وإلى ~~تنصيص الأمور وتلخيصها على ألسنة علماء الظاهر؛ لما دخل عليهم من آفة النفس ~~وتخليطها، فقد تراكمت على نفوسهم سحائب تترى من حب الدنيا، وحب العلو، (وحب ~~الثناء، وحب الرياسة، وحب الشهوات، وفتن الدنيا، ورين القلوب). # فإذا عرض في الصدر ذكر شيء هو حق، وعلى الحق نور، حالت الظلمة بين نور ~~القلب، ونور الحق الذي ورد على القلب، فلم يمتزجا، ولم يعرف القلب ذلك ~~الحق، فصاحبه في حيرة منه. # وإذا عرض أمر هو باطل، وعلى الباطل ظلمة، امتزج الباطل بظلمة PageV02P043 ~~الشهوات، ورين الذنوب، (فلم يعلم القلب بشيء من ذلك؛ لأن نور القلب قد ~~انكمن في القلب)، ولم يشرق في الصدر، ms0151 (فهو نافر مما في الصدر من العجائب، ~~فمن يحس بدخول الباطل حتى ينفر منه)، فليس لأهل التخليط من هذه العلامة ~~شيء، فإنه قال: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، وصدره ممتلئ ريبا، فكيف ~~يتبين فيه الريب الزائد؟ # وأي ريب أكثر من الإصرار على الذنوب؟ وإن دق ذلك الذنب؛ فإن الإصرار على ~~دقيق الذنوب من الكبائر، وقلبه فيه من الغل والغش والحقد والحرص على ~~الدنيا، والدخول في شبهة الأمور، مع جوارح منتشرة من غير لحاظه ولسانا هذا ~~وسمعا صغوا، فكيف يتبين له ما يريبه إلى ما لا يريبه؟. # وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه: ((فإن الصدق طمأنينة، ~~والكذب ريبة)). فكل هذا الكذب يجتمع في قلب فيكون له هذه العلامة. # قال له قائل: أرأيت أن تنصص لنا حديثين مما أتت به الروايات: حديثا يعرفه ~~المحقون ببصائرهم ولا ينكرونه؛ وحديثا ينكرونه لنعرف به الوجهين جميعا؟ PageV02P044 # ومن قبل ذلك: فأخبرنا ما معنى قولك: المحقون؟ ومن هؤلاء، فإنك تردده في ~~الكلام كثيرا؟ # قال: إن الحق الأعظم الذي منه انشعبت الحقوق، لا يسكن إلا في قلب طاهر، ~~وكذلك الحكمة، لا تستوطن إلا في قلب طاهر، وكذلك اليقين، لا يسكن إلا في ~~قلب طاهر، فمن لم يطهر قلبه، فهذه الأشياء نافرة عنه، لا يجد مأمنها، فإذا ~~وجدت قلبا قد تطهر من أدناس الذنوب، ودرن العيوب، فقد وجدت مأمنا، فارتفعت ~~فيه، فوجدت صاحبه حكيما، ووجدته موقنا، ووجدته محقا، فالحكمة ينبوع قلبه، ~~ومثال بين عينيه، واليقين مطالعه في القلوب، والحق مستعمله. # ومن لم يطهر قلبه، فالحق نافر عنه، فهو يتبع الحق ليعمل به، والحق هارب ~~منه، فلذلك يشتد عليه القيام بالحق، ويثقل عليه حتى يعجز عنه، والحق يجري ~~فيه كالسهم، وكالماء، وكالدهن باللبن، وكالريح سرعة ومضيا. # ومن لم يطهر قلبه، فالحكمة معرضة عنه، فتستر عنه جهدها، وتخفي زينتها، ~~كعروس في أجمل صورة، وأحسن زينة، فهي لا تأمن أهل الريبة، فتستر عنهم ~~زينتها جهدها، وإذا اطلع عليها المتقي، أمنته، فلم تستتر عنه، ومن لم يطهر ~~قلبه، ms0152 فعقله محجوب عن الله، وقلبه بعيد من الله، فكيف ينال اليقين؟. PageV02P045 # قال: فأما حديث يعرفه المحقون، وتقبله قلوبهم: # 273 - فحدثنا إبراهيم بن هارون البلخي، قال: حدثنا أبو عمرو زكريا بن ~~حازم الشيباني السورحاني، قال: سمعت قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ~~قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته الجدعاء، فقال: ((أيها ~~الناس! كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق على غيرنا وجب، وكأن الذي ~~نشيع من الموتى عن قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم، نأكل تراثهم كأنا ~~مخلدون من بعدهم، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيب غيره، طوبى لمن ذلت نفسه من ~~غير منقصة، وتواضع لله من غير مسكنة، وأنفق مالا جمعه من غير معصية، ورحم ~~أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن ذلت نفسه، وطاب ~~كسبه، وصلحت سريرته، وحسنت خليقته، وكرمت علانيته، وعزل عن الناس شره، طوبى ~~لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله)). PageV02P046 # 274 - حدثنا علي بن حجر السعدي، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، وعيسى بن ~~يونس، قالا: حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، ~~قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((يا غلام! ألا أعلمك ~~كلمات ينفعك الله PageV02P047 ~~بهن؟))، قلت: بلى يا رسول الله، قال: ((احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده ~~أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت، فاسأل الله، ~~وإذا استعنت فاستعن بالله، فقد جف القلم بما هو كائن، فلو جهد الخلق على أن ~~ينفعوك بكلمة لم يكتبه الله لك، لم يقدروا عليه، ولو جهد الخلق على أن ~~يضروك بكلمة لم يكتبها الله عليك، لم يقدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل لله ~~بالرضا واليقين، فافعل، وإن لم تستطع، فإن في الصبر على ما تكره خيرا ~~كثيرا، واعلم: أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر ~~يسرا)). PageV02P048 # 275 - (حدثنا عبد الوهاب بن فليح المكي، حدثنا عبد الله بن ميمون القداح، ms0153 ~~حدثني شهاب بن خراش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بمثله. # 276 - وحدثنا محمد بن أسلم، حدثنا مطرف بن عبد الله الأسلمي، عن محمد بن ~~عبد الرحمن المليكي، عن المثنى ابن الصباح، عن عطاء، عن ابن عباس، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه). PageV02P049 # وأما الحديث الذي ينكره المحققون: # فمثل حديث رووه عن الحسن البصري، عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((أن سليمان عليه السلام مر في موكبه برجل يقال له: مر ~~عبدي، وهو قائم يصلي، فوقف عليه حتى فرغ، فلم يرفع به رأسا، فلما رأى ذلك ~~منه، نزل إليه، فكلمه، فقال له مر عبدي: ألست بابن داود الخاطئ، حملت ~~الدنيا فوق رأسك، وجعلت الآخرة تحت قدميك، فصرت محجوبا عن الدارين؟. # (حقا أقول: والله! لو أن الله -تعالى اسمه- كشف الغطاء عنك، حتى تنظر إلى ~~الله بمعرفته، وترغب إلى الله بالرغبة، وتشتاق إليه بالحب؛ لكنت زاهدا فيما ~~معك، ولكن استروحت إلى الدنيا، وعرفت حلوها من حامضها، ولينها من خشنها، ~~وحارها من باردها، فلها تغضب، ولها ترضى، وإليها PageV02P050 ~~تستروح، وإياها تشتم. # قال سليمان: يا مر عبدي! كيف لي إن أنا سألت الله حتى يقبض عني جميع ما ~~سخر لي؟ قال مر عبدي: هيهات هيهات، الدنيا أعظم في صدرك، وأنت إليها أشد ~~ركوبا من أن تسأل ربك ذلك. # يا بن داود! لا يغرنك هذا البيت الذي مثل لك، والزين الذي أنت عليه، وما ~~سخر لك من الشياطين، وأنت تقرأ فيما أنزل الله عز وجل على داود: أنه ليس ~~أحد أعطي نهمة من شهوات الدنيا إلا نقص في ميزانه. # يا بن داود! ما لك وللدنيا قد غرت من كان قبلك؟ ما لك والجمال والشهوات ~~ونظر الناس إليك، وقد عرفت أنه ليس أحد أحب إلى الله من مؤمن خفي؟ # ألا أن أولياء الله يخفون على أهل الأرض، ويعرفون في السماء، ولا يفقدون ~~إذا غابوا، ولا يعرفون إذا شهدوا. # افهم يا بن داود أنك ms0154 نبي تعظ الناس، وأنت مسموع منك، لا يغرنك ما أنت ~~فيه، فيوشك أن تموت وتذوق مرارة الموت. # قال: يا مر عبدي! ما بال الناس ينظرون إلي، وأنت لا تنظر إلي، PageV02P051 ~~ويتمنون ما سخر الله لي، وأنت لا تتمنى؟!! # قال: يا بن داود! أنت صبي تتكلم على قدر صباك، ما أرى في يدك من الفضل ~~والرغبة في الدين، فارغب فيه، يا بن داود! دع عنك الكبر والفخر، يا بن ~~داود! مذ كم أنت في هذا الملك؟!! # قال: منذ ثمان عشرة سنة، قال: يا بن داود! هل تجد فيما مضى من ملكك إلا ~~ما أنت فيه اليوم؟!! # قال سليمان: اللهم لا. # قال مر عبدي: وكذلك أنا أضرب بهذه المسحاة منذ ثلاثين سنة، لا أجد عناء ~~تسع وعشرين سنة، وأحد عشر شهرا، وتسعة وعشرين يوما، إلا عناء يومي هذا، فما ~~فضلك علي؟ أين ما تنعمت به؟). # هذا في كلام له طويل، التقطت منه هذه الأحرف، فذكرته هاهنا، فهذا الحديث ~~عامته كذب، لا تقبله قلوب المحقين، وقد جعل الله PageV02P052 ~~الرسل أحباءه وأصفياءه ونجباءه، وحجته على خلقه، ورفع مراتبهم، فمن قال ~~لرسول من الرسل مثل هذا الذي روي في هذا الحديث، فقد عابه، ومن عابه، فقد ~~كفر بالله، وقد جعل الله إيماننا به منظوما بإيماننا بالرسل، لا يقبله منا ~~حتى نؤمن بالرسل، كما آمنا به، وكيف يجوز أن يقال لرسول الله: ((جعلت ~~الآخرة تحت قدمك، والدنيا فوق رأسك))؟! # فقائل هذا لرسول من رسول الله راد على الله، والله يقول في تنزيله: ~~{ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون ~~وكذلك نجزي المحسنين}. # فسليمان من أهل هداية الله، وسماه: محسنا، وهذا يحكي: أنه قال: ((جعلت ~~الآخرة تحت قدميك، فصرت محجوبا عن الدارين)). # وقال في آية أخرى: {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب}، فهكذا تكون ~~صفة من أثنى الله تعالى عليه في تنزيله بما أثنى، كما وصفه في هذا الحديث، ~~ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {أولئك الذين هدى الله ms0155 فبهداهم ~~اقتده}. PageV02P053 # فهذا الذي زور مثل هذا الحديث: كان غنيمنا أحسبه من هؤلاء الحمقى الذين ~~يتزهدون في الدنيا رياء وسمعة، يريدون أن يتأكلوا هذا الحطام بسمة الزهد، ~~ولم يعرفوا ما الزهادة، ولا معناها، ولا تفسيرها، حسبوا أن الزهادة: شتم ~~الدنيا، وأكل النخالة، ولبس الصوف، وذم الأغنياء، ومدحة الفقراء، (وأشاروا ~~إلى الخلق بالترك، وقلوبهم مشحونة بالشهوات، يموتون على حب الدنيا عشقا، ~~وعلى حب الرئاسة موتا، وأن يقال: هذا أبو فلان نعم الرجل، هذا زاهد في ~~الدنيا، لا يأكل إلا مضطرا، ولا يقبل من أحد شيئا، فهو يستروح إلى هذا ~~القول منهم، وبقوة هذا الروح يقاسي عمره شدة، فقبح الله فعل من هذا فعله في ~~تلك العرضة من مرأى ما أوحشه! دعاه فعله ذلك إلى أن خرج على أنبياء الله ~~ورسله، فكل من وجده منهم قد قلده الله من خزائن الدنيا حفظا ورعاية، جرحه، ~~وطعن فيه، وظن أن ذلك منه رغبة حتى مرق في الدين). # ومن جهله يزعم أنه قال مر عبدي لسليمان: ليس تقضي نهمة من PageV02P054 ~~الدنيا إلا بنقص من منزلتك، والله يقول: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير ~~حساب}، ثم قال: {فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب}. # فمن يستروح إلى الدنيا، ولها يغضب، ولها يرضى، يكون هذا ثناء رب العالمين ~~عليه، وزلفاه، وحسن مآب، ونعم العبد؟! فواضع هذا الحديث أحسبه كان زنديقا ~~معاندا، معاديا للرسل، أو جاهلا من جهلة الصوفيين المستأكلة. # ومن صفة سليمان عندنا: أن الله امتحن قلبه للمرتبة العلية، وملكه الدنيا، ~~وسخر له الشياطين والرياح، وعلمه منطق الطير، وكان من جلال الله وعظمته على ~~قلبه ما لو جمعت خشية العالمين في ذلك الوقت؛ لدقت في جنب خشيته، وتواضعهم ~~كلهم لله يدق في جنب تواضعه، وكانت الدنيا لا تزن عنده جناح بعوضة، فقد ~~أثنى الله عليه في تنزيله تعالى، فقال: {ولقد آيتنا داود وسليمان علما ~~وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين. وورث سليمان ~~داود}، فأعطاه الله علما كما أعطى داود، ثم ورثه ms0156 الله علم داود، فضمه إلى ~~علمه، وهو قوله: {وورث سليمان PageV02P055 ~~داود}، ثم زاده على ذلك زيادة، وهو قوله: {وقال يأيها الناس علمنا منطق ~~الطير وأوتينا من كل شيء}. # فمن ذا يقدر على وصف ما أوتي، وشرح الفضائل التي أعطاه الله؟ ولهذا قال ~~تعالى: {إن هذا لهو الفضل المبين}. وقال: {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد ~~إنه أواب}، وقال: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ~~ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين}، ~~وقال: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب}، وقال: {ففهمناها سليمان وكلا آتينا ~~حكما وعلما}. # فمن كان له في التنزيل مثل هذا، فآمن به، ثم روى مثل هذا الحديث، أليس ~~تدل روايته على أنه من أحد هذين الصنفين، أو شيطان تمثل على صورة آدمي يغوي ~~به الناس؟!! # ومن الحديث الذي تنكره قلوب المحققين: # ما جاء به ابن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: ((أن قوم موسى -عليه الصلاة والسلام- سألوا موسى أن يسأل ربه: وأن ~~يسمعهم كلامه، فسمعوا صوتا كصوت الشبور: إني أنا الله لا إله إلا أنا PageV02P056 ~~الحي القيوم، أخرجتكم من مصر بيد رفيعة وذراع شديدة)). # فهذا من حديث من عزب فهمه عن هذا ما هو حتى رواه، وإنما الكلام شيء خص به ~~موسى من بين جميع ولد آدم، فإن كان كلم قومه أيضا حتى أسمعهم كلامه، فما ~~فضل موسى عليهم؟! ولقد قصر عندهم خطر كلام الله حتى سخت نفوسهم بمثل رواية ~~هذا الحديث. # ومن الحديث الذي تنكره القلوب: # حديث رواه عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ~~{يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا. ويطعمون الطعام على حبه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا}. # قال: مرض الحسن والحسين، فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعادهما ~~عمومة العرب، فقالوا: يا أبا الحسن! لو نذرت على ولديك نذرا، وكل نذر ليس ~~له وفاء، فليس بشيء، فقال علي: إن برأ ولداي، صمت لله ثلاثة أيام ms0157 شكرا، ~~وقالت جارية لهم نوبية: إن برأ سيداي، صمت لله ثلاثة أيام PageV02P057 ~~شكرا، (وقالت فاطمة -رضي الله عنها- مثل ذلك)، فألبس الغلامان العافية، ~~وليس عند آل محمد قليل، ولا كثير، فانطلق علي رضي الله عنه، إلى شمعون بن ~~حاريا الخيبري، وكان يهوديا، فاقترض منه ثلاثة أصوع من شعير، فجاء به، ~~فوضعه ناحية البيت. # فقامت فاطمة -رضي الله عنها- إلى صاع، فطحنته واختبزته، وصلى علي مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل، فوضع الطعام بين يديه، إذ أتاهم ~~مسكين، فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، أطعموني أطعمكم الله ~~على موائد الجنة، فسمعه علي رضي الله عنه، فأنشأ يقول: # أفاطم ذات السداد واليقين ... يا بنت خير الناس أجمعين # أما ترين البائس المسكين ... قد قام بالباب له حنين # يشكو إلى الله ويستكين ... يشكو إلينا جائع حزين # كل امرئ بكسبه رهين ... من يفعل الخير يقم سمين # ويدخل الجنة أي حين ... # فأنشأت فاطمة -رضي الله عنها- تقول: # أمرك سمع يا بن عم وطاعه ... ما بي من لؤم ولا وضاعه PageV02P058 ~~عنيت في الخبز له صناعه ... سأطعمه لا أنهنهم ساعه # أرجو إن أشبعت من مجاعه ... أن ألحق الأخيار والجماعه # فأدخل الجنة لي شفاعه ... # فأعطوه الطعام، ومكثوا يومهم وليلتهم، ولم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح. # فلما كان في اليوم الثاني، قامت إلى صاع وطحنته واختبزته، وصلى علي رضي ~~الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل، فوضع الطعام بين ~~أيديهم، فوقف بالباب يتيم، فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، يتيم من أولاد ~~المهاجرين، استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنة، ~~فسمعه علي رضي الله عنه فأنشأ يقول: # أفاطم بنت السيد الكريم ... بنت نبي ليس بالزنيم # قد أتى الله بذا اليتيم ... من يرحم اليوم يكن رحيم # ويدخل الجنة أي سليم ... قد حرم الجنة اللئيم # ألا لا يجوز الصراط المستقيم ... يزل في النار إلى الجحيم # شرابه الصديد والحميم ... PageV02P059 # فأنشأت فاطمة -رضي الله عنها- تقول: # سأطعمه الآن ولا أبالي ... وأوثر الله على عيالي # أمسوا جياعا ms0158 وهم أشبالي ... أصغرهما يقتل في القتال # بكربلاء يقتل باغتيال ... يا ويل للقاتل مع وبال # يهوي في النار إلى سفال ... وفي يديه غل من الأغلال # كبولة زادت على الأكبال ... # فأعطوه الطعام، ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح. # فلما كان في اليوم الثالث: قامت إلى الصاع الباقي، فطحنته، واختبزته، ~~وصلى علي رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل، ~~فوضع الطعام بين يديه، إذا أتاهم أسير، فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل ~~بيت محمد، تأسروننا، وتشدوننا، ولا تطعموننا؟! أطعموني؛ فإني أسير محمد، ~~فسمع علي رضي الله عنه، فأنشأ يقول: # أفاطم بنت النبي أحمد ... بنت نبي سيد مسود # سماه الله فهو محمد ... قد زانه ربي بجيد أغيد # هذا أسير النبي المهتد ... مثقل في غله مقيد # يشكو إلينا الجوع قد تمدد ... من يطعم اليوم يجده من غد PageV02P060 ~~عند العلي الواحد الموحد ... ما يزرع الزارع سوف يحصد # أعطيه لا تجعليه أنكد ... # فأنشأت فاطمة -رضي الله عنها- تقول: # لم يبق مما جئت غير صاع ... قد ذهبت كفي مع الذراع # ابني والله هما جياع ... يا رب لا تتركهما ضياع # أبوهما للخير ذو اصطناع ... يصطنع المعروف بابتداع # عبل الذراعين شديد الباع ... وما على رأسي من قناع # إلا قناعا نسجه أنساع ... # فأعطوه الطعام، ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئا إلا الماء ~~القراح. # فلما أن كان في اليوم الرابع: وقد قضى الله النذر، أخذ علي رضي الله عنه ~~بيده اليمنى الحسن، وبيده اليسرى الحسين، وأقبل نحو رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، فلما أبصرهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال: ((يا أبا الحسن! ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم! انطلق ~~بنا إلى ابنتي فاطمة))، فانطلقوا إليها، وهي في محرابها، قد لصق بطنها ~~بظهرها، وغارت عيناها من شدة الجوع، فلما أن رآها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وعرف المجاعة في وجهها، بكى، وقال: ((واغوثاه بالله! أهل بيت محمد ~~يموتون جوعا، فهبط جبريل عليه السلام، ms0159 PageV02P061 ~~فقال: السلام يقرئك السلام يا محمد، خذ هنيئا في أهل بيتك قال: وما آخذ يا ~~جبريل؟ فأقرأه: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} إلى ~~قوله: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا. إنما نطعمكم لوجه ~~الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا}. # هذا حديث مزوق، قد تطرق فيه صاحبه حتى شبه على المستضعفين، فالجاهل أبدا ~~بهذا الحديث يعض شفتيه تلهفا، أن لا يكون بهذه الصفة، ولا يعلم أن صاحب هذا ~~الفعل مذموم، وقد قال الله تعالى في تنزيله: {ويسئلونك ماذا ينفقون قل ~~العفو}، وهو الفضل الذي يفضل عن نفسك وعيالك. # وجرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواترة بأن: ((خير الصدقة ~~ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بنفسك ثم بمن تعول)). PageV02P062 # وافترض الله على الأزواج نفقة أهاليهم وأولادهم. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء إثما أن يضيع من ~~يقوت)). # أفيحسب عاقل: أن عليا رضي الله عنه جهل هذا الأمر، حتى أجهد صبيانا صغارا ~~من أبناء خمس أو ست على جوع ثلاثة أيام ولياليها، حتى تضرروا من الجوع، ~~وغارت العيون منهم لخلاء أجوافهم، حتى أبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما بهم من الجوع والجهد؟! # هب أنه آثر على نفسه هذا السائل، فهل كان يجوز له أن يحمل مثل ذلك على ~~أطفاله جوع ثلاثة أيام ولياليهن؟! # ما يروج هذا إلا على حمقى جهال، أبى الله لقلوب منيبة أن تظن بعلي رضي ~~الله عنه مثل هذا، وليت شعري: من حفظ هذه الأبيات كل ليلة عن PageV02P063 ~~علي وفاطمة رضي الله عنها، وإجابة كل واحد منهما صاحبه، حتى أداه إلى هؤلاء ~~الرواة؟! فهذا وأشباهه من حديث أهل السجون فيما أرى. # بلغني أن قوما يخلدون في السجون، فيبقون بلا حيلة، فيكتبون أحاديث في ~~السمر وأشباهه، ومثل هذه الأحاديث عامتها مفتعلة، فإذا صارت إلى الجهابذة، ~~رموا بها، وزيفوها، وما من شيء إلا وله آفة ومكيدة، وآفة الدين وكيده أكثر. # ومن الحديث الذي تنكره القلوب: # حديث ms0160 رووه عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((إن في سنة مئتين يكون كذا وكذا، وفي العشرين والمئتين كذا، ~~وفي العشرين كذا، وفي الثلاثين كذا، وفي الأربعين كذا، وفي الخمسين كذا، ~~وفي الستين كذا، وفي المئتين تعتكف الشمس ساعة، فيموت نصف الجن والإنس)). # فهل كان هكذا، وقد مضت هذه المدة؟! PageV02P064 # وهذا شيء يعم، وسائر الأمور التي ذكرنا قد تكون في بلدة، وتخلو منها أخرى، ~~فهذا عكوف الشمس لا يخلو منه أحد في شرق أو غرب، فإن كان المئتين من ~~الهجرة، فقد مضت، وإن كان من موت الرسول، فقد مضت. # وأيضا دلالة أخرى على أنه مفتعل: أن التأريخ لم يكن على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وإنما وضعوه على عهد عمر رضي الله عنه، فكيف يجوز هذا ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال: في سنة مئتين، وفي سنة عشر ~~ومئتين، ولم يكن وضع شيء من التاريخ؟!! # 277 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا خالد بن حيان أبو يزيد، عن فرات ~~بن سلمان، عن ميمون بن مهران، قال: رفع إلى عمر رضي الله عنه، صك محله ~~شعبان، قال عمر: أي شعبان؟ الذي هو آت، أو هذا الذي نحن فيه؟ ثم قال لأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضعوا للناس شيئا يعرفونه، فقال بعضهم: على ~~تاريخ الروم، فقيل: إنهم يكتبون من PageV02P065 ~~عهد ذي القرنين، فهذا يطول، وقال بعضهم: اكتبوا على تاريخ الفرس، فقال: إن ~~الفرس كلما قام ملك، أرخ من قبله، فاجتمع رأيهم: على أن ينظروا كم أقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فوجدوه: عشر سنين، فكتب التاريخ من ~~هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 278 - حدثنا محمد بن عثمان الطائفي، قال: حدثنا أمية بن خالد، قال: حدثنا ~~قرة بن خالد، عن ابن سيرين، قال: جاء رجل من أهل اليمن إلى عمر رضي الله ~~عنه، فقال: أرخوا، فقال: وما أرخوا؟! قال: اكتب: شهر كذا، ms0161 وسنة كذا، قالوا: ~~فبم نبدأ، قال: من موت النبي صلى الله عليه وسلم، قال: بل من مهاجره، فاتفق ~~رأيهم على أن يبدأ من مهاجره، قيل: PageV02P066 # من أي شهر نبدأ؟ قالوا: من رمضان، قال: لا، بل من المحرم، فبدؤوا بالمحرم. # ومن الحديث الذي تنكره القلوب: # حديث رووه عن عوف، عن أبي القموص، قال: شرب أبو بكر الخمر، يعني: من قبل ~~نزول تحريمها، فقعد ينوح على قتلى بدر، وهو ينشد ويقول: # تحيي بالسلامة أم بكر ... وهل لك بعد رهطك من سلام # ذريني أصطبح يا أم بكر ... رأيت الموت نقب عن هشام # فنقب عن أبيك وكان قوما ... من الأقوام شراب المدام # وود بنو المغيرة لو فدوه ... بألف من رجال أو سوام # كأني بالطوي طوي بدر ... من الشيزى تكلل بالسنام PageV02P067 ~~كأني بالطوي طوي بدر ... من القينات والخيل الكرام # فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج يجر ثوبه من الفزع حتى ~~أتاه، فرفع عليه شيئا في يده، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أعوذ بالله من ~~غضب الله، وغضب رسوله، فأنزلت: {يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر}. # وزاد فيه غيره في الأبيات: # يخبرنا الرسول بأن سنحيا ... فكيف حياة أصداء وهام # قال: فهذا منكر من القول والفعل، وقد أعاذ الله الصديقين من فعل الخنا، ~~وأقوال أهله، وإن كان قبل التحريم، وقد كان أبو بكر رضي الله عنه بمكة (مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر، وقد وسم بالصديقية، وسمي ~~صديقا، وكان) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراء، فرجف بهم الجبل، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اسكن حراء؛ فإنما عليك نبي وصديق ~~وشهيدان)). PageV02P068 # وكان معه أبو بكر، وعمر، وعثمان. # وعائشة أعلم بأبيها من أبي القموص، فهي تنكر هذا، وتكذب أهله. # 279 - حدثنا سليمان بن العباس الهاشمي، قال: أخبرنا يعقوب أبو يوسف ~~الزهري، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن ~~عائشة -رضي الله عنها-، قالت: ما قال أبو بكر ولا عثمان بيت ms0162 شعر في جاهلية ~~ولا إسلام، ولا شربا خمرا في جاهلية ولا إسلام. PageV02P069 # 280 - قال يعقوب: وحدثنا عبد العزيز بن محمد، عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، ~~عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها-، بمثله. # 281 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا عمران ابن بكار الحمصي، قال: ~~حدثنا عبد الحميد بن إبراهيم الحضرمي، قال: حدثنا عبد الله بن سالم ~~الكلاعي، عن محمد ابن الوليد الزبيدي، قال: أخبرني الزهري، عن عروة، عن ~~عائشة -رضي الله عنها-: أنها كانت تدعو على من يقول: إن أبا بكر قال هذه ~~القصيدة: # تحيا بالسلامة أم بكر ... وهل لي بعد قومي من سلام # يخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام # ثم قالت عائشة -رضي الله عنها-: والله! ما قال أبو بكر بيت شعر في ~~الجاهلية ولا في الإسلام، ولقد ترك أبو بكر وعثمان شرب الخمر في الجاهلية، ~~وما ارتاب أبو بكر PageV02P070 ~~في الله منذ أسلم، ولكنه كان تزوج امرأة من بني كنانة، ثم من بني عوف، فلما ~~هاجر أبو بكر رضي الله عنه، طلقها، فتزوج بها ابن عمتها هذا الشاعر، فقال ~~هذه القصيدة يرثي بها كفار قريش الذين قتلوا ببدر، فحملها الناس أبا بكر من ~~أجل امرأته أم بكر التي طلقها، وإنما هو أبو بكر بن شعوب الكناني. PageV02P071 ### || AUTO الأصل الخامس والأربعون # 282 - حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، قال: حدثنا بكر بن يونس بن ~~بكير، قال: حدثنا موسى ابن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تكرهوا مرضاكم على الطعام؛ فإن ~~الله يطعمهم ويسقيهم)). PageV02P073 # قال أبو عبد الله: فإطعام الله وسقياه في الدنيا لهذا الآدمي الذي سخر له، ~~وهيأ له من أرضه وسمائه، وبره وبحره، وإطعامه وسقياه في الآخرة التي هيأ له ~~في جنانه وجواره، وهو ثوابه لعماله، فغير واصل إلى هذا الآدمي مما هيأ له ~~في جواره، حتى يخرج من الدنيا ويقدم عليه، ثم فيما بين ذلك للعباد من الله ~~لطائف ms0163 من خزائنه يلطف لهم في أحوالهم، وذلك مثل مائدة عيسى -عليه الصلاة ~~والسلام-، ومثل ما أوتيت مريم حيث قيل: {وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك ~~هذا قالت هو من عند الله}. # وسقياه مثل عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصابهم العطش، فانفجرت ~~من أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم منابع الماء حتى ارتوى العسكر، فهذا ~~من الله لعبيده من خزائن الرحمة على أيدي القدرة، فهذا للأنبياء والصديقين، ~~وهم الذين يستحقون هذه الألطاف من الله عز وجل؛ لأنه لطف بهم كرامة. # وأما شأن المرضى: فذلك لهم لطف رحمة؛ لما حل بهم من الشدة، من سلب ما ~~أعطى من نعمة الصحة، فالمرض الذي حل بهم ممحص لذنوبهم، كلما محص، ازداد ~~القلب طهارة من رين الذنوب، وتخلي القلب من سقم الإيمان، فإذا ذهب سقم ~~الإيمان، شبع القلب وروي، ألا ترى PageV02P074 ~~أن أقل الناس طعاما الأنبياء، ثم الأولياء، وكلما كان العبد أكثر حظا من ~~اليقين، كان أقل طعاما وتناولا من الدنيا، وهذا موجود في صالحي هذه الأمة، ~~وروي عن عامر بن عبد قيس: أنه داوم شهرا لا يأكل شيئا. # 283 - حدثنا عبد الله بن عبد الله، بن أسد الكلابي، قال: حدثنا أبو بكر ~~بن عياش، قال: سمعت الأعمش، قال: سمعت إبراهيم التيمي يقول: لقد أتى علي ~~شهر وما أكلت طعاما ولا شرابا إلا حبة من عنب أكرهوني عليها، وما أنا ~~بصائم، وإني لأقضي حوائجي. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((الكافر يأكل في سبعة أمعاء، ~~والمؤمن يأكل في معى واحد)). # فالمؤمن إيمانه أشبعه، فإنما الشبع للقلب والنفس، ثم للأركان، وقد فسرناه ~~في بابه ما هذه الأمعاء السبعة؟. PageV02P075 # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الرغب شؤم))، والرغب: ~~الحرص على الأكل، والتهام الشيء المأكول من الحرص، كأنه يريد أن يبلعه؛ من ~~ولوعه به، فإنما صار شؤما حرصه وولوعه، لا فعله ذلك، وإنما نسب إلى الفعل ~~وذم الفعل؛ لأنه هو الذي يظهر منه، والحرص باطن. # فالمريض ms0164 إذا وقع في التمحيص، خف قلبه من الذنوب، وثقل من الإيمان، فشبع وروي. # ومعنى قوله: ((فإن الله يطعمهم ويسقيهم)) على هذا عندنا: أنه يطهر قلوبهم ~~من رين الذنوب، وإذا طهرهم، من عليهم باليقين، فأشبعهم، فأرواهم، فذلك ~~طعامه وسقياه لهم، ألا ترى أنه يمكث الأيام الكثيرة لا يذوق شيئا، ومعه ~~قوته ولو كان ذلك في أيام الصحة لضعف عن ذلك، وعجز عن مقاساته، والصبر ~~عليه، وإن للقلوب مع الله شأنا عجيبا لا يعرفه إلا أهل القلوب. # وأما أهل النفوس، فهم في غفلة من هذا كله، ولو وصفت ذلك لهم، لتحيروا ~~وبهتوا؛ لأنه لم يحل ذلك بقلوبهم طرفة عين، فكيف يعرفه؟ وقد PageV02P076 ~~جاءت الغفلة من شهوة النفس، فرانت على القلوب، فصارت غطاء وحجابا كثيفا على ~~القلب، تحجبه عن أحواله مع الله، فإذا ذهبت الغفلة، وانكشف الغطاء رأى ما ~~يرد عن الله على القلب، وعاين أحواله، وما يحل به. PageV02P077 ### || AUTO الأصل السادس والأربعون # 284 - حدثنا عبيد الله بن يوسف بن المغيرة بن جبير بن حية الثقفي، قال: ~~حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الحراني، قال: حدثنا عبد الحميد بن يزيد، عن ~~آمنة بنت عمر، عن ميمونة: أنها قالت: يا رسول الله! من أي شيء عذاب القبر؟ ~~أفتنا عن عذاب القبر؟ قال: ((من أثر البول، فمن أصابه منه شيء فليغسله ~~بماء، فإن لم يصبه أو يجده فليمسحه بتراب طيب)). # قال أبو عبد الله: فهذا إذا أصاب الجسد، فإذا عرف موضعه من PageV02P079 ~~الجسد، فالغسل لا محالة، فإذا لم يجد موضعه، فليس على يقين من ذلك؛ لأنه لو ~~علم أنه قد أصابه، لعلم موضعه، فهذا شك قد دخله، فهو لا يدري أصابه أم لا؟ ~~ففي الحكم غير لازم له غسله. # ولكن جاء في عذاب القبر من أثر البول وشأنه ما جاء ما يلقى أهل القبور من ~~شدة وباله. # وروي عنه: أنه قال: ((عامة عذاب القبر من البول)). # فدله رسول الله صلى الله عليه وسلم على التيمم؛ ليتوقى به من عذاب القبر ~~إن كان هناك بول قد أصابه ms0165 وهو لا يدري، وهو على غير يقين من أمره، وفي ~~الباطن وفي الغيب قد أصابه ذلك، وعذاب القبر حال به من أجل ذلك كان هذا ~~التيمم دافعا، كما كان الغسل بالماء في الحال الذي يدري أين أصابه دافعا ~~عنه؛ لأنه قد جاء في الخبر: # ((إن أول ما يوضع الميت تبتدره أربع نيران، فتدفع PageV02P080 ~~عنه الصلاة واحدة، والزكاة واحدة، والصوم واحدة، ويجيء الصبر فيطفئ ~~الرابعة، ثم يقول: أما إني لو أدركتهن كلهن لأطفأتهن، ولكن أنا لك إمامك)). # 285 - حدثنا بذلك عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، عن جعفر بن سليمان، ~~عن حجاج، حدثنا معاوية بن قرة، عن أشياخ أدركوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه. # فالصلاة إنما تدفع إذا كانت صلاة بطهور، فهذا الذي لا يدري أصابه أم لا؟ ~~دله على التيمم، وهو بجهله معذور، فالمتيمم صار هناك معذورا؛ إذ كان هناك ~~في الأصل شيء؛ كالجنب الذي لا يجد الماء، فصار عند الله معذورا، فالمتيمم ~~صار هناك بجهله، إذ لا يعلم أصابه شيء أم لا مضطرا؛ كالذي لا يجد الماء. # ومن التشديد في البول من حيث لا يعلم ما جاء عن أمر سعد بن معاذ ما يحثنا ~~ويحذرنا على الاحتياط في ذلك. # فروى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني PageV02P081 ~~معاذ بن رفاعة بن رافع، قال: حدثني محمود بن عبد الرحمن ابن عمرو بن ~~الجموح، عن جابر بن عبد الله، قال: لما توفي سعد، ووضع في قبره، سبح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وسبح القوم، وكبر النبي، وكبر القوم معه، فقالوا: ~~يا رسول الله! مم سبحت؟ قال: ((هذا العبد الصالح تضايق عليه قبره حتى فرج ~~الله عنه))، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: ((كان يقصر ~~في بعض الطهور من البول)). PageV02P082 # فإنما سألت ميمونة عن الفتيا في عذاب القبر ما الحيلة في الخلاص منه؟ فإن ~~إصابه البول من حيث لا يعلم كائن، وقد جاء فيه من التشديد ms0166 ما جاء، فرأى أن ~~الجهل به ضرورة، وفقد الماء ضرورة، وقد تفضل الله على عبيده عند فقد الماء ~~بالتيمم، فصيره كافيا، وطهورا، ومزيلا للجنابة عنه، فرأى أن التيمم هاهنا ~~في حال الشك، والتخوف أن يكون قد أصابه من حيث لا يعلم بول كافيا، مزيلا ~~للنجاسة عنه؛ لينجو من وباله غدا في القبر. PageV02P083 ### || AUTO الأصل السابع والأربعون # 286 - حدثنا محمد بن الضحاك، حدثنا عبدة بن سليمان الكلابي، عن أبي رجاء ~~الجزري، عن الفرات بن سلمان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما صبر أهل بيت على جهد ثلاثا، ~~إلا آتاهم الله برزق)). PageV02P085 # قال أبو عبد الله: فالجهد: هو الجوع المجهد، وهو من الله ابتلاء لعباده، ~~فإذا صبر ثلاثا، أتاه الله برزق؛ لأن أيام المحنة قد انقضت، وإنما صارت مدة ~~المحنة ثلاثة أيام؛ لأن العبد على أجزاء ثلاث: جزء منه للإيمان، وجزء منه ~~للروح، وجزء منه للنفس. # فالطمأنينة: للإيمان، والطاعة: للروح، والشهوة: للنفس. # فالقلب للإيمان، والأركان للروح، والجثة للنفس؛ لأن الشهوات في النفس، ~~وللشهوات تغدو الجثة، فإذا منع أول يوم، فجاع، فصبر، فذاك صبر الإيمان؛ ~~لأنه أقوى الثلاثة، فإذا منع اليوم الثاني، فجاع، فصبر، فذاك صبر الروح، ~~يطيع ربه، ولا يتناول ما لا يحل، فإذا منع اليوم الثالث، فجاع، فصبر، فذاك ~~صبر النفس، فقد تمت المحنة، وبرزت منقبة النفس PageV02P086 ~~إذا ابتليت فوجدت صبورة، فرزقت وأكرمت، وإنما تقع المحنة أبدا في كل وقت ~~على أهل التهمة، فالإيمان غير متهم، وكذلك الروح غير متهم، وإنما التهمة ~~للنفس، فإذا امتحنت النفس في أول يوم، لم يتبين صبرها؛ لأن الإيمان والروح ~~معين لها، وفي اليوم الثاني الروح معين لها، فإذا صبرت في اليوم الثالث، ~~فقد أبرزت صبرها، وأخلصت بإيمانها، وانقادت مستسلمة، وإن العباد إنما وقعت ~~عليهم المحنة لشأن النفوس الكاذبة، فلهذا امتحن إيمانهم بنص قوله: {أحسب ~~الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهو لا يفتنون}، وقد بينا توقيت الثلاث في ~~الأشياء في مسألة الحيض. ms0167 PageV02P087 ### || AUTO الأصل الثامن والأربعون # 287 - حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا حاتم بن بكر الضبي، قال: حدثنا عبيد ~~الله بن عبد المجيد، الحنفي، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن ~~عبد الملك ابن عمير، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن حريث، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((من باع دارا أو عقارا، فليعلم أنه مال قمن أن لا ~~يبارك، إلا أن يجعله في مثله)). PageV02P089 # 288 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إسماعيل بن ~~إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن ~~حريث، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # 289 - حدثنا موسى بن محمد المسروقي، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: ~~أخبرني فضالة بن الحصين، [قال أخبرني عبد الوارث بن أبي محمد، عن يعلى بن ~~عبد الملك، قاضي البصرة، عن عمران بن الحصين] الخزاعي البدري، قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من باع عقدة، وهو يجد بدا من بيعها، إلا PageV02P090 ~~وكل بذلك المال من يتلفه)). # قال أبو عبد الله: فإنما نزعت البركة منها؛ لأنها ثمن الدنيا المذمومة، ~~وخلق الله الأرض، فجعلها مسكنا ومستقرا لعباده، وخلق الجن والإنس ليعبدوه، ~~وجعل ما على الأرض زينة لها ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فصارت فتنة لهم، إلا ~~من رحمه الله فعصمه، وصارت سببا لمعاصي العباد، فنزعت البركة منها، فإذا ~~بيعت، لم يبارك له في ثمنها. # ومما يحقق ذلك: ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الدنيا ~~ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله، ومعلم أو متعلم)). PageV02P091 # 290 - حدثنا سليمان بن العباس الهاشمي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا ~~ثور بن يزيد، عن خالد ابن معدان، عن أبي الدرداء، قال: ملعونة الدنيا، ~~وملعون أهلها إلا ذكر الله، وما آوى ذكر الله. # قال: فكل شيء أريد به وجه الله تعالى من الأمور والأعمال، فهو مستثنى من ~~اللعنة؛ لأنه قد آوى ذكر الله، وكذلك المؤمن قد ms0168 آوى ذكر الله، والكفار ~~والشياطين، وكل شيء من الأمور والأعمال مما لم يرد به وجه الله، فهو ملعون، ~~فهذه الأرض صارت سببا لمعاصي العباد بما عليها، فبعدت عن ربها بذلك؛ لأنها ~~ملهية للعباد عنه، وكل شيء بعد عن ربه فمنزوع منه البركة، وإن الله -تبارك ~~اسمه- جعل الأرض مهادا، والجبال أوتادا، وبارك فيها، وقدر فيها أقواتها. PageV02P092 # هكذا تدبير الله في خلقه، وجعل أثمان الأشياء في الذهب والفضة، وجعل نبات ~~الذهب والفضة في جبالها، وقدر التجارات فيها؛ ليبتغي العباد من فضله ~~معاشهم، فإذا اتجروا ابتغاء الفضل فيها، دبر الله تعالى له، وهو الذهب ~~والفضة، وما يباع بهما، نال من البركة التي بارك فيما، وإذا اتجر فيما جعله ~~مهادا، ولم يجعله للتجارة، فقد خالف تدبيره، فغير مستنكر أن يتخلى عنه، ~~وتذهب البركة؛ لأن الله إذا تخلى عن شيء، بخس ذلك الشيء، وهلك؛ لأنه لم يبق ~~له قائمة، وإذا رعاه، أدام ذلك الشيء، وحلت به البركة، فالذهب والفضة هما ~~قوام للخلق، ولذلك وصف الله -تبارك وتعالى- في تنزيله، فقال: {ولا تؤتوا ~~السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما}. # والجبال: قوام الأرض، خلق ابن آدم من الأرض، فهو من نبات الأرض، وجعل ~~نبات الجبال له قواما، والأرض مهادا، فإذا اتجر فيما جعل الله له مهادا، ~~خالف تدبيره الذي هيأه له، ففاتته البركة؛ لأن البركة مقرونة بتدبيره، وقد ~~قال الله عز وجل: {خلق الأرض في يومين}، {وبارك فيها وقدر فيها أقواتها}، ~~فالبركة مع ذلك الخلق، وذلك التقدير على ما دبره يومئذ. # وفي حديث عمران بن حصين دليل على تحقيق ما قلنا؛ لأنه قال: PageV02P093 # من باع عقدة، فإنما سميت عقدة؛ لأنها مهاد قد عقدت لك مسكنا، ولم تجعل ~~متجرا، ثم قال: ((وهو يجد بدا من بيعها، إلا وكل بذلك المال من يتلفه))؛ ~~لأنك صيرت المهاد متجرا تبتغي فيه الفضل، فكان سبيلك أن تبتغي الفضل فيما ~~وجه لك فيه الفضل، وهو الذي صيره أثمان كل شيء جعلهما سبب التجارات. # وروي عن حميد بن هلال العدوي: أنه قال: ثمن التراب ms0169 ملعون. # فهذا يدل على ما قلنا، وعلى الوجه الآخر الذي ذكرناه بدءا. # وروي في الخبر: أنه لما قتل ابن آدم أخاه، انتشفت الأرض دمه، فقال الله ~~-تبارك اسمه- للقاتل: أين أخوك؟ قال: لا أدري، قال: لعلك قتلته؟ قال: فأين ~~دمه، فلعنت الأرض لما شربت دمه، فمنذ يومئذ لا تنشف دما، فهذا أيضا يقوي ما ~~ذكرناه بدءا والله أعلم. PageV02P094 ### || AUTO الأصل التاسع والأربعون # 291 - حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن ~~مضرب قال: أتينا خباب بن الأرت، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: ((يؤجر العبد على نفقته كلها، إلا ما كان في التراب))، أو قال: ((في ~~هذا البناء)). # 292 - حدثنا حميد بن الربيع اللخمي، قال: حدثنا PageV02P095 ~~عمرو بن الربيع، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله ابن زحر، عن علي بن ~~يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن خباب بن الأرت، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((كل نفقة ينفقها العبد يؤجر فيها، إلا ما كان من نفقة في ~~التراب)). # قال أبو عبد الله: وإنما هذا عندنا في البناء الذي يجعله مرفقا لنفسه. # فأما المساجد التي هي لله، ولا يملكها أحد، فهي خارجة عن ذلك، فقد جاءت ~~الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من بنى مسجدا، بنى الله ~~له بيتا في الجنة)). # فإنما صار غير مأجور في النفقة في التراب؛ لأنه ينفق في دنيا قد أذن الله ~~في خرابها، ويزيد في زينتها التي جعلت فتنة وبلوى للعباد، وتصير عاقبتها ~~إلى ما قال -الله جل ذكره-: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا}. # 293 - حدثنا محمد بن علي الشقيقي، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا عبد ~~الله، قال: أخبرنا ابن عيينة، قال: حدثنا الأحوص بن حكيم، عن راشد بن ~~الحارث، أو PageV02P096 ~~غيره، قال: بنى أبو الدرداء رضي الله عنه كنيفا في منزله بحمص، فكتب إليه ~~عمر رضي الله عنه: لقد كان لك يا عويمر فيما بنت فارس والروم كفاية ms0170 عن تزين ~~الدنيا، وقد أذن الله بخرابها، فإذا أتاك كتابي، فارتحل من حمص إلى دمشق. # قال: -يعني-: عاقبه بما بنى. # والبناء مسكن، وهو من الغذاء، وحاجة النفس إلى المسكن كحاجتها إلى المطعم ~~والمشرب والملبس والمركب، فإن كان في نفقته في هذه الأشياء محتسبا، فهو ~~مأجور، فكذلك المسكن إذا كان هذا البناء مما لا يستغنى عنه. # وإنما تأويل هذا الحديث عندنا: إذا بنى لنفسه بناء مرققا لا يحتسب بها. # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((كل نفقة ينفقها العبد ~~على نفسه فهي صدقة)). PageV02P097 # 294 - حدثنا عيسى بن أحمد، قال: حدثنا بقية، قال: حدثني بحير بن سعد، عن ~~خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((ما أنفقت على نفسك، فهو صدقة، وما أنفقت على زوجتك، فهو صدقة)). PageV02P098 ### || AUTO الأصل الخمسون # 295 - حدثنا نصر بن عبد الرحمن الوشاء، قال: حدثنا زيد بن الحسن ~~الأنماطي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، ~~فسمعته يقول: ((أيها الناس! قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب ~~الله، وعترتي أهل بيتي)). # 296 - حدثنا نصر، قال: حدثنا زيد بن الحسن، قال: حدثنا معروف بن خربوذ ~~المكي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: لما PageV02P099 ~~صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، خطب فقال: ((أيها الناس! ~~إنه قد نبأني اللطيف الخبير: أنه لن يعمر نبي إلا مثل نصف عمر الذي يليه من ~~قبل، فإني أظن أن يوشك أني أدعى فأجيب، وإني فرطكم على الحوض، وإني سائلكم ~~حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفونني فيهما، الثقل الأكبر: كتاب ~~الله سبب، طرفه بيد الله، وطرف بأيديكم، فاستمسكوا به، ولا تضلوا، ولا ~~تبدلوا، والثقل الآخر: عترتي، أهل بيتي، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير: ~~أنهما لن يتفرقا حتى ms0171 يردا علي الحوض)). # قال أبو عبد الله: فأهل البيت قوم اصطفاهم الله، وهم كما روي PageV02P100 ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دعاهم، ثم تلا هذه الآية: {إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}. # فذريتهم منهم، فهم صفوة، وليسوا بأهل عصمة، إنما العصمة للنبيين، والمحنة ~~لمن دونهم، وإنما يمتحن من كانت الأمور محجوبة عنه، فأما من صارت الأمور له ~~معاينة ومشاهدة، فقد ارتفع عن المحنة. # فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض))، ~~وقوله: ((ما إن أخذتم به لن تضلوا)) واقع على الأئمة منهم السادة، لا على ~~غيرهم، وليس بالمسيء المخلط قدوة، وكائن فيهم المخلطون والمسيئون؛ لأنهم ~~آدميون لم يعروا من شهوات الآدميين، ولا عصموا عصمة النبيين، وكذلك كتاب ~~الله من قبل، منه ناسخ ومنسوخ، وكذلك ما ارتفع الحكم بالمنسوخ منه، كذلك ~~ارتفعت القدوة بالمخذولين منهم، وإنما يلزمنا الاقتداء بالفقهاء والعلماء ~~منهم، بالفقه والعلم الذي ضمن لهم بين أحشائهم، لا بالأصل والعنصر. # وإذا كان هذا العلم والفقه موجودا في غير عنصرهم؛ لزمنا الاقتداء بهم ~~كالاقتداء بهؤلاء، وقد قال الله تعالى في تنزيله: {أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم}. # فإنما يلي الأمر منا من فهم عن الله، وعن رسوله، ما بهم الحاجة إليه من ~~العلم في أمر شريعته. PageV02P101 # وكذلك روي عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، وعدة من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية، وهي قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم} قال: هم العلماء والفقهاء. # 297 - حدثنا أبي رحمه الله قال: حدثنا أبو نعيم، عن الحسن بن صالح، عن ~~عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله: {وأولي الأمر منكم}. ~~الفقهاء. # فإنما أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما ترى- إليهم؛ لأن العنصر ~~إذا طاب، كان معينا لهم على فعل ما يحتاج إليه، وطيب العنصر يؤدي إلى محاسن PageV02P102 ~~الأخلاق، ومحاسن الأخلاق تؤدي إلى صفاء القلب، ونزاهته، فإذا نزه القلب ms0172 ~~وصفا، كان النور أعظم، وأشرق الصدر بنوره، فكان ذلك عونا له على درك ما به ~~الحاجة إليه في شريعته. PageV02P103 ### || AUTO الأصل الحادي والخمسون # 298 - حدثنا حميد بن الربيع اللخمي قال: حدثنا يزيد بن حيان، قال: حدثني ~~(عمر البزاز جليس حماد بن سلمة)، قال: حدثنا الحسن بن ذكوان، عن عبد الرحمن ~~ابن قيس، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((الأبدال ثلاثون رجلا: قلوبهم على قلب إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، إذا ~~مات رجل منهم، أبدل الله مكانه آخر)). PageV02P105 # 299 - حدثنا عمر بن يحيى بن نافع الأبلي، قال: حدثنا العلاء بن زيدل، عن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه قال: البدلاء أربعون رجلا: اثنان وعشرين بالشام، ~~وثمانية عشر بالعراق، كلما مات واحد، بدل آخر، فإذا كان عند القيامة، ماتوا كلهم. # قال أبو عبد الله: فليس في الحديثين اختلاف، إنما هم أربعون رجلا، ثلاثون ~~منهم: قلوبهم على قلب إبراهيم عليه السلام، كذلك روي لنا عن أبي الدرداء. # 300 - حدثنا بذلك عبد الرحيم بن حبيب، قال: PageV02P106 # حدثنا داود بن محبر، عن ميسرة، عن أبي عبد الله الشامي، عن مكحول، عن أبي ~~الدرداء رضي الله عنه، قال: الأنبياء كانوا أوتاد الأرض، فلما انقطعت ~~النبوة، أبدل الله مكانهم قوما من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقال لهم: ~~الأبدال، لم يفضلوا الناس بكثرة صوم، ولا صلاة، ولا تسبيح، ولكن بحسن ~~الخلق، وبصدق الورع، وبحسن النية، وسلامة قلوبهم لجميع المسلمين، والنصيحة ~~لله ابتغاء مرضاة الله بصبر وحلم ولب وتواضع في غير مذلة، فهم خلفاء عن ~~الأنبياء، قوم اصطفاهم الله لنفسه، واستخلصهم بعلمه لنفسه، وهم أربعون ~~صديقا، منهم ثلاثون رجلا على مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن، بهم تدفع ~~المكاره عن أهل الأرض، والبلايا عن الناس، وبهم يمطرون، وبهم يرزقون، لا ~~يموت الرجل منهم أبدا حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه، لا يلعنون شيئا، ولا ~~يؤذون من تحتهم، ولا يتطاولون عليهم، ولا يحقرونهم، ولا يحسدون من فوقهم، ~~ولا يحرصون على الدنيا، ليسوا بمتماوتين، ms0173 ولا متكبرين، ولا متخشعين، PageV02P107 ~~أطيب الناس خبرا، وأورعهم أنفسا، وأسخاهم أنفسا، طبيعتهم السخاء، وصفتهم ~~السلامة من دعوى الناس قبلهم، ليسوا بمتخشعين، ولا بمتماوتين، لا تتفرق ~~صفتهم، ليسوا اليوم في حالة خشية، وغدا في حال غفلة، ولكن متداومين على ~~حالهم، وهم فيما بينهم وبين ربهم، ولا يدركهم الريح العاصف، ولا الخيل ~~المجراة، قلوبهم تصعد في السماء ارتياحا إلى الله، واشتياقا إليه، قدما في ~~اشتياقهم الخيرات، {أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون}. # قلت: يا أبا الدرداء! ما شيء أثقل علي من هذه الصفة التي وصفتها، فكيف لي ~~أن أدركها؟ # قال: ليس بينك وبين أن تكون في أوسط ذلك، إلا أن تبغض الدنيا، فإنك إذا ~~أبغضت الدنيا، أقبل عليك حب الآخرة، فبقدر ما تزهد في الدنيا تحب الآخرة، ~~وبقدر ما تحب الآخرة تبصر ما ينفعك وما يضرك، فإذا علم الله صدق الطلب من ~~عبده، أفرغ عليه السداد، واكتنفه بعصمته، وتصديق ذلك في كتاب الله: {إن ~~الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}. PageV02P108 # فنظرنا في ذلك، فما تلذذ المتلذذون بشيء أفضل من حب الله، وطلب مرضاته. # 301 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا عبد العزيز ابن المغيرة البصري، ~~قال: حدثنا صالح المري، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((إن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن دخلوها برحمة ~~الله، وسلامة الصدور، وسخاوة الأنفس، والرحمة لجميع المسلمين)). # 302 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا سليمان، قال: حدثنا إسحاق بن عبد ~~الله بن أبي فروة، عن محمود بن لبيد، عن حذيفة بن اليمان، قال: الأبدال ~~بالشام، وهم PageV02P109 ~~أربعون رجلا على منهاج إبراهيم، كلما مات رجل منهم، أبدل الله مكانه آخر، ~~والعصب بالعراق أربعون رجلا، كلما مات رجل منهم، أبدل الله مكانه آخر، ~~عشرون منهم على اجتهاد عيسى بن مريم، وعشرون منهم قد أوتوا مزامير آل داود. # العصب: رجال تشبه الأبدال. # وروي عن وهب بن منبه: فيما يحكى في مناجاة موسى -عليه الصلاة والسلام-، ~~عن الله -تبارك ms0174 اسمه-: أنه قال: هم أربعون صديقا، كلهم بي ولي وإلي. # وروي في الخبر: أن الأرض شكت إلى الله ذهاب الأنبياء، وانقطاع النبوة، ~~فقال لها: سوف أجعل على ظهرك صديقين أربعين، فسكنت. # فالصديقون إنما بانوا من الخلق بصدق القلوب مع الله، لا بصدق الأعمال مع ~~الملائكة، وهذا مقام القلوب عند الله، قد باينوا الخلق والنفس، والعمال ليس ~~لقلوبهم طريق إلى الله، إنما طريق قلوبهم إلى الثواب، والأنبياء والصديقون ~~من بعدهم قد انكشف الغطاء عنهم، وصار لهم إلى الله طريق حتى يعبدوه، كأنهم يرونه. PageV02P110 # كما قال صلى الله عليه وسلم: ((اعبد الله كأنك تراه)). # وهو ما وعد الله من هداية السبل للذين جاهدوا فيه، فقال: {والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا}. # ومن جاهد نفسه في ذات الله صدقا، هداه لسبيله، فقوي على التفويض والتوكل، ~~ألا ترى إلى قول الرسل: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ~~ولنصبرن على ما آذيتمونا}. # فالتوكل والصبر الصافي، إنما هو للمهدي سبيله، وهو الذي أعطي اليقين، ~~فأشرق صدره بنور مليكه، فصار من الأمور على معاينة، ومن القلب على مشاهدة ~~للنجوى في محل القربة. # فأما العمال: فليسوا من هذا الأمر في شيء، وإنما أعينهم إلى ثوابه ~~وعقابه، وإلى أعمالهم لهما، والصديقون أعينهم إلى الله في كل أمر دنيا ~~وآخرة، فسموا أبدالا لوجهين: PageV02P111 # وجه: أنه كلما مات رجل منهم، أبدل مكانه آخر لتمام الأربعين. # ووجه آخر: أنهم بدلوا أخلاقهم السيئة، وراضوا أنفسهم حتى صارت محاسن ~~أخلاقهم حلية أعمالهم ونحلتهم. # وأما قوله في مناجاة موسى صلى الله عليه وسلم: (كلهم بي ولي وإلي) أي: بي ~~يقومون ويقعدون وينطقون، وبي يأخذون ويعطون. # وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن الله تبارك اسمه: ~~((فإذا أحببت عبدي، كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وفؤاده، فبي يسمع، ~~وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يأخذ، وبي يعطي، وبي يعقل)). # وقوله: (لي) أي: هم صفوتي، قد بذلوا لي قلوبهم ونفوسهم، فهم لي لا تشركني ~~فيهم نفوسهم. # وقوله: (إلي) أي: تأوي قلوبهم إلي ms0175 في كل أمر وسعي وحال. # فأما صفة الثلاثين الذين قال لهم: إن قلوبهم على قلب إبراهيم، فأولئك هم ~~الذين لا تسكن قلوبهم إلى من دونه في شيء من أمر الدين والدنيا، قد ولهت ~~قلوبهم، ووقعت في قبضته. # وأما العصب: فهم المحقون، فمنهم مستعملون على طريق الجهد، ومنهم ~~روحانيون، قد أوتوا من مزامير داود. PageV02P112 ### || AUTO الأصل الثاني والخمسون # 303 - حدثنا محمد بن يحيى المقدمي بن أبي حزم القطعي، قال: حدثنا عمر بن ~~علي المقدمي، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إذا كان أجل ~~العبد بأرض، أتيت له الحاجة إليها، حتى إذا بلغ أقصى أثره، فيقبض، فتقول ~~الأرض يوم القيامة: رب! هذا عبدك ما استودعتني)). # قال أبو عبد الله: فإنما صار أجله هناك؛ لأنه خلق من تلك البقعة، PageV02P113 ~~وقد قال في تنزيله: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم}. فإنما يعاد المرء من حيث ~~بدئ منه. # 304 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سعيد ابن أبي مريم الجمحي، عن ~~عبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال: حدثني أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ~~ببعض نواحي المدينة، فإذا بقبر يحفر، فأقبل حتى وقف عليه، فقال: ((لمن ~~هذا؟))، قيل: لرجل من الحبشة، فقال: ((لا إله إلا الله! سيق من أرضه وسمائه ~~حتى دفن في التربة التي منها خلق)). # وروي: أن الأرض عجت إلى ربها لما أخذت تربة آدم عليه السلام منها، PageV02P114 ~~فقال: إني سأرد إليك، فإذا مات، دفن في البقعة التي منها تربته، وإنما صارت ~~وديعة عندها حتى تقول يومئذ: رب! هذا عبدك ما استودعتني؛ لأنها عبدت ربها. # فالعبودة: وديعة في الأرض، حتى تبعث للثواب، فيكون الحق أحق به من الأرض؛ ~~لأنه كان والى الحق ونصره، فصار الحق أملك به، فأعاده سويا، وسلمه إلى ~~الحق؛ ليهديه إلى دار السلام، أو عبد ms0176 جحد العبودة، وذهب بالرقبة، فهو مسجون ~~في بطن الأرض، للحق عنده تبعة وطلبة حتى يبعثه للعقاب، فيكون الحق أحق به ~~من الأرض، وهو خصمه، وله فيما لديه طلبة وتبعة، فإن الله لم يخلق جسده ~~لعبا، إنما خلقه للحق وبالحق. # وروي في الخبر: أن الملك الموكل بالأرحام يأخذ النطفة من الرحم، فيضعها ~~على كفه، فيقول: يا رب! مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: مخلقة، قال: يا رب! ~~ما الرزق؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ فيقول: انظر في أم الكتاب، فينظر في اللوح، ~~فيجد فيه رزقه وأجله وأثره وعمله، ثم يأخذ التراب الذي يدفن في بقعته، ~~فيعجن به نطفته. فذلك قوله: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم}. # 305 - حدثنا بنحو من ذلك أبي رحمه الله، قال: حدثنا عمرو القناد، عن ~~أسباط، عن السدي، عن أبي مالك وأبي PageV02P115 ~~صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه. # 306 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا ابن فضيل، عن داود بن أبي هند، عن ~~الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله، قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم، ~~يأخذها الملك بكفه، فقال: أي رب أمخلقة أم غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة، ~~لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام دما، وإن قال: مخلقة، قال: أي رب! أذكر أم ~~أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ ما الأجل، وما الأثر، وما الرزق، بأي أرض تموت؟ فيقال ~~له: اذهب إلى أم الكتاب، فإنك ستجد هذه النطفة، فيقال للنطفة: من ربك؟ ~~فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فتخلق، وتعيش في أجلها، وتأكل ~~رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاء أجلها، ماتت، فدفنت في ذلك المكان. PageV02P116 # والأثر: هو الثواب الذي يؤخذ، فيعجن به ماؤه. # وسمعت الزبير بن بكار الزبيري المدني وهو يذكر كتابا صنفه بعض أهل ~~المدينة في فضل المدينة، وكتابا صنفه بعض أهل مكة في فضل مكة، فلم يزل كل ~~واحد منهما يذكر بقعته، حتى برز المدني على المكي في خلة واحدة، عجز عنها ~~المكي، فقال: إن كل نفس إنما خلقت ms0177 من تربته التي دفنت فيه بعد الموت، فكأن ~~نفس الرسول صلى الله عليه وسلم إنما خلقت من تربة المدينة، فبان: أن تلك ~~التربة لها فضيلة بارزة على سائر الأرضين. # وروي عن ابن سيرين ما يحقق ذلك. # 307 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا بركة ابن محمد الحلبي، قال: حدثنا ~~أبو عبد الرحمن المقبري، عن إبراهيم بن يزيد الخوزي، قال: سمعت ابن سيرين ~~يقول: لو حلفت، حلفت صادقا بارا غير شاك ولا مستثن: أن الله ما خلق نبيه ~~صلى الله عليه وسلم، ولا أبا بكر، ولا عمر، إلا من طينة واحدة، ثم ردهم إلى ~~تلك الطينة. PageV02P117 ### || AUTO الأصل الثالث والخمسون # 308 - حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن ~~الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن)). PageV02P119 # 309 - حدثنا سفيان بن وكيع، وحفص بن عمرو، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، قال: ~~حدثنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن ~~عائشة -رضي الله عنها-، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، ~~فذكر مثله. # 310 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا جنيد الحجام، عن زيد أبو أسامة، ~~عن عكرمة، عن ابن PageV02P120 ~~عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # 311 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زيد أبو ~~أسامة، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بمثله. # 312 - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن فراس، قال: ~~سمعت مدرك بن عمارة يحدث، عن ابن أبي أوفى، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فذكر مثله. PageV02P121 # قال أبو عبد الله: فالإيمان: هو الطمأنينة، واستقرار القلب، وإنما هما ~~اثنتان: # فأولى: طمأنينته ms0178 إن استقر قلبه، وسكن إن وحد ربه، ولم يلتفت إلى شيء ~~سواه، فيتخذه ربا. # وأخرى: طمأنينته أن يكون مقبلا عليه، فيجمع قلبه، فلا يلتفت إلى شيء من ~~شهوات نفسه، ولا إلى أحوالها، فالذي يزني ويسرق، فهو في حالته تلك غير ~~مطمئن إلى ربه طمأنينة الإقبال، ولو كان كذلك، لم يزن، ولم يسرق، وقد ذهب ~~الإقبال، وجاءت شهوة النفس بالإقبال عليها، وهو في طمأنينة التوحيد. # والإيمان: اسم يلزم العبد بفعله، وبدؤه من النور الذي جعل الله في PageV02P122 ~~قلبه، فأحياه به، وشرح صدره، ونطق بتوحيده لسانه {ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور}. # وكل شيء له مبتدأ ونهاية، فأوله لازم ذلك الاسم له، ومنتهاه: وهو البالغ. # فالذي وحد ربه بقلبه ولسانه، وقبل الشريعة: هو مؤمن قد حرم ماله ودمه ~~وعرضه، ثم هو أسير نفسه. # والمؤمن البالغ: الذي ماتت شهوة نفسه، وقطع قلبه عن كل شيء سواه، فهذه ~~قلوب الأنبياء والأولياء. # وللمؤمنين فيما بين هذين الحدين درجات، كل يعمل على درجته، فكلهم عبيد قد ~~أقروا له بالعبودة، ولا يفي له بالعبودة الكاملة إلا الأنبياء والأولياء، ~~وذلك أنهم تركوا مشيئتهم في جميع أمورهم لمشيئته، وهكذا صفة العبيد، رفضوا ~~المشيئة في جميع الأشياء، وتركوا الاختيار للأحوال، ولا يقدر على هذا إلا ~~من نور الله الإيمان في قلبه. # كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة حارثة حيث قال له: ((كيف ~~أصبحت؟))، قال: مؤمن حقا، قال: ((وما حقيقة إيمانك؟))، قال: كأني أنظر إلى ~~عرش ربي بارزا، وإلى أهل الجنة كيف يتزاورون، وإلى أهل النار كيف يتعاوون، ~~قال: ((عرفت فالزم)). ثم قال: ((من سره أن ينظر إلى عبد قد نور الله ~~الإيمان في قلبه، فلينظر إلى هذا)). PageV02P123 # قال أبو عبد الله: فإذا امتلأ القلب أو الصدر من النور، كان كما وصفه الله: ~~{أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}. فكان المؤمن عندهم في ~~زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان بهذه الصفة. # ولذلك قال أبو بكر رضي ms0179 الله عنه: وددت أني شعرة في صدر مؤمن. # لما عرفوا غور هذه الكلمة، وأثنى الله -تبارك اسمه- على إبراهيم خليله ~~بعد أن شهد له بالتسليم، حين أراد ذبح ابنه، وهو الإسلام، وشهد له ~~بالإحسان، فقال: {إنه من عبادنا المؤمنين}. # وقال ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب: إن الله إذا أثنى على عبد، فأبلغ في ~~الثناء، قال: {إنه من عبادنا المؤمنين}. # ووصف المؤمنين في تنزيله، فقال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} الآية إلى قوله: {أولئك هم ~~المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم}. # ومن هاهنا استجاز من قال: الإيمان يزيد، وكما يزيد فإنه ينقص، (سمي ~~الزائد من النور في صدره إيمانا، وما ينقص فمنه ينقص). # والأصل الذي منه بدأ التوحيد قائم، فبأقل النور يصير موحدا، فاطمأن به ~~وعبده ربا، وهو إيمانه، حتى إذا نما النور، وامتلأ القلب، وأشرق الصدر PageV02P124 ~~منه، اطمأن إلى جميع مشيئاته، وأحكامه وأموره، كما اطمأن به، ومن قبل هذا ~~لم يقدر أن يطمئن إلى مشيئاته وأحكامه؛ للشهوات المستولية على قلبه، فلما ~~امتلأ القلب من نوره خشية ومهابة، ودخلت عظمته في قلبه، ماتت شهواته، وذهلت ~~نفسه، فاطمأنت النفس، وسكن القلب، وعليه الخشية والرهبة والهيبة والحياء، ~~وسكن قلبه على تدبيره وأحكامه وأقضيته، كما سكن على توحيده في بدء الأمر. # فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة، وكانوا إذا قالوا: ~~مؤمن، فإنما يسمون ما يعرفون من أنفسهم، وكان بعضهم في تخليط من هذا، ألا ~~ترى أنه لما هاجت الفتن ووقع التخليط، قال حذيفة: لو رميت بصخرة من أعلى ~~المسجد والناس في المسجد، ما أصابت مؤمنا، فلم يكن عندهم كفار لما أحدثوا، ~~ولكن زلوا عن تلك الدرجة التي كانوا يسمون أهلها بذلك الاسم. # ومما يحقق ما قلنا: # 313 - ما حدثنا به قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عبد ~~الرحمن بن كعب بن مالك: أن أباه كعب بن مالك كان يحدث عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ms0180 أنه قال: ((إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجرة الجنة حتى ~~يرجعه الله يوم القيامة إلى جسده، ثم يبعثه)). PageV02P125 # فليس هذا لأهل التخليط فيما نعلمه، إنما هذا للصديقين، فكان اسم المؤمن ~~عندهم هكذا. # فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو ~~مؤمن)) إنما يعني بذلك: الإيمان البالغ، لا أنه يذهب توحيده، ويكفر، وإنما ~~يتأول مثل هذا جهال الناس، وحمقاؤهم، ولو كفروا بذلك، وزال عنهم الإيمان، ~~لكان حدهم القتل، وحدودهم جلد مئة في الزنا، وقطع اليد في السرقة. # ولكن تأويل ذلك الحديث: أنه إذا زنى المؤمن، فهو في ذلك قد فقد نور ~~إيمانه، وحجبته شهوته التي حلت به عن ذلك النور حتى وقع فيه، فسلب ذلك ~~النور، وصار محجوبا عن الله، فلما تاب، راجعه النور، وذلك النور هو الذي ~~يسمى إيمانا؛ لأنه اطمأن بذلك إلى ربه، فذهبت طمأنينته في وقت استعمال ~~الشهوة، فاطمأن إلى شهوته. PageV02P126 # فالعبد عندما أدركته الهداية من ربه قد كان من قبل ذلك قلبه في تردد ~~وجولان، طالبا لمن يتخذه ربا ويعبده، فلما جاءت الهداية، واستنار القلب ~~وسكن، واطمأنت النفس عن الجولان والتردد في طلب معبوده، فقيل في قالب ~~العربية: آمن يؤمن إيمانا، وهو في قالب العربية: أفعل. # ومن الخوف قيل: أمن؛ لأنه كان يضطرب، فلما ذهب الخوف، سكن، فقيل: أمن على ~~قالب فعل، فكلما ازداد العبد نورا، ازداد سكونا وطمأنينة عند أموره ~~وأحكامه. # ومن قبل ذلك: كان الغالب على قلبه شهوات نفسه، فكان القوم إذا ذكروا ~~المؤمن، يعلمون أن ذلك المؤمن الذي قد اطمأن قلبه عند أموره وأحكامه إليه. # ومن هاهنا: # قال أبو الدرداء رضي الله عنه: مثل الإيمان مثل قميصك، بينا أنت لبسته إذ ~~أنت نزعته. # 314 - حدثنا عيسى بن أحمد، قال: حدثنا بشر بن بكر، قال: حدثنا سعيد بن ~~عبد العزيز، عن بلال بن سعد، عن أبي الدرداء، قال: كان عبد الله بن رواحة ~~إذا لقيني، قال: اجلس يا عويمر فلنؤمن ساعة، فنجلس، فنذكر الله PageV02P127 ~~بما شاء، ثم يقول: يا ms0181 عويمر! هذه مجالس الإيمان، إن مثل الإيمان ومثلك مثل ~~قميصك، بينا أنت قد نزعته، إذ لبسته، وبينا أنت لبسته، إذ نزعته، يا عويمر! ~~القلب أسرع تقلبا من غلي القدر إذا اجتمعت علينا. # 315 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا سليمان ابن سلمة الحمصي، قال: ~~حدثنا (بقية بن الوليد، قال: حدثنا) عتبة بن عبد الله بن خالد بن معدان، عن ~~أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ((إنما الإيمان بمنزلة القميص، مرة تقمصه، ومرة تنزعه)). PageV02P128 # 316 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن ~~مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: # لم يزن عبد قط إلا نزع نور الإيمان منه، ثم إن شاء رده، وإن شاء منعه. PageV02P129 # 317 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ~~أسلم، قال: سمعت أبا أيوب الأنصاري يقول: # ليأتين على الرجل أحايين، وما في جلده موضع إبرة من النفاق، وليأتين عليه ~~أحايين، وما في جلده موضع إبرة من الإيمان. # قال: فإنما يخلو منه ذلك النور المشرق في صدره، وأما إيمان التوحيد، فهو ~~بمكانه. # وقول ابن عباس حيث قال: لم يزن عبد قط إلا نزع عنه نور الإيمان، يدل على ~~تفسير حديثه الذي رواه: ((لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن)). # وفي قوله: (حين يزني) فإنما ذكر الحين، وهو وقت الفعل، ففيه دليل أنه في ~~ذلك الوقت صار محجوبا عن النور وزايله. PageV02P130 # 318 - حدثنا أبي رحمه الله قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا أبو شهاب، ~~عن أبي حمزة، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق ~~السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن))، قيل: يا ~~رسول الله! وكيف يصنع إذا واقع شيئا من ذلك؟ قال: ((إن راجع، راجعه ~~الإيمان، وإن ثبت، لم يكن مؤمنا)). # 319 - حدثنا أبي ms0182 رحمه الله، قال: حدثنا أحمد بن يونس، عن طلحة بن يزيد، ~~عن عبد الله بن محرز، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني PageV02P131 ~~حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين ~~يشرب وهو مؤمن، ولا يقتل وهو مؤمن، فإذا فعل ذلك، نزع منه نور الإيمان كما ~~ينزع منه قميصه، فإذا تاب، تاب الله عليه)). # فإنما خفي شأن هذا، وذهاب هذا النور من القلوب، ورده عليه؛ لأن فتن ~~القلوب قد عمت، والصدور قد شحنت بظلمة الإصرار على الذنوب؛ من المآكل ~~الرديئة، والمكاسب الدنسة، والأخلاق البذلة الفاسدة، والحقد والغلو، والغل ~~والغش، والحرص على الدنيا، فقد غمر هذا الخلق، فكيف يتبين عندهم ذهاب النور ~~ومجيئه؟ PageV02P132 # 320 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سعيد ابن عفير المصري، قال: حدثنا ~~عبد الله بن لهيعة بن عقبة، عن دراج، عن أبي الهيثم سليمان بن عمرو ~~العتواري، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ~~((المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا، والذين يأمنهم الناس على أنفسهم وأموالهم، والذين إذا أشرفوا على ~~طمع، تركوه لله)). # فالجزء الأول: هم الظالمون لأنفسهم، آمنوا، ثم لم يرتابوا في إيمانهم، ~~لكنهم ضيعوا العبودة، واستوفوا الرزق، واكتالوا النعم بالمكيال الأوفى، ~~وكالوا الطاعات بكيل البخس، فهم من المطففين، فهم الظالمون. # والجزء الثاني: قد أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم؛ لأنه متق مستقيم، وهو ~~المقتصد. PageV02P133 # والجزء الثالث: تركوا الهوى وشهوة النفس، والتدبير له في جميع أحوالهم، فهم ~~المقربون. # وذلك مثل ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أتي بشراب قد ~~خيض بعسل، فتركه، ثم قال: ((أما إني لا أحرمه، ولكن أتركه تواضعا لله ~~تعالى)). # 321 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا أحمد ابن محمد بن شريك الحمصي، ~~قال: حدثنا بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة: ms0183 أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة -رضي الله عنها-: ((أطعمينا يا ~~عائشة))، قالت: ليس عندنا طعام، قال: ((أطعمينا يا عائشة))، قالت: والله! ~~ما عندنا من طعام، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله! إن المرأة ~~المؤمنة لا تحلف أنه ليس عندها طعام وهو عندها، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((وما يدريك أنها مؤمنة؟ إن المرأة المؤمنة من النساء كالغراب ~~الأعصم في الغربان، وإن النار خلقت للسفهاء، وإن النساء من PageV02P134 ~~السفهاء، إلا صاحبة القسط والسراج)). # قال أبو عبد الله: يعرفك في هذا الحديث: أن المؤمن في ذلك الوقت بأي صفة ~~كانت عندهم. # فأما قوله: (صاحبة القسط والسراج). # والقسط: العدل، وهو الذي على سبيل استقامة، وهو المقتصد، والقسط، والقصد ~~بمعنى واحد، إلا أن هذا مستعمل في نوع، وذاك في نوع؛ كما قيل: توكيل ~~وتفويض، وكلاهما بمعنى واحد، إلا أن التوكيل في أبواب الرزق يستعمل، ~~والتفويض في سائر الأمور. # فالقسط: العدل في أموره، والقصد: هو الذي يأخذ من كل أمر وسطه، وهو الذي ~~أمر به. # وأما قوله: (السراج)، وهو اليقين، إذا رزق اليقين، فقد أشرق في PageV02P135 ~~قلبه، فقلبه يزهر. # ومنه قول حذيفة: قلب أغلف، وهو قلب الكافر، وقلب مصفح، وهو قلب المنافق، ~~وقلب أجرد أزهر، وهو قلب المؤمن، فإنما يزهر بالسراج الذي فيه. # 322 - حدثنا عمر بن أبي عمر قال: حدثنا محمد ابن مخلد الرعيني أبو أسلم ~~التنيسي، عن غنم بن سالم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((ما شبهت خروج المؤمن من الدنيا إلا مثل خروج الصبي ~~من بطن أمه من ذلك الغم والظلمة إلى روح الدنيا)). PageV02P136 # فالمؤمن الذي هو بالغ في إيمانه، الدنيا سجنه، وهي مظلمة عليه ضيقة حتى ~~يخرج منها إلى روح الآخرة، وهذا غير موجود في العامة، إنما ذكر المؤمن ~~ووصفه بذلك؛ ليعلم: أن المؤمن عندهم البالغ في إيمانه. # وهو كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ما كفرتم فنتبرأ منكم، ولا عندكم ms0184 ~~إيمان بالغ فنحبكم عليه، وما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم، ولا أرى ~~الله إلا قد تخلى عنكم. # 323 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا بشر بن عبيد الدارسي، عن ~~بكر بن خنيس، عن يزيد بن أبي مالك، عن مسلم كاتب أبي الدرداء رضي الله عنه، ~~عن أبي الدرداء قال: ما لكم لا تحابون، وأنتم إخوان على الدين، ما فرق بين ~~أهوائكم إلا خبث سرائركم، ولو اجتمعتم في أمر، تحاببتم، ما هذا إلا من قلة ~~الإيمان في صدوركم، ولو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها كما توقنون بأمر ~~الدنيا، لكنتم للآخرة أطلب؛ لأنها أملك بأموركم، PageV02P137 ~~فبئس القوم أنتم إلا قليلا منكم، ما حققتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان ~~البالغ فيكم، وما كفرتم فنتبرأ منكم، وعامتكم تركوا كثيرا من أمر دينهم، ثم ~~لا يستبين ذلك في وجوههم، ولا يعتبر حالاتكم، ما هذا إلا شر حل بكم، وإني ~~لأرى الله قد تخلى عنكم، فأنتم تخطئون، وتمنون الأماني، والله! إني أستعين ~~على نفسي وعليكم. # فإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو ~~مؤمن))؛ أي: بذلك الإيمان البالغ. # فأما إيمان التوحيد، فهو معه، وإنما زال عنه النور، ألا ترى إلى قول أبي ~~الدرداء رضي الله عنه: وإن زنى وإن سرق؟ فلو كان زناه وسرقته تخرجه من ~~إيمانه، لم يدخله الجنة. # 324 - حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا إسماعيل ابن جعفر المدني، عن ~~محمد بن أبي حرمة، عن عطاء بن PageV02P138 ~~يسار، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: (({ولمن خاف مقام ربه جنتان})). قلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ ~~قال: (({ولمن خاف مقام ربه جنتان}))؛ قلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ ~~قال: (({ولمن خاف مقام ربه جنتان})). قلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ ~~[قال]: ((وإن زنى وإن سرق، وإن رغم أنف أبي الدرداء)). # 325 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا القاسم العمري، عن سهيل بن ms0185 أبي ~~صالح، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بمثله. PageV02P139 # قال أبو عبد الله: ومما يحقق ما قلنا: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)). # 326 - حدثنا بذلك قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ليث بن سعد، عن عقيل، عن ~~الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)). # 327 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا زمعة ~~بن صالح، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)). PageV02P140 # 328 - حدثنا الخصيب بن سالم، قال: حدثنا شيخ من أهل المدينة، قال: حدثنا ~~الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # 329 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن صالح بن أبي الأخضر، عن ~~الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # قال أبو عبد الله: فالمؤمن المخلط قد يلدغ مرات، وهو لسكره لا يجد لوعة ~~اللدغة، وقد عمل فيه حمة السم، فلو قد أفاق، لاحتاج إلى من يمسكه من ~~الاضطراب والتلوي، وإنما عنى بقوله المؤمن: ذلك البالغ PageV02P141 ~~الذي قد وقف به حذره على أمر عظيم؛ كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # 330 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: عثمان بن زفر، قال: حدثنا حصين بن عمر ~~الأحمسي، عن مخارق، عن طارق ابن شهاب، قال: سئل ابن عباس رضي الله عنهما، ~~عن أبي بكر رضي الله عنه، فقال: كان كالخير كله من رجل، كان فيه حدة، وسئل ~~عن عمر رضي الله عنه فقال: كان كالطير الحذر الذي يرى أن له في كل طريق ~~شبكة تأخذه. # فالمؤمن البالغ إذا وقع في الخطيئة، أخذ بكظمه، ووجع قلبه، وتمرر عيشه، ~~وقلقت ms0186 نفسه، فهو يلتوي كاللديغ يتململ ندما، وتحسرا، ولهفا، وأسفا، يبيت ~~ساهرا، ويظل نائحا، فقد أنكت منه هذه الخطيئة بسمها، فكأنها قد أيقظته من ~~الغفلة، ولا يواقع تلك الخطيئة، ولا يعود إلى أسبابها حذرا. # فقوله: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) تمثيل: أن لا يعود إلى أسباب تلك ~~الخطيئة؛ مخافة أن يقع فيها، وهذا لمن لدغته الخطيئة، PageV02P142 ~~وعمل فيه سمها؛ كما فعل يوسف -صلوات الله عليه- بعد الهم، كان لا يكلم ~~امرأة حتى يرسل على وجهه ثوبا. # 331 - حدثنا محمد بن عبيد الله الربعي، عن مجاشع ابن عمرو، عن زهير بن ~~معاوية، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: كان يوسف عليه ~~السلام إذا جاءته امرأة تستفتيه، ألقى على وجهه ثوبا؛ مخافة أن تفتتن. # 332 - حدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا سفيان، عن مجالد، عن ~~الشعبي، عن فاطمة بنت قيس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها حين ~~جاءته بعد ما طلقها زوجها. فقال بيده على وجهه، فاستتر به، وذلك بعدما لقي ~~من شأن زينب ما لقي. PageV02P143 # فأما مؤمن عمل بالخطيئة فلم تلدغه، ولم يتبين فيه عمل سمها؛ لأنه سكران، قد ~~أسكرته شهوات الدنيا، ومات قلبه عن الشعور بذلك، فمتى يحذر حتى لا يلدغ؟ # وسم الخطيئة: هو الظلمة التي تتراكم في صدره على قلبه، فتحجبه عن ربه، ~~فيصير قلبه محجوبا عن الملكوت. # وهو قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه: لنفس المؤمن أشد ارتكاضا في ~~الخطيئة من العصفور حين يغدف به. # والإغداف: الإرسال، يعني: إرسال الشبكة عليه. # وقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن المؤمن إذا أذنب، فكأنه تحت ~~صخرة يخاف أن تقع عليه فتقتله، والمنافق ذنبه كذباب مر على أنفه. # وقوله: لا تجد المؤمن بخيلا، ولا تجد المؤمن جبانا، ولا تجد المؤمن كذابا. PageV02P144 # 333 - حدثنا العباس بن أيوب الزبيري، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ~~حدثنا صدقة بن موسى أبو المغيرة الدمشقي، قال: حدثنا مالك بن دينار، عن عبد ~~الله بن غالب، ms0187 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل، وسوء الخلق)). # فهذه الخصال كلها موجودة في الموحدين، فإذا ذكروا المؤمن، فإنما يعنون ~~به: الذين ذكرهم الله بأنهم مؤمنين حقا، وصير لهم الدرجات PageV02P145 ~~في الجنة، بما ترقوه من درجات الإيمان. # 334 - حدثنا عمر بن أبي عمر قال: حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل وعارض، ~~عن أبي هلال الراسبي، قال: حدثنا بكر بن عبد الله المزني: أن الحواريين ~~طلبوا عيسى بن مريم، فقيل لهم: توجه إلى البحر، فجاؤوه وهو يمشي على الماء، ~~يرفعه الموج ويضعه، فقال أفضلهم: ألا أجيئك يا رسول الله! فأدخل رجله في ~~الماء، ورفع الأخرى، فقال: أدركني فقد غرقت، قال: فقال: تعال يا قصير ~~الإيمان، أو قال: هات يدك يا قصير الإيمان، لو أن لابن آدم مثقال حبة من ~~خردل من اليقين، مشى على الماء. # 335 - حدثنا عمر، قال: حدثنا الحسين بن الربيع، عن ابن المبارك، عن عبد ~~الله بن شوذب، عن محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن هذيل بن شرحبيل، عن PageV02P146 ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض، ~~لرجح إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض. # 336 - حدثنا عمر، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، عن بقية بن الوليد، عن ~~صفوان بن عمرو، عن مريح بن مسروق، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: ~~تزعمون أنكم مؤمنون، وفيكم مؤمن جائع؟! # 337 - حدثنا عمر، قال: حدثنا يحيى بن جعفر الرازي، عن الحكم بن نافع، عن ~~عبد الرحمن المكي، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: اسمع ~~أي أخي إلى ما أصف لك من صفة المؤمن، وجدت في التوراة: المؤمن الذي إلى ~~الإسلام هدي، وبالإقرار بدئ، ظاهر الإيمان بدنه، على الإيمان بني، وذلك: لأنه PageV02P147 ~~عالم بالعلم، ناطق بالحكم، صادق بالفهم، ورع عن الحرام، بين الإعلام، كثير ~~السلام، لين الخطاب، قريب المعروف، سريع الرضا، بعيد السخط، يعلم ms0188 إذا أفهم، ~~فإذا علم علم، ويكف إذا شتم، إن صحبته تسلم، وإن شاركته تغنم، وإن فارقته ~~تندم، وإن سمعت منه تتعلم، كثير الوقار، مكرم للجار، مطيع للجبار، قلبه ~~بمعرفة الله زاهر، ولسانه بذكر الله غازر، وبدنه لطاعته ساهر، فهو من نفسه ~~في تعب، والناس منه في أرب، فمثله كمثل الماء؛ لأن الماء حياة الأشياء ~~كلها، فكمال المؤمن، الرضا، وعمله، التقى، مبغض للدنيا، قليل المنى، فاني ~~البناء، صادق اللسان، صابر البدن، قانع القلب، إن ائتمن أمانة أداها، وإن ~~ائتمن هو غيره لم يتهم، أب لليتيم، وللأرملة رحيم، وإلى الجنة مشتاق، ~~وبالوالدين غير عاق، له حلم يرضى، وعقل ينمى، كلامه منفعة، ومجاورته PageV02P148 ~~رفعة، إن استكتمته كتم، وإن استطعمته أطعم، جواد لله بالعطاء، وللناس بحسن ~~الخلق والرضا، إن استقرض أدى، وإن سئل أعطى، إن كان فوقك اتضع، وإن كان ~~دونك اعتدل، فمثله كمثل شجرة ثبت أصلها، وجاد فرعها، وكثر ثمرها، فمن رآها، ~~رغب فيها، لا يأخذ شيئا -إن أخذه- رياء، ولا يتركه -إن تركه- حياء، بل أخذه ~~لله سالما، وتركه لله غانما، محاسب نفسه، ناظر في عيوبه، مستقص لعمله، إن ~~كان محسنا، يخاف على نفسه أن لا يقبل منه، وإن كان مقصرا، يخشى أن لا يغفر ~~له، وإن كان فاضلا، كان شاكرا، لا يظلم، ولا يأثم، ولا يتكلف، بين تدبيره، ~~كثير عمله، قليل زلله، سهل أمره. # 338 - حدثنا محمد بن محمد بن حسين، قال: حدثنا حكامة بنت عثمان، قالت: ~~حدثنا أبي، عن مالك ابن دينار، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: PageV02P149 # ((الورع سيد العمل، من لم يكن له ورع يرده عن معصية الله إذا خلا بها، لم ~~يعبأ الله بسائر عمله شيئا)) فذلك مخافة الله في السر والعلانية، والاقتصاد ~~في الفقر والغنى، والصدق عند الرضا والسخط، ألا وإن المؤمن حاكم على نفسه، ~~يرضى للناس ما يرضى لنفسه، والمؤمن حسن الخلق، وأحب الخلق إلى الله أحسنهم ~~خلقا، ينال بحسن الخلق درجة الصائم القائم، وهو راقد على فراشه؛ ms0189 لأنه قد ~~رفع لقلبه علم، فهو يشهد مشاهد القيامة، يعد نفسه ضيفا في بيته، وروحه ~~عارية في بدنه، هو المؤمن حقا، ليس بالمؤمن حقا حملانه على نفسه، الناس منه ~~في عفاء، وهو من نفسه في عناء، رحيم في طاعة الله، بخيل على دينه، حيي ~~مطواع، وأول ما فات ابن آدم من دينه الحياء، خاشع القلب لله، متواضع قد برئ ~~من الكبر، قائم على قدمه، ينظر إلى الليل والنهار، يعلم أنهما في هدم عمره، ~~لا يركن إلى الدنيا ركون الجاهل. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا جرم أنه إذا خلف الدنيا خلف ظهره، PageV02P150 ~~خلف الهموم والأحزان، ولا حزن على المؤمن بعد الموت، بل فرحه وسروره مقيم ~~بعد الموت)). # فمن كانت هذه صفته، فلدغ من جحر المعاصي مرة، كان ذلك الجحر حينئذ نصب ~~عينيه أبدا، فمتى يمر به، حتى يلدغه ثانية؟ فإنما ذكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أوجعته المعصية حتى أسهر ليله مما حل بقلبه من وجع الذنب، ~~ووقع في العويل، كما ترى الذي يفارق محبوبه من المخلوقين بموت أو غيبة إلى ~~بلده، فيفجع لفراقه، فيقع في النحيب والعويل بمصيبته بفراقه، فالمؤمن لما ~~أصاب الذنب، حل به أكثر من المصاب بفراق المخلوقين، فألم القلب الذي حل به ~~هو لدغة المعصية، PageV02P151 ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن لا يلدغ مرتين من جحر واحد)). # أي: إن هذا الأمر قد لدغه مرة فأوجعه، فوجع ذلك تذكرة له من الغفلة في ~~ذلك، حتى لا يقع قلبه فيه ثانية؛ أي: إن هذا صفة المؤمن وشرطه حتى يستحق ~~اسم الإيمان. # 339 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا سعد بن حفص الطلحي، عن شيبان، عن ~~يحيى بن أبي كثير: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر، ومعه أبو ~~بكر وعمر رضي الله عنهما، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسألونه لحما، فقال: ((أوليس قد ظللتم من اللحم شباعا؟))، فقالوا: (من أين؟ ~~فوالله!) ما لنا باللحم عهد منذ ms0190 أيام، قال: ((من لحم صاحبكم الذي ذكرتم))، ~~فقالوا: يا نبي الله! إنما قلنا: والله! إنه لضعيف، ما يعيننا على شيء، ~~قال: ((وذلك، فلا تقولوا)). فرجع الرجل إليهم، فأخبرهم بالذي قال، فجاء أبو ~~بكر رضي الله عنه، فقال: يا نبي الله! طأ على صماخي، واستغفر PageV02P152 ~~لي، ففعل، وجاء عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله! طأ على صماخي، واستغفر ~~لي، ففعل. # فهكذا تكون اللدغة، ألجأته الخطيئة إلى أن فزع إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وألقى نفسه في التراب بين يديه تذللا، وأن يطأ بقدمه على صماخه، ~~فهذا شأن المؤمن البالغ، وأما الذي يلزمه اسم المؤمن، فيحرم ماله، وعرضه، ~~ودمه، فهم الموحدون. # 340 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، ~~عن زر بن حبيش، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: ((من سرته حسنته، وساءته سيئته، فهو مؤمن)). PageV02P153 ### || AUTO الأصل الرابع والخمسون # 341 - حدثنا معبد بن مسرور العبدي، قال: حدثنا الحكم بن سنان أبو عون ~~القربي، قال: حدثني زياد النميري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أول تحفة المؤمن أن يغفر لمن صلى عليه)). PageV02P155 # قال أبو عبد الله: فالمؤمن كريم على ربه، ومقدمه على رب كريم، فمن شأن ~~الملوك أن أحدهم إذا قدم عليه بعض خدمه من سفرة طالت غيبته فيها، أن يتلقاه ~~ببشرى وكرامة، وأن يخلع عليه، ويبسط معه، ويجيزه بالجائزة السنية، ويأمر ~~بأن يهيأ له نزل، كذلك أرانا ربنا من تدبيره لملوك الدنيا، فإذا قدم عليه ~~المؤمن، لقاه روحا وريحانا، وبشرى على ألسنة الرسل. # وهو قوله: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ~~ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}، ثم يأمر له في ~~قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله: {ومن عمل صالحا فلأنفسهم ~~يمهدون}، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام. # فهذه كلها تحفة إلى أن ms0191 يلقاه في عرصة القيامة، فيبعث به إلى الموطن الذي ~~هيأ له نزلا، فأول تحفة أن يغفر لحملته إلى بابه، والمصلين عليه؛ لأنهم قد ~~حملوه على أعناقهم تعظيما له وإكراما، وتقربوا بالصلاة عليه إليه، ~~فاستوجبوا من الله المغفرة، وجعل تلك المغفرة تحفة لهذا المؤمن الذي قدم ~~عليه، وإن الرجل من عرض الناس لتحمل إليه الهدية، فيستحي أن ينصرف عنه ~~الحامل لتلك الهدية خائبا، حتى يناوله شيئا. # وإذا رده كذلك، كان في ذلك هجنة له عند الخلق، فكيف بالملك من ملوك ~~الدنيا إذا أهدي له هدية، فانصرف الرسول عنه صفر اليدين؟! فإذا PageV02P156 ~~يقال له: أوليس من شأن الملوك أنهم يأنفون من أن يردوه إلى المهدي خائبا؟ ~~أوليس في ترك ذلك ترك كرامة المهدي في إعطائه برا ولطفا وكرامة للمهدي؟ # فكذلك هؤلاء الحملة لهذا المؤمن إلى الله، فإن هذا المؤمن أخرجه الله إلى ~~الدنيا، فمن عليه، وهداه، فما زال يقطع عمره في إرضاء الحق، وإن زلت قدمه، ~~رجع إلى الله تائبا نادما، فاستوى على أطراف قدميه من اليقظة والانتباه ~~والأخذ بالحزم، والمنة كانت لله عليه في ذلك كله، ولكن الرب -تبارك اسمه- ~~نسب سعيه إليه، ومدحه على ذلك، وأثنى عليه، ووعده عليه حسن المثوبة، فلما ~~مات، غسلوه وطيبوه وكفنوه، وحملوه هدية إلى الحق، فقبله الحق، فأداه إلى ~~الرحمة، وصار الحق والرحمة ولييه، فينجزا له من الله المغفرة لمن حمله، ولم ~~يخيبا الحملة، ولم يستجيزا أن يتركا الحملة، فيصرفون على حمل مثل هذه ~~الهدية خائبين. # 342 - حدثنا الجارود بن معاذ، قال: حدثنا سعيد القداحي، عن مروان بن ~~سالم، عن العرزمي، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أول ما يجازى ~~به العبد أن يغفر لمن صلى عليه. PageV02P157 # قال سعيد: يعني: أهل الجنازة. # والتحفة عندنا: هي الطرفة، والهدية: هي العطية، ومعناهما قريب، إلا أن ~~بينهما فرقا في نكتة. # فالهدية: ما تعطيه لتستميل به، والهدي: الميل، ومنه قوله: مشى يتهادى؛ ~~أي: يتمايل، ومنه سمي الهدي؛ لأنه يميل بقلبه إليه. # والطرفة: هي الشيء تعطيه بعد الاستمالة، ms0192 وبعد أن صار له وليا وثقة، فهو ~~يطرفه بشيء يريد أن يحليه بذلك، كالسكر على رأس الأرز، (ونحوه، فالأرز ~~طعام، والسكر حليته وطرفته، يريد بذلك بره، فذلك البر أعظم من الأرز))، ومن ~~جميع تلك الأطعمة بن يديه. # فكذلك المؤمن قد أعد الله له دار السلام مستقرا ومسكنا دائما ملكه PageV02P158 ~~فيها، ثم هو -تبارك وتعالى- في جلاله وعظمته ومجده وبهائه يريد أن يبر عبده ~~المؤمن لحبه إياه بشيء يطرفه؛ ليتجدد عليه جميع النعم بها، فيبره بشيء ليس ~~عنده في مدائنه وقصوره وجنانه، فكذلك البر عنده أعظم موقع وسرور حتى يمتلئ ~~فرحا، ويبره هاهنا بطرف. # فمن طرفه ما جاء في الخبر: إذا أراد الله أن يتحف عبده المؤمن، سلط الله ~~عليه من يظلمه. # لأن بلوى الدنيا كثيرة؛ من الأمراض، وألوان المصائب، وللنفس فيها فجعة، ~~ثم يرجع إلى ربه في أن هذا صنعه وتدبيره، فإذا ظلم، اشتدت فجعته، ووجد ~~القلب من الألم عليه لما يتضاعف من اللوعة فيه، فتلك الأمراض والمصائب ~~هدايا من رب العالمين. # والظلم: تحفة قد أطرفه الله بها. # والطرفة: هو شيء يكون في الأحايين مرة شيئا لم يكن عنده مثله، فالظلم هو ~~شيء لم يكن يجري عليه في أحواله من المصائب، فإذا أراد أن PageV02P159 ~~يطرفه؛ بأن يجدد له شيئا لم يكن عنده، سلط عليه من يظلمه، فذاك تحفته له. # وقد سلط على يحيى بن زكريا -صلوات الله عليه- من ذبحه ذبحا. # فليس هذا مما يجري في بلوى أهل الدنيا ومصائبهم، هذا شيء نادر شاذ محدث ~~لعبده، حشو تلك الطرفة بره، وحشو ذلك البر حبه لعبده. # فالجنة مسكن المؤمنين ثوابا لأعمالهم، فإذا أراد أن يتحفهم، بعث إليهم ~~بطرائف ليس عندهم مثلها، فتلك تحفتهم، وكذلك في دار الدنيا قد هيأ للمؤمنين ~~أمورا من طاعته يوفقهم لها، فإذا أراد أن يتحف أحدا منهم، سلط عليه ظالما، ~~ثم يرزقه الرضا بذلك، فيكتبه في ديوان أهل الرضا حتى يوجب له غدا رضوانه ~~الأكبر. # هذا لمن جعلت الجنة له ثوابا، ومن جعلت الجنة له هدية، فتحفته من مجالسه، ms0193 ~~ومن لطفه في تلك المجالس، والله أعلم. PageV02P160 ### || AUTO الأصل الخامس والخمسون # 343 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس بن ~~مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يهرم ابن ~~آدم، ويشب منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر)). PageV02P161 # قال أبو عبد الله: فالحرص: لهبان الشهوة، وهو الذي يستفز الآدمي، ويعجله، ~~ويحير عقله، ويخمد نوره، ويغلي في صدره. # والشهوة نار ذات دخان، فكلما زدت النار وقودا، ازدادت نورا وتلهبا، ~~واستجرت تلظيا. # فإنما ذكر المال؛ لأنه رأس الشهوات، وبه تنال جميع الشهوات، وإنما سمي ~~مالا؛ لأنه يميل بالقلب عن الله. # وإنما ذكر العمر؛ لأنه بدوام العمر تدوم له الشهوات، وبالعمر يملك المال، ~~فإذا ذهب العمر، زال المال، وتعطلت الشهوات، فوجدت نفس ابن آدم لذة ~~الشهوات، ولذة دوام العمر، فتشبثت به، واستأثرت القلب، فذهبت بالرقبة، فإذا ~~هو عبد آبق هارب من مولاه، تنكب على وجهه، فجسده في إدبار ونقصان، وفي ~~نقصان من القوة، ووجود اللذة، وقضاء الشهوة هرم، والهرم الخالي من الأشياء، ~~قد خلت طبائعه من الحرارة والقوى، وقحل جلده؛ لانتشاف الحياة ماء جلدته، ~~فاصفرت جلدته، ورق عظمه، وانتشف النقص ماء شبابه، وهو في ازدياد من الحرص ~~على هذين PageV02P162 ~~لا يزالان يشبان منه حتى ينفد عقله، ولا يطفئ لهبان الحرص إلا الإيمان ~~بالله، فكلما ازداد العبد إيمانا بربه، وطمأنينته إليه، وكلما ازداد من ~~الثقة بربه، ازداد به غنى، ومن استغنى بالله، فهو الغني وهو قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس)). # 344 - حدثنا بذلك عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان عن أبي الزناد، عن ~~الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فإذا استغنت النفس بالله لما ولج في الصدر من نور اليقين المنشرح به ~~صدره، صار عرض الدنيا فضلا. # 345 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا المسعودي، عن ~~أبي عمر، عن مكحول، قال: قال ms0194 رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نفس ابن آدم ~~شابة ولو التقت ترقوتاه PageV02P163 ~~من الكبر، إلا من امتحن الله قلبه للتقوى، وقليل ما هم)). # فهذا قد كشف عن معنى ما ذكرنا، وذلك أن النفس معدن الشهوات، فهي شابة؛ ~~لأن تلك الشهوات بمنزلة النار لا تزال متوقدة ما زالت واجدة للحطب، فإذا ~~أمسك عنها الحطب، طفئت، فخمدت، فكذلك شأن النفس، لا تزال رطبة متوقدة تجر ~~شهواتها متلظية بحرها، ما دامت واجدة للنعم، فإذا أمسك عنها، ذبلت، ويبست، ~~فإذا امتحن الله قلبا للتقوى، قوي صاحبه على الامتناع من قضاء الشهوات ~~واللذات، فولج النور قلبه، وانشرح الصدر، ودخلت الخشية، وجاءت الأحزان، ~~ودامت الفكر فيما أمامه PageV02P164 ~~من الخطر الصعب العظيم، وعظائم الأهوال، فهم الذين استثناهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أن تشب نفوسهم وهي شهواتهم، وقليل ما هم. # والامتحان هو: أن يستخرج سره، والسر: هو النور الذي قذفه في قلبه، فإذا ~~استقر ذاك في قلبه، وأشرق في صدره، صار ذلك وقاية له من جميع مكاره الآخرة، ~~فقيل: تقوى، وإنما هو: وقوى، وحولت الواو تاء، ومأخذه: من الوقاية، فإذا ~~فعل ذلك، فقد امتحنه؛ أي: استخرج سره للوقاية التي في صدره وقلبه؛ لأنه ~~يظهر على الأركان بالأفعال المحمودة المرضية. # فالنفوس شابة وإن هرمت الجوارح، وانهدت الأركان؛ لدوام التنعم بالمال ~~والعمر، إلا هذه الطبقة الممتحنة التي استثناهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فنفوسهم هرمت في وقت شبابهم، وحداثة أسنانهم؛ لأن شهواتهم قد ذبلت ~~وضعفت بما ولجت تلك القلوب من الخشية والأحزان لما اطلعوا عليه بقلوبهم من ~~علم الملكوت، ولعلمهم بالله صاروا سبيا من سبيه، والمشغوف سبي من به شغف، ~~فإذا شغفت بدنيا، فأنت سبيها، وإذا شغفت بالآخرة، فأنت سبيها، وإن شغفت ~~بالخالق، فأنت سبيه، ومن استولى على قلبك شأنه، فأنت له، هذا جملة الكلام. # وإن ابن آدم ركب في طبعه أن لا تزال نفسه تجمح في طلب شيء، حتى إذا اطلع ~~على أفضل منه، رفضت هذه، وأقبلت على الأفضل، فلا يزال طالبا، PageV02P165 ~~حتى إذا ms0195 اطلع على الآخرة، رفض هذه، وأقبل عليها، فلا يزال لها طالبا، حتى ~~إذا طالع الملكوت، أقبل على مولاه، ولها عن ذكر الدارين، واشتغل بالماجد ~~الكريم، فرآه سلس القياد، منكسر القلب، قد أخذت الأحزان بمجامع قلبه، ~~فقطعته عن فكر الدنيا وأهلها، وما هم فيه، فهو حبيس الله في سجنه. # وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدنيا سجن المؤمن، وجنة ~~الكافر)). # والمسجون: عينه إلى الباب، يراقب دعوة متى يدعى فيجيب. PageV02P166 ### || AUTO الأصل السادس والخمسون # 346 - حدثنا موسى بن محمد المسروقي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الإفريقي، ~~عن عبد الله بن نافع: أن أبا سعيد الخدري حدثه: أنه سمع نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: ((إن لله -تبارك اسمه- ثلاث مئة وخمسة عشر شريعة، يقول ~~الرحمن: وعزتي! لا يأتيني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئا بواحدة منهن، إلا ~~أدخلته الجنة)). # قال أبو عبد الله: فالرسل: ثلاث مئة وخمسة عشر، لكل رسول شريعة، PageV02P167 ~~فقال في تنزيله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا}. # وقال: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها}. # وإن الله -تبارك اسمه- دعا العباد إلى دار السلام بعد أن دعاهم إلى ~~الإقرار بتوحيده فأجابوه. # فإنما أجابه من هداه، ثم شرع لكل رسول طريقا إليها، وهو الحلال والحرام، ~~فالحلال مرضاته، والحرام مساخطه، فإذا استقام العبد في سيره في شريعته، ~~أدخله الجنة. # فقوله: ((لا يأتيني عبد لا يشرك بي شيئا بواحدة من هذه الشرائع))؛ أي: ~~شريعة زمانه، ورسوله، فلو أتى رجل بشريعة هود في زمن موسى عليه السلام، لم ~~ينتفع به، ولو أتى بشريعة موسى في زمن عيسى، لم ينتفع به، ولو أتى بشريعة ~~عيسى، في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، لم ينتفع به، ولم يقبل منه، إنما ~~يقبل من كل عبد ما أتى بشريعته التي شرعت له على لسان رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، وإن الله شرع الطريق لعباده ليحلوا حلاله، ويحرموا حرامه؛ كي يصلحوا ~~لدار السلام يوم مقدمهم عليه، فإن الحلال زين، والحرام شين، فلم يستجز لهم ~~أن يقدموا عليه ms0196 مع الشين، فيسكنهم داره. PageV02P168 ### || AUTO الأصل السابع والخمسون # 347 - حدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: ~~حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: سمعت سليم بن عامر يقول: سمعت أوسط ~~البجلي على منبر حمص يقول: سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه على المنبر ~~وهو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر عام أول، ~~والعهد قريب: ((سلوا الله اليقين والعافية؛ فإن الناس لم يعطوا شيئا خيرا ~~من اليقين والعافية)). PageV02P169 # قال أبو عبد الله: فاليقين: هو استقرار النور في القلب والصدر، وذلك أن نور ~~الإيمان في القلب، والشهوات بظلمتها، وفوران دخانها متراكمة على القلب، قد ~~أظلمت الصدر، وحالت بين عيني القلب، وبين رؤية أمور الغيب، فهو مقر بأمور ~~الغيب من الجنة والنار، والحساب، وأهوال الموقف، وأمور تدبير الله في ~~دنياه، إلا أن نفسه تشبه عليه بخداعها وأمانيها؛ لأنها لم تصر له ~~كالمعاينة، وليس الخبر كالمعاينة، فإنما أخبره إيمانه بذلك، فإذا امتلأ ~~قلبه من النور، كان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحارثة حين قال: ~~يا رسول الله! كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة كيف ~~يتزاورون فيها، وإلى أهل النار كيف يتعاوون فيها، فأضاء الصدر بذلك، فصارت ~~عينا القلب ذا بصيرة. # فاليقين: استقرار القلب بذلك النور. # ويقال في اللغة: يقن الماء في الحفيرة، يعني: استقر. # وأما العافية: فإنما هو عفو وعافية، وكل واحد منهما مشتق من صاحبه، ~~فالعفو في الآخرة، والعافية في الدنيا، وهو: أن يعفى عنك من الخذلان، فلا ~~تخذل حتى لا تقع في الذنب، وأن يعفى عنك حتى لا تصيبك الشدائد والبلاء، ~~والمكاره، فإنما قيل: عافية، وأصله من العفو؛ فقد عفي عنك PageV02P170 ~~أن يصيبك هذا، والعفو قد عفي عنك أن تصيبك شدائد الآخرة، فكلاهما في المعنى ~~واحد، إلا أن ذلك يستعمل في أمور الآخرة، والعافية في أمور الدنيا، وقد ~~يدخل أحدهما على الآخر في مواضع. PageV02P171 ### || AUTO الأصل الثامن والخمسون # 348 - حدثنا بشر بن هلال ms0197 الصواف، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن هارون ~~الأعور، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة -رضي الله عنها-، ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: {فروح وريحان} -الراء ~~مضمومة-. PageV02P173 # قال أبو عبد الله: وقد قرئت: {فروح وريحان} -الراء مفتوحة-، فمن قرأ {فروح} ~~-مضمومة الراء- ذهب إلى أن الروح أمر جليل من أمره، يحل بالقلب، فبه تطمئن ~~القلوب إلى الله، وينال الذكر الصافي، وبه يصير محقا، وبه يقدس القلب، وبه ~~يشتاق عند حضور أجله إلى اللقاء، فيهون عليه الموت، ويتيسر، ويطيب النفس ~~إلى الشخوص إلى الله، وبه تأتلف قلوب المتحابين في الله، وبه عصمة قلوب ~~الأولياء، وهو من طريق القربة أن تناله قربة. # ومن قرأها: {فروح} -مفتوحة الراء-، فإنه ذهب إلى أنه يسلم عليه ملك الموت ~~في ذلك الوقت، ويقرئه السلام من رب العزة، فيجد لذلك راحة على القلب، وهو ~~قوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما}. PageV02P174 ### || AUTO الأصل التاسع والخمسون # 349 - حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن الأعرج، ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~((المؤمن يأكل في معاء واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)). PageV02P175 # 350 - حدثنا الحسين بن علي العجلي، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا بريد ~~بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمثله. # قال أبو عبد الله: وذلك أن الإنسان مبني على سبعة أخلاق: على الشرك، ~~والشك، والغفلة، والرغبة، والرهبة، والشهوة، والغضب، فهذه أخلاقه، فأي خلق ~~من هذه الأخلاق استولى على قلبه، نسب إليه دون الآخرين. # ومما يحقق ذلك: قوله تعالى: {وإن جهنم لموعدهم أجمعين. لها سبعة أبواب ~~لكل باب منهم جزء مقسوم}، فأهل النار مجزؤون، مقسومون على هذه الأبواب ~~السبعة، فكل جزء منهم إنما صاروا جزءا بخلق من هذه الأخلاق المستولية ~~عليهم، وكذلك روي لنا عن وهب بن منبه. # ومما يحقق ms0198 ذلك ما: # 351 - حدثنا به أبي رحمه الله، قال: حدثنا عبد الله بن نافع الزبيري، ~~قال: حدثنا ابن شيبة، عن ابن جريج، PageV02P176 ~~عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((للنار باب لا يدخل منه إلا من شفا غيظه من سخط الله)). # 352 - حدثنا ابن أبي زائدة الهمداني، قال: حدثنا عثمان بن عمر البصري، ~~قال: حدثنا مالك بن مغول، عن جنيد، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((لجنهم سبعة أبواب، منها باب لمن سل سيفه على ~~أمتي)). PageV02P177 # فهذا للرغبة، والأول للغضب. # فابن آدم مبني على هذه الأخلاق السبعة، فإذا ولج الإيمان القلب، نفى هذه ~~السبعة من القلب، فبقدر قوة الإيمان، تذوب هذه الأخلاق من النفس، وعلى قدر ~~ضعفه، يبقى ضررهن، فإذا كمل النور، وامتلأ القلب منه، لم يبق لهذه الأخلاق ~~فيه موضعا، ولا ولوجا، فنفى الشك، والشرك، والغفلة أصلا، وصار بدل الشرك: ~~إخلاصا، وبدل الشك: يقينا، وبدل الغفلة: انتباها وكشف غطاء ومعاينة، وصار ~~الغضب له، وفي ذاته، وصارت الرغبة إليه، والرهبة منه، وصارت الشهوة: منية، ~~وكانت قبل ذلك نهمة، فتحولت منية، وبقدر ضعف الإيمان وسقمه، يبقى من هذه ~~الأخلاق في المؤمن، فبقي فيه شرك الأسباب، وشك الأرزاق، وغفلة التدبير في ~~كنه الأمور، والرغبة، والطمع في الخلق، والرهبة منهم في المضار والمنافع، ~~واستعمال الشهوات على النهمة، فإيمانه يقتضيه ما عقد في توحيده لربه، أن ~~هذه الأشياء كلها منه، وله، فأخلاقه تمنعه الوفاء بذلك عند نوائبه، فلذلك ~~يبقى في عرصة PageV02P178 ~~القيامة محاسبا في مدة طويلة، والآخر كمل إيمانه، وامتلأ قلبه من نور ~~الإيمان، فصار كما وصفنا بدءا، فسقط عنه الحساب غدا. # فابن آدم يأكل في معاء واحد، أعني: الخلقة، إلا أن هذه الأخلاق السبعة ~~سوى الغضب، قد عملت على قلبه، فصار كأنه يأكل في سبعة أمعاء، وإذا آمن، ~~فامتلأ قلبه من نور الإيمان، سكنت هذه الأخلاق، فشبع وروي؛ لأنه قد ثقل ~~عليه بما ولج فيه، فإذا آمن، ms0199 فإنما يأكل بمعاه الذي خلق فيه، وكلما كان ~~أوفر حظا من إيمانه، كان أقل لطعمه بهذا المعاء الواحد أيضا، وإذا كان ~~كافرا، فهذه الأخلاق الستة تعمل على قلبه، حين يصير كأنه يأكل في سبعة ~~أمعاء؛ لأن الشرك، والشك، والغفلة، والشهوة، والرغبة، والرهبة، هم أعوان ~~لحرصه، فإذا حرص، لم يشبع، فاحتاج إلى الكثير، والذي سكنت عنه هذه الستة ~~الأخلاق بولوج الإيمان قلبه، ذاب الحرص في جوفه، وثقل الإيمان في قلبه، ~~فأكل بالمعاء الذي خلق للآدميين، فاكتفى بذلك. # ومما يحقق ما قلنا: # 353 - ما حدثنا به عيسى بن أحمد العسقلاني، قال: حدثنا علي بن عاصم، عن ~~حصين بن عبد الرحمن، PageV02P179 ~~قال: حدثني أبو صالح السمان، قال: قدم ثلاثون راكبا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من غفار، فيهم رجل يقال له: أبو بصرة مثل البعير، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((تبددوا القوم)). فجعل الرجل يقيم الرجل، ~~والرجل يقيم الرجلين، على قدر ما عنده من الطعام، حتى تفرق القوم غير أبي ~~بصرة، قال: وكل القوم يرى أن ليس عنده ما يشبعه، فلما رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذاك، قام، فاستتبعه، فتبعه، فلما دخل، دعا له بطعام، فوضعه ~~بين يديه، فكأنما لحسه، ثم دعا له بقدح، فحلب له فيه، فشربه، حتى حلب له في ~~سبعة قداح، فشربها، فبات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه ~~الإسلام، فتكلم بشيء منه، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى صلاة ~~الغداة، استتبعه، فتبعه، فصلى معه الغداة، فلما سلم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، أقبل على الناس بوجهه، فقال: ((علموا أخاكم وبشروه))، فأقبل ~~القوم بنصح يعلمونه، فألقى PageV02P180 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبا حين أسلم، ثم قام فاستتبعه، فتبعه، فلما ~~دخل دعا له بطعام، فوضع بين يديه، فلم يأكل إلا يسيرا حتى قال: شبعت، ثم ~~دعا له بقدح، فحلب فيه، فلم يشرب إلا يسيرا، حتى قال: رويت، فضرب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على منكبه، ms0200 فقال: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول ~~الله، إنك كنت بالأمس كافرا، وإنك اليوم مؤمنا، وإن الكافر يأكل في سبعة ~~أمعاء، وإن المؤمن يأكل في معاء واحد)). PageV02P181 ### || AUTO الأصل الستون # 354 - حدثنا نصر بن علي الحداني، وقتيبة بن سعيد، وصالح بن عبد الله، ~~وابن أبي ميسرة، قالوا: حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس، عن ابن أبي رواد، عن ~~نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ~~قال: ((لكل عبد صائم دعوة مستجابة عند إفطاره، أعطيها في الدنيا، أو ذخر له ~~في الآخرة))، فكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول عند إفطاره: يا واسع ~~المغفرة اغفر لي. PageV02P183 # نصر بن علي رفعه، والآخرون وقفوا به على ابن عمر. # قال أبو عبد الله: فأمة محمد صلى الله عليه وسلم قد خصت من بين الأمم في ~~شأن الدعاء، فقيل: {ادعوني أستجب لكم}، فإنما كانت تكون للأنبياء، فأعطيت ~~هذه الأمة ما أعطي الأنبياء، فلما دخل التخليط في أمورهم من أجل الشهوات ~~التي استولت على قلوبهم، حجبت قلوبهم، فالصوم مع النفس عن الشهوات، فإذا ~~ترك شهوته من أجله، صفا قلبه، وصارت دعوته بقلب فارغ قد زايلته ظلمة ~~الشهوات، وتولته الأنوار، فاستجيب له؛ فإن كان ما سئل في المقدور له، عجل، ~~وإن لم يكن، كان مذخورا في الآخرة. # وبلغنا: أن العبد إذا دخل الجنة، أعطي من الجنة بقدر ما يستقر في ملكه، ~~ويجاز له ثوابه، فإذا زيد، قيل له: هذه دعواتك التي كنت لا تدري لها في دار ~~الدنيا إجابة، كان ذلك مدخرا لك عندنا. PageV02P184 # 355 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا هشام ابن خالد الدمشقي، قال: حدثنا ~~الوليد بن مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله المدني، قال: سمعت ابن أبي ~~مليكة، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((للصائم عند فطره دعوة لا ترد)). # قال ابن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو ms0201 يقول عند فطره: اللهم إني ~~أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي. PageV02P185 ### || AUTO الأصل الحادي والستون # 356 - حدثنا محمد بن علي الحكيم -رحمة الله عليه-، قال: حدثنا أبو الحجاج ~~النضر بن طاهر البصري، قال: حدثنا بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن ~~أبيه، عن أبي بكرة، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه ~~الأمر يسر به، خر لله ساجدا شكرا)). PageV02P187 # قال أبو عبد الله: فالسجود: أقصى حالة العبد في التواضع لله، وهو أن يضع ~~مكارم وجهه بالأرض، ويسكن جوارحه ملقيا للأرض وهكذا يليق، فالمؤمن كلما ~~زاده محبوبه كرما، ازداد له تذللا وتمسكا، وإليه افتقارا، فيه ترتبط ~~النعمة، وبه يجتلب المزيد، ويقتضي وليها الشكر عليها، وينجز ما وعد عليه من ~~مزيدها، وهو قوله: {لئن شكرتم لأزيدنكم}. # فالشكر: رؤية النعمة، ولا ينفك من رأى النعمة من الحياء، وإذا استحيا، ~~خجل، وتذلل، وتواضع. # فكان الرسول صلى الله عليه وسلم أعلاهم درجة في الرؤية من الله -تبارك ~~وتعالى- والمعرفة، وأنفذهم بصرا في صنعه؛ لعظيم اليقين، فكان يفزع إلى ~~السجود من أثقال النعمة والمنة، وكان من شأنه: ((إذا فرح، غض بصره)). # 357 - حدثنا بذلك سفيان بن وكيع، قال: حدثنا جميع بن عمر العجلي، عن رجل ~~من ولد هند بن أبي هالة يكنى أبا عبد الله، عن الحسن بن علي، عن هند بن أبي ~~هالة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV02P188 # قال أبو عبد الله: فغض البصر من الحياء عندنا، وهكذا عادة الآدمي إذا ~~استحيا، غض بصره؛ لأن الحياء في العينين، من أجل أن الحياء من شأن الروح، ~~وبصره متصل ببصر الروح. # وأيضا خلة أخرى: وذلك أن الفرح في القلب يؤدي إلى العين، فإذا انتهى ~~الفرح إلى العين، ولم تغضها، انتشر الفرح، وقوي، فلم يكن صلى الله عليه ~~وسلم يحب أن ينشر فرحه في دار الأحزان، حتى يكون ذلك كله في دار الله، ~~فسجود الشكر معلوم رسمه في أفعال الرسول، متواترة منه، قد فعله غير مرة، ~~ومن بعده أصحابه. # 358 ms0202 - حدثنا يعقوب بن شيبة، قال: حدثنا إسحاق ابن سليمان الرازي، قال: ~~حدثنا موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن موسى بن وردان، عن عبد ~~الرحمن ابن أبي بكر رضي الله عنهما، قال: جئت أزور عائشة -رضي الله عنها-، ~~فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه، ثم سري عنه، فقال: PageV02P189 # ((يا عائشة: ناوليني ردائي، فناولته))، ثم أتى المسجد، فإذا مذكر يذكر، ~~فجلس حتى قضى المذكر تذكرته، افتتح: {حم. تنزيل من الرحمن الرحيم}، فسجد، ~~فطالت سجدته، حتى تسامع به -أظنه قال: من كان على ميلين-، وملئ عليه ~~المسجد، وأرسلت عائشة في حاجتها، أن احضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ولقد رأيت منه أمرا، ما رأيت منه منذ كنت معه، فرفع رأسه فقال: ((سجدت هذه ~~السجدة شكرا لربي فيما أبلاني في أمتي))، فقال له: -أحسبه أبو بكر-: وماذا ~~أبلاك في أمتك؟ قال: ((أعطاني سبعين ألفا من أمتي يدخلون الجنة)). قال: يا ~~رسول الله! إن أمتك كثير طيب، فازدد يا رسول الله. قال: ((قد فعلت، فأعطاني ~~مع كل واحد من السبعين ألفا سبعين ألفا))، قال: يا رسول الله! ازدد لأمتك، ~~فقال بيديه، ثم مال بهما إلى صدره، أو إلى بعض جسده، فقال عمر رضي الله ~~عنه، أو غيره: أوعيت يا رسول الله! أو كلمة نحوها. PageV02P190 # 359 - حدثنا بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان، قال: حدثنا عبد الله بن بكر ~~بن وهب السهمي، قال: حدثنا هشام ابن حسان، عن القاسم بن مهران، عن موسى بن ~~وردان، عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((إن الله أعطاني سبعين ألفا من أمتي يدخلون الجنة بغير ~~حساب)). فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله! فهل استزدته؟ قال: ((قد ~~استزدته فأعطاني مع كل واحد من السبعين ألفا، سبعين ألفا))، فقال عمر رضي ~~الله عنه: فهلا استزدته يا رسول الله؟ قال: ((استزدته فأعطاني هكذا))، وفتح ~~أبو وهب يديه. # قال أبو هب: قال ms0203 هشام: هذا من الله لا يدرى ما عدده. PageV02P191 # فهذا الحديث أتم وأشبع، والأول لم يذكر فيه أنهم يدخلون الجنة بغير حساب، ~~وحديث عبد الرحمن بن أبي بكر أشبه بما ذكر؛ لأنه قد جاء في الروايات أنه ~~يدخل الجنة من هذه الأمة سبعين ألفا بغير حساب. # 360 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا الربيع بن يحيى، [عن] ~~المسعودي، عن بكير بن الأخنس، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر رضي الله ~~عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت سبعين ألفا من أمتي ~~يدخلون الجنة بغير حساب، قلوبهم على قلب رجل واحد، PageV02P192 ~~فاستزدت، فزادني مع كل واحد سبعين ألفا)). # 361 - حدثنا محمد بن موسى الحرشي، قال: حدثنا سعد بن عاصم، قال: حدثنا ~~نافع: أن أم قيس حدثته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج آخذا بيدها في ~~سكة من سكك المدينة، حتى انتهى بها إلى بقيع الغرقد، فقال: # ((منها يبعث سبعون ألفا يوم القيامة في صورة القمر ليلة البدر، يدخلون ~~الجنة بغير حساب)). فقام رجل فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، ~~قال: ((أنت منهم))، فقام آخر فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، ~~قال: ((سبقك بها عكاشة)). PageV02P193 # فهذا العدد من مقبرة واحدة، فكيف سائر مقابر أمته؟! # وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنت منهم))، كأنه رأى فيه أنه ~~منهم، والآخر لم يره بموضع ذلك، فقال: ((سبقك بها عكاشة))، فقال للأول، وهو ~~عكاشة: ((أنت منهم))، إيجابا وقسما. # وأم قيس: هي بنت محصن، وهي أخت عكاشة بن محصن الأسدي. # فهذا عطاء ربنا وكرامته لهذه الأمة أن أيدهم باليقين حتى عاملوا الله على ~~الصدق والوفاء بفضل يقينهم، فصاروا سادات الأمم. # وكذلك قال: ((أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله)). PageV02P194 # فباليقين وفوا، وصدقوه فيما قبلوا منه، فسقط الحساب عنهم، ثم مع كل واحد ~~منهم سبعين ألف يدخلون بشفاعته، ثم مع كل واحد من الذين شفعوا فيهم يدخل ~~بشفاعته سبعون ألفا، ms0204 فاعتبر الآن كيف أولئك السبعون الألف الأولون، أولئك ~~أولياء الله الذين {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. # وهم السابقون المقربون، يشفع كل رجل منهم في سبعين ألفا ممن احتبس للحساب ~~في الموقف، ممن وجبت له الجنة، ثم يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا ممن وجب ~~عليه الوقوف وطول الموقف. # فسجدة الشكر مما فعلها الصحابة والتابعون. # 362 - حدثنا محمد بن موسى الحرشي، قال: حدثنا سلمة بن رجاء، قال: حدثتنا ~~شعثاء، قالت: PageV02P195 # رأيت عبد الله بن أبي أوفى، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتي ~~برأس أبي جهل، صلى ركعتين، وصلى بهم يوم الفتح ركعتين. # وسجد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ثلاث سجدات تباعا حيث روى له أبو ~~بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن PageV02P196 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث الذي قال: ((يجاء باليهودي والنصراني ~~يوم القيامة، فيقال: هذا فداؤك يا مسلم من النار)). PageV02P197 ### || AUTO الأصل الثاني والستون # 363 - حدثنا زريق بن السخت العدوي، قال: حدثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا ~~عمر بن راشد اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا بعثتم إلي رسولا، ~~فاجعلوه حسن الوجه، حسن الاسم)). PageV02P199 # قال أبو عبد الله: # فهذا من طريق التفاؤل، وذلك أن أهل اليقظة والانتباه يرون الأشياء كلها ~~من الله، فإذا ورد وارد حسن الوجه، حسن الاسم، تفاءل به، وهو حسن الظن بالله. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولا يتطير. # لأن التفاؤل هو حسن الظن بالله، والفأل هو شيء يخص به قوم، وليس يكون لكل ~~واحد؛ كالفراسة، والإلهام، إنما يكون لقوم خاص، وكالحكمة إنما تكون لطائفة ~~من الناس، فكذلك الفأل. # كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الفأل مرسل)). # فمن أعطي حظا من الفأل، انتفع بالفأل؛ كمن أعطي الفراسة، فله منها حظ، ~~ومن لم يعط، لم يكن له منها حظ، والفأل قريب من ms0205 الأفكار، والحظ نحوه. PageV02P200 # وقد كان نبي من الأنبياء يخط، فهذا الخط أفكاره وهو قريب من الفأل، وقد ~~شرحته في بابه، والخط علم عظيم خص به أهله ممن قد لاحظ ذلك يوم المقادير. # 364 - حدثنا أبو عمار الخزاعي، قال: حدثنا أوس ابن عبد الله بن بريدة، ~~قال: حدثني أخي سهل بن عبد الله: أن أباه حدثه عن أبيه بريدة: أن نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم كان لا يتطير، ولكن يتفاءل، فكانت قريش جعلت مئة من ~~الإبل فيمن يأخذ نبي الله فيرده عليهم حيث توجه إلى المدينة، فركب بريدة في ~~سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم، فتلقاه نبي الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: ((من أنت؟))، قال: أنا بريدة، فالتفت ~~إلى أبي بكر وقال: # ((يا أبا بكر! برد أمرنا، وصلح))، فقال: ((وممن؟))، قال: من أسلم، فقال ~~لأبي بكر: ((سلمنا)). قال: ((ثم ممن؟))، قال: من بني سهم، قال: ((خرج ~~سهمك)). PageV02P201 # فأسلم بريدة، وأسلم الناس معه جميعا، فلما أن أصبح، قال بريدة لنبي الله ~~صلى الله عليه وسلم: لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء، فحل عمامته، ثم شدها ~~في رمح، ثم مشى بين يديه، فقال: يا نبي الله! تنزل علي، فقال: ((إن ناقتي ~~هذه مأمورة))، فسارت حتى وقفت على باب أبي أيوب الأنصاري، فبركت، فقال ~~بريدة: الحمد لله الذي أسلمت بنو سهم طائعين غير مكرهين. PageV02P202 # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((قال الله تعالى: أنا ~~عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)). # فإذا أحسن ظنه به، وفى له بما أمل وظن، والتطير سوء الظن بالله، وهرب من ~~قضائه، والعقوبة إليه سريعة، والمقت له كائن، ألا ترى إلى العصابة التي فرت ~~من الطاعون كيف أماتهم، فروي في الحديث: أنه قال: ((مقتهم فأماتهم)). # وذكر في تنزيله فقال: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر ~~الموت فقال لهم الله موتوا}، فالهرب من الطاعون تطير، وهرب من قضاء الله، ms0206 ~~وسوء ظن به. # 365 - حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا فضيل بن سليمان، عن فائد مولى عبيد ~~الله بن علي، عن عبيد الله ابن علي، عن أبي رافع، قال: أتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومعي PageV02P203 ~~مكتل فيه شاة مشوية، فقال لي: ((يا أبا رافع! ضع ما معك)). ثم قال: ~~((ناولني الذراع))، فناولته، فأكلها، ثم قال: ((ناولني الذراع))، فناولته، ~~فأكلها، ثم قال: ((ناولني الذراع))، فقلت: وهل للشاة أكثر من ذراعين؟! فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو سكت، لوجدتها)). PageV02P204 ### || AUTO الأصل الثالث والستون # 366 - حدثنا علي بن حجر، وأبو بشر محمود بن المهدي، وصالح بن عبد الله، ~~قالوا: حدثنا بشير بن ميمون البرقاني أبو صيفي، قال: سمعت مجاهدا عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من صدقة ~~بأفضل من صدقة يصدقها على مملوك عند مليك سوء)). # قال صالح بن عبد الله: أبو صيفي الواسطي أظنه كان أصله برقانيا. # قال أبو عبد الله: فالمملوك عند مليك السوء مضطر، والصدقة على PageV02P205 ~~المضطر أضعاف مضاعفة؛ لأنهم ثلاثة أصناف: فقير مستغن عن الصدقة في ذلك ~~الوقت، وفقير محتاج، ومضطر، فالصدقة على المستغني عنه وهو في حد الفقر ~~صدقة، والصدقة على المحتاج مضاعفة، والصدقة على المضطر أضعاف مضاعفة، ~~فالمملوك عند مليك السوء انتظمت حالته هذه الثلاث، فهو فقير، وهو محتاج، ~~وهو مضطر، فلذلك صار أفضل الصدقات. PageV02P206 ### || AUTO الأصل الرابع والستون # 367 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه، ومالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي ~~هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((كل مولود يولد على ~~الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء، هل تحس ~~من جدعاء))، قالوا: يا رسول الله! أفرأيت من يموت صغيرا؟ قال: ((الله أعلم ~~بما كانوا عاملين)). PageV02P207 # 368 - حدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن ~~أبي هريرة، عن ms0207 رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # قوله: (كل مولود يولد على الفطرة)؛ أي: على الإسلام، وذلك أن الله تعالى: ~~{أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم} فأسلما له طوعا ~~وكرها، وألقوا بأيديهم اعترافا بربوبيته، فمنهم مسلم، ومنهم مستسلم. # وفي الجملة: كلهم أقروا له بالربوبية وحده وبالسمع والطاعة له، فأخذ ~~عليهم الميثاق، ثم ردهم إلى الأصلاب، فلما خرجوا من الأرحام إلى الدنيا ~~مولودين، فإنما خرجوا من تلك الفطرة، فمن ولده يهودي أو نصراني أو مجوسي، ~~فالولد في الحكم لأبيه؛ لأنه من مائه، وإنما صيروا الحكم لأبيه لا لأمه؛ ~~لأن العظام والعصب والعروق من الأب، واللحم والدم والشعر والجلد من الأم، ~~فأصل الجسد هو من الأب. # ألا ترى أن اللحم والدم والجلد تذهب وتجيء، والجسد باق، والعظام والعصب ~~والعروق، إذا ذهبت، ذهب الجسد، فالأصل للأب. PageV02P208 # قال الله تعالى: {فكسونا العظام لحما}، فالعظام من الأب، والكسوة من الأم، ~~فلذلك نسب إلى أبيه، وصير حكمه واحد، والعصوبة له في الميراث، والولاية ~~وسائر الأحكام. # فإذا ولد المولود وأبوه يهودي أو نصراني، فهو لاحق بأبيه؛ لأن أصل جسده ~~الذي عليه بني سائر الجسد من مائه، فحكم له في الظاهر في الأحكام بحكم ~~أبيه، فهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فأبواه يهودانه أو ~~ينصرانه)) أي: صار يهوديا أو نصرانيا في ظاهر الحكم بيهودية أبيه ونصرانيته ~~حتى يدرك، فإذا أدرك، فثبت على دين أبيه، فهو معه، وإن أسلم، فقد فارقه، ثم ~~لما صار إلى شأن الآخرة، فقيل: يا رسول الله! فكيف من يموت صغيرا؟ أي: لم ~~يدرك الحلم حتى يكون إسلامه إسلاما، قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)). # معناه: أن الله -تبارك وتعالى- أبرز من غيبه علما، فجرى القلم في اللوح ~~بذلك العلم من الشقاء والسعادة، فردهم إلى علم الله الذي خلقهم شقيا ~~وسعيدا، فقد علم الله أن لو عاشوا حتى يدركوا ما كان يظهر على ألسنتهم من ~~كلمة الشقاء والسعادة اعترافا بلا إله إلا الله، أو جحودا به، وانقيادا له، ~~قابلين ms0208 لأمره، أو عياذا عنه، معرضين عن أمره، فإن مات أحدهم صغيرا قبل أن ~~يظهر هذا، فالله أعلم ما كان يكون، ومن أي الصنفين هو. # وأما قوله: (كما تناتج الإبل هل تحس من جدعاء): فإنه يقول: إن الأنعام ~~إذا تناتجت، فمولودهن سوي صحيح، فعمد المشركون فجدعوا آذانها، وذلك أن ~~العرب في الجاهلية ابتدعوا بدعا، وزين لهم الشيطان ذلك، PageV02P209 ~~فكانوا إذا ولدت بهيمة أحدهم، شقوا آذانها، فيقولون: هذه بحيرة، وتجدع ~~آذانها، فتقول: هذه صرماء، فأنزل الله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا ~~سائبة ولا وسيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب}. # 369 - حدثنا علقمة بن عمرو التميمي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي ~~إسحاق، عن أبي الأحوص، عن أبيه عوف بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وحدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنيه أبو الزعراء عمرو بن ~~عمرو، سمعه من عمه أبي الأحوص، عن أبيه، وهو عوف بن مالك الجشمي، قال: أتيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد في البصر وصوبه، وقال: ((أرب إبل أنت ~~أم رب غنم؟))، قلت: من كل المال قد آتاني الله، وأكثر وأطيب، قال: ((أفلست ~~تنتجها وافية أعينها وآذانها؟))، قلت: بلى، قال: ((فتجدع آذانها فتقول: ~~صرماء، وتشق من هذه فتقول: بحيرة، فساعد الله أشد، وموساه أحد، لو شاء الله ~~أن يأتيك بها صرماء، فعل)). PageV02P210 # فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((فأبواه يهودانه وينصرانه كما ~~تناتج الإبل هل يحس من جدعاء))؛ أي: إن الله خلقه سويا وافرا وافيا، فأنتم ~~جدعتموه، وكذلك خلق الله هذا المولود على الفطرة التي فطرهم حيث استخرجهم ~~من صلب آدم، معترفين له بالربوبية، فأنتم هودتموه ونصرتموه. # ومنه قوله: {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة}، فكانت النصارى إذا ولد ~~لهم مولود، صبغته في ماء لهم يقولون: نطهره بذلك، فقال الله: {صبغة الله}؛ ~~أي: فطرة الله التي فطرهم عليها أحسن من صبغتهم، فإنما صار المولود للأب في ~~الحكم حتى يدرك، فإذا أدرك، ms0209 صار حكمه حكم المسلمين، وإن تهود، أو تنصر، حكم ~~له بذلك. # 370 - حدثنا أبو طالب الهروي، قال: حدثنا يوسف ابن عطية، عن قتادة، قال: ~~حدثنا أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود ~~يولد من والد كافر أو مسلم، فإنما يولدون على الفطرة، على الإسلام كلهم، ~~ولكن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم، فهودتهم، ونصرتهم، ومجستهم، ~~وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا)). PageV02P211 # وقال الله وقوله الحق: ((خلقت عبادي حنفاء، وأمرتهم أن لا يشركوا بي ~~شيئا)). # 371 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن مطرف بن ~~عبد الله، أو غيره، عن عياض بن حمار، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ~~قال في خطبته: ((إن الله أمرني أن أعلمكم، وقال: إني خلقت عبادي حنفاء، ~~فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي، وحرمت عليهم ما ~~أحللت لهم)). # قال أبو عبد الله: فهذا بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا، وتأكدت حجة ~~عليهم، وعملت أهواؤهم فيهم، أتتهم الشياطين، ودعتهم إلى اليهودية ~~والنصرانية؛ لأن الشياطين وجدت قلوبا خالية، إنما هي بضعة من لحم، والنفس ~~والروح يعقلان أمر الحياة، والمضار والمنافع، والآيات ظاهرة من PageV02P212 ~~خلق السماوات والأرض، والشمس والقمر والبحر، واختلاف الليل والنهار. # فهذه حجج الله على عبيده، فذهبت بأهوائهم يمينا وشمالا. # وأما المؤمنون، فهم أهل منة الله، من الله عليهم، فجعل لهم نورا، فقال: ~~{أومن كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها}، {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور)). # فأهل منته: كانت قلوبهم بضعة لحم، فأحياها الله بنوره. # وأهل عداوته: حرموا ذلك، فخابوا، والحجة عليهم قائمة بما أعطوا من ~~المعرفة بأمور الدنيا. # قال الله تعالى: {قد أفلح من زكاها. وقد غاب من دساها}. فإنما زكوها بنور ~~المعرفة، وإنما دساها قلب الكافر. # قوله: دسى، ودس، ودسس، كله بمعنى واحد، وهو: أن يدس باب قلبه، كما تدس ~~باب الكوة، حتى لا ms0210 يقع في البيت ضوء، فهو بيت مظلم، قد مال به هوى نفسه. # وأما أطفال المسلمين، فقد جاءت فيه أخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 372 - حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن ~~المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ~~قال: ((لا يموت لأحد من المسلمين PageV02P213 ~~ثلاثة من الولد، فتمسه النار إلا تحلة القسم)). # 373 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا خالد بن عبد ~~الله، عن يحيى الجابر، عن عبيد الله بن مسلم، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ما من مسلمين يتوفى لهما ~~ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخل الله والديهم الجنة بفضل رحمته ~~إياهم، والذي نفسي بيده! إن السقط ليجر أمه إلى الجنة بسروره إذا احتسبت)). PageV02P214 # 374 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا عبد الواحد بن ~~زياد، عن عثمان بن حكيم، عن عمرو بن عامر، قال: سمعت أم سليم تقول: قال لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله، ولم يذكر السقط. PageV02P215 # 375 - حدثنا نصر بن علي الحداني، وأبو الخطاب الحرشي، قال: حدثنا عبد ربه ~~بن بارق الحنفي، سمع جده سماك بن الوليد الحنفي يحدث: أنه سمع ابن عباس ~~يقول: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يا عائشة! من مات له ~~فرطان من أمتي، أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم)). قالت: يا رسول الله! ~~فمن كان له فرط واحد؟ قال: ((ومن كان له فرط واحد يا موفقة)). قالت: فمن لم ~~يكن له فرط؟ قال: ((فأنا فرط أمتي، لم يصابوا بمثلي)). PageV02P216 # فإذا كان الوالدان إنما يدخلهما الله الجنة بفضل رحمته للولد، فكيف يكون ~~رحمته للولد؟ # 376 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا أبو نعيم، عن أبي عقيل الحذاء، ~~قال: حدثتني بهية مولاة أبي بكر رضي الله عنه، قالت: سمعت عائشة -رضي الله ms0211 ~~عنها- تقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المسلمين، أين هم ~~يوم القيامة؟ قال: ((في الجنة يا عائشة))، وسألته عن أولاد المشركين، فقال: ~~((في النار يا عائشة))، قلت: لم يدركوا الأعمال يا رسول الله! ولم تجر ~~عليهم الأقلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ربك أعلم بما كانوا ~~عاملين)). PageV02P217 # 377 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا مندل بن علي، ~~عن الحسن بن الحكم، عن أسماء بنت عابس، عن أبيها، عن علي رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن السقط ليراغم ربه إذا أدخل ~~أبويه النار، فيقال له: أيها السقط المراغم ربه! قد أدخل أبواك الجنة، ~~فيقول: لا، حتى يجرهما بسرره)). PageV02P218 # 378 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحكم بن المبارك، قال: حدثنا محمد ~~بن حرب، قال: حدثنا محمد ابن زياد، قال: حدثنا عبد الله بن [أبي] قيس ~~اللخمي، قال: سألت عائشة -رضي الله عنها- عن أطفال المسلمين وأطفال ~~المشركين، فقالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المؤمنين، ~~فقال: ((مع آبائهم))، قلت: بلا عمل؟! قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين))، ~~قلت: فأطفال المشركين؟ قال: ((مع آبائهم))، قلت: بلا عمل؟ قال: ((الله أعلم ~~بما كانوا عاملين)). PageV02P219 # فالأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أطفال المسلمين متواترة أنهم ~~في الجنة، وقد قال في تنزيله: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا ~~بهم ذريتهم} فهم لاحقون بهم. # وقال: {كل نفس بما كسبت رهينة. إلا أصحاب اليمين}، فروي عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه، قال: هم أطفال المسلمين، لم يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم. # ثم قال: {في جنات يتساءلون. عن المجرمين}. # ثم روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنه يؤتى بثلاثة أصناف ~~فيبتلون هنا)). # 379 - حدثنا بذلك إبراهيم بن عبد الحميد التمار الحلواني، قال: حدثنا ~~محمد بن المبارك الصوري، قال: حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حلبس، عن أبي ~~إدريس الخولاني، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، ms0212 عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه PageV02P220 ~~قال: ((يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا، وبالهالك في الفترة، وبالهالك ~~صغيرا، فيقول الممسوخ عقلا: يا رب! لو آتيتني عقلا، ما كان من آتيته عقلا ~~بأسعد بعهدك مني، ويقول الهالك في الفترة: يا رب! لو أتاني منك عهد، ما كان ~~من أتاه منك عهد بأسعد بعهدك مني، ويقول الهالك صغيرا: يا رب! لو آتيتني ~~عمرا ما كان من آتيته عمرا، بأسعد بعمره مني، فيقول الرب -تبارك وتعالى-: ~~فإني آمركم بأمر، أفتطيعونني؟ فيقولون: نعم، وعزتك! فيقول لهم: اذهبوا ~~فادخلوا جهنم، ولو دخلوها ما ضرتهم شيئا، فيخرج عليهم قوابض من نار يظنون ~~أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعا، ويقولون: PageV02P221 # يا ربنا! خرجنا -وعزتك- نريد دخولها، فخرجت علينا قوابض من نار، ظننا أن قد ~~أهلكت ما خلق الله من شيء، ثم يأمرهم ثانية، فيرجعون فيقولون كذلك، فيقول ~~الرب -تبارك وتعالى-: خلقتكم على علمي، وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فتأخذهم ~~النار)). # 380 - حدثنا محمد بن الحسين، قال: أخبرنا PageV02P222 ~~علي بن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله، قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال: حدثني ~~يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد ابن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل، فسأله عن ذراري المشركين الذين ~~هلكوا صغارا، فوضع رأسه ساعة ثم قال: ((أين السائل؟))، فقال: ها أنا ذا يا ~~رسول الله! فقال: ((إن الله -تبارك وتعالى- إذا قضى بين أهل الجنة والنار، ~~ولم يبق غيرهم، عجوا فقالوا: اللهم ربنا لم يأتنا رسولك، ولم نعلم شيئا، ~~فأرسل إليهم ملكا، والله أعلم بما كانوا عاملين، فقال: إني رسول ربكم ~~إليكم، فانطلقوا فاتبعوا حتى أتوا النار، فقال لهم: إن الله يأمركم، أن ~~تقتحموا فيها، فاقتحمت طائفة منهم، ثم أخرجوا من حيث لا يشعر أصحابهم، ~~فجعلوا في السابقين المقربين، ثم جاءهم الرسول فقال: إن الله يأمركم أن PageV02P223 ~~تقتحموا في النار، فاقتحمت طائفة أخرى، ثم أخرجوا من حيث لا يشعرون، فجعلوا ~~في أصحاب اليمين، ثم ms0213 جاء الرسول فقال: إن الله يأمركم أن تقتحموا في النار، ~~فقالوا: ربنا لا طاقة لنا بعذابك، فأمر بهم، فجمعت نواصيهم وأقدامهم، ثم ~~ألقوا في النار)). # قال أبو عبد الله: فالولد عضو من الرجل، فإذا قدمه من قبل أن يبلغ الحنث، ~~فيؤخذ بذنبه، فيشتغل عن أبويه، فهو غير مسؤول عن ذنب كان بمحل راحة، وعتق ~~من آثار الذنوب، وقد جعل من تدبيره في حكم PageV02P224 ~~الحكام هاهنا: أن إذا أعتق السيد من مملوكه بعض أجزائه، عتق كله، كقوله ~~لعبده: بعض جسدك حر، أو قال: جزء من أجزائك حر، فقد شاعت هذه الحرية في ~~جميعه، فهذا الطفل قدم على ربه وهو غير مطلوب بذنب، فصار حرا من رق الذنوب، ~~وهو جزء من أجزاء الوالدين. # وقوله: ((لم يبلغوا الحنث)): فإن الحنث هو العهد الذي كان أخذ عليهم يوم ~~الميثاق، حيث استخرجهم من صلب آدم، فبايعوه على العبودة، وقررهم بأنه ربهم ~~بالسمع والطاعة له، فلما خرجوا من الأصلاب والأرحام، تجاوز عنهم أيام ~~طفوليتهم، حتى إذا أدركوا مدرك الرجال، تركوا الطاعة له، وحنثوا في ذلك ~~العهد والميثاق؛ كما يحنث الرجل في يمين يحلف بها، فالحنث: ترك الوفاء، ~~فسمي عصيانه حنثا. # واشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الأولاد، فقال: ((لم يبلغوا ~~الحنث))؛ أي: لم يبلغوا أن حنثوا في الميثاق والعهد، فكان من رحمة الله ~~عليهم أن أنقذوا أبويهم من النار بفضل رحمته إياهم. PageV02P225 # وقوله: ((إلا تحلة القسم))؛ فإنه أقسم (أن يرد النار جميعهم، فقال في ~~تنزيله: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا}). # فقال: لا تمسه النار إلا بقدر ما يبر قسمه بوروده النار، ويجعلها عليه ~~بردا وسلاما، فلا تضره، ويحل قسم ربنا. # وأما أطفال المشركين: فإنه يخبر في هذه الروايات: أنه ردهم إلى علمه فيهم ~~كيف كانوا يكونون أن لو أدركوا، فهذا وجه الأمر، ثم كانت من الله مشيئة ~~أبرزها من علمه أن قيض لهم رسوله شفيعا كما جاءت به الروايات، فكان هذا بعد ~~ما سبق من رسول الله صلى الله ms0214 عليه وسلم القول فيهم بما قال، ثم جاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وشفاعته. # 381 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا المسيب ابن واضح، قال: حدثنا ~~مروان بن معاوية الفزاري، عن برد بن سنان، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني سألت ربي ~~أولاد المشركين، PageV02P226 ~~فأعطانيهم خدما لأهل الجنة؛ لأنهم لم يدركوا ما أدرك آباؤهم من الشرك، ~~ولأنهم في الميثاق الأول)). # 382 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن الربيع بن ~~صبيح، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سألنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ذراري المشركين؟ فقال: ((هم خدام أهل الجنة)). PageV02P227 # فهؤلاء لم يستوجبوا الجنة بقول ولا عمل، فصاروا إلى الآخرة، وليس بأيديهم ~~مفتاح الجنة، وهو قول: لا إله إلا الله، ولم يدركوا العمل فيستوجبوا الجنة؛ ~~لأنها ثواب الأعمال، وقد كانوا في الميثاق، فجاز أن يدخلوا الجنة؛ لأنهم لم ~~يشركوا، فأعطوا خدمة الجنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما الجنة ~~مفتاحها (الكلمة العليا، ونعيمها ثواب الأعمال، فليس بيد أولاد المشركين ~~مفتاحها)، ولا قدموا على الله بعمل الموحدين، فيشفع الرسول فيهم حتى ~~يدخلوها، وإنما استحال دخول الجنة لمن أشرك بعد خروجهم من الأرحام إلى ~~الدنيا، وأدرك مدرك الرجال. PageV02P228 ### || AUTO الأصل الخامس والستون # 383 - حدثنا رزق الله بن موسى البلخي البصري، قال: حدثنا معن بن عيسى ~~القزاز، قال: حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن ~~هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه، فلنعم المعونة هو)). PageV02P229 # قال أبو عبد الله: فالأخذ على ثلاثة أوجه عندنا: # فالظالم: يأخذه تمتعا. # والمقتصد: يأخذه تزودا. # والمقرب: يأخذه تبلغا. # فالظالم: لم يأخذه بحقه؛ لأن الدنيا خلقت متعة للأعداء، وهم الكفار، ~~{يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم}. فهذا قد ظلم نفسه، ms0215 ~~حيث أخذها أخذ الأعداء، قال الله -تبارك اسمه-: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ~~ويلههم الأمل فسوف يعلمون}. # لأن المؤمن قد علم أنه عابر سبيل، ولم يخلق للبقاء في هذه الدنيا، فهو ~~مسافر، يقطع الدنيا بعمره إلى الله، والليل والنهار يركضان به إليه، فكان ~~قد آمن بالله واليوم الآخر، فمن صدق إيمانه أن يرفع باله عن الدنيا، وييأس ~~من الخلود فيها، ويأخذ منها ما يأخذ المتزود، لما بين يديه من السفر ~~الطويل، يوم مبعثه من ملحده إلى عرصة الحساب، وأخذ التزود أن يكون له إرادة ~~فيما يأخذ منها، أن يأخذه لقوام دينه، ويقدم فضلة ما في يديه؛ ليكون ذلك ~~زادا له إلى المحشر، فهذا الظالم غفل عن هذا، فتمتع وطرب بها ولها عن ~~الآخرة، حتى أشر وبطر، فخسر الدنيا والآخرة. # والمقتصد: انتبه أنه لم يعط من الدنيا شيئا إلا حوسب به غدا، PageV02P230 ~~واقتضى شكره، وطولب به من أين جئت به؟ وأين وضعته؟ فتنغصت عليه اللذة، ~~وتكدرت عليه النعمة، وضاق بتناوله ذرعا، وتناوله على خوف ووجل، وحملته ~~الضرورة على أخذه، فما أخذ منه، أخذه على حاجة؛ لقوام دينه، وما فضل في ~~يده، قدم منه ليوم فقره، فهذا أخذ تزود؛ فقد أخذ بحقه، فلنعم المعونة هو ~~كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والأول: أخذه أخذ الأعداء ظالما لنفسه أخذا وبيلا وخيما، فلبئست المؤنة ~~فيه عليه، فالأول معونة، وهذه مؤنة. # والثالث: أخذه تبلغا؛ لأنه خلق محتاجا مضطرا، لا ينفك في دنياه أيام ~~حياته من حاجة به إليه، إما في نفسه، وإما في المتصلين به من عيال وقرابة، ~~وجيرة وإخوان، من أجل حر أو برد، أو جوع، أو عري، أو نوائب من سقم، وغيره. # وتدبير رب العالمين في هذا المال: أنه وضعه في هذه الدار، وأنه به تصلح ~~هذه المصالح، فما تناول منه، تناوله على التبلغ إلى الله؛ لينفد عمره، ~~ويبلغ إلى ربه، دافعا هذه النوائب التي تنوبه في الدنيا عن نفسه، PageV02P231 ~~وعن هؤلاء بهذا المال الذي هكذا دبره له رب العالمين. # وكان أبو بكر ms0216 رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطي المال ~~بغير عدد ولا تقدير، يحثي له حثوا، ويعطي قبضات، فراوده عمر رضي الله عنه ~~على أن يقدره، ويفضل المهاجرين؛ لفضلهم، ومن له قدمة في الإسلام، فيرد له ~~ذلك بهذا المال، فأبى عليه، وقال: ((إن هذا المال بلاغ، وخير البلاغ أوسعه، ~~وأجورهم على الله عز وجل)). # 384 - حدثنا بذلك محمد بن علي الشقيقي، قال: أخبرنا أبي، قال: حدثنا عبد ~~الله بن جعفر، عن إسماعيل ابن محمد، عن أبي بكر رضي الله عنه بذلك. # قال: فلما ولي عمر رضي الله عنه، عمل بالذي كان يرى، ففضل أصحاب بدر، ~~وجعل بين الناس فضائل. # ففعل أبي بكر رضي الله عنه، فعل الصديقين، المال عنده بلاغ، فكلما تناول ~~شيئا منه، قدمه في نوع من أنواع البر، ولم يجعل عدة ليوم فقره، كما فعل هذا ~~المقتصد؛ لأن عدة الصديقين والمقربين خالقهم، وأعينهم مادة PageV02P232 ~~إلى رحمته، والمقتصدون ومن دونهم، عدتهم عدة الإيمان، فإن صاروا إلى ~~الحقائق، صيروا أعمالهم عدة. PageV02P233 ### || AUTO الأصل السادس والستون # 385 - حدثنا أبو الحجاج النضر بن طاهر البصري، قال: حدثنا زنفل أبو عبد ~~الله العرفي، كان ينزل عرفات، قال: أخبرنا ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن أبي ~~بكر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أمرا، ~~قال: ((اللهم خر لي، واختر لي)). PageV02P235 # قال أبو عبد الله: فالخيرات كلها من خيرته، والصفوة من الخيرات مختارة، خار ~~لعباده الأعمال والأفعال، واختار لنفسه من الذي خار لهم، فذلك محبوبه ~~ومصطفاه، وإنما هو خير وشر منقسم في الأعمال كلها، فسأله أن يخير له؛ أي: ~~يرزقه الخير، وإذا رزقه الخير، وقاه الشر، ثم سأله أن يختار له من الخير ~~محبوبه. # وله دعوة أخرى في حديث آخر: كان يقول: ((اللهم إني أسألك التوفيق لمحابك ~~من الأعمال))، وهذا باب غامض، يخفى على الصادقين، وإنما ينكشف للصديقين؛ ~~لأن الصادق إنما يفتش عن الأعمال كي لا يدخل العدو، والنفس، والهوى في ذلك ~~شيئا ينجسه فيه، ms0217 فيروجه عليه بخدعه، فهو يبغي الصدق، والإخلاص، وإليه يلحظ ~~في جميع أموره. # والصديق يلحظ في أعماله إلى الله؛ لأنه قد ركب الصعاب، وذللها، فاستقام ~~قلبه ونفسه على الصدق، وانطرد عنه الهوى، وانخسأ العدو، فهو يفرق من ظله، ~~وتمكن الصدق فيه، ومرنه، وتفرغ قلبه من الاشتغال بالنفس، فهو مشغول بالله، ~~ولحاظ في أعماله إلى الله، فهو الذي يكشف PageV02P236 ~~له التوفيق من الله لمحابه، فرب عمل هو في الظاهر أعلى وأشرف على ألسنة ~~الكتب والرسل، والمحبوب عند الله في ذلك الوقت ما هو دونه في الظاهر، فالذي ~~يحبه الله في ذلك الوقت قد خفي على الأنبياء، حتى سألوا التوفيق لذلك. # 386 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عثمان ابن الهيثم، عن عبد الوهاب ~~بن مجاهد، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان من دعاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني أسألك التوفيق لمحابك من الأعمال، وصدق ~~التوكل عليك، وحسن الظن بك)). # فانظر إلى هذه الخصال الثلاث التي سأل كيف يشبه بعضها بعضا، PageV02P237 ~~وكأنها نظام واحد، سأله التوفيق لمحابه، ومحابه في الغيب لا تدرى، فربما ~~كان محابه في شيء هو في الظاهر دون غيره، فإذا استقبل النفس ذلك، واحتاج ~~إلى أن يؤثره على الذي هو في الظاهر أعلى، تلكأت النفس، وترددت، فسأله صدق ~~التوكل. # والتوكل: هو التفويض إليه في جميع الأمور، وأن يتخذه وكيلا في جميع ذلك، ~~فسأله صدق ذلك التوكل، وصدقه: أنه إذا استقبلك أمر هو عندك في ظاهر العلم ~~دون غيره، وبين يديك أمر أعلى من ذلك، فوفقك الله في ذلك الوقت إلى هذا ~~الأدون، وهو دون محابه في ذلك الوقت، ومختاره أن لا تتردد نفسك، ولا تتلكأ ~~فيه، وتسارع فيه كما تسارع في الذي كان عندها أعلى، فهذا صدق التوكل قد ~~اتخذ الله وكيلا في أمره، وفوضه إليه، فوفقه للأدون، فلم يتحرك، ولم يتبرم، ~~ومر فيه مسرعا. PageV02P238 # قال: ((وأسألك حسن الظن بك))؛ فإن النفس إذا مرت في الأدون، دخلها سوء الظن ~~من قبلها، يقول: ms0218 لعلي فيها مخذول، فأقبل على الأدون، وأعرض عما هو أعلى ~~منه، فسأله توفيقا لمحابه من الأعمال، ثم سأله صدق التوكل؛ ليجعله إذا وفقه ~~لذلك لا تتلكأ نفسه ولا تتردد، ثم سأله أن يرزقه حسن الظن به، فلا تأخذه ~~الحيرة من ربه، ولا يخاف أن يكون قد خذل، ويسخط بهذا الأمر، فهذه الخصال ~~كلها منظومة محتاجة إليها في طلق واحد لا يستغني ببعضها عن بعض لمن سأله أن ~~يختار له محبوبه، ويوفقه لمحابه من الأمور، فجاءت الرواية عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بهاتين اللفظتين، وكلتا هما تؤديان إلى معنى واحد. # قوله: ((اختر لي))، وقوله: ((وفقني لمحابك))، فالاختيار: من الخير، هو ~~محابه في ذلك الوقت. # قال قائل: صف لنا واحدة من هذه الأمور نعتبر بها ما سواها؟ # قال: نعم، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا يزور بيت الله الحرام لبعد PageV02P239 ~~عهده به فصد عن البيت، فكان محاب الله في ذلك أن يصالحهم، ويعطيهم ما يحبون ~~ويريدون من ذلك؛ فإنهم كانوا يريدون أن لا يدخل مكة في تلك الهيئة، فحصر ~~دون قضاء العمرة، ونحر الهدي، ولم يصل إلى البيت، ولم يبلغ محلها، وكان في ~~الظاهر تعظيم البيت، والاعتمار، والوفاء بالنذر، وهو الإحرام، وهدي البدن، ~~وهي سبعون بدنة، أعلى عندهم وأشرف، والصلح والرجوع عنهم محاب الله في ذلك ~~الوقت، فاتسع في هذا الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يضق به ذرعا. # واتسع أبو بكر، وضاق عمر، حتى صار إلى أبي بكر، فقال: يا أبا بكر! أليس ~~هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوليس نحن المسلمون؟ فقال: نعم، فقال: ~~فعلام ما نعطي الدنية في ديننا، وهم الكفار؟! قال أبو بكر: يا عمر! الزم ~~غرز رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: بركابه-، واسمع، وأطع؛ فإني أشهد ~~أنه رسول الله، فقال: وأنا أشهد، فلم يصبر على ذلك، فأتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! ألست برسول الله، أولسنا بالمسلمين ~~أوليسوا بالمشركين؟ قال: ((بلى))، قال: فعلام ms0219 نعطي الدنية في ديننا وهم PageV02P240 ~~الكفار؟! قال: ((أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني)). # قال عمر رضي الله عنه: فما زلت أصوم، وأصلي، وأتصدق، وأعتق من الذي صنعت، ~~مخافة الكلام الذي تكلمت به يومئذ، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المشركين، وكتب الكتاب فيما بينهم على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيهن ~~الناس، ويكف بعضهم عن بعض، فأمنوا، ولقي بعضهم بعضا، وخالطوهم، فاستمعوا ~~إلى القرآن، وإلى ما جاء به عن الله عز وجل، والرجل يكلم أخاه، وصديقه، ~~ورحمه بذلك، فدخل الناس أفواجا في دين الله، مثلما دخلوا في سنين كثيرة. # فانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف فوض أمره إلى الله، وأبرز ~~صدق توكله، وكيف حسن ظنه بالله، فقال: ((إني لن أخالف أمره، ولن يضيعني))، ~~وكيف تابعه على ذلك أبو بكر رضي الله عنه، واتسع فيه، وكيف ضاق عمر رضي ~~الله عنه به، ومن بعد عمر عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ~~بلغ من أمرهم: أنه أمر مناديه فنادى بأن يحلقوا رؤوسهم، فلم يحلقوا حتى دخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيمة، فقال: PageV02P241 # ((يا أم سلمة! ألا ترين أن الناس لا يحلقون؟!))، فقالت: يا نبي الله! بأبي ~~وأمي أنت، احلق أنت، فلو رأوك قد حلقت، لقد فعلوه، فحلق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأسه، فأخذ الناس يحلقون رؤوسهم، ومنهم من قصر، فقال: ((اللهم ~~اغفر للمحلقين))، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: ((اللهم اغفر ~~للمحلقين))، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: ((والمقصرين))، قالوا: ~~ظاهرت بالترحم والمغفرة للمحلقين، قال: ((لأنهم لم يشكوا)). # فليس هذا شكا في أصل الفعل، إنما الشك هنا ضيق الصدر بذلك الفعل، احتاجوا ~~إلى أن يحلقوا وهم في إحرام، ولم يحلوا بعد؛ لأن السبيل كان عندهم في ~~الجاهلية وراثة أن لا يحل أحد من إحرامه دون الطواف بالبيت، فلما أمرهم ~~بالحلق، استعظموا ذلك، وضاقت صدورهم، ثم اتبعوه، وقصروا، كأنهم على كراهية ~~شديدة، وهذا من خلق النفس وكزازتها، فحرموا الدعوة ms0220 للكزازة التي فيهم، ~~وركوب الهوى. PageV02P242 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لن أخالف أمره ولا يضيعني)) فلا ~~نعلم أنه أمر بالرجوع أمرا ولكن عنى بقوله: ((لن أخالف أمره))؛ أي: إني لن ~~أخالف ما استقبلني من وجه الأمر، ومن توفيقه لما هو أحب إليه، وذلك أن أهل ~~مكة لما تلقوه ليردوه في جمعهم، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفل ~~مكة، فلما بلغ الحديبية بركت ناقته، فقال الناس: خلأت [القصواء]؛ أي: حرنت، ~~فقال: ((ما خلأت، وما لها ذلك بخلق)). # كأن معناه: أن هذه ناقة مسخرة لصاحبها، وصاحبها ليس بمحرون، فإذا لم يحرن ~~الذي سخرت له على ربه، لم تحرن المسخرة، فقال: ((ما خلأت، ولكن حبسها حابس ~~الفيل)). # فعلم أن بروك هذه الناقة هاهنا ليس من الحرانة؛ لأنه لم يحرن على ربه في ~~أمره ونهيه، ولكن هذا شيء بديع قد اختار له ربه ما هو أحب إليه. # فنزل، وعسكر هناك، وانتظر ما يكون، ثم وجه الرسل إلى أهل مكة واحدا بعد ~~آخر: ((إني لم أجئكم للحرب، وإنما جئت معظما للبيت، PageV02P243 ~~ومعي هذا)). فعاهدوا الله أن لا يدخلها أبدا أو نحاربك ما قدرنا، ثم كان في ~~تلك الرسل: عثمان بن عفان، وأتاه الخبر: أن عثمان قد قتل، فانتدب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لحربهم، وقال: ((لا نبرح حتى نناجزهم))، فدعا إلى ~~البيعة تحت الشجرة، فبايعوه، فقال أصحابه بعد ذلك: نحن بايعنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على الموت، وقال آخرون ممن فهم الأمر: لم نبايعه على ~~الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر، فأنزل -الله تبارك اسمه-: {لقد رضي ~~الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} الآية، فأوجب لهم رضاه، وبشرهم ~~بذلك، ووعدهم النصرة والفتح. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في الطريق رؤيا أن يدخل المسجد ~~الحرام مع أصحابه محلقين رؤوسهم ومقصرين، لا يخافون، فأخبر بها أصحابه، فلم ~~يشكوا إلا أنها تفتح لهم، فلما استقبلهم هذا الصلح، شكوا في الرؤيا، وساءت ~~ظنون كثير منهم، ms0221 فقال الله تعالى: {فجعل من دون ذلك فتحا قريبا}، فصالحوا، ~~وانصرفوا، فخرجوا إلى خيبر، ففتحها الله عليهم، فاستأصلوا اليهود، وهم أحد ~~الأعداء، وغنموا الغنائم الكثيرة، وتقووا بما غنموا، وأخذوا العدة من ~~الكراع والسلاح، وبلغ المشركين ذلك، فذلوا، وانقصموا. # وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل، يقضي عمرته، وأخلوا له مكة PageV02P244 ~~من نسائهم وأولادهم حتى انصرف، ثم عاد من العام المقبل لفتح مكة في عشرة ~~آلاف رجل، وكان ذلك العام الذي صد عنه في تسع مئة، وكثر أصحابه؛ لدخول ~~الناس في دين الله، وذلك للصلح الذي كان بينهم وما التقوا، فوعظ بعضهم ~~بعضا، وقرأ عليه ما نزل. # فانظر إلى محاب الله، ومختاره، وإلى محاب الخلق، ومختارهم، فكان مختار ~~الخلق: أن يدخلوها عنوة، فيقتلون، ويقتلون، وقد كان لله فيها أولياء، قد ~~اجتباهم واختارهم، وسبقت لهم منه الحسنى، ولم يجيء وقت إسلامهم بعد. # وفيهم أيضا من قد أسلم من المستضعفين نساء وشيوخ وعجزة، فلو دخلوها ~~بقتال، لأصابهم معرة الجيش، فقال الله تعالى في تنزيله: {وهو الذي كف ~~أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم}. PageV02P245 # وكانت طائفة من أهل مكة خرجوا عليه من وراء عسكره، فهزمهم أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأخذوهم أسرى، وأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فذلك قوله: {من بعد أن أظفركم عليهم}، ثم قال: {ولولا رجال مؤمنون ونساء ~~مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في ~~رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما}. # فهؤلاء: رجال مؤمنون، ونساء مؤمنات، قد كانوا هناك مستضعفين، في أيديهم، ~~فلو دخلتم للحرب، لوطئتهم الخيل، فهلكوا، ولو تزيلوا؛ أي: فارقوهم ~~وزايلوهم، لعذبنا الذين كفروا؛ أي: نسلطكم عليهم بالحرب حتى تقتلوهم، ولكن ~~هيأ الصلح، وحبس الناقة فبركت، فلما بركت، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((حبسها حابس الفيل، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة فيها صلة الرحم ~~إلا أعطيتهم إياها)). # وكان رجال مؤمنون، ونساء مؤمنات في أصلاب ms0222 الآباء، وأرحام الأمهات، لم ~~يخرجهم الله إلى دار الدنيا، وكان في سابق علمه أنه سيخرجهم إلى مدة، ~~وأسماؤهم مكتوبة في اللوح المحفوظ بالسعادة من الله، فلو دخلها عنوة، لهلك ~~آباؤهم وأمهاتهم في الحرب، ومعرة الجيش، فلو تزيلوا؛ أي: لو زايلوا الأصلاب ~~والأرحام، لعذبنا الذين كفروا؛ أي: الآباء والأمهات PageV02P246 ~~الكفرة، وأنجينا هؤلاء الأطفال الذين هم في علمي أولياء، فهيأ الله الصلح بينهم. # حتى توالدوا، وخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده، وتهيأ للمستضعفين حالة ~~نجاة، وفتح الله مكة من العام الثالث عليهم، وأظفره بهم، ومن قبل فتح مكة ~~سهل الله سبيله، حتى جاء قاضيا لعمرته في ذلك الشهر الذي كان جاء أول عام ~~الحديبية، فاعتمر، وغاظ المشركين في ذلك، واقتص الله لنبيه منهم كما ردوه ~~وصدوه عن العمرة، فأنزل الله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص}. # ثم فتح الله عليه مكة من العام الثالث من الحديبية، وهو سنة ثمان من ~~الهجرة، وكانت الحديبية سنة ست، وقضاء العمرة في سنة سبع، وافتتح مكة سنة ~~ثمان، فغص المسجد الحرام بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في ~~عشرة آلاف حتى لم تجد ناقته موضعا تبرك فيه في المسجد حتى دنا من البيت ~~فاحتملوه على أيدي الرجال، فدعا بالمفتاح، ففتح له، فدخل البيت فصلى فيه، ~~ثم خرج فوقف على الباب فقال: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، صدق الله ~~وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)). PageV02P247 # فانظر إلى هذه الكلمات: عظم ربه، وصغر ما دونه بتعظيمه. # ثم قال: ((صدق الله وعده)): نشر عن ربه الجميل بأنه وفى له. # ثم قال: ((ونصر عبده)): رأى النصرة من عنده، ورأى دوران الأمور به كيفما ~~دارت، ونظر إلى تدبيره من لدن مبعثه، وما لقي منهم من الأذى، والضرب، ~~والشتم، والمصائب، وما حرم أقاربه وأرحامه من بركة ما جاء به، وإلى ناس من ~~أفناء الناس غرباء كيف رزقوا ذلك، واحدا من الروم، وواحدا من الحبشة، وآخر ~~من فارس، وواحدا من الخيام، وآخر من حضرموت، وبلاد الشام، وأبو طالب، وأبو ms0223 ~~لهب، وولد عمومته حاربوه، وعادوه، وأخرجوه من بلده ووطنه، وبيت الله ~~الحرام، وغربوه، وتواطؤوا على قتله، وطلبوه، فلم يظفروا به. # وانظر إلى تدبير الله في الأنصار، وبذلهم أنفسهم، قال تعالى: {فإن يكفر ~~بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين}. PageV02P248 # ثم حروبهم ببدر وأحد، وتلك العجائب التي كانت هناك مرة لهم، ومرة عليهم، ~~إلى يوم الحديبية، وصلحه، وأنهم قد وضعوا الحرب فيما بينهم عشر سنين، فضاق ~~بذلك عمر رضي الله عنه يوم الحديبية، ولا يعلم أن الله سيفتح عليهم مكة في ~~العام الثالث من عامهم، في أعز نصر، وأوفر جمع، فحسن الظن، وسوء الظن ~~يتبين، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ جميل صنع الله فيه وفي ~~أمرهم، وقال: ((الله أكبر، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)). # فلو شاء الله، لبعث مع محمد صلى الله عليه وسلم ملائكة معهم الشهب، ~~فيحرقوا ويدمروا على من جحده، ولكن تدبير الله في عباده على التؤدة، والرفق ~~بهم، ليتسعوا مع تدبيره؛ فإن الاتساع في أمره عبودة، والضيق من الاستبداد، ~~وخلق النفس، والعبودة الصادقة أن يدور مع تدبير الله في الأحوال كيفما دارت ~~الأحوال، فهناك تكون عند الله راضيا في أحوالك فيرضى الله عنك، وهو قوله: ~~{يأيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية}. # اطمأنت إلى الله، وماتت شهواتها، وذهب استبدادها، فرضيت عن الله PageV02P249 ~~في أحوالها على اختلاف محبوبها ومكروهها، فرضي الله عنها، فلما تكلم على ~~باب الكعبة بما تكلم، قال لأهل مكة وهم حوله: ((ماذا تقولون وماذا ترون أني ~~صانع بكم؟))، قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: ((فإني أقول كما قال أخي ~~يوسف: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين})). # قال عمر رضي الله عنه: فانتضحت عرقا من الحياء من قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وذلك أني قد كنت قلت لهم حين دخلنا مكة: اليوم ننتقم منكم، ~~ونفعل ما نفعل، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، استحييت من قولي. # فهكذا ms0224 يكون فعل الناظر إلى تدبير الله المعاين له؛ رفق بهم، وألان لهم ~~القول، وطيب نفوسهم لما رأى تدبير الله فيهم من قبل في تلك الأمور الماضية. # وأيضا قصة أخرى: في شأن أبي جندل بن سهيل بن عمرو، وكان مسلما في أيدي ~~المشركين، مقيدا بمكة، فلما جاء سهيل بن عمرو أبوه يراجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الصلح، وهو بعض رؤسائهم، أبرم الصلح، وكتب PageV02P250 ~~الكتاب، فجاء ابنه أبو جندل يرسف في قيوده، قد انفلت من محبسه، فقال: يا ~~محمد! يا رسول الله! إني مسلم في أيدي المشركين، واستغاث برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبالمسلمين، فقام إليه أبوه، فضرب وجهه، ورده، وقال: يا ~~محمد! قد نجزت القضية فيما بيننا، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~يده، حتى رده، فكاد المسلمون أن يفتتنوا في ذلك الأمر، وأخذهم الغيظ ~~الشديد، ولم يقدروا على شيء للصلح، وكان قد وقع الصلح بينهم على أنه من صار ~~من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يرد عليهم، ومن صار من ~~المسلمين إليهم مرتدا، لم يطلب، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~ذلك، فتحرك أصحابه في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من جاءنا ~~منهم مسلما، فرددناه عليهم، فإن الله جاعل له فرجا ومخرجا، ومن صار إليهم ~~مرتدا، فإلى النار، فما نصنع بمن ارتد عن دين الله؟)). # فانظر إلى حسن ظنه، حيث قال: ((فإن الله جاعل له فرجا))، وكيف لا يحسن ~~ظنه، وقد أوحى الله إليه: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من PageV02P251 ~~حيث لا يحتسب}. # فالوحي قد نجع فيه، وانكشف الغطاء عن قلبه، حتى عاين حسن تدبير الله، ~~وصنائع ربه، وعرفه بالمجد والكرم. # فذهب سهيل بن عمرو بابنه إلى مكة في قيوده، فرجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة، ففتح خيبر، حتى قال عمر رضي الله عنه: كنت أماشي أبا ~~جندل وهو في قيوده، وهو إلى جنب أبيه، وأهوي بمقبض سيفي نحوه، وأدنيه ms0225 منه، ~~وأقول: يا أبا جندل! ليهن عليك، فإنما دم أحدهم كدم كلب، وأدني قائمة السيف ~~منه رجاء أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، قال: فضن الرجل بأبيه وسهيل آخذ ~~بتلبيبه يجره إلى المنزل، وأبو جندل يصرخ: يا معشر المسلمين! أرد إلى ~~المشركين، فيفتنوني عن ديني؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اصبر ~~واحتسب أبا جندل، فإن الله جاعل لك وللمستضعفين فرجا، إنا قد عقدنا بيننا ~~وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك عهدا، وإنا لن نغدر)). # فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فلم يلبث إلا يسيرا ~~حتى انفلت أبو جندل من قيوده، ومر إلى ناحية البحر على طريق الشام، فقعد ~~هناك؛ لأنه قد علم أنه إن صار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يجد ~~بدا من رده عليهم؛ لما جرى بينهم في الصلح من ذلك، فأقام هناك أياما، فكان ~~كل من سمع به من الشداد المنفلتين ممن هم في محابس المشركين لحق به، حتى ~~توافوا نحوا من سبعين رجلا، فقطعوا الطريق على المشركين عيرهم، وأخذوا ~~أموالهم، PageV02P252 ~~وقتلوا وأضروا حتى بلغ من أمرهم، وما تأذى بهم المشركون أن وجهوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يضمهم إلى نفسه؛ كي يرتفع عنهم ضررهم، ~~ثم أسلم سهيل بن عمرو، وقتل شهيدا في خلافة عمر رضي الله عنه. # فأهل سعة الصدور عاشوا مع الله في دار الحبس، والضيق، عيش أهل الجنان، ~~وإنما نالوا ذلك كله بذلك النور الذي انشرحت به صدورهم، فاتسعت لتدبير ~~الله، وأن الله -تبارك اسمه- دبر للعباد أمورا فقد مرنت النفوس سلوك طريق ~~ذلك التدبير، وعرفوه، ووطنوه، ثم له -تبارك اسمه- في ذلك التدبير تدبير آخر مختصر. # فأهل الضيق يتحيرون هناك، ويضيقون، ومن عاين الصنفين، والتدبيرين، لم ~~يضق، فإن لله في كل تدبير مشيئة، إن شاء أمضاه، وإن شاء أخره، فالتدبير ~~الذي قد وطنه الناس: أن يكون الولد من ذكر وأنثى، فاختص الله لعيسى تدبيرا، ~~فحملت به مريم من غير ذكر، فتحير فيه علماء ms0226 ذلك الزمان، وأحبارهم، وهلك فيه ~~العوام والسفهاء، وأدركت مريم بعض تلك الحيرة، فقالت: {أنى يكون لي ولد ولم ~~يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء}، فأبصرت وأذعنت لحكم ربها، ~~فاستوجبت بذلك أن أثنى عليها رب العالمين فقال: {وصدقت بكلمات ربها}، وقال: ~~{وأمه صديقة}. # فمن سماها الله في تنزيله صديقة هو البالغ في الصدق بشهادة الله له بذلك، ~~وكذلك فعل زكريا فيما بشر به من الولد بعد الكبر، وكذلك رزق مريم: {كلما ~~دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من ~~عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}؛ أي بغير PageV02P253 ~~محسبة، فقد علم الناس أرزاقهم من مظانها من السوق، ومن الكرس، ومن الكرم، ~~ومن الكيس، ومن أيدي الخلق، فرزقها على وجه التدبير المختص مما لم تمسه ~~أيدي العالمين، فأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم التدبيرين، ودخول ~~أحدهما في الآخر، وخفاء شأنهما، فسأل التوفيق، وسأل مع التوفيق أن لا يكون ~~من نفسه إذا وفقه تلك، وسأله إذا وفقه، فلم يوافق شهوة نفسه أن لا تتلكأ ~~نفسه، ويحسن الظن به. # فقد يكون الرجل من أهل الغفلة يقول: اللهم اختر لي، ووفق لي، فإذا وفقه، ~~هرب من مختار الله، ودفع عن نفسه حلول ذاك به، وعصى الله في الدفع عن نفسه، ~~فانظر أي جهل في هذا الآدمي؟ # وبلغنا: أن موسى -صلوات الله عليه- قال: يا رب! أي عبادك أكبر ذنبا؟ قال: ~~الذي يتهمني، قال: ومن يتهمك يا رب؟ قال: الذي يستخيرني في الأمور، فإذا ~~اخترت له، لم يرض بقضائي وخيرتي. # وأيضا قصة أخرى في شأن بدر: وعدهم الله إحدى الطائفتين أنها لهم: الظفر ~~بالعير، أو الظفر بالعدو الذي انتدب من مكة، وهم رؤساء الكفر، وصناديد قريش. # وكان محاب الله في ذلك أن يظفروا بالعدو، فيقتلهم على أيديهم، PageV02P254 ~~ويقطع دابرهم، ومحابهم الظفر بالعير؛ ليقووا به وينكثوا فيهم، وقال في ~~تنزيله: {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق ~~بكلماته ويقطع دابر ms0227 الكافرين. ليحق الله ويبطل الباطل}. # ومثل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان يخطب على المنبر، ~~فدخل رجل فقال: يا رسول الله! جئت امرأ لا أعقل شيئا من أمر الإسلام، فنزل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن منبره، وترك خطبته، ووضع له كرسي، فجلس ~~عليه، فعلمه. # فمثل هذا كثير أكثر من نحصيه، فكان يدعو: ((اللهم خر لي، واختر لي من ~~الأمور الخير، ومن الخير مختارك، فاختر لي)). # ومثل ما جاء: أنه أمر بقتال أهل سبأ، فنزلت قصتهم: {كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور}. فبعث على إثر ذلك الرجل الذي أمره ~~بقتالهم، فرده، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، ويكف؛ لما رأى من جميل نظر ~~الله لهم، ورفقه بهم، فعلم محاب الله فيهم، فكان في الظاهر أنه يقاتلهم كما ~~يقاتل سائر الخلق على إقامة الكلمة العليا، فلما ظهر محاب الله فيهم، كف ~~عنهم، وكان سبأ أبو الأنصار، وعمران بن عامر أبو الأنصار من ولد سبأ، تحول ~~إلى المدينة حين أتاهم العذاب من قبل ذلك. PageV02P255 ### || AUTO الأصل السابع والستون # 387 - حدثنا حميد بن الربيع اللخمي، قال: حدثنا محمد بن بشر العبدي، قال: ~~حدثنا عبد الله بن الأسود الحارثي، عن حصين بن عمر الأحمسي، عن مخارق بن ~~عبد الله، عن طارق بن شهاب، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((من غش العرب، لم يدخل في شفاعتي، ولم تنله مودتي)). PageV02P257 # 388 - حدثنا إسماعيل بن نصر، قال: حدثنا محمد ابن بشر، قال: حدثنا عبد الله ~~بن الأسود الحارثي، عن حصين ابن عمر، عن مخارق بن عبد الله بن جابر -رجل من ~~الأحمس-، عن طارق بن شهاب، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمثله. # 389 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني قال: حدثنا حصين بن عمر ~~الأحمسي، عن مخارق بن عبد الله، عن طارق بن شهاب، عن عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه ms0228 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. PageV02P258 # فغش العرب: أن يصدهم عن سبيل الهدى، ويحملهم على أمور يبعدون بها عن ~~الرسول، ومن فعل ذلك؛ فقد قطع الرحم فيما بينهم وبينه، فمن كان سببا لذلك، ~~حرم شفاعته ومودته. # ومن غشهم أيضا: أن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، ويضع رفعتهم، ويحقر ~~شأنهم، ويسويهم بسائر الناس، ومن فعل ذلك؛ فقد سفه الحق، وغمط الناس، وذلك ~~عين الكبر، ووضع ما رفعه الله، وغمر فضل الله بجهله، ويأبى الله أن يكون ~~مغمورا فضله عليهم. # قال أبو عبد الله: فالأخبار أتت بفضلهم. # 390 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني عن قيس، عن الأعمش، عن ~~عباية بن ربعي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((إن الله عز وجل قسم الخلق نصفين، فجعلني في خيرهما قسما، فذلك ~~قوله: {وأصحاب اليمين}، {وأصحاب الشمال}، فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير ~~أصحاب اليمين. ثم جعل PageV02P259 ~~القسمين أثلاثا، فجعلني في خيرهم ثلثا، فذلك قوله: {فأصحاب الميمنة ما ~~أصحاب الميمنة. وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة. والسابقون السابقون}، ~~فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خير ~~قبيلة، فذلك قوله: {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم}، فأنا أتقى ولد آدم، وأكرمهم على الله، ولا فخر، ثم جعل القبائل ~~بيوتا، فجعلني في خيرها بيتا، فذلك قوله تعالى: {إنما يريد ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}. # 391 - حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: PageV02P260 # حدثنا عبد الله بن بكر السهمي أبو وهب، قال: حدثنا يزيد بن عوانة، عن محمد ~~بن عقبة بن ذكوان، قال أبو وهب السهمي: لا أحسب محمدا إلا وقد حدثني به عن ~~عمرو بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: بينما نحن جلوس عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، إذ مرت بنا امرأة من بنات رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال بعض القوم: هذه ابنة رسول الله صلى الله عليه ms0229 وسلم، فقال ~~أبو سفيان: إنما مثل محمد في بني هاشم كالريحانة بين النتن، فسمعت المرأة، ~~فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرته له، فخرج ولا أراه إلا ~~مغضبا، فصعد المنبر، فقال: ((ما بال أقوال تبلغني عن أقوام؟! إن الله خلق ~~سبع سماوات، فاختار العليا فسكنها، وأسكن سماواته من شاء من خلقه، وخلق سبع ~~أرضين، فاختار العليا، فأسكنها خلقه، ثم اختار خلقه، فاختار بني آدم، ثم ~~اختار بني آدم، فاختار العرب، ثم اختار العرب، فاختار مضر، ثم اختار مضر، فاختار PageV02P261 ~~قريشا، ثم اختار قريشا، فاختار بني هاشم، ثم اختار بني هاشم، فاختارني، فلم ~~أزل خيارا من خيار، ألا، فمن أحب العرب، فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب، ~~فببغضي أبغضهم)). # 392 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا يزيد ابن سعيد الإسكندراني، عن ~~محمد بن عياض بن منذر الأنصاري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((أتاني جبريل فقال: يا محمد! إن الله بعثني، PageV02P262 ~~فطفت شرق الأرض وغربها، وسهلها وجبلها، فلم أجد حيا خيرا من العرب، ثم ~~أمرني فطفت في العرب، فلم أجد حيا خيرا من مضر، ثم أمرني فطفت في مضر، فلم ~~أجد حيا خيرا من كنانة، ثم أمرني فطفت في كنانة، فلم أجد حيا خيرا من قريش، ~~ثم أمرني فطفت في قريش، فلم أجد حيا خيرا من بني هاشم، ثم أمرني أن أختار ~~من أنفسهم، فلم أجد فيهم نفسا خيرا من نفسك)). # قال أبو عبد الله: فإنما ذكر النفس؛ لأن الأخلاق هي في النفس، حسنها ~~وسيئها، فهذا يدل على أن ما قلنا أنه إنما طاف في هذا الخلق يطلب النفوس ~~الطاهرة الصافية الزاكية بمحاسن الأخلاق، فمن أجل ذلك اختارهم، فلم ينظر ~~إلى أعمالهم؛ فإنهم كانوا أهل جاهلية، إنما ينظر إلى PageV02P263 ~~أخلاقهم، فوجد الخير في هؤلاء، وجواهر النفوس متفاوتة، بعيدة التفاوت، وذلك ~~أن الله -تبارك اسمه- خلق آدم من قبضته. # 393 - حدثنا بذلك يحيى بن حبيب بن عربي، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن ~~عوف، ms0230 عن قسامة بن زهير، قال: حدثنا الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء ~~بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر، والأسود، والأبيض، وبين ذلك، والسهل، ~~والحزن، والخبيث، والطيب)). # قال أبو عبد الله: فالتربة الطيبة: نفوسها سهلة كريمة، وليس فيها كزازة ~~ولا يبوسة، ولا شعوثة، فهم أحرار كرام، ولدتهم أمهاتهم أحرارا كراما PageV02P264 ~~من رق النفس، وشهواتها، (وآخرون: كانت الحزونة في تربتهم، فجاءت الكزازة، ~~والشعوثة، والصعوبة، ولدتهم أمهاتهم عبيدا، قد ملكهم رق نفوسهم بشهواتها)، ~~وهو قول عيسى -عليه الصلاة والسلام- فيما يعظ به بني إسرائيل، فقال: لا ~~عبيد أتقياء، ولا أحرار كرماء. # معناه: أي: ليس أنت من العبيد الذي تجاهد نفسك وتتقي الله، ولا من ~~الأحرار الذين نجوا من رق النفوس، فساروا إلى الله سير الكرام، بلا تعريج، ~~ولا تردد. # فالبخل، والضيق، والحدة، والعجلة، والحقد، والحرص، وما أشبهه من كزازة النفس. # والجود، والسماحة، والسعة، واللين، والتؤدة، والتأني، والرفق من سهولة ~~النفس وطيبها. # فنفوس العرب بارزة أخلاقها، لا ينكرها إلا معاند، ولا يجحدها إلا مارد، ~~إنها أخلاق الكرام، فبهذا فضلوا، لا باللسان العربي، والله يحب معالي ~~الأخلاق، ويبغض مدانيها. # ومما يحقق ذلك: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم بدر: أنه ~~سمع رجلا يقول بعدما انصرفوا من بدر، إنما قتلنا عجائز صلعا، فأنكر ذلك PageV02P265 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ((مه، أولئك الملأ من قريش، لو نظرت ~~إلى فعالهم لاحترقت فعالك عند فعالهم، لولا أن تطغى قريش، لأخبرتها بما لها ~~عندالله، اللهم إنك أذقت أولهم نكالا، فأذق آخرهم نوالا)). # فالعرب: بالأخلاق شرفوا، وإلا، فالشجرة واحدة، وهو خليل الرحمن، ومما ~~يدلك على ذلك دعوة إبراهيم خليل الرحمن حيث رفع القواعد من البيت، وأتم ~~بناءه، وقال: {ربنا واجعلنا مسلمين لك}، ثم قال: {ومن ذريتنا أمة مسلمة ~~لك}، فإنما سأل في ذرية إسماعيل خاصة، ألا ترى أنه قال على أثر ذلك، {وابعث ~~فيهم رسولا منهم}؛ يعني: محمدا ms0231 صلى الله عليه وسلم. # فالإسلام: هو تسليم النفس، وبذلها، والجود بها، ومن جاد بنفسه PageV02P266 ~~على الله، فلا أحد أحسن خلقا منه، ولا أكرم منه، فليس الشأن في الجود ~~بالمال، الشأن في الجود بالنفس، حتى تسلمه إلى خالقه، فجرت هذه الدعوة في ~~ولد إسماعيل خاصة أن صيرهم أمة مسلمة له، فوهب لهم أخلاق الكرام، حتى تكرمت ~~نفوسهم على الله بذلا حين جاءهم الرسول، ومن قبل مجيء الرسول، كانت تلك ~~الأخلاق ظاهرة فيهم، فلما جاء الرسول، وجدهم مهذبين كراما، فصاروا صديقين، ~~وأبرارا وأتقياء، وحكماء، وعلماء بالله، باذلين مهجهم لله وأموالهم، السيوف ~~على عواتقهم، والحجر على بطونهم من الجوع، ينصرون الله ورسوله، وبنو ~~إسرائيل قالوا لموسى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون}، وقيل لأمة ~~محمد: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل}، فكانت تلك منهم كلمة صدق من قلوبهم، فحكى الله عنهم في ~~تنزيله، وأثنى عليهم بذلك، فصار قولهم هاهنا كقول أبيهم حين ألقي في النار ~~فقال: حسبي الله ونعم الوكيل. # فهل يمكن ظهور هذا إلا ممن حسن خلقه، فجاد بنفسه على الله، وإنما قال هذا ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم أحد بعدما انهزموا، وأصابتهم جراحات، ~~وقتل من قتل منهم، وانصرف عسكر المشركين، فنزلوا مكانا، وتآمروا فيما بينهم ~~أن يجمعوا جمعا، فيكروا عليهم، ووشوا إلى أصحاب PageV02P267 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الخبر ليفزعوهم، فانتدب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه، وفيهم من الجراحة غير قليل يمضون إلى جمعهم، وفيهم ~~مشاة، حتى إن الرجل ليغشى عليه في الطريق من كثرة ما يسيل من الدم من ~~جراحاته، فيحمله صاحبه، يسيرون بمثل هذه الحالة إلى العدو، وقالوا: حسبنا ~~الله ونعم الوكيل، فوجدوا العدو قد تفرقوا وذهبوا، قال الله تبارك اسمه: ~~{فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله}، ولم يقل: ~~رضا الله؛ ليعلمك أنهم اتبعوا الرضوان؛ فإنه أكثر من الرضا، وهو غاية الرضا. # قال أبو عبد الله: فنهاية العرب إلى إسماعيل ms0232 -صلوات الله عليه-، والشجرة ~~واحدة، وهو إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وهو خليل الرحمن، ولسانه عبراني، ~~وإنما هما غصنان لهذه الشجرة: إسماعيل، وإسحاق. # فإسماعيل: عربي اللسان. # وإسحاق: عبراني اللسان. # وإسماعيل: أبو العرب. # وإسحاق: أبو العبرانيين، وهم: بنو إسرائيل، نسبوا إلى يعقوب، إسرائيل ~~الله بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله. PageV02P268 # ولكل واحد من الغصنين حظ من الله، وفضيلة، وكرامة، وموهبة، فذهب الغصنان ~~بحظهما من الله، وبموهبته، فصارت وراثة في أولادهما إلى الأبد، وذهب ~~إسماعيل بفضيلته وموهبته، وذهب إسحاق بفضيلته وموهبته، فظهر في ولد إسحاق ~~من تلك الموهبة والكرامة الجهد والعبادة، وظهر في ولد إسماعيل الأخلاق ~~والسماحة والشجاعة. # والموهبة إنما تكون على قدر الحظ، والجاه له عنده على قدر ذلك، فنظرنا ~~إلى موهبة كل واحد منهما من أية خزانة أعطي؛ ليستدل به على حظيهما منه. # قال: فوجدنا الجهد والعبادة من خزائن الحكمة، والأخلاق من خزائن المنة، ~~فنظرنا إلى الحكمة والمنة من أين بدت كل واحدة منهما؟ # فوجدنا: الحكمة من العدل بدت، والعدل من الربوبية، والربوبية من الملك ~~والقدرة والقوة. # ووجدنا المنة: أنها بدت من العطف، والعطف من الفضل، والفضل من الجمال، ~~فمن الملك بدأ الغضب، فأسعرت، فاستحرت النار، PageV02P269 ~~فاسودت من غضبه، فهي سوداء مظلمة، مشحونة بغضبه. # ومن جماله بدت الرحمة، وظهر الفضل والعطف، حتى اهتزت الجنان، ونورت، ~~واستنارت بنوره، فهي بيضاء نورانية، مشحونة برحمته وروحه، وإنما هي نظرة ~~وجفوة، فأهل الثواب سعدوا منه بنظرة واحدة، وأهل العقاب شقوا منه بجفوة ~~واحدة، ففهمنا بمبلغ ما علمنا من ظاهر ما عليهما، وعلى أولادهما من بعدهما، ~~ما بطن من حظيهما وموهبتيهما ومكرمتيهما. # وإنما كثر ولد إسحاق، وظهروا في وقت موسى -صلوات الله عليه- حيث أنقذهم ~~من بلية فرعون وسخرته، وجاء بالكتب من الله، وظهرت العبودة لله إلى وقت ~~عيسى بن مريم -صلوات الله عليه-، ثم صارت فترة، فظهرت منازلهم، ودرجاتهم، ~~وجواهر نفوسهم، بما عاملهم الله، وبما عاملوه، وكثر ولد إسماعيل، وظهر ~~شأنهم بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وظهرت سيرتهم في دينهم، وما عاملهم ~~الله به ms0233 وما عاملوه، فتبين لنا بفعليهما شأن نفوسهم، ومحلهم من الله -تبارك ~~اسمه-، وحظوظهم منه. # 394 - حدثنا المعتمر بن سليمان، عن نهاس بن PageV02P270 ~~قهم، عن مكحول، قال: لما كثر بنو معد، أغار منهم أربعون فارسا عليهم أدراع ~~الصوف، خاطمي خيلهم بالليف، معلني رماحهم ومعقبيها، فأغاروا على عسكر بني ~~إسرائيل، فيهم موسى وهارون، قال: فملؤوا أيديهم من الغنيمة، ورجعوا ~~بغنيمتهم، لم يستنقذ مما في أيديهم شيء، فقالوا لموسى: أغار علينا بنو معد، ~~وهم قليل، فكيف لو كانوا كثيرا؟! وأنتم بيننا، فكيف لو لم تكونوا فينا؟! ~~فادع الله عليهم، وكانت الأنبياء -صلوات الله عليهم- يفزعون إلى الصلاة، ~~فصلى، فقال: اللهم إن بني معد أغاروا على قومي، ففعلوا، وفعلوا، وإن قومي ~~أمروني أن أدعو عليهم، فقيل له: لا تدع عليهم؛ فإنهم PageV02P271 ~~عبادي، وإنهم ينتهون إلى أداء أمري، وإني أغفر لهم أول ما يستغفرونني، قال: ~~يا رب! فاجعلهم من أمتي، قال: نبيهم منهم، قال: يا رب! فاجعلني منهم، قال: ~~استقدمت واستأخروا. # ولذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال في حديث المعراج: ~~((فلما جاوزت موسى في السماء السادسة، بكى موسى، وقال: يزعم بنو إسرائيل ~~أني أكرم ولد آدم على الله، وهذا عبد أكرم على الله مني، فلو كان إليه وحده ~~هان علي، ولكن الله قضى أن مع كل نبي تبعة من أمته، ثم انطلق بي إلى السماء ~~السابعة، فإذا إبراهيم ملزق ظهره بالبيت المعمور، ومعه تبعة من أمته، فقال ~~لي جبريل: هذه منزلتك، ومنزلة أمتك، وهذا أبوك إبراهيم، فقال: {إن أولى ~~الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين}. PageV02P272 # فألحق هذه الأمة بإبراهيم -صلوات الله عليه-، وضمهم في الولاية جميعا، ولم ~~يدخل فيه بنو إسرائيل، وهم ولد إبراهيم أيضا. # فقد بين في هذا الحديث منزلتيهما ودرجتيهما، وإنما أري في السماء ~~الأنبياء، وأتباعهم على درجاتهم، وإبراهيم المقدم عليهم، ووصفهم الله في ~~تنزيله شأن الأمتين، فوجدنا شأن بني إسرائيل يجري على سبيل العدل وأساس ~~الربوبية، وشأن هذه الأمة يجري على سبيل ms0234 الفضل والألوهية، فظهرت في بني ~~إسرائيل السياحة والرهبانية، وعليهم في شريعتهم إلى الله الأغلال والآصار. # وظهرت في هذه الأمة السماحة، والصديقية، والشجاعة، والولاية، وسيوف الله ~~في أيديهم، يقتلون آباق عبيده، أو يردونهم إلى الله للرق والعبودة، وفك ~~عنهم الأغلال، ووضع عنهم الآصار، وصاروا في حد الأمناء، وجعلت شريعتهم أسمح ~~الشرائع، وأوسعها، فهم في عبودتهم في صورة الخدم، وبنو إسرائيل في عبودتهم ~~في صورة عبيد الغلة. # ألا ترى أنه لما خاطبهم، قال: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون}، كما يقول الرجل لعبده: أوف ~~لي بهذه الغلة عند هلال كل شهر، أوف لك بالعتق في سنة كذا؟ PageV02P273 # ثم قال لهذه الأمة: {يأيها الذين آمنوا}، فدعاهم بالكنية، كنية باطنها منة، ~~وظاهرها مدحة، من عليهم في الباطن بالإيمان، ثم نسب ذلك إلى فعلهم، فقال: ~~{آمنوا}، فمدحهم بذلك، فبهذه الكنية دعاهم، ودعا أولئك، فنسبهم إلى أبيهم، ~~فقال: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على ~~العالمين}؛ أي: عالمي زمانكم، ولكل زمان عالم. # وقال لهذه الأمة: {يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم ~~وافعلوا الخير لعلكم تفلحون}، ثم قال: {وجاهدوا في الله حق جهاده}، ثم قال: ~~{هو اجتباكم}؛ أي: هو اختاركم. # ثم قال: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}؛ أي: ضيق {ملة أبيكم إبراهيم}، ~~ثم قال: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا}؛ أي: من قبل أن يخلقكم في ~~اللوح المحفوظ، ثم سماكم هكذا {لتكونوا شهداء على الناس}، فهم شهداء الله ~~للأنبياء على الأمم يوم القيامة {ويكون الرسول عليكم شهيدا}، {واعتصموا ~~بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير}. # فانظر إلى مخاطبة بني إسرائيل في أي صورة ذلك الأمر، وانظر إلى مخاطبة ~~هذه الأمة في أي صورة ذلك، يبين لك أنهم في صورة عبيد PageV02P274 ~~الغلة، وهذه الأمة في صورة عبيد الخدمة، وعبيد الخدمة أولى بالسيد من عبيد ~~الغفلة. # فساحت بنو إسرائيل بأبدانهم إلى الجبال في مفاوز الدنيا عزلة بالأبدان عن ~~الخلق، كي يصدقوا الله في ms0235 طلب ما عهد إليهم، ويوفوا بعهد الله عليهم. # وساحت أمة محمد صلى الله عليه وسلم بقلوبهم في مفاوز الملكوت إلى خالق ~~العرش، (عزلة بالقلوب عن همم النفوس؛ كي يصدقوا الله في طلبه، والوصول ~~إليه)؛ فإن الله -تبارك وتعالى- دعا الخلق إليه، فلما علم تلكؤ نفوسهم ~~وتباطؤهم في إجابته، دعاهم إلى دار السلام؛ لتستريح نفوسهم، وتخف في ~~الإجابة؛ فقد وصفها لهم، وعلموا أنها دار الشهوات وقضاء الأماني، فقال فيما ~~مضى من قوله: ((إلي إلي يا أهل الموت والفناء، لا إلى غيري؛ فإني قضيت ~~بالرحمة على نفسي، وأوجبت المغفرة لمن استغفرني، فأنا العفو، أعفو عن صغير ~~الذنوب وكبيرها، ولا أبالي)). PageV02P275 # وقال في تنزيله علينا: {يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ~~لما يحييكم}، وقال: {استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله}. # فلما أبطأت النفوس في الإجابة، قال: {والله يدعوا إلى دار السلام}، فإن ~~لم تجيبوني إذ دعوتكم من أجلي، فأجيبوني من أجل دار السلام؛ كي تستحيوا مني ~~إذا لقيتموني، وانكشف الغطاء عن هذه المعاملة. # فأهل الالتفات إلى الثواب والعقاب في هذا الحياء من القرن إلى القدم بين ~~يديه غدا؛ لأن نفوسهم لم تسمح بالعبودة لربها إلا بالاسترواح إلى الثواب، ~~والرهب من العقاب، فهذه عبودة برشوة وعربون، وليس هذه عبودة الأنبياء ولا ~~الصديقين، ولا أولياء الرحمن، هذه عبودة عبيد النفوس، وعبيد الشهوات ~~المخلطين سيئاتهم بحسناتهم، وفي حشو أعمالهم الظاهرة من العجائب ما لو بليت ~~السرائر، وحصل ما في الصدور يوم انكشاف الغطاء لهربوا من أعمالهم، وتركوها ~~بمكانها PageV02P276 ~~حياء من الله، فجعل حظوظ بني إسرائيل على قلوبهم في دار الدنيا حقوقه ~~وعهده، وفي الآخرة جنانه ثوابا لرعاية حقوقه، والوفاء بعهده، وحظوظ هذه ~~الأمة على قلوبهم في دار الدنيا جلاله، وعظمته، وسلطانه، ومعرفة آلائه ~~وفضله، ورحمته، وفي الآخرة: رفع الحجاب فيما بينه وبينهم، وقدمهم في الدنيا ~~خروجا، وأخرنا، وقدمنا في الجنة دخولا، وأخرهم. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الجنة محرمة على ~~الأنبياء حتى أدخلها، وعلى ms0236 الأمم حتى تدخلها أمتي)). # فبهذه الأمة فتح العبودة يوم الميثاق، وبهذه الأمة تختم العبودة يوم تصرم ~~الدنيا، وبهذه الأمة يفتح باب الرحمة، فيدخلون داره. # ثم ظهرت من معاملة بني إسرائيل ربهم، ومن معاملة هذه الأمة ربها، ما دلت ~~على نفوسهم وأخلاقهم، ومحلهم من المكارم التي أعطيا، والمواهب. # فكانت مكرمة إسماعيل بيت الله الذي خلقه قبل خلق السماوات والأرض، فكانت ~~زبدة بيضاء، إذ عرشه على الماء، فبوأ لذكره هناك، وخلق ملكين يسبحانه، ~~ويقدسانه على الزبدة، فابيضت، فهناك مظهره، ومعلمه PageV02P277 ~~ومبوأ ذكره، وموضع تقديسه، ولا سماء، ولا أرض، ولا خلق، فولاه الله رفع ~~قواعده مع أبيه دون إسحاق، وجعل حجابته بيد ولده، فهم محجبون، ومأذونون، ~~وأنيط له زمزم سقيا له ولولده من بعده، ولجميع من أم البيت معظما، وساق ~~إليه عينا من عيون الجنة، ففتح فيه ينبوعها، وجعله مهبط رحمته في كل يوم، ~~ومنه تنتشر على أهل الدنيا، فيخص منها أهلها بمئة رحمة، وعشرين لأهل ~~الدنيا. # ومكرمة إسحاق الصخرة التي إليها يجمع الخلق ويحاسبهم، وهي صخرة من الجنة ~~عليها الأرضون السبع، وهي رأس تلك الصخرة. # وأما المعاملة: فإنه لما جاءت المحنتان من الله لهما في وقتيهما، برز ما ~~في نفوسهم، وبرز ما لهم من الحظ في الغيب عنده بالمحبة، فإن السيد إذا كان ~~له عبيد، فإنما يبين حظوظ العبيد منه بمعاملته إياهم، وتبين جواهر نفوسهم ~~بمعاملتهم إياه. # فإنما كثر ولد إسحاق في زمن يوسف عليه السلام بمصر بعد ما حاز الله PageV02P278 ~~ليوسف عليه السلام مدائن مصر، وأسكنه إياها، وجعل بيده خزائنها، ودخلها ~~إسرائيل، وهو يعقوب عليه السلام في ستة وتسعين نفسا من ولده، وولد ولده، ~~ونسلهم، فإنما الله عددهم، وبارك في ذريته، حتى خرجوا إلى البحر يوم غرق ~~فرعون، وهم ست مئة ألف من المقاتلة سوى الشيوخ، والذرية، والنساء، وجاوز ~~عددهم ألف ألف، فقال الله تبارك وتعالى يحكي عنهم: {ولقد جاءكم يوسف من قبل ~~بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من ~~بعده رسولا}. ms0237 # فهذا فعلهم بعد أن صيرهم ملوك مصر وأربابها، فغير الله ما بهم، فصاروا ~~سخرة لآل فرعون، يخدمونهم خدمة العبيد والإماء رجالهم ونساؤهم، ومن عجز عن ~~الخدمة لسنه، ضع عليه الغلة، فاستودى مساء كل يوم، فإن أعطى، وإلا غلت ~~يمينه، فكانوا في عذاب وبلاء، وقتل أبناءهم، وكل مولود يولد فيهم خوفا من ~~رؤياه: أنه يولد منهم مولود يكون هلاك ملكه على يديه، فبعث الله موسى، ~~ورحمهم به، فقال في تنزيله: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان ~~وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون}. # فجعلهم كذلك، ووفى لهم بما وعد، فإنما عددهم، وأنزل فيهم PageV02P279 ~~الكتب، وبعث فيهم الرسل والأنبياء، وجعلهم أهل ديانة وعبادة وجهد وعهود ~~ومواثيق. # وأما ولد إسماعيل: فجعل فيهم السخاء، وأولي الأخلاق والمكارم، ومنحهم من ~~خزائنه تلك الأخلاق الطاهرة التي عيش أهلها عيش أهل الجنة. # فإن صاحب الأخلاق قلبه في راحة؛ لأن نفسه طيبة غنية كريمة، وصاحب الضيق ~~قلبه معذب؛ لأن نفسه شكسة كزة يابسة، فقيرة، فناءت وبان بونا بعيدا قلب ~~مستريح وقلب معذب، هذا من قبل أن تأتيهم الهداية، فلما جاءت الهداية ~~والغياث من الله، ورد على قلوب بني إسرائيل نور التوحيد وروحه، وتركوا مع ~~مجاهدة نفس كزة يابسة ضيقة، وورد على قلوب هذه الأمة نور التوحيد وروحه، ~~ونور اليقين وروحه. # فقلوب بني إسرائيل قلوب مؤيدة بالتوحيد، معذبة بكزازة النفس، وضيقها، ~~وقلوب هذه الأمة مؤيدة بالتوحيد، مستريحة بروح اليقين، وهو قوله تعالى: {قل ~~إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم}؛ PageV02P280 ~~أي: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ~~واسع عليم}، قد علم من هو أهل لذلك، كما قال: {وكانوا أحق بها وأهلها}؛ أي: ~~أهلا لكلمة لا إله إلا الله، وهي إعلاء كلمة فيما بين العرش والثرى، ثم ~~قال: {يختص برحمته من يشاء؛ أي: قد اختصكم يا أمة محمد بالرحمة، فبذلك نلتم. # وقال رسول الله صلى الله عليه ms0238 وسلم: ((ما أعطيت أمة من اليقين ما أعطيت ~~أمتي)). # ومثل من أعطي اليقين، وفضل به، ومن حرم ذلك، كمثل شجرة لها غصنان، ~~والسقيا واحد، فلما جرى الماء إلى أحد الغصنين، تحولت طيبا بمشيئة الله، ~~وجرى في الغصن الآخر، فتحولت ثمارا، فمن الثمار حلو وحامض، ومدخول وعفن، ~~ومر، فمنه ما ينتفع به، ومنه ما ينفى فيرمى به، والطيب يطيب به كل شيء من ~~المأكول والمشروب، والملبوس، والمركوب، والمنكوح. # وإذا ذهب الطيب، نتن، فذهبت لذته، وتنغص طعمه على طاعمه لرائحته. PageV02P281 # فوجدنا هذه الأمة نفوسها طيبة كما ذكرناه بدءا، وأيدت بروح اليقين، فخرجت ~~الأعمال زاكية طيبة، فيها الهناءة والمراءة، بها يهنأ الحق، ويستمر بها ولم ~~يوجد فيمن سواهم، هذا فضل الله يؤتيه من يشاء. # قال له قائل: ما روح اليقين؟ # قال: برد القربة من الرحمة والعطف، فراحت بها من فورة النفس وحرارتها، ~~وليس فيما قلت شفاء؛ لأنك لم تصل إليه، والشفاء لمن وصل فاحتظى منه، وذلك ~~أن النفس خرجت من هوى المخلوقين إلى هوى القربة، فكل الطيب هناك، فأنقذ ~~الله بني إسرائيل من ملكة فرعون وعذابه وسخرته بمبعث موسى -صلوات الله ~~عليه-، وغرق فرعون، وجعل لهم طريقا في البحر يبسا، فلما جاوزوه، قالوا: يا ~~موسى! إن قلوبنا لا تطمئن، أن فرعون قد غرق، حتى أمر الله البحر فلفظه، ~~فنظروا إليه، فلما اطمأنوا، وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا ~~كنوزه وغرقوا في النعمة، رأوا أقواما يعكفون على أصنام لهم، فقالوا: يا ~~موسى! اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، حتى زجرهم موسى، وقال: {أغير الله ~~أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين}؛ أي: عالمي زمانهم. PageV02P282 # ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة التي كانت مساكن آبائهم، ويتطهروا من ~~أرض فرعون، وكانت الأرض المقدسة في أيدي الجبابرة، قد غلبوا عليها، ~~فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال، فقالوا له: أتريد أن تجعلنا لحمة ~~للجبارين، فلو أنك تركتنا في يدي فرعون، كان خيرا لنا، قال: {يا قوم ادخلوا ~~الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على ms0239 أدباركم}، قالوا: {لن ~~ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} حتى دعا ~~عليهم وسماهم: فاسقين. # فبقوا في التيه أربعين سنة عقوبة، ثم رحمهم، فمن عليهم بالسلوى، وبالغمام ~~تظلهم، وبالحجر تتفجر منه اثنتا عشرة عينا إذا ضربه بعصاه، فقالوا: لو أن ~~موسى انكسر عصاه، لمتنا عطشا، قال: فأوحي إلى موسى: إذا كان وقت الماء، ~~فكلم الحجر، ولا تضربه بالعصا؛ حتى تنفجر العيون بكلمتك. # ثم سار موسى إلى طور سيناء ليجيئهم بالتوراة، فاتخذوا العجل، وقال لهم ~~السامري: هذا إلهكم وإله موسى، فاطمأنوا إلى قوله، ونهاهم PageV02P283 ~~هارون فقال: {يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا ~~أمري}، قالوا: {لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى}، فلم يتبع هارون، ~~ولم يطعه في ترك العجل إلا اثنا عشر ألفا فيما روي في الخبر، وتهافت في ~~عبادته سائرهم، وهم أكثر من ألفي ألف. # فلما رجع موسى عليه السلام، ألقى الألواح، فرفع من التوراة ستة أجزاء، ~~وبقي جزء واحد، وهو الحلال والحرام، وما يحتاجون إليه، وأحرق العجل، وذراه ~~في البحر، فشربوا من مائه حبا للعجل، فظهرت على شفاههم صفرة، وورمت بطونهم، ~~فتابوا، فلم يقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم، فذلك قوله تعالى: {فتوبوا ~~إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم}. # فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم إلى بعض، من لدن طلوع الشمس إلى ارتفاع ~~الضحى، وقتل بعضهم بعضا، لا يسأل والد عن ولده، ولا أخ عن أخيه، ولا أحد عن ~~أحد، كل من استقبله أحد ضربه بالسيف، وضربه الآخر بمثله، حتى عج موسى عليه ~~السلام إلى الله صارخا: يا رباه! قد فنيت بنو إسرائيل، فرحمهم، وجاد عليهم ~~بفضله، فقبل توبة من بقي، وجعل من قتل في الشهداء. # ثم قالوا: يا موسى! {أرنا الله جهرة}، فجاءت صاعقة، وأحرقت من جمعهم ~~أربعين ألفا، فيما جاءنا في الخبر. PageV02P284 # ثم عرض عليهم ما في التوراة ليقبلوها، فأبوا، ثم قالوا: لا نطيق هذا، فنتق ~~الله عليهم الجبل، ونودوا منها {خذوا ما آتيناكم بقوة}، وإلا رميناكم ~~بالجبل، فسجدوا على حروف ms0240 جباههم ينظرون إلى الجبل، ويقولون: قبلنا قبلنا. # ثم قيل لهم: قد وصلتم إلى بيت المقدس: {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة}؛ ~~أي: حط عنا، بمنزلة قوله: أستغفر الله، فقالوا: حنطة؛ سخرية واستخفافا بما ~~أعطوا، قال الله -تبارك وتعالى-: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم}. # فجاء في الخبر: أنهم أمروا أن يدخلوا الباب سجدا على ركبهم، هكذا حتى ~~يدخلوا، فعلم الله منهم ضيق أخلاقهم، وأنهم لن يدخلوها سجدا، فلما صاروا ~~إلى الباب، طؤطئ لهم الباب، حتى لا يمكنهم أن يدخلوها قياما، فكزت نفوسهم، ~~والتوت، وانكشفت سوء أخلاقهم، واستلقوا على ظهورهم زحفا على الأستاه، وهم ~~يقولون: حنطة حنطة هطى سمقاثا. # قال الله تعالى: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا PageV02P285 ~~على الذين ظلموا رجزا من السماء}. # فحرموا المغفرة، فكان موسى عليه السلام شديد الحياء، ستيرا، فقالوا: إنه ~~آدر، فلما اغتسل، وضع على الحجر ثوبه، فعدا الحجر بثوبه إلى مجالس بني ~~إسرائيل، وموسى عليه السلام على إثره عريان، وهو يقول: (ثوبي يا حجر، ثوبي ~~يا حجر)، يا أيها الحجر! ثوبي، فذلك قوله: {لا تكونوا كالذين آذوا موسى ~~فبرأه الله مما قالوا}. # ثم لما مات هارون، قالوا له: أنت قتلت هارون وحسدته، حتى نزلت الملائكة ~~بسرير هارون ميت عليه. # ثم سألوه: أن يكون ما تقدم من أموالنا نعلم بقبولها، هل تعلم يقبلها، ~~فجعلت نار تجيء من السماء فيتقبل قربانهم. PageV02P286 # ثم سألوه: أن يبين لنا كفارات ذنوبنا في الدنيا، فكان من أذنب ذنبا أصبح ~~وعلى بابه مكتوب: عملت كذا، وكفارته قط عضو من أعضائك يسميه له، ومن أصابه ~~بول لم يطهر حتى يقرضه، فيزيل جلدته من بدنه. # ثم بدلوا التوراة من بعده، وافتروا على الله، وكتبوا بأيديهم، ليشتروا به ~~من الدنيا عرضا، ثم صار أمرهم إلا أن قتلوا أنبياءهم ورسلهم. # فهذه معاملتهم مع الله، وسيرتهم في دينهم، قد انكشف لنا عن جواهرهم، ~~وأخلاقهم، وحظوظهم من ربهم، بما أنزل الله علينا من أخبارهم، ولمن كان له فهم. # وأما ولد إسماعيل: فلم يزالوا مذكورين ms0241 بالسماحة، والأخلاق السنية، ~~والأفعال العلية، يطعمون الطعام، ويكفلون الأيتام، ويرعون الذمام، وهم في ~~شركهم، ويفكون العاني، ولم يزل تلك عادتهم وسيرتهم وطبيعتهم، ولم يسلط ~~عليهم أحدا فيسبيهم ولا يستسخرهم، ولا صاروا ملكا لأحد من الفراعنة، حتى ~~أكرمهم الله بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فصاغ محمد صلى الله عليه وسلم ~~صياغة، برز على الأنبياء والرسل، فصار سيدا لجميع ولد آدم، وأنزل عليه ~~كتابا مهيمنا على الكتب، أجمل فيه التوراة والإنجيل، واختصر له الكلم، ~~وزاده المفصل، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وخاتمة سورة البقرة من كنزه ~~الذي ادخره لهذه الأمة، ووصفهم في التوراة بمحاسنهم لبني إسرائيل من قبل أن ~~يخلقهم بآلاف من السنين، ولعيسى PageV02P287 ~~ولقومه في الإنجيل، حتى روي في الحديث: # أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم مسمون في التوراة: صفوة الرحمن. # وفي الإنجيل: حكماء علماء، أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء. # وقال في القرآن: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}؛ تصديقا لما ~~في التوراة: أنهم يسمون: صفوة الرحمن. # وقال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس}، وقال: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}؛ أي: ~~عدلا؛ {لتكونوا شهداء على الناس}؛ أي: شهداء الرسل بالبلاغ، عندما تجحد ~~الأمم بتبليغ الرسل رسالات الله. # فتشهد هذه الأمة لنوح فمن دونه رسولا رسولا: أنهم قد أدوا الرسالة، فيحكم ~~الله بشهادتهم على سائر الأمم، ويتخلص الرسل من أمانات الرسالة، وذلك بعد ~~ما يعدلهم محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على ~~الناس}، ثم قال: {ويكون الرسول عليكم شهيدا}. # فتكون شهادة أمة محمد صلى الله عليه وسلم يومئذ مقبولة على جميع الأمم، ~~لجميع الأنبياء، ثم أعطاهم سيفه ليقتلوا به أعداءه، ولا يقتل أعداءه إلا ~~أولياؤه، PageV02P288 ~~ثم قال: {والله ولي المؤمنين}. # فهم أولياء الله، والله وليهم، وهم أهل حميته وأنصاره، فدعوا إلى الحرب، ~~فوضعوا السيوف على عواتقهم، وربطوا الحجر على بطونهم من الجوع، والخرق على ~~ظهورهم من العري، وقد هجروا أوطانهم، ومقرهم، وحرم الله، وأظهروا عداوة في ~~الله لأهل الشرك، وخرجوا من ديارهم وأموالهم، ونابذوا أرحامهم في الله، ms0242 حتى ~~كان الرجل يقتل أباه وأخاه، فكان أبو عبيدة بن الجراح ممن قتل أباه، فأنزل ~~الله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} ثم أثنى عليهم ~~فقال: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه}. # فمن يعلم كنه هذه الكلمة إلا أهل اليقين وأولو الألباب؟ # ({أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم})، ثم قال: {وأيدهم بروح منه}، فهم ~~المكتوب في قلوبهم الإيمان، المؤيدون بروحه، {ويدخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب ~~الله هو المفلحون}. PageV02P289 # وقالوا عندما استشارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الحرب: ~~مرنا بما شئت، وسر بنا حيث شئت، فلو سرت بنا إلى برك الغماد، لسرنا -موضع ~~بعيد ذكروه-، فوالله! لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل: {فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا إن ههنا قاعدون}. # وعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر، فخرج من الحجرة مغضبا، فرقي ~~المنبر وقد احمرت عيناه ووجنتاه، فقال: ((ما بال أقوام يقولون كذا ~~وكذا؟!))، فرأوا الغضب في وجهه، فنادت الأنصار، وقالوا: السلاح السلاح، ~~فأحدقوا حول المنبر في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق، وافتتح خيبر، وغنم ~~الغنائم، فقسم في المهاجرين، ولم يقسم في الأنصار؛ لأنهم في أموالهم، ~~والمهاجرون خلفوا الأموال بمكة، فسمحت الأنصار بذلك، وكانوا حين قدموا ~~المدينة ناصفوهم الأموال، وواسوهم بالكثير، حتى كاد الرجل يطلق إحدى ~~امرأتيه ليتزوجها أخوه المهاجر. PageV02P290 # هذا كله لحب الله، وحب طاعته، وحب رسوله، فانظر أي قلوب هذه، وأي شيء في ~~هذه القلوب من منن الله، وانظر أي جواهر هذه النفوس، وانظر أي أخلاق لهذه ~~النفوس؟ # اللهم إنا نتقرب إليك بحبهم، فإنهم أحبوك، ولم يحبوك حتى أحببتهم، فبحبك ~~إياهم وصلوا إلى حبك، ونحن لم نصل إلى حبهم فيك إلا بحظنا منك، فتمم لنا ~~ذلك حتى نلقاك وأنت أرحم الراحمين. # وأثنى الله على الأنصار، ومدح سرائرهم، فقال: {يحبون من ms0243 هاجر إليهم ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا}؛ أي: لا يجدون ضيقا ولا نفاسة فيما أوتي ~~المهاجرون من غنيمة خيبر، ولم يؤت الأنصار. # {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}. يخبر أنه قد كان بالأنصار فقر ~~وحاجة إلى تلك الغنائم، فآثروا المهاجرين على أنفسهم، ثم أخبر أن هذا من ~~منة الله على الأنصار أنه من عليهم بأن أمات فيهم الحرص، وهو الشح، فقال: ~~{ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}. # وإنما أمات فيهم الحرص على الدنيا بما أعطاهم من اليقين الفاضل على ~~الأمم، فباليقين مات الحرص، وما يصنع من احتشى قلبه بنور الله، PageV02P291 ~~ويرى قربة الله منه بظلمات الدنيا وحطامها ولهوها؟! # وسار بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فتح مكة، وهو وطنهم وأرضهم ~~المقدسة؛ كما سار بهم موسى -صلوات الله عليه-، فما تلكأ منهم شيخ ولا شاب، ~~حتى فتح الله عليهم من غير أن يمسهم سوء. # ثم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتعث الله لهذا الدين أئمة ~~صديقين، خلفاء الأنبياء، وأوتاد الأرض، يقومون بالحق، وبه يعدلون. # فتفاوت الأمران والشأنان: شأن بني إسرائيل، وشأن هذه الأمة. # 395 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا المكي بن إبراهيم، قال: حدثنا ~~حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: بينما رجلان جالسان، ~~إذ قال أحدهما: لقد رأيت البارحة كل نبي في الأرض، قال الآخر: هات، قال: ~~رأيت كل نبي معه أربعة مصابيح: مصباح بين يديه، ومصباح من خلفه، ومصباح عن ~~يمينه، ومصباح عن يساره، ومع كل صاحب له مصباح، ثم رأيت رجلا قام، أضاءت له ~~الأرض، وكل شعرة في رأسه مصباح، ومع كل صاحب له أربعة مصابيح: مصباح بين ~~يديه، ومصباح من PageV02P292 ~~خلفه، ومصباح عن يمينه، ومصباح عن يساره، فقلت: من هذا؟ قالوا: محمد بن عبد ~~الله، قال كعب: ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ قال: رؤيا رأيتها البارحة، ~~وقال: والذي بعث محمدا بالحق نبيا! إنها لفي كتاب الله كما رأيت. # فبرز ولد إسماعيل وهم ms0244 العرب على سائر الناس، بما منحهم الله من أخلاقه. # وجاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن لله مئة وسبعة ~~عشر خلقا، من أتاه بواحد منها، دخل الجنة)). # 396 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا ~~عبد الواحد بن زيد، قال: حدثنا عبد الله بن راشد، قال: حدثني مولاي عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. PageV02P293 # 397 - حدثنا أبو قلابة بن محمد بن عبد الله الرقاشي، قال: حدثنا عبد الصمد ~~بن عبد الوارث، عن عبد الواحد بن زيد، عن عبد الله بن راشد، عن عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. PageV02P294 # 398 - حدثنا محمد بن مرزوق البصري، قال: حدثنا شداد بن علي الهزاني، وكان ~~قد صام ثمانين سنة متتابعة، عن عبد الواحد بن زيد، عن عبد الله بن راشد، عن ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # فكأنه يدل على أن من أتاه بخلق واحد منها، وهب له جميع سيئاته، وغفر له ذنوبه. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((الأخلاق في الخزائن، ~~فإذا أراد الله بعبد خيرا، منحه خلقا منها)). # ألا ترى: أن الرجل المفرط في دينه، المضيع لحقوقه، يموت وقد كان صاحب ~~الخلق من هذه الأخلاق، فتنطلق ألسنة العامة بالثناء عليه، والمؤمنون شهود ~~الله في الأرض. PageV02P295 # كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # (وإنما قيل: شهود الله في الأرض يشهدون للرسل يوم القيامة، فهم شهود الله. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم): أنه مر عليه بجنازة. # 399 - حدثنا بذلك بشر بن هلال الصواف قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ~~ثابت، عن أنس: أنه قال: مات رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأثني عليه خيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وجبت))، ثم مات ~~آخر، فأثني عليه شرا، فقال ms0245 رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وجبت))، فقيل ~~له: يا رسول الله! قلت لذلك: وجبت، وقلت لهذا: وجبت؟ قال: ((إنكم شهداء ~~الله في الأرض)). PageV02P296 # 400 - حدثنا عمر بن أبي عمر بإسناد له بمثله، وزاد فيه: ثم تلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}. # فصاحب الخلق مع تخليط كثير وتضييع وتفريط، فإذا مات، انطلقت ألسنة ~~المؤمنين بالثناء عليه، فيقال: كان سخي النفس، فيقبل الله شهادتهم عليه، ~~ويدخله الجنة بسخاوته، ويموت أحدهم كذلك، فيقال: كان لينا، ويموت أحدهم، ~~فيقال: كان رحيما، ويموت أحدهم، فيقال: كان حسن الخلق، ويموت أحدهم، فيقال: ~~كان حليما، ويموت أحدهم، فيقال: كان رزينا، ويموت أحدهم، فيقال: كان عطوفا، ~~ويموت أحدهم، فيقال: PageV02P297 # كان برا متوددا، ويموت أحدهم، فيقال: كان كريما، ويموت أحدهم فيقال: كان ~~سهلا، ويموت أحدهم، فيقال: كان مواتيا منبسطا، ويموت أحدهم، فيقال: كان ~~عفوا حمولا، ويموت أحدهم، فيقال: كان لينا رفيقا، ويموت أحدهم، فيقال: كان ~~عفيفا، تعاف نفسه مداني الأخلاق والأمور، ويموت أحدهم، فيقال: كان شكورا ~~لما يؤتى إليه، ويموت أحدهم فيقال: كان شجاعا جلدا صارما. # فهذه أخلاق الله -تبارك وتعالى-، أكثرها مما تسمى به، والذي لم يتسم به؛ ~~لأنه لفظة تنسب المخلوقين إليها، وإنما تسمى بالأرفع والأعزب، وتلك داخلة ~~فيما تسمى به؛ لأن اللين والرزانة من الحلم، والرحمة والعفة من النزاهة ~~والطهارة. # فمنيحة الله إياه واحدة من هذه الأخلاق: أن يعطيه نور ذلك الاسم الذي ~~تسمى به ربنا، فيشرق نوره على قلبه وفي صدره، فيصير لنفسه بذلك الخلق ~~بصيرة، فيعتادها، ويتخلق بها، فحقيق عليه إذا أكرمه بذلك أن يهب له مساوئه، ~~ويستره بمغفرته، ويدخله الجنة، فإنه ما أعطاه ذلك حتى أوجب له ذلك في غيبه. # وقد جاء في الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحقق ما قلنا، من ذلك PageV02P298 ~~ما روي عنه أنه قال: ((بينما رجل لم يعمل خيرا قط فرفع غصن شوك من الطريق، ~~وقال: لعل مارا يمر به فيؤذيه، فغفر الله له)). # فإنما ms0246 غفر الله له بالرحمة التي في قلبه، وبالعطف الذي عطف على خلقه. # وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((بينما رجل حوسب فلم يجد له ~~حسنة، فقال الله سبحانه وتعالى: اذكر شيئا كنت تعمله في الدنيا، فأذكر ~~العبد، فقال لا أذكر شيئا يا رب إلا أني كنت أسامح الناس، وآمر غلماني أن ~~يسامحوهم في اقتضاء مالي منهم، فيقول الله: فأنا أحق أن أسامحك اليوم)). # ومثل هذا كثير في الأخبار. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن الله تعالى يحب كل ~~عبد طلق PageV02P299 ~~سهل لين هين، وحرمه على النار)). # وقال صلى الله عليه وسلم: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحم من في الأرض ~~يرحمك من في السماء)). # وقال: ((الجنة دار الأسخياء، وما جبل الله وليا له إلا على السخاء، ~~ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل)). PageV02P300 # وقال: ((حسن الخلق ذهب بخير الدنيا والآخرة، ويدرك به درجة الصائم ~~والقائم)). PageV02P301 # وقال عز وجل: {والعافين عن الناس والله يحب المحسنين}. # وقال: ((التأني والتؤدة من الله)). # فكانت هذه الأخلاق للعرب: ومنائح الله لهم، ثم طهرهم بالتوحيد، ثم طيبهم ~~باليقين، فعبدوا الله على مطلع عظيم، وكأنهم يعبدونه عن PageV02P302 ~~رؤية، فشق لهم أسماء من اسمه، وشرع لهم أوسع الشرائع وأسمحها، وستر عليهم ~~ذنوبهم، وجعل خروجهم منها بالندم والاستغفار، وأعطاهم جواهر الكلم. # فقال لبني إسرائيل: عاقبوا أبدانكم بذنوبكم، واقطعوا منها كذا، وتجدونه ~~مكتوبا على أبوابكم. # وقال لنا في ستر ذنوبنا: {توبوا}؛ أي: ارجعوا بقلوبكم فيما بيني وبينكم. # وقال لهم: {وقولوا حطة}؛ أي: حط عنا، وقال لنا: قولوا: {اغفر لنا}. # فهذا جوهر غير ذلك، وإنما صار هذا هكذا؛ لأن كلام كل قوم عند ربهم على ما ~~هم عليه، فبنو إسرائيل لم يكن عندهم من اليقين ما عند هذه الأمة، فلما ~~أذنبوا، قيل لهم: {وقولوا حطة}؛ أي: حط عنا. # وهذه الأمة بفضل يقينها استحيت من الله للذنب الذي تعمله، وكأنه رأى نفسه ~~خارجا من ستر الله عريانا، فأعطي الكلمة التي تكون دواء لما حل به، ورأى ms0247 ~~نفسه بتلك الحالة، فقيل له: قل: اغفر لي؛ [أي:] PageV02P303 ~~استر وغط، فإن أصل المغفرة: الستر والتغطية، ومنه سمي المغفر؛ لأنه يغطي الرأس. # وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في البزاق في المسجد، قال: ((فإنه ~~أغفر للنخامة))؛ أي: أستر، فمن استحيا من ذنبه، ورأى نفسه عاريا بين يدي ~~الله، قيل له: قل: اغفر لي، ومن عجز عن رؤية هذا، قيل له: قل: حطة، وصارت ~~صدقاتهم عودا بها على فقرائهم، فطابت نفوسهم بما رأوا على فقرائهم، من ~~فضلهم، وسكنت قلوبهم على الصدقات أنها تصير إلى الله، ولم يتنطعوا، ولا ~~تعمقوا، فأنزل الله عليهم: {هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات}. # فكان بعضهم يمشي بصدقته إلى السائل لا يكلها إلى غيره، ويقبلها من قبل أن ~~يضعها في يده؛ ليقينهم بمن يأخذها منهم على ما أخبرهم PageV02P304 ~~ربهم أنه هو الذي يقبل ويأخذ، وقال: ((إن الصدقة لتقع في يد الله من قبل أن ~~يأخذها السائل)). # فرزقهم الله من اليقين ما إذا قيل لهم الشيء، سكنت قلوبهم. # وقيل: إن قلوب هذه الأمة تأوي إلى ذكر الله، كما تحن الحمامة إلى وكرها، ~~ولهي أسرع إلى الذكر من ظمأ الإبل في يوم ورودها إلى الماء. # وأمرت بنو إسرائيل أن يضعوا في أرديتهم خيوطا خضراء، كي إذا نظروا إليها ~~ذكروا السماء، فإذا ذكروا السماء، ذكروا العرش، فيذكرون الله، ويوم ~~الوفادة، حيث اختار موسى عليه السلام سبعين رجلا لميقات الله، فلما صاروا ~~إلى الجبل، أعطاهم الله ثلاث خصال فيما روي في الخبر: # فقال: ((أعطيكم الحفظ لتقرؤوها عن قلوبكم))، قالوا: إنا نحب أن نقرأ ~~التوراة نظرا، قال: ((فذلك لأمة أحمد))، قال: ((وأعطيكم السكينة PageV02P305 ~~في قلوبكم))، قالوا: نحن لا نقدر على حملها، فاجعلها لنا في تابوت، فكلمنا ~~منها إذا احتجنا، قال: ((فذلك لأمة أحمد))، قال: ((وأعطيكم أن تصلوا من ~~الأرض حيث أدركتكم))، قالوا: لا نحب إلا أن يكون ذلك في كنائسنا. قال: ~~((فذلك لأمة أحمد)). # فكان نوف البكالي إذا حدث بهذا الحديث، قال: احمدوا ربكم الذي شهد ~~غيبتكم، وأخذ بحظكم، وجعل ms0248 وفادة بني إسرائيل لكم. # فجعل الله السكينة في قلوب المؤمنين، وجعل الأرض لهم مسجدا وطهورا، وقرن ~~الحفظ بالعقول منهم ليقرؤوا عن قلوبهم. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت أمتي ثلاثا لم يعط أحد: صفوف ~~الصلاة، وتحية أهل الجنة، وآمين، إلا ما أعطي موسى وهارون من قوله: آمين)). PageV02P306 # وكان من قبلهم يتفرقون في الصلاة، وجوه بعضهم إلى بعض، وقبلتهم إلى الصخرة، ~~وإذا لقي أحدهم أخاه، انحنى له بدل السلام، وخضع له، وفيه مؤنة، يريد بذلك ~~أمانه، فأعطينا تحية أهل الجنة أن يقول أحدهم بلسانه فيؤمنه. # فمن يقدر أن يحصي ما أعطيت هذه الأمة من اليسر والعلوم والجواهر، والبر ~~واللطف والكرامة والفضل البارز؟ وجعل سيماء عبودتهم له يوم القيامة على ~~وجوههم غر محجلون: غر من السجود، ومحجلون من الوضوء. # قد سجدت قبلهم الأمم، فلم يظهر على جباههم يومئذ شيء من هذا النور، ولا ~~على أطرافهم، وتلك شارة أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الموقف، وبها ~~يعرفون، وهم أهل الله وخاصته. # قيل: يا رسول الله! من أهل الله؟ قال: ((أهل القرآن)). PageV02P307 # وما زال موسى -صلوات الله عليه- يقول: يا رب! إني أجد في الألواح أمة لهم ~~كذا، ويعملون كذا، فاجعلهم أمتي، يقول الله: هم أمة أحمد. # حتى قال فيما روي: يا ليتني كنت منهم؛ غبطة بهم. # روي في الخبر: عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن موسى عليه السلام اشتاق ~~إلى رؤيتهم، فقال الله له بطور سيناء: أتحب أن أسمعك أصواتهم؟ فقال: بلى يا ~~رب، فنادى: يا أمة أحمد! فأجابوه من الأصلاب: لبيك اللهم لبيك، فقال: ~~أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني، ورحمتكم قبل أن تعصوني، ~~وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا عبدي ورسولي، أدخلته جنتي. # فذلك قوله: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك}؛ يمن على ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي: لم تكن يا محمد PageV02P308 ~~بجانب الطور إذ نادينا أمتك، ولكن رحمة عليهم ms0249 من قبل أن أخلقهم. # 401 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا حرملة بن ~~قيس النخعي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة رضي الله عنه، بنحو ~~من ذلك. # قال أبو عبد الله: فالعرب رأس الأمة، وسابقها إلى هذه المكرمة العظيمة ~~الجليلة، منهم ابتعث الله نبيه المجتبى المصطفى على الرسل، وفيهم انبعث، ~~وإليهم بعث، وعليهم أنزل كتابه، وإياهم خاطب، وبلسانهم أوحى، فقال: {لقد من ~~الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كان من قبل لفي ضلال مبين}. # وقال: {وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا}. PageV02P309 # وقال: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه}. # وقال: {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون}. # أي: شرف لك ولقومك حيث خاطبتهم بالوحي، وسوف تسألون عن شكر هذا الشرف. # وهم الذين أقاموا الدين، وآزروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصروا ~~الله ورسوله. # قال أبو عبد الله: فإن الذي ذكرت من مناقب هذه الأمة لم ينفرد بها العرب ~~دون العجم، وهم شركاء في جميع هذه المواهب التي أعطيت هذه الأمة. # قال: نعم هو كما ذكرت، ولكن السبق لهم في ذلك، والمعني بالعطية إياهم، ~~والأخلاق الكرام لهم، وتلك الأخلاق غير موجودة في العجم وفي غيرهم إلا في ~~الواحد بعد الواحد تخلقا لا طبعا، وأما الحكمة، فهي لهم. # ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لذلك الرجل يوم بدر حين ~~قال: إنما قتلنا عجائز صلعا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مه، ~~أولئك الملأ من قريش، لو PageV02P310 ~~نظرت إلى أفعالهم لاحترقت فعالك عند فعالهم)). # فإنما فضلوا الناس بهذه المكارم، وذلك منهم طبع من لدن إسماعيل ابن ~~إبراهيم -صلوات الله عليهما- وراثة فيهم تربية الله بالإسلام. # وهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى اختار من بني ~~آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر كنانة)). # فلم يكن هناك دين قيم اختارهم من بين الخلق إلا بمحاسن الأخلاق ms0250 ومكارم ~~الفعال. # وبلغنا: أن كنانة كان إذا لم يجد أحدا يأكل معه، وضع بين يديه حجرا، يأكل ~~لقمة، وألقى إليه لقمة؛ أنفة من أن يأكل وحده، وإنما أخرج الله صفيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم من خيار من خيار، فبان لك بخروجه منهم أن عنصرهم خير ~~العناصر. # وكانت مائدة عبد المطلب موضوعة، وكان يرفع فيها الطير والسباع في رؤوس ~~الجبال، وكان سوط أدبه معلقا حيث يراه السفيه، يؤدبهم بذلك. PageV02P311 # 402 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، عن مروان ~~الفزاري، عن ثابت بن عمارة، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني دعوت للعرب، فقلت: اللهم من لقيك منهم ~~مؤمنا موقنا بك، فاغفر له أيام حياته، وهي دعوة أبينا إبراهيم، ولواء الحمد ~~بيدي يوم القيامة، ومن أقرب الناس إلى لوائي يومئذ العرب)). # ومما يحقق ما قلنا: قول الله -تبارك وتعالى-: {هو الذي بعث في الأميين ~~رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من ~~قبل لفي ضلال مبين}، ثم قال: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز ~~الحكيم}، وهم العجم، فصيرنا منهم، ولم يكن PageV02P312 ~~ظهور في ذلك الزمان. # ثم قال: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}، فهم الرأس، ~~ونحن منهم، لا هم منا، والمبدوء بالفضل والمنة هم. # وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم}، ~~(فهم الممنون عليهم، والمعنيون بالعطية والفضيلة). # ومن هاهنا قيل: حب العرب إيمان، وبغضهم نفاق. # فإنما يحب حبهم؛ لإقبال الله عليهم، وإفضاله عليهم برحمته، ولحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ كانوا عشيرته، ومنهم انتخبه الله، فنسبوا إلى ~~لسانهم، فقيل: عرب، ومن سواهم عجم، إلا الروم وما والاها، فليس في اللسان ~~ما يبرزوا به على العالم كل هذا، إنما البروز والفضل لهم مما ذكرنا مما ~~منحهم الله من مكارم الأخلاق، فمن لم يوجد فيه هذه الأخلاق، فهو هجين، ~~والهجنة ضائرة ms0251 جدا، حتى في الخيل، فكيف في الآدميين؟ # 403 - حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني، قال: حدثنا عبد الله بن وهب المصري، ~~قال: أخبرني عبد الله بن PageV02P313 ~~كليب، قال: بلغني أن سليمان بن داود -صلوات الله عليهما- أرسل الخيل من ~~صنعاء إلى تدمر، فتقدم فرسان من الخيل، فقال المسبوق للسابق: لولا هجنة في ~~أدركتني من ثمانية عشرة جدة، ما سبقتني. PageV02P314 ### || AUTO الأصل الثامن والستون # 404 - حدثنا الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر المديني، ونصر بن علي، ~~قالا: حدثنا عبد الله بن داود الخريبي، عن هانئ بن عثمان، عن حميضة بنت ~~ياسر، عن جدتها يسيرة، أخبرتها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهن ~~أن يراعين الشمس بالتسبيح، والتقديس، والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل؛ فإنهن ~~مسؤولات ومستنطقات)). # 405 - حدثنا عبد القدوس بن محمد بن عبد الكبير PageV02P315 ~~ابن شعيب بن الحبحاب الأزدي، قال: حدثنا عبد الله بن داود، عن هانئ بن ~~عثمان، عن حميضة بنت ياسر، عن جدتها يسيرة، قالت: دخل علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ونحن نسبح بالتسبيح، فقال: ((ألقين -أو دعن- عنكن، وعليكن ~~بالأنامل، فسبحن بها؛ فإنهن مسؤولات ومستنطقات)). # 406 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن بشر العبدي جار لوكيع، ~~قال: حدثنا هانئ بن عثمان، عن أمه حميضة بنت ياسر، عن جدتها يسيرة، قالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكن بالتسبيح والتقديس والتهليل، ~~ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالأنامل؛ فإنهن مسؤولات ومستنطقات)). PageV02P316 # 407 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا فليح ابن سلومة، عن محمد بن ربيعة ~~الكلابي، عن هانئ بن عثمان بإسناده، بمثله. # قال أبو عبد الله: فمراعاة الشمس لطلوعها وغروبها. وقوله: تراعيها؛ أي: ~~تراقبها وقت الطلوع والغروب، وهو قوله: {وسبحوه بكرة وأصيلا}. # يقال: أصلت الشمس إذا أمست، فهو الأصيل، وجمعها الآصال، والتسبيح: هو ~~التسبيح، والتقديس: هو التنزيه، والتكبير والتهليل: هو التوحيد، والفرق بين ~~التسبيح والتقديس: أن التسبيح للأسماء، والتقديس للآلاء، وكلاهما يؤديان ~~إلى الطهر. # وأما العقد بالأنامل: فمن أجل أنها تنطق، وتشهد لصاحبها. PageV02P317 # أما المؤمن: فتنطق عنه ms0252 بخيره، وتصمت عن السوء؛ سترا من الله عليه. # وأما الكافر: فتنطق عنه بالسوء كله، وتصمت عن محاسنه؛ لأنه لغير الله، ~~فهو هباء منثور، وهو قوله تعالى: {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم ~~يوزعون. حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا ~~يعملون}. # قال عبد الله بن أبي جعفر: الجلود هاهنا: الفروج، ولكن الله كنى عنها. # 408 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي ~~المصري، عن ابن وهب، قال: أخبرني حرملة، عن عبد الله بن أبي جعفر {وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا} أي: لفروجهم. # فهذا يحقق تأويل قوله: لأنهم اشتد عليهم شأن الفروج، فالعار فيه أكثر، ~~فرجعوا باللوم على الفروج، ولم يقل: قالوا لسمعهم وأبصارهم، PageV02P318 ~~فإنما لاموا من اشتد عليهم بأن قالوا: {أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو ~~خلقكم أول مرة وإليه ترجعون. وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا ~~أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون. وذلك ~~ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم}؛ أي: أهلككم، {فأصبحتم من الخاسرين}. # قال الله -تبارك وتعالى-: {فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما ~~هم من المعتبين}. # فأخبر أن الجوارح تشهد، ثم بين على من تشهد، وهم الذين لم يعرفوا الله؛ ~~حتى ظنوا أنه لا يعلم أعمالهم، ثم أخبر أن الذين أهلكهم هو ظنهم بالله ما ~~هو منزه عن ذلك، فالمؤمن مستيقن أنه لا يخفى على ربه وزن خردلة، ولا مثقال ~~ذرة في برها وبحرها، وفي ظلمات الأرض من لحظة أو طرفة أو فكرة أو حركة عرق، ~~فهو معتذر إلى ربه من ذلك، مستغفر وتائب نادم، وإن مات على غير توبة، فهو ~~منكر بقلبه، وإيمانه لا يدعه حتى ينكره، وإن دق وخفي، فإنما أنكره، من أجل ~~أن ربه عالم به، وإذا أنكره، ساءته سيئته، وسرته حسنته. # فالإيمان يعمل فيه حتى يسوءه ويسره، والمؤمن حبيب الله ووليه، PageV02P319 ~~والكافر بغيض الله وعدوه، فالمطيع من المؤمنين هو بمكانه ومحله منه، ~~والمخلط الذي ms0253 قد أحسن وأساء في سيره إلى ربه لم يخرج عن محبته وولايته، ~~ولكنه بذنوبه واجد عليه وكالمعرض عنه، ثم يرحمه في آخر أمره في وقت الإعراض ~~عنه، (ولم يشك طرفة عين، فإن الله سبحانه وتعالى مطلع على سريرته وعلانيته، ~~ففي وقت الإعراض عنه) لا يهتك ستره، ولا تنطق جوارحه بفضيحة، وإنما تنطق ~~جوارح من أنكر أن الله لا يعلم ذلك، وجحده يومئذ، فتنطق جوارحه حتى تفضحه، ~~ويعلمه أنه قد علم ذلك، وأنه هو الذي أنطقهن؛ لأنه ليس من شأن الجوارح ~~النطق، فإذا أنطقهن، علم أنه هو الذي أنطقهن، وقد علم بذلك، وإنما يعامله ~~بمثل هذه الأشياء؛ لأن الكافر يومئذ لا يعرف ربه، فهو يقول: رب، ويا رب، ~~ولا يعرفه، ولو عرفه، لم يجحده. # ألا ترى أنه يقول يومئذ: {والله ربنا ما كنا مشركين} فإنما يعرفه معرفة ~~المشركين، لا معرفة الموحدين. # (وفرق أبو عبد الله -عليه رحمة الله- بين المعرفتين)، وقال: إن معرفة ~~المشركين معرفة الفطرة التي فطر الناس عليها، فليس لأحد أن ينكره، PageV02P320 ~~ومعرفة المؤمنين معرفة الآلاء، وهو التوحيد والتنزيه. # قال الله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}. وقال: {لمن ~~الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون}. {قل من رب السماوات السبع ورب العرش ~~العظيم} {قل من بيده ملكوت كل شيء}، {سيقولون لله قل فأنى تسحرون}. فسحرتهم ~~أهواؤهم، وانقلبت بهم عن الله منكوسين، لم يتفضل الله عليهم، ولا من عليهم ~~بنور التوحيد، {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور}. # فأحيا الله قلوب المؤمنين وهي ميتة بأن جعل له نورا يمشي في الناس إلى ~~الله كما وصف في تنزيله فقال: {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا} الآية. PageV02P321 ### || AUTO الأصل التاسع والستون # 409 - حدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا سفيان، عن سمي، عن أبي ~~صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((من صلى على جنازة، فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ من أمرها، فله قيراطان، ~~أحدهما أو أصغرهما ms0254 كأحد)). PageV02P323 # 410 - حدثنا الحسن بن قزعة، قال: حدثنا مسلمة ابن علقمة، عن داود بن أبي ~~هند، عن عامر، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((من تبع جنازة، وصلى عليها، ثم انصرف، فله قيراط من الأجر، ومن ~~تبعها، فصلى عليها، ثم قعد حتى يفرغ من دفنها، فله قيراطان، كل قيراط أعظم ~~من أحد)). # 411 - حدثنا عبد القدوس، قال: حدثنا عمي صالح بن عبد الكبير، قال: حدثني ~~عمي أبو بكر بن شعيب ابن الحبحاب، عن أبيه، عن كثير مولى أبي الصلت، عن PageV02P324 ~~أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى ~~على جنازة، فله قيراط، ومن تبعها إلى الحفرة، فله قيراطان، القيراط مثل أحد)). # 412 - حدثنا عبد القدوس، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبان بن ~~يزيد العطار، قال: حدثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد الغطفاني، عن معدان ~~بن أبي طلحة اليعمري، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((من مشى مع جنازة فله قيراط، ومن انتظر حتى يقضى دفنها، فله قيراطان، ~~القيراط مثل أحد)). PageV02P325 # 413 - حدثنا محمد بن معمر البصري، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ~~قال: حدثنا شعبة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((من صلى على جنازة، فله قيراط، ومن ~~شهدها، فله قيراطان، أصغرهما مثل أحد)). # 414 - حدثنا نصر بن علي الحداني، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن أشعث، عن ~~الحسن، عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ~~تبع جنازة حتى تدفن، فله قيراطان، ومن رجع قبل أن تدفن، فله قيراط)). PageV02P326 # قال أبو عبد الله: فالقيراط: سدس المثقال، فيما نرى أنه كان عند القوم ست ~~قراريط في ذلك الزمان، وقد تغير بناحيتنا في عصرنا. # وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن للمسلم على ms0255 ~~المسلم من الحق ست خصال: يجيبه إذا دعاه، ويسلم عليه إذا لقيه، ويعوده إذا ~~مرض، ويصلي عليه إذا مات، وينصحه إذا استنصحه، ويشمته إذا عطس)). # 415 - حدثنا محمد بن زنبور المكي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء ~~بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، بذلك. PageV02P327 # 416 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، عن ابن مبارك، عن عبد ~~الرحمن بن زياد بن أنعم، أن زياد بن أنعم أخبره: أنه سمع أبا أيوب يقول: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حق المسلم على المسلم ست))، فذكر مثله. # فالقيراط من المثقال كالدانق من الدرهم، هذا سدس الدرهم، وذاك سدس ~~المثقال، وفي بعض البلدان يقولون: شعيرة، فهذا تمثيل حيث ذكر القيراط يعلمك ~~أنه إذا صلى عليه، فقد قضى سدس حقه، فكتب له من الأجر بمقدار سدس حقه كمال الحق. # وأما القيراط الآخر بدفنه، وانتظاره حتى يدفن، فذاك من النصيحة له، وهي ~~إحدى الخصال التي عدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنصيحة ضد الغش، ~~فمن النصيحة له أن يكون في المغيب والمشهد على حال واحدة على سبيل PageV02P328 ~~الاستواء، فإذا لم يكن له كذلك، فهو غش، فإذا انتظر دفنه، فقد ولي منه في ~~المغيب ما ولي منه في المشهد، فقد أدى حق نصيحته، ومن لم يدفن ولكن انتظر ~~دفنه لينظر هل يحتاج إلى معونته، فهو شريك الذي يدفن، فهم كلهم شركاء في ~~النصيحة. # فالقيراط الأول: بالصلاة عليه، والثاني: بالنصيحة له حيث نصحوه في المغيب ~~بعد الممات، فواروا جسده الذي وجبت له حرمة وحق، فمثله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بأن الحق بهيئته كالمثقال بكماله، فكل خصلة منه فهو سدس الحق ~~الذي عليه. PageV02P329 ### || AUTO الأصل السبعون # 417 - حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي الحارثي البصري، قال: حدثنا موسى بن ~~إبراهيم بن كثير بن بشير، قال: سمعت طلحة بن خراش يقول: سمعت جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنه يقول: لقيني رسول ms0256 الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((يا ~~جابر! ما لي أراك منكسرا؟))، قلت: يا رسول الله! استشهد أبي وعليه دين، ~~وترك عيالا ودينا، قال: ((أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟))، قلت: بلى يا ~~رسول الله! قال: ((ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وإنه أحيا أباك، ~~فكلمه كفاحا، فقال: يا عبدي! تمن علي أعطيك، قال: يا رب أحييني PageV02P331 ~~فأقتل فيك، قال -تبارك وتعالى-: سبق مني أنهم لا يرجعون))، ونزلت: {ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} الآية. # قال أبو عبد الله: فهذا حال الشهداء، بذلوا له أنفسهم صدقا، فلقوا الله ~~لقاء أهل السعادة يوم الجزاء، عجل لهم اللقاء من قبل انقراض الدنيا، ~~وأحياهم المولى من قبل نفخة الصور. # وقوله: (كلمه كفاحا) أي: وجاها، وهو كقولهم: شفاها، إلا أن الشفاء ~~للمخلوقين، والكفاح له؛ إذ هو غير موصوف الكلام منه بالأدوات. # وفي قوله: ((كفاحا)) ما يدل على أن قوله: {وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب}: أن هذا في دار الدنيا. PageV02P332 # فأما الآخرة، فلأهل الجنان منه من الحظ من الكلام كفاحا، وللشهداء على سائر ~~الأموات ممن دونهم من الدرجات هذه الدرجة الفاضلة أنه أحياهم، ثم كلمهم ~~كفاحا، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة، فإذا كان هذا للشهداء منه كل ~~هذا الحظ، وإنما بذلوا له نفوسهم ساعة واحدة بمرة واحدة، فما ظنك ~~بالصديقين، وقد بذلوا نفوسهم عمرا من الأعمار، كيف يكون حظهم منه يوم ~~مماتهم من الكلام والبر والأثرة؟ # وقوله: (تمن علي أعطيك)؛ فإنه لما وقف نفسه في جنب الله، فبذلها له، عظم ~~ذلك عند الله، وشرفت نفسه عنده، فقبلها، فإذا قبل الله شيئا، عظم خطره، ~~فلذلك أطلق له بالتمني عليه. # وأما تمنيه بأن يحيا فيقتل ثانية، فإنه وجد لذة بذله لنفسه حين قتل، ~~وإنما بذل نفسا خاطئة قد تدنست بالمعاصي، فلما قتلت، ذهب الدنس، فأحب أن ~~يبذلها ثانية، فيكون قد بذل نفسا طاهرة مقبولة. PageV02P333 ### || AUTO الأصل الحادي ms0257 والسبعون # 418 - حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرقاشي، قال: ~~حدثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أم ~~الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ~~يكون اللعانون شهداء، ولا شفعاء)). PageV02P335 # قال أبو عبد الله: فاللعان: مفرط متعسف؛ لأن اللعنة مستأصلة مجحفة مستبيحة ~~للأحوال، فإن أجيب إلى ذلك، فقد أهلك، وإن لم يجب، فقد عمل عمله من الإفراط ~~والتعسف، وهذا جائر، والجائر لا شهادة له، وهذا فظ غليظ قليل الرأفة ~~والرحمة، وشهادة صاحب الغمز والعداوة والحقد غير مقبولة؛ لأن قلبه لا يخلو ~~من الجور، فإذا أنكرت الأمم تبليغ الرسالة، وجحدت مما حل بها من الشدة، ~~جاءت هذه الأمة فشهدت للرسل بتبليغ الرسالة إلى الأمم، (وهو قوله: {وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}. أي: للرسل على الأمم). # 419 - حدثنا أبي رحمه الله، عن محمد بن الحسن، عن ابن المبارك، عن عبد ~~الرحمن بن زياد بن أنعم، عن حبان ابن أبي جبلة، قال: بلغني أنه ترفع أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم على كوم بين يدي الله؛ لتشهد للرسل على أممها ~~بالبلاغ، فإنما يشهد PageV02P336 ~~منهم يومئذ من لم يكن في قلبه إحنة على أخيه المسلم. # فهذا من ذاك أيضا، فإن الإحنة والحقد داعيان إلى الجور، فقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((لا يكون اللعانون شهداء ولا شفعاء))؛ لما عندهم من ~~الإحنة والعداوة والجور. # (ولا يكونون شفعاء): لأن قلوبهم خالية من الرحمة. # ولهذا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لا يدخل أحدكم ~~الجنة حتى يرحم العامة، كما يرحم أحدكم خويصته)). # 420 - حدثنا أبو الأشعث العجلي، قال: حدثنا حزم القطعي، قال: سمعت الحسن ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده! لا يدخل الجنة ~~إلا رحيم))، قلنا: كلنا رحيم يا رسول الله؟ قال: ((لا، حتى ترحم العامة)). PageV02P337 # 421 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، ms0258 قال: حدثنا موسى بن ~~عبيدة، عن عبد الله بن عبيدة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، بمثله. # 422 - حدثنا محمد بن وزير الواسطي، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن ~~إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس ابن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لا يرحم الناس، لا يرحمه الله)). # 423 - حدثنا الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر PageV02P338 ~~المديني، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو، ~~عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء)). # فإذا رحمك الرحمن، صلحت للشهادة، وتفرغت للشفاعة، وإذا لم ترحم لم تصلح ~~للشهادة، ولم تتفرغ للشفاعة. # 424 - حدثنا أبي رحمه الله، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يزيد بن المقدام ~~بن شريح الحارثي، عن أبيه، عن جده، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P339 ~~أبا بكر وهو يلعن بعض رقيقه، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: ((يا أبا بكر! لعانين وصديقين؟! كلا ورب الكعبة!))، فأعتق أبو بكر ~~رضي الله عنه يومئذ بعض رقيقه، وجاء إليه فقال: ((لا أعود إليه يا رسول ~~الله)). PageV02P340 ### || AUTO الأصل الثاني والسبعون # 425 - حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق، وبشر بن هلال البصريان، قالا: حدثنا ~~جعفر بن سليمان الضبعي، عن سعيد الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة ~~الأسيدي، وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لقيني أبو بكر ~~رضي الله عنه، قال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة يا أبا بكر، قال: ~~سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نافق حنظلة يا أبا بكر، قال: سبحان الله! ~~ما تقول؟ قلت: نافق حنظلة، قال: مم ذاك؟ قلت: نكون عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فيذكرنا بالجنة والنار حتى كأننا رأي ms0259 العين، أو كأنا نراهما، ~~فإذا خرجنا من عنده، عافسنا الأزواج والأولاد PageV02P341 ~~والضيعات، ففزع أبو بكر رضي الله عنه، وقال: والله! إنا لنلقى مثل هذا، ~~فانطلقت أنا وأبو بكر رضي الله عنه حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((كيف أنت يا ~~حنظلة؟))، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله. قال: سبحان الله! ما تقول؟ قلت: ~~نافق حنظلة يا رسول الله، قال: سبحان الله ما تقول؟ قلت: نافق حنظلة يا ~~رسول الله، (قال: ((مم ذاك؟))، قلت: نكون عندك يا رسول الله)، فتذكرنا ~~بالجنة والنار، حتى كأننا رأي العين، حتى إذا خرجنا من عندك، عافسنا ~~الأزواج والأولاد والضيعات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي ~~نفسي بيده! أن لو تدومون على ما تكونون عندي في الذكر، لصافحتكم الملائكة على PageV02P342 ~~فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة! ساعة وساعة، ساعة وساعة)). # قال أبو عبد الله: فالذكر المذهل للنفوس إنما يدوم ساعة، ثم ينقطع، ولولا ~~ذاك، ما انتفع بالعيش، والناس في الذكر على طبقات: # فمنهم من يدوم له ذكره في وقت الذكر، ثم تعلوه غفلة، حتى يقع في التخليط، ~~وهو الظالم. # ومنهم من يدوم له ذكره في وقت الذكر، ثم يعلوه معرفته بسعة رحمة الله، ~~وحسن معاملته عباده، فتطيب نفسه بذلك، فيصل إلى معاشه، وهو المقتصد على ~~سبيل الاستقامة والتقوى. # وأما أهل اليقين: وهم السابقون والمقربون، فقد حازوا هذه الحظة، ولهم درجات: # فأول درجاتهم: PageV02P343 # الخشية: فيمتنع بها من جميع ما كره الله، دق أو جل، والخشية هي من القربة، ~~ومن العلم بالله، فإذا علم؛ لزمه الخوف أعني (من المعرفة ومن تعظيم الله، ~~فإذا غلبه) خوفه، لا خوف العقاب، إنما هو خوف العظمة، فإذا كان الخوف لازما ~~للقلب، غشاه بالمحبة، فيكون بالخوف معتصما مما كره، دق أو جل، وبالمحبة ~~منبسطا في أموره، بتلك الخشية، فلو تركه مع الخوف، لانقبض، وعجز عن كثير من ~~أموره، ولو تركه مع المحبة، لاستبد وتعدى، ولكنه -تبارك اسمه- لطف له، فجعل ms0260 ~~الخوف بطانته، والمحبة ظهارته؛ حتى يستقيم به قلبه، ثم يرقيه إلى مرتبة ~~أخرى، وهي: الهيبة والأنس. # فالهيبة: من جلاله، والأنس: من جماله، فإذا نظر إلى جلاله، هاب، فانقبض، ~~فلو تركه هكذا؛ لصار عاجزا عن جميع أموره؛ كثوب ملقى، أو كجنة بلا روح، ~~وإذا نظر إلى جماله، امتلأ كل عرق منه فرحا وسرورا، ولذة ونعيما؛ لامتلاء ~~قلبه، فلو تركه هكذا؛ لاحتمله ذاك، فأداه إلى التعدي والإفراط، لكنه لطف ~~له، فجعل الهيبة شعاره، والأنس دثاره، حتى يستقيم به قلبه، فهذا عبد ظاهره ~~الأنس بالله، وباطنه الهيبة من الله. PageV02P344 # ثم يرقيه إلى مرتبة أخرى، وهي مرتبة الانفراد بالله، قربه القربة العظمى، ~~وأدناه، ومكن له بين يديه، وأبقاه بنوره، وفتح له الطريق إلى وحدانيته، ~~فهذا ناظر إلى فردانيته، فأحياه الله به، واستعمله، فبه ينطق، وبه يعقل، ~~وبه يعلم، وبه يعمل، قد جاوز مقام الهيبة والأنس إلى مقام الأمناء، فهذا ~~سيد الأولين العارفين، وإمامهم، فهو أمان أهل الأرض، ومنظر أهل السماء، ~~وريحان الجنان، وخاصة الله، وموضع نظره، ومعدن سره، وهو سوط الله في خلقه، ~~به يؤدب عباده، وبه يحيي القلوب الميتة، وبه يرد الخلق إلى طريقه، وبه يجعل ~~الطريق إلى الله للمريدين، وبه يرحم أهل الأرض، وبه يمطر، وبه يرزق، وبه ~~يدفع البلاء عنهم، وبه ينعش حقوقه، وبه يستقر القرآن في الأرض، مفتاح ~~الهدى، وسراج الأرض، وسرور المصطفى، وقائد الأولياء، وصاحب اللواء، والهائم ~~بالثناء على ربه، يمجده تجاه صفوف الأولياء بين يدي محمد المصطفى صلى الله ~~عليه وسلم، يباهي به الرسول في ذلك الموقف، وينوه الله باسمه في ذلك ~~المقام، وتقر عين المصطفى به، قد أخذ بقلبه أيام الدنيا، ويحله حكمته ~~العليا، وأهدى إليه توحيده، ونزه طريقه عن رؤية النفس، وظل الهوى، وائتمنه على PageV02P345 ~~صحيفة الأولياء، وعرفه مقامهم، وأطلعه على منازلهم، وأراه طرقهم، وسيرهم ~~إليه، ومواضع محتسبهم. # فهو سيد النجباء، وملح الحكماء، وشفاء الأدواء، وإمام الأتقياء الأطباء، ~~كلامه قيد القلوب، ونظره شفاء للنفوس، وإقباله قهر الأهواء، وقربه طهر ~~الأدناس، فهو ربيع يزهر بنوره، وخريف يجتنى ms0261 ثماره، وكهف يلجأ إليه، ومعدن ~~يؤمل ما لديه، وفصل بين الحق والباطل، وهو الفاروق والصديق والولي والعارف، ~~والمقرب والحبيب والمجتبى، واحد الله في أرضه. # فمن تعاظمه هذه الصفة: فقد روي في قصة إبراهيم -صلوات الله عليه-: أنه ~~قال: ((اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض)). فرأى نفسه ~~واحدا لله في أرضه. PageV02P346 # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((يكون في هذه الأمة رجال ~~قلوبهم على قلب إبراهيم)). # معناه: أن يفتح لهم طريقا إليه على طريق إبراهيم ومحمد -صلوات الله ~~عليهما-؛ فإن إبراهيم خليل الله، ومحمد حبيبه. # وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ساعة وساعة)): أي: ساعة للذكر، ~~وساعة للنفس، لا أن ساعة للصحة، وساعة للتخليط، وهذا مهجور من القول، وهو ~~قول الجهلة الأغنام، ولكن كانت الجنة والنار رأي العين ساعة، وساعة مقبل ~~على المعاش ومرمته على سبيل الصحة، وفي درجات المقربين أيضا ساعة وساعة؛ ~~لأن القلب ربما عجز عن احتمال ما يحل به، فيحتاج إلى مراح. # ألا يرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صار إلى سدرة المنتهى، ~~فغشيها من أمر الله ما غشيها، وأشرق النور، حال دونه فراش من ذهب، وتحولت ~~الشجرة زبرجدا وياقوتا، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعت حسنها. PageV02P347 # رواه أبو خالد الأحمر، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله. # 426 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حميد، عن أنس ~~رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لما انتهيت إلى السدرة، ~~إذا ورقها مثل آذان الفيلة، وإذا نبقها أمثال القلال، فلما غشيها من أمر ~~الله ما غشيها، تحولت، فذكر ياقوتا)). # 427 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن ~~الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما PageV02P348 ~~في قوله تعالى: {إذ يغشى السدرة ما يغشى}، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((رأيتها حتى إذا أنستها حال دونها فراش من ذهب)). # 428 ms0262 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سعيد ابن منصور، قال: حدثنا ~~الحارث بن عبيد الإيادي، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رأيت النور الأعظم، ولط ~~دوني الحجاب، رفرفه الدر والياقوت، فأوحى الله إلي ما شاء أن يوحي)). PageV02P349 # هذا كله يرجع إلى معنى واحد، معناه: أنه لم يقم بصره للنور، فعورض بالزبرجد ~~والياقوت، وفراش الذهب مراحا، حتى يقوى ويستقر، كأنه شغل قلبه بهذا المراح ~~عما رأى، حتى لا ينفر، ويجد قرارا، ويقدر احتماله، كالذي يشرب، فيتنفس حتى ~~يقوى على شرب ما بقي. # فقوله: (ساعة وساعة) من تدبير الله للعبد، وكان أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يطلبون تلك الساعة. # وجاءنا عن معاذ رضي الله عنه: أنه قال لرجل من أصحابه: ((تعال حتى نؤمن ~~ساعة))، فذهب ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله! أوما نحن بمؤمنين؟ وذكر له قول معاذ رضي الله عنه، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((دع عنك معاذا؛ فإن الله يباهي به الملائكة)). # 429 - حدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا عبد الكبير بن عبد المجيد ~~الثقفي، عن أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن معاذ بن جبل بذلك. PageV02P350 # ومثله قول أبي الدرداء: لمجلس من مجالس الإيمان أفضل من عتق مئة رقبة. # 430 - حدثنا به أبي رحمه الله، قال: حدثنا أحمد بن يونس، عن أبي بكر بن ~~عياش، رفعه. # ومثل قول عبد الله بن رواحة لأبي الدرداء: يا عويمر! تعال نؤمن ساعة، ~~فالقلب أسرع انقلابا من القدر حين تغلي، وإنما الإيمان بمنزلة القميص، بينا ~~أنت إذ لبسته، إذ أنت قد نزعته. # فهذا تأويل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني ~~وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن)). # أي: إنه إذا فعل ذلك، فقد خلع القميص، ووضعه ناحية، فإذا تاب، PageV02P351 ~~ورجع إليه بالصدق، كساه، وألبسه ذلك القميص، فكان هذا الإيمان عندهم ms0263 ~~استقرار ذلك النور، وإشراقه في صدورهم، حتى تصير أمور الآخرة، وأمر الملكوت ~~معاينة، فكانوا أصنافا. # فمنهم: من هذا النور له دائم، فيدوم له معاينة أمور الآخرة، وأمر ~~الملكوت، وهو مع ذلك يعافس الأزواج، والأولاد، ويعاشر ويرم المعاش، وعددهم ~~في كل زمان قليل، ألا ترى كيف وصفهم الله فقال: {والسابقون السابقون}. # أي: السابقون بقلوبهم أيام الدنيا إلى الله هم السابقون إلى الله دخولا ~~إلى الجنة. # ثم قال: {أولئك المقربون. في جنات النعيم}، ثم قال: {ثلة من الأولين. ~~وقليل من الآخرين}. # والثلة: الجماعة، وهم الأنبياء الذين مضوا عدد آلاف، وهم السابقون ~~المقربون، فهم ثلة، وختمت النبوة برسولنا صلى الله عليه وسلم، ثم من بعده ~~أولياء عددهم قليل في كل زمان، ذكر أنه يبلغ عددهم أربعين صديقا هم خلفاء ~~الأنبياء، فهم قليل في كل زمان، والآخرين: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والأولين: الثلة التي قبلنا؛ فقد كانت ثلة من المقربين في الأولين، (وقليل ~~في الأولين) وقليل في PageV02P352 ~~هذه الأمة؛ لأن النبوة قد انقطعت، وبقيت الولاية، فكان في أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من المقربين قليل، ومن بعدهم في كل قرن قليل. # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((في كل قرن من أمتي ~~سابقون)). # وهم البدلاء، الصديقون، بهم يسقون، وبهم يرزقون، وبهم يرفع البلاء عن الأرض. PageV02P353 ### || AUTO الأصل الثالث والسبعون # 431 - حدثنا محمد بن علي بن الحسن الحكيم الترمذي رحمه الله، قال: حدثنا ~~عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا أيوب بن سويد الرملي، قال: حدثنا أبو ~~زرعة يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي بشر عبد الله بن الديلمي، عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~((لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس، سأل ربه حكما يصادف حكمه، وملكا لا ~~ينبغي لأحد من بعده، وأن لا يأتي أحد هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه إلا ~~خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))، فقال رسول الله صلى الله ms0264 عليه وسلم: ((أما ~~اثنتان، فقد أعطيهما، وأما الثالثة، فأرجو أن يكون قد أعطي)). PageV02P355 # 432 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا المسيب ابن واضح، قال: حدثنا أبو ~~إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو، وربيعة بن يزيد، عن عبد ~~الله بن الديلمي، عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: ((لما فرغ سليمان من بناء مسجد بيت المقدس، سأل الله ثلاث خصال: ~~سأله حكما يصادف حكمه، فأعطاه إياه، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، ~~فأعطاه، وسأله أيما عبد مسلم خرج من بيته لا تنهزه إلا الصلاة في هذا ~~المسجد إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فنرجو PageV02P356 ~~أن يكون قد أعطاه إياها)). # فأما قوله: ((حكما يصادف حكمه)). فإن أمور العباد في الغيب، وإنما أمروا ~~أن يعملوا بالظاهر عندهم، فأمر الحكام أن يفصلوا الخطاب بين الخلق بشاهدين ~~ويمين المنكر، وربما كان شاهد زور، وربما كان في يمينه كاذبا، فليس على ~~الحاكم إلا الحكم بما يظهر عنده، ويكلهم فيما غاب عنه إلى الله، فأعطي ~~سليمان من الفهم ما يحكم بين عباد الله بما يصادف حكم الله. # وقد ذكر الله في تنزيله في ذلك الحكم الواحد إذ نفشت غنم القوم في حرثهم: ~~{ففهمناها سليمان}. # وروي عن كعب: أنه قال: ما فهم داود عند فهم سليمان -صلوات الله عليهما- ~~إلا كضوء السراج في ضوء الشمس. PageV02P357 # وروي في الخبر: أن امرأة اشترت دقيقا، فجعلته في مكيل، فهو على رأسها، إذ ~~جاءت ريح فأذرته، فجاءت إلى سليمان، وشكت إليه، فقال: انظروا أول سفينة ~~قادمة من البحر، فغرموه. # فهذا كأنه علم أنها ريح مسخرة لسفينة قادمة، وسخرة الرجل كالعبد له، ~~والعبد إذا جنى جناية، فهي في رقبته، فإما أن يفديه سيده، وإما أن يبيعه في ~~غرمه، فهو راجع على مولاه كيفما كان، وكان قد ملك الأرض شرقها وغربها، فكان ~~يحكم في أهل مملكته، حتى الوحوش والطيور والبهائم، وبين الجن والإنس ~~والشياطين. # فهو حاكم الأرض، فسأل ربه عندما أعطي المملكة أن ms0265 يصادف حكمه حكمه؛ لأنه ~~محتاج إلى أن يحكم بين الخليقة أيضا كما يحكم بين الخلق. # فأما سؤاله: ((ملكا لا ينبغي لأحد من بعده))، فإن أحباب الله وخاصته ~~يتنافسون في المنزلة عنده، ويغار أحدهم أن يتقدمه غيره من نظرائه. # ألا ترى أنه ذكر في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم PageV02P358 ~~في قصة المعراج أنه قال: ((لقيني موسى في السماء السادسة، فلما جاوزته، ~~بكى، وقال: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم ولد آدم على الله، وهذا قد جاوزني)). # فللأنبياء والأولياء، تنافس في محل القربة، وحق لهم ذلك، فإن كان سليمان ~~-صلوات الله عليه- سأل شيئا لا يكون لأحد من بعده؛ ليكون ظاهر المنزلة ~~والخصوصية، فغير مدفوع، ولا مستنكر أن سخر الله له الريح تجري بأمره رخاء؛ ~~أي: لينة مع قوتها، وشدتها، حتى لا تضر بأحد، وتحمله بعسكره، وجنوده، ~~ومركبه. # وكان مركبه فيما روي فرسخا في فرسخ مئة درجة، بعضها فوق بعض، في كل درجة ~~صنف من الناس، وهو في أعلى درجة منه، مع جواريه، وحشمه، وخدمه، فكانت الريح ~~تحمله بهذا المركب، فتهوي به في الجو، مسيرة شهر في غداة واحدة، ومسيرة شهر ~~في رواح واحد. # قال الله عز وجل: {غدوها شهر ورواحها شهر}. # فالريح: من أمر الملكوت، فكانت لا تدع كلمة يتكلم بها إلا ألقتها في أذنه. PageV02P359 # وعلم منطق الطير، فمر بوادي النمل، فقالت نملة: {يأيها النمل ادخلوا ~~مساكنكم} الآية، فمرت به الريح، فألقته في مسامعه، وقال الله عز وجل: ~~{فتبسم ضاحكا من قولها} الآية. # فالضحك من الأنبياء تبسم، والتبسم من انطلاق الوجه، وإنما ينطلق الوجه من ~~الفرح والسرور، وينقبض من ضدهما، فكأنه دخله السرور بما قالت النملة: {وهم ~~لا يشعرون}، معناها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس ممن يؤذي أحدا، ولا ~~يتعسف عليه ولا جنوده، فإن كان يفعل، فمن غير شعور بذلك، ففرح بذلك من ~~قولها: إن الهوام ودواب الأرض قد أمنته، وعرفته بالعدل. # وتأويل آخر: {وهم لا يشعرون} أن سليمان أسمع ذلك من ms0266 كلام النملة، وجنوده ~~لا يشعرون بذلك. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((أخذت ليلة شيطانا، ~~فخنقته حتى وجدت برد لسانه ولهاته على يدي، فأردت أن أربطه على سارية ~~المسجد؛ PageV02P360 ~~لتنظروا إليه إذا أصبحتم، ثم ذكرت دعوة أخي سليمان، فتركته)). # معناه: أي: لم أحب أن أشركه في هذه الدعوة، فأسأل ربي أن يسخره لي حتى أربطه. # وكان لكل نبي دعوة، فجعلها سليمان في ذلك، وادخرها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأمته، فأحب أن يترك دعوته على هيئته التي تركها. # 433 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا أحمد ابن يونس، قال: حدثنا زهير ~~بن معاوية، قال: حدثنا يزيد أبو خالد الأسدي، قال: حدثني عون بن أبي جحيفة ~~السوائي، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي، عن عبد الرحمن بن أبي عقيل، قال: ~~انطلقت في وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيناه، فقال قائل منا: ~~يا رسول الله! ألا PageV02P361 ~~سألت ربك ملكا كملك سليمان؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ~~((فلعل لصاحبكم أفضل عند الله من ملك سليمان، إن الله لم يبعث نبيا إلا ~~أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذ بها دنيا، ومنهم من دعا بها على قومه إن عصوه، ~~فأهلكوا بها، وإن الله أعطاني دعوة اختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم ~~القيامة)). # فالأنبياء كانت دعوتهم مجابة، ومعنى هذا القول: لكل نبي دعوة؛ أي: حاجة، ~~يقال له: سل ما شئت، فإن لك عندنا حاجة مقضية. # فأما قوله: ((فمنهم من اتخذ بها دنيا))، فليس معناه على أنه سأل PageV02P362 ~~الدنيا (لنفسه، وعياذ [ا] بالله أن يظن ذاك بسليمان عليه السلام، أو يظن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم أن ذلك عناه، وإنما سأل الدنيا) لله؛ فقد سأل ~~رسولنا صلى الله عليه وسلم أيضا شيئا من الدنيا؛ أي: لم يسأل الدنيا كلها، ~~فسأل بعضها، فقال: ((اللهم اجعل أوسع رزقي عند كبر سني)). # وقال في بعض ما أعوزته الحاجة: ((اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك)). PageV02P363 # فمن سأل شيئا من ms0267 الدنيا -وإن دق-، فكانت مسألته لنفسه، لا لله، فهو مذموم، ~~وقد دخل في طلب الدنيا المذموم، ومن سأل الدنيا -وإن جل-، فكانت مسألته ~~لله، فهو محمود، وليس ذلك لسؤال دنياه، ولا لطلب له، فقد سأل الأنبياء ~~الدنيا، وطلبوها، فكان سؤالهم وطلبهم لله، فلم يذموا في ذلك، فلذلك جاز ~~لسليمان عليه السلام أن جعل المسألة التي أوجبت له في شأن المملكة. # ألا ترى أنه ذكر العبد الآخر صلى الله عليه وسلم أنه سأل إهلاك الدنيا، ~~فقال: {لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا}. # فغرقت الدنيا كلها بدعوته، وفسدت، فلو كانت الدعوة لغير الله، لكان ~~مذموما، ولو كان يغضب لنفسه وللدنيا، ويسأل إهلاك الدنيا، لكان مذموما، ~~فإنما سأل عبد مملكتها لله، وسأل عبد دمارها وهلاكها لله، فكانا محمودين ~~مجابين إلى ذلك. # فأجيب نوح، فأهلك من عليها، وأعطي سليمان المملكة، ثم قال: {هذا عطاؤنا ~~فامنن أو أمسك بغير حساب}. # فرفعت التبعة؛ لأنه قد جعل له من قبل السؤال حاجة مقضية، فلذلك لم يكن ~~عليه تبعة، وأما رسولنا صلى الله عليه وسلم، فأخرها؛ لتكون تلك الحاجة له مقضية PageV02P364 ~~في اليوم الذي يعز فيه العفو، ويظهر الجود والكرم من ربنا، والحاجة في وقت ~~الجود والكرم أعظم إنجاحا، وأوفر حظا منه في وقت يعطى من الخزائن وأبواب ~~الخزائن غير مفتحة، وما يعطى لمحمد صلى الله عليه وسلم هناك، فالخلق إليه ~~أحوج منهم من هذه الدنيا مما سأل سليمان عليه السلام؛ فإنما سأل سليمان ~~-عليه الصلاة والسلام- مملكة الدنيا، وقد كان أبوه داود ممن عرضت عليه ~~الخلافة، فقبلها، فقيل: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق}. # فكان حاكم الله في أرضه، وعرضت على لقمان، فأبى، فأعطي الحكمة، وكان حكيم ~~الله في أرضه، قال الله تعالى: {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله}. # 434 - حدثنا عبد الكريم، عن نوفل بن سليمان، عن مالك بن أنس، رفعه إلى ~~أبي مسلم الخولاني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لقمان كان ~~عبدا كثير التفكر، حسن ms0268 الظن، كثير الصمت، أحب الله، فأحبه الله، فمن الله ~~عليه بالحكمة، فنودي بالخلافة قبل داود، فقيل له: يا لقمان! هل PageV02P365 ~~لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض، تحكم بين الناس بالحق؟ قال لقمان: إن ~~جبرني ربي، قبلت؛ فإني أعلم: أنه إن فعل ذلك بي، أعانني وعلمني، وعصمني، ~~وإن خيرني، قبلت العافية، ولم أسأل البلاء. فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: ~~يا لقمان! لم؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل ~~مكان، فيخذل، ويعان، فإن أصاب، فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ، أخطأ طريق ~~الجنة، ومن يكون في الدنيا ذليلا، خير من أن يكون شريفا ضائعا، ومن يختار ~~الدنيا على الآخرة، فاتته الدنيا، ولا يصير إلى ملك الآخرة، فعجبت الملائكة ~~لحسن منطقه، فنام نومة، فغط بالحكمة غطا، فانتبه، فتكلم بها، ثم نودي داود ~~عليه السلام بعده بالخلافة، فقبلها، ولم يشترط شرط لقمان، فأهوى في ~~الخطيئة، فصفح الله عنه، وتجاوز، وكان PageV02P366 ~~لقمان يؤازره بعلمه وحكمته. فقال داود عليه السلام: طوبى لك يا لقمان، ~~أوتيت الحكمة، فصرفت عنك البلية، وأوتي داود الخلافة، فابتلي بالذنب ~~والفتنة)). # فأوتي داود الخلافة ليحكم بين الناس بالحق لله، والحكم هو أمر الله وفعله ~~الذي يجمع عباده، فيحكم بينهم بعدله، ثم يتفضل على من يشاء، وعجل هذا الفعل ~~في أيام الدنيا، فجعله في أيدي من شاء من PageV02P367 ~~خلقه، فأوتي داود الخلافة ليحكم، وأوتي لقمان الحكمة ليشكر، وإذا حكم ~~الحاكم فعدل بينهم، عمر الأرض، وأزاح الفساد، وإذا نطق الحكيم، نشر عن الله ~~منته وإحسانه، وبصر الخلق، فردهم إلى الله، فقال: {إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض فاحكم}، وقال: {آيتنا لقمان الحكمة أن اشكر}. # ففي إقامة الحكم إبراز العدل، وفي القول بالحكمة إبراز المنة والنصح لله. # ثم أوتي داود أيضا الحكمة. # وقال -تبارك اسمه-: {وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب}. # وسخرت الجبال، يسبحن معه بالعشي والإشراق، والطير كي يزداد قوة على إسعاد ~~الجبال، والطير له لذلك، فلا يفتر فترة الآدميين، فإن في الإسعاد قوة. # قال الله -تبارك اسمه وتعالى-: {ولقد آيتنا ms0269 داود منا فضلا يا جبال أوبي ~~معه والطير}، فأخبر أن هذا من فضله عليه من خزائن المنة، ثم قال: {وألنا له ~~الحديد. أن اعمل سابغات}، وهي الدروع، فجعل الحديد في يده كالعجين يعمل ~~الدروع، فجعل قوته ومطعمه منها؛ ليكون من كد يده. PageV02P368 # وكذلك روي لنا في الخبر. # وجعل في يد محمد صلى الله عليه وسلم السيف، والرعب جنده يرعب منه العدو ~~مسيرة شهر، وجعل قوته ومطعمه من الغنائم، فكأنه قيل لداود: خذ هذه الحديدة، ~~فقد ألنتها لك من عطفي عليك؛ لتعمل منها دروعا، فيكون منها رزقك، وقيل ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم: خذ هذه الحديدة التي قد حددتها لك من سلطاني، ~~فاضرب بها رقاب أعدائي، وإباق عبيدي، وصيرت أموالهم نحلة وطعمة خصصتك بها ~~من بين الخلق، ولم يكن لأحد قبلك، ثم قال: {حلالا طيبا}. # فشهد له بالطيب، وفي السيف عز وسلطان وملك، وليس في التجارة ذلك المعنى، ~~فأنت تجاهد أعدائي، وتملك ما خولتهم، فتأخذ منهم ذلك على سبيل القهر ~~والسلطان، وأنا معك في النصرة. # وكان أخذ داود عليه السلام على سبيل التراضي، وتدبير الله فيما بينهم أن ~~يأخذ شيئا على عوض يعطيهم كسائر الناس، ولمحمد صلى الله عليه وسلم في هذا ~~مكرمة العز والسلطان، ولداود عليه السلام مكرمة العطف؛ بأن ألان له الحديد. # 435 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا محمود ابن خالد الدمشقي، قال: ~~حدثنا الفريابي، عن ابن ثوبان قال: حدثني حسان بن عطية، عن أبي منيب ~~الجرشي، PageV02P369 ~~عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ~~تعالى بعثني بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل ~~رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم، فهو ~~منهم)). PageV02P370 # 436 - حدثنا الفضل بن محمد، عن إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، عن ضمرة ~~بن ربيعة، عن عثمان ابن عطاء، عن أبيه، قال: كان داود عليه السلام يرتفع له ~~كل يوم درع، فيبيعه بستة آلاف، فينفق على ms0270 بني إسرائيل أربعة آلاف، وعلى ~~عياله ألفين. # فأوتي داود عليه السلام ما أوتي، ثم قيل له: {اعملوا آل داود شكرا}. # وأعطي سليمان منطق الطير، والريح، وعين القطر، أسيلت له ثلاثة أيام، ~~فاتخذ منها تماثيل على صورة الرجال من النحاس، ونفخ فيهم الروح؛ لئلا يحيك ~~فيهم السلاح، وكان اسفنديار من بقاياهم. PageV02P371 # 437 - حدثنا به أحمد بن مروان، عن يعقوب بن معبد، عن الحكم بن ظهير، عن ~~السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وتماثيل}، قال: ~~اتخذ سليمان -صلوات الله عليه- تماثيل من نحاس، فقال: يا رب! انفخ فيها ~~الروح؛ فإنها أقوى على الخدمة فنفخ الله فيها الروح، فكانت تخدمه، وكان ~~اسفنديار من بقاياهم، فقيل لداود وسليمان عليهما السلام: {اعملوا آل داود ~~شكرا وقليل من عبادي الشكور}. # فإنما ذكر الشكر هاهنا؛ لأنه أعطاهما من فضله ما منه عليهما، فلما انتهت ~~خلافة داود عليه السلام، ورث سليمان ذلك. # 438 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا الربيع PageV02P372 ~~ابن روح الحمصي، عن بقية، قال: حدثني أيوب بن عثمان الأزدي، قال: لما أراد ~~داود عليه السلام أن يستخلف ابنه سليمان عليه السلام، قال له سليمان: ألحب ~~الولد تفعل هذا، أم من شيء أمرك الله به؟ فقال داود: بل لحب الولد، فأبى ~~سليمان عليه السلام أن يقبلها حتى أمره الله بذلك. # ومما يحقق ذلك قول الله تعالى: {وورث سليمان داود}، وقال: {يأيها الناس ~~علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين}. # فأخبر أنه ورثه من أبيه بما ورثه الله، وقد كان لداود ولد سوى سليمان، ~~فإنما ورثه سليمان بما ورثه الله، فلما رأى عظيم ما آتاه الله داود من ذلك، ~~ويسر صلاح العباد، وإقامة ما أمره الله، التذ بالعبودة لله والنصيحة، ولكل ~~شيء دعوة، فجعل دعوته في ذلك، فسأله مملكة الدنيا كلها ليسوي الدنيا ~~وأهلها، وحكم فيه حكما يصادف حكمه، وينفي الظلم عن أهل الأرض، وينصف بعضهم ~~من بعض، حتى الجن والإنس، والطير، والبهائم، PageV02P373 ~~والوحوش، والسباع، وبقاع الأرضين، ms0271 والجبال، والبحار، وكان له حكم في كل ~~ذلك، ومملكة وسلطان، وأعين بالريح والشياطين والجن، فسخر ذلك له، وأعطي ~~الفهم، وهو أعلى الأشياء. # قال الله -تبارك وتعالى-: {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما}، ففضل ~~بالفهم لما زيد في المؤنة. # وروي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المعونة من الله على قدر ~~المؤونة)). # 439 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا محمد بن وهب الدمشقي، قال: ~~حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثنا معاوية بن يحيى، عن أبي الزناد، عن ~~الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ~~((إن المعونة تنزل من السماء على قدر المؤونة)). PageV02P374 # فكان يقول: خلقا من خلق الله، ويعطف على عبيده وإمائه، وكل ذلك لله، فكانت ~~تلك عبودة صير حاجته التي جعلت له في ذلك شفقة على خلق الله، ونوح عليه ~~السلام سأل إهلاكهم؛ ليطهر الأرض من أقذارهم ونجاسة شركهم؛ شفقة على حق ~~الله؛ ليخلص الحق من أنجاسهم. # ومحمد صلى الله عليه وسلم أخرها إلى يوم الثواب والعقاب؛ ليفتح الله على ~~لسانه خزائن الرحمة على عبيده في يوم بروز الجود، والكرم، وشدة فاقة الخلق ~~في ذلك المقام المحمود. # وإنما سمي المقام المحمود؛ لأن الرحمة خرجت إلى أهل الموقف حين نطق بذلك ~~الثناء عليه، فعمت الرحمة الملائكة والأنبياء والرسل وجميع الموحدين، وسكن ~~الهول، واطمأنت القلوب، فكان أهل الموقف كلهم محتاجين إلى ما ادخره محمد ~~صلى الله عليه وسلم ليوم الموقف من الدعوة، وصاروا عيالا عليه من الملائكة ~~والرسل فمن دونهم، وذلك ما روي عن PageV02P375 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: # ((إن إبراهيم ليرغب إلي يوم القيامة في تلك الدعوة، ويحتاج إليها)). # 440 - حدثنا بذلك عبد الرحيم بن يوسف، قال: حدثنا يعلى، عن إسماعيل بن ~~أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى، عن جده عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن ~~كعب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 441 - وحدثنا الجارود، عن النضر، ms0272 عن هشام الدستوائي، عن حماد بن أبي ~~سليمان، رووه بمثله. # 442 - حدثنا محمد بن محمد بن حسين، قال: حدثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن ~~برقان، قال: حدثني PageV02P376 ~~صالح بن مسمار، قال: بلغني أن الله تعالى أرسل إلى سليمان بعد موت أبيه ~~داود عليه السلام ملكا من الملائكة، فقال له الملك: إن ربي أرسلني إليك ~~لتسأله حاجة، قال: أرسلك ربي لأسأله حاجتي؟ قال الملك: نعم، قال سليمان ~~-صلوات الله عليه-: فإني أسأل أن يجعل قلبي يحبه، كما كان قلب أبي داود ~~يحبه، وأسأل الله أن يجعل قلبي يخشاه، كما كان قلب أبي يخشاه، قال الرب ~~-تبارك وتعالى-: أرسلت إلى عبدي ليسألني حاجة، فكانت حاجته إلي أن أجعل ~~قلبه يحبني ويخشاني، وعزتي! لأكرمنه، فوهب له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، ~~ثم قال: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب. وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب}. # فكانت الكرامة في قوله: {أمسك بغير حساب}؛ لأن المهنأة فيه؛ إذ لا تبعة عليه. # وكذلك روي عن الحسن البصري -رحمة الله عليه-، قال: ما من أحد إلا ولله ~~عليه تبعة في نعمه، غير سليمان بن داود عليه السلام؛ فإنه قال -تعالى جده-: ~~{هذا عطاؤنا} الآية. PageV02P377 # 443 - حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى الزمن، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: ~~حدثني أبي، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه: أن نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: ((لكل نبي دعوة دعا بها في أمته، وإني اختبأت ~~دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)). # فقوله: (دعا بها في أمته) دليل على أن سليمان عليه السلام سألها في أمته، ~~لا لنفسه، وذلك لله. # وقوله: ((اختبأت))؛ أي: تركت إظهارها وإبرازها في أيام الدنيا، فجعلتها ~~في اليوم الأعظم يوم القيامة، وزالت العبودة عن النفس، أبرزتها، والآخرون ~~تعجلوها في الدنيا، فسعدت نفوسهم بها، فإن لم يتداركهم الله، خيف أن تأخذ ~~النفس نصيبها. PageV02P378 ### || AUTO الأصل الرابع والسبعون # 444 - حدثنا رزق الله بن موسى الناجي، قال: حدثنا معن بن عيسى القزاز، ~~قال: ms0273 حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن هذا ~~المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه، فلنعم المعونة هو)). PageV02P379 # قال أبو عبد الله: فالخضرة: معناها الدوام، وذلك أن الخضرة من الشجر تدوم ~~خضرتها في الصيف والشتاء مثل الآس ونحوه، فكذلك المال منفعته دائمة على ~~اختلاف الأحوال في السفر والحضر، والليل والنهار، والعسر واليسر؛ لأنه ثمن ~~الأشياء، فإذا جاء المال، قضيت الحوائج والمنى، (فهي خضرة أبدا. # وأما قوله: حلوة): فإنما حليت في النفوس؛ لأن المنى) والشهوات بها تنال وتقضى. # وقوله: ((فمن أخذه بحقه، فلنعم المعونة هو)). # فالأخذ له بحقه أخذ التزود، والأخذ بغير حق أخذ تمتع، فمن أخذه على ~~التزود، أخذه مضطرا؛ لأنه لم يعط من الدنيا شيئا إلا وعليه فيها تبعة، إلا ~~ما كان من شأن سليمان -صلوات الله عليه-، وإنما سقطت عنه التبعة -فيما ~~نعلم-: أنه جعل لكل نبي دعوة مجابة مقضية من فضل ربنا وكرمه، فجعل سليمان ~~-صلوات الله عليه- دعوته وحاجته في هذا الملك، فأعطي بلا تبعة، فقال الله ~~عز وجل: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب}. # ولو كان هناك تبعة عليه، ما كانت له حاجة مقضية كسائر الأنبياء، فإن لكل ~~نبي سؤل حاجة، فلم يكن عليه تبعة. PageV02P380 # وروي في الحديث: # أن نوحا جعلها دعوة على قومه، وجعلها سليمان ملكا يملك الدنيا؛ ليعمل ~~فيها بأمر الله تعالى، وجعلها إسحاق دعوة عامة، فقال: اللهم اغفر لمن لا ~~يشرك بك شيئا، وجعلها محمد صلى الله عليه وسلم عليهم شفاعة يوم الجود ~~والكرم، فمن أعطي من الدنيا شيئا، فتناوله على يقظة، علم أنه ذو تبعة، وأنه ~~يستقضي بشكره، وإنما أعطي الدنيا؛ ليبتلى، فقال: {فأما الإنسان إذا ما ~~ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه}. # فالأخذ من الدنيا على يقظة إن أخذ بحق، فلنعم المعونة له على دينه، ~~والأخذ على غفلة، إنما يأخذه تمتعا وحرصا وشرها، وبطرا وأشرا، أخذ الكفار، ~~فذلك منزوع منه البركة. # 445 ms0274 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن زكريا بن أبي ~~زائدة، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((قد أعطي كل PageV02P381 ~~نبي عطية، فتعجلها، وإني أخرت عطيتي شفاعة لأمتي)). # فالعطاء لا تبعة فيه؛ لأنه من طريق المنة، وأما قوله: {فامنن أو أمسك ~~بغير حساب}. # فروي في الخبر: أنه سخر له الشياطين، فمن شاء من عليه بالعتق، ومن شاء أمسكه. # 446 - حدثنا هارون بن أبي زائدة، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، ~~قال: حدثنا بعض بني وهب بن منبه، عن وهب بن منبه في قوله تعالى: {وآخرين PageV02P382 ~~مقرنين في الأصفاد}، قال: عنقه إلى عضده وإلى فخذه، فإنما يعمل بشق واحد، ~~وأمر الله الريح أن لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا حملته فوضعته في أذن ~~سليمان عليه السلام، فلذلك سمع كلام النملة. # 447 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عبيد بن إسحاق العطار، عن يوسف ~~بن عمر، عن سعد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان ~~لسليمان سبع مئة سرية، وثلاث مئة امرأة، وكان في ظهره ثمان مئة رجل، فذلك ~~قوله: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب}. # قوله: ((فامنن)) ذهب به إلى التمني، وهو قوله: {مني يمنى}. # فإذا أخرجت مخرج الأمر، قلت: أمن، ومن قال: منى يمني، ففي الأمر هو: أمن، ~~فإذا جئت بنون الفعل الخفيفة، قلت: امنن. PageV02P383 # ومن ذهب به إلى المنة، فقال: من عليه، فإذا أخرجه مخرج الأمر، أبرز ~~النونين؛ لأنه كان مضاعفا، فأبرزهما، فقال: امنن؛ أي: من عليه بالتخلية ~~والعتق، فإنه مسخر لك، مصفد مقرن، ثم خيره فقال: إن شئت فامنن، وإن شئت فأمسك. # ثم أخبره في آخر الكلام أنه بغير حساب، وهو عطاء منا لك، وإن لك عندنا ~~لزلفى وحسن مآب. # وأما قوله: {قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي}. # فإن فيه تأويلات: # فأحد التأويلات: أن الأنبياء لهم تنافس في ms0275 المحل عنده، وكل يحب أن يكون ~~له عنده خصوصية يستدل بها على محله عنده، ألا ترى إلى قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((سألت ربي مسألة، وددت أني لم أسألها، فقلت: ربي! اتخذت ~~إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، وألنت لداود الحديد، وسخرت له الطير ~~يسبحن معه، وسخرت لسليمان الريح، فقال: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى، ~~قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: PageV02P384 # بلى، (قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى، قال: ألم أشرح لك صدرك؟ قلت: ~~بلى)، قال: ألم أوتك ما لم أوت نبيا قبلك خواتيم سورة البقرة؟ قلت: بلى، ~~قال: ألم أتخذك حبيبا كما اتخذت إبراهيم خليلا؟)). # فسأله سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده من هذا الطريق؛ ليكون محله ~~وكرامته من الله ظاهرة. # 448 - حدثنا محمد بن بشار العبدي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا ~~شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((إن عفريتا من الجن تفلت البارحة؛ ليقطع علي صلاتي، فأمكنني ~~الله منه، فأخذته، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري PageV02P385 ~~المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم، حتى ذكرت دعوة أخي سليمان: {رب اغفر لي وهب ~~لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي}، فرددته خاسئا)). # فتأويل هذا المذهب: # أنه سأله ملكا يخصه به؛ كي يكون ظاهر المنزلة في خلق السماء والأرض، فلو ~~أعطى أحدا بعده مثله، ذهبت الخصوصية، وكأنه كره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يزاحمه في تلك الخصوصية بعد أن علم أنه شيء هو الذي خص به من سخرة ~~الشياطين، وأنه أجيب إلى أنه لا يكون لأحد من بعده. # وتأويل آخر: أي: رب! هب لي ملكا لا تنزعه مني، وإنما قال هذا PageV02P386 ~~بعدما سلب، فلما تيب عليه، ورجع إلى كرسيه، وقد كان الشيطان هرب حين أحس ~~بالأخذ، فمر هاربا على وجهه، فقال: رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي؛ ~~أي: ملكا لا ينبغي لأحد أن يقعد مقامي كما قعد الشيطان؛ ms0276 كأنه سأل العصمة؛ ~~لئلا يسلب عنه. # قال الله عز وجل: {وألقينا على كرسيه جسدا}، وهو الشيطان، {ثم أناب. قال ~~رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب}. # وروى إسماعيل بن نصر، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، قال: حدثنا ~~علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: لما رجع إليه ملكه، جاء، وأخذ بناصية ~~الشيطان، ثم قال عند ذلك: رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت ~~الوهاب. # وتأويل آخر: # أنه سأل ملكا لا ينبغي لأحد من بعده؛ ليقوى على المملكة، فيقيم PageV02P387 ~~أمر الله فيهم، فإنه إذا كان له ملك لا ينبغي لأحد، لم يقاومه أحد في شرق ~~الأرض ولا غربها، إلا وانقادوا له ذلة وطوعا. # ومما يحقق ذلك: # قوله: {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب. والشياطين كل بناء ~~وغواص}. # وإنما ذكر قوله: {فسخرنا له الريح} ألا تدع كلمة إلا حملتها، فوضعتها في ~~أذنه، فلم يكن يمكن لأحد أن يغتاله، كلما ضعف الإنس عن أمر، فالشياطين ~~مسخرة له، كل ذلك؛ للقيام بأمر الله، فكان إذا ركب المركب، قال للجنود ~~-وأشار إليهم إلى علم من الأرض-: سبحوا الله إلى ذلك العلم، فإذا بلغه، ~~أشار لهم إلى علم آخر، وقال: PageV02P388 # كبروا الله إلى ذلك العلم، فلا يزال هكذا، ويلح الجنود بالتسبيح والتهليل ~~حتى ينزل. PageV02P389 ### || AUTO الأصل الخامس والسبعون # 449 - حدثنا مهدي بن علي السمناني، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن ~~الليث بن سعد، عن عامر بن يحيى المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد ~~الله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يقول: ((سيصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فينشر ~~عليه تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر، فيقول الله: يا عبدي! هل ~~تنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: هل لك من حجة؟ فيقول: لا يا رب، ~~فيقول: بلى، لا ظلم عليك ms0277 اليوم، فيخرج الله له بطاقة، فيقول: هذه حجتك، ~~فيقول: أي رب وما تغني هذه PageV02P391 ~~البطاقة من هذه السجلات؟ فيقول: يا عبدي! لا ظلم عليك اليوم، فيؤتى ~~بالميزان، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت ~~البطاقة، وإذا فيها: شهادة أن لا إله إلا الله)). # 450 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: أخبرنا عبد ~~الله بن المبارك، قال: أخبرنا الليث بن سعد، عن عامر بن يحيى المعافري، عن أبي PageV02P392 ~~عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # 451 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عامر بن يحيى، عن ~~أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه. # إلا أن حديث الليث أتم وأسبغ. # قال أبو عبد الله: فهذا عبد عندنا قد كان من أهل التوحيد، كثرت سيئاته ~~حتى غمرته، فأدركه غوث تلك الكلمة، وليست تلك الكلمة أول ما قالها، ولكنها ~~كانت مقالة ظاهرة، خرجت من ذكاوة قلبه في ساعة من عمره، فأنجته، فحطت ~~ذنوبه، وهدمتها، وطاشت بالسجلات يوم الوزن لوزن تلك الكلمة، وإنما ثقلت تلك ~~الكلمة بوزنها لعظم نورها، وإنما PageV02P393 ~~عظم نورها؛ لأنها خرجت يوم خرجت من نور، استنار قلبه بالنطق بها، وإذا أراد ~~الله بعبد خيرا، نبهه في ساعة من عمره، وإذا انتبه، انفتح قلبه، واستنار ~~صدره من تلك الفتحة؛ لأن النور في القلب، فإذا انفتح القلب، خرج النور إلى ~~الصدر، فأشرق قلبه، فأية كلمة نطق بها في ذلك الوقت، فإنما ينطق على شرح ~~الصدر والمعاينة لصورة تلك الكلمة، فتلك الكلمة تسمى: كلمة الإخلاص، وكلمة ~~اليقين. # وما من كلمة إلا ولها صورة في القلب، وإنما يتصور معناه، وهذا لأهل ~~اليقين الذين استنارت صدورهم بنوره، فهذا لهم دائم في الأمور كلها، فإذا ~~أراد الله بعبد من غير هذه الطبقة خيرا، من عليه، فأدرك مقدار لحظة من هذا ~~النور، فأشرق صدره به، خرجت الكلمة منه على المعاينة لتلك الصورة، ms0278 ثم انقطع ~~النور، فأظلم الصدر كما كان، فكانت تلك الكلمة تثقل في الوزن يوم الوزن، ~~وتكون سببا لنجاة صاحبها، فعلى هذا المذهب نرى تأويل هذا الحديث، ولو كانت ~~هذه شهادة التوحيد، لاستوى الناس فيها، وشهادة التوحيد لا توضع في الميزان ~~فيما روي؛ لأنها لا تتسع في الميزان. PageV02P394 # 452 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا بكار بن عبد الله الزبيري، قال: حدثنا ~~موسى بن عبيدة، قال: أخبرنا يحيى بن شبل بن محمد بن جبير، أو أيوب بن خالد، ~~وسمعت من غير واحد من أصحابنا: أن العبد ليوقف على الميزان يوم القيامة، ~~فينظر في الميزان، وينظر إلى صاحب الميزان، فيقول: صاحب الميزان: يا عبد ~~الله! أتفقد من عملك شيئا؟ فيقول: نعم، فيقول: ماذا؟ فيقول: لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، فيقول صاحب الميزان: هي أعظم من أن توضع في الميزان. # قال بكار: قال موسى: سمعت أنها تأتي يوم القيامة تجادل عمن كان يقولها في ~~الدنيا جدال الخصم. # وإنما استحال أن توضع شهادة التوحيد في الميزان؛ لأن من شأن الميزان أن ~~يوضع في كفته شيء، وفي الأخرى ضده، فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في كفة، ~~فهذا غير مستحيل؛ لأن العبد قد يأتي بهما جميعا، ويستحيل أن يأتي بالكفر ~~والإيمان جميعا عبد واحد حتى يوضع الإيمان في كفة، والكفر في كفة، فلذلك ~~استحال أن توضع شهادة التوحيد في PageV02P395 ~~كفة الميزان، وأما بعد ما آمن العبد، فإن النطق منه بلا إله إلا الله حسنة ~~توضع في الميزان مع سائر الحسنات. # وفي حديث الليث بن سعد قد أخبر: أن في البطاقة شهادة، وليست الشهادة ~~كالقول؛ لأن القول خبر. # ومما يحقق ما قلنا من شهادة المخلص: # 453 - ما حدثنا به عبد الله بن إسحاق الجوهري، قال: حدثنا أبو عاصم ~~النبيل، عن وبر بن أبي دليلة، عن محمد بن عبد الله بن ميمون، عن يعقوب بن ~~عاصم، قال: حدثني رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهما سمعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من ms0279 قال: لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، مخلصا بها ~~روحه، مصدقا بها لسانه وقلبه، إلا فتقت لها السماء فتقا، حتى ينظر الرب PageV02P396 ~~إلى قائلها من أهل الدنيا، وحق لعبد إذا نظر الله إليه أن يعطيه سؤله)). # أفلا يرى: أنه شرط للمقالة إخلاص الروح، فقال: (مخلصا بها)؛ أي: بالكلمة ~~حين قالها، (روحه)؛ أي: أخلص روحه بالكلمة. # معناه: أن الروح قد كانت الروح تشبثت به، فإن الروح سماوي، خلقها الطاعة، ~~والنفس أرضية خلقها الشهوة، معصية كانت أو طاعة. # وهو قول الله عز وجل: {إن النفس لأمارة بالسوء}، فهذا خلقها ودأبها، {إلا ~~ما رحم ربي}، فقهرها بالنور الوارد على القلب. # فإذا قال العبد هذه الكلمات التي جاءت في الأحاديث، فتكلم في وقت فتحة ~~القلب، وانشراح الصدر، انقمعت النفس، وذلت، وانخضعت، وتخلص الروح من أسرها، ~~وتعلقها به فصار روحه كالعازم على هذه الكلمات بحقائقها، فصار خالصا لله ~~تعالى، قد باين النفس، وهواها، وعزمها وأخلاقها، وصدق به لسانه وقلبه؛ لأن ~~القلب قد استنار بالكلمات، فاستوى اللسان بالقلب، والقلب باللسان، فقد صدق ~~بالكلمة PageV02P397 ~~لسانه وقلبه؛ (أي: قدس، وصدق وقدس بمعنى واحد، معناه: أي: طهر بالكلمة ~~لسانه وقلبه)، وأخلص روحه، فاستوجب النظر إليه؛ لأنه صار بمحل الجوبة، فجوب ~~له هناك، وأجيبت دعوته. # 454 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا هانئ ابن يحيى، عن النضر بن معبد ~~-وهو أبو قحذم-، عن أبي قلابة: أنه كان له ابن أخ ماجن، فاشتد مرضه، فلم ~~يعده في مرضه وقد أخذ، فلما أن كان في السوق، قال أبو قلابة: هو ابن أخي، ~~وأمره إلى الله، وليس له مترك، فسهر عنده تلك الليلة، والمصباح يزهر، فلما ~~ذهب هزيع من الليل، نعس أبو قلابة، فبينما هو كذلك، إذا هو بأسودين معهما ~~عتلة، فهبطا من سقف البيت، قال أبو قلابة: فأسمع أحدهما يقول لصاحبه: اذهب ~~إلى هذا الرجل، هل تجد عنده شيئا من الخير؟ فأقبل، فلما دنا من ابن أخي، شم ms0280 ~~رأسه، ثم شم بطنه، ثم شم قدميه، ثم ذهب إلى صاحبه، ثم أسمعه PageV02P398 ~~يقول: شممت رأسه، فلم أجد في رأسه شيئا من القرآن، فشممت بطنه، فلم أجده ~~صام يوما، ثم شممت قدميه، فلم أجده قام لله ليلة، ثم جاء صاحبه، فشم رأسه، ~~وشم كفيه، ثم شم بطنه، ثم شم قدميه، فأسمعه يقول: إن هذا للعجب، إن هذا من ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ليس فيه من هذه الخصال خصلة، ثم أبصره فتح ~~فمه، ثم أخذ بطرف لسانه، فعصره، ثم أسمعه يقول: الله أكبر، أجد له تكبيرة ~~كبرها بأنطاكية مرة مخلصا، فنفح منه ريح المسك، فقبض روحه، ثم ذهب، فأسمعه ~~يقول للأسودين وهما على باب البيت: ارجعا، فليس لكما إليه سبيل، فلما أصبح ~~أبو قلابة، وصلى الغداة، وقام قائما، فذكر ما رأى من أمر ابن أخيه، فقيل ~~له: يا أبا قلابة! إنها بأنتاكية، فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو! ما ~~سمعتها من فم الملكين إلا بأنطاكية، فأسرع الناس إلى جنازة ابن أخيه. PageV02P399 # والعتلة: الفأس إذا كان نصابه منه، فليس هذا الرجل ممن يتكلم بهذه الكلمة ~~عمره كله، ولكن لم يخلص بها إخلاصا يوجب له الرحمة العظمى. # وإذا أراد الله بعبد خيرا، رزقه فتحة قلبه، وخرجت منه هذه الكلمة في ذلك ~~الوقت، فعظم وزنها وقدرها عند ربها. # ألا ترى أن الرجل الذي ذكر الله في تنزيله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم}، ثم قال: {أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ~~ومغفرة وزرق كريم}، فوصفهم بحقيقة الإيمان، وجعل لهم الدرجات في الجنة. # فقالت عائشة، وأم الدرداء رضي الله عنهما: إنما الوجل في القلب كاحتراق ~~السعفة. # أي: لا تكاد تلبث طويلا؛ لأنه يقين. # وكذلك قال ابن الحنفية: الإيمان ثابت، واليقين خطرات. # وهذا لأهل القصد والاستقامة، فأما العارفون المقربون، فهذا لهم PageV02P400 ~~دائم، وهم الذين يذكرون الله على كل حال، لا ينقطع ذكرهم، فقلوبهم وجلة، ~~والمقتصد والمستقيم في غفلة عن الله، وفي يقظة عن أموره، ذكرهم في ~~الأحاديث، وأكثر ms0281 عمرهم في غفلة، والمقربون في يقظة عن الله عز وجل، وعن ~~أموره؛ لأنهم بنور يقينهم قد صارت قلوبهم بين يديه، يعبدونه كأنهم يرونه، ~~وهو الذي دل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((اعبد الله كأنك ~~تراه))، ولو لم يكن يطاق هذا ما دل عليه. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((أشد الأعمال ثلاثة: ~~ذكر الله على كل حال، ومواساة الأخ في المال، والإنصاف من نفسك)). # 455 - حدثنا عبد الله بن [أبي] زياد، قال: حدثنا سيار، عن جعفر، عن مالك ~~بن دينار، قال: قرأت في التوراة: يا ابن آدم! لا تعجز أن تقوم بين يدي في ~~صلاتك باكيا؛ فإني أنا الله اقتربت لقلبك، وبالغيب رأيت نوري. # قال جعفر: يعني: تلك الرقة التي تفتح له من قرب الله عز وجل. PageV02P401 # 456 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا داود ابن عبد الرحمن المكي، قال: ~~حدثني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: قالت عائشة -رضي الله عنها-: ما ~~الوجل في قلب المؤمن إلا كضرمة السعفة، فإذا وجد [ه] أحدكم، فليدع عند ذلك. # 457 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا قبيصة، قال: حدثنا سفيان، عن ابن ~~خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، قالت: إنما الوجل في قلب المؤمن ~~كاحتراق السعفة، أما تجد قشعريرة؟ قلت: بلى، قالت: فادع الله؛ فإن الدعاء ~~عند ذلك يستجاب. PageV02P402 # 458 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار، عن جعفر، عن ثابت ~~البناني، قال: قال فلان: إني لأعلم متى يستجاب لي، فقالوا: من أين تعلم ~~ذاك؟ قال: إذا اقشعر جلدي، ووجل قلبي، وفاضت عيناي، فذلك حين يستجاب لي. # فإنما وصف الأقشعريرة؛ لأن هذه النفوس لا تحتمل ما يرد على القلب، فتقشعر ~~منه الجلود، ينبئك أن هذا لأهل الاستقامة والمقتصدة. # فأما العارفون الذين قد عرفوا الله -تبارك اسمه-، فلا يعرف أنهم يعتريهم ~~هذا؛ لأن نفوسهم قد اطمأنت إلى رؤية الملكوت، وما يرد على القلوب، ومرنت ~~على ذلك، واعتادت، ومثل ذلك في الدنيا ms0282 مثل جرة PageV02P403 ~~لم يصبها الماء، فإذا وضعتها في الماء، انتشقت، وسمعت لها نشيشا، فإذا كرر ~~عليها ذلك، لم تسمع لها ذلك؛ لأنها قد تشربت من الماء، وارتوت، فكذلك قلب ~~العارف قد ارتوى من سقيا الله عز وجل. # 459 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار، قال: حدثنا أبو عاصم ~~العباداني، قال: حدثنا الفضل الرقاشي، قال: حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر ~~بن عبد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال ~~لي جبريل: يا محمد! إن الله يخاطبني يوم القيامة فيقول: يا جبريل! ما لي ~~أرى فلان بن فلان في صفوف أهل النار؟ فأقول: يا رب! إني لم أجد له حسنة ~~يعود عليه خيرها اليوم، قال: يقول الله تعالى: إني سمعته في دار الدنيا ~~يقول: يا حنان يا منان! فائته فاسأله: (ماذا عني بقوله: يا حنان، يا منان! ~~فآتيه فأسأله)، فيقول: وهل من حنان ومنان غير PageV02P404 ~~الله تعالى؟ فآخذ بيده من صفوف أهل النار، فأدخله في صفوف أهل الجنة)). PageV02P405 ### || AUTO الأصل السادس والسبعون # 460 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل ~~بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن الجراح بن مليح الحمصي البهراني، قال: ~~حدثنا بكر بن زرعة الخولاني، عن أبي عنبة الخولاني، وكان ممن صلى القبلتين ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا ليستعملهم بطاعته)). PageV02P407 # قال أبو عبد الله: فغرس الله محروس في الأحوال، محفوظ في الأصلاب، ~~والأرحام، ومرعي في قطع الأسفار إلى الله، يكلؤه ويرعاه، وهم رجاله في ~~أرضه، وأولياؤه، والدعاة إليه، وغرس الله راسخ عروقه في الأرض، باسق فروعه ~~في الملكوت، فعروقه في الثرى رسوخا، وفروعه عند ذي العرش بين يديه، هو ~~غرسهم، وهو أنبتهم، وهو يجني ثمرتهم. # فأما قولي: # هو غرسهم: فهو أنه اجتباهم بمشيئته، فذاك غرسه إياهم. # وأما قولي هو أنبتهم: أي: إنه راض نفوسهم، وأدبهم، ms0283 وقوم أخلاقهم بتدبيره، ~~فولي ذلك منهم دون الخلق، وكل الحق بهم حارسا، وسار بهم إليه جاذبا. # وأما قولي: هو يجني ثمرتهم: أي: لما وصلوا إليه، وقبلهم، ورتب لهم عنده ~~في تلك الخلوات والمجالس، صاروا في قبضته، فهو الذي يستعملهم، فهو الذي قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه: (يستعملهم بطاعته. # وقوله في الحديث) الآخر فيما يحكي عن الله: أنه قال: ((إذا أحببت عبدي، ~~كنت سمعه وبصره، ويده، ورجله، ولسانه، وفؤاده، فبي يسمع، PageV02P408 ~~وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، وبي يعقل، وبي ينطق)). # ومنه قول لقمان: ألا إن يد الله على أفواه الحكماء، فلا ينطق أحدهم إلا ~~بما هيأه الله لهم. # فمن علامة أولئك: أنه يخرجهم من ظلم بطون الأمهات أحرارا من رق النفوس، ~~قد طبع نفوسهم على أخلاق الكرام؛ مثل: السخاوة، والشجاعة، والسماحة، ~~والحلم، والتأني، والنزاهة، والصيانة من مداني الأخلاق. # فهذا حر من رق النفوس، ومن كل ضد هذه الأشياء فيه، مثل: البخل، والضيق، ~~والنكد، والعجلة، وحدة الشهوة، والحرص، والجبن، فهو عبد نفسه، فإن رزق ~~تقوى، احتاج إلى أن يجاهد نفسه حتى لا يستعمل أركانه بما يصير به عاصيا، ~~فهو وإن جاهد، فهذه الأخلاق باطنة؛ وفي الظاهر متق. PageV02P409 # وهو قول عيسى -صلوات الله عليه- لبني إسرائيل: فلا عبيد أتقياء، ولا أحرار كرماء. # فالعبيد الأتقياء: هم الذين هذه الأخلاق فيهم، فهم أتقياء، يتقون الله أن ~~يعصوه بجارحة، وتردد فيهم هذه الأخلاق، فإن عملوا بطاعته، عملوها بكزازة ~~نفس، وجهد. # والأحرار الكرماء: فقد عروا عن هذه الأخلاق طبعا، فنفوسهم أحرار من رق ~~هذه الأخلاق، فهم الكرماء، فإن اتقوا ما نهى الله عنه، لم يحتاجوا إلى أن ~~يحاربوا، أو يجاهدوا نفوسهم، وإن عملوا بطاعته، عملوه تكرما، وسماحة، فقلبه ~~لين منقاد، ليس فيه كزازة، حيثما قاده مولاه في أموره، انقاد من غير تلجلج. # ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقولوا للعنب: كرم، إنما ~~الكرم قلب المؤمن)). # فإنما سمي العنب كرما؛ لأنه لين ينقاد حيثما استقيد، فكذلك المؤمن، قلبه ~~لين رطب بذكر ms0284 الله، ينقاد لله في أموره وأحكامه. # فإذا كانت لنفسه حرارة شهوة، ويبس، وكزازة، أصاب القلب من PageV02P410 ~~ذلك يبسا، فإذا قدته إلى أمر الله، احتجت إلى قوة؛ لأنه يستصعب عليك، وهو ~~قوله: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}. # فإذا دخل النور، انفسح الصدر، وتوسع للإسلام، وذلك أن النفس تسكن حدتها ~~وشرتها إذا جاوزها النور. PageV02P411 ### || AUTO الأصل السابع والسبعون # 461 - حدثنا نصر بن علي الحداني، قال: حدثنا المعلى بن راشد أبو اليمان ~~الهذلي، قال: حدثتني جدتي أم عاصم، وكانت أم ولد لسنان بن سلمة، قالت: دخل ~~علينا نبيشة الخير، ونحن نأكل في قصعة، فحدثنا: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ((من أكل في قصعة، ثم لحسها، استغفرت له القصعة)). # 462 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثتني PageV02P413 ~~حكامة بنت عثمان بن دينار، قالت: حدثني عمي مالك بن دينار، عن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من أكل في ~~قصعة، ثم لحسها، استغفرت له القصعة، وصلت عليه)). # قال أبو عبد الله: فالشيطان ممنوع من مشاركة المؤمن في طعامه، وشرابه، ~~ولباسه، وجميع أموره، ما دام يسمي الله على كل أمر، فإذا ترك التسمية، وجد ~~فرصة، فشاركه في ذلك، حتى في إتيانه أهله. # 463 - حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح الأسدي، قال: حدثنا سهل بن عامر ~~البجلي، قال: حدثنا يحيى ابن يعلى الأسلمي، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، ~~قال: إذا جامع الرجل أهله، ولم يسم، انطوى الجان على إحليله، فجامع معه، ~~فذلك قوله تعالى: {لم يطمثهن إنس PageV02P414 ~~قبلهم ولا جان}. # وذلك أن الله -تبارك اسمه- وصف الحور بأنهن {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا ~~جان} يعلمك أن نساء الآدميات قد يطمثن الجان، وأن الحوريات قد برئن من هذا ~~العيب، ونزهن. # فالطمث: الجماع. # 464 - حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق البصري، قال: حدثنا سليمان بن طريف، عن ~~مكحول، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0285 ~~يخطب، فقال: ((إن الله أمرني أن أعلمكم مما علمني، وأن أؤدبكم، إذا قمتم ~~على أبواب حجركم، فسلموا، يرجع الخبيث عن منازلكم، فإذا وضع بين يدي أحدكم ~~طعام، فليسم؛ كيلا يشارككم الخبيث في أرزاقكم، ومن اغتسل بالليل، فليحاذر على PageV02P415 ~~عورته، فإن لم يفعل، فأصابه لمم، فلا يلومن إلا نفسه، فإذا رفعتم المائدة، ~~فاكنسوا ما تحتها؛ فإن الشياطين يلتقطون ما تحتها، فلا تجعلوا لهم نصيبا في ~~طعامكم)). # 465 - حدثنا محمد بن علي الشقيقي، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا عبد ~~الله، قال: أخبرنا موسى الجهني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه، قال: إذا وضعت يدك في الطعام، فنسيت أن تقول: باسم ~~الله، فقل حين تذكر: باسم الله في أوله وآخره. PageV02P416 # فإنك تمنع الخبيث ما أصاب من طعامك قبل ذلك، وتستقبل طعامك جديدا، فإن ~~الخبيث يتقيأ ما أصاب قبل ذلك، فينتثره. # 466 - حدثنا بشر بن خالد العسكري، قال: حدثنا سعيد بن مسلمة بن هشام بن ~~عبد الملك، قال: حدثنا الأعمش، عن زيد العمي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ستر ما بين أعين الجن، وبين ~~عورات بني آدم، إذا وضع أحدكم ثوبه: أن يقول: باسم الله)). PageV02P417 # 467 - حدثنا روح بن قرة اليشكري، قال: حدثنا عبد الله بن يحيى الثقفي، قال: ~~حدثنا عثمان بن مطر، عن سلام ابن سليم، عن جعفر العبدي، عن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # قال أبو عبد الله: فإنما يمتنع المؤمن من هذا العدو باسم الله، فإذا سمى ~~الله على طعامه، فالشيطان منه بمزجر الكلب جائعا عاريا، فإذا فرغ من ~~الطعام، ولم يلحس القصعة، جاء الشيطان فلحسها؛ لينال ما بقي PageV02P418 ~~هناك، فصارت القصعة لحسة للشيطان، فإذا لحسها، كان قد خلصها من الشيطان ~~ولحسته، فاستغفرت له شكرا له بما فعل؛ حيث لم يتركها في يد الشيطان يلحسها، ~~وصار فعله ذلك سترا للقصعة من الشيطان؛ حيث لم يترك ms0286 هناك شيئا يجد الشيطان ~~سبيلا إليه؛ لأنه إنما سمى على ما يأكل، فإذا رفض ما بقي، فقد ذهب سلطان ~~التسمية وحراسته، فإذا استقصى فيه، فلم يترك شيئا، شكرت له، فسألت ربها ~~المغفرة، وهو الستر لذنوبه حيث سترها. PageV02P419 ### || AUTO الأصل الثامن والسبعون # 468 - حدثنا موسى بن محمد المسروقي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن ~~زياد بن علاقة، عن عمه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~((اللهم جنبني منكرات الأعمال، والأخلاق، والأهواء، والأدواء)). PageV02P421 # (قال أبو عبد الله: فمن الأعمال والأخلاق والأهواء والأدواء) ما لا ينفك ~~منه ابن آدم في متقلبه ليلا ولا نهارا، ومنها ما يعظم الخطب فيه حتى يصير ~~منكرا غير متعارف فيما بينهم، فذاك الذي يشار إليه بالأصابع في ذلك الأمر، ~~ومنه يعظم الوبال. # وبلغنا أن غضيف بن الحارث قال لعبد الله بن عائذ الثمالي حين حضرته ~~الوفاة: إن استطعت أن تلقانا، فتخبرنا بما لقيت، فتوفي، فرئي في المنام، ~~فقال: وجدنا ربنا خير رب، يقبل الحسنات، ويغفر السيئات، إلا ما كان من ~~الأحراض، قيل: وما الأحراض؟ قال: الذي يشار إليه بالأصابع بالسوء في الشر. # 469 - حدثنا بذلك حفص بن عمر [و]، قال: حدثنا الحكم بن نافع، قال: حدثنا ~~صفوان بن عمرو، عن محمد بن زياد أبي سفيان الألهاني، عن غضيف بن الحارث. # فهذا منكر، فلذلك يشار إليه بالأصابع. PageV02P422 # 470 - حدثنا أبو الأشعث العجلي، قال: حدثنا حزم القطعي، قال: سمعت الحسن ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بحسب امرئ من الشر أن يشار إليه ~~بالأصابع في دين أو دنيا، إلا من عصم الله)). # قال أبو عبد الله: فإنما يشار إليه في دين، فإنه أحدث بدعة ومنكرا، فأشير ~~إليه فيه، وفي دنيا أحدث منكرا من الكبائر، فأشير إليه، فأما ما يتفاوت ~~الناس فيه، فقد ينظر إليهم، وليسوا بأهل إشارة، فإنه إن كثرت صلاة رجل أو ~~صيامه، فاشتهر بذلك، أو بنوع من أنواع البر، فإنما اشتهر بزيادة كانت منه، ~~وإلا، فقد شركه الجميع، فليس في هذا ما ms0287 يشار إليه بالأصابع، إنما PageV02P423 ~~هذا في الذي يحدث في دينه بدعة، فيفوت الناس، ويبعد شأنه من شؤونهم، وكذلك ~~في الدنيا يحدث منكرا، يفوت الناس، ويبعد أمره؛ مثل: الإصرار على بعض ~~الكبائر؛ من الزنا والسرقة ونحوها، وإنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الإشارة بالأصابع. # فقال: ((بحسبه من الشر)) كأنه رأى أن ذلك عبد قد هتك الله ستره، فالمهتوك ~~ستره في أيام الدنيا في عار، وغدا في النار، ومن ستر الله عليه في الدنيا، ~~رجي له كل خير. # وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إذا ستر الله على ~~عبد في الدنيا، لم يفضحه غدا)). # وقال علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-: # أقسم على ذلك، من غير أن أستثني، لا يستر الله على عبد فيفضحه غدا. # 471 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، قال: حدثنا القعنبي، عن سلمة بن وردان، ~~عن أبي سعيد بن أبي المعلى، عن علي رضي الله عنه. PageV02P424 # قال: فالكبائر منكرات الأعمال، وسوء الخلق من منكرات الأخلاق، وهو: الحقد، ~~والبخل، والشح، والحسد، وما أشبهه. # والزيغ: منكرات الأهواء. # والسل، وذات الجنب، والجذام، والبرص، وما أشبهه من منكرات الأدواء. # وهذه كلها: بوائق الدهر. # فربما كان يحمله فيقول: ((أعوذ بك من بوائق الدهر، وفجأة النقم)). # أي: نقم الله تفجؤه بذنوبه في عاجل الدنيا. PageV02P425 ### || AUTO الأصل التاسع والسبعون # 472 - حدثنا محمد بن موسى الحرشي، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا ~~هشام، عن محمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((من رآني في المنام، فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل ~~بي)). فكان الرجل إذا قص عليه الرؤيا، يقول: كيف رأيته؟ فإن جاء بالرؤيا ~~على وجهها، وإلا، قال: لم تره. PageV02P427 # قال أبو عبد الله: قوله: ((من رآني في المنام))؛ أي: رآني على نعتي الذي ~~أنا عليه، فلو رآه على غير نعته، لم يكن رآه؛ لأنه قال: ((من رآني))؛ فإنما ~~يقع على نعته. # والرؤيا على ثلاث منازل: # منها: ما ms0288 يريه الملك الموكل بالرؤيا، فذاك حق. # ومنها: ما يمثل له الشيطان. # ومنها: ما يحدث به المرء نفسه. # 473 - حدثنا بذلك أحمد بن أبي عبيد الله السلمي البصري، قال: حدثنا يزيد ~~بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرؤيا ثلاث: فرؤيا يحدث بها ~~المرء نفسه، ورؤيا حق، ورؤيا تحزين من الشيطان، فمن رأى ما يكره، فليقم ~~فليصل)). PageV02P428 # وكان يقول: ((من رآني، فإني أنا هو، ليس للشيطان أن يتمثل بي)). # وكان يقول: ((لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح)). # 474 - حدثنا أبي، قال: حدثنا يوسف بن بهلول، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، ~~عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، PageV02P429 ~~عن أبي قتادة الأنصاري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~((الرؤيا على ثلاث منازل، فمنها ما يحدث به المرء نفسه، ليست بشيء، ومنها ~~ما يكون من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليبصق عن يساره، وليستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم، فلن يضره بعد ذلك، ومنها بشرى من الله، ورؤيا ~~الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، فإذا رأى أحدكم رؤيا، ~~فليعرضها على ذي رأي ناصح، فليقل خيرا، أو ليتأول خيرا)). # فقال عوف بن مالك الأشجعي: والله يا رسول الله -صلى الله عليك وسلم-! لو ~~كانت حصاة من عدد الحصا، لكان كثيرا. PageV02P430 # 475 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا هشام، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع ~~بن عدس العقيلي، عن عمه أبي رزين -وهو: لقيط بن عامر المنتفق-، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرؤيا على رجل طائر، ما لم تعبر، فإذا ~~عبرت، وقعت)). # وأحسبه قال: فلا تقصها إلا على واد، أو ذي رأي ناصح)). # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين ~~جزءا من النبوة)). # 476 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن لهيعة، ms0289 PageV02P431 ~~عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((الرؤيا للرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)). # 477 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا يونس ابن بكير، قال: حدثني محمد ~~بن إسحاق، عن عبد الرحمن الأعرج، عن سليمان بن عريب، قال: سمعت أبا هريرة ~~رضي الله عنه يقول: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة ~~وأربعين جزءا من النبوة)). # فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ((جزء من خمسين جزءا من النبوة))، فقال ~~سليمان: سمعته من أبي هريرة قال: ابن عباس يقول: قال أبو هريرة، PageV02P432 ~~وأقول: قال العباس بن عبد المطلب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 478 - حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي ~~طلحة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرؤيا ~~الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)). PageV02P433 # 479 - حدثنا المخزومي، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي ~~قتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرؤيا من الله، والحلم ~~من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلما يكرهه، فلينفث عن يساره ثلاثا، وليتعوذ ~~بالله من شرها؛ فإنها لا تضره)). # 480 - حدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، عن سليمان بن سحيم، عن ~~إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ~~كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: ~~((أيها الناس! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها ~~المسلم، أو ترى له)). PageV02P434 # فالرؤيا حق جاء من عند الحق المبين، يخبر عن أنباء الغيب، وهو من الله ~~تأييد لعبده، بشرى، ونذارة، ومعاتبة، ليكون له فيما ندب له، ودعي إليه ~~عونا، وقد كانت عامة أمور الأولين بالرؤيا، إلا أنها ضعفت في هذه الأمة، ~~وقلت؛ لعظيم ما جاء به محمد صلى ms0290 الله عليه وسلم من الوحي، ولما في هذه ~~الأمة من الصديقين والمحدثين وأهل اليقين والإلهام، فاستغنوا بها عن ~~الرؤيا، وقد وكل بالرؤيا ملك يضرب من الحكمة الأمثال، وقد اطلع على قصص ولد ~~آدم من اللوح، فهو ينسخ منها، ويضرب لكل على قصته مثله، فإذا نام، وخرجت ~~نفسه، مثل له تلك الأشياء على طريق الحكمة؛ ليكون له بشرى، أو نذارة، أو ~~معاتبة. # والآدمي المؤمن محسود، وقد ولع به بهذا الشيطان؛ لشدة عداوته، فهو يكيده، ~~ويحسده من كل وجه، يريد إفساد أموره، وتلبيسها عليه، فإذا رأى الرؤيا ~~الصادقة، أراه من كيده أشياء؛ كي يشبه عليه رؤياه، ويخلطها حتى يفسد عليه ~~بشراه، أو نذارته، أو معاتبته، ونفسه الأمارة بالسوء عون للشيطان على جميع ~~أموره، في المنام واليقظة، فربما كان (رؤيا مما حدث به في اليقظة نفسه)، ~~فخرجت نفسه في المنام، مثل له ما كان يحدث به PageV02P435 ~~في اليقظة، فذاك من حديث النفس والمنى، ليس من أنباء الغيب، فهذان صنفان من ~~الرؤيا؛ ليكونوا على بصيرة من أمورهم. # فأما البشرى: # فمثل ما جاءنا به من رؤيا أبي بكر؛ حيث جاء صهيب، فقال: إني رأيت كأن يدك ~~مغلولة إلى عنقك، إلى سرير، إلى الحشر، فقال أبو بكر رضي الله عنه: الله ~~أكبر، جمع لي ديني إلى يوم الحشر. # وأما النذارة: # فمثل ما روي لنا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أنه لما رجع من اليمن بعد ~~وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدم معه برقيق قد أصابه هناك، فقال له ~~عمر رضي الله عنه: اذهب بها إلى أبي بكر حتى يطيب لك، فأبى، وقال: إنما ~~بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجزيني فيما أصابني من الدين، فطيبت ~~لي الهدية، فلما رجع إلى أهله، وبات، رأى تلك الليلة كأنه وقع في ماء غمره، ~~فأتاه عمر رضي الله عنه، فأخذ بيده حتى أخرجه منه، فلما أصبح، غدا بالسبي ~~على أبي بكر رضي الله عنه، فقص عليه قصته، فقال أبو بكر رضي الله عنه: قد ~~علمت ms0291 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعثك ليجزيك، هم لك حل. PageV02P436 # 481 - حدثنا بذلك علي بن حجر، قال: حدثنا سويد بن عبد العزيز السلمي، قال: ~~حدثني عروة بن رويم. # ومثل ما جاء في فتح نهاوند: حيث حمل إلى عمر رضي الله عنه السفطين فيهما ~~حلي، وقد كان للنخيرجان كنز، فدله ذلك الرجل على الكنز، على أن له الأمان، ~~ولأهل بيته، فحمله السائب بن الأقرع إلى عمر رضي الله عنه، فجمع أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فختمه، ووضعه في خزانته، فرأى تلك الليلة كأن ~~ملائكة جاءت بسفطين، فأوقدوا ما فيها جمرا يتوقد، فجعلت أنثني عنهما وأنكص، ~~وأقدم إليهما، فكاد ابن الخطاب يحترق، فأتبعه بريدا إلى الكوفة، حتى جاء، ~~فقال: ما لي ولك يا سائب؟ إني رأيت كذا، فاذهب بهما إلى الكوفة، فبعهما ~~بأعطيات المقاتلة والذرية. # 482 - حدثنا بذلك داود بن حماد القيسي، قال: حدثنا حماد بن داود الثعلبي ~~الكوفي، قال: حدثنا مضرس ابن عبد الله الوابشي، عن يونس، عن الحسن. PageV02P437 # وأما المعاتبة: فمثل ما: # 483 - حدثنا به عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار، قال: حدثنا حماد ~~بن زيد، عن يزيد بن حازم، عن سليمان بن يسار، قال: استيقظ أبو أسيد ~~الأنصاري ليلة، وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فاتني وردي الليلة، ~~وكان وردي البقرة، فقد رأيت في المنام كأن بقرة تنطحني. # 484 - حدثنا سهل بن العباس، قال: حدثنا مروان الفزاري، عن سمير بن أبي ~~واصل، قال: يقال: إذا أراد الله بعبد خيرا، عاتبه في نومه. PageV02P438 # وأما الخبر الذي يلقى إليه من أمر الدنيا والآخرة، فمثل: # 485 - ما حدثنا به أبي رحمه الله، قال: حدثنا به أحمد ابن يونس، عن سعيد ~~بن سالم القداح، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنه، ~~قال: جاء رجل إلى عمر، وهو عند أبي بكر رضي الله عنهما، فقال: إني رأيت لك ~~رؤيا، فقال عمر رضي الله عنه: لا حاجة لنا برؤياك، قال أبو ms0292 بكر رضي الله ~~عنه: هات، فقال: رأيت كأن الناس حشروا، وكأنك فزعت الناس بثلاث نشطات، قلت: ~~بأي شيء فزع الناس عمر بثلاث نشطات أو نحوه؟ قال: بأنه يكون خليفة، وأنه لا ~~يأخذه في الله لومة لائم، وأنه يقتل شهيدا، فقال عمر رضي الله عنه: أضغاث ~~أحلام، لا حاجة لنا برؤياك، قال أبو بكر رضي الله عنه: PageV02P439 # رأيت خيرا، وخيرا يكون، فلما أتى عمر الشام، بصر الرجل، فقال: علي بالرجل، ~~أو دعا به، فقال: أنت صاحب الرؤيا؟ قال: وما تصنع برؤياي، ما زلت تنتهرني، ~~حتى إني قد جئت بأمر، قال: قصها، قال: رأيت كأن الناس يحشرون، فرأيتك فزعت ~~الناس بثلاث نشطات، فقلت: بأي شيء فزع الناس عمر بثلاث نشطات؟ قال: بأنه ~~يكون خليفة، قال: فقد كانت، نسأل الله خيرها، ونعوذ بالله من شرها، قال: ~~وبأنه لا تأخذه في الله لومة لائم، قال: إني أرجو أن يكون كذلك، أو أن يعلم ~~الله ذلك مني، قال: وبأن يقتل شهيدا، قال عمر رضي الله عنه: أما الشهادة، ~~فأنى لعمر بالشهادة؟ ثم قال: بل يأتي الله بكافر فينقرني نقر الديك، ~~فيكرمني الله بهوانه، ويهينه بكرامتي. # قال: ويحك! أردت أن تقص رؤياك عند خير الناس بعد PageV02P440 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! # وكان شأن الرؤيا عظيما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكان ~~إذا صلى، سأل الصحابة عن ذلك. # 486 - حدثنا رزق الله بن موسى الناجي، قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل، عن ~~حماد بن سلمة، قال: حدثني سعيد بن جهمان، عن سفينة رضي الله عنه، قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح، أقبل على أصحابه، فقال: ~~((أيكم رأى الليلة رؤيا؟))، فقال ذات يوم ذلك، فقال رجل: أنا يا رسول الله، ~~رأيت كأن ميزانا دلي من السماء، فوضعت في كفة الميزان، ووضع أبو بكر في ~~كفة، فرجحت بأبي بكر، ثم رفعت، وترك أبو بكر، ثم جيء بعمر، فوضع في الكفة ~~الأخرى، فرجح أبو بكر بعمر، ثم رفع أبو بكر، وترك عمر، ms0293 ثم جيء بعثمان، فوضع ~~في الكفة الأخرى، فرجح PageV02P441 ~~عمر بعثمان، ثم رفع الميزان، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~قال: ((خلافة النبوة ثلاثين عاما، ثم تكون ملكا)). # قال لي سفينة: أمسك سنتين أبو بكر، وعشرا عمر، وثنتي عشرة عثمان، وست علي. # 487 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا حشرج بن ~~نباتة، عن سعيد بن جهمان، عن سفينة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: ((الخلافة في أمتي ثلاثون عاما)). # فذكره إلى آخره، ولم يذكر الرؤيا. PageV02P442 # 488 - حدثنا الجارود بن معاذ، قال: حدثنا النضر عن عوف، عن أبي رجاء، عن ~~سمرة بن جندب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول ~~لأصحابه: ((هل رأى أحد منكم رؤيا؟))، فيقص عليه ما شاء الله أن يقص. # 489 - حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي، عن ابن وهب، ~~قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، حدثه: أن زياد بن نعيم حدثه، ~~عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه كان يقول: إذا أصبح من رأى رؤيا ~~صالحة، فليحدثنا بها، لأن يرى لي رجل مسلم أسبغ PageV02P443 ~~وضوءه رؤيا صالحة، أحب إلي من كذا وكذا. # قال أبو عبد الله: فإنما طلبوا ذلك وتفقدوه؛ لأنه من أخبار الملكوت من ~~الغيب، ولهم في ذلك نفع في أمر دينهم، بشرى كان أو نذارة أو معاتبة، وهو ~~جزء من أجزاء النبوة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم وفاته: ~~((إنه لم يبق بعدي من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة)). # وقد ذكر الله في تنزيله شأن الأولياء، فقال: {ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون}. # ثم وصف من الأولياء، فقال: {الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة}، ثم قال: {لا تبديل لكلمات الله}، يعلمك أن هذا ~~البشرى هو الحق، وهو كلام الله، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~البشرى. # 490 - حدثنا ms0294 بذلك الجارود، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا علي بن المبارك، ~~عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت، قال: ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {لهم البشرى في الحياة PageV02P444 ~~الدنيا}، قال: ((هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له)). # 491 - حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، ~~قال: نزلت هذه الآية في ذلك. # 492 - حدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن عطاء ~~بن يسار، عن رجل من PageV02P445 ~~أهل مصر، قال: سألت عنها أبا الدرداء، فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك، فقال: ((ما سألني عنها أحد قبلك، هي الرؤيا الصالحة يراها ~~المسلم، أو ترى له، وفي الآخرة الجنة)). # 493 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء ~~بن يسار، عن رجل كان يقضي بمصر، عن أبي الدرداء، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، بمثله. # فقوله: {لا تبديل لكلمات الله} أي: إن هذه البشرى كلام الله، فلا تبديل ~~له، ولا خلف. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحقق ما قلنا. PageV02P446 # 494 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا نعيم ابن حماد، قال: حدثنا عثمان ~~بن كثير بن دينار الحمصي، قال: حدثنا محمد بن مهاجر أخو عمرو، عن جنيد بن ~~ميمون أبي عبد الحميد، عن حمزة بن الزبير، عن عبادة ابن الصامت رضي الله ~~عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((رؤيا المؤمن كلام يكلم ~~به العبد ربه في المنام)). # وروي لنا عن بعض أهل التفسير في قوله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا}، قال: من وراء حجاب: في منامه. PageV02P447 # وكانت رؤيا الأنبياء وحيا، وإنما أري إبراهيم في المنام ذبح ابنه، فوفى لله ~~بذلك، فرؤيا الأنبياء لا شك فيها، ورؤيا من بعدهم لا يحتج بها؛ لأن الشيطان ms0295 ~~يلقي فيها من عنده، فلا يؤمن عليه، والوحي محروس، فمن دون الأنبياء لهم ~~بشرى وموعظة. # ألا ترى أن عمر رضي الله عنه حين قص عليه رؤيا، فقال: إنها تسرني، ولا ~~تغرني، فلو لم تكن بشرى، كانت لا تسره، ولو كانت كالوحي، لم تكن غرورا، وقد ~~قص الله شأن الرؤيا في تنزيله، فسماه: حديثا، فقال: {ولنعلمه من تأويل ~~الأحاديث}. # فهذا يحقق ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كلام الرب عبده، ~~فعلم يوسف تأويل الرؤيا، فلما رأى سجود الإخوة له حيث لقوه بمصر، فخروا له ~~سجدا، قال: {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا}؛ حيث رأى ~~الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا له ساجدين، وما كان من رؤيا الملك حيث رأى سبع ~~بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، فعبره يوسف، وأخرجه من السجن، وولاه ملكه، ~~وجعله على خزائن الأرض. # فالمحدثون على القلوب، هم صفوة السابقين المقربين، والمخبتون من الأولياء ~~المجذوبون، والمحدثون في المنام أمرهم على الأرواح إذا خرجت الأرواح من ~~الأجساد كلموا، ومنه قول رقبة بن مسقلة. # 495 - حدثنا جارود بن معاذ، عن جرير، عن رقبة PageV02P448 ~~ابن مسقلة، قال: رأيت رب العزة في المنام، فقال: ((وعزتي! لأكرمن مثوى ~~سليمان التيمي)). # ومنه ما روي عن إبراهيم بن أدهم: أنه قال ذات يوم: اللهم إنه قد وقع ~~الشوق إليك في قلبي، والنظر إليك، وقد علمت أنك لا ترى في الدنيا، فهب لي ~~من عندك ما يسكن إليه قلبي، فغفا إبراهيم في مجلسه ذلك، ثم أفاق، ثم قال: ~~سبحان الله! فقيل له: مم سبحت؟ قال: من لطف ربي -تبارك وتعالى-، إني بينما ~~أنا غاف، إذ أتاني آت من ربي، فقال: يا رجل! أجب ربك، فأتيت ربي عز وجل، ~~فكاد بصري يذهب لنور ربي، فناداني ربي، فقال: يا إبراهيم! تسألني بدلا من ~~النظر إلي، والشوق إلى لقائي، وهل لذلك من بدل؟ فقلت: يا ربي! دهشت في حبك، ~~فطار قلبي إليك، فلم أتمالك أن قلت ما قلت، فكيف تأمرني أن أقول؟ ms0296 فقال: يا ~~إبراهيم! من وجدت قلبه خاليا من الدنيا والآخرة، ملأته من حبي، حتى إذا ~~ملأته قبضت عليه، فكان في قبضتي، فإذا كان في قبضتي، كنت سمعه الذي به ~~يسمع، وعينه الذي به يبصر، ويده الذي بها يبطش، وعزتي وجلالي! لو سألني ~~جميع الدنيا كلها في كفه، لفعلت، وكيف يتفرغ إلى المسألة من سهلت له السبيل ~~إلى نفسي، وأريته كرامتي، فإن كنت لابد PageV02P449 ~~سائلا، فاسألني: أن أجمعك إلي، وأؤنسك بكلامي، وآذن لأرواح أنبيائي في ~~الالتقاء معك؛ فإن ذلك يهون علي لأوليائي. # قال أبو عبد الله: فالوحي يتحقق حديثه على القلب بالروح، والمحدث يتحقق ~~حديثه على القلب بالسكينة، ولما كان للمحدثين في اليقظة على القلوب كلام ~~يعقلوه ويعلموه، كانت الرؤيا حديثا وكلاما أيضا على الأرواح في المنام. # لأن العامة في تخليط من قبل الشهوات، وميل النفوس، فلم يكلموا إلا من بعد ~~مزايلة الأرواح من النفوس والشهوات، والحفظ قرين العقل ومؤيد العقل به، ~~فإذا رجع الروح إلى الجسد، وقد كلم بشيء، أو مثل له بشيء، فوجد له مهلة حتى ~~يعرضه على العقل، فإذا استيقظ، حفظه، فإذا رجع، ولم يجد مهلة حتى يعرضه على ~~العقل، واستيقظ قبل ذلك، نسيه، ولما صفت عقول المحدثين، وطهرت قلوبهم، ~~وتنزهت من الآفات والشهوات، والعلائق، كلموا على القلوب، فإذا كان الكلام ~~على الأرواح في المنام، كان جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة، على ما ~~جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان على القلوب في اليقظة، كان ~~كثيرا، فربما كان PageV02P450 ~~ثلث النبوة، وربما كان نصفها، وربما كان أكثر، على قدر قربها من ربها في ~~تلك المجالس. # 496 - حدثنا محمد بن الحسن الليثي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، ~~عن أبي سلمة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بينما أنا نائم، إذ ~~أتيت بقدح لبن، فشربت منه حتى إني لأرى اللبن يجري من أطرافي، ثم أعطيت ~~فضلي عمر بن الخطاب))، فقال من حوله: ماذا أولت يا رسول الله؟ قال: ~~((العلم)). # قال: ((ورأيت الناس ms0297 يعرضون علي وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما ~~يبلغ الركبة، ومر عمر رضي الله عنه، وعليه قميص يجره))، قالوا: فما أولته ~~يا رسول الله؟ قال: ((الدين)). PageV02P451 # 497 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا ابن المبارك، ~~عن يونس، عن الزهري، قال: حدثني حمزة بن عبد الله، عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((رأيتني في المنام ~~عرضت علي أمتي، فمنهم من كان قميصه إلى ركبتيه، ومنهم من كان قميصه إلى ~~أنصاف ساقيه، فمر بي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجر قميصه))، فقال له أبو ~~بكر رضي الله عنه: على ما أولت هذا يا رسول الله؟ قال: ((على الإيمان)). PageV02P452 ### || AUTO الأصل الثمانون # 498 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثني مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا بهز ~~بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه ~~كان عبد من عباد الله آتاه الله مالا وولدا، فكان لا يدين لله دينا، فلبث ~~حتى إذا ما ذهب عمر، وبقي عمر، ذكر، فعلم أنه لم يبتئر عند الله خيرا، دعا ~~بنيه، فقال: أي أب تعلموني؟ قالوا: خيرا يا أبانا، قال: فإني -والله- لا ~~أدع عند رجل منكم مالا هو مني إلا أنا آخذه منه، أو لتفعلن بي ما آمركم، ~~فأخذ منهم ميثاقا وربي! قال: أما إني إذا مت، فخذوني، وألقوني في النار، ~~حتى إذا كنت حمما، فدقوني، ثم أذروني في الريح لعلي PageV02P453 ~~أضل الله، ففعلوا به ورب محمد! حين مات، وجيء به أحسن ما كان قط، فعرض على ~~ربه، فقال: ما حملك على هذا؟ قال: خشيتك يا رباه، قال: إني أسمعك راهبا، ~~فتيب عليه)). # 499 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا معاوية بن هشام، ~~قال: حدثنا شيبان النحوي، قال: حدثنا فراس، عن عطية عن أبي سعيد، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: قال: ((لقد دخل رجل الجنة ما عمل خيرا قط، قال ~~لأهله حين ms0298 حضره الموت: إذا أنا مت، فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم أذروا نصفي في ~~البر، ونصفي في البحر، فأمر الله البر والبحر فجمعاه، قال: ما حملك على ما ~~صنعت؟ قال: مخافتك، فغفر له بذلك)). PageV02P454 # 500 - حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأجلح، عن نعيم بن أبي ~~هند، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، بمثله. # 501 - حدثنا أبو داود المصاحفي، قال: حدثنا النضر بن شميل، قال: حدثنا ~~أبو نعامة العدوي، قال: حدثنا أبو هنيدة البراء بن نوفل، عن والان العدوي، ~~عن حذيفة، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بنحوه. وزاد فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ((فيقول الله تعالى: انظر إلى ملك أعظم ملك في الدنيا، فإن لك مثله، ~~وعشرة أمثاله، فيقول: لم تسخر بي وأنت PageV02P455 ~~الملك؟!)). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فذاك الذي أضحكني)). # قال أبو عبد الله: فهذا عبد استقرت المعرفة في قلبه بالتوحيد لله، ~~وبالبعث بعد الموت، والثواب، والعقاب، والغالب عليه الجهل بالله، والجهل ~~بأمره، فأمرج نفسه، وأهمل الحدود، وعطل العمر، فلما حضره الموت، هاج منه ~~خوف التوحيد، فأعمل قلبه، فطلبت نفسه الجاهلة بالله ملجأ إلى غير الله، ~~وخلاصا من الله، فدلته نفسه على ما أوصى به أهله من الحرق، والسحق، ~~والتذرية، فهذى به، وكل ما ذل عن العقل صار هذيانا، فعلته من المخافة، ما ~~ذهل عقله، وانقطعت حيلته، (فلولا أن ذلك الذي هاج منه خوف التوحيد والعقيدة ~~صحيحة، ما صدقه في قوله: ((ما حملك على ذلك؟ فقال: مخافتك))، ولم يكن يغفر له. PageV02P456 # وفي حديث بهز قال: ((إني أسمعك راهبا))، فصدقه في قوله: ((خشيتك يا رب))، ~~وقوله: ((تيب عليه، وغفر له)). # وفي الحديث الآخر كلاهما بمعنى واحد، فهذا من كرم ربنا ينبئ رسولنا صلى ~~الله عليه وسلم، ومن مجده يخبر، ومن عطفه على عبيده. # ومما يخبر في الحديث: أنه ما عمل خيرا ms0299 قط، فهو عبد ممنون عليه بالتوحيد، ~~ونفسه شرهة، أشرة، بطرة، شهوانية، قاهرة له، فلم يلتفت إلى العبودة، ~~فبالمعرفة نجا، فهو قوله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون}. # 502 - حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: حدثنا ~~أبو إسحاق الشيباني، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن الأسود بن هلال، عن أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه: أنه قال لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين: ~~{الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا}، و{الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم}؟ فقالوا: استقاموا، فلم يذنبوا، ولم يلبسوا إيمانهم بخطيئة. PageV02P457 # فقال أبو بكر رضي الله عنه: لقد حملتموها على غير المحمل، {قالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا}، فلم يلتفتوا إلى إله غيره، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك، أولئك ~~لهم الأمن وهم مهتدون. # قال أبو عبد الله: فهذا عبد قد كان حاله ما ذكر في الحديث، لم يعمل خيرا ~~قط، فأدركته دركة السعادة، فأصاب حظا من الخشية، والخشية إما تنال عند كشف ~~الغطاء وانشراح الصدر بالنور، فقد شق لهذا العبد من الله أثرة وحظ، وهو ~~يقطع عمره في رفض العبودة وتضييعها، وإهمال أموره، فلما حضر أوان شخوصه إلى ~~الله، جاءت الأثرة والسعادة بذلك الحظ الذي كان سبق له منه، فاستنار الصدر ~~بالنور، فانكشف الغطاء، فأخذته الخشية حتى صار بحال لا يعقل ما يقول من ~~الذهول والرهب من الله، فقدم عليه معها، فغفر له بخشيته تلك، وغطت الخشية ~~مساوئه كلها. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((بينما عبد لم يعمل لله خيرا PageV02P458 ~~قط، ففرق، فخرج هاربا، فجعل ينادي: يا أرض! اشفعي لي، ويا سماء! اشفعي لي، ~~ويا كذا! اشفعي لي، فأصابه العطش، فوقع، فلما أفاق، قيل له: قم، فقد شفع لك ~~من قبل فرقك من الله عز وجل)). # 503 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، قال: حدثنا صالح بن محمد، عن أبي مقاتل، ~~عن أبي الحجاج، وهو خارجة، عن ابن عجلان، رفعه إلى أبي هريرة رضي الله عنه، ms0300 ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال أبو عبد الله: فالخشية هي ولوج القلب ذلك النور الذي يوصله إلى الحجب ~~بين يدي الله، فيحل به الهول ما تموت منه كل شهوة، فذلك التوبة النصوح، تاب ~~إلى الله توبة ظاهرة باطنة، طهرت الأركان، وطهر القلب. # أما الأركان: فبتركه والتخلي عنه، وأما القلب: فبموت الشهوات من الخشية، ~~والفرق: هو مفارقة القلب جميع معاني النفس من الهوى والشهوات. # وكذلك ما ذكر في حديث بهز بن حكيم: إني أسمعك راهبا. # والرهب: هو من هرب القلب من الخوف الذي حل به، فالهرب PageV02P459 ~~من الله إلى الله، فما زال قلبه يهرب حتى بهر؛ أي: علاه البهر. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رجلا مات عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في آية قرئت عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن ~~الفرق فلذ كبده)). # فقد أخبر بتفسير الفرق: أن الفرق مما يكشف الغطاء ويتراءى له، وينفر من ~~مستقره نفارا يقطع الكبد من شدة نفاره وإزعاجه عن موضعه، والخوف دخل ذلك، ~~وهو أن يخف من مكانه، ولا يكون في هذه الصفة. # 504 - حدثنا أبي، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن ~~يزيد بن الهاد، عن محمد ابن إبراهيم التيمي، عن أم كلثوم بنت العباس، عن ~~أبيها العباس بن عبد المطلب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ~~اقشعر جلد العبد من خشية الله، تحاتت عنه خطاياه كما تحات عن الشجرة ~~البالية ورقها)). PageV02P460 # وأما قوله: ((كان لا يدين الله بدين))؛ أي: لم يكن يسير في شريعته إلى الله ~~سير المطيعين، فأما القبول، فلم يكن يخلو منه، ولو جحد الدين، لكفر، وهو ~~مثل قوله في حديثه الآخر: ((لم يعمل خيرا لله قط)). # أما قوله: ((أسمعك راهبا))؛ أي: رهبت مني. وهو كقوله: هربت مني، والهرب ~~بالنفس، والرهب بالقلب، فكأنه قال له: هربت مني تريد أن تضل مني، وأنا علام ~~الغيوب، ولا يحجبني شيء عن النظر إليك، فهذا عبد عالم ms0301 بأنه واحد جاهل ~~بصفاته وأسمائه، فالجاهل بأسمائه غير الملحد فيها، قال الله -تبارك ~~وتعالى-: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه}. # فالموحد وإن جهل، لم ينتقض توحيده، والملحد قد زاغ عنها، ووصفه بغير ذلك، ~~فمال عنه، فالذي وصفناهم موحدون لا ملحدون. # فقوله: ((لعلي أضل الله))، فإنما نسب الضلالة إلى نفسه، فهو بعد PageV02P461 ~~موحد، ولم يقل: أضل الله، فيكون ملحدا، رجاء أن تكون هذه حيلة تنجيه منه، ~~وتستجلب له رحمته أن يقول: هذا فرق مني وهرب، واستخفى مني خشية وحياء مني، ~~فاتركوه، فنفسه منته هذه الأمنية. # وقوله: ((تيب عليه))؛ أي: رجع عليه بالرحمة، والمغفرة، والتوبة: الرجوع، ~~وليس في الآخرة توبة. # وقوله: ((لعلي أضل الله))، ولم يقل: أضله، إنما قال: أضل بنفسي في ذلك ~~الجمع العظيم، وهذا من عظيم الغرور، وابن آدم عظيم الغرة بالله لغلبة الجهل ~~عليه، ومثل هذا كثير. # وروي لنا: أن رجلا من الأغنياء (يندس في عصابة الفقراء حين يؤمر بهم إلى ~~الجنة قبل الأغنياء)، فيؤخذ من بينهم، فيخرج، ويوقف. # 505 - حدثنا بذلك ابن أبي زياد، عن سيار، عن الحارث بن نبهان، عن موسى بن ~~العلاء القيني، عن سعيد ابن عامر بن حذيم، قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: ((يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة سنة، ~~حتى إن الرجل من الأغنياء ليدخل في غمارهم، PageV02P462 ~~فيؤخذ بيده، فيستخرج)). # قال سعيد: فأراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يجعلني ذلك الرجل، فما ~~يسرني أني كنت ذلك الرجل، وأن لي الدنيا وما فيها، وذلك أنه بعث إليه بألف ~~دينار، ففرقها في قوم غزاة. # 506 - حدثنا محمد بن محمد بن حسين، قال: حدثنا أبو النضر، قال: حدثنا أبو ~~عقيل الثقفي، عن يزيد ابن سنان، قال: سمعت أبا يحيى الكلاعي يقول: سمعت أبا ~~أمامة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إني لأعلم آخر رجل ~~من أمتي يجوز الصراط، يتلوى على الصراط PageV02P463 ~~كالغلام حين يضربه أبوه، تزل رجله مرة، فتصيبها النار، وتزل يده ms0302 مرة، ~~فتصيبها النار، فتقول الملائكة: أرأيت إن بعثك الله من مقامك هذا، فمشيت ~~سويا، أتخبرنا بكل عمل عملته؟! قال: إي وعزته! لا أكتمكم من عملي شيئا، ~~قال: يقولون: قم فامش سويا، فيمشي حتى يجاوز الصراط، فيقولون: أخبرنا بكل ~~عمل عملته، فيقول في نفسه: إن أخبرتهم، ردوني إلى مكاني، فيقول: لا وعزته! ~~ما أذنبت ذنبا قط، فيقولون: إن لنا عليك بينة، فيلتفت يمينا وشمالا هل يرى ~~من آدمي كان شهده في الدنيا؟ فلا يرى أحدا، فيقول: هاتوا بينتكم، فيختم ~~الله على فمه، وينطق الله يديه ورجليه وجلده بعمله، فيقول: إي وعزتك! لقد ~~عملتها، وإني عندي العظائم المضمرات، فيقول الله: أنا PageV02P464 ~~أعلم بها منك، اذهب، فقد غفرتها لك)). # قال: فالغرة بالله من ظلمة الجهل، هكذا يعامل صاحبها ربه في الدنيا، وفي ~~القيامة، فذاك العبد الذي وصفه في حديث بهز كان [في] غرة وجهل، فلما جاءته ~~السعادة التي كانت سبقت له من الله بمنته عليه، قذف النور فيه، وانكشف ~~الغطاء حتى صار من الفرق والخشية في ساعة حضور أجله ما كاد ينال خشية ~~الأولياء والصديقين، فمحت سيئاته. # وروي عن الله -تبارك واسمه-: أنه قال: ((وعزتي! لا أجمع على عبدي ~~خوفين)). # 507 - حدثنا بذلك يحيى بن حبيب بن عربي، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن ~~عوف، عن الحسن، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((قال الله -تبارك ~~اسمه-: وعزتي! لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، فمن خافني في ~~الدنيا، أمنته في الآخرة)). PageV02P465 ### || AUTO الأصل الحادي والثمانون # 508 - حدثنا أحمد بن عبد الله المهلبي، قال: حدثنا أنس بن عبد الحميد أخو ~~جرير، وجرير بن عبد الحميد يسمع، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن ~~عائشة -رضي الله عنها-، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أقفر ~~بيت فيه خل)). PageV02P467 # 509 - حدثنا علقمة بن عمرو التميمي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن ثابت ~~الثمالي، عن الشعبي، عن أم هانئ، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms0303 ~~((ما أقفر بيت فيه خل من أدم)). # قوله: (أقفر) أي: خلا، ومنه قيل: أرض قفر، وهو الموضع الخالي من المارة، ~~برية كانت أو مفازة. # فالخل: من الأدم التي تعم منافعها. # وتأول علماؤنا قوله: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا ~~حسنا}، فقالوا: الرزق الحسن: الخل، فالذي سمي رزقا حسنا منافعه كثيرة، وفيه ~~منافع الدين والدنيا، وذلك أنه بارد يقطع حرارة الشهوة ويطفئها. PageV02P468 # 510 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا الحسن ابن حماد الضبي، عن يونس بن ~~بكير، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، ~~قالت: كانت عامة أدم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده الخل، ليقطع ~~عنهن ذكر الرجال. # وفي الخل منافع الدين والدنيا، (ولذلك قال: ((ما أقفر بيت فيه خل))؛ أي: ~~ما خلا من أمر الدين والدنيا)، وابن آدم مبلو بالشهوات، الرجال منهم ~~والنساء، فكلما وجدوا عونا على طفء ذلك منهم، كان عونا لهم، وكل شيء كان ~~للدين عونا، فالبركة حالة به، وإذا بورك في شيء، سعد به أهله. # 511 - حدثنا إبراهيم بن سليم الهجيمي، قال: حدثنا يزيد بن عطية السعدي، ~~قال: حدثنا أبان، عن أنس PageV02P469 ~~ابن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم ~~الإدام الخل، نعم الإدام الخل)). # وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما. PageV02P470 ### || AUTO الأصل الثاني والثمانون # 512 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن ~~جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا دعي ~~أحدكم إلى طعام، فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك)). # قال أبو عبد الله: فالدعوة حق من الحقوق؛ لأن أصل الدعوة ابتغاء الألفة، ~~والمودة، والولاية، وقد وصف الله المؤمنين في تنزيله فقال: PageV02P471 # {إنما المؤمنون إخوة}، وقال: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}. # ففي النفس هنأة، وفي الصدر سخائم من تلك الهنآت، فإن الآدمي ركب على ~~طبائع شتى، وأخلاق مختلفة، والشهوات فيهم مركبة، ms0304 والعدو موسوس ومحرض، ومزين ~~لصاحبه سوء عمله. # والنفوس جبلت على حب من أكرمها؛ لأنها تحب الشهوات، ومن رؤوس الشهوات ~~العز والتعظيم، وقد أحبت أن تنال بذلك من الدنيا وقضاء المنى، ففي ترك ~~النفوس تقويمها، وذلك لها عون على دينها، فإنما حثهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على الإجابة، ليقبل ذلك البر الذي بره به أخوه، حتى تتأكد ~~الألفة، وتصفو المودة، وتنفى حزازات الصدر، فإن صاحب الغل والحقد لا يسلم ~~له دينه من سوء ما يضمر لأخيه، فالإطعام بر للنفس، يطفئ حرارة الحقد، وينفي ~~مكامن الغل. # قال أبو عبد الله: فالألفة من ثلاثة وجوه: حتى تتأكد وتستتم، فالقلب يألف ~~بالإيمان الذي في قلب صاحبه، والروح تألف بطاعته، والنفس تألف ببرها؛ كأنها ~~تقول: إني من شأني الشهوات واللذات، فهل يمر بي أحد حتى آلفه وأحبه، ليس من ~~همتي الإيمان والطاعات، إنما من همتي اللذات، فألزمت الإيمان والطاعة، ~~فانقدت لما قادني القلب والروح، فإذا برها، صفت، وصارت طوعا، وإلا، فهو ~~كالمكره، فوجدنا الألفة إنما تتم ببر النفوس، فإنما دعاه أخوه إلى قبول ~~بره، فندبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يقبل ذلك من أخيه، كيلا ~~تضيع كرامته، ولا يجد العدو سبيلا إلى وسوسته بالشر، ثم له الخيار، فإن شاء ~~طعم، وإن شاء ترك. PageV02P472 # وترك الإجابة مما يدل على الجفاء والبعد، والاستهانة، فهناك يجد العدو ~~سبيلا إلى أن يعتذر إليه المدعو، فيقبل عذره هذا الداعي، فهذا باب آخر، أو ~~يكون قد أحس من هذه الدعوة شيء، له في التخلف عنه عذر، وذلك أن الزمان قد ~~تغير، والنيات قد فقدت، والأعمال قد فسدت، فإن كان ذلك الطعام لمباهاة أو ~~رياء، فله عذر في ترك الإجابة، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أنه نهى عن ذلك. # 513 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا جرير ابن حازم، قال: حدثنا الزبير ~~بن خريت، عن عكرمة رضي الله عنه، قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن طعام المتباريين أن يؤكل)). PageV02P473 # 514 ms0305 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن الزبير بن خريت، عن ~~عكرمة رضي الله عنه، قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طعام ~~المتباريين)). # ولم يذكر فيه الأكل، أو يكون في تلك الدعوة أمور محدثة من تستر الجدر ~~المنهي عنه، أو اللهو واللعب المحظور عليهم، فهذا عذر. # 515 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحسن بن عطية، قال: حدثنا موسى ~~بن أبي حبيب، عن الحكم ابن عمير، وكان بدريا، قال: أرسل رجل من الأنصار إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الطعام، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحفر الخندق وأصحابه، فجاء، فقال: ادخل يا نبي الله البيت، فدخل ~~البيت، فرأى البيت منجدا مستترا، فخرج، فقال: يا رسول الله! ما أخرجك؟ قال: ~~((أطعمنا بالفناء)). قال: فأطعمهم، حتى إذا شبع القوم، فلما تفرقوا، قال: ~~يا رسول الله! لو كنت دخلت؛ فإن البيت PageV02P474 ~~كان أبرد وأطيب، قال: ((إنك نجدت بيتك وسترته، وهذا لا يحل، شبهته ببيت ~~الله، ولو شئت، بسطت فيه، فطرحت فيه وسائد)). # وقد كانت للقوم أحقاد في الجاهلية، فألف الله بين قلوبهم بالإيمان، فحثهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على إجابة الدعوة لألفة النفوس. # ولذلك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يجب الدعوة، فقد عصى ~~الله ورسوله))؛ لأنهم كانوا يتخذون طعاما يدعون عليها؛ لإسقاط الحشمة، ونفي ~~السخيمة، فمن امتنع منه ليثبت على الغل، والحقد، فقد عصى الله ورسوله، ~~وامتنع من حق عظيم، هذا تأويل قوله صلى الله عليه وسلم فيما نرى. PageV02P475 ### || AUTO الأصل الثالث والثمانون # 516 - حدثنا الجارود بن معاذ، قال: حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن ~~أبي عبد الرحمن السلمي، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، ~~علمه من علمه، وجهله من جهله)). PageV02P477 # 517 - حدثنا سعيد بن عبد الله التمار، قال: حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، ms0306 ~~عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # 518 - حدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت زياد بن ~~علاقة يقول: سمعت أسامة ابن شريك يقول: شهدت الأعراب يسألون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هل علينا حرج في كذا، هل علينا جناح في كذا، هل علينا جناح ~~في أن نتداوى؟ قال: ((تداووا عباد الله؛ فإن الله لم ينزل داء إلا وضع له ~~شفاء، إلا الهرم)). PageV02P478 # قال أبو عبد الله: فالدواء: هو شيء أنبته الله في الأرض بالحكمة البالغة؛ ~~لمنافع الآدميين، وقد ذكر الله في تنزيله، فقال: {هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا}. # فالطبائع تتغير بحدوث الأزمنة، من الحر والبرد، وفساد الهواء، فيصير داء ~~في الأجساد، ويحدث في الجسد أحداث من الطعام، وما يتعاطاه ابن آدم من قضاء ~~الشهوات واللذات، والنصب، والسهر، والتعب، والهموم، وما يجتمع في جسده من ~~الدم، والمرة، والبلغم، فكل ذلك يحدث منه ما يتغير به حاله، فيحتاج إلى ~~دواء يسكن ما هاج منه، فهذا تدبير الجسد، فإذا ترك تدبيره، ضيعه؛ كما لو ~~ترك تدبير المعاش، ضاع. # فالتداوي: حق، وهو فعل الأنبياء. # وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يلقحون النخل، فقال: ~~((ما أرى هذا يغني شيئا)). PageV02P479 # فذهبت عامة ثمارهم هزلا، وصارت دقلا، فعرف أن التدبير من الله في ذلك غير ~~ما رأى، فأمرهم أن يعودوا إلى ما كانوا عليه. # وكذلك عامة ما وضع من هذه الأشياء لم يتم ذلك الأمر إلا به، وكذلك علل ~~الأجساد، كذا وضعت أن يعالج أحداثها حتى ترد إلى الهيئات التي كانت عليها، ~~ولولا ذلك، لكانت الأدوية بشأنها مهملة، ولم يخلق الله عبثا. # وكان سليمان -صلوات الله عليه- ينبت كل يوم في محرابه شجرة، ثم تنادي به ~~الشجرة: أنا دواء لكذا، فتقطع، وتوضع في الخزائن، ويكتب اسمها في ديوان ~~الطب، فعامة أهل الطب إنما ورثوه من ذلك الكتب. # والناس في التداوي ms0307 على ثلاثة أصناف، وعلى ثلاثة طبقات: # فالطبقة الأولى: هم الأنبياء، والأولياء، أهل يقين ومشاهدة، تداووا، ~~وقلوبهم خالية من فتنة الدواء على معاتبة، يتداوون وقلوبهم مع خالق PageV02P480 ~~الدواء، والذي جعل الشفاء مع ذلك الدواء، فهم يتداوون على ما هيأ لهم من ~~التدبير، وينظرون الشفاء من الله. # والطبقة الثانية: قوم من أهل اليقين، لم يأمنوا خيانة نفوسهم أن تطمئن ~~إلى الدواء، وتركن إليه، فنفروا من ذلك، فكلما عرض لهم دواء، فوضوا الأمر ~~في ذلك إلى الله، وتوكلوا عليه، ولم يتكلفوا تداويا، وإنما تركوا التكلف من ~~ضعف يقينهم، خوفا على قلوبهم أن تطمئن نفوسهم إلى الدنيا، فيصير سببا تتعلق ~~به قلوبهم، والأول أعلى وأقوى، فوضوا الأمر إلى الله، وتوكلوا عليه مع ~~التكلف، فلم يصر التكلف لهم علاقة ولا سببا، والآخرون خافون أن يصير ذلك ~~سببا وعلاقة فيما بينهم وبين ربهم، فتركوه. # والطبقة الثالثة: أهل تخليط، وقلوبهم مع الأسباب، لا ينفكون منها، فهم ~~محتاجون إلى التداوي، ولا يصبرون على تركها، فهم العامة. # 519 - حدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن ~~الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، ~~احرص على ما ينفعك ولا تعجز، فإن غلبك أمر، فقل: قدر الله، وما شاء الله، ~~وإياك واللو؛ فإن اللو يفتح عمل الشيطان)). PageV02P481 # فالأقوياء تداووا، ومروا في الحيل والأسباب، وقلوبهم مع رب الأدوية، لا مع ~~الأسباب والحيل، وهم الأنبياء، والأولياء، فإنما قوي باليقين النافذ حجب الغيب. # ((والمؤمن الضعيف)) الذي خاف أن يحجبه تداويه وحيله وأسبابه عن الله ~~تعالى، ويتعلق قلبه به، وذلك لضعف يقينه، ((ففي كل خير))، ((والقوي أحب إلى ~~الله)). # وقوله: ((احرص على ما ينفعك))؛ أي: استعمل تدبير الله في هذه الأمور، ولا ~~تعجز فتتركه، فإن استعملت، وإن لم يكن الذي طلبت وأردت، فقل: ((قدر الله، ~~وما شاء الله))؛ أي: هكذا كان قدر وشاء، فألق له بيديك له سلما، وارض ~~بحكمه، وإياك ms0308 أن تقول: لو كان كذا، كان هذا الأمر كذا، ولو لم يكن كذا، ~~لكان كذا، فهذا قول من يتعلق قلبه بالأسباب، فيفتتن بها، PageV02P482 ~~وهو قول من عمي عن تدبير الله وصنعه، وقلبه غافل عن هذه الأشياء. # قال له قائل: # فقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((يدخل ~~سبعون ألفا من أمتي الجنة بغير حساب)). قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: ~~((الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون))، قال: نعم. # 520 - حدثنا بذلك عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: حدثنا عبثر، عن حصين، ~~عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بمثله. # 521 - حدثنا علي بن عيسى بن يزيد البغدادي، قال: حدثنا عبد الوهاب بن ~~عطاء، قال: حدثنا هشام، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن عبد الله بن PageV02P483 ~~مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # ولكن هذا غير داخل فيما نحن فيه من هذا النوع. # إنما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم الكي، واستعمال النار في ~~الأدوية، وكذلك الرقى؛ لأن أكثر الرقى يشوبه الشرك؛ لأنها بلغة الهند. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((أقرب الرقى إلى الشرك: ~~رقية الحية والجنون)). # فهذا الرقي بلغات شتى من لغات أهل الكفر، وإنما كره من أجل ذلك. # وكذلك الطيرة من فعل أهل الجاهلية، فهل ذكر أنهم لا يتداوون، فيكون لهم ~~في ذلك؟ فقال: فلم يصفهم بترك ذلك من أجل أنهم تركوا التكلف بذلك، وأن ~~التوكل إنما يقوم بترك التكلف، وإنما ذكر الخصال المكروهة أنهم تركوها ~~تورعا، وتوكلوا على ربهم، وكيف يجوز ترك التكلف، وأعظم التكلف طلب المعاش، ~~والزراعة، والحراثة، والتجارة، PageV02P484 ~~وكل ذلك دأب الأنبياء، قال الله -تبارك اسمه-: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا. أو يلقى إليه ~~كنز أو تكون له ms0309 جنة يأكل منها}. # قال الله -تبارك اسمه-: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون ~~الطعام ويمشون في الأسواق}؛ أي طالبين المعاش، فالرسل هم طلاب المعاش، وأهل ~~الحرف، والتجارات. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن الله يحب أن يرى ~~العبد محترفا)). # 522 - حدثنا زياد بن أيوب، قال: حدثنا عاصم بن علي، قال: حدثنا أبو ~~الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب العبد محترفا)). PageV02P485 # 523 - حدثنا هارون بن حاتم، قال: حدثنا يحيى ابن ميمون بن عطاء التمار، ~~قال: حدثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن عمر، عن عمر رضي ~~الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب العبد ~~المؤمن المحترف)). PageV02P486 # 524 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عون ابن موسى الليثي، قال: سمعت ~~معاوية بن قرة يقول: مر عمر رضي الله عنه بقوم، فقال: من أنتم؟ قالوا: ~~المتوكلون، قال: أنتم المتأكلون، إنما المتوكل رجل ألقى حبة في بطن الأرض، ~~وتوكل على ربه. # فليس في طلب المعاش والتداوي، والمضي في الأسباب على تدبير الله ترك ~~التفويض والتوكل. # إنما ترك التوكل بالقلب، إذا غفل عن الله، وكان قلبه محجوبا، فإذا تداوى، ~~تعلق قلبه بالتداوي، فصار فتنة له، وكذلك المعاش إذا طلبه بقلب غافل عن ~~الله، صار فتنة عليه، وتعلق قلبه به، فجاء الحرص، والشره، والأشر، والبطر، ~~فأهلكه، وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقي، ثم رخص فيما ~~يؤمن فيه الشرك. PageV02P487 # 525 - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد ~~الله: أن عمرو بن حزم دعي لامرأة بالمدينة لدغتها حية ليرقيها، فأبى، فأخبر ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه، فقال: يا عمرو! إنك لتزجر عن ~~الرقى، فقال: ((اقرأها))، فقرأها عليه، فقال: ((لا بأس بها، إنما هي ~~مواثيق، فارق بها)). # 526 - حدثنا ms0310 عبد الأعلى بن واصل الأسدي، قال: حدثنا أبو نعيم النخعي، عن ~~فطر بن خليفة العزرمي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: كان ~~بالمدينة رجل يكنى أبا مذكر، يرقي من العقرب، ينفع الله بها، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا مذكر! ما رقيتك هذه؟ اعرضها علي))، فقال ~~أبو مذكر: شجة قرنية، ملحة بحر، قفطا، PageV02P488 ~~أو لفطا، نطفا، أو نفطا ثفقا لا محقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((لا بأس بها، إنما هي مواثيق أخذها سليمان بن داود -صلى الله عليهما- على ~~الهوام)). # فهذه رقية ذكر لنا أنها بلغة حمير، لم ير بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأسا إذ كانت مواثيق. # 527 - (حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر بن ~~عياش، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: ذكرت عائشة -رضي الله عنها- الرقى، PageV02P489 ~~فقلت: يا أم المؤمنين! لقد كنا في سفر، فقامت امرأة فقالت: أعوذ بسيد هذا ~~الوادي من سفهاء قومه، فقام ابن المرأة، فوتد وتدا، فرأى حية، فقتلها، قال: ~~فأتي فلدغ، فقالت: إني أنشد بسيد هذا الوادي تاري، قال: فرفعت الحية على ~~وتد، فقتلها، قال: وعلموها رقية: شجة قرنية ملحة بحر قفطا، قال: فلم تعبها ~~عائشة -رضي الله عنها-. # 528 - حدثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن ~~مغيرة، عن سفيان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة -رضي الله عنها-، بنحوه، ~~وقال: كلمات الحميرية. # 529 - حدثنا الجارود بن معاذ، قال: حدثنا يحيى بن ضريس، قال: حدثنا عبد ~~العزيز بن أبي رواد، قال: سمعت الضحاك يقول: إن سليمان بن داود -صلوات الله PageV02P490 ~~عليهما- أخذ على الحيات المواثيق، أن لا يظهرن، فإن ظهرن، حل قتلها. # 530 - حدثنا ابن أخي يحيى بن عيسى الرملي، عن عمه، عن الأعمش، عن أبي ~~سفيان، عن جابر: أن آل عمرو بن حزم قالوا: يا رسول الله! إنك نهيت عن ~~الرقى، وإنا نرقي في الحية، فقال: ((اعرضوها علي، فقال: هذه مواثيق لا ms0311 بأس بها)). PageV02P491 ### || AUTO الأصل الرابع والثمانون # 531 - حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي أسيد الكلابي، قال: حدثنا يوسف ~~بن عطية الصفار، قال: سمعت ابن سيرين، وسأله رجل، فقال: يا أبا بكر! ما ~~تقول في هذا الذي يقع في طعامنا وشرابنا فنقتله؟ فقال: حدثنا أبو هريرة رضي ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن نبيا من الأنبياء كان في ~~غزاة له، فنزل تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بتلك الشجرة فأحرقت، فأوحى الله ~~إليه: ألا نملة مكان نملة؟!)). PageV02P493 # قال أبو عبد الله: فتأويل هذا الحديث عندنا: أن هذا النبي قد كانت منه ~~محاورة في شأن الخلق. # وبلغنا: أن ذلك كان موسى بن عمران -صلوات الله عليه-، فقال: يا رب! تعذب ~~أهل قرية بمعاصيهم، وفيهم المطيع، فكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده، فسلط ~~عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة مستروحا إلى ظلها، وعندها قرية النمل، فغلبه ~~النوم، فلما وجد لذة النوم، لدغته نملة، فأضجرته، فدلكهن بقدمه، وأحرق تلك ~~الشجرة التي عندها مساكنهم، فأراه الله العبرة في ذلك: أنه إنما لدغتك ~~نملة، فكيف أصبت الباقين بالعقوبة؟! # يريد أن ينبهه أن العقوبة من الله تعم، فتصير نعمة على المطيع، وشهادة، ~~وشرا ونقمة على العاصي. # قال أبو عبد الله: والأصل في هذا أن الله -تبارك وتعالى- خلق ما في PageV02P494 ~~الأرض جميعا لهذا الآدمي، وكذلك قال في تنزيله: {هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا}، فمنها غذاء، ومنها مرفق، ومنها عبرة، وكلها حجة، وكلها ~~ابتلاء، وقال: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه}. # فالنمل سخرة، وفيها عبرة، فالمسخر أنت عليه مسلط، فإذا آذاك، أبيح لك ~~قتله، ألا ترى أن الفأر والغراب والكلب والحية والعقرب قد أبيح للمحرم ~~قتله؟ فكذلك سائر الهوام المؤذية، فالمقتضى من المؤمن أن لا يقتل هذه ~~الأشياء عبثا، ولكنه يقتلها بحق، فكل ما كان له في ذلك مرفق، فقتله ~~لارتفاق، فقد قتله بحق، وكل ما كان له منه أذى، أو خوف أذى، فقتله لما ~~يتخوف، ms0312 فقد قتله بحق، وما سوى ذلك عبث، وهو مسؤول عن ذلك يوم القيامة أن ~~يكون قد أزهق نفسا بغير حق، فليس فيما ذكر في الحديث كراهة قتل النمل، فإن ~~من آذاك حل لك دفعه عن نفسك، ولا أحد من خلقه أعظم حرمة من المؤمن، فكيف ~~بالهوام والدواب؟! # فالآدمي إنما يباح لك دفعه عنك بقتل وضرب على المقدار والحدود؛ لعظيم ~~حرمته، وإنه لم يسخر لك، والدواب والطير والهوام قد سخرت لك، فليس هناك ~~مقدار، ولا حد، ألا ترى أنك تقتل الهوام من الحية والعقرب والسباع حين ~~تراها، ولم ينلك أذاها بعد؛ لأنه معروف بالأذى. # ألا ترى أنه قال: ((ألا نملة مكان نملة؟!))، فقد أطلق له في نملة، ولم ~~يخص تلك النملة التي لدغته بالإطلاق، فلو كان إنما كلم على سبيل العدل ~~والقصاص، لقيل: إلا نملتك التي لدغتك، ولكن قال: إلا نملة PageV02P495 ~~مكانة نملة، فعم البريء والجاني ذلك؛ ليعلم أنه أراد أن ينبهه بمسألته ربه: ~~أنك تحيرت في عذاب أهل قرية، وفيهم المطيع والعاصي، وإنما أجرمت إليك نملة، ~~فكيف قتلتهم؟ وليس في هذا خطر عن قتل النمل وما يؤذي، إنما هو تنبيه لما ~~سأل ربه عز وجل. PageV02P496 ### || AUTO الأصل الخامس والثمانون # 532 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن شهيد الأزدي، قال: حدثنا يحيى ~~بن يمان، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن عائشة ~~-رضي الله عنها-، قال: مر عليها سائل، فأمرت له بكسرة، ومر عليها رجل ذو ~~هيئة، فأقعدته، فقيل لها، فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن ~~ننزل الناس منازلهم. PageV02P497 # قال أبو عبد الله: فالإكرام غذاء الآدمي، فإذا غذي الطفل بالخبز اليابس، ~~فهو مقبول، والتارك لتدبير الله في خلقه غير مستقيم سبيله، فقد دبر الله ~~الأحوال لعبيده، غنى وفقرا، وعزا وذلا، ورفعة وضعة، في هذه الدنيا ~~بالابتلاء؛ ليبلوهم: أيهم يشكر على العطاء، وأيهم يصبر على المنع، وأيهم ~~يقنع بما أوتي، وأيهم يسخط؟ ثم ينقلهم إلى الآخرة، فذلك يوم الجزاء قد ~~انقطعت ms0313 الأحوال التي دبرها لهم للابتلاء، وجاءت أحوال الجزاء. # فالعاقل عن الله: يعاشر أهل دنياه على ما دبر الله لهم، فهذا الموافق لله. # فالغني: قد عوده الله النعمة، وهي منه كرامة، لا كرامة ثواب، ولكن كرامة ~~ابتلاء، وكذلك سماه في تنزيله فقال: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ~~فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن. وأما إذا ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول PageV02P498 ~~رب أهانن. كلا}. # فرد عليه، وأكذبه، كأنه يقول بقوله: كذبت، إني لست أكرم بدنيا، ولا أهين ~~أحدا بمنعها، وذلك ليعلم أن الذي ذكر في مبتدأ الآية من قوله: {فأكرمه} ~~إنما هي كرامة ابتلاء، أعطاه منية، فإذا لم تنزله المنزلة التي أنزله الله، ~~فاستهنت به، وجفوته من غير جرم استحق بذلك الجفاء، فقد تركت موافقة الله في ~~تدبيره، وأفسدت عليه دينه، وأثمته، فقولها: أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((أن ننزل الناس منازلهم))؛ أي: المنازل التي أنزلهم الله من دنياهم. # والآخرة: قد غيب شأنها عن العباد، فإذا سويت بين الغني والفقير في مجلس، ~~أو مأدبة، أو معاطاة من هدية، أو نحوها، كان ما أفسدت أكثر مما أصلحت، ~~فالغني يجد عليك إذا قصيت مجلسه، أو دعوته إلى طعام دون، أو أهديت له شيئا ~~طفيفا؛ لأن الله تعالى لم يعوده ذاك، والفقير يعظم ذلك القليل في عينه، ~~ويقنع بذلك، وتلك عادته. # وكذلك معاملة الملوك والولاة على هذا السبيل، فإذا عاملت الملوك والسلطان ~~بمعاملة الرعية، فقد استخففت بحق السلطان، وأثنيته على نفسك، وكيف يجوز أن ~~يستخف بحقه، والسلطان ظل الله في الأرض، به تسكن النفوس، ويجمع أمورهم، ~~والناظر إلى ظل الله عليهم في الشغل عن الالتفات إلى أعمالهم، وإنما نفر ~~قوم من السلف عنهم، وجانبوهم؛ لاشتغالهم بالنظر إلى سيرهم وأعمالهم، ولو ~~كان لهم طريق النظر إلى PageV02P499 ~~ظله؛ لشغلهم ذلك عن النظر إلى أعمالهم، و[ما أ] هانوهم، وأجلوهم، وعظموا ~~حرمتهم، أولئك قوم لم تمت شهوات نفوسهم، ولم يكون لقلوبهم مطالعة ما ذكرت، ~~فخافوا أن يخالطوهم، أن يجدوا حلاوة برهم، فتخلط قلوبهم بقلوبهم، فاحترزوا ~~لأنفسهم أن ms0314 جانبوهم، وأعرضوا عنهم. # والآخرون نظروا إليهم، فشغلوا بما ألبسوا من ظله عن جميع ما هم فيه، فلم ~~يضرهم اختلاطهم بهم، وبهذه القوة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يلقون الأمراء الذين قد ظهر جورهم، ويقبلون جوائزهم. # وكان مالك بن دينار، ومحمد بن واسع، ومن قبلهم الحسن البصري يلقون ~~الأمراء، ويقبلون منهم، فكانوا يلقونهم بما ذكرت من رؤية ظل الله عليهم، ~~ويظهرون العطف عليهم، والنصيحة لهم، وقد غلط في هذا الباب كثير من الناس ~~ممن يتقدس أو يتورع، وإنما أوتي ذلك من قلة معرفته بتقدير الله الذي عليه ~~أمر العبودة. # واحتجوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما. # فأما حديث ابن عباس: ((ملعون من أكرم بالغنى، وأهان بالفقر)) PageV02P500 ~~من قلة معرفتهم بتأويله. # فأما حديث ابن عباس، فتأويله عندنا: أن الذي يعظم في عينه هذا الحطام، قد ~~باع آخرته بدنياه، من المنافسة في الدنيا، والرغبة فيها، والأغنياء قد عظم ~~شأنهم في عينهم؛ لما يرى عليهم من قشر الدنيا، والرغبة فيها، وفي أيديهم من ~~حطامها، فيعظمهم، ويتملقهم، ويكرمهم تعظيما لما في أيديهم، وكائن أن يكون ~~غدا هلاك ذلك الغني ما أوتي، فإذا رأى من قد منع هذا، وزويت عنه الدنيا، ~~ازدراه وحقره، وكائن أن يكون غدا نجاته من هذا الذي زوي عنه، فهذا لغلبة ~~الشهوات التي تغلي في صدره فقد عشق الدنيا عشقا أسكره عن الآخرة، فيعظم ~~أبناء الدنيا، ويحقر أبناء الآخرة، فهذا مستوجب للعنة الله؛ لأن قلبه ميت، ~~وهو مفتون يكرم مفتونا. # فأما عبد دقت الدنيا في عينه بحذافيرها، ورحم أهل البلاء، فهو يرى الغني ~~مبتلى بغناه، قد تراكمت عليه أثقال النعمة، وغرق في حسابها، يرى عظيم ~~وبالها عليه غدا، فيرحمه في ذلك، كالغريق الذي يذهب به السيل، فقلبه يتعصر ~~عليه، فإذا لقيه، أكرمه، وبره على ما عوده الله، إبقاء على دينه؛ لئلا ~~يفسد، فإنه قد تعزز بدنياه، وتكبر وتاه، وتعظم في نفسه، فإذا حقرته، فقد ~~أهلكته؛ لأن عزه دنياه، فإذا أسقطت عزه، فقد سلبته دنياه، فهذه محاربة، لا ~~عشرة، فإنما ms0315 تبره وتكرمه مداريا له على دينه، ورفقا PageV02P501 ~~به وترحمه بقلبه، وقد صغر في عينه ما خوله الله من الدنيا، فهذا فعل ~~الأنبياء والأولياء، وبذلك أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: # ((إذا جاءكم كريم قوم، فأكرموه)). # فكريم القوم رئيسهم، ومن عوده قومه الإكرام. # ألا ترى: أنه لم ينسبه إلى دين، ولم يذكر منه صلاحا ولا دينا، فإذا كان ~~من عوده قومه الإكرام والعز أنت المأمور بإكرامه، فكيف بمن عوده الله، ~~فأكرمه، ونعمه كرامة الابتلاء. # 533 - حدثنا صابر بن سالم البجلي، قال: حدثني أبي سالم بن حميد، قال: ~~حدثني أبي حميد بن يزيد، قال: حدثني أبي يزيد بن عبد الله بن ضمرة، قال: ~~حدثتني أختي أم القصاب بنت عبد الله بن ضمرة، قالت: حدثني أبي PageV02P502 ~~عبد الله بن ضمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا جاءكم ~~كريم قوم، فأكرموه)). # 534 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا سليمان بن سلمة الخبائري، قال: ~~حدثنا سعيد بن مسلمة ابن هشام بن عبد الملك بن مروان، قال: حدثنا محمد ابن ~~عجلان، قال: حدثنا نافع، قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنه يقول: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا أتاكم كريم قوم، فأكرموه)). PageV02P503 # فالمفتون: الذي هو في خلو من هذا، وقد عظمت الدنيا في عينه، صفوه إلى ~~الأغنياء تعظيما ومعاطاة، ومعاشرة، فاهتش لرؤيتهم، وإذا رأى الفقير، أعرض ~~عنه، وانقبض وخمد، فهذا كما قال ابن عباس رضي الله عنهما موسوم باللعنة إذ ~~يكرم بالغنى، ويهين بالفقر. # والأول: إنما يكرم لله، ويهين لله، فإذا رأى ذا نعمة، عظمه في الظاهر ~~تعظيم بر، ولطف، ليبقى من دينه، ودين نفسه؛ ليكون أمر الله وتدبيره الذي ~~وضعه له من العز، والتعظيم بمكانه، غير مشوش على خلقه، وهو في الباطن قلبه ~~منه بعيد، وكذلك أهل الفساد من الموحدين يرحمهم في الباطن، ويلطف بهم، ~~ويرفق بهم في الظاهر؛ إبقاء على أحوالهم في أمر دينهم، والرفق محبوب مبارك. # 535 - حدثنا حميد بن الربيع اللخمي، قال: حدثنا أبو ms0316 ضمرة، قال: حدثني ~~الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب الرفق كله)). PageV02P504 # 536 - حدثنا هارون بن حاتم الكوفي، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن ابن ~~أبي مليكة، عن القاسم ابن محمد، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((من أعطي حظه من الرفق، أعطي حظه من الدنيا ~~والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق، حرم حظه من الدنيا والآخرة)). PageV02P505 # 537 - حدثنا هارون، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن ابن أبي مليكة، عن ~~القاسم بن محمد، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((إذا أراد الله بأهل بيت خيرا، أدخل عليهم باب الرفق)). # 538 - حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن هارون بن ~~عنترة، عن وهب بن منبه، قال: لما رفع عيسى بن مريم -صلوات الله عليه-، ~~فاجتمع أصحابه، ليخرجوا دعاة في الأرض، فكان ممن خرج منهم إلى الروم سنطور، ~~وصاحبان له، فأما صاحباه، فخرجا، وأما سنطور، فحبسته حاجة، فأوصاهما، فقال ~~لهما: ارفقا، ولا تخرقا، ولا تستبطئاني في شيء، ولما قدما الكورة التي ~~أرادها، قدما في عيد لهم، وقد برز ملكهم، PageV02P506 ~~ووضع له سريره، وبرز أهل مملكته له، وجاءه الرجلان صاحبا سنطور حتى قاما ~~بين يديه، فقالا له: اتق الله، فإنكم تعملون بمعاصي الله، وتنتهكون حرم ~~الله، مع ما شاء الله أن يقولا، فأسف الملك، وهم بقتلهما، فقام إليه نفر من ~~أهل مملكته، فقالوا: هذا يوم لا نهريق فيه دما، ولقد ظفرت بصاحبيك، فإن ~~أحببت أن تحبسهما حتى يذهب عيدنا، ثم ترى فيهما رأيك، فحبسهما، وضرب على ~~أذنه بالنسيان عنهما، حتى قدم سنطور، فسأل عنهما، فأخبروه بشأنهما، وأنهما ~~محبوسان في السجن، فدخل عليهما، فقال لهما: ألم أقل لكما: ارفقا، ولا ~~تخرقا، ولا تستبطئاني في شيء؟! وهل تدرون ما مثلكما؟ مثلكما مثل امرأة لم ~~تصب ولدا حتى دخلت في السن، فأصابت ms0317 بعدما دخلت في السن ولدا، فأحبت أن تعجل ~~شبابه؛ لتنتفع به، فحملت على معدته ما لا يطيق، فقتلته. # ثم قال سنطور: لا تستبطئاني في شيء، فانطلق حتى أتى باب الملك، وكان ~~الملك إذا جلس للناس وضع سريره، وجلس الناس بين يديه PageV02P507 ~~سماطين، وكانوا إذا ابتلوا بشيء من حلال أو حرام، رفعوه إلى الملك لينظر ~~فيه، ويسأل عنه من يليه في مجلسه، ويسأل القوم بعضهم بعضا، حتى تنتهي ~~المسألة إلى أقصاهم، وجاء سنطور حتى جلس في أقصاهم. # فلما انتقلت المسألة إليه، وقد ردوا على الملك جواب من أجابه، وردوا عليه ~~جواب سنطور، فسمع شيئا عليه النور، وحلا في مسامعه، فقال: من صاحب هذا ~~القول؟ فقال: الرجل الذي في أقصاهم، فقال: علي به، فأتي به فقال: أنت ~~القائل كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: فما كذا وكذا؟ قال: هو كذا وكذا، فجعل لا ~~يسأله عن شيء إلا فسره له، فقال: عندك هذا العلم، وتجلس في آخر القوم؟! ~~ضعوا له إلى جنب سريري مجلسا، ثم قال له: إن أتاك نبي، فلا تقم له، ثم أقبل ~~على سنطور، وترك الناس، وجعل لا يرد عليه شيء إلا سأله عنه، وأخذ به، فلما ~~عرف سنطور أن منزلته قد ثبتت عنده، قال: لأختبرنه، قال: أيها الملك! رجل ~~بعيد الدار، ضائع الضيعة، فإن أحببت أن تقضي حاجتك مني، وتأذن لي، فأنصرف ~~إلى أهلي؟ فقال الملك: يا سنطور! ما إلى ذلك سبيل؟ وإن أحببت أن تحمل أهلك ~~إلينا، فلك المواساة، وإن أحببت أن تأخذ من بيت PageV02P508 ~~المال حاجتك، فتبعث به إلى أهلك، فعلت، فسكت سنطور، ثم تخير يوما مات لهم ~~فيه ميت، فقال: أيها الملك! بلغني أن رجلين أتياك يسبان دينك، قال: ~~فذكرهما، فقال: نعم، علي بالرجلين، فأتي بهما، فقال: يا سنطور! أنت حكم ~~فيما بيني وبينهما، ما قلت من شيء، رضيت به. # فقال: أيها الملك! هذا ميت قد مات في بني إسرائيل، فمرهما أن يدعوا ربهما ~~أن يحييه لهما، ففي هذا آية بينة، فبعث إلى الميت، فوضع عنده، فقاما ms0318 وصليا، ~~ودعوا ربهما، فاستجاب لهما، فرد الله عليه روحه حتى تكلم، فقال: يا سنطور! ~~أيها الملك إن هذه لآية، ولكن تأمرهما بغير هذا، تبعث إلى أهل مملكتك ~~فتجمعهم، فتكلم آلهتك في هذين، فإن كانت آلهتنا تقدر أن تضرهما، فليس ~~أمرهما بشيء، وإن كانت الآلهة لا تقدر أن تضرهما، وقدرا هما على أن يضرا ~~الآلهة، فأمرهما قوي، فجمع أهل مملكته، ثم دخل القبة الذي فيه آلهته، فخر ~~ساجدا ومن معه لآلهته، وخر سنطور ساجدا لله، وقال: اللهم إني أسجد لك، ~~وأكيد هذه الآلهة أن لا تعبد من دونك، فقام الملك، فقال لآلهته: إن هذين ~~يريدان أن يبدلا دينكم، ويدعوا إلى إله غيركم، فافقؤوا أعينهما، أو ~~جذموهما، أو PageV02P509 ~~شلوهما، فلم ترد الآلهة عليهم شيئا، وقد كان سنطور أمر صاحبيه أن يحملا ~~معهما فأسا، فقال سنطور للملك: أيها الملك! قل لهذين: أتقدرا أن تضرا هذه ~~الآلهة؟ فقال لهما الملك: أتقدرا أن تضرا هذه الآلهة؟ قالا: خلوا بيننا ~~وبينهم، فأقبلا عليها فكسراها، فقال سنطور: أما أنا، فآمنت برب هذين، وقال ~~الملك: وأنا آمنت برب هذين، وقال جميع الناس: آمنا برب هذين)). # قال وهب بن منبه لصاحبه: هذا الرفق الحسن. PageV02P510 ### | CHECK [المجلد الثالث] ### || AUTO الأصل السادس والثمانون # 539 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا شريك، عن ~~المثنى بن سعيد الضبعي، عن قتادة، عن ابن بريدة، عن أبيه، وكان بخراسان، ~~فدخل على ابن أخ له يعوده، فوجده في الموت، فإذا هو يعرق جبينه، فقال ~~بريدة: الله أكبر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((المؤمن يموت ~~بعرق جبينه)). PageV03P005 # قال أبو عبد الله: فعرق الجبين علامة الباطن ظهر على الجبين، والعرق من ~~المؤمن لما يرى من ذنوبه في وقت مقدمه على ربه، فيتراءى له قبح ما جاء به، ~~فيستحي منه، فيعرق لذلك وجهه؛ لأن ما سفل منه قد مات، وإنما بقيت قوى ~~الحياة وحركاتها فيما علا، والحياء في العين، فذاك وقت الحياء، ووقت ~~الرجاء، ووقت الأمل من الحبيب الودود الغفور، الذي تودد إلى ms0319 أحبابه أيام ~~الحياة، فذاك علامة الإيمان فيه. # والكافر: في عمى عن هذا كله، والموحد المعذب في شغل عن هذا بالعذاب الذي ~~قد حل به، وإنما العرق الذي يظهر لمن حلت به الرحمة، فإنه ليس من ولي، ولا ~~صديق، ولا بر إلا وهو مستحي منه مع البشرى والتحف والكرامات. # 540 - حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا حماد بن عمرو النصيبي، عن محمد بن ~~سوقة، عن سعيد بن سوقة، قال: دخلنا على سلمان الفارسي نعوده، وهو مبطون، ~~فظننا أنا قد شققنا عليه، فقمنا، فأخذ بثوبي، فجلست، فقال: إني محدثك حديثا ~~لم أحدثه أحدا قبلك، ولا أحدث أحدا بعدك: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: ((ارقبوا الميت PageV03P006 ~~عند موته ثلاثا: إن رشحت جبينه، وذرفت عيناه، وانتشر منخراه، فهي رحمة من ~~الله قد نزلت به، وإن غط غطيط البكر المخنوق، وخمد لونه، وأزبد شدقاه، فهو ~~عذاب من الله قد حل به)). ثم قال لامرأته: ما فعل المسك الذي جئنا به من ~~بلنجر؟ قالت: هو ذا، قال: فألقيه في الماء، ثم اضربي بعضه ببعض، ثم انضحي ~~حوله فراشي؛ فإنه ليأتيني الآن قوم ليسوا بجن ولا إنس، ففعلت، وقمنا من ~~عنده، ثم رجعنا، فوجدناه قد قبض رحمه الله. # 541 - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: ~~حدثنا يونس، عن أبي معشر، عن PageV03P007 ~~إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: موت المؤمن بعرق الجبين، إن المؤمن ~~من يبقى عليه خطايا من خطاياه، فيحارف بها عند الموت-؛ أي: يجازى-، فيعرق ~~لذلك جبينه. PageV03P008 ### || AUTO الأصل السابع والثمانون # 542 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم ابن يحيى الأسلمي، قال: ~~حدثنا أبو سهل بن أبي أنس، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما: أن رجلا قال: يا بني الله! أي المؤمنين أكيس؟ قال: ((أكثرهم ذكرا ~~للموت، وأحسنهم له استعدادا، فإذا دخل النور في القلب، انفسح، واستوسع)). ~~قالوا: فما آية ذلك يا نبي الله؟ قال: ((الإنابة إلى دار الخلود، ms0320 والتجافي ~~عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت)). PageV03P009 # 543 - حدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، عن خالد بن أبي كريمة، عن أبي ~~جعفر عبد الله بن أبي المسور، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه. # وزاد فيه: ((ثم قرأ: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}. PageV03P010 # قال أبو عبد الله: فالموت عاقبة أمور الدنيا. # فالكيس من أبصر العاقبة، والأحمق من عمي عنها، فإنما عمي عنها بحجب ~~الشهوات التي قامت بين يدي قلبه، فافترصته، فافتضته إنجازها، وجاءت الأماني ~~بمواعيدها الكاذبة المختلفة، فجرته، تقول الشهوة: خذني إليك، وتقول الأمنية ~~الكاذبة: خذها ثم تتوب، والله غفور للمذنبين، وحبيب التائبين، فهذه حجب ~~كثيفة دون العاقبة، فكيف يراها؟ # فالكيس من سعد بجميل نظر الله، فأعطي النور الزائد على نور الموحدين، وهو ~~نور اليقين، وذلك أن نور التوحيد في القلوب، وفي الصدر دخان وظلمة من ~~الشهوات، فإذا جاء هذا النور، هتك الحجب، فسكن الدخان، وانقشعت الظلمة، ~~واستنار الصدر، فاستقر النور، فقيل: يقين، فبذلك أبصر الموت، وهو عاقبة ~~الأمر، فرآها قاطعة لكل لذة وشهوة، وحائلة بينه وبين كل أمنية، ورآها ~~أنفاسا معدودة، لا يدري متى ينفد العدد، فصار على خطر عظيم من أمره، حتى لا ~~يدري متى يبعث بالأمر، فركبه أهوال الخطر، فأذهله عن ذلك، فانكسر قلبه، ~~وذبلت نفسه، وخمدت نار شهوته، واكفهر بالحق في وجه أمنيته. PageV03P011 # وقال: تريدين أن تغويني؟! ولعل في وقت قضاء شهوتي في مساخط الله أعافص بأمر ~~الله، وأبعث، وأنادى بدعوته، ولابد من الإجابة في أسرع من اللمحة، فإذا أنا ~~بين يديه قائم في أيدي ملائكة قد رحلت إليه من دار الغرور، مغترا به، ~~مخدوعا عنه، مع دنس المعاصي، وقبح الآثام، فلا وصول إلى توبة، ولا أجد مهلة ~~لأتوب، فيكون مقدمي عليه مقدم العبيد الإباق، الذين ردوا إلى مولاهم، فيحكم ~~فيهم بحكم الإباق. # وقد قال الله -جل وعز- في تنزيله: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له ~~الحكم وهو أسرع الحاسبين}؛ أي: قد كانوا يحكمون لأنفسهم في دنياهم ms0321 بما ~~يشتهون، وبأن يمهلهم في ذلك، ويحلم عنهم، وهم مستدرجون في مكره، فاليوم قد ~~ردوا إليه من هذا الإباق، ألا فاليوم له الحكم، يحكم فيهم بما يستوجبون من ~~إباقهم، وهو أسرع الحاسبين. # فالكيس من نظر بنوره الذي من الله عليه به، فأبصر أن الموت قاطع لهذه ~~الأشياء، حائل بينه وبين التوبة. # كما قال جل ثناؤه: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} حين رأوا العذاب اشتهوا ~~الرجعة؛ ليتوبوا، فمنعوا ذلك، فامتنع من جميع ما خاف أن يلحقه غدا تبعته ~~ووباله، فاستعد لكل ذنب توبة، واعتذارا واستغفارا، وحسنة مكان كل سيئة؛ ~~لتكون الحسنة غطاء للسيئة، كما قد كان يعلم في ظاهر الحياة الدنيا أن الدنس ~~من الثوب إنما يغسل بالحار من الماء وبالأشنان والغلي PageV03P012 ~~حتى يبيض ويزايله الدنس، وكما علم في ظاهر الحياة الدنيا أن كل شيئين في ~~الدنيا على جسد أو ثياب، إنما يستره بشيء. # ألم تر إلى الماشطة إذا هيأت امرأة لزوجها كيف تهيئها؟ فإن كان شعرها ~~قصيرا، ترملها، وإن كان بجبهتها شعر، نظفتها، وحفت شعرها، وإن كانت يدها ~~بيضاء، خضبتها بألوان النقوش، وإن كانت مرحاء، كحلتها، وزينت وجهها بالبياض ~~والحمرة، وطرت صدغيها، وحلتها بالقلائد والشنوف، والقرطة والأسورة ~~والخلاخيل وألوان الثياب، وإن كان في قامتها قصر، حملتها على غرف النعال، ~~تريد بذلك كله ستر ما شان منها، فكذلك المؤمنون يوم القيامة يوم المقدم على الله. # روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الناس يعرضون ثلاث عرضات ~~يوم القيامة، فأما عرضتان، فجدال ومعاذير، وفي العرضة الثالثة: تطاير ~~الصحف)). PageV03P013 # فالجدال: للأعداء، يجادلون؛ لأنهم لا يعرفون ربهم، فيظنون أنهم إذا جادلوه، ~~نجوا، وقامت حجتهم. # والمعاذير: لله، يعتذر الكريم إلى آدم وإلى أنبيائه، ويقيم حجته عندهم ~~على الأعداء، ثم يبعث بهم إلى النار، فإنه يجب أن يكون عذره عند أحبابه ~~وأوليائه ظاهرا كيلا تأخذهم الحيرة، ولذلك قيل عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((لا أحد أحب إليه المدح من الله، ولا أحد أحب إليه العذر من الله)). # والعرضة الثالثة: للمؤمنين، وهو ms0322 العرض الأكبر، يخلو بهم، فيعاتبهم في تلك ~~الخلوات؛ من يريد أن يعاتبه، حتى يذوق وبال الحياء منه، يرفض عرقا بين ~~يديه، ويفيض العرق منهم على أقدامهم من شدة الحياء، ثم يغفر لهم، ويرضى عنهم. # ومنهم من انتبه في الحياة الدنيا، فكاد يموت حياء، ومرة فرقا، PageV03P014 ~~فأعطي الأمان غدا من ذلك؛ فإنه لن يجمع ذلك على العبد في موطنين. # 544 - حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي، حدثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن ~~الحسن، قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((قال ربكم: ~~وعزتي وجلالي! لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، فمن خافني في ~~الدنيا، أمنته في الآخرة، ومن أمنني في الدنيا، أخفقته في الآخرة)). # 545 - حدثنا أبو بكر بن سابق الأموي، قال: حدثنا أبو مالك الجنبي، عن ~~جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيما يذكر من مناجاة موسى عليه السلام: أنه قال: ((يا موسى! إنه لن ~~يلقاني عبد في PageV03P015 ~~حاضري القيامة إلا فتشته عما في يديه، إلا ما كان من الورعين، فإني ~~أستحييهم، وأجلهم وأكرمهم، وأدخلهم الجنة بغير حساب)). # فمن استحيا من الله في الدنيا مما صنع، استحيا الله عن تفتيشه، وسؤاله، ~~ولم يجمع عليه حياءين، كما لا يجمع عليه خوفين، فإذا صار العبد إلى العرض ~~الأكبر، وقد ستر مساوئه بمحاسنه، قبله ربه في ستره عليه، وستر عليه علمه ~~فيه عنه، حتى يذهب حياؤه، فهو في ستر محاسنه عن الملائكة والأنبياء وجميع ~~الخلق (حتى لا يستحيي من الخلق، فهو في ستره عن نفسه) حتى لا يستحيي منه. # فهذا تفسير قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكيسهم: أكثرهم ذكرا للموت، PageV03P016 ~~وأحسنهم له استعدادا)). # لأنه كلما ذكر الموت، علم أنه قطاع حائل هيجه للأسمار، والهرب من كل ~~مصيبة، وأما الاستعداد؛ بأن يكون قد جانب التخليط مجانبة لا يحتاج إلى ~~استمهال إذا فاجأه أمر الله، وجاءته دعوته، فيقول: أمهلني حتى أتوب، وأصلح ~~أمر كذا. # وأما ms0323 حسن الاستعداد: فبأن يكون قد استعد للقائه، والعرض عليه، وقد علم أن ~~الموت يؤديه إليه فتطاب روحه وقلبه ونفسه، فأما روحه، فبالطاعة، وأما قلبه، ~~فبالله، وأما نفسه، فبتجنب الشهوات، والمنى، ورفض التدبير لنفسه، وتفويض ~~ذلك كله إلى خالقه، وهذا صفة أهل اليقين، الذين ذكرهم الله في تنزيله فقال: ~~{الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم}. # فتسلم عليهم الملائكة من الله، وتبشرهم بدخول الجنة ساعة تفيض أرواحهم؛ ~~أي: لا أحبس عليكم في موطن من المواطن إنما هو أن تفيض روحك فتدخل الجنة؛ ~~أي: إنك من الذين لا حساب عليك (في الموقف؛ لأن رسلي قد جاءتك في قبضك إلي ~~من الدنيا، فوجدتك طيبا، فجزاؤك عندي الجنة، لا حساب عليك) عند الميزان، ~~ولا عذاب PageV03P017 ~~عليك عند ممرك على النار، ولا خوف عليك عند العرض الأكبر، ولا أنت تحزن ~~لطول الحبس في تلك الخلوات في الحجب، فإنما سموا طيبين؛ لأنهم لم يبق فيهم ~~تخليط، طابوا روحا، وطابوا نفسا، وطابوا قلبا. # والآخرون أهل تخليط، لا يقال لهم هذه الكلمة: {طبتم فادخلوها خالدين إلا ~~عند باب الجنة بعدما محصوا بعذاب القبر، وأهوال القيامة، وتناول النيران ~~منهم بلفحاتها على الصراط، والحبس في العرض الأكبر، فإذا خلي بينهم، وبلغوا ~~باب الجنة، نودوا: {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين}. # والذين وجدتهم الملائكة عند القبض طيبين يقال لهم في وقت فراق الحياة ~~ولقاء الرب: سلام عليكم، ولا يقال لهم: طبتم، فقد كانوا طابوا من قبل مجيء الرسل. # وأما قوله: ((إذا دخل النور في القلب، انفسح وانشرح واستوسع))، فدخول ~~النور في القلب، والانفساح في الصدر، فإن الصدر بيت القلب، ومنه تصدر ~~الأمور، والنور في القلب، ومنه ينفسح الصدر، وينشرح، ويتسع، وإنما صار ~~هكذا؛ لأن الصدر كان مظلما بالشهوات المتراكمة فيه، والأماني، والفكر، ~~والعجائب، عجائب النفس، ودواهيها، فكان يضيق بأمر الله؛ لأن أمر الله كان ~~خلاف منيته، وهواه، فلما قذف النور فيه، نفى الظلمة، وأشرق الصدر بالنور ~~الواسع، واتسع فيه أمر الله، ونصائحه، وآدابه، ومواعظه، فسئل الرسول صلى ~~الله عليه وسلم عن علامته ms0324 في الظاهر، فإن الذي ذكر إنما ذكر في الباطن، ~~فقيل: ما علامته في الظاهر، حتى يعرف أنه من هذه الطبقة؟ PageV03P018 # فذكر ثلاث خصال، فقال: ((الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، ~~والاستعداد للموت قبل نزول الموت)). # فأما (الإنابة إلى دار الخلود): فهي أعمال البر؛ لأن الخلود إنما وضعت ~~جزاء لأعمال البر، ألا ترى كيف ذكر الله في مواضع في تنزيله، ثم قال يعقب ~~ذلك: {جزاء بما كانوا يعملون}؟ # فالجنة جزاء الأعمال، فإذا انكمش في أعمال البر، فهو إنابته إلى دار ~~الخلود، وإذا خمد حرصه على الدنيا، ولها عن طلبها، وأقبل على ما يعينه ~~منها، فاكتفى به، وقنع، فقد تجافى عن دار الغرور، وإذا أحكم أموره بالتقوى، ~~فكان ناظرا في كل أمر، واقفا متأنيا متثبتا حذرا، يتورع عما يريبه إلى ما ~~لا يريبه، فقد استعد للموت، فهذه علامتهم في الظاهر، وإنما صار هكذا لرؤية ~~الموت، ورؤية صرف الآخرة على الدنيا، ورؤية الدنيا أنها دار الغرور، وإنما ~~صارت له هذه الرؤية بالنور الذي ولج القلب. PageV03P019 ### || AUTO الأصل الثامن والثمانون # 546 - حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا إسحاق بن محمد الفروي، قال: حدثنا أبو ~~يعلى سلمة بن وردان المديني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((من الناس ناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، ومن ~~الناس ناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل مفتاح الخير على يديه، ~~وويل لمن جعل مفتاح الشر على يديه)). # فالخير: مرضاة الله، والشر: مسخطة، فإذا رضي الله عن عبد، كانت علامة ~~رضاه عنه أن يجعله مفتاحا للخير، فإن رئي، ذكر الخير برؤيته، وإن حضر حضر ~~الذكر معه، وإن ذكر ذكر الخير معه، وإن نطق نطق بخير، PageV03P021 ~~وعليه من الله سمات ظاهرة، يذكره بالخير من لقيه؛ لأنه ينقلب في الخير بعمل ~~الخير، وينطق بالخير، (ويفكر في خير، ويضمر على خير، فهو مفتاح الخير حيثما ~~حضر، وسبب الخير) لكل من خالطه، أو عاشره، أو صحبه. # والآخر يتقلب في الشر، يعمل الشر، ms0325 وينطق به، ويفكر في الشر، ويضمر على ~~شر، فهو مفتاح الشر حيثما حضر، وسبب الشر لكل من خالطه، أو صحبه. # فصحبة الأول دواء، وصحبة هذا داء، لا يرجع منه إلا بنقصان، والأول لا ~~يرجع منه إلا بزيادة، فمن كان بين يدي قلبه دنياه، فإنما يفتتح بدنياه إذا ~~لقيك: ومن كان بين يدي قلبه آخرته، فإنما يفتتح بآخرته إذا لقيك، ومن كان ~~بين يدي قلبه خالقه، فإنما يفتتح بذكره إذا لقيك. # كل إنما ينشر عليك بره، ويحدثك عما يطالع قلبه، فالناطق عن دنياه يرغبك ~~فيها، ويزين لك أحوالها، فالاستماع منه سقم يورطك في ورطته، ويوقعك في ~~وهدته، والناطق عن آخرته يرغبك فيها، ويزين لك أحوالها، ويقلل الدنيا في ~~عينك، ويزهدك فيها، ويقف بك منها على سبيل خطر؛ لما يخبرك عن فتنتها ~~وغرورها، وخدعها، وأمانيها الكاذبة، وما يلقى أهلها غدا من شدة الحساب في ~~أهوال القيامة. # والناطق عن الله: يقف بك على تدبير الله، وعلى سبيل الاستقامة في PageV03P022 ~~العبودة، ويلهيك عن نفسك، وعن الدارين؛ لما يفتح عليك من منن الله وإحسانه، ~~ولما يكشف عن آلاء الله من سترات الغيوب التي حرم هذا الخلق؛ بمعرفة تلك ~~الأشياء، والانتباه لها، حتى يؤديك إلى سنن التوحيد، فيرمي بك إلى ~~فردانيته، فتنفرد للفرد الواحد، وهم الكبراء الذين روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنه قال: ((يا أبا جحيفة! جالس الكبراء، وخالل الحكماء، ~~وسائل العلماء)). # فالعلماء: بعلم أموره ينطقون. # والحكماء: بعلم تدبيره ينطقون. # والكبراء: بعلم الآية ينطقون. # فالكبراء تكبروا في كبرياء الله وعظمته، وانفردوا في فردانيته، واعتزوا ~~به، فرؤيتهم دواء، وكلامهم شفاء، فالمجالسة لهؤلاء. # والمخاللة للحكماء: تخالله، وتصير له مأمنا، فتفضي إليك حكمته. # والمساءلة للعلماء: تسائلهم عن حلال الله وحرامه وأحكامه. # وقد جعل الله في الخير من البركة ما يغلب الشر حيثما كان؛ لأن مع الخير ~~من الله تأييد، فصاحب الخير بحسن منطقه يسكت الناطقين، وبحسن فعله يقطع فعل ~~الفاعلين، وبحسن خلقه يقهر أحوال السوء من المسيئين، PageV03P023 ~~ويميت الشر حيثما حضر. # أما ترى كيف وصفهم ms0326 الله فقال: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}؛ أي: ~~صوابا وسدادا، فإنما قمعوا الجاهلين، وردوا جهلهم بصوابهم، فسلم على يده ~~الجاهل بأنه قد نطق عند مخاطبة الجاهل بما سلم الجاهل، والجاهل إذ خاطب ~~الجاهل، وقعا في ورطة؛ لأن النار لا تطفأ بالنار، بل تزداد تسعرا، وإنما ~~تطفأ بالماء. # فكذلك جهل الجاهل إنما يرد بصواب القول، حتى سلم القائل والسامع؛ لأن ~~الجهل ظلمة، الصواب نور، والنور غالب للظلمة. # وهذا حديث تفرد به إسحاق بن محمد الفروي، عن سلمة بن وردان، كما انفرد ~~أبو نعيم وجعفر بن عون بحديثهما، عن سلمة بن وردان: ((من ترك الكذب وهو ~~باطل، بني له بيت في ربض الجنة)). PageV03P024 # والقعنبي تفرد أيضا بحديث آخر عن سلمة، وكما تفرد مكي بن إبراهيم بحديث ~~بهز، عن أبيه، عن جده: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بشيء ~~فإن قيل: هدية، مد يده، وإن قيل: صدقة، كف)). # ومثل الجارود بن يزيد، عن بهز، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((انزعوا عن ذكر الفاجر)). # وكمثل ما تفرد أبو بكر الهذلي، عن بهز، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل))، ~~وكل من كان سببا للخير، فله حرمة. PageV03P025 # 547 - حدثنا النضر بن طاهر، قال: حدثنا سويد أبو حاتم، عن قتادة، عن أنس، ~~أن رجلا لعن برغوثا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مه، لا ~~تلعنه؛ فإنه نبه نبيا من الأنبياء)). # 548 - حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى، قال: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: ~~حدثنا سويد، بمثله، وزاد فيه: لصلاة الغداة)). PageV03P026 ### || AUTO الأصل التاسع والثمانون # 549 - حدثنا حيان بن البراء المازني، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: ~~سمعت سليمان أبا سفيان المدني يحدث، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما، قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجمع الله أمتي أو ~~هذه الأمة على ضلالة أبدا، ويد ms0327 الله على الجماعة هكذا، فاتبعوا السواد ~~الأعظم؛ فإنه من شذ، شذ في النار)). # فقد وعد محمدا صلى الله عليه وسلم في تنزيله عز وجل فقال: {هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله}. PageV03P027 # ولا يزال دينه ظاهرا على الأديان، غالبا لأهلها، النصر معه حيثما كان، فشرع ~~لنا في هذا الدين الصلوات الخمس في جماعة بارزا ظاهرا بوضوئها ومواقيتها، ~~والغسل من الجنابة، ومن قبل ذلك دعاة إليها على الشرف والآكام والمنارات ~~يشهدون بشهادة الحق، ويدعون إلى دين الحق لإقامة هذه الصلوات المكتوبات، ~~ويخرجون صدقات أموالهم إلى أئمتهم؛ ليوزعوها في فقرائهم، ويصومون شهرا من ~~السنة، ويخرجون إلى أعيادهم معتذرين طالبين لمعروفه، ويحجون بيت ربهم ~~ظاهرين بالتلبية، ظاهرين بالطواف، ظاهرين بالوقوف في المشاهد، فهذا الذي ~~عليه السواد الأعظم لا يختلفون فيه، فمن شذ عن شيء منه، فجحده، فقد خرج من ~~الشريعة، وخاب من الإسلام، فقد جمع الله هذه الأمة على هذه الشريعة، وهم ~~متمسكون بها، محرمون لما حرمه التنزيل، محلون لما أحله؛ مثل: الميتة، ~~والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، والمنخنقة، والموقوذة، ~~والمتردية، والنطيحة. # فهذا ظاهر الدين الذي لم يجز لأحد أن يختلف فيه، ثم فيه حوادث للعلماء ~~فيها مقال مما يفسد، ولا يفسد، كل يتكلم بمبلغ علمه، وجهد رأيه، فمن شذ عن ~~السواد الأعظم في هذه الأشياء التي لم تختلف فيها الأمة، فقد زاغ عن سبيل ~~الهدى، وشذ إلى النار. PageV03P028 # وهذا الدين يشتمل على الإيمان، والإسلام. # فجملة الإيمان: هو الإيمان بالله وحده، لا شريك له، وبالرسول، وبالكتب ~~كلها، وبالملائكة، وبالرسل، وباليوم الآخر، وبالبعث والجزاء، والقدر خيره ~~وشره من الله، فهذا جملة الإيمان. # والصلوات الخمس بوضوئها ومواقيتها، والغسل من الجنابة، والزكاة، والصوم، ~~والحج، وتحريم ما حرم الله، وتحليل ما أحل الله، هذا جملة الإسلام. # فالسواد الأعظم على هذا إلى يومنا هذا، لا يختلف فيه أحد، ثم للعلماء فيه ~~مداخل، ومقال في الحوادث التي تحدث في هذه الأشياء من طريق الأحكام، ~~واختلافهم فيها رحمة واسعة لأمة محمد صلى الله ms0328 عليه وسلم، من الله عليهم ~~بذلك، وسهل لهم سبيل النظر والاجتهاد في الرأي فيما لم يجدوا في تلك ~~الحادثة تنزيلا، ولا سنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم. PageV03P029 ### || AUTO الأصل التسعون # 550 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، ~~قال: حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((جنتان من فضة آنيتهما، وما ~~فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما، وما فيهما، وما بين القوم، وبين أن ينظروا ~~إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)). PageV03P031 # 551 - قال نصر: وأخبرني مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا الحارث بن عبيد، قال: ~~حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه، وزاد فيه: ((وهذه الأنهار تشخب من جنة عدن ~~في جوبة، ثم تصدع بعد أنهارا)). # 552 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا أبو غسان، عن الحارث بن عبيد، عن أبي ~~بكر بن أبي موسى، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((جنات ~~الفردوس أربع: جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما ~~فيهما))، فذكر بمثله. PageV03P032 # فهذا تأويل قوله -جل ذكره-: {ولمن خاف مقام ربه جنتان}، فوصفهما، ثم قال: ~~{ومن دونهما جنتان}، فوصفهما، فوصف الجنتين الأوليين بأنهما: {ذواتا ~~أفنان}؛ أي: ذواتا ألوان؛ أي: فيهما فنون الأشياء، ثم ذكر العيون، فقال: ~~{فيهما عينان تجريان} فوصف العينين بالجري، ثم ذكر فرشهما، فقال: {بطائنها ~~من إستبرق}، فذكر البطائن. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: فما ظنكم بالظهائر؟ فقالوا: هو من نور، فذكر ~~أنهم متكئين على تلك الفرش، وجنى تلك الثمار دان؛ أي: قريب مجتنى من حيث ~~هو؛ أي: يدنو منه الغصن حتى يتناوله من قرب إن شاء قائما، أو إن شاء قاعدا، ~~أو إن شاء مضطجعا كما قال في آية أخرى: {وذللت قطوفها تذليلا}. # سخر الله لهم كل شيء حتى يتمكنوا ms0329 منه كيف شاؤوا، ثم ذكر الأزواج، فقال: ~~{فيهن قاصرات الطرف}؛ أي: قصر طرفهن عن جميع الخلق إلا عن أزواجهن، فلم ~~يعاين ذكرا، وإن عاين، لم يهوين إلا أزواجهن. # {عربا أترابا}؛ أي: عواتق. # والعرابة: التحمس في كلام العرب. # أترابا: أي لدات، وأزواجهن في سن واحد. PageV03P033 # ثم قال: {لم يطمثهن أنس قبلهم ولا جان}. # أي: لم يقربهن ولم يأتهن واحد من الصنفين. # ثم وصف أجسادهن، فقال: {كأنهن الياقوت والمرجان}. # أي: في صفاء الياقوت، وبياض المرجان، وهو الكبار من اللؤلؤ. # ثم قال: {ومن دونهما جنتان}. # أي: دونهن إلى العرش؛ أي: أقرب وأدنى إلى العرش، فوصفهما، فقال: ~~{مدهامتان}. # أي: خضراوان تضربان إلى السواد، والدهمة من ذي الخضرة. # ثم وصف العينين، فقال: {عينان نضاختان}. # النضخ أكثر من الجري؛ أي: ترميان بألوان الفاكهة والنعيم، والجوار ~~المزينات، والدواب المسرجات، والثياب الملونات. # ثم وصف الثمار، فقال: {فيهما فاكهة}. # وإنما سميت فاكهة؛ لأنها تعجب الناظرين، ويتفكه بها، فهذا أكثر؛ لأن ~~الأوليين لم يصفهما إلا بقرب الجنى فقط، وهاهنا ذكر الفاكهة والنخل ~~والرمان. # ثم ذكر الأزواج، فقال: {فيهن خيرات حسان}. # فالخيرة: ما اختارهن الله، فأبدع خلقهن باختياره، فاختيار الله لا يشبه ~~اختيار الآدميين. PageV03P034 # ثم قال: {حسان} وصفهن بالحسن، فإذا وصف خالق الحسن شيئا بالحسن، فانظر ما ~~هناك، وفي الأوليين ذكرهن بأنهم قاصرات الطرف، وكأنهن الياقوت والمرجان، ~~فانظر كم بين الخيرة، وهي مختارة الله، وبين قاصرات الطرف. # ثم قال: {حور مقصورات في الخيام}. # فوصفهن بأنهن قاصرات أجسادهن، وأشخاصهن عن الأبصار. # فبلغنا في الرواية: أن سحابة مطرت من العرش، فخلقهن من قطرات الرحمة، ثم ~~ضرب على كل واحدة منهن خيمة على شاطئ الأنهار سعتها أربعون ميلا، ليس لها ~~باب، إذا حل ولي الله بالخيمة، انصدعت الخيمة عن باب؛ ليعلم ولي الله أن ~~أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم يأخذها، فهي مقصورة، قد قصرت عن ~~أبصار الخلق، وفي الأوليين هن قاصرات، قصر طرفهن عن الأزواج، ولم يذكر أنهن ~~مقصورات، ثم ذكر اتكاءهن، وقال: {متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان}. # فالرفرف: أعظم خطرا من ms0330 الفرش، فذكر في الأوليين {متكئين على PageV03P035 ~~فرش بطائنها من إستبرق}، وهاهنا: متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان، فالرفرف ~~هو مستقر الولي على شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به؛ أي: طار به هكذا ~~وهكذا حيثما يريد كالمرجاح، وأصله من رفرف بين يدي الله تعالى. # وروي لنا في حديث المعراج: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ ~~سدرة المنتهى، جاءه الرفرف، فتناوله من جبريل، فطار به إلى سند العرش، فذكر ~~أنه طار بي، يخفضني ويرفعني، حتى وقف بي على ربي، ثم لما حان الانصراف، ~~تناوله، فطار به خفضا ورفعا يهوي به، حتى أداه إلى جبريل -صلى الله ~~عليهما-، وجبريل يبكي، ويرفع صوته بالتمجيد)). # فالرفرف: خادم من الخدم بين يدي الله، له خواص الأمور في محل الدنو ~~والقربة، كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضه، فهذا ~~الرفرف الذي سخره لأهل الجنتين الدانيين هو متكؤهما وفرشهما، يرفرف بالولي ~~على حافات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات الحسان. # ثم قال: {وعبقري حسان}. # فالعبقري: ثياب منقوشة تبسط، فإذا قال خالق النقوش: إنها PageV03P036 ~~حسان، فما ظنك بتلك العباقرة؟ # والعبقر: قرية بناحية اليمن فيما بلغنا تنسج بها بسط منقوشة، فذكر الله ~~ما خلق في تلك الجنتين من البسط المنقوشة الحسان والرفرف الخضر، وإنما ذكر ~~لهم من الجنان ما يعرفون أسماءها هاهنا، فبان تفاوت هاتين الجنتين. # وقد روي عن بعض المفسرين، فإذا هو يشير إلى هاتين الجنتين: # {من دونهما}؛ أي: أسفل منهما وأدون، فكيف تكون مع هذه الصفة أدون؟ فحسبته ~~لم يفهم القصة، ثم قال: {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام} كأنه يريد: ~~الاسم الذي افتتح به السورة، فقال: {الرحمن}، فافتتح بهذا الاسم، فوصف خلق ~~الإنسان والجن والشياطين، وخلق السماوات والأرض وصنعه، وأنه كل يوم هو في ~~شأن، ووصف تدبيره فيهم، ثم وصف يوم القيامة وأهوالها وصفة النار، ثم ختمها ~~بصفة الجنة، قال في آخر الصفة: {تبارك اسم ربك}؛ أي: هذا الاسم الذي افتتح ~~به السورة كأنه يعلمهم أن هذا ms0331 كله خرج لكم من رحمتي، فمن رحمتي خلقتكم، ~~وخلقت لكم السماء والأرض والخلق والخليقة والجنة والنار، فهذا كله لكم من ~~اسم الرحمن، فمدح اسمه. # ثم قال: {ذي الجلال والإكرام} جليل في ذاته، كريم في فعاله. # وأما قوله: ((وما بين القوم، وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء PageV03P037 ~~في جنة عدن))، فإنما وصف هذه الجنان الأربع، فقال في الحديث: ((جنان ~~الفردوس)). # فالفردوس: جنان الأنبياء والأولياء بقرب جنات عدن، والفردوس سرة الجنة ~~ووسطها، كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وجنة عدن: دار الرحمن، ومقصورته، والفردوس جنات عدن، فعدن كالمدينة، ~~والفردوس كالقرى حول المدينة، فإذا تجلى لأهل الفردوس، رفع الحجاب، وهو ~~الذي ذكره في الحديث: رداء الكبرياء، فينظرون إلى جلاله، وجماله، فكأنه ~~أخبر في هذا الحديث أن حجابه في جنة عدن رداء الكبرياء. # وأخبرني في حديث آخر رواه أبو موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: ((حجابه النار، لو كشفها، لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه ~~بصره)). # 553 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، قال: حدثنا أبو نعيم، عن المسعودي، عن ~~عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV03P038 # فهذا يدل على أنه إنما أخبر بهذا في أيام الدنيا، وذلك في أيام الآخرة في ~~جنة عدن، فأيام الدنيا أيام الملك، والسلطان والربوبية، وأيام الآخرة أيام ~~المجد والكرم والبر والمعاوضة، فقال هاهنا: حجاب، وقال هناك: رداء. # وقال هاهنا: النار، وقال هناك: الكبرياء. # والحجاب لا فرجة فيه، والرداء فرج وسطه. # ولهذا ما روي عن صاحب معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: صنف من أهل الجنة ~~لا يستتر الرب منهم، ولا يحتجب. # 554 - حدثنا بذلك عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا سيار، قال: ~~حدثنا جعفر بن سليمان، قال: حدثنا أبو حمزة، عن أبي العفيف، وكان من أصحاب ~~معاذ بن جبل رضي الله عنه. PageV03P039 # وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن ms0332 من ~~أهل الجنة من ينظر إلى الله غدوة وعشية)). # وروي في الحديث الآخر: ((أن أهل الجنة يزورون في كل يوم جمعة، فينظرون ~~إلى الله))؛ ليعلم أن للنظر إليه درجات، وللقوم في ذلك منازل متفاوتة. # وقوله: ((لأحرقت سبحات وجهه))؛ أي: نزهات وجهه كل شيء أدركه بصره؛ لأن ~~المنزه عن شبه الأشياء لا تقوم له الأشياء، فمتى أدركه بصره، أهلكه، وإنما ~~حجب بالنار، والنار مخلوقة؛ لكي يلاقي المخلوق PageV03P040 ~~المخلوق، فيقوم له، فالقدرة حجبت عن النار حتى تقوم له النار على ما يشاء، ~~وهو دنو الحجاب إليهم دنوا وقربا كما شاء، لا كما تعقله العقول. # وأما الأنهار: فهو ما ذكره الله في التنزيل: {أنهار من ماء غير آسن ~~وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل ~~مصفى}، فهذه أربعة أصناف تجري في أنهارها لعامة أهل الجنة في غير أخدود. # وأما العيون: فهي أربعة: تسنيم، وزنجبيل، وكافور، وسلسبيل. # فأما الأبرار: فلهم الكافور خاصة، والأبرار: الصادقون. # وأما المقربون: فلهم التسنيم، وهو الصديقون، فذكرهم الله في تنزيله، ~~فقال: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا}، والكأس: الخمر، فيمزج ~~الخمر لهم بالكافور، ثم وصف الكافور، فقال: {عينا يشرب بها عباد الله ~~يفجرونها تفجيرا}. # فهذا لهم خاصة، ويمزج من الكافور لسائر أهل الجنة أشربتهم، فأما الشرب، ~~فهو للأبرار، وهم عباد الله، ثم قال في قصتهم: {ويسقون فيها كأسا كان ~~مزاجها زنجبيلا. عينا فيها تسمى سلسبيلا}، فأخبر أن للأبرار منها مزاجا ~~تمزج أشربتهم من الزنجبيل، ولم يذكر أنها لهم شرب كما ذكر الكافور. # ثم قال في سورة أخرى: إن الأبرار {يسقون من رحيق مختوم. ختامه PageV03P041 ~~مسك}. # ثم قال: {ومزاجه من تسنيم}، فأخبر أن للأبرار منها مزاجا يمزج أشربتهم من ~~التسنيم، ثم أخبر عن التسنيم لمن هي لهم مشرب، فقال: {عينا يشرب بها ~~المقربون}. # فأخبر أن هذه العين التي اسمها التسنيم هي للمقربين خاصة شربا، كما أخبر ~~هناك أن الكافور عينا للأبرار شربا. # وإنما سمي تسنيما، لأنه أشرف شراب في الجنة وأعلى، مأخوذ ms0333 من السنام، فقد ~~تسنم العيون والمياه، وأشرف عليهم، تجري من أعلى العرش. # تحقق ذلك مما رواه أبو مقاتل، عن صالح بن سعيد، عن أبي سهل، عن الحسن ~~-رحمة الله عليه-، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أربع عيون في ~~الجنة: عينان تجريان تحت العرش، إحداهما التي ذكر الله: {يفجرونها تفجيرا}، ~~والأخرى: زنجبيل، وعينان نضاختان من فوق العرش، إحداهما التي ذكر الله عز ~~وجل: {سلسبيلا}، والأخرى: التسنيم للمقربين. PageV03P042 # فالتسنيم خاصة شربا لهم، والكافور للأبرار خاصة شربا لهم، ويمزج للأبرار من ~~التسنيم بشرابهم، وأما الزنجبيل والسلسبيل، فللأبرار منها مزاج، هكذا ذكره ~~في التنزيل، وسكت عن ذكر ذلك لمن هي شرب لهم، ولا نعلم أهل عليين إلا هذين ~~النصفين: المقربون، والأبرار، فالمقربون: الصديقون، والأبرار: الصادقون، ~~فما كان للأبرار مزاجا، فهو للمقربين صرفا، وما كان كان للأبرار صرفا، فهو ~~لسائر أهل الجنة مزاج. # والكافور: الشيء المغطى، والكفر: التغطية، ومنه سمي الكفر؛ لأنه غطاء على ~~القلوب، فهذا على تقدير فاعول. # والزنجبيل: إنما هو زنجب وإيل بالعبرانية؛ كقولك: عبد الله، وكذلك جبريل ~~وميكائيل، فإيل: هو الله، وإنما هي عبرانية عربت، فقيل: إيل. # وأما الزنجب في اللغة: فهو الثوب الذي يلي الحائض إذا حاضت، PageV03P043 ~~لبست تحت ثوبها ثوبا، فذلك الزنجب، وهو ما بطن من ثيابها، ويلي جسدها. # والسلسبيل: هو الذي يشتد جريه، فإنما هو سلساب، وإيل هو الله؛ كقولك: يا ~~الله سلساب من معين القربة. # وفي حديث أبي مقاتل ما يحقق هذه الآية، قال: {عينان نضاختان} من فوق ~~العرش، إحداهما سلسبيل، والأخرى التسنيم، فوصف السلسبيل بالنضخ، وهو من شدة الجري. PageV03P044 ### || AUTO الأصل الحادي والتسعون # 555 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا ابن نمير، عن محمد بن إسحاق، عن ~~يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: أهدى النجاشي إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حلية فيها خاتم من ذهب فيه فص حبشي، فأخذه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود، أو ببعض أصابعه، وإنه لمعرض عنه، ثم ~~دعا ابنة ابنته أمامة بنت ms0334 أبي العاص، فقال: ((تحلي بهذا يا بنية)). # 556 - حدثنا يعقوب بن شيبة، قال: حدثنا إسحاق ابن عيسى الطباع، عن شريك، ~~عن أبي عقيل، عن الربيع PageV03P045 ~~بنت معوذ، قالت: أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قناعا من رطب، ~~وأجر زغب، فناولني كفا من ذهب، فقال: ((تحلي بهذا يا بنية)). # 557 - حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، ~~عن الربيع بنت معوذ، قالت: أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قناعا ~~من رطب، وأجر من زغب، فأعطاني ملء كفه ذهبا، أو قال: حليا. # قال أبو عبد الله: فخلق هذا الآدمي خلقا سويا بارزا، فضله، قدمه على سائر ~~خلقه في أرضه. PageV03P046 # وكل خلق ربي حسن. وقد قال في تنزيله: {أحسن كل شيء خلقه}. # وإنما ظهر حسن الأشياء عند أولي الألباب، فهم يرون حسنه، وإنما الحسن عند ~~السفهاء ما يحلو في نفوسهم عند موافقة شهواتهم، وأولو البصائر والعقول ~~ينظرون إلى صنعه في الأمور، وأحكامه ولطفه في الأشياء. # 558 - حدثنا داود بن حماد القيسي، قال: حدثنا إشكاب البغدادي، عن شريك، ~~عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أحسن كل شيء ~~خلقه}، قال: أما إن است القرد ليست بحسنة، ولكنه أحكم خلقه)). # قول ابن عباس رضي الله عنهما: ((ليست بحسنة))؛ أي: عند السفهاء والعامة؛ ~~لأنهم ينظرون بعين الشهوة، وهي سقيمة. # والحكماء ينظرون بعين الحكمة، وهي صحيحة، والعارفون المقربون ينظرون بعين ~~المعرفة إلى صنعه، ولطفه، {فتبارك الله أحسن الخالقين}. # وقد ذكر الله في تنزيله وصف خلقه، فلا يعلم أنه قال: تبارك الله إلا PageV03P047 ~~في وصفه خلق الإنسان، كأنه يؤدي إلى معنى القربة، فجعل هذه الحلية زينة ~~لجوارحه، فإذا لبسها، زانه ذلك. # ومعنى قوله: ((زانه))؛ أي: ليق به، وكل شيء استوى بشيء، فهو له زينة، ~~وقدرا به، وكذلك الوزن، إذا استويا في الميزان، فقد وزنه، وإذا زانه، حلاه، ~~فصار ذلك العضو أحلى (في أعين الناظرين، ومن هاهنا سمت حلية؛ لأنها تحلي ~~تلك الجوارح) ms0335 في أعين الناظرين، وفي قلوبهم. # وقد عدد الله الحلية علينا في تنزيله في النعم، فقال: {وتستخرجوا منه}؛ ~~أي: من البحر {حلية تلبسونها}، وهو اللؤلؤ. # فالمعدود في النعم مأذون لنا فيها، ما كان من ذهب، فللإناث، ومحرم على ~~لسان الرسول للذكور، وما كان من فضة أو جوهر، فمطلق للرجال والنساء، وقد ~~لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما اتخذه، وفصه منه. # وروي: ((أنه لبس خاتما من فضة، وفصه حبشي)). PageV03P048 # 559 - حدثنا بذلك إسماعيل بن صالح، قال: حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن ~~الزهري، عن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وروي عن موسى -صلوات الله عليه- في ذلك: # 560 - ما حدثنا به أحمد بن مدرك الهروي صاحب مظالم العباس بن هاشم، قال: ~~حدثنا عون بن جعفر الكوفي، عن صالح بن مرداس، عن مشرف أبي معاذ، عن شهر بن ~~حوشب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: لما ارتقى موسى عليه السلام طور ~~سيناء، رأى الجبار في إصبعه خاتما، فقال: يا موسى! ما هذا؟ وهو أعلم به، ~~قال: شيء من حلي الرجال يا رب، فقال: هل عليه شيء من أسمائي أو كلامي؟ قال: PageV03P049 # لا، قال: فاكتب عليه: لكل أجل كتاب. # فالحلية حق، وهي تحلة الله لآدم وولده. # وخلق آدم، فتوج، وكلل بإكليل الجنة، وختم بالخاتم الذي ورثه سليمان ~~-صلوات الله عليه-، وكان يقال له: خاتم العز، فيما روي لنا، ووضع على سرير، ~~وحمل من الأرض إلى الجنة، ثم لم يزل يتوارثه ولده. # 561 - حدثنا سفيان، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن العباس بن ذريح، ~~عن عبد الله عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: عثر أسامة بعتبة الباب، فشج ~~في وجهه، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أميطي عنه الأذى)). ~~فكأنه قذرته، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمصه ويمجه، ويقول: PageV03P050 # ((لو كان أسامة جارية، لحليناه، وكسوناه، حتى ننفقه)). # فأصل الزينة والحلية حق، وإنما يفسدها الإرادة والقصد، فإذا كانت الإرادة ~~لله، فقد أقام ms0336 حقا من حقوق الله بإقامته، وإذا كانت لغير الله، صار وبالا، ~~كسائر الأشياء. # 562 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا سيار، قال: حدثنا ~~محمد بن مروان -وهو العقيلي-، قال: حدثنا يونس بن عبيد، قال: بلغنا أنه كان ~~رجل يجور على أهل مملكته، ويتعدى عليهم، فائتمروا لقتاله، فقالوا: نبي الله ~~زكريا بين أظهرنا، فلو أتيناه، فأتوا منزله، فإذا فتاة جميلة رائعة، قد ~~أشرق البيت حسنا، قالوا: من أنت؟ قالت: أنا امرأة زكريا، قالوا فيما بينهم: PageV03P051 # كنا نرى نبي الله لا يريد الدنيا، فإذا هو قد اتخذ امرأة جميلة رائعة، ~~قالوا: فأين هو؟ قالت: في حائط آل فلان، يعمل لهم، فأتوه، فإذا هو يعمل ~~لهم، حتى حضر الغداء قرب رغيفين، فأكل، ولم يدعهم، ثم قام فعمل بقية عمله، ~~ثم علق خفيه على عنقه والمسحاة والكساء، قال: حاجتكم؟ قالوا: جئنا لأمر، ~~ولقد كاد يغلبنا ما رأينا على ما جئنا له، قال: فهاتوا، قالوا: أتينا ~~منزلك، فإذا امرأة جميلة رائعة، وكنا نرى نبي الله لا يريد الدنيا، فقال: ~~إني إنما تزوجت امرأة جميلة رائعة، لأكف بها بصري، وأحفظ بها فرجي، قال: ~~فخرج نبي الله صلى الله عليه وسلم مما قالوا. # قالوا: ورأيناك قدمت رغيفين فأكلت، ولم تدعنا، قال: إن القوم استأجروني ~~على عمل، فخشيت أن أضعف عن عملهم، ولو أكلتم معي، لم يكفكم، ولم يكفني، ~~فخرج نبي الله صلى الله عليه وسلم مما قالوا. # قالوا: ورأيناك وضعت خفيك على عنقك والمسحاة والكساء؟ قال: PageV03P052 # إن هذه الأرض جديدة، فكرهت أن أتفل تراب هذه في هذه، فخرج نبي الله مما قالوا. # قالوا: إن هذا الملك يجور علينا ويظلمنا، وقد ائتمرنا لقتاله، فقال: أي ~~قوم! لا تفعلوا؛ فإن إزالة جبل من أصله أهون من إزالة ملك مؤجل. # 563 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا هشام ابن خالد الدمشقي، عن الوليد ~~بن مسلم، قال: حدثني زهير بن محمد، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع: أن حفصة ~~زوج النبي صلى الله عليه وسلم صاغت حليا بثلاثين ms0337 ألف درهم، وجعلته حبسا على ~~آل عمر، فلم تكن تؤدي زكاته. # فهذا عندنا إنما لم تؤد زكاته؛ لأنها كلها صدقة موقوفة. PageV03P053 ### || AUTO الأصل الثاني والتسعون # 564 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سعيد ابن أبي مريم، قال: حدثنا ~~عبد الله بن المنيب بن عبد الله ابن أبي أمامة بن ثعلبة، قال: حدثني أبي ~~وجدي جميعا، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يخطب الناس، وتلا هذه الآية: ~~{اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور}، ثم قال: ((ثلاث من أوتيهن، ~~فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود))، فقيل: ما هي يا رسول الله؟ قال: ((العدل ~~في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية)). PageV03P055 # قال أبو عبد الله: معناه عندنا: أن هذه الخصال منتظمة للشكر، من أتى بهن، ~~فهو شاكر. # وقد أمر الله آل داود أن يعملوا شكرا؛ أي: يعملوا عملا يكون ذلك العمل ~~شكرا لما آتاهم من النعم، وفضلهم بها، فأجمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لهذه الأمة في ثلاث خصال، فقال: من أوتيهن، فقد أوتي الشكر. # فهو شاكر كشكر آل داود. # 565 - حدثنا الزبير بن بكار الزبيري، قال: حدثنا سعد بن سعيد المقبري، عن ~~أبيه، عن جده، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات: فأما المنجيات، فخشية الله تعالى ~~في السر والعلانية، والحكم بالحق عند الغضب والرضا، والاقتصاد عند الفقر ~~والغنى. وأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)). PageV03P056 # فهذا وجه واحد مما ذكرنا. # ووجه آخر: أن الله -تبارك اسمه- ذكر في تنزيله فقال: {ولقد آتينا داود ~~منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير}. # فهاتان خصلتان. # كان يسبح الله، ويقدسه، ويمجده بألوان الأغاني بذلك الصوت الذي أعطي، ~~فأيد بمساعدة الجبال والطير؛ لئلا يجد فترة، فإذا دخلت الفترة، اهتاج، وقوي ~~لمساعدة الجبال والطير؛ وكان قد أعطي من الصوت ما ms0338 يتزاحم الوحوش من الجبال ~~على صوته. # وبلغنا: أن الماء الجاري كان ينقطع عن الجري وقوفا لصوته، وبلغنا PageV03P057 ~~أنه حرك يوما من صوته، فأعجب به، لا إعجاب غفلة، ولكن تعجبا لما أعطي، ~~فقال: يا رب! ما هذا؟! قال: حسني يا داود. # وخصلة ثالثة: أنه تمنى أن تطيب طعمته، وأن لا يكون ذلك من بيت المال، ~~فجعل الله له طعمة من عنده كي يتهنأ بها، فألان له الحديد ليتخذ الدروع ~~فكان يبيع الدرع الواحد فيما روي بستة آلاف درهم وكان الحديد في يده مثل ~~العجين. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لكل نبي طعمة)). # وجعل طعمة نبينا صلى الله عليه وسلم أن سلطه على قريظة والنضير، وجعل ~~غنيمته منهم له خاصة، وسائر الغنائم للأمة حلالا طيبا، ولذلك ذكره في ~~التنزيل، فقال تعالى: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا}، وهي خصلة ثالثة، قال: ~~{واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم}؛ أي: عليم بالسر والعلانية. # ولسليمان -صلوات الله عليه- ثلاث خصال: # فقال: {ولسليمان الرياح غدوها شهر ورواحها شهر}. يركب PageV03P058 ~~مركبه، فتمضي به الريح، غدوها مسيرة شهر، ورواحها مسيرة شهر. # والخصلة الثانية: {وأسلنا له عين القطر}، فاتخذ رجالا من نحاس، وسأل ربه ~~أنه ينفخ فيهم الروح؛ ليقاتلوا في سبيل الله، ولا يحيك فيهم السلاح، {ومن ~~الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه} {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل}. # فالتماثيل: هم هؤلاء الرجال من النحاس والمحاريب. # ذكر لنا في الخبر: أنه أمر بأن يعمل حول كرسيه ألف محراب، فيها [ألف] رجل ~~عليهم المسوح، يصرخون إلى الله دأبا، وهو على الكرسي في مركبه، والمحاريب ~~حوله، ويقول لجنوده إذا ركب سبحوا الله إلى ذلك العلم، فإذا بلغوه، قال: ~~هللوه إلى ذلك العلم، فإذا بلغوه، قال: كبروه، إلى ذلك العلم الآخر، فتلج ~~الجنود بالتسبيح، وبالتهليل والتكبير لجة واحدة. # ثم قال: {وجفان كالجواب} أي: كالحياض، يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل. # {وقدور راسيات} قد نحتت من الجبال الصم مما عملت له الشياطين، أثافيها ~~منها منحوتة هكذا من الجبل. ms0339 # ثم قال: {اعملوا آل داود شكرا}؛ أي: اعملوا لهذا الفضل PageV03P059 ~~الذي فضلكم عملا يكون شكرا. # فوجه منها أن يقول: من أوتي هذه الخصال الثلاث التي ذكرها، فقد عمل ~~بالشكر. # والوجه الآخر: أي: إن هذه الأشياء التي أعطيت داود وسليمان، فاستعمالها ~~هو عمل بالشكر؛ لأن هذه الأشياء كانت من فضلي عليهم، فاستعملوها من أجلي؛ ~~شكرا لي، ولم ينظروا هذه النعمة، ولم يغفلوا عني، فقبلوها مني، وصيروا ~~استعمالها لي، فصار شكرا، فإذا كان عدلا في الغضب والرضا، فقد صار القلب ~~ميزانا للحق، لا يستفزه الغضب، ولا يميل به الرضا، كلامه وعمله للحق، لا ~~للنفس، قد ملكه الحق، ومن لم يكن هكذا، فقد ملكته نفسه. # وأما القصد في الغنى والفقر: # لا يبرأه الغنى حتى ينفق في غير حق، ولا يعوزه الفقر حتى يمنع من فقره ~~حقا، فقد ركب سبيل القصد، والقصد والقسط بمعنى واحد، إلا أن القصد في ~~النفقة في طريق الآخرة، والقسط والعدل في الأمور، وذاك العدل في الطريق. # وأما خشية الله في السر والعلانية: # فالخشية: ولوج القلب باب الملكوت، فحينئذ يستوي معه سره وعلانيته، يخشى ~~ربا قد عرفه معرفة من يستحيي منه كأنه يراه. # فإذا أوتي العبد هذه الخصال الثلاث، قوي على ما قوي عليه آل داود مما ~~أوتوا من الخصال الثلاث. # وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم، وهو حسبي. PageV03P060 ### || AUTO الأصل الثالث والتسعون # 566 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثا محمد ابن وهب الواسطي، عن محمد بن ~~شعيب بن شابور، قال: حدثنا الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن ~~أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((من حسن إسلام المرء: تركه ما لا يعنيه)). PageV03P061 # قال أبو عبد الله: فحسن الشيء غير الشيء، كما أن برد الماء غير الماء، وطيب ~~المسك غير المسك، وحلاوة العسل غير الغسل، وقبح الشيء غير الشيء. # ألا ترى أنه كان فيما تقدم من الشرائع أفعالا قد أطلق الله فيها، فكان ~~غير قبيح، فلما ms0340 حرمه، حل به القبح، من ذلك: نكاح الأخوات من لدن آدم إلى ~~زمن نوح عليهما السلام، ومن بعد ذلك الجمع بين الأختين كانا مطلقا. # وكان يعقوب قد جمع بين الأختين، فاستثنى الله في كتابه، فقال: {وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف}. # وقال: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ~~ومقتا وساء سبيلا}. # فاستثنى سالف فعل الأمم التي أطلق لهم ذلك، وفي زمانهم لم يكن فاحشة، ولا ~~مقتا، ولا ساء سبيلا، فلما حرمها، صارت فاحشة ومقتا وساء سبيلا. # فالإيمان والإسلام معتقد المؤمنين، اعتقدوا بقلوبهم وحدانية الرب لا شريك ~~له، فذاك إيمانهم بقلوبهم، واعتقدوا بأن عرفوا ربا أسلموا PageV03P062 ~~نفوسهم إليه عبيدا بكل ما يأمر وينهى، ويحكم ويشاء، فذاك إسلامهم، فأمرهم ~~بالحق، وزجرهم عن الباطل، وبين الحق في تنزيله، وبين الباطل، فكل شيء يعترض ~~للمؤمن، فلم يعنه، تركه؛ لأن إنما عناه الحق، فأقبل إليه؛ لقوله: الإيمان ~~والإسلام، وإشراق ذلك النور في صدره، وتولى عنه الباطل وأدبر، ثم من بعد ~~ذلك هذه الشهوة في نفسه تتعدد، والعدو قد قعد بمرصد؛ ليرد الباطل الذي تولى ~~عنه إليه، ويصد عنه وجه الحق الذي أقبل إليه، والمؤمن محارب مجاهد، يستغيث ~~بالله في أحواله. # فقوله: ((إن من حسن إسلامه تركه ما لا يعنيه))؛ أي: إن إسلامه أولا ~~بقلبه: أنه لما عرف ربه، وحلته خشية، ويخشع له قلبا، فألقى بيديه سلما بين ~~يديه، فمن حسن إسلامه بالقلب أن يترك ما لا يعنيه، وهو الباطل في كل أمر. # يقول: هذا علامة حسن إسلامه في الباطن، أن يكون تاركا ما ليس بحق؛ لأنه ~~ليس من بال المؤمن إلا الحق وإقامته. # والجملة في ذلك ترك فضول الأشياء كلها: فضول الطعام، وفضول الكلام، وفضول ~~المال، وفضول الأعمال، وفضول الأمور التي له منها بد وغنى، فترك هذه ~~الفضولات دليل على أنه قد حسن إسلامه إلى ربه PageV03P063 ~~نفسه، وبذله له عبودة، وقد يكون قد أسلم إلى ربه نفسا، ثم ليس هو بتارك لما ~~لا يعنيه لشر ms0341 نفسه، وغلبة شهواته، فهو إسلام، وليس بحسن إسلام، فإنما ذكر ~~حسن الإسلام أن حسنه في تركه ما لا يعنيه. # 567 - حدثنا عتبة بن عبد الله، قال: حدثنا مالك ابن أنس، قال: حدثني ابن ~~شهاب، عن علي بن الحسين رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((من حسن إسلام المرء: تركه ما لا يعنيه)). PageV03P064 ### || AUTO الأصل الرابع والتسعون # 568 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا الحسن ابن الصباح البزار، قال: ~~حدثنا خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن سلمة المخزومي، قال: حدثنا سفيان ~~الثوري، عن عاصم، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه، قال: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني، فقال: ((أعيذك ~~بالأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد من شر ما تجد))، ~~فرددها سبعا، فلما أراد القيام، قال: ((تعوذ بها، ما تعوذ بخير منها يا ~~عثمان، (فمن تعوذ بها، فإنما يتعوذ بما يعدل ثلث القرآن)، ومن تعوذ بها فقد ~~تعوذ بنسبة الله التي رضيها لنفسه)). PageV03P065 # فلها حرمة يسعد بها أهل التخليط والغفلة. # فأما أهل اليقين: فإنهم يتعوذون بمن ولهت إليه قلوبهم، وتعلقت بأحديته، ~~وفي جميع نوائبهم إليه يعمدون، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ ~~بالمعوذتين، و{قل هو الله أحد}، وخليق أن يكون هذا قبل نزول المعوذتين؛ لأن ~~المعوذتين إنما نزلتا في شأن علته، حيث سحره اليهودي، فكان يقول لعقبة بن ~~عامر: ((ما تقرأ بمثلهن)). # ((فكان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، قرأ بالمعوذتين، و{قل هو الله أحد}، ~~ثم يمسح بهما وجهه، وما أقبل من جسده، وما أدبر)). # 569 - حدثنا بذلك قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا المفضل بن فضالة، عن عقيل، ~~عن الزهري، عن عروة، PageV03P066 ~~عن عائشة -رضي الله عنها-، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 570 - حدثنا يحيى بن الأحمر الطائي، قال: حدثنا مالك بن أنس بالرقة، عن ~~ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها-، عن رسول الله ms0342 صلى الله عليه ~~وسلم، بمثله. PageV03P067 ### || AUTO الأصل الخامس والتسعون # 571 - حدثنا محمد بن يحيى بن عبد العزيز، قال: حدثنا علي بن الحسن، قال: ~~أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد ~~الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن قتل النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد. # والسبب في ذلك: أن الله خلق في الأرض أمما، وخلقهم من الأرض، PageV03P069 ~~ثم خلق آدم آخر الأمم، ثم أبرز فضله على سائر البرية؛ بأن سخر له ما في ~~السماوات والأرض. # وقال: {خلق لكم ما في الأرض جميعا}، فأعلمنا أن جميع ما في الأرض إنما ~~خلقه لنا، فبان فضل الآدمي على سائر الأمم. # وقال: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن الله خلق ألف أمة: ~~أربع مئة في البر، وست مئة في البحر)). # 572 - حدثنا بذلك داود بن حماد القيسي، قال: حدثنا يحيى بن حماد البصري، ~~قال: حدثنا عبيد بن واقد، عن محمد بن شبيب، قال: حدثني محمد بن المنكدر، عن ~~جابر بن عبد الله، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ((إن الله تعالى خلق ألف أمة: ست مئة منها في البحر، ~~وأربع مئة منها في البر، وإن أول هالك من هذه الأمم: الجراد، فإذا هلك ~~الجراد، تتابعت الأمم مثل نظام السلك إذا انقطع)). PageV03P070 # وإنما صار الجراد أول الأمم هلاكا؛ لأنه خلق من الطينة التي فضلت من طينة ~~آدم، وإنما تهلك الأمم لهلاك الآدميين؛ لأنها سخرت لهم. # فكان مما أبزر من فضل الآدميين: أن جميع هذه الأمم يعودون ترابا في عرصة ~~القيامة، والآدميون يوقفون للثواب والعقاب، وذلك أن الله -تبارك وتعالى- ~~خلق الآدمي لعبودته، وخلق ما في السماوات والأرض سخرة للآدميين؛ لانقطاع ~~الحجة، ولإتمام العذر، فهذه الأمم جواهرها على اختلاف تربتها التي ms0343 منها ~~خلقت، وكذلك الآدميون. # 573 - حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي الحارثي، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن ~~عوف، عن قسامة بن زهير، قال: حدثنا الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: ((إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، PageV03P071 ~~فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض، والسهل، ~~والحزن، والخبيث، والطيب)). # فكما أنت ترى في ولد آدم جواهرهم، حتى تظهر منهم معالي الأخلاق، ~~ومدانيها، ويظهر من معالي أخلاقهم الخير، ومن مداني أخلاق الآخرين الشر، ~~فكذلك في سائر هذه الأشياء؛ من الدواب والوحوش، والطير. # فالحية: # أبدت جوهرها حيث خانت آدم، حتى لعنت، وأخرجت من الجنة، وكانت قد وكلت ~~بخدمة آدم عليه السلام في الجنة، وأدخلت الجنة على الخدمة، فتركت الخدمة، ~~وأقبلت على الخيانة، فمكنت لعدو الله في فمها، فسترته حتى أدخلته الجنة، ~~ولو كانت تبرز، ما تركها رضوان تدخل، وقال PageV03P072 ~~لها إبليس: أنت في ذمتي، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها، وقال: # ((اقتلوها ولو كنتم في الصلاة)). # يعني به: الحية والعقرب. # والوزغة: # أبدت جوهرها، فنفخت على نار إبراهيم عليه السلام، فلعنت. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من قتل وزغة، فكأنما ~~قتل كافرا)). PageV03P073 # والفأرة: # أبدت جوهرها، فعمدت إلى حبال سفينة نوح عليه السلام: فقطعتها. # 574 - حدثنا بذلك الجارود، قال: حدثنا الأسود ابن عامر، عن سفيان. # 575 - حدثنا إسماعيل بن نصر، قال: حدثنا الأسود بن عامر، ومعاوية بن ~~هشام، وقبيصة، عن سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما، قال: أذى الفأر في السفينة. PageV03P074 # قال الجارود: قال الأسود: قال سفيان: كن يقرضن الحبال. # وقال إسماعيل في حديثه: حتى خافوا على حبال السفينة، فشكا نوح إلى الله ~~تعالى، فأوحى الله إليه: أن امسح على جبهة الأسد، فعطس عطسة، فخرج منه ~~سنوران، فأكلا الفأر، ثم كثرة العذرة في السفينة، فشكا نوح إلى الله تعالى ~~ذلك، فأوحى الله تعالى إليه: ms0344 أن امسح ذنب الفيل، فنثر خنزيران، فأكلا ~~العذرة. # ومما يحقق ذلك: أن الله -تبارك اسمه- حرم الأشياء، فلم ينسب إلى الرجاسة، ~~كما ذكر الخنزير خاصة؛ فإنه قال: {أو لحم خنزير فإنه رجس}. # يدل ذلك أنه إنما سماه من بين الأشياء رجسا؛ لأن غذاءه العذرة، والعذرة ~~إنما صارت رجسا؛ لأنه من مجلس إبليس خرجت، ألا ترى أنه قال في الخمر: {رجس ~~من عمل الشيطان}. # لأن الشيطان خاض بيده في الخمر حتى غلا وأزبد، فتحولت رجاسة PageV03P075 ~~يده في ذلك الشراب. # وسمى الأوثان رجسا؛ بدخول الشيطان في جوفها، فلا يعلم ذكر الرجاسة في ~~التنزيل إلا في الوثن، والخمر، والميسر، والخنزير؛ لأن كل ذلك مما لمسته ~~أيدي العدو وخالطته. # والغراب: # أبدى جوهره حيث بعثه نبي الله نوح عليه السلام من السفينة؛ ليأتيه بخبر ~~الأرض، فترك أمره، وأقبل على جيفة. # 576 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا داود بن شبيب القرشي، عن ~~داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما. # والحمار: # أبدى جوهره حيث نزا على حمار ذكر، وتلوط، فسمي رجسا. # 577 - حدثنا بذلك الحسين بن أبي كبشة اليحمدي، PageV03P076 ~~قال: حدثنا سلم بن قتيبة، قال: حدثنا عرفطة العبدي، قال: سمعت محمد بن ~~سيرين يقول: ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط، إلا الخنزير، والحمار. # والضفدع: # أبدى جوهره حتى جاء بالماء ليطفئ عن إبراهيم عليه السلام ناره، فأثيب أن ~~جعل مكانه الماء، ولما سلط على قوم فرعون، جاءت فأخذت الأمكنة كلها، فلما ~~صارت إلى التنور، وثبت فيها، وهي نار تسعر؛ طاعة لله عز وجل، فجعل نقيقها ~~تسبيحا، ويقال: إنها أكثر الدواب تسبيحا. # والنملة: # ذكر الله شأنها في تنزيله: {قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون}. # فأثنت على سليمان، وأخبرت عنه بأحسن ما تقدر عليه؛ بأنهم لا يشعرون إن ~~حطموكم، ولا يفعلون ذلك على عمد منهم، فنفت عنه الجور، فتبسم ضاحكا من ~~قولها، وقال: {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ms0345 علي وعلى والدي}؛ أي: ~~ألهمتني شكر هذه النعمة. PageV03P077 # والنحلة: # مذكورة في التنزيل أنه: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ~~ومن الشجر ومما يعرشون. ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من ~~بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس}، فهي مأمورة باتخاذ البيوت ذللا ~~مطيعة لربها. # والهدهد: # كان رسول سليمان -صلوات الله عليه- إلى بلقيس، وحامل كتابه إليها بريدا، ~~والمؤدي عنها خيرها إلى سليمان عليه السلام. # 578 - حدثنا سليمان بن حميد أبو الربيع الإيادي، قال: حدثنا عون بن ~~عمارة، عن الحسن الجعفي، عن الزبير بن خريت، عن عكرمة، قال: إنما صرف الله ~~شر سليمان عليه السلام عن الهدهد؛ لأنه كان بارا بأبويه. # والصرد: # يقال له الصرد الصوام. PageV03P078 # روي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه قال: أول من صام الصرد. # 579 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا ابن مهدي، عن قرة بن خالد، عن ~~موسى بن أبي غليظ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: الصرد أول طير صام. # ولما خرج إبراهيم -صلوات الله عليه- من الشام إلى الحرم في بناء البيت، ~~كانت السكينة معه، والصرد، فكان الصرد دليله إلى الموضع، PageV03P079 ~~والسكينة مقداره، فلما صار إلى البقعة، وقفت السكينة على موضع البيت، ~~ونادت: ابن يا إبراهيم على مقدار ظلي. # 580 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، عن ~~البختري بن عبيد بن سلمان الأغر، قال: حدثنا أبي، عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((الذباب كلها في النار، ~~فجعلها عذابا لأهل النار إلا النحل)). PageV03P080 # فنهى عن قتل النحل؛ لأن فيه شفاء، وعن العنكبوت؛ لأنه نسج على غار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وعن الهدهد؛ لأنه كان دليل سليمان عليه السلام ~~على الماء، وعن الضفدعة؛ لأنها كانت تصب الماء على نار إبراهيم -صلوات الله ~~عليه-، وعن الصرد؛ لأنه دل إبراهيم عليه السلام على البيت. # فقد علم الله من جواهر هذا الخلق، فاختار لمحبوبه من الأمور ms0346 من قد علم ~~الله طيب جوهره، وأظهر الآخرون بأفعالهم خبث جواهرهم، مثل: الفأرة، ~~والغراب، والوزغة، والحية، وهذا إذا قتله من غير أذى، فأما إذا آذته نملة ~~أو نحلة، فله أن يقتلها، ويدفع عن نفسه شرها. # وروي عن إبراهيم: أنه قال: ما أذاك من النمل، فاقتله. # وفيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قصة موسى عليه السلام حيث ~~أوحى الله PageV03P081 ~~إليه: ألا نملة مكان نملة؟! دليل على أن الذي يؤذي يؤذى ويقتل، فكلما كان ~~القتل لنفع، أو دفع ضر، فلا بأس به عندنا. # 581 - حدثنا عبد الرحمن بن يونس الرقي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، ~~عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن زيد بن خالد ~~الجهني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا الديك؛ فإنه ~~يدعو إلى الصلاة)). PageV03P082 ### || AUTO الأصل السادس والتسعون # 582 - حدثنا إبراهيم بن المستمر الهذلي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان ~~بن حيان أبو زيد، قال: سمعت أبي يذكر عن أبيه، قال: صحبت ابن عمر رضي الله ~~عنهما من مكة إلى المدينة، فقال لنافع: لا تمر بي على المصلوب -يعني: ابن ~~الزبير-، قال: فما فجئه في جوف الليل أن صك محمله جذعه، فجلس يمسح عينيه، ~~ثم قال: يرحمك الله أبا خبيب، إن كنت، وإن كنت، ولقد سمعت أباك الزبير ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يعمل سوءا، يجز به في ~~الدنيا، أو في الآخرة، فإن يك هذا بذاك، فهه فهه)). PageV03P083 # وأما في التنزيل، فقد أجمله، فقال: {من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون ~~الله وليا ولا نصيرا}. # فدخل فيه البر والفاجر، والولي والعدو، والمؤمن والكافر، ثم ميز رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الموطنين، فقال: ((يجز به في ~~الدنيا، أو في الآخرة))، وليس يجمع عليك الجزاء في الموطنين. # ألا ترى: أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (فإن يك هذا بذاك، فهه فهه) ~~معناه: أنه ms0347 قاتل في حرم الله، وأحدث فيها حدثا عظيما، حتى أحرق البيت، ورمى ~~الحجر الأسود بالمنجنيق، فانصدع حتى ضبب بالفضة، فهو إلى يومنا كذلك، وسمع ~~للبيت أنينا: آه آه. PageV03P084 # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: ((إنها لم تحل لأحد ~~قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها حرمت يوم خلقت ~~السماوات والأرض)). # فلما رأى ابن عمر رضي الله عنهما فعله، ثم رآه مقتولا مصلوبا، ذكر قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يعمل سوءا، يجز به))، ثم قال: إن يك ~~هذا القتل بذاك الفعل الذي فعله، فهه، فهه. # أي: كأنه جوزي بذلك السوء من هذا القتل والصلب -رحمة الله عليه-. # ثم ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر بين الفريقين. # 583 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، قال: أخبرنا أبو نعيم، قال: حدثنا محمد ~~بن مسلم، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، قال: لما نزل قوله تعالى: PageV03P085 # {من يعمل سوءا يجز به}، قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله! ما هذه ~~بمبقية منا، قال: ((يا أبا بكر! إنما يجزى بها المؤمن في الدنيا، ويجزى بها ~~الكافر يوم القيامة)). # 584 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا وكيع، وأبو معاوية، وغيره، عن إسماعيل ~~بن أبي خالد، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، قال: لما نزلت: {من يعمل سوءا ~~يجز به}، قال أبو بكر رضي الله عنه: كيف الفلاح يا رسول الله مع هذا؟ كل ~~شيء عملنا جزينا به؟ فقال: ((غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تنصب؟ أليست ~~تخزن؟ أليس يصيبك البلاء؟))، قال: بلى، قال: ((فذلك ما تجزى به)). PageV03P086 # ففسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أجمله في التنزيل من قوله: {من يعمل ~~سوءا يجز به} أن المؤمن يجزى بالسوء في الدنيا بما ذكر من النصب والتعب، ~~والحزن والغم، ونوائب الدنيا، والكافر يصيبه ما أصاب المؤمن أيضا من هذا ~~النصب والتعب والحزن والغم، وليس ذلك ms0348 له جزاء بالسوء الذي قد عمل، قد أخر ~~جزاؤه إلى يوم القيامة إلى العذاب الأكبر، هناك يجزى بالسوء؛ لأن جميع ما ~~يصيب الكافر هاهنا من هذه المصائب لا يصبر، وإن صبر، فصبره [صبر] تجلد، ~~وصير عادة، لا صبر حسبة وتسليم، والمؤمن تصيبه المصائب والنوائب، فهو في كل ~~ذلك صابر محتسب بنفسه على الله، والله قد أذعن له برهم ومقتصدهم وظالمهم، ~~ورضوا بها عنه، والكافر ساخط على ربه في نوائبه، مضمر له على عداوته، ~~فبجميع ما يصيبه في الدنيا يزداد نارا على نار؛ لأنه لا يعرف ربه معرفة ~~الموحدين، وقد عرفه جبرا، وبالملك له قهرا، وكلما أصابته نائبة من أحكامه، ~~هزت نفسه في وجه إحكامه، واكفهر قلبه في وجه تدبيره، وامتلأ غيظا وسخطا على ~~من قهره. # ألا ترى: أنه بلغ بواحد من جنسه أنه احتال للارتقاء إلى العلا؛ PageV03P087 ~~ليحاربه ويسلبه، ثم رجع راجعا منحطا برايته وتابوته إلى الأرض، يزعم أنه قد ~~قتل إله السماء، فلم يبق له منازع، فقلب الكافر بهذه الصفة، منهم من شرهت ~~نفسه، وطمحت به إلى مثل هذا الفعل، ومنهم من كان أسكن نفسا، ثم يتعاط أشباه ~~هذا، إلا أنه لما جاءته أحوال المكابرة، تلوى، وتسخط، وجوره في حكمه، وأضمر ~~على كل سوء، وجاش قلبه بالغيظ، ولكن لا يقدر على شيء، فلو أقدره الله، لأتى ~~بالعجائب، وقد فعل بواحد، فتهيأ لمحاربته، وهو نمرود الذي ذكرناه، وقحط ~~المطر في زمانه، فقال واحد من الجبابرة في ذلك الزمان، لأغيظنه، قيل: وكيف ~~تفعل؟ قال: لأقتلن أولياءه. # 585 - حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن ~~سعيد بن جبير، قال: قحط الناس في زمان ملك من ملوك بني إسرائيل ثلاث سنين، ~~فقال الملك: ليرسل علينا السماء، أو لنؤذينه، قال له جلساؤه: وكيف تقدر أن ~~تؤذيه أو تغيظه، وهو في السماوات، وأنت في الأرض؟ قال: أقتل أولياءه في ~~الأرض، فيكون ذلك أذى له، فأرسل الله عليهم السماء. PageV03P088 # 586 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا أبو عمير بن النحاس ms0349 الرملي، عن ~~أيوب بن سويد الرملي، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب المصري، عن ~~أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: غار النيل على ~~عهد فرعون، فأتاه أهل مملكته، فقالوا: أيها الملك! أجر لنا النيل، قال: إني ~~لم أرض عنكم، فذهبوا، ثم أتوه فقالوا: أيها الملك! أجر لنا النيل، قال: إني ~~لم أرض عنكم، فذهبوا فأتوه، فقالوا: أيها الملك! ماتت البهائم، وهلكت ~~الأبكار، لئن لم تجر لنا النيل، لنتخذن إلها غيرك، قال: اخرجوا غدا إلى ~~الصعيد، فخرجوا، فتنحى عنهم حيث لا يرونه ولا يسمعون كلامه، ثم ألصق خده ~~بالأرض، وأشار بالسبابة، فقال: اللهم إني خرجت إليك مخرج العبد الذليل إلى سيده PageV03P089 ~~وإني أعلم أنك تعلم أني أعلم أنه لا يقدر على إجرائه غيرك، فأجره، فجرى ~~النيل جريا لم يجر قبله مثله، فأتاهم فقال: إني قد أجريت لكم النيل، فخروا ~~له ساجدين، وعرض له جبريل عليه السلام، فقال: أيها الملك! إعرض على عبد لي؟ ~~فقال: وما قصته. # فقال: عبد لي، خولته على عبيدي، وملكته مفاتيحي، فعاداني، فأحب من ~~عاديته، وعادى من أحببت، فقال: بئس العبد عبدك هذا، لو كان لي عليه سبيل، ~~لغرقته في بحر القلزم، فقال: أيها الملك! اكتبه، فدعا بدواة وكتبه فقال: ما ~~جزاء العبد الذي يخالف سيده، فأحب من عاداه، وعادى من أحبه إلا أن يغرق في ~~بحر القلزم، فقال: أيها الملك! اختمه، فختمه، ودفعه إليه، فلما كان يوم ~~البحر، أتاه جبريل -صلوات الله عليه- بالكتاب، فقال: خذ هذا ما استكتبت به ~~على نفسك، أو قال: حكمت به. PageV03P090 # 587 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا محمد بن عمران بن محمد بن عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما، بنحوه. # 588 - حدثنا أبو بكر بن سابق الأموي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن ~~ليث، عن مجاهد، قال: جاء يهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms0350 فقال: صف ~~لي ربك، من أي شيء هو؟ أم من لؤلؤ؟ فأرسل الله صاعقة، فأحرقته، وأنزل الله: ~~{ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال}. PageV03P091 # فمعرفة الكفار معرفة جهل وجبر، قد جبلهم جبلة لا يقدرون أن يجحدوه. # وقد روي عنه -تبارك اسمه-: أنه قال في كلامه: يوم السبت يوم إقباله على ~~خلقه، وإلهامه إياهم ربوبيته، فقال: ليس ينبغي لأحد أن ينكرني، ولا ~~يكابرني، ولا يعاديني، (وكيف ينكرني من جبلته يوم خلقته على معرفتي؟! وكيف ~~ينكري ويعاديني) من ناصيته بيدي؟! # فهو فطرة الله التي فطر الناس عليها، وليس فيهم من نور التوحيد فينفون ~~عنه ما ليس هو بأهل لذلك، وينزهونه، فإليه يجأرون ويضرعون ذلة وفاقة لما قد ~~قهرتهم ملكته، فإذا أخذتهم أحوال المكاره، تغيظوا، وأضمروا على السوء، ~~وتكلموا بما في ضمائرهم، فقالوا: {إن الله فقير ونحن أغنياء}، وقالوا: {يد ~~الله مغلولة}، وذلك أنه قتر عليهم الرزق. # والمؤمن من حبب إليه الإيمان، وزينه في قلبه، وهو من أوصل النور على حبة ~~قلبه، فالتذت نفسه، وطابت بما وجدت من الطي والراحة والروح والنزاهة ~~والحلاوة، فلان القلب، ورطب بالرحمة التي غشيته، PageV03P092 ~~ورق الفؤاد، وراحت النفس، وطابت بلذتها، فانقاد له، واستسلم، وألقى بيديه ~~إليه سلما في كل ما استرعاه وقلده، فإن جاءته أحوال المكاره، تحملها وهو في ~~ذلك راض عنه، طيب النفس، يحمده بلسانه، ويرجوه، ويأمل معروفه، ولا يتسخط، ~~ولا يراه سببا، محتسبا به، وهو مع ذلك قد سرته حسنته، وساءته سيئته. # فإذا أصابته المكاره، طابت نفسه لما يرى من رحمة الله عليه بأنه قد محصه ~~وطهره، وإذا كان عند أوان خروجه من الدنيا، انقطع رجاؤه من الجميع من خلقه، ~~وتعلق به، فكان رجاؤه وأمله خالقه، فإذا أعطي صحيفته يوم القيامة، فأتى على ~~سيئاته، قيل له: تجاوز عن قراءتها، فقد تجازونا عنك بما أصابك في الدنيا، ~~وإنما أصابك ذلك في الدنيا من جميل نظري لك، ومحبتي إياك، وولايتي لك، ~~وعطفي عليك، هكذا دبرت لك أن تصيبك تلك المصائب لأجزيك بمصابك ms0351 قبل أن تصير ~~إلي، فأستحيي منك أن أعذبك وأنت وليي، ومختاري، ومن أهل رحمتي، والكافر لم ~~يوالني، وذهب برقبته مني، وعاداني، ونظر إلى صنائعي بعين السقم، فجميع ما ~~أصابه من النوائب كان من سخطي عليه في دار الدنيا، فلم يزدد بها إلا سخطا ~~وعداوة، فاليوم قد أحاط به غضبي وناري الحامية، فأنتقم منه. # ومما يحقق ما قلنا: أنه يقال للمؤمن: تجاوز، فقد أصابتك النوائب PageV03P093 ~~في دار الدنيا، قال الله تعالى في تنزيله: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما ~~عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون}. # 589 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا يحيى ابن زكريا بن أبي زائدة، ~~عن أشعث بن سوار، قال: قلت للحسن: {من يعمل سوءا يجز به}، قال: لا يجزى ~~والله يوم القيامة مؤمن بسوء عمله، ثم قرأ: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ~~ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون}. # 590 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن الحسن في قوله ~~تعالى: {من يعمل سوءا يجز به}، قال: إنما ذاك لمن أراد الله هوانه، فأما من ~~أراد الله كرامته، فإنه يتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة وعد الصدق PageV03P094 ~~الذي كانوا يوعدون. # 591 - حدثنا سفيان، قال: حدثني أبي، عن أسامة ابن زيد، عن محمد بن عمرو ~~بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من شيء يصيب المؤمن من حزن، ولا نصب، ولا ~~وصب، حتى الهم يهمه إلا أن الله يكفر عنه سيئاته)). # 591/م- حدثنا الجارود، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن ~~الأسود، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يصيب ~~المؤمن شوكة فما فوقها PageV03P095 ~~إلا رفعه الله بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة)). # معناه: أن المغفور له ترفع له درجة، والذي لم يغفر له تحط عنه بها خطيئة، ~~ومن هاهنا قيل: إن ms0352 المرض إذا كان عقوبة، لم يقبل الدواء؛ لأنه قد جوزي به ~~في الدنيا، وإنما الدواء للداء الذي يحدث من الطبع من غير عقوبة؛ لأنه إنما ~~أنزل الدواء للداء الحادث. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ما أنزل الله من داء ~~إلا أنزل الله له دواء)). # فإذا كانت عقوبة، فلا دواء له حتى تنقضي مدة العقوبة، وينزل العفو. # 592 - حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، PageV03P096 ~~عن يزيد بن خصيفة، عن عروة بن الزبير، قال: سمعت عائشة -رضي الله عنها- ~~تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما يصيب المؤمن من مصيبة، حتى ~~الشوكة، إلا قص بها عنه، أو كفر بها عنه من خطايا. PageV03P097 ### || AUTO الأصل السابع والتسعون # 593 - حدثنا إبراهيم بن المستمر الهذلي، قال: حدثنا سفيان بن محمد بن ~~سفيان المصيصي، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا يونس بن يزيد، عن ~~الزهري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا أتي بالباكورة من كل شيء، قبلها، ووضعها على عينه اليمنى ثلاثا، ~~ثم على عينه اليسرى ثلاثا، ثم يقول: ((اللهم كما بلغتنا أولها، فبلغنا ~~آخرها))، ثم يعطيها أصغر الولدان. PageV03P099 # 594 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا معاوية بن عمرو، عن جرير بن حازم، ~~عن يونس، عن الزهري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله، ولم يذكر أنسا. # 595 - حدثنا إبراهيم بن المستمر، قال: حدثنا أبو عاصم النبيل، عن جرير بن ~~حازم، عن يونس، عن الزهري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. PageV03P100 # قال أبو عبد الله: فالقبلة على وجوه: # قبلة شهوة، وهي للزوجة، وقبلة رحمة، وهي للولد ومن أشبههم، وقبل حنين، ~~وهي للحجر الأسود، وقبلة اشتياق، وهي للباكورة وما أشبهها، وكلها عبادة، ~~إذا أريد بها وجه الله تعالى، وأصلها كلها من القلب، وذلك أن الرحمة ~~والرأفة في القلب معدنهما، ثم تصير الرحمة منه إلى الكبد، ففيه معتمله، وهو ~~بيته، والرأفة في الطحال، ففيه معتمله، ms0353 وهو بيته. # ولذلك قال علي -كرم الله وجهه-: الرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال. # أخبر بالمستقر والمعتمد. # فأما الأصل، فهو في القلب، فإذا انقلب القلب بما فيه من الرأفة، فارت ~~الرأفة، وإنما قيل: رأفة؛ لأنه يرأف، ويفور بحرارته، والرؤوف والفور بمعنى. # فإذا فار، خرجت حرارته من فم القلب إلى الصدر، وفار إلى الحلق، فاستعمل ~~الشفتين بذلك، فاستعماله الشفتين هو تقليبها لتقليب القلب، بالرأفة. PageV03P101 # فقيل: قبل وقلب بمعنى واحد، إلا أنه في الشفتين قيل: قبل، وفي القلب: قلب، ~~قلبه للرأفة التي تحركت منه، وإنما يفور ذلك من نور الإيمان، والرأفة من ~~الإيمان، وكذلك (الرحمة، فكانت الأنبياء -عليهم السلام- أعظم نورا، وأوفر ~~حظا من الرأفة، وكذلك) كل مؤمن وفر حظه من النور، فهو أوفر حظا من الرأفة ~~والرحمة، فكان إذا قبل الحجر، قبله حنينا إلى الجنة؛ لأنه من الجنة، والجنة ~~دار الله، وإنما يحن بالأنبياء -عليهم السلام- إلى دار الله من أجل الله، ~~لا من أجل التنعيم، ألا ترى إلى قوله لعمر حين قبل الحجر وبكى، وقال: ~~((هاهنا تسكب العبرات)). # فإذا قبل الولد، فمن رحمته له، وإن من ريحان الله، وكان يستروح إلى تقبيل ~~الولد، ألا ترى كيف قال في حديث خولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ~~قبل الحسن، ثم قال: ((إنكم لتبخلون، وتجبنون، وتجهلون، وإنكم لمن ريحان ~~الله)). PageV03P102 # 596 - حدثنا الجارود، وعبد الجبار، قالا: حدثنا سفيان، عن إبراهيم بن ~~ميسرة، عن ابن أبي سويد، عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، عن خولة بنت ~~حكيم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال الجارود: ((من ريحان الله))، وقال عبد الجبار: من ريحان الجنة. # وإذا قبل الزوجة، فمن الرحمة والمودة التي جعلت بين الزوجين. # وقد قال في تنزيله: {وجعل بينكم مودة ورحمة}، PageV03P103 ~~والرأفة والرحمة يهيجان الشهوة؛ لأنها حارة. # 597 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن دينار الطاحي، قال: حدثنا ~~سعد بن أوس، عن مصدع الأنصاري، عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (كان ms0354 يقبلها وهو صائم، ويمص لسانها)). # وإذا قبل الباكورة، فكذلك أيضا؛ لأنه يرى أثر صنعه لعباده، وأول ما تخرج ~~التمرة تكون طريا، لم تتدنس بظلمة الدنيا، فهو فلقها كما قال: {فالق الحب ~~والنوى}. PageV03P104 # فإذا رأى فلقه للحب والنوى، والأشجار والثمار، فهو باكورة قد ابتكر ~~بخروجها، ولذلك تسمى باكورة، وهي بكر الشجرة لم تفتض، فإذا رآها، تحرك نور ~~الإيمان بما أبصر من صنعه، ولطفه، فانقلب بالرأفة التي فيه، فانفلق القلب. # فانفلاقه فتح بابه، فلولا ذاك، لانشق القلب، ولم يتماسك، فذلك فلق القلب، ~~فخرجت تلك الحرارة من القلب إلى الفم، فاستعمل الشفتين بالحركة، ولو وضع ~~الشفتين هكذا وضعا، لم يقنع به حتى استعملهما بالحركة، فهذا التقبيل، ثم ~~يضعها على عينيه، وأشفاره إكراما وتعظيما له، ثم يدعو بذلك الدعاء، ثم ~~يعطيها من لم يتدنس بالذنوب، ورحمة الله عليه ظاهرة، أن القلم قد رفع عنه، ~~ولا يؤاخذ بذنب. PageV03P105 ### || AUTO الأصل الثامن والتسعون # 598 - حدثنا محمد بن يحيى بن عبد العزيز، قال: أخبرنا علي، قال: أخبرنا ~~عبد الله، قال: أخبرنا سفيان الثوري، عن زيد العمي، عن أبي إياس، وهو ~~معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((لكل أمة رهبانية، ورهبانية أمتي: الجهاد في سبيل الله)). PageV03P107 # قال أبو عبد الله: فالرهبانية والسياحة، قد كانت في الأمم الماضية، كان ~~أحدهم إذا علاه الخوف والرهبة من الله، ساح في البراري، أو اتخذ صومعة في ~~برية، فترهب فيها، يريد أن تدوم رهبته في تلك العزلة، سياحة كانت أو صومعة ~~بعد أن يكون دائم الرهبة، فذاك الترهب؛ ليستعين بتلك الرهبة التي تدوم على ~~بذل النفس لله عبودة، فأعطى الله هذه الأمة السيف يضربون به وجوه أعدائه، ~~ويضربون، كما قال الله في تنزيله: {يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون}. # فهذه محبة عظيمة ينكشف بها الغطاء، وتذهب الريبة والشك في بذل النفس، ~~(فمن تلقى سيوف العدو في وجهه، فقد صدق الله في بذل النفس). له عبودة، فهي ~~رهبانية هذه الأمة، ولم يكن ms0355 للأمم الخالية هذا السيف، إنما أعطي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكانت رهبانيتهم السياحة والعزلة؛ لتدوم لهم الرهبة في ~~تلك الخلوات، ولتنقاد النفس عبودة، فمن صبر على العزلة والسياحة حينئذ، فقد ~~صدق الله في بذل النفس، ورسولنا صلى الله عليه وسلم مبعوث PageV03P108 ~~بالجهاد والحرب من الله، حمية له، ونصرة لحقه وكلمته العليا. # وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: ((أنا نبي الملحمة، وإن الله ~~عز وجل بعثني بالسيف بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي)). # 599 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا محمود ابن خالد الدمشقي، قال: ~~حدثنا الفريابي، عن ابن ثوبان، قال: حدثنا حسان بن عطية، عن أبي منيب ~~الجرشي، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((إن الله بعثني بالسيف بين يدي الساعة؛ حتى يعبد الله وحده لا ~~شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة على من خالف أمري، ومن تشبه ~~بقوم، فهو منهم)). PageV03P109 ### || AUTO الأصل التاسع والتسعون # 600 - حدثنا محمد بن علي الشقيقي، قال: حدثنا برزي أبو يزيد، واسمه محمد ~~بن الفضل، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا يونس بن أبي ~~إسحاق، عن إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن جده رضي الله ~~عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة، فشغله أعرابي، فلما قام، ~~تبعته، فلما خفت أن يسبقني إلى بيته، ضربت بقدمي على الأرض، فالتفت، فقال: ~~((أبو إسحاق؟ مه؟))، قلت: يا رسول الله! دعوة ذكرتها، فشغلك الأعرابي، قال: ~~((نعم، دعوة ذي النون في بطن الحوت، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين، ما دعا بها مسلم في PageV03P111 ~~شيء إلا استجيب له)). # قال أبو عبد الله: فالعبد إذا وحده، ونفى عنه الشرك، ثم نزهه عما رآه ~~عليه من السوء، واعترف بأنه من الظالمين، تكرم عليه ربه، وتفضل، ولم يخيبه ~~فيما أمل ورجا، فلذلك وعد الله في تنزيله فقال: {وذا النون إذ ms0356 ذهب مغاضبا ~~فظن أن لن نقدر عليه} إلى قوله: {ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين}. # فوعد بالنجاة للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا منهم لمن ~~أصابه غم الذنب، فناداه من الغم كما ناداه العبد الصالح من الغم، فمن لم ~~يكن له غم الذنوب، فنادى بهذا، لم يدخل عندنا في الوعد الذي قال الله: ~~{وكذلك ننجي المؤمنين} إلا أن يتفضل الله عليه، والله أعلم. PageV03P112 ### || AUTO الأصل المئة # 601 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا يحيى الحماني، قال: حدثنا قيس، عن ~~يزيد بن أبي خالد، عن عبد الرحمن ابن عبد الله مولى علي، عن أبي رافع، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لأن يهدي الله على يديك رجلا، خير لك ~~مما طلعت عليه الشمس)). # قال أبو عبد الله: فالهدي على يديه شعبة من الرسالة؛ لأن الرسل إنما بعثت ~~لتؤدي عن الله، وتهدي عباده، فالرسول هاد بما جاء من البيان، PageV03P113 ~~والله هادي القلوب، فإنما يهدي الله القلوب بما يهدي رسوله بالنطق بيانا، ~~وأداء عن الله، فإذا وردوا القيامة، فلهم من ثواب الرسل؛ لأنه إنما هداهم ~~هداية القلب بما جاءت رسل الله به عن الله عز وجل، فمن يحصي ثواب الرسل، ~~ومن يقدر أن يفكر فيه؟ # والرسل أقرب الخلق إلى الله في دار السلام في الدرجات، فمن دون الرسل إذا ~~كان داعيا إلى الله، فهدى الله به عبدا من عبيده، فقد أخذ شعبة من الرسالة، ~~واحتظى من ثواب الرسل حظا من الكرامة، فلذلك صار خيرا له مما طلعت عليه ~~الشمس، يعني: فأنفقها في سبيل الله عز وجل. # ولهذا ما روي عن الله -تبارك اسمه-: أنه قال: ((يا داود! لأن تأتيني بعبد ~~آبق أحب إلي من عبادة الثقلين)). # فأي شيء يعدل عبادة الثقلين في جنب إيمان عبد بالله، فما الأعمال كلها في ~~جنب التوحيد إلا كذرة في برية، أو تفلة في بحر؛ فإن التوحيد تزكية الجسد، ~~قال الله تعالى: {وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة} أي: لا يوحدون ~~الله بقول: ms0357 لا إله إلا الله. # فزكاة الجسد هذه الكلمة، فمن أباها، فهو رجس نجس، كل شيء منه خبيث، ~~واللسان أخبث، لأن خبث القلب منكتم، واللسان ظاهر. # ولذلك قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ((ما من بضعة أحب إلى الله من ~~اللسان، PageV03P114 ~~وما من بعضة أبغض إلى الله من اللسان، فأما التي يحبها الله، فلسان المؤمن، ~~وأما التي يبغضها الله فلسان الكافر)). # 602 - حدثنا بذلك الجارود، قال: حدثنا الفضل ابن موسى، عن الفرج بن ~~فضالة، عن أسد بن وداعة، عن أبي الدرداء رضي الله عنه. # والأعمال محنة يظهر الله بها سرائر القولين لهذه الكلمة، عن صدق قلب ~~نطقوا به، أو عن كذب، فالصادق يتقلب في العبودة رافضا لسيئاته، والكاذب ~~يتقلب في شهواته رافضا للعبودة. # 603 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار، عن شميط بن عجلان، ~~قال: قال الله تعالى: ((يا داود! إن استنقذت هالكا من هلكته، سميتك عندي ~~جهبذا)). PageV03P115 # يقول الله في تنزيله: {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}. # هذا في حياة الدنيا، فكيف بمن أحيا قلبه حتى ظفر بحياة الآخرة؟ # وهذه الآية تحقق ما روي عن قوله لداود: ((لأن تأتيني بعبد آبق أحب إلي من ~~عبادة الثقلين)). # 604 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا صالح بن محمد، عن أبي مقاتل، عن ~~عباد بن كثير، عن زيد بن أبي حبيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أفضل ما أعطي العبد في الدنيا: ~~العافية، ومن أفضل ما أعطي العبد في الآخرة: المغفرة، ومن أفضل من أعطي ~~العبد من نفسه: موعظة حسنة صدر بها قوم عن خير)). # وإذا هدى الله قلبا على لسان ناطق بالهدى، فقد أكرم الناطق بجزيل ~~الكرامة. # فمن إحدى الكرامات: أن جعل لكلامه حكم الصدق، والعدالة في القلوب. PageV03P116 # والثانية: أن جعل لكلامه من النور كسوة تلج آذان السامعين مع تلك الكسوة، ~~فتخرق حجب الشهوات حتى تصل إلى مستقر الإيمان من قلوبهم، فتحيي ما مات منه، ~~وتشفي ما سقم منه. ms0358 # والثالثة: أن جعل لكلامه من السلطان ما يذهل نفوس المخلطين عن شهواتهم. # والرابعة: أن تأخذ نعمته النورانية بنواصي قلوب العبيد الإباق، فيردهم ~~إلى الله، جذبا، وتسييرا. # والخامسة: أن جعله من العملة الحرثة للقلوب، يبذر بذره، فيزرعه الله ~~وينميه. PageV03P117 ### || AUTO الأصل الحادي والمئة # 605 - حدثنا الحسين بن حسن المروزي، قال: حدثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا ~~يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي ~~أمامة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((قال الله ~~تعالى: أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي)). PageV03P119 # قال أبو عبد الله: فخلق الله الآدميين ليعبدوه فيصيرهم إذا انقضت مدة ~~العبودة ملوكا في داره، فمن وفى له بالعبودة، صار غدا ملكا في داره. # فالنصح له: الإقبال عليه بالعبودة، فإن من شأن العبد أن يرفض جميع ~~مشيئاته لمشيئة مولاه، ومن شأن الملك أن ينفذ جميع مشيئاته (في جميع ~~أحواله، فإذا رفض العبد مشيئاته كلها، واتبع ما اختاره له، أنفذ له ~~مشيئاته) غدا، فقال: {وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون}. # فالنصح لله: أن لا يخلط بالعبودة؛ شأن الأحرار وأفعالهم، فيكون في سره ~~وعلانيته قد آثر أمر الله على هواه، وآثر حق الله على شهوات نفسه، فهذا ~~النصح لله، وإذا خلط فيه ما ليس منه، كانت العبودة لله مغشوشة، والغش ضد النصح. # 606 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ~~ثمامة، قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم -صلوات الله عليه-: ما الإخلاص ~~لله؟ قال: أن يعمل الرجل العمل لا يحب أن يحمده عليه أحد PageV03P120 ~~من الناس، قالوا: فمن الناصح لله؟ قال: الذي يبدأ بحق الله قبل حق الناس، ~~ويؤثر حق الله على حق الناس، وإذا عرض أمران: أحدهما للدنيا، والآخر ~~للآخرة، يبدأ بأمر الآخرة قبل أمر الدنيا. # قال أبو عبد الله: فهذا عندنا للمقتصدين، ألا ترى أنه يقول: إذا عرض له ~~أمران، أحدهما للدنيا، والآخر للآخرة؟ فالمقربون قد جاوزوا هذه الخطة، ~~فجميع أمورهم كلها ms0359 للآخرة، لأنها صارت لله، وقد ماتت نفوسهم عن أن تأخذ ~~بحظها من الأعمال، وحييت قلوبهم بالله، فاستوى عندهم عمل الدنيا والآخرة، ~~فصارت كلها عبودة لله، واستوت عندهم الحقوق: حق الله، وحق الناس، فصارت ~~كلها حقوق الله عندهم، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ~~وهو حامل أمامة بنت زينب، فإذا سجد، وضعها؟ # 607 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا مالك PageV03P121 ~~ابن أنس، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي ~~قتادة السلمي: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة، ~~فإذا سجد، وضعها، وإذا قام، رفعها)). # 608 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا جرير ~~بن حازم، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، ~~عن أبيه، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي ~~العشاء، وهو حامل أحد ابني ابنته: الحسن، أو الحسين، فتقدم فوضعه عند قدمه ~~اليمنى، ثم صلى، فسجد بين PageV03P122 ~~ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي من بين الناس، فإذا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ساجد، وإذا الغلام على ظهره، فعدت، فسجدت، فلما ~~قضى صلاته، قيل: يا رسول الله! لقد سجدت سجدة ما كنت تسجدها، أفشيء أمرت ~~به، أم كان يوحى إليك؟ قال: # ((كل لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته)). # 609 - حدثنا الخصيب بن سلم، قال: حدثنا PageV03P123 ~~أبو بكر بن عياش، عن يحيى بن هانئ، قال: أخبرني أبو حذيفة، عن عبد الملك بن ~~محمد بن بشير، عن عبد الرحمن ابن علقمة، قال: قدم وفد ثقيف على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ومعهم هدية، فقبضها، ثم جلسوا، وشغلوه بالمسألة، فما ~~صلى الظهر إلا عند العصر. # قال أبو عبد الله: فالأنبياء والأولياء المقربون، قد تخلصوا من نفوسهم، ~~فأعمالهم خالصة لله، دنيا كانت أو آخرة، حق الله كان، أو حق الناس؛ لأن ms0360 ~~الأمور قد صارت لهم معاينة بنور يقينهم أن الدنيا والآخرة لله، وأن حق ~~الناس هو حق الله، فهو يستعملهم في أمور دنياهم، وآخرتهم، وهم في قبضته، ~~وحقوق الناس، هو ما قد أوجبه الله، وجعله حقا، وإنما فارقهم المقتصدون في ~~ذلك، فاحتاجوا إلى تمييز ذلك وتقديمه؛ لأنهم لم يفارقوا أنفسهم، فأي عمل ~~عملوه من دنيا وآخرة، فحظوظ نفوسهم فيها PageV03P124 ~~قائمة؛ لأن شهواتهم عاملة في أمر دنياهم، وأمور الآخرة منزوع منها الشهوة، ~~فمن نصيحتهم لله: أن يؤثروا الأمر الذي لا شهوة لنفوسهم فيه، ويؤخروا ما ~~للنفس فيه أوفر الحظ، وأن يبدؤوا بحق الله قبل حقوق أوجبها، ولنفوسهم فيها ~~حظ من الشهوة؛ مثل: النفقة التي ذكرت أم سلمة. # 610 - حدثنا يحيى بن موسى الحداني، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ~~معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: أنها ~~قالت: يا رسول الله! إن ابني أبي سلمة في حجري، وليس لهم شيء إلا ما أنفقت ~~عليهم، ولست بتاركتهم هكذا ولا هكذا، أفلي أجر إن أنفقت عليهم؟ فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: ((أنفقي عليهم، فإن لك أجر ما أنفقت عليهم)). PageV03P125 # فالمقتصد إذا صلى، أو تلا قرآنا، أو عمل شيئا من مثل هذه الأعمال، عدها ~~آخرة، وإذا أكل أو شرب أو نام، عدها دنيا؛ لأنه لا يقدر أن يخلصها حتى يصفو ~~من الشهوة النفسية، والمقرب قد صارت لشهوته منية. # والفرق بين الشهوة والمنية: أن النفس لما كانت حييت بشهوتها، فعرض لها ما ~~تلتذ به، اهتشت النفس بالعجلة إليه حرصا وشرها، فتلك شهوة. # والمنية لما ماتت شهوة النفس، وحيي القلب بالله، فإذا عرض لها ما تلتذ ~~به، لحظت إلى الله، وراقبت تدبيره، فإن أعطيت، أخذت، وإن منعت، قنعت، فتلك ~~منية، والأول شهوة. # والمقتصد افترق أمره دنيا وآخرة، فما كان من أمر الآخرة، أمكنه تصفيته ~~على حسب طاقته، وما كان من أمر دنياه، فالشهوة غالبة عليه، قاهرة له، فمن ~~النصح له أن يبدأ بأمر الآخرة، والمقرب منيته فيما دبر ms0361 الله له، يراقب ما ~~يبدو له من غيب الملكوت، فيتلقاه بالرضا، والذلة، PageV03P126 ~~والانقياد، والقبول له عبودة ومسكنة، فصارت كلها آخرة، والحقوق كلها حقوقه، ~~فالمقرب الغالب على أموره ذكر الله، والمقتصد الغالب على أموره ذكر النفس. # وذكر علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- عن الشيخين من قبله -رضوان الله ~~عليهما-، فقال: إن أبا بكر أواه القلب منيب، وإن عمر ناصح لله، فنصحه. # فالأواه: لا يميز بين الأمرين؛ لأنها كلها لله، وليس فيها ذكر النفس، ~~والناصح لله: عبد تفرد لله بقيام حقوقه، فلم يدع للنفس روعا، فكلما اجتمع ~~أمران، للنفس في أحدهما نصيب، آثر الذي لا نصيب لها فيه، وبدأ بالذي لا ~~نصيب لها فيه، فكان في الظاهر فعل عمر فعل المقتصدين، وفي الباطن من ~~المقربين، وإنما صار هكذا؛ لأن المقربين صنفان: # صنف منهم قد انفردوا في فردانيته، فخلت قلوبهم من ذكر نفوسهم، فهي صفة ~~أبي بكر رضي الله عنه. # وصنف منهم لم يصلوا إلى هذه الحظة، قد انكشف على قلوبهم من جلال الله ~~وعظمته ما ملئت قلوبهم من هيبته، فهم القائمون على نفوسهم، فلا يدعونها ~~تلحظ إلا إلى حق، فالحق يستعملهم، والهيبة تملك قلوبهم، والمتفرد به في ~~فردانيته الله يستعمله، ووحدانيته تملك قلوبهم، فإذا اجتمعا في فعل، ~~تباينا. PageV03P127 # 611 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا الوليد بن مسلم الدمشقي، قال: حدثنا ~~الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، عن ابن كعب بن مالك: أن أبا بكر أتي بسيوف ~~ثلاثة، أحدها محلى من اليمن، فقال ابنه عبد الله بن أبي بكر: مر لي بهذا ~~السيف المحلى، فقال أبو بكر: هو لك، فقال عمر: بل إياي فأعطني، فقال أبو ~~بكر: فأنت أحق به، فأخذه عمر، فانقلب بالسيف إلى منزله، فراح وقد جعل حلية ~~السيف في ظبية والنصل معه، فقال عمر: يا أبا بكر! استعن بهذه الحلية على ~~بعض ما يعوزك، ورمى بالنصل إلى عبد الله بن أبي بكر، قال: والله! ما صنعت ~~هذا نفاسة عليك يا أبا بكر، ولكن للنظر لك، فبكى أبو بكر، فقال: يرحمك ~~الله، يرحمك ms0362 الله. # فهذا معاملة أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع ولده ومع سائر الناس، فلا ~~تتوهم على أبي بكر أنه حملته فتنة الولد حتى أمر له بالسيف المحلى، PageV03P128 ~~ولكن دق عنده شأن تلك الحلية، ولم يظهر على قلبه قدر ذلك، فاستوى عنده سؤال ~~ولده، وسؤال الأجنبي، فأنعم به، ثم لما سأله الأولى، آثره، وعمر نظر إلى ~~الحق، وإلى تدبير الحق؛ فإن من تدبير الحق: أن ينزع الحلية، فيستعين به في ~~النوائب، وفي النصل بلا حلية كفاية. # 612 - حدثنا محمد بن عثمان بن عمرو الطائفي، قال: حدثنا روح بن عبادة، ~~قال: حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: كانت لعمر صحاف ~~تسع، فكان إذا كان طريفة أو فاكهة، بعث فيها إلى أزواج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فإن كان نقصان، جعله في حظ حفصة. # 613 - حدثنا محمد بن عثمان، قال: حدثنا روح، PageV03P129 ~~قال: حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم، قال: قدم عبد الله وعبيد الله ابنا عمر ~~على أبي موسى الأشعري من معزا لهما، فقال أبو موسى: وددت أني قدرت على أن ~~أنفعكما، قال: ثم قال: هاهنا من مال الله، فخذاه، فاشتريا به تجارة من ~~تجارة المدينة، واضمناه، فإذا قدمتما، فأديا المال إلى أمير المؤمنين، وكتب ~~إلى عمر رضي الله عنه أن اقبض منهما كذا وكذا، فلما قدما على عمر، قال ~~لهما: أديا المال وربحه، فأما عبد الله، فسكت، وأما عبيد الله، فقال: يا ~~أمير المؤمنين! أرأيت لو تلف هذا المال، أما كنت تأخذه منا؟ قال: بلى، قال: ~~فلم تأخذ الربح؟ فقال رجل في مجلسه: يا أمير المؤمنين! لو جعلته قراضا، ~~قال: فقاسمهما الربح، وأخذ المال. # فهذه معاملة عمر رضي الله عنه مع ولده وسائر الخلق، يقتضي من نفسه PageV03P130 ~~ومن الخلق إقامة الحق، ونصرته في الأمور كلها، وذكر عمر رضي الله عنه في ~~الأخبار الواردة بمثل هذا. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن الله ضرب الحق على ~~لسان عمر وقلبه)). # وقال: ms0363 ((الحق بعدي مع عمر حيث كان)). PageV03P131 # ووصف ابن عباس شأنه، فقال: كان عمر كالطير الحذر الذي يرى أن له في كل طريق شبكا. # فهذا شأن النصحاء لله. # والأواه المقرب قد ذهل من تفقد هذا، فهو يستعمله وهو يكلؤه، فتختلف ~~أحواله ومشيئته على المحق أمره، فالمحق في الظاهر عند أهله أعلى فعلا، ~~والأواه في الباطن أعلى. # فانظر في أمر السيف الذي أخذه عمر من أبي بكر رضي الله عنهما، ونزع ~~الحلية، هل يقدر أحد من المحقين فمن دونهم أن ينظر إلى ذلك الفعل بعين ~~السقم ويقول: إن فعل أبي بكر أعلى في ذلك من فعله؟ فإنما تابعه أبو بكر؛ ~~لأنه أشار إلى الحق، وبكى فرحا بما وجد من التأييد والعون فيما قلده الله ~~عند أخيه وصاحبه، ودعا له بالرحمة لما وجده ناصحا لله، وناصحا لإمامه، ~~ومشفقا عليه، ولكن فعل أبي بكر رضي الله عنه فعل الرسل، فالرسول ومن في ~~درجته، قريب منه في سعة عظيمة من ملكه، (وفعل عمر فعل المحقين)، والمحقون ~~في أمر عظيم من القيام بحقه جزما واحتياطا، وصحة وتقويما. PageV03P132 # وروي لنا عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه، قال: دخل أبو ~~بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعائشة -رضي الله عنها-، وامرأة ~~تضرب بالدف، فقعد، ولم يزجرها؛ لما رأى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فجاء عمر، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته، كفها، عن ذلك، فلما ~~خرجا، قالت عائشة: يا رسول الله! كان حلالا، فلما دخل عمر صار حراما؟! فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عائشة! ليس كل الناس مرخيا عليه)). # فهذه كلمة تكشف لك عن جميع ما قلنا. # وقال: إن المقربين صنفان: # فصنف منهم: قلوبهم في جلاله وعظمته هائمة، فقد ملكتهم هيبته، فالحق ~~يستعملهم في كل أمر، فهم مشرفون على الأمور، مشمرون لها. # وصنف آخر: قد أرخى من عنانه، فالأمر عليه أسهل؛ لأنه قد جاوز قلبه هذه ~~الحظة، فقلبه في محل الشفقة في تلك ms0364 الوحدانية. # وكلما كان القلب محله أعلى، ومن القربة أوفر حظا، كان الأمر عليه أوسع؛ ~~لأن نفسه موقنة بأن الله -تبارك اسمه- يلطف بعبده المؤمن، فإذا علم من عبده ~~أن نفسه صعبة، وأنه محتاج إلى لجام، ألجمها بلجام الهيبة، وأبدى على قلبه ~~من سلطانه وعظمته، وإذا كانت نفسه لينة رخوة كريمة، PageV03P133 ~~أرخى عنانه، فأبدى على قلبه من الوحدانية، والفردية ما انفرد له قلبه ~~ونفسه، وماتت شهوته، وذهل عن ذكر نفسه، فإذا أرخى عليه، لم يفسد. PageV03P134 ### || AUTO الأصل الثاني والمئة # 614 - حدثنا علي بن عيسى بن يزيد البغدادي، قال: حدثنا حجاج بن محمد ~~الأعور، قال: حدثنا يونس ابن [أبي] إسحاق، عن أبيه، عن أبي جحيفة، عن علي ~~رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أصاب في الدنيا ~~ذنبا، فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عليه عقوبته، ومن أذنب في الدنيا ~~ذنبا، فستر الله عليه، وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفي عنه)). PageV03P135 # قال أبو عبد الله: فأما المعاقب، فقد ذكره الله في تنزيله، فقال: {وما ~~أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم}. # فقوله: {فبما} هو اقتصاص؛ كقوله: هذا بذاك، ثم قال: {ويعفوا عن كثير}؛ ~~أي: إن الذي لم تصبك به مصيبة فهو عفو، فلم يقل: ويعفو عما بقي، أو يعفو عن ~~الذي لم يصبك به في الدنيا، إنما قال: {ويعفوا عن كثير}، وقد يجوز أن يبقى ~~بعد عفوه الكثير أيضا هناك شيء، إلا أن الكثير من الله لا يحصى عددا. # فرسم الرسول صلى الله عليه وسلم هاهنا في حديثه رسما ينبئ عن الذي يعفى ~~عنه من الذي لا يعفى عنه، فقال: ((ومن أذنب ذنبا، فستر الله عليه، وعفا ~~عنه، فالله أكرم من أن يعود فيه))، فذكر الستر، فاعلم أن الذي قال: {ويعفوا ~~عن كثير} هم الذين قد سترهم الله، وستر عليهم، فالثناء على الألسنة قائمة ~~بالخير وباطنهم مدخول، فإذا دام هذا الستر عليهم، فالله أكرم من أن يهتك ~~عبدا قد ستره أيام الدنيا، ولم ms0365 يعاجله، وأما الذي هتك ستره، ولم يؤاخذه ~~بعقوبة، فذاك غير مأمون عقوبته. PageV03P136 # 615 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا سلم ابن يحيى الطائي، قال: حدثنا ~~سويد بن عبد العزيز، قال: حدثنا نوح بن ذكوان، عن أخيه أيوب، عن الحسن ~~-رحمة الله عليه-، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله ~~تعالى: لأنا أكرم وأعظم عفوا من أن أستر على عبد لي مسلم في الدنيا، ثم ~~أفضحه بعد أن سترته، فلا أزال أغفر لعبدي ما استغفرني)). # 616 - قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله -تبارك ~~وتعالى-: إني لأجدني أستحي من عبدي يرفع يديه إلي، ثم أردهما، قالت ~~الملائكة: إلهنا! ليس لذلك بأهل، قال الله تعالى: لكني أهل التقوى، وأهل ~~المغفرة، أشهدكم أني PageV03P137 ~~قد غفرت له)). # 617 - قال: ويقول الله -جل ثناؤه-: ((إني لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في ~~الإسلام، ثم أعذبهما بعد ذلك في النار)). PageV03P138 ### || AUTO الأصل الثالث والمئة # 618 - حدثنا نصر بن علي الحداني، قال: حدثنا أبي، وبشر بن المفضل، قالا: ~~حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أنه قال: ((يدخل قوم النار، حتى إذا صاروا فحما، أخرجوا، ~~فأدخلوا الجنة، فيقول أهل الجنة: من هؤلاء؟ فيقال: الجهنميون)). # 619 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، PageV03P139 ~~وأبو نعيم، قالا: حدثنا يزيد بن أبي صالح أبو حبيب الدباغ، قال: سمعت أنس ~~بن مالك رضي الله عنه يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # قال أبو عبد الله: فهؤلاء قوم موحدون، وحدوا الله بألسنتهم وقلوبهم، ~~وضيعوا العبودة، فإن من حق الله على العباد أن يعبدوه، فإنه قال عز وجل: ~~{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}. # فالعبودة الظاهرة تحقيق لما في الباطن، وإنما وكل الحق بفعل الظاهر، فهو ~~يقتضي الخلق القيام بذلك، وهي العبودة، فإذا كان يوم الجزاء، جاء الحق ~~يقتضي حقه، فلم يجد عندهم شيئا، فحبسهم في النار، ثم تداركتهم رحمته، فيترك ms0366 ~~ما وجب له من العبودة، ويهبها منهم، PageV03P140 ~~ويعنفهم، فيكتب على جباههم: الجهنميون عتقاء الله، وفي بعض الرواية: محرري ~~الرحمن، يرحمهم بصدق الباطن أنهم كانوا لا يلتفتون إلى إله غيره فيشركون به. # 620 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا معلى ابن هلال، عن ليث، عن مجاهد، ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما ~~الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي، ثم ماتوا عليها. # فهم في الباب الأول من جهنم، لا تسود وجوههم، ولا تزرق أعينهم، ولا يغلون ~~بالأغلال، ولا يقرنون مع الشياطين، ولا يضربون بالمقامع، ولا يطرحون في ~~الأدراك. # منهم من يمكث فيها ساعة ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها يوما ثم يخرج، ومنهم ~~من يمكث فيها شهرا ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج، وأطولهم مكثا ~~فيها يمكث فيها مثل الدنيا يوم خلقت إلى يوم أفنيت، وذلك سبعة آلاف سنة، ثم ~~إن الله إذا أراد أن يخرج PageV03P141 ~~الموحدين منها، قذف في قلوب أهل الأديان، فقالوا لهم: كنا نحن وأنتم جميعا ~~في الدنيا، فآمنتم وكفرنا، وصدقتم وكذبنا، وأقررتم وجحدنا، فما أغنى ذلك ~~عنكم شيئا، نحن وأنتم اليوم فيها جميعا سواء، تعذبون كما نعذب، وتخلدون كما ~~نخلد، فيغضب الله عند ذلك غضبا لم يغضبه في شيء فيما مضى، ولا يغضب في شيء ~~فيما بقي، فيخرج أهل التوحيد منها إلى عين بين الجنة والصراط يقال لها: نهر ~~الحياة، فيرش عليهم من الماء، فينبتون كما تنبت الحبة من حميل السيل، فما ~~يلي الظل منها، فهو أخضر، وما يلي الشمس منها فهو أصفر، ثم يدخلون الجنة، ~~فيكتب في جباههم: عتقاء الله من النار، إلا رجلا واحدا، فإنه يمكث فيما ~~بعدهم ألف سنة، ثم ينادي: يا حنان يا منان! فيبعث الله إليه ملكا ليخرجه، ~~فيخوض في النار في طلبه سبعين عاما لا يقدر عليه، ثم يرجع فيقول: يا رب! ~~إنك أمرتني أن أخرج عبدك فلانا من النار، وإني طلبته في سبعين سنة فلم أقدر ~~عليه، ms0367 فيقول الله له: انطلق، فهو في PageV03P142 ~~وادي كذا وكذا تحت صخرة، فأخرجه، فيذهب فيخرجه منها، فيدخله الجنة. # ثم إن الجهنميين يطلبون إلى الله أن يمحي ذلك عنهم، فيبعث الله إليهم ~~ملكا، فيمحاه عن جباههم، ثم إنه يقال لأهل الجنة ومن دخلها من الجهنميين: ~~اطلعوا إلى النار، فيطلعون إليهم، فيرى الرجل أباه، ويرى أخاه، ويرى جاره، ~~ويرى صديقه، ويرى العبد مولاه، ثم إن الله يعبث إليهم ملائكة بأطباق من ~~نار، ومسامير من نار، وعمد من نار، فيطبق عليهم بتلك الأطباق، ويسد بتلك ~~المسامير، ويمد بتلك العمد، ولا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح، ولا يخرج منه ~~غم، وينساهم الجبار على عرشه، ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم، ولا يستغيثون ~~بعدها أبدا، وينقطع الكلام، فيكون كلامهم زفيرا وشهيقا، فذلك قوله: {إنها ~~عليهم مؤصدة. في عمد ممددة}، يقول: مطبقة، في عمد ممددة)). PageV03P143 # فانظر أي صنف هؤلاء؟ # وهؤلاء قوم لم يتخلصوا من شؤم نفوسهم في دار الدنيا طرفة عين، وفي دار ~~الله في الجنان لم يتخلصوا من النفوس، حتى دعتهم أن يطلبوا إلى الله أن ~~يمحو ذلك الاسم، وما ضرهم أن يكون مكتوبا على جباههم: الجهنميون، وقد كتب ~~عليها عتقاء الله من النار، أفلم يكن في كتابة اسمه على جباههم ما يشغلهم ~~عن النظر إلى ما سواه؟! وكيف تجد قوما على جباههم مكتوبا اسم مولاهم أعلى ~~الأسماء وأجلها، فتسخو نفوسهم على محوه، ثم يطلبون إلى ربهم ذلك طلبا؟! PageV03P144 # أما لو كان المحبون له ابتلوا بهذا، لم يسألوه أبدا أن يمحو اسمه من ~~جباههم، وهو قرة عيونهم. # أما أنا، فقد وجدت عليهم وجدا شديدا بما يسألون، ولكن هؤلاء قوم نفوسهم ~~عليهم مستولية، أنفوا من هذا الاسم أن ينسبوا إلى جهنم، وهي دار الأعداء، ~~واستحيوا من إخوانهم، وليس في الجنة أذى، إنما هي محشوة بكرم رب العزة ~~السيد المنان، فلما من عليهم بالرحمة، جاد عليهم (بالذي سألوا، فمحي عنهم، ~~وإنما كتب على جباههم ذلك؛ لتظهر منة الله عليهم) بين ظهراني أهل الجنة، ~~فقد تأخر دخولهم الجنة، فلما وردوا، ms0368 أحب الله أن يظهر عند أهل الجنة منته ~~عليهم، وأنهم عتقاؤه الذين جاد عليهم، فأبت نفوسهم إلا حرنا، فهو أدنى أهل ~~الجنان، وما فيهم دني. # والكتابة على الجباه سيماهم في الجنان، كما كتب على جباه أحبابه أهل ~~الصفوة والأولياء: هؤلاء المتحابون في الله. # 621 - حدثنا بذلك قتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، وصالح بن عبد الله، قالوا: ~~حدثنا خلف بن خليفة الأشجعي، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ~~ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن PageV03P145 ~~المتحابين في الله لعلى عمود من ياقوتة حمراء، في أرس العمود سبعون ألف ~~غرفة، يضيء حسنهم أهل الجنة، كما تضيء الشمس أهل الدنيا، يقول بعضهم لبعض: ~~انطلقوا بنا حتى ننظر إلى المتحابين في الله، فإذا أشرفوا عليهم، أضاء ~~حسنهم أهل الجنة، كما تضيء الشمس أهل الدنيا، عليهم ثياب خضر من سندس، ~~مكتوب على جباههم: هؤلاء المتحابون في الله)). # 622 - حدثنا داود بن حماد القيسي، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن إسماعيل ~~بن رافع، عن محمد بن PageV03P146 ~~زياد الأنصاري، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((يكتب على جباههم: عتقاء الرحمن الجهنميون، ~~فيسألون الله أن يمحو عنهم ذلك الاسم، فيمحوه عنهم)). PageV03P147 # فأحب الله أن يكون عذره في تأخرهم عن دخول الجنة ظاهرا عند أهل الجنان، ~~وأنهم لم يدخلوها إلا برحمته، ولم ينالوا جواره إلا بكرمه. # وأحب هؤلاء أن تكون العقوبة التي حلت بهم مستورة عند أهل الجنة، فلا يدري ~~أحد أنهم ابتلوا بهوان الله وعقوبته أنفة، وذهابا بنفسه، وهي التي حطته في ~~دار الدنيا عن درجة العبودة، وفي الآخرة عن درجة الكرام البررة، فيترك الله ~~محبته لمحابهم، ومحا عنهم ذلك الاسم تكرما وتفضلا، وإتماما للمنن عليهم. # ولم يكن عند القوم من الإنسانية والكرم وجوهرية النفس أن يؤثروا ما فيه ~~محابه على محابهم، ولا له في قلوبهم من غليل المحبة ما تتلاشى عندهم محابهم ~~لمحابه، وما ms0369 ينسون أحوال نفوسهم في جنبه، من أجل ذلك بقوا في النار ما ~~بقوا؛ لأنهم بهذه النفوس كانوا يعاملون الله، وبمثل هذه الأخلاق كانوا ~~يعبدونه. PageV03P148 ### || AUTO الأصل الرابع والمئة # 623 - حدثنا إبراهيم بن عبد الحميد التمار، قال: حدثنا محمد بن سعيد بن ~~سابق، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قيل: يا رسول الله! من أولياء الله؟ قال: ~~((الذين إذا رؤوا، ذكر الله)). # 624 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا داود ابن عبد الرحمن المكي، عن عبد ~~الله بن عثمان بن خثيم، PageV03P149 ~~عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، حدثته: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ((ألا أخبركم أيها الناس بخياركم؟))، قالوا: بلى، قال: ((خياركم ~~الذين إذا رؤوا، ذكر الله)). # 625 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا أبو الخير، عبد المنعم بن بشير ~~الأنصاري، عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت عبد ~~الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((خياركم من ذكركم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، PageV03P150 ~~ورغبكم في الآخرة عمله)). # 626 - حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي، قال: حدثنا إسماعيل بن صبيح، عن ~~مبارك بن حسان، عن عطاء ابن أبي رباح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قيل: يا ~~رسول الله! أي جلسائنا خير؟ قال: ((من ذكركم بالله رؤيته، وزاد في أعمالكم ~~منطقه، وذكركم بالآخرة عمله)). PageV03P151 # قال أبو عبد الله: فالذي يذكرك بالله رؤيته، هم الذين عليهم من الله سمات ~~ظاهرة، قد علاهم بهاء القربة، ونور الجلال، هيبة الكبرياء، وأنس الوقار، ~~فإذا نظر الناظر إليه، ذكر الله؛ لما يرى من آثار الملكوت عليه، فهذه صفة ~~الأولياء، فالقلب معدن هذه الأشياء، ومستقر النور، ويشرب الوجه عن ماء ~~القلب، فإذا كان على القلب نور سلطان الوعد والوعيد، تأدى إلى الوجه ذلك ~~النور، فإذا وقع بصرك عليه، ذكرك البر والتقوى، ms0370 ووقع عليك منه مهابة ~~الصلاح، والعلم بأمور الله تعالى. # وإذا كان على القلب نور سلطان الحق، أدى ذلك إلى الوجه، فإذا وقع بصرك ~~عليه، ذكرك الصدق والحق، ووقع عليك منه مهابة الحق والاستقامة. # وإذا كان على القلب نور جلال سلطان الله، وعظمته، وجلاله، تأدى ذلك إلى ~~الوجه منه، فإذا وقع بصرك عليه، ذكرك عظمة الله، وجلاله، وسلطانه، وإذا كان ~~على القلب نوره، وهو نور الأنوار، بهتك رؤيته. # فمن شأن القلب أنه يسقي عروق الوجه، ويشربه من ماء الحياة الذي قد رطب ~~به، ويتأدى إلى الوجه منه ماء فيه لا غير ذلك، فكل نور من هذه الأنوار التي ~~ذكرنا كان في القلب، فيشرب وجهه من ذلك النور الذي PageV03P152 ~~فيه لا غير، ألا ترى إلى قوله: {ولقاهم نظرة وسرورا}، قال: سرورا في القلب، ~~ونضرة في الوجه، فإذا سر القلب برضاء الله، رضي الرب عن العبد، وبما يشرق ~~به صدره وقلبه من نوره، حيث ينكشف الغطاء، نضرت الوجوه، فإنما تنضرت الوجوه ~~بما ولجت القلوب، فبذلك دل رسول الله صلى الله عليه وسلم (على الذكر عند ~~رؤيتهم، وصيره علامة لأهل ولايته. # وروي عن موسى -صلوات الله عليه-): أنه قال: يا رب! من أولياؤك؟ قال: ~~الذين إذا ذكرت، ذكروا، وإذا ذكروا، ذكرت. # وهذا ما يشاكل ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرؤية، ~~فإنما يذكرون عند ذكره؛ لأنهم رجاله وخاصته، لم يعرفوا في الأرض إلا به. # وفي الأرض ثلاث طبقات، فكل طبقة إنما تعرف بما عندها، وهم رجال بما ~~عندهم، فرجال هم علماء بأمور الله من الحلال والحرام، فعليهم سمات العلم، ~~وبالعلم يعرفون، ورجال هم علماء بتدبير الله، فعليهم سمات الحكمة، فبالحكمة ~~يعرفون، ورجال هم علماء بالله، فعليهم سمات نور هيبته، فبالله يعرفون، فهم ~~أولياء الله. # وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جحيفة: ((سائل العلماء، وخالط ~~الحكماء، وجالس الكبراء)). PageV03P153 # 627 - حدثنا بذلك صالح بن عبد الله، قال: حدثنا يحيى بن زكريا ابن أبي ~~زائدة، عن أبيه، عن علي بن ms0371 الأقمر، عن أبي جحيفة، ولم يرفعه. # 628 - وحدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، قال: حدثنا إسحاق بن ~~الربيع العصفري، قال: حدثنا أبو مالك النخعي، عن سلمة بن كهيل، عن أبي ~~جحيفة، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه. PageV03P154 # وهو قول رسول الله عيسى -صلوات الله عليه-، قال: العلماء ثلاثة: عالم بأمر ~~الله ليس بعالم بالله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ~~عالم بالله. # فهذا الثالث من الكبراء الذين قال لأبي جحيفة: جالسهم؛ فإن رؤيتهم دواء، ~~ومجالستهم شفاء. # وسائر الناس عباد، وعمال، وأهل بر وتقوى، بذلك يعرفون: وإلى أعمالهم ~~ينسبون، هذا رجل صالح، هذا رجل زاهد، هذا رجل متق، فإذا جاء الولي، ذهب هذا ~~الذكر من القلوب، وغلب على قلوب الناظرين ذكر الله. # 629 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا الهيثم PageV03P155 ~~ابن خارجة البغدادي، عن رشدين بن سعد، عن عبد الله ابن الوليد التجيبي، عن ~~أبي منصور مولى الأنصار، عن عمرو بن الجموح: أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # ((قال الله -تبارك وتعالى-: إن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي: الذين ~~يذكرون بذكري، وأذكر بذكرهم)). # 630 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا قطبة ابن العلاء الغنوي، قال: ~~حدثنا مالك بن مغول، عن الزبير ابن عدي، قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله ~~عنه يقول: قالوا PageV03P156 ~~يا رسول الله! أينا أفضل كي نتخذه جليسا معلما؟ قال: ((الذي إذا رئي، ذكر ~~الله لرؤيته)). # 631 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: أخبرنا عبد ~~الله، قال: أخبرنا معمر، قال: قال موسى -صلوات الله عليه-: أي رب! أخبرني ~~عن أهلك الذين هم أهلك، قال: ((هم المتحابون في الدين، إذا ذكرت، ذكروا بي، ~~وإذا ذكروا، ذكرت بهم، هم الذين يعمرون مساجدي، ويستغفرونني بالأسحار، ~~ويبيتون إلى طاعتي كما يبيت النسر إلى وكره، وإذا استحلت محارمي، غضبوا كما ~~يغضب النمر إذا حرب)). PageV03P157 # وأما قوله: ((يزيد في علمكم منطقه)). # فإنه إذا كان ممن ms0372 يذكر الله رؤيته، فإنه يزيد في العلوم منطقه؛ لأن ~~العلوم بمكانة، فإنما يزيد منه منطقه؛ لأنه عن الله ينطق، والناطق صنفان: # فصنف: ينطق بالعلوم عن الصحف تحفظا، وعن أفواه الرجال تلقنا. # والصنف الآخر: ينطق بذلك العلم عن الله تلقيا. # فالذي ينطق عن الصحف تحفظا، وعن أفواه الرجال تلقنا، وهو عالم عامل به، ~~إنما يلج آذان المستمعين عاريا، والذي ينطق كذلك، وهو غير عامل به، فإنما ~~يلج آذانهم عريانا بلا كسوة. # والأول: الذي كان عاريا، وهو الذي إذا كان خلق الكسوة؛ لأنه لم يخرج من ~~قلب نوراني، إنما خرج من قلب دنس، وصدر مظلم، مغشوش إيمانه بحب العز ~~والرياسة، والشح على حطام الدنيا، فإيمانه يقتضيه أن العز لله، والدنيا له، ~~ونفسه قد استولت على قلبه، ينازع الله في ردائه وإزاره، ويناطح قسمته في ~~دنياه، ويضاد قضاءه. PageV03P158 # والذي ينطق عن الله، إنما يلج أذان المستمعين مع الكسوة التي يخرق كل حجاب، ~~وهو نور الله؛ لأنه خرج من قلب مشحون بالنور، وصدر مشرق بالنور. # فإذا خرج المنطق مع ذلك النور، فولج أذان المستمعين، خرق هذا النور كل ~~حجاب قد تراكم على قلوب المخلطين من رين الذنوب، وظلمة الشهوات، ومحبة ~~الدنيا، فخلصته إلى نور التوحيد، فأنارته بمنزلة جمرة وصلت النفخة إليها، ~~فالتهبت نارا، فأضاءت البيت، ومن قبل النفخة كانت جمرة قد أحاط بها الرماد، ~~فذهب بتوقدها وحرها وضيائها، فلما وصلت النفخة إليها، طيرت الرماد عنها، ~~فلهبت، واستعرت، وأضاءت البيت، فكذلك الكلمة التي تخرج من الناطق عن الله، ~~تخرج من نور، وكسوتها النور، فإذا وصلت إلى الصدر، خرقت حجب الظلمات، التي ~~وصلت، فأثارت نور التوحيد، وأضاء البيت، فاستغفر وبكى، وندم وأبصر. # فهذا سبيل الناطق عن الله، وهو قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله ~~على بصيرة}؛ أي: على معاينة، ثم قال: {أنا ومن اتبعني}. PageV03P159 # ذلك ليعلم أنه ليس هذا إلا لتابعي محمد صلى الله عليه وسلم على هديه، ~~وسبيله، وشمائله، وأخلاقه، فإنما يدعون إلى الله على بصيرة؛ لأنهم بقلوبهم ~~عند الله، وعلى بصيرة الطريق، ms0373 ومحل القلوب في تلك المراتب؛ يدعون إلى الله. # وكيف يجوز الدعاء إلى الله لمن ليس عند الله، ولا هو لله، إنما قلبه عند ~~نفسه، ونفسه مشغولة بنهمته وشهواته وأحواله؟! وإنما هذا لمن تفرغ عن نفسه، ~~واشتغل بالله. # وأما قوله: ((يزيد في علمكم منطقه))؛ فإنه إذا نطق، نطق بآلاء الله، ~~وتدبير الله، وصنع الله، فهذا أصل العلم، والعلم الذي في أيدي العامة، هو ~~فرع العلم. # فأما الأصل: فهو عند هؤلاء الحكماء النجباء الذين فهموا عن الله، أولئك ~~الذين تولى الله هدايتهم، وأولئك هم أولو الألباب. # قال له قائل: ما آلاء الله، وتدبير الله، وصنع الله؟! # قال: فأما آلاء الله؛ فهو ما أبدى من الهيبة ووحدانيته وفردانيته، ~~كالجلال والجمال، والعظمة والهيبة، والكبرياء والبهاء، والسلطان والعز، ~~والفخر، والوقار، فهذه صفات أبداها على قلوب الأنبياء والأولياء، فتمالكوا ~~مع ذلك، واحتملته عقولهم، وما وراء ذلك مما لم يبده؛ لم يتمالكوا، ولا ~~احتملته عقولهم. # وأما تدبيره: فما دبر من خلقهم من تراب الأرض، لا من نور، ولا من PageV03P160 ~~نار، ولا من ماء، ولا من ظلمة، ولا من ريح، ولا من حر، ولا من برد، ولكن من ~~تراب، ثم جعل فيهم أرواحا سماوية، ثم أعطاهم جوارح قوالب لتلك الأرواح، ثم ~~اضطرهم إلى التربية والمعاش، ثم نقلهم إلى داره، ثم قيض لهم عدوا، وأزعجهم ~~منها على حال الخطيئة، ثم ردهم إلى الأرض، ثم دبر لهم الرجوع إليه، ثم حال ~~بينهم وبين الرجوع إليه إلا من باب الموت، أمر شيء وأنكره وأثقله وأبشعه ~~وأهوله، ثم هيأ لهم يوما يحاسبهم، ويفتشهم، ويقتضيهم حقه، ثم جعل ممرهم إلى ~~الجنة على متن النار، ثم أكرم وأهان، وأدنى وأقصى، وحرم وأعطى، وأبرز عدله، ~~حتى قررهم في أماكنهم، ولم يظلم أحدا مثقال ذرة، ثم أفضل على من شاء بجوده ~~وكرمه ومنه. # فهذا تدبيره من أول بدء خلقه، ودبر لهم من العرش إلى الثرى قبل خلقهم، ~~مرمة لمعاشهم وحياتهم، ومرمة لعبودته، وحجة بالغة لنفسه يوم القضاء بينهم، ~~فمن يقدر أن يستقضي وصف هذا الذي دبر؟! ms0374 إلا أن العارفين يصفون ما يتراءى ~~لهم من ذلك بشعاع اليقين. # وأما صنعه: فأحوال العباد في الدنيا: كيف يفقر، وكيف يغني، ويعز ويذل، ~~ويملك وينزع الملك، ويبتلي ويعافي، ويغير الأحوال ساعة فساعة؟ # فالعلم الظاهر الذي في أيدي الخلق إنما يستبين بهذا العلم، وإنما يسيرون ~~على الاستقامة بهذا العلم. PageV03P161 # فأما قوله: ((يرغبكم في الآخرة عمله))، فليس عمله ببديع، إنما هو ما يعمله ~~العمال، ولكن على عمله نور، وعلى أركانه خشوع، وعلى تصرفه فيها صدق ~~العبودية، مع البهاء والوقار، والطلاوة، والحلاوة، والمهابة؛ لأنه على ~~المعاينة يعمل، ولأنه إنما يعامل الله بتلك الأعمال عبودة لا متاجرة، فإذا ~~رآه الراؤون، تقاصرت إليهم أعمالهم، وهم في تلك الأعمال بأعيانهم، وليس ~~لأعمالهم ذلك النور وتلك المهابة والحلاوة؛ لأنهم على الرغبة والرهبة ~~يعاملون، وعلى الخوف والطمع. # وروي لنا عن بعض السلف، قال: لقي نبي من الأنبياء عابدا من العباد، فقال: ~~إنكم -معاشر العباد- تعملون على أمر لسنا -معاشر الأنبياء- نعمل عليه، أنتم ~~تعملون على الرغبة والرهبة، ونحن نعمل على الشوق والمحبة. # فهذه معاملة أهل اليقين، الأنبياء بنبوتهم، والأولياء بولايتهم، يعاملون ~~على المعاينة، وعلى الشوق والمحبة عبودة له، قد شربت قلوبهم محبته، ومن لم ~~يفتح له باب اليقين على قلبه، فإنما يعمل على الرغبة والرهبة؛ لأنه قد رغب ~~في الجنة فارتغب، ورهب من النار فارتهب، فالوعد والوعيد نصب عينيه، إن عرض ~~له عمل من أعمال البر فتثاقلت نفسه، وأبطأت في ذلك، مناها ما وعد الله، ~~فيستعين بذلك على نفسه، PageV03P162 ~~حتى يقر بها، حتى تمضي وتنقاد، وإن عرض له ذنب، فرغبت نفسه، ودعته إليه، ~~خوفها بما أوعد الله، فيستعين بذلك على نفسه، حتى يقمعها ويكفها، فهذا شأن ~~أهل الوعد والوعيد. # وأما أهل اليقين: فإذا عرض بر، طارت قلوبهم من الشوق إليه، والحب له، ~~فعملوا لذلك البر على اليسر وطيب النفس، وإذا عرض لهم ذنب، عرقت جباههم من ~~الحياء منه تكرما وتعففا، وهذا موجود في عبيده هاهنا، فشتان ما بين عبدين: # أحدهما: يعمل لمولاه من خوف وعيده، وحرمان وعده، ولولا خوفه من ms0375 وعيده ~~وحرمان وعده، ما عمل ذلك. # والآخر: يعمل لمولاه شفقة على عمله، ونصحا له وتذللا وتخشعا، وإلقاء نفسه ~~بين يديه، ومحبة له، وشغوفا به؛ لأنه لا يستوي هذان العبدان في دار الدنيا ~~عند مولاهما أبدا، فكذلك شأن هذه القلوب عند الله. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال لعوف بن مالك الجشمي والد ~~أبي الأحوص: ((أرأيت لو كان لك عبدان، أحدهما: يخونك ويكذبك، والآخر: يصدقك ~~ولا يخونك، أيهما أحب إليك؟))، قال: الذي يصدقني ولا يخونني، قال: ((فكذلك ~~أنتم عند ربكم)). PageV03P163 # 632 - حدثنا بذلك عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزعراء، عن أبي ~~الأحوص، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV03P164 ### || AUTO الأصل الخامس والمئة # 633 - حدثنا محمد بن موسى الحرشي، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، ~~قال: حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: أصابتنا ~~السماء ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فحسر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الثوب عن رأسه، حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! ~~لم صنعت هذا؟ قال: ((لأنه قريب عهد بربه)). PageV03P165 # وهذا فعل المشتاقين، وأولاهم بالله أشدهم شوقا إليه، وكلما ازداد العبد ~~انتباها ويقظة، ازداد شوقا حتى يقلق ويكمد. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفته: أنه كان طويل الفكر، دائم ~~الأحزان. # فهل كانت أحزانه إلا من الحبس عن اللقاء لقاء الصفاء؟ ولا يساوي لقاء ~~القلوب والأرواح في الدنيا لقاء الأرواح والأجساد في الآخرة، ذاك لقاء ~~الصفاء، فأعلاهم منزلة، وأقربهم قربا، وأعلمهم به، وأشدهم حرقة في القلوب ~~شوقا، وأقلقهم بالحياة تبرما، ينتظر متى يدعى فيجيب. # فكأنه صلى الله عليه وسلم وجد روحا إلى ذلك المطر؛ بما وصف من حداثة عهده ~~بربه، وكذلك يجد المشتاق إلى لقاء من غاب عنه، فهو قلق بمكانه، فإذا ورد ~~عليه منه كتاب أو شيء من آثاره، كان له فيه أنس، وإليه استرواح، وبه تلذذ. # وروي عن موسى -صلوات الله عليه-: أنه ms0376 كان يخرج إلى طور PageV03P166 ~~سيناء، فربما ضاق عليه الأمر في الطريق، فيشق قميصه من شدة الشوق، والعجلة ~~التي تأخذه. # قال الله -تبارك وتعالى اسمه-: {وما أعجلك عن قومك يا موسى. قال هم أولاء ~~على أثري وعجلت إليك رب لترضى}. # فروي عن قتادة في قوله: {وعجلت إليك}، قال: شوقا إليك، وهو الذي حمله على ~~سؤال الرؤية، لما سمع الكلام، قلق، وغلا شوقه بمراجله، وضاق به الأمر، ففزع ~~إلى الرؤية؛، طمعا لتسكين غليانه، فعلم الله -تبارك اسمه- أنه لا يحتمل ~~ذلك، فأبى عليه، وألقى إليه عذره؛ بأن جعل الجبل دكا. # يعلمه أنك لا تقدر على احتمال ذلك؛ لأن الجبل حجر، وحديد، وصخر، وأنت ~~لحم، ودم، فانظر إلى هذا الجبل، فإن استقر مكانه، فسوف تراني. # قال له: {لن تراني}، ولم يقل: لا أراك، يعلمه أنه لا يقدر، ولا يؤيسه أبدا. # 634 - فحدثنا محمد بن رزام بن عبد الملك الأبلي، قال: حدثنا أحمد بن عطاء ~~الهجيمي، عن محمد بن نصير PageV03P167 ~~الواسطي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في قوله: {أرني أنظر إليك}، قال: ((قال الله: يا موسى! ~~لن تراني، إنه لن يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، ولا رطب إلا تفرق، ~~إنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم، ولا تبلى أجسامهم)). # فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقول في دعائه: ((أسألك الشوق إلى ~~لقائك، ولذة النظر إلى وجهك)). # 635 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، عن حماد بن زيد، عن عطاء ~~بن السائب، عن أبيه، عن عمار ابن ياسر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدعو فيقول: ((أسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك في ~~خير، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين)). PageV03P168 # 636 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم ابن موسى الطرسوسي، عن ~~بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء، عن زيد بن ~~ثابت، ms0377 قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اجعل في دعائك: ارزقني ~~لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك)). # وروي عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-: أنه كان إذا مطرت السماء، أخرج ~~ثيابه إلى المطر، وتجرد له، وقال: لتصيبني بركته. # فهذا مذهب غير ذلك، وبان تفاوت هذا القول من ذاك ملتمس البركة طالب للنفس شيئا. PageV03P169 ### || AUTO الأصل السادس والمئة # 637 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا الحسين بن عيسى الطائي، عن ابن ~~أبي فديك، عن محمد ابن عثمان عن أبيه، عن حارثة بن النعمان: أنه جعل خيطا ~~من مصلاه إلى باب حجرته، وكان قد ذهب بصره، فيضع عنده مكتلا فيه تمر، وغير ~~ذلك، فكان إذا سلم المسكين، أخذ من المكتل، ثم أخذ بالخيط حتى ينتهي إلى ~~باب الحجرة، فيناول المسكين، فكان أهله يقولون: نحن نكفيك، فيقول: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن مناولة PageV03P171 ~~المسكين تقي ميتة السوء)). # قال أبو عبد الله: ففي مناولة المسكين خصلة تعلو الخصال، وذلك أن الله ~~-تبارك اسمه- قد شرف المؤمن، وعظم شأنه، وشرف هذه الأمة من بين الأمم، وعظم ~~شأنها، فكانت الأمم من بني إسرائيل صدقاتها قربانها، توضع، فتجيء نار، ~~فتقبله، وتترك ما لم يقبل منه، فيصير منهتك الستر، فأكرم الله هذه الأمة ~~بفضل يقينها، أن جعل صدقاتها تؤخذ من أغنيائها، فترد على فقرائها، فيبقى ~~النفع فيهم، وكانت نفوس الأولين لا تسخو إلا على عيان الأشياء وجهرها، حتى ~~بلغ بهم ذلك إلى أن قالوا لموسى: {أرنا الله جهرة}، كانت قلوبهم لا تستقر ~~حتى ترى العيون. # وأيدت هذه الأمة بفضل اليقين، فعلموا أن الشيء إذا أعطوه لله، أن الله لا ~~يضيعه، وعلموا من جوده وكرمه ما خفي على الأمم قبلنا، فلما أعطت هذه الأمة ~~صدقاتها هكذا، تفضل عليهم الرب أن ولي أخذ صدقاتهم منهم، فلم يكلها إلى ~~ملائكته، ولا إلى أحد من خلقه. PageV03P172 # فقال في تنزيله: {هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات}، فلم يكل قبول ~~توبتهم ولا أخذ صدقاتهم ms0378 إلى أحد. # ولهذا: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكل خصلتين إلى أحد، فكان ~~يمشي بالصدقة إلى المسكين، ويستقي لوضوء الماء، ولا يكله إلى أحد)). # 638 - حدثنا بذلك الجارود، قال: حدثنا عمر بن هارون، عن موسى بن عبيدة، ~~عن عبد الله بن دينار، عن العباس بن عبد الرحمن بن ميناء، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. PageV03P173 # 639 - حدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن أبي الحبحاب ~~سعيد بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده! ما من عبد يتصدق بصدقة حسنة طيبة، فيضعها في ~~حق، إلا كانت تقع في يد الرحمن، فيربيها كما يربي أحدكم فصيله، أو فلوه، ~~حتى إن التمرة واللقمة لتصير مثل الجبل العظيم، ثم قرأ: {يمحق الله الربا ~~ويربي الصدقات}. PageV03P174 # 640 - حدثنا صالح، قال: حدثنا يحيى بن واضح، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله ~~بن دينار، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((إن المؤمن يتصدق بالتمرة أو عدلها من الطيب، ولا يقبل الله ~~إلا الطيب، فتقع في يد الله، فيربيها له كما يربي أحدكم فصيله، حتى تكون ~~مثل الجبل العظيم))، ثم قرأ: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات}. # 641 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن ~~عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن قتادة المحاربي، عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه، قال: إن الصدقة لتقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ عبد ~~الله: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده}. PageV03P175 # 642 - حدثنا إسماعيل بن نصر، قال: حدثنا محمد ابن بشر العبدي، قال: حدثنا ~~أبو المنهال الطائي، عن علي ابن حسين: أنه كان إذا أعطى السائل شيئا، قبله، ~~ثم وضعه على يديه، فإنما قبله؛ لأنه علم من يأخذه. # قال أبو عبد الله: فتأويل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مناولة ms0379 ~~المسكين تقي ميتة السوء))؛ لأنه يصير بالمناولة في قرب الله، ومن وقع في ~~قرب الله، كان له مأمنا، وكان في ذمته، فيوقى مصارع السوء. # وميتة السوء: أن يموت مصرا على المعصية، أو قانطا من رحمته، أو ظالما، أو ~~غير تائب من ذنوبه، أو يفجأ بالموت على غير صحة، أو يختم له بسيء أعماله، ~~أو يموت هدما، أو غرقا، أو حرقا، أو لديغا، PageV03P176 ~~أو ما أشبه ذلك، فمن كان في ذمة الله، وقي هذه الأشياء. # ومما يحقق ذلك: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من ~~صلى الغداة، فهو في ذمة الله)). # فطلبنا وجه هذا: كيف خص رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة من بين ~~الصلوات، فيه يصير في ذمة الله، فوجدنا عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا}، قال: ((يشهد الله وملائكته، وذلك أنه يتنزل إلى السماء الدنيا في ~~الساعة الآخرة من الليل، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر ~~له؟ حتى ينفجر الصبح، فإذا انفجر الصبح، وصليت الفجر، شهدها الله ~~وملائكته)). # 643 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا يحيى بن بكير المصري، قال: ~~حدثنا الليث بن سعد، عن زياد ابن محمد الأنصاري، عن محمد بن كعب القرظي، عن ~~فضالة ابن عبيد، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV03P177 # فإذا شهد العبد تلك الصلاة، شهد ما شهد الله له، فوقع في قربه، فصار في ~~ذمته، فهذا مما يوافق بدءا ما قلنا في شأن الصدقة. # ومما يحقق ما قلنا: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الصدقة ~~لو جرت على يد سبعين نفسا، لكان أجر آخرهم مثل أجر أولهم)). # معناه: أن هذه الأيدي كلها منتهية إلى الله تعالى بتقبل تلك الصدقة. PageV03P178 ### || AUTO الأصل السابع والمئة # 644 - حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: حدثنا هشام بن ms0380 عمار الدمشقي، ~~قال: حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ~~ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس ~~الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا بإضاعة المال، ولكن الزهادة أن لا ~~تكون بشيء مما في يدك أوثق منك مما في يد الله، وأن يكون ثواب المصيبة أحب ~~إليه من أن لو بقيت المصيبة عنده، ولكل حق حقيقة، ولا يبلغ العبد حقيقة ~~الإيمان، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ~~ولكل حق PageV03P179 ~~حقيقة، ولا يبلغ العبد حقيقة الإخلاص، حتى لا يحب أن يحمد في كل شيء يعمله لله)). # 645 - حدثنا عبد الله بن خلف بن موسى البلخي، عن الوليد بن مسلم، عن خالد ~~بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. PageV03P180 # ولم يذكر أبا ذر. # قال أبو عبد الله: فأصل الزهد هو الاستقلال. # يقال في اللغة: هذا شيء زهيد؛ أي: قليل، وإن استقل الشيء، دق في عينه، ~~وحقره، وتهاون به. # وقال في قصة يوسف -صلوات الله عليه-: {وكانوا فيه من الزاهدين}؛ أي: من ~~المتهاونين به، والمستحقرين له. # فالزاهد دقت في عينه الدنيا بما فتح له من الغيب، فرأى الآخرة ببصر قلبه، ~~فاستقل هذه، وتهاون بها، وخلق مضطرا محتاجا إلى القوت، وقد ضمن له رزقه، ~~فوثق بضمانه، وصار هذا الذي في يده كالأمانة، كأنه أودع وديعة، ووكل بحفظها ~~على نوائب الحق لينفقها هناك، فضمان الرب لعبده الرزق كان أوكد عنده، وأعظم ~~شأنا من أن يلتفت إلى ما في يده، فيركن إليه أن هذا رزقي، فإنما قدر على ~~هذا بما فتح له في الآخرة بصره، حتى قدت الدنيا في جنبه، وشخص بصره على ~~ضمان الرزاق في رزقه عند الحاجة إليه. # فأما من لم يفتح له بصره في الآخرة، وعظم قدر الدنيا عنده، فمتى ما وجد ~~منها شيئا، اجتذبت مخاليبه فيها، وتشبثت، وعلق قلبه بها، ولم يستبر على ~~قلبه ms0381 ضمان الرزق، وكلما ذكر الفقر، وأوجس في نفسه خيفة، ركن إلى ما في يده، ~~فهذا، وإن جانب الدنيا، وأكل النخالة PageV03P181 ~~والحشيش، فليس بزاهد، إنما هو متزهد، يتكلف الزهد بجوارحه. # وكذلك في المصائب يكون ثواب المصيبة آثر عنده من أن لو بقي عنده ذلك ~~الشيء؛ لأن الشيء من الدنيا، وقد دق في عينه، والثواب من الآخرة، وقد عظم ~~في عينه. # وأما قوله: ((ولا يبلغ العبد حقيقة الإيمان، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ~~ليخطئه))، فهذا علم اليقين. # فالموحدون كلهم يعلمون هذا، وذلك علم اللسان، وحجة الله على ابن آدم، ~~يخرجه على ألسنتهم إيمانهم، فبلسان التوحيد ينطقون، فلا تستقر قلوبهم مع ~~هذه الكلمة، حتى يفر من الذي يتخوف أن يصيبه فرارا يعصي الله فيه. # وأما أهل اليقين: فاستقر هذا العلم في قلوبهم، فانشرحت به صدورهم، فكانوا ~~في النوائب كرأي العين؛ أي: إن هذا الذي ناب قد كان في سابق العلم، ثم يصور ~~عندهم كونه في اللوح مسطورا، فاستقرت نفوسهم لعلم يقينهم بذلك. # فهذا عبد قد استنار في صدره وقلبه إيمانه، فهو حقيقة الإيمان، والإيمان ~~في القلب والصدر بينة، ولا يعلم ما في القلب إلا الله، فإذا خرج نوره إلى ~~الصدر، انشرح، فذلك هو حقيقة الإيمان، فظهر على الجوارح. # وأما حقيقة الإخلاص: فهو أن ينفي عن قلبه وصدره حب المحمدة، فقد يكون ~~مخلصا لله في أموره، يعملها من أعمال البر، وهو يجاهد نفسه في ذلك حتى ~~يصفيها ويخلصها، وليس ذلك حقيقة الإخلاص. PageV03P182 # إنما حقيقة الإخلاص: أن يزول عنه حب المحمدة والثناء، وذلك أن النفس إنما ~~تحب المحمدة والثناء؛ لينفذ قوله، وينال نهمته في دنياه من خلقه، وهو يقول ~~بلسان التوحيد: هذا كله من الله، ثم يراه الله معلق القلب بخلقه، طامعا ~~فيما لديهم، فهو غير ناج من التزين والترائي، يريد بذلك التحمد عندهم؛ ~~لتنال النفس ما تطمع فيه؛ لأن النفس قد علمت أن المذموم ساقط القدر، وفي ~~سقوط القدر حرمان الحوائج والنوال. # وأن المحمود رفيع القدر، وفي علو القدر وصول إلى النهمات، ms0382 وإسراف على ~~الأمور، ودرك الأشياء، فهذا عبد لم يبلغ حقيقة الإخلاص في العبودة لله، ~~فإذا استنار صدره بالإيمان، وتعلق قلبه بالله، نجا من الخلق، ومن الأسباب، ~~وشخصت آماله إلى خالقه، فيتقي الخلق بما تصور في صدره بما تنطق الألسنة به ~~من قوله: لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. PageV03P183 ### || AUTO الأصل الثامن والمئة # 646 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، قال: أخبرنا عبد الله بن ~~المبارك، قال: أخبرنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول ~~الله! عوراتنا ما نأتي منها، وما نذر؟ قال: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ~~ما ملكت يمينك)). قلت: أرأيت لو كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: ((إن استطعت ~~أن لا ترينها أحدا، لا ترينها)). قلت: أرأيت لو كان أحدنا خال؟ قال: ~~((فالله أحق أن يستحيا منه)). PageV03P185 # 647 - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع البصري قال: حدثنا يزيد بن زريع، ~~قال: حدثنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بمثله. # 648 - حدثنا سفيان، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن بهز، عن أبيه، عن جده، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # قال أبو عبد الله: فالعورة خلقت من الآدمي مستورة، وقد كان يستر عن آدم ~~-صلوات الله عليه- وحواء، وعاشا، ودخلا الجنة، ولم يعلما بذلك، حتى أكلا من ~~الشجرة، فانكشفت سوءاتهما، فأمرا بالستر حين نزلا. # قال الله -تبارك اسمه-: {ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما}. # وقال: {ليبدي لهما ما وري عنهما من سوءاتهما}، فسميت سوءة، وسترت عن آدم ~~عليه السلام. PageV03P186 # وروي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أنه قال: أول ما خلق الله تعالى ~~من الإنسان فرجه، ثم قال له: هذه أمانة قد خبأتها عندك. # 649 - حدثنا بذلك صالح بن عبد الله، قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن ابن أبي ~~نجيح، عن أبيه، عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما: أنه قال: أول ما خلق ~~الله -تبارك وتعالى- من الإنسان فرجه. # وكان ms0383 أصل الخلقة مستورا، فلما خرجا من ستر الله بالخطيئة، احتاجا إلى أن ~~يستراه. # فالزوجة وملك اليمين مطلق لك في ملامستهما، فكذلك النظر إليهما، إلا أن ~~الحياء يحجب صاحبه عن ذلك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقى أن يرى ~~أحد من نسائه عورته. # وروي عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها قالت: ما رأيت ذاك من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قط. PageV03P187 # فهذا وجه الأدب، ومحاسن الأفعال، وأما الإذن، فقد أذن فيها. # وقال في تنزيله: {والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين}. # وأما إذا كان خاليا، فتعرى، ولم يحتشم عن ذلك، فهذا قلب غافل عن الله، لم ~~يعلم بأن الله يرى علم اليقين. # وإذا سألته: هل يراك الله؟ اقتضى إيمانه أن يقول: نعم، يراني من غير أن ~~أشك فيه، أو أمتري، ثم لا يأخذه الحياء، ولا يثقل ذلك عليه؛ لأن الصدر لم ~~يستنر بنور ذلك، فيرى قلبه أن الله يرى، فعندها يصير كما قال أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه: إني لأدخل الخلاء، فأقنع رأسي حياء من الله. # وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا اغتسل، اغتسل في بيت مظلم، وحنى ~~ظهره، يستحيي أن يقيم صلبه. # فإنما حملهم على ذلك الحياء، وإنما توخى البيت المظلم؛ لئلا يرى نفسه، ~~فيكون أهون عليه. PageV03P188 ### || AUTO الأصل التاسع والمئة # 650 - حدثنا العلاء بن مسلمة الرواس، قال: حدثنا إبراهيم الطالقاني، قال: ~~أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن عاصم بن سليمان، عن حفصة بنت سيرين، عن أنس ~~ابن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحسن ~~إلى يتيم، أو يتيمة، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين))، وقرن بين أصبعيه. PageV03P189 # 651 - حدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا سفيان، عن صفوان بن سليم، عن ~~أنيسة، عن أم سعيد بنت مرة الفهرية، عن أبيها، قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ((أنا وكافل اليتيم له أو لغيره إذا اتقى الله في ms0384 ~~الجنة كهاتين، أو كهذه من هذه)). # قال أبو عبد الله: إنما برز هذا على سائر الأعمال؛ لأن اليتيم قد افتقد ~~تربية أبويه، وهي أعظم الأغذية، فحرم شفقة الأم وبرها، وتربيتها، وريحها، ~~وحجرها، وبر الأب، ولطفه، وتعاهده، ومصالح أموره، والله تعالى ولي ذلك كله، ~~يجريها على الأسباب، فإذا قبض أبويه، فهو الولي لذلك اليتيم، في جميع ~~أموره، يبتلي به عبيده؛ لينظر أيهم يتولى ذلك. # 652 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن طلحة، عن ~~عطاء، قال: قال موسى -صلوات الله PageV03P190 ~~عليه-: يا رب أتميت أبوي الصبي، ومن لا حيلة له، وتدعه هكذا؟ قال: يا موسى! ~~أما ترضى بي كافلا. # ومن أسمائه: الوكيل، والكفيل، فإنما توكل لعباده، وتكفل لهم بما يحتاجون ~~إليه، وهو حسبهم. # فاليتيم: كافله خالقه؛ لأنه قد قطع عنه من كان قيض له، وطوى عنه أسبابه، ~~فمن مد يده إلى كفالة هذا اليتيم، فإنما ذلك عمل يعمله عن الله، لا عن ~~نفسه، والرسل من شأنهم أنهم يعملون عن الله، يؤدون عن الله حججه إلى خلقه، ~~وبيانه، وهدايته، والذي يكفل اليتيم، يؤدي عن الله ما تكفل به، فلذلك صار ~~بالقرب منه في الدرجة، وبالقرب منه في الموقف، وليس في الموقف بقعة أروح، ~~ولا أنور، ولا أطيب، ولا آمن من البقعة التي يكون بها محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وسائر الرسل -صلوات الله عليهم-، فإذا نال كافل اليتيم القرب من تلك ~~البقعة، فقد سعد جده. # وإن سائر الأعمال يعملها العمال عن أنفسهم، وليس فيها السبب الذي وصفنا، ~~فإذا صام، أو تصدق، أو حج، فإنما يعمل ذلك عن نفسه. # ألا ترى أن الجهاد قد فارقهم؛ لأنه عن دين الله يذب، والكلمة العليا ~~تنصر، فهم على أثر الأنبياء يومئذ، وبالقرب منهم. # وقد ذكر الله في تنزيله في شأن العفو، فقال: {وجزاء سيئة سيئة PageV03P191 ~~مثلها}، فبين القصاص، وأذن فيه، ثم ندب إلى العفو، وأعظم شأنه، فقال: {فمن ~~عفا وأصلح بأجره على الله}. # فلم يجد شيئا من أعمال البر أجره مضمونا في عاجل ms0385 الدنيا غير العفو، ~~فطلبنا أصله من أين صار هكذا، فوجدنا أن الرجل إذا ظلم، وقع قلبه في سجن ~~المعصية، فصار محجوبا عن الله، فهو، وإن تاب، فغير مقبول منه، حتى يتحلل ~~المظلوم، فيهب منه ظلامته، وإذا وقع القلب في ظلمة، فهو في خذلان من ربه، ~~خبثت نفسه، وكسل، وذهبت قواه، ونزعت منه البركة، وعمي عن رؤية الحق، وجاءته ~~مصائب تترى في دينه، فلا يزداد إلا شرا وترديا، فإذا رحمه هذا المظلوم، لما ~~يعلم من فساد قلبه، وأنه مسجون بسببه، كره ذلك له من أجل أنه عجز عن طاعة ~~مولاه، وضاعت الحقوق بسببه، فوهب له ظلامته. # فإنما قيل: حلله؛ لأنه كان في وثاقه، فتخلص القلب من تلك الظلمة والسحائب ~~التي تراكمت على قلبه، فسأل الله مغفرته، فهذا قد عفا وأصلح ما فسد من قلبه ~~بسؤال ربه المغفرة له، فإنما عمل لله لا لنفسه؛ لأنه أطلق قلبه من وثاق ~~ظلامته حتى توصل إلى أن يعبد الله. PageV03P192 # فأعلم الله العباد أن أجره على الله، وسائر الأعمال تحصل يوم القيامة، فما ~~تقبل منها، أثيب عليه جزاء من الله لعبده وثوابا، والعفو أجرته مضمونة ~~للعبد في عاجل الدنيا. # قال الله -تبارك اسمه-: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}، فسمى ~~سؤال المغفرة له من عزم الأمور. # فقد أخذ هذا الذي عفا، وطلب له المغفرة بحظ من أمر أولي العزم من الرسل، ~~وكان من أولي العزم من الرسل من ضربه قومه، حتى يسيل دمه على وجنته، فإذا ~~أفاق قال: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)). # 653 - حدثنا إسماعيل بن نصر بن راشد، قال: حدثنا محمد بن بشر العبدي، ~~قال: حدثنا أبو رجاء الجزري، عن الحسن، قال: ينادي مناد يوم القيامة: ألا ~~من كان له على الله أجر، فليقم، فلا يقوم إلا من عفا. # 654 - حدثنا عمرو بن علي الصيرفي، قال: حدثنا PageV03P193 ~~عبد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن أبي عمران ~~الجوني، عن ربيعة الأسلمي، قال: كنت أخدم النبي صلى الله ms0386 عليه وسلم، فقال ~~لي: ((يا ربيعة! ألا تزوج؟))، قلت: يا رسول الله! أريد ذاك، وما عندي ما ~~يقيم المرأة، وما أحب أن يشغلني منك شيء، فتركني ما شاء الله، ثم قال: ((يا ~~ربيعة! ألا تزوج؟))، فقلت له مثل قولي الأول، ثم قلت: والله! لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أعلم بما يصلحني في أمر دنياي وآخرتي، والله! لئن قال ~~لي: يا ربيعة! ألا تزوج؟ لأقولن: بلى يا رسول الله! مرني بما شئت؟ فقال لي: ~~فقلت: بلى يا رسول الله، فقال: ((ائت بني فلان -حيا من الأنصار-، فقل: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليكم يأمركم أن تزوجوا ربيعة ~~فلانة)). # فأتيتهم، فقالوا: مرحبا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبرسول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فوالله! لا يرجع رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا بحاجته، فرحبوا بي، وأكرموني، وألطفوا بي، فرجعت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حزينا، فقال لي: ((يا ربيعة! PageV03P194 # ما لك حزينا؟))، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أتيت أكرم قوم، فرحبوا ~~بي، وأكرموني، وألطفوا بي، من أين لي الصداق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ((يا بريدة! اجمعوا له وزن نواة من ذهب))، فجمعوا لي وزن نواة من ذهب، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اذهب بها إليهم، وقل: هذا صداقها))، ~~فذهبت بها إليهم، وقلت: هذا صداقها، فقبلوا ورضوا، وقالوا: كثير طيب، فرجعت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حزينا، فقال: ((ما لك يا ربيعة حزينا؟))، ~~قلت: يا رسول الله! أتيت أكرم قوم، فقبلوا ورضوا، وقالوا: كثير طيب، من أين ~~لي الوليمة يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اجمعوا له ~~في ثمن شاة))، فجمعوا له، فاشتروا لي كبشا سمينا ضخما، وقال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # ((اذهب إلى عائشة، فقل لها تبعث بما كان عندها من طعام))، فانطلقت إلى ~~عائشة -رضي الله عنها-، فقلت لها: إن رسول الله صلى الله عليه ms0387 وسلم بعثني ~~إليك تبعثين بما كان عندك من طعام، فقالت لي: خذ ذاك المكتل، فيه تسعة آصع ~~من شعير، والله! ما أصبح في بيتنا طعام غيره، فأخذته، فأتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: ((اذهب به إليهم، وقل: ليصبح هذا عندكم خبزا))، قال: ~~فانطلقت به وبالكبش، فأخذوا الطعام، وقالوا: اكفنا أنت PageV03P195 ~~الكبش، قال: فجاء معي ناس من أسلم، فاجتمعنا على الكبش، فذبحناه وسلخناه ~~وطبخناه، فأصبح عندنا خبز ولحم، فأصبحت عروسا، فدعوت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه. # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أعطاني أرضا، وأعطى أبا بكر ~~أرضا، وجاءت الدنيا حتى اختلفت أنا وأبو بكر في نخلة بيننا، فقلت: هي من ~~أرضي، فقال أبو بكر: هي من أرضي، فقال لي أبو بكر كلمة كرهها بعد ذلك، فقال ~~لي: رحمك الله، رد علي مثلها، حتى تكون قصاصا، قلت: لا أرد عليك، قال لي: ~~رحمك الله رد علي مثلها، حتى تكون قصاصا، قلت: لا، قال: لأستأذنن عليك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وانطلقت أتبعه، وجاء ناس من قومي معي، فقالوا: هو الذي قال لك: ففيما ~~يستأذن عليك، قلت: أتدرون من هذا؟ قالوا: لا، قلت: هذا أبو بكر الصديق، ~~وهذا ثاني اثنين، ارجعوا لا يلتفت فيراكم معي تنصروني عليه، فيغضب، فيأتي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره، فيغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لغضبه، فيغضب الله لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهلك ربيعة، فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رأسه إلي، PageV03P196 ~~فقال: ((يا ربيعة! ما لك والصديق؟))، فقلت: يا رسول الله! كان بيني وبينه ~~اختلاف في نخلة، فقال لي كلمة كرهها بعد ذلك، فقال لي: ردها علي حتى تكون ~~قصاصا، فقلت: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تردها عليه، ~~ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر))، قلت: غفر الله ms0388 لك يا أبا بكر، فولى أبو ~~بكر رضي الله عنه يبكي)). PageV03P197 ### || AUTO الأصل العاشر والمئة # 655 - حدثنا العلاء بن مسلمة الرواس، قال: حدثنا عمر بن يونس اليمامي، عن ~~عكرمة بن عمار، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لي حوضا ما بين عدن وعمان، آنيته عدد ~~نجوم السماء، له ميزبان: أحدهما: من ورق، والآخر: من ذهب، يمدانه من الجنة، ~~لا يرد عليه من كذب به)). PageV03P199 # قال أبو عبد الله: فالحياض يوم القيامة للرسل، لكل على قدره، وقدر تبعه، ~~وهو شيء يلطف الله به عباده، فإنهم تخلصوا من تحت يدي قابض الأرواح قد ~~أذاقهم حرارة الموت، وطالت مدتهم في اللحود، ونشروا للهول العظيم، والغوث ~~لأهل التوحيد من الله مترادف، أغاثهم يوم اللوح، فأثبت أسماءهم بالولاية، ~~ونقلهم في الأصلاب وعينه ترعاهم، كلما أراد إهلاك أحدهم، أخرجه من صلب إلى ~~قالب، حتى أداه إلى آخر قالب، ثم أنزله إلى الدنيا، فرباه، وهداه، وهيأه، ~~وهيأ له، وكلأه حتى ختم له بما ابتدأه، فهذا غوثه له في كل وقت وموطن، فلما ~~أذاقه الموت المرير، وحبسه في مدفنه مع البلاء الطويل، ثم أنشر بدعوة ~~واحدة، فبعثه إلى موقف عظيم بين الجنة والنار. # فمن غوثه إياه أن جعل الرسول الذي أجابه فرطا له، قد هيأ له مشربا يروى ~~منه، فلا يظمأ بعدها أبدا، ويسعد فلا يشقى بعدها أبدا، وينعم فلا ييأس ~~بعدها أبدا، فمن لم يرد عنه إذا دنا منه، وسقي، فقد استقر في جوفه ما حرمت ~~النار عليه، ثم ينصب الصراط للجواز عليه. # وروي في الخبر: أن المدد لهذا الحوض من الكوثر الذي أعطاه الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بالمنة. PageV03P200 # 656 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا سلمة بن ~~عثمان، عن أبيه، قال: حدثني عدي بن ثابت الأنصاري، قال: حدثني زر بن حبيش، ~~قال: حدثني أبي ابن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أول من ms0389 ~~يدعى يوم القيامة أنا، فأقوم فألبي، ثم يؤذن لي في السجود، فأسجد له سجدة ~~يرضى بها عني، ثم يأذن لي، فأرفع، فأدعو بدعاء يرضى به عني))، فقلنا: يا ~~رسول الله! وكيف تعرف أمتك يوم القيامة؟ قال: ((يقومون غرا محجلين من آثار ~~الوضوء، فيردون على الحوض ما بين بصرى إلى صنعاء، أشد بياضا من اللبن، ~~وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحا من المسك، فيه، من الآنية عدد ~~نجوم السماء، من ورده، فشرب منه لم يظمأ بعده أبدا، ومن صرف عنه، لا يروى ~~بعده أبدا، ثم يعرض الناس على الصراط، فيمر أوائلهم كالبرق، ثم يمرون ~~كالريح، ثم يمرون كالطرف، ثم يمرون كأجاود الخيل والركاب، PageV03P201 ~~وهي على كل حال، وهي الأعمال، والملائكة جانبي الصراط يقولون: رب سلم سلم، ~~فسالم ناج، ومخدوش ناج، ومرسل في النار، وجهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع ~~فيها رب العالمين ما شاء أن يضع، فتزوى وتنقبض، وتغرغر كما تغرغر المزادة ~~الجديدة إذا ملئت، وتقول: قط قط، قط)). # معنى قوله: قط؛ أي: حسب. PageV03P202 ### || AUTO الأصل الحادي عشر والمئة # 657 - حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، قال: حدثنا محمد بن الحسن ~~الأسدي، قال: حدثنا أبو شيبة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: لما قبض ~~إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((لا تدرجوه في أكفانه حتى أنظر إليه))، فأتاه، فانكب عليه وبكى. # قال أبو عبد الله: فالولد من ريحان الله، فيشمه المؤمن، فيلتذ به. PageV03P203 # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه خرج وهو محتضن أحد ابني ابنته، فقال: # ((إنكم لتجهلون، وتجبنون، وتبخلون، وإنكم لمن ريحان الله)). # 658 - حدثنا بذلك الجارود، قال: حدثنا سفيان ابن عيينة، عن إبراهيم بن ~~ميسرة، عن ابن أبي سويد، عن عمر بن عبد العزيز، عن خولة بنت حكيم، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # فكأنه أحب أن يتزود من ريحان الله عند آخر العهد به، وانكبابه عليه يدل ~~على ms0390 اشتمامه. # ولذلك قيل: ((ريح الولد من ريح الجنة)). # كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الرسول يفعل فعل ~~المشتاقين إذا هاج به غليان الشوق إلى الله. # ألا ترى أنه كان إذا قطرت السماء، تجرد، وكشف عن رأسه، وأبرز، ثم يتلقاه ~~بجسده، ويقول: ((إنه حديث العهد بربه)). PageV03P204 # ألا ترى أنه كان ينكب على الحجر الأسود، ويقول: ((هاهنا تسكب العبرات))؟ # ألا ترى أنه كان يستبطئ جبريل في مجيئه، حتى قال: يا محمد! ما تتنزل ~~الملائكة إلا بأمر ربك، فنزلت الآية على لفظه: {وما نتنزل إلا بأمر ربك}. # فانكبابه على إبراهيم عند إدراجه في أكفانه تزود منه، وبكاؤه توجع منه؛ ~~لمفارقته من يشتمه ريحانا من الله. # وإنما قيل: من رياحين الله، فنسب إلى الله؛ لأنه هبة الله، فالهبة منه: ~~حشوها البر واللطف، وظاهرها: الابتلاء. # وقال في تنزيله: {يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور}. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((أولادكم من هبة الله ~~لكم، فكلوا من كسبهم)). # ووجه آخر: أنه بكى رحمة له؛ لأن أجساد الأموات إنما كرمت بالأرواح، وشرفت ~~بالعبودة، فنظر إلى جسد خاو قد فاته الروح والعبودة، فلا بالروح تمتع، ولا ~~بالعبودة التذ. PageV03P205 # وروي في حديث عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((هذه رحمة، ومن لا يرحم لا ~~يرحم)). PageV03P206 ### || AUTO الأصل الثاني عشر والمئة # 659 - حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا خلف بن خليفة أبو أحمد الأشجعي -وكان ~~قد رأى عمرو بن حريث صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم-، عن حميد الأعرج، ~~عن عبد الله ابن الحارث، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: لما نزلت: {من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا}، قال أبو الدحداح الأنصاري: أو إن الله ليريد ~~منا القرض؟ قال: ((نعم يا أبا الدحداح))، قال: أرني يدك يا رسول الله -بأبي ~~أنت وأمي-، قال: فناوله يده، قال: فإن أقرضت ربي حائطا فيه ست مئة نخلة، ~~قال: فجاء إليه، ونادى، وهو خارج من الحائط: يا أم الدحداح! ms0391 مرتين، قالت: ~~لبيك، قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي. PageV03P207 # قال أبو عبد الله: # فالقرض: سفاتج الآخرة؛ بأن الله تعالى جعل هذا المال قواما لمعاش ابن ~~آدم، وجعل قوام الروح به، فأحبه الآدمي على قدر ما رأى من نفعه ومحله من ~~الأشياء. # والمحبة: لازقة بالقلب، وإنما سميت محبة؛ لأنها تخلص إلى حبة القلب ~~شهوته، وهو باطن القلب، وإنما هما بضعتان: قلب، وفؤاد، فالقلب: ما بطن، ~~والفؤاد: البضعة التي قد اشتملت على قلبه، وفي الفؤاد العين والأذن، ألا ~~ترى إلى قوله تعالى: {ما كذب الفؤاد ما رأى}. # فنسب الرؤية إلى الفؤاد، ثم قد يجمعان في اسم واحد، فيقال للكل منه: قلب، ~~كما قيل: نفس وروح، وقال في تنزيله: {الله يتوفى الأنفس حين موتها}. وقيل: ~~قبض روحه، وخرجت PageV03P208 ~~روحه، فهما شيئان، وفي تمييز هذا كلام كثير، ومما يدل على ما قلنا: قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ((أتاكم أهل اليمن ألين قلوبا، وأرق أفئدة)). # 660 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، عن أبي معاوية، عن ~~الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # فوصف القلب باللين، والفؤاد بالرقة، وذلك أن القلب بضعة من PageV03P209 ~~لحم في بضعة أخرى، فالقلب: ما بطن منه، وهو البضعة الباطنة، والفؤاد ما ظهر ~~منه، وفيه العينان، والأذنان، ألا ترى إلى قوله تعالى: {ما كذب الفؤاد ما ~~رأى} فنسب الرؤية إليه، وذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرقة. # ويقال في اللغة: خبز فئيد، وهو خبز الملة، وهو على هذه الصفة خبزة في ~~أخرى، كالغشاء لها ظهارة، فنور التوحيد في القلب بينه وبين الفؤاد، فشهوة ~~النفس قد خلصت إلى حبة القلب، فلصقت به، فقيل: حبة، وذاك معدن الإيمان، ~~والحكمة، والنور، ومستقر النور، وليس بموضع شهوة؛ فإن الشهوة هي دنيا، وهي ~~داء القلب، وسقم الإيمان. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((حبك الشيء يعمي ~~ويصم)). # 661 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا ms0392 ابن ~~المبارك، عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال ~~بن أبي الدرداء، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حبك الشيء PageV03P210 ~~يعمي ويصم)). # فإذا خلص حب شهوة شيء إلى القلب، فقد أعمى بصر القلب، وأصم أذنه؛ لأن ~~القلب إنما صار بصيرا بالنور، وصار به سميعا، فإذا خالطته ظلمة الشهوات، ~~ودخان فورها؛ ثقل الأذن، وغشي البصر. PageV03P211 # ومن هاهنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان: ((قل: اللهم إني أسألك ~~صحة في إيمان)). # فإنما سأل الصحة من السقم، وسقم الإيمان ما خالطه من شهوة النفس. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الإيمان حلو نزه، ~~فنزهوه)). # فلما كان هذا هكذا، وذكر الله في تنزيله: خروج العباد من أموالهم على ~~وجوه، فقال: {وأنفقوا في سبيل الله} وقال: {تصدقوا}، وقال: {إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هي}. # وقال: {وءات ذا القربى حقه والمسكين}، وقال: {وإيتاء ذي القربى}، وقال: ~~{ويطعمون الطعام على حبه}. # فذكر النفقة، وذكر الصدقة، وذكر الإيتاء، وذكر الإطعام، ففي كل ذلك إنما ~~أشار إلى المساكين، وإلى سبيله، فلما صار إلى ذكر القرض؛ أشار إلى إقراضه ~~دون خلقه، وذكر ثواب النفقة، فقال: {وما تنفقوا من خير يوف إليكم}، وقال: ~~{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة}. PageV03P212 # وقال في شأن الصدقة: {ويكفر عنكم من سيئاتكم}. # وقال في شأن الإطعام: {فوقاهم الله شر ذلك اليوم}. # فلما صار إلى ذكر ثواب القرض، قال: {إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ~~ويغفر لكم}، فوعد المغفرة والتضعيف، ثم ذكر تضعيفه في آية أخرى، قال: {من ~~ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة}. # فذكر التضعيف بالكثرة، والكثير من الله لا يحصى، فوجدنا للقرض في كل مكان ~~معنى زائدا في الاسم الذي سمي به؛ في مخرج الفعل، وفي مبتدئه، وفي مختتمه، ~~وفي ثوابه، وفي الشرط الذي علق به، فقال: قرضا حسنا، وليس لسائر هذه ~~الأشياء ms0393 هذا الشرط. # فأما اسمه: # فإن القرض: هو القطع، ومنه سمي المقراض؛ لأنه به يقطع الشيء اللاصق ~~بالشيء، وليس منه، إذا قرض بالمقراض. # فإنما يحسن قرضه، إذا قرضه من أصله قرضا، لا يبقى هناك شيء ولا ينهك في ~~قرضه حتى يأخذ من أصله شيئا أكثر من الزيادة اللاصقة PageV03P213 ~~به، فهذا القرض الحسن ليس بمنهك ولا مقصر. # فكذلك هذا الشيء الذي لصقت شهوته ومحبته بالقلب، فإذا صرفه إلى نوع من ~~أنواع البر، فقد فرض محبته من قلبه، فإنه قد فارقه ملكا، وأخرجه إلى ملك ~~غيره، فإذا أعطى، وعلى قلبه كراهة الإعطاء، وعسره، فقد قطعه، وبقي هناك شيء ~~فلم يستأصله، وإذا أعطى، وانتظر الخلف، والثواب، فقد شخصت عيناه إلى محبة ~~شيء، هو أعظم من الذي أعطى، وإلى ما يدق هذا في جنب ما طمع فيه، فقد أنهك القطع. # فإذا أعطى لربه، فإنما يعطيه عطاء لا يتبع نفسه العطية، ولا الخلف منها، ~~ولا الثواب عليها، فإن الله عز وجل ابتلى العباد بما أعطاهم من الدنيا، ثم ~~سألهم منها بعد إذ ولجت لذة منافعه قلوبهم، محنة لسرائرهم، فمن أسكرته لذة ~~هذه المنافع؛ فإنما أسكرت عقولهم عن الله، فصارت فتنة عليهم. # فإن أعطى كرها، لم تصف عطيته، وإن أعطى على طمع ثواب، أو خلف منها، لم ~~تصف عطيته، وإنما تصفو: إذا أعطاه عطاء من كان الشيء عنده بأمانه، فلو أن ~~رجلا أودع آخر وديعة كان حفظها مؤنة عليه، ولو استردها، اغتم ذلك منه، ~~وتسارع إلى ردها، ولا يقوى على هذه الخطة إلا أهل الصفوة، وهم أهل اليقين، ~~والمقربون السابقون؛ لأن الأشياء عندهم عواري وودائع، قبلوها عن الله ~~بقلوبهم، وأمسكوها لله على نوائب حقوقه، قد سقط عن قلوبهم قدر الدنيا وما ~~فيها، وولجت قلوبهم PageV03P214 ~~عظمة الله، فدقت الدنيا في أعينهم، فإذا أعطوا منها شيئا، فإنما هي عندهم ~~أمانة، خرجوا منها إلى الله في وقت يأتيه الحق، فهم أمناؤه وخزانه في أرضه ~~أمنا، فلم يخونوا في شأن أرواحهم، ينتظرون دعوته متى يجيئهم رسوله الموكل ~~بالأرواح، فيسبحوا بأرواحهم طائرين ms0394 إليه، وأقوى اللذات في الدنيا الحياة، ~~وابن آدم أشد فرحا بها من سائر الأشياء، فلن تذهب بهذه اللذة منهم إلا وجود ~~لذة لقاء الله، ولن يذهب بهذا الفرح منه إلا الفرح بلقاء الله، فمن أجل ذلك ~~سمحوا وجادوا بأرواحهم، ولن يتلكؤوا، ولا ترددوا في ذلك، وخزانه في أرضه قد ~~ماتت شهوات نفوسهم عن جميع حطامها، وإمساكها حرصا، وعدة، والدنيا عندهم كما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما مثل الدنيا: كمثل راكب يستظل ~~شجرة، ثم راح منها)). # وكما فعل أبو بكر رضي الله عنه حيث حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الصدقة، فأتى بماله كله، فقال: ((ما تركت لأهلك يا أبا بكر؟))، قال: ~~الله ورسوله. # فالمستغني بالله لا بالمال هكذا قوله، وإنما يؤدي بلسانه عما في ضميره، ~~فمن أعطى العطية، وغناؤه بالله، لم تشخص عيناه إلى الخلق والثواب، ولم يكن ~~عليه في وقت الإعطاء عسر، ولا كراهة، فهذه عطية الأولياء ونفقاتهم، فحث ~~الله العباد على أن يقرضوا قرضا حسنا، كقرض PageV03P215 ~~الأولياء والأمناء والخزان، وسائر العطايا إنما هي صدقة وإطعام ونفقة، ~~فباين هذا سائر العطايا بونا بعيدا. # ومما يحق ذلك ما ذكر في حديث [أبي] الدحداح أنه قال: ارني يدك يا رسول ~~الله، فإنما قال: أرني يدك يا رسول الله؛ ليصفق على يده بالعطاء؛ لأن ~~الرسول فيما بينه وبين ربه. # ألا ترى إلى قوله: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق ~~أيديهم}. فقد بايع الرسول، ومن بايع الرسول، فقد بايع الله، ومن أعطى ~~الرسول، فقد أعطى الله، فالرسول: ولي الله في الأرض، يتولى قبض ما يعطى ~~لله، حتى يضعه حيث يأمره الله، ثم لما صار إلى الحديقة، لم يدخلها، فأخرج ~~عياله منها، وجلا عنها، وقال: إني أقرضته ربي، فإنما توقى دخولها عندنا ~~-والله أعلم- مخافة أن تتبعه نفسه شيئا مما ذكرنا، ولم يأمن نفسه، فاجتنب ~~دخولها، فلم يكن هذا إلا وفي النفس شيء. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كم من عذق مذلل لأبي الدحداح في ms0395 ~~الجنة!)). PageV03P216 # فإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فيما نرى والله أعلم؛ أن الله ~~ذكر الأبرار في تنزيله، فوصف أفعالهم وأقوالهم وثوابهم، فقال: {إن الأبرار ~~يشربون من كأس كان مزاجها كافورا}، ثم وصف أفعالهم، فقال: {يوفون بالنذر ~~ويخافون يوما كان شره مستطيرا. ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا. إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا}، فوصف الله ~~ثوابهم، فقال: {ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا}. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن الشجرة طولها مسيرة ~~مئة عام، فتذلل لصاحبها حتى ينال قطف ثمرها على سريره، إن شاء قائما، وإن ~~شاء قاعدا، وإن شاء مضطجعا))، ونزلت: {قطوفها دانية}. # وروي في حديث: أن المشركين تعجبوا عند نزول هذه الآية، فأنزل الله تعالى: ~~{أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}. # معناه: أنهم لا ينظرون إلى قوائم الإبل، وأنهم لا يصلون إلى ركوبها، فقد ~~ذللتها لهم، وسخرتها لهم، حتى تستنيخ لهم، فيحملون عليها، ويركبونها، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كم من عذق مذلل لأبي الدحداح في الجنة!))، ~~فإن ذكر ثوابه في الجنة من هذا الذي وصف في الآية. # وأما عطية المقربين وصدقاتهم وقرضهم ربهم، فقد صار شيئا واحدا PageV03P217 ~~لا تمييز فيه؛ لأن قلوبهم في تلك الأفعال لله الواحد القهار في وحدانيته ~~يعبدونه، ليس على قلوبهم غيره، وإنما تطير الأشياء وذكر النفس على القلب ~~إذا وصل إلى وحدانيته، فانفرد القلب هناك في خلوته، فهو الذي قد حيي به، ~~فذكر الله عطيتهم في تنزيله فقال: {فأنذرتكم نارا تلظى. لا يصلاها إلا ~~الأشقى. الذي كذب وتولى} إلى قوله: {ولسوف يرضى}. # فأخبر أن من يؤتي ماله يتزكى؛ أي: يتطهر، فإن محبته إذا ولج القلب سقم ~~الإيمان، وإذا سقم الإيمان، تدنس القلب، وإذا تدنس القلب، وسخت الجوارح. # ثم قال: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى}؛ أي: ليس يعطي لمكافأة، ولا لإحراز ~~منفعة في دنياه، ثم قال: {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى}؛ لأن الرب في لغة ~~العرب المالك، فكل ms0396 من ملكك فهو ربك. # ألا ترى إلى قول يوسف -صلوات الله عليه-: {معاذ الله إنه ربي أحسن ~~مثواي}؛ يعني به: مالكه الذي اشتراه، وهو عزيز مصر. # فمن ملكته نفسه، فهو ربه، فإنما قيل: الأعلى؛ لأنه هو المالك الأعلى الذي ~~يملك ولا يملك، ثم يملك عليه من نفسه والآدميين، ولذلك قال: {سبح اسم ربك ~~الأعلى}. PageV03P218 # وإنما قيل: الأعلى؛ لأن الآدمي قد اتخذ ربا من دونه؛ أي: أطاعه كأنه مالك ~~له، وهو قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم الطائي حين سأله عن هذه الآية: ~~((أما إنهم لم يصلوا لهم، ولا صاموا، ولكن أطاعوهم فيما استحلوه مما حرم ~~الله عليهم)). # فالأصل في ذلك: أن كل من ملكك في اللغة يسمى ربا، ويقال: ربه يربه، فهو ~~راب كما يقال: ملكه يملكه، فهو مالك، وإنما هو في الأصل: راب، ثم أسقطوا ~~الألف ليخف، فقالوا: رب، كما قالوا: بار، وبر، فأخبر في قوله: {إلا ابتغاء ~~وجه ربه الأعلى} أي: ليس للنفس في هذه العطية نصيب، لا من طريق الثواب، ولا ~~من الخلف، إنما PageV03P219 ~~يبتغي وجهه فقط، ثم قال: {ولسوف يرضى}؛ أي: يبلغ نهاية منيته. # وقال في آية أخرى: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله}، وهذا ~~ابتغاء مرضاة الله، وإن محبة المال ضائرة مفسدة للقلب، واسمه دليل على ~~فعله؛ لأنه ميال بالقلوب والنفوس عن الله، وعن الدار الآخرة، وعن العبودة. # وقد ذكر الله شأن من جمعه في غير موضع، فردده فقال: {كلا إنها لظى. نزاعة ~~للشوى. تدعوا من أدبر وتولى. وجمع فأوعى}. وقال: {وتحبون المال حبا جما. ~~كلا إذا دكت الأرض دكا دكا} الآية، وقال: {الذي جمع مالا وعدده. يحسب أن ~~ماله أخلده}. # وردد آية النفقات والإطعام في غير آية؛ لأنه أشد على الإنسان والنفس ~~وأنكد، فقال: {وآتى المال على حبه}، {ويطعمون الطعام على حبه}، وقال: {لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}. # وقد وصف الله الإمساك في تنزيله، فقال: {قل لو أنتم ms0397 تملكون خزائن رحمة ~~ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا}. فهذا طبع الآدميين إلا ~~من اختصه الله، فجبله على السخاوة، وهو طبع الأولياء. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ما جبل الله وليا له ~~إلا على السخاء)). # والسخاء هو سماحة النفس وطيبها، وسقوط قدر الشيء عنها، وهو PageV03P220 ~~كرم النفس إذا كانت تربتها لينة كما عجنت، كان طيبا حرا، فلما صارت لحما ~~ودما ونفسا، كانت كريمة منقادة سلسلة، مفقودة الكزازة والصعوبة والفتور، ~~يخشى الإنفاق، حتى تحمله الخشية على منع الحقوق، فإذا اتقى الله، وخاف ~~وعيده، عمل فيه الخوف، حتى تضعف فيه خشية الإنفاق، فإذا أنفق، أنفق عن جهد وكره. # 662 - حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس، عن عبد العزيز ~~بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان إذا أعجبه ~~الشيء، أخرج منه إلى الله، وكانت له سرية، وكان بها معجبا، فأعتقها، وزوجها ~~بعض مواليه، فولدت له غلاما، فكان ابن عمر رضي الله عنه يضم ولدها إلى ~~نفسه، ثم يقبله، ثم يقول: واها! إني أجد منك ريح فلانة -يعني: جاريته-، ~~وكان راكبا بعيرا له، فأعنق، فأعجبه سيره، فقال: إخ إخ، فنزل، ثم قال: يا ~~نافع! جلله، وألحقه بالبدن. PageV03P221 ### || AUTO الأصل الثالث عشر والمئة # 663 - حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، قال: حدثنا موسى بن هلال ~~العبدي، عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((من زار قبري، وجبت له شفاعتي)). # قال أبو عبد الله: # فزيارة قبره صلى الله عليه وسلم هجرة المضطرين، هاجروا إليه، فوجدوه ~~مقبوضا، PageV03P223 ~~فانصرفوا، فليس بمحقوق أن يجنبوا، بل يعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~ذلك عنهم، فيوجب لهم شفاعته، يقيم حرمة زيارتهم، فإنما الشفاعة لمن أوبقته ذنوبه. # فأما المتقون الورعون، وأهل الاستقامة، فقد كفاهم ما قدموا عليه، فإنما ~~نالوا تقواهم وورعهم برحمة شاملة، فتلك الرحمة لا تخذلهم في مكان. # وروي ms0398 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((شفاعتي للمتلوثين ~~المخلطين بالمتدنسين، فأما المتقون، فقد كفوا أنفسهم)). # وللشفاعة درجات: كل صنف من أهل الدين يأخذون حظا منها على حياله؛ ~~المتقون، والورعون، والعابدون، والزاهدون، والأولياء. # وأما شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فتلك شفاعة لا تشبه شفاعة غيره من ~~الأنبياء والأولياء؛ لأن شفاعة غيره من الأنبياء والأولياء من الصدق ~~والوفاء والحظوظ، وشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم من الجود من بدء القدرة، ~~ومن سر القدر. PageV03P224 # ألا ترى أنه قال: ((إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ليرغب إلي يوم ~~القيامة)). # وفي حديث آخر: ((قد يحتاج)). PageV03P225 ### || AUTO الأصل الرابع عشر والمئة # 664 - حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا مرحوم بن عبد العزيز العطار، قال: ~~حدثنا أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر رضي الله عنه، ~~قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صل الصلاة لوقتها، فإن أتيت ~~الناس، وقد صلوا، كنت قد أحرزت، وإن لم يكونوا صلوا، كانت تلك لك نافلة)). PageV03P227 # 665 - حدثنا أبو الأشعث العجلي، قال: حدثنا حماد ابن زيد، عن أبي عمران ~~الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، بمثله. # قال أبو عبد الله: # فالوقت ممدود، فكلما صلاها قبل مضي آخرها، فهو لوقتها، وإنما جرى ذكر هذا ~~الأمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم أصحابه بما يكون بعده من ~~الأحداث والفتن، حتى قال: ((سيكون بعدي أمراء، يميتون الصلاة، ويصلونها ~~لغير وقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة)). PageV03P228 # فقد أخبر أنهم يصلون لغير وقتها، ومن صلاها في آخر وقتها، فقد صلاها في ~~وقتها؛ لأن ذلك الوقت هو وقت للصلاة، وقد صلاها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك الوقت، وقد ظهر شأن هذا الحديث وتأويله في زمن بني أمية. # 666 - حدثنا محمد بن علي الشقيقي، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا أبو حمزة ~~اليشكري، قال: سألني عطاء بن السائب عن أبي مسلم، فأخبرته، فقال: ms0399 أين يقع ~~هذا من الحجاج؟ كان يخطبنا الحجاج يوم الجمعة، فلم يزل يخطب، حتى غربت ~~الشمس، ثم نزل، فصلى الظهر، والعصر، والمغرب. # 667 - حدثنا مؤمل بن هشام اليشكري، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ~~سوار بن عبد الله، عن عبد الواحد ابن صبرة، قال: قال سالم وهو يحدث القاسم ~~بن محمد: لما قدم علينا الوليد بن عبد الملك، جاءت الجمعة، فجمع PageV03P229 ~~بنا، فما زال يخطب حتى مضى وقت الجمعة، ولم يصل، فقال القاسم: فما قمت ~~فصليت؟ قال: لا، والله! خشيت أن يقال: رجل من آل عمر، ثم قال: ثم ما زال ~~يخطب حتى زال وقت العصر ولم يصل، قال: فقال القاسم: فما قمت فصليت؟ قال: ~~لا، قال: فما صليت قاعدا؟ قال: لا، قال: فما أومأت؟ قال: لا. # فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر رضي الله عنه: ((وإن ~~لم يكونوا صلوا، كانت لك نافلة)). # أي: صلاتك التي صليت معهم هي النافلة؛ لأن الفريضة قد مضت، وقد قال في ~~رواية أخرى: ((واجعلوا صلاتكم معهم سبحة)). # 668 - حدثنا بذلك علي بن خشرم، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن ~~زر بن حبيش، عن عبد الله PageV03P230 ~~ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنكم ~~لعلكم ستدركون أقواما يصلون الصلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم، فصلوا في ~~بيوتكم للوقت الذي تعرفون، ثم صلوا معهم، واجعلوها سبحة)). PageV03P231 ### || AUTO الأصل الخامس عشر والمئة # 669 - حدثنا الحسين بن الحسن المروزي، قال: حدثنا ابن المبارك، عن أسامة ~~بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم استن، فأعطى أكبر القوم، قال: ((أمرني جبريل أن أكبر)). # 670 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا الحكم ابن ظهير، عن زيد بن ~~رفيع، قال: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل، وميكائيل، وهو ~~يستاك، فناول رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل السواك، فقال جبريل لمحمد ~~عليه السلام: كبر -أي: ms0400 ناول PageV03P233 ~~ميكائيل-؛ فإنه أكبر. # 671 - حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، عن ~~يحيى بن أيوب، وابن لهيعة، قال: حدثنا ابن الهاد، عن عبد الله بن كعب: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استن، أعطى السواك الأكبر، وإذا شرب، ~~أعطى الذي عن يمينه. # قال أبو عبد الله: # فالسواك من حق الأسنان؛ لأنه يشد اللثة، ويذهب الحفر، فأكبرهم سنا، ~~أقدمهم خروج أسنان، ومن كان أقدم، فهو أحق، فإنما ينظر إلى الأكبر في السن، ~~فيقدم، فكذلك في الجوارح يبدأ بالأقدم. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الحاجبين ما يحقق هذا. PageV03P234 # 672 - حدثنا بذلك عيسى بن أحمد العسقلاني، قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن ~~أبي توبة النميري، قال: حدثني خليد بن دعلج الموصلي، عن قتادة رضي الله ~~عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ادهن أحدكم، فليبدأ ~~بحاجبيه؛ فإنه يذهب بالصداع))، أو قال: ((ينفع من الصداع)). # وإنما ينفع عندنا من الصداع والله أعلم: أن العقل مسكنة الدماغ، وتدبيره ~~على القلب، فهذه كلمة جارية على ألسنة العامة، يقال: فلان ليس في رأسه ~~دماغ، وفلان حار الرأس، فإنما يراد به: العقل، فحرارة الرأس وذكاوة الدماغ ~~من العقل، والعقل يسكن في الدماغ، ويدبر على القلب، ويذكي الفؤاد؛ أي: ~~يوقده بحره. # فإذا اتبع الحق في كل شيء من أمره، فقلبه مستريح، وإذا اتبع الجهل، ~~أتعبه، فإذا بدأ في الحاجبين بالمشط والدهن، فقد أدى حقه؛ لأنه PageV03P235 ~~بدأ به في الخلقة، فهو أكبر ممن بعده، فالحق له، فإذا ضيع الحق في ذلك، ~~فقدم المؤخر، وأخر المقدم، فغير مستنكر أن يهيج الصداع؛ لأن في فعله إتعاب ~~الحق، والعقل. # 673 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا محمد ابن وهب، عن بقية، عن أبي ~~توبة النميري، عن خليد بن دعلج، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أدهن أحدكم، فليبدأ بحاجبيه، فإنه ~~يذهب بالصداع)). # وذلك أول ما ms0401 نبت على ابن آدم من الشعر، فكأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم توخى بذلك أن يبدأ من أجل نباته في بطن أمه قبل نبات شعر رأسه، فإذا ~~قدم شيء في الخلقة، فهو مقدم في التدبير عند خالقه، وصاحبه مطلوب بحفظ ذلك ~~ورعايته؛ ليقدم ما قدمه الله، ويؤدي حقه كما يؤدي حق الأكابر. # 674 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا نعيم بن حماد، عن الوليد بن ~~مسلم، عن ابن المبارك، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، قال: كان PageV03P236 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سقي، قال: ((ابدأ بالأكابر؛ فإن البركة ~~مع أكابركم)). # قال نعيم: كان ابن المبارك يحدثنا به، عن خالد، عن عكرمة، ولا يذكر ابن ~~عباس، فهذا إذا سقى، بدأ بالأكابر، فأما إذا كان في إناء كبير يديره عليهم، ~~فالحق للأيمن فالأيمن، كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 675 - حدثنا بذلك قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي حازم، عن سهل بن ~~سعد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV03P237 # فقول ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سقي، قال: ((ابدؤوا ~~بالأكابر)): يدل على أن الأكبر يبدأ به في كل شيء؛ لحق السبق الذي مضى فيه، ~~وهو يعبد ربه ويوحده، فهذا في السواك والشراب وكل شيء، وإذا لم يبدأ به، لم ~~يوقروه. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ~~ويرحم صغيرنا)). # وقوله: (وإذا شرب، أعطى الذي عن يمينه): لأن الإناء كان واحدا، PageV03P238 ~~فإذا شرب وقد فضلت فضلة، لم يجد بدا من مناولته غيره، فالحق لليمين، ومن ~~على اليمين. PageV03P239 ### || AUTO الأصل السادس عشر والمئة # 676 - حدثنا سليمان بن أبي هلال، وصالح ابن عبد الله، قالا: حدثنا عبد ~~الله بن المبارك، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر رضي الله عنهما، ~~قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي، فقال: ((كن في الدنيا ~~كأنك غريب، ms0402 أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور)). PageV03P241 # 677 - حدثنا الحسن بن قزعة البصري، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، ~~قال: حدثنا الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب، أو ~~كأنك عابر سبيل)). # 678 - حدثنا يحيى بن حسان النخعي، قال: حدثنا مالك بن سعير بن الخمس، ~~قال: حدثنا الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، بمثله، مثل حديث ابن المبارك بتمامه. PageV03P242 # قال أبو عبد الله: # فالغريب نازع قلبه إلى الوطن، ماد عينه إلى أهله، شاخص أمله إلى وقت ~~الارتحال متى ينادى بالرحيل، فيرتحل، فكلما قطع مرحلة، خف ظهره، وهاج شوقه، ~~ينتظر نفاد المراحل، ونهاية المسافة، فإذا بلغ آخر مرحلة، قلق، وضاق ذرعا، ~~فإذا وقع بصره على وطنه، رق، ودمعت عيناه، فبكى من طول الغربة، ومقاساة ~~الوحشة والفجعة، ثم بكى فرحا بوصوله إلى وطنه، ونظره إلى الأحباب والألاف، ~~فعلى هذه الصفة دله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون نازع القلب إلى ~~دار السلام، مادا عينه إلى عرش الملك الأعلى، شاخص أمله إلى دعوة السيد ~~المنان، ينتظر متى يدعى فيطير، فكلما قطع يوما من عمره، خف ظهره من أثقال ~~العمر، وهاج شوقه ينتظر نفاد الأيام والليالي التي أجلت له، فإذا بلغ آخر ~~يومه، قلق، وضاق ذرعا؛ لخوف الخطر الذي ركبه، وأنه لا يدري بم يختم له، ~~فإذا كشف الغطاء عنه، وبشر بالسلام والرحمة من العزيز الرحيم، وأري مكانه ~~من وطنه، رق، وبكى من طول الغربة، ومقاساة جهد النفس، ثم بكى فرحا بلقائه ~~مولاه، ووصوله إليه، فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب، أو PageV03P243 ~~عابر سبيل))، وهو المسافر وكلاهما قريب المعنى. # فالغريب لا يتهنأ بعيش، والغريب وحداني منفرد، منكسر القلب، وإن كان في ~~سعة من العيش ونعمة، والغريب قد فقد عشيرته وأودائه، وعابر سبيل لا يتوجع ~~لما ينوبه في سفره، ولا يجزع لما ms0403 يقاسي من الشدة؛ لأنه يعلم أن سفره منقطع، ~~وأنه عابره، وإن لم يصب منيته وشهوته، قنع بما يجد، ويعظ نفسه ويعزيها، ~~ويقول: هذه مراحل قحط وشدة، وسنقطعها. # وأما قوله: ((وعد نفسك من أهل القبور)): فهذا قطع الأمل أن يقول ساعة بعد ~~ساعة: الآن يحضرني أمر الله عز وجل، فيعد نفسه منهم، لا من الأحياء. # ووجه آخر: أن أهل القبور قد انقطعت أطماعهم من الأحياء، وقطعوا الدنيا، ~~ورفعوا بالهم عنها، فإذا كان بهذه الصفة، فقد عد نفسه من أهل القبور، وقد ~~أمنه الخلق كما أمنه أهل القبور، وقد أخمد ذكره، وأمات شهوته، كما خمد أهل ~~القبور، وأماتوا شهواتهم من الدنيا، وراضوا نفوسهم. # والوجه الأول أشبه بما جاء عن السلف من فعلهم، فكانوا يبادرون في العلم ~~وتصحيح الأمور؛ مخافة أن يحال بينهم وبين ذلك، فإن الأمر PageV03P244 ~~بغتة قد غيب عن ابن آدم وقت خروجه من الدنيا. # قال الله -تبارك اسمه-: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من ~~قبل}، فعقلوا هذا عن الله عز وجل، فبادروا. # بلغنا: أن عامر بن عبد قيس ناداه رجل من خلفه بشيء، وهو يمر مسرعا فيما ~~توجه له، فقال له عامر: أبادر طي صحيفتي. # وبلغنا: أن كرز بن وبرة انتهى إلى قنطرة، وعليها زحام، فنزل عن حماره، ~~وقام يصلي، وقال: أكره أن يبطل من عمري ساعة، أو نحوه من الكلام. # وبلغنا: أن جعفر بن برقان قيل له: ألا تخضب؟ قال: أكره أن يأتيني رسول ~~ربي وأنا مشتغل. # وبلغنا: أن محمد بن النضر سئل عن الصوم في السفر، فقال: المبادرة ~~المبادرة، فاغتنم. # وبلغنا: أن داود الطائي سئل عن الرمي وتعليمه؟ فقال: إنما هي أيامك، ~~فاقطعها بما شئت. PageV03P245 ### || AUTO الأصل السابع عشر والمئة # 679 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم الجمحي، قال: ~~حدثنا مسلمة بن علي الخشني، قال: حدثني زيد بن واقد، عن القاسم بن مخيمرة، ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتخذ ~~الله إبراهيم ms0404 خليلا، وموسى كليما نجيا، واتخذني حبيبا، ثم قال: وعزتي ~~وجلالي! لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي)). # قال أبو عبد الله: # فالخليل: من الخلة يقال في اللغة: هذا ثوب خليل: إذا ضمه PageV03P247 ~~وألزقه به من العبادة ونحوها، فخله بالخلال حتى جمعه إلى نفسه، فالخليل من ~~الآدمي: هو المقرب المضمون الذي قد كشف الغطاء عنه، حتى لا يعقل سواه. # والنجي: من المناجاة، يقال في اللغة: إذا كانوا مئة، ولم يكن فيهم غريب، ~~فتحدثوا، فهو نجوى، وإذا كان فيهم غريب، فتحدثوا، فليس بنجوى، وإن كان ~~عددهم ثلاثة، والنجوى: السر. # وذلك قول الله تعالى في تنزيله في شأن إخوة يوسف: {فلما استيئسوا منه ~~خلصوا نجيا}، فكانوا ذوي عدد، فلما خلصوا من الناس، وتحدثوا فيما بينهم بما ~~يريدون من ذلك الأمر، سماه الله نجوى. # والحبيب: من حبة القلب، والحياة في حبة القلب، فقد أحياه بحياته. # فالأول: مضموم كالملزوق. # والثاني: مأنوس كالمعروف عنده قد ذهبت عنه الغربة والأجنبية. # والثالث: حيي به في الحجاب، فله الأثر؛ لأن الحياة عليه أظهر. PageV03P248 ### || AUTO الأصل الثامن عشر والمئة # 680 - حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي رحمه الله، قال: # حدثنا عمر بن [أبي] عمر، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم الجمحي، قال: حدثنا ~~أبو غسان محمد بن مطرف، قال: حدثني زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما عندي شيء، ولكن ابتع علي، فإذا ~~جاء شيء، قضينا)). فقال له عمر رضي الله عنه: هذا أعطيت إذا كان عندك، فما ~~كلفك الله ما لا تقدر، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر، فقال ~~رجل من الأنصار: PageV03P249 # يا رسول الله! أنفق، ولا تخف من ذي العرش إقلالا، فتبسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وعرف السرور في وجهه لقول الأنصاري، ثم قال: رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((بذلك أمرت)). # قال أبو عبد الله: # فخوف ms0405 الإقلال من سوء الظن بالله؛ لأن الله -تبارك اسمه- خلق الأرض بما ~~فيها لولد آدم، وقال في تنزيله: {خلق لكم ما في الأرض جميعا}، {وسخر لكم ما ~~في السماوات وما في الأرض جميعا منه}. # فهذه الأشياء كلها سخرة للآدمي؛ قطعا لعذره، وحجة عليه؛ ليكون له عبدا ~~كما خلقه عبدا، فبكونه له عبدا يقدم عليه غدا، فيحرره من العبودة، ويبعثه ~~ملكا إلى داره؛ فإن الله -تبارك اسمه- خلق آدم عبدا، وعرض عليه الأمانة، ~~فقبلها، وأخرج ذريته من ظهره حتى أقروا له بالعبودة وقبلوها، ثم رفعه إلى ~~الجنة، فأسكنه فيها وزوجته. PageV03P250 # كأنه قال: لما خلقتك بيدي، لم أستجز بعد هذه الفضيلة والكرامة أن أتركك على ~~ظهر أرض في خراب وتراب، ولكن أسكنك داري في جواري، فتنعم فيها؛ لأنك صنع ~~يدي، ولقد أسجدت لك ملائكتي؛ ليكون فضلك بارزا، فإني خلقتك بيدي، وقلت ~~لهؤلاء: كونوا، فكانوا. # فحملته الملائكة وزوجته على سرير من ذهب، حتى وضعوه في وسط الجنان يعبد ~~ربه، ويسبح حول عرشه مع المسبحين، وقلده الأمانة وهي جوارحه أن لا يعصي ~~الله بجارحة منها، حتى تكون طواهر كما خلقه، ويزداد بهاء ونورا وجمالا ~~بالعبودة، وسريره بحذاء الشجرة التي من أكل منها خلد فيها، وكانت الملائكة ~~التي يعطون الخلد فيها تحنك بتلك الشجرة، فكانت تدعى شجرة الخلد، فمن حنك ~~منها، أمن، فخلد فيها. # والخلد: هو الطول، وليس بالأبد، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((أوتيت مفاتيح الدنيا، فخيرت بين الخلد فيها، وبين لقاء ربي، فاخترت لقاء ربي)). # فقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدنيا زائلة، فذكر الخلد فيها، وهو PageV03P251 ~~المدة، فقيل لآدم وزوجته: {وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه ~~الشجرة}. # فإنما كانت عبودته لربه امتناعه من الشجرة فقط، وسائر ذلك كان عبادة من ~~التسبيح والذكر بلا توقيت ولا أمر مفروض، فضيع الأمانة، وأكل من الشجرة ~~بغير إذن رب الشجرة، طلبا للخلد فيها بما غوي من خدعة العدو، وبالحرص على ~~الخلد أظلم قلبه عليه حتى قدر العدو أن يشبه عليه، ms0406 فيقول له: إنك إن أكلت ~~منها، بقيت فيها، وإني لك ناصح، وأقسم لك بالخالق أني ناصح، ولو انكشفت عنه ~~ظلمة الحرص؛ لاستنار قلبه بأن يقول: كيف أظفر بالخلد، وإنما أكلي منها بغير ~~إذن ربها، أفيتركني فيها بعد أن أخالف إلى ما نهاني عنه؟ # فقد أجمل الله شأن الحرص في تنزيله، فقال: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون}. وإنما توقى ما يعطى من النور. # فإن الشح وهو الحرص في النفس التي هي معدن الشهوة، والنور في القلب، ~~والصدر بيت القلب والنفس، فإذا فار دخان الحرص، فأظلم الصدر، كان القلب ~~أسيره، فإذا فار النور، وأشرق شعاعه في الصدر، ذهبت الظلمة، PageV03P252 ~~فأبصر، فانقمع الحرص، وسكن فورانه، ولم يبق للعدو خدعة، ففي ذلك الوقت ذهبت ~~العصمة من آدم -صلوات الله عليه-، ولم يقو النور، وهاجت من النفس شهوة ~~الخلود فيها، فأتت بظلمة ودخان، فشبه عليه العدو عندما وجد فرصة، فخدعه ~~بالنزهات والهنزات، حتى صرعه عن المقام، ثم ولى هاربا، فأخرج من الجنة، ~~وأهبط إلى الأرض. # فكأنه قيل له: فكأنه قيل: إنما خلقناك للعبودة، فأسكنتك جواري؛ لتقضي ~~العبودة، وهي حقي عليك وعلى ولدك، فإنك كنت ترابا، فخلقتك بشرا سويا، فنفخت ~~فيك الروح، وأعطيتك الحياة واللذة والشهوة وقرة العين. # أما الروح: فمن أمري، وأما الحياة: فمن حياتي، وأما اللذة والشهوة: فمن ~~قربي، ولما خلقتك بيدي، فلك من القربة ما ليس لأحد. # وأما قرة العين: فمن معرفتك إياي، وإشراق نوري في قلبك، حتى قدرت على أن ~~تعرفني بالغيب، وأنت على ظهر الأرض لا ترى عرشي، ولا حجبي، ولا سلطاني، ~~فعظم حقي عليك، فيسرت عليك العبودة في دار السرور والنعمة، فأبيت إلا أن ~~ترجع لعنصرك الذي منه خلقتك، فارجع إليها، فاقض هذه العبودة في دار الفقر ~~والبؤس والتعب والعناء والنصب حتى تنقضي المدة. # ثم تاب الله عليه، ووعده أن يرده إلى الجنة ردا يكون ثوابا للعبودة، ~~فيؤبده فيها دائما، يخلد ويؤبد. PageV03P253 # فإنك رجوت الخلد، فتمنيته من غير وجهه، فأنا الذي مننت عليك بخلقك ورحمتك، ~~فمننت عليك بالتوبة، ms0407 فأعطيتك الخلد، وأضعاف الخلد، وهو الدوام على الأبد ~~حيا باقيا في حياتي وديمومتي، ملكا في ملكي، نافذ المشيئة في داري، ولكن ~~اقض العبودة التي خلقتك لها في دار الضيق، والضنك، والفقر، والبؤس، وقد كنت ~~اخترت لك داري متعبدا، فلم تستقر، ولم تدعك نفسك وعدوك حتى صرعاك وأرحلاك ~~عنها، فالآن فاعبدني حتى تقضي هذه العبودة أنت وولدك، ثم أحضرك موقفي في ~~يومي، فأحررك، ومن جاء بالعبودة من ذريتك، فأجعلكم ملوكا في داري. # فالمستقيم: من رفع باله وهمته عن هذه الشجرة التي له في دنياه، وكان عظيم ~~همته وباله في إقامة العبودة له، والكون له كما خلقه، فإن رزقه الله ملكا، ~~فهو عبد كما كان، وإن رزقه مالا، فكذلك، وإن رزقه عزا، فكذلك، وإن رزقه ~~قضاء المنى والشهوات، فكذلك، خاشعا له متذللا، ملقيا بيديه، سلما مراقبا ~~لأموره في السر والعلانية، منقادا لحكمه، يعد نفسه عبدا لا يملك شيئا، ~~وأحواله عواري يقلبها وليها ساعة فساعة كيف شاء، ليست فيها مشية، ويتوقى أن ~~يفكر فيها، فتحدث له مشيئة، ناظرا إلى ما يبرز له مشيئته في الغيب، فخوف ~~الإقلال إنما يضمحل عن القلب من وجهين: # وجه: من حسن الظن بالله {فإن ربي غني كريم}. قد استنار في صدره غناه ~~وكرمه، فإذا أنفق، لم يخف الإقلال؛ لأنه يخلف، ولا يعوزه شيء، بمنزلة رجل ~~في دار الدنيا عامل رجلا معروفا بالسخاء وحسن الخلق والغنى، فإن أهدى هدية، ~~سمحت نفسه بذلك، رجاء الثواب بأضعاف PageV03P254 ~~ذلك؛ لمعرفته بسخاوة نفسه وغناه، وإذا عرفه بالقلة أو بالضيق والبخل، جبن ~~في ذلك، فهذا وجه. # والوجه الآخر: أن يكون رجلا قد ماتت شهواته، فليس الدنيا من شأنه ولا ~~باله، فقد اجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته، ثم قد انقطعت مشيئته ~~لنفسه ولعباد الله، ينظر إلى تدبير الله ومشيئته فيهم، فهذا يعطي من يسره ~~وعسره، فلا يخاف إقلالا؛ لأنه قد رفع باله عن جميع ذلك، وانقطعت مشيئته ~~فيهم، وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة في الأشياء، فإذا أعطى اليوم، وله ~~غدا مشيئة في شيء؛ ms0408 خاف أن لا يصيب غدا، فيضيق عليه الأمر في نفقته اليوم؛ ~~لمخافة إقلاله غدا. # 681 - حدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان: قال: حدثنا أبو الزناد، عن ~~الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ~~((قال الله تعالى: سبقت رحمتي غضبي، يا بن آدم! أنفق أنفق عليك، يمين الله ~~ملأى سحاء، لا يغيضها شيء بالليل والنهار)). PageV03P255 # 682 - حدثنا محمد بن عمر بن الوليد الكندي، قال: حدثنا مفضل بن صالح، عن ~~الأعمش، عن طلحة اليامي، عن مسروق، عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: ((أطعمنا يا بلال))، قال: ما عندي إلا صبر من تمر ~~قد خبأته لك، قال: ((أما تخشى أن يخسف الله به نار جهنم؟ أنفق يا بلال، ولا ~~تخش من ذي العرش إقلالا)). # 683 - حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو غسان، عن قيس، عن أبي حصين، عن يحيى بن ~~وثاب، عن مسروق، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. PageV03P256 # 684 - حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سلام الجمحي، ~~عن عيسى بن يونس، عن وائل بن داود، عن النخعي، عن الزبير بن العوام، قال: ~~جئت حتى جلست بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بطرف عمامتي من ~~ورائي، ثم قال: ((يا زبير! إني رسول الله إليك خاصة، وإلى الناس عامة، ~~أتدرون ماذا قال ربكم؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: # ((قال ربكم حين استوى على عرشه، ونظر إلى خلقه: عبادي! أنتم خلقي، وأنا ~~ربكم، أرزاقكم بيدي، فلا تتعبوا فيما تكفلت لكم، فاطلبوا مني أرزاقكم، وإلي ~~فارفعوا PageV03P257 ~~حوائجكم، انصبوا إلي أنفسكم، أصب عليكم أرزاقكم، أتدرون ماذا قال ربكم؟ قال ~~الله -تبارك وتعالى-: عبدي! أنفق أنفق، وأوسع أوسع عليك، ولا تضيق فأضيق ~~عليك، ولا تصر، فأصر عليك، ولا تخزن، فأخزن عليك، إن باب الرزق مفتوح من ~~فوق سبع سماوات، متواصل إلى العرش، لا يغلق في ليل ولا نهار، ينزل الله منه ~~الرزق على كل ms0409 امرئ بقدر نيته، وعطيته، وصدقته، ونفقته، من أكثر، أكثر له، ~~ومن أقل، أقل له، ومن أمسك، أمسك عليه. # يا زبير! فكل وأطعم، ولا توك فيوكى عليك، ولا تحص فيحصى عليك، ولا تقتر ~~فيقتر عليك، ولا تعسر فيعسر عليك. # يا زبير! إن الله يحب الإنفاق، ويبغض الإقتار، وإن السخاء من اليقين، ~~والبخل من الشك، فلا يدخل النار من أيقن، ولا يدخل الجنة من شك. # يا زبير! إن الله يحب السخاء ولو بفلق تمرة، والشجاعة ولو بقتل عقرب أو حية. PageV03P258 # يا زبير! إن الله يحب الصبر عند زلزلة الزلازل، واليقين النافذ عند مجيء ~~الشهوات، والعقل الكامل عند نزول الشبهات، والورع الصادق عند الحرام ~~والخبيثات. # يا زبير! عظم الأخوان، وجلل الأبرار، ووقر الأخيار، وصل الجار، ولا تماش ~~من الفجار والأشرار، وادخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، هذه وصية الله إلي، ~~ووصيتي إليك يا زبير بن العوام)). PageV03P259 ### || AUTO الأصل التاسع عشر والمئة # 685 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سليمان ابن شرحبيل الدمشقي، قال: ~~حدثنا بشر بن عون، قال: حدثنا بكار بن تميم القرشي، عن مكحول، عن واثلة بن ~~الأسقع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يبعث الله عبدا يوم ~~القيامة لا ذنب له، فيقول له: أي الأمرين أحب إليك: أجزيك بعملك، أم بنعمتي ~~عليك؟ قال: رب! أنت تعلم أني لم أعصك، قال: خذوا عبدي بنعمة من نعمي، فما ~~بقي له حسنة إلا استفرغتها تلك النعمة، فيقول: رب! بنعمتك ورحمتك، قال: ~~يقول: بنعمتي ورحمتي، ويؤتى بعبد محسن PageV03P261 ~~في نفسه، لا يرى أن له سيئة، فيقال له: هل كنت توالي أوليائي؟ قال: يا رب! ~~كنت من الناس سلما، قال: هل كنت تعادي أعدائي؟ قال: يا رب! لم أكن أحب أن ~~يكون بيني وبين أحد شيء، قال: يقول الله -تبارك وتعالى-: وعزتي! لا ينال ~~رحمتي من لم يوال أوليائي، ويعاد أعدائي)). # فالأول: عبد غافل عن ربه، متيقظ لآخرته، مكب على نفسه، يحب أن يلقى الله ~~بالصدق من نفسه، فيقتضي الثواب منه على صدقه، ms0410 قد خفي عليه شأن المنة ~~والنعمة، عاش حافظا لأموره، مادا عينه إلى ثوابه، فإذا لقيه، كان الذي قد ~~توطنه في الدنيا من ذلك وعامل الله به هو الذي نطق به لسانه، فسنح له الحق ~~مبتدئا يقتضيه شكر النعمة، فأخذه بأصغرها، فاستفرغت عمله، فعندها انكشف له ~~الغطاء عن شأن المنة والنعمة وقدرهما، وهذا عبد لم يفقه. PageV03P262 # وكذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ما عبد الله ~~بمثل التفقه)). # وروي عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من يرد الله به خيرا، يفقهه في ~~الدين)). # وقال: ((لو كان جريج الراهب فقيها عالما، لعلم أن إجابته أمه من عبادة ربه)). # فالذي فقه حلت به أثقال. # قال أبو عبد الله: المنة والنعمة، فهو يستقلها بالله كالجبال الرواسي PageV03P263 ~~على كتفه، يظن أن لو كان له عبادة الثقلين عمر الدنيا، لوازنته أصغر نعمة ~~من نعم الله. # وقد جاز أقوام هذه الحظة من أوليائه وأصفيائه، حتى حلت بهم من أثقال ~~المعرفة ما لا يتفرغون لأثقال المنة والنعمة، فكان على أكتافهم السماوات ~~والأرض بمن فيها من خلقه، فهم يستقلونها بالله، فلو أن عمر الدنيا لهم ~~عبادة الثقلين، لم يلحظوا إليها أنهم عملوا شيئا. # وقد جاز أقوام من أوليائه هذه الحظة، حتى حلت بهم من أثقال قربه في ~~وحدانيته، فانفردوا به، فهم أهل البهتة الذي بهتوا غرقا في وحدانيته، ثم ~~حيوا به، فخرجوا من البهتة بحياته، فهم المحدثون. # صرنا إلى تأويل الحديث الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # فالعبد الأول: ما وصفناه به من الغفلة عنه، والتيقظ لآخرته. # والعبد الثاني: عبد راع نفسه، عاجز عن رعاية الحق، فمن رعى نفسه، فإنما ~~عمله حفظ جوارحه، وأداء فرائضه، فإذا هو قد أتى بما أمر به، ولم يرع الحق، ~~وإنما به نجاة نفسه، وقد علم أن النجاة في الائتمار PageV03P264 ~~بأمره، والتناهي عن نهيه، ففعل، فإنما رعى نفسه كيلا يهلك، فلها والى، ولها ~~اهتم، فلذلك صار من الناس سلما، فلم يوال له وليا، ولم يعاد ms0411 له عدوا، ~~فالراعي لحقه انكشف له الغطاء عن جلاله وعظمته، فاشتعلت الحرقات في جوفه ~~حبا له، وشغوفا به (حتى أداه ذلك إلى معرفته، فامتلأ قلبه من جلال الله ~~وعظمته، فوالى أولياءه)، وعادى أعداءه؛ موافقة له، ولو كان على غير هذه ~~الصفة، لكان يستحيل أن يكون لله وليا، وذلك موجود في الدنيا، أن الذي يحل ~~من قلبك محلا به ترى الدنيا، فكل من والاه، فأنت له ولي، وكل من عاداه، ~~فأنت له عدو، ويهيج حبك له أن تحب من أحبه، وتعادي من عاداه، ومحال غير هذه ~~الصفة فيك، فكيف بالذي به تقوم وتقعد وتتنفس، وقد سبى قلبك، وهو رب ~~العالمين؟ أليس يستحيل أن توالي إلا فيه؟ ولا تعادي إلا فيه؟ ولا تبغض إلا ~~فيه؟ وهذا من بلوغ العبد ذرا الإيمان. PageV03P265 ### || AUTO الأصل العشرون والمئة # 686 - حدثنا عمر، قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا علي بن أبي ~~بكر، قال: حدثنا جراح الكندي، عن أبي شيبة، عن ابن عكيم، عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه، قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((قل: اللهم ~~اجعل علانيتي صالحة، واجعل سريرتي خيرا من علانيتي، اللهم إني أسالك من ~~صالح ما تؤتي الناس من المال والولد غير الضال ولا المضل)). PageV03P267 # قال أبو عبد الله: فالعلانية الصالحة مرضاة الله من العمل: الائتمار بأمر ~~الله، والتناهي عن نهيه. # والسريرة التي هي خير من العلانية: تعظيم أمره ونهيه، والوقوف عند حكمه، ~~وترك الاختيار في جميع أحواله، وموافقته في مشيئاته، حتى لا يحب إلا ما ~~يحب، ولا يكره إلا ما يكره، ولا يريد إلا ما يريد، ويعمل أموره به وله. # وقوله: ((أسألك من صالح ما تؤتي الناس)). فقد يؤتي الله الناس ما يصير ~~عليهم وبالا، ويؤتي ما يبارك لهم فيه، فما بورك لهم فيه، فهو صالح ما يؤتي، ~~وما نزعت منه البركة، فهو الفاسد، فإذا رزقت مالا وولدا، فهم كلهم لك عون ~~على ما أنت بسبيله إذا بورك لك فيهم، فليس واحد منهم ضال ولا ms0412 مضل، والذي ~~ينزع البركة منه من مال أو ولد، فهو ضال بنفسه، ومضل لك. PageV03P268 ### || AUTO الأصل الحادي والعشرون والمئة # 687 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا محمد ابن عمرو السويقي، عن خالد ~~بن عبد الله بن سعيد ابن العاص، قال: حدثنا بشر بن عبد الله، عن عمر بن عبد ~~العزيز، عن بشر بن حيان، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((من بادر العاطس بالحمد، لم يضره شيء من داء البطن)). PageV03P269 # فالعطاس: تنفس الروح، وسطوعه إلى الملكوت، حنينا إلى قرب الله؛ لأنه من ~~عنده جاء، فمن لطف الله لعبده استقر الروح في جوارح الآدمي، وتمكن فيه، وهو ~~شيء لطيف، طاهر طيب، ملكوتي، مكن له في لحم ودم، أصله من تراب، مجاورا مع ~~ذلك للشهوات والهواء والوسواس والشياطين في موطن واحد، وأمر بالقرار فيه ~~فاستقر. # فهذا من لطف ربنا لعبده، ولكرامته إياه، ولولا الروح لم ينتفع بهذه ~~الجوارح، وقد قال: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم ~~من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}. # فذكر عن ابن بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الأرواح هي ~~للملائكة والآدميين والجن، والأنفاس للدواب. # وذكر عن وهب بن منبه: أنه قال: للدواب أنفس، والنفس حارة، PageV03P270 ~~وجعل لابن آدم النفس، وهي حارة، وفضل بالروح، وهي باردة. # فإذا قال: يف، فذاك من برد الروح؛ لأنه من الرأس جاء، وإذا قال: هه، فذاك ~~من حر النفس. # وإنما يوجد مثل هذا الوصف في التوراة، وذلك أنه وصف فيها خلق الإنسان ~~وهيئته. # ويقال: إن الروح في الرأس، ثم هو بعد كالسربال في الجسد. # ألا ترى إلى قوله: {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان}. # فإنما دل على مستقر الروح، فهناك المقتل، ودل على البنان كي يصير زمنا ~~ينقطع ضرره عن الدين وأهله. فإذا عطس المؤمن، فإنما ذلك وقت ذكر الله ~~لعبده، وتقوية الروح بما وقع فيه من الضيق، فإذا خلص إلى الروح، ازدهر، ~~وتاق إلى موطنه، ms0413 فتلك الضجة منها، والعبد المؤمن PageV03P271 ~~إذا رأى عظيم صنع الله في جسده، فحمده على صنعه وكرامته إياه بالروح، ~~فالمبادر بالحمد أفهمهم لذلك. # ألا ترى إلى آدم -صلوات الله عليه-: أنه لما عطس، بادر بالحمد، فقال الله ~~له: رحمك ربك، سبقت رحمتي غضبي. # وكذلك المؤمن المنتبه لما عطس وحمد، فبورك عليه، فإذا سمع عاطسا سبقه إلى ~~الحمد؛ لأنه رأى عظيم صنع الله فيه، فاستوجب بذلك البركة، وهو القرب والعطف ~~من الله، فإذا بورك فيه وقي داء البطن، وداء البطن هو وجع الخاصرة. # وكذلك روي في بعض الأحاديث: وقي وجع الخاصرة، والمكر في الكليتين، وسوء ~~السرائر هناك، فذاك داء البطن، ووجع الخاصرة، فإذا كان سابقا بالحمد، كان ~~منتبها، وكان صدره مستنيرا، وكذلك جوفه فلم يعمل المكر فيه شيئا. # وروي عن الله -تبارك اسمه-: أنه قال لسليمان: ((إن سمعت عاطسا من وراء ~~سبعة أبحر، فاذكرني)). # 688 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا يوسف الصفار، قال: حدثنا ~~محمد بن طلحة التيمي، عن PageV03P272 ~~إسحاق بن يحيى، عن عمه موسى بن طلحة، قال: أوحى الله -تبارك وتعالى- إلى ~~سليمان عليه السلام: إن عطس عاطس من وراء سبعة أبحر، فاذكرني. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: ((حق المسلم على ~~المسلم ست خصال))، فكانت إحداهن: ((إذا عطس أن يشمته)). # فإنما وجب له ذلك بما ظهر للعبد من الحال عند ربه، فالتشميت تهنئة له، ~~فإذا لم يهنئه، فقد استهان به، ومن استهان بأمر الله، أهانه الله. PageV03P273 ### || AUTO الأصل الثاني والعشرون والمئة # 689 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا هشام ابن عبد الملك الحمصي، قال: ~~حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ ~~ابن جبل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أطيب ~~الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا، لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا، لم يخونوا، ~~وإذا وعدوا، لم يخلفوا، وإذا اشتروا، لم يذموا، وإذا باعوا، لم يطروا، وإذا ~~كان عليهم، لم يمطلوا، وإذا ms0414 كان لهم، لم يعسروا)). PageV03P275 # فهذه خصال الحافظين لحدود الله، الذين قد أخذ الله عليهم في البيعة، ~~وأعطاهم الجنة أثمان أنفسهم، ولا يقدر على الوفاء بها إلا من وثق بضمان ~~الرزق في شأن الرزق، وسقط على قلبه خوفه، وسكنت نفسه، ودرس عن قلبه محبة ~~الرزق، من أين، وكيف، وعندها يستحق اسم التقوى، فقد ذكره في تنزيله فقال: ~~{ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب}. # فبالتقوى يصير رزقه من غير محسبة، فعندها يعلم أنه متق، فإذا سقطت ~~المحسبة من قلبه. # قال له قائل: ما المحسبة؟ # قال: مظان الرزق، ومعادنه، وأسبابه، ألا ترى كيف افتتن هذا الخلق بذلك، ~~فتراهم قد تعلقت قلوبهم بها، حتى يعصي الله من أجل سبب لا يدري فيه رزقه أم لا؟ # قال له القائل: مثل ماذا؟ # قال: أذكر خصلة واحدة، ثم اعرف سائرها بها: رجل اشترى سلعة، فخان فيها، ~~أو مدح بما ليس فيه، فكذب، هل فعل ذلك إلا لفتنة قلبه، وأنه يحسب أن ذلك ~~رزقه ومعيشته، وله فيه منفعة؟ فكم من مغرور بمثل PageV03P276 ~~هذا حتى يبعث بالموت، وقد عري عن منفعته؟ وقد خدعه شيطانه وأماني نفسه، ~~فيصير مهنأة لوارثه، والوبال عليه، فلو سقط عن قلبه محسبة معاشه ورزقه، ~~وعلم أن المنافع والأرزاق والمعايش بيد الله، يخرج من مشيئة الغيب، فيجريها ~~بالأسباب، لم يفتتن بالأسباب، وكان قلبه مراقبا لما يصنع مولاه، وعينه مادة ~~إلى ما يختار له، ثم لا تتهمه إن أتاه غير ما تحب نفسه. # 690 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا محمود ابن خالد الدمشقي، قال: ~~حدثنا مروان بن محمد، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا الحارث بن يزيد، عن ~~علي ابن رباح، عن جنادة بن أبي أمية، قال: سمعت عبادة بن الصامت رضي الله ~~عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله رجل: أي الأعمال أفضل؟ ~~قال: ((إيمان بالله، وجهاد في سبيله))، قال: يا رسول الله! أريد أيسر من ~~ذلك؟ قال: ((السماحة والصبر))، قال: يا رسول الله! أريد أيسر من ms0415 ذلك؟ قال: PageV03P277 # ((لا تتهم الله في شيء قضى به لك)). # 691 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحسن بن سوار البغوي، قال: حدثنا ~~موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. # فالساقط عن قلبه محسبة الرزق: من أين، وكيف، ومتى؟ يؤتى برزقه عفوا صفوا، ~~وتقواه معه، وعلى رزقه طابع الإيمان، فهنيئا له، وإن لم يتهنأ به هذه ~~الطبقة، فمن؟ # والمتعلق بأسباب الرزق، قلبه جوال، ونفسه خشعة، فإن لم تدركه عصمة الله، ~~فهو كالهمج في المزابل، يطير من زبل إلى زبل، حتى يجمع أوساخ الدنيا، ~~ومزابلها، ثم يخلفها وراء ظهره، وينزع قابض الأرواح مخالبه التي قد احتدت ~~للقبض على حطام الدنيا، ويلقى الله بإيمان سقيم، قد دنسه، ووسخه، فكأنه ~~يقول له في وقفته بين يديه: عبدي! من كنت تعرف لنفسك ربا وإلها؟ فيقول: ~~إياك عرفت يا إلهي، وبك آمنت، فكأنه يقول له: أفمن معرفتك إياي وإيمانك كان ~~يحل بك من خوف فوت الرزق PageV03P278 ~~والمعاش ما كنت مطلعا عليه؟ حتى حملك الخوف على أن عصيتني بأنواع المعصية، ~~في سببه شككت في ضماني، أم اتهمتني، أم أسأت بي الظن؟ # فمن فتح له طريق الهداية إلى الله، وعرف ربه معرفة الموقنين، سقط عن قلبه ~~همة الرزق، وفكره ومحبوبه، ولها عنه، وشغله عن ذلك خوف جلاله وعظمته، وكفي مؤنته. # ومن لم يفتح له طريق الهداية إلى الله، وعرف ربه معرفة الموحدين، تعب ~~قلبه بما يرد عليه من المخاوف، ونصب له لما يتعاوره ظنون السوء بالله، وكل ~~بدنة في السعي يهرول خلف زانية لا تمنع يد لامس، وهي أبدا تتزين، وتتشوق، ~~حتى إذا سبت قلبا، ولت هاربة، والمسيء على أثرها كالواله، وهذا جزاء من ~~أعرض عن الله، وعن إحسانه، ومننه، وأياديه، {وهل نجزي إلا الكفور}. # مكبا على جمع الحطام، مكتسبا مقتبسا أوساخها وأدناسها من بين شبهة، ~~وحرام، وحلال، قد عصى الله في جنبه عددا لا يحصيه، وحقوق الله قد منعت ~~أهلها، يجمع قماش المكاسب ورديئها، وينفقها في شهواته، ومناه، ms0416 على مهواه، ~~مضيعا لحدود الله فيها، مسرفا بطرا، فهم المطرودون عن باب الله، خوف الرزق ~~على قلوبهم أمثال الجبال، يأخذون PageV03P279 ~~الدنيا على غفلة، ويخزنونها على التهمة، وينفقونها في التهمة، ولا يذكر أن ~~أمامه النار، وصراطا دقيقا إنما قد من أجله ولمثله، وعرض على مالك الملوك ~~في هول عظيم وسؤال، ونسي وعيده الذي قدمه إليه. # {كلا إنها لظى. نزاعة للشوى. تدعوا من أدبر وتولى. وجمع فأوعى}. # {كلا بل لا تكرمون اليتيم. ولا تحاضون على طعام المسكين. وتأكلون التراث ~~أكلا لما. وتحبون المال حبا جما. كلا إذا دكت الأرض دكا دكا. وجاء ربك ~~والملك صفا صفا. وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى. ~~يقول يا ليتني قدمت لحياتي. فيومئذ لا يعذب عذابه أحد. ولا يوثق وثاقه أحد}. # ثم ذكر من كان بخلاف هذه الصفة، فقال: # {يأيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فادخلي في عبادي. ~~وادخلي جنتي}. # فإنما يقال هذا للنفس المرضية، ورضيت عن الله -تبارك وتعالى-، فرضي الله ~~عنها، قنعت بما أعطيت من الدنيا، ولم ترفع بما سواها رأسا، ورضيت في ~~الأحوال بتدبير الله -جل ذكره وحكمه-. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من انقطع إلى الله، ~~كفاه الله مؤنته، ورزقه من حيث لا يحتسب)). PageV03P280 # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((التاجر الصدوق مع ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين)). # فإنما لحق بدرجتهم؛ لأنه قد احتظى بقلبه من النبوة والصديقية والشهادة. # 1 - فالنبوة: انكشاف الغطاء. # 2 - والصديقية: استواء سريرة القلب بعلانية الأركان. # 3 - والشهادة: احتساب المرء بنفسه على الله، فيكون عنده في حد الأمانة في ~~جميع ما وضع عنده من الجسد والروح والمال والأهل، والولد لا يخونه في ذلك، ~~وهو أن لا يتلكأ في رده إذا استرد منه. # 692 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا محمد ابن الحسن القرشي، عن ~~خصيب بن جحدر، عن أبي PageV03P281 ~~غالب، قال: سمعت أبا أمامة الصدي بن عجلان يقول: إذا سلم التاجر من أكل ~~الحرام، والربا، ms0417 والرين، والحلف، والكذب، والمدحة، وكتمان العيب، فهو ~~التاجر الصدوق، فليشتر، وليبع. # 693 - حدثنا يعقوب بن شيبة، قال: حدثني إبراهيم ابن بشار الرمادي، قال: ~~حدثني يعلى بن شبيب المكي، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: ~~سمعت قيلة أخت بني أنمار، قالت: كنت امرأة أشتري وأبيع في السوق، فقدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مكة، فأتيته وهو عند المروة، فقلت: يا رسول الله! ~~إني امرأة أشتري وأبيع في السوق، فيأتيني الرجل يريد أن يشتري مني الشيء، ~~فأستام عليه بأكثر مما أريد أن أبيعه، فلا أزال، أنقص وأنقص، حتى PageV03P282 ~~أبيعه بالذي أريد، وكذلك في الشراء، قال: ((فلا تفعلي هكذا يا قيلة، إذا ~~أردت أن تبيعي شيئا، فاستامي به الذي تريدين أن تبيعيه، أعطيت، أو منعت، ~~وإذا أردت أن تشتري شيئا، فسومي بالذي تريدين أن تشتريه به، أعطيت أو ~~منعت)). # 694 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا أحمد بن يونس عن محمد بن طلحة بن ~~مصرف، عن محمد بن جحادة، قال: كان زاذان يبيع الكرابيس، وكان يسوم سومة ~~واحدة، فكان إذا جاءه المشتري، ناوله شر الطرفين. PageV03P283 # قال له قائل: ذكرت آنفا من لم يفتح له طريق الهداية، وعرف ربه معرفة ~~الموحدين، فما معناك فيه؟ # فقال: إن طريق الهداية إلى صراط مستقيم للعامة، وطريق الهداية إلى الله ~~لأنبيائه وأوليائه، فأولئك أهل مجاهدة، والأنبياء والأولياء أهل يقين، وروح ~~وراحة، فقد استراحوا من المجاهدة؛ لأن النفس قد ذلت، وماتت شهواتها، ~~برياضتهم أنفسهم جاهدوها، فهداهم الله، وأعطاهم اليقين، فتلك معرفة ~~الموحدين، وهذه معرفة الموقنين، وكلتاهما معرفة واحدة، إلا أن هذه معرفة ~~منورة بنور اليقين، يستحي من جلاله وعظمته أن يعصيه، والذي ليس له نور ~~اليقين لا يأخذه الحياء حتى يعصمه من المعصية، وهم المخلطون. PageV03P284 ### || AUTO الأصل الثالث والعشرون والمئة # 695 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم ابن محمد بن يوسف ~~الفريابي، قال: حدثنا عبد المجيد بن عبيد، عن حماد بن عمرو، عن زيد بن ~~رفيع، عن سهل من ولد أبي موسى، عن أبيه، ms0418 عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من استمع إلى صوت غناء، لم يؤذن ~~له أن يستمع الروحانيين في الجنة))، فقيل: وما الروحانيون يا رسول الله؟ ~~قال: ((قراء أهل الجنة)). # يدل هذا الحديث على أن في الجنة لهم أئمة كالأمراء، وعرفاء وقراء، ~~فالأئمة هم الأنبياء، إذا صاروا إلى الله، فهم أئمة القوم، والسابقون إليه. PageV03P285 # وأما العرفاء: # 696 - فحدثنا الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا ~~محمد بن عبد الرحمن القشيري، قال: حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن ~~أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أهل ~~القرآن عرفاء أهل الجنة)). # فالعريف: من تحت يدي الأمير له شعبة من السلطان، فالعرافة هناك لأهل ~~القرآن، وأهل القرآن الذين عرفوا به هاهنا تلاوة له، وعملا به. # وأما القراء: فيلذذون أهل الجنة بما يعطون من الأصوات، وإنما سموا ~~روحانيين؛ للروح الذي على قلوبهم، والروح من فرحهم بالله أيام الدنيا، PageV03P286 ~~وكل أحد في الجنة، فحظه من الله على درجته في الدنيا، فالصنف الذين كانوا ~~في الدنيا إنما يفرحون بالعطاء مع نفوسهم، فهم كذلك في الجنة، فرحهم بما ~~يعطون في الجنة، فبه يتلذذون، وبه يفرحون، والصنف الذين كانوا في الدنيا ~~يفرحون بالله، فهم كذلك في الجنة فرحهم بالله، لقد دقت الجنة عندهم في جنب ~~فرحهم بالله، أولئك الصديقون أولياء الرحمن، فأحسب أن الروح الذي على ~~قلوبهم شهرهم، وحسن أصواتهم في الجنة حتى يطربوا، ويلذذوا أهل الجنان، بفضل ~~ذلك الروح على قلوبهم، ويسمون الروحانيين، وهم المقربون، وأهل اليقين. # ووجدنا هذه الطبقة على ثلاثة أصناف: # 1 - فصنف منهم الروح على قلوبهم، والفرح به غالب عليهم. # 2 - وصنف منهم الهول على قلوبهم، والأحزان غالب عليهم. # وقد نجد لهذين الصنفين مثالا في مقربي الملائكة عنده: فصنف من الملائكة ~~المقربين روحانيون، وصنف كروبيون، أولئك أهل روح، وهؤلاء أهل كرب، أولئك من ~~شأنهم التسبيح والتحميد والتقديس، وهؤلاء من شأنهم البكاء، وإنما يأخذ كل ms0419 ~~أحد ما أعطي، وينظر إلى ما وضع بين يديه، وكشف له عنه، وفتح له من الغيب. # فأهل الروح والفرح به من الآدميين والملائكة: فتح لهم من جماله وبهائه، ~~فانبسطوا، وملكهم الفرح به. PageV03P287 # وأهل الأحزان والكرب من الآدميين والملائكة: فتح لهم من جلاله، وعظمته، ~~فاكتأبوا، وملكهم الكرب، ويقولون في تسبيحهم: سبحانك ما لم تبلغه قلوبنا من ~~خشيتك، فاغفره لنا يوم نقمتك من أعدائك، فذلك قولهم هذا إن كربهم وأحزانهم ~~من رؤية التقصير. # والروحانيون قد شغلهم جماله عن الالتفات إلى أنفسهم، وأعمالهم، فإذا ~~ذكروها، لم تدعهم رؤية جماله إلا أن يحسنوا الظن به، فحسن الظن به غالب على ~~رؤية التقصير، فالفرح لهم به دائم، والروح على قلوبهم مترادف. # 3 - وصنف ثالث أعلى من هذين الصنفين: قد جاوزوا هذين الحظين إلى ~~وحدانيته، فانفردوا به، فشغلتهم وحدانيته عن الجلال والجمال، فهم أمناء ~~الله، وأعلامه في أرضه، وقواد دينه، وهم الكبراء الذين قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأبي جحيفة: ((جالس الكبراء، وساير العلماء، وخالل ~~الحكماء)). # فالكبراء: الذين تكبروا في عظمه الله وجلاله، واعتزوا به، فهم به، وله. PageV03P288 # والفرح على ثلاثة أضرب: # 1 - فرح بهذه الدنيا الزائلة الدنية فقد خسر أهله، فهذا فرح الظالمين، ~~قال الله -تبارك اسمه-: {وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا متاع}. وفي قصة قارون: {لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}. # 2 - وفرح بفضل الله وبرحمته {فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}. فهذا ~~فرح المقتصدين الشاكرين. # 3 - وفرح بالله؛ حيث انتبهوا أنه ربهم في عظمته، وجلاله، وجماله، ومجده، ~~وكبريائه، وملكه، وغناه، وكرمه، فهذا فرح المقربين. # فلو أن عبدا كان لرجل قروي حراث، أو جبلي غراس، فانتقل ملكه إلى سيد سوقي ~~تاجر؛ لرفع به رأسا، وفخر به، ثم لو انتقل ملكه إلى أمير من الأمراء؛ لرفع ~~به رأسا، وفخر به، وصال به على الناس، ثم لو انتقل ملكه حتى صار لأمير ~~المؤمنين؛ لتكبر أن يكلم أولئك السادة الذين كانوا ملكوه، ورفع بنفسه أن ~~يلحظ إلى كل أحد؛ اعتزازا ms0420 بأمير PageV03P289 ~~المؤمنين أنه سيده، وأنه من ملك يمينه، فكيف بمن انتبه أن سيده ومالكه خالق ~~الخلق، ومالك الملوك، ورب العالمين، ألا ينشق وينقد فرحا؟ # فقد كان هذا عبدا ملكته دنياه، فكان بها يفتخر، ويصول، ولها يفرح، ثم ~~أفاق إفاقة، فملكته نفسه بالعطايا التي وردت على قلبه، فكان بها يفتخر، ~~ويصول، وبها يفرح، ثم أفاق إفاقة، فملكه الحق؛ ليروضه، ويؤدبه بين يديه، ~~حتى ينصلح له، حتى إذا تمت رياضة الحق له بباب الملك الأعلى، رفع الحجاب عن ~~قلبه، وأوصله إلى قربه، فكان بين يديه، فكان بالله يفتخر ويصول، وبه يفرح، ~~حتى إذا اطمأن، ومرن على المقام، واعتاده، وسكنت منه الأفراح، وسكنت منه ~~الأهوال والدهشات من النظر إلى جلاله وجماله، قدمه إلى الوسيلة العظمى، ~~والقربة الأوفر، فغرق قلبه في وحدانيته، فصار منفردا به، مشغولا به عن جميع ~~صفاته، فهذا PageV03P290 ~~أمينه، وأحد أعلامه في أرضه، وواحده بين عبيده، فهو الذي يقول في أرضه إذا ~~ناداه: ((يا واحدي! فيصدق في قوله))، وهو الذي ذكره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # 697 - حدثنا بذلك حفص بن عمرو، قال: حدثنا محمد ابن بشر العبدي، قال: ~~حدثنا عمر بن راشد اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيروا، سبق ~~المفردون))، قالوا: يا رسول الله! من المفردون؟ قال: ((الذين أهتروا في ذكر ~~الله، يأتون يوم القيامة خفافا، يضع الذكر أثقالهم)). PageV03P291 # والمهتر في اللغة: هو الذي خرف، فذهب عقله، فصار مهترا، وهو المفرد، قد فرد ~~قلبه للواحد في وحدانيته، وجاز من الجلال والجمال إلى وحدانيته، فقد خمد ~~نور عقله لنور وجهه الكريم، فصار كالواله في ذكره كالذي يهذي؛ لأن من شأن ~~العقل أن يقيم بك على الحدود، والأشياء المعلومة المقدرة، فإذا خمد العقل، ~~فقد ذهب عمله، فهو الذي أهتر في ذكر الله. # 698 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا سيار، عن جعفر، ~~عن مالك، قال: قرأت في الكتب: أيها الصديقون! ms0421 تنعموا بذكري؛ فإنه لكم في ~~الدنيا نعيم، وفي الآخرة جزاء. # وزاد فيه غيره: رضيتم بي بدلا من خلقي، وآثرتموني على شهواتكم، فبي ~~فافرحوا، وبذكري فتنعموا، فوعزتي! ما خلقت الجنان إلا من أجلكم، فعما قليل ~~لأخلين الدنيا من الفجار. PageV03P292 # فالمقتصدون: يتعبدون بذكره، والصديقون: يتنعمون به، والمقتصدون بفضله عليهم ~~يفرحون، فإذا دخلوا الجنة، فهمة المقتصدين الوصول إلى ثوابه من القصور ~~والمساكن، والحور في الحجال، وهمة الصديقين قربهم إلى ربهم. # 699 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار قال: حدثنا رياح ~~القيسي، قال: حدثنا ثور بن يزيد، قال: بلغنا أن الملائكة يأتون المؤمنين ~~يوم القيامة، فيقولون: يا أولياء الله! انطلقوا، فيقولون: إلى أين؟ ~~فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: إنكم لتذهبون بنا إلى غير بغيتنا، فيقال لهم: ~~وما بغيتكم؟ فيقولون: المقعد الصدق مع الحبيب، وهو قوله -جل ذكره-: {إن ~~المتقين في جنات ونهر. في مقعد صدق عند مليك مقتدر}. PageV03P293 # 700 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا إبراهيم ابن حمزة الرملي، عن محمد ~~بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب في قوله تعالى: {في جنات ونهر}، ~~قال: في نور وضياء. # 701 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا محمد ابن سنان العوقي، عن ~~إبراهيم بن طهمان، عن صالح بن حيان، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {إن المتقين في جنات ونهر. في مقعد صدق ~~عند مليك مقتدر}، قال: إن أهل الجنة يدخلون على الجبار كل يوم مرتين، فيقرأ ~~عليهم القرآن، وقد جلس PageV03P294 ~~كل امرئ منهم مجلسه الذي يجلسه على منابر الدر، والياقوت، والزمرد، والذهب، ~~والفضة بالأعمال، فلا تقر أعينهم قط كما تقر بذلك، ولم يسمعوا شيئا أعظم ~~منه، ولا أحسن منه، ثم ينصرفون إلى رحالهم قريرة أعينهم، ناعمين إلى مثلها ~~من الغد)). # فهؤلاء الروحانيون الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قراء أهل ~~الجنة، فمن استمع إلى صوت غناء في الدنيا، ثم دخل الجنة، حرم أصواتهم. PageV03P295 ### || AUTO الأصل الرابع والعشرون ms0422 والمئة # 702 - حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق البصري، قال: حدثنا سليمان بن طريف، عن ~~مكحول، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((خير أمتي أولها وآخرها، وفي وسطها الكدر)). # 703 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا عيسى PageV03P297 ~~ابن ميمون البصري، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل أمتي مثل المطر، لا يدرى ~~أوله خير أو آخره)). # 704 - حدثنا صالح، قال: حدثنا حماد الأبح، عن يزيد الرقاشي، عن ثابت ~~البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بمثله. PageV03P298 # 705 - حدثنا الفضل بن محمد الواسطي، قال: حدثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة ~~الدمشقي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الملك بن عقبة الإفريقي، عن أبي ~~يونس مولى أبي هريرة رضي الله عنه، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: بعثني خالد ~~بن الوليد بشيرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مؤتة، فلما دخلت ~~عليه، قلت: يا رسول الله! فقال: ((على رسلك يا عبد الرحمن، أخذ اللواء زيد ~~بن حارثة، فقاتل زيد حتى قتل، رحم الله زيدا، ثم أخذ اللواء (جعفر، فقاتل ~~جعفر، فقتل، رحم الله جعفرا، ثم أخذ اللواء) عبد الله بن رواحة، فقاتل، ~~فقتل رحمه الله، ثم أخذ اللواء خالد، ففتح الله لخالد، فخالد سيف من سيوف ~~الله)). PageV03P299 # فبكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم حوله، فقال: ((وما ~~يبكيكم؟))، قالوا: وما لنا لا نبكي، وقد قتل خيارنا، وأشرافنا، وأهل الفضل منا؟ # فقال: ((لا تبكوا؛ فإنما مثل أمتي مثل حديقة، قام عليها صاحبها، فاجتث ~~رواكيها، وهيأ مساكنها، وحلق سعفها، فأطعمت عاما فوجا، ثم عاما فوجا، ثم ~~عاما فوجا، فلعل آخرها طعما يكون أجودها قنوانا، وأطولها شمراخا، والذي ~~بعثني بالحق! ليجدن ابن مريم في أمتي خلفا من حواريه)). # 706 - حدثنا علي بن سعيد بن مسروق الكندي، قال: حدثنا عيسى ms0423 بن يونس، عن ~~صفوان بن عمرو السكسكي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، قال: لما PageV03P300 ~~اشتد جزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أصيب مع زيد ابن حارثة ~~يوم مؤتة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليدركن المسيح من هذه الأمة ~~أقواما: إنهم لمثلكم، أو خير منكم، ثلاث مرات، ولن يخزي الله أمة أنا ~~أولها، والمسيح آخرها)). # فمن الله على هذه الأمة خصوصا، ثم عدد المنة، فقال: {كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس}. قال: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}؛ أي: عدلا {لتكونوا شهداء على ~~الناس}. # فالموصوف بالوسطية هو الموصوف بالعدل، لا يميل إلى إفراط، ولا إلى نقصان، ~~فالميزان لسانه في وسطه، وباستواء الطرفين، والكفتين يستوي لسان الميزان، ~~ويقوم الوزن، فجعلت أوائل هذه الأمة وأواخرها، ممن يهدون بالحق وبه يعدلون، ~~فجعل أولها وآخرها ككفتي الميزان، يستويان، وما بينهما من الكدر والقبيح، ~~والمعوج كلسان الميزان يستقيم، PageV03P301 ~~فلا يميل هكذا، وهكذا باستواء الكفتين. # فمعناه: أن ينجو الوسط بهاتين الكفتين، فإنه إن مال الوسط إلى أي ~~الجانبين، مال إلى ركن وثيق، فعم استواء هاتين الكفتين اعوجاج هذا الوسط، ويتجه. # ألا ترى أنه عمهم، قال: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}؛ أي: عدلا. # وفي وسط الأمة اعوجاج، فكما كان في استواء الكفتين استقامة اللسان، فكذلك ~~في استواء أوائل هذه الأمة وأواخرها يقوم الوسط، فلا يهلك. # وقد جاء في الخبر: أنه سيظهر العلم في آخر الزمان، ويقبل الناس على أمر ~~الله حتى تتم حجة الله على عباده. PageV03P302 ### || AUTO الأصل الخامس والعشرون والمئة # 707 - حدثنا محمد بن عبدة بن سليمان الكلابي، قال: أخبرني ابن إدريس، ~~قال: أخبرنا مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن ~~القاسم، عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن ~~من أغبط أوليائي عندي: مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه، ~~وكان غامضا في الناس، وكان رزقه كفافا، فصبر عليه، فعجلت منيته، وقل تراثه، ~~وقلت بواكيه))، وقال رسول ms0424 الله صلى الله عليه وسلم هكذا، ونقر بإصبعه هكذا. PageV03P303 # 708 - حدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا سفيان، عن مطرح بن يزيد، عن ~~القاسم، عن أبي أمامة، يرفعه، بمثله. # ولم يذكر عبيد الله، ولا القاسم، وقال في حديثه: ((وكان غامصا في الناس)) ~~-بالصاد-. PageV03P304 # 709 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا يحيى الحماني، قال: حدثنا ابن ~~المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله ابن زحر، عن علي بن يزيد، عن ~~القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # قال: ((وكان غامصا)) -بالصاد المهملة-. # فالولي: من كتب الله له الولاية، وجعل له حظا، فبحظه من الله (يقدر أن ~~يتولاه، كما أن النبوة لمن كتب الله له النبوة، وجعل له حظا، فبحظه من ~~الله) قامت له النبوة، كما أن بين الأنبياء تفاوت في الدرجات، فكذلك بين ~~الأولياء تفاوت في الدرجات. # وقال الله -جل ذكره- في تنزيله: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا ~~داود زبورا}، (وقال في صفة موسى عليه السلام {وقربناه نجيا}). # وقال في صفة قوم مؤمنين صفوة له، فقال: {لا تجد قوما يؤمنون بالله PageV03P305 ~~واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} إلى قوله: {أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله} الآية. # وبلغنا: أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم بدر، فنزلت هذه الآية. # وروي لنا: أن عبد الرحمن بن أبي بكر بعد ما أسلم قال لأبيه: يا أبت! لقد ~~أهدفت لي يوم بدر، فضقت عنك، فقال أبو بكر: أما إنك لو أهدفت لي، ما ضقت عنك. # فكتب الله لأهل الولاية ولايتهم، وأيدهم بروح منه، ولا تأخذهم في الله ~~لومة لائم، ولا حب ولد، ولا والد، ولا أهل، ولا مال تالد. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: لا ينال الرجل ولاية الله، ~~وإن كثرت صلاته، وإن كثر صيامه، حتى يحب في الله، ويبغض في الله، ويوالي في ms0425 ~~الله، ويعادي في الله)). PageV03P306 # 710 - حدثنا بذلك صالح بن عبد الله، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ~~ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، بنحوه. # فأما قوله: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا} فأبهم ~~الفضل الذي فضل بعضا على بعض، وأتى بذكر داود وما آتاه من الزبور، والزبور ~~كله ثناء ومدح، يقال: ليس فيه حلال ولا حرام، وإنما كان كتابهم التوراة ~~فيها الحلال والحرام، وخص داود بالثناء والمدائح. # فذكر في الخبر: ((أنه لما عرضت على آدم ذريته، رأى نورا ساطعا في واحد من ~~ذريته، فقال: يا رب! من هذا؟ قال: ابنك داود، قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة، ~~قال: رب هب له من عمري أربعين سنة)). # 711 - حدثنا بذلك محمد بن حسين، قال: حدثنا قتيبة، عن ليث بن سعد، عن ابن ~~عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام. PageV03P307 # 712 - حدثنا أبي، عن عمرو القناد، عن أسباط عن السدي، عن أبي صالح وأبي ~~مالك، عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومرة الهمداني، عن ابن مسعود، بمثله. # فذلك النور الساطع الذي رئي فيه يومئذ هو عندنا من هذا الذي أعطي، وخص به ~~من الزبور، وقد كان خفف عليه. # 713 - فحدثنا عمر بن أبي عمر، عن أحمد بن أبي الحسين الخزاعي، عن عبد ~~الرزاق، عن معمر، عن همام ابن منبه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان ~~مما خفف على داود قراءة الزبور، وإنه كان يأمر بدوابه أن تسرج، فقبل أن PageV03P308 ~~يفرغ كان يأتي على قراءته. # فإنما خف عليه لذلك النور الفاضل الذي أعطي، حين رأى آدم نوره ساطعا على ~~نظرائه، فأكثرهم نورا أسرعهم لتلاوة كتاب الله -جل ذكره-، وكلما كان الماء ~~أرق وأصفى، كان جريه أسرع، وكلما كان أغلظ وأكثر كدورة، كان أبطأ لجريه، ~~فكذلك كلام الله، كلما كان القلب أرق وأصفى، كان لتلاوته أسرع، فبين ~~الأنبياء تفاوت في القلوب، والدرجات، وكلهم أنبياء، وكذلك الأولياء بينهم ~~تفاوت، وكلهم أولياء، فهذا الذي وصف ms0426 رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه ~~يحكي عن الله تعالى. # ألا ترى: أنه قال: ((إن من أغبط أوليائي عندي)). فليس هذا كلام الآدميين، ~~وهكذا يجري في الحكاية، فتفهم، فذكر المغبوط. # والمغبوط: من يقرب بدرجته من درجة الأنبياء -عليهم السلام- PageV03P309 ~~علوا وارتفاعا، مؤمن خفيف الحاذ، وهذه صفة أويس القرني، وأشباهه [وهذه] صفة ~~الظاهر، لا الباطن، وقد يكون من الأولياء من غير هذه الصفة صفته، وهو أرفع ~~درجة من هذا فيما نعلمه، وذلك عبد قد ولي الله استعماله، فهو في قبضته ~~يتقلب، به ينطق، وبه يبصر، وبه يسمع، وبه يبطش، وبه يعقل، شهره في أرضه، ~~وجعله إمام خلقه، وصاحب لواء الأولياء، وأمان أهل الأرض، ومنظر أهل السماء، ~~وريحانة الجنان، وخاصة الله، وموضع نظره، ومعدن سره، وسوط الله في أرضه، ~~يؤدب به خلقه، ويحيي القلوب الميتة برؤيته، ويرد الخلق إلى طريقه، وينعش به ~~حقوقه، مفتاح الهدى، وسراج الأرض، وأمين صحيفة الأولياء، وقائدهم، والقائم ~~بالثناء على ربه بين يدي المصطفى، يباهي به الرسول في ذلك الموقف، وينوه ~~الله باسمه في ذلك المقام، وتقر عين المصطفى به، ويرفع رأسه به، قد أخذ ~~بقلبه أيام الدنيا، ونحله حكمته العليا، وأهدى إليه توحيده، ونزه طريقه عن ~~رؤية النفس، وظل الهوى، وائتمنه على صحيفة الأولياء، وعرفه مقاماتهم، ~~وأطلعه على PageV03P310 ~~منازلهم، فهو سيد النجباء، وصالح الحكماء، وشفاء الأدواء، وإمام الأطباء، ~~كلامه قيد القلوب، ورؤيته شفاء النفوس، وإقباله قهر الأهواء، وقربه طهر ~~الأدناس، فهو ربيع يزهو بنوره، وخريف تجتنى ثماره، وكنف يلجأ إليه، ومعدن ~~يؤمل لديه، وفصل بين الحق والباطل، فهو الصديق، والفاروق، والولي، والعارف، ~~والمحدث، والمجتبى، واحد الله في أرضه، فمن تحير في هذا. # فقد روي: أن إبراهيم -صلوات الله عليه- كان واحد الله في أرضه. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((يكون في هذه الأمة ~~قلوب على قلب إبراهيم))، وهم صنف من البدلاء. # معناه: أنه فتح له طريقة على طريقة إبراهيم والمصطفى، فإن إبراهيم خليل ~~الله، وأحمد حبيب الله. # وروي عن رسول الله صلى الله ms0427 عليه وسلم في شأن هلال عبد المغيرة بن شعبة: أنه PageV03P311 ~~قال: ((هذا أحد السبعة الذين بهم تقوم الأرض، بل هو خيرهم)). # 714 - حدثنا بذلك داود بن حماد القيسي، قال: حدثنا صالح بن عبد الله، عن ~~عبد المجيد بن أبي رواد، عن مروان بن سالم، عن عيسى بن بشير، عن يحيى بن ~~أبي طلحة، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: كنت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المسجد، فقال: ((يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة))، فقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة. # قال أبو الدرداء: فخرجت من ذلك الباب، فمضيت، فنظرت، هل أرى أحدا، فلم أر ~~أحدا، فدخلت منه، فقعدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أما إنك ~~لست به يا أبا الدرداء))، ثم جاء رجل حبشي، فدخل من ذلك الباب، وعليه جبة ~~صوف فيها رقاع من أدم، رام بطرفه نحو السماء، حتى قام على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فبدره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم عليه، فقال: ~~((كيف أنت يا هلال؟))، قال: بخير يا رسول الله، جعلك الله بخير. فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ادع لنا يا هلال، واستغفر لنا))، فقال: ~~رضي الله عنك يا رسول الله، وغفر لك. PageV03P312 # فقال أبو الدرداء: استغفر لي يا هلال، فأعرض عني، ثم عاودته الثانية، فأقبل ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أراض أنت عنه يا رسول الله؟ ~~قال: ((نعم))، قال: رضي الله عنك، وغفر لك، ثم خرج راميا بطرفه إلى السماء، ~~(فقال أبو الدرداء: لقد رأيت عجبا يا رسول الله، لقد أقبل وهو رام بطرفه ~~إلى السماء)، ما يقلع، ثم خرج وهو على ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((لئن قلت ذاك، إن قلبه لمعلق بالعرش، أما إنه لم يبق فيكم أكثر من ~~ثلاثة أيام))، فأحصيت الأيام، فلما كان في اليوم الثالث، وصلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الفجر، خرج من المسجد، ms0428 ونحن معه، فخرج يؤم دار المغيرة ~~بن شعبة، فلقي المغيرة خارجا من داره، فقال: ((آجرك الله يا مغيرة)) فقال: ~~يا رسول الله! ما مات في دارنا أحد الليلة، قال: ((بلى، توفي هلال))، قال: ~~فالتمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجده في ناحية الدار في إصطبل لهم، ~~خارا على وجهه ساجدا، ميتا، فأمر أصحابه فاحتملوه، فولي أمره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بنفسه، حتى دفن، ثم أقبل على أبي الدرداء، فقال: ((يا أبا ~~الدرداء! أما إنه أحد السبعة الذين بهم كانت تقوم الأرض، PageV03P313 ~~وبهم كنتم تسقون المطر، بل هو خيرهم)). # فالصديقون: أمان أهل الأرض، وهم خلفاء النبيين لما خلت الأرض من النبوة، ~~وشكت إلى الله عز وجل وعجت. # فروي في الحديث: أنه قال: ((سوف أجعل عليك أربعين صديقا، كلما مات واحد، ~~أبدل الله مكانه)). # قال له قائل: ما الحظ الذي تذكره وتردده في كلامك كثيرا؟! # قال: الحظ إذا فتح الله لعبده قلبه، وقذف في صدره النور، حتى PageV03P314 ~~تنخرق حجب الشهوات، ويضيء صدره، فهو على نور من ربه، وقد جعل الله له طريقا ~~إليه، فذاك مبتدأ الحظ، حتى يسير إليه قلبا بقوة ذلك الحظ، لا يزال يسير، ~~ويأتيه المدد من النور حتى يصل إليه، فيظهر على قلبه جلاله، وعظمته وبهاؤه، ~~وجماله، فلا يزال هناك حتى يوصله إلى فرديته، فيصير والها به، مبهوتا في ~~وحدانيته، فهذا هو الحظ. # وقال في تنزيله: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}. فإنما هداه لسبيله ~~بالمجاهدة، وقد كان مؤمنا قبل ذلك هداه لسبيل الإيمان به. # قال له قائل: فما الولاية التي ذكرت؟! # قال: المؤمنون كلهم أولياؤه، والأولياء من المؤمنين، والأنبياء كذلك أيضا ~~فهم مؤمنون وأولياء، ولهم حظ النبوة زيادة، والأولياء مؤمنون، ولهم حظ ~~الولاية زيادة، وهو قوله: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون}. # ثم وصفهم فقال: {الذين آمنوا وكانوا يتقون}. فذكر التقوى مع الإيمان، ~~فانظر أي تقوى هذه؟ ومما يتقون؟ PageV03P315 # ثم قال: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله}. ms0429 # فالبشرى على القلب، والبشرى في المنام للروح إذا زايلت النفس، وهي الرؤيا ~~الصالحة، والبشرى عند الموت، والبشرى في القبر، والبشرى في الآخرة يوم الحشر. # {لا تبديل لكلمات الله}؛ أي: لا بدل لهذه البشرى، ولا خلاف، ولا بدل لما ~~قلنا، ولا خلاف، فالبشرى على القلب لأهل الصفاء الذين سكنت وساوس نفوسهم، ~~وحبست وساوس شياطينهم، فإنما هما وسواسان لكل نفس: وسواس نفسه، ووسواس ~~شيطانه معه في صدره، وذلك سلاح لهذا، وبه يقدر على الآدمي، فإذا امتلأ ~~القلب يقينا، وأشرق الصدر نورا، ووصل قلبه إلى خالقه، فالبشرى منه له كائن ~~على القلب، وفي المنام للأرواح، فإنما صارت البشرى للأرواح في حياتها ~~لمفارقة النفس، فكذلك على القلب إنما تكون البشرى إذا فارقتها النفس في ~~جميع أحوالها. # قال له قائل: فأي تقوى هذا الذي ذكرت؟ # قال: انظر إلى مبتدأ الآية، فقال: {وما تكون في شأن وما تتلوا منه من ~~قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه}. # ثم قال بعد ما بين وذكر شاهديته عليهم في جميع متقلبهم: {وما يعزب PageV03P316 ~~عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا ~~في كتاب مبين}؛ ليتأداهم بالإيمان بالقدر. # ثم قال بعقب ذلك: ألا، وألا كلمة تنبيه لما تقدم من الكلام، وليتصل ما ~~بعده به، فقال: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم}. # ثم أخبر من هؤلاء الأولياء، فقال: {الذين آمنوا وكانوا يتقون}؛ أي: يتقون ~~ما أعلمهم من شاهديته عليهم، إذ تفيضون في الأعمال، فمن يتقي شاهديته إلا ~~من يعلم علم يقين لا علم تعليم أن الله يراه، فمن صار هذا العلم على قلبه ~~معاينة، فهو علم يقين أن الله شاهد عليه، استوت سريرته وعلانيته، واجتهد في ~~سريرة القلب حتى تستوي سريرة قلبه بسريرة فعله أيضا، ولا حظ في هذا لمن إذا ~~خلا، ترك حفظ حدود الله، فإذا كان مع خلقه قد أتقن حفظ الحدود هذا لمن يتقي ~~شاهديته؛ لأنه ليس على بصيرة نفس من ذلك، ولا ms0430 معاينة قلب، قد أيقن بهذا ~~يقين الموحدين، لا يقين الموقنين. # وكنت يوما قاعدا في المسجد مع بعض إخواني، فتذاكرنا شيئا حتى PageV03P317 ~~أدى ذلك إلى أني ذكرت من بعض نوائب قد كانت مرت بنا من الأذى أدى ذلك فيما ~~أحسب إلى فضول الكلام، فرأيت ليلة: إذ صالح بن محمد في المنام قاعدا على ~~صحن مسجده، وهو متكئ على وسادة متينة، وحوله مشايخنا، منهم: الحسن بن مطيع، ~~وأبي، وأبو يعقوب رحمه الله، وعدة من المشايخ، كأنه يقرأ عليهم شيئا من ~~الكتب، فلما فرغوا وتفرقوا عنه، وجدت نفسي قاعدا بالقرب من متكئه وحدي بين ~~يديه، وليس معنا ثالث، وأنظر إلى بياض ثيابه، وإلى حمرة خضابه، فأتعجب، ~~فيقول لي: ما تفسير قوله: {وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن} حتى بلغ ~~قوله: {إذ تفيضون فيه}؟ # فأقول مجيبا له: شاهديته معهم، وهذه كلمة ما ظننت أني تكلمت بها قط، ولا ~~سمعت من أحد، ولا علمتها إلا في ذلك الوقت، فلما أجبته بهذه الكلمة، قال ~~بفمه هكذا يقربها إلى أذني كأنه يشير لي، فقال: يقول -كأنه يعني الرب تبارك ~~اسمه- لأوليائه: اختموا على الفم، فانتبهت، فقلت في نفسي: رؤيا موعظة، ~~وكأنها يقظة، أستغفر الله وأتوب إليه. PageV03P318 # ومما يحقق ما قلنا بدءا: أن الأولياء الذين ذكرهم بأنهم لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} هم طائفة من المؤمنين، ~~قد خصهم الله بالولاية، وعصمهم باليقين، ونور قلوبهم بالهداية، ولي الله ~~ذلك منهم، واجتباهم لنفسه، فهم صنيعته، وهم الذين ذكرهم فقال: {فبشر عباد. ~~الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}، ثم قال: {أولئك الذين هداهم الله ~~وأولئك هم أولوا الألباب}. # 715 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك في ~~قوله: {فيتبعون أحسنه}، قال: ما أمر الله النبيين من الطاعة، فالمحسن هو ~~الذي يتبع حسن الأمور. # وقد ذكر في حديث جبريل حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان ~~والإسلام، ثم قال: يا محمد! ما الإحسان؟ قال: ((أن تعبد الله ms0431 كأنك تراه، ~~فإن لم تكن تراه، فإنه يراك))، قال: فإذا فعلت ذلك، فأنا محسن؟ قال: PageV03P319 # ((نعم)) قال: صدقت. # فمن عبد الله كأنه يراه، استمع إلى القول، فاتبع أحسنه، ونظر إلى الأمور، ~~فعمل بأحسنه. # فأما قوله: ((ما أمر النبيين)) فمثل قوله للعامة: {اصبروا}، وقال للرسول ~~{فاصبر صبرا جميلا}. # فجمال الصبر، وجمال الأمور للأنبياء، والأولياء على أثرهم في ذلك يقتضي ~~منهم أيضا هذا الجمال والحسن حتى يكون محسنا. # وأما الصبر الجميل: # فروي عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه قال: ((لا تشكوا إلى أحد غيري)). # حديث عن جنادة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما. # 716 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا PageV03P320 ~~أحمد بن السرح المصري، قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم العتقي، قال: حدثني ~~سعد بن عبد الله، عن عبد الأعلى ابن الحجاج في قوله: {فاصبر صبرا جميلا}، ~~قال: يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو. # ومثل المبادلة لأهل المعصية، والقيام بحقوق الله كما قال نوح وهود: ~~{فكدوني جميعا ثم لا تنظرون}. # ومثل قول إبراهيم: {إنا برءؤا منكم}. # ولمن دونهم: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}. # ومثل سخاوة المتقين وترك الادخار. # 717 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن ثابت ~~البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، PageV03P321 ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد. # ومثل العفو: أمروا بالعفو والصفح {حتى يأتي الله بأمره. # ودعا على بعض المشركين، فأنزل: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو ~~يعذبهم فإنهم ظالمون}، {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}؛ أي: لست بغافل عنك. # ولمن دونهم، فقال: {وجزاء سيئة سيئة مثلها}. PageV03P322 ### || AUTO الأصل السادس والعشرون والمئة # 718 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عمر ابن عمرو الربعي، عن محمد بن ~~جابر، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة، قال: كنا في جنازة مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهينا إلى القبر، جلس رسول ms0432 الله صلى ~~الله عليه وسلم على شفيره، وجعل ينظر، ثم قال: ((يضغط المؤمن في هذا ضغطة ~~تزول منها حمائله، ويملأ على الكافر نارا)). PageV03P323 # فالمؤمن أشرق نور الإيمان في صدره، فباشر اللذات، والشهوات، وهي من الأرض، ~~والأرض مطيعة، وخلق الآدمي من هذه الأرض، وقد أخذ عليه العهد والميثاق في ~~العبودة لله، فبما نقص من وفاء العبودة صارت الأرض عليه واجدة، فإذا وجدته ~~في بطنها، ضمته ضمة، ثم تدركه رحمة الله، فترحب عليه، وعلى قدر سرعة مجيء ~~الرحمة يتخلص من الضمة، فإن كان محسنا؛ فإن رحمة الله قريب من المحسنين، ~~فإذا كانت الرحمة قريبة منه، لم يكن للضمة لبث، وإن كان خارجا عن حد ~~المحسنين، لم يخل أن يطول اللبث في الضمة حتى تجيء الرحمة. # قال له قائل: ومن المحسن؟ # قال: الذي وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل عليه ~~السلام: ما الإحسان؟ قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه ~~يراك))، قال: فإذا فعلت ذلك، فأنا محسن؟ قال: ((نعم))، قال: صدقت. PageV03P324 # فهذا المحسن لا يكون لضمته لبث؛ لأن الرحمة توسع عليه، وتلك ضمة الشفقة، لا ~~ضمة السخطة؛ لأنه كان على ظهرها محسنا، فكانت مشتاقة إليه، فلما وجدته في ~~بطنها، ضمته كغائب وجد غائبه بعد الشوق إليه، والظالم المخلط يكون لضمته ~~لبث حتى تدركه الرحمة، والكافر لا خلاق له من الرحمة، فيملأ عليه نارا. # 719 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا أبو صالح الحراني، عن عبد الله ~~بن لهيعة، عن دراج، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن المؤمن في قبره في روضة خضراء، يرحب له ~~قبره سبعين ذراعا، وينور له قبره كليلة البدر، أتدرون فيمن نزلت هذه الآية: ~~{فإن له معيشة ضنكا}؟ قال: عذاب القبر. والذي نفسي بيده! إنه ليسلط عليه ~~تسعة وتسعون تنينا. أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية منها تسعة ~~رؤوس، ينفخن في جسمه، ويلسعنه، ويخدشنه إلى يوم ms0433 يبعثون)). PageV03P325 # فهذا وجه واحد على ما ذكرنا. # ووجه آخر: أن الأرض مطيعة، قد كانت امتنعت، واستعاذت بالله حيث أخذت منها ~~قبضة آدم صلى الله عليه وسلم حتى رجع الرسول، فبعث ملكا آخر، فاستعاذت، ~~فرجع الملك، فبعث ملكا آخر، فيقال في الحديث: إنه ملك الموت، فلما استعاذت ~~بالله، استعاذ الملك من أن يمتنع حتى يأخذ منها ما أمره، فلما انتشرت ذريته ~~على وجه الأرض، لم يعتر أحد من خطيئة ألم بها غير يحيى بن زكريا -صلوات ~~الله عليه-، فمن عاد منهم إلى الأرض يوم قبضه ومزايلة الروح عنه قد وضع ~~الله عنه وزره، فلا سبيل للأرض عليه؛ لأنه صار كأن لم يوزر عليها ولم يعص، ~~وهو من إحدى المنن التي من الله على رسوله، فقال: {ألم نشرح لك صدرك. ~~ووضعنا عنك وزرك}. # فإذا وضع الله وزر عبد عنه في حياته، قبل نفسه؛ لأنها قد طهرت من الدنس، ~~فإذا عاد جسده إلى الأرض التي منها ابتدئ مع نور الإيمان، PageV03P326 ~~ونور الطاعات، فذلك جسد أشرف وأعظم خطرا من أن تضمه الأرض وتضغطه، فإن كانت ~~الأرض مطيعة، فهذا الجسد منذ زايلها صارت في مرتبة أعظم من مرتبتها من منن ~~الله عليها، وطاعته لا تشبه طاعة الأرض؛ لأن نفس الأرض مجبورة، ونفس الآدمي ~~مفتونة بالشهوات، فليست طاعة الأرض، ولا طاعة السماء، ولا طاعة سائر خلقه، ~~تشبه طاعة الآدمي؛ لأنها يخرجها من بين شهوات، ووساوس، وعجائب، فإذا دخلت ~~على الأرض في لحده، وقد قبل الله نفسه، ووضع عنه أوزاره، ومعه التوحيد ونور ~~الطاعات، فالأرض مهتزة لمقدمه، مهتشة إلى جسده. # كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((اهتز العرش لموت ~~سعد ابن معاذ فرحا بلقائه)). # وقد فسرناه في بابه، فإذا كان عرش الرحمن يهتز لروح عبد، فليس بعظيم ولا ~~بعجيب أن تهتز الأرض لجسده، وتهتش إلى لقائه. # قال له قائل: فقد رويت لنا عن سعد بن معاذ: أنه لما دفن قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((لا إله إلا الله، سبحان الله! ms0434 (هذا العبد الصالح لقد ~~ضيق عليه في قبره حتى خشيت أن لا يوسع عليه، ثم وسع عليه))). PageV03P327 # فقيل: بم سبحت يا رسول الله؟ قال: ((لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره، ~~ثم رفه عنه، قال: نعم)). # 720 - حدثنا هارون بن حاتم الكوفي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن ~~الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: لما مات سعد، نزل جبريل عليه السلام، ~~فقال: يا محمد! رجل من أمتك مات اهتز له العرش، فخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المسجد، فإذا امرأة، فقالت: يا رسول الله! إن سعد بن معاذ ~~مات، فشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازته، فجلس على القبر، فقال: ~~((لا إله إلا الله، سبحان الله! هذا العبد الصالح لقد ضيق عليه في قبره حتى ~~خشيت أن لا يوسع عليه، ثم وسع عليه)). PageV03P328 # 721 - حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا ابن فضيل، قال: حدثنا عطاء بن ~~السائب، عن مجاهد، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: دخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قبره، فاحتبس، فقالوا: ما حبسك يا رسول الله! قال: ((ضم سعد في ~~القبر ضمة، فدعوت الله أن يكشف عنه)). # فهذا لعلة، قد جاء في غير هذا الحديث سبب هذه الضمة، وإنما كانت مرة واحدة. # رواه يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني أمية بن عبد الله: أنه ~~سأل بعض أهل سعد: ما بلغك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا؟ فقال: ~~ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك، فقال: ((كان يقصر في ~~بعض الطهور من البول)). # فكان القوم لا يستنجون بالماء، ومن شأنهم التمسح بالحجارة والتراب، فلما ~~نزلت: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا}، فشا فيهم الطهور بالماء، فمنهم من كان ~~يستنجي، ومنهم من كان يتطهر بالماء، PageV03P329 ~~فأهل الاستقامة يردون اللحود، وفيهم خصلة عليهم فيها تقصير، فوردوا اللحود ~~مع ذلك التقصير غير نازعين عنها، وليس ذلك بذنب عندهم ولا خطيئة فيحاسبون ~~في قبورهم. # 722 ms0435 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا يحيى ابن زكريا بن أبي زائدة، ~~عن مجالد، عن محمد بن المنتشر، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: في القبر ~~حساب، وفي الآخرة حساب، فمن حوسب في القبر، لم يعذب في الآخرة. # فخليق أن تكون تلك الضمة التي نالت سعدا -مع عظيم قدره- من أجل أنه حوسب ~~في القبر بذلك التقصير الذي ورد به في لحده، فكانت ضمة، ثم فرج عنه، فيلقى ~~الله وقد حط عنه دنسها ووبالها. # 723 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سليمان ابن شرحبيل، قال: حدثنا ~~بشر بن عون، قال: حدثنا بكار بن تميم القرشي، عن مكحول، عن أبي أمامة، قال: PageV03P330 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا البول؛ فإنه أول ما يحاسب به ~~العبد في القبر)). # 724 - وحدثنا الجارود، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، قال: لما توفيت زينب ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~جنازتها. قال: فكأنما نسف على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الرماد، ~~فلما دفنت، ذهب عنه بعض ذلك، فقالوا: يا رسول الله! ما نزال نرى في وجهك ما ~~نكرهه، قال: ((إني ذكرت ضعفها، وضغطة القبر، فعفي لي عنها، ولقد ضغطت ضغطة ~~سمع [صوتها] كل شيء إلا الثقلين)). PageV03P331 # 725 - حدثنا سفيان، قال: حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن زياد، عن ~~ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو أفلت أحد من فتنة ~~القبر، أو ضمه، لنجا سعد، ولقد ضم ضمة، ثم رخي عنه)). # فقصة زينب، وقصة سعد قريبة إحداهما من الأخرى، إن هذا إنما يكون من ~~التقصير في شيء، ثم يرفع عنه، وذلك اقتضاء الحق حقه، ثم تجيء الرحمة ~~فتكشفه، فهذا لأهل الاستقامة. # فأما الأنبياء والأولياء: فلا نعلم أن لهم في القبر ضمة ولا سؤالا، PageV03P332 ~~فذلك أنهم بحظهم من ربهم امتنعوا من هذا الأمر، وتخلصوا، ومن دونهما ليس ~~لهم حظ من ربهم، إنما لهم الثواب بما عبدوا الله، ms0436 والذي يمتنع من هذه ~~الشدائد -التي وصفها في الموت، وبعد الموت- بالله، فهو منع، والذي يمتنع ~~بالأعمال، فغير منيع حتى يمنعه به الله. # قال له قائل: فكيف يمتنع بالله؟ # قال: هذه قصة الأنبياء والأولياء، على قلوبهم من جلال الله وعظمته ما إذا ~~وردوا اللحود، هابتهم اللحود من جلالتهم، ألا ترى إلى قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((من هاب الله، أهاب الله منه كل شيء))؟ # 726 - حدثنا بذلك محمد بن الحسين، قال: حدثنا إسحاق بن المنذر، قال: ~~أخبرنا سليمان بن أبي معاوية الكوفي، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن واثلة بن ~~الأسقع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من اتقى الله، أهاب الله ~~منه كل شيء، ومن لم يتق الله، أهابه الله من كل شيء)). # ومثله ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لو عرفتم الله ~~حق معرفته، لزالت بدعائكم الجبال)). # 727 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ~~حدثنا أبي، عن الحجاج، PageV03P333 ~~عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # فوجه هذا عندنا: أن يبلغ من معرفة العبد بكرم ربه وجوده، فيحسن ظنه به: ~~أنه يجيبه إذا دعاه، فدعاه أن يزيل الجبل، لأزاله، وهو ظاهر. # والوجه الآخر: أن يبلغ من معرفته بقدرته ما لا يتعاظمه ذلك، وقد قرب محله ~~ودرجته حتى غرق قلبه في وحدانيته، فانفرد به، وأعطي سلطانا، فبذلك السلطان ~~يدعو الجبل فيزول، ويجيبه الجبل. # ومما يحقق هذا الوجه الثاني الذي ذكرنا ما جاء: عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # 728 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا القعنبي، عن ابن لهيعة، عن ابن ~~هبيرة، عن حنش، عن ابن مسعود: أنه قرأ: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} الآية، ~~فبرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو قرأها موقن على جبل، ~~لزال)). PageV03P334 # ففكره في هذا الذي قال: ((لو قرأها موقن على جبل ms0437 لزال)) لأي شيء يزول؟ # فمعناه عندنا: أن المصاب قد كان به شيطان يضر به، فلما قرأ الآية، ونهره، ~~انتهر فذهب، وذلك أن القلب إذا كان له حظ من السلطان والهيبة والجلال فقد ~~قوله وفعله، كما قد ترى رجلا في بياض واحد من الناس لا يهاب ولا ينفذ قوله، ~~فإذا دعاه الأمير، فولاه عملا، وألبسه السواد؛ هابه من نابه، وأنفذوا قوله، ~~وأرعبوا في خوفه، فالسواد علامة السلطان، فلما رأوه، تغيرت القلوب، وتبدت ~~الأمور، وكذلك من نور الله قلبه باليقين، فتح على قلبه من جلاله وعظمته ~~وسلطانه ما يهابه كل من رآه. # ومن هاهنا قال ابن عباس رضي الله عنهما، أو غيره: والله! لدرة عمر كانت ~~أهيب في صدور الناس من سيوف غيره. PageV03P335 # وكان يهاب، حتى يفرقه عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ~~أرادوا أن يكلموه بشيء، رفعوه إلى حفصة ابنته هيبة له. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع طلاقته، وبشاشته إلى أصحابه، ~~ورحمته، وعطفه على أمته، وبشره، تهابه الخلق، كأنما على رؤوسهم الطير، حتى ~~كانوا يغتنمون أن يجيئهم أحد من البادية في جفائه، فيسأله عن بعض الأمر، ~~وقال لرجل جلس عنده، فأخذته الرعدة، فقال: ((هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة ~~كانت تأكل القديد)). # وروي عن عيسى بن مريم -صلوات الله عليه- أنه أتي بامرأة مصابة، فصك في ~~صدرها، فخرج منها تسعة من الشياطين، فتعجبوا من ذلك، فقال عيسى عليه ~~السلام: أتعجبون من ذلك؟! لو أن مؤمنا مستكمل الإيمان مستحقه نهر جبلا، ~~لزال ذلك الجبل من مكانه. # 729 - حدثنا بذلك الفضل بن محمد، قال: حدثنا القاسم الجوعي الدمشقي، عن ~~الفريابي. PageV03P336 # 730 - حدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عبيد الله العمري عن ~~نافع، قال: خرجت عنق نار من حرة النار، لا تمر على شيء إلا أحرقته. فأتي ~~عمر، فأخبر بها، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: أيها الناس! ~~أطفئوها بالصدقة. فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف دينار. فقال عمر: ~~ماذا صنعت، حصرت الناس، فتصدق الناس، ms0438 فأتى عمر، فقالوا له: لقد طفئت. فقال: ~~لو لم تفعلوا، لذهبت حتى أنزل عليها. # قال: وزلزلت المدينة على عهد عمر رضي الله عنه حتى اصطفقت السرر، فقام ~~عمر بن الخطاب على المنبر، فقال: أيها الناس! ما هذا؟ ما أسرع ما أحدثتم؟ ~~قال: فسكنت، فقال: لئن عادت، لا أساكنكم فيها. PageV03P337 # فإذا كان هذا حال المؤمن على ظهرها، فكيف يجوز أن تضمه؟ # فإن -الله تبارك وتعالى- إذا شرح صدر عبد وضع عنه وزره، وذلك أنه يجد ~~بقلبه من الهيبة والسلطان، ويظهر على قلبه من جلال الله، وعظمته وكبريائه ~~ما تذوق كل شعرة منه على ناحية هول ذلك، فيعمل ذلك الهول في لحمه، ودمه، ~~ومخه، وعظمه، وشعره، وبشرته، فيميت شهواته، ويعلق قلبه بوحدانيته، فإذا كان ~~كذلك، فقد طهره. # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو أقل من هذا، ودون هذا، ~~فأوجب له نحوا مما ذكرنا. # 731 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا عبد العزيز ~~بن محمد، عن يزيد بن الهاد، عن محمد ابن إبراهيم التيمي، عن أم كلثوم بنت ~~العباس، عن أبيها العباس بن عبد المطلب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((إذا PageV03P338 ~~اقشعر جلد العبد من خشية الله، تحاتت عنه خطاياه كما تحاتت عن الشجرة ~~البالية ورقها)). # 732 - حدثنا إبراهيم بن يوسف الحضرمي، قال: حدثنا ابن المبارك، عن الربيع ~~بن أنس، عن أبي داود، عن أبي بن كعب، قال: ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر ~~الرحمن، فاقشعر جلده من مخافة الله، إلا كان مثله كمثل شجرة يبس ورقها، فهي ~~كذلك، فأصابتها ريح، فتحات عنها ورقها، إلا تحاتت عنه خطاياه، كما تحاتت ~~عنها ورقها. # قال: وليس من عبد على سبيل وسنة، ذكر الرحمن، ففاضت عيناه من خشية الله ~~أن تمسه النار أبدا. PageV03P339 # 733 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا جعفر بن سليمان ~~الضبعي، عن عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: قرأت في آخر ~~زبور داود ثلاثين سطرا: ms0439 يا داود! هل تدري أي المؤمنين أحب إلي أن أطيل ~~حياته؟ الذي إذا قال: لا إله إلا الله، اقشعر جلده، فإني أكره لذلك الموت ~~كما تكره الوالدة لولدها، ولابد له منه، إني أريد أن أسره في دار سوى هذه ~~الدار؛ فإن نعيمها بلاء، ورخاءها شدة، فيها عدو لا يألوهم خبالا، يجري منهم ~~مجرى الدم، من أجل ذلك عجلت أوليائي إلى الجنة، لولا ذلك، ما مات آدم وولده ~~حتى ينفخ في الصور. # 734 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا محمد ابن المصفى، قال: حدثنا سويد ~~بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عبد الله النجراني، عن الحسن بن أبي الحسن، ~~عن عبد الله PageV03P340 ~~ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن ~~المؤمن إذا مات تجملت المقابر لموته، فليس منها بقعة إلا وهي تتمنى أن يدفن ~~فيها، فإذا دفن في البقعة التي قضى الله أن يدفن فيها، دخل عليه ملكا ~~الرحمة، فأجلساه، ثم سألاه، فقال أحدهما للآخر: ارفق بولي الله؛ فإنه نجا ~~من هول شديد، ثم سأله عن الرب، فعظم إجلاله، وأخبره بعظمته، ثم سأله عن نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم، فصلى عليه، وأثنى عليه، وإن الأرض تزينت له، ~~فقالت: رب! مني خلقته، وفي أعدته، ومني تبعثه للحساب، فائذن لي حتى أدخل ~~على عبدك فلان، فأمر الله الأرض، فتزينت في صورة لم تر الأعين مثلها، ودخلت ~~على من هو أحسن منها، فقالت له حين دخلت عليه: ما أحسن وجهك! وأطول نعيمك! ~~وأفسح مضجعك! فقال لها: ومن رآك في هذه الصورة، فليحسن وجهه، وليطل نعيمه، ~~وينفسح مضجعه. فقالت له: أنت مني PageV03P341 ~~خلقت، وإلي أعدت، وفي أكرمت، ثم خرجت من عنده، فيقول: كان ابن آدم ناعما، ~~حتى يبعث أولياء الله، لم يذق عذاب القبر، ويبعث (ببياض الوجه حتى يدخل في ~~الجنة، فتلقاه الملائكة، فيقولون: سلام عليك، هذا بشراك الذي كنت توعد، ~~وكذلك يبعث أولياء الله)). # 735 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا محمد بن المصفى الحمصي، قال: ~~حدثني ms0440 بقية، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي، عن ~~عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، عن أبي الحجاج الثمالي، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((يقول القبر للميت حين يوضع PageV03P342 ~~فيه: ويحك يا ابن آدم! ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الظلمة، وبيت الفتنة، ~~وبيت الوحدة، وبيت الدود، وما غرك بي إذ كنت تمر بي فدادا؟ قال: فإن كان ~~مصلحا، أجاب عنه مجيب القبر، فيقول: أرأيت إن كان ممن يأمر بالمعروف، وينهى ~~عن المنكر؟ قال: فيقول: إني إذا أعود عليه خضرا، ويعود جسده عليه نورا، ~~وتصعد روحه إلى رب العالمين)). PageV03P343 ### || AUTO الأصل السابع والعشرون والمئة # 736 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا العمري، عن إسماعيل بن محمد بن سعد ~~بن أبي وقاص الزهري، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((من سعادة ابن آدم استخارته الله، ومن سعادة ابن آدم رضاؤه بقضاء ~~الله، ومن شقاوته تركه استخارة الله، ومن شقاوته سخطه لقضاء الله)). PageV03P345 # فالاستخارة في الأمور لمن ترك التدبير في أمره، وفوضه إلى ولي الأمر الذي ~~دبر له ذلك، وقدره من قبل أن يخلقه. # 737 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عبد الوهاب بن نافع، عن مبارك بن ~~فضالة، عن الحسن، قال: قال الله -تبارك وتعالى-: ((يا داود! تريد وأريد، ~~ويكون ما أريد، فإن أردت ما أريد، كفيتك ما تريد، ويكون ما أريد، وإن أردت ~~غير ما أريد، غيبتك فيما تريد، ويكون ما أريد)). PageV03P346 # فأهل التفويض رموا بإرادتهم، ورضوا بإرادته؛ لما علموا علم اليقين أن ~~إرادتهم تبطل عند إرادته، ولم يبطلوا مدة أعمارهم في فكرة ذلك. # وذكر لنا عن بعض السلف: أنه قيل له: بم تعرف ربك؟ قال: بفسخ العزائم. # وذلك أن الآدمي يفكر ويدبر ويعزم، وتدبير الله وراءه بإبطال ذلك، وكون ~~تلك الأمور على غير ما فكر ودبر، وأولو الألباب وأهل اليقين والبصائر عرفوا ~~هذا، فرموا بفكرهم، وأقبلوا عليه يراقبون تدبيره، وينتظرون حكمه في الأمور، ~~فإذا ms0441 أتاهم أمر، قالوا: اللهم خر لنا، فهذا من سعادته، فإذا خار الله له، ~~رضي بذلك، وافقه أو لم يوافقه، وهذا بحسن خلقه مع ربه، والآخر لسوء خلقه ~~ترك الاستخارة، فإذا حل به تدبيره وقضاؤه، فسخط، وضاق به ذرعا، وخنق نفسه، ~~ولا نجاة، فلا يزداد إلا خنقا، فقد صار الوهق في عنقه. # ومن سنة الاستخارة: # 738 - ما حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا PageV03P347 ~~عبد الرحمن بن أبي الموال، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله رضي ~~الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في ~~الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: ((إذا هم أحدكم بالأمر، ~~فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك ~~بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت ~~علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ودنياي، ~~ومعاشي، ومعادي، وعاقبة أمري. أو قال: عاجل أمري، وآجله، فاقدره لي، ويسره ~~لي، وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي، ~~ومعاشي، ومعادي، وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث ~~كان، ورضني به، وتسمي حاجتك باسمها)). PageV03P348 # قال له قائل: هذا رضاه بالمقدور من المضار، والمنافع في الدنيا، فكيف يكون ~~رضاه بالمقدور من المعاصي؟ # قال: رضاه بتقدير الله، وسخطه على نفسه في إرادتها على جوارحه في حركاتها ~~فيما لم يؤذن له فيه. # فأما تقديره: فالله محمود عليه؛ لأنه لم يظلمك، وإنما يلزم الذم من يظلم، ~~فأما من هو منزه عن الظلم، فمحمود في جميع شأنه، قد اتخذ عليك الحجة ~~البالغة فيما أعطاك من العقل، والعلم، والهدى، والبيان على ألسنة الأنبياء، ~~والرسل، والكتب، والعصمة لمن لم يكن ذلك عليه، فإن شاء عصم، وإن شاء خذل، ~~فمرة يعصم، ومرة يخذل، كذلك جرى تقديره في شأنك، ولم يوجب لك على نفسه ~~العصمة، فارض بتقدير الله، ولا تسخط عليه، فبجوره أسخط على نفسك، فإنها ~~الجائرة، ms0442 PageV03P349 ~~جارت على ربها بالشهوات، ولم تنل منه التأييد، فيأخذ بيده حتى لا يجوز عنه، ~~ولم يكن للعبد عليه أن يأخذ بيده في وقت الجور عنه. # قال له قائل: وما تقدير الله؟ # قال: إبراز علمه في عبده من الغيب، فقد علم ما يعمل هذا العبد، فابرز علمه. PageV03P350 ### || AUTO الأصل الثامن والعشرون والمئة # 739 - حدثنا حاتم بن بكر الضبي، قال: حدثنا أبو عاصم النبيل، قال: أخبرنا ~~ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم: أن زياد بن أبي مريم أخبره: أن عبد الله ~~ابن معقل أخبره: أن أباه أخبره: أن ابن مسعود رضي الله عنه أخبره: أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الندم توبة)). PageV03P351 # 740 - حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا عبيد الله ابن عمرو الرقي أبو وهب ~~الأسدي، قال: حدثنا عبد الكريم، عن زياد بن الجراح، عن عبد الله بن معقل، ~~قال: دخلت مع أبي على ابن مسعود، فسمعت أبي يسأل ابن مسعود: أسمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الندم توبة))؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: ((الندم توبة)). PageV03P352 # 741 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا المسيب ابن واضح السلمي، قال: حدثنا ~~يوسف بن أسباط، عن مالك ابن مغول، عن منصور، عن خيثمة، عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الندم توبة)). # 742 - حدثنا محمد بن أيوب السمناني، قال: حدثنا عثمان بن صالح السهمي، ~~قال: أخبرني ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، قال: حدثني حميد الطويل، قال: قلت ~~لأنس بن مالك: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الندم توبة))؟ ~~قال: نعم. PageV03P353 # فالندم هو العزم على أن لا يعود، وهو إقامة القلب بين يدي ربه؛ لأن العبد ~~قد بايع ربه على أن يكون بين يديه، وما دام بين يديه، فهو مطيع له، وما دام ~~مطيعا له، فهو بين يديه كالعبيد، فإذا أقبل على عمل غيره، فقد أعرض عنه، ~~وتولى، فإذا انتبه من نومته، أو أفاق ms0443 من سكرته، انقلب راجعا إلى مولاه، ~~فوقف بين يديه، عازما على أن لا يبرح، فتلك الإقامة، هي ندامة، ومنه سمي: ~~النديم نديما؛ لأنه مداوم على مجالسته. # ويقال في اللغة: مدن الرجل بأرض كذا؛ أي: أقام بها، ولذلك سميت المدينة ~~مدينة؛ لإقامة الناس بها، واتخاذها وطنا، وليسوا كأهل الوبر، مرة هاهنا، ~~ومرة هاهنا بأرض أخرى، ينتقلون بخيامهم، فهم أهل عمود سيارة في البلاد، ~~وهؤلاء أهل مدينة؛ لأنهم قد مدنوا بأرض؛ أي: أقاموا بها، فلا يبرحون. # والرستاق: ما ترحل عن المدينة، وهي فارسية معربة، إنما هي رستة، ثم قيل: ~~رستق، ثم قيل: رستاق، ورساتيق جماعتها، وعربيتها قرية وقرى؛ لأن الشذاذ من ~~المدينة يتبع بعضهم بعضا، والقرى الاتباع، ومنه اشتقت القراءة، فيقال: قرأ؛ ~~لأنه أتبع الكلام بعضه بعضا. PageV03P354 # ومنه قوله: أقرأه السلام؛ أي: أتبعه السلام، فإذا كانت الإقامة بالمدن، ~~قيل: مدن، وإذا كانت الإقامة بالقلب بين يدي الله، قيل: ندم على التقليب، ~~وإنما هو ثلاثة أحرف، فقدم الميم هاهنا، وأخر النون، وقدم النون هناك، وأخر ~~الميم، فإنما هو ذلك العزم الذي يعزم للإقامة بين يدي الله مطيعا، فقيل: هي توبة. # والتوبة: هي الرجعة إلى الله، يقال: تاب وأناب. # فالطاعة: هي الإعطاء، يقول: أعطى من جوارحه لله ما يأمره به حتى يقيم ~~العبودة التي لها خلق، وإذا أذنب، فقد منع الله من جوارحه العبودة، فليس ~~بمعط، فقيل: ليس بمطيع. # وأما قولي: إذا انتبه من نومته، أو أفاق من سكرته، فالمؤمنون في أحوالهم ~~على ضربين: # 1 - ضرب منهم: سكارى، قد أسكرتهم شهوات نفوسهم عن الله، وحالت تلك ~~الشهوات بين قلوبهم وبين العقل حتى لا يبصروا قبح ما يأتون. # والسكر: السد، ويقال: معدن العقل في الدماغ، وعلى القلب تدبيره، فبذلك ~~النور الذي على القلب من العقل، يبصر محاسن الأمور، ومشانيها، فجاءت هذه ~~الشهوات، فسدت طريق العقل، فقيل: سكر، فإذا أسكرته الشهوة عن الله، اجترأت ~~النفس بدواهيها، والسوء الذي نسب إليه. PageV03P355 # 2 - وضرب آخر: قد أفاقوا من سكرتهم، بخوف الوعيد والعقاب من الله عمل النور ~~الوارد على ms0444 قلوبهم، فأبصروا الوعد، والوعيد، فذهب سد الطريق، فهم على ~~معاينة من الجنة والنار، وهم نيام عن الله، وهم المقتصدون: أهل الاستقامة، ~~مطيعين لله، حافظين لحدوده، فأخذهم لنومته عن الله إن أطاع، وعمل أعمال ~~البر، استكثر ذاك من نفسه، وإن تورع عن الذنب، كبر في صدره فعله، يرى أنه ~~يعمل شيئا، وهو غريق في نعم الله، وفي منن الله، نائم عن جلال الله وعظمته، ~~ومننه، وتتابع إحسانه. # فإذا أذنب أحد من هذين الضربين، فأفاق هذا من سكرته، وانتبه الآخر من ~~نومته؛ فر إلى الله من نفسه، راجعا إلى الكون بين يديه، فعزم على أن لا ~~يبرح، فذاك العزم ندمه. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الندم توبة)). # لأن ذلك العزم باطن فيما بينه وبين الله، ولم يظهر بلسانه، فأعلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن تلك الندامة رجعة إلى الله عز وجل، وهي التوبة. # والاستغفار: هو سؤال العبد ربه بعد ذلك أن يستره؛ فإنه لما برح من بين ~~يديه، فقد ترك مقامه، وأخل بمركزه، وانحطت درجته، وبعد من ربه، فخرج من ستر ~~سيده، وتعرى، فلما رجع بندمه إليه عاريا، استحيا منه، PageV03P356 ~~ومن ملائكته، وسمائه، وأرضه، وخلقه، وخليقته، فأمر: بأن يسأل ربه المغفرة، ~~وهي الغطاء، وهي قول العبد: اغفر لي؛ أي: غطني واسترني؛ فإني خرجت من سترك، ~~وبقيت بين يديك عاريا، تنظر إلي ملائكتك، وسماؤك، وأرضك. # قال الله -تبارك اسمه-: {ومن يغفر الذنوب إلا الله}. ومن يستر الذنوب إلا ~~الله، لأن الستر ستره، فلما خرج من ستره، لم يكن أحد يستره غيره، فالعبد ~~مضطر لا يجد أحدا يستر عليه، فقال: {أمن يجب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء}. # فإذا علم العبد هذا على وجه ما وصفنا، سأل ربه ستره، وهو المغفرة، فهذه ~~الأمة لما أيدت باليقين، أبصرت عريها، وخروجها من ستر الله، فوضعت لهم هذه ~~الكلمة أن يقولوا: اغفر لنا؛ أي: استرنا. # وبنو إسرائيل لم يعطوا من اليقين ما أعطينا، فكانوا إذا أذنبوا، لم ~~يبصروا تعريهم وخروجهم من الستر، فلم يأخذهم ms0445 من الحياء ما أخذنا -معاشر هذه ~~الأمة-، فقيل لهم: {وادخلوا الباب} -يعني: باب بيت المقدس- {سجدا وقولوا ~~حطة}؛ أي: حط عنا الذنوب؛ PageV03P357 ~~لأنهم لم يعرفوا وراء الحط شيئا، فشتان ما بين الكلمتين. # ورفع عنا السجود، فنحن نستغفر على أي حال تهيأ لنا، وأولئك في حال ~~السجود، والقول قول النيام عن الله، فهذا الذي وصفنا إنما ذكرنا أساس هذا ~~الأمر الذي هو الأصل، فمن فهم، فله حظه، ومن لم يفهم، مر على الظاهر كما وجد. # فقيل: التوبة: الاستغفار باللسان، والندم بالقلب، والإقلاع بالبدن، ~~والإضمار على أن لا يعود. # فهذا كلام أهل الظاهر أجمل لهم حتى لا يتحيروا، وهم بمنزلة الغنم يقول ~~الراعي: تشت حوتشت جوه، ولقهم جوه جوه، حتى ينضم الغنم بعضها إلى بعض، ~~ويمضوا على ما يشار لهم إليه: {ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء}. # فالذي أجمل أهل الظاهر لهم، والذي قلنا سواء، يرجع إلى معنى واحد، إلا أن ~~الأغنام الجهلة ليس لهم منفذ في هذه المسالك التي وصفنا، إنما هو أن يقال ~~لهم: افعلوا كذا، وخذوا هكذا، فلذلك طوى العلماء عنهم هذه الأخبار. PageV03P358 ### || AUTO الأصل التاسع والعشرون والمئة # 743 - حدثنا علي بن حجر السعدي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن ~~لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبان بن صالح، عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدعاء مخ العبادة)). PageV03P359 # فإنما صار مخا؛ لأنه تبرؤ من الحول والقوة، واعتراف بأن الأشياء كلها له، ~~وتسليم إليه، ويسأله، وهذا فعل العبيد الصديقين، إن كان رزق، فمنه، وإن ~~كانت عافية، فمنه، وإن كان نوال، فمنه، وإن كان ثواب، فمه، وإن كان دفع ~~عقاب، فمنه. # فإذا كان سؤالا لهذه الأشياء، فقد تبرأ من الاقتدار، والتملك، والحول، ~~والقوة، وسلم إليه، فهو صدق اعترافه بأنه ربه، ورب الأشياء كلها، والدعاء ~~سؤال حاجة وافتقار، فإنما يظهر أولا على القلب، ثم على اللسان، فهو على ~~القلب عبودة، وعلى اللسان عبادة، وإنما قال في الخبر: عبادة؛ لأنه أراد ms0446 ما ~~يظهر على اللسان والافتقار في القلب. # 744 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار، عن موسى الراسبي، ~~قال: حدثنا هلال أبو جبلة، عن أبي عبد السلام، عن أبيه، عن كعب، قال: قال ~~الله -تبارك وتعالى- لموسى: ((يا موسى! قل للمؤمنين: لا يستعجلوني إذا ~~دعوني، فلا يبخلوني، أليس يعلمون: أني أبغض البخل؟ فكيف أكون بخيلا؟ يا ~~موسى! لا تخف مني بخلا أن تسألني عظيما، ولا تستحي أن تسألني صغيرا، اطلب ~~إلي الدقة، PageV03P360 ~~واطلب إلي العلف لشاتك. يا موسى! أما علمت أني خلقت الخردلة فما فوقها، ~~وأني لم أخلق شيئا إلا وقد علمت أن الخلق يحتاجون إليه؟ فمن سألني مسألة، ~~ثم أعطيته، كان أشد عليه عند الحساب، ثم إذا أعطيته، ولم يشكرني، عذبته عند ~~الحساب)). # 745 - حدثنا محمد بن عثمان بن عمرو الطائفي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ~~مهدي، عن مالك بن أنس رضي الله عنه، قال: قال عروة بن الزبير: إني لأسأل ~~الله حوائجي في صلاتي، حتى أسأله الملح لأهلي. PageV03P361 # 746 - حدثنا عبد العزيز بن المنيب، قال حدثنا محمد بن عبد العزيز الواسطي، ~~عن رشدين، عن زهرة بن معبد، قال: سمعت محمد بن المنكدر يدعو، يقول: اللهم ~~قو ذكري؛ فإن فيه منفعة لأهلي. # فإنما سأل القوة في ذلك، للخروج إلى الزوجة من حقها، لا لقضاء النهمة؛ ~~لأن المرأة نهمتها في الرجال، فإذا عضلتها عن الرجال بعقدة النكاح، ثم لهوت ~~عن حاجتها، أوقعتها في الفتنة والبلايا، فأنت مسؤول عن ذلك. PageV03P362 ### || AUTO الأصل الثلاثون والمئة # 747 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عبد الغفار ابن داود الحراني، ~~قال: حدثنا ابن لهيعة، عن دراج أبي السمح، عن عيسى بن هلال، عن عبد الله بن ~~عمرو رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن أرواح ~~المؤمنين لتتلاقى على مسيرة يوم، وما رأى صاحبه قط)). # فالأرواح: شأنها عجيب، وهي خفيفة سماوية، وإنما ثقلت، حيث اشتملت عليها ~~النفس بظلمة شهواتها، فإذا ريضت النفس حتى تذل وتنقمع، PageV03P363 ~~وتتخلص الروح منها، فإذا ms0447 صفي من كدورة النفس، عادت إلى خفتها، وطهارتها، ~~وكان لها شأن، لا يؤمن به إلا كل مؤمن قلبه بالله مطمئن، لا بالأحوال التي ~~دبرت له. # ومن هاهنا: قال عمر رضي الله عنه لأبي مسلم الخولاني حيث ورد المدينة ~~بعدما ألقي في النار، فلقيه عمر رضي الله عنه، فقال: أنشدك بالله! أنت عبد ~~الله بن ثوب الذي حرقه الكذاب صاحب صنعاء؟ فقال: اللهم نعم، فاعتنقه عمر ~~رضي الله عنه. # ومثل ما قال سلمان للحارث بن عميرة صاحب معاذ حيث أتى بابه، فخرج إليه ~~سلمان، فقال له الحارث: أتعرفني يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، عرف روحي روحك. # 748 - حدثنا بذلك صالح بن محمد، قال: حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر ~~بن حوشب، قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم، عن الحارث بن عميرة الحارثي: أنه ~~أتى باب سلمان، فخرج إليه فقال: أما تعرفني يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، عرف ~~روحي روحك قبل أن أعرفك. PageV03P364 # ومثل قول أويس لهرم بن حيان حيث قال له: السلام عليك يا أويس، قال: وعليك ~~السلام يا هرم بن حيان، قال: ومن أين عرفت -رحمك الله- أني هرم بن حيان؟ ~~قال: عرف روحي روحك، وإن الأرواح خلقت قبل الأجساد بألفي عام، فتشامت كما ~~تشام الخيل. # ويقال: إن بصر الروح متصل ببصر العقل في عين الإنسان، فالعين جارحة، ~~والبصر من الروح، وإدراك الألوان من بينهما، فإذا تفرغ العقل والروح من ~~اشتغال النفس، أبصر الروح، وأدرك العقل ما أبصر الروح، فعلم، وإنما عجزت ~~العامة عن هذا؛ لشغل الأرواح بالنفوس، واشتباك الشهوات بها، فيشغل بصر ~~الروح عن درك هذه الأشياء. # والذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يطلع عليكم من هذا ~~الفج رجل من أهل الجنة، فاطلع جرير)). PageV03P365 # إنما يحمله أهل الظاهر: أن هذا، وما يشبهه من طريق الوحي، فعذروا فيما ~~قالوا؛ لأن هذا طريق سهل يعرفه العالم والجاهل: أن الرسول يوحى إليه أخبار ~~ما يكون، ولكن الرسول له من الإلهام، والفراسة، والحديث، وتلاقي الأرواح ~~والرؤيا ms0448 الصادقة ما للأولياء، بل كل شيء من ذلك لهم أصفى وأقوى وأخلص، ولهم ~~مع ذلك زيادة النبوة، فليس كل شيء تكلم به الرسول تكلم به من الوحي، وأهل ~~الباطن يرون أن هذا وشبيهه للرسول من طريق الأرواح، مع أن ذلك جائز أيضا. # وقوله: ((إن أرواح المؤمنين لتتلاقى)): فالمؤمن في ذلك الزمان عندهم هو ~~المستكمل لحقائقه الذي قد شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، ليس ~~الموحد الذي أحرز عرضه ودمه وماله بالكلمة العليا، وأقبل على شهواته، ~~متشاغلا عن العبودة، حتى خلط على نفسه الأمور، هذا قلبه مأسور، وروحه ~~مشغول، ونفسه مفتونة، فكيف يبصر شيئا، أو يعقل ما حضر؟ فهذا فيما حضر عاجز ~~عن أن يبصر، فكيف فيما غاب عنه؟ PageV03P366 ### || AUTO الأصل الحادي والثلاثون والمئة # 749 - حدثنا هارون بن حاتم الكوفي، حدثنا أبو أسامة، عن عمر بن حمزة، عن ~~سالم، عن أبيه، عن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)). # 750 - حدثنا نصر بن علي الحداني، قال: PageV03P367 # حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس رضي ~~الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # 751 - حدثنا يعقوب بن شيبة، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عيسى التمار، قال: ~~حدثني يحيى بن [أبي] زكريا الغساني، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي ~~الزبير، عن جابر بن عبد الله: أنه سمع خالد بن الوليد يقول: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: ((لكل أمة أمين، وأمين هذه PageV03P368 ~~الأمة أبو عبيدة بن الجراح)). # فالأمانة: هي ترك الأشياء في مواضعها كما وضعت، وإنزالها كما نزلت. # جعل الله الدنيا ممرا، والآخرة مقرا، والروح عارية، والرزق بلغة، والمعاش ~~حجة، والفضول بلوى ووديعة، وللسعي جزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. # وخلق الخلق في ظهر آدم، واستخرجهم، ولهم بين يديه مقام، وقررهم بالعبودة، ~~وقلدهم إياها، وأخذ عليهم العهد والميثاق، ثم ms0449 نقلهم من الأصلاب إلى ~~الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى اللحود، ومن اللحود إلى ~~النشور، ومن النشور إلى المحشر، ومن المحشر إلى الصراط، ومن الصراط إلى ~~مقام العرض، والسؤال عما قلده في المقام PageV03P369 ~~الأول، وأخذ عليه العهد والميثاق، فقد ترك له جميع هذه المدة التي بين ~~المقامين، فلا يسأله إلا عن الوقت الذي بلغ الحلم، وأدرك مدرك الرجال إلى ~~وقت فراقه الدنيا، وما سوى ذلك مرفوع عنه قبل وبعد. # فدعي من دار الآفات إلى دار السلام، ومن السجن إلى البستان، ومن دار ~~الفناء إلى دار البقاء، وخلق الليل والنهار، ليركضان بالخلق إليه دؤبا ~~دؤبا، فالأمين من استقرت نفسه، فأبصر قلبه هذه الأشياء ببصيرة نفسه على ~~هيئتها التي خلقت، فإن النفس لا تبصر ما دامت في العدو والطياشة، والالتفات ~~إلى أحواله يمنة ويسرة، فإذا سكنت واستقرت، واطمأنت إلى خالقها، فقد صارت ~~أمينة لا تخون، وفي النفس شهوة، وللنفس أخلاق رديئة دنيئة مفرطة لأمر الله، ~~عجولة في مهواها، تشبثت بمخاليبها في دنياها؛ لما وجدت من اللذة وقضاء ~~النهمة فيها، فعميت عن أنها دار ممر، وألهتها عن أن تذكر دار المقر، وشغفت ~~بالحياة، فنسيت أن تذكر أن الروح عارية، وطلبت المعاش، حرصا لتجمع الكثير، ~~عدة لنهماتها، ونوائبها، وتناولت الرزق على قضاء الشهوة، ولهت عن السعي، ~~ورفعت بالها عنها، ونسيت أنه يركض بها، وأنها تحتاج إلى سعي منها مع الركض PageV03P370 ~~الذي تركض به سعيا يصلح، ويعرف في ذلك الموقف العظيم في صفوف الملائكة ~~والأنبياء، والمرسلين، وعباده الصالحين. # فإنما جاءت هذه الفتنة من هذه النفس، فإذا كانت النفوس ساكنة الطبع، ~~مطمئنة الفطنة، ميتة الشهوات، وجدتها كريمة، حرة، ووجدت أخلاقها مستوية، ~~يشبه بعضها بعضا، فأبصر القلب الأشياء على هيئتها التي خلقت، فصار ذا ~~أمانة؛ لأنه ليس هناك دخان يظلم الصدر، ويحجب النور عن إشراقه، فإذا أشرق، ~~كانت النفس ذات بصيرة. # ومما يحقق ما قلنا: أن الأمانة من حسن الخلق، والخيانة من سوء الخلق: # 752 - ما حدثنا به أبو داود المصاحفي، قال: حدثنا النضر، قال: ms0450 حدثنا ~~الأشعث، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أحد من ~~أصحابي إلا لو شئت عبت PageV03P371 ~~عليه في خلقه، غير أبي عبيدة بن الجراح)). # فقد كشف لك هذا الحديث معنى ما قال لأبي عبيدة، أنه أمين هذه الأمة، ~~فإنما ظفر أبو عبيدة بهذه الخصلة حتى صار واحد هذه الأمة في الأمانة بما ~~أخبر في حديث النفس من طهارة خلق أبي عبيدة. PageV03P372 ### || AUTO الأصل الثاني والثلاثون والمئة # 753 - حدثنا محمد بن عبدة بن سليمان العامري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ~~يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم البيت يدخله الرجل المسلم بيت الحمام، وذلك ~~لأنه إذا دخله، سأل الله الجنة، واستعاذ به من النار، وبئس البيت يدخله ~~الرجل المسلم بيت العروس، وذلك لأنه يرغبه في الدنيا، وينسيه الآخرة)). PageV03P373 # فهذا لأهل الغفلة، صير الله هذه الدنيا بما فيها سببا للذكر لأهل الغفلة؛ ~~ليذكروا بها آخرتهم. # فأما أهل اليقين: فقد صارت الآخرة نصب أعينهم، فلا بيت حمام يزعجه، ولا ~~بيت عروس يستفزه، لقد دقت الدنيا بما فيها من الصنفين والضربين في جنب ~~الآخرة، حتى إن نعيم جميع الدنيا في أعينهم كشارة الطعام من مائدة عظيمة، ~~وجميع شدائد الدنيا في أعينهم كنقلة عوقب بها مجرم أو مسيء قد كان استوجب ~~القتل والصلب من جميع عقوبات أهل الدنيا، عظمت أهوال القيامة، وسلطانه يوم ~~بروزه من الحجب على قلوبهم، فلم يحتاجوا إلى الاتعاظ، والاعتبار بالحمام، ~~وعمل على قلوبهم شأن كرمه وجوده، ومجده وبره بعباده المؤمنين، فأنساهم كل نعيم. # وأما أهل الغفلة: فإنهم يحتاجون إلى كل شيء من الدنيا أن يتعظوا منها، ~~ويعتبروا بها، فإذا عاين بقعة حامية ذات بخار فائرة، وماء حميم يصب من فوق ~~رأسه مرة، هاجت به، فأخذه الغم بكظمه، ودار به رأسه، حتى يستروح إلى الماء؛ ~~ليبرد به فؤاده، وإلى روح يدخل عليه من خلل الباب، فهذه بقعة تذكر الآخرة، ~~وعجائبها، ودار العقاب، وفنون ms0451 عذابها، PageV03P374 ~~وإذا عاين بقعة مزينة بفتن الدنيا، منجدة بمتاع غرورها، مشرقة بحطامها، ~~مغشوشة بأفراح خدعها، مصبوغة بأضراب سرورها ولهوها، تمنيه نفسه، وترغبه في ~~ذلك، وأنسته الآخرة؛ لعاجل ما يجد من اللذة والشهوة. # ودخول الحمام لم يكرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن دخله متأدبا ~~بأدب الله إذا دخله مستترا، أو طالبا الخلوة، أو غاضا بصره، فلا يرى عورة، ~~ولا ترى له عورة. # وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحذر عن ذلك ويؤدب، وإن كان خاليا. # 754 - حدثنا محمد بن موسى الحرشي، قال: حدثنا يحيى بن عثمان التيمي، قال: ~~حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا بيتا يقال له: الحمام))، قيل: يا ~~رسول الله! إنه يذهب الوسخ، ويذكر النار. فقال: ((إن كنتم لابد فاعلين، ~~فادخلوه مستترين)). PageV03P375 # فإنما أمر أن يتقي ذلك فيما نعلمه بحال التعري، ونظر بعضهم إلى بعض، ألا ~~ترى أنه لما أذن فيه، وذكر الدخول، أشار إلى الستر؟ # 755 - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: ~~حدثنا بهز بن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول ~~الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ~~مما ملكت يمينك)). قال: يا رسول الله! PageV03P376 # فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: ((فالله أحق أن يستحيا منه)). # 756 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، قال: حدثنا عبد الله بن ~~المبارك، قال: أخبرنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، بمثله. PageV03P377 ### || AUTO الأصل الثالث والثلاثون والمئة # 757 - حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، ~~عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقناع من رطب، وأجر زغب، فأعطاني ملء كفه حليا أو ذهبا. # 758 - حدثنا يعقوب بن شيبة، قال: ms0452 حدثنا إسحاق ابن عيسى الطباع، قال: ~~حدثنا شريك، عن عبد الله بن محمد ابن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، ~~قالت: أتيت PageV03P379 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب وأجر زغب، فأعطاني ملء كفه ~~ذهبا، فقال: ((تحلي بهذا يا بنية)). # فالهدية: خلق من خلق الإسلام، عليه دلت الرسل، وعليه ندبت؛ لائتلاف ~~القلوب، ولنفي سخائم الصدور؛ فإن ابن آدم مقسوم على ثلاثة أجزاء: # 1 - قلب: بما فيه من الإيمان. # 2 - وروح: بما فيه من الطاعة. # 3 - ونفس: بما فيها من الشهوة. # فالإيمان: يدعو إلى الله، والروح: تدعو إلى الطاعة، والنفس: تدعو إلى ~~البر واللطف، والنوال. # فكانت القلوب تأتلف بالإيمان، والأرواح بالطاعات، وحظ النفس باقية، فإذا ~~تهادوا، تمت الألفة، ولم يبق هناك حزازة، فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جوادا، يقبل الهدية، ويكافئ من وجده بأمثالها. # فالربيع كانت ممن قتل أبوها يوم بدر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يبرها، ويدخل عليها، ويعتني بها، ويكرم أحوالها، فوافقت هديتها سعة الوجد ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قلبه واسعا، فأعطاها ملء كفه ذهبا؛ ~~ليعلم من PageV03P380 ~~بلغه ذلك، ومن عاينه، أن لا قدر للدنيا عنده، وأن الذي يتودد إليك في الله، ~~وهو حر من الأحرار، لا سبيل لك إلى رقه، حقيق عليك أن تربي عليه في الوداد، ~~وتعينه على صلته لما تبعثه على معالي الأخلاق. # وأيضا خلة أخرى: إن للبر أثقالا، فالكريم: لا يكاد يتخلص من تلك الأثقال ~~إلا بأضعاف ذلك البر، وإلا فهو في حياء، وشغل نفس من الذي بره، فإذا ضعف له ~~في المكافأة، انحطت عنه أثقال بره، وذهب خجل نفسه. # وقوله: ((تحلي بهذا يا بنية)). فإن الربيع كانت جارية حديثة السن. # روي عنه في حديث آخر: أنه قال: ((إنما تزين المرأة لزوجها، أو لطمع في ~~زوج يخطبها، أما ما سوى ذلك، فلا)). # ومنه قوله لأسامة بن زيد: ((لو كنت جارية، ما بغاك أحد، ولو كنت جارية، ~~لحليناك حتى ننفقك)). PageV03P381 # وروي عن إبراهيم النخعي: أنه ms0453 كره أن يقول لولد غيره: يا بني. # ففي هذا الحديث ما يعلمك أنه لا بأس بذلك، فقد قال لها: ((يا بنية)). # وأما قوله: ((قناع من رطب)). # فالقناع: الطبق، وكل شيء أقنع؛ أي: ارتفع من الأرض، ومنه قوله تعالى: ~~{مقنعي رءوسهم}؛ أي: رافعي رؤوسهم {لا يرتد إليهم طرفهم}. # وقوله: ((أجر زغب)). فالواحد جرو، والجميع أجر، وهو الفتى أول ما يدرك ~~يقال له جرو، وهو الذي له زغب، كهيئة زئبر الثوب، ومثله في اللغة: دلو وأدل ~~جماعة الدلو، فإذا وقفت، قلت: أجري وأدلي، فإذا أجريت في الإعراب، نونت، ~~فقلت: أجر، وأدل؛ كما ترى. # والمكافأة: حق من الحقوق، فكل إنما يكافئ على قدره من خلقه وسعته، ولم ~~يكن يخلو في ذلك الوقت بالمدينة من فقير، وذي حاجة من PageV03P382 ~~أصحابه، ولكنه كان يعطي على نوائب الحق، فرأى هذا حقا، فأعطاها. # وروي عن وهب بن منبه، قال: ترك المكافأة من التطفيف. # 759 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سهل بن خاقان، عن عبد ~~الوهاب بن همام الحميري، قال: سمعت وهبا يقول: ترك المكافأة من التطفيف. # 760 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: ناول شاب ~~الليث بن سعد أترنج PageV03P383 ~~باكورة، فأمر أن يعطى دينارا، وقال: كان الأسخياء يفعلون مثل ذلك. # 761 - حدثنا عمر، قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال: كنت عند الليث بن سعد، ~~فجاءته عجوز، فقالت: يا أبا الحارث! مر وكيلك أن يعطيني رطلا من عسل؛ فإن ~~ابني مريض يشتهيه. فقال لوكيله: أعطها مطرا من عسل. قال له: إنما سألتك ~~رطلا. قال: هي سألت على قدرها، ونحن نعطيها على قدرنا. # والمطر: وقر بعير: مئتان وخمسون منا؟ # وروي عن عبد الله بن أبي بكرة: أنه أتاه قوم، فقالوا: إن لنا مريضا، قد ~~تشنجت أعضاؤه من الرياح، ووصف لنا أن نعالجه بلبن الجواميس، فننقعه فيه، ~~فنحب أن تعيرنا من جواميسك، فقال لوكيله: كم لنا يا لطف PageV03P384 ~~من الجواميس؟ قال: خمس مئة، قال: سقها إليهم، قالوا: رحمك الله، إنا سألناك ms0454 ~~عارية، قال: إنا لا نعير الجواميس، فأعطاهم إياها. # 762 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا محمد ابن سنان العوقي، قال: ~~حدثنا موسى بن علي بن رباح اللخمي، قال: سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن ~~عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الهدية رزق من الله طيب، ~~فإذا أهدي إلى أحدكم، فليقبلها، وليعط خيرا منها)). PageV03P385 ### || AUTO الأصل الرابع والثلاثون والمئة # 763 - حدثنا عبد الله بن عبد الله الربعي البصري، قال: حدثنا سليمان بن ~~الربيع النهدي، قال: حدثنا همام ابن مسلم الزاهد، قال: حدثنا مقاتل بن حيان ~~أبو بسطام البلخي، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ولي من أمر أمتي شيئا، فحسنت ~~سريرته، رزق الهيبة من قلوبهم، وإذا بسط يده لهم بالمعروف، رزق المحبة ~~منهم، وإذا وفر عليهم أموالهم، وفر الله عليه ماله، وإذا أنصف الضعيف من ~~القوي، قوى الله سلطانه، وإذا عدل، مد الله في عمره)). PageV03P387 # فحسن السريرة من هيبة الله، فإذا هاب عبد ربه، اتقاه في السر والعلانية، ~~وفي ظاهره، وباطنه، فإذا كان كذلك، أهاب الله منه خلقه، وصنائع المعروف لا ~~تكون إلا من حسن الخلق، ومن حسن الله خلقه أحبه، ومن أحبه الله، ألقى محبته ~~على قلوب عباده، وهو قوله تعالى لموسى عليه السلام: {وألقيت عليك محبة مني}. # قال: فكان لا يراه أحد إلا أحبه، حتى فرعون الذي كان يذبح أمه في جنبه، ~~وهو يرشفه في صدره. # 764 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا هارون الراسبي، عن جعفر، عن أبي ~~رجاء في قوله تعالى: {وألقيت عليك محبة مني} قال: الملاحة والحلاوة. PageV03P388 # وأما توفير المال على الرعية؛ فمن قلة الرغبة، ومن قلت رغبته، وسقط عن قلبه ~~قدر الشيء، فالدنيا مقبلة عليه، خادمة له. # وأما إنصاف الضعيف، فإنما أعطي السلطان السلطنة على هذه الشريطة، على أن ~~يأخذ للضعيف من القوي، فلولا ذلك، لم يحتج إلى سلطان، فإذا أخذ للضعيف من ~~القوي، فقد تمسك ms0455 بالذي أعطي على هيئة ما أعطي، فأديم له قوة ذلك الذي أعطي، ~~وإذا منع حق الضعيف، فقد ضيع سلطانه الذي أعطي، وذلله، فكيف تبقى معه قوة، ~~وهو الذي ضعف ما أعطي، والسلطان: ظل الله في الأرض، يأوي إليه كل مظلوم. # 765 - حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني، قال: حدثنا بشر بن بكر، عن سعيد بن ~~سنان، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمرو رضي الله ~~عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، PageV03P389 ~~[قال]: ((فإذا أعطي أحد سلطانا، أرعب القلوب)). # لأن الرعب من جنوده، فذهلت النفوس عن الاقتدار والتملك والتحير، فإذا ~~تمسك به، فأخذ للضعيف من القوي حقه بما أعطي من القوة، زيد قوة. # قال الله -تبارك وتعالى- في قصة داود عليه السلام: {وشددنا ملكه}، قال: ~~الهيبة. # وأما قوله: ((وإذا عدل في رعيته، مد في عمره))؛ لأن بالعدل صلاح الأرض، ~~وبالجور فسادها، فإذا فسدت الأرض من جوره، انقطع عمره وكان {كشجرة خبيثة ~~اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار}؛ لأن الأرض تعج إلى الله من الظلمة، ~~والسماء تجأر، والبحار تئن، والجبال تشكو، فيقطع الله عمره، فإذا عدل، وصل ~~الله عمره من كرمه، فمد له؛ لأنه أقام عدله الذي ارتضاه لنفسه، وبالعدل ~~قامت السماوات والأرض. # والجور من الهوى، وهو الذي يهوي بصاحبه عن الله، فإذا هوى عن الله، ففي ~~النار مهواه، وقال الله -جل ذكره-: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ومن فيهن}. PageV03P390 ### || AUTO الأصل الخامس والثلاثون والمئة # 766 - حدثنا إسماعيل بن نصر بن راشد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر بن ~~المفضل، قال: حدثنا عمر مولى غفرة، قال: سمعت أيوب بن خالد بن صفوان يذكر ~~عن جابر بن عبد الله، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~((أيها الناس! من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله ~~عنده؛ فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه، وإن لله سرايا من ~~الملائكة تحل، وتقف على مجالس الذكر، فاغدوا ms0456 وروحوا في ذكر الله في الأرض، ~~ألا فارتعوا في رياض الجنة)). قالوا: وأين رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: ~~((مجالس الذكر، فاغدوا وروحوا في ذكر الله، واذكروه بأنفسكم)). PageV03P391 # فمنزلة الله عند العبد إنما هو على قلبه على قدر معرفته إياه، وعلمه به، ~~وهيبته منه، وإجلاله له، وتعظيمه إياه، والحياء والخشية منه، والخوف من ~~عقابه، والرجل عند ذكره، وإقامة الحرمة لأمره ونهيه، وقبول مننه، ورؤية ~~تدبيره، والوقوف عند أحكامه طيب النفس بها، والتسليم له بدنا، وروحا، ~~وقلبا، ومراقبة تدبيره في أموره، ولزوم ذكره، والنهوض بأثقال نعمه، ~~وإحسانه، وترك مشيئته لمشيئته، وحسن الظن به في كل ما نابه. # والناس في هذه الأشياء على درجات يتفاضلون: فمنازلهم عند ربهم على قدر ~~حظوظهم من هذه الأشياء، وإن الله -تبارك اسمه- أكرم المؤمنين بمعرفته، ~~فأوفرهم حظا من المعرفة، أعلمهم به، وأعلمهم به أوفرهم حظا من هذه الأشياء. PageV03P392 # وأوفرهم حظا منها: أعظمهم منزلة عنده، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة. # وعلى قدر نقصانه من هذه الأشياء ينقص حظه، وتنحط درجته، وتبعد وسيلته، ~~ويقل علمه به، وتضعف معرفته إياه، ويسقم إيمانه، وتملكه نفسه، قال الله ~~-تبارك اسمه-: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا}. # فإنما فضلوا على الخلق بالمعرفة له تعالى، والعلم به، لا بالأعمال، ~~واليهود والنصارى، وسائر أهل الملل قد عملوا أعمال الشريعة، فصارت هباء ~~منثورا. # فبالمعرفة تزكو الأعمال، وبها: تقبل منهم، وبها تطهر الأبدان، فمن فضل ~~بالمعرفة، فقد أوتي حظا من العلم به، ومن فضل بالعلم به تكون هذه الأشياء ~~التي وصفنا موجودة عنده. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث عرج به إلى السدرة: ~~((فإذا النور الأكبر قد تدلى، فالتفت إلى جبريل، فإذا هو ميت من الفرق، ~~كالحلس الملقى من خشية الله، قال: فعرفت فضل علمه بالله على علمي)). # 767 - حدثنا بذلك عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا PageV03P393 ~~سيار، عن جعفر، عن أبي عمران الجوني. # فإنما فضلت الأنبياء من دونهم بالنبوة، لا بالأعمال، والنبوة فيها العلم ~~بالله، وإنما تفاضلت الأنبياء ms0457 فيما بينهم بالعلم بالله، لا بالأعمال، ولو ~~كانوا يتفاضلون بالأعمال؛ لكان المعمرون من الأنبياء، وقومهم أفضل من نبينا ~~صلى الله عليه وسلم وأمته، وقد نجد في الأمة من هو أطول عمرا وأشد اجتهادا ~~من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أبعد منه في الدرجة من العرش إلى الثرى، ~~فإنما تقدمه بفضل المعرفة له، والعلم به، والانتباه عنه. # 768 - حدثنا عبد الله بن عبد الله الربعي، قال: حدثنا عبد الله بن وهب ~~المصري، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن عيسى بن عاصم، عن زر بن حبيش، عن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه، PageV03P394 ~~قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فصنع شيئا لم نره ~~صنع في غيره، مد يده، ثم أخرها، فقلنا له: يا رسول الله! لقد صنعت في صلاتك ~~شيئا لم نرك صنعت في غيرها؟ قال: ((إني رأيت الجنة، فرأيت فيها دالية ~~قطوفها دانية، حبها كالدباء، فأردت أن أتناول منها، فأوحى الله إليها: أن ~~استأخري، ثم رأيت النار فيما بيني وبينكم، حتى رأيت ظلي وظلكم، فأومأت ~~إليكم: أن استأخروا، فقيل لي: أقرهم، فإنك أسلمت وأسلموا، وهاجرت وهاجروا، ~~وجاهدت وجاهدوا، فلم أر لي عليكم فضلا إلا بالنبوة)). # فبالنبوة أدرك رؤية ما وصف، فرأى الجنة أمامه حتى كاد يتناول منها، فأوحى ~~الله إليها: أن استأخري، ولم يقل: إني أخرت عنها؛ لأن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من الله بالمنزلة التي لا تحول بينه وبين الجنة إلا قبض روحه حتى يلقى ~~ربه في جناته. PageV03P395 # فإنما أدنيت الجنة منه؛ ليعرف حاله أنك بهذه المنزلة، وليس بينك وبين أن ~~تدخل على الله في داره إلا قبض روحك، فلما مد يده ليتناولها، لم يؤخر عنها، ~~ولكن أوحي إليها، أن تأخري، فإنه في بقية من أجله في الدنيا، وليس ينال أحد ~~الجنة بمباشرة نفسه إلا من ذاق الموت، فاستأخرت، ثم أري النار بينه وبين ~~القوم، يعرفه أنك جزت النار بقلبك بما أعطيت من النبوة، فقد فرغت من أمر ~~الصراط، ومن خلفك لم يجوزوا ms0458 بعد بقلوبهم، فهو عليهم باق إلى يوم القيامة. # ألا ترى إلى حديث أنس بن مالك رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: ((إذا ضرب الصراط على النار، قيل لي: قرب أمتك، فإذا دنوت ~~منها، قال لي جبريل: يا محمد! خذ بحجزتي، فأخذ بحجزة جبريل، فيضعني من وراء ~~النار، فيقال للأمة: جوزوا، فيجوزون بأبدانهم، فمنهم في السرعة [في] مثل ~~اللحظة، والبرقة، ومنهم في مثل الريح، ومنهم في مثل أجاويد الخيل، ومنهم ~~ركضا، ومنهم سعيا، ومنهم مشيا، ومنهم زحفا)). # فإنما يجوزونها بقدر إيمانهم ويقينهم، وحظهم من النبوة؛ فإن لأهل اليقين ~~حظا من النبوة. PageV03P396 # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الاقتصاد، والهدي الصالح، ~~والسمت الحسن، جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة))؟ # فالرسول بفضل النبوة جاز بقلبه أيام الحياة النار، فلما وصل إليها، أجيز ~~من غير تكلف ولا مباشرة. # ويحقق ما قلنا: ما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: أنه ~~قال: ((أريت الجنة بين يدي، وأريت النار من خلفي بيني وبين القوم)). يعلمه ~~منزلته، ومنزلة القوم أنه قد فرغ من أمر الجواز، ومن بعده لم يفرغوا. # قال الله -تبارك اسمه-: {كلا لو تعلمون علم اليقين. لترون الجحيم. لم ~~لترونها عين اليقين}. # ففي الدنيا يرى أهل اليقين بعلم اليقين، فيجوزونها بقلوبهم، {ثم لترونها ~~عين اليقين} غدا معاينة، فمعاينة القلب، علم اليقين، ومعاينة PageV03P397 ~~الجسد بعينه الذي ركب فيه عين اليقين. # وأن الله -تبارك اسمه- لا يجمع على عبد خوفين، كذلك روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أنه قال: ((قال ربكم: وعزتي! لا أجمع على عبدي خوفين، ولا ~~أجمع له أمنين)). # فمن أعطي علم اليقين في الدنيا، طالع الصراط وأهواله بقلبه، فذاق من ~~الخوف، وركبه من الأهوال ما لا يوصف، فوضع عنه غدا، ومر عليه في مثل البرق. # فالأنبياء أوفر حظا من اليقين، ومطالعتهم أمور الآخرة بقلوبهم أكثر، ~~وهولهم أشد؛ لفضل نورهم، ورؤيتهم تلك الأشياء بقلوبهم، فمحمد صلى الله عليه ~~وسلم أوفرهم حظا. # وبلغنا: ms0459 أن إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم كان يخفق قلبه في صدره ~~حتى يسمع قعقعة عظام صدره نحوا من ميل من الخوف، فهل هذا إلا من المطالعة ~~البالغة؟ PageV03P398 # فمحمد صلى الله عليه وسلم يؤتى من الأمن يوم القيامة ما يتفرغ لأمته، فهل ~~هذا إلا من الخوف الذي قد كان علاه أيام الدنيا، فلم يجمع عليه خوفين. # وإنما جازوا الصراط؛ لتفاوت مدة جوازهم، حتى كان جواز أحدهم في مثل ~~الريح، وآخر في مثل الركض، وآخر في مثل مشي على القدم، فيحتاج إلى مدة حتى ~~ينجو منه، فعلى قدر المدة يذوق الأهوال والأفزاع عليها، فكل من كان له ~~هاهنا حظ من اليقين، طالع بقلبه بقوة ذلك اليقين، فعاين منه ما ذاق [من] ~~الخوف، فسقط عنه من الخوف على ما ذاق هاهنا، فكذلك تفاوت جوازهم. # وأما قوله: ((حتى رأيت ظلي وظلكم فيها)): فالنار سوداء مظلمة، والمؤمنون ~~أهل نور وضياء، فإذا أشرفوا على النار غدا، وقع ضوءهم على النار على مقادير ~~أجسادهم، فذلك ظلهم في النار، كما أن الشمس إذا أشرقت على الأرض فأضاءت؛ ~~وقع لأجسادهم التي لا ضوء لها على ذلك الضوء ظلمة، فلذلك ظله هاهنا، فإذا ~~كان في الآخرة، وأعطوا النور، فمروا بنورهم، وأجسادهم مضيئة؛ وقع ضوءهم على ~~ظلمة النار، فسمي ذلك الضوء على الظلمة ظلا. # وقوله: ((أومأت إليكم أن استأخروا)): فإنما أومأ إليهم؛ شفقة عليهم أن ~~يحترقوا، ولم يتقدم هو بنفسه أمام القبلة فيتباعد منها، فذلك من أجل أنه ~~رأى نفسه قد جازها، فلم يخف على نفسه، فلم يبرح، ورآهم لما يجوزوا، وهم ~~مشرفون عليها، فخاف عليهم، فأمرهم بالاستئخار، فقيل له: ((أقرهم؛ فإنك ~~أسلمت وأسلموا، وهاجرت وهاجروا، وجاهدت وجاهدوا)). PageV03P399 # معناه: أنهم قد ائتمروا بأمري، فإني أمرتهم بالإسلام، والهجرة، والجهاد، ~~فليس للنار عليهم سبيل؛ لأن رحمتي قد نالتهم. # وقال الله تعالى في تنزيله: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله}، فحقق رجاءهم، وأخبر بصدقهم أنهم صدقوا ~~في الرجاء، ثم وعدهم فقال: {والله غفور رحيم}؛ أي: ms0460 لمن رجا مثل رجائهم، ومن ~~صدق الرجاء أن يطيع من رجاه فيما يأمره به. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((الهجرة هجرتان: ~~فإحداهما أفضل من الأخرى، والجهاد جهادان، وأحدهما أفضل من الآخر)). # فالهجرة أن تهجر ما كره ربك، وهو أفضل الهجرة، والأخرى: أن تهاجر إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، والجهاد: أن تجاهد هواك، ونفسك، وهو أفضل، ~~والجهاد الآخر: مجاهدة العدو. # فقد جمع الذين يرجون رحمة الله الهجرتين والجهادين، وهم الذين كانوا ~~خلفه، فقيل له: أقرهم: {ما على المحسنين من سبيل}؛ أي: إن النار لا تضرهم. # قال: ((فلم أر لي عليكم فضلا إلا بالنبوة))، وكفى بها فضلا. # فإن النبوة بلغته الدرجة العليا، ورفعت عنه أهوال القيامة، والجواز على ~~النار، وأوصلته إلى المقام المحمود، والوسيلة، والمكرمة، ولم ينال PageV03P400 ~~بالأعمال ما وصفت، والأعمال إنما تقوم ويعظم خطرها بالنيات، والنية إنما ~~بدؤها من الإيمان. # فأهل النيات بهذه الصفة يبدو لهم من إيمانهم ذكر الطاعة، فتنهض قلوبهم ~~إلى الله من مستقر الناس، فإن قلوبهم مع نفوسهم، وأهل اليقين قد جازوا هذه ~~المنزلة، وصارت قلوبهم مع الله، وزايلت نفوسهم، فقد فرغوا من أمر النية. # فالنية: النهوض، يقال في اللغة: ناء ينوء؛ أي: نهض ينهض، فنهوض القلب من ~~معدن الشهوات إلى الله؛ بأن يعمل طاعة هو نية، والذي صار قلبه بين يدي الله ~~محال أن يقال له: نهض قلبه إلى الله في أمر كذا، فهو ناهض بمرة نهوضا، وقف ~~بين يديه، فلا يرجع، ولا ينصرف. وقد رفض ذلك الوطن الذي كان توطنه، وارتحل ~~إلى الله. # فانظر أين تقع أعمال أهل اليقين، وإنما يعملونها، وقلوبهم هناك واقفة بين ~~يدي الله في جلاله، وعظمته من هؤلاء الذين ينهضون بقلوبهم PageV03P401 ~~في ذلك العمل إلى الله، ويريدونه به، ويحتاجون إلى أن يخلصوا إرادتهم من ~~أهوائهم. PageV03P402 ### || AUTO الأصل السادس والثلاثون والمئة # 769 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عبد الله ابن أبي حسان، قال: ~~إسحاق بن حازم المدني، عن صالح بن مسمار مولى سعد بن أبي ms0461 وقاص، عن عامر بن ~~سعد، عن أبيه، قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا في جوف الليل، ~~وهو يقول: يا غوثاه من النار! يرددها كذلك ليلا طويلا، ثم غدا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أنت القائل الليلة: يا غوثاه من ~~النار؟))، فقال: نعم يا رسول الله، قال: ((لقد أبكيت الليلة أعيان ملأ من ~~الملائكة كثيرة)). PageV03P403 # فالنار حشوها غضبه، وإنما اسودت من غضبه، يحل ذلك الغضب غدا بأجساد العداة، ~~العصاة، الذين ذهبوا برقابهم، فتنتقم النار منهم لحق الله. # فالمستغيث على ثلاثة أضرب: # 1 - مستغيث من نار الله بعفو الله. # 2 - ومستغيث من غضب الله برحمة الله. # 3 - ومستغيث من الله بالله. # فإن كان هذا المستغيث من النار الذي ذكره في الحديث، استغاث بعفو الله، ~~فخليق وأخلق بما وصف، أن يكون استغاث من النار برحمة الله، فلذلك أبكت ~~أعيان الملائكة، وهذه المنازل يتردد فيها أهلها. # وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فيما أتاه به جبريل، وأمره أن ~~يكون في السجود فقال: ((أعوذ بعفوك من عقابك))، ثم قال: ((فأعوذ برضاك من ~~سخطك))، ثم قال: ((وأعوذ بك منك)). # فتعوذ من العقاب بعفوه؛ لأنه ضده، وتعوذ من سخطه برضاه؛ لأنه ضده، وتعوذ ~~به منه؛ لأنه لا ضد له ولا ند. PageV03P404 ### || AUTO الأصل السابع والثلاثون والمئة # 770 - حدثنا عبد الوهاب بن فليح بن رباح المكي، قال: حدثنا مروان بن ~~معاوية، قال: حدثنا زياد بن المنذر، قال: حدثنا أبو بردة بن [أبي] موسى، ~~قال: حدثنا الأغر المزني، قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وهو رافع يديه، وهو يقول: ((يا أيها الناس! استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، ~~فوالله! إني لأستغفر في اليوم مئة مرة)). PageV03P405 # 771 - حدثنا أبو العالية إسماعيل بن الهيثم العبدي، قال: حدثنا حماد بن ~~واقد البصري، عن ثابت البناني، عن أبي بردة، عن الأغر المزني، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في ~~اليوم سبعين مرة)). ms0462 # فالاستغفار: هي الغطاء والستر. # يقال في اللغة: غفرت الشيء؛ أي: غطيته، ومنه سمي المغفر؛ لأنه يغطي الرأس ~~ويستره. # فالعبد المؤمن: قد بايع الله يوم الميثاق أن يطيعه، ويكون بين يديه ~~كالعبيد، فلما أذنب، ترك مقامه، وخرج من ستره، فتعرى، فقيل له: تب؛ PageV03P406 ~~أي: ارجع إلى مقامك، فلما رأى نفسه عاريا، طلب الستر، ففزع من هربه، فقيل: ~~من يغفر الذنوب إلا الله؛ أي: من يستر الذنوب إلا الله، فلما طلبها مضطرا ~~يعلم أنه لا يستر أحد إلا الله، أجيب إلى ذلك، فستر، فقيل: ارجع إلى ربك، ~~إلى مقام البيعة مع الستر، فأنت في كنفه ما دمت واقفا بمقام البيعة، فلذلك: ~~بدأ بالاستغفار، ثم بالتوبة، وقال في تنزيله: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه}. # والمغفرة لها درجات. # ألا ترى أنه روي في الحديث: ((أنه من فعل كذا، غفر الله له سبعين ~~مغفرة)). # وفيما جاء عن الله -تبارك اسمه-: ((أن قل لهم يا داود: إني من أغفر له ~~مغفرة واحدة، أصلح له بها أمر دنياه وآخرته)). # 772 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا عمرو ابن عثمان بن سعيد بن كثير ~~الحمصي، قال: حدثني أبي، PageV03P407 ~~قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الله ابن بسر يقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((طوبى لمن وجد في كتابه استغفار كثير)). # وقد وصفنا أن المغفرة هي الستر: # فمنهم: من لا يستر عليه في أيام الحياة، فإذا صار إلى ممره على النار، ~~ستر؛ لئلا تصيبه النار. # ومنهم: من ستر عليه هاهنا، وستر عليه هناك إذا مر عليها، ولم يستر عليهم ~~في العرض. # ومنهم: من ستر عليه في العرض عند الملائكة، فأدخل الحجب على ربه، وخلا به ~~ربه في السؤال، فلقي شدة الحياء. # ومنهم: من ستر في الحجب عن نفسه، حتى لا يراها فيستحيي. # ومنهم: من ستر عليه سترا، لا يذكرها حتى يذهب عنه ذكرها، فذاك PageV03P408 ~~ستر بينه وبين العبد، يستره عن علمه فيه، حتى لا يخجل، كما ستر أهل الجنان ~~بالأنس به، إذا ذكروا ذنوبهم، ms0463 لم يخجلوا، ولم يثقل عليهم ذكرها، حتى إنه ~~ليقول لبعضهم: يا فلان! أتذكر غدرتك يوم كذا؟ # فلو كان له في ذلك أذى أو خجل، لم يذكر له ذاك؛ لأنه في دار الثواب، ولا ~~تنغيص لثوابه؛ لأنه أثابهم بدار فيها فرح دائم، وسرور دائم، فلو تنغص عليهم ~~ببعض ما يتأذون؛ لكان في ذلك ارتجاع، والله لا يرجع في مواهبه، فكيف يرتجع ~~في مثوبته؟ # فإن المواهب لا عن عوض، والمثوبة عن عوض قد كان من العبد أيام الدنيا، ~~وهي العبودة، فستر الله أهل الجنان بأنسه، فهي مغفرتهم حتى لا يخجلوا من ~~ذكر ذنوبهم، وستر الأنبياء في الموقف في موضع الحساب، حيث يخاف الناس، ~~وتطير الأفئدة وتزلزل القلوب، فسترهم بأنسه، وكذلك ستر الأولياء من بعدهم ~~في الموقف بأنسه، {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. # فكل من كان في الدنيا من الأنس به أوفر حظا، كان ستره هناك من ذنوبه أكثف ~~وأشد، وذكره عليه أيسر، وأنسه بالله أكثر، وأنس العبد بالله من PageV03P409 ~~الاحتظاء من جماله، وهيبته له من الاحتظاء من جلاله، فإذا كان قلبه عنده في ~~ملك الجمال، فالغالب عليه الأنس، وإذا كان قلبه عنده في ملك الجلال؛ ~~فالغالب عليه الهيبة، وجزاء الهيبة منه اليوم الأمن غدا، وجزاء الأنس به ~~اليوم الأمل غدا. # وصنف من الأولياء أعلى من هذين الصنفين، وهم المحدثون قد قربوا من محل ~~الأنبياء، فقلوبهم عنده في ملك ملكه قد جاوزت ملك الجلال والجمال إلى ~~فردانيته، فانفردوا به في وحدانيته. # وهم الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيروا، سبق المفردون))، ~~قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: ((الذين أهتروا في ذكر الله، يضع الذكر ~~أثقالهم)). # يأتون يومئذ خفافا، فهم أمناؤه في أرضه، قلوبهم في ملك الملك في تلك ~~الخلوة التي قد انقطع علم الصفات عندها، فلا يوصف ما في قلوبهم أيام ~~الحياة. # فالبهتة قد ملكتهم، فجزاؤهم غدا الدالة، وكذلك معاملة هذه الأصناف ~~الثلاثة إياه، وعبودتهم له، فصاحب الهيبة في عبودته، ومعاملته من PageV03P410 ~~الفرق كالميت، في كل أمر من أموره ms0464 على هول عظيم، وخطر عظيم، وصاحب الأنس في ~~عبودته، ومعاملته قد خف ذلك عنه؛ لما يأمل منه من عطفه، ورأفته به، وتحنينه ~~عليه، فالأمل لديه خفف عنه ذلك حتى مر فيها منبسطا، وصاحب الهيبة مر فيها ~~منقبضا، وصاحب البهتة أمنته، فهو كالمطمئن، وإنما اطمأن؛ لأنه صار في ~~قبضته، فهو يستعمله، فباستعماله أشرف على الأمور، فهو كالمقتدر الذي قد ملك ~~شيئا، فملكه، فانبسط في الأمور، فهو الذي يدل في الدنيا، وهو الذي يدل في ~~الآخرة، فالأمين هو الذي بسطه الملك، فانبسط، وصاحب الأنس إنما بسطه الأنس، ~~فشتان بين من بسطه الملك، وبين من بسطه الأنس بالملك. # رجعنا إلى ذكر المغفرة، فقلنا: # إنها درجات، وقد غفر الله لرسوله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد غفر لمن ~~بعده في أعمال بر عملوها لا تخلو من ذلك، وإن كان لم ينصه باسمه، وإنما ذكر ~~العمل، فليست هذه المغفرة التي وعد العمال مغفرة الرسول، والمغفرة الستر، ~~فلا يضم مغفرة العمال إلى ستر الرسول، وقد وعد الله المؤمنين المغفرة في ~~غير آية من تنزيله، فليست كمغفرة الرسول، ولو كان كذلك، لم يكن الرسول ~~مفضلا بذلك إلا بالبشرى عجله له، PageV03P411 ~~فمن ظن أن الفضل الذي فضل به تعجيل البشرى فقط؛ فقد قل علمه وغاب فهمه. # 773 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم ابن الوليد بن سلمة ~~الدمشقي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا النضر بن محرز، عن محمد بن المنكدر، ~~عن أنس ابن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((إن للقلوب صدأ كصدأ الحديد، وجلاؤها الاستغفار)). # وهذا موافق لما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد إذا أذنب، نكتت ~~في قلبه PageV03P412 ~~نكتة سوداء، فإذا عاد، نكتت أخرى حتى يسود القلب، فإذا تاب ونزع، صقل قلبه، ~~ثم تلا: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}. # وإذا هم العبد بشهوة لم يأذن الله له فيها، ثار دخانها في الصدر، وهو بيت ~~القلب، فإذا عزم، صار ذلك الدخان حجابا للقلب عن ms0465 معاينة الغيب، فإن لم ~~يعمل، سكن الدخان وذهب، وإذا عمل، ركد الدخان كسحاب مظلم راكد على القلب، ~~فإذا تاب، تبدد السحاب، فذهب، فشبهوه مرة بالسحاب، ومرة بالصدأ، ومرة بنكتة ~~سوداء، وإنما يراد به: الحجاب في هذا كله. PageV03P413 ### || AUTO الأصل الثامن والثلاثون والمئة # 774 - حدثنا بشر بن هلال الصواف، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن ~~ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: لما كان اليوم الذي دخل ~~فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أضاء كل شيء منها، فلما كان في ~~اليوم الذي مات فيه، أظلم كل شيء منها، وما نفضنا الأيدي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وإنا لفي دفنه، حتى أنكرنا قلوبنا. PageV03P415 # وقوله: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين}، فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نورا أضاء للعالمين، وقال: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا}. # فكان ينير سراجه في العالمين، فكان إذا مشى في الطريق، فاح منه ريح ~~المسك، حتى يوجد عرقه في ممره، فيعرف: أنه قد مر بهذا المكان، وكان طاهرا، ~~طيبا، طهره الله بالحفظ له في الأصلاب والأرحام، وطفلا، وناشئا، وكهلا، حتى ~~قدسه بطهر النبوة، وشرفه بالقربة، وطيبه بروحه، وجلله ببهائه، فمن الذي كان ~~يخيب برؤيته عن أن يكون له شفاء قلب إلا من ختم الله على قلبه، وجعل على ~~سمعه وبصره غشاوة. كما قال: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون}. # فإنما كان يبصر ما نحله الله، وزينه من فتح الله عين قلبه بذلك النور ~~الذي جعله في قلبه، فأبصر محمدا صلى الله عليه وسلم، وعرفه هذه الأشياء، ~~وأبصر ضوءه كيف يضيء الأشياء، وكان شفاء قلبه، ودواء سقمه، وكانت هيبته، ~~وجلالته، ووقاره، وطهارته سدا بين القلوب وبين النفوس، فكانت النفوس قد ~~ألقت بأيدها لأهلها منقادة مستسلمة؛ هيبة وإجلالا، وحياء منه. PageV03P416 # فلما مات، ذهب السراج، فذهب الضوء، وكانت له طلاوة وحلاوة، ومهابة، فأينما ~~حل ببقعة، أضاءت تلك البقعة بتلك الطلاوة، وحليت بتلك الحلاوة، والمهابة. # وأما قوله: ms0466 ((إنا لفي دفنه، وما نفضنا الأيدي، حتى أنكرنا قلوبنا)). ~~فهكذا شأن القلوب التي لم تغلب عليها الهيبة من الله، فهيبة المخلوقين من ~~رجاله وخاصته، فأخذهم وتملكهم، والرسول صلى الله عليه وسلم آية من آيات ~~الله العظمى، فمن عرف الرسول حين رآه بالآيات، وقبل منه ما جاء به من ~~الآيات حتى تمكنت المعرفة فيه من هذه الطريق، فإذا فقده، أنكر قلبه؛ لأن ~~نفسه كانت في قهر ما أعطي الرسول من السلطان، فلما أحست النفس بذهابه، وجدت ~~زمانها ساقطة بالأرض كالمخلاة عنها، فتحركت، وتشوفت لمناها، وأصاخت أذنا ~~لمطامعها. # ومن غلبت الهيبة من الله على قلبه وملكته؛ لم ينكر قلبه بفقد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولا بقبضه؛ لأن نفسه قد صارت كالميتة من الخشوع لله، ~~وإنما حدث بهذا أنس عن قلبه، وقلب أشباهه إذا كانت هيبة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد أخذت بقلوبهم. # فأما الصديقون والأولياء، فقد دخل قلوبهم من جلال الله وعظمته ما أبهتهم، ~~فهابوه، فتلك هيبة احتشت القلوب منها، فغمرت ما كان PageV03P417 ~~للمخلوقين فيها، وكذلك المحبة احتشت القلوب من الهيبة منهم من محبة الله، ~~فغمرت ما كان للمخلوقين فيها من محبة. # ولقد بلغني عن قوم جهال زاغوا في هذا الباب قياسا، فقالوا: إذا جاءت هيبة ~~الله، زالت هيبة المخلوقين، كائنا من كان، وكذلك محبته. # ولقد أعظموا القول، وزاغوا عن القصد، وعياذا بالله أن تزول محبة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من قلب مؤمن، وكيف يكون ذلك، وإنما أحب رسوله من أجله؟ # وكلما عظمت هيبة الله ومحبته في قلب عبد، فهو للهيبة من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أشد، وحبه في قلبه أعظم، وأصفى، ولكن هيبة الله، ومحبته ~~غامرة لما سواها، فلا يستبين، بمنزلة واد؛ لينصب في بحر، فالوادي بهيبته ~~منصب، ولكن غير مستبين في ذلك البحر، وبمنزلة قمر يضيء، فإذا أشرقت الشمس، ~~غمر إشراقها ضوء القمر، والقمر بهيبته مضيء يجري في مجراه، والشمس بإشراقها ~~غالبة عليه. PageV03P418 ### || AUTO الأصل التاسع والثلاثون والمئة # 775 - حدثنا الفضل بن ms0467 محمد، قال: حدثنا موسى ابن سليمان القرشي الصوفي، ~~عن بقية بن الوليد، قال: كتب إلي عبد الملك بن مهران، قال: حدثني أبو أمية ~~بن يعلى الثقفي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((نظر الرجل إلى أخيه على شوق خير من اعتكاف سنة في مسجدي هذا)). PageV03P419 # فالاعتكاف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مضاعف كتضعيف الصلاة. # وروي عنه أنه قال: ((صلاة في مسجدي تعدل ألف صلاة فيما سواه)). # فإذا كانت الصلاة الواحدة في مسجده تعدل بألف صلاة فيما سواه، فاعتكاف ~~سنة في مسجده تعدل باعتكاف ألف سنة في سائر المساجد، جعل هذا النظر على شوق ~~منه خيرا من هذا الاعتكاف الذي ذكر. # والاعتكاف: هو إقبال العبد على الله، والتخلي عن الدنيا وشهواتها، وعن ~~التردد في ساحات العيش، قد حبس نفسه على خالقه عبدا، مانعا لنفسه عن ~~الانبساط والتفسح في يسير العيش، مقبلا على ربه في مسجد PageV03P420 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضع مهاجره، ومبوأ الإسلام، والنظر على ~~شوق أكبر من هذا؛ لأن المؤمن لما انتبه بقلبه فعرف ربه؛ اشتعل نور اليقين ~~في قلبه، فانكشف له الغطاء عن جلاله، وعظمته، وجماله، وبهائه، ومجده اشتاق ~~إليه، فلم يزل يدوم له الشوق حتى قلق، وبرم بالحياة، وضاق به ذرعا، فإذا ~~نظر إلى الكعبة، استروح إليها؛ لأنها بيته، وإذا نظر إلى القرآن، استروح؛ ~~لأنه كلامه، وإذا نظر إلى السلطان، استروح؛ لأنه ظله. # وإذا نظر إلى أخيه المؤمن، استروح؛ (لأنه وليه وخليفته وحبيبه، وفيه ~~سيماء نوره) قد أشرق في وجهه، فتلك النظرة على شوق منه إلى خالقه خير من ~~اعتكاف سنة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإقباله على ربه، رافضا ~~لشهواته، ومانعا لنفسه، حبيسا على ربه؛ لأن هذا بإقباله على ربه، وحبسه ~~نفسه عليه تحرس نفسه بذلك من الآفات، وينتظر منه الرحمة. # وهذا الآخر قد حاز هذه اللحظة، فهو عطشان بطشان من ظمأ الشوق، قد أسكرته ~~محبته عن جميع الدنيا، ms0468 وأذهلته آماله فيه عن جميع مناه في الدنيا، وأقلقته ~~بقية أنفاسه، يتمنى أن يكون مئة ألف نفس قاضية في نفس واحد، حتى يطير بروحه ~~إلى الله، فهو في محبسه يتردد، ويطلب آثار من قد اجتباه بمشيئته، وجعله ~~أهلا لجنابه من بين خلقه، وسبى قلبه بنوره، وقد انقطع طمعه من أن يراه، وهو ~~ينادي في خلال ذلك: ارحم من تراه ولا يراك؛ لأنه قد سبق إلى ذلك كليم الله ~~رأس المشتاقين لما من عليه PageV03P421 ~~بالكلام، طمع في الرؤية، فآيسه، وأعلمه سبب المنع كالمعتذر، فقال: {لن ~~تراني}؛ أي: إنك لا تقدر على ذلك، {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني}. # وكذلك فعل الحبيب للحبيب، إذا سأله حاجه، ولا طاقة له بها، ولا يقوم لها، ~~وإن الحاجة تضيع؛ أقام لنفسه عذرا، ولم يوحشه بالرد، فالمؤمن: يطلب الآثار ~~شوقا إليه، فأحد الآثار: كلامه، والآخر: كعبته، والآخر: المؤمن. # ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل أعطى المؤمن ~~ثلاثا: المقة، والملاحة، والمودة، والمحبة في صدور المؤمنين)) ثم تلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا}. # 776 - حدثنا بذلك أبو بكر بن سابق الأموي، قال: حدثنا أبو مالك الجنبي، ~~عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. PageV03P422 # 777 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا موسى بن سليمان القرشي، عن ابن وهب، ~~عن حيوة بن شريح، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمر، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((من نظر إلى أخيه نظر ود، غفر الله له)). # فنظر الود: هو قضاء المنية، وقد أيس المشتاق من أن ينظر إلى PageV03P423 ~~مولاه في دار الدنيا، فإذا نظر إلى هذا العبد، فإنما يقضي منيته من ربه، ~~ولا يشقيه ذلك، وهو يدأب على قدميه، فكل لحظة يلحظ إلى هذا العبد يريد به ~~التشفي من حرقات الشوق إلى الله، وقد حبسه الله بباقي ms0469 أنفاسه، فيستوجب تلك ~~النظرة التي من أجل الله كانت، ولم يصل إلى منيته المغفرة من الله. # ولله في أرضه أربعة من آثاره به يقطع المشتاقون أعمارهم: # القرآن: وهو كلامه، والسلطان: وهو ظله، والكعبة: وهو بيته، ومعلمه، ~~ومطهره، والولي: وهو خليفته في أرضه. # فعلى كلامه بهاء، وطلاوة، ولبق، وعلى ظله هيبة، وعلى بيته، ومعلمه وقارة، ~~وعلى خليفته نور جلاله، فبهؤلاء الأربع تقوم الأرض، فإذا دنا قيام الساعة، ~~رفع القرآن، وهدمت الكعبة، وذهب السلطان، وقبض الأولياء عن آخرهم، فلم يبق ~~في الأرض ذو حرمة. # فالمنتبهون إنما مأخذهم من القرآن لطائفه، وطلاوته، ولبقه، PageV03P424 ~~ومن السلطان هيبة ظله، ولا يلحظون إلى أفعالهم، وسيرتهم، ومن البيت إلى ~~وقاره، لا إلى تلك الأحجار والبنيان، ومن الولي إلى نور جلاله الذي قد أشرق ~~في صدره. # قال له قائل: من خليفته؟ # قال: الذين وصفهم في تنزيله، فقال -عز من قائل-: {أمن يجيب المضطر إذا ~~دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض}. # فإنما يصير مضطرا حين يبلغ غاية الصدق من مجاهدة النفس ظاهرا وباطنا، ~~فإذا رجع إلى نفسه، وجدها كما كانت، فتحير، وانقطع، وفزع إلى الله عز وجل ~~مضطرا، فأجابه، فنور قلبه، وأخذه من نفسه، وكشف السوء عن باطنه، وشرح صدره، ~~وجعله من خلفائه في أرضه، وأمنائه في حقوقه. PageV03P425 ### || AUTO الأصل الأربعون والمئة # 778 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا عمرو ابن عثمان بن سعيد بن كثير ~~الحمصي القرشي، قال: حدثنا بقية، قال: حدثني شعبة، قال: حدثني يزيد بن ~~خمير، قال: حدثني عبد الله بن بسر، قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فطعم، ثم أتي بسويق، فشرب، وأعطى الذي عن يمينه، وكان إذا أكل التمر، ~~وضع النواة على ظهر إصبعيه الوسطى والمشيرة، ثم ألقاها. PageV03P427 # وأشار شعبة بإصبعيه، وأشار بقية بهما، وأشار عمرو بهما. # معناه عندنا: أنه إذا أكل التمر، فلو أخذ النواة بباطن أصابعه، ثم عاد ~~إلى بقية التمر؛ لكان لا يخلو أن تكون أصابعه مبتلة من ريق الفم عند أخذ ~~النواة، فكره أن يعود إلى بقية ms0470 التمر، وفي يده بلة النواة، لحرمة الأكيل ~~والصاحب، ليتأدب به من بعده، فإنه قد يعاف الرجل صاحبه في فعله من ذلك، ~~ويكرهه، فكان يأخذ النواة بظاهر إصبعيه، ويستعمل باطنهما في تناوله. # وروي في حديث آخر ما يحقق ما قلنا: # 779 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا محمد ابن وهب الدمشقي، عن بقية، ~~عن خليد بن دعلج، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نهى أن نجمع بين التمر والنوى، وبين الرطب والنوى على الطبق. PageV03P428 # 780 - حدثنا عمر، قال: حدثنا الحارث بن عبد الله، عن أبي معشر، عن حفص بن ~~عمر بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أتي بطبق من رطب، فأكل منه شيئا، ثم جعل يلقي النوى من ~~فمه بشماله، فمرت به داجنة، فناولها إياه، فأكلت)). PageV03P429 ### || AUTO الأصل الحادي والأربعون والمئة # 781 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا الهيثم ابن أيوب، عن مروان ~~الفزاري، عن عيسى بن أبي عيسى، قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: ~~سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: ((سيد إدامكم الملح)). PageV03P431 # قال أبو عبد الله: # فالملح به صلاح الأطعمة، وطيبها، والآدمي عاجز عن أن يقوم بالحلاوة، ~~فيصير الملح مزاجا للأشياء. PageV03P432 ### || AUTO الأصل الثاني والأربعون والمئة # 782 - حدثنا محمد بن بشار الهجري، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا ~~شعبة، عن مسلم الأعور، عن حبة العرني، عن علي -كرم الله وجهه-، قال: جاء ~~رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: متى الساعة؟ فقال: ((ما أعددت ~~لها؟))، قال: حب الله، وحب رسوله، قال: ((فأنت مع من أحببت)). # 783 - حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى، قال: PageV03P433 # حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # 784 - حدثنا المخزومي، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أنس بن مالك رضي ~~الله ms0471 عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. PageV03P434 # فالحب هيجه للسؤال عن قيام الساعة؛ فقد علم: أن لقاء العبد سيده على الصفاء ~~والشفاء هناك بعد قيام الساعة، وهاهنا لقاء القلوب على المزاج، فقلق، وضاق ~~بالحياة ذرعا، فسأل عن الساعة متى تقوم؟ استرواحا إليها، وإنما سأله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أعددت لها؟)) تطلعا لما يحن ضميره، وتعرفا ~~للذي حمله عليه من السؤال، من أي معدن هاجت هذه الكلمة، فكان هذا السائل ~~فيما أحسب من المشتاقين. # ألا ترى أنه لم يذكر من عدته شيئا من أعمال البر، وإنما ذكر الذي كان بين ~~يدي قلبه، وما اعترض به في صدره، فأجابه على ما وجده عليه، فقال: ((أنت مع ~~من أحببت)). # والموحدون كلهم يحبون الله، ولكن ذاك حب إيمان، فذاك حب لا يقلق، ولا ~~يجيش به صدره أن الغالب عليه نفسه، ودنياه وشهوته، وإنما يقلق ذلك ويجيش ~~صدره إذا فاته شيء من شهواته ونهماته من دار الدنيا، فذاك إنما يعد للساعة ~~حسناته، وأعمال بره عدة يرجو بها الثواب من الله، حتى إذا ورد القيامة، ~~حصلت سرائره، وبلي خبره، واقتضى صدقه في الأعمال، فإن وجد صادقا في ذلك، ~~أثيب، وأكرم على قدره، وإن وجد كاذبا، رمي به في وجهه كالثوب الخلق، فهو ~~موقوف في العرصة، يرجو بأعماله النجاة من النار، والنوال، والثواب في ~~الجنان، حتى تخلص حسناته، وتصفى، ثم يوزن بالسيئات، فإن فضل له شيء، أعطي ~~بقدر ما فضل. PageV03P435 # وهذا السائل: قد كانت الأشياء كلها تلاشت عن قلبه في جنب معبوده، فلحبه ~~إياه جيشان وغليان في صدره، فكان ذلك عدته، فلذلك قال: ((أنت مع من ~~أحببت)). # وصاحب هذه القصة أشدهم اجتهادا، وأصفاهم عملا، وأخلصهم قلبا، وأطهرهم ~~إيمانا، وأبعدهم من كل ريبة وريب، وأخلقهم بمعالي الأخلاق، وأنزههم عن ~~مدانيها؛ لأن حبه لا ينال إلا محبوبه، ومن قبل أن ينالوا حبه أحبهم، ~~فأحبوه. # ألا ترى إلى قوله -جل ذكره-: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه}. # فبدأ بحبه إياهم، ثم بحبهم له، ثم وصف ms0472 أخلاقهم، وشمائلهم، فقال: {أذلة ~~على المؤمنين أعزة على الكافرين}. # يذل على عبده المؤمن لحقه ويرزق له، ويعطف عليه، ويحب له ما يحب لنفسه، ~~ويحوطه وينصحه، ويعز على الكافر، وعلى باطله، فإنما يعز بالله على الباطل، ~~فيقهره {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم}. # فمن حبهم إياه دق شأن الخلق، فذمهم، ومدحهم في جنبه، قال: {ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء}. يعلمك أن هذا الحب إنما نالوا PageV03P436 ~~من فضله، {والله واسع} فضله للكل، ولكنه {عليم} بمن يستحق، ومن هو أهله، ف ~~{يختص برحمته} للفضل {من يشاء}. # وإذا فتح الله قلب عبد، وأشرق النور في صدره، وانتبه عن غفلته، فمحال أن ~~لا يجيش صدره بحب مولاه، حتى ينسى في حبه كل مذكور، ويلهو عن كل شيء سواه، ~~كما قال الحسن -رحمة الله عليه- فيما روي عنه: حق على من قد عرفه أن ينكر ~~كل شيء سواه. # معناه: كأنهم يصيرون عند ذكره بالحالة التي لا يعرفون أحدا سواه. # وهذا كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لا يبلغ أحدكم ~~ذروة الإيمان حتى يكون الناس عنده مثال الأباعر في جنب الله، ثم يرجع إلى ~~نفسه، فيكون لها أحقر حاقر)). # ومما يحقق قول الحسن -رحمة الله عليه-، ويكشف عن معناه: PageV03P437 # 785 - ما حدثنا به أبي رحمه الله، قال: حدثنا يحيى الحماني، قال: حدثنا ابن ~~المبارك، عن أبي بكر بن عبد الله ابن أبي مريم الغساني، عن خالد بن محمد ~~الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((حبك الشيء يعمي ويصم)). # فهذا قلب واحد، إذا أحب الدنيا، أعماه، وأصمه عن الآخرة، وإذا أحب ~~الآخرة، أعماه، وأصمه عن الدنيا، وإذا أحب مولاه، أعماه، وأصمه عن جميع ما ~~خلق، وعن كل شيء سواه. # والحب: حرارة تتوقد في القلب، وإنما جاءت الحرارة من النور الذي ولج في ~~القلب، فيحيا به القلب، وإذا حيي القلب بشيء، كان الملك لذلك الشيء، وأما ~~حب الدنيا، فإنه حرارة الشهوات تلج ms0473 القلب، فتملكه فتعميه، وتصمه عن كل شيء ~~سواه، وأما حب الآخرة، فهو حرارة شهوات الآخرة، وذلك أنه لما صارت الآخرة ~~له معاينة بالنور الوارد على قلبه، هاجت شهوته لها، فاستحر قلبه، وتوقد، ~~فأعماه، وأصمه عن كل شيء سواها. # وأما حب الله: فهو نوره، إذا توقد في قلب عبده، انكشف الغطاء عن جلاله ~~وعظمته، وبهائه، وجماله، وكبريائه، فسبى قلبه، فأعماه، PageV03P438 ~~وأصمه عن كل شيء سواه. # وهذا ركب في طبائع الآدميين أن يسمو قلبه إلى أرفع درجة من درجات الدنيا، ~~فيرى أهل النعيم، والزينة والأجلة من الخلق، فيسبي قلبه أوفرهم حظا من ذلك، ~~وأعظمهم قدرا، فإذا عاين الآخرة، دق هذا في جنبها، فقلبه شاخص للأرفع ~~فالأرفع، فإذا وقع على قلبه من جلال الله وعظمته، دق هذا كله في جنب ما ~~عاين، وإنما يحب الآدمي كلا على قدره، فإذا كان العبد يبلغ منه محبة ما لا ~~قدر له هذا المبلغ، فما ظنك بمحبة ما لا منتهى لقدره ولا بلوغ، لكنه صفته ~~كيف يبلغ من العبد؟! # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لحارثة حيث قال له حارثة: ~~كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عرفت ~~فالزم))، ثم قال: ((عبد نور الله الإيمان في قلبه)). # فالإيمان في قلوب الموحدين في غطاء الشهوات، وإذا كان الإيمان مغطى بحجب ~~الشهوات، صار محجوبا عن الله، وعن داره، فإذا رحم الله عبدا، فأيده؛ قذف ~~النور في قلبه، وانفسح الصدر وانشرح، فهذا عين نور الإيمان، وإنما انفسح ~~الصدر؛ لأن شهوات النفس كانت متراكمة في الصدر بظلمتها، وتدبير القلب في ~~الصدر، وهو بيته، والأمور تصدر عن بيت القلب، وعيناه في الصدر مفتوحتان، ~~وأذناه مصيختان، فيدبر الأمور، ويصدرها إلى الجوارح، فقيل: صدر. # وللذي العينان والأذنان فيه فؤاد، وهو قوله -جل ذكره-: {ما كذب PageV03P439 ~~الفؤاد ما رأى}. # والذي هو مستقر القلب، وهو البضعة الباطنة، وفيه الحياة، وفيه المعرفة، ~~فهو قوله تعالى: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم}. أي: أوصله إلى حبة ~~القلب، ويقال ms0474 لتلك البضعة: حبة القلب. # ومما يحقق ذلك: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتاكم أهل اليمن، ~~ألين قلوبا، وأرق أفئدة)). # فوصف القلب باللين؛ لأن بنور الله، ورطب، وطاب وسمح، ووصف الفؤاد بالرقة؛ ~~لأن النور تمكن فيه، فرق، ومن هاهنا يقال: فلان رقيق القلب. # والقلب سمي قلبا؛ لأنه بيد الله عز وجل يقلبه كيف يشاء، والقلب، والفؤاد ~~يقرب معناهما، وعلمهما يستعملان في الكلام بمعنى واحد، وهما سيان، فيقال: ~~خرجت نفسه، ويقال: خرجت روحه، وهو قول الله عز وجل: {الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها والتي لم تمت في منامها}. PageV03P440 # رجعنا إلى ما كنا فيه، فالمرحوم المؤيد بالنور، إذا قذف في قلبه النور، ~~استنار، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علامته في الظاهر من فعله، ~~فقال: ((التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت ~~قبل نزوله))، ثم قرأ: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}. # فأهل النور إذا كان أحدهم في مزيد من الله، فكلما زاد نورا، زاد عن أحوال ~~نفسه وشهواتها تلهيا، وبه شغوفا. # وأهل المحبة قوم سبقت لهم من الله سعادة زائدة فاضلة على من دونهم من ~~عمال الله، اجتباهم بمشيئته، وهداهم بإنابتهم، فهما صنفان: # 1 - صنف مجتبون بالمشيئة. # 2 - وصنف مهذبون بالإنابة. # وقد ذكرهما الله في تنزيله، فقال: {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه}؛ ~~يعني: إلى قول: لا إله إلا الله، ثم قال: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي ~~إليه من ينيب}. PageV03P441 # فبمشيئته اجتباهم، جذب قلوبهم إليه جذبة من غير تردد وتكلف وطلب، والآخرون ~~طلبوا، ونظروا، وترددوا، وأنابوا، فهداهم إليه. # فالأول: طريق الأنبياء، وطائفة من الأولياء، وهم خاصة الأولياء. # والثاني: طريق الأولياء المهديين، أنابوا، وساروا إليه بقلوبهم، فأوصلهم ~~إليه، فأحبهم، وبحبه أوصلهم إلى حبه {أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين}. # يذلون عند كل حق، ويذلون عند كل مشيئة لله له، يظهر من الغيب من أحكامه ~~عليهم، فينقادون له تسليما بلا تلجلج، ويعزون عند الباطل، فيمتنعون منه حتى ~~لا يجد العدو سبيلا، ولا ms0475 النفس إلى خدعها طريقا، ويعزون على أهله، فلا ~~يستقبلهم مضاد إلا انقمع لهم وسلس، ولا يخافون لومة لائم في أمر الله، قد ~~سقط عن قلوبهم خوف سقوط المنزلة عند الخلق، وهذه عقبة صعبة عظيمة، من ~~جازها، فقد ولى الدنيا وراء ظهره، ورفع عن الناس بالا. # وللنفس بالان هما دنياه: # أحدهما: أن تذهب دنياه. PageV03P442 # والأخرى: أن يسقط من عيون الخلق. # فهما عقبتان كؤودان، فطلاب الآخرة جازوا هذه العقبة الواحدة، فأعرضوا عن ~~الدنيا توليا عنها، وأقبلوا على الآخرة، وبقوا في هذه العقبة الثانية، فهم ~~حرصاء على أن يكون جاههم وقدرهم باق عند الخلق، وأن لا يسقطوا من عيون ~~الخلق، وهذه عقبة النفس، فمن أشرب حب الله قلبه، فشربه، فقد أسكرته عن ~~الدارين، وعن الخلق، فطارت هذه المحبات عنه: حب المحمدة، وحب الثناء ورفعة ~~المنزلة عند الخلق، وذهب باله، ونسي هذا كله في جنب ما أحاط بقلبه، وهو ~~الشهوة الخفية التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له في ذلك: ~~فقال: ((أخوف ما أخاف عليكم: الشرك الخفي، والشهوة الخفية)). # فحب الثناء والمحمدة هي الشهوة الخفية، هو أمر باطن تكتم النفس صاحبها ~~ذلك، فلا يزيلها إلا حب الله، فيعميه عن الخلق، ويصمه عما يقولون، فهذه ~~الشهوة الخفية من أقوى الأشياء في الآدمي، تبقي هذا في عمال الله، وفي ~~القراء والزهاد والورعين، فهم منه في جهد، فهذا الذي حملهم على الاختفاء ~~والهرب من الخلق، وإخفاء العمل، وكتمان الأشياء PageV03P443 ~~التي يكرمهم الله بها مخافة التزين. # وهذا الذي أسكتهم إذ خافوا المباهاة والتزين في الأقوال، فلا يبقي هذا عن ~~القلب إلا عظمة الله وجلاله إذا أشرق الصدر بنوره، فامتلأ من عظمته، ولزمته ~~هيبته، وهاجت هوائج المحبة له، والشوق إليه، وظهر الوله والحنين، فحينئذ ~~تموت هذه الأشياء منه، ويحيا قلبه به، ولا يخاف في الله لومة لائم، فإذا ~~ترقى من هذه الدرجة إلى الدرجة العظمى، فانفرد بوحدانيته، [و] بهت في جلاله ~~وجماله، واستولت على قلبه هيبته، افتقد ذكر هذا كله من نفسه، فيصير في ~~قبضته، يستعمله ms0476 في أموره معتزا به، لا بذاته، به يقوم، وبه يقعد، وبه يتصرف ~~في الأحوال. # والسائل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة: # روى محمد بن المثنى في حديثه، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، ~~عن قتادة، قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: جاء رجل من أهل ~~البادية، فسأله عن الساعة، فذكر الحديث. # فكم من بدوي من رجال الله وخاصته لا يعرف، ولا يؤبه له. PageV03P444 # 786 - حدثنا محمد بن محمد بن حسين، قال: حدثنا عبد الرحمن بن واقد العطار، ~~قال: حدثنا هشام بن سلمان، قال: سمعت ثابتا البناني يقول: لا تسخروا من ~~أحد، ولا تستهزئوا من أحد؛ فإن أنس بن مالك رضي الله عنه حدثنا: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان بالبقيع، فإذا هو بأعرابي أعمش العينين، حمش ~~الذراعين، دقيق الساقين، عليه شملتان، وهو على قعود، ومعه عكة سمن يبيعها، ~~فجاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله! هذا زاهر، هذا يحب الله، والله يحبه، فدنا منه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: ((يا زاهر!))، قال: لبيك يا رسول الله، قال: ((من يشتري ~~زاهرا؟))، فقال: يا رسول الله! إذا تجدني كاسدا، فقال: ((يا زاهر! إن تكن ~~عند الناس كاسدا، فإنك عند الله لست بكاسد، إذا قدمت المدينة، فانزل علي، ~~وإذا أنا PageV03P445 ~~بدوت، نزلت عليك)). PageV03P446 ### || AUTO الأصل الثالث والأربعون والمئة # 787 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا سليمان ~~بن بلال، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ~~قال: قيل: يا رسول الله! أي النساء خير؟ قال: ((التي تسره إذا نظر، ولا ~~تعصيه إذا أمر، ولا تخالفه لما يكره في نفسها ومالها)). # فأما قوله: ((تسره إذا نظر))؛ فللعفة. # فإن المرأة إذا كان لها جمال، كان ذلك عونا له على عفته ودينه، PageV03P447 ~~فلا يلحظ إلى امرأة إلا كان في غنى عنها بما عنده من جمالها. ms0477 # وجاءنا عن زكريا -صلوات الله عليه- ما يحقق قولنا: # 788 - حدثنا بذلك عبد الله بن [أبي] زياد القطواني، قال: حدثنا سيار، ~~قال: حدثنا محمد بن مروان العقيلي -أظنه- قال: حدثنا يونس بن عبيد: أن رجلا ~~كان يعتدي على أهل مملكته، ويجور عليهم، فائتمروا لقتاله، فقالوا: نبي الله ~~زكريا بين أظهرنا -صلوات الله عليه-، فلو أتيناه، فأتوا منزله، فإذا فتاة ~~جميلة رائعة، قد أشرق البيت لها حسنا، فقالوا: من أنت؟ قالت: أنا امرأة ~~زكريا، قالوا بينهم: كنا نرى نبي الله لا يريد الدنيا، فإذا هو قد اتخذ ~~امرأة جميلة رائعة. قالوا: فأين هو؟ قالت: في حائط آل فلان يعمل لهم، ~~فأتوه، فإذا هو يعمل، حتى إذا حضر غداؤه، قرب رغيفين، فأكل، ولم يدعهم، ثم ~~قام فعمل بقية عمله، ثم علق خفيه على عنقه، والمسحاة والكساء، ثم قال: PageV03P448 # حاجتكم؟ قالوا: جئنا لأمر، ولقد كاد يغلبنا ما رأينا على ما جئنا له، قال: ~~فهاتوا، قالوا: جئنا منزلك، فإذا امرأة جميلة رائعة، وكنا نرى نبي الله لا ~~يريد الدنيا. # فقال: إني إنما تزوجت امرأة جميلة رائعة؛ لأكف بها بصري، وأحفظ بها فرجي، ~~فخرج نبي الله مما قالوا. # قالوا: ورأيناك قربت رغيفين، فأكلت ولم تدعنا؟! قال: إن القوم استأجروني ~~على عمل، فخشيت أن أضعف عن عملي، ولو أكلتم معي، لم يكفني، ولم يكفكم، فخرج ~~نبي الله -صلوات الله عليه- مما قالوا. # قالوا: ((ورأيناك وضعت خفيك على عنقك، والمسحاة والكساء؟! قال: إن هذه ~~الأرض جديدة، فكرهت أن أنقل تراب هذه إلى هذه، فخرج نبي الله مما قالوا. # قالوا: إن هذا الملك يجور علينا، ويظلمنا، وقد ائتمرنا لقتاله، قال: أي ~~قوم! لا تفعلوا؛ فإن إزالة جبل من أصله أهون من إزالة ملك مؤجل. # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مثل عائشة في النساء ~~كمثل الثريد في الطعام)). PageV03P449 # فهذا تمثيل منه، وذلك: أن الثريد مشبع، مجزئ عن سائر الطعام، يستغني به ~~صاحبه عما سواه، ولا يقوم مقامه شيء من الطعام، فهذا الذي ذكرنا وجه. # والوجه الآخر: أن ms0478 الله -تبارك اسمه- أخذ على الأزواج مواثيقهم في شأن ~~نسائهم، وذكر في غير موضع في تنزيله شأنهن، وقال -جل ذكره-: {فإمساك بمعروف ~~أو تسريح بإحسان}، وقال: {والصاحب بالجنب}، فأمرهم بالإحسان إليهن، ~~والمعروف لهن. # فروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه خطبهم يوم فتح مكة، فقال: ~~((إنما النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة ~~الله، فاتقوا الله فيهن)). # أي: في حسن عشرتهن، والخروج إليهن من حقوقهن، فمن رزق امرأة على وفاق ~~نفسه، كان ذلك عونا له على حسن العشرة، وإقامة الحقوق؛ فإن النفس إذا هويت ~~شيئا، مالت إليه، وأمالت القلب، والقلب ميال إلى PageV03P450 ~~إقامة أمر الله فيها، فصار أمرها على اتفاق، فلم يبق للنفس تردد ولا تلكؤ، ~~فهذا قوله صلى الله عليه وسلم: ((تسره إذا نظر)). # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((ولا تعصيه إذا أمر))، فلما عظم أمر ~~الأزواج التي يلزمها أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه، ولا تدخل أحدا بيته من ~~الرجال بغير إذنه إلا أن يكون ذا محرم، ولا تكلم أحدا من الرجال بغير بإذنه ~~إلا ذا رحم محرم، ولا تمنع نفسها في حال حاجته إليها، هويت ذلك أو لم تهو، ~~خف ذلك عليها أو ثقل؛ لأنه إنما تزوجها؛ لتكون له سكنا، وليعف بها عن ~~الأدناس، فإذا كانت خرقاء، فترعنت على زوجها في وقت حاجته، فقد ألقته في ~~الهلاك، فربما أوقعه صرفتها في فتنة، أو في حال يصير غدا من عرتها في عويل ~~وصراخ وشق جيب. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لا تمنع المرأة زوجها ~~نفسها، وإن كانت على رأس تنور)). PageV03P451 # وفي حديث آخر: ((وإن كانت على قتب)). # ومعنى القتب: أن القوابل كانت ممن تعز عليهم وجودها في تلك البوادي، ~~فيحملون نساءهم على القتب عند ولادتها، حتى يقبلون ولدها من تحت القتب، وقد ~~هيئ القتب بالأرض حتى تستمكن من القعود عليها فتلد، فقال: ((لا تمنع نفسها ~~وإن كانت على قتب))؛ أي: في حال ولادتها. # 789 - حدثنا عمر، قال: حدثنا ms0479 حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، قال: حدثنا ~~معاوية، عن أزهر بن سعيد، عن أبي كبشة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قال: كنا جلوسا PageV03P452 ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مرت بنا امرأة، فقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فدخل منزله، ثم خرج إلينا وقد اغتسل، فقلنا: نرى أن قد كان ~~شيء يا رسول الله؟! فقال: ((مرت بي فلانة، فوقعت في نفسي شهوة النساء، فقمت ~~إلى بعض أهلي، فوضعت شهوتي فيها، وكذلك فافعلوا؛ فإنه من أماثل أعمالكم)). # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((ولا تخالفه لما يكره في نفسها ومالها))، ~~فهو أن تساعده على أموره ما لم يكن فيها معصية، فإن حسن الصحبة في ~~المساعدة، وحسن العشرة ترك هواها لهواه، وكذلك في مالها. # 790 - حدثنا إبراهيم بن سالم بن رشيد الهجيمي، قال: حدثني يوسف بن عطية ~~الصريمي، قال: حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن امرأة ~~جاءت إلى PageV03P453 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله! صلى الله عليك، إن ~~زوجي غزا في سبيل الله، وإنه أمرني أن لا أخرج من البيت، وإن أبي اشتكى، ~~قال: ((اذهبي فالزمي بيتك، وأطيعي زوجك))، ثم جاءت فقالت: إن أبي مات، فقام ~~معها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب وصلى عليه، فلما أن فرغ، قال: ~~((يا هذه! اعلمي أن الله قد غفر لأبيك بطواعيتك لزوجك)). # 791 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا يوسف ابن عطية، عن ثابت، عن ~~أنس رضي الله عنه: أن رجلا انطلق غازيا، وأوصى امرأته أن لا تنزل من فوق ~~البيت، وكان والدها في أسفل البيت، فاشتكى أبوها، فأرسلت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تخبره وتستأمره، فأرسل إليها: ((اتقي الله، وأطيعي زوجك))، ~~ثم إن والدها توفي، فأرسلت إليه تستأمره، فأرسل إليها مثل ذلك، وخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وصلى عليه، وأرسل PageV03P454 ~~إليها: ((إن الله قد غفر لأبيك بطواعيتك لزوجك)). # وروي عن رسول الله صلى ms0480 الله عليه وسلم: أنه قال: ((الدنيا متاع، وخير ~~متاعها المرأة الصالحة)). # وقال صلى الله عليه وسلم: ((خير ما أعطي العبد من الدنيا زوجة مؤمنة ~~تعينه على إيمانه)). PageV03P455 # وفيما حكي عن لقمان رضي الله عنه: أنه قال لابنه: مثل المرأة الصالحة مثل ~~التاج على رأس الملك، ومثل المرأة السوء كمثل الحمل الثقيل على ظهر الشيخ ~~الكبير. PageV03P456 ### || AUTO الأصل الرابع والأربعون والمئة # 792 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار ابن حاتم العنزي، ~~قال: حدثنا سالم أبو سلمة مولى أم هانئ، قال: سمعت شيخا يقول: سمعت عثمان ~~بن عفان يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله -جل ~~ذكره-: إذا بلغ عبدي أربعين سنة، عافيته من البلايا الثلاث: من الجنون، ~~والبرص، والجذام، فإذا بلغ خمسين سنة، حاسبته حسابا يسيرا، وإذا بلغ ستين ~~سنة، حببت إليه الإنابة، وإذا بلغ سبعين سنة، أحبته الملائكة، وإذا بلغ ~~ثمانين سنة، كتبت حسناته، وألقيت سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة، قالت ~~الملائكة: أسير الله في أرضه، PageV03P457 ~~فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويشفع في أهله)). # وهذا من جيد الحديث، وقد أتت روايات أخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقط، وليس فيها حكاية عن الله تعالى. # 793 - حدثنا يزيد بن هلال، قال: حدثنا الفضيل ابن عياض، عن يوسف بن أبي ~~ذرة، عن جعفر ابن عمرو بن أمية، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من معمر يعمر في الإسلام أربعين سنة، ~~إلا صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا ~~بلغ خمسين سنة، لين الله حسابه، فإذا بلغ PageV03P458 ~~ستين سنة، رزقه الله الإنابة إليه بما يحبه، أو كما قال: فإذا بلغ سبعين ~~سنة، تقبل حسناته، وتجاوز عن سيئاته، وإذا بلغ ثمانين سنة، أحبه الله، ~~وأحبه أهل السماء، وإذا بلغ تسعين سنة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر، وتسميه: أسير الله في الأرض، ويشفع في أهل ms0481 بيته)). # 794 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا الفرج ابن فضالة، عن محمد بن ~~عامر، عن محمد بن عبد الله، عن جعفر بن عمرو الضمري، عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه، بنحوه، ولم يرفعه. PageV03P459 # 795 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا خالد الزيات، عن داود أبي ~~سليمان، عن عبد الله بن عبد الرحمن ابن معمر بن حزم، عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه، ورفع الحديث، قال: ((المولود حتى يبلغ الحنث ما عمل من حسنة كتبت ~~لوالديه، أو لوالده، فإن عمل سيئة، لم تكتب عليه، ولا على والده، وإذا بلغ ~~الحنث، وجرى عليه القلم، أمر الملكان اللذيان معه: أن يحفظا، ويسددا، فإذا ~~بلغ أربعين سنة في الإسلام، أمنه الله من البلايا الثلاث: من الجذام، PageV03P460 ~~والبرص، والجنون، فإذا بلغ الخمسين، خفف الله حسابه، فإذا بلغ الستين، رزقه ~~الله الإنابة إليه فيما يحبه، فإذا بلغ السبعين، أحبه أهل السماء، فإذا بلغ ~~الثمانين، كتب الله حسناته، وتجاوز عن سيئاته، وإذا بلغ التسعين، غفر الله ~~له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه في أهل بيته، وكان اسمه عند الله في ~~السماء: أسير الله في أرضه، فإذا بلغ أرذل العمر لكيلا يعمل من بعد علم ~~شيئا، كتب الله له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير، فإن عمل سيئة، لم ~~تكتب عليه)). # 796 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا سليمان بن عمرو، عن ابن حزم، عن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه، PageV03P461 ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # 797 - حدثنا داود بن حماد القيسي، قال: حدثنا اليقظان بن عمار بن ياسر، ~~قال: حدثنا ابن شهاب الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد إذا بلغ أربعين سنة، -وهو ~~العمر-، أمنه الله من الخصال الثلاث: من الجنون، والجذام، والبرص، وإذا بلغ ~~خمسين سنة، -وهو الدهر- خفف الله عنه الحساب، فإذا بلغ ستين سنة، -وهو في ~~إدبار من قوته-، ms0482 رزقه الله الإنابة إليه فيما يحب، فإذا بلغ سبعين سنة، ~~-وهو الحقب-، أحبه أهل السماء، وإذا بلغ ثمانين سنة، -وهو الخرف-، أثبتت ~~حسناته، ومحيت سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة، -وهو الفناء-، وقد ذهب العقل، ~~غفر الله له PageV03P462 ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفع في أهل بيته؛ (لأن اسمه عند الله في ~~السماء): أسير الله في أرضه، وإذا بلغ مئة سنة، سمي: حبيس الله في الأرض، ~~وحق على الله أن لا يعذب حبيسه في الأرض)). # 798 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا عثمان بن زفر، قال: حدثنا مزاحم ~~بن زفر، عن ليث بن سعد، عن أبي عمر الصنعاني، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV03P463 # نحو حديث فضيل بن عياض. # 799 - حدثنا محمد بن محمد بن حسين، قال: حدثنا عثمان بن الهيثم البصري، ~~قال: حدثني الهيثم بن الأشعث، عن الهيثم بن محمد السلمي، عن محمد بن عمار ~~الخطمي، عن جهم بن عثمان بن أبي جهيمة السلمي، عن محمد بن عبد الله بن عمرو ~~بن عثمان، عن عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا بلغ المرء المسلم أربعين سنة، صرف الله عنه ~~ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص)). PageV03P464 # فهذا الحديث يخبر عن حرمة الإسلام، وما يوجب الله لمن قطع عمره مسلما، وليس ~~يقصد في ذلك الدرجات ولا الأعمال، إنما يعلم القاطعين أعمارهم بهذا الإسلام ~~بما لهم بعمرهم -الذي داموا فيه على الإسلام- عند الله من الكرامة، سوى صحة ~~الأعمال، وصدقه وصفائه، واكتساب الطاعات، فذاك ثوابه على قدر ما اكتسب وسعى. # وقد قال في الحديث الذي رواه الفضيل بن محمد: ((ما من معمر يعمر في ~~الإسلام))، فإنما قصد؛ لبيان فضل التعمير في الإسلام، وثباته عليه، ومثال ~~هذا موجود في خلقه: ترى الرجل يشتري عبدا، فإذا أتت عليه ستون سنة، يقول: ~~قد طالت صحبة هذا، وعتق عندنا، فيرفع عنه بعض العبودة، ويخفف عنه في ~~ضريبته، فإذا زادت مدة صحبته، زيد رفقا وعطفا. ms0483 # فالعبد لا يخلو من تخليط وذنب وإساءة في عمل مولاه، فهو لطول الصحبة لا ~~يمنعه رفقه ولا رفده، ولا يعيبه، فإذا شاخ وكبر، أعتقه، ويحتشم من بيعه ~~والإساءة إليه، ولهذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ~~يستحي من عبده وأمته أن يشيبا في الإسلام فيعذبهما)). PageV03P465 # ففي بلوغ العمر أربعين سنة استكمال الأخلاق، واستجماع القوة، ثم لا يزال ~~بعد الأربعين في نقصان وإدبار عمر تام، فإذا عاش في الإسلام عمرا تاما، ~~وجبت له من الحرمة ما يدفع عنه هذه الآفات التي لا تقبل الدواء، وأمنه من ~~الداء العضال، ووجود العدو إليه سبيلا في أخذ قلبه، فإذا بلغ خمسين سنة، ~~فقد صار إلى نصف الذي هو أرذل العمر، فإنما برذالة العمر نال رفع الحساب، ~~وأن لا تكتب عليه سيئة في بلوغ المئة، فإذا بلغ خمسين سنة، وجاوزها، فقد ~~وقع في النصف الأرذل، فخفف عنه حسابه، وقيل في الرواية الأخرى: ((لين ~~حسابه)). # وقال في حديث عثمان رضي الله عنه: ((حاسبه حسابا يسيرا))، فمعنى هذا كله ~~قريب يرجع إلى معنى واحد، وهو اليسير، فإذا انتهى آخره، يرفع عنه الحساب، ~~وهذا كله في حياته، وخفة الحساب في الدنيا أن لا يؤاخذه في الدنيا، ولا ~~ينزع منه البركة، ولا يحرمه الطاعة، ولا يقصيه، ولا يخذله. إذا عمر هذا ~~العمر، ومن قبل الخمسين: لم يستوجب هذه الحرمة، فإذا بلغ ستين سنة، فهو في ~~عمر التذكر والتوقف. PageV03P466 # 800 - حدثنا يحيى بن المغيرة المخزومي، قال: حدثنا ابن أبي فديك، عن ~~إبراهيم بن الفضل، عن ابن أبي حسين المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان ~~يوم القيامة، نودي أبناء الستين، وهو العمر الذي قال الله تعالى: {أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر}. # فإذا عمر في الإسلام ستين سنة، فقد جاء أوان التذكر؛ لأن الأربعين منتهى ~~استتمام القوة، فإذا جاوز الأربعين إلى الستين، فقد أتى عليه عشرون سنة، ~~وقد أخذ في ms0484 النقصان، فقد جاوز الأربعين الذي به استتم، PageV03P467 ~~وافتقد من نفسه نصف القوة، فلذلك صارت حجة عليه، لما جاوز فقد النصف من ~~القوة التي أعطي، فأوجب له حرمة بأن رزقه الإنابة إليه فيما يجب، وهو ~~التذكر، فإنه إذا تذكر، أناب، وإذا أناب، تذكر، فرزقه الإنابة، ولم يخذله، ~~فيصير عمره عليه وبالا وحجة، فيعيره به، كما يعير أهل النار. # فقد حكى الله في تنزيله عن أعدائه، فقال -جل ذكره-: {والذين كفروا لهم ~~نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل ~~كفور. وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل}. # فأجيبوا بقوله: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا ~~فما للظالمين من نصير}. # فأوجب للمعمر في الإسلام ستين سنة؛ لحرمة مدته: أن رزقه الإنابة إليه من ~~الطاعات، فإذا بلغ سبعين سنة، فقد عمر حقبا من الدهر، قال الله -تبارك ~~وتعالى-: {لابثين فيها أحقابا}، والواحد حقب. # والحقب: سبعون سنة، فجعل كل حقب غاية وحدا ينتهى إليه في الطول، وهو ~~منتهى أعمار هذه الأمة. # 801 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا عثمان بن زفر، PageV03P468 ~~عن محمد بن كناسة، رفعه إلى أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((أقل أمتي أبناء السبعين)). # 802 - حدثنا يحيى بن المغيرة بن سلمة المخزومي أبو سلمة، قال: حدثنا ابن ~~أبي فديك، عن إبراهيم بن الفضل، عن المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((معترك المنايا ما بين الستين إلى ~~السبعين)). # 803 - حدثنا محمد بن يزيد النيسابوري، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: حدثنا ~~أبي، عن وهب بن منبه، PageV03P469 ~~قال: مكتوب في التوراة: شوقناكم، فلم تشتاقوا، ونحنا لكم، فلم تبكوا، ألا ~~وإن لله ملكا في السماء ينادي كل ليلة: بشر القتالين بأن لهم عند الله سيفا ~~لا ينام، وهو نار جهنم، أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده، أبناء الخمسين ~~هلموا إلى الحساب، أبناء الستين ماذا قدمتم؟ وماذا أخرتم؟ ms0485 أبناء السبعين ~~ماذا تنتظرون؟ ألا ليت الخلائق لم يخلقوا، فإذا خلقوا، علموا لما خلقوا، ~~ألا أتتكم الساعة، فخذوا حذركم. # فقوله: ((زرع قد دنا حصاده))؛ لأن الزرع إذا أدرك فاستحصد، حصد، فإن ترك، ~~أدبر شأنه، ففسد، فكذلك أبناء الأربعين قد أدركوا تمام العمر، فصار الجسد ~~في إدبار. # وقوله: ((أبناء الخمسين هلموا إلى الحساب))؛ هو مقارب لما قال في الحديث ~~الأول: ((خفف الله حسابه)). PageV03P470 # وقوله: ((أبناء الستين ماذا قدمتم وأخرتم؟))؛ هو موافق لقوله تعالى: {أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر}. # وقوله: ((أبناء السبعين ماذا ينتظرون))؛ أي: قد نفد العمر وانتهى، وهو ~~موافق لذلك. # فهذا يحكي عن التوراة، وذاك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله ~~تعالى، إلا أن ذاك في فضل المعمرين في الإسلام، وما يجب لهم، وهذا في طريق ~~الوعيد، وأذان أهل الغفلة في أسماعهم كي ينتهوا، فإذا عمر في الإسلام سبعين ~~سنة، أوجب له محبته، فأحبه أهل السماء؛ لأنه يشهر حبه فيهم، كأنه يقال: هذا ~~عبد قد كان في عبودة مولاه، سبعين سنة حقبا واحدا، لم يأبق من مولاه، ولم ~~يتول عنه حتى شاب في الإسلام، وذهب شبابه وقوته، فإذا بلغ ثمانين سنة؛ قبلت ~~حسناته، وتجاوز الله عن سيئاته. # فهذا قد عمر ضعف العمر، وذلك أن العمر هو أربعون، ثم هو في إدبار، فقد ~~عمر هذا العبد مثلي العمر في الإسلام، واستوجب أن قبلت حسناته، وتجاوز له ~~عن سيئاته. # وقد ذكر الله أهل الاستقامة في تنزيله، فقال: {حتى إذا بلغ أشده وبلغ ~~أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن ~~أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين}. # فذكر هاهنا خصال أهل الاستقامة، وهو شكر أهل النعمة، والعمل الصالح ~~المرضي، والتوبة، فقال الله -تبارك اسمه-: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما ~~عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة}، ثم قال: {وعد الصدق الذي كانوا ~~يوعدون}. PageV03P471 # أي: من كان بهذه الصفة، فقد سبق الموعود له بالجنة وما ms0486 فيها من النعمة على ~~ألسنة الرسل، وهو قوله: {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك}. # فهذا وعده تقبل الحسنات، والتجاوز عن السيئات، فهذا لمن بلغ أربعين سنة ~~على هذه الخصال، فإذا كان مخلطا، فعمر في الإسلام ضعف أربعين، أوجب له ~~بحرمة ذلك العمر ما يوجب للمستقيم الذي ذكرنا من خصاله في وقت الأربعين. # 804 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا عثمان بن زفر الكوفي، قال: حدثنا ~~جابر بن نوح، عن عمرو الملائي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا بلغ الرجل من أمتي ثمانين سنة، حرم الله ~~جلده على النار)). # فإذا بلغ تسعين سنة، فقد أفند، وفقد عقله. # وكان العقل حجة الله عليه، فغفر له ما تقدم من ذنبه، فقطع هذا العمر ~~مسلما، وما تأخر من ذنبه بفقد عقله، وسمي: أسير الله في الأرض؛ لأنه في أول ~~ما اجتباه ألقى في قلبه نور المعرفة، فسبى قلبه، فما زال يستغله فيغل غلته، ~~ويؤدي خراجه، حتى إذا شاخ وكبر، وعجز عن الغلة، PageV03P472 ~~وذهبت القوة، وفقد العقل؛ رفع عنه تبعة الذنب فيما بقي، وإنما قيل: أسير؛ ~~لأنه في ربقة الإيمان، فهو كأسير في وثاق، ولا يقدر براحا، ولذلك قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمن مثل الفرس في آخيته)). # فهذا المقيد المهتر عاجز عن أعمال البر وهو في ربقة الإسلام، فإذا بلغ ~~مئة سنة، فقد رد إلى أرذل العمر، فعاد كالصبي، فبلغ من حرمته أن أجريت له ~~حسناته، ولم تكتب عليه سيئاته؛ لأنه قد بلي، فوجد صادقا في قول: لا إله إلا ~~الله، ثم لم يتردد عنها، ودام عليها ناشئا فتيا، ودام عليها شابا طريا، ~~ودام عليها كهلا سريا، ودام عليها بجالا بهيا، ودام عليها شيخا رضيا، فلما ~~صار إلى أرذل العمر، عاد إلى أحكامه طفلا صبيا، فأجري له مثل ما كان يعمل ~~من الحسنات في سالف أيامه، ورفع عنه سيء ما يجيء منه. # قال الله -تبارك اسمه-: {ومنكم من يرد إلى أرذل ms0487 العمر لكيلا يعلم من بعد ~~علم شيئا}، وقال: {قد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل ~~سافلين}، ثم استثنى فقال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ~~ممنون}؛ أي: غير مقطوع. PageV03P473 # 805 - فحدثنا صالح بن محمد، عن سليمان، عن ابن حزم، عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {فلهم أجر غير ممنون} ~~قال: ((غير ممنون ما يكتب لهم صاحب اليمين، فإن عمل خيرا، كتب صاحب اليمين، ~~وإن ضعف عن ذلك، كتب له صاحب اليمين، وأمسك صاحب الشمال، فلم يكتب سيئة، ~~ومن قرأ القرآن، لم يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا)). # فهذا كله يكشف عن حال المعمرين في الإسلام، وأقدارهم عند الله، وليس يراد ~~به: الأعمال والدرجات؛ فإن للأعمال تفاوتا، ولكن هذا لعامة من يقطع عمره في ~~الإسلام، فبين الغايات، ومرتبة كل غاية وفضله، ووصف في تنزيله ما يقول ~~لأعدائه، قال: {اخسئوا فيها ولا تكلمون}. # ثم قال كنصرة لهم: {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا ~~وارحمنا وأنت خير الراحمين. فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم ~~تضحكون}، ثم ذكر دوام المؤمنين على إيمانهم، فقال: {إني جزيتهم اليوم بما ~~صبروا أنهم هم الفائزون}؛ PageV03P474 ~~أي: صبروا على التوحيد، وعلى دين الإسلام، فلم يبدلوا ولا نكصوا على ~~أعقابهم. PageV03P475 ### || AUTO الأصل الخامس والأربعون والمئة # 806 - حدثنا سعيد بن عبد الله التمار، وإسماعيل بن نصر، وحفص بن عمرو، ~~قالوا: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا أزهر بن سنان القرشي، عن محمد بن ~~واسع، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنهما، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من دخل سوقا من أسواق المسلمين، فقال: لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا ~~يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، وحطت ~~عنه ألف ألف خطيئة، ms0488 ورفعت له ألف ألف درجة)). # قال محمد بن واسع: فقدمت خراسان، فلقيت قتيبة بن مسلم، فقلت له: قد جئتك ~~بهدية، فحدثته به، فكان يركب في موكبه إلى السوق، فيقولها، ثم يرجع. PageV03P477 # 807 - حدثنا حفص بن عمرو، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا أزهر بن ~~سنان القرشي، قال: حدثنا محمد بن واسع، قال: قدمت مكة، فلقيت بها سالم بن ~~عبد الله، فحدثني عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فذكر مثله. # 808 - حدثنا زياد بن أيوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثني عمرو بن ~~دينار مولى آل الزبير، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، بمثله. PageV03P478 # قال أبو عبد الله: # فهذه كلمات يخرج بها العبد من حال الغفلة، وإنما خص هذه الكلمات بالأسواق ~~من بين المواضع، فإن الغفلة مستولية على أهلها، وذلك أن الله -تبارك اسمه- ~~هو المعطي والمانع، والقابض والباسط والرازق، وبيده خزائن كل شيء، وهو ~~مفاتيح الغيب، فمن قدر على شيء، فبقدرته، ومن ملك شيئا، فبتمليكه، ووضع ~~الله الأشياء في الأسباب، وجعل الأسباب نصب أعين الآدميين من أبواب المكاسب ~~ووجوه الأرزاق. # فأهل اليقين بنور بصائرهم نفذوا الأسباب إلى وليها، فلم تقدر الأسباب أن ~~تملكهم، ولا صارت عليهم فتنة، فهم يعملون في الأسباب مع وليها، يزرعون ~~وينتظرون رحمته، ويحصدون ويقبلونه منه، وإذا زكى، قالوا: هذا من فضلك ~~ورحمتك، ويتجرون يبتغون الأرباح من فضل الله عز وجل كما ندب الله العباد، ~~فقال: {وابتغوا من فضل الله}. # وقال في آية أخرى: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله}. وإذا ~~تعذر عليهم شيء سألوه كما أدبهم، فقال: {وسئلوا الله من فضله}. # وأهل الغفلة تعلقت قلوبهم بالتجارات والزراعات والحرف، وما وضع PageV03P479 ~~لهم من التدبير فيه، فإليه ينظرون، وإياه يطلبون، وبه يفتنون، ومن أجله يعصون. # فالأسواق معدن النوال، ومظان الأرزاق، وهي كأنها مملكة وضعها الله لأهل ~~الدنيا يتداولون فيها ملك الأشياء فيما بينهم، فترى الشيء الواحد يدور ملكه ~~في اليوم ms0489 الواحد عشر مرات على أيدي المالكين، والتدبير على المملكة الأعلى، ~~وهي العرش، فمملكة التداول هي الأسواق، ومملكة تدبير التداول هي العرش. # فأهل الغفلة إذا دخلوها، تعلقت قلوبهم بهذه الأسباب في هذه المملكة، ~~واتخذوها دولا، وصارت عليهم فتنة، وأهل اليقظة والانتباه، وهم أهل اليقين: ~~إذا دخلوها، تعلقت قلوبهم به في تدبيره، فسلموا من فتنتها، فإذا نطق أحد ~~بهذه الكلمات في ذلك رد على أهل الغفلة عيوبهم وجفاءهم وسوء صنيعهم إذ ~~أعرضوا عن تدبير الله، وتركوا مراقبته. # فالسوق: هو رحمة من الله لعباده، دبره معاشا لخلقه، يدر عليهم منها ~~حوائجهم ليلا ونهارا، وشتاء وصيفا، ونقلا من بلد إلى بلد؛ لتكون الأشياء ~~موجودة في الأيدي عند وقت الحاجة، وهو قوله عز وجل: {وقدر فيها أقواتها}. # وجعل الذهب والفضة أثمان كل شيء، وما سواهما عرضا صرف أرزاقهم إلى مثل ~~هذه الأرباح، وصرف بوجوههم للطلب إلى مطلب المكاسب؛ لتكون الأسواق قائمة، ~~والتدبير جاريا، والمعاش نظاما، ولو لم يكن هكذا، لكان الواحد يحتاج إلى ~~آلة الجميع من الحرف، وإلى تعلم كل حرفة في الأرض، فيصيرون عجزة، فأسواقهم ~~مشحونة بصنوف الأطعمة PageV03P480 ~~والأشربة والأغذية والأدوية، وحوائج ما ينوب في المحيا من كل شيء، ثم صيرهم ~~يبتغون من فضل الله في هذه الأشياء بتغيير الأسعار، فإن الله هو المسعر، ~~وهو القابض والباسط، وهو مقلب القلوب، فبتغيير الأسعار ينالون الأرباح، ~~وبنوبة الحوائج يدر عليهم الشيء بعد الشيء، فيكون ذلك معاشا، والله تفضل ~~عليهم به. # فأهل الغفلة صيروا هذه الرحمة وبالا على أنفسهم بتعلق قلوبهم بالأسباب، ~~وبغفلتهم عن المدبر لها، والسائق أرزاقهم إليهم من فضله، فالناطق بهذه ~~الكلمات بين أولئك الغفلة في هذا الحظ من ربه، فتكتب له الحسنات، وتمحى عنه ~~السيئات، وترفع له الدرجات على عدد ما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~{والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ذاكر الله في الغافلين ~~مثله كالشجرة الخضراء في السنة الحمراء)). PageV03P481 # وروي عن عون بن عبد الله: أنه قال: ذاكر الله ms0490 في الغافلين كحامي الفئة ~~المنهزمة. # وقيل في بعض الحديث: ((كالكار بعد الفار)). # معناه عندنا: أن السنة الحمراء هي السنة التي أقحطت، فانشوى فيها ويبس كل ~~شيء، فلم يبق على الأشجار إلا أغصانها يابسة، فتلك الشجرة الخضراء منظر بين ~~بين الأشجار، ومشخص ظاهر بين الأبصار يتراءون فيما بينهم؛ لرطوبتها ~~وخضرتها، فلولا أنها لجوهرها من بين الأشجار كانت متمسكة برطوبتها، معتصمة ~~بما عندها، وفيها من الخير الوارد؛ لكان[ت] قد يبس[ت] أيضا، فكذلك أهل ~~الغفلة أصابهم حريق الشهوات، فذهبت ثمار القلوب، وهي طاعة الأركان، وذهبت ~~محاسن الوجوه PageV03P482 ~~وطلاوتها وسمتها وآدابها، وسكون النفس وهديها وقصدها، فلم يبق ثمر ولا ورق، ~~وما بقي من الثمر، فبشع أو مر، أو حلو لا طعم له، كدر اللون عاقبته التخمة، ~~فهي أشجار بهذه الصفة. # والشجرة الخضراء سقياها من عند العطوف الرحيم الودود، فقلبه رطب بذكره، ~~وعروقه لينة بفضله ومننه، فلم يضره قحط ولا يبسة. # وأما قوله: ((كحامي الفئة المنهزمة)): فإن أهل الأسواق قد افترص العدو ~~منهم حرصهم وشحهم، ورغبتهم في هذا الفاني، فصيرها عدة وسلاحا لفتنته، ~~فدخلوا أسواقهم وهم أصحاب صوم وصلاة وقراءة وتدين طالبين للمعاش، فهذه ~~الرغبة فيهم، والحرص كامن، كلما ازداد طلبا، ازداد حرصا، فأقبل العدو، فنصب ~~كرسيه في وسط أسواقهم، وركز رايته، وبث جنده، وقال: دونكم من رجال مات ~~أبوهم وأبوكم حي، فمن بين مطفف في كيل، وطائش في ميزان، ومنفق سلعته بالحلف ~~الكاذب، وحمل عليهم بجنوده حملة، فهزمهم عن [مقاومهم] إلى المكاسب الردية، ~~وإضاعة الصلوات، ومنع الحقوق، فما داموا في هذه الغفلة على مثل هذه ~~الأحوال، فهم على خطر عظيم من ربهم؛ من نزول العذاب، وتغيير الأمور، وكون ~~الأحداث، فالذاكر فيما بينهم يرد غضب الله، ويطفئ ثائرة الغضب؛ لأن في ~~كلماته هذه نسخ تلك الأفعال. # وقد قال الله -جل ذكره-: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ~~ولكن الله ذو فضل على العالمين}. PageV03P483 # ودفع بالذاكرين عن أهل الغفلة، وبالمصلين عمن لا يصلي، وفي هذه الكلمات ~~التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0491 نسخ لأفعال أهل السوق؛ لأن القلوب ~~قد ولهت بعضها إلى بعض في النفع والضر. # فقال هذا الذاكر: ((لا إله إلا الله))، فكأن في قوله نسخا لوله قلوبهم، ~~فقال: ((وحده لا شريك له))، فكأن في قوله نسخا لما تعلقت قلوبهم بعضها ببعض ~~في نوال أو معروف، أو تخوف أو ضرر. # ثم قال: ((له الملك))، فكأن في قوله نسخا لما يرون من تداول أيدي ~~المالكين تلك الأشياء، ثم قال: ((وله الحمد))، كأن في ذلك نسخا لما يرون من ~~صنع أيديهم وتصرفهم في الأمور، يتحمد بذلك بعضهم إلى بعض، ثم قال: ((يحيي ~~ويميت))، فكأن في ذلك نسخا لحركاتهم وما يرجون في أسواقهم للمنافع، فإن تلك ~~حركات تملك واقتدار. # فقال: يحيي: أي: هو أحياهم حتى انتشرت الحركات على جديد هذه الأرض منهم، ~~ويميت؛ أي: يميتهم، فلا يبقى متحرك، ويهدأ الخلق، وتخلو الأرض عن كل متنفس. # ثم قال: ((وهو حي لا يموت))، نفى عنه ما نسب إلى المخلوقين في حياتهم من ~~أنهم يموتون، ثم قال: ((بيده الخير))؛ أي: إن هذه الأشياء التي تطلبونها من ~~الخير في هذه الأسواق، وجمع الخير بيده، ((وهو على كل شيء قدير)). PageV03P484 # فمثل أهل الغفلة والتخليط في هذه الأسواق كمثل الهمج والذباب يجتمعن على ~~مزبلة وكناسة، يتطايرون فيها على ألوان المقادير، فيقعن على ضروب ما هناك ~~فعمد رجل إلى مكنسة عظيمة ذات شعوب وقوة، فكنس هذه المزبلة، فجرفها إلى ~~الوادي، فإذا البقعة نظيفة، وصاحبها معجب بها. # فهذا الناطق بهذه الكلمات وجد أسواقا مشحونة بالكذب والغش، والخيانة ~~والظلم، والعدوان والأيمان الكاذبة والمكاسب الردية، قد هزمهم العدو، ~~فسباهم وهم على شرف حريق، ونزول عذاب، فنطق بهذه الكلمات، فرمى بهذه ~~المزابل في وجه العدو، وهزمهم، وطهر الأسواق منهم، وكأن في قوله هذا أطفأ ~~ثائرة سخط الله، ومنة في هذه السوق؛ حسبة تستر مساوئهم، ونورا ينقي ظلمتهم، ~~وزكاة تطهرهم من أرجاسهم. # قال الله -تبارك اسمه-: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم ~~نفورا}. # فلهذا نرى اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ms0492 الكلمات من بين ~~الكلام؛ لتكون نفيا لما جاء به أهل الغفلة، فيدفع الله بهن عن العامة. PageV03P485 ### || AUTO الأصل السادس والأربعون والمئة # 809 - حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: حدثنا سفيان، عن معمر، عن ~~الزهري، عن سالم، عن أبيه، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((تجدون ~~الناس كالإبل المئة ليس فيها راحلة، أو ليس فيها إلا راحلة)). # 810 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا محمد ابن حميد المعمري، عن معمر، ~~عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ~~((إنما الناس كالإبل المئة لا تكاد تجد فيها راحلة)). PageV03P487 # قال أبو عبد الله: # فالراحلة: هي التي قد ريضت وأدبت، فسمحت بالطاعة، وتركت سيرتها، وسارت ~~بزمامها حتى ذلت لصاحبها، وأعطت سيرها، وجادت بنفسها في المهنة، فهي راحلة ~~خرجت في الاسم مخرج فاعلة، وإنما هي مرحولة؛ لأن الفعل واقع بها، فما زال ~~ذلك عادتها في الرحل، ودأبها في الانقياد، وعين صاحبها يرعاها، ويلي ~~تأديبها، ويتفقد أحوالها حتى تمكنت عنده منزلة وحظا، حتى صيرها نجيبة من ~~نجائبه، وكريمة من كرائم إبله، فإن رحلها، أعطت من نفسها السير في وجهها، ~~والرفق في السير منها، فهي سمحة لا تحرن، كريمة لا تجمح، جريئة لا تنفر، ~~وادعة لا تشمس، ساكنة لا تضطرب، إذا حملت، حملت، وإذا سارت استمرت، وإذا ~~حركت اعتنت، فصاحبها بأحوالها معجب، وبها ضنين، لا يملكها أحدا، ولا يطلق ~~لأحد عليها يدا حتى يتحمل أثقال صاحبها، فتكون من نجائب الملك، فكانت هذه ~~كإحدى الإبل المئة سائمة ترعى في مظانها، وتذهب في مهواها يمينا وشمالا، لا ~~ينتفع بها برسل، ولا حمولة، فالواحد منها ركوبة، PageV03P488 ~~وسائرها للأكل نحرة، وللحمولة، قال الله -تبارك اسمه-: {وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها تأكلون}. # فالذي قد ذلل للركوب صارت راحلة، وسائرها لحم، كذلك الناس انتشروا على ~~جديد الأرض، فربتهم نعم الخالق، وأظلتهم سحائب رحمته، واكتنفتهم رأفته، ~~وتوالتهم مننه، أعني: الموحدين، فإذا لجمت أحدهم بلجام الحق، وزممته بزمام ~~الصبر، هز برأسه، ولوى عنقا، فرمى باللجام، وجاذب ms0493 بالزمام سبقا، فركب رأسه، ~~ومر شاردا، فرمى بحمولته، فمن المئة لا تجد فيها راحلة واحدة؛ أي: لا تجد ~~أنفسا سمحة سخية منقادة مطيعة لربها قد ألقت بيديها سلما، وانخشعت لعظمة ~~ربها، ووطنت نفسها على العبودة، فلا تزال في عطف الله ورحمته وتأييده حتى ~~يصير ذا حظ من ربه، فبحظه منه ينجب، وتزكو نفسه، وتطيب أخلاقه، وينشرح ~~صدره، وتلين عروقه، ويرطب قلبه، ويألف ربه، فإن رحله، انقاد، وإن سيره سار، ~~وإن عطفه، انعطف، وإن كبح به، وقف، وإن بعثه، انبعث، وإن حركه، هملج أو ~~جمز، وإن أوقره، استمر، وإن أنصبه، احتمل، وإن خلى زمامه تفويضا إليه، ~~استقام، فهو لربه أليف، وربه به ضنين. PageV03P489 # 811 - حدثنا سهل بن العباس، قال: حدثنا عبد الرحمن بن معراء أبو زهير، عن ~~عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم، عن أبي عبد الرحمن المعافري، عن عبد الله بن ~~عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لله أضن بعبده المؤمن من ~~أحدكم بكريمة ماله حتى يقبضه على فراشه)). # 812 - حدثنا أحمد بن مصرف، قال: حدثنا محمد ابن بشر، عن عباد بن كثير، عن ~~حوشب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله عبادا يضن بهم عن ~~الأمراض والأسقام PageV03P490 ~~في الدنيا، يحييهم في عافية، ويميتهم في عافية، ويدخلهم الجنة في عافية)). # قال أبو عبد الله: # فالراحلة في الإبل قليلة، والنجيبة في الرواحل قليلة، فالموحدون في الناس ~~قليل، والمستقيمون بلجام الله في سيرهم إليه في الموحدين قليل، والصديقون ~~في المستقيمين قليل، فهم قليل في قليل من قليل. # قال الله -تبارك اسمه-: {وقليل من عبادي الشكور}. # والسابقون أهل الشكر والوفاء، والمؤيدون بالمن والعطاء، PageV03P491 ~~والممتلئة قلوبهم من الجلال والبهاء، والعظمة والآلاء، وشمائلهم وطيب ~~مخبرهم كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم. # 813 - حدثنا بذلك محمد بن يحيى بن أبي حزم القطعي، قال: حدثنا بشر بن عمر ~~الزهراني، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن ~~عائشة -رضي الله عنها-، عن رسول الله صلى ms0494 الله عليه وسلم: أنه قال: ((طوبى ~~للسابقين إلى ظل الله))، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ((الذين إذا أعطوا ~~الحق، قبلوه، وإذا سئلوا، بذلوه، والذين يحكمون للناس بحكمهم لأنفسهم)). # فهذه صفة أهل القناعة، وهي الحياة الطيبة التي ذكر الله في تنزيله، PageV03P492 ~~فقال عز وجل: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}، ~~ثم ذكر جزاؤه في آخر الآية، فقال: {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون}. # فبالله استغنوا حتى قنعوا بما أعطوا، وبالله انقادوا، وألقوا بأيديهم حتى ~~بذلوا الحق إذا سئلوا، وإلى الله أقبلوا حتى عدل قلوبهم، فصاروا أمناءه ~~وحكامه في أرضه، يحكمون للناس ما يحكمون لأنفسهم، فإن النفس ميالة، وصاحبها ~~غير متهم فيها، وإنه لا يألو لها نصحا وخيرا، فيتمثل شأنها، فما أحب لها، ~~وحكم لها في الأمور، أحب للناس مثله، وحكم لهم بمثله. # وروي عن كعب: أنه قال: إن أحببت أن تصل الأرحام ما بينك وبين آدم عليه ~~السلام، فأحب للناس ما تحب لنفسك. # وروي في مناجاة موسى عليه السلام: أنه قال: يا رب! كيف أصل رحمي وقد ~~تباعدوا عني في مشارق الأرض ومغاربها، وقد أمرتني بذلك؟ قال: ((يا موسى! ~~أحب لهم ما تحب لنفسك)). # وعنه قال: سألني بعض السائلين أن أوصيه بوصية أجمل له وأوجزها، فقلت له: PageV03P493 # تعبدنا ربنا بهاتين الخصلتين: أن تكون له كالعبد، وأن تكون لعبيده كما هو ~~لهم، فقال: كيف يكون هذا؟ قلت: إذا وصفته، كثر، وسألتني أن أوجز، فأوجزت لك ~~الصفة في كلمتين تدرك بهما، وتجزيك عن كثير عن الوصف. # مثل: عبد اشتريته ليكون لك عبدا، فما أردت منه، وطالبته به، فاخرج إلى ~~الله من مثله، وكن لله كما تريد أن يكون عبدك لك، ومثل نفسك مثالا، فما ~~أحببت لنفسك، فعامل عبيده بمثله؛ فإن الله اتخذك عبدا حجة عليك، فمن ~~مطالبتك عبدك واقتضائك له أن يكون بين يديك، ولا يمد يده إلى شيء من ملكك ~~إلا ما أذنت له فيه، ولا يخطو إلى أمر إلا بإذنك، ولا يعمل لغيرك ms0495 عملا، وما ~~أعطيته قنع به، وما حكمت عليه مما لم يوافق، لم يسخط عليك، ولم يشكك إلى ~~أحد، وهذا مرادك من عبدك، فاخرج إلى الله من ذلك، وأنصفه من نفسك، وضع في ~~نفسك محبة نفسك وشفقة عليها وعطفا، وهي تلك الشهوة التي وافقتك فالتذذت ~~بها، فأنزل سائر العبيد من نفسك منزلة نفسك؛ فإن نفسك عبد لله، وهؤلاء عبيد ~~الله، فإذا حكمت هذين؛ فأنت السابق إلى ظل الله غدا، وعيشك في الدنيا عيش ~~أهل الجنان، ولا يقوى على هاتين الخصلتين إلا عبد قد سقطت من قلبه منزلة PageV03P494 ~~نفسه، ومنزلة دنياه، ولها قلبه عنهما، فشغف بمولاه. # ثم قلت: هذا عبد نبه من رقدة الغافلين، فانتبه عن ربه، وأشرق في صدره ~~النور، فوقف بقلبه على جلال الله وعظمته، وعلى جماله وبهائه، وعلى كبريائه ~~وسلطانه، فصارت دنياه عنده في الدقة أقل من جناح بعوضة، وصارت نفسه عنده ~~قبضة من تراب؛ لما أشرق في صدره من نور جلاله وعظمته، ووردت على قلبه من ~~محبة الله، والحلاوة التي وجد لها ما أسكرته وألهته عن محبة نفسه ودنياه، ~~وما يؤمن به إلا كل مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان، وقليل ما هم. # 814 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: أخبرنا عبد ~~الله بن المبارك، قال: أخبرنا صالح المري، عن حبيب -وهو العجمي-، عن شهر بن ~~حوشب، عن أبي ذر رضي الله عنه: إن الله يقول: ((يا جبريل! انسخ من قلب عبدي ~~المؤمن الحلاوة التي كان يجدها لي، قال: فيصير العبد المؤمن والها، طالبا ~~للذي كان يعهد من نفسه، نزلت به مصيبة لم ينزل به مثلها قط، فإذا نظر الله ~~إليه على تلك الحال، قال: يا جبريل! رد إلى قلب عبدي ما نسخت منه، فقد ~~ابتليته، فوجدته صادقا وسأمده من قبلي بزيادة)). PageV03P495 # فهذه حلاوة المحبة من نالها قد غلب على قلبه، وصارت سائر الأشياء خولا لها، ~~بمنزلة رجل يلوك في فمه مشمشا أو فرصادا، أو نحوه، فهو يجد حلاوتهما، فإذا ~~لعق عسلا، استحال أن ms0496 لا تلهيه حلاوة العسل عن حلاوة المشمش، وبمنزلة رجل ~~وجد فلسا، فأحبه على قدره، ثم وجد درهما، فأحبه على قدره، ثم وجد دينارا، ~~فأحبه على قدره؛ ثم كلما وجد ما هو أعظم قدرا، ضعفت محبة الفلس والدرهم، ثم ~~وجد جوهرا لا يدري ما قيمته، يعطى بها بيوت أموال من الدنانير، أليس قد دق ~~في عينه الفلس والدرهم والدينار؟ # فكأنه نسيهم أصلا، فإنما أحب الدرهم والدينار؛ لاستغنائه بهما، وبما يرجو ~~من نفعهما، ولقضاء النهمات بهما، لا ليمصهما في فيه فيبلعهما، فإذا فتح ~~الله قلبه، نور صدره، وعرفه من صفاته ما جهله، فيحمل ما جهله PageV03P496 ~~قبل ذلك، كان غناؤه بالله أكبر وأقوى من غنائه بالدرهم والدينار. # ولما علم أن الخير كله بيد الله، والنفع منه؛ كان رجاؤه منه أعظم من ~~الدينار والدرهم، وليس بعجب، بل هكذا الممكن في العقول أن يكون هكذا، ولو ~~أن رجلا عنده في منزله بيت مملوء دنانير، فلو سقط منه كيس فيه عشرة دراهم ~~ونحوه، لم يجد على قلبه حزنا عليها، ولو أهدى إليه آخر هذا القدر، قبلها، ~~ولم يفرح بها، ولا يجد على قلبه فرحا بها؛ لاستغنائه بتلك الدنانير، فإذا ~~كانت هذه الدنانير قد أغنتك وفرحتك فرحا لا تجد لهذه الدراهم فرحا، ولا ~~لفوتها حزنا، فما ظنك بمن عرف الله في جلاله وعظمته وملكه، وأنه عبده، وعرف ~~إحسانه إليه أن لا يكون غناؤه به وفرحه به فرحا لا يجد لشيء من عرض دنياه ~~فرحا، ولا يجد على فوتها حزنا. # 815 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثنا عبد ~~الله بن المبارك، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه، قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((يطلع ~~عليكم الآن رجل PageV03P497 ~~من أهل الجنة)). فاطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته ماء من وضوءه، معلق نعليه ~~في يده الشمال، فلما كان من الغد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة))، ms0497 فاطلع ذلك الرجل على مثل مرتبته ~~الأولى، فلما كان من الغد، قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فاطلع ~~ذلك الرجل، فلما قام ذلك الرجل، اتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: ~~إني لاحيت أبي، فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى ~~يحل يميني، فعلت، فقال: نعم. # قال أنس رضي الله عنه: فكان عبد الله بن عمر يحدث أنه بات معه ليلة، فلم ~~يره يقوم من الليل بشيء، غير أنه كان إذا انقلب على فراشه، وذكر الله، ~~وكبره حتى يقوم لصلاة الفجر، فيسبغ الوضوء، غير أني لا أسمعه يقول إلا ~~خيرا، فلما مضت الليالي الثلاث، فكدت أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله! إنه لم ~~يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول ثلاث مرات في ثلاثة مجالس: ((يطلع عليكم الآن رجل من أهل ~~الجنة))، فاطلعت أنت تلك المرات الثلاث، فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك، ~~فقال: ما هو PageV03P498 ~~إلا ما قد رأيت، فانصرفت عنه، فلما وليت، دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، ~~غير أني لا أجد في نفسي غلا لأحد من المسلمين، ولا أحسده على خير أعطاه ~~الله إياه، فقال له عبد الله بن عمرو: وهذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق. # 816 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار، قال: حدثنا بشر بن ~~منصور، قال: حدثنا عبد العزيز ابن أبي رواد، قال: بلغنا أن رجلا صلى مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((هذا الرجل من أهل الجنة))، فقال عبد الله بن عمرو: فأتيته، فقلت: ~~يا عماه! PageV03P499 # الضيافة، فقال: نعم، فإذا له خيمة ونخل وشاة، فلما أمسى، خرج من خيمته، ~~فاحتلب العنز، واجتنى لي رطبا، ثم وضعه فأكلت معه، فبات نائما، وبت قائما، ~~وأصبح مفطرا، وأصبحت صائما، ففعل ذلك ثلاث ليال، فقلت له: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms0498 قال فيك: إنك من أهل الجنة، فأخبرني ما عملك، قال: فأت الذي ~~أخبرك حتى يخبرك بعملي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ائته، ~~فمره فليخبرك))، فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تخبرني، ~~قال: أما الآن، فنعم، لو كانت الدنيا لي، فأخذت مني، لم أحزن عليها، ولو ~~أعطيتها، لم أفرح بها، وأبيت وليس في قلبي غل على أحد. # قال عبد الله: لكني -والله- أقوم الليل، وأصوم النهار، ولو وهبت لي شاة، ~~لفرحت بها، ولو ذهبت، لحزنت عليها، والله! لقد فضلك الله علينا فضلا بينا. # فهذا هو الذي ذكرناه بدءا، فأوجزته لذلك السائل، وجماع الأمر في هاتين ~~الخصلتين: سقوط منزلة دنياك عن قلبك، وسقوط منزلة نفسك عن PageV03P500 ~~قلبك، فإذا لم يكن لدنياك عندك قدر، لم تفرح بها، ولم تحزن عليها، وإذا لم ~~تكن لنفسك عندك قدر، لم تغل، ولم تحقد على من آذاك أو نالك بظلم من أهل ~~القبلة، وكنت ممن قال الله عز وجل: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله}. يعفو ~~عنه، ويطلب صلاحه حتى يصلحه. # وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنه قيل له: أي المؤمنين ~~أفضل؟ قال: ((كل مؤمن مخموم القلب، صدوق اللسان))، قالوا: يا رسول الله! ما ~~مخموم القلب؟ قال: ((التقي النقي، الذي لا إثم عليه ولا بغي، ولا غل، ولا ~~حسد))، قالوا: ما نعرف هذا فينا يا رسول الله، فمن يليه؟ قال: ((الذين نسوا ~~الدنيا وأحبوا الآخرة))، قالوا: وما نعرف هذا يا رسول الله إلا رافع مولى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن يليه؟ قال: ((مؤمن في خلق حسن)). # قال محمد بن علي الحكيم رحمه الله: # 817 - حدثنا بذلك إبراهيم بن عبد الحميد التمار، قال: حدثنا محمد بن ~~المبارك الصنعاني، قال: حدثنا يحيى ابن حمزة، قال: حدثني زيد بن واقد، عن ~~مغيث بن سمي الأوزاعي، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV03P501 # مخموم القلب: هو الذي قد ولج النور في قلبه، فأخرج ما ms0499 فيه من شهوة النفس. # والخمامة: هو قماش البيت وما يكنس عن وجه الأرض، فهذا النور قد كنس هذا ~~البيت، وهو الصدر، فطهره من الإثم والبغي، والغل والحسد والآفات، فنقاه ~~وجعله في وقاية من نور. # ألا ترى أنه بدأ في الحديث فقال: ((التقي النقي))، فبدأ بذكر التقوى. # والتقوى: هو من الوقاية، والوقاية هي النور الذي أشرق في الصدر من القلب، ~~فصارت وقاية له من النفس وشهواتها، وخدعها ودواهيها وأمانيها، فلا يقدر على ~~شيء، فعز وجود هذا في وقتهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ~~ذلك في عامتهم؛ كأنه أبى الله أن يكون ذاك إلا في خاص من الناس PageV03P502 ~~قليل في كل وقت. # ألا ترى أنه ذكر في التنزيل شأن المقربين السابقين، فقال: {ثلة من ~~الأولين. وقليل من الآخرين}. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((في كل قرن من أمتي ~~سابقون)). # 818 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثنا عبد ~~الله بن المبارك، قال: حدثنا ليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((في كل قرن من أمتي سابقون)). # 819 - حدثنا أبي، قال: حدثنا إسماعيل بن مسلمة القعنبي بإسناده مثله. # فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الناس كالإبل المئة)): تمثيل؛ لأن ~~الإبل المئة هي سائمة ترعى في مرعاها بهواها، ليس على ظهورها حمولة، ولا في أنفها PageV03P503 ~~أزمة ولا خطم، فهي في استبدادها تعمل ما هويت، فإن لم يكن لها راع، فكم من ~~متردية في جرف هار! وكم من فريسة في أنياب السباع! وكم من آكلة دفلى تموت ~~حتف آكلتها، وأخرى تموت عطشا، وأخرى تموت جربا. # فالراعي يرعاهم المرعى، ويجنبهم الدفلى، ويذود عنهم السباع، ويعدل بهم عن ~~الجرف، ويوردهم المياه العذبة، فهذه الإبل ليس فيها راحلة، فكذلك الناس هم ~~بهذه الصفة. # والراحلة: هو الذي رحل نفسه فأدبها وراضها، وجنبها سموم الدنيا وآفاتها، ~~وقوم أخلاقها حتى استقامت لله، فصارت راحلة تركبها حقوق الله، وتنقاد ms0500 لها، ~~وتسيرها، فتحمل أثقال الحقوق وإن كرهت، فتسير بها إلى الله عز وجل. # 820 - حدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، قال: قلت لإسرائيل أبي موسى: ~~إنما كان بين أظهركم رجل يرحلكم؟ فقال: إنه بدأ بنفسه، فرحلها، ثم كان ~~يرحلنا -يعني: الحسن-. # فهكذا شأن الراحلة، رحل نفسه، فارتحل إلى الله، ثم صار راعيا يرعى PageV03P504 ~~عباده، فيصلح للرعاية، ولئن يرحل، فهو في جهد من رعايته، يجنبهم الآفات، ~~ويهديهم الهدايات، ويوردهم المياه العذبة، وهو العلم الصافي بلا تخليط ولا ~~كدورة، ويعرفهم خداع العدو ومراصده، ومكامن النفس، وهو في ذلك يحب أن تكون ~~أمورهم على وفاق ما يبين لهم، وعلى محاب الله، فلا يكون كذلك، فربما انتشرت ~~عليه الإبل والأغنام التي يرعاهم، فيضطرب من ذلك، ويتلوى، ويقبل ويدبر ~~احتيالا وتكلفا، ويضيق صدره بأمورهم، فهو في جهد من ذلك؛ لما يحب أن تستوي ~~أمورهم، وتستقيم سيرتهم، (ويأبى الله أن يكون إلا ما قدر)، حتى إذا فتح ~~عليه باب النجباء الكرام، والنقباء الفخام، فأبصر بذلك النور الذي أشرق في ~~صدره، وامتلأ منه قلبه: أن هذا تدبيره لهم، ومشيئته فيهم، وأنه أعلم بما ~~يراد لهم، فإنما خلقهم من وجه أرض تربتها مختلفة، فخرجت كل واحدة من هذه PageV03P505 ~~النفوس على قدر تربتها، سهلا كان أو حزنا، أو طيبا أو خبيثا. # وأن القلوب أوعيته وأوانيه في أرضه، يضع فيها ما أحب، ويرفع منها ما أحب، ~~وأن العقول بين العبيد مقسومة، وأن الأخلاق لهم من الخزائن ممنوحة، وأن ~~الأنوار على من اختصه برحمته من بينهم ممنونة، وأن له من خلقه صفوة، {وربك ~~يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة}، وأن العبيد فقراء حتى يغنيهم الله ~~من فضله غنى القلب، وأن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء، وأن الهداية منه ~~{يهدي الله لنوره من يشاء}، وأن الرسول عوتب في ذلك حتى قيل له: {وإن كان ~~كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء ~~فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين}، ms0501 و{إنك ~~لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}. # ألقى بيده سلما، وذل لمولاه، وترك مشيئته لمشيئة العزيز الماجد، وخضع ~~وراقب تدبيره فيهم، فصار نجيبة من نجائبه، يضن به مولاه عن PageV03P506 ~~المكاره والآفات والبلايا، فهذه الآية نزلت في سورة الأنعام بعد مضي سنين ~~من النبوة يعلمك أنه لم يتمكن فيه هذا الأمر إلا من بعد ما أدبه صلى الله ~~عليه وسلم وقومه، ثم أثنى عليه فقال: {وإنك لعلى خلق عظيم}. فسئلت عائشة ~~-رضي الله عنها- عن ذلك الخلق، فقالت: ((كان يرضى برضاه، ويسخط بسخطه)). # 821 - حدثنا بذلك الفضل بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن يحيى الإسكندراني، ~~قال: حدثنا أبو أيوب بن شرحبيل، عن زيد بن واقد، عن بسر بن عبيد الله، عن ~~أبي إدريس، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: سئلت عائشة -رضي الله عنها- ~~عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ((خلقه أن يرضى برضاه، ويسخط ~~بسخطه)). PageV03P507 ### | CHECK [المجلد الرابع] ### || AUTO الأصل السابع والأربعون والمئة # 822 - حدثنا إبراهيم بن عبد الحميد الحلواني قال: حدثنا محمد بن المبارك ~~الصنعاني، قال: حدثنا معاوية بن يحيى أبو مطيع، قال: حدثنا الحكم بن عبد ~~الله، وهو الأيلي، عن القاسم بن محمد، عن أسماء بنت أبي بكر، عن أم رومان ~~والدة عائشة -رضي الله عنها-، قالت: رآني أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~أتميل في صلاتي- فزجرني زجرة كدت أنصرف عن صلاتي، ثم قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا قام أحدكم في الصلاة، PageV04P005 ~~فليسكن أطرافه، لا يتميل تميل اليهود؛ فإن سكون الأطراف في الصلاة من تمام ~~الصلاة)). # قال أبو عبد الله: # فالوقوف في الصلاة وقوف تذلل وتخشع، وقد أثنى على أهله فقال: {الذين هم ~~في صلاتهم خاشعون}. PageV04P006 # فالخشوع البالغ المستحق للثناء هو خشوع القلب، وقد يتخشع الرجل بأركانه ~~وليس بخاشع، فإذا أراد بذلك ابتغاء وجه الله، فهو محمود، وعلى جهده مأجور، ~~وإن كان ذلك لغير الله، فهو تماوت، وهو عليه ممقوت. # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه ms0502 وسلم: أنه قال: ((تعوذوا بالله من ~~خشوع النفاق)). # 823 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن الحارث ~~بن عبيد الإيادي، قال: حدثنا مسلم بن شقير اليشكري، عن أبي بكر بن محمد ابن ~~عمرو بن حزم بن مالك بن أوس، قال: خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ~~فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تعوذوا بالله من خشوع النفاق))، ~~قالوا: يا رسول الله! وما خشوع PageV04P007 ~~النفاق؟ قال: ((خشوع البدن، ونفاق القلب)). # فهذا هو الذي يتماوت، ويرمي ببصره إلى الأرض تقربا وترائيا. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في ~~صلاته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو خشع قلبه، خشعت جوارحه)). # 824 - حدثنا بذلك صالح بن محمد، قال: حدثنا سليمان بن عمرو، عن ابن ~~عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV04P008 # فالخشية للقلب الذي قد ماتت شهوات نفسه، فاطمأن القلب لخلائها من النفس ~~وفراغها، ومن تكلفها مجاهدا لنفسه، فمحمود. # فأما تميل اليهود، فإن بدو ذلك: أن موسى -صلوات الله عليه- كان يعامل بني ~~إسرائيل على ظاهر الأمور مكتفيا؛ لقلة ما في باطنهم، وكان يهيب الأمور ~~ويعظمها في الظاهر لهم، وكان مكتفيا لنفسه بما في باطنه صلى الله عليه ~~وسلم، فإنما صنع بناء القربان على تلك الصفة من الذهب، وألوان الصنعة ~~لمكانهم؛ ليعظموه. PageV04P009 # وبلغنا: أنه أوحي إليه: إن هذه التوراة صارت في حجور بني إسرائيل، فلا تكاد ~~تعظمها، فحلها بالذهب، واجعلها ذهبا لم تمسسه أيدي الآدميين، فأنزلت عليه ~~الكيمياء، فعلمها، فعمد إلى أسماء تلك الأدوية والعقاقير، ففرقها ثلاثة ~~أجزاء، فأعطى جزءا منها هارون، وجزءا منها يوشع، وجزءا منها قارون؛ ليأتوا ~~بها من الجبال كيلا يجتمع عند أحد علمها فيعمل بها. # فذهب قارون، فقعد على طريق هارون ويوشع حين رجعا من الجبل، فاستدرجهما ~~مختدعا لهما، فقال لكل واحد منهما: بم أمرك موسى؟ فأخبره كل واحد منهما ~~بالذي أمره، فأثبتها عنده، فضم ms0503 علم الجزأين إلى جزئه الذي عند، ثم عمد إلى ~~الصفر، فأذابه، فألقى عليه، فأخذ يعمل ذلك، وتركه موسى وأمره، فكان دهره ~~وشهره في طبخ الذهب حتى اتخذ بيوت أموال، فكانت تحمل مفاتيح كنوزه سبعون ~~بغلا أغر محجلا، قال الله -تبارك اسمه-: {وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه ~~لتنوأ بالعصبة أولي القوة}. # وضرب حيطان قصره من خارج بصفائح الذهب، ونافق، فوعظ، وقيل له: {وأحسن كما ~~أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض}، PageV04P010 ~~قال: إنما أوتيته على علم عندي؛ أي: إني طبخت الذهب، وجمعت هذه الكنوز بما ~~كان عندي من علمه، فخسف الله به وبداره الأرض. # 825 - بلغنا ذاك: عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما. # فحلاها موسى بهذا الذهب الذي عمله، فكان إذا قرأها على بني إسرائيل، ~~يتلذذ بما فيها، وهاجت منه اللذة، فكان يتمايل على قراءته كالذي يطرب على ~~الشيء يقرؤه، فخلت هذه القلوب الذي بعده مما كان يجده موسى -صلوات الله ~~عليه-، فاستعملوها من بعده على خراب القلوب، وخلاء الباطن من ذلك. # وقال موسى عليه السلام يوم الوفادة: {إنا هدنا إليك}، فأخذوا هذا من ~~قوله: فجعلوا يتهادون في صلاتهم؛ أي: يتمايلون. # وقيل لموسى عليه السلام يوم كلمه الله تعالى: {فاخلع نعليك إنك بالواد ~~المقدس طوى}. # فأخذوا هذا من فعله، فإذا صلوا، خلعوا نعالهم، فهذه الأشياء PageV04P011 ~~كانت عللها قائمة، والأصل صحيح وحق، فقال: {هدنا إليك}؛ أي: ملنا إليك، وهي ~~التوبة، وذلك أن الوفد لما صاروا إلى الجبل، رجف بهم، فقال لما أخذتهم ~~الرجفة: {لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} إلى ~~قوله: {إنا هدنا إليك}. # فأخذوا هذا من قوله: فتمايلوا في الصلاة وقراءة التوراة، فطرب، وحرك ~~رأسه، فأخذوا هذا من فعله، وهبط الوادي حتى آنس النار، وكانت نعلاه من جلد ~~حمار غير مذكى، فقيل له: {فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى}؛ أي: طأ ~~الأرض بقدميك؛ لتصيب قدماك بركة هذا الذي من به عليك، فخلع نعليه، فأخذوا ~~هذا من فعله، فأمر رسول الله ms0504 صلى الله عليه وسلم بإهدار هذه الأفعال، وقال: ~~((سكنوا أطرافكم)) يخبر أن ذلك منهم غير صحيح. # وروي عنه أيضا: أنه قال: # ((صلوا في نعالكم، ولا تتشبهوا باليهود)). # 826 - حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث الخزاعي، قال: حدثنا مروان بن ~~معاوية، عن هلال بن ميمون الرملي، عن يعلى بن شداد بن أوس، عن أبيه، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك. PageV04P012 # فأمرت هذه الأمة بتسكين الأطراف، والخشوع لربها في الظاهر للعامة، وفي ~~الباطن للخاصة، فقال: {قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون}. # فأهل الظاهر يحفظون لحظات العيون أن لا يلحظ هكذا وهكذا التفاتا، وأهل ~~الباطن قد جاوزوا هذا إلى الباطن، وأحكموا هذا، وسكنت جوارحهم، فهم يحفظون ~~لحظات القلوب؛ لئلا تلحظ إلى أحد سواه، فتكون القلوب منهم منتصبة بين يدي ~~الخالق كما انتصبت جوارحهم في الظاهر، وإنما وصلوا إلى ذلك بما ولجت قلوبهم ~~من عظمة الله وجلاله، فهانت واستقرت في تلك الهيبة لله، فانتفى عنهم وسواس ~~نفوسهم، ووسواس عدوهم. # ومن هاهنا أنب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الوسوسة: ((فهكذا ~~خرجت عظمة الله من قلوب بني إسرائيل حتى شهدت أبدانهم وغابت قلوبهم، لا ~~يقبل الله صلاة امرئ لا يشهد منها قلبه ما يشهد بدنه)). PageV04P013 # و((إن الرجل ليصلي الصلاة، وما يكتب له عشرها)). # وقد شرحناه في بابه. PageV04P014 ### || AUTO الأصل الثامن والأربعون والمئة # 827 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا هشام بن عبد الملك الحمصي، قال: ~~حدثني بقية بن الوليد، قال: حدثني ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تبدؤوا بالكلام ~~قبل السلام، ومن بدأكم بالكلام قبل السلام، فلا تجيبوه)). PageV04P015 # فشرط الله مع هذه الأمة في دينهم أن يأمن بعضهم بعضا، ويسلم بعضهم من بعض، ~~ولذلك سماهم مؤمنين ومسلمين، وعلم الله آدم الأسماء كلها، والأسماء سمات ~~الشيء، فكل اسم دليل على صاحبه، ومشتق من معناه، فالأسماء التي علم آدم هي ~~على الحقائق عند الله، ثم صارت ms0505 الأسماء في أرضه مستعارة بعضها من بعض، ~~جعلوها سمات فيما بينهم؛ كقوله: صالح، وإنما هو طالح. # وقوله: حسن وجميل، وإنما هو قبيح وذميم، وقوله: ميمون، وهو مشؤوم، فهذه ~~أسماء يتداعون فيما بينهم، ويتعارفون بها، فالأسماء الأصلية هي التي جاءت ~~من عند الله؛ مثل: يحيى، وأحمد، قال -تبارك اسمه-: {إنا نبشرك بغلام اسمه ~~يحيى}. أي عندي # ثم قال: {لم يجعل له من قبل سميا}؛ أي: لم نجعل قبله أحدا PageV04P016 ~~لا يذنب؛ لأن يحيى من الحياة؛ فقد أحيا الله قلبه به، فلم يذنب، ولم يهم به. # 828 - حدثنا بذلك سفيان، قال: حدثنا العلاء ابن عبد الجبار، عن حماد بن ~~سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من آدمي إلا وقد أخطأ، أو هم ~~بخطيئة، غير يحيى بن زكريا -صلوات الله عليهما-)). # وكذلك أحمد. # قال الله في تنزيله: {ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد}. فهذه أسماء ~~كلها على الحقائق عنده. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((أعطيت ما لم يعط أحد: سميت PageV04P017 ~~أحمد، ونصرت بالرعب)). # فكذلك شأن هذه الأمة والأمم، كل أمة تسمت باسم من تلقاء نفسها، فقالت ~~طائفة: نحن يهود، وقالت الأخرى: نحن نصارى، وقالت الأخرى: نحن الصابئون، ~~وقالت هؤلاء: نحن مجوس، فولي الله تسمية هذه الأمة، فقال: {هو سماكم ~~المسلمين من قبل}؛ أي: في اللوح المحفوظ، والكتب، {وفي هذا}؛ أي: في هذا ~~الكتاب. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله سمى أمتي، فاشتق لها ~~اسمين من اسمه؛ فهو السلام، والمؤمن، وسماهم مسلمين ومؤمنين)). # فاسم هذه الأمة على الحقيقة الأصلية التي علم آدم، فاقتضى منها وفاء هذا ~~الاسم أن يأمن بعضهم بعضا، ويسلم بعضهم من بعض، ولذلك قال: {إنما المؤمنون ~~إخوة فأصلحوا بين أخويكم}، وقال: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}. PageV04P018 # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمنون كرجل واحد)) يفشوا شأن ~~الولاية بعضهم لبعض بهذا القول. ms0506 # فوضعت هذه التحية فيما بينهم كرامة لهم، فإن بني إسرائيل كانوا إذا لقي ~~بعضهم بعضا، احتاج أن ينحني له، ويومئ برأسه كهيئة السجود، فتلك تحيتهم كي ~~يأمن بعضهم بعضا، فأكرم الله هذه الأمة بأن جعل تحيتهم على ألسنتهم أشرف ~~القول وأطيبها من قوله: السلام عليكم. # 829 - حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: حدثنا أبي،، قال: حدثنا زربي ~~مؤذن مسجد هشام بن حسان، قال: حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أعطى أمتي ثلاثا لم يعط أحد ~~قبلهن: السلام، وهي تحية أهل الجنة، وصفوف الملائكة، وآمين، إلا ما كان من ~~موسى وهارون)). PageV04P019 # معناه: أن موسى عليه السلام دعا على فرعون، وأمن هارون فقال الله -تبارك ~~اسمه- عندما ذكر دعاء موسى عليه السلام في تنزيله: {قد أجيبت دعوتكما}. # ولم يذكر مقالة هارون، وقال: {أجيبت دعوتكما}. # وقال في مبتدأ الآية: {وقال موسى ربنا}. # فكان من هارون التأمين، فسماه داعيا في تنزيله؛ إذ صير ذلك منه دعوة، ~~فإنما جعل السلام، وهو اسم من أسمائه، موضوعا بينهم؛ ليكون أمانا للعباد؛ ~~لأن أهل الجاهلية كان يقتل بعضهم بعضا، ويغير بعضهم على بعض، فلما أكرمهم ~~الله بالإسلام، كان من شرط هذا الدين أن يكونوا كالاسم الذي سماهم الله به، ~~يأمن بعضهم بعضا، ويسلم بعضهم من بعض في الدم والعرض والمال. # ومن هاهنا قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: السلام أمان للعباد فيما بينهم. # 830 - حدثنا بذلك الشقيقي، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا عبد الله، عن ~~إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا أبو سلمة الحمصي، عن يحيى بن جابر: أن أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه قال: ((السلام أمان الله في الأرض)). PageV04P020 # 831 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، ~~قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن ~~القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من بدأ ~~بالسلام، فهو أولى بالله ms0507 ورسوله)). # فأولاهم بالله أوفرهم حظا من أن يأمنه الناس، ويسلموا منه، فلما كان هذا ~~السلام مأمن العباد فيما بينهم، كان من بدأ بالكلام قد ترك الحق والحرمة، ~~فحقيق أن لا يجاب. PageV04P021 ### || AUTO الأصل التاسع والأربعون والمئة # 832 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا يحيى ابن سليمان الجعفي، قال: ~~حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني حيوة بن شريح، قال: أخبرني أبو صخر المديني، عن ~~يزيد الرقاشي سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: ((إن داود النبي -صلوات الله عليه- حين نظر إلى المرأة، ~~فهم بها، قطع على بني إسرائيل بعثا، وأوصى صاحب البعث، فقال: إذا حضر ~~العدو، فقرب فلانا، وسماه، قال: قربه بين يدي التابوت، وكان ذلك PageV04P023 ~~التابوت في ذلك الزمان يستنصر به، فمن قدم بين يدي التابوت، لم يرجع حتى ~~يقتل، أو ينهزم عنه الجيش الذي يقاتله، فقدم، فقتل زوج المرأة، فنزل ~~الملكان على داود، فقصا عليه القصة، ففزع منهم .. .. إلى آخر القصة، ففطن ~~داود، فسجد، فمكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه، ~~وأكلت الأرض جبينه، يقول في سجوده: رب! زل داود زلة أبعد مما بين المشرق ~~والمغرب، رب! إن لم ترحم ضعف داود، وتغفر ذنبه، جعلت ذنبه حديثا في المخلوق ~~من بعده. قال: فجاء جبريل بعد أربعين ليلة، فقال: يا داود! إن الله قد غفر ~~لك الهم الذي هممت به، فقال له داود: قد علمت أن الله قادر على أن يغفر لي ~~الذنب الذي هممت، وقد عرفت أن الله عدل لا يميل، فكيف لي إذا جاء يوم ~~القيامة، فقال: يا رب! دمي الذي عند داود؟ قال: جبريل: ما سألت ربك عن ذلك، PageV04P024 ~~ولئن شئت، لأفعلن، قال: نعم، فعرج جبريل إلى السماء، وسجد داود، فمكث ما ~~شاء الله، ثم نزل فقال: سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني إليه، فقال: قل ~~لداود: إن الله يجمعكما يوم القيامة، ثم يقول له: هب لي دمك الذي عند داود، ~~فيقول: هو ms0508 لك يا رب، فيقول له: فإن لك قصرا في الجنة)). # فالهم من الأنبياء والرسل، عظيم شأنه؛ لأنه ميل عن الله عز وجل. PageV04P025 # 833 - حدثنا قتيبة بن سعيد، وإسماعيل بن نصر، قالا: حدثنا محمد بن يزيد بن ~~خنيس المكي، عن عبد العزيز ابن أبي رواد، قال: بلغني أن قاضيا كان في زمن ~~بني إسرائيل بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه أن يجعل بينه وبينه علما، إذا ~~هو قضى بالحق، عرف ذلك، وإذا هو قصر عن الحق، فقضى به، عرف ذلك، فقيل له: ~~ادخل منزلك، ثم مد يدك في جدارك، ثم انظر حيث تبلغ أصابعك من الجدار، فاخطط ~~عندها خطا، فإذا أنت قمت من مجلس القضاء، فارجع إلى ذلك الخط، فامدد يدك ~~إليه، فإنك متى قضيت على الحق، فإنك ستبلغه، وإن لم تقض على الحق، قصر بك. # فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد، فكان لا يقضي إلا بحق، وإذا قام من ~~مجلسه، وفرغ، لم يذق طعاما ولا شرابا، ولم يفض إلى أهله بشيء من الأمور حتى ~~يأتي ذلك الخط، فإذا بلغه، حمد الله، وأفضى إلى PageV04P026 ~~كل ما أحل الله له من أهل أو مطعم أو مشرب، فلما كان ذات يوم وهو في مجلس ~~القضاء، أقبل إليه رجلان يريدانه، فوقع في نفسه أنهما يريدان أن يختصما ~~إليه، وكان أحدهما له صديقا وخدنا، فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون الحق له، ~~فيقضي له به، فلما أن تكلما، دار الحق على صاحبه، فقضى عليه، فلما قام من ~~مجلسه، ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل يوم، فمد يده إلى الخط، فإذا الخط قد ~~ذهب، وتشمر إلى السقف، وإذا هو لا يبلغه، فخر ساجدا وهو يقول: يا رب! شيئا ~~لم أتعمده، ولم أرده، فبينه لي، فقيل له: أتحسبن أن الله لم يطلع على جور ~~قلبك؛ حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك، فتقضي له به، قد أردته وأحببته، ولكن ~~الله قد رد الحق إلى أهله، وأنت لذلك كاره. # 834 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا ms0509 ابن إدريس، عن ليث، قال: تقدم ~~إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه خصمان، فأقامهما، ثم عادا، فأقامهما، ثم ~~عادا، ففصل بينهما، فقيل له في ذلك، فقال: تقدما إلي، فوجدت لأحدهما ما لم ~~أجد لصاحبه، فكرهت أن أفصل بينهما PageV04P027 ~~على ذلك، ثم عادا، فوجدت بعض ذلك، فكرهت، ثم عادا وقد ذهب ذلك، ففصلت ~~بينهما. # 835 - حدثنا الجارود، والحسين بن جنيد الدامغاني، قالا: حدثنا أبو أسامة، ~~عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، قال: اختصم إلى سليمان عليه السلام خصمان، أحدهما من أهل جرادة ~~امرأة لسليمان كان يحبها، فهوي أن يقع القضاء له، ثم قضى بينهما بالحق، ~~فأصابه الذي أصابه عقوبة لذلك الهوى. # وروى محمد بن عمرو السويقي، عن عبد الرحمن بن ميمون الرقي، عن سالم مولى ~~أبي جعفر، قال: خرجنا مع أبي جعفر أمير المؤمنين إلى بيت المقدس، فلما دخل ~~دمشق، بعث إلى الأوزاعي، فأتاه، فقال: يا أمير المؤمنين! حدثني حسان بن ~~عطية عن جدك ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: فقال: {يا داود إنا جعلناك ~~خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله}. PageV04P028 # قال: إن ارتفع إليك الخصمان، فكان لك في أحدهما هوى، لا تشته في نفسك الحق ~~له، فيفلح على صاحبه، فأمحو اسمك من نبوتي، ثم لا تكون خليفتي، ولا أهل كرامة. # يا أمير المؤمنين! حدثني حسان بن عطية عن جدك، قال: من كره الحق، فقد كره ~~الله؛ لأن الله هو الحق. # يا أمير المؤمنين! حدثني حسان بن عطية عن جدك في قوله تعالى: {لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها}، قال: الصغيرة: التبسم، والكبيرة: الضحك، فكيف ~~بما جنته الأيدي؟ # فالهم بما عدل عن الحق، فهو ميل عن الله وإعراض، وقلوب الأنبياء معيار ~~التوحيد، وموازين الأعمال، وحجج الله على أهل الباطن. # فالهم همان: # 1 - هم عارض لا قرار له، ينفيه القلب بيقظته ونزاهته ونباهته وطيبه وفسيح ~~ساحته ونسيم روحه، وبما أيد من ms0510 الروح والسكينة واليقين. PageV04P029 # 2 - والهم الآخر: هم عارض معه لله مشيئة وتدبير في أموره، فربوبيته قاهرة ~~لجميع ما عند هذا العبد من القوة والتأييد والجنود، وإذا هو مخذول، فصار ~~همه عزما. # فالأول مفروغ منه؛ لأنه عارض لا يملكه، ولم يتكلفه، ولم يكن له فيه حركة ~~في ظاهر ولا باطن، والهم الثاني تحرك فيه، وعزم عليه، وهو عقد القلب، فصار ~~في ذلك في ميل عن الله، فالأنبياء والأولياء في انحطاط بهذا الهم، والعامة ~~هم منحطون في الأصل عن هذه الدرجات، فانحطاطهم عن درجاتهم إذا استعملوا هذا ~~العزم، وأخرجوه إلى الأركان، فعملت به جوارحهم. # ووجدنا ثلاثة أعلام في الأرض من الرسل بلوا بهذه الخطة من الهم: محمد، ~~وداود، ويوسف -صلوات الله عليهم أجمعين-. # فأما يوسف عليه السلام: # فهم بها حتى روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه حل هميانه، وقعد منها ~~مقعد الرجال، فانفرج السقف، وتراءى له جبريل عليه السلام في صورة يعقوب ~~-صلوات الله عليه- عاضا على إصبعه، ونودي: يا يوسف! أتعمل عمل السفهاء، ~~وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟! فولى هاربا، ثم أوصله إليها PageV04P030 ~~تزويجا فيما جاءنا من الخبر بعدما نالته العقوبة بالهم من طول المكث في السجن. # 836 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عصام ابن المثنى بن وائل الحمصي، ~~عن أبيه، عن وهب بن منبه، قال: أصابت امرأة العزيز حاجة، فقيل ها: لو أتيت ~~يوسف بن يعقوب فسألتيه؟ فاستشارت الناس في ذلك، فقالوا: لا تفعلي؛ فإنا ~~نخاف عليك، قالت: كلا، إني لا أخاف ممن يخاف الله، قال: فدخلت عليه، فرأته ~~في ملكه، فقالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته، ثم نظرت إلى ~~نفسها، فقالت: الحمد لله الذي جعل الملوك عبيدا بمعصيته، قال: فقضى لها ~~جميع حوائجها، ثم تزوجها، فوجدها بكرا، فقال لها: أليس هذا أجمل مما أردت؟ ~~قالت: يا نبي الله! إني ابتليت فيك بأربع: كنت أجمل الناس كلهم، وكنت أنا ~~أجمل أهل زماني، وكنت بكرا، وكان زوجي عنينا. # وأما داود -صلوات الله عليه-: PageV04P031 # ففتح من المحراب ms0511 باب الكوة، واطلع على تلك المرأة، فوقع في نفسه شأنها ~~وفتنتها، فلم يملك نفسه حتى وجه إليها من يومه فيما روي لنا؛ ليضمها في ~~الكون إلى نسائه كي يسكن الهائج من نفسه انتظارا لما يكون، فأبت المرأة، ~~فمشى إلى بابها، فمر بملكين يناجي أحدهما صاحبه وهو يقول: لقد أكرم الله ~~إبراهيم وإسحاق عن هذا الممشى، ومضى، ولم يقتحم حتى وقف ببابها، فاستفتح، ~~فقالت: من ذا؟ فأخبرها، فقالت: لقد أعاذ الله داود من أن يمشي هذا الممشى، ~~فانصرف، وكتب إلى صاحب بعث كان زوجها فيه، وأمره أن يقدم زوجها في مئتي رجل ~~من بني إسرائيل مع تابوت السكينة، وكان من قدم معها، لم يرجع حتى يفتح ~~عليه، أو يقتل، فقدمه، فقتل، وقتل من قدم معه. # 837 - حدثنا بهذه القصة الفضل بن محمد، قال: حدثنا عبد الملك بن الأصبغ، ~~قال: حدثنا الوليد ابن مسلم، عن ابن جابر، عن عطاء الخراساني. # وقال سعيد: قال قتادة: كتب إلى زوجها، وذلك في حصار عمان مدينة بلقاء أن ~~تأخذوا بحلقة الباب، وفيه الموت الأحمر، فتقدم فقتل. PageV04P032 # ثم رجع إلى حديث عطاء، قال: فلما انقضت عدتها، خطبها، فتزوجها، فلبث بذلك ~~ما شاء الله، فلم يرعه إلا وقد تسور الخصمان عليه المحراب، ففزع، فقصا ~~القصة، ثم عرجا، فانكشف الغطاء عن داود، وخر ساجدا لله أربعين صباحا، حتى ~~نبت المرعى حول وجهه، وغمر رأسه، فنودي: أجائع فتطعم؟ أو عار فتكسى؟ فنحب ~~نحبة هاج المرعى من حر جوفه، فغفر له، وستر بها، فقال: يا رب! هذا ذنبي ~~فيما بين وبينك قد غفرته، فكيف بفلان وكذا وكذا رجلا من بني إسرائيل تركت ~~أولادهم أيتاما ونساءهم أرامل؟. # قال: ولا يجاوزني يوم القيامة ظلم، أمكنه منك، ثم أستوهبك منه بثواب ~~الجنة، قال: يا رب! هكذا تكون المغفرة الهنية، ثم قيل: يا داود! ارفع رأسك، ~~فذهب ليرفع، فإذا به قد نشب في الأرض، فأتاه جبريل عليه السلام، فاقتلعه عن ~~وجه الأرض كما يقتلع عن الشجرة صمغها، حتى سأل ربه بعد ذلك أن ينقش خطيئته ms0512 ~~في كفه؛ لئلا ينساها. # 838 - فحدثني الجارود، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، عن عطاء ~~الخراساني: أن داود عليه السلام PageV04P033 ~~نقش خطيئته في كفه؛ لئلا ينساها، فكان إذا رآها، اضطرب، أو قال: اضطربت يده. # فمن جهل هذا التأويل، حسب أنه كتب على يده خطيئته ليذكرها، والكتابة ~~دارسة، وإنما ذكر في الحديث أنه نقش، والنقش غير الكتابة. # والنقش: هو صورة الخطيئة على قبحها عند الله، فلم يقدر على هذا أحد إلا ~~الله، فإنما نسب إلى داود أنه نقش؛ لأنه سأل ربه، وقد بين ذلك في حديث آخر. # 839 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا عبد الملك ابن الأصبغ، قال: حدثنا ~~الوليد بن مسلم، عن ابن أبي نجيح، قال: سأل داود ربه، فقال: رب! اجعل ~~خطيئتي في كفي، فكان لا يبسط كفه لطعام ولا لشراب إلا رآها، فأبكته، فيؤتى ~~بالقدح، فيشرب، فإذا أبصر النقش على الكف، فاض دمعه. PageV04P034 # 840 - قال الوليد: وحدثني أبو عمرو الأوزاعي: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ((إنما مثل عيني داود مثل القربتين ينطفان الماء، ولقد خدد ~~الدموع في وجه داود تخديد الماء في الأرض)). # 841 - قال: وحدثنا الوليد، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، عن عبد ~~الملك بن أبي سليمان، عن مجاهد، قال: يبعث داود عليه السلام يوم القيامة ~~وخطيئته منقوشة في كفه، فإذا رأى أهاويل القيامة، لم يجد منها محرزا إلا أن ~~يلجأ إلى رحمة الله، قال: ثم يرى فيقلق، فيقال له: هاهنا، ثم يرى فيقلق، ~~فيقال له: هاهنا، ثم يرى فيقلق، فيقال له: هاهنا، فذلك قوله: {وإن له عندنا ~~لزلفى وحسن مئاب}. PageV04P035 # 842 - قال: وحدثني الوليد، قال: حدثنا عثمان ابن أبي العاتكة: أنه كان في ~~قول داود إذ هو خلو من الخطيئة شدة من الخطائين أن كان يقول: اللهم لا تغفر ~~للخطائين، ثم صار إلى أن يقول: اللهم اغفر للخطائين؛ لكي تغفر لداود معهم، ~~سبحان خالق النور، إلهي! خرجت أسأل أطباء عبادك أن يداووا لي خطيئتي، فكلهم ~~عليك يدلني، إلهي! أخطأت ms0513 خطيئة قد خفت أن تجعل حصادها عذابك يوم القيامة إن ~~لم تغفرها، سبحان خالق النور، إلهي! إذا ذكرت خطيئتي، ضاقت الأرض برحبها ~~علي، وإذا ذكرت رحمتك، ارتد إلي روحي. # وروي في الحديث: أنه كان إذا ذكرها، انخلعت مفاصله، فكان لا يمسكها إلا ~~الأسوأ، ثم يذكر رحمة الله، فترجع أوصاله إلى مكانها، ولقد كنت أمر زمانا ~~طويلا بهذه الآيات، ولا ينكشف لي المراد والمعنى من قوله: {وقالوا ربنا عجل ~~لنا قطنا قبل يوم الحساب}. PageV04P036 # والقط: الصحيفة في اللغة، وذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ~~عليهم: {وأما من أوتي كتابه بشماله}، وقال لهم: ((ستجدون هذا كله في ~~صحائفكم تعطونها بشمائلكم))، فقالوا: {ربنا عجل لنا قطنا}؛ أي: صحيفتنا ~~{قبل يوم الحساب}. # قال الله عز وجل: {فاصبر على ما يقولون}، {واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب}. # فقص قصة خطيئته إلى منتهاه، فكنت أقول: أمره بالصبر على ما قالوا، وأمره ~~بذكر داود، فأي شيء يريد من هذا الذكر؟ وكيف اتصل هذا بذاك؟ # فلا أقف على شيء يسكن قلبي عليه، حتى هداني الله له يوما، فألهمته أن ~~هؤلاء أنكروا قول: إنهم يعطون كتبهم بشمائلهم فيها ذنوبهم وخطاياهم، ~~واستهزؤوا بأمره، وقالوا: {ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب}، فأوجعه من ~~استهزائهم، وأمر بالصبر على مقالتهم، وأن يذكر عبده داود سأل تعجيل خطيئته ~~أن يراها منقوشة في كفه، فنزل به ما نزل من أنه كان إذا PageV04P037 ~~رآها، اضطرب، وامتلأ القدح من دموعه، فكان إذا رآها، بكى، حتى تنفذ سبعة ~~أفرشة من الليف محشوة بالرماد، فإنما سألها بعد المغفرة، وبعد ضمان تبعة ~~الخصم، وأن الله -تبارك اسمه- يستوهبه منه، وهو حبيبه ووليه وصفيه. # فرؤية نقش الخطيئة بصورتها مع هذه المرتبة صنعت به هكذا، فكيف كان يحل ~~بأعداء الله وعصاته من خلقه وأهل جزائه أن لو عجلت لهم صحائفهم، فنظروا إلى ~~صور تلك الخطايا التي عملوها على الكفر والجحود، وماذا يحل بهم إذا ما ~~نظروا إلى ما في تلك الصحائف، وقد أخبر الله عنهم فقال: {فترى المجرمين ms0514 ~~مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها}؟! # فداود -صلوات الله عليه- مع المغفرة، والبشرى، والعطف لم يقم لرؤية ~~صورتها في كفه، وقد روينا في الحديث: إذا رآها يوم القيامة منقوشة في كفه، ~~قلق حتى يقال له: هاهنا، ثم يرى فيقلق، ثم يقال له: هاهنا، ثم يرى فيقلق ~~حتى يقرب فيسكن. # وروي في حديث آخر: أنه يمكن له في الحجب، فإذا دخل الحجاب، سكن. # وأما محمد صلى الله عليه وسلم: # فإنه لما عاين زينب، فوقع في نفسه شأنها، وذلك أنه أبصرها قائمة PageV04P038 ~~في صحن الدار في درع وخمار أسود، فلما وقعت في نفسه، فزع إلى الله تعالى، ~~ووضع يديه على وجهه، وقال: ((سبحان مقلب القلوب)). فانظر أي كلمة هذه؟. # علم أن قلبه في قبضته، وأنه قلبه لما يشاء، فنزهه تعوذا بالتنزيه، وتغوثا ~~بالاسم الذي منه حدث على قلبه التقلب على أنه يقلبه بمشيئته لشيء يورثه ~~الحياء منه، والعويل واضطراب الصوت في الملكوت وفي العلا، كما أورث غيره من ~~قبله من إخوانه، فصيره مفزعا وملجأ. # واستعمل التدبير الموضوع بين العباد أن غض بصره، واستحكم شأن الغض في أن ~~قال بيديه على وجهه؛ ليكون في ذلك تمسكن، وتضرع، وافتقار، وهيبة العبيد؛ ~~ليرحمه، فيصرف عنه الفتوة التي أحس بها، فيشكره على ذلك مولاه؛ حيث فزع ~~إليه عندما نابه الأمر، ولم يفزع إلى نهمة النفس، أو إلى الحيل للوصول إلى ذلك. # فروي في الخبر: أنه [لما] أمسى زيد، فأوى إلى فراشه، قالت زينب: لم ~~يستطعني زيد، وما امتنع منه غير ما منعه الله مني، فلا يقدر علي. # هذه رواية أبي عصمة نوح بن أبي مريم، رفع الحديث إلى زينب PageV04P039 ~~أنها قالت ذلك. # وفي بعض الروايات: أن زيدا تورم ذلك منه حين أراد أن يقربها. # فهذا قريب من ذلك. # فعلم زيد بما أخبرته زينب من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: ~~حيث أبصرها، وصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! ~~إن ms0515 زينب تؤذيني بلسانها، وتفعل وتفعل، وإني أريد أن أطلقها، فقال له: ~~((أمسك عليك زوجك، واتق الله)). # {وتخفي في نفسك ما الله مبديه}، فطلقها، فنزلت: {وإذ تقول للذي أنعم الله ~~عليه}؛ أي: بالإسلام، {وأنعمت عليه}؛ أي: بالعتق، وهو زيد بن حارثة: {أمسك ~~عليك زوجك واتق الله}؛ أي: اتق الله في أن تطلقها من غير جرم، {وتخفي في ~~نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه}. # فعوتب في قوله: أمسك عليك زوجك، والحبيب يحب عتاب الحبيب، حتى يدوم ~~الصفاء، ويكون العتاب بدل الوجد. # قالت عائشة -رضي الله عنها-: لو أن محمدا صلى الله عليه وسلم قدر على أن يكتم PageV04P040 ~~شيئا من الوحي، لكتم هذه الآية. # وروي سبب العتاب على وجهين: # أحدهما أوجه من الآخر، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: وتخفي في نفسك الحب لها. # وقال الضحاك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لزيد: ((أمسك عليك ~~زوجك))، ويهوى أن يخلي سبيلها. # وقال قتادة: كان الذي يخفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه: ود أن ~~لو طلقها زيد، وخشي نبي الله صلى الله عليه وسلم قالة الناس. # وقال الحسن البصري -رحمة الله عليه- نحو ذلك. # وذلك: أنه كان تبنى زيد بن حارثة، فيجد المنافقون سبيلا، فيقولون: ينهانا ~~عن نساء أبنائنا ويتزوج امرأة ابنه، فخشي القالة من هذا الوجه، وقالوها بعد ~~تزويجه إياها، فنزلت: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم ~~النبيين}، ونزلت: {ادعوهم لأبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا}، فذهبت ~~الدعوى. # فقال هؤلاء المفسرون: إنما جاءت المعاتبة من قبل أنه قال له: ((أمسك PageV04P041 ~~عليك زوجك))، وهو يود في نفسه أن يطلقها، وقد كان في الغيب أن سيطلقها، ~~ويبدي الله ما في نفس محمد صلى الله عليه وسلم إذا تزوجها، وأنه حمله على ~~قوله: ((أمسك)) خشية الناس، فالله أحق أن تخشاه، فتنطق بحاجتك. # وجه آخر أوجه من هذا: # 843 - حدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا ابن ~~جدعان، وسمعناه منه ms0516 عودا وبدءا، قال: سألني علي بن الحسين، قال: ما كان ~~يقول الحسن في قوله: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه}؟ قلت: كان يقول: إن ~~زينب، فذكر كلمة ذهبت علي، فأمره أن يمسكها، وأراه قال: أعجبها، قال: لا، ~~ليس هو هكذا، ولكن أعلم الله نبيه أنها ستكون من أزواجه، فلما جاء زيد ~~يشكوها، قال: ((اتق الله وأمسك عليك زوجك)). # فعلي بن الحسين جاء بها من خزانة العلم جوهرا من الجواهر، ودرا PageV04P042 ~~من الدرر: أنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك، ~~فكيف قلت لزيد: ((أمسك عليك زوجك، وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ~~ابنه؟ والله أحق أن تخشاه! فترقب أمره وتدبيره فيك وفيها، فيكون ممن أطلق ~~لك ذلك؛ {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطرا وكان أمر الله مفعولا}. # ثم قال: {ما كان على النبي من حرج}؛ أي: من ضيق {فيما فرض الله له}، ~~فالفرض: المعلوم؛ أي: فيما أعلمه من أن تكون زينب من أزواجك. # {سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا} تلك سنته في ~~داود، وهو ممن خلا من قبل؛ حيث سبب له، فرزقه القتل في سبيله، حتى جمع بينه ~~وبين تلك المرأة على تلك الهيئة، وكان ذلك قدرا مقدورا على داود أن يكون ~~الجمع بينهما على تلك الجهة، ويغفر له، ويضمن عنه تبعته لخصمه، ويستوهب ~~منه، ويعطف على العبيد؛ فإنه كان يقول من شدة الحب لله والغيرة له: اللهم ~~لا تغفر للخطائين، فقدر له ما ذكرنا من شأن المرأة، حتى كان يقول: اللهم ~~اغفر للخطائين لعلك تغفر لداود معهم، وكان يعمد إلى أغمض مجالس بني ~~إسرائيل، فيقعد إليهم، فيقول: PageV04P043 # مسكين بين ظهراني مساكين. # فالحالة الأولى: حالة جليلة، وهذه أجل وأرفع، يقتدي بربه في العطف على ~~عبيده، والرحمة لهم، ثم مدحهم فقال: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله}. # يثني على محمد صلى الله عليه وسلم أن بلغ ما ms0517 أرسل إليه، وإن كان له في ~~ذلك بعض الوجد، فبلغ، ولا تخش أحدا إلا الله. # وقال في تزوجيها: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها}. # يعلمه أني لما قلبت قلبك لها، فزعت إلي وصاحباك فزعا إلى ما قصصت عليك من ~~شأنهما، حتى كان ما كان، فوليت عصمتك، وهيأت لك تزويجها بتدبيري صافيا، لا ~~بالحيل طالبا، فكما وليت عصمتك، فكذلك ألي تزويجك بكرمي، وعطفي عليك بطيب ~~نفس بعد المعاتبة، فمنعت زيدا، وأعجزته عنها، وألهمته طلاقها، وأعلمتك أن ~~هذه ستكون زوجتك، فحملتك خشية القالة أن بعثوك على أن قلت لزيد: ((أمسك ~~عليك زوجك)). PageV04P044 # وقد علمت أني مبدي هذا الأمر ومظهره، قد زوجناكها، فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فدخل عليها بغير إذن، وقد كان قبل نزول الآية قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الخطبة إليها، ووجه زيدا يعلمها ذلك، فدخل عليها وهي في ~~مسجدها، فذكر لها حاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: حتى أؤامر ~~ربي، فنزل قوله: {زوجناكها}، فهي بعد في مؤامرتها، وزيد عندها، إذ دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن، فقعد عندها، وتلا هذه الآية، فخرت ~~ساجدة، فكانت تفخر بذلك على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وروي لنا: أنها كانت تسامي عائشة -رضي الله عنها- في الوسامة والحظ من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجي من السماء، ~~فقالت عائشة -رضي الله عنها-: أنا التي نزل عذري من السماء في كتابه حين ~~حملني ابن المعطل على الراحلة، فقالت لها زينب: ما قلت حين ركبتيها؟ قالت: ~~قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، قالت: قلت كلمة المؤمنين. # 844 - حدثنا بذلك عبد الكريم، عن جعفر بن عون، عن المعلى بن عرفان، عن ~~محمد بن جحش، قال: PageV04P045 # تفاخرت زينب وعائشة رضي الله عنها، فذكر الحديث. # وروي في حديث داود عليه السلام: أني أسأله فيهبك لي، فيصير داود عليه ~~السلام موهوب الله. # وشبه في ذلك الموقف، فهذه مرتبة بارزة، فذلك يقيمه عند ساق العرش، فيقول: ms0518 ~~مجدني الآن، صار له بهذه الهيئة معنى زائد على أهل الجمع؛ فإن شأن أهل ~~الموقف أن الحق يقتضيهم، فمن وفى، نجا، ومن لم يف، بقي حتى تأخذه الرحمة، ~~فيأخذه من الحق، فهاهنا نرى داود قد أخذه الحق بتبعة خصمه، فولي الله أخذه؛ ~~بأن استوهبه على طريق الإجلال والكرم، والأمر والنهي. # ألا ترى: أنه لما استوهبه، فوهب منه، أقامه مكرمة عند ساق العرش، فقال: مجدني. # 845 - حدثنا بذلك عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا PageV04P046 ~~سيار، عن جعفر بن سليمان، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: قال الله لداود: ~~قم عند ساق العرش فمجدني كما كنت تمجدني في دار الدنيا بذلك الصوت الحسن ~~الرخيم، فيقول: كيف يا رب وقد سلبتنيه؟ فيقول: فإني سأرده عليك، فيدفع داود ~~بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان، فذلك قوله: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب}. # فهذا في الموقف. # ألا ترى أنه يقول: كيف وقد سلبتنيه؟ ولو كان في الجنة، لكان قد أعطي، ~~فلما استوهبه ليباهي به في الموقف، وكان داود -صلوات الله عليه- له نور ~~ساطع بين الأنبياء يوم عرض على آدم عليه السلام في ذريته، فتبين سبب ذلك ~~النور من أين أوتي؟ وإلى أين انتهى؟ فأوتي بالدنيا نورا، وإنما هو ثناء ومدح. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أحد أحب إليه المدح من الله)). # ولذلك خلق الخلق فقال: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود ~~زبورا}. PageV04P047 # يذكر فضله، فكان يقول في دنياه: إلهي اجعلني أزمر لك أيام الحياة، وأعظمك ~~في مجالس الشيوخ، فأعطي من الصوت ما أعطي، وكان يكون في حلقه سبعون لونا من ~~الصوت يديرها في حلقه حتى يبرزها، وكانت الطير تعكف عليه، فكأنه خلق للثناء ~~والمدح، فكان هذا الذي ظهر منه هاهنا ذلك النور الساطع يومئذ عند آدم عليه ~~السلام حتى وهب له من عمره أربعين سنة، ثم أقيم في العرصة؛ ليسمع أهل ~~الموقف ذلك التمجيد، والله أعلم. PageV04P048 ### || AUTO الأصل الخمسون والمئة # 846 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا ms0519 زيد بن ~~الحباب، قال: أخبرني كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال: أخبرني الحسن ~~بن عبد الرحمن ابن عوف، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((ثلاث تحت العرش: القرآن له ظهر وبطن يحاج العباد، والرحم تنادي: PageV04P049 # صل من وصلني، واقطع من قطعني، والأمانة)). # قلت لكثير: منذ كم سمعت هذا الحديث؟ قال: منذ ستين سنة. # قلت: كم أتى عليك؟ قال: تسعون سنة. # فالظهر يحاج العامة، والبطن يحاج الخاصة. # فإن أهل الملة على صنفين: صنف أهل يقين، وصنف أهل علم، ثم يصير أهل العلم ~~على صنفين: مستقيم، ومخلط. # فالمخلط: هو الظالم، ظلم نفسه، وظلم الحق، وظلم الأنبياء، وظلم الملائكة؛ ~~لأن الله بعث بالحق على أيدي الملائكة على ألسنة الرسل، فالمخلط جاء بما ~~وهن ما جاؤوا به، وحل عراه، فسمي ظالما. PageV04P050 # والمستقيم: المقتصد، فأهل اليقين: هم السابقون المقربون الأولياء، فظاهر ~~القرآني حاج المقتصد في تقصيره، والظالم في تخليطه، وباطن القرآن يحاج ~~السابقين المقربين في تقصيرهم وخطراتهم وزلاتهم. # قال له قائل: تذكر لنا آية من ذلك؟ وحظوظ هذه الأصناف من ذلك؟ قال: نعم؛ ~~كقوله: {واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور}. # فالظالم: يتقي تخليطه، حتى لا يدخل في عمله شيء نهى الله عنه. # والمقتصد: قد فرغ من التخليط، فهو يتقي أن يشوبه رياء، أو عجب، أو فساد، ~~أو خطأ. # والصديق: وهو السابق المقرب، قد فرغ من هذا، فهو يتقي الأسباب والعلائق، ~~والاعتماد على شيء دونه، ويتقي الخطرات، فهذا كله تقواه، ولكنه إنما يتقي ~~كل صنف مما بقي عليه من التقوى، فإن لم يفعل، حاجه القرآن بما بقي عليه، ~~وأما قوله: الرحم تنادي: صل من وصلني، واقطع من قطعني، فإن الرحم لها شأن ~~عظيم، وفي خلقه ما يدل على شأنه. # 847 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن معاوية بن ~~أبي مزرد مولى بني هاشم، قال: حدثني أبو الحباب سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه، PageV04P051 ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms0520 ((إن الله تعالى خلق الخلق، حتى ~~إذا فرغ منهم، (قامت) الرحم، فأخذت بحقو الرحمن، فقال: مه، قالت: هذا مقام ~~العائذ من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ ~~قالت: بلى، قال: فذاك لك)). # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرؤوا إن شئتم: {فهل عسيتم إن ~~توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم ~~وأعمى أبصارهم}، {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}. # 848 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا عمران PageV04P052 ~~ابن بكار الحمصي، قال: حدثنا علي بن عياش، عن محمد ابن زياد، عن ميمون بن ~~مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((قال الله -تبارك وتعالى- للرحم: خلقتك بيدي، وشققت لك من اسمي، وقربت ~~مكانك مني، وعزتي وجلالي! لأصلن من وصلك، ولأقطعن من قطعك، ولا أرضى حتى ترضين. # فخلق الله الرأفة والرحمة يرأف ويرحم بهما عباده، والرأفة (غالبة على ~~الرحمة، ولها سلطان، إذا تحرك، علا كل شيء، وغلب، وبدو الرأفة من رأفته)، ~~وبدو رأفته من فضله، والفضل من جماله، فكأنه دل على أن هذه الرأفة التي ~~خلقها هي الرحم التي بها يترأفون ويتعاطفون، كما خلق الرحمة التي بها ~~يتراحمون، فقامت هذه الرأفة تناشد ربها، فقربها من رأفته، وبين بدو مكانها ~~من أين بدأ، ثم جعلها كالشجنة قد برزت إلى ما دون العرش، ولما قربها، جعل ~~لها السبيل إلى الحقو في القربة، فشق لها اسما من اسمه الرحمن، ثم جعل لها ~~سلطانا ممدودا من الحقو كالشجنة إلى ما تحت العرش، واستعاذت هناك حيث أشار ~~من مقامها من القطيعة، فقال: لأصلن من وصلك؛ أي: أصل وأصلك بهذه الرأفة ~~مني، وأقطع من هذه الرأفة من PageV04P053 ~~قطعك، فيكون صاحب القطيعة مقطوعا من رأفته، ثم خلق الإنسان، فجعل الرأفة ~~منه في الطحال، وهو في موضع الحقو، فهي شيء غالب على الرحمة، يجد الآدمي ~~منها حرقة تصل إلى الفؤاد، فيعمله، وهي بالعربية رأفة، وبالعجمية مهر، ~~وجعلها دما في الطحال ms0521 له حرارة، ثم جعل لها في العروق مجرى منها، فصيرها في ~~الأرحام جارية ليصلوها. # فروي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # 849 - ما حدثنا به عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا شباب بن خليفة، قال: حدثنا ~~أنيس بن سوار الجرمي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا مالك بن الحويرث، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إذا أراد الله أن يخلق النسمة، فغشي ~~الرجل المرأة، أحضر كل رحم له، ثم قرأ: {في أي صورة ما شاء ركبك})). PageV04P054 # 850 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا علي بن الحسن ابن شقيق، قال: أخبرنا عبد ~~الله، قال: أخبرنا مغيرة بن مسلم، عن عبد الله بن بريدة: أن رجلا من ~~الأنصار ولدت له امرأته غلاما حبشيا أسود، فأخذ بيد امرأته، فأتى بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والذي بعثك بالحق! لقد تزوجني بكرا، وما ~~أقعدت مقعده أحدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صدقت، إن لك تسعة ~~وتسعين عرقا، ولها مثل ذلك)). # فإذا كان حين الولد، اضطربت العروق كلها، ليس منها عرق إلا يسأل الله أن ~~يجعل الشبه به، فهذه عروق فيها دماء، ويقال: إن الرحم خلقتها من المرأة ~~كالكيس، وهي عضلة، وعصبة، وعروق، ورأس عصبها في الدماغ، ولها فم بحذاء ~~قبلها، ولها قرنان تشبه الجناحين تجتذب بها النطفة لقبولها، ومن داخل فمها ~~أربعة أفواه إلى الرحم، فإن دخل من باب، فولد، وإن دخل من بابين، فولدان، ~~وإن دخل من ثلاثة، فثلاثة، PageV04P055 ~~وإن دخل من أربعة، فأربعة، فلذلك يقال: لا تلد امرأة في بطن أكثر من أربعة، ~~وقيل: في الميراث: يحبس نصيب أربعة بنين، وقلما يعيش أربعة في بطن، فهذه ~~الدماء جارية من الأرحام إلى الأرحام، متنقلة بعضها إلى بعض إلى هذه العروق ~~التي ذكرنا، أمروا بالصلة لهذه الدماء؛ لئلا ينقطع، ولذلك قال: ((بلوا ~~أرحامكم ولو بسلام)). # فإن الدم إذا يبست تقطعت، فتبل حتى لا تنقطع، وبللها من السلام والزيارة ~~والعطية. # وسئل الحسن البصري -رحمة الله عليه- عن الصلة، فقال: بشاشة ms0522 الوجه، وبذل ~~النفقة. # 851 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا جرير، عن PageV04P056 ~~قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ((الرحم معلقة بالعرش، ~~فإذا أتاها الواصل، انتشبت به، وكلمته، إذا أتاها القاطع، احتجبت منه)). # 852 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، قال: حدثنا فطر، عن ~~مجاهد، عن عبد الله ابن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((الرحم معلقة بالعرش)). PageV04P057 # 853 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الحجاج بن أرطأة، ~~عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((يقول الله -تبارك وتعالى-: أنا الرحمن، وهي الرحم، جعلت لها شجنة مني، ~~فمن وصلها، وصلته، ومن قطعها، بتته، لها يوم القيامة لسان ذلق، تقول فيما ~~شاءت)). # فقد بين في هذا الحديث تلك الشجنة التي ذكرنا بدءا أنها الرأفة التي ~~خلقها، ثم قامت مقام العائذ إلى الحقو من القطيعة، فتلك الشجنة التي PageV04P058 ~~ذكرنا بدءا نابتة من العرش، معلقة منها، بها يتواصلون ويتقاطعون، وحرقتها ~~في الأجواف والرحمة هناك، ثم هي مقسومة في الخلق منها، فبها يتراحمون، ~~وكذلك هذه الرأفة أهلها هناك، ثم هي مقسومة بين الخلق، فبها يترأفون ~~ويتعاطفون، ولذلك قيل: أعجل البر ثوابا صلة الرحم، وأسرع الشيء عقابا البغي ~~وقطيعة الرحم؛ لأن البغي من الكبر، وقطيعة الرحم من الانقطاع من الرأفة. # وأما قوله: ((الأمانة تحت العرش))، فالأمانة معلقة بالإيمان. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة ~~له، ولا دين لمن لا عهد له)). # فإنما أمن؛ ليأمن الخلق جوره؛ فإن الله عدل لا يجور، وإنما عهد إليه؛ ~~ليخضع له بذلك العهد، فينتهي إلى ما أمره، فهذه الثلاث تحت العرش: من ~~القرآن، وهو كلامه، والرحم، وهي رأفته، والأمانة، وهي أمانته الذي أمن به ~~الخلق من جوره، والأمان بدوه من عدله. PageV04P059 ### || AUTO الأصل الحادي والخمسون والمئة # 854 - حدثنا أبي رحمه الله، وقتيبة بن سعيد، وصالح ابن عبد الله، ونصر بن ~~علي الجهضمي، ويوسف بن موسى ms0523 القطان، وإسماعيل بن نصر، وابن أبي ميسرة ~~المكي، وعبد الصمد بن سليمان، ومحمد بن أيوب السمناني، قالوا: حدثنا محمد ~~بن عبد الله بن يزيد بن خنيس المكي، قال: دخلنا على سفيان الثوري بمكة ~~نعوده، فدخل عليه سعيد بن حسان القرشي، فقال له سفيان: أعد علي الحديث الذي ~~حدثتنيه، فقال: نعم، حدثتني أم صالح، عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة، قالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ~~أمرا بمعروف، أو نهيا عن PageV04P061 ~~منكر، أو ذكر الله)). # فاللسان ترجمان القلب، يؤدي إلى القلوب علم ما فيه من طريق الإسماع يعبره ~~باللسان، فيرمي به إلى الأسماع، فيولج القلوب، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. # ولهذا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((الأذنان قمع)). # 855 - حدثنا بذلك الفضل بن محمد، قال: حدثنا هشام بن عبد الملك الحمصي، ~~قال: حدثنا بقية، قال: حدثني عتبة بن أبي حكيم، عن طلحة بن نافع، عن كعب، ~~قال: أتيت عائشة -رضي الله عنها-، فقلت: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ينعت الإنسان، وانظري هل يوافق نعتي نعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قالت: انعت، قال: عيناه هاد، وأذناه قمع، ولسانه ترجمان، ورجلاه ~~بريد، وكبده رحمة PageV04P062 ~~-أو قال- رأفة، ورئتاه نفس، وطحاله ضحك، وكلوتاه مكر، والقلب ملك، فإذا طاب ~~الملك، طاب جنوده، وإذا فسد الملك، فسد جنوده، قالت: هكذا سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ينعت. # وبلغنا: أن عمرو بن عتبة أو غيره كان يماشي أباه، فسمع رجلا من خلفه يكلم ~~عمرا بفضول من الكلام، فالتفت إلي وقال لي: ويلك -وما قال لي: ويلك قط ~~غيرها-، إن هذا عمد إلى أخبث شيء في وعائه، فأفرغه في وعائك، فنزه سمعك من ~~الخنا، كما تنزه لسانك. # وروي: لنا عن موسى عليه السلام أنه قال له ربه: يا موسى! لا تجالس أصحاب ~~الأهواء، فيحدثوا في قلبك ما لم يكن. # فكلام ابن آدم على ضروب شتى: ms0524 PageV04P063 # فمنها: ما يخلص للآخرة، ويصفو، فذلك مندوب إليه، موعود عليه خيرا. # ومنها: ما يخلص للدنيا، ولا نصيب للآخرة فيها، فذاك مزجور عنه، موعود ~~عليه عقوبة، ووبالا. # ومنها: ما يتجارى فيه الناس بينهم في أمر معاشهم، مما لا بد لهم منه في ~~الأخذ، وفي الإعطاء، وفي تصرفه في أحوالهم، فذاك مأذون لهم فيه، والحساب من ورائه. # والناس في أمر دينهم على ضربين: # فضرب منهم: يعاملون الله على الوظائف كعبيد الغلة، يؤدون الغلة، وما بقي، ~~فهو لهم، فقد خلى بينهم وبين ذلك، ثم هم في تصرفهم وأحوالهم يدبرون ~~لأنفسهم، ويهتمون لها، ويكدون، ويسعون لنوائبهم، وينفقون على أنفسهم، ~~وعيالاتهم، مشاغيل القلوب والأبدان، متعبون بذلك، فهم على تدبير أنفسهم ~~يمضون باختيارهم الأمور لها يعملون، وعموم ذلك كله يتراكم على قلوبهم. # يحتاجون إلى توفير الغلة على المولى، وتدبير معاشه، والاهتمام بأموره، ~~ومرمة أمور عياله، وكذلك هذا الذي يعامل الله على هذا PageV04P064 ~~السبيل، عهد إليه ربه عهدا؛ من أداء فرائضه، واجتناب نواهيه ومحارمه في هذه ~~الجوارح السبع من جسده، وفي ماله، ووعده على ذلك الجنة، ووعده على تضييع ~~ذلك النار، وقال: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون}، {وإياي ~~فاتقون}. # فهو يقطع عمره بهذا، ويقتضي منه الثواب غدا، فإذا قدم على ربه، حاسبه، ~~وحصل أموره، وبلا سرائره، فإذا وجده قد وفر حقوقه فيما عهد إليه، أعتقه من ~~رق العبودة، ومكن له في داره، وملكه منها ما يكون جزاء ووفاء لسعيه، وكده. # والضرب الآخر: يعاملون الله على العبودة، كعبيد الخدمة، انتبهوا من رقدة ~~الغافلين الأولين، فاستوحشوا من هذا الفعل أن يدبروا لأنفسهم أمرا، وقد ~~علموا أنه قد مضى التدبير من قبل خلق السماوات والأرض، وأثبته في اللوح ~~المحفوظ، وأنه كل يوم هو في شأن، وأنه حي لا يموت، قيوم لا يمل ولا يعجز، ~~فائتمنوه على أنفسهم، وألقوا بأيديهم إليه سلما، وفوضوا إليه أمورهم، ~~وشغلهم جلاله، وجماله، وعظمته، وكرمه، ومجده عن أن يتفرغوا لأنفسهم، ~~فيفكروا، ويدبروا لأنفسهم أمرا، ويهتموا الرزق، أو يهربوا من حكم، أو ~~يتخيروا عليه في شيء ms0525 من الأحوال، عزا، أو ذلا، أو فقرا، أو غنى، أو صحة أو ~~سقما، أو محبوبا أو مكروها، وقد وقفوا PageV04P065 ~~بقلوبهم بين يديه ناظرين إلى جلاله، مبهوتين في جماله، منفردين في ~~وحدانيته، متعلقين بكرمه، ينتظرون رزقه، ويراقبون تدبيره، ويترجون من ~~الأمور محابه، وآذانهم مصغية إلى دعوتهم، متى يدعون، فيجيبون، فكلام هؤلاء ~~في المندوب إليه مما صفي للآخرة، وفي المأذون لهم مما يتجارى من أهل المعاش ~~في أحوالهم، قد صار شيئا واحدا؛ لأنهم له، وفي خدمته، وأموره، إن نطقوا، ~~فله ينطقون، وإن صمتوا، فله يصمتون، وإن نطقوا، فعنه ينطقون، وإن صمتوا، ~~فإياه يذكرون، وبه يشتغلون، وفي نجواه يرتاحون. # وأما الآخرون: فإن نطقوا، فبإذنه ينطقون، فما كان للآخرة، فلرجاء ثوابه ~~الذي وعد، وما كان للدنيا، مما لا نصيب للآخرة فيه، فلخوف عقابه الذي أوعد، ~~وما كان للمعاش، ومتصرف الأمور مما أذن لهم فيه، فلعاجل نفع، أو دفع ضر ~~عاجل من فعلي العادة، والغفلة عن الله عز وجل، فالحساب من ورائهم في ذلك، ~~فإن نطقوا، فلما ذكرنا، وإن صمتوا، فلأجل عقاب وعاجل ضر، وإن نطقوا، فعن ~~علومهم وعقولهم ينطقون، وإن صمتوا، ففي أحوالهم يفكرون، وإياه يذكرون، ~~وبدنياهم يشتغلون، ووسواسهم يناجون، وفي منامهم وشهواتهم يرتاحون، فهذا ~~الضرب من الناس ما كان صفاء من كلامهم للآخرة، فهم موعود ربهم من الثواب، ~~وما كان في المعاش، وما لا بد منه مما أذن لهم فيه وقفوا للحساب، فذاك عليه ~~لا له حتى يتخلص منه، فإن وجد كلاما قد أذن له فيه، ولم يكن له منه بد، وهو ~~على غفلة من ذلك، قد تكلم على عادة نشوئه، لم ينل به ثوابا؛ لأنه ليس مما PageV04P066 ~~ابتغي به وجهه، فإن تخلص منه، لا له، ولا عليه، فنعم ما تخلص، مع أنه لا ~~ينفك مع الخلاص من حسرة موجعة للقلب، مفجعة للنفس، إذ يرى أكثر عمره قد ~~أهدره وأبطله. # فأهل الغفلة حظهم يوم القيامة من أعمارهم: الأوقات والساعات التي كانوا ~~في أمور آخرتهم من أعمال البر، وسائر ذلك هدر؛ لأنهم يطعمون، ويشربون، ms0526 ~~ويلبسون، وينامون، ويكسبون، ويرمون المعاش، وينفقون، ويتصرفون في حوائجهم، ~~مقبلين ومدبرين، ليلهم ونهارهم شهوة، ونهمة وغفلة، لا نية لهم فيها، ولا ~~حسبة، ويقدمون بها على ربهم، فلا يجدون عنده ثوابا، إنما يثابون على أعمال ~~البر فقط؛ لأنهم عملوها على ذكر الآخرة، فاحتسبوا بها، ونووا فيها، وفي ~~أمور معاشهم عملوا على العادة والشهوة، وحظ النفس، فليس لهم فيها ذكر آخرة. # فلو حصلت حظوظهم من أعمارهم، لم تجدها يحصل لهم عشرها، فترى أحدهم ينشق ~~ماؤه من مزرعته، فيسيل في الوادي هدرا، فيتلوى، ويقلق، ويضجر، ويتحسر على ~~ما ضاع من مائه، ولو أن أحدا فعل به ذلك، لاستعدى عليه، وعاداه على ذلك، ~~وهو يعلم أن عمره يهدر، فلا يكون له يوم القيامة إلا عشره، أو جزء من أجزاء ~~قليلة .. ، فلا يضيق به صدرا، ولا يبالي به، فهو ما دام مصليا أو تاليا ~~لكتاب الله، أو مشيعا جنازة، أو عائدا مريضا، فهو حظه من عمره، ثم إذا خلا ~~من هذه الأشياء، فهو في شهوة PageV04P067 ~~ونهمة، يعمل بهواه، بطال غافل، فكشف له عن الغطاء يوم الحسرة والندامة، قال ~~الله تعالى: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون}. # وقال: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون}. # وقال: {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون. ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. لاهية قلوبهم}. # فهذه صفة أهل الغفلة، صارت عامة أعمارهم لهوا ولعبا، وصار تناولهم من ~~الدنيا تمتعا، وشرا وأشرا، وألهتهم آمالهم عن ذكر الموت حتى نسوه، ولو ~~ذكروا الموت، لحاسبوا أنفسهم، وارتدعوا، وانتبهوا، واشتغلوا بما هو أملك بهم. # وإذا ذكرنا من أهل الغفلة هؤلاء الطبقة المشهورين المعروفين عند العامة ~~بأعمال البر، وبالعدالة، وبالصلاح، وبالعلم، والرئاسة، قد رضوا من حظهم من ~~الله بما نالوا من مرفق النفس في دار الفناء، ووصول إلى نهمة، ورضوا من ~~دينهم بهذه الأعمال التي تستروا بها؛ ليحمدوا عند الخلق بذلك، ولا يلحظ ~~قلوبهم إلى مالك الملك الذي يراهم على هذه الصفة، حتى يستحيوا ms0527 منه، ولا ~~يفكروا أن وشيكا ما يعرون من هذه الأحوال، ويخرجون من الدنيا صفرا، فيبقون ~~غدا على عرصة من الموقف وعرة وحشة بعيدة من الرحمة على خطر العقاب، وسخط ~~الرحمن، يقبلون من النفس خدعها وأمانيها، حيث يقول: إن رحمة الله واسعة، ~~ويجزيهم بذلك على ما هم فيه، فيخدعون لها، ويقبلون ذلك منها، حتى إذا بقوا PageV04P068 ~~على ذلك الصراط الرقيق بين الجنة والنار مع حساب طويل، وذنوب كثيرة، وتبعات ~~جمة، نادى: يا ويلاه! ماذا صنعت بنفسي؟. # فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ~~هذه الخصال الثلاث)) هو للعامة. # فأما أولياء الله وخاصة عبيده: فهم أمناؤه وخدمه، فأعمالهم ومتقلبهم كلها ~~له، ولا تبعة عليهم في ذلك. # ومما يحقق ذلك: قول حديث عائشة -رضي الله عنها- عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، عن جبريل، عن ربه -جل ذكره-، قال ((إذا أحببت عبدي: كنت سمعه ~~وبصره، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يعقل)). # فإذا صار العبد ممن به ينطق إذا نطق، فكيف يكون عليه في ذلك تبعة؟ بل ~~يكون جميع سعيه وتصرفه في الأمور صارت آخرة، وإنما افتقرت الأمور فصارت ~~بعضها آخرة، وبعضها دنيا لأهل الغفلة والبطالة، فلذلك احتاجوا عند كل رأس ~~أمر إلى نية، حتى تصير كلها آخرة، فإذا لم يفعلوها، بطلت عامة أعمارهم، ~~وهدرت تلك الأمور، إلا ما انفرد به للآخرة، ولم يكن للنفس فيه نصيب. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: # ((إن الله تعالى عند لسان كل قائل، فاتقى الله امرؤ علم ما يقول)). # 856 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: PageV04P069 # حدثنا قطبة بن العلاء، عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد ابن جبير، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 857 - قال: حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الفضل ابن دكين، عن عمر بن ~~ذر، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. PageV04P070 ### || AUTO الأصل الثاني والخمسون ms0528 والمئة # 858 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا هشام ابن خالد الدمشقي، عن ~~إسماعيل بن عياش، عن ليث، عن ابن سابط، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((تكون في أمتي فزعة، فيصير الناس إلى علمائهم، فإذا ~~هم قردة وخنازير)). # فالمسخ: تغيير الخلقة عن جهتها، فإنما حل بهم المسخ؛ لأنهم غيروا الحق عن ~~جهته، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فمسخوا أعين الخلق وقلوبهم عن رؤية الحق، ~~فمسخ الله صورهم، وبدل خلقتهم، كما بدلوا الحق باطلا. # فالمسوخ كثيرة من خلق الله؛ مثل: الفيل، والدب، والعنكبوت، والفأر، ~~والضب، وما أشبه ذلك، فإنما مسخوا على هذين الصنفين قردة وخنازير. PageV04P071 # فالقردة: قوم خادعوا الله، واستحلوا السبت، واتخذوا الحظائر على جانب ~~البحر، فلما دخلت الحيتان تلك الحظائر يوم السبت، سدوا مخارجها حتى بقوا ~~فيها، ثم أخذوها يوم الأحد، فمسخهم الله قردة خاسئين. # والخنازير: إنما خلقت لعذرة سفينة نوح، ولم تكن قبل ذلك كذلك. # 859 - حدثنا الجارود، عن الأسود بن عامر، عن سفيان، عن علي بن زيد، عن ~~يوسف بن مهران، عن ابن عباس: فغذاؤها العذرة. # ومما يحقق ذلك قول الله -تبارك اسمه- فيما ذكر من تحريم الميتة، فقال: ~~{أو لحم خنزير فإنه رجس}، فذكره بالرجاسة من بين ما ذكر من الدم والميتة. # فعلماء السوء على ضربين: # منهم مكب على حطام الدنيا، لا يسأم، ولا يمل من جمعه، فتراه شهره ودهره ~~يتقلب في ذلك كالهمج في المزابل، يطير من عذرة إلى عذرة، قد أخذ بقلبه ~~دنياه، وألزمته خوف الفقر، وألهجته باتخاذها عدة للنوائب، لا ينكر عليه ~~تقلب أحوالها، ولا يتأذى بسوء رائحتها. # دنيا قد احتشت من الحرام، ووسخ حلالها من تراكم الشبهات عليها، فأفعال ~~هذا الضرب وإكبابه على هذه المزابل، كإكباب الخنازير، فإذا حلت السخطة ~~بالخلق، مسخ هؤلاء في سورة الخنازير. PageV04P072 # وضرب آخر: أهل تصنع، ورياء، ودهاء، ومخادعة، وتزين للمخلوقين؛ شحا على ~~رئاستهم، يتبعون الشهوات، ويلتقطون الرخص، ويخلون بسوء السرية، ويخادعون ~~الله بالحيل في أمورهم، دينهم المداهنة، وساكن قلوبهم المنى، وطمأنينتهم ~~إلى الدنيا، ms0529 وركونهم إلى أسبابها، رضوا من هذا كله بالقول دون الفعل، فلما ~~حلت السخطة، مسخوا قردة؛ فإن من شأن القردة: الحريزة، والخداع، والمداهنة، ~~واللعب، والبطالة. # ومن شأن الخنزير: الإكباب على المزابل والعذرات. PageV04P073 ### || AUTO الأصل الثالث والخمسون والمئة # 860 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم ابن محمد بن يوسف ~~الفريابي، قال: حدثنا سلام بن واقد، قال: حدثنا أبو حمزة السكوني، عن أبي ~~إسحاق الهمداني، عن جرير بن عبد الله، قال: قال لنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((إني قارئ عليكم سورة {ألهاكم التكاثر}، فمن بكى، فله الجنة))، ~~فقرأها، فمنا من بكى، ومنا من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا: قد جهدنا يا ~~رسول الله أن نبكي، فلم نقدر عليه، فقال: ((إني قارئها عليكم الثانية، فمن ~~بكى، فله الجنة، ومن لم يقدر أن يبكي، فليتباك)). # فالبكاء على ضروب، ومن أسباب مختلفة: بكاء من فجعة النفس، PageV04P075 ~~وبكاء خدعة، وبكاء مباعدة، وبكاء خوف الوعيد، وبكاء الحزن، وبكاء الفرح، ~~وبكاء الخشية، وبكاء الشوق، وبكاء التحنن، وبكاء القبضة. # فأما بكاء الفجعة: فمصائب النفس فيها، يهان، ويضرب، ويظلم في نفسه وماله، فيبكي. # وأما بكاء الخدعة: فبكاء اللصوص، يبكون والسرقة في أحضانهم، قال الله عز ~~وجل: {وجاءوا أباهم عشاء يبكون}، ويوسف في البئر، فأهل الذنوب يبكون ~~والذنوب في أحضانهم لا يفارقونها. # وأما بكاء المساعدة: فبكاء النساء. # وأما بكاء خوف الوعيد: في الإيمان، آمن بوعيد الله تعالى، فرق قلبه لفجعة النفس. # وأما بكاء الخشية: فمن العلم بالله، ووجود السبيل إلى القرية، رق قلبه من ~~الرحمة التي قرب قلبه منها. # وأما بكاء الشوق: فلطول الحبس عن الله في منزل الوحشة بكاء من الغربة. # وأما بكاء الحزن: فمن المراقبة، قد علم أنه لا يكون إلا ما شاء الله ~~تعالى، ولا يدري ما يكون وهو في دار الإغرار، قد شخصت آماله نحوه، ولا يصل ~~إلى ذلك، فلفقد ما يأمل تأخذه الأحزان. # وأما بكاء الفرح: فلوجدان ما يأمل. # وأما بكاء التحنن: فإذا تحنن الله على عبده، وقسم له الحظ من اسمه ~~الحنان، ms0530 فرأفته مطلة عليه، تكتنفه وتحوطه، فتثير البكاء من منابع الرأفة. # وأما بكاء القبضة: وهو الذي يقال له: الدنو، فهو الذي أبكاه؛ وهو PageV04P076 ~~قوله عز وجل: {وأنه هو أضحك وأبكى}. # وروي عن ابن عباس: أنه رأى رجلا يضحك خلف جنازة، فقال: {هو أضحك وأبكى}. # ورأى ابن مسعود رجلا يضحك خلف جنازة، فقال: أتضحك خلف الجنازة؟ والله! لا ~~أكلمك أبدا. # فابن عباس عرف ذلك الضحك من أين هو، فعذره، وابن مسعود رضي الله عنه رأى ~~منكرا، فلم يعذره؛ لما ذكرنا من اختلاف معادن الضحك. # 861 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا سيار، عن جعفر، ~~عن مالك بن دينار، قال: قرأت في التوراة: يا بن آدم! لا تعجز أن تقوم بين ~~يدي في صلاتك باكيا؛ فإني أنا الله الذي اقتربت لقلبك، وبالغيب رأيت نوري. # فهذا يحقق ما ذكرنا من بكاء أهل القبضة. # فميراث بكاء الفجعة: صداع الرأس، وضعف البصر، وميراث بكاء الخدعة: القسوة ~~والمقت، وميراث بكاء المساعدة: الفترة، وميراث بكاء خوف الوعيد: وجوب ~~الجنة، ونزول الرحمة، وميراث بكاء الحزن: نور PageV04P077 ~~في القلب، وميراث بكاء الفرح: الطمأنينة، والثقة، وحسن الظن به، وميراث ~~بكاء الخشية: الخشوع، وميراث بكاء الشوق: القربة، وميراث بكاء التحنن: ~~الدنو، والعطف والشفقة، وميراث بكاء القبضة: الضحك إليه. # وذكر الله في تنزيله: {إن الذين أوتوا العلم من قلبه إذا يتلى عليهم ~~يخرون للأذقان سجدا. ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا. ويخرون ~~للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا}. # فأخبر: أن البكاء يزيدهم خشوعا، والذين أوتوا العلم هم أهل هذه الخشية، ~~قال الله في تنزيله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، فأعلمهم بالله ~~أشدهم له خشية. # 862 - وحدثنا أبو بكر بن سابق الأموي، قال: حدثنا أبو مالك الجنبي، عن ~~جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال فيما يذكر عن ربه -تبارك وتعالى-: أنه قال لموسى -صلوات الله ~~عليه-: ((أما البكاؤون من خشيتي، فلهم الرفيق الأعلى، لا يشركهم فيه أحد)). PageV04P078 # وروى ms0531 عبد الوهاب، عن ثور، عن خالد بن معدان، قال: ما بكى عبد من خشية الله، ~~إلا خشعت لذلك جوارحه، وكان مكتوبا في الملأ الأعلى باسمه: فلان بن فلان ~~ينور قلبه بذكر الله. # وروي عن حزم القطعي، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: الباكي من خشية الله ~~تهتز له البقاع التي يبكي عندها، وتغمره الرحمة ما دام باكيا. # وروى ابن السماك، قال: سمعت عمر بن ذر يقول: إن الباكي من خشية الله تبدل ~~بكل قطرة أو دمعة تخرج من عينه أمثال الجبال من النور في قلبه، ويزداد في ~~قوته للعمل، وتطفأ بتلك المدامع بحور من النار. # وروى ابن السماك، عن مفضل بن مهلهل، قال: بلغني أن العبد إذا بكى من خشية ~~الله، تحاتت عنه ذنوبه كيوم ولدته أمه، ولو أن عبدا جاء بجبال الأرض ذنوبا ~~وآثاما، لوسعته الرحمة إذا بكى من خشية الله، فإن بكى على الجنة، تشفع ~~الجنة له، تقول: يا رب! أدخله علي كما بكى علي، وإذا بكى خوفا من النار، ~~فالنار تستجير له من ربها، تقول: رب! PageV04P079 # أجره مني كما استجارك مني، وبكى خوفا من دخولي. # وروى صالح المري، قال: بلغني عن كعب، قال: من بكى خوفا من الله من ذنب، ~~غفر له ذلك الذنب، ومن بكى اشتياقا إلى الله، أباحه النظر إليه متى ما شاء. # وقال الله -جل ذكره- في تنزيله في بكاء الحزن: {تولوا وأعينهم تفيض من ~~الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون}. # وقال في بكاء الفرح: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من ~~الدمع مما عرفوا من الحق}. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن بكائه على ابنه، فقيل له: ~~أتبكي يا رسول الله؟ قال: ((إنما هي رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم)). # فيدل هذا الحديث حديث جرير بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنما خاطب بهذا أصحاب الأموال والعامة المستورين بستر الله، وذلك أنه قرأ ~~عليهم من بين السور قصتهم في التكاثر والسؤال عن النعيم، وفيه ms0532 وعيد على إثر ~~وعيد مردود من قوله: {كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون. كلا لو تعلمون ~~علم اليقين}. PageV04P080 # أي: سوف تعلمون إذا جاءت معاينة الرسل، {ثم كلا سوف تعلمون} إذا جاء السؤال ~~في القبر، {كلا لو تعلمون علم اليقين} رؤية الجحيم، {ثم لترونها} يوم ~~القيامة {عين اليقين}، فهاهنا علم اليقين، وهناك عين اليقين، {ثم لتسئلن ~~يومئذ عن النعيم}. # فخوف الوعيد أبكاهم، فقال: ((من بكى، فله الجنة)). # وذلك أن الله عز وجل وعدهم على خوف الوعيد الجنة، فقال: {ولنسكننكم الأرض ~~من بعدهم}؛ يعني الجنة، ثم قال: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}. # فوعد الله على خوف الوعيد الجنة، فلذلك قال: ((فمن بكى، فله الجنة))؛ لأن ~~هذه سورة فيها قصتهم، وفيها وعيدهم، فبكى أصفاهم قلبا، وأرقهم فؤادا، ثم ~~ردد عليهم ثانية، فأجهدوا أنفسهم، فلم يقدروا على البكاء أولا، ثم بكوا في ~~الثانية، فهذه درجة ثانية. # ثم قال لمن لم يبك: ((فليتباك))؛ أي: فليتمثل لربه في صورة الباكي، حتى ~~يلحقه بهم في الثواب، فقال حين رجعت الملائكة، قالت: ((يا رب! إن أعبدا لك ~~اجتمعوا، فذكروك، فقال: أشهدكم أني قد غفرت لهم، PageV04P081 ~~قالوا: يا رب! إن فلانا مر بهم، ولم يكن منهم، قال: هم القوم لا يشقى بهم ~~جليسهم، فهذا جليس الباكين، فإذا تباكى، كان في صورتهم، فلحق بهم)). # وأما بكاء المقربين السابقين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ~~بعده، فبكاؤهم بكاء أهل الخشية، وبكاء المشتاقين، وبكاء المحزونين، وبكاء ~~من أبكاه الله وأضحكه. # قال له قائل: ما الذي يتراءى على قلبه إذا أبكاه، وإذا أضحكه؟ قال: إذا ~~نظر إلى جلاله، أبكاه، وإذا نظر إلى جماله، أضحكه. # ومن وراء هذا منزلة أخرى أشرف من هذا، وهو بكاء الدنو، فتلك غيرات القلب، ~~صاحب هذا قلبه منفرد في وحدانيته، فإذا أدناه، بكاؤه للرقة التي تحل به، ~~فإذا رجع إلى مرتبته، هابه، وقلص دمعه، وانتشقت الهيبة رقته، فيبس، فإذا ~~أدناه، رق فبكى، وإذا رجع إلى مرتبته، هاب، فلزمته الهيبة، فهذا دأبه في ~~البكاء، والدنو ms0533 منه بر لعبده، فالبر يرققه ويبكيه. # وروي عن هارون بن رئاب: أنه قال: إن البكاء مثاقيل، لو وزن PageV04P082 ~~بالمثقال الواحد منها مثال جبال الدنيا، لرجح به البكاء، وإن الدمعة ~~لتتحدر، فتطفئ البحور من النار، وما بكى عبد لله مخلصا في ملأ من الملأ، ~~إلا غفر لهم جميعا ببركة بكائه. # فالمخلص: هو بكاء لا يشوبه شيء، ولا سبب له، إنما هو إن أدناه فأبكاه، ~~فبلغ من ثوابه أن يغفر لمن حوله ببركة ذلك، والبركة معناها القرب، فهو راجع ~~إلى ما قلنا. # وروي عن عبد الوهاب بن عطاء عن عبيدة بن حسان، عن النضر ابن سعيد، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو أن عبدا بكى في أمة من الأمم، ~~لأنجى الله تلك الأمة من النار ببركة ذلك العبد، وما من عمل إلا وله وزن ~~وثواب، إلا الدمعة، فإنها تطفئ بحورا من النار، وما اغرورقت عين بمائها من ~~خشية الله، إلا حرم الله جسدها على النار، وإن فاضت على خده، لم يرهق وجهه ~~قتر ولا ذلة)). PageV04P083 ### || AUTO الأصل الرابع والخمسون والمئة # 863 - حدثنا موسى بن عبد الله بن سعيد الأزدي، قال: حدثنا محمد بن زياد ~~الكلبي، عن بشر بن الحسين الهلالي، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من نعمة، وإن تقادم ~~عهدها، فيجدد لها العبد بالحمد، إلا جدد الله له ثوابها، وما من مصيبة، وإن ~~تقادم عهدها، فيجدد لها العبد بالاسترجاع، إلا جدد الله له ثوابها، ~~وأجرها)). PageV04P085 # فالنعمة: يخفف أثقالها الشكر عليها، والشدة يجزي ذلك ثمرتها الصبر عليها، ~~والشكر هو معرفتك بأن هذا منه فضلا ومنة، وحفظ جوارحك عن مساخطه، وأداء ~~فرائضه، والتكلم بالحمد، فهذا تمام الشكر؛ فإن التكلم به اعتراف العبد بأن ~~هذه النعمة منه. # والصبر على المصيبة: معرفتك بأن هذا منه؛ تسليما له، وثباتك على حفظ ~~جوارحك بأن لا تعصيه بسبب ما نابك، والتكلم بالاسترجاع، وهو اعتراف العبد ~~بالتسليم له؛ كما أن الإيمان هو ms0534 المعرفة لله بوحدانيته، والطمأنينة به، ~~والتسليم له قلبا، والتكلم بلا إله إلا الله، وهو اعتراف العبد بذلك، ~~والعمل بحقيقته، فهذا الاعتراف بهذه الأشياء في أي وقت كان، فثوابه قائم للعبد. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: # ((جددوا إيمانكم)). # 864 - حدثنا بذلك محمد بن ميمون المكي، قال: حدثنا صدقة بن موسى، قال: ~~حدثنا محمد بن واسع، عن ابن PageV04P086 ~~نهار العبدي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((جددوا إيمانكم))، قالوا: بماذا يا رسول الله؟ قال: ((بلا إله إلا الله)) # فهذا يحقق ما قلنا، فإذا كان إيمانه يتجدد بهذه الكلمة، فكذلك حمده ~~واسترجاعه يتجدد، وإنما قال: جددوا؛ لأن العبد قد يتكلم بهذه الكلمات، ثم ~~يدنسها ويكدرها بسوء أفعاله، لا يذرها صافية. # ألا ترى أن الرجل قد يقول لصاحبه: أنت كبيري، وأنت أخي، وأنت حبيب، ~~فيقتضيه صاحبه وفاء هذا القول، فإذا جاء موضع الفعل، حقر أمره، وقطع ~~الأخوة، وجفاه، أليس قد دنس قوله وأخلفه؟ فإذا عاد له واعتذر، فقد جدده، ثم ~~إذا عاد، فقد أخلف ودنس. # وإنما قال لهم: جددوا؛ لأن من شرط المؤمنين في هذه الكلمة أن لا يكون ~~لقلوبهم وله في شيء من الأشياء، وفي نائبة من النوائب إلا إليه؛ لأنه لا ~~إله إلا هو، فإذا نابتهم النوائب، وظهرت الحوائج، فولهت قلوبهم إلى ~~المخلوقين، أليس قد دنسوا هذه الكلمة وأخلفوها؟ فقال لهم: جددوا؛ أي: ~~استقبلوا التكلم بها. PageV04P087 # فكان من شأن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه أن يقول: كان كذا، ولا إله إلا ~~الله، وفعلت كذا، ولا إله إلا الله. # يختم أمره وكلامه بلا إله إلا الله، يريد بذلك ما ندبهم إليه الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من تجديده. # وهذا تفسير قوله معاذ رضي الله عنه: تعالوا نؤمن ساعة. # أي: نذكره ذكرا يجمع قلوبنا عنده، ويكون الوله إليه، ونرغب إليه في ذلك ~~الوقت؛ ليديم لنا ذلك إذا تفرقنا. # فكذلك الحمد والاسترجاع يخلقان ويدنسان بضدهما من الأفعال التي تخرج من ~~العبد، ms0535 فيجددان ذلك، فيكتب له ثوابهما يومئذ. # ألا ترى أنه قال في الحديث الذي كتبناه في صدر الباب أنه قال: ((إلا جدد ~~الله ثوابها، وإن تقادم عهدها))، فإنما يجدد ثوابها؛ لأنه جددها بالقول. # 865 - حدثنا سليمان بن العباس الهاشمي، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، ~~عن قتادة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لا يحمده)). PageV04P088 ### || AUTO الأصل الخامس والخمسون والمئة # 866 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم ابن محمد بن يوسف ~~الفريابي، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن القشيري، عن ثور بن يزيد، عن ~~مكحول، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((إن استطعتم أن تكثروا من الاستغفار، فافعلوا؛ فإنه ليس شيء أنجح ~~عند الله، ولا أحب إليه منه)). # فالاستغفار: هو سؤال العبد ربه الستر، والغفر: الغطاء، ومنه سمي المغفر؛ ~~لأنه يوضع على الرأس، ويتستر به. # يقال في اللغة: غفرته؛ أي: غطيته، فقوله: اغفر لي؛ أي: استرني، PageV04P089 ~~واستغفر على قالب استفعل من ذلك؛ لأن الله -تبارك وتعالى- جعل نوره في قلب ~~هذا المؤمن، وجعل لنوره سترا من نور؛ وقاية للنور الأعظم الذي في قلبه، ~~ولباسا له، وحجب ذلك عن أعين الثقلين المعرضين للثواب والعقاب غدا، وسائر ~~الخلق والخليقة من الملائكة والسماوات والأرض والجبال والبحار والدواب قد ~~انكشف لهم الغطاء عن رؤية ذلك، فهم يرون ذلك. # قال الله -جل ذكره- في تنزيله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير}. # فإذا اجتبى الله عبده، واختاره للإيمان، جعل له نوره، فأشرق في قلبه، ~~فهداه لنوره؛ أي: أمال قلبه للنور الذي جعل فيه، وأحياه به، فعرفه، ثم جعل ~~له لباس التقوى يجوز به الصراط؛ ليكون لهم وقاية من النار، فهذا النور ~~الظاهر هو كسوة النور الباطن. # وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقرؤها: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره ~~-في قلب المؤمن- كمشكاة}. # وكان أبي بن كعب يقرؤها: مثل ms0536 نور من آمن به. PageV04P090 # وكل ذلك يرجع إلى معنى واحد، فالمؤمن في بهاء هذا الستر يمشي على أرضه، ~~والخليقة ينظرون إليه بعين الجلالة والشرف، فإذا هم بالمعصية، وعزم عليها، ~~تجافى عنه الستر كما تجافى عنه العبد، فإذا عملها، تباعد عنه، وبقي العبد ~~عاريا من البهاء والجلالة والشرف، فإذا أصر، لم يزدد إلا سفالا وضعة ودنسا، ~~ولم يزدد الستر إلا بعدا ومراحلة، فإذا ندم ورجع إلى الله بقلبه، فمدن ~~هناك؛ أي: أقام، وإقامته عزمه أن لا يبرح من مقام الطاعة، سأل المغفرة، ~~فقال: أستغفرك؛ أي: أسألك أن ترد علي الستر، فيستره، فيصير في ذلك النور، ~~فهو مستور، فقيل: غفر له؛ أي: ستره. # وبدو ذلك من آدم -صلوات الله عليه-، كان لباسه ستره، وهو النور، فلما ~~عصى، انكشف النور، وعري، فذلك قوله: {ينزع عنهما لباسهما} {ليبدي لهما ما ~~وري عنهما من سوءاتهما}؛ فقد ووري عنهما عوراتهما. # 867 - حدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن ~~منبه رضي الله عنه في قوله: {ليبدي لهما ما وري عنهما من سوءاتهما}، قال: جعل PageV04P091 ~~على عورة كل واحد منهما نورا، فلا يرى واحد منهما عورة الآخر. # وجعل الله تعالى لهذه الجارحة من الآدمي شأنا عجيبا؛ لأنها أداة الذرية ~~التي في صلبه إلى يوم القيامة، فالصلب باب، وهذه أداة الشهوة. # 868 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا إسماعيل بن صبيح اليشكري، قال: ~~حدثنا صباح بن واقد الأنصاري، قال: حدثنا سعد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما، قال: أوحى الله -تبارك وتعالى- إلى داود عليه السلام: ~~أن سائل ابنك سليمان عن سبع كلم، فإن أخبرك، فورثه العلم والنبوة، فقال له ~~داود عليه السلام: إن الله أوحى إلي أن أسألك عن سبع كلم، فإن أخبرتني، ~~ورثتك العلم والنبوة، قال سليمان: سلني عما شئت، قال: أخبرني ما أحلى من ~~العسل؟ وما أبرد من الثلج؟ وما ألين مسا من الخز؟ وما يرى أثره في الصفاء، ~~وما لا يرى أثره في الماء؟ وما لا ms0537 يرى أثره في السماء؟ ومن يسمن في الخصب ~~والجدب؟. PageV04P092 # قال: أما ما أحلى من العسل، فروح الله للمتحابين في الله، وما أبرد من ~~الثلج، فكلام الله إذا قرع أفئدة أولياء الله، وأما ما ألين مسا من الخز، ~~فحكمة الله إذا نشرها أولياء الله بينهم، وأما ما لا يرى أثره في الماء، ~~فالفلك تمر فلا يرى أثرها، وأما ما لا يرى أثره في الصفاء، فالنملة تمر على ~~الحجر، فلا يرى أثرها، وأما ما لا يرى أثره في السماء، فالطير يمر، ويطير، ~~فلا يرى أثره، وأما من يسمن في الخصب والجدب، فهو المؤمن، إن أعطاه الله، ~~شكر، وإن ابتلاه، صبر، فقلبه أجرد أزهر. # قال: انظر إلى ابنك نوبة، فاسأله عن أربع عشرة كلمة، فإن أخبرك، فورثه ~~العلم والنبوة، فسأله، فقال: ما لي بشيء من ذي علم، قال داود لسليمان عليه ~~السلام: أخبرنا يا بني أين موضع العقل منك؟ قال: الدماغ، قال: أين موضع ~~الحق؟ قال: العينان، قال: أين موضع الباطل منك؟ قال: الأذنان، قال: أين باب ~~الخطيئة منك؟ قال: اللسان، قال: أين طريق الروح منك؟ قال: المنخران، قال: ~~أين موضع الأربة والبيان؟ قال: الكلوتان، قال: أين باب الفظاظة والغلظة ~~منك؟ قال: الكبد، قال: أين بيت الريح منك؟ قال: الرئة، قال: أين باب الفرح ~~منك؟ قال: الطحال، قال: أين باب الكسب منك؟ قال: اليدان، قال: أين باب ~~النصب منك؟ قال: الرجلان، قال: أين باب الشهوة منك؟ قال: الفرج، قال: أين ~~باب الذرية منك؟ قال: الصلب، قال: أين باب العلم والفهم والحكمة؟ قال: ~~القلب، وإذا صلح القلب، صلح ذلك كله، وإذا فسد القلب، فسد ذلك كله. PageV04P093 # 869 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن ابن أبي نجيح، ~~عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: ((أول ما خلق الله من الإنسان فرجه، ~~فقال: هذه أمانة خبأتها عندك، فلا تبسل منها شيئا إلا بحقها، قال: فالفرج ~~أمانة، والسمع والبصر أمانة، واللسان أمانة، والقلب أمانة، لا إيمان لمن لا ~~أمانة له)). # فإنما ms0538 خلق الله آدم عليه السلام ليذرأ من صلبه هذا الخلق، فجعل موضع خلقه ~~من الموضع الذي يذرأ منه الخلق، ثم جعل الحياة في القلب، وجعل هذه الأداة ~~ركنا من أركان القلب، فمنه يأتي الريح بغتة، فيقوى؛ ليقدر على استعمالها، ~~فبروح الشهوة يقوى، فخبأها عنده، وجعلها أمانة؛ لئلا يستعملها إلا فيما أذن ~~له، وخلقت له، ثم خلق منه حواء -رضي الله عنها-، وستر عليهما ذلك منهما، ~~فلم ينكشف الستر عنهما حتى عصيا فعريا. # وروي عن وهب بن منبه، قال: الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء، ~~وماله العفة. PageV04P094 # فإنما قال: لباسه التقوى، نسب إلى صاحبه، وهو وقايته التي ظهرت، وبذلك اتقى ~~حتى صار متقيا. # فالمؤمن من بين الخلق في ذلك اللباس يوقر، ويعظم، ويبجل، ويهاب، وليس يرى ~~منه تقواه في ذلك الوقت، إنما يرى عليه طلاوة اللباس وزهرته، ولبق حركاته، ~~وتصرفه في الأمور، وعليه مهابة ذلك اللباس. # 870 - وحدثنا أبو بكر بن سابق الأموي، قال: حدثنا أبو مالك الجنبي، عن ~~جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((إن الله أعطى المؤمن المقة، والحلاوة، والمحبة في صدور ~~الصالحين، والملائكة المقربين، ثم تلا: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سيجعل لهم الرحمن ودا})). # قال: الود: هو منية القلب، والود: هو منية النفس، فمنية النفس من الشهوة، ~~ومنية القلب من الإيمان، ومن القربة. # يقال في اللغة: ود يود ودا -بضم الواو-، وهذا من الود. ويقال من التمني: ~~ود يود ودا -بفتح الواو-، ومن المودة يقال: وددت، ومن التمني: وددت. PageV04P095 # 871 - حدثنا عبد الله، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا عبد القدوس بن الحجاج ~~أبو المغيرة الحمصي، قال: حدثنا سعيد بن سنان الكندي، قال: حدثني أبو ~~الزاهرية حدير بن كريب، عن جبير بن نفير، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوما بالناس صلاة الصبح، فلما فرغ، أقبل بوجهه على الناس رافعا صوته ~~حتى كاد يسمع من في الخدور، وهو يقول: ((يا معشر الذين أسلموا بألسنتهم ولم ms0539 ~~يدخل الإيمان في قلوبهم! لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا ~~عثراتهم؛ فإنه من يتبع عثرة أخيه المسلم، يتبع الله عثرته، ومن يتبع الله ~~عثرته، يفضحه وهو في قعر بيته))، فقال له قائل: يا رسول الله! وهل على ~~المؤمن ستر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ستور الله على المؤمن ~~أكثر من أن تحصى، إن المؤمن ليعمل بالذنوب، فتهتك عنه سترا سترا، حتى لا ~~يبقى عليه منه شيء، فيقول الله للملائكة: استروا على عبدي من الناس؛ فإن ~~الناس يعيرون ولا يغيرون، فتحف عليه الملائكة بأجنحتها، يسترونه من الناس، ~~قال: فإن تاب، قبل الله منه، ورد عليه ستوره، ومع كل ستر تسعة أستار، فإن ~~تتابع في الذنوب، قالت الملائكة: ربنا! إنه قد غلبنا، PageV04P096 ~~وأقذرنا، فيقول الله للملائكة: استروا عبدي من الناس؛ فإن الناس، يعيرون، ~~ولا يغيرون، فتحف الملائكة بأجنحتها، يسترونه من الناس، فإن تاب، قبل منه، ~~ورد عليه ستوره، ومع كل ستر تسعة أستار، فإن تتابع في الذنوب، قالت ~~الملائكة: يا ربنا! إنه قد غلبنا وأقذرنا، فيقول الله تعالى: استروا عبدي ~~من الناس؛ فإن الناس يعيرون ولا يغيرون، فتحف الملائكة بأجنحتها، يسترونه ~~من الناس، فإن تاب، قبل الله منه، وإن عاد، قالت الملائكة: يا ربنا! قد ~~غلبنا وأقذرنا، فيقول الله للملائكة: تخلوا عنه، فلو عمل ذنبا في بيت مظلم، ~~في ليلة مظلمة، في حجر، أبدى الله عنه، وعن عورته)). PageV04P097 # 872 - حدثنا عبد الله، عن موسى بن محمد بن عطاء مولى عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه، قال: حدثنا أبو الصلت، عن عبد الله بن راشد، عن الحسن البصري، عن ~~سلمان الفارسي، قال: المؤمن في سبعين حجابا من نور، فإذا عمل خطيئة، ثم ~~تناساها حتى يعمل أخرى، هتك عنه حجاب من تلك الحجب، فلا يزال كلما عمل ~~خطيئة، ثم تناساها حتى يعمل أخرى، هتك عنه حجاب من تلك الحجب، فإذا عمل ~~كبيرة من الكبائر، هتك عنه تلك الحجب كلها إلا حجاب الحياء، وهو أعظمها ~~حجابا، فإن تاب، تاب الله عليه، ورد ms0540 تلك الحجب كلها، فإن عمل خطيئة بعد ~~الكبائر، ثم تناساها حتى يعمل أخرى قبل أن يتوب، هتك عنه حجاب الحياء، فلم ~~تلقه إلا مقيتا ممقوتا ممقتا، فإذا كان مقيتا ممقتا، نزعت منه الأمانة، ~~(فإذا نزعت منه الأمانة)، لم تلقه إلا خائنا مخونا، فإذا كان خائنا مخونا، PageV04P098 ~~نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة، لم تلقه إلا فظا غليظا، فإذا كان ~~فظا غليظا، نزعت منه رقبة الإيمان، فإذا نزعت ربقة الإيمان من عنقه، لم ~~تلقه إلا لعينا ملعنا شيطانا رجيما. # فقد أخبر سلمان رضي الله عنه في حديثه: أن الحجاب الأعظم هو حجاب الحياء، ~~وقد قال وهب بن منبه في حديثه: الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته ~~الحياء. # 873 - حدثنا الجارود، عن النضر، عن عوف، عن معبد الجهني في قوله: {ولباس ~~التقوى}، قال: الحياء. # فهو الذي وصفناه بدءا أن ذلك الستر الأعظم الذي ستر الله الإيمان به هو ~~الذي يمشي ببهائه، فإذا أذنب، وهو أن يعمل كبيرة، فقد عري، وخرج من الحجاب. PageV04P099 # ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يقول لملائكته: استروا ~~عبدي، فتحف الملائكة بأجنحتها، ولم يدخل في ستر الله، فإذا تاب، رد عليه ~~الستر)). # فالآدمي لا ينفك من عيب أو ذنب، فإذا كان عيبا، خرج عن ستر، فلا يزال في ~~عيب يحدثه، وستر يزول عنه، فالستر الأعظم قائم، فإذا أذنب كبيرة، عري. # فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس شيء عند الله أنجح من ~~الاستغفار، ولا أحب إليه منه)) يدل: على أنه صار كذلك؛ من أجل أنه ستر نوره. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لله أفرح بتوبة العبد ~~من رجل وجد ضالته في مفازة مهلكة عليها طعامه وشرابه)). # وروى خارجة بن مصعب، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ~~قال: دخلت على نبي الله صلى الله عليه وسلم، فرآني حزينا، فقال: ((ما لي ~~أراك حزينا يا أبا هريرة))، قلت: كان بيني وبين أهلي شيء، فعجلت إليهم، ~~فقال: ms0541 ((أين أنت ثكلتك أمك، أين أنت عن الاستغفار، فوالذي بعثني بالحق! إني ~~لأستغفر في اليوم والليلة مئتي مرة، فأكثر من PageV04P100 ~~الاستغفار؛ فإن في الأرض أمانين يوشك أن تفقدوا أحدهما عن قريب، وهو موت ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون})). # فإنه يجيء يوم القيامة محدقا بأعمال الخلائق، له زئير حول العرش يقول: ~~إلهي! حقي حقي، فيجيبه الجبار فيقول: خذ حقك، فما يترك من سيئات بني آدم ~~إلا اجتحفها. # 874 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا محمد ابن وهب بن عطية الدمشقي، ~~عن الوليد بن مسلم، عن الحكم بن مصعب المخزومي، عن محمد بن علي بن عبد الله ~~بن عباس، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ~~أدمن الاستغفار، جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من ~~حيث لا يحتسب)). PageV04P101 # فإنما أشار إلى الإدمان على الاستغفار؛ لأن الآدمي لا يخلو من ذنب أو عيب ~~ساعة بساعة، ولذلك قيل: ((خياركم كل مفتن تواب)). # فإن المؤمن خلق مفتنا توابا، ذكر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فإذا أدمن على الاستغفار، خرج من الذنوب والعيوب، ودخل في الستر الأعظم، ~~وعادت إليه تلك الستور، وتلك الستور التي ذكر عددها هي عندنا ستور توابع ~~الإيمان، فالإدمان عليه يلحق الذنوب والعيوب، ويحقق ذلك قوله: {وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون}. # والعذاب عذابان: العذاب الأدنى، والعذاب الأكبر، ولكل عذاب ألوان، ~~والعذاب للعيوب والذنوب، فإذا كان العبد متيقظا، مشرفا على PageV04P102 ~~أموره، فكلما أعيب، أو أذنب، أتبعها استغفارا، لم يبق في وبالهما وعذابهما، ~~وإذا كانت منه العيوب، والذنوب، ولها عن الاستغفار، تراكمت العيوب، ~~والذنوب، فجاءت الهموم، وجاء الضيق، وجاء العسر، والكد، والتعب، هذا من ~~عذابه الأدنى، وفي الآخرة عذاب النار. # وإذا استغفر، خرج من الذنب والعيب، فصار له من الهموم فرج، ومن الضيق ~~مخرج، وأسبغ عليه الرزق. # وهو قوله: {ومن يتق الله يجعل ms0542 له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب}. # فالتقوى: أن يجتنب العبد الذنب والعيب، فإذا وقع فيه، فمن التقوى أن لا ~~يستقر حتى يتوب، ويرجع. # وهو قوله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا ~~هم مبصرون}، فسماهم: أهل التقوى. # وقال: {وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين}. # ثم بين من المتقون؟ فقال: {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين ~~الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم ~~يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون. أولئك جزائهم مغفرة من ربهم}. PageV04P103 # ففاعل الفاحشة والظالم لنفسه لم يخرج اسمه من المتقين؛ بأنه لم يصر، وعاد ~~إلى ربه تائبا، فترك الإصرار من التقوى. # 875 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عمرو بن ~~سلمة الهمداني، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: ما من رجلين مسلمين إلا ~~بينهما سترا، فإذا قال أحدهما لصاحبه هجرا، هتك ستر الله. # 876 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا الحسين الجعفي، عن زائدة، عن يزيد ~~بن أبي زياد، عن عمرو بن سلمة، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، بمثله. # وأما قوله: ((لا شيء أنجح عند الله، ولا أحب إليه من الاستغفار))، PageV04P104 ~~فأقرب الأشياء من الشيء كسوته، ووقايته، وتعظيم قدر الشيء يجعل له وقاية، ~~وكسوة، وسترا. # فإذا كان الشيء نفيسا، جعل في ستر، والملوك في الستر، وكل شيء له خطر ~~وقدر، فهو محظور عن الجميع، مستور، فإذا أذنب العبد، تباعد عنه الستر؛ ~~لنفاسته ونزاهته، فإذا ندم، فالندم، والتوبة بدؤه من النور الذي في قلبه، ~~وهو الذي يندمه، ويقتضيه الرجوع إلى الله، ويهديه لذلك، فلما فعل، وسأل ~~الستر، فإنما يسأل هذا الستر للنور الذي في قلبه، ولا شيء أنجح من هذا ~~القول، يجيبه؛ لحرمة ذلك النور، ومن أجل أنه هو الذي اقتضاه السؤال، فكأنه ~~الذي سأل إذا كان مقتضيا. # وقوله: ((لا شيء أحب إليه ms0543 منه))؛ لأنه يسأل الستر لنوره، ولذلك قال: {إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}. # والتوابون: هم الذين رجعوا إلى الله، وتطهروا بقربه من نجاسة الذنوب، ومن ~~رجاسة العيوب. # وروي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إذا تاب العبد، ~~فقبل الله توبته، أنسى الحفظة ما كان يعمل، وقيل للأرض وجوارحه: اكتمي ~~عليه، ولا تظهري عليه مساوئه أبدا)). PageV04P105 # ومن شأن الآدميين إذا أحب أحدهم أحدا، ثم استقبله في طريق وهو سكران، التفت ~~هكذا وهكذا، هل رآه أحد على تلك الحالة؟ ثم ستره، وأدخله منزلا، فأقامه؛ ~~إشفاقا عليه، وكراهة أن يراه أحد على تلك الحالة، فما ظنك برب العزة إذا ~~تاب العبد إليه، فقبلها منه، أيدعه والحفظة تنظر إليه بعين من فعل ذلك ~~الفعل بالأمس؟ # كلا، إنه لينسينه كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لا يعلم ~~منه إلا خيرا، حتى تنظر إليه الحفظة والخلق والخليقة بعين الإجلال. # وقال الله -جل ذكره- في تنزيله: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا}، فوعد ~~المغفرة على الاستغفار. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((أربع من أعطيهن، لم ~~يمنع أربعا)). # 877 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا علي بن حماد البصري، وهو ~~الذي يقال له: ابن أبي طالب، عن خليفة بن عبد الله الشامي، عن يحيى بن ~~سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال PageV04P106 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أربع من أعطيهن لم يمنع من الله أربعا: من ~~أعطي الدعاء، لم يمنع الإجابة، قال الله -تعالى جده-: {ادعوني أستجب لكم}، ~~ومن أعطي الاستغفار، لم يمنع المغفرة، قال الله تعالى: {استغفروا ربكم إنه ~~كان غفارا}، ومن أعطي الشكر، لم يمنع الزيادة، قال الله تعالى: {لئن شكرتم ~~لأزيدنكم}، ومن أعطي التوبة، لم يمنع القبول، قال الله تعالى: {وهو الذي ~~يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات})). # فإنما أمر الله بالاستغفار عند الذنب، والشكر عند النعمة، والتوبة من PageV04P107 ~~الذنب، والدعاء عند الحاجة. # فهذه ms0544 كلها على الحقائق، لا على التجويز. # فحقيقة الاستغفار: أن يرى العبد في وقت الذنب خروجه من ستره وتعريه، ~~فيأخذه الحياء، كما يستحي الرجل إذا سلب ثوبه في ملأ عظيم، أو في سوق من ~~الأسواق، فينقبض، ويدخل أعضاؤه بعضها في بعض من الحياء. # فهل يجد المستغفر هذا الحياء من رؤية ذهاب ستره وعريه، حتى يسأل المغفرة، ~~وهي الستر، أشد سؤالا، وألحف من الذي ذهب ثوبه، فتعرى في ذلك الملأ؛ ذلك ~~ليعلم أنه يقول قول السكارى، لقن فالتقن، فهو في سكره لا يعلم أنه عار، أو ~~مستتر، ولا يأخذه الحياء. # وحقيقة الشكر: أن يرى النعمة منه رؤية القلب خلقه، وتربيته، وسياقته، ~~وإيصاله إليه، فيأخذه من أثقال ذلك من الخجل ما يأخذه من رجل أهدى إليه ~~بدرة من دنانير عدد مرات. # وحقيقة التوبة: أن يرى إباقه من مولاه، فيرجع إليه بندم،، واعتذار، ووجل، ~~وحياء، فيعزم على التوطن عنده بين يديه أشد من عزم عبد أبق من مولاه ~~الآدمي، وقد أحسن إليه مولاه كل الإحسان، ومناه العتق، والبر، واللطف، فلما ~~عاد إليه، تأسف على نفسه باكيا ممن فعله، وثقل عليه أن يتراءى له من شدة ما ~~يعلوه من الحياء، فهو يتستر منه بالحائط وبالشيء، PageV04P108 ~~فهو يوطن أن لا يفارقه إلى الممات. # وحقيقة الدعاء: أن يسأله سؤال من أحضر قلبه كما أحضر بدنه بتضرع وإلحاح، ~~سؤال فقير زمن، ومضطر وجد إذن دخول على ملك عطوف رحيم، فإذا كنت في هذه ~~الأربع الخصال تعامل الآدميين تكون بهذه الصفة، فإذا عاملت الله بها، وجدت ~~نفسك بخلاف هذه الصفة، فقد علمت أن هذا فعل السكران. # وقوله: ولا اعتداد عند العقلاء بفعل السكران، وقوله: أو رجل يتكلم في ~~منامه، فالسكران: لقن، فالتقن، والنائم: فكر في يقظته، فتكلم في نومته. # فالمخلط: سكران، والمستقيم: نائم، وهم الزهاد، والعباد، والورعون. # وإنما يفوز بهذه الحظة العظيمة المنتبهون عن الله، مزق شعل أنوار الله ~~حجب قلوبهم، ثم أحرقها، فانحسر القلب لأمر عظيم، فهو قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((من أعطي الدعاء، لم ms0545 يمنع الإجابة، ومن أعطي كذا، لم يمنع كذا)). # أي: أعطي نورا، فإذا أعطي النور؛ صارت هذه الأربع كلها عطاياه، فأعطي ~~الاستغفار، وأعطي التوبة، وأعطي الشكر، وأعطي الدعاء. PageV04P109 # ومن دون المنتبهين أمروا به، وندبوا إليه، وقيل لهم: تطهروا من الأوساخ ~~والأدران التي على قلوبكم، وطهروا صدوركم؛ حتى تعطوا النور، فتكون هذه ~~الأربع مني لكم عطاء، فتخرج منكم هذه الأربع على الحقيقة، فأجيبكم إلى ما ~~وعدت؛ لأني لم أعد إلا على الحقيقة من دعا حقا، واستغفر حقا، وشكر حقا، فإن ~~لكل شيء حقيقة. # وكذلك وصف الله المؤمنين في تنزيله، فبين حقيقة إيمانهم، فقال: {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} إلى آخر الصفة، ثم قال: {أولئك ~~هم المؤمنون حقا}. # فالحقيقة في الأشياء: هي بلوغ الصفة التي رسم الله لعباده فيما بينهم، ~~كيف يعاملون على الحقيقة، فاستأداهم من الحقيقة مقدار ذلك، وعفا عما وراء ذلك. # 878 - حدثنا محمد بن معمر البصري، قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: حدثنا ~~الهيثم البكاء، قال: حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((إذا فتح الله على عبد الدعاء، فليدع؛ فإن الله ~~مستجيب له)). PageV04P110 # وقوله: فتح: أي: أعطى. # وقال أبو حازم: لأنا من أن أمنع الدعاء، أخوف عندي من أن أمنع الإجابة. # فإنما خاف منع الدعاء أن لا يفتح له في وقت الدعاء، فيكون دعاؤه كسائر ~~الكلام، قال لك: ادع. # والدعاء: هو عدو القلب إليه، حتى يبوأ له هناك؛ أي: يجعل له قرارا، ويقبل ~~قوله: والنفس متشبثة به، فالقلب في حبس النفس لا يستطيع العدو إلى الله، ~~فقال لك: تب إلي. # فالتوبة: الرجوع إليه، وهو في حبس النفس لا يستطيع العدو، وإنما يرجع ~~القلب، فإذا كان في حبس النفس، لم يقدر أن يتخلص منه، PageV04P111 ~~قال لك: استغفرني. # وإنما المغفرة: سؤال الغطاء من الذنب للعري، والنفس حجاب للقلب، فهو لا ~~يقدر أن يرى عريه حتى يسأله الغطاء والستر. # وقال لك: اشكرني؛ أي: أرني نعمتي عليك، والنفس حجابه، فلا يقدر أن ms0546 يرى ~~نعمه، فهذه الأشياء قد أتيت بها اسما، ولم تأت بها عينا. # فممنوع أنت عنهن على الحقيقة، فإذا أعطيت النور، غدا قلبك إليه عند ~~الحاجة، فيسأل بين يديه، أجيب، وأسعف به. # وإذا أعطيت النور، فرأيت الإباق منه، رجعت إليه مع النور، فوقفت هناك بين ~~يديه، فهي التوبة، قبل منك. # وإذا رأيت العري، فسألت الستر، وهي المغفرة؛ أعطيت. # وإذا رأيت النعمة، فشكرت، قبل منك، فأعطيت الزيادة؛ لأنه إنما ابتغى منك ~~الرؤية، والله أعلم. PageV04P112 ### || AUTO الأصل السادس والخمسون والمئة # 879 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سعيد ابن أبي مريم، قال: أخبرنا ~~عبد الله بن عقبة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبد خيرا، جعل ~~غناه في نفسه، وتقاه في قلبه)). # فالحاجة في النفس؛ لأنها معدن الشهوات، وشهواتها لا تنقطع، فهي أبدا ~~فقيرة؛ لتراكم الشهوات عليها، واقتضائها، وخوف فوتها وانقطاعها، قد برح ~~بها، وضيق عليها، فهي مفتونة بما ذكرنا، وخلصت فتنتها إلى القلب، فصار ~~مفتونا، فأصمته عن الله، وأعمته؛ لأن الشهوة ظلماء، ذات PageV04P113 ~~رياح هفافة، فالريح إذا وقعت في الأذن؛ أصمت، والظلمة إذا وقعت في العين؛ أعمت. # فلما صارت هذه الشهوة من النفس إلى القلب، حجبت النور، فعمي، وصم، فإذا ~~أراد الله بعبد خيرا؛ قذف في قلبه النور، فاحترق الحجاب، وانحسر النور ~~الأصلي، وأشرق هذا النور الوارد في القلب، والصدر، فذلك تقواه، به يتقي ~~مساخط الله، وبه يحفظ حدود الله، وبه يؤدي فرائض الله، وبه يخشى الله مع ~~هذا كله، ويصير ذلك النور وقايته يوم الجواز على الصراط، فبه يتقي النار ~~حتى يجوزها إلى دار الله، فهذا تقواه في قلبه. # وأما غناه في نفسه، فإنه إذا أشرق الصدر بذلك النور، تأدى إلى النفس، ~~فأضاء، ووجدت النفس له حلاوة وروحا، ولذة تلهيها عن لذات الدنيا وشهواتها، ~~ويذهب مخاوفها، وعجلتها، وخرقها، وبلاهتها، فتحيا بحياة القلب، وتستضيء ~~بنور القلب، فتطمئن؛ لأن القلب صار غنيا بانتباهه عن الله -جل ms0547 ذكره-، ~~الماجد في بريته، الكريم في فعاله، الحي في ديموميته، القيوم في ملكه، ~~والنفس جاره وشريكه، ففي غنى الجار غنى، وفي غنى الشريك غنى، فالتقوى في ~~القلب، وهو ذلك النور، والغنى في النفس، وهو طمأنينتها ومعرفتها أين معدن ~~الحاجات. PageV04P114 ### || AUTO الأصل السابع والخمسون والمئة # 880 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا الحسن ابن الربيع البجلي، قال: ~~حدثنا عمرو بن أبي هرمز، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الدمشقي، عن عطاء بن ~~أبي رباح، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في قوله عز وجل: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}، قال: # ((اتبعوني على البر والتقوى، والتواضع، وذلة النفس)). PageV04P115 # فالبر: هو ما افترض الله على العبد. # والتقوى: ما نهاه عنه. # والتواضع: أن يضع مشيئته لمشيئته مولاه في أموره. # وذلة النفس: ترك المنى في عطاياه في الدرجات. # وفي إقامته هذه الأربع صفو العبودة، فهو عبد الله ورسوله، أرسله إلى ~~الخلق على طريق العبودة لله. # 881 - حدثنا أبو الحارث عبيد الله بن الحارث، قال: حدثنا بكر بن محمد بن ~~حبيب المازني، عن الحكم بن ظهير، عن السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما، قال: قدم وفد اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ~~أبيت اللعن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سبحان الله! إنما يقال ~~هذا للملك، ولست أنا ملكا، أنا محمد بن عبد الله))، قالوا: فإنا لا ندعوك ~~باسمك، قال: ((فأنا أبو القاسم))، فقالوا: يا أبا القاسم! إنا قد خبأنا لك ~~خبيئة، فقال: ((سبحان الله! PageV04P116 # إنما يفعل هذا بالكاهن، فالكاهن والمتكهن، والكهانة في النار))، فقال له ~~أحدهم: فمن يشهد لك أنك رسول الله؟ قال: فضرب بيده إلى حفنة حصى فأخذها ~~فقال: ((هذا يشهد أني رسول الله))، قال: فسبحن في يده، وقلن: نشهد أنك رسول ~~الله، فقالوا له: أسمعنا بعض ما أنزل عليك؟ فقرأ: {والصافات صفا}، حتى ~~انتهى إلى قوله: {فأتبعه شهاب ثاقب}، وإنه لساكن، ما نبض منه عرق، ms0548 وإن ~~دموعه لتسبقه إلى لحيته، فقالوا له: إنا نراك تبكي، أمن خوف الذي بعثك ~~تبكي؟ قال: ((بلى من خوف الذي بعثني أبكي، إنه بعثني على طريق مثل حد ~~السيف، إن زغت عنه، هلكت، ثم قرأ: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم ~~لا تجد لك به علينا وكيلا})). PageV04P117 # فإنما صار في مثل حد السيف؛ لأن طريق الأعمال على النفس، ومبتدأه من القلب، ~~وطريقها على النفس، فإذا مرت، فلم تلتفت إلى النفس، ولا لحقته النفس أن ~~تبعته، فقد صفا العمل، وصفت العبودة، فهذه منزلتان: إحداهما أشرف من ~~الأخرى. # فمنزلة: أن العمل يبتدئ من القلب، فيخرج إلى الأركان، ونفسه حية تحب أن ~~تشركه في ذلك، وهو أن تلتمس الثواب. # ومنزلة أخرى أشرف من هذه: وهي أن تموت النفس، والقلب في مقام الهيبة، ~~فيخرج العمل إلى الأركان، فلا يلتفت إلى النفس، ولا بالنفس حراك، فتشخص ~~إليه طرفا، فهذا صفة العبودة، بعث عبدا بالرسالة للعبودة، فالعبد قائم بين ~~يدي مولاه، يعمل ما يؤمر، ولا يتكلف من تلقاء نفسه شيئا، ولا يدبر لنفسه ~~شيئا، وقد فوض ذلك كله إلى مولاه. # فمن شأن المحب أن لا يكون له نعمة دون لقاء الحبيب، فإذا لم يهتد إليه، ~~فوجد دليلا يؤديه إليه، فمن صدق المحبة أن يقفو أثر الدليل والعلم الذي رفع ~~له، حتى يؤديه إليه، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فاستقم كما أمرت}. PageV04P118 # فالاستقامة في السير: أن لا يلتفت يمينا ولا شمالا، ولا يعرج على شيء، ~~فيشتغل به دونه. # فاجتمع نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفاضوا في الذكر، ~~فرقوا، ثم ذكروا نعم الله عليهم بالإسلام والقرآن، وإحسانه، فطرت نفوسهم، ~~فقالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله فنعملها، فجاءت المحبة من الله، ~~فأنزل الله تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص}. # استقصاه عليهم في كنه الأمر؛ ليظهر صدق ما نطقوا به، فخرجوا إلى القتال، ~~فلم يكن من بعضهم الذي قال، فأنزل الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لم ms0549 ~~تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}. # فقال عبد الله بن رواحة: ((لا أزال حبيسا في سبيل الله)). # 882 - حدثنا بذلك علي بن خشرم، قال: حدثنا أيوب ابن النجار اليمامي، عن ~~يحيى بن أبي كثير. PageV04P119 # ثم قالوا: إنا لنحب ربنا، فامتحنوا، فأنزل الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله}. # فإن من شأن الكريم أن يحب من أحبه، ولم ينل حبه أحد إلا من بعد حبه له، ~~فجعل الاتباع علامة المحقين في هذه المقالة. # فمن قال: على ماذا نتبعه؟ # قيل: هذه سيرته، فاتبعه في سيرته، فإنه واصل إلي، فإذا اتبعته في سيرته، ~~وصلت إلي، فسيرته العبودة، والعبودة: هي هذه الخصال الأربع التي أجملت لك. PageV04P120 ### || AUTO الأصل الثامن والخمسون والمئة # 883 - حدثنا عمر بن أبي عمر قال: حدثنا عمر بن عمرو الربعي، قال: حدثنا ~~يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله رضي ~~الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((الحياء زينة، ~~والتقى كرم، وخير المركب: الصبر، وانتظار الفرج من الله عبادة)). # فالحياء: من فعل الروح، والروح سماوي، فعمل أهل السماء عمل ليس يشبه بعضه ~~بعضا في العبودة، والنفس شهواني أرضي، ميالة إلى شهوة، ثم إلى أخرى، ثم إلى ~~منية على إثر منية، لا تهدأ، ولا تستقر، فأعمالها مختلفة، لا يشبه بعضها ~~بعضا، مرة عبودة، ومرة ربوبية، ومرة PageV04P121 ~~استسلام، ومرة تملك، ومرة عجز، ومرة اقتدار، فإذا ريضت النفس، وذللت، ~~وأدبت، انقادت، وكان السلطان والغلبة للروح، جاء الحياء، والحياء خجل الروح ~~عن كل أمر لا يصلح في السماء، فهو يكاع، ويخجل من ذلك، فهذا يزين الجوارح، ~~ويزين الأمور، فهو زينة العبد، فمنه العفة، ومنه الوقار، ومنه الحلم. # وأما قوله: ((والتقى كرم)). # فالكريم من انقاد وذل، ولذلك سميت شجرة العنب: كرما؛ لأنها تمد، فأينما ~~مددتها امتدت، وذلت لك. # ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول للعنب كرما، وإنما الكرم ~~قلب المؤمن)). # فإذا ms0550 ولج النور القلب، رطب ولان، وبرطوبته ولينه ترطب النفس، وتلين، ~~وتذهب كزازتها، ويبسها؛ لأن حرارة الشهوات قد طفئت بالنور الوارد على ~~القلب؛ لأنه من الرحمة، والرحمة باردة، فانقاد القلب، فاتقى، فأخبر أن تقاه ~~في كرمه، فإذا لان القلب وانقاد، فقد صار متقيا. # وقوله: ((وخير المركب: الصبر))، فالصبر: ثبات العبد بين يدي ربه في مقامه ~~لأموره، وأحكامه، ومنه سميت المصبورة؛ صيرت هدفا للسهام، فكذلك العبد أهدف ~~نفسه لأموره، وأحكامه، ما خف منها وما ثقل، وما أحب وما كره، وما يسر وما ~~عسر، فهو خير مركب ركب إلى الله، وهو PageV04P122 ~~مركب الوفاء بالعهد. # خلق الله الدنيا ممرا لعبيده إلى دار السلام، فالقوم مجتازون: يأخذون ~~الزاد، ويمرون أولا فأولا، يدخلون قبورهم، فيخرجون إلى الله، جعل بابه الذي ~~يدخلون عليه أمر باب، وأهوله؛ ليطهرهم من التلبس بالدنيا، فيلقوه طاهرين، ~~فيمكن لهم في دار القدس، فمن الوفاء بعهده: أن لا يتلفت إلى شيء سوى الزاد، ~~وإن تناولت منها ما تناولت تزودا، وتمضي، يوف لك بالعهد أن يدخلك دار ~~السلام. # قال: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون} أي: وإلي فارهبوا من ~~نفوسكم، فالهرب والرهب: يرجعان إلى معنى واحد، إلا أن هذا في نوع، وذاك في نوع. # وقوله: ((انتظار الفرج من الله عبادة))؛ ففي انتظار الفرج قطع العلائق ~~والأسباب إلى الله، وتعلق به، وشخوص الآمال إليه، وتبرؤ من الحول والقوة، ~~فهذا خالص الإيمان. PageV04P123 ### || AUTO الأصل التاسع والخمسون والمئة # 884 - حدثنا محمد بن مقاتل، قال: حدثنا معن القزاز، قال: حدثنا عبد الله ~~بن المؤمل المخزومي، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((زمزم لما شربت له)). # فزمزم: سقيا الله وغياثه لولد خليله، فبقي غياثا لمن بعده، فالغياث لكل ~~نائبة، فإن شربت لمرض، شفيت، وإن شربت لغم، فرج عنك، PageV04P125 ~~وإن شربت لحاجة، استغنيت به، وإن شربت لنائبة، صلحت. # فهو قوله: ((لما شربت له))؛ لأن أصله من الرحمة، بدءا وغياثا، ولأي شيء ~~شربه ذلك المؤمن، وجد غوث ذلك الأمر. # وحدثني أبي ms0551 رحمه الله، قال: دخلت الطواف في ليلة ظلماء، فأخذني من البول ~~ما شغلني، فجعلت أعتصر حتى آذاني، وخفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك ~~الأقذار، وذلك أيام الحج، فذكرت هذا الحديث: زمزم، فتضلعت منه، فذهب عني ~~إلى الصباح. # وروي عن عبد الله بن عمرو: ((إن في زمزم عينا من الجنة من قبل الركن)). PageV04P126 ### || AUTO الأصل الستون والمئة # 885 - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد ~~الأنصاري، عن ابن جريج، عن مجاهد، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل البيت كأحدكم، يخيط ثوبه، ويعمل ~~كأحدكم. PageV04P127 # قوله: ((يعمل)): أفهمني عنه غيره. # فهكذا شأن الأنبياء والأولياء؛ لأنهم خدموا وعملوا الدنيا والآخرة لهم ~~خدمة؛ لأنهم عبيد الله، على العبودة وقفوا بين يديه، ورأوا أن هذه الأعمال ~~التي للدنيا والآخرة تدبير الله في أرضه، وأنها كلها معلقة بعضها ببعض، ~~وأنها لله، فما استقبلهم من أمر، لم يؤثروا عليه شيئا، ولا اختاروا من ~~تلقاء أنفسهم أمرا، فلزموه، ورفضوا ما سواه؛ لأنهم يحبون أن يكونوا ~~كالعبيد، ما وضع بين أيديهم عملوه عبودة، حتى يلقوا الله بها، فيضع عنهم ~~يومئذ رق العبودة، ويرضى عنهم، هذا بغيتهم. # والآخرون اختاروا من الأعمال، وآثروا هذا على ذاك، وذاك على ذا، طلبا ~~للأفضل؛ لينالوا أجرا، ويحتظوا من نعيم الجنان، فرفضوا كثيرا من الأعمال، ~~ضيعوا به حقوقا كثيرة، والاعتبار في هذا: # بمثل حديث جريج: نادته أمه: يا جريج! أرني وجهك من الصومعة، وهو في ~~الصلاة، فقال: صلاتاه، وأماه، فآثرها على أمه. # 886 - حدثنا إبراهيم بن المستمر الهذلي، قال: حدثنا الحكم بن الريان ~~اليشكري، قال: حدثني ليث بن سعد، قال: حدثني يزيد بن حوشب الفهري، عن أبيه، PageV04P128 ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لو كان جريج الراهب فقيها ~~عالما، لعلم أن إجابة أمه من عبادة ربه)). # فمن فقه عن الله أمره، ورأى تدبيره، لم يجد بدا من رفض الاختيار، فلا ~~يؤثر أمرا على أمر، ولا حالا ms0552 على حال. # وروي عن جعفر بن أبي طالب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثهم ~~إلى مؤتة، فأمر عليهم زيد بن حارثة، فقال: ((إن قتل زيد، فجعفر أمير ~~عليكم))، فقال: يا رسول الله! أتؤمر علي زيدا؟ فقال: ((إنك لا تدري في أي ~~ذلك خير)). # وروي في الخبر: أن موسى عليه السلام قال: يا رب! أي عبادك أكثر ذنبا؟ ~~قال: الذي يتهمني، قال ومن يتهمك يا رب؟ قال: الذي يستخيرني، فإذا خرت له، ~~لم يرض بذلك. PageV04P129 # أو كما قال. # فمن جعل أمور الآخرة، وأمور الدنيا كلها لله، وأراد بذلك إقامة العبودة، ~~فقد سقطت منه مؤنة الاختيار، ولم تملكه الأعمال، ولا الأحوال. PageV04P130 ### || AUTO الأصل الحادي والستون والمئة # 887 - حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، قال: حدثنا أبي، عن شريك، عن ~~محمد بن سعد، عن أبي ظبية، عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((المقة من الله، والصيت في السماء، فإذا أحب الله ~~عبدا، نادى جبريل في السماء: إن الله يحب فلانا، فأحبوه، فتنزل المقة في ~~الأرض)). # والمقة: الحب والبغض. # كذلك قوله: ((الصيت في السماء)): يعني به: اضطراب الصوت والنداء. PageV04P131 # فالصوت والصيت بمعنى واحد، إلا أن ذاك عند اضطرابه والجهر به. # وأما نزول الحب: فهو قوله: {وألقيت عليك محبة مني} قال: ملاحة وحلاوة. # 888 - حدثنا عمر، قال: حدثنا هارون الراسبي، عن جعفر بن حبان، عن أبي ~~رجاء في قوله: {وألقيت عليك محبة مني}، قال: الملاحة والحلاوة. # 889 - حدثنا عمر، قال: حدثنا عثمان بن الهيثم، عن عوف، عن معبد الجهني في ~~قوله: {وحنانا من لدنا}، قال: الحنان: المحبة. PageV04P132 # 890 - حدثنا أبو بكر بن سابق الأموي، قال: حدثنا أبو مالك الجنبي، عن ~~جويبر، عن الضحاك، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن قوله: {سيجعل لهم الرحمن ودا} ما هو يا رسول الله؟ ~~قال: ((المحبة يا علي في صدور المؤمنين، والملائكة المقربين، يا علي! إن ~~الله ms0553 أعطى المؤمن ثلاثا: المقة، والمحبة، والحلاوة، والمهابة في صدور ~~الصالحين)). # فمن اصطنعه لنفسه قبل نفسه، فوجد له حلاوة، وملاحة، ومن دعاه، فأجابه، ~~فصدقه في الإجابة، قربه، فقبل قلبه، فوجد له في القلوب ودا. # قال الله لعبده موسى: {واصطنعتك لنفسي}. # فكان لا يراه أحد إلا أحبه، حتى فرعون الذي كان يذبح أولاد بني PageV04P133 ~~إسرائيل من أجله، كان يرشفه في حجره. # فمن كان من بعده على مثل سبيله، وطريقه إليه، فله الحلاوة، والملاحة، ~~واللبق، ومن سار إليه حتى وصل، فنال القربة؛ فله الود في القلوب. # 891 - حدثنا إبراهيم بن المستمر، قال: حدثنا محمد بن بكار العقيلي، قال: ~~حدثنا سعيد بن بشير، عن الأعمش، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل عبد صيت، فإن كان ~~صالحا، رفع في الأرض، وإن كان سيئا، وضع في الأرض)). PageV04P134 ### || AUTO الأصل الثاني والستون والمئة # 892 - حدثنا محمد بن الحسن الليثي، قال: حدثنا الفرج بن فضالة، عن عبد ~~الرحمن بن زياد بن أنعم، عن مولى أم معبد، عن أم معبد، قالت: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم طهر قلبي من النفاق، وعملي من ~~الرياء، ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة؛ فإنك تعلم خائنة الأعين وما ~~تخفي الصدور)). # 893 - حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن غياث بن خالد، عن حنظلة، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV04P135 # ما جاءني جبريل إلا وأمرني بهاتين الدعوتين، قال: يقول: اللهم ارزقني طيبا، ~~واستعملني صالحا)). # فالنفاق: ما كان ذا لونين: يقين وشك، وزهادة ورغبة، وعزوف وحرص، وتخليط ~~وصحة، وإخلاص ورياء، وصدق وكذب، وصبر وجزع، وجود وبخل، وسعة وضيق، وهذا لا ~~يكون إلا في قلب للنفس عليه شعبة من سلطان، فإنما سمي نفاقا؛ لأنه يدخل ~~عليه الأمر من بابين: # من باب الله، وباب النفس، فيقبل عن الله، ويقبل عن النفس. # يقبل عن الله من طريق الإيمان، ويقبل عن النفس من طريق الشهوة. # وكذلك نافقاء اليربوع، يدخل من ms0554 هذا الباب، ويخرج من باب آخر. # وكذلك النفقة تؤخذ بهذا إليه، وتنفق بالأخرى. # وكذلك قلب المنافق لا يستقر فيه شيء، يدخل فيه، ويخرج من الناحية الأخرى، ~~منصبا، ودخلوا في الإيمان، وخرجوا منه شكا، فسأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ربه أن يطهر قلبه من آفات النفس، فأجملها، فقال: ((النفاق في الأعمال ~~من الرياء)). PageV04P136 # ففساد الأعمال وخبطها منه، وعلى أهله منه حياء شديد إذا وقف بين يدي الله ~~تعالى، فقال: عبدي! هذا عمل بر كان يتقرب بمثله إلي، فما حملك على أن تركت ~~وجهي، وعملته لوجه دنس، ترائي عبدا من عبيدي؛ لتنال منه منزلة لينيلك ~~مرفقا؟. # 894 - حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، قال: أخبرنا أبو عامر العقدي، قال: ~~حدثنا كثير بن زيد الأسلمي، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه، قال: كنا نوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطرقه ~~أمر، أو يأمر بشيء، قال: فكثر أهل النوب والمحتسبون ليلة، حتى كنا أبدا ~~نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ما هذه النجوى؟! ~~ألم تنهوا عن النجوى؟!))، فقلنا: تبنا إلى الله، إنا كنا في ذكر المسيح؛ ~~نتخوف منه، فقال: ((ألا PageV04P137 ~~أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من ذكر المسيح؟))، قالوا: بلى، قال: ((الشرك ~~الخفي: رجل يعمل لمكان رجل)). # وأما قوله: ((ولساني من الكذب)): فإن للسان درجة عظيمة، به يعبر عن مكنون ~~القلب، فإذا قال بلسانه ما لم يكن، كذبه الله، وكذبه إيمانه من قلبه؛ لأنه ~~إذا قال لشيء لم يكن: إنه قد كان، فقد زعم: أن الله خلقه، ولا يكون شيء حتى ~~يكونه الله عز وجل، فإذا أخبر أنه قد كان، ولم يكن الله كونه، فقد افترى ~~على الله. # فلذلك قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: الكذب مجانب للإيمان. PageV04P138 # فإيمانه في قلبه يكذبه، فسأل أن يطهر لسانه من ذلك. # وأما قوله: ((وعيني من الخيانة)): فخيانة العين: مسارقة، كأنه يريد أن ~~يسرق ممن لا يسرق منه، ويستخفي مما لا يخفى ms0555 عليه لمحة، ولا لحظة، ولا طرفة؛ ~~لأنه لا يستعمل الإله نظرا، ولكنه يلحظ، ويعرض إذا رأى ما لم يؤذن له النظر ~~إليه، فيعرض بمكان المخلوقين، ثم يلحظ بلحاظ عينه سرقة واختلاسا، وقد حذر ~~الله في تنزيله، فقال: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور}. # فقد غفل قلبه عن أن يراه أبصر الناظرين. # وأما قوله في الحديث الآخر: ((اللهم ارزقني طيبا، واستعملني صالحا))، ~~فهذا عيش أهل الجنان، رزقهم طيب، وأعمالهم صالحة، PageV04P139 ~~كلها ليس فيها فساد، فالرزق الطيب هو الحلال مع القبول منه، وإن استعمله، ~~فقد فاز، فإن العباد على ضربين: # منهم: من وضع العمل بين يديه، فقيل له: اعمل هذا، ودع هذا، وأقبل على ~~هذا، وجانب هذا. # وآخرون قد جازوا هذه الحظة، وعافوا المنهي، ونسوه، وطهرت قلوبهم، ~~وأركانهم، فاستعملهم ربهم في الشريعة لمحابه، ولما قد علم: أن صلاحهم في ~~ذلك، فسأله الاستعمال. # فالأول بين له الشريعة، ثم قيل له: سر فيها مستقيما، وخذ الحق، واجتنب ~~الباطل، وكثيرا ما يقع في التخليط، والأغاليط، ويشوبه ما ليس منه. PageV04P140 ### || AUTO الأصل الثالث والستون والمئة # 895 - حدثنا حاتم بن نعيم التميمي، قال: حدثنا أبو روح، قال: حدثنا هشام ~~بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي، ~~قال: حدثنا ابن لكنانة بن عباس بن مرداس، عن أبيه، عن جده عباس بن مرداس: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة والرحمة، ~~وأكثر الدعاء، فأجابه: إني قد فعلت، إلا ظلم بعضهم بعضا، فأما ذنوبهم فيما ~~بيني وبينهم، فقد غفرتها، قال: ((يا رب! إنك قادر أن تثيب هذا المظلوم خيرا ~~من مظلمته، وتغفر لهذا الظالم))، فلم يجبه تلك العشية، فلما كان الغداة، ~~غداة المزدلفة، اجتهد في PageV04P141 ~~الدعاء، فأجابه: ((إني قد غفرت لهم))، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقيل له: يا رسول الله! تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها؟ فقال: ((تبسمت من ~~عدو الله إبليس، إنه لما علم أن الله استجاب لي في أمتي، أهوى يدعو بالويل ~~والثبور، ms0556 ويحثي على رأسه، ويفر)). # قال أبو عبد الله: # فهذا لما نالتهم المغفرة عشية عرفة، وقد ستروا من الذنوب، فهم في PageV04P142 ~~ستره، والحق يناشد، ويقتضي تبعات الخلق، فلا مرد له، ولا معارض، فلو تركهم ~~والحق، لأخرجهم الحق من الستر، حتى يعودوا إلى الحالة الأولى عراة، فعطف ~~الله عليهم، ولم يخيب أضيافه وزائريه، والمنيخين بفنائه يستعطفونه، ~~ويسألونه سؤال المساكين، فضمن عنهم التبعات، ويرضي أهلها عنهم، فغفرها لهم، ~~فبقوا في ستره، ورضي الحق بضمان الكريم الملي الوفي، وخلى عنهم، وصاروا إلى ~~تطواف بيته، لائذين به بعد أن أرضوا الحق، وتطهروا من الأدناس، فحباهم، ~~وخلع على قلوبهم من النور، وتلك عرائس الضيافة. PageV04P143 ### || AUTO الأصل الرابع والستون والمئة # 896 - حدثنا داود بن حماد القيسي، قال: حدثنا عمر بن سعيد الدمشقي، قال: ~~حدثنا صدقة بن عبد الله، قال: حدثني عبد الكريم الجزري، عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام، عن الله ~~-تبارك وتعالى-: أنه قال: ((من أهان لي وليا، فقد بارزني بالمحاربة، وإني ~~لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي، إني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرب، وما ~~ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض روح عبدي المؤمن وهو يكره الموت، ~~وأكره مساءته، ولا بد له منه، وما تعبد لي عبدي المؤمن بمثل الزهد في ~~الدنيا، ولا تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه، وما يزال عبدي ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت له سمعا، وبصرا، ويدا، PageV04P145 ~~ومؤيدا، إن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبت له، وإن من عبادي المؤمنين لمن ~~يسألني الباب من العبادة، ولو أعطيته إياه، لدخله العجب، فأفسده ذلك، وإن ~~من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته، لأفسده ذلك، وإن من ~~عبادي المؤمنين لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته، لأفسده ذلك، وإن من عبادي ~~المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الصحة، ولو أسقمته، لأفسده ذلك، وإن من عبادي ~~المؤمنين لمن لا يصلحه إلا السقم، ولو صححته، لأفسده ذلك، ms0557 إني أدبر عبادي ~~بعلمي بقلوبهم، إني عليم خبير)). PageV04P146 # قال صدقة: سمعت أبان بن عياش يحدث هذا عن أنس رضي الله عنه، ثم يقول أنس ~~رضي الله عنه، اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى، فلا تفقرني. # 897 - حدثنا إبراهيم بن المستمر الهذلي، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، ~~قال: حدثنا عبد الواحد بن ميمون مولى عروة بن الزبير، عن عروة بن الزبير عن ~~عائشة -رضي الله عنها-، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الله -تبارك ~~وتعالى-: أنه قال: ((من أهان لي وليا، فقد بارزني بالمحاربة، وما ترددت عن ~~شيء أنا فاعله ترددي عن قبض روح عبدي المؤمن، إنه يكره الموت، وأكره ~~مساءته، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، وإن عبدي ليتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت بصره الذي به يبصر، ولسانه الذي به ~~ينطق، وأذنه الذي به يسمع، وفؤاده الذي به يعقل، ويده PageV04P147 ~~التي بها يبطش، ورجله التي بها يمشي)). # 898 - حدثنا إسماعيل بن نصر، قال: حدثنا أبو المنذر القطيعي، قال: حدثنا ~~عبد الواحد أبو حمزة مولى PageV04P148 ~~عروة، عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها-، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، عن الله -تبارك وتعالى-، بمثله. # قال أبو عبد الله: # فالولي: من ولي الله هدايته ونصرته، وأخذه من نفسه، فقد رفعه بمحل علي، ~~وعامة المؤمنين قد تركوا ونفوسهم يجاهدونها؛ ليكون ذلك الجهاد عبودتهم له، ~~فيكرم غدا مآبهم، ويمجد نزلهم، وقد قال في تنزيله: {وجاهدوا في الله حق ~~جهاده}. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((المجاهد: من جاهد نفسه ~~في ذات الله)). # وذلك أفضل الجهاد. PageV04P149 # والولي: جاهد، فصدق الله في جهاده، حتى إذا استفرغ وسعه في ذلك، ألقى نفسه ~~بين يديه ضرعا، مستكينا، مستغيثا به، صارخا إليه، مضطرا، وقد قال: {أمن ~~يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض}. # فأجابه، ورحمه، وأخذه من نفسه بنور، فتح لقلبه من الغيب، فاشتعل نارا ~~أحرقت شهوات نفسه، ودواهيها، وأشرق الصدر ms0558 بالنور، وكشف السوء، وجعله من ~~خلفاء الأرض، إماما من أئمة الهدى، وربيعا للقلوب، وخريفا يجتني ثماره، ~~فولي الله إقامته على طريقه، حتى ربت له عنده، وهو قوله تعالى: {والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}. # فمن أهانه، فقد خرج إلى البراز، يريد أن يسلبه ما أخذ. # والمحاربة: المسالبة، يقال في اللغة: حربه؛ أي: سلبه، كأنه قال: قد ~~بارزني، يريد أن يأخذ مني ما قد رفعته، فيضعه. # وأما قوله: ((إني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي)): فإن من تدبير الله أن ~~الحق، والرحمة، مقتضيان في شأن الخلق، فالحق يقتضي الخلق عبودته، فمن لم ~~يقبلها، فهو ذرء النار، وبهم تملأ جهنم، وبالجنة، كما PageV04P150 ~~قال في تنزيله: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}. # ومن قبلها، فوفى بها، فلا حساب عليه، ولا عذاب، ويدخل الجنة بسلام. # ومن قبلها، فوفى ببعض، وضيع بعضا، (اقتضى الحق ذلك، والنار منتقمة، تأخذ ~~من جسده، وتذر؛ كما وفى ببعض، وترك بعضا)، فإذا جاءت المشيئة، جاءت الرحمة، ~~فأخذته من الحق، فأنقذته من العذاب، والحق يؤدي إلى الغضب، وإلى النار إذا ~~اقتضى، فلم يجد الوفاء. # وقد سبق منه القول: ((سبقت رحمتي غضبي))، فتجيء الرحمة لمن سبقت له رحمته ~~غضبه، فتأخذه من الحق، فهذا لعامة الموحدين. # فأما الأولياء: فإنما نالوا الولاية بالرحمة العظمى، فمن نازع الولي، أي: ~~آذاه، أو ظلمه، فالرحمة خصمه، والحق خصمه، وخصم الجميع، فقد اجتمع الحق ~~والرحمة في طلب ثأره من هذا الظالم، فلذلك كان أسرع شيء إلى نصرة أوليائه، ~~ومن كان من دون الأولياء، فظلم، فاقتضى الحق ظلمه ليصاب بعقوبة، جاءت ~~الرحمة تدفع عنه، وتأخذه، والرحمة من المشيئة، والحق من القدرة. # 899 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا الحسن بن أيوب الدمشقي، قال: قرأت ~~على عبد الله بن صالح المصري، قال: حدثني سليمان بن عبد الله الأيلي، PageV04P151 ~~قال: حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان يوم القيامة، نادى مناد: ليقم أهل ~~الله! فيقوم ms0559 أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعمر الفاروق، وعثمان بن عفان ذو ~~النورين، وعلي بن أبي طالب -رضوان الله عليهم-، فيقال لأبي بكر: قم على باب ~~الجنة، فأدخل فيها من شئت برحمة الله، ورد منها من شئت بقدرة الله، ويقال ~~لعمر: قم عند الميزان، فثقل ميزان من شئت برحمة الله، وأخف ميزان من شئت ~~بقدرة الله، ويقال لعثمان: خذ هذه العصا، فذد بها الناس عن الحوض، ويقال ~~لعلي: البس هذه الحلة؛ فإني قد خبأتها لك منذ يوم خلقت السماوات والأرض إلى ~~اليوم)). # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرحم أمتي بأمتي: أبو بكر، ~~وأقواهم في دين الله: عمر، وأصدقهم حياء: عثمان بن عفان)). PageV04P152 # فهذا الحديث الأول يبين منازل القوم أنهم أهل الله وخاصته، وأنه ينكشف لأهل ~~الموقف غدا، يظهره عليهم عند خلقه، وأن الرحمة حظها من الناس أبو بكر رضي ~~الله عنه، وأن الحق حظه من الناس عمر رضي الله عنه، فلذلك يقوم أبو بكر رضي ~~الله عنه عند باب الجنة، ويقوم عمر رضي الله عنه عند الميزان، ينبئ هذا ~~القول عن الرجلين أن قلبيهما كانا قد استويا لله، وكانا في قبضته، فلا ~~يرحمان إلا من يرحم، ولا يخيبان من الرحمة إلا من يخيب، وهذا من الإنابة، ~~فإذا صار الأمين بحال يستكمل الأمانة، فوض إليه، فتكون مشيئته قد وافقت ~~مشيئة الذي ائتمنه، فهؤلاء قوم قد صاروا أمناء الله، وقفت قلوبهم بين يديه ~~راقبين لمشيئته، فلذلك قال: ((أهل الله)). # والأهل والآل بمعنى واحد يؤولون لله؛ أي: يرجعون إليه في كل شيء، فيبرز ~~لأهل الموقف فيقاومهم بقلوبهم وضمائرهم التي كانت فيما بينهم وبين الله؛ ~~كرامة لهم، وتنويها بأسمائهم في ذلك الجمع، فكان الغالب على أبي بكر رضي ~~الله عنه الرحمة في أيام الحياة، والغالب على عمر رضي الله عنه PageV04P153 ~~القيام بالحق وتعزيزه، فكأنهما كانا ممن هو في قبضته يستعمله، واستعمل هذا ~~بالرحمة، وهذا بالحق، فإذا كان يوم القيامة، وقف هذا عند باب الجنة، وهذا ~~عند الميزان؛ لأن الحق يطالب أهل ms0560 الموقف بالعدل، والرحمة تطلب أهل الموقف ~~لتوردهم الجنة. # ومعناي في قولي: أنه يستعمل العبد إذا صيره في قبضته ما جاء به عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من غير وجه يحكي عن جبريل -صلوات الله عليه- عن ~~الله -تبارك وتعالى-: أنه قال: ((وإن عبدي ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، ~~فإذا أحببته، كنت سمعه وبصره، ويده، ورجله ولسانه، وفؤاده، فبي يسمع، وبي ~~يبصر، وبي ينطق، وبي يعقل، وبي يبطش، وبي يمشي)). # ومنه قول عمر رضي الله عنه حيث أتاه رجل والدم يسيل من شجته، فقال: ويحك! ~~من فعل بك هذا؟ قال: علي، فقال علي رضي الله عنه: رأيته مفاوضا امرأة، ~~فأصغيت إليهما، فساءني ما سمعته، فشججته، فقال عمر رضي الله عنه للرجل: ~~أصابتك عين من عيون الله، وإن لله في الأرض عيونا. # فهذا هو ذاك الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بي يسمع، وبي ~~يبصر، وبي يبطش)). # وأما قوله لعثمان رضي الله عنه: ((خذ [هذه] العصا، فذد بها عن الحوض))؛ ~~فإن الحوض غياث الخلق يومئذ. PageV04P154 # وكان عثمان رضي الله عنه الغالب عليه إغاثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في نوائبه بالمال، وهو جهز جيش العسرة، فخذلوه حتى سفك دمه، فحكم في شأن ~~الحوض؛ ليذود من لم يستحق من الحوض شرابا. # وأما قوله لعلي رضي الله عنه: ((البس [هذه] الحلة التي خبأتها لك)): فهو ~~عندنا حلة التوحيد، فإن الغالب على علي رضي الله عنه النفاذ في علم ~~التوحيد، وبه كان يبرز على عامة أصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه ~~الخطب التي جاءت عنه تدل على ذلك، وكان إذا أثنى على ربه، أبلغ وبرز على ~~غيره، فهذا قسم الله لهم، وحظوظهم منه، فيظهرها الله عز وجل يوم الموقف على ~~أحوالهم. # رجعنا إلى حديث الأولياء: # فأما قوله: ((وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض روح عبدي المؤمن، ~~إنه يكره الموت، وأكره مساءته)). # فالموت خلق فظيع، منكر ثقيل، بشع مرير، لا بد للأحباب أن يذوقوه، ولا ~~يخلو من ms0561 أن يكرهوه، وقد علم الله أنه يشتد عليهم، ويتأذون به، فتردد في ~~فعله؛ لكراهة مساءتهم، كالذي يكره شيئا، وقد قضى على نفسه حتما أنه يفعله، ~~فمشيئته لموتهم تردد بين الحق والرحمة. PageV04P155 # فالحق ينفذ الموت، والرحمة تدفع، فالمشيئة مترددة بينهما، مرة إلى الرحمة، ~~ومرة إلى الحق، ومن دونهم ليس لهم هذا الحال، إذا جاءت المشيئة مع الحق، ~~نفذ أمره، فليست للرحمة هناك حركة؛ لأن المشيئة لم تتردد بينهما. # قال الله -جل ذكره-: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}. # فالحائد عن الموت أيام الحياة، يأخذه الحق بتنفيذ الموت، وليست للرحمة ~~حركة في الدفع عنه، ومن كان أيام الحياة يهتش لذكره شوقا إلى الله، فغليان ~~الشوق في قلبه مراجل، فإنما نال هذا القلب، وهذا الشوق في هذا القلب ~~بالرحمة، فتلك الرحمة تتحرك له عند كل نائبة، وأعظم نوائبه الموت، يريد ~~خلاصه، والحق من ناحيته يقتضيه أن ينفذ الموت عليه، والمشيئة من الله ~~مترددة فيما بينهما، مرة إلى هذا، ومرة إلى ذاك. # وأما قوله: ((إني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرب)): # فالليث: كريم لا يؤذي، حتى يجترأ عليه، فإذا اجترئ عليه، أو سلب منه ~~ولده، حرب، فكسر، ودمر على من يظفر به، فمن آذى ولي الله، PageV04P156 ~~فإنما يجترئ على الله، يريد أن يحاربه، فيأخذ منه ما اصطفاه لنفسه، فيفسد ~~شأنه، ويهدم بنيانه، وتربيته، فإن الولي إذا بلغ غاية الصدق سيرا إليه، ~~ومجاهدة لنفسه؛ نظر إلى نفسه، فوجدها كما كانت، فلم يقدر أن يمحو عن نفسه ~~ما ركب فيه، كما لم يقدر على أن يسود ما ابيض من شعره، أو يبيض ما اسود، ~~إذا كانت خلقة. # فهذا الصادق جاهد، فصدق الله في المجاهدة، وفطم نفسه عن سيء الأخلاق، فلم ~~يقدر على إماتتها واستئصالها، فحينئذ إذا رآه الله قد انقطعت حيلته، وبقي ~~بين يديه ينتظر رحمته، انتجبه للولاية، ووكل الحق به، يهذبه، ويطهره، ويسير ~~به إليه، فتلك الأنوار التي ترد عليه من قربه، تميت تلك الأخلاق، وتطهر ~~نفسه، فذاك بنيان الله وتربيته، وتبين ms0562 أخلاقه بتلك الأنوار على محابه، حتى ~~يصلح لولايته، فإذا تم البنيان والتربية، كشف الغطاء، وأشرق على صدره نوره، ~~وجعل لقلبه إليه طريقا لا يحجبه عنه شيء؛ لأنه لم يبق في نفسه شيئا يحجبه، ~~فهو ولي الله، هو يتولاه في أموره، وهو يكلؤه، وهو الذي يستعمله، فهذا الذي ~~يتعرض له، وبظلمه قد اجترأ على الله، يريد أن يهدم بنيانه، ويفسد تربيته ~~فيغضب الله له. # وذكر غضب الليث إذا أحرب، فإن الأسد إذا أحرب، لم يحل عن الشيء الذي يثب ~~إليه، حتى يفنيه كسرا ودمارا. # فإنما أراد بذكر هذا هاهنا: أن العقوبة من الله تسرع إليه إسراعا كهيئة ~~الاختطاف. # وهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: # 900 - حدثنا داود بن حماد القيسي، قال: حدثنا عمر PageV04P157 ~~عمر ابن سعيد الدمشقي،، قال: حدثنا مكرم البجلي، عن هشام ابن الغاز، عن ~~أبيه الغاز بن ربيعة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إياك ونار ~~المؤمن لا تحرقك، وإن عثر كل يوم سبع مرات؛ فإن يمينه بيد الله، إذا شاء أن ~~ينعشه نعشه)). # فلكل نور نار، ولكل نار حريق، وحريق كل نار على قدره، وعظم كل مؤمن على ~~قدر نوره، ونوره على قدر قربه، ومحله من المؤمن. # فهذا المؤمن الذي ذكر هاهنا هو المحتظي من النور والقربة، وقد تولاه ~~الله، فكان في ذلك الزمان المؤمن عندهم بهذه الصفة. PageV04P158 # ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه: وددت أني شعرة في صدر مؤمن. # وقيل في الحديث: ((لو أن المؤمن أقسم على الله، لأبره)). # فالمؤمن البالغ الولي لله، إذا تعرضت له بمكروه، فنار نوره تحرقك، ومن لا ~~حظ له من نوره، فليس له نار تحرق، وإنما معه نور التوحيد فقط، فحذر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أن يشتبه عليك أمره، فإذا رأيته عثر، أو وقع في ذلة، أن ~~تنظر إليه بعين الازدراء، كسائر العامة، فيحرقك، فإن يمينه بيد الله. # فهذا ولي، فإنما قال: ((يمينه بيد الله))؛ لأنه قد صار في قبضته، وقد ~~أخذه من ms0563 نفسه، فهو يمسكه، ويحفظه، فإذا عثر، فتلك العثرة كانت في تدبير ~~الله له؛ ليجدد عليه أمرا، وليرفعه إلى ما هو أعظم شأنا، وليس تلك عثرة ~~رفض، إنما هي عثرة تدبير، كذا دبر له، كما دبر لداود تلك الخطيئة. # فانظر: أي شيء كان له بعد الخطيئة من الكرامة، والقربة بذلك البكاء وذلك ~~النوح؟ وما ظهر له من الله من الزلفة والعطف عليه؟. PageV04P159 # فتكون للأولياء عثرات يجدد الله لهم بها كرامات، ويبرز لهم ما كان مغيبا ~~عنهم من حبه إياهم، وعطفه عليهم، فينعشهم، فهو مع ذلك الذنب يمينه بيد ~~الله، لم يكله إلى نفسه، ولا تخلى عنه، وإنما يجري عليه الذنب، ثم ينعشه. # 901 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا عمرو ابن عثمان القرشي، قال: ~~حدثنا محمد بن حرب، قال: حدثني أبو سلمة سليمان بن سليم، عن يحيى بن جابر ~~الطائي، عن يزيد بن ميسرة، قال: إن الله -تبارك وتعالى- يقول: ((ابن آدم! ~~لا تحرقك نار المؤمن؛ فإن يمينه في كف الرحمن ينعشه، وإن عثر في كل يوم سبع ~~مرات)). # وذلك: أن المؤمن يذنب الذنب، ثم يتوب منه، فيكون كالقرحة بين عينيه، لا ~~يزال يذكره، فيستغفر الله منه، ويذكر الرجل ذلك منه، فيعيره به، فيدخل الله ~~صاحب الذنب الجنة، ويدخل الذي يعيره به النار. PageV04P160 # وأما قوله: ((ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته)): فإنما فرض الله ~~الفرائض؛ ليحط بها عنه الخطايا، وليطهر العبد بها. # ألا ترى إلى قوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل}؟ ثم ~~قال: {إن الحسنات يذهبن السيئات}. # فأعلمك أن هذه الصلاة قيامها، وركوعها، وسجودها، منك حسنات تذهب سيئاتك، ~~فإنك لهوت عن العبودة، وغفلت عن نعمي، وجفوتها، وتكبرت في نفسك، حتى ركبت ~~الخطايا والذنوب، وأطعت هواك من كبرك في نفسك، وتركت أمري. # فهذه: سيئات قد قبحتك وشانتك، فالقيام: تذلل، وتسليم نفس، والركوع: خضوع، ~~والسجود: خشوع، والجلوس: رغبة وتضرع. # فهذه منك حسنات تذهب منك سيئاتك، وتزينك، وتستر شينك. # وقال في شأن الزكاة: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}. ms0564 # وقال في شأن الحج، فأمره بالوقوف والذكر، ثم قال في آخره: {فمن تعجل في ~~يومين فلا إثم عليه}؛ أي: يرجعون مغفورين، قد حطت عنهم الآثام. PageV04P161 # فهذه الفرائض إنما فرضها عليهم؛ لتكون دواء للداء الذي اكتسبوه، فإذا ~~أقامها؛ فقد تطهر، فصلح للقربة، وإذا ضيع الفرائض، لم يكن ذاك دواء للذنوب، ~~وبقي على حاله مع دناسة الذنوب، فلم ينل القربة. # فإذا تطهر بإقامة الفرائض، فقد استوجب القربة، فتنفل بعد ذلك، فاستوجب ~~المحبة، والتنفل في المغازي، كالعطف من الأمير على الواحد من أهل العسكر ~~يخصه بحضرته. # فالنفل زيادة على القسمة، خارج منها، يبره الأمير على قدر عنايته، ~~ورجائه، وبلائه في الحرب، فهاهنا يتنفل العبد بزيادة على الفرائض، فينفل ~~القربة والمحبة، فإذا أحبه، اختاره، وأوصله إلى حبة القربة، ولكل شيء حبة، ~~وحبة كل شيء وسطه، وجوفه، ولبابه. # فهذا عبد نال القربة، وهو أقرب القربة وحبته، فقيل حب، وهناك يحيا قلبه ~~بالحي الذي لا يموت، فإذا أحياه به، كان كما ذكر، فقال: ((كنت سمعه، وبصره، ~~وفؤاده، ولسانه، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يعقل، وبي ينطق)). # خمد ما في قلبه من نور الروح، ونور العقل لنوره، فهو يتولاه ويستعمله. # فالموحدون: أحياهم الله بالروح، وأحيا قلوبهم بنور التوحيد، وهذه الطبقة ~~ساروا إليه بنور التوحيد بالقلوب، ورفضوا النفس، وتبروا منها، فأوصلهم إلى ~~نفسه، وقربهم، وأحيا قلوبهم بنوره، فهم الأنبياء والأولياء. # وقوله: ((ما تعبدني عبدي بمثل الزهد في الدنيا)). PageV04P162 # وهكذا شأن العبد يزهد في كل شيء لم يقدر له في اللوح، فما أعطي، علم أنه قد ~~كان قدر له في اللوح، فقبله، وما منع، [علم] أنه لم يكن قدر له في اللوح، ~~فرفع باله وذكره عن ذلك. # فهذا عبد قد أبرز صدق العبادة، فهو متعبد، قد تعبد الله بالتشبه بالعبيد؛ ~~فإن من شأن العبد: أن لا يمد يده إلى شيء حتى يعطى، وهذا ينظر إلى ما قدر ~~له في اللوح من بين العبيد، وهو شيء لم يتدبره، ولم يتكلفه، ولم يعلم به، ~~دبره له مولاه العليم بما يصلحه، وإنما ms0565 مدح الزاهد: بأنه تهاون بالدنيا، ~~فلم يلحظ إليها، فهذا منه صدق إيمان، وتحقيق؛ لأنه لما أيقن بالآخرة، فنظر ~~بنور اليقين إلى آخرته، تلاشت الدنيا في عينه في جنب ما أعد الله في ~~الآخرة، فصغرت عنده. # والزهد في اللغة: هو الشيء القليل. # وإذا قل الشيء في عين المرء، تهاون به، على هذا ركب وطبع، رأوا قلة ~~الدنيا بنور الإيمان التي أبصروا بها كثرة الآخرة، وعظمها، فبهذين نبلوا ~~وشرفوا، فأعرضوا عن جمعها، إلا ما قدر لهم في اللوح، فعظموا ذلك القدر الذي ~~أوصل إليهم؛ لأنه لما توصل إليهم، علموا: أن هذا تدبيره، وصنعه، وعطفه، ~~ورحمته، فعظم شأن ذلك عندهم، ففرحوا، واستبشروا، وحمدوا ربهم، وتوسعوا في ~~ذلك، فمن بلغك عن أحد من المنتبهين من السلف، أنه فرح بشيء مما أوتي، أو ~~عظم، فإنما عظمه من PageV04P163 ~~هذا الطريق، لا من طريق قدر الشيء، فأنعم فيه النظر حتى لا تغلط، فتظن بهم ~~ظن السوء، ويقتدى بتوهمك بهم. # فإذا حصلت السرائر غدا، خرج فرحك بالشيء من أجل النفس، وقدر الشيء، وخرج ~~فرحك بالشيء فرحا بعطف الله وتدبيره ورحمته. # وقد قال في قصة قارون: {لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}؛ فإنما فرح ~~قارون فرح أشر، وبطر، وإعجاب بالدنيا، فانظر كيف كان عاقبته؟!! # وفرح المتنبه بالله، وتدبيره، وصنعه له، كيف دبر له ما قسم له في اللوح ~~برحمته، ولهى عما سوى ذلك. # فالزاهدون متعبدة، والأولياء عبيد، هؤلاء يعبدونه بالزهد، وهؤلاء عبدوه ~~بالعبودة. # فالزاهدون: أعرضوا عن الدنيا، فبهذا تقربوا إليه. # والأولياء: أعرضوا عن النفس، فبهذا تقربوا إليه، فمن أعرض عن الدنيا، ~~أقام الزهد، ومن أعرض عن النفس، أقام العبودة. # 902 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا موسى ابن عامر الدمشقي، قال: ~~حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني أبو غنيم الكلاعي، عن أبان، عن الحسن، قال: PageV04P164 # بني الإسلام على عشرة أركان: الإخلاص لله، وهي الفطرة، والصلاة، وهي الملة، ~~والزكاة، وهي الطهرة، والصيام، وهي الجنة، والحج، وهو الشريعة، والجهاد، ~~وهو العزة، والأمر بالمعروف، وهو الحجة، والنهي عن المنكر، وهو الواقية، ms0566 ~~والطاعة، وهي العصمة، والجماعة، وهي الألفة. # فإنما أردنا في هذا الحديث ما ذكرنا بدءا أن الفرائض هي للعباد خلاص من ~~الآفات التي أحدثوها، فإذا عملوها، ذهبت الأحداث، فقربوا. # وأما قوله: ((الإخلاص لله، وهي الفطرة)). # فإن الخلق فطروا على المعرفة، فليس أحد ينكره، فمعرفة الفطرة قد استوى ~~الخلق فيه علوا وسفلا، وهو قوله تعالى: {فطرت الله التي فطر الناس عليها}. # وروي عن وهب بن منبه رضي الله عنه، أنه قال: لما خلق الله الخلق، لحظ ~~إليهم لحظة، فكاد يزول كل شيء من مكانه، ثم لحظ أخرى، فهمدوا كلهم، فألهمهم ~~من ربوبيته ما ليس لأحد أن ينكره، فهي الفطرة. # 903 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا هشام PageV04P165 ~~ابن عمار الدمشقي، عن محمد بن شعيب، قال: أخبرني النعمان، عن مكحول: إن ~~الفطرة معرفة الله. # يقول الله -تبارك اسمه-: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله}. وقال في تنزيله: {فطرت الله التي فطر الناس عليها}، ثم قال: {لا ~~تبديل لخلق الله}. # إنه خلقهم على معرفته، وعلى ذلك فطرهم من الغيب، فلا تبديل لذلك؛ أي: لا ~~يقدرون أن ينكروني، فهم يقرون به، ويعرفونه معرفة الفطرة، ثم يشركون به؛ ~~لجهلهم بصفاته. # فقوله: ((الإخلاص لله، وهي الفطرة)): أن المؤمنين لما أدركتهم الهداية، ~~وجعل الله لهم نورا، فأحياهم، خلص لله أمره. # وقوله: ((الصلاة، وهي الملة)). # فإن الصلاة شيء في نفسه محشو بالأفعال، وهو القيام، والركوع، والسجود، ~~والتلاوة، والثناء، والجلوس، فهي أفعال مضمومة بعضها إلى PageV04P166 ~~بعض، فصيرت فعلا واحدا، فقيل: هي ملة، والملة ما ضمت، والملة: الخبزة ~~المضمومة إلى الحفرة، أضيفت الخبزة إلى الملة دقاق الخبز وترابه. # وقيل: خبز ملة، على الإضافة إلى الملة، فهكذا شأن صفة الصلاة، هي أفعال ~~شتى، مضمومة بعضها إلى بعض إلى أمر واحد، وكذلك سبيله أيضا أنهم يجتمعون ~~بأجسادهم على هذا الأمر الواحد، فتكون صلاتهم مضمومة بعضها إلى بعض، فتكون ~~صلاة واحدة، وهي الملة. # وأما قوله في الزكاة: ((وهي الطهرة))، فهو قوله: {خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم}. # لأنهم قد تدنسوا بها، وإنما ms0567 سمي مالا؛ لميل القلوب إليه عن الله، جعل ~~الله هذا المال سببا لقوام معاشهم، وخلقهم محتاجين مضطرين، والمضطر مفزعه ~~إلى من اضطره، إلى نفسه، وترك مفزعه، وصير المال الذي صير سببا مفزعا ~~لحاجته، فمال بقلبه عن الله، فهذا دنس. # فقيل: تصدقوا؛ أي: أعطوا من هذا المال ما يطهر صدق أقوالكم: إنا لله، وإن ~~هذه الأموال من الله، وفي أيدينا لله، فسميت صدقة؛ لأنه يظهر بالإعطاء صدق ~~إيمانهم بالله، وأنها لله، فتصير صدقاتهم طهرة لهم من أدناسهم، هذا إذا ~~أصابه من حلال، فهو يميل قلبه عن الله، ويصير دنسا، فكيف بالشبهة، ~~وبالحرام؟! PageV04P167 # فالحرام: لا يطهرها شيء، والشبهة: موقوفة، والحلال: متقبلة، فإنما أمر الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يأمر الخلق في ذلك الوقت حيث أمرهم بالصدقة ~~كانت في أيديهم مكاسب الحلال والغنائم. # فالصدقة من هناك وجبت على تلك الأموال، ثم على سائر أموال العامة التي قد ~~اختلطت. # وأما قوله: ((والصيام، وهي الجنة)): # فإن النار حفت بالشهوات، والجنة بالمكاره، وكذلك جاءنا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # ففي الصيام ترك الشهوات، فإن تركها، فقد ترك حفاف النار، فصار جنة له من ~~النار وسترا؛ لأنه قد تباعد من حفافها. # وأما قوله: ((الحج، وهو الشريعة)). # فإن الله -تبارك وتعالى- دعاهم إلى أن يؤمنوا به، ويسلموا إليه وجها، ~~وجعل البيت مظهرة ومعلمة، فهناك آثاره، وآياته، وقد كان من قبل خلق PageV04P168 ~~الأرض زبدة بيضاء، فاقتضاهم الإجابة له بإتيانه قلبا؛ لمظهره الأعلى، وهو ~~العرش، وبأبدانهم إتيان المعلم الذي بالأرض لمن وجد السبيل إليهن فشرع ~~للعباد إلى العرش قلوبا إليه، وشرع لهم إلى البيت عند معلمه أبدانا، فهي ~~الشريعة، وهي الطريق إليه، وشرع لهم بالقلوب وبالأبدان إلى الموطنين. # وأما قوله: ((الجهاد، وهي العزة)). # فإن الله دعا العباد إلى أن يوحدوه، فأجابته طائفة، وامتنعت طائفة تعززوا ~~بالكبر الذي في صدورهم، والقوة التي في أبدانهم، وبالنعمة التي أسبغها ~~عليهم، فقال لهذه الطائفة المجيبة: أنتم أنصاري وأوليائي {وأنزلنا الحديد ~~فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ms0568 إن الله قوي عزيز}. # ثم قال: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}، ثم قال -جل ذكره-: {فإذا ~~لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب}، وقال: {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم ~~كل بنان}. # ثم قال: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد}. # فصارت هذه الطائفة أهل حمية الله، ونصرته، وولايته، فقتلوهم، وأخذوهم، ~~وأسروهم، وحاصروهم، حتى أذعنوا وقعدوا في المراصد، وهي الرباطات، ينتظرون ~~خروجهم بأمر الله، فقال الله -تبارك اسمه-: {ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين}، فالجهاد هو العزة. PageV04P169 # وأما قوله: ((والأمر بالمعروف، وهو الحجة)). # فإن الأمر حجة الله على خلقه، وهو فعل المرسلين، بعثوا للأمر بالمعروف، ~~(والنهي عن المنكر، فمن فعله من بعدهم، فهو من خلفائهم، فهو يقيم حجة الله ~~على خلقه. # فأما قوله): ((والنهي عن المنكر، وهي الوقاية)). # فإن الله -تبارك اسمه- ذكر في تنزيله: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ~~على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}. # ثم ذكر بدو أمرهم، فقال: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا ~~يفعلون}. # ثم روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: ((إن الظالم إذا لم يأخذوا على يديه، يوشك أن يعمهم الله ~~بعقاب)). # وروي عن النعمان بن بشير يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ضرب ~~مثلا للراكب منكرا، والمانع له والساكت عنه مداهنا. PageV04P170 # 904 - حدثنا بذلك سفيان بن وكيع، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، ~~قال: سمعت النعمان بن بشير يقول على منبرنا هذا: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: ((مثل القائم على حدود الله، والمداهن في حدود الله، ~~والراكب حدود الله، كمثل قوم ركبوا سفينة، فاقترعوا منازلها، فصار مكان ~~النز ومهراق الماء ومختلف القوم لأحدهم، فصبح فأخذ القدوم، فنقر في ~~السفينة، فقال أحدهم لآخر: إنه يريد أن يغرقنا، ويخرق سفينتكم، فقال الآخر: ~~دعه؛ فإنما يخرق مكانه)). # 905 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا زكرياء ~~بن أبي ms0569 زائدة، قال: سمعت عامر [ا] PageV04P171 ~~الشعبي يقول: سمعت النعمان بن بشر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فذكر مثله، وزاد فيه، قال: ((فإن تركوه، هلك، وهكلوا، وإن أخذوا على ~~يديه، نجا ونجوا)). # فقوله: ((والنهي عن المنكر، وهي الواقية)): # أن يقيهم العقوبة والهلاك، فإذا غيروا، ونهوا، كان ذلك وقاية للعذاب. # وأما قوله: ((والطاعة، وهي العصمة)). # فإن طاعة الأئمة في طاعة الله رشد، فإذا تركوا الطاعة، ضلوا، فتلك الطاعة ~~هي عصمة، بهم يعصم الله، وبهم تسكن الفتنة، وبهم يقمع أهل الريب، وبهم يقوم ~~الحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالسلطان شأنه عظيم، ~~وهو من الله رحمة، فطاعته عصمة. # وطاعتك لله فيما أمرك عصمة لك من شر الدنيا وشر الآخرة، فهذا الذي يعم، ~~والأول خاص. # وأما قوله: ((والجماعة، وهي الألفة)). # فإن الله -تبارك اسمه- جمع المؤمنين على معرفة واحدة، وعلى شريعة واحدة؛ ~~ليألف بعضهم بعضا بالله، وفي الله، فيكونون كرجل PageV04P172 ~~واحد، وقال: {إنما المؤمنون إخوة}، وقال: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض}. # فإذا كان مع الجماعة في الشريعة، ولم يخرج إلى حدث، ولا إلى بدعة، فهو في ~~الألفة معهم. PageV04P173 ### || AUTO الأصل الخامس والستون والمئة # 906 - حدثنا الفضل بن محمد، عن محمد بن المصفى، عن بقية بن الوليد، عن ~~شعبة بن الحجاج، عن المجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن شريح، عن عائشة -رضي ~~الله عنها-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يا عائشة! {إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا} من هم؟))، قالت: الله ورسوله أعلم؟ قال: ((هم ~~أصحاب البدع، وأصحاب الأهواء، وأصحاب الضلالة من هذه الأمة. يا عائشة! إن ~~لكل ذنب توبة، ما خلا أصحاب الأهواء والبدع، ليس لهم توبة، أنا بريء منهم، ~~وهم براء مني)). PageV04P175 # 907 - حدثنا هارون بن حاتم الكوفي، قال: حدثنا علي بن حمزة الكسائي، عن ~~عباد بن كثير، عن ليث، عن طاوس، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: (({إن الذين فرقوا دينهم})) الحديث. PageV04P176 # فأهل الأهواء: قوم استعملوا أهواءهم، ms0570 والأهواء ميالة عن الله تعالى، زوالة، ~~فحيثما مالت، أتبعوها قلبوهم، وإنما صارت هكذا؛ لأنه لم يكن في قلوبهم من ~~النور ما يقيدها عن اتباعها، فإن[ه] على الحق نور، وعلى الإيمان نور، ~~ووقار، والإيمان بنفسه نور، فإذا خلا القلب عن ذلك، كان إيمانه ذا سقم، ~~والسقيم ضعيف، فمال به الهوى، قال الله -جل وعز-: {فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة}. # وهي الحرقة، وهي الشهوة التي في قلوبهم؛ تلذذا بها، {وابتغاء تأويله}، ~~فكانت تلك الشهوة صارت في قلوبهم، فمالت. # فسميت زيغا؛ لأنها زائغة بوليها عن الله. # فأهل الأهواء: كلما استحلوا شيئا، ركبوه، واتخذوه دينا، حتى ضربوا القرآن ~~بعضه ببعض، وحرفوه. # ومنهم من ترفض، حتى جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ونسب الرسالة إلى ~~علي رضي الله عنه. PageV04P177 # ومنهم من اتخذه ربا، فدخل عليه، فقال: أنت ربي، فقام علي رضي الله عنه، ~~فوطئه بقدمه حتى قتله، وأحرقه بالنار. # وأما أهل البدع: فمثل الخوارج، وأهل حروراء، أبدعوا من تلقاء أنفسهم ~~بدعا، فما زالت بهم تلك البدع حتى أدتهم إلى الخروج على علي رضي الله عنه، ~~وإلى حربه. # وقوم تزهدوا بغير علم، فأداهم الجهل إلى أن أبدعوا من تلقاء أنفسهم بدعا، ~~وحسبوا أن الزهد في الدنيا تجنب الأشياء فعلا، والعزلة عن أهل الدنيا، ~~فضيعوا الحقوق، وقطعوا الأرحام، وجفوا الخلق، واكفهروا في وجهوه الأغنياء، ~~وفي قلوبهم شهوة الغنى أمثال الجبال. # ولم يعلموا أن صلب الزهد إنما هو بالقلب، وأن أصل الزهد موت الشهوات في ~~القلب، فلما اعتزلوها بالجوارح، اكتفوا به، وحسبوا أنهم استكملوا الزهد، ~~حتى تأدى بهم الجهل إلى أن طعنوا في الأئمة الذين عرفوا بسعة المعاش، وغنى ~~المال، حتى عابوا الأنبياء، ونسبوا سليمان -صلوات الله عليه- إلى الرغبة، ~~وصاروا عند ذكره كالمعرضين عنه، الطاعنين عليه، فعابوه، وثقل عليهم ذكر من ~~لا يتم إيمانهم إلا بالإيمان به؛ فإن المؤمنين يدخل في عقد إيمانهم الإيمان ~~بالرسل، فهو حجة الله على خلقه. PageV04P178 # وقوم زعموا أنهم توكلوا على ربهم، وأن الطلب شك، والرزق يأتي ms0571 في وقته، ~~فقعدوا؛ رفضا للطلب، والمكسب، فضيعوا الأهلين والأولاد، ثم في خلال ذلك ~~يتدنسون في أبواب المطامع، ويخادعون الله في معاملته. # وقوم اتخذوا هذا العلم الذي هو حجة الله على عباده حرفة، وصيروه مأكلة، ~~فأكدوا به رئاستهم، واحتظوا به من القلوب، وتمكنوا به في صدور المجالس، ~~وصحبوا به الملوك؛ ختلا لما في أيديهم من الحطام، فلينوا لهم في القول؛ ~~طمعا لما في أيديهم، وداهنوهم؛ لما يرجون من نوالهم، وساعدوهم على تجبرهم، ~~وجورهم. # وقوم مفتونون، نسبوا إلى الدين، فالتقطوا الرخص، وزلات العلماء، فاتخذوها ~~دينا، وتدرعوا بذلك إلى شهواتهم الغاوية لهم، وزينوا للخلق ذلك تسترا على ~~أحوالهم السيئة بذلك من تعاطي الأشربة المردية، والمكسبة الرديئة، وأشباه ذلك. # وأما أهل الضلال، والمشبهة، والقدرية، والجبرية، والجهمية، وأشباههم ~~طلبوا الله من قبل علم البينة، لا من قبله، فضلوا عنه، فاقتضى الله الإسلام ~~للعباد دينا. # فالإسلام: تسليم النفوس، والدين: الخضوع لله بتسليم النفس إلي. # يقال في اللغة: دان له؛ أي: خضع، والدون مشتق عنه، سمي دونا؛ للاتضاع. PageV04P179 # فقال في تنزيله: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخسارين}. # فجعل الدين في تسليم النفس، فدانوا له بأن سلموا نفوسهم إليه؛ قبولا ~~لأمره، وطاعته، فأنزل كتابا فرقانا يفرق بين الحق والباطل، وأمرهم ~~بالاعتصام به، وأشار إلى دار السلام أن هذه مصيركم، وإليها أدعوكم، فقال: ~~{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، وهو عهده الذي أنزل، وقال: {والله ~~يدعو إلى دار السلام}. # ودل إلى طريق مستقيم إليها من غير تعريج ولا تلوية، ودبر في هذا الطريق ~~فرائض معلومة، وسننا، وأخذ زينة ليوم العرض عليه. # فالزائغون مالت قلوبهم، وأبدعوا، وضلوا عن الله، تركوا الخضوع لله، ~~وتسليم النفس إلى الله، ففارقوا دينا، فصاروا شيعا وأحزابا، وكل حزب بما ~~لديهم فرحون فرحا مظلما لا بقاء له، ولا قوام، زين لهم سوء أعمالهم، سد ~~عليهم باب القدر، فاشتدوا، وتعمقوا في طلبه حتى هلكوا، وأداهم ذلك إلى أن ~~برؤوا الله من قدرته، وشاركوه في مشيئته إفكا، وافتراء، وسد عليهم باب ms0572 درك ~~الكيفية، فاستبدوا يطلبون الكنه والكيفية، حتى عدلوه بخلقه سبحانه، وسد ~~عليهم باب التعمق، فما زالوا ينزهونه حتى تاهوا في الإلحاد عنه، فنفوا عنه ~~ما لم ينف عن نفسه، حتى جعلوه أصم أبكم أعمى، حتى آل بهم الأمر حتى قالوا: ~~ليس بشيء. PageV04P180 # وجاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((افترقت بنو إسرائيل ~~(اليهود منهم) على إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وافترقت ~~النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه ~~الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)). قيل: يا رسول ~~الله! من هذه الواحدة؟ قال ((السواد الأعظم)). # 908 - حدثنا بذلك الفضل بن محمد، قال: حدثنا كثير بن عبيد الحمصي، قال: ~~حدثنا محمد بن حمير، قال: حدثني مسلمة بن علي، عن عمر بن ذر، عن أبي قلابة ~~الجرمي، عن أبي مسلم الخولاني، عن أبي عبيدة بن الجراح، عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه، قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أعرف الحزن في ~~وجهه، فأخذ بلحيتي، فقال: ((إنا لله وإنا إليه راجعون، أتاني جبريل آنفا، ~~فقال: إنا لله وإنا إليه PageV04P181 ~~راجعون، قلت: أجل، إنا لله وإنا إليه راجعون، فمم ذلك يا جبريل؟ فقال: إن ~~أمتك مفتتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير، فقلت: فتنة كفر أو فتنة ضلالة؟ ~~فقال: كل ذلك سيكون، قلت: ومن أين ذلك، وأنا تارك فيهم كتاب الله؟ قال: ~~فبكتاب الله يضلون، وأول ذلك: من قبل قرائهم، وأمرائهم، يمنع الأمراء الناس ~~حقوقهم، فلا يعطوها، فيقتتلوا، ويتبع القراء أهواء الأمراء، ويمدونهم في ~~الغي، ثم لا يقصرون، قلت: يا جبريل؟ فبم يسلم من سلم منهم؟ قال: بالكف ~~والصبر، إن أعطوا الذي لهم، أخذوه، وإن منعوا، تركوه)). # 909 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا شباب ابن خليفة، عن يوسف بن خالد ~~السمتي، عن سالم بن بشير بن جحل، سمع حبيب[ا] المزني يحدث: أنه سمع PageV04P182 ~~أفلح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحدث عن رسول ms0573 الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: ((أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: ضلالة الأهواء، واتباع ~~الشهوات في البطن والفرج، والعجب)). # قال محمد بن علي الحكيم رحمه الله: # فهذا، وحديث شريح عن عائشة -رضي الله عنها- متفقان: أنهم ثلاثة أصناف: ~~العجب، وهو البدعة، واتباع الشهوات، وهي الأهواء والضلالة. # فإنما صار هؤلاء فرقا؛ لأنهم فارقوا دينهم، فبمفارقة الدين تشتت[ت] ~~أهواؤهم، فافترقوا. # ألا ترى إلى ما قال الله تعالى في تنزيله: {إن الذين فرقوا دينهم}، ثم ~~قال: {وكانوا شيعا}، ثم قال: {لست منهم في شيء}. # فبرأه منهم، فوجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده قد ~~اختلفوا في أحكام الدين، فلم يفترقوا، ولم يصيروا شيعا؛ لأنهم لم يفارقوا ~~الدين، وإنما اختلفوا فيما أذن لهم النظر فيه، والقول باجتهاد الرأي، ~~فاختلفت آراؤهم، PageV04P183 ~~واختلفت أقوالهم، فإنما أمروا بذلك، فصاروا باختلافهم محمودين؛ لأنهم أدى ~~كل واحد منهم على حياله بما أمر من جهة الرأي، والنظر فيه. # فمن ذلك ما قال أبو بكر رضي الله عنه في مسألة الجد أنه بمنزلة الأب، وأن ~~المال كله له دون الأخ. # وقال علي وزيد رضي الله عنهما: المال بين الأخ والجد نصفان. # ومثل ما قال عمر رضي الله عنه في بيع أمهات الأولاد: أن لا يبعن، وقال ~~علي رضي الله عنه: يبعن. # ومثل ما قالوا في الشركة، فمنهم من شرك، ومنهم من لم يشرك، وذلك في زوج، ~~وأم، وأختين لأب وأم، وأختين لأم، فأعطوا الزوج النصف، والأم السدس، وأعطوا ~~الأختين للأم الثلث. # فمنهم من شرك الأختين للأم والأب في هذا الثلث؛ لأنهم كلهم لأم واحدة. # ومنهم من لم يعط الأختين للأب والأم شيئا، وجعل الثلث للأختين للأم، ~~وقال: في فريضتهما في الكتاب بينة، ولكل وجه مذهب. # ومثل قول ابن عباس رضي الله عنهما: إن الفريضة لا تعول. # وقال عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعول، وأنزلوه بمنزلة ~~رجل ترك درهما واحدا، ولرجل عليه ثلثا درهم، ولرجل آخر نصف درهم، فقالوا: PageV04P184 # يقسم هذا الدرهم الواحد بينهما على ms0574 سبعة أسهم، على حصة دينهما. # ومنهم من رأى طلاق السكران جائزا، ومنهم من أبطله. # ومثل قولهم في الطلاق قبل النكاح، فمنهم من أنزله، ومنهم من لم ينزله. # وفي البيوع، وفي أشياء كثيرة من أمر الدين اختلفوا، فكان ذلك الاختلاف ~~رحمة من الله على هذه الأمة، حيث أيدهم باليقين، ثم وسع على العلماء منهم ~~النظر فيما لم يجدوا ذكره في التنزيل، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، حتى يلحقوه ببعض الأصول، فكانوا أهل مودة، وعطف، متناصحين، أخوة ~~الإسلام فيما بينهم قائمة. # فلما حدثت هذه الأهواء المردية، الداعية صاحبها إلى النار، ظهرت ~~العداوات، وتبيان الناس، وصاروا أحزابا، دليل ذلك: أن هذا التباين والفرقة، ~~إنما حدثت من المسائل المحدثة التي ابتدعها الشيطان، فألقاها على أفواه ~~أوليائه؛ ليختلفوا، ويرمي بعضهم بعضا بالكفر. # فكل مسألة حدثت في الإسلام، فخاض فيها الناس واختلفوا، فلم يورث ذلك ~~الاختلاف بينهم عداوة، ولا بغضاء، ولا فرقة، علمنا أن ذلك من مسائل ~~الإسلام، يتناظر فيه، ويأخذ كل فريق بقول من تلك الأقوال، ثم يكون في ~~أحوالهم من الشفقة، والرحمة، والألفة، والمودة، والنصيحة، كما فعل الصحابة ~~والتابعون رضي الله عنهم. PageV04P185 # وكل مسألة حدثت فاختلفوا فيها، فردهم اختلافهم في ذلك إلى التولي والإعراض، ~~والتباين إلى الرمي بالكفر، علمنا أن ذلك ليس من أمر الدين في شيء يجب على ~~كل ذي عقل أن يجتنبها، ويعرض عن الخوض فيها. # ومما يؤكد ما قلنا: ما ذكر الله في كتابه من حال أهل الإسلام كيف يكونون، ~~فقال الله عز وجل: {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ~~فأصبحتم بنعمته إخوانا}. # فذكر أنهم أصبحوا بالإسلام إخوانا، فلما جاءت مسألة مما إذا اختلف فيها، ~~ذهبت الأخوة، وجاءت الفرقة، علمنا: أن هذه المسألة ليست من الإسلام في شيء؛ ~~لأن شرط الله في تمسكنا بالإسلام، أنما نصبح بذلك إخوانا، فصاروا، بهذه ~~المسألة أحزابا، يكفر بعضهم بعضا، ووجدنا أهل الخذلان، إنما أعرض الشيطان ~~في قلوبهم بمثل هذه الأشياء، وذلك لما خلت قلوبهم من خشية الله، ms0575 ومن خوف ~~عقاب الله، بما قدمت أيديهم، ومن الأهواء التي أمامهم، وذكر الموت، ~~والصيحة، والحساب، والاهتمام بصحة الأمور، وطلب الإخلاص فيما بينهم، ~~والانتباه بحسن صنعه بهم في ليلهم ونهارهم، وطلب النجاة من رق النفوس إلى ~~حرية العبودة لربهم، فلما خلت من هذه الأشياء خربت، وصارت في القلوب ثلم، PageV04P186 ~~فوجد العدو فرصة، فألقى إليهم مثل هذه الأشياء التي يعلم المستنيرة قلوبهم: ~~أن هذا تكلف، وخوض فيما لا يعنيه، مثل قولهم في الجبر، والقدر، وفي ~~الاستطاعة قبل الفعل، ومعه، وفي طلب كيفية صفات الله، وفي الإيمان: مخلوق ~~هو أم لا؟ وفي القرآن: ما هو؟ وفي الإمامة: من استحقها بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ # حتى أداهم ذلك أن رفضوا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وجورهما، وأظهروا ~~سبهما، فلولا أن هذا عبد قد خذله الله، ونكس قلبه، كان يشتغل بمثل هذا، ~~وهم: قوم مضوا إلى الله بأعمالهم، فهو يقسم لهم المنازل بهواه، ويحمل بعضهم ~~على بعض، وقد قال الله -جل ذكره-: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون}. # وإنما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغا، ومعلما، وهاديا، فخرج من ~~الدنيا، وقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وعلم، وهدى، وأبلغ في النصيحة، ~~فأين القول منه للأمة في هذه الأشياء التي ذكرناها، وأين هدايته، وتعليمه ~~لهم ذلك؟ فهل يوجد حديث واحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستطاعة ~~والجبر؟ PageV04P187 # والقرآن ما هو؟ والإيمان مخلوق أم لا؟ فإن كان بعث مبلغا، وقد بلغ، ولم ~~يكتم شيئا من الوحي، فأين هذا في الوحي؟ وأين هذا في السنن التي جاءت عنه، ~~وكيف أدت عنه أئمة العلماء آداب الإسلام في طعامهم، وشرابهم، ونومهم، ~~وخلائهم، ووضوئهم، ولباسهم، ومشيهم، وزيهم، وسائر أحوالهم، وتركوا مثل هذه ~~الأشياء التي أدى اختلاف القائلين فيها إلى إكفار بعضهم بعضا، ذلك ليعلم ~~أنها مسائل الفتن، وأنها تؤدي إلى الحيرة، وأن الكلام في ذلك مما يؤذن لك فيه. # ووجدنا أن الله -تبارك اسمه- أثنى على ms0576 أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} إلى قوله: ~~{ذلك مثلهم في التوراة}؛ أي: صفتهم في الترواة، فشهد لهم بهذه الخصال التي ~~هي رأس الإيمان وذروته، فما ظنك بقوم يبلغ من أقدارهم ومحلهم أن يمدح لبني ~~إسرائيل شأنهم، ويصف لهم محاسن خصالهم من قبل أن يخلقهم بكذا وكذا ألف سنة، ~~ثم وصفهم في الإنجيل للأمة الأخرى، فقال: {يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار}. # أخبر أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم غيظ الكفار، فمن وجدناه ممن ينتحل ~~الإسلام قد صار كبراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له غيظا، فقد ساء ~~ظننا به، PageV04P188 ~~ونخاف أن يكون في قلبه داهية تسلبه الإسلام، وهو لا يشعر. # وروي في نحو من ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من ~~يخادع الله، يخدعه الله، ويخلعه من الإيمان وهو لا يشعر)). # وروي عن أنس رضي الله عنه: أنه قال: من ذكر أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فليس له في الفيء نصيب. # وذلك أن الله قسم الفيء في تنزيله بين ثلاثة أصناف، فقال: {للفقراء ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم}، {والذين تبوءوا الدار ~~والإيمان من قبلهم}، وهم الأنصار، {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر ~~لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}، وهم التابعون إلى يوم القيامة. # فإنما صار الفيء بين هؤلاء، فمن جاء من بعدهم، فتناولهم بالسوء، فقد خرج ~~من هذا الصنف، ولا نصيب له. # 910 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا محمد ابن داود الإسكندراني، قال: ~~أخبرني زياد بن يونس، قال: حدثني عطاف بن خالد، قال: بلغني أنه لما نزل ~~قوله تعالى: {ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا}، صاح إبليس ~~بجنوده، وحثى PageV04P189 ~~على رأسه التراب، ودعا بالويل والثبور، حتى جاءته جنوده من كل بر وبحر، ~~فقالوا: ما لك يا سيدنا؟ قال: إنه نزلت في كتاب الله [آية] لا يضر بعدها ~~أبدا من بني آدم ذنب، فقالوا: وما ms0577 هي؟ فأخبرهم، فقالوا: نفتح لهم باب ~~الأهواء، فلا يتوبون، ولا يستغفرون، ولا يرون إلا أنهم على الحق، فرضي منهم بذلك. PageV04P190 ### || AUTO الأصل السادس والستون والمئة # 911 - حدثنا عبد الواحد بن مسلم البصري، عن محمد ابن السماك، عن الهيثم ~~بن جماز، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من صوت أحب إلى الله من صوت عبد لهفان))، ~~قالوا: يا رسول الله! وما اللهفان؟ قال: ((عبد أصاب ذنبا، كلما ذكر ذنبه، ~~امتلأ قلبه فرقا من الله، فقال: يا رباه)). # قال أبو عبد الله: # فالفرق: نفار القلب، وهذا مقام عظيم. PageV04P191 # هذا عبد له حظ من الهيبة، فتلك مرتبته، وهي الغالب على قلبه، فإذا اشتدت ~~هيبته، وذكر ذنبه، نفر القلب مما يلاحظ، فذلك الفرق، فإذا امتلأ قلبه من ~~ذلك الفرق، فرق، فنادى نداء من ينحط في مهوى لا يدري ما قعره، فهو في ~~الانحطاط ينادي نداء مستغيث: يا رباه! # وذلك أن للعبد مقاما بين يديه، ومقامه الهيبة، فإذا ذكر ذنبه، لم يستقر ~~القلب في مقام الهيبة مع قبيح ذلك الذنب، فيحيل إلى القلب بنفاره، كأنه ~~يهوي من قربه إلى حيث لا يدري قراره بعدا، فهو يتلهف على ما فاته من مقام ~~القربة بغاية التلهف. # ويقال: وإذا كان الشيء بالغا غايته، خرج مخرج فعلان في القالب، فقيل: ~~لهفان، وهو غاية التلهف على ما فاته من القربة، فهو ينادي في انحطاطه في ~~مهواه: يا رباه، نداء ندبة الثكلى، وهذا نداء توجع وحرقة. # كذا تعرفه أهل اللغة، أنهم إذا أرادوا أن ينادوا بتوجع، وصلوها بمدة ~~وهاء، فقالوا: يا فلاناه؛ ليبرز التوجع في المدة، ويكون الهاء معتمدا يسكت ~~عليه، فتكون المدة أبين وأكشف. # قال: فذاك أحب الأصوات إلى الله عز وجل، ولا يصير الرجل لهفانا حتى يفوته ~~شيء قد عظم قدره عنده فهو يخاف الهلاك من فوته، فيأخذه الدهش من فوته، ~~والعجلة والاضطراب، وإنما صار لهفان من الفرق، PageV04P192 ~~وإنما فرق القلب؛ لأنه نفر حين رأى ms0578 الذنب معه في مقام الهيبة. # والفرق: شأن عظيم؛ لأنه عاين القلب سلطانا عظيما، وهو في محل ملك الملوك، ~~فلم يتمالك القلب أن فرق. # وذكر لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ بين يديه رجل، فسقط ~~فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الفرق فلذ كبده)). # فالكبد: متصل بالقلب من تحته عن شقه الأيمن، والطحال: عن شقه الأيسر، ~~فحرارته أحرقت الكبد، فكلما نفر القلب، فلذته؛ أي: قطعته. # وقوله: ((امتلأ قلبه)): يدل: على أنه يمازجه حسن الظن؛ لأنه فتح له من ~~تلك الهيبة، وإنما ينال حسن الظن من ملك الجمال. # 912 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا محمد ابن الحسن، قال: أخبرنا عبد ~~الله بن المبارك، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي ~~هلال: أن داود النبي -صلوات الله عليه- كان يعوده الناس، ما يظنون إلا أنه ~~مريض، وما به إلا شدة الفرق من الله عز وجل. PageV04P193 ### || AUTO الأصل السابع والستون والمئة # 913 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا أحمد ابن عمرو بن السرح المصري، ~~قال: حدثنا ابن أبي فديك، قال: حدثني عمر بن محمد الأسلمي، عن مليح بن عبد ~~الله الخطمي، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((خمس من سنن المرسلين: الحياء، والحلم، والحجامة، والسواك، والتعطر)). PageV04P195 # 914 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا حفص ابن غياث، عن حجاج، عن مكحول، ~~عن أبي الشمال، عن أبي أيوب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((أربع من سنن المرسلين: التعطر، والحياء، والنكاح، والسواك)). # فالسنة: الصورة والمثال، كأنه يقول: هذه الخلال الخمس من PageV04P196 ~~شأنهم، وأنهم كانوا يكونون في هذه الصورة من الأفعال. # فأما الحياء: فإن النور إذا دخل القلب، تخلص الروح من أسر النفس ~~وأشغالها، فعاد إلى طبعه السماوي، والحياء: هو خجل الروح، وتلكؤه عن كل عمل ~~لا يحسن في أهل السماء، فإنما صار الحياء من شأنهم؛ لطهارة الروح من أسباب النفس. # وأما الحلم: فهو ms0579 سعة الصدر، وانشراحه، وإنما اتسع وانشرح؛ لورود النور. # وأما الحجامة: فمن أجل أن للدم حرارة، وقوة، وللنور حرارة وقوة، وإذا لم ~~ينقص من حرارة الدم، أضر. # ومما يحقق ذلك: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما مررت بملأ من ~~الملائكة ليلة أسري بي إلا قالوا: يا محمد! مر أمتك بالحجامة)). # فإنما خصت هذه الأمة بذلك؛ من أجل زيادة النور. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أعطيت أمة ما أعطيت ~~أمتي من اليقين)). # وقول كعب: وجدت في التوراة: أن الأنبياء يقومون يوم القيامة، مع كل نبي ~~نوران، ومع كل واحد ممن تبعهم نور واحد، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قام، وله PageV04P197 ~~بعدد كل شعرة من رأسه وجسده نور، ومع كل واحد ممن تبعه نوران. # ومما يحقق ذلك: قوله تعالى: {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم}؛ أي: قل: إن هذا الهدى هدى الله الذي ولي هدايتكم به، لن يعطى أحد ~~مثل ما أعطيتم. # فإذا ولي الله هداية عبد، فضله باليقين، ومن هداه بالرسل والكتاب ~~والآيات، هو دون هذا، وكانت الأنبياء تأتي بالآيات، وكفي الرسول صلى الله ~~عليه وسلم مؤنة ذلك، حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إني لمن أكثر ~~الأنبياء تبعا، وما أتيت بما آمن بمثله البشر من الآيات)). # فإذا تركوا، أخذ الدم يتبيغ، فقتل؛ لأن حرارة النور تغلبه، فعرفت ~~الملائكة شأن هذه الأمة، وما فضلت به، فتقربت إلى الله بالنصيحة لها. # وهذه المقالة التي بقيت في أفواه العامة: أن البدن يضعف، ويضر به إخراج ~~الدم منه، وذلك أن الدم عماد الجسد، ومنه حرارته، ويشيرون إلى ترك الحجامة، ~~إنما خرجت من الأطباء، والطب بدؤه من كتب الروم، وهم نصارى، وإنما انتسخوها ~~من كتب ذي القرنين، ومن بعده من كتب طب سليمان بن داود عليه السلام. PageV04P198 # ثم تبحروا وزادوا من تلقاء أنفسهم، ووضعوا الكتب على ذلك، فعامتهم يشيرون ~~إلى تقليل الحجامة، ثم إلى تركها بعد مجاوزة الخمسين من العمر، ولا ms0580 يعلمون ~~أن لله في هذه الأمة خبيئة قد اضطربت بها الصوت في الملأ الأعلى، حتى ~~تقربوا إلى الله بالنصح لهم من المداومة على الحجامة، فلم يكن لبني إسرائيل ~~من اليقين من الحظ ما لهذه الأمة، فلم يضر بهم ترك الحجامة. # وإنما أخذت أطباؤهم من تقدير طبائعهم وسيرتهم، ولو علموا أن هاهنا فضل ~~يقين يشتعل حريقه في قلوبهم، ويتلهب في صدورهم، فتغلي من ذلك دماؤهم ~~الطبيعة، حتى يؤدي ذلك إلى الفضول والضرر الكثير؛ لدبروا لهم خلاف تدبير ~~نفوسهم وطبائعهم، فإنما صارت الحجامة من سنن عامة المرسلين؛ لأن النور غالب ~~على قلوبهم وصدورهم، فتغلي من ذلك دماؤهم، فإذا لم يأخذوها، فارت، فأضرت. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى من الصداع من نور الوحي، فيغلف ~~رأسه بالحناء؛ ليخفف عن رأسه سلطان تلك الحرارة، فمن رئي من بعده أنه كان ~~يخضب، فإنما ذاك من قبل الوفد والأعراب، كانوا يرون بشعره ردع الحناء ~~وحمرته، فيحسبونه خضابا. # وأما السواك: فلأنه طريق التنزيل والوحي الوارد، وموضع نجوى الملائكة، ~~فكانوا يقصدون لتطييبها، وتطهيرها، فإنه إذا استاك، تنظف، PageV04P199 ~~وإذا تركه، تنكرت الرائحة، وآذى الملك، وضاعت حرمة الوحي. # وأما النكاح: فإن الأنبياء قد زيدوا في النكاح بفضل نبوتهم، وذلك أن ~~النور إذا امتلأ الصدر منه، ففاض في العروق، التذت النفس والعروق، فأثار ~~الشهوة، وقواها، وريح الشهوة إذا قويت، فإنما تقوى من القلب والنفس، فعندها ~~يجد القوة. # وروي عن سعيد بن المسيب: أن النبيين -عليهم السلام- يفضلون بالجماع على ~~الناس، وذلك لما فيه من اللذة. # 915 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم الجمحي، ~~عن يحيى بن أيوب، وابن لهيعة، قالا: حدثنا ابن الهاد، عن سعيد بن المسيب. # 916 - وعن ابن الهاد، عن حمزة بن عبد الله بن عمر: أنه سمع ابن عمر رضي ~~الله عنه يقول: ما أعطي أحد من الجماع PageV04P200 ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطيت. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((أعطيت قوة أربعين رجلا ms0581 ~~في البطش، وفي النكاح، وأعطي المؤمن قوة عشرة)). # فهو بالنبوة، والمؤمن بإيمانه، والكافر له شهوة الطبيعة فقط. # وأما التعطر: فإن الطيب يذكي الفؤاد، وذلك أن أصل الطيب إنما خرج من ~~الجنة، وكان تزود آدم عليه السلام منها بورقة تستر بها، وتركت عليه، فمن ~~ذلك أصل الطيب. # ففي تذكية الفؤاد قوة للقلب، والجوارح، وذلك أن حس القلب بالفؤاد؛ لأن ~~الأذن عليه، والبصر، والنور بين القلب والفؤاد، فالرؤية للفؤاد، وهو قوله ~~تعالى: {ما كذب الفؤاد ما رأى}. # والفؤاد: اللحمة الظاهرة، والقلب: اللحمة الباطنة، وإنما هي بضعة واحدة، ~~بعضها مشتمل على بعض، فما ظهر، فهو فؤاد، فإذا كان الفؤاد متحرقا، لم يع ~~شيئا (من النور، قال الله تعالى: {وأفئدتهم هواء}؛ PageV04P201 ~~أي: منحرفة لا تعي شيئا، ولا تعقل)، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ((أتاكم أهل اليمن ألين قلوبا وأرق أفئدة)). # فوصف القلوب باللين، والأفئدة بالرقة؛ لأن النور إذا دخل القلب، لين ~~البضعة، وأرطبها؛ لأن الرحمة مع النور، وإذا تمكن النور في القلب في ~~مستقرها، فربا وعظم، رقق الفؤاد. PageV04P202 ### || AUTO الأصل الثامن والستون والمئة # 917 - حدثنا سعيد بن عبد الرحمن العامري القشيري مولى الجارود بن يزيد، ~~قال: حدثني الجارود بن يزيد القشيري، قال: لقيت بهز بن حكيم في الطواف، ~~فحدثني، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أترعون ~~عن ذكر الفاجر؟ متى يعرفه الناس؟ اذكروا الفاجر بما فيه تحذره الناس)). PageV04P203 # قال أبو عبد الله: # فإنما ذكر الفاجر، وهو اسم يلزم الموحد والمشرك، وهو الذي يفجر الحدود، ~~وذلك أن الإسلام كحظيرة حظرها الله على أهله، فلا يتعدون حدود الحظائر، ~~فإذا جاء أحدهم، فثلم الحظيرة بالخروج منها متخطيا إلى ما وراءها، فقد ~~فجرها، فهذا فعل يأتيه الموحد والمشرك، فالمشرك لا حرمة له، ولا متوقى من ذكره. # فمعنى هذا الحديث عندنا على الفاجر الموحد، وذلك أنهم تورعوا عن ذكره؛ ~~لحرمة التوحيد، فبين لهم أن ذلك خيانة للعامة من المسلمين، فقال: ((متى ~~يعرفه الناس؟)). # وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ms0582 وسلم كان يحث على الستر، ويقول: PageV04P204 # ((من ستر مسلما، ستره الله))، ((ومن هتك سترا لأخيه، هتك الله ستره)). ~~فهابوا هذا الأمر، فكفوا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أترعون ~~عن ذكره؟)). # وإنما لزمه هذا الاسم إذا غلب عليه ذلك الفعل، فمن غلب عليه الفجور، فقد ~~أعلن به، وهتك ستره، فإذا لم يبق له سترا، استحال أن أستره، وأكتم أمره، ~~وفي كتماني أمره، وكفي عنه خيانة. # ألا ترى أنه قال: ((متى تعرفه الناس؟)). PageV04P205 # وإن كان عنى بهذا المشرك؛ لكان الناس قد عرفوه، فما معنى قوله: ((متى تعرفه ~~الناس؟)). # ثم بين نفع الذكر، فقال: ((اذكروه بما فيه، تحذره الناس)). # فإنما هذا الذكر لمن احتسب بهذا الذكر، وأراد به النصيحة للعامة؛ لئلا ~~يغتر به مسلم، وإلى هذا أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه دل. # فأما من قعد يذكر أحدا من هذا الصنف متشفيا لغيظه، أو مستنقما لنفسه، فهو ~~خارج من هذا الحديث عندنا، حتى يذكره على تلك النية، وعلى ذلك دل عليه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، وأطلق له. # وهذا حديث تفرد به الجارود بن يزيد، فلم يشركه عامة رواة بهز فيما نعلمه، ~~كما تفرد به أبو بكر الهذلي في حديث له أيضا، عن بهز، عن أبيه، عن جده: ~~قلت: يا رسول الله! أوصني بوصية قصيرة فألزمها، قال: ((لا تغضب؛ فإن الغضب ~~يفسد الإيمان، كما يفسد الصبر العسل)). # وكما تفرد علي بن إبراهيم بحديث عن بهز، عن أبيه، عن جده: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا أتي بصدقة، سأل عنها، فإن قيل: صدقة، لم يأكل منها، ~~وإن قيل: هدية تناول. # وكما تفرد معمر، عن بهز، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV04P206 ~~حبس رجلا في تهمة. # ورواه ابن علية، عن بهز أيضا. # وكما تفرد أبو رجاء الهروي، عن بهز، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((من طلب هذه الأحاديث ليماري بها السفهاء، أو يباهي بها؛ ~~ليتحدث بها، لم ms0583 يرح رائحة الجنة، وريحها يوجد من مسيرة خمس مئة عام)). # وإنما جئت بهذه الأحاديث؛ لأن بعض الناس أنكروا على الجارود ابن يزيد هذا ~~الحديث. PageV04P207 ### || AUTO الأصل التاسع والستون والمئة # 918 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا يحيى ابن العيزار الرملي، قال: ~~حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي، قال: حدثنا أبو إسماعيل -شيخ من السكون-، قال: ~~سمعت مالك بن أدي يقول: سمعت النعمان بن بشير يقول على المنبر: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه لم يبق من الدنيا إلا مثل الذباب، تمور في ~~جوها، فالله الله في إخوانكم من أهل القبور؛ فإن أعمالكم تعرض عليهم)). PageV04P209 # قال أبو عبد الله: # فالأرواح تجول في البرزخ، فتبصر أحوال الدنيا، والملائكة تتحدث في السماء ~~عن أحوال. # الآدميين، وأرواح تحت العرش، وأرواح طيارة إلى الجنان، وإلى حيث شاءت؛ ~~على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، والعبودة لهم ومحلهم. # 919 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا أبو معشر نجيح مولى بني هاشم، عن ~~محمد بن كعب القرظي، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن سلمان. # 920 - وحدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، عن علي بن زيد ويحيى بن ~~سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان، قال: إن أرواح المؤمنين تذهب في برزخ ~~من الأرض حيث شاءت بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى أجسادها. PageV04P210 # فإذا ترددت هذه الأرواح هكذا، علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من ~~الأحياء ميت، التقوا، فتحدثوا، وتساءلوا عن الأخبار، فلما كان هذا شأنهم، ~~خرج من تدبير الله أن وكل أيضا ملائكة بهم في عرض أعمال الأحياء عليهم؛ ~~كإذا عرض عليهم ما يعاقبون به في الدنيا، ويصابون به من أنواع المصائب، من ~~أجل الذنوب، كان عذر الله ظاهرا، مكشوفا عند الأموات؛ لأنه لا أحد أحب إليه ~~العذر من الله. # 921 - حدثنا محمد بن كرامة الكوفي الوراق، قال: حدثنا حسين الجعفي، عن ~~زائدة، عن عبد الملك، عن وراد، عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((لا شخص أحب إليه ms0584 العذر من الله عز وجل، ولذلك بعث الرسل ~~مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدح من الله، ولذلك وعد الجنة)). PageV04P211 # 922 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد ~~الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # فكأن الله أحب عندما أمر بأن تعرض أعمال الأحياء على أمواتهم: أن يلقي ~~إلى الأموات عذره، فيما يعامل به أحياءهم من عاجل العقوبات من الأمراض، ~~وأنواع البلاء، والمصائب في الدنيا، فلو كان يبلغهم ذلك من غير أن تعرض ~~عليهم أعمالهم؛ لكان وجدهم بذلك أشد. # 923 - حدثني أبي رحمه الله، قال: حدثنا قبيصة، عن PageV04P212 ~~سفيان، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الموتى، فإن ~~كان خيرا، استبشروا به، وإن كان غير ذلك، قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم ~~كما هديتنا)). # 924 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله البصري، عن كثير بن هشام، قال: حدثني ~~عيسى بن إبراهيم الهاشمي، قال: حدثني عبد الغفور بن عبد العزيز، عن أبيه، ~~عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((تعرض الأعمال يوم ~~الاثنين والخميس على الله، وتعرض على الأنبياء، وعلى الآباء والأمهات يوم ~~الجمعة، فيفرحون بحسناتهم، PageV04P213 ~~وتزداد وجوههم بياضا، وتشرقة، فاتقوا الله، ولا تؤذوا أمواتكم)). # فإنما تعرض على الأنبياء والآباء والأمهات للأعذار. # ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى به إلى الميزان يوم ~~القيامة؛ ليحضر وزن أمته؛ ليكون عذر الله ظاهرا فيمن يعاقبون. # وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن ~~الله يعتذر إلى آدم يوم القيامة بثلاثة معاذير)). # 925 - حدثنا بذلك عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار، قال: حدثنا أبو ~~عاصم العباداني، قال: حدثنا الفضل ابن عيسى، عن الحسن، قال: خطبنا أبو ~~هريرة رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقال: ~~سمعت رسول الله ms0585 صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله يعتذر إلى آدم يوم ~~القيامة بثلاثة معاذير: يقول الله -تبارك وتعالى-: يا آدم! لولا أني لعنت ~~الكذابين، وأبغض PageV04P214 ~~الكذاب، والحلف، وأعذب عليه، لرحمت اليوم ذريتك أجمعين من شدة ما أعددت لهم ~~من العذاب، ولكن حق القول مني لمن كذب رسلي، وعصى أمري، ولأملأن جهنم منهم ~~أجمعين. ويقول الله: يا آدم! إني لا أدخل أحدا من ذريتك النار، ولا أعذب ~~أحدا منهم بالنار، إلا من قد علمت في سابق علمي: أني لو رددته إلى الدنيا، ~~لعاد إلى شر مما كان فيه، لم يراجع، ولم يعتب. ويقول الله: يا آدم! قد ~~جعلتك اليوم حكما بيني وبين ذريتك، قم عند الميزان، فانظر ما يرفع إليك من ~~أعماله، فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة فله الجنة، حتى تعلم أني لا ~~أدخل النار اليوم منهم إلا ظالما)). PageV04P215 # فإذا ستر عليه في دنياه عند الأحياء، ستر عليه عند الأموات، وكما نشر عنه ~~الجميل، وأثنى عليه عند الأحياء، فكذلك هو عند الأموات، وإنما ذلك لمن ولي ~~الله تدبيره، وإذا كان في ولايته، ستره؛ لئلا يرى الخلق من الأحياء ~~والأموات معايب عبد قد ولي الله تدبيره، فأخذه من أيدي المتوكلين به، فيكون ~~للأموات تحير في ذلك، ويقولون: هذا عبد ولي الله تدبيره، فهكذا خرج له من ~~تدبير الله أن يعمل المساوئ والذنوب، فيستر عليه. # 926 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الرازي، عن محمد ~~بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عبيد بن سعد، قال: خرج أبو أيوب الأنصاري ~~غازيا في سبيل الله إلى أرض الروم، فقص قاص، فقال: ليس أحد في الدنيا من ~~بني آدم يعمل عملا أول النهار إلا عرض على معارفه من أهل الآخرة في آخر ~~النهار، ولا عمل عملا في آخر النهار إلا عرض على معارفه من PageV04P216 ~~أول النهار من الغد. # فقال أبو أيوب: أيها القائل! انظر ما تقول، قال له: والله! إن ذاك كذلك، ~~قال أبو أيوب: اللهم لا تفضحني عند ms0586 سعد بن عبادة، ولا عند عبادة بن الصامت ~~بما عملت بعدها، فقال القائل: والله الذي لا إله إلا هو! ما كتب الله لعبد ~~ولايته إلا ستر عورته، وأثنى عليه بأحسن عمله. # قال له قائل: وما ولاية التدبير؟. # قال: إن الله تعالى شرع السبيل، وهدى القلوب، ورزق العقول، وأكد الحجة ~~بالرسل، وبما جاؤوا به من البيان، وأيد بالملائكة، يهدون، ويسددون، وقيل ~~لهم: سيروا إلى الله سيرا مستقيما في هذا الصراط، فإن عارضتكم نفوسكم بخلاف ~~ما أمر الله، فجاهدوها، وسلوه المعونة. # فهذا تدبيره الذي وضعه للجميع، فمن صدق الله في مجاهدة نفسه، حتى بلغ ~~أقصى الغاية ومنتهاها، لم يقدر على أكثر من أن يمنع قلبه من الفكر، كما منع ~~الجوارح من العمل، فهذا غاية جهاد النفس، وتصحيح الباطن والظاهر، ونهاية ~~الصدق، فبذلنا الوسع، والطبع باق على تركيبه من الشهوة، واللذة، والغضب، ~~والرغبة، والرهبة، وانقطع هاهنا وتحير هذه PageV04P217 ~~الأشياء عنها، حدثت المعاصي إلى القلوب، ومن القلوب إلى الأركان، فانقطع ~~هاهنا وتحير، فكما لا يقدر أن يصير سواد الشعر بياضا، كذلك لا يقدر على ~~تغيير الطبع، فيجأر إلى الله، ويشتد عليه وجده لذلك لكدورة الأخلاق. # فإن هذه الخصال تكدر عليه إيمانه، ولا يصفو، فعندها يرحمه الله بعد ~~انقطاع أسبابه وتغوثه بالله، صارخا، مضطرا، وقد قال: {أمن يجيب المضطر إذا ~~دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض}، وقال: {والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا}. # فيأخذه من تدبيره الذي وضعه لعباده، من مجاهدة النفس إلى تدبير نفسه، وهو ~~القادر على ذلك، فيوكل به الحق، حتى يسير به إليه إلى منازل القربة، فكلما ~~سار في القربة، زيد مركبا من النور ليسير به إلى محله من القربة، وكل نور ~~يزاد يموت من طبعه بقدر ذلك؛ لأنه يزداد بكل نور قربة، ويحظى إلى محله، ~~ويزداد بالله علما، ومنه خشية، فالحق يربيه بهذه الأنوار، حتى إذا انتهت ~~التربية، وتغير الطبع عن النفسية إلى خلق الإيمان، جذب جذبة إلى محل ~~القربة، وانكشف له الغطاء عن جلال الله وعظمته، ما يبهت فيه، وإذا الهوى ms0587 قد ~~طاوعه، والنفس قد ماتت، فحيي قلبه بالله، فهو الصديق، فهذا، وإن كان صديقا، ~~وهذه صفته، فلن يخلو من ذنب قد كان في سابق علم الله، ثم جرى القلم بذلك في ~~اللوح المحفوظ، فهو يعلمه لا محالة، ولكنه في ستره عند الأحياء، وفي ستره ~~عند الأموات. PageV04P218 ### || AUTO الأصل السبعون والمئة # 927 - حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا الوليد بن محمد الموقري، قال: حدثنا ~~الزهري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((مثل المريض إذا برأ وصح من مرضه، كمثل البردة تقع من السماء في ~~صفائها ولونها)). # فالمرض للمؤمن تمحيص، والآثام ذات دنس، فالمؤمن يتلوث في شهواته، فيدنس، ~~ويوسخ، وتكدر الدنس على الأفعال، والوسخ على الأركان، والكدر على الطلاوة، ~~فإذا رحمه، وأراد به خيرا أسقمه حتى PageV04P219 ~~يطهره ويصفيه؛ بمنزلة الفضة تلقى في كيرها، فينفخ عليها، حتى يزيل خبثها، ~~وتصفوا فضتها، فتصلح للضرب، والسكة، فشبه بعد البرء بالبردة صفاء وطيبا. # وهو قوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير}. # فيأخذ بالقليل حتى يطهر، ويعفو عن الكثير حتى يصفو، فمن علائم العفو نزول ~~البلاء، فيمحص بما نزل، ويعفو عما بقي. # فلذلك قال: ((مثله مثل البردة))؛ أي: لم يبق عليه شيء، وهذا موافق لما ~~جاءنا عن علي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((من ~~ابتلي بذنب، فعوقب عليه، فالله أعدل من أن يثني عقوبته، وكما عفا عنه فلم ~~يعاقب، فالله أكرم من أن يعود في عفوه)). # قد كتبناه في بابه، والله تعالى أعلم. PageV04P220 ### || AUTO الأصل الحادي والسبعون والمئة # 928 - حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا الموقري، قال: حدثنا الزهري، عن ~~عروة، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فرأى كسرة ملقاة، فمشى إليها، فمسحها، وقال: ((يا عائشة! أحسني جوار ~~نعم الله؛ فإنها قلما نفرت عن أهل بيت، فكادت ترجع إليهم)). PageV04P221 # فحسن المجاورة لنعم الله من تعظيمها، وتعظيمها من شكرها، والرمي ms0588 من ~~الاستخفاف بها، وذلك من الكفران. # والكفور: ممقوت مسلوب. # وبلغنا: أن امرأة أنجت صبيا لها بكسرة خبز، ووضعتها في جحر، فابتلي أهل ~~ذلك الزمان بقحط، فاضطرت المرأة من شدة الجوع إلى أن طلبت تلك الكسرة، حتى ~~وجدتها، فأكلتها. # فارتباط النعم بشكرها، وزوالها في كفرانها، ومن عظمها، فقد ابتدأ في ~~شكرها، ومن صغرها، واستخف، فقد تعرض لزوالها، ففيها رأى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خصالا غير واحدة، منها: الاستخفاف بالنعمة. # ومنها: الفساد. # ومنها: الإسراف، {والله لا يحب الفساد}، و{لا يصلح عمل PageV04P222 ~~المفسدين}، و{لا يحب المسرفين}، و{لا يحب كل خوان كفور}. PageV04P223 ### || AUTO الأصل الثاني والسبعون والمئة # 929 - حدثنا موسى بن عبد الله بن سعيد الأزدي، قال: حدثنا محمد بن زياد ~~الكلبي، قال: حدثنا بشر ابن الحسين الهلالي، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن ~~مالك رضي الله عنه، قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هل جزاء ~~الإحسان إلا الإحسان}، ثم قال: ((هل تدرون ما يقول ربكم؟))، قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: ((فإن ربكم يقول: هل جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا ~~الجنة)). PageV04P225 # نطق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله -تعالى- يذكر عن وهب بن منبه، ~~كأنه يقول: # هل جزاء من أحسنت إليه؛ بأن هديته للتوحيد، إلا أن أسكنه داري في جواري؟. # وهل جزاء من قربته بالمعرفة قلبا حتى يعرفني، إلا أن أقربه في المسكن ~~نفسا حتى ينظر إلي؟. # وهل جزاء من أكرمته بمعرفتي، إلا أن أغفر له ذنوبه، وأتجاوز له عن ~~سيئاته، وأصفح عنه تكرما؛ كما تكرمت وجدت عليه بتوحيدي؟. # وهل جزاء من ابتدأته بهذه النعمة العظيمة، ومننت بها عليه إلا أن أحفظها ~~عليه، حتى أختم لها بها، وأتمم عليه، وله كرامتي؟. PageV04P226 ### || AUTO الأصل الثالث والسبعون والمئة # 930 - حدثنا موسى بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن زياد، قال: حدثنا بشر ~~بن الحسين الهلالي، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو أن الدنيا كلها بحذافيرها ms0589 في يدي ~~رجل من أمتي، ثم قال: الحمد لله، لكان الحمد لله أفضل من ذلك)). # قال أبو عبد الله: # معناه عندنا: أنه قد أعطي الدنيا، ثم أعطي على إثرها هذه الكلمة، PageV04P227 ~~حتى نطق بها؛ لكانت هذه الكلمة أفضل من الدنيا كلها؛ لأن الدنيا فانية، ~~والكلمة باقية، وهي من الباقيات الصالحات، وقال هو: {خير عند ربك ثوابا ~~وخيرا أملا}. # وقيل في بعض الروايات: ((لكان ما أعطي أكثر مما أخذ)). # فصير الكلمة إعطاء من العبد، والدنيا أخذا من الله، وهذا في التدبير، كذا ~~يجري في الكلام: أن هذه الكلمة من العبد، والدنيا أخذا من الله، فهذا في ~~ظاهر الأمر، وكلاهما من الله في الأصل، الدنيا منه، والكلمة منه، أعطاه ~~الدنيا، فأغناه بها، وأعطاه الكلمة، فشرفه بها في الآخرة، وخفف عنه ~~أثقالها؛ لينعم بها في الدنيا. PageV04P228 ### || AUTO الأصل الرابع والسبعون والمئة # 931 - حدثنا موسى بن عبد الله، قال: حدثنا محمد ابن زياد، عن بشر بن ~~حسين، عن الزبير بن عدي، عن أنس ابن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((ما محق الإسلام محق البخل شيء قط)). PageV04P229 # 932 - وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حفظ لسانه، ستر الله عورته، ~~ومن كف غضبه، كف الله عنه عذابه، ومن اعتذر إلى الله في الدنيا، قبل الله ~~معذرته)). # فالإسلام بني أسه على السماحة والجود؛ لأن الإسلام: هو تسليم النفس ~~والمال، ومن بخل بالمال، كان بالنفس أبخل، ومن جاد بالنفس، كان بالمال ~~أجود، والبخل يمحق الإسلام ويبطله، ويدرس الإيمان ويلبسه؛ لأن البخل: سوء ~~الظن بالله، وفيه: منع حقوق الله، وعليه: اعتماد دون الله. # وأما قوله: ((من حفظ لسانه، ستر الله عورته)): فإنما يحفظ من أعراض ~~المسلمين كيلا يشتمهم، ولا يهتك أستارهم، فعاجل ثوابه أن ستر الله عورته. # وقوله: ((من كف غضبه، كف الله عنه عذابه)): فعذابه النار، وحشوها PageV04P230 ~~غضبه، وإنما تلظت وتسعرت لغضب الله، وإذا كف غضبه، فقد تواضع لله، فكف عنه ~~غضبه، وإذا كف غضبه، فمن ورائه الرضا عن ms0590 الله. # وقوله: # ((ومن اعتذر إلى الله في الدنيا، قبل الله معذرته)). # فالكريم يقبل العذر إذا اعتذر إليه، صادقا أو كاذبا؛ لأن اعتذاره ندم ~~وتوبة، وإقبال إليه، فيأبى الماجد الكريم أن يخيبه عن معذرته، وإنما أمل ~~بها الستر وإسقاط الحشمة، فيعامله ربه على أمله لديه، وطمعه، وحسن ظنه به. # فروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ما من أحد يعتذر إلى ~~أخيه، فلم يقبل عذره، إلا كان عليه كخطيئة صاحب مكس))، وهو العشار. PageV04P231 # وروي عن الحسن: أنه قال: من لم يقبل العذر ممن يتنصل إليه صادقا أو كاذبا، ~~لم يرد الحوض إلا متضيحا. # لأن التنصل: هو خروج إليه من الذنب، واستسلام له، فليس ترك قبوله من فعل ~~الكرام. PageV04P232 ### || AUTO الأصل الخامس والسبعون والمئة # 933 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا محمد ابن المتوكل، عن البختري بن ~~عبيد بن سلمان الأغر، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا عظمت أمتي الدنيا، نزعت منها ~~هيبة الإسلام، وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حرمت بركة ~~الوحي، وإذا تسابت أمتي، سقطت من عين الله)). PageV04P233 # فمن شرط الإسلام تسليم النفس وبذلها لله عبودة، فإنما عظم ما صغره الله، ~~وحقرها، بأنها أخذت بقلبه، فسبته، وإذا وقع القلب في سبي الدنيا، ذهبت ~~العبودة، فلم يقدر على بذل النفس لله، فكان إسلامه مدخولا، وإذا فسد ~~الباطن، ذهبت الهيبة؛ لأن الهيبة إنما تكون لمن هاب الله، فإذا منحت نفس ~~على فساد الباطن، فهذا من أجل أنه لا يهابه، ولو هابه؛ لم يستقر قرارا حتى ~~يصلح باطنه، وإنما يهابه من صلحت سريرته، هذا علامة الهيبة، وهو قوله لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ما تمام البر؟. # 934 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن ~~لهيعة، عن ابن أنعم، عن عتبة بن حميد، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن ~~غنم، قال: سمعت أبا عامر الأشعري يقول: ms0591 قلت: يا رسول الله! ما تمام البر؟ ~~قال: ((تعمل في السر عمل العلانية)). PageV04P234 # فمن تعظيم الدنيا ذراعة النفس إلى محبباتها ودواهيها، وإذا عظمتها النفس، ~~آثرها على حقوق الله، ولا يجتمع تعظيم الحقوق، وتعظيم الدنيا في قلب واحد، ~~فكأن هذا العبد لما أسلم نفسه ووجهه إلى الله، وبذل نفسه لله عبودة، فصار ~~من رجال الله، وعبيده، وخاصته، فعلته مهابة، وظهر سيماء العبودة عليه، كما ~~قد يرى العبيد عبيد السوقة وعبيد الغلة لا قدر لهم، فإذا صار عبدا للملك، ~~ظهر عليه من بهجة ملكه، وغناه، وجدت له هيبة؛ لأنه عبد للأمير، فعبيد الله ~~صدقا، عليهم من الله طلاوة، وحلاوة، وملاحة، ومهابة؛ لبذلهم أنفسهم إسلاما، ~~فإذا غيروا وبدلوا، فعظموا الدنيا بخراب قلوبهم، فقد ارتجعوا في نفوسهم، ~~فذهبت الهيبة؛ لأنه ليس الآن من عبيد الأمير، إنما هو عبد نفسه، وهواه، ~~ودنياه، وشهواته، وشيطانه. # وأما قوله: ((إذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حرمت بركة ~~الوحي)). # فإن في ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر خذلانا للحق، وجفوة للدين، ~~وفي خذلان الحق ذهاب البصيرة، وفي جفاء الدين فقد النور، فيصير القلب ~~محجوبا، فيحرم بركة الوحي، وحرمان بركة الوحي أن يقرأه، فلا تعي أذنه منه ~~شيئا إلا ذرور الكلام، قد حرم فهمه، وهو من PageV04P235 ~~أعلم الناس باللغة، وأبصرهم بتفسيره، وقد عمي عن لطائفه، ومعانيه، ووعده، ~~ووعيده، وأمثاله، قد خلق على قلبه؛ لأنه كلما وقع الكلام من لسانه في أذنه، ~~فصار إلى قلب صدره مظلم، فكأنه غرق في لجة، إنما هو كلام يدخل سمعه، فإذا ~~صار إلى الصدر، صار في عمى. # والذي أشرق صدره بالنور، فعلا قلبه ينابيع الفهم، فيلتذ باللطائف، ويفرح ~~بالوعد، ويتحذر الوعيد، وينتذر منه، ويرغب، ويرهب، ويعتبر، ويتعظ، فهذا ~~بركة الوحي. # وأما قوله: ((إذا تسابت أمتي، سقطت من عين الله)). # فالسباب بدؤه: الكبر، والاستحقار للمسلمين، والحسد، والبغي، والتنافس في ~~أحوال الدنيا، فبهذا يسقط من عين الله، والساقط من عينه: قد خرج من كلاءته، ~~ورعايته، فليستعد للخذلان في نوائب الدين والدنيا، فإذا زالت عنه رعايته، ~~ذهبت ms0592 العصمة، فله في كل نائبة ورطة حتى تؤديه إلى الورطة الكبرى: سلب ~~الدين، والانتكاص على العقبين، ومن سقط من عينه، لم يبال في أي واد هلك، ~~وأي شيطان سباه، فذهب به هذا في السباب، فكيف فيما هو أعظم منه؟ PageV04P236 ### || AUTO الأصل السادس والسبعون والمئة # 935 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عبد الله ابن أبي أمية الفزاري، ~~عن أبي علي بن الرماح عمر بن ميمون، قال: حدثني مقاتل بن حيان، عن الأسود ~~بن هلال، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((من قال في دبر الصلاة بعد ما سلم هؤلاء الكلمات، كتبها ملك في ~~رق، فختم بخاتم، ثم رفعها إلى يوم القيامة، فإذا بعث الله العبد من قبره، ~~جاء الملك ومعه الكتاب ينادي: أين أهل العهود؟ حتى يدفع إليه، والكلمات أن ~~يقول: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، ~~إني أعهد إليك (في هذه الحياة الدنيا أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا ~~شريك لك، وأن محمدا PageV04P237 ~~عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي)، فإنك إن تكلني إلى نفسي، تقربني من ~~الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل رحمتك عهدا لي ~~عندك تؤديه إلي يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد)). # 936 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا أبو إسماعيل المؤدب إبراهيم بن ~~سليمان، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن طاوس: أنه أمر بهذه الكلمات، ~~فكتبت في كفنه. # فصاحب العهد يتخلى بهذا العهد الذي عهد إلى ربه من الأسباب، فيكون متعلقه ~~برحمته، فلا يثق إلا بها، ولا يلحظ إلى الأعمال لحظ النجاة إلا بها، فجعل ~~هذا العهد في الدنيا كالوديعة عند ربه، فوكل بها ملكا؛ PageV04P238 ~~ليقبلها منه، ويسلمها إليه عند منشره، حتى يسير إلى الله في محشره، وموقفه، ~~والعهد بها: أنه لم يثق إلا برحمته، وأنه أمله ورجاؤه، فمن كرم ربنا: أن لا ~~يقطع رجاءه، ولا يخيب أمله. # وقال الله -جل ذكره- في تنزيله ms0593 يومئذ: {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ ~~عند الرحمن عهدا}؛ أي: في الدنيا. # واتخاذ العهد من صدق قول: لا إله إلا الله، والوفاء بها؛ لأن الوفاء بها ~~أن لا يعتمد قلبك شيئا سواه في أمر دنياه ولا أخراه، فيكون هو كافيك وحسبك ~~في الدارين، وعندها يصفو قولك: حسبي الله، ويخلص. PageV04P239 ### || AUTO الأصل السابع والسبعون والمئة # 937 - حدثنا عمر، قال: حدثنا نعيم بن حماد، عن عبد المؤمن بن خالد ~~الحنفي، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((من قال عشر كلمات عند دبر كل صلاة غداة، وجد الله عندهن ~~مكفيا، مجزيا، خمس للدنيا، وخمس للآخرة: حسبي الله لديني، حسبي الله ~~لدنياي، حسبي الله لما أهمني، حسبي الله لمن بغى علي، حسبي الله لمن حسدني، ~~حسبي الله لمن كادني بسوء، حسبي الله عند الموت، حسبي الله عند المساءلة في ~~القبر، حسبي الله عند الميزان، حسبي الله عند الصراط، حسبي الله لا إله إلا ~~هو عليه توكلت وإليه أنيب)). PageV04P241 # فهذه مواطن نوائب العبد في دنياه وفي آخرته، فقد جعل له في كل موطن سببا ~~وعدة يقطع به تلك النائبة، فإذا أعرض عن السبب والعدة، وضرب عنه صفحا، ~~واغتنى بالله كافيا وحسيبا، كفاه الله، وكان عند ظنه به. # فعدته في الدين: العهد الذي أنزل، وهو الحبل الذي أمره بالاعتصام به. # وعدته فيما أهمه: الحبل الذي وضعه لكل حيلة. # وعدته في البغي: الاحتراز والتحصن والأخذ بالحزم. # وعدته في الحسد: التواضع والمقاربة للحاسد. # وعدته في المكايدة له بالسوء: سد الأبواب التي يجد السبيل منها إليه. # وعدته في الموت: العمل الصالح. # وعدته في المساءلة في القبر: تصحيح الأمر للجواب. # وعدته عند الميزان: كثرة الأعمال لثقل الوزن. # وعدته عند الصراط: النور للجواز. # فإذا لها العبد عن هذه العدد، وكان الله حسبه، قد انشرح بها صدره، ولم ~~يشخص أمله إلى شيء سواه، ولا لحظ إلى خلق، ولا فعل، وقال: حسبي الله عند كل ~~موطن من هذه المواطن، فهذا عبد قد ms0594 تعلق به، ومن PageV04P242 ~~تعلق به، لم يخيبه، وكان له في ذلك المواطن حسيبا؛ لظنه به. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((قال الله تعالى: أنا ~~عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني)). # فمن قال في هذه المواطن: حسبي الله، كان الله له أكبر من تلك العدد ~~والأسباب التي وضعها له. # ألا ترى أن إبراهيم -صلوات الله عليه- لما وضع في المنجنيق من الجبل ~~ليرمى به في النار، جأرت السماوات، والأرضون، والملائكة، والخلق، والخليقة ~~بكاء وعويلا، فقالت: يا رب! عبدك يحرق بالنار، فأذن الله لهم في نصرته إن ~~استغاث بهم ودعاهم إلى نصرته، ورمي به، فهو في الهوي إذ عارضه جبريل عليه ~~السلام بلوى من الله تعالى، فقال: يا إبراهيم! هل من حاجة؟ قال: أما إليك، ~~فلا، حسبي الله، فقال الله تعالى: {يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم}. # فولي الله نصرته، إذ لم يفزع إلى أحد سواه، فلم يكله إلى أحد من خلقه، ~~فهذا صدق قوله: حسبي الله، فإذا لم يكن للعبد في قلبه من حقيقة ما كان ~~لإبراهيم -صلوات الله عليه-، فإن لكل مقالة حرمة، والله عز وجل لا يضيع ~~عبده، فإذا ردد هذه الكلمات، نفعته في هذه المواطن؛ بأن PageV04P243 ~~كن شفعاء إلى الله تعالى، وكان الله بكل خير إلى عبده أسرع، وإذا تكلم بهذه ~~الكلمات على يقظة، وانشراح صدر، وجد الله في هذه المواطن قد كفاه وأجزأه. # ولذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إذا قال ~~العبد: حسبي الله سبع مرات، قال الله -تبارك اسمه-: صدق عبدي، لأكفينه ~~صادقا أو كاذبا)). # معناه عندنا في قوله: ((صادقا أو كاذبا)): في الوفاء به على الحقيقة، ~~فأوجب له بقوله: ((سبع مرات)) أن وفى له، وكان حسبه، كما كان للصادقين من ~~الوفاء بذلك. PageV04P244 ### || AUTO الأصل الثامن والسبعون والمئة # 938 - حدثنا إبراهيم بن زيد الجرجاني، قال: حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، ~~قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا زهير بن محمد، عن محمد بن ms0595 المنكدر، ~~عن جابر ابن عبد الله، قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~{الرحمن. علم القرآن.} حتى ختمها، فقال: ((ما لي أراكم سكوتا؟! الجن كانوا ~~أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ~~إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد)). PageV04P245 # فحسن الجواب من لطافة الفهم، وأجساد الجن من مارج من نار، والآدميين من ~~تراب، فجوهرهم أرق، وجوهر الآدمي أغلظ، ولم يشغلهم الشهوات شغل الآدمي، ~~فرقة جوهرهم عون لهم على درك الشيء، وهذه سورة عدد الله فيها النعم، وخاطب ~~بتعديده الثقلين كليهما الجن والإنس، فقال في ذكر كل نعمة: {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان}. # فكأن هذا القول سؤال يحتاج إلى رد الجواب فيه، فأثنى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على مؤمني الجن، حيث تلا عليهم هذه السورة بحسن ردهم الجواب. # وهذا من زينة الخطاب أن لا يترك الخطاب الذي له جواب مهملا، فيكون ~~المستمع كهيئة الغافل، أو كهيئة من لا يستمع إلا دعاء ونداء من الناعق به، ~~{صم بكم عمي فهم لا يعقلون}، فهذه هيئة سيئة. # وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتوا على هذه الآية: {أليس ~~ذلك بقادر على أن يحيي الموتى}، قالوا: اللهم بلى. # وإذا أتوا على آية: {أليس الله بأحكم الحاكمين}، قالوا: اللهم بلى. # فهذه أشياء يحسن الجواب فيها، والصلة للكلام، وكانوا إذا مروا بذكر ~~الجنة، رغبوا إلى الله فيها، وإذا مروا بذكر النار، استعاذوا بالله PageV04P246 ~~منها، وإذا مروا بذكر التنزيه، نزهوه، وإذا مروا بذكر وعيده، رددوه، وإذا ~~مروا بذكر لطائفه، تلذذوا به. # فاقتضاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت قراءته عليهم ما وجده من ~~الجن، واستحسنه منهم، وقد كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه ~~من يشغله ذرو كلام الله عن النظر في معناه؛ إعظاما لجلال الله، ودهشا في ~~ذكره، ومنهم من يتعلق قلبه بأول آية، فيشغله أولها عن ذكر ما بعدها. # روي لنا عن علي بن الفضيل ms0596 بن عياض: أنه صلى خلف إمام قرأ سورة الرحمن، ~~فلما انفتل، قيل له: يا علي! ألم تسمع إلى ما قرأ الإمام اليوم من ذكر نعيم ~~الجنان، وما أعد الله للمؤمنين؟ فقال: شغلني ما قبلها عن ذكر الجنان؛ يعني: ~~ذكر النار. # وسلطان كلام الله على القلوب على قدر ما فيها من العلم بالله، والخشية ~~له، والحظ من القربة، وإنما ينزل من القلب كلام كل واحد على قدر منزلته ~~عنده، فإذا كان عظيم المنزلة، عظم قوله وأمره، وإن لم يكن كذلك؛ استخف به. # ومما يحقق ذلك: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحب أن يعلم ما ~~منزلته عند الله، فلينظر ما لله عنده من المنزلة؛ فإن الله ينزل العبد من ~~نفسه حيث أنزله العبد من نفسه)). PageV04P247 ### || AUTO الأصل التاسع والسبعون والمئة # 939 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، ~~قال: حدثنا كثير بن زيد، عن إسحاق ابن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله ~~الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات السبع وربع العرش العظيم، الحمد لله ~~رب العالمين))، قالوا: يا رسول الله! فكيف هي للحي؟ قال: ((أجود، وأجود)). # فكان هذا الكلام عند أهل البيت معلوما، ويسمونه: كلمات PageV04P249 ~~الفرج، فيتكلمون بها في النوائب والشدائد، متعالم عندهم غياثه، والفرج به، ~~وفيه زيادة: ((لا إله إلا الله العلي العظيم)). # 940 - حدثنا عمر بن يحيى بن نافع الأبلي، قال: حدثنا حكيم بن حزام، عن ~~العلاء بن كثير، عن مكحول: كلمة الفرج: ((لا إله إلا الله العلي العظيم، لا ~~إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب العرش ~~العظيم، الحمد لله رب العالمين)). # 941 - حدثنا أحمد بن شداد، قال: حدثنا علي بن قادم الكوفي، قال: حدثنا ~~علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي ~~رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ms0597 وسلم: ((ألا أعلمك كلمات ~~إذا أنت قلتهن، غفرت لك ذنوبك، مع أنه مغفور لك: لا إله إلا الله الحليم ~~الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله PageV04P250 ~~رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين)). # 942 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا أحمد بن يونس، وعبيد بن الصباح ~~الكوفي، قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ~~علي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي، فذكر مثله. PageV04P251 # 943 - حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، قال: حدثنا شريح بن مسلمة ~~التنوخي، ثنا إبراهيم بن يوسف ابن أبي إسحاق السبيعي، عن أبيه، عن أبي ~~إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي رضي الله عنه، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن، وعليك ~~مثل عدد الذر من الخطايا، غفر لك، على أنه مغفور لك؟ تقول: لا إله إلا الله ~~العلي العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات ~~السبع ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين)). # فهذه كلمات جامعة، وحده، ثم وصفه بالعلو والعظمة، ونزهه بهما على كل سوء، ~~وميزه منه، علا عن شبه المخلوقين، وعظم عن درك المفكرين أن تبلغه قرائحهم، ~~ثم وحده ثانية، ثم وصفه بالحلم والكرم، فوسعهم حلما وكرما، فغرقهم في نعمه، ~~عاملوه بما لا يحبه، فعاملهم بما يحبون، ثم عفا عنهم، فقال في تنزيله: ~~{وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون}، ثم قال: {ولقد عفا عنكم}. # هكذا معاملته، ثم نزهه بالتسبيح، وختمه بالحمد. PageV04P252 ### || AUTO الأصل الثمانون والمئة # 944 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا جعفر ~~بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((رأيت على باب الجنة مكتوبا: القرض بثمانية عشر، والصدقة بعشر، ~~(فقلت: يا جبريل! ما بال القرض بثمانية عشر، والصدقة بعشر؟ قال): لأن صاحب ~~القرض لا ms0598 يأتيك إلا وهو محتاج، وربما وضعت الصدقة في غني)). PageV04P253 # 945 - حدثنا عتبة بن عبد الله بن عتبة الأزدي، قال: حدثنا محمد بن عيسى أبو ~~مالك، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رأيت على باب الجنة مكتوبا: القرض بثمانية ~~عشر، والصدقة عشرا، فقلت: يا جبريل! ما بال القرض أعظم أجرا؟ قال: لأن صاحب ~~القرض لا يأتيك إلا محتاجا، وربما وقعت الصدقة في غير أهلها)). # 946 - حدثنا محمد بن أبي تميلة المروزي، قال: حدثنا الحسن بن محمد ~~الأعمش، قال: حدثنا بشر بن نمير القشيري، عن القاسم، عن أبي أمامة رضي الله ~~عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رأيت مكتوبا على باب الجنة: ~~الصدقة بعشر، والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل! ما هذا؟ PageV04P254 # قال: إن الصدقة ربما وقعت في يد غني، وصاحب القرض لا يأتيك إلا وهو ~~محتاج)). # 947 - حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا ~~خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رأيت ليلة أسري بي مكتوبا على باب الجنة: ~~الصدقة بعشر، والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل! ما هذا؟ قال: الصدقة ~~بعشر، والقرض بثمانية عشر، قال: لأن المتصدق عليه يعطى وعنده، والمستقرض لا ~~يأتيك إلا من حاجة. PageV04P255 # قال أبو عبد الله: # معناه عندنا: أن المتصدق حسب له الدرهم الواحد بعشرة، فدرهم صدقته، وتسعة ~~زائدة، فصارت له عشرة. # والقرض: ضوعف له فيه، فدرهم قرضه، والتسعة مضاعفة، فهو ثمانية عشر. # والدرهم القرض لم يحسب له؛ لأنه يرجع إليه، فبقي له التضعيف فقط، وهو ~~ثمانية عشر. # والصدقة: لم يرجع إليه الدرهم، فصارت له عشرة بالذي أعطى. PageV04P256 ### || AUTO الأصل الحادي والثمانون والمئة # 948 - حدثنا خالد بن عقبة بن خالد السكوني، قال: حدثنا حسين الجعفي، عن ~~زائدة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن أبي ms0599 بكر الصديق رضي الله ~~عنه: أنه قام يخطب، فقال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أول ~~كقيامي فيكم، ثم بكى، ثم أعادها، ثم بكى، ثم أعادها، ثم بكى، فقال: ((إن ~~الناس لم يعطوا شيئا أفضل من العفو والعافية، فسلوهما الله)). # فالعفو والعافية: مشتق أحدهما من الآخر، إلا أن العفو يستعمل في نوائب ~~الآخرة، والعافية تستعمل في نوائب الدنيا، وقد يقال في نوائب PageV04P257 ~~الدنيا: عفا عنه، فلم يقبله به، وفي نوائب الآخرة: عافاه، فلم يعاقبه، إلا ~~أن الغالب في اللغة يستعمل لفظة العفو في نوائب الآخرة. # وقد جاءت رواية أخرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر العفو ~~والعافية في الدنيا والآخرة؛ ليعلم أن أحدهما، وهو العفو: في الآخرة، ~~والعافية: في الدنيا، وكلاهما يرجع إلى شيء واحد. # فيقال في موضع العقوبة: عفا عنه، وفي موضع البلاء: عافاه، وأصله التفضل ~~عليه؛ أن يتفضل على عبده، فلا يعاقبه، وأن يتفضل على عبده، فلا يبتليه. # والعفو: الدرس أيضا، وهو أن يدرس آثار الذنوب والبلاء عن جوارحه وشخصه، ~~فإن لكل نعمة تبعة، ولكل ذنب نقمة في الدنيا والآخرة، فإذا درست عنه ~~التبعات والنقمات، تخلص هذا في العفو. # وأما العافية، فلكل نفس عند مدبر الأمور تدبيره، وإذا تنفس، أخرج نفسا، ~~واستمد من الجوارح مثله، وفيه السلامة والآفة، فإن نزعت الآفة منه، سلمت لك ~~النفس، فعوفيت من البلاء، وإذا طعمت أو شربت، فمثل ذلك أيضا. # واستقامت الطبائع لهما، وبغير ذلك من الأحوال. # فالعافية: أن تدرس عنك تلك الحوادث التي يحدث منها البلاء. PageV04P258 ### || AUTO الأصل الثاني والثمانون والمئة # 949 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا كثير بن عبيد الحمصي، قال: حدثنا ~~بقية، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله يحب الملحين في ~~الدعاء)). # ففي الإلحاح ملق، والمؤمن حبيب الله، ولحبه رزقه معرفته؛ لأنها أعز شيء ~~في خزائنه، فكلما كثر سؤال الحبيب، فهو أحب إلى محبه، والله يحب صوته. PageV04P259 # فروي ms0600 في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ((أن الله -تبارك وتعالى- يقول: يا جبريل! قد قضيت حاجته، وأجبت دعوته، ~~ولكن احبسها عنه؛ فإني أحب صوته)) # 950 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا قاسم العمري، عن محمد بن المنكدر، ~~عن رجل من الأنصار، قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول ذلك. # وروي في الخبر: ((أن الله تعالى يقول: أنزل البلاء أستخرج به الدعاء)). # 951 - حدثنا بذلك عبد الله بن سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو يحيى التيمي، ~~عن ليث، عن محمد، عن وهب بن منبه، قال: نجد فيما أنزل الله في بعض الكتب: ~~أن الله تعالى يقول: ((أنزل البلاء أستخرج به الدعاء)). PageV04P260 # 952 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا دحيم الدمشقي -واسمه عبد الرحمن بن ~~إبراهيم-، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: ~~((قال داود -صلوات الله عليه-: سبحان مستخرج الدعاء بالبلاء، سبحان مستخرج ~~الشكر بالرخاء)). # وروي عن كعب، قال: ((قال الله تعالى لموسى عليه السلام: يا موسى! اطلب ~~إلي العلف والدقة لشاتك، ولا تستحي أن تسألني صغيرا، ولا تخف مني بخلا أن ~~تسألني عظيما، يا موسى! أما تعلم أني خلقت الخردلة فما فوقها، وأني لم أخلق ~~شيئا إلا وقد علمت أن الخلق PageV04P261 ~~يحتاجون إليها؟ فمن سألني مسألة، وهو يعلم أني قادر، أعطي وأمنع، أعطيته ~~مسألته مع المغفرة، فإن حمدني حين أعطيه، وحين أمنعه، أسكنته دار الحمادين، ~~وأيما عبد لم يسألني مسألة، ثم أعطيته، كان أشد عليه عند الحساب، ثم إذا ~~أعطيته ولم يشكرني، عذبته عند الحساب)). # 953 - حدثنا بذلك عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا سيار، قال: ~~حدثنا موسى بن سعيد الراسبي، قال: حدثنا هلال أبو جبلة، عن أبي عبد السلام، ~~عن أبيه، عن كعب. # فالدعاء اعتراف العبد بأن ذلك منه، فإذا أعطاه، كان قد قدم الشكر؛ لأن ~~الشكر إنما هو رؤية العبد من ربه من ذلك العطاء، فالحمد لله قولا، والحفظ ~~للجوارح له طاعة، فإذا لم يسأل، ms0601 فأعطي، اقتضى الشكر، فحوسب لاقتضائه، فإذا ~~لم يوجد الشكر، جاء العذاب. # وإنما صار الملح محبوبا؛ لأنه لا ينقطع رجاؤه، فهو يسأل فلا يرى إجابة، ~~ثم يسأل فلا يرى إجابة، فلا يزال يلح، ولا ينقطع رجاؤه، PageV04P262 ~~ولا يدخله اليأس، فذلك لعلمه بالله، وصحة قلبه، وصدق عبودته، واستقامة ~~وجهه، فمن صدق الله في دعوته، استعمل اللسان، وانتظر بالقلب مشيئته، ولا ~~يضيق، ولا ييئس؛ لأن قلبه صار معلقا بمشيئته، فانتظاره المشيئة من أفضل ما ~~تقدم به على ربه، وهو صفو العبودة، فاستعماله اللسان عبادة؛ لأن في السؤال ~~اعترافا بأنها له، وفي انتظار مشيئته لقضائه عبادة، فهو بين عبادتين سريتين ~~وجهريتين، فاضلتين، وأفضل الدعاء ما داوم عليه. # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ليدع أحدكم، ولا يقولن ~~أحدكم: قد سألت، فلم يستجب لي)). # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن العبد المؤمن ~~يستجاب له))، فالإجابة: ((إذا قال العبد: يا رب! قال الله عز وجل: لبيك))؛ ~~لأنه إنما ناداه بأنه لا رب له غيره، فصدق الكريم قوله في ذلك، فأجابه. # ((فإذا سأله حاجة، فهو منه على إحدى ثلاث: إما أن يعجل له حاجته، وإما أن ~~يصرف عنه بمسألته بدل حاجته شرا، وإما أن يدخر له في آخرته ما هو خير له ~~مما سأل)). PageV04P263 # فلم تسقط دعوته على حال. # قال الله عز وجل لموسى: {قد أجيبت دعوتكما}. # 954 - حدثنا عمر، قال: حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، عن ~~الأعمش، عن مجاهد، قال: بعد أربعين سنة. # قال أبو عبد الله: وقد كان كثير من السلف الصالح يمتنعون من الدعاء، ~~يخافون من خيانة نفوسهم، لا يحبون أن يراهم الله في طلب الحاجة كأهل ~~الغفلة، يطلبونها بنهمة وشهوة. # وأما أهل اليقين، فإنهم يدعون، ويلحون، وهم في ذلك ساكنون، مطمئنون، ~~ينتظرون مشيئته، فإن أجاب، قبلوا، وإن تأخر، صبروا، وإن منع، رضوا، وأحسنوا ~~الظن، كما قال أبو حبيب البدوي. # 955 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا عبد الله الأنطاكي، قال: ms0602 حدثني ~~أبو الفيض، قال: قال سفيان الثوري: أتيت أبا حبيب البدوي أسلم عليه، وما ~~كنت رأيته قط، PageV04P264 ~~فقال: أنت سفيان الثوري الذي يقال؟ قلت: نعم، نسأل الله بركة ما يقال، ثم ~~قال لي: يا سفيان! ما رأينا خيرا قط إلا من ربنا، قلت: أجل، قال: فما لنا ~~نكره لقاء من لا نرى خيرا قط إلا منه؟! ثم قال لي: يا سفيان! منع الله إياك ~~عطاء منه لك، وذلك أنه لم يمنعك من بخل، ولا عدم، وإنما منعه نظرا ~~واختيارا، يا سفيان! إن فيك لأنسا، ومعك شغلا، سلام عليك، ثم أقبل على ~~غنيمته، وتركني. # فمن شأن أهل الجود: الإعطاء، فذاك أحب إليهم من الأخذ للسؤال، ومعروف في ~~أهل السماحة والجود: أنه يلتذ بجوده وعطائه أكثر مما يلتذ الآخذ بالنوال؛ ~~لأن الأخذ خلق الفقراء، والإعطاء خلق الأغنياء، وهو خلق أهل الجنان، وهو ~~خلق الله الأعظم. # 956 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا محمد ابن يزيد بن خنيس، قال: كان ~~من دعاء سفيان الثوري: يا من يحب أن يسأل، ويغضب على من لا يسأله، ويا من PageV04P265 ~~أحب عباده إليه من سأله، فأكثر سؤاله، وليس أحد كذلك غيرك يا كريم، ويا من ~~أبغض عباده إليه من لم يسأله، ولم يطلب إليه، وليس أحد كذلك غيرك يا كريم، ~~ويا من أحب عباده إليه من سأله العظيم، ولم يعظم عليك -وعزتك- عظيم يا عظيم. PageV04P266 ### || AUTO الأصل الثالث والثمانون والمئة # 957 - حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: حدثنا المسيب بن واضح السلمي، ~~قال: حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن وهب بن منبه، عن ~~عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يقرأ القرآن في ~~أربعين ليلة، فاستزاده حتى رجع إلى سبع. # فالأربعون: مدة الضعفاء، وأولي الأشغال، ينقسم الجميع على الأربعين، ~~فيكون في كل يوم مئة وخمسون آية، وزيادة آيات يسيرة، وفي PageV04P267 ~~السنة يبلغ ختمه تسع مرات. # ومدة الأربعين، مرددة في أشياء كثيرة، من ذلك: # أن الإنسان خلق لأربعين ms0603 نطفة، ولأربعين علقة، ولأربعين مضغة، ولأربعين ~~سنة يتم شبابه، ثم يدبر، وبين النفختين أربعون، ومكث آدم -صلوات الله عليه- ~~في طينته أربعين، ومواعدة موسى بطور سيناء أربعون، وسلطان الدجال في الأرض ~~أربعون، وعدة النفساء إذا رأت الدم أربعون، ووقت إقامة الفطرة في الجسد ~~أربعون، وتمام الرباط أربعون، وبلوغ الأشد واجتماع القوة أربعون. # وأما توقيت السبع: فإنه للأقوياء الذين يقوون على سهر الليل، واحترفوا ~~العبادة، وتفرغوا من أشغال النفس والدنيا. # والمدة الأولى للعامة ييسر عليهم ذلك، وصارت مداومة، وأحب الأعمال إلى ~~الله تعالى ما ديم عليه. # 958 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا محمد ابن إبراهيم بن الخطاب ~~الليثي، قال: حدثني أبي، عن إسحاق بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد، قال: قال ~~رجل: يا رسول الله! من قرأ القرآن في سبع؟ قال: ((فذلك عمل المقربين)). ~~قالوا: يا رسول الله! فمن قرأه في خمس؟ PageV04P268 # قال: ((ذلك عمل الصديقين)). قال: يا رسول الله! فمن قرأه في ثلاث؟ قال: ~~((ذلك عمل النبيين، وذلك الجهد، ولا أراكم تطيقونه، إلا أن تصبروا على ~~مكابدة الليل، أو يبدأ أحدكم بالسورة، وهمه في آخرها)). قالوا: يا رسول ~~الله! ففي أقل من ثلاث؟ قال: ((لا، ومن وجد منكم نشاطا، فليجعله في حسن ~~تلاوتها)). # قال محمد بن إبراهيم: سألني يحيى بن معين عن هذا الحديث. # فإنما مخرج هذا الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم على المداومة ~~عليه، وإن صيرها عادة وحرفة، ولو أن رجلا في بعض أيامه قرأ القرآن في يوم ~~واحد، أو ليلة واحدة؛ لكان فاضلا عظيم القدر. # وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: أنه ختمه في ركعة واحدة. # فإنما وقت هذه المدد لمن يداوم عليها، ويصيرها موظفة، وكان PageV04P269 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقرؤه في سبع تيسيرا على الأمة، فكان ~~يبتدئ فيه، فيجعله: ثلاث سور حزب، (ثم من بعده خمس سور حزب، ثم من بعده سبع ~~سور حزب، ثم من بعده تسع سور حزب)، ثم من بعده إحدى عشر [ة] سورة حزب، ثم ms0604 ~~من بعده ثلاث عشرة سورة حزب، ثم من بعده المفصل حزب، فذلك سبعة أحزاب. # 959 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ~~قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الثقفي، قال: حدثني ~~عثمان بن عبد الله بن أوس، عن أبيه، عن جده، قال: احتبس عنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة، فقلنا له؟ فقال: ((إنه طرأ علي حزب من القرآن، فأحببت ~~أن لا أخرج من المسجد حتى أقضيه))، فقلنا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أنه طرأ عليه حزب من القرآن ~~فكيف تحزبون؟ قالوا: ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، ~~وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل: ما بين قاف فأسفل. PageV04P270 # فدلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول على حسن التلاوة؛ فإن ~~القرآن موعظة، والله يحب أن يعقل عنه مواعظه، ونصائحه، ولطائفه. # في غرائز الآدميين موجود: أن من كلم آخر بشيء، أراد بذلك تشريفه وبره ~~وإلطافه، فاستمع إلى كلامه بأذنه، لاهيا عن ذلك بقلبه، أنه يسقط من عينه. # فكيف برب العالمين يخاطب عبيده بشيء، يريد بذلك إظهار ما لهم عنده من ~~الأثرة، والمحبة، ويحب أن يجعل أوائل بره في عاجل محياهم؛ ليتلذذوا به، ~~ويفرحوا، فمر عليه هذا التالي له يهذه هذا، وقلبه في عمى عن ذلك، أو خاطب ~~بعض عبيده بوعيده يريد أن يؤدبه بذلك، حتى ينجع قلبه ويتأدب، فمر على خطابه ~~تاليا له، وهو بهذه المقة؟! # وقد أدب الله عباده، ودلهم على الترتيل فيه، فقال: {ورتل القرآن ترتيلا}، ~~وقال عز وجل: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث}، وقال: {كتاب ~~أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب}. # فإنما دلهم على الترتيل والمكث، والتؤدة فيه، والتدبر؛ ليصل إليهم PageV04P271 ~~نفع ذلك، فأفضلهم قراءة أعقلهم عنه، فمن أسرع القراءة، وعقل عنه؛ كان في ~~نور عظيم، وعلياء منزلة، فذلك لفضل نوره، ومن قصر عن ذلك، فالتفكر والتدبر ~~له ms0605 خير وأنفع. PageV04P272 ### || AUTO الأصل الرابع والثمانون والمئة # 960 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا زائدة بن قدامة أبو الجهم الأسدي ~~الكوفي، قال: حدثني أبي قدامة، عن زائدة، عن الأعمش، عن زر، عن حذيفة رضي ~~الله عنه، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فدعا الناس ~~بيده هكذا، قال: ((اجلسوا))، فأقبل الناس، فقال بيده هكذا: ((اجلسوا))، ثم ~~قال: ((إني رأيتكم تطلبون معايشكم، هذا رسول رب العالمين جبريل نفث في ~~روعي: أن لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، وإن أبطأ عليها، فاتقوا الله أيها ~~الناس، وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق أن تأخذوه ~~بمعصية؛ فإن الله لا يدرك ما عنده إلا بطاعته)). PageV04P273 # 961 - حدثنا عبد الرحيم بن يوسف، قال: حدثنا يعلى، عن إسماعيل بن أبي خالد، ~~عن زبيد اليامي، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بمثله. # فحديث حذيفة أتم حديث في هذا الباب فيما نعلمه، وأغربه، وفيه ما دل على ~~أن هذا كان وحيا، وأنه نطق بهذا الكلام طريا عند ما جاء به؛ لأنه PageV04P274 ~~قال: ((هذا رسول رب العالمين))، يشير إليه كأنه شاهده في ذلك الوقت. # ((نفث في روعي)): والروع: القلب، والنفث: هو من الروح مع الروح، والروح ~~أمر عظيم من أمره. # وروي عن وهب بن منبه رضي الله عنه: إن أول ما خلق الله الروح، ثم شق منه ~~الهواء، ثم شق من الهواء النور والظلمة، ثم خلق من النور الماء والنار ~~والريح، وخلق العرش على ظهر الماء، والماء على متن الريح. # فالروح بدو خلقه، فاعلم أن الأرزاق معلومة، فقسط كل نفس واصل إليها، وإن ~~هربت منه، وأنه غير ميت حتى تستوفي ما قسم لها، فحذرهم عن الغفلة عن هذه ~~القصة، وأن يتقوه، ودلهم على جمال الطلب. # فجمال الطلب: أن يحسن نيته في طلبه، وهو أن يطلبه للعفة، ولقوام الدين، ~~وللقيام بما أمر الله في ذلك، وأن يحفظ فيه الجوارح، ويحفظ الأمانة، ويبذل ~~النصيحة، ويتجنب الخيانة، والحلف، والكذب، والغش، ms0606 وأن يطلبه مع ذكره ~~لآخرته. # وقد وصف الله تعالى في كتابه فقال: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار. PageV04P275 # ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله}، قال: الشفاعة. # فخوف ذلك اليوم طهر قلوبهم، وأذهل نفوسهم عن شهوة تستخفهم، وعن فتنة في ~~طلبها تستفزهم، فلم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، قد أمات خوف العقاب ~~منهم كل حرص كان يعجلهم في أمر دنياهم، وأكسلهم ثقل الحساب غدا في ذلك ~~الموقف العظيم عن طلبه، حتى تخلصوا بذلك من فتنته. PageV04P276 ### || AUTO الأصل الخامس والثمانون والمئة # 962 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا سليمان ابن سلمة بن عبد الجبار ~~الحمصي، قال: حدثنا يعقوب بن الجهم، قال: حدثني عمرو بن جرير، عن عبد ~~العزيز، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((قال الله -تبارك اسمه-: إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه، ~~أو في ولده، أو في ماله، فاستقبلها بصبر جميل، استحييت يوم القيامة أن أنصب ~~له ميزانا، أو أنشر له ديوانا. PageV04P277 # فاشترط جمال الصبر في صبره، وهو الرضا، وذلك أن الصبر ثلاثة: # 1 - صبر الموحدين. # 2 - وصبر المقتصدين. # 3 - وصبر المقربين. # وأما صبر الموحدين: بأن لا يسخطوا على ربهم، حتى يجوروه، ولكن على ~~إيمانهم به صبروا أنه عدل عليهم في ذلك، ثم أهملوا جوارحهم في المعاصي ~~لحرقة تلك المصيبة، وهو صبر ممزوج بالجزع، فهو صبر الظالمين لأنفسهم. # وأما صبر المقتصدين: فإنهم صبروا بالقلب، والجوارح، فرضوا بالقلب عن ~~ربهم، وحفظوا جوارحهم عن أن يعصوا الله بجارحة بسبب ما نزل عليهم، وفي ~~النفس كزة، وشدة، ومرارة، وعسرة، فلم يملكوا أكثر من هذا، ولا قدروا على ~~إخراج هذه الأشياء من النفس؛ لأن نفوسهم PageV04P278 ~~حية بالشهوات، رطبة حارة، فحفظوا جوارحهم، ورضوا عنه قلبا، ولم يملكوا ~~كراهة النفس، فهذا صبر قد أذهبت النفس شؤمها، وخلفها جمال الصبر. # وأما صبر المقربين: فهو الرضا، لم تجد لوعة ms0607 المصيبة في قلوبهم مساغا؛ لما ~~فيها من الحلاوة واللذاذة بقرب الله، وذلك أن النور لما اشتعل في صدورهم ~~بعد أن امتلأ القلب منه، فأحرقت ذات الصدور من شهوات النفس، ومناها، وصار ~~الصدر مستنيرا من نور القلب، فذاك عبد قد شرح الله صدره للإسلام، وهو ~~التسليم، فهو على نور من ربه، فصارت الشهوة ميتة، فلم يبق في النفس عكر، ~~ولا كزة، ولا مرارة، ولا عسرة، انتهت النفس عن نومتها، وخرجت عن سكرها، ~~فأفاقت، فصارت مشيئة الله عندها أحلى من مشيئتها. # وهذا موجود في الطبائع، إذا أحببت عظيما من عظماء الدنيا، ممن قد سبى ~~قلبك حبه، وملكك وده، صارت لمشيئاته عندك من الحلاوة على قلبك ما يزيف ~~مشيئتك، ويدرسها عن قلبك ذاك؛ لشغوفك به، فكيف يكون هذا عندك موجود [ا] ~~فيما بينك وبين الآدمي؟. # ثم إذا صرت إلى عظيم العظماء، ومالك الملوك، وسيد السادات، نفيت عن هذا ~~ذاك؛ لأن القلب قد خلا من عظمته، وعمي عليك سؤدده، وجهلت ملكه. # فالمقربون: بالقربة نالوا هذا، حتى ذهب الكره من نفوسهم، وصار PageV04P279 ~~بدل المرارة حلاوة، وبدل العسرة غنى، فأعينهم مادة إلى صنعه، فأينما برزت ~~مشيئته في شيء من حجب غيبه، وقفت قلوبهم عند مشيئته، وهم الصادقون في قولهم: # ((ما شاء الله كان)). # فالمخلطون: صبرهم صبر إيمان، محشو بالجزع. # والمقتصدون: صبرهم صبر رضا مع كزة النفس. # والمقربون: بالقربة نالوا هذا، حتى ذهبت الكزة من نفوسهم وأفعالهم، ~~أفعاله منيتهم؛ لأنه قد انكشف لهم أنه قد أوصلهم إلى أشرف الأشياء بعطفه، ~~ورأفته، ومنه، وهو: معرفته، فلم يتهموه بعد ذلك في حال من أحوال أنفسهم، ~~فكيفما دبر لهم من محبوب أو مكروه، وقع ذلك منهم موقع بر، وعطف، ورأفة، ورحمة. # كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه حين أصابه الطاعون، فيغشى عليه، ثم ~~يفيق فيقول: اخنق خنقك رب، فوزعتك! لا تزداد بذلك عندي إلا حبا. # 963 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا عبد الحميد ابن بهرام الفزاري، ~~قال: حدثنا شهر بن حوشب، قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم، ms0608 قال: سمعت الحارث بن PageV04P280 ~~عميرة الحارثي يحدث: أن معاذا اشتد به النزع في الطاعون، فنزع نزعا لم ~~ينزعه أحد، فكان كلما أفاق من غمرة، فتح طرفه، ثم قال: اخنقني خنقك رب، ~~فوعزتك ربي! إنك لتعلم أن قلبي يحبك. # 964 - حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: حدثني ~~أبي، عن أبيه، عن سلمة قال: أخذ معاذ بن جبل طاعون في حلقه، قال: يا رب! ~~إنك لتخنقني، وإنك لتعلم أني أحبك. # 965 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس المكي، عن ~~سفيان الثوري، قال: كان الربيع بن خثيم ربما خرج في مرضه ذاك، فيجده إخوانه PageV04P281 ~~صريعا في الطريق، فيرشون عليه الماء حتى يفيق، فيقول: يا رب غط ما شئت أن ~~تغط، فوعزتك! لا تزداد بذلك عندي إلا حبا، فيقال له: إنك لفي سعة أن لا ~~تكلف نفسك هذا، فيقول: فكيف بهذا الذي ينادي: حي على الصلاة، لا أقدر إلا ~~أن أجيبه. # فصبر المقربين: رضا القلب، ورضا النفس، وصبر المقتصدين: رضا القلب مع حفظ ~~الجوارح، وصبر المخلطين: رضا الإيمان فقط. # 966 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا محمد ابن مصفى الحمصي، قال: حدثنا ~~بقية، عن إسماعيل بن عياش، عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبي عمران، عن أبي ~~سلام، عن ابن غنم الأشعري، عن أبي موسى، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: ((الصبر رضاء)). PageV04P282 # معناه: أي: إن هذا رضي إذا حفظ جوارحه؛ لأنه لا يملك غير ذلك، فقد أدى ~~وسعه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. # رجعنا إلى حديث سليمان بن سلمة قال: ((فإذا أخذ ذلك بصبر جميل استحييت ~~منه أن أنصب له ميزانا، أو أنشر له ديوانا)). # وهذا من أجل أن هذا العبد إذا صار في هذه الدرجة أن يتلقى أحكامه بالرضا، ~~وهو جمال الصبر، فهو من خاصته وأوليائه، وأنصار حقه. # فالخاصة: لا يحاسبون، ولا يفتشون، ولا يقابلون في الثواب بالأعمال، إنما ~~يرفعون في الجنة إلى معالي الدرجات بالحظوظ التي ms0609 كانت في قلوبهم؛ لقربهم من ~~ربهم أيام الحياة، فيسامحون بالنوال من الدرجات، كمسامحتهم بنفوسهم، لم يكن ~~لهم شيء أعظم من نفوسهم، فألقوها بين يديه عبيدا كما خلقهم، فثوابهم بغير ~~حساب، ونوالهم بغير مقدار، وقربتهم لا توصف. # 967 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا أحمد بن يونس، عن إسرائيل، عن ~~رجل، عن الشعبي، قال: إني لأرجو أن مؤمني هذه الأمة يدخلون مداخل الأنبياء الجنة. # فإنما أراد بقوله: (مؤمني هذه الأمة): المؤمن البالغ في إيمانه، وهم ~~المقربون الذين وصفناهم. PageV04P283 # ويحقق قول الشعبي: # 968 - ما حدثنا به رزق الله بن موسى الناجي، قال: حدثنا معن بن عيسى، ~~قال: حدثنا مالك بن أنس، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أهل ~~الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغائر في ~~الأفق من المشرق أو المغرب؛ لتفاضل ما بينهم))، قالوا: يا رسول الله! تلك ~~منازل الأنبياء، فلا يبلغها إلا هم؟ قال: ((بلى، والذي نفسي بيده! رجال ~~آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين)). # فهم الذين وصفهم الله في تنزيله، فقال -عز من قائل-: {وعباد PageV04P284 ~~الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} إلى قوله: {أولئك يجزون الغرفة بما ~~صبروا}، فهم المقربون، قربوا من الأنبياء، حتى دخلوا مداخلهم. # وذكرهم في آية أخرى، فقال تعالى: {وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت ~~للذين آمنوا بالله ورسله}، ثم قال: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء}، فهي جنة ~~أعلى من التي ذكرها في آية أخرى، فقال: {وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت ~~للمتقين}. # فالتي عرضها السماوات والأرض [أعدت للمتقين]. # وروي عن وهب: إن السماوات والأرض تطوى، ثم تجذب تلك الجنة في الهوى الذي ~~كان فيه السماوات والأرض، والجنة الأخرى التي عرضها كعرض السماء والأرض ~~توضع في هواء عليين، فهي الدرجات العلا. # وإنما ذكر وهب ذلك الحرف الواحد؛ أنها تجذب مكان السماوات؛ لمن يذكر ما ~~أتينا به من الآيات مصداقا له. # فقال في الحديث: ((بلى، والذي نفسي ms0610 بيده! رجال [آمنوا بالله و] صدقوا ~~المرسلين)): فهذا إيمان المقربين الصديقين وتصديقهم. PageV04P285 # ولو كان إيمان المخلطين وتصديقهم، ما نالوا الغرف التي تتراءاهم أهل الجنة ~~من دونهم، فإنما تنصب الموازين، وتنشر الدواوين، لمن عامل الله على ~~المتاجرة بعمل العبودة على اقتضاء الثواب، ويقال لهم كما قال الله في ~~تنزيله: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم}. # فالحساب والوزن واقع على هؤلاء. # فأما من عامل الله على العبودة الصافية، يرى تدبيره بيد الله، يقلبه كيف ~~شاء، ويصرف أحواله كيف أراد، خلقه كما شاء لما شاء، فقلبه مبهوت في جلال ~~الله، ونفسه مبهوتة في عظمة الله، يسعى بين يديه سعي العبد في طاعته، بين ~~يديه طاعته، وبين عينيه مرضاته، وأمامه مشيئته، لا يفكر في غير ذلك من نوال ~~أو غيره. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. PageV04P286 ### || AUTO الأصل السادس والثمانون والمئة # 969 - حدثنا إبراهيم بن عبد الحميد الحلواني، قال: حدثنا عمرو بن الربيع ~~المصري، قال: حدثنا يحيى ابن أيوب، عن عيسى بن موسى بن إياس بن بكير: أن ~~صفوان بن سليم حدثه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((اطلبوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله؛ فإن لله ~~نفحات من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوا الله أن يستر عوراتكم، PageV04P287 ~~ويؤمن روعاتكم)). # 970 - حدثنا الفضل بن محمد، حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد الأنطاكي، عن ~~يعقوب بن كعب، عن نائل ابن نجيح البصري، عن عائذ بن حبيب، عن محمد بن سعيد ~~الأنصاري، قال: وجد في قائم سيف محمد بن مسلمة كتاب فيه: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لربكم في بقية دهركم ~~نفحات، فتعرضوا لها؛ لعل دعوة أن توافق رحمة، فيسعد بها PageV04P288 ~~صاحبها، ثم لا يشقى بعدها أبدا)). # فمثال هذا في تدبيره عند ملوك الدنيا كملك يدر الأرزاق على عبيده وجنده ~~شهرا شهرا، ثم له في خلال ذلك عطية من سماحة وجود؛ فيفتح ms0611 باب الخزانة، ~~ويعطي منها ما يعم، ويستغرق جميع الأرزاق الدارة التي أخذوها في مدة سنين، ~~فمن وافق ذلك من الملك، استغنى آخر الأبد. # فقوله: (لله نفحات) والنفحة: الدفعة من العطية، فيعطي في دفعة واحدة ما ~~يأتي على كثير من هذه النعم التي يدرها عليهم، فالنفحات من PageV04P289 ~~فتحات باب الخزائن، خزائن المنن، وإن خزائن الثواب بمقدار، وعلى طريق ~~الجزاء، وخزائن المنن الواحدة منها تغرق؛ لأنها منة يمن جودا، وعطفا، والذي ~~يعطى على الجزاء بمقدار فوقت الفتحة غير معلوم من الساعات، والأيام، ~~والأزمنة، فإن غيب علمه عنهم؛ ليداوموا على طلبها بالسؤال المتدارك، ~~ويكونوا متعرضين له في كل وقت؛ قائما، وقاعدا، ومضطجعا، وفي كل وقت؛ التصرف ~~في أشغال الدنيا، فإنه إذا داوم على ذلك، كان وشيكا أن توافق دعوته الوقت ~~الذي يفتح، فيكون قد ظفر بالغنى الأكبر، وسعد سعادة الأبد، فإن الذي يتوقع ~~ذلك من الملك لا يدري في أي وقت ينشط الملك، ويسمح ويعطف، فهو يديم ~~الاختلاف في اليوم مرارا؛ رجاء أن يوافق تلك الساعة، فكم من سائل قد حرم ~~فرد، ثم عاد، فوافق المسؤول، قد فتح كيسه؛ وهو يزن دراهم، فإذا هو قد ظفر ~~بمسألته، وقلما يخيب السائل عند حضور الطعام، وعند وزن الدراهم، فإذا كان ~~في غير ذلك الوقت، حرم. # 971 - حدثنا محمد بن محمد بن حسين، قال: حدثنا المعلى بن راشد، عن معتمر، ~~قال: سمعت أبي PageV04P290 ~~يحدث: أن لقمان قال لابنه: يا بني! عود لسانك أن تقول: اللهم اغفر لي؛ فإن ~~لله ساعات لا ترد. # 972 - حدثنا محمد، قال: حدثنا المعلى، عن معتمر، قال: سمعت أبا سعيد ~~يقول: سمعت الحسن يقول: أكثروا الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي ~~طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم، وأينما كنتم، فإنكم لا تدرون أي حين تنزل ~~المغفرة. PageV04P291 ### || AUTO الأصل السابع والثمانون والمئة # 973 - حدثنا قتيبة، وسفيان بن وكيع، قالا: حدثنا عبد الله بن وهب، عن ~~عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: ~~قال رسول الله صلى ms0612 الله عليه وسلم: ((لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو ~~تجربة)). PageV04P293 # والحليم: المنشرح صدره، الذي يتسع لمساوئ الخلق، ومدانئ أخلاقهم، وسوء ~~سيرتهم. # وروي في الخبر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصبر الناس على ~~أقذار الخلق. # فهذا لانشراح الصدر، يتسع فيه ما تضيق به صدور العامة. # وذكر عن الحسن البصري قال: ما سمعت الله نحل عباده شيئا أقل من الحلم. # 974 - حدثنا أحمد بن عبد الرحيم بن خالد بن زياد الحراني، قال: حدثنا ~~إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، قال: سمعت الحسن يقول: ما سمعت الله نحل ~~عباده شيئا أقل من الحلم؛ فإنه قال: {إن إبراهيم لحليم}، PageV04P294 ~~وقال: {فبشرناه بغلام حليم}. # فإنما عظم حلمهم، واستوجبوا الثناء من ذي العرش بما ابتلوا، فاتسعت ~~صدورهم للأمر العظيم الذي حل بهم من الذبح، فاتسع صدر إبراهيم لذبح ولده، ~~واتسع صدر الغلام من تسليم ذلك لله. # قال الله تعالى: {فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه أن يا إبراهيم. قد ~~صدقت الرؤيا}. # وقال عز وجل: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}. # فالإسلام: هو تسليم النفس لربه عبودة في جميع ما يأتي، وفي جميع ما يحكم ~~عليه في الأحوال، فهذا الحلم. # والحلم والملح بمعناه، فكما لا تطيب الأطعمة إلا بالملح، كذلك لا تطيب ~~النفس، ولا يتسع الصدر، ولا يصلح إلا بذلك النور الوارد على PageV04P295 ~~القلب، فيشرق في الصدر بذلك الحلم، فبه تطيب الأمور في الصدور، فلا تخبث ~~النفس فتخبثها، كما أن الملح لا يترك الأطعمة واللحمان أن تخبث فتنتن. # 975 - حدثنا عمر، قال: حدثنا محمد بن الطفيل، عن يعقوب بن الوليد ~~المديني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن حسين بن علي، قال: قال لي ~~علي: يا بني! ما العلم: خشية الرب، واعتزال الحب، قال: فما الحلم؟ قال: كظم ~~الغيظ، وملاك النفس. # 976 - حدثنا عمر، قال: حدثنا ابن رجاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ابن ~~أبزى، قال: قال داود نبي الله: PageV04P296 # كان أيوب أحلم الناس، وأصبر الناس، ms0613 وأكظمهم للغيظ. # فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حليم إلا ذو عثرة)) يدل على أنه ~~لا يتسع الرجل لما يرى من هذا الخلق إلا بعدما يعثر، فإذا رأى عثرته، رحم ~~الخلق، واتسع لهم، واتقى أن يلوم أحدا، أو يعيره بذنب، لما قد رأى نفسه ~~فيها، ورأى خذلان الله إياه، ورأى شرة النفس وداهيتها، وذهابها بالرقبة إذا ~~أصابت فرصتها، فكما تنظر لنفسه من الله الرحمة، كذلك ينتظر لهم مثل ذلك، ~~وكما ساءه أن يعيره أحد بما كان منه، كذلك يعامل الخلق على العطف والرفق، ~~والستر، والنصيحة، والموعظة الحسنة، فهذا حليم قد استكمل الحلم. # وعثرة داود -صلوات الله عليه- وسعته للخطائين، ومن قبل ذلك PageV04P297 ~~كان يشدد عليهم، ولا يجالسهم، حتى روي في الخبر: أنه قال: يا رب! لا تغفر ~~للخطائين؛ من شدة الغيرة لله، والحنق عليهم، فلما عثر، كان ينظر إلى أغمض ~~مجلس في بني إسرائيل، فيذهب فيقعد معهم، يقول: مسكين بين ظهراني مساكين، ~~وكان يقول: رب! اغفر للخطائين كي تغفر لداود معهم. # وقوله: ((لا حكيم إلا ذو تجربة)). # فالعقل: يدل على الرشد. والحكمة: نور يكشف عن مكنون الأمور، ولكنه لا ~~يستكمل حكمته مع كشف هذا الغطاء، واطلاعه بالقلب، مطلع الأمور حتى يطالع ~~الأمور بمباشرة النفس؛ فإن كل شيء تجده القلوب، فمباشرة النفس مع القلوب ~~أثبت، فيتأكد. # فالحكيم: قد كشف له الغطاء، فيرى عواقب الأمور، فيرى شينها وقبحها، فإذا ~~رأى ذلك بالجوارح، كان ذلك عيانا، لا يدفع، ولا ينسى، فهناك بعد التجارب ~~يستكمل الحكمة؛ لأنها كانت قبل التجربة معاينة القلب، فصارت معاينة العين، ~~كان ذلك علم اليقين، فصار الآن عين اليقين. # ألا ترى أن الله تعالى أخبر عن النار فقال: {كلا لو تعلمون علم اليقين. ~~لترون الجحيم}، فهذه رؤية القلب، وهو علم اليقين، {ثم لترونها عين اليقين}؛ ~~أي: يوم القيامة. PageV04P298 # فهذه رؤية العين، فاعتبر الآن هل يحل بأحد برؤية القلب أمرا مبرما هناك، ما ~~يحل يومئذ برؤية العين ذلك؟ # ليعلم أن مباشرة الأشياء بالنفس أقوى وأعظم شأنا من معاينة القلب، وقد ms0614 ~~سمى الله تعالى ذلك: علم اليقين، وهذا عين اليقين. # ولهذا ما قيل: إن العقل بالتجارب؛ فالعقل انكشافه والتبحر فيه حتى ينفعك ~~في كل مكان، وكل أمر بالتجارب، وقد جعل الله في العقل شفاء القلوب، وفي ~~الأدوية شفاء النفوس. # فالطبيب قد يعلم الطبائع، ويعلم الأدوية بنعوتها وأساميها، وإنما يحذق ~~ويعي إذا جرب الأدوية بالطبائع، فكذلك العقل إذا جرب به الأمور بتجرد معرفة وبصرا. PageV04P299 ### || AUTO الأصل الثامن والثمانون والمئة # 977 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا محمد ابن بشر، عن علي بن صالح، عن ~~أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، قال: قالوا: يا رسول الله! نراك قد شبت؟ قال: ~~((شيبتني سورة هود وأخواتها)). # فالفزع: يورث الشيب؛ وذلك أن الفزع يذهل النفس، فتنشف رطوبة الجسد، وتحت ~~كل شعرة منبع، ومنه يعرق؛ فإذا انتشف الفزع رطوبته، يبست المنابع، فيبس ~~الشعر، فابيض، كما ترى الزرع اخضر بسقياه، فإذا PageV04P301 ~~ذهب بسقياه، يبس فابيض. # فإنما يبيض شعر الشيخ؛ لذهاب رطوبته، ويبس جلده، ألا ترى أن المسرور يسرع ~~إليه الشيب؟ فذلك لانتشاف الماء؛ وذلك أن المرة يابسة، وهي حظ التراب من ~~الجسد؛ لأن الجسد إنما خلق من تراب وماء، وفيه الروح، وهو بارد، والنفس، ~~وهي حارة. # فهو مركب على أربع طبائع: تراب يابس، وماء رطب، وروح بارد، ونفس حارة. # فيبس التراب للمرة السوداء، ورطوبة الماء للمرة الصفراء، وحرارة النفس ~~للدم، وبرد الروح للبلغم، فبيبس المرة تأذت المنابع، فيبست، فابيض الشعر. # والنفس تذهل لوعيد الله، وأهوال ما جاء به الخبر عن الله تعالى، فتذبل، ~~وينشف ماءها ذلك الوعيد والهول الذي حل بها، فمنه تشيب، PageV04P302 ~~وقال الله -جل وعز-: {يوما يجعل الولدان شيبا}، فإنما شابوا من الفزع. # وأما سورة هود، فإن فيها ذكر الأمم، وما حل بهم من عاجل بأس الله؛ فأهل ~~اليقين إذا تلوها، تراءى على قلوبهم من ملكه سلطانه، ولحظاته بالبطش ~~بأعدائه، فلو ماتوا من الفزع، لحق لهم، ولكن الله -تبارك وتعالى- تلطف لهم ~~في تلك الأحايين، حتى يقرأ كلامه. # ألا ترى كيف وصف الله في تنزيله شأن الجبال فقال: ms0615 {لو أنزلنا هذا القرآن ~~على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله}. # فلو نزل على الصخر، لتصدع، وقد تجلى للجبل، فتقعر وساخ واندك وانهار ~~كالرمل، وصار بعضه كالهباء يطير، فلولا أن الله تعالى يلطف بعبده المؤمن ~~حتى يعي وحيه وتنزيله؛ لكان قلبه أسرع تصدعا من الجبل، فإذا تراءى على قلبه ~~عظمته وجلاله؛ لكان أسرع تقعرا وانقلاعا وطيرانا، وقد نزل بكثير من عباده ~~نحو من ذلك. # وروي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الفرق فلذ كبده))؛ أي: قطعه. PageV04P303 # 978 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: أخبرنا ~~عبد الله، قال: أخبرنا محمد بن مطرف، رفعه. # وأما أخواتها؛ أي: أخوات سورة هود، فما أشبهها من السور؛ مثل: {الحاقة}، ~~و{سأل سائل}، و{إذا الشمس كورت}، و{القارعة}، ففي تلاوة هذه السور ما ينكشف ~~لقلوب العارفين سلطانه وبطشه، فتذهل منه النفوس، وتشيب منه الرؤوس. # وروي عن محمد بن الحنفية: أنه قال: لله ثلاث مئة وستون لحظة يلحظ بها إلى ~~كل عبد من عباده في كل صباح، فإن أخذ، أخذ بقدرته، وإن عفا، عفا بحلمه. PageV04P304 # فأهل اليقين: ثارت على قلوبهم لحظاته؛ فالعفو: جانب، لولا ذاك، ما استقر ~~لهم قرار من هول أخذه. # واللحظة: قد شملت القدرة، والحلم، إلا أن أهل اليقين قد اطمأنت قلوبهم ~~به، فارتقت في سعة عفوه. # وروي عن علي بن الحسين رضي الله عنهما: أنه كتب إلى الحجاج جواب كتابه ~~الذي كان قد توعده فيه: إنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~((إن لله في كل يوم ثلاث مئة وستين لحظة يلحظ بها إلى أهل الأرض، فمن ~~أدركته تلك اللحظة، صرف الله عنه شر الدنيا، وشر الآخرة، وأعطاه خير ~~الدنيا، وخير الآخرة))، وأرجو من الله عز وجل أن يدركني بعض لحظاته، فيصرف ~~عني شرك، ويرزقني ما وعدنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأعجب بذلك ~~الحجاج، وكتب به الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، وكتب به عبد الملك إلى ~~هرقل ملك الروم، فأرسل هرقل ms0616 إلى عبد الملك بن مروان رسولا يطلب ممن خرج هذا ~~الكلام؟ حتى رجع الأمر إلى علي بن الحسين رضي الله عنه، فلما صار إليه، PageV04P305 ~~فأخبره، فقال له: ممن أنت؟ قال: أنا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وابن عمه، قال: نعم؛ هذا الكلام لا يخرج إلا من أهل بيت نبوة. # 979 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، قال: حدثنا صالح بن محمد، عن محمد بن ~~عبد الرحمن، عن عباد -وهو ابن كثير-، قال: حدثني عبيد الله بن العيزار، ~~قال: حدثني محمد ابن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # فأما حديث ابن الحنفية: # 980 - فحدثنا به محمد بن محمد بن الحسين، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، ~~عن موسى بن عبيدة، عن زيد بن عبد الرحمن، عن محمد بن الحنفية، بذلك. PageV04P306 # ففي حديث علي بن الحسين رضي الله عنه زيادة حرف: ((فمن أدركته تلك اللحظة، ~~صرف عنه شر الدارين، وأعطاه خيرهما)). # وإنما تلك ثمرة اللحظة. # وفي حديث ابن الحنفية: شأن اللحظة موقوف. # فإذا كان العبد مهديا رشيدا، أدركته اللحظة على حال مرضية، فوصل إلى ~~الأمل من نوال الخير، وصرف السوء، وإذا كان عاديا، فاللحظة بين القدرة ~~والحلم: فإما بطش جبار، وإما عفو واسع كريم. # وفي حديث ابن الحنفية قال: ((فإن أخذ، أخذ بقدرته، وإن عفا، عفا بحلمه)). PageV04P307 ### || AUTO الأصل التاسع والثمانون والمئة # 981 - حدثنا ابن أبي ميسرة المكي، قال: حدثنا يعقوب بن حميد، قال: حدثنا ~~عبد الله بن عبد الله الأموي، قال: حدثني الحسن بن الحر: أنه سمع يعقوب بن ~~عتبة يقول: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من اعتز بالعبيد، أذله ~~الله)). # فالاعتزاز بالعبيد من الجهل بالله، وجهله بالله يضعه في كل أموره؛ لأنه ~~مفتون بجميع من دونه. PageV04P309 # والاعتزاز: هو الامتناع من الأشياء التي تنوبه، فمن امتنع بمن لا يملك ~~لنفسه ضرا ولا نفعا، فلما في قلبه ms0617 من الغرة، وقد دلهم الكريم على ما فيه ~~رشدهم فقال: {واعتصموا بالله هو مولاكم}. # فالاعتصام بالله والاعتزاز به من ذرا الإيمان، ومن اعتصم بالمخلوقين، ~~واعتز بعرض الدنيا، فهو المخذول في دينه، الساقط من عين الله. # 982 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا سيار، عن جعفر، ~~عن بكر بن خنيس، عن هشام بن الغاز، عن الزهري، قال: أوحى الله تعالى إلى ~~داود: ((ما من عبد يعتصم بي دون خلقي، فتكيده السماوات والأرض، إلا جعلت له ~~من ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني، إلا قطعت أسباب السماء من بين ~~يديه، وأسخطت الأرض من تحت قدميه)). PageV04P310 # 983 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا حيوة بن شريح، عن بقية، عن صفوان ~~بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، وشريح بن عبيد، عن أبي الدرداء ~~رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله -تبارك ~~وتعالى-: إني والجن والإنس في نبإ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر ~~غيري)). # وسعهم حلمه، وأخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين، مقنعي PageV04P311 ~~رؤوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء؛ أي: متحرقة لا تعي شيئا فقال ~~لهم: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ~~فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان}. PageV04P312 ### || AUTO الأصل التسعون والمئة # 984 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا إبراهيم ابن العلاء الزبيدي ~~الحمصي، قال: حدثني عمر بن الحارث، عن عبد الله بن سالم الأشعري، عن محمد ~~بن الوليد الزبيدي، عن يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، حدثه: ~~أن أباه حدثه: أن عبد الله بن معاوية الغاضري أخبره: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ((ثلاث من فعلهن، طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده بأنه ~~لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، ولم يعط الجربة، PageV04P313 ~~ولا الدرة، ولا المريضة، ولكن من أوسط أموالكم؛ فإن الله لم يأمركم بخيره، ~~ولم يأمركم بشره، فزكى نفسه))، ms0618 فقال رجل: ما تزكية نفسه؟ قال: ((أن يعلم أن ~~الله معه حيث كان)). # قال أبو عبد الله: # فهذه الثلاث كلها زكاة؛ فزكاة القلب: لا إله إلا الله، وزكاة المال: ~~إخراج ما افترض الله فيه منه، وزكاة النفس: علمها بأن الله معه حيثما PageV04P314 ~~كان، فإذا علم ذلك، استوت سريرته وعلانيته، فهابه في كل مكان ووقت، واستحيا ~~الله منه في كل مكان ووقت. # والهيبة والحياء: وثاقان لنفس العبد من جميع ما كره الله سرا وجهرا، ~~وظاهرا وباطنا، والسر: ما كان في الخلاء، والجهر: ما كان في الملأ، ~~والظاهر: ما كان بالأركان، والباطن: ما كان بالقلب. # فالنفس في هذه الأحوال الأربع تخشع لهيبته، وتذل، وتخمد شهواتها، وتذبل ~~حركاتها وانبعاثها، وتنقبض للحياء منه وتخجل، فإذا كان للعبد من الله تأييد ~~بهذين، فاكتنفتاه، فقد استقام. # وإنما أردنا بما قلنا: أنه إذا علم ذلك علم القلب لا علم اللسان؛ فإن علم ~~اللسان أصله من القلب ولا قرار له له؛ لأنه شرارة من شرر الإيمان، وهي حجة ~~الله على ابن آدم، وعلم القلب علم اليقين. PageV04P315 # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحقق ما قلنا في العلم. # 985 - حدثنا بذلك حفص بن عمرو العابد، قال: حدثنا الفضيل بن عياض، عن ~~هشام، عن الحسن رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((العلم علمان: فعلم في القلب، فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان، فذلك ~~حجة الله تعالى على ابن آدم)). # وقال الله -تبارك وتعالى- في تنزيله، فأجمل فقال: {وويل للمشركين. الذين ~~لا يؤتون الزكاة}، فقال أهل التفسير: الذين لا يقولون: لا إله إلا الله، ~~وقال: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة}؛ أي: يتقون ~~الشرك، ويعطون قول: لا إله إلا الله. PageV04P316 # 986 - حدثنا محمد بن الفضل البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر العدني، عن ~~الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: {وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة}، ~~قال: الذين لا يقولون: لا إله إلا الله. # فالزكاة: هي الطهرة والنماء؛ فإذا قال العبد ms0619 صادقا من قلبه: لا إله إلا ~~الله، فإنما قوله من النور الذي أحيا الله قلبه به؛ فبذلك النور طهر جميع ~~جسده، ولصدق هذه الكلمة ثلاث منازل: # 1 - أوله للظالمين. # 2 - وأوسطه للمقتصدين. # 3 - وآخره للمقربين. # فالظالمون: زكوا قلوبهم وجوارحهم بهذا القول، ثم دنسوها بالمعاصي، وقد ~~كانت من قبل هذا القول نجسة، فزكت بهذا القول، ثم لما عصت، PageV04P317 ~~صارت دنسة، وليست بنجسة؛ لأن الكفر ينجس، والمعصية تدنس، ولا يترك النور ~~الذي في قلبه أن ينجس بالمعصية؛ لأنه طهرة، فهو مع ظلمه نفسه شريف المنزلة، ~~رفيع القدر، لم يخرج بظلمه نفسه من ولاية الله، ولا من رحمته، ولا زالت عنه ~~حرمته، فإن تابوا، زالت الأدناس، وصاروا من أهل النور؛ نور الطاعات. # والمقتصدون: زكوا قلوبهم بهذه الكلمة، وزكوا أموالهم وأجسادهم بالائتمار ~~بأمر الله، والتناهي عن نهيه، ثم ثبتوا على تزكية الأموال والأجساد، ودنسوا ~~قلوبهم بالرغبة، والرهبة، والشهوات، والغفلة، والحرص، والعجلة، والخفة، ~~والهوى، ومحبة الدنيا وأحوالها. # والمقربون: زكوا بها زكاة المقتصدين، وأقبلوا على قلوبهم، فرعوها عن أن ~~تتدنس بشيء مما ذكرنا، فكان مرعى قلوبهم بين يديه، فلم يكن للدنيا ولا ~~للنفس هناك دنو ولا لحاظ، قد بقيت نفوسهم ودنياهم بالبعد من المحل. # فتزكية قلوب الظالمين بنور التوحيد، وجاءت الشهوات بظلمتها، فأحاطت ~~بالقلب، فلم يكن لذلك الذي أعطي ما يحرق هذه الشهوات. # وتزكية قلوب المقتصدين بنور الإنابة، إذا أناب العبد إليه، استنار PageV04P318 ~~قلبه بنوره، فأخرجه من سكر الظالمين، فأفاق، وخاف عقابه، ورجا ثوابه، وأبصر ~~به آخرته، فصارت نصب عينيه. # وتزكية قلوب المقربين بنور القربة، فأحرق الشهوات، فامتلأ القلب من نور ~~التوحيد، وأشرق الصدر بنوره، فأيقظه من نومة الغافلين، فانتبه. # وفي المقربين قوم مصطفون مجتبون، هم خاصة المقربين، وهم المجذوبون رؤوس ~~المقربين وصفوتهم، فتزكية قلوبهم بنور وجهه الكريم؛ فهم في قبضته يتصرفون. # فالظالمون علانيتهم أكثر من سريرتهم، وهو الجور. # والمقتصدون استوت سريرتهم بعلانيتهم، وهو العدل. # والمقربون: فضلت سريرتهم علانيتهم، حتى دقت علانيتهم في جنب سريرتهم؛ ~~فللحظة من سرائرهم أعظم من أعمال الثقلين، عمر نوح -صلوات الله ms0620 عليه-. # ولهذا ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه: إن الرجل من هذه الأمة يبلغ ~~عمله يوما واحدا ما يكون أثقل من سبع سماوات، وسبع أرضين في الوزن. PageV04P319 # وروي عن أبي موسى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه نظر إلى جبل أحد، ~~فقال: ((رب رجل من أمتي يعدل الحرف الواحد من تسبيحه هذا الجبل)). # فإنما صار هذا هكذا لأهل القربة بفضل تلك اللحظات التي ليست للملائكة تلك ~~اللحظات؛ فكيف بمن دونها؟ # أما قوله: ((أن يعلم أن الله معه حيثما كان))، فهذا تزكية النفس، فإن هذا ~~علم الإنابة، فإنه إذا أناب، استنار، فبقي خوفه معه، فقيده عن المعاصي سرا وجهرا. # والظالم: إنما يعلم علم إيمان أن الله معه، ثم لا تأخذه مخافة هذا العلم، ~~حتى يقيده؛ فذاك هو العلم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((علم ~~اللسان)). # وعلم المقتصد الذي أورثه المخافة، وأبعده عن المعاصي، هو علم القلب الذي ~~قال: ((فذلك العلم النافع)). # وأما المقرب: فعلمه علم أنور من هذا؛ ذاك علم يقارب المعاينة PageV04P320 ~~أو كأنه يراه، ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن تعبد ~~الله كأنك تراه))، وصدقه جبريل. # وروي عن ابن عمر رضي الله عنه: أنه كلمه عروة بن الزبير في الطواف بشيء ~~من خطبة ابنته، فلم يرجع جوابا، فلما لقيه بعد ذلك، قال: إنا كنا نتراءى ~~الله بين أعيننا في الطواف، فذلك الذي منعني من جوابك. # 987 - حدثنا بذلك قتيبة بن سعيد، وإسماعيل ابن نصر، قالا: حدثنا محمد بن ~~يزيد بن خنيس، قال: أخبرنا عبد العزيز بن أبي رواد، قال: أخبرني نافع، عن ~~ابن عمر رضي الله عنه. # 988 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا نعيم ابن حماد، عن عثمان بن كثير ~~بن دينار، عن محمد بن مهاجر، قال: أخبرني عروة بن رويم اللخمي، عن PageV04P321 ~~عبد الرحمن بن غنم، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((إن الفضل إيمان العبد ms0621 أن يعلم العبد أن الله معه ~~حيثما كان)). # فهذا علم اليقين، لا علم اللسان، فقد علم الموحدون كلهم أن الله معهم، ~~وقد قرؤوا في تنزيله مع علمهم بذلك، فقال: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ~~ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة}. # وقال: {وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا ~~عليكم شهودا إذ تفيضون فيه}. # فالموحدون: قد علموا هذا كله، وقررهم إيمانهم به بأن ذلك كذلك، ثم لم ~~يعمل في قلوبهم وراء ذلك شيئا، فمن أعطي علم الإنابة، وهو النور الذي إذا ~~أناب أعطي، فوجد المخافة، قيده ذلك الذي ورد على قلبه عما ذكره الله، ووقف ~~به على سبيل الاستقامة؛ لأنه وقف به قلبه PageV04P322 ~~بين رجاء ومخافة. # ومتى أعطي علم اليقين، انكشف الغطاء عن قلبه بنوره؛ وهو نور الأنوار، ~~فنظر إلى جلال الله وعظمته، فاندست أعضاؤه بعضها إلى بعض، وصارت نفسه ~~الشهوانية كشجرة رطبة أصابها الحريق، فيبست فصارت جذعا، ووجد أركانه كوعاء ~~فيه رمل أو أشياء من الحبوب مثل الأرز ونحوه، حذرا وضعفا وعجزا، ثم أحله ~~مرتبة من مراتبه من هدايته بين يديه، فأحيا قلبه به، فقوي بالله، وحييت ~~شهواته به، ورطب جسده، وانبسطت جوارحه، وانفتقت أعضاؤه، وعاش في غذائه، ~~ونجواه، وبشراه بقية محياه، فهو بين يديه مراقبا لأموره كأنه يراه، فحياؤه ~~منه أكثر من حياء ملأ عظيم، ومحفل كبير قد ضم ذلك المحفل وجوه كثير من ~~المسلمين وأشرافهم، بل يدق حياؤه منهم في جنب حيائه منه، وهيبته له أكثر من ~~هيبته من ملك قد ملك ملوك الدنيا شرقا وغربا، بل قد تدق هيبته لذلك PageV04P323 ~~الملك في جنب هيبته له. # فهذا الذي قد علم حق العلم أن الله معه، فلولا أن الله يلطف بعبده هذا، ~~حتى ينبسط منه، ويؤنسه، ويقويه لاحتمال ذلك، لما قدر عليه، ولا صلح للمعاش ~~والعشرة. PageV04P324 ### || AUTO الأصل الحادي والتسعون والمئة ms0622 # 989 - حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا سهل بن تمام البصري، عن عباد بن ~~منصور، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال: ((إن الأرض لتنادي كل يوم سبعين مرة: يا بني آدم! ~~كلوا ما شئتم واشتهيتم، فوالله! لأكلن لحومكم وجلودكم)). # فهذا نداء متسخط فيه وعيد، والأرض لا تتسخط على أنبياء الله PageV04P325 ~~وأوليائه، بل تفرح بكونهم على ظهرها، وتفخر وتباشر بقاعها بمتقلبهم عليها، ~~فإذا وجدتهم في بطنها في اللحود، ضمتهم ضم الوالدة الوالهة الواجدة لولدها ~~بعد الوله. # وهذا النداء واقع عندنا على كل من أكل منها شهوة ونهمة وبغفلة؛ لأن الله ~~سخرها لنا للشكر لا للكفر، والشكور محبوب، والكفور ممقوت، ورأس الشكر ذكره ~~عند كل نعمة، وقبولها منه، والحمد لله عليها، فإذا غفل عن هذا كله، فقد أكل ~~منها بغير حق، فأما من أكله بالله، ولله، وفي ذات الله، فالأرض أذل وأقل من ~~أن تجترئ عليه. # وقد جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمن بعده من الصحابة أخبار ~~في شأن النار، وشأن المؤمن. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن النار تنادي جز يا مؤمن، فقد ~~أطفأ نورك لهبي)). PageV04P326 # وروي لنا: إن النار تنزوي وتنقبض عند ورود المؤمن. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((يجعلها الله على المؤمن بردا ~~وسلاما، كما كانت على إبراهيم -صلوات الله عليه-)). # 990 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا ~~أبو صالح الحراني غالب ابن سليمان، عن كثير بن زياد، عن أبي سمية، قال: ~~سألت جابر بن عبد الله عن الورود، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: ((الورود: الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن ~~بردا وسلاما، كما كانت على إبراهيم -صلوات الله عليه-، حتى إن للنار -أو ~~قال-: لجهنم ضجيجا من بردهم، {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا})). PageV04P327 # 991 - حدثنا عمر، قال: حدثنا ابن ms0623 رجاء، عن إسرائيل، عن السدي، قال: سألت ~~مرة عن ذلك، فحدثني عن عبد الله: أنه حدثهم عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: ((يرد الناس النار، ثم يصدرون بأعمالهم، فأولهم كلمح البصر، ~~ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحله، ثم كشد الرحل، ثم كمشيه، ثم ~~كحبوه)). # 992 - حدثنا عمر، قال: حدثنا مسلم، عن شعبة، عن السدي، عن مرة، عن عبد ~~الله، قال: يردونها جميعا، ويصدرون عنها بأعمالهم. PageV04P328 # 993 - حدثنا عبد العزيز بن مسلم، عن منصور بن عمار، عن بشير بن طلحة ~~الجذامي، عن خالد بن دريك، عن يعلى بن منية، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((تقول النار للمؤمن: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي)). # 994 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، PageV04P329 ~~قال: حدثنا سيار، قال: حدثنا بشر بن منصور، قال: حدثنا ثور بن يزيد، عن ~~خالد بن معدان، قال: إذا جاز المؤمنون الصراط، نادى بعضهم بعضا: ألم يعدنا ~~ربنا أن نمر على جسر النار؟ فيقولون: بلى، ولكنا مررنا عليها وهي خامدة ~~لممرنا. # فإذا كانت النار تخمد لممر عبد، فكيف تجترئ الأرض على أكله؟. # وإذا كانت النار تضج من تحته لبرده، وكان له من النور ما يطفئ لهب نار ~~الله الكبرى، فما ظنك به إذا ورد المضجع من لحده، كيف يعود عليه من الفسحة ~~والخضرة، وباب الله عليه مفتوح، فليس عليه ضيقة في مكان يحتاج المؤمن أن ~~يكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((احفظ الله يحفظك، احفظ الله ~~تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة)). # فإذا كان العبد هكذا، فهو حافظه وأنيسه وإمامه نصب عينيه، يهيئ له ~~أحواله، ولا يكله إلى أحد من خلقه. # وجاء في الخبر: أن الشهداء لا تأكلهم الأرض. PageV04P330 # وجاء في الخبر: من أذن سبع سنين، لم يدود في قبره. # فإذا كان الشهيد والمؤذن، وهو الداعي إلى أمر الله، قد امتنعا من الأرض ~~بحالتيهما، فحالة الصديقين الأولياء أرفع من هذا، وأجل؛ إذ كانوا ms0624 هم ~~الشهداء أيام الحياة، والدعاة إلى الله، قد شهدوا محل القربة، ودعوا إلى ~~الله على بصيرة. # 995 - حدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: ~~لما أراد معاوية أن يجري العين إلى جنب أحد عند قبور الشهداء، أمر مناديا ~~فنادى فيهم: من كان له قتيل، فليخرج إليه. قال جابر: فخرجنا إليهم، ~~فوجدناهم رطابا يتثنون، فأصابت المسحاة إصبع رجل منهم، فبدرت إصبعه، ~~فانفطرت دما. PageV04P331 # قال أبو سعيد: لا ينكر بعد هذا منكر أبدا. # 996 - حدثنا سليمان بن أبي هلال الذهبي، قال: حدثنا عبد الجبار بن الورد ~~المكي أخو وهيب، عن أبي الزبير محمد بن مسلم، عن جابر، بمثله، إلا أنه قال: ~~فرأيتهم ينثنون على رقاب الرجال، كأنهم رجال نوم، حتى أصابت المسحاة قدم ~~حمزة بن عبد المطلب، فانبعث دما. # فأما قوله: ((بالله)): فهذا العبد في قبضته قد انفرد به، وخلص قلبه إلى ~~وحدانيته، فبه يقوم، وبه يقعد، وبه ينطق، وبه يصمت، وبه يعقل، وبه يبطش، ~~وبه يبصر، وبه يسمع. # وهو على الصفة التي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ~~ربه -تبارك وتعالى-: أنه قال: ((إذا أحببت عبدي، كنت سمعه، وبصره، ويده، ~~ولسانه، وفؤاده، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي ينطق، وبي يعقل)). PageV04P332 # وقد شرحنا هذا الحديث في بابه، ولكني أردت منه هذا الحرف قوله: ((بالله)). # وأما قوله: ((لله)): فهذا عبد دونه بدرجة، وهو من المقربين الأولياء، إلا ~~أن مقامه دونه من بعده، قد ألقى نفسه بين يديه سلما، يراقب أموره، فهو يمضي ~~فيها كالعبيد، لا يؤثر أمرا على أمر، ولا يدنسه لنفسه، أمرا يراقب تدبيره، ~~ويقبل منه، ويعمل له. # وأما قوله: ((في ذات الله)): فهذا عبد دونه بدرجة، قد شغف بحب الله، ~~وبذكر آلائه، نهمته رضاه، فهو دائبا في عمره، يبتغي في جميع متقلبه رضاه، ~~فهم كلهم أهل ولاية الله وقربته وخاصته، والأرض سخرة، والأرض تمضي في ~~سخرتها، والعبيد يمضون في حقوق الله، جعل الأرض للآدميين ممرا؛ لأنه بعثهم ~~يوم الميثاق؛ ms0625 ليقطعوا هذه السفرة عبيدا إلى يوم العرض عليه، فيقبلهم، ~~ويبعثهم ملوكا إلى داره. # ومنهم من يزيفه وينفيه، ويبعث به إلى سجنه؛ لأنه آبق من العبودة، ~~فانتقلوا من صلب إلى صلب، ومن آخر صلب إلى رحم، ومن رحم إلى PageV04P333 ~~مستقر العبيد، وإذا الغلة وإخراج الثمرة، فمنهم من أثمر مسكا وعنبرا، وبانا ~~وياسمينا، ومنهم من أثمر حنظلا وخرنوبا. # فإن أصل المسك والعنبر كانت من ورقة حملها آدم من الجنة، فأكلتها دابة، ~~ورعت في ذلك الوادي الذي حل به آدم عليه السلام، فصار ذلك الطيب في سرتها، ~~والعنبر كذلك أيضا، كانت في البر، فصير مسكنها في البحر، فهي ترمى ~~بأحشائها، فهي العنبر، وأصلها من تلك الورقة، وكذلك ولد آدم عنده، منهم من ~~نزع إلى تربته الطيبة، ومنهم من نزع إلى تربته السبخة. # فالأرض هي ممر الآدميين؛ ليأخذوا منها الزاد في هذه السفرة، فهي بلغتهم، ~~قل أو كثرن ضاق أو اتسع. # فالمنتبه اطلع هذا المطلع، فأخذها تزودا، ووجهه إلى الله، وقلبه مع الله ~~يسير إليه ركضا، يقطع الليل والنهار، كلما ذكر الموت، ارتاح؛ لما قد علم أن ~~الموت يذهب به إليه، ويقدم به عليه، فأحب الموت حبا لا يوصف، إذ علم أن ~~الملائكة والأنبياء، والخلق والخليقة كلهم عجزة عن هذه الخطة، فليس لأحد أن ~~يذهب به إلى مولاه الذي هو عطشان بلقائه إلى هذا الموت الذي وكله به، وهذا ~~الرسول الذي جعله بيده، فإذا صار إلى ملحده، لم يكن بينه وبين الأرض إلا كل جميل. PageV04P334 # بل روي في الخبر: أن الأرض تضمه ضم الوالدة التي طالت غيبة ولدها عنها، ~~فاشتد شوقها، فلما وجدته، ضمته إلى صدرها، وتحننت عليه، وتأوهت على طول غيبته. # وجاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنها تستأذن ربها في ~~أن تدخل عليه في لحده في صورتها التي خلقت فيها)). # فإن لكل شيء صورة، فيؤذن لها، فتدخل في تلك الصورة، وتؤنسه، وتبشره، وتبش ~~به، وتقول له: طالما كنت تمشي على ظهري، وأنا إليك مشتاقة، ويبكي ظهر الأرض ~~عليه ms0626 أربعين صباحا، وتقول في بكائها: يا رب! عبدك كان يذكرك في فجاجي، ~~وبقاعي، آسفا على ما فاته، فافتقدت من ذلك، والسماء تبكي عليه، وتقول: يا ~~رب! عبدك كان ينزل عليه رزقه مني، ويصعد عمله إلي، فلا يزال ذلك دأبهما في ~~البكاء. # حتى روي عن عمر بن عبد العزيز: أنه لما مات، بكت السماء والأرض عليه ~~أربعين عاما. # وقد جعل الله هذه الأرض مسخرة للآدمي؛ لتكون له قواما وقطعا لعذره، وخلقه ~~للعبودة، وهو إقامة حقوقه، فإذا اشتغل العبد في إقامة حقوقه، وكان ذلك ~~نهمته، وهمته، وهواه، فالسخرة له سليمة طيبة بلا PageV04P335 ~~وبال، فإذا أحدث في السخرة حدثا لم يكن له، عادت عليه وبالا، وهو أن يشتغل ~~عن إقامة حقه بما سخر له، فتصير عليه فتنة، فقد تحولت العبودة عن الواحد ~~لأولى .. .. عدد. # قال الله تعالى: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل ~~هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون}. # فهذا له ظاهر وباطن، وما من آية إلا ولها ظهر وبطن، فأما ظاهره: فهو ~~الشرك فيه شركا يدعيه الشيطان والصنم، وكل ما يعبد من دونه. # {ورجلا سلما لرجل}؛ أي: موحد لربه. # والباطن منه: {رجلا فيه شركاء متشاكسون}؛ أي: قلبا فيه شركاء قد سبوه، ~~وادعوه، كل من ناحيته يدعيه. # والشكس: ضيق الخلق، ومن الضيق تكاد تنقطع هممه؛ حتى يصير أشقاصا، وكل همة ~~لها شقص من قلبه، فقد صارت فيه شركاء أحزابا، كل حزب فرح بما لديه؛ ففي ~~قلبه أفراح شهوات الدنيا، وأحوالها اللذيذة، PageV04P336 ~~كلهم سلطانه قائم على قلبه، تزاحم صاحبتها، فهم يتشاكسون؛ أي: يتشاقصون ~~فيما بينهم، فهو مفتون فكل شهوة قد سبت شعبة من قلبه. # وروي عن ابن عمر رضي الله عنه: أنه باع حمارا له، فقال: قد كان لنا ~~موافقا، ولكنه أذهب شعبة من قلبي، فبعته. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من أشعبت به همومه في ~~دنياه، لم يبال الله في أي واد هلك)). # فهذا قلب فيه فتنة المال، وفتنة الأهل، وفتنة ms0627 الولد، وفتنة حب الرياسة، ~~وفتنة العلم، وفتنة الثناء، وفتنة المحمدة. # ورجلا سالما لرجل؛ أي: قلبا سالما للواحد الفرد. # فالمخذول من عبيده من قلبه بين هذه الشركاء، فكلهم يدعيه، وكله ساخط ~~عليه؛ لأنه لا ينال غاية نهمته. PageV04P337 # والمؤيد المجتبى: قد أخذ الله بقلبه، فجذبه إليه جذبا، فأقامه في فردانيته. # وجاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن هذه الدنيا خضرة ~~حلوة، فاتقوها)). # وقال: ((إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بحقه، بورك له فيه، ونعم المعونة ~~هو، ومن أخذه بغير حقه، لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع)). # وقال في رواية أخرى: ((ومن أخذه بشره نفس لم يبارك له فيه)). PageV04P338 # فالشره: أن يأخذه بشهوة للتمتع، والأخذ بحقه: أن يأخذه بحاجة إليه للتزود. # وقوله: (فاتقوها) أن تغركم هذه الفانية عن الباقية، وأن تغركم لذة نفوسكم ~~فيها عن الله الخالق البارئ المصور، فإنكم كنتم قبضة منها، فبرأكم؛ أي: ~~فصلكم منها، قدر مقداركم، فهو الخالق، وبرأكم، فهو البارئ، وصوركم بأفضل ~~الصور وأجملها، فلذة هذه الأفعال التي وصل إليكم نفعها وشرفها الزمن الذي ~~سخرها لكم، وكنتم من قبل ذلك مثلها ترابا يبسا مواتا. PageV04P339 ### || AUTO الأصل الثاني والتسعون والمئة # 997 - حدثنا محمد بن علي الحكيم الترمذي رحمه الله، قال: # حدثنا الفضل بن محمد الواسطي، حدثنا أيوب بن محمد الرقي، قال: حدثنا ~~الوليد بن الوليد أبو العباس الدمشقي، عن ثابت بن يزيد، عن الأوزاعي، عن ~~الزهري، عن عروة، قال: سمعت عائشة -رضي الله عنها- تقول: كان نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ((مكارم الأخلاق عشر تكون PageV04P341 ~~في الرجل، ولا تكون في ابنه، وتكون في الابن، ولا تكون في أبيه، وتكون في ~~العبد، ولا تكون في سيده، يقسمها الله تعالى لمن أراد به السعادة: صدق ~~الحديث، وصدق البأس، وإعطاء السائل، والمكافأة بالصنائع، وحفظ الأمانة، ~~وصلة الرحم، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب، وإقراء الضيف، ورأسهن ~~الحياء)). # 998 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن الإفريقي، عن يزيد ~~بن أبي منصور، عن عائشة، بمثله، PageV04P342 ~~ولم ms0628 يرفعه. # فكل خلق من هذه الأخلاق مكرمة لمن منحها. # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الأخلاق مخزونة عند الله، ~~فإذا أراد الله بعبد خيرا، منحه منها خلقا)). # فهذه أخلاق الله التي خرجت من أسمائه، والخلق والعادة بمعنى واحد، وأما ~~الأخلاق التي ركب عليها الآدمي، فقد عم الجميع، تلك أخلاق الطبيعة، ثم له ~~منائح من فضله لعبيد من عبيده يختصهم بمشيئته منا منه عليهم بخلق وخلقين ~~وثلاثة وأكثر من ذلك من المخزونات، وإنما قيل: مخزونات؛ لأنها له، فيعطي ~~بمنه من عنده من أحب من عباده. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إنما بعثت لأتمم صالح ~~الأخلاق)). PageV04P343 # يدل قوله: على أن الأنبياء قبله قد كانت معهم هذه الأخلاق، وعليهم منها ~~بقية، فبعث محمدا صلى الله عليه وسلم ليتممها. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن لله مئة وسبعة عشر خلقا، من ~~أتاه بواحدة منها، دخل الجنة)). # وقال: ((إن الله تعالى يحب معالي الأخلاق)). # وإذا جعل من محابه في عبد من عبيده، أنجاه محبوبه. # وروي عنه: أنه قال: ((إن الله تعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم ~~أرزاقكم)). # فكما كان بين الأرزاق تفاوت بعيد، فكذلك في الأخلاق، وإن الله يحب العبد ~~على أخلاقه إذا تخلق بها له؛ فإذا تخلق بها لدنيا، كان من حرمة تلك المكرمة ~~التي أعطيها أن يعقبه منها معروفا؛ فإن كان PageV04P344 ~~ظالما، تيب عليه، ورزق الإنابة، وإن مات على غير توبة، رحم، وغفر له بحرمة ~~ذلك الخلق، وإن كان كافرا، خفف عنه العذاب. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة: ((ذهب حسن ~~الخلق بخير الدنيا والآخرة)). # وقال: ((إنه لينال بحسن الخلق درجة الصائم القائم)). # وقال في حديث الرؤيا: ((رأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه بينه وبين ~~الله حجاب، فجاء حسن خلقه، فأدخله على الله)). PageV04P345 # فتأويل هذه الرؤيا عندنا: أن سوء الخلق حجاب على القلب، ولا يستقر اليقين ~~في قلبه؛ لأن مدانئ الأخلاق تظلم القلب، وتحجبه؛ ms0629 فحسن الخلق وصفاؤه يوصل ~~القلب إلى الله. # 999 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن معن بن ~~عبد الرحمن، قال: قال عبد الله: نجد الرجل فظا، فإذا بحثته، وجدت سريرته ~~الإيمان، ونجده حلو الخلائق، فإذا بحثته، لم تجد فيه من الإيمان شيئا، ومن ~~شاء الله، جمع له حلاوة الدين، وحلاوة الخلق. # 1000 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عبد الحميد بن صالح البرجمي، عن ~~زكريا بن عبد الله PageV04P346 ~~ابن يزيد الصهباني، عن أبيه، عن كميل بن زياد النخعي، عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه، قال: سبحان الله! ما أزهد الناس في الخير! عجبت لرجل يجيئه ~~أخوه المسلم في حاجة، لا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كنا لا نرجو جنة، ولا ~~نخشى نارا، ولا ثوابا، ولا عقابا؛ لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق؛ ~~فإنها مما تدل على سبيل النجاح، فقام رجل فقال: فداك أبي وأمي يا أمير ~~المؤمنين، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، وما هو خير ~~منه، لما أتانا سبايا طيئ، وقعت لي جارية حماء، حواء، لعساء، لمياء، عيطاء، ~~مسنونة الخدين، صلتة الجبين، مقرونة الحاجبين، صغيرة الأذنين، شماء الأنف، ~~مقبوضة الهامة، درماء الكعبين، خدلج الساقين، لفاء الفخذين، خميصة الخصرين، ~~ممكورة الكشحين، مصقولة المتنين، فلما رأيتها، أعجبت بها، وقلت: لأطلبن إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعلها من PageV04P347 ~~فيئي، فلما تكلمت، نسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها، فقالت: يا محمد! إن ~~رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب، وإني ابنة سرة قومي، كان أبي ~~يفك العاني، ويحمي الديار، ويقري الضيف، ويشبع الجائع، ويفرج عن المكروب، ~~ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، وأنا بنت حاتم طي، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا جارية! هذه صفة المؤمن حقا، لو كان ~~أبوك إسلاميا، لترحمنا عليه، خلوا عنها؛ فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، ~~والله يحب مكارم الأخلاق))، فقام أبو بردة فقال: يا رسول الله! ms0630 آلله يحب ~~مكارم الأخلاق؟ فقال: ((يا أبا بردة! لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن الخلق)). PageV04P348 # قوله: (جارية حماء) ورجل أحم: وهو الذي شفته سوداء، والحواء واللعساء مثله، ~~إلا أن الحماء أشد سوادا، واللعساء: أقل منه سوادا، وباطنها إلى الحمرة، ~~واللمياء: أقل سوادا، وظاهرها سواد، وباطنها إلى لون الشفاه، وفي شفتيها رطوبة. # والعيطاء: طويلة العنق، يقال: رجل أعيط، وامرأة عيطاء، وأجيد وجيداء، ~~وأعنق وعنقاء، كل هذا إذا كان في عنقه طول، والعيط: طول في استدارة ~~فارتواء، والجيد والعنق يراد به الطول فقط. # قوله: (مسنونة الخدين) أي: مصونة الخدين، وهو أن يكون سهلا في استواء، ~~ليس بالمكلثم الذي قد تراكم اللحم عليه، والسن: الصب، وإنما قيل: مسنونة؛ ~~لاستواء الوجنتين بالخدين، فكأنه شيء واحد من استوائه وهو أحسن الوجوه، ~~يقال: هذا رجل مسنون الوجه؛ أي: منصب مستوي الخدين، وأما إذا كان لحما ~~أعالى حر وجهه، فإنه وجيه، فما علا منه أسفل من العين، فهو وجنة، وما كان ~~أسفل من الوجنة، فهو PageV04P349 ~~خد، فإذا لم يكن هناك لحم، يقال: مسنون الخد، ومسنون الوجه؛ أي: منصب مستو، ~~فإذا كان هناك لحم، قيل: رجل أوجن، وامرأة وجناء، وذلك الموضع منه يسمى ~~الوجنة، فإذا لم يكن لحم، لا يقال له: وجنة، إنما يقال له: خد. # وقوله: (صلتة الجبين)، فالصلت: الواسع المستوي، والجبين: ناحيتا الجبهة، ~~والجبهة: مسجده، والجبين ناحيته عن يمين الجبهة، وعن شمالها. # وقوله: (مقرونة الحاجبين) أي: متصلة. # وقوله: (شماء الأنف)؛ أي: طويلة في رقة وارتفاع، يقال: رجل أشم، وامرأة شماء. # وقوله: (مقبوضة الهامة)؛ أي: هامتها ليست لها نتق، ولا إفاضة، إنما هي ~~مجتمعة في مستقر واستواء. # وقوله: (درماء الكعبين)، والدرم: اللصوق والقرب، وهو أن يكون PageV04P350 ~~ملتصقا بالساق والقدم، لا فرجة هناك، ولا سعة، كأنه وصف بالضيق والقرب بعضه ~~من بعض. # قوله: (خدلجة الساقين) وهو أن يكون مستديرا في دبر لحم ووفارة؛ كطي ~~الطوامير من الاستدارة، وظهر ساقها كعضلة من الاستواء والتدوير. # وقوله: (لفاء الفخذين)؛ أي: كثيرة اللحم، فقد التفا؛ أي: قرب أحدهما من ~~الآخر من لحامته. ms0631 # قوله: (خميصة الخصرين) وهو أن ينضم خصراها. # والخصر: ما بين الحجبة والقصرى من الأضلاع. # والخصر والخاصرة بمعنى واحد. # والحجبة: طرف العجز المشرف على مراق البطن. # والحرقفة: طرف العجز عند الصلب. PageV04P351 # والماكبة: ما بين الحرقفة والحجبة مما أقبل على الخاصرة. # والعجز: ما بين الحجبتين والجاعرتين. # والورك: العظم الذي على طرف الفخذ، فقد وصل بين الفخذ والعجز. # والجاعرة: حد الورك، وهو موضع الكي من الحمار. # والخصر: هو ما ذكرناه. # والخمص: هو اللحوق بالصلب حتى كأنه جائع من خواه وانضمامه. # ويقال: رجل أهيف، وامرأة هيفاء، فهو مثل ما وصفنا إذا كان خصراه قد لحقا ~~عمود بطنه، وكذلك روي في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمصان القدمين. # يقال: رجل خمصان، وامرأة خمصانة، وهو الذي قد لطف خاصرتاه حتى استويا، ~~فلا يرى له نتق، والتزقت ضلوعه، وتدانى صدره، ودق صلبه، فلم يفاوت بعضه بعضا. PageV04P352 # قوله: (ممكورة الكشحين) فالممكورة: الممتلئة ريا من اللحم، والوفارة. # والكشح: فوق الخاصرة إلى حيال الإبط من الجنبين. # قوله: (مصقولة المتنين) فالعفار: متوسط الصلب والمتنين عن يمين الصلب وعن ~~شماله، وهما ناحيتاه، كأنه يقول: لهما بريق من الصفاء واللين، فكأنه قد صقل ~~متناه، وهما من المنكب إلى الوركين مما قد اكتنفا الصلب. # قولها: (بنت سرة قومي): يقال في اللغة: هذا سرة قومه؛ أي: معتمدهم ~~ومتوسطهم. # قولها: (يفك العاني)؛ أي: الأسير، (ويحمي الديار): يكون حامية قومه، (ومن ~~لجأ إليه). # فأما ما ذكر من مكارم الأخلاق، فعد عشرا منها: # (صدق الحديث): فصدق الحديث من الإيمان، لأن الكذب مجانب للإيمان، وذلك أن ~~الرجل إذا كذب، فقال: كان كذا، ولم يكن ذلك، PageV04P353 ~~فقد افترى على الله؛ لأنه زعم: أن الله عز وجل قد كونه، وإن كان ذلك، فزعم ~~أنه لم يكن، فقد افترى على الله. # فمن هاهنا قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: الكذب مجانب للإيمان. # فصدق الحديث من الإيمان، وصدق الناس من الثقة بالله شجاعة، وسماحة، ~~وإعطاء السائل من الرحمة، والمكافأة بالصنائع من الشكر، وحفظ الأمانة من ~~الوفاء، وصلة الرحم من العطف، ms0632 والتذمم للجار من نزاهة النفس، والتذمم ~~للصاحب منه أيضا، وقرى الضيف من سخاوة النفس، والحياء من عفة الروح؛ فكل ~~خلق من هذه الأخلاق مكرمة عظيمة، يسعد بالواحدة منها صاحبها، فكيف بمن جمعت ~~له هذه المكارم كلها؟ # والأخلاق الحسنة كثيرة، وكلها تقرب إلى الله، ولكن هذه مكارم تلك ~~الأخلاق، فكل مكرمة منها تمنح العبد؛ فهي له شرف وفضيلة في الدنيا والآخرة، ~~رفعة ووسيلة. PageV04P354 ### || AUTO الأصل الثالث والتسعون والمئة # 1001 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا محمد بن شعيب الأزدي، قال: ~~حدثنا موسى بن علي بن رباح، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أربع خلال إذا أعطي العبد، فلا ~~يضره ما عزل عنه من الدنيا: حسن خليقة، وعفاف طعمة، وصدق حديث، وحفظ ~~أمانة)). # فهذه خصال كلها تطهير للجسد والقلب. # قال الله تعالى في تنزيله: {قد أفلح من تزكى}، وقال في PageV04P355 ~~الدرجات العلا: {وذلك جزاء من تزكى}. # فأما (حسن الخليقة): فأن يكون حسن العشرة مع خلقه، حسن الخلق مع أمره ~~ونهيه، حسن العشرة والخلق مع تدبير الله وأحكامه. # وقوله: (عفاف طعمة): فأن يطعم ما لا يشوبه الحرام، ولا الشهوة، ولا ~~المطامع. # قوله: (وصدق حديث): فأن يعف لسانه. # وأما (حفظ أمانة): فأن يحفظ جوارحه وما اؤتمن عليه؛ فإن الكذوب والخائن ~~لا قدر لهما عند الله. PageV04P356 ### || AUTO الأصل الرابع والتسعون والمئة # 1002 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري، قال: ~~حدثنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن ~~القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي عبيدة بن الجراح، قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ((ليس من الصلوات صلاة أفضل من صلاة الغداة يوم ~~الجمعة في جماعة، وما أحسبه شهدها أحد منكم إلا مغفور له)). PageV04P357 # فيوم الجمعة هو يومه الذي اصطفاه، واستأثر به على الأيام، فختم به آخر ~~الخلق، وهو آدم صلى الله عليه وسلم، وفيه قبضه، وجعله يوم الجزاء، ms0633 ففيه ~~تقوم الساعة، وفيه فصل القضاء، وفيه زيارة الأحباب إلى الفراديس العلا إلى ~~الله العلي الأعلى. # وأما صلاة الغداة، فإن الله يشهدها، وملائكته، كذلك روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم قرأ: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا}. # ولذلك قال: ((من صلى الصبح في جماعة، فهو في ذمة الله))؛ لأنه وقع في ~~شهوده وقربه. # 1003 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا نصر بن صالح، قال: حدثنا صالح ~~المري، عن ثابت البناني، ويزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من صلى صلاة الصبح، فهو في ذمة ~~الله عز وجل)). PageV04P358 # فإذا وافق العبد شهوده في اليوم الذي هو يومه، دخل في ستره وذمته. # فالستر: المغفرة، والذمة: الجوار، والحصن من العدو، فرغب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الأمة في تلك الصلاة بما كشف من الغطاء عن الحال فيه، وأجمل ~~الكشف، وفهم عنه أصحابه مجملا، ثم احتيج من بعده إلى شرحه؛ لأن هذا الخلق ~~قد زالت العصمة عنهم، وتراكمت شدة النفس على قلوبهم، وأحاط رين الذنوب ~~بالقلوب في صدورهم. PageV04P359 ### || AUTO الأصل الخامس والتسعون والمئة # 1004 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سعيد ابن أبي مريم المصري، قال: ~~حدثنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن أبي ~~الهيثم، عن أبي سعيد، وابن حجيرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أنه مر ببلال وهو يقرأ من هذه السورة، وهذه السورة، ~~وقال: أخلط الطيب بالطيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرأ ~~السورة على نحوها))، ثم قال: ((مثل بلال كمثل نحلة غدت تأكل من الحلو ~~والمر، ثم PageV04P361 ~~تمسي حلوا كله)). # معناه: أن النحلة هكذا سبيلها، وهي مأمورة بذلك، وجعل لها كلا الصنفين ~~رزقا؛ فإن في الحلو شفاء وداء، وفي المر شفاء وداء؛ فأمرت بالجمع بين ذلك ~~كله؛ ليكون الداء بالشفاء، والشفاء بالداء، فيعتدل، فلا يضر، ويكون شفاء، ~~فأوحى ms0634 إليها. # ثم ذكر ذلك في تنزيله، فقال: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون. ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا ~~يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء}. # فذلت لله مطيعة له، فاتخذت بيوتا من الأماكن التي أشير لها إليها، وابتغت ~~رزقها من حيث ذكر لها، فالمر من الثمار كريه على كل دابة، وكل PageV04P362 ~~نفس منفوسة، ولكنها كما سخرت للآدمي، فذلت وانقادت، كذلك فيما صرف إليها من ~~الرزق حلوا كان أو مرا، سخرت لأكلها، وقد تجد سائر الدواب في مرعاهن يتقين ~~كثيرا من الكلأ، ومن ألوان من نبات الأرض، فلا يقربنه، وتجد كثيرا من ذوات ~~الأجنحة يتقين كثيرا من الثمار فلا يقربنه. # وسخرت النحل لأكل كل الثمرات، حلوها ومرها، محبوبها ومكروهها. # وسائر الهوام، والطيور، والدواب تتخذ المأوى والأوكار لنفسها، وقرارها ~~فيها، واتخذت النحل بيوتا بما أوحي إليها؛ لتكون تلك البيوت أوعية لما يجعل ~~الله في مأكولها من الشفاء للآدميين، فلولا تلك البيوت التي تتخذها النحل؛ ~~لكان الذي يخرج من بطونها يذهب فاسدا، فتلك البيوت، وإن كانت مساكنها، فهي ~~للعسل، ولأمر الله، لا لها، ثم أمرها بأن تأكل من الثمرات حلوها وحامضها، ~~ورطبها ويابسها، وحارها وباردها، PageV04P363 ~~ومحبوبها ومكروهها؛ فإن لك ثمرة نفعا، فإذا أكلت من الكل، فقد جمعت النفع ~~كله في أكلتها، فإذا كان أكلها على هذه الصفة تاركة لشهوتها، قد استوت ~~عندها محبوب الثمار ومكروهها لما ذلت لأمر الله؛ صار هذا الأكل لله، لا ~~لنفسها، ولو آثرت المحبوب على المكروه، لكان أكلها لنفسها، فإنما وصفها ~~الله بالذلة؛ لأنها ذلت لله في أكل كل الثمرات فيما وافقها، وفيما لم ~~يوافقها. # فصار ذلك شفاء بمنزلة الأدوية، يخلط من كل نوع، فصارت في طيرانها سالكة ~~سبل ربها، وصارت هذه كلها سبله حيثما طارت في طلب رزق؛ لأنها رمت بشهوتها، ~~واستوت عندها حالة المكروه والمحبوب من تلك الثمار، ونسبها إلى الذلة، ولم ~~يقل: مطيعة، ولكن: ذللا، وقد تكون طاعة والنفس كارهة، فإذا ذلت النفس، ذهبت ms0635 ~~الكراهة، فذكر منها الذلة، فقد انتظمت الطاعة، فلما صفا أكلها في أنها لله ~~لا لنفسها بشهوتها ونهمتها، صار ما في جوفها من المأكول حلوا، وصار شفاء ~~لأسقام الآدميين. PageV04P364 # ألا ترى أن البقرة صار لبنها شفاء، ولحمها داء، فإنما صار هكذا؛ لأنها تأكل ~~من كل الشجر، هكذا جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم ~~بألبان البقر؛ فإنها ترم من كل شجر)). # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لبنها دواء، وسمنها ~~شفاء، ولحمها داء)). # فإنما صار لبنها دواء؛ لأنها تأخذ من كل شجرة، وصار لحمها داء؛ لأنها ~~تأكل بالنهمة؛ لأنها جعمة، ولذلك تعاودت ألسنة الناس هذه الكلمة، PageV04P365 ~~فيشبه الإنسان الشهواني به، فيقال: مثل البقرة الجعمة، فهذه كلمة جارية على ~~الألسنة. # ألا ترى أنها ترعى من كل الشجر حلوه ومره، فهذه لجعامتها، لا لأنها ذلت ~~لله، بأمر ربها كالنحل؛ فإنها لم يلق إليها ما ألقي إلى النحل إلهاما من ~~الله، فذلت بإلهام الله، ولكن البقرة أكلت من كل الشجر؛ لجعامتها. # ألا ترى أنها ترعى المزابل ومراعي السوء، وترتزق من المقاذير، وتذر ~~الأطايب من الشجر، فهذه آيات الجعومة، فلما صارت تأكل بالنهمة جعامة، صار ~~لحمها داء، واللبن الذي حدث عن أخلاط دواء، والنهمة عليها تنبت لحماتها، ~~فصارت منزوعة البركة، وكل شيء لا يبارك فيه، فهو PageV04P366 ~~داء في الدنيا والآخرة، والدواء ضد الداء، والشفاء ثمرة الدواء، وهو البرء. # ويقال في اللغة: دوي يدوى على قالب فعل، فهو من الداء، وداوى يداوي على ~~قالب فاعل، هذا من الدواء، واشتق اسم أحدهما من الآخر، والداء: الهلاك، ~~ومنه سميت المفازة دوية، وهو الاسم الأصلي؛ لأنه موضع الهلاك، وسمتها العرب ~~مفازة تطيرا؛ لأنها مهلكة. # فالداء إذا عرض، أهلك، فإذا عولج بالدواء، أهلك الدواء الداء، فسمي هذا ~~داء، وهذا دواء للهلاك؛ ليعرف هذا من ذاك بالواو الذي زيد فيه. # والشفاء: هو الذي يحدث عن الدواء؛ كالشبع من الخبز، والرواء من الماء، ~~فجعل هذا الأمر منه وحيا إلى النحل، والوحي: القذف إلهاما، والقذف ms0636 منه ~~خصوصية لمن قذف إليه، وتقديما له على نظرائه من أي جنس كان. PageV04P367 # ولهذا ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن قتل النحلة، ~~والصرد، والضفادع، والهدهد. # فقد كان لكل واحد منهم سالف عمل مرضي، وفي خلقتهم جوهر يتقد من الجواهر، ~~وقد شرحناه في باب قتلهن. # ثم قال في آخر الآية: {شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية ~~لقوم يتفكرون}. # فثمرة هذه الآية لمن صفا فكره فيها يعلمك أن النحلة التي سخرتها لك ذلت ~~لي، فاستوى عندها في المطعم محبوبها ومكروهها، وتركت نهمتها، فجعلت ما في ~~باطنها حلوها ومرها حلوا كله، وجعلته شفاء من الأسقام. # فكيف بالآدمي المسخر له إذا ذلت نفسه، فتركت نهمتها وشهوتها رياضة لها، ~~حتى استوى عندها المكروه والمحبوب من أحوالها؟. # كيف يصير ذلك المكروه كله عنده حلوا محبوبا، فيكون كلامه شفاء للمذنبين، ~~وأفعاله شفاء للناظرين إليه من أهل المعاصي، ورؤيته حياة لقلوبهم؟. PageV04P368 # فأما تمثيل فعل بلال بالنحلة، فإن بلالا كان إذا قرأ، قصد لآيات الرحمة، أو ~~لصفات الجنة، فيتلوها نظاما. # ألا ترى أنه قال: ((أخلط الطيب بالطيب))؟ فكان يقصد من القرآن لما طيب ~~نفسه، فأمره أن يقرأ السورة على نحوها كما جاءت ممزوجة، والله أعلم بدواء ~~العباد وحاجتهم فلو شاء، لصنفهم أصنافا، كل صنف على حدة، ولكنه مزجها؛ ~~ليعمل على القلوب على المزاج، فنظامه لا يوصف، ولا يفهم نظامه إلا الأنبياء ~~والأولياء، حرام على قلوب التفتت إلى أحوال النفس، أو حجبت عقولها عنه ~~بشهوة أن تفهم نظامه. # ولقد تلوت يوما سورة حتى أتيت على هذه الآية: {ويوم تشقق السماء بالغمام ~~ونزل الملائكة تنزيلا. الملك يومئذ الحق للرحمن}، فأوقفتني الآية كالمبهوت ~~في فكر ما ذكر من تلك الحال، فقلت: يا لطيف! علمت أن قلوب أوليائك الذين ~~يعقلون هذا الوصف عنك، ويتراءى لهم هول هذه الصفة لا تتمالك، فلطفت لهم، ~~فنسبت الملك إلى أعم اسم من الرحمة، فقلت: للرحمن؛ ليلاقي هذا الاسم تلك ~~القلوب التي يجل بها الهول PageV04P369 ~~عند تلاوته، فيمازج ms0637 تلك الأهوال التي يجل بها، ولو كان بدله اسما من ~~الأسماء التي تزيد في الهول؛ كقوله: العزيز، الجبار، ثم تفطرت القلوب، كان ~~حقيقا غير مدفوع. # فنظامه في جميع كلامه نظام يعجز عنه الواصف والمفكر، ومن النظام تخرج ~~اللطائف، فكان بلال رضي الله عنه يقصد لما تطيب النفوس به من آيات الرحمة، ~~فأمره أن يقرأ على نظام رب العالمين، فهو أعلم بالشفاء؛ فإنه سماه: شفاء ~~لما في الصدور؛ فإن في الصدور والنفوس [داء] وهي الشهوات، فإذا جاءت مواعظ ~~الله، جاءت بالشفاء معها، فذهبت بالداء، ثم مثل شأن بلال بالنحلة بقدر ~~تغدو، أفتأكل حلوا ومرا، ثم يمسي كله حلوا. # معناه: أن المؤمن يتلو آية الوعد، فيبشر قلبه ويسره، ثم يتلو آية الوعيد، ~~فينكسر قلبه، ويسوءه ذلك، فهو بين خوف ورجاء، فهذا حلو ومر، ثم يطمئن إلى ~~رحمة الله، وإلى معرفته بربه، فيصير حلوا كله، وقد ذكر في تنزيله، فقال ~~تعالى: {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله}. PageV04P370 # فإنما اقشعرت الجلود من أهل خشيته من هول الوعيد الذي حل بقلوبهم، فهذه ~~مرارة، ثم اطمأنت قلوبهم وجلودهم إلى ذكر الله؛ لما عرفوه كريما، رحيما، ~~ودودا، سمحا، جوادا، رؤوفا، فطابت نفوسهم، ولانت جلودهم، وقلوبهم مطمئنة ~~إلى ذكر الله. # فهذه الأسماء إنما صارت هكذا؛ لأن التوحيد فيه قد استقر قراره، وإنما خرج ~~له التوحيد من خزائن المنة، والمنة من الفضل، والفضل من جماله، والوعد ~~والوعيد كلامه لأهل دينه من أجل أعمالهم وسعيهم. # فإذا تلا العبد وعده، رجا، وإذا تلا وعيده، خاف، فاقشعر منه، وبكى، وجزع، ~~والتوحيد الذي بدا له من منه على ما وصفنا لا يدعه حتى يجذب قلبه إلى ربه، ~~فيطمئن إلى عطفه، فإنه من عطفه عليه نال هذا، فشبهه بالنحلة تأكل حلوا ~~ومرا، ثم تمسي، فعاد كله حلوا. # قال الله تبارك اسمه {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ~~فادخلي في عبادي وادخلي جنتي}. # فالمطمئن قد استوى عنده المحبوب والمكروه من أحكامه عليه، فقبله منه على ms0638 ~~سبيل الرضا عنه، فرضي الله عنه، ويخاف من نوائب الدنيا PageV04P371 ~~ونوائب الآخرة، ثم يطمئن إلى مولاه، نعم المولى ونعم النصير؛ لأنه صيره ~~عصمته في الأمور والنوائب. # وقد قال: {واعتصموا بالله هو مولاكم}، فمن يجمع هذا القول في قلبه، فهو ~~عصمته في كل نائبة من كل سوء. PageV04P372 ### || AUTO الأصل السادس والتسعون والمئة # 1005 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ليث ابن سعد، عن يزيد بن أبي ~~حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ~~قال: قلت: يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: ((قل: اللهم ~~إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من ~~عندك، وارحمني؛ فإنك أنت الغفور الرحيم)). PageV04P373 # فهذا عبد قد اعترف بالظلم، ثم التجأ إليه مضطرا، لا يجد لذنبه ساترا غيره، ~~وقد قال عز وجل: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء}. # ثم سأله المغفرة، وهي الستر، ثم قال: ((من عندك)). # فالأشياء كلها من عنده، ولكن إذا قيل: من عندك، عرف أنه ليس مما قد بذله ~~العامة، إنما يبتغي من عنده ما قد خزنه عن العامة، ولله رحمة قد عمت الخلق؛ ~~برهم وفاجرهم، سعيدهم وشقيهم في أرزاقهم ومعايشهم وأحوالهم، ثم له رحمة قد ~~خص بها المؤمنين، وهي رحمة PageV04P374 ~~الطاعة، وله رحمة قد خص بها الأولياء، وله رحمة قد خص بها الأنبياء، فقال: ~~{ووهبنا لهم من رحمتنا}. # وقال الراسخون في العلم: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من ~~لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}؛ فإنما سألوه رحمة من عنده. PageV04P375 ### || AUTO الأصل السابع والتسعون والمئة # 1006 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا زيد بن ~~حباب، قال: حدثنا سهيل بن عبد الله أخو القطعي، عن ثابت البناني، عن أنس ~~ابن مالك رضي الله عنه، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هو أهل ~~التقوى وأهل المغفرة}، قال: ((قال ربكم: إني أنا أهل أن أتقى، ولا يجعل معي ~~إله، فمن ms0639 اتقى أن يجعل معي إلها، كان أهلا أن أغفر له)). PageV04P377 # 1007 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا هدبة ابن خالد الأزدي، قال: حدثنا ~~سهيل بن عبد الله أخو خزم القطعي، عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ~~قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة}، ~~قال: ((فقال ربكم: أنا أهل أن أتقى ولا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي ~~إلها، فأنا أهل أن أغفر له)). # فقد اختلفت الروايتان في اللفظ: # فقال الحماني: ((كان أهلا أن أغفر له))، وقال هدبة: ((فأنا أهل أن أغفر ~~له)). والمعنى راجع فيهما إلى معنى واحد. # فالعبد إذا اتقى أن يجعل معه إلها، فربنا أهل لذلك؛ لأنه لا إله غيره، PageV04P378 ~~فإنما اتقى أن يشرك به أحدا، ولو أشرك به أحدا، لفعل محالا؛ لأنه جعل شيئا ~~لا يكون، وليس بكائن، فهذا المتقي حين اتقى أن يجعل معه إلها، فقد فعل ما ~~ربنا أهله من النفي عنه شيئا لا يكون، فذلك قوله: {هو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة} أهل أن تنفى دعوى الشرك لأحد في ربوبيته وإلهيته. # فمن فعل ذلك، واتقى، كان أهلا للمغفرة، وأن يستر عليه ذنوبه وعيوبه، ~~وإنما صار كذلك؛ لأن الإنسان ركب فيه الشهوات، والهوى يميل به كذا وهكذا، ~~فليس له نور في قلبه، فمن جعله الله أهلا لنوره، فإنما اتقى بذلك النور أن ~~يجعل معه إلها، فمن من الله عليه بذلك النور والهداية، كان أهلا أن يغفر له ~~ذنوبه، ويستر عليه عيوبه، ومن وقاه الله ظلمة الشرك، فجعله أهلا لذلك، كان ~~أهلا أن يقيه ظلمة النار وحرها. # وقال في تنزيله: {وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها}، فجعلهم ~~أحق بهذه الكلمة، وجعلهم أهلا لها. # وقال: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون. فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم}. PageV04P379 # وفي الرواية الأخرى قال: ((فأنا أهل أن أغفر له)). # فهذا على نسق التنزيل، نسب الأهلية إلى نفسه في الفعلين، فهو ms0640 أهل أن ~~يتقى، وهو أهل أن يغفر. # والأهل والآل بمعنى واحد، وهو الرجوع، والهاء والواو والهمزة يتبدلون. # معناه: أي: حقيق أن يتقى راجع الأمور إلى أن يتقى؛ إذ لا يوجد إله غيره، ~~وحقيق أن يغفر، وراجع الأمور إلى أن يغفر لمن وحده، واتقى أن يجعل معه ~~إلها؛ لأنه شكور، وقد تسمى بالشكور، ولا يضيع أجر المحسنين، ولا يضيع أجر ~~من أحسن عملا، فإن لم يغفر لمن وحده، فأي شكر لتوحيده، وهو أعظم من أعمال ~~جميع الثقلين؟ # ومن قال: إن أحدا من أهل التوحيد يبقى في النار أبدا؛ فقد أعظم الفرية ~~على الله، ونسبه إلى الجور والكفران، تعالى الله عن ذلك. # وإنما قال بعض السلف قولا في أهل الكبائر، فحملوه على غير PageV04P380 ~~جهته، ولم يفهموا عنه، فقال: لا أرى آمن أن يخلد في النار من أذنب ذنبا ~~واحدا على وجه التغليظ، وعلى وجه الخوف عليه، والخلد لا يكون أبدا، إنما ~~الخلد طول المكث في اللغة. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيرني ربي بين لقائه، ~~وبين الخلد في الدنيا، فاخترت لقاء ربي)). # فلا يشك أن الخلد في الدنيا لا يكون أبدا. # وقوله: {أخلد إلى الأرض}؛ أي: أبطأ عن الآخرة إليها، ويقال: هذا رجل ~~مخلد: إذا أبطأ شيبه، فإنما قال ذلك القائل: لا آمن أن يخلد؛ أي: يطول مكثه ~~في النار، ولا نعلم أحدا يجوز لنفسه أن يتكلم بهذا ممن يعقل أن المؤمن يبقى ~~في النار أبدا، ومن قاله، فقد ضل وغوى. # 1008 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا سلمة بن حيان الطائي، قال: حدثنا ~~سويد بن عبد العزيز، PageV04P381 ~~قال: حدثني نوح بن ذكوان، عن أخيه أيوب، عن الحسن -رحمة الله عليه-: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله تعالى: إني لأجدني أستحي من ~~عبدي يرفع إلي يديه، ثم أردهما، قالت الملائكة: إلهنا! ليس بأهل لذلك، قال ~~الله تعالى: لكني أهل التقوى وأهل المغفرة، أشهدكم أني غفرت له)). PageV04P382 ### || AUTO الأصل الثامن والتسعون والمئة # 1009 - حدثنا ms0641 أبي رحمه الله، قال: حدثنا حوشب ابن عبد الكريم البلخي، ~~قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أبان، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((يكون في آخر الزمان ديدان القراء، فمن أدرك ذلك ~~الزمان، فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومنهم، وهم الأنتنون، ثم يظهر ~~قلانس للبرود، فلا يستحيا يومئذ من الربا، والمتمسك يومئذ بدينه كالقابض ~~على جمرة، والمتمسك يومئذ بدينه أجره كأجر خمسين))، قالوا: أمنا، أو منهم؟ ~~قال: ((بل منكم)). PageV04P383 # 1010 - حدثنا حميد بن علي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حدثنا ~~جعفر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن مغيرة، عن ~~إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((يأتي على الناس زمان المتمسك فيه بسنتي عند اختلاف أمتي كالقابض على ~~الجمر)). # فديدان القراء: هم هؤلاء الذين تنسكوا في ظاهر الأحوال تصنعا وتأكلا ~~للدنيا به، قد رموا بأبصارهم إلى الأرض، ومدوا بأعناقهم تيها، وتكبرا، ~~وإعجابا بظاهر أحوالهم؛ لجهلهم بالله، وغرتهم به، يعدون PageV04P384 ~~الخطأ ويقضون المنى، ناظرين إلى أهل الذنوب بعين الازدراء؛ حقارة لهم، ~~وعجبا بأنفسهم، أعطوا القوة على لبس الخشن، وأكل الحشف، والتصبر عن ملاذ ~~الدنيا وشهواتها استدراجا، واستمروا فيها، وسخت نفوسهم بترك جميع اللذات في ~~جنب لذة ثناء الخلق عليهم، والتعظيم لهم، والنظر لهم بعين الإجلال. # تقول لهم: نفوسهم: إنما تنال الرفعة العظمى عند الخلق بترك ظاهر الدنيا ~~ولذاتها، حتى ينال ملكا بلا سيف، وجندا بلا ارتزاق، وغنى بلا خزانة، وعبيدا ~~بلا ملك، قست قلوبهم بما مناهم، فأقبلوا على جفاء الدنيا وذمها، وذم من ~~تناولها، والطعن على من وسم بالغنى من أئمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، حتى أداهم جهلهم إلى أن خرجوا على الرسل طعنا ورميا، منهم: داود، ~~وسليمان، وأيوب، ومن وسع عليهم هذه الدنيا -صلوات الله عليهم- فخرجوا من ~~الدين مروقا من حيث لم يشعروا. # وأعظم شيء في أعين هذا الخلق هذه الزينة والحطام، عظمت هذه في نفوسهم، ~~وكبر ms0642 شأنها في صدورهم، حتى عصوا الله في جنته، ولهوا عن PageV04P385 ~~وعيده، وباعوا آخرتهم بدنياهم، فمن تركها، فقد عظم شأنه عندهم، وحسبوا أنه ~~لم يبق وراء هذا شيء، وأن هذا عبد قد بلغ الغاية في الدين، ولا يعلمون أنه ~~ترك شيئا قليلا من شيء لا يزن جمعيه عند الله جناح بعوضة، فإذا كان جميعه ~~لا يزن جناح بعوضة، فالذي ترك منه كم هو؟. # بلغنا في الخبر: أن الله -تبارك اسمه- يقول لتارك الدنيا: زهدت في الدنيا ~~راحة تعجلتها، وللعابد: عبدتني، فحملك العباد فوق رؤوسهم، فهل أحببت في ~~وليا؟ أو هل عاديت في عدوا؟ وزعتي! لاينال رحمتي من لم يوال في، ولم يعاد في. # فهؤلاء الديدان قد تركوها في رأي العين من حيث يظهر للخلق، وأخروها من ~~حيث يخفى عليهم، اتخذوا بتركها في الظاهر عند الخلق منزلة ووجها، حتى ~~نالوها في الباطن بتلك المنزلة أوفر مما تركوها، وعلى أسهل ما تناولوها، ~~فقد كانوا من قبل الترك يكدون سعيا في تناولها حتى PageV04P386 ~~يصلوا إليها، ومن بعد المنزلة تناولوها على أيدي الراحة بسمة الترك، لما ~~يزدرون على أهل الغنى، ويجفون أهل الريب، ويشمئزون عن مخالطة العامة، ~~العبوس في وجوههم، والتماوت في أركانهم، وعجب النفس في صدورهم، فنية الترك ~~في كلامهم، وسوء الخلق في أفعالهم، وضيق الصدر في عشرتهم الواحد منهم في ~~نفسه أعظم من ملء كورته رجالا فهم ديدان القراء الذين يقال لهم بالأعجمية: ~~كجل، يهابهم الناس هيبة سوء الخلق، لا هيبة الحق، ولا هيبة الخشية. # فحق لهم أن يكونوا كما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأنتنين؛ ~~لأنهم في نتن من الأمور، وسفالة ودناءة، وصدورهم أنتن من أمورهم؛ لأنهم ~~يموتون على الدنيا عشقا، ومن أجلها يعادون أهل الدنيا ممن وسم بالغنى، ~~يخادع الله بعمله، ولا يفكر في يوم القيامة، وبتحصيل ما في الصدور، حظه من ~~عمره ما انفرد بأمر آخرته، فإذا خرج منها إلى دنياه، يظل عمره بالغفلة، ~~همته هواه، ودينه مناه، وتبعة غواه، وسعيه شراه، وهم من الصدق عراة، قد PageV04P387 ~~ملكوا القلوب ms0643 من تصنعهم وريائهم، وهجروا الخلق من أجل دنياهم، كأنهم يقولون ~~لهم: ضعوها حتى نرفعها، وتخلوا عنها حتى نملكها. # وصنف آخر: تصنعوا لهذا الخلق؛ بزي أهل المسكنة والفقر من خشن الملابس، ~~وطول القلانس، وطرة اللحى، وحف الشوارب؛ ليتمكنوا في صدور المجالس، ~~وليبتدوا من الملوك الأبالس هذا الحطام على الختل الدامس، والتدريب الدالس، ~~وحمات الهامس، ونصب فخوخ القابض. # فالمتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ظهور هذا الجنس، كالقابض ~~على الجمر؛ لأن هذين الصنفين قد تمكنوا من صدور الخلق؛ لغلبة الجهل عليهم، ~~فهم المقتدى بهم، والمنظور إليهم، فهم عند الخلق علماء، وفي الملكوت جهال. # كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن الله لا يقبض ~~العلم ينتزعه انتزاعا من قلوب الناس، لكن يقبض العلماء، فإذا ماتوا، اتخذ ~~الناس رؤساء جهالا، فضلوا وأضلوا)). PageV04P388 # فمن تمسك بالسنة بين ظهراني هذين الصنفين بعد تمكنهم من الرياسة، ونفاذ ~~القول من الخلق، فقد بارزهم بالمحاربة؛ لأن في تمسكه بالسنة هتكا لسترهم ~~عند العامة، وكشفا لعوراتهم، وإبانة لكذبهم، وحطا لرئاستهم، وقطعا ~~لمأكلتهم، فالمتمسك بالسنة فيه الصدق والوفاء، فإذا عارضته بصدقك ووفائك ~~مستعملا له، ترصد لك بالعدواة، واستعد لمحاربتك؛ لما يحس به من كشف عورته، ~~فصارت مؤنته عليك أعظم من مؤنة محاربة الكافر؛ لأن الكافر لا حرمة له. # فالقلب والأركان قد تعاونوا عليه بإهلاكه ومبادرة هذا مع حفظ القلب؛ لأن ~~حرمة الإيمان معه، فإذا عاداك مع مخالفته إياك بتركه التمسك بالسنة، احتجت ~~إلى أن تداريه، وتلاطفه، وترفق به، وتتأنى في أمره، PageV04P389 ~~وتراقب الله في شأنه، وتحتمل أذاه وعيبه بحرمة الإسلام، وهو ينتقصك، ويطلبك ~~بالغوائل يريد إسقاطك، فتحتاج إلى أن تحفظ جوارحك حتى لا تعتدي، وتحتاج إلى ~~أن تحفظ قلبك حتى لا يجور، وأن تحفظ همتك فيه حتى لا تغش، وتنصح الله في ~~عبده المؤمن، وترحمه في بلائه، وتنتظر الفرج من خالقك، وترى تدبيره فيه وفيك. # فلذلك شبهه بالقابض على الجمر؛ لأن الجمر يحرق اليد، وهذا يحرق القلب، ~~والكبد يحرقك من وجهين: # من وجه ms0644 تغييره الحق عن جهته، ودرسه على لسانه، واغترار الخلق به. # ومن وجه: أن عمره صار وبالا عليه، فترحمه. # ولقد جمعني وبعض أهل هذه الصفة مجمع فيها ملاك، فقدمت إلينا أطباق سكر، ~~وغوالي في مداهن فضة، فتناول الغالية من الفضة، وأبيت أن آخذه لمكان الفضة، ~~فغاظ هذا المخالف ما فعلت؛ لما كان فيه من هتكه، فأخذ يهجن فعلي محتجا، ~~وذلك بمسمع من ذلك الجمع، فقلت: ألم ينه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~لباس الحرير والديباج، وعن الشرب في PageV04P390 ~~آنية الذهب والفضة؟ قال: بلى، قلت: أفتراه نهاهم من أجل الشراب، أو من أجل ~~الآنية؟ لأنه من زي الفراعنة وأهل الشرك بالله استعمالهم الذهب والفضة ~~أوانيا، فما الفرق بين استعماله شربا منه، وبين استعماله تدهنا وتغلفا منه؟ ~~أرأيت حين نهاهم عن لباس الحرير والديباج هل علمت أحدا رخص في افتراشهما؟ # 1011 - بل حدثنا الجارود بن معاذ، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا ~~أبي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن حذيفة رضي ~~الله عنه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج، ~~وأن نجلس عليه. PageV04P391 # 1012 - وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا حماد ابن زيد، عن ابن عون، عن ~~محمد، قال: قلت لعبيدة: افتراش الحرير كلبسه؟ قال: نعم. # 1013 - حدثنا سفيان عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة، بمثله. # 1014 - قال: حدثنا علي بن حجر، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن بعجة: ~~أن عليا أتي بدابة عليها سرج حرير، فنزع صفنه، ثم ركب. PageV04P392 # 1015 - حدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، قال: سمعت صفوان ~~بن عبد الله بن صفوان يقول: قال سعد بن أبي وقاص: لأن أجلس على جمر الغضى ~~أحب إلي من أن أجلس على مرافق حرير. # فكما حظر علينا الجلوس والافتراش على الحرير والديباج، حظر علينا لبسه، ~~فلذلك حظر علينا اتخاذ الأوعية والأواني من الذهب والفضة، كما حظر علينا ~~لبس الذهب، فالجلوس على سرير الذهب، ms0645 والجلوس على الحرير والديباج بمعنى ~~واحد، وكذلك المداهن والمجامر والمخاضب، وكل شيء يتخذ وعاء من الذهب ~~والفضة، فذلك كله من زي المجوس، فهل تابعك على هذا الذي قلت أحد من السلف؟. PageV04P393 # إنما جرى الاختلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- في المفضض. # فقال أبو حنيفة: لا بأس بالقدح يفضض، وبالسرير يضبب بالفضة، واحتج بحلية ~~السيف التي جاءت في الأخبار عن رسول الله في أن قبيعة سيف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان مفضضة، فقال: يضع فاه على العود، ولا يضع على الفضة. # وخالفه أبو يوسف -رحمة الله عليه-، وعامة أصحابه من بعده، فقالوا: هذا ~~كله من زي المشركين، وهو منهي عنه. # وأما إذا كان نفس الشيء من فضة، فلا أعلم أحدا من الصحابة والتابعين، ولا ~~أحد من فقهاء علمائنا، ولا أبو حنيفة، وأبو يوسف إلا وقد كرهوه كلهم، فلما ~~طالبته بفعل أحد من السلف، ترك هذا، وخرج إلى حد السفه هربا من الحق، ~~وعنادا على الله. # فقلت: قد جاء القبض على الجمر يحتاج أن يعاشر هذا مع هذه المعاملة معاشرة ~~يسلم إيمانك وإيمانه، وإسلامك وإسلامه، والحق الذي به ألف الله العباد به، ~~وعليه جمعهم، ويذب عن الحق ذبا لا يدخل عليه من PageV04P394 ~~ناحية أخرى بما تؤذيه، وتثلمه، وتحفظ قلبك مع الله في هذه الأحوال، فقلت في ~~نفسي: هذا ممن قد غلبه سكرتان: سكرة الجهل بما إليه أشير، وسكرة حب الدنيا، ~~فخطاب السكارى على سبيل العدل والإنصاف أمر من الصبر، وأشد من نقل الصخر ~~والقبض على الجمر. # 1016 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا سيار، عن جعفر ~~بن سليمان، عن الصلت بن طريف، قال: حدثنا شيخ من أهل المدائن، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((أنتم اليوم على بينة من ربكم، ~~تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتجاهدون في سبيل الله، ثم يظهر فيكم ~~السكرتان: سكرة العيش، وسكرة الجهل، وستحولون إلى غير ذلك، يفشو فيكم حب ~~الدنيا، فإذا كنتم كذلك، لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا ms0646 عن المنكر، ولم ~~تجاهدوا في سبيل الله، والقائمون يومئذ بالكتاب والسنة في السر والعلانية، ~~السابقون الأولون)). PageV04P395 # قال له قائل: هذه صفة ديدان القراء قد وصفتهم، فصف لنا الصادقين من القراء، ~~وفي أي مرتبة هم من الدين؟. # قال: نعم، أما صفتهم: فهم قوم تابوا، فتاب الله عليهم، وقد يتوب قوم، ولا ~~يتوب الله عليهم. # قيل: ولم ذلك؟. # قال: لأنهم لم يصدقوا الله، وإنما التوبة: الندم بالقلب على كل ما كره ~~الله، وترك العود إليه عزما، فتكون قد رجعت إلى الله، والتوبة هي الرجعة؛ ~~لأنك عنه انصرفت إلى المعاصي، فلما تركتها، رجعت إليه، فإذا تركت جميع ما ~~نهى الله عنه سرا وجهرا، وظاهرا وباطنا، وعزمت على أن تؤثر حقه على كل أمر ~~اشتهته نفسك مما ليس بحق، فقد صدقت الله في رجعتك إليه، فيرجع الله عليك ~~بالمغفرة والرحمة، والنصرة، والتأييد، فهذه توبتك، وهذه الأخرى توبته، ~~فتوبتك إليه، وتوبته عليك، كما PageV04P396 ~~تقول: رجعتك إليه، ورجعته إليك رجعت إليه عبودة، فرجع إليك شفقة وعطفا، عدت ~~إليه بالنفس بذلا، فعاد عليك بمجده كرما، سمحت له بنفسك طاعة، فجاد عليك ~~بفضله وزيادة، والفضل: ثوابه، والزيادة: النظر إليه. # فالصادقون: قوم تابوا صدقا، فتاب الله عليهم، فأعطاهم نورا، وقذفه في ~~قلوبهم، فشرح صدورهم من الذي أشرق في قلوبهم، وبرد وهج نفوسهم، وسكن غليان ~~شهواتهم، فأقبلوا على تصحيح أمورهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، وعن ~~التخلي عن كل ما نهى الله عنه، دق أو جل، وجاهدوا نفوسهم في ذات الله حق ~~جهاده، فلم يزل هذا دأب أحدهم يجاهد نفسه في شأن الاستقامة لله على سبيل ~~الطاعة، ويأتيه المدد من الله نور على نور، حتى قوي على ترك كثير من ~~الحلال؛ تحصنا مما نهى الله عنه، حتى دق نظره في الأشياء، وورعه عن دقيق ~~الأمور التي خاف منها النقص غدا، فيثبت على ذلك يرجو الثواب، ويخاف العقاب، ~~ويطلب الإخلاص في إتيان كل ما أمر الله، والتناهي عن كل ما نهى، يعلم أنه ~~لا يثاب غدا إلا على الصدق، فهو ms0647 مشغول بنفسه، لا يتفرغ لغيره فيعيبه، أو ~~يزري على أحد في ريبه، قد أوثقه خوفه من الله وثاقا، فشغله عن جميع الخلق ~~برعايته. PageV04P397 # هذه الجوارح السبع اللاتي اؤتمن عليها الآدمي ووكل برعايتهن، وأخذ عليه ~~العهد والميثاق، فيهن يطلب إلى الله فكاكه مما تعلق به من الأعمال السيئة، ~~والعون على رعايته إياهن فيما بقي من عمره، فالمأتم نهاره، والنوح ليله، ~~والصلاة نحلته، والصوم عادته، وكلما شغله عن أمره، فالهرب منه عزيمة، قد ~~تحصن من الخلق بعزلته، وباينهم بهمته، مبتهلا إلى الله في طلب المغفرة ~~لجماعته، وأهل ملته. # فهو على مثل هذه الحالة يطلب معيشته، ويقوت عياله، ويحسن إليهم، ويعطف ~~عليهم، فإن كان عنده سعة، أنفق من سعته، وإلا تحرى من وجوه المكاسب أسلمها، ~~وأحمدها عقبى، وجد فيه واجتهد؛ حفظا للجوارح في طلبها، وأداء أمانة، وإنصاف ~~الخلق في ذلك، واجتزاء باليسير لنفسه، وسعة على العيال، وعفة عن المطامع، ~~وصيانة لوجهه ودينه، ونزاهة عن شبهات الدنيا، والمكاسب الشائنة لدينه، وكان ~~في طلبها كالمضطر الذي لا يجد عنه مندوحة، ومنها على خطر وحذر، يطلبها ~~مخافة أن تدعوه نفسه إلى فتنة وبلية، ويريد أن تطمئن نفسه. # كما قال سلمان: إن النفس إذا أحرزت رزقها، اطمأنت بطلبها على أحسن هيئة، ~~وأجمل طلب، مع قلب واثق بالله تعالى في رزقه، ونفس PageV04P398 ~~مطمئنة بربها قنعة، لم يفتنهم حرصهم حتى يدعوهم إلى تناول الدنيا من ~~الشبهة، ومن المكاسب الرديئة طالبين للرخص في ذلك. # وقد أثنى الله عليهم في تنزيله، فقال: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال. رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ~~ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار. ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله}. # فاعلم: أن الخوف من أهوال القيامة لما عمل على قلوبهم، صار يوم القيامة ~~معاينة على قلوبهم بالنور الذي شرح به صدورهم، فخافوه، وهالهم ذلك، فلم ~~يقدر حلاوة الأرباح، ولذاذة الغنى أن يفتنهم، ولا يلهيهم عن ذكر الله في ms0648 ~~حفظ الحدود في بيعهم وتجاراتهم، وعن إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فوعدهم مع ~~الجزاء الزيادة من فضله. # فروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الزيادة: الشفاعة)). PageV04P399 # وأما مرتبتهم من الدين: فهم المقتصدون أهل الاستقامة، أعينهم مادة إلى ~~الثواب، والتفاتهم إلى أعمالهم، وعليها يعتمدون، وبها يذلون، حتى إذا وردوا ~~العرصة، وانكشف الغطاء، صارت رؤوسهم بين أرجلهم من الحياء، فلولا رحمة الله ~~التي أرسلها قد شملتهم من الدنيا إلى ذلك الموقف؛ لكانوا من الهالكين. # قيل له: هذه صفة الصادقين، فأخبرنا عن صفة الصديقين؟!! # قال: الصديقون: قوم فتح لهم الطريق إلى الله، والصادقون وقفوا على ~~الطريق، عندما عرضت لهم الجنة، التفوا إليها، فبقوا معها، وانسد عليهم ما ~~وراءه، ففيها يفكرون، وعنها ينطقون، وإياها يطلبون. # والصديقون: لما عرضت لهم في طريقهم إلى الله، لم يلتفتوا إليها، وفروا ~~إلى الله لا يعرجون على شيء، حتى وصلوا إلى الباب، فما زالوا ببابه يرفعون ~~إليه شكواهم حتى فتح لهم، فأشرف على قلوبهم نور جلاله، فشغفوا به، وشغلوا ~~عن كل شيء سواه، فوقفوا بين يديه للعبودة صدقا، وفوضوا إليه أمورهم، ~~وائتمنوه على نفوسهم، وآثروا مختاره كيفما دبر PageV04P400 ~~لهم واختار فرضوا عن الله في الأحوال، رضي الله عنهم في الأمور، يقبلون ~~النعمة منه، ويتلقون أحكامه عليهم بالبشاشة والسماحة، يراقبون أمره، ويقفون ~~عند حكمه. # والصديقون مع الله في كل أمر وحال، والصادقون مع النفوس في كل أمر وحال، ~~يطلبون الصدق في الأمور والأحوال، قد ضاقت عليهم الأمور خوفا من خيانة ~~النفوس، وخروجها عليهم من مكامنها. # والصديقون: قد فرغوا من هذا الأمر، وجازوا هذه الخطة، فسلطان الله على ~~قلوبهم قد أمات من نفوسهم ما خاف الصادقون؛ لأنها حية عندهم، وعند الصديقين ميتة. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما لقي الشيطان عمر إلا ~~خر لوجهه، وما سمع حسه إلا فر))؟ # وقول مالك بن دينار: قرأت في بعض الكتب: إن سرك أن تحيا وتبلغ علم ~~اليقين، فاحتل في كل حين أن تغلب شهوات الدنيا، فذلك الذي ms0649 يفر الشيطان من ظله. # فهؤلاء أهل اليقين، وإنما خر الشيطان لوجهه، ونفر من ظله؛ لأن على قلبه ~~سلطان[ا] لو تراءى لأهل سبع سماوات، لماتوا، فكيف لأهل PageV04P401 ~~الأرض؟ ولا يقدر أحد أن يراه؛ لأنه سلطانه عز وجل. # فالصديقون في هذه المرتبة، وهم الصادقون المقربون {ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء}. {ذلك هو الفضل الكبير}. PageV04P402 ### || AUTO الأصل التاسع والتسعون والمئة # 1017 - حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا الوليد ابن محمد الموقري، قال: ~~حدثنا الزهري، عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: دخل علي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فرأى كسرة ملقاة، فمشى إليها، فمسحها، وقال: ((يا ~~عائشة! أحسني جوار نعم الله؛ فإنها قلما نفرت عن أهل بيت فكادت ترجع ~~إليهم)). # فالخبز غذاء الجسد، والغذاء قوام الروح، وقد شرفه الله، وجعله من أشرف ~~الأرزاق، وأنزله من بركات السماء نعمة منه، فإذا رمى به، وطرحه مطرح الرفض ~~والهوان، كان قد غمص النعمة وكفرها. # وفي إدرار الرزق على السعة قوة عظيمة على الدين، فإذا جفا نعمة PageV04P403 ~~صيرت قواما للنعمة العظمى، نفرت، فإذا نفرت، لم تكد ترجع؛ لأنها قد وسمتهم ~~بالجفاء. # وروي لنا عن بعض التابعين: أنه قال: الدنيا ظئر، والآخرة أم، ولكل بنون ~~يتبعها بنوها، فإذا جفوت الظئر، نفرت وأعرضت، فإذا جفوت الأم، عطفت. # لأن الظئر ليس لها عطف الأمهات، وهذه النعمة تخرج من هذه الأرض المسخرة، ~~فهي بمنزلة الظئر تربيك. # وروي في الخبر: أن امرأة نجت صبيا لها بكسرة خبز، وجعلته في جحر، فسلط ~~الجوع على أهل ذلك الزمان من بني إسرائيل، حتى فزعت المرأة إلى تلك الكسرة ~~تطلبها حتى ظفرت بها، فأكلتها. # 1018 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا عبد المجيد ابن أبي رواد، قال: حدثنا ~~مروان بن سالم، عن إسماعيل PageV04P404 ~~ابن فلان ابن الحجاج، عن الحجاج بن علاط السلمي، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((أكرموا الخبز؛ فإن الله أنزله من بركات السماء، وأخرجه ~~من بركات الأرض)). # وإكرامه: أن لا يوطأ، ولا يطرح. PageV04P405 ### || AUTO الأصل المئتان # 1019 - حدثنا علي بن ms0650 حجر، قال: حدثنا الوليد بن محمد الموقري، قال: حدثنا ~~الزهري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((مثل المريض إذا برأ وصح من مرضه كمثل البردة تقع من السماء في ~~صفائها ولونها)). # وذلك لأن المريض قد كان توسخ وتدنس، وكدر طيبته، وقد كانت الرحمة مع هذا ~~تكنفه، فأبى الله أن يضيعه، فداواه وشفاه، كما تداوي PageV04P407 ~~الشفيقة من الأمهات ولدها بمر الأدوية البشعة؛ لما تأمل من شفائه من سقمه، ~~فيسلط عليه الأسقام، حتى إذا تمت مدة التمحيص، خرج منها كالبردة في الصفاء ~~واللون، والبياض في الوجه حلاوة وطلاوة، والصفاء في القلب، فيقدم الله إلى ~~العباد أن يحفظوا جوارحهم عن أن يتدنسوا؛ ليصلحوا لدار القدس في جوار ~~القدوس، فنزعوا الرعاية، وضيعوا الحفظ، فدلهم على أن يتطهروا بالتوبة فلم ~~يفعلوا، تابوا من ذنب، وأصروا على اثنين، وتابوا من ثلاث، وأصروا على واحد، ~~على جهد من نفوسهم الشهوانية، ثم دعاهم إلى هذه الفرائض؛ ليتطهروا بها؛ ~~مثل: الصلاة، والزكاة، والحج، وصوم رمضان. # قال تعالى في تنزيله في شأن الصلاة: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل إن الحسنات يذهبن السيئات}. # وقال في الزكاة: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}. # وقال في الحج: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه}؛ ~~أي: مغفور له. PageV04P408 # وقال: ((الصوم جنة)). # فدلهم على هذه الفرائض ليتطهروا بها، فخالطوها وغشوها، وأدوها مع النقصان ~~والوسوسة والمكاسب الردية، فلم يك هذا مما يطهرهم؛ إذ لا تطهر النجاسة ~~بالنجاسة، ولا ينقى الدنس بالوسخ، فلما رأى الله حالتهم هذه، رحمهم، ~~فداواهم بهذه الأسقام؛ ليمحصهم ويطهرهم. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((يقول الله تعالى ~~لملائكته: عبدي في وثاقي)). # 1020 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا عاصم ~~بن محمد العمري، عن عبد الله ابن سعيد، عن جده، رفعه، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: أبتلي عبدي المسلم، فإن لم ms0651 يشكني ~~إلى عواده، أطلقته من إساري، ثم أبدلته لحما هو خير من PageV04P409 ~~لحمه، ودما هو خير من دمه، ثم ليأتنف العمل)). # وقال في تنزيله: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير}. # فقد قاصه ببعض ما كسبت يداه، وأهله العفو في الباقي، فأخرجه صافيا طاهرا، ~~فشتان بين ما داويت بالصوم والصلاة وأعمال بر تكسبها بجوارحك على الصفة ~~التي ذكرنا، وبين ما داواك ربك؛ فدواؤك قلما يخلو من العجب والريا والتخليط ~~والشبه، وهذا الذي داواك به لا رياء فيه، ولا عجب، ولا صلف، ولا تخليط، ~~إنما هي أسقام حلت بلحمك، ودمك، ومخك، وقواك؛ ليأخذها، ويبدلك بها خيرا ~~منها، أو يقبضك إليه طاهرا، حتى إذا وصلت غدا إلى العرصة، واضطررت لا محالة ~~إلى الجواز على الصراط إلى PageV04P410 ~~دار الله عز وجل، وجدتك النار قد تطهرت إما بالتوبة، وإما بالذي محصك الله ~~به من هذه الأسقام والمصائب، فاحتسبته وصبرت عليه، وطهرك وأعطاك نوال ~~الصابرين، وإن حمدته، كتبك في الحمادين، ومن قدم عليه غدا بغير توبة، ولا ~~تمحيص بالأسقام، قدم مع دنس المعاصي وأوساخها، قد لزقت بجوارحه، والنار ~~بالمرصاد قد أعدت منتقمة من الأعداء، ومطهرة للموحدين، فإذا مر عليها، أخذت ~~في الممر من جوارحه تلك الأدناس، فتأكل من لحمه ودمه، ثم تبدل لحما طريا، ~~وجسدا يصلح لدار السلام. # ولقد مرضت في سالف أيامي مرضة، فلما شفاني الله منها، مثلت في نفسي بين ~~ما دبر الله لي من هذه العلة في مقدار هذه المدة، وبين عبادة الثقلين في ~~قدر أيام علتي، فقلت: لو خيرت بين هذه العلة، وبين أن تكون لك عبادة ~~الثقلين في مقدار مدتها إلى أيهما تميل اختيارا؟. # فصح عزمي، ودام يقيني، ووقعت بصيرتي أن مختار الله لي أشرف وأعظم خطرا، ~~وأنفع عاقبة، وهو العلة التي دبرها لي، ولا شوب فيه؛ إذ كان فعله، فشتان ما ~~بين فعله بك لتنجو، وبين فعلك لتنجو، فلما PageV04P411 ~~رأيت هذا، دق في عيني عبادة الثقلين مقدار تلك المدة في جنب ما أتاني، ~~فصارت العلة عندي ms0652 نعمة، وصارت النعمة منة، وصارت المنة أملا، وصار الأمل ~~عطفا، فقلت في نفسي: بهذا كانوا يستمرون في البلاء على طيب النفوس مع ~~الخلق، وبهذا الذي انكشف لي كانوا يفرحون بالبلاء. # 1021 - حدثنا أبي رحمه الله، حدثنا مالك بن سليمان الهروي، حدثنا هشام بن ~~سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنه وضع يده على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه حمى، فوجدها من فوق اللحاف، فقال: يا ~~رسول الله! ما أشدها عليك؟ فقال: ((إنا كذلك يشتد علينا البلاء، ويضاعف لنا ~~الأجر))، فقلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: ((الأنبياء))، قلت: ~~ثم من؟ قال: ((ثم الصالحون، إن كان الرجل ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا ~~العباءة يجوبها، وإن كان الرجل ليبتلى بالقمل حتى يقتله، وإن كان أحدهم ~~ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء)). PageV04P412 # 1022 - حدثنا حفص بن عمرو، قال: حدثنا زيد ابن حباب، قال: حدثني موسى بن ~~عبيدة، قال: حدثنا زيد بن أسلم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، بمثله، إلا أنه: ((وإن كان النبي من الأنبياء ~~ليبتلى، وإن كان النبي ليفرح بالبلاء)). PageV04P413 ### || AUTO الأصل الحادي والمئتان # 1023 - حدثنا العباس بن أيوب الزبيري، قال: حدثنا قيس بن محمد الكندي، ~~قال: حدثنا طلحة بن كامل، قال: حدثنا محمد بن هشام المدني، قال: بايعت عبد ~~الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فماكسني، فقلت: أتماكسني ~~يا ابن رسول الله؟ فقال: نعم. # حدثني أبي عن جدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المغبون لا ~~محمود، ولا مأجور)). PageV04P415 # فهذا من أجل أنه لم يحتسب بما زاد على قيمته فيؤجر، ولا يتحمد إلى بائعه ~~فيحمد، ولكنه استرسل في وقت المبايعة، فاشترى، فغبن، فلم يقع عند البائع ~~موقع المعروف فيحمد، ولكن رجع إلى نفسه، فقال: خدعته، فذهب الحمد، ولم ~~يحتسب بما زاد على قيمته فيؤجر، فقال: أسر قلبه بما أزيده فيؤجر، والكيس ~~فهم فكايس وماكس ms0653 مستقصيا، PageV04P416 ~~فصح ماله الذي اؤتمن عليه، وجعل قواما له، أن يخرج من يده باطلا بلا حمد ~~ولا أجر، ونصح نفسه، وهو مع ذلك حافظ للسانه، حافظ لأمانته، حافظ لعهد ~~الله، يماكس غير مستقر ولا حريص ولا مغبون، يحفظ على نفسه وعلى البائع دينه. # وروى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه مر برجلين يتبايعان، وأحدهما ~~يقول: لا أعطيك، وقال الآخر: لا أزيدك، فمر الرجل بالسلعة قد اشتراها، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قد وجب إثم أحدهما)). # وروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أنه ساوم رجلا سلعة، فقال: لا أعطيك، ~~فانصرف معاذ، فدعاه فقال له: هل لك فيه؟ قال: لا، إني أكره أن أعينك على إثم. # ففي المكاس شرط وثيق: أنه إنما يماكس لا لحرص على الدنيا، ولا لرغبة ~~فيها، وهو مع ذلك حافظ لدينه، وحافظ على صاحبه دينه؛ لئلا PageV04P417 ~~يأثم، ولا يؤثم، فهذا مكاس محمود، لم يترك ماله يذهب باطلا بلا حمد ولا ~~أجر، وقد ائتمنه الله عليه، وجعله قواما له. PageV04P418 ### || AUTO الأصل الثاني والمئتان # 1024 - حدثنا زيد بن أخزم الطائي، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، عن سليمان ~~بن سفيان، عن بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، عن أبيه، عن جده، قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال، قال: ((اللهم أهله علينا ~~باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله)). # فاليمن والسعادة والإيمان: الطمأنينة بالله، كأنه سأله دوامها، PageV04P419 ~~والسلامة والإسلام أن يدوم له الإسلام، ويسلم له شهره؛ فإن لله تعالى في كل ~~شهر حكما وقبضا وشأنا في الملكوت، فأما المحرم فشهره، وأما رجب فصفوته، ~~وأما رمضان فمختاره، وأما ذو القعدة فمن شهور الحرم. # وقوله: ((ربي وربك الله))، فإن أهل الجاهلية كان فيهم من يسجد للشمس ~~والقمر من دون الله، حتى جاء الله بالإسلام، فقال في تنزيله: {لا تسجدوا ~~للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن}، فكان إذا رأى الهلال قال: ((ربي ~~وربك الله))؛ كأنه يناجيه ويخاطبه بذلك. # 1025 - حدثنا الجارود ms0654 بن معاذ، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن الفرج بن ~~فضالة، عن علي بن أبي طلحة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أنه كان إذا رأى الهلال، قال: ((إلهنا وإلهك، وربنا وربك الله، الحمد لله ~~الذي سخرك لنا)). # يخاطبه أن الوله إليه والربوبية، وهو الملك له، وأنت مسخر لنا، ويحمده PageV04P420 ~~على تسخيره إياه، شكرا لله، فقد سخره؛ ليضيء لأهل الأرض، وقدره منازل؛ ~~ليعلموا عدد السنين والحساب، ويكون معلم مواقيت حجنا وديوننا، وعدة نسائنا، ~~وعند مستهل كل شهر حكم وأمر معلوم. PageV04P421 ### || AUTO الأصل الثالث والمئتان # 1026 - حدثنا أبو العاج أحمد بن سالم بن العلاء ابن نوفل بن ناجية ~~الربعي، قال: حدثنا مالك بن يحيى بن عمرو ابن مالك النكري، عن أبيه يحيى بن ~~عمرو، عن جده عمرو ابن مالك النكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لم أر شيئا أحسن طلبا، ~~ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم، {إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ~~ذكرى للذاكرين})). PageV04P423 # والحسنة الحديثة، والذنب القديم كلاهما بين يدي من جعلهما كذلك ولي ~~الجزاءات بالحسنات، والمدرك بالعقوبات واحد، والحسنة نور، والسيئة ظلمة، ~~فإدراك النور للظلمة سريع، فالحسنة نور، ومبتدؤه من نور الإيمان، والإيمان ~~هدي الله، فبنور الإيمان يحسن طلبه، وبقوة هدى الله يسرع إدراكه، فلما كان ~~في الحسنة نور ربه، كان هادي الحسنة، حتى يلحق السيئة بسرعة، ومركب الحسنة ~~نيته، والنية من نور التوحيد، فمن كان مركبه نور التوحيد، فلحاقه بمن يطلبه ~~سريع في أسرع من الطرفة، وطلبه أحسن طلب؛ لأن معه هداه، ومن ولي الله ~~هدايته، فهداه في لحظة أن أسرع، ومن ولي الله إبلاغه، فدركه أسرع من ~~الطرفة، والقديم والحديث عند الله بمنزلة، فإنما يتفاوت هذا عند الآدمي ~~وسائر المخلوقين. # ووجه آخر: أن السيئة قد تقدم في الصحيفة موضع تخطيطها منذ PageV04P424 ~~أعوام كثيرة، فالحسنة الحديثة لذلك الذنب هي التوبة، فهي طالبة لموضعها من ~~الصحيفة أحسن طلب، وأسرع إدراك، حتى ms0655 تصير مكتوبة تحت السيئة أنه تاب، ثم ~~تضيء تلك الحسنة في مكانها حتى تجلو الظلمة التي على السيئة. # فروي لنا في الخبر: أنه إذا تناول العبد الصحيفة يوم القيامة، أعطي منها ~~ما يلي السيئات، فيجد تحت كل سيئة مكتوبة: تاب، وتلك حسنة تضيء مكانها، ~~فيستر على السيئة، فيقرؤها العبد، فربما أتى العبد على عظيمة يشتد عليه ~~النظر إليها، فتدركه رحمة ربه في ذلك المكان، فتستر عليه تلك العظيمة، ~~ويقال له: جاوزها؛ لأنه قد كان دعاه أيام الحياة بأحسن التجاوز، فإذا انتهى ~~إلى آخرها، غفر له ما فيها، فيصير جميع ما فيها بياضا؛ لأن التوبة قد علت ~~السيئة بضوئها، ثم تقلب الصحيفة، فيقرأ الحسنات، والخلق ينظرون إلى صحيفته ~~حسنات، فإذا قبلها، نظروا إلى الوجه الآخر، فرأوها قد علت بضوئها، فيقولون: ~~طوبى لهذا العبد لم PageV04P425 ~~يذنب ذنبا قط، فيقبل حسناته، فعند ذلك ينادي: {هاؤم اقرءوا كتابيه. إني ~~ظننت أني ملاق حسابية. فهو في عيشة راضية. في جنة عالية}. PageV04P426 ### || AUTO الأصل الرابع والمئتان # 1027 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا إبراهيم ابن حمزة الرملي، عن ~~محمد بن سلمة الحراني، عن أبي واصل، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن معدي كرب، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عرامة الصبي في صغره زيادة في ~~عقله في كبره)). # والعرم: المنكر، وإنما صار منه منكرا؛ لصغره، فذاك من ذكاوة PageV04P427 ~~فؤاده، وحرارة رأسه، وأن الناس يتفاضلون في أصل البنية في الفطنة، ~~والكياسة، والحظ من العقل. # والعقل على ضربين: # 1 - ضرب منهما يبصر به أمر دنياه. # 2 - وضرب منهما يبصر به أمر آخرته. # والعقل الأول من نور الروح، والعقل الثاني من نور الهداية والقربة، ~~والعقل الأول موجود في عامة ولد آدم إلا من علة، أو جن، أو اعتل بعلة يتغير ~~عليه طبعه، وبينهم في ذلك العقل تفاوت عظيم، وهو بالأعجمية: هش، والثاني ~~بالأعجمية: خرد. # فالعقل الثاني موجود في الموحدين، ومفقود من المشركين، وبين الموحدين في ~~ذلك العقل تفاوت عظيم، وإنما سمي العقل عقلا من كلا ms0656 الضربين؛ لأن الجهل ~~ظلمة، وعمله على القلب، فإذا غلب النور وبصره في تلك الظلمة، زالت الظلمة، ~~وأبصر، فصار عقالا للجهل. # فالصبي إذا رئي منه زيادة بصر في الأمور، وذكاوة فهم، قيل: عارم. PageV04P428 # والعرم بلغة أهل اليمن: المسناة، وهو السد، وهي عربية يمانية، فالصبي يسد ~~أبواب الحمق والبلاهة بزيادة ذلك النور الذي أذكى فؤاده، فتكايس في الأعمال ~~في صغره، واهتدى للطائف الأمور ومحاسنها بالنور الزائد المتقد في دماغه. # وإنما قيل: فلان حار الرأس، ذكي الفؤاد؛ من هذا، فحرارة رأسه من ذلك ~~النور؛ لأن مسكنه في الدماغ. # وأما عقل الإيمان: فمسكنه في القلب، ومعتمله في الصدر بين عيني الفؤاد. # ولذلك روي لنا في حديث داود -صلوات الله عليه-: أنه سأل ابنه سليمان عليه ~~السلام: أين موضع العقل منك؟ قال: القلب. # فهذا عقل الإيمان. # ألا ترى أن هذه كلمة متواترة أن يقال: فلان رجل له دماغ، فإنما يراد به: ~~أن نور الروح متقد فيه اتقادا يذكي فؤاده، فالصبي إذا كان في مزيد من ذلك، ~~سد بذلك الزائد أبواب الحمق، فقيل له: عارم؛ أي: ساد له، PageV04P429 ~~فمن ركب طبعه على هذه الزيادة، ثم أدرك مدرك الرجال، وجاءه نور الهداية من ~~الله، كان كالذي ركب فيه في صغره عونا له في جميع أموره، فصار بذلك له ~~زيادة في عقله، واللوثة والحمق والبلاهة نقص في العقول الدنيوية، فإذا جاءه ~~العقل الثاني، افتقد العون، ولم يكن له في النوائب هداية الطبع، إنما له ~~هداية الإيمان، والعارم قد اجتمعت له هداية الإيمان، وهداية الطبع، فهداية ~~الطبع من ذكاوة الحياة التي فيه الروح المضموم إليه، فكانت النفس قالبا ~~للروح، والروح قالب الحياة، وتلك الحياة لها ذكاوة تتقد، فبه يعرف أحوال ~~الدنيا خيرها وشرها، فإذا جاء نور التوحيد، أذكى الفؤاد والقلب وكل شيء ~~منه، فأبصر، وكان له أعوان من كل عون. PageV04P430 ### || AUTO الأصل الخامس والمئتان # 1028 - حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا يزيد بن عبد الله الحمصي، عن بقية بن ~~الوليد، عن عيسى بن إبراهيم، عن الزهري، عن أبي سليمان ms0657 مولى أبي رافع، عن ~~أبي رافع، قال: قلت: يا رسول الله! للولد حق علينا كحقنا عليهم؟ قال: ~~((نعم، حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة، السباحة، والرماية، وأن لا ~~يرزقه إلا طيبا)). PageV04P431 # فالكتابة: قوة له على الدين والدنيا. # والسباحة: منجاة من الهلاك. # والرماية: دفع عن مهجته وحريمه، وشرف له عند لقاء العدو. # وأن لا يرزقه إلا طيبا؛ كي لا ينبت لحمه على سحت، فينزع منه البركة، وهذه ~~الخصال من رؤوس الأدب. PageV04P432 ### || AUTO الأصل السادس والمئتان # 1029 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا موسى ابن سهل، عن ابن أبي فديك، ~~قال: حدثني يحيى ابن أبي خالد، عن [ابن] أبي سعيد الأنصاري، عن أبيه، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ~~والندم توبة)). # فالتائب: حبيب الله؛ {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}، والحبيب ~~يستر الحبيب، والحبيب يحب زين الحبيب، فإذا بدا شين، ستره، فإذا أحب الله ~~عبدا، فأذنب، ستره، فصار كمن لا ذنب له، والذنب يدنس PageV04P433 ~~العبد، والرجوع إلى الله يطهره، وهو التوبة، فرجعته إليه يصير في محل ~~القربة منه بنوره، ويذهب دنسه. # ألا ترى إلى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إذا ~~أذنب العبد، نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا عاد، نكتت أخرى، فإذا تاب صقل ~~قلبه، فذهبت النكتة، وصارت كالمرآة تتلألأ)). # ومن هاهنا قال الشعبي: إذا أحب الله عبدا، لم يضره ذنبه. # 1030 - حدثنا بذلك عبد الله بن الوضاح النخعي قال: حدثنا ابن يمان، عن ~~سفيان، عن عاصم PageV04P434 ~~الأحول، عن الشعبي. # واعتبر بهذه الرأفة والرحمة التي وضعها الله في الآباء والأمهات، ثم ~~تراهم كيف محل أولادهم منهم في حال البطالة والفساد؛ من الرحمة عليهم، ~~والشفقة، والرفق بهم، والتأني والانتظار، والاحتراق عليهم فيما يخافون ~~عليهم من الوبال، وفرحهم بالتوبة إذا هم تابوا إلى الله، فاعتبر بهذه ~~الرأفة التي في جميع الأمهات والآباء، لو جمعها فوضعها في أم واحدة أو أب ~~واحد لولد واحد، لكان لا يتراءى له فساد ms0658 هذا الولد، وسيء عمله؛ من عظيم ~~الشفقة عليه، والمحبة له، وكان ذلك ساترا له، فكيف بالخالق البارئ الماجد ~~الكريم البر الرحيم، الذي يدق جميع رأفة أهل الدنيا ورحمتهم في جنب رحمته ~~من المئة المخلوقة؟ ثم ماذا تكون تلك في جنب الرحمة العظمى التي شملت كل ~~خير للعبيد؟ # فهذا العبد المؤمن له كل هذا الحظ، فإذا تاب، صار في كنفه، وهو في الأصل ~~حبيبه، فتدق ذنوبه في جنب ما له عنده من الرأفة والرحمة. # وإن الله تعالى لما وقعت خيرته وحبابته على عبد من عبيده، أخرجه من بطن ~~أمه إلى الدنيا، فأدركته الهداية بما سلفت منه من الجناية، وكتب PageV04P435 ~~عليه هذا الذنب أنه سيصيبه لا محالة، فلما أصابه، لم يتركه حيران، فلم يغلق ~~عنه باب التوبة، وتكرم إن يرجع إليه عبده بصدق الرجوع، أن يقبله، فإذا ~~قبله، صار كمن لا ذنب له في معنى القبول. PageV04P436 ### || AUTO الأصل السابع والمئتان # 1031 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا عمرو ابن عثمان بن سعيد بن كثير ~~بن دينار الحمصي، قال: حدثنا محمد بن حرب، عن أبي المهدي، عن أبي الزاهرية، ~~عن كثير بن مرة، عن ابن عمر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: ((الالتفاع لبسة أهل الإيمان، والتردي لبسة العرب)). # والالتفاع والالتحاف بمعنى واحد، وهو الستر، وإنما قيل: لبسة أهل ~~الإيمان؛ لأنه يقدر مع ذلك على التقنع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يكثر التقنع، PageV04P437 ~~وذلك أن الذي يعلوه الحياء من ربه يلجأ إلى ذلك؛ لأن الحياء في العين ~~والفم، وهما من الرأس، والحياء من عمل الروح، وسلطان الروح في الرأس، ثم هو ~~منفس في جميع الجسد. # ألا ترى أنه قال: {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان}، فالضرب ~~على الرأس قتل وحيي. # وروي في الخبر: أن من أخلاق النبيين التقنع. # فهذا من الحياء، وكذلك أهل اليقين من بعدهم، وهم الأولياء، هذا دأبهم ~~وشأنهم، والحياء من الناس من أفعال يحتشم الروح منها بين أيديهم، والحياء ~~من الله ms0659 من أفعال تحتشم الروح منها بين يدي الله؛ لأنه قد شارك النفس في ~~معايبها مضطرا؛ لأنه قد قرن بها. # وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إني لأدخل الخلاء فأقنع رأسي حياء من الله. # فهذا لأهل اليقين؛ لأنهم أبصروا بقلوبهم أن الله يراهم، فصارت الأمور ~~كلها لهم معاينة، يعبدونه كأنهم يرونه، ففي الأعمال التي فيها حشمة يعلوهم ~~الحياء، وفي الأعمال التي ينحط بها عند الله يعلوهم PageV04P438 ~~الحياء فقال: الالتفاع؛ أي: الالتحاف بالثوب متقعنا لبسة أهل الإيمان، وذلك ~~أن الحياء من الإيمان، وما ازداد عبد بالله علما إلا ازداد منه حياء. # والتردي لبسة العرب، توارثوه من الجاهلية من آبائها، كانوا في إزار ~~ورداء، فكانوا يسمونها: حلة. # والالتفاع: ورثها بنو إسرائيل عن آبائهم؛ لأنهم قطعوا أعمارهم بالعبادة، ~~فكانت أصحاب لفاع، وأصحاب برانس، وأصحاب سياحة وصوامع وترهب. # وهذه الأمة أيدت باليقين النافذ لحجب القلوب، فاخترقها، فمن تقنع، فمن ~~الحياء منه تقنع؛ لعلمه بأن الله يراه علم يقين، لا علم تعلم. # والعرب كانت في مجدها، وسماحتها، وطولها، ومحاسن أخلاقها إلى أن بعث الله ~~فيهم رسوله الأمي، فقرينها فيما بينهم هذه الأخلاق، بها يعبدون الله مع ~~شركهم، وبنو إسرائيل يعبدون الله مع شركهم، تبعث الأركان وكدها بالخروج إلى ~~الله من الأموال. PageV04P439 ### || AUTO الأصل الثامن والمئتان # 1032 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا عبد المجيد ابن أبي رواد، عن ~~مروان بن سالم، عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد الحضرمي، عن أبي الدرداء ~~رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن رجل شدة ~~عبادة، سأل: كيف عقله؟ [فإذا قالوا: حسن، قال: ((أرجوه))] فإن قالوا غير ~~ذلك، قال: ((لن يبلغ))، فذكر له عن رجل من أصحابه شدة عبادة واجتهاد، فقال: ~~((كيف عقله؟))، قالوا: ليس بشيء، قال: ((لن يبلغ صاحبكم حيث تظنون)). PageV04P441 # 1033 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا جندل بن والق الكوفي، قال: حدثنا ~~عبيد الله بن عمرو الرقي، عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي فروة، عن نافع، عن ms0660 ~~ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ~~يعجبكم إسلام رجل حتى تعلموا ما عقده عقله)). # فالعقل: هو نور خلقه الله، وقسمه بين عباده على مشيئته فيهم، وعلمه بهم. # فروي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: # ((لما خلق الله تعالى العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، ~~فأدبر، ثم قال له: اقعد، فقعد، ثم قال له: انطق، فنطق، ثم قال له: اصمت، ~~فصمت، فقال: وعزتي وجلالي، وعظمتي وكبريائي وسلطاني PageV04P442 ~~وجبروتي! ما خلقت خلقا أحب إلي منك، ولا أكرم علي منك، بك أعرف، وبك أحمد، ~~وبك أطاع، وبك آخذ، وبك أعطي، وإياك أعاتب، ولك الثواب، وعليك العقاب)). # 1034 - حدثنا بذلك عبد الرحيم بن حبيب، قال: حدثنا داود بن محبر بن قحذم ~~البصري، قال: حدثنا الحسن بن دينار، قال: سمعت الحسن يقول: حدثني عدة من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ~~قال: ذلك. # 1035 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا PageV04P443 ~~هشام بن خالد، عن بقية، عن الأوزاعي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: بمثله. # وزاد فيه: قال: ((لك الثواب، وعليك العقاب، وما أكرمتك بشيء أفضل من ~~الصبر)). # 1036 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا هشام ابن خالد الدمشقي، قال: ~~حدثنا يحيى -وهو عندي يحيى الغساني- قال: حدثنا أبو عبد الله مولى بني ~~أمية، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ((أول شيء خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ~~ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: ما كان، وما هو كائن إلى يوم ~~القيامة؛ من عمل، أو أثر، أو رزق، أو أجل، فكتب ما يكون، وما هو كائن إلى ~~يوم القيامة، وذلك قوله عز وجل: {ن والقلم وما يسطرون}، ثم ختم على في ~~القلم، فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل، فقال: وعزتي! ~~لأكملنك ms0661 فيمن أحببت، PageV04P444 ~~ولأنقصنك فيمن أبغضت)). # فقسم العقل بين خلقه على علمه بهم، ثم قسم بين الموحدين عقل الهداية على ~~علمه بهم، فتفاوت القسم، فكلما استقر في عبد، كان دليله على مقاديره الذي ~~كان منه يومئذ، فكلما أحب الله إقباله في أمر، دلهم على إقباله، وما كره ~~الله [إدباره]، دله على الإدبار، وما أحب الله القول به، دله على القول به، ~~وما كره من ذلك دله على الصمت، وكذلك في كل فعل فعله يومئذ يلهم العقل ~~صاحبه في كل أمر ما أذن له فيه، وما خطر عليه ومحابه ومساخطه، فكلما كان ~~حظه من العقل أوفر، فسلطان الدلالة فيه أعظم وأنفذ، فمن شأنه الدلالة على ~~الرشد، والنهي عن الغي. # فكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ذكر له عن رجل شدة اجتهاد وعبادة، ~~سأل عن عقله؛ لما قد علم أن العقل هو الذي يكشف لك عن مقادير العبودية، ~~ومحبوب الله ومكروهه؛ لأن العبادة الظاهرة قد تكون من العادة والمساعدة، PageV04P445 ~~ترى الرجل في صباه علم هذا، فنشأ عليه، وعلم أنه خير، فثبت عليه معتادا له ~~قد ألفه، ويسير عليه. # فالرجل يساعد آخر يعمل له، فإذا كان العقل يدله على هذه العبادة الظاهرة، ~~كان علامته أن يتورع عن مساخط الله، ولم يجوز لنفسه أن يترضاه بأعمال مع ~~تضييع فرائضه، أو التوثب في مساخطه، فكان العاقل عندهم الذي عقل عن الله ما ~~أمره ونهاه، فائتمر بما أمره، وازدجر عما نهاه، فتلك علامة العقل. # فإذا رئي أحدهم يتعبد، وهذا فيه، علم أنه من عقل يتعبد، وعن بصيرة، وإذا ~~رئي في خلو من هذا، علم أنه عن عادة ومساعدة، فلم تحسن ظنونهم به، ولذلك ~~قال: ((لا يعجبكم إسلام رجل حتى تعلموا ما عقدة عقله)). # فالإسلام: هو ما ظهر من أعمال العباد من أعمال الشريعة؛ مثل: الصوم، ~~والصلاة، والحج، والجهاد، والصدقة، وسائر أنواع البر، فلا يعجبكم هذا منه ~~حتى تعلموا أي شيء يعتقد في قلبه لما يعمل به. # وعقد العقل: هو وثاق العقل، معناه: أن يقول: ما هو؟ ms0662 أي: كيف هو؟ لأن كلمة ~~((ما)) تقع على الجوهر والجنس. # فقال: ((حتى تعلموا ما عقدة عقله))؛ يعني: بأي شيء يعقد عقله؟ فإن العقل ~~قسم للعبد، فأعطي عبد، فعقده بالإيمان بالله، فرشد، وآخر PageV04P446 ~~أعطي، فعقده بالهوى، فغوى، فقال: حتى تعلموا بأي شيء عقد عقله، أبالإيمان ~~بالله، أم بالهوى؟ # فإن القلب إذا كان مؤمنا، وجاء العقل، ودله على الرشد، فإن عقد عقله ~~بالإيمان، مر به في الطاعة، وإن كان القلب فاجرا، وجاء العقل، فعقد صاحبه ~~بالهوى، مر به في الغي. # والعقد: الوثاق، فكأنه قال: إن كان وثاق هذا العقل الذي أعطي بالإيمان، ~~يستعمله بالإيمان، وإن كان وثاقه بالهوى، فهو أسيره، فاستعمله بالمعاصي، ~~صار الدليل أسيرا مقهورا في سجن الهوى. # فدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعرف ذلك من هذا الوجه، فقال: لا ~~يعجبنكم ظاهر ما ترون حتى تعلموا بأي شيء عقد عقله، فإن كان عقله عقيد هواه ~~لا يتورع ولا يتقي، قال: ((لن يبلغ صاحبكم حيث تظنون)) # 1037 - حدثنا محمد بن محمد بن حسين، قال: حدثنا حكامة بنت عثمان بن دينار ~~البصرية، قالت: حدثنا أبي، عن مالك بن دينار، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الورع سيد العمل، من لم يكن له ~~ورع يرده عن معصية الله إذا خلا بها، لم يعبأ الله بسائر PageV04P447 ~~عمله شيئا)). # فذلك مخافة الله في السر والعلانية، والاقتصاد في الفقر والغنى، والصدق ~~عند الرضا والسخط، ألا وإن المؤمن حاكم على نفسه، يرضى للناس ما يرضى ~~لنفسه، والمؤمن حسن الخلق، وأحب الخلق إلى الله أحسنهم خلقا، ينال بحسن ~~الخلق درجة الصائم القائم، وهو راقد على فراشه؛ لأنه قد رفع لقلبه علم، فهو ~~يشهد مشاهد القيامة، يعد نفسه ضيفا في بيته، وروحه عارية في بدنه، ليس ~~بالمؤمن حملانه على نفسه، الناس منه في عفاء، وهو من نفسه في عناء، رحيم في ~~طاعة الله، بخيل على دينه، حيي، مطواع، وأول ما فات ابن آدم من دينه ~~الحياء، خاشع القلب ms0663 لله، متواضع قد برئ من الكبر، قائم على قدمه ينظر إلى ~~الليل والنهار يعلم أنهما في هدم عمره، لا يركن إلى الدنيا ركون الجاهل، لا ~~جرم أنه إذا خلف الدنيا، خلف الهموم والأحزان، ولا حزن على مؤمن، بل فرحه ~~وسروره مقيم بعد الموت. # 1038 - حدثنا الحسين بن أبي كبشة البصري، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، عن ~~عباد بن راشد، عن داود ابن أبي هند، عن أبي نضرة، قال: سمعت أبا سعيد ~~الخدري رضي الله عنه يقول: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق عندكم من PageV04P448 ~~الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات. # 1039 - حدثنا روح بن قرة اليشكري، ونصر بن علي الحداني، ومحمود بن ~~المهدي، قالوا: حدثنا سهل بن أسلم، عن حميد بن هلال، عن عبادة بن قرط، قال: ~~إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات. # 1040 - حدثنا ابن أبي كبشة، قال: حدثنا عبد الملك PageV04P449 ~~ابن عمرو أبو عامر، عن سعيد بن مسلم، قال: سمعت عامر ابن عبد الله بن ~~الزبير يقول: حدثني عوف بن الحارث بن الطفيل، عن عائشة -رضي الله عنها-، ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عائشة! إياك والمحقرات؛ فإن ~~لها من الله طالبا)). # 1041 - حدثنا أبو بكر بن سابق الأموي، قال: حدثنا أبو مالك الجنبي، عن ~~جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((إن الله -تبارك وتعالى- ناجى موسى عليه السلام، فكان ~~فيما ناجى قال: يا موسى! إنه لم يتقرب المتقربون إلي بمثل الورع عما PageV04P450 ~~حرمت عليهم؛ فإنه ليس من عبد يلقاني يوم القيامة إلا ناقشته الحساب، وفتشته ~~عما كان في يديه، إلا ما كان من الورعين، فإني أجلهم، وأكرمهم، وأدخلهم ~~الجنة بغير حساب)). # وزاد فيه غيره عن وهب بن منبه، قال: ((أجلهم، وأكرمهم، وأستحييهم)). # 1042 - حدثنا عمر، قال: حدثنا نعيم بن حماد، عن عبد المؤمن ms0664 بن خالد، عن ~~عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((ثلاث من لم يأت بهن يوم القيامة، فلا شيء له: ورع يحجزه عن محارم الله، وخلق PageV04P451 ~~يداري به الناس، وحلم يرد به جهل السفيه)). # 1043 - حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثنا أبي، عن هاشم بن القاسم، عن ~~ميسرة، عن عباد بن كثير، عن محمد بن زيد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن ~~عائشة -رضي الله عنها-، قالت: قلت: يا رسول الله! بأي شيء يتفاضل الناس؟ ~~قال: ((بالعقل في الدنيا والآخرة))، قلت: أليس يجزى الناس بأعمالهم؟ قال: ~~((يا عائشة! وهل يعمل بطاعة الله إلا من قد عقل؟ فبقدر عقولهم يعملون، فعلى ~~قدر ما يعملون يجزون)). PageV04P452 # 1044 - حدثنا أحمد بن عبد الله بن حكيم المهلبي، قال: حدثنا بكار بن عبد ~~الله الربذي، قال: حدثنا عمي موسى بن عبيدة الربذي، عن الزهري، عن عطاء بن ~~يزيد الليثي، عن أبي حميد الساعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((إن الرجل لينطلق إلى المسجد فيصلي، فصلاته لا تعدل جناح بعوضة، وإن الرجل ~~ليأتي المسجد فيصلي، صلاته تعدل جبل أحد إذا كان أحسنهما عقلا)). # قال أبو حميد: وكيف يكون ذلك يا رسول الله أحسنهما عقلا؟ قال: ((أورعهما ~~عن محارم الله، وأحرصهما على أسباب الخير، وإن كان دونه في العمل ~~والتطوع)). # 1045 - حدثنا مهدي بن عامر، قال: حدثنا الحسن ابن حازم، عن عبد ربه، عن ~~عباد بن كثير، عن غالب PageV04P453 ~~الخدري، عن طاوس، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مهاجري ~~وأنصاري، فقال المهاجري: يا رسول الله! حقي ثابت، وما قضاني شيئا، فقال ~~الأنصاري: صدق يا رسول الله، إن حقه لثابت، وما قضيته شيئا، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((فأده إليه))، قال: أما دعواه، فقد أديته، وأما حق ~~ثواب معروفه، فإنه علي أكافئه، فقال المهاجري: صدق يا رسول الله، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتا، ms0665 إن ~~الرجلين ليستوي عملهما وبرهما وصومهما وصلاتهما،، ولكنهما يتفاوتان في ~~العقل، كالذرة في جنب أحد، وما قسم الله لخلقه حظا هو أفضل من العقل، ~~واليقين)). # 1046 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن ~~الحسن -رحمة الله عليه-، قال: PageV04P454 # كان عقل آدم عليه السلام مثل عقل جميع ولده. # 1047 - حدثنا مهدي، قال: حدثنا الحسن بن حازم، عن عبد ربه، عن عباد بن ~~كثير، عن إدريس، عن جده وهب ابن منبه، قال: أجد في سبعين كتابا: أن جميع ما ~~أعطي الناس من بدو الدنيا إلى انقطاعها من العقل في جنب عقل محمد صلى الله ~~عليه وسلم كحبة رمل وقعت من بين جميع رمال الدنيا. # قال وهب: إن الشيطان لم يكابد شيئا أشد عليه من المؤمن العاقل، إنه ~~ليكابد مئة ألف جاهل، فيسخرهم، ويكابد المؤمن العقل، فيضعف عنه، وزوال ~~الجبال صخرة صخرة أهون عليه من مكابدة المؤمن العاقل، وما من شيء أحب إليه ~~من فتنة العاقل، وفتنة العاقل أحب إليه من غواية ألف جاهل، فإنه ليكابد ~~العاقل، فإذا كان ذا بصيرة ويقين، كان كامل العقل، PageV04P455 ~~فإذا هو أثقل عليه من صخور الجبال، وأصلب من الحديد، فإذا لم يقدر عليه ~~يقول: يا ويله ماله؟! ولهذا لا حاجة لي فيه، ولا طاقة لي به، فيتحول عنه ~~إلى الجاهل، فيتسخره حتى يركب عنقه، ويغويه حتى يستأثره، ويسلمه إلى ~~المهالك. # 1048 - حدثنا مهدي، قال: حدثنا الحسن، عن عبد ربه، عن موسى بن جابان، عن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن ~~الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنما يقرب الناس للزلف على قدر ~~عقولهم)). PageV04P456 # 1049 - حدثنا مهدي، قال: حدثنا الحسن، عن منصور، عن الربذي، عن الزهري، عن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قيل: يا رسول الله! رجل يكون قليل العمل، ~~كثير الذنوب؟ قال: ((إن لكل آدمي خطأ، فمن كانت له سجية عقل، وغريزة يقين، ~~لم تضره ذنوبه شيئا))، قيل: وكيف ذاك ms0666 يا رسول الله؟ قال: ((كلما أخطأ، لم ~~يلبث أن يتوب، فتمحى ذنوبه، ويبقى فضل يدخله الجنة)). # 1050 - حدثنا مهدي، قال: حدثنا الحسن، عن منصور، عن ثابت بن زياد، عن ~~سيار أبي الحكم، قال: كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ومن أعقل ممن خاف ذنوبه، PageV04P457 ~~واستحقر عمله؟. # 1051 - حدثنا مهدي، قال: حدثنا الحسن، عن منصور، عن موسى بن جابان، عن ~~لقمان بن عامر، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((يا عويمر! ازدد عقلا، تزدد من ربك قربا))، قلت: يا رسول الله! ~~من لي بالعقل؟ قال: ((اجتنب مساخط الله، وأد فرائضه، تكن عاقلا، ثم تنفل ~~بالصالحات من الأعمال، تزدد في الدنيا عقلا، ومن ربك قربا، وعليه عزا)). # 1052 - حدثنا مهدي، قال: حدثنا الحسن، عن منصور، عن عمر، عن مكحول، عن ~~كعب، قال: تجد الرجل يستكثر من أنواع البر، ويحتاط في صنائع المعروف، ~~ويكابد سهر الليل، وشدة ظمأ الهواجر، وهو في ذلك PageV04P458 ~~لا يساوي عند الله جيفة حمار، قالوا: وكيف ذلك يا أبا إسحاق؟ قال: ذلك من ~~قلة عقله، وسوء دعته، ولعلك تجد الرجل العاقل نائما بالليل، مفطرا بالنهار، ~~لا يظهر لك بره، ولا ينسبه إلى صنائع المعروف، وبينهما كما بين المشرق ~~والمغرب، قيل: وكيف ذاك يا أبا إسحاق؟ قال: لأن ربنا افترض على عباده أن ~~يعرفوه، وأن يطيعوه، وأن يعبدوه، وإنما يطيعه ويعرفه ويعبده من يعقل، فأما ~~الجاهل، فإنه لا يعرفه، ولا يطيعه، ولا يعبده. # 1053 - حدثنا مهدي، قال: حدثنا الحسن، عن منصور، عن موسى بن جابان، عن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن ~~الله خلق العقل أكثر من عدد الرمل، فمن الناس من أعطي حبة من ذلك، ومنهم من ~~أعطي حبتين، ومنهم من أعطي مدا، ومنهم من أعطي صاعا، PageV04P459 ~~ومنهم من أعطي فرقا، وبعضهم وسقا))، فقال ابن سلام: من هم يا رسول الله؟ ~~قال: ((العمال بطاعة الله على قدر عقولهم، ويقينهم، وجدهم، والنور ms0667 الذي في ~~قلوبهم)). # 1054 - حدثنا مهدي، قال: حدثنا الحسن، عن منصور، عن ابن حاجب، عن زيد بن ~~وهب، قال: شهدت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعنده ابن مسعود، وأبو موسى ~~الأشعري رضي الله عنهما، فقال أبو موسى: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: ((رب رجل يعمل بطاعة الله، فلعل الخوف الواجد من تسبيحه وتحميده وسره ~~أثقل من أحد، ثم على قدر ذلك يتفاضل عمله)). # فقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن من المؤمنين من يكون عمله يوما واحدا ~~أثقل من السماوات والأرض، قال عمر رضي الله عنه: وكيف ذاك يا بن أم عبد؟ ~~قال: إن الله -جل ثناؤه- قسم الأشياء بين عباده على قدر ما أحب أن يقسم، ~~وإنه لما خلق العقل، أقسم بعزته أنه أحب خلقه إليه، وأعزهم PageV04P460 ~~عليه، وأفضلهم عنده، وأرجح عباده أحسنهم عقلا، وأحسنهم عقلا من كانت فيه ~~ثلاث خصال: صدق الورع، وصدق اليقين، وصدق الحرص على البر والتقوى، فبكى عمر ~~رضي الله عنه عند ذلك بكاء نشج منه. # 1055 - حدثنا مهدي، قال: حدثنا الحسن، عن منصور، عن ابن جريج، عن عطاء، ~~عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: ((قسم الله العقل ثلاثة أجزاء، فمن كان فيه، فهو العاقل: حسن المعرفة ~~لله، وحسن الطاعة لله، وحسن الصبر لله)). # فحسن المعرفة: الثقة بالله في كل أمرك، والتفويض إليه، والائتمان له على ~~نفسك وأحوالك، والوقوف عند مشيئته لك في كل أمر دنيا وآخرة. # وحسن الطاعة: أن تطيعه في كل أموره، ثم لا تلتفت إلى نوال؛ فتتخذ عدة دون الله. # وحسن الصبر لله: أن تصبر في النوائب صبرا لا يرى عليك في الظاهر أثر ~~النائبة من الاستكانة والاستجداء، وأن تتلقى حكمه بالرضا، كما تتلقى ما ~~يوافق نفسك من ذلك، فيستوي عندك المحبوب والمكروه. PageV04P461 ### || AUTO الأصل التاسع والمئتان # 1056 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا داود ابن عبد الرحمن المكي، عن ~~ابن جريج، عن أبيه، عن أم حميدة بنت عبد ms0668 الرحمن، عن عائشة -رضي الله عنها ~~وعن أبيها-، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن فيكم ~~المغربين))، قلت: يا رسول الله! وما المغربون؟ قال: ((الذي يشرك فيهم ~~الجن)). # فالجن والإنس ثقلان ابتليا بالعبودة، واقتضيا ذلك، ولهما الثواب، وعليهما ~~العقاب، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالنذارة إلى الجن، والرسالة إلى ~~الآدميين، فأنذرهم، وعلمهم القرآن، فللجن مساواة بابن آدم في الأمور ~~والاختلاط، فمنهم من يتزوج فيهم، فكانت بلقيس ملكة سبأ أحد أبويها من الجن. PageV04P463 # 1057 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، عن خليل ~~بن أحمد، عن عثمان بن حاضر، قال: كانت أم بلقيس من الجن، يقال لها: بلمقة ~~بنت شيصبان. # وقد كان ذلك في الآدميين في أوقات، وهم من يشركون الجن في نسائهم، وكذلك ~~الجن ربما غلب الآدمي على أهله، فيأخذ بقلبها، ويعذبها بالامتناع منهم باسم الله. # وروي عن رسول لله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ستر بين عورات بني آدم ~~وبين أعين الجن، إذا وضع الرجل ثوبه أن يقول: باسم الله)). PageV04P464 # فإذا أحب الآدمي أن يطرده؛ فإنما يطرده من مشاركته باسم الله، فإن اسم الله ~~طابع على جميع ما رزق، فلا يستطيع الجن فك الطابع. # 1058 - حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح الأسدي، قال: حدثنا سهل بن عامر ~~البجلي، عن يحيى بن يعلى، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، قال: إذا جامع ~~الرجل ولم يسم، انطوى الجان على إحليله، فجامع معه، فذلك قوله عز وجل: {لم ~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جان}. PageV04P465 ### || AUTO الأصل العاشر والمئتان # 1059 - حدثنا حفص بن عمرو، قال: حدثنا محمد ابن عبد العزيز الواسطي، عن ~~بقية، عن معاوية بن يحيى، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حدث بحديث، فعطس عنده، ~~فهو حق)). # والعطسة: تنفس الروح وتحننه إلى الله؛ لأنها من الملكوت، فإذا تحرك عاطسا ~~عند حديث، فهو شاهد يخبرك عن صدقه وحقه. # 1060 - حدثنا ms0669 حفص بن عمرو، قال: حدثنا آدم PageV04P467 ~~ابن أبي إياس العسقلاني، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، قال: حدثنا سعيد المقبري، ~~عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم، فحمد الله، ~~فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته، والتثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم، ~~فليرده ما استطاع؛ فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك الشيطان منه)). # 1061 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عمر بن عمرو الربعي، عن عثمان ~~بن عطاء، عن أبيه، قال: العطسة الواحدة شاهد عدل، والعطستان شاهدان، وما ~~زاد فبحساب. PageV04P468 # 1062 - حدثنا عمر، قال: حدثنا عبد الغفار بن داود الحراني، عن ابن لهيعة، ~~عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي رهم السماعي، قال: إن مما يسعد ~~به: العطاس عند الدعاء. # فللروح كشف غطاء عن الملكوت، وذكر هناك عنده في القربة، فإذا تحرك لذلك ~~تنفس، وهو عطاسه، فإذا كان في ذلك الوقت، كان ذلك وقت حق يحقق الحديث، ~~ويستجيب الدعاء. # 1063 - حدثنا محمد بن عمر، عن أبي قتادة الليثي، عن يزيد بن زريع، عن ~~سعيد، عن قتادة، قال: قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: لعطسة واحدة عند ~~حديث أحب إلي من شاهد عدل. PageV04P469 # 1064 - حدثنا محمد، عن بقية، عن رجل سماه، قال: حدثني الرويهب السلمي، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الفأل مرسل، والعطاس شاهد عدل)). # فأما قوله: ((الفأل مرسل))، فمثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ~~تسمع في العسكر رجلا يقول: يا حسن! قال: ((أخذنا فألك من فيك)). # ومثل قوله حيث استقبله بريدة في طريق الهجرة، فقال: ((ما اسمك؟))، قال: ~~بريدة، فالتفت إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقال: ((برد أمرنا))، قال: ممن؟ ~~قال: من أسلم، قال: ((سلمنا يا أبا بكر)). # 1065 - حدثنا بذلك أبو عمار، قال: حدثنا أوس ابن عبد الله بن بريدة، عن ~~أخيه، عن أبيه، عن جده، عن PageV04P470 ~~رسول الله صلى ms0670 الله عليه وسلم. # فقول: (الفأل مرسل)؛ أي: إن هذه الأشياء مما يرسلها الله حتى يستقبلك ~~كالبشير لك، فإذا تفاءلت، فقد أحسنت به الظن، والله عند ظن عبده به. # 1066 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا سليمان ابن سلمة بن عبد الجبار ~~الحمصي، قال: حدثنا يعقوب بن الجهم الخراساني، قال: حدثنا عمرو بن جرير، عن ~~عبد العزيز، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: عطس عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عطسات متواليات، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أبشرك؟ هذا جبريل يخبرني عن الله تعالى: ~~أنه ما من مؤمن يعطس ثلاث عطسات متواليات، إلا كان الإيمان في قلبه ~~ثابتا)). PageV04P471 ### || AUTO الأصل الحادي عشر والمئتان # 1067 - حدثنا أبو عمار الخزاعي، ومحمد بن ميمون، قالا: ثنا الوليد بن ~~مسلم، قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، قال: حدثني بسر بن عبيد ~~الله الحضرمي، قال: حدثني واثلة بن الأسقع الليثي، عن أبي مرثد الغنوي، سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا ~~إليها)). PageV04P473 # فمعنى هذا: إقامة حرمة المسلم بعد موته في أن لا يوطأ، ولا يجلس عليه؛ فإن ~~تلك استهانة به أن تطأه، أو تتخذه موطئا لقعودك، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مما يجتنب ذلك. # 1068 - حدثنا الفضل بن محمد، ثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة الدمشقي، ~~قال: حدثني أبي، ثنا يزيد بن قيس الكندي، قال: أخبرني عبادة بن نسي، عن ابن ~~غنم، عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره أن يطأ ~~القبور؛ إعظاما للمسلمين، وإكراما لهم. # وأما قوله: ((لا تصلوا إليها)). # فإنه كره أن تتخذ القبور مسجدا وقبلة يصلى إليها، وكان أهل الجاهلية ~~يفعلونه، فنهوا عن ذلك. PageV04P474 # وقد ذهب في تأويل هذا الحديث ناس إلى أن الجلوس عليها في الحديث أن يتغوط ~~عليها، وهذا مذهب بعيد، وليس هذا من أخلاق المسلمين؛ حتى يحتاج إلى النهي ms0671 عنه. # 1069 - حدثنا الجارود، ثنا المعلى بن منصور، ثنا ابن لهيعة، عن بكر بن ~~سوادة، عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن عمرو بن حزم، قال: رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رجلا جالسا على قبر، فقال: ((انزل عن القبر؛ لا تؤذي صاحبك، ~~ولا يؤذيك)). # 1070 - حدثنا أبي رحمه الله، عن الحماني، ثنا وكيع، عن الأسود بن شيبان، ~~عن خالد بن سمير، عن بشير بن PageV04P475 ~~نهيك، عن بشير بن الخصاصية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يمشي ~~بين القبور في نعلين، فقال: ((يا صاحب السبتيتين! اخلع)). # 1071 - حدثنا أبي رحمه الله، ثنا أبو نعيم، ثنا الأسود ابن شيبان، عن ~~خالد بن سمير، عن بشير بن نهيك الدوسي، قال: حدثني بشير، قال: بينما أنا ~~أماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى على قبور المشركين، فقال: ((قد ~~سبق هؤلاء خيرا كثيرا)) ثلاث مرات، وأتى على قبور المسلمين، فقال: ((قد ~~أدرك هؤلاء خيرا كثيرا)) ثلاث مرات، ثم رأى صاحب السبتيتين، فقال: ((ويحك! ~~ألق سبتيتك))، فنظر، فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلع نعليه، ~~فرماهما. PageV04P476 # فهذه الأحاديث كلها تدل على إقامة الحرمة، وتعظيم شأن المسلم في أن يتعاظم ~~عند المرء المسلم أن يمشي على أعظم مدفونة قد اختبأها رب العالمين، ~~واختارها لمحبته ملكا في الجنان في جواره. # وقوله: ((لا تؤذي صاحبك))؛ أي: إن الأرواح تعلم بترك إقامة الحرمة، ~~وبالاستهانة، فيتأذى بذلك. # وروي عن بشير بن الخصاصية في حديثه زيادة حرف أنه قال: ((ألق سبتيتك لا ~~تشغله)). # 1072 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا ابن ~~المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أن بسر بن عبيد الله أخبره: أن ~~أبا إدريس الخولاني أخبره: أن واثلة بن الأسقع أخبره: أن أبا مرثد الغنوي ~~أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى إلى القبور، أو يجلس عليها. PageV04P477 # ولهذا الحديث الذي رواه بشير بن الخصاصية تأويل غير هذا، وذلك أنه أتى على ~~قبر حديث العهد ms0672 بالوفاة، وكان الميت مشغولا في قبره بالحساب، فكره أن يشغله ~~خفق نعله من فوقه، فيتأذى به. # ألا ترى أنه قال: ((ألق بسبتيتك لا تشغله)). # 1073 - وقال: حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا يحيى بن زكريا، عن مجالد، عن ~~محمد بن المنتشر، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة رضي الله عنه، قال: في القبر ~~حساب، وفي الآخرة حساب، فمن حوسب في القبر، نجا، ومن حوسب في القيامة، عذب. PageV04P478 ### || AUTO الأصل الثاني عشر والمئتان # 1074 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا سليمان بن ~~بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمرو بن العاص، قال: ما نيل من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما نيل منه ذات يوم يطوف بالبيت، فدخلوا عليه، ~~فقطعوا عليه الطواف، وأخذوا بتلبيبه، وقالوا: أنت الذي تنهانا أن نعبد ما ~~يعبد آباؤنا؟ قال: ((هو ذاك))، وأبو بكر رضي الله عنه ملتزمه من خلفه، وهو ~~يقول: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك ~~كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم} وعيناه تهملان، فخلوا سبيله. PageV04P479 # فهذه مرتبة أبي بكر رضي الله عنه من الدين، ومحله من الإسلام، عادى ~~المشركين والخلق عامة في الله، وذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، ~~ولم يهب شرق الدنيا وغربها، وأثنى الله -تبارك وتعالى- على مؤمن من آل ~~فرعون في تنزيله بما أثنى، وهو في ذلك يكتم إيمانه حيث يقول: {أتقتلون رجلا ~~أن يقول ربي الله}، وقال في تنزيله: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ~~إيمانه}. # 1075 - حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب البغدادي، قال: حدثنا كثير بن هشام، ~~عن الحكم بن هشام ابن أبي عقيل، قال: عاتب الله هذه الأمة، إلا أبا بكر رضي ~~الله عنه، فقال: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني ~~اثنين إذ هما في الغار}. # 1076 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا عبيد الرملي، عن إبراهيم بن بكر ~~الشيباني، قال: حدثنا مبارك ms0673 ابن فضالة، عن الحسن، قال: لقد عاتب الله جميع ~~أهل الأرض غير أبي بكر رضي الله عنه، فقال: {إلا تنصروه فقد نصره الله PageV04P480 ~~إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين} يقول: لما ذكره أخرجه من خطاب المعاتبة ~~كأنه لم يخاطبه بالمعاتبة. # 1077 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن ~~سلمة بن نبيط، عن نعيم أراه، [عن نبيط بن شريط]، عن سالم بن عبيد -وكان من ~~أهل الصفة-، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت الأنصار: منا ~~أمير، ومنكم أمير، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سيفان في غمد واحد لا ~~يصلحان، ثم أخذ بيد أبي بكر رضي الله عنه، فقال: من له هذه الثلاثة: {ثاني ~~اثنين إذ هما في الغار إذ يقول} من صاحبه {لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} مع ~~من قال؟ ثم بايعه، فبايع الناس أحسن بيعة وأجملها. PageV04P481 # 1078 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا العلاء ابن مسلمة، عن محمد بن ~~مجيب الثقفي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه، قال: اجتمعت ~~قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث، فأرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأقبل هذا يجؤه، وهذا يتلتله، فاستغاث النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ، فلم ~~يغثه يومئذ أحد إلا أبو بكر رضي الله عنه، وله ضفيرتان، فأقبل يجأ ذا، ~~ويتلتل ذا، ويقول بأعلى صوته: ويلكم! أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ ~~والله! إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر رضي ~~الله عنه يومئذ، فقال علي رضي الله عنه: والله! ليوم أبي بكر خير من مؤمن ~~آل فرعون، إن ذلك رجل يكتم إيمانه، PageV04P482 ~~فأثنى عليه في كتابه، وهذا أبو بكر رضي الله عنه أظهر إيمانه، وبذل ماله ~~ودمه لله. # 1079 - حدثنا عمر، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا ~~الوليد بن كثير، عن ابن تدرس مولى حكيم بن حزام، عن أسماء بنت أبي بكر: ~~أنهم قالوا ms0674 لها: ما أشد شيء رأيت المشركين بلغوا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقالت: كان المشركون قعودا في المسجد الحرام، ويتذاكرون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما يقول في آلهتهم، فبينا هم كذلك، إذ دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقاموا إليه بأجمعهم، فكانوا إذا سألوه عن شيء، ~~صدقهم، فقالوا له: ألست تقول كذا في آلهتنا؟ قال: بلى، قال: فتشبثوا به ~~بأجمعهم، فأتى الصريخ إلى PageV04P483 ~~أبي بكر رضي الله عنه، فقال له: أدرك صاحبك، فخرج من عندنا وإن له غدائر، ~~فدخل المسجد وهو يقول: ويلكم! {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم ~~بالبينات من ربكم}، فكفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبلوا على ~~أبي بكر رضي الله عنه، فرجع إلينا أبو بكر، فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا ~~جاء معه، وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام إكرام إكرام. PageV04P484 ### || AUTO الأصل الثالث عشر والمئتان # 1080 - حدثنا ابن أبي ميسرة، قال: حدثنا إسماعيل ابن سويد، قال: حدثنا ~~عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة، قال: حدثني سعيد بن إياس الجريري، عن أبي ~~عثمان النهدي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ((إذا التقى المسلمان، كان أحبهما إلى الله أحسنهما ~~بشرا لصاحبه، فإذا تصافحا، أنزل الله عليهما مئة رحمة، تسعون منها للذي بدأ ~~بالمصافحة، وعشر للذي صوفح)). # فالمؤمن عليه سمة الإيمان ووقاره، وبهاء الإسلام وجماله، فأحسنهما PageV04P485 ~~بشرا أفهمهما لذلك، وأعقلهما عن الله، ما من الله به عليهما، فإنما يبشر ~~به، حتى يظهر بشره؛ لعلمه بالله، وبمنة الله على عبده، هذا وجه. # ووجه آخر: أن المؤمن عطشان إلى لقاء ربه، تشوقا إليه، فإذا رأى المؤمن، ~~أو رأى كلام الله الذي أنزله، أو رأى بيته الكعبة، اهتش إلى ذلك روحه، ~~وتنسم قلبه روح ما يجده من آثار مولاه الذي قد قلق بحياته برما من أجل حبسه ~~عنه، فيطمئن، ويبشر بذلك، فيظهر بشره، فإنما صار أحب إلى الله بما له ms0675 من ~~الحظ من الله. # ووجه أخر: أن الذي يظهر البشر لأخيه، يسر أخاه المؤمن؛ لأن العبوس مما ~~يقبضه وينكسر قلبه على رؤيته، فإذا أظهر البشر، قواه؛ لأن في ذلك إظهار ~~المودة له. # 1081 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا صالح بن محمد، عن أبي الحسن ~~العسقلاني، عن زيد بن أسلم، قال: كان يحيى بن زكريا -صلوات الله عليهما- ~~إذا لقي عيسى بن مريم عليه السلام، بدأ فسلم عليه، وكان لا يلقى يحيى إلا ~~باشا متبسما، ولا يلقى عيسى إلا محزونا PageV04P486 ~~شبه الباكي، فلقيه يحيى، فبش في وجهه، وتبسم، وسلم عليه، فقال له عيسى: إنك ~~تبسم تبسم رجل، وتضحك كأنك آمن، فقال له يحيى: إنك لتعبس تعبس رجل، وتبكي ~~كأنك آيس، فأوحى الله إلى عيسى عليه السلام: إن أحبكما إلي أكثركما تبسما. # فأما الصفاح: فهو الأخذ باليد، وهو كالبيعة؛ لأن من شرط الإيمان والإسلام ~~الأخوة أن يكون كل واحد منهما أحبه صاحبه. # وقال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}، وقال: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض}. # فهذا شرط الله فيما بينهم الأخوة والولاية، وإذا لقيه، فإنما يريد ~~بمصافحته كأنه يبايعه على هاتين الخصلتين، ففي كل مرة يلقاه يجدد بيعته، ~~فيجدد الله له ثوابها، كما يجد المصاب الاسترجاع، فيجدد له ثواب المصيبة، ~~وكما يجدد صاحب النعمة الحمد، فيجدد له ثواب شكرها؛ لأنه إذا فارقه بعد ما ~~صافحه، لم يخل من دخول خلل الأحداث PageV04P487 ~~والنوائب، فيجدد له عند لقائه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((جددوا إيمانكم))، قالوا: بماذا يا رسول الله؟ قال: ((بلا إله إلا الله)). # فالسابق إلى تجديده له من المئة تسعون رحمة، وفي التمسك بالأخوة والولاية ~~إقامة حرمة لا إله إلا الله، وتعظيم ذلك النور الذي جعله في قلبه، وزينه ~~فيه، وأول ما ظهرت البيعة يوم الميثاق. # ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: الركن يمين الله، يصافح بها عباده. # ولأنهم يوم الميثاق بايعوا الله، فصافحوا الحجر، فلما أنزل من الفردوس، ~~ووضع في ركن البيت، دعوا إليه؛ ليجددوا بيعته، وهو الاستلام في ms0676 أمر الحج ~~والطواف. # وإنما قيل: استلام؛ لأنهم بايعوه يوم الميثاق على الإسلام، فلما جددوا ~~بيعته يوم وافوا الركن، جددوا الإسلام، وهو تسليم النفس، وكلما تمسحوا به، ~~فذاك منهم بيعة مجددة، وهو استلام منهم على قالب الافتعال. PageV04P488 ### || AUTO الأصل الرابع عشر والمئتان # 1082 - حدثنا نصر بن فضالة، وعبد الكريم بن عبد الله اليشكري، قالا: ~~حدثنا عبد الله بن نافع الصائغ المدني، قال: حدثنا أيوب بن سليمان بن مينا، ~~عمن حدثه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((من وسع على أهله في يوم عاشوراء وسع الله عليه في سنته ~~كلها)). PageV04P489 # 1083 - حدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا جعفر الأحمر، عن ~~إبراهيم بن محمد بن المنتشر، قال: بلغني أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء، ~~وسع الله عليه سائر سنته. # قال سفيان: جربناه منذ أربعين سنة، فلم نر إلا خيرا. # والأصل في ذلك: أن نوحا -صلوات الله عليه- استوت سفينته على الجودي يوم ~~عاشوراء، فقيل له: {اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك}، وهم ~~الموحدون إلى آخر الدهر. # {وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم}. # وهم المشركون، وكانوا كلهم في صلبه، وكان هذا السلام وهذه PageV04P490 ~~البركات عليه وعلى الأمم الموحدة التي معه في صلبه. # فإنما قيل له: اهبط من السفينة؛ لتبوئ لأهلك وولدك مبوأ ومستقرا لمعاشك ~~بهذا السلام وهذه البركات، فمن أراد أن يأخذ بحظه من تلك البركات، فوافى ~~ذلك اليوم في كل وقت وزمان، كان في تلك الهيئة، هيئة من تبوأ لعياله، مرمة ~~معاشهم، ويزيد في وظائفهم، ويهيئ لهم؛ لينال حظه من ذلك السلام، وتلك ~~البركات، كما كان من أراد أن يأخذ بحظه من ذلك، فليدخل فيما دخل فيه تلك ~~الأمم من الإيمان بالله، ويفارق الأمم التي وعدت المتعة والعذاب، فاستقبل ~~الله -تبارك اسمه- بالدنيا استقبالا بعد أن غرقها وحرقها شرقا وغربا، فلم ~~يبق في جميع الدنيا إلا سفينة نوح بمن فيها، فرد عليهم دنياهم يوم عاشوراء، ~~وأمروا بالهبوط للتبوئة، والتهيؤ ms0677 للعيال أمر معاشهم، مع السلام والبركات ~~عليهم، وعلى الأمم التي في صلبه من الموحدين. # فمن خرج من الموحدين من الأصلاب في كل زمان، فأتى عليه ذلك اليوم، فكأنه ~~في يومه في وقته يهبط من السفينة، ويهيئ لعياله معاشا، PageV04P491 ~~ويناله سلامه وبركاته كذلك، وإنما أوجب البركات له وللأمم معه؛ لاتخاذ ~~الموطن والمعاش لعياله، وعلى هذا السبيل ما جاء في الكحل أيضا. # 1084 - حدثنا نصر بن فضالة، قال: حدثنا محمد بن عمر الواقدي أسنده إلى ~~يحيى بن أبي كثير، قال: من اكتحل يوم عاشوراء بكحل إثمد فيه شيء من مسك، لم ~~تنجع عينه تلك السنة، وعوفي من الرمد. # فالاكتحال مرمة العين. # وفي الكحل تقوية للبصر، ومدد الروح؛ لأن بصر الروح يتصل ببصر العين، ~~والعين قالبه، فأما مرمة العين، فإنه جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: من خير أكحالكم الإثمد؛ فإنه ينبت الشعر، ويجلو البصر)) # 1085 - حدثنا بذلك عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق، ثنا يحيى بن سليم ~~الطائفي، عن عبد الله بن PageV04P492 ~~عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فإنبات الشعر مرمة العين؛ لأن الأشفار ستر الناظرين، ولولا الأشفار، لم ~~يقو الناظران على النظر، فإنما يعمل ناظر العين من تحت الشفر، فالكحل ~~ينبته، وهو مرمته. # وأما تقوية البصر، فإنه يجلوه، ويذهب الغشاوة وما يتحلب من الموقين من ~~فضول الدموع، والبلة الطبيعية ينشفه الإثمد، ولم يدعه بتلبث، فيصير غشاوة ~~وغيما على حدقته. # وأما مدد الروح، فإن بصر الروح في الباطن متصل ببصر العين، فإذا PageV04P493 ~~ذهبت هذه الغشاوة التي ذكرنا، وصل النفع إلى بصر الروح، ووجد لذهابه راحة ~~وخفة، ففي مرمة المعاش مرمة النفس، فإذا كان ذلك منه في هذا اليوم، نال ~~البركة، فعوفي من الضيق، ووسع عليه سائر سنته، فإذا كانت مرمة الروح، عوفي ~~من الرمد؛ لأنه يشغل الروح إذا رمد. PageV04P494 ### || AUTO الأصل الخامس عشر والمئتان # 1086 - حدثنا الجارود بن معاذ، قال: حدثنا الفضل ابن موسى، عن شريك، عن ms0678 ~~ليث، عن بشير بن نهيك، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في قوله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين. عما كانوا يعملون} قال: ~~((عن لا إله إلا الله)). PageV04P495 # معناه عندنا: أي: صدق لا إله إلا الله ووفائها. # وذلك أن الله تعالى ذكر في تنزيله العمل، فقال: {عما كانوا يعملون}، ولم ~~يقل: عما كانوا يقولون، وإن كان يجوز أن يكون القول أيضا عمل اللسان، فإنما ~~المعنى ما يعرفه أهل اللغة: أن القول قول، والعمل عمل، فإنما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((عن لا إله إلا الله))؛ أي: عن الوفاء بها، والصدق ~~بمقالتها. # كما قال الحسن البصري رحمه الله: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ~~ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال. # ولهذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال لا إله إلا الله ~~مخلصا، دخل الجنة))، قيل: يا رسول الله! وما إخلاصها؟ قال: ((أن تحجزه عن ~~محارم الله)). # 1087 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ~~حدثنا الهيثم بن جماز، عن أبي داود الدارمي، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((من PageV04P496 ~~قال: لا إله إلا الله مخلصا، دخل الجنة))، قيل: يا رسول الله! وما إخلاصها؟ ~~قال: ((أن تحجزه عن محارم الله عز وجل)). # 1088 - حدثنا عمر، قال حدثنا عمر بن عمرو الربعي، قال: حدثنا عبيد الله ~~بن الوليد الوصافي، عن أبي بكر الحنظلي، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عهد إلي أن لا يأتيني أحد من أمتي بلا ~~إله إلا الله، لا يخلط بها شيئا، إلا أوجبت له الجنة))، قالوا: يا رسول ~~الله! وما الذي يخلط بلا إله إلا الله؟ قال: ((حرصا على الدنيا، وجمعا لها، ~~ومنعا لها، يقولون قول الأنبياء، ويعملون أعمال الجبابرة)). PageV04P497 # وإنما ثمرة هذه الكلمة لأهلها، وأهلها من رعاها حتى قام بوفائها، وصدقها. # ألا ترى إلى قول رسول الله ms0679 صلى الله عليه وسلم: # ((ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في القبور، ولا في النشور)) # 1089 - حدثنا بذلك علي بن عيسى بن يزيد البغدادي، قال: حدثنا الحماني، ~~قال: حدثنا عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس على أهل لا إله إلا الله ~~وحشة في القبور، ولا في النشور، وكأني أنظر إليهم وهم ينفضون التراب عن ~~رؤوسهم وهم يقولون: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور}. PageV04P498 # وإنما ذهبت عنهم الوحشة في القبور والنشور؛ لأنهم بشروا بالنجاة من العذاب ~~والحساب، والفوز يوم القيامة، ولقوا روحا وريحانا عند الموت، وفي الآخرة ~~نضرة وسرورا، ومن قدم على ربه مع الإصرار على الذنوب، فليسوا من أهل لا إله ~~إلا الله، إنما هم من أهل قول: لا إله إلا الله. # والأهل والآل بمعنى واحد، والهاء والهمزة تبدلان، ألا ترى أنه يقال لأهل ~~مكة: آل الله، وأهل الله. # وقد جاءت الرواية في حديث عتاب بن أسيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال له: ((إني باعثك إلى آل الله)). PageV04P499 # فإنما قيل لهم هذا؛ لأنهم يؤولون إلى بيته في الوطن، ويقال: آل فلان؛ لأنهم ~~يؤولون في السبب إليه، ويقال: آل يؤول أولا، بمعنى رجع يرجع رجوعا. # فأهل قول لا إله إلا الله: من يكون مرجع أمره إلى القول والعمل بهواه، ~~وأهل لا إله إلا الله: من كان مرجعه إلى إقامة هذا القول وفاء وصدقا. # وروى أبو أسامة، قال: حدثنا عمر بن حمزة العمري، عن نافع ابن مالك أبي ~~سهيل، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله، ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على ~~دينهم، فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله، ردت ~~عليهم، وقال الله تعالى: كذبتم)). # 1090 - حدثنا علي بن أحمد العسقلاني، قال: حدثنا ms0680 عبد الأعلى بن سليمان ~~العبدي، قال: حدثنا أبان بن PageV04P500 ~~أبي عياش، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((لا يزال قول لا إله إلا الله يدفع سخط الله عن العباد، حتى إذا ~~نزلوا بالمنزل الذي لا يبالون ما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم، فقالوا ~~عند ذلك، قال الله تعالى لهم: كذبتم كذبتم)). # ومما يحقق ذلك أيضا: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ~~الموحدين ليسوا من أهل النار، وأن أهل النار هم الأعداء. # 1091 - حدثنا بذلك عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: حدثني أبي، عن سليمان ~~التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ~~هذه الآية: {فإن له جهنم لا PageV04P501 ~~يموت فيها ولا يحيى}، قال: ((أما الذين هم أهلها، فإن لهم جهنم لا يموتون ~~فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا من أهلها، فإن النار تميتهم إماتة، ثم ~~يجعلون ضبائر، ويقوم الشفعاء)). # قال له قائل: وما صدق لا إله إلا الله ووفاؤها؟. # قال: هما منزلتان، إحداهما أعلى من الأخرى، فأما المنزلة الأدنى، فمن ~~صدقها أن يقف عند صنعه كالعبد، ويقف عند أمره كالعبيد. # فأما صنعه، فهو أحكامه عليك، وتدبيره فيك؛ مثل: العز والذل، والصحة ~~والسقم، والفقر والغنى، وكل حال محبوب ومكروه، فتقف هناك كالعبيد، لا تعصي ~~الله في جنب ما حكم عليك، ودبره لك، وهو أن تحفظ جوارحك السبع عن كل حكم ~~يدبره لك، ويحكم به عليك. # وأما أمره، فهو أداء الفرائض، واجتناب المحارم، فلا تعصيه في ترك فريضة، ~~ولا انتهاك محرم، فهذا صدق لا إله إلا الله، والوفاء به، وهذه أدنى منزلة؛ ~~لأنه بعد في حفظ الجوارح. PageV04P502 # وأعلاه منزلة: أن يكون في هذين حافظا لقلبه، قد راض نفسه، وماتت شهواته، ~~فما ورد عليه من أحكام الله، رضي بها، واهتشت نفسه إلى قبولها؛ حبا لله، ~~وإعظاما له، وشغوفا به، وما أعطي من الدنيا، قنع به، وكان كالخازن الذي ~~يعطيه مولاه شيئا ms0681 يأتمنه عليه، فهو يمسكه بالأمانة، يرقب متى يومئ إليه، ~~حتى يبذله من غير تلجلج، وما ورد عليه من أمره ونهيه، أنفذه من غير أن ~~يلتفت إلى عوض عنها في عاجل، أو ثواب في آجل. # وكذلك تجد في العبيد، لو أن رجلا أعطى عبدا له مئة درهم عطية ينتفع بها، ~~ثم قال: أعط فلانا درهما، فإن أعطى هذا العبد على أنه يعوضه مولاه مثله، أو ~~يعطيه بدله درهمين، فليس هذا صدقا في الباطن، إنما بذل ذلك على طمع نوال، ~~فهذه متاجرة. # وإن الله -تبارك وتعالى- خلق العبد ذا شهوات، والسابقون راضوا نفوسهم، ~~وفطموها عن الشهوات، فلما جاءهم أمر الله وأحكامه؛ انقادوا، وذلت نفوسهم ~~لأمره؛ إعظاما لجلاله، ذلة العبيد الذين قد استسلموا لسيدهم، فهم المبهوتون ~~في طاعة الله، ولا يقنعون، أمور الدنيا والآخرة قد استوت لهم؛ لأنهم لله، ~~وبالله، لا يخطر على بالهم عند تصرفهم في الأمور اختبار الأمور والأحوال. PageV04P503 # فإن كان في مرمة نفس أو معاش، فهو لله، فإن كان في مرمة أمر الآخرة؛ من ~~الصوم، والصلاة، وأنواع البر، فهو لله، وأعمارهم غير معطلة كلها عبادة ~~لمليكهم؛ لأنهم عبدوا الله بنومهم كما عبدوه بسهرهم، وعبدوه بأكلهم كما ~~عبدوه بجوعهم، وعبدوه بأخذ الدنيا وتناولها كما عبدوه بتركها، إنما نظرهم ~~إلى تدبيره لهم، فعلى أي حال ساروا بهم إليه، ساروا طيبة بذلك نفوسهم، حسنة ~~أخلاقهم. # والآخرون: هم المقتصدون، لم يروضوا أنفسهم، ولا فطموها عن الشهوات، فلا ~~ذلت نفوسهم، ولا انقادت إلا لما هويت واشتهت، إلا أن خوف الوعيد حال بين ~~نفوسهم وبين المعاصي، فحجزهم عن أعمال الهلكى، وحملهم على أعمال أهل النوال ~~لما طمعوا من الثواب. # ألا وقد نجد مثل هذا الفعل من الدواب أنها تتلكأ وتتبطأ في السير، حتى ~~إذا أحست بالدنو من المنزل، استقلت بالحمولة، وجدت السير تحننا إلى ~~الأداري، وربما رأى أنثى، فيهتاج لذلك تراها في سيرها مستقلا بحمولة مجدة. # وربما أحست بالسوط في جنبها من واليها، فتهتاج في السير، فإذا نظر ~~المنتبه إلى هذا من فعل الدواب، استحيا من أن ms0682 يكون شيبها بهم، PageV04P504 ~~لأن هذه معونة قد أتتهم من الله، خلق لهم دار الثواب، ووصفها لهم على ألسنة ~~الرسل؛ كي إن تلكأت نفوسهم على الانبعاث لأعمال البر، طمعت لدار السلام وما ~~فيها، فسلست، وأعطت بزمامها، فإن جمحت على الوثوب فيما زجرت عنه، ذلت ~~وانقبضت وانخشعت. # فهؤلاء قوم انقادوا لله من أجل نفوسهم، وليس هذا بخالص العبودة، وإنما ~~خالص العبودة لقوم هامت قلوبهم في حب الله، وهانت نفوسهم في جلال الله ~~وعظمته، فانبعثوا لأعمال البر شغوفا به؛ إذ علموا أنه يحب ذلك، فامتنعوا من ~~الآثام هيبة له، وإجلالا؛ إذ علموا أنه مساخطه ومكروهه. # فأما قوله: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن}، والناس في هذا الحزن ذوو ~~درجات، كل إنما يحمده على إذهاب حزنه. # فأما المتقون: فكان حزنهم قطع النار، وفوت الجنة، وأيام الحياة مجاهدة النفس. # والصديقون: حزنهم تقصير ما لزمهم من شكر العصمة والتوفيق؛ بأن وفقهم ~~للطاعات، وعصمهم من الآثام، فوجدوا أنفسهم مقصرين في شكره ينتظرون العفو. PageV04P505 # والعارفون على صنفين، وحزنهم على وجهين: # فكل واحد منهما واجد من الحزن على قلبه ما هو الغالب. # وأما صنف منهم: فحزن العاقبة، وحزن القلق، وحزن العاقبة هو الغالب على قلبه. # وأما الصنف الآخر: فحزن القلق، وحزن العاقبة، وحزن القلق هو الغالب على ~~قلبه، وهذا أعلى. # قيل له: كيف هذا؟. # قال: هذا خفي. # والمشهور في أيدي هؤلاء غير هذا، وذلك أنهم يحكون أنه قيل لفلان: أما ~~تشتاق؟ فقال: إنما يشتاق الغائب، فاستعظموا هذا، وصيروه غاية الأمر، ولا ~~يعلمون أن من وراء هذا درجة، فيها تنافس الأنبياء، وللأولياء المجذوبين ~~المحدثين حظ. # وقائل ذلك القول رجل مشتاق رقي به إلى درجة الجلال والجمال، فسكن شوقه؛ ~~لعظيم ما نال من لذة القربة، فمر في العبودة بقوة حظ من الجلال، وعظم أمله ~~بعد قوة حظه من الجمال، فهو مطمئن ساكن، PageV04P506 ~~فمن نظر إلى ذلك، قال في نفسه: فأي شيء بقي؟ ولا يعلم أن من وراء هذا درجة ~~الأولياء المحدثين، تقلقل أحشاءهم إلى آخر رمق من الحياة، حتى تخرج أرواحهم ms0683 ~~بغصة من الكمد؛ لأنهم خلصوا إلى فردانيته، وتعلقوا بوحدانيته، فظمئت ~~أكبادهم عطشا إلى لقائه، وهل نال أحد في الدنيا ما نال موسى -صلوات الله ~~عليه- من أن سمع كلامه، أفليس زاده ذلك قلقا، حتى حمله على سؤال الرؤية، ثم ~~عاش أيام الدنيا عطشان إلى لقائه؟. # فمحال أن يستقر العارف حتى ينكشف له الغطاء يوم الزيادة، ويصل إلى ما سأل ~~كليم الله في الدنيا، فكلما ازداد العبد إليه قربا، زاده مولاه دنوا، ~~فازداد هيمانا وولها حتى يقلق، فيكمد، ويحترق من نيران الشوق، فهذا الغالب ~~عليه حزن القلق، فما بينه وبين مولاه من الأسرار ما سكن عنه خوف التحويل، ~~لا أنه ذهب عنه، ولكنه غاب عنه كما غاب خوف العقوبة عن الصديق؛ لغلبة ~~الهيبة على قلبه. # فإذا نظر إلى قلبه، وجده كالآمن، فإذا نطق، نطق بلسان الخائف للتحويل، ~~فأسراره تعلمه أنه مقبول عنه، وهو في حكمه فيما بينه وبين العباد؛ لأنه لا ~~يدري ما يكون، وأن الله -تبارك اسمه- ركب هذه الشهوات في نفوس بني آدم، فهن ~~أبدا يهوين بصاحبهن عن الله إلى الإخلاد والركون، والنظر، فكلما انكشف ~~الغطاء له عنه، تلاشى هذا الهوى، وهذه الشهوة، حتى تموت نفسه وشهواته، ~~فيطهر، فإن بقي ظله، فعلى حساب PageV04P507 ~~ما بقي يخاف ضرره، وهو حال النفس، والأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- لم ~~يبق لهم ظل الهوى، فانكشف لهم الغطاء كله، فبشروا بالنجاة، فلم تضرهم ~~البشرى؛ لأنه لم تبق لهم نفوس فتستبد وتجور إذا أمنت السقوط، ومن بعدهم بقي ~~لهم في نفوسهم شيء، فمنعوا البشرى، وأبهم الأمر عليهم صنعا لهم ونظرا؛ ~~لتكون نفوسهم منقمعة بخوف الزوال، فهذا هو الأصل، فافهمه، فالخلق كلهم منه ~~في الدنيا في سبعة حجب: # حجاب القدرة، وحجاب العزة، وحجاب الجبروت، وحجاب السلطان، وحجاب ~~الكبرياء، وحجاب الجلال، وحجاب العظمة. # فالصديقون منه في حجاب القدرة، والمجذوبون في حجاب الجلال، والأنبياء في ~~حجاب العظمة. PageV04P508 ### | CHECK [المجلد الخامس] ### || AUTO الأصل السادس عشر والمئتان # 1092 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا موسى ابن إسماعيل أبو سلمة، عن ~~سعيد بن ms0684 زربي، عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: ((لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود)). # فبلغ ذلك أبا موسى، فقال: يا رسول الله! لو علمت أنك تستمع لقراءتي، ~~لحبرته لك تحبيرا. # فالرمز والزمر: بمعنى واحد، إلا أن الرمز بالشفتين، والزمر بالحنجرة، PageV05P005 ~~وهو تحريك التركيب من ذلك الموضع على التلوين، والشفتان تركيبهما كما ترى، ~~وإذا رمزت، فهو تحريك الشفتين على الصورة التي ركبت؛ لتخرج تلك الألفاظ، ~~فإذا كان بصوت، فهو كلام، وإنما قيل: كلام؛ لأنه يدخل الأسماع، فيكلم الصوت ~~القلب؛ أي: يؤثر عليه. # ومنه قيل للجراحة: كلم؛ لأنه قد أثر، فإذا دخل الصوت الأسماع، ولج ~~الصدور، فتصورت معاني ذلك الصوت الذي نطق به في الصدور، وإذا كان بغير صوت، ~~فهو رمز؛ لأنه إشارة إلى حروف بشفتيه؛ ليفهم، فيقوم مقام الصوت. # فهذا بالعين يدركه القلب علما، وذلك بالسمع يدركه القلب كلما، فلذلك لا ~~يقال للرمز: كلام. # وأما الزمر: فإذا خرج الصوت من الجوهر الصدر إلى جو الرأس، حرك الحنجرة ~~المركبة بعضها على بعض، حتى يردد الصوت ويرجعه، فإذا تردد على هذه الصفة في ~~ذلك التركيب من الحنجرة، وصارت له أصداء، PageV05P006 ~~فبذلك الصدى: يتلون الصوت، فيصير ألوانا، وكل شيء صار للآدمي ألوانا، فقد ~~تلذذ به؛ لأن بين اللونين سرا من أمر الله، وتدبيرا من تدبيره، ولطفا من ~~لطفه لا يدركه إلا لحظات أهل اليقين، ففصل بين اللونين، حتى إذا سمعت ~~الأول، ورد الثاني، ثم عاد الأول، فورد على السمع طريا، ثم عاد الثاني، ~~فورد طريا، فبتلك الطراوة على السماع، وجود اللذة، ألا ترى: أنه إذا أدام ~~اللون، سمج، وفقدت لذته؟ # وكذلك تجد هذا في الألوان التي تدركها الأبصار، إنما تجد اللذة ~~بالانتساخ، فإذا انتسخت الألوان بعضها على بعض، عمل البصر فيها ما ذكرنا من ~~الطراوة، وعملت الألوان عليها، ولذت العين. # فالمدبر الحكيم اللطيف له في خلقه عجائب، جعل بين كل شيئين برزخا من ~~أمره، كما جعل بين البحرين حاجزا، وبين الليل ms0685 والنهار، وبين النور والظلمة، ~~وبين الكفر والإيمان، وبين الدنيا والآخرة. # والمزمار: على قالب: مفعال، وهو الموضع الذي يزمر به. # فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الأصوات الزائدة على أصوات ~~العامة إنما هو من التراكيب الزائدة في الحنجرة، وأن ذلك عن عطاء ربنا وفضله PageV05P007 ~~وخلقته، وإنما يؤثر من يشاء برحمته، فلما بلغ ذلك أبا موسى، عظمت منة الله ~~عليه أن ركب في جسمه وخلقته شيئا له موقع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~موقع جلالة، وأنه من عطايا ربه وفضله، فهذا شأن التركيب. # وأما علم أهل اليقين: فإنهم خصوا بهذا أيضا من أجل أن ذلك النور يفتح سدد ~~تلك الطرق التي هي مخارج الصوت، فيصفو، وأوفرهم منه حظا أكثرهم منه قوة، ~~وهذا خارج من شأن التركيب. # ألا ترى: أنه روي في الخبر: أنه قال: ((لم يبعث نبي إلا حسن الصوت حسن ~~الصورة)). # فقال أبو موسى: لو علمت أنك تستمع لقراءتي، لحبرته تلك تحبيرا. # والتحبير: تلوين الصوت؛ أي: لو علمت، كنت أزيد في تحريك هذا التركيب في ~~الحنجرة لمكانك يا رسول الله، ومنه قيل: برد حبرة: إذا كان ذا ألوان. PageV05P008 # ومنه ما روي عن قتادة: أن رجلا قال: يا رسول الله! قد رأيت سد يأجوج ~~ومأجوج، قال: ((انعته لي))، قال: رأيته كالبرد المحبر، طريقة حمراء، وطريقة سوداء. # فأصل الحبرة: الألوان، ومنه سمي الربح ربحا، على القلب من قالبه؛ لأنه ~~ألوان، ومنه قوله: {في روضة يحبرون}، فالروضة لون واحد، ثم تلون عليهم ~~الفرش والخدم والكسوة والأطعمة في تلك الروضة. # فأبو موسى رضي الله عنه كان غنيا بالله، لا تأخذه الأحوال، والأقوال، ~~والأعين، والأشخاص، أتفرس فيه أنه من أولياء الله تعالى المشتغلة قلوبهم ~~بنور الله الذين لا تملكهم نفوسهم، ولو حصلت ذلك من طريق الأخبار، لحققت ~~فراستي عند من يجهل الفراسة، ويعقله من طريق الخبر، وذلك أنه لما نزل قوله ~~تعالى: {يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه} الآية. # وروي في الخبر: أنها ms0686 نزلت في الأشعريين. # فما لبثوا إلا يسيرا حتى قدمت سفائن الأشعريين وقبائل اليمن من طريق ~~البحر، وكان لهم بلاء في الإسلام في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكانت عامة فتوح العراق في زمن عمر رضي الله عنه على يد قبائل اليمن. PageV05P009 # 1093 - حدثنا عمر، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله ابن بكير المصري، قال: ~~حدثني الليث بن سعد، عن خالد ابن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن ~~أسلم: أن الأشعريين: أبا موسى، وأبا مالك، وأبا عامر في نفر منهم لما ~~هاجروا، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في فلك، وقد أرملوا من ~~الزاد، فأرسلوا رجلا منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله، فلما ~~انتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعه يقرأ هذه الآية: {وما من ~~دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب ~~مبين}، فقال الرجل: ما الأشعريين بأهون الدواب على الله؟ فرجع ولم يدخل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لأصحابه: أبشروا، أتاكم الغوث، ولا ~~تظنوا إلا أنه قد كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه، فوعده، فبينما هم ~~كذلك، إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينهما مملوءة خبزا ولحما، فأكلوا منها ~~ما شاؤوا. PageV05P010 # ثم قال بعضهم لبعض: لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليقضي به حاجته، فقالوا للرجلين: اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فإنا قد قضينا حاجتنا، ثم إنهم أتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله! ما رأينا طعاما أكثر ولا أطيب من طعام ~~أرسلت به، قال: ((ما أرسلت إليكم شيئا))، فأخبروه بأنهم أرسلوا صاحبهم، ~~فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره ما صنع، وما قال لهم، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ذلك شيء رزقكموه الله)). # 1094 - وحدثنا إسماعيل بن نصر، عن النضر، عن شعبة، عن سماك بن حرب، قال: ~~سمعت ms0687 عياضا -رجلا من الأشعريين-، قال: لما نزل قوله تعالى: {فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه}، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هم قوم هذا)) ~~-وأشار إلى أبي موسى الأشعري-. PageV05P011 # 1095 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس بن ~~مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يقدم عليكم قوم ~~هم أرق أفئدة منكم))، فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى، فجعلوا يرتجزون ~~ويقولون: # غدا نلقى الأحبة ... محمدا وحزبه # فأبو موسى من أهل هذه الصفة فيما تفرسنا به فيه ممن لا يخافون في الله ~~لومة لائم، ومن أهل محبة الله، بل هو أوفرهم حظا -إن شاء الله تعالى-، فلم ~~يكن تأخذه محمدة الخلق فتملكه. PageV05P012 # فلذلك أمكنه أن يقول: لو علمت أنك تستمع لقراءتي، لحبرته لك تحبيرا. # أي: يبتغي بذلك مساره، فيخلص في ابتغاء ذلك، وهذا لمن سقط عن قلبه محمدة الناس. # وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((المخلص: لا يحب ~~أن يحمده الناس في شيء من عمله)). # والإنفاق من الصوت كالإنفاق من المال، فمن أمكنه أن يصدق الله في الإنفاق ~~من ماله، فهذا أمكنه أن ينفق من صوته الميمون عليه جهرا، وأحقهم أن ينفق ~~عليه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصوت الحسن حلية القرآن. # وكذلك جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لكل شيء حلية ~~وزينة، وحلية القرآن: الصوت الحسن)). PageV05P013 # وأحسنهم صوتا أحسنهم حلية، فحلية تدرك بالعين، وحلية تدرك بالسمع، ومرجع ~~ذلك كله إلى أن يحل القلب، فأولاهم أن ينفق عليه من ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلذلك قال: لحبرته لك تحبيرا. # 1096 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا فرج ابن فضالة، قال: حدثنا ~~أبو هريرة الدمشقي، عن صدقة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان داود ~~عليه السلام يقرأ الزبور سبعين صوتا يلون فيها، وكان يقرؤه قراءة يطرب منها ~~المحموم، وكان إذا أراد أن يبكي نفسه، لم تبق ms0688 دابة في بر ولا بحر إلا ~~استمعن لصوته. # 1097 - حدثنا نصر بن فضالة، قال: حدثنا عمرو ابن الحسن الجزري، قال: ~~حدثنا أبو عاصم النبيل، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عن القراءة على ألحان ~~المغنى، فقال: حدثني عبيد بن عمير: أن داود عليه السلام PageV05P014 ~~كان يأخذ المعزفة، فيضرب بها عند قراءة الزبور، يريد أن يبكي ويبكي. # 1098 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا عمر ابن هارون، عن ابن جريج، ~~قال: أخبرني عطاء، قال: سمعت عبيد بن عمير يقول: كان داود عليه السلام يأخذ ~~المعزفة فيضرب بها، ويبكي. # فالمعزفة تهيج من معدن السرور، وما فيه من معدن الحزن، هكذا الظاهر من ~~التدبير: أن المعازف إنما تكون في مواضع السرور، وفي أوقاتها، والنوائح في ~~أوقات الأحزان، فذكر عند هاهنا شأن المعزفة، ثم ذكر البكاء. # فدل ذلك أن هذا بكاء للشوق؛ لأن المشتاق الهائم من طول الغيبة والحبس عمن ~~اشتاق إليه يشتد حزنه، وفي باطن حزنه سرور؛ لأن الحب أصله، والسرور من ~~الحب، والشوق من السرور، والحزن من أجل الشوق، فإذا لاقى قلبه أصوات ~~السرور، بكى، فكان هذا دليلا من فعله أنه كان يضرب بالمعزفة، يريد أن يبكي، ~~ويبكي المشتاقين. PageV05P015 ### || AUTO الأصل السابع عشر والمئتان # 1099 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا الحسن ابن علي الخلال الحلواني، ~~قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا هاشم بن سعيد الكوفي، قال: ~~حدثنا زيد الخثعمي، عن أسماء بنت عميس، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: ((بئس العبد عبد تجبر واعتدى، ونسي الجبار الأعلى، بئس العبد ~~عبد سها ولها، ونسي المبتدأ والمنتهى، بئس العبد عبد بغى وعتا، ونسي ~~المقابر والبلى، بئس العبد عبد يختال بالدين الدنيا، بئس العبد عبد يختال ~~الدنيا بالشبهات، بئس العبد عبد يذله الرعب عن الحق، بئس العبد عبد طمع ~~يقوده، بئس العبد عبد هوى يضله)). PageV05P017 # فأما قوله: ((تجبر واعتدى))، فهذا صنف في الناس احتشى من الشهوات، وجبر ~~الخلق على هواه فيها، وصار ذلك له عادة، واعتدى ms0689 في جبريته فيها، فمن خالف ~~هواه، قهره، إما بقتل، أو نحوه. # والعدو: هو أن يأبق العبد من ربه إباقا يقع في العدو، وكالركض في السرعة ~~هربا، فإذا وصف عدوه، فالبالغ من الصفة، قيل: عدوان على قالب: فعلان، فإذا ~~وصف ببعضه، قيل: عادى، فإذا صار ذلك له عادة، قيل: اعتدى، على قالب: افتعل، ~~كأن العادة صارت له دأبا، فوصف أن هذا عبد عمل بهواه، وجبر الخلق على ذلك، ~~ونسي الجبار الأعلى الذي له الجبر، وقد صغرت الدنيا بمن فيها من الخلق ~~والخليقة، والملكوت علوا وسفلا في ملك جبروته، ودق. # وقوله: ((عبد سها ولها، ونسي المبتدأ والمنتهى))، فسهوه بالأماني، ولهوه ~~بالشهوات، ونسي المبتدأ، من أين خلق؟ ونسي المنتهى، إلى أين يرد؟ نسي من ~~أين بدأ، وإلى أين يعاد؟ PageV05P018 # وقوله: ((عبد بغى وعتا، ونسي المقابر والبلى)) والبغي: طلب العلو، وكلما ~~رأى في الدنيا درجة، أحب أن ينال ذلك، ويسلب غيره، فهو باغ للمنازل؛ يحب أن ~~ينفرد بها دون نظرائه. # وعتا: أي؛ يبس قلبه، انتشفت حرارة شهوته رطوبة قلبه، وما ركب فيه من ~~الرأفة والرحمة الخلقية الطبيعية، وإذا يبس ذاك، وصار إيمانه محجوبا، فلا ~~إيمانه عمل عمل الرأفة والرحمة، والعطف، والبر، والرفق، والسخاوة، ومحاسن ~~الأخلاق، ولا الذي ركب في طبائع الآدميين من ذلك بقيت رطوبته، فيعمل عمله، ~~فهذا قلب قاس عات يابس من الخير، قد انتشفت منه ماء الرحمة، فهذا متكبر، ~~فمن الكبر طلب العلو، ومن الكبر عتا، فذهب رفقه، وصبره، وتأنيه، وحلمه، ~~وحياؤه، ورأفته، وعطفه، ورحمته، ونسي أن القبر متضمنه يوما، ويحتوي على ~~أركانه، ومبل لحمه، ودمه أكلا أكلا، حتى يصير من اللحد فقيدا. # وقوله: ((عبد يختال بالدين الدنيا)) فهذا عبد متصنع، مداهن، قلت مبالاته ~~بنفسه على الحقيقة، إنما يبالي بما يعرض له في العاجل من النهمة لما ~~ينالها؛ لبعد قلبه عن الآخرة، ومن بعد قلبه عن الآخرة، فهو من البر أبعد ~~وأبعد، فقد ترصد للتوثب على الدنيا؛ ليظفر بها منتهزا لفرصتها PageV05P019 ~~يتحلى بظاهر الإيمان؛ ليصطاد بها الدنيا، صير معالم الإيمان شبكة لحطام ms0690 ~~الدنيا وأوساخها، يظهر الخشوع بالتماوت كي يحظى عند أهل الدنيا، فينال من ~~عزها وجاهها؛ كي ينال بها مناه وشهواته، يتحازن عند لقاء الخلق، ويتنفس ~~الصعداء، يظهر بذلك الاهتمام لدينه، والتحسر على إدبار أمره، وإنما هو آسف ~~منه على ما يفوته من الدنيا، يمتنع من قبول الشيء اليسير من الدنيا؛ ليكون ~~في هيئة الزاهدين عند الخلق، يخاف إن قبله أن ينكسر جاهه عند الخلق ~~ورياسته؛ لأنه يصير عندهم في صورة الراغبين، فهو مع الحاجة هكذا ينتظر ~~فريسته، فكل باب من الأبواب المنالات الدنياوية قد هيأ له بابا من أبواب ~~الدين؛ ليختله من أيديهم بذلك، يظهر الزهادة؛ ليختال عليه بالدنيا، ويظهر ~~العبادة؛ ليهيأ له، ويكفى مؤنه، ويظهر الورع؛ ليؤتمن على الأموال، ويظهر ~~الانقباض؛ ليهاب، ويظهر الشدة على أهل الريب؛ ليشار إليه بالأصابع ويطلب ~~الرياسة؛ ليحكم بين الخلق في معاملته بحكم الملوك، ويطلب العز؛ لنفاذ ~~مشيئاته فيهم، كل ذلك ختلا لنوال هذه الدنسة التي خلقت من تراب، ثم يتخلى ~~عنها أوفر ما كانت، حتى تكون فريسة الأسد والذئاب والثعالب. # قوله: ((يختل الدنيا بالشبهات)): فهذا أيسر من الذي يختله بالدين، PageV05P020 ~~فهذا رجل فر من الحرام، وتغمص في الشبهة، فهو يخادع الله بذلك، يقول: أفر ~~من الحرام. # قوله: ((عبد يذله الرعب عن الحق)) إذا استقبله حق من حقوق الله تعالى، ~~فأراد أن يقيمه، جاءت النفس بسوء ظنها، فخوفته وجوه المهالك حتى ترغبه، ~~فتذله، وقد ندب الله تعالى في تنزيله، فقال: {كونوا قوامين بالقسط شهداء ~~لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين}، فهذا العبد من سوء الظنون علاه ~~الرعب، فانكسر قلبه، وانخلع جبنا، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((شر ما في الإنسان: حرص هالع، وجبن خالع)). # فالحرص: يورث القلب هلعا، وهو: أن لا يشبع، كلما وجد شيئا، بلعه، ولا ~~قرار له، ولا يرى في جوفه ذلك، والجبن إذا انتفخت الرئة منه PageV05P021 ~~من الفزع، خلع القلب من مكانه. # قوله: ((عبد طمع يقوده))، فالطمع: هو أن يتمنى أمرا من شهوات الدنيا، فلا ~~يزال يتمنى، ويفكر ms0691 حتى يجد طمعه من الفكر الذي حاك في صدره، فإذا وجد القلب ~~طمعه، قادته تلك الشهوة. # قوله: ((عبد هوى يضله))، فالهوى المضل: ترك الحق في أموره، وترك الحق في ~~السير إلى الله، حتى يقع في الباطل، وحتى يقع في الأهواء والزيغ عن سواء ~~السبيل. PageV05P022 ### || AUTO الأصل الثامن عشر والمئتان # 1100 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا أبو همام الدلال، عن إبراهيم بن ~~طهمان، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أتاه جبريل عليه السلام، فبينا ~~هو عنده، إذ أقبل أبو ذر رضي الله عنه، فنظر إليه جبريل عليه السلام، فقال: ~~هو أبو ذر. قال: فقلت: يا أمين الله! وتعرفون أنتم أبا ذر؟ قال: نعم، والذي ~~بعثك بالحق! إن أبا ذر أعرف في أهل السماء منه في أهل الأرض، وإنما ذلك ~~لدعاء يدعو به كل يوم مرتين، وقد تعجبت الملائكة منه، فادع به، فسله عن دعائه. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر! دعاء تدعو به كل يوم ~~مرتين؟))، قال: نعم فداك أبي وأمي، ما سمعته من بشر، PageV05P023 ~~فإنما هو عشرة أحرف ألهمني ربي إلهاما، وأنا أدعو به كل يوم مرتين: أستقبل ~~القبلة، فأسبح الله مليا، وأهلله مليا، وأحمده مليا، وأكبره مليا، ثم أدعو ~~بتلك العشر كلمات: اللهم إني أسألك إيمانا دائما، وأسألك قلبا خاشعا، ~~وأسألك علما نافعا، وأسألك يقينا صادقا، وأسألك دينا قيما، وأسألك العافية ~~من كل بلية، وأسألك تمام العافية، وأسألك دوام العافية، وأسألك الشكر على ~~العافية، وأسألك الغنى عن الناس. # قال جبريل عليه السلام: والذي بعثك بالحق! لا يدعو أحد من أمتك هذا ~~الدعاء إلا غفرت له ذنوبه، وإن كان أكثر من زبد البحر، وعدد تراب الأرض، ~~ولا يلقى الله أحد من أمتك وفي قلبه هذا الدعاء إلا اشتاقت إليه الجنان، ~~واستغفر له الملكان، وفتحت له أبواب الجنة، ونادت الملائكة: يا ولي الله! ~~ادخل من أي ms0692 باب شئت. # قوله: ((إيمانا دائما)) فالدوام على وجهين: # وجه: أن يدوم له توحيده حتى يختم له بذلك، فلا يسلبه، فيلقى ربه PageV05P024 ~~بإيمانه، فيدوم ذلك أبدا. # والوجه الآخر: أن يكون له يقين يصير أموره على المعاينة، ولا ينقطع ذكر ~~الله عن قلبه على كل حال. # ومنه قول أبي الدرداء رضي الله عنه حين بلغه أن فلانا أعتق مئة رقبة، ~~فقال: إيمان ملزوم بالليل والنهار، ولسانك رطب بذكر الله تعالى أفضل من ذلك. # وقال ابن رواحة: مثل الإيمان مثل قميصك، بينا أنت لبسته، إذ أنت نزعته، ~~وبينا أنت نزعته، إذ أنت لبسته. # فإذا دام الإيمان على القلب، دام الذكر. # ومن هاهنا قال معاذ -رضي الله عنه-: تعال حتى نؤمن ساعة. # فكانوا يطلبون دوام الإيمان على قلوبهم. # ومن هاهنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أشد الأعمال: ذكر الله ~~على كل حال)). # فكان القوم يتفقدون هذا من أنفسهم أن يكونوا كما آمنوا، فإن النعمة PageV05P025 ~~من الله أن يجدوا دوام ذلك الإيمان على قلوبهم في وقت النعمة، وكذلك في ~~البؤس والشدة، فيكونوا عند أحكامه عليهم في الأحوال مطمئنين به، كما ~~اطمأنوا به ربا، فهذا دوام الإيمان. # وقال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: ليأتين على الرجل أحايين وما على ~~جلده موضع إبرة من النفاق، وليأتين عليه أحايين وما على جلده موضع إبرة من ~~الإيمان. # 1101 - حدثنا بذلك قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن لهيعة. # معناه على ما وصفناه بدءا: أنه يصير قلبه خاليا عن ذكر كل شيء، ويتفرد ~~للفرد الواحد، فيأنس به، ويطمئن إلى حكمه، فلم يبق فيه شيء من النفاق، فإذا ~~غلبت شهوة أو رغبة، أو رهبة أو غضبة، فملكته نفسه، صار إيمانه في قلبه كشمس ~~قد انكسفت، فذهب ضوءها، فجاءت النفس، فطالبها بظلمها وداهيتها، فإنما سأل ~~إيمانا دائما؛ أي: يدوم له شمسه، PageV05P026 ~~فلا ينكسف حتى يكون صدره مستنيرا بنور اليقين في كل أمر. # قوله: ((قلبا خاشعا))، فهو الذي قد ماتت شهواته، فذلت النفس لله تعالى، ~~وخشع القلب بما طالع من جلال ms0693 الله وعظمته. # وقوله: ((علما نافعا))، فهو العلم الذي قد تمكن في الصدر، وتصوره، ذلك أن ~~النور إذا أشرق في الصدر، تصورت الأمور حسنها، وسيئها، ووقع لذلك ظل في ~~الصدر، فهو صورة الأمور، فيأتي حسنها، ويجتنب سيئها، فذلك العلم النافع من ~~نور القلب، خرجت تلك العلائم إلى الصدر، وهي علامات الهدى والعلم الذي قد ~~تعلمه، فذاك علم البيان إنما هو شيء قد استودع الحفظ، والشهوة غالبة عليه، ~~قد أحاطت به، وأذهبت بظلمتها ضوءه. # قوله: ((ويقينا صادقا))، فاليقين على وجهين: # وجه: أن يوقن يقينا ينفي الشك، ولا يغلب الشهوة، وهو يقين التوحيد. # واليقين الآخر: نور مشرق للصدر، غالب للشهوات، صارت له PageV05P027 ~~أمور الدنيا والآخرة، وأمر الملكوت معاينة، قد ورث قلبه الخشية، والمحبة، ~~والهيبة، والتعظيم لله. # قوله: ((ودينا قيما))، والدين: الخضوع لله بأمره ونهيه، وأن يكون سيره ~~إليه في الشريعة على سبيل الاستقامة، لا زيغ فيه ولا بدعة، وهو كما وصف ~~الله عز وجل في تنزيله: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}. # فأمروا أن يعبدوا الله، فيحلوا ما أحله، ويحرموا ما حرمه، ويؤدوا ~~الفرائض، ويجتنبوا المساخط، فإذا دان الله بغير ما شرع الله له في الشريعة، ~~لم يقبل منه، وليس ذلك بالدين القيم، بل هو ساقط، هذا أدناه. # وأعلاه: أن يدين لله، حتى لا يلتفت إلى أحد سواه، فيكون هو ثقته وملجأه ~~ومفزعه، ولا يطمئن إلى أحد سواه، فيكون هو متعلق قلبه، فهذا أعلا الدين القيم. # قوله: ((والعافية من كل بلية))، فالبلاء على ثلاثة أضرب: # منها: تعجيل عقوبة للعبد. # ومنها: امتحان ليبرز ما في ضميره، فيظهر لخلقه درجته، أين هو من ربه. PageV05P028 # ومنها: كرامته؛ ليزداد عنده قربة وكرامة. # فأما تعجيل العقوبة، فمثل ما نزل بيوسف عليه السلام من لبثه في السجن، ~~بالهم الذي هم به، ومن لبثه بعد مضي المدة في السجن بقوله: {اذكرني عند ربك ~~فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين}. # وأما الامتحان: فمثل ما نزل بأيوب عليه السلام، ms0694 قال: الله عز وجل: {إنا ~~وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب}. # وأما الكرامة: فمثل ما نزل بيحيى بن زكريا عليه السلام، الذي لم يعمل ~~خطيئة، ولم يهم بها، فذبح، وأهدي رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، فسأل ~~العافية من ذلك كله. # والعافية: أن يكون في كل وجه من هذه الوجوه إذا حل به شيء من ذلك أن لا ~~يكله إلى نفسه، ولا يخذله، ويكلأه، ويرعاه في كل هذه الوجوه، هذا وجه. # والوجه الآخر: أنه يسأله أن يعافيه من كل شيء فيه شدة؛ فإن الشدة إنما ~~يحل أكثرها من أجل الذنوب، فكأنه سأل أن يعافيه من البلاء، ويعفو عنه ~~الذنوب التي من أجلها تحل الشدة بالنفس، فقد قال عز وجل: PageV05P029 # {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم}، وقال: {ولنذيقنهم من العذاب ~~الأدنى دون العذاب الأكبر}. # قوله: ((ودوام العافية)) بأن تدوم، له، ولا تنقطع. # وقوله: ((وتمام العافية))، فأن تكون عافية لا شوب فيها. # وقوله: ((والشكر على العافية))؛ فإن الشكر به ترتبط النعمة، وتجلب ~~المزيد. # قوله: ((والغنى عن الناس))، فإنما يستغني عن الناس إذا استغنى بالله، ~~ففيه الخروج من الرق إلى الحرية، ومن لم ينقطع طمعه عن الخلق، فهو على خطر ~~عظيم من أمر الله عز وجل، وهو مفتون. PageV05P030 ### || AUTO الأصل التاسع عشر والمئتان # 1102 - حدثنا محمد بن أيوب السمناني، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ~~حدثنا وهيب، قال: حدثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العين حق، ولو كان شيء سابقا ~~للقدر، لسبقته العين، وإذا استغسلتم، فاغسلوا)). # فأما قوله: ((العين حق))، فإن الله -تبارك وتعالى- كان ولا شيء، ثم أبدى ~~ملكه وربوبيته، ثم خلق الخلق لإظهار ملكه وربوبيته على أعين PageV05P031 ~~الخلق؛ ليدينوا له عبودة، لا ليشتغل الخلق بالأشياء عن صانع الأشياء، ~~فتلهيهم الأشياء عنه، ويفتتنوا بها، فإذا فعل ذلك أحد من خلقه، فأعجب بشيء ~~من خلقه، غير ذلك الحال ليفسد إعجابه، وكان هذا من فعله حق؛ لأن من شرطه ~~لما ms0695 خلق الخلق: أن ينظروا إلى صنعه، ويروه محمودا. # ألا ترى إلى آدم -صلوات الله عليه- حين فتح عينيه، فنظر إلى خلق نفسه، ~~وعطس، فقال: الحمد لله، فرضي الله ذلك من فعله، ورضي عنه رضا لم يضره معه ~~ذنب، فأذنب، فرزقه التوبة والرحمة والمغفرة، ورده إلى جواره. # وأما قوله: ((لو كان شيء سابقا للقدر، لسبقته العين)): فإن الله -تبارك ~~وتعالى اسمه- قدر المقادير قبل الخلق بخمسين ألف سنة، فيما روي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ثم أبرز الخلق، وليس شيء من الخلق يسبق القدر؛ ~~لأنهم بعد القدر خلقوا، وإنما قدر الخلق؛ ليخلق، وليظهر ملكه وربوبيته، ~~فيحمدوه ويعبدوه، ويضيفوا الأشياء إلى وليها وصانعها. # وروي لنا في الخبر: عن وهب من منبه: أنه قال فيما يحكي عن الله -تبارك ~~اسمه- في الكلام الذي أقبل به على خلقه يوم السبت حين فرغ من PageV05P032 ~~جميع خلقه، فقال في آخره: ((وما خلقت الخلق لحاجة كانت بي إليه، ولكن لأبين ~~به قدرتي، ولأعرف به للناظرين نفسي، ولينظر الناظرون في مملكتي، وتدبير ~~حكمتي، ولتدين الخلائق كلها لعزتي، وليسبح الخلق كله بحمدي، ولتعنو الوجوه ~~كلها لوجهي)). # فالغافل عن الله ينظر إلى الأشياء بعين الغفلة، فيعجب بها، وتصير عليه ~~فتنة، ومن شرط الله على العباد أن يعتبروا، والاعتبار: هو العبور عن ~~الأشياء إلى خالق الأشياء، فإذا لم يعتبروا، وبقوا مع الأشياء عجبا وفتنة، ~~أفسد ذلك الشيء عليهم نيتهم، وتغير عليهم عجبهم، فقد تقدم الشرط قبل خلق ~~الخلق، فهم مقرون بالقدر أنه قدر الخلق؛ لينظروا إلى تدبيره وملكه، فلو كان ~~شيء سابقا للقدر، لسبقته العين؛ لقربه منه وجواره، ولا يسبقه؛ لما سبق من ~~الشرط قبل أن يخلق الخلق. # وأما قوله: ((وإذا استغسلتم فاغسلوا))، فإنه كذا جرت به السنة عن PageV05P033 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأخبار: أن العائن يتوضأ، أو يغتسل، ~~فيغسل بتلك الغسالة، هذا المعاين، فيخف ما به، وينحل من ثقله كما ينحل صاحب ~~الإخذة من سحره، فإن إخذة العائن من قبل الخلق، وإن الحق لا يرضى أن تضاف ~~الأشياء ms0696 إلى غير خالقها، ومن أول ما يقتضي الحق: أن تنسبوا الأشياء إلى ~~مالكها ووليها، فهذا أول شأنه، فإذا أخذت الأشياء تناولا عن الأسباب في حال ~~غفلة عن الله، اقتضى الحق شكرها لولي الحق، فإذا نظروا إلى الأشياء، ~~فأعجبوا بها، ناشد الحق وليها في إفساد ما به أعجبوا؛ لأن تلك نعمة حدثت من ~~الملك والربوبية من خزائن المنة على أيدي لطفه، فغيرها العباد بعمى النفوس ~~عن جهتها، فغير الله ما بهم، وهو قوله عز وجل: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، فهذه إخذة الحق. # وأما الغسلة فيه: فإن العين إنما جاءت من قبل النفس الغافلة المحجوبة عن ~~الله عقلها، التي لما نظرت إلى صنع الله، وفيها إعجاب بالأشياء؛ للشهوة ~~التي قد ركبت فيها بجميع ما يلائمها، PageV05P034 ~~أعجبت بذلك، وعجزت لما فيها من الحجب المظلمة التي احتوشتها عن درك رؤية ~~عظيم صنع الله، ولطفه في صنعه، وبره بالعبد، وعطفه عليه، فافتتنت بذلك ~~الشيء، فكره الله ذلك من فعلها، فأفسد عليها إعجابها، وغير الحال، رحمة ~~للناظر والمنظور إليه؛ ليكون للناظر عبرة، وللمنظور إليه خروجا من أن يكون ~~سببا لما كره الله من فتنة العباد بمن دونه، وكذلك الأصنام والأوثان، عبدت ~~من دون الله، فهي، وإن لم يكن لها ذنب، فهي مزجورة. # ألا ترى: أن سليمان -صلوات الله عليه- لما شغلته الخيل الصافنات الجياد ~~-حين عرضت عليه- عن صلاة العصر، فطفق مسحا بالسوق والأعناق، فعرقبهن ~~بالسيوف، وضرب أعناقهن؛ لئلا يبقى على ظهر الأرض من صار له فتنة، وشغله عن ~~أمر الله تعالى، وكان ذلك من زينة الحياة الدنيا، فلما فتنته أبادهن، فإنما ~~اجترأ سليمان عليه السلام في ذلك على ما علم من تدبير الله، فأمر هذا ~~الناظر العائن أن يغتسل، فإن الغسالة هي مرفوضة. PageV05P035 # وهكذا في شأن النفس: أنها تعاف غسالتها، وترى بها رفضا، ليجعل الله الشفاء ~~فيما رفضت نفسها وعافته؛ لأنه ليس شيء في الأرض مما يلائم النفس إلا ولها ~~فيه شهوة إليها تروع ومد عين، وتلك ms0697 آفة، فاستشفاء هذا المعان بما قد رفضت ~~نفس العائن وعافته، وتخلصت من آفة النفس؛ تقربا إلى الله عز وجل بخلافها، ~~وبالرد عليها؛ تأميلا للشفاء، وحسن ظن به. # فحقق الله الأمل، ووفى بالظن، فعافاه، وصارت النفس مزجورة مذمومة بفعلها، ~~ولم يوجد في ذلك الوقت شيء مما حضر إلا وللنفس فيه شهوة ومراد، فأمرت تلك ~~النفس التي فعلت ذلك أن تعمد إلى شيء ليست لها فيه شهوة، ولا إرادة، فتزايل ~~ذلك الشيء، وللشيء عندها مرفوض ثقيل وخيم، فيكون في ذلك الشفاء الذي حل به ~~منها ما حل من سقم النظر، وسوء استعمال البصر الذي أكرمه الله عز وجل. # 1103 - حدثنا محمد بن أبان الهلالي، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الرازي، ~~قال: حدثنا طالب بن حبيب المدني الأنصاري، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، PageV05P036 ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكثر من يموت من أمتي بالنفس بعد ~~كتاب الله وقضائه يعني العين)). # 1104 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، قال: ~~حدثنا يوسف بن السفر، قال: حدثني مالك بن أنس رضي الله عنه، قال: حدثني ~~ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتيم مريض، فسأل عنه يوما، فقالوا: إنه لمثبت يا ~~رسول الله، قال: ((أفلا استرقيتم له؛ فإن ثلث منايا أمتي من العين)). PageV05P037 # فإنما صار أكثر من يموت بذلك؛ لأن هذه الأمة فضلت باليقين على سائر الأمم، ~~فحجبوا أنفسهم بالشهوات، فعوقبوا بآفة العين، فإذا نظر أحدهم بعين الغفلة، ~~وقد فضل باليقين على الأمم قبله، كان عيبه أعظم، والذم له ألزم. # وهو قوله عز وجل في تنزيله: {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم}؛ أي: لن يؤتى أحد من الهدى؛ أي: من اليقين مثل ما أوتيتم، ثم قال: ~~{قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء}، ثم قال: {يختص برحمته من يشاء}. # فهذه رحمة من الله لهذه الأمة، فلما فضلهم ms0698 باليقين، وهو التأييد الأعظم ~~من الله، لم يرض منهم بأن ينظروا إلى الأشياء بعين الغفلة، وتتعطل منة الله ~~عليهم، وتفضيله إياهم. PageV05P038 ### || AUTO الأصل العشرون والمئتان # 1105 - حدثنا أبي رحمه الله تعالى، قال: حدثنا عبد الله بن عاصم الحماني، ~~قال: حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر رضي الله عنهما، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من استعاذ بالله، فأعيذوه، ومن ~~سأل بالله، فأعطوه، ومن استجار بالله، فأجيروه، ومن أتى إليكم معروفا، ~~فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه)). PageV05P039 # فأما الاستعاذة بالله: دخوله في مأمنه وحرمه، ولو أن أحدا التجأ إلى ملك من ~~ملوك الدنيا، لما طالبه أن يتكلف منه أذى، ولكف عنه؛ إعظاما لمن التجأ ~~إليه، ولو التجأ إلى حرم الله، لاستحق أن يكف عنه حتى يخرج منه، فكيف بمن ~~دخل في عباده، وصيره ملجأ ومفزعا وكهفا؟ # ولو أن ملكا التجأ إليه أحد من طالب يطلبه بسوء، لم يرض الملك أن يتكلف ~~الطالب منه بعد ذلك مكروها، وعد ذلك منقصة أن يخذله، ووجد على طالبه بسوء ~~بعد أن صيره المطلوب ملجأ، وكان ذلك من الطالب جرأة على الملك، واستخفافا ~~بحقه، وتضييعا لحرمته، فكيف بمالك الملوك؟! # ولو أن رجلا له حرمة ووجاهة وقد فزع هذا المطلوب إليه، فأوى إلى حجره، أو ~~دخل في قميصه تحرزا من هذا الطالب له بسوء، لكف طالبه عنه، واستحيا من ذلك ~~الجليل أن يتناوله من قربه بسوء، فكيف من دخل في عياذ الله؟! PageV05P040 # وكذلك قوله: ((من استجار بالله، فأجيروه))، فهو من الاستعاذة قد دخل في ~~جواره، وجار الله لا يؤذى. # وقوله: ((ومن سألكم بالله، فأعطوه))، فالسؤال بالله بوجهه أن يقول: سؤالي ~~هذا بلساني في الظاهر، ولكن في الباطن كأنه يؤدي إلى أن يقول: أسأل ربي أن ~~يسألك هذه الحاجة لي، فكأنه صير الرب هو السائل بينه وبين صاحبه، فالله لا ~~يرد، وهذا إذا سأل بحق، وإذا سأل بباطل، فإنه لم يسأل بالله، إنما يسأل ~~بالشيطان. # وروي عن ms0699 علي رضي الله عنه: أنه قال له رجل: أسألك بوجه الله تعالى، فقال: ~~إنما سألتني بوجهك الخلق. # 1106 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا سليمان ابن عمرو، عن سالم الأفطس، ~~عن الحسن، وسعيد بن جبير، عن علي رضي الله عنه: أن رجلا سأله، فلم يعطه ~~شيئا، فقال: أسألك بوجه الله تعالى، فقال له علي: كذبت، ليس بوجه الله ~~سألتني، إنما وجه الله الحق ألا ترى إلى قوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} ما ~~أريد به وجهه، ولكن سألتني بوجهك الخلق. PageV05P041 # 1107 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم ابن الوليد بن سلمة ~~الدمشقي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا يزيد بن قيس الكندي، قال: أخبرني ~~عبادة بن نسي، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عنم الأشعري، عن معاذ بن جبل رضي ~~الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سألكم بالله، ~~فأعطوه، وإن شئتم، فدعوه)). # قال معاذ رضي الله عنه: وذلك أن يعرف أنه غير مستحق، فإن عرفتم أنه مستحق ~~وسأل فلم تعطوه، فأنتم ظلمة. # معنى قوله: ((فإن شئتم، فدعوه)) إذا عرف أنه غير مستحق، أو اشتبه عليه، ~~فلم يعرف أنه سأل بحق، ألا ترى: أن معاذا رضي الله عنه قال: إن عرفتم أنه ~~مستحق، فلم تعطوه، فأنتم ظلمة. # وأما المعروف، فإنه يكافأ، فإن لم يجد المكافأة، فالدعاء أكثر من ~~المكافأة بالشيء، ذاك أعطاه عرضا من الدنيا، وكافأه، وهذا بالمسألة من الله ~~له نوالا، فنوال العبد يدق في جنب نوال الله تعالى. PageV05P042 # والعبد إذا صنع إليه معروف، فأراد أن يكافئ، فلم يجد، فاشتد عليه، فإنما ~~يشتد عليه لكرم طبعه؛ لأنه قد نجع فيه معروفه؛ لأنه عارف بالصنائع، شاكر ~~له، فأثقله معروفه، فاشتد عليه، فطلب ما يجد الخلاص به من تلك الأثقال، ~~فأعوزته الحاجة، ففزع إلى الله عز وجل من أثقال معروفة يسأله أن يكافئه ~~عنه، والله يحب هذا الخلق من المؤمن، وهو محض الشكر، فهذا قمن أن يستجيب ~~له؛ لأن هذا فعل من أري أفعال محاب الله. PageV05P043 ### || AUTO الأصل ms0700 الحادي والعشرون والمئتان # 1108 - حدثنا حميد بن علي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حدثنا ~~جعفر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا ابن مبارك، عن حماد بن سلمة، عن الزبير ~~بن عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله الفهري، عن عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مر لقمان على جارية في ~~الكتاب، فقال: لمن يصقل هذا السيف؟)). # قال أبو عبد الله: # فهذه كلمة تمثيل خرجت من معدن الحكمة، وعامة الحكمة هي أمثال؛ لأن ~~الأمثال أنموذج الآخرة، وأنموذج الملكوت، PageV05P045 ~~فبالخلق حاجة إلى معاينة الآجل، وإنما يعاينونه بالعاجل، ولهذا ضرب الله ~~الأمثال في تنزيله، وعجل لأهل الدنيا من نعيم الجنان أنموذجا، وهو: ~~الأنوار، والطيب، والذهب، والفضة، واللؤلؤ، والزبرجد، وسائر الجواهر، فلو ~~لم يرهم ذلك في دار الدنيا، ثم وصف لهم الجنان بهذه الأشياء، لم يفهموا عنه ~~تلك الصفة. # ألا ترى أنه وصف ثلاث درجات: درجة فضة، ودرجة ذهب، ودرجة نور، وهي مئة ~~درجة، فإنما أمسك عن وصف سائر الدرجات؛ لأنه ليست عندهم أنموذجاتها، ~~فيفهمون بها عنه ما يصف، وذلك قوله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين}؛ لأن النفوس لم تعاين شيئا من ذلك في الدنيا، فلو سميت لهم، لم ~~يعقلوها، ولم يعلموا من ذلك إلا الاسم، فالسيف أمره لا يكاد يلبث صاحبه، ~~فكذلك المرأة شهوتها من بين الشهوات كالسيف من بين الأسلحة. PageV05P046 # وذكر لنا: أن إبليس لما خلقت المرأة، قال: أنت نصف جندي، وأنت موضع سري، ~~وأنت سهمي الذي أرمي بك فلا أخطئ. # وذكر الله في تنزيله حب الشهوات، وبدأ بذكر النساء، فقال: {زين للناس حب ~~الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل ~~المسومة والأنعام والحرث ذلك}؛ ليعلم أنها أقوى الشهوات. # وقال في آية أخرى: {وخلق الإنسان ضعيفا}؛ أي: في شأن النساء، وذلك أنها ~~ركبت فيه شهوة أزعجته. # وقال: {خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها}، فهل يكون ~~السكون إلا من الاضطراب والجولان؟ ms0701 # وإن الله تعالى اقتص في تنزيله شأن ثلاثة من أنبيائه، وأعلام أرضه: يوسف، ~~وداود، ومحمد -صلى الله عليهم وسلم- أجمعين. # فأما يوسف -صلوات الله عليه-: # فابتلي بامرأة العزيز، فلما تزينت له، وراودته، قال: {معاذ الله إنه ربي ~~أحسن مثواي}، ولم تزل في مراودته ومخادعته، حتى خلت به في بيت، وغلقت ~~الأبواب. PageV05P047 # بلغنا في الخبر: أنها قالت له: يا يوسف! ما أحسن صورة وجهك! قال: في الرحم ~~صورني ربي، فقالت: يا يوسف! ما أحسن شعرك! قال: هو أول شيء يبلى مني في ~~قبري، قالت: يا يوسف! ما أحسن عينيك! قال: بهما أنظر إلى ربي، قالت: يا ~~يوسف! ارفع بصرك، فانظر في وجهي، قال: أخاف العمى في آخرتي، قالت: يا يوسف! ~~أدنو منك وتتباعد عني؟! قال: أريد بذلك الاقتراب من ربي، قالت: يا يوسف! ~~القيطون [فرشته]، فادخل معي، قال: القيطون لا يسترني من ربي، قالت: يا ~~يوسف! فراش الحرير قد فرشته، قم فاقض حاجتي، قال: إذا يذهب من الجنة نصيبي، ~~قالت: يا يوسف! إنك لجريء على سخطي، قال: أريد بذلك مرضاة ربي، قالت: يا ~~يوسف! أنت عبدي، اشتريتك بمالي، فتتعظم علي؟! قال: بجرمي وخطيئتي اشتريتني، ~~قالت: يا يوسف! ليتني لم أعرفك، و[لو] لم تكن قربتني بطول صحبتك، رجوت أن ~~تقر بك عيني، قال: إن الموت موكل بي. # قالت: يا يوسف! ضع يدك على صدري، قال: إنه لا صبر لي على احتراق جسدي إذا ~~زرعت في أرض غيري، قالت: يا يوسف! الخبيثة قد عطشت، قم فاسقها، قال: الذي ~~بيده مفاتيحها أحق بسقيها، قالت: يا يوسف! أعتقتك من الرق، وجعلتك بمنزلة ~~زوجي، فبأي حيلة امتنعت مني؟! قال: PageV05P048 # بحول ربي الذي في السماء عرشه، ومكان سيدي الذي في الأرض سلطانه أخافه على نفسي. # قالت: يا يوسف! إني مسلمتك إلى المعذبين، فيسلى جسمك كما أسليت جسمي، ~~قال: ذاك فعل إخوتي بي، قالت: يا يوسف! النار قد التهبت، قم فأطفئها، قال: ~~أخاف أن يحرقني بها ربي، فلم تزل تخدعه وتردده حتى هم بها، فلما حل ~~سراويله، ورد يده ms0702 إلى جيب قميصه ليخلعه، ويدخل معها في فراشها، ناداه مناد ~~من السماء ثلاث مرات: مهلا يا يوسف؛ فإنك إن واقعت الخطيئة، محي اسمك من ~~ديوان النبوة، فلم يكترث لذلك الصوت، وغلبه ما وجد فيه من الشهوة، فمثل ~~الله له أباه في مثل صورته التي عهده فيها، فنظر إليه غضبان عاضا على ~~أنملته التي تدعى المسبحة يوعده، ويحمل عليه ليقتله، فلما رأى ذلك يوسف ~~عليه السلام، كف، وهرب موليا نحو الباب، واتبعته سيدته، فتداركا عند الباب، ~~واتبعته سيدته ينازعها ليخرج، وتجره من خلفه ليرجع، فانقد قميصه من دبر ~~{وألفيا سيدها لدا الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو ~~عذاب أليم}. PageV05P049 # فلما رأى ذلك يوسف -صلوات الله عليه-، أفشى عليها، فقال: {هي راودتني عن ~~نفسي}، حتى آل الأمر إلى أن شاع أمرها في النساء، وقبح عليها الأمر، فجمعت ~~النساء، واتخذت عيدا، واستعانت بهن عليه، وأوعدته وتهددته إن لم يفعل ذلك: ~~{ليسجنن وليكونا من الصاغرين. قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا ~~تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين}، قال الله تعالى: {فاستجاب له ~~ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم} السميع: لمقالته، العليم: بقلبه، ~~وبتعلقه، فلبث في السجن عشر سنين، فلما انتهت مدة عقوبة الهم، وحان أوان ~~الخروج منه، قال لذلك الذي كان حبسه الملك ثم أخرجه: {اذكرني عند ربك ~~فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين}. # فروي في الخبر: أنه كان ثلاث سنين، فلما انتهت المدة مدة عقوبة قوله: ~~{اذكرني عند ربك}، جاءه جبريل عليه السلام، فدخل عليه السجن، فقال له: يا ~~يوسف! إن الله يقول لك: أتحب أن يكلك الله في شيء من أمرك إلى فرعون وجنده؟ # قال يوسف عليه السلام: أعوذ بالله من ذلك، برأفة ربي ورحمته، قال الملك: PageV05P050 # لم؟ قال: لأنهما لا يملكان لي ضرا ولا نفعا، قال له الملك: فما الذي حملك ~~على أن تستغيث بهما، وتطلب إليهما حاجتك، وأنت تعلم أنهما لا يملكان لك من ms0703 ~~الله شيئا؟ قال: ظلمتني سيدتي، ولم يتبين سيدي في أمري، فرجوت أن ينصفني ~~فرعون حتى يعلم علمي، قال له الملك: أفترضى بفرعون حكما دون الله في شيء من ~~أمرك؟ قال يوسف عليه السلام: معاذ وجه ربي، قال له الملك: فما أنساك ذكر ~~ربك حين طلبت إلى غيره، وأنت تعلم هذا الذي ابتلاك؟ اذهب؛ فإن الله قد وكلك ~~إلى من اتكلت عليه ثلاث سنين. # ثم قال له: يا يوسف! انظر، فنظر إلى الأرض، فقال لها الملك: يا أرض ~~انفرجي، فانفرجت، فقال: يا يوسف! ما ترى؟ قال: [أرى] أرضا أخرى، فقال لها: ~~يا أرض انفرجي، فانفرجت، فلم يزل كذلك حتى انفرجت عن الصخرة، فإذا علينا ~~دودة حمراء بين يديها طعام، فقال: يا يوسف! ما ترى؟ # قال: أرى دودة على الصخرة بين يديها طعام، فقال الملك: فإن ربك يقول: لم ~~أغفل عن دودة تحت سبع أرضين حتى هيأت لها رزقها، وغفلت عنك، وأنت يوسف بن ~~يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليلي، فاتخذت من دوني وكيلا؟! لأطيلن حبسك، ~~فبكى يوسف عليه السلام، وقال: PageV05P051 # انتشى قلبي من كثرة البلوى، فقلت: كلمه، فقال: يا يوسف! من خلصك من أيدي ~~إخوتك؟ قال: الله تعالى، قال: فمن أضاء لك الجب؟ قال: الله تعالى، قال: فمن ~~صرف كيد النسوة؟ قال: الله تعالى، قال: فكيف استعنت بالمخلوقين وتركت ~~الخالق؟! قال: ((اللهم اجعل لي من كل أمر أهمني وكربني من أمر ديني ودنياي ~~فرجا ومخرجا، واغفر لي ذنوبي، وارزقني من حيث أحتسب، ومن حيث لا أحتسب، ~~وأثبت رجاءك في قلبي، واقطعه ممن سواك، حتى لا أرجو أحدا غيرك)). # فخرج من السجن، وآتاه الله ملك مصر، وخوله خزائن أرضها، حتى جمع بينه ~~وبين يعقوب -صلوات الله عليهما-، وجمع شمله في إخوته وأهل بيته، وانتقلوا ~~إلى مصر. # وروي لنا في شأن تلك المرأة. # 1109 - ما حدثنا به عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا PageV05P052 ~~عصام بن المثنى الحمصي، عن أبيه، عن وهب بن منبه، قال: أصابت امرأة العزيز ~~حاجة، فقيل لها: لو أتيت يوسف ms0704 ابن يعقوب، فسألتيه، فاستشارت الناس في ذلك، ~~فقالوا لها: لا تفعلي؛ فإنا نخاف عليك، قالت: كلا، إني لا أخاف ممن يخاف ~~الله تعالى، قال: فدخلت عليه، فرأته في ملكه، فقالت: الحمد لله رب العالمين ~~الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته، ثم نظرت إلى نفسها؛ فقالت: الحمد لله الذي ~~جعل الملوك عبيدا بمعصيته، قال: فقضى لها جميع حوائجها، ثم تزوجها، فوجدها ~~بكرا، فقال لها: أليس هذا أجمل مما أردت؟ قالت: يا نبي الله! إني ابتليت ~~فيك بأربع: كنت أجمل الناس كلهم، وكنت أنا أجمل أهل زماني، وكنت بكرا، وكان ~~زوجي عنينا. # قال: وكتب يعقوب إلى يوسف عليه السلام وهو لا يعلم أنه يوسف: من يعقوب ~~نبي الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز آل فرعون، PageV05P053 ~~سلام عليك: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: # فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء، كان جدي إبراهيم خليل الله في حداثة ~~سنه ألقي في النار، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وأمر الله جدي إبراهيم ~~أن يذبح له ابنه إسحاق، ففداه الله بما فداه، وكان لي ابن من أحب الناس إلي ~~كلهم، ففعل به ما أذهب حزني عليه بصري، وألصق جلدي بعظمي، وكان له أخ لأمه، ~~وكنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري، فأذهب بعض وجدي، وهو المحبوس عندك في ~~السرقة، وإني أخبرك أنه لم يسرق قط؛ لأني لم أكن سارقا، ولم ألد سارقا قط. # فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب، بكى وصاح، وقال: اذهبوا بقميصي هذا، ~~فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا. # وأما داود عليه السلام: # فإنه لما قعد في المحراب، والزبور في حجره يقرؤه، إذا طائر بين PageV05P054 ~~يديه عليه من الألوان ما لا يوصف، فلما أهوى ليأخذه، طار إلى كوة المحراب، ~~وهو سبب البلاء، فوضع الزبور، وقام إليه ليأخذه، فطار من الكوة، فأخرج داود ~~رأسه من الكوة، فوقع بصره على امرأة تغتسل على رأس بركة في بستانها تحت ~~محراب داود عليه السلام، فرأت ظله، وأنه قد اطلع ms0705 عليها إنسان، فقالت ~~بشعرها، فجللت جميع جسدها بشعرها، فرجع من الكوة بجسده، وبقي القلب هناك ~~عند البركة، فما يصنع العبد بلا قلب؟ وإنما القلب ملك، فسبي الملك، وانهزم ~~الجند، وهم الجوارح؛ لأن الهوى هزمهم، فخرج من المحراب، وقصد لبيت المرأة ~~لينقلها إلى نسائه؛ ليكون لنفسه في ذلك شفاء مما حدث، حتى يقدم زوجها، أو ~~ينتظر ما يكون. # فروي في الخبر: أنه وقف على مدرجته ملكان يقول أحدهما لصاحبه: لقد أكرم ~~الله عز وجل عن مثل هذا الشيء إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فلم ينتفع بما سمع، ~~حتى صار من أمره، إلى أن كتب إلى صاحب البعث: أن يقدم زوجها إلى التابوت، ~~وكان من قدم لذلك لا يرجع حتى تفتح المدينة، أو يقتل، فقدم زوجها في نفر ~~إلى التابوت، فقاتلوا حتى قتلوا، فاعتدت المرأة، فخطبها، وتزوجها، واشتغل ~~عنها بالتوبة. PageV05P055 # وأقبل على العبادة معتذرا فيها نادما، متداركا لما سلف منه، حتى شغل عن ~~النظر في أمور بني إسرائيل، وجعل يأكل قويهم ضعيفهم، فلا يجد الضعيف غياثا، ~~يقيم الشهر ونحوه ببابه، فلا يصل إليه؛ لشغله بما أحدث من الأمر، حتى طمع ~~فيه سفهاء بني إسرائيل، وائتمروا في خلعه، وكان قبل ذلك لا يرام؛ لقوله ~~تعالى: {وشددنا ملكه}. # فانطلقوا إلى ابن له أكبرهم سنا، وأعزهم عليه، وهو بكره، فخدعوه، ومنوه ~~الملك، فقالوا: أنت أكبر ولد أبيك، وقد كبر أبوك، وشغل، وعجز عن السياسة، ~~وضاعت حقوق الناس، وأحكامهم، وأنت أحق من يدارك ذلك، ولا نراه يكره ذلك، ~~ولا يباليه، فإن هو عاتبك من ذلك، أخبرته: أنك إنما فعلت ذلك نظرا له، ~~وشفقة عليه، حيث خشيت الإثم، وضياع الناس، وخشيت على ملكه الأعداء، فلم ~~يزالوا يخدعونه حتى بايعهم، وإنما فعل ذلك السفهاء منهم؛ رجاء أن يملك، ~~فيملكهم. # فلم يشعر داود عليه السلام حتى خلع، وأصبح ابنه يبايع الناس، ويدعو إلى ~~نفسه، فلما بلغ ذلك داود عليه السلام، عرف أنه عقوبة لذنبه، فخاف الفتنة، ~~والبلاء، PageV05P056 ~~والسفهاء، فهرب بنفسه، ومعه رجلان: أمير جنده، وصاحب مشورته، حتى إذا كان ~~ببعض الطريق، ms0706 وهو يريد جبلا يتحصن فيه، وكان في بني إسرائيل رجل قد غلب ~~القضاة والحكام قبل داود عليه السلام، فلما وليه داود، أنصف منه الضعيف، ~~وأقام عليه الحدود، وكان جلده حدودا مرارا، فلما سمع ببيعة ابن داود، أسرع ~~إليه، فلقي داود عليه السلام في بعض الطريق، فلما نظر إليه في مذلة البلاء، ~~قال: أداود؟ قال: نعم، فقال: الحمد لله الذي نزع ملكك، وأهانك، وأذلك، ~~وأفردك إلى نفسك، وفرق عنك جموعك، فلما سمع ابن أخت داود عليه السلام مقالة ~~الرجل، وهو أمير جنده الذي كان معه، سل سيفه ليضربه، فقال داود عليه ~~السلام: مهلا، فإن هذا ليس هو الذي يسبني، وإنما الله هو الذي يسبني على ~~لسانه بذنبي، وخطيئتي، ومتى كان يطمع هذا وأمثاله حتى يأذن الله له، فلم ~~يظلمني ربي، ولكن أنا الذي ظلمت نفسي، ثم انطلقوا هاربين، حتى كمنوا في تلك ~~الجبال خائفين لا يأمنون القتل. PageV05P057 # وكان لداود عليه السلام: صاحب شورى يقال له نوفيل، فغضب عليه، فعزله، ~~واستبدل به، فقال ابنه لنوفيل: من أجل أي شيء غضب عليك أبي داود، وقد كان ~~ينتصحك، ويعمل بمشورتك؟ قال نوفيل: إنه لما نزلت به البلية، وعرف فيه ~~الوهن، كنت أول من فطن له، فأخبرت بني إسرائيل حتى خاضوا فيه، فأكثروا أن ~~داود عليه السلام لم يهن، ولم يستكن إلا لجرم أجرمه فيما بينه وبين الله، ~~وحدث أحدثه، فعرفت حين رأيت الوهن والخلل أن الرجل مذنب، وأن ذنبه هو الذي ~~فله وأضعفه، فغضب حين لم أستر عليه ذلك. # قال: كيف الرأي في أمره؟ # قال: أن تطأ فراشه حتى يستيقن الناس أنه ليست لداود تقية عندك. PageV05P058 # قال: كيف الرأي في قتالي له؟ قال: إن كنت تريده في يوم من الأيام، فعاجله ~~اليوم ما دام مخذولا مسخوطا عليه، فإني أعلم أنه لم يترك هذه المنزلة إلا ~~لذنب، فالله عنه معرض، وهو بعد لم يتدارك التوبة، ولن يعترضه بمثلها، وإن ~~أخرت أمره حتى يتوب الله عليه، ويغفر له، لم تطقه، فهو الذي قتل جالوت، ~~ونزع طالوت ms0707 ملكه، وأذل رقاب الملوك. # واستشار الآخر، فقال له: هل سمعت بابن نبي قتل أباه؟ أم هل سمعت بنبي ~~أذنب فلم تقبل توبته؟ أم لعلك تطمع أن تبلغ المعشار مما صنع الله لداود في ~~علمه وحكمه وقسطه؟ أم ماذا تقول لربك يوم القيامة وقد قتلت أباك ونبيه، ~~ووطئت فراشه؟ وما وجه التوبة من قتل نبي ووالد ونكاح أمهاته؟ ما أعلم يقبل ~~ممن فعل هذا صرفا ولا عدلا، فإن كان لا محالة أنت ضابط هذا الملك، وبما ~~أجمعت عليه من عقوق أبيك وخلعه، فلا تطلبه، ولا تقتله، فإن كان الله قد أذن ~~بفنائه وهلاكه، فما أكثر معاريض PageV05P059 ~~البلاء التي تكفيك ذلك منه، وإن كانت بقيت له حياة يستكملها، ألفيتك لم ~~تأثم بربك، ولم تفرط بوالدك. # فقال: الرأي رأيك، وما أسمعك عرضت بغش، ولا ادخرت نصيحة، وأنا متابعك على ~~ما في قلبك، وكاف عن داود ما كف عني، فإن قاتلني، حميت نفسي مخافة أن يظفر ~~بي فيقتلني. # قال الرجل: كف عن داود حتى يقاتلك. # واعلم: أنه لن يقاتلك أبدا ما كان ذنبه له مهينا، ولن يفعل ذلك حتى يقبل ~~الله توبته، ويأذن له بقتالك، فإذا جاءه الأمر من الله، والقائم به داود، ~~فأنت لا طاقة لك به، فأقصر عندها، إني لك نذير مبين، وإنه إن ظفر بك أبوك، ~~أحياك وأمنك، وإنه أعظم حلما وعفوا من أن يقتل ولده. # ولبث داود عليه السلام من يوم خرج إلى أن رجع إلى ملكه سنتين، وانقطع ~~الوحي، فلما رد الله إليه ملكه، سرح ابن أخته، وهو أمير جنده، فأمره أن ~~يدخل المدينة، ويدعو إلى داود عليه السلام، ويخبر بني إسرائيل: أن الله عز وجل قد PageV05P060 ~~قبل توبته، ورد إليه ملكه، فاتبعوه إلا قليلا منهم انحازوا إلى ابن داود ~~عليه السلام، ولم يجرؤوا أن ينظروا إلى وجه داود عليه السلام بعد الذي كان ~~منهم، فاستقبلوه، فقاتلوا قتالا شديدا، حتى قتلوا. # وكف ابن داود، فلم يقاتل حتى قتل أصحابه، ثم إنه هرب حياء من أبيه، وكان ~~يريد أن لا ms0708 يرى أبوه له وجها، فتبعه ابن أخت داود، وعهد إليه داود عليه ~~السلام، فقال: أحذرك أن تقتله، فإياك ثم إياك أن تقتله، فإني قاتلك به إن ~~خالفت أمري؛ فإن ابني بكري، وأعز ولدي علي، وأحبهم إلي توبة، وبقاء، وصلاحا ~~ابتلاني الله بأحب أولادي إلي، وأعزهم علي؛ ليغيظني، ويذلني، ويغمني بذنبي، ~~ويهينني بخطيئتي، وينزع ملكي، ثم تداركني عفوه، ورحمته، فعفا عني، وقبل ~~توبتي، فينبغي لي: أن أعفو كما عفا عني، وأرجو له من التوبة والرحمة ما ~~رجوت لنفسي، فليس هو بأعظم جرما مني، فالحذر على دمه. # فلحقه، فوجده قد علقته شجرة، دخل منها عود في برنسه، فاقتلع PageV05P061 ~~من السرج، وزالت الدابة من تحته، حين اقتلع العود، فبقي معلقا، وذهبت ~~الدابة، فوقف عليه ابن أخت داود، فلما دنا منه، ناداه، قال: لبيك، قال: أخي ~~أنت؟ قال: نعم، فأدركني إن كان لداود في حاجة، فإني قد أشرفت على الموت، ~~فلما قال هذا، طعنه بالرمح حتى اعتدل فيه، وترك وصية داود عليه السلام، ثم ~~انصرف وتركه حتى مات معلقا، فلما رجع إلى داود عليه السلام، غضب عليه، قال ~~له: أما إني قاتلك إما عاجلا، وإما آجلا، فوطن نفسك على ذلك، فقال: ما فعلت ~~فعلي إلا وقد وطنت نفسي على أنك قاتلي، فاستبقاه داود عليه السلام؛ لأنه ~~كان رجلا منصورا، لا ترد له راية، وكان بعيد الصوت والنكاية في العدو، فكره ~~داود عليه السلام أن يعجل قتله، وأحب أن يمتع به المجاهدين في سبيل الله ~~تعالى ما دام حيا، فلما حضره الموت، أوصى سليمان عليه السلام بقتله، فقتله ~~ساعة رفع يده من قبره. # فلما تيب عليه التوبة الظاهرة، ورد الله إليه ملكه، واطمأن، نزل عليه ~~ملكان، فتسورا المحراب، فكان من خبره ما اقتص الله في تنزيله، وانكشف PageV05P062 ~~له الغطاء عن فعله، فبدر إلى البراز صارخا متململا، وسجد سجدة العويل، ~~والنوح، دام في ذلك أربعين صباحا، حتى نبت العشب حول رأسه. # 1110 - حدثنا عبد الوهاب بن فليح بن رباح المكي، قال: حدثنا جدي اليسع بن ~~طلحة، ms0709 عن عطاء بن أبي رباح، قال: طالت السجدة من داود عليه السلام، واحتال ~~الخضرة على رأسه من دموع عينيه، وبدا العظم شكا إلى ربه، فأتاه جبريل عليه ~~السلام، فقال: يا داود! ارفع رأسك، فقد غفر لك، قال: يا جبريل! فكيف ~~بالرجل؟ قال: فإن الله قد أعاضه الجنة، وقد غفر لك، فارفع رأسك. # فهكذا سبيل الآدمي يزل ويخطئ، ثم يهتدي إلى ما هدي له من PageV05P063 ~~طريق التوبة، فيتوب، ويطمئن بموعود الله أنه يقبل التوبة عن عباده، ويعفو ~~عن السيئات، ولكن من أراد الله به خيرا، يصطفيه، ويبرئه من دنسها في عاجل ~~الدنيا، صيرها كية على قلبه أيام الدنيا، ويكشف له عن الغطاء، حتى يرى ~~قبحها، ويحجبه عن منزلته قلبا حتى يصرخ إليه، ويمرر عيشه حتى يتململ ويتلوى ~~توجعا، ثم يرحمه، فهذا أدبه للخاصة، فأدبه بأدب العامة، وتاب عليه، ثم أدبه ~~بأدب الخاصة، ورده إليه. # ولنا مجلس في ذكره وأحواله، ونجواه في سجدته ضممناه إلى هذا الباب: # بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين: # يا خليفة الرحمن! ماذا لقيت من خطيئة واحدة ارتجت بها الأصوات في العلا؟ ~~وتناسخت القرون في الأمم حديثها لأهل البلوى؟ وكم من طعنة وكلمة ذات مرارة، ~~ذقت طعم مرارتها من أجل تلك الخطيئة أيام الدنيا! # بينا أنت في المحراب في مناجاة إلهك الرحمن تقرأ الزبور بإطراب، PageV05P064 ~~وألوان وألحان بنغمة برزت بها على الأنام، تغمر الأصوات، وتنير منابع قلوب ~~الصديقين إلى كرامة ذي الجلال والإكرام، وتنعم أرواح المقربين إلى وسائلهم ~~بالحنان المنان، ذي اللطف والإنعام، إذا أنت مخذول سلس القياد، قد زلت قدمك ~~من المحراب، أبعد مما بين المشرق والمغرب، طار فؤادك، وأحاطت بك الفتنة، ~~وسكنت عنك الأحوال، وانقطعت المناجاة، وسهوت عما أنت فيه بطائر طار بين ~~يديك في كوة المحراب سببا للفتنة والبلاء عليها من كل زينة وبهجة من بهجات ~~الدنيا، فلم تتمالك أن هويته، وقمت إليه، فيا ويح من وكل إلى نفسه كيف يأمن ~~ساعة من عمره، فوقعت في فتنة بعد فتنة تداولتك أيديها وأنت في ms0710 غمراتها، حتى ~~إذا تناهت بك منتهاها، ووصلت إلى نهمتك منها، شهد لك الصدق بما اضطرب عليه ~~قلبك، واقتضاؤك الوفاء اللطيف بك، الكريم المتحبب إليك بما كنت عاهدته، ~~وقبلت عليه ميثاق النبوة، فاعتذرت في التوبة والاستغفار، واعتزلت النساء ~~والأهلين معتذرا إلى العزيز الغفار، ولم تتهنأ بما ملت إليه، ولا وصلت ~~النفس إلى منيتها القصوى توبة علم ومعرفة بما قابلتها PageV05P065 ~~روحك وعقلك، متأدبا للصدق والوفاء لمولاك حتى قال لك: يا داود! عاد نفسك، ~~وودني بعداوتها. # فما زلت تدأب في العبادة مقبلا على صلاتك قد أهمك شأنك، وندمت على ما فرط ~~منك، حتى شغلك ذلك عن الحكم بين بني إسرائيل، والنظر في أمورهم، حتى أكل ~~قويهم ضعيفهم، وضاعت أحكامهم وأمورهم، فأدركتك رحمة الله التي تعطف بها على ~~أوليائه، ويطهرهم عن المقام بمحل الاغترار، وانكشف الغطاء، وبرز الأمر، ~~ورفع الحجاب، وظهرت الهنات والغفلات بتسور الملكين عليه في متعبده، وهو ~~مشغول في تلافي ما فرط منه، فأنكرهما، وأقبل عليهما باللائمة، وقال: ما ~~أنتما؟ ومن أدخلكما بغير إذن علي؟ قالا: {خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم ~~بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط}. # فضربا له مثلا بقوله: {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ~~فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب}. # أي: غلبني، وامتنع مني أن ينصفني، فأجبت رسل رب العالمين، PageV05P066 ~~وأنت لا تشعر من تجيب، وخاطبت خطاب من لا يفكر بمرجوع جوابه. # فقلت: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم ~~على بعض}، فقال الملكان: وغير الخلطاء قد يبغي كما بغيت على جارك في ~~امرأته، ولم يكن لك بخليط ولا شريك، وقد حصرت نفسك في هذا البيت، واحتجبت ~~فيه، فلا يوصل إليك، حتى ضاع الناس، وكاد يأكل بعضهم بعضا، يأتيك ذو الحاجة ~~من الشقة البعيدة، فلا يصل إليك، حتى تطول مدته، وتشتد مؤنته، ويضيع حقه، ~~ويأتيك الضعيف، فيحجب عنك حتى يأكله القوي، فإن كانت الصلاة هي التي شغلتك ~~عنه، فقد كان في الحكم بين الناس ما تجد لك عنها ms0711 عوضا، والقيام به أفضل من ~~الصلاة، وإن كان اشتغالك هذا في طلب التوبة مما فعلت بامرأة جارك، فترك ~~الخطيئة كان أهون عليك من طلب التوبة. # ثم تحولا عنه في صورتهما، وطارا، فلما انكشف الغطاء، وعرج PageV05P067 ~~الملكان، ونظر عظيم ما أتى، ورفع الحجاب عن قلبه، وثب من مكانه وثبة ملدوغ ~~جرى السم في عروقه، والتهب جوفه نيرانا، فرمى بثيابه، ولبس المسوح، وافترش ~~التراب، والتجأ إلى البراز صارخا بالعويل، ولزق بالأرض، وخر على محاسن وجهه ~~بسجدة، يا لها من سجدة! لقد طال سقوطه بين يدي ربه منقبض الأعضاء، متحاملا ~~بجميع جوارحه على عرنينه، لقلبه وجيف، ولفؤاده خفقان، وبالدموع عيناه ~~تنهلان، يجأر إلى الله متسكينا، ويعتب إليه من فيح ما انكشف له معتذرا، حتى ~~نبت العشب حوله من دموع عينيه، وهو ينادي في سجوده: إلهي! أين أفر من ~~الموقف بين يديك غدا؟ ومن ينقذني من ظلمة خطيئتي وسوادها؟ فقد خفت أن تحول ~~ظلمتها بيني وبين النظر إليك غدا، سبحان خالق النور إلهي! # ولزمته استكانة البلاء، ودخله الوهن والضعف، وانقطع الجواب، وضاقت عليه ~~الأرض برحبها، وضاقت عليه نفسه، وقلق في سجوده، ونادى: # إلهي! خليت بيني وبين عدوي، فلم أطق لفتنة نزلت بي دفعا. سبحان خالق ~~النور إلهي! # قرح الجبين، وفنيت الدموع، ودبرت الركبتان، وخطيئتي ألزم لي من جلدي. PageV05P068 # فنودي: ما لك يا داود؟ أجائع أنت فتطعم؟ أظمآن أنت فتسقى؟ أمظلوم فتنصر؟ ~~أعار فتكسى؟ فزفر زفرة وهاج ما في جوفه من اللهبان، فأحرق العشب الذي كان ~~نبت عند رأسه فيه، ثم قال: أما نظر في خطيئتي بعد؟ لقد عرفت إلهي أن رحمتك ~~واسعة، ولولا رحمتك، لفضحتني، ومن هذا الذي ينصرني إن خذلتني؟ ومن ذا الذي ~~يغفر لي خطيئتي إن لم تمحها من كتابي؟ # إلهي! يقشعر جلدي إذا نظرت إلى خطيئتي التي مع ملائكتك، فهم حافظون لها، ~~أمن هذا الذي يتداركني برحمة إن لم تتجاوز عني، وتمن بها علي؟ تصدعت ~~الخدود، وانقطعت الأشجار، وارتجت البحار، وفزعت الجبال والآكام من عظم ~~خطئي، لا أطيق حمل خطيئتي إن ms0712 لم تحملها عني. # إلهي! ينام كل ذي عين، ويستريح في موطنه، وقد شخصت عيناي تنتظران رحمتك، ~~إلهي! فتقبل دعائي، وارحم شمطي، وتجاوز عن ذنبي، سبحان خالق النور إلهي! PageV05P069 # تبكي الثكلاء على ولدها إذا فقدته، وداود يبكي على ذنبه العظيم، سبحان خالق ~~النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي طوبى لداود إذ منع بالبكاء على ذنب واحد، فنال من ~~قربك ما نال، الويل الطويل لي إذ حرمت البكاء على ذنوب عظام جسام، سبحان ~~خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي! خليت بيني وبين عدوي، فلم أطق لفتنة نزلت بي دفعا، فقل ~~أنت الآن: هذا حال داود مع جلال قدره ورفيع رتبته، فكيف يكون حالي، وقد ~~سباني وأرداني، وأحاطت بي شبكات فتنته؟ سبحان خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي! خلقتني، وكان في سابق علمك أني صائر إلى ما صرت إليه، ~~أخرجتني من بطن أمي وليس لي خطيئة أعذب عليها، فلم أرع وصيتك، فأين أفر من ~~خطيئتي؟ وأين أهرب من عملي؟ هذا مكان العائذ بك، سبحان خالق النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! أفكان يظهر لنبيك وصفيك وخليفتك في أرضك من مكنون ~~قضائك المحتوم، ما يظهر، فما الذي يظهر لي؟ كيف PageV05P070 ~~لا تنقطع أعضائي؟ ولا أموت كمدا خوفا مما لعله يظهر لي الكفر بعد الإيمان ~~بك سيدي؟ سبحان خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي! من أين يطلب العبد المغفرة إلا من سيده؟ حثوت على رأسي ~~التراب، وألزقت به خدي، ودسست فيه وجهي؛ خشية من عذابك، وأليم عقابك، سبحان ~~خالق النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! ما طلب داود المغفرة والتوبة حتى فتح له باب الرحمة، ~~فكيف أصنع بذنوبي وخطاياي وبابي منغلق، قد كبلتني خطيئتي، وانغلقت أبواب ~~ضرعي إليك؟ (والتففت في المعاصي التفاف الدود بقزها والتفت بي المعاصي ~~التفافا حتى لا أجد) مسلكا إلى التوبة؟ # سبحان خالق النور إلهي! يقول داود: إلهي لم ينفعني الزبور ولم تعافني مما ~~ابتليتني به. PageV05P071 # سبحان خالق النور إلهي! فقل أنت الآن: إلهي! يا راحم الضعفاء الجهلة: إذا ~~كان صفيك داود ms0713 لم ينج من الفتنة مع نبوته، فكيف بالجهلة الضعفاء؟ سبحان ~~خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي! يغسل الثوب فيذهب درنه ووسخه، والخطيئة لازمة لي لا ~~تذهب عني، وثوبي يبلى، وجسمي يفنى، وخطيئتي لا تبلى، سبحان خالق النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! إن كانت الخطيئة لازمة لداود، فهي لنا ألزم وألزم، ~~أخاف أن لا يطهرنا منها إلا حريق النيران، سبحان خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي ويل للخطائين يوم القيامة كيف يحشرون غدا حفاة عراة؟ ويل ~~للخطائين حين يأتيهم ملائكة غلاظ شداد، أعينهم كالبرق الخاطف، ولهب النار ~~يخرج من أفواههم، ليست لهم رأفة ولا رحمة، فيبطشون بهم، ويل للخطائين حين ~~يعلو جهنم زفيرها، ويشتد تلظيها، وتنشر أغلالها، ويتطاير شررها، سبحان خالق ~~النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! لقد أرعب داود قلوب العصاة المذنبين، أنطقه لسان ~~الخوف، وسخطك أشد على عارفيك، وفراقهم رضوانك من جميع ما حوته جهنم من ~~ألوان العذاب، فليت شعري ما الذي يظهر لنا من جودك PageV05P072 ~~يومئذ سيدي؟ سبحان خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي! أنا الذي لا أطيق حر شمسك، فكيف أطيق حر نارك؟ سبحان ~~خالق النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! لا داود يطيق حر نارك، ولا أحد من خلقك، فكما تفضلت ~~على داود بالمغفرة، فتفضل علينا معشر العصاة المذنبين الذين قعدوا يتحازنون ~~على الذنوب، وإن لم يجدوا الحزن، سبحان خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي! أنا الذي لا أطيق صوت رعدك، فكيف أطيق صوت جنهم إذا ~~دمدمت وتغيظت على العصاة؟ أسمع صوت الرعد، فيكاد يذهب قلبي، وتزهق نفسي، ~~فكيف إذا أخذت النار في جسدي؟ سبحان خالق النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! ليس لجهنم سبيل على داود، وإن له عندك لزلفى وحسن ~~مآب، الشأن فينا معشر الخطائين الذين بارزوك بالعظائم، وتلوثوا في المعاصي. ~~سبحان خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي! كيف يستتر الخطاؤون من خطاياهم، وأنت شاهدهم حيث كانوا؟ ~~سبحان خالق النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! تفضلت على داود مع المغفرة بالحياء منك PageV05P073 ~~سيدي، ms0714 فما لنا نجترئ على معاصيك، ثم لا يأخذنا منك الحياء؟ سبحان خالق ~~النور إلهي! # يقول داود: إلهي! قرح الجبين، وجمدت العينان من البكاء مخافة الحريق على ~~جسمي، سبحان خالق النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! طال سجود نبيك داود حتى قرح منه الجبين منا منك ~~عليه، وإكراما له فأنى لي بالسجود، وأنا المقصى من بابك بما كسبت يداي؟ ~~سبحان خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي! الويل لداود حين يكشف الغطاء عنه، فيقال: هذا داود ~~الخاطئ. سبحان خالق النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! إنما يكشف الغطاء عن داود لداود لنفسه لا لغيره في ~~تلك الحجب الخفية، وأنا أخاف أن يكشف عن غطائي على رؤوس الأشهاد للخلق ~~والخليقة، ثم يؤمر بي إلى النار، سبحان خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي! إذا ذكرت ذنوبي، يئست من كل خير، وإذا ذكرت PageV05P074 ~~رحمتك رجوتها. سبحان خالق النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! رحمتك الواسعة جعلت داود لها أهلا، فإن لم يكن معشر ~~العصاة المذنبين أهلا لرحمتك أن ينالها، فرحمتك الواسعة أهل أن تنالنا، ~~سبحان خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي! أبكي أيام الدنيا أهون علي من أن أبكي وقد جعلت في ~~النار، سبحان خالق النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! من وجد إلى البكاء سبيلا، فقد رحمته، ومن رحمته، بكى ~~بين يديك، فكيف لنا بالبكاء سيدنا، وإنما يبكي من خلص إلى قلبه أوجاع ~~الذنوب، فكيف لنا بوجع الذنوب ولا ننالها؟ سبحان خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي! زعمت أني أفزع إلى المحراب، وأغلب الشياطين بقوتي، ~~فوكلت إلى نفسي، فزلت قدمي أبعد ما بين المشرق والمغرب، سبحان خالق النور إلهي! PageV05P075 # فقل أنت الآن: إلهي! تزل قدم داود صفيك من المحراب، فكيف أجد القرار؟ أم ~~كيف آمن وأنا مترد في أودية الفتن، وسكك البلاء من ذلك القدم؟ أسألك الأمان ~~من الخذلان، سبحان خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي! دعوتك حتى انقطع صوتي، وأثقلت ظهري، وألبس علي أمري، ~~وضاقت بي دنياي، سبحان خالق النور إلهي! # فقل أنت ms0715 الآن: إلهي! واشؤم معصيتاه خطيئة تقطع صوت داود عنك، وتصيره ~~كالطير لا ريش لها، فكيف صنعت بنا في تلك العجائب التي رأيتها منا يا حليم؟ ~~سبحان خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي! كنت أبغض الخطائين وأمقتهم، فأنا اليوم أرحمهم؛ لعلك أن ~~تغفر لهم، فتغفر لداود الخاطئ معهم، سبحان خالق النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! كان داود يبغض الخطائين، ويحمله على مقتهم غيرة لك، ~~وإن الحبيب يغار للحبيب، فحل به ما حل، حتى صار يدعو لهم، فكيف بمن أبغضهم ~~إعجابا بنفسه وعقله عن حال صاحبه، وتيها وتعظما على عبيدك؟ سبحان خالق ~~النور إلهي! # يقول داود: إلهي! بعثتني بالنبوة، وألبستني لباس الملوك بعد الثياب PageV05P076 ~~الخشنة، ومنعتني بالمهابة من خلقك، فحدثت نفسي أن أتفرغ لك في المحراب، ~~وأعبدك، وقلت: إني سأغلب نفسي إن وكلت إليها، ولم يكن ينبغي لي أن أقول ~~هذا، فلما وكلت إلى نفسي، أتتني الهلكة، فهلكت حين خذلتني، سبحان خالق ~~النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! لم يحتمل هذا عن صفيك داود، فوكلته إلى ما أعطيته، ~~فلم ينفعه العطية حين تخليت عنه، فكيف بمن ركن في جميع عمره إلى الأسباب؟ ~~واعتصم بالمخلوقين، وشخصت آماله لدى العبيد المربوبين؟ سبحان خالق النور إلهي! # يقول داود: إلهي! لا ينقضي ما أنت معطي النبيين والصديقين من أجل خطيئتي، ~~إنما أنا من ولد آدم المذنب الخاطئ التائب. سبحان خالق النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي داود يخاف على نبوته من أجل خطيئته، فكيف يكون خوفي ~~على توحيدي من أجل جرائمي فيك؟ أعوذ من وبال ما كسبت يداي أن يكون رجعاه ~~سلب إيماني، سبحان خالق النور إلهي! PageV05P077 # يقول داود: إلهي! يسبح لك الطير بأصوات ضعاف من خشيتك، وليست لها ذنوب، ~~وأنا العبد المذنب الذي لم يكن للساني ولا لقلبي أن يفترا من ذكرك والتسبيح ~~بحمدك، فارحم ضعفي ورقة جلدي من النار التي تعذب بها أعداءك، فلا تجعلني لك ~~عدوا بعد إذ توليتني بأني أعمل عملا أستحق رضوانك، أو ماذا أقول وقد أحصيت ~~عملي كله، وهو ms0716 مكتوب عندك في أم الكتاب؟ سبحان خالق النور إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! تخلصت الطيور في الجو، والوحوش في البراري والقفار، ~~والحيتان في البحار من النار والعار، وتخلص داود بالغفران والرحمة السابقة ~~من الحنان المنان بما سبق له منك من الحظ وقرب المكان، فكيف يخلص من أكرمته ~~بالإيمان، فدنس جسمه، وأخلق وجهه، وآثر على ما دعوته إليه الفتن والخسران؟ # يقول داود: إلهي! امدد عيني بالدموع، وقلبي بالخشية، وضعفي PageV05P078 ~~بالقوة حتى أبلغ رضاك عني، لك القدرة في أمرك كما تشاء، أنت الحق، وخالق ~~الخلق، ناصيتي بيدك، إن عجز عني عملي في الدنيا، فكيف يغني عني في الآخرة ~~ما قد عجز عني في الدنيا؟ لا أثق بعملي وأنا منه خائف، وأسألك رأفتك يا ~~أرحم الراحمين، سبحان خالق النور إلهي! # ما أعظم ملكك، وأشد سلطانك، وأصدق قولك! من يقوم لغضبك؟ إلهي! # فقل أنت الآن: إلهي! داود محتاج إلى مدد الدموع مع غزارة منابع دموعه، ~~ومحتاج إلى مدد الخشية والقوة مع سلطان النبوة، فكيف تكون حاجة من قلبه ~~أسير شهواته؟ وتابع نفسه الأمارة بالسوء، وإن لم تداركه بالرحمة التي تنال ~~بها عصمتك، وإلا، فهو أسير عدوه اليوم، وغدا أسير نارك الكبرى. # يقول داود: إلهي! تبت إليك، فتب علي، وتضرعت إليك، فارحم تضرعي، طمح ~~الشيطان بنفسي إلى ما لا ينبغي لي، فإن لم ترحمني، فارحم دموعي. PageV05P079 # فنودي: يا داود! أتذكر دمعك، ولا تذكر ذنبك؟ # فنادى: أعوذ بنور وجهك من ظلمة خطيئتي، ومن العمى والصمم يوم يتجلى نورك ~~لمن شئت من خلقك، ويسمع كلامك من رحمت من خلقك، هذا مكان العائذ بك، أعوذ ~~برأفتك من شدة عقابك، وبرحمتك من عذابك، وبعزتك من الذل والخزي يوم تجمع ~~خلقك لفصل القضاء. # إلهي! أصبح الشيطان يعيرني، ويقول: يا داود! أين كان منك ربك حين واقعت ~~الخطيئة؟ # إلهي! نحل جسمي من خشيتك، واشتد خوفي من قضائك، ولا أجد لي أسوة فيمن ~~خلقت، من أجل أنك سميتني نبيك وخليفتك، وأنزلت علي الزبور نورا للبصر، ~~وربيعا للقلب، وأمرتني فيه أن أكون لليتيم ms0717 كالأب الرحيم، وأن أكون عضدا ~~للضعيف والمظلوم، فلم أبطئ على الفتنة إذ عرضت لي، بل أسرعت إليها، سبحان ~~خالق النور إلهي! # إلهي! هذا مكان العائذ بك، إني أخطأت، وكنت في خطيئتي كالأعمى في ~~الظلمات، وكالأصم مع البكم، قد علمت أن مصيري ومرجعي إلى PageV05P080 ~~حسابك، وأنت تدين بالحق إله الخلق، شديد الملك، عظيم السلطان، ظاهر ~~الجبروت، عزيز جبار لا يكلمك إلا من أذنت له، سبحان خالق النور إلهي! # إلهي! إنما أنا من ولد آدم الذي أصاب الذنب وهو في الجنة، فأكل من الشجرة ~~التي نهيته عنها، ونزع عنه لباسه الذي كسوته، ونظر بعينه إلى عورة زوجته، ~~وعاين ما كتب عليه من مرارة العيش، ثم استنقذته بالتوبة بكلماتك التي ~~علمته، فجليت بهن عن بصره، وواريت بهن عورته، ووعدته الرجوع إلى الجنة، ~~وافترضت عليه التوبة وعلى ذريته من بعده، سبحان خالق النور إلهي! # إلهي! بأي فم أتكلم بين يديك؟ أفبالفم الذي به أخطأت؟! وبأي لسان أنطق، ~~وأنت إله الحق والصدق؟! وعلى أي رجلين أقوم قدامك يوم القيامة؟ وكيف يقوم ~~من كان الباطل عمله، والكذب قوله؟ وأي قدم تحمل ما جنيته؟ # إلهي! أين أهرب من غضبك إلا إلى رحمتك، وبمن أستغيث إلا بك؟ سبحان خالق ~~النور إلهي! # فنودي: يا داود! ارفع رأسك، فقد غفرنا لك، وجاءه جبريل عليه السلام، ~~فأسنده إلى صدره، وقد سقطت فروة وجهه، وبقي في ذلك الطين الذي PageV05P081 ~~ابتل من دموعه، وبشره: أن الله قد تغمد بعفوه زلته، فقال: إلهي! إن لي حاجة ~~إلى السماوات والأرض، وإلى هذا الخلق أن ينصتوا لي، فأمر الله -تبارك ~~وتعالى- السماوات السبع والأرض بمن فيهن من الخلق، فأنصتن لداود، فنادى: ~~إلهي! كيف وأنت حكم عدل؟ وأنا الذي قدمت أوريا بن حنان في مقدمة الخيل إلى ~~التابوت حتى يقتل، فهو يطلبني بدمه يوم القيامة، فنودي: يا داود! اذهب إلى ~~الصخرة، وضع جبهتك عليها، وناد أوريا، وسله عن ذلك. # فذهب داود عليه السلام حتى وضع جبهته على الصخرة، ونادى: يا أوريا! ~~فأجابه، قال: لبيك يا نبي الله، لم ms0718 دعوتني وأخرجتني من النعيم الذي كنت ~~فيه؟ قال: إني أذنبت إليك ذنبا، قال: قد تجاوزت عنك يا نبي الله، فخرج ~~مستروحا إلى ذلك، فاستقبله جبريل عليه السلام، فقال: ما صنعت؟ قال: قد ~~تجاوز عني، قال: هل أخبرته بما أتيت إليه؟ قال: لا، قال: فإنك لم تصنع ~~شيئا، اذكر له الذنب الذي أتيت إليه، فرجع داود عليه السلام، فنادى: PageV05P082 # يا أوريا! قال: لبيك يا نبي الله، لم أخرجتني من النعيم؟ قال: إني أذنبت ~~إليك ذنبا، فتجاوز عني، قال: أوليس قد فعلت ذلك؟ قال: ألا تسألني عما أتيت ~~إليك؟ قال: وما هو يا نبي الله؟ قال: بسبب بتشابع امرأتك، فقص عليه القصة، ~~فسكت أوريا، وانقطع الجواب عن داود عليه السلام، قال: أجبني يا أوريا، ~~وتجاوز عني، قال: يا نبي الله! ما هكذا تفعل الأنبياء يا نبي الله؟ نعم حتى ~~أقوم بين يدي الله أنا وأنت، فصاح داود صيحة أفزعت الخلق والخليقة، وخر ~~لوجهه ينادي: إلهي! قد فني الدمع، وانقطع عني، وطال حزني، ورق عظمي، وبلي ~~لحمي، ونحل جلدي، وبقي ذنبي على ظهري، إليك أشكو فاقتي وضعفي وقلة حيلتي، ~~سبحان خالق النور إلهي! # إلهي! لو أتيت أطباء عبادك في بلادك، فكانوا كلهم عليك يدلني، إلهي! لو ~~تؤاخذ كل من في الأرض جميعا بذنبي، لم يكن لهم في ذلك حجة، ولا معذرة، فكيف ~~لي في مثل ضعفي؟ وكيف أطيق ذلك وحدي؟ # إلهي! زل داود زلة أبعد ما بين المشرق والمغرب، حتى خفت أن يجعل ذنبه ~~حديثا للخلوف بعد الخلوف، فارحم ضعف داود، إلهي! من يسأل PageV05P083 ~~العبد إلا ربه؟ وأنت ربي، وأنا عبدك، وأنت الغني، وكل إليك فقير، ومن يسأل ~~الفقير إلا الغني؟ وأنت واجد لكل ما سألت عنه، يغنيهم فضلك، وليس بك فقر ~~إلى أحد، سبحان خالق النور إلهي! # إله إبراهيم الذي أنجيته من أيدي الجبابرة، وبعظمتك أنجيته من حريق ~~النيران، وإله إسحاق الذي أكرمته بالبلاء، فكشفت عنه بالصبر واليقين، ~~وجعلته قرة عين لوالديه، وإله يعقوب الذي أكرمته، وجعلت منه أنبياء، ~~وابتليته بيوسف، فرددت ms0719 عليه بصره، بعد صبره، ويقينه، أنا من سبطهم وذريتهم، ~~فارحمني بفضل رحمتك إياهم، فنودي: يا داود! ارفع رأسك، أما الخطيئة، فقد ~~غفرناها لك، وأما خصمك، فأمكنه منك يوم القيامة، ثم أستوهبك منه، فيهبك لي، ~~وأعطيه حتى يرضى، وأما المودة، فقد انقطعت بيني وبينك، وما أسرع ما نسيت ~~عهد ربك يا خليفة الرحمن؛ حيث قال لك: يا داود! عاد نفسك، وودني بعداوتها، ~~جاءت الفتنة، فحالت بينك وبين الوفاء بها، وجرت النفس بك في ميدان القضاء ~~في قضاء PageV05P084 ~~ما عرض لك من المنى، فإن كانت المودة قد انقطعت، فالمحبة قائمة، والحظ باق، ~~فمنها حديث المودة، وإنما كانت المودة التي انقطعت ما شارطه ربه أن قال: ~~ودني بعداوة نفسك. # فعادى نفسه، فجعل له ودا بعداوته نفسه، فلما أعطاها منيتها انقطع الود، ~~فلما تاب عليه، وقبله، جعل له بدل الود عطفا وشفقة، فلم يزل داود يزداد ~~بذلك العطف والشفقة قربا، وكلما ازداد منه بذلك قربا، ازداد بقلبه وجعا، ~~وفر من ربه حياء، وكلما ازداد من ذلك، ازداد من الله عزا، ومنة، وشرف محل، ~~وعظيم قدر، وازداد كرامة ونيلا حتى صار رأس البكائين، ومسعد الخطائين على ~~الذنوب نوحا وعويلا بعد أن كان يتغيظ عليهم حنقا، فلم يزل باكيا منكسا رأسه ~~من الحياء، حتى كادت نفسه تزهق من الوجد والأسى، وأقسم أن لا يشرب شرابا ~~إلا مزجه بدموع عينيه، ولا يطعم طعاما إلى خلطه بالرماد؛ لئلا تصل إلى نفسه ~~لذة الطعام والشراب، وكان إذا خرج إلى الناس، ألقى نفسه بين الخطائين، ~~ويقول: مسكين بين ظهراني مساكين، وسأل ربه أن ينقش له خطيئته في يده ~~اليمنى، فكان لا ينظر إليها إلا PageV05P085 ~~رجفت يده، حتى سقط ما تناوله، وكان إذا علا المنبر، رفع بيمينه، فاستقبل ~~بها الناس؛ ليريهم نقش خطيئته، فكان ينادي: إلهي! إذا ذكرت خطيئتي، ضاقت ~~علي الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك، ارتد إلي روحي، رب! اغفر للخطائين كي ~~يغفر لداود معهم، فكان يقعد على سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد، فكان ~~تستنقع دموعه تحت جنبه، حتى ms0720 تنفذ الأفرشة كلها، وكان إذا كان يوم نوحه، ~~نادى مناديه في الطريق والأسواق والأودية والشعاب، وعلى رؤوس الجبال، ~~وأفواه الغيران: ألا إن هذا اليوم يوم نوح داود، فمن أراد أن يبكي على ~~ذنبه، فليأت داود، فيسعده، فيهبط السياح والعباد من الغيران والأدوية، ~~وترتج الأصوات حول منبره، والوحوش، والسباع، والطير عكف، وبنو إسرائيل حول ~~منبره، فإذا أخذ في العويل والنوح، وأنارت الحرقات منابع دموعه، صارت ~~للجماعة ضجة واحدة نوحا وبكاء، حتى يموت حول PageV05P086 ~~منبره بشر كثير في مثل ذلك اليوم. # وكان ينادي في جوف الليل: إلهي! هدأت العيون، وغارت النجوم، وأنت حي قيوم ~~لا تأخذك سنة ولا نوم، ذنبي عظيم، وأنت الرب العظيم، قد علمت سري، فاقبل ~~معذرتي، وقد علمت ما في نفسي، فأقلني عثرتي، إليك رفعت رأسي، يا ساكن ~~السماء! نظر العبيد إلى أربابها يا عامر السماء تساقطت القرى، وأبطل ذكرهم، ~~وأنت دائم الدهر مستغني كرسي القضاء. # ولما أصاب الخطيئة، نفرت الوحوش عنه، فنادى: إلهي! رد علي الوحوش كي آنس ~~بها، فرد الله عليه الوحوش، فأحطن به وأصغين بأسماعهن نحوه، فرفع صوته ~~بقراءة الزبور، والبكاء على نفسه، ونادينه: هيهات هيهات يا داود، ذهبت ~~الخطيئة بحلاوة صوتك. # قال: وقال الله تعالى له: قد غفرت لك يا داود، وألزمت عارها بني إسرائيل، ~~قال: وكيف ذلك يا رب وأنت الحكم العدل لا تظلم أحدا، أنا أعمل الخطيئة، ~~ويلزم عارها غيري؟ # فأوحى الله إليه: إنك لما اجترأت علي بالمعصية، لم يعجلوا عليك بالنكرة. PageV05P087 # وأما محمد صلى الله عليه وسلم: # فإنه وافى باب زيد بن حارثة، ووقع بصره على امرأة زيد، وهي زينب بنت جحش، ~~وهي في خمار أسود، وكانت وسيمة ذات هيئة، وهي واقفة في صحن الدار، فوقعت في ~~نفسه، فقال بكفيه على عينيه، وتولى، وقال: سبحان مقلوب القلوب! فرجع إلى منزله. # فروي في الخبر: أنه لما أوى زيد إلى فراشه تلك الليلة، عجز عنها، فقالت ~~زينب: أرادني ما يستطيعني، وما امتنعت، فعلمت أن هذا من أمر الله. # وروي في الخبر: أن زيدا أصابه ms0721 هناك ورم حتى حيل بينه وبينها، فلما رأى ~~ذلك، أحس بأمر حادث من الله، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليطلقها، فاعتل بعلل؛ تطييبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله! إن زينب لا تأتي ما أحب، ولا تبرني، ولا تطيعني في أشياء؛ كهيئة ~~الشكوى، فقال: اتق الله يا زيد، وأمسك عليك زوجك. PageV05P088 # فلم يزل زيد على عزمه الذي عزم لله على قلبه، فكما قلب قلب صفيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فهواها، فكذلك قلب قلب عبده زيد حتى طلقها، وانقضت عدتها، ~~فنزل القرآن بتزويجها منه، وولي الله تزويجها منه على لسان الروح الأمين، ~~فكانت تفتخر على سائر أزواجه فتقول: إن الله أنكحني من العرش، وهو وليي من ~~دون الخلق، والسفير في ذلك جبريل عليه السلام، فلما نزل قوله تعالى: {فلما ~~قضى زيد منها وطرا زوجناكها}، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل ~~عليها، وهي لا تعلم بشيء، فقعد عندها. # 1111 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثنا عبد ~~الله بن المبارك، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس -رضي الله ~~تعالى عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى زينب حين انقضت ~~عدتها، فخطبها، فقالت: حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن ~~بتزويجها، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليها بغير إذن. PageV05P089 # وأما الأول: وهو يوسف -صلوات [الله] عليه-، فقال حين شخص له البلاء: {معاذ ~~الله إنه ربي أحسن مثواي}، اعتصم بالله، وأخذه العدة من التعوذ به، وذكر ~~إحسان من ملكه، وأن هذا كفران النعمة أن أخونه في أهله. # والثاني: وهو داود عليه السلام حين شخص له البلاء، اعتصم بالحيل للنفس، ~~فنقل تلك المرأة إلى نسائه؛ لتطمئن النفس به. # والثالث: وهو محمد صلى الله عليه وسلم فزع إلى الله فردا حين شخص له ~~البلاء، واعتصم بفرديته. # ألا ترى أنه قال: سبحان؟ فذكر نزاهة الفردية، ثم انظر بأي شيء وصفه، وبأي ~~شيء نطق، ms0722 فقال: مقلب القلوب؛ فإن التقليب إنما خرج من مشيئته، ولأن القلوب ~~لم يكلها إلى أحد، وهو الذي يقلبها كيف شاء، فهذه أظهر كلمة، وأبرأها من ~~الأسباب ذكر نزاهته، ثم ذكر مشيئته، فتعلق بها، وتضرع إليه أن لا يقلبها ~~إلى ما لا يليق بها، ولا يحسن عنده، فكان عقبى تعلق يوسف عليه السلام أن ~~ترك حتى هم بها، وكاد الأمر أن يكون، PageV05P090 ~~ثم تداركه الرحمن برحمته حتى نال بها الاستخلاص. # ألا ترى أنه قال: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء}؟ ثم قال: {إنه من ~~عبادنا المخلصين}، فنسب فعل الإخلاص إلى نفسه، لا إلى يوسف، ولم يقل ~~مخلصين، وإنما قال: مخلصين، وصرف عنه بالبرهان، وهو جبريل عليه السلام في ~~صورة يعقوب عليه السلام، وهو سبب من الأسباب. # وكان عقبى تعلق داود عليه السلام: أن تركه حتى هم بما هم من شأن أوريا، ~~حتى مضى الأمر إلى آخره، ثم نبهه بالملكين، وملأ الشرق والغرب بكاء وعويلا ~~وصراخا، حتى عجبت الملائكة وخليقة الأرض من الطيور والوحوش والدواب جزعا ~~على مأثمه للمصيبة التي حلت به، والحرقات التي هاجت منه، وصارت إنابته ~~وتوبته حديثا للعالمين يكون مدد التوابين أيام الدنيا. # وكان عقبى تعلق محمد صلى الله عليه وسلم أنه ولي خلاصه من ذلك بنفسه ~~فردا، كما فزع إليه فردا، فمنع زيدا من إتيانها، وأخذ بقلبه عنها، حتى عجز ~~عنها، فطلقها، وهذه من الربوبية خرجت له، ثم ولي تزويجها منه فردا، وأنبأه من PageV05P091 ~~طريق الوحي أن قد زوجناكها. # أخرجه من تدبير أهل الدنيا، فإنما تدبيرهم أن يزوجوا بولي، ورضا المرأة، ~~وشاهدين، وصداق، فأخرجه من تدبير جمع خلقه، قال: {فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها}، وليس هاهنا صداق، ولا شهود، ولا ولي، ولا رضا. # فمن هاهنا قال العلماء: إذا زوج الرجل عبده أمته، ولم يفرض لها صداقا، ~~جاز؛ لأنه ملكه، فهذه مرتبة رفيعة لمحمد صلى الله عليه وسلم أن أخرج شأن ~~تزويجه لزينب من تدبيره لعامة خلقه، زوج أمته من عبده، فولي ذلك بكرمه ~~ورحمته، وأشهد الوحي على ذلك، ms0723 وجعل مرتبته صداقا لها منه، فأعلم الأمة محل ~~هذه القلوب الثلاثة أين كانت منه، وبروز قلب محمد صلى الله عليه وسلم على ~~سائر القلوب -صلوات الله عليهم أجمعين-. PageV05P092 ### || AUTO الأصل الثاني والعشرون والمئتان # 1112 - حدثنا سفيان، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن النعمان ~~بن بشير رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن في ~~الجسد مضغة إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي ~~القلب)). # 1113 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الفضل بن PageV05P093 ~~دكين، قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير رضي ~~الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # فالقلب: ملك، والأركان عبيد، إنما يعمل كل ركن في معمله بمشيئة القلب ~~وأمره والقلب في مشيئة الله يشاء، لم يكلها إلى أحد سواه، ولم يطلع على ~~القلب أحدا، يضع منها ما شاء، ويرفع منها ما يشاء، فالنور فيه، والتوحيد ~~فيه، والطاعات منه، وفكر ذلك كله في الصدر، وعن الصدر تصدر الأمور، ولذلك ~~سمي الصدر صدرا، والقلب لتقلبه، والفؤاد لتفييده، وهي بضعة واحدة، فالفؤاد: ~~البضعة الظاهرة، والقلب: البضعة الباطنة التي في جوف الفؤاد، وفي الفؤاد ~~العينان والأذنان. # ألا ترى إلى قوله عز وجل: {ما كذب الفؤاد ما رأى}، فنسب الرؤية إلى ~~الفؤاد، ومنه قيل لخبز الملة: خبز فئيد؛ لأنها خبزة في جوف خبزة، PageV05P094 ~~وما ظهر منها وقايتها من الرماد والحريق، فالقلب معدن النور، ومنظر الرب ~~-تبارك وتعالى-، ومستقر التوحيد، والصدر موضع التدبير والفكر، والنفس معدن ~~الشهوات، فإذا وجدت النفس طريقا إلى القلب، مرت بشهواتها إلى القلب، فدنست ~~الإيمان، وكان كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال له رجل: ~~أخبرني يا رسول الله بوصية قصيرة فألزمها؟ قال: ((لا تغضب؛ فإن الغضب يفسد ~~الإيمان كما يفسد الصبر العسل)). # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الإيمان حلو نزه، فنزهوه)). # فنزاهته: أن تعظم نفسك عن الشهوات، حتى لا يصل إلى قلبك ms0724 منها أذى، فيكون ~~بمنزلة ماء صاف جرى إليه ماء كدر، فذهب بصفائه، أو عسل ماذي وصل إليه غبار ~~الحنظل المر والصبر، فغيره عن حلاوته، وذلك: أنه استقر في قلبك بذلك النور ~~توحيد رب واحد ليس له نظير، ولا مشارك في شيء، وهو رب ودود كريم، فوجدت ~~حلاوة شعورك بإلهك أكثر من عبد يشعر بأن له سيدا يسود السادات في الدنيا، ~~ويملك سادة PageV05P095 ~~الملوك بغناه وملكه وسؤدده، فصال به على أهل الدنيا أن له سيدا هكذا، ~~فامتلأ قلبه بذاك سرورا وفرحا، ولكل سرور وفرح حلاوة، فهذا في عبيد الدنيا، ~~فكيف رب العالمين، ومالك الملوك، وسيد السادات إذا شعر الموحد بذلك من ربه ~~إذا ظهر له وداده وكرمه، وبره وحبه لعبده، فأي شيء بقي للعبد مما به إليه ~~حاجة إذا تم له هذا منه؟ فهذه حلاوة التوحيد ونزاهته، فجاءت شهوة النفس، ~~ووجدت سبيلا إلى القلب، خالطته وكدرته، ومازجت حلاوته، فدنست وكدرت، فلا ~~خسران أعظم من هذا. # فما ظنك بمن خلع على بعض قواده -وهو ملك من الملوك- خير خلعة في خزائنه، ~~فذهب فدنسها، وأخلقها بقلة التوقي بلبسها لها عن مواضع الدنس؟ ألم يك ~~محقوقا أن يسلب ويهان؟ أوليس على حياء من فعله في يومه الذي يدخل فيه على ~~الملك بتلك الخلعة؟ فانظر ماذا حل للموحدين من هذا الذي وصفت؟ وأي شيء عملت ~~هذه النفوس بأهلها؟ وهي لباس التقوى الذي ذكر الله في تنزيله، ثم قال: {ذلك ~~خير ذلك من آيات الله}. PageV05P096 # وأي آية أعظم من رجل أعطى قلبه خلعة، فإذا جاء يوم القيامة غشي بها، ووقي ~~حتى يجوز النار كلها وهي خادمة من سلطان تلك الخلعة، فمثل القلب مع قلة ~~اليقين، وكثرة صور الطاعات مثل ملك له عبيد، لهم هيئة، وشارة ومراكب، وزي ~~الأغنياء، والملك فقير معدم، ليست له مادة، ولا كنز، إنما ملكه على ما ظهر ~~منه، فالعاقل إذا نظر إليه، يقول في نفسه: ليس لهذا الأمير نظام، ولا له ~~دوام، فإنه معدم، وهذه الهيئات التي أراها لا تدوم، وسيحتاج إلى مثلها، ms0725 ~~وليس له مدد، وإن برز له مناوئ، فإنما زوال ملكه، وضياع هؤلاء العبيد، ~~وتغيير أحوالهم، بأدنى مناوشة من هذا المناوئ العارض له. # وإذا كان الملك ذا كنوز ومادة، والعبيد في هيئة بزة، لم يجسر على مناوءته ~~ولم يعزه ذلك من فعله يقول في نفسه: له بيوت أموال من الكنوز، ففي ساعة ~~واحدة يصيرهم فرسانا يجمع آلة الفرسان، ويكسوهم من الكسوة، ويعطيهم من ~~العدة ما يعرفهم بغناه، فكذلك الذي قلبه بين يدي الله في غناه وسلطانه، قد ~~احتظى منه الحظ الأوفى من جلاله، وعظمته، وكبريائه، ومجده، فهو بتلك ~~الأنوار مشرق صدره بها. # فإن رأى أركانه معطلة من أعمال البر، لم يضره ذلك؛ لأن الملك PageV05P097 ~~غني، قوي الأركان لم يضره، فإنه لا يترك فرضا، إنما يترك فضلا، وأي شيء ~~يستبين من فضائل الأركان في جنب ما تفضل الله به عليه، ومن به من معرفته ~~التي برز بها على خلقه، فلو زالت الجبال، لم تزل، قد عرف الله معرفة، قد ~~وثق به في جميع أحواله، وفوضها إليه، ناظرا إلى تدبيره، ومراقبا له، قابلا ~~أحكامه، قنعا بالذي يؤتى من الدنيا، مؤتمرا بأمره، مطمئنا له، ليست له همة، ~~ولا نهمة، ولا قرار، إلا الخلاص من هذا السجن الذي أخذ بنفسه، قد ضاقت عليه ~~الدنيا، وصارت له سجنا بطول احتباسه؛ لأنه ظمآن إلى لقاء الصفاء، وأي شيء ~~ألذ من لقاء العبد سيده الذي كان أمله من الدنيا والآخرة؟ # وإنما فقدت هذه اللذة العبيد الإباق الذين جهلوا سيدهم، ومتى سمعت بعبد ~~شهوته في الإباق، ومنيته الإباق من سيده أنه يحب لقاء سيده؟ وهل شيء أثقل ~~عليه من لقاء سيده؟ وإنما أبقوا من مولاهم، لأنهم تعجلوا حرية النفس، ~~وتقلبهم في دنياهم وشهواتهم، استبطؤوا الحرية، فتعجلوها، فهربوا من ~~العبودة، ولو وجدوا لذة العبودة، لم يهربوا، وإنما PageV05P098 ~~فقدوا لذة العبودة؛ لأنهم جهال، بمنزلة العبودة، فقد عرفوا وهم به جهال، لم ~~ينكروه بعد أن عرفوه، ولم يشكوا فيه بعد أن أيقنوا، وعلموه علم اللسان أنه ~~عظيم، وأنه جليل، وأنه كبير، وأنه ms0726 ماجد بهي، وأنه كريم واحد علي، وأنه حنان ~~منان، وأنه محسن مفضل. # ولكنه لم يتراء على قلوبهم نور جلاله، ولا حل بقلوبهم عظمة الله، ولا ~~تجلل عليهم كبرياء الله، ولا عارضها سلطانه، ولا طالعت مجده وبهاءه، ولا ~~عاينت مننه وإحسانه وأياديه، ولا فهمت تدبيره ولطفه في الأمور، ولا انتبهت ~~لربوبيته التي قد ملكت الخلق، ولا شربت بالكأس الأوفى من محبته، ولا ظمئت ~~من الشوق إليه، ولا ولهت وله العكف ببابه، ولا حملت حمل الوفد من مهابته، ~~ولا تفسحت في ساحات توحيده مستأنسة بجماله، ولا انفردت لأحدية الأحد الصمد، ~~ولا حييت بحياة الحي القيوم، ولا خلصت لواحدية الواحد، ولا طابت بنسيم ~~قربه، ولا انشرحت صدورهم بذلك من قلوبهم، إنما علموا جميع ما ذكرنا علما ~~مجملا، اقتضاهم الإيمان الإقرار بذلك قولا، والاعتقاد له قلبا، وصدورهم غير ~~منشرحة بباطن علمه، فمن جهل هذا، اكتفى بهيئة العبيد، والملك فقير معدم. # فالغافل ينظر إلى صلاته، وصيامه، وحجه، وجهاده، وأعمال بره؛ من الصدقة، ~~وعتق الرقاب، وبناء الرباطات والقناطر، وغسل الموتى، وحفر PageV05P099 ~~القبور، وتشييع الجنائز، وعيادة المرضى، فكأنه نظر إلى أركان، وجوارح كهيئة ~~عبيد عليهم ثياب جدد، وهيئة مرتفعة، ومراكب سرية، وأسلحة وافرة. # فإذا نظر إلى باطن أحدهم، وجد خوف الرزق على قلبه كالجبال، كاد يموت من ~~همه، وخوف الخلق، وخوف سقوط المنزلة من قلوبهم، والفرح بمدحهم والثناء ~~عليه، وحب الرياسة، فطلب العلو، والتبصبص للأغنياء، والاستحقار للفقراء، ~~وتناول النعمة على أيدي الغفلة، والأنفة من الفقراء، والاستكبار في موضع ~~الحق، والحقد على أخيه المسلم، والعداوة، والبغضاء، وترك الحق لمخافة ذل ~~ينزل به، والقول بالهوى، والحمية والرغبة في الدنيا، والحرص عليها، والشح، ~~والبخل، وطول الأمل، والأشر، والبطر، والغل، والغش، والمباهاة، والرياء، ~~والسمعة، والاشتغال بعيوب الخلق، والمداهنة، والإعجاب بالنفس، والتزين ~~للمخلوقين، والصلف، والتجبر، وغرة النفس، والقسوة، والفظاظة، وغلظ القلب، ~~والغفلة، وسوء الخلق، وضيق الصدر، والفرح بالدنيا، والحزن على فوتها، وترك ~~القناعة، والمراء في الكلام، والجفاء، والبطش، والعجلة، والحدة، والجرأة، PageV05P100 ~~وقلة الرحمة، وقلة الحياء، والاتكال على الطاعات، والأمن لسلب ما أعطي، ms0727 ~~وفضول الكلام، والشهوة الخفية، وطلب العز، واتخاذ إخوان في العلانية على ~~عداوة في السر، واختبار الأحوال، والتملك، والاقتدار في الله، وذهاب ملك ~~النفس إذا رد عليه قوله، والتماس المغالبة لا لله، والانتصار للنفس، إذا ~~نالها الذل، والأنس بالمخلوقين، والوحشة إذا عجز عن رؤوسهم، والتعظيم ~~للأغنياء من أجل غناهم، والاستهانة للفقراء من أجل فقرهم، والحسد، والغيبة، ~~والنميمة، والجور، والعدوان. # فهذه كلها مزابل قد انضمت عليها طوايا صدره، وظاهره: صوم، وصلاة، وزهادة، ~~وأنواع أعمال البر، فإذا انكشف الغطاء بين يدي الله عز وجل عن هذه الأشياء، ~~كان كمزبلة فيها أنواع الأقذار، غشيت بالديباج، فلما رفع الغشاء، أخذت ~~بالأنف من نتنها، وأعرض الناظرون إليها من قبحها، فهذا عبد مراء، مداهن، ~~متصنع، عبد شهواته، فلم يقدر أن يخلص من عمله، فإنه لا ينفك من عمل يحتاج ~~إلى أن يجتهد فيه، فكما احتاج أن PageV05P101 ~~يجتهد في صلاته فيخلصها، فكذلك هو محتاج إلى أن يخلص في مشيه، وركوبه، ~~ونزوله، وأكله، وشربه، ومنطقه، وصمته، وأخذه، وإعطائه، وجميع معاملاته، ~~وجميع سعيه، فلم يقدر أن يخلص بهذا الجهل لربه سعيه، ونفسه متقدة بنار ~~الشهوة، وقلبه مشحون بهوى نفسه، ولو أنه اجتهد حتى أخلص في هذا كله أليس ~~هذه المزابل معه، فهذه كلها عيوب، والعبد إذا كثرت عيوبه، انحطت قيمته. # فالعاقل: لا يغره ما رأى من ظاهر أقواله، وتقلبه في أعمال البر، إذا اطلع ~~على باطنه، فوجده على ما وصفناه، وقال في نفسه: هذا كملك له عبيد في زي، ~~وهيئة، ومراكب، والملك بنفسه ليس له مادة من الكنوز، ولا من القوة ما يدوم ~~لعبيده هذا الذي أرى، فلم يعبأ بما عاين من عبيده، وعلم أن الملوك إذا ~~اجتمعوا، وهذا معدم فيما بينهم، تبين عدمه عند محاولتهم ومشاكلتهم الأمور، ~~وأنه إذا ناب نائب فالملوك على مراتبهم، وقواهم، وعدتهم، وهذا فيما بينهم ~~أسير، أو رجل ناديته من عرض الناس. # وإذا رأى عبيدا في هيئة رثة، والملك صاحب كنوز وجواهر، وقد ملأ من ~~الجواهر بيته، وملأ الخزائن من الأموال، علم هذا العاقل: أن ms0728 هذه الهيئة لا ~~تضر عبيده؛ لأنه متى عرض أمر، فتح لهم بابا من خزائنه فعرفهم، فكذلك إذا ~~رأى عبدا أركانه معطلة من هذه الأشغال التي ذكرنا من أعمال PageV05P102 ~~البر؛ من غسل الموتى، وبناء القناطر، واتخاذ الرباطات، وعيادة المرضى، ~~وصلاة الضحى، وتشييع الجنائز، وعتق الرقاب، وما أشبه ذلك، وقلبه ملك من ~~الملوك، مملوءة خزائنه أموالا، وبيته جواهر. # فأما الأموال: فهي غناه بالله، وأي غنى أغنى ممن استغنى بالله تعالى؟! ~~فالأموال كلها مددها منقطع، والله حي دائم لا يزول، فالغنى بالله دائم، ~~والغنى بالأموال منقطع. # وأما الجواهر: فحكمة صفاته، وهي الحكمة العليا، وهي حكمة الحكيم، قد عجز ~~عن دركها الخلق، وإنما خص بها الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، وخاص ~~الأولياء أهل خدمة الله، فموجود عند هذا القلب الهيبة والحياء والخشية ~~والمحبة، فقد انفرد للفرد الواحد، واحتظى من جلاله، وعظمته، وكبريائه، ~~ومجده، وجماله، فتواضع لله، وخشعت جوارحه بخشوع قلبه، وعظم أمر الله، وحفظ ~~حدوده، وراقب تدبيره؛ إعظاما لجلال الله، وهيبة له، وتذللا لربوبيته، فعنده ~~الرأفة بالخلق، والرحمة لهم، واللين، والرفق، والحلم، وسعة الصدر، وتعظيم ~~أمر الله، والإخلاص له، وحراسة القلب، ودوام الفكر، والقناعة، والرضا، ~~والإنابة، والشوق إليه، والتبرم بالحياة، ورؤية المنة، واليقظة في الأمور، ~~والمعاينة لها، والرزانة، والصيانة، والنزاهة، والشفقة، والعطف، والتأني، ~~والوقار، والسكون، والذكر الدائم، والرهبة، والرغبة، والخوف، والرجاء ~~والأنس بالله، PageV05P103 ~~والسرور به، والسخاء، والجود، والبشاشة، والنصيحة، وسلامة الصدر. # فهذا قلب قد امتلأ خيرا، وامتلأت جوارحه من هذا الخير، فلساعة من عمره ~~بهذه الصفة أفضل من عبادة الثقلين دهرا، فإن تعطلت أركانه عن كثير من أعمال ~~البر، فهذا الخير كله دائم عليه، بدوام قلبه على ذلك، وقليل من عمله أزكى ~~من عمل ذلك المخلط سنين كثيرة. # 1114 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس، قال: سمعت ~~وهيب بن الورد يقول: بلغني: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فلما رأى ما به من الضر، قال: ((ما بلغ بك ما أرى؟))، قال: بأبي أنت وأمي، ~~السقم والحاجة، ms0729 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفلا أعلمك كلمات إذا ~~أنت قلتهن، أذهب الله عنك كل ما بك؟))، قال: بأبي أنت وأمي، ما أحب أن لي ~~بما ترى بي وقيعة بدر وأحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أخا ~~الأنصار! وأين تقع وقيعة بدر PageV05P104 ~~وأحد من موقع الفقير القانع؟!)). # 1115 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثني سيار، قال: حدثنا بشر بن ~~منصور، عن عبد العزيز بن أبي رواد، رفعه: أن رجلا شهد له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالجنة، فلم ير له صوم ولا صلاة، فقيل له في ذلك، فقال: ~~((إني أبيت وليس لأحد في قلبي غل، ولو أعطيت الدنيا، ما فرحت بها، ولو أخذت ~~مني، لم أحزن عليها)). # 1116 - حدثنا أبي رحمه الله تعالى، قال: حدثنا محمد بن الحسن، عن ابن ~~المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن PageV05P105 ~~أنس -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه. # 1117 - حدثنا مؤمل بن هشام، قال: حدثنا إسماعيل ابن إبراهيم، عن غالب ~~القطان، عن بكر بن عبد الله المزني: أن أبا بكر الصديق -رضي الله تعالى ~~عنه- لم يفضل الناس بكثرة صلاة ولا صوم، وإنما فضلهم بشيء كان في قلبه. # 1118 - حدثنا أبي رحمه الله تعالى، قال: أخبرنا الحسن بن سوار، قال: ~~حدثنا المبارك، عن الحسن، قال: إن عمر رضي الله عنه لم يغلب الناس ~~بالأعمال، إنما غلبهم بالصبر واليقين والزهد. # 1119 - حدثنا أبو السائب سلم بن جنادة السوائي، PageV05P106 ~~قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن ~~يزيد، قال: قال عبد الله: أنتم اليوم أكثر صلاة وصياما وجهادا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا خيرا منكم، قالوا: بما ذاك يا أبا ~~عبد الرحمن؟ قال: كانوا أزهد في الدنيا، وأرغب في الآخرة. # فالزهادة في الدنيا والرغبة في الآخرة إنما تؤتى العبد من فضل اليقين، ~~وإشراق الصدر بنوره. # 1120 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عون بن ms0730 موسى الليثي، قال: تذكروا ~~عند الحسن: أي الأعمال أفضل؟ فكلهم اتفقوا على قيام الليل، فقال معاوية بن PageV05P107 ~~قرة: ترك المحارم، فقال الحسن رحمه الله: أصبت. # 1121 - قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: حدثنا سفيان، عن ~~يحيى بن سعيد، وعلي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب: أن عبد الله بن ~~سلام رأى سلمان في المنام بعد موته، فقال: كيف أنت يا أبا عبد الله؟ قال: ~~بخير، أبشر، فإني وجدت الأعمال فلم أر شيئا أفضل من التوكل. # 1122 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، ~~عن المغيرة PageV05P108 ~~ابن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سلام، بمثله، قال له: وجدت التوكل شيئا عجيبا. # 1123 - حدثنا أبو بكر بن سابق الأموي، قال: حدثنا أبو مالك الجنبي، عن ~~جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه -تبارك وتعالى- أنه قال: ((يا موسى! لم ~~يتصنع المتصنعون بمثل الزهد في الدنيا، ولم يتقرب المتقربون بمثل الورع عما ~~حرمت عليهم، ولم يتعبد العابدون بمثل البكاء من خشيتي. فأما الزاهدون، ~~فأمنحهم الجنة حتى يصيبوا منها حيث شاؤوا، وأما الورعون عما حرمت عليهم، ~~فإنه ليس عبد يلقاني يوم القيامة إلا أناقشه الحساب، وفتشته عما في يديه، ~~إلا ما كان من الورعين، فإني أجلهم، PageV05P109 ~~وأكرمهم، فأدخلهم الجنة بغير حساب، وأما البكاؤون من خشيتي، فلهم الرفيق ~~الأعلى لا يشركون فيه)). # 1124 - حدثنا محمد بن محمد بن حسين، قال: حدثنا حكامة بنت عثمان بن ~~دينار، قالت: حدثنا أبي، عن مالك بن دينار، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الورع سيد العمل من لم يكن له ~~ورع يرده عن معصية الله تعالى إذا خلا بها، لم يعبأ الله بسائر عمله شيئا، ~~فذلك مخافة الله في السر والعلانية، والاقتصاد في الفقر والغنى، والصدق عند ~~الرضا والسخط، ألا وإن PageV05P110 ~~المؤمن حاكم على نفسه، يرضى للناس ms0731 ما يرضى لنفسه)). # فهذه الخصال لا تكون إلا لأهل القلوب، فأما أهل الأعمال، فإنهم أعجز من ~~أن يكون هذا لهم. # 1125 - حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا خالد بن مخلد القطواني، ~~قال: حدثنا حمزة الزيات، عن الأعمش، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير ~~دينكم الورع)). PageV05P111 # لأن فضل العلم بالله يحكم العبادة، ويخلصها إلى الله، ويصيغها إلى صاحبه ~~غدا، وخير الدين الورع، والدين الخضوع، فخير ما خضع العباد لله عند محارمه ~~ونهيه، فانتهوا، وتركوا شهواتهم خضوعا وذلة. # وما هاهنا قال أبو الدرداء: ((ما أعرف من أمر أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم شيئا إلا أنه يصلون جميعا)). # 1126 - حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، عن ابن نمير، عن الأعمش، عن سالم بن ~~أبي الجعد، عن أم الدرداء -رضي الله عنها-، عن أبي الدرداء رضي الله عنه. PageV05P112 # وإنما نظر أبو الدرداء إلى القلوب، فرآها خربة، قد سقطت عنها هذه الأشياء ~~التي ذكرناها، فلم يعبأ بأعمال الأركان منهم. # 1127 - حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: حدثني ~~أبي، عن جدي، عن سلمة ابن كهيل، قال: لقيني أبو جحيفة السوائي، فقال: يا ~~سلمة! ما نعرف اليوم شيئا إلا أنهم يتوجهون إلى الصلاة. # 1128 - حدثنا عتبة بن عبد الله اليحمدي، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، ~~قال: أخبرني عيسى بن عمر، قال: حدثني سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: PageV05P113 # قال أبي لأنس بن مالك رضي الله عنه: يا خال! ليسوا بالناس الذين كنت ~~تعهدهم، إنما هم الذئاب عليهم الثياب، فاحذرهم، قال: أما والله! لئن قلت ~~ذاك، لقد رأيتني منهم هنيهة، إني أحدثهم بالحديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فيقولوا أنت سمعت هذا بأذنيك. # 1129 - حدثنا محمد بن محمد بن حسين، قال: حدثنا علي بن الجعد، عن سليمان ~~بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: ما أعرف اليوم فيكم ms0732 شيئا عهدته على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس قولكم: لا إله إلا الله. PageV05P114 # فصلاح القلب صلاح الجسد، وعمارته عمارة دينه. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من كان له قلب صالح، ~~تحنن الله عليه)). # وروي عن عيسى عليه السلام: أنه قال: ((بالقلوب الصالحة يعمر الله الأرض، ~~وبها يخرب الأرض، إذا كانت على غير ذلك)). # 1130 - حدثنا بذلك أبو سنان، قال: حدثنا الحكم ابن نافع، عن صفوان بن ~~عمرو، عن شريح بن عبيد، عن يزيد ين ميسرة. PageV05P115 ### || AUTO الأصل الثالث والعشرون والمئتان # 1131 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا يوسف ابن عطية، عن ثابت ~~البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجدون في صدورهم من ~~الوسوسة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كيف أنتم وربكم؟))، قالوا: ~~لا نشك في ربنا، ولأن يقع أحدنا من السماء، فيتقطع أحب إليه من أن يتكلم ~~بما يجد في صدره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الله أكبر! ذاك محض ~~الإيمان)). # وكان ثابت يقول: ((اللهم أكثر لنا منه)). PageV05P117 # وقال عطاء السلمي: اللهم اذهب به عني؛ فإني أخاف أن أكون قد هلكت، فقال لي ~~عطاء: ليتك سألت ثابتا: لم يقول هذا؟ فانتهيت إلى ثابت وهو يقول: ألا أقول ~~لشيء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هو محض الإيمان)) أن يزيدنا الله منه. # فقد أحكم الله الإيمان في قلوب من اجتباهم وهداهم، ووقعت مشيئته عليهم ~~يوم اختارهم في سابق علمه، وأبرز أسماءهم بالسعادة في اللوح المحفوظ، ~~وأخرجهم في أصحاب اليمين يوم الميثاق، وفزع الشيطان من أين يوسوس إليهم في ~~توحيدهم ما يبطله عنهم، وكيف يجوز ذلك، وقد أخذ الله بقلبه وناصيته، وفي ~~قلبه نوره؟ فكيف يقوم العدو لنوره حتى يطفئه؟ وليس أحد ينشرح صدره بالله، ~~ولم ينطق بلا إله إلا الله إلا بمنة الله عليه، والله أكرم من ms0733 أن يرجع في ~~منته، فيسلط عليه العدو حتى يبطله. # ألا ترى إلى قوله تعالى للعدو: {إني عبادي ليس لك عليهم سلطان PageV05P118 ~~وكفى بربك وكيلا}؛ أي: لم أعطك عليهم من السلطان ما يدخل عليهم في قلوبهم، ~~فتفسد عليهم توحيدهم، وإنما سلطانه في الصدر؛ لأن الصدر بيت القلب، والنفس ~~معدن الشهوات. # ألا ترى إلى قوله عز وجل: {يوسوس في صدور الناس}، والشيطان يزين، ويشهي، ~~ويمني، ويحدث في هذا الصدر بهذه الشهوات التي في النفس حتى يضله ويفتنه، ~~فأما القلب، ففيه نور الله، وقد استقر فيه توحيده، وهو الإيمان به، فليس ~~للكفر فيه شهوة، فيدخل الشيطان هناك بظلمته، فيزين له الشرك حتى يفسد ~~توحيده، ولا له إليه سبيل، إنما سبيله فتنة الصدر لهذه الشهوات. # ألا ترى إلى قوله تعالى: {وكفى بربك وكيلا}؛ أي: مانعا شيطانه من أن يدخل ~~قلبه، والقلب إذا جعل الله فيه نورا، وأحياه، فقد توكل له بالعصمة، والحفظ، ~~والستر، والتأييد، فهو يكلؤه ويرعاه، والشيطان أخسأ، وأذل، وأقل من يقدر ~~إليه لحاظا، إنما حديثه على أذن القلب في صدره. # فأما قلبه، فقد كفاه الله وكيلا له، وقال: {حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم}؛ أي: وصل نوره إلى حبة قلوبكم، وحبة القلب هو بضعة اللحم الباطنة، ~~وهذه البضعة الظاهرة يقال لها: فؤاد، وفيها العينان PageV05P119 ~~والأذنان، وباب القلب، والبضعة التي في جوفها هو القلب، يقلبها من لم يكلها ~~إلى أحد، ولم يطلع عليها أحد من خلقه، فنزع شهوة الكفر والفسوق والعصيان من ~~ذلك القلب حين أوصل إلى حبة قلبه الإيمان، فليس يعصي مؤمن يريد بذلك أن ~~يعصي الله أو يفسق، إنما يريد قضاء نهمته، والكافر عدو لله، يعصي، ويريد ~~معصية الله، والفسق هو الذهاب بالرقبة، والخروج من أمره، والرد عليه ~~والجحود، فحبب الإيمان، وزينه، وكره الكفر والفسوق والعصيان. # فليس يجد المؤمن في نفسه شهوة الكفر؛ لأنه نزعها بإيصال الإيمان إلى حبة ~~قلبه، وهو النور حتى أمن، ثم بقي شهوة الأشياء في قلبه، ثم حرم وأحل، ~~ليبلوه، وقال له: جاهد نفسك في هذه الشهوات ms0734 الباقية، فقد كفيتك الشهوة ~~العظمى التي تدمر وتهلك، وهذه الشهوات الباقية لي أن أحرم وأحل، ولن أجوز ~~أن أحل تلك الشهوة العظمى، وهي الشرك، فما لم أجوزه أن أحله، فقد كفيتك ~~مؤنته؛ بأن نزعت عنك شهوته، وكرهته إليك، وما جاز أن أحله وأحرمه، فقد ~~أمرتك بمجاهدة نفسك؛ لتحل حلالي، وتحرم حرامي، وتجتنبه، فالمؤمن قد جلاه ~~الله بالإيمان، وطهره، وطيبه وزين قلبه، فإذا وسوس في صدره، أنكر القلب بما ~~فيه من النور، فإنكاره محض الإيمان، وإنما صار محضا؛ لأنه اهتاج واستنار، ~~ومثل ذلك مثل PageV05P120 ~~جمرة قد علاها الرماد بخمودها، فلا يكاد يضيء مما علاها، فوصلت إليها نفخة، ~~فطار عنها رمادها، فتوقدت، وتلظت، واستضاء البيت بتوقدها، فازدادت تلك ~~الجمرة، فصارت محضة بما طار عنها [من] الرماد. # فكذلك القلب فيه الإيمان، فقد أسقم، وعلاه رماد حريق الشهوات، من أجل ذلك ~~يضعف، حتى آثر شهواته على أمر الله، وآثر رضا نفسه على رضا ربه، فلما جاءه ~~الوسواس بحديثه وكيده، يريد به نقض توحيده، كان ذلك كمن ينفخ في تلك ~~الجمرة؛ لتتقد، ويطير عنها الغبار، وتلك النفخة هو أمن من الله، حتى يلطف ~~لعبده من لطفه؛ ليفي له بما توكل له من قوله: {وكفى بربك وكيلا}. # ولذلك قال عبد الله حيث سئل عن الوسوسة، قال: ذلك برزخ الإيمان، والبرزخ ~~ما بين الشيئين، فلما صار إيمانه ذا غبار، رحم الله عبده، ولطف به في تسليط ~~الوسواس عليه، ثم لطف به من حيث خفي على العباد بالعصمة، فمنع كيده من أن ~~يفسد عليه توحيده، واهتاج الإيمان منكرا لما جاء به، ونافرا عنه، فطار عنه ~~رماد الشهوات، وغبارها، ودخانها، واستوقدت جمرة الإيمان، فأضاءت الصدر، ~~فلذلك صار محض الإيمان؛ لأنه في PageV05P121 ~~ذلك بلا رماد، ولا غبار، ولا دخان، ففهم هذا المعنى الذي ذكرنا ثابت ~~البناني رحمه الله، فما أحسبه، فلذلك قال: اللهم زدنا منه. # فإنما سأل الزيادة من ذلك اللطف الذي يلطف الله لعبده، والبرزخ الحاجز ~~بين الشيئين، فقد كان الإيمان ثابتا في القلب، فلما جاءت الوسوسة، كان أمر ms0735 ~~الله أسرع، فدخل بين الوسوسة، وبين الإيمان؛ ليكون حاجزا؛ ليكون كما دخل ~~بين البحرين حاجزا: بحر العذب، وبحر المالح، وكلاهما ملتصقان في رأي العين، ~~فلا يعذب المالح، ولا يملح العذب، وهو قوله تعالى: {مرج البحرين يلتقيان. ~~بينما برزخ لا يبغيان}، وقال: {وجعل بين البحرين حاجزا}، فإنما هو بلطفه ~~حجز بينهما، وقال عز وجل: {وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا}. # فإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ذاك محض الإيمان))؛ لقولهم: ~~لأن يقع أحدنا من السماء أحب إليه من أن يتكلم بما يجد في صدره، فصير ذلك ~~الذي وجدوا في صدورهم من الإنكار محض الإيمان، فبان بما قلنا: أن صاحب ~~الوسوسة إنكاره لما جاء به الوسواس فيه كفاية له؛ لأن من شأن المعرفة أن ~~ينكر غيره، ومن شأن الإيمان أن ينفي الكفر، ومن شأن التوحيد أن ينفي الشرك، ~~ومن شأن النور أن ينفي الظلمة، ومن شأن الرب أن ينفي عدوه من حريمه. # فإنما يجد المؤمن الإنكار على قلبه من أجل أن في قلبه معرفته، PageV05P122 ~~وتوحيده، والإيمان به، وذلك من النور الذي استقر في قلبه، وأن قلبه حريم ~~الله، وحوزه، وبيته، ومنظره، ولم يكل القلوب إلى أحد من خلقه، ولا لهم أن ~~يطلعوا على ما فيها، ولا يعلم مخلوق ما فيها، ولا يعلم بذلك أحد إلا الله، ~~ثم صاحبها؛ بالإحساس، ووجود البشرية، فإذا جاء العدو بالكفر، فإنما جاء ~~بظلمة يريد أن يمزجها بالنور، فلا يطفئه، ولا سبيل له إلى ذلك، وجاء شك ~~يريد أن يمزجه باليقين، فلا سبيل له إلى ذلك، كما لا سبيل إلى من ينظر إلى ~~شمس تضيء، فقيل له: إن هذا كوكب، أو إلى نهار مبصر، فقيل: هذا ليل، فكذلك، ~~ولا سبيل للشيطان أن يدخل على التوحيد بشركه، ولا على نور الله بظلمته، ولا ~~على حباله بحبالته. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمن مثل الفرس ~~في آخيته، يجول ثم يرجع إلى آخيته)). PageV05P123 # فالمؤمن يسهو ويسهو، ثم يعود إلى إيمانه؛ لأن الله تعالى أخذ ms0736 بقلبه، وعرفه، ~~ولا ينكر القلب من عرف إذا كانت المعرفة صحيحة، فإنكار المؤمن من نفار قلبه ~~بما فيه من النور، ومن ظلمة ما جاء به العدو، فلذلك محض الإيمان؛ لأنه إنما ~~هاج إنكاره من اهتياج إيمانه، وإذا اهتاج، استنار وأشرق، فلذلك صار محضا، ~~فيحق للمؤمن أن يقل عناه بوسوسته، فأخسأ ما يكون إذا استحقرته، ولم تعبأ ~~به، فمن اعتراه ضعف في قلبه، حتى يحزن ويخاف على نفسه، فذاك لضيق صدره، ~~وقلة انشراح صدره، وظلمة الشهوات والذنوب. # فإن وسوس إليه في التشبيه، فالرد عليه أن يقول في نفسه: كل ما تصور في ~~صدري، فربي بخلافه؛ لأنه لا يتصور في صدري إلا مخلوق، أو نعته؛ لأن ما تصور ~~في الصدر فله كيفية، وربي لا يدرى كيف هو، ولا مثل له، فإذا تمثل في الصدر، ~~فهو غير ربي، وإذا كان رجلا مبتلى بهذا، ومن كثرة ما يتردد في صدره يخاف ~~على نفسه، ولا يطمئن إلى السكوت، فليقل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((الله الله ربي لا أشرك به شيئا)). PageV05P124 # وإنما هذه كلمة تطيب بها نفسه لما ضاق منه صدره؛ ليخرج من ضيقه، بهذه ~~الكلمة إلى السعة. PageV05P125 ### || AUTO الأصل الرابع والعشرون والمئتان # 1132 - حدثنا أبي رحمه الله تعالى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا ابن ~~نمير، عن موسى بن عبيدة، عن إياس بن سلمة ابن الأكوع، عن أبيه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان ~~لأمتي)). # قال أبو عبد الله: # فالنجوم: هن الطوالع السوائر الغوارب، وهن خمس: عطارد، وبهرام، وهو الذي ~~يقال له: المريخ بلغة أخرى، وزحل، ومشتري، PageV05P127 ~~والزهرة، وهن اللاتي ذكرن في التنزيل في قوله: {فلا أقسم بالخنس. الجوار ~~الكنس} ينخنسن في ضوء النهار، ويظهرن في سواد الليل، ويكنسن؛ أي: يغبن في ~~مغاربهن، ولذلك سمين نجوما، لأنها تنجم؛ أي: تطلع من مطالعها في أفلاكها، ~~كالشمس والقمر، وسائرها كواكب، قال الله تعالى: {إذا الشمس كورت. وإذا ~~النجوم انكدرت}؛ أي: تناثرت، وذهب ضوءها، وقال: ms0737 {جعل لكم النجوم لتهتدوا ~~بها}، فالاهتداء بالنجوم، وجعل الكواكب زينة، وقال: {إنا زينا السماء ~~الدنيا بزينة الكواكب}، وقال: {ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين}. # فالكواكب معلقات من السماء كالقناديل، والنجوم لها مطالع ومغارب، تنجم ~~وتغرب، فهي أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت، أتى السماء ما توعد؛ لأنه قد ذكر ~~في تنزيله فقال: {وإذا النجوم انكدرت}، {وإذا السماء كشطت}؛ أي: نزعت، فقد ~~ذهبت مقاومهم ومصافهم. # وعلى هذا تأويل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أصحابي مثل النجوم، ~~بأيها اقتديت اهتديت)). # فليس كل من لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعه، أو رآه رؤية واحدة ~~يدخل في الصحبة، إنما أصحابه من لازمه غدوة وعشية، وعرف بصحبته، فكان يتلقى ~~الوحي منه طريا، ويأخذ عنه الشريعة التي جعلت منهجا للأمة، PageV05P128 ~~وينظر منه إلى أدب الإسلام وشمائله، فصاروا من بعده أئمة أدلة، فبهم ~~الاقتداء، وعلى سيرتهم الاحتذاء، فكانوا يمسون عنده ويصبحون عنده، يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي، وأثنى عليهم في تنزيله، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالصبر معهم، فقال: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا}. # 1133 - حدثنا الجارود، ثنا يحيى بن الحكم، ثنا خلف بن خليفة، عن أبي ~~هاشم، عن سعيد بن جبير في قوله: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي}، قال: المخاطبة في الحلال والحرام. # فقوله: ((مثل أصحابي مثل النجوم)). # تأويله عندنا -والله أعلم-: # أنه إنما عنى به أولئك الذين صحبوه بدوام الصحبة، ولزموه في الحضر ~~والسفر، وفقهوا في دين الله، وعرفوا الناسخ والمنسوخ والسنن، حتى صلحوا من ~~بعده للخلافة، فكانوا خلفاء مهديين، وأمراء في الأمصار مرضيين، فهم الذين ~~بأيهم اقتديت اهتديت؛ مثل: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، ~~وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وأبي عبيدة، ومعاذ، وابن مسعود، وأبي الدرداء، ~~وأشباههم ممن قد عرفوا PageV05P129 ~~بالفقه في دين الله، والصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهم النجوم ~~الأدلة، فإنما شبههم رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0738 بالنجوم، والكواكب ليست ~~بأدلة، ولا بهم اهتداء، وهؤلاء القوم من أصحابه هم قليل عددهم كالنجوم، ~~لأنهم أهل بصائر ويقين، وإنما جاز لهم اجتهاد الرأي بفضل اليقين والبصائر، ~~فلما اختلفوا في اجتهادهم، كان كل من أخذ بقول من أقوالهم تقليدا له، كان ~~مهتديا إذا لم يكن من أهل النظر والتمييز، فمن كان من أهل النظر، فاستنبط ~~واختار قولا من أقوالهم مجتهدا، كان له ذلك، فأما من لم يكن له صحبة، وإنما ~~رآه رؤية واحدة؛ مثل: طارق بن عبد الله المحاربي، ومثل: رويفع بن ثابت ~~البلوي، ومثل: نبيشة الهذلي، فهؤلاء مثل الكواكب يضئن لأنفسهن، وليسوا ~~بأدلة، ولا بأئمة. # وأما قوله: ((أهل بيتي أمان لأمتي)). # فإن أهل بيته من خلفه من بعده على منهاجه، وهم الصديقون. # وروي في الخبر: أن الأرض شكت إلى ربها انقطاع النبوة، فقال: سوف أجعل على ~~ظهرك أربعين صديقا، كلما مات منهم رجل، أبدلت مكانه رجلا. # ولذلك سموا: أبدالا، بدل الله أخلاقهم، فطيبها، وطهرها، وصفاها، وكلما ~~مات رجل، أبدل مكانه مثله، قد هيأه لذلك، ورباه، وهذبه، وأدبه حتى يقوم ~~مقامه، فهم أوتاد الأرض، وبهم تقوم الأرض، وبهم تمطرون. # 1134 - حدثنا عمر بن يحيى بن نافع الأبلي، ثنا العلاء بن زيدل، عن أنس بن ~~مالك، قال: الأبدال أربعون PageV05P130 ~~رجلا، كلما مات واحد، بدل آخر، فإذا كان عند القيامة، ماتوا كلهم، اثنان ~~وعشرون منهم بالشام، وثمانية عشر بالعراق. # 1135 - حدثنا حميد بن الربيع اللخمي، ثنا يزيد بن حيان، حدثني عمر البزاز ~~جليس حماد بن سلمة، ثنا الحسن بن ذكوان، عن عبد الواحد بن قيس، عن عبادة ~~ابن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الأبدال ثلاثون ~~رجلا، قلوبهم على قلب إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، إذا مات رجل منهم، ~~أبدل الله مكانه آخر)). # فليس في الحديثين اختلاف، وإنما هم أربعون رجلا، فثلاثون منهم قلوبهم على ~~قلب إبراهيم. # وكذلك روي لنا عن أبي الدرداء: # 1136 - حدثنا بذلك عبد الرحيم بن حبيب الفاريابي، ثنا داود بن محبر، عن ~~ميسرة، عن أبي عبد ms0739 الله الشامي، عن PageV05P131 ~~مكحول، عن أبي الدرداء، قال: إن الأنبياء كانوا أوتاد الأرض، فلما انقطعت ~~النبوة، أبدل الله مكانهم قوما من أمة أحمد يقال لهم: الأبدال، لم يفضلوا ~~الناس بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بحسن الخلق، وصدق الورع، وحسن النية، ~~وسلامة القلوب لجميع المسلمين، والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله، بصبر وحلم ~~ولب، وتواضع في غير مذلة، فهم خلفاء عن الأنبياء، قوم اصطفاهم الله لنفسه، ~~واستخلصهم بعلمه لنفسه، وهم أربعون صديقا، منهم ثلاثون رجلا على مثل يقين ~~إبراهيم خليل الرحمن، بهم يدفع المكاره عن أهل الأرض، والبلايا عن الناس، ~~فبهم يمطرون، ويرزقون، لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ من خلقه ~~من يخلفه. # 1137 - حدثنا أبي رحمه الله، ثنا عبد العزيز بن المغيرة البصري، ثنا صالح ~~المري، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن بدلاء أمتي ~~لم يدخلوا الجنة بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن دخلوها برحمة الله، وسلامة ~~الصدور، PageV05P132 ~~وسخاوة الأنفس، والرحمة لجميع المسلمين)). # 1138 - حدثنا علي بن حجر، ثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثني صفوان بن ~~عمرو، عن شريح بن عبيد الحضرمي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الأبدال يكونون بالشام، وهم ~~أربعون رجلا، كلما مات منهم رجل، أبدل الله مكانه رجلا، يسقى بهم الغيث، ~~وينصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الأرض بهم البلاء)). # فهؤلاء أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمان هذه الأمة، فإذا ~~ماتوا، فسدت الأرض، وخربت الدنيا، وهو قوله -تبارك وتعالى-: {ولولا دفع ~~الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}، فبهم يدفع الله عن أهل الأرض، وهو ~~قوله تعالى: ((يا موسى! لولا من يحمدني من خلقي، ويوحدني، لسبلت جهنم على ~~الأرض تسبيلا)). # فخالص الحمد، وخالص التوحيد على الحقيقة لهؤلاء الأربعين. PageV05P133 # والبيت من تبوئة الذكر، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ليبوئ ذكره ~~في الأرض، فطرد من حرمه، ولم يؤووه، فجعل الله له مهاجرا ومستقرا، فمن ms0740 هاجر ~~إليه، فأووا إليه، ولزموه، فصاروا أهل الذكر، فهم أهل بيته، ومن أوى إليه، ~~ولم يصر من أهل الذكر، فهم ليسوا من أهل البيت، وهم من أصحابه وتباعه، ~~وإنما يكون من أهل التبوئة؛ من بوأ لذكره على طريقه. # قال له قائل: وكيف ذلك. # قال: إن الذكر قد اشترك فيه الجميع، حتى المنافق، قال الله تعالى: {ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا}. # وقال الحسن البصري: إنما قل؛ لأنه كان لغير الله، فذاك وإن كثر منه، فهو ~~قليل، فكذلك من المخلط، وإن كثر، فهو ضعيف سقيم، وكل إنما يصفو ذكره على ~~قدر صفاء خلقه، وطهارة قلبه، والذكر المغشوش من الإيمان المغشوش. # قال له قائل: وكيف يكون الإيمان مغشوشا؟ قال: كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لسلمان: ((قل: اللهم إني أسألك صحة في إيمان))، فهل يسأله الصحة ~~إلا من السقم؟ فسقم الإيمان أن يمازجه الهوى، وهو شهوة النفس حتى يميل به ~~عن الله، وينقله عن أمره، ويشغله عنه، ويلهيه PageV05P134 ~~عن ذكره، قال الله تعالى: {لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن ~~يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون}. # والإيمان: هو طمأنينة القلب إلى ذكر الله في كل أموره، فإذا ذكر، أمن به ~~جملة، ثم مال يمينا وشمالا ليطمئن إلى الأسباب والخلق، فذاك غش الإيمان، قد ~~خلط به ما ليس منه، والأنبياء -صلوات الله عليهم-، والأولياء من بعدهم قد ~~اطمأنوا إليه، فأقدامهم بين يديه كالجبال الرواسي، وهو نصب أعينهم، يراقبون ~~ما يخرج من حجب الغيب من مشيئته وتدبيره، فإنه كل يوم هو في شأن، فيقبلون ~~منه اهتشاشا، وتسارعا، ونفوسهم ألين لمشيئته وأحكامه وتدبيره من الدهن ~~باللبن، قد أخبتوا إليه، وانخشعت نفوسهم؛ لأن شهواتهم قد ماتت من هيبة ~~جلاله، (والمستحقون للذكر هم أهل الذكر. # قال له قائل: ومن المستحقون للذكر؟ # قال: من ذكره) بحقيقة الذكر. # قال: وكيف حقيقة الذكر؟ قال: أن لا يبقى على قلبه مع ذكره في ذلك الوقت ~~ذكر نفسه، ولا ذكر مخلوق، فذلك الذكر الصافي. # قال: ويكون هذا؟ PageV05P135 # قال: وكيف لا ms0741 يكون، وإنما هو قلب واحد؟ فإذا شغل بشيء، ذهل عما سواه. # هذا موجود في المخلوقين: لو أن رجلا دخل على بعض ملوك الدنيا وسلاطينها، ~~لأخذه من هيبته ما لا يذكر في ذلك الوقت غيره، ولو سئل: من كان معه في ~~المجلس؟ فقال: لا أدري، لعذر في ذلك، هذا في سلطان كائن موجود، فكيف بمالك ~~الملوك إذا انكشف لك الغطاء عن جلاله، وحل بقلبك هيبته، وعمل في صدرك ~~سلطانه، وطالع قلبك كبرياءه وعظمته، لو كان فيك عقل مئة، ثم شغل عن ذلك كله ~~به حتى لها عن سواه، ما كان بمستنكر، فكلما كان عقله أوفر، كان الاشتغال به ~~أشد وأكثر، فهذا هو الذكر الصافي. # يحقق ما قلنا: حديث عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((يقول الله -تبارك وتعالى-: من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي ~~السائلين)). # هذا فيمن شغله ذكر الخالق، فكيف بمن شغله الخالق بأنسه؟! PageV05P136 # هذا فيمن شغله الخالق بأنسه، فكيف بمن شغله الخالق بجلاله وجماله؟! # هذا فيمن شغله الخالق بجلاله وجماله، فكيف بمن شغله الخالق في فردانيته ~~بنفسه في وحدانيته؟! # ولهذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيروا، سبق المفردون))، ~~قالوا: يا رسول الله! ومن المفردون؟ قال: ((الذين أهتروا في ذكر الله، ~~يأتون يوم القيامة خفافا، يضع الذكر عنهم أثقالهم)). # فالمهتر: الذي إذا نطق عن ربه، يشبه كلامه كلام من لم يستعمله عقله؛ لأن ~~العقل يخرج الكلام على اللسان بتدبير وتؤدة وتأن، وهذا المهتر إنما ينطقه ~~ربه، فكأنه الماء على لسانه يجري، حتى يشبه الهذيان في بعض أحواله عند ~~العامة، وهو في الباطن مع الله من أصفى الناطقين، وأطهرهم، وأصدقهم، ومن ~~ذلك قيل: التهاتر: إذا قال قولا بالعجلة بلا نظام يشبه الجزاف. # والمهتر في اللغة: الشيخ الكبير الذي قد أفسد عقله، فهو يهتر في الكلام ~~كالخرف، فهذا قد أفسد عقله الكبر الذي حل به، فلا يعمل عقله ذلك العمل، ~~فالذي خمد عقله الكبر لا يستوجب العصمة، والحفظ، والتأييد، PageV05P137 ~~والذي خمد ms0742 عقله القرب والدنو قد استوجب من الله كرامة، أنطق لسانه، وحفظ ~~عليه شأنه، وأيده، وعصمه، فالذي خمد عقله الكبر بمنزلة قمر حل به الكسوف، ~~فذهبت منفعته، والذي خمد عقله للقربة والنور الذي حل به بمنزلة قمر فيمن ~~طلعت عليه شمس، فخمد نور القمر لضوء الشمس، ولم يعمل شيئا، فبيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هو مستقره، وسواد ذكره، وهو كما قال الله تعالى في ~~تنزيله: {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق}، وهي الأرض المقدسة. # فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبوئ الذكر في أرض الله، فبدأ بمكة، ~~فطرد وبقي الذكر، قال الله -جل ذكره-: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها ~~قوما ليسوا بها بكافرين}، وهم المهاجرون والأنصار، فتبوؤوا الذكر والإيمان، ~~فصار أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لتبوئه الذكر. # والأهل والآل: بمعنى واحد، والهاء والهمزة أختان تجزي إحداهما عن الأخرى، ~~وإنما قيل: أهل؛ لأنه حيثما ذهب، فهو راجع إلى ذلك المستقر، وكذلك الآل؛ ~~حيثما تفرق، فالنسبة تؤول إلى الأصل، PageV05P138 ~~وأهل البيت: كل من رجع نسبه إليك من الأصل، وأما أهل بيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فهو كذلك أيضا، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~أخذه الله من خلقه، فاختصه لنفسه، واصطنعه، واصطفاه لذكره، فكان في كل أمر ~~قلبه راجع إلى الله، من عنده يصدر، ومعه يدور، وإليه يرجع، فكان هذا البيت ~~أشرف، وأعلى من البيت الذي هيئ له في أرضه من النسب، فكان أهل هذا البيت ~~غالبا على ذلك البيت. # ألا ترى أنه غلب على نفسه ما أكرمه الله به من النسبة، فمن قبل ذلك كان ~~يقال: محمد بن عبد الله، فإذا نسب إلى فعل، قيل: محمد الأمين، فلما جاءت ~~الكرامة، غلب على اسمه هذا الاسم، فقيل: نبي الله، ورسول الله، فكذلك هناك ~~كان له بيت النسبة، فلما جاءه بيت الكرامة والنبوة، فغلب على ذلك البيت، ~~كان كل من كان قلبه راجعا إلى الله تعالى طريقه من أهل ذلك البيت، ms0743 فأهل ~~بيته هم الأربعون الذين خلفوه من بعده حتى تقوم بهم الأرض، و[بهم] يمطرون ~~ويرزقون، قاموا مقامه، ولو كان كما ذهب إليه هؤلاء المفتونين بخدع الشيطان ~~في صدورهم، إذا لاستحال. PageV05P139 # وذلك أنه روي في الحديث: ((فإذا ذهب أهل بيتي، أتى أمتي ما يوعدون))، فكيف ~~يذهب أهل بيته حتى لا يبقى منهم أحد، وذريتهم ونسلهم أكثر من أن تحصى في ~~الأرض، وبركة الله عليهم دائمة، ورحمته مظلة من فوقهم؟! # ذلك ليعلم أن أهل بيته هؤلاء الأربعون الذين هم أهل الذكر الصافي، بهم ~~تقوم الأرض، وهم أوتاد الأرض، وخلفاء النبيين، فإذا كان في دنو الساعة، ~~أماتهم في يوم واحد، فذهب نورهم من الأرض، وذهبت الأدلة والأعلام، فأتى أهل ~~الأرض ما يوعدون، كما أن النجوم إذا تهافتت وانكدرت، أتى أهل السماء ما ~~يوعدون. # وقال له قائل: قد ذهب قوم إلى أن أهل بيته الذين عناهم في الحديث هم أهل ~~بيته في النسب. # قال: هذا مذهب لا نظام له، ولا وفاق، ولا مساغ، وذلك أن أهل بيته بنو ~~هاشم، وبنو عبد المطلب، وبنو أمية، وبنو عبد مناف، فمتى كانوا هؤلاء أمانا ~~لهذه الأمة، حتى إذا ذهبوا ذهبت الدنيا؟ # إنما يكون هذا لمن بهم تقوم الدنيا، وهم أعلامه، وأدلة الهدى في PageV05P140 ~~كل وقت، فإذا ماتوا، لم يبقى لأهل الأرض حرمة، فيعمهم البلاء، فمن قال: إن ~~أهل بيته ذريته، فموجود في ذريته صلى الله عليه وسلم الميل والفساد، كما ~~يوجد في غير ذريته، فمنهم المحسن، ومنهم المسيء، فبأي شيء صاروا أمانا لأهل الأرض؟ # فإن قال: بحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحرمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عظيمة جليلة، وفي الأرض ما هو أعظم حرمة من حرمة ذرية رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وهو كتاب الله، فلا نجد ذكره في الحديث، فإنما الحرمة ~~لأهل التقوى، فإنما عظمت حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بفضل النبوة، ~~وما أكرمه الله به. # 1139 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا أبو صيفي الواسطي، عن سعيد ms0744 ~~المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على فاطمة -رضي الله عنها-، وعندها صفية عمة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا بني عبد مناف! يا بني عبد ~~المطلب! يا فاطمة بنت محمد عليه السلام! يا صفية عمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم! اشتروا PageV05P141 ~~أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم، واعلموا: أن ~~أولى الناس بي يوم القيامة: المتقون، فإن يكونوا أنتم مع قرابتكم، فذاك، لا ~~يأتيني الناس بالأعمال، وتأتوني بالدنيا تحملونها على أعناقكم، فتقولون: يا ~~محمد! فأقول هكذا، ثم تقولون: يا محمد! فأقول هكذا، أعرض بوجهي عنكم، ~~فتقولون: يا محمد! أنا فلان بن فلان، فأقول: أما النسب، فأعرف، وأما العمل، ~~فلا أعرف، نبذتم الكتاب، فارجعوا، فلا قرابة بيني وبينكم)). PageV05P142 # 1140 - حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: حدثنا ~~يحيى بن معين، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن ~~أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عمرو ابن العاص رضي الله عنه، قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جهارا غير سر: ((ألا إن أوليائي منكم ~~ليسوا ببني فلان، ولكن أوليائي منكم المتقون، من كانوا، أو حيث كانوا)). # 1141 - حدثنا أبو بكر الواسطي، ويعقوب بن إسحاق القشيري، ومحمد بن أبان، ~~عن أبي خالد الأحمر، عن ابن سوقة، عن علي بن [أبي] طلحة، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى ~~أهل السماء ما يوعدون، وأنا أمان لأصحابي، فإذا ذهبت، أتى أصحابي ما ~~يوعدون، وأصحابي أمان لأمتي، فإذا ذهبوا PageV05P143 ~~أتى أمتي ما يوعدون)). # فأصحابه أولياؤه، وأولياؤه المتقون من كل قرن، وهم على سنته، وهديه، ~~وخلقه، كما قال في حديث عمرو بن العاص، فافهم. # 1142 - حدثنا أبو عبد الله الحسن بن حامد، قال: PageV05P144 # حدثنا محمد بن محمد بن عفان الجررجائي، قال: حدثنا ms0745 محمد بن يعقوب، عن عبد ~~الحميد العمري، عن خليد بن دعلج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس رضي ~~الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمان أهل الأرض من ~~الغرق القوس، وأمان أهل الأرض من الاختلاف الموالاة لقريش، إذا صير الناس ~~قريشا قبيلة من العرب، صاروا حزب إبليس)). # قال أبو الحسن: فإذا صاروا حزب إبليس، انقطعت العصمة عنهم، وأتاهم ما ~~يوعدون. # وروى ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ~~ابن عباس، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: ((اللهم ارحم خلفائي))، قلنا: من خلفاؤك PageV05P145 ~~يا رسول الله؟ قال: ((الذين يأتون بعدي يروون أحاديثي وسنتي يعلمونها ~~للناس)). # ومعنى هذا الخبر واضح، فافهم. # 1143 - حدثنا أبو عبد الله محمد بن عامر البراجاني، قال: حدثنا أخي ~~الليث، قال: حدثنا أبو القاسم بن المختار الزبيدي ببغداد، قال: حدثنا الفضل ~~بن جبير الوراق، قال: حدثنا أبو هاني الأوقص، عن هشام بن حسان، عن عمران بن ~~حصين، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم لا تجعل ~~الخلافة في ولد علي)). PageV05P146 # ومن حديث آخر: ((ويل لأمتي من آل أبي طالب، ويل لآل أبي طالب من أمتي)). # وإن هذه الطائفة الزائغة قلوبهم، المفتونة بحب أهل بيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نسبا، ما زالت بهم فتنتهم حتى عمدوا إلى كل شيء من مثل هذه ~~الأشياء، فنسبوه إليهم، وحرموا غيرهم ذلك إعجابا بهم وفتنة، وأن الله تعالى ~~فضلهم بأن طيب عنصرهم، وطهر أخلاقهم، فاختار قبيلتهم على القبائل بذلك، ~~فلهم حرمة التفضيل، والأثرة، ولهم حرمة الاتصال برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فيحق علينا أن نحبهم حبا لا يرجع علينا بوبال، وظلمة، فإن النفس ~~قرينها الشيطان، وهي أرضية شهوانية تخف بزينتها وهواها، فتميل مع كل ريح ~~شهوة، فجاءت بأحاديث مختلفة، وأكاذيب منكرة تنكرها عقول الصادقين، حتى ~~أداهم ذلك إلى أن طعنوا ms0746 في إمارة الشيخين المهديين المرضيين اللذين كان علي ~~رضي الله عنه يؤدب وينكل بمن فضله عليهما، ويقول: لا أجد أحدا يفضلني ~~عليهما، إلا جلدته حد المفتري. # فبلغ من إفراط هذه الطائفة أن رووا أحاديث مختلفة، حتى رووا PageV05P147 ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم يبعث لمقام الشفاعة على ألف مرقاة من منبره، ~~وعلي إلى جنبه دونه بمرقاة، فيناوله الله مفاتيح الجنان، فيناولها عليا ~~ليدخل من يشاء، فبمثل هذا يريدون أن يقيموا لعلي رضي الله عنه فضيلة، وقد ~~فضل الله عليا بأشياء كثيرة قد أغناه الله عن مثل هذه الأكاذيب، فتركوا ~~لظلمة قلوبهم تلك الأشياء، وأقبلوا على الكذب والزور بشقاء جدهم، وزيغ ~~قلوبهم، وتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم: {إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}: أن أهل البيت إنما هم علي وفاطمة، والحسن ~~والحسين رضي الله عنهم، فكيف يجوز هذا؟ ومبتدأ الخطاب بين، وهو كلام منسوق ~~بعضه على إثر بعض إلى آخره، فكيف ينصرف في الوسط إلى غيرهم، وهو على نسق ~~ونظام واحد؟. # فقال: {يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ~~فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراجا جميلا. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار ~~الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما}. # ثم قال: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ~~وكان ذلك على الله يسيرا. ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها ~~أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما}. # ثم قال: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن PageV05P148 ~~بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا. وقرن في بيوتكن ولا تبرجن ~~تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. واذكرن ما يتلى في ~~بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا}. # ففي أوله ذكر، فقال: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا ~~تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ms0747 وقلن قولا معروفا} فقال: {وأطعن الله ~~ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}. # فقال من بعده: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات} فكيف صارت هذه ~~المخاطبات كلها لنساء النبي صلى الله عليه وسلم قبلا وبعدا، وصار في الوسط ~~كلاما منفصلا لغيرهن، والكلام منسوق متصل بعضه ببعض؟! أليس هذا عنادا ~~ومكابرة واستبدادا؟! وإنما ينظر في مثل هذا إلى اللغة المعقولة، وما عليه ~~بني الكلام، فلا ينبغي أن يترك الأصل المنير بقول الكلبي وأشباهه من هؤلاء ~~المفتونين، فإنا نجد الكلبي [أتى] بأشياء في هذا التفسير ما لو كان في زمن ~~السلف الصالح، لمنعوه عن ذلك، وحجروا PageV05P149 ~~عليه، وإنما يروج الكلبي وأشباهه مثل هذا على هؤلاء الأغنام من منتحلة ~~العلم الذين جل علمهم هذا السواد في البياض، اقتصروا عليه، وغاب عنهم ما في ~~باطن ذلك السواد، فرب كلمة منها معان بما فيها يملأ واديا، فيصير نهرا، وما ~~من علم ظاهر إلا وله حكمة، والحكمة ما بطن، يؤتيه من يشاء، قال الله تعالى: ~~{ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا}. # فالعلم الظاهر هو الذي سودوه من هذا البياض بالتخليط، وغاب عنهم أصل ~~العلم، وعجزت أفهامهم، وإلا، فكيف يجوز أن يروج عليهم مثل هذه الأشياء، ~~فيقال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت}: إنها نزلت في علي، ~~وفاطمة، والحسن، والحسين خاصة، والخطاب موصول بعضه ببعض من قوله: {وأقمن ~~الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت}. # فقوله: {عنكم} هذه الكاف كاف الخطاب على من يقع، ثم قال على إثره: ~~{واذكرن ما يتلى في بيوتكن} فكيف صار ذلك الكاف الثاني خطابا للنساء، ~~والكاف الأول خطابا لعلي وفاطمة، وأين PageV05P150 ~~ذكرهما في هذه الآيات؟ وإنما هذا شيء جرى في الأخبار: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية، دخل عليه علي، وفاطمة، والحسن، والحسين ~~رضي الله عنهم، فعمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى كساء، فلفه عليهم، ثم ~~ألوى بيده إلى السماء، فقال: ms0748 ((هؤلاء أهلي، اللهم أذهب عنهم الرجس، وطهرهم ~~تطهيرا)). # وهذه دعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بعد نزول الآية، أحب أن ~~يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج، فذهب المفتون، فصيرها لهم خاصة، ~~وهي في الأصل دعوة لهم خارجة من التنزيل. # 1144 - حدثنا بذلك صالح بن محمد، قال: حدثنا عبد الحميد بن بهرام، قال: ~~حدثنا شهر بن حوشب، قال: سمعت أم سلمة تذكر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV05P151 # قال له قائل: فإن كان الخطاب لنسائه، فكيف قال: ليذهب عنكم الرجس، ولم يقل: ~~عنكن، فأخرج الكلام على مخرج التذكير؟. # فالجواب له في ذلك: أنه إنما ذكره، وقال: {عنكم أهل البيت}، وإنما ذكره؛ ~~لقوله: أهل، والأهل مذكر، فسماهن، وإن كن إناثا. باسم التذكير، فلذلك قال: ~~{عنكم}. PageV05P152 ### || AUTO الأصل الخامس والعشرون والمئتان # 1145 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سهل ابن تمام البصري، عن سوار ~~أبي حمزة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((إذا اجتمع القوم في سفر، فليجمعوا نفقاتهم عند أحدهم؛ فإنه ~~أطيب لنفوسهم، وأحسن لأخلاقهم)). # فهذه النفوس فيها ضيق، وجهد، ووسواس، وللشيء عندهم قدر، وذلك لضعف ~~يقينهم، وظلمة صدورهم، وما أوتي الشح، والبخل، والدقة، والتعظيم للشيء إلا ~~من قلة اليقين، وذلك أن اليقين يريك ما في الملكوت، فتصغر عندك الدنيا بما ~~فيها، وتدق في جنبه، وضعف اليقين PageV05P153 ~~يعجزك عن رؤية الآخرة، وعن رؤية عظيم ما في الملكوت، واليقين نور من نور ~~الله في قلبك، فإذا تمكن في قلبك، صارت عين قلبك ذات بصيرة، فأبصرت الغيب ~~بذلك النور، كما أن بصر عين الرأس يريك الأشياء في الدنيا، وبين اليقين ~~تفاوت للعباد، كما قد ترى الرجل يبصر الكواكب بالنهار، وآخر لا يراها إلا ~~بالليل حين يظلم، فهذا لضعف بصره، وذاك لقوة بصره، فلذلك بصر عين القلب ~~إنما يتقوى بنور اليقين الذي في قلبه. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته: ((وخير ما ms0749 ألقي ~~في القلب اليقين)). # وقوله في حديث أبي بكر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((إن الناس لم يعطوا شيئا خيرا من اليقين والعافية، فاسألوهما الله)). # وأوفرهم حظا من اليقين أكثرهم معرفة، وأغزرهم علما بما في PageV05P154 ~~الملكوت، وأخشاهم لله، وأعلمهم بتدبير الله، وأغناهم بغنى الله. # هذا قليل في الناس، والعامة من الناس قد عجزت عن هذا؛ لما يرون الأشياء ~~بالأسباب، وبذلك تعلقت قلوبهم، ومنها افتتنوا حتى عصوا الله في جنبها، ~~فمحال أن لا يكون للشيء عندهم قدر، وإنما لهم عصمة عن تناول حرامها ~~وأوساخها، ثم هم مع ذلك في الفتنة، ومن أجلها يحرمون عظيم قدر ما في أيديهم ~~من هذا الحطام عندهم، حتى لا تسخو نفس أحدهم أن يخرج مما في يديه فلسا إلا ~~بعربون. # قال له قائل: وما العربون؟ قال: الديون بالأعجمية، ألم تر إلى الرجل ~~يستصنع صانعا شيئا، ويبين له المقدار ليتخذه له، فيعطيه العربون، فإنما أخذ ~~منه العربون؛ لأنه لما لم يسكن قلبه على ما واصفه عليه، PageV05P155 ~~خاف أن يترك عليه، فأخذ منه العربون وثيقة ليأمن من تركه، كأنه قد عجل له ~~بعض ثمنه، فكذلك هذه الطبقة لا تسخو نفوسهم على إخراج درهم مما في يده إلا ~~على ذكر الخلف من الله يخلفه له في دنياه، كما وعد في تنزيله من قوله: {وما ~~أنفقتم من شيء فهو يخلفه}، وعلى ذكر الثواب أن يعطيه في الآخرة قصورا، ~~ودورا، وحورا، وحبورا، وسرورا، فهذا عربون أهل الهمة، ثم لا تسخو نفوسهم ~~على إتعاب جوارحهم وأعمالها لله من شيء من أعمال البر إلا على طمع نوال ~~الثواب غدا من الله، ولم ينتهوا عن محرم إلا على خوف العقاب من الله عز وجل. # فهؤلاء عبيد عبدوا الله عز وجل من أجل نفوسهم، لم تأخذهم هيبة عظمته، ~~وسلطان كبريائه، فتركض بهم في ميدان الطاعة ركضا، وتركض بهم في ميدان الهرب ~~عن مساخطه ركضا، إجلالا لرؤية الله إياهم على PageV05P156 ~~الأحوال، وترجيا لمحابه، وتلذذا لعبودته، فإذا اجتمعت هذه الطبقة التي ~~للشيء ms0750 عندها قدر في سفر، فانفرد كل واحد منهم بطعامه، كانت في ذلك وحشة، ~~ونزعة البركة، وليس ذلك من خلق الإسلام، وفيه ذهاب الألفة، وظهور الفرقة. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أحب الطعام إلى الله تعالى ~~ما كثرت عليه الأيدي)). # وروي عن أبي أمامة في قوله تعالى: {إن الإنسان لربه لكنود}، قال: ~~((الكنود: الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده)). # 1146 - حدثنا بذلك الجارود، قال: حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم، قال: ~~حدثنا حريز بن عثمان، عن حمزة بن هانئ، قال: سمعت أبا أمامة يذكر نحوه. PageV05P157 # 1147 - حدثنا عبد الوهاب بن فليح، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، ~~قال: حدثنا هشام أبو المقدام، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس رضي الله عنهما، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بشراركم؟))، قالوا: ~~بلى يا رسول الله، قال: ((من أكل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده)). PageV05P158 # فالأكل وحده في صورة أهل البخل والدناءة، فإذا أنفق على الجماعة، ولم يقم ~~لذلك، وعجز عنه، فالسبيل في ذلك ما ندبهم إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يجمعوا نفقاتهم إلى أحدهم حتى ينفقها عليهم، فيكون أطيب لنفوسهم، ~~وأحسن لأخلاقهم، فكل أحد إنما أخرج من يده مقدار كفايته لم يرد على ذلك، ~~وهو طيب النفس بذلك، ولا يحتشم من الأكل؛ لأنه إنما هو من عند نفسه أكل ~~منه، ولو أنفق واحد واحد، لاحتشم أحدهم من صاحبه، واستحيا، وثقل عليه، حتى ~~تجيء نوبته، وربما ذهبت النوبة، وانقطع السفر، فيبقى ما دل عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تسكين للنفوس من الوجهين جميعا: من وجه الحشمة، ومن وجه ~~التثاقل. # فالنفوس ساكنة، والأيدي مجتمعة، والألفة باقية، والبركة نازلة، وخلق ~~الإسلام باق قائم، وإنما سمي بهذا؛ لنهود النفوس إليها، وينهد؛ أي: يتسارع، ~~ويخف إلى هذا الفعل، وإنما بعث الله الرسل؛ ليدلوا الخلق إلى PageV05P159 ~~أشرف الأمور وأكرمها، وقد سبق ذكر هذا النهد في التنزيل مما اقتص الله ~~علينا في شأن أصحاب الكهف ms0751 من قوله: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ~~فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه}. # فنسب الرزق إليهم كلهم، فكأنه دل على أنهم اجتمعوا على النفقة، فبعثوا ~~واحدا منهم بورقهم في شراء ما بهم إليه الحاجة من الطعام، وفي هذا دلالة ~~لصحة الوكالة أن الوكيل قد يجوز أن يشتري لغيره، ويتوكل له في أموره، فيجوز ~~عليه، وإنما هذا القول في شأن النهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعامة ~~من عنده، فأما الكرام الذين [هم] ملوك الدين، فهم أرفع شأنا من أن ~~يتناهدوا؛ لأن قدر الشيء عن قلوبهم ساقط، ومن طبيعتهم السخاء، فقلما يجري ~~فيما بينهم إذا انفردوا عن العامة وزن وعدد وتفقد، إنما الوزن والعدد ~~والتفقد للعامة الذين عظم شأن ذلك عندهم، وحل من قلوبهم محل الفتنة. # فأما أهل اليقين والقربة: فهم في خلو من هذا فيما بينهم إذا تفردوا عن ~~الناس، وعلى صدق الأخوة تجري أمورهم، يأخذ أحدهم من مال أخيه عند الحاجة، ~~وإنما طابت نفوسهم بذلك؛ لأنه لا يمد أحدهم يده إلى مال أخيه لرغبة فيه، ~~ولا لشهوة، ولا لقضاء نهمة، إنما يجده PageV05P160 ~~ويتناوله لله عز وجل، فقد عرف أخوه ذلك منه، وأمنه على نفسه وماله، وشهد له ~~قلبه بالشفقة، والعطف، والرحمة، فلا يتهمه في نفقته، ولا على إمساك. # 1148 - حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا ابن يمان، قال: حدثنا عمار بن ~~عمر، عن الحسن، قال: إن الرجل ليدخل يده في كيس أخيه، فما يسأله: كم أخذت؟ # 1149 - حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا ابن يمان، قال: حدثنا شيخ، ~~قال: قال لنا أبو جعفر: أيدخل أحدكم يده في كيس أخيه؟ قلنا: لا، قال: لستم بإخوة. # 1150 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا ثابت بن محمد الزاهد، قال: حدثنا ~~ابن إدريس، عن خالد بن أبي كريمة، عن أبي جعفر، قال: جاء رجل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! ليس لي ثوب أتوارى به، قال: ((فما لك PageV05P161 ~~جيران؟))، قال: بلى، فقال: ((فهل منهم ms0752 أحد له ثوبان؟))، قال: نعم، قال: ~~((فيعلم أن لا ثوب لك؟))، قال: نعم، قال: ((فلا يعود عليك بأحد ثوبيه؟))، ~~قال: لا، قال: ((فما ذلك بأخ)). # وروي عن عبد الرحمن بن عوف: أنه دخل على عمر وهو يصلي، فعمد إلى مزوده، ~~فأخذ منه سويقا، أو تمرا، فأكله، فأعجب ذلك عمر رضي الله عنه. # وروي عن الحسن البصري: أنه فعل ذلك. # وروي عن أيوب السختياني: أنه دخل كرم صديق له، فأكل منه بغير إذنه، وتأول ~~قول الله عز وجل في كتابه: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على ~~المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} إلى قوله {صديقكم}. PageV05P162 # فإنما كف الناس من بعد مضي السلف من أجل تغير القلوب، فلم يأمن بعضهم بعضا؛ ~~لفقد الرحمة والعطف، وذهاب الألفة، وظهور الحسد، والآفات، فامتنعوا عن أن ~~يتناول أحد شيئا من صاحبه إلا بإذنه، ومن بعد الإذن أيضا تأن ونظر، واحتياط ~~وحذر، ولم يبق لأحد على أحد أمن، ولا به ثقة في زماننا هذا، وما أعلمه إلا ~~لأولئك الأربعين الذين بهم تقوم الأرض، وهم البدلاء العارفون المبرؤون من ~~الآفات، الذين دقت الدنيا في جنب الآخرة في أعينهم، فدقت الآخرة في جنب ملك ~~الله، وعظيم ما أبرز من غيبه، ودق ما أبرز من ملكه في جنب عظمته وجلاله، ~~فهم الذين لا قسمة بينهم، ولا وزن، ولا عدد، يتناول أحدهم من ملك أخيه ما ~~شاء من غير إذن؛ لأن إذنه قد ظهر منه له مرة، وإنما ابتغى الإذن من أجل طيب ~~النفس، فإذا كانت منية نفسه بتناول أخيه من ماله، فالإذن قد عم وظهر. # 1151 - وحدثنا الجارود، قال: حدثنا جرير، عن PageV05P163 ~~مغيرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في مال أبي بكر كما ~~يعمل في مال نفسه. # فإنما كان يفعل ذلك؛ لما قد عرف منه. # ألا ترى أنه لما قال لهم: ((تصدقوا))، فجاء أبو بكر بماله كله، فقال: ~~((يا أبا بكر! ما تركت لأهلك؟))، قال: الله تعالى ورسوله. # فهل ms0753 كان يفعل في مال غيره مثل ذلك؟ فإنما صارت مخالطة المطبوع على السخاء ~~أطيب، والتناول من شيئه أشهى، والأكل من طعامه أحلى وأطيب، من أجل سقوط قدر ~~ذلك عن قلبه، ولا يكاد أهل الانتباه واليقظة يدخلون لبيوت البخلاء، ~~ويتناولون من أطعمتهم، إلا ويجدون ثقل ذلك على قلوبهم، ويفتقدون ذلك الطيب، ~~وتلك الحلاوة واللذة من طعامهم، والقلوب تحس بما في نفوسهم من قدر ذلك ~~الشيء عندهم، فيذهب طعمه وطيبه منهم. # ألا ترى إلى ما جاء عن قوم موسى عليه السلام من تلك الأمة التي ذكرها ~~الله في PageV05P164 ~~تنزيله فقال: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}. # فروي في الخبر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به، نزل عليهم ~~حين رجع حتى أقرأهم عشر سور من القرآن، وعلمهم الشريعة، ومستقرهم بأرض ~~الصين من وراء نهر الرمل، فذكر أنه سألهم عن معاشهم، فقالوا: نزرع ونحصد، ~~ونجمعه في برية من الأرض، فيخرج كل من احتاج إلى شيء، فيأخذ منه، وسائره ~~متروك هناك. # فهذا صدق الأخوة في أهل الهداية بالحق، وأهل العدل به، فقد صار العدل ~~بقومهم، والحق هاديهم، فقد كانت أوائل هذه الأمة على هذا السبيل، وقد أثنى ~~الله عليهم في تنزيله، فقال: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} {ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا}. # وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما افتتح خيبر، فقسم الغنائم ~~للمهاجرين دون الأنصار، وأثنى الله عليهم حين لم يجدوا في صدورهم ضيقا، ولا ~~حسدا، ولا شكا، ولا وجدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في فعله، حيث ضربوا PageV05P165 ~~بالسيوف حتى فتحوا وغنموا، ثم أعطى الغنيمة المهاجرين دونهم، فأثنى الله ~~عليهم، وشهد لهم بالصدق، وسقوط قدر الشيء عن قلوبهم، فقال: {يحبون من هاجر ~~إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا}؛ يعني: المهاجرين، ثم قال: ~~{ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}. # وهذا غاية الطهارة من قدر الشيء، وسقوطه من القلب، فيظن بمثل هذا، ومن ~~هذه صفته أن يتناول من ms0754 شيئه على طريق الترفق، والمخالطة أن يكون ذلك ~~مكروها، وهذا ما أجرأ عبد الرحمن بن عوف، حتى أكل من مزود عمر بن الخطاب ~~بغير إذنه. # وقول الله -تبارك وتعالى- في كتابه: {أو صديقكم} إذن بالغ، ولكن الصديق ~~له حقيقة، فما لم تعرف له حقيقة صداقته لم يغرر المتقي المتورع بنفسه في ~~ذلك، وأول حقيقة الصداقة في سقوط قدر الشيء من قلبه، فإذا لم يعرفه بهذا، ~~فهو -وإن صادقه بكل قلبه- فهو مجتهد في صداقته، ومن يجتهد في صداقته، فلا ~~يخلو من كراهة وثقل إن تناولت من ملكه شيئا؛ لأنه في جهد من ذلك، وإنما صار ~~في جهد؛ لأن نفسه لا تطاوعه؛ لقدر PageV05P166 ~~ذلك الشيء على قلبه، فهو يجاهد نفسه، فصاحب هذا مغرور إذا عامله على ذلك، ~~وإنما أذن الله في الأموال عن طيب النفس. # ألا ترى في قوله تعالى في شأن المهور: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا}، ولم يقل: فإن طبن لكم عن شيء منه قلبا، ولكن قال: ~~{نفسا}؛ لأن القلب ربما رضي، فطاب بما فيه من الإيمان، والنفس تكره بما ~~فيها من الشهوة، فشرط في شأن المهر طيب النفس. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لا يحل لامرئ من عطاء ~~أخيه إلا بطيب نفسه، وذلك لشدة ما حرم الله من مال المؤمن)). # 1152 - حدثنا بذلك أبي، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا سليمان بن بلال، ~~عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الرحمن بن سعيد، عن أبي حميد الساعدي، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لا يحل لامرئ أن يأخذ من عطاء أخيه ~~إلا بطيب نفسه، وذلك لشدة ما حرم الله من مال PageV05P167 ~~المسلم على أخيه المسلم)). # فاليوم الإقدام على هذا جرأة عظيمة، ولا أعلم في هذا ثقة إلا لأولئك ~~الذين خلت قلوبهم من نفوسهم، وتعلقت بالخالق البارئ الماجد الكريم، فلا ~~يبالون ما أقبل وما أدبر، ومن أخذ، ومن أعطى، يتناولون من الدنيا لله، ~~ويمسكونها لله على نوائب الحق، ويعطونها ms0755 لله، فإن تناولت من أموالهم، لم ~~يرجع عليك وبال منهم إذا أخذتها لله، وهذا فيما بينهم يجوز، وأما غيرهم، ~~فالأخذ من أموالهم فلا؛ لأن الذي يتناوله بغير حق، يتناوله، فيثقل عليه فعله. # ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم، وهو من أسخى البشر، والدنيا ساقطة ~~عن قلبه: ((إنما أنا خازن، يعطي، وأنا أقسم، فمن أخذ مني PageV05P168 ~~شيئا بطيب نفس، بورك له فيه، ومن أخذ مني شيئا وأنا له كاره، فإنما يتأبطها ~~نارا)). # أي: يأخذ تحت إبطه، فعياذا بالله أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه كره ذلك من أجل قدر الشيء؛ فإن ذلك بخل، ولكن إنما كان تطيب نفس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالإعطاء لمن سأل بحق، وأخذه بحق. # فأما من أحس به أنه يأخذه أشرا، وبطرا، وحرصا، وجمعا، فكان يعطيه على ~~كراهة نفس، ويخبرهم: أنه لا يبارك له فيه؛ لأنه أخذه بغير حق، فقيل له: يا ~~رسول الله! فلم تعطه؟ قال: ((يأبى الله لي البخل)). # كأنه كره أن يرى أحد من خلق الله أن الدنيا عنده مما يزن جناح بعوضة، ~~لأنه كذا أخبر عن الله: أنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، فأبى الله له أن ~~يراه الخلق مانعا لها أحدا، فيكون عند الخلق في صورة ما يعبأ بالدنيا، وتزن ~~عنده شيئا، فيكون على خلاف ما وصف عن الله -تبارك وتعالى-. PageV05P169 # ألا ترى أنه كان لا يزن، ولا يحصي، وقال لعائشة: ((لا توكي فيوكى عليك)). # ((ولا تحصي فيحصى عليك)). # ((وكان لا يدخر شيئا لغد)). # ليرى الخلق قدره عنده، ويعلمهم صدق موافقته لله فيها. # 1153 - حدثنا بذلك صالح بن محمد، قال: حدثنا المنكدر بن محمد، عن أبيه، ~~عن جابر، قال: ما سئل PageV05P170 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط، فقال: لا. PageV05P171 ### || AUTO الأصل السادس والعشرون والمئتان # 1154 - حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عطاء بن ~~يزيد، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms0756 ((من ~~تصبر، يصبره الله، ومن يستعفف، يعفه الله، ومن يستغن، يغنه الله، وما أعطي ~~أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر)). # فأما قوله: ((من تصبر، يصبره الله، ومن يستعفف، يعفه الله، ومن يستغن، ~~يغنه الله)). PageV05P173 # فإن الله -تبارك اسمه- أعطاهم العقول، ومن عليهم بالإيمان، فالصبر والعفة ~~والغنى إنما يخرج كله من الإيمان، فإذا أعطي الإيمان، فقد أعطي هذا كله. # فبقوة الإيمان يصبر على طاعة الله، ويستعف عن محارم الله، وعن تناول ~~شبهات الدنيا، ويقوم في العبودة على سبيل الاستقامة، ثم لا يتم له ذلك إلا ~~بعون من الله؛ لأن النفس تقوم بهدم ذلك كله، وتدعو إلى خلافه، فوقع العبد ~~في مجاهدة معها، فلولا عون الله للعبد، لمالت به النفس، ولكن سبيل العبد أن ~~لا يتخير، فإذا جاءه موضع الصبر، فصبر، وعزم عليه، فوشيكا يجيئه العون من ~~الله، فوجد اليسر في أمره، فذاك عون الله، ومن قبل ذلك كان عليه ثقيلا، دخل ~~في الأمر مع الجهد؛ لأن النفس تأبى ذلك، فدخلت فيه بإكراه صاحبها لها على ~~ذلك، فجاءه العون من الله، فيسير عليها، وعلى ذلك دل عباده بقوله: {إياك ~~نعبد وإياك نستعين}. # فأمره بالعبادة، وسؤال العون، فما لم يقدم العبد على ذلك، فسؤاله المعونة ~~كالمحال، وذلك أنه أعطي القوة على القيام بما أمره الله، إلا أن النفس PageV05P174 ~~قامت تدعو إلى خلاف ذلك، فجاءت بشهواتها تريد أن تغلب القلب على ما أمن، ~~فاحتاج عند مجاهدة النفس إلى عون من الله، وهو نور يرد على القلب، فيستنير ~~الإيمان، ويمتزج به النور، فيقوى القلب، وتذل النفس، وتخمد شهواتها؛ لأن ~~الخوف يحل بها من النور الوارد، فتذل النفس. # فينبغي للعبد أن يقدم على كل أمر أمر به، وأن ينتهي عن كل ما نهي عنه بما ~~أعطي من العلم، والعقل، والإيمان بالله، وذلك مع جهد شديد، وينتظر العون من ~~الله، ولا يلقي بيديه إلى التهلكة، وكذلك التوبة، يخرج إلى الله من جميع ما ~~نهي عزما بالقلب، وجهدا على النفس، وتخليا بالأركان مع عسر، وشدة، وجهد، ~~فإذا العون ms0757 من الله قد جاء، فيسر عليه كل ذلك، ولم يأمرنا الله أن نقول: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} على العبودة، ثم يحبس عنا العون، ما هذا بمظنون ~~به، وقال: {فإن مع العسر يسرا}، فأخرج العسر مخرج المعونة، واليسر نكرة؛ ~~كأنه يقول: {فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا} آخر، لا هذا، فلذلك قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يغلب عسر يسرين)). PageV05P175 # فاليسر الأول: هو ما أعطي العبد من الآلة، والعلم، والمعرفة، والقوة، فلولا ~~النفس التي تحارب صاحبها بدفع ما يريد، وإفساده عليه، لكان الأمر قد تم، ~~فإنه قد أعطي يسرا بأنه يقوم بالأمر الذي قد أمر، ولكن جاءت النفس بشهوتها، ~~والعدو بكيده، فاحتاج العبد إلى يسر آخر، فوعده، فقال: عسر عليك الأمر، ~~فأعطيتك مع العسر يسرا. # ثم قال: {إن مع العسر يسرا} فيسرا قبل الأمر، وهو اليسر الأصلي، وهو حجة ~~الله على عبده، وقال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ويسرا بعد ~~الأمر حين يأخذ فيه، وهو العون له، فإذا جاء العون، انهزمت النفس، وخمدت ~~الشهوة، وهرب العدو، وبطل كيده، فهذا يسر، فهما يسران لن يغلبهما هذا العسر ~~الذي بينهما، وهو مجاهدة النفس حتى يأتيك بحربها وجهادها؛ ليصدك، ويقهرك ~~بشهواتها، فذلك عسر قد حل بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن ~~يغلب عسر يسرين)). # فبشرهم أن العبد إذا لم يلق بيديه وبصره، واستعمل ما أعطي من اليسر في ~~وقت هذا العسر الذي عارضت النفس به، جاءه اليسر الثاني، PageV05P176 ~~ولن يغلب هذا العسر هذين اليسرين، واليسر الثاني هو عونه، وهو عطف الله على ~~العباد ورحمته، وإذا عطف على عبده، لم يبق للنفس عليه سبيل، ولا للعدو فيه ~~مطمع؛ لأنه قد جاءه من العطف مدد، وجند عظيم، وهو نوره الذي قد أثار نور ~~التوحيد، فصار كجمرة قد طار عنها غبارها، فأخذت تتوقد وتضيء. # فقوله: ((من تصبر، يصبره الله))؛ أي: يستعمل ما أعطي من الصبر الذي يخرج ~~له من الإيمان، فإذا فعل ذلك، صبره الله؛ أي: جاءه ms0758 المدد والعون، حتى يتم ~~له صبره في يسر. # وكذلك قوله: ((من يستعفف، يعفه الله)). # وأما قوله: ((من يستغن، يغنه الله))؛ فإن التجأت إليه في الحوائج صدقا، ~~فهو أكرم من أن يردك ويلجئك إلى عبيده. # 1155 - حدثنا ابن أبي زياد، قال: حدثنا سيار، عن جعفر، عن ثابت، قال: حبس ~~ابن أخ لصفوان بن محرز، PageV05P177 ~~فلم يبق بالبصرة رجل له وجه عند الأمير إلا تجمل به عليه، فلم يزده إلا ~~شدة، فبات ليلة، فقيل له في منامه: يا صفوان! اطلب الأمر من وجهه، فقام ~~فتوضأ، وصلى ركعتين، وسأل ربه، ثم عاد إلى مضجعه، فنودي بالباب: يا صفوان! ~~إن هذا ابن أخيك قد جئنا به، فصار إلى الباب، فإذا ابن أخيه، فقال له: نبه ~~الأمير في جوف الليل حتى بعث إلى السجون، فنودي: أين ابن أخي صفوان؟ فطلب ~~حتى جيء به، فها هو ذا. # 1156 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحكم بن المبارك، قال: حدثنا ~~بقية، قال: حدثني بكر بن حذلم الأسدي، قال: حدثني وهب بن أبان، عن عبد الله ~~بن عمر: أنه خرج في سفر له، فإذا بجماعة على طريق، فقال: ما هذه الجماعة؟ ~~فقالوا: أسد قطع الطريق، قال: فنزل، فمشى إليه حتى قفده بيده، ونحاه عن ~~الطريق، ثم قال: ما كذب عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إنما ~~يسلط على PageV05P178 ~~ابن آدم من يخافه ابن آدم، ولو أن ابن آدم لم يخف غير الله، لم يسلط الله ~~عليه غيره، وإنما وكل ابن آدم لمن رجا ابن آدم، ولو أن ابن آدم لم يرج إلا ~~الله، لم يكله الله إلى غيره)). # وقال الله -جل ذكره- لنبيه صلى الله عليه وسلم: {واصبر وما صبرك إلا ~~بالله}، يعلمه أنه لا يتم له ذلك إلا بعون من الله، وغياث منه. # وأما قوله: ((وما أعطي عبد عطاء هو أوسع من الصبر))؛ لأن الصدر قد انشرح، ~~واتسع للنور الوارد على قلبه، فإذا اتسع الصدر، يسرت عليه الأمور كلها، وهو ~~قوله: {أفمن شرح الله صدره للإسلام ms0759 فهو على نور من ربه}، فإذا استقر النور ~~في القلب، انفسح الصدر وانشرح، وألقى بيديه سلما لمولاه في أمره ونهيه، ~~وجميع أحكامه عليه، وتدبيره له، ولم يبق للقلب منازع؛ لأن النفس إنما تذل، ~~وتنقمع، وتموت شهواتها، وتلقي بيديها حين يشرق الصدر، فيحل بها من ذلك ~~الإشراق خوف الله، وخوف عقابه. PageV05P179 # ثم يزداد النور، فتدخله الخشية، وهو نور القربة، فيحل بها الرهبة من الله، ~~ثم يزداد النور، فتدخله العظمة، فتحل بها الهيبة من الله، والخوف الخالص ~~منه، فتيبس، وتذهب شهواتها، وتخشع لله، وتصير تابعة للقلب، فمنه بدأ أول ~~النور، فوجد العبد متسعا في صدره، فقيل: صابر، ثم زيد، فهو صابر قانع، ثم ~~زيد، فهو صابر راض مراقب، ثم زيد، فهو صابر راض مراقب واله، ثم زيد، فهو ~~منفرد، قد انفرد لربه، ولها عن الصبر والرضا، والمراقبة، والوله، وهذا كله ~~له، والانفراد غالب عليه، فهو في قبضته يستعمله، وهو قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام، عن الله عز وجل حيث يقول: ((كنت ~~سمعه وبصره، ويده ورجله، ولسانه وفؤاده، فبي ينطق، وبي يعقل، وبي يمشي، وبي ~~يبصر، وبي يبطش)). # وهو قول عمر -رضي الله عنه- حيث شج علي رضي الله عنه ذلك الرجل، فأتى عمر ~~رضي الله عنه، فقال: من فعل بك ويحك؟! قال: علي، فسأل عليا، فقال: إني مررت ~~به، فأصغيت إليه بسمعي، فإذا هو يكلم امرأة بكلام، فلم أملك حتى ضربته، ~~فقال عمر: أيها الرجل! أصابتك عين من عيون الله عز وجل، PageV05P180 ~~وإن لله في الأرض عيونا. # والصبر: هو ثبات النفس على حكم الله، وتدبيره، وأمره، ونهيه، ويرمي ~~بشهوته، ومنيته، والنفس لا ترمي بذلك، حتى تبصر ما هو أفضل من شهواتها ~~ومنيتها، وإنما يبصر ذلك بذلك النور الوارد على القلب فتطيب، وتستقر، ~~وتوقن، فأي شيء أوسع منه، وبذلك يثقل ميزانه، ويملأ منه ميزانه، وسعة كفة ~~الميزان سعة السماوات والأرض. PageV05P181 ### || AUTO الأصل السابع والعشرون والمئتان # 1157 - حدثنا حميد بن علي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ms0760 حدثنا ~~جعفر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا ابن مبارك، عن حماد بن سلمة، عن الزبير ~~أبي عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله الفهري، عن عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسكنوا النساء ~~الغرف، ولا تعلموهن الكتابة)). PageV05P183 # فإنما حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأن في إسكانهن الغرف تطلعا ~~إلى الرجال، وليس في ذلك تحصين لهن، ولا ستر، وذلك أنهن لا يملكن أنفسهن ~~حتى يشرفن على الرجال، فتحدث الفتنة والبلاء، فحذرهم أن يجعلوا لها ذريعة ~~إلى الفتنة، وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس للنساء شيء ~~خير لهن من أن لا يراهن الرجال، ولا يرين الرجال)). # وذلك أنها خلقت من الرجل، فنهمتها في الرجل، والرجل خلق فيه الشهوة، ~~وجعلت سكنا له، فغير مأمون كل واحد منهما في صاحبه، وكذلك تعلم الكتابة، ~~ربما كانت سببا للفتنة. # وذلك أنها إذا علمت الكتابة، كتبت إلى من تهوى، والكتابة عين من العيون، ~~به يبصر الشاهد الغائب، والخط هو آثار يده، وفي ذلك تعبير PageV05P184 ~~عن الضمير بما لا ينطق به اللسان، فهو أبلغ من اللسان، وأحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يقطع عنهن أسباب الفتنة؛ تحصينا لهن، وطهارة لقلوبهن، ~~والله سبحانه أعلم. PageV05P185 ### || AUTO الأصل الثامن والعشرون والمئتان # 1158 - حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: حدثنا أبي، قال: ~~حدثنا الحسن بن عمارة، عن عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، عن أبيه، عن عبد ~~الله ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رأس الحكمة ~~مخافة الله)). PageV05P187 # فمخافة الله هي التي ألهته عن الأشياء حتى صارت رأس الحكمة وهو تعلق القلب ~~بمشيئة الله لما صار إلى المشيئة، أبهم الأمر عليه، فقد علم أنه شاء فخلقه، ~~ولا يدري لماذا خلقه، فظهر له بعض المشيئة، وخفي عليه آخر شأنه من مشيئة ~~الله، فأقلقه، وألهاه، فهذا رأس الحكمة، ومن هاهنا مبتدأ تدبيره له بالحكمة ~~البالغة، وقال في تنزيله: ms0761 {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} إلى قوله: ~~{فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم}. # فهو حكيم بالحكمة دبر له: أموره من مبتدئها إلى آخرها، فخوف المشيئة ~~أذهله عن النفس، وعن دنياه، فلما زايلته نفسه ودنياه، انشرح صدره، واتسع في ~~الحكمة. PageV05P188 ### || AUTO الأصل التاسع والعشرون والمئتان # 1159 - حدثنا إبراهيم ابن عبد الحميد الحلواني، قال: حدثنا عبد الله بن ~~صالح كاتب الليث، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة ~~الباهلي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا ~~فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله تعالى)). # فالفراسة: هي مشتقة من الفروسية، فركضه بالجوارح على الفرس هو فروسية، ~~وركضه ببصر قلبه بنور الله هو فراسة، فبالفرس تقطع مسافة PageV05P189 ~~الدنيا، وبنور الله تقطع مسافة الغيب، وذلك: أن على الأشياء دلائل وسمات، ~~قد وسم الله خلقه بها، وبنوره تدرك تلك السمات حتى يدرك ما لم يأت بعد. # وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه تفرس. # 1160 - حدثنا بذلك يعقوب بن شيبة، حدثنا بشر ابن موسى، قال: حدثنا يزيد ~~بن زريع، قال: حدثنا شعبة، قال: أنبأني عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، ~~قال: دخلنا على عمر -معاشر وفد مذحج-، وكنت من أقربهم منه مجلسا، فجعل عمر ~~ينظر إلى الأشتر، ويصوب ببصره، فقال لي: أمنكم هذا؟ قلت: نعم يا أمير ~~المؤمنين! هذا مالك بن الحارث، قال: ما له قاتله الله! كفى الله أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم شره!، والله إني لأحسب أن للمسلمين PageV05P190 ~~منه يوما عصيبا. # 1161 - حدثنا الجارود، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن زكريا بن أبي زائدة، ~~عن سعد بن إبراهيم، عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: ما حذر عمر رضي الله عنه ~~شيئا قط، فتكلم به، إلا كان. # 1162 - حدثنا عبد الأعلى بن واصل، قال: حدثنا سعيد بن محمد المخزومي، ~~قال: حدثنا عبد الواحد بن واصل، قال: حدثنا أبو البشر المزلق، عن ثابت ~~البناني، عن أنس بن مالك رضي ms0762 الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم)). PageV05P191 # 1163 - حدثنا صالح، قال: حدثنا محمد بن مروان، عن عمرو بن قيس الملائي، عن ~~عطية، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: {إن ~~في ذلك لآيات للمتوسمين}، قال: ((للمتفرسين)). # فالتوسم: هو مأخوذ من السمة؛ أن تعرف سمات الله، وعلائمه في الأمور. # والتفرس: أن يركض قلبه فارسا بنور الله، إلى أمر لم يكن بعد، PageV05P192 ~~فيدركه مثلما أدركه عمر. # وروي عن الحسن البصري رحمه الله: أنه قال لعمرو بن عبيد: هذا سيد فتيان ~~أهل البصرة (إن لم يحدث. # وقال لأيوب: هذا سيد فتيان أهل البصر)، فلم يستثن. # وروي عن الشعبي: أنه قال لداود الأودي وهو يماريه: إنك لا تموت حتى تكوى ~~في رأسك، وكان كذلك. # فإذا امتلأ قلب العبد من نور الله، نظرت عينا قلبه بنور الله، فأبصر في ~~صدره ما لا يحاط به وصفا. # فالفراسة من الله تعالى لعبده كائنة. PageV05P193 ### || AUTO الأصل الثلاثون والمئتان # 1164 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا ابن الأصبهاني، قال: حدثنا عبد ~~الرحيم بن سليمان، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن أبي سورة، عن أبي أيوب ~~الأنصاري رضي الله عنه، قال: قلنا: يا رسول الله! هذا السلام، فما ~~الاستئناس؟ قال: ((يتكلم الرجل بالتسبيحة والتحميدة والتكبيرة، أو يتنحنح، ~~فيؤذن أهل البيت)). PageV05P195 # فالاستئناس: تنبيه، والاستئذان: عهد، فندب إلى أن يبدأ بالتنبيه، ثم ~~بالعهد، فيكون آكد للعهد، وأقوى للحجة، فإنه إذا فوجئ بالسلام، والإنسان في ~~غفلة، والعقل عازب عنه، مشغول بغير ذلك، كانت الحجة عليه غدا أضعف أن يقول: ~~فوجئت بالسلام، وعوجلت به، فلم أقبله بالتثبت. # ألا ترى أن الله -تبارك وتعالى اسمه- (خاطب الخلق، فدعاهم مرة بأسمائهم، ~~ومرة بكناهم، فقال: {يأيها الناس}، فهذه أسماؤهم)، ثم قال: {يأيها الذين ~~آمنوا}، وهذه كناهم، فقدم على الدعوة تنبيها، فقال: {يأيها}، وإنا هو: يا، ~~ويا: كلمة تنبيه، إنما هل حروف ذات أصداء؛ لينبهك عما أنت به مشتغل؛ ليرجع ~~إليك عقلك بصوته. ms0763 # ثم قال: أي، وهي كلمة الفتش مضمر فيها من. # ثم قال: ها، فهو تنبيه آخر، مشيرا إلى شيء معلوم عينه. PageV05P196 # ثم قال: {الذين آمنوا}، فكناه كأنه يعني بها: ذا؛ أي: بقولي ما دعوت دعوة ~~تنبيه، ثم قلت: أي؛ أي: أيهم أريد بدعوتي. # ثم قلت: هذا؛ أشير إلى من أذكر اسمه أني أريده بدعوتي، ثم أبرزت اسمه، أو ~~كنيته، فقلت: الناس، أو الذين آمنوا، فهذه التنبيهات من إلقاء العذر، ~~وإتمام الحجة: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون}، و((لا أحد أحب إليه العذر من الله، ولذلك بعث الرسل)). # وروي لنا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي عنه أيضا: أنه قال: ~~((يعتذر الله إلى آدم بثلاثة معاذير يوم القيامة)). # وروي عنه أيضا أنه قال: ((إن الخلق يعرضون ثلاث عرضات، PageV05P197 ~~فعرضتان جدال ومعاذير، وفي العرضة الثالثة تطاير الصحف)). # فقال هاهنا: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على ~~أهلها}. # فالاستئناس: تنبيه، ثم يكون التسليم بعده، والتسليم كان عندهم الاستئذان، ~~فإذا رؤوا، جاء الإذن بعد ذلك، {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا}. # وأدنى الاستئناس: النحنحة، وأعلاه: ذكر الله، فيسر عليهم الأعلى، ~~والأدنى، فقال: تسبيحة أو تكبيرة أو تحميدة، ثم ذكر الأدنى. # وإنما قيل: استئناس؛ لأن الحس حس المجيء قد يختلف، فإذا سمع الحس، لم يدر ~~السامع ما هو، ولعله سبع من السباع، أو بهيمة، أو داهية من الدواهي، فإذا ~~تنحنح، عرف هذا أنه من جنسه، فأنس به؛ لأن الآدمي إنما يأنس بجنسه، ويتوحش ~~من غير جنسه، فأعلاه: تسبيحة، أو كلمة نحوها؛ ليعلم هذا السامع أنه أخوه ~~المسلم، فذاك أفضل، فربما كان تنحنح ذا شبهة لا يعرف السامع مسلم هو أو ~~كافر، ولي هو أو عدو؟ فدخله روعة لمجيئه، فإذا ذكر الله، كان أوفر ~~للاستئناس. PageV05P198 # وإنما قيل: استفعال؛ كأنه يدل على أنه يفعل فعلا يستدعي أنسه إلى نفسه حتى ~~يأتلفا. # والعجب من هؤلاء الرواة، أحدهم يروي عن ابن عباس: أنه قال في قوله: {حتى ~~تستأنسوا وتسلموا}: ms0764 هو خطأ من الكاتب، إنما هو: حتى تستأذنوا وتسلموا. # وما أرى مثل هذه الروايات إلا من كيد الزنادقة في هذه الأحاديث، إنما ~~يريدون أن يكيدوا الإسلام بمثل هذه الروايات، فيا سبحان الله! أكان كتاب ~~الله بين ظهراني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مضيعة، حتى كتب ~~الكتاب فيها ما شاؤوا، أو زادوا، أو نقصوا؟! # وروي عنه أيضا: أنه قال: هو خطأ من الكاتب قوله: {أفلم ييئس الذين آمنوا ~~أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا}، إنما هو: أفلم يتبين. # فهذه كلمات إنما تتغير معانيها بزيادة حرف، ونقصان حرف، أفيحسب ذو عقل أن ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أهملوا أمر دينهم، حتى فوضوا عهد ربهم إلى ~~كاتب يخطئ فيه، ثم يقرؤها أبو بكر، وعمر، وأبي بن كعب -رضي الله عنهم ~~أجمعين- حيث جمعوه في خلافة أبي بكر، ثم من PageV05P199 ~~بعده مرة أخرى في زمن عثمان رضي الله عنه فقاروهم على الخطأ. # هذا كلام أحد رجلين: جاهل لا يعرف ما وراء هذه الكلمة، أو ملحد يريد أن ~~يكيد الدين، فليس فيما رواه أبو أيوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~تفسير الاستئناس ما يبطل رواية من روى عن ابن عباس رضي الله عنه أن هذا خطأ ~~من الكاتب. # قال له قائل: فقد روى شعبة هذا الحديث عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: أن الكاتب أخطأ في ذلك، وإنما هو: حتى تستأذنوا. # قال: هؤلاء رواة إنما ينكر هذه الأشياء ويدفعها الرعاة، والرواة كالطواف ~~والخدم، ليس لهم من الطعام إلا الشم، إنما الحظ من الطعام للأكلة، والعارف ~~بالطعام الطهاة، وصاحب المطبخ، فأما الذين يتداولون القصاع على أيديهم ~~طوافا وخداما، فهم جياع، ليس لهم إلا المشام، فكذلك الرواة، ما يدري مثل ~~شعبة ما غور هذا، وإنما هو PageV05P200 ~~نقال، فإذا خرج من نقله، لم يبق معه إلا ذرو الكلام، وأين مكان أبي بشر من ~~هذا الدين والعلم حتى تصغي إليه الأذن؟! هؤلاء شيوخ منسوبون إلى ms0765 العبادة، ~~فللزنادقة وأهل كيد الدين فيهم مطمع أن يدسوا إليهم مثل هذا، كما دس ~~الكلبي، وأبو صالح تلك المناكر في تفسير ابن عباس. # قال له قائل: فإن كان هؤلاء رواة من الرعاة؟ # قال: الذين عن الله عقلوا، وعن تدبيره فهموا، أو هم المقربون أهل اليقين، ~~وقد وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن الله -تبارك وتعالى-: ~~أنه قال: ((فإذا أحببت عبدي، كنت سمعه وبصره، وفؤاده ولسانه، فبي يعقل، وبي ~~يبصر، وبي يسمع، وبي ينطق)). PageV05P201 # فهذا الذي ينفي مثل هذه الأشياء، ويدفعها، فإذا نفاه ودفعه، فبه ينفي، وبه ~~يدفع؛ لأنه به يعقل، وبه ينطق، فهو حجة الله على خلقه، وراعي غنمه، وطبيب ~~عباده، فمن عارضه، هلك وهو لا يشعر. # فكم من منتحل لهذا العلم الظاهر عارض هذه الطبقة التي ولي الله أمرها، ~~ولم يعرفها بالتيه الذي فيه، فاستخف بها، ولم يعلم أن صفوة العلم الذي في ~~يديه عند هذه الطبقة، وأنهم قد طالعوا تدبير الله في هذا العلم الذي عندهم، ~~فقبلوه على بينة من ربهم، فلم يخرج المعارض من الدنيا حتى صغره الله، وحل ~~به عاقبة السوء، ولهذا ما حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عن ربه ~~-تبارك وتعالى-: ((من آذى لي وليا، فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأسرع شيء ~~نصرة لأوليائي، أفيظن أن يفوتني كيف، وأنا الثائر لهم؟)). # 1165 - حدثنا سليمان بن منصور، قال: حدثنا بقية، عن معان بن رفاعة ~~السلامي، عن القاسم بن PageV05P202 ~~عبد الرحمن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليحمل هذا العلم من ~~كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل ~~الجاهلين)). # فهذا فعل العدول، من استقام قلبه بعدل الله، فهم حملة هذا العلم، وأما ~~هؤلاء النقلة الرواة، فليسوا من العلم في شيء إلا الأداء، فعليهم التثبت ~~حتى لا يكيدهم الزنادقة، فيلقون في كتبهم، أو على ألسنتهم الكذب، والخطأ، ~~والإلحاد. PageV05P203 ### || AUTO الأصل الحادي والثلاثون والمئتان # 1166 - حدثنا رزق الله بن موسى الناجي، قال: حدثنا معن بن عيسى، قال: ~~حدثنا ms0766 مالك بن أنس، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أهل الجنة ~~ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من ~~المشرق أو المغرب؛ لتفاضل ما بينهم))، قالوا: يا رسول الله! تلك منازل ~~الأنبياء فلا يبلغها إلا هم؟ قال: ((بلى، والذي نفسي بيده! رجال آمنوا ~~بالله، وصدقوا المرسلين)). PageV05P205 # فأهل الغرف: أهل عليين الذين قد ارتفعت درجاتهم إلى قرب العرش، فالاغتراف: ~~الارتفاع، ويقال في اللغة: اغترف؛ أي: رفع بيده، قال في تنزيله: {إلا من ~~اغترف غرفة بيده}. # فالغرفة: ما ارتفع، والغرف جمعه، وهذه التعالي: الغرف، ومنها سميت؛ ~~لارتفاعها عن الأرض. # فالجنة ثلاثة أثلاث: أعلاها للسابقين المقربين، وأوسطها للمقتصدين، ~~وأدناها للمخلطين، وما فيها دني، وعدن: مقصورة الرحمن، خلقها بيده، وزينها ~~ونجدها، وهي معدن النعيم، وجنة عدن: محل الرسل، وجنات عدن: محل الأنبياء ~~-صلوات الله عليهم أجمعين-، والفردوس: محل الصديقين والأولياء، وهي الغرف، ~~وهي سدة الجنة بحيال باب العرش، فوصف رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أهل ~~الجنان من دونهم يتراءون أهل الغرف من البعد، كما يتراءى أهل الأرض الكوكب ~~الدري في السماء، فتوهم أصحابه أن تلك منازل الأنبياء -عليهم السلام-، فلا ~~يبلغها غيرهم، فأعلمهم بقوله: ((بلى، والذي نفسي بيده!)): أنه يبلغها من ~~ليسوا بأنبياء. PageV05P206 # وفي هذه الكلمة ما يؤدي أن تلك الغرف ليست بمنازل الأنبياء، وأن الأنبياء ~~فوقهم؛ لأن الأنبياء والأولياء لا يجتمعون في درجة واحدة؛ لأن درجة النبوة ~~فوق درجة الولاية، فالأولياء فوق الغرف في جنات عدن، وعدن كالمدينة، وجنات ~~عدن كالقرى حولها، والفردوس حول جنات عدن كعوالي القرى، والفردوس مضموم إلى ~~جنات عدن، ومنسوب إليها، وما دونها من الجنان كالخيام، والمحلات حول عوالي ~~القرى، وكذلك نجد المساكن في الدنيا إنما هي مدينة، ثم قرى، ثم عوالي ~~القرى، ثم محلات، وخيام، ومراعي في براري. # فأعلم في هذا الحديث شأن الغرف؛ لأنها درجة من اتقى، فقال: ((رجال آمنوا ~~بالله، وصدقوا ms0767 المرسلين))، وهذا إيمان الصديقين، لا إيمان الموحدين ~~المخلطين، ولم يعلم للمخلطين في الغرف حظا، إنما أهل الغرف أهل الدرجات ~~العلا، وقد وصف الله -جل ذكره- في كتابه فقال: {ومن يأته مؤمنا قد عمل ~~الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى. جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك جزاء من تزكى}. # ثم قال: {وذلك جزاء من تزكى}؛ أي: تطهر من مساخط الله قلبا PageV05P207 ~~وقولا وفعلا، فإيمان الصديقين إيمان طمأنينة به، وبجميع أحكامه، وتصديقهم ~~المرسلين تصديق ثقة وسكون. # 1167 - حدثنا صالح بن محمد، قال: حدثنا سليمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن ~~سهل بن سعد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {أولئك يجزون الغرفة ~~بما صبروا}، وقوله: {وهم في الغرفات آمنون} قال: # ((الغرفة من ياقوتة حمراء، وزبرجدة خضراء، ودرة بيضاء، ليس فيها فصم ولا ~~وصم، فإن أهل الجنة ليتراءون الغرفة منها، كما تتراءون الكوكب الدري ~~الشرقي، أو الغربي في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما منهم ~~وأنعما. PageV05P208 # 1168 - حدثنا صالح بن عبد الله، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، قالوا: حدثنا ~~خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن المتحابين في الله ~~تعالى على عمود من ياقوتة حمراء، في رأس العمود سبعون ألف غرفة، يضيء حسنهم ~~أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا، يقول أهل الجنة بعضهم لبعض: انطلقوا ~~بنا حتى ننظر إلى المتحابين في الله، فإذا أشرفوا عليهم، أضاء حسنهم أهل ~~الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا، عليهم ثياب خضر [من] سندس، مكتوب على ~~جباههم: هؤلاء المتحابون في الله)). # فهؤلاء أهل الغرف، وهم أهل محبة الله، وإنما تحابوا في الله PageV05P209 ~~لمحبة الله، وهو قوله: ((حقت محبتي للذين يتحابون بجلالي)). # فمن تحاب في أموره، ومن أجل أموره، ودخل التقصير في أعمالهم، درس ذلك ~~منهم فيما بينهم، ومن تحاب لجلاله ومحبته، لم ينظر إلى تقصير من أحبه، إنما ~~ينظر إلى ms0768 ما يجد من قلبه، وإنما آلفهم بروحه، فما دام روحه بينهم، فإنما ~~موصلتهم قائمة، ولا يلتفتون إلى الأعمال، فقد وصف الله أهل الغرف في ~~تنزيله، فقال: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض}، فنسبهم إلى اسمه ~~الرحمن، يوهمنا أنه خرج لهم ذلك من اسمه حتى نالوا ذلك، فقال: {يمشون على ~~الأرض هونا} إلى قوله تعالى: {واجعلنا للمتقين إماما}. # فوصف مشيهم، وخطابهم، وانتصابهم له، ودعاءهم، ونفقاتهم، ونزاهتهم، ~~ويقظتهم، وانتباههم، وصدقهم، ومحبتهم، ونصحهم، ثم قال: {أولئك يجزون الغرفة ~~بما صبروا}. # والصبر: بذل النفس، والثبات له وقوفا بين يديه بالقلوب عبودة، فهذه صفة ~~المقربين، وقال في آية أخرى: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي PageV05P210 ~~تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ~~وهم في الغرفات آمنون}. # فذكر شأن القربة أنها لا تنال بالأموال والأولاد، إنما تنال بالإيمان ~~والعمل الصالح، ثم بين أن لهم جزاء الضعف، ومحلهم الغرفات، يعلمك أن هذا ~~إيمان طمأنينة، وتعلق قلب به مطمئنا به في كل ما نابه، وبجميع أموره ~~وأحكامه، وإذا عمل عملا صالحا، ولا يخلطه بضده، وهو الفاسد، فلا يكون العمل ~~الصالح الذي لا يشوبه فاسد إلا مع إيمان بالغ، مطمئن صاحبه بمن آمن، وبجميع ~~أموره وأحكامه، والمخلط معه إيمان الموحدين، غير مطمئن بأموره، وأحكامه، ~~مقر بربه، موحد له، تابع لهوى نفسه، يعمل على شهوته، ويقضي منيته، فهذا ~~إيمان الموحدين، وذاك إيمان المطمئنين المخبتين، وكلاهما إيمان واحد برب واحد. # إلا أن ذلك قد جثمت على قلبه شهوات نفسه، فأظلمت صدره، وانكمن نوره، فلا ~~يعمل شيئا من الإشراق والإنارة، وهذا البالغ من الله تعالى عليه بنوره فهتك ~~هذه الحجب من الظلمات، وأمات منه الشهوات مما حل بقلبه من الخشية؛ فأورثه ~~ذلك النور والعلم بالله، وولج قلبه من PageV05P211 ~~عظمة الله وجلاله، فأذهل نفسه، واستقام القلب لله، وهو قوله تعالى: {وبشر ~~المخبتين. الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}. # فإنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن أهل الغرف، فقال: ((رجال ~~آمنوا بالله وصدقوا المرسلين))، فلم يذكر ms0769 هاهنا عملا، ولا شيئا سوى الإيمان ~~والتصديق للمرسلين، ذلك ليعلم أنه إنما عنى الإيمان البالغ، وتصديق ~~المرسلين من غير سؤال آية أو تلجلج، وإلا فكيف ينال الغرف بالإيمان ~~والتصديق الذي للعامة، ولو كان كذلك، لكان جميع الموحدين في أعالي الدرجات، ~~فهذا محال. PageV05P212 ### || AUTO الأصل الثاني والثلاثون والمئتان # 1169 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا سلمة ~~بن وردان الكناني الجندعي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((من ترك الكذب وهو باطل، بني له في ربض الجنة، ~~ومن ترك المراء وهو محق، بني له في وسط الجنة، ومن حسن خلقه، بني له في ~~أعلاها)). # فترك الكذب هو ترك الشرك، ولا كذب أعظم من الشرك، فمحل تاركه في ربض ~~الجنة، وهو أدانيها، وهذا الصنف هو الظالم. PageV05P213 # وترك المراء إذا اقتضاه الحق أمرا لله؛ من أداء فرائضه، واجتناب محارمه: أن ~~يخضع للحق، ولا يماريه، فيذهب برفضه فرض الله تعالى في أمره ونهيه، فهذا ~~مقتصد محله في وسط الجنة. # وأما حسن الخلق، فإن الله -تبارك وتعالى- دبر لعبده من قبل أن يخلقه شأنه ~~من الرزق، والأحوال، والآثار، كل ذلك مقدر موقت، يبرزه له في وقته كما ~~قدره، والعبد ذو شهوات قد اعتادها، وتخلق بها، ودبر الله لعبده غير ما تخلق ~~به من الشهوات، فمرة سقم، ومرة صحة، ومرة غنى، ومرة فقر، ومرة عز، ومرة ذل، ~~ومرة مكروه، ومرة محبوب. # فأحوال الدنيا تتداوله، ولا ينفك من قضائه وتدبيره، والعبد يدبر ما وافقه ~~واشتهاه، وتدبير الله فيه غير ذلك، فإذا راض نفسه وقمعها، وخشعت لله بما ~~أيده الله من نور اليقين، حسن خلقه، واستقام قلبه، فقد ترك جميع مشيئاته ~~لمشيئة الله تعالى، ينتظر ما يبرز له من تدبير الله في جميع أحواله، ~~فيتلقاه بهشاشة قلب، وطيب نفس، فهذا أحسن الخلق، فمحله في أعالي الدرجات. # فالأول: ظالم، والثاني: مقتصد، والثالث: مقرب. # وسوء الخلق حجاب بين العبد وبين ربه؛ لأن سوء الخلق من نفس PageV05P214 ~~شهوانية، والنفس ms0770 ما لم تمت شهواتها لا تنقاد للحق، ولا يتخلص القلب من ~~مخاليبها، ولا يبرأ الإيمان من سقمه، وهوى النفس سقم الإيمان. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤيا: أنه قال: ((رأيت ~~رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه، وبينه وبين الله حجاب، فجاءه حسن خلقه، ~~فأدخله على الله تعالى)). # فحسن الخلق على ثلاث منازل: # أولاها: أن يحسن خلقه مع أمره ونهيه. # والمنزلة الثانية: أن يحسن خلقه مع جميع خلقه. # والمنزلة الثالثة: أن يحسن خلقه مع تدبير ربه، فلا يشاء إلا ما يشاء له ربه. # ومن أسوأ خلقا من رجل دبر الله -تبارك وتعالى اسمه- سقيا لعباده وبلاده ~~من بركات السماء، فجعل فيه أرزاقهم، وأرزاق حيوانهم، ومعاشا لهم، فهو ~~بتدبيره ولطفه يحيي بذلك أمة من الأمم، والعبد يكرهه ويأباه من أجل أنه في ~~أرض براز، فتبتل ثيابه، أو ينفى عن سفر يريده، فهذا العبد إنما ثقل عليه ~~تدبير الله لهذا الخلق؛ لشهوته لذلك العمل الذي هو PageV05P215 ~~فيه، ولو كان ميت الشهوة، أعماله عبودة لله تعالى، ما كان ليثقل عليه ~~تدبيره. # 1170 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، عن مؤمل ~~بن عبد الرحمن الثقفي، قال: حدثنا أبو أمية بن يعلى، عن سعيد بن أبي سعيد، ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أوحى ~~الله تعالى إلى إبراهيم عليه السلام: أن يا إبراهيم خليلي! حسن خلقك ولو مع ~~الكفار، تدخل مداخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله في عرشي، ~~وأن أسكنه حظيرة قدسي، وأن أدنيه من جواري)). PageV05P216 # وإن محاسن الأخلاق جاءت من الله عز وجل، قد خزنها الله عن خلقه، فلا يعطيها ~~إلا من أحبه، فسعد جده، فيمنحه خلقا من تلك الأخلاق، وبخلق واحد منها، يرى ~~عليه بهجة ذلك في شمائله، وفي منطقه، وفي معاشرته، حتى في سيماء وجهه. PageV05P217 ### || AUTO الأصل الثالث والثلاثون والمئتان # 1171 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: أخبرنا ms0771 عبد ~~الله بن المبارك، قال: حدثنا هشام بن الغاز، عن حيان أبي النضر حدثه، قال: ~~سمعت واثلة بن الأسقع يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله ~~-تبارك وتعالى-: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)). PageV05P219 # فالظن: هو ما يردد في الصدر، وإنما يحدث من الوهم؛ لأن النفس ركبت على وجود ~~الأشياء بحواسها، فلقريحة الوهم، وهي غريزتها هواجس، فالظن هاجسه النفس، ~~وللنفس إحساس بالأشياء كلها، عليها نشأ منذ لدن بدأ من بطن أمه، فإنما ~~علمها الحسن، فإذا عرض أمر، دبرت له الحسة ببيان الأمر العارض، ممتثلة ما ~~تقدم من الأمر بما يشبهه، فما خرج لها من التدبير، فهو هاجس النفس. # فأيد الله المؤمن بنور التوحيد في القلب، ونور في الصدر يطوف حول القلب ~~حجابا لذلك النور الأعظم، فأصل هذا النور هو النار، فهو حجاب لذلك النور ~~الأعظم. # وروي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # ((إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، باسط يده لمسيء النهار ~~أن يتوب، ولمسيء الليل أن يتوب، بيده الميزان، يرفع أقواما، ويخفض أقواما، ~~حجابه النار، ولو كشفها، لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره)). PageV05P220 # 1172 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله، حدثنا الفضل بن دكين قال: حدثنا ~~المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى الأشعري رضي الله ~~عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فحجابه النار هناك، وكذلك هاهنا نوره في القلب، فيه هداه، وحجابه في ~~الصدر نور، أصله من النار، يطوف حول الفؤاد، فإذا هجست النفس بعارض أمر، ~~ونور الصدر بمكانه يضيء في صدره، استقرت النفس، واطمأن القلب، وحسن الظن، ~~كمن ذلك النور الذي PageV05P221 ~~في صدره، يريه من علائم التوحيد وشواهده في صدره ما تسكن إليه النفس، ~~ويطمئن القلب؛ لأن النور الذي في قلبه يؤدي إلى القلب حسه، وحسة القلب أن ~~الله كافيه، وحسبه في كل أموره، وأنه كريم رحيم عطوف، يكفيه، ويرحمه، ويعطف ms0772 ~~عليه، ويتكرم لعبده في كفايته. # فهذه حسة العبد إنما وجدها من نور التوحيد، فأداها إلى النفس من الصدر، ~~فإذا كان الصدر مضيئا بذلك النور الذي يطوف حول قلبه تصور لعيني الفؤاد في ~~الصدر ذلك الأمر على الثقة بصنائع ربنا، وبكرمه، ومجده، وعلى أحسنه وأجمله، ~~فإذا تصور للفؤاد هكذا، علمت النفس بذلك؛ لأنها مقرونة بالفؤاد، فاستقرت، ~~فإذا استقرت، لم تزعزع القلب، فاطمأن القلب بما فيه من النور، فهذا حسن ~~الظن بالله. # فإذا كانت النفس جديدة ذات شره، وحدة، وشهوة غالبة، فارت بدخان شهواتها ~~كدخان الحريق، فأظلمت الصدر، فإذا التفت هذا النور الطواف في الصدر إلى ذلك ~~الدخان الذي جاءت به النفس مصغيا إلى PageV05P222 ~~ما جاءت به، عوقب وخذل، فانكشف في تلك الظلمة، فلم يبق له ضوء؛ بمنزلة قمر ~~ينكسف، فصار الصدر مظلما، فجاءت النفس بهواجسها، واضطربت، فذلك سوء ظنها بالله. # فإذا اضطربت النفس، زعزعت القلب عن استقرارها واستقرها، وفقد القلب ~~طمأنينته وسكونه بالله، ولم تقبل النفس ما تؤدي التوحيد إلى الفؤاد؛ لأن ~~الفؤاد قد صارت عيناه في ظلمة الصدر، فضعف، وفقد ضوء ذلك النور. # فإذا أراد الله بعبد خيرا، أعطاه حسن الظن، وهو أن يزيده نورا يقذف في ~~قلبه، ليقوى ذلك النور الذي كان يطوف حول القلب، وتنقشع ظلمة الصدر كسحابة ~~تنقشع، ويصفو ضوء القمر، فهذا حسن الظن من طريق العطاء. # ولذلك قال عبد الله بن مسعود: # ((والله الذي لا إله إلا هو! ما أعطي عبد عطاء هو خير من حسن الظن بالله ~~تعالى)). # 1173 - حدثنا بذلك إبراهيم بن يوسف، قال: PageV05P223 # حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن خيثمة، عن عبد الله. # وهو كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من أعطي الشكر، ~~لم يمنع الزيادة، ومن أعطي الدعاء، لم يحرم الإجابة، ومن أعطي التوبة، لم ~~يمنع القبول، ومن أعطي الاستغفار، لم يمنع المغفرة)). # فإنما صار هكذا؛ لأنه لما أعطي النور، وصل العبد إلى حقيقة الشكر، وحقيقة ~~الدعاء، وحقيقة الاستغفار، ولم يمنع المغفرة، وإنما وعد الله ms0773 العباد على ~~حقائق أعمالهم، فقال: {ادعوني أستجب لكم}، وقال: {لئن شكرتكم لأزيدنكم}. PageV05P224 # وإنما وقع هذا على أن يشكره بحقيقة الشكر، ويدعو بحقيقة الدعاء، فإذا أعطي ~~النور، وصل العبد إلى حقيقة الشكر، وحقيقة الدعاء، فأعطي ما وعد عليه، ~~فلذلك قيل لذلك: عطاء. # وقد فسرنا ذلك على وجهه مشروحا في بابه فيما تقدم من هذا الكتاب، فكذلك ~~حسن الظن، إذا كان عطاء، فإنما يأتيه نور من الله مددا لذلك النور، فاستنار ~~الصدر، وانقشعت الظلمة، وبرز ما أداه نور التوحيد، وهي حسة القلب إلى ~~الفؤاد أدى ذلك إلى الصدر على الثقة بصنائع ربنا كرما، وجودا، ومجدا، وعلى ~~أحسنه وأجمله، فاستقام القلب، فتصور في الصدر صنائع ربنا بالعبد من كرمه، ~~ومجده ولطفه، وعطفه، فاستقرت النفس، واطمأن القلب. # فذلك حسن الظن بالله الذي من طريق العطاء. # فإذا لم يكن من طريق العطاء، فهو النور الطواف حول القلب، فإذا هجست ~~النفس بحسها، والصدر مضيء بذلك النور، جاءت حسة القلب مخبرة عن نور التوحيد ~~بكرم ربنا، ورحمته، وعطفه، وصنائعه، فتصور في ذلك الضوء، واستقرت النفس، ~~وقبلت ذلك، وذلك بمشيئة الله، فإذا كانت مشيئة الله في العبد غير ذلك، ~~وفارت النفس بفور شهواتها، ودخان PageV05P225 ~~حريقها، والتفت النور إلى ما جاءت به النفس، فخذلت فغاب ذلك النور في ظلمة ~~هذا الصدر، وبقيت هواجس النفس عاملة على القلب، فقال الله -تبارك اسمه-: ~~((أنا عند ظن عبدي بي)). # معناه: أن القلوب بيدي، لم أكلها إلى أحد سواي، فأنا عند قلوب عبادي، ~~وعند ظنونهم، فإذا ظن بي حسنا، حققت له ذلك، ولم أخيبه، فإذا ظن بي سيئا، ~~وكلته إلى سيئ ظنه، وتخليت عنه؛ لأني قد أعطيته من النور في القلب ما يؤدي ~~إلى الصدر، وأعطيته في الصدر ما يضيء له، فيتصور له ما يؤدي القلب إليه، ~~فإنما ضاع ذلك الضوء؛ لقوة ما أتت به النفس من دخان شهواتها، فالعبد ملوم ~~على تقوية الشهوات؛ لأن تقوية الشهوات من استعمالها، فإذا استعملها، فقد ~~قواها، وذلك بمنزلة أتون أو تنور، كلما ألقيت فيه الحطب، ازداد ms0774 تلظيا ~~ودخانا، وإذا أمسكت عنه الحطب، انقطع الدخان، وسكنت الحرارة. # ألا ترى إلى قوله: {يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ~~ذكر الله}، ثم قال: {ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون}، فنسب الفعل في ~~مبتدئه إلى الأموال والأولاد، فهما يلهيان القلب، ثم قال: {ومن يعمل ذلك ~~فأولئك هم الخاسرون}، فعوقب العبد عليه، PageV05P226 ~~ونسب إليه بتركه تعاهد القلب حتى استولت النفس عليه، وألهته عن ذكر الله. # فالظن ظنان: # ظن عطائي: فذلك الذي تستقر عليه النفس، ويطمئن القلب، ويوفي له بذلك، ولا يخيبه. # والظن الآخر: ظن خالطه تهمة، فلم يطمئن القلب، فإن خيب، فغير مستنكر. # قال له قائل: كيف يكون قرار القلب عند ذلك الظن؟ # قال: أضرب لكم مثلا كي تفهموه -إن شاء الله-: رجل خرج في مفازة، وبه حاجة ~~إلى الماء، فوجد على طريق المفازة رجلا يعرفه باسمه وشخصه، معه ماء، فسقاه ~~ماء، ثم خرج مرة أخرى كذلك، وبه حاجة إلى الماء، فأبصر ذلك الرجل في ذلك ~~المكان من بعيد، فطمع أن يسقيه، بحسن ظنه به، ثم وجد في نفسه حزازة مخافة ~~أن لا يسقيه، فلم يستقر قلبه على حسن الظن به، حتى مازجه بسوء الظن، فعرف ~~هذا الرجل ذلك منه، فخيبه، فكان حقيقا. # ورجل خرج في مفازة، وبه حاجة إلى الماء، فوجد على طرف المفازة PageV05P227 ~~أمه، وبيدها ماء، فسقته، ثم خرج مرة أخرى كذلك، فوجدنا كذلك على طرف ~~المفازة، فلما نظر إليها، لم يجد في نفسه حزازة، وسكنت نفسه إلى علمه برأفة ~~أمه، وتحننها عليه، فلو خرج على هذه الصفة مئة مرة، فوجدها كذلك، لم تحز ~~نفسه، ولم تدخله تهمة في أمه أن لا تسقيه، فذاك لعلمه برأفة أمه، قد اطلعت ~~نفسه على ذلك من رأفتها مطلعا لو قيل له غير ذلك، لم يصدق، ولم تضطرب نفسه ~~على ذلك منها، فإنما وثق بها من قبل علمه برأفتها به. # فالعبيد الموحدون إنما ظفروا بتوحيده لما أدركتهم رأفته، ورحمته، فوحدوه، ~~ثم مع رأفته ورحمته عليهم، ستر عنهم رأفته ورحمته، ولو ms0775 كشف عن القلب ذلك ~~الغطاء حتى يعاينوا رحمته ورأفته معاينة اليقين منهم، ومعهم شهواتهم التي ~~ركبت فيها، إذا لاستبدوا، وجمحت بهم شهواتهم، فركبوا العظائم من الأمور، ~~وضيعوا الحدود، فإذا ضيعوا الحدود، فسد التدبير في معاشهم، وخلق النار ~~لأعدائه، ثم أشاع في المؤمنين خبرها ووصفها، كي يكون زجرا لنفوسهم، وقمعا ~~لشهواتهم، وستر عنهم الرأفة والرحمة التي ينالونها بحظوظهم منه، كي لا ~~يستبدوا ويفسدوا. PageV05P228 # فمن أدب نفسه، وقمعها، وراضها، ورفض شهواتها، انكشف الغطاء عن قلبه، ~~فبالمعرفة استنار قلبه، ونظر إلى رأفته، ورحمته، وعطفه، وشفقته لم يكن بقي ~~في نفسه من قوة الشهوة ما يستبد، ويجمح على حق الله تعالى، ففي النوائب ~~يحسن ظنه بالله، ثم لا يحيك في نفسه شيء لمعرفته برأفته ورحمته، فاستقر ~~قلبه، فهو الذي يقول له: ((أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)). # معناه: أنه يجدني قريبا وفيا بما أمل ورجا، وإنما يحسن ظن من انفرد له ~~بين يديه، وأعرض عن نفسه، ورفع عنه بالها، وانكشف له الغطاء عن رأفته ~~ورحمته، فاستقر قلبه، والآخر صاحب شهوات، واشتغال بنفسه، لو انكشف له ~~الغطاء عن رأفته عليه، لأفسد أمره، وضيع حدوده، وركب شهواته، واستبد، ~~واجترأ، فستر رأفته عنه، حتى يكون في مخافة وحذر. # ألا ترى أن الأنبياء -صلوات الله عليهم- لما سكنت شهواتهم، وماتت نفوسهم، ~~وحييت بالله قلوبهم، بشروا بالنجاة، وبشر رسولنا صلى الله عليه وسلم ~~بالمغفرة؛ للزائد من الخوف له من الله، والهيبة له والتعظيم، فلم تضره ~~البشرى، بل زاده ذلك حتى تورمت قدماه من القيام بين يدي الله تعالى؛ PageV05P229 ~~شكرا لله تعالى، فأثقال المنة عملت فيه حيث من الله عليه بالبشرى ما لم ~~تعمل قبل ذلك في غيره. PageV05P230 ### || AUTO الأصل الرابع والثلاثون والمئتان # 1174 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن ثابت، عن ~~أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما: ((هل تدرون ~~من المؤمن؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((المؤمن من لا يموت حتى يملأ ~~الله مسامعه مما ms0776 يحب، ولو أن عبدا اتقى الله في جوف بيت إلى سبعين بيتا، ~~على كل بيت باب من حديد، ألبسه الله رداء عمله حتى يتحدث الناس به، ~~ويزيدون))، قالوا: وكيف يزيدون يا رسول الله؟ قال: ((إن التقي لو يستطيع أن ~~يزيد في بره، لزاد، وكذلك الفاجر يتحدث الناس بفجوره، ويزيدون؛ لأنه لو ~~يستطيع أن يزيد PageV05P231 ~~في فجوره، لزاد)). # وكان ثابت إذا حدث بهذا الحديث يقول: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول: ((نية المؤمن أبلغ من عمله)). # 1175 - حدثنا عمر بن أبي عمر، عن نعيم بن حماد، عن عبد الوهاب بن همام ~~الحميري، قال: سمعت أبي يقول: سمعت وهبا يحدث، عن ابن عباس: أن رجلا قال: ~~يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما أفضل العمل؟ قال: ((النية الصادقة)). # 1176 - حدثنا عمر،، عن عمر بن عمرو الربعي، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ~~ما نية المؤمن خير PageV05P232 ~~من عمله؟ قال: لأن النية لا يكون فيها رياء فيهدرها. # 1177 - حدثنا عمر، عن فهد بن سلام، عن يزيد، عن مالك بن دينار، قال: رأيت ~~رجلا بمكة يقول: اللهم كما قبلت حجاتي الأربع، فاقبل هذه الحجة، فتعجبت ~~منه، وقلت: كيف علمت أن الله قبلها منك؟ قال: أربع سنين كنت أنوي كل سنة أن ~~أحج، وعلم من نيتي، وحججت من عامي، فأنا خائف أن لا يقبل مني، قال مالك: ~~فيومئذ علمت أن النية أفضل من العمل. # قال أبو عبد الله: # وجدنا من طريق الاعتبار عندما مثلنا بين النية والعمل: أن العمل منقطع، ~~والنية دائمة، وتصديقه في حديث ثابت عن أنس. # والعمل علانية، والنية سر، وتصديقه في حديث عطاء. PageV05P233 # أعمال السر مضاعفة، والعمل سعي الأركان إلى الله، والنية سعي القلوب إلى ~~الله تعالى، والقلب ملك، والأركان جنوده، ولا يستوي سعي الملك، وسعي جنوده، ~~والعلم يوضع في الخزائن، والنية عنده؛ لأنه الذكر الخفي، والعمل موقوف على ~~نهايته، والنية لا تحصى نهايتها، والعمل تحقيق الإيمان وإظهاره، والنية فرع ~~الإيمان بمنزلة الشجرة؛ لأن الشجرة هي خشبة ms0777 منصوبة، فبظهور ورقها هي شجرة، ~~وليس للورق ثمر، إنما هي زينة الشجرة، والثمرة من الفرع، والفرع سقياه من ~~الأصل، وذلك قول الله -تبارك وتعالى- في كتابه: {كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء}، فالأصل هو الإيمان الذي في القلب، والنية هي فروعها في ~~السماء، والعمل هو الأكل: {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها}، والعمل موكل به ~~الحفظة، والنية لم يطلع عليها الحفظة، والعمل في ديوان الملائكة، والنية في ~~ديوان الله. # ألا ترى إلى قوله: ((أنتم حفظة على عبدي، وأنا رقيب على ما في نفسه)). PageV05P234 # والعمل الواحد لا يعدو نفس ذلك العمل، ولا ينتظم غيره، والنية تنتظم ~~بالأعمال، والعمل ثوابه من الجنة، والنية ثوابها من منازل القربة، والعمل ~~أجناس لا يشبه بعضها بعضا، فلا يقدر العبد أن يعمل عملا ينتظم جميع ~~الأعمال، والنية تشمل الأشياء، وذلك إذا نوى بلوغ مرضاته، فمرضاته جميع ~~الطاعات، فهو في ذلك الوقت كأنه قد أخذ يعبده بالطاعات كلها، فهو كالعامل ~~بجميع الطاعات، وهذه النية كلها للصادقين من عمال الله يحتاجون إلى نية في ~~كل أمر؛ لأن قلوبهم مع الأشياء، فيحتاجون إلى أن ينووا إلى الله عند مبتدأ ~~كل أمر. # وكذلك جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إنما الأعمال ~~بالنيات))، وقال: ((لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسنة له)). # وأصل النية من طريق الإعراب هو النهوض بقول ما ينوء؛ أي: نهض ينهض، فإذا ~~كان القلب في حبس النفس، فإنه يحتاج إلى النهوض إلى الله عند مبتدأ كل أمر، ~~وهو الإرادة والقصد إليه، وإذا تخلى القلب من حصار النفس، فصار إلى الله، ~~وتعلق به، وجيء به، فمحال أن يقول: نهض إليه؛ لأنه عنده، ولا يحتاج إلى ~~نية، هو في كل أموره عند ربه، فقد سقط عنه PageV05P235 ~~هذا النظر، وهذا عنده محال بعد أن استقام لله قلبه عبودة، وقام بين يديه، ~~فهذا دائم له في كل حالة. PageV05P236 ### || AUTO الأصل الخامس والثلاثون والمئتان # 1178 - حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا يوسف بن ms0778 عطية، عن يزيد ~~الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا أصابه الرمد، أو أحدا من أهله، أو من أصحابه، دعا بهؤلاء الدعوات: ~~((اللهم أمتعني ببصري، واجعله الوارث مني، وأرني ثأري فيه، وانصرني على من ~~ظلمني)). # قال أبو عبد الله: # فالمتعة بالبصر: استعماله فيما له ركب في العين، فإن الله -تبارك PageV05P237 ~~وتعالى- جعل البصر من هذا الجسد بمكان علي، ومحل رفيع. # ألا ترى أنه قد جاء في الخبر: ((إن العبد يؤخذ يوم القيامة بنعمة البصر، ~~فيوجد قد استفرغ جميع حسنات العبد، وبقي سائر النعم عليه مع التبعة)). # ومن رفيع درجة البصر على سائر الجوارح: أنه به ينظر إلى الله في داره يوم ~~الزيادة، وبه يلذ تنعما برؤيته، فمن يقدر أن يحيط بكنه هذه المرتبة؟ وبه ~~ينظر إلى العبيد في الدنيا، فالعين قالب البصر، والبصر من نور الروح، ولكل ~~ذي جسم لطافة، والروح مسكنه في الدماغ، ومقامه في الوتين، وهو نياط القلب، ~~ثم هو متفش في سائر الجسد، من الظفر إلى شعر الرأس، فنفخ فيه الروح من طرف ~~إبهامه في المبتدأ، ثم يخرج منه عند القبض من طرف لسانه؛ لأنه -تبارك ~~وتعالى- اسمه رفع درجة PageV05P238 ~~اللسان على سائر الجوارح بالتوحيد، فبه يظهر ما في القلب. # وروي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه: أنه قال: ((ما من شيء أحب إلى ~~الله من بضعة لحم، وذلك لسان المؤمن، وما من شيء أبغض إلى الله من بضعة ~~لحم، وذلك لسان الكافر)). # فجعل سبيل الروح عند خروجه من طرف لسانه؛ ليكون آخر الجوارح موتا، فتكون ~~حركة لسانه عند خروج الروح منه بالتوحيد، فإن التوحيد والحياة مع العقل ~~والمعرفة، وبالحياة يتحرك، وكما أن النفس قالب للروح، فكذلك الروح قالب ~~للحياة، فإذا خرج الروح، كان ما لطف منه، باقيا مع الحياة والمعرفة والعقل، ~~فبالحياة حركة لسانه، والمعرفة والعقل معه، فيمتلئ الجسد من تلك الحركة ~~نورا يصعد بذلك النور ما لطف من الروح إلى الله، فيلحق بما خرج منه من ms0779 ~~المتجشم. # ألا ترى أن الميت قد تراه يهدأ ساعة بعد اضطراب شدقيه، PageV05P239 ~~وخروج الروح، حتى تظن أنه لم يبق شيء، ثم تجده يحرك لسانه، ويتحرك بعض ~~جوانب شدقيه، فذاك الباقي ما لطف من روحه، يلتمس من المؤمن نورا من ذكر في ~~نفسه ربه بباقي الحياة والعقل والمعرفة، فالروح نور، والعقل نور، والمعرفة ~~نور، ولكل نور بصر، (وللعقل بصر)، والمعرفة بصر، وبصر العقل متصل ببصر ~~الروح، ولطافة الروح ما رق منه وصفا، فهو في العين، فإذا نظر الناظر إلى ~~حدقة عين، أبصر تلك الرقة واللطافة في الحدقة في ذلك السواد، فتلك لطافة ~~الروح كالماء، وبصر الروح في تلك الإنسانة التي في الحدقة، فذلك النور ~~المشرق فيه، فهو بصر الروح، والضوء من خارج، وإدراك الألوان من بين هذا ~~النور الذي في الإنسانة، وبين هذا الضوء الذي من خارج، وإدراك الألوان من ~~بين هذا النور الذي في الإنسان، وبين هذا الضوء الذي هو خارج، ضوء نهار كان ~~أو ضوء سراج بالليل، وحين لا يجتمعان، لا يدرك الناظر بعينيه الألوان، فهذا ~~لعامة الآدميين. # ثم خص الموحدون من ولد آدم عليه السلام بأن أرواحهم من النور أصله، ~~وأرواح الكفار من نار، ليس للكافر عقل، فخلص الموحد بالعقل، فاجتمع نور ~~التوحيد، ونور العقل، ونور الروح في تلك الإنسانة، فإن لكل نور بصرا، ~~فاجتمعت هذه الأسرار في هذه الإنسانة المركبة في هذه PageV05P240 ~~الحدقة، فبها يبصر العبد نور الدنيا، وسهل له أمور الآخرة، ثم خص الأولياء ~~من الموحدين بنور القربة، ولذلك النور أيضا بصر، فالنور في القلب، وبصره في ~~بصر العين؛ فبقوة ذلك يتفرس، والفراسة هي شبيهة بالغيب. # وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه دخل عليه الأشتر في زمانه من ~~قبل أن يظهر منه ما ظهر يوم الجمل وصفين، قدم على عمر في وفد اليمن، فصعد ~~فيه البصر وصوبه، فقال: أيكم هذا؟ قالوا: هذا مالك بن الحارث، فقال عمر: ما ~~له قاتله الله؟! كفى الله أمة محمد شره، إني لأحسب أن للمسلمين منه يوما عصيبا. ms0780 # 1179 - حدثنا بذلك يعقوب بن شيبة، ثنا بشر بن موسى، ثنا يزيد بن زريع، عن ~~شعبة، قال: أنبأني عمرو ابن مرة عن عبد الله بن سلمة، قال: دخلنا على عمر ~~رضي الله عنه. # فذكر ما وصفنا، فظهر الذي قال عمر، وتفرس فيه بعد عشرين سنة، أو نحوه، ~~فإنما نظر إليه عمر بعينه، فأبصر بالنور الذي أشرق من نور القربة في إنسانة ~~العين ما كان بعد عشرين سنة أو نحوه. # ولهذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ~~ينظر بنور الله)). PageV05P241 # 1180 - حدثنا بذلك إبراهيم بن عبد الحميد الحلواني، ثنا عبد الله بن صالح ~~المصري، ثنا معاوية بن صالح، عن راشد ابن سعد، عن أبي أمامة، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # فليس هذا نور الروح، ولا نور العقل، إنما هذا نور الله من القربة، له ~~إشراق في إنسانة أعين أولياء الله، وذلك قوله في كتابه: {إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين}. # 1181 - حدثنا صالح بن محمد، ثنا محمد بن مروان، عن عمرو بن قيس الملائي، ~~عن عطية، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: ((للمتفرسين)). # 1182 - وحدثنا عبد الأعلى بن واصل الكوفي، ثنا سعيد بن محمد الجرمي، ثنا ~~عبد الواحد بن واصل، ثنا أبو بشر المزلق، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله عبادا ~~يعرفون الناس بالتوسم)). PageV05P242 # وروي عن الحسن البصري: أنه دخل عليه عمرو بن عبيد، فقال: هذا سيد فتيان ~~البصرة إن لم يحدث، فكان من أمره ما كان حتى هجره عامة إخوانه. # وروي عن جندب بن عبد الله البجلي: أنه أتى على رجل يقرأ القرآن، فوقف ~~فقال: من سمع، سمع الله به، ومن راءى، راءى الله به، فقلنا له: كأنك عرضت ~~بهذا الرجل؟ فقال: إن هذا يقرأ عليك القرآن اليوم، ويخرج غدا حروريا، فكان ~~رأس الحرورية، واسمه: مرداس. # 1183 - حدثنا بذلك ms0781 صالح بن محمد، ثنا الربيع بن بدر، عن الجريري، عن أبي ~~تميمة، وسيار بن سلامة، عن خالد الأحدب ابن أخي صفوان بن محرز، عن جندب ~~البجلي. # فالفراسة أمر جليل من أمور الغيب خص بها الأولياء، ينظرون بنور الله إلى ~~سمات القدرة على عبيد الله في الغيب، فتوسمهم: نظرهم ببصر ذلك PageV05P243 ~~العين الذي اتصلت الأبصار فيها بعضها ببعض، وغشيها نور القربة، فيدركون ~~سمات القدرة والتدبير، فيتحيرون بالعجائب، فهذا بصر للأولياء، ثم للأنبياء ~~-عليهم السلام- زيادة نور في أبصارهم، وهو بصر النبوة، ثم للرسل -عليهم ~~السلام- بصر الرسالة، ثم لرسولنا -عليه الصلاة والسلام- بصر قيادة الرسل ~~وسيادتهم، وذلك أنه سيد المرسلين وقائدهم، فاجتمعت هذه الأبصار كلها له في ~~إنسانة تلك الحدقة من عينه صلى الله عليه وسلم. # فروي عنه أنه قال: ((ليلة أسري بي رأيت من العلا الذرة تدب على وجه الأرض ~~من سدرة المنتهى))؛ لاحتداد بصره. # فكان يقول: ((اللهم أمتعني ببصري)). # فالإمتاع بالبصر: أن ترى هذه العجائب التي ذكرنا من تدبير الله في أمور ~~الدنيا والآخرة، وترى كل شيء كما خلقه الله. # بلغنا: أن عيسى -عليه الصلاة والسلام- قال: يا رب! أرني الأشياء كما ~~خلقتها. # فمن يقدر أن يرى هذا إلا بأمر عظيم في ذلك العين الذي كان قالبا للروح، ~~فسأله الإمتاع ببصره؛ ليتقرب إلى الله بما ينظر إليه من العبر. # ألا ترى إلى قول الله تعالى: {وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج}، أي: من كل ~~لون بهيج، ثم قال: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب}. # فوصف الله تعالى نبات الأرض وألوانها بالبهجة، فأين البهجة من PageV05P244 ~~قلوب العباد عند نظرهم إلى هذه الألوان؟ هل هو إلا سخنة عيونهم؟ وكيف لا ~~تسخن عيونهم، وهم عمي عن لطائف الله، وبره وتدبيره ورحمته؟. # فلو نظر العبد إلى ورقة؛ لحار عقله فيها من العجائب التي في تلك الورقة؛ ~~في رطوبتها، ولونها، وطعمها، وريحها، وقشرها، ولبها، ومقدارها، وتقطيعها، ~~وهيئتها، ونقوشها، وتخطيطها، واللطف الذي حواها على هذه الصفة، هذه ورقة ~~واحدة، فكيف بالثمرة؟ ثم كل شجرة لها ورق لا يشبه الأخرى. # فللمؤمن ms0782 في هذا البصر بهجة، وأن تكون البهجة للمنيب، والمنيب الذي قد ~~أناب بقلبه، فأقبل على الله، وفرغ قلبه لله من حشو الدنيا، وطهر قلبه من ~~أدناس المعاصي، وكدورة الأخلاق، وفضول الدنيا، فقربه ربه وأدناه، ونقى قلبه ~~بنوره، فاحتد بصره في خلقه، وفي صنعه وتدبيره، والمكب على نفسه في خلو من ~~هذا الأمر إنما به شغل نفسه ماذا ينال منها من عاجل النفع أكلا وتمتعا ~~واعتدادا؛ لما فضل منه؛ حرصا على الدنيا، وجمعا لها، قد اتخذ لنوائبه عدة ~~دون الله، واعتمد عليه، كما وصف الله في تنزيله أعداءه فقال: {واتخذوا من ~~دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا. كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا}. # فهذه الطبقة من الموحدين قد شبهت سيرتهم، أولئك [الذين] حرصوا على جميع ~~ما نالوا من هذه الدنيا، فاستولت عليهم بهجة النفوس؛ لينالوا بها عزا، ~~فجمعوا ومنعوا، ولهوا وسهوا، وقد تقدم إليهم فقال: {يأيها الذين آمنوا لا ~~تلهكم أموالكم ولا أولادهم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون}. PageV05P245 # فوقعوا في الخسران، وحرموا رؤية البهجة، فصار عاقبة أمرهم إلى الخسران ~~والكفران، وقال في تنزيله: {أحسن كل شيء خلقه}. # ثم وصف على إثرة خلق الإنسان، ثم ذكر أنه أعطاه السمع والبصر والفؤاد، ثم ~~نسبه إلى قلة الشكر، يعلم العباد أنه إنما خلق ما في الأرض جميعا لهذا ~~الآدمي بقوله: {خلق لكم ما في الأرض جميعا}. # وأنه أحسن كل شيء خلقه؛ لتنظر إلى خلقه الذي خلقه لك، وتعقل بقلبك، وتبصر ~~بفؤادك حسن كل شيء في باطنه، وقلدك شكر ذلك كله، فإذا أظلم صدرك، غابت عنك ~~رؤية حسن الأشياء، وافتقدت البهجة؛ فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يمتعه ببصره الذي به ينال هذه الأشياء، وأن يجعله الوارث منه؛ أي: يختم له ~~بالنبوة والتوحيد والعقل، وأن لا يسلبه ذلك؛ فيكون بحال إذا خرج الروح منه ~~كان الذي يرثه بصره الذي اجتمعت فيه هذه الأبصار. # فإن الروح إذا خرج، فإنما يخرج المتجشم منه أولا، ثم ما لطف منه، وكذلك ~~كل شيء ms0783 في وعاء إذا صببته؛ فإنما يخرج منه المتجشم منه، ثم ما لطف يبقى ~~بدقته ورقته على الوعاء، فكذلك الروح لما خرج، فإنما لطافة الروح في العين، ~~ثم البصر في تلك اللطافة ألطف منه؛ فهي تنتظم هذه الأبصار التي ذكرنا بدءا. # 1184 - حدثنا عبد الجبار، ثنا سفيان، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الروح إذا فارق الجسد، تبعه ~~البصر، ألا ترى إلى PageV05P246 ~~شخوص عينيه)). # 1185 - حدثنا صالح بن محمد، ثنا داود بن عبد الرحمن المكي، عن ابن أبي ~~ذئب، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((إن الروح إذا عرج به، يشخص البصر)). # فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتعه أيام حياته حتى يتوسم فيه ~~آيات الله التي ذكرها في تنزيله، فقال: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين}، فينظر ~~به إلى سمات القدرة، ويكون ممن يعبد الله بكل نظرة، فإنما أعطي العباد هذه ~~الأبصار؛ ليعبدوا الله بها، لا ليتمتعوا بها تمتع الكفار. # ألا ترى إلى قوله: {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ~~والنار مثوى لهم}، وقال: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون}. PageV05P247 # فالمؤمن يتزود في جميع نظره وسعيه وعقله، والكافر يتمتع، فإذا نظر بعين ~~الغفلة والشهوة، كان تمتعا، وإذا نظر بعين العبرة والفكرة في أمر الله، كان ~~تزودا يتقرب إلى الله به، ويتزود لآخرته. # فالأول: عبد بطال شهواني عبد نفسه. # والثاني: عبد ذا كبر كثير، يتقلب في العبودة، فعار على المؤمن أن يأخذ من ~~الدنيا على التمتع أشرا وبطرا. # فالعاقل المنتبه كلما نظر إلى شيء، ازداد علما، وكان بصره في رأس ماله، ~~والمزيد من العلم ربحه، وإنما استعمل تلك الآلة التي ركب فيها، والنور الذي ~~استقر في الآلة. # ألا ترى إلى ما جاءت به الأخبار، وأن النظر إلى البحر عبادة، والنظر إلى ~~العالم عبادة، والنظر إلى الكعبة عبادة، والنظر إلى وجه الأبوين عبادة، ~~فإنما صارت عبادة؛ لأنه عبد الله بتلك النظرة، ms0784 نظر إلى البحر، بعين: القدرة ~~إلى سعته وعرضه وأهواله، وعظيم ما أعطي من السلطان، وحفظ حده الذي حد له، ~~فلم يجاوزه، فاعتبر ونظر إلى العالم، وإلى ما ألبس من نور العلم، فأجله، ~~ووقره في ذاته، ونظر إلى الكعبة، فتلذذ بها شوقا إلى ربها، ونظر إلى أبويه؛ ~~فذل لهما، ورق وأشفق شكرا لتربيتهما إياه، وتعظيما لحرمتهما. # وقد كان السلف الصالح يستمعون إلى النوح، وهذا أمر منهي عنه؛ يلتمسون ~~بذلك رقة قلوبهم، ومنهم من يستمع إلى المزمار، وهذا أمر منهي عنه؛ يعتبر ~~بذلك لنفخ الصور. # بلغنا ذلك عن محمد بن المنكدر. # فكانوا لا يرضون بذلك من فعلهم، ويحتظون من أفعالهم الاعتبار بذلك. PageV05P248 # وبلغنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع نعيق راع بغنمه، وهو ينفخ في ~~قصبة، فخرج يجر رداءه فزعا، يظن أن القيامة قد قامت، وذلك أنه قد قيل: ~~{واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب}، فظن أنها تلك. # فسأل الإمتاع ببصره كي يعتبر. # ثم قال: ((واجعله الوارث مني)) لم يقل: واجعله وارثي، ولو كان هكذا؛ لكان ~~يقول: فصلا بين خروج الروح وخروج البصر، فإنه إنما يرثه من خلفه، ولكنه ~~قال: ((اجعله الوارث مني)). # أي: اجعل بصري آخر ما يخرج مني، فتكون قد ختمت لي بالنبوة والسعادة، ~~فيكون بصري هو الوارث لجوارحي من بين جوارحي؛ فإن هذه الأبصار قد اجتمعت في ~~هذا البصر، فإني إن سلبتني النبوة والعقل والتوحيد، كان آخر ما يخرج مني ~~لطافة الروح، وهو بصر العين فقط، وقد سلبتني قبل ذلك تلك الأبصار التي ~~اجتمعت في ذلك البصر، وذلك لا يغني عني شيئا؛ لأن نور الروح لا يعمل شيئا ~~دون نور العقل، والنبوة إذا كانت المعرفة مع نور العقل، فالسعيد من قبض ~~روحه، وكان آخر ما يخرج منه بصر روحه فقط. # فلذلك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمتاع ببصره؛ أي: يديم له ذلك ~~إلى أن يفارقه روحه، وكان آخر ما يخرج منه بصره؛ لأنه كان متصلا ببصر ~~العقل، وبصر التوحيد، وبصر الولاية، وبصر النبوة، وبصر ms0785 الرسالة، وبصر ~~القيادة، حتى يكون ذلك ختاما لأمره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يأمن من مكر الله، ولا يقنط من رحمة الله، فإنما آمن بعد ما أمن، وبشر ~~بالمغفرة بما كان ويكون، ووضع عنه وزره، فأما في بدء الأمر، فكان يخاف، ~~وكيف لا يخاف وهو الذي يقال له: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم}. PageV05P249 # وقيل له: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك}، وقيل له: {فإن يشأ الله ~~يختم على قلبك}، وقال: {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}. # فجرت هذه الدعوة على سبيل ما هو ماض إليه؛ حتى إذا بشر بأن قد غفر لك ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك، ويهديك صراطا مستقيما، أمن، وهذا ~~في آخر عمره. # ولهذه الدعوة وجه آخر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يثقل عليه ~~شأن هذا الملك كاتب السيئات، وقد علم أنه لابد له من أن يرفع ما كتب إلى ~~الله، فهاب ذلك؛ لتعظيم عظمة الله في قلبه، وإجلاله لجلاله، فكان يشتهي أن ~~يكون آخر من يكون مصيره إلى الله كاتب السيئات؛ حتى تكون على مقدمته ~~حسناته، وكاتب حسناته، وخليفته الروح، وبقي لتلك اللطافة التي ذكرنا بدءا. # فإن السمع والبصر من تلك اللطيفة، فأحب أن يكون الخليفة منها السمع ~~والبصر، وإرثه الذي يرثه، لا الملك الذي يكتب السيئات، فيكون خروج الروح ~~على إثره، ووارثه، وهو خليفة الروح، وهي اللطافة، ثم هذا [ن] الملكان: كاتب ~~الحسنات، وكاتب السيئات، فيكون الذي يؤديه خليفة الروح بعد خروج الروح، ~~والاشتياق إليه قبل مقدم كاتب السيئات على الله تعالى. # وفي بعض الروايات: ((اللهم متعني بسمعي وبصري)). PageV05P250 # فإنما قرن السمع والبصر؛ لأن السمع أيضا من لطافة الروح، فإنما يحمل السمع ~~أخف الأشياء، وهي الصوت، والريح ذرو الكلام، كلاهما من شيء واحد. # وأما قوله: ((أرني ثأري فيه)). # أي: في البصر، والثأر: النصرة والانتقام، كأنه يقول: أرني ببصري هذا ما ~~يكون في أمتي إلى آخر الدهر من النصرة لما جئت به؛ فاستجيب له، ms0786 فأري ملك ~~فارس والروم، وأري الصديقين في أمته، ومنازلهم، والحكماء، والعلماء، ~~والأئمة الهادية بالحق، والقائمة بالعدل، وعرضت عليه الفتن التي هي كائنة ~~في أمته، ثم أري الرحمة التي عمتهم، حتى قال: ((أمتي مرحومة، عذابها ~~بأيديها: القتل والزلازل)). # وأما قوله: ((انصرني على من ظلمني)). # فإن ظلم الرسول صلى الله عليه وسلم: أن يكذب، وأن ينفى عنه منة الله ~~العظيمة عليه في شأن النبوة، فليس هذا ظلم النفس، ولا ظلم المال، إنما ظلمه ~~في أعظم الأشياء؛ حيث برأه من سمة الله، ونفى عنه منة الله، ووسمه بالكذب؛ ~~فسأله إظهار حقه الذي جاء به من عنده؛ حتى يغلبه وينصر حزبه، فتكون كلمة ~~الله هي العليا، وحقه الغالب، وحزبه المنصور، فقد قال: {وكان PageV05P251 ~~حقا علينا نصر المؤمنين}. # فكانت تلك نصرة النبوة، فإنما كان يستعدي على من ظلمه في نبوته، لا على ~~من ظلمه في ماله أو عرضه، فكان المستعدي عليه على أحد أمرين: إما أن يهديه ~~الله، وإما أن يقتله. PageV05P252 ### || AUTO الأصل السادس والثلاثون والمئتان # 1186 - حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، ثنا عمر بن حفص بن غياث، ثنا أبي، ~~عن الحجاج بن أرطأة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن ~~معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو ~~خفتم الله حق خيفته، لعلمتم العلم الذي لا جهل معه، ولو عرفتم الله حق ~~معرفته لزالت لدعائكم الجبال)). # قال أبو عبد الله: # فحقيقة الخوف لمن وصل قلبه إلى فردانيته، فامتلأ من عظمة الفردية فيه ~~يعقل الأشياء، بهت في جلاله، فأينما وقع بصره على شيء، وأينما دارت فكره، ~~واطلعت نفسه تلك المطالع، علم العلم الصافي الذي لا يمازجه شبهة، ولا جهل، ~~بمنزلة الشمس إذا أشرق على أهل الدنيا، فضوءه يريك الأشياء كلها، من اللون ~~والهيبة والمقادير، فحيثما وقعت من بلاد الله، PageV05P253 ~~فضوءه، معك يريك الأشياء؛ حتى لا يخفى عليك منه شيء، فإنما تمت لك هذه ~~الرؤية بعموم إشراقه على الأشياء كلها، فكذلك شأن القلب، ms0787 إذا كمل علمه، ~~أشرق نور الله في صدره، وذلك الضوء يريك أمور الملكوت، وأمور الدنيا ~~والآخرة، فذلك قوله: ((لعلمتم العلم الذي لا جهل معه)). # فإنما نال هذا العلم بنور الخوف، ونور الخوف: هو ما أشرق في صدره من نور ~~عظمة الفردية، فخاف حق خيفته، وعلم العلم الذي لا جهل معه؛ لأنه يريك ذلك ~~النور باطن الأمور والأسرار التي في الغيوب التي خص الله بالكشف عنها ~~الأنبياء والأولياء. # وأما قوله: ((لو عرفتم الله حق معرفته)). # فحق المعرفة: أن تعرفه بصفاته العلا، وبأسمائه الحسنى معرفة يستنير قلبك ~~بها، فإذا عرفته بذلك؛ كان دعاؤك عن معرفة، وحسن ظن به، وقد قال: ((أنا عند ~~ظن عبدي بي)). # والكريم يستحيي أن يعرف بشيء، ثم لا يكون من ذلك الشيء منه نوال، فما ظنك ~~بعبد يعرف ربه بالكريم، ثم يدعوه فيقول: يا كريم! هل يخيب العارف له بذلك، ~~وقد عرفه بالكلام معرفة يقين، لا معرفة خبر وعلم؟ وقد عرف الموحدون كلهم أن ~~ربهم كريم، ولكن تلك معرفة التوحيد، لا معرفة أهل اليقين. # ألا ترى أنهم يعاملونه معاملة اللئام، ولا يأتمنونه على أحوالهم، من ~~ائتمن الله على أحواله، لم يتخير الأحوال، وألقى مفاتيح الأمور إليه، حتى PageV05P254 ~~يكون الله هو الذي يختار له. # فإذا اختار له ما تكره نفسه، ويثقل عليها، راض نفسه، وأدبها، حتى إذا ~~اختار الله له ذلك، اهتش إلى المكروه، كما يهتش إلى المحبوب؛ ثقة به، ~~وتفويضا إليه، فهؤلاء الراضون عن الله، {رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم ~~جنات تجري تحتها الأنهر خالدين فيها أبدا}، {رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك ~~لمن خشي ربه}، فهم أهل الخشية. # والذين عرفوه بالكرم معرفة التوحيد، يتخيرون الأحوال، فيهربون من الفقر ~~والذل، ويختارون لأنفسهم أحوال المحبوب، ويطلبونها، ويدبرون لأنفسهم أمورا، ~~فمنها ما يقضى لهم، ومنها ما لا يقضى، فإذا جاءهم المكروه من الأمور، وذلك ~~له صنع من الله جميل، رأيت له نفسا دنية لئيمة وخلقا شكيا، وظنا سيئا، فلا ~~يزال ذلك السوء يتردد في صدره حتى يتكدر عليه ms0788 عيشه، فإن كان صاحب تقوى، ~~اتقى الله بجوارحه وصدره بهذه الصفة، وإن خذل، فترك تقواه، خرج ذلك من صدره ~~إلى الجوارح، فافتضح عند الملائكة، وعند عقلاء خلقه في أرضه. PageV05P255 ### || AUTO الأصل السابع والثلاثون والمئتان # 1187 - حدثنا يحيى بن المغيرة بن سلمة المخزومي، ثنا ابن أبي فديك، عن ~~يزيد بن عياض، سمع معن بن محمد الغفاري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي ~~هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطاعم الشاكر بمنزلة ~~الصائم الصابر)). # 1188 - حدثنا عمرو بن علي الصيرفي، ثنا عمر بن علي بن مقدم، ثنا معن بن ~~محمد الغفاري، قال: سمعت حنظلة بن علي الأسلمي يحدث عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه، قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم بهذا الوادي يقول: ((الطاعم ~~الشاكر كالصائم الصابر)). PageV05P257 # وقال: ((الصوم لي وأنا أجزي به)). # قال أبو عبد الله: # فقوله: ((الصوم لي)) هذا فيما يحكي عن مقالة ربه، وقد جاءت أحاديث فيها: ~~أنه قال: ((قال ربكم: الصوم لي)). # فالأعمال كلها لله، وإنما صار الصوم مختصا من بين الأعمال بأنه نسبه إلى ~~نفسه؛ لأن الصوم ليس بعمل الأركان فتكتبه الحفظة، ويصير علانية، ولكنه سر ~~فيما بينه وبين ربه، وهو أن يعزم على أن يكف عن الطعام، والشراب، ومباشرة ~~النساء إلى الليل. # فهذا يسمى: صوما، وفي اللغة السائرة: إذا كف عن شيء، يقال: صام عنه، ومنه ~~قوله تعالى: {إني نذرت للرحمن صوما}؛ أي: صمتا، فإنما صار الكف عن الكلام ~~لها صوما؛ أي: صمتا؛ لينطق عيسى عليه السلام بحجة الله حين أنطقه في المهد صبيا. PageV05P258 # فالصائم كل ساعة يتردد فيه شهوة من طعام، أو شراب، أو غير ذلك مما هو ~~ممنوع، فرد شهوته، وتجرعت نفسه مرارة الرد، فهو صابر، يتجدد عليه الصبر ~~ساعة بعد ساعة. # فلذلك قال: ((الصائم الصابر)). # لأنه يتجدد عليه الصبر عند تحرك كل شهوة في نفسه، ومنع منها، فهو يؤديها، ~~ويثبت على الوفاء بنذره. # فلذلك قال: ((هو لي، وأنا أجزي به)). # لأن الحفظة لا تعلم ذلك، ولا تطلع ms0789 عليه، إنما ذلك بينه وبين ربه، وخفي ~~على الحفظة أن يعلموا جزاءه، ومقدار ثوابه، فولي الله ذلك لعبده؛ لأنه كلما ~~ترددت شهوة، تجددت للعبد عزمة على الثبات، فله بكل عزمة ثواب جديد. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من نعمة، وإن تقادم ~~عهدها، فذكرها العبد، فحمد الله عليها، إلا جدد الله له ثواب شكرها كيوم ~~شكره، وما من مصيبة، وإن تقادم عهدها، فذكرها العبد، فاسترجع، إلا جدد الله ~~له ثوابها كهيئة يوم أصيب بها)). # فللصائم بكل عزمة في ساعات يومه استئناف صبر، وقال الله تعالى: {إنما ~~يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}، فقد خرج هذا من عمل الحفظة وإدراكهم. # ولذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((الأعمال كل حسنة PageV05P259 ~~بعشر أمثالها إلى سبع مئة، إلا الصوم، فإنه لا يعلم ثواب عامله إلا الله)). # 1189 - حدثنا نصر بن يحيى، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا أبو عقيل، ثنا عمر بن ~~محمد بن زيد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((الأعمال عند الله سبعة: عملان موجبان، وعملان بأمثالهما، ~~وعمل بعشرة أمثالهما، وعمل بسبع مئة ضعف، وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا ~~الله، فأما الموجبان: فمن لقي الله يعبده مخلصا، لا يشرك به شيئا، وجبت له ~~الجنة، ومن لقي الله قد أشرك به، وجبت له النار، ومن عمل سيئة، جزي بمثلها، ~~ومن أراد أن يعمل حسنة، ولم يعملها، جزي بمثلها، ومن عمل حسنة، جزي عشرا، ~~ومن أنفق ماله في سبيل الله، ضعفت بسبع مئة، فالدرهم بسبع مئة، والدينار ~~بسبع مئة، والصيام الذي لا يعلم ثواب عامله إلا الله)). PageV05P260 # فالموجبان هما: الإيمان والشرك، فإنما ذكر مخلصا؛ لأنه قد يكون مؤمن مشرك. # ألا ترى إلى قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}، ليس من مشرك ~~فيها، إلا وهو يعرف ربه معرفة الفطرة، ويؤمن به، ثم يجد العدو إليه سبيلا، ~~فيغويه حتى يشرك به؛ لأنه لم يمن ms0790 عليه بمعرفة التوحيد. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال ربكم: خلقت عبادي ~~حنفاء، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي)). # فإنما قال: ((من لقي الله يعبده مخلصا))؛ أي: لقيه بإيمان خالص، لا شرك ~~فيه لأحد، فهو موجبه للجنة، ثم من قبل وصوله إلى الجنة حساب بالأعمال التي ~~هي وفاء الإيمان. # وأما قوله: ((عملان بأمثالهما)). # فصير السيئة مع إرادة الحسنة؛ لأن إرادة الحسنة هو عمل القلب وحده، لم ~~تنحط تلك الإرادة إلى النفس فتقهرها، حتى تستتم الجوارح ذلك العمل؛ لأن ~~الجوارح هي للنفس، والنفس غالبة عليها. # ألا ترى أنها إذا خرجت النفس في حال منامها، ذهب السمع والبصر واللسان، ~~وقوة كل شيء من جوارحه، فالحسنة الواحدة قد اشترك فيها مع PageV05P261 ~~القلب تسعة: الروح، والنفس، والجوارح السبعة اللاتي أخذ عليهن العهد ~~والميثاق، وألزمت التزكية بالأعجمية، فحسب له بعشر أمثالها، والسيئة اشترك ~~فيها التسعة، فأنكر القلب. # فالروح، والنفس، والجوارح، عوامل بتلك السيئة، والقلب منكر لذلك بما فيه ~~من الإيمان، فبالإنكار له حسبت له بواحدة، ووجدنا أعمال العباد على ثلاث ~~منازل، فحسنة بعشر أمثالها، ذلك للعامة، وقد بين ذلك في تنزيله فقال: {من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}، فعم الجميع بقوله: {من جاء}. # فدخل فيه أهل التخليط من الموحدين. # ومنزلة أخرى: الحسنة فيها بسبع مئة، وذلك للصادقين؛ لأن أبدانهم قد صارت ~~سبيلية، فكل حسنة إنما خرجت من بدن عليه سبع جوارح، فحسبت له كل حسنة ~~بسبعة، ثم ضوعفت بسبعة، ثم ضوعفت كل واحدة بمئة، فصارت سبع مئة، فقال في ~~تنزيله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ~~في كل سنبلة مائة حبة}. # فهذا مثل كأنه ضرب للجوارح السبع، هاجت تلك الحسنة من حبة القلب، فأعملت ~~الجوارح؛ حتى عملت جارحة منها، وأعانتها عليها سائر الجوارح، فصارت بمنزلة ~~السنابل السبع، فضوعفت بمئة، فالقلب والنفس قد استقاما لله، فالقلب أمير، ~~والنفس عريف الأمير. # والعوامل سبع جوارح؛ فالحياء والكرامة للقلب وللنفس من مزيد الله، ~~والجزاء للجوارح ms0791 السبع، فإنما صارت كل واحدة بمئة من المزيد الذي ناله ~~القلب والنفس، وأن الجارحة الواحدة إذا عملت، فمادتها من الجوارح الباقية؛ PageV05P262 ~~لأن العهد المقبول قد تمكن فيهن، وبذلك العهد يعين بعضها بعضا. # ومنزلة أخرى: وذلك أن الحسنة فيها بأضعاف، ثم الأضعاف مضاعفة، فأما ~~الأضعاف فهي السبع مئة المذكورة، وأما المضاعفة لتلك الأضعاف؛ فقد انقطع عن ~~الملائكة أن يحصوه، فهذا للمحسنين أهل الصفاء الذين وصفهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حيث سأله جبريل -عليه الصلاة والسلام-: ما الإحسان؟ قال: ~~((أن تعبد الله كأنك تراه)). # فالحسنة من هذا الصنف؛ تضاعف بسبع مئة، وهو العلم الذي أعطي الملائكة، ثم ~~يضاعف الله تلك الأضعاف من عنده بما ينقطع العلم عنه، وهو قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنه قال: ((الصيام الذي لا يعلم ثواب ~~عامله إلا الله)). # وإذا بلغ العبد منزلة المحسنين، وصارت أعماله كما وصف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أن يعبد الله كأنه يراه؛ ولي الله جزاءه؛ لأن الملائكة تعجز عن ~~أن تطلع في قلبه من أين هاجت هذه الحسنة؟ وأما طريق الجنة والجزاء فيها؛ ~~فقد أعطي الملائكة علم ذلك. # وأما قوله: ((الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر)). # فالإيمان: ينقسم على الشكر والصبر. # فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان نصفان: نصف للشكر، ~~ونصف للصبر)). PageV05P263 # لأن العبد في جميع عمره بين محبوب ومكروه. # فالإيمان يقتضيه: الشكر عند المحبوب، والصبر عند المكروه، وإذا وفى بهما، ~~وفر إيمانه، فإذا طعم، فقد أتى بمحبوب النفس، فإذا شكرت، فقد أتت بنصف وفاء ~~الإيمان، وإذا جاعت، فذلك مكروهها، فإذا صبرت، فقد أتت بالنصف الباقي، ثم ~~هو في جميع الأعمال كذلك. # وإن العبد لما آمن بقلبه، واعترف بلسانه، امتحن صدق ما في قلبه، وامتحن ~~طمأنينة نفسه بالإيمان بهذا المحبوب والمكروه، فإن أبرزهما بالجوارح في كل ~~أمر، فأبرز عند المحبوب شكرا، وعند المكروه صبرا، فقد أتى بوفاء الإيمان، ~~وهو قوله تعالى: {الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون}. ms0792 # فقوله: {الم} كأنه يقول: أنا أعلم بالناس، ولم أمتحنهم، وأنا أعلم ~~بسرائرهم، فلم أتركهم وسرائرهم، وإن أظهروا القول حتى أبرز بالأعمال ما ~~أعلم أنا منهم. # ثم قال: {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين}. # فهذا علم الظاهر، وقد علم من قبل علم السرائر، والفتن: الحرق، وذلك أن ~~الشهوة التي في بني آدم من المحفوف بباب النار فيها حرقة، فإذا أثارها ~~محبوب من الأمور، فهي حرقة يقتضي عليها الشكر، وهو رؤيتها من خالقها، ~~والمقدر لها، وإذا أثارها بمكروه، فهي حرقة يقتضي عليها الصبر للمقدر ~~الحاكم القاضي عليه بذلك؛ ليظهر صحة إيمانه، فيباهي الله به يوم الموقف ~~ملائكته وجنوده، إذا أتى الله بالشكر والصبر. PageV05P264 ### || AUTO الأصل الثامن والثلاثون والمئتان # 1190 - حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، ثنا الحارث ابن عبد الله، عن أبي ~~معشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا شربتم، فاشربوا بثلاثة أنفاس، فالأول: شكر ~~لشرابه، والثاني: شفاء في جوفه، والثالث: مطردة للشيطان، وإذا شربتم، فمصوه ~~مصا؛ فإنه أجدر أن يجري مجراه، وإنه أهنأ وأمرأ)). # قال أبو عبد الله: # فإنما صار الأول شكرا للمنتبهين عن الله، لما خلص إليه عذوبة الماء ~~ورطوبته، وبرده، تراءى لقلبه لطف الله له في ذلك الماء، كيف جرت ربوبيته PageV05P265 ~~في ذلك الماء، حتى رطبه وأعذبه وبرده، فكانت رؤيته لذلك شكرا. # وأما النفس الثاني: إنما صار شفاء؛ لأن النفس الأول لما كان بهذه الهيئة، ~~أذهب بالداء، وإذا ذهب الداء، جاءت نوبة الشفاء، فلما شكر هذا العبد في ~~النفس الأول، استوجب من الله المزيد، وهو قوله: {لئن شكرتم لأزيدنكم}، ~~فاجتلب في النفس الثاني المزيد، فصار شفاء؛ لأن البركة قد اشتملت على ~~المزيد. # وأما النفس الثالث: فإنما صار مطردة للشيطان؛ للوترية التي فيه، فإن الله ~~تعالى وتر يحب الوتر. # فالنفس الثالث: محبوبه، والنفس الثاني: شكره لعبده، وهو بمزيده، والنفس ~~الأول: رحمته، فإنما انطرد الشيطان من صدره وقلبه؛ للوترية التي في النفس ms0793 ~~الثالث. # فعلى النفس الأول: سمة رحمته، وعلى النفس الثاني: سمة مزيده، وعلى النفس ~~الثالث: سمة الوتر الذي هو فرد أحد واحد، فوتريته نفت كل خلط في الأعمال ~~مما يريد الشيطان أن يزاوجه؛ لأن الله -تبارك وتعالى- أبدى وتريته؛ لتكون ~~الأعمال لله خالصا، والشيطان مستعد لأن يزاوج الأعمال بما يورد على القلوب ~~في تلك الصدور، والموحد ينفي مزاوجته بحظه من وترية الله تعالى، حتى يبطل ~~كيده، ويصفو عمله للوتر. # ولذلك كانت العلماء تتوخى الوتر في كل شيء. # فأهل الباطن نالوا هذا العلم من الذي وصفت في الأصل، وأهل الظاهر اقتدوا ~~بالظاهر من أمر الله -تبارك وتعالى-، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وفعله، فأما قول الله تعالى في تنزيله: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم PageV05P266 ~~تذكرون}. # ثم لما صار إلى حد العدد، أبدى محبوبه في خلقه الذي خلق، فجعل سرير الملك ~~واحدا، وكرسي القضاء واحدا، وقلم المقادير واحدا، ولوح الأعمال واحدا، ~~والجنة دار الأحباب واحدا، والسجن دار الأعداء واحدا، ثم جعل للجنة سبعة ~~أبواب، وللنار سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم، وجعل بابا واحدا، وهو ~~باب محمد صلى الله عليه وسلم، وهو باب الرحمة، فهو باب التوبة، فهو منذ ~~خلقه الله مفتوح لا يغلق، فإذا طلعت الشمس من مغربها، أغلق، فلم يفتح إلى ~~يوم القيامة، وسائر الأبواب باب الأعمال مقسومة على أعمال البر، فباب منها ~~للصلاة، وباب للصوم، وباب للزكاة والصدقة، وباب للحج، وباب للجهاد، وباب ~~للصلة، وباب للعمرة. # وأما أبواب النيران: فلكل باب من الكفار جزء مقسوم، فباب منها للشرك، ~~وباب للشك، وباب للغفلة، وباب للشهوة، وباب للرغبة، وباب للرهبة، وباب للغضب. # فأما باب التوبة من الجنة الزائد على الأبواب، فليس هو باب عمل، إنما هو ~~باب الرحمة العظمى الذي منه تدخل توبة العباد إلى الله، فلذلك قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا نبي التوبة، ونبي الملحمة)). # 1191 - حدثنا بذلك علقمة بن عمرو التميمي، ثنا أبو بكر بن عياش، PageV05P267 ~~((وأنا رحمة مهداة)) بإسناد له. # وقال: {وما أرسلناك ms0794 إلا رحمة للعالمين} لنفس محمد صلى الله عليه وسلم: ~~كانت رحمة للعالمين، وسائر الأنبياء -عليهم السلام- يبعثهم رحمة للعالمين، ~~فمن كان من الأنبياء مبعثهم رحمة للعالمين، فيبعث بالهدى والنبوة والرسالة ~~إليهم، فمن أجابهم، سعد، ومن أعرض عنهم، عوجل بالعذاب. # ومحمد صلى الله عليه وسلم مولده ونفسه كانت رحمة للعالمين، فصار مولده ~~وخروجه إلى الدنيا أمانا للعالمين، فمن أبى وأعرض، لم يعاجل بالعذاب، وأخر ~~إلى يوم القيامة؛ لحرمة خروجه إلى الدنيا من الأصلاب والأرحام، ولدفنه حيث ~~دفن إلى نفخ الصور؛ فحرمه تلك الرحمة، وأمانه قائم. # فروي في الخبر أنه: ما من فجر يوم يطلع إلا نزل قبره سبعون ألف ملك يحفون ~~بالقبر. # عدنا إلى ما ذكرنا من الوترية: # فالسماوات سبع، والأرضون سبع، والأيام سبع، والسجود على سبع، والجوارح ~~المثاني والعاقب سبع، والرزق من سبع، وخلق الإنسان من سبع، وأيام الدنيا ~~كلها سبعة، فهذه الأشياء كلها وتر، وأمر بصلاة المغرب وترا؛ ليرفع عمل ~~النهار إلى الله وترا، وإذا صلى العشاء أمر بالوتر؛ ليرفع عمل الليل PageV05P268 ~~إلى الله وترا؛ لأن ملائكة الليل غير ملائكة النهار، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يتوضأ وترا، وإذا تكلم فأعاد الحديث أعاد وترا، وكان متوخيا ~~للوترية في كل شيء. # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه كان يتوخى الوترية في كل شيء؛ حتى ~~إنه كان يقرأ في صلاته أم القرآن بثلاثة أنفاس. # وكان ابن سيرين يتفقد ذلك، حتى يأمر الخادم أن تضع على مائدته من كل شيء ~~وترا، يتوخون بذلك محبوب الله، والتماس البركة، وانطراد الشيطان ونفوره، ~~وإذا انطرد الشيطان في النفس الثالث، كأنما ينطرد لتوخي هذا الشارب بتلك ~~الوترية في هذا النفس، وبقي الشفاء على هيئته، وثبت الشكر لصاحبه في النفس ~~الأول، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ((إن الله ليرضى عن العبد بالشربة الواحدة، وبالأكلة الواحدة، يشربها، أو ~~يأكلها، فيحمد الله عليها)). # 1192 - حدثنا بذلك الجارود بن معاذ، ثنا إسماعيل ابن أبان الأكبر، عن ~~زكريا بن أبي زائدة، قال: حدثني سعيد ابن ms0795 أبي بردة، عن أنس بن مالك، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV05P269 # 1193 - وحدثنا الجارود، ثنا وكيع، عن يوسف أبي خزيمة، عن الحسن، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أنعم الله على عبد من نعمة صغيرة ولا ~~كبيرة، فحمد الله عليها، إلا كان قد أعطي خيرا مما أخذ)). # 1194 - قال الجارود: قال وكيع: كان يقال: الحمد لله شكر لا إله إلا الله. # قال أبو عبد الله: # فيا لها من كلمة لوكيع؛ لأن لا إله إلا الله أعظم النعم، فإذا حمد الله ~~عليها، كان في كلمة الحمد قول: لا إله إلا الله متضمنة مشتملة عليها الحمد لله. # فالنفس الأول: للشكر، وإنما ثبت له هذا الشكر بهذه الوترية في الثالثة؛ ~~لانطراد الشيطان؛ لأنه إذا لم يكن مطرودا، أدخل عليه بوسوسته ما يبطل شكره، ~~وذلك أنه يوسوس إليه في عذوبته، أو في صفائه، أو في برده خللا ينغص عليه ~~النعمة، حتى يغيب عن قلبه لطف ربوبية الله في ذلك PageV05P270 ~~الماء، فربما أولج في الماء خللا حتى يشغله عن رؤية اللطف والربوبية. # فإنما ثبت له شكر النفس الأول بتوخيه الوترية، حين قطع النفس في الثانية ~~طالبا لوترية الله فيه بالنفس الثالث، فإنما استوجب العبد رضا الله عنه في ~~شربة واحدة، لهذه الآداب التي دأب عليها مطيعا لله، طالبا فيها حسن العمل، ~~فإن الله -تبارك اسمه- قال: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}. # فأعلم أنه يبلونا أينا أحسن عملا في الحياة؛ ليجزينا به بعد الممات، ~~يبتغي منا حسن العمل، لا الكثرة والتخليط؛ فإن الكثرة في العدد إنما تكثر ~~عند من يجوز أن يموه عليه ويخادع، والله تعالى لا يخادع، ولا يموه عليه، ~~فقليل العمل إذا كان حشوه الحسن، فهو كثير؛ لأنه إنما حسنه العبد من حب ~~الله تعالى وهيبته وإجلاله، فحسن العمل في كل شيء: أن لا يلتفت إلى رشوة من ~~ربه، وطهارته: أن يكون لله خالصا. # فهذه الشربة الواحدة إنما رضي الله عن العبد بها؛ لأنه يسمي في أولها، ms0796 ~~ويتنفس حين قطع الشرب للمزيد ليجتلبه؛ فإن المزيد أكثر من الشكر، ثم تنفس، ~~فقطع؛ ليجتلب الوترية، فيتقي العدو الحاسد الذي قد أعد له في كل شيء حسدا، ~~فيثبت له الشكر، ويدوم. # فإذا حمد الله، فقد ختمه بكلمة الصدق، فرضي عنه بتلك الكلمة الصادقة، ~~وإذا حمده حمدا، مع تركه الأدب الذي وصفنا، كانت كلمته بالحمد مدخولة، يخاف ~~ألا يستوجب الرضا، فإن رضا الله عن العبد له خطب جليل، وشأن رفيع، وإذا رضي ~~الله عن عبده، أثنى عليه في سمائه على عرشه، PageV05P271 ~~وأحبه جبريل والملائكة -عليهم السلام-، فإذا حمد مع ترك الأدب باستيلاء ~~الغفلة، كان حمده حمد السكارى. # 1195 - حدثنا عمر، ثنا سليمان بن شرحبيل، عن البختري بن عبيد، ثنا أبي، ~~ثنا أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ~~شرب ماء بثلاثة أنفاس، بدأ فسمى في كل مرة، وحمد بعد كل مرة، سبح ذلك الماء ~~في جوفه حتى يشرب ماء غيره)). # قال أبو عبد الله: # فإن صار الماء بعد ما صار مواتا بالشرب، والاستهلاك حيا في جوفه، فإنما ~~حيي بتلك التسمية، وذلك الحمد بحياة قلب العبد الشارب له. # وأما قوله: ((إذا شربتم فمصوه)). # لأن اللهاة تيبس من حرارة الجوف، ولهبان الكبد، فتعطش اللهاة، فإذا مص ~~الماء، كان لبث البرودة على اللهاة، وتمكث الروح الذي تضمنه الماء بوروده ~~على اللهاة أكثر، فتسكن العطش، فاستغنى به عن كثرته، وكثرة الماء تتخم، ~~وتبقى تلك التخمة في العروق، فتحدث داء كبيرا، PageV05P272 ~~فكثرة شرب الماء ليس محمود عند العلماء بالدين، ولا عند العلماء بالطب؛ ~~لأنه إذا أكثر شرب الماء، امتلأت العروق، فثقلت، وخلص ذلك إلى عروق القلب، ~~فأورثت النوم، فإذا مصه أسرع برودة الماء إلى تسكين عطش اللهاة، فاستغنى عن ~~الازدياد. # وأيضا خلة أخرى: إذا شربه مصا، كان أرفق لمجراه في العروق، ولذلك كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يثقل عليه أن يرى أحدا يشرب بنفس واحد، وكان ~~يقول: ((لا تعبه عبا؛ فإن الكباد من العباب)). # معناه: إذا عب، ms0797 أضر بالكبد، وذلك أن مجمع العروق عند الكبد، ومنه ينقسم ~~في العروق، فإذا عبه في دفعة واحدة؛ أي: أحدره وصوبه واحدة، فقد أوعب، وكان ~~ذلك بمنزلة نهر فتحت مفتحه، فإذا فتحت بمرة واحدة، فدخل الماء جملة، لم ~~يؤمن البثق، والفساد، وخرب عضادتي النهر، ففاض وأفسد، فكذلك إذا شربه عبابا ~~في دفعة واحدة صبا لا مصا، لم تحتمل العروق ذلك، وفاضت من المعدة إلى ~~العروق، فربما كان على الطريق سدد في العروق، واحتبس الماء هناك، من أجل ~~السدة، فروي، فصار خاما، وقوي البلغم، فحدثت منه أدواء، وأورث ذلك البلغم ~~كسلا عن عبادة الله وفتورا، ففيه ضرر للدين، وهذا من حقوق النفس التي أوصاك ~~الله بها في تنزيله فقال: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}، ثم ~~قال: {ومن PageV05P273 ~~يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا}. # فمن لها عند تفقد إقامة مثل هذه الحقوق التي وصفنا، يوشك أن يؤديه إلى ما ~~أكثر منه، وكان آخذا بحظه من الظلم والعدوان في هذا القدر، فكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شفيقا على الأمة، ولله ناصحا، وبالمؤمنين رؤوفا رحيما، ~~عزيز عليه ما عنت الأمة، حريص بالمؤمنين أن يؤديهم إلى الله، مع ذروة ~~الإسلام، وبهاء الإيمان، فعلمهم تناول الشراب والطعام واللباس، وكل شيء ~~للنفس فيه حق، وقال الله تعالى في تنزيله: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر}. # فطهره الله وأدبه، وأحيا قلبه ونفسه، فقبل أدبه، وصار مهذبا، فأمر ~~بالاتساء به، لمن رجا الله ورجا اليوم الآخر، وجعل الاتباع له علامة محبة ~~الله في قلوب العباد، فقال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}، ~~فأوجب الله محبته لم اتبعه. PageV05P274 ### || AUTO الأصل التاسع والثلاثون والمئتان # بسم الله الرحمن الرحيم # 1196 - نا يعقوب بن شيبة، قال: نا موسى بن إسماعيل، قال: نا عبد العزيز ~~الدراوردي، عن إسماعيل بن رافع، عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن ~~حبان، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ms0798 صلى الله عليه وسلم: ~~((تعوذوا بالله من الرغب)). PageV05P275 # قال: وكانت له ابنة رغيبة، فدعا الله عليها، فماتت. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالرغب: كثرة الأكل، والشبع مفقود، حتى يحتاج صاحبه إلى أن يثابر عليه في ~~اليوم مرات، وصاحب هذا هو ممن الحرص عليه غالب، فلهبان نار الحرص يهضم ذلك ~~الطعام، وينشف رطوبته حتى يسرع في يبسه، فيصير ثفلا يحتاج إلى أن ينفضه نفضا. # وزاد في هذا الحديث في رواية أخرى أنه قال: ((الرغب شؤم)). # فإنما شامه هذا الحريق الذي فيه من الحرص الغالب عليه، والحرص على الطعام ~~جعامة النفس، وإذا كانت النفس جعمة، فصاحبها مفتون، وابتلى الله هذا الآدمي ~~بهذه الشهوات واللذات، فإنما ظهرت جعامة النفس من قلة حظه من الله، وبعد ~~قلبه منه، فربت نفس مالت جعامتها بها إلى بطنه، وربت نفس مالت جعامتها إلى ~~فرجه، فلذلك تجد الناس على ذلك، ترى أحدهم مفتونا ببطنه ولذة حلقه، هالعا ~~لا يدع رطبا ولا يابسا إلا ابتلعه، وآخر مفتونا بفرجه، مهتما بشأنه، فإذا ~~عجز عنه فعلا؛ لكبر، أو ضعف، فقلبه منهوم، ولسانه رافث، وعينه طماحة خائنة، ~~ولذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # 1197 - نا بذلك صالح بن عبد الله، قال: نا ابن إدريس، PageV05P276 ~~عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله! ما أكثر ما يدخل ~~الناس الجنة؟ قال: ((تقوى الله، وحسن الخلق)). قيل: ما أكثر ما يدخل الناس ~~النار؟ قال عليه السلام: ((الأجوفان: البطن، والفرج)). # قال: وتصديق مجيء هذا الخبر عن رسول الله في كتاب الله قوله تعالى: {ويوم ~~يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ~~فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما ~~تفسقون}. # فعير الله الكافرين عند المؤمنين، فلم يعيرهم بالكفر، إنما عيرهم ~~بالاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا، والطيبات هي الشهوات التي تلتذ بها النفس ~~ببطنه وفرجه بلا ورع ولا شكر، فهذا كله من الحرص، وقد حذر الله على ألسنة ~~الرسل هذا ms0799 الشأن. # 1198 - نا أبي رحمه الله، قال: نا أبو نعيم، قال: نا موسى PageV05P277 ~~ابن علي بن رباح اللخمي، عن أبيه، عن عبد العزيز بن مروان، عن أبي هريرة، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أشر ما في الإنسان: شح هالع، ~~وجبن خالع)) # فالشح الهالع عندنا: هو الحرص الذي له حريق في الجوف، وصاحبه لا يشبع. # والجبن الخالع: هو الذي إذا وقع الخوف في الرئة، انتفخ من الجبن، وسوء ~~الظن، حتى يرحل القلب من مكانه، فيبقى القلب معلقا كالمنخلع من مكانه. # فالرغب: مشتق اسمه من الرغبة، وهو شعبة من الرغبة، والرغبة خلق من أخلاق الكفر. # 1199 - نا الجارود، قال: نا عمر بن هارون، عن صالح المري، عن أبان، عن ~~وهب بن منبه، قال: وجدت في الحكمة مكتوبا: بني الكفر على أربعة أركان: على ~~الرغبة، والرهبة، PageV05P278 ~~والشهوة، والغضب)). # قال أبو عبد الله: # فعلى قول وهب الرغبة ربع الكفر، والمؤمن لا يرغب، بل يتناول على الحاجة، ~~والمؤمن لا يستمتع، بل يتزود؛ لأن المؤمن مسافر قد أيقن بالبعث، فهو في ~~السير إلى ربه، فما أخذ من الدنيا، أخذه تزودا، ليقطع مسافة أيام الدنيا ~~إلى يوم مقدمه عليه بالموت الذي حل به، فأورده على الله، والكافر قد ركن ~~إلى الدنيا ونعيمها، ولم يقر بالبعث، ولا اطمأن إلى أنه صائر إلى الله؛ ~~لأنه لم يعرفه معرفة التوحيد، فيرجوه ويأمله، ومن التوحيد امتدت عيون ~~الموحدين إلى الله بالرجاء العظيم، والأمل الفسيح؛ لأن في حشو التوحيد ما ~~يصيرهم بهذه الصفة. # قال له قائل: وما في حشوه؟ # قال: أجمل أو أطنب؟ # قال: بل أجمل. # قال: حب الله في حشو توحيد كل مؤمن، فحبه لا يدعه حتى يمد عينه إلى رجاء ~~عظيم، وأمل فسيح، وكذلك تجد نفسك في الدنيا كل من أحببته وثقت به، واطمأننت ~~إليه، وعلى حسب ذلك يعظم رجاؤك لديه، PageV05P279 ~~وينفسح أملك، وربنا أحق بالوفاء بالعهد، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ((ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن ms0800 صلبه، فإن كان ~~لابد، فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث نفس)). # 1200 - نا بذلك علي بن حجر، قال: نا إسماعيل ابن عياش، قال: حدثني سليمان ~~بن سليم، وحبيب بن صالح، عن يحيى بن جابر، عن المقدام بن معدي كرب، قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. PageV05P280 # وقال لأبي جحيفة حيث تجشأ: ((يا أبا جحيفة! أقصر من جشائك؛ فإن أطول الناس ~~جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا)). # ولذلك كان يقال: الشبع أبو الكفر؛ لأن الإنسان إذا امتلأ، حدث عن امتلائه ~~الأشر والبطر، ومنها يتجبر ويتكبر. # وقال فيما روي عنه صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب القس من أمتي))، ~~قيل: يا رسول الله، وما القس؟ قال: ((قليل الطعام)). # وما روي عن يحيى بن زكريا عليه السلام: أنه قال لإبليس: هل وجدت مني شيئا ~~قط؟ قال: لا، إلا أنك ربما شبعت، فثقلت عن الصلاة. # فعاهد الله أن لا يشبع حتى يخرج من الدنيا، فإنما أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالتعوذ بالله من الرغب كي يعافى من هذه الآفات التي وصفنا، ~~والله أعلم. PageV05P281 ### || AUTO الأصل الأربعون والمئتان # 1201 - نا محمد بن علي، قال: نا صالح بن محمد، قال: نا جرير، عن يزيد بن ~~أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أفخر: بعثت إلى الأحمر والأسود، وكان ~~النبي قبلي يبعث إلى قومه، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، ونصرت بالرعب ~~أمامي مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، ~~فأخرتها لأمتي، فهي نائلة -إن شاء الله- لمن لا يشرك بالله شيئا)). PageV05P283 # 1202 - نا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة ابن كهيل، قال: حدثني أبي، ~~عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، بمثله، ولم يذكر ابن عباس. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالرسول مبعوث إلى الخلق بمنزلة الأمير المؤمن يعطى الولاية ms0801 والإمارة ~~والرعاية، فهو بمنزلة الراعي يرعى غنمه في مراعي شتى، ويوردهم صفو الماء، ~~ويرتاد لهم في الصيف مشتاهم، وفي الشتاء مصيفهم، وقد أعد لهم لكل ليلة مأوى ~~قبل هجومه، ويفر بهم عن مراتع الهلكة، ويجنبهم الأرض الوبئة، ويحرسهم من ~~السباع، ويحوطهم عن الشذوذ، ويلحق شذاذهم بهم، ويجبر كسيرهم، ويداوي ~~مريضهم، ويجمع رسلهم من الألبان والصوف لرب PageV05P284 ~~الغنم، فهذا راع ناصح لمولاه في غنمه، وأجره موفور عليه يوم الجزاء، ومتوقع ~~من رب الغنم فضل هدية على قدر ملكه. # فالرسول صلى الله عليه وسلم هو راعي الخلق، والخلق غنمه، بعث ليرعاهم، ~~فيشرع لكل جارحة في واديها ماذا تباشر؟ وماذا تجتنب؟ فأحل من كل جارحة ~~بعضا، وحرم بعضا، وأوردهم من المياه أصفاها، وهو العلم الصافي، وينزلهم ~~المشتى والمصيف، وهو الاستعداد في الحياة، وأيام الحصة والقوة قبل الهرم، ~~والمرض والموت، وأعد لهم المأوى، فبين لهم عند حدوث الفتن كالليل المظلم، ~~إلى أين يأوون، وبمن يعتصمون؟ ويفر بهم عن مراتع الهلكة، وهي الشهوات ~~الدنياوية المشوبة بالحرص، ويجنبهم الأرض الوبئة، وهي الأفراح التي يحل ~~بالقلب سمها فيوبأ ويمرض منها القلب، ويحرسهم عن الشذوذ مخافة الذئاب، وهو ~~العدو، ويجبر كسيرهم، ويداوي مريضهم، وهو أن يعظ مفتونهم حتى يخلصهم ~~بالمواعظ من فتن النفوس، ويحمل شذاذهم، وهو أن يتولى رعاية أطفالهم ~~بالتأديب. # ويجمع رسلهم وألبانهم، وهو أن يدعو لهم، ويستغفر لهم، ويسأل الله تعالى ~~قبول أعمالهم، فهذا راع، وهو مع ذلك أمير، يؤدبهم، ويحملهم على المكاره، ~~ويسوقهم، ويسيرهم بسوط الأدب على شارع الاستقامة؛ ليوافي PageV05P285 ~~بهم الموقف بين يدي الله سبحانه، فكل راع ومعه عصا يهش بها على الغنم ~~ويؤدبهم بها. # وقد ذكر الله تعالى عصا موسى في تنزيله، فكل راع مؤنته على قدر غنمه، وكل ~~أمير مؤنته على قدر رعيته، فالأمير المبعوث إلى كورة محتاج على قدر ولايته ~~إلى آلة الولاية، من الخدم، والدواب، والمراكب، والكنز؛ لينفق في إمارته. # فمن أمر على طخارستان، فهو أقل حظا من هذه الأشياء التي وصفنا، ومن أمر ~~على خراسان، كانت حاجته إلى ما ms0802 ذكرنا أكثر، ومن كان أمير المؤمنين، احتاج ~~إلى كنز عظيم. # ومن ملك المشرق والمغرب، والأرض كلها، احتاج إلى خزائن الأموال، حتى يضبط ~~ذلك الملك، فكذلك كل رسول بعث إلى قومه، أعطي من كنز التوحيد، وجواهر ~~المعرفة، على قدر ما حمل من الرسالة. # فالمرسل إلى قومه في ناحية من الأرض إنما يعطى من النبوة من هذه الكنوز ~~على قدر ما يقوم به في شأن نبوته، ورعاية قومه. # والمرسل إلى جميع الأرض كافة إنسها وجنها أعطي من المعرفة بقدر ما يقوم ~~بها في شأن النبوة إلى جميع أهل الأرض كافة. PageV05P286 # فحظه من قوله: ((بعثت إلى الأحمر والأسود))، ومن قول الله له: {وما أرسلناك ~~إلا كافة للناس} كحظ من ولاية ملك يملك الدنيا شرقها وغربها وما بينهما، ~~ومن ملك الأرض كلها، وجواهر الأرض كلها ومعادنها له، والملك الذي يملك ~~ناحية من الأرض ليس له إلا معدن ناحيته، وجوهر ذلك المعدن فقط، فلذلك قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اختصر لي الحديث، وأوتيت جوامع الكلم)). # ولذلك صار كتابه مهيمنا على الكتب، ولذلك صار القرآن مشتملا على التوراة، ~~والإنجيل، والزبور، وبقي المفصل نافلة لهذه الأمة خاصة، وأوحي إليه ~~بالعربية، واللغات كلها فيها موجودة، وبذلك اتسعت بالوفارة حتى برزت على ~~سائر اللغات، وهي لسان أهل الجنة لسان الأنبياء. # فلما أعطي الرسالة إلى أهل الأرض كافة إنسها وجنها، أعطي من الكنوز ~~بمقدار الكفاية للجميع، ومن الجنود كذلك، فأوتي من الحكمة العليا، وأوتي ~~جواهرها كلها بمنزلة الملك الذي ملك الأرض بما فيها من الجواهر، وأوتي ختم ~~الرسالة، وأوتي الرعب، ولم يؤت أحد قبله جواهر الرسالة كلها، ولا ختم ~~الرسالة، ولا الرعب، فبجواهر الرسالة قوي على علم مختصر الحديث وجوامع الكلم. PageV05P287 # وروي في الخبر أن التوراة كان يحملها سبعون جملا موقرة، والزبور من بعدها، ~~والإنجيل من بعده. # فجمع الله لمحمد عليه السلام ذلك كله في الفرقان، ثم جمع الله الفرقان ~~كله في فاتحة الكتاب، ولذلك سميت: أم الكتاب؛ لأن القرآن كله منها تولد، ~~وخرج، ولذلك قال الله تعالى: ms0803 {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن ~~العليم}. # فسماها: القرآن العظيم، وهي سبع آيات، سميت مثاني؛ لأن الله كتب جميع ~~الكتب كلها في اللوح المحفوظ، ثم أنزل منها على الرسل -عليهم السلام- على ~~كل رسول ما علم أنه محتاج إليه ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته ~~فاستثنى فاتحة الكتاب من جميع ذلك، وخزنها لهذه الأمة، فقيل: مثاني؛ لأنه ~~استثناها لنا. # فجميع علم التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، مستخرج من أم القرآن، ~~فالقرآن مستخرج من أمه، وسائر الكتب في الفرقان. # ومما يحقق ذلك: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما: # 1203 - نا به قتيبة بن سعيد، قال: نا عبد الوهاب، PageV05P288 ~~قال: نا أيوب، عن أبي قلابة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ~~((أعطيت السبع -يعني: الطول- مكان التوراة، وأعطيت المثاني مكان الإنجيل، ~~وأعطيت المئين مكان الزبور، وفضلت بالمفصل)). # قال الله تعالى: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} أي: ينظرن إليك ~~بعيون رؤوسهم، وهم لا يبصرونك بعيون قلوبهم. # فمن عمي قلبه عن الله، ولم يكن في قلبه نور الهداية، لم يبصر آثار النبوة ~~على محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يبصر منه شخص الجثة، ومن هداه الله ~~تعالى لنوره، فانفتح عين قلبه بذلك النور، واستقرت المعرفة في قلبه، أبصر ~~من محمد صلى الله عليه وسلم شخص النبوة بارزا، وعلى شخص النبوة شخص الرسالة فائقا. # قال له قائل: وما شخص النبوة؟ # قال: الحياة، والذكاء، واليقظة، والإنفاذ، والسرعة، والبدار، والسبق، ~~والسماحة والكرم، والسعة والجود، والحياء والسكينة، والوقار والحلم. PageV05P289 # ومن الأفعال: السواك، والحجامة، والتعطير، والجماع. # قال: وما شخص الرسالة الذي فاق على شخص النبوة؟ # قال: الجلال والبهاء، والنزاهة، والحلاوة، والطلاوة، والملاحة، والمهابة، ~~والسلطان، وأصل هذا كله من ثلاثة أشياء: من اليقين، والحب، والحياة. # فإنما نال المؤمنون من معرفة محمد صلى الله عليه وسلم على قدر معرفتهم ~~بالله، وعلمهم به، فمن صدق محمدا صلى الله عليه وسلم في الصحبة له، كان صدق ~~صحبته على قدر معرفته إياه، وعلمه به، وعلى حسب ذلك كان يتراءى ms0804 لبصر عينه ~~في الظاهر ما ذكرنا من الخلال التي عددنا، فأوفرهم حظا من نور الله: أوفرهم ~~علما بمحمد عليه السلام، وقدره، وجلالته، وحظه ومنزلته، فأوفرهم علما به: ~~أسرعهم إجابة لدعوته، وأبذلهم له نفسا ومالا. # ألا ترى أن أبا بكر رضي الله عنه لما أفشى إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه رسول مبعوث، صدقه على المكان، ولم يتردد، ولم يضطرب؟ # قال علي -كرم الله وجهه-: حتى أسأل أبي، ثم رجع من الطريق، وصدقه. # وعمر صدقه بعد مدة، وبعد ما أسلم تسعة وثلاثون نفسا، فتم بإسلامه عدد ~~أربعين، بعد دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسلم عمر رضي الله عنه ~~من الغد: # ((اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب، أو بعمرو بن هشام -يعني: أبا جهل-)). PageV05P290 # فجرت الدعوة من عمرو عدو الله إلى عمر بحق الله، فسعد عمر، وشقي عمرو، ودل ~~أسماؤهما على حظيهما من الله تعالى، والمقدار الكائن من أمريهما، لأن عمر ~~أول اسمه عين مضموم مثقل، وعمرو أوله اسمه عين مفتوح مخفف، والمضموم الذي ~~قد آواه الله وضمه إلى باله، والمفتوح هو الذي أهمله الله، وأخرجه من باله، ~~وكلا الاسمين مشتق من العمر، والعمر حجة الله على ابن آدم، والأسماء من علم ~~آدم الذي برز به على الملائكة، وورثته الأنبياء، والأولياء من ولده. # قال له قائل: ما العمر؟ # قال: إنما هي ثلاثة أشياء: مهلة، وأجل، وعمر. # فالمهلة: أنه أعطاه القرار حين خرج من بطن أمه على جديد الأرض. # والعمر: ما يخلص إليه من تدبير الله في جميع متقلبه من التربية. # والأجل: هو الغاية التي إذا بلغها، انقطع القرار والتربية، وتبدد المجتمع ~~من الروح والنفس، والحياة والذهن، والعقل والعلم والملك، فرجع الروح إلى ~~معدنه، والنفس إلى جوهرها، والذهن إلى مجراه، والعقل إلى أصله، والعلم إلى ~~معدنه، والملك إلى موضع الميراث ميراث الله تعالى حيث قال: {ولله ميراث ~~السماوات والأرض}. PageV05P291 # فضمة الاسم الأول دليله إلى أنه كان مضموما إلى بال الله، وقد كان الله به ~~عليما، فوضع مبتدأ اسمه ms0805 من القالب في موضع ضمة يعلم ورثة آدم عليه السلام ~~قصة شأنه في مبتدأ خلقه؛ ليدركوا به ما يكون من شأنه في جميع متقلبه، ~~ومحياه من طريق علم الفراسة. # فأعز الله به الإسلام عزا حتى صار بمحل أن جاء جبريل عليه السلام فقال: ~~((يا محمد أقرئ عمر السلام، وأخبره: أن غضبه عز، ورضاه حكم)). # 1204 - نا بذلك حسين بن الحسن المروزي بمكة، قال: نا إبراهيم بن رستم، عن ~~يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن أنس بن مالك، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV05P292 # 1205 - حدثنا أبي رحمه الله، ثنا يوسف بن واقد، عن يعقوب القمي، عن جعفر بن ~~أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ولم يذكر فيه أنسا. # كأن معناه: أن قلب عمر في الاستقامة لله، وبين يديه بمحل إذا غضبت، أمضى ~~الله غضبك، وجعل له سلطانا يعز به دين الله، وإذا رضيت، كان رضاك ماضيا، ~~ورضي الله به، كأنك إذا حكمت على الله يرضى لشيء، أو عن عبد، أمضى حكمك، ~~ورضي بما حكمت، وهذا موضع القسم، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)). # ففي القسم درجات في السرعة والبطء، وفي الانبساط والانقباض، PageV05P293 ~~وفي الاتساع في الدالة، وفي التقرر. # وأما فتحة الاسم التي دلت على أن عمرو بن هشام خرج من بال الله، فقد ~~انكشف الغطاء عن شأنه، وكانت كنيته في قريش أبا الحكم، فجرت كنيته في ~~الإسلام بأبي جهل؛ لعظيم جهله، وكثرة بلاهته، وشرة نفسه الخبيثة، فعلى حسب ~~خروجه من بال الله عظمت آفته على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ~~الإسلام، حتى قتله الله أذل قتلة، وسحب برجله، فألقي في قليب بدر، ووقف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على القليب فقال: ((يا أبا جهل بن هشام، ويا ~~عتبة، ويا شيبة! هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟)). # فلم يلق رسول الله من ms0806 جميع المشركين من الأذى والعداوة ما لقي منه وحده، ~~ولم يعمل في الصد عن الإسلام قولا وفعلا، ونفقة في الحروب ما عمل هو، وهو ~~الذي حرض الناس يوم بدر على الحرب، وقد هم الناس بالرجوع لما وصل الخبر ~~إليهم أن العير قد سلم، فما زال يسلبهم، ويعير قومه بالجبن حتى نصب الحرب ~~لهم، حتى وافته لعنة الله والخزي الذي حل به، وكان يقول: إني لأعلم أنه ~~نبي، ولكن قالت بنو عبد مناف: لنا السقاية والحجابة واللواء، فأطعمنا ~~ونحرنا، وقلنا: لنا المجد، حتى إذا تماست الركب، قالوا: منا نبي، ومتى كنا ~~تبعا لبني عبد مناف، فوالله! لو ينزل علي PageV05P294 ~~من فوق سبع سماوات، لجاهدته. # وضم الله عمر إلى باله، فخرج من تقدير الله له اسم مضموم مثقل على تقدير ~~فعل، وكان له حظ من البال حتى أعز به الدين، ونصر به الرسول، ودعم ظهر ~~الإسلام، فبه فتح الفتوح، وبه مصر الأمصار، وبه أحيا سنن المرسلين، وترك ~~المسلمين على الواضح من الطريق، فلم يقم أحد مقامه إلى يومنا هذا، فأكرم ~~الله محمدا صلى الله عليه وسلم، وأبرز كرامته وفضيلته بأن جعل لكل نبي من ~~الأنبياء وزيرا، وجعل لمحمد صلى الله عليه وسلم أربعة من الوزراء، فأبو بكر ~~وعمر وزيرا الرسالة، وعلي وعثمان وزيرا النبوة، ثم نحلهم من الحظوظ من ~~عنده، فحظ أبي بكر منه: العظمة، والحياء، وحظ عمر منه: الحق، والوكالة، وحظ ~~علي منه: الحرية، والخلة، وحظ عثمان: النور، والحياء. # قال له قائل: نور ماذا؟ # قال: نور الحق، فتفاوت أعمالهم في صحبتهم الرسول أيام الحياة، وفي سيرتهم ~~في الأمة بعده على قدر حظوظهم. # فلما أحس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالارتحال إلى الله من الدنيا، ~~وابتدئ له في وجعه، وعجز عن الخروج إلى الصلاة بالأمة، أمر أبا بكر ~~بالصلاة. PageV05P295 # تتابعت الروايات بذلك من وجوه شتى، كلهم ثقات، وتداولته ألسنة العامة خبرا ~~متفقا: أنه هو الذي ولي الصلاة، وكان من صنع الله للأمة: أن خفف الله عنه ~~يوم قبض، فخرج، والمسلمون في ms0807 صلاة الغداة، ورجلاه تخطان في الأرض، حتى جلس ~~إلى جنب أبي بكر، فصلى؛ ليعلم الجميع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي ~~بذلك من فعله؛ لئلا يبقى لمعاند، أو طاعن مقال أنه لم يأمر بذلك في مرضه، ~~وأنه كان مغلوبا على عقله؛ لشدة غلبة المرض، فأظهر الله ذلك بما خفف عنه، ~~حتى خرج وقعد إلى جنبه، فصلى من حيث انتهى أبو بكر. # ثم صار المتأولون لذلك على صنفين: فقال قائلون: صلى بصلاة أبي بكر، وأبو ~~بكر الإمام، وقال قائلون: بل رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام، وأبو ~~بكر المقتدي. # 1206 - نا صالح بن عبد الله، قال: نا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس، ~~قال: ((آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلف أبي بكر رضي الله عنه)). PageV05P296 # 1207 - نا محمد بن الفضل السمسار، قال: نا محمد بن عمر الواقدي، قال: نا ~~الضحاك بن عثمان، عن حبيب مولى عروة، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: سمعت أبي ~~يقول: ((آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفي في ثوب واحد)). # فهذا أوضح حديث في هذا الباب؛ إذ حكاه أبو بكر، وهو أعلم بهذه القصة من ~~جميع من كان في المسجد، فالصلاة عماد الدين، وأول شيء فرضه الله على ~~المسلمين يوم أوحي إليه، والصلاة إقبال الله على العبيد؛ ليقبلوا إليه في ~~صورة العبيد تذللا وتسلما وتبذلا وتخضعا وتخشعا وترغبا وتملقا. # فالوقوف تذلل، والتكبير تسلم، والثناء والتلاوة تبذل، والركوع تخضع، ~~والسجود تخشع، والجلوس ترغب، والتشهد تملق. # فأقبل العبيد إلى الله بهذه الصورة؛ ليقبل الله عليهم بالترحم والتقبل، PageV05P297 ~~والتكرم والتقرب والتكنف، فليس شيء من أمر الدين أعظم من هذا. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الصلاة عماد الدين)). # وقال في حديث آخر: ((الصلاة نور)). # وقال: ((لا يزال الله تعالى مقبلا على العبد بوجهه ما دام العبد في ~~صلاته، وإن الله لينصب لأحدكم وجهه ما دام العبد مقبلا عليه)). # وقد رخص في الدخول في أعمال البر كلها، ms0808 والعبد محدث على غير وضوء، وجوز ~~له ذلك، إلا الصلاة، فإنها لا تجوز بغير طهور، وأنزل من السماء ماء طهورا؛ ~~ليتطهر العبد للقيام منتصبا بين يديه، مقبلا بما ذكرنا من الخلال، لينال من ~~الإقبال عليه ظاهر ما وصفنا، ولم نصف بعد شيئا مما ينال من إقباله عليه في ~~الباطن، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV05P298 # ((إن الله جعل قرة عيني في الصلاة)). # وكان ينشر من منة الله عليه في أمر الصلاة: # 1208 - ما نا به الجارود، عن عمر بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن علي بن ~~زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قال: ((أتاني جبريل عليه السلام، فقال: إنه حبب إليك الصلاة، فخذ منها ما شئت)). # قال أبو عبد الله: # فقد حببت الصلاة إلى الأنبياء كلهم، ولكن من حظه حببت إليه، PageV05P299 ~~فإبراهيم عليه السلام من الخلة، وموسى من المناجاة، وعيسى من الروح، ويحيى ~~من الحياة والحنان، ومحمد من الحب -عليهم صلوات الله-، فلذلك قال له: خذ ~~منها ما شئت، فلكل ممن تقدم شيء مقدر، وأبيح لمحمد كلها، وكذلك وجدنا فيما ~~سواها: أن لمحمد صلى الله عليه وسلم من ربه بحر المشيئة، ولمن سواه منه من ~~المشيئة أنهار وأودية، فكل واحد إنما ينال من الصلاة من مقامه. # فالأنبياء والأولياء من بعدهم له مقاوم، ينالون من الصلاة من مقاومهم، ~~وليس للزهاد ولا للعباد ولا للمتقين مقام إلا مقام الصدق، ومجاهدة الوسوسة، ~~ومن بعدهم من المسلمين عامة، فلهم مقام التوحيد في الصلاة، والوسواس معهم ~~بلا مجاهدة، فالأنبياء والأولياء في مفاوز الملكوت، وليس للشيطان أن يدخل ~~في تلك المفاوز، وما وراء المفاوز حجب وبساتين شغلت القلوب بما فيها عن أن ~~يخطر ببالهم ما وراءها. # فذلك الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكره قرة العين. # فأبو بكر وعمر لهما وزارة الرسالة، وعثمان وعلي لهما وزارة النبوة، PageV05P300 ~~وحاجة الخلق إلى الرسالة. # ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهما. ms0809 # 1209 - نا بذلك إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: ثني ~~أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقتدوا باللذين من بعدي: أبي ~~بكر، وعمر)). # 1210 - نا زياد بن الخزاعي البصري، عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن ~~ربعي بن حراش، عن حذيفة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ~~((اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر)). PageV05P301 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالحاجة بالخلق إلى الاقتداء بالرسالة، فلو أعطى وزارة الرسالة غيرهما، ~~لأمر بالاقتداء بمن سواهما، فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ~~عليه مدار الدين، وهو عماد الدين أبا بكر أن يتقدم؛ لتتبعه الأمة، وتقتدي ~~به، فكل شيء من الشريعة من الحدود والأحكام والرعاية، فهو دون الصلاة. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإمام ضامن)). # فمن ذا الذي يعلم كنه هذا الضمان؟ ماذا ضمن هذا الإمام عن المأمومين؟ ~~وماذا ضمن هذا الإمام للمأمومين؟ # هذا باب لا ينكشف غطاؤه إلا للعارفين. # فلما رأى أبو بكر رضي الله عنه قوة ما أعطي من تقلده لضمان الصلاة عن ~~الله لعبيده، وعن العبيد لله، ثم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~وفاته، علم أن الله مؤيده فيما دون الصلاة من أمور الشريعة، وتقلده خلافة ~~رسول الله لأمته، ولذلك قال المهاجرون والأنصار في وقت المشورة: قدمك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للصلاة، PageV05P302 ~~فمن يؤخرك؟ # وقال عمر رضي الله عنه: يقول الله تعالى في كتابه: {ثاني اثنين} من هو؟ ~~{إذ هما في الغار} من هما؟ {إذ يقول لصاحبه} من صاحبه؟ {لا تحزن إن الله ~~معنا} مع من؟ ابسط يدك، فبايعوه. # 1211 - نا أبي رحمه الله، قال: نا يحيى بن يعلى المحاربي، قال: نا زائدة ~~بن قدامة الثقفي، قال: نا عاصم بن أبي النجود الأسدي، عن زر، عن عبد الله، ~~قال: لما قبض رسول الله صلى الله ms0810 عليه وسلم، قالت الأنصار: منا أمير، ومنكم ~~أمير، فبلغ ذلك عمر، فأتاهم، فقال: يا معشر الأنصار! ألستم تعلمون أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس))؟ PageV05P303 # فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر. # 1212 - نا إبراهيم البغدادي قال: نا حسين الجعفي، عن زائدة، عن عاصم، عن ~~زر، عن عبد الله، عن رسول الله، بمثله. # 1213 - نا أبي رحمه الله، قال: نا أحمد بن يونس، عن زائدة، عن موسى بن ~~أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: دخلت على عائشة، فحدثتني عن مرض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، PageV05P304 ~~فقالت: إنه لما ثقل، أرسل إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس، قال عبيد الله: ~~فدخلت على ابن عباس، فعرضت عليه حديثها، فما أنكر منه شيئا، قال: فخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم آخر يوم، وأبو بكر في الصلاة، فذهب ليتأخر، فأومأ ~~إليه النبي عليه السلام أن لا يتأخر، وقال للعباس ولرجل آخر: ((أجلساني إلى ~~جنبه))، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ~~عليه السلام، والنبي قاعد، والناس يصلون بصلاة أبي بكر. # 1214 - نا سفيان بن وكيع، قال: نا أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن ~~الأسود، عن عائشة، قالت: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي ~~مات فيه، جاءه بلال يؤذنه بالصلاة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((مروا أبا ~~بكر فليصل بالناس))، PageV05P305 ~~فقلت: إن أبا بكر رجل أسيف، ومتى ما يقوم مقامك يبكي، فلا يستطيع، فلو أمرت ~~عمر يصلي بالناس، قال: ((مروا أبا بكر يصلي بالناس؛ فإنكن صواحبات يوسف)). ~~قالت: فأرسلنا إلى أبي بكر، فخرج فصلى بالناس، ووجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من نفسه خفة، فخرج وهو يهادى بين رجلين: ورجلاه تخطان بالأرض، ~~فلما أحس أبو بكر، ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي عليه السلام: أن مكانك، ~~فجاء النبي حتى جلس إلى جنبه، فكان أبو بكر يأتم ms0811 بالنبي، والناس يأتمون ~~بأبي بكر. PageV05P306 # 1215 - نا قتيبة بن سعيد، قال: نا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن سلمة بن ~~نبيط، عن نعيم، أراه عن نبيط، عن سالم بن عبيد، وكان من أهل الصفة، قال: ~~أغمي على النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، فأفاق، وقال: ((حضرت ~~الصلاة؟)). قالوا: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: ((مروا بلالا فليؤذن، ~~ومروا أبا بكر فليصل بالناس)). قالت عائشة: إن أبي رجل أسيف، فقال: ((إنكن ~~صواحبات يوسف، مروا بلالا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس)). ففعلوا، ~~فلما أقيمت الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ادع لي إنسانا أعتمد ~~عليه)). فجاءت بريرة، وآخر معها، فاعتمد عليهما، وإن رجليه لتخطان بالأرض، ~~وأبو بكر يصلي بالناس، فجلس إلى جنبه، فذهب أبو بكر ليتأخر فحبسه حتى فرغ ~~من الصلاة، ثم توفي صلى الله عليه وسلم. # 1216 - نا صالح بن عبد الله، قال: نا إسماعيل PageV05P307 ~~ابن جعفر، عن حميد، عن أنس، قال: آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ثوب واحد، وقعد متوشحا خلف أبي بكر رضي الله عنه. # قال أبو عبد الله: # فحديث عائشة -رضي الله عنها- حيث قالت: فجعل أبو بكر يصلي بصلاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو قاعد لجنبه ظن من عائشة، هكذا حسبت، وهي في البيت، ~~وأنس خارج مع رسول الله على رأي العين، والدليل على ذلك: أن القول قول أنس: ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج، فجلس إلى جنب أبي بكر، فذهب أبو بكر ~~يتأخر، فحبسه، فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإمام، لكان لا ~~يحبسه عن التأخر، وكان يقوم مقام الأئمة. # ومما يحقق ذلك: # 1217 - ما نا به محمد بن الفضل السمسار، قال: نا محمد بن عمر الواقدي، ~~قال: نا الضحاك بن عثمان، عن حبيب مولى عروة، سمع أسماء بنت أبي بكر تقول: ~~رأيت أبي يصلي في ثوب واحد، وثيابه موضوعة، فقلت له في ذلك، فقال: آخر صلاة ~~صلاها رسول الله خلفي في ثوب ms0812 واحد. PageV05P308 # قال أبو عبد الله: # فأبو بكر رضي الله عنه أعلم بهذه القصة من كان الإمام، ومن المأموم من ~~عائشة، ومن أنس، ومن الجميع، فاستحكم تقديم أبي بكر على جميع أصحابه في ~~الصلاة من هذه الوجوه، وبخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي ~~قبض فيه، وقوله لعائشة: ((إنكن صواحبات يوسف))، فعد ذلك القول منها زيغا ~~وفتنة عن الطريق، وأنكر عليها. # 1218 - نا عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: نا يعقوب بن إبراهيم بن ~~سعد، قال: نا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الملك بن أبي بكر، عن ~~أبيه، عن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب، قال: لما استقر برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ونحن عنده في نفر من المسلمين، وبلال يؤذنه بالصلاة، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: ((مروا من يصلي بالناس))، فخرجت، فإذا عمر في ~~الناس، وكان أبو بكر غائبا، فقلت: يا عمر! صل بالناس، فقام، فلما كبر، سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته، وكان عمر رجلا مجهرا، فقال: ((هذا صوت ~~ابن الخطاب، فأين أبو PageV05P309 ~~بكر؟ يأبى الله ذلك، والمسلمون))، فبعث إلى أبي بكر، فجاء بعد أن صلى عمر ~~تلك الصلاة، فقال عمر: ويحك يا ابن زمعة! ماذا صنعت بي؟ ما ظننت إذ قلت لي ~~إلا أن رسول الله أمرك بذلك، ولولا ذلك، ما صليت بالناس، فقال: والله! ما ~~أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم أر أبا بكر، فرأيتك أحق من ~~حضر بالصلاة. # قال أبو عبد الله: # فهذا في مبتدأ علته في بيت ميمونة من قبل أن يحول إلى بيت عائشة، ثم كان ~~الكلام الذي كان من عائشة بعد ذلك. PageV05P310 # ومما يحقق ما قلنا: أن أبا بكر وعمر وزيرا الرسالة، ومن بعدهما وزيرا ~~النبوة: # 1219 - ما نا به أبي رحمه الله، قال: نا الحماني، قال: نا أبو بكر بن ~~عياش، قال: نا أبو المهلب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن ~~القاسم، عن ms0813 أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني رأتني ~~أدخلت الجنة، فلما خرجت منها، أتيت بكفة، فوضعت فيها، ووضعت أمتي في الكفة ~~الأخرى، فرجحت بأمتي، ثم رفعت، ثم جيء بأبي بكر، فوضع في كفة الميزان، وجيء ~~بأمتي، فوضعت في الكفة الأخرى، فرجح بأمتي، ثم رفع أبو بكر، وجيء بعمر، ~~فوضع في كفة الميزان، وجيء بأمتي، فوضعت في الكفة الأخرى، فرجح بها، ثم رفع ~~الميزان إلى السماء)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: PageV05P311 # فرؤيا الأنبياء كلها حق، ليس يخالطها من العدو شيء، فكأنه أعلم الأمة ما ~~أعطي أبو بكر من قوة الوزارة حتى قابل بها جميع الأمة، وعمر في الأمة، ثم ~~أعلم قوة وزارة عمر بما قابل به الأمة، وأبو بكر خارج من الأمة؛ لأنه قد ~~كان رفع من الكفة وعمر في الأمة شيء، ثم رفع الميزان، يدلك على أن وزارة ~~الرسالة كانت فيهما. # 1220 - نا رزق الله بن موسى الناجي البصري، قال: نا مؤمل بن إسماعيل، ~~قال: نا حماد بن سلمة، قال: نا سعيد بن جمهان، عن سفينة مولى أم سلمة، قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح، أقبل على أصحابه، فقال: ~~((أيكم رأى الليلة رؤيا؟))، قال: فصلى ذات يوم، ثم أقبل على أصحابه فقال: ~~((أيكم رأى الليلة رؤيا؟))، فقال رجل: أنا يا رسول الله، رأيت كأن ميزانا ~~أدلي من السماء، فوضعت في كفة الميزان، ووضع أبو بكر في كفة أخرى، فرجحت PageV05P312 ~~أنت بأبي بكر، فرفعت، وترك أبو بكر، فجيء بعمر، فوضع في الكفة الأخرى، فوزن ~~بأبي بكر، فرجح أبو بكر بعمر، ورفع أبو بكر، وترك عمر مكانه، فجيء بعثمان، ~~فوضع في الكفة الأخرى، فرجح عمر بعثمان، ورفع عمر، وترك عثمان مكانه، فجيء ~~بعلي، فوضع في الكفة الأخرى، فرجح عثمان بعلي، ورفع الميزان. فتغير وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ((خلافة نبوة ثلاثين عاما، ثم يكون ~~ملكا)). # فقال لي سفينة: أمسك سنتي أبي بكر، وعشر عمر، وثنتي عشر عثمان، وست ms0814 علي. # قال أبو عبد الله: # فمضى أبو بكر رضي الله عنه محمودا بنعمة الله عليه في الخلافة، ثم نظر ~~بحظه من الله، وبما وجد من تأييد الله بعد الرسول عليه السلام نظرا شافيا ~~لحق الله، PageV05P313 ~~ثم لنفسه، فلم يجد أحدا أحق بأن يخلف خلافة رسول الله من عمر، فقد كان ~~وزراء النبوة وأنصار النبوة حوله، فاختار منهم عمر، ورأى الحق له حتى ~~جادلوه فقالوا له: استخلفت علينا فظا غليظا، فماذا تقول لربك؟ قال: ~~أتهددوني وتخوفوني بربي؟ أقول: استخلفت عليهم يا رب خير أهلك. # فانظر إلى صلابة قلبه، وانبلاج الحق في صدره في وقت حضور أمر الله، ~~وإشرافه على المقدم على الله ماذا خرج من لسانه؟ يحكم أنه يقول لربه: خير ~~أهلك، فإنما أنطقه لسان الحق باليقين الواضح، فمضى لسبيله، وولي الصلاة ~~عمر، وما بعد الصلاة من أمور الأمة، فحقق الله فراسة أبي بكر وإلهامه، فوطأ ~~الإسلام، ومهده وزينه، وملأه زيا من العز. # وكان الإسلام بمنزلة ضيف بعثه الله إلى الخلق على يدي أحب خلقه إليه، ~~وأطهرهم وأنزههم، وأعظمهم أمانة، فآواه طائفة قليلة مستضعفة، فلم يتهيأ لهم ~~إيواؤه، وطردته العامة، فنصر الله هذه الطائفة المستضعفة، وهيأ لهم دار ~~الهجرة، وأنشأ لهم علم النصرة بالأنصار، فتبوؤوا الدار والإيمان، وأحبوا من ~~هاجر إليهم، وآثروهم على أنفسهم، حتى صارت الفئة القليلة المستضعفة كثيرة ~~مؤيدة منصورة، وكسر الله قرن الكفر، PageV05P314 ~~وأكمل الله الدين بالوحي المنزل. # وقبض الرسول عليه السلام إلى ما عنده، فامتحن الله المؤمنين بجولة الباطل ~~أن ارتدت العرب، فقام أبو بكر رضي الله عنه، وسل سيف الله، وتحرك لأمره حتى ~~رد هذا الضيف الذي أنكروه، فلم يزل في مدته متجردا لأمر الله، يبعث السرايا ~~حتى رد هذا الضيف إلى السرر والمهاد، فلم يمهل، وقبضه الله إلى ما عنده، ~~وتوسم في عمر رضي الله عنه سمات الله، فاستخلفه. # وقد تقدم القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المقال: أنه قال: ~~((ما من أمة إلا وفيها محدث، فإن يكن في أمتي، فعمر منهم)). ms0815 # 1221 - نا بذلك عبد الجبار، عن سفيان، عن ابن عجلان، عن أبي سلمة، عن ~~عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV05P315 # 1222 - ونا أحمد بن أبي بكر العمري، قال: نا ابن أبي أويس، عن نافع بن عبد ~~الرحمن بن أبي نعيم المقرئ، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: ((إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)). # وما روي عنه عليه السلام: أنه قال: ((الحق بعدي مع عمر حيث كان)). PageV05P316 # 1223 - نا أبي رحمه الله، قال: نا أبو نعيم الطحان، قال: نا معن بن عيسى ~~القزاز، عن الحارث بن عبد الملك، عن القاسم بن يزيد بن عبد الله بن قسيط، ~~عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، عن أخيه الفضل بن عباس: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خطبهم في شكواه الذي توفي فيه، فقال في خطبته: ((الحق ~~بعدي مع عمر حيث كان)). # وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لو كان بعدي نبي، لكان عمر بن ~~الخطاب)). PageV05P317 # 1224 - نا بذلك سليمان بن نصير، قال: نا المقرئ، عن حيوة بن شريح، عن بكر ~~بن عمرو المعافري، عن مشرح ابن هاعان، عن عقبة بن عامر الجهني، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لو كان بعدي نبي، لكان عمر بن ~~الخطاب)). # فهذه الأشياء قد امتثلها أبو بكر مع إلهامه وفراسته، فاستخلفه، ففتح الله ~~الفتوح على يده، ومصر الأمصار، ودرر الأرزاق، وبث السرايا وجنود الله في ~~نواحي أقطار الأرض، حتى تمهد الإسلام في الوطن الذي منه بدأ، وصار PageV05P318 ~~كالجبال الرواسي، وارتبع وانبسطت أكارعه، وامتدت ثغوره، وانفسحت مقاومه، ~~فأكرمه الله بالشهادة، ففوض ذلك إلى ستة نفر؛ إذ كمن فيهم كل أركان من ~~الخير، وأحسن بهم الظن. # ولو وجد في واحد منهم مساغا للفراسة، أو حظا من الإلهام، لنصه باسمه، ~~ولكنه انسد عليه باب الفراسة، وانقطع حظ الإلهام، فرأى التفويض إلى هؤلاء ~~خيرا من الإهمال لأمر أمة محمد صلى الله عليه ms0816 وسلم، ورأى أن في الستة إذا ~~اجتمعوا بحظوظهم من الله ما يفي بذلك الحظ أن يريهم الحق، ومن يصلح للأمة، ~~فقبض إلى الله، وترك الأمر شورى بينهم، فاختاروا من بينهم واحدا بعد ~~الاحتياط والتأني والتشاور. # وافتقدت الأمة وزارة الرسالة، وحضرت نوبة وزارة النبوة، فاتفق أمر الستة ~~على أحد وزيري النبوة، إذ لم يبق في الستة إلا هذان من PageV05P319 ~~الأربعة الوزراء علي وعثمان، فلم يزالوا يستخيرون الله، ويميلون بين ~~الصفقتين، حتى اتفقوا على عثمان. # ثم أقبلت الدنيا، وجاء كفران النعمة، وهاجت الفتنة، وعز اليقين، وأدبر ~~الحق راجعا إلى الله عند إقبال الدنيا، وذهبت حياة القلب بكفران النعمة، ~~وتبديل الأمور، وغلبة الهوى، حتى قتل عثمان رضي الله عنه، فجاءت نوبة علي، ~~والزمان بتلك الحالة، فلم يكن لوزارة النبوة من القوة ما يقوم مقام أبي ~~بكر، ولا مقام عمر، بايعوا أبا بكر، وسلوا على أهل الردة سيوفهم، فلم ~~يغمدوها، ولم يخذلوه، ولم ينكثوا البيعة. # وبقي السيف مسلولا إلى انقضاء وزارة الرسالة بموت عمر، وبايعوا عليا في ~~وقته، ثم نكثوا بيعته، وسلوا السيوف له، ثم خرجوا عليه مارقين حرورية، ~~وآخرون بايعوه، وسلوا السيوف، وهم أكل الكوفة، ثم خذلوه. # وآخرون: امتنعوا من بيعته، وحاربوه، وأبوا خلافته، ولو كانت له وزارة ~~الرسالة، لأتته نصرة الرسالة، فصارت القلوب كلها له كقلب واحد، وكانت الفئة ~~المستضعفة غالبة على الفئة الكثيرة، كما كان في زمن أبي بكر، فمن خفي عليه ~~هذا السبيل الذي شرحنا، وهذه الصفة التي وصفنا يلحظ إلى علي بسبب القرابة ~~والختونة، وإلى معان ليست من هذا الأمر PageV05P320 ~~في شيء، إنما هذا أمر الرسالة، وأمر الأمة إنما يقوم بها القائم، ويقوى بها ~~بحظه من الله الذي ضمن حشو الرسالة. # فمن لحظ إلى القرابة والميراث، وإلى مقالات جاءت عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((من كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من ~~عاداه))، فقد أخذ سبيل المتجبرين، ولعلي من الفضائل والمناقب ما يستحق أن ~~يوالي من والاه، ويعادي من عاداه، فليس في هذا القول ms0817 من الموالاة والمعاداة ~~ما يثبت له الخلافة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمة، ويختار على ~~أبي بكر، وقول الله تعالى: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا ~~مولى لهم}. # والله مولى المؤمنين، ورسول الله مولى المؤمنين، وكل من مضى بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على سبيله، وكان له تابعا على سبيله، فهو مولى ~~المؤمنين، فهذه كلمة جامعة، وإن كان قد خص بها علي -كرم الله وجهه- في وقت ~~من الأوقات. # 1225 - نا أحمد بن الحنظلي، قال: نا شبابة بن PageV05P321 ~~سوار المدائني، قال: نا فضيل بن مرزوق، قال: سألت عمر ابن علي، فقلت: هل ~~فيكم إنسان مفترضة طاعته، ومن لم يعرفه، ومات، مات ميتة الجاهلية؟ قال: لا، ~~والله! ما هذا فينا، من قال فينا، فهو كذاب، قلت لعمر: رحمك الله! إن ناسا ~~يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي، وإن عليا أوصى إلى ~~الحسن، وإن الحسن أوصى إلى حسين، وإن الحسين أوصى إلى علي بن الحسين، قال: ~~والله! لقد مات أبي، وما أوصى بحرفين، والله! إن هؤلاء لمتأكلين بنا. # 1226 - قال الفضيل: وسمعت الحسن بن الحسن أخا عبد الله بن الحسن وهو يقول ~~لرجل ممن يغلو فيهم: ويحكم! أحبونا في الله، فإن أطعنا الله، فأحبونا، وإن ~~عصينا الله، PageV05P322 ~~فأبغضونا، قال الرجل: إنكم لذو قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: والله! لو كان الله نافعا بقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~لنفع بذلك من هو أقرب منه: أباه، وأمه، والله! إني لأخاف أن يضاعف العاصي ~~منا العذاب ضعفين، وإني لأرجو الله أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين، ولو كان ~~الأمر على ما تقولون؛ أن رسول الله أوصى إلى علي، وأمره بقيام الناس، ثم ~~ترك علي ما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان علي في ذلك أعظم ~~الناس خطيئة وجرما؛ إذ ترك ما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ~~الرافضي: ألم يقل رسول ms0818 الله: ((من كنت مولاه، فعلي مولاه))؟ فقال: والله! ~~لو عناه الإمرة والسلطان، لأفصح لهم كما أفصح لهم بالصلاة والزكاة، ولقال ~~لهم: يا أيها الناس! هذا علي أميركم بعدي، فما كان من وراء هذا، فإن أنصح ~~الناس للناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV05P323 # وروي عن زيد بن علي أنه قال لبعضهم: ويلك! من كان يخاف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى يعرض بالخلافة؟ فيقول: ((من كنت مولاه فعلي مولاه))؟ ألا ~~قال: هذا خليفتي من بعدي؟ # قال أبو عبد الله: # فهؤلاء البهم تعلقوا بمثل هذه الأشياء حتى تردوا منكوسين في بئر الهلاك، ~~حتى خرجوا إلى شتم وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسبوهما إلى ~~الاغتصاب لحق الله. # 1227 - نا صالح بن محمد، قال: نا المعلى بن هلال، عن ليث، عن مجاهد، عن ~~ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لي وزيرين من أهل ~~السماء، ووزيرين من أهل الأرض، فوزيراي من أهل السماء: جبريل وميكائيل، ~~ووزيراي من أهل الأرض: أبو بكر، وعمر)). PageV05P324 # 1228 - نا بشر بن خالد، قال: نا سعيد بن مسلمة، عن إسماعيل بن أمية، عن ~~نافع، عن ابن عمر، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم، ويمينه على أبي بكر، ~~وشماله على عمر، فقال: ((هكذا نبعث يوم القيامة)). # 1229 - نا صالح بن عبد الله، قال: نا أبو بكر بن عياش، عن أبي البختري، ~~عن عبيد الله، عن نافع، عن PageV05P325 ~~ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أحشر أنا وأبو بكر وعمر ~~ونحن مشرفون على الناس هكذا -وأشار بأصابعه الثلاث: السبابة، والوسطى، ~~والبنصر-)). # وروي عنه عليه السلام: أن سبابته كانت أطول من الوسطى، فدل معنى هذا ~~القول أنهم في الإشراف على الناس بمنزلة هذه الأصابع. # 1230 - نا أحمد بن مصعب الحنظلي، قال: نا عمر ابن إبراهيم بن خالد بن ~~مهران البصري، قال: نا إسماعيل ابن عياش، عن عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن ~~صفوان، وكان أدرك النبي صلى الله عليه ms0819 وسلم، قال: لما قبض أبو بكر الصديق، ~~ارتجت المدينة بالبكاء كيوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسجوه، ~~وجاءه علي -كرم الله وجهه- باكيا مسرعا مسترجعا، وهو يقول: اليوم انقطعت ~~خلافة النبوة، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر مسجى، فقال: # رحمك الله أبا بكر! كنت إلف رسول الله وأنيسه، PageV05P326 ~~ومستراحه، وثقته، وموضع سره، ومشاورته، كنت أول القوم إسلاما، وأخلصهم ~~إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم عناء في دين الله، وأحوطهم على ~~رسول الله، وأحدبهم على الإسلام، وأيمنهم على أصحابه، وأحسنهم صحبة، ~~وأكثرهم مناقبا، وأفضلهم سوابقا، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم ~~برسوله هديا، وسمتا، ورحمة، وفضلا، وخلقا، أشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، ~~وأوثقهم عنده، فجزاك الله عن الإسلام، وعن رسوله وعن المسلمين خيرا، كنت ~~عنده بمنزلة السمع والبصر، صدقت رسول الله حين كذبه الناس، فسماك الله في ~~تنزيله صديقا، فقال: {والذي جاء بالصدق}: محمد، {وصدق به}: أبو بكر. # واسيته حين تخلوا، وقمت معه عند المكاره حين عنه قعدوا، وصحبته في الشدة ~~أحسن صحبة؛ ثاني اثنين، وصاحبه في الغار، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في PageV05P327 ~~الهجرة، خلفته في دين الله وأمته أحسن الخلافة حين ارتد الناس، وقمت بالأمر ~~ما لم يقم به خليفة نبي، نهضت حين وهن أصحابك، وبرزت حين استكانوا، وقويت ~~حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله إذ هموا، كنت خليفته حقا، لم تنازع، ولم ~~تصدع برغم المنافقين، وكبت الكافرين، وكره الحاسدين، وصغر الفاسقين، وغيظ ~~الباغين، قمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، مضيت بنور إذ وقفوا، ~~فاتبعوك، فهدوا، كنت أخفضهم صوتا، وأعلاهم فرقا، أقلهم كلاما، وأصوبهم ~~منطقا، أطولهم صمتا، وأبلغهم قولا، أكثرهم رأيا، وأشجعهم نفسا، وأعرفهم ~~بالأمور، وأشرفهم عملا. # كنت والله! للدين يعسوبا أولا حين نفر الناس عنه، وآخرا حين قبلوا، كنت ~~للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما ضعفوا، ورعيت ما ~~أهملوا، PageV05P328 ~~وحفظت ما أضاعوا لعلمك ما جهلوا، شمرت إذ ضيعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ ~~جزعوا، فأدركت أوتار ما طلبوا، وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا، ms0820 ونالوا بك ما ~~لم يحتسبوا. # كنت على الكافرين عذابا صبا ونهبا، وللمؤمنين رحمة وأنسا وخصبا، فظفرت ~~والله! بعنانها، وفزت بخبائها، وذهبت بفضائلها، وأدركت سوابقها، لم تغلل ~~حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك، ولم يزغ قلبك ولم تخن، كنت كالجبل ~~لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، وكنت كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أمن الناس عليه في صحبتك، وذات يدك. # وكما قال، ضعيفا في بدنك، قويا في أمر الله، متواضعا في نفسك، عظيما عند ~~الله، جليلا في أعين المؤمنين، كبيرا في أنفسهم، لم يكن لأحد فيك مغمز، ولا ~~لقائل مهمز، ولا لأحد مطمع، ولا لمخلوق عندك PageV05P329 ~~هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه، والقوي العزيز ضعيف ~~ذليل حتى تأخذ منه الحق، والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء، أقرب الناس ~~إليك أطوعهم لله، وأتقاهم له، شأنك الحق، والرفق، والصدق، قولك حكم وحتم، ~~وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم. # فأقلعت وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفئت النيران، واعتدل بك الدين، ~~وقوي الإيمان، وثبت الإسلام والمسلمون، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، ~~فجليت عنهم فأبصروا، فسبقت والله! سبقا بعيدا، وأتعبت من بعدك إتعابا ~~شديدا، وفزت بالخير فوزا مبينا، فجللت عن البكاء، وعظمت رزيتك في السماء. # وهدت مصيبتك الأنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، ~~وسلمنا له أمره، فوالله! لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدا. # كنت للدين عزا وحرزا وكهفا، وللمؤمنين فيئة وغيثا PageV05P330 ~~وحصنا، وعلى المنافقين غلظة وكظما وغيظا، فألحقك الله بنبيه، وجمع بينه ~~وبينك، ولا حرمنا الله أجرك، ولا أضلنا بعدك، وإنا لله وإنا إليه راجعون. # قال: وسكت القوم حتى انقضى كلامه، فبكى أصحاب رسول الله حتى علت أصواتهم، ~~وقالوا: صدقت يا ختن رسول الله. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)): فهذا ~~بوفارة الحظ البارز له على الرسل كلهم من الله تعالى، ولأمته من بعده من ~~حظه ما برزوا به على سائر الأمم، فحيثما انتصبوا لله قياما، كان ms0821 لهم من ~~النور ما يتهيأ لهم الإقبال على الله. # فإذا كان ذلك منهم، أقبل الله عليهم، فبإقبال الله عليهم طهرت بقاع ~~الأرضين حيثما انتصبوا، فإذا كبروا، رفعت الحجب، ودخلوا في ستره، فطهرت ~~البقاع لهم حيثما وقفوا، ولم يكن هذا النور الذي به يقوون على PageV05P331 ~~الإقبال بقلوبهم في الأمم قبلنا، إنما كانوا يتكلفون في الظاهر الانتصاب له ~~مع الإيمان به. # فأما نور الإيمان: فعز وجوده في الأمم، فوفر الله حظ الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وفارة برز بها على الرسل -عليهم السلام-، واحتوت الأمة من حظه، ~~فصارت الأرض له ولهم مسجدا. # وأما قوله: ((طهورا)): فإنهم إذا لم يجدوا الماء الذي جعله الله طهورا ~~للخلق، وكانوا سفرا، فتعذر عليهم وجوده، أمرهم أن يتطهروا من أحداثهم ~~بالصعيد الطيب، وهو التراب، وإنما سمي صعيدا؛ لأنهم يصعدونه، ويمشون عليه، ~~فجعل ما تحت أقدامهم طهورا لهم إذا لم يجدوا ما يصبون فوق رؤوسهم من الماء، ~~وهو ماء الحياة الراكد تحت العرش من أجلهم. # وأن الله تعالى قال في تنزيله: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} أي: فعولا ~~للطهر {لنحيي به بلدة ميتا}، فالماء الذي ينزل من السماء هو ماء الحياة من ~~تحت العرش، خلقه الله حياة لكل شيء، فقال تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي}. PageV05P332 # فمنه حياة القلب، ومنه حياة الأرواح، ومنه حياة قلوب الموحدين، ومنه حياة ~~قلوب المطيعين، ومنه حياة قلوب الأنبياء والأولياء، ومنه يحيون في قبورهم ~~يوم النشور، ومنه يحيون إذا دخلوا الجنة، اغتسلوا بباب الجنة، حتى يكون لهم ~~طهورا من اللوث والأذى والأدران، وتصير أجسادهم أجساد أهل الجنة، من شرب ~~منه شربة من حوض الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يظمأ أبدا، ثم إذا شربوا ~~بباب الجنة، زايلهم كل أذى في أجوافهم، وصفت ألوانهم، وجرت النضرة في ~~أجسادهم ووجوههم، وأمنوا الموت، ولا يجري عليهم سلطان الموت أبدا؛ لقوة ~~الحياة التي في ذلك الماء. # فجعل الله جميع أرزاق العباد من ذلك البحر بقدر الله في ليلة الحكم، وهي ~~ليلة القدر، وأرزاق جميع المرتزقة من ms0822 خلقه في تلك الليلة إلى مثلها من ~~قابل، فإذا نفد ذلك البحر، نفخ في الصور، وذلك قوله تعالى: {وفي السماء ~~رزقكم وما توعدون. فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون}. # فأنزل الله تعالى هذا الماء، وسماه طهورا؛ أي: فعولا للطهر، وإن هذا ~~العدو لرجاسته ونجاسته قد وجد السبيل إلى الولوج إلى جوف ابن آدم. PageV05P333 # وبدؤه: أنه لما أكل آدم من الشجرة بما أشار عليه العدو، وجد العدو السبيل ~~إلى المعدة، فجعل له هناك موطنا، فلذلك نتن ما في جوفه حين أخرج من الجنة؛ ~~لرجاسة العدو ونجاسته، ثم ورث ذلك ولده. # وروي في الأخبار: أنه قال: يا رب أين مسكني؟ قال: صدور بني آدم، وهو ~~قوله: {من شر الوسواس الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس}. # فإنما نتن ما في المعدة حتى صار روثا؛ لنجاسته، وأمر آدم وولده بالوضوء ~~لذلك، وأمر بغسل أطرافه، والأطراف أربعة: الجناحان، والرأس، والقدمان. # فأعلم العباد أن هذا طهور لكم؛ أي: يطهركم من آفاته الظاهرة والباطنة، ~~فآفاته الظاهرة: ما يخرج منك من الأذى من البول والغائط ورائحتهما، وهي ~~النفخة التي تخرج منها، فهذه كلها آفاته، وبلغ من خبثه وعداوته لك أن معدنه ~~في ذلك الموطن الذي صير له منك معدنا هو مجمع الطعام، فإذا انطبخ، صار روثا ~~ودما، فالدم غذاؤه، وموضع الروث مجلسه منك، فبلغ من عداوته أنه ينفخ عليك، ~~فإذا خرج منك الصوت، هيج عليك الضحك من الطحال؛ فإن الطحال بيته، ومنه يسخط ~~الآدمي في أموره، وفيه مجمع نفاية البدن من كدورة الدم وغيره. PageV05P334 # ألا ترى أن أكله من ذوات الأربع مما قد يعافه الآدمي، وإن كان قد أطلق له؛ ~~لأنه سفالة الكبد، ومجمع ثفله من الدم، فذلك الضحك الذي يهيجه منك، وممن ~~سمعه من الناس من أجل ذلك الصوت هو سخرية بك منه وشماتة، يريد أن يعلمك أني ~~هاهنا؛ كي يصغرك عند نفسك، ويريك من باطنك ما ستر عنك؛ ليفسد منن الله عليك ~~في جسدك الذي خلقه لك، وقد قال: {لقد خلقنا الإنسان في ms0823 أحسن تقويم}. # فالعدو حاسد لك، يحسدك في كل شيء، ويريد أن يكدر منن الله عليك، ولذلك ~~صار الضحك حدثا في الصلاة؛ لأنه من تهيج الشيطان من معدنه. # فالضحك في الصلاة حدث، والبلل ورائحة البلل من ذلك حدث، فهذا واجب ~~الوضوء، ثم كان الرسول صلى الله عليه وسلم وكثير من الصحابة يتوضؤون لكل ~~صلاة، منهم: علي بن أبي طالب، وعدة، يتوخون بذلك تجديد الطهارة؛ لقوله: ~~{وأنزلنا من السماء ماء طهورا}؛ لأن الآدمي يصيبه ساعة بعد ساعة آفة من ~~آفاته من همزه ونفثه ونفخه ونزغه. # ألا ترى: أنه أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالتعوذ منه، فقال تعالى: ~~{وقل رب أعوذ بك PageV05P335 ~~من همزات الشياطين}. # وقال تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله}. # وقال: {قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس. من شر الوسواس الخناس. ~~الذي يوسوس في صدور الناس. من الجنة والناس}. # فهل أمر أن يتعوذ منه إلا من تتابع الآفات وتواليها؟ # وآفاته تذهب بحياة القلب، وحياة القلب بالله يشد عقد الإيمان، ويؤكد ~~عراه، فجعل الله هذا الماء طهورا لهذا الآدمي المؤمن من هذه الآفات التي ~~تعتوره من هذا العدو الذي لا يفارقه. # وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أحد من الآدميين إلا وله ~~قرين من الشيطان موكل به))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا، ~~إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير)). # قال أبو عبد الله: # فوسواسه ونزغاته وهمزاته ونفخاته ونفثاته تطمس وجه القلب، وتذهب بحياته، ~~كل على قدره، وذهاب حياة القلب يوهن العقد ويرخي عراه، ويخمد توقده، فبما ~~وصفنا يجد العدو سبيلا إلى إهاجة النفس بشهواتها PageV05P336 ~~وخدائعها وأمانيها، واغترارها بقول العدو الغرور، فإذا هاجت النفس، هاجت ~~رياح الهوى بهبوبها، فنسفت النفس والقلب في الأركان، فرمته في آبار ~~المعاصي، فضرره أعظم من أن يوصف. # ولذلك أمر الله تعالى عبيده أن يتخذوه عدوا، فقال تعالى: {إن الشيطان لكم ~~عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}، وحذر العباد ms0824 ~~أن يغتروا به، فقال: {ولا يغرنكم بالله الغرور}، فمن لم يدخل في مأمن الله، ~~وحرزه، ووكالته، ومعاقله، فهو أسيره، وكان ممن أغار عليه العدو فسلبه عطايا ربه. # قال له قائل: # وما مأمنه؟ وما حرزه؟ وما وكالته؟ وما معاقله؟ # قال: مأمنه: حجبه الربانية، وحرزه: الوصول إلى قربه، ووكالته: قبوله ترقي ~~نفسك إليه، ومعاقله: ترادف ذكره الذي هو ذكره، وهذه صفة الأولياء. # وقال الله في تنزيله: {الله ولي الذين آمنوا}، وقال في آية أخرى: {والله ~~ولي المؤمنين}، فإنما والاهم ليوالوه، فمن والاه، فالله وليه في جميع ~~أحواله دينا ودنيا، وفي البرزخ، وفي المنشر، وفي المحشر، وفي الموقف، وفي ~~الممر، وفي العرض، وفي داره، PageV05P337 ~~ومن والى نفسه، فقد ضيع نفسه عن هذه الأشياء، وبقيت معه ولاية الله له في ~~التوحيد الذي ابتدأه به، ثم العسرة كائنة في جميع أحواله إلى باب الجنة إن ~~سلم له توحيده، فجعل الله هذا الماء طهورا لهذا المؤمن من آفاته الظاهرة ~~والباطنة. # فأما في الظاهر، فليطهر جوارحه من تلك الأحداث التي حدث عليها، وفي ~~الباطن يرد عليه ما ذهب من حياة القلب بطهارته. # ألا ترى أنه قال تعالى: {لنحيي به بلدة ميتا}، فالبلدة في الظاهر هذه ~~الأرض التي إذا وصل إليها الماء، {اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج}، ~~وكذلك قال تعالى في تنزيله: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة}؛ أي: ميتة، ~~{فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} اهتزت: أي: تحركت، وربت: أي: انتفخت ~~{إن الذي أحياها لمحي الموتى}، والبلدة في الباطن: القلوب تخلص إليها آفات ~~العدو، فتموت عن الله، فيحييها الله بذلك الوضوء. # كذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: PageV05P338 # {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها}، قال: يلين القلوب من بعد قسوتها. # فالقسوة من موت القلب، واللين من حياته. # ومما يحقق ما قلنا بدءا: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يحافظ ~~على الوضوء إلا مؤمن)). # معناه: أن المؤمن البالغ إيمانه إذا أحدث، لم يقدر أن يدوم على الحدث، ~~ولم يطمئن ms0825 حتى يتوضأ، فيكون أبدا على الوضوء؛ لأن قلبه في وقت الحدث يفتقد ~~نزاهة الإيمان وطيبه، ووساوسه تصير عاملة على القلب في وقت الحدث؛ لأن ~~طهارة الماء بالتوضؤ قد انقطع عنه، فقوي وسواسه، وكثرت وساوسه، فالتفت ~~القلب إلى بعض تلك الوساوس، فانطفأ بعض توقد نار القلب، وأذهب بعض ذكاء ~~حياة القلب، فشعر به المؤمن، فأسرع إلى الوضوء؛ ليجد بعض ما افتقد، ويعود ~~إلى الحالة الأولى. # معناه: أن هذا الفعل من علامة المؤمن البالغ، وقال صلى الله عليه وسلم ~~فيما أوصى به أنسا: ((يا بني! حافظ على الوضوء)). # 1231 - نا مسلم بن حاتم الأنصاري، قال: نا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن ~~أبيه، عن علي بن زيد، PageV05P339 ~~عن سعيد بن المسيب، عن أنس بن مالك، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((يا بني! إن استطعت أن لا تزال على الوضوء، فافعل؛ فإن من أتاه ~~الموت وهو على وضوء، أعطي الشهادة)). # وأما قوله: ((طهورا))، فإنهم إذا لم يجدوا الماء، وكانوا سفرا، صار هذا ~~الصعيد لهم طهورا بدل الماء، وإنما هذا لهذه الأمة خاصة، وكان لسائر الأمم ~~الماء طهورا على ما وصفنا بدءا، فصار تراب هذه الأرض لهذه الأمة طهورا ~~يوازي ذلك الماء الذي جعله الله طهورا للخلق، وجعله بحرا تحت العرش، أعده ~~للعباد كما وصفنا بدءا، وإنما صارت الأرض هكذا من أجل أنها لما أحست بمولد ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وبظهوره من بطن أمه على جديد الأرض، انبسطت ~~الأرض، وتمددت، وتطاولت، وازدهرت، وأينعت، ولبست ثياب الدالة، وافتخرت على ~~السماوات وسائر الخلق بأنه مني خلق، ومني تربى جسده، وعلى ظهري تأتيه ~~كرامات الله، ومني يمشي يتقلب نبيا رسولا، يعبد ربه، ويختلف إليه الرسل، ~~وعلى بقاعي PageV05P340 ~~يسجد جبهته لله، وفي الجبهة ما فيها، وفي خلال أوديتي يتنزل كلام الله ~~ووحيه البارز على الكتب كلها، وفي بطني مدفنه، وأنا الذي أتضمن أعظمه ~~وجسده، وعلى ظهري يكون خاصة الله في أمته، وورثة ميراثه من الحكمة العليا، ~~فجرت الأرض رداء فخرها ودالتها، وحق لها ms0826 ذلك، فجعل ترابها طهور الأمة؛ ~~لمجيء محمد صلى الله عليه وسلم على ما وصفنا، فبالأرض يتطهرون، وينتصبون ~~بين يدي الله تعالى، سجدا، وحيثما ضربوا بأقدامهم بين يدي الله تعالى، صارت ~~الأرض من تحت أقدامهم مسجدا. # وقالت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! إنك إذا دخلت، ~~صليت في مواضع من البيت، أفلا نهيئ لك موضعا تصلي فيه؟ فقال عليه السلام: ~~((يا عائشة! أما علمت أن المؤمن إذا وضع جبينه لله، طهرت تلك البقعة إلى ~~سبع أرضين؟)). # فإنما صار التيمم لهذه الأمة دون سائر الأمم، لأنه بمجيء محمد صلى الله ~~عليه وسلم PageV05P341 ~~طهرت الأرض، فلما جاء بالتيمم عن الله إلى الأمة، قبلوه، فإنما قبلوا عن ~~الله على يدي محمد عليه السلام، فحيثما مدوا أيديهم إلى بقعة، صار ذلك ~~التراب طاهرا بمد أيديهم، وزالت أنجاس الشرك والمعاصي التي عليها، فإنما ~~صارت طاهرة بمد أيديهم على ذلك القبول الذي قبلوه عن الله تعالى. # ألا ترى أنه قال تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا}؟ فلا يجزئ أحدا أن يتمعك في ~~التراب، ثم يكتفي به عن التيمم، كما يجزئ الذي يقع في الماء، فيسبح فيه من ~~غير قصد للوضوء، فيجزئه عن غسله ووضوئه به، وفي التيمم لو تمعك في التراب ~~من غير قصد للتوضؤ به والتطهر، لم يجزه وهو محدث، فإنما ابتغى منه التيمم، ~~وهو القصد بالقلب؛ ليطهر بذلك القصد، ومد اليد إليه، قابلا لما جاء به ~~الهدية، وهو محمد صلى الله عليه وسلم من المهدي، هذه النحلة في شأن التيمم ~~كالطرفة والتحفة يتحف بها الملك عبده، يريد بذلك لطفه وبره وسروره، فيطهر ~~ذلك التراب بمد اليد إليه، وقبوله للهدية، فلذلك خرج اللفظ بهذه الكلمة على ~~التيمم، لتقصد القلوب للهدية، والهدية محمد صلى الله عليه وسلم، صار يطهر ~~ما جاء به تراب الأرض طهورا، كطهور الماء الذي أنزله الله من بحر الحياة. # وقد قال في شأن التيمم في تنزيله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى ~~أو على سفر أو جاء أحد منكم من ms0827 الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديهم منه ما يريد الله ليجعل عليكم ~~من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم PageV05P342 ~~لعلكم تشكرون}. # فالحمد لله الذي عطف علينا بأن أكرمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ ~~من طهره بطهر الله الذي حشاه به: أنه لما وقعت على ظهر الأرض طهرة رسالاته، ~~صارت تربة الأرض له ولأمته الذين نالوا من طهره طهرا حظا وافرا بقبولهم له ~~طهورا تطهروا به، ووضوءا توضؤوا به، وغسلا تغسلوا به، فيسيل عن أجسادهم ~~آثار العدو. # فأما قولنا في الهدية: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بعثت ~~إليكم، فإنما أنا رحمة مهداة)). # فمحمد صلى الله عليه وسلم من الله لنا هدية، والهدية ليست كالعطية، ولا ~~كالحجة؛ فإن الرسل -عليهم السلام- بعثوا من قبله على الأمم حجة وعطية، فمن PageV05P343 ~~قبل العطية، بورك له، ومن لم يقبل العطية، تأكدت عليه الحجة، وعذب، ورسولنا ~~صلى الله عليه وسلم كان عطية وهدية، فمن قبل محمدا عطية وهدية، سعد، ورشد، ~~وصار سابقا ومقربا، ومن قبل محمدا صلى الله عليه وسلم عطية، ولم يفطن ~~للهدية، ولم يقبله قبول الهدية، سعد، ولم يصب ثمرة الرشد، ونجا بالسعادة، ~~ومن أباه، وكفر، النعمة، وجحدها، كان حظه من السعادة النجاة من عقوبات ~~الأمم التي عوجلوا بها في الدنيا، فسعدوا بهذا القدر، وتأخر عنهم العذاب ~~إلى يوم القيامة، والأولون عوجلوا بالعقوبة في الدنيا، وبالعذاب إلى أن ~~التحقوا بعذاب الآخرة، فالعطية تغني ولا تمد، والهدية تغني وتمد، فمن قبل ~~محمدا عطية وهدية، اجتباه الله، ومن قبله عطية، هداه الله إليه بالإنابة، ~~وذلك قوله تعالى: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب}. # قال له قائل: ما الفرق بين العطية والهدية؟ # قال: العطية من الرحمة، والهدية من المحبة، وكذلك تجد الرجل يعطي عبدا من ~~عبيده إذا رق له، ورحمه، إذا رآه في بؤس، أو ضعف قواه، وجبره بدريهمات ~~وكسوة، يجبره بها، ويذهب عنه بؤسه، فهذه عطية من الرحمة، فإذا أحبه، أهدى ms0828 ~~إليه خلعا، وحملان دنانير، يريد بذلك أن يستميل PageV05P344 ~~قلبه، ويختصه، ويتخذه لنفسه خادما صفيا، وإنما سميت الهدية هدية؛ لاستمالة ~~القلب بها. # ولذلك قيل: فلان يهادى في مشيته؟ أي: يتمايل، ومن ذلك قوله تعالى: {إنا ~~هدنا إليك}؛ أي: ملنا. # فالرسل إلى الخلق عطايا من ربنا ورحمته، فبعث إليهم من يهديهم، ويذهب ~~عنهم بؤس فقر الكفر، ويجبر كسرهم، ورحمنا ربنا، فبعث إلينا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم عطية وهدية. العطية من الرحمة، والهدية من المحبة، فجعل الإيمان ~~والإسلام في العطية، وجعل حكمة الإيمان والإسلام في الهدية، وذلك قوله ~~تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته} ثم قال: ~~{ويزكيهم}، ثم قال: {ويعلمهم الكتاب والحكمة}. فحكمة الإيمان والإسلام هدية ~~لهذه الأمة بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم خاصة فضلا على الأمم. # قال له قائل: وما تلك الهدية؟ # قال: كنوز المعرفة من خزائن السبحات، فاحتظينا -معاشر الأمة- من تلك ~~الكنوز حظا وافرا برزنا به على سائر الأمم، حتى صرنا موصوفين لبني إسرائيل ~~في التوراة والإنجيل. # وروي في الخبر: أن صفة أمة محمد عليه السلام في التوراة: صفوة الرحمن. PageV05P345 # وفي الإنجيل: حكماء، علماء، أبرار، أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء. # فإنما ورثنا هذا من حظ محمد صلى الله عليه وسلم البارز به على حظوظ سائر ~~الرسل -عليهم السلام-، فتلك هدايا الله إلى محمد، ثم صير محمدا عليه السلام ~~لنا هدية. # 1232 - نا إبراهيم بن عبد الله العبسي، قال: نا وكيع، عن الأعمش، عن أبي ~~صالح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس! إنما أنا رحمة ~~مهداة)). # فهذا يحقق ما قلنا بدءا: أن الرسل -عليهم السلام- للأمم عطية، ورسولنا ~~صلى الله عليه وسلم للأمة عطية وهدية، ورقي بتلك الهدية حتى تراءى له محل ~~الدرجة الوسيلة، وقال: ((إني لأرجو أن تكون لي)). # وأمرنا -معاشر الأمة- بما أصبنا من الحظوظ من حظه حتى صرنا PageV05P346 ~~بارزين على الأمم، فمنا السابقون، ومنا الأولياء، ومنا الأصفياء، ومنا خاصة ~~الله تعالى. # وقال في تنزيله: {قل إن الهدى هدى الله أن ms0829 يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} أي: ~~أن يعطى أحد مثل ما أعطيتم. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: ((ما أعطيت أمة من ~~اليقين ما أعطيت أمتي)). # وليس في الأرض شيء أعز من اليقين ولمقدار رأس إبرة من اليقين يوسع الله ~~خيرا وبركة، وأقل شيء منه ينفي الشك عن القلوب، ويبلغ به العبد منازل ~~الكرام السادة، فإنما صير محمدا صلى الله عليه وسلم لنا هدية؛ ليهدينا إلى ~~أعلى درجات الدنيا عبودة؛ لنكون غدا في أعالي درجات الجنة، بالقرب من ~~رسولنا عليه السلام؛ لتقر عينه بنا؛ فإن ربنا يحب أن يقر عينه بنا؛ لأنه من ~~بين الرسل حبيب، وقد جرت الأخبار عنه بهذه الكلمة. # 1233 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا سعيد بن أبي مريم، قال: نا مسلمة بن ~~علي، قال: حدثني زيد بن واقد، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي هريرة، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وموسى نجيا، ~~واتخذني حبيبا، PageV05P347 ~~ثم قال: وعزتي! لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي)). # فالحبيب: يحب أن يقر عين الحبيب بأمته، فقد أعلمنا في تنزيله كيف محلنا ~~من قبله، فقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص ~~عليكم}؛ أي: يعز عليه، ويشتد عليه أن نقع في إثم، وحريص على هدانا وطاعتنا ~~لله تعالى، ثم ذكر رأفته ورحمته علينا، فقال: {بالمؤمنين رءوف رحيم}، فمن ~~أصدق من الله قيلا؟ # فالله أخبرنا بهذا عن باطن قلبه لنا، فهو يحب أن يقر عينه غدا بنا في ~~الموقف، وفي درجات الجنان، فأعطانا من حظه، ما يمد بنا إلى نفسه قربا بتلك ~~الكنوز، حتى تكون طاعتنا لله، وقلوبنا له، ونفوسنا أكثر انقيادا وتذللا ~~وعبودة، ومعرفة بالله وعلما به من سائر الأمم، ويباهي الله بهذه الأمة في ~~سمائه، فيري ملائكته بها ما يصعد إليه من أعمالهم وبرهم، ووفائهم ويقينهم ~~وصدقهم، وجدهم وجهدهم، واستقامتهم وحبهم له. # عدنا إلى ما كنا فيه من ذكر التيمم، فرد محمد بن علي ms0830 السؤال على بعض من ~~حضره، فقال: أرى بعض علمائكم يقولون: إذا وقع في الماء PageV05P348 ~~وخرج منه غير ناو للوضوء، أجزأه ذلك من الوضوء. # وقالوا: إذا تمعك في التراب، أو نثر عليه حتى أصاب مواضع الوضوء ذلك ~~الغبار، أنه لا يجزئه حتى ينوي التيمم، فسألوا عن الفرق بينهما، فقالوا: ~~لأن الله تعالى قال: {فتيمموا}، والتيمم هو القصد للصعيد، والقصد لا يكون ~~إلا بالقلب، فلذلك قلنا: إنه لا يجزئه حتى ينوي؛ أي: يقصد. # قلنا: فقد قال هاهنا: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا}، فهذا الذي وقع في ~~الماء لم يغسل أيضا، فإن قلتم: إنه لما وقع في الماء، انغسل، فكذلك لما ~~تمعك في التراب، انغبر، فإن كان أريد في الوضوء منه سيلان الماء على مواضع ~~الوضوء، فقد أريد منه في التيمم اغبرار مواضع الوضوء، فكما سال الماء عليه ~~بغير إسالة، فأجزأه، فكذلك إذا أهالوا عليه التراب من غير فعل منه، وانغبر، ~~أجزأه ذلك، فالقياس في كليهما مستمر بهما يتساويان. # فإما أن يقول: لا يجزئ ذلك عنه في الوضوء حتى يغسله بفعل منه؛ لأنه أمر ~~بالفعل، فقال: اغسلوا؛ كما قال هاهنا: اقصدوا. PageV05P349 # وإما أن يقول: كلاهما جائز على مذهب ما ذهبت إليه أنه ابتغى منه سيلان ~~الماء عليه بأن الماء جعل له طهورا، فإذا جرى عليه، فقد طهر، سواء أجراه ~~بنفسه، أو جرى عليه الماء من غير فعله. # قلنا: فكذلك خص رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الرسل، وأمته من بين ~~الأمم بهذه الهدية بأن جعل تراب الأرض له طهورا، فإنما ابتغى منه الطهارة ~~بذلك التراب، فسواه عليه هو ترب نفسه يريد به الطهارة، أو تربه غيره، فلم ~~نجدهم التجؤوا إلى شيء يكون بين المسألتين فرقا مزيلا، كلما راموا فرقا، ~~وجدناه متصلا، فكل حالة من الوضوء بالماء قابلناه بحالة الوضوء بالتراب ~~وجدناها مستوية، ووجدنا مفزعهم إلى هذه الكلمة: أن الله تعالى قال هاهنا: ~~{فتيمموا}، والتيمم: هو القصد بالقلوب. # فقلنا: أي شيء يقصد؟ # قالوا: يقصد إلى أن يتطهر به من الحدث. # فقلنا لهم: ms0831 أمر هاهنا بالقصد للتراب ليمسح، ولم يأمر هناك بالقصد PageV05P350 ~~للماء ليغسل، فقال هاهنا: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم}، ولم يقل: اقصدوا ماء، ~~واغسلوا وجوهكم وأيديكم؛ لأن الغسل كان متعارفا في الأمم، وفي الجاهلية: أن ~~الأقذار والنجاسات والأدناس إنما تغسل بالماء، فكان ذلك معروفا عندهم، فلما ~~جاء الله بالإسلام، وأمرهم بالانتصاب بين يديه مصلين، ولم يخل أحدهم من ~~أدناس الخطايا، لم يرض لهم أن يقوموا بين يديه مصلين، مترضين له، معتذرين ~~إليه، ومعهم غبار العدو وأدناسه، وإن لم يكن على أجسادهم في الظاهر أقذار ~~ونجاسات، فأمرهم أن يغسلوا أطرافهم، وسماه وضوءا، يعلمهم أن هذه الأطراف ~~تصير وضيئة بهذا الغسل، ويذهب غبار العدو عنها، فيطهروا، وقد قال في ~~تنزيله: {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم}، ثم قال: {لعلكم تشكرون}. # يطهركم بالماء حتى تزول الأدناس، وغبار العدو، فإذا زالت، حيي القلب، ~~فتلك الحياة تمام النعمة، فقاموا لله منتصبين بحياة قلب، يعقلون ما يعبدون ~~به، وأنهم بين يدي الله، فذلك منهم شكر، فلما جاءت هذه الأمة، وعطف الله ~~عليهم بكرامته إياهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، كان التوضؤ بالتراب غير ~~متعارف عندهم، ولم يكن عندهم أن التراب فيه طيب وطهارة، وإنما عرفوا ~~الطهارة في الماء، فأمرهم بالقصد للتراب؛ ليتمسحوا به، فكانوا PageV05P351 ~~لا يحتاجون إلى قصد الماء؛ لأن الماء لهذا أنزل؛ ليزال به الأقذار والتراب؛ ~~ليطرح عليه الأقذار، فهكذا كان المتعارف في ولد آدم عليه السلام منذ خلقهم ~~الله، فلما جاءت نوبة هذه الأمة، أهدى الله محمدا عليه السلام إلى الأمة، ~~مع كنوز المعرفة، ووفارة الطهارة، وطهرت الأرض، فصارت بقاعها مساجد للأمة، ~~وصعيدها طهور للأمة، يتوضؤون به. # فقيل للأمة في الظاهر: تيمموا؛ أي: اقصدوا التراب؛ لأنه كان من شأنكم ~~وعادتكم التطهر بالماء، فإذا فقدتم الماء أنتم -يا معشر أمة محمد-، فاقصدوا ~~التراب عند فقد الماء، فتطهروا بالتراب. # وقيل لأهل الباطن من الأمة: اقصدوا للهدية التي في باطن هذا الأمر، ~~فبحرمة قصد أهل الباطن قبل الله قصد أهل الظاهر للتراب، فوجدنا علماءكم قد ~~تعلقوا بهذه الكلمة في شأن ms0832 الفرق بينهما: أن الله تعالى قال في شأن الوضوء: ~~{فاغسلوا}، ولم يقل: اقصدوا للماء، واغسلوا. # وقال هاهنا: {فتيمموا}؛ أي: اقصدوا التراب، وامسحوا، والباب PageV05P352 ~~عنهم منغلق، ليس وراء هذا عندهم شيء، فيحتجوا به على الأمم، ويستبشروا ~~بالفضل الذي حباهم الله به. # فقلنا لهم: إن الحجة القاطعة في الفرق بينهما في نفس الآية، ولكن لم يفتح ~~لكم الباب فتفهموا عنه، وصرفتم عنه، فانظروا ما آية هذا الصرف؟ فإنه قال: ~~{سأصرف عني آياتي}. # فقال أهل التفسير: صرف الله عن آياته قلوب المتكبرين بغير الحق، فلا ~~يفهمونه، ولا يجدون حلاوته ولا لذاذته، ولا لطائفه ولا دقائق حدوده، فأما ~~الحجة القاطعة في نفس الآية، فإنه قال: {فتيمموا صعيدا}. # فالصعيد: هو التراب الذي يصعد الناس عليه بأقدامهم، فيطؤونه. # ثم قال: {طيبا}، فأعلمنا أن الخبث الذي حل بالأرض من نجاسة الشرك، ورجاسة ~~العدو، وارتفع، وزال، وعاد الصعيد الذي تقصدون لتناوله، فتمسحون به مواضع ~~الوضوء طاهرا، وزايله الخبث؛ لعظيم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ~~عندي، فإنما أمرنا بقوله: {تيمموا}؛ أي: اقصدوا تلك PageV05P353 ~~الهدية التي بها طاب هذا الصعيد، فإنما القصد للهدية في التراب، لا للتراب، ~~فإذا كانت الهدية مفقودة عن القلب، والقلب بها جاهل، فماذا يغني؟ # فالرسول عليه السلام يقول: ((أعطيت هذا، ولم يعط أحد من الأنبياء قبلي)). # فسماه الله في تنزيله: طيبا، فإنما فرق بين الوضوء والتيمم هذه النكتة أن ~~يقصد للهدية في التراب، فيقبلها من الله؛ فإن الأرض قد عادت لك طيبة، قامت ~~لك مقام الماء الذي جعله الله طهورا لك. # فالطهر يجمع المتفرق، والطيب يحيى، ويثبت، ويدوم أصله، فالطهور بالماء ~~للأمم كلها، والطيب بالتراب لهذه الأمة خاصة، فاجتمع الطهر والطيب في ~~التيمم، وتمت نعم الله علينا به، فإنما طابت الأرض لمجيء الكنوز مع محمد ~~عليه السلام، وكذلك الغنائم كانت نجسة؛ لأنها أخذت من العدو، وملك العدو ~~كله نجس. # ألا ترى أن الله تعالى ذكر حلي آل فرعون أوزارا، فقال: {أوزارا من زينة ~~القوم}، وكانت لا تحل لهم؛ لنجاستها، فكانوا PageV05P354 ~~يضعونها، فتجيء ms0833 نار من السماء فتأكلها، وكان هارون عليه السلام أمرهم أن ~~يقذفوا ما في أيديهم من تلك الحلي التي استعاروها من آل فرعون، فقال لهم ~~هارون: تطهروا منها، فرموا بها، فجمعها السامري، فاتخذها عجلا، فقذف فيها ~~التراب الذي كان رفعه من حافر فرس جبريل عليه السلام فرس الحياة؛ للفتنة ~~التي كتب الله عليهم بلواها، فذلك قوله تعالى: {ولكنا حملنا أوزارا من زينة ~~القوم}، فإنما يسمى أوزارا؛ لرجاسته. # فقال الله لهذه الأمة: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا}؛ أي: أحلت لكم ~~الجزية، ثم قال: {طيبا}، وإنما طابت هذه الغنيمة لمحمد عليه السلام وأمته؛ ~~لأنهم ضربوا بالسيوف بحرارة حمية حب الله وزايلتها، رجاسة الكفر وأهله؛ لأن ~~حرارة الحب تقطع علائق النفس، وتخرق أسبابها، وعلائق النفوس من أسباب ~~الشرك، وسائر الأمم لم يعطوا هذا، فلم تطب لهم الغنائم. # ولم تزل رجاسة أهل الكفر من تلك الأشياء، فلم تحل لهم، فبنو إسرائيل إنما ~~قاتلوا على الديار، وعلى الأرضين المغتصبة التي كانت لآبائهم، وهي الأرض ~~المقدسة أرض إبراهيم عليه السلام، فقاتلوا عليها، ليردوها إلى ملكهم، ~~فأنبياؤهم بعثوا للدعوة إلى الله، ونبينا عليه السلام بعث للتوبة والملحمة، ~~يعني: إن لم يتوبوا، لحموا بالسيوف، فلذلك قال عليه السلام: ((أنا نبي ~~التوبة، ونبي الملحمة)). PageV05P355 # 1234 - نا بذلك علقمة بن عمرو التميمي قال: نا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، ~~عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا نبي ~~التوبة، ونبي الملحمة)). # قال أبو عبد الله: # معناه عندنا: أن الأنبياء قبلي أمروا بدعوة الخلق إلى أن يقولوا: لا إله ~~إلا الله، فإن أجابت الأمة، وإلا، عذبت، وبعثت إلى الأمة بأن أدعو إلى: لا ~~إله إلا الله، فإن أجابت، وإلا أمهلتهم حتى يتوبوا، وللتوبة انتظار ومدة، ~~والعذاب مأمون، فهم يتقلبون في الشرك مع المدة، وأنا صاحب التوبة، فإن ~~تابوا، قبل الله ذلك منهم بأن جعلني نبي التوبة، ومن تمادى في ذلك، لحمت ~~أجسادهم بالسيف؛ أي: ضربتهم حتى صاروا لحوما بلا أرواح، فكما صارت الغنائم ~~طيبة من ms0834 رجاسة الكفر بما ذكرنا من حرارة الحب التي فضلت هذه الأمة بها، ~~فكذلك طابت الأرض من رجاسة الكفر والمعاصي بما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم من الأنوار المقدسة، فصارت الأرض لهم مسجدا PageV05P356 ~~وطهورا، وطابت أيضا بليلة القدر، وشهادة الرب لأهل الأرض بالقربة، وإنما ~~كانت تكون المشاهدة للنبيين على أجسادهم، وأعطيت هذه الأمة على أرضها حتى ~~يراها من سبقت له الحسنى من الله بعينه إشراق المشاهدة. # وقد روي في الأخبار: أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رآها، ~~فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((هذه ليلة كشف غطاؤها)). # ولذلك قال علي رضي الله عنه: أنا أشرت على عمر رضي الله عنه في أن يقيم ~~للناس إماما في شهر رمضان، ليصلي بهم صلاة التراويح، وأعلمته أن لله ملائكة ~~في حظيرة القدس يقال لهم: الروح، فإذا كانت ليلة القدر، استأذنوا ربهم في ~~النزول إلى الأرض. # 1235 - نا بذلك عبد الأعلى بن واصل الأسدي، PageV05P357 ~~قال: نا عبيد بن إسحاق العطار، قال: نا سيف بن عمر التميمي، عن سعد بن ~~طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي، ((فإنما استأذنته ملائكة الروح في ~~النزول إلى الأرض؛ طمعا أن ينالوا ما لم يكن عندهم في مقامهم)). # ومما يحقق ذلك: قول الله تعالى: {تتنزل الملائكة والروح فيها}، يعني: في ~~تلك الليلة، ثم قال: {من كل أمر. سلام هي}؛ أي: تلك الليلة سلام من كل آفة ~~{حتى مطلع الفجر}. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يرمى في تلك الليلة بنجم؛ ~~لأن الشياطين قد اختنست من أجل المشاهدة، وقال: ((لا يحدث فيها داء))؛ لأن ~~الخلق صاروا في مأمن من مشاهدة السلام المؤمن المهيمن، فبقيت طهارة ~~المشاهدة وطيب سلام السلام على الأرض، فهذا كله لهذه الأمة، فكيف لا يعود ~~ترابها طهورا؟ # وأما نفس هذه الكلمة من قوله: {تيمموا}، فإن ترجمتها PageV05P358 ~~هي: التوجه، وذلك أن كل شيء توجهت إليه، فقد جعلته أمامك. # يقال في اللغة: أم الشيء يؤمه؛ أي: توجه ما أمامه، ms0835 فإنما هو تأمم على ~~قالب تفعل، فإذا أبدلوا بالألف أو الهمزة ياء، قيل: تيمم، فهذا أصل هذه ~~الكلمة، فإنما أمرت بالتوجه إليه بالقلب، ولو كان ذلك يراد به التوجه ~~بالبدن، لكان في كل عمل من الغسل وغيره لا يتهيأ له حتى يتوجه، فإنما خص ~~التيمم بذلك التوجه؛ ليكون فرقا بينه وبين الغسل. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((نصرت بالرعب)): فإن الرعب أصله من فورة ~~سلطان الله من باب النار، فإذا جعل نصرته من الرعب، فقد أعطي جندا لا يقوم ~~له أحد، ولم يعط أحد من الرسل ذلك، فكان أينما ذكر من مسيرة شهر، وقع ذلك ~~الرعب في قلب عدوه، فذل بمكانه. # وأما قوله عليه السلام: ((أحلت لي الغنائم)): فقد دخل تفسير هذا فيما ~~بيناه بدءا من شأن التيمم. # وأما قوله عليه السلام: ((أعطيت الشفاعة، فادخرتها لأمتي)): فإن تلك دعوة ~~كانت لكل نبي، فتعجلها الأنبياء في الدنيا، وأخرها نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم ذخرا لأمته، ونصيحة لله في عباده، فاستوجب بنصيحة الله وبرأفته ~~على عبيده: أن وضع دعوته في محل التربية حتى تربو، وتتضاعف حتى يخرج له يوم PageV05P359 ~~القيامة تلك الدعوة بهيئة يحتاج الخلق كلهم إليها، حتى إبراهيم خليل الله، ~~كذلك روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 1236 - نا بذلك عبد الرحيم بن يوسف، قال: نا يعلى بن عبيد، عن إسماعيل بن ~~أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى، عن جده عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن ~~كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لما أتاني جبريل عليه ~~السلام بهذه الدعوة، قلت: إني ادخرتها لأمتي، فيحتاج الخلق كلهم إلي في هذه ~~الدعوة، حتى إبراهيم خليل الله)). # وفي الحديث قصة، اختصرنا هذه الكلمة التي احتجنا إليها في هذا الموضع ~~مسألة لاحقة بمسألة التيمم. # 1237 - نا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة ابن كهيل، قال: حدثني أبي، ~~[عن أبيه]، عن سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ms0836 صلى ~~الله عليه وسلم: ((أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، بعثت إلى الناس كافة ~~الأحمر والأسود، وإنما كان النبي يبعث إلى قومه، ونصرت PageV05P360 ~~بالرعب، يرعب مني عدوي على مسيرة شهر، وأطعمت المغنم، وجعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا، وأعطيت الشفاعة، فادخرتها لأمتي إلى يوم القيامة)). # 1238 - نا صالح بن محمد، والجارود بن معاذ، قالا: نا جرير، عن يزيد بن ~~أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، ولا فخر)). # فذكر مثل حديث سلمة، عن مجاهد، عن ابن عمر. # 1239 - ونا قتيبة بن سعيد، قال: نا بكر بن مضر، عن يزيد بن عبد الله بن ~~أسامة بن الهاد، عن عمرو بن PageV05P361 ~~شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك قام ~~من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى، وانصرف ~~إليهم، فقال لهم: ((لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي، أما ~~أنا، فأرسلت إلى الناس كلهم، وكان من كان قبلي يرسل إلى قومه، ونصرت على ~~العدو بالرعب، ولو كان مسيرة شهر بيني وبينهم لملئ مني رعبا، وأحلت لي ~~المغانم كلها، وكان من كان قبلي يعظمون أكلها، كانوا يحرقونها، وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة، تمسحت، وصليت، وكان من قبلي ~~يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم، والخامسة هي ما هي؟ قيل ~~لي: سل؛ فإن كل نبي سأل، فادخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد PageV05P362 ~~أن لا إله إلا الله)). # وقال الله في تنزيله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجهكم ~~وأيديكم منه}، ثم قال: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ~~وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون}. # فأعلم العباد أن في التراب طهورا إذا لم يجدوا الماء بقوله: {ليطهركم ~~به}، فأقام التراب مقام الماء، وأعلم العباد حظهم من مشيئته: أن مشيئتي قد ~~انقسمت على من مضى، وعليكم، فكان وفارة ms0837 حظوظكم من مشيئتي أن خرجت لكم ~~إرادتي أن جعلت لكم التراب بدل الماء طهورا، وأن هذه هدية مني لكم، ~~واختصصتكم بالهدية دون سائر الأمم، فاشكروني عليها، وأن الأمر قد يجيء من ~~الله حكما وحتما، ويجيء الأمر حكما مع البر واللطف، ففي ذلك يكون PageV05P363 ~~يسرا عليهم، فيسر عليهم بأن أقام لهم التراب طهورا يتطهرون به كالماء، ثم ~~ألقى إليهم بعقب الأمر لطفا ينبئ عن إرادته ومشيئته، ويقتضيهم شكر هذا ~~اللطف والبر، فقال: {ولعلكم تشكرون}. # فجرى حكم التيمم في الواجبات من الأمور أنه إذا فقد الماء، فقد جاءت ~~ضرورة، فإذا تيمم، فقد زالت عنه الجنابة والأحداث، وكذلك كل ضرورة إذا جاءت ~~سوى فقد الماء، فإنه يقوم التراب مقام الماء، وذلك إذا كان مجروحا، أو ~~محصورا، أو بردا شديدا يخاف على نفسه منه، كانت تلك الضرورة كفقد الماء، ~~وقد ذكر في الآية ضرورة المرض، فقال: {وإن كنتم مرضى أو على سفر}، فجعل ~~المرض وفقد الماء ضرورتين. # وروي عن رسول الله في شأن البرد: # 1240 - نا بذلك محمد بن عبد الله بن يزيد القرشي، قال: نا أبي، قال: نا ~~ابن لهيعة، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عمر بن أبي أنس، عن عبد الرحمن ~~بن جبير، عن عمرو بن العاص، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة PageV05P364 ~~ذات السلاسل، فاحتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فخشيت إن اغتسلت أن أهلك، ~~فتيممت، ثم صليت بأصحابي، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ذكرت ذلك له، وقلت: يا رسول الله! أشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله ~~تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}، فتيممت، ثم صليت ~~بأصحابي فضحك رسول الله. # 1241 - نا قتيبة بن سعيد، قال: نا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ~~رسول الله، بنحوه. # وقال: ((ما أحب أنك تركت شيئا مما فعلت)). # قال أبو عبد الله: # ثم جرى في الأخبار ذكر سائر الضرورات، من ذلك: أن تموت المرأة ليست معهم ~~امرأة ms0838 تغسلها. PageV05P365 # 1242 - نا محمد بن عبدة بن سليمان، قال: نا أبو بكر بن عياش، عن محمد بن ~~أبي سهل، عن مكحول، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة تموت في ~~السفر مع رجال ليس معهم امرأة، وفي الرجل يموت في السفر ومعه نساء ليس معهن ~~رجل، فقال: ((ييممان بالصعيد)). # قال محمد بن عبدة: سمعته من أبي بكر بن عياش مع أبي، ووكيع، ويحيى بن آدم. # 1243 - نا أحمد بن مصرف المامي، قال: نا أبو يحيى الحماني، عن أبي سعيد، ~~عن مكحول، عن رسول الله بمثله. # ومن ذلك صلاة الجنازة إذا حضرت، فخاف فوتها، فأجازوا له التيمم. PageV05P366 # 1244 - نا محمد بن أبي مذعور، قال: نا ابن نمير، قال: نا إسماعيل بن مسلم، ~~عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنه أتي بجنازة، وهو على غير وضوء، ~~فتيمم، وصلى عليها. # 1245 - نا إسحاق بن إبراهيم بن الشهيد، قال: نا عمر بن أيوب الموصلي، عن ~~المغيرة بن زياد، عن عطاء ابن أبي رباح، قال: مرت بابن عباس جنازة، وهو على ~~غير طهر، فتيمم بالصعيد، وصلى عليها. # قال أبو عبد الله: PageV05P367 # فهذه ضرورة خوف الفوت، ثم من بعد ذلك أحوال تأتي على المؤمن ما يجب أن يجدد ~~وضوءا، والماء موجود في الحضر، فتيمم مخافة الفوت. # وذلك مثل ما: # 1246 - حدثني به أبي رحمه الله، قال: نا محمد بن الحسن، عن عبد الله بن ~~المبارك، عن ابن لهيعة، عن عبد الله ابن هبيرة، عن حنش، عن ابن عباس: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج، فيهريق الماء، فيتمسح بالتراب، ~~فأقول: يا رسول الله! الماء منك قريب، فيقول: ((ما أدري، لعلي لا أبلغه)). PageV05P368 # 1247 - حدثني أبي، قال: نا الفضل بن دكين، عن سفيان، عن أبي سنان، عن عبد ~~الله بن أبي الهذيل، قال: إن كان أحدهم ليبول، ثم يمسح بالتراب؛ مخافة أن ~~تقوم الساعة. # 1248 - ونا محمد بن موسى الحرشي، قال: نا محمد بن ثابت العبدي، عن نافع، ~~عن ابن عمر، ms0839 قال: سلم رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يرد عليه ~~حتى دنا إلى حائط، فضرب بيده ضربة، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح ~~بها ذراعيه إلى المرفقين، ثم رد عليه السلام. # 1249 - نا محمد بن بشار العبدي قال: نا محمد بن PageV05P369 ~~جعفر، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب: أن ~~رجلا سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بال، فلم يرد عليه حتى أتى ~~حائطا، فقال بيده على الحائط؛ يعني: أنه تيمم. # 1250 - نا سعيد بن يحيى الأموي، عن أبيه، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن ~~سليمان بن يسار، عن رسول الله، بنحوه. # 1251 - نا عبد الكريم بن عبد الله اليشكري، قال: نا أبو معاذ النحوي، ~~قال: نا أبو عصمة، عن موسى بن علقمة، عن الأعرج، عن أبي جحيفة، قال: أقبل PageV05P370 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من بئر جمل، إما من غائط، أو بول، فسلمت ~~عليه، فلم يرد علي حتى ضرب الحائط بيده، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب أخرى، فمسح ~~ذراعيه إلى المرفقين ثم رد علي السلام. # قال أبو عبد الله: # فهذه ضرورة مخافة الفوت؛ لأن رد السلام فريضة، ثم من بعد ذلك أحوال ما ~~يشبه هذا. # 1252 - نا الجارود بن معاذ، قال: نا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن ~~عتبة، عن الحارث بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، ~~قال: أتى ابن الحمامة السلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله! إني أثنيت على ربي، ومدحتك، فقال: ((أمسك عليك))، ثم قام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فخرج به من المسجد، فقال: ((أما ما أثنيته على ربك ~~فهاته، وأما ما مدحتني به، فدعه عنك))، فأنشده، حتى إذا فرغ، دعا بلالا، ~~فأمره أن يعطيه شيئا، ثم أقبل PageV05P371 ~~رسول الله على المسجد، فوضع يده على حائط المسجد، فمسح به وجهه وذراعيه، ثم دخل. # قال أبو عبد الله: ms0840 # فهذا تيمم من أجل أنه استمع إلى شعر؛ فذاك، وإن كان ثناء على الله، فإنه ~~سجع وتكلف، فإنما أثنى على الله؛ طمعا في نوال عرض من الدنيا، فداراه رسول ~~الله، ولم يرده، ولم يخيبه من طمعه. # ألا ترى أنه أمره بالإمساك حتى خرج من المسجد؛ لأنه كره أن يذكر الله أحد ~~يطمع في نوال، وإنما أعطاه وقاية لعرضه. # 1253 - نا سفيان بن وكيع، قال: نا زيد بن حباب، عن مسور بن الصلت، عن ~~محمد بن المنكدر، عن جابر ابن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أتاه شاعر، فأمر له بشيء، ثم قال: ((ما وقى به المرء عرضه، فهو له صدقة)). PageV05P372 # فكذلك هناك في ذلك الحديث أعطاه؛ ليقي عرضه، فلما فرغ وأراد النبي صلى الله ~~عليه وسلم الرجوع إلى المسجد، تيمم، وعد ذلك حدثا، فتيمم؛ ليعود إلى الحالة ~~الأولى، وأيضا ضرورة أخرى احتياط من حيث لا يدري، وذلك إن تفكر المرء في ~~نفسه ما جاء في تشديد البول، وما جاء فيه من عذاب القبر، فيخاف أن يكون قد ~~أصابه منه شيء من حيث لا يدري، فأمر بالتيمم. # 1254 - نا بذلك عبيد الله بن يوسف الجبيري، قال: نا عثمان بن عبد الرحمن ~~الحراني، قال: نا عبد الحميد ابن يزيد، عن آمنة بنت عمر، عن ميمونة، أنها ~~قالت: يا رسول الله! أفتنا عن عذاب القبر، قال صلى الله عليه وسلم: ((أثر ~~البول، فمن أصابه منه شيء، فليغسله، ومن لم PageV05P373 ~~يجد، فليمسح بتراب طيب)). # فصير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد علمه؛ لأنه لا يدري أصابه أم لا، ~~كفقده الماء. # وروي عن الأعمش: أنه كان إذا أراد أن يحدث، تيمم. # وروي عن السلف: أن أحدهم كان إذا انتبه من النوم، تيمم في فراشه؛ ليعود ~~إلى النوم على طهارة جديدة، وكانوا يستحبون إذا نام الرجل في المسجد، ~~فاستيقظ من منامه، أن يتيمم على مكانه؛ لكي يكون ممره في المسجد إذا أراد ~~الخروج على طهارة، فهذا التيمم هدية من الله لهذه الأمة ms0841 خاصة دون الأمم؛ ~~لتدوم لهم هذه الطهارة في جميع أحوالهم ليلا ونهارا؛ لإتمام النعمة عليهم، ~~وليشكر العباد على هديته، فأقاموه مقام الماء في كل نوع من أنواع الضرورات، ~~والله محمود على كل حال. PageV05P374 ### || AUTO الأصل الحادي والأربعون والمئتان # 1255 - نا نصر بن علي، قال: أخبرني عويد بن أبي عمران الجوني، قال: حدثني ~~أبي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا بني! ~~أسبغ الوضوء يزد في عمرك)). PageV05P375 # قال أبو عبد الله: # فزيادة العمر تتجه على وجهين: # وجه منها: أن العبد إذا عمر بالإيمان، وبحياة القلب بالإيمان، فذاك كثير، ~~وإن قل في عدد الأيام والمدة؛ لأن القصير من العمر إذا احتشى من الإيمان، ~~أربى على الكثير، وإنما يبتغي من العمر العبودة لله؛ كي يصير غدا عند الله وجيها. # ألا ترى أن المعمرين من الرسل -عليهم السلام- مثل نوح، وهود، وصالح، ~~وإبراهيم، وموسى -عليهم السلام- كلهم عمروا ما بين المئتين إلى الألف، ~~ومحمد عليه السلام إنما لبث في النبوة نيفا وعشرين سنة، فأربى على الجميع، ~~وتقدمهم؛ لعظيم حشوه، ووفور حظه، ودنو قربه، وقال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)). # ولذلك قال: ((إن الله أعطاني خصالا لم يعط أحدا قبلي: سميت أحمد، ونصرت ~~بالرعب، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم)). PageV05P376 # 1256 - نا بذلك الفضل بن محمد، قال: نا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، ~~عن عاصم بن علي بن عاصم، عن قيس بن الربيع، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، ~~عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فكل واحدة من هذه الخلال لو حملت السماوات السبع والأرض ما في حشو كل ~~خصلة منها، لأثقلتهما. # فأما قوله: ((سميت أحمد))، فمنه نال لواء الحمد؛ لأنه هو الذي وصل إلى عش ~~الحمد من بين الرسل، وكانت الرسل تحمد ربها من جو الآلاء، ومحمد من جو ~~الرحمة العظمى الذي منه بدأ الآلاء، فلذلك جعل أحق الرسل بلواء ms0842 الحمد؛ لأن ~~حمده أخلص وأوفر. PageV05P377 # وأما قوله: ((نصرت بالرعب)) وما بعده من هذه الخصال، فقد تقدم تفسيره. # ووجه آخر: أن الله تعالى قدر الآجال والأرزاق والحظوظ بين أهلها، فجعل ~~بعضها واجبة، وبعضها هدية، ثم أثبت ذلك كله في أم الكتاب الذي عنده، الذي ~~لا يطلع عليه أحد، ومنه نسخ إلى اللوح المحفوظ، فيمحو من ذلك الأم ما شاء، ~~ويثبت ما شاء، فأما الواجبات، فقد وجبت لأهلها، والهدايا تمحى بالأحداث ~~التي تكون من أهلها في الأرض، فإذا حافظ المؤمن على الوضوء، وأسبغ الوضوء، ~~فإنما يدوم هذا الفعل للعبد؛ لوفارة إيمانه، ولاتساع صدره شرحا للإسلام، ~~فهداياه في أم الكتاب مثبتة تتربى له وتربو؛ لحفظه وصونه للهدايا، فإذا ~~استخف بها، دخل في التخليط في إيمانه، وذهبت الوفارة، وانتقص من كل شيء؛ ~~بمنزلة الشمس التي ينكسف طرف منها، فبقدر ما انكسف، ولو بقدر رأس إبرة، ~~انتقص شعاعها وإشراقها على أهل الدنيا كلهم، وخلص ضرر النقصان إلى كل شيء ~~في الأرض. PageV05P378 # فكذلك نور المعرفة، بقدر ما ينكسف من شمسها، ولو بمقدار رأس إبرة، ينتقص من ~~جميع أعماله وأخلاقه وسيرته في الدين بين يدي الله تعالى؛ لأن القلب صار ~~محجوبا، فمن حجب عن الله بمقدار رأس إبرة، فزوال الدنيا بكليتها أهون من ~~ذلك، فلا يزال العبد ينتقص ويتراكم نقصانه، وهو أبله لا ينتبه لذلك حتى ~~يستوجب الحرمان، فتمحى الهدية، ويبقى العبد خاليا، فإنما بلهته نفسه حتى ~~صار أبله، ولو عقل، ثم انتبه لما حل به، لم ينم، ولا يزال صارخا إلى الله ~~يتردد في الأرض ولا يستقر. # فقوله: ((يزيد في العمر))؛ أي: يثبت له الهدية حتى يزاد في العمر، فيؤخر ~~أجله، ويزاد في رزقه، ويزاد في قوته في أعمال الدين والدنيا، ويزداد في ~~البركة في كل الأشياء منه. # وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الرجل ليبقى من ~~أجله ثلاثة أيام، فيصل رحمه، فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # وكيف لا يزاد له في عمره، ms0843 وقد تعلق بقميص الرحمة، والأخبار PageV05P379 ~~مستفيضة في أشياء من أعمال البر أنه يزاد له في عمره ثوابا لتلك الأعمال، ~~فذاك عاجل الثواب بشرى لما أعد له في الآخرة من الثواب. # 1257 - نا عبد الرحيم بن حبيب الفاريابي، قال: نا بقية بن الوليد، قال: ~~نا عيسى بن إبراهيم القرشي، قال: ثنا سليمان أبو عمر القرشي، قال: سمعت ~~مسلمة بن عبد الله الجهني يحدث عن عمه، عن أبي الدرداء، قال: تذاكرنا زيادة ~~العمر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((لن يؤخر الله نفسا إذا ~~جاء أجلها، زيادة العمر ذرية صالحة يرزقها الله العبد، يدعون له بعد موته، ~~يلحقه دعاؤهم، فذلك الزيادة في العمر)). PageV05P380 # 1258 - نا عمرو بن محمد العثماني، قال: نا ابن أبي أويس، عن سليمان بن ~~بلال، عن يونس، عن الزهري، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((من كان يريد أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه)). PageV05P381 ### || AUTO الأصل الثاني والأربعون والمئتان # 1259 - نا أبي رحمه الله، قال: نا عصمة بن حميم أبو أمية، قال أبو هلال ~~الراسبي: عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ~~إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)). PageV05P383 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالإيمان عش الأمانة، والأمانة في جوفه كالفرخ الذي يتفقأ عن البيضة، ~~ووكل العباد بتربيتها، كما يربي الطير فرخه في عشه، ويزقه، ويغدو في طلب ~~تربيته، حتى ينقل إليه من أقطار الأرض، ويكتنفه، ويذب عنه، ويقاتل عنه من ~~يرومه في عشه؛ تحننا عليه، وشفقة وصيانة، حتى ينبت له جناح، ويطير معه. # فالمؤمن موكل بحفظ الأمانة، وقد قبلها مع قبول الإيمان، ولم يتم له ~~الإيمان إلا بقبول الأمانة، وكانت مستورة، فأحب الله أن يبرزها حتى يقبلها ~~آدم بارزا ظاهرا، فيباشر قبولها بيده ولسانه، فمثلها له درة بيضاء، وجعلها ~~مستورة في جوفه، فعرضت على السماوات والأرض والجبال، فهبنها، وأشفقن منها؛ ~~لأنه انكشف الغطاء لهن عن ذلك، ms0844 وستر عن آدم عليه السلام. # وإنما عرضت على السماوات والأرض والجبال؛ لمكان آدم، والمقصود بذلك آدم، ~~ولو قصد بذلك غير آدم، فأمر بقبولها، ولم يك عرضا، فكان إذا قبلها، ثم ضيع ~~منها شيئا هو أو ولده، لكانوا يكفرون، ولكن الله تعالى لطف لآدم وولده، ~~فجعلها عرضا على السماوات والأرض، وعرض لذلك آدم حتى قبلها، وإنما قبلها؛ ~~لأنه تحرك ما في قلبه من المتضمن PageV05P384 ~~في إيمانه، وهاج، فلم يملك أن سارع إلى القبول مقتدرا، فابتلي باقتداره، ~~فسمي ظلوما؛ لقبوله على الاقتدار، جهولا بما في باطن تلك الدرة، فهو في ~~الظاهر بها جاهل، وفي الباطن مستعمله لما في باطن إيمانه يزعجه على القبول ~~حتى وضعها على العاتق. # وقال: هي لك بين أذني وعاتقي، وبين الأذن والعاتق العنق، وفيها الرقبة، ~~فألزم الأمانة عنقه كطوق العبيد، وذلل لله رقبته، فلولا ما جرى فيه من ~~الاقتدار؛ لكان أمرا عجيبا، فتكدر عليه الأمر للاقتدار، وانقطعت المادة، ~~وإنما عمل فيه الاقتدار، وانسد عليه باب التعلق بالله؛ لما كان في ظهره من ~~الأعداء، فأحب الله أن يزايله الأعداء، فإن الأحباب والأعداء قد ضمهم صلبه، ~~فابتلاه بقبول الأمانة؛ ليميز الخبيث من الطيب، فقبله على الاقتدار، فصار ~~القبول حظ الأحباب، وصار الاقتدار حظ الأعداء، وذلك قوله تعالى: {إنا عرضنا ~~الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}. # ثم أعلم العباد لم فعل هذا؟ فقال: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا ~~رحيما}. # كأنه يقول: إنما فعلت هذا؛ لأعذب الأعداء، وأتوب على الأحباب، وأغفر لهم ~~بسيئ ما عملوا، وأرحمهم في تقصيرهم؛ حتى تؤديهم الرحمة إلى PageV05P385 ~~دار رحمتي، فتقلد حفظ هذه الأمانة، فجرى قبوله لها من القلب إلى الجوارح ~~السبع، فيجري عمله على هذه الجوارح، فللعين جزء، وللسان جزء، وللسمع جزء، ~~ولليد جزء، وللرجل جزء، وللبطن جزء، وللفرج جزء، وجعل أمانة الفرج من بين ~~الجوارح كلها مستورة، ولذلك سميت فاحشة إذا كشف عنها بغير حق، والاستعمال ~~لها ms0845 بغير حق هلكة، والأدب لمن أتاها بغير حق القتل بالحجارة والتنكيل، ~~والناظر إليها عامدا ملعون، والكاشف عنها منزوع الحياء، وإذا نزع الحياء، ~~هتك الله ستر الحياء منه، فمقته، فلا تلقاه إلا مقيتا شيطانا لعينا، فبهذا ~~جاء الخبر. # 1260 - نا صالح بن عبد الله، قال: نا جرير، عن ليث، عن ابن أبي نجيح، عن ~~أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: أول ما خلق الله من الإنسان فرجه، ثم قال: ~~هذه أمانة خبأتها عندك، فلا تبسل منها شيئا إلا بحقها، فالسمع أمانة، ~~والبصر أمانة، والفرج أمانة، والبطن أمانة، واللسان أمانة، واليد أمانة، ~~والرجل أمانة. PageV05P386 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # والذي يكشف عما خبأه الله إهمالا واستعمالا بغير حق؛ استوجب هذه العقوبات ~~البارزة في الدنيا والآخرة على سائر العقوبات، أما في الدنيا، فالنكال ~~والرجم، وأما في الآخرة: فإن أهل النار يتأذون من نتن فروج الزناة، ~~ويزدادون بذلك عذابا، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكثر ما ~~يدخل الناس النار الأجوفان: البطن والفرج)). # فقد قلد كل جارحة الأمانة بقسطها، فمن استبدل بالأمانة في كل جارحة ~~خيانة، انتقص من وزن إيمانه حين يوزن، ومن ضوئه ما دام حيا، فإن ضوء ~~الإيمان رأس مال الموحدين، به يستضيئون في السير إلى الله تعالى في ~~الطاعات، فإذا غاب الضوء، ضل القلب؛ بمنزلة قمر وقع في الكسوف، فضل المسافر ~~الذي أظلم عليه الطريق عن المسير، فكسوف ضوء الأمانة في ظلمة الخيانة. # فلكل فعل حرم الله تعالى على كل جارحة من الجوارح ستر، فإن PageV05P387 ~~هتكته تلك الجارحة، انهتكت تلك الحرمة برفع حجابها، فقد خان الأمانة، ومثل ~~ذلك مثل راكب يسير إلى الملك على راحلة نجيبة من النجائب، فإذا هو ساعة ~~بساعة ينيخها، فمن كثرة الإناخة صارت النجيبة صعبة، فحرنت، وخلأت، وصالت، ~~واستبدت، فتركت نجابتها من كثرة الإناخة، فكذلك صاحب الأمانة إذا نزهها عن ~~الخيانة، فهي نجيبة تطير به إلى الله، وفيها منجاة لكل نائبة تنوبه في ~~الدنيا، وفي البرزخ، وفي المحشر، وعند الميزان، وعلى الصراط. # فالمتقون ms0846 فهموا هذه القصة، فخرسوا ألسنتهم عن أن تنطق بما نهى الله عنه، ~~والسمع عن الاستماع إلى ما نهى الله عنه، والبصر واليد والرجل والبطن، ~~والفرج كذلك، وحفظوا القلب وساحته، وهي الصدر مع الله فيما بينه وبين ~~الخلق، فكلما زلت جارحة من جوارحك بفعل حظره الله عليك، فقد ضيعت من ~~الأمانة بقدرها، وانكسف من ضوء نورك بقدرها، ونقص من وزن إيمانك غدا ~~بقدرها، فإذا أحكمت شأن هذه الجوارح السبع، وجعلتها في وثاق الأمانة، فقد ~~نجوت من اقتضاء الأمانة جوارحك ما قلدت. # وإن كنت ممن فتح له الطريق، فسار إلى الله، صار حفظ الأمانة أصعب وأعظم ~~خطرا، وأوفر حظا من ثمرته؛ لأن العبد حتى الآن كان في كسب الجوارح عملا ~~ينال به أجرا، والآن قد وقع في كسب القلب سعيا إلى الله تعالى ينال به ~~القربة، والحراسة هاهنا للأمانة من الخواطر، فإن PageV05P388 ~~حرسها بحقها وصدقها، تحول الضوء الذي كان بدءا شعاعا يتوهج، يخطف بصائر ~~النفس، فضوء الإيمان للصادقين مع جهدهم، وشعاع الإيمان للصديقين مع ~~تفويضهم؛ لأنهم خرجوا من قمر الإيمان إلى شمسه، فإن الكفر كليل مظلم، فإذا ~~أضاء الإيمان في الصدر، كان كليل طلع قمره، فليلة يقمر بربعه، وليلة بثلثه، ~~وليلة بنصفه، وليلة ببدره كملا. # فالموحدون كل يأخذ من ذلك القمر بقدره، وكل مطيع يأخذ بقدره من الضوء، ~~فمؤمن مخلط إنما يقمر له من إيمانه بمقدار ما يقمر الليلة الثالثة من ~~الشهر، ويغيب عنه ما سوى ذلك؛ لظلمة خيانته، وعامل يقمر ليله من إيمانه ~~الثلث، ويغيب عنه ما سوى ذلك، وكذلك الورع والمتقي والزاهد والناسك، كل على ~~قدر صدقه، حتى إذا انتهى الصدق منتهاه من هؤلاء الأصناف، استحق اسم الصدق، ~~فسمي صادقا؛ لأنه يصدق الله، مطيعا له في كل جارحة. # فالظاهر مستقيم، والباطن ذو تخليط كثير، فمن أقمر ليله بدرا، فصار ضوء ~~إيمانه كالقمر ليلة البدر، والضوء ليس له شعاع ولا حريق؛ لأنه ممحو، فكذلك ~~الصادق محجوب قلبه عن الله، فاسد الباطن، مجهود، ومن فتح لقلبه الطريق إلى ~~الله؛ فصار على منهج ms0847 الصدق، وهو البذل لنفسه لله، غير ملتفت إليها؛ تحول ~~قمره شمسا. PageV05P389 # فإنما يبدو لقلبه من شعاع ذلك الشمس بمقدار ما كان يبدو من القمر في مبتدأ ~~أمره، فلا يزال يسير حافظا للأمانة في العطايا، حتى تزول عنه الخيانة، ~~ويتبرأ من النفس، وينساها، فإذا وصل إلى هذه الحظة، وافتقد مشيئته لمشيئة ~~مولاه، ونسي أحوال نفسه لما طالع من العظائم، واشتغل بالمرعى، أشرقت شمسه ~~بتمامها بجميع شعاعها، ولذلك قوله لداود عليه السلام: ((يمشي تماما، ويقول ~~صوابا))، وقوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن}. # فالحافظ لهذه الأمانة بحقها وصدقها في أمان الله يوم المقدم على الله عند ~~معالجة سكرات الموت، وفي البرزخ عند فتاني القبر، ويوم المنشر، وفي ساعات ~~المحشر، وهناك في الموقف عند الجواز على الصراط، وعند الوزن، وعند قراءة ~~الصحيفة، وعند العرض الأكبر، حتى يوافي دار الأمن والأمان، فاتصلت أمانة ~~هذا العبد من هاهنا بدار الأمان، وهذا هو المؤمن المستكمل لوفارة الإيمان ~~وبهائه. # ولذلك قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: وددت أني شعرة في صدر مؤمن. # وروي في الخبر: أن الله تعالى إذا أثنى على عبد، فأبلغ في الثناء، سماه ~~مؤمنا، وقال إبراهيم حين أثنى عليه: {إنه من عبادنا المؤمنين}. PageV05P390 # 1261 - نا أبي رحمه الله، قال: نا الحماني، قال: نا زيد ابن حباب، قال: ~~أخبرني كثير بن عبد الله، قال: أخبرني الحسن بن عبد الرحمن بن عوف، عن ~~أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة تحت العرش: القرآن ~~له ظهر وبطن يحاج العباد، والرحم تنادي: صل من وصلني، واقطع من قطعني، ~~والأمانة)). # 1262 - نا الحسين بن علي بن الأسود العجلي، قال: نا محمد بن فضيل الضبي، ~~قال: نا أبي، ورقبة بن مسقلة العبدي، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((انطلق ثلاثة نفر، فدخلوا غارا، فأرسل الله ~~صخرة، فأطبقت الغار عليهم، فقال بعضهم لبعض: قد ترون ما نحن فيه، وما قد ~~ابتلينا به، فلينظر كل رجل منكم ms0848 أفضل عمل عمله فيما بينه وبين ربه، ~~فليذكره، ثم يدعو الله تعالى؛ لعل الله يفرج عنا ما نحن فيه، ويلقي عنا هذه ~~الصخرة. # فقال رجل منهم: اللهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت PageV05P391 ~~عم وكانت من أحب الناس إلي، فطلبت منها نفسها، فأبت علي إلا أن أعطيها مئة ~~دينار، فجمعتها من حسي وبسي حتى جئتها بها، فدفعتها إليها، فلما قعدت منه ~~مقعد الرجل من امرأته، ارتعدت وبكت، وقالت: يا عبد الله! اتق الله، ولا ~~تفتح هذا الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها، وتركت الدنانير لها، اللهم إن كنت ~~تعلم أني إنما تركتها، وتركت الدنانير لها من مخافتك، فافرج لنا من هذه ~~الصخرة فرجة نرى منها السماء، ففرج الله عنهم فرجة، فنظروا منها إلى ~~السماء. # وقال الثاني: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان، وكانت لي صبية صغار، وكنت ~~أرعى على أبوين، فكنت أجيء بالحلاب، فأبدأ بأبوي، فأسقيهما، ثم أجيء ~~بفضلهما إلى PageV05P392 ~~الصبية فأسقيهم، وإني جئت ذات ليلة بالحلاب، فوجدت أبوي نائمين، والصبية ~~يتضاغون من الجوع، فلم أزل بهم حتى ناموا، ثم قمت بالحلاب على أبوي ليلتي ~~حتى قاما وشربا، ثم جئت بفضلهما إلى الصبية، فأسقيتهم، اللهم إن كنت تعلم ~~أني إنما فعلت ذلك من مخافتك، فافرج عنا منها فرجة، ففرج الله عنهم منها فرجة. # وقال الآخر: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أجير يعمل عندي، فأعطيته أجره، ~~فغمصه، وذهب وتركه، فعملت له بأجره حتى صار له بقرا وغنما، ثم أتاني بعد ~~حين يطلب أجره، فقلت له: دونك هذا البقر والغنم وراعيها، فخذها، فهي لك، ~~فانطلق فأخذها، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك من مخافتك، فألقها ~~عنا، فألقى الله عنهم، فخرجوا يمشون)). PageV05P393 # وروي عن إسماعيل بن جعفر، عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، قال: كان ~~رجل من بني إسرائيل له مكان من الملوك، ليس منهم ملك يموت فيخلفه ملك إلا ~~أنزله منه بمنزلته من الملك الأول، فبعث على بني إسرائيل ملك صالح، فدعا ~~الناس إلى أداء الحقوق والمظالم، فارتحلت ms0849 الأحياء إليه، حي حي، حتى ليس ~~منهم أحد إلا وهو ينظر في شأنه، ومن كانت له مظلمة، رد عليه مظلمته، ومن ~~كان له حق، أنصفه من حقه، ومن كانت له حاجة، قضى له حاجته، حتى ارتحل حي ~~الفتى، وارتحل فيهم، وهم يظنون أن الملك سينزله منه منزلته من الملوك قبله، ~~فدخل على الملك بعض قومه، فقضى حوائجهم، ورد عليهم مظالمهم، حتى دخل الفتى، ~~فكلمه بمثل ما كان يكلم به الملوك قبله، فيعجبهم ويقربونه. # فقال له الملك: أولا تتقي الله، وتؤدي الأمانة؟ قال: أية أمانة؟ فأخذ رجل ~~من خدمه بيده، فأخرجه، فانصرف إلى قومه، فقال: لعل بعضكم سبقني عند الملك، ~~فحلفوا له، فصدقهم، فانصرف إلى أهله، فمات ذلك الملك، وبعث عليهم ملك صالح، ~~فدعا الناس إلى ما دعاهم إليه الملك قبله، فارتحل الناس إليه، وارتحل الفتى ~~مع حيه، فلما دخلوا عليه، كلمه الفتى بالكلام الذي يكلم به الملوك قبله ~~فيقربونه، فقال له الملك: PageV05P394 # أولا تتقي الله، وتؤدي حق الأمانة؟ فقال: أية أمانة؟ فأخذ بيده فأخرج، ~~فانصرف إلى قومه، فقال: لعل بعضكم سبقني عند الملك، فحلفوا له، فصدقهم، ~~فانصرفوا، وانصرف الفتى إلى أهله، فقال: لا أحسب هذا إلا لما كنت أصيب مما ~~لا يصلح لي، فوضع يده اليمنى على اليسرى، ثم قال: اللهم إني أبايعك على أن ~~لا أسأل أحدا شيئا أبدا. # فمكث بذلك، ثم قال: لا حاجة لي بقرب الناس ومخالطتهم، فانطلق إلى برية، ~~فتعبد فيها، فتخرقت عنه ثيابه، وصار كهيئة المسمار المحترق، وجعل يأكل من ~~نبات الأرض، فبينما هو على ذلك، إذا هو بشيخين بين أيديهما طعام يأكلانه، ~~فتعرض لهما، فرفعا رؤوسهما، فنظرا إليه، حتى إذا علما أنه قد علم أنهما قد ~~نظرا إليه، أكبا على طعامهما، ثم رفعا رؤوسهما، فدعواه، فأقبل، فإذا هما ~~يأكلان خبز شعير، فنظرا إليه، ثم أكبا على طعامهما، ثم قالا: اجلس، فجلس، ~~ثم مد يده إلى كسرة، فأمسكها، فنظرا إليه، ثم أكبا على طعامهما، ثم قالا: ~~كل، فكبر، فأمسكا بيده، وقالا: لم كبرت على طعامنا؟ ms0850 قال: إني كنت حلفت أن ~~لا أسأل أحدا شيئا، ولولا أنكما قلتما لي: كل، لم أتناول طعامكما، قالا: ~~أولا تتقي الله، وتؤدي الأمانة؟ قال: وأية أمانة؟ فوالله! ما أخرجني من بين ~~الناس إلا هذه الكلمة، ولا لقيت ما تريان إلا لها، قالا: أشرف [على] هذا ~~الشرف، فانظر ما ترى PageV05P395 ~~وراءه، ثم ارجع إلينا. # فأشرف، ثم رجع إليهما، فقال: رأيت خمس مئة ضائنة، أو ست مئة لم أر مثلها ~~حسنا، قالا: ألا تأخذها بأمانة الله على أن تردها إلينا إذا نحن سألناكها ~~صحاحا شق الشعرة شطرين؟ قال: نعم، فدفعا إليه الغنم، وانطلقا، فنمت، وبارك ~~الله فيها، فنزل قرية من القرى، وباع منها، فاشترى رعاء، فجعلت ترعى جناب ~~القرية، وتأوي إليها، فكثرت، ونمت، وبارك الله فيها، وجعل لا يبيع منها، ~~فيتخذ صنفا من أصناف الأموال إلا بارك الله فيها ونما، فتزوج النساء، واتخذ ~~السراري، وكثر له من الولد، وكان في ذلك: رجلا صالحا، يقري الضيف، وينزل ~~ابن السبيل، ويعطي السائل، فبينما هو على ذلك، وقد أتى على ذلك سنون، إذا ~~هو بشيخين يقرعان عليه باب داره، فنادى غلامه، فقال: انظر من يقرع باب ~~الدار؟ فخرج غلامه، فإذا هو بشيخين، قال: ما حاجتكما؟ قالا: حاجتنا إلى ~~سيدك، فرجع إلى سيده فأخبره، فقال: انطلق بهما، ففرغ لهما بيتا في ناحية ~~الدار، ثم أفرشهما، وأتحفهما، وأطعمهما، واسقهما، فيبيتا بخير، ثم يغدوا ~~على حاجتهما، وهو يحسب أنه كان كمن كان يضيف، فرجع إليه الغلام، قال: إن ~~سيدي أمرني أن أفرغ لكما بيتا، وأن أفرش لكما، وأتحفكما وأطعمكما وأسقيكما، ~~فتبيتا بخير، ثم تغدوا على حاجتكما، PageV05P396 ~~فقالا: هذا مكاننا، أو تأذن لنا عليه؟ قال: وهي ليلة قرة باردة، شديدة ~~البرد، فرجع إلى سيده فأخبره، فقال له: قل لهما: إني وضعت ثيابي، وخلوت ~~بأهلي، فبيتا، ثم اغدوا على حاجتكما، فرجع الغلام إليهما فأخبرهما، قالا: ~~هذا مكاننا، أو يأذنا لنا؟ فغضب العبد، فأغلق الباب دونهما، وانصرف إلى ~~مضجعه، فلما أصبح، دعا غلامه، فقال: ويحك! ما فعل ضيفاي؟ قال: عرضت عليهما ms0851 ~~ما أمرتني به، فأبيا، فأغلقت الباب، وانصرفت، فقال: ويحك! تركت ضيفي في ~~صقيع بغير عشاء! لا جرم لأفعلن بك ولأفعلن، ائذن لهما، فدخلا عليه، فجعل ~~يعتذر إليهما: أتيتماني في ساعة لا يدخل علي فيها، فأمرت الغلام بقراكما، ~~فغمصتما ذلك، فذكر لي أنه أغلق الباب دونكما، لا جرم لأفعلن به، ولأفعلن، ~~قالا: إن لنا حاجة، فأخلنا لحاجتنا، فأمر من حوله فارتفع، حتى إذا خلوا به، ~~قالا: هل تعرفنا؟ قال: لا. # قالا: أتذكر شيخين أتيتهما ببرية كذا وكذا، وبين أيديهما خبز شعير ~~يأكلانه، وأنت كالمسمار المحترق؟ قال: أذكر، قالا: فما فعلت الغنم؟ قال: ~~فعلت خيرا، ونمت وكثرت، واتخذت أصناف الأموال، قالا: ألست قد عرفت شرطنا ~~عليك؟ قال: بلى، صحاحا شطرين، قالا: فادع لنا بمالنا، قال: فدعا بدواوينه، ~~وإذا الأموال أكثر من أن تحصى إلا بكتاب، فدعا بالغنم، فقسمت شطرين، ثم دعا ~~بالإبل والبقر وسائر الأموال، فقسمت شطرين، فقال: قد فعلت، ووفيت لكما ~~بالشرط، قالا: ائتنا بأمهات PageV05P397 ~~أولادك، قال: وما لكما ولأمهات أولادي نساء قد ولدن وعتقن؟. # قالا: إن أثمانهن من مالنا، قال: لا أفعل، قالا: اتق الله، وأد الأمانة، ~~تعلم أنا لسنا نأخذك بسلطان، وليس لنا عليك بينة، وإنك إن تجحد، يصدقك ~~الناس، ويكذبونا، قال: فبات على فراشه يتسلق: أيتها النفس! اصبري، واذكري ~~الحال الذي كنت عليه صدقا، لعمري! إن أمهات أولادي، والنفقة عليهن لمن ~~مالهما. # فلما أصبح، قال: ادعوا بأمهات أولادي، فدعا بهن، فقسمهن شطرين، فجعل يبكي ~~بعضهن إلى بعض، قال: قد فعلت، قالا: ائتنا بنسائك، قال: وما شأن نسائي؟ ~~بنات قوم أحرار، فأما أمهات أولادي، فكن من مالكما، قالا: إن صدقاتهن، ~~والنفقة عليهن من مالنا، قال: لا أفعل، قالا: اتق الله، وأد الأمانة، تعلم ~~أنا لسنا نأخذك بسلطان، وليست لنا عليك بينة، وإنك إن تجحد، يصدقك الناس، ~~ويكذبونا، قال: يا نفس! اذكري الحال الذي أتيتهما عليه، صدقاتهن، والنفقة ~~عليهن من مالهما، ائتوني بنسائي، فأتي بهن، فقسمن شطرين، قال: قد فعلت، ~~قالا: ائتنا بولدك؟ قال: وما شأن ولدي؟ أما أمهات أولادي، ms0852 فالثمن والنفقة ~~من مالكما، وأما نسائي، فالصدقة والنفقة من مالكما، وأما ولدي، فخرجوا من ~~صلبي، فلم أكن لأفعل، قالا: اتق الله، وأد الأمانة، تعلم أنا لسنا نأخذك ~~بسلطان، وليست لنا عليك PageV05P398 ~~بينة، وإنك إن تجحد، يصدقك الناس، ويكذبونا، قال: أيتها النفس! اصبري، ~~واذكري الحال الذي أتيتها عليه، أرأيت كسوة الولد والنفقة عليهم، أليست من ~~مالهما؟ ائتوني ببني، فأتي بهم، فقسموا شطرين، وإذا منهم غلام لا يعدل به ~~أحدا من الولد، قال: قد قسمت ولدي، وهذا غلام، فإن أحببتما أن تقوما قيمته، ~~ثم أرد عليكما الشطر، فعلت، قالا: ما نريد أن تشتري منا شيئا، قال: فهبا لي ~~نصيبكما منه، قالا: ما نريد أن نعطي أحدا من حقنا شيئا، قال: فأنا واهب ~~لكما نصيبي، قالا: ما نريد أن تكون لك عندنا منة، قال: فماذا؟ قالا: قد ~~عرفت شرطنا عليك صحاحا كشق الشعرة، قال: أفأشقه؟ قالا: أنت أعلم، قال: ~~والله! لا أفعل هذا أبدا. # قالا: اتق الله، وأد الأمانة، تعلم أنا لسنا نأخذك بسلطان، وليست لنا ~~عليك بينة، وإنك إن تجحد، يصدقك الناس، ويكذبونا، قال: يا نفس! اصبري، ~~واذكري الحال الذي أتيتهما عليه، قربوا المنشار، فأتي بالمنشار، فقال: خذا ~~بناحية وآخذ بناحية، قالا: نعم، ذاك لك، قال: فأخذا بناحية المنشار، وأخذ ~~بناحيته، ثم أدركته رقة الولد، فقال: ابدءا فأشعراه به، PageV05P399 ~~فقالا: أنت أحق من بدأ، قال: إني أجد له ما لا تجدان، فأشعراه لي، قالا: ~~أنت أحق من بدأ، فتقاعس في المنشار لينشره، فرفعاه، قالا: إن كنت لفاعلا؟ ~~قال: نعم، والله! حتى أوفي لله بما جعلت له، وأؤدي الأمانة، قالا: اذهب، ~~فلك أهلك، وبارك الله لك، ولسنا من البشر، كان هذا بلاء قضاه الله عليك، ~~فبررت، وأوفيت، ونحن منعنا ملكي بني إسرائيل أن يعطياك شيئا؛ لما قضاه الله ~~عليك من الابتلاء، فاطمأنن في مالك. # وعنه: عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، قال: لما أعتق لقمان، أعطاه مولاه ~~مالا، فبارك الله للقمان في ذلك المال، فكثر ونما، وجعل لا يأتيه أحد ~~يستقرضه قرضا إلا ms0853 أقرضه، ولا يأخذ عليه حميلا ولا رهنا، إلا أنه إذا أراد ~~أن يدفع إليه المال، قال: تأخذه بأمانة الله؛ لتؤديه إلي عاما قابلا، فإذا ~~قال: نعم، دفعه إليه، فجعل الناس يأخذون ويؤدون، فذكر فعل لقمان لرجل يسكن ~~ساحل البحر، تجارته في البحر، لص ملط فاجر، فقال: والله! إن رأيت مالا أضيع ~~من هذا، ما يأخذ مني رهنا، ولا حميلا، والله! لآتين هذا الرجل، فلأقتطعن من ~~ماله مالا عظيما، فأقبل إليه، فقال: يا لقمان! ذكر لي معروفك، وأنا رجل ~~أسكن كذا وكذا من ساحل البحر، وتجارتي فيه، فإن رأيت أن تقرضني قرضا أصبت ~~فيه ثم أؤديه إليك، فعلت، قال: نعم، وكم تريد؟ PageV05P400 # قال: فسمى له، فأكثر، قال: نعم، أما إني لست أسألك حميلا، ولا آخذ منك ~~رهنا، أتأخذه بأمانة الله أن تؤديه إلي عاما قابلا في هذا اليوم؟ قال: نعم، ~~فدفع إليه ما سمى، وكتب عنده اسمه، واسم أبيه، ومنزله الذي سمى، فذهب ~~بالمال، فوضع يده فيه، وخلطه بماله، وأجمع على أن لا يؤديه إليه، وأدرك ~~للقمان ابن له، فقال: يا أبت! إني أريد أرض كذا وكذا، فإن رأيت أن تأذن لي، ~~فعلت، قال: نعم يا بني، اذهب فاحمل على دوابك، وشد عليك ثيابك، ثم ائتني ~~أوصيك بوصيتي، قال: نعم، ففعل ذلك ابنه، ثم أتاه، فقال: قد فعلت يا أبت، قد ~~حملت على ظهري، وشددت علي ثيابي، فأوصني، قال: نعم، يا بني! إن في طريقك ~~مفازة، فأبكر فيها الدلجة، فإنه ستعرض لك شجرة واسعة الظل تحتها عين، فلا ~~أعلمن ما قربت الشجرة، ولا نزلت تحتها، يا بني! إني أرجو أن يخرجك الله ~~منها سالما، فتأتي حي بني فلان، وهم لنا صديق، وقد أعلم أنهم سيكرمونك، ~~وفيهم امرأة شابة كريمة الحسب، كثيرة المال، وقد أعلم أنهم سيعرضونها عليك، ~~فلا أعلمن ما نكحتها، ولا طمعت في شيء من أمرها. # يا بني! إني أرجو أن يسلمك الله منها، وإن رجلا يسكن ساحل البحر بكذا ~~وكذا، وقد أتاني منذ حين، فاقتطع من مالي كذا وكذا، ms0854 وهذا اسمه واسم أبيه ~~ومنزله، فائته، فاقبض ما عليه، ولا تبت عنده ليلة، ويا بني! PageV05P401 # انظر الذي أوصيتك به، فافعله، قال الفتى: نعم. # قال: يا بني! إن من أفضل ما أوصيك به: إن صحبك في طريقك هذا رجل هو أكبر ~~منك عقلا، فلا تعصه حتى ترجع إلي، قال: أفعل. # فسار ابن لقمان، حتى إذا انتهى إلى المفازة، فأبكر فيها الدلجة، فإذا هو ~~أبعد من ذلك وأسحق، فقام قائم الظهيرة، واشتد الحر، وهو في وسط منها، فبينا ~~هو يسير، إذ عرضت له الشجرة، فلما نظر إليها، عرفها بنعت أبيه، وإذا تحتها ~~شيخ جالس، فعدل عنها، فقال له الشيخ: ما الذي تريد يا فتى؟ قال: أريد أن ~~أسير، قال: لا تفعل، فقد قام قائم الظهيرة، وتوقد الحر، ولكن انزل واستظل ~~في ظل هذه الشجرة، وضع عن دوابك، واشرب من الماء، فإذا أبردت، فارتحل. # فقال الفتى في نفسه: هذه الشجرة التي نهاني عنها أبي، ما أريد أن أفعل، ~~قال: أقسمت عليك لتنزلن، قال: ووافق ذلك منه هوى، وذكر أن أباه قال: إن ~~صحبك رجل هو أكبر منك، فلا تعصه، فنزل الفتى، ووضع عن دوابه، فاستظل، وأكل، ~~وشرب، ثم رقد، وأبى الشيخ أن ينام، فلما استثقل ابن لقمان، انحطت حية من ~~رأس الشجرة، فلما نظر إليها الشيخ، PageV05P402 ~~رماها فقتلها، ثم قطع رأسها، فجعله في قرابه، وغيب الحية، حتى إذا برد ~~النهار أيقظ ابن لقمان، فقام، فلم يستنكر من نفسه شيئا، فحمل على دوابه. # وقال له الشيخ: أين تريد؟ قال: أريد أرض كذا وكذا، قال: وأنا أريدها، فهل ~~لك في صحابتي، فقال ابن لقمان: أنت أحب صاحب، فلما نزلوا بالحي الذي سماهم ~~له لقمان، قالوا: ابن لقمان، فأنزلوه وأكرموه، فبينما هم يأكلون عنده ~~ويشربون، إذ قال له رجل منهم: يا ابن لقمان! هل لك في امرأة شابة، كريمة ~~الحسب، كثيرة المال تنكحها؟ # قال ابن لقمان في نفسه: هذه التي منعنيها أبي، ما لي حاجة بالنكاح، قال ~~الشيخ: ما تعرضون عليه؟ قالوا: نعرض عليه امرأة شابة، ms0855 حسناء جميلة، كريمة ~~الحسب، كثيرة المال، قال الشيخ: أشباب وجمال ومال؟ ما يترك هذا أحد، انكحها ~~يا بني، قال ابن لقمان: ما أريد النكاح يا عم، وإني لعلى وجل، قال: أقسمت ~~عليك لتفعلن، فوافق ذلك منه هوى، وذكر الذي عوفي في الشجرة، وأن أباه قال: ~~إن صحبت رجلا هو أكبر منك، فلا تعصه، فنكحها، فلما ملك عصمتها، أتى بعض ~~صديق أبيه فقال: ما صنعت؟ هذه امرأة قد نكحت قبلك تسعة، ليس منهم رجل إلا ~~يصبح ميتا على فراشها، وأنت العاشر، فدخل الشيخ على ابن لقمان وهو مهموم ~~حزين، فقال: ما يحزنك؟ قال: المرأة التي أمرتني أن أنكحها، نكحت قبلي تسعة، ~~ليس منهم رجل إلا يصبح ميتا على فراشها، وأنا الشاعر، وأنا أكره الموت. # قال: انظر الذي آمرك به فافعله، إذا دخلت عليك، فلا تقربها حتى تأتيني، ~~فأقبلوا بها إليه حتى أدخلوها عليه، وكان من خلق أهلها وغلمانها: PageV05P403 # أنهم إذا أدخلوها على الزوج، حفوا بالبيت، فإذا صاح، كان علامة موته، ~~فدخلوا، فاحتملوا صاحبتهم وما معها، وتركوه، فحفوا بالبيت كما كانوا ~~يصنعون، فقال ابن لقمان للمرأة: إن لي حاجة، فخرج إلى الشيخ فقال: المرأة ~~في البيت، وأنا عندك، قال: ائتني بمجمرة فيها جمرة، فأتاه بها ابن لقمان، ~~فعمد إلى رأس الحية التي قتل عند الشجرة، فجعلها على الجمرة، ثم قال: انطلق ~~بهذا، فاجعله تحت المرأة، فإذا برد، فائتني به، ففعل بها ابن لقمان، فقال: ~~اجعلي هذا تحتك، ففعلت، فلما طفئت الجمرة، أخرجها، فذهب بها إلى الشيخ، ~~فإذا شبه الدودة محترقة في المجمرة، فقال: اذهب إلى أهلك، فلا بأس عليك، ~~فإن هذه التي كانت تقتل الرجال، فانطلق إلى أهله، فأصبح قرير العين، وأصبحت ~~المرأة فرحة، وتفرق الذين كانوا حفوا بالبيت. # فلما أراد ابن لقمان أن يرتحل، قال له الشيخ: أين تريد؟ قال: غريما لنا ~~في ساحل كذا وكذا، أريد أن آتيه، فأقبض حقنا قبله، قال: فهل لك في صحابتي؟ ~~قال: أحب صاحب، فانطلق معه، حتى إذا قدما الساحل، سألا عن غريمهما، فقال ~~أهل ms0856 البلد: ذاك لص ملط فاجر، وكان قد عمد إلى قصر فبناه على ساحل البحر، ~~يمد البحر حين يمد، فلا يترك حول القصر شيئا إلا احتمله، لا يخلص إلى ~~القصر، ولا إلى من فيه، فأتاه ابن لقمان فقال: أنا ابن لقمان، وأحقنا عليك، ~~قال: مرحبا، بيتا الليلة، ثم اغدوا PageV05P404 ~~على مالكما، قال ابن لقمان في نفسه: هذا الذي منعني منه أبي، ما أريد أن ~~أبيت الليلة. # قال الشيخ: ما تعرض عليه؟ قال: أعرض عليكما أن تبيتا الليلة، ثم تغدوا ~~على مالكما، قال: افعل يا بني، قال: ما أريد ذلك، قال: أقسمت عليك لتفعلن، ~~قد أنسأته أطول من ليلة، أفلا تنسئه ليلة، فوافق ابن لقمان هوى، وذكر الذي ~~عوفي في سبب الشيخ من الشجرة والمرأة، فباتا، فلما فرغ من عشائهما، عمد إلى ~~وطاء تحت القصر، ففرش لهما فيه على سريرين، وقد علم: أن الماء إذا جاء، ~~احتملهما، وعمد إلى ابن له، فأضجعه على سرير فوقهما في مكان قد علم أن ~~الماء لا يبلغه، فرقد ابن لقمان، وأبى الشيخ أن ينام، فلما كان في جوف ~~الليل: أقبل البحر، فلما رآه الشيخ، أيقظ ابن لقمان، فاحتملا سريرهما، ~~فجعلاه في مكان سرير الغلام، وحملا سرير الغلام وهو نائم، فوضعاه موضع ~~سريرهما، وأقبل البحر، فاحتمل الغلام بسريره، فذهب به، ولم يخلص إليهما، ~~فلما أصبحا، اطلع صاحب القصر ينظر ما فعل غريماه، فإذا هما نائمان، وإذا ~~ابنه قد ذهب، فناداهما فقال: إني مكرت بكما، وحاق بي المكر، فاغدوا على ~~مالكما، فغدوا على مالهما، فانتقداه، ثم انصرفا إلى المرأة، فأمرها ابن ~~لقمان بالرحيل، فارتحلت، فإذا أكثر مال قدمها لها مما كانت تصيب من ~~الأزواج، فارتحلت بمال عظيم من أصناف الأموال. # وأقبل معه الشيخ، حتى إذا شارفا منزل لقمان، قال الشيخ لابن لقمان: أي ~~صاحب وجدتني في سفرك؟ قال: خير صاحب، كف الله بك ورزق، قال: PageV05P405 # أفما لي فيما أصبت نصيب؟ قال: بلى، نصفه طيبة لك به نفسي، قال: فإما أن ~~تقسم وتخيرني، وأما أن أقسم وأخيرك. # قال ابن ms0857 لقمان: لا، بل اقسم وخيرني، فعرف الشيخ هوى ابن لقمان في المرأة، ~~فعمد إليها، وإلى شيء يسير من مالهما، فعزله، وعمد إلى عظيم المال فتركه، ~~ثم قال لابن لقمان: اختر، قال ابن لقمان: أما إنك عدلت وأنصفت حين خيرت، ~~وإن كنت فعلت ما فعلت، أختار المرأة وما معها، فارتحل ابن لقمان بالمرأة ~~وما معها، وقام الشيخ في عظيم المال، فلما سار ابن لقمان، وكاد يتغيب عن ~~الشيخ، أدركه فقال: أعطيتني مالك، فبم ذلك؟ لعلك تخوفت مني شيئا؟ # قال له ابن لقمان: وما عسيت أن أتخوف منك؟ ولكن لا يذكر صاحب من صاحب ~~أفضل مما أذكر منك، وسألتني. قال: أتعطيني ذلك طيبة به نفسك؟ قال: نعم، ~~قال: فاذهب، فلك أهلك، ومالك، فبارك الله لك، لست من البشر، أنا أمانة أبيك ~~التي كان يأتمن بها الناس، بعثني الله تعالى لأصحبك في طريقك، ثم أردك إلى ~~أبيك سالما صالحا، فاطمأنن في مالك مباركا فيه. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فهذا قولنا الذي قلنا بدءا: أن صاحب الأمانة المحافظ عليها في أمان الله ~~حيثما تقلب. PageV05P406 # وروي في الخبر: أن بختنصر لما سبى بني إسرائيل، وقتل من قتل منهم، قيل له: ~~إن هاهنا رجلا كان يخبرهم بما حل بهم، فسجنوه، قال: وأين هو؟ قالوا: في ~~السجن، فأخرجه، فقال: أنت الذي أخبرتهم بما حل بهم؟ قال: نعم، أخبرني به ~~ربي، قال: هل لك أن تصحبني؟ قال: لا حاجة لي فيها، قال: فأكتب لك أمانا، ~~فحيثما ذهبت، كان أماني معك، قال: إني لم أخرج من أمان الله منذ دخلت فيه، فتركه. # 1263 - نا أبي رحمه الله، عن صالح بن محمد، عن القاسم العمري، عن عمرو بن ~~أبي عمرو، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((أول ما يرفع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى من دينهم الصلاة، ~~ورب مصل لا خلاق له عند الله)). # قال أبو عبد الله: # فالأمانة من الإيمان بمنزلة القلب من الجسد، فإذا مال ms0858 القلب إلى شيء، مال ~~الجسد إلى ما مال إليه القلب، فالإيمان يشدد عقد القلب، PageV05P407 ~~ويؤكد عزمه، ويقوي ضميره، والأمانة في الإيمان بمنزلة العماد، فإذا وهن ~~العماد، يتضيع صاحبه بسقم إيمانه، والسقيم ضجيع سقمه، قد خالطه الداء، وذهب ~~بقواه، وكذلك الخيانة إذا جاءت، رفعت الأمانة؛ لأنها ضدها، ولن يجتمعا، ~~بمنزلة الإخلاص والشرك لا يجتمعان، والإيمان والكفر لا يجتمعان، إذا جاء ~~أحدهما، ذهب الآخر، فكذلك الخيانة إذا جاءت، رفعت الأمانة، فيسقم الإيمان. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: ((يا سلمان! قل: ~~اللهم إني أسألك صحة في إيمان، وإيمانا في حسن خلق، ونجاحا يتبعه فلاح)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فقد أنبأك في هذا الحديث أن الصحة لا تسأل إلا من سقم، فإذا سقم، فإنما ~~يسقم لعلة باطنة، فإذا صح، فقد اشتمل الإيمان على تلك الصحة، وهو العماد ~~الذي به يقوم الإيمان، ثم الإيمان قد اشتملت عليه الأسماء التي خرجت ~~للعباد، ومنه خرج حسن الخلق، وهي تسعة وتسعون اسما. # فأما قوله: ((نجاحا يتبعه فلاح)). # فقد كتبناه في بابه، والإيمان للعباد عطية من المنة، والأمانة في الإيمان ~~هدية من الجود، فإذا ضاعت الهدية، ذهب بهاء العطية، فإذا ذهب بهاء PageV05P408 ~~الشيء، افتقد صاحبه زينته، وحلاوته، ولذاذته، وذبلت النفس، واسترخت ~~لافتقادها، وثقلت عن المحافظة عليها، وذهبت قوة القلب؛ لذبول النفس وثقلها، ~~وإنما سميت الخيانة خيانة؛ لأنها سر من القلب والإيمان الذي فيه. # والخيانة: مكر النفس، لما لم تقدر على أن تستقبل القلب جبرا بالذي هويت ~~من المعصية، أسرته عن القلب، والتمست الغرة، وتحينت الغفلة من القلب، فإذا ~~وجدت ذلك من القلب، وثبت وثبة بالذي هويت، فخالطت به القلب، فأوجدته اللذة ~~التي وجدت، فاستولت على القلب بسلطان اللذة في وقت غفلة القلب عن الله تعالى. # فالغافل كاليتيم المتحير على قارعة الطريق، لا أب له، ولا أم يأوي ~~إليهما، فالغافل عن الله في وقت غفلته كاليتيم عن رأفة الله، وإقباله عليه ~~بأسباب العصمة، فإنما تلتمس هذه النفس بمكرها تلك الآفات، فإذا وجدت ms0859 القلب ~~يتيما، أمكنته أسره إياها؛ لأن القلب أضعف ما يكون في وقت الغفلة، وانقطاع ~~المدد من الله تعالى، فغرت القلب بتلك اللذة التي أوجدته، فتلك الخيانة. # وفي لغة العرب: كل شيء يعمل من وراء، فاسمه عندهم: الخيانة. # يقال في اللغة: خانه يخونه، هذا في الباطن، ونخه ينخه؛ أي: يسوقه PageV05P409 ~~من ورائه، ومنه قول الراجز في زجر الإبل: # لا تضربا ضربا ونخا نخا ... لم يدع النخ لهن نخا # وهو أن يسوقها من ورائها. # ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نحسبه: ((ليس في الجبهة، ولا ~~في النخة، ولا في الكسعة صدقة)). # فأما الجبهة: فهو عندنا: الخيل تجبه للقتال، فيقاتل بعضها بعضا بالجباه. # والنخة: الرقيق؛ لأنها إذا سبيت، سيقت من ورائها، ودفعت دفعا سوق الأسراء ~~على العنف. # والكسعة: الحمير؛ لأنها تساق من ورائها، وتكسع، ومن ذلك يقال: كسع فلانا: ~~إذا ضرب مؤخره برجله. # وفيما حكي عن الفراء: أن النخة هي: أن يأخذ المصدق دينارا بعد فراغه من ~~أخذ الصدقة. # فهذا من ذلك أيضا أن يأتي الآخذ من ورائه، فالخيانة مشتقة من هذا، وإنما ~~هي في الباطن تلك اللذة التي تأتي بها النفس إلى القلب، فتوجده سرا مكرا ~~تخادعه بها، وتزين له، وتموه عليه، فالأمانة قرينها اليقين، فإنما ضاعت ~~الأمانة من العبد من قبل اليقين، وليس شيء في الأرض أعز من اليقين، ولا أقل منه. PageV05P410 # 1264 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا عصام بن المثنى ابن وائل الحمصي، عن ~~أبيه، عن وهب بن منبه، قال: أتي داود عليه السلام بصحيفة مختومة بالذهب من ~~السماء، فيها عشر مسائل، وأمر أن يسأل ولده عنها، فمن أجابه بما فيها، فهو ~~الخليفة، فدعا سليمان عليه السلام من بين ولده، فسأله: أي شيء أقل في ~~الأرض؟ قال: اليقين، قال: وأي شيء أكثر في الأرض؟ قال: الشك، قال: فأي شيء ~~آنس؟ قال: الروح في الجسد، قال: فأي شيء أوحش؟ قال: الجسد إذا خرج منه ~~الروح، قال: فأي شيء أحسن؟ قال: الإيمان بعد الكفر، قال: فأي شيء ms0860 أقبح؟ ~~قال: الكفر بعد الإيمان، قال: فأي شيء أمر؟ قال: الفقر، قال: فأي شيء أقرب؟ ~~قال: الآخرة إذ هي آت، قال: فأي شيء أبعد؟ قال: الدنيا إذا زالت عنك، قال: ~~فأي شيء أشر؟ قال: المرأة السوء، قال: ففك داود خاتم الصحيفة، فنظر فيه، ~~فإذا هو تفسيرها في الكتاب، لم يغادر منه حرفا فاستخلفه. PageV05P411 # فإذا عز اليقين، وقل، وكثر الشك، وتذبذب القلب، وارتحلت الأمانة إلى ~~المبدأ، وحلت الخيانة محلها، فكيف ينتفع العبد بعد هذا بإيمان أجوف، ~~والخيانة في جوفه مكان الأمانة، والشك علاوته الإيمان كما كان اليقين ~~علاوته؟ فما ظنك بشيء ذهبت علاوته؟ وما ظنك بجسد قطعت رأسه؟ # أليس قد ذهب السمع والبصر، واللسان والشم، لا يسمع ولا يبصر، ولا ينطق، ~~ولا يجد رائحة، فكذلك من افتقد اليقين، لم يسمع عن الله ما خاطبه، ولا أبصر ~~ما كشف له وأراه، ولا فطن عن الله حكمته، ولا وجد ريح الطيب الذي طيبه الله ~~به، فقال تعالى: {والطيبات للطيبين}، وقال: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح}. # وكل طيب له ريح، وإنما يجد الريح من كان قلبه ذكيا، وإنما يذكى القلب ~~باليقين، فإذا ذهب اليقين، فقد مات القلب عن الله، ولم يمت عن توحيده، ~~ولذلك تجده مخلطا، يعمل عمل الموحدين، وعمل المشركين، وعمل الموقنين، وعمل ~~الشاكين، وعمل الجادين، جدا، وعمل اللاعبين PageV05P412 ~~هزلا، وإنما يعمل عمل الجد بقوة اليقين الذي في التوحيد. # فأما اليقين الذي هو عماد القلب، وهي الأمانة في جوف الإيمان، فقد فاته ~~بتضييعه، فلذلك صار مخلطا. # 1265 - نا ابن أبي ميسرة، قال: نا عبد الله بن يزيد المقرئ قال: نا علي ~~بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته: ((خير ما ألقي ~~في القلب اليقين)). # 1266 - نا أبي رحمه الله، قال: نا عبد الله بن نافع الزبيري، عن عبد الله ~~بن مصعب بن زيد بن خالد الجهني، عن أبيه، عن جده، قال: استلقفت هذه الخطبة من فم PageV05P413 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك، مثله: ((خير ما ألقي ms0861 في القلب ~~اليقين)). # 1267 - نا صالح بن محمد، قال: نا زافر بن سليمان، رفعه إلى رسول الله: ~~((أن عيسى بن مريم عليه السلام كان يمشي على الماء -ثم قال-: ولو ازداد ~~يقينا، لمشى في الهواء)). # 1268 - ونا عمر بن أبي عمر، قال: نا عبد الغفار بن داود، عن ابن لهيعة، ~~عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن سعد بن مسعود التجيبي، قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم PageV05P414 ~~يقول: ((ما أعطي أحد من اليقين ما أعطيت أمتي)). # قال: ((وكان عيسى بن مريم يقول: ما أنزل في الأرض شيء أقل وأجل من ~~اليقين)). # 1269 - نا مؤمل بن هشام اليشكري، قال: نا إسماعيل بن إبراهيم، عن غالب ~~القطان، عن بكر بن عبد الله المزني: قال: إن أبا بكر لم يفضل الناس بكثرة ~~صوم ولا صلاة، وإنما فضلهم بشيء كان في قلبه. # وروي عن الحسن: أنه قال: إن عمر لم يغلب الناس بكثرة صوم PageV05P415 ~~ولا صلاة، إنما غلبهم بالصبر واليقين. # 1270 - نا عبد الجبار بن العلاء، قال: نا الوليد بن مسلم: قال: نا عبد ~~الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: سمعت ابن عامر يقول: سمعت أوسط البجلي يقول: ~~سمعت أبا بكر الصديق على المنبر وهو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على هذا المنبر يقول عام أول، والعهد قريب: ((سلوا الله اليقين ~~والعافية؛ فإن الناس لم يعطوا شيئا خيرا من اليقين والعافية)). # 1271 - حدثنا أبي رحمه الله، ثنا القعنبي، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، ~~عن حنش، عن ابن مسعود، أنه مر بمصاب، فقرأ عليه، فبرأ، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((ما قرأت؟))، قال: قرأت: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا}، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو قرأها موقن على جبل، لزال)). # 1272 - نا محمد بن علي الشقيقي، قال: نا عبد الله PageV05P416 ~~ابن عثمان، قال: أنا عبد الله بن المبارك، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن ~~حميد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، قال: لما استخلف ms0862 عثمان، سار عبد ~~الرحمن بن عوف حاجا، ومرض عثمان، فكتب بالبيعة لعبد الرحمن بن عوف، ولم ~~يطلع على ذلك أحدا غير مولاه حمران، فلما قدم عبد الرحمن، وصح عثمان من ~~مرضه، قبض ذلك الكتاب من حمران، فجاء حمران إلى عبد الرحمن، فأخبره أن ~~عثمان قد جعل البيعة لك، فقال عبد الرحمن: ما أراك إلا وقد خنته، وما أدري ~~هل يسعني ألا أخبره بذلك -أي: إنه صاحب سره، فأفشاه عليه-. # فقال حمران: فإن فعلت فخذ لي منه -أي: أن لا يعاقبه-، قال: فذهب عبد ~~الرحمن إلى عثمان، فأخذ لحمران منه، وأخبره بصنيعه، فقال: لقد خان، ثم وجهه ~~إلى البصرة؛ أي: كأنه يقول: نفاه إليها. PageV05P417 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فأوفر الناس حظا من اليقين: أوفرهم حظا من الأمانة، وأشدهم لها حفظا ~~وحراسة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن العبد حتى يأمن ~~الناس بوائقه)). # وقوله: ((فالمؤمن: الذي يأمنه الناس)). # 1273 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا سعيد بن عفير المصري: قال: نا عبد ~~الله بن عقبة، وهو ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، ~~قال: قال PageV05P418 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن في الدنيا على ثلاثة أجزاء: {الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله}، ~~ثم الذي يأمنه الناس على أموالهم، ثم الذي إذا أشرف على طمع، تركه لله)). # قال أبو عبد الله: # فهذه ثلاثة منازل للإيمان: # فالمنزلة الأولى: نزلها صنف آمنوا بالله إيمان طمأنينة لا ريب فيه، ~~وجاهدوا أنفسهم في سبيل الله في الأمر والنهي، فقاموا بأداء الفرائض، ~~واجتناب المحارم، فهذه أول منزلة المؤمنين، والرغبة فيهم باقية، ومن كانت ~~الرغبة فيه باقية، فالخيانة فيه كائنة؛ لأن الله تعالى أعطى الخلق الأرواح ~~بما فيها من الحياة عارية، وأعطاهم دنياهم عارية. # فالروح وضعه فيهم للارتحال، والدنيا للزوال والانتقال عنها، فمن تشبث ~~بالحياة لا يريد مفارقتها، وفر من الموت، فقد خان، فإن العارية إذا امتنع ~~صاحبها من الخروج ms0863 منها إلى وليها ومالكها؛ قهر وسلب، وسمي PageV05P419 ~~بامتناعه وفراره خائنا، وكذلك الدنيا إنما وضعت ممرا للعباد ومتزودا، فمن ~~اشتغل قلبه بالتمتع، صيره كالمستقر، فسلب يوم الخروج منها، وهو خائن لما ~~وضع بيده منها، فهم مع هذه الخيانة يقومون بأداء الفرائض بلا توفير به، ~~ويقومون باجتناب المحارم بلا صيانة ولا تقوى، إنما التقوى إذا خرجت شهوة ~~تلك الأشياء من قلبه، فهذا الصنف الأول هم في أول منزلة من منازل الإيمان، ~~فهم بعد في سفح الجبل، والرغبة معهم، فبالرغبة وقعوا في الخيانة. # ألا ترى أنهم لا يوفرون الفرائض، وإنما افترضت عليهم الفرائض؛ ليسد ما ~~انثلم من العبودة التي قبلوها، فلما جاءت السيئات، كانت ثلمة يحتاج إلى ~~سدها، فسدت بالفرائض، ولذلك قال: {يكفر عنكم}. # ألا ترى أنهم يجتنبون المحارم بلا صيانة ولا تقوى، وأنهم إن اجتنبوها، ~~فعلوا ذلك من خوف العقاب غدا، ولم يلتفتوا إلى صيانة المعرفة التي في ~~قلوبهم، فإن قال له علام الغيوب غدا: إن معرفتي كانت خلعتي على قلبك، ~~فاجتنبت محارمي، شفقة على جلدك ولحمك، ولم تلتفت إلى خلعتي، فتخاف عليه ~~الدنس والغبار، وإنما عظم شأن جسدك، وجل قدره بهذه الخلعة التي بها طاب ~~جسدك، فباليت بالجسد، فاجتنبت المحارم؛ توقيا عليه، لا توقيا على خلعتي، ~~فماذا يقول هذا العبد؟ # فهذا من دناءة المنزلة، فإنما عم ما قلنا على أهل الرغبة في الدنيا، PageV05P420 ~~ولا يرغب فيها إلا أبله؛ لأن الذي كتب له في اللوح لاحق به، ولو هرب منه، ~~والذي لم يكتب له، فقد فاته أبدا، فهل تكون الرغبة بعد هذا إلا لأبله متحير؟ # وأما الصنف الذين هم في المنزلة الثانية من الإيمان: # فهم قوم قد زالت عنهم الرغبة في الدنيا، واشتاقوا إلى دار الله، فاطمأنت ~~نفوسهم، وطابت أرواحهم، فأمنهم الخلق على أموالهم وأنفسهم، ولم يأمنوهم على ~~أديانهم، فلا تقبل القلوب منهم مواعظهم، وإشاراتهم إلى الله، وإنما أمنهم ~~الناس على أموالهم وأنفسهم، لأن القلوب بما فيها من الإيمان شهدت لهذا ~~الصنف بالأمانة التي في جوف إيمانهم، وذلك لأن الإيمان له نسيم، ms0864 فإنما يدرك ~~نسيمه إيمان العباد، فاستطابوه، واستحلوه، واطمأنوا إليه. # وخلة أخرى: أن أرواح المؤمنين تتلاقى في الهواء، فيتعارفون، وإنما يعرف ~~بعضها بعضا بما تضمنه من روح الإيمان. PageV05P421 # وما روي في الخبر: أن على الحق نورا، وعلى الإيمان وقارا. # وقال الربيع بن خثيم: إن للحق نورا كضوء النهار، وللباطل ظلمة كظلمة الليل. # فالصادقون إذا عاينوا الحق في فعل عامل به، استنارت له قلوبهم، وعرفوا ~~أنه الحق، والمخلطون لا تستنير قلوبهم له، ولكن يذلون وينقادون؛ لأن نور ~~الحق إذا لاقى قلب المخلط، استقبلته ظلمة، ومن وراء الظلمة نور الإيمان، ~~فلا يقدر نور الحق الذي أتى به هذا أن يصل إلى نور الإيمان من هذا الآخر؛ ~~لأن ظلمته تحجبه، ولكن إيمانه الذي في قلبه يعرف ذلك، فيذلل القلب، ويجعله ~~منقادا للذي أتى به، فالصادق مستنير القلب، يعمل على قوة وحزم، والمخلط ~~يعمل على حيرة وقهر، منقاد للحق؛ لقوة ما جاء به هذا المحق. # فالصادقون في وقار الإيمان يتخشعون لصاحبه، ويلقون بأيديهم سلما، ~~ويتوقرون، والمخلطون يخمدون ويسكنون، وفي الباطن ليس لهم خشوع، ولا سلم، ~~فهذا شأن الإيمان والحق. # فكذلك الأمانة، إذا حلت في قلب العبد على ما وصفنا، أمنت قلوب PageV05P422 ~~الخلق، واطمأنت نفوسهم إلى ما عنده، فالخلق قد أمنوهم على النفوس والأموال، ~~ولم يأمنوهم على الدين. # وأما الصنف الثالث في المنزلة الثالثة من الإيمان: # فهم قوم قد بلغوا ذروة الإيمان، وإنما سماه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ذروة؛ لأنه شبيه بالجبل، والنفس كريشة طياشة تهب بها الريح، فكلما ~~كان الجبل أثقل، كانت الريشة أسكن، حتى إذا بلغ العبد ذروة الإيمان، كان ~~على قلبه جبل، والنفس تحته مضغوطة لا تقدر على التحرك، فلا يزال كذلك تحت ~~أثقال المعرفة، حتى تصفو من عصارتها، وتسيل منها تلك الفضول، حتى تيبس عن ~~رطوبة الشهوات، كما ييبس الكسب الذي قد عصر تحت الأثقال حتى سال دهنه، وبقي ~~ثفله يابسا، فعند ذلك تجدها قد ماتت شهواتها، وخمدت نيرانها خمودا، افتقد ~~حرها، فهذا الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه ms0865 وسلم في المنزلة الثالثة من ~~قوله: ((ثم الذي إذا أشرف على، طمع تركه لله)). # فالغني بالله في ذروة الجبل، وهو أعلى الإيمان، أولئك الذين يأمنهم الخلق ~~على دينهم، فتقبل القلوب مواعظهم، وإشاراتهم إلى الله؛ لأنهم يسيرون إلى ~~الله، وقلوبهم بين نور الحق، ووقار الإيمان، فإذا نطق أحدهم، PageV05P423 ~~استنارت القلوب لنور مقالته، وإذا شخصت أبصارهم إليه، توقرت النفوس لوقاره، ~~وهدأت [الأركان] منهم، وسكنت منهم الأصوات. # 1274 - أنا الفضل بن محمد، قال: نا علي بن سهل الرملي، قال: نا حجاج بن ~~محمد الأعور، قال: نا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية ~~الرياحي، عن أبي هريرة، أو غيره، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنه ~~لما صعد إلى السماء السابعة، إذا هو برجل أشمط جالس على كرسي عند باب ~~الجنة، وعنده قوم جلوس، بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، ~~فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهرا آخر، فاغتسلوا فيه، فخرجوا ~~وقد خلص من ألوانهم، فصارت مثل ألوانهم، فجاؤوا فجلسوا إلى أصحابهم، PageV05P424 ~~فقلت: يا جبريل! من هذا الأشمط؟ ومن هؤلاء، وما هذه الأنهار التي دخلوها؟ ~~قال: هذا أبوك إبراهيم، أول من شمط على الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه، ~~فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فقوم خلطوا ~~عملا صالحا، وآخر سيئا، فتابوا، فتاب الله عليهم، وأما الأنهار، فأدناها: ~~رحمة الله، والثاني: نعمة الله، والثالث: {وسقاهم ربهم شرابا طهورا}. # قال: والمؤمن أمين الله على معرفته في دنياه وآخرته، والخيانة في الدنيا ~~كائنة، وقد رفعت الخيانة في الآخرة. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # تأويل هذه الأنهار عندنا -والله أعلم-: PageV05P425 # أن الأول: نهر التوبة، والثاني: نهر الطاعة، والثالث: نهر الحياة، من شرب ~~منها، حيي قلبه بالله، فهذا مقابل للحديث الأول الذي قال: ((الإيمان على ~~ثلاثة أجزاء)). # فإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أول ما يرفع من الناس ~~الأمانة))؛ لميل الناس عن الله إلى النفوس، على سبيل ما وصفنا المؤمن أمين ~~الله ms0866 على معرفته في دنياه وآخرته، والخيانة في الدنيا كائنة، وقد رفعت ~~الخيانة في الآخرة. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا دين لمن لا عهد له)). # فالدين: اسم جامع منتظم لجميع الإسلام، إلا أن ترجمة الإسلام هو: تسليم ~~النفس إلى الله تعالى عبودة، وترجمة الدين هو: الخضوع، وأن تجعل نفسك دون ~~أمره، فأمره عال، ونفسك دونه، فهذا الدين، فمن تمكن الدين فيه، فهذه صفته، ~~ومن قبله في مبتدئه فهذا شرطه مع الله أن يكون كل أمره عاليا على قلبه ~~ونفسه، وشهواته وإرادته كلها تحته، فمن وفى بهذا في جميع الأوقات، فهو صادق ~~مطيع قد وفى إليه بما قبل منه، ومن وفى ببعضها، وضيع بعضا، فقد خلط، ودينه ~~منقوص، وعلى حسب ذلك يقتضي الجزاء من الديان يوم الدين، فقد أخبر سبحانه ~~أنه مالك PageV05P426 ~~يوم الدين؛ أي: أن هذا يوم لا أملك فيه أحدا شيئا كما فعلت بهم في دنياهم، ~~وذلك قوله تعالى: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله}. # وأما العهد: فهو تذكرة الله الذي وضعه فيما بينه وبين العباد يوم أخذهم ~~للعبودة قبل خلق السماوات والأرض، فلما خرجوا إلى الدنيا، نسيه الأعداء، ~~وحفظه الموحدون، ثم علت الموحدين غفلة على ذلك الحفظ، فذهلوا، فأوفرهم حظا، ~~من الحفظ أوفرهم حظا من الذكر، فالأعداء في غفلة، وفي الغفلة النسيان، ~~والأحباب في غفلة، ومن الغفلة تكون الوهلة، ومن الوهلة الخطايا، ونقضان ~~العهد، ودروس ذكر العهد، وذلك قوله تعالى: {فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم}. # فبطول الأمد يدرس ذكر العهد، فإذا درس، اغبر، وإذا اغبر، التبس وتغشى، ~~وإذا ذكر تجلى، وإذا غفل، التبس، وفي وقت التجلي هو مطيع متهلل مسرع، وفي ~~وقت التغشي والتلبس عاص متحلل مبطئ، فأوفرهم حظا من العهد أوفرهم حظا من ~~الدين، وأشدهم انقيادا، فالكافر ينسى، والمؤمن يغفل. # قال الله تعالى في شأن الكفار: {نسوا الله فأنساهم أنفسهم}، PageV05P427 ~~وقال تعالى: {نسوا الله فنسيهم}. # فالكافر ناس لربه، ناس لنفسه، من أين؟ وإلى أين؟ والمؤمن يتردد بين ~~الغفلات والذكر. # فالمؤمن: أمين الله في ms0867 أرضه، ائتمنه على معرفته، ووضعها في قلبه، وجعل ~~قلبه خزانة لها، وائتمنه عليها بما فيها من كنوز المعرفة، ووكله بحراستها ~~من النفس الأمارة بالسوء، ومن العدو الحاسد القائم في ظل النفس، ومن ~~ورائها، يرمي بالشيء بعد الشيء إلى النفس، ينتظر متى يعترض من النفس فرصتها ~~من القلب. # وليس أحد بباب الملك أعز عليه، ولا أصفى حبا له من أمينه الذي ائتمنه على ~~ملكه، وعلى خزانته، وعلى حرمه وأسراره، وعلى خوله، وعلى رعيته، فهذا بهذه ~~الصفة أعز من يدخل ذلك الباب، فإذا أقام العبد الأمانة، فهو أمين الله في ~~أرضه، قد ائتمنه على معرفته وحقوقه، وعلى معرفته وأسراره، ودنياه ونفسه، ~~وجميع خلقه، فإذا وفى العبد بالقيام بذلك، وصدق الله في القيام، فعين الله ~~ترعاه، وهو المستحق لاسم الإيمان، فيقال: هذا مؤمن، ولذلك قال أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه: وددت أني شعرة في صدر مؤمن. # فكانوا يشيرون إلى مثل هذه الصفة، فيسموا أهلها مؤمنين، فجهد الأكياس في ~~هذا الباب أن يحافظوا على هذه الأمانة، ويبقوا على صيانتها، PageV05P428 ~~ويحرسوا خزانتها، والحمقى غفلوا عن هذا الباب، فأقبلوا على عمل الأركان على ~~التخليط، والصدق المجهود، وذلك قوله: {إن المتقين في مقام أمين}. # فهو واحد الله في أرضه في كل وقت، وإنما سمي جبريل: أمين الله، وبذلك ~~أثنى عليه في تنزيله، فقال: {عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين}. # فقال أهل التفسير: حل من الأمانة أن يدخل سبعين ألف حجاب من نور بغير ~~إذن، ائتمنه الله على وحيه، فبرز اسمه في السماوات بأنه أمين، واستحق دخول ~~الحجب بلا إذن، وفي كل حجاب سر، فإذا أطلق لأحد دخول الحجاب بلا إذن، فقد ~~ائتمن على ذلك السر، ومن لم يؤتمن، احتاج إلى إذن، وكذلك تجد عند ملوك ~~الدنيا، لا يطلق الدخول لأحد بغير إذن متى ما شاء إلا لمن ائتمن على أسرار ~~ما وراء الحجب. PageV05P429 ### || AUTO الأصل الثالث والأربعون والمئتان # 1275 - نا عمرو بن زياد الحنظلي، قال: أنا عبد الله ابن المبارك في مجلس ~~حماد بن زيد ms0868 سنة سبعين ومئة، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي ~~بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((من نظر إلى محاسن امرأة، فغض طرفه في أول نظرة، رزقه الله عبادة يجد ~~حلاوتها في قلبه)). PageV05P431 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فمحاسن المرأة مجالس الشيطان، وموضع زينته الذي قال: {رب بما أغويتني ~~لأزينن لهم في الأرض}. # فتلك الزينة يلقيها على المحاسن، فإذا وجد العبد في النظرة على غفلة، ~~عملت الزينة التي بيده على عين الناظر، عملا ينفذ إلى القلب، فيأخذ القلب؛ ~~بمنزلة السهم المسموم إذا خلص إلى الجسد، نفذ سمه من طرف السهم، فدب في ~~جميع الجسد، فقد يبرأ المجروح من جراحات كثيرة، ويسلم ولا يسلم المسموم، ~~ولا يبرأ حتى يقتله؛ لدبيب السم في جسده، وأخذه بالقلب حتى يجمد العلقة ~~التي في جوف القلب، فعندها يموت، فذلك من حريق برد السم؛ لأن للبرد حريقا ~~كحريق النار، أو أشد منه حدة ونفوذا، فتلك الزينة التي يبدأ العدو لها سم. # فإذا ألقاها على محاسن المرأة، فإنما يلقيها بتهيج نفوس الآدميين، ~~والنفوس ساكنة، حتى إذا نظرت العين، وحظ العين من الدنيا زينة الأشياء ~~وألوانها، فإذا أخذت الزينة وألوانها على غفلة، وتخطى إلى ما لم يؤذن له في ~~النظر إليها، أو فيما أذن له وهو غير ذاكر لله، خلصت تلك الزينة التي بيد ~~العدو إلى النفس، فهيجتها، فصارت بمنزلة السم يدب في جميع الجسد؛ لأن تلك ~~الزينة لها حلاوة وحرارة، فإذا تأدت إلى القلب، خالطت PageV05P432 ~~حلاوة الإيمان، وحرارته، فتكدر الإيمان، وانكسفت المعرفة، فصارت بمنزلة شمس ~~صارت في كسوف، فعلق القلب بتلك النظرة بالمنظور إليها، وصارت كجراحة مسمومة ~~بقلبه، والذي حل بداود عليه السلام: إنما كان من نظرة، فالعبد أعطي جفون ~~الناظرين حجة عليه، وقطعا لعذره، وإخراسا للسانه. # وقد جاء في الخبر: أن الله تعالى يقول: ((يا ابن آدم! إن نازعتك عينك، ~~فأطبق؛ فقد جعلت لهما طبقا، وإن نازعك لسانك، فأطبق، فقد أعطيتك طبقا ms0869 ~~-يريد: اللحيين-، وإن نازعك فرجك، فأطبق؛ فقد أعطيتك طبقا -يريد به: ~~الفخذين-)). # فهذا من تأييد الله لعبده، فإذا استعمل زينة الشيطان التي أعدها لغوايته ~~بها، بتأييده الذي أيده الله، جاءت العصمة بعد التأييد، وسكنت النفس، وبطل ~~كيد العدو، وأثابه الله في عاجل الدنيا ثوابا: أن رزقه عبادة يجد حلاوتها ~~مع ما يدخر له من ثواب الأجل. # ولذلك ما روي في الخبر: # ((ما ترك عبد شيئا من الدنيا لله، إلا آتاه الله خيرا منه وأفضل)). PageV05P433 # 1276 - نا بذلك إبراهيم بن يوسف الحضرمي، قال: أنا ابن مبارك، عن الربيع بن ~~أنس، عن أبي بن كعب. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # واعتبر بما قص الله عليك من نبأ سليمان بن داود عليه السلام كيف ترك في ~~جنب الله ما أوتي؟ وبماذا أثابه الله؟ فقال في تنزيله: {ووهبنا لداود ~~سليمان نعم العبد}، ثم أثنى عليه فقال: {نعم العبد إنه أواب}. # ثم وصف أوابيته، فقال: {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد. فقال إني ~~أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب. ردوها علي فطفق مسحا بالسوق ~~والأعناق}. # وقال الله تعالى: {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب} يقول: لينة ~~حيث أراد، فهذا ثواب عاجله، ثم ذكر ثواب الآجل، فقال: {وإن له عندنا لزلفى ~~وحسن مئاب}. PageV05P434 # 1277 - فحدثنا صالح بن محمد، عن محمد ابن مروان، عن جويبر، عن الضحاك، قال: ~~أخرجت لسليمان خيل من البحر منقوشة ذوات أجنحة، وهي التي عرضت عليه. # وروي عن إبراهيم التيمي: أنها كانت عشرين ألفا. # فعرضت عليه بالعشي، فشغل عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فدخلت عليه حرقة ~~الفوت، ووجد من ذلك وجدا شديدا حتى قال: ردوها علي، فأمر بضرب سوقها ~~وأعناقها بالسيوف. # قال الله تعالى: {فسخرنا له الريح} فإنما سخر له الريح؛ شكرا لما أتى من ~~العقوبة بالخيل التي شغلته، وذلك قوله: ما ترك عبد شيئا لله، إلا آتاه الله ~~خيرا منه. # فهذا الذي غض بصره، إنما رد حلاوة هاجت منه، حين أحست نفسه بالنظرة ~~الأولى التي ms0870 كانت له، فرد تلك الحلاوة على النفس، فرجعت PageV05P435 ~~النفس قهقرى على عقبيها، وبقيت خزانة الله مصونة، فأعقبه الله في عاجل ~~دنياه؛ بما صان خزانته فأهاج من الخزانة من شرارات المعرفة حلاوة عبادة ~~طرية، وخلصه من وبال النظرة، وجعل تلك العبادة حصنه، وتلك الحلاوة زاد ~~قلبه، يقطع بها مسافة العبودة أيام الحياة؛ فإن العبودة كائنة من العبادة، ~~وأصلها من العلم، وحلاوة العبادة تحف من الله، وأصلها من هيجان المعرفة، ~~فالعبادة موجودة كثيرة من العباد، وحلاوة العبادة عزيزة لا تنال إلا من ~~طريق التحف، وهي زاد قلوب العابدين، وبالزاد يقطع الأسفار أسفار الملكوت. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((أحب العيون إلى الله ~~عينان: عين غضت عن محارم الله، وعين حرست في سبيل الله)). # 1278 - نا بذلك أبي رحمه الله. # وقال في تنزيله: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم}. PageV05P436 # فخرجت هذه الآية مخرج النصيحة والعطف والتأييد، وقال في سائر الأشياء: ~~افعلوا ولا تفعلوا، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وأمر، وبين القول ~~والأمر بون بعيد، أيد الله المؤمنين بهذه الكلمة من قوله: {قل}؛ ليقووا على ~~غض الأبصار، فيجد السابق سبيلا إلى صفاء الانتهاء، والمقتصد يجد السبيل إلى ~~الانتهاء مع التنازع. # وقال الله في تنزيله: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور}، فالسابق حظه ~~من قوله: {قل للمؤمنين} الخلاص من خائنة الأعين وما تخفي الصدور. # 1279 - نا إبراهيم بن عبد الله الخلال، قال: أنا عبد الله بن المبارك، ~~قال: نا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن نبهان مولى أم سلمة: أنه حدثه: أن ~~أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته: أنها كانت عند رسول الله ~~وميمونة، قالت: فبينما نحن عنده، أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعد ~~أن أمر بالحجاب، فقال رسول الله: ((احتجبا منه)) فقلنا: يا رسول الله! أليس ~~هو أعمى لا يبصرنا، ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((أفعمياوان أنتما؟! PageV05P437 # ألستما تبصرانه؟!)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فقد تقدمت موعظة الله ms0871 العباد في تنزيله من قوله: {وإذا سألتموهن متعا ~~فسألوهن من وراء حجاب}، ثم قال: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن}. # يعلم العباد أن المبتغى منهم طهارة القلوب، وإنما تطهر القلوب بحفظ ~~الحواس المؤدية أخبار الظاهر، وقد حذر الله عباده، وعظم شأن الزنا في ~~تنزيله، وبين عقوبته، ثم وجدنا الزنا مقسوما على جوارح المرء، وقد نطق به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم: أن لكل جارحة منه حظا. # 1280 - نا قتيبة بن سعيد، قال: نا ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العين تزني، واليد تزني، والرجل ~~تزني، والسمع يزني، واللسان يزني، ويصدق ذلك كله ويكذبه الفرج)). PageV05P438 # قال: تكذيب الفرج إياهن: أن لا يوجب حدا، فأما الأدناس والآثام، فقد أصابت ~~الجوارح، وحلت بها. # 1281 - نا إبراهيم بن عبد الله، قال: أنا عبد الله، قال: أنا يحيى بن ~~أيوب، قال: حدثني عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، قال: لا تتبعن ~~النظرة النظرة، فربما نظر العبد نظرة ينغل منها قلبه كما ينغل الأديم في ~~الدباغ، فلا ينتفع به. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فهو ما ذكرنا بدءا من السهم المسموم. # 1282 - نا أبي رحمه الله، قال: نا محمد بن حميد الأصباغي، قال: نا عنبسة ~~بن عبد الرحمن القرشي، عن PageV05P439 ~~أبي الحسن المدائني، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((النظر إلى محاسن المرأة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن صرف بصره ~~عنها، رزقه الله عبادة يجد حلاوتها)). # 1283 - حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: أنا سعيد بن أبي مريم المصري، قال: نا ~~نافع بن يزيد، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن عمار بن سعد، قال: لقي يحيى بن ~~زكريا عيسى بن مريم -صلوات الله عليهم-، قال يحيى PageV05P440 ~~لعيسى: يا روح الله وكلمته! حدثني، قال عيسى: بل أنت فحدثني، أنت خير مني، ~~جعلك الله سيدا وحصورا، ونبيا من الصالحين. # قال يحيى: أنت خير مني، أنت روح الله وكلمته، فحدثني: ms0872 ما يبعد من غضب ~~الله؟ قال له عيسى: لا تغضب، قال: يا روح الله! ما يبدئ الغضب وينشئه؟ قال: ~~التعزز والفخر، والحمية والعظمة، قال: يا روح الله! هؤلاء شداد كلهن، فكيف ~~لي بهن؟ قال: سكن الروح، واكظم الغيظ. ثم قال له: وإياك واللهو، فيسخط الله ~~عليك، وإياك والزنا؛ فإنه من غضب الرب، قال: يا روح الله! ما يبدئ الزنا ~~ويثيره ويثنيه ويعيده؟ قال: النظر والشهوة، وإتباعهما، لا تكونن حديد النظر ~~إلى ما ليس لك؛ فإنه لن يزني فرجك ما حفظت عينك، فإن استطعت أن لا تنظر إلى ~~ثوب المرأة التي لا تحل لك، فافعل، ولن تستطيع ذلك إلا بالله. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # ولذلك حسم عليك العلماء النصحاء باب فضول النظر؛ لأن النظر بمنزلة بذر ~~تبذره في الصدر، فإذا كانت النظرة نظرة عبرة، فالصدر بستان، وإذا كانت نظرة ~~شهوة مشتملة عليها الغفلة، فالصدر مشاكة. # 1284 - نا محمد بن علي الشقيقي، قال: نا أبو PageV05P441 ~~مالك سعيد بن هبيرة، قال: نا حماد بن سلمة، قال: نا محمد بن إسحاق، عن محمد ~~بن إبراهيم التيمي، عن سلمة ابن أبي الطفيل، عن علي، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((إن لك في الجنة كنزا، وإنك ذو قرنيها، فلا تتبعن ~~النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى، وليست لك الأخرى)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالكنز عندنا معناه: فاطمة، وقرنيها: الحسن والحسين، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ((أربع نسوة سيدة نساء العالمين في الجنة: مريم، ~~وآسية، وخديجة، وفاطمة)). PageV05P442 # وقال عليه السلام: ((إنما فاطمة بضعة مني)). # وقال لها عند موته: ((إنك أسرع الناس بي لحوقا))، فضحكت. # فبشر عليا: بأنها لك في الجنة، وصيرها بمنزلة الكنز؛ لأن الكنز موضوع ~~مستور، إليه المؤمل، وسائر المال ظاهر يذهب ويجيء ويفوت، والكنز أصل المال، ~~فشبه فاطمة من نعيم الجنة وإزواجها لعلي بالكنز من المال، ثم قال: ((وإنك ~~ذو قرنيها))، فنسب القرنين إلى فاطمة أن الحسن والحسين قرناها، وإنك يا علي ~~ذو القرنين؛ أي: تجد ms0873 الحسن والحسين، وهما سيدا شباب أهل الجنة لك ولدا، ~~وذو: كلمة الاتصال واللصوق؛ كالشيء من الشيء. # فأعلمه قرب منزلتهم منه في الجنة، وأنهم لا يفرقون، كما جمعهم الله في ~~الدنيا، كذلك يجمعهم في الدرجة، ثم أوصاه على أثر البشرى وصية الرسل على ~~التلطف، يحذره إتباع النظرة النظرة؛ لئلا يطمس وجه الكنز، ولا يغير ما به ~~من نعمة الله؛ فإنه يحتاج إلى التطهير في شأن الوصول إلى الكنز. PageV05P443 # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خص أحدا من أصحابه بموعظة وتحذير، ~~فإنما يقصد قصد النكتة التي يخاف عليه منها، وكان علي رجلا يغلب على قلبه ~~محبة الله تعالى، والمحبة تسير إلى الله تعالى في ميدان السعة، والتشجع في ~~الأمور والتذرع، والمحبة لها حلاوة وحرارة تهيج الشهوة، وتزيد ماء الصلب، ~~فحذره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يخاف عليه؛ كأنه خاف أن يطمح ~~الذي فيه مما ذكرنا بنظره إلى ما ليس له، فبشره بالكنز والقرنين، ثم أتبعه ~~الوصية، وحذره؛ كي يشفق على البشرى الذي بشره بما له في الجنة، فيكون ذلك ~~الأمل الذي يأمل في ذلك الكنز عونا له على غض بصره، ورد نفسه. # ومما يحقق ما ذكرنا من شأن الحب الغالب عليه: قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بخيبر: ((لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ~~ورسوله)). # فشهد له الرسول عليه السلام بحب الله إياه، وبحبه لله، ونسب هذه الخصلة ~~إليه من بين الجميع، وقد كان هناك أبو بكر، وعمر، والنجباء، وإنما ينسب PageV05P444 ~~المرء إلى ما يكون الغالب عليه من الأمور والأعمال، فكذلك في الحظوظ، إنما ~~ينسب أصحاب القلوب كل إلى ما وفر له من الحظ من ذلك الشيء. # فأبو بكر منسوب إلى الرحمة والرأفة والحياء. # وعمر منسوب إلى الحق. # وعلي منسوب إلى المحبة. # فإنما ينسب كل واحد منهم إلى ما هو الغالب عليه. # ومما يحقق ذلك أيضا: أن عليا كان بارز الأمر في شأن الثناء على الله ~~تعالى، وذكر الصفات، ونشر الآلاء من بين ms0874 جميع الأصحاب، وهذا علم المحبين، ~~وكان معروفا بالانبساط والانطلاق، والهشاشة إلى الخلق والمزاح. # حتى قال عمر في شأن الخلافة عندما ذكر له علي، قال: إن عليا رجلا تلعابة. # وقال مرة أخرى: به دعابة. # والدعابة: المزاح، والتلعابة: من الملاعبة، وهذا لمن الغالب على قلبه PageV05P445 ~~محبة الله كائنة؛ لأن القلب ينبسط عند المحبة، وينقبض عند المخافة، فإذا ~~غلبت المحبة على الخوف، انبسط، وإذا غلب الخوف على المحبة، انقبض؛ لأنه ~~يلاحظ العظمة، وفي وقت الانبساط يلاحظ جوده وكرمه، وكأن انبساط علي إلى ~~الخلق ومعاملته إياهم على حسب ذلك من السعة والبشر والهشاشة، وبتلك القوة ~~أمكنته المحاربة، وتشجع، وصلى على قتلى الفريقين. # وقال: رحمكم الله! دعيتم فأجبتم، وأمرتم فأطعتم. # ومن كانت هذه صفته كانت شهوته هائجة، وكان قويا في أمر النساء. # وكان يقول: كنت رجلا مذاء، فكنت أغتسل في اليوم مرات حتى شحبت، وكنت ~~أستحي أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل ابنته، فأمرت المقداد ~~أن يسأل لي رسول الله، فسأله، فقال صلى الله عليه وسلم: ((يجزئك الوضوء)). # وكان قد هم أن يتزوج على فاطمة، حتى خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على المنبر، فقال: ((إن بني المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم من علي، ~~وإن فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها، ألا فإني لا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن)). PageV05P446 # 1285 - نا بذلك سليمان بن منصور الذهبي، قال: أنا عبد الجبار بن الورد، عن ~~ابن أبي مليكة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 1286 - نا أبي رحمه الله، قال: نا الحسن بن سوار البغوي، وأحمد بن يونس، ~~عن ليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة، عن رسول الله، بمثله. # 1287 - نا عبد الجبار، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن عليا يريد أن يخطب العوراء بنت أبي جهل، ~~وما كان لعلي أن يجمع بين بنت نبي الله، وبنت عدو الله؛ فإن فاطمة بضعة ms0875 مني PageV05P447 ~~يغضبني ما أغضبها)). # ومرة أخرى يوم فتح مكة وقعت في سهمه جارية من سبي هوازن، فذهب بها ~~مستعجلا إلى أخته أم هانئ لتزينها، فهم في ذلك، إذ نادى منادي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: خلوا عن السبايا، فبقي علي على قارعة الطريق. # ومرة في بعض السرايا نكح جارية من الخمس، فأنكروا ذلك عليه فجاؤوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منكرين عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((لا تؤذوني في علي)). # 1288 - ونا عبد الجبار، عن سفيان، عن عمرو، عن أبي جعفر، قال: دخلت أم ~~أيمن على فاطمة، فرأت في وجهها شيئا، فأنكرته، فسألتها، فأبت أن تخبرها، ~~فقالت: أما إن أباك لا يكتمني شيئا، فقالت: جارية وهبها أبو بكر لعلي، ~~فخرجت أم أيمن، فنادت: أما لرسول الله حق أن يحفظ في أهله؟ فقال علي: ما ~~هذا؟ قالوا: أم أيمن PageV05P448 ~~تقول كذا، فقال علي: الجارية لفاطمة. # ومات يوم مات رضي الله عنه عن سبع عشرة من بين حرة وأم ولد، فكان هذا كله ~~من غلبة ما ذكرنا على قلبه، فإنما حذره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~النكتة التي عرفها فيه، وحذره خطرها ووبالها، وكذلك كان من شأنه، إذا عرف ~~من رجل شيئا يخاف عليه منه، وعظه من ذلك الباب. # ومن ذلك قال للزبير، وهو آخذ بطرف عمامته: ((يا زبير! إني رسول الله إليك ~~خاصة، وإلى الناس عامة، يا زبير! إن الله يقول: أنفق أنفق عليك، ولا تصر ~~فأصر عليك)). # فذكر الحديث إلى آخره. # فإنما قصده لهذا؛ لأن الزبير كان يزن ببخل، وبلغ من إمساكه أنه كان يوصي ~~إليه أفاضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لعلمهم بإمساكه. PageV05P449 ### || AUTO الأصل الرابع والأربعون والمئتان # 1289 - نا نصر بن علي بن نصر بن علي بن صهبان الجهضمي، قال: حدثني أبي، ~~عن جدي، عن النضر بن شيبان: أنه لقي أبا سلمة بن عبد الرحمن، فقال: حدثني ~~بأفضل شيء سمعته يذكر -يعني: أباه- في رمضان؟ فقال: نا عبد الرحمن بن ms0876 عوف: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن شهر رمضان شهر فرض الله على ~~المسلمين صيامه، وسننت لهم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا، خرج من ~~الذنوب كيوم ولدته أمه)). PageV05P451 # 1290 - نا سعيد بن عبد الله التمار، قال: نا الفضل ابن دكين، قال: نا نصر ~~بن علي بن صهبان، عن النضر بن شيبان، عن أبي سلمة، عن أبيه، عن رسول الله، بمثله. # 1291 - نا قتيبة بن سعيد، وصالح بن عبد الله، قالا: نا نوح بن قيس ~~الحداني، عن نصر بن علي، عن النضر بن شيبان، قال: قلت لأبي سلمة بن عبد ~~الرحمن: ألا تحدثني بشيء سمعته من أبيك سمعه أبوك من رسول الله؟ فقال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله. # ونصر هذا هو جد نصر بن علي الذي لقيناه بالبصرة. # 1292 - نا الجاورد، قال: نا النضر بن شميل، قال: PageV05P452 # نا القاسم بن الفضل الحداني، قال: نا النضر بن شيبان، قال: لقيت أبا سلمة، ~~فقلت له: حدثني حديثا سمعته من أبيك عن رسول الله، ليس بينك وبينه أحد، ~~فقال: سمعت أبي، أو أخبرنا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # قوله صلى الله عليه وسلم: ((صامه إيمانا))؛ أي: آمن بما افترض الله عليه، ~~ثم صامه على نية أنه افترضه الله عليه؛ لأنه قال: {يأيها الذين آمنوا كتب ~~عليكم الصيام}. # والصوم: إنما هو: عزم على كف عن كل شيء يطعم أو يشرب، وعن إتيان النساء، ~~فهذا العزم بينه وبين ربه، لا يطلع عليه أحد، وهو في كل ساعة من يومه إذا ~~اعترضت له شهوة، فإنما يمتنع منها؛ لإيمانه بأن الله مطلع على سره وإضماره، ~~فذلك منه إيمان في نفسه بأن الله تعالى يعلم عزمه وضميره في هذا الكف، ~~فيستقر لذلك قلبه، ويعظم أمله، ويرجو من الله تعالى عليها خيرا، هذا كله ~~إيمان، فإذا لم يجمع من الليل، ولم PageV05P453 ~~يعزم على ذلك، لم يجزئه صومه هذا في الذي افترض ms0877 الله عليه؛ لأنه قد كتب ~~عليه ذلك من أول ما ينفجر الصبح إلى غروب الشمس وإقبال الليل، فأمر بإتمامه ~~إلى الليل، فأما التطوع، فله أن ينوي قبل الزوال، فيكتب له أجر اليوم تاما؛ ~~تفضلا من الله على عبده. # وبذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إذا عزم على ~~الصوم قبل الزوال، فقد بقي عليه أكثر النهار، فإذا افترض من ذلك الوقت على ~~نفسه، حسب له صيامه من أول النهار؛ لأن حكم أكثر الشيء حكم الكل، وجدنا ذلك ~~سائرا في كثير من الأحكام. # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لا صيام لمن لم ~~يجمع الصيام من الليل)). # فهذا لمن فرض الله عليه، فإذا لم يجمع، فأصبح، فهو في تلك الساعة PageV05P454 ~~التي أصبح غير مؤد للفرض. # فروي عنه: أنه قال: ((الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار))، فهذا في ~~التطوع. # فأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((إيمانا واحتسابا))، وكل عمل ابن آدم ~~فإنما يقوم بالنية والحسبة، والنية والحسبة: قرينتان تجريان في الأعمال ~~معا، فإذا انقطعت النية، انقطعت الحسبة. # فالنية: نهوض القلب إلى الله، وبدؤها الخاطر، ثم المشيئة، ثم الإرادة، ثم ~~النهوض إلى الله مرتحلا بفعله، وعمله، وذهنه، وهمته، وعزمه، وإضماره، ~~فهاهنا تتم النية، فيقال: نوى، ومن هاهنا تخرج إلى الأركان، PageV05P455 ~~فيظهر على الجوارح فعله، ومبتدأ النية الذي لزمه هذا الاسم: نهوض القلب، ~~وتحركه من مكانه. # يقال في اللغة: ناء ينوء؛ أي: نهض ينهض. # وقيل: النية كانت خاطرة، ثم مشيئة، ثم إرادة، حتى إذا صار القلب إلى فعل ~~ظاهر في صدره، قيل: نية؛ لأنه قبل ذلك كانت الأشياء خفية في الصدر، فلما ~~ظهرت، نهضت، فمبتدأ النية نهوض، ومنتهاها عزمة، ثم الارتحال. # فالعزم: عقد القلب، ولا تكون النية إلا بالعقد، والتوجه إلى العبادة مع ~~العزم؛ لذلك ثبتوا عليه، والفرائض منتظمة فيه، فأما سائر الطاعات المرغوبة، ~~فيحتاج إلى عزم يشاكل ذلك حتى يمكنه الثبات عليه مثلما ثبت في الأول، فإذا ~~صح العزم، خرج الرياء، والفخر، والخيلاء ms0878 من جميع أحواله، وبلغ مقام ~~الأولياء، ثم الناس بعد ذلك على طبقات. # فالعامة: في جميع أعمال البر هذا صفتهم، لابد لهم من أن يأتوا PageV05P456 ~~بهذه الصفة في كل عمل يلتمسون ثوابه غدا، وهذا موجود في العامة من الموحدين ~~في كل عمل أخلصوه لله، فهذه الخصال موجودة في ذلك العمل؛ لأنه لا يحسن أن ~~يميز هذا الاسم، ويطالعه بقلبه في صدره؛ لأن صدره مرج من المروج ملتف فيه ~~من النبات ما إذا تخطى فيه، لا يكاد يستبين موضع قدمه أين يضعه من كثرة ~~التفات ما فيه من البردي والأشجار والحطب. # فهذا صدر فيه إشغال النفس وفتنتها، ووساوس شهواتها، فمن أين يبصر في صدره ~~الخواطر والمشيئات، والإرادات والنهوض، والارتحال وجنود المعرفة؟ ولكن الله ~~تعالى لما رحم الموحدين، ومن عليهم بالتوحيد، ضمن هذه الأشياء توحيدهم، ~~وأودعها قلوبهم، فهم بتلك القوة يعملون أعمال البر، وربما أخلصوا، وربما ~~خلطوا، وربما اطمأنوا، وربما نافقوا، ولذلك وضع الحساب في الموقف؛ لتخليط ~~الإيمان بالنفاق، والصدق بالكذب، والإخلاص بالشرك؛ أعني: شرك الأسباب، ~~وإنما يستبين الذي وصفنا لقلب أجرد أزهر في صدر فسيح قد شرحه الله للإسلام، ~~فهو على نور من ربه، رطب بذكر الله، قد لان بلطف الله، ورطب برحمة الله، ~~وصلب بآلاء الله، وبذلك وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((قلب ~~المؤمن أجرد أزهر)). PageV05P457 # فصدره كمفازة جرداء فيها شمس تزهر. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله في الأرض أواني، ألا ~~وهي القلوب، فخيرها: أصفاها، وأرقها، وأصلبها)). # فأصفاها من كدورة الأخلاق، وأرقها للإخوان، وأصلبها في ذات الله تعالى. # فالناس في هذه النية على طبقات: # فأما نية العامة: فارتحالهم إلى الله بهذا العقل والعلم، والذهن، والهمة، ~~والإضمار، والعزم، فمبلغ ارتحالهم: الجو. # ثم ليس لقلوبهم من القوة ما يرتحلون، فيطيرون؛ لأنه لا ريش لقلوبهم، ~~فيطيرون، والجو مسدود؛ لأن القلوب لما مالت إلى النفوس، فأطاعتها، انسد ~~طريقها إلى ربها؛ لأن القلوب إنما أعطيت معرفة التوحيد، ومن عليها بذلك، ~~فقويت بقوة وافرة بالغة؛ لتمد النفس بما فيها ms0879 من الشهوات إلى الله، فتطيعه، ~~فتمت حجة الله على القلوب بما أعطيت، فلما ضعفت، ولم يتشمر لأمر الله بما ~~أعطيت من الجنود، ولم يجاهد النفس حتى يغلبها، ويأسرها بجميع ما فيها من ~~الشهوات فيذلها. PageV05P458 # وقد قيل لها: {وجاهدوا في الله حق جهاده}، ثم قال: {هو اجتباكم}؛ أي: رفعكم ~~من بين الأعداء؛ جباية منه لكم؛ ليتخذكم أحبابا، وإنما جباهم من بين ~~الأعداء، ووضع في قلوبهم التوحيد بحلاوته؛ كي إن جاءت النفس بحلاوة شهواتها ~~إلى القلب، ضرب بتلك الحلاوة وجهها، وردها بقوة هذه الحلاوة الممنون عليه ~~بها؛ بمنزلة ملك قاعد على سرير الملك، والتاج على رأسه، والإكليل على جبينه ~~في سماطي جنوده، وبين يديه قعب من عسل وشهد، فهو يلعق العسل، ويطعم الشهد ~~على أثره؛ كي يقوى على لعق العسل عودا، فجاءه عبد حبشي في وسخ ذو خيانة، قد ~~ابتلي به؛ لأنه دبره على شريطة أن يعتقه بعد كذا وكذا من العمل والخراج، ~~فلا يقدر أن يبيعه، ولا يغصبه ممن يملكه، فبينا هذا الملك على هذا الحال ~~الذي وصفنا، إذ أتاه هذا العبد بطبق عليه فرصاد، أو مشمش، يظهر بذلك شفقته ~~على الملك؛ ليتناول من هذه الحلاوة التي جاء بها، أفلا يحق على هذا الملك ~~أن يأمر بطرده بما جاء به؛ لأنه سخر بأمره، فإذا كان الملك أبله، أعرض عن ~~العسل، وأقبل على هذا الفرصاد. PageV05P459 # فهذا الموحد الذي أعطي التوحيد بما فيه من الحلاوة إذا انخدع لنفسه، وبما ~~تأتي به النفس بمنزلة هذا الملك الأبله، فإذا وجد الجنود الملك أبله، ~~تحيروا، وتعطلت أعمالهم التي بها وكلوا، ورفع التاج عن رأسه، ونزع الإكليل، ~~وأنزل عن السرير، ووضع في يد هذا العبد القذر حتى يدوسه في المزابل حتى ~~يمتلئ منخراه ودماغه من كل نتن، فهناك تجده لا يلتذ بطاعة، ولا يستروح إلى ~~ذكر الله؛ لأنه لا يجد رائحة الذكر؛ لأنه يخرج من صدر كالمزابل، محشو ~~بالخبث، والخيانة، والظلم، والعدوان، والرغبة، والتجبر، والتعزز، والتكبر، ~~والاستبداد، والحقد والغلو، وحب الأشياء التي يضاهي الله بها، وينازع ~~رداءه، ms0880 أفيرجو بعد هذا صاحب هذا أن يلتذ بطاعة، أو يستروح إلى ذكر، أو ~~يجاوز قلبه في عمله رأسه؟ فإن اجتهد، فأخلص في شيء واحد بحرمة ذلك التوحيد ~~وبقوته، فبجهد شديد، ولا يجاوز قلبه الحق، فهذا شأن العامة. # وأما الصادقون: وهم العباد، والزهاد، والقراء، فنياتهم صاعدة بهذه ~~الأشياء التي ذكرنا من العقل، والعلم، والهمة، والإضمار، والعزم، فإذا بلغ ~~المحل الذي هناك، استقر القرآن في بيت العزة في السماء الدنيا، ضعفوا عن ~~تجاوز ذلك إلى ما فوقه؛ لأنه لا يقدر قلبه على الطيران إلى العلا، وعلى PageV05P460 ~~قدر عقله وعلمه، وذهنه، واستعماله لهم، يمكنه أن يطير فتحتظي تلك النفوس من ~~ذلك المحل، وتأخذ قوتها، وتستمر في الطاعة. # وأما العارفون: وهم الصديقون، فإن نياتهم قد صارت كلها نية واحدة؛ لأن ~~القلب قد ارتحل إلى الله بمرة، ووجد الطريق فمر، واشتغل بالنفس بما فيها من ~~الشهوات، لينة منقادة، قد تحولت من الخيانة إلى الأمانة، وانقاد [ت] للقلب، ~~فالقلب: أمير، والنفس: أسيرة حتى صارت أمينة بعد الأسر، والقلب قرينة أكرمت ~~بكرامة القلب، فهذا صاحب العسل والشهد، فارتحال قلوبهم إلى المعسكر عند ذي ~~العرش، ولهم مطاف، وأعمالهم معروضة على الله في كل مفرج، ولا توضع في ~~الخزائن حتى تعرض، وينظر إليها الرب -تبارك اسمه-، ويتقبلها، ثم توضع بعد ~~القبول في خزائن الخاصة. # وأما العارفون الحكماء: حكماء الله لا حكماء التدبير، فهم الذين اطلعوا ~~على بدو الربوبية، ومحل القربة، فهم خاصة الله في بحور الله، يعملون PageV05P461 ~~بجميع الأعمال، والأعمال غائبة عن قلوبهم؛ لأن الله نصب أعينهم في مجالس ~~الملك، فأجمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر النية فقال: ((الأعمال ~~بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى)). # يعلمك بقوله: ((وإنما لامرئ ما نوى)): أن للنية درجات، كل على درجته ينال ~~ثمرتها. # 1293 - نا سليمان بن منصور الذهبي، قال: نا عبد الله بن المبارك، عن يحيى ~~بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر بن الخطاب، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الأعمال بالنيات، ms0881 وإنما لامرئ ما نوى)). # وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لا عمل لمن لا نية ~~له، ولا أجر لمن لا حسبة له)). # وأما الحسبة: فإن العبد لما انتبه، علم أنه في رق العبودة إلى يوم PageV05P462 ~~خروجه من الدنيا؛ لأنه خلقه عبدا ليعبده، ثم وعده أن يحرره يوم الموقف إذا ~~أتاه بالعبودة، فيقعده في داره دار السلام، وقال تعالى: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون}. # فنحن نسعى في هذا الرق إليه إلى يوم اللقاء، وهو خروج الروح، وقبض النفس ~~عن الدنيا: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا}: شكر الله لهم بمغفرة الذنوب، والرضا عنهم، وتملكهم الجنان، وقضاء ~~المنى والشهوات أبدا، {ورضوان من الله أكبر}، فلما آمن العبد بربه، ألقى ~~بيديه إليه سلما، وقبل أمره وعبوديته، فقبله الله، وأقبل عليه بالمعونة له. # وقد قال تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}؛ أي: في العون ~~والنصرة، فما دام العبد مقبلا على الله تعالى، فإقبال الله عليه، ومن ذا ~~يعلم ما في حشو هذا الإقبال إلا أهله؟ فإذا أعرض العبد مغترا بخدائع النفس ~~وأمانيها وأكاذيبها، فأقبل على النفس، وقبل منها ما تأتي به، فقد أعرض عن ~~الله، ومال عنه، فأعرض الله عنه، وعذب قلبه، ورث عليه PageV05P463 ~~أشغال الدنيا رثا حتى يغرق فيه قلبه، وانقطع المدد والعون، فإذا تاب إلى ~~الله، ونزع، خرج من هذا الغرق برحمة أدركته من الله، وغوث أغاثه. # ولم يحب أن يضيع صنائعه، فجاد وتفضل، وفتح باب الرحمة نظرا منه لمنته ~~وأياديه التي كانت له عند العبد، فوجد القلب خلاصا، وعاد العون والمدد، فلم ~~يزل العبد يترقى درجة درجة، وتفضل الله عليه بالكرم، وجاد بالإقبال، فانتعش ~~بعد النكس، وحيي بعد الموت، حتى توردت بساتين توحيده، وانفطرت مكنون جواهره ~~كانفطار الينابيع، وانفلاق الحبوب عن بذورها، وأزهرت فأينعت، وذلك قوله ~~تعالى: {فالق الحب والنوى}، و{فالق الأصباح}، {يخرج الحي من الميت}. # فأخذ العبد يسعى في الرق والعبودة، وكلما عمل شيئا من ms0882 الأعمال، احتسب به ~~على الله في العبودة التي قبل منه، بمنزلة رجل دين في عنقه بأمانة، فهو يفك ~~رقبته بأدائه شيئا بعد شيء، إذا أدى عشرة، احتسب بها على صاحب الدين قضاء ~~ووفاء، وإذا أدى مئة، فمثل ذلك، وإذا أدى دينارا، احتسب به قضاء من ذلك ~~الدين، وإذا أدى جوهرا، احتسب به قضاء، وإذا PageV05P464 ~~أدى عقارا أو عرضا من العروض، فمثل ذلك، وكل شيء يؤديه إلى صاحب الدين ~~احتسبه عليه في قضاء الدين الذي في عنقه. # وإنما قيل: احتسب على قالب افتعل، ولم يقل: حسب؛ لأن هذا فعل في الذات ~~مقرون بالنية، وإنما يقال لفعل الأركان: حسب، وهذا احتسب، ومعناهما يرجعان ~~إلى الحساب أن هذا العبد يحتسب في نفسه، وفي ذاته بهذا الفعل، يحتسبه على ~~الله من قضاء دينه، ودينه العبودة التي قبلها، فإذا قوي واحتسب، فقد أخلص، ~~وعقد إخلاصه بالنية وعبودته بالاحتساب، فقد أتى بالأمرين جميعا، وبذلك أمر ~~في تنزيله فقال: {ليعبدوا الله مخلصين له الدين}. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذكر شهر رمضان: ((فمن صامه إيمانا ~~واحتسابا)). # يعني: إيمانا بما كتبه الله عليه، فهو يؤدي الفرض، وإيمانا بأنه مطلع على ~~عزمه في صومه، ورد شهواته في ساعات يومه. # فذلك كله من العبد إيمان يتجدد عليه في كل ساعة، وكان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يأخذ أحدهم بيد صاحبه؛ مثل: معاذ بن جبل، وعبد الله PageV05P465 ~~ابن رواحة، فيقول أحدهما لصاحبه: تعالى حتى نؤمن ساعة. # فإنما يريدون بذلك تجديد الإيمان بما يتجالسون على ذكر الله، وذكر أياديه ~~ومننه، فكذلك هذا الذي يتردد في صدر هذا الصائم من شهوات النفس التي تفطره، ~~فيردها، ففي كل ردة هو مجدد لإيمانه، لأن ذلك سر بينه وبين ربه، لا يطلع ~~عليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولذلك قال تعالى: ((الصوم لي، وأنا أجزي به)). # لأنه فيما بينه وبينه، ففي كل ردة من العبد لشهوة تعرض له جزاء من ربه، ~~وهذا شيء لا يدركه الحفظة الكتبة. # وأما قوله: ((قامه احتسابا))، ms0883 فإنما يقوم في صلاته التي لم يفترض عليه، ~~يحتسب بقومته على الله قضاء للعبودة التي لها خلق، فيكتب له أجر العبودة، ~~ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا أجر لمن لا حسبة له)). # فرب رجل يعمل أعمال البر على العادة، لا على يقظة العبودة، ولا يكون PageV05P466 ~~له احتساب أن يحتسبها قضاء عن العبودة التي في عنقه. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((وفي غشيانك ~~أهلك صدقة))، قالوا: يا رسول الله! نأتي شهواتنا ونؤجر؟ قال صلى الله عليه ~~وسلم: ((أرأيت لو وضعتها في حرام، أكنت تؤزر؟))، قال: بلى، قال: ((فتحتسبون ~~بالشر ولا تحتسبون بالخير؟!)). # فقد أعلم في هذا الحديث أنه لما زنى، إنما قصد قضاء الشهوة، فاحتسب على ~~النفس بإعطائها منيتها، وقضاء للنفس شهوتها؛ لأنه عبد نفسه، وعبد شهواته، ~~وإذا وضعها في حلال، فأراد العفة عن الحرام، فاحتسب بها قضاء عن العبودة ~~التي لزمته، وقبلها، أجر فيها، وصار ذلك صدقة منه على أهله. # ولذلك قال معاذ لأبي موسى: إني أنام نصف الليل، وأقوم نصفه، PageV05P467 ~~فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. # فإنما نام تلك النومة؛ ليأخذ العدة للقومة، فاحتسب بالنومة قضاء عن ~~العبودة التي قبل من ربه أنه إنما خلقه عبدا وخلقه ليعبده، فإذا نام، تلذذ ~~بنوم، وأتى أهله تلذذا لم يحتسب بها قضاء عن العبودة، فبطل أجره، وبقيت ~~العبودة في عنقه، فلقي الله، وقد خسر أجر العبودة في ذلك الوقت الذي عطله، ~~فإن شاء الله، عفا عنه، وإن شاء، حبسه للحساب الطويل، والهول العظيم، وإذا ~~مال بهذه الشهوات إلى الحرام، فإنما يقضي عبودة النفس، فما ظنك بعبد خلقه ~~الله تعالى عبدا، وقبل هذا العبد هذه العبودة، ثم ذهب فصير نفسه عبدا لنفسه ~~وشهواته، وذهب بعبودته عن الله إليها؟ # ولذلك استوجب اللعنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم البرية، ~~وأرأفهم بالأمة. # 1294 - نا بشر بن هلال الصواف، قال: نا عبد الوارث ابن سعيد، عن يونس، عن ~~الحسن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول ms0884 الله صلى الله عليه وسلم: ((لعن عبد ~~الدينار، لعن عبد الدرهم)). PageV05P468 # وزاد غيره في حديثه: ((ولعن صاحب الخميصة، وتعس وشيك، فلا انتقش، حبذا عبد ~~الله، وعبيد الله)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فهذا عار عظيم على مؤمن سمي بعبد الله، ثم صار عبد نفسه، وعبد شهوته، ~~وعبد بطنه، وعبد فرجه، وعبد هواه. # 1295 - نا الفضل بن محمد، قال: نا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، ~~قال: نا عمرو بن بكر، قال: نا أبو بكر محمد بن عبد الواحد الأفطس، عن أبيه ~~عبد الواحد بن قيس، قال: سمعت أبا أمامة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((إنما لامرئ ما احتسب، وعليه PageV05P469 ~~ما اكتسب، والمرء مع من أحب، ومن مات على ذنابى طريق، فهو من أهله)). # قال أبو عبد الله: # فقد كشف لك هذا الحديث عما قلنا: أن ما احتسب قضاء للعبودة، فهو له، وما ~~لم يحتسب ذلك، ولكن، اكتسب، فهو عليه؛ لأن الكسب فعل الأركان، والاكتساب ~~فعل الذات، فإذا كان فعل الذات اكتسابا، لم يكن احتسابا؛ لأن اكتساب الذات ~~للنفس، فإذا جاء الاحتساب، ذهب الاكتساب؛ لأن الاكتساب حظ النفس، تكتسب ~~اتباع الهوى فيما تقضي النفس من مناها، وشهواتها، ولذاتها، فذاك عليه، فإذا ~~جاء الاحتساب من قوة القلب بذكر العبودة مع النية الصادقة، فبتلك النية ~~تحول العمل، فصار لله، لا للهوى، وكذلك الاحتساب الذي يحتسب به على الله ~~قضاء للعبودة، PageV05P470 ~~لا قضاء النهمة والشهوة، وقال في تنزيله: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}. # فإنما صار لها ما كسبت؛ لأن بدو الكسب حسبة، ثم خرج إلى الأركان، فصار ~~كسبا للقلب، والاكتساب في الذات، تكتسب النفس لهواها ما أورد الهوى به ~~عليها من باب النار من تلك الشهوات التي حفت النار بها. PageV05P471 ### || AUTO الأصل الخامس والأربعون والمئتان # 1296 - نا صالح بن محمد، قال: نا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، ~~قال: سمعت أبا هريرة يقول: ((أوصاني حبيبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ~~بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ms0885 وأن لا أنام إلا على وتر، وركعتي الضحى)). PageV05P473 # 1297 - نا عمر بن أبي عمر قال: نا إسحاق بن إبراهيم بن يزيد القرشي، قال: ~~نا خالد بن يزيد المري، قال: حدثني العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن كثير، ~~قال أبو عبد الله رحمه الله: وهو ابن مرة عندي-، عن أبي الدرداء، قال: قال ~~لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عويمر، حافظ على أن لا تبيت إلا على ~~وتر، وركعتي الضحى، مقيما أو مسافرا، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، تستكمل ~~الزمان كله -أو قال-: تستكمل الدهر كله)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالعبد: محسوب عليه عمره، معدود له أنفاسه، مقتضيا منه العبودة في هذا ~~العمر في كل نفس، فأمر بالجملة، فقبلها، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، ~~وقبول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عنده على صدق الاعتقاد من قلبه، PageV05P474 ~~ثم اقتضى ما قبل مجملا في جميع عمره سنة سنة، وشهرا شهرا، ويوما يوما، ~~وساعة ساعة، ونفسا نفسا، فمنه ما اقتضي في وقت دون وقت، ومنه ما اقتضي في ~~الأوقات كلها. # فأما ما اقتضي في وقت دون وقت، فالفرائض، وأما ما اقتضي في الأوقات كلها، ~~فالعبودة في كل نفس، فأجمل الله تعالى بعطفه وكرمه للعباد أمرا أجمل به ~~العبودة، كي إذا فعلوها، استكملوا الدهر كله عبودة، فدلهم لعبودتهم في ~~النهار على ركعتي الضحى بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم، فإذا أدى فرضه ~~من صلاة الفجر، انتظر طلوع الشمس، وتحليل الصلاة، فإذا أضحت، صلى ركعتين ~~على سبعة أجزاء، بسبع جوارح مقسومة على هذه الأجزاء بما ضمت، وحسبت على ~~ثلاث مئة وستين جزءا؛ ليخرج إلى الله من صدقة النفس، وذلك قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((إن على كل آدمي ثلاث مئة وستين سلامى، على كل سلامى ~~منها صدقة، ركعتا الضحى تجزئك من ذلك كله)). # فهذه صلاة يومه للعبودة. # وأما صيام ثلاثة أيام من كل شهر: فالحسنة بعشر أمثالها، فاليوم PageV05P475 ~~الواحد بعشرة أيام، فصيام ثلاثة أيام ms0886 من كل شهر هو ستة وثلاثون يوما للسنة ~~كلها، والسنة ثلاثة مئة وستون يوما، فقد صار العبد في جميع عمره صائما، ~~وبركعتي الضحى في جميع عمره قائما، هذا في نهاره، فأما في ليله، فالفوز ~~بصلاة الوتر، فإذا كان صائما قائما في نهاره، وبوتره فائزا، فقد استكمل ~~الزمان كله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فهذه دلالة لله لأهل السعادة على ما به يستكملون العبودة بعد أداء ~~الفرائض، واجتناب المحارم، فمن داوم على هذا، كان اسمه في ديوان الصائمين، ~~القائمين، الفائزين، وهو طاعم، شارب، ونائم، ذلك ليعلم يسر الله لهذه ~~الأمة، ورفع الحرج عنهم في دينهم، وسماحته فيما اقتضاهم مما له خلقهم. # فأما شأن الوتر: قال الله تعالى: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون}. # إن الزوجين متضادان متنافيان، ينفي أحدهما الآخر؛ مثل: الليل والنهار، ~~والنور والظلمة، والحر والبرد، والرطب واليابس، فيتذكرون بأن لا أحد ~~يزاوجني أو يضادني، وأنا الفرد الوتر، ثم خلق الأشياء على محبوب الوترية ~~واحدا وثلاثا وخمسا وسبعا، فالعرش واحد، والكرسي واحد، والقلم PageV05P476 ~~واحد، واللوح واحد، والدار واحدة، والسجن واحد، وأبواب الدار سبعة، ثم زيد ~~في العدد واحد لمحمد صلى الله عليه وسلم: باب الرحمة، وهو باب التوبة، وهو ~~أصل الأبواب. # وأبواب السجن سبعة، وعمال الله مقسومون على سبعة أجزاء، وأهل النار ~~مقسومون على سبعة أجزاء، وظلال الآدميين سبع، وهي السماوات، ومهادهم سبع، ~~وهي الأرضون، والأيام سبعة، وخلق الآدميين من سبع، وأرزاقهم من سبعة، ~~وعبودتهم على سبع جوارح. # ثم افترض على العباد من الصلوات خمسا، فالخمس وتر، وعدد ركعاتها سبعة ~~عشر، وهن وتر، وأم القرآن وتر، وهي سبع آيات، وأدنى القراءة وتر، وهي آية، ~~وأدنى التسابيح في الركوع والسجود وتر، وهي ثلاث، وركعة وسجدتان وتر، وفرض ~~الحج في يوم تاسع ذي الحجة، وفرض الزكاة في كل مئتي درهم خمسة دراهم، ~~والعشرة من كل عشر واحدة، وافترض على العباد حفظ سبع جوارح، وجعل التقوى في ~~سبع، وأسماؤه التي هي حظوظ العباد وتر تسعة وتسعون اسما، والقلب وتر، ms0887 ~~وخالقه وتر. # فأظهر الله محبوبه في هذه الأشياء، وفي عامة الأشياء اقتصرنا على ما ~~ذكرنا، فجعل الله للعباد في ليلهم -بعد أداء فرائضهم- الوتر في PageV05P477 ~~الركعة الثالثة التي هي وتر موقفا، فهما موقفان: موقف في كل سنة في تاسع ذي ~~الحجة، وموقف في كل ليلة بعد صلاة العشاء في الركعة التي وسمها بالوترية، ~~تلك ركعة عليها سمة الله تعالى بأن فضلها على الأعمال، فموقف الحج نطق به ~~لسان الكتاب، وموقف الوتر نطق به لسان الرسول صلى الله عليه وسلم. # وفي كل موقف نصه الله لعباده على لسان الكتاب، أو على لسان الرسول، ~~فللعباد في ذلك الموقف من الله نوال، وقرات عين لا يخطر على قلب بشر، وإن ~~ذهب الواصف يصفه من طريق الحكمة، عجز عنه؛ فإن الله تعالى لم يشر للعباد ~~إلى شيء إلا ولهم فيه نوال موضوع، فكيف إذا أشار لهم إلى الوقوف بين يديه؟ # فقد كتب عليهم الخمس المفروضات غياثا لهم، وليطفئوا بها حريقهم، وما من ~~صلاة يدخل وقتها إلا قال أهل السماء: يا بني آدم! قوموا إلى نيرانكم، ~~فأطفئوها. # فصرن هذه الخمس مكتوبات، والعهد في الكتاب، وليس شيء من الفرائض كمثلها، ~~فإذا وافوا عرضة الثواب بالعهود التي خرجت لهم من في PageV05P478 ~~مواقيت الصلوات، جاء العبيد بالعهود، فأوجب لهم الجنة، ثم كان من عطف الله ~~الجليل أن زادهم بجود جلاله هذه الصلاة بعد صلاة العشاء، وسن لهم على لسان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فيها موقفا يدخلون في ذلك الموقف على الله ~~بالتكبير المجدد، فيكون كمن دخل الدار، ثم تخطى من الدار إلى محل الملك من ~~السرير، والمجلس بين يديه واقفا يرفع إليه رغباته، ويعتذر إليه من عمل ~~نهاره، ومن تقصيره وتفريطه، ويفتقر إلى الله، ويبتئس، ويتمسكن، ويتخشع، ~~ويتضرع، ويتعوذ من الأهوال، والأخطار التي هو عليها، فإنما استأنف التكبير، ~~ورفع اليدين في الركعة الثالثة، وهو في الصلاة؛ لأنه انتقل من موقف إلى ~~موقف أجل منه، فالصلوات الخمس تكفير لسيئاتهم. # في ذلك الموقف من الوتر: نوال يملأ منه رغباتهم، ومركز ms0888 يجدون فيه ~~سعاداتهم، فالنوم بعد النوال أفضل من أن يؤخرها إلى آخر الليل، وإذا أوتر ~~أول الليل، عرجت نفسه إلى الله في منامها مع الفوز بالنوال والمعاد، فترجع ~~مع المزيد، فلذلك أوصاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ينام إلا على وتر. # وكان أبو بكر رضي الله عنه يوتر قبل أن ينام، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((متى توتر يا أبا بكر؟))، قال: أول الليل أحرزت نهبي، وأبتغي ~~النوافل، قال: ((أخذت بالحزم))، وقال لعمر رضي الله عنه: ((متى توتر يا ~~عمر؟))، قال: آخر الليل، PageV05P479 ~~قال: ((أخذت بالقوة)). # فالحزم احتياط وثقة. # والقوة ملك النفس، ومدد الوكالة. # فأبو بكر لاحظ كنه الوتر، وعمر لاحظ الساعة التي يؤدى فيها الوتر، ولم ~~يلاحظ الكنه. # ألا ترى إلى قول أبي بكر حيث قال: أحرزت نهبي، فصير موقف الوتر موقفا فيه ~~نثار وغنيمة، فينتهبه، فما ظنك بنثار الله وغنمه؟! ثم يبتغي فيما بقي من ~~الليل نوافل الرب، وعمر رضي الله عنه ذهب إلى الساعة التي آثرها الله تعالى ~~من ساعات الليل، فهبط إلى السماء الدنيا، واطلع إلى عباده وناداهم، وهي ~~ساعة اهتز لها العرش، واشتغلت الملائكة في صفوفها، وانقطعت صلواتهم لما ~~رأوا من هبوط الرب إلى السماء الدنيا، سماء العبيد، واطلع إليهم، وناداهم. PageV05P480 # فإنما سبى قلب عمر هذا المعنى حتى لهى عن نهب موقف الوتر، فاستكمل أمة محمد ~~عليه السلام شأن دين الإسلام، وشأن العبودة بعد أداء الفرائض، واجتناب ~~المحارم بهذه الثلاث خصال حتى وفرت العبودة لهم. # فصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهو ستة وثلاثون يوما، محسوب لهم كل يوم ~~بعشرة، فذلك ثلاث مئة وستون يوما، فهم السنة كلها صيام. # وأن لا ينام إلا على وتر حتى ينال في ذلك الموقف نثار الله ونهب العبيد. # وركعتي الضحى حق السلامى، وهي ثلاث مئة وستون مفصلا، فموقف الحج موقف ~~المباهاة، وموقف الإسلام. # ألا ترى أنه يقال: حجة الإسلام وقف العبد ليسلم إليه رقبته عبودة؛ ليتخذه ~~عبدا، فيباهي الله به في سمائه، وهبط ms0889 إلى سماء العبيد؛ ليطلع إليهم، ويباهي ~~بهم ملائكته. # والمباهاة: أن يريهم بهاء الإسلام الذي على عبيده في تسليمهم النفوس إليه ~~معتذرين باكين، متضرعين ملقين بأيديهم سلما، رافعي أيديهم إليه طمعا، فيقول ~~للملائكة: انظروا إلى عبيدي، فتلك المباهاة. # وموقف الوتر: موقف هدايا المعرفة، ومزية الإسلام، ورحمة العامة، فهدايا ~~المعرفة في هذا الموقف للأولياء والأصفياء، ومزية الإسلام للصادقين ~~المجتهدين، والرحمة للعامة، تخرج لهم من تلك الرحمة PageV05P481 ~~بركات وعصمات، ويتجدد عليهم دينهم، فسمي ذلك الموقف: قنوتا؛ لأنه قنت لربه ~~بما هيأ له من الموقف في مقامه؛ لأن المقام للصلاة، والموقف للركعة ~~الثالثة، والقنوت للموقف، وهو بمنزلة بيت في بيت، والجواهر في البيت ~~الأقصى، وحشو ذلك القنوت رغبة العبد، وعلى قدر الرغبة يخرج من العبد ثناءه ~~على ربه، ومحامده له، وذكر آلائه، وبث مننه، ونشر صنائعه، واعترافا ~~بمساوئه، وتوبة إليه، واعتذارا إليه، وتنصلا بالاستغفار، وترضيا وتملقا ~~وتضرعا، واستعاذة بالمعاذ، واختتاما بالكلمة التي بها يستجاب، ويجاب مما خص ~~الله به هذه الأمة، وحسدتنا عليه اليهود من أنه أعطى نبيهم موسى وهارون ~~عليهما السلام، ولم يعطوا، وأعطى محمد عليه السلام، وأعطينا معاشر الأمة ~~كرامة لمحمد عليه السلام. # وروي عن رسول الله: أنه قال: ((أمرني جبريل عليه السلام، ولقاني عند ~~فراغي من فاتحة الكتاب: آمين، وعند الدعاء، وقال: إنه كالطابع على ~~الكتاب)). # 1298 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا عبد الملك ابن مسلمة القرشي، عن ابن ~~لهيعة، عن أبي الأسود، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بذلك. PageV05P482 # 1299 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا أبو عمير بن النحاس الرملي، عن محمد بن ~~يوسف الفريابي، قال: حدثني صبيح بن محرز الحمصي، قال: حدثني أبو مصبح ~~المقرائي، قال: كنا نجلس إلى أبي زهير النميري، وكان من الصحابة، فيتحدث ~~بأحسن الحديث، فإذا دعا رجل منا بدعاء، قال: اختموا بآمين؛ فإن آمين في ~~الدعاء مثل الطابع على الصحيفة. # قال أبو زهير: وأحدثكم عن ذلك: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة ms0890 نمشي، فأتينا على رجل في الخيمة قد ألحف في المسألة، فوقف رسول الله ~~يستمع منه، فقال: ((إن ختم، فقد أوجب))، فقال له رجل: بأي شيء يختم؟ فقال: ~~((بآمين؛ فإنه من ختم بآمين، فقد أوجب))، فانصرف الرجل الذي سأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فأتى الرجل وقال: يا فلان! اختم بآمين وأبشر. # قال: فإذا ختم الدعاء بآمين، صار الدعاء كالكتاب مطويا مصونا عن PageV05P483 ~~الآفات، وعن تناوله واطلاع ما فيه، وإنما ختم الكتاب؛ لئلا ينشره أحد، ولا ~~يطلع فيه أحد، وصعد إلى الله بالختم مطويا عن جميع الخلق، فأجاب. # وذلك أن الكريم قد قال لعبيد هذه الأمة خاصة من بين الأمم: {ادعوني أستجب ~~لكم}، وإنما كان يقال هذا للأنبياء -عليهم السلام-، فأعطيت هذه الأمة، ولم ~~يعط أمة قبلنا. # 1300 - نا بذلك أبي رحمه الله، عن صالح بن محمد، عن محمد بن عبد الرحمن، ~~عن عباد بن كثير، عن ليث، عن شهر ابن حوشب، عن عبادة بن الصامت، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((أعطيت هذه الأمة ما لم يعط أحد: قوله: ~~{ادعوني أستجب لكم}، وإنما كان يقال هذا للأنبياء -عليهم السلام-، وقوله: ~~{وما جعل عليكم في الدين من حرج}، وإنما كان يقال هذا للأنبياء، وقوله ~~تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}، وإنما كان يقال ~~هذا للنبي: أنت شهيد على قومك)). PageV05P484 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فإنما أعطاهم آمين، وخزنها عن سائر الأمم؛ لأنه قد سبق منه القول ~~بالخصوصية لأمة محمد عليه السلام أن قال: {ادعوني أستجب لكم}، وفيهم ما ~~فيهم من قلة الشكر، وقلة الوفاء، وكثرة التخليط والاستخفاف بأمر الله، ~~والإعراض عن حق الله، فلو لم يعطهم الختم حتى يختموا دعاءهم بآمين فيصير ~~الختم مانعا لجميع الخلق بين العبد وبين الله إلى العرش من الهواء، ~~والسحاب، والشمس، والقمر، والنجوم، والرياح، والجنود التي في الهواء، وما ~~وراء ذلك في السماوات إلى العرش، فكان ممر دعائنا إلى العرش إلى محل الدعاء ~~ومعدن الإجابة، والقضاء على هؤلاء ms0891 كلهم، فكان لا يخلو من أن يتعرض متعرض ~~لإفساد ذلك حمية لله؛ لأن هؤلاء الخلق كلهم، مطيعون، فإذا مرت دعوة العصاة ~~عليهم، لم يؤمن أن يرموا فيها شيئا يكون فيه فساد، فذلك منهم حق. # وقد جاء في الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن على أبواب ~~السماء حجابا يردون أعمال أهل الكبر والحسد والغيبة)). PageV05P485 # 1301 - نا الفضل بن محمد، قال: نا سلم بن يحيى الطائي، عن الحسن بن ذكوان، ~~عن أخيه أيوب، عن الحسن، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((إن العبد ليقول: يا رب! اغفر لي، وقد أذنب، فتقول الملائكة: يا رب! ~~إنه ليس لذلك بأهل، قال الله تعالى: لكني أهل أن أغفر له)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فهؤلاء الملائكة فمن دونهم في هذا الجو يشتد عليهم ما يكون من هؤلاء ~~الآدميين، فلما سبقت من الله هذه الكرامة والخصوصية لأمة محمد عليه السلام ~~من إعطائهم ما أعطي الأنبياء من قوله تعالى: {ادعوني أستجب لكم}، ومنع ~~الأمم كلها، وأعطاهم كلمة الختم، وهي آمين؛ لتصعد دعوتهم إليه مختومة، لا ~~يطلع على ما فيها أحد، حتى لا يجد أحد من هؤلاء سبيلا إلى التطعن فيها، ~~ودعوة كل رجل من الأمة إنما PageV05P486 ~~تخرج على قدر ما عنده من قوة القلب في الدعاء، فرب دعاء من داع يخرج مع نور ~~وافر بمنزلة شمس تطلع، ودعاء يخرج مع تقصير، فنوره بمنزلة قمر يطلع، ودعاء ~~يخرج مع تقصير كثير، فنوره بمنزلة كوكب، فإنما تفاوت دعاء الموحدين وتباين؛ ~~لاختلاف مخارجه من المعادن. # ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن القلوب أوعية، وبعضها ~~أوعى من بعض، فإذا دعوتم الله، فادعوه وأنتم موقنون بالإجابة؛ فإن الله لن ~~يستجيب دعاء عن ظهر قلب غافل)). # فظهر القلب: هو دعاء قد تعلمه، فهو يدير الكلمات بمضغة لسانه في حنكه، ~~وفي لهاته، وليس عنده وراء ذلك شيء إلا تلك الإرادة التي في القلب يبتغي ~~بها خيرا من عند ربه، ms0892 وهو لا يدري ذلك الخير، وهو عنده كالجزاف غير مفتقر ~~إلى تلك الحاجة، فهو كصبي لقن شيئا، PageV05P487 ~~فتلقن، نطق من غير عقل، أو كسكران لقن شيئا، فالتقن فليس لكلام الصبي ~~والسكران بال عند الخلق، ولا عبوء به، إلا أن الكريم لما علم إرادة الخير ~~من الداعي، أعطاه على ذلك أجرا، إن دعاه على رجاء أن ينال منه معروفا. # فأما الاستجابة: فهو بعيد منها؛ لأنه لم يخرج منه الدعاء على الجد ~~والاجتهاد، ولو كان ذلك منه جدا، لترك الإباق من ربه بالذنوب، والمعاصي، ~~والبطالات، والإكباب على الدنيا، والاستخفاف بحق الله، وبداره، وبيوم ~~الحساب، وبوعده، ووعيده، ومواعظه، والموت الذي جعله آية من آياته يأتيه ~~عيانا، فإذا نفسه ملقاة تغط غطيط البكر المخنوق حتى يفارق الروح الجسد، ~~فالآبق يأبق في دار الدنيا من مولاه، ويدعو في حال إباقه، ويراسله، فيستوجب ~~المقت من سيده؛ لأنه في صورة المستهزئين بسيدهم. # فالكريم الجواد واسع لعبيده الذي عاد عليهم بأعظم الأشياء، وهي المعرفة، ~~فلم يترك هذا العبد خاليا صفر اليدين إذا مد يديه إليه حتى يأجره على ذلك؛ ~~لأنه سبحانه دعا العبيد إلى أن يأتوه بقلوبهم، فيقرعوا الباب PageV05P488 ~~بالدعاء، فهذا الذي أوقر نفسه، وأثقل ظهره من الخبائث، صار كسلانا لحما، ~~ودما، ملقى بالأرض، وخيما، جلفا، جافيا، فيعلم على ألسنة الناس هذه الدعوات ~~ملتمسا بها من عنده نوالا، لا عن فاقة وافتقار، خرجت من جوفه تلك الكلمات، ~~ولا علم بالبيان، وإن كان أعلم الناس باللغة، فهو عالم بالكلمات من طريق ~~اللغة، جاهل بغور الكلمة، جاهل بمعدنها، جاهل بوضعها. # فلو قال: اغفر لي، لم يدر ما المغفرة، وإن سئل عن ذلك، قال: المغفرة حط ~~الذنوب، وهو جاهل بها. # وإن سئل عن قوله: اعف عني، لم يدر ما العفو، وقال: هو أن لا يؤاخذني ~~بذنبي، فأنت تسأله عن تفسير العفو، وهو يجيبك عما يحدث عن العفو. # وإن قال: استرني، لم يدر ما الستر، وإن أثنى، لم يدر ما ذلك الثناء، وإن ~~مدح، لم يدر ما ذلك المدح، وإن حمد، لم ms0893 يدر ما ذلك الحمد، فهو عارف باللغة، ~~بصير بالعربية، جاهل بالمعنى، أعمى عن حشو المعنى، فصاحب هذا لا يصيب في ~~دعائه جدا ولا اجتهادا، واليقين منه بعيد، وإنما يدعو عن ظهر قلب، فهذا عبد ~~يجاب ولا يستجاب، وإنما يجاب؛ لأنه مؤمن، فالإجابة للمؤمنين، والاستجابة ~~للجادين المجتهدين، المفتقرين، PageV05P489 ~~المرتعبين، المتبائسين، المتمسكنين، المتخشعين، الموقنين. # 1302 - نا الفضل بن محمد، قال: نا هشام بن خالد الدمشقي، قال: نا بقية، ~~قال: نا محمد بن سعيد، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، قال: بينا ~~نحن جلوسا يوما عند معاذ بن جبل، إذ دعا بدعاء لم أسمع أحدا يدعو بمثل ~~دعائه، فقلت له: رحمك الله يا أبا عبد الرحمن! لو علمتني بعض ما تدعو به، ~~فقال: لو كنت أعلم لك فيه خيرا، كنت علمتك، قال: سبحان الله! لم لا تعلم لي ~~فيه خيرا؟ قال: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو بالدعاء الكثير، ~~الحسن الجميل، الذي لا يستطيع أحد أن يقول مثله، فقلت له يوما: يا رسول ~~الله! لو علمتني بعض ما تدعو به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو ~~أعلم لك فيه خيرا، لعلمتك))، قلت: سبحان الله يا رسول الله! لم لا تعلم لي PageV05P490 ~~فيه خيرا؟ قال: ((لأن أفضل الدعاء ما خرج من القلب بجد واجتهاد، فذلك الذي ~~يسمع ويستجاب، وإن قل)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالجد: أن يقف العبد بقلبه في محل الدعاء، والاجتهاد: افتقار القلب إلى ~~الله، وتباؤس النفس، فذاك منه جهد، وإنما شرط الله تعالى الإجابة للداعين ~~في تنزيله، فقال: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إلى ~~دعاني}. # فهذه إجابة تلبية، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قال ~~العبد: يا رب! قال الله: لبيك)). # فهذه إجابة الرب تعالى. # وأما الاستجابة، فقال: {ادعوني أستجب لكم}، ثم بين في أية أخرى لمن ~~الاستجابة، فقال: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله}. PageV05P491 # فوعد الله الاستجابة والمزيد لهؤلاء. # فأما ما ms0894 ذكرنا من قنوت الوتر فإنه ينبغي أن يكون مع ما يجد من الرغبة ~~والجد على أدب وهيئة، فإن لكل أدب ثمرة، ولكل هيئة زينة، وأحق ما يفتقد ~~العبد هذه الآداب. # وهذه الهيئة في هذا الموقف الذي ذكرنا أنه من الله هدية لهذه الأمة خاصة، ~~فيبدأ بمدائحه، ثم ثناء عليه، وتنزيها له، ثم محامده، وذكر آلائه، وبث ~~مننه، ونشر صنائعه، والاعتراف بالمساوئ، والتوبة إليه، والاعتذار منها ~~إليه، والتنصل والاستغفار والترضي، والتملق، والتضرع، والاستعاذة بالمعاذ، ~~والاختتام بآمين. # وسألتموني أن أنسق لكم ذلك على ما تهيأ، ويوفق الله بإذنه، فقد أجبتكم ~~إلى ذلك: # اللهم يا قديم، يا أبد يا أبدي، يا دائم يا ألله يا رب يا حي يا قيوم، يا ~~قدير، يا قادر، يا واحد، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد، يا ماجد، يا ~~كبير، يا عظيم، يا جليل، يا حميد، يا علي، يا عالي، يا أعلى يا متعال، يا ~~حق يا مبين، يا سبوح يا قدوس يا قيوم، يا نور يا منير، PageV05P492 ~~يا ملك يا عزيز، يا جواد يا رحمن يا رحيم، يا سلام يا مؤمن يا مهيمن، يا ~~وهاب يا علام يا قوي، يا كريم يا لطيف، يا حنان يا منان، يا قريب يا مجيب ~~يا تواب، يا أول يا آخر، يا ظاهر يا باطن، يا عفو يا غفور، يا ودود يا ~~شكور، يا حليم، يا رؤوف يا جبار يا قهار، يا خالق يا بارئ يا مصور، يا شهيد ~~يا وكيل يا كفيل، يا كافي يا بديع يا حبيب، يا مبدئ يا معيد يا رزاق يا ~~فتاح، يا حكم يا عدل يا قاضي، يا من له المثل الأعلى في السماوات والأرض، ~~وهو العزيز الحكيم. # يا ذا الأمثال العلى، والأسماء الحسنى، يا ذا المن والطول، والآلاء ~~الكبرى، يا من علا فقهر، يا من ملك فقدر، يا من نظر فجبر، يا من أمات ~~وأحيا، يا قريبا غير بعيد، يا شاهدا غير غائب، يا غالبا غير مغلوب، يا من ~~على العرش ms0895 وقاره، وفي الحجب جلاله، وفي السماوات ضياؤه، وفي الجنة رحمته، ~~وفي النار سلطانه، وفي المقادير أمره، وفي النور بهجته، وفي الروح برهانه، ~~وفي البحر سبيله، وفي القبور قضاؤه، وفي الأرض موطئه، التسبيح لجلالك، ~~والحول لقوتك، والكبرياء لعظمتك، والجلال لمهابتك، والجبروت لعظمتك، ~~والتهليل لعلمك، والرضا لأمرك، من حمدك فبنعمتك، ومن عبدك فبقدرتك، ومن ~~أطاعك فبمنك، PageV05P493 ~~ومن أدى فرائضك فبعطيتك، ومن امتنع من سوء فبعصمتك، أنت الأول فلا شيء ~~قبلك، وأنت الآخر فلا شيء بعدك، وأنت الظاهر فلا شيء فوقك، وأنت الباطن فلا ~~شيء دونك، يا منيع القدرة، يا لطيف المنحة، يا عزيز النصرة، يا قريب ~~الرحمة، يا واسع المغفرة، يا عريض البركة، يا فارج الكربة، يا قابل التوبة، ~~يا مجيب الدعوة، يا مقيل العثرة. # سبحانك عدد خلقك، سبحانك زنة عرشك، سبحانك مداد كلماتك، سبحانك رضا نفسك، ~~سبحانك وبحمدك منتهى علمك، سبحانك عدد ما علمت، سبحانك ملء ما علمت، لك ~~الحمد بجميع محامدك كلها، على جميع نعمائك كلها، على جميع خلقك كلهم، لك ~~الحمد حمدا يوافي نعمك، ويكافئ مزيدك، لك ذلك الحمد إليك، لك الحمد حمدا ~~يفضل على كل حمد كفضلك على جميع خلقك، لك الحمد كما ينبغي لكرم وجهك وعز ~~جلالك، ونور كبريائك على حلمك بعد علمك، وعلى عفوك بعد قدرتك، وعلى جميع ~~مننك، وعلى جميع إحسانك، وعلى جميع عطاياك، وعلى جميع نعمك علينا وعلى جميع ~~خلقك، لا إله إلا أنت الحليم الكريم، لا إله إلا أنت العلي العظيم، سبحان ~~الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، وتبارك ~~الله الذي لا إله إلا هو، لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين. PageV05P494 # اللهم تم نورك فهديت فلك الحمد، وعظم حلمك فعفوت فلك الحمد، وبسطت يدك ~~فأعطيت فلك الحمد ربنا، وجهك أكرم الوجوه، وجاهك خير الجاه، وعطيتك أنفع ~~العطايا وأهنؤها، تطاع ربنا فتشكر، وتعصى ربنا فتغفر، تجيب دعوة المضطر، ~~وتكشف السوء، وتنجي من الكرب، وتشفي من السقم، وتغفر الذنب، وتقبل التوبة، ~~لا يجزي بآلائك أحد، ولا يحصي ms0896 نعماءك قول قائل: لا إله إلا أنت. # اللهم صل على محمد صلاة زكية تبلغه الدرجة الوسيلة، اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم ~~وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. # اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، إني ~~أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك ~~لك، إلها واحدا أحدا صمدا فردا باقيا أبدا، تباركت يا ذا الشرف والسلطان، ~~والبسطة التي بها ترحم العباد، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك، وأنك إن تكلني ~~إلى نفسي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير. PageV05P495 # وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل رحمتك لي عندك عهدا تؤديه إلي يوم القيامة، ~~إنك لا تخلف الميعاد، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا، وظلمت ~~نفسي، وأنا عبدك، فارحمني، واغفر لي، أنت الغفور الرحيم، لا إله إلا أنت، ~~سبحانك وبحمدك، عملت سوءا، وظلمت نفسي، وأنا عبدك فارحمني إنك أنت أرحم ~~الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا، وظلمت نفسي، وأنا ~~عبدك، فتب علي إنك أنت التواب الرحيم. # اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك وفي قبضتك، ناصيتي بيدك، عدل في ~~حكمك، ماض في قضاؤك، أسألك بكل حق هو لك، وبكل اسم سميت به نفسك، أو أنزلته ~~في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل ~~القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وشفاء ما في صدري، وذهاب همي وجلاء أحزاني. # اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا، ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ~~وأزواجنا وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات أصلحهم وأصلح ذات ~~بينهم، وألف بين قلوبهم، وأنزل عليهم رحمتك، واجعل في قلوبهم الإيمان ~~والحكمة، وأوزعهم أن يشكروا نعمتك التي أنعمت عليهم، PageV05P496 ~~وأن يوفوا لك بالعهد الذي عاهدتهم عليه، وثبتهم على ملة رسولك، إله الحق رب ~~العالمين. # ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، ربنا وآتنا ~~ما وعدتنا على رسلك، ولا تخزنا يوم القيامة إنك ms0897 لا تخلف الميعاد، ربنا اغفر ~~لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ~~ربنا إنك رؤوف رحيم، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك ~~رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، ربنا اصرف عنا ~~عذاب جهنم إن عذابها كان غراما، ربنا هب لنا إسرافنا في أمرنا، وثبت ~~أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، وانصرنا على أنفسنا، وعلى من ظلمنا ~~وبغى علينا، وأرنا ثأرنا فيهم. # ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماما، ربنا ~~أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى آبائنا وأمهاتنا، واجعلنا نعمل ~~صالحا ترضاه، وأصلح لنا في ذرياتنا، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. # اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا ~~فيما أعطيت، وقنا شرما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ~~تباركت ربنا وتعاليت، اللهم اشرح لنا صدورنا، PageV05P497 ~~ويسر لنا أمورنا، وحسن أخلاقنا، ونور قلوبنا، وارزقنا تقواك الذي هو تقواك، ~~وارزقنا توبة نصوحا تديمها لنا إلى يوم لقائك، وافتح لنا طريقنا إليك، ~~وخذنا من نفوسنا إليك، وثبتنا على طاعتك بين يديك، وتب علينا، تبارك الله ~~الذي لا إله إلا هو. # اللهم ارزقني إيمانا دائما، ودينا قيما، ويقينا صادقا، وعلما نافعا، ~~ورزقا واسعا طيبا، وعملا متقبلا، وثباتا على أمرك، وعزيمة على الرشد، وشكر ~~نعمتك، وذكرك وحسن عبادتك، تبارك الله الذي لا إله إلا هو. # اللهم ارزقني قلبا خاشعا، شاكرا، سليما، صالحا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على ~~طاعتك صابرا، تبارك الله الذي لا إله إلا هو. # اللهم فرغ فؤادي لذكرك، وأغن قلبي عن مفاقر الدنيا، واجعل علانيتي صالحة، ~~واجعل سريرتي خيرا من علانيتي، وارزقني الراحة عند الموت، والمعافاة عند ~~الحساب، والنجاة من النار، تبارك الله الذي لا إله إلا هو. # اللهم ارزقني صدق اليقين، وصدق الورع، وصدق الحرص على البر والتقوى، وصدق ~~التوكل عليك، وحسن الظن بك، والتوفيق لمحابك من الأعمال، وكفاية كل مؤنة في ~~الدنيا، وكل هول دون ms0898 الجنة حتى تبلغنيها برحمتك، تبارك الله الذي لا إله ~~إلا هو. PageV05P498 # اللهم أذقني برد عفوك، وحلاوة رحمتك، وأعني على آخرتي بمنك، وأعني على ~~دنياي بتقواك، وهب لي قوة في طاعتك، وفقها في دينك، وزهادة فيما زهدت فيه ~~أولياءك، ورغبة فيما رغبتهم فيه، والعافية في قدرك، والسعة من طيب رزقك، ~~تبارك الله الذي لا إله إلا هو. # اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، ~~وبارك لي فيهما، واجعل حياتي زيادة لي في كل خير، واجعل وفاتي راحة لي من ~~كل شر، واجعل خير أعمالي خواتيمها، وخير عمري آخره، وخير أيامي يوم ألقاك، ~~واجعل نفسي لك، مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك، تبارك ~~الله الذي لا إله إلا هو. # اللهم بك أنزلت فقري ومسكنتي، وأنا لمغفرتك ورأفتك ورحمتك راج، اللهم ~~اغفر لنا فإنك بنا عالم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، وارزقني الهدى والتقى ~~والعفة والغنى، ودوام العافية وتمام العافية، وشكر العافية، وأجرني من خزي ~~الدنيا وعذاب الآخرة، تبارك الله الذي لا إله إلا هو. # اللهم استرنا وأجرنا، وانصرنا وارزقنا خير الدنيا وخير الآخرة، واصرف عنا ~~شر الدنيا وشر الآخرة، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها، PageV05P499 ~~وأحرز لنا ديننا، وسلمه لنا، وتقبله منا، تبارك الله الذي لا إله إلا هو. # اللهم اصرف عنا الهم والغم والحزن، والسقم والجوع والعري، والذل والضغائن ~~والفواحش ما ظهر منها وما بطن، تبارك الله الذي لا إله إلا هو. # اللهم اجعلني ممن يخاف مقامك، ويخاف وعيدك، ويرجو لقاءك، ويذكر أيامك، ~~واجعل لنا عندك وليجة وزلفى وحسن مآب، ولا تنزع مني صالح ما أعطيت، فإنه لا ~~مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، تبارك الله ~~الذي لا إله إلا هو. # اللهم أقلنا عثراتنا، وآمن روعاتنا، واستر عوراتنا، واكفنا ما أهمنا، ~~ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، واجعلهما الوارث منا، وأعنا ولا تعن علينا، ~~وانصرنا ولا تنصر علينا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر ~~همنا، ولا تسلط ms0899 علينا من لا يرحمنا، تبارك الله الذي لا إله إلا هو. # اللهم آت نفسي تقواها، وزكها فأنت وليها ومولاها وخير من زكاها، أنت تحول ~~بين المرء وقلبه، فحل بيني وبين كل شيء ينقضني عندك، تبارك الله الذي لا ~~إله إلا هو. # اللهم ارزقنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن PageV05P500 ~~طاعتك ما تبلغنا رضوانك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، تبارك ~~الله الذي لا إله إلا هو. # أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، جل وجهك لا ~~أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، يا عظيم يرجى لكل عظيم فاغفر لنا، ~~واستجب لنا دعاءنا، وأعطنا سؤلنا، واقض حوائجنا، تبارك الله الذي لا إله ~~إلا هو. # أعوذ بك من النار، أعوذ بك من عذاب القبر، أعوذ بك من شر فتنة المحيا ~~والممات، أعوذ بك من فتنة الصدر، أعوذ بك من شتات الأمر، أعوذ بك من زوال ~~النعم، أعوذ بك من فجأة النقم، أعوذ بك من العمى بعد الهدى، أعوذ بك أن ~~أشرك بك وأنا أعلم، وأن أشرك بك وأنا لا أعلم، وأستغفرك من جميع ذلك. # اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، وأعوذ بك من فظيع البلاء، وأعوذ بك من ~~درك الشقاء، وأعوذ بك من شماتة الأعداء، وأعوذ بك من أن أقترف سوءا أو أجره ~~إلى مسلم، وأعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، وأعوذ بك مما استعاذ بك ~~منه عبادك الصالحون، وأسألك من خير ما سألك منه عبادك الصالحون، تبارك الله ~~الذي لا إله إلا هو، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب ~~النار آمين رب العالمين. PageV05P501 # فهذا الذي نسقناه لكم من الدعاء بعد قولنا: إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك، ~~ونثني عليك الخير كله نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك ~~نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن ~~عذابك بالكفار ملحق. # اللهم عذب الكفرة، وخالف بين كلمتهم، وأنزل عليهم ms0900 رجزك وعذابك، وبأسك ~~الذي لا ترده عن القوم المجرمين. # اللهم قاتل كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، ويجحدون ~~آياتك، ويجعلون معك إلها، لا إله إلا أنت، تباركت وتعاليت عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا. # 1303 - نا أبي رحمه الله، قال: نا الفضل بن دكين، عن سفيان، عن جابر، عن ~~أبي معمر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال: وجب القنوت في الوتر ~~على كل مسلم. PageV05P502 ### || AUTO الأصل السادس والأربعون والمئتان # 1304 - نا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: نا مسلم ابن إبراهيم، عن الحارث ~~بن عبيد الإيادي، قال: نا مسلم ابن شقير اليشكري، عن أبي بكر بن محمد بن ~~عمرو بن حزم، عن مالك بن أوس، قال: خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ~~فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تعوذوا بالله من خشوع النفاق))، ~~قيل: يا رسول الله! وما خشوع النفاق؟ قال: ((خشوع البدن، ونفاق القلب)). PageV05P503 # 1305 - نا صالح بن محمد، قال: نا سليمان بن عمرو، عن محمد بن عجلان، عن ~~المقبري، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يعبث ~~بلحيته في الصلاة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لو خشع قلبه، لخشعت ~~جوارحه)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فخشوع القلب من المعرفة، فكلما كان أوفر حظا من العلم بالله، ومن المعرفة ~~بآلائه كان أخشع، فأثقال المعرفة حلت بالقلب، فأدت القلب إلى ثلاث: خشعة، ~~وخضعة، وذلة. # فالذلة: الحذر، والخضعة: اللين، والخشعة: الانكسار والانحناء، فهذه صفة القلب. # وأما صفة النفس تحت أثقال القلب، فلها الخمود مكان ذلة القلب، والانثناء ~~مكان الخضعة، والتهافت والتناثر كالرمل مكان الخشعة، كما وصف الله تعالى في ~~كتابه الجبال فقال: {وكانت الجبال كثيبا مهيلا}، أي: رملا ينهار ويتساقط، ~~فإذا صارت النفس هكذا، وصار القلب كما وصفنا بدءا، فقد لزمه اسم الخشوع على ~~الحقيقة، وذلك قوله تعالى: PageV05P504 # {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا}، ذهب الصوت، وقوة ذرو الكلام. # وقال تعالى: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة}؛ ms0901 أي: ساقطة هامدة، فمن لم ~~يكن في قلبه تراكم أثقال المعرفة، فيخشع بأركانه، فذاك نفاق؛ لأنه تماوت ~~وهو حي، فالتماوت مراءاة ونفاق، مرة يرائي الله، فيبتغي عنده قبولا ومدحا، ~~ومرة يرائي عبيده يبتغي جاها عندهم ومدحا، فيتخشع وليس بخاشع. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رآه يعبث في صلاته ~~ذكر خشوع قلبه يعلمك أن الخاشع: ((إذا قام بين يدي الله لا يتفرغ للعبث في ~~الصلاة)). # وأنه كما انتصب لله جسده في الظاهر، فقد انتصب قلبه في الباطن، وكما رمى ~~ببصره في الظاهر حيث يقع من الخلقة، وكذلك رمى ببصر قلبه إلى المقام الذي ~~رتب له إن كان من أهل المرتبة، وإلا ففي متعبده إن لم يكن من أهل المرتبة. # قال له قائل: وأين المراتب، وأين المتعبد؟ # قال: الصديقون في مراتبهم من العرش على أصنافهم: عسكر دون العرش، وعسكر ~~على العرش، وعسكر في الملكوت، والخاصة في ملك الملك بين يديه، فأبصار ~~قلوبهم هناك، وأبصار وجوههم في مواقع الخلقة. # قيل له: وما موقع الخلقة؟. PageV05P505 # قال: إن العبد إذا قام على الخلقة، ثم رمى ببصره على الخلقة، فإنما يقع من ~~الأرض بمكان لو خر ساجدا، لوقعت جبهته على تلك البقعة، ولم يقصر عنها، وإذا ~~ركع، فرمى ببصره على الخلقة، فإنما يقع على موضع القدمين، وإذا سجد، فرمى ~~ببصره، فإنما يقع على موضع الصدر، وإذا قعد للتشهد، فإنما يقع على رأس ~~ركبتيه وطرف فخذيه، فهذا كله رمي بالبصر حيث وقع ليس فيه تكلف ولا استعمال ~~للبصر، وإنما الاستعمال في وقت النظر، فهذا رمي خرج من سلطان البصر وليس ~~بناظر، والقلب رامي ببصره حيث وصفنا من العلى في مراتبهم مراتب الأولياء ~~والصديقين، ومن لم يكن من أهل المراتب، ففي متعبده. # والمتعبد: هو بيت العزة حيث استقر القرآن في وقت نزوله جملة في شهر رمضان ~~في السماء الدنيا، فذاك محل التعبد، فمنها قبلوا القرآن بما فيه من ~~العبودة، علم العباد هذه الصفة، أو لم يعلموا، فإنهم داخلون في هذا الباب، ~~كما ms0902 تجد المسلمين كلهم قد دخلوا في الميثاق يوم استخرجهم من الأصلاب، علموا ~~أو لم يعلموا، فإنما يجزون وتجزى أرواحهم وعقولهم بتلك الأشياء التي مرت وسبقت. # فوجدنا الصلاة ثلاث مراتب عليها رتب أهل الصلاة، وقد ذكرهم الله في ~~تنزيله تعالى، فمحافظون، ومداومون، وخاشعون، فقال: {والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون}، {الذين هم على صلاتهم دائمون}، PageV05P506 ~~فوعدهم عليها الكرامة في الجنة، فقال: {أولئك في جنات مكرمون}. # وقال تعالى: {قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون}، فوعدهم على ~~ذلك الفلاح. # والفلاح: اسم ينتظم الكرامة والترقي في الدرجات، والأخذ من الجنة بغير ~~حساب، والأثرة في دار الله، فالمحافظة على الوقت، والمداومة على استعمال ~~الأركان بحدودها في الصلاة، وهو أن لا يلتفت في وقت الانتصاب، ولا يتمايل، ~~ويسكن الجوارح، ولا يستعمل منه شيئا إلا بضرورة وعلة من مثل التراوح على ~~إحدى القدمين، ومثل حك شيء من جسده، ومثل ذباب مؤذي، أو بعوضة تشغله عن ~~الصلاة، فتلك ضرورة، أو بزاق أو مخاط، فهذه كلها علل يعذر فيها، فإذا ركع، ~~سوى ظهره بركوعه، فيكون مقدمه كمؤخره، وإذا سجد، خوى وجخى. # فالتخوية: لإعطاء كل مفصل وعضو حظه من الانتكاس للسجود. # والتجخية: توقيا للانبساط؛ ليكون كهيئة الساجدين، لا كهيئة المنبطحين على ~~الأرض ببطونهم وصدروهم؛ فإن تلك ضجعة أهل النار على وجوههم، فإذا جخى، توقى ~~تلك الهيئة وتلك الصورة، وإذا خوى أراد تركيب السجود بعضا على بعض، فإنما ~~سمي سجودا؛ لتركب الأعضاء PageV05P507 ~~بعضها بعضا، فإذا رفع رأسه، لم يعد إلى السجدة الأخرى حتى يستوي، ويرجع كل ~~عضو إلى مكانه، وإذا سجد، فرفع رأسه، لم يعد إلى السجود حتى يعود قاعدا كما ~~كان، ويرجع كل عضو إلى مكانه، فذلك إتمام الركوع والسجود، وإذا قعد، جثا ~~على ركبتيه، وانتصب اليمنى منه، وافترش اليسرى معتمدا بجلسته عليه، ~~فالمداومة على الصلاة ما وصفنا. # وأما الخشوع: فهو على القلب، ومن عنده يبتغى، فإذا لم يكن هناك، فليس ذاك ~~بخشوع، إنما هو مداومة، فالمحافظة من الخشية، والمداومة من الخوف، والخشعة ~~من التجلي، فإذا خشي القلب، حافظ، ms0903 وإذا خاف، داوم، وإذا خشع، فالأركان ~~مستعملة منقبضة، ثم تتحول صفات الخشعة على اختلاف صور الأفعال فيها، فأولها ~~خشعة في صورة الأسر، ثم بعدها خشعة الخدم، ثم من بعدها خشعة العبودة، ثم من ~~بعدها خشعة الرق، ثم من بعدها خشعة الحمد، ثم من بعدها خشعة التعلق، ثم من ~~بعدها خشعة الخضوع والملق مع الأمل، ويتشهد في جلسته؛ لأنه قد جعل للأحباب ~~السبيل إلى ذلك، وقال في تنزيله: {ادعوني أستجب لكم}. PageV05P508 # 1306 - نا محمد بن بشار، قال: نا معاذ بن معاذ، وسهل بن يوسف، وابن أبي ~~عدي، قالوا: حدثنا شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس، عن عبد ~~الله ابن نافع بن العمياء، عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب بن أبي وداعة، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((الصلاة مثنى مثنى، وتشهد في كل ~~ركعتين، وتبؤس، وتمسكن، وتقنع بيديك، وتقول: اللهم، اللهم، فمن لم يفعل ~~ذلك، فهو خداج)). # 1307 - نا محمد بن حسين، قال: نا نعمان بن بشير، عن ابن المبارك، قالا: ~~نا الليث بن سعد، قال: أخبرني عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن PageV05P509 ~~عبد الله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن العباس، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتضرع، ~~وتخشع، وتمسكن، ثم تقنع بيديك يقول: ترفعها إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك ~~وتقوك: يا رب يا رب! فمن لم يفعل ذلك، فهو خداج)). # قال أبو عبد الله: # فقوله: ((تبؤس)) مأخوذ من البؤس، وهو أن تفتقر إلى ربك افتقار من كان ~~ترابا، فخلق بشرا، والتبؤس والتخشع قريب أحدهما من الآخر. PageV05P510 ### | CHECK [المجلد السادس] ### || AUTO الأصل السابع والأربعون والمئتان # 1308 - نا قتيبة بن سعيد، قال: نا المفضل بن فضالة المصري، عن عقيل، عن ~~ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى ~~إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه، ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما: ms0904 {قل هو الله أحد}، ~~, {قل أعوذ برب الفلق}، و{قل أعوذ برب الناس}، ويمسح بهما ما استطاع من ~~جسده، ويبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. PageV06P005 # 1309 - نا قتيبة، عن مالك بن أنس، وحدثنا يحيى بن الأحمر الطائي، قال: أملى ~~علينا مالك بالرقة مع ولد المهدي، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا اشتكى، نفث على رأسه بالمعوذات، فمسح ~~بيديه، فلما اشتكى وجعه الذي قبض، طفقت أنفث عليه المعوذات، وأمسح عليه بيد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ رجاء بركتها. # 1310 - حدثنا أبي رحمه الله، ثنا الحماني، ثنا سليمان ابن بلال، عن يونس، ~~عن الزهري، عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا أوى إلى PageV06P006 ~~فراشه، نفث في كفيه ب: {قل هو الله أحد}، والمعوذتين، ثم يمسح بهما وجهه ~~وعضده وصدره حيث بلغت من جسده، فلما اشتكى، أمرني أن أفعل ذلك، فكنت أقول: ~~أعطني كفيك أمسح بهما؛ رجاء بركتهما. # قال يونس: فكنت أرى ابن شهاب يفعل ذلك إذا أوى إلى فراشه. # 1311 - حدثنا سفيان بن وكيع، ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد: ~~أن ابن شهاب حدثه عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها قالت: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى، نفث على نفسه بالمعوذات، فمسح بيديه، ~~فلما اشتكى وجعه الذي قبض فيه، طفقت أنفث عليه بالمعوذات، وأمسح عليه بيد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # ففي حديث عقيل يخبر أنه بدأ فنفث فقرأ، كأنه دل على أن النفث PageV06P007 ~~قبل القراءة، وفي حديث مالك بدأ بذكر القراءة ثم النفث، وفي حديث يونس بدأ ~~بذكر النفث بلا تلاوة، قال: نفث ب {قل هو الله أحد}، ولا يكون هذا النفث ~~إلا بعد القراءة، وإذا فعل الشيء بشيء، كان ذلك الشيء مقدما حتى تأتي الشيء ~~الثاني. # فقال في ms0905 حديث يونس: نفث ب {قل هو الله أحد} يدل على أن القراءة مقدمة، ثم ~~نفث ببركته؛ لأنه يبتغي من قراءة هذه الأشياء أن يصل على الجسد نورها ~~وبركتها، ولا يقدر على الإيصال إلا بمثل هذا، وذلك أن العبد إذا قرأ، ~~استنار صدره بنور هذا الكلام الذي يتلوه كل قارئ على قدره، فإذا نفث، فإنما ~~ينفث من الصدر، والنفث من الروح، والنفخ من النفس، وعلامة ذلك: أن الروح ~~باردة، والنفس حارة، فإذا قال: نفث، خرجت الريح باردة فذاك من برد الروح، ~~وإذا قال: ها، خرجت الريح حارة، فتلك من النفس، فالأولى نفثة، وهذه الثانية ~~نفخة، وإنما صار هكذا، لأن الروح مسكنها في الرأس، ثم هي متفشية في جميع ~~الجسد، والنفس مسكنها في البدن، ثم هي متفشية في جميع الجسد، وفي كل واحدة ~~منهما حياة، بهما تستعملان الجسد بالحركات، PageV06P008 ~~والروح سماوية، والنفس أرضية، والروح عادتها الطاعة، والنفس عادتها ~~الشهوات. # فإذا ضم شفتيه، اعتصرت الروح في مسكنها، فإذا قصد لإرسالها، خرجت على ~~شفتيه مع البرد، فذلك النفث، وإذا فتح فاه، اعتصرت النفس، فإذا أرسلت، خرجت ~~ريح حارة، فإنما جاء الخبر بالنفث؛ لأن الروح أسرع نهوضا إلى نور تلك ~~الكلمات إذا تلاها العبد، وأوفر حملا من النفس، والنفس ثقيلة بطيئة عاجزة، ~~فأدى الروح إلى الكفين بذلك النفث ريحا قد باشرت أنوار الصدق التي أثارتها ~~تلك الكلمات، واستقبلتها بما جاء به من المزيد، فإن في كل كلمة منها نور ~~[ا]، وفي كل حرف من تلك الكلمة نورا، فإذا صار الريح إلى الكفين بالنفث، ~~مسح بهما وجهه، وما أقبل من جسده؛ لأن الحق للوجه؛ لأن الصورة منها، ثم ~~الحق بعد ذلك لما أقبل من جسده؛ لأن قبالة المؤمن حيث ما كان فهو لقبالة ~~الله، وكذلك قلبه في الباطن، فالحق له في النفث أن يبدأ بالوجه، وبما أقبل ~~من جسده، وتفاوت النفثات من أهلها على قدر نور قلوبهم، وعلمهم بتلك ~~الكلمات، فإذا فعل ذلك بجسده PageV06P009 ~~عند إيوائه إلى فراشه، كان كمن اغتسل بأطهر ماء وأطيبه، فما ظنك ms0906 بمن يغتسل ~~بأنوار كلمة الله؟ # وكان ذلك أيضا كثوب نفض من غباره، وخلص من شوكه، وتباعد من الزهومات، ~~فعاد طريا طيبا، فخرجت نفسه إلى الله في منامه، كذلك هذا سوى الاستغفار ~~والتوبة، والتسبيح والدعاء الذي أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة ~~إليه عند منامهم، فإنما اختار هذه القلاقل الثلاث؛ لأن في إحداهن مدحة الله ~~ونعته، فبه يطهر سره ويطيب، وبالمعوذتين يتخلص من الشرك والعلائق؛ لأن على ~~ابن آدم عدوين عظيمي المؤنة: النفس، والشيطان، يأتيان بالشك والشرك في ~~اليقظة، ويأتيان بالعين الحاسدة التي تهدم أركان النعمة، ولذلك قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((العين حق، وأكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله ~~بالعين)). PageV06P010 # وإنما صار هكذا؛ لأن هذه الأمة أيدت باليقين، وفضلوا به، وطريقهم إلى الله ~~واسعة، وطولبوا بما فضلوا أن ينسبوا كل شيء يستحسنونه إلى خالقه، ويتبركوا ~~فيقولوا: تبارك الله، فإذا تركوا ذلك إعجابا بذلك الشيء، تهافت ذلك الشيء، ~~وذهب حسنه وهلك، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سبق ناقة ~~الأعرابي ناقة رسول الله حيث استبقا، فقال: ((حق على الله أن لا يرفع الناس ~~أعينهم إلى شيء إلا وضعه الله)). # فإنما ذم رسول الله تلك العيون الغافلة عن الله. # وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ من شر تلك العيون، ~~فسماها: حاسدة، فقال: {ومن شر حاسد إلى حسد}؛ فإنما سمي حاسدا؛ لأنه يحصد ~~الأشياء حصدا، ويستأصلها بشؤم نظرته الفاجرة عن الله، والسين والصاد ~~يعتقبان يجزئ أحدهما عن الآخر؛ كقولك: صراط، وسراط. # قال له قائل: فإن كان هذا الناظر لغفلته هو الجاني، فما بال المنظور إليه ~~حيث لحقته العقوبة؟ # قال: ليس ذاك عقوبة، ولكن هذا تدبير الله في عباده. PageV06P011 # ألا ترى أن الساحر يسحر بأخذته، فيخلص الضرر إلى من سحره حتى يعالج، وكذلك ~~فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أنزلت عليه المعوذتان، فكان جبريل ~~عليه السلام يقرأ كل آية، ويحل عقدة، وذلك قوله تعالى: {ومن شر النفاثات في ~~العقد}. ms0907 # فالساحر يعقد وينفث، فيؤخذ بها أعضاء من يقصده بذلك، فكذلك هذا يخلص إليه ~~ضرر نظرته المشؤومة بالإعجاب حتى تلحده. # عدنا إلى حديث يونس عن الزهري. # قلنا: فمن اتخذ هذا الفعل عندما يأوي إلى فراشه عادة، رأى النفع الظاهر ~~في جسده، وسائر أموره؛ لأن النفس تعرج إلى الله في منامها مع البركة، ~~والنزاهة والطهارة، والتخلص من الشرك بقراءة: {قل هو الله أحد}، فتسجد تحت ~~العرش، وهي بهذه الصفة قد اغتسلت بهذه الأشياء، فتنال من حب الله، وكرامته، ~~ما يرجع إلى الجسد بالخير الكثير، والمزيد الشافي، فإذا عرجت إلى الله بغير ~~هذه الصفة، سجدت، وهي خالية عن هذه الأشياء، فتنال من الحب، والكرامة على ~~قدر نورها. PageV06P012 # 1312 - نا قتيبة بن سعيد، قال: نا ابن لهيعة، عن واهب بن عبد الله ~~المعافري، عن عبد الله بن عمرو، قال: تعرج الأرواح إلى الله في منامها، فما ~~كان طاهرا، سجد تحت العرش، ما لم يكن طاهرا، سجد قاصيا. # فلذلك يستحب أن لا ينام الرجل إلا وهو طاهر. # فإنما ذكر عبد الله بن عمرو في حديثه الأرواح، وإنما هي النفوس، وقد يسمى ~~الشيء باسم قرينه، كما قيل: قلب وفؤاد. # فالقلب: ما بطن، والفؤاد: ما ظهر، وفيه: العينان، والأذنان، فالخروج في ~~منامها: للنفوس، وذلك قول الله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي ~~لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى}. # 1313 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا عبد الغفار بن داود، عن ابن لهيعة، عن ~~عثمان بن نعيم، عن أبي عثمان الأصبحي، عن أبي الدرداء، قال: إن النفوس تعرج ~~إلى الله في منامها، فما كان طاهرا، سجد تحت العرش، وما كان غير طاهر، ~~تباعد في سجوده، وما كان جنبا، لم يؤذن لها PageV06P013 ~~في السجود. # فإذا كان بطهارة الوضوء ينال القربة تحت العرش حتى يسجد هناك، فكيف إذا ~~أتى بطهارة، قد وضئ وتوضئ، ونزه، وطاب، وطهر بأنوار كلام الله الذي تردد في ~~صدره، ونفث منها على جسده، إن هذه لسجدة ms0908 لها عند الله خطر عظيم. PageV06P014 ### || AUTO الأصل الثامن والأربعون والمئتان # 1314 - نا سليمان بن منصور الذهبي، قال: نا أبو حفص العبدي، عن أبان، عن ~~شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصوم والصلاة)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فدرجة الصوم: درجة الصابرين، ودرجة الصلاة: درجة الشاكرين. PageV06P015 # ثم إذا وصل العبد درجة الشاكرين، والصابرين، فقد جمع الإيمان، وذلك قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان نصفان: نصف للصبر، ونصف للشكر)). # وإذا جمع العبد الإيمان كله، انقطع بقوة هذا الإيمان إلى الله، وإذا ~~انقطع إلى الله، نجا من شرور النفس وخدعها، وأمانيها، وصار في معاذ الله من ~~وساوسها. # وروي عن عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من ~~انقطع إلى الله، كفاه مؤنته، ورزقه من حيث لا يحتسب)). # وبذلك أمر الله نبيه عليه السلام بقوله: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه ~~تبتيلا. رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا}. # فالتبتل: الانقطاع إليه، ثم أمره أن يتخذه وكيلا، فمن تمسك بهذه الآية، ~~عاش حرا كريما، ومات حرا كريما، ولقي الله عبدا صافيا خالصا. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال في حديث الرؤيا: ((ورأيت ~~رجلا من أمتي بينه وبين الله حجاب، فجاءه حسن خلقه، فأدخله على الله)). # فهذا يحقق ما قلنا بدءا: أن حسن الخلق يؤديه إلى الله انقطاعا إليه PageV06P016 ~~عن النفس وفتنتها. # وحسن الخلق على ثلاثة منازل: # أول منزلة منها: أن يحسن خلقه مع أمره ونهيه، فيأتمر بأمره، وينتهي عن ~~مناهيه، فإذا أحكم هذا، تخطى إلى المنزلة الثانية، وهو أن يحسن خلقه مع ~~جميع خلقه على سبيل المساعدة والمقاربة والمساهلة، واللين والرفق ~~والمواتاة، والتداري ومعاشرة الجميل، فإذا أحكم هذا، تخطى إلى المنزلة ~~الثالثة، وهو أن يحسن خلقه مع تدبير الله في كل أموره، ولا يريد إلا ما ~~يريد، ولا يشاء إلا ما يشاء، فعينه مادة ms0909 إلى ما يبرز له ساعة فساعة من ~~نفحات الملكوت من تلك الغيوب من تدبيره، فيتلقاه مهتشا راضيا، فقد ائتمن ~~الله على نفسه وأحوالها، فهذا رجل قد استكمل حسن الخلق، فاستراح قلبه، ~~واطمأنت نفسه، واستقامت جوارحه، وألقى بيديه إلى الله سلما، ووجده كافيا، ~~كريما، حسيبا، مولى ناصرا، فنعم المولى، ونعم النصير. # وإذا قال حينئذ: حسبي الله، صدقه الله على عرشه، وإذا قال: كفى بالله ~~وكيلا، كفاه الله، وإذا توكل عليه، هيأ له، وإذا اتكل على كرمه، وفى له بما ~~هو سأله، ولو كان ذلك طي الأرض، والمشي في الهواء، ولو سأله PageV06P017 ~~يوم القيامة أمة، لشفعه فيهم، وكان مسكنه في أعلى الجنان. # يحقق ذلك ما: # 1315 - نا به أبي رحمه الله، قال: نا أبو نعيم، قال: نا سلمة بن وردان ~~الكناني، قال: سمعت أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ~~ترك الكذب، وهو باطل، بنى الله له في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق، ~~بني له في وسطها، ومن حسن خلقه، بني له في أعلاها)). # فالذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الدرداء: ((إن العبد ~~ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم)). # هو عندنا درجة المعاشرة مع خلقه، مع الائتمار بأمره، والتناهي عما نهى ~~عنه، فهذا عبد نزل من حسن الخلق درجتين، فصار كمن صام نهاره، وقام ليله، ~~فهو صابر شاكر، وإنما بقيت له الدرجة العليا، فتلك درجة المقربين خاصة الله. PageV06P018 ### || AUTO الأصل التاسع والأربعون والمئتان # 1316 - نا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، ثنا عبد الرحمن بن محمد ~~المحاربي، ثنا إسماعيل بن إبراهيم الصائغ، ثنا أبو سفيان، عن سالم، عن ~~الحسن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مرض ~~ليلة، فصبر ورضي بها عن الله: خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # جاد العبد بنفسه على الله ليلة واحدة، فجاد الله عليه بمغفرة طهرته PageV06P019 ~~من جميع الذنوب، فصار كمن لم يذنب، فهكذا شأن ms0910 الكريم مع المؤمنين، هذا فيمن ~~جاد عليه بنفسه ليلة واحدة، فكيف بمن جاد عليه بنفسه في جميع عمره، بماذا ~~يجود عليه غدا؟ # يجود عليه بوجهه الكريم، حتى يصير بالصفة التي ذكرها في تنزيله، فقال ~~عندما ذكر لظى -نعوذ بالله منها-: {وسيجنبها الأتقى. الذي يؤتى ماله ~~يتزكى}. # فوصفه أنه في جانب وبمعزل من النار، ثم سماه الأتقى، ثم وسمه بالزكاء، ~~وهو الامتلاء والاحتشاء، ثم ذكر صفاءه وإخلاصه، فقال: {وما لأحد عنده من ~~نعمة تجزى}. # ثم أنبأ عن سره ماذا يبتغي بفعله، فقال: {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} أي: ~~ابتغى بهذا التقوى والصفاء والإخلاص أن يلقى وجهه الكريم. # قلنا: ويلقى غدا في الموقف رؤية، ويلقاه في الفردوس نظرا، وذلك منتهى ~~المنى، والنظر أكبر من الرؤية؛ لأنه يراه في الموقف رئي الديان عرضا، ~~وقبولا وجزاء، وفي الفردوس رؤية الجنان نظرا وبهجة وسرورا ولذة، ثم ختمه ~~بقوله: {ولسوف يرضى}؛ أي: يعطى حتى PageV06P020 ~~يرضى، وإنما يعطى ما يعقل العبد، ثم من وراء ذلك ما لم يعقله. # 1317 - نا الجارود بن معاذ، قال: نا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، ~~عن جابر بن عبد الله -أظنه رفعه-، قال: ((يقول الله تعالى: يا أهل الجنة! ~~بقي لكم شيء لم تنالوه؟ فيقولون: وما هو يا ربنا؟ فيقول: رضواني)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: PageV06P021 # فالرضوان آخر ما ينال أهل الجنة؛ لأنه لا شيء أكبر منه، ذكر الله تعالى ~~جنات عدن في تنزيله، ثم قال: {ورضوان من الله أكبر}، فكل عبد من أهل الجنة ~~حظه من الرضوان هناك فيها على قدر جوده بنفسه على الله في الدنيا. # ألا ترى إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية حيث بايعوا ~~رسول الله على الموت، حتى قال جابر بن عبد الله: بايعناه على أن لا نفر. # فسر قوله: بايعناه على الموت، وكانت البيعة تحت الشجرة في ذلك الوادي، ~~فأنزل الله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ~~ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم} إلى ms0911 آخره، فأوجب لهم الرضا في بذلة ~~واحدة بذلوا نفوسهم لله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن بذل ~~نفسه في جميع عمره لله؟ فمن أوجب الله له الرضا عنه في الدنيا، فحظه في ~~الجنة الرضوان كله. PageV06P022 ### || AUTO الأصل الخمسون والمئتان # 1318 - نا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: نا إبراهيم بن موسى الفراء، عن ~~هشام بن يوسف قاضي صنعاء، عن عبد الله بن بحير، عن هانئ البربري مولى عثمان ~~بن عفان، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا دفن ميتا، وقف وسأل له التثبيت، وكان يقول: ((ما يستقبل المؤمن من ~~هول الآخرة إلا والقبر أفظع منه)). PageV06P023 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالوقوف على القبر، وسؤال التثبيت للمؤمن في وقت دفنه مدد للميت بعد ~~الصلاة؛ لأن الصلاة بجماعة المسلمين كالعسكر، قد اجتمعوا بباب الملك يشفعون ~~له، والوقوف على القبر لسؤال التثبيت مدد العسكر، وتلك ساعة شغل المؤمن؛ ~~لأنه يستقبل هول المطلع وسؤال، وفتنة فتاني القبر منكر ونكير. # فإنما سميا: فتاني القبر؛ لأن في سؤالهما انتهار [ا]، وفي خلقهما صعوبة. # ألا ترى أنهما سميا منكرا ونكيرا، فإنما سميا بذلك؛ لأن خلقهما لا يشبه ~~خلق الآدميين، ولا خلق الملائكة، ولا خلق الطير، ولا خلق البهائم، ولا خلق ~~الهوام، بل هما خلق بديع، وليس في خلقتهما أنس للناظرين إليهما، جعلهما ~~مكرمة للمؤمن؛ ليثبته وينصره، وهتكا لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث ~~حتى يحل عليه العذاب، وإنما صارت مكرمة للمؤمن؛ لأن العدو لم ينقطع طمعه ~~بعد، فهو يتخلل السبيل إلى أن يجده في البرزخ. # ومما يحقق ذلك: # 1319 - ما نا به صالح بن محمد، عن حماد بن PageV06P024 ~~عبد الرحمن، قال: نا إدريس بن صبيح الأودي، عن سعيد بن المسيب، قال: حضرت ~~عبد الله بن عمر في جنازة، فلما وضعها في اللحد، قال: ((باسم الله، وفي ~~سبيل الله، وعلى ملة رسول الله)). فلما أخذ في تسوية اللحد، قال: ((اللهم ~~أجرها من الشيطان، ms0912 ومن عذاب القبر، ومن عذاب النار)). فلما سوى الكثيب، قام ~~جانب القبر، ثم قال: ((اللهم جاف الأرض عن جنبها، وصعد روحها، ولقها منك ~~رضوانا)). فقلت لابن عمر: أشيئا سمعته من رسول الله، أم شيئا قلته من رأيك؟ ~~قال: إني إذا لقادر على القول، بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV06P025 # 1320 - نا أبي رحمه الله، قال: نا الفضل بن دكين، عن سفيان، عن الأعمش، عن ~~عمرو بن مرة، قال: كانوا يستحبون إذا وضع الميت في اللحد أن يقولوا: اللهم ~~أعذه من الشيطان الرحيم. # فإنما كانوا يتخوفون من فتنة الفتانين من قبل العدو أنه يشبه على من كان ~~في قلبه زيغ أيام الحياة. # وروي عن سفيان الثوري: أنه قال: إذا سئل الميت من ربك؟ تراءى له الشيطان ~~في صورة، فيشير إلى نفسه؛ أي: أنا ربك. # فهذه فتنة عظيمة، جعلها الله مكرمة للمؤمن إذا ثبته، ولقنه الجواب، فلذلك ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بالثبات، فيقول: ((اللهم ثبت عند ~~المسائل منطقه، وافتح أبواب السماء لروحه)). PageV06P026 # فلو لم يكن للشيطان هناك سبيل، ما كان ليدعو له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يجيره من الشيطان. # فهذا تحقيق لما روي عن سفيان. # وإنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصة؛ لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم ~~بالرسالة، فإذا أبوا، كفت الرسل، واعتزلوا، وعوجلوا بالعذاب، فلما بعث الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة وأمانا للخلق، فقال: {وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين}. # فأمسك عنهم العذاب، وأعطي السيف حتى يدخل في الإسلام من دخل لمهابة ~~السيف، ثم يرسخ في قلبه، فأمهلوا، فمن هاهنا ظهر أمر النفاق، فكانوا يسرون ~~الكفر، ويعلنون الإيمان، فكانوا بين المسلمين في ستر، فلما ماتوا قيض الله ~~لهم فتاني القبر؛ ليستخرج سرهم بالسؤال. # فروي في الحديث: أنه إذا سئل عن الرسول عليه السلام، قال: لا أدري، فيضرب ~~بالمقامع، ويقال: لا دريت. # و{يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا}، PageV06P027 ~~فشكر الله لعبده ما كان يضمر لله من الصدق ms0913 واليقين، فيثبته للجواب، وخذل ~~الآخر؛ ليظهر سره، فيهال عليه العذاب. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((كيف أنت يا عمر إذا ~~أتاك في قبرك أسودان أزرقان يطآن الأرض بشعورهما، ويحفران الأرض بأنيابهما، ~~أصواتهما كالرعد القاصف، وأعينهما كالبرق الخاطف؛ فيسألانك عن ربك ودينك ~~ونبيك؟))، فقال عمر: كيف عقلي يومئذ؟ قال: ((كهيئته اليوم))، قال: إذا ~~أكفيكهما. # فدل قول عمر: أن الجواب من المؤمنين على قدر عقولهم التي كانت في الدنيا. # 1321 - نا محمد بن زنبور المكي، قال: نا أبو بكر ابن عياش، عن الأعمش، عن ~~أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذه الأمة ~~تبتلى في قبورها)). PageV06P028 # وأما قوله: ((ما يستقبل المؤمن من هول الآخرة إلا والقبر أفظع منه))، فهذا ~~للمؤمن خاصة، فأما الكافر، فما يستقبله من شيء إلا وهو أفظع مما مضى؛ لأن ~~المؤمن كلما قرب من ربه، يسر عليه الأمر، وكان أقرب إلى الرحمة؛ فإنما ~~يحاسب المؤمن في قبره؛ ليكون أهون عليه غدا إذا وقف بين يديه؛ لأن الله ~~تعالى أنزل عبده المؤمن من نفسه أنه يستحيي منه، وأنه أوجب له محبته، ~~ورأفته، ورحمته، فإذا كانت هذه منزلته منه، ثم كان من العبد جفاء، أو ~~انتهاك شيء حرمه الله، واغترار بقول العدو، فاستوجب بذلك العقوبة لرضا ~~الحق، أنى له ذلك، وهو بعد في البرزخ يمحصه ليخرج من القبر، وقد اقتص منه، ~~وأرضى الحق. # 1322 - نا صالح بن عبد الله، قال: نا يحيى بن زكريا ابن [أبي] زائدة، عن ~~مجالد، عن محمد بن المنتشر، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: في القبر ~~حساب، وفي الآخرة حساب، فمن حوسب في القبر، نجا، ومن حوسب PageV06P029 ~~في القيامة، عذب. # وكذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ((إن أهل التوحيد الذين تأخذهم النار، يميتهم الله إماتة، حتى تحرق النار ~~منهم ما تحرق، ثم يحييهم فينجيهم)). # 1323 - نا عبد الوارث بن عبد الصمد، عن أبيه، عن سليمان التيمي، عن أبي ~~نضرة، عن أبي ms0914 سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بذلك. # فلا نعلم للإماتة سببا أكشف عن المعنى الذي ذكرنا أن الله تعالى بعدما ~~أوجب لعبده محبته، ورأفته، ورحمته، وبذلك: جعله أهلا للكلمة العليا: لا إله ~~إلا الله، وكان ممن دخل اسمه في الآية في التنزيل حيث يقول: {وألزمهم كلمة ~~التقوى}، ثم قال: {وكانوا أحق بها وأهلها}. # فمن دخل اسمه في هذا المديح، وفي مثل هذه المرتبة، ثم حبسه في النار حقوق ~~الله حتى يحترق منه ما يرضي الحق، كان غير مدفوع أن الله PageV06P030 ~~تعالى يستحي من العبد، فيميته في تلك النار، حتى يقضى للحق ما وجب له ~~ورضيه، ثم إذا أحياه أنجاه. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ليستحي من عبده ~~وأمته أن يشيبا في الإسلام شيبة فيعذبهما بالنار)) وفي حديث آخر: ((إن الله ~~تعالى ليستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا)). PageV06P031 ### || AUTO الأصل الحادي والخمسون والمئتان # 1324 - نا أبي رحمه الله، قال: نا عبد الله بن نافع، قال: حدثني ابن أبي ~~فديك، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن ~~سمرة، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن في مسجد ~~المدينة، فقال: ((إني رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلا من أمتي جاءه ملك الموت ~~ليقبض روحه، فجاءه بره بوالديه، فرده عنه)). PageV06P033 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فبر الوالدين شكر؛ لأنه تعالى قال: {اشكر لي ولوالديك إلي المصير}، فإذا ~~برهما، فقد شكرهما، وقال في تنزيله: {لئن شكرتم لأزيدنكم}. # فإنما وجد العبد من ربه في وقت انفصاله من أمه العمر، وقد كان في البطن ~~حياة، ولم يكن عمرا، فلما خرج، أعطي العمر بمقدار، فإذا وصل والديه ببر، ~~كان قد وصل الرحم الذي منه خرج، والصلب الذي منه جرى، فكان بفعله ذلك ~~شاكرا، فزيد من ذلك العمر الذي شكر من أجله، فرد عنه ملك الموت. # يوهمك في هذا الحديث: أن العباد إذا ms0915 وصلوا أرحامهم زيد في أعمارهم؛ لأنهم ~~بالصلة صاروا شاكرين، فشكر الله لهم، ووفى لهم بما وعد في تنزيله: {لئن ~~شكرتم لأزيدنكم}، فزاد في أعمارهم. # 1325 - نا أبي رحمه الله، قال: نا الفضل بن دكين، عن سفيان، عن عبد الله ~~بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، وإن ~~الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)). PageV06P034 # ((ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوءه فاستنقذه من ذلك)). # قال أبو عبد الله: # فعذاب القبر من البول والنجاسة، كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((أن عامة عذاب القبر من البول والنميمة)). # وإنما صار كذلك؛ لأن البول من معدن إبليس، من جوف الآدمي، فإذا لم يتنزه ~~العبد من ذلك، دخل قبره بنجاسات العدو، فعذب في القبر، وعذاب المؤمنين في ~~البرزخ، وعذاب الكفار في القيامة. # 1326 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا إبراهيم بن موسى الرازي، عن هشام بن ~~يوسف قاضي صنعاء، عن PageV06P035 ~~عبد الله بن بحير، عن هانئ البربري مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت عثمان بن ~~عفان يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن ميتا، وقف عليه، وسأل ~~له التثبيت، وكان يقول: ((ما يستقبل المؤمن من هول الآخرة إلا والقبر أفظع منه)). # وإنما صار هذا هكذا؛ لأن المؤمن في ستر الله، ومن أحبابه؛ فإذا قبض من ~~الدنيا؛ حوسب من وراء ظهره، حتى يكون أهل عليه من أن يكون بين يدي الله، ~~فحاسبه الله على ألسنة الملائكة، كأنه يستحي من عبده المؤمن، إذ كان في ~~الأصل حبيبه أن يحاسبه بين يديه، فقدم حسابه في البرزخ وتمحيصه؛ ليخرج من ~~القبر إلى الله يوم القيامة طاهرا لم يبق للحق عليه دعوى. # 1327 - نا محمد بن علي رحمه الله، قال: نا صالح ابن عبد الله، قال: نا ~~يحيى بن زكريا، عن مجالد، عن محمد بن المنتشر، عن ربعي ms0916 بن حراش، عن حذيفة، ~~قال: في القبر حساب، وفي الآخرة حساب، فمن حوسب في القبر، نجا، ومن حوسب في ~~الآخرة، عذب. PageV06P036 # فجعل الله هذا الماء طاهرا، يطهر النجاسات الدنيوية، وأدناس الذنوب، فإذا ~~كان العبد مداوما على الوضوء، فهو أبدا في إزالة الأنجاس، ونفض الغبار عن ~~دينه، فإذا كان يوم البرزخ، وجاء عذاب الأدناس التي اكتسبها بالسيئات، جاءه ~~وضوءه، فاستنقذه من النار. # 1328 - نا عبيد الله بن يوسف الجبيري، قال: نا عثمان بن عبد الرحمن ~~الحراني، قال: نا عبد الحميد ابن يزيد، عن آمنة بنت عمر، عن ميمونة: أنها ~~قالت: يا رسول الله! أفتنا عن عذاب القبر، قال: ((من أثر البول، فمن أصابه ~~منه شيء، فليغسله بماء، فإن لم يصبه، أو لم يجده، فليمسحه بتراب طيب)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالغسل لما يعلمه، فإذا خفي عليه أن يكون أصابه شيء، وخاف من حيث لا ~~يدري، وهاب ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأن عذاب القبر، دله ~~على التيمم، فإنما سألت ميمونة رسول الله عن الفتيا في عذاب القبر ما ~~الحيلة في الخلاص منه إن أصابه البول من حيث لا يعلم، وقد جاء فيه في ~~التشديد ما جاء، فرأى أن الجهل به ضرورة، وفقد الماء ضرورة، وقد تفضل الله PageV06P037 ~~على عبيده عند فقد الماء بالتيمم، وصيره كافيا، ومزيلا للجنابة والأحداث ~~عنه، فرأى أن التيمم هاهنا في حال الشك والتخوف أن يكون قد أصابه من حيث لا ~~يعلم، يكون كافيا، ومزيلا للنجاسة عنه؛ لينجو من وباله غدا في القبر. # وما روي عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني معاذ بن رفاعة بن ~~رافع، قال: حدثني محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح، عن جابر بن عبد ~~الله، قال: لما توفي سعد بن معاذ، ووضع في حفرته، سبح رسول الله، وسبح ~~القوم، ثم كبر، وكبر القوم معه، فقالوا: يا رسول الله! لم سبحت؟ قال عليه ~~السلام: ((هذا العبد الصالح تضايق عليه قبره حتى فرجه ms0917 الله عنه))، فسئل ~~رسول الله عن ذلك، فقال: ((كان يقصر في بعض الطهور من البول)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فلما كان شأن عذاب القبر هكذا، وقد قال: ((عامة عذاب القبر من البول، ~~دلهم على التيمم لما لا يعلم على الاحتياط بذلك، ولما PageV06P038 ~~يعلم غسلا. # ((ورأيت رجلا من أمتي احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله، فخلصه من ~~بينهم)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالشيطان وجنوده قد أعطوا السبيل إلى فتنة الآدميين، وتزيين ما في الأرض ~~لهم طمعا في غوايتهم، وقد قال: {بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين}، فلو لم يجعل بيده شيء، ما قدر على أن ~~يزين، ولكن قد أعطي سلطانا بتلك الزينة التي قد أعطيها حتى يوصلها إلى ~~النفوس، ويهيجها تهييجا يزعزع أركان البدن، ويستفز القلب حتى يزعجه عن ~~مستقره، فلا يعتصم الآدمي بشيء أوثق، ولا أحض من الذكر؛ لأنه إذا هاج الذكر ~~من القلب، هاجت الأنوار، فاشتعل الصدر بنار الأنوار، وهيج العدو من نفسه ~~نار الشهوات بنفخه ونفثه، ونار الأنوار تحرق نار الشهوات، وتحرق العدو، ~~فإذا رأى العدو هيج الذكر من القلب، ولى هاربا، فترك النفخ، والنفث، وخمدت ~~نار الشهوة، وامتلأ الصدر نورا، فبطل كيده، وذلك قوله تعالى: {وإذا ذكرت ~~ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا}. # وقال تعالى: {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظا من كل شيطان ~~مارد}، وقال: {وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق PageV06P039 ~~السمع فأتبعه شهاب مبين}، وقال: {إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب}. # فهذه قصة السماء حرسها بشهب الكواكب، ثم جعل صدور المؤمنين كذلك، فجعل ~~قلب المؤمن خزانة لكنوز معرفته، وجعل أعلام الكنوز في الصدور مرفوعة لعين ~~الفؤاد، حتى تري عين الفؤاد العلم الذي رفع له ففي كل وقت علم؛ لأن الكنوز ~~أنواع، ولكل نوع علم، فما يرفع العلم في الصدر لعين الفؤاد، حتى يتبع ~~العلم، فالأعلام زينة الصدر ومصابيحه. # وهؤلاء حراس السماء، يحرسون أخبار السماء حتى لا يسترق العدو سمع ما ms0918 في ~~السماء، فإذا دنوا للسمع، رموا بشهب الكواكب، وهؤلاء حراس الخزنة، يحرسون ~~كنوز المعرفة حتى لا يسترق العدو سمع ما في الصدر، من ترائي عين الفؤاد، ~~وتدبير ذات الصدر، فإذا هاج الذكر، فإنما يهيج من هذه الأعلام التي في ~~الصدور، من تلك الكنوز التي في القلب، فاشتعل الصدر نورا، ولكل شعلة حريق، ~~فإن تراءى العدو في ذلك الوقت، أحرقته تلك الشعلة برمي شعاعها، فلذلك يهرب، ~~ويتخلص العبد. # فعلم العدو أن لله عبادا قد امتحنهم للتقوى، واستخلصهم للكرامة، ~~فاستثناهم، فقال: {إلا عبادك منهم المخلصين}، فإنما استخلصهم الله تعالى ~~للذكر، فأصفاهم ذكرا، وأطيبهم معدنا للذكر: أقواهم على العدو، والعدو أشد ~~نفارا منهم. PageV06P040 # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان ليفر من حس عمر، وما ~~رأى الشيطان عمر، إلا خر لوجهه)). # وقال في تنزيله: {من شر الوسواس الخناس}، فإنما سماه خناسا؛ لأنه إذا جاء ~~الذكر، انخنس، وذهبت قوته، وإن تعرض في ذلك الوقت، احترق. # وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يحيى بن زكريا عليه السلام ~~آخر ما كان يأمر قومه بخمس خصال، ويضرب لهم مثلا، فكانت إحدى الخصال: أن ~~أمرهم بذكر الله، فضرب لهم في ذلك مثلا، فقال: رجل أتاه العدو من ناحية ~~فقاتله، وأتاه آخر من ناحية فقاتله، فلما رأى أنهم أتوه من النواحي، دخل ~~الحصن، وأغلق الباب، فاستقر آمنا بالحصن، وبقي العدو خارجا. # فالعبد إذا قاتل الشيطان بنوع من أنواع البر، جاءه من نوع آخر، فإذا جاء ~~الذكر، هرب وتركه؛ لأن الذكر نور يحرق، وليس لأعمال البر تلك القوة التي ~~يحترق منها العدو. # ((ورأيت رجلا من أتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته، فاستنقذته ~~من أيديهم)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالعذاب إنما يقصد العبيد الأباق الذين هربوا، وذهبوا برقابهم من الله، ~~وأهل الصلاة كلما أبقوا، عادوا إلى الله في وقت كل صلاة، PageV06P041 ~~ووقفوا بين يديه تائبين، نادمين، معتذرين، مسلمي نفوسهم إليه، مجددين ~~لإسلامهم، يترضونه بالتكبير، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والركوع، ~~والسجود، والرغبة، والتضرع ms0919 إلى الله في التشهد، فسقطت عنهم عيوب إباقهم ~~وهربهم، وزالت عنهم العقوبات التي استوجبوها. # ((ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا، كلما ورد حوضا منع، فجاءه صيامه، ~~فسقاه)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فهذا عبد اتبع هواه، وأمعن في شهواته، حتى بعد من الرحمة، وإذا بعد القلب ~~من الرحمة، عطش، وإذا عطش، يبس، وإذا يبس، قسا، ولذلك قال تعالى: {فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله}، وقال تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي ~~كالحجارة أو أشد قسوة}. # فبالرحمة يرطب القلب، ويروى، وببعده من الرحمة يعطش، فأورثه عطش القلب ~~عطش القيامة، حتى رآه النبي صلى الله عليه وسلم في منامه في القيامة في تلك ~~الحالة، فإذا ترك العبد اتباع الهوى، وامتنع من منهي الشهوات، عادت الرحمة ~~إليه، وقرب القلب منه، وتوسع في سقياه، فروي؛ لأن برد الرحمة يسكن حرارة ~~الشهوة التي تؤدي النفس إلى العطش، والصيام: PageV06P042 # هو ترك الشهوات والمنى، ورفض الهوى، وإنما جعل الحوض حوض الرسول عليه ~~السلام غياثا لأهل الموقف؛ لأنهم يقومون عطاشا من قبورهم؛ لأنهم دخلوها مع ~~الهوى والشهوات، لم يفارقوها إلا بمفارقة الروح، وخروج النفس، فخرجوا من ~~الدنيا عطاشا، فاحتاجوا إلى الحوض، ومن خرج من الدنيا، وقد فارق الهوى ~~والشهوات، فإنما سكن عطشه، وروي برحمة الله من قرب الله، فدخل القبر ريانا، ~~وخرج منه يوم القيامة إلى الله ريانا من كل ماء، عطشانا إلى لقاء الله، ~~فأولئك الذين يسقون قبل دخول الجنة، حتى يرووا من حيث عطشوا. # روي لنا عن مالك بن دينار: أنه قال: ينادي مناد يوم القيامة: أين أهل ~~العطش؟ فأول من يقوم داود -عليه الصلاة والسلام-، فيسقى على رؤوس الخلائق، ~~فذلك قوله تعالى: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب}. # فإنما خص داود بالأولية؛ لأن الخطيئة عطشته، وهو وإن تاب، وقبلت توبته، ~~وغفر الله له ذلك، فذلك العطش باق إلى ذلك اليوم. # ((ورأيت رجلا من أمتي والنبيون قعود حلقا حلقا، كلما دنا لحلقة، طرد، ~~فجاءه اغتساله من الجنابة، فأخذ بيده، فأقعده إلى جنبي)). # قال ms0920 أبو عبد الله رحمه الله: # فالجنابة إنما سميت جنابة؛ لأن الماء الذي جرى من صلبه قد كان جاور في ~~الأصل مياه الأعداء في ظهر آدم عليه السلام، فأصابته زهومة تلك المياه PageV06P043 ~~بجواره، وممره من الصلب إلى مستقر العدو من الجوف، ومستقره من المعدة إلى ~~مواضع الحدث، هو كله معدنه، فإذا خرج من العبد في يقظته، أوجب غسلا، وإذا ~~خرج منه من منامه حلما، أوجب غسلا، وإذا خرج منه عند خروج الروح منه يوم ~~الموت، أوجب عليه غسلا بعد الموت، ولذلك يغسل الميت، ولا يصلى عليه حتى ~~يغسل، كما كان الحي لا يجزئه الصلاة إلا بعد الغسل. # فالغسل: تطهير من أثر العدو. # والجنب ممنوع من قراءة القرآن، ومن أن يمسه بيده، ومن أن يتخذ المساجد ~~مجلسا؛ لأن الطهارة مفقودة، وآثار العدو موجودة، وإذا كانت هكذا، فهو ممنوع ~~من حلق النبيين -عليهم السلام-، ومجالستهم في الموقف؛ لأن حلقهم في الموقف ~~على مراتب، لا كحلق أهل الدنيا لمن ينتابهم في حاجة. # فالرسل -عليهم السلام-: مراتبهم معلومة في الموقف، مقامهم، وقعودهم، ومن ~~يحبونهم، والأنبياء: دونهم، والأولياء: دونهم، كل صنف على مرتبته، فهذا ~~الجنب لو لم يكن يغتسل في الدنيا، لمنعه فقد طهارته عنهم، فلما اغتسل في ~~الدنيا، صارت منزلته بطهارته بحيث صلح، وجاز PageV06P044 ~~إلى أن يقعد إلى جانب سيد الرسل عليه السلام، وبالطهارة وجد السبيل إلى ~~ذلك، وإنما وجد السبيل إلى ذلك، وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين ~~الرسل، إجلالا بمحله؛ لأن أصل الجنابة من الفرج، فوجد المغتسل السبيل إلى ~~أصل الفرج، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. # ((ورأيت رجلا من أمتي بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن ~~شماله ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، متحير فيها، فجاءته حجته ~~وعمرته، فاستخرجاه من الظلمة، وأدخلاه النور)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فقد وعد الله في تنزيله في شأن الحج حط الآثام عنه، فقال: {فمن تعجل في ~~يومين فلا إثم عليه} الآية؛ أي: رجع مغفورا له، وقد ms0921 سقط عنه الإثم، فتلك ~~الظلمات كانت آثام العبد، فإذا قضى حجته، وفى الله بما وعده. # وأما العمرة: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم روي عنه: أنه قال: ~~((العمرة الحج الأصغر)). PageV06P045 # ((ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه، فجاءته صلة الرحم، فقالت: ~~يا معشر المؤمنين! كلموه، فكلموه)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالرحم أصل المؤمنين كلهم، فمن تمسك بصلته، فقد أرضى المؤمنين كلهم، ما ~~بينه وبين آدم صلى الله عليه وسلم، ومن تهيأ له صلة الرحم، تهيأ له رضا ~~المؤمنين كلهم، ومن كان قاطعا للرحم، أيس المؤمنون من خيره. # ولذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن الرحمة لا ~~تنزل على قوم فيهم قاطع رحم)). # قال: فإنما صار هكذا؛ لأن الرحمة منقطعة عنه، وهو في سخط الله، وأن الله ~~خلق الرحم بيده، وشق لها اسما من اسمه، فقال: ((أنا الرحمن، وأنت الرحم، ~~خلقتك بيدي وشققت لك اسما من اسمي)). # ثم أرسل حواشي قميص الرحمة، فتعلق الخلق بها، فمن وصل الرحم، فقد تعلق ~~بحاشية القميص، ومن قطعها، قصرت يده عن حاشية PageV06P046 ~~القميص، فانقطع عن رحمة الله، ولم يبق له إلا رحمة التوحيد، فهذا الواصل ~~للرحم كان رجلا قد عمل السيئات الكثيرة، وضيع الحقوق، فلما وصل الرحم، نالت ~~يده حواشي القميص، فتعلق بها، فنال الرحمة، فلما جاءته الصلة، فأخبرت ~~المؤمنين في القيامة: كلموه. معناه: أنه دخل في رحمة الله التي يرحم بها ~~المؤمنين، فصاروا كلهم له، بعد أن كانوا عليه. # ((ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه فجاءته صدقته، ~~فصارت سترا على وجهه وظلا على رأسه)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالصدقة إنما صارت سترا للمؤمن من النار؛ لأنه إذا تصدق، فإنما يفدي ~~نفسه، ويفك غرامة جنايته. # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن يحيى بن زكريا عليه السلام ~~أمر قومه بالصدقة، وضرب لهم مثلا، فقال: كمثل رجل قتل قتيلا، ثم هرب، فسأل ~~أولياءه أن يجعلوا دية القتل عليه ms0922 نجوما، ففعلوا، فأداها نجما نجما، ففك ~~رقبته، وصار إلى أهله مطمئنا)). # والنار إنما تطلب وجوه الجناة في الموقف لتلفحها، فإذا أدى الجاني غرمه، ~~صار الأداء سترا على الوجه، وظلا على الرأس، وهكذا شأن الفدية، تأخذ ~~بالحذاء من فوق، فتقيك بنفسها من كل ناحية. PageV06P047 # ((ورأيت رجلا من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان، فجاءه أمره بالمعروف، ~~ونهيه عن المنكر، فاستنقذاه من أيديهم، فأدخلاه مع ملائكة الرحمة)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالزبانية من شرط الملائكة، والشرط لمن جاهر بالمعاصي من أهل الريب، ~~يلتمسونهم في الطرق والمسالك، ليأخذوهم، فمن استتر بستر الله، وأمر ~~بالمعروف، ونهى عن المنكر، فهو -وإن استعمل أعمال أهل الريب بعد أن يكون ~~مستورا- لا ينهتك. # فالشرط في الدنيا منتهون عن أخذه، وغير ملتمسين أشباه هؤلاء؛ لحرمة ذلك ~~الستر، فكذلك في الآخرة، إذا طلب الزبانية في عرصة القيامة أهل المجاهرة ~~بالمعاصي، فوقع هذا المستور في أيديهم، نفعه ذلك النهي عن المنكر والأمر ~~بالمعروف، وكل من عمل بالمعاصي في الدنيا سرا لا يجاهر به، فكائن منه أن ~~ينهى عن المنكر إذا لقيه، وإذا فعل ذلك، كانت ملائكة الرحمة أحق به من ~~ملائكة العذاب، ومن استحقته ملائكة الرحمة في الموقف، فقد نجا. # ((ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه، بينه وبين الله حجاب، PageV06P048 ~~فجاءه حسن خلقه، فأخذ بيده، فأدخله على الله)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # ينبئك في هذا القول: أن العبد تحجبه ذنوبه عن الله في الدنيا قلبا، وفي ~~الموقف غدا بدنا، وأنا حسن الخلق منحة من الله لعبده؛ لأن الأخلاق في ~~الخزائن، فإذا أحب الله عبدا، منحه خلقا منها؛ ليدر عليه ذلك الخلق كرائم ~~الأفعال، ومحاسن الأمور، فيظهر ذلك على جوارحه؛ ليزداد العبد بذلك محبة، ~~فوصله إليه في الدنيا قلبا، وفي الآخرة بدنا، وحب الله عبده يمحق الذنوب ~~محقا، ويتركه من آثامه عطلا، وإذا أحب الله عبدا، أهدى إليه خلقا من ~~أخلاقه، وإذا رحم الله عبدا، أذن له في عمل من أعمال البر، فهذه ثمرة ~~الرحمة، وتلك ms0923 ثمرة المحبة. # ((ورأيت رجلا من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله، ~~فأخذ صحيفته، فجعلها في يمينه)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فأعظم الأهوال في القيامة في ثلاث مواطن: عند تطاير الصحف، وعند الميزان، ~~وعند الصراط، وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: أنه قال: # ((لا يذكر أحد أحدا في هذه المواطن)). PageV06P049 # فإذا وقعت الصحيفة في يمينه، أمن، وبانت سعادته. # قال الله تعالى في تنزيله: {فأما من أوتي كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا. وينقلب إلى أهله مسرورا}. # 1329 - نا يحيى بن حبيب بن عدي، قال: نا بشر ابن المفضل، عن عوف، عن ~~الحسن، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((قال ربكم تعالى: لن أجمع ~~على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، من أخفته في الدنيا، أمنته في ~~الآخرة)). # فمن قاسى خوفه في الدنيا، أوجب له الأمن يوم القيامة، فإذا جاءه الهول ~~عند تطاير الصحف، جاءه الخوف، فنفعه؛ بأن جعل صحيفته في يمنيه حتى يأمن. # ((ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه، فجاءته أفراطه، فثقلوا ميزانه)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالأفراط: أولاده الأطفال، الذين لم يبلغوا الحلم، فإنما ثقل ميزانه؛ ~~لأنهم أطفال موحدون، قدموا على ربهم بلا شرك، ولا ذنب، قد برأ الله خلقهم ~~من صلب موحد، فهم من أهل رحمة الله، وإنما يثقل PageV06P050 ~~الموازين بالرحمة. # وقال في حديث آخر: ((من مات له ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحلم، أدخله الله ~~الجنة بفضل رحمته إياهم)). # فهذا الوالد إنما يدخل الجنة بما يفضل من رحمة الله هؤلاء الأطفال، فكيف ~~برحمته لهم؟ # فالحسنات تثقل الموازين، وأصل الحسنات: من الرحمة بدءا حتى ظهرت على ~~العبد، ومن أحسن الحسنات: ذرية يخرجها الله من صلب موحد، ثم يقبضهم، ولم ~~يتدنسوا بمعصية. # فإذا العبد قد قدم طائفة من جسده طاهرة لم تتدنس، فإذا وضع في الميزان، ثقل. # ((ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم، فجاءه وجله من الله، فاستنقذه ~~من ذلك، ومضى)). # قال ms0924 أبو عبد الله رحمه الله: # فالوجل: هو في وقت انكشاف الغطاء لقلب المؤمن، فإذا كان ذلك، فتلك خشية ~~العبد، فاقشعر جلده، وإن جهنم حائلة يوم القيامة PageV06P051 ~~بين العباد وبين الجنة، حتى تضرب الجسور، وتهيأ القناطر، فعندها يستبين ~~الصراط، وهو الطريق لأهلها، فالخلق كلهم على شفير النار وقوف، هائبين لها، ~~فوجل العباد يجعل لهم السبيل ليقطعوها؛ لأن الخشية ثوابها المغفرة. # وقد قال في تنزيله: {إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير}. # فالمغفرة: نورها ساطع، وهو نور الرأفة، فإذا جاءت الرأفة، وجد العبد ~~قلبا، وذهبت الحيرة، وتشجعت النفس ومضت. # ((ورأيت رجلا من أمتي هوى في النار، فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله ~~في الدنيا، فاستخرجته من النار)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فهذا عبد استوجب النار بعمله، فأدركته رحمة الله ببكائه من الخشية، ~~فأنقذته؛ لأن دمعة الخشية تطفئ بحورا من النار. # ((ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة، فجاءه حسن ~~ظنه بالله، فسكن رعدته، ومضى)). PageV06P052 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فحسن الظن من المعرفة بالله، [و] عظم أمل العبد ورجاؤه لربه من المعرفة، ~~فلم يضيع الله معرفة العبد؛ لأنه هو الذي من عليه بها، فلم يرتجع في منه، ~~ووفى له؛ بأن أعطاه حسن الظن به في الدنيا من تلك المعرفة الممنونة بها ~~عليه، ثم حقق ظنه في ذلك الموقف؛ أي: كما عرفتني، ثم ظننت من معرفتك بي أني ~~أنجيتك، فلك النجاة، والأمان، فسكن رعدته. # ((ورأيت رجلا من أمتي يزحف أحيانا، ويحبو أحيانا، ويتعلق أحيانا، فجاءته ~~صلاته علي، فأخذت بيده، وأقامته، ومضى على الصراط)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم من العبد بنوة لأبيه، يريد أن يري ~~أباه مقام الولد للأب، ولذلك أمر الله العباد أن يصلوا عليه، فذاك حق ~~الرسول -عليه الصلاة والسلام-، يقضونها بمنزلة الأولاد يقضون حق آبائهم، ~~فإذا كان الولد هكذا، فمن شأن الوالد أن يأخذ بيد الولد في وقت عثراته؛ ~~بمنزلة الطفل الذي ms0925 إذا مشى، فعثر في مشيته، عجل إليه أبوه، وتبادر حتى يأخذ ~~بيده، فيقيمه، فصارت صلوات العباد للرسول عليه السلام PageV06P053 ~~بمنزلة ذلك الأب العطوف الذي كلما عثر الولد، بادر بعطفه، فأخذ بيده ~~فأقامه. # ((ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة، فغلقت الأبواب دونه، فجاءته ~~شهادة: أن لا إله إلا الله، ففتحت له الأبواب، فأدخلته الجنة)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فهذه كلمة جعلت مفتاحا لأبواب الجنة، وإنما غلقت دون هذا العبد، كأنه جاء ~~بمفتاح ليس له أسنان، وقد نجد في دار الدنيا أن يجيء الرجل بمفتاح الباب، ~~وقد ضاع بعض أسنانه، فلا يزال يردده، ويحركه، حتى يفتحه، فإذا لم يكن بيده ~~مفتاح، لم يفتح، فهذا عبد قد ضيع الأسنان، فأغاثه الله بما جاء به. # وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المؤمنين يدعون من أبواب ~~الجنة، وإن أبوابها مقسومة على أعمال البر، فباب للصلاة، وباب للصيام، وباب ~~للصدقة، وباب للحج، وباب للجهاد، وباب للأرحام، وباب لمظالم العباد، وهو ~~أخيرها)). # فهذه سبعة أبواب مقسومة على أعمال العباد. # وكذلك أبواب النيران مقسومة على أعمال أهلها، {لكل باب منهم جزء مقسوم}. PageV06P054 # وباب للجنة زائد لأهل الشهادة يسمى: باب التوبة، فأري رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في منامه هذه الرؤيا؛ ليعلم العباد قوة هذه الأفعال التي ذكرها ~~من العبيد أيام الدنيا، ماذا لكل نوع من هذه الأعمال من القوة هناك في ~~الموقف، وفي أي موطن يعينه؛ ليعلم العبد أجناس هذه الأفعال؛ ليكثر منها كي ~~إذا استقبله أهوال القيامة، وتارات الموقف، ناله عونها وقوتها، والله ~~سبحانه أعلم. PageV06P055 ### || AUTO الأصل الثاني والخمسون والمئتان # 1330 - نا علي بن سعيد بن مسروق الكندي، قال: نا عيسى بن يونس، عن عمر ~~مولى غفرة، قال: حدثني إبراهيم بن محمد من ولد علي بن أبي طالب، قال: ((كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى، تقلع كأنما يمشي في صبب)). PageV06P057 # 1331 - نا سفيان بن وكيع، قال: أنا جميع بن عمر العجلي، قال: نا رجل من ms0926 بني ~~تميم من ولد أبي هالة، عن ابن لأبي هالة، عن الحسن بن علي، عن خاله هند بن ~~أبي هالة، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطو إذا مشى كأنما ~~ينحط من صبب)). # وفي حديث حميد عن أنس، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى، ~~كأنما يتوكأ على شيء)). PageV06P058 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالمشي بالقلب، ومن القلب يتأدى قوة المشي إلى الساقين. # ألا ترى أن القلب إذا فزع وارتاع، وقع القائم، وذهبت قوة رجليه؟! ألا ترى ~~أن السكران إذا غاب ذهنه وعقله عن قلبه، استرخت رجلاه، فاختلفتا، فربما ~~يقع، فإذا ثاب إليه عقله وذهنه، قوي؟! ليعلم أن قوة جميع الأركان بالقلب، ~~إذا كان العقل والذهن معه، فكان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشحون ~~بكنوز المعرفة؛ كشحن السفينة إذا أثقلت، حتى غابت في الماء إلى منطقتها، ~~وكانت كنوزه على صنفين: عن اليمين أسرار الله، وعن اليسار سمات الله. # فالرحمة: مع الأسرار، والحق: مع السمات، وحب الله له أمامه جؤجؤ السفينة، ~~وشوق الله شراع السفينة، وفرحه به رياح الشراع. # فكان إذا مشى، مالت به الصنفان، فمرة: أثقال أسرار الله تميل به، ومرة ~~أثقال سمات الله تميل به، فإذا استقر قائما على المنبر، أو قاعدا في مجلس، ~~استقرت به أثقال الحب، فإذا هبت رياح الأفراح، وهاج الشوق، قام إلى الصلاة، ~~فقرت عينه. # فذلك قوله صلى الله عليه وسلم: PageV06P059 # ((حبب إلي الصلاة، قيل لي: خذ منها ما شئت))، ((وإن الله جعل قرة عيني في ~~الصلاة)). # فأثقال الأسرار: مطوية عن الخلق أجمعين، إلا عن أهل خدمة الله، الذين ~~أدرجهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وجعلهم قرة عينه، فسار بهم على طريقه، ~~وجعل سقياهم من مشربه، ومرعاهم من ملك الملك بين يديه على مائدته، تلك ~~ضيافة محمد صلى الله عليه وسلم لقرات عينه في عرش الله، وهو بدء الربوبية، ~~وبدء التدبير، وذلك حكم الله. # ولا يعدل السمات حشوها في الأثقال العلا، والأسماء الحسنى، فتلك حكمة ~~الخلق، فالحق ms0927 موكل بهذه، والرحمة العظمى منهضة بذلك، فصار هذا القلب كسفينة ~~موقرة من كنوز المعرفة، مشحونة بعلم الله، محفوفة بآلاء الله، تجري في بحر ~~غيب الله، وهو بحر الذكر، الذي من شرب منه شربة، نسي نفسه، ولم يلتفت إليها ~~إلى يوم اللقاء. PageV06P060 # فذهبت في شوق الله إلى عبده، ورفعت السفينة بما فيها من الكنوز، وميلانها ~~مرة هكذا، ومرة هكذا، فالحق يمسكها عن الانقلاب من جانبه، والرحمة تمسكها ~~عن الانقلاب من جانبها، والعدل على كوثل السفينة يستقيم بسيرها بمجدافها، ~~ومجدافها مشيئة الله، فلولا المجداف، لكان الشراع ورياحها تطير بها، فيضرب ~~بها صخرة حتى تنكسر، أو تغرق، أو يعدو بها إلى جزيرة يابسة، فتلقيها على ~~الأرض لوحا لوحا، ولكن المجداف، والموكل به على كوثله يستقيم بصدرها. # فالثبات من المشيئة يخرج إلى العبد، فلولا الثبات من الله لعبده، لرمى ~~أهبوب هذه الرياح بهذه السفينة، وطار بها كل مطير، حتى يصدم بها جبال ~~البحر، فتكسر كالزجاجة قطعة قطعة، وتذهب الكنوز في ذلك الماء غرقا. # ولكن ولي السفينة وكل بالسفينة في الأمواج، وفي السواكن من البحر مجدافا، ~~وهو مشيئة الله ووضع المجداف في يد العدل حتى يستقيم صدر السفينة، فتبقى ~~مستوية، وما فيها مستقر، فالحب غالب على الأشياء التي في قلب المؤمن، فإذا ~~قوي الحب، فصار إلى حب الله له، فناله من هناك، فلولا الثبات من الله ~~بالمشيئة، لطار الحب به كل مطير، PageV06P061 ~~ورمى به في واد قفر، ألا ترى إلى قوله تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت ~~تركن إليهم شيئا قليلا} {إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات}. # فانظر أي وعيد هذا؟! فإنما هاج من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الحب ~~حتى حرصه على دخولهم في الإسلام، وقبولهم ما جاء به، فأجابوه إلى الدخول في ~~الإسلام، على شريطة أن لا يركعوا في صلاتهم، وأن يتركهم حتى يتمتعوا باللات سنة. # فكان رسول الله يكاد يحترق من حريق الحب لله، فيحرص على دخولهم في ~~الإسلام، وأن يوافقهم في أشياء مما يجوز على التداري منه لهم، فلما ms0928 جاؤوا ~~بهذه الكلمة، وهم ثقيف أهل الطائف، وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~هذه الكلمة وجدا شديدا، فاشتعل نارا، ودعا بوضوء كالمبرد؛ حتى قال عمر: ~~أحرقتم رسول الله، أحرق الله أكبادهم. # وإنما احترق رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنهم طمعوا فيه أن ~~يجيبهم إلى ذلك؛ لما رأوا من رفقه، وعطفه، ولينه، وبشاشته وسروره بمجيئهم، ~~بعد أن كان قد حاصرهم شهرا، فهال رسول الله صلى الله عليه وسلم طمعهم فيه، ~~وخاف أن يكون قد أفرط في تعظيم مجيئهم، وسروره بهم، فدعا بماء، وتوضأ، وقال ~~عمر: أحرقتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {وإن كادوا ~~ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا}، PageV06P062 ~~وذلك أنهم كانوا سألوه أن يمتعهم باللات سنة، فإن سأله المسلمون عن ذلك، ~~قال: إن ربي أمرني أن أرخص لهم، فأنزل الله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك}، ~~ثم قال: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا}؛ فلم ينسبه إلى ~~أنه: هم بالركون، أو مال إليهم، وأعلمه أن الثابت هو الذي عصمه، يعلمه أن ~~حبه هذا يهيج حرصه، حتى تجد النفس إلى القلب سبيلا، فشاركه في المحبة؛ لأن ~~الحب في القلب، والحرص في النفس. # فلولا الثبات، لافتتن، فأعلمه المنة عليه، وأنه لولا ذلك الثبات، لقد ~~قربت من الفتنة، والركون إليهم فيما سألوك، فعصمتك بمشيئتي، فأعطيتك ~~الثبات، يعلمه خطر الحب أن شأنه عظيم، وأنه يسبي القلب، فإذا لم يكن له ~~ثبات، ذهبت قوة القلب، فطارت به؛ لغلبة الفرح الذي في الحب بمنزلة السفينة ~~التي طارت، فصدمت به جبلا، فتكسرت قطعا قطعا، وتبددت كنوزه في بحر الغيب ~~غرقا، فلا حق بقي، ولا رحمة. PageV06P063 ### || AUTO الأصل الثالث والخمسون والمئتان # 1332 - نا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة ابن كهيل، قال: حدثني أبي، ~~عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((الأشربة من خمس: من الحنطة، والشعير، والتمر، ~~والزبيب، ms0929 والعسل، فما خمر، فهو خمر)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # قوله: ((الأشربة من خمس))؛ أي: إن هذه أشياء ينبذ عليها الماء، فيستخرج ~~بالماء ما فيهن من القوة. PageV06P065 # ((فإذا خمرته، فهو خمر))! يعني: إذا تركته نيئا على هيئته التي خرج، فلم ~~يأخذ قوته بالنار، فشربته، خالطت القوة التي فيها قوة العدو الذي أعطي؛ ~~لأنه موكل بما أعطي بهذه الأشربة، فإذا تركتها بقوتها، جاء العدو بما نبذه، ~~فخلطها به، ثم وجد السبيل إلى المعدة بنصيبه، فإذا دخل الجوف، خمر القلب؛ ~~أي: غطاه، وحال بين القلب والعقل؛ لأن العقل في الرأس، وشعاعه في الصدر. # فالتدبير للعقل مع القلب في الصدر؛ لأن عيني الفؤاد في الصدر، وشعاع ~~العقل يشرق في الصدر، فبذلك الإشراق يهتدي القلب لما حسن من شأن وما قبح، ~~وإنما نزل القرآن بتحريم الخمر. # فالخمر: اسم فيه صفة الفعل الذي يظهر منه الفساد؛ لأنه يخمر الفؤاد؛ أي: ~~يغطيه، ويحول بينه وبين شعاع القلب، فكل شراب كانت فيه هذه الصفة، فقد لزمه ~~اسم الخمر، ولزمه التحريم. # ولذلك قال عمر: الخمر ما خامر العقل. PageV06P066 # أي: غطاه. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكر حرام، وكل خمر ~~حرام)). # ذلك لتعلم أن الخمر اسم لزم أنواع الأشربة، ولو لم يكن كذلك، لم يقل: كل، ~~ثم بين أن علامة الخمر: كل شيء أسكر، والمسكر هو المفعل للسكر. # والسكر: سد العقل، ومنه يقال لسد النهر: سكر، ومنه قوله تعالى: {سكرت ~~أبصارنا}؛ أي: سدت. # فهذا الماء جار في النهر، فإذا ألقي في بعض طريقه كيس من التراب، أو ~~غيره، بقي الماء إلى حيث انتهى، وصار ما أسفل من الكيس من بطن النهر خاليا. ~~فكذلك العقل: قراره في الدماغ، ثم شعاعه جار إلى الصدر، إلى عيني الفؤاد؛ ~~لتدبير الأمور، وتمييز الحسن والقبيح، والضرر والنفع، فإذا شرب هذا الشراب، ~~ولم يكن أخذ قوته بالطبخ، فالعدو معه بتصببه يخلص إلى الصدر برجاسته، ~~ونجاسته، فإذا وقعت هذه النجاسة، PageV06P067 ~~والظلمة في هذا الطريق بين عيني الفؤاد والرأس، صار سدا، فبقي ms0930 الصدر مظلما، ~~وما وراء الصدر مما يلي الرأس، مضيئا مشرقا، لا ينفع بذلك عيني الفؤاد، ~~فيبقى الصدر خاليا، كما بقي النهر، ويبقي عين الفؤاد في ظلمة ما جاء به ~~العدو، فسمي ذلك في النهر: سكرا، -بفتح السين-، وسمي هذا سكرا -بضم السين-. # فمن أجاز طلاق السكران، وفرق بينه وبين المعتوه، والمجنون، والصبي؛ لأن ~~السكر سد، والعقل وراء السد قائم، وهو حجة الله على العبد، بوجوب الأحكام ~~عليه، والصبي لم يعط عقل الحجة، وهو تمام العقل الذي به تقوم حجة الله. # وعلامته: أنه إذا تم ذلك النور، فحرارة ذلك النور يؤدي إلى الصلب، فيخرج ~~منه الماء الذي يوجب الغسل، إما بحلم، وإما بجماع. # فلذلك صيروا الحلم علامة للإدراك، وجرى الحكم عليه، لأن العقل قد تم، ~~وقبل ذلك كان صغيرا لا يحتمل دماغه ذلك العقل. # وأما العتاهة: فهو التحير، وهو أن يهيج من المرة، فيتمادى إلى الدماغ، ~~فيفسد العقل ويخالطه، فليس هناك عقل يقدر أن يعمل شيئا؛ لأنه قد خالطه، ~~وكذلك الجنون، هو من المرة، فكلما ستر العقل من داء، فذلك يخالط العقل ~~ويفسده، وما كان من شراب، فإن ذلك سد وظلمة من رجاسة العدو، والعقل من ~~ورائه على هيئته، لم يخالطه شيء، إلا أنه PageV06P068 ~~متمكن لانسداد الطريق. # وقد يكون هذا السد سدا رقيقا، وسدا كثيفا، فربما عمل بعض عقله من خلال ~~ذلك السد، ألا ترى أنه يعقل شيئا، ولا يعقل شيئا؛ لأن العقل بمكانه لم ~~يخالطه شيء، وفي حال الجنون خالط العقل ذلك الداء؛ لأنه خلص إلى الدماغ. # وأما الصبي: فإنه لم يعط تماما، وهو يزاد قليلا قليلا باللطف، حتى يبلغ ~~من السن ما يحتمل ذلك، ويجد العقل مكانا ينفسح، فالذي فرق بين طلاق ~~السكران، وطلاق المعتوه، والمجنون، والصبي إنما فرق لهذا. # وأما الذين لم يجيزوا طلاقه، فإنهم إنما نظروا إلى افتقاد القلب العقل، ~~فإذا افتقد، لم يلزموه شيئا من الأحكام؛ لأنه إنما تقوم الحجة بالعقل. PageV06P069 ### || AUTO الأصل الرابع والخمسون والمئتان # 1333 - أنا أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم رحمه ms0931 الله، قال: نا إبراهيم ~~بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن سلمة بن ~~كهيل، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان، قال: بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعثا، فأمر عليهم أميرا منهم هو أصغرهم، فلم يسيروا، فلقي ~~النبي صلى الله عليه وسلم رجلا منهم، فقال: ((يا فلان! ما لك؟ أما ~~انطلقتم؟))، فقال: يا رسول الله! أميرنا يشتكي رجله، فأتاه النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أو بعث إليه، فقال: ((باسم الله وبالله، أعوذ بعزة الله وقدرته ~~من شر ما فيها، سبع مرار))، فبرأ الرجل، فقالوا: يا رسول الله! أتؤمره ~~علينا وهو أصغرنا؟! PageV06P071 # فذكر النبي صلى الله عليه وسلم قراءته للقرآن، فقال: يا رسول الله! لولا ~~أني أخاف أن لا أقوم به. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن القرآن مثله كجراب فيه مسك قد ~~ربطت فاه، فإن فتحته، فاح ريح المسك، وإن تركته، كان مسكا موضوعا مثل ~~القرآن إن قرأته، وإلا، فهو في صدرك)). # 1334 - نا محمد بن ميمون المكي، قال: نا شعيب ابن حرب، قال: حدثني حريز ~~بن عثمان، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، يبلغ به النبي صلى الله ~~عليه وسلم، PageV06P072 ~~قال: ((لا تغرنكم هذه المصاحف المعلقة، إن الله لا يعذب قلبا وعى القرآن)). # 1335 - نا قتيبة بن سعيد، قال: نا ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة ~~بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو كان القرآن في إهاب، ~~ما مسته النار)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فمن حرمة القرآن: أن لا يمسه إلا طاهرا. PageV06P073 # ومن حرمته: أن يقرأه على طهارة. # ومن حرمته: أن يستاك، ويتخلل، ويطيب فاه؛ إذ هو طريقه. # ومن حرمته: أن يستوي له قاعدا إن كان في غير صلاة، ولا يكون متكئا. # ومن حرمته: أن يتلبس له كما يتلبس للدخول على الأمير؛ لأنه مناجي. # ومن حرمته: أن يستقبل القبلة لقراءته. # 1336 - وحدثنا الجارود، عن عمر بن ms0932 هارون، عن سلمة، قال: كان أبو العالية ~~إذا قرأ، اعتم، ولبس، وارتدى، واستقبل القبلة. # ومن حرمته: أن يتمضمض كلما تنخع. # وروي عن شعبة، عن أبي حمزة، عن ابن عباس: أنه كان يكون بين يديه تور، إذا ~~تنخع، مضمض، ثم أخذ في الذكر، وكان كلما تنخع، مضمض. PageV06P074 # ومن حرمته: أنه إذا تثاءب، أن يمسك عن القراءة؛ لأنه إذا قرأ، فهو مخاطب ~~ربه، ومناج، والتثاؤب من الشيطان. # ومن حرمته: أن يستعيذ بالله عند ابتدائه للقراءة من الشيطان الرجيم، ~~ويقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم}، إن كان ابتداء قراءته من أول السورة، أو ~~من حيث بلغ. # ومن حرمته: إذا أخذ في سورة، لم يشتغل بشيء حتى يفرغ منها، إلا من ضرورة. # ومن حرمته: إذا أخذ في القراءة، لم يقطعها ساعة فساعة بكلام الآدميين من ~~غير ضرورة. # ومن حرمته: أن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلام، فيخلطه بجوابه؛ ~~لأنه إذا فعل ذلك، زالت عنه سلطان الاستعاذة في البدء. # ومن حرمته: أن يقرأه على تؤدة، وترسيل، وترتيل. # ومن حرمته: أن يشتغل فيه ذهنه، وفهم؛ حتى يعقل ما يخاطب. # ومن حرمته: أن يقف على آية الوعد، فيرغب إلى الله، ويسأله من فضله، وأن ~~يقف على آية الوعيد، فيستجير بالله منه. # ومن حرمته: أن يقف على أمثاله، فيمتثلها. # ومن حرمته: أن يلتمس غرائبه وإعرابه. PageV06P075 # ومن حرمته: أن يؤدي لكل حرف حقه من الأداء؛ حتى يبرز الكلام باللفظ تماما؛ ~~فإن له بكل حرف عشر حسنات. # ومن حرمته إذا انتهت قراءته: أن يصدق بربه، ويشهد بالبلاغ لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم، ويشهد على ذلك أنه حق، فيقول: صدقت ربنا، وبلغت رسلك، ونحن ~~على ذلك من الشاهدين. # اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط لك، لم يدعو بدعوات. # ومن حرمته: إذا قرأ لا يلتقط الآي في كل سورة فيقرأه؛ فإنه روي لنا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه مر ببلال وهو يقرأ من كل سورة شيئا، ~~فأمره أن يقرأ على السور. # أو كما قال: # ومن حرمته: إذا ms0933 وضع الصحيفة: أن لا يتركه منشورا، وأن لا يضع فوقه شيئا ~~من الكتب حتى يكون أبدا عاليا لسائر الكتب، علما كان أو غيره. # ومن حرمته: أن يضعه في حجره إذا قرأه، أو على شيء بين يديه، ولا يضعه ~~بالأرض. # ومن حرمته: أن لا يمحوه من اللوح بالبزاق، ولكن يغسله بالماء. # ومن حرمته: إذا غسله بالماء: أن يتوقى النجاسات من المواضع، ومن المواضع ~~التي توطأ؛ فإن لتلك الغسالة حرمة، وكان من قبلنا من السلف منهم من يستشفي ~~بغسالته. PageV06P076 # ومن حرمته: أن لا يتخذ الصحيفة إذا بليت ودرست وقاية للكتب؛ فإن ذلك جفاء ~~عظيم، ولكن يمحوها بالماء. # ومن حرمته: أن لا يخلي يوما من أيامه من النظر في المصحف مرة. # وكان أبو موسى يقول: إني لأستحي أن لا أنظر كل يوم في عهد ربي مرة. # ومن حرمة القرآن: أن يعطي عينه حظها منه؛ فإن العين تؤدي إلى النفس، وبين ~~النفس والصدر حجاب، والقرآن في الصدر، فإذا قرأها عن ظهر قلب، فإنما تسمع ~~أذنه، فيؤدي إلى النفس، وإذا نظر في الخط، كانت العين والأذن قد اشتركتا في ~~الأداء، وذلك أوفر للأداء، وكان قد أخذت العين حظها كالأذن. # 1337 - نا عبد الأعلى بن واصل الأسدي، قال: نا أحمد بن عاصم بن عنبسة بن ~~عبد الرحمن الكوفي، عن زيد ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعطوا أعينكم حظها من العبادة))، ~~قالوا: يا رسول الله! وما حظها من العبادة؟ قال صلى الله عليه وسلم: ~~((النظر PageV06P077 ~~في المصحف، والتفكر فيه، والاعتبار عند عجائبه)). # 1338 - نا عبد الأعلى، قال: نا أحمد بن عاصم، عن حفص بن عمر بن ميمون، عن ~~محمد بن سعيد، عن مكحول، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن نظرا)). PageV06P078 # ومن حرمة القرآن: أن لا يتأوله عندما يعرض له من أمر الدنيا. PageV06P079 # 1339 - حدثنا عمرو بن زياد الحنظلي، قال: نا هشيم بن بشير، ms0934 عن المغيرة، عن ~~إبراهيم، قال: كان يكره أن يتأول شيء من القرآن عندما يعرض له شيء من أمر ~~الدنيا. # والتأويل مثل قولك للرجل إذا جاءك {جئت على قدر يا موسى}، ومثل قولك: ~~{كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم}، هذا عند حضور الطعام، وأشباه هذا. # ومن حرمة القرآن: أن لا يقال: سورة كذا، كقولك: سورة النحل، وسورة ~~البقرة، وسورة النساء، ولكن يقال: السورة التي يذكر فيها كذا. # ومن حرمة القرآن: أن لا يتلى منكوسا؛ كفعل معلمي الصبيان، يلتمس أحدهم ~~بذلك أن يرى الحذق من نفسه، والمهارة؛ فإن تلك مجانة. # ومن حرمة القرآن: أن لا يقعر في قراءته كفعل هؤلاء الهمزيين PageV06P080 ~~المبتدعين المتنطعين في إبراز الكلام من تلك الأفواه المنتنة تكلفا؛ فإن ~~ذلك محدث، ألقاه إليهم الشيطان، فقبلوه منه. # ومن حرمة القرآن: أن لا يقرأه بألحان الغناء؛ كلحون أهل الفسق، ولا ترجيع ~~النصارى، ولا نوح الرهبانية؛ فإن ذلك زيغ كله. # 1340 - حدثنا سليمان بن أبي هلال الذهبي، قال: نا بقية بن الوليد، عن ~~حصين بن مالك، قال: سمعت شيخا يكنى: أبا محمد، وكان قديما يحدث، عن حذيفة ~~بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرؤوا القرآن بلحون ~~العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين؛ فإنه سيجيء من بعدي ~~قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء، والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم)). PageV06P081 # 1341 - ونا محمد بن يحيى البصري، قال: نا ابن إدريس، عن الأعمش، قال: قرأ ~~غورك اللهبي عند أنس. # ومن حرمة القرآن: أن يجلل تخطيطه إذا خطه. # 1342 - حدثنا محمد بن علي الشقيقي، عن أبيه، عن عبد الله بن المبارك، ~~قال: أنا عبد الملك بن شداد الضبعي، قال: أخبرني عبد الله بن سليمان ~~العبدي، عن أبي حكيمة: أنه كان يكتب المصاحف بالكوفة، فمر علي -كرم الله ~~وجهه-، فنظر إلى كتابه، فقال له: أجل قلمك، فأخذت القلم، فقططت من طرفه ~~قطا، ثم كتبت وعلي قائم ينظر إلى كتابتي، فقال: هكذا نوره كما نوره الله. PageV06P082 # قال أبو عبد الله: # 1343 - وأخبرني علي بن المبارك ms0935 عن أبي حكمية، عن علي، بنحوه. # ومن حرمة القرآن: أن لا يجهر بعض على بعض في القراءة، فيفسد عليه حتى ~~يبغض إليه ما يسمع، ويكون كهيئة المغالبة. # ومن حرمة القرآن: أن لا يماري، ولا يجادل فيه في القراءات، ولا يقول ~~لصاحبه: ليس هكذا، ولعله أن تكون تلك القراءة صحيحة جائزة بين القراء، ~~فيكون قد جحد في كتاب الله. # ومن حرمة القرآن: أن لا يقرأه في الأسواق، ولا في مواطن اللغط واللغو ~~ومجمع السفهاء. # ألا ترى أن الله تعالى ذكر عباد الرحمن، وأثنى عليهم بأنهم إذا مروا ~~باللغو مروا كراما، هذا لمروره بنفسه، فكيف إذا مر بالقرآن الكريم تلاوة ~~بين ظهراني أهل اللغو ومجمع السفهاء. # ومن حرمة القرآن: أن لا يتوسد المصحف، ولا يعتمد عليه، ولا يرمي به إلى ~~صاحبه إن أراد أن يناوله. PageV06P083 # ومن حرمة القرآن: أن لا يصغر المصحف. # 1344 - نا محمد بن علي الشقيقي، عن أبيه، عن عبد الله، عن ابن شقيق، عن ~~الأعمش، عن إبراهيم، عن علي رضي الله عنه، قال: لا تصغر المصحف. # ومن حرمة القرآن: أن لا يخلط به ما ليس منه. # ومن حرمة القرآن: أن لا يحلى بالذهب، ولا يكتب بالذهب، فيخلط به زينة ~~الدنيا. # 1345 - نا محمد بن علي الشقيقي، عن أبيه، عن عبد الله بن المبارك، عن أبي ~~عوانة، عن المغيرة، عن إبراهيم: أنه كان يكره أن يحلى المصحف، أو يكتب ~~بالذهب، أو يعلم عند رؤوس الآي، أو يصغر. PageV06P084 # 1346 - نا سهل بن العباس، قال: نا عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل بن ~~عياش، عن صخر بن صدقة، عن رجل من أهل دمشق، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار ~~عليهم)). # 1347 - نا سهل، قال: نا أبو عوانة، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، ~~عن ابن عباس: أنه رأى مصحفا قد زين بفضة، قال: يغرون به السارق، وزينته في جوفه. PageV06P085 # ومن حرمة القرآن: أن لا يكتب على الأرض، ولا على حائط، كما ms0936 يفعل بهذه ~~المساجد المحدثة. # 1348 - نا محمد بن علي الشقيقي، عن أبيه، عن عبد الله بن المبارك، عن ~~سفيان، عن محمد بن الزبير، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يحدث، قال: مر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بكتاب في أرض، فقال لشاب من هذيل: ما هذا؟ قال: من ~~كتاب الله، كتبه يهودي، قال: ((لعن الله من فعل هذا، لا تضعوا كتاب الله ~~إلا موضعه)). # قال محمد بن الزبير: رأى عمر بن عبد العزيز ابنا له يكتب القرآن على ~~حائط، فضربه. # ومن حرمة القرآن: أنه إذا اغتسل بكتابته مستشفيا من سقم: أن لا يصبه على ~~كناسة، وفي موضع نجاسة، ولا على موضع يوطأ، ولكن ناحية من الأرض في بقعة لا ~~يطؤها الناس، أو يحفر حفيرة في موضع طاهر، حتى ينصب من جسده في تلك ~~الحفيرة، ثم يكبسها، أو في نهر كبير يختلط بمائة، فيجري. # ومن حرمة القرآن: أن يفتتحه كلما ختمه، حتى لا يكون كهيئة PageV06P086 ~~المهجور، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ختم يقرأ من أول ~~القرآن قدر خمس آيات؛ لئلا يكون في هيئة المهجور. # 1349 - نا محمد بن عمارة، قال: نا زيد بن حباب، قال: نا صالح المري، قال: ~~نا قتادة، عن زرارة ابن أوفى العامري، عن ابن عباس، قال: جاء رجل فقال: يا ~~رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بالحال ~~المرتحل))، قال: وما الحال المرتحل؟ قال: ((صاحب القرآن يضرب من أوله حتى ~~يبلغ آخره، ثم يضرب من أوله، كلما حل ارتحل)). PageV06P087 # ومن حرمة القرآن: أن لا يكتب التعاويذ منه، ثم يدخل به الخلاء، إلا أن يكون ~~في غلاف من أدم أو فضة أو غيره، فيكون كأنه في صدرك. # ومن حرمة القرآن إذا كتبه وشربه: سمى الله على كل نفس، وعظم النية فيه؛ ~~فإن الله يؤتيه على قدر نيته. # 1350 - نا عبد الأعلى، قال: نا محمد بن الصلت، عن عمرو بن ثابت، عن محمد ~~بن مروان، عن أبي جعفر، قال: من ms0937 وجد في قلبه قسوة، فليكتب {يس} في جام ~~بزعفران، ثم يشربه. # 1351 - نا عبد الأعلى، قال: أنا عبيد الله بن PageV06P088 ~~موسى، عن حسن بن صالح، عن ليث، عن مجاهد، قال: لا بأس أن يكتب القرآن، ثم ~~يسقيه المريض. # 1352 - نا أبي رحمه الله، ونا عبد الأعلى، قالا: نا ابن أبي أويس، قال: ~~حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الجدعاني، عن سليمان بن مرقاع الجندي، ~~عن هلال بن الصلت: أن أبا بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((سورة يس تدعى في التوراة: المعمة))، قيل: وما المعمة؟ قال: ~~((تعم صاحبها خير الدنيا والآخرة، وتكابد عنه بلوى الدنيا، وتدفع عنه ~~أهاويل الآخرة، وتدعى: الدافعة والقاضية، تدفع عن صاحبها كل سوء، وتقضي له ~~كل حاجة، ومن قرأها، عدلت له عشرين حجة، ومن سمعها، عدلت له ألف دينار في ~~سبيل الله، ومن كتبها، ثم شربها، أدخلت جوفه ألف دواء، وألف نور، وألف ~~يقين، وألف بركة، وألف رحمة، ونزع منه كل غل وداء)). PageV06P089 # قال أبو عبد الله: # وحق لسورة يس أن تبلغ ذلك من صاحبها؛ فإنه روي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((أنها قلب القرآن)). # 1353 - نا قتيبة بن سعيد، وسفيان بن وكيع، وأبو طالب الهروي، عن حميد بن ~~عبد الرحمن الرؤاسي، عن هارون أبي محمد، عن مقاتل بن حيان، عن قتادة، عن ~~أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل شيء قلب، وقلب القرآن ~~{يس}، ومن قرأها، فكأنما قرأ القرآن عشر مرات)). PageV06P090 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالقلب أمير على الجسد، وكذلك يس أمير على سائر السور، موجود فيه كل شيء، ~~وافتتحها الله -بالياء والسين-، وفيها مجمع الخير، ودل المفتتح على أنه ~~قلب، وأنه أمير على سائر السور، مشتمل على جميع القرآن، فأما حديث قتيبة عن ~~ابن لهيعة؛ فقد فسرناه في كتاب الصلاة. # 1354 - ونا الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: نا شهاب بن عباد ~~العبدي، قال: نا [محمد بن] الحسن ms0938 ابن أبي يزيد الهمداني، عن عمرو بن قيس، ~~عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول ~~الله تعالى: ((من شغله ذكري وقراءة القرآن عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي ~~السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام PageV06P091 ~~كفضل الله على جميع خلقه)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فهذا فضل لا يحاط بكنهه، إذ كان لا يحاط بفضل الله على جميع خلقه، وإنما ~~صار هكذا؛ لأنه كلامه، منه خرج. # 1355 - نا يحيى بن الأحمر الطائي، قال: نا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو ~~بن دينار، قال: أدركت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~كلهم يقولون: الله الخالق، وما سواه مخلوق، غير الكلام؛ فإنه منه خرج، ~~وإليه يعود. PageV06P092 # قال أبو عبد الله: # يحيى بن زياد الأحمر هو ابن أخي زياد الأحمر. # وكذلك ما روي عن طاوس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما رد ~~العباد إلى الله شيئا أحب إليه من كلامه)). # 1356 - وسمعت الجارود بن معاذ يقول: سمعت وكيعا يقول: سمعت سفيان الثوري ~~يقول: سمعنا: أن قراءة PageV06P093 ~~القرآن أفضل من الذكر. # قال أبو عبد الله: # وجاد ما غاص قائل هذا القول؛ لأن الذكر هو شيء يبتدعه العبد من تلقاء ~~قلبه، من علمه بربه. # والقرآن هو شيء قد تكلم به الرب تعالى، فإذا تلاه العبد، فإنما يتكلم ~~بشيء قد كان عند الرب، ولم يخلق منذ نزل إلى العباد، ولا يخلق، ولا يتدنس، ~~وهو على طراوته وطيبه وطهارته، وله كسوة، والذكر الذي يذكره العبد مبتدعا ~~من عنده لا كسوة له، وأيضا: إنه هو الذي يؤلفه، وليس تأليف الله كتأليف العبد. # ألا ترى إلى قوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}. # ألا ترى إلى قول الوليد بن المغيرة حيث استمع إلى القرآن، تحير فيه فقال: ~~قد عرضته على رجز الشعر، وهزجه، وقريضه، فلم يشبهه، وليس بسحر، ولا ms0939 كهانة، ~~وإن عليه لطلاوة، وإن له لحلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وليس ~~هذا من كلام البشر. # فهذا قول رجل ممتلئ من علم النفس، خال من علم القلب، فقلبه PageV06P094 ~~في غلاف، والباب مردوم. # 1357 - أنا أبي رحمه الله، قال: نا أصرم بن حوشب، عن بقية بن الوليد، عن ~~المعتمر بن أشرف، عن محمد بن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((القرآن أفضل من كل شيء دون الله، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله ~~على خلقه، ومن وقر القرآن، فقد وقر الله، ومن لم يوقر القرآن، لم يوقر ~~الله، وحرمة القرآن عند الله كحرمة الوالد على ولده، القرآن شافع ومشفع، ~~وماحل مصدق، فمن شفع له القرآن، شفع، ومن محل به القرآن، صدق، ومن جعله ~~أمامه، قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه، ساقه إلى النار، حملة القرآن هم ~~المحفوفون برحمة الله، الملبسون نور الله، المعلمون كلام الله، من والاهم، ~~فقد والى الله، ومن عاداهم، فقد عادى الله. # يقول الله تعالى: يا حملة القرآن! استجيبوا لربكم بتوقير كتابه، يزدكم ~~حبا، ويحببكم إلى عباده، يدفع عن مستمع القرآن بلوى الدنيا، ويدفع عن تالي ~~القرآن شر PageV06P095 ~~الآخرة، ومن استمع آية من كتاب الله، كان له خيرا من ثبير ذهبا. ومن قرأ ~~آية من كتاب الله، كان أفضل مما تحت العرش إلى التخوم، وإن في كتاب الله ~~لسورة تدعى: القريرة، يدعى صاحبها: الشريف يوم القيامة، تشفع لصاحبها أكثر ~~من ربيعة ومضر، وهي سورة {يس})). PageV06P096 ### || AUTO الأصل الخامس والخمسون والمئتان # 1358 - نا الحسن بن قزعة البصري، قال: أنا سفيان بن حبيب، قال: نا شعبة، ~~عن ثوير، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: (({وألزمهم كلمة التقوى}: لا إله إلا الله)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # وإنما سميت كلمة التقوى؛ لأن العبد إذا نطق بها، فإنما ينطق عن نور ~~التوحيد الذي في قلبه، فإذا انتهى إلى الصراط، صار ذلك النور له PageV06P097 ~~وقاية، ms0940 ولذلك النور برد يخمد لهب النار؛ لأن ذلك النور نور الرحمة، وتلك ~~الرحمة هي حظ المؤمن من ربه، فإذا نال العبد تلك الرحمة، أشرق القلب بنور ~~التوحيد، وامتلأ الصدر من ذلك الإشراق، ونطق اللسان عن نور وضوء، فإذا ~~انتهى إلى الصراط، صار ذلك الضوء والنور له وقاية. # فالنور يخمد ما تحت قدميه، والضوء يضيء له أمامه، وينفرج له الطريق عن ~~تلك الظلمة التي على الصراط من سواد النار، فلذلك قيل: كلمة التقوى؛ لأنه ~~بها يتقي من النار، وإنما هي في الأصل: وقوى؛ من قوله: وقى يقي وقاية، وهي ~~وقوى، فحولت الواو تاء؛ كقوله: تراث، وإنما هو: وراث، وقوله: تكلان، وإنما ~~هو وكلان، وهذا من قالب الافتعال، كان حقه أن يقول: اوتقى، فأدغمت الواو في ~~التاء، فقيل: اتقى يتقي، والاسم منه: تقوى. # فكلمة لا إله إلا الله، أولها: نفي الشرك، وآخرها: تعلق بالله، فلا يقدر ~~العبد أن يتعلق بالله، حتى يلزمه الله، وإنما يلزمه الله بعد ما يجعل له ~~إليه سبيلا، فإذا رحم عبدا، فتح له من قلبه الطريق إليه، حتى إذا صار القلب ~~إلى محل التوحيد، فهناك يلزمه الله نور الكلمة، فيصدر القلب عن الله ~~بتوحيده إلى النفس؛ حتى تطمئن النفس، وتسكن إلى ذلك، وتستقر عن التردد ~~والجولان في طلب معبود سواه، فيستقر القلب والنفس PageV06P098 ~~جميعا للعبودة لله، بما يأمر وينهى، وصار تعلقها جميعا به في العبودة، وهو ~~قوله تعالى: {فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها}. # فلم يصر العبد مستمسكا بالعروة، إلا بعد تعلقه بقلبه ونفسه بالله، فهذه ~~عقدة القلب، وطمأنينة النفس وسكونها، ثم من بعد ذلك تمضي النفس في شهواتها ~~حلا، وحرما عليه، وفتنة، وهي مع ذلك بالله مطمئنة أنه معبودها، إلا أنها ~~تخف وتطيش لأهبوب رياحها التي فيها من الشهوة على إضمارها أنها تقضي ~~شهوتها، وتعود إلى مكانها ثانية. # وأما القلب فهو منكر لذلك، معتقد عقيدته، مستمسك بعروته، مقهور في سلطان ~~النفس، حتى إذا أقبل الله على عبده بالرحمة، وأعطاه سلطان التوبة، فبتلك ~~القوة يعرض عن النفس، ms0941 ويرمي بتلك الشهوة في وجه النفس، ويقصد إلى الله ~~نازعا، وتخمد نار الشهوة في النفس؛ لما نال العبد من قدر التوبة والنور؛ ~~لأن ذلك النور جاء من الرحمة، فإذا ورد على القلب، خمدت نار الشهوة، فخرج ~~القلب من أسر النفس وقهرها، وصارت النفس مقهورة مزجورة، فالعروة الوثقى هي ~~ذلك النور الذي ألزم الله قلب العبد، فاستمسك القلب به تقوى، ووجد قائمة ~~وقرارا تلك عروة: {لا انفصام لها}؛ أي: لا انفصال لها، ولا انقطاع عن الله، ~~فقد اتصل العبد بربه اتصالا لا يجد العدو سبيلا أن يدخل عليه فيما بينه PageV06P099 ~~وبين ربه في توحيده، حتى يلقي فيه الشك، فيزيغ القلب، فإذا انتهى إلى ~~الصراط، صار ذلك النور وقاية له من تحت قدمه، وفوقه، وحوله، وصار الضوء ~~أمامه، يطرق له في تلك الظلمة حتى يجوزها، وصارت الرحمة معلقة ومستمسكة، ~~فعلى قدر حظه من الرحمة تكون سرعة جوازه على الصراط، وعلى قدر حظه من ~~الرحمة يكون من العبد الوفاء لهذه الكلمة أيام حياته. # فقد قلنا بدءا: إن كلمة: لا إله إلا الله أولها: نفي الشرك، وآخرها: تعلق ~~بالله، فإنما يتعلق بالله إذا استكمل التقوى، وذلك أن الشرك على ضربين: شرك ~~عبودة، وشرك الأسباب، وكلاهما علاقة. # وإنما سمي شركا؛ لأنه علاقة، وهو مشتق من الشرك الذي ينصب، فيتعلق به ~~الصيد، فإنما ينصب الشرك، ويلقى هناك حبوب، فينخدع الطائر له بحاجته إليها، ~~حتى يقع فيه فيتعلق، وكذلك السمك، إنما يقع في حبالته لشهوة بطنه، وكذلك ~~الآدمي، إنما يقع في حبالة العدو، حين يتولى دون ربه إلها، ويتخذه معبودا ~~لشهوة نفسه، يشتهي أن يعاين معبوده، فيلتذ بالعبادة له، وطلب معبوده، فلما ~~لم يجده، نبذه العدو إلى شيء، وصوت له من جوفه، وزينه له، فالتذ بصوته، ~~فعبده، وهو يعبد الشيطان ولا يدري، يحسب أنه يعبد ذلك الوثن. وذلك قوله لهم ~~يوم القيامة: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين}، وقال: PageV06P100 # {واستفزز من استطعت منهم بصوتك}. # قال له قائل: ما ذلك ms0942 الصوت؟ # قال: ذاك صوت أعطي العدو ليفتن به الآدميين؛ أي: يهيج الحرقة التي في جوف ~~الآدمي. # قال قائل: وما تلك الحرقة؟ # قال: تلك حرقة الفرح الذي خلق من النار، فوضع بباب النار، وحفت النار ~~بها، وهي الشهوات، فمن تبعها من المخذولين، فقد سباه، ومن تبعها من ~~الموحدين، لم يقدر أن يسبيه؛ لأن الله تعالى قد من عليه بالرشد، ومن من ~~عليه بالرشد، كره إليه الكفر والفسوق والعصيان. # وقد قال في تنزيله: {أولئك هم الراشدون. فضلا من الله ونعمة}، وذلك قوله ~~تعالى: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل}. # فمن أوتي الرشد، لم يلتذ بذلك الصوت، ومن وجد قلبه خاليا عن ذلك، سباه ~~لذلك الصوت. # ألا ترى: أن الموحدين لما سمعوا صوته في المزمار والمعازف، افتتنوا به، ~~فلولا أنه يمازج بصوته ذلك الصوت من المعازف والمزامير، ما التذوا به ~~التذاذا لا يصبرون عنه، وقد كره الله الكفر إلى المؤمن، ولم PageV06P101 ~~يكره إليه المعازف، والمزامير، وأمره بالمجاهدة؛ ليكون مجاهدا في ذاته إلى ~~وقت، فإذا ابتلي، فصبر عنه، فتح له في الغيب، فنال من الأنوار ما لا تجد ~~لذة هذه المعازف إليه سبيلا؛ لأن الذي في جوفه من الشهوة قد مات، وإنما كان ~~يلتذ قبل ذلك؛ لملاقاة تلك الأصوات من المعازف، والممازجة بصوت العدو، ~~فيهتاج ما في جوفه، فيجد لذته، فلما وقع العبد في منازل القربة، بعد ~~مجاهدته في ذات الله، ماتت شهوته من خوف الله، وانخشع قلبه من جلال الله، ~~وعلته الهيبة، فلم يجد العدو سبيلا إليه لما جاء به، وصارت لذة قلبه حب ~~الله، فدقت حلاوة جميع الأشياء عنده، وصارت الأشياء مرفوضة. # وإنما يتعلق القلب بالله إذا نجا من تعلقه بالشهوات، والمشيئات، ~~والإرادات، فهذا كله شرك الأسباب، فإذا تخلص من هذا الشرك، فلم يبق له ~~متعلق، تعلق القلب بالله، فعندها، صدق الله في مقالته لا إله إلا الله، ~~وبتلك المقالة يملأ الكفة من الميزان حتى يستميل بالسماوات والأرض، ومن ~~فيها من الخلق. # 1359 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا أصبغ بن ms0943 الفرج المصري، قال: نا ابن ~~وهب، عن عمرو بن PageV06P102 ~~الحارث، عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((قال موسى عليه السلام: يا رب! علمني شيئا ~~أذكرك به، قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله، قال: يا رب! كل عبادك يقول ~~هكذا قال: قل: لا إله إلا الله، قال إنما أريد شيئا تخصني به، قال: يا ~~موسى! لو أن السماوات السبع وعمارهن والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا ~~الله في كفة، لمالت بهن لا إله إلا الله)). PageV06P103 ### || AUTO الأصل السادس والخمسون والمئتان # 1360 - نا صالح بن عبد الله، قال: نا عبد الأعلى ابن عبد الأعلى، عن ~~الجريري، عن أبي السليل، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن أبي بن كعب، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبا المنذر: أية آية معك من كتاب ~~الله أعظم؟))، قلت: الله ورسوله أعلم؟ قال: ((أبا المنذر! أية آية معك من ~~كتاب الله أعظم؟))، قلت: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}، قال: فضرب في ~~صدري، وقال: ((ليهنك العلم أبا المنذر، فوالذي نفس محمد بيده! إن لهذه ~~الآية لسانا وشفتين تقدس الله عند ساق PageV06P105 ~~العرش)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فهذه آية أنزلها الله تعالى، وجعل ثوابها لقارئها عاجلا وآجلا. # فأما في العاجل: فهي حارس لمن قرأها من الآفات، فإن الله تعالى خلق آدم، ~~فأحسن خلقه، وجمل صورته، وقال في تنزيله: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم}. # فمن ذا يقدر على صفة من هو في أحسن تقويم؟! وقال تعالى: {الذي خلقك فسواك ~~فعدلك}، فمن ذا يقدر على صفة تسويته، وتعديله، وليس أحد من خلقه في مثل هذه ~~الصفة من التقويم، والتسوية، والتعديل؟! ثم قال تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك}. # فأخرج تقويمه، وتسويته، وتعديله من باب الرحمة، وأخرج تركيب الصورة من ~~باب المشيئة والفردية، ثم فضله بالروح، وقربه باليقين، وجعل PageV06P106 ~~فيهما الحياة للحراك للعبودة، ثم جعل تلك البضعة ms0944 الجوفاء خزانته، وهي القلب. # وجعل لها عينين تبصران الغيب، وأذنين تعيان وحيه وكلامه، وجعل لها بابا ~~إلى الصدر، للسراج المتوقد شعاعه في الصدر، وجعل تلك البضعة معدنا لجواهر ~~التوحيد من الحكمة البالغة، والعلوم العالية، وقبض عليها ضنا بها، فلم يطلع ~~عليها ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، وهو مقلبها على مشيئته، ثم خلق الآيات ~~في ذلك اليوم الذي خلقه، وذلك يوم الجمعة، ليقابل كل شيء من صنعه الجميل في ~~آدم، وولده في الظاهر منه. # وفي الباطن آفة ذلك الشيء؛ ليكون الآدمي حامدا له وشاكرا، يرتبط ذلك ~~الصنع الجميل على نفسه، ولنفسه بذلك الحمد والشكر، وليكون آخذا لحرزه من ~~الآفات بهذا الحمد والشكر، وليكون داخلا في ستره، فجعل أول الحمد في الكلمة ~~العليا، وهي كلمة: لا إله إلا الله. # فإذا قالها: صار له عبدا متعبدا، فإذا شهد بها، صار من شهدائه، وأوليائه، ~~والقائمين بالقسط له، ثم يثني هذه الكلمة بالحمد لله، فعندها يصير قوله: ~~الحمد لله مقبولا، ولا يقبل الحمد من عبيده، حتى يكون على مقدمته قول: لا ~~إله إلا الله. # ثم اقتضى العبد بعد ذلك تحقيق هاتين الكلمتين بالشكر، وهو أن يفي ~~بالعبودة له بهذه الجوارح السبعة؛ فينتهي عما نهاه عنه من فعل هذه PageV06P107 ~~الجوارح السبعة، ويأتمر بما افترض عليه في جسده وماله الذي جعله قياما بجسده. # فهذا الشكر المقتضي من العبد تحقيق لما تقدم منه من قوله: الحمد لله؛ حق ~~يقر حمده بهذا الشكر، فإذا وقره بهذا، كان ذلك الحمد تحقيقا للكلمة العليا ~~التي تقدمت، وهي: لا إله إلا الله، وسماها في تنزيله كلمة التقوى، تقيه ~~آفات الدنيا والآخرة. # ثم صار للعبد في هذه المهلة غفلات وهفوات مما يلحقه من نزغات العدو، ~~وهمزاته، وحضراته، ونفحاته، ونفثاته؛ من أجل الشهوة المركبة فيه، والهوى ~~الهفافة فيها لأهبوب تلك الشهوات، وهما سلاح العدو، وسبيلة إلى الآدمي، ~~بهما يصل إلى غوايته. # فإذا كان ذلك، دخل في الشكر تقصير، وفي الحمد تكدير، وفي الكلمة العليا ~~ترخيم، وعلى العروة الوثقى توهين؛ حتى يصير العبد قلبه معلقا ms0945 بعد أن كان ~~منتصبا، ويصير معقلا بعد أن كان منطلقا، ويصير منقبضا بعد أن كان منبسطا، ~~ويتحرج صدره بعد أن كان منشرحا، فعندها الآفات كائنة وعلى كل شيء من جميل ~~صنعه فيه لازمة، فيجده أعمى بعد أن كان بصيرا، وأصم بعد أن كان سمعيا، ~~وأبكم بعد أن كان نطوقا، وزمنا بعد أن كان يدب على وجه الأرض، وعاجزا بعد ~~أن كان قابضا وباسطا، PageV06P108 ~~وفي الباطل كذلك أيضا يلحق من الآفات كل شيء قابل نعمة من نعمه، فإنما لحقت ~~العبد تلك الآفات لما دخل في التقصير في الشكر، وقال في تنزيله: {ذلك بأن ~~الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}. # وقال فيما جرى في الخبر عن الله تعالى من قوله لبني إسرائيل: إني أبتدئ ~~عبادي بنعمتي، فإن قبلوا، أتممت، وإن شكروا، زدت، وإن غيروا، بدلت، وإذا ~~بدلت، غضبت. # ثم أعطى العباد بعد ذلك من باب الرحمة من جوده وكرمه -عطفا عليهم- ما ~~يحترزون به من الآفات مع هذا التقصير الذي جاؤوا به، وجعل لتلك الأشياء ~~حرمة، فإذا نطق بها العبد، وجبت للعبد حرمة؛ لحرمة تلك الأشياء، فوقع في ~~حراسته من تلك الآفات؛ عطفا منه على عباده، ومكرمة لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم في أمته، واختصاصا لهم بالفضل الذي برز لهم على الأمم، وأنزلها على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في تنزيله، فمن تلا تلك الآيات، ونطق بتلك ~~الكلمات، صارت للعبد شفيعا إلى ربه، يسأل حراسته وكلاءته حتى يقع العبد في ~~حصن الله. # وروي لنا عن نوف البكالي: أنه قال: آية الكرسي تدعى في التوراة: ولية ~~الله، ويدعى قارئها في ملكوت السماوات: عزيزا. PageV06P109 # 1361 - نا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: نا فهد ابن سلام، عن جعفر بن سليمان، ~~عن مالك بن دينار، عن نوف البكالي. # قال: وكان عبد الرحمن بن عوف إذا دخل بيته، قرأ آية الكرسي في زوايا بيته ~~الأربع؛ كأن يلتمس بذلك أن تكون له حارسا من جوانبه الأربع، وأن ينفي عنه ~~الشيطان من ms0946 زوايا بيته. # وروي عن عمر رضي الله عنه: أنه صارع جنيا، فصرعه عمر رضي الله عنه، فقال ~~له الجني: خل عني حتى أعلمك ما تمتنعون به منا، فخلى عنه، وسأله، فقال: ~~إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي. # ومما يحقق قوله: # ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أبي بن كعب شكا إليه أنه ~~يدخل بيت التمر، فيراه ناقصا، فحرسه، فإذا هو شيء شبيه الهر يدخل من الكوة، ~~فوثب إليه فأخذه، فقال: خل عني ولا أعود، فخلى عنه، ثم غدا إلى PageV06P110 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((كذبك، وهو معاود، وإنه لكذوب))، فحرسه من الليلة الثانية حتى جاء فدخل من ~~الكوة، فأخذه، فعل ذلك ثلاث ليال، فقال الجني في الثالث: خل عني حتى أعلمك ~~ما إذا قرأته، لم نقدر على الدخول، ولا على شيء، فقال: ما هو؟ قال: آية ~~الكرسي، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((الآن صدقك، ولا يعود))، أو كما قال. # قال أبو عبد الله: # فقد تأذى الشيطان بما تضمنت هذه الآية من السلطان، وتوقى حيث تقرأ هذه ~~الآية؛ لأن الله تعالى قد أوجب لها سلطانا وحراسة، وروي: أن المؤمنين ندبوا ~~إلى المحافظة على قراءتها في دبر كل صلاة. # 1362 - نا عتيق بن محمد، قال: نا ابن أبي فديك، عن أبي سليم، عن الحوشبي، ~~عن أبان، عن أنس -رفع PageV06P111 ~~الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم-، قال: ((أوحى الله تعالى إلى ~~موسى -عليه الصلاة والسلام-: من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة، ~~أعطيته قلوب الشاكرين، وأجر النبيين، وأعمال الصديقين، وبسطت عليه يميني ~~بالرحمة، ولم يمنعه من أن أدخله الجنة إلا أن يأتيه ملك الموت. # قال موسى: يا رب! من سمع بهذا لا يداوم عليه؟ قال: إني لا أعطيه من عبادي ~~إلا نبي أو صديق، أو رجل أحبه، أو رجل أريد قتله في سبيلي)). # 1363 - نا عبد الوهاب ms0947 بن فليح قال: حدثني جدي اليسع بن طلحة قال: أنا ~~طاوس قال: قال الله تعالى: وذكر نحوه. PageV06P112 # 1364 - نا الجارود، قال: نا زيد المروزي، رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: ((من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة، كان الذي يلي قبض روحه ~~ذو الجلال والإكرام، وكان كمن قاتل عن أنبياء الله ورسله حتى يستشهد)). # 1365 - نا محمد بن إسحاق بن إبراهيم العامري، قال: نا زكريا بن حازم، ~~قال: أنا الربيع بن أنس، عن أبي بن كعب، قال: قال الله تعالى: ((يا موسى! ~~من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة، أعطيته ثواب الأنبياء)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # معناه عندنا: أنه يعطى ثواب عمل الأنبياء، فأما ثواب النبوة، فليس لأحد ~~إلا للأنبياء. PageV06P113 # 1366 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا مسلم بن إبراهيم، عن حرب بن ميمون، عن ~~عبد الكريم الصفار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أن موسى ابن عمران لقي جبريل -عليهما الصلاة والسلام-، فقال له: ~~ما لمن قرأ آية الكرسي كذا وكذا مرة؟ فذكر نوعا من الأجر لم يقو عليه موسى ~~-عليه الصلاة والسلام-، فسأل بربه أن لا يضعفه عن ذلك، ثم أتاه جبريل مرة ~~أخرى، فقال -عليه الصلاة والسلام-: إن ربك يقول: ((من قال في دبر كل صلاة ~~مكتوبة مرة واحدة: اللهم إني أقدم إليك بين يدي كل نفس ولمحة وطرفة يطرف ~~بها أهل السماوات وأهل الأرض، وكل شيء هو في علمك كائن، أو قد كان، أقدم ~~إليك بين يدي ذلك كله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} إلى قوله: {وهو ~~العلي العظيم}؛ فإن الليل والنهار أربعة وعشرون ساعة، ليس منها ساعة إلا ~~يصعد إلي فيها سبعون ألف ألف حسنة، حتى ينفخ في PageV06P114 ~~الصور، وتشتغل الملائكة)). # قال أبو عبد الله: # حصلنا حساب ليلة، فبلغ ثمان مئة ألف ألف، وأربعين ألف ألف، وبالنهار ~~مثله، فذلك ألف ألف، وست مئة ألف ألف، وثمانون ms0948 ألف ألف، هذا ليوم وليلة، ~~فحقيق أن يشتغل الملائكة بذلك. # فأما معنى قوله: ((أقدم إليك بين يدي)) هذه الأشياء التي أجمل ذكرها؛ ~~لعجزه عن إحصائها على الانفراد، فقال: أقدم إليك بين يدي هذه الأشياء: الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم، كأنه يؤدي معناه إلى أنه قديم لم يزل، كان قبل ~~هذه الأشياء التي أجمل ذكرها، فقد كان بجميع هذه الصفات التي وصف بها نفسه ~~في هذه الآية؛ من أنه حي به حييت الأشياء، فتحركت، فخرجت حركاتها إلى الله ~~بما رضي وسخط، وأنه قيوم، به قامت الأشياء، فاستقرت قرارها، وسكنت، والله ~~بريء من الحركات والسكون. PageV06P115 # ثم قال: {لا تأخذه سنة ولا نوم}، فالسنة: النعاس، والنوم: خروج النفس من ~~الجسد، معناه: أنه لا تأخذه هذه الأشياء، فيذهل عن إمساك خلقه، ثم قال: {له ~~ما في السماوات وما في الأرض} يخبر عن ملكه لهذه الأشياء التي في السماوات ~~والأرض، ثم قال: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} يسأل كالمستخبر من ذا ~~الذي؟ كقولك: من هذا الذي يفعل كذا وكذا؟ نافيا أن يفعل ذلك أحد إلا بإذنه. # وقوله: {يشفع} هو: الدعاء، والمسألة، إنما قيل: يشفع؛ لأن الشفع ضم الشيء ~~إلى الشيء حتى يصير! اثنين، ومنه قوله تعالى: {والشفع والوتر}. # فالشفع ضد الوتر، فإنما قيل في المسألة: شفع؛ لأن صاحبها وتر عن تلك ~~الحاجة، فإذا سأل حاجته، كان هو والحاجة اثنين، قضيت أو لم تقض، والوتر ~~الخالي عن تلك الحاجة، فإذا سألها؛ فإنما يسأل أن يضم إليه تلك الحاجة ~~مقضية حتى يكون في وقت الصدر شيئين: السائل، وحاجته. # فيقال: شفع إليه يشفع؛ أي: رفع إليه شخصه وحاجته، وكان في البدء وترا، ~~فقال: لا يفعل هذا عنده أحد إلا بإذنه، وكل الأشياء لا تكون إلا بإذنه، ~~وإنما خص الدعاء في هذه الآية؛ لأن الدعاء هو فعل قد أذن الله فيه، وندب ~~العباد إليه، وفتح لهم الباب، وقال تعالى: {وقال ربكم ادعوني استجب لكم}. PageV06P116 # وليس هذا في سائر الأشياء، ولم يجئنا أنه قال: اعملوا وأتقبل ms0949 منكم، بل قال: ~~{إنما يتقبل الله من المتقين}، والدعاء قد يتقبل من غير المتقين. # ألا ترى: أن أهل الجاهلية كان يدعو بعضهم على بعض، فيجاب إلى ذلك، فأعلم ~~العباد أن المسألة والدعاء مرتبته من بين الأعمال ليس إليه سبيل أيضا حتى ~~يأذن فيه؛ كسائر الأشياء من الطاعات، ثم قال: {يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم}، فما بين أيديهم: الآخرة، وما خلفهم: الدنيا، وإن قلت: ما بين ~~أيديهم: الدنيا، وما خلفهم: الآخرة، وكلاهما يؤديان إلى أنه عالم بكليهما ~~من أمر الدنيا والآخرة، {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}؛ أي: لا ~~يحيط خلق السماء وخلق الأرض بشيء من علمه إلا بما شاء أن يعطيهم من ذلك العلم. # وتأويل آخر: أنهم لا يحيطون بشيء من علم البدو، وعلم صفاته إلا بمقدار ما ~~شاء؛ يعلمهم أن العباد عجزة عن جميع علومه، فإنما يعطيهم من كل شيء من ~~أنواع علم صفاته شيئا بمقدار احتمالهم لذلك. # ثم قال: {وسع كرسيه السماوات والأرض}: يعلمهم أن الكرسي مظل على السماوات ~~والأرض، قد دخلتا في جوف الكرسي، ووسع الكرسي -لسعته- السماوات والأرضين. PageV06P117 # وروي عن ابن عباس في قوله: {وسع كرسيه السماوات والأرض}، قال: علمه. # فإنما ذهب ابن عباس في قوله هذا إلى أن الكرسي العلم؛ لأن للرب تعالى ~~علوما، فعلمه بالخلائق، وعدد أنفاسهم وحركاتهم مقرون بفرش الحياة للخلق، ~~فإنما أقامه تحت الكرسي لحياة الخلق وحركاتهم بالحياة. # ولذلك قال ابن عباس في قوله: {وسع كرسيه السماوات والأرض}، قال: علمه. # فليس تأويل قول ابن عباس: أن نفس الكرسي: هو العلم، وكيف يكون الكرسي ~~علما، وهذا ما لا يعرف في اللغة؟. # وإنما ذكر ابن عباس عند ذكر الكرسي: العلم؛ أي: أنه وسع ذلك العلم الذي ~~عند الكرسي السماوات والأرض، وإنما وضع الله علمه بحركات الخلق هناك؛ لأن ~~الحركات مبتدؤها من فرش الحياة، فالعلوم كثيرة، ولكن علم الحركات هناك لما ~~وصفنا، ثم قرن الحفظ بذلك العلم، فكما لا يؤوده علم الحركات، كذلك: {ولا ~~يؤوده حفظهما}؛ أي: حفظ السماوات والأرض بما فيهما من ms0950 أثقال الحركات ~~وأوزانها ومقاديرها. # ثم قال: {وهو العلي العظيم}؛ أي: علا شأنه عن هذا، PageV06P118 ~~وجلت عظمته عن أن يؤوده شيء، فيعجزه، أو يفوته، أو يعزب عنه -تبارك الله رب ~~العالمين-. # وأما قوله: ((إن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش)). # معناه: أن قراءة القارئ بها، تصعد إلى الرحمن، فتقدس ملكه عند ساق العرش، ~~وبالتقديس يسأل الحراسة لقارئها؛ لأن القدوس به تتقدس الأشياء، فإذا تقدست ~~الأشياء، بقيت على هيئتها التي خلقها الله، وتحصنت من الآفات؛ لأن القدس ~~ينحي الآفات، ويبعدها عن الأشياء، ويحصنها منها. # فقراءة العبد اعتراف بما تضمنت الآية من صفاته، وتجديد إيمان به، فإذا ~~تجدد إيمانه، وقعت لقراءته حرمة تنتهي إلى ساق العرش، فتقدس، فإذا قل ~~تقديسها، جعل ثواب التقديس حراسة العبد لكل ما هيأ الله له من الحال ~~المحمود والمرغوب فيه. PageV06P119 ### || AUTO الأصل السابع والخمسون والمئتان # 1367 - نا محمد بن مقاتل، قال: نا معن القزاز، قال: نا عبد الله بن ~~المؤمل المخزومي، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((زمزم لما شرب له)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # معناه: أن هذا بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، أنبطه الله له ~~غياثا في وقت الاضطرار، والإشراف على الموت، بعدما كان يتمايل عطشا، فبعث ~~الله سبحانه جبريل عليه السلام، فأدار بطرف جناحه على تلك البقعة، ثم دفعها ~~بعقبه دفعة، فانفتقت عن الماء من عين الجنة، من قبل الركن الذي يستلمه ~~الناس اليوم. # فروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لولا أن أم إسماعيل ~~اغترفت؛ لكان زمزم عينا معينا)). PageV06P121 # 1368 - نا حميد بن الربيع اللخمي الخزاز، قال: نا محمد بن حميد المعمري، عن ~~معمر، عن أيوب، وكثير ابن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، يزيد أحدهما على ~~الآخر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم))، أو قال: ((لو ~~لم تغرف الماء؛ لكان ms0951 زمزم عينا معينا)). # قال أبو عبد الله: # المعين: الظاهر الجاري الذي تراه العيون، واشتقاق المعين من رؤية العين؛ ~~أي: عاينته العيون. # 1369 - نا عبد الجبار، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ماء ~~زمزم لما شرب له، إن شربته لشبع، أشبعك الله، وإن شربته لظمأ، أرواك الله، ~~وإن شربته لشفاء، شفاك الله، وزمزم هزمة جبريل عليه السلام بعقبه، وهي سقيا ~~الله إسماعيل، وزمزم اشتقت من الهزمة. PageV06P122 # قال أبو عبد الله: # والهزمة: الدفعة، ومنه اشتقاق الهزيمة، وهو قوله تعالى: {فهزموهم بإذن ~~الله}، وهو الدفع والكسر. # 1370 - نا هارون بن أبي زياد البجلي، قال: نا يونس بن بكير، قال: حدثني ~~محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري، عن مرثد بن عبد الله ~~اليزني، عن عبد الله بن زرير الغافقي، قال: سمعت علي بن أبي طالب -كرم الله ~~وجهه- يحدث بحديث زمزم، قال: بينما عبد المطلب نائما في الحجر، أتي فقيل ~~له: احفر PageV06P123 ~~برة، قال: وما برة؟ ثم ذهب عنه، فلما كان الغد، عاد لمضجعه ذلك، فأتي فقيل ~~له: احفر المضنونة، قال: وما مضنونة؟ ثم ذهب عنه، فلما كان الغد، فنام في ~~مضجعه، فأتي فقيل له: احفر طيبة، فقال: وما طيبة؟ ثم ذهب عنه، فلما كان ~~الغد، عاد لمضجعه فنام فيه، فأتي فقيل له: احفر زمزم، قال: وما زمزم؟ قال: ~~لا تنزف، ولا ترم، ثم نعت له موضعها، فقام يحفر حيث نعت له، فقالت قريش: ما ~~هذا يا عبد المطلب؟ قال: أمرت بحفر زمزم، فلما كشف عنه، أبصر الطوي، قالوا: ~~يا عبد المطلب! إن لنا حقا فيها معك، إنها بئر أبينا إسماعيل عليه السلام، ~~قال: ما هي لكم، لقد خصصت بها دونكم، فحفرها. PageV06P124 # قال أبو عبد الله: # فهذه الأسماء التي ذكرت لعبد المطلب في منامه، دليلة على ما فيها. # فأما قوله: ((برة)) فمعناه: أنها تعطيك الصدق من نفسها؛ لأنها من الجنة، ~~وكل شيء من الجنة، فإن الأشياء المشتهاة كائنة جميعها في واحدة منها، وذلك ~~قوله تعالى: {وفيها ما تشتهيه ms0952 الأنفس}، فكل شيء من الجنة موجود في واحدة ~~منها جميع الشهوات. # ألا ترى أن العينان النضاختان المذكورتان في التنزيل، تنضخان بألوان ~~الأشياء، فإن اشتهى ولي الله من تلك العين طعاما، نضخت، وإن اشتهى شرابا، ~~نضخت، وإن اشتهى دوابا ملجمة مسرجة، نضخت، وبذلك جاء الخبر. # وروي في الخبر أيضا: أن السحابة تحدق على رؤوسهم، فتنظر ما يشتهون، فتمطر ~~عليهم ما يشتهون. # حتى قال يزيد بن مرثد في حديثه: لئن أشهدنا الله ذلك، لأقولن لها: ~~أمطرينا جواريا مزينات. # 1371 - نا بذلك عبد الرحيم بن حبيب. PageV06P125 # وإن الأشجار لتنطق، وإن الأقداح لتطير، فتغترف بمقدار شهوة الشارب، وذلك ~~قوله تعالى: {قدروها تقديرا}؛ أي: لا يفضل عن الري، ولا ينقص منه، فقد ~~ألهمت الأقداح معرفة مقدار ري المشتهي حتى تغترف بذلك المقدار، وإن الرجل ~~منهم ليمشي في بيوتاته، ويصعد إلى قصوره، وبيده قضيب يشير به إلى الماء، ~~فيجري معه حيثما دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود، ويتعبه حيثما ~~صعد من أعالي قصوره، وذلك قوله تعالى: {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها ~~تفجيرا}. # وروي في الخبر: أن ولي الله يشير بذلك القضيب إلى الماء، فيعدل معه حيثما ~~عدل، فهو التفجير، وأن الثوب الذي يلبسه ولي الله يتلون عليه في اليوم ~~الواحد سبعين لونا، كلما خطر بباله لون، تغير لباسه، وتلون عليه بما اشتهت نفسه. # وكذلك فيما يطعم ويشرب، كلما تمنى أو خطر بباله شيء، تغير ذلك الذي في ~~فيه يمضغه إلى طعم ما خطر بباله، فهذا كله وفاء ربنا لعبيده حيث قال لهم: ~~{وهم في ما اشتهت أنفسهم}؛ لأنهم ردوا PageV06P126 ~~شهوات النفس في الدنيا من المعاصي في نفوسهم، فشكر الله لهم في دارهي، ~~فكلما تناولوا شهوة من طعام، أو شراب، أو لباس، أو مركب، أو مسكن، أو شيء ~~من الأشياء، فخطر ببالهم في ذلك الشيء شهوة غيرها، تحول ذلك الشيء إلى ما ~~اشتهت نفسه؛ لئلا يتنغص عليه عيشه، ولا يتكدر عليه عطاء ربه؛ لأن الله ~~تعالى وعده في تنزيله: أن [في] الجنة {عطاء ms0953 غير مجذوذ}؛ أي: غير مقطوع، فلو ~~كان إذا خطر بباله شيء من الشهوات، احتيج إلى مهلة حتى ينالها، لم يكن في ~~ذلك وفاء للوعد، فجعل الله الجنة ونعيمها له هنيئة، كلما خطر بباله شهوة في ~~شيء، تحولت له تلك في أسرع من طرفة عين إلى الشهوة الأخرى؛ وفاء لما وعد؛ ~~ليكون عطاء غير مجذوذ دائما أبدا. # ألا ترى أنه يأتي زوجته وهي بكر، فإذا قضى منها شهوته، عادت بكرا على ~~حالها؟. # فهكذا شأن الجنة، فإذا خرجت من الجنة إلى الدنيا تلك الأشياء، تغيرت ~~أحوالها؛ لأن الجنة محرمة على الآدميين حتى يذوقوا الموت. # ألا ترى أن الحجر الأسود والركن كانت تضيء كالشمس، فاسودت لأدناس ~~الآدميين، وسترت زينتها عنهم، فهي في الباطن على هيئتها، ولكنها مستورة، ~~ولو دقت، فصارت رضيضا، لم تجده إلا أسود في رأي العين، وهي في الباطن على ~~هيئتها. PageV06P127 # 1372 - نا سلمة بن شبيب، قال: نا إبراهيم بن الحكم ابن أبان العدني، قال: ~~نا أبي، عن وهب بن منبه، عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لولا ما ضيع من الركن من أنجاس ~~الجاهلية وأرجاسها، وأيدي الظلمة والأثمة، لاستشفي به من كل عاهة، ولألفاه ~~اليوم كهيئته يوم خلقه الله، وإنما غيره الله بالسواد؛ لئلا ينظر أهل ~~الدنيا إلى زينة الجنة، وإنها لياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة، وضعه الله ~~لآدم حين أنزله في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة، والأرض يومئذ طاهرة، لم ~~يعمل فيها شيء من المعاصي، وليس لها أهل ينجسونها، ووضع لها صفا من ~~الملائكة على أطراف الحرم يحرسونه من جان الأرض، وسكانها يومئذ الجن، وليس ~~ينبغي لهم أن ينظروا إليه؛ لأنه شيء من الجنة، ومن نظر إلى الجنة، دخلها ~~وهم على أطراف الحرم حيث أعلامه اليوم يحدقون PageV06P128 ~~به من كل جانب، فلذلك حرم، وسمي الحرم)). # 1373 - نا سلمة، قال: نا محمد بن يحيى، عن ابن أبي إلياس، عن أبيه، عن ~~وهب بن منبه، قال: كان الركن كرسيا ms0954 لآدم يجلس عليه. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالركن: حجر من الفردوس، بعثه الله يوم الميثاق، فوضعه بينه وبين العباد؛ ~~ليبايعوه على ذلك الحجر، فيمسحونه بأيديهم بيعة لله، ولذلك أمر باستلامه. # 1374 - نا الحسين بن جنيد الدامغاني، قال: نا أبو أسامة، عن سفيان بن ~~سعيد، عن أبي الوليد القرشي، PageV06P129 ~~قال: سمعت فاطمة بنت الحسين تقول: لما أخذ الله ميثاق العباد، جعله في ~~الحجر، فمن الوفاء لله بالعهد استلام الحجر. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فكذلك ماء زمزم، هي بهيئتها على ما في الجنة من حلاوتها ولذتها، ولونها، ~~إلا أنها ممتنعة أن يوجد الشاربون تلك الهيئة التي فيها من الجنة، وأقرت ~~فيها خلة واحدة، وهي الغياث؛ لأنها أخرجت من الجنة؛ لإغاثة ولد خليل الله ~~-عليهما الصلاة والسلام-؛ لأن إبراهيم لما ولى، نادته هاجر: يا إبراهيم! ~~إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله، فكان خليل الله صادقا في قوله، نطق عن مجادة ~~في الباطن، فخرج القول منه مجيدا، وهو فيه صادق، فوفى الله له لصدقه، ومكن ~~لقوله بين يديه على مجادته، وأغاث ولده في وقت الاضطرار، ووفى الوكالة، ~~فبقي ذلك الغياث لمن بعده ممن نواه وشربه، ولم يرتجع فيه ذنبا، وذلك قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((زمزم لما شرب له)). PageV06P130 # 1375 - نا الجارود بن معاذ، قال: نا النضر بن شميل، قال: نا يونس بن أبي ~~إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: كانت سارة ~~بنت ملك، فتزوجها إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، فلما كان من أمر الجبار ~~ما كان، وحال الله بينه وبينها، فأعطاها هاجر، فوهبتها لإبراهيم -عليه ~~الصلاة والسلام- على أن لا تسوءني فيها، فولدت له إسماعيل، وولدت سارة بعد ~~ذلك إسحاق عليه السلام، فلما أيفع الغلامان، وتحركا، أمرهما إبراهيم، ~~فاستبقا، وهو جالس بفناء بيته، فسبقه إسماعيل، فكان أشد الغلامين، فأخذه ~~إبراهيم فاحتضنه، ثم جاء إسحاق فأخذه، فوضعه على فخذه، فخرجت سارة غيرى، ~~فقالت: احتضنت ابن الأمة، وأخذت ابني فأجلسته على فخذك، وقد ms0955 شرطتني أن لا ~~تسوءني فيها؟ قال: أجل، قالت: فاعزلهما عني، فانطلق بهما إلى وادي مكة، ~~ومعها قربة لها شنة فيها ماء، ونفد الماء، وبلغ الغلام العطش، فقالت له PageV06P131 ~~أمه: يا أشمويل! اذهب هاهنا في أعلى الوادي؛ فإني لا أطيق أن أراك إذا مت، ~~فأمرته، فانطلق الغلام ينحب، وجاء جبريل -عليه الصلاة والسلام- فقال: من ~~أنت؟ قالت: أنا جارية إبراهيم، قال لها: فمن معك هاهنا؟ قالت: معي ابنه ~~إسماعيل، قال: أين هو؟ قالت بلغه الجهد، فلم أستطع أن أراه إذا مات، فأمرته ~~فذهب هاهنا في أعلى الوادي، أو أسفله، قال لها: إلى من وكلكما؟ قالت: قلت ~~له حين ولى: إلى من تكلنا؟ قال: أكلكما إلى الله، قال: جبريل: قد وكلكما ~~إلى كهف، ادعيه، ثم قال لزمزم، فنقبها، ثم قالت بالسريانية: يا أشمويل! ~~ثلاث مرات، فلما سمع الغلام الصوت، أقبل يجد؛ أي: يتمايل من العطش، وقامت ~~هي بقربتها تنضخ عليها الماء. # فقال لها: اقربيها؛ فإنها رياء، ولو قضي أنك لم تكوني وضعت يدك فيها، ~~لجرت، فجاء إبراهيم -عليه PageV06P132 ~~الصلاة والسلام-، قالت: جاءنا خير الناس، قال إبراهيم: ذاك جبريل، ثم إن ~~إسماعيل -عليه الصلاة والسلام- تزوج، فقال إبراهيم لسارة: أتأذنين لي فآتي ~~إسماعيل فأزوره؟ فقالت: نعم، على أن لا تنزل، فانطلق حتى أتى منزله، فسلم ~~واستأنس، قال: كيف أنتم؟ فتجهمت امرأته، ولم تقتف به -قال النضر: أي: لم ~~تكرمه، ولم تلطف به-، فقال لها: أين إسماعيل؟ قالت: هو في غنمه، قال: ~~أقرئيه السلام إذا جاء، وقولي له: غير أسكفة بابك؛ فإني لا أرضاها لك، فلما ~~جاء إسماعيل، وجد الريح، فقال: قد جاءكم خير، قالت: جاءنا شيخ هاهنا، قال: ~~فما قال لكم؟ قالت: سألنا عنك، ثم قال: أقرئيه السلام، وقولي له: فليحول ~~أسكفة بابه؛ فإني لا أرضاها له، قال: أنت هي، فخلى سبيلها، وتزوج بعد ذلك ~~امرأة، فقال إبراهيم لسارة: أتأذنين لي في أن آتي إسماعيل فأسلم عليه؟ ~~قالت: نعم، على أن لا تنزل، فانطلق حتى أتى منزله، وسلم واستأنس، قال: كيف ~~أنتم؟ فقالت: بخير، وبشت ms0956 به، ورحبت به، قال: فأين إسماعيل؟ قالت: هو في ~~غنمه، فأخرجت له غسلا، PageV06P133 ~~وقربت الحجر، فوضع قدمه عليه، فأخذت أحد جانبي رأسه فغسلته، ثم حولته من ~~الجانب الآخر، فوضع قدمه عليه، فغسلت رأسه، ودهنته. # فقال لها: إذا جاء إسماعيل، فقولي له: قد جاء والدك هاهنا، وأمرك بأسكفة ~~بابك خيرا، فلما جاء، وجد الريح، قال: قد جاءكم الخير اليوم؟ قالت: نعم، قد ~~جاءنا والدك، فسألنا، فأخبرناه أنك في الغنم، فقال: أقرئيه السلام، وقولي ~~له: أمرك بأسفكة بابك خيرا؛ فإني قد رضيتها لك، قال: فأنت أسكفة بابي، ثم ~~أنزلت السكينة كأنها قطعة ضبابة فيها رأس يتكلم. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((زمزم لما شربت له)) جار للعباد على ~~مقاصدهم، وصدقهم في تلك المقاصد، وتلك النيات؛ لأن العبد الموحد إذا نابه ~~أمر، فمن شأنه المفزع إلى ربه، فإذا فزع إليه، استغاث به، فوجد شيئا قد ~~هيأه الله له على مقدمة نوائب العباد غياثا أنبطه لولد خليله عليه السلام، ~~فالغياث أمر جامع يعكس ويطرد في جميع الأمور، فإذا ناب العبد نائبة، كائنا ~~ما كان، فنواه وقصده، وجد ذلك الغوث فيه موجودا، وإنما يناله العبد على قدر نيته. PageV06P134 # 1376 - نا قتيبة بن سعيد، قال: نا هشيم بن أبي ساسان الصيرفي، قال: سمعت ~~سفيان الثوري يقول: إنما الرقى والدعاء بالنية. # قال أبو عبد الله: # فالنية تبلغ بالعبد عناصر الأشياء، والنيات على قدر طهارة القلوب، وسعيها ~~إلى ربها إلى تلك المراتب. # وتفسير النية: النهوض، يقال في اللغة: ناء ينوء؛ أي: نهض ينهض، فالنية ~~نهوض القلب بعقله ومعرفته إلى الله تعالى، فعلى قدر العقل والمعرفة يقدر ~~القلب على السعي والطيران إلى الله تعالى. # فالشارب لزمزم: إن شرب لشبع، أشبعه الله، وإن شربه لري، أرواه، وإن شربه ~~لشفاء، شفاه الله، وإن شربه لسوء خلق، حسن خلقه، وإن شربه لغنى النفس، ~~أغناها الله، وإن شربه لرياضة نفس، كفاه الله، وإن شربه لطهارة قلب، طهره ~~الله، وإن شربه لانفلاق ظلمات الصدر، فلقها الله، ms0957 وإن شربه لحاجة، قضاه ~~الله، وإن شربه لأمر نابه، كفاه الله، وإن شربه لكربة، كشفها الله، وإن ~~شربه لنصرة، نصره الله، وإن شربه لقوة، قواه الله، PageV06P135 ~~وإن شربه لرفعة في الدين، رفعه الله، وبأية نية شربها من أبواب الخير ~~والعافية والصلاح، وفى الله له بذلك؛ لأنه استغاث بما أظهره الله من جنته ~~على جديد أرضه غياثا. # 1377 - حدثني أبي رحمه الله، قال: أخذني البول في ليلة ظلماء في الطواف ~~حتى شغلني، وكرهت الخروج مخافة أن أطأ عذرات الناس، وذلك في أيام الموسم، ~~فذكرت هذا الحديث: ((إن ماء زمزم لما شرب له)) فملت إليها، فشربت منها شربة ~~تضلعت منها، فانقطع عني البول إلى الصباح. # فأما قوله: ((مضنونة)): فإنما سميت مضنونة؛ لأنه قد ضن بها عمن قبلهم من ~~الآدميين، فجاد الله بها على أبي العرب إسماعيل -عليه الصلاة والسلام-؛ ~~لتبقى مكرمتها في ولده محمد صلى الله عليه وسلم، وفي أمته. # وأما قوله: ((طيبة)): فإنما طابت بدار الله التي خلقها بيده، ثم طابت ~~بجود الله، وعطفه على ولد خليله عليهما السلام. PageV06P136 ### || AUTO الأصل الثامن والخمسون والمئتان # 1378 - نا محمد بن أبان مستملي وكيع، قال: أنا أبو همام الأهوازي، عن ثور ~~بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي زهير الأنماري، قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه، قال: ((اللهم اغفر لي ذنبي، وأخسئ شيطاني، ~~وفك رهاني، وثقل ميزان، واجعلني في الندي الأعلى)). PageV06P137 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # قوله: ((اغفر لي ذنبي))؛ فقد أمر بالاستغفار، فقال في تنزيله: {واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات}. # فالمغفرة: درجات، بعضها أعلى من بعض، فمغفرة الرسل -عليهم السلام-: أعلى ~~من مغفرة من دونهم، ومغفرة محمد صلى الله عليه وسلم أعلاها. # ألا ترى أنه جاء عنه عليه السلام: أنه قال: ((إن لي دعوة أخرتها إلى يوم ~~القيامة، وإن إبراهيم عليه السلام ليرغب إلي في ذلك اليوم)). # وقال: ((إذا زفرت النار على أهل الموقف، قالت الأنبياء والرسل: نفسي ~~نفسي، وقال نبينا عليه السلام: أمتي أمتي)). # فهذا لعلو ms0958 درجته في المغفرة، فإنه أمره أن يستغفر، فلم يزل ذلك دأبه بعد ~~ما بشره الله في سورة الفتح بقوله: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر}، فنزلت عليه في آخر أمره: {إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا. فسبح بحمد ربك واستغفره PageV06P138 ~~إنه كان توابا}، فإنما نزلت هذه بعد فتح مكة، والبشرى بالمغفرة في سورة: ~~{إنا فتحنا لك فتحا مبينا} قبل ذلك بنحو من سنتين، وذلك عند فتح خيبر، فلم ~~يزل ذلك دأبه، ولم يفارق الاستغفار إلى أن قبضه الله، ومن يحيط بالمغفرة ~~إلا الله، فكلما استكثر العبد من سؤالها، كان منها أوفر حظا. # وروي في الخبر المأثور: أن الاستغفار يخرج يوم القيامة ينادي: يا رب! حقي ~~حقي، فيقال: خذ بحقك، فيحتفل أهله، ويجتحفهم. # وروي أن داود -عليه الصلاة والسلام- خرج يستسقي، فلما انتهى إلى البراز ~~قال: اللهم اغفر لنا، ورجع، فما تتام آخر الناس حتى رجع أولهم، فكأنهم ~~استقلوا ذلك منه، فأوحى الله إليه أن قل لقومك: إن من أغفر له مغفرة واحدة، ~~أصلح له بها أمر دنياه وآخرته. # قوله عليه السلام: ((أخسئ شيطاني))؛ فإنه ليس من آدمي إلا وكل به شيطان ~~يوسوس إليه، وهو الوسواس الخناس، ولذلك أمر صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ ~~برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم من أحد إلا وقد وكل به ~~قرينه من الشياطين))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن ~~الله قد PageV06P139 ~~أعانني عليه فأسلم)). # ثم تأول المتأولون هذه الكلمة من قوله: فأسلم على معنيين، فأحد المعنيين ~~ذهب به إلى السلامة؛ أي: أسلم من كيده ودواهيه؛ لأنه أمر بالتعوذ منه، فلم ~~يكن ليأمره بالتعوذ فيفعل، إلا وقد سلم منه بما أمره من التعوذ، ونفروا من ~~أن يحملوا معناه على الإسلام، وليس ذلك على ما ذهبوا؛ لأن قوله: أسلم ~~-مفتوح الميم- معناه؛ أي: انقاد، وأعطى بيده سلما؛ كقوله تعالى: {قالت ~~الأعراب ms0959 آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا}؛ أي: أعطينا بأيدينا سلما؛ ~~كقوله تعالى: {وألقوا إلى الله يومئذ السلم}؛ أي: أعطوا بأيديهم، وألقوا ~~أنفسهم إلى الله تسليما. # فقوله: أخسئ شيطاني؛ أي: إنك إذا أخسأته، خسئ، فلم يبق معه شر ولا كيد، ~~والخسء في لغة العرب: الفرد، والزكا: الزوج، وكل شيء انضم إليه شيء، ~~فزاوجه، فهو زكا، ومنه سميت الزكاة في المال زكاة، وفي كل شيء زاد وربا من ~~الزرع والثمار ريعه، قيل: زكا الزرع، وزكت الثمرة، ومن ذلك قوله تعالى: ~~{ذلكم أزكى لكم وأطهر}، وقوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى ~~منكم من أحد أبدا}، ومنه قوله تعالى: {وويل للمشركين. الذين لا يؤتون ~~الزكاة}؛ أي: لا يؤتون كلمة لا إله إلا الله، فيحتشون من نورها، فإذا لم ~~يقولوا، فهم خسء؛ أي: فرد خال عن النور والخير، فيقول الله لهم في النار: ~~{اخسئوا PageV06P140 ~~فيها ولا تكلمون}؛ أي: كونوا في خلاء مني، ومن رحمتي ونوري وجودي وعطفي، ~~فعندها ينقطع الكلام، والنداء، ويطبق عليهم، فلا يبقى لهم من الرب شيء، ~~فذاك الحال أخلى خلاء. # فقوله عليه السلام: ((أخسئ شيطاني))؛ أي: أخله من جميع الشر الذي فيه؛ ~~لأنه خلق من نار، حتى لا يبقى له قوة أن يكيدني بشيء، وإن دق. # وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فك رهاني))؛ فإن النفوس حظها من الدنيا ~~النعمة: نعمة البصر، ونعمة السمع، ونعمة اللسان، ونعمة سائر الجوارح، وسائر ~~النعم التي تربى بها الجوارح، وحظها من ربها الحياة، والعلم والذهن، ~~والمعرفة والعقل، والحفظ والفهم، والفطنة والقوة، ومن يحصي نعم النفس ~~وقوامها؟! ودوامها في الشكر، فالنفوس مرتهنة بالنعم، فإنما يفكها الشكر، ~~فعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أن العباد لا يبلغون كنه الشكر، ففزع إلى ~~ربه أن يتولى فك رهانه بجوده وفضله، وقال تعالى في تنزيله: {كل امرئ بما ~~كسب رهين}، وقال تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة. إلا أصحاب اليمين}. # فأصحاب اليمين: هم الموحدون، وحدوا الله بقلوبهم، ثم أبرزوا ذلك التوحيد ~~على ألسنتهم، فنطقوا بلا إله إلا الله، ms0960 فاقتضى الله عباده بالوفاء بصدقها، ~~وصدقها مستور عن الخلق، وعند الله ظاهر، فاقتضى حفظ الجوارح السبع عن ~~المناهي، وأداء الفرائض؛ ليبرز صدق الصادق، وكذب الكاذب. PageV06P141 # وكل الموحدين قد أخذوا بسهم من سهام يمن اليمين كل على قدر صدقه يتوفر من ~~ذلك اليمين، فأول أصحاب اليمين: الرسل -عليهم السلام-، وآخرهم: من أتى ~~بكلمة التوحيد نطقا بها، ليس معه وراء ذلك شيء، وأصحاب الدرجات فيما بين ذلك. # فكل من أتى الله مع هذه الكلمة بشيء من أعمال البر؛ من حفظ جارحة، وأداء ~~فريضة واحدة، فقد أتى بسهم من الشكر، وإن دق، فعلى قدر ذلك من الشكر، فك ~~رهانه، وبقي سائر السهام عليه غرما، ولذلك قال تعالى: {إن عذابها كان ~~غراما}. # فأوفرهم حظا من حفظ الحدود، وأداء الفرائض، أوفرهم حظا من الشكر، وهذا ~~شكرهم، فينجو من الغرم بقدر ذلك، ويفك من رهنه بقدر ما نجا من الغرم، حتى ~~ينتهي ما وصفنا إلى درجات الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، فهم أحفظ الخلق ~~للجوارح، وأتقاهم عليها، وأداء الفرائض-، وهم -مع هذا- مقصرون عند أنفسهم ~~في الشكر، قال الله تعالى: {كلا لما يقض ما أمره}؛ أي: لن يبلغ أحد أن يقضي ~~أمره على كنهه، وكيف يقدر آدمي على أن يخرج من لحمه ودمه الذي أصله من ~~التراب، ومعه شهوات نفسه، ووسواسه ما يبلغ كنه أمره الذي هو أهله؟! هيهات ~~هيهات! فالآدميون عجزوا عن هذا، فلذلك فزع إلى ربه، فقال: ((فك رهاني)) حتى ~~يكون الذي عجز عنه الآدميون هو الذي يفكه بجوده، فينجو من رهان الشكر. PageV06P142 # ألا ترى إلى قول موسى صلى الله عليه وسلم: ((يا رب! أسبغت علي النعم ~~السوابغ، فشكرتك عليها، فكيف لي شكر شكرك؟ قال: يا موسى! تعلمت العلم الذي ~~لا يفوقه علم، حسبك أن تعلم أن ذلك من عندي)). # فهذا موضع العجز، فإذا بلغ العبد موضع العجز، فزع إلى الله حتى يجود عليه ~~بما بقي عليه من الشكر، فيفكه من رهنه. # قوله عليه السلام: ((ثقل ميزاني)): فالرسل في ستر الله الأعظم، فإذا نصبت ~~الموازين، امتلأت ms0961 الكفتان جميعا من نور أعمال النبوة، وأفعال الرسالة، ~~والصدق لسان موازينهم، فأصدق الخلق الرسل والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ~~في أقوالهم وأفعالهم. # فأهل الموقف في أشد الأهوال في ذلك الموقف؛ لأن الرحمة لم تخرج بعد من ~~الحجب إلى أهل الموقف، والرب تعالى غضبان محتجب عن خلقه، لشرك المشركين، ~~وعبادة الأوثان، وفرية المفترين على الله، فذلك وقت الأهوال، فإذا نصبت ~~موازين الرسل، وطارت أنوار أعمالهم في النبوة، وأفعالهم في الرسالة من ~~الميزان إلى الله، سكن الغضب، ورضي عنهم الرب، وخرجت الرحمة من الحجب إلى ~~أهل التوحيد، فأحاطت بهم، فصار الموحدون في سرادقها، فعندها توزن أعمال ~~العباد، فإنما قال: ثقل ميزاني؛ أي: وفر علي أنوار النبوة والرسالة حتى ~~أكون أعظمهم PageV06P143 ~~نورا، وأوفاهم وفاء، وأصدقهم صدقا، حتى يكون عملي هو الذي يسكن غضبك على ~~خلقك، وتخرج الرحمة إلى الموحدين بما وافى به ذلك المقام. # وأما قوله عليه السلام: ((واجعلني في الندي الأعلى))؛ فإن الأنبياء في ~~الموقف، لهم مراتب على نحو مقاومهم بقلوبهم في دار الدنيا، فمن كان أقرب ~~منزلة بقلبه في دار الدنيا، فهو أقرب منه مرتبة هناك، فالندي هم: السابقون ~~المقربون الذين يبدأ بهم، فسأل أن يكون في أعلاهم مرتبة أقربهم إليه، فكان ~~هذا دعاؤه حتى بشر بالمقام المحمود، وهو أقرب المقام، ولذلك قال مجاهد في ~~قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}، قال: يجلسه على عرشه. # وروي لنا: أنه ينشئ ناشئة من العرش كهيئة الشجنة، فيحمله من الموقف إلى ~~العرش، حتى ينظر إليه الخلق في تلك الوقفة، فيتلهفون على ما فاتهم من أداء ~~حقه إذا رأوا له تلك المنزلة عند ربه. # 1379 - نا أبي رحمه الله، قال: نا محمد بن الحسن، قال: نا عبد الله بن ~~المبارك، قال: أنا معمر، عمن سمع محمد بن PageV06P144 ~~عبد الله بن أبي يعقوب يحدث عن بشر بن شغاف، قال: سمعت عبد الله بن سلام ~~يقول: أكرم خليقة الله على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، قلت: لا ~~يكون ملكا مقربا، فنظر وقال: تدرون كيف خلق ms0962 الملائكة؟ إنما خلق الملائكة ~~كخلق السماء والأرض، وكخلق الجبال والسحاب، وإن أكرم خليقة الله على الله ~~تعالى أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فإذا كان يوم القيامة، وضرب الجسر ~~على جهنم، نادى مناد: أين محمد وأمته؟ فيقول نبي الله، وأمته تتبعه، فيمضي ~~النبي والصالحون حتى ينتهي إلى ربه، فيوضع له كرسي عن يمين الرحمن -تعالى ~~وتقدس-. PageV06P145 ### || AUTO الأصل التاسع والخمسون والمئتان # 1380 - نا أبي رحمه الله، قال: نا إسماعيل بن صبيح اليشكري، قال: نا ~~عنبسة بن سعيد أخو أبي الربيع السمان، عن مهاجر [بن] أبي المنيب الهذلي، عن ~~أبي المليح، عن أبيه: أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني ~~أدخل في صلاتي، فما أدري أعلى شفع أنفتل أم على وتر؛ من وسوسة أجدها في ~~صدري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا وجدت ذلك، فاطعن إصبعك هذه ~~-يعني: السبابة- في فخذك اليسرى، وقل: بسم الله؛ فإنها سكين الشيطان، أو ~~مدية الشيطان)). PageV06P147 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # معناه عندنا: أن هذه الطعنة بالسبابة مدية الشيطان إذا كان مبتدؤها باسم ~~الله، والمدية: السكين الذي له وجهان: كالخنجر في المقدار، إلا أنها ذات ~~وجهين، فباسم الله تخلص تلك الطعنة بالسبابة إلى الشيطان، فينال منه فخذه ~~وساقه، حتى يصير مقعدا زمنا، وذلك أن الوسواس جاءنا صفته في الحديث كيف هو ~~من الآدمي. # 1381 - نا صالح بن عبد الله، قال: نا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجريري، عن ~~عثمان بن أبي العاص: أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوسواس، ~~فقال: ((ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسست بشيء منه، فاتفل عن شمالك ~~ثلاثا، وتعوذ بالله منه)). PageV06P148 # 1382 - نا صالح، عن عمرو بن محمد العنقزي، عن أبي بكر الهذلي، عن شهر بن ~~حوشب، عن أبي ثعلبة الخشني، قال: سألت الله أن يريني الشيطان ومكانه من ابن ~~آدم، فرأيته يداه في يديه، ورجلاه في رجليه متشاعبة في جسده، غير أن له ~~خطما كخطم الكلب، فإذا ذكر الله، خنس ونكص، وإذا ms0963 سكت عن ذكر الله، أخذ بقلبه. # فعلى نحو ما وصف أبو ثعلبة أنه متشاعب في الجسد؛ أي: في كل عضو منه شعبة منه. # وروي عن عبد الرحمن بن الأسود أو غيره من التابعين: أنه قال بعد ما كبر ~~سنه وضعف: ما أمنت الزنا، وما يؤمنني أن يدخل الشيطان ذكري، فيوتده؟ PageV06P149 # فهذا القول ينبئك أنه يتشعب في الجسد. # 1383 - نا الجارود، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة: أنه قال: يقول ~~الشيطان: كيف ينجو مني ابن آدم، وأنا في صدره، فإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه؟! # فهذا تحقيق ذلك أيضا، وإنما يطير إلى الرأس في وقت الغضب؛ لأن العقل في ~~الرأس، وإشراقه من الرأس إلى الصدر؛ لينظر عين الفؤاد بنور العقل، فيميز ~~بين الأمور، ويدبر، فإذا رأى الشيطان الغضب قد هاج من الآدمي، طار إلى ~~رأسه، حتى يحجب العقل عن أن يشرق في الصدر. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الشيطان يجري من ابن ~~آدم مجرى الدم)). PageV06P150 # فمجرى الدم: هي العروق المشتملة على جميع الجسد، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حديث أبي المليح؛ حيث أمره أن يطعن بالسبابة في فخذه اليسرى، ~~يدل على تحقيق هذه الأحاديث الذي ذكرناها: أنه متشاعب في الجسد، ثم سلطانه ~~ومقعده في الصدر في وقت الوسوسة. # وروي أبو الأشهب، عن يحيى بن أبي كثير، قال: الوسواس له باب في صدر ابن ~~آدم يوسوس إليه منه. # 1384 - نا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: نا عصام ابن المثنى بن وائل ~~الحمصي، قال: حدثني أبي، عن وهب ابن منبه: أن إبليس وضع ابنا له بين يدي ~~حواء، وقال: اكفليه، فجاء آدم فقال: ما هذا يا حواء؟ قالت: جاء عدونا بهذا، ~~وقال لي: اكفليه، فقال: ألم أقل لك: لا تطيعيه في شيء؛ هو الذي غرنا حتى ~~وقعنا في المعصية، وعمد إلى الولد فقطعه أربعة أرباع، وعلق كل ربع على ~~شجرة؛ غيظا له، فجاء إبليس وقال: يا حواء! أين ابني؟ فأخبرته بما صنع ms0964 آدم، ~~فقال: يا خناس! فحيي، فأجابه، فجاء به إلى حواء، قال اكفليه، فجاء آدم، ~~فحرقه بالنار، وذر رماده PageV06P151 ~~في البحر، فجاء إبليس فقال: يا حواء! أين ابني؟ فأخبرته بفعل آدم إياه، ~~فذهب إلى البحر فقال: يا خناس! فحيي، فأجابه، فجاء به إلى حواء الثالثة، ~~فقال: اكفليه، فنظر إليه آدم، فذبحه، وشواه، وأكلاه جميعا، فجاء إبليس ~~فسألها، فأخبرته حواء فقال: يا خناس! فحيي، فأجابه من جوف آدم وحواء، فقال ~~إبليس: هذا الذي أردت، وهذا مسكنك في صدور ولد آدم. # وهو ملتقم قلب ابن آدم ما دام غافلا يوسوس، فإذا ذكر الله، لفظ قلبه، ~~وانخنس. # 1385 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا عبد الله ابن عبد الوهاب الحجبي، عن ~~عدي بن أبي عمارة، قال: حدثني زياد النميري، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((الشيطان ملتقم قلب ابن آدم، فإذا PageV06P152 ~~ذكر الله، خنس عنه، وإذا نسي الله، التقم قلبه)). # وأما التفل الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتفل عن يساره، فإن ~~التفلة واصلة إلى وجه الشيطان، فتصير قروحا، وكذلك رمي الجمار إنما يرمي ~~رأس الشيطان ومطلعه حيث طلع لآدم، ثم لخليل الله -عليهما الصلاة والسلام-، ~~فبقيت سنة؛ لأن تلك الطلعة منه كائنة لكل مسلم حاج، فإذا رمى الحاج، شدخ ~~رأسه وطلعته حتى يخنس، وإنما أمر بسبع حصيات؛ لأنه أطلع رأسه من سبع أرضين، ~~ونفسه موثوقة في سجين، وذلك سجنه تحت الأرض السابعة، فبكل حصاة يخنس في أرض ~~حتى تبلغ خنساته بالسابعة في الأرض السابعة إلى مستقره، فكذلك التفلة، مع ~~تعوذك بالله، ترد الذي جاء به من النزغة والوسوسة كالنار إلى وجهه، فتحرق ~~وتصير قروحا. # وروي عن الربيع بن خثيم: أنه قص عليه رؤيا منكرة، وذلك أنه أتاه آت فقال: ~~إني رأيت في المنام كأن قائلا يقول: أخبر الربيع أنه من أهل النار، فتفل عن ~~يساره ثلاثا، وقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فرأى ذلك الرجل في منامه ~~في الليلة الثانية كأن رجلا جاء ms0965 بكلب، فأقامه بين يديه، وفي عنقه حبل، وعلى ~~جبهته قروح، فقال: هذا ذلك الشيطان الذي أراك في منامك رؤيا الربيع، وهذه ~~القروح تلك التفلات الثلاث التي كانت منه، والله سبحانه وتعالى أعلم. PageV06P153 ### || AUTO الأصل الستون والمئتان # 1386 - نا عيسى بن أحمد العسقلاني، قال: نا شبابة، قال: نا شعبة، عن عمرو ~~بن مرة، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت ~~مزاحم، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)). PageV06P155 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فكمال المرء سبعة: في العلم، والحق، والعدل، والصواب، والصدق، والأدب، ~~واللبق، وذلك أنه إذا لم يعلم، فهو جاهل بأمر الله، فإذا علم أمر الله، ~~احتاج إلى أن يكون محقا، فيعمل بذلك العلم، فإذا عمل بذلك، احتاج إلى إصابة ~~الصواب في ذلك العمل؛ لأنه قد يعمل بذلك العلم وهو حق، ولكنه في غير وقته، ~~فلم يصب الصواب؛ بمنزلة رجل صلى ركعتين في وقت طلوع الشمس، فالصلاة حق، ~~ولكنه لم يصب وقتها فيكون صوابا، وبمنزلة رجل صلى وأمه تدعوه، فيترك ~~إجابتها، وبمنزلة رجل غزا بغير إذن أبويه، فالفعل حق، ولكنه لم يصب الصواب، ~~فإذا عمل وأصاب الصواب، احتاج إلى العدل قبل ذلك، فيكون يريد به وجه الله ~~في ذلك العمل، فإذا عدل، احتاج إلى الصدق، بأن لا يلتفت إلى نفسه فيوجب لها ~~ثوابا، أو يقتضيه ثوابا، فتحتجب عنه المنة، فإذا احتجبت المنة، صار معجبا، ~~متعظما في نفسه، فإذا أقام الصدق في ذلك، وهو صدق العبودة احتاج إلى الأدب، ~~وهو أن يعمله كأن الله يراه، فهو يعمل على يقظة أن يرى الله تعلقه بما يرى، ~~حتى يعمل بوقار وسكينة، وهيبة ووفارة ذلك العمل؛ فإن الأدب بساط العمل، فما ~~لم يبسط PageV06P156 ~~البساط، لم يتميز الأشياء، ولم ينقسم حتى يحضره ما به بتوفر العمل، فإذا ~~أقام الأدب، احتاج إلى اللبق، فإذا لبق، قبل: وإنما يدرك اللبق بحياة القلب ~~بالله، فإذا حيي ms0966 القلب بالله كان عمله لبقا، فهذا الكامل؛ لأنه يعمل على ~~المشاهدة على بصيرة. # وذلك قوله تعالى: {بل الإنسان على نفسه بصيرا. ولو ألقى معاذيره}؛ أي: لا ~~ينفعه المعاذير، ولا يقبل معذرته؛ لأنه قد أعطي البصيرة، فأعماها بهوى ~~النفس ومشيئاتها وشهواتها، فإذا أعمى بصيرته فاللائمة لازمة لها، وعذره غير مقبول. # 1387 - نا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: نا محمد ابن مخلد أبو أسلم ~~الرعيني، قال: نا يعلى بن الأشدق الطائفي، قال: سمعت عمي عبد الله بن جراد ~~يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليس الأعمى من يعمى بصره، ~~وإنما الأعمى من تعمى بصيرته)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # وذلك قوله تعالى في تنزيله: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور}. # فالبصر في العين الناظرة الظاهر من نور الروح، والبصيرة على PageV06P157 ~~النفس من القلب من نور معرفة الفطرة، وذلك أن الله تعالى كان ولا شيء، ثم ~~قدر المقادير، فأبرز علمه في خلقه يوم المقادير، ولا عرش ولا كرسي، ولا جنة ~~ولا نار، ولا مكان ولا وقت ولا زمان، ولا خلق مخلوق، ثم عرضهم، فنظر إليهم ~~حتى أنفذهم بصره، فمعرفة الفطرة من ذلك النور الذي أنفذهم بصره، فمن ثم ~~عرفوه، فقال في تنزيله: {بل الإنسان على نفسه بصيرة}؛ أي: من نور معرفة ~~الفطرة عليها بصيرة تبصره أن هذا الذي يبصر بعين الرأس هو آيات الله، وآثار قدرته. # فهذا الإنسان خرج من بطن أمه مع هذه البصيرة لا يقدر أن يجحد ربه ولا ~~ينكره؛ لأن بصيرته معه، فلما تحركت منه الشهوات التي في نفسه، عميت بصيرته؛ ~~لأن القلب مال إلى الفرح بالشهوات، والنفس مالت إلى اللذة بالشهوات، فعميت ~~بصيرته، فصار كمن لا يعرف؛ لأنه افتقد قوة المعرفة، فذهب اعتمالها، فلذلك ~~قبل من العدو ما جاء به من الشرك والعبادة لمن دونه، واتخاذ ولي من دونه، ~~فظلمة الشهوات حجبت تلك البصائر، بصائر الهدى من الناس، ثم من الله على ~~مختاريه من ولد الآدميين، فاختار من كل ألف ms0967 واحدا، فوضع فيه الخير حتى صار ~~مختارا، ثم من عليه بنور التوحيد، وفي جوف ذلك النور نور المحبة، ونور ~~البهاء، فقيد قلبه ونفسه الشهوانية بنور المحبة، فلما وجدت النفس حلاوة نور ~~المحبة، PageV06P158 ~~رفضت حلاوة عبادة الوثن، وبنور البهاء دان للتوحيد لله، وقبح عنده الشرك، ~~فرفضه، فبوجود نور المحبة، ونور البهاء، لم تعجز بصيرته، وازدادت البصيرة ~~قوة بوجود هذه الأنوار التي جاءت من المنة، فمن صار هذه الأنوار له، وتخلص ~~من دخان النفس وحريق الشهوات، قويت بصيرته قوة تهتك كل حجاب بينه وبين ربه ~~من حجب الآدميين، وصدرت أعماله من صدره إلى الأركان على مشاهدة اليقين، ~~ومعاينة القلب محل المقادير، ومحل القضاء من ملك الجبروت. # وذلك قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة}، ثم قال: {أنا ~~ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}. # فلم يجعل الدعاء إلى الله على بصيرة إلا لتابعي محمد، وتابعوه: من هاجر ~~عما نهى الله عنه، ونصر الحق في كل موطن، وكان له السبق، فهذا عبد قد رضي ~~الله عنه، فأعطاه حبه، فأحبه، فاحتدت بصيرته، حتى انتهت إلى المقام بين ~~يديه، فباطن الأشياء له معاينة، كظاهر الأشياء لأهل الغفلة معاينة، فأهل ~~الغفلة ينظرون إلى الأشياء بنور الروح، وهذا الموقن PageV06P159 ~~الذي وصفناه، ينظر إلى الأشياء بنور الله. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ~~ينظر بنور الله)). # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يأثره عن جبريل عليه ~~السلام عن الله تعالى: أنه قال: ((ما تقرب إلي عبد بمثل أداء فرائضي، وإنه ~~ليتقرب إلي بعد ذلك بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، ~~وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي به ينطق، ويده التي بها يبطش، ورجله التي ~~بها يمشي، وفؤاده الذي به يعقل، فبي يستعمل هذه الأشياء)). # فإذا أدى الفرائض، وهو إقامة الأمر والنهي، فقد هاجر، وإذا انتقل بعد ~~إقامة الأمر والنهي، فقد نصر الحق، وإذا قطع العلائق، نال السبق؛ لأنه قد ~~انفلت ms0968 من المتعلقين، فطار إلى ربه، فهذا التابع بإحسان قول الله تعالى في ~~تنزيله: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا ذلك الفوز العظيم}. # فالسبق والأولية في كل أمر وعمل لهذه الطبقة التي هاجرت عن الآثام، ونصرت ~~الحق، فهم أهل الرضا، ومحبوبو الله أيام الدنيا؛ لأنهم اتبعوا رأس المحبين ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، فنالوا من تلك المحبة التي أعطيت محمدا عليه ~~السلام. PageV06P160 # وقال في تنزيله: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}، فجعل اتباع ~~محمد صلى الله عليه وسلم علامة لمحبة الله، فمن اتبعه صدقا، نال حبه صدقا. # 1388 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا الحسن بن الربيع البجلي، قال: نا عمرو ~~بن أبي هرمز، قال: نا أبو عبد الرحمن الدمشقي، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي ~~الدرداء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}، قال: ((على البر والتقوى، والتواضع، ~~وذلة النفس)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالبر والتقوى هو: الهجرة التي ذكرناها، والتواضع هو: السبق؛ لأنه من ~~تواضع لله، رفعه الله، وذلة النفس نصرة الحق. # قال له قائل: وكيف صار نصرة الحق في النوافل دون الفرائض؟. # قال: إن نصرة الحق منه في الفرائض منكمنة؛ لأنه إن ترك الفرائض، PageV06P161 ~~فخوف الوعيد يحمله على القيام بها، فما دام يؤدي الفرائض، فهو ناصر للحق، ~~لكن النصرة منكمنة؛ لأنه ربما أداها من خوف العقاب والوعيد، فإذا تنفل، فقد ~~انكشفت النصرة؛ لأنه يعمل لا من خوف الوعيد، إنما يريد أن يتودد، ويتقرب، ~~ويتحبب إلى ربه بتلك النوافل. # ألا ترى أنه قال في حديثه: ((وإنه ليتقرب إلي بعد ذلك بالنوافل حتى ~~أحبه)). # فإنما أوجب له حبه بما تحبب إليه بالنوافل، فقد تقرب العبد بالفرائض، ~~وتحبب، ولكن كان ذلك منه منكمنا؛ لأن خوف الوعيد قد مازجه، فبالنوافل ظهر ~~ما كان منكمنا، فأظهر له حبه، وأوجب له. ms0969 # 1389 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا محمد بن الطفيل، عن أيوب بن سيار ~~الزهري، قال: نا محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: جاء العباس إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وعليه ثياب بيض، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في وجهه، فقال: يا رسول الله! ما الجمال؟ قال: ((صواب القول بالحق))، قال: ~~فما الكمال؟ قال: ((حسن الفعال بالصدق)). PageV06P162 # 1390 - نا عمر، قال: نا فهد بن سلام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله، غير أنه زاد فيه: فرآه تبسم، فقال: ما ~~يضحكك يا رسول الله أضحك الله سنك؟ قال: ((يضحكني جمالك))، قال: وما الجمال ~~يا رسول الله؟ فذكر بقية الحديث. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فهذا الكمال موجود في الرجال بفضل العقول وتفاوتها، لأن المعرفة مع ~~العقل، والنساء منقوصات في العقول، وعقولهن على النصف من عقول الرجال، ~~ولذلك صارت شهادة امرأتين تعدل بشهادة رجل؛ لنقص عقولهن، فأما مريم بنت ~~عمران، وآسية بنت مزاحم، فإنهما برزتا على النساء بما أعطيتا فكملتا. PageV06P163 # قال له قائل: ماذا أعطيتا حتى كملتا؟. # قال: أعطيتا السبيل إلى الوصول إلى الله، ثم الاتصال به حتى علمتا، وذلك ~~ما ندب الله إليه عباده المؤمنين فقال: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون}، وفيما قص الله علينا ~~من نبأيهما دليل على كمالهما من قوله: {وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت ~~فرعون}؛ أي: صفة للذين آمنوا ليمتثلوا، فيطلبوا هذا المثال من أنفسهم، ~~فقال: {امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون ~~وعمله}. # والعند في اللغة أقرب بين يديه، فسألت ربها مستقرا بين يديه في داره، في ~~مكان القربة، فلم تسأل ذلك إلا وقد طالعت نور القربة، ثم قال: {ونجني من ~~فرعون وعمله} سألت أن يخلصها من سلطان فرعون، حتى لا يجتمعا في شأن البضاع ~~على رائحة الشرك. # ولذلك حرم الله تعالى على المؤمنين مشركات النساء؛ لئلا ms0970 يجمع رائحة ~~التوحيد مع رائحة الشرك، وأباح نساء أهل الكتاب؛ لأنهن غير PageV06P164 ~~مشركات، ثم قال: {ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا ~~وصدقت بكلمات ربها وكتبه}. # فالتصديق بالكلمة أعظم الأشياء؛ لأنها لم تعاين الملائكة، وإنما سمعت صوت ~~البشرى: {إن الله يبشرك بكلمة منه}، فصدقت، ولم تتردد، فسماها الله صديقة ~~في تنزيله، فقال: {وأمه صديقة}؛ فبالاتصال تبلغ العباد أعلى منازل ~~الصديقين، فلا يبقى لهم في أمر الله حيرة. # ألا ترى أن سارة لما بشرت بإسحاق كيف اضطربت حتى أنكرت الملائكة من ~~قولها: {إن هذا لشيء عجيب. قالوا أتعجبين من أمر الله}. # فتبين منها هاهنا نقص، وتبين الكمال من مريم حيث بشرت بالكلمة من قوله: ~~{إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا ~~والآخرة ومن المقربين. ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين}، فعندها ~~قالت: {أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}، فإنما سألت: من أين هذا الولد؛ ~~لأنه قد جاءها من أمر الله ما ليس في البشر مثله، والذي جاء من أمر سارة ~~ليس بمستنكر لا يكون مثله في البشر. # ألا ترى أنه لما جاء الولد من إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- وسارة لم ~~يفتتن الخلق به، ومجيء عيسى -عليه الصلاة والسلام- صار فتنة على المفتونين. PageV06P165 ### || AUTO الأصل الحادي والستون والمئتان # 1391 - نا أبي رحمه الله، قال: نا مكي بن إبراهيم، قال: نا عبد الواحد بن ~~زيد، قال: حدثني عبد الله بن راشد، قال: حدثني مولاي عثمان بن عفان، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله مئة وسبعة عشر خلقا، من أتاه ~~بواحدة منهن، دخل الجنة)). # 1392 - نا محمد بن مرزوق البصري، قال: نا شداد بن علي الهزاني، وكان صام ~~ثمانين سنة متتابعة فيما ذكر، ونا عبد الواحد بن زيد، عن عبد الله بن راشد ~~مولى عثمان بن عفان، بمثله. PageV06P167 # 1393 - نا علي بن الحسين النيسابوري، عن عبد الرحيم ابن يحيى بن الأسود، عن ~~عثمان بن عمارة، عن إبراهيم بن أدهم، عن رجل ms0971 من أهل بلخ، عن أبيه، قال: ~~سمعت مروان بن الحكم يقول: سمعت عثمان بن عفان يقول: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ((إن لله مئة وسبعة عشر خلقا، من جاء بخلق منها، دخل ~~الجنة بغير حساب))، فقلنا: بينها لنا؟ قال: ((كظم الغيظ، والعفو عند ~~المقدرة، والصلة عند القطيعة، والحلم عند السفه، والوقار عند الطيش، ووفاء ~~الحق عند الجحود، والإطعام عند الجوع، والعطية عند المنع، والإصلاح عند ~~الفساد، والتجاوز عن المسيء، والعطف على الظالم، وقبول المعذرة، والإنارة ~~للحق، والتجافي عن دار الغرور، وترك التمادي في الباطل، ألا وليس في أخلاق ~~الله شيء أحب إليه من الجود والكرم، وإذا أراد الله بعبد خيرا، وفقه ~~لأخلاقه، فتخلق بها، وإذا أراد الله بعبد سوءا، خلى بينه وبين أخلاق إبليس؛ ~~فإن من أخلاق إبليس: أن يغضب فلا يرضى، وأن يسمع فيحقد، وشراهة النفس ~~ونهمتها، وأخذ ما ليس PageV06P168 ~~لها، ونزقها إلى اللهو والباطل، ألا وإن إبليس ليس هو على أحد أشد منه على ~~القراء الذين هم عند أنفسهم قراء، لا يزال فيما بينهم يذهب ويجيء حتى يورث ~~بينهم العداوة والبغضاء، فلو قلت: حقا حقا، ما أقل من يجتمع منهم غدا في ~~الآخرة، إلا قوم عطف بعضهم على بعض، وتركوا الحقد والغضب، وألحوا في الطلبة ~~إلى الله أن يقبلهم، ويقبل معذرتهم)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالأخلاق موضوعة في الطبع، ومعملها في الصدر، ومثل ذلك مثل ملك له خزانة، ~~وقواد، ومملكة، فإن كانت الخزانة قليلة كنوزها، وكورته صغيرة، ضاق بهؤلاء ~~القواد، وقال بعضهم لبعض: هذا ملك له اسم الخزانة والكنوز، وليس لكنوزه ~~مادة تجري علينا، وتعيننا، حتى نتخذ عدة العدو الذي هو بمرصد منا، ومن ~~ملكنا هذا، وليست له مملكة فسيحة ننتشر فيها، فيأخذ كل قائد منا ناحية من ~~المملكة، فيدبر أهل الملك في أهل ناحيته، وإنما قوة الملك في الخزائن الجمة ~~بالكنوز والجواهر، وفي PageV06P169 ~~القواد، وحسن التدبير في هذين، فيدبر أمره وأمورنا بحسن ما عنده من ~~الكياسة، فيدر علينا كنوزه وقتا وقتا، شهرا ms0972 شهرا، ويعد جواهره للنوائب ~~العظام، فلا نرى هاهنا عدة ولا فسحة، فتعالوا ننتقل عن هذا إلى ملك لمملكته ~~فسحة ومنتشر، نتسع في نواحيها، ونعمل القيادة، فنقود الجنود إلى أعمالنا، ~~فإن العدو بمرصد، ولا نأمن أن ينتهز منا فرصة، وإلى ملك له مع هذه المملكة ~~الفسيحة كنوز جمة، ولكنوزه مادة من غلات المملكة، وله كنوز وأمصار، وقرى ~~وبر وبحر؛ كملك الهند، أو ملك الروم، أو ملك العرب، وما نصنع بهذا الضعيف ~~العاجز؟! فيطلبون ملكا بهذه الصفة، ولا يثبتون مع هذا. # فالملك هو القلب، وخزانته جوف القلب، فيه كنوز المعرفة، وجواهر العلم ~~بالله، والعقل وزيره، والصدر فسحته وساحته ومملكته، والأخلاق فؤاده، ~~والأركان رعيته ونواحيه، وهي الجوارح السبع، فهؤلاء القواد هي الأخلاق في ~~الصدر قواد الملك قيام بين عيني الفؤاد، والعقل شعاعه يشرق بين عيني الفؤاد ~~يدبر أمر القلب، والنفس في الجوف رابضة في مكانها تطلب الملك، وترصد ~~الانتهاز للفرصة؛ لتخرج على الملك؛ لأن شهوة الإمرة فيها، والهوى بباب ~~النفس يتلهب ويتلظى بين يدي بصيرة النفس، وذلك قوله تعالى: {إن النفس ~~لأمارة بالسوء}. # فهي أبدا في طلب الإمارة؛ ليتملك ويتأمر على الجوارح، فإذا PageV06P170 ~~خطرت الخاطرة في الصدر بين عيني الفؤاد، نظر العقل، فإن رآها حسنة، وأمرا ~~رشيدا، قدر ودبر، ماذا يراد؟ وكم يراد؟ ومتى يراد؟ وإلى متى يراد؟ وإن رآها ~~سيئة وغيا، نفاها من الصدر، ففي هذا الوقت للنفس منازعة مع القلب، وللهوى ~~مع العقل في هذه الخاطرة. # فالنفس تشتهي، والهوى يزعج النفس ويشجعها، والعدو يزين ويمني ويغر، فإذا ~~جاء مدد الأخلاق، بطلت زينة العدو وأمانيه، وانكشف غروره، وارتد الهوى ~~قهقرى إلى معدن مهبه، وجاء مدد الكنوز كنوز المعرفة، ومد الملك يده إلى ~~جواهر الخزانة، وانمحقت الخاطرة وأسبابها ومعتملها، وجنوده، فولت الخاطرة. # فإن الخاطرة طليعة النفس من الهوى، والعدو، إذا كانت خاطرة الغي، وإن كان ~~رشدا، كانت طليعة الحق، فعز هذا الملك ومنعته وقوام مملكته بهذه الكنوز ~~وهؤلاء القواد. # فكما أن ذلك كذلك، فعز القلب ومنعته بكنوز المعرفة، وجواهر العلم بالله، ~~وبهذه الأخلاق ms0973 التي أحدقت بالقلب بين عيني الفؤاد، فالعقل معدنه في الرأس، ~~وشعاعه ملتهب بين عيني الفؤاد، يدبر الفؤاد بالعقل أمر PageV06P171 ~~القلب، والنفس في الباطن رابضة مكانها، والهوى بباب النفس يتلهب ويتلظى بين ~~عيني بصيرة النفس، فإذا عرض للقلب أمر، فإنما يعرض خطرات في الصدر بين عيني ~~الفؤاد، نظر العقل، فإن رآه حسنا، قدر ودبر ماذا يراد؟ وكم يراد؟ ومتى ~~يراد؟ وإلى متى يراد؟ وإن رآه سيئا، نفاه، فإذا دبر العقل وقدر ما رآه ~~حسنا، أمضاه القلب على ذلك المقدار إن كانت محاسن الأخلاق في الطبع كائنة ~~للعبيد؛ لأن النفس إنما تتماسك في الأمر، وينقاد القلب بالطبع. # فإذا كان الخلق في الطبع، ظهر ذلك الخلق، وسلطانه في الصدر، حتى يقوى ~~القلب به، فيخرج من الصدر إلى الأركان ذلك الخاطر العارض الذي قدره العقل ~~فعلا حسنا مقدرا مدبرا في يسر بلا عسر، ولا تلجلج، ولا تردد، ولا تقديم، ~~ولا تأخير، ولا غلو، ولا تقصير، ولا التفات إلى رشوة النفس من طريق الثواب، ~~والعلائق؛ لأن الأخلاق تصير النفس حرة سخية، وسخاوتها حريتها. # والسخاء، والخساء بمعنى واحد، إلا أن الخساء هو: الفرد من الأشياء، ~~والسخاء هو: انفراد النفس من الأشياء، وعتقها من رقها. # والخسا، والزكا، ضدان، فالخسا، الفرد، والزكا، الزوج، وهما PageV06P172 ~~مقصوران غير ممدودين. # فجميع محاسن الأخلاق تؤول إلى الجود والكرم والسخاء، إذا سخت النفس، ~~تكرمت، وإذا تكرمت، جادت، فأخلاق الله تعالى أخرجها لعباده من باب القدرة، ~~وخزنها للعباد في الخزائن، وقسمها على أسمائه الحسنى، وأمثاله العلا، فإذا ~~أراد الله بعبد خيرا، منحه منها خلقا؛ ليدرر عليه من ذلك الخلق، فعلا حسنا ~~جميلا بهيا، فجبله في بطن أمه على ذلك الخلق وإن لم يكن مجبولا بذلك الخلق ~~في بطن أمه، فقد دله على علم ذلك وحسنه وبهائه؛ ليتخلق العبد بذلك، وتخلقه: ~~أن تحمله نفسه على فعل ذلك الخلق، حتى تعتاد نفسه ذلك. # وروي عن وهب بن منبه: أنه قال: من داوم على خلق أربعين يوما، صار ذلك له خلقا. # أي: بقي معه ذلك، ولا يكون ms0974 أصليا؛ لأن المجبول عليه منيحة الله، وهديته، ~~وإذا أهدي له، ثبت له ذلك، وكانت نفسه معجونة بذلك الخلق، والرب تعالى لا ~~يرتجع في هديته. # ومما يحقق قول وهب في المداومة على الخلق أربعين يوما ما جاءنا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من أدرك التكبيرة الأولى في صلاة ~~الجماعة أربعين يوما، كتب له عتق من النار)). PageV06P173 # 1394 - نا أبي رحمه الله، قال: نا الحماني، عن إسماعيل ابن عياش، عن عمارة ~~بن غزية، عن أنس بن مالك، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((من صلى أربعين ليلة في جماعة لا تفوته الركعة الأولى، كتب له ~~عتق من النار)). # فهذا إذا صار المشي إلى الجماعة أربعين يوما خلقا، فكذلك سائر الأخلاق؛ ~~لأن الأخلاق احتمال أثقال المكاره، فبالمشي إلى الجماعة، PageV06P174 ~~احتمل أثقال المكروه؛ لأنه لو شاء، صلاها في بيته، فلما أمر بالمشي إلى ~~الجماعة، احتمل أثقال المكروه، فقدر له رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدار ~~أربعين يوما؛ ليصير له خلقا، وتسقط عنه الأثقال؛ لأن سوء الخلق في طلب ~~الراحة، وإن هذه الأخلاق تفضل الله بها على عبيده، على قدر منازلهم عنده، ~~فمنح أنبياءه منها. # فمنهم من أعطاه منها خمسا، ومنهم من أعطاه منها عشرا وعشرين، وأكثر من ~~ذلك وأقل، فمن زاده منها، ظهر منه حسن معاملته لربه، وحسن معاملته لخلقه ~~على قدر تلك الأخلاق، ومن نقصه منها، ظهر عليه ذلك، ولذلك ابتلي يونس -عليه ~~الصلاة والسلام- بما ابتلي به، حتى صار ذنبا، وسجنه في بطن الحوت حتى طهره، ~~وجعل ما حل به موعظة للموحدين، فإنما سماه في تنزيله: آبقا؛ لأنه أبق إلى ~~الفلك المشحون؛ لتضايق أخلاقه، وتركه احتمال أثقال الخلق في ذات الله، فعتب ~~الله عليه، ثم اجتابه بعطفه ورحمته، وهذبه بكرمه. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((بعثت لأتمم صالح ~~الأخلاق)). PageV06P175 # فأنبأنا في قوله هذا: أن الرسل قد مضت، ولم يتمموا هذه الأخلاق؛ كأنه قد ~~بقيت عليهم من هذا ms0975 العدد بقية، فأمر أن يتممها. # يعلمنا في قوله هذا: أن تلك الأخلاق التي كانت في الرسل هي فيه، ثم هو ~~مبعوث لإتمام ما بقيت عليهم؛ ليقدم على الله بجميع أخلاقه التي ذكرها مئة ~~وسبعة عشر خلقا، فلا يجوز لنا أن نتوهم عليه أنه بعث لأمر، فقدم على ربه، ~~وهو غير متمم له. # ومن أشرق في صدره نور اسم من أسماء الله تعالى، كانت له تلك الأخلاق التي ~~لذلك الاسم، هذا للمجبولين، ومن تخلق بذلك الخلق، ولم يكن جبل عليه، كان ~~تخلقه طهارة لصدره وقلبه، ومن دنس الخلق السيئ الذي هو ضد هذا الخلق، فإذا ~~تطهر من سيئ الأخلاق خلقا خلقا؛ لتخلقه بمحاسن الأخلاق بجهد وكد، شكر الله ~~له ذلك، فوجد قلبه طريقا إلى ذلك الاسم، وانكشف الحجاب عنه، حتى يشرق في ~~صدره نور ذلك الاسم، وذلك قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ~~وإن الله لمع المحسنين}. # أحسن أخلاقه جهدا، فكان الله معه في التأييد والنصرة، والعون، PageV06P176 ~~حتى تمت المجاهدة، فأعطى من نفسه المجهود والطاقة، فشكر الله له ذلك، وهداه ~~السبيل إلى أن كشف عنه السوء حتى أشرق في صدره نور ذلك الاسم، وهو قوله ~~تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض}. # فإذا كشف السوء، صلح للخلافة في دينه، ووجبت عليك طاعته، وذلك قوله ~~تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، فلذلك قيل في حكمة ~~الحكماء: المعرفة في: صفاء الأخلاق، وطهارة القلب. # فإذا تطهر القلب من الريب، وصفت الأخلاق من الدنس والكدورة، نال العبد ~~المعرفة التي في القربة، والوصول إلى ربه، فإذا وصل القلب إلى ربه، دان له، ~~فعندها أصاب الدين الذي يدين الله به، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((الخلق وعاء الدين)). # 1395 - نا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: نا محمد ابن عبد الله الدمشقي، عن ~~ثابت بن عجلان، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((الخلق وعاء الدين)). PageV06P177 # فالدين هو: خضوع القلب لله، مشتق ms0976 من الدون والوضع، فإذا تواضع القلب، ~~وانخشعت النفس، وألقت بيديها لله سلما، فذاك دين العبد، فإذا أمره بأمر، ~~ائتمر، وإذا نهاه، انتهى، وإذا قسم له من الدنيا، قنع، وإذا حكم عليه بحال، ~~رضي، محبوبا كان أو مكروها، فهذه عبودة العبد، فإنما قدر العبد على إقامة ~~العبودة في هذه الأشياء لله بخشعة النفس، وخضعة القلب وتواضعه، فذاك دينه. # فإنما قال: ((الخلق وعاء الدين))؛ لأن ذلك الخلق إذا كان للعبد؛ مثل: ~~الجود والسخاء والكرم، وكانت النفس حرة من رق الهوى، والقلب حر من رق ~~النفس، فهان عليه التواضع والخضوع لله، والائتمار بأمره، والقناعة بما قسم، ~~والرضا بما حكم، فإنما يسر عليه إقامة الدين من أجل ذلك الخلق فإذا كان ~~للعبد ذلك الخلق، كان ذلك الخلق وعاء لدينه، ومن ذلك الخلق يخرج له الدين، ~~وهو الخضوع والخشوع، وبذل النفس لله، واحتمال أثقال المكروه، ولما كان هذا ~~الإسلام أشرف الأديان، أعطاه أقوى الأخلاق وأشرفها، وهو الحياء. # 1396 - نا علي بن خشرم، قال: نا عيسى بن PageV06P178 ~~يونس، عن معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((إن لكل دين خلقا، وخلق الإسلام: الحياء)). # والحياء أصله من الحياة، فإذا حيي القلب بالله، استحيا، فكلما ازداد حياة ~~بالله، ازداد منه حياء، ألا ترى أن المستحي يعرق في وقت الحياء، فعرقه من ~~حرارة الحياة التي هاجت من الروح، فمن هيجانه تفور الروح بتلك الحرارة، ~~فيعرق الجسد منه، ويعرق منه ما علا؛ لأن سلطان الحياة في الوجه والصدر. PageV06P179 # 1397 - نا أبي رحمه الله، عن صالح بن عبد الله، عن محمد بن الحسن القرشي، ~~عن خصيب بن جحدر، عن راشد بن سعد، عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها-، ~~قالت: إن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وبين يديه ~~شيء من حبوب يأكله متكئا، فجلس يتصبب عرقا، فقمت إليه، فجعلت أمسح العرق عن ~~وجهه، وأقول: بأبي وأمي يا رسول الله! ما لك؟ قال: ((إن جبريل أتاني وأنا ms0977 ~~آكل متكئا، فقال: يسرك أن تكون ملكا؟ فهالني قوله))، قالت عائشة: فما رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم أكل شيئا متكئا بعد ذلك حتى فارق الدنيا. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فإنما تصبب عرقا؛ لفوران حرارة حياته بالله، فكلما كانت حياة القلب بالله ~~أعظم، كان تسليمه نفسه لله أكثر وأوفر، ونفسه أسلس للانقياد؛ لأن الإسلام ~~هو: تسليم النفس لله، والدين: خضوعها وانقيادها، ولذلك PageV06P180 ~~صار هذا الحياء خلقا للإسلام، ووعاء للدين، يستحي فيتواضع، ويستحي فيخضع، ~~ويستحي فيذل نفسه لله، ولا يبخل بها عليه، من الحياء انكسار النفس، وذهاب ~~رجوليتها. # ألا ترى أن المرأة لما فضلت على الرجل بتسعة وتسعين جزءا من الحياء، كيف ~~كسرت شهوتها التي فضلت بها على الرجال؟. # وروي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن المرأة فضلت على الرجل ~~بتسعة وتسعين جزءا من الشهوة، وفضلت من الحياء بتسعة وتسعين جزءا؛ لتكسر ~~تلك الشهوات، بما فضلت به من أجزاء الحياء)). # فقد بان لك أن الحياء يكسر، ويذهب بالقوة، والجلادة، والصلابة من النفس، ~~وإذا، كان ذلك يقوي القلب؛ لأن الحياء من الحياة بالله من نفس المعرفة. PageV06P181 # فأما ما ذكرنا من شأن المجبول على خلق، ومن شأن الممنوح المتخلق به. # 1398 - فحدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: نا أصبغ بن الفرج الأموي، عن ~~ابن وهب، عن عبد الرحمن ابن شريح الإسكندراني، عن العلاء بن كثير: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن محاسن الأخلاق مخزونة عند الله، فإذا ~~أحب الله عبدا، منحه منها خلقا حسنا، أو خلقا صالحا)). # 1399 - نا محمد بن صدران بن سليم بن ميسرة الأزدي، قال: نا طالب بن حجير ~~البصري، قال: نا هود PageV06P182 ~~العبدي العصري، عن جده، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث ~~أصحابه، إذ قال لهم: ((إنه سيطلع عليكم من هذا الوجه ركب هم من خير أهل ~~المشرق))، فقام عمر بن الخطاب، فتوجه في ذلك الوجه، فلقي ثلاثة عشر راكبا، ~~فرحب وقرب، وقال: من القوم؟ قالوا: نفر ms0978 من عبد القيس، قال: فما أقدمكم هذه ~~البلاد، لتجارة؟ قالوا: لا، قال: فتبيعون سيوفكم هذه؟ قالوا: لا، قال: ~~فلعلكم إنما قدمتم في طلب هذا الرجل؟ قالوا: أجل، فمشى معهم يحدثهم، حتى ~~إذا نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: هذا صاحبكم الذي تطلبونه، فرمى ~~القوم بأنفسهم عن رحالهم، فمنهم من سعى، ومنهم من هرول، ومنهم من مشى حتى ~~أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذوا بيده فقبلوها، وقعدوا إليه، وبقي ~~الأشج، وهو أصغر القوم، فأناخ الإبل وعقلها، وجمع متاع القوم، ثم أقبل يمشي ~~على تؤدة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيده فقبلها، فقال له ~~النبي عليه السلام: ((فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله))، قال: وما هما يا ~~نبي الله؟ قال: ((الأناة والتؤدة))، PageV06P183 ~~قال: يا نبي الله! أجبلا جبلت عليه، أم تخلقا مني؟ قال صلى الله عليه وسلم: ~~((بل جبلا جبلت عليه))، فقال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ~~ورسوله، وأقبل القوم قبل تميرات يأكلونها، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~يخبرهم بها، يسمي لهم: ((هذا كذا، وهذا كذا))، قالوا: أجل يا نبي الله، ما ~~نحن بأعلم بأسمائها منك، قال: أجل، فقالوا لرجل منهم: أطعمنا من بقية القوس ~~الذي بقي من نوطك، -والقوس قطعة تمر-، فأتاهم بالبرني، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((هذا البرني، أما إنه من خير تمركم لكم، أما إنه دواء لا ~~داء فيه)). # 1400 - نا الجارود، قال: نا سليمان بن عمرو PageV06P184 ~~النخعي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قلة الحياء كفر)). # قال أبو عبد الله: # والكفر: الغطاء على القلب، فإذا حل الغطاء بالقلب، ذهب الحياء، ومات ~~القلب، وإذا انكشف الغطاء، فإنما ينكشف بحيائه بالله، فإذا أحيي، استحيا. # ولذلك قال سفيان بن عيينة: ((الحياء أخو التقوى، ولا يخاف العبد أبدا حتى ~~يستحي، وهل دخل أهل التقوى في التقوى، وفي أمر الله تعالى إلا من ~~الحياء؟!)). # 1401 - نا بذلك الجارود بن معاذ، عن مغلس ابن شداد، عن سفيان بن عيينة. PageV06P185 # وروي ms0979 عن أنس بن مالك، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من ~~العذراء في خدرها)). # وقال أبو بكر: استحيوا من الله؛ فإني لأدخل الكنيف، فأقنع رأسي حياء من الله. # رجعنا إلى مبتدأ ما وصفنا من شأن المثل المضروب. # قلنا: فإذا أراد العبد أن يتخلق بخلق من هذه الأخلاق، احتاج إلى أن يمكن ~~له في الصدر الذي هو ساحة القلب، فمن كان أوسع صدرا، كان بمنزلة من كان ~~أوسع مملكة من الملوك، حتى يجد قواد الملك منفسحا، فيأخذ كل قائد ناحية، ~~فيتملك بها على حشمه، فإذا اتسع صدره، وجد كل خلق من هذه الأخلاق ناحية من ~~صدره، وتمكن منه، وسهل على القلب إنفاذ أمور الله، وإذا ضاق صدره، لم يستقر ~~فيه خلق، بمنزلة أولئك PageV06P186 ~~القواد، لما لم يجدوا فسحة، انتقلوا إلى ملك آخر أوسع مملكة منه، وأوفر ~~كنوزا، وكذلك سأل موسى أول ما سأل حيث بعثه إلى فرعون، فقال: {رب اشرح لي ~~صدري. ويسر لي أمري}. # فيشرح الصدر على قدر احتمال أثقال المكروه، حيث احتاج إلى أن يستقبل ~~فرعون بالمكاره، وقد هرب منه خوفا من القتل. # فمبتدأ هذا الأمر أن يعمل في توسيع الصدر حتى تصير له هذه الأخلاق، ~~وتوسيعه: أن يترك الشهوات والنهمات، وتحمل المكاره على النفس، حتى تصير ~~مدبوغة، فعندها تظهر الأخلاق، وتشرق أنوار الأسماء في صدره، ويغزر علمه ~~بالله، فيعيش غنيا بالله ما عاش، وبالله التوفيق. PageV06P187 ### || AUTO الأصل الثاني والستون والمئتان # 1402 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، عن ~~إسماعيل بن رافع، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((أربع من كن فيه حرمه الله على النار، وحفظ من الشيطان: ~~من ملك نفسه حين يرغب، وحين يرهب، وحين يغضب، وحين يشتهي، وأربع من كن فيه ~~نشر الله عليه رحمته، وأدخله في محبته: من آوى مسكينا، ورحم الضعيف، ورفق ~~بالمملوك، وأنفق على الوالدين)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: PageV06P189 # فالنفس في ms0980 هذا الجسد، ومعدنها في البطن، ثم هي منفشية في جميع البدن، ~~والروح معدنه في الرأس، وهو متنفس في جميع الجسد، والجسد قالب الروح والنفس ~~كليهما. # والحياة موضوعة في كليهما، وحياة الروح أقوى، وأكثر وأخلص، وأصفى من حياة ~~النفس، والدليل على ذلك: أن الروح تأمر بالطاعة، فذاك لأن حياته أكثر ~~وأقوى؛ لأن أصله من روح الحيوان الذي ماء الحيوان منه الذي إذا شرب منه أهل ~~الجنة بباب الجنة لم يموتوا، وقال في تنزيله: {وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان}، فهاهنا حياة، وفي الدار الآخرة حيوان. # فهذه الحياة التي في الروح قليلة، والماء الذي في الجنة والنهر الذي بباب ~~الجنة للاغتسال يوم يدخلونها، كله من ماء الحيوان، والماء الذي تحت العرش ~~بحر راكد على مقدار أرزاق العباد، هو من ماء الحيوان، والماء الذي تحت ~~العرش، وذلك قوله تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي}. # فإذا أنزل الله إلى الأرض منه، أحيا به، وذلك قوله تعالى: {ونزلنا من ~~السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد}، ثم قال تعالى: PageV06P190 # {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة}؛ أي: ميتة لا تتحرك، {فإذا أنزلنا عليها ~~الماء اهتزت وربت}، فاهتزازها، وربوها، وحركتها من الحياة التي دخلت فيها، ~~ثم قال: {إن الذي أحياها}؛ يعني: الأرض {لمحيي الموتى}، وقال: {وأحيينا به ~~بلدة ميتا}، فإنما إحياء الأرض بماء الحيوان. # وينزل الله تعالى على أهل القبور قبل نفخة الصور من ماء الحيوان، حتى ~~تنبت أجسادهم، وتبعث الأرواح وهم في قبورهم أحياء يتحركون. # قال له قائل: وكيف يتحركون بلا أرواح؟ قال: بالحياة التي نالتهم من ذلك ~~الماء، ويتحركون كما تتحرك الأرض بماء الحياة {اهتزت وربت}. # فاهتزازها بالحياة، وبالحياة التي نالت أغصان الأشجار حتى [أ] ورقت، وكل ~~شيء يتحرك، فإنما يتحرك بالحياة. # فالروح أوفر الأشياء حظا من هذه الحياة، إنه خرج من روح الحياة الأصلي، ~~ثم من بعد ذلك أوفر الأشياء حظا بعد الروح هذه النفس، فالنفوس لجميع الدواب ~~والبهائم، والطيور، وفضل الآدمي بالروح للخدمة؛ لأنه خادم ربه، وسائر الخلق ~~سخرة للآدمي، فالروح بما ms0981 فيها من الحياة تدعو القلب إلى الطاعة، والنفس بما ~~فيها من الحياة تدعو إلى الشهوات والأفراح، والقلب أمير على الجوارح، وعن ~~أمره يصدرون إلى الأعمال، فالأمير يأمر بقوة المعرفة، والعلم بالله؛ فإن ~~للمعرفة والعلم PageV06P191 ~~سلطانا عظيما. # فقوله عليه السلام: ((من ملك نفسه)). # فالملك للقلب على النفس، فمن كان قلبه مالكا لنفسه في هذه الأحايين ~~الأربعة: حين الرغبة، وحين الرهبة، وحين الشهوة، وحين الغضب، فقد حرم الله ~~جسده على النار، واختسأ شيطانه؛ لأن الدنيا كلها في هذه الأربعة، فإذا ملك ~~القلب النفس بقوة المعرفة، والعلم بالله، فإن للمعرفة والعلم سلطانا عظيما، ~~وجنودا كثيفة، وكنوزا جمة للجنود، فقد دقت دنياه في عينه، وصغرت وتلاشت حتى ~~صارت كالهباء. # ومن ملك نفسه قلبه بقوة الهوى، وسلطان هذه الأربع وحدتها، وغليانها، صارت ~~دنياه في عينه كل شعبة منها كالجبال، وكالبحور، وعظم في عينه شأنها، وشأن ~~أحوال نفسه فيها، وصارت الآخرة في قلبه كالحلم، فإن المحتلم يتعشق في منامه ~~على جارية حسناء، ويميل إليها، ويلقي نفسه عليها من شدة الشبق؛ لأن شيطانه ~~يريه ذلك، ويخدع نفسه البلهاء فيما مثل له في منامه، فإذا انتبه، وجد نفسه ~~خاليا مما رأى، وإذا هو لم يزد على أن بال في فراشه، وضحك به الشيطان. # فهذه صفة من يتعشق على الخيال من شهوة نفسه بسماع الأذن، PageV06P192 ~~لا بحياة القلب، وإذا هو ميت على الدنيا، من حبها وتعظيمها تعظيما لا ينام ~~ولا ينيم؛ حرصا وأشرا وبطرا، حتى يأخذها من الشبهات، بتضييع الأمانات، ~~وتعطيل الفرائض، ونسيان الموت والمعاد، والقبر والقيامة والحساب بين يدي ~~الله تعالى، وقطع النار على الجسر، ويمنع الحقوق، ويعرض عن مواعظ الله ~~تعالى، وإذا تلا القرآن فكأنما ينشد شعرا، أو يحكي كلام الناس، لا يتحرك ~~قلبه لوعد ولا لوعيد، ولا لنبأ من أنباء القرون، ولا تدمع عينه، ولا يدري ~~ما تلا، إنما همه بأن يطيب نفسه بأني قرأت، وتلوت، فهو مثل هذا القلب الخرب ~~الممتلئ من الغش، والغل، والحقد، وطلب العلو، والتعزز، والتجبر، والغرور، ~~وإهمال الجوارح، والتكبر والاستبداد، وتضيع ms0982 التزكية على الجوارح السبع. # وهي الميثاق، يتعشق على الحور، ويتلمظ على فواكه الجنة، ويتشمم رياحين ~~الجنان من بعد سماع الآذان، أبله من الأبالهة، غتميا من أغتام الدين، زبونا ~~من زبون الشياطين، أحمق من حمقى أهل الغي، ليس فيه من الحياة في قلبه أن ~~إذا سمع بذكر الجنة، قال: الجنة دار الله، فغمض عينه حياء من الله، وقال: ~~مثلي يصلح لدار الله، وأنا لا أصلح لدار أمير المؤمنين الذي هو عبده في دار ~~الدنيا؟! ثم دمعت عيناه، واحترق PageV06P193 ~~جوفه مخافة الفوت، والبعد من الله لفوتها، وأخذته الحسرة والندامات حتى ~~أداه ذلك إلى التضرع، والحزن الدائم، والتوقي، والتورع، وملك النفس. # فهذه النفس بغفلتها هي كالمحتلم الذي وصفنا أنه إذا انتبه، استحيا من ~~نفسه لما سخر به شيطانه، ووجد في نفسه حسرة؛ حيث رأى نفسه خاليا عما رأى في ~~منامه، فهو بين حسرة وحياء، فكذلك هذا المتعشق بغفلته، إذا قدم على الله، ~~استحيا منه، حتى يتصبب عرقا، وتحسرت نفسه إذا رأى ما فاته من موعود الله ~~للمطيعين الأتقياء. # فمن آتاه الله المعرفة والعلم به، امتلأ قلبه وصدره منهما، فقهر الهوى، ~~وهزمه، ونفر شيطانه، فإذا لاحظ الجنان، بكى حياء من الله إن رأى جسده قد ~~توسخ، وتدنس، الوسخ من الآثام، والدنس من العيوب، ورأى الجنة مقدسة بقدس ~~الله، مطهرة بطهر الله، مسفرة تضحك إلى أولياء الله، فرجع العبد إلى نفسه، ~~فرآها مع الأوساخ والأدناس، فاستحيا من الله، وبكى على أيامه التي عطلها ~~على اكتساب رضوان الله، واكتسب بها معاصي الله، فهذا له الرجاء كل الرجاء ~~إذا قدم على الله. # فالنفس في هذه الأربعة صورتها عجيبة إذا اشتهت، فصورتها كالريشة تهب بها ~~الرياح، فصاحب الشهوة إذا هاجت به الشهوة، وجد هبوب ريحها بحرارتها بجميع ~~جسده على قدر تلك الشهوة؛ لأن شهوة الأشياء PageV06P194 ~~متفاوتة، وفرح النفس بكل شهوة على قدرها من النظر، والسمع واللمس، والشم، ~~والمطعم، والمشرب، والمركب، والملبس، وكل شيء، فهذه اللذات متفاوتة، ~~والأفراح بها متفاوتة، وبعضها أقوى من بعض، فإذا هاجت شهوة شيء من ms0983 هذه ~~الأشياء، فالشهوة في أوله، واللذة في آخره، وإنما قيل: شهوة؛ لهشاشة النفس، ~~والميلان إلى ذلك الشيء، والمسارعة لحب الوصول إليه، والمبادرة إليه مخافة ~~الفوت، فتلك هشاشة، يقال: هش واهتش، وشهى واشتهى، فالشهوة مأخوذة من هناك، ~~واللذة إذا نال الشيء فانتهى إلى آخره، فدل ذلك الهيج، وسكن سلطان الهشاشة، ~~يقال: لذ وذل، فالذل انكسار النفس في الأمور، ولذ؛ أي: انكسرت شهوته عن ~~الاهتياج والاغتلام والغلي. # وإنما هي باضطرام نار في أولها حتى تنتهي منتهاها، من الحريق، من يسكن ~~فيبقي جمرة متلظية، حتى إذا قضاها، صارت كجمرة علاها الرماد، فذهبت ~~الحرارة. # فأول الشهوة كضرمة النار، ولهبها، ودخانها، وآخرها، وهي اللذة كالجمرة ~~التي تتلظى، وقد سكن ضرامها، ولهبها، وإذا انقضت، فهي جمرة خامدة، فقد ذهب ~~تلظيها وحرارتها. # فصورة النفس في الشهوة، كريشة هبت بها ريح نكباء، فهي تدير PageV06P195 ~~النفس دوران الرحا، وصورة النفس في الرغبة، كعطشان يكاد ينقطع عنقه من ~~العطش، فإذا رأى الماء، عبه عبا، يكاد يلتهم القدح التهاما، أو كجائع ~~غرثان، وجد طعاما، فالتقمه، وبلعه بلعا من غير مضغ. # وصورة النفس في الرهبة، كالعلق من الديدان، بينما هي منبسطة مقدار إصبع ~~طويلة، إذا هي منقبضة مقدار فتر، وكالقنفذ من الهوام، بينما هي منبسطة ترى ~~صورتها، وخلقتها، إذا هي منقبضة كالكرة قد اقشعرت، وشكست لضيق خلقها، ~~وكالكلب اللهثان والمخلوع الفؤاد من الجبن، وكاللبدة البالية الملقاة ذلة وجبنا. # وصورة النفس في الغضب مرة كالأسد الذكر يفترس، ويكسر ويمزق، ويقعد عليه، ~~ومرة كالنمر يثب وثبة من لا يهاب، ولا يبالي، فيمزق، ويكسر، ويبدد. # فإذا كان القلب أميرا، وللأمير كنوز، وجنود، فقد ملك النفس، وإذا ملك ~~النفس، ذهب سلطانها وأفعالها، فحفظ القلب بعقله ومعرفته، وبعلمه بالله، ~~حدود الله في هذه الأحايين الأربعة، فإذا اهتاجت الشهوة من النفس، والنفس ~~مملوكة في يد القلب، أعطاها القلب من هذه الشهوة بمقدار ما أذن الله له ~~فيه، وأحل لها، ومنعها ما حرم عليها، وأعطاها من PageV06P196 ~~هذه الرغبة ما أحل الله له، وصيره له غذاء، وقوة في دينه ودنياه، ms0984 ومن ~~الرهبة بمقدار ما حذره الله أن يرهب، وأعطاها من الغضب بمقدار ما أطلق الله ~~له ذلك، فلا يحمله غضبه على أن يجاوز الحدود في الأمور، ولا يتعدى إلى ~~الظلم، فيكون مع غضبه على من غضب متمسكا بالعدل، فلا يتعداه إلى جور، فصاحب ~~هذه الصفة هو الذي قال [فيه] رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أربع من كن ~~فيه، حرمه الله على النار)). # أي: كان فيه ملك النفس في هذه الأحايين الأربعة في حين الشهوة، فاستوثق ~~منها حتى لا يتطاير شررها، وتشتعل نيرانها في العروق، حتى يجاوز الحدود، ~~لأن قوة النفس في العروق، واستوثق من الرغبة في حينها، حتى لا تفيض من ~~مجراها، وتطفح من الجانبين، فينبثق من المجاري، وقوى الرهبة في حينها، ~~وأيدها وشجعها؛ فإن الرهبة هرب النفس في الخوف الذي نالها، فأيدها وشجعها ~~بقوة العلم بالله، وأيدها بالمعرفة بالله، وإذا خلا القلب من هذه المعرفة، ~~والعلم بالله، ووفارة العقل، صار أسيرا للنفس بعد أن كان أميرا عليها، وذهب ~~سلطانه، وصار مملوكا للنفس، فبرزت الشهوة في وقتها، فأحرقت، والرغبة في ~~وقتها، فأفسدت، PageV06P197 ~~والرهبة في وقتها، فانهزمت، والغضب في وقته، فيتسلط، فجاء الخراب والفساد ~~والضياع، فهذا ملك النفس للقلب، وذاك ملك القلب للنفس. # 1403 - نا سفيان بن وكيع، نا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن النعمان بن ~~بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن في الجسد مضغة إذا ~~صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد [كله]، ألا وهي القلب)). # فالقلب ملك، بصلاحه يصلح الجسد؛ لأن التدبير إليه، والنفس تحب الملك ~~وتشتهيه، وتسامي وتباري القلب، فهي تطلب الفرصة، فإذا نالت، تملكت على ~~القلب فأفسدته، وبفساده يفسد الجسد؛ بمنزلة أمير وقع في الحبس، وخارجي قد ~~تملك على البلد، فضاعت الحدود والأحكام، وخربت الكورة، وظهر الظلم، ~~والعدوان والحريق، والغارات، فالحريق: المعاصي، والغارات: غارات كنوز ~~القلب، وصار الصدر كله معدن الجهل، والشره والبطر، والشهوة والرغبة، والكبر ~~والعلو، والحرص، والحسد والحقد، وأخلاق الكفر، وقد أمر الله بمجاهدة النفس، ~~فقال: {وجاهدوا ms0985 في الله حق جهاده}. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الجهاد جهادان، وأفضلهما جهاد ~~النفس)). PageV06P198 # فإذا التقى القلب والنفس للمحاربة، هذا بجنود الله؛ من العلم، والعقل، ~~والمعرفة، والفهم، والفطنة، والحفظ، والكياسة، وحسن التدبير، والحراسة، ~~فتشعبت هذه الأنوار، فأشرقت، واشتعل الصدر بهذه الأنوار، فأبرقت، واضطرم ~~شعاعها، والنفس بجنود العدو؛ من الهوى، والشهوة، والغضب، والرغبة، والكبر، ~~والحرص، والمكر، والخدائع، والخنادق، والمدد من الزينة، والأفراح، فاضطربا ~~وتحاربا، فذك وقت يباهي الله بعبده عند ملائكته، والنصرة موضوعة في تلك ~~المشيئة في حجاب القدرة، فيعطى العبد نصرة بمشيئته، فتصل إلى العبد في أسرع ~~من اللمحة واللحظة. # فلما رأى الهوى النصرة، ذل وانهزم، فانهزم العدو بجنوده، وأقبل القلب ~~بجمعه وجنوده على النفس حتى أسرها، وحبسها في سجنه، وقعد أميرا، وجمع جنوده ~~وقواده، التي ذكرنا في الباب الأول، وهي الأخلاق، وفتح باب بيوت الأموال، ~~والخزائن، ورزق الجنود من الأموال، وزادهم من الخزائن في الآلة والعدة. # فهذا ملك القلب للنفس حين يغضب، وحين يرهب، وحين يشتهي، قد خسأ شيطانه، ~~وحرمت جوارحه على النار، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وإذا التقى القلب والنفس للمحاربة، والتقى الجمعان، كانت صفته PageV06P199 ~~كجبريل مع محمد عليهما السلام يوم بدر، وإبليس مع الكفار يشجعهم، ويقوي ~~أمورهم، ويعدهم ويمنيهم، فلما رأى جبريل، نكص على عقبيه هاربا، وقال: {إني ~~أرى ما لا ترون إني أخاف الله}. # إنما خاف الأسر أن يأسره جبريل فيفضحه، ويريه الناس، فهرب وترك الجمع، ~~فكذلك الهوى، لما رأى المعرفة بسلطانها قد أقبلت، والعقل على مقدمتها، ~~والعلم بالله محيطا بالعسكر والجنود، نكص الهوى على عقبه، وتبرأ من الجنود. # فهذا ملك النفس للقلب، وملك القلب للنفس، ثم من بعد هذا الملك ملك آخر ~~لأولياء الله، فذاك قلب يملكه الله، فإذا تعدى الحدود في الظاهر، لم يفسد، ~~ولم يخرب، ولم يجترئ أحد على أن يستقبله بتغيير؛ لأن ذلك حد الله في ~~الباطن، وقد خفي على الخلق، والحد عندهم في الظاهر غير ذلك. # فهذا قلب غلب عليه سلطان القبضة، فملكته، واستعمله الله ms0986 في قبضته، كما ~~استعمل الخضر في خرق السفينة، وفي قتل الغلام، وكان ذلك في الباطن حد الله، ~~وفي الظاهر مخفي على الخلق، ولذلك أنكره موسى. # فهذه قلوب قد ملكها سلطان القبضة، وتلك قلوب قد ملكها سلطان الحق، ~~والقلوب التي ذكرنا بدءا ملكها سلطان النفس. # ومما يحقق ما قلنا: # 1404 - ما حدثنا به أبو بكر بن سابق الأموي، PageV06P200 ~~قال: نا عمر بن عبيد، رفعه إلى علي -كرم الله وجهه-: أنه مر برجل وهو مقاوم ~~امرأة، فأصغى إليه سمعه، فأنكر ما سمع منه، فشجه، فجاء الرجل إلى عمر رضي ~~الله عنه والدم يسيل، فقال: ويحك! من فعل بك؟ فقال: علي، فقال عمر: ما هذا ~~يا أبا الحسن؟ فقص عليه، فقال عمر: أصابتك عين من عيون الله، إن لله في ~~الأرض عيونا، وإن عليا من عيون الله. # 1405 - نا عبد الجبار بن العلاء، قال: نا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، ~~سمعه من قيس، قال: عرض أبو بكر رضي الله عنه فرسا له، فقال غلام من ~~الأنصار: احملني PageV06P201 ~~عليها يا خليفة رسول الله، فقال: لأن أحمل عليها غلاما قد ركب الخيل ~~بغرلته، أحب إلي من أن أحملك عليها، فقال: لم؟ فوالله! لأنا خير منك فارسا ~~ومن أبيك، قال مغيرة: فما ملكت نفسي أن أخذت برأسه فركبته، فأقبل منخراه ~~كأنهما عزلا مزادة، فبلغ أبا بكر أن أناسا من الأنصار يتوعدونه، قال أبو ~~بكر: بلغني أن ناسا من الأنصار يتوعدون المغيرة بن شعبة، والله! لأن يخرجوا ~~من ديارهم أسرع من أن أقيدهم بوزعة الله تعالى. PageV06P202 ### || AUTO الأصل الثالث والستون والمئتان # 1406 - أنا محمد بن علي الترمذي، قال: # نا صالح بن محمد، قال: نا معلى بن هلال، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن ~~ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل العبادة الفقه، ~~وأفضل الدين الورع)). # 1407 - نا عيسى بن أحمد العسقلاني، نا يزيد بن هارون، عن يزيد بن عياض، ~~عن صفوان بن سليم، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، قال: ms0987 قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين، ولفقيه واحد ~~أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه)). PageV06P203 # 1408 - نا محمد بن زنبور المكي، قال: نا إسماعيل ابن جعفر، قال: نا عبد ~~الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أنه قال: ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالفقه مشتق من التفقي، وهو انكشاف الغطاء عن الشيء، يقال: تفقأت الثمرة ~~عن أكمامها، وتفقأ العين عما فيه، وفقأ عينه: إذا انخرق الحجاب، وانكشف عن ~~الحدقة. # فعلوم الأشياء في الصدر مجتمعة، متراكمة بعضها على بعض، فإحساس القلب من ~~ذلك العلم هو علم القلب، أداه إلى الذهن، وإلى الحفظ، فالذهن قبله، ~~واستودعه الحفظ، حتى يؤديه إليه عند الحاجة، فأداؤه في وقت الحاجة، كنبعان ~~العين ينفجر منه الشيء بعد الشيء، فما دام هكذا، فهو ساكن خامد لا قوة له، ~~فإذا تصور في الصدر لعيني الفؤاد، قوي القلب بذلك الذي تصور، فذلك علم ~~مستتر، وفي القلب بقية من PageV06P204 ~~الضعف والخمود. # فإذا انكشف الغطاء عن الصورة التي تصورت في الصدر، فذلك الفقه؛ لأنه حين ~~تصور في الصدر، أحس القلب بتلك الصورة علما، ولم يره؛ لأن الغطاء قائم بينه ~~وبين العلم، وهو ظلمة الهوى، وهو عالم بذلك الشيء يترجمه بلسانه، ويتضمنه ~~بحفظه، ويمثله صورة بعقله، وليست له قوة ينتصب قلبه لذلك، ويتشمر لفعله، ~~ويطمئن إليه مع حرارة العلم وقوته. # فإذا انكشف الغطاء عن تلك الصورة التي صورها عقله، صار عيانا للفؤاد، ~~فيقال لذلك العيان: علم اليقين. # قال الله تعالى: {كلا لو تعلمون علم اليقين. لترون الجحيم. ثم لترونها ~~عين اليقين}. # فعين اليقين يوم القيامة، وعلم اليقين في الدنيا في الصدر، فسماه: رؤية؛ ~~ذلك ليعلم أن هذه رؤية عين الفؤاد، وتلك في الآخرة رؤية عين الرأس، فهذا ~~الذي انكشف له الغطاء، وانفقأ الحجاب عن مكنون العلم، أبصر ms0988 بعين الفؤاد ~~صورة ذلك الشيء المعني، فسمي ذلك فقها، وإنما هو في الأصل فقء -القاف ~~مهموزة-، فلما ثقلت، أبدلت بالهمزة هاء، فقيل: فقه. # قال الله تعالى فيما يحكي قول شعيب عليه السلام حيث يقول لقومه: يا قوم ~~{بقيت الله خير لكم}، ويا قوم {واستغفروا ربكم ثم توبوا PageV06P205 ~~إليه إن ربي رحيم ودود}، {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي}. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا يقول: ((ذاك خطيب ~~الأنبياء))؛ لحسن دعائه قومه، ومراجعته، وتلطفه في الدعوة، فقال في آخر ~~ذلك: {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول}. # فمن فقه ما يقال له، تبين عليه أثره، فهؤلاء الذين انتحلوا هذا الرأي، ~~وأكثروا الخوض فيه، واجتمعت عندهم كتب الرأي، أعجبوا بهذا الشأن حين سموا ~~هذا فقها، وخيل إليهم أن هذا هو الذي ما عبد الله بمثله، وهو هذه المسائل ~~التي عندهم قط، ولا يعلمون أن أساتذتهم تكلموا بها، ثم قالوا: وددنا أنا ~~نجونا منه كفافا، لا لنا ولا علينا، منهم: إبراهيم النخعي، والشعبي، ~~والحسن، وابن سيرين في زمانهم، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ~~ومالك في زمانهم -رضي الله عنهم أجمعين-. # فكل يتمنى الخلاص منه، لا له ولا عليه، وإنما هذا نوع من العلم PageV06P206 ~~لابد للناس منه لحفظه على الأمة، فأما سائر العلوم التي حاجة الناس إليها ~~في كل وقت، في ليلهم ونهارهم، فأعرضوا عنها حتى صاروا في خلو من ذلك كله، ~~وصار هذا النوم عندهم فتنة، فتراه الشهر والدهر يقول: لا بأس، ويجوز، ولا ~~يجوز، يدخل فيما بين الله وبين عباده، مع الحيرة في ذلك، ولا يدري أصواب هو ~~أم خطأ؟ # ثم تراه في خاصة أمره ودينه في عوج كله، فإقباله على نفسه حتى يكف منها ~~ما لا يجوز، خير له من إهماله نفسه، وإقباله على إصلاح الناس، وذلك لتعلم ~~أنه مفتون، ويسعى في الخراب، وكان المتقدمون أولى بالشفقة على الأمة، ~~والحدب على الدين، والنصيحة لله، فشغلهم إصلاح أنفسهم عن الانهماك في هذه ~~الأشياء، حتى تلهيهم عن عيوب أنفسهم، ms0989 والقيام عليها بإصلاحها. # فيقال لهذا الذي توهم أن هذه الفضائل، وهذه الرتبة لمن تفقه في هذا النوع ~~الواحد، فإذا فهمه، ماذا يجري عليه من نفعه، وهو لا يدري متى ينزل به؟ ومتى ~~يحتاج إليه هو أو غيره حتى ينتصب لفتياه؟ PageV06P207 # فإعجابك بهذا كل هذا: كيف إذا فقهت كلام رب العالمين الذي أدب به عبيده، ~~ووعظهم، وعطف به عليهم، كيف يجعلهم غدا مملوكا في دار السلام؟ # فمن فقه عن الله قوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره}، أمسك عن الصغير والكبير، والدقيق والجليل من الشر، ولم يستحقر ما ~~دق من الخير وصغر، ولم يستهن به، وأمات هذا الوعيد من نفسه البطالات كلها. # ألا ترى إلى الأعرابي الذي سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~السورة، قام، وركب راحلته، وقال: حسبي حسبي، ومر على وجهه، فقال رسول الله: ~~((فقه الأعرابي))؟! # فهكذا يكون الفقه. # من فقه ما في هذه السورة؛ من شأن الأرض وما يحل بها، ومن شأن النفس حين ~~ترمي بها الأرض، وما تخبر الأرض، وتنطق عن سرائره، وذكر الصدر من بين يدي ~~الله تعالى: {أشتاتا ليروا أعمالهم}، PageV06P208 ~~ثم وجد أعماله موزونة بمثاقيل الذر من الخير والشر، فكيف لا يكون هذا حسبه ~~فيما بينه وبين الله تعالى؟ # ومن فقه عن الله قوله: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس ~~شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين}. # فكيف لا يكون هذا حسبه فيما بينه وبين العباد، حتى ينصف الخلق من نفسه، ~~ويؤدي إلى كل ذي حق حقه من نفسه وماله؟ # ومن فقه عن الله تعالى قوله: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}، ~~كيف لا يكون حسبه فيما بينه وبين معاشه، ولا يخرج هم الرزق من قلبه حتى يثق ~~بربه ويطمئن إلى ضمانه؟. # ومن فقه عن الله قوله تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} الآية، فكيف ~~لا يكون هذا حسبه من الثقة بخلفه، حتى لا يجد ms0990 في وقت الإنفاق ضيقا في صدره، ~~ولا حزازة في نفسه. # ومن فقه عن الله قوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين} ~~ثم ذكر أصناف الشهوات، ثم قال: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم}. # كيف لا يكون هذا حسبه في نزوله على ما اختار له ربه، حتى يلهو PageV06P209 ~~عن حب هذه الشهوات، ويتشمر في طلب الذي أعلمه الله أنه خير من ذلك، فيطلب ~~تلك الخصال التي عدها لنوال هذا الخير من قوله تعالى: {الصابرين والصادقين ~~والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} الآية. # ومن فقه عن الله قوله تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا} الآية {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا}. # كيف لا يكون هذا حسبه من معاملته ربه، حتى ينكمش في الإحسان، ويطلب من ~~نفسه حسن الأشياء في كل أمر لمعبوده؟ # ومن فقه عن الله قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}. # كيف لا يكون هذا حسبه، حتى يعلم أنه خلق للعبودة، وأن عبودته في جميع ~~حركاته كلها، فإن كانت حركاته مما قد حسنها الله في تنزيله، وعلى ألسنة ~~الرسل -عليهم السلام-، فقد عبده، وإن كانت سيئة قد قبحها الله تعالى، فقد ~~ترك عبودته. # ومن فقه عن الله قوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما PageV06P210 ~~كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير}. # كيف لا يكون هذا حسبه، حتى يهون عليه المصائب؟ لأنه أخبره أني صيرت هذه ~~المصيبة قصاصا ببعض ما عملت من السوء، وعفوت عن الكثير الباقي؛ كأنه قال: ~~إنما قاصصتك بهذه المصيبة بشيء يسير من ذنوبك، حتى أنبهك من رقدتك، وعامتها ~~باقية جمة، فوعدك العفو عن ذلك الكثير الجم، فعظم أملك لربك. # ومن فقه عن الله قوله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا راد لفضله}. # كيف لا يكون هذا حسبه، حتى يجمع كل الرجاء في الخير، وانتظار الفرج، ~~فيذهب بقلبه إلى بابه منتظرا ما يخرج من أرحم الراحمين أقضيته، ومن أحكم ~~الحاكمين حكمه، ms0991 حتى ينقطع رجاؤه وخوفه من المخلوقين، ويصير حرا من رق نفسه، ~~ومن تبصيص خلقه، وملقهم، ومن انهزامه عنهم، ومن تعيير الله حيث عير ~~المنافقين؟ فقال: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا ~~يفقهون}. # فإنما برأ من الفقه من كانت هذه صفته، فكانت رهبته من المخلوق طافحة على ~~نفسه، غالبة على رهبة الله، وقال الله تعالى حكاية PageV06P211 ~~عنهم: {لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات ~~والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون} الآية. # فمن رأى رزقه وحاجاته من الدنيا بيد الخلق رؤية تلهيه عن الله، حتى يضيع ~~حقوقه، ويداهن في دينه، قد برأه القرآن من الفقه. # ومن فقه عن الله تعالى قوله: {ادعوني أستجب لكم}، كيف لا يكون هذا حسبه، ~~حتى يعلم أن الله أكرمه بغاية الكرامة، ورفع درجته، وعظم شأنه، ففرح بذلك ~~واستغنى، وعرف محله من ربه، فلو أن لملك من ملوك الدنيا عبدا من عبيده كتب ~~إليه الملك: أرفع إلى حوائجك، لامتلأ سرورا وغنى به، واستند إلى ذلك القول ~~منه، وهو عبد مثله لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ربما اشتغل عنه غدا، ويخلف ~~وعده، أو عجز عنه، فلا يقدر على إنجازه، أو يموت، فهو يتكل على هذا الكتاب ~~منه، ويمتلئ من نفسه فرحا، وهذا كتاب رب العالمين، ينطق بأن الله قد قال ~~هذا، لم يخرجه مخرج الأمر والندبة، ولكن أخرجه على إبراز القول، PageV06P212 ~~فقال: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}، فمن يعلم ما في حشو هذه الكلمة؟ فمن ~~علمها، استغنى بها عن الحاجة، ثم إذا دعا، دعا على يقين من الإجابة، ثم ~~ينتظر الوقت، كما قال لموسى وهارون: {قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان ~~سبيل الذين لا يعلمون} الآية؛ أي: أن سبيل الذين لا يعلمون الاستعجال. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال العبد بخير ما لم ~~يستعجل ربه))، قيل: كيف يستعجل ربه يا رسول الله؟ قال: ((يقول: دعوت فلم ~~يستجب لي)). PageV06P213 # فهل استعجاله إلا من قلة فقهه؟! لا ms0992 يفقه أن ربه قد خار له حتى يأتي وقته، ~~فيعطيه أكثر مما سأل. # ألا ترى أنه روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ~~((إذا دعا العبد، يقول الله تعالى: يا جبريل! احبس حاجة عبدي؛ فإني أحب ~~صوته، وقد أجبته إلى ما سأل)). # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: مثل ذلك، وقال: ((يا ~~جبريل! احبس حاجته)). # ولا يخطر ببال هذا العبد هذه الحاجة إلا وله مع كل خطرة مغفرة، أو كما قال. # فيصل إلى العبد في وقته مع مغفرة كثيرة، فإذا فقه هذا، لم يستبطئ إجابته، ~~ولم يستعجل ربه. # فالفقه في هذا، لا في تلك المخاتلات والخدائع التي يحدثها العبيد الأباق ~~في سيرهم إلى الله في معاشهم؛ من نهب الدنيا حرصا وجمعا، PageV06P214 ~~وتضييعا لدين الله، فتنظر إليهم بعين الرحمة فيما تزعم نفسك، فتشتغل بتسوية ~~أمورهم في عامة نهارك، وتضييع الفقه في دينك في خاصة نفسك، وتنسى نفسك ~~وتذكرهم، فلينظر صاحب هذا لا يكون ممن قد خدعته نفسه، فتلذذ بما احتواه، ~~وشخصت أبصارهم إليه، حتى صيره تلذذه عبدا، جبارا متملكا، مقتدرا، فهو يعامل ~~الخلق في تسوية أمورهم على التمليك، والاقتدار، والتجبر، والاعتداء، حتى ~~تكون محبته أن ينزل الخلق كلهم على قوله، ويصدروا عن مشيئاته، فإذا هو جبار ~~عات قد رمى بالعبودة، وتشبه بالأرباب. PageV06P215 ### || AUTO الأصل الرابع والستون والمئتان # 1409 - نا سفيان بن وكيع، قال: نا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن يوسف بن ~~أبي بردة، قال: سمعت أبي، قال: سمعت عائشة -رضي الله عنها-، قالت: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء، قال: ((غفرانك)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: PageV06P217 # قوله: ((غفرانك)): طلب من المغفرة على قالب فعلان، وهي أعظم القوالب ~~وأوفرها؛ كقولك: رحيم ورحمان، وعار وعريان، وكفر وكفران. # فرحمان: وفارة الرحمة، وبلوغ الرحمة العظمى، وعريان: الذي تعرى في ~~الكسوة، فهو ببشرة، والعاري: الذي تعرى من الثياب، والعريان تعرى من ~~الكسوة، فغفران وسبحان وكفران، هذه كلها يراد به: الوفارة ms0993 والكثرة، وبلوغ ~~غاية من الغايات. # فسأل ربه عند خروجه من الخلاء المغفرة الوافرة، وإنما صارت هذه الكلمة ~~بين الكلام في هذا المكان؛ لأنه نظر إلى أمر عظيم، وذلك: أن آدم عجن الله ~~طينته، وخمره، وصوره وخلقه بيده، ووضع فيه أمورا عظاما في باطنه، ونفخ فيه ~~من روحه، فكان بديع فطرته، وصنع يده. # 1410 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا حيوة بن شريح الحمصي، عن محمد بن شعيب ~~بن شابور، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خلق الله آدم من تراب، وعجنه ~~بماء من ماء الجنة)). PageV06P218 # فلم يكن يصلح له مكان يليق به مع هذه المكارم إلا داره، فتوجه وكلله، وختم ~~بخاتم الملك، وكساه، ونظفه، ووضعه على سرير هو وزوجته، وأمر ملائكته ~~بحملهما إلى داره، فلم يزالا في داره طاهرين بتطهير الله، عالمين بالله، ~~فرحين مسرورين مكرمين، حتى إذا جاء وقت الشقوة، وغلب القضاء والقدر على ~~جميع ما أعطاهما، وخلص العدو إليهما، فأكلا بأمر العدو، فصار تلك الأكلة ~~فرصة إبليس منهما، والمأكول حظه منهما، فصارا عاريين من جميع هذه الكرامات، ~~وأخرجا مذمومين، وصار مستقر تلك الأكلة سلطان إبليس ومملكته، والشيء ~~المأكول منتنا، وإنما نتن؛ لكينونة العدو ونجاسته، وكفره فيها، فكلما ظهر ~~من ذلك الموضع بلة، أو غائط، أو ريح، أمر بالوضوء، وغسل ذلك المكان، ~~فالوضوء من توضئة الأعضاء التي هي جوانب الجسد، حتى تصير وضيئة. # فإنما لاحظ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من الخلاء ذلك الذي حل ~~بأبيه، فورثه عنه، فظهر ذلك عليه، فالتجأ إلى عظيم المغفرة، فقال: ~~((غفرانك))؛ أي: ما لقينا من تلك الخطيئة. PageV06P219 # فلو أن رجلا وقف تحت ميزاب الكعبة حتى جرى من الميزاب، فتلقاه بفيه من ~~الماء الذي نزل من السماء، ولم يمازجه شيء من الدنيا، فدخل جوفه، ثم خرج من ~~هذه المخارج، لأمر بالغسل والوضوء، وحكم له بحكم النجاسة، فإذا فكر في هذا، ~~فهم أن هذا الماء الذي ms0994 نزل من السماء، ولم يمازجه شيء من الدنيا، فدخل ~~جوفه، ثم خرج من هذه المخارج قد وصل إلى المعدة في مجاورة العدو الذي جعل ~~له السبيل إلى هذا الآدمي. # كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم ~~مجرى الدم)) قالوا: ومنك يا رسول الله؟ قال: ((ومني، إلا أن الله أعانني ~~عليه، فأسلم)). # فمستقره تحت المعدة على مطحن العلف، ثم يجري مع الدم في العروق سلطانه، ~~فلو أن السماوات الأرض زالتا بتلك الخطيئة، ما كان بمستنكر. # فالمتنبه: إذا دخل الخلاء، وأحس حياة قلبه بما يخرج منه، استحيا، وعرف أن ~~هذا ميراث تلك الخطيئة، وذكر بدو أمره، فاستحيا PageV06P220 ~~من الله، فإذا خرج، التجأ إلى الغفران؛ لأنه بعد ما حل به من ميراث تلك ~~الخطيئة حتى ألقاه في الدنيا، ونتن في أجواف ولده الطعام الطيب، وأمر بغسل ~~الأطراف منها، أذنب أيضا أمثال الجبال، فعظم شأن ذنوبه عنده في ذلك الوقت، ~~فالتجأ على سؤال الغفران، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنع رأسه. # 1411 - نا محمد بن علي الشقيقي، قال: نا أبي، قال: نا عبد الله، قال: أنا ~~أبو بكر بن أبي مريم، عن حبيب ابن صالح: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا دخل المرفق؛ لبس حذاءه، وغطى رأسه)). # ويروى عن أبي بكر الصديق: أنه قال: إني لأدخل الكنيف، PageV06P221 ~~فأقنع رأسي حياء من الله تعالى. # فهذه ملاحظة الرسل والأنبياء والأولياء. # فأما العامة، فليسوا من هذا في شيء، فهم لا يرون هذا بقلوبهم، ولا ~~يعرفونه، وإنما أدبوا بالحمد بأن يقولوا: الحمد لله الذي أخرج عني الأذى ~~وعافاني، فردوا إلى حال النفس، ونعمة الله عليهم. # 1412 - نا صالح بن محمد، قال: نا الربيع بن بدر، عن أبان بن أبي عياش، عن ~~أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى الخلاء، قال: ~~((اللهم أذهب عني الرجس النجس، الخبيث المخبث، الشيطان الرجيم))، فإذا خرج ~~من الخلاء، قال: ((الحمد لله الذي أذهب عني ms0995 الأذى وعافاني)). PageV06P222 # فهذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينه وبين الأمة، فأما الكلمة ~~الأولى، ففيما بينه وبين الله، وكذلك شأن الكبراء، كلامهم في الباطن مع ~~الله غير كلامهم في الظاهر. # قال له قائل: مثل ماذا؟. # قال: في الظاهر مع الخلق يقولون: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفي ~~الباطن يقولون معه: لا إله إلا الله فقط. # وفي الظاهر يقولون: الحمد لله الذي أطعمني، وسقاني، وأرواني، وكساني، ~~وأشبعني، ولو شاء أجاعني، وأظمأني، وأعراني. # وكذلك روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وفي الباطن يقولون: الحمد لله فقط. # وفي الظاهر يقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وفي الباطن ~~يقولون: ما شاء الله، ينشرون مع الخلق عن الله ذكر ربوبيته، وإلهيته، ~~وصنائعه ذلك منشورا مشهورا مستفيضا لنباهة القلوب المستمعة إليه. # وفي الباطن إذا قالوا: لا إله إلا الله؛ ولهت قلوبهم في ألوهيته، PageV06P223 ~~ولا يلتفتون إلى شرك الشركاء فلا يذكرونه، فإن القلوب الوالهة به إذا نزهت ~~عيون الأفئدة منهم في ملكه، صعب عليهم في ذلك الوقت أن يلتفتوا بقلوبهم إلى ~~شرك مدع لا يحبون أن يذكروا معه أحدا، وكذلك في الحمد إذا رفعوا الحمد لله ~~بقلوبهم إلى عش الحمد أثقل عليهم أن يلتفتوا إلى ذكر النعمة، وكذلك في ~~المشيئة إذا وقعوا في بحرها، ارتفع عنهم ذكر كان ويكون. # 1413 - نا أبي، عن صالح بن محمد، عن ابن مقاتل، قال: كان ابن سيرين إذا ~~خرج من الكنيف، فلم يره أحد، ولم ير أحدا، خر ساجدا باكيا؛ لما أنعم عليه ~~أن سهل له خروج الأذى. PageV06P224 ### || AUTO الأصل الخامس والستون والمئتان # 1414 - حدثني إبراهيم بن المستمر الهذلي، قال: نا محمد بن بكار العقيلي، ~~قال: نا سعيد بن بشير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ذكوان أبي صالح، ~~عن أبي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول الله! إني كنت أصلي في بيتي، فأسره، ~~فاطلع على رجل، فأعجبني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لك ms0996 أجران: ~~أجر السر، وأجر العلانية)). PageV06P225 # 1415 - نا أبي، قال: نا أبو نعيم، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي ~~صالح -ولم يذكر أبا هريرة-، قال: قال رجل: يا رسول الله! إني أسر العمل، ~~فإذا اطلع عليه، أعجبني، قال صلى الله عليه وسلم: ((لك أجران: أجر السر، ~~وأجر العلانية)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فهذا رجل صديق، ناصح الله في خلقه، أسر العمل لا عن ضعف يقين، ولكن خلا ~~بربه يناجيه، فلما اطلع عليه، أعجبته رؤيته إياه؛ كي PageV06P226 ~~يبتدر بمثله، ويقتدي به، فهذا لقوة يقينه، لم تعمل فيه رؤيته، فتتحرك من ~~نفسه شهوة الفرح، واتخاذ المنزلة عند من رآه في ذلك، ولكن أعجبته رؤيته، ~~حتى يحل بصدره ما رأى منه، فيتقدي به. # وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ((خير أعمالكم التي تحبون أن يعلم بها)). # قال زيد: والرجل يكتمها ليسلم. # 1416 - نا بذلك صالح بن محمد، قال: نا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ~~معمر، عن زيد بن أسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقد أثنى الله على قوم، وسماهم: {وعباد الرحمن}، وبين أن مثواهم غرف ~~الجنة، وعد خصالهم التي بها أثنى عليهم، ثم حكى عن دعائهم له قوله: {هب لنا ~~من أزواجنا} الآية، فهم أهل الغرف في أعلى الدرجات، سألوه أن يجعلهم أئمة ~~لمن يقتدي بهم، فلا يكون أمر هذا مكتوما، وكيف يأتم به إن أسر العمل؟! ~~فهؤلاء نصحاء الله، والدعاة إلى الله، فيدعون بألسنتهم، ويدعون بأفعالهم ~~التي يظهرونها على أعين الخلق، يحثون الخلق على ذلك. # فإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: ((لك أجران: ~~أجر السر، وأجر العلانية))؛ لأنه نوى بالسر أمرا، وبالعلانية أمرا، ولو لم يكن PageV06P227 ~~هكذا، لم يكتب له أجران، فإنه: ((لا أجر لمن لا نية له)). # فهذا عبد قد نوى أن يسر بعمله؛ ليخلو بربه؛ لئلا يشكر عليه أحد غير ربه، ~~ثم إذا اطلع عليه، نوى الانتفاع به، وأن يقتدي به مقتد، فالسر مضاعف ms0997 على ~~العلانية بسبعين ضعفا، والعلانية صاحب هذا مضاعفة على سره بسبعين ضعفا؛ لأن ~~سره: خلوه بربه؛ لئلا يشكره عليه أحد غيره، وإعلانه: نصيحة له في عباده، ~~ليس به في وقت سره التفات إلى مدح الناس، فيهرب منه، ولا في وقت علانيته ~~المنزلة عند الناس. # 1417 - نا الفضل بن محمد الواسطي، قال: نا محمد بن مصفى الحمصي، قال: نا ~~بقية، قال: نا عبد الملك ابن مهران، عن عثمان بن زائدة، عن نافع، عن ابن ~~عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((السر أفضل من العلانية، ~~والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء)). # فإنما صار عمل السر مضاعفا على العلانية بسبعين ضعفا من جهات: PageV06P228 # فجهة منها: أن الذي يسرها، إنما يسرها لتصفو له؛ لأنه إذا أحست نفسه بشعور ~~الناس، علمت أنه ينال بذلك عند الخلق رفعة وكرامة، وصارت له من القلوب ~~منزلة بقضاء حوائجه، ويعظم على ذلك، ففرحت بذلك، وقويت بما دخلها من الفرح، ~~فإذا هو يطلب الجزاء من الله، والثواب من الخلق، فهذا الذي في نفسه هذه ~~الفتنة كائنة، يجاهد نفسه في وقت العمل إذا أعلن به، حتى ينكر ذلك عليها، ~~ولا يرضى، ولا يقبل منها هذا الوسواس، ولا يطمئن إليها. # فإن أغفل المجاهدة طرفة عين، وجد نفسه في عين هذه الفتنة، فإن تراخى، ولم ~~يتشمر لرد ذلك عليها، صار عمله رياء، وإن لم يقبل ذلك من نفسه، وكره بقلبه ~~ما جاءت به، وثقل عليه شأنها، ثبت له عمله مع المجاهدة، فصاحب هذا ضعيف ~~اليقين. # فإذا هرب من الإعلان وأسره، ضوعف له عمله سبعين ضعفا؛ لأنه يفرغ لله قلبه ~~من إشغال النفس، ومن تلك الهيئات التي كانت النفس تورد على قلبه، حتى كان ~~يحتاج إلى الاشتغال بالمجاهدة، فهو عمل ظاهر قد خلا بطاعة ربه وعبودته في ~~ذلك الوقت في ذلك العمل، فصارت الواحدة سبعين؛ لأن التربية ألقيت إلى ~~التوحيد، فهو الذي يريبها، فإذا أعلنها نصحا لله في عباده، وحبا لأن يعبده ~~الخلق بمحابه، صار السبعون مضاعفا الضعف الذي لا يحصيه إلا ms0998 الله. # فإذا لم يكن من رجال الإعلان، ولم يبلغ قلبه من المنازل محلا، تموت فتنة ~~نفسه، ويفتقد منها حب المدح من الخلق، وفرح الرئاسة، والعلو، أمسك عن ~~الإعلان، وأسره، فإذا أسره، فقد صانه، وخلا بطاعة PageV06P229 ~~ربه وعبودته، وحسم على نفسه باب الفرح بشعور الناس به، ولم تجد النفس ما ~~ترجو به نفعا، أو تأمل به عند الخلق جاها ورفعة، فأيست وسكنت، وصفا العمل ~~بصاحبه بتلك النية الصادقة في مبتدأ عمله، وسلمت النية، وإنما سلمت بما ~~أسره، فهذا للمقتصدين. # ووجه آخر للسابقين المقربين، فإذا أسر العمل، فإنما يسره ليخلو بربه في ~~تلك الطاعة؛ فإن الله تعالى موجود بكل مكان، وفي كل طاعة، فإذا أسر العمل، ~~وخلا بربه في العمل، برز له وجوده في صدره بين عيني فؤاده، فمن يقدر أن يصف ~~ذلك البروز، وتلك الحلاوة، وذلك الطيب؟ ومن يقدر أن يصف تصور القلب في ~~أحواله، وهشاشة النفس في أحوالها؟ وهو: # قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عليه السلام: ما ~~الإيمان؟ وما الإسلام؟ وما الإحسان؟ فأجابه في كل ما سأله، وقال: ((الإحسان ~~أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك))، قال: فإذا فعلت ~~ذلك، فأنا محسن؟ قال: ((نعم))، قال: ((صدقت)). فعجبنا من تصديقه له. # لأنهم لم يعرفوا أنه جبريل حتى أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك. # وروي عن ابن عمر: أنه لحقه عروة بن الزبير في الطواف، فخطب إليه ابنته، ~~فلم يكلمه ابن عمر، فلما قدما المدينة، ولقيه عروة، قال له ابن عمر: إنك ~~كلمتني في الطواف، فما كلمتك، وإنا كنا نتراءى الله بين أعيننا، فهل لك ~~فيما سألت؟ قال: نعم، فزوجه بعد ذلك. # 1418 - نا قتيبة بن سعيد، وإسماعيل بن نصر، عن PageV06P230 ~~محمد بن يزيد الخنيسي، قال: نا عبد العزيز بن أبي رواد، قال: نا نافع، عن ~~ابن عمر، قال: # 1419 - نا عبد الرحيم بن يوسف، قال: نا يعلى بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي ~~خالد، عن عبد الله بن عيسى ms0999 بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن جده عبد الرحمن، ~~عن أبي ابن كعب، قال: كنا جلوسا في المسجد، فدخل رجل، فقرأ قراءة أنكرتها ~~عليه، ثم جاء آخر، فقرأ سوى قراءة صاحبه، فلما انصرفا، دخلنا جميعا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((أحسنتما أو أصبتما))، فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~حسن شأنهما، سقط في نفسي، وودت أني كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ما ~~غشيني، ضرب بيده في صدري، ففضت عرقا، وكأني أنظر إلى الله فرقا، فقال: ((يا ~~أبي! إن ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه: أي رب! هون على ~~أمتي، فرد إلي الثانية أن PageV06P231 ~~أقرأ على حرفين، فقلت: يا رب! هون على أمتي، فرد إلي الثالثة أن اقرأه على ~~سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألينها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، ~~مرتين، وأخرت الثالثة إلى يوم يرغب إلي فيه الخلق، حتى إبراهيم)). # 1420 - نا أبي، قال: نا محمد بن يزيد الخنيسي، عن عبد العزيز بن أبي ~~رواد، رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة حارثة؛ حيث قال له: ~~((كيف أصبحت يا حارثة؟))، قال: مؤمنا حقا، قال عليه السلام: ((وما حقيقة ~~إيمانك؟))، قال: كأني أنظر إلى الله فوق عرشه. # هذا في رواية عبد العزيز. PageV06P232 # 1421 - نا عبد الجبار بن العلاء، قال: نا يوسف ابن عطية، عن ثابت، عن أنس، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال في حديثه: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا. # رجعنا إلى ذكر صفة السابقين المقربين آية: والسابق المقرب إذا أسر العمل، ~~خلا بربه في العمل، وسر به، فبرز له وجوده على القلب في الصدر. # والأول: المقتصد، أسر العمل، فخلا بطاعته وعبودته، لا بربه، فبرز له ~~توحيده على قلبه في صدره، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ~~جبريل حيث قال: ((فإن لم تكن تراه، فإنه يراك)). # فهذا علم أنه ms1000 يراه، فيطيبه هذا العلم، فيتولى تربية عمله توحيده، والسابق ~~يتولى تربية عمله ربه الجواد الكريم، فإذا أسر السابق -الذي هذه صفته- عملا ~~من أعماله، فإنما يسره؛ ليخلو بربه، فيجده في العمل. # وذلك قول عامر بن عبد قيس: ما نظرت إلى شيء إلا ورأيت الله فيه أقرب. PageV06P233 # وقول محمد بن واسع: ما نظرت إلى شيء إلا ورأيت الله فيه. # فقد تباين قولاهما، مع رفعة قوليهما، وجلالة حظيهما في القولين. # فإذا وجده السابق في العمل، على مشاهدة القلب، عظمه وحسنه، وزينه وبالغ ~~فيه، ثم جعل[ه] من وراء ظهره، فلم يلتفت إليه؛ لأنه إنما يسره من أجل شيئين: # أحدهما: أنه يريد أن يطفئ نار شوقه إلى ربه بوجوده في العمل، لأنه إذا ~~وجده، فأول ما يلاقي قلبه برد الرحمة، وقرة العين، فإذا قرت عينه، وناله ~~برد الرحمة، أطفأت نار الشوق، فسكنت، فهذا وجه. # ووجه آخر: أن عين قلبه مادة إلى جلاله وعظمته، باهتة في كبريائه، ومجد ~~عظمته، فينال بذلك نزاهة النفس بعين القلب، فيزداد حياة بالله، ولم يسره، ~~يريد بذلك تصفيته مما يخالطه من فتنة النفوس؛ لأن نفس هذا قد ماتت، وافتقد ~~[ت] وساوسها، وذهبت مناها منها، وصار القلب حرا، وصدره نزها بنزهة اليقين، ~~وأطايب المعرفة، وعلم الآلاء. # وقال له قائل: فإذا بلغ القلب هذا المحل، وصار بهذه الصفة، فلم يسر ~~العمل، ولم لا يعلنه، حتى يقتدي الخلق به، فيدخل عمله في ذلك التضعيف الذي ~~لا يحصى ثوابه؟ # قال: صاحب هذا، قد لها في الثواب قلبه، ووله بالماجد الكريم، قد وقف ~~بعمله على مفرق الطريق، وكلا الطريقين قد صارا مستقيمين إلى الله، فإذا ~~أسر، فإنما يسره من قبل ما وصفنا من وجوده، وطفي نار PageV06P234 ~~الشوق بوجوده. # ومن وجه آخر: يحب أن يسره، يريد بذلك: أن يغيبه عن أعين الخلق، فإن الخلق ~~إذا رأوا صلاة، نظروا إلى زينة وبهاء، وإذا رأوا صوما، نظروا إلى زهد ~~وتزاهد، وإذا رأوا عطية وصدقة، نظروا إلى سخاء ومكارم الأخلاق، وإذا رأوا ~~حجا، نظروا إلى نسك وعبادة، وإذا رأوا صمتا ms1001 وانقباضا، نظروا إلى خشوع ~~وصيانة، وإذا رأوا نشر علم، نظروا إلى ملك الدين، فنزل من قلوبهم هذه ~~المنازل، فأكرموه، وشرفوه، وعظموه، وحملوه على الرقاب، وملك قلوبهم ~~وأبصارهم، فإذا بدا لهم، شخصت الأبصار إليه علوا وشرفا، وإذا خالطهم، نفذ ~~حكمه في أمورهم، فإنما يسر أعماله، ومحاسن عبودته من الناس؛ لئلا يكسب من ~~الخلق هذه المنزلة غيرة لربه، فإذا أسرها من هذا الوجه، كان ممن باهى الله ~~به ملائكته، وقال: هذا عبدي حقا، فإذا أثنى عليه بالعبودة حقا، نظرت ~~الملائكة إلى بهاء هذا العبد، فرأوا أمرا عجيبا، فلم يكن الله ليباهي به، ~~ويشهد له بحقيقة العبودة، ويثني عليه عجبا به، ثم لا يفيده شيئا، فكان أول ~~ما يفيده: أن ينشر ثناءه الذي أثنى به عليه في ملائكته على قلوب أهل الأرض، ~~حتى ينظروا إليه بتلك العين، وتتناسم الأرواح برؤيته، وتتباشر القلوب ~~بلقائه، وتلتذ العيون الشاخصة إليه برؤيته. # 1422 - نا سهل بن العباس، قال: نا الفضيل بن عياض، عن منصور، عن هلال بن ~~يساف، قال: قال PageV06P235 ~~عيسى صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم صوم أحدكم، فليدهن شفتيه، وإذا تصدق، ~~فليخف يمينه من شماله، وإذا صلى، فليدل على بابه سترة؛ فإن الله يقسم ~~الثناء كما يقسم الرزق. # فهذا وجه إسراره العمل، فإذا أعلنه، فإنما يعلنه حبا بأن يعبد الله تعالى ~~في أرضه بمثل ما يعبده؛ نصحا لله تعالى في ذاته، ونصحا لله في دينه، ونصحا ~~لله في كتابه ورسوله وخلقه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: # ((ألا إن الدين النصيحة -ثلاث مرات-))، قيل: لمن؟ قال: ((لله، ولكتابه، ~~ولأئمة المسلمين وعامتهم)). # 1423 - نا بذلك أبي، قال: نا أبو نعيم، عن سفيان الثوري، عن سهيل بن أبي ~~صالح، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: # ((خيار عباد الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون PageV06P236 ~~العباد إلى الله، ويمشون له في الأرض نصحاء)). # 1424 - نا بذلك أبو الأشعث العجلي، عن حزم، عن الحسن. # فقوله: ((يحببون الله ms1002 إلى عباده))؛ أي: يذكرونهم آلاء الله ونعمه ~~وإحسانه، ((ويحببون العباد إلى الله))؛ أي: يأمرونهم بالطاعة حتى يطيعوه ~~فيحبهم، ((ويمشون لله في الأرض نصحاء))؛ أي: دعاة إليه وإلى دينه. # فالدعاة إلى الله دأبهم في شهرهم ودهرهم: أن يعلنوا الخير؛ كي يقتدي ~~الناس بهم، ولذلك أثنى الله على من سأله فقال: {واجعلنا للمتقين إماما}. # فإذا أسروا: فللوجه الذي وصفنا بدءا، فهم على مفرق الطريقين، فأي طريق ~~فتح لهم، مروا فيه، فهم في كلا الطريقين مستقيمون وجيهون عند الله تعالى. PageV06P237 # 1425 - نا حفص بن عمر [و]، قال: نا يزيد بن هارون، قال: نا العوام بن حوشب، ~~عن سليمان بن أبي سليمان، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: ((لما خلق الله الأرض، جعلت تميل، فخلق الله الجبال، فألقاها ~~عليها، فاستقرت، فتعجبت الملائكة من شدة الجبال، فقالت: يا رب! هل من خلقك ~~شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد، فقالت: يا رب! هل من خلقك شيء أشد من ~~الحديد؟ قال: نعم، النار، فقالت: يا ب! هل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: ~~نعم، الماء؟ فقالت: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح، ~~فقالت: يا رب! هل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، الإنسان، يتصدق ~~بيمينه يخفيها من شماله)). PageV06P238 # فهذه رواية أنس بن مالك. # فأما ما روي عن علي: # 1426 - فحدثنا به الجارود بن معاذ، قال: نا وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، ~~عن الشعبي، عن علي -كرم الله وجهه-: أنه قال -عندما بلغ ذكر خلق الإنسان في ~~هذا الحديث- قال: ثم خلق الإنسان يغلب الريح يتقيها بيده، ثم خلق النوم ~~يغلب الإنسان، ثم خلق الهم يغلب النوم، فأشد خلق ربك الهم)). # فهذا موافق لحديث أنس؛ لأنه إذا صار ممن يتصدق سرا يخفي ذلك السر بيمينه ~~من شماله، كان قويا، فهذا تمثيل، فاليمين: هي القلب، والشمال: هي النفس. PageV06P239 # ألا ترى أن الطاعات تخرج من إيمان القلب والمعاصي، وفساد الطاعات إنما تخرج ~~من شهوات ms1003 النفس والهوى؟ # فتأويل هذه الكلمة عندنا الذي قال: ((يتصدق بيمينه يخفيها من شماله)): # أي: يتصدق بقلبه، ويخفيها من نفسه، فالإيمان في القلب، والهوى في النفس، ~~فإذا أخفاها من الهوى، فهذا إنسان يغلب الريح، يتقيها بيده؛ كما وصفه علي ~~رضي الله عنه؛ لأن الهوى تنفس النار، فهو ريح يخرج منها، فتمر بباب النار، ~~فتحمل شهوات الآدمي إلى المواضع التي قد ركبت في الآدمي من تلك الشهوات، ~~حتى ينشرها، فتشتعل في العروق، فتأخذ القلب. # فقوله: ((يتصدق بيمينه يخفيها من شماله))، وقوله: ((يغلب الريح يتقيها ~~بيده))، كلاهما مرجعهما إلى شيء واحد، وهو: أن يعمل عملا مبتدؤه من الإيمان ~~من القلب، فيسره الهوى، وإسراره: أن يرمي به خلف ظهره، ولا يلتفت إليه، ولا ~~يجعله نصب عينه، حتى يعجب به، أو يرى لنفسه عملا، فيتكل عليه ويرجو النجاة ~~بذلك غدا، والالتفات إلى الأعمال: التفات إلى النفس، وتلك حظها، فهي تركن ~~إلى ذلك، وتعتده، وتثق به، حتى ترجو النجاة به، فإذا هو قد تعلق بالأعمال، ~~واتخذها وليا من دون الله، ونزع يده من التعلق بالرحمة، فوكله الله إلى ~~نفسه، وإلى عمله، فمنها بدأ هلاكه. # ولذلك قال: ((يا داود بشر المذنبين، وأنذر الصديقين، قال: وكيف ذلك يا ~~رب؟ قال: بشر المذنبين: أن لا يتعاظمني ذنب أغفره، وأنذر الصديقين: أن ليس ~~أحد منهم أنصبه للحساب، وأقيمه على PageV06P240 ~~عدلي إلا هلك)). # فالملتفت إلى أعماله يريد أن ينجو من ربه بأعماله، وإذا هو هالك. # وهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس أحد منكم ينجيه عمله))، ~~قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه ~~برحمته)). # فالذي يغلب الريح هو الذي يغلب هواه، وكل بر يعمله لله، وأبر الأمور ~~عنده: ما ثقل عليه؛ لأنه يعلم أنه أصفى، وأبرأ من هنات النفس، وموردات ~~الهوى، فهو يجتهد أن يخفيها من نفسه. # فأما المقربون: فإنهم عملوا لله نصب العين، كأنهم يرونه، ثم شغلهم ~~الترائي بجلاله وعظمته عن العمل، فصار العمل من وراء، وعظمة الله وبهاؤه ~~وجلاله قبالة ms1004 عيني الفؤاد في الصدر، وغاب العمل عن الانتصاب. # فلو أن أحدهم صار له عمل الأولين والآخرين، لتلاشى في عينه، إذا صار ~~قبالته ما وصفنا، وطار عنه ذكر العمل، ورأى غناه في عظمته، وزينته في ~~جماله، وشرفه في جلاله، ودرك مناه في بهائه. # وإنما قلنا: إن حديث علي موافق لحديث أنس؛ من أجل أن النوم في الظاهر ~~يغلب الإنسان، وفي الباطن النوم هو الغفلة، لا غفلة القلب، ولكن غفلة النفس ~~عن أحوالها في الدنيا، فإذا جاءت الغفلة، نام القلب عن شهوات النفس ~~وأحوالها، وأفراحها، فإذا جاء الهم، طار النوم، فحيي القلب بالله، PageV06P241 ~~فذاك الهم في الظاهر هم الأحوال، وفي الباطن هم ربه، فلذلك: قدر أن يتصدق ~~بقلبه، ويخفيها عن نفسه؛ لأن صفته في الباطن على ما وصفنا أن همه بربه قطع ~~نومه عنه، وأيقظها، وكل شيء ذكره قبل ذلك من الخلق. # فرجع الكلام إلى ما قلنا: إن المؤمن إذا صار بهذه الصفة، كان أشد وأقوى ~~من الأرضين، والجبال، والحديد، والنار، والماء، والريح، فهو أشد خلق ربك؛ ~~لأن ذلك الهم قد غلب الأشياء كلها التي قد تقدم ذكرها. # فلذلك قال ابن مسعود لعمر: إنا لنجد أن عمل مؤمن في يوم واحد أثقل من سبع ~~سماوات وسبع أرضين. # وقال موسى فيما روي عنه أنه قال: يا رب! إني أجد صفة قوم في قلوبهم من ~~النور أمثال الجبال الرواسي، تكاد البهائم تخر لهم سجدا إذا رأوهم، من ~~النور الذي في قلوبهم، قال: يا موسى! تلك قلوب طوائف من أمة أحمد، إنما ~~بلغوا ذلك، بإقبالهم على أنفسهم، وذمهم لها، وإنما هلك من هلك من قومك ~~بالعجب من أنفسهم. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن لله ملائكة موكلين ~~بأرزاق بني آدم، ثم قال: ((أيما عبد وجدتموه جعل الهم هما واحدا، فضمنوا ~~رزقه السماوات والأرض والطير وبني آدم)). # فإذا صار هم القلب هما واحدا، ذهب بال نفسه وهمومها وأشغالها، وخلا القلب ~~بربه، فلذلك قال علي -كرم الله وجهه-: أشد خلق ربك الهم. ms1005 PageV06P242 # فإنما هما همان: # فهم النفس: من أحوال الدنيا يطرد النوم وينفيه. # وهم القلب: من أحواله في الملكوت قد طرد عنه النوم: نوم القلب، ونوم العين. # فأما قول عيسى عليه السلام: إن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق. # فإنما يقسم الثناء على القلوب، على أقدار محل العباد عنده، وإنما يجعل ~~العباد عنده حيث يحلون ربهم من قلوبهم، وذلك قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((من أحب أن يعمل ما منزلته عند الله، فلينظر ما منزلة الله في قلبه؛ ~~فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه)). # فقلوب الخلق في قبضته، وبين إصبعين من أصابعه، فيرى القلب من محل العبد ~~عنده من صدق العبودة، وتذلله له، ومد عينه إليه مراقبا، حتى يحبه العبيد، ~~وذلك قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا}. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من هاب الله، أهاب الله منه ~~كل شيء، ومن خاف الله، أخاف الله منه كل شيء، ومن أحبه، حببه الله إلى ~~عباده، وأثنى عليه)). PageV06P243 # وهو قوله تعالى لموسى عليه السلام: {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على ~~عيني}، وقوله تعالى عند ذكر أنبيائه -عليهم السلام-: {وتركنا عليه في ~~الآخرين}، فإنما ينزل الثناء على القلوب، ويظهر السمات على شخص. # 1427 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا هارون الراسبي، عن جعفر بن حيان، عن ~~أبي رجاء في قوله تعالى: {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، قال: ~~الحلاوة والملاحة. # 1428 - نا عمر، قال: نا إسحاق بن عبد الله الأنطاكي، عن محمد بن الحسين، ~~عن عقيل، عن الزهري، قال: يعطى الصادق ثلاثة: الحلاوة، والملاحة، والمهابة. # 1429 - نا أبو بكر بن سابق الأموي، قال: نا أبو PageV06P244 ~~مالك الجنبي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {سيجعل لهم الرحمن ودا}، قال: ((إن الله ~~تعالى أعطى المؤمن المحبة والمقة والمهابة في صدور الصالحين)). # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه ms1006 وسلم: ((أولياء الله الذين إذا رؤوا، ~~ذكر الله)). # وروي في حديث آخر، قال: قال موسى: يا رب! من أولياؤك؟ قال: الذين إذا ~~ذكروا، ذكرت، وإذا ذكرت، ذكروا. # وقيل: يا رسول الله! من نجالس؟ قال: ((خياركم))، قالوا: ومن خيارنا يا ~~رسول الله؟ قال: ((من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في عملكم منطقه، ويزهدكم في ~~الدنيا عمله)). # فكما كان بين الرزق تفاوت في القسمة، فكذلك الثناء له تفاوت في القسمة، ~~فقسمة الرزق على التدبير في الباطن، وقسمة الثناء له على منازل العبد في ~~الباطن، في كينونتهم له عبيدا، وتسليمهم إليه نفسا، ولأمره انقيادا، ~~ولأسمائه علما، فيورثهم خشوعا وطمأنينة وثقة، فإذا هبته، هابك الخلق، وإذا ~~عظمته، عظمك الخلق، وإذا أحببته، أحبك الخلق، وإذا وثقت به، وثق بك الخلق، ~~واطمأنت نفوسهم لك، وإذا أنست به، أنس بك الخلق، PageV06P245 ~~وإذا نزهته، نظر إليك الخلق بعين النزاهة والطهارة، تحكي لقلوب الخلق عن ~~قلبك ما لربك من قلبك، فإن شئت، فازدد، وإن شئت، فانقص؛ فإن انتقصت، فإنما ~~تنتقص حظ نفسك، فمنتهى قسمة الثناء إن خلط ذكره بذكره، وجعل على شخصه طلاوة ~~سماته، فإذا رأوه، ذكروا الله. # قال له قائل: وما تلك السمات؟. # قال: سمات الحظوظ. # قال: حظوظ ماذا؟. # قال: حتى تخرج من المهد، وتنفطم من الارتضاع، فعندها تعرف السمات -إن شاء الله-. # قال: وما المهد؟ وما الفطام؟. # قال: إن الإنسان من حين يولد فهو راكب هواه، مستبد بأموره، غير مفارق ~~لشهواته ونهماته ومناه، مقتدر، جبار، متكبر، متملك في ملك الله، هذا حاله ~~إلى أن يشيخ ويكبر، فهو في بقبقته ومناه كالصبي في المهد، يريد في كل أمر ~~أن يبره ويلطف ويعطف عليه، ويعمل بهواه، ويعلل كالصبي، ويداري ويوافق في ~~مشيئاته، فهذا يدخل قبره، لم يدخل في عبودة الله قط، ولا تولى الله قط ~~ولاية الحق، إنما تولاه ولاية التوحيد، وحده بما من عليه من عقد الإيمان، ~~وقبل منه الإيمان، والإسلام، أن يكون مطمئن القلب بالله في كل حال، ساكنا ~~عند أحكامه، مسلما له جميع جوارحه عند أمره ونهيه، ms1007 ثم هو عبد آبق منخلع ~~العذار، مستبد، هوج، جموح، إذا أمره، تثاقل وحزن، وإذا نهاه، جمح، وإذا قسم ~~له بحسن تدبيره من الأحوال، PageV06P246 ~~أرسل مشفريه كمشفري البعير، وعبس وجهه، وانقبض انقباض القنفذ، وإذا حكم ~~عليه، التوى، ودلك بقدميه على الأرض. # فهذا: عبد دنياه، وعبد بطنه، وعبد فرجه وشهواته ومناه، فمن أن يقدر هذا ~~أن يعظم أمر الله، ويعظم حقوقه، ويتذلل له عبودة؟! ومتى يصير هذا عالما ~~بالله، عارفا له، وعارفا لمننه وإحسانه، شاكرا، خاشعا، خاضعا، خائفا لزوال ~~النعمة، مستحييا منه؟. # هيهات، ما أبعد هذا! فهذا رضيع في المهد، فأين يكون غدا من تلك العرصة ~~العظيم شأنها، ومن تلك الصفوف، كما يكون الصبي في محافل الدنيا مع مخاطه، ~~وأدناسه، ولهوه، ولعبه، وخرقه من وراء الباب، لا يعبأ به، ولا يهيأ له ~~مجلس، والذي فطم حتى شب، وتأدب، والتحى، وأخذ الزينة، والهيئة، والبهاء من ~~اللباس، والأدب أين يقعد؟. # فكذلك: من فطم نفسه عن الشهوات، والمنى عن ارتضاع حلاوة الدنيا، ورمى ~~تعلل نفسه وبقبقته، ورفع باله عن الخلق، ماذا يقال له؟ وماذا يكون؟ أعتقه ~~الله من رق النفس بأنوار الهدى، وحشا صدره من أنوار الحظوظ، ووسمه بسماته. # فالدنيا كلها تحت قدمه، والخلق من وراء ظهره، والله تعالى نصب عينيه، ~~يتخطى على أعناق الخلق في الموقف إلى الله تعالى، يشق الصفوف صفا صفا، ~~ويقال له: ادن، حتى يغبطه الناظرون إليه من أهل القربة، وهو قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. PageV06P247 # 1430 - نا بذلك صالح بن محمد، قال: نا عبد الحميد ابن بهرام، عن شهر بن ~~حوشب، عن أبي مالك الأشعري، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: ((اعقلوا، واعلموا أن لله عبادا ليسوا بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم ~~النبيون والشهداء؛ لمكانهم وقربتهم من الله تعالى))، فقام أعرابي، وقال: يا ~~رسول الله! من هم؟ حلهم لنا، فسر وجه رسول الله، وقال: ((هم قوم لم تصل ~~بينهم أرحام متقاربة، من أفناء الناس، ونوازع القبائل، تحابوا في جلال ~~الله، وتصافوا فيه، وتزاوروا فيه، وتباذلوا فيه، ms1008 يضع الله لهم منابر من ~~نور، فيجلسون عليها، وإن ثيابهم لنور، ووجوههم نور، لا يخافون إذا خاف ~~الناس، ولا يفزعون إذا فزع الناس، أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون)). PageV06P248 # 1431 - نا عبد الرحيم بن حبيب، قال: نا بقية، عن هقل بن زياد السكسكي، عن ~~دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ((إن الله إذا أحب عبدا، أثنى عليه من الخير مثل عمله سبع ~~مرات، وإذا أبغض عبدا، أثنى عليه مثل عمله من الشر سبع مرات)). # 1432 - نا العباس بن أيوب الزبيري، قال: نا أبو عاصم النبيل، قال: نا ~~حيوة بن شريح، عن سالم بن غيلان، عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله إذا أحب عبدا، أثنى عليه سبعة ~~أصناف من الخير لم يعمله، وإذا أبغض عبدا، أثنى عليه PageV06P249 ~~بسبعة أصناف من الشر لم يعمله)). # فهذا ينبئك أن الثناء من الله تعالى على عبده بسريرته فيما بينه وبينه؛ ~~لأن الخلق قد عاينوا علانيته، فإنما يثني الله عليه بما غاب عن أعين الخلق، ~~وإنما يثني عليه بأصناف الخير الذي لم يعمله؛ لأنه اطلع على قلبه، فرأى فيه ~~نية تلك الخيرات ومحبتها، والاهتمام لها، وهو باق عنها؛ لأنه لا يقدر على ذلك. # 1433 - نا صالح بن عبد الله، قال: نا يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هل تدرون من المؤمن؟))، قالوا: ~~الله ورسوله أعلم، قال: ((المؤمن: من لا يموت حتى يملأ الله مسامعه مما ~~يحب، ولو أن عبدا اتقى الله في بيت، أو في جوف بيت إلى سبعين بيتا، على كل ~~بيت باب من حديد، ألبسه الله رداء عمله حتى يتحدث به الناس، ويزيدون، ~~والكلام مثل ذلك في فجوره))، قيل: وكيف يزيدون يا رسول الله؟ قال: ((إن ~~التقي لو يستطيع أن يزيد في بره، لزاد، والفاجر لو PageV06P250 ~~يستطيع أن ms1009 يزيد في فجوره، لزاد)). # قال ثابت: وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن نية المؤمن ~~خير من عمله)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالصادق إنما يسر عمله؛ لئلا يكتسب به من الخلق منزلة، فيقال له غدا ما ~~جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 1434 - نا بذلك نصر بن يحيى، قال: نا أبو إسماعيل ببغداد، رفع الحديث، ~~قال: ((يقول الله لعبده يوم القيامة: عبدي عبدتني، أكرمك الناس، ووضعوك على ~~رؤوسهم، زهدت في الدنيا راحة تعجلتها، فهل واليت في وليا، وعاديت لي ~~عدوا؟)). PageV06P251 # 1435 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا سليمان بن شرحبيل الدمشقي، قال: نا بشر ~~بن عون الدمشقي، عن بكار ابن تميم القرشي، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((يؤتى يوم القيامة بعبد محسن ~~في نفسه، لا يرى أن له سيئة، فيقال له: هل كنت توالي أوليائي؟ قال: يا رب! ~~كنت من الناس سلما، قال: فهل كنت تعادي أعدائي؟ قال: يا رب! إني لم أكن أحب ~~أن يكون بيني وبين أحد شيء، فيقول الرب تعالى: وعزتي! لا ينال رحمتي من لم ~~يوال أوليائي، ولم يعاد أعدائي)). # فإذا أسر الصادق من هذا الوجه، كان ممن باهى الله به ملائكته، وقال: هذا ~~عبدي حقا، فإذا أثنى عليه بالعبودة حقا، فإنما أثنى لعجبه به، فلم يكن ليحل ~~العبد ربه محل الإعجاب، ثم لا يفيده شيئا. # فأول فوائده: أن ينشر ثناءه على قلوب أهل الأرض، حتى ينظروا إليه بتلك ~~العين، وتتناسم الأرواح برؤيته، وتتباشر القلوب بلقائه، وتلذ الأعين بالنظر ~~إليه، فإذا أعلنها، فإنما يعلنها حبا لأن يعبد الله في أرضه، PageV06P252 ~~نصحا لله في ذاته، ونصحا له في دينه، ونصحا لله في كتابه ورسوله. # 1436 - نا أبي، قال: نا أبو نعيم، عن سفيان الثوري، عن سهيل بن أبي صالح، ~~عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قال: ((ألا إن ms1010 الدين نصيحة -ثلاثا-))، قيل: لمن؟ قال: ((لله، ولكتابه، ~~ولأئمة المسلمين)). # فنصيحته لله في ذاته: أن تكون عينه مادة إلى عظمة الله. # ونصيحته له في دينه: أن تكون عينه مراقبة لجلال الله، وما يخرج من تدبيره ~~من باب القدرة من تلك المشيئة. # ونصيحته له في كتابه: إقامة الحق، والقيام بما فيه من العمل ظاهرا ~~وباطنا. # ونصيحته له في رسوله: تعزيزه وتوقيره، وحفظ سننه، واتباع حديثه وشمائله، ~~والتخلق بأخلاقه. # 1437 - نا أبو الأشعث العجلي، نا حزم القطعي، قال: نا الحسن البصري، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((خيار عباد الله الذي يحببون الله ~~إلى عباده، ويحببون العباد إلى ربهم، ويمشون لله في الأرض نصحا)). PageV06P253 # فأما الذي يعمل، فيحب أن يحمد، فهو على وجهين: فإن كان حبه للحمد؛ لأن تعلو ~~منزلته بذلك عند الخلق، ويتخذ بذلك جاها عندهم للإكرام، والارتفاق بحطام ~~الدنيا، فإذا ثبت على هذا، ورضي من نفسه، فهذه فتنة وإفساد، وإذا عمل على ~~هذا، وطلب الحمد في العمل أن يحمد في العمل على هذا السبيل، أفسد عمله. # وإذا تراءى له من نفسه حب هذا السبيل، فرده، ولم يرض به من نفسه، ولم ~~يقبل قلبه ذلك، فهو على خطر عظيم، وفيه الداء العضال، ولكن لا يفسد عمله، ~~وإذا كان حبه للحمد من نزاهة نفسه، وشرف قلبه في الدين، طلب الجمال ~~والهيئة، والله تعالى جميل يحب الجمال وذوي الهيئة، فإن طلبه في أموره أن ~~يحمد، فهو محمود؛ لأنه لم يطلب بذلك الحمد دنيا، إنما طلب به مسكة الدين ~~والعصمة؛ لئلا يذل في خلقه ببذل دينه. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس للمؤمن أن يذل نفسه)). # وقال في خطبته: ((طوبى لمن تواضع في غير مذلة)). PageV06P254 # 1438 - نا أبي، قال: نا أبو نعيم، عن هشام بن سعد، قال: حدثني قيس بن بشر ~~التغلبي، قال: أخبرني أبي، قال: كنت جالسا عند أبي الدرداء، فمر بنا ابن ~~الحنظلية -رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم-، وكان رجلا متوحدا ~~قلما ms1011 يجالس الناس، إنما هو صلاة، فإذا انصرف، فإنما هو تسبيح وتكبير وتهليل ~~حتى يأتي أهله، فمر بنا يوما، فقال أبو الدرداء: كلمنا كلمة تنفعنا ولا ~~تضرك؟ فقال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فقدمت، فقال رجل: لو ~~رأيتنا حين لقينا العدو، فطعن فلان فلانا، قال: خذها وأنا الغلام الغفاري، ~~ورجل إلى جنبه، فقال: كيف ترى؟ فقال: ما أراه إلا وقد أبطل أجره، قال ~~الآخر: لا أرى PageV06P255 ~~بذلك بأسا، فتنازعوا في ذلك حتى سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~((سبحان [الله]! لا بأس أن يؤجر ويحمد)). # فسر بذلك أبو الدرداء، فقال: أنت سمعت هذا؟ فجعل يقول: نعم. # وروى يزيد بن هارون، عن عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، عن ابن أبي حسين، ~~عن شهر بن حوشب، ولا أعلمه إلا عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، قال: ~~قال رجل: يا رسول الله! إني أحب [أن] أحمد، كأنه يخاف على نفسه، فقال: ~~((وما يمنعك أن تعيش حميدا، وتموت فقيدا؟ وإنما بعثت لأتمم محاسن ~~الأخلاق)). PageV06P256 # وفي رواية أخرى: أن هذا الرجل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ~~ثابت ابن قيس بن شماس. # فهذا يحب الحمد، ولتشرف نفسه، وللتجمل هربا من الذم، ونزاهة من دناءة ~~النفس؛ لأن الحمد والذم ضدان، فإذا فقد الحمد، ظهر الذم، وأما الذي يحب ~~الحمد للمباهاة، وطلب العلو، فذاك مذموم مضر، وقد قال تعالى في تنزيله: ~~{تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا}. # فهذا رجل مفتون يحب الدنيا، ويحب الحمد؛ للعلو فيها، والمنافسة في ~~حطامها، والمزاحمة لأهلها في تناولها، حتى يؤديه ذلك إلى الطغيان، وأن يحب ~~أن يحمد بما لم يفعل، وقد ذم الله تعالى في تنزيله هذه الطبقة، فقال تعالى: ~~{ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}. # وروى ابن المبارك، عن أفلح بن سعيد، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: ~~إن ملوك بني إسرائيل لما بدلوا حكم الله، خافوا من الرعية أن تغير عليهم، ~~فابتغوا ms1012 من يحمد أمرهم عند العامة، فدعوا علماءهم، فأكرموهم، وأعطوهم، ~~فقبلت العامة منهم، فأنزل الله هذه الآية يعظهم بها: {وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه}؛ أي: كتموا الحق، وقبلوا من ~~الملوك، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فوعدهم بالعذاب. PageV06P257 # 1439 - نا عبد الله بن خلف بن موسى البلخي، عن الوليد بن مسلم، عن خالد بن ~~يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 1440 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا هشام بن عمار الدمشقي، عن عمرو بن ~~واقد، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ~~ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة: أن لا تكون بشيء مما في يدك أوثق منك بما ~~في يد الله، وأن يكون ثواب المصيبة أحب إليك من أن لو بقيت عندك المصيبة، ~~ولكل حق حقيقة، ولا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم تكن ~~ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ولا يبلغ العبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب ~~أن يحمد على شيء عمله لله)). # فهذا فعل السابقين الذين وصفناهم بدءا. PageV06P258 # ومنزلة أخرى في هذا الباب أشرف من هذا كله، وهو: أن يحب الحمد، ومنبع حبه ~~الحمد من حب الله تعالى، وهو يحب أبدا أن يكسى عبده، فترى عليه تلك الكسوة، ~~وتنطق الألسنة بذلك الحمد، فتكون تلك الألسنة شهودا لله في الأرض، هذا أشرف ~~المنازل. # وهو الذي سأل الخليل عليه السلام: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين}؛ أي: ~~الثناء الحسن، إبراهيم سأل، فأجيب إلى ذلك، فقال: {وتركنا عليه في ~~الآخرين}، ومحمد صلى الله عليه وسلم فوض ذلك إلى ربه، فزاده، فقال تعالى: ~~{ورفعنا لك ذكرك}، فقرن ذكره بذكر نفسه، ثم جعل لأمته من ذلك أوفر الحظ. # فقال موسى عليه السلام: يا رب! من أولياؤك؟ قال: الذين إذا ذكروا، ذكرت، ~~وإذا ذكرت، ذكروا. # وقيل: يا رسول الله! من ms1013 أولياء الله؟ قال: ((الذين إذا رؤوا، ذكر الله)). # 1441 - نا بشر بن هلال الصواف، قال: نا جعفر ابن سليمان الضبعي، عن ثابت، ~~عن أنس، قال: مات رجل على عهد رسول الله، فأثني عليه خيرا، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: ((وجبت))، ثم مات آخر، فأثني عليه شرا، فقال: ((وجبت))، فسئل، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: ((أنتم شهداء الله في الأرض)). PageV06P259 # 1442 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا محمد بن سلام، عن مخلد بن يزيد، عن ~~الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي الفضل المدني، عن أبي ~~هريرة، قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة، فصلى عليها، فقال ~~الناس: نعم الرجل، قال: ((وجبت))، ثم أتي بجنازة، قال الناس: بئس الرجل، ~~قال صلى الله عليه وسلم: ((وجبت))، قال أبي بن كعب: {لتكونوا شهداء على ~~الناس}. # 1443 - نا صالح بن عبد الله، قال: نا يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس، ~~قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم، إذ مرت به جنازة، فسأل عنها، ~~فأثنوا خيرا، فقال عليه السلام: ((وجبت))، ثم مرت أخرى، فأثنوا عليه شرا، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وجبت))، فقلنا: يا رسول الله! قلت: ~~((وجبت))، قال: ((إن المؤمنين شهداء الله في أرضه، إذا شهدوا لعبد بخير، ~~أوجب الله له الجنة، وإن شهدوا لعبد بشر، أوجب الله له النار، وما من عبد ~~شهد له أمة، إلا PageV06P260 ~~قبل الله شهادته، والأمة: الواحد إلى ما فوقه)). # قال تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا}. # فهذه أمة مهدية، محبوة بالكرامات، مختصة بالرحمة، مفضلة على سائر الأمم، ~~قال الله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا}. # فالوسط: العدل، فإنما صارت القلوب عدلا في هذه الأمة؛ لأنها فضلت ~~باليقين، وأعطيت العدل على القلوب، وأعطيت سبيل الهدى إلى العلم، وإلى ~~مجالس النجوى بوافر الحظوظ، فإذا نطقوا وأثنوا، فإنما يثنون بذلك لسان صدق ~~من الله لعبده، أنطق الألسنة بذلك، ويغفر لهم ما لا ms1014 يعلمون، حتى لا تسقط ~~عدالة الأمة، فالأمة لسان الجماعة. # فإذا مات الميت، نطقت ألسنة الجماعة بالثناء بما يعرفون من الظاهر الذي ~~يظهر عندهم، فيقبل الله شهادتهم على أقوالهم بما يثنون، وجعل له حظا من ~~مسألة إبراهيم لنفسه، فترك لهذا العبد الثناء الحسن في الآخرين قرنا بعد قرن. # 1444 - نا صالح بن محمد، قال: نا سليمان بن عمرو، عن إسحاق بن عبد الله ~~بن أبي فروة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما ~~من مسلم يوضع في PageV06P261 ~~قبره، فيثني عليه ثلاثة أهل أبيات من جيرانه خيرا، إلا قال الله لملائكته: ~~قبلت شهادة عبادي لعبدي هذا فيما ظهر لهم، وغفرت له ما لا يعلمون)). # ولهذا ما جاء لنا في دعوات الجنائز من السلف: أن أحدهم كان يقول: اللهم ~~هذا عبدك نزل بك، وأنت خير منزول به. # ولا نعلم منه إلا خيرا، فاستحبوا أن يقولوا في صلاة الجنائز، وخلف ~~الجنائز، ينطقون بهذا، ويفشون الكلام بذلك؛ ليكون بذلك غياثا للميت. # ووجدنا في حديث عبد الله بن وهب المصري، عن بكر بن مضر، عن مولى لآل ~~معاوية: أن رجلا كان في بني إسرائيل أوحى الله إلى موسى أنه مراء، فلما ~~توفي الرجل، وكان حسن الحال فيما يرى الناس، طفقت بنو إسرائيل تثني عليه ~~خيرا، ويذكرون من فضله، فلما ذهبوا به يدفنونه، PageV06P262 ~~ترك موسى شهوده، وأبى أن يشهده، فأوحى الله تعالى إلى موسى: ما منعك أن ~~تشهده؟ قال: يا رب! إنه كان مرائيا، قال: فإني قد غفرت له فيما كان بيني ~~وبينه، وقبلت شهادة عبادي له. # رجعنا إلى عمل السر والعلانية: # 1445 - فحدثنا أبو سنان البلخي، قال: نا عبد الله بن صالح، عن علي بن أبي ~~طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي}، قال: جعل ~~الله صدقة السر من التطوع يفضل علانيتها بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة ~~علانيتها بأفضل من سرها بخمس وعشرين ضعفا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في ~~الأشياء كلها. # وإنما قال ابن عباس ms1015 ذلك -فيما نرى- من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((إن عمل السر من التطوع تفضل العلانية سبعين ضعفا)). PageV06P263 # وقال في حديث آخر: ((صلاة الرجل في جماعة -يعني بها: الفريضة- تزيد على ~~صلاته وحده بخمس وعشرين درجة)). # فجعل سائر الأعمال على ذلك. # 1446 - نا محمد بن عبد الله بن بزيع البصري، قال: نا معتمر بن سليمان، ~~قال: سمعت سفيان الثوري يحدث عن أبي سلمة، عن الربيع بن أنس، عن أبي ~~العالية، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة ~~الرجل في الجماعة تفضل على صلاته وحده خمسا وعشرين صلاة)). # 1447 - نا الحسن بن قزعة البصري، قال: نا روح بن عطاء بن أبي ميمونة، عن ~~عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((صلاة الرجل في الجماعة تفضل على صلاته وحده PageV06P264 ~~خمسا وعشرين درجة)). # 1448 - نا أبو هشام الرفاعي، قال: نا محمد بن فضيل، قال: نا عطاء بن ~~السائب، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: ((صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده بضعا وعشرين درجة)). # 1449 - نا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: نا PageV06P265 ~~يحيى بن صالح الوحاظي، عن جابر بن غانم، عن ابن صهيب، عن أبيه، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # 1450 - نا عبد القدوس بن محمد بن عبد الكبير بن محمد بن شعيب بن الحبحاب، ~~قال: حدثني عمي صالح ابن عبد الكبير، عن عمه عبد السلام بن شعيب، عن أبيه، ~~عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((صلاة الجماعة ~~تزيد على صلاة الرجل خمسا وعشرين ضعفا)). # 1451 - نا عبد الكريم، أنا علي بن الحسن، أنا عبد الله، أنا مالك بن أنس، ~~عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بمثله. PageV06P266 # 1452 - نا يحيى بن حبيب ms1016 بن عربي، نا حماد بن زيد، عن داود بن أبي هند، عن ~~سعيد بن المسيب، والشعبي، عن أبي هريرة، بمثله. # 1453 - نا أبي، عن الفضل بن دكين، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((تفضل صلاة الجماعة بسبع أو خمس ~~وعشرين درجة)). PageV06P267 # 1454 - نا الحسن بن عمر بن شقيق البصري، عن عبد الوارث بن سعيد، عن أبان، ~~عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الصلاة في الجمع تفضل ~~على صلاة الرجل وحده أربعا وعشرين درجة، وهي الخامسة)). # وروي عن أبي جعفر محمد بن علي في قوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما ~~هي}، قال: الفرائض، {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء}، قال: التطوع. # قال أبو جعفر: وحق لمعدن النبوة أن يكون هكذا. # ووصف الله إبداء الصدقة وإظهارها بالنعمة، فقال: {فنعما هي}، وإنما هو: ~~نعم؛ كقولك: فعل، وهو ضد بئس، من البؤس، فالنعمة والبؤس ضدان، فكل شيء جسم، ~~واحتشى، ورطب، فهو نعمة، وكل شيء هزل، وصار منحولا، ويبس، فهو بؤس، فقال: نعم. PageV06P268 # ثم نسب فعل نعم إلى ما، وما باطن الأشياء، ونسب الباطن إلى الصدقات؛ كأنه ~~قال: إبداء الصدقة نعم باطنة؛ أي: باطن الإبداء نعم، وإنما نعم باطن ~~الإبداء؛ لأنه فريضة افترضها الله على عباده؛ دواء لأسقام قلوب العباد؛ لأن ~~القلوب سقمت بحب المال، ولذلك سميت مالا؛ لأن القلوب تميل بحبها من الله، ~~فأمر بمفارقته على سبيل التصديق، وهو إظهار صدق الإيمان؛ لأن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. # فافترض على نفوسهم أعمالا، وفي أموالهم حقوقا، فمن وفى له بهذه الفرائض ~~والحقوق، فقد استوجب الجنة بالإيمان الذي قدم به على ربه، وبصدق الإيمان، ~~فإنما سميت صدقة؛ لأنه إظهار صدق الإيمان، وصدق المبايعة التي بايع ربه، ~~فإذا أبداها، فما في باطن هذا الإبداء شيء ناعم، فتلك مائية الإبداء. # قال له قائل: وما مائيته؟. # قال: البركة، فسميت صدقة؛ لأنه صدق إيمانك، وسميت زكاة، والزكاة النماء، ~~والنماء يحدث من البركة، فافترض عليك ms1017 في مالك شيئا معلوما بعلمه، وعدله، ~~وحكمه، لا بجهل، ولا بجور، ولا بجزاف؛ ليكون ائتمارك بذلك دواء لسقمك، ~~فيرجع نور انقيادك له، وائتمارك بأمره في ذلك إلى قلبك، فيطهره من أدناس ~~الميل، ويكتسي قلبك ذلك النور الذي رجع إليك؛ لأنه بقدر ما نقص من نور قلبك ~~لميلك عن الله إلى المال بحبك إياه، ارتحل عن قلبك من البركة الحالة ~~بالأشياء، وعن مالك بقدر ذلك، ولذلك حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ((والذي نفسي بيده! ما نقصت PageV06P269 ~~صدقة مالا قط)). # وذلك أن الصدقة إذا خرجت من يد العبد، فقد زال ملكها عن يده، وأزال حبها ~~عن قلبه، ولكل ملك ملك، ولكل ملك عز، فإذا زال ملكها عن يده، فقد تخلى عن ~~الملك، وإذا تخلى عن الملك، سلم العز لله، وإذا سلم العز لله، جعل الله له ~~من عزه حظا، فأعزه، وقال تعالى: {والله العزة ولرسوله وللمؤمنين}، فإذا ~~أزال حبها عن قلبه، صفا معدن حب الله في قلبه، ذلك الحب الذي وضعه في ~~الإيمان، فنزه إيمانه، ونال حلاوته، ولذلك قال رسول الله: ((الإيمان حلو ~~نزه فنزهوه)). # فلكل حب حلاوة، فإذا مازج حلاوة حب الدنيا حلاوة حب الله، فقد خان الله، ~~وخان الأمانة، وخان الرسول، وخان القرآن، وأهلك نفسه، فإذا تطهر وتنزه عن ~~حب هذا المال، شكر الله له بأن نور قلبه بصفاته وبأسمائه، حتى يمتلئ صدره ~~وقلبه من تلك الحلاوات، فهيهات أن يدخل فيه من حب الدنيا ما يقدر أن ~~يمازجه، فرحم الله تعالى عامة المؤمنين، فأمرهم بإخراج شيء معلوم إلى ~~الفقراء، وسماه: صدقة، وسماه: زكاة، يعلمهم أن هذا منهم إظهار صدق إيمانهم، ~~وهو ما نقص من نور قلوبهم، PageV06P270 ~~وارتحل من بركاتهم عن القلوب والأموال، فلولا التهمة التي في نفوسهم، ~~والكراهية التي تدخل عند أدائها، لم تنقص أموالهم من العدد والوزن شيئا إذا ~~أدوها، ولكن حجب عنهم الخلف بالتهمة التي في نفوسهم لله تعالى. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تصدق عن تمر قدر مد قبضة ~~قبضة، ms1018 والتمر بمكانه على هيئته، فقيل: يا رسول الله! أراك تعطي ولا ينقص؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما تقرأ القرآن؟ {وما أنفقتم من شيء ~~فهو يخلفه}، ولكنكم لا ترون الخلف من قلة اليقين)). # 1455 - نا بذلك الحسن بن عمر بن شقيق البصري، قال: نا جعفر بن سليمان ~~الضبعي، عن سعيد الجريري، رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال في حديث آخر: ((لو أن أم إسماعيل لم تغترف من زمزم، لكانت زمزم عينا ~~معينا)). # قوله: معينا؛ أي: تأخذه العيون؛ كقولك: مريئا، ولكن لما اغترفت، وجعلت في ~~السقاء، انقطع المدد، فبقي عينا مستكنا غير معين، فأهل اليقين عرفوا هذه ~~الخطة، فاستقاموا يقينا، فوفى الله لهم، فأنفقوا، فلم يفتقدوا منها شيئا. PageV06P271 # روي لنا: أن عامر بن عبد قيس كان يأخذ عطاءه في ثوبه، ثم يعطيها قبضة قبضة، ~~فإذا بلغ المنزل، وزنت، فوجدت كما هي، فكان بنو أعمامه يفعلون ذلك، فينقص، ~~فقالوا له ذلك، فقال: إنكم تجربون الله، وأنا لا أجرب. # فأما العامة من الموحدين، فإن الله تعالى أمرهم بالصدقة؛ كي يرجع نور ~~الطاعة بالصدقة إلى قلوبهم، فيطهرها من آفات الميل، ولذلك سمي مالا، فهو ~~مسمى في التنزيل باسمين: مال، وخير. # فالخير: ما كان منه منزوع الحمة، وحمة المال وسمه: حبك له، فكل شيء منزوع ~~منه حمته وسمه من قلبك، فهو خير، وكل شيء حمته وسمه باق في السر، وهو حبك، ~~فاسمه: مال؛ لأنه مال بقلبك عن الله، فأما في التنزيل، فهو قوله: {فكاتبوهم ~~إن علمتم فيهم خيرا}، وهو قوله: {إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي}، وقوله ~~تعالى: {وإنه لحب الخير لشديد}، وقوله تعالى: {إن ترك خيرا}. # فسماه خيرا عند حضور الموت، وزوال الشهوة، وخلائه من محبته؛ لأن فزع ~~الموت، وهول المقدم على الله، يطفئ نار الشهوات، ويطمس حب المال عن قلبه، ~~فسماه في ذلك الوقت: خيرا. # وقال تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا}؛ لأن ذلك وقت عطف ورحمة من ~~السيد على عبد يرغب في عتقه من الرق، وتأخذه ms1019 الحاجة؛ لأن المال مقام الدين، ~~فمن أحب المال لحب الدين فقد صدق الله في إيمانه، ووفى له، ولم يدخل عليه ~~في حب إيمانه ممازجة، ولا شوب، وعلامته: أن يكون بما أعطى أشد فرحا منه بما ~~بقي في يده. PageV06P272 # ولذلك قال لداود عليه السلام فيما روي: ((يا داود! هل تدري أي المؤمنين ~~أعظم منزلة عندي؟ الذي هو بما أعطى أشد فرحا منه بما حبس)). # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس الزهادة في الدنيا بتحريم ~~الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة: أن لا تكون بشيء مما في يدك أوثق ~~منك بما في يد الله، وأن يكون ثواب المصيبة أحب إليك من أن لو بقيت عندك ~~المصيبة)). # 1456 - نا الجارود بن معاذ، قال: نا جرير، عن القاسم، عن جعفر، عن سعيد ~~بن جبير: أن ملك الموت أتى إبراهيم عليهما السلام، فأخبره أن لله في الأرض ~~خليلا، فقال: يا ملك الموت! من هو حتى أكون له خادما؟ قال: فإنك أنت هو، ~~قال: بماذا؟ قال: بأنك تحب أن تعطي، ولا تحب أن تأخذ. # وقوله تعالى: {إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي}، وإنما سماه خيرا؛ لأن ~~الله أعطاه ذلك الخيل المعروض عليه بالعشي تلك الصافنات الجياد، فكانت تلك ~~عطية الله. # وروي لنا عن الضحاك: PageV06P273 # 1457 - نا بذلك صالح بن محمد، قال: نا محمد بن مروان، عن جويبر، عن الضحاك، ~~قال: هي خيل منقوشة أخرجت لسليمان من البحر. # فإنما سماها خيرا؛ لأنها عطية الله، لاحقة بالملك الذي أعطاه ملك الدنيا، ~~ثم قال: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب}، فحق له أن يسميه خيرا، ولا ~~عتب عليه في حبه إياه. # قال له قائل: فما الذي حل به من حبه؛ حتى طفق مسحا بالسوق والأعناق، فضرب ~~سوقها وأعناقها؟. # قال: لأنه شغله حبه إياها عن صلاة العصر حتى فاتته، فلم يكن حبه حب فتنة؛ ~~لأنه أعطي الملك بغير حساب، فعصم من الفتنة، ولكن لما عرضت عليه الخيل، ~~أحبها بحب الله؛ لأنه عطية الله، فشغل قلبه ms1020 ذلك الحب عن حب شيء هو أعظم ~~منه، وهو الصلاة، فلما رأى أن هذا الحب حطه عن درجة حب الصلاة، رمى بهذا ~~الحب، فشكر الله له ذلك، فأبدله مكان هذا الخيل مركب الريح. # قال تعالى: {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب}. # فكان يركب غداة يومه في مركب من زجاج مئة طبق، في كل طبق صنف من جنوده ~~وخدمه، وهو في أعلاها، فيما روي لنا، ثم تحمله الريح من بيت المقدس من أول ~~النهار، حتى ينزل أرض فارس التي بها قلعة سليمان، وذلك مسيرة شهر، فيقيل ~~بها، ثم يروح منها، فيمسي ببابل مسيرة PageV06P274 ~~شهر، وذلك قوله تعالى: {غدوها شهر ورواحها شهر}. # فكان هذا من الله شكرا؛ حيث رأى انحطاطه عن درجة الصلاة إلى درجة عرضه ~~الخيل؛ لأنه لا يتوهم على سليمان عليه السلام أنه اعترض الخيل تلذذا، ~~وتلعبا بالدنيا، ولكن نبي الله وصفيه، ومحبوه بالملك، إنما اعترض عطية ربه ~~التي أعطاه بلا تبعة ولا حساب، متلذذا بعطف الله وبرأفته وبعطيته؛ ليحمده ~~ويشكره شكرا يملأ منه سماءه وأرضه، فيكون حجة الله على ملوك الدنيا ~~المائلين بقلوبهم عن الله بحبها، والمائلين بقلوبهم من أرباب الأموال في ~~الدنيا، فتكون استقامته فيها لله قلبا وفعلا، حجة لله على الآخرين، وتعييرا ~~لهم، فلما رأى ذلك الحب شغله عن حب ما هو أعظم منه، رمى بها كالمعرض عنها ~~حيث رأى النقص، فآثر ما آثره الله على الأشياء؛ لأنه رأى في الصلاة إقبال ~~الله على عبده، ولم ير في العطية إقبالا، ولا في اعتراضه العطية إقبالا، ~~فلما رأى فوت الإقبال، هاجت منه حرقة فوت الإقبال، فرمى بها، وتخلى عنه، ~~فشكر الله له تلك الحرقة، فأعطاه ما لم يعط أحدا من الآدميين، وهو الريح. # والريح أصلها من المشيئة، بعثها إلى الجنة، ثم جعل للآدميين حظا من تلك ~~في دنياهم لأنفاسهم ومعاشهم. # وقوله تعالى: {وإنه لحب الخير لشديد}، فأنبأ العباد أن هذا المال في ~~الأصل قوام العباد في أمر دينهم، به يصلون، ويصومون، ويحجون، ويزكون ~~ويتصدقون، ويتقربون إلى ms1021 ربهم بالوسائل، قال الله تعالى: {ومن تطوع خيرا فإن ~~الله شاكر عليم}. # فأعمال الأركان لا تقوم إلا بهذا المال، وعيش الحياة في الأبدان PageV06P275 ~~لا تقوم إلا بالمال؛ منه يطعم، ومنه يشرب، ومنه يكتسي، ومنه يسكن من الحر ~~والبرد، وبه يتوقى المشقة والأذى، ويدفع الشدائد من الأحوال. # وقال في تنزيله: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما}. # فأعلمك أن هذا قوامك في أمر دينك ودنياك، فالمؤمن دينه ودنياه جميعا في ~~دنياه، فإن عمل لآخرته، فإنما يعمل في دنياه، وإن عمل لدنياه، فإنما يعمل ~~في دنياه. # فهذا المال على ما وصفنا: هو حقيق أن يسمى خيرا؛ لأن الخيرات به تقوم، ~~فإذا أحبه، واشتد حبه له، فهذا غير معيب، ولا ملوم، ثم يفترق حبه له، فيصير ~~على ضربين: فإن كان حبه للمال لأجل حبه لله، فهو محمود، وإن كان حبه للمال ~~من أجل حب نفسه الدنية البالية غدا في التراب، فهو مذموم؛ لأن حبه له من ~~هذا الوجه حب فتنة، والفتنة تقدمه إلى النار؛ لأن ذلك حب الشهوة، والشهوة ~~بباب النار. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: ((حفت النار ~~بالشهوات)). # وإن كان من حب الله، أحبه، فذاك الحب نور على نور في قلبه. PageV06P276 # قال له قائل: وكيف يكون حب المال من حب الله؟. # قال: علم العبد بأن الله قد أمره بأمور جعل مرضاته في تلك الأمور، وأن ~~تلك الأمور لا تقوم إلا بالمال، فمن أحب ربه، أحب أمره، وابتغاء مرضاته في ~~كل أمر دق أو جل، وما هيجه وقواه على تلك إلا حبه، ثم نظر، فإذا تلك الأمور ~~لا تقوم إلا بالمال، أفليس من المحال أن يحب شيئا من أجل حب ربه؟ # ثم يعلم أن ذلك الشيء لا يقوم، ولا يتهيأ إلا بشيء آخر، ثم لا يحب هذا ~~الشيء الثاني، وكيف لا يحب العبد نعمة يلتذ بها، وبأثمار تلك النعمة، وهو ~~يجد تلك النعمة، وتلك الآثار سببا لمحبة ربه، ولحمد ربه؟ وإذا خلصت إليه ~~لذة تلك الأشياء، ms1022 هيجت منه ذكر المنعم، فأثارت في صدره نورا يتجدد حمده، ~~وينكشف له الغطاء عن عطف ربه عليه، ورأفته ورحمته به، فيزداد بذلك خضوعا، ~~وذلة، وحياء منه، وتتراكم عليه أثقال الشكر، فهذه النعم وآثار النعم على ~~هذا الوجه محقوق أن يحب. # وماذا يتوهم المؤمنون ما الذي حمل سليمان على أن سأل ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعده؟ أحب الله حمله على ذلك، أم حب الدنيا؟ فإن توهم متوهم أنه إنما ~~سأل ذلك لحب نفسه ودنياه، فقد عاب نبيا ورسولا كريما محمودا، قد أثنى عليه ~~ربه في تنزيله، فقال تعالى: {نعم العبد}. وقال تعالى: {وإن له عندنا لزلفى ~~وحسن مئاب}، وقال تعالى: {ومن ذريته داود وسليمان}، ثم قال في آخر الآية: ~~{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}. # فسماه في تنزيله: مهديا، وأوابا، وصاحب زلفة وحسن مآب، ونعم PageV06P277 ~~العبد، فمن عاب مثل هذا العبد، فقد رد على الله، ولا آمن عليه الكفر، ومن ~~جهل شأن هذا، افتضح كما افتضح هؤلاء القراء، وأغتام الزهاد، حتى أضمروا له ~~على سوء جهلهم ذلك على أن قبلوا من جهلهم أحاديث روتها الزنادقة كادوا بها ~~الإسلام، فألقوها إليهم، فقبلوها عنهم من جهلهم بالزهد ما هو، مثل حديث: ~~((مر عبدي)) وأشباهه. # وكيف يستجيز مسلم أن يقبل قول رجل يقول لسليمان نبي الله: يا خاطئ بن ~~خاطئ، جعلت الآخرة تحت قدميك، والدنيا فوق رأسك، فأنت محجوب عن الله وداره، ~~وغرتك الدنيا، وغرك هواك، فهذا كله كفر ممن استقبل رسولا من رسل الله بمثل ~~هذا، فهؤلاء الأغتام قبلوا هذا حتى كتبوه، ورووه في كتبهم. # قال له القائل: وكيف افتقد هذا الخلق هذه الخطة حتى صار هذا المال فتنة لهم؟. # قال: لأنهم أعرضوا عن الله، وشغلتهم شهوات نفوسهم عن ذكر الله، وقل علمهم ~~بالله، فتدنسوا بالشهوات والأعراض، وجفوا بره ونعمه ولطفه، وأقبلوا على ~~أهوائهم، فبعدوا عن الله، فكلما ازدادوا بعدا، ازدادوا عنه نوما وغفلة، ~~وسكرا، وموتا، وبه جهلا، فالكافر مات عن الله بالهوى، وطالب الشهوة سكر عن ~~الله بالنهمة، والعابد والزاهد ناما ms1023 عن الله بالغفلة. # فقال له القائل: فمن بقي؟. # قال: العارف بالله، العالم بالله. PageV06P278 # قال: ومن هو؟. # قال: الذي حيي بالله، فرأى ربوبيته في خلقه، فلها عن خلقه، واستولى على ~~قلبه ذكره، لما نظر إلى ربوبيته بعيني فؤاده، فلما نظر بعيني رأسه، تأدى ~~علم ذلك إلى عين فؤاده في ربوبيته في الأشياء، فذلك المصباح الذي يتوقد في ~~صدره من الشجرة المباركة الزيتونة التي توقد، فما زالت زيتونيته تدله على ~~ربه، وهو يسير إليه هاربا بقلبه من جميع ما ظهر في الدنيا من ربوبيته؛ ~~مخافة أن يصطاده شيء منها، فيكون علاقته، فهو هارب لا يطمئن إليهم، ويتوقى ~~الفرح بهم حتى يصل إليه، فإذا وصل إليه، عرفه وعلمه، فمعرفته وعلمه يؤديانه ~~إليه، فإذا قلبه اكتنفه، فإذا اكتنفه فقد احترز في الحبس، وبقي معه في ~~القبضة، فإن أحب الأشياء، فبحبه يحب، وإن عاملهم، فعنه يعاملهم، وعن ~~موافقته يكون معهم. # 1458 - نا سفيان بن وكيع، نا ابن نمير، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن ~~عبد الله، قال: لما قتل أبي يوم أحد، دعاني النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: ((أتحب الدراهم؟))، قلت: نعم، قال: ((لو قد جاءتني دراهم، أعطيتك ~~هكذا وهكذا وهكذا))، فقبض النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يعطيني، فلما ~~استخلف أبو بكر، أتاه مال من البحرين، فدعاني، وقال: خذ كما قال لك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأخذت بكفي جميعا، ثم أخذت PageV06P279 ~~الثانية أقل منه، فقلت: عدوا هذا، فأعطوني مثله مرتين، فعد، فوجد سبع مئة ~~وخمسين، فأعطوني مثله مرتين. # فلو كان حب جابر للدراهم حب النفس والدنيا، كان معيبا، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يهديه، ولكنا نظن بجابر الأولى والأحق، إذ ناطق بهذه ~~الكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعده على ذلك جزيلا. # وبلغنا: أنه قيل لابن عون: أتحب الدراهم؟ قال: نعم، قيل: لم ذاك؟ قال: ~~لأنها تنفعنا. # 1459 - نا حفص بن عمرو، وهارون بن منصور بن سعيد النيسابوري، قالا: نا ~~كثير بن هشام، عن عيسى بن ms1024 إبراهيم الهاشمي، قال: نا معاوية بن عبد الله، ~~قال: سمعت كعبا يقول: أول من ضرب الدينار والدرهم: آدم، وقال: لا تصلح ~~المعيشة إلا بهما. PageV06P280 # 1460 - نا ابن أبي هريرة، قال: نا ابن المبارك الصنعاني، قال: نا مرداس أبو ~~عبيد [ة] يقول: سمعت أبا رفيق يقول: سمعت وهب بن منبه يقول: الدنانير ~~والدراهم خواتيم رب العالمين، وضعها الله معايش لبني آدم، ولا تؤكل، ولا ~~تشرب، من جاء بخاتم رب العالمين، قضيت حاجته. # فالدراهم والدنانير إحدى المسخرات التي قال الله تعالى: {وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا}. # فإذا وصلت إليك منافع السخرة، جاءت التبعة، وهي طلب الخدمة، فمن أحب ~~السخرة لإقامة الخدمة؛ وفى بالخدمة، وسلم من حمة السخرة، ومن أحب السخرة ~~للشهوة والنهمة، ضيع الخدمة، وذهب بالرقبة. PageV06P281 ### || AUTO الأصل السادس والستون والمئتان # 1461 - نا أبي، عن قبيصة بن عقبة، عن سفيان، عن جعفر بن برقان، عن يزيد ~~بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ~~لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم وأحسابكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فإنما ينظر إلى القلوب؛ لأنها أوعية الجواهر، وكنوز المعرفة فيها، وينظر ~~إلى أعمال الجوارح؛ لأن مبتدأ الأعمال من القلوب، فإذا نظر إلى PageV06P283 ~~الجواهر، فوجدها طرية كهيئتها، محروسة من آفات النفس، مكفوفة عن تناول ~~النفس، وتلمسها شبقا، شكر لعبده به، فزاده في الجواهر، وبصره بأقدارها ~~وأخطارها حتى يزداد بها غنى، ومن استغنى بالله؛ فلا قوي أقوى منه، وقد أيست ~~النفس من إجابتها، وأيس العدو من غوايته، فإنما ندب العبد إلى التقوى، وصار ~~العبد لله وليا؛ بأن حرس ما في قلبه من المعرفة، وصيره في وقاية من آفات ~~النفس، فلا يصل إليه آفاتها؛ من أجل صون تلك الجواهر. # فإن العدو يأتي بأضدادها، يريد أن يضعها في تلك الأمكنة، وينفي عن قلبه ~~ما وضعه الله تعالى، فإن لم يقدر على النفي، غطاه بما أورد عليه، فلبس ~~عليه؛ بمنزلة رجل في يده ms1025 جواهر، ودنانير، فأكب عليه خائن مخادع يصحبه، ~~ويخالطه في الأخذ والإعطاء، فإذا أخذ منه جوهرا لينظر إليه، وهي ياقوتة ~~حمراء، فلا يزال يقلبها في كفه ينتظر بلاهته، ويلتمس PageV06P284 ~~غرته، حتى يبدله بها خرزة حمراء صافية تشبهها، وصاحبه قليل البصر بالجواهر، ~~إنما معرفته بها إلى ما ينظر من ظاهرها، ويأخذ منه لؤلؤة، فيبدل بها عظما ~~صافيا يشبهها، ويأخذ منه زمردة، فيبدل بها فلقة من جوهر الزجاج، ويأخذ منه ~~دينارا، فيبدل به فلسا أصفر مدورا، فهو لا يعرف من الدينار إلا صفرته، ~~وتدويره، وكتابته، ومن الزمرد إلا خضرته، ومن اللؤلؤة إلا بياضها، ومن ~~الياقوتة إلا حمرتها، فإذا رأى مثلها من الهيئة واللون والصورة، لم ينكر ذلك. # فكذلك هذا الموحد، أعطي المعرفة ليوحد، ويتوجه إلى الواحد، ويقبل على ~~الواحد، ويبذل له نفسه عبودة، ويأتمنه على نفسه، ويتخذه وكيلا، ويفوض إليه ~~أمره، ويترك التدبير عليه، ويثق به، ويركن إليه، ويتذلل لربوبيته، ويتواضع ~~لعظمته، ويتزين لبهائه، ويتخذه عدة لكل نائبة من دنياه أو آخرته، فلما رأى ~~العدو ذلك، حسده، وشمر لاستلاب PageV06P285 ~~ما أعطي العبد، فلم يقدر أن يكابره، ويستقبله بالقهر، كما قهر الكفار، ~~وكابرهم، ولكنه خادعه، وأخفى خداعه في ظل النفس، فهو يوسوس إلى النفس، ~~والنفس توسوس إلى القلب. # فإذا كان القلب أبله، ورفض الكياسة، وكان مستشغلا في نوم البلاهة، ~~والغفلة، انخدع لما يورد العدو، فأورد على توحيده شرك الأسباب بدلا، ~~وبالتوجه إليه توجها إلى أولياء الأسباب، وبالإقبال عليه إقبالا على أحوال ~~النفس، وببذل النفس له عبودة بذل النفس لمناه وشهواته، وبائتمانه على نفسه ~~ائتمان ما جمع وحوى من الدنيا، وباتخاذه وكيلا، اتخاذ علمه، وبصره، وحذقه ~~بالأمور وكيلا، وبالتفويض إليه تفويضا إلى تدبيره، وقوته مقتدرا، وبالركون ~~إليه ركونا إلى حزمه، فلبس ما أعطي من الكنوز بهذه الأشياء، فانقطعت قوته، ~~ومادة معرفته من الله. # فأي مغبون أعظم غبنا من هذا، فبعدا له؛ لأنه قد ترك نصيحة الله له؛ فإنه ~~أنزل عليه نصيحته تنزيلا، فقال تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ~~ولا أولادكم عن ذكر الله ms1026 ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون}. # فإنما يذكر الله من وحده في جميع أموره دينا ودنيا، وتوجه إليه في جميع ~~نوائبه، وحوائجه، وأقبل عليه بكل همومه، وبذل نفسه بذل من يعلم أنه مملوك PageV06P286 ~~مخلوق من تراب، ممنون عليه بخلقه، وبعظائم المنن، وائتمنه على نفسه سكونا ~~إليه، وثقة به، واتخذه وكيلا، فاستراح من المخاوف، وفوض إليه، وقعد ببابه ~~ينتظر خروج تدبيره إليه، وركن إليه ركون من استند إلى جبل شامخ لا يقدر أن ~~يؤتى من قبله، فاطمأن، فمن ألهاه حب ماله، وولده عن ذكر الله بهذه الأشياء، ~~فخسرانه أعظم من أن يوصف؛ لأنه خدع، فأبدل بما أعطى من الجواهر من الخرز ~~والخزف، والزجاج، والعظام، والفلوس. # فليت شعري في أي واد بقي توحيده، وفي أي واد هوى؟! {أولئك ينادون من مكان بعيد}. # 1462 - نا علي بن حجر، قال: نا يحيى بن حمزة الدمشقي، عن أبي معيد، عن ~~حيان أو حبان بن حجر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي على ~~الناس زمان القرآن في واد، وهم في واد غيره)). PageV06P287 # فإنما صار في واد؛ لأن جواهرهم ودنانيرهم قد صارت خرزا وخزفا، وفلوسا، فإن ~~القرآن كلام رب العالمين، جرى إليهم من أصل الجواهر؛ ليعقلوا عنه كلامه ~~بأنوار تلك الجواهر، فإذا خدعهم العدو بنفخة الكبر فيهم، ونفثة الشهوة، ~~وسلطان الهوى؛ صارت هذه الأشياء بدلا، فلم يوجد للخرز والخزف والفلوس أنوار ~~تشرق، فيستنير الصدر لكلام رب العالمين. # ولم يتراء لعين الفؤاد في ظلمات الكبر تلك المعاني، واللطائف، هيهات، ما ~~أبعد ما وقع للقوم! انخدعوا للعدو بجعامة النفوس حتى أهلكهم، قال الله ~~تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق}. # تلك قلوب عز ربي وجل عن أن ينظر إليها، حتى ترمي الخزف، والخرز، والحصاة، ~~والفلوس، بدل تلك الجواهر، تلك قلوب صرفها الله عن آياته، ودلائله، فعميت. # تلك قلوب طردها، وأعرض عنها، فشغلها عن نفسه بما رث عليهم من دنياه ~~الخربة، من زينتها، ولهوها، ولعبها، ومتاع غرورها. PageV06P288 # تلك قلوب غار الله في سمائه وعلى ms1027 عرشه أن يرمي فيها فرحا بنفس دينه، ~~والدنيا رثة خلقة، وشهوات ردية، فطمسها عن الفرح به، والفرح بفضله ورحمته، ~~فالقلوب المضروبة بالطمسة معرض عنها خالقها، وإذا أعرض عن قلب، صار الصدر ~~كنهار قد غربت شمسه، وأتى الليل بلباسه، فإذا جاء الليل، انقبضت النفوس، ~~والتف بعضها ببعض رعبا وجبنا. # وكذلك القلب، إذا أظلم الصدر بتلبس العدو، وشهوات النفس وأفراحها؛ انقبض ~~القلب، وذبل وافتقر، وصار أسير النفس. # فالفرح بالله له برد يطفئ حرارة النفس، وله شعاع ينير الصدر، وبصائر ~~النفس، وله حياة تميت جميع الشهوات بتلك الحياة، ويدعوك إلى الخالق الذي ~~أجراها إليك حتى يؤديك إليه، وله حلاوة تسكرك عن كل حلاوة دونه، وله لطافة ~~تجري إلى جميع عروقك، حتى تتأدى إلى مخ أعظمك، ويشتمل على روحك، وله لذة ~~تلهيك عن كل شيء دونه، وله قوة PageV06P289 ~~تبعثك على كل صعب، فيهون عليك، وله يسر يغنيك عن كل شيء دونه، وله بشرى ~~يغرق فيها جميع آمال قلبك ومنى نفسك، ويهيم قلبك في تلك البشرى هيمان من ~~تاه في المفاوز، ودقت الدنيا والآخرة في جنب ذلك الفرح، ووله قلبك ولوه من ~~خرجت الدنيا والآخرة منها، والفرح بأحوال النفس ودنياها، وله حرارة تحرق ~~وجه القلب وساحته، وهي الصدر، حتى يصير للقلب حزونة من الحريق كحزونة ~~الأرض، فتصبح حزينا على فوت الدنيا، وعلى فوت درك منى النفس، ويمسي كذلك ~~حزينا، فذاك بفيض الله، فليعمل ما شاء من أعمال البر. # وروي عن أبي جعفر محمد بن علي: أنه قال: من أصبح ساخطا على الدنيا، أصبح ~~ساخطا على ربه. # 1463 - نا أبي، قال: نا عمرو بن خالد الأعشى، عن زياد بن المنذر، عن أبي ~~جعفر، بذلك. PageV06P290 # 1464 - نا عبد الله بن أبي زياد، قال: نا سيار، قال: نا جعفر بن سليمان، ~~قال: سمعت فرقد السبخي يقول: قرأت في التوراة: من أصبح حزينا على الدنيا، ~~أصبح ساخطا على ربه، ومن تضعضع لغني، ذهب ثلثا دينه، ومن نزلت به مصيبة، ~~فشكاها إلى الناس، فإنما يشكو ربه. # فهذا رجل قد زاغ ms1028 قلبه عن الله، فضل في مفاوز الحيرة، والفرح بأحوال النفس ~~في مروجها وغياضها، فإذا اضطرم عليها نيران الحرص، امتلأ الجوف، من دخانها، ~~حتى يصير الصدر كالليل الدامس، وتعمى بصائر نفسه، حتى يصير في أحوال النفس ~~كالأعمى الذي يتقي الأشياء بيده، وبالمس، والفرح بأحوال النفس له سلطان ~~يميت القلب، ويحيي النفس، وتهتز الشهوات بتلك الحرارة في كل شيء، يستحيي من ~~الخلق، ولا يستحيي من خالقه؛ كما قال في تنزيله: {يستخفون من الناس ولا ~~يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول}. # وله حلاوة تسكرك عن الله، فالسكران متى يعقل من معه؟ وله برد PageV06P291 ~~كبرد السم يدب في العروق إلى مخ الأعظم، حتى يحذرك عن الإيمان بالله، ~~فيصيرك كأنك خال عنه، ويشتمل على روحك حتى ينسى روحك معدنه ومسراه، وينفذ ~~إلى طبع النفس وثقلها وكدورتها، وله لذة تلهيك عن الله، وعن يوم الميثاق، ~~ويوم الميعاد لوفاء الميثاق، وله قوة تقيمك على البغي، والبغي سيف الروح، ~~ومحق النفس، وله أشر يطغيك، فإذا أنت طاغ باغ، وله بشرى وآمال كاذبة، ~~وأماني خادعة غرارة، تهيم فيها هيمان المحتلم، يثب على كل مفروح في الدنيا ~~وثبان المحتلم في منامه على جارية قد عشقها، فإذا انتبه، وجد نفسه عما وثب ~~عليه خاليا، وفي فراشه بائلا. # فويل للفرح هكذا بهذه الصفة، كيف يمشي مكبا على وجهه في طرقات الدنيا ~~ومزابلها يلتمس أفراحها، قد تولى عن الله، وأقبل على نفسه ودنياه، يخرب ~~دينه، ويعمر نفسه، كيف ينتبه ويفيق من سكرته يوم يدنو منه رسول ملك الملوك ~~لقبض روحه، ويعرج به إلى الله تعالى؟! كيف يجد نفسه خارجا من أفراح النفس ~~ودنياها، ويقدم على ربه جنبا، قد بال في دينه، وعبودته لربه، وراث فيها ~~كروث الحمار، الذي قد حمل عن الله أسفارا على ظهره من قبل أن يتطهر بماء الندم. # فالكيس: نظر إلى هذا الحال، فاقشعر منه، ورجع إلى نفسه، فوجدها كريمة، ~~حرة من الحرائر، تنقاد وتسلس بلا كزازة، فقام على الساق متشمرا في تصفيته ~~قلبه، ms1029 وتطهيره، التطهير؛ ليرق، والتصفية؛ ليجلى؛ فإن المرآة إذا PageV06P292 ~~جليت، فقابلها نور الشمس، تولد من بينهما إشراق يضيء البيت منه، فكذلك ~~القلب إذا جلي، ثم لاحظ نور الملكوت، أضاء الصدر، وامتلأ من شعاعه، فأبصرت ~~عينا الفؤاد باطن أمور الله تعالى في خلقه، فذاك ظاهر إيمان القلب، حتى ~~أداه ذلك إلى ملاحظة نور الله، فإذا قابله نور الله، تولد من بينهما إشراق ~~يمتلئ الصدر منه، وتبصر عينا فؤاده باطن الملكوت، فذاك باطن إيمان القلب، ~~فذاك قلب قد استكمل الزينة والبهاء بما سبق من الصفاء والطهارة، فصار قلبه ~~موضع نظر الله من بين خلقه، فكلما نظر إلى قلبه، زاده به فرحا؛ لأنه ازداد ~~به فرحا، وله حبا، وعليه عزا، ومنه قربا، واكتنفه بالرحمة في ملك الرحمة. # 1465 - نا صالح بن محمد، قال: نا سليمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن ~~سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله في الأرض أواني، ألا ~~وهي القلوب، فأحبها إلى الله: أرقها وأصفاها، وأصلبها: أرقها للإخوان، ~~وأصفاها من الذنوب، وأصلبها في ذات الله)). PageV06P293 # 1466 - نا حفص بن عمرو، قال: نا محمد بن القاسم الأسدي، عن ثور بن يزيد، عن ~~خالد بن معدان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه. # وفي رواية ابن المبارك: عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير زيادة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى ~~أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فمن كان له قلب صالح، تحنن الله ~~عليه)). # فإنما يصلح القلب إذا سكنت النفس بشهواتها، والهوى بجنوده، واطمأن القلب ~~أميرا مؤمرا على الجوارح نافذا سلطانه، فعندها يحتظي PageV06P294 ~~العبد من اسمه الحنان، فإذا تحنن عليه، وجد القلب ريح الرأفة، فيزداد ~~طمأنينة إلى ربه، واهتاجت آماله. # فبالآمال يأخذ في السير إليه دؤوبا دؤوبا، فعندها تظهر الكنوز، فإذا ~~استغنى القلب بالكنوز، وصل العبد إلى زينة الأعمال، وإنفاق الكنوز بمحاسن ~~الأخلاق، ومحمود الفعال. # فعندها يصير القلب موضع نظر الله تعالى، وتصير حركات ms1030 جوارحه عظيمة هناك، ~~فعندها ينظر الله إلى قلبه، وإلى أعماله، حتى إذا وقع في القبضة، فهناك بلغ ~~المبلغ الذي يقع في نظرة الله إلى جنته. PageV06P295 ### || AUTO الأصل السابع والستون والمئتان # 1467 - نا عيسى بن أحمد العسقلاني، قال: نا المؤمل بن عبد الرحمن الثقفي، ~~قال: نا عباد بن عبد الصمد، عن أنس بن مالك، قال: جاء رجل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: ((العلم ~~بالله))، ثم أتاه فسأله، فقال مثل ذلك، فقال: يا رسول الله! إنما أسألك عن ~~العمل؟ قال: ((إن العلم ينفعك معه قليل العمل وكثيره، وإن الجهل لا ينفعك ~~معه قليل العمل ولا كثيره)). PageV06P297 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالعلم ثلاثة أنواع: علم بالله، وعلم بتدبير الله وبربوبيته، وعلم بأمر الله. # وروي لنا عن عيسى بن مريم عليه السلام: أنه قال: العلماء ثلاثة: عالم ~~بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله وليس بعالم بالله، وعالم بالله ~~عالم بأمر الله. # كأنه جعل عيسى صلى الله عليه وسلم العلم بتدبيره، وربوبيته، مع العلم ~~بالله علما واحدا، فإنما صيرناه ثلاثة أنواع: أردنا أن يتميز عند من لا ~~يعقل علم الله من علم التدبير؛ لأن علم التدبير للعباد، وهو داخل في باب ~~العبودة. # وعلم الله: هو الثناء الذي يظهر على الألسنة من بساتين القلوب، فالعلم ~~رأس كل أمر، وخلق الله الخلق أصنافا وألوانا، ثم أعطى كل شيء علمه الذي ~~ينبغي له، فبالعلم يعرف ربه، وبالعلم يعبد ربه. # وهو جواب موسى صلى الله عليه وسلم لفرعون حيث قال: {فمن ربكما يا موسى. ~~قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}؛ أي: أعطاهم خلقهم، ثم هداهم من ~~خلقهم، ومن كونهم، ومن قواهم. # فالهدى: هو العلم الذي أعطى كل شيء خلقه حتى هداهم إلى نفسه، PageV06P298 ~~فالعرش ومن دونه إلى الثرى، وما بين الحدين في الجو العلى، وفي الهوى إلى ~~حدوده السفلى، كلهم أعطاهم خلقتهم، ثم عرفهم نفسه، وهداهم. # فالعلم جملة، والمعرفة تمييز الجملة، فالهدى: ms1031 إيجاده إياهم بالقلوب على ~~طريقه، فإذا هداهم، اهتدوا، فقصدوه بالقلوب، واستقرت النفوس له بالعبودة ~~استسلاما، فخلق كل شيء، ووضع فيه الحياة، وأعطاه العلم به، واقتضاه القنوت ~~له، فقال: {وله من في السماوات والأرض كل له قانتون}. # فالقنوت: الركود بين يديه في مقامه الذي أقامه، فخلق المكان، فركد بين ~~يديه، ثم خلق الهواء، فركد في المكان بين يديه، ثم خلق العرش في الهواء في ~~مكانه، فركد، ومن تحته الكرسي في مكانه، فركد، ومن تحته هواء عليين، فركد، ~~ومن تحته السماوات والأرضون، فركدن، لا تزول، ولا يميل واحد من هذه الأشياء ~~عن حده الذي حد له قيد شعرة يمينا وشمالا، بل الكل راكد في حده. PageV06P299 # وكذلك البحار، والليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم، والرياح، والحر، ~~والبرد، والظلمة، والنور، وأمم الأرض والخلق، والخليقة، فكل شيء من هذه ~~الأشياء قد أعطاه خلقه، وهداه إليه؛ حتى يعلمه، ويعرفه، فيعبده. # وخلق اللوح من قبل، فوضع فيه علم ما هو كائن إلى أن تنقضي الدنيا، وخلق ~~دار الثواب، ودار العقاب: بساتين وقصورا محشوة بالرحمة، وسجونا محشوة ~~بالسخط والغضب سوداء مظلمة، ثم بدأ خلق آدم عليه السلام، وذريته، فجعل ~~الأشياء سخرة للآدميين، ووضع فيها تلك الأشياء التي فيها منافع الآدميين ~~وقوام معاشهم، وأعطاهم علم إخراج ذلك إلى الآدميين بمقدار معلوم، ووزن ~~معلوم، في وقت معلوم، وفي موضع معلوم. # فالعرش مقصد القلوب، والسماوات ظلال أبدانهم، وموضع أرزاقهم، وتدبير ~~أمورهم، بما فيها من الشمس، والقمر، والنجوم، والرياح، والحر، والبرد، ~~والليل، والنهار، وما في الأرض كلها سخرة لبني آدم، فهم كلهم إلى الثرى ~~مسخرون، موكلون بإخراج ما وضع فيهن من المنافع إلى الآدميين، فأعطاهم العلم ~~على قدر ذلك من الحاجة إلى إخراج السخرة إليهم، وخلق الآدميين للخدمة، ووضع ~~فيهم أنواره؛ لتخرج الخدمة لله من باطنه. # فالحاجة بالآدمي إلى العلم بالله حسبما له خلق، فانظر كم بين السخرة PageV06P300 ~~والخدمة! فالسخرة لنا، والخدمة لله. # فلو أن أحدنا أقيم لخدمة ملك من ملوك الدنيا؛ لعظم شأنه، واحتاج إلى علم ~~كثير، وأدب عظيم، وكياسة متداركة حتى ms1032 يصلح لخدمته، وإلى دوام القيام بين ~~يديه ماثلا ليله ونهاره، حتى لا يضيع شيء من خدمته، فكيف بمالك الملوك، ورب ~~العزة وإله العالمين؟. # فعلى حسب ذلك الذي خلقنا له أعطانا من العلم، فأوتينا من العلم ما لم يؤت ~~أحد، وعجزت الملائكة عن ذلك العلم، وقالت: {سبحانك لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا}، فعندها قال: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم}. # فعندها ظهر علم الآدميين على علم أعلى الخلائق في المكان، وهم الملائكة؛ ~~لأنا خلقنا لما لم يخلق هؤلاء، فهؤلاء للسخرة لنا، وللوكالة لإخراج المنافع ~~إلينا؛ لنقيم عبودته بأركاننا بقوة تلك المنافع، ولنمثل بقلوبنا بين يديه ~~على مثال الخدم لا تبرح قلوبنا من بين يديه، فلو لم تصل هذه المنافع إلينا ~~من قبل المسخرين الموكلين بنا، لشغلت النفوس منا بحوائجها وضروراتها، وصرفت ~~إليها قلوبنا، فيزيلها عن مقاومها، ولا تكاد تثبت، فخلق لنا ما في الأرض، ~~وسخر لنا ما في السماوات. # ثم أنبأنا ذلك في تنزيله، فقال تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا ثم استوى إلى السماء}، ثم قال: {وسخر لكم ما في PageV06P301 ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه}. # فأجمل في هذه الآية علم ما ذكرنا مفصلا، فإذا انقضت المدة مدة الدنيا، ~~رفعت العبودة، وذهبت السخرة، فأعيد من خلق من التراب إلى التراب، ومن خلق ~~من النار والنور رجعا إلى معادنهما، فانقطعت المنافع؛ لأن العبودة قد ~~انقضت، ومن أجل ذلك سخرت لك، فعندها تستقبلك منافع لا تنقطع في دار السلام، ~~أو مضار لا تنقطع في دار الهوان، فإما ملك محبور، وإما عبد آبق مقهور ~~مدحور، فأوتي هؤلاء علم السخرة، وأوتينا علم الخدمة؛ لأنهم لذلك خلقوا، ~~ونحن لهذا خلقنا، فميز بين العلمين علم السخرة وعلم الخدمة. # ولما أحست الملائكة خلق آدم، ماجت بعضها في بعض: ما هذا الخلق الذي لم نر ~~مثله؟! فقالوا في أنفسهم: نحن أفضل، فلما قال لهم: {فإذا سويته ونفخت فيه ~~من روحي فقعوا له ساجدين}، برزت لهم فضيلته، فعلموا أنه قد جاء من هو أفضل ~~منهم، فأقروا له، ms1033 ثم قالوا: لن يخلق أعلم منا، فكشف الغطاء عن خلقه، وعرضهم ~~عليهم، وقال: PageV06P302 # {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين}، فعجزوا، فأوتي آدم علم الأسماء، ~~وقيل له: {قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم}. # فعلموا هنالك أن قد جاء الأفضل، والأعلم، والآثر، والأخص، فبرز آدم بعلم ~~الأسماء على الملائكة، وعلم الأسماء ينبئ عن مكنون الأشياء؛ لأنها سمة ~~الأشياء، فصار العلم منه وراثة في ولده، والخدمة لهم إلى آخر المدة، فمن ~~فهم هذا، تحير قلبه في هذا، وقال: كيف لي بالقيام بخدمة ربي؟. # فلما نال العلم بالله، والعلم بتدبير الله، يسرت عليه الخدمة؛ لأن هذين ~~النوعين يهديانك إلى الخدمة، فعندها تقف خادما لربك، فإذا وقف قلبك في مقام ~~الخدمة، قام بعلم الأمر والنهي، وثبت، فعندها أمكن العبد الائتمار بأمر ~~الله، والتناهي عن نهي الله، دق أو جل، فاستوجب الحفظ من الله، والثبات في ~~تقلبه في الأمور. # قال له قائل: ما الخدمة؟ وما علمها؟ وكيف لنا بأن نعلمها؟. # قال: أما الخدمة: فالقنوت بقلبك بين يديه، مائلا منتصبا كالمتشمر في ~~قراطق الخدمة، مخفا مبادرا، مسارعا، مسابقا، مركبك في جميع أمورك الحب لله. PageV06P303 # وأما علم الخدمة: فعلم البساطين. # قال له قائل: وما البساطان؟ # قال: بساط القدرة، وبساط العبودة. # وإذا طالعت بساط القدرة بعقل وافر، ثم طالعت بساط العبودة بكياسة وجد ~~وحزم، أدركت تدبيره في العبودة، وباطن أمره ونهيه، وعلل التحليل والتحريم، ~~ثم لماذا أحل؟ ولماذا حرم؟ فبعلم بساط القدرة تملك نفسك، وبعلم بساط ~~العبودة تملك جوارحك، وخواطر قلبك، فلم يقتض الله العباد شيئا لم يعطهم، ~~فالأشياء كلها من عند الله. # كان الله ولا شيء، فبسط بساط الربوبية من باب القدرة، وبسط بساط العبودة ~~من باب العظمة، ثم كان آخر خلقه هذا الإنسان الذي بسط له هذين البساطين، ~~فابتدأ خلقه من التراب، وجمع ترابه بالماء فعجنه، وصوره، وركب جسده، وجعله ~~أجوف، ثم وضع فيه الروح، والنفس، والحياة، والقوة، والعلم، والمعرفة، ~~والذهن، والفهم، والفطنة، والرأفة، واللطف، والحب، والفرح، والغضب، والسخط، ~~والحفظ، والعلم، والعقل، والحلم، والكياسة، والبصر، والشهوة، والرحمة. PageV06P304 # ثم ms1034 اقتضاه استعمال ذلك كله، وإبرازها من باطنه إلى ظاهر جوارحه، فتكون ~~أعمالا، عليها يثاب ويعاقب، وفتح لعيني قلبه طريقا إلى المظهر للمعاملة؛ ~~ليقبض منه أرزاقه وعطاياه، وما يدر عليه من رحمته ومن ربوبيته، وخلق العدو، ~~وأعطاه السبيل إلى أجوافنا، فيجري في عروقنا، ومسكنه في صدرونا، وجعل جنده ~~وعظم قوته في الهوى، والهوى يثير الشهوات، والشهوات دواعي الآدمي إلى مكامن ~~العدو وغروره، فمن لم يعطه روحا أو قوة، أو علما أو ذهنا أو شيئا من هذه ~~الأشياء، لم يقتضه ما يخرج له من ذلك الشيء. # كما أنه لو لم يعطك القامة، لم يقتضك الصلاة قائما، ولو لم يعطك القوة، ~~لم يقتضك الصوم، ولو لم يعطك المال، لم يقتضك الزكاة، ولا الحج، ولو لم ~~يعطك الكسوة، أجزأ عنك الصلاة عريانا، ولو لم يعطك الماء، أجزأ عنك التيمم. # فكذلك ما في باطن كل شيء، لو لم يعطك، لم يقتضك استعماله، وإبرازه عنك، ~~وكل شيء أعطاكه، ووضعه فيك، فإنما أعطاك لتبرزه، PageV06P305 ~~فتكون بذلك محمودا على ما وضع فيك، ناشرا في خلقه جماله ومحاسن فعاله، ~~وتكون عليه مثابا مكرما، فإذا منعته إبرازك إياه، فقد ظلمت نفسك، وضيعتها، ~~وضاعت عنك الأشياء التي وضعها فيك، والقلب أمير على الجوارح، وأصل الحياة ~~في القلب، والروح معلق بالوتين، وهو عرق القلب، والحياة في الروح، فكلما ~~زيد من الحياة، حتى علمه ومعرفته، وانبسط ذلك العلم في الصدر، وتميزت ~~الأشياء، وتدبر العقل في صدره، فميز الخير من الشر، والعلم قبوله إلى ~~الذهن، والتمييز والتدبير إلى العقل، فجعل للقلب عينين، وجعل لهما طريقا ~~إلى المظهر، وهو العرش. # ومد بصر عينك إلى المظهر نور العلم بالله، والمعرفة لله، حتى يرجع بصرك ~~إلى صدرك بعلم غزير، وأمور مسفرة تعلم كنهها وكيفيتها، ووضع الشهوات في ~~الجوف، ففوران الشهوات لها دخان وغيوم؛ لأنها من باب النار، وجالبها ~~وناقلها الهوى، فإذا صارت إلى الصدر، صار الصدر كيوم مغيم، قد حال بين نور ~~الشمس وبين عينك، فإلى أين تهتدي؟ وأين طريق تسلك في ذلك الغيم؟ وأي بئر ~~تتوقى ms1035 حتى لا تتردى فيها؟ وأي أرض مشاكة تتجنبها حتى لا تقع فيها؟ وأية ~~مزبلة تحيد عنها حتى لا تتلوث في أقذارها؟ PageV06P306 # فإذا سكنت الغيوم، وذهب الفوران، وبرزت الشمس، وأشرقت، اهتديت الطريق، ~~وتجنبت الآفات؛ لأنها صارت رأي العين، فإذا ذهبت الغيوم، ورميت ببصر العين ~~التي على الفؤاد، امتد البصر إلى الذي جعل لك الطريق إليه، فجلت ببصر عينك ~~في ملكوت العرش، فرجعت إلى القلب بالعجائب من تلك المشاهد، ووقفت على تدبير ~~عظيم من أمر الله في شأنك، فكل حركة ظهرت منك، فإنما تحركها الحياة، فكل ~~حركة ظهرت منك بغير ذكر الله، فقد فاتتك من الخدمة بقدرها وبقسطها من فقد ~~ذكر الله إياك. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس يتحسر أهل الجنة على شيء ~~إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها)). # 1468 - نا بذلك عمر بن أبي عمر العبدي، قال: نا سليمان بن شرحبيل ~~الدمشقي، عن يزيد بن يحيى الصباغ، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن PageV06P307 ~~جبير بن نفير، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((إنه ليس يتحسر أهل الجنة على شيء، إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله ~~فيها)). # 1469 - نا حفص بن عمرو، قال: نا محمد بن بشر العبدي، عن عمر بن راشد، عن ~~يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((سيروا سبق المفردون)) قالوا: يا رسول الله وما المفردون؟ قال: ~~((الذين اهتروا في ذكر الله يأتون يوم القيامة خفافا يضع الذكر أثقالهم)). # 1470 - نا الجارود، قال: نا أبو خالد الأحمر، عن الحجاج بن أرطاة، عن أبي ~~جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أشد الأعمال ثلاثة: ذكر ~~الله على كل حال، ومواساة PageV06P308 ~~الأخ في مالك، والإنصاف من نفسك)). # فأدوم الناس على الذكر أوفرهم للخدمة، وليس عليك في وقت الانقطاع لوم؛ ~~لأنك لا تقدر على مداومة الذكر مع كل طرفة ومع كل ms1036 نفس، إنما هذا للملائكة ~~الذين عروا من الشهوات، وخلقوا مجبورين على ذلك، فأرواحهم وقلوبهم وعقولهم ~~معلقة بالعظمة هائمة، لا يشغلهم شيء، فلذلك صارت أنفاسهم تسبيحا وذكرا، ~~وأنفاسنا عبودة وخدمة، فإذا خرجت فإنما يخرجها من النفس التي هي مشغولة ~~بالشهوات والضرورات، فلا يقدر على ما قدرت عليه الملائكة؛ لأن الحر، ~~والبرد، والجوع، والعطش، والآلام آفة الجسد التي خلقت في الدنيا تشغلنا ~~وتولهنا، فرضي منا تبارك وتعالى أن يكون ذكره منا في استعمال كل حركة، لا ~~مع كل حركة، وذلك الجوارح السبع الكواسب للخير والشر، وهي: السمع، والبصر، ~~واللسان، واليد، والقدم، والبطن، والفرج. # فإذا ذكرنا مع تحريك كل جارحة، ذكرناه بخير يرضى به، وذكرناه PageV06P309 ~~بنعمة تلك الجارحة علينا، فهذا ذكر درجات يترقى بها العبد إلى ربه، حتى ~~يبلغ منازل المفردين الذين أهتروا في ذكر الله، الذين وصفهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في حديثه، فهذا للسابقين المقربين الذين يدوم ذكرهم على كل ~~حال؛ لأن قلوبهم قد ملكتها عظمة الله، وسبتها محبة الله. # فأما من دونهم، فإذا حرك جارحة من هذه الجوارح السبع بتلك الحياة التي ~~فيها، فإنما يحركها بالقلب، والقلب أمير، وذاك التحريك منه استعمال لها، ~~فإذا قصد للخير، فإنما يقصد لذكر الله، وإياه أراد، وإذا قصد الشر بما دعاه ~~إليه الهوى والشهوة، فقد حاد عن الله، واستعمل إمارته في طريق الجور، فجار ~~على جوارحه، وظلم نفسه؛ حيث أرداها، وأوجب لها النار، وحرمها ثواب الله ~~بالحركات التي ذكرنا أولا التي خرجت من أركانه من غير استعمال لها بقلبه مع ~~كل نفس، ومع كل طرفة، فتلك حركات لا تبعة عليه فيها؛ لأنها حركات الحياة، ~~ليس فيها أمر ولا نهي؛ مثل: نظرة الفجأة؛ لأن عينيك مفتوحتان، فليس عليك ~~تبعة في وقوع بصرك على الأشياء حتى تستعمله بقلبك، وكذلك تقلبك في مقعدك من ~~قبض يد، وبسط، واتكاء، واحتباء، وأشباه هذا مما لا يمتنع منه الآدمي من ~~الحركات، فهذه حركات تظهر منك في ساعات تمر بك. # فإن كان قلبك غافلا عن الله تعالى، فكانت خدمة ms1037 قد فاتتك، وثواب PageV06P310 ~~قد ضاع عنك، المنعم يجري عليك رزقه، ويذكرك بإدرار نعمه عليك، وقد ضيعت في ~~ذلك الوقت الخدمة، فهو في ذكرك، وأنت عنه في غفلة، فإن لم تتبع بالتبعات، ~~فقد لحقتك الحسرة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وإنما يتحسر في ~~الجنة من تلك الساعة)). # لأنه قد انكشف له الغطاء عما أوجب الله له في وقت ذكره في تلك الساعات ~~التي ذكر فيها؛ لأن ثواب عمل الأركان من قصور الجنة، وأنهارها، ونعيمها، ~~وثواب الذكر من فرح الله بالعبد، وحبه له، وتقريبه، والبسطة منه، والبر له، ~~وما لا يوصف من هذا الباب أكثر من أن تحتمله القلوب في الدنيا. # فالمسخرون: قد عملوا أعمالهم، وأوصلوا منافع السخرة إلى هذا الآدمي، ~~وضاعت الخدمة عن الآدمي بقدر ما غاب عن قلبه ذكره، ولو طرفة أو لحظة، وذلك ~~موضوع عن الآدمي؛ لأنه لا يملكه؛ لأنه خلق عجولا ونسيا وخطاء، مشغولا ~~بالشهوات، مبتلى بها، وخلق في غيب، والملائكة خلقت في جهر، وكشف الغطاء، ~~ينظرون إلى أنوار العظمة، وأمور منكشفة الغطاء، وعروا من الشهوات، فلذلك ~~قدروا على دوام الذكر، وصارت أنفاسهم تسبيحا؛ لأن أنفاسهم تخرج من النفس ~~التي بها تعلقت قلوبهم وأرواحهم وجميع أجسادهم. PageV06P311 # والآدمي منقسم خلقه على: قلب، وروح، وشهوة، فلما خلق الله خلقنا هكذا، ~~رحمنا، وعطف علينا، فأعطانا في القلوب من العلم به ما أنبأنا في كتابه أن ~~الملائكة عجزت عن ذلك العلم، وقالوا: {سبحناك لا علم إلا ما علمتنا}، وقال ~~لآدم: {أنبئهم بأسمائهم}. # ومد أبصار قلوبنا إلى المظهر؛ لمطالعة ما أظهر على المظهر، فالملائكة ~~يطالعون بعيون أجسادهم ما تحت العرش، وقلوب الآدميين تطالع ما وراء الحجاب ~~من عظائم الأمور التي لا تدور الألسن بذكرها، فيعطي في تلك المشاهد ~~والمجالس من الفضل والرحمة والكرم ما يعدل به فوائد خدمتهم التي فاتتهم مع ~~كل نفس؛ لاشتغالهم بالشهوات والضرورات؛ ليقدموا يوم العرضة عليه بأنوار، ~~وبأعمال تعجب الملائكة منها، فيستنطقهم الرب تعالى، فيثنون عليه بالثناء ~~الذي يبهت الملائكة من غزير علومهم بالله؛ فإن مراتب ms1038 العلوم تظهر في المنطق ~~إذا أثنوا عليه ومدحوه، فإنما يستنطقهم على رؤوس الملأ؛ ليعلم الملائكة أين ~~بلغت قلوبهم من مراتبها في تلك الحجب، فيعلم هناك أنهم كانوا في أداني ~~المملكة في الأرض مع وساوس الشيطان، ووساوس النفس مع PageV06P312 ~~الشهوات، أدركوا هذه العلوم حتى يمدحوا ربنا بهذه المدائح، ويصفوه بهذه ~~الصفات. # ونحن هاهنا معرون من الشهوات، مبرؤون من وساوس الشياطين في أعالي ~~المملكة، فإنما يثنون أولئك يوم القيامة على الله على منابر النور بين يديه ~~بتلك الأسماء التي عرضها على الملائكة، فقالت: {لا علم لنا}، فقال لآدم: ~~{أنبئهم بأسمائهم}. # فركب في صدره مرآة، وعلمه كلمة هي أصل الأسماء حتى حزر الأسماء أسماء ~~الله تعالى، ثم أسماء خلقه، فنطق بها، وعينا قلبه تنظران في تلك المرآة، ~~فورث أنبياء الله، وأولياؤه، ونجباؤه من ذرية آدم تلك المرآة؛ لما طهروا ~~صدورهم، ونقوها من العلائق وغيوم الشهوات، فرأوا فيها سمات الأشياء، فظهر ~~فيها علم تلك الكلمة التي هي أصل الكلمات، فهامت قلوبهم في بحر علم الله، ~~وهم الذين ينصب لهم بين يدي الله منابر من نور، وإن ثيابهم نور، ووجوههم ~~نور، يغبطهم النبيون والشهداء؛ لمكانتهم وقربتهم من الله، ينطقون بالثناء ~~على الله، وهم قرة عين محمد صلى الله عليه وسلم في الموقف، وخلفاء رسول ~~الله بعد المقام المحمود. PageV06P313 # 1471 - نا صالح بن محمد، قال: نا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ~~أبي مالك الأشعري، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((يا ~~أيها الناس! اعقلوا، واعلموا أن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم ~~النبيون والشهداء؛ بمكانتهم وقربتهم من الله تعالى))، فقام أعرابي فقال: يا ~~رسول الله! حلهم لنا، فسر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول الأعرابي، ~~فقال: ((هم قوم من أفناء الناس، ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام ~~متقاربة، تحابوا في جلال الله، وتصافوا فيه، وتزاوروا فيه، وتباذلوا فيه، ~~يضع الله لهم منابر من نور، فيجلسون عليها، وإن ثيابهم لنور، وإن وجوههم ~~نور، لا يخافون إذا خاف ms1039 الناس، ولا يفزعون إذا فزع الناس، أولئك أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)). # قال أبو عبد الله: # فهؤلاء أعلام هذه الأمة، أولياء الله ونجباؤه، وأصفياؤه، فما فاتهم من ~~الخدمة لعجزهم عن دوام الذكر في كل نفس وطرفة، واستدركوا وفارتها بما ذكرنا ~~من قوة الذكر، وإنما أخذوا تلك القوة من مجالس النجوى أيام الحياة. PageV06P314 # وهو قوله تعالى لموسى -عليه الصلاة والسلام- قال: يا رب! أقريب أنت ~~فأناجيك، أم بعيد فأناديك؟ قال تعالى: يا موسى! أنا جليس من ذكرني. # فمن كان جليسه رب العزة، فما ظنك بقوته في الذكر أين يبلغ مداه، ومدى ~~يقينه، ومسافة طيران قلبه إلى الله في العلا، ومستقره من تلك المجالس، ~~ودنوه منه في ذلك الملك ومشاهدته. # ثم من بعدهم صنف آخر، وهم المطلوبون، وذلك أنه لما خرجت منك الحركات من ~~كل جارحة، فلم تستعملها بقلبك، صارت موضوعة عنك؛ لأن تلك حركات الحياة، ~~فلما هاجت منك حركة، استعملت بها قلبك، من شهوة نفسك، حتى خرجت تلك الحركة ~~إلى جارحة من جوارحك، فصار كسبك، فإن كان لله رضا، فهو كسبك، وهو لك، وإن ~~لم يكن لله رضا، فهو اكتسابك، وذلك عليك، وهو قوله تعالى: {لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت}. # وقد بينا في كتاب ((رياضة النفس)): شأن الكسب والاكتساب من أين لزمهما، ~~فهذان الاسمان صار أحدهما فعلا، والآخر افتعالا، PageV06P315 ~~فالأولى: حركات الحياة، وهي موضوعة عنك، والثانية: حركات السبع جوارح؛ ~~باستعمالك قلبك بتلك الحركات؛ من يديك ورجليك، ولسانك، وسمعك، وبصرك، ~~وبطنك، وفرجك، فهاهنا كسبك واكتسابك، الكسب للخير، والاكتساب للشر. # فالقلب مطلوب برعاية هذه الجوارح السبع وحراستها؛ لئلا يتحرك بباطل، إما ~~بغفلة في غير مجاوزة الحد، وإما بمجاوزة للحد، فتصير معصية حتى تكون ~~حركاتها خدمة للرب، فإذا أهمل القلب ذلك، فقد ضيع الخدمة، ثم هو على ضربين: ~~فمرة أهمل القلب ذلك، حتى خرجت الحركات منه بغير ذكر ولا نية، فيما أذن ~~الله له من الأكل والشرب، والنوم، وأمور الأحياء في متقلبهم، فهو في ذلك ~~الوقت مضيع للخدمة بطال، أجرى الله ms1040 عليه رزقه، وعمل المسخرون أعمالهم، ~~وأوصلوا إليه منافعه، وعطل الخدمة هو، فعظمت حجة الله عليه؛ حيث لم يعبده ~~في تلك الساعات، وضيع الخدمة، فلو قامت الملائكة تصف خسرانه، PageV06P316 ~~ما قدروا عليه. # ولذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ليس يتحسر أهل ~~الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها)). # فهذه الحسرات على أهل الجنة في الموقف، لا في الجنة، وإنما ذكر في هذا ~~الحديث أهل الجنة، فإنما صار ذلك حسرة؛ لأنه لما عرضت عليهم أيام الدنيا ~~ولياليها، فرأوا ساعة ذكروا الله فيها، ورأوا أن الله ذكرهم في تلك الساعة، ~~وماذا خرج لهم من ذكره، ثم نظروا في الساعة التي حرمهم فيها ذكره بما تركوا ~~من ذكره، فأخذتهم الحسرات. # والضرب الآخر: أهمل القلب حتى خرجت منه حركات في أمر لم يأذن الله به، ~~فصار ذنبا ومعصية، فذهب العبد بالرقبة، أكل رزقه، وأبق، فما جزاء العبيد ~~الأباق؟ فاجتمع عليه أمران: فوت ثواب الخدمة، وعار الإباق. # يقال في السماوات: أبق العبد اللئيم من ربه الكريم، ويقال: أبق العبد ~~البائس السفلة من ربه الجواد العظيم، فرأى جفاه على القلب يوم يكشف له PageV06P317 ~~الغطاء عن هذا في وقفته بين يدي الله، يتقطع قلبه حسرات قطعا قطعا، ويتفلذ ~~كبده ندامات فلذا فلذا، ويضطرب كل عرق منه حياء من الله، وتصرخ منه كل شعرة ~~ومفصل عويلا، وندامة، وحرقة، وأسفا، يقال له: أكلت رزقي، وقبضت عن أهل ~~سخرتي منافعك، وهربت مني، وذهبت برقبتك، وآثرت هواك ومودة نفسك، ومحاب عدوك ~~علي، أف لك من خادم. # فعلم الله علام الغيوب أن هذا نازل بعبيده، فلم يؤيسهم من رحمته، ولم ~~يحيرهم في طريقه، ولم يكدر عليهم مننه، فترك بابين مفتوحين: بابا من ~~اليمين، وهو باب التوبة، وباب تجاهه، وهو باب الدعاء، وبسط يده فتركها ~~مبسوطة لمن رجع إليه، فبايعه على رد الرقبة، وبذل النفس، والوقوف بين يديه، ~~فقبلهم لما علم صدقهم، وقواهم وأعانهم على الوفاء بالخدمة. # 1472 - نا الجارود بن معاذ، قال: ms1041 نا جرير، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو ~~بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، باسط يده لمسيء النهار أن ~~يتوب بالليل، ولمسيء الليل أن يتوب بالنهار، حجابه النار، لو كشفت، لأحرقت ~~سبحات وجهه PageV06P318 ~~كل شيء أدركه بصره)). # قال له قائل: فإذا تاب، فرد الرقبة، ومد عنقها للانقياد له، فما منتهى ~~أمره، وكيف تدبيره؟ # قال: أجمع لك ذلك في خصلتين، وأتوخى الوجازة في هذا الأمر؛ فإنه إذا طال ~~الوصف، وكثر ذكر النفس بوجوه مذاهبها، تحير العقل، وأعيا القلب. # فإن قيل في الحكمة: إن ازدحام الكلام على الأذن مضلة للفهم، ووجازته أبلغ ~~لمن كان له لب، فبلوغ الغاية في هذا الأمر: أن تطلب لقلبك استقامة على طريق ~~الله الذي دعاك إليه، فإذا استوى قلبك على الطريق المستوي، فذلك قصد أهل ~~الصدق، فكان الله لهم معينا، وحافظا، ومؤيدا، PageV06P319 ~~فإذا وقف قلبك على سواء الطريق إلى الله، أشرق لقلبك نوران من عنده؛ تأييدا ~~لك من عنده، وتفضلا، وتكرما، فإذا تطرق عينا فؤادك إلى إشراق ذينك النورين، ~~تشبث بهما، ولزمهما ومر حيث مرا به، وهدياه، فاهتدى لما هدياه، وبادر ~~وأسرع، فهما سراجان يضيئان له الطريق في كل أمر حادث، يبصرانه كيف ينبغي له ~~أن يمضي فيه. # قال له قائل: وما النوران؟ # قال: نور الحق، ونور العدل، فنور الحق: يمنعك عن الباطل، ونور العدل: ~~يمسكك عن الميل في الحق. # فإن الميل هو: جور عن الله، فإذا ملت، وجرت عن الله، ذهبت الاستقامة؛ لأن ~~الذي يعمل بالحق في الأمر الذي يعرض له، فهو عامل بالحق، مشارك للهوى فيه، ~~حتى يرائي في ذلك الحق، ويتصنع، ويداهن، ويعمل بعلاقة، فالعدل يمنعه عن ~~ذلك، والحق يمنعه عن المعصية والسيئة، وهو قول الله تعالى حيث ذكر موسى ~~-عليه الصلاة والسلام- ما وجد في التوراة من عطاء ربنا لهذه الأمة، فقال: ~~هم أمة محمد، فقال: فاجعلني منهم، PageV06P320 ~~فوعده أن يعطي قومه ما قنع به، ms1042 فرضي به، فقال تعالى: {ومن قوم موسى أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون}، فوفى له، وأنجز وعده. # فهم الذين روي في الخبر: أنهم من وراء الصين، من وراء نهر الرمل، يعبدون ~~الله بالحق والعدل، فمع هذا الحق والعدل، لم يقدروا أن يكونوا بين ظهراني ~~بني إسرائيل، حتى أخرجهم الله إلى ناحية من أرضه، في عزلة من خلقه. # فروي لنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ذهب به إليهم، ~~فساءلهم وساءلوه، وآمنوا به، وعلمهم سورا من القرآن، وقال لهم: ((هل لكم ~~مكيال وميزان؟))، قالوا: لا، قال: ((فمن أين معاشكم؟))، قالوا: نخرج إلى ~~البرية فنزرع، فإذا حصدنا، وضعناه هناك، فإذا احتاج أحدنا، خرج إليه، فأخذ ~~حاجته، قال: ((فأين نساؤكم؟)) قالوا: في ناحية منا، فإذا احتاج أحدنا إلى ~~زوجته، صار إليها في وقت الحاجة، قال: ((فيكذب أحدكم في حديثه؟))، قالوا: ~~لو فعل ذلك أحدنا، لا يظن إلا أن النار تنزل عليه فتحرقه، قال: ((فما بال ~~بيوتكم مستوية؟))، قالوا: لكيلا يعلو بعضنا بعضا، قال: ((فما بال قبوركم ~~على أبوابكم؟))، قالوا: لكيلا نغفل عن ذكر الموت. PageV06P321 # فهذه صفة القوم الذين جعل الله حاجة موسى ورضاه فيهم، فهم أهل هذه الصفة، ~~ثم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا من ليلة الإسراء، أنزل ~~عليه: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}. # يعلمه أن الذي أعطيت موسى في قومه أعطيتك في أمتك، ومع ذلك من القوة لهم ~~ما أقاموا ذلك الحق والعدل بين ظهراني الخلق من غير حاجة إلى عزلة من ~~الناس، فمن الله على موسى بأولئك، ومن على محمد عليه السلام بهذه الطبقة مع ~~القوة التي تضاعفت المنة له فيهم عليه، فشتان ما بين من يقيم الحق، والعدل ~~في أرزاقه ومعاشه، فهو يتقلب فيها، ويخالط أهله وولده في كل وقت، ويلابس ~~أهل المكاييل والموازين، ويخزن ما أعطي من الدنيا في خزانته، ويعمل في ~~بنيانه، ومساكنه ما يعمل الأمناء من التفاوت من أجل مرافقه، وتكون قبور ~~موتاه بمعزل عن عينه، وهو ms1043 مع ذلك يجري في ميدان الحق والعدل، وبين من هرب ~~عن هذا كله، واعتزلهم، وجرى في ميدان الحق والعدل. PageV06P322 # لقد بان أولئك بونا بعيدا، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنما قووا ~~على هذا؛ لتعلق قلوبهم بالله، فهم يمتصون حلاوة اليقين، فتجمد في قلوبهم، ~~حتى تصير قلوبهم بقوة اليقين كالجبال الرواسي، فهم بين إشغال النفس ~~وتزاحمها، يمرون كالسهم في ميدان الحق والعدل، فهم بارزون على طبقة موسى ~~الذين وصفهم في ليلة الإسراء، فإذا ظفرت بهذين النورين، فكانا لك، ~~فلزمتهما، فأنت في كل أمر حدث تخرج حركاتك إلى الجوارح من قلب محق عدل، قد ~~والى الله؛ لينصر حقه، ويقيم أمره، ويوفر خدمته، ويوفيه حقه، فتولاه الله، ~~وستره، وولي هدايته، وائتمنه، فهذا قد أكل رزقه، وقبض منافعه من المسخرين، ~~وأدى خدمته إلى الله، وفي خلال ذلك يستغفر للتقصير الذي يتخوف فيه، فلم يبق ~~للسماوات والأرض ولا الشمس، والقمر، والليل، والنهار عليه تبعة ولا خصومة. # ومن كان بخلاف ذلك، فهؤلاء كلهم خصماؤه، وويل له من أرضه التي يدفن فيها، ~~ماذا تعمل به، وكيف تعصره عصرا، وكيف تضغطه ضغطا؟! ومن سمائه التي تصعد ~~روحه إليها، ومن ملائكة الله، وحيث PageV06P323 ~~يمر بروحه عليهم، ومن جميع خلقه المسخرين له، يقولون: قد استرحنا من هذا ~~العبد الآبق الفاجر، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مستريح ~~ومستراح منه)). # فالمستريح: من غفر له، وستر عليه مساوئ عمله. # والمستراح منه: من هؤلاء خصماؤه وأهل تبعته، يقولون: أوصلنا إليك السخرة، ~~فأين الخدمة؟ # فمن عاد الله عليه بفضله ورحمته؛ لإنابته إليه، وندمه، وعويله، واستقامة ~~سيره، غفر له، فسكن الخصماء، وأهل التبعة عنه من المسخرين، ولهوا عنه؛ لأنه ~~صيره حبيبه، وقال في تنزيله: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}. ~~تطهروا بالله في قربه لما بذلوا نفوسهم له صدقا، فوالوا الله، وتولاهم الله. # فروي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ينادي مناد يوم ~~القيامة: ألا من كان [الله] له وليا، فليعتزل، ثم يقول: أنا ضامن لمن ادعى ms1044 ~~قبلهم حقا)). # فهؤلاء الذين ضمن الله لهم، هم آدميون مثله، فوفى الله عنهم، PageV06P324 ~~لأنهم من جنسه، وأما أهل السخرة، فكسنوا؛ لأنه أراهم أنه حبيبه، ونادى في ~~السماوات جبريل بحب الله له، فبرأه من تبعة أهل السخرة، وقضى عنه ما كان من ~~تبعات الآدميين؛ لأن الآدميين شركاؤه، وفي كرامة سجود الملائكة له، وفي ~~العلم والخدمة، فإذا ادعوا قبله حقا، لم تبطل حقوقهم، ولكن يتولى قضاءه ~~عنه، ولا يتركه في أيديهم. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((إن صلاتكم معروضة علي ~~يوم الجمعة، فأكثروا علي الصلاة))، فقال قائل: يا رسول الله! كيف وقد رممت؟ ~~قال صلى الله عليه وسلم: ((إنا -معاشر الأنبياء- حرم الله على الأرض أن ~~تأكل أجسادنا)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فقد أخبر الله عن حال الأنبياء: أن الأرض قد تبرأت عنهم، فلم يتبعهم PageV06P325 ~~بما أكلوا منها؛ لأنهم تناولوا ما تناولوا منها بالحق والعدل، وإنما سخرها ~~الله لهم؛ لإقامة الحق والعدل، فبالنبوة مروا في هذا الأمر، والنبوة من ~~الحق والعدل أعطيت الأنبياء، فخلفاء النبيين من أعطي الحق والعدل، وكذلك ~~ليس للأرض عليهم سلطان. # ومما يحقق ما قلنا: # حديث جابر بن عبد الله: أن شهداء أحد لما نقلوا عن قبورهم إلى موضع آخر ~~في زمن معاوية؛ حيث أراد أن يجري ذلك الماء في ذلك الموضع، فأخرجوا من ~~قبورهم -بعد نحو من أربعين سنة- رطابا ينثنون، حتى أصابت المسحاة قدم حمزة ~~بن عبد المطلب، فانبعث دما طريا. # فإذا كان حال الشهداء في قبورهم هكذا، فانظر ما حال الصديقين؛ فإنهم أعلى ~~منهم، فتوهم ما حال أبي بكر، وعمر في قبريهما -رضوان الله عليهما-؟ أفيتوهم ~~أحد أن للأرض عليهما سلطانا وتبعة؟ لا يتوهم هذا PageV06P326 ~~ذو لب يعلم هذا الأمر. # وفي جملة القول: إن الله -تعالى اسمه- لم يقتض العباد ما لم يعطهم؛ لأن ~~الأشياء كلها من عند الله، كان الله ولا شيء، فلما أراد أن يخلق الخلق، ~~أخرج لهم بساطين: بساط الربوبية، وبساط العبودية، فقابل بساط العبودة بساط ~~الربوبية؛ ليلاحظ العباد ms1045 بساط الربوبية، فيقتبسوا منه علم الربوبية، فيردوه ~~إلى النفوس الناكصة عن الأمر، الخائضة في النهي حتى تنقاد تلك النفوس، فتذل ~~وتهاب ما يأتي إليها من علم الربوبية. # ثم أخرج من بين البساطين بساط التدبير، فأخرج من ذلك التدبير خلقا علوا ~~وسفلا مسخرين للعبيد؛ قطعا للاعتذار، والجدال، والخصومة؛ لأنه قد علم أنه ~~خالق يوما يبعثهم فيه، ويحشرهم إلى مقام PageV06P327 ~~الحساب، فتأتي كل نفس تجادل عن نفسها، فبسط لهم هذه البسط الثلاثة، وجعل ~~القلوب أمراء على النفوس، وركب في كل قلب عينين ناظرتين تلاحظان بساط ~~الربوبية، ثم تنظران بعين الكياسة بساط التدبير، ثم تنظران بعين قد استوزرت ~~العقل، وتضمنت الزهد، فتدور في فنون العبودة، وتنتبه ليوم المقتضى، وأنه ~~مطلوب يطلبه مالك الملوك بسره وعلانيته، وحاصل ما في صدره. # فلما بسط هذه البسط الثلاثة، ابتدأ في خلق السخرة علوا وسفلا، ثم أظهر ~~خلق الإنسان في وسط ذلك، والمسخرون حوله، وكان آخر من خلق، وذلك في يوم ~~الجمعة في ساعة، بلغنا في الحديث: أنه أقسم: لا يسألني عبد حاجة في هذه ~~الساعة من هذا اليوم إلا أجبته؛ تعظيما لخلق هذا الإنسان وذريته، وفيهم ~~الأحباب والرسل، والأنبياء، والأولياء، وأعلاهم وأولهم محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فوضع في هذا الآدمي: الروح، والحياة، والقوة، والعلم، والذهن، ~~والحفظ، والفهم، والفطنة، والعقل، والحلم، والبصر، والكياسة، هذا كله في ~~النصف الأعلى من الجسد. # ووضع الشهوة والنفس والهوى فيما سفل، ثم اقتضاهم استعمال ما في النصف ~~الأعلى، وإبرازه من باطنه إلى ظاهر الجوارح، فتكون أعمالا عليها PageV06P328 ~~يثابون، وأعلمهم أن هاهنا عدوا قد وجد السبيل إلى هذه الشهوات والهوى، كما ~~وجد إلى أبيهم السبيل في داره، وحذرهم أن لا يلتفتوا إلى غرور هذا العدو ~~الذي يوسوس إليهم، وأن يفروا إلى الله من هبوب الهوى إذا هب في الجوف، ~~فأثار الشهوات حتى دبت في العروق، فاشتملت على الجسد، ومالت بقلبك عن الله، ~~فيصدك عن سبيل الله إذا اتبع قلبك الهوى، وتقدم إليك في تنزيله في قوله: ~~{يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ms1046 فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا ~~يوم الحساب}. # فأعلمنا في تنزيله: أن نسيان يوم الحساب يجرئنا على استعمال الهوى، وعلى ~~ترك الحذر من العمل بالهوى، وأعلمنا في آية أخرى: أن في يوم الحساب إبلاء ~~السرائر، واستخراج حاصل الصدور، وليعلم العباد أن الهوى إذا ظهر، لم يطع، ~~وإذا انكمن، لم يؤمن، فتمت حجة الله عليهم بما وصفنا من العطاء، فمن لم ~~يعطه روحا أو قوة، أو علما، أو ذهنا، أو حفظا، أو شيئا من هذه الأشياء، لم ~~يقتضه ما يخرج له من ذلك الشيء. # كما أنه إذا لم يعطك الرجل، لم يقتضك الصلاة قائما، وإذا لم يعطك القوة، ~~لم يقتضك الصوم، وإذا لم يعطك السبيل إلى الحج، لم يقتضك الحج، وإذا لم ~~يعطك المال، لم يقتضك الزكاة، وإذا لم يعطك الكسوة، PageV06P329 ~~فصليت عريانا، أجزأتك، وإذا لم يعطك الماء، صح لك التيمم. # فكذلك ما في الباطن، كل شيء لم يعطك، لم يقتضك استعماله وإبرازه عنك، وكل ~~شيء أعطاك لتبرزه إلى جوارحك، فتكون محمودا عليه مثابا مكرما، فإذا منعته، ~~فقد ظلمت نفسك، وضيعتها، وضاعت عنك تلك الأشياء التي وضعها فيك. # فإن قال العبد: وضع في هذه الأشياء، ولكن لا يعمل هذه الأشياء في إلا ~~بإذنه، فإن منعني الإذن، بقيت هذه الأشياء في غير عاملة، ولا مستعملة، ~~فخبث، وإذا أذن له، برز ذلك مني إلى ظاهر أركاني، فالإذن أحد هذه الأشياء ~~الذي إذا منعني، صرت كأني لم أعط شيئا، وهو رأس هذه الأشياء، والإذن من ~~المشيئة، ومن أجل هذا ندب العباد إلى أن يكون هجير العبد ما شاء الله، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله؛ لئلا يركن، ويطمئن قلبه إلى هذه الأشياء التي وضعت فيه. # فمن حجة الله تعالى أن يقول: إنما أعطيتك هذه الأشياء، ووضعتها في وعائك، ~~والوعاء هو القلب والنفس، فإذا ذهبت بقلبك ونفسك عني، PageV06P330 ~~وأقبلت على الشهوات، واستعمال الهوى، فقد ذهبت بالنفس بما فيها من ms1047 هذه ~~الأشياء الموضوعة فيك، فلما غيرت؛ بأن ذهبت بنفسك، انقطع الإذن، وبقيت ~~الأشياء غير عاملة. # وقال في تنزيله: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم}. # فإذا ذهبت بروحك، وحياتك، وقوتك، وعلمك، وذهنك، وحفظك، وعقلك، وفهمك، ~~وفطنتك، وحلمك، وبصرك، وكياستك، فمازجتها بالهوى، والهوى دنس قد خرج من ~~النار، ومر بالشهوات، فاحتملها إلى شهوتك الموضوعة في نفسك، فأثارها، واشتد ~~احتدامها، وهاجت أمواجها، فاغبر عليك صدرك، وبقيت عينا الفؤاد في الصدر في ~~ذلك الغبار تائهة، فغيرت النعم؛ بأن قطعت الإذن عنك، فإن وقفت بنفسك بين ~~يدي بما فيها من الأشياء الموضوعة فيك، فقد بذلت نفسك لي، وصرت أمينا من ~~أمنائي، فأذنت الأشياء الموضوعة فيك إذنا عاما لا تحتاج إلى أن تستأذنني في ~~كل أمر. # وعندك مثل هذا: عبد قد ملكته من السبي، واتخذته عبدا، فكان يشتري لك من ~~السوق الشيء بعد الشيء بإذنك، فما استدان بغير إذنك، لم يكن يلزمك ضمانه في ~~مالك؛ لأنه محجور عليه، PageV06P331 ~~عبد مملوك لا يقدر على شيء، وكل شيء أذنت له فيه، جاز ذلك عليك، وكل شيء لم ~~تأذن له فيه، انعلقت رقبته إلى يوم العتق، فيؤخذ به بعد العتق، فإذا طال ~~مكثه في العبودة، وعرف أمورك، وجدته ناصحا، متشمرا في أمرك باذلا لك نفسه، ~~صار أمينا عندك، فأذنت له بالتجارة، فصار تاجرا أمينا يداين الناس ~~ويعاملهم، فكل ما حصل عليه، فقد لزمك؛ لأنك قد أذنت له في كل تجاراته ~~ومعاملاته، فإذا اقتضاه غرماؤه، قضيت عنه دينه، فكذلك أنت عبدي متى بذلت ~~نفسك لي، ووقفت بين يدي مقام الأمناء، أذنت لكل شيء وضعته فيك أن يعمل ~~عمله، حتى تجد في كل وقت ثمرة كل شيء، وضعته فيك، وعمله من العلم، والذهن، ~~والقوة، والحفظ، والعقل، وجميع الأشياء الموضوعة فيك. # ومتى رغبت عني إلى شهواتك وهواك، فأنت عبد متهم، محجور عليه، لا تعمل ~~شيئا إلا بإذني، فمرة تجد الإذن، ومرة لا تجد؛ لأنك متهم سرك، وقلبك مع ~~هواك، ولسانك وظاهر قلبك معي، فإذا ms1048 أذنت لك في كل أمر إذنا عاما، تخطيت ~~الأمور، فأفسدت. PageV06P332 # وكذلك عبدك المحجور إذا أذنت له إذنا عاما في كل التجارات، ولم يكن عنده ما ~~يضبط به ذلك، أفسده، فإنما حجرت عليه لأنه لا يضبطه، ولأنه لم يبذل نفسه ~~لك، ويكون بين يديك حتى تهديه للأمور، فكذلك العبد إذا أقبل إلي صدقا، ~~وتخلى من الهوى والشهوة، وتقرب إلي بذلك التخلي، فما زال ذلك دأبه حتى يلقي ~~نفسه بين يدي باذلا لها، لا يتعلق بشيء دوني، وصعد إلي ضرعه، وجؤاره، ~~ورحمته، فاجتبيته وهديته، وكذلك فعلت بأوليائي وأحبائي. قال في تنزليه ~~عندما يصف خليله شاكرا لأنعمه: {اجتباه وهداه}. # فالمجتبون والمهديون في قبضة الله، يستعملهم في محابه ومشيئته، فإذا نطق ~~فبه ينطق، وإذا نظر، فبه ينظر، وإذا سمع فبه يسمع، فإذا بطش، فبه يبطش، ~~وإذا مشى، فبه يمشي، وإذا تدبر، فبه يعقل. # كذلك جاءنا: عن عروة بن الزبير، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، عن جبريل -عليه الصلاة والسلام-، عن الله تعالى. # قال له قائل: فما بذل النفس لربه؟. PageV06P333 # قال: أن يترك جميع مشيئاته لمشيئته؛ فإن الله تعالى خلقه لما شاء، لا لما ~~شاء العبد، ودبر له في أمر دنياه ما علم أن صلاحه فيه، لا ما علم العبد، ~~فإذا ترك العبد مشيئاته، وصارت عينا قلبه شاخصتين إلى ما تبرز له من الغيب، ~~فيرضى به، قد فوض إليه قبل ذلك أموره، فلا يركن إلى شيء، ولا يدبر لنفسه ~~شيئا، إنما هو عبد مراقب لما يظهر له من غيبه من التدبير، فقد بذل نفسه له، ~~وصار عبدا قد زالت عنه التهمة، وصار أمينا من أمنائه. # فأذن لجميع ما وضع فيه أن يعملوا أعمالهم في الباطن، فيؤدوا إليه ~~ثمراتهم، فصار عبدا مأذونا، يدور رحى حركاته بالقطب، والقطب هو الإذن، ~~فعندها صارت مشيئة ربه في مشيئته، فمتى ما شاء شيئا، أنفذه، وكان ذلك الشيء ~~الذي شاء العبد مشيئة ربه، فهو الذي يقسم على ربه، وهو ما روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه ms1049 وسلم: # 1473 - نا عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: نا سيار، قال: نا جعفر بن ~~سليمان، قال: نا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله، ~~لأبره)). PageV06P334 # فإذا احتج العبد بأن يقول: وضعت في العقل، والقوة، والعلم، والحياة، وهذه ~~حججك علي، وهذا كله خلق من خلقك، أنت خلقته ووضعته في، ولا يتحرك شيء من ~~هذا، ولا يعمل إلا بإذنك، فلم حبست عن الإذن، وهذه الأشياء كلها جنود ~~القلب، والقلب أمين؟ # فمن حجة الرب تعالى أن يقول: إني وضعت هذا فيك، لتكون النفس لي، وقائمة ~~بين يدي، فخانت وزاغت عني بما وضعت فيها، وشاءت مشيئات، ولم تنظر إلى ~~مشيئتي، ودبرت لها، ولم تنظر إلى تدبيري الذي سبق خلقها، فالخائن كالعبد ~~المحجور يطلق له الإذن في شيء، ولا يطلق له في شيء لأنه يفسد، ولا يضبط، ~~قال الله سبحانه: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله}. # فالإذن للنفس بما وضع فيها. # فإن قال العبد مخاصما: فهل أقدر أن أبذل نفسي، وأترك مشيئاتي PageV06P335 ~~إلا بما تعطيني، فإنك وضعت في الشهوات، وإنما زاغت بي عنك حلاوة شهواتي، ~~وقوة هواي؟ ومن حجة الرب تعالى أن يقول: أعطيتك حلاوة معرفتي، وقوة الحياة ~~بي، وقائمة من عندي، وتعلقا بحبلي، فهلا جررت حلاوة شهواتك إلى حلاوة ~~معرفتي بذكاوة تلك الحياة، وبثبات تلك القائمة، ورسوخ قدمك في القائمة، حتى ~~تغمر حلاوة شهواتك في حلاوة معرفتي، وقوة القائمة، وتعلقك بالحبل حتى لا ~~يقدر الهوى أن يمد بك. # فهاهنا تنقطع الحجة، فيتحير العبد، فالمؤمنون من الله عليهم في السير ~~بمشيئته، وليس لأحد في المشيئة منازعة أن يقول: لم شئت لفلان، ولم تشأ لي؟. # وكذلك المحبة، فخلق الله الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فإنما أصاب ~~من أصاب بمشيئته، وأخطأ من أخطأ بمشيئته، فقد علم من يصيبه ممن يخطئه، كذلك ~~جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فلما ms1050 أبرز السلطان، نفر هؤلاء الذين لم ينالوا من ذلك الرش شيئا، ~~فتباعدوا، فورثوا البعد من الله والنفر، فلما خرجوا من صلب آدم، خرجوا سودا ~~عميا عن الله، فأقروا به كرها على وجه التقية، وذلك قوله تعالى: {ولله يسجد ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها}. PageV06P336 # 1474 - نا أبي، قال: نا عمرو بن طلحة القناد، عن أسباط، عن السدي، عن أبي ~~صالح، وأبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، بذلك. # وجاءت الأخبار: عن عبد الله بن عمر، وعن أبي ذر، وغيرهما عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بهذه القصة. # وكذلك هؤلاء الموحدون أعطاهم كلهم آلات الطاعة في الباطن؛ من العلم، ~~والذهن، والعقل، ثم لم يعطهم ما به يبذلون أنفسهم، حتى لا يشاؤون شيئا إلا ~~ما شاء، من أجل الشهوات التي ركب فيهم؛ لأن للشهوات حلاوة وحبا، وذلك الذي ~~أعطى من بذل نفسه له، وقطع عن نفسه حب الشهوات وحلاوتها مجاهدا لنفسه، ~~محاربا لهواه، مادا بجلدة رقبته إلى ربه، ضرعا، باكيا، تجري دموعه على ~~خديه، فمرة يجثو، ومرة ينتصب، ومرة يضع خده بالأرض، ومرة يدعو، ومرة يتملق، ~~حتى رحمه ربه، واطلع على صدق بذله، فمن عليه بذلك الحب الذي هو أصل الحب ~~عنده، فأحياه بذلك، وأذاقه من حلاوته ما جرف كل حلاوة في نفسه، كالسيل الذي ~~يجيء، فيجري في الكناسات بما فيها، وبالمزابل بما فيها من PageV06P337 ~~الأقذار والميتة، فصارت بقاعا طاهرة. # فكذلك صدر هذا العبد بما نال من هذا الحب، فذهبت مشيئاته تحت مشيئة ~~خالقه، فصار منه مأذونا بجميع ما فيه من الأشياء الموضوعة، حتى أينعت ~~ثمراتها، وبرزت عمالاتها على الجوارح، ثم صيره في أحوال الدنيا مقسما على ~~ربه في ملكه، قال الله تعالى: {أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا} الآية. # فرتب لتارك المشيئة مرتبة القسم أن يتناول من ملكه حاجته من خزائن تلك ~~الحاجة بقلبه، ثم يرفعه إلى ربه ممسكا ينتظر مشيئته، فيجعل الرب مشيئته في ~~مشيئة عبده، فذلك قول رسول الله ms1051 صلى الله عليه وسلم: ((لو أقسم على الله، ~~لأبر قسمه)). # فإقسامه أن يأخذ العبد من القسمة بمشيئته، فيمضي أخذه واقتسامه، فهذا ~~الحب بمشيئته يعطي ويمن، وليس لأحد فيه خصومة لم شئت له، ولم تشأ لي؟ ولم ~~أحببته، ولم تحبني؟ PageV06P338 # 1475 - نا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، ~~عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى إذا ~~أحب عبدا، قال: يا جبريل! إني أحب فلانا، فأحبه، فيحبه جبريل، ثم يضع له ~~القبول في الأرض)). # فالعلم بالله يؤدبك في باطنك، والعلم بتدبير الله يؤدبك في ظاهرك. # قال له قائل: كيف يؤدبه في الباطن؟ # قال: يجعله في ذلك العلم مراقبا لله، فيقف به على حدود المراقبة في ~~الأمور كلها، ويورثه الحياء منه، ويقف به على مهابة أسرار الله، PageV06P339 ~~ويقف به على الحذر والحزم، ويرضي نفسه رضا في أثقال المنن، والمراقبة في ~~الأمور كلها يورث الحياء حتى يؤديه من هذه المنازل إلى التعلق به في كل ~~الأحوال. # قال: فكيف يؤدبه في علم التدبير في ظاهره؟ # قال: إذا علم التدبير، تصور له صورة للأعمال، فرأى مراتب الأعمال عند ~~الله، فالصلاة لها مرتبة، والزكاة لها مرتبة، والصدقة لها مرتبة، والصوم له ~~مرتبة، والجهاد له مرتبة، وكذلك سائر أعمال البر لكل عمل مرتبة، ولكل عمل ~~ثواب؛ بخلاف العمل الآخر، ولكل عمل جزاء؛ بخلاف الجزاء للعمل الآخر، ولكل ~~عمل صورة، فالصورة أس العمل. # قال له قائل: اشرح لنا شيئا منه نقف به على معناه. # قال: الصلاة: إقبال العبد على الله، والزكاة، فرار من شركها وشبكاتها إلى ~~الله، والصوم: وثاق النفس ورباطها لله، والجهاد: حمية وتعصب لله، والحج: ~~وفاء البيعة الأولى، وتجديد بيعة أخرى، والجمعة: قبول ضيافة الله، وتناول ~~جوائزه، والأعياد: اعتراض العبيد على الله، ومجالس الذكر: تملق العبيد إلى ~~الله، ومرتع في رياض الله، ومؤاخاة المؤمنين ومعاطاتهم: مرمة عسكر الله، ~~والدعاء إلى الله، نصيحة الله، والرغبة إلى الله: افتقار العبد إلى الله، ~~فانظر إلى ms1052 ما نطق به التنزيل، وإلى ما جاءت به الأخبار عن الرسل PageV06P340 ~~من ثواب هذه الأشياء وحسن الجزاء، هل يشبه بعضه بعضا؟ # إذا نظرت إلى ذلك: علمت أن بينهن تفاوتا، وإنما اختلف مثوباتها؛ لاختلاف ~~صورها، فمن التدبير خرجت الصور، فمن عرف هذه الصور من الأعمال، فإنما ~~يعرفها بالعلم بتدبير الله، فعلى حسب ذلك يقيم حرمتها، ويضعها مواضعها. # ألا ترى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى كيف كان يعطي كل ~~عضو منه حقه من الصلاة؟ # وكذلك قال عمر: أعطوا مرافقكم حقها من السجود. # معناه: أي: لا تبسط ذراعك، فيبطل حظها من السجود. # قال ابن مسعود: لأن ترض إبهامي رضا أحب إلي من أن أستقبل بهما غير القبلة ~~إذا وضعت كفي بالأرض في حال السجود. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفريضة، لم يصل في مكانه ~~شيئا من التطوع؛ إقامة لحرمة الفريضة. # وكان إذا صلى التطوع، تياسر، ويأمر بذلك، ولا يتيامن؛ إقامة PageV06P341 ~~لحرمة اليمين. # وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى إلى سارية، وإلى عود، أو عصا، جعله على ~~حاجبه الأيسر، ولم يجعله نصب عينيه؛ إقامة لحرمة القبالة. # وكان علي رضي الله عنه إذا سلم، خفض تسليمته الأخرى قليلا من التسليمة ~~الأولى؛ إقامة لحرمة كاتب اليمين. # فهذه وما أشبهها في جميع أعمال البر محفوظ ذلك عندهم ومتعاهد، وكذا في ~~الصوم والزكاة، تركنا وصفه؛ لأنه واد عميق، فإنما أدركوا ذلك؛ لأنهم علموا ~~التدبير، ومراتب صور الأعمال، وبالله التوفيق. PageV06P342 ### || AUTO الأصل الثامن والستون والمئتان # 1476 - نا عباد بن يعقوب الأسدي، قال: نا عمرو ابن ثابت، عن سماك بن حرب، ~~عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن مسعود، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((نضر الله امرأ سمع منا حديثا، فبلغه كما سمع منا؛ فإنه ~~رب مبلغ هو أوعى له من سامع)). PageV06P343 # 1477 - نا محمد بن بشار بندار، قال: نا أبو داود، قال: نا شعبة، عن عمر بن ~~سليمان، قال: سمعت عبد الرحمن ابن أبان ms1053 يحدث، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((نضر الله امرأ سمع منا ~~حديثا، فبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير ~~فقيه)). # 1478 - نا أبي، قال: نا صالح بن عبد الله، عن أبي يوسف، عن محمد بن ~~إسحاق، عن الزهري، عن محمد ابن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالخيف من منى، قال: ((نضر الله عبدا سمع مقالتي PageV06P344 ~~فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه ~~إلى من هو أفقه منه)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فاقتضى العلماء الأداء، وتبليغ العلم، فإذا أدوه، تلقت الأسماع، ووعوه ~~لفظا ومعنى، ثم أدوه إلى من بعدهم من القرون، فلو كان اللازم لهم أن يؤدوا ~~تلك الألفاظ التي بلغت أسماعهم بأعيانها بلا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ~~ولا تأخير؛ لكانوا استودعوها الصحف كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالقرآن، فكان إذا نزل الوحي، دعا زيد بن ثابت، فكتبه مع ما توكل الله له ~~بجمعه وقرآنه، فقال تعالى: {إن علينا جمعه وقرءانه}، وقال تعالى: {وإنا له ~~لحافظون}. PageV06P345 # فكان الوحي محروسا، ومع الحرس يكتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو ~~كانت هذه الأحاديث سبيلها هكذا؛ لكتبها أصحاب رسول الله، فهل جاءنا عن أحد ~~منهم أنه فعل ذلك؟ # وجاء عن عبد الله بن عمرو: أنه استأذن رسول الله في صحيفة، فأذن له. # وأما سائر الأخبار، فإنهم تلقوها منه حفظا، وأدوها حفظا، فكانوا يقدمون ~~ويؤخرون، وتختلف ألفاظ الرواة فيما لا يتغير معناه، فلا ينكر ذلك أحد منهم، ~~ولا يرون بذلك بأسا. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لما قال: ((من كذب علي ~~متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار))، أمسك أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الرواية مخافة تغير الألفاظ، ثم سألوه عن ذلك، فهداهم السبيل، ~~وأوضح لهم الطريق. # 1479 - نا ms1054 بذلك نصر بن فضالة، نا عمرو بن الحسن الجزري، عن عباد بن عباد ~~المهلبي، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة، ~~قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يحدث بالحديث، فيقدم ويؤخر، PageV06P346 ~~ويزيد وينقص؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أصاب المعنى، فلا بأس)). # 1480 - نا الحسين بن سيار العسقلاني، قال: نا الوليد بن سلمة قاضي ~~الأردن، قال: نا إسحاق بن يعقوب بن عبد الله بن أكيمة، عن أبيه، عن جده، ~~قال: قلنا يا رسول الله! إنا نسمع الحديث، فلا نؤديه كما سمعنا، قال عليه ~~السلام: ((ما لم تحرموا حلالا، أو تحللوا حراما، وأصبتم المعنى، فلا بأس)). PageV06P347 # 1481 - نا أبي رحمه الله، قال: نا أبو نعيم النخعي، عن العلاء بن كثير، عن ~~مكحول، قال: خرجنا إلى واثلة بن الأسقع، فقلنا: يا بن الأسقع! حدثنا بحديث ~~غض لا تقدم فيه ولا تؤخر، حتى كأنا نسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قال: فغضب الشيخ، وكان شيخا كبيرا، فقال: أجلسوني، فأجلس، فقال: أما منكم ~~أحد قام في ليلته بشيء من القرآن؟ قلنا: ما منا إلا من قد قام بما رزق، ~~قال: فكان أحدكم حالفا بالله ما قدم حرفا من كتاب الله ولا أخره، إنا كنا ~~قد أمسكنا عن الأحاديث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعناه ~~يقول: ((لا بأس بالحديث قدمت أو أخرت إذا أصبت معناه)). PageV06P348 # 1482 - نا أبي رحمه الله، قال: نا صالح بن عبد الله، عن الضحاك بن ميمون، ~~عن يحيى بن أبي أنيسة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، بنحوه. # قال أبو عبد الله: # ثم لما تداولت هذه الأحاديث طبقات القرون، واشتبهت عليهم أصول العلم، وهي ~~الحكمة، وافتقدوا غور الأمور، كثر التخليط؛ فجاؤوا؛ [ب]الزيادة، والنقصان، ~~والتقديم، والتأخير، فالحكماء: ميزوا رواية الرواة، صحيحها من سقيمها. # قال له قائل: مثل ماذا؟ # قال: مثل ما روي عن أبي هريرة عن ms1055 رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ~~((أتاكم أهل اليمن، ألين قلوبا، وأرق أفئدة)). # ثم في رواية أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: PageV06P349 # ((أرق قلوبا وألين أفئدة)). # فاضطربت الرواة في ذلك، فأتت به من وجوه على هذا اللفظ، ومن وجوه على هذا ~~اللفظ الآخر، فإنما ميزت الحكماء بين اللفظين، وحكموا لواحد بالصواب، وذلك ~~أن القلب هو البضعة الباطنة، والفؤاد البضعة الظاهرة التي فيها العينان، ~~والأذنان، والنور في القلب، ويتأدى إلى الفؤاد، فالرؤية للفؤاد، والتقلب ~~للقلب، ولذلك سمي قلبا، والله يقلبه. # ألا ترى أنه يقال في الدعاء: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي)). # ولا يقال: يا مقلب الفؤاد! ثبت فؤادي، فإذا قلب القلب، انقلب الفؤاد معه ~~بتقلب القلب، قال الله تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم}. # فأصل التقلب للقلب، ثم قد نال الفؤاد منه حظا، فلم يسم قلبا، ويسمى ~~فؤادا، وقال تعالى: {ما كذب الفؤاد ما رأى}. # فنسب الرؤية إليه؛ لأن العينين على الفؤاد، يقال: هذا خبز فئيد لخبز ملة؛ ~~لأن له ظاهرا وباطنا، فظاهره مفشي عليه، فاللين للقلب، PageV06P350 ~~والرقة للفؤاد؛ لأنه إذا دخل النور القلب، فبالرحمة دخل، فرطب القلب ~~بالرحمة ولان، ثم لا يزال ذلك النور يعمل في ذلك القلب بحره وحريقه، حتى ~~يرفق هذه البضعة الظاهرة لذوب تلك الرحمة، فمن زيد في نور قلبه، كان أرق ~~لفؤاده، لذوب تلك البضعة، وألين لقلبه؛ لرطوبة الرحمة، فإنما وصف أهل اليمن ~~بذلك، وأخبر بحظهم من الله، فمن لم يصل إلى معرفة هذا الذي وصفنا، وكانت ~~روايته حفظا، اشتبه عليه الأمر، فمرة يقول: ((ألين قلوبا، وأرق أفئدة))، ~~ومرة يقول: ((ألين أفئدة وأرق قلوبا)). # فقلب المعنى، واستحال الكلام، ولم يكن عنده تمييز الحكماء. # ومثل قوله لحديث أبي هريرة: أنه قال: ((البكر تستأذن، والثيب تستأمر)). # فروى ابن المبارك عن علي بن المبارك، بهذا اللفظ. # وروى وكيع عن علي بن المبارك: ((البكر تستأمر، والثيب تستأذن)). PageV06P351 # فالذي فقه هذا، ميز الصواب من الخطأ، فقال: ((البكر تستأذن)). # ألا ترى أنه ms1056 قال: ((وإذنها صماتها، والثيب تستأمر)). # حتى تتكلم وتأمر، فإنها لا تستحي. # فمن روى أن البكر تستأمر، فقد استحال؛ لأن الاستئمار لمن ينطق بالأمر، ~~والاستئذان لمن يكون سكوته إذنا، فهو للبكر. # فمن أراد أن يؤدي إلى من بعده حديثا قد سمعه، جاز له أن يغير لفظه ما لم ~~يغير المعنى، وجاز له أن يقدم ويؤخر فيقول: قال فلان عن فلان عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وفلان لم يقل بذلك اللفظ، فلا يكون كاذبا في ذلك ما لم ~~يغير المعنى. # وجاز أن يقول: أخبرني، وحدثني، وكذلك إذا كتب إليه بذلك من بلدة إلى بلدة ~~أخرى، جاز أن يقول: أخبرني، وحدثني، وهكذا يكون الخبر إما شفاها، وإما ~~بكتاب، وذلك قوله في تنزيله: {من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير}. # فإنما صارت نبأ وخبرا بوصول علم ذلك إليه، وكذلك يجوز له أن يقول: حدثني؛ ~~لأنه قد أحدث إليه الخبر، فسواء حدث شفاها، أو بكتاب، وكذلك إذا ناوله ~~كتابه فقال: هذا حديثي لك، وهذا إخباري PageV06P352 ~~إياك، فحدث عني، وأخبر عني، جاز له أن يقول: حدثني، وأخبرني، وكان صادقا في ~~قوله؛ لأنه قد أحدث إليه، وأخبره، فليس للمتنع أن يمتنع من هذا تورعا، ~~ويتفقد الألفاظ مستقصيا في تحرير السوق تحري الصدق في قوله: أخبرني وحدثني، ~~ويزعم أن ذلك لا يجوز حتى يخبره قولا، ويحدثه شفاها، فهذا رجل قليل المعرفة ~~باللغة، يتوهم أن ترجمة قوله: أخبرني وحدثني لفظه بالشفتين، وليس هو كذلك ~~فاللفظة لفظة، والكلام كلام، والقول قول، والحديث حديث، والخبر خبر. # فالقول: ترجيع الصوت، والكلام: كلام القلب بمعاني الحروف، واللفظ: ما ~~يلفظ من شفتيه من الحروف والصوت، والحديث والخبر: إلقاء المعاني إليك، ~~فسواء ألقاه إليك لفظا، أو كتابا، وقد سمى الله القرآن في تنزيله: حديثا ~~حدث به العباد وخاطبهم، وسمى الذي يحدث في المنام: حديثا، فقال: {ولنعلمه ~~من تأويل الأحاديث}. # فكل محدث أحدث إليك شفاها أو بكتاب، فقد حدثك به، وأنت صادق في قولك: ~~حدثني، وكل من ألقى إليك نبأ من أمر، فقد أخبرك، ms1057 كان ذلك شفاها، أو بكتاب، ~~والله المستعان، وعليه التكلان. PageV06P353 ### || AUTO الأصل التاسع والستون والمئتان # 1483 - نا عتبة بن عبد الله بن عتبة الأزدي، قال: نا عبد الله بن ~~المبارك، عن مالك بن أنس، قال عتبة: وقرأت على مالك بن أنس، فأقر به عن ~~العلاء بن عبد الرحمن: أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت ~~أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله ~~تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: نصفها لي، ونصفها لعبدي، يقول ~~العبد: {الحمد لله رب العالمين} يقول الله تعالى: حمدني عبدي. يقول العبد: ~~{الرحمن الرحيم} يقول الله: أثنى PageV06P355 ~~علي عبدي. يقول العبد: {مالك يوم الدين} يقول الله: مجدني عبدي. يقول ~~العبد: {إياك نعبد وإياك نستعين} يقول الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما ~~سأل. يقول العبد: {اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} يقول الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل. # 1484 - نا عبد الجبار بن العلاء، قال: نا سفيان، قال: نا العلاء بن عبد ~~الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((قال الله تبارك وتعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال العبد: ~~{الحمد لله رب العالمين}، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: PageV06P356 # {الرحمن الرحيم}، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: {مالك يوم ~~الدين}، قال: فوض إلي عبدي، وإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين}، قال: هذه ~~بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم}، ثم قال ~~إلى آخرها)). # 1485 - نا صالح بن محمد، قال: نا العمري، قال: نا العلاء بن عبد الرحمن ~~بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ((إن الله -تبارك وتعالى- قال: قسمت الصلاة بيني وبين ~~عبدي، ولعبدي ما سأل، يقول: {الحمد لله رب العالمين} يقول الله: حمدني ~~عبدي، يقول العبد: {الرحمن الرحيم}، يقول الله: أثنى علي عبدي، يقول: ms1058 {مالك ~~يوم الدين}، PageV06P357 ~~يقول الله: مجدني عبدي، يقول: {إياك نعبد وإياك نستعين}، يقول: هذه الآية ~~بيني وبين عبدي، وآخر السورة لعبدي، ولعبدي ما سأل)). # 1486 - نا مؤمل بن هشام البصري، قال: نا إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن ~~جريج، قال: حدثني العلاء ابن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن عبد الله ~~ابن السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بمثله. # 1487 - نا عبد الله بن الوضاح النخعي، قال: أنا سليمان بن عمرو، عن نعيم ~~بن عبد الله مجمر الكعبة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه. PageV06P358 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالحديث صحيح من كلا الوجهين، كأن العلاء سمعه من أبيه عن أبي هريرة، ~~وسمعه من أبي السائب -وهو عبد الله بن السائب الجهني- عن أبي هريرة، فمرة ~~رواه عن أبيه، ومرة عن أبي السائب. # 1488 - نا سفيان بن وكيع، قال: نا زيد بن الحباب، عن عنبسة بن سعيد قاضي ~~الري، عن مطرف بن طريف، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن جابر بن عبد ~~الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تبارك وتعالى: ~~قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين}، قال ~~الله: حمدني عبدي، فإذا قال: {الرحمن الرحيم}، قال الله: أثنى علي عبدي، ~~فإذا قال: {مالك يوم الدين}، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} إلى آخرها، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل)). PageV06P359 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # قوله: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين))، فالصلاة: هي تصلية المرء بن ~~يدي ربه؛ لينال من سبحات وجهه الكريم؛ لأن العبد إذا وقف بين يديه مصليا، ~~أقبل الله عليه بوجهه، كذلك جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ~~في تنزيله: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}. # فأحسن العبد حيث أقبل على الله بوجهه الذي هو مكارم بدنه، ثم وضع وجهه ~~بمكارمه على الأرض تذللا ms1059 وتواضعا لوجهه الكريم، ولذلك جرت الأخبار من مقال ~~الرسل من مثل داود وغيره -عليهم السلام- أن قال: سجد وجهي لوجهك الكريم، ~~فكان من جزاء الله له أن أقبل عليه بوجهه. # فالمصلي: هو كالمصطلي بنار، يقف على النار حتى يدفئ جسده من حر النار، ~~فأمر العباد أن يقفوا بين يديه بالإقبال عليه قلبا وبدنا، فيقبل عليهم ~~بوجهه الكريم، فينالهم من سبحات وجهه ما تحيا قلوبهم من موت الشهوات، ويطهر ~~جوارحهم من أدناس الذنوب، فسمي ذلك الوقوف: صلاة، مشتق من الصلي. # فإذا وقف العبد، فمن أدب الوقوف: أن يترضى ربه بالثناء عليه، فيذكر ~~مدائحه وصنائعه، ثم يسأل حاجته، فكانت لمحمد صلى الله عليه وسلم ولأمته ~~حظوظ مخزونة عنده في سره وغيبه ليست لأحد من ولد آدم، فلو أبرزها؛ لمدت ~~الرسل والأنبياء والأمم أعينهم إلى تلك الحظوظ، وظهرت الخصومة، PageV06P360 ~~ويقولون في أنفسهم: نحن عبيدك من طينة واحدة، فما هذه الحظوظ لهم دوننا؟ # وتحيرت الملائكة في شأن هذه الأمة، فأسر هذه الحظوظ في غيبه، وألقاها إلى ~~الدعاء؛ ليخيل إلى الجميع أنهم إنما نالوها من الدعاء، وفتح لهم باب الدعاء ~~ما لم يفتح لأحد من الأمم، ونزلت: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((أعطيت أمتي ثلاثا لم ~~يعط إلا الأنبياء: كان الله سبحانه إذا بعث النبي، قال: ادعني أستجب لك، ~~وقال لهذه الأمة: {ادعوني أستجب لكم}، وكان الله إذا بعث النبي، قال له: ما ~~جعل الله عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: {وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج}، وكان الله إذا بعث النبي، جعله شهيدا على قومه، وجعل هذه الأمة ~~شهداء على الناس)). # 1489 - نا بذلك أبي، قال: نا صالح بن محمد، قال: نا محمد بن عبد الرحمن، ~~عن عباد بن كثير، قال: نا أبان، وليث، عن شهر بن حوشب، عن عبادة بن الصامت، ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله يقول. PageV06P361 # فجاءت الأمور إلى العباد على أنحاء شتى، فمنها ما جاء: ms1060 يا أيها الناس! ~~افعلوا كذا، ومنها ا جاء: يا أيها الذين آمنوا! افعلوا كذا. # فهذه دعوة بالكنية، والأولى دعوة بالاسم. # ومنها ما جاء: {قل للمؤمنين}. ومنها ما جاء: {قال الله}. ومنها ما جاء: ~~{قال ربكم}. # وين هذه الأشياء تفاوت في المعاني يطول الكلام في تفسيرها، وإنما أردنا ~~التنبيه في هذا الموضع؛ لعظم قدر هذه الكلمة: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}. # وكان خالد الربعي يقول: عجبت لهذه الآية: {ادعوني أستجب لكم}، أمرهم ~~بالدعاء، ووعدهم بالإجابة، وليس بينهما شرط. # قال له قائل: مثل ماذا؟. # قال: مثل قوله: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عن ربهم}. ليس فيه شرط ~~العمل، ومثل قوله تعالى: {فادعوه مخلصين له الدين}. PageV06P362 # فهاهنا شرط، وقال تعالى: {ادعوني أستجب لكم} ليس فيه شرط. # فكانت الأمم تفزع إلى أنبيائها في حوائجهم حتى يسأل بالأنبياء لهم ذلك. # وروي عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-: أنه قال: أوحى الله إلى عبده ~~المسيح أن قل لبني إسرائيل: إني لا أستجيب لأحد منهم دعوة، ولأحد منهم قبله مظلمة. # وقال في حديث آخر: يا عيسى! قل لبني إسرائيل: أن لا يمدوا أيديهم بالرغبة ~~إلي حتى يتبرؤوا من أنجاس الذنوب. # وقال في حديث آخر: قوله لموسى صلى الله عليه وسلم: لو دعاني حتى تنقطع ~~أوصاله، ما استجيب له حتى يخرج الذنوب من بين أعضائه. # فإنما خص الله هذه الأمة من بين الأمم بما أطلق لهم من الدعاء، ورفع ~~الشرط الذي كان منه على بني إسرائيل؛ ليصل إليهم تلك الحظوظ التي سبقت لهم ~~من الله الحسنى من قبل دعائهم على ألسنتهم؛ لئلا يقع الخصومة في الأمم يوم ~~القيامة، فيقولون: أعطيتهم ولم تعطنا، فأعطاهم من اليقين ما نفذ بقلوبهم ~~إلى محل الإجابة. PageV06P363 # والإجابة: هي الجوبة جوبة الدعاء: أن ينجاب لهم عن الحجاب دعاؤهم بنور ~~اليقين الذي فضلوا به، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت ~~أمتي من اليقين ما لم تعط أمة)). # وذلك قوله في تنزيله: {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم}، ثم ms1061 قال: {ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}، {ما أوتيتم}؛ أي: لن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم، ثم قال: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}؛ ~~أي: واسع لمن أعطى، عليم بمن هو أهل لذلك، {يختص برحمته من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم}. # والاستجابة والإجابة: هو أن ينفذ دعاء العبد بقوة نور اليقين حتى تنجاب ~~الحجب، فتجوز الدعوة إلى الله، فتقف بين يديه مقتضيا للحاجة، ولذلك قال ~~تعالى: {فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}؛ أي: أجعل لدعوته جوبة، وهو ~~المستقر؛ حتى يقتضي الحظ الذي وضعت له بين يدي، فأقضي أن أمضي له من بين ~~يدي حتى تصل إليه، ولو لم يكن له حظ، لم ينل شيئا، ولم أترك دعوته مهملة؛ ~~بأن ذخرت له ذخيرة إذا قدم عليها، ود أنه لم يستجب له دعوة؛ لما يرى من فضل ~~تلك الذخيرة على ما سأل. PageV06P364 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة))؛ ~~أي: معكم نور اليقين حتى ينجاب لكم الحجاب وينفلق، وتنفذ الدعوة إلى ربها. # فلما كان شأن هذه الحظوظ على ما وصفنا، وأحب الله أن يوصلها إليهم من ~~طريق دعائهم، هيأ لهم فاتحة الكتاب، فأنزلها على هذه الأمة دون سائر الأمم، ~~خصهم بها كما خصهم بالدعاء، فجعل نصفها ثناء، ونصفها دعاء؛ ليثني هذا العبد ~~بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم {الحمد لله رب العالمين} إلى قوله: {إياك ~~نعبد}، ثم يرفع حاجته من قوله: {وإياك نستعين} إلى آخرها. # ثم أعطاهم آمين، خصهم به من بين سائر الأمم؛ ليصير التأمين طابعا على ~~دعائهم، فختم به، فأنزل الله عليهم فاتحة الكتاب، وخزنها عن الأمم؛ ليثنوا ~~عليه بأبلغ الثناء، ويسألوه أوفر المسائل، ففي ذلك الثناء مجمع الثناء، وفي ~~تلك المسائل مجمع الحاجات، وهذا لا يعقله إلا أهله، ثم وضعها في التنزيل، ~~وسماها: القرآن العظيم، فقال تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن ~~العظيم}. # وروي عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب، عن رسول الله صلى ms1062 الله عليه وسلم: أنه ~~قال: ((والذي نفسي بيده! إنها السبع المثاني، وإنها القرآن العظيم)). PageV06P365 # يعني: فاتحة الكتاب. # فوفر الله حظ محمد صلى الله عليه وسلم وحظوظ أمته في حظه، وبرز بذلك على ~~الخلق كلهم، فجعل ذلك الحظ كله في بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، إلى ~~قوله: {ولا الضالين} آمين. # فختمها بآمين، فجعل مفتاحها اسم الله، ووضعها في أم الكتاب الذي لم يطلع ~~عليه أحد في الحجب مع الحكمة والرحمة بين يديه، ثم أصدرها مع سائر الكتب من ~~أم الكتاب إلى اللوح، ثم أنزل الكتب التي أرسل إلى الأمم، واستثنى هذه ~~السورة منها، فخزنها عن الرسل والأمم، وادخرها لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وأمته، وصيرت هذه السور كلها حروفا مؤلفة منتظمة تلك الحروف لجميع حروف ~~القرآن، فسميت: أم الكتاب؛ لأن الكتاب استخرج منها، وسميت مثاني؛ لأنها ~~استثنيت من الرسل والأمم، وسميت: القرآن العظيم، فقال تعالى: {ولقد آتيناك ~~سبعا من المثاني والقرآن العظيم}؛ أي: سبع آيات مما استثنيناه من الكتب، ~~وادخرناه PageV06P366 ~~لك ولأمتك، ثم قال: {والقرآن العظيم}؛ أي: آتيناك القرآن العظيم، فسماه ~~الله: عظيما. # وروي عن ابن عباس: أنه قال: الآية السابعة: بسم الله الرحمن الرحيم. # 1490 - نا سليمان بن العباس الهاشمي، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ~~أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بذلك. # وروي عن أبي هريرة نحو من ذلك. # قال له قائل: فكيف إذا قرأها الإمام، افتتح بالحمد لله، ولا يجهر ~~بالتسمية؟ # قال: إن علة مثل هذا لا يدرك إلا بالخبر. # 1491 - فحدثنا أبي، قال: نا الحماني، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، ~~قال: كان المشركون PageV06P367 ~~يحضرون المسجد، فإذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بسم الله الرحمن ~~الرحيم))، قالوا: هذا محمد يذكر رحمان اليمامة -يعنون: مسيلمة-، فأمر أن ~~يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم، ونزلت: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها}. # قال أبو عبد الله: # فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذلك الرسم، وإن زالت العلة؛ كما بقي الرمل في ~~الطواف، وإن ms1063 زالت العلة، وبقيت المخافتة في صلاة النهار، وإن زالت العلة، ~~فجعل الله عظم الدعاء وجملته موضوعا في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ~~ونصفها فيه مجمع الحاجات، ثم قال في آية أخرى: {ادعوني أستجب لكم}. # فأنزلت هذه السورة لنتلوها، ولندعو بها، فكما خزن هذه السورة PageV06P368 ~~عن سائر الأمم، كذلك خزن قوله: {ادعوني أستجب لكم} عن سائر الأمم، فكانت ~~الأمم، تفزع إلى أنبيائها في وقت الحاجة، وإنما كانت هذه للأنبياء، فأعطينا ~~ما أعطيت الأنبياء، كذلك روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرنا ~~إسناده بدءا. # فخزن السورة عن سائر الأمم، وخزن هذه الآية عن سائر الأمم، فجعل لسانك ~~مطلقا بالدعاء، وكفيك مبسوطة بالتناول، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة ~~أفضل من الذي تدعو به؛ لأن هذا كلام قد تكلم به رب العالمين، فأنت تدعو ~~بدعاء هو كلامه الذي تكلم به، فبان بونا بعيدا، وإنما أطلق الله لهذه ~~الأمة، وفتح لهم باب الدعاء؛ لينيلهم الحظوظ التي جعل لهم في الغيب؛ كي إذا ~~وصلت إليهم، وظهرت عليهم تلك الأشياء، توهم سائر الخلق أنهم نالوها من قبل ~~الدعاء، ولذلك قيل ليس شيء أكرم على الله من الدعاء، وصار للدعاء من ~~السلطان ما يرد القضاء. # 1492 - نا أحمد بن مخلد، قال: نا عمرو بن مرزوق، عن عمران القطان، عن ~~قتادة، عن سعيد بن أبي PageV06P369 ~~الحسن -وهو أخو يحيى البصري-، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((ليس شيء أكرم على الله من الدعاء)). # 1493 - نا أبو سلمة يحيى بن المغيرة المخزومي، قال: نا ابن أبي فديك، عن ~~عبد الرحمن بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن ~~مكحول، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((لن ينفع حذر من قدر؛ فإن الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم PageV06P370 ~~ينزل، فعليكم -عباد الله- بالدعاء)). # 1494 - نا أبي، قال: نا أبو نعيم، عن سفيان، عن عبد الله بن ms1064 عيسى، عن عبد ~~الله بن أبي الجعد، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ~~يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق ~~بالذنب يصيبه)). PageV06P371 ### || AUTO الأصل السبعون والمئتان # 1495 - نا ابن أبي ميسرة، قال: نا يعقوب بن حميد، قال: نا عبد الله بن ~~عبد الله الأموي، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من اعتز بالعبيد، أذله الله)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # الاعتزاز بالعبيد مهتاجة من حب العز، ومن طلبه له، فإذا طلب العز للدنيا، ~~طلبه من العبيد، فترك العمل بالحق، والقول بالحق؛ لينال ذلك العز، PageV06P373 ~~فيعزوه، ويعظموه، فذاك اعتزازه بهم؛ يتكثر بهم، ويمتنع من المكاره بهم، ~~ويطلب معالي الأمور بهم، ويطلب العلو بهم وبتكثيرهم، ويتصون بهم، فعاقبة ~~أمره الذلة، وإن الله تعالى يمهل المخذول حتى ينتهي به خذلانه إلى أن يستحق ~~لباس الذل، فعندها يلبسه، إما في الدنيا عاجلا، وإما يوم خروجه من الدنيا، ~~يخرجه من أذل ذلة، وأعنف عنف، وأشد بأس وتنكيل، وإن الله تعالى أظهر عزه، ~~وأخرج إلى العباد إزار العز؛ ليجعل لهم من ذلك حظا. # فإنما سماه إزارا؛ ليعقل العباد عنه: أن هذه قوة أخرجها إلى العباد؛ ~~ليقووا به على الأعداء، ولقوى به المحق على المبطل، والأزر هو القوة، وذلك ~~قوله تعالى: {كزرع أخرج شطئه}؛ أي: زرعه {فآزره}؛ أي: قواه. # والإزار موضعه من الآدميين من الوسط، يأتزرون على أوساطهم ليقووا، ولذلك ~~سمي إزارا؛ لأنه قوة المرء، فمن أقبل إلى الله موحدا، فآمن به، وأسلم وجهه ~~إلى الله، فإنما ينظر الله إلى قلبه وعمله، فمن أسلم وجهه إلى الله، أوجب ~~الله له حظا من ذلك العز الذي أخرجه للعباد، ومن أعرض عنه، فأشرك به غيره ~~في ملكه، وعبد دونه، حرمه عزه، وأخسأه، وصغره، فإذا احتظى المقبل على الله ~~بتوحيده من ذلك العز، فقد تزكى، والزكاة، النماء، والاحتشاء، والاكتناز. PageV06P374 # فالمؤمن زكي محتش مكتنز مستقيم، والكافر ms1065 خال خاو رخو ضعيف، فمن ازداد لله ~~تسليما وطمأنينة إليه بقلبه في الأحوال؛ ازداد نموا واحتشاء واكتنازا، فهو ~~الذي قد تزكى، فهو زكي، قال الله تعالى: {قد أفلح من تزكى}، وقال: {ومن ~~تزكى فإنما يتزكى لنفسه}، وقال: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم ~~من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء}. # فمن تزكى، فبفضله ورحمته قسم له ذلك، وهو نور التوحيد، ثم قواه حتى ربا ~~ذلك النور بالشكر، واستوجب المزيد. # وقال تعالى: {ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى} ~~إلى قوله: {وذلك جزاء من تزكى}، فجعل للزكي الدرجات العلا، وقال تعالى: ~~{ولله العزة ولرسوله}. # فقوى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بتلك العزة، وأخرجها لهم من ~~عزه، وسماه: عزة، وسماه، إزارا؛ ليعلم العباد أنها قوة لهم، كل يحتظي منه ~~على قدر بذله نفسه لله؛ في الائتمار بما أمره، ووضعه نفسه له في الأرض ذلة ~~وخشعة؛ في الانتهاء عما نهاه عنه، وترك مشيئاته في الأحوال كلها بمشيئته، ~~فعلى قدر ذلك يستوجب الحظ من تلك العزة، وذلك قوله تعالى: {سبحان ربك رب ~~العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين} الآية. PageV06P375 ### || AUTO الأصل الحادي والسبعون والمئتان # 1496 - نا محمد بن وزير الواسطي، قال: نا معتمر ابن سليمان، عن إسماعيل ~~بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله، قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من لا يرحم الناس، لا يرحمه الله)). # 1497 - نا الجارود، قال: نا جرير، عن الأعمش، PageV06P377 ~~عن زيد بن وهب، عن جرير بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالرحمة موضوعة في الآدمي، فأوفرهم حظا منه: أرحمهم لنفسه، فإذا رحم نفس، ~~جنبها المعاصي والمساخط، وطلب لها حسن عواقب الأمور، ليحسن منزلته عند ربه، ~~فينزله غدا دار الحسنى، وذلك جزاء المحسنين. # فبالرحمة يتخطى إلى الإحسان إلى نفسه، ومنها يتخطى إلى الإحسان إليهم، ~~وكل من رحمته، ms1066 رق قلبك له، ودعتك الرقة إلى الإحسان إليه، والعطف عليه؛ ~~لدوام الإحسان، ومن احتبس حظه من الرحمة، غلظ قلبه، وصار فظا، فإذا غلظ ~~قلبه، لم يرق لنفسه، ولا لأحد من خلقه، قال الله تعالى: {فبما رحمة من الله ~~لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}. PageV06P378 # فالشديد يشدد على نفسه في الأحوال، ويعسر، ويضيق، وكذلك على الخلق، وهو من ~~نفسه في تعب، والخلق منه في أذى. # واللين لان قلبه، ورطب بماء الرحمة، وانتشف ماء الرحمة ببؤوسة نفسه، وحدة ~~حرارتها وكزازتها، وذهبت قسوة قلبه، فمن لم يكن له وفارة حظ من الرحمة، ~~وجدته حديد النفس، قاسي القلب، مكدود الروح، مظلم الصدر، عابس الوجه، منكر ~~الطلعة، ذاهبا بنفسه تيها وعظمة، غليظ الرقبة، سمين الكلام، عظيم النفاق، ~~قليل الذكر لله والدار الآخرة، ولهادم اللذات. # 1498 - نا الجارود قال: نا أبو معاوية، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن ~~عائشة، قالت: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي، فقبله، فقال رجل: ~~أتقبل هذا؟ ما قبلت صبيا لي قط، فقال رسول الله: ((وما أملك إن كان الله ~~نزع من قلبك الرحمة؟!)). # 1499 - نا الجارود، قال: نا جرير، عن منصور، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة، ~~قال: قال خليلي وصفيي PageV06P379 ~~أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ((ما نزعت الرحمة إلا من شقي)). # وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الراحمون ~~يرحمهم الرحمن، ارحم من في الأرض، يرحمك من في السماء)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالرحمة المكتوبة على نفسه مئة رحمة، والمقسومة منها واحدة بين PageV06P380 ~~خلقه فيما روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالواحدة التي قسمها ~~بين خلقه احتظى منها الآدمي، وسائر الأمم، حتى الطيور والوحوش والبهائم، ~~فتلك رحمة العطف، فبها يتعاطفون، واشترك فيها البر والفاجر، والولي والعدو. # وأما هذه الرحمة التي وصفناها بدءا، فهذه رحمة الإيمان، مأخوذة من الرحمة ~~العظمى التي منها بدت تلك المئة، فأوفرهم حظا من المعرفة بالله والعلم به: ms1067 ~~أوفرهم حظا من القربة، وأوفرهم حظا من القربة: أوفرهم حظا من الرحمة، فكلما ~~كان القلب أقرب إلى الله، كان ألين، وفؤاده أرق، وكلما تباعد القلب من الله ~~بمعصية يأتيها، كان قلبه أقسى وأبعد من الرحمة. # ألا ترى إلى قوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم ~~قاسية}؛ فإنما قست بالتباعد من الله من أجل نقض الميثاق. # ولذلك لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة إلا ~~الرحيم))، قالوا: يا رسول الله! كلنا يرحم، فقال: ((ليس رحمة أحدكم خويصته ~~-يعني: أهله وولده-، ولكن حتى يرحم العامة)). # فرحمتك الخويصة هي رحمة العطف من الرحمة المقسومة بين خلقه، PageV06P381 ~~ورحمتك العامة من رحمة المعرفة بالله. PageV06P382 ### || AUTO الأصل الثاني والسبعون والمئتان # 1500 - نا سفيان بن وكيع، قال: نا عبد الله بن نمير، عن معاوية النصري، ~~عن نهشل، عن الضحاك، عن الأسود ابن يزيد، عن عبد الله بن مسعود، قال: سمعت ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: ((من جعل الهموم هما واحدا، كفاه الله هم ~~دنياه وآخرته، ومن تشعبت به الهموم وأحوال الدنيا، لم يبال الله في أي ~~أوديتها وقع)). PageV06P383 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالهم للقلب، وهو أمير الجسد، وهو وعاء كنوز المعرفة، ومنها يفرق على ~~جنوده، فالعقل والذهن والحفظ والفهم والفطنة والروح، وهؤلاء كلهم مرتزقة من ~~عند القلب، والقلب ينفق عليهم من كنزه الذي أعطي، وهو المعرفة بالله، ~~والعلم بالله، فإذا جاءته هموم أحوال النفس قد تشعبت قلبه شعبا، وشغل القلب ~~تشعبها، فضيع الكنز، وفرق الجند، وبقي مأسورا في يد النفس وأحوالها، فلم ~~يبال الله في أية أوديتها من تلك الشعوب هلك؛ لأن هموم النفس ووساوس العدو ~~يخوفك بالرزق، ويخوفك بأحوال الدنيا وتقلبها، ويرغبك في الجمع والمنع، ~~ويحلي في قلبك ما فيه مصرعك وهلاكك، ويزين لك أحوال أبناء الدنيا، فهذه ~~كلها سموم قاتلة للقلب، فمن تخلى من هذه الهموم كلها، حتى صارت همومه كلها ~~هما واحدا، كفاه الله الهموم كلها من أمر الدنيا والآخرة، والهم: دبيب ~~القلب إلى الشيء، وإنما ms1068 صار الهم همين: # 1 - أحدهما: مغيب. # 2 - والآخر: متجاوز له عنه، من أجل أن أحدهما هم دبيب، والآخر هم حلول. # فالقلب إذا بدت له خاطرة، ودب إليها، ثم يبقى في الطريق متحيرا عاجزا قد ~~انسد عليه الطريق، فتحير، فهذا هم يتجاوز عنه. # والهم الآخر يدب القلب بالخاطرة إلى الشيء الذي بدأ حتى ينتهي PageV06P384 ~~منتهاه، فيحل به، فحلوله عزم وإضمار، فإن كانت سيئة، صار قد هم بسيئة، فهي ~~وإن لم يكتب عليه، فقد انحط من درجته، وأضر به؛ لأنه قد عزم على معصية ~~الله، فهذا هم حلول القلب. # والهم الأول إنما هو دبيب القلب إلى الخاطرة، ثم عمي عليه الطريق، فعجز وتحير. # وإنما يصير همه هما واحدا: إذا نسي نفسه وأحوالها، وأن ينكشف له الغطاء ~~عن المعرفة بالله حتى يرى الله كافيا له في كل أمر من دنياه أو آخرته، ~~فعندها يرفع باله عن التدبير لنفسه، ويلقي ذلك كله إلى الله تفويضا، ويراقب ~~ماذا يخرج له من تدبيره ساعة فساعة، فتدبير الله للمؤمن أعلى من تدبيره ~~لنفسه، فإذا رفض العبد تدبيره، وأقبل على ملاحظة تدبير الله في كل وقت، ~~ماذا يظهر له، فقد استراح. # فإنما همه في كل ساعة: التوخي لمحابة الله في كل أمر من متقلبه، فإنه ~~إنما خلقه عبدا؛ ليكون له عبدا عارفا له، عالما به، فينظر بعين المعرفة ~~والعلم إلى عظمته وجلاله، وبهائه، وكبريائه، وسلطانه، ورحمته، وإلى ملكه ~~وأبديته، فيقر عينه، ويمتلئ قلبه فرحا به، فعندها يظهر المحبة على قلبه، ~~ويشتاق إلى لقائه، ويتبرم بحياته، ويقلق بمكانه، ينتظر متى يدعى فيجيب، فهو ~~مسجون برمق الحياة. PageV06P385 # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدنيا سجن المؤمن وسنته))؛ ~~يعني: قحطه. # فالآدمي إذا أسنت، ضاقت عليه المعيشة، واشتد العيش، فهو ينتظر الخصب ~~والسعة، والمسجون، وإن أحاطت به نعم الدنيا في سجنه، فعينه شاخصة إلى باب ~~السجن متى يخلى عنه فيخرج، فالمؤمن مشتاق إلى لقاء من عرفه لما ذكرنا، فضاق ~~بالحياة في الدنيا، وانتظر الدعوة، فهمه في الدنيا هم واحد، وهو ms1069 أن يلتمس ~~محابة الله في كل أمر دق أو جل، فيكون ظاهر أموره حركات في طاعة الله، ~~وباطن تلك الحركات حب الله تعالى به، يغلي قلبه، فهو الذي جعل الله همه هما ~~واحدا، وانقطع من الخلق إلى الله، فمن العباد يصعد إلى الله أعمال الجوارح، ~~ومن هذا أنوار الحب مع كل نفس، فنور هذا متواتر صاعد إلى الله تعالى، ~~فأنوار العمال منقطعة، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {واذكر اسم ربك ~~وتبتل إليه تبتيلا. رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} الآية. # فاسم الرب هو الاسم الأعظم المكنون الذي منه خرجت الأسماء، PageV06P386 ~~فمن وصل إلى ذلك الاسم المكنون، وانكشف له الغطاء عنه، فقد تبتل إليه، ~~وانقطع عن الخلق، واتخذه وكيلا، فعندها بطلت وكالة النفس، وتعطلت الهموم، ~~وانتصب ذلك الهم الواحد بين عيني فؤاده، فاشتعل الصدر نورا، فتتابعت أنوار ~~حبه متواترة إلى العلا. # 1501 - نا محمد بن سفيان النيسابوري، قال: نا إبراهيم بن الأشعث، عن فضيل ~~بن عياض، عن هشام، عن الحسن، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((من انقطع إلى الله، كفاه الله مؤنته، ورزقه من حيث لا ~~يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا، وكله الله إليها)). # 1502 - نا عبد الله بن أبي زياد، نا سيار، عن رياح PageV06P387 ~~القيسي، قال: نا الحسن بن ذكوان، عن عبد الواحد بن قيس، عن مسلم بن جبير، ~~عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله ملائكة ~~موكلين بأرزاق بني آدم، ثم قال لهم: أيما عبد وجدتموه جعل الهم هما واحدا، ~~فضمنوا رزقه السماوات والأرض، وبني آدم، وأيما عبد وجدتموه طلبه، فإن تحرى ~~العدل، فطيبوا له ويسروا، وإن تعدى إلى غير ذلك، فخلوا بينه وبين ما يريد، ~~ثم لا ينال فوق الدرجة التي كتبتها له)). PageV06P388 ### || AUTO الأصل الثالث والسبعون والمئتان # 1503 - نا عمرو بن علي الصيرفي، قال: نا بشر بن المفضل، قال: نا عبد ~~الرحمن بن حرملة، عن عمرو بن شعيب، عن ms1070 أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((لا يقص إلا أمير، أو مأمور، أو مراء)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالقصص اسم جامع، دخلت فيه الموعظة والتذكرة، والدعوة إلى الله، واشتمل ~~عليه النشر عن الله مننه وإحسانه، وتنبيه الخلق عن توحيده PageV06P389 ~~وعن معروفاته، ونموذجات صنائعه، سمي ذلك كله قصصا؛ من أجل أن قلب هذا يقتص ~~أثرا أثرا لكل شيء، ويشير بقلبه إلى شيء شيء، ثم يعبر إشارات قلبه بلسانه ~~للخلق، فهو قاص عليهم لتلك الأشياء أثرا أثرا. # وهذه كلمة لزمت أشياء كثيرة، مما تشابهت صورها بعضها ببعض، فيقال: قص ~~أثره، وهو: أن يتبع أثره، ويقال: قص خبره، وهو: أن يتبع بقلبه صفة ذلك ~~الشيء الذي يخبر به، فيتبع الصفة شيئا بعد شيء، ويقال: قص شعره وظفره، وهو ~~أن يتبع ما زاد من شعره وظفره خروجا من جسده، فيتبع ذلك، فأزاله عنه، ~~فالدعاء إلى الله بالموعظة والتذكرة لمن وصل إلى الله قلبا، وكان مركب قلبه ~~الحق والعدل، وهو قوله تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}. # فهذا ما أعطى الله موسى في قوله حيث قرأ التوراة، فوجد صفة هذه الأمة، ~~فوجد في نفسه من ذلك حاجة أن تكون أمته، حتى قال: رب! اجعلني نبيهم، قال: ~~استقدمت واستأخروا، ونبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، فأعطي أن سيكون من ~~قومه أمة يهدون بالحق وبه يعدلون. # قال قتادة: فرضي من الله كل الرضا، فقص الله علينا نبأه، فقال: {ومن قوم ~~موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}، ثم قال بعقب ذلك: {وممن خلقنا أمة يهدون ~~بالحق وبه يعدلون} الآية؛ أي: من هذه الأمة. # فقوم موسى الذين أعطوا ذلك في عزلة من الخلق من وراء نهر الرمل PageV06P390 ~~ناحية المشرق حيث لا يخلص إليهم أحد، ولقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيما روي لنا ليلة أسري به، فعلمهم القرآن، وعرض عليهم الشريعة، فقبلوها، ~~فأعطيت هذه الأمة في الجماعة والعامة ما أعطي أولئك في العزلة، فساروا في ~~الجماعة بما سار ms1071 أولئك في العزلة؛ بفضل يقينهم، ووصول قلوبهم إلى الله، ~~فمركب قلوبهم الحق، وطريقهم إلى الله تعالى على العدل في ذلك الحق، وهم ~~أمراء الدين في كل وقت، وهو قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم}. # فالقصص لهم، ولمن يرونه أهلا لذلك المقام، والثالث مراء متكلف مذموم، فهو ~~دخيل ليس منهما في شيء، هذا لا يجب أن يسمع منه، ولا يستمع إليه. PageV06P391 ### || AUTO الأصل الرابع والسبعون والمئتان # 1504 - نا محمد بن أيوب السمناني، قال: نا حسان ابن عباد البصري، قال: نا ~~أبي، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، وعكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا)). # 1505 - نا أبي رحمه الله، قال: نا الحماني، قال: نا PageV06P393 ~~جرير، عن ليث، عن شيخ، عن معقل بن يسار، قال: قال أبو بكر رضي الله عنه، ~~وشهد به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ذكر رسول الله الشرك، ~~فقال: ((هو فيكم أخفى من دبيب النمل، وسأدلك على شيء إذا فعلته، أذهب عنك ~~صغار الشرك وكباره، تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، ~~وأستغفرك لما لا أعلم، تقولها ثلاث مرات)). # 1506 - نا أبي، قال: نا أحمد بن يونس، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن ابن ~~جريج، قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: ((يا أبا ~~بكر! الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل))، فقال أبو بكر: وهل الشرك إلا ما عبد ~~من دون الله؟ قال: ((يا أبا بكر! الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل، إن من ~~الشرك أن يقول الرجل: ما شاء الله PageV06P394 ~~وشئت، ومن الند أن يقول الرجل: لولا فلان، لقتلني فلان، أفلا أدلك على ما ~~يذهب الله عنك صغار الشرك وكباره؟))، قال: بلى يا رسول الله، قال: ((تقول ~~كل يوم ثلاث مرات: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما ~~لا أعلم)). # 1507 - نا ms1072 عبد الجبار، قال: نا سفيان، عن عبد الملك ابن عمير، عن ربعي بن ~~حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قد كنت أكره لكم ~~أن تقولوا: ما شاء الله، وما شاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء ~~محمد)). PageV06P395 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالرب تعالى واحد، وجعل ربوبيته في الغيب، وخلق العباد في الغيب، وأوله ~~قلوبهم إليه، وقررهم كلهم بالعبودة له، وعلى ذلك فطرهم، فكلهم يفزعون عند ~~الحاجة إلى اسم الله الذي جعله موله قلوبهم، فثبت فريق منهم على إخلاصه، ~~وأشرك فريق منهم، وذلك قوله تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين ~~له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون. ليكفروا بما آتيناهم ~~وليتمتعوا فسوف يعلمون}. # فجعل أمور العباد كلها يوصلها إليهم في الغيب، قد ستر أمورهم بالأسباب، ~~وقال: أنا الرزاق، ثم جعل أرزاقهم في ماء الحيوان تحت العرش، ثم وكل به ~~ملائكة القطر، ثم سخر السحاب لقبوله، وسخر الرياح ليجعل كسف السحاب ركاما، ~~ويبسطه كيف يشاء، ثم يأمر السحاب أن يدر بالقطر مطرا، ثم أمر الأرض أن ~~تقبله ودائع، ثم أمر الأرض أن تنفجر عن ذلك القطر في أصلب موضع منها من ~~أجواف الصخور من الجبال، وذلك قوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسلكه ~~ينابيع في الأرض}. # وقوله تعالى: {وفجرنا الأرض عيونا}، وقوله: {وفجرنا فيها من العيون}، ثم ~~علم الآدميين أن يحرثوا الأرض، ثم أمر الأرض أن تنبت من كل زوج بهيج. PageV06P396 # وقال تعالى: {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت}. وقال تعالى: {أفرأيتم ~~ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون}، ثم أمر الشمس أن تسير سيرها ~~على وجه الأرض لتربية هذه النبات والثمار، ثم أمر الرياح عند الحصاد أن ~~تذروه، ثم علم الآدميين طحنه وخبزه، وأنزل النار، وجعلها في الشجر الأخضر. # وقال في تنزيله: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه ~~توقدون}، فالنار موجودة في كل خشبة تحتك بالأخرى، فتوري نارا، فقال: ~~{أفرأيتم النار التي تورون. أأنتم ms1073 أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون} الآية، ~~ثم قال: {نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين} الآية. # ومن اللباس علم غزل قطنه ونسجه، وغسله وخياطته حتى يكتسوا، وكذلك سائر ~~الأشياء التي اضطر إليها الآدمي، فهذه كلها أسباب، والآدمي يرى ما ظهر من ~~هذه الأشياء التي ذكرناها، وفي باطنها ربوبية، وهو الذي دبر هذا كله من ~~القدرة، وأمضى التدبير بمشيئته، وأوصل إلى العباد قضيته في خفاء. # فالعباد إنما يرون المطر والحر، والبرد والرياح، والأرض والماء، PageV06P397 ~~والزرع والحصاد، والأيدي التي تتداوله، وربوبيته في جميع الأشياء قائمة، لا ~~يكون شيء إلا بإذنه، ولا يقوم إلا به، ولا يدوم إلا به، فقلوب الآدميين ~~ونفوسهم معلقة بالأسباب التي يرونها، فإذا احتاجوا إلى شيء، طلبوا ذلك ~~الشيء من مظانه الذي هناك عاينوه، فمن الله على الموحدين بمعرفته بأن الرب ~~واحد، والوله بالقلوب في الحوائج إلى الواحد الذي اسمه الله الذي خرجت هذه ~~الأشياء كلها من ذلك الاسم. # ولذلك أمروا أن يتناولوا شيئا ويبتدئوا في كل أمر بقول: بسم الله؛ كأنه ~~يقول: هذا الشيء بهذا الاسم أخرج، ومنه أخرج، ومن حرم المنة، بقي مع ~~الأسباب، قلوبهم معلقة بها، مفتونة فيها، فاتخذوا من دونه وليا، فعبدوه، ثم ~~قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، فقالت الرسل لهم: {أتعبدون ~~من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا}. # حتى قال إبراهيم لقومه: {أف لكم ولما تعبدون من دون الله}. والأف: كلمة ~~جامعة للشتم والضعة. # وأنزل على المؤمنين تعليما للحجة: {وإلاهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم}، فقال المشركون: أرنا بذل آية أنه واحد، PageV06P398 ~~فأنزل الله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب ~~المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون}، فأخبر أن العقل يدل عليه بما ~~أراهم من قدرته، وقال تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه ms1074 من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون} الآية. # وأهل اليقين طلبوه من المظان نفسا وجسدا، ومن القلوب إخلاصا ويقينا، فمن ~~ضعف يقينه، كان السبب بين عينيه، فإذا طلب شيئا، طلبه من السبب قلبا ونفسا، ~~فإذا فاته منها شيء، تلهف وأسف على الفوت، ولام وذم، وتردد واضطرب حتى يخرج ~~دينه، ويسقم إيمانه، وإذا صار إلى القول يقول: لا يكون إلا ما شاء الله، ~~ولا يكون إلا ما قدر الله، ولا يكون إلا ما قضى الله، فإذا قضى فلا يقوم ~~شيء ولا يدوم إلا بالله، فإذا علم أن الكون من الله، والدوام بالله، كان ~~هذا من علم النور، وإنما هو كلطخة واحدة، ثم يخفي في صدره هذا العلم حتى لا ~~يشرق نوره، وإنما كانت شررة أو كلمحة أو برقة، ثم ذهبت، وبقي العبد مع ~~الشرك في السبب، فكلما لحظ العبد إلى شيء من هذه الأسباب دونه، فقد أتى ~~بالشرك رجاءه ورجاء خلقه، وأمله وأمل خلقه، فإذا رأى السحاب، استبشر، وإذا هاجت PageV06P399 ~~الرياح، استبشر، وإذا أنبتت الأرض، ابتهج، وإذا أثمرت، أكل مع الفرح، ثم ~~أشر وبطر؛ لأن قلبه في غفلة عن الله. # قال أبو عبد الله: # فهذا قلب الموحد، وقلب الكافر في غلفة، فقلب هذا المؤمن متعلق بالأسباب ~~غافل، وقلب الكافر أغلف فالغلفة غلاف القلب. # والغفلة: حجاب القلب، وهو هذه الأسباب التي ذكرنا، وقد انشق عنه الغلاف ~~الذي كان في وقت الكفر، وبقيت الغفلة، فهذه الغفلة لا يذهبها إلا ذكر الله، ~~فلا يزال الذكر الدائم يذيبها بحرارة الحياة التي يزاد القلب بالذكر، حتى ~~يهتك حجاب الأسباب كلها، ويذهب الخفاء، وتصير الأمور كالمعاينة له، فهو ~~يمضي في الأسباب، ولا يغفل عن الله، فيقبلها من عنده، فإذا هاجت الريح، ~~استبشر بصنيع الله؛ لأنه علم أنه هو الذي أرسلها بشرى بين يدي رحمته، ثم ~~لما رأى تراكم السحاب، استبشر بصنيع الله، ثم يرى المطر سقيا كما قال الله: ~~{فأنزلنا من السماء ماءا فأسقيناكموه}، ثم يرى الزرع زراعة ms1075 الله كما قال ~~تعالى: {أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون}. # ثم رأى الأشياء كلها خلقه، مسخرين لحوائجه، والآخر غافل عن هذا كله، إنما ~~يرى الشيء الذي بين يديه من هذه الأشياء، فيفتتن، فإذا افتقد السبب، اضطرب ~~وتردد حتى يقع في المهالك، فالأشياء كلها في PageV06P400 ~~الأسباب مغيبة، سترها ربها في الأسباب، وأخفى ربوبيته؛ ليكون إيمان العباد ~~في الغيب كله، وبالغيب كله؛ لأن مديح العباد في إيمانهم بالغيب، فكما جعل ~~نفسه غيبا عن العباد، كذلك جعل أموره وربوبيته غيبا عن العباد. # فأهل اليقين هتكوا هذه الحجب بقوة نور اليقين حتى انكشف لهم الغطاء، ~~ووصلوا إليه، فقبلوا هذا كله عنه على بصيرة، ففضل الله تعالى هذه الأمة ~~باليقين، حتى صار ما بقي فيهم من الشرك أخفى من دبيب النملة في القلة ~~والرقة، فهذا مدح لهذه الأمة. # ألا ترى أنه قال: ((أخفى في أمتي))، وقال في حديث أبي بكر: ((أخفى فيكم)) ~~يعلمهم فضيلة هذه الأمة على سائر الأمم أن شرك الأسباب ذاب فيهم، وتلاشى ~~بفضل يقينهم، حتى صار أخفى من دبيب النمل؛ لأن دبيب النمل لا يؤثر على ~~الصفا، وكذلك ما بقي من شرك الأسباب لا يؤثر على أهل اليقين ما يعرض لهم من ~~خواطر الأسباب؛ لأن قلوبهم قد صلبت بالله، وصارت كزبر الحديد والصخر. # 1508 - نا معروف بن الهيثم الكرخي، قال: نا PageV06P401 ~~عبيد الله بن موسى، قال: نا عبد الأعلى بن أعين، عن يحيى بن أبي كثير، عن ~~عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله: ((الشرك أخفى من دبيب النمل على ~~الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه: أن تحب على شيء من الجور، أو تبغض على ~~شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب في الله، والبغض في الله، قال الله ~~تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله})). # قال أبو عبد الله: # فأما قوله: ((أن تحب على الجور، وتبغض على العدل))، فإنما تحب على الجور ~~رجاء المنفعة منه، وتبغض على العدل خوف المضرة، ورجاء المنفعة، فهذا شرك، ~~يرجو غيره، ويخاف غيره. ms1076 PageV06P402 # 1509 - نا أبي، قال: نا الحكم بن المبارك، قال: أنا بقية، عن بكر بن حذلم ~~الأسدي، قال: نا وهب ابن أبان، عن عبد الله بن عمر، قال: خرج عبد الله بن ~~عمر في سفر له، فإذا بجماعة على الطريق، قال: ما هذه الجماعة؟ قالوا: أسد ~~قطع الطريق، فنزل فمشى إليه حتى قفده بيده، ونحاه عن الطريق، ثم قال: ما ~~كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إنما يسلط على ابن آدم من خافه ~~ابن آدم، ولو أن ابن آدم لم يخف غير الله، لم يسلط الله عليه غيره، وإنما ~~وكل ابن آدم من رجاه ابن آدم، ولو أن ابن آدم لم يرج إلا الله، لم يكله ~~الله إلى غيره)). # قال: وإنما هو شرك وشك. # فالشك: هو ضيق الصدر، فإذا ناب النفس أمر، فأحست بمكروه في ذلك الأمر، ~~انتفخت الرئة؛ للجبن الذي حل بها، فضاق الصدر حتى زحزح القلب عن مكانه، ~~فإذا ضاق على القلب مكانه، ضاق موضع التدبير، وهو الصدر؛ لأن عيني الفؤاد ~~مفتوحتان في الصدر، وعند العينين تدبير الأمور، PageV06P403 ~~ثم تنصدر إلى الجوارح، ولذلك سمي صدرا؛ لأن الأمور تصدر من هناك، فإنما سمي ~~شكا؛ لأن ذلك النائب من الأمر يشك سعة الصدر؛ كما يشك الثوب المبسوط، ويجمع ~~بعضه إلى بعض، ويشك بشوكة أو بإبرة أو بخيط، فيقال: شك الثوب، وهو ثوب مشكوك. # فالصدر إذا انتفخت الرئة بما خطر على بال القلب من الخواطر، وضاق على ~~القلب مكانه، يرحل القلب من مستقره، وتذبذب، وصار كالدلو المعلق، والقنديل ~~المعلق، فإذا تحرك القنديل، اضطرب الإشراق، فصار بعضه ظلام، وبعضه إشراق، ~~ففي الظل الضلالة، وفي الإشراق الهدى، فكلما تراكمت الأظلة، انقبض الصدر، ~~فصار مشكوكا كالثوب الذي شك، وقبض بعضه إلى بعض، فصار متراكما، وصار بعضه ~~على بعض، وصارت له زوايا، وكذلك الصدر إذا انقبض، حدثت له في زواياه أظلة، ~~فمنها يضل عن الله، ويفتقد الهدى. # وأما الشرك: فهو مأخوذ من الشرك، والشرك: حبل فيه معاليق يعلق به أرجل ~~الطير، أو أعناقها، أو ms1077 أجنحتها، حتى يؤخذ صيدا، وكذلك الأسباب التي وضعت ~~فيها حاجات الآدمي، فتلك الأسباب تأخذ بقلبه؛ PageV06P404 ~~لأن شهوة تلك الأشياء في نفسه، فإذا اشتهاها، أحبها، فإذا وصل حبها إلى ~~قلبه، رأى القلب تلك الأشياء من أجل تلك الأشياء، وذلك قوله تعالى: {زين ~~للناس حب الشهوات}، ثم عد الشهوات، الآية، فقال: {من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث}. # فالنفس تجد اللذة والفرح والسرور من هذه الشهوات، وتحبها، فإنما أحب ~~الذهب والفضة؛ لأنه بهما يرجو وجود شهوات الأسباب، وكذلك الأنعام والحرث، ~~والأرض لا تؤكل ولا تشرب، ولا الذهب ولا الفضة، ولكن لما علم أن الأرض تخرج ~~له نبات الأشياء التي يلتذ بها، أحبها، وأن الذهب والفضة أوردا عليه ~~الأشياء التي يشتهي، أحبهما، فهو حب فتنة، والحب يصطاد القلب ويسبيه، فهذا ~~شرك، وتلك الحبال التي فيها معاليق الصيد شرك، فكل واحد يستعمل في نوعه، ~~وأحدهما مشتق من الآخر، فالشك ضيق الصدر، والشرك تعلق القلب بالشيء. # وإنما يوسع القلب نور اليقين، فكلما كان القلب بالتعبير أنور وأوفر حظا ~~منه، كان أوسع وأكثر شرحا، وإنما يتخلص من الشرك بنور التوحيد، PageV06P405 ~~فكلما كان القلب من نور الفردية أوفر حظا، ومن نور الأحدية أوفر حظا، كان ~~تخلصه من الشرك أكثر، فباليقين ينجو العبد من وبال الشرك، وبالإخلاص ينجو ~~من وبال الشرك، فعندها يتولاه الله تعالى، وذلك قوله لداود عليه السلام: هل ~~تدري متى أتولاهم؟ إذا طهروا قلوبهم من الشرك، ونزعوا من قلوبهم الشك. # فخلق الآدمي والأسباب مشتبكة به، لا يرى شيئا إلا في غيب، وربوبية الرب ~~قائمة في ذلك الغيب في جميع الأسباب، لا تكون إلا به، فالله مكونها، وبالله ~~يدوم ما كون، وهذا الآدمي لم ير التكوين ولا التدويم إلا رؤية الإيمان ~~بالغيب، فاستقر قلبه إيمانا بذلك، ثم جاءت النفس بشكها وشركها، فأوردت على ~~القلب حتى صار القلب ذا شك، وشرك، فلا يزال صاحبها يضيع هذا الأمر، ويهمله ~~حتى يحل العقدة منه: عقدة الإيمان، فيكفر، والذي أغاثه الله وأيده، لما رأى ~~ضعف ms1078 اليقين، وانقياد القلب للنفس بما أوردت عليه، فزع إلى الله حتى قواه ~~الله وأيده. # فإذا رزق الله عبدا نور اليقين، ونور الفردية، صار القلب موقنا مخلصا، ~~فبقوة هذين يمحق خواطر النفس في الصدر، وتلك الخواطر التي تورث شكا وشركا، ~~فاستقام القلب وصلب، ومد النفس إلى ما عنده فقواها، PageV06P406 ~~فاستقرت النفس منقادة للقلب، وتركت ترددها واضطرابها، فإذا صارت بهذا ~~الحال، خفي ذلك الشرك والشك في نفس هذه الطبقة، فلم يؤثر ما بقي من ذلك ~~خفيا في قلوبهم، كما لا يؤثر دبيب النمل على الصفا؛ لأن الذي خفي من البقية ~~لا يقدر أن يزعزع النفس، وأن يشغل القلب عن الله، ألا ترى أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال في حديث أبي بكر: ((أفلا أدلك على ما يذهب الله صغار الشرك ~~وكباره عنك؟))، قال: بلى يا رسول الله، قال: ((تقول كل يوم ثلاث مرات: ~~اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم)). # فصغار الشرك مثل قول الرجل: ما شاء الله وشئت، ومن الند أن تقول: لولا ~~فلان، لكان كذا وكذا. # 1510 - ونا سهل بن العباس، قال: نا سفيان، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي ~~هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إياكم واللو؛ فإن اللو ~~يفتح عمل الشيطان)). PageV06P407 # قال أبو عبد الله: # فاللو مفتاح الحسرات، فإذا تحسر القلب، تعرى عن خلع الله. # 1511 - نا سفيان بن وكيع، قال: نا أبي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد ~~الله، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال عليه السلام: ~~((أن تجعل لله ندا وهو خلقك)). PageV06P408 # فالند: هو شبيه بالضد، وهو شكل الضد؛ لأن الضد صورته إبطال من يضاده، والند ~~هو من الندود والتباعد والنفار. # معناه: أن تجعل من دونه دافعا عنك، ولا يدفع عنك إلا من ولي خلقك، فلذلك ~~قال في الحديث: ((ومن الند أن تقول: لولا فلان، لقتلني فلان)). # لأن هذا يصير فلانا دافعا عنه دون الله، فقد اتخذ من دون الله وليجة، ms1079 وقد ~~حل العقدة، فمن خطر هذا بباله في صدره، فزع إلى الله، ورد هذا الذي أتت به ~~النفس عليها، فعقدته ثابتة، ولكن يضعف؛ لضعف اليقين، وضعف القلب، واضطراب ~~النفس وتذبذبها، فإنما صار أعظم الذنب له؛ لأنه يعمل في حل العقدة، وسائر ~~الذنوب يعمل في قضاء النهمة، والتلذذ بالشهوة، فتباين الأمران بونا بعيدا، ~~فأيد الله تعالى هذه الأمة بفضل اليقين، وذلك قوله تعالى: {أن يؤتى أحد مثل ~~ما أوتيتم}، ثم قال: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء}. # فمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأمة بما أوتيت من الفضل، ونشر ~~عن الله PageV06P409 ~~ما آتاهم، فقال: ((الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل)). # فإنما خص ذكر الأمة يعلمهم فضل الله عليهم، وليس على ما ذهب إليه ~~المتوهمون: أن هذا الحديث تحذير يحذر الأمة في الشرك حتى يطلبوه؛ لأن ذكر ~~أنه يخفى عليهم، فيقال لقائل هذا التوهم: إنه خفي عليهم؛ لغمارتهم، وقلة ~~يقينهم؛ لأنهم أضعف الأمم، وأقلهم حظا، فقد وقعت بهذا التوهم أبعد موقع في ~~المعنى، ونسبت الأمة إلى خلاف ما أنزلهم الله من نفسه. # وما بال هذه الأمة يخفى فيها الشرك، ولا يخفى في بني إسرائيل، ويقين هذه ~~الأمة أوفر، وموصوفة في التوراة أنهم صفوة الرحمن، وفي الإنجيل حكماء علماء ~~كأنهم من الفقه أنبياء، فيستحيل بعد هذه الصفة في التوراة والإنجيل أن ينسب ~~إليهم خفاء الشرك؛ لغمارتهم وقلة يقينهم؛ لأن غمر القلب يخفي الأشياء في ~~الصدر، فلم يذكر في الحديث أنه قال: الشرك أخفى في الآدميين، ولكنه قال: ~~((أخفى في أمتي)). # فلما رأينا خصوصية الأمة وفضلها عند الله تعالى، وقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((ما أعطيت أمة من اليقين ما أعطيت أمتي)). # وقول الله تعالى: يا عيسى! إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون، حمدوا ~~وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون، صبروا واحتسبوا، ولا حلم PageV06P410 ~~ولا علم، قال: يا رب! فكيف يكون هذا، ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي. # فدلت هذه الأخبار أن هذا اليقين الذي ms1080 نالوه من فضل الله ورحمته يذيب ~~خواطر الشرك في قلوبهم وصدورهم، فيدق حتى لا يرى، فيخفى ويضعف حتى لا يؤثر ~~كونه على القلب، كما لا تؤثر الذرة على الصفا بدبيبها، ولذلك ما ذكر الله ~~تعالى في تنزيله شأن العبدين الصالحين: أحدهما: خليله؛ حيث رأى تلك الميتة ~~طافية على الماء، فجاء طائر فنتف منها وطار، وأطلع بعض الحيتان رأسه، فنتف ~~منها، فحن قلب خليل الله إلى ملاحظة الأشياء التي منها تحدث الأشياء، فقال: ~~{رب أرني كيف تحيي الموتى}؛ فقد كان موقنا بأن الرب يحيي الموتى، ولكن أحب ~~أن يرى كيفية الإحياء؛ ليطالع ما أبرز الله من قدرته على أعين القلوب بهذا ~~البصر الذي في رأسه؛ فإن هذا البصر حظ النفس، وبصر القلب حظ القلب، فقال: ~~{أولم تؤمن}؛ أي: لم يطمئن قلبك، وهو به أعلم، قال: {بلى ولكن ليطمئن قلبي}. # فهذه طمأنينة أخرى، تلك طمأنينة الإيمان، وهذه طمأنينة من الحنين حنين ~~القلب إلى رؤية كيفية الإحياء، فأجابه الله إلى ما سأل إكراما له؛ لأنه سأل ~~هذه الحاجة عن الحنين حنين الحب، لا عن الشك وضيق الصدر. PageV06P411 # وأما العبد الآخر، فإنه مر على خربة، فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها ~~فأماته الله مائة عام}، فهذا نوع غير ذلك النوع، هذا تحير وتعجب وتعظيم، ~~هاج ذلك التعظيم من العجب والحيرة، فوعظه الله بالموت، وأراه الإحياء في ~~نفسه، ولم يكن من العبد الصالح قوله: {أنى يحيى هذه الله} شكا، ولكنه عجب، ~~والإعجاب لا يكون إلا من الحيرة. # ألا ترى إلى قول سارة حيث قالت: {قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي ~~شيخا} بعدما بشرتها الملائكة وأيقنت، فقالت بعد البشرى: {إن هذا لشيء ~~عجيب}، فأنكرت الملائكة عليها، فقالوا: {أتعجبين من أمر الله}. # فهذه الخواطر كائنة في الصديقين، فإذا مرت ببالهم، كان ذلك منهم شركا، ~~وهو حجب الأسباب التي ذكرنا، ففزعوا إلى الله، فأعطاهم مفزعا، ولاحظت ~~عيونهم باب القدرة، وانكشف الغطاء عن باب القدرة بعيون قلوبهم، فلاحظوا ~~المقتدر، ولاحظوا مجد الملك، فخفيت هذه الخواطر في ms1081 صدورهم، فمدح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمته، ونشر عن الله ما أعطاهم، فقال: ((الشرك أخفى في ~~أمتي من دبيب النمل))؛ فإنما بشرهم بفضل الله عليهم، إلا PageV06P412 ~~أنه حملهم على أن يطلبوا ما خفي عليهم، وكيف يطلبون ما يخفى كخفاء دبيب ~~النمل على الصفا؛ فإن دبيب النمل على الصفا لا يؤثر، ولا يدرك، فجرى بعقب ~~هذا القول أبا بكر رضي الله عنه أن قل يا أبا بكر: ((اللهم إني أعوذ بك أن ~~أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم)). # 1512 - نا عبد الجبار، قال: نا سفيان، عن عبد الملك ابن عمير، عن ربعي بن ~~حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قد كنت أكره لكم ~~أن تقولوا: ما شاء الله، وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم ما شاء ~~محمد)). # فهذا القول وما أشبهه من صغار الشرك. # وأما كبار الشرك، فهو أن يعمل بطاعة الله يريد غير الله؛ رجاء اتخاذ ~~المنزلة عنده، والارتفاق بما عنده، فهذا موحد قد غلب عليه الجهل، واستهواه ~~عدوه حتى أضله، فإذا رجع إلى توحيده، علم أنه لا يملك أحد نفعا ولا ضرا دون ~~الله، ثم إذا تراءت له الأسباب، تعلق القلب بها، فذلك من ضعف اليقين، وغاب ~~عنه ذلك الذي علمه من علم التوحيد، والموحدون PageV06P413 ~~إذا راءوا بأعمالهم، فإنما يقصدون بذلك اتخاذ المنزلة عند الخلق، لا أن ~~يتعبدوا بها، وأما المشرك الذي قد أشرك بالله من دونه، فإنما يقصد بعبادته غيره. # 1513 - نا أبي، قال: نا مكي بن إبراهيم، قال: نا عبد الواحد بن زيد، عن ~~عبادة بن نسي، قال: أتيت شداد ابن أوس في مصلاه وهو يبكي، فقلت: ما الذي ~~أبكاك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوما، قلت: ما هو؟ قال: بينما أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~إذ رأيت يوما بوجهه أمرا ساءني، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! ما الذي أرى ~~بوجهك؟ قال: ((أمرا ms1082 أتخوفه على أمتي من بعدي))، قلت: وما هو؟ قال: ((الشرك ~~والشهوة الخفية))، قلت: يا رسول الله! وتشرك أمتك من بعدك؟ قال: ((يا شداد! ~~أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا حجرا ولا وثنا، ولكنهم PageV06P414 ~~يراؤون بأعمالهم))، قلت: يا رسول الله! والرياء شرك هو؟ قال: ((نعم))، قلت: ~~فما الشهوة الخفية؟ قال: ((أن يصبح أحدهم صائما، فتعرض له شهوة من شهوات ~~الدنيا، فيفطر)). # قال عبد الواحد: فلقيت الحسن، فقلت: يا أبا سعيد! أخبرني عن الرياء، أشرك ~~هو؟ قال: نعم، أما تقرأ: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا}. # قال أبو عبد الله: # فصاحب هذا يعمل عملا يبتغي به ثوابا من عند الله، وثوابا من عبيده أن ~~يعظموه في الدنيا، ويقضوا له الحوائج، وفي الآخرة يعظم، وتقضى له الحوائج، ~~فهذه شركه ولم يشرك شركا ينقص توحيده، فيرى لمن دون الله ملكا في شيء، ~~فصاحب هذا أقل ما يناله من الضرر: أن يرمى بعمله PageV06P415 ~~وجهه، ويستحيي من الله غدا، وهذا من فتنة النفس. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه خرج ذات يوم إلى أصحابه وهم ~~يتناجون، قال: ((ما هذه النجوى؟))، قالوا: يا رسول الله! كنا نتحدث عن فتنة ~~المسيح الدجال، فقال: ((ألا أخبركم بأعظم فتنة من الدجال؟ رجل يعمل لمكان رجل)). PageV06P416 ### || AUTO الأصل الخامس والسبعون والمئتان # 1514 - نا عيسى بن أحمد العسقلاني، قال: نا بشر ابن بكر التنيسي، قال: نا ~~سعيد، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: ((السلطان ظل الله في الأرض، يأوي إليه كل مظلوم ~~من عباده، فإذا عدل، كان له الأجر، وعلى الرعية الشكر، وإذا جار، كان عليه ~~الإثم، وعلى الرعية الصبر، فإذا جار الولاة، قحطت السماء، وإذا منعت ~~الزكاة، هلكت المواشي، وإذا ظهر الزنا، ظهر الفقر والمسكنة، وإذا أخفرت أهل ~~الذمة، أديل الكفار)). PageV06P417 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # إن الله تعالى أغاث عباده في أرضه بأربع: # 1 - بالقرآن: ms1083 وهو كلامه، وعليه طلاوة كي يهتدوا، ويسلكوا طريقهم إلى الله ~~تعالى في مدة أعمالهم، فإنه دعاهم فأجابوه، ولكل دعوة إجابة، ولكل إجابة ~~سلوك وسير وقطع مسافة. # 2 - والسلطان: وعليه ظله؛ كي يتمانعوا بما في أيديهم من المهجة والمال ~~والأهل والولد. # 3 - والمؤمن: وفيه نوره كي يهتدوا إلى خالقه، فيوحدوه، ويعبدوه. # 4 - والكعبة: وعليها بهاؤه ورحمته؛ كي يتطهروا بالرحمة التي فيها إذا ~~طافوا بها، وكي يتهيئوا بذلك، فيقدموا على الله ببهائها. PageV06P418 # فهؤلاء الأربع غياث العباد، وإليهم المفزع، فإذا قصدوا الله، جعلوا نوره ~~مرآة قلوبهم، فينظرون فيها إلى عجائب ما أبرز من ملكه من لدن عرشه إلى ~~الثرى، وإلى عجائب تدبيره فيهم، وإلى قدرته عليهم، فأداهم ذلك النظر بقوة ~~ذلك النور إلى عظمته، وجلاله ونفاذ قدرته، وإلى جوده وكرمه، ولطفه وعطفه ~~عليهم، وبره بهم، وعظيم منه، فامتلأت صدورهم به علما، وامتلأت قلوبهم به ~~غنى، وقويت أركانهم للقيام بأموره، وانقادت نفوسهم ذلة وخشعة وخضعة، ~~واستسلمت لله، ونظرت عيون الأفئدة منهم إلى تدبيره وحكمه. # وإذا قصدوا القرآن، جعلوا بسم الله الرحمن الرحيم علما لعسكر القرآن، فإن ~~القرآن بمنزلة جند وعسكر، فيه ألوان الأسلحة، وآلة الحرب والعدة، فبه تحارب ~~الهوى والنفس والعدو، وتبطل مكائدهم، وتقلبهم عن طريقك إلى الله، فإنهم ~~قعدوا على طريقك؛ ليصدوك عن السير إلى الله، وقد دعاك الله فأجبته، والعدو ~~يتلظى غيظا وحسدا من دعوته إياك، وإجابتك إياه؛ فإنه دعاك إلى المغفرة وإلى ~~دار السلام، وأنزل عليك بذلك وحيا، فالعدو لا ينام ولا ينيم، يريد أن يعدلك ~~عنه، حتى يسوقك إلى سجنه، والهوى من جنوده، فهو على المقدمة، والعدو من ~~ورائه، والنفس طياشة PageV06P419 ~~خفيفة بلهاء، تفتتن بكلمة مدخولة واهية. # فالقرآن عسكر المؤمن، وجند الله الأعظم، قواك به ربك، فيه ذكر الربوبية، ~~وبها يبطل كيد العدو، وفيه ذكر الوعد، وبه تنخدع النفس، وتتلمظ بشفتيه على ~~موعود الله، وفيه ذكر الوعيد، وبه تذل النفس وتنقمع، وفيه ذكر أنباء ~~القرون، وبه تعتبر، وتتصور له عواقب الأمور، وفيه ذكر منن الله تعالى ~~وإحسانه، ولطائفه لعبيده، وبره ms1084 إياهم، فيه يسير القلب، ويرمي بما في يده ~~صغارة له وحقارة، فالقرآن عسكر جرار يقطع به بلاء العدو، حتى تصل إلى دار ~~الله بلاد الموحدين، وهي المأمن والقرار، قال الله تعالى في تنزيله: {فمن ~~اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى}. # فأجار الله تابع القرآن من الضلالة له عن السلوك إلى دار المأمن، وأجاره ~~من الشقاء، والشقاء فراق العبد من الله، والسعادة اندساسه إليه، وبسم الله ~~الرحمن الرحيم قسم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة يقسم لعباده: إن هذا الذي ~~وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق، وإني أوفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه ~~السورة من وعدي ولطفي وبري، ثم خص الشيء الذي به عظمت فتنة العباد، وهو ~~الرزق، فخصه بقسم آخر، فقال تعالى: {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما ~~أنكم تنطقون}. # فإنما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم في كتابنا، وعلى هذه الأمة خصوصا. PageV06P420 # وإذا قصدوا الكعبة، لاذوا به حبا منه، وطافوا به تطلعا وتلطفا واستدرارا ~~وانتجاعا، وجددوا بيعة الإسلام الذي دنسوه وأخلقوه باستلام الحجر الذي فيه ~~بيعتهم يوم استخرجهم من الأصلاب للميثاق، فاستأنفوا بهذا الاستلام عبودة ~~الإسلام. # وإذا قصدوا السلطان، ارتبعوا في ظله، وسكنت نفوسهم في المستراح من ذلك ~~الظل؛ فإن الظلم له وهج، وحرارة تحرق الأجواف، وتظمئ الأكباد، فإذا رأت ~~الغنم الظل، أحست بالماء الرواء، وبروح الظل، اندفعت في السير، وصيرته ~~مفزعا، فإذا صارت إلى الظل مع الظمأ والعطش الشديد، ولم تجد الماء، فبقيت ~~على اليبس، ووجدت الذئاب قد سبقن إلى الظل، قد قعدت بمرصد للغنم، فما ظن ~~العاقل بتلك الغنم ماذا يكون حالها؟ وما ظنه برب الغنم ماذا يقول للراعي؟ ~~وعسى أن يقول: ألم يكن معك أسلحة وحراس تطرد الذئاب عن هذا المستراح؟ وكيف ~~سددت مجرى العيون، حتى عطشت الغنم؟. # فإذا جار، فعلى الرعية الصبر، وعليه الإصر، وإذا عدل، فله الأجر، وعلى ~~الرعية الشكر. PageV06P421 # وأما قوله: ((وإذا جارت الولاة، قحطت السماء)) معناه: انقطع المطر من ماء ~~الحيوان الذي ينزل من تحت العرش من بحر ms1085 الأرزاق إلى السماء من الأبزن إلى ~~السحاب، والأبزن هو: مستنقع الماء في السماء، فإذا أصاب السماء القحط، ~~انقطع عن الأرض القطر، فإذا انقطع القطر، ماتت الأرض، فلم تنبت؛ لأن الأرض ~~إنما تنبت بحياتها، وحياتها من ماء الحيوان، فإذا انقطعت الحياة عن الأرض، ~~عجزت عن الإنبات؛ لأن الإنبات بحركة الحياة، فإذا جارت الولاة، ذهب العدل ~~عن الأرض، وإذا ذهب العدل، منعت الحياة ماء الحيوان عن أن يقطر، فالوالي ~~فاصل بين الحق والباطل، فإذا ذهب الفاصل، تقطعت الرحمة. # وأما قوله: ((إذا منعت الزكاة، هلكت المواشي))؛ فإن الزكاة نمو المواشي، ~~والمال والنمو من البركة، فإذا منعت الزكاة، بقي المال مع الدنس دنس ~~العلائق، ولا بقاء للبركة مع الدنس، فإذا ارتحلت البركة عن شيء، هلك ذلك ~~الشيء؛ لأن النسل ينقطع. # وأما قوله: ((وإذا ظهر الزنا، ظهر الفقر))، فمن أجل أن الغنى من فضل ~~الله، والفضل لأهل الفرح بالله تعالى وبعطائه، والمناكحة بمحاب الله، ~~وبأمره وحبه يلتقي الزوجان على أفراح بالله، فوعدهم بذلك في تنزيله الغنى PageV06P422 ~~من فضله، فقال: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن ~~يكونوا فقراء يغنهم الله}، ثم بين من أين يغنيهم، فقال: {من فضله}، والفضل ~~قبل القسمة. # ولذلك قال عمر رضي الله عنه: ما وجدنا طلب الغنى في مثل الباءة، وتلا هذه الآية. # فإذا زنى، فقد آثر الفرح الذي هو من قبل العدو، والمستقر للآدمي السابي ~~لقلبه عن الفرح الذي ندب الله إليه عباده، فقال: {قل بفضل الله وبرحمته ~~فبذلك فليفرحوا} الآية. # فإذا آثر الفرح الذي بيد العدو، على الفرح بفضل الله، ذهب الفضل والغنى؛ ~~لأنه قد جاوره من يدنسه. # وأما قوله: ((إذا أخفرت الذمة، أديل الكفار))؛ لأن المؤمن عاهد الله ~~بالوفاء بذمته، فإذا أخفر، نقض العهد، ووهن عقد المعرفة؛ لأن المعرفة ~~مقرونة بالعهد، معقودة به، فبنقض المهد يخاف انحلال العقد، فمن قبل ~~الانحلال يذهب هيبة الإسلام، ويقذف الوهن في قلبه. # 1515 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا محمد بن PageV06P423 ~~وهب الواسطي، عن الوليد بن مسلم، قال: نا ثوبان، ms1086 عن [أبي] عبد السلام، عن ~~ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: ((لتتداعن عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها))، قلت: يا رسول ~~الله! ومن قلة بنا يومئذ؟ قال: ((لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء ~~السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن))، ~~قلت: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: ((حب الدنيا، وكراهة الموت)). # غثاء: أي يأتي عليكم الأمم؛ يعني: الكفار من الخزر والترك كما يأتي ~~الجائع إلى القصعة فيها الطعام. PageV06P424 ### || AUTO الأصل السادس والسبعون والمئتان # 1516 - نا علي بن حجر السعدي، قال: نا خلف ابن خليفة الواسطي، عن حميد ~~الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود، قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا سجد، قال: ((سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء ~~بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، هذا ما جنيت على نفسي، فاغفر لي؛ إنه لا يغفر ~~الذنب العظيم إلا أنت)). PageV06P425 # 1517 - نا مؤمل بن هشام اليشكري، قال: نا إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد ~~الحذاء، عن أبي العالية، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول في سجود القرآن بالليل مرارا: ((سجد وجهي للذي ~~خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته)). # 1518 - وحدثني محمد بن محمد بن الحسين، قال: نا الحجاج بن نصير، عن شعبة، ~~عن أبي إسحاق، عن نصر بن حزن النصري، وكان قد رأى أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، PageV06P426 ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا قرأ سجد سجدة، وقرأ في ~~سجوده: ((اللهم إنا نستعينك ونستغفرك))، وكان يسجد في حم. # 1519 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا سعيد بن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن ~~خالد بن أبي عمران، عن القاسم ابن محمد، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده: ((اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقيقه ~~وجليله، أوله وآخره، سره وعلانيته)). PageV06P427 # 1520 - نا ms1087 إسماعيل بن نصر، قال: نا شبابة، قال: نا هشام بن الغاز، عن ~~سليمان بن موسى، ويزيد بن جابر، كلاهما عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده: ((أعوذ بعفوك من عقابك، ~~وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، جل وجهك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك يا عظيم))، فقلت: يا رسول الله! لقد سمعتك تقول في سجودك ~~شيئا ما سمعتك تذكره؟ قال: ((وقد علمت ذلك؟))، قلت: نعم، قال: ((تعلميهن، ~~وعلميهن؛ فإن جبريل عليه السلام أمرني أن أكررهن في السجود)). PageV06P428 # 1521 - نا عبد الكريم، قال: نا علي، قال: نا عبد الله بن المبارك، قال: نا ~~يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عائشة، عن رسول الله، بنحوه. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فهذا ما جاءنا عن رسول الله، ولا نعلم أنه وقت شيئا في ذلك، فهذه الأشياء ~~التي ذكرها كلمات ضرع وملق يريد أن يخرج بها إلى ربه من الأحداث، فكان ينطق ~~بما يتراءى له في وقته، وبذلك يناجي ربه، ثم لمن بعده من الصحابة والتابعين ~~مقالات في سجداتهم على حسب ما يتراءى لكل واحد منهم في درجته ومقامه من ربه. PageV06P429 # 1522 - نا قتيبة بن سعيد، وإسماعيل بن نصر، قالا: نا محمد بن خنيس المكي، ~~قال: نا حسن بن محمد ابن أبي يزيد، قال: قال لي ابن جريج: يا حسن! حدثني ~~جدك عبيد الله بن أبي يزيد: أنه سمع ابن عباس يقول: جاء رجل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! رأيتني هذه الليلة فيما يرى ~~النائم كأني أصلي خلف شجرة، ورأيت كأني قرأت السجدة، فسجدت، فرأيت الشجرة ~~كأنها سجدت لسجودي، فسمعتها وهي تقول: ((اللهم اكتب لي بهذا عندك أجرا، وضع ~~عني وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود)). # قال ابن جريج: قال لي جدك: قال لي ابن عباس: فقرأ رسول الله السجدة، ~~فسجد، فسمعته يقول كما قال ms1088 الرجل عن قول الشجرة. PageV06P430 # وزاد عبد الوهاب، عن أبان بن أبي عياش، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي ~~موسى الأشعري: أنه غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني رأيت ~~الليلة في المنام كأني تحت شجرة أكتب سورة {ص}، فلما أتيت على السجدة، بدر ~~القلم من يدي، فسجد، وسجدت الشجرة، وسجدت الصحيفة، وسجدت الدواة، فسمعت كل ~~واحدة منهن تقول: اللهم اغفر لي ذنبي، وحط بها وزرا، وأحدث بها شكرا، فلما ~~رأيت ذلك، سجدت، فقال رسول الله: ((صدقت، وصدقت رؤياك، توبة نبي ترقب بها ~~مغفرة، واسجد تترقب عندها ما ترقب)). # قال أبو عبد الله: # فقد كثرت مقالات التابعين فمن دونهم في سجداتهم، ثم لم يزل لأهل الترائي ~~في مذاهبهم كلام هناك ونجوى، فأما ما تراءى لنا في كل سجدة من سجود القرآن، ~~فهو ما ذكرنا هاهنا مجاوبات الآية التي فيها السجدة: PageV06P431 # بسم الله الرحمن الرحيم # سجدة سورة الأعراف: طابت لهم منازل القربة عندك، فتطهروا عن الاستكبار، ~~وأذعنوا لك خضوعا بما عاينوا من عظيم كبريائك، وعز جبروتك في الملكوت، ~~فتلقوا عظمتك بالتسبيح، واستكانوا بالسجود لك خشوعا، هؤلاء بديع كلمتك، ~~ونحن ولد بديع فطرتك، وصنيع يدك، وأمة حبيبك، الممدوحون في التوراة، ~~والموصوفون في الإنجيل بما منحتنا من مننك وفضلك، وأهديت إلى المخبتين منا ~~هداياك وكراماتك رأفة وتحننا، سجدنا لك بحظنا من رأفتك ورحمتك، وألقينا ~~بأيدينا سلما نرجو مددك ومشيئتك ومعروفك، يا معروفا بالعطايا الجزيلة، ~~ومحمودا على صنائعك الجميلة. # سجدة سورة الرعد: سجدت لك الأحباب طوعا، والأعداء كرها، سجد لك شخص ~~الأحباب، وظلال الأعداء، أدركت رحمتك شخص الأحباب، وظلال الأعداء أدركت ~~رحمتك شخص الأحباب، فنالت السجود، وانزوت عن الأعداء فحرمت، فسجد لك ظلالهم ~~بالغدو والآصال، تميل مع ميل الأظلة والأفياء، طهرت تلك الأجرام والأشباح PageV06P432 ~~بطهارة قلوبهم بنور التوحيد، وأهلتهم للسجود لك، ونزهت سجدتك عن تلك ~~الأجرام النجسة التي نجست برجاسة الشرك، وتمكن العدو منها، فلك الحمد ما ~~اصطنعت إلي، وإليك الرغبة، فألهمني في دوامها علي، فكما جعلتني أسجد لك ~~سجود ms1089 الأحباب طوعا وسلما، فاجعلني في جميع منقلبي في محياي لك كذلك طوعا وسلما. # سجدة سورة النحل: لك سجدت الملائكة، وخافوك من فوقهم، وفعلوا ما أمرتهم، ~~ذلك بأنك عريتهم من الشهوات، وطهرتهم من الآفات، ومكنت لهم الزلفات، فخافوك ~~من فوقهم، وفعلوا ما أمرتهم، ولم يسبقوك بقول: وهم من خشيتك مشفقون، فهم ~~عبادك المكرمون، ونحن عبيدك المرحومون المحبوون، بالرأفة ابتدأتنا، ومن باب ~~الرحمة أخرجتنا، ومن ضعف خلقتنا، وبالشهوات ابتليتنا، وللآفات عرضتنا، ~~وبالوعد والوعيد في الوحي أدبتنا، وبجودك ومننك هديتنا، وبعظيم حظنا منك ~~وسعت علينا، وأشرعت إليك السبيل لنا، وجعلت منا أولياء وأحبابا بمنازل ~~القربة لديك، فخوفنا لك مع الشهوات، وأفعالنا مع الوساوس والخطرات والآفات، ~~فارحمنا؛ فإنك أعلمتنا: أنك معنا في العون والنصر والتأييد، يا خير من أشفق ~~علينا ورحمنا. # سجدة سورة بني إسرائيل: لك خرت العلماء سجدا، وحق لهم ذلك بأنهم شاهدوا ~~بقلوبهم عرصة التوحيد، وعاينوا بنور علم القربة ما هيأت PageV06P433 ~~لأحبابك هناك في مراتبهم من البر والوداد، فخروا لأذقانهم سجدا مع البكاء ~~والعويل، وسبحوا لربوبيتك، وأيقنوا بوعدك عند تلاوة وحيك، وزادهم بكاؤهم لك ~~خشوعا، فخشعت لك جوارحهم؛ لأن الخشعة ميراث بكاء الخشية، ذلك بأنك جعلت ~~للباكي من خشيتك من عاجل الثواب أن تملأ جوارحه في الدنيا نورا، وفي الآخرة ~~ضحكا، فيا حنان! تحنن علينا بعطفك، وزدنا علما يقربنا إليك، واجعلنا من ~~الشاكرين لك، وتقبلها منا كما تقبلت من الذين أوتوا العلم من قبلنا. # سجدة سورة مريم: يا خير المنعمين! أنعمت على النبيين والمهديين والمجتبين ~~بالنبوة والهداية والحنانة، فبك وصلوا إلى محبوبك من الأعمال، وخروا لتلاوة ~~آيات الرحمن لك سجدا وبكيا، تلك خشعة الأحباب، وأهل الوداد سجدوا مع البكاء ~~شوقا إليك، وقلقا بطول الحبس عنك في سجون الدنيا، يا ودود! فليس من لقيك في ~~السجن عبدا قنا، كمن لقيك في دارك دار السلام حرا ملكا محبورا مسرورا، يراك ~~جهرا، قد كشفت الغطاء، وتجليت لأهل الوداد عن حجب الكبرياء والجلال، ~~فأنبأتنا عن أحوالهم وأخبارهم وحيا وتنزيلا، يجدون على ذلك من فعلهم هذا ~~سجودهم ms1090 قد علمته، فليت شعري من أين بكاؤهم؟ وما الذي أبكاهم؟ وأين أصول ذلك ~~المنبع، وهم أهل صفوتك، ونجباء عبيدك؟ إلهي! فسهل لنا السبيل إلى ذلك من ~~فعلهم ظهرا وبطنا، ووفر حظنا من ذلك برحمتك علينا. # سجدة سورة الحج: سجد لك الخلق والخليقة، علوا وسفلا، وبرا PageV06P434 ~~وبحرا، والحجر والمدر، والدواب والشجر، وكثير من الآدميين، وكثير حق عليهم ~~العذاب، ثم قلت: {ومن يهن الله فما له من مكرم}، فلك الحمد إذ أكرمتنا ~~بالسجود لك، ولم تجعلنا ممن أهنته فما له من مكرم، ثم قلت: {إن الله يفعل ~~ما يشاء}، فلك الحمد على ما بدا من مشيئتك فينا، وعلى الرحمة التي جرت لنا ~~بمشيئتك فينا، وبإكرامك إيانا، إلهي! فلا تهنا بعدما أكرمتنا على تفرطينا ~~وقلة شكرنا، ووفائك وجفوتنا، ولا تسلبنا خير ما أوليتنا، يا عظيم الرجاء، ~~يا حسن البلاء، يا كثير النعماء، يا جزيل العطاء، يا جليل الثناء. # سجدة سورة الحج الثانية: بك آمنا، ولك ركعنا، ولوجهك الكريم الدائم ~~الباقي سجدنا، وإياك عبدنا، وإليك أنبنا، ربنا! وفعل الخير قصدنا، والفلاح ~~رجونا وأملنا، والنجاح لديك طلبنا، فأعنا ولا تقطع مددك وعنايتك عنا، وخذ ~~إليك بنواصينا، واجعل فيما لديك رغبتنا، نور قلوبنا، واشرح لنا صدورنا، ~~وحسن أخلاقنا، واختم لنا بأحسن ما ختمت لعبادك الصالحين من أهل ملتنا، آمين. # سجدة سورة الفرقان: للرحمن سجدنا، وإياه وحدنا، وما عنده أملنا، وبما ~~أمرنا من السجود ائتمرنا، فالرحمن مولانا، والرحمن خالقنا ومليكنا، والرحمن ~~هادينا وناصرنا، والرحمن من علينا باسمه الرحمن، ووفر منه حظنا، وبالرحمة ~~العظمى نلنا من الرحمن حظنا، فالله ولينا ومولانا، PageV06P435 ~~والرحمن أحيانا، والرحيم أعاشنا، والقيوم آوانا، فيا أكرم مأمول، ويا خير ~~معبود، ويا أحسن خالق، ويا أكرم مالك! تمم علينا معروفك وما ابتدأت من ~~الإحسان، وتول منا ما توليت من أهل رأفتك ورحمتك، وتعطف علينا بجودك وكرمك، ~~تبارك اسمك الرحمن ذو الجلال والإكرام، علمت القرآن، وخلقت الإنسان، وعلمته ~~البيان، فلك الحمد والآلاء والنعماء، يا ذا الملك والملكوت، يا عزيز ~~الجبروت، إليك الرغبوت، ومنك الرهبوت، هديتنا لاسمك الرحمن، ms1091 ووفرت منه ~~حظنا، فأحييت به قلوبنا، ونورت به أفئدتنا. # فالفرح الدائم لمن وصل اليوم إلى الرحمن قلبا، والسرور والبهجة وقرة ~~العين لمن وصل إليه غدا بريا، فيامن غمرتني رحمتك العظمى، فزادني اسمك ~~سرورا ما زاد أعداءك نفورا، وإنما نفرهم عن اسمك الرحمن حرمان حظهم من ~~الرحمن، فلم تنلهم رحمتك، فجهلوا اسمك، ونفروا من ذكره، وهو الاسم الذي به ~~حييت القلوب، وتمكنوا به في دارك دار السلام. # سجدة سورة النمل: سجدت لمن يخرج الخبء في السماوات والأرض، عالم الخفيات، ~~محصل ما في الصدور، ومبلي السرائر، لم يخف عليه حركات جوارحنا، ومكنون ~~ضمائرنا، وخواطر قلوبنا، وهمم نفوسنا، ونوازع الأهجاس منا، سجدت لك الذي لا ~~إله إلا هو رب العرش العظيم، يا من على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، ~~جعلت العرش العظيم منظرا، ولقلوب الأحباب عند ظمأ الشوق موئلا، وفي النوائب ~~والشدائد PageV06P436 ~~مفزعا، يا ذا الأمثال العلا، والأسماء الحسنى، فأنت رب العرش العظيم، وكيف ~~لا يعظم وهو مقامك للربوبية، يا حي يا قيوم، فمن دونه إلى ما تحت الثرى في ~~جوف العرش العظيم، علوت العرش، واستويت عليه، وأنت عالى على العرش، يا شاهد ~~كل نجوى، ومن حبل الوريد إلينا أقرب وأدنى، هب لنا ما أحصيته علينا مما ~~أسرفنا على أنفسنا، وتفضل علينا بعفوك يا ذا الجود والأفضال، آمين. # سجدة الم تنزيل: آمنا بآياتك، وخررنا لك سجدا، فسبحانك اللهم وبحمدك، ~~تعاليت ولك الكبرياء في السماوات والأرض، فأنت العزيز الحكيم، نبرأ إليك من ~~أن نتكبر على عظمتك، ونعوذ بك من أن ننازع أمرك، أو أن نسبقك بقول، أو ~~نخالف عن أمرك، أو نلجأ إلى أحد سواك، أو نركن إلى مخلوق، أو أن نعلق ~~قلوبنا بمن دونك، لجلالك خضعت رقبتي، ولكبريائك ذلت نفسي، ولوجهك الكريم ~~الباقي الدائم وضعت وجهي، ولجاهك أرغمت أنفي، ولعظمتك خرت قامتي ساجدة، ~~ولربوبيتك أسلم شخصي عبودة ورقا، فاجعل مولاي حركاتي ومنقلبي وهممي لك ~~خالصا، وعلى حقوقك عطوفا، وبالعبودة لك قائما قانتا، وبقلبي إليك هائما، لا ~~أوثر على حبك أحدا، ولا على أمرك ms1092 أمرا. # سجدة سورة ص: لك خررت راكعا وساجدا، مفتونا وغير مفتون، مستغفرا تائبا ~~منيبا، وأنت الذي مننت على عبدك داود في وقت حلول الفتنة بأن جعلت له ~~السبيل إلى التوبة والاستغفار، حتى خر راكعا وأناب، فغفرت PageV06P437 ~~له ذلك، وأعلمت العباد أن له مع المغفرة عندك لزلفى وحسن مآب، وهذا في كرمك ~~وفضلك على أحبابك موجود يا جواد، وأنت به معروف، وما أنهيت إلينا هذا الخبر ~~من صنيعك به إلا أنك رجيت عبيدك وأملتهم، وما أوليته من معروفك؛ لئلا يقنط ~~المفتونون، ولا يتحير الخطاؤون، ولا ييئس المذنبون. # سجدة سورة حم: سبح لك من عبدك، فلم يلحقهم سآمة ولا فتور، ذلك بأنك قربت ~~مقاومهم، وعريتهم من إشغال النفوس، وأنقذتهم من الوساوس والآفات، وخلقتنا ~~بموضع رحمة مع الشهوات والآفات، يعتورنا أسباب البلاء، وأزمة القضاء، فنعوذ ~~بك أن نستكبر عن عبادتك، أو نرفع بأنفسنا عن السجود لك، والإلقاء بين يديك ~~سلما، فمن رام عزا، فإنما ناله بالتذلل لك، وكيف لا يعز من انتصب لك خادما، ~~وألقى نفسه بين يديك عبودة وتسليما، إلهي! لو كانت لي نفوس غير واحدة، لحق ~~لي أن ألقيها بين يديك، وأجود بها كلها عليك، وكيف وإنما هي واحدة، فكيف لا ~~أجود بها عليك، وإنما نلتها من عندك؟! وكيف لا أجود بها، وإنما سألتنيها ~~لترحمها وتكنفها وتحوطها وتغذوها برحمتك ورأفتك؛ لتصلح لجوارك غدا، والمصير ~~إلى ضيافتك في فردوس الجنان يوم الزيادة، فبك أعوذ من جماحة نفسي وحرنها عن ~~حقوقك، يا أكرم داع، ويا خير مجاب. PageV06P438 # سجدة سورة النجم: لك سجدنا، وإياك عبدنا، وبأمرك ائتمرنا، وحق أن نسجد ~~لإلهنا ومولانا، خلقتنا من تراب ثم من نطفة ثم من علقة في ظلمات ثلاث، في ~~بطون الأمهات والأرحام والمشيمات، ثم أخرجتنا في محل الابتلاء والامتحان ~~ودار السياق والمضمار، وعرضتنا للبلايا والرزايا، وعظم الأخطار، وفتن دار ~~الغرور، وكيد العدو، وأمور الغيب في مشيئتك يا ذا الجلال، والقدرة، والعلو، ~~والرفعة، دعوتنا إلى دار السلام، وأنذرتنا بالسجون سجون الأعداء، ومننت ~~علينا منة الأحباب، وأبهمت العواقب علينا من ms1093 أمورنا، فمن ذا يرحمنا إن لم ~~ترحمنا؟ ومن ذا يغفر لنا إن لم تغفر لنا؟ ومن ذا يكشف ضرنا إن لم تكشف يا ~~خير مدعو، وأكرم مسؤول، يا راحم المذنبين، تفضل علينا بعفوك. # سجدة سورة إذا انشقت: الحير والشقاء أحاط بهم مولاي فاستكبروا عن توحيدك، ~~وفوت حظ منك نالهم إلهي، فتعظموا عن الإيمان بك، وجعلوا معك إلها، مغترين ~~بقول العدو، فلا إله إلا أنت سبحانك، وكيف يسجدون إذا قرئ عليهم القرآن، ~~وهم المطرودون من بابك، ينادون من مكان بعيد؟! إنما سجد لك أحبابك، وأهل ~~رأفتك ورحمتك، والممنون عليه بذلك، قربتهم، ووفرت حظهم منك، ونورت قلوبهم ~~بالسراج المنير، وشرحت صدورهم بعظيم آلائك، وأحييت قلوبهم بك، ووصلت حبلهم ~~بحبلك، فكلما تلوا آياتك، فذكروك ذكر الصفاء، رموا بأنفسهم إليك PageV06P439 ~~خرورا لوجوههم، واستروحوا إلى ذلك، وتنسموا روح القربة، وسكنوا بلطائف ~~مقالتك ظمأ الشوق إليك منهم، وتلقوا أمرك بإلقائهم بين يديك مترضين لك، ~~فاجعلني ممن يترضاك فترضى عنه يا خير المقصودين. # سجدة سورة اقرأ: لك سجدنا، وبأسباب وسائلك تعلقنا، ونفوسنا بين يديك ~~ألقينا، قصدا للاقتراب منك مولانا، فقد أنزلت في وحيك علينا أن: {اتقوا ~~الله وابتغوا إليه الوسيلة}، ثم قلت لنبيك: {واسجد واقترب}، فجعلت له ~~بالسجود إلى القربة سبيلا، ومن ذا يستحق القرب منك مولاي إلا من رحمته ~~فقربته؟ فقد اقتربت بفعلي، وإلقاء نفسي بين يديك؛ تأميلا لفضلك، وطمعا فيما ~~رجيت عبيدك. PageV06P440 ### || AUTO الأصل السابع والسبعون والمئتان # 1523 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا يحيى بن سليمان الجعفي المصري، قال: ~~نا ابن وهب، قال: حدثني حيي، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله ابن ~~عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوما فتاني القبر، فقال عمر: ~~أترد علينا عقولنا يا رسول الله! فقال: ((نعم، كهيئتكم اليوم)). فقال عمر: ~~ففي فيه الحجر. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فقد فسرنا هذا الحديث في الجزء الثاني من كتاب ((النوادر)) في الأصل ~~الثاني والعشرين، ولكن بقيت في هذه المسألة نكتة لم نأت على تفسيرها، ms1094 PageV06P441 ~~وذلك أن سئلنا: ما سبب هذه الفتنة في القبر قد انقطعت العبودة عند خروج ~~الروح إلى الله موحدا، وانكشف الغطاء؟. # فالجواب في ذلك عندنا، والله أعلم: أن الله من على الموحدين بمعرفته ~~وتوحيده، وذلك من فضله ورحمته، فصاروا أولياءه، وحرم قوما فضله ورحمته، ~~فصاروا أعداءه، وكان يبعث الرسول بعد الرسول إلى الأمم، فكان الممنون عليه ~~يؤمن به، ويتبع الرسول في شريعته، ويعبده مع الرسول، والخائب يكذب الرسول، ~~ويتخذ من دون الله وليا، فيعبده، فكان يمهلهم حتى يريهم الآيات، ثم إذا لم ~~يؤمنوا، بعث عليهم عذابا فيدمرهم، ثم ينشئ قرنا آخر، ويبعث رسولا، فكان هذا ~~سنة الله في الذين خلوا من قبل. # وقال في تنزيله عندما قص نبأ نوح، ثم إبراهيم، وعاد، وثمود، وشعيب، ~~وموسى، وفرعون، ثم قال: {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ~~ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا} الآية، ثم ~~بعث الله محمدا عليه السلام رسولا، فقال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين}. # فكان من رحمته: أن أعطى محمدا السيف بدل العذاب الذي كان يأتي الأمم بغتة ~~فيهلكهم؛ كي يخوفهم بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام طوعا وكرها، ثم إذا مرنت ~~نفوسهم الكارهة في الدين على شريعة الإسلام، PageV06P442 ~~انقادت وأطاعت، وزايلهم الغش والنفاق، ومنهم من لم يزل النفاق فيهم إلى أن ~~مات، وستر الله ذلك عليهم، فكان المنافقون يخالطون المسلمين في مناكحاتهم ~~ومواريثهم، ومغازيهم ومعاملاتهم، والنفاق في القلب، ولم يكن في الأمم قبل ~~ذلك نفاق، إنما كان تصديق وتكذيب؛ لأنه لم يكن هناك تخويف بالسيف، فكان ~~المكذبون يجهرون بالتكذيب حتى يأتهم عذاب الله بغتة، فلما جاءت هذه الأمة، ~~وأوتيت السيف، دخلوا في الدين طوعا وكرها، فجاءهم الابتلاء في القبر؛ ليظهر ~~نصرة الله المطيع في الحياة الدنيا، الثابت في قبول الإسلام، وتلقين الجواب ~~عند السؤال، ويبرز مكرمته وفضله، ويضل الله الظالم الذي كان مع النفاق أيام ~~الحياة، فهذا عندنا سبب فتاني القبر. # ويحقق ما قلنا ما: # 1524 - نا به محمد بن زنبور المكي، ms1095 قال: نا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، ~~عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذه الأمة ~~تبتلى في قبورها)). # فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأمة خصوصا دون سائر الأمم، ~~فإنما ابتلوا بالسؤال؛ ليميز الله الخبيث من الطيب، فيثبت الثابت في الحياة ~~الدنيا، ويضل الله الظالم، وقال في تنزيله: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ~~ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ~~ولكن الله يجتبي من رسله من PageV06P443 ~~يشاء} الآية. وقال تعالى: {الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم ~~لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين} الآية، فكان أولئك الذين من قبلهم فتنوا بالشريعة حتى يظهر من ~~قبله صدقا. # وأما فتنة القبور، ففيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذه الأمة ~~تبتلى في قبورها)) دليل على أنهم مخصوصون بالسؤال؛ للنفاق الذي كان في هذه ~~الأمة من أجل السيف، ثم قال تعالى: {ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء}. # تأويله عندنا والله أعلم: أن من مشيئته أن يرفع مرتبة أقوام عن السؤال، ~~وهم الصديقون والشهداء. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قيل له: ما بال الشهداء لا ~~يفتنون في قبورهم؟ فقال: ((كفى ببارقة السيوف عليهم فتنة)). # 1525 - نا بذلك محمد بن يحيى المروزي، قال: نا علي بن الحسن، قال: نا عبد ~~الله بن المبارك، قال: نا إبراهيم بن محمد الفزاري، قال: نا صفوان بن عمرو، ~~عن راشد بن سعد، قال: قال رجل: يا رسول الله! ما بال المؤمنين يفتنون في ~~قبورهم إلا الشهداء؟ فقال عليه السلام: ((كفى ببارقة السيف على رأسه ~~فتنة)). PageV06P444 # معناه: أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق، كان إذا التقى الزحفان، وبرقت ~~السيوف إذا شهروها، فمن شأن المنافق الفرار والروغان، ومن شأن المؤمن البذل ~~والتسليم لله نفسا، وهيجان حمية الله، والتعصب له؛ لإعلاء كلمة الله، فهذا ~~قد أظهر صدق ms1096 ما في ضميره حيث بزر للقتل والحرب، فلماذا يعاد عليه السؤال في القبر؟ # وإذا كان الشهيد لا يفتن، فالصديق أجل خطرا وأحرى أن لا يفتن؛ لأنه ~~المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء، ولذلك لم يهب عمر أن يقول: في فيه ~~الحجر بعد ما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عقله يرد عليه. # وقد جاء فيمن هو أقل منه أن لا يفتن، أتت به الأخبار عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من غير وجه، منهم: عبادة بن الصامت، وسلمان الفارسي، ~~وغيرهما: أنه قال: ((من مات مرابطا، وقي فتنة القبر، وغدي وريح برزقه عليه ~~من الجنة)). # وروي عنه عليه السلام: أنه قال: ((من مات يوم الجمعة أو ليلتها، وقي فتنة ~~القبر)). # 1526 - نا بذلك أبو قلابة الرقاشي، قال: نا بشر PageV06P445 ~~ابن عمر، قال: نا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف ~~الإسكندراني، عن عياض بن عقبة الفهري، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: ((من مات يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، وقاه الله ~~فتنة القبر)). # 1527 - نا محمد بن يحيى المروزي، قال: نا علي ابن الحسن، قال: نا عبد ~~الله بن المبارك، قال: نا هشام بن الغاز، قال: نا مكحول، عن سلمان الفارسي، ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من مات مرابطا في سبيل ~~الله، أجير من فتنة القبر، وجرى عليه صالح عمله الذي كان يعمل إلى يوم ~~القيامة)). PageV06P446 # وروى هشام بن عمار قال: نا يحيى بن حمزة، قال: نا عروة بن رويم اللخمي، عن ~~القاسم بن عبد الرحمن، قال: زارنا سلمان، فحدثنا، قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فذكر مثله. # فالمرابط: قد ربط نفسه، وحبسها، وصيرها حبيسا لله في سبيله؛ لمحاربة ~~أعدائه، فإذا مات على هذا، فقد ظهر صدق ما في ضميره، فوقي فتنة القبر، ومن ~~مات يوم الجمعة، فقد انكشف الغطاء عما له عند الله؛ لأن يوم الجمعة لا تسجر ms1097 ~~جهنم، وتغلق أبوابها، ولا يعمل الشيطان في الناس ما يعمل في سائر الأيام، ~~فإذا قبض الله عبدا من عبيده، فوافق قبضه ليوم الجمعة، كان في ذلك دليل ~~السعادة، وحسن معاده عند الله، فيوم الجمعة يوم الله الذي خلق فيه آدم ~~وذريته، ويومه الذي تقوم فيه الساعة، فيميز بين الأحباب والأعداء، ويومه ~~الذي يدعوهم إلى زيارته في دار عدن، فلم يكن ليعطي -فيما نعلمه- بركة هذا ~~اليوم، وما ضمن هذا اليوم من عطاء الرحمن إلا من كتب له السعادة عنده، ~~فلذلك يقيه فتنة القبر. # فدلت هذه الأشياء أن سبب فتنة القبر إنما هو ليتميز المنافق من المؤمن PageV06P447 ~~هناك في البرزخ من قبل أن يلقى الله، لأن كلا الصنفين قد صلي عليهما، وفعل ~~بهما سنة الموت من النبيين والمرسلين؛ من الغسل والتكفين والصلاة عليهم، ~~فامتحنا بالسؤال؛ ليهتك المنافق ستره بقوله: لا أدري، كما ستر الله عليه ~~نفاقه بحرمة ما أظهر من المنطق الجميل، فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. # فأوجب لقوله في الظاهر حرمة، فلم يهتك ستره في الدنيا كرما ومجدا، حتى ~~إذا وضع في قبره، امتحنه بالسؤال؛ ليظهر نفاقه في البرزخ قبل أن تقوم ~~الساعة؛ كي يكون العبد هو الذي يهتك ستر نفسه بقوله، والله حيي ستير، لا ~~يهتك ستر العبد حتى يكون هو الذي يهتك ستره، وأضله عن القول كما كان في ~~الدنيا ضالا في الستر، ظالما لنفسه، وثبت الصادق برحمته السابقة له، وبما ~~من عليه، فرد عليه عقله، وروحه، وعلمه بالله، وأطلق لسانه، وشجع نفسه، وقوي ~~قلبه حتى نطق بوفارة حظه من الله، ولم تأخذه الحيرة والدهشة، لعلمه بالله ~~الذي أكرمه بذلك العلم، فأقواهم على الإجابة، وأسرعهم جوابا: أوفرهم حظا من ~~العلم بالله. # فالامتحان في القبر بعدما انقطعت العبودة مكرمة للموحد الممنون عليه ~~بالتوحيد، كما من الله عليه بالثبات في الدنيا، فلم يزغ بقلبه هواه PageV06P448 ~~ولا عدوه، فكذلك ثبته الله في قبره، وكما ابتلي عدة من المؤمنين في أيدي ~~العدو بالقتل وأنواع العذاب، فلم يتركوا دينهم، ولم يجيبوهم ms1098 إلى أديانهم، ~~فذلك الثبات كائن لهم في القبور؛ لأن تلك العقول ترد عليهم التي بها رزقهم ~~الله الثبات. # وروي عن سفيان الثوري أنه جاء في الخبر: أنه عندما يقال له: من ربك؟ ~~فيدخل الشيطان عليه، فيتمثل له، ويشير إلى نفسه، فيقول له: أنا. # فطلبنا تحقيق هذا، فوجدنا في الإخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أنه كان يقول عند دفن الميت: ((اللهم أجره من الشيطان)). # 1528 - نا بذلك صالح بن محمد، عن حماد بن عبد الرحمن، قال: نا إدريس بن ~~صبيح الأودي، عن سعيد ابن المسيب، قال: حضرت عبد الله بن عمر في جنازة، ~~فلما وضعها في اللحد، قال: ((باسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول ~~الله))، فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد، قال: ((اللهم أجرها من ~~الشيطان، ومن عذاب القبر، ومن عذاب النار))، فلما سوى الكثيب عليها، قام ~~جانب القبر، وقال: ((اللهم جاف الأرض عن جنبيها، وصعد روحها، PageV06P449 ~~ولقها منك رضوانا))، فقلت لابن عمر: أشيئا سمعته من رسول الله، أم شيئا ~~قلته من رأيك؟ قال: إني إذا لقادر على القول، بل سمعته من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # وروى محمد بن مقاتل، عن ابن أبي فديك، عن زكريا بن إبراهيم بن عبد الله ~~بن مطيع، عن عبد الله بن محمد: أن إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم ~~توفي، فأخرج، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي أمام سريره، ثم دخل ~~قبره، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضع في القبر، فاضت عيناه، ~~فلما رأى ذلك أصحابه، بكوا حتى ارتفعت أصواتهم، ثم أقبل أبو بكر رضي الله ~~عنه، فقال: يا رسول الله! تبكي، وأنت تنهانا عن البكاء؟ فقال عليه السلام: ~~((يا أبا بكر! تدمع العين، ويتوجع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب تعالى))، ~~ثم دفن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أحد يأتينا بماء نطهر ~~به قبر الصبي))، فأتي بماء، فأمر به فرش على قبر إبراهيم، ثم وضع ms1099 يده ~~اليمنى على قبره من عند PageV06P450 ~~رأسه، وقال: ((ختمت عليك بالله من الشيطان الرجيم)). # 1529 - نا أبي، قال: نا أبو نعيم، عن سفيان، قال: نا عمرو بن مرة، عن ~~خيثمة، قال: كانوا يستحبون إذا دفنوا الميت أن يقولوا: ((بسم الله، وفي ~~سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، اللهم أجره من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ~~ومن شر الشيطان الرجيم)). PageV06P451 ### || AUTO الأصل الثامن والسبعون والمئتان # 1530 - حدثني عمر بن أبي عمر، قال: نا نعيم بن حماد، عن عبد الوهاب ~~الثقفي، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عقبة بن أوس السدوسي، عن عبد ~~الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يؤمن عبد حتى ~~يكون هواه تبعا لما جئت به)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالذي جاء به الرسول عليه السلام عن الله هو العبودة التي لها خلقوا، قال ~~الله تعالى في تنزيله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، وقال تعالى: ~~{ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه}. PageV06P453 # فالعبودة في ترك الهوى، واتباع ما جاء به، فكل أمر اجتمعت فيه هذه الخصال ~~الست، فقد استكمل العبودة: الحق، والصواب، والعدل، والصدق، والأدب، ~~والبهاء، فإذا رفع أمره إلى الله، وقد اجتمعت فيه هذه الست، لبق، فإذا لبق، ~~تقبل، وتقبله أن يعرض على الله، فإذا نظر إليه تقبله الآن، وما تأخر تقبله، ~~فهو موضوع في الخزائن إلى يوم القيامة حتى يحاسب، ويحصل ما في الصدور، فما ~~صفا منها، قبل هناك، وما لم يصف، رمي به. # قال له قائل: صف لنا أمرا واحدا تجتمع فيه هذه الخصال؟. # قال: رجل صلى ركعتين في وقت طلوع الشمس، أو في وقت دعته أمه، فلم يجبها، ~~فالصلاة حق، وليس بصواب في هذا الوقت، فلم يصب الصواب. # ألا ترى أن جريجا الراهب جاءته أمه، فنادته وهو يصلي في صومعته، فقال: يا ~~رب! صلاتاه وأماه، فلم يجبها، فرجعت الأم، ودعت عليه فقالت: اللهم ارمه ~~بالمومسات، فما لبث أن أحاطت جماعة بصومعته ms1100 ليخربوها، فأنزلوه وأهانوه، ~~وقالوا: إن أمتنا هذه ولدت من زنا، وزعمت أنه منك، فتبسم ضاحكا لما علم من ~~دعوة أمه، وصلى ركعتين، ثم قال: أروني هذا الولد، فجاؤوا به، فقال: من ~~أبوك؟ فقال ذلك المولود: أبي فلان الراعي، فندم القوم على ذلك، واعتذروا ~~إليه، وقالوا: نبني صومعتك من الذهب والفضة، قال: لا، أعيدوها كما كانت، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV06P454 # ((لو كان جريج الراهب فقيها عالما، لعلم أن إجابته أمه من عبادة ربه)). # 1531 - نا سفيان بن وكيع، قال: نا روح بن عبادة، عن شعبة، عن خبيب بن عبد ~~الرحمن، قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المعلى، قال: كنت أصلي، ~~فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاني، فلم آته حتى صليت، ثم أتيته، ~~فقال عليه السلام: ((ما منعك أن تأتيني ألم يقل الله: {يأيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} -ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة ~~في القرآن قبل أن أخرج؟))، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج، ~~فذكرته، فقال: ((الحمد لله رب العالمين، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم ~~الذي أوتيته)). PageV06P455 # 1532 - نا صالح بن محمد، وصالح بن عبد الله، قالا: نا القاسم العمري، عن ~~العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خرج على أبي ابن كعب وهو يصلي، فسلم النبي عليه السلام، فالتفت أبي ~~ولم يجبه، ثم صلى أبي وخفف، ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~السلام عليك يا رسول الله، صلى الله عليك، فقال رسول الله: ((ما منعك أن ~~تجيبني إذ دعوتك))، فقال: يا رسول الله! كنت في الصلاة، قال: ((ألم تجد ~~فيما أوحي إلي أن {استجيبوا لله وللرسول إلى دعاكم}؟)) قال: بلى يا رسول ~~الله، لا أعود إن شاء الله، قال صلى الله عليه وسلم: ((تحب أن أعلمك سورة ~~لم ينزل الله، في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن ms1101 ~~مثلها؟))، قال: PageV06P456 # نعم يا رسول الله، قال: ((إني لأرجو أن لا تخرج من هذا الباب حتى تعلمها))، ~~فأخذ النبي عليه السلام يحدثني، وأنا أتبطأ به مخافة أن يبلغ الباب قبل أن ~~يحدثني، قلت: يا رسول الله! صلى الله عليك، ما السورة التي وعدتني؟ قال: ~~((كيف تقرأ في الصلاة؟))، فقرأت أم القرآن، فقال صلى الله عليه وسلم: ~~((والذي نفسي بيده! ما أنزلت في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ~~ولا في القرآن مثلها، إنها السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيت)). # قال أبو عبد الله: # فأصل هذا الحديث عن أبي هريرة رواية عن أبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ألا ترى أنه قال في الحديث: قال: قلت يا رسول الله ما السورة التي ~~وعدتني؟ فإنما روى أبو هريرة عن أبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV06P457 # 1533 - نا سفيان بن وكيع، قال: نا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن ~~العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما في التوراة، ولا في الإنجيل ~~مثل أم الكتاب، وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل)). # وروى ابن المبارك، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي عبيدة بن ~~حذيفة، عن أبيه: أنه كان قاعدا مع أبي موسى الأشعري، فأتاه رجل، فقال: إن ~~أخذت سيفي، فجاهدت أبتغي به وجه الله حتى أقتل، أين أنا؟ قال: في الجنة، ~~قال حذيفة: استفهم الرجل ما يقول، وأفهمه ما تقول له، قال: ما قلت؟ قال: ~~أرأيت إن أنا أخذت سيفي، فجاهدت أبتغي به وجه الله حتى أقتل، أين أنا؟ قال: ~~في الجنة، قال حذيفة، استفهم الرجل ما يقول وأفهمه. PageV06P458 # قال أبو موسى -وضرب بيده-: ما تزال تأتينا بشيء ما ندري ما هو، ثم قال ~~للرجل: كيف قلت؟ قال: أرأيت إن أنا أخذت سيفي، فجاهدت به أبتغي وجه الله ~~حتى أقتل، أين أنا؟ قال ms1102 أبو موسى الأشعري: والله! ما أدري ما أقول لك غير ~~ذلك، فقال حذيفة: والله! ليدخلن النار أكثر من كذا وكذا، كلهم يقول ما قال ~~هذا، ولكن إن أخذت سيفك، فجاهدت تبتغي به وجه الله، فأصبت الحق، فقتلت وأنت ~~عليه، فأنت في الجنة، ومن أخطأ الحق، فلم يوفقه الله للخير، قال أبو موسى ~~الأشعري: صدق. # قال أبو عبد الله: # فهذا حق لم يصب به طريق الحق، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يؤنس أمر بأمر، فثقل عليه، فتوجه نحو جزيرة من جزائر البحر؛ ليعبد الله ~~فيها، فأصابه ما أصاب، وعوقب بما عوقب. # فيحتاج العبد إلى الحق، وفي الحق صواب، وفي الصواب العدل، وفي العدل ~~الصدق، وفي الصدق الأدب، وفي الأدب البهاء. # فأما الحق: فكل أمر رضي الله عنه. # وأما الصواب: فكل أمر مرضي رضي الله لك في ذلك الوقت. # وأما العدل: فإنه يكون قلبك في إصابة الحق والعمل به، لا تميل PageV06P459 ~~إلى النفس تريد به الرياء، فيكون عدلا لا جور فيه، فقد وقف عليك بالعمل على ~~سبيل الاستواء. # وأما الصدق في العدل: بأن يرمي ببصر قلبه إلى موضع المشاهدة والمنظر: أن ~~الله ناظر إليه في فعله هذا، وأنه شاهده. # وأما الأدب: فأن يضع كل شيء من الحركات موضعها؛ في موضع السبق سبقه، وفي ~~موضع المبادرة مبادرته، وفي موضع السرعة سرعته، وفي إتمام الفعل إتمامه. # وأما البهاء: فوقاره، وسكينته، وزينته، وطلاوته، ولبقه، وحسنه، فالحق من ~~المعرفة، والإصابة من الهدى، والعدل من الجلال، والصدق من الخشية، والأدب ~~من العقل الأكبر في القبضة، والبهاء من المحبة، فمثل ذلك كمثل ثوب منسوج ~~جوهري محكم منقوش، فالثوب هو الحق، والجوهر الهدى، والمحكم من الجلال، ~~والنقش من البهاء. PageV06P460 ### || AUTO الأصل التاسع والسبعون والمئتان # 1534 - نا صالح بن محمد، والجارود بن معاذ، وأبو طالب الهروي، قالوا: نا ~~عبد المجيد بن عبد العزيز، عن مروان بن سالم، عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن ~~عبيد الحضرمي، عن أبي الدرداء، قال: كان رسول الله صلى الله عليه ms1103 وسلم إذا ~~بلغه عن رجل شدة عبادة، سأل: كيف عقله؟ [فإذا قالوا حسن، قال: أرجوه] فإن ~~قالوا غير ذلك، قال: لن يبلغ، وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عن رجل من ~~أصحابه شدة عبادة واجتهاد، قال: ((كيف عقله؟))، قالوا: ليس بشيء، قال عليه ~~السلام: ((لن يبلغ صاحبكم حيث تظنون)). # 1535 - نا أبي، قال: نا جندل بن والق الكوفي، PageV06P461 ~~قال: نا عبيد الله بن عمرو الرقي، [عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة]، عن ~~نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يعجبكم ~~إسلام رجل حتى تعلموا ما عقدة عقله)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالعقل خلق مخلوق من نور البهاء، مقسوم بين الموحدين من ولد آدم، موضوع ~~في دماغه، وإشراقه وشعاعه ومعتمله في الصدر بين عيني الفؤاد، فهو مدبر ~~الأمر، زاجر وآمر، ومقدر، ومميز، ومزين، ومبصر، ودليل، وهاد، فبه عرف ربه، ~~وبه علم ربوبيته، وبه نظر إلى تدبيره، وإلى ما أظهر لخلقه من ملكه وعجائب ~~صنعه، وبه عرف جواهر الأمور من أمر الدين والدنيا، وبه ينهض إلى ربه. # وذلك النهوض اسمه على ألسنة الخلق: النية؛ من قوله: ناء ينوء؛ أي: نهض ~~ينهض، وإنما ينهض بقصده وإلقاء همته، لا أنه ينخلع من مكانه، فهمه وقصده ~~نيته، وهي النهوض عن السكون، فهمم القلوب تطير إلى الله بنور العقول التي ~~لها على قدر حظه من العقل الذي قسم له ربه، وبين القسم تفاوت، فإنما تفاوتت ~~الرسل والأنبياء، ومن دونهم من PageV06P462 ~~الموحدين في منازل الدين، وفي درجات الجنان غدا، بتفاضل العقول، فالعبادة ~~والاجتهاد فيها من دأب النفس ما هو وبال على صاحبه؛ لأن دأب النفس هو الهوى ~~الذي حذرنا اتباعه في التنزيل، فقال: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله}. # فإذا كانت العبادة والاجتهاد فيها، فخرجها من تدبير العقل، استقام الأمر، ~~وصفت العبادة، وذهب الجهد؛ لأن الجهد من ضيق النفس وعسرتها، والهوى يضيق ~~أمرها عليها، وهي في ذاتها معسرة عسرة ذات نكر؛ لخلائها وفقرها، وتزاحم ~~شهواتها في ms1104 الجوف، فإذا جاء العقل وغلب الهوى، ارتد الهوى، قهقرى، وذل وخمد ~~سلطانه، فعند ذلك سكنت النفس، واستقرت عن التذبذب والطيش، ووجد القلب قراره ~~في مستقره؛ لأن القلب معلق في موضعه بعروقه كالدلو بأذنيه، أو كقنديل ~~بسلاسله، فإذا تحركت النفس، وجاء أهبوب الهوى، فجاش بالنفس، ودار بها دوران ~~الرحا، تذبذب القلب، فإذا كان العقل ولي القلب، غالبا للهوى، فالهوى مقضي ~~مدحور ذليل، والقلب أمير مؤمر عدل في إمارته، فلا يستعمل جارحة إلا بما ~~يدبر له العقل، ويزين وينهج سبيله، فلذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا سمع بعبادة رجل، سأل عن عقله. PageV06P463 # فإذا كان العقل مغلوبا، كان القلب أسير الهوى والنفس، فهو -وإن اجتهد في ~~العبادة- فعامة عبادته خطأ وجهل، كما فعل جريج الراهب حيث نادته أمه وهو في ~~صومعته في صلاته، فقال: يا رب! صلاتاه وأماه؟ فاختار الصلاة، ولم يجب أمه، ~~فقالت أمه: اللهم ارمه بالمومسات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((فلو دعت أن يفتنه بهن، لافتتن)). وقال: ((لو كان جريج الراهب فقيها ~~عالما، لعلم أن إجابة أمه من عبادة ربه)). # وكان من أمره ما كان، وعوقب بجهله وهواه لما آثر صلاته على إجابته أمه، ~~فتلك عبادة المفتونين. # 1536 - نا عبد الوهاب بن فليح المكي، قال: نا مروان ابن معاوية، عن الحسن ~~بن عمرو، قال: نا عبد الرحمن بن سعد بن ذئاب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن جريج الراهب كان متعبدا في صومعته. ~~الخبر إلى آخره. PageV06P464 # قال مجاهد: فكان المولود أحد الثلاثة الذين تكلموا في المهد. # 1537 - نا إبراهيم بن المستمر الهذلي، قال: نا الحكم بن الريان اليشكري، ~~قال: حدثني ليث بن سعد، قال: نا يزيد بن حوشب الفهري، عن أبيه، قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لو كان جريج الراهب فقيها عالما، PageV06P465 ~~لعلم أن إجابته أمه من عبادة ربه)). # وروي لنا عن نافع، قال: مطرنا ليلة بمكة مطرة شديدة في ليلة مظلمة، قال ~~لي ms1105 ابن عمر: يا نافع! اذهب فانظر: هل ترى في الطواف أحدا؟ فذهبت فوجدت ابن ~~الزبير يطوف، ثم صلى عند المقام ركعتين، فلما سجد، جاء السيل فطاف على ~~رأسه، فجئت فأخبرت ابن عمر بذلك، فقال: هذه عبادة مفتون. PageV06P466 ### || AUTO الأصل الثمانون والمئتان # 1538 - نا أبي، قال: نا يحيى الحماني، قال: نا زيد بن الحباب، أخبرني: ~~كثير بن عبد الله، قال: أخبرني الحسن بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة تحت العرش: القرآن له ظهر وبطن ~~يحاج العباد، والرحم تنادي: صل من وصلني، واقطع من قطعني، والأمانة)). # قلت لكثير: مذ كم سنة سمعت هذا الحديث؟ قال: مذ ستين سنة، قلت: كم أتى ~~عليك؟ قال: تسعون سنة. PageV06P467 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فظهر القرآن يحاج الظالمين أهل التخليط، وبطن القرآن يحاج المقتصدين؛ لأن ~~ظاهر القرآن لأهل الجنان، وباطن القرآن لأهل الغرف، وهم السابقون عباد ~~الرحمن، فإنما يحاج المقتصدين؛ لأنهم أقاموا ما أنزل إليهم من ربهم على ~~مجاهدة منهم لأنفسهم، فأهل الجهد لا يقدرون على صفاء الأمور، وإنما ~~يقيمونها مع كدورة النفس، وضيقها، ونفسها، وعسرتها، وترددها، ونكدها، فلا ~~يبلغون حقائق الأمور على الصفاء. # وإنما يبلغ حقائق الأمور الصافية: السابقون الذين عتقوا من رق النفوس، ~~فهم أحرار كرماء، وأولئك عبيد أتقياء، كما قال عيسى بن مريم عليه السلام: ~~يا بني إسرائيل! فلا عبيد أتقياء، ولا أحرار كرماء. # فالمقتصد على سبيل العدل، وهو في جهد عظيم متعلق بعرا الطاعات، متحصن ~~بالهرب من الأمور والاعتزال مخافة السقوط، فباطن القرآن أن يحاجهم حتى يقيم ~~عليهم الحجة حتى لا يطمعوا في منازل السابقين الصديقين، فأولئك صادقون، ~~وهؤلاء سابقون وصديقون؛ لأن القرآن نزل بأمر ونهي. # فالسابق يأتمر بالأمر عبودة لله، ورقا للرب، وينتهي عن النهي إعظاما ~~لجلال الله، وخشوعا لعظمة الله، وخضوعا لتدبير لله، فأعرض عنه؛ لإعراض الله. # والقرآن نزل بوعده ووعيده، فالوعد في داره، والوعيد في سجنه، PageV06P468 ~~فإذا مر بذكر داره، حن إليها للقائه في داره، والنظر إليه، وإذا ms1106 مر بذكر ~~سجنه، أشفى صدره من أعدائه؛ لما أعد الله لهم؛ لأنه كان أيام الدنيا يألم ~~قلبه، ويجد مرارة ما يأتون به من الجرأة على ربهم في العظائم. # والقرآن نزل بأخبار القرون قبله، فرأى نصرة الأولياء، ونقمة الأعداء، ~~ففرح بنصرة الأولياء، وشمت بنقمة الأعداء، والقرآن نزل بضرب الأمثال، وقلبه ~~مرآة قد عاين ببصر قلبه ما وصف له، فكأنه شاهدهم بقلبه، فوافق الأمثال ما ~~شاهد بقلبه، فزاده إيمانا مع إيمانه، والقرآن نزل بذكر ما خرج من الآية، ~~وأنبأ ما في الملكوت، فرتع قلبه في رياض البهجة بذكر تلك الأشياء، فإذا قرأ ~~سورة {ق والقرآن المجيد} وأشباهها من السور، وما وصف من ذكر السماوات ~~والأرضين، وقوله تعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ~~وما لها من فروج. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل ~~زوج بهيج}، إلى قوله: {رزقا للعباد وأحيينا به بلدة}، عملت فيه بهجة الآية. # والقرآن نزل بحججه الدامغة للباطل على أعدائه، فتقوى بها، وازداد بصيرة، ~~والقرآن نزل باللطائف، وعلائم الرأفة والمحبة للعباد، فازداد بالله علما، ~~وبمنازل العباد منه معرفة، والقرآن نزل بمحض التوحيد وعلم الفردية، فلها عن ~~كل شيء سواه، وانفرد به تعلقا بفرديته، فهذه صفة PageV06P469 ~~السابقين، أعينهم إلى الله شاخصة، ولتدبيره مراقبة، ولأحكامه منقادة مسلمة. # والمقتصد في خلو من جميع ما ذكرنا، يأتمر الأمر على جهد، شاء أو أبى، ~~مخافة فوت الثواب، ويتناهى عن النهي مخافة العقاب، ونفسه شهوانية ثقيلة في ~~الائتمار، بطيئة عن المسارعة في الخيرات، غير متحملة أثقال الأمر، جموحة في ~~نهي الله، فهي ملجمة بالوعيد، فلولا أن صاحبها يمسكها بعنانها على الدوام ~~على ذلك، لركضت به في ميدان الخاسرين، وإذا مر بذكر الجنان، حن إلى نعيمها، ~~وإلى ما أعد فيها للعمال. # فمن ذلك الحنين يخف لأعمال البر، وإذا مر بذكر الوعيد، ذبل وتحير، وانقبض ~~عن الأمور مخافة الهلكة فيها، فهو معتزل وحداني، وإذا مر بذكر القرون، ~~فإنما سمع أخبار قوم قد مضوا، لا يحتظي منها شيئا، وإذا مر بذكر أخبار ~~الملكوت، ms1107 علم من ذلك مقدار أهل التوحيد؛ لأنه لم ينكشف له الغطاء، فذاك لا ~~يجاوز سمعه. # وأما اللطائف والوداد: فهو لغيره، فكيف يلتذ بلطف غيره؛ لأن الجهد قد ~~أوحشه، والتعب والنصب قد أوقذه، ونفسه قد خنقته بسوء أخلاقه، وضيق صدره، ~~فمن أين له شرف اللطائف، وأنى له الوداد، وهو لم ينل الحبل فيتعلق به، إنما ~~نال الخشية، فيتعلق بها؛ ليصدق من نفسه قوله بفعله. PageV06P470 ### || AUTO الأصل الحادي والثمانون والمئتان # 1539 - أنا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: أنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا ~~رشدين بن سعد، قال: نا زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقول: ((ألا أخبركم عن وصية نوح ~~ابنه حين حضره الموت؟ قال: إني واهب لك أربع كلمات هن قيام السماوات ~~والأرض، وهن أول كلمات دخولا على الله، وآخر كلمات خروجا من عنده، ولو وزن ~~بهن أعمال بني آدم، لوزنتهن، فاعمل بهن، واستمسك حتى تلقاني: أن تقول: ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والذي نفس نوح ~~بيده! لو أن السماوات PageV06P471 ~~والأرضين وما فيهن وما تحتهن وزن بهؤلاء الكلمات، لوزنتهن)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فنعم الواهب، ونعمت المواهب، ونعم الموهوب له، هذا نوح رأس المرسلين ~~-صلوات الله عليه- أوصى ابنه عند وفاته وخروجه من الدنيا، ثم صير الوصية ~~هبة؛ لتكون تمليكا، ولا يكون تمليك إلا من مالك، فكأنه دل هذه الكلمة من ~~قول نوح: ((إني واهب لك))؛ أي: أن هذه الكلمات قد وهبت لي، فإني واهب لك من ~~قبل أن يزول ملك الهبة مني بمزايلة الروح الجسد، وبمزايلة العقل والنبوة ~~القلب والروح، حتى ترثه أنت دون سائر الورثة؛ لأن الورثة إنما يرثون ميراث ~~الدنيا بحكم أهل الدنيا، وأولاد الرسل إنما يرثون آباءهم ميراث النبوة بحكم ~~الله الرباني، وذلك قوله: {وورث سليمان داود}؛ فإنما ورث منه خلافة ~~الخليفة. PageV06P472 # وقال زكريا: هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب النبوة، ms1108 فهذا الولد ~~هو سام بن نوح فيما روي في الخبر، وهو أبو العرب والعجم والمجاورين للعرب. # وأما حام: فهو أبو الحبشة والهند والسند. # وأما يافث: فهو أبو الترك والسقالبة. # فكان هؤلاء الثلاثة ممن ركبوا السفينة معه، وامتنع كنعان الابن الرابع، ~~وحال بينهما الموج، فكان من المغرقين. # 1540 - أنا أبي، عن أحمد بن يونس، عن إسماعيل ابن عياش، عن يحيى بن سعيد، ~~عن سعيد بن المسيب، قال: ولد نوح ثلاثة: سام، وحام، ويافث، قال فولد سام: ~~العرب، وفارس والروم، وفي هؤلاء خير، وولد حام: السودان والبربر والقبط، ~~وولد يافث: الترك والسقالبة، ويأجوج ومأجوج، أراه قال: وليس في هؤلاء خير. PageV06P473 # وإنما صارت هذه الأربعة قيام السماوات والأرض وما فيهن؛ لأن الله تعالى خلق ~~السماوات والأرض وما فيهن بالحق، {ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون}. # وحقيقة القائمين بالحق في الوفاء بمقالة: سبحان الله، والحمد لله، ولا ~~إله إلا الله، والله أكبر، فإنما يطالب الله عباده بحقيقة القيام بهذه ~~الكلمات الأربع حتى يرضى الحق، فالسماوات والأرض وما فيهن مسخرات للآدميين؛ ~~ليقوم هذا الآدمي بمقالة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله ~~أكبر، منطقا، وليقوم بمقالة هذه الأربع؛ وفاء بطهارة هذه الأربع ونزاهتهن ~~وقدسهن، فمن قام من الآدميين بهذه الأربع بهذه الصفة التي وصفنا، كان ولي ~~هذه الكلمات، وكان ولي الله، وبه تقوم السماوات والأرض وما فيهن، وإنما صار ~~في الوزن أثقل من السماوات والأرض وما فيهن، وأوزن من أعمال بني آدم؛ لأن ~~هذه الكلمات عماد الأعمال، فبالتسبيح يطهر الأعمال، وبالتقديس وبالتحميد ~~تحط أثقال النعم، وبالتهليل يقبل الطاعات، وبالتكبير يرفع وينال الثبات ~~والثواب. # فأما قوله: ((أولهن دخولا على الله، وآخرهن خروجا من الله))؛ PageV06P474 ~~فإن هذه الكلمات رؤوس الكلام وأمناؤه، ومهيمن على سائر الكلام. # فالأمناء: أولهم دخولا على الملك يوم يقعد لعرض الأجناد، وتدبير الملك، ~~فيرفعون إليه أمور الرعية، ثم يأذن للرعية، فيعرضهم، فإذا خرجوا من عنده، ~~كان التدبير مع الأمناء، وقضاء حوائج الرعية على أيديهم، وأحكام أمورهم ~~معهم، ويخرجون إلى الرعية ms1109 بقضاء حوائجهم، وقبول معاذيرهم، ونوال عطاياهم، ~~فكذلك هذه الكلمات يدخلن على الله تعالى يوم يعرض الأعمال في اثنين وخميس، ~~ثم تجيء الأعمال بعد ذلك على أثرهن، فيعرضون على الله، فتزكية الأعمال ~~وتوفيرها من هؤلاء الأمناء، يشهدون لهم بالصدق، وإذا خرجت الأعمال، بقوا ~~هؤلاء عنده؛ لتوفير التقصيرات، وتصحيح الأعمال، وسؤال القبول والثبات، ~~وتربية الأعمال، وتقوية النفوس، ومدد القلوب، فهن المستأذنات للأعمال، ~~والمسهلات لسبيل الأعمال، والشفعاء والمرتبات؛ لأن على طريق العرض سماطي ~~الملك، ملك الرحمة، وملك العظمة، وملك السلطان، وملك البهجة، وملك الجمال، ~~وملك البهاء. # فهذه الكلمات تطرق للأعمال إلى مالك الملك، وتسهل السبيل، PageV06P475 ~~وتشفع، وتزين، وبهن يقرع الباب، ومثل ذلك كمثل ملك يصبح فيعرض عليه أعمال ~~الرعية، فاجتمعت الرعية على باب الملك، فأول من يدخل عليه الوجوه، وسراة ~~الرعية، والمختص بالوسائل، فإذا دخلوا عليه، قربهم في المجلس، وأدناهم من ~~نفسه، وأحلهم محل الأمناء والخاصة، فإياهم يأتمن، وعليهم يقبل، ومنهم يقبل، ~~وإياهم يسعف بالحوائج، ومن أجلهم يأذن لهم، وعلى قدر ما يثني كل واحد منهم ~~على الرعية، وينشر عن طاعتهم للملك، وصدقهم، ووفائهم، ونصحهم، يقبل الملك ~~على هذه الرعية، ويسمع منهم، ويقضي حوائجهم، ويجزل عطاياهم، فهؤلاء وفود ~~الرعية، فهذا مثل هذه الكلمات. # ثم للقائلين بها درجات تتفاوت، ومثل ذلك مثل هذا الملك يجتمع ببابه هؤلاء ~~الوفود الذين وصفناهم، فهم أول من يدخلون عليه، كما ذكرنا بداء، فأوجههم ~~عند الملك: أحسنهم هيئة، وأعقلهم، وأعذبهم منطقا، وأفصحهم لسانا، وأصبحهم ~~وجها، وأطهرهم خلقا، وأبهاهم زيا وسمتا، وأنقاهم ثيابا، وأقصدهم مشيا، ~~وأفهمهم عنه إشارة، وأوفاهم علما. # فالحظ كل الحظ، والوفارة كل الوفارة في الحظ، والإجابة كل الإجابة بنعم، ~~والإسعاف كل الإسعاف بالحوائج، لمن كانت هذه صفته من بين PageV06P476 ~~الوفود، فكذلك هذه الكلمات قد وعتها القلوب، ووعت معانيها الصدور، وزينتها ~~العقول لأفئدة القلوب، وأشرقت أنوارها في الروايات من بين أودية الأفكار، ~~وعلى بصائر النفوس وأسماع هواجس الأحلام. # فمن كان قلبه واعيا لنور الله الأعظم، وصدره مشرقا بذلك النور، وعين ~~فؤاده منكشف الغطاء من زينة العقل وبهائه، وقد ms1110 سد تراكم أنواره خلال ~~الروايات، واحتدت لها بصائر النفوس، وأذنت أسماع الهواجس، واحتشت من نور ~~الحياة، فإنما تخرج الكلمات إلى الله من بين هذه الأشياء، فهذا بحر الله ~~فيه جواهر الله، فإنما يصعد إلى الله جواهر قد غاص عليها قائلها من بحره، ~~فولي البحر أعلم بأثمان تلك الجواهر، قد عجز عن علم أثمانها جميع الخلق. # قال له قائل: ما أثمانها؟ # قال: حب الله، فمن ذا يدرك مقادير حرارات الحب وفورانه وشعله، ومن يحصيها ~~من العبد، ويعلم كنهها إلا محبوبه الذي يثيره. # قال له قائل: كيف يثيره؟. # قال: يثير الحب الذي وضعه في العبد بالحب الذي عنده للعبد، فمن خرجت هذه ~~الكلمات من حبه، من بحره، من غوصه، فدخلت هذه الكلمات منه على الله، كن أول ~~من يدخلن، ثم يعرض أعماله بعد دخولهن، PageV06P477 ~~فكل عمل إنما يقتضي ثوابه هذا الحب، إنما صارت هذه الكلمات وجيهة عند الله، ~~لهذه الأشياء التي وصفنا، وإنما نال هذه الأشياء بلب هذه الأشياء، ولبه حب ~~العبد لله تعالى، ولب ذلك اللب حب الله لعبده. # ومن كان قلبه خاليا من جميع ما وصفنا، إلا أنه مؤمن بهذه الكلمات، قد ~~تضمن توحيده نفس هذه الكلمات، وعلما بها، ومعرفة لها، فهو مقر بها، ناطق ~~لها باستقرار القلب بذلك التوحيد والإيمان، قد خلا قلبه عن أنوارها، وحشو ~~ما فيها، فإنما يصعد إلى الله إيمانه بتلك الكلمات، واستعمال صدره بإيمان ~~تلك الكلمات، وبذل لسانه بدورانها بالنطق بذلك، حتى يصير التصوت بها، وذرو ~~لهجته في النطق، فهذا هو فقط، فإنما يدخل هذه الكلمات من قائلها على هذه ~~الهيئة، وتلك على تلك الهيئة، وإنما يكون كلمته من الله قربا ودنوا ووسيلة، ~~وجواز قول، ونوال عطية على قدر هيئته، وتلك على قدر هيئته، فاعتبر بشأن هذا ~~المثل الذي ضربناه لك بدءا من شأن الملوك والسراة المقدمين في الإذن، قال ~~الله تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}. PageV06P478 # فالغائص من بحر الله هذه الكلمات هو عبد قد طالع مقاسم الكلمات كيف انقسمت ~~على ms1111 أمور العباد في موضع المقسم على العرش، وطالع حكمة التأليف لحروف ~~الكلمات في ملك الملك في تلك الكلمات، وطالع ما في حشو كل حرف منه في ~~المبدأ، فهو إذا نطق بها، لاحظ المقسم، فوجه بلحظته بكل كلمة من معدنها ~~الذي عزيت فيه هذه الكلمة إلى المعدن الذي منه جرى إلى العبد، وكل كلمة لها ~~نوبة من الأمور والأفعال. # فالتسبيح تبرئة من الهواجس، والحمد يكشف عن النعمة، وصنع الصانع، ~~والتهليل تبرؤ عن العلائق، والتكبير يثبت القيومية له عن الزوال، فعين ~~فؤاده تدور مع دوران لسانه، حتى تقسم اللحظات الكلمات على الأمور، فتلاحظ ~~الهواجس، وتلاحظ النعم، وتلاحظ الشرك، وتلاحظ الزولان، فتنتقل لحظاته كما ~~ينتقل دوران لسانه من كلمة إلى كلمة، فكذلك ينتقل لحظاته للهواجس، ومن ~~الهواجس إلى النعم، ومن النعم إلى الشرك، ومن الشرك إلى الزولان. # وآخر أعلى من هذا؛ طالع هذا كله، وطالع حكمة التأليف لحروف الكلمات، وولي ~~تلك الحكمة ومؤلفها، وهو لطف اللطيف، فهو يلاحظ بنور اللطف حكمة التأليف. PageV06P479 # وآخر أعلى منه؛ طالع ما في حشو كل حرف منه من قول: سبحان الله ما حشو ~~السين، وما حشو الباء، وما حشو الحاء، وما حشو الألف، وما حشو النون. # ومن قول: الحمد لله ما حشو كل حرف منه، وما علة الألف واللام في قوله: ~~الحمد؛ فإن نفس الكلمة حمد، والألف واللام ملحقتان، وما حشو حرف التهليل، ~~وما حشو ((لا))، وما حشو ((إلا))، وما حشو ألوهة الله، وما حجز ما بين ~~((لا)) و((إلا))، وإنما ((لا)) لام وألف، و((إلا)) ألف ولام مضاعفة، فبلا ~~نفى، وبإلا أثبت، فعين براقة بنور الله، مدركة لهذه الأحشاء والأشياء. # فالموحدون في هذه الكلمات على ثلاثة أصناف: # 1 - صنف: هذه الكلمات تخرج من توحيده. # 2 - وصنف آخر: تخرج هذه الكلمات من توحيده، مع علم نوراني مقربي. # 3 - وصنف آخر: تخرج منه من توحيده، مع انكشاف الغطاء عن معادن الحروف، ~~وملاحظة تلك الحروف في المعادن، وملاحظة حشو الحروف في المعادن، وذلك نور ~~الفردية والقربة، والله أعلم. PageV06P480 ### || AUTO الأصل الثاني والثمانون ms1112 والمئتان # 1541 - حدثنا علي بن حجر السعدي، قال: أنا الوليد بن محمد الموقري، عن ~~الزهري، عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: دخل علي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فرأى في البيت كسرة ملقاة، فمشى إليها، فرفعها ومسحها، ~~وقال: ((يا عائشة! أحسني مجاورة نعم الله، فقلما نفرت من قوم فكادت ترجع ~~إليهم)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فرأس النعم: الدين، ونور التوحيد: معرفة بالقلب، وشهادة باللسان أن لا ~~إله إلا الله، فرأس نعم الدنيا: هذا الجسد الذي هو قالب لهذه النعمة ~~الفائقة للنعم، وإن الله تعالى أنعم عليك بنور التوحيد حتى عرفته، ثم وضع ~~لك حول قلبك في صدرك بيدرا من الأنوار، يتربى فيها نور المعرفة، PageV06P481 ~~وأنعم عليك بهذا القالب المجسد، ووضع حوله بيدرا من نعم الدنيا، يتربى فيها ~~هذا الجسد، وأمرت بحسن مجاورة نعم هذين. # فحسن المجاورة مع نور المعرفة: أن تنكر كل شيء سواه، وأن لا تؤثر عليه ~~أحدا، وأن لا تقرن بمشيئاته مشيئات نفس، وأن لا يلهيك الهوى عن الوله إلى ~~الله تعالى في كل حالاتك، وحسن مجاورة نعم الجسد: أن لا تستعمل جارحة من ~~جوارحك إلا له، وبرضاه. PageV06P482 ### || AUTO الأصل الثالث والثمانون والمئتان # 1542 - حدثنا أبي رحمه الله، قال: أنا الحماني، قال: أنا حبان بن علي، عن ~~محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((إذا طنت أذن أحدكم، فليصل علي)). PageV06P483 # 1543 - أنا [أنا عمر بن أبي عمر، أنا] إبراهيم بن موسى الفراء، عن هشام ابن ~~يوسف الصنعاني، عن عبيد الله ابن المغيرة، قال: كنا مع المغيرة بن حكيم، ~~فضرب أذن رجل من القوم، فقال المغيرة: إنه كان يقال: إذا ضرب أذن PageV06P484 ~~العبد، فإن الله يذكره، فليذكر الله، أو فليحسن ذكر الله. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالأرواح: حية ذات طهارة ونزاهة، ولها سمع وبصر، وبصرها متصل ببصر العين، ~~ولها سطوع في الجو، وتجول، فتجول ثم تصعد إلى الله إلى مقامها ms1113 الذي منه ~~بدت، فإذا تخلصت من أشغال النفس، أدركت من أمر الله سبحانه ما يعجز عنه ~~البشر فهما. # ألا ترى إلى قول سلمان للحارث: كيف أنت يا حارث؟ فقال: ومن أين عرفتني؟ ~~قال: عرف روحي روحك، وكذلك قال أويس لهرم. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن الأرواح لتتلاقى في ~~الهواء، وأحدهما من صاحبه على مسيرة يوم وليلة، وإن الأرواح خلقت قبل ~~الأجساد بألفي عام، فتشامت كما تشام الخيل، ثم هي جنود مجندة، فإذا التقوا، ~~فما تعارف منها، ائتلف، وما تناكر منها، اختلف)). PageV06P485 # هذا كله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلولا أنها مشغولة بالنفس ~~وشهواتها؛ لأوردت بالعجائب على صاحبها من درك الأشياء، ولكنها تدنست بما ~~لبست من أثواب اللذات، وتكدرت بما شربت من كأس حب الدنيا، وخالطت الهوى، ~~ومالت نحوه، فمن صفاه وأخلصه ونزهه، فقد ظفر بنور اليقين، وفاز بالحظ ~~العظيم، وبالكأس الأوفى. # وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبض، فقيل له: إلى أين يا رسول ~~الله؟ قال: ((إلى سدرة المنتهى)). # فلكل رسول في السماء مستقر إذا قبض. # فلآدم السماء الدنيا، وليحيى وعيسى السماء الثانية، وليوسف السماء ~~الثالثة، ولإدريس السماء الرابعة، ولهارون السماء الخامسة، ولموسى السماء ~~السادسة، ولإبراهيم السماء السابعة، ولمحمد -صلى الله عليه وعليهم أجمعين- ~~سدرة المنتهى بباب الله عز وجل عند الحجاب، فهو متشمر هناك، يسأل الله ~~لأمته في كل يوم لكل صنف، فللمتهافتين التوبة، وللتائبين الثبات، ~~وللمستقيمين الإخلاص، ولأهل الصدق الوفاء، وللصديقين وفارة الحظ. # ولذلك ما روي عن النبي عليه السلام: أنه قال: ((حياتي خير لكم، وموتي خير لكم)). PageV06P486 # 1544 - أنا بذلك صالح بن محمد، قال: ثنا زافر ابن سليمان، عن بكر بن خنيس، ~~عن عباد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا ~~إني لكم بمكان صدق، حياتي، وإذا مت))، فقال عمر: يا رسول الله -صلى الله ~~عليك- إذا مت؟ قال: ((لا أزال أنادي في قبري: رب! أمتي أمتي، حتى ينفخ في ~~الصور النفخة الأولى، ms1114 ثم لا تزال لي دعوة مجابة حتى ينفخ في الصور النفخة ~~الثانية)). # فطنين الأذن من قبل الروح لأنه بحدة بصره، وخفته، وطهارته، وحياته، ~~وسطوعه إلى المقام، أدرك في وقت سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم بباب الله PageV06P487 ~~له شيئا، وذكر الله إياه بخير، فرجع إلى أصله المتمكن في رأسه وقلبه بذلك ~~الخير وبالبشرى، فطنت الأذن لصوت رجته، وما جاء به من الخير، فلذلك قال: ~~((فليصل على النبي صلى الله عليه وسلم))؛ لأنه ذكره عند الله في ذلك الوقت، ~~وطلب له منه شيئا، فاستوجب منه الصلاة؛ ليكون فيه أداء حقه، فهذا وما أشبهه ~~مكرمات الموحدين من ولد آدم. # وكذلك العطاس هو في ذلك الوقت ذكر من الله لذلك الروح بخير، فابتهج ~~الروح، وسطع نوره، فذلك الصوت من سطوعه، ولذلك قيل: عطس وسطع، وهما كلمتان ~~مستعملتان في نوعين، يقال: عطس وسطع، فلذلك أمر أن يحمد ربه، وأول من فعل ~~ذلك: آدم، لما استقر فيه الروح، وانتهى منتهاه، وخلص إليه ذلك الضيق في هذا ~~اللحم والدم، غذي، وذكر بخير، فازدهر، وسطع نوره؛ كالمسرور بما غذي. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((العطاس من الله)). # وقال: ((من حدث بحديث، فعطس عنده، فهو حق)). PageV06P488 # لأن ذلك وقت ذكر الله للأرواح، فلا يقول صاحبه إلا حقا، ولذلك وجب للمسلم ~~على المسلم حق التشميت؛ لأنه قد ظهر عليه أثر نعمة الله في ذلك الوقت ~~بالذكر. # وروي: أنه قال سبحانه: يا داود! إذا سمعت عاطسا من وراء سبعة أبحر، ~~فاذكرني. PageV06P489 ### || AUTO الأصل الرابع والثمانون والمئتان # 1545 - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: أنا الخنيسي، قال: أنا وهيب، عن عطاء ~~بن قرة السلولي، عن عبد الله بن ضمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله، أو معلما، أو ~~متعلما)). # 1546 - أنا صالح بن محمد، قال: أنا إبراهيم بن PageV06P491 ~~محمد الأسلمي، عن رجل، عن عطاء بن قرة السلولي، عن عبد الله بن ضمرة، عن ~~أبي هريرة، عن ms1115 رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه. # فلم يذكر قتيبة أبا هريرة في حديثه. # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالدنيا هي هذه الدار التي دورت أرضها تدويرا بجبل قاف، وأحيط عليها ~~بالجبل، وتلك دار أخرى، وهي آخرة، وهذه أولى، قال الله تعالى في تنزيله: ~~{وإن لنا للآخرة والأولى}. # وسميت هذه دنيا؛ لأنها أدنى إليك، والآخرة تعقب هذه، إذا ذهبت هذه، جاءت ~~تلك، فتلك اسمها عاقبة؛ لأنها تعقب هذه، قال الله تعالى: {والعاقبة ~~للمتقين}. # وسميت هذه عاجلة؛ لأنها عجلت، وتلك آجلة؛ لأنها أجلت، وفي هذه الدار زينة ~~وحياة، وفي تلك الدار زينة وحياة، فزينة هذه الدار أصلها PageV06P492 ~~من تلك الدار، ولكنها نبتت ونشأت من أرض هذه ذهبها وفضتها، وجواهرها، ~~ومياهها، وثمارها، ورياحينها، وطيبها، وألوانها، ونعيمها، وحياة هذه في ~~الروح المركب في هذا القالب الذي هو من اللحم والدم، والعظم والعصب، ~~والعروق والشهوة، واللذة في هذا القالب. # واصل الشهوة من الفرج، وأصل اللذة من الذهن، وأصل القالب من التراب، ~~والحياة مسكنها في الروح، والروح مسكنه في الدماغ، ثم هو متفش في جميع ~~الجسد، وأصله معلق في الوتين عرق القلب مشدود هناك، وذلك العرق نياط القلب، ~~والنفس مسكنها في البطن، وهي متفشية في جميع الجسد، وأصلها مشدود بهذا ~~العرق، والشهوات في النفس، واللذة منها، وعملها في الذهن، فهذه الزينة ~~والحياة التي في النفس تستعمل هذا القالب، فما كان من عمل العين، خرج إلى ~~العين، وما كان من عمل السمع، خرج إلى السمع، وما كان من عمل المنطق، خرج ~~إلى اللسان، وما كان من عمل اليد، خرج إلى اليد، وما كان من عمل الرجل، خرج ~~إلى الرجل، وما كان من عمل البطن، خرج إلى البطن، وما كان من عمل الفرج، ~~خرج إلى الفرج. # ومخرج هذه الأعمال أعمال الجوارح السبع؛ من الفرح الذي في PageV06P493 ~~القلب، ومن الزينة والحياة التي في النفس، فإذا حزن القلب، ذبلت النفس، ~~وانطفأت نار الشهوة، وتعطلت الجوارح عن العمل، وسكنت الحركات، فإذا فرح ~~القلب، هاجت النفس، وصارت قوية طرية، وأثارت ms1116 نيران الشهوات، واستعملت ~~الجوارح كلها؛ فإن كل نار إنما تستعمل الجارحة التي بحيالها. # فالفرح رأس مال أعمال الجوارح، والعبد مبلو بهذا الفرح، فإذا حيي القلب ~~بالله، ففرح بشيء من زينة الدنيا تراءى بذلك النور الذي في قلبه، وتلك ~~الحياة التي لقلبه صنع الله تعالى في تلك الزينة، وخلقه لها، ورحمته فيها، ~~ورأفته على عبده بذلك، فقبلها من ربه، واستبشر بها، وصير ذلك الفرح لله، ~~ونطق بالحمد لله، وأضمر على الطاعة شكرا لله، وإظهارا لعلمه بأني أعلم أن ~~هذا لي من الله، حتى يأخذ ذلك الفرح بمجامع قلبه، ويملأ صدره من ذلك الفرح، ~~وينتشر سلطان ذلك الفرح من صدره في جميع جوارحه، فيذهب كسله، ويقوى عزمه، ~~وتتجدد نيته، وتطيب نفسه. # فهذا عبد حامد لله، شاكر لله، قد صدق علمه بأنه من الله؛ بقوله بلسانه: ~~الحمد لله، ثم يصدقه بفعل جوارحه شكرا لله تعالى، وإذا هاج الفرح بتلك PageV06P494 ~~الزينة من قلبه، وكان قلبه محجوبا عن الله تعالى، وصدره مظلما بغيوم الهوى، ~~ودخان الشهوات، ورين الذنوب، لم يتراء لعيني فؤاده في صدره صنع الله في تلك ~~الزينة، ولا خلقه لها، ولا رحمته فيها، ولا رأفته عليه، فجاء الهوى بكبره، ~~والنفس بعلوها وتجبرها، وصار الفرح للنفس، والفرح بالدنيا، ولمراءاة ~~الأشكال والأضداد؛ ليناطح بتلك الزينة الأضداد، ويباهي بها الأشكال، فظهر ~~الفساد من الجوارح، وخرجت السيئات من الجسد، كل سيئة من معدنها؛ من قلة ~~الرحمة، وقلة الرأفة، وقلة المبالاة، وترك النصيحة، وظهرت الفظاظة، ~~واليبوسة، والغلظة، والقسوة، ومدانئ الأخلاق، حتى صارت الجوارح إلى الغش ~~والمكر والمخادعة، وإلى أفعال الحسد، وإلى سوء النيات والمقاصد، حتى خرج ~~إلى الفرعنة والتجبر، كل على قدره، يتنعمون بنعم الله تعالى، ويتلذذون بتلك ~~الزينة، وتلك اللذات فرحا، وأشرا، وبطرا في هيئة أهل الكفر بالله، والجحود له. # فقد تبين الآن: أن أصل هذا الأمر كله من الفرح، فمن قدر أن يصرف هذا ~~الفرح منه إلى الله في كل عمل، وفي كل أمر دنيا وآخرة، تنور قلبه، وإلا، ~~فقد وقع في الوبال، فإن كان فرحه ms1117 في أمر الدنيا، أشر وبطر وهلك، وإن كان في ~~أمر الآخرة، أعجب وتكبر وصار مرائيا، فمن صرف ذلك PageV06P495 ~~إلى الله تعالى، لم يزدد لربه إلا خشوعا وخضوعا وحياء، فحمده، ودعاه ذلك ~~إلى شكره بجميع جوارحه، وذلك حفظ الجوارح السبع على أمر الله، وإقامة فرائض ~~الله، والقيام بحقوق الله، ومن لم يقدر على ذلك، سباه فرحه، فصار سبيا من ~~سبي النفس، وإذا نالت النفس الفرح، كانت بمنزلة رجل متغلب وجد كنزا وأموالا ~~جمة، فاحتوى عليها، وفرقها فيمن اجتمع إليه من الغوغاء، حتى صاروا أعوانه ~~وتباعه، فخرج بتلك القوة على أمير البلد، وعمد إلى الأمير فسجنه، فالأمير ~~في الوثاق في السجن، والخارجي يدوس البلد دوسا، فإن تداركه أمير المؤمنين ~~بمدد وجيش وكنز، فقد نصره، وإن تركه مخذولا، فقد ذهبت الإمرة. # فهذا شأن القلب مع النفس، وقد حذر الله تعالى عباده في تنزيله في قصة ~~قارون قوله: {لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}. # وقال تعالى: {وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا ~~متاع}، وقال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما ~~يجمعون}. # فدلك على الفرح بفضله؛ ليصرفك عن الفرح بجمعه، فإن فرح الجمع هلاك الدين ~~والقلب، وفرح الفضل والرحمة يؤديك إلى الله؛ لأن من فرح PageV06P496 ~~بشيء، أقبل عليه، وطلبه، فإذا رأى الله من عبده إقبالا على هذه الدنيا ~~الدنية، وعلى هذه الشهوة الرديئة، أعرض عنه، وردها عليه حتى يكون همه ~~دنياه، ونهمته شهوات نفسه، وطلبه العلو فيها، حتى يضاد أقضيته وتدبيره، ~~ويقطع بها عمره، خاب عن الله، وخسر الدنيا والآخرة، وإذا رأى إقباله على ~~ربه، صنع له جميلا، وهيأ له تدبيرا ينال به فوز العاجل والآجل، وسعادة ~~الدارين. # 1547 - أنا أحمد بن مصرف اليامي، قال: أنا محمد ابن بشر العبدي، عن جنيد ~~بن العلاء بن أبي وهرة، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي ~~الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تفرغوا من هموم الدنيا ~~ما استطعتم، فما أقبل عبد بقلبه إلى ms1118 الله تعالى إلا أقبل الله بقلوب ~~المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله بكل خير إليه أسرع)). PageV06P497 # قال أبو عبد الله: # فإذا نظر إلى عبد بالرحمة، وقلبه مأسور في إسار النفس، أمده من عنده، ثم ~~إذا صار إليه المدد، تاب، وتاب الله عليه، ومن توبة الله على العبد: إقباله ~~عليه، فإذا أقبل عليه، تلظت جمرة الإيمان في القلب، فتوردت أشجار الخيرات ~~وأينعت، كما تتورد بساتين الدنيا وتينع أشجارها إذا ظهر الحر، فإذا وجد ~~القلب هذه القوة، أقبل على النفس بالزجر لها بسلطان قوي حتى يقمعها؛ بمنزلة ~~ما ضربنا له المثل بدءا: أن هذا الخارجي إذا سمع أن جيش أمير المؤمنين قد ~~أقبلوا، هرب من الكورة، وتخلى عنها، وخرج الأمير من السجن، وقعد في إمرته، ~~واحتوشته الجنود، وفرق الأموال والكنوز التي جاءته من أمير المؤمنين في ~~جنده، وقصد الخارجي يحاربه. PageV06P498 # فما زال الخارجي يحاربه، ويتباعد قليلا قليلا، والأمير خائف مع هذا الجند، ~~لا يأمن بياته وافتراضه، فهو مشغول بالحراسة يحرس جنوده ونفسه، ويسأل أمر ~~المؤمنين زيادة مدد، فلا يزال يمده حتى إذا أمده بغاية المدد أخذه أسيرا، ~~أو يكون الخارجي قد نظر إلى كثرة المدد، فعلم أنه لا يقاوم أمير المؤمنين، ~~فألقى بيديه سلما، وأسلم، وتاب على يدي أمير المؤمنين، فعندها يأمن الأمير، ~~ويتربع في ولايته، ويتفرغ لصلاح أمور البلد، وأمور أمير المؤمنين. # فهذه صفة التائب إذا تاب، احتاج إلى محاربة النفس ومجاهدتها في كل أمر، ~~فلا يزال كذلك، فيزاد مددا، وهو لا يأمنها مع ذلك المدد، فخاف أن تثب وثبة ~~من زوايا جوفه فتأخذه؛ لأن مكرها أعظم من أن يوصف، حتى إذا تجلى لقلبه شأن ~~الملكوت، وأشرق في صدره أنواره، فامتلأ صدر العبد من جلال الله وعظمته، ~~فبسلطان الجلال تستأنس النفس ويسبيها، وبالعظمة يولهها، فإما أن يأخذها ~~بتلك القوة، فيحبسها حتى PageV06P499 ~~تموت في سجن القلب غما، وإما أن تلقي بيديها سلما، فتذعن للقلب، وتنقاد له، ~~وتصير في يدي القلب كالأسير، وحتى إذا وجدت تلك اللذات التي وردت على القلب ~~من ms1119 الملكوت من تلك العطايا، اعتصمت بالقلب، وتركت لذاتها الفانية الدنيئة، ~~فعندها وصل العبد إلى أوائل العبودة. # ثم للعبودة شأن أعظم من هذا، فوضع في هذا القالب الحياة، والحياة في ~~الروح والنفس، وهما ريحان: إحداهما أرضية، والأخرى سماوية، ووضع في هذا ~~القالب. # الرحمة في موضع، والرأفة في موضع، والعلم في موضع، والفهم في موضع، ~~والحفظ في موضع، والعقل في موضع، والشهوة في موضع، واللذة في موضع، والقوة ~~في موضع، والفرح في موضع، والحزن في موضع، والرضا في موضع، والسخط في موضع، ~~والغضب في موضع، والحياء في موضع، والهوى في موضع، والحب في موضع، والبغض ~~في موضع، والنور في موضع، والظلمة في موضع، والكبر في موضع، والعظمة في ~~موضع، والفقر في موضع، والغنى في موضع، والسلطان في موضع، والعجلة في موضع، ~~والسكينة في موضع، والحاجة في موضع، والوقار في موضع، والتؤدة في موضع، ~~والأناة في موضع. # فهذه الأشياء لا تدرك إلا بالاسم، ولا تأخذها الحواس، ولكن PageV06P500 ~~يعرف بمعاملتهن، فتمتاز هذه الأشياء كل شيء بعمله الذي يظهر منه، فيعرف ~~بالأسماء التي سميت بها، ووضع فيه الذهن وهو متفش في جميع الجسد، ومعدنه في ~~الصدر، وهو أزكى شيء في الجسد، وأحده، وأدركه للأشياء. # فبالذهن يدرك عمل هذه الأشياء التي وصفنا، وماذا تعمل الحياة؟ وماذا تعمل ~~الرأفة؟ وماذا تعمل الرحمة؟ وماذا يعمل العلم؟ وماذا يعمل الحفظ؟ وماذا ~~تعمل القوة؟ وماذا يعمل الفرح؟ # فهي كلها غائبة عن حواسك، لا تنالها بلمس يد، ولا ببصر عين، ولا بمذاقة ~~طعم، ولا بشم أنف، ولا بسماع أذن، وأصل هذه التي فيك كلها من عند رب ~~العالمين، فأعطاك الحياة من حياته، والرحمة من رحمته، والرأفة من رأفته، ~~والعلم من علمه، وكل شيء من هذه الأشياء هو عنده، فالتي فيك هي كلها ~~مخلوقة، وكل شيء من هذه الأشياء التي هي ممدوحة، والتي تليق به أبرزها صفة ~~لنفسه، وهي أنوار: # نور منها للحياة، ونور منها للرحمة، ونور للرأفة، ونور للفرح، ونور ~~للرضا، ونور للكبر، ونور للعظمة، ونور للمحبة، ونور للسلطان، ونور للغنى، ms1120 ~~ونور للصبر. PageV06P501 # فهي كلها أنوار، كل نور صار ملكا على حدته، ومن كل ملك منه خرج ذلك الشيء ~~الذي ظهر في الخلق، وذلك كله خرج من ملكه الأعظم، ومن ملك الملك من باب ~~القدرة من الوحدانية، فهو واحد فرد أحد، تفرد عن الصفات، وتوحد عنها. # فالصفات أبرزها للعباد، ليجري من تلك الأنوار إلى العباد ما يظهر على ~~أجسادهم، وعلى دنياهم، من خلق الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، ~~والرياح والسحاب والمياه، ما في السماء والأرض، فإنما جرى خلق هذه الأشياء ~~المخلوقات من تلك الأنوار، ثم كشف الغطاء عن قلوب الأنبياء والأولياء ~~والأصفياء بأنوار الصفات حتى عاينوا بعيون الأفئدة في تلك الصدور آثار صنعه ~~في جميع الأشياء؛ في كل نملة وذرة وبعوضة وحمامة، وفيما جل من خلقه؛ من ~~الفيلة والعقبان والأسدان والتنين، وفي كل شيء نجم من الأرض، فنبت في ~~ألوانها وطعومها، ومقاديرها، وحرها وبردها، وهيئاتها، ومنافعها، ثم صير ~~لتلك الأنوار التي هي الصفات أسماء بحروف مؤلفة، فيكون اسم تلك الصفة؛ ~~لتدور الألسنة بذلك، كي PageV06P502 ~~إذا أشرقت الصفات على قلوب الأولياء والأصفياء، ودارت ألسنتهم بتلك الحروف ~~نطقا من تلك الصدور المشرقة فيها تلك الأنوار، حتى تخرج من ألسنتهم في ~~الأرض غائبة عن العيون. # فإذا دخلت أبواب السماء، انتشرت أنوار دوران تلك الألسنة، فصارت كالبروق ~~الخاطفة تأخذ سماء سماء، فتملأ السماوات نورا إلى العرش حتى تغمض الملائكة ~~عيونها في صفوفها حياء مما قالوا يوم الخصام، حيث قال تعالى: {إني جاعل في ~~الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}، وأبرزوا ~~أفعالهم، فقالوا: {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون}. # ليظهر بتلك الأنوار في السماوات العلا ما علم الله في الغيب منهم؛ ليباهي ~~بما يخرج من ألسنتهم وأفواههم من النور الذي جرى من معدنه في ملائكته، ~~ويريهم فضل تلك الأنوار على سائر الأنوار، ويريهم أن هذه الأنوار خرجت من ~~قالب التراب من بين الشهوات والهوى، والتي خرجت منكم من أجواف نورانية ليس ~~فيها هوى ولا شهوات ولا وسوسة ms1121 عدو، فهناك يعلمون حب الله تعالى لهذا الآدمي ~~وكرامته له، فكل ناطق إنما PageV06P503 ~~يدور لسانه من معدن نوره، وعلى حسب ذلك ينتشر في السماوات إلى العرش. # فهذه الصفات التي جاءت عن الله في التنزيل، وفي حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هي للعباد، ومن أجلهم؛ ليعامل العباد من هذه الصفات، ثم هو في ~~الباطن الذي لا يدرك، ولا كيفية له، فالحياة هاهنا في الروح والنفس، والجسد ~~قالب، فإذا خرجا، بقي القالب لحما مواتا، وحياة الآخرة في كل شيء منه، فكل ~~شيء منه حي من قرنه إلى قدميه، وكل شعرة وكل ظفر حي بحياته، وذلك إذا شربوا ~~ماء الحياة بباب الجنة، قال الله تعالى: {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو ~~كانوا يعلمون}. # أخرجه على قالب فعلان؛ لبلوغ الغاية في التكثير والتوفير؛ كقوله: رحمن ~~ورحيم، وعريان وعار، فالعريان بقشره، والعاري في ثياب خلقة؛ كقول النابغة ~~حيث أنشد: PageV06P504 # أتيتك عاريا خلقا ثيابي ... على خوف تظن به الظنونا # فالذي يشرب ماء الحيوان في الآخرة يجد اللذة والنعيم كل شعرة فيه على ~~حدتها، ويقوى على نعيم الجنة بقوة تلك الحياة، بجميع ما في هذه الدار التي ~~سميت دنيا، كل ذلك متاع هذه الحياة، والمتاع: المنفعة والبلغة. # قال الله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين} إلى قوله: ~~{ذلك متاع الحياة الدنيا}، ثم قال سبحانه: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ~~ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد}، ثم ضرب المثل ~~بالغيث؛ ليريكم عاقبتها، ثم قال: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}، ثم ~~قال: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها}. # ثم أخبرك لأي شيء جعل هذا، فقال: {لنبلوهم أيهم أحسن عملا}، ثم ضرب ~~المثل، فقال: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء}، ثم قال في ~~آية أخرى: {والله يدعو إلى دار السلام}، ثم قال: {قل أؤنبئكم بخير من ~~ذلكم}، ثم بين ذلك الخير ما هو، فقال: {جنات تجري من تحتها الأنهار}، ثم ~~بين لمن هي، فقال: {للذين اتقوا}، ثم قال: {الصابرين والصادقين ms1122 والقانتين ~~والمنافقين والمستغفرين بالأسحار} الآية. # فإنما صارت الدنيا مذمومة ملعونة من أجل أنها غرت النفوس بنعيمها PageV06P505 ~~وزهرتها ولذتها، والشهوة واللذة في النفوس، فلما ذاقت النفس طعم النعم، ~~اشتهت ولذت، ومالت عن العبودة إلى هوى النفس، وإنما جعلها زينة في نفوس ~~العباد، وأعطي من تلك الزينة العدو؛ ليوسوس بتلك الزينة، ويمازج بها تلك ~~الزينة التي وضعها الله تعالى في العباد، وحبها وشهوتها؛ ليبلوهم أيهم أحسن ~~عملا في هذه الزينة، أيتواضع لله فيما أعطاه من الزينة، ويشكره عليها؟ أو ~~يتكبر عليه ويكفره؟ # كما قال سليمان عليه السلام حيث قال: {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني ~~مسلمين}، فقال ذلك الجني: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك}، فاستبطأه، ~~وقال الإنسي الذي عنده علم من الكتاب، وهو اسم الله الأعظم: {أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك}. # فلما رآه مستقرا عنده؛ أي: السرير، قال: {هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر ~~أم أكفر}؛ أي: قدر هذا الإنسي على ما لم أقدر عليه، وأعطي ما لم أعط، ~~فابتلاني برؤية ما أعطي؛ ليبلوني أأشكر فأعتد بما أعطاه من نعمة الله علي؛ ~~لأنه من خولي؟ أو أحسده فأكفر النعمة؟. # فهذه الأشياء إنما غرت المفتونين الذين لما تناولوها من الدنيا، عميت PageV06P506 ~~عيونهم عن تدبير الله وتقديره وسياقته إليهم، {ومن كان في هذه أعمى فهو في ~~الآخرة أعمى وأضل سبيلا}، فوضع الله الدنيا مع زينتها وبهجتها، وخلقنا ~~فيها، فحرم وأحل، وأمر ونهى، وافترض وأسقط، فمن انتهى عن المحرمات، وأدى ~~الفرائض، وتناول من الدنيا، فعبده بتناولها، لأنه أخذها على الحاجة، ومن ~~السبيل الذي أطلق له، فقد خرج من الذم، وبرئ من الدنيا. # وإن تناول شهوة ونهمة، في غفلة عن الله، فقد أخذته الدنيا المذمومة، ولا ~~يصل إلى هذه المرتبة التي تبرأ من عارها وذمها ووبالها إلا من وصل إلى الله ~~قلبا، فعظمته على قلبه، وخشيته في صدره، فذكره دائم على قلبه، لا يتناول من ~~الدنيا شيئا إلا تعبدا؛ لأنه إنما أباح له ذلك؛ لتربية جسده؛ ليقوي جسده ~~على عبودته ms1123 وخدمته، فهو زاهد في كل شيء يتناول من الدنيا، زاهد في عمره؛ ~~لأنه مشتاق إلى ربه، والمشتاق لا يريد الحياة، والمتناول من الدنيا على ~~العبودة لا يأخذها إلا من أجله، وأينما يأخذها، فإنما يقبلها عن الله، فهو ~~يأخذها منه شاكرا، ويأخذها من أجله عبدا، فإن أعطاه PageV06P507 ~~منها شيئا عفوا، تناوله منه، ومن أجله، وإن أعطاه بسعيه وكده، فهو يدور في ~~سبيل السعي والكد ووجوه المطالب، وهو في ذلك يراقب الله تعالى ماذا يخرج له ~~من هذا السعي من فضله، فيقبله منه، فهذا قد برئ من الدنيا. # وأما ما سوى هذه الطبقة، فقد جرحتهم الدنيا، فتلك دنيا مذمومة، وإنما وقع ~~الذم عليها من أجل فعل العباد، وأما الذي يأخذ هولا، فليست هذه دنيا ~~مذمومة، وإنما هو رزق ومعاش وتزود، يأخذ العبد من مولاه ليقوم بخدمته؛ لأنه ~~تعالى خلقه للخدمة، وجعل هذه الأشياء كلها له سخرة، فهو يأخذ من السخرة ~~للخدمة، والآخر يأخذ من هذه السخرة؛ لقضاء الشهوة والنهمة؛ ليفرح بها أيام ~~الحياة، ليلهيه ذلك الفرح عن الله، ويورثه الغفلة حتى يهتاج منه الكبر، ~~وينظر إلى نفسه وهيئته، وما أعطي من الدنيا على الاستدراج، فيعجب به، فبذلك ~~العجب يفاخر الناس، وبذلك الكبر يسفه على الخلق؛ حتى يصير طالبا للعز ~~والعلو والشرف على الخلق، فيحقر من دونه، ويناطح أشكاله حسدا وبغيا، ~~فبالبغي والحسد تصير عبودته للهوى، فهو عبد بطنه، عبد فرجه، عبد هواه، قد ~~دخل في لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((لعن عبد الدينار، ~~وعبد الدرهم)). PageV06P508 # ثم قال: ((بئس العبد عبد نسي المبتدأ والمنتهى، وبئس العبد عبد سها ولها، ~~ونسي المقابر والبلى، وبئس العبد عبد تجبر واعتدى، ونسي الجبار الأعلى وبئس ~~العبد عبد هوى يضله، وبئس العبد عبد طمع يقوده، وبئس العبد عبد يختل الدنيا ~~بدينه)). # فهذا كله جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته. # وقال سبحانه: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا}. # وروي عن علي بن أبي طالب -كرم ms1124 الله وجهه-: أنه قال: إن الرجل ليعجبه شراك ~~نعله، يريد به أن يكون أجود من صاحبه، فيدخل في هذه الآية. # فمن أراد العلو، إنما يطلبه بهذه الأشياء التي في الدنيا حتى ينالها، ~~فيفخر بها، فقد أخذ المذموم، وزال عن ذكر الله تعالى، وما أوى إلى ذكر الله ~~تعالى، فقد أخذ ملعونة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والملعونة ~~لا بركة فيها، وكل شيء نزع منه البركة، فقد صار وبالا على صاحبه. # 1548 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا سعيد بن أبي مريم الجمحي، عن ابن أبي ~~الزناد، عن هشام بن عروة، PageV06P509 ~~عن أبيه، قال: كان عمرو بن العاص ينظر إلى مكة وهو بمكة، فيقول: لعنك الله، ~~لا أعني ما حرم الله منك، ذهب الناس بخير الدنيا والآخرة، واغتررنا بك. # فإنما وقعت اللعنة منه على تلك الأشياء التي غرته منها، وهو: هواه وشهوته ~~ونهمته؛ لأنهم كانوا يفاخرون الناس برحم الله وكعبته، فإنما وقع اللعن منه ~~على فخره وهواه وما غره منها، لا على الكعبة والحرم، فكذلك إنما وقع اللعن ~~على ما غرك من الدنيا، لا على نعيمها ولذتها، فإن النعيم واللذة قد تناولها ~~الرسل والأنبياء والصديقون، فردهم تناولهم إلى الله ذكرا وشكرا، ثم أووا ~~منه إلى المأوى، وهو: حفظ الحدود، والقيام بحقوق الله وفرائضه. # فذلك الذي استثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((الدنيا ~~ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله، وما أوى إليه، وهو العالم ~~والمتعلم)). # وقال الله في تنزيله: {وغرتكم الحياة الدنيا}، فنسب فعل الغرور إلى ~~الحياة؛ لأن الهوى والشهوات إنما عملت في هذا القالب المتجبر بهذه الحياة ~~التي ركبت في الجسد، والله أعلم. PageV06P510 ### | CHECK [المجلد السابع] ### || AUTO الأصل الخامس والثمانون والمئتان # 1549 - أنا قتيبة بن سعيد، عن ابن وهب، عن عمرو ابن الحارث، عن دراج، عن ~~أبي الهيثم، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل حرف ~~ذكر الله في القرآن [من] القنوت، فهي الطاعة)). # قال أبو عبد الله ms1125 رحمه الله: # فإنما صرفه إلى الطاعة؛ لأنها أكشف الأسماء، وأشهرها عند الناس، والعام ~~إنما يعرف الطاعة والمعصية، فكل ما أمر الله به، فهو الطاعة، وكل ما نهى ~~الله عنه، فهو معصية. PageV07P005 # فأما حاصل الاسم: # فالطاعة: بذل النفس لله فيما أمر ونهى، والمعصية: امتناع النفس ~~واستبدادها؛ لأن الله تعالى دعا العباد للوقوف بين يديه كالعبيد. # فالمؤمنون أجابوا دعوته، وقبلوا العبودة، ثم دعاهم بعد ذلك إلى شيء بعد ~~شيء من الأمر والنهي؛ ليأتمروا بأمره، وينتهوا عن نهيه، فمن ائتمر بأمره، ~~وانتهى عن نهيه، فقد وفى بتلك الإجابة في المبتدأ، وبذلك القبول، فقيل: قد ~~أطاع، فهو مطيع؛ أي: قد أعطى ذلك البذل الذي قبله في المبتدأ، فقوله: أعطى ~~وأطاع، معناهما من حيث ما ذكرناه واحد، مشتق بعضها من بعض، وحروفهما في ~~العدد سواء وفي التأليف مختلفة، قدم العين هاهنا، وأخر العين هناك؛ لتباين ~~المعنيين؛ ليستعمل هذا في عطاء العبودة، ويستعمل ذلك في عطاء الأشياء ~~المملوكة. # والمعصية: من التعيص، وهو اشتداد النفس وامتناعها، ومنه سمي العصا، يقال ~~في اللغة: تعيص عليه؛ أي: امتنع وتشدد. # وأما القنوت: فهو الركود، وكل شيء استقر في مكانه فلم يتحرك، فهو راكد، ~~ومن ذلك سمي الماء راكدا: إذا أمسك عن الجري، والسفن PageV07P006 ~~رواكد: إذا سكنت الريح، ركدت السفينة، قال الله تعالى في تنزيله: {إن يشأ ~~يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره}. # ويقال: قنت ونتق، فالنتوق: أن يقابل الشيء بالشيء راكدا عليه، وذلك قوله ~~تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة}. # ومنه قول علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- حيث سئل عن البيت المعمور، ~~فقال: هو بيت في السماء السابعة نتاق هذا البيت. # أي: بحذائه وقبالته مطلا عليه. # فالنتوق: مقابلة الشيء بالشيء بحذائه. # والقنوت: مقابلة قلبك عظمة من وقفت له، وبين يديه؛ فإنه روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إذا صلى العبد، أقبل الله عليه بوجهه)). # قال أبو عبد الله: # فمن حق إقباله عليه: أن يقبل العبد بقلبه على عظمته وجلاله، فهذه مقابلة ~~العبد بقلبه قبالة ms1126 ربه، وهو القنوت، ومرجعه إلى ما كشفه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: ((هو الطاعة)). PageV07P007 # لأنه إذا قابله بقلبه، فقد أعطاه بذل النفس، وقد أطاعه، وإنما صار إذا ~~قابله باذلا لنفسه؛ لأن القلب إذا لاحظ ببصر فؤاده جلاله وعظمته، خلص إلى ~~النفس هول الجلال والعظمة، فانقبضت، وانقمعت، وانخشعت، وذهلت عن هشاشتها، ~~وخمد تلظي نيران شهواتها؛ لما أحست به من ملاحظة الفؤاد، وخلص إليها من الهول. # 1550 - نا إبراهيم بن يوسف، قال: أنا حماد ابن زيد، عن ليث، عن مجاهد في ~~قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين}، قال: القنوت: الركوع والخشوع. # قال أبو عبد الله: # فجاد ما غاص مجاهد صار على الأصل. # وأما السدي عن ابن عباس، قال: {قانتين}؛ أي: مطيعين. PageV07P008 # فقول ابن عباس: ظاهر التفسير، وقول مجاهد: باطن التفسير. # وأما قوله سبحانه: {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين}، فروي ~~في التفسير: أنه قال: قومي لربك. # فالقيام غير القنوت، ولو كان القنوت قياما؛ لاستحال أن يقول: قوموا لله ~~قانتين، ألا ترى أنه أمرهم بالقيام، ثم بالقنوت، فالقنوت صفة فعل يحدث عن ~~القيام. # فقوله لمريم: {اقنتي لربك}؛ أي: أطيعي لربك، فهذا تفسير الظاهر، ولكن ~~أريد من مريم القنوت في الباطن، وهو أن تقبل بقلبها على الله مظلة على ~~النفس، مشتملة على شهواتها؛ لئلا تتحرك ويتفرق غليانها، وتجيش حتى يفور ~~دخانها إلى الصدر إلى محل إشراق نور الألوهية؛ فإنه ليس من حق عطايا ربنا ~~أن يعطي عند إشراق نور عظمته في صدره، فيهمل العبد حراسته ورعايته حتى تفور ~~حرارة شهواته؛ كفوران القدر التي تغلي إلى صدره، كالدخان بين يدي نور ~~العظمة في صدره، فإذا PageV07P009 ~~فعل ذلك، حجب؛ لأن ذلك الفوران كالدخان، فإذا هاج من النفس، وتأدى إلى ~~الصدر، امتنع الإشراق، واحتجب، وبقي العبد محجوبا كأنه صار خاليا من ~~الزكاء. # فأمرت مريم بالقنوت؛ أي: بالدوام، وبالركود بمقابلة القلب قبالة عظمة ~~الله؛ حتى يدوم لها التعظيم لجلال الله، ولذلك سمي دعاء الوتر: قنوتا؛ لأن ~~الصلاة وقوف وتخشع، وتذلل يؤدي فرضه؛ لوفارة أعماله، وتقصيره ms1127 وذنوبه، فإذا ~~قنت، فإنما خرج من صلاته التي افترض عليه، وقام له معترضا على ربه إلى موقف ~~آخر؛ برغبة ورهبة، فسمي قنوتا؛ لأن ذلك مقام خرج من فعل صلاته إليه، ودخل ~~فيه بتكبيره، فقابل بقلبه محل الرغبة والرهبة، ومن قبل التكبير كان في محل ~~التذلل والتخشع بين يدي عظمته، والآن في محل الرهبة والرغبة بين يدي جوده ~~وكرمه، فتباين التقابلان والموقفان. والله سبحانه أعلم. PageV07P010 ### || AUTO الأصل السادس والثمانون والمئتان # 1551 - أنا قتيبة بن سعيد، قال: أنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي ~~السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالحلم: يعطي العبد من نور الجود، فإذا خلص إلى القلب نور الجود، انحلت ~~عقد النفس، وكلت مخاليبها، وتخلص القلب من رق النفس، ومن سجونها، ووثاقها، ~~واتسعت النفس بما نالت من نور الجود، فتولدت السماحة، فظهر الحلم، وهي في ~~تلك السعة -سعة الحلم- غير عالمة بالتمسك بتلك السعة والسماحة، فإذا عثرت، ~~فوقعت في الذنب، PageV07P011 ~~فهنا تبصر، وينفسح علمها بالسعة، لما رأت عثرتها، اتستعت لغيرها في تلك ~~العثرة، وأبصرت أن العاثر هو كمثله، إما مفتون، وإما مخذول، وإما معاقب، أو ~~جاهل؛ لما رأى نفسه في وقت العثرة أنه مخذول، أو مفتون، أو معاقب، أو جاهل. # فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حليم إلا ذو عثرة))؛ أي: بعد ~~العثرة وصل إلى حقيقة الحلم وكنهه، فأما قبل العثرة، فقد يكون حليما، ولكن ~~ليس على كنهه؛ كأنه لم يكمل حلمه بعد؛ لأن نفسه لم تتسع بعد في الحلم الذي ~~أعطي، فإذا جاءت العثرات، اعتبر بها، ورأى غيره فيما رأى نفسه في وقتها، ~~فهناك يجد الحلم. # وهذا كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: ((ليس الغنى عن ~~كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس، وليس المسكين الذي ترده اللقمة ~~واللقمتان، وإنما المسكين الذي قعد في بيته وقنع)). # فذاك ms1128 الذي يكثر عرضه، فهو أيضا الغني، ولكن الغنى -على كنهه PageV07P012 ~~وحقيقته- هو غنى النفس، والمسكنة -على الحقيقة، وعلى كنهها- لمن قعد في ~~بيته، وقنع بما أوتي. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا حكيم إلا ذو تجربة)). # فالحكمة: من نور الجلال، فإذا أعطي العبد، انفجرت ينابيع الحكمة على ~~قلبه، فهذه الحكمة ينبوعها على قلبه، فهي جاثمة متراكمة، وما لم تأخذه ~~التجارب، لم تقدر النفس على مطالعة الحكمة؛ لأن النفس بلهاء غتمية، مشغولة ~~بالشهوات، فكيف تدرك الحكمة؟ والحكمة باطن الأمور وأسرار العلم، فهي تعاين ~~الظاهر ولا تدركه، فكيف تدرك الباطن؟. # فإذا جرت الأمور، صارت هذه التجارب له كالمرآة ينظر فيها؛ لأنها صارت ~~معاينة، ولذلك قال ابن عباس: ينتهي عقل الرجل إلى ثمان وعشرين، ثم من بعد ~~ذلك التجارب. # فالعقل للقلب، والتجارب للنفس؛ لأن العقل باطن، والتجارب ظاهرة، تبصر ~~العين، وتسمع الأذن، ويشم الأنف، وتلمس اليد، وتذوق اللسان واللهاة، ~~فالتجارب -هاهنا-، وهي مسالك هذه الأشياء إلى النفس، وشعور النفس من هذه ~~المسالك الظاهرة، فعندها تشعر النفس بذلك العقل الذي أعطي؛ لأن العقل إنما ~~مسكنه في الدماغ، وفي الصدر يشرق بين PageV07P013 ~~عيني الفؤاد، والنفس لا تعلم بشيء من ذلك إلا ما يعلمها القلب، ويفطنها، ~~ويدعو إليه، فإذا نالتها التجارب، عرفت وأيقنت؛ لأنها صارت معاينة ما كان ~~أدى إليها القلب من الحكمة، ودلالة العقل. PageV07P014 ### || AUTO الأصل السابع والثمانون والمئتان # 1552 - أنا الحسن بن قزعة البصري، قال: أنا سفيان بن حبيب التمار، قال: ~~أنا شعبة، عن ثوير، عن أبيه، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه: أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها}، قال: لا إله إلا الله)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # وإنما سميت هذه الكلمة: كلمة التقوى؛ لأنها صارت وقاية لتوحيده؛ لأنه ~~أثبت عقد المعرفة بإلهه قلبا، وباللسان نطقا أنه إلهه، فلما أحدث الأعداء ~~هذا الحدث، وهو الشرك، فأشركوا في ملكه غيره، وذهبوا بوله قلوبهم في الضر ~~والنفع إلى ذلك الذي قصدوه بالعبودة؛ رجاء ms1129 وتأميلا PageV07P015 ~~لنوال نفع ودفع ضر، اقتضى الله من المؤمنين كلمة التقى لنفي ذلك الحدث، وهو ~~قوله: ((لا))، فنفوا بقولهم (لا) هذا الحدث الذي أحدثته الفجرة الغواة ~~الظلمة. # فصار قوله: ((لا)) نزاهة لرجاسة ما أتوا به، وطهارة لنجاسته، ووقاية لذلك ~~العقد الذي عقده، وحصنا كثيفا لما في ذلك العقد، وهو: التوحيد، ونور ~~المعرفة، فنسبت هذه الكلمة إلى التقوى. # وإنما هو في الأصل: وقوى؛ مأخوذ من الوقاية؛ أي: صار وقاية لعقدة التوحيد ~~أن لا يمازجه شرك يأتي معه؛ فإنه واحد لا ثاني له، واحد لا نظير له، وهذه ~~الكلمة في قالب الافتعال، لا في قالب فعل؛ لأن فعل هو قالب الظاهر، وافتعل ~~قالب الباطن، فقيل: اتقى، وكان حقه أن يكون اوتقى لأن الواو في أصل الكلمة ~~موضوعة لا أصلية من قوله: وقى يقي وقاية، فلما صار إلى افتعل، كان حقه أن ~~يكون اوتقى، فثقلت على الألسن؛ PageV07P016 ~~لاجتماع الواو والتاء، فأدغمت الواو في التاء، وشددت، فقيل: اتقى يتقي ~~اتقاء، والاسم منه: تقوى. # وقوله: ((لا إله)) نفي، وقوله: ((إلا الله) استثناء؛ لئلا يقع النفي على ~~الجميع، ولو قال: ((لا إله))، ثم اقتصر عليه، لكان قد نفى الجميع، فابتدأ ~~بنفي الحدث بقوله: ((لا إله))، ثم استثنى فقال: ((إلا الله))؛ لئلا يقع ~~النفي على هذا الاسم الآخر، وهو قوله: ((الله))؛ فإنما هما كلمتان: نفى ~~بقوله: ((لا))، وأثبت بقوله: ((إلا الله))، فقوله: ((لا)) حرفان: لام، ثم ~~ألف، و((إلا)) أربعة أحرف: ألف، ثم لامان مدغمة إحداهما في الأخرى، ثم ألف، ~~فمبتدأ ظهور القوة من اللام؛ لأن عظم القوة فيها. # فلذلك ابتدأ بها في النفي، وكانت كلمة النفي عموما للجميع، فلما استثنى، ~~فكأنه رد ما نفي؛ لئلا يقع النفي على الذي هو ثابت، فاحتيج إلى ذي لامين ~~متضاعفين، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فقيل: ((إلا))، وإنما هو ألف مخفوضة، ~~ولام مضاعفة مشددة، وألف PageV07P017 ~~مفتوحة، وإنما خرجت هذه الكلمة على صورة إشارات القلوب وقصدها؛ لأن القلب ~~لما حيي بنور الحياة، وانفتحت عينا الفؤاد بالنور، وجاء نور الهداية، وجاء ~~نور المعرفة، فتراءى ms1130 لعيني الفؤاد، انزعج القلب مرتحلا عن وطنه إلى ذلك ~~النور الذي عاين، حتى لقيه فاطمأن، وسكن إلى معبوده، وبذل النفس للعبودة، ~~ثم خطر بقلبه بال إلهه، وأنه قد أشرك في ملكه غيره، وأن قلوبا ولهت إلى ~~غيره افتقارا، فهاجت منه المحبة التي هي منطوية في نور التوحيد، والهداية، ~~والمعرفة، فحمي القلب من حرارة المحبة، فمن تلك الحرارة قوي القلب حتى قام ~~على الذنب منزعجا بعضلاته وعروقه، فنفى ولههم وافتقارهم إلى من دونه، ~~وأبطله. # فلما احتاج إلى إبراز تلك القوة للنفي، أبرز باللام ثم بالألف، وإنما ~~ابتدئ باللام؛ لأن عظم القوة فيها، وهي نزيع الألف؛ فإنه كان أولا ألفا، ثم ~~نزع منها لام، وعظم القوة في اللام، فنفى القلب كل رب يدعي PageV07P018 ~~العباد له ربوبية، وولهت قلوبهم إليه دونه، فابتدأ هذا القلب الذي وصفنا في ~~النفي لأرباب الأرض، ثم سما عاليا حتى انتهى إلى الرب الأعلى، فوقف عنده، ~~وتذلل وخشع له، واطمأن ووله إليه، وقال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم: {سبح اسم ربك الأعلى}. # أي: إن هذه أرباب متفرقون، والرب الله الواحد القهار، فهداه إلى الرب ~~الأعلى، وقال تعالى: {وأن إلى ربك المنتهى}. # فهذه صورة فعل القلب، فلما احتاج إلى النطق والإبراز باللسان، أعطي تلك ~~الحروف، ففي النفي لام وألف، وفي المستثنى الذي هو المنتهى ألف مخفوضة ~~ولامان وألف؛ لاجتماع قوة اللامين على صورة فعل القلب، يدلك على ذلك من ~~قولنا: كسر الألف وخفضها؛ لأن القلب من السفول ينزعج، نافيا للأرباب، ويصعد ~~إلى الرب الأعلى بالألف الأخير من قوله: ((إلا))؛ ليثبته ربا لا شريك له، ~~وواحدا لا ثاني له، ولا نظير له، وفردا لا ند له، وصمدا لا شبه له، وحيا لا ~~موت له، وقيوما لا زوال له، وإلها لا وله إلا إليه. # فأما قوله سبحانه: {وألزمهم كلمة التقوى}، ثم قال: PageV07P019 # {وكانوا أحق بها وأهلها}؛ فإنه ألزم قلوبهم هذه الكلمة بنور المحبة، حتى ~~نطقوا بها، وذلك أنهم أعطوا المعرفة مع المحبة، وأعطوا العقل، والعقل من ~~نور البهاء، ووجد القلب ms1131 حلاوة المحبة، ووجدت النفس حلاوة زينة نور البهاء، ~~فسكن القلب واطمأن إلى الحلاوة، واستقرت النفس للزينة، فتيسر عليه التكلم ~~بقول: لا إله إلا الله، وهو قوله تعالى: {حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم}. # فبحلاوة الحب، وزينة البهاء، صارت الكلمة لازمة لقلوبهم، حتى خرجت إلى ~~اللسان، فذلت الألسنة بها، ودارت بحروفها التي نطقت بمعناها، فصارت منطقا ~~أحاط بمعناها، ولزمها، وشددها، كما أحاطت المنطقة بوسط الرجل، وشددت قوته، ~~فهو الذي ألزمهم هذه الكلمة بما من عليهم بحلاوة الحب، وزينة البهاء. # وأما قوله: {وكانوا أحق بها وأهلها}، فإنما صاروا كذلك؛ لأن الله تعالى ~~خلق المقادير قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام، فيما روي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((وكان الله ولا شيء، فخلق المقادير، وخلق الخلق ~~في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور، اهتدى، ومن أخطأه، ضل)). # فقد علم من يخطئه ممن يصيبه. PageV07P020 # 1553 - أنا سليمان بن نصير، قال: أنا عبد الله بن يزيد المقرئ، عن حيوة، ~~وابن لهيعة، عن أبي هانئ حميد بن هانئ الخولاني، قال: سمعت أبا عبد الرحمن ~~الحبلي، يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: ((قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)). # 1554 - أنا الفضل بن محمد، قال: أنا إبراهيم بن موسى، قال: أنا أبو ~~معاوية، عن الأعمش، عن جامع بن PageV07P021 ~~شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ((اقبلوا البشرى يا بني تميم))، قالوا: قد بشرتنا، فأعطنا، قال: ~~((اقبلوا البشرى يا أهل اليمن))، قالوا: قد بشرتنا، فأخبرنا، قال: ((كان ~~الله ولا شيء، ثم خلق العرش، فجعله على الماء، وكتب في الذكر كل شيء)). # 1555 - أنا نصر بن محمد الغنوي، قال: أنا أبو عمير بن النحاس الرملي، ~~قال: نا ضمرة بن ربيعة، قال: أنا يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن ابن ~~الديلمي، PageV07P022 ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: ms1132 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك ~~النور، اهتدى، ومن أخطأه، ضل)). # 1556 - أنا أبي، قال: أنا الحماني، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا ~~الأوزاعي، قال: أخبرني ربيعة بن يزيد، قال: حدثني عبد الله بن الديلمي، ~~قال: دخلت على عبد الله ابن عمرو بالطائف، فقال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: ((إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة، ثم ألقى عليهم نورا من ~~نوره، فمن أصابه من ذلك النور، اهتدى، ومن أخطأه، ضل، فلذلك أقول: جف القلم ~~على علم الله)). PageV07P023 # 1557 - أخبرني الجارود، قال: أنا معن القزاز، قال: أنا معاوية بن صالح، عن ~~ربيعة بن يزيد، قال: سمعت ابن الديلمي يقول: قلت لعبد الله بن عمرو بن ~~العاص: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله تعالى خلق الناس في ظلمة، فأخذ نورا من ~~نوره، فألقاه عليهم، فأصاب من شاء، وأخطأ من شاء، فقد عرف من يخطئه ممن ~~يصيبه، فمن أصابه من نوره، اهتدى، ومن أخطأه، ضل)). # 1558 - أنا علي بن حجر، قال: أنا عثمان بن حصين بن علاق، قال: أنا عروة ~~بن رويم، عن ابن PageV07P024 ~~الديلمي، قال: قلت لعبد الله بن عمرو: بلغنا أنك تقول: جف القلم بما هو ~~كائن؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله تعالى خلق ~~خلقه، ثم جعلهم في ظلمة، ثم أخذ من نوره ما شاء، فألقاه عليهم، فأصاب النور ~~من شاء الله أن يصيبه، وأخطأ من شاء الله أن يخطئه، فمن أصابه النور يومئذ، ~~اهتدى، ومن أخطأه، ضل))، فلذلك ما أقول: ((جف القلم بما هو كائن)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فيوم المقادير خلقهم، وهم كالنجوم الدراري، ثم سلبهم الضوء، فوضعهم في ~~تراب التربة التي أراد منها إنشاء خلق آدم، وقد طمس ضوءهم، فلبثوا في تلك ~~الظلمة مليا على ms1133 أن قضى من المدة مقدار خمسين ألف سنة، أو نحوه، فصاروا في ~~طول ذلك اللبث في تلك الظلمة ثلاثة أصناف: # 1 - فصنف منهم: زعم أن الذي ملكنا لم يدم له ملكه، فعجز عنا، ولو لم يكن ~~كذلك، لم يتركنا هاهنا كالمنسي. # 2 - وقال صنف آخر: تركنا هاهنا، فنحن ننتظر ما يكون، وما يظهر لنا من أمره. PageV07P025 # فالأول: كفر، والثاني: نفاق وشك. # 3 - وقال الصنف الثالث: تركنا هاهنا، وهو دائم، ونحن له، فجعلنا حيث شاء. # فأما الصنف الأول: فإنهم لما تكلموا بما ذكرنا، صارت تلك الترابية في ~~أفواههم، وقال لهم: ما الذي رأيتم مني حتى نسبتموني إلى العجز وانقطاع ~~الملك؟. # فصارت هذه الكلمة ختما على أفواههم على تلك الترابية، وهو قوله تعالى: ~~{ختم الله على قلوبهم}، فالختم غير مرفوع أبدا. # وأما الصنف الثاني: فشكوا، فهم في الزندقة ينتظرون ما يكون، ولم ~~يستيقنوا، ولا استقرت قلوبهم، فتناثرت تلك الترابية عن أفواه القوم وعن ~~قلوبهم؛ لتذبذبهم، مرة إقبالا، ومرة إعراضا، ومرة إقبالا على بال النفوس، ~~فلم يصر ختما، ولكنه صار قفلا، والقفل قد يرفع، وقد يفتح إن شاء، والختم لا ~~يرفع أبدا، وذلك قوله تعالى: {أم على قلوب أقفالها}. # وأما الصنف الثالث: فقالوا: ربنا الذي يملكنا دائم أبدا، يجعلنا PageV07P026 ~~حيث شاء، إن شاء جعلنا في ظلمة، وإن شاء جعلنا في نور، ثم مدوا أيدي القلوب ~~نحوه كالتعلق به، فضرب بيده على قلوبهم، فقال: أنتم لي، عملتم لي أو لم ~~تعملوا، فصارت هذه الكلمة مكتوبة على قلوبهم، فمن أصابته يمينه، فهم ~~الأولياء، ومن أصابتهم يده الأخرى، فهم عامة الموحدين، ثم تناولهم، فصيرهم ~~في قبضته، وصارت تلك الكلمة مكتوبة بين أعين الفؤاد على قلوبهم، وذلك قوله ~~تعالى: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان}، وقال في الأخرى: {أولئك الذين طبع ~~الله على قلوبهم}. # فالطبع: هو الختم، اتبعوا بال أنفسهم، فقالوا: تركنا هاهنا في الظلمة، ~~فلو كان دائما، لم يتركنا، فهذه كانت صفتهم في البدو، فلم يزل ينقلهم من ~~حال إلى حال حتى ظهروا في الروح، وهو أول ms1134 خلق خلقه، ثم نقلهم إلى الهوى، ثم ~~نقلهم إلى النور، ثم نقلهم إلى الماء، ثم نقلهم إلى التراب، ثم نقلهم إلى ~~الطينة المعجونة طينة آدم عليه السلام، وأعطاهم كلهم الصورة، وظهر في ~~الطينة طيب المتعلقين به، وسنة حمأة المعرضين عنه، وهو الذي قال تعالى في ~~تنزيله: {من حمإ مسنون}. PageV07P027 # ثم لما نفخ الروح فيه، أخرج المتعلقين في كتفه الأيمن كهيئة الدر في صفاء ~~وتلألؤ، وأصحاب الشمال كالحممة السوداء من كتفه الأيسر، والسابقون أمام ~~الفريقين المقربون، وهم الرسل والأنبياء والأولياء، فقررهم كلهم، وأخذ ~~عهدهم، وميثاقهم على الإقرار له بالعبودة، وأشهدهم على أنفسهم، وشهد عليهم ~~بذلك، ثم ردهم إلى الأصلاب؛ ليخرجهم تناسلا من الأرحام، أرحام الأمهات. # 1559 - أنا عمر بن أبي عمر، قال: أنا عبد الله بن يزيد القرشي، عن خالد ~~بن يزيد المري، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الله تعالى خلق آدم، فضرب ~~بيمينه على كتف آدم اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كالفضة، ومن اليسرى سودا ~~كالحممة، ثم قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي)). PageV07P028 # معنى قوله: ((هؤلاء في الجنة ولا أبالي)) -عندنا، والله أعلم- أي: لا أبالي ~~بما يعملون من خير أو شر، فأقبل خيرهم، وأغفر شرهم. # وذلك قوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته ~~كرها} إلى قوله: {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر ~~نعمتك}. # إلى قوله: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في ~~أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون}. # وهو الوعد الذي وعدهم؛ حيث ضرب بيده إليهم تناولا، ثم قال لهم: أنتم لي، ~~عملتم أو لم تعملوا، فإنما صاروا بيضا كالفضة من أجل ذلك النور الذي ~~أصابهم، والآخرون سودا من أجل الظلمة التي خلقهم فيها. # 1560 - أنا عبد الرحيم بن حبيب، قال: أنا بقية ابن الوليد، قال: أنا مبشر ~~بن عبيد، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن ms1135 أبي هريرة، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((لما خلق الله تعالى آدم، ضرب بيده على شق آدم ~~الأيمن، فأخرج ذروا كالذر، ثم قال: هؤلاء ذريتك من أهل PageV07P029 ~~الجنة، ثم ضرب بيده على شق آدم الأيسر، فأخرج ذروا كالحمم، ثم قال: هؤلاء ~~ذريتك من أهل النار)). # 1561 - أنا الجارود، قال: أنا معن بن عيسى، قال: أنا معاوية بن صالح، عن ~~راشد الحمصي، عن عبد الرحمن ابن قتادة السلمي -وكان من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم-، قال: سمعت رسول الله يقول: ((إن الله خلق آدم، وأخذ الخلق ~~من ظهره، فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي))، ~~فقال رجل: يا رسول الله! صلى الله عليك، فعلى ماذا إذا نعمل؟ قال: ((على ~~مواقع القدر)). PageV07P030 # قوله: ((هؤلاء في الجنة ولا أبالي)) ماذا عملوا، ((وهؤلاء في النار ولا ~~أبالي)) من نفوسهم أين ذهبوا. # 1562 - أنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أبي أنيسة: أن عبد ~~الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره، عن مسلم بن يسار الجهني، عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه سئل عن هذه الآية: {وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم من ظهورهم ذريتهم}، فقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~((إن الله تعالى خلق آدم، فمسح بيمينه ظهره، فاستخرج منه PageV07P031 ~~ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، ~~فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون))، فقال ~~رجل: يا رسول الله! ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن ~~الله إذا خلق العبد للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل أهل ~~الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلقه للنار، استعمله بعمل أهل النار حتى يموت ~~وهو على عمل أهل النار، فيدخله به النار)). # 1563 - أنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: حدثني أبي، ~~عن أبيه، عن جده سلمة بن ms1136 كهيل، عن زيد بن وهب، قال: أنا عبد الله بن مسعود، ~~قال: نا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق، قال: ((إن خلق ~~أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة PageV07P032 ~~نطفة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله الملك بأربع كلمات، ~~فيقول له: اكتب أجله، وعمله، ورزقه، وشقي أو سعيد؛ فإن الرجل ليعمل بعمل ~~أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيغلب عليه كتابه الذي سبق، ~~فيختم له بعمل أهل النار، فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ~~ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيغلب عليه الكتاب الذي سبق، فيختم له ~~بعمل أهل الجنة، فيدخله الله الجنة)). # 1564 - أنا سفيان بن وكيع، قال: أنا أبي، قال: أنا الأعمش، عن زيد بن ~~وهب، عن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. PageV07P033 # 1565 - نا علي بن حجر، عن شريك، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. # فهذه قصة هذا الخلق، سبق لهم من الله ما سبق، فقال الله تعالى في تنزيله: ~~{إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم في ~~ما اشتهت أنفسهم خالدون}؛ أي: في الجنة. # فشكر الله لهم ما كان منهم في تلك الظلمة من الطمأنينة إلى الله في وقت ~~مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وعرفه مننه عليهم، فقال: {وألزمهم كلمة ~~التقوى}، ثم شكر لهم تقديمهم في تلك الظلمة، فأثنى عليهم، فقال: {وكانوا ~~أحق بها وأهلها}؛ أي: أحق بهذه الكلمة، وأهلا لهذه الكلمة؛ بما تقدم منهم، ~~وإنما استقروا هناك في تلك الظلمة، ونطقوا؛ PageV07P034 ~~بما نطقوا بما رش عليهم من نوره هناك، فأوجب لهم يومئذ محبته، وجعل لهم ذلك ~~النور حظهم من ربهم، وأصحاب الختم لم يصبهم النور، فلم يكن لهم حظ، وأصحاب ~~القفل منهم من لا حظ له، فهو لاحق بأصحاب الختم، ومنهم من له حظ في الغيب ~~مكنون، وحظهم ms1137 أدنى الحظوظ. # ألا ترى إلى قوله تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}، ثم ~~قال: {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا} الآية، فشرط عليهم أربع شرائط، ثم ~~قال: {فأولئك مع المؤمنين}. # ولم يقل: من المؤمنين، فهؤلاء: لاحقة بهم، فهم في عداد المؤمنين، وحظهم ~~من المحبة قليل، وهم من أصحاب القفل، أدركتهم رحمته الواسعة، فصاروا ~~متخلصين من النفاق، ورفع القفل عنهم حتى انفتحت عيون أفئدتهم مع هذه ~~الشرائط الأربع: # 1 - التوبة إلى الله تعالى. # 2 - والإصلاح لما خرب من العمارة وهدم البنيان. # 3 - والاعتصام بالله. # 4 - والإخلاص لله. PageV07P035 # فحينئذ ألحقهم بالمؤمنين؛ ليعلم أنهم لم يكونوا من المؤمنين الذين كتب في ~~قلوبهم الإيمان يومئذ بقوله: ((أنتم لي، عملتم أو لم تعملوا))، فهؤلاء ~~يعتريهم ذلك النفاق -بعد إيمانهم- في أعمالهم، فهم الذين يدلون على الله ~~بأعمالهم في الشريعة، ويعجبون بشأن أنفسهم، ويكبون على أحوالهم في عامة ~~عمرهم، يتكبرون بها، ويتعالون على الخلق، ويعاملون الله في السر بخلاف ~~العلانية، ويراؤون بأعمالهم، ويتناحرون على طلب الدنيا وجاهها وعزها، ~~وفخرها وخيلائها، ويضاهون الله في مدائحه، والعزة لله جميعا، والعلو لله، ~~والكبرياء لله. # فهم في شهرهم ودهرهم طالبون لعز الدنيا؛ ذهابا بأنفسهم عن الخلق، ~~ولعلوها؛ تعاليا عن أحوال الخلق، وتكبرا عن الانقياد للحق؛ لكبرياء نفوسهم، ~~ساخطين لأقدار الله في الخلق، وفي أنفسهم، حاسدين لعباد الله في نعمهم، ~~مضادين لأقضيته وتقديره وتدبيره فيهم، فهؤلاء أصحاب الأقفال الذين كانت لله ~~فيهم مشيئة أن تدركهم رحمته وجوده؛ فإن للجود -بعد انقضاء الرحمة المئة ~~المقسومة يوم القيامة بين أهل الجنة- عملا وشأنا عظيما؛ جاد الله على من ~~بقي في النار آلافا من السنين، وليس عنده مثقال ذرة خير، إلا توحيدا خرج له ~~أيام دنياه من باب الجود والرحمة العظمى، وهم أصحاب الأقفال الذين كانت لله ~~فيهم مشيئة إن أدركتهم الرحمة العظمى، فلم يبال بما صنعوا، فرفع عنه القفل ~~في الدنيا، حتى PageV07P036 ~~نطقوا بالكلمة العليا، وهي كلمة التقوى، وأدخلهم الجنة بلا عمل، ولا خير ~~قدموه، نالوا هذا من باب الجود في محل القدرة، ونال ms1138 المؤمنون المحبة من ~~الذات، وولهت قلوبهم بالذات حبا له. PageV07P037 ### || AUTO الأصل الثامن والثمانون والمئتان # 1566 - نا الجارود، قال: نا جرير، ووكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن ~~علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم}، شق ذلك على المسلمين، فقالوا: وأينا لم يظلم؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((ليس بذلك، ألم تسمعوا إلى قول لقمان: {إن الشرك لظلم ~~عظيم}؟)). # 1567 - نا أبو سعيد الأشج، قال: نا ابن إدريس، PageV07P039 ~~قال: نا أبو إسحاق الشيباني، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن الأسود بن هلال، ~~عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه سأل أصحابه عن هاتين الآيتين: {الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}، وقوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا}، فقالوا: استقاموا ولم يذنبوا، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم؛ أي: ~~بذنب، فقال: لقد حملتموها على غير المحمل، إنما هو: استقاموا، فلم يشركوا، ~~{ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}؛ أي: بشرك. # 1568 - نا صالح بن محمد، قال: نا أبان بن البختري، عن عباد بن العوام، عن ~~زياد بن ميمون، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا}، فقال: ((أمتي ورب الكعبة! ~~مرتين أو ثلاثا))، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! ما ذكرك هذه الآية؟ ~~قال صلى الله عليه وسلم: ((إن اليهود PageV07P040 ~~قالوا: ربنا الله، فلم يستقيموا، فقالوا في عزير ما قالوا، وإن النصارى ~~قالوا: ربنا الله، ثم لم يستقيموا، فقالوا في المسيح ما قالوا، وإن أمتي ~~قالت: ربنا الله، ثم استقاموا، فلم يشركوا)). # قال أبو عبد الله: # فهاتان كلمتان إنما هما اسمان لازمان لفعل، ولكل فعل حدان، فحد منه ~~مبتدؤه، والحد الآخر منتهاه. # فالاستقامة: مبتدؤها: انتصاب القلب له رقا وتذللا، وإلقاء باليدين سلما، ~~فهذا أول العبودة والاستقامة، ثم من بعد انقضاء هذا الوقت يأتي عليه وقت ~~آخر، وقد مالت شهوته بتلك الاستقامة عن الله، فزاغ يمينا وشمالا عن ~~الانتصاب لله تذللا وخشعة، وناله تجبر ms1139 الكبرياء، ثم تاب، فرجع إلى الله، ~~وعاد إلى مقامه من التذلل والرق، وصار إلى الاستقامة في مقامه، فلا يزال ~~هذا دأبه، مرة هكذا، ومرة هكذا، يقطع عمره على هذه الصفة، فيختم له بإحدى ~~المنزلتين. PageV07P041 # ومن أيد في الاستقامة حتى يمر إلى الله تعالى، ولا يروغ في سيره يمينا ~~وشمالا، فإذا وصل إلى الله، فقد ذهب الروغان، واستقام على الباب. # ورأيت فيما يرى النائم: كأن سائلا سألني عن قوله تعالى: {إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا}، فأردت أن أجيبه بما عندي من ظاهر العلم، فرأيت ~~قبالتي شخصا بيده صحيفة يقابل بها وجهي، فيها مكتوب: {إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا} أي: اشتاقوا إلى لقائه، ثم انتبهت، فقلت في نفسي: هذا ~~عين التفسير. # وإذا نزل العبد منزلة المشتاقين، فنهمته وشهوته اللحوق بربه، فقلبه ~~بالباب عاكف، والعاكف على الله لا تزول استقامته، فالناس فيما بين الحدين ~~من مبتدئه إلى أعلاه، كل قد أخذ من هذا بحظ، فالديان يحاسبهم، فيعطيهم من ~~ثواب هذه الاستقامة كلا على قدر ثباته، وانتصابه لله، وتوقيه للروغان عنه، ~~وكذلك قوله تعالى: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}. # فالإيمان: هو طمأنينة القلب إلى الله، واستقرار النفس بما استقر القلب، ~~وإنما صار ذلك كذلك بالنور، فذلك النور اكتساب القلب، به يكرم، وبه يثاب، ~~وبه يجوز الصراط إلى دار السلام، فإذا أذنب، فالذنب ظلمة، فقد ألبس ذلك ~~النور ظلمة، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أذنب العبد، نكتت ~~في قلبه نكتة سوداء، فإذا عاد، نكتت أخرى، فلا يزال كذلك حتى يسود القلب، ~~فإذا تاب ونزع، صقل قلبه)). PageV07P042 # قال أبو عبد الله: # يعني: ترفع تلك النكت، فينجلي القلب بنوره؛ بمنزلة شمس خرجت عن كسوفها، ~~فتجلت، فأقل الظلم: ترك أصغر شيء من أمر الله، وأعظم الظلم: الشرك، فذاك ~~مبتدؤه، وهذا منتهاه، فترك أدنى أمر الله هو ظلم، ويقدر ذلك أطبق على نور ~~الإيمان، وأظلم الصدر منه بقدر ذلك؛ لأنه افتقد إشراق ذلك النور على قدر ما ~~أطبق، فكلما ازداد ذنبا، ازداد ms1140 افتقارا للإشراق، وازداد ظلمة، حتى يطبق ~~عليه كله إذا انتهى إلى منتهاه، وهو رأس الذنوب وأعلاها، والخلق فيما بين ~~الحدين: كل قد ألبس إيمانه؛ يعني: من هذا الظلم، مثل ذلك مثل الشمس إذا ~~انكسفت، فعلى قدر ما ينكسف منها، يفتقد الخلق إشراقها من الأرض، فإذا ~~انكسفت كلها، صار نهارهم كالليل. # فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلق منتهاه في حديث، ومبتدأه في ~~حديث آخر، وكذلك أبو بكر، وعمر، فقال أبو بكر: استقاموا فلم يشركوا، وقال ~~عمر: استقاموا فلم يروغوا، روغان الثعالب، فقصد أبو بكر لأدناه، وعمر ~~لأعلاه. PageV07P043 # وأما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: # 1569 - فحدثنا يوسف بن موسى القطان الكوفي، قال: نا مهران بن أبي عمر ~~الرازي، قال: نا علي بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن ~~عباس، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير ساره، إذ عرض له ~~أعرابي على بكرة له، فدنا يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهاه ~~المهاجرون والأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خلوا عنه))، ~~فقال: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق! لقد جئتك من بلادي وتلادي ومالي؛ ~~لأهتدي بهداك، وآخذ من قولك، فما بلغتك حتى ما لي طعام إلا من خضر الأرض، ~~فاعرض علي، فعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل، فازدحمنا عليه، فدخل ~~خف بكرته في بيت جرذان، فتردى الأعرابي، فانكسرت عنقه، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((صدق والذي بعثني بالحق! لقد خرج من بلاده وتلاده وماله؛ ليهتدي PageV07P044 ~~بهداي، ويأخذ من قولي، فما بلغني حتى ما له طعام إلا من خضر الأرض، كما ~~قال، أسمعتم بالذي عمل قليلا، وجزي كثيرا؟ هذا منهم، أسمعتم ب {الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}؟ فإن هذا منهم، والذي ~~بعثني بالحق! ما بلغ الأرض قط حتى ملئ شدقه من ثمر الجنة، اغسلوا أخاكم، ~~وكفنوه، وصلوا عليه))، قالوا: يا رسول الله! أنشق أم نلحد؟ فقال رسول الله ms1141 ~~صلى الله عليه وسلم: ((اللحد لنا، والشق لغيرنا)). # 1570 - نا عبد الكريم، عن محمد بن مهران الرازي، قال: نا محمد بن المعلى، ~~عن زياد بن خيثمة، عن أبي داود، عن عبد الله بن سخبرة، عن أبيه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV07P045 # ((من أعطي فشكر، وابتلي فصبر، وظلم فغفر، وظلم فاستغفر))، ثم سكت، فقيل: ما ~~له يا رسول الله؟ قال: (({أولئك لهم الأمن وهم مهتدون})). # قال أبو عبد الله: # فهذا أعلاه، وحديث علقمة عن عبد الله أدناه، فوعد الله تعالى في تنزيله ~~للمستقيم الأمان من الخوف والحزن، والبشرى بالجنة، ولمن لم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم الأمن والاهتداء، فكل إنما ينال من ذلك الوعد بقدر ما يأتي به من ~~الاستقامة، وقلة اللبس. # فالمؤمن لما آمن، فقبل الله إيمانه، دخل في أمانه، فله الأمن في PageV07P046 ~~الدنيا والآخرة من كل آفة، فلما أذنب، خرج من أمان الله بقدر ذلك الذنب، ~~ونقص من الأمن بقدر ذلك، واستحق العقوبة بقدر ذلك، وهو أن تزول نعمة من ~~نعمه عنه بقدر ذلك، وإن شاء، تفضل وعفا، وإن عاقب، زال عنه من النعمة بقدر ذلك. # وذلك قوله تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم}. # فالنعمة: اسم جامع لهذا الآدمي في بدنه ودينه ودنياه، فإن لم يذنب، لم ~~يأخذ منه شيئا، وكان على هيئته؛ فإنما جاءت الأسقام، والأمراض، والنوائب، ~~والأحوال المتغايرة؛ لمكان الخطايا والذنوب والزلل، غيروا، فغير الله ما ~~بهم، وعفا عن كثير، وقال في تنزيله: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير}. # فالاعتبار في هذا الأمر: قصة أبينا آدم عليه السلام، وأن الله تعالى خلقه ~~بيده، وأسجد له الملائكة، وبوأه الجنة مع زوجته، وعهد إليه عهدا أن هذا ~~الذي أبى أن يسجد لك هو: {عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى}، ~~وعرض {الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها}، ~~فنظر آدم إلى إباء هؤلاء، فأخذته الغيرة، وهاج منه الحب لله، فاحتملها، ~~وتقلدها، ms1142 وبقيت قلادة في عنقه، فقيل له: PageV07P047 # هذه الجنة مسكنك، فانظر أن لا يخرجنك وزوجك هذا العدو من هذا المسكن؛ أي: ~~يغرك حتى تحدث فيها حدثا يكون خيانة للأمانة. # وقيل له: {إن لك} فيها؛ أي: في هذه الجنة {ألا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك ~~لا تظمؤا فيها ولا تضحى}. # وبهذه الأربعة قوام الآدمي ومعاشه، يعرفك: أنك إن أحدثت، أخرجت منها، وإن ~~أخرجت، شقيت؛ أي: صرت بمعزل من النعيم، ولحقتك الشدة، والتعب، والنصب في ~~هذه المعيشة، فتحتاج أن تتكلف لجوعك وعريك، وظمئك، وضحاك -وهو حر الشمس-؛ ~~لجوعك طعاما، ولعريك لباسا، ولظمئك ماء، ولضحاك مسكنا وكنا، فلما أحدث، ~~وأخرج منها؛ ألقى عليه هذا النداء: احذر من الشقاء، دون حواء، فقيل: تشقى، ~~ولم يقل: تشقيا. # ومن هاهنا علمنا: أن نفقة المرأة على الزوج. # فبقي ولده في هذا الشقاء إلى انتهاء الدنيا، فكل من كان من ولده أحفظ ~~لهذه الأمانة، كان أوفر حظا من أمان الله تعالى في الدنيا والآخرة؛ PageV07P048 ~~لأنه إنما قبل الله منه إيمانه بقبوله للأمانة. # فأوفرهم حظا من وفاء الإيمان، وحفظ الأمانة: وأوفرهم حظا من قبوله لعهده: ~~أوفاهم، فإذا قبله، فهو في أمانه في الدنيا والآخرة. # وذلك قوله تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور}. # وكان داود صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: اللهم دافع عني من كل جانب، ~~فكان يسأل الدفاع. # وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم من شأنه أن يقول: ((أعوذ بك من كذا)). # وبذلك أمر في التنزيل، وهو قوله تعالى: {وقل رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين}. وعليه أنزلت المعوذتان. # والدفاع: سؤال من بعد في القربة، والتعوذ: تعلق به في القرب من القربة. PageV07P049 ### || AUTO الأصل التاسع والثمانون والمئتان # 1571 - نا سفيان بن وكيع، قال: نا ابن نمير، عن زكريا بن أبي زائدة، عن ~~محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة: أن ابن كعب بن مالك حدثه عن أبيه، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ما ذئبان جائعان ms1143 أرسلا في غنم ~~بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)). PageV07P051 # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فوضع الله الحرص في الآدمي، ثم زمه في المؤمنين بزمام التوحيد واليقين، ~~وقطع علائق الحرص بنور السبحات، فمن كان حظه من نور اليقين، ونور السبحات ~~أوفر، كان وثاق حرصه أوثق، وحنه أحصن، والحرص يحتاج إليه الآدمي، ولكن بقدر ~~معلوم، فإذا لم يكن لحرصه وثاق، وجاءت رياحه بأهبوبها، استقرت النفس، فتعدى ~~القدر الذي يحتاج إليه، فأفسد. # قال له قائل: ما الحرص؟ وما حاجة الآدمي إليه؟. # قال: إن الحرص مدد القوة الموضوعة في الآدمي، ومثيرها، وعمادها، وهي نار ~~تتقد، ولها خشعة وغليان، وأصلها من نور الحياة، فبقدر ما تتلظى نار الحرص ~~يطير لهبانها في الجوارح، فإذا استعمل تلك الجارحة، استعملها باستفزاز ~~وخفة، وإذا سكن الحرص، فترت القوة، فبالحرص يقوى على بعث الأركان في أعمال ~~البر، وبالحرص يصابر على طاعة الله تعالى، وبالحرص يسمو إلى معالي الدرجات، ~~ومن شأن الحرص الترقي في الدرجات، وطلب الازدياد من كل شيء يناله في الدنيا ~~والآخرة. PageV07P052 # فحريق الحرص وتلظيه يحرق شهوة كل شيء يناله، لا حرق تلاشي، ولكن يأتي بحريق ~~أشد منه؛ كالنار التي تأكل بعضها بعضا، فتزداد قوة، فكلما ازداد تناولا من ~~نهمة شيء من أمر الدين والدنيا، ازداد حريقه تلظيا، وازدادت النار قوة. # ولذلك قيل في الحديث: ((ما أعطي العبد شيئا من الدنيا إلا زيد مثله في ~~الحرص)). # والحرص والصرح: مشتق بعضه من بعض. # فالصرح: البناء العالي المشرف والناتئ على البنيان، وهو قوله: {يا هامان ~~ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب}. # فهذا في الظاهر صرح، وذاك في الباطن على تقليب الحروف سمي حرصا؛ لأنه به ~~يطلب الازدياد، ويترقى في درجات المزيد عتوا وعلوا، كلما نال درجة من درجات ~~الدين والدنيا؛ سما به حرصه إلى درجة أعلى منها، فلا يزال يترقى حتى يبلغ ~~درجة تكون له منظرا، فإذا نظر إلى من هو دونه من درجات الدين، اعتراه ~~العجب، فأعجب بنفسه، فصال بتلك الدرجة PageV07P053 ~~على الخلق، واستطال، فرمي به ms1144 من ذلك العلو، فلا يبقى منه عضو إلا تكسر ~~وتبدد، وكذلك في درجات الدنيا، إذا رمى ببصره إلى من دونه في الدرجات، تكبر ~~عليهم، فتاه عن الله بكبره، وتجبر على عباده، فخشي تزيده، ففي درجات الدين ~~يقال له: أعجب، وفي درجات الدنيا: يزبر ويزجر. # فأعطي الآدمي هذا الحرص؛ ليتقوى به على الازدياد من أعمال البر، كلما نال ~~درجة، سما إلى ما هو أعلى منها؛ سيرا إلى الله تعالى، وشوقا إليه، فحرصه ~~مزموم بالخوف والخشية، مشحون بأثقال السكينة والوقار، مقبوض، فصاحب هذا ~~طالب للعلو في الدين، قد عصمه الله من التعدي والإعجاب، وترك الأدب في الدين. # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة حيث دخل المسجد ~~والناس ركوع، فركع، ومشى في ركوعه حتى وصل إلى الصف، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((زادك الله حرصا، ولا تعد))، وقد كان تقدم إليهم، فقال: ~~((إذا أتيتم الصلاة، فأتوها بالسكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، PageV07P054 ~~وما فاتكم فاقضوا)). # وقال في حديث آخر: ((التأني من الله، والعجلة من الشيطان)). # 1572 - نا محمد بن مقاتل، قال: نا أبو زهير، عن الحسن بن دينار، عن ~~الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من استعجل، أخطأ)). # فالعجلة: من الخفة، والخفة من هيجان الحرص، يزيد في قوتك ويمددها حتى ~~تصير به مذموما، وتزول عنك السكينة والوقار، فهذا PageV07P055 ~~صاحب الدين. # وأما صاحب الدنيا: فحرصه حمله على أن يكون طالبا للازدياد من الدنيا، ~~طالبا لعلو الدرجات. # قال الله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا}. # فزجر عن طلب العلو في درجات الدنيا، وحرم طالبه الدار الآخرة، وهي الجنة؛ ~~لأن الدنيا مقدرة في اللوح، مقسومة بين العباد، لن ينال عبد منها إلا ما ~~قدر له وكتب، وهي درجات بعضها فوق بعض؛ ليبلونا فيما آتانا. # وكذلك قال سبحانه في تنزيله: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق ~~بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم}؛ أي: من يشكر نعمتي، ومن ms1145 يكفرها. # ثم قال: {إن ربك سريع العقاب}؛ كي يخاف العباد عقوبته، ثم قال: {وإنه ~~لغفور رحيم}؛ كيلا يقنط العباد من رحمته بما تقدم من وعيده أنه سريع ~~العقاب. # وقال تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها}، ثم قال: {كل في كتاب مبين}. # فإنما ضمن بيان مقداره وكيفيته ومواقتته في الكتاب؛ كي تسكن نفوسهم إلى ~~ما قدر وكتب، ويتفرغ القلب لما خلق له من العبودة؛ فإنه PageV07P056 ~~خلق عبدا؛ ليكون له عبدا كما خلق، فيثيبه غدا على كونه عبدا في دار السلام، ~~ملكا محبورا، واليوم عبدا مربوبا مهموما محزونا، على خطر عظيم في ذل ~~العبودة مع الهوى، والشهوة، والعدو، فإذا حرص العبد، وهاج حرصه حتى خرج من ~~الحصن، وانحل من الوثاق الذي وصفنا بدءا، لم تقنع نفسه بما أوتي، وكتب له ~~في اللوح، وأخرجه ذلك إلى السخط على رب العالمين. # 1573 - نا أبي، قال: نا عمرو بن خالد الأعشى، عن زياد بن منذر، عن أبي ~~جعفر محمد بن علي، قال: أصبت أربعة أسطر، وأربعة أسطر تتبعها: # فأما الأول: فمن لا يستشر يندم، وكما تدين تدان، ومن يملك شيئا يستأثر، ~~والفقر الموت الأكبر. # وأربعة أسطر تتبعها: من أصبح على الدنيا ساخطا فإنما يسخط على ربه، ومن ~~نزلت به مصيبة فشكاها، فإنما يشكو ربه، ومن جالس غنيا، فتضعضع له؛ ليصيب من ~~عرض دنياه، ذهب الله بثلثي دينه، ومن قرأ القرآن، ثم مات PageV07P057 ~~فدخل النار، فلم يكن يقرأ القرآن، إنما كان يتخذ آيات الله هزوا. # وروي لنا في التوراة: أنه قال: من أصبح حزينا على الدنيا، أصبح ساخطا على ربه. # وإنما حزن؛ لأن حرصه قواه، وهيجه على طلب ما اشتهى، ولا يرجع بقلبه إلى ~~ما قدر له، فيطمئن إلى حسن تدبيره له وتقديره، ويسكن إلى علمه فيه كم يزاد ~~له من دنياه، فإذا لم يرجع قلبه إلى ذلك، لم تطمئن نفسه، فطلبت النفس ذلك، ~~فلم تجد، حزنت، فأداه الحزن إلى السخط على ربه، فذلك الداء العضال المستقبح ~~للآدمي. # والحرص ms1146 حمل أبانا آدم صلى الله عليه وسلم على أن طلب الأكل من الشجرة؛ ~~ليبقى فيها، فلم ينظر إلى تقدير الله تعالى، فذهبت عنه المراقبة لمشيئة ~~الله، والحرص في الطاعات، وأعمال البر إذا خرج من الوثاق والحصن، أضر به، ~~وأفسد الأمر؛ لأنه تجاوز بالعبد إلى التعدي عن المقدار في دين كان أو دنيا. PageV07P058 # ألا ترى إلى قوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}، وقال تعالى: ~~{إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين}. # فكان يؤيسه من هداهم إلا بإذنه، ويقتضيه أن يدعوهم إليه، ومع ذلك مراقبة ~~الإذن والهداية، وقد أخبره في تنزيله، فقال: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا ~~بإذن الله}. # وقال تعالى: {ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس ~~حتى يكونوا مؤمنين}. فكان حرصه يغلبه على الطلب منهم الاهتداء والقبول حتى ~~قال تعالى: {لعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا}. # وقال تعالى: {وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في ~~الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا ~~تكونن من الجاهلين} الآية. # فالحرص على قبولهم ما جاء به عن الله تعالى، حمله على ذلك، وهيجه، حتى ~~خرج إلى الحال التي ردعه عنها، فقال: {فلا تكونن من الجاهلين}؛ أي: لا تشاء ~~أنت إلا ما أشاء، فعليك البلاغ، وعلينا الهدى، و{إنك لا تهدي من أحببت ولكن ~~الله يهدي من يشاء}. # فردد هذه الكلمة، وما أشبه هذا في القرآن في نحو من خمسين PageV07P059 ~~آية، أو أقل أو أكثر؛ ليعلم أن خروج هذا وسكون هذا الحرص من الآدميين في ~~مدة طويلة، وتزداد موعظة على موعظة، وزجرا على إثر زجر، حتى يسكن هذا ~~الحرص؛ ليعلم أن هذا أقوى شيء في الآدميين، وأعظم ضررا، فاقتضاه صلى الله ~~عليه وسلم مراقبة مشيئته في كل أمر، دينا ودنيا، فرفض جميع مشيئاته في ~~الدين والدنيا لمشيئته، وهذا منتهى العبودة، فعندها يصل العبد إلى الله ms1147 ~~تعالى إلى منتهى منازل القربة. # وهذا خالص العبودة لمن سار إلى الله عبدا؛ ليصل إليه، فلا يزال يرفض ~~مشيئاته لمشيئته في كل أمر، دينا ودنيا، حتى يزول عنه جميع مشيئاته، فعندها ~~فارق الهوى الذي اتخذه الآدمي إلها من دون الله، وصارت القلوب والهة بالهوى ~~إلى الشهوات دون الوله إلى الله، فصارت قلوبهم دنسة بالهوى والتجبر، مزجورة ~~عن بابه، فكل من كان أوفر حظا من الهوى، كان قلبه من الله تعالى أبعد، حتى ~~ينحط من بابه بزيادة استعمال الهوى، حتى يقع في الكبائر ينهمك فيها حتى ~~يصير إلى عبادة الأوثان؛ فإنهم عبدوا الأوثان بأهواء النفوس، كلما زين ~~الشيطان في قلوبهم شجرا أو حجرا، نصبوه وثنا يعبدونه، وحرصوا على ذلك حرصا؛ ~~حتى كانوا إذا رأوه، ابتدروه PageV07P060 ~~أيهم يستلمه أولا، قال الله تعالى: {كأنهم إلى نصب يوفضون. خاشعة أبصارهم}. ~~والوفض: السرعة في المشي. # 1574 - نا الفضل بن محمد، عن مسلم بن إبراهيم، عن قرة بن خالد، عن الحسن ~~في قوله تعالى: {كأنهم إلى نصب يوفضون}، قال: يبتدرون إلى آلهتهم أيهم أسرع .. # فلم يزل هذا شأن الله مع الأنبياء، يردع إراداتهم، ومشيئاتهم؛ ليقفوا على ~~مراقبة مشيئته حتى استقاموا، فرضي الله عنهم؛ لموافقتهم إياه، والتخلي عن ~~الجبرية؛ فإن الجبار واحد قهار، وليس للعبيد أن يتجبروا، فيضاهون الله، ~~وإنما سمي الجبار جبارا؛ لأنه مستبد بكبره، يجبر الخلق على مشيئته، فالجبار ~~مضاه لله، مضاد لحكمه وأقضيته. # وقال تعالى في تنزيله: {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار}، فالجبروت ~~لله، والكبر لله، ليس للخلق منه شيء إلا ما يعطيهم. PageV07P061 # 1575 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا عبد الوهاب بن نافع، عن ابن المبارك، عن ~~الحسن، قال: قال الله تعالى: ((يا داود! تريد وأريد، ويكون ما أريد، فإن ~~أردت ما أريد، كفيتك ما تريد، وإن أردت غير ما أريد، غيبتك فيما تريد، ~~ويكون ما أريد)). # فلم يزل يهذب نبينا صلى الله عليه وسلم بالزجر عن التحارص في الدين، حتى ~~يكون بمقدار، ومقداره: أن يراقب أمر الله، ما ms1148 يبدو له من مشيئاته في كل ~~أمر، فيطمئن إليها حتى استقام، فأثنى عليه فقال: {وإنك لعلى خلق عظيم}. # فسئلت عائشة -رضي الله عنها- عن خلقه، فقالت: ((كان يرضى برضاه، ويسخط ~~بسخطه))؛ أي: برضا الله وسخطه؛ كأنه لم يبق له مشيئة. # وبلغ من استقامته: أنه روي لنا: أنه لما قبض، جاءه جبريل عليه السلام، ~~فقال له: إن ربك يخيرك بين لقائه وبين الخلد، فقال صلى الله عليه وسلم: ~~((لا أختار حتى يختار لي ربي)). PageV07P062 # فهذا غاية رفض المشيئة، لم يحمله الشوق إلى ربه تعالى على اختيار اللقاء، ~~ولم يحمله الكون بين الأمة في خالص العبودة لله تعالى، ولذة الطاعات له، ~~وتربية الأمة، فيختار الكون بين ظهرانيهم، فألقى الاختيار إلى ربه، فرجع ~~جبريل، وقد كان قال لملك الموت عليه السلام: لا تنزعن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم حتى آتيك، فرجع وملك الموت ينتظره، فقال: يا محمد! إن الله اختار لك ~~لقاءه، فقال: ((تقدم يا ملك الموت))، فما زال يقول: ((لقاء ربي، لقاء ربي)) ~~حتى خرجت نفسه. # 1576 - نا بهذه القصة: أبي، قال: نا صالح بن عبد الله، قال: نا عبد ~~الوهاب الثقفي، قال: نا المهاجر، عن أبي العالية، أن جبريل عليه السلام أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه، فقال: إن ربي يخيرك بين ~~أن تعيش ما شئت، وتعطى نهمتك من الدنيا، وأنت عبده، ورسوله، أو الرفيق ~~الأعلى؟ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم له: ((فأنت رسولي إلى ربي، ~~فليختر لي))، فخرج جبريل، فرأى ملك الموت على باب الحجرة، فقال له جبريل: ~~لا تدخل الحجرة، ولا تنزعن محمدا صلى الله عليه وسلم حتى آتيك، فحدث رسول ~~الله أصحابه، فقال: ((إن ربي أرسل إلي يعرض علي كذا وكذا))، فقال له PageV07P063 ~~أصحابه: يا نبي الله! وما كان عليك أن تختار أن تعيش، فتعطى نهمتك من ~~الدنيا، وأنت عبد الله ورسوله، ويأتيك خبر السماء غدوة وعشية؟ فقال نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((كلا، خيرة ربي))، فلبث جبريل ساعة، فقال النبي ms1149 ~~صلى الله عليه وسلم: ((ما أراني إلا مقبوضا))، فجاء جبريل بعد ذلك، فقال: ~~إن ربي أرسلني إليك يخيرك زيادة أن تعيش ما شئت، فتعطى نهمتك من الدنيا، ~~وأنت عبد الله ورسوله، أو الرفيق الأعلى؟ قال: فإن الله خار لك أن تلقاه، ~~فخرج جبريل، ودخل ملك الموت، فما زال نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~((لقاء ربي)) حتى قبض -صلوات الله عليه-. # فلم نسمع أحدا من الرسل قبله إلا تردد واضطرب في وقت وفاته. # فروي لنا عن إبراهيم عليه السلام: أنه لما أتاه ملك الموت، فقال له: أنت ~~مقبوض، فكره ذلك، وقال: هل رأيت خليلا يميت خليله؟ فرجع ملك PageV07P064 ~~الموت بما قال إلى ربه، فقال له: قل له: هل رأيت حبيبا يكره لقاء حبيبه؟ ~~ومثل له في كرمه شيخ، فقرب إليه عنبا، فجعل يأكل بفيه، ويخرج من أسفله، ~~فقال له: كم أتى لك يا شيخ؟ فذكر عدد سني إبراهيم، فكره الحياة، وقال: ~~اللهم اقبضني إليك. # وروي: أن ملك الموت أتى موسى عليه السلام، فأعلمه أنه ميت، فقال الآن وقد ~~قرت عيني؟! فأوحى الله إليه: أما ترضى أن ألبس وجهك مثل نور الشمس وأضعافه ~~ثنتي عشرة مرة؟ # فروي في حديث آخر: أنه كره الموت كراهية، رفع يده، فلطم عين ملك الموت ~~حتى فقأ عينه، وما زال يخاصمه: من أين تأخذ روحي؟ أمن سمعي، وقد سمعت كلام ~~ربي؟ أمن فمي وقد كلمت ربي؟ أمن يدي وقد تناولت التوراة منه بيدي؟ أمن قدمي ~~وقد وقفت بهما بين يدي ربي في المناجاة؟ فما زال يخاصمه حتى بقي ملك الموت ~~وهو يرتقي، أو رجع إلى ربه. # فاضطربت الرسل في شأن الموت. PageV07P065 # فروي لنا عن داود صلى الله عليه وسلم: أنه وافاه ملك الموت وهو يرتقي ~~المحراب، فقال: دعني لأرتقي، قال: ليس إلى ذلك سبيل، قال: دعني أنزل؟ قال: ~~ليس إلى ذلك سبيل، قد نفدت الآثار، فما أنت بمؤثر أثرا، فقبض نفسه على تلك الحال. # فكان نبينا صلى الله عليه وسلم مهذبا، أدبه ربه بهذه الآيات ms1150 في التنزيل ~~حتى استقام، ورفض مشيئاته لمشيئة الله، ووقف على حدود المراقبة، فبرز بها ~~على الرسل، وكذلك فعل حيث خير بين أن يكون عبدا نبيا، أو ملكا نبيا، فلم ~~يختر حتى أشار إليه جبريل عليه السلام، وقد صار جبريل كالحلس الملقى ميتا ~~من الفرق، فأشار إليه بيده: أن: تواضع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((نبيا عبدا))، فقيل له: إن لك بأن تواضعت: أنك أول من تنشق عنه الأرض، ~~وأول خطيب، وأول شفيع، ولواء الحمد بيدك، ومفاتيح الكرم بيدك؛ فإنما وقف ~~جبريل فلم يختر له، حتى ينظر ما يتجلى له من ربه من ملكه، فلما تجلى له ما ~~تجلى، صار كالميت من الفرق، فذلك ملك الجلال. PageV07P066 # فاستدل بذلك جبريل في ذلك الوقت: أنه لم يتجلى له من ملكه إلا بملك الجلال: ~~أنه اختار له التواضع، فحل بجبريل ما حل، وأشار إليه بالتواضع، ولو أراد أن ~~يختار له نبيا ملكا، لكان عسى أن يتجلى له ملك الجمال والبهجة، فكان ينبسط ~~جبريل، ويأنس بما يتجلى له، ويستدل به على ما يختار له ربه، فهذا شأن نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم، ما زال يردعه عن التحارص حتى طهره من التعدي، وزم ~~حرصه بمشيئة ربه، فإذا كان الحرص في الدين يضر كل هذا الضرر، فكيف بمن حرص ~~على دنيا دنيئة، يطلب بها العلو على الخلق، والتجبر، ويطمئن في نوائبه إلى ~~دنياه معتمدا عليها ومقتدرا؟. # فمن فعل ذلك في دينه، سمي جاهلا؛ كما قال له: {فلا تكونن من الجاهلين}. ~~ومن فعل هذا في دنياه، عمي عن الله تعالى. # وقال في تنزيله: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور}. # فروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ليس الأعمى من يعمى ~~بصره، إنما الأعمى من تعمى بصيرته)). # وقال في تنزيله: {قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي PageV07P067 ~~الظلمات والنور}. # فالذي عمي قلبه عن الله في ظلمات المعاصي؛ جمعا من غير حق، ومنعا من حق، ~~وإنفاقا في غير حق، ms1151 فهذا كله في النار. # وقال تعالى: {ولا تبذر تبذيرا. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين}. فانظر ~~إلى من نسبه. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: ((حبك الشيء يعمي ~~ويصم)). # فإنما حرص على حبه بحبه إياه، فأعماه وأصمه عن أمر الله فيه، وعن حقوقه ~~فيه، وعن حدوده، وألهاه تكاثره به عن ذكر الموت، حتى زار المقابر أصم أعمى، ~~قد لحقته حقوق المال كالزنابير تلسعه، وكالعقارب تلدغه، وكالحيات تنهشه. # وقال تعالى: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم ~~بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة}. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن الذي جمع [المال] من غير ~~حله، ومنع الحقوق منه، يمثل له ماله حية يطوق بها عنقه يوم القيامة، فتقضقض PageV07P068 ~~بأسنانها شؤون رأسه، تأكل دماغه، ثم يعود كما كان، ثم يفعل به مثل ذلك، فما ~~زال هذا حاله في الموقف حتى يقضي الله بين العباد، ثم مصيره إلى ما شاء ~~الله من النار أو غيرها)). # وهذا كله ثمرة الحرص، فالحرص على الدنيا يذهب القناعة، ويكون ساخطا على ~~ربه، والحرص في الدين يطمس العلم، ويكون صاحبه جاهلا إذا خرج الحرص من ~~الوثاق، وإذا كان في وثاق، انتفع به صاحبه؛ لأن الله تعالى وضعه في الآدمي؛ ~~ليكون عونا له وقوة على ما يحتاج إليه في الدين والدنيا، وإذا كان الحرص ~~مفقودا، أداه إلى العجز والكسل في أمر الله وفي عبودته. # فالحرص على الدنيا إذا كان في وثاق، يقفه على القناعة بما قسم الله له من ~~دنياه، فلكما آتاه شيئا منه من حله من غير طمع ولا إشراف نفس، قبله من ربه، ~~وحمده عليه، وقنع به. # والحرص في دينه إذا كان في وثاق، يقفه على حدود مراقبة المشيئة، وتدبير ~~الله تعالى. # وروي لنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعث إليه PageV07P069 ~~هدية، فكأنه امتنع عن قبولها، فقال له: ((يا عمر! ما آتاك الله ms1152 من هذا ~~المال من غير مسألة ولا إشراف نفس، فخذه، إنما هو رزق ساقه الله إليك)). # ومن أدبه الله وهذبه، كان حرصه على هذه الصفة التي وصفنا. والله أعلم. PageV07P070 ### || AUTO الأصل التسعون والمئتان # 1577 - نا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن عبد الله بن ~~جابر بن عتيك، عن عتيك بن الحارث ابن عتيك: أنه أخبره: أن جابر بن عتيك ~~أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده ~~قد غلب عليه، فصاح به، فلم يجبه، فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقال: ((قد غلبنا عليك يا أبا الربيع))، فصاح النسوة، وبكين، فجعل ابن عتيك ~~يسكتهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعهن، فإذا وجب، فلا تبكين ~~باكية))، قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا ~~مات))، قالت ابنته: والله! إني كنت لأرجو أن تكون شهيدا، فإنك قد كنت قضيت ~~جهادك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته)) PageV07P071 ~~-ثم قال-: ((ما تعدون الشهادة فيكم؟)) قالوا: القتل في سبيل الله، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون ~~شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق ~~شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فالشهادة لها مرتبة عظيمة عند الله، والصدق أعظم مرتبة، وقد ذكر الله في ~~تنزيله الصنفين، فقدم الصدق على الشهادة، فقال: {ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين}. PageV07P072 # فبدأ بالأول فالأول؛ ذكر النبوة، ثم الصدق، ثم الشهادة، ثم الصلاح. # فالصديق: صدق الله في بذل نفسه له في جميع عمره. # والشهيد: صدق الله في بذله نفسه له في وقت الوفاة. # وإنما نالوا الكرامة -كل هذه الأصناف- في بذل النفس، ومن بذل نفسه لله، ~~فقد آثر الله على نفسه، وذلك أن ms1153 العبد إذا وضع له في هذا القالب -أعني: ~~الجسد- روحا به حيي، وبالنفس التي في جوفه، وهي الأمارة بالسوء، المحبة ~~للحياة في الدنيا، فأعطي الآدمي هذه الحياة هاهنا؛ ليلتذ الأشياء بقوتها، ~~وعظم الحياة عنده في الدار الآخرة. # وقال في تنزيله: {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون}. # فالحيوان في الجنة، والحياة في الدنيا، وكل شيء على قالب فعلان، فهو أكثر ~~من قالب فعيل وفاعل؛ كقوله: الرحمن الرحيم، وعريان وعار، وحسان وحسن، ~~وندمان ونديم. # فالعريان: هو الذي بقشره، والعاري: الذي خلق ثوبه وبلي، فهو عار من ~~الكسوة. PageV07P073 # حيث سأل عمر: من أشعر شعرائكم؟ قال: النابغة، وأنشده هذا البيت: # أتيتك عاريا خلقا ثيابي ... على خوف تظن به الظنونا # 1578 - نا بذلك الجارود، قال: نا أبو أسامة، عن مجالد، عن عامر، عن ربعي ~~بن حراش، عن عمر رضي الله عنه. # وعظم الحياة، وحياة الحياة عند الله الحي الذي لا يموت، فمن حيي قلبه ~~بالله، سعد، وللحياة بين العباد درجات، فالكافر ميت القلب، حي الجسد بحياة ~~الروح، وحياة النفس الأمارة بالسوء. والمؤمن حي القلب، حي الجسد، فحياة ~~قلبه بالله، وحياة جسده بالروح والنفس، فنال بتلك الحياة التوحيد، ثم لم ~~يزل يعمل الطاعات يتقرب بها إلى ربه، فكلما ازداد قربا، زاده الله حياة قلب به. # وكلما ازداد من الله قربة، ازداد حياؤه حتى ينال فرصة الشهادة، PageV07P074 ~~فيبذل نفسه لله، ويؤثر الله على نفسه عند كل أمر؛ لأن المؤمن ممتحن ~~بالشهوات، فإذا عارضته شهوة، آثر الله على تلك الشهوة، فرفضها، ولم يذق ~~نفسه طعمها، عادى نفسه في ذات الله، فهذا عبد قد أراد الله، فرفض نفسه، فحق ~~على الله أن يؤيده ويؤثره، وإن للشهوات حلاوة ولذة، ولوجود الله تعالى ~~بالقلب لذة وحلاوة، ووجوده: أن يتراءى لفؤاده نور من أنواره، فيهيج من قلبه ~~حبه له، وشوقه إلى لقائه، فكلما كان ذلك النور أنضر وأعلى، كان هيجان ~~القلب، وفوران الشوق أقوى وأشد سلطانا، فمن عارضته شهوة من شهوات الدنيا، ~~فأعطى نفسه حلاوتها ولذتها، فقد آثر نفسه على الله، ms1154 فهو محجوب عن الله بقدر ~~ما آثر؛ لأن قلبه قد صار والها عن الله بتلك الشهوة، فبقدر ما صار والها عن ~~الله، صار محجوبا، وصار ولهه إلى الشهوة، فنقص ولهه الذي يوله إلى الله، ~~وبقدر ذلك نقص نور كلمة لا إله إلا الله؛ فإن نور كلمة لا إله إلا الله ~~أثقل في الميزان من سبع سماوات، وسبع أرضين، وجميع ما فيه من الخلق. # وكذلك روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((قال موسى: يا ~~رب! دلني على عمل أعمله؟ قال: يا موسى! قل: لا إله إلا الله، قال: يا رب! ~~دلني على عمل أعمله؟ قال: يا موسى! قل: لا إله إلا الله، قال: يا رب! PageV07P075 # دلني على عمل أعمله؟ قال: يا موسى! قل: لا إله إلا الله، قال: فأراد نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يعمل عملا ينهك منه بدنه، فقال سبحانه: يا ~~موسى! لو أن السماوات السبع والأرضين السبع ومن فيهن من الخلق وضعت في كفة ~~ووضعت لا إله إلا الله في كفة، لرجحت بهن)). # 1579 - نا عبد الله بن أبي زياد، قال: نا سيار، قال: نا جعفر، قال: نا ~~حمزة بن نجيح، قال: حدثني مسلمة، عن محمد بن علي: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمسى في الأنصار بقباء عشية خميس، وأمسى صائما، فأتاه أوس بن خولة ~~-رجل من الأنصار- لما أمسى بقدح، فذاقه، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((ما شرابك؟))، قال: ماء وعسل، ولبن وعسل، قال: فوضعه وعافه، وقال: ~~((أما إني لا أحرمه، ولكن أتركه تواضعا لله؛ فإنه من تواضع لله، رفعه الله، ~~ومن اقتصد، PageV07P076 ~~أغناه الله، ومن بذرن أفقره الله)). # فهذا يحقق لك ما قلنا بدءا: أن من آثر الله على شهوته، فقد بذل نفسه لله، ~~ومن آثر الشهوة، لقي ما لقي الخضر حيث عوتب على فعله، وإنما يعاتب الأحباب ~~والخواص من العباد، والأباعد لا يعاتبون، ولا يبتغى منهم ذلك. # 1580 - نا عبد المنعم، عن أبيه، عن جده وهب ms1155 بن منبه، قال: بينما الخضر ~~قاعد على شاطئ البحر، إذ أتاه سائل، فوقف عليه، فقال له: أيها القاعد! ~~أسألك بوجه الله أن تعطف علي بخير، فغشي على الخضر ساعة من مقال السائل ~~بوجه الله، فأفاق، ثم قال: أيها السائل! سألتني بوجه الله، لا أدري ما ~~أكافئك به، وليس من الأشياء شيء أكرم علي من نفسي، فقد بذلت لك نفسي لعزة ~~وجه الله، فدونك نفسي فبعها، وانتفع بثمنها، فذهب به السائل، فعرضه على ~~البيع، فباعه من رجل غني يقال له: ساحم بن أرقم، فذهب به إلى منزله، وله ~~بستان صغير في داره، بجنبه PageV07P077 ~~جبل كبير، فدفع المسحاة إليه، وأمره أن ينحت شيئا من ذلك الجبل الذي في ~~البستان، قدر ما يغرس فيه شيئا، وغاب ساحم إلى حاجته، فأقبل الخضر على ~~النحت من ذلك الجبل، وأبطأ مولاه في حاجته، وجاء ممسيا، فقال لمن في البيت: ~~أطعمتم هذا الغلام؟ قالوا: أيما غلام؟ قال: الذي اشتريته اليوم وجعلته في ~~البستان، قالوا: لا علم لنا به، فاسترجع، وأخذ الطعام، ودخل عليه، فإذا قد ~~فرغ من ذلك الجبل وهده، وذلك الجبل فرسخ في فرسخ، قد سواه في ذلك البستان، ~~وأصلحه، وفرغ منه، وقام إلى الصلاة، فنظر ساحم إلى أمر عظيم، ففزع من ذلك ~~وتعجب، وكاد أن يغشى عليه، فدنا منه وقال: من أنت؟ قال: أنا عبدك، قال: ~~نعم، فما قصتك؟ وما جنسك؟ وممن أنت؟. # فقال: أما القصة: فعبد بيع، وآخر اشتراه، وأما الجنس: فمن آدم، PageV07P078 ~~وآدم من تراب، قال: فمن أين لك هذه القوة التي أرى؟ قال: من الله، قال: ~~فأسألك بوجه الله لما صدقتني من أنت؟ فغشي على الخضر، وسقط ساعة مغشيا ~~عليه، فلما أفاق، قال: أنا الخضر المذنب، فغشي على ساحم ساعة علم أنه ~~الخضر، فأفاق، ثم غشي عليه، ثم أفاق وهو يقول: # سبحان خالق النور! أعتقت عبدك، ووليك، وحبيبك، وصفيك خضرا لوجهك، وأسألك ~~التوبة مما كان من استعمالي إياه، فسجد خضر سجدة وهو يقول: يا رب! لوجهك ~~بذلت نفسي، ولوجهك أقررت بالرق، ولوجهك ms1156 بعت رقبتي، ولوجهك رددت نفسي، فمن ~~الذي رجاك فخيبته؟ ومن الذي خافك فلم تؤمنه؟ ومن الذي دعاك فلم تجبه؟ يا ~~رب! أدعوك دعاء الخاطئين، يا رب! أعتقني ساحم، فمن يعتقني من ذنوبي ~~الموبقة؟ خلصني ساحم من عبودته، فمن يخلصني من سيئاتي ووقوفي عند ذي ~~العرش؟. # فقال له ساحم: أقسمت عليك بعزة الله أن تخبرني سببك كيف صرت عبدا؟ ومن ~~الذي صيرك إلى أن بعت نفسك؟. # قال: الوجه الذي أعتقتني لوجهه، قال: ثم قص عليه القصة، قال: وقد عظمت ~~علينا منتك يا ساحم، فإن رأيت أن أقيم فأؤدي بعض ما يجب علي من حقك، أقمت، ~~وإن أذنت لي بالرجوع بعد إذ أعتقتني، فأنت المأجور فيه، فقال ساحم: قد أذنت ~~لك يا ولي الله، فارجع بسلام، PageV07P079 ~~واذكرني في دعائك، فقال: اللهم اغفر لساحم، وارحمه رحمة لا عذاب بعدها ~~أبدا، قال: فنودي: قد أجبت يا خضر. # قال: ومضى حتى أتى البحر، فإذا هو برجل قائم على وجه الماء، شاخص ببصره ~~إلى السماء يدعو وهو يقول: يا من قامت السماوات بأمره، ولا يسقط بعضها على ~~بعض! يا من دحا الأرض ومن فيها، وأحصى عدد ما فيها من مثاقيل رملها، ~~وحصبائها! يا من عاقب الخضر بذنبه! تب عليه توبة مقبولة بوجهك يا أكرم ~~الوجوه. # فدنا منه الخضر فقال: السلام عليك يا عبد الله، من أنت الذي تسأل التوبة ~~للخضر؟ قال: أنا الذي آمنت بجلال ربي، واشتغلت بأدائي شكر إيمان ربي، وإن ~~الخضر لم يزل معصوما حتى رغب إلى الدنيا، وأدخل في قلبه حبها، فابتلي، ~~فرحمته، وأخلصت له دعائي، فقال له: أنا الخضر، فقال: إليك إليك أيها ~~المذنب، لا تخالطني أيها الميال إلى الميالة، والذيال إلى الذيالة، ~~والمغرور إلى المغرورة، أنسيت نعيم الآخرة، فجرك النسيان إلى طلب نعيم ~~الدنيا؟ أوقد نسيت شدة الآخرة وبؤسها، فطلبت راحة الدنيا وسرورها؟ أليس ~~الله ابتلاك بما ابتلاك عقوبة منه عليك؟ فلو قد نجوت PageV07P080 ~~مما قد رأيت لربحت يا خضر الخاطئ، تبوأت لنفسك مكانا كأنك مخلد فيها، وغرست ~~لراحتك ظلا كأنك ms1157 باق فيها، أوما علمت أن أمكنتها مبدلة؟ وأن أغراسها مقلعة؟ ~~وأن عمرانها مخربة؟ وأن نعيمها زائل بمن فيها؟. # يا خضر الخاطئ! أين كان قلبك ساعة غرسها؛ حتى فرغت قلبك لغرسها؟ أين كانت ~~فكرتك عن الآخرة؟ أليس قد خلا قلبك عن ذكر الآخرة بذكر الدنيا ساعة؛ فإن ~~الساعة في ذكر الآخرة لبلاغا للعاقلين، يا خضر الخاطئ! قد أشغلتني، وقد ~~ابتليت بالدعاء لك من عبودة الرحمن. # قال: وذلك أن الخضر كان له موضع معلوم على بعض شاطئ البحر، فإذا خرج إلى ~~البر، عبد الله فيه. # قال: فغرس في ذلك الموضع شجرة يعبد الله في ظل أغصانها، إذا اشتهى ~~العبادة فيها، استتر بها في عبادته، فعلم الله منه حب الدنيا بقدر ما اشتهى ~~من تنزهه بها، وإن كان ذلك في طاعته، فعاقبه الله بذلك السائل، حتى صارت ~~عبادته في عبودة عبد من عباد الله، ولم يدر الخضر أنه ابتلي بذنب حتى سمع ~~ما سمع من العابد القائم على ظهر الماء، وكان اسمه PageV07P081 ~~سادون بن آشى، فلما سمع الخضر بذلك، خر ساجدا وهو يقول: يا رب! ما طلبت ~~بذلك إلا وجهك ورضاك. # فنودي: يا خضر! آثرت الدنيا على الآخرة، وفرغت قلبك لحبها دون حب الآخرة، ~~ثم تمتن علي بها؟! وعزتي! مالي في حبها رضا، ولا أكرم من أحبها، ولو كان لي ~~في حبها رضا؛ لخصصت بها أوليائي، ولكن أزويها عنهم؛ لهوانها علي، وكرامتهم لدي. # يا خضر! وعزتي! لو كانت طاعتي وطلب مرضاتي بها، لأفنيتها، ولخلقت خلقا ~~تكون به طاعتي ومرضاتي، اذهب، فلا حاجة لي فيمن احتاج إلى الدنيا، وأمكنها ~~من قلبه، فلولا ما أدركك دعاء سادون، لأنزلت عليك بوائقي، ولتابعت عليك ~~عقوباتي. # قال: وذلك أن الخضر طلبه سادون في مكانه الذي كان يراه فيه، فلم يره في ~~مقعده، ولم يجده، فدعا الله أن يدله على الخضر، ويعلمه مكانه، وكان يعرف ~~الخضر، والخضر لا يعرفه. # قال فأري أن الخضر أحب الدنيا وزهرتها، عوقب بعقوبة كذا وكذا، فوقف بين ~~يدي الله قائما على الماء، شاخصا بصره ms1158 إلى السماء، وهو يقول: يا رب! إن أنت ~~أهنت عبدك الخضر بعد كرامتك، فمن PageV07P082 ~~يكرمه؟ يا رب! ارتكب عظيما، وحمل ثقيلا، وخان نفسه، ونسي العهد، يا من لا ~~ينسى كل ما كان ويكون من أمر عباده! اذكر عند ذنوب الخضر ما مننت عليه من ~~أنواع طاعتك، وعظيم عبادته إياك، يا من ناصية الخضر بيده! ليس له حراك نفس، ~~ولا عصمتها، ولا طرفة عين إلا بأمرك وبمشيئتك، وقدرتك، يا رب! فاغفر له ما ~~قدرت عليه من معصيتك، فقدر عليه طاعتك؛ فإنها تذهب معصيتك، يا مقدر الذنوب ~~يا رب! فاستجاب الله له، وخلص الخضر مما كان ابتلي به من العقوبة. # قال: فرفع الخضر رأسه، وأتى من ساعته سادون وهو يقول: يا سادون الممنون ~~علي به بمنة الله وجلاله! كيف عرفتني ولم أعرفك يا أخي؟. # فقال له سادون: يا خضر! إن قلوب أولياء الله زاهرة نائرة، لها شعاع كشعاع ~~الشمس، تطلع على قلوب أولياء الله. # ألا ترى إلى الشمس ما أصغر قدرها، وأكبر ضوءها، فلو غشيتها الظلمة ~~القليلة، لذهبت بأكثر ضوئها، وكذلك قلب ولي الله، صاف طاهر، فلو غشيه حب ~~الدنيا بقدر ذرة، لكدر ضوءه، ولأضعف شعاعه، فإذا خلص القلب من حب الدنيا، ~~تراه ينظر إلى أولياء الله في مظانهم، وقد PageV07P083 ~~عرفك قلبي، فوالله! لو كان قلبك للدنيا مثل قلبي، لعرفني قلبك كما عرفك قلبي. # فقال له الخضر: وكيف قلبك للدنيا يا سادون؟ # قال: قد بلغ من بغض الدنيا في قلبي ما لو أن الله عرض علي الدنيا والجنة، ~~لأبيت قبولهما، ولست أريد الجنة مع ما أبغضها الله، وذلك أني أوثر رضا الله ~~تعالى على رضائي، فإن رضا الله ترك الدنيا، ورضائي؛ دخول الجنة، ولو أن ~~الله خيرني بين أن أبقى في الدنيا ونعيمها خالدا مخلدا أبدا لا أموت فيها، ~~وبين أن يقبضني ويدخلني النار الساعة، لاخترت أن يقبضني ويدخلني النار ~~الساعة، وذلك أني أوثر سخط الله على سخطي، وإن حب الدنيا يسخط الله، ودخول ~~النار يسخطني، أفتجد ذلك في قلبك يا خضر؟ ms1159 قال: لا. # قال: لو كان ذلك في قلبك، لكان يراني قلبك، اذهب، فليكن أكثر عبادتك بغض ~~ما يبغضه الله، وهي الدنيا، ليس حب الدنيا بجمع أموالها وشهواتها وزهواتها، ~~ولكن حب الدنيا أن تشغل قلبك عن حب PageV07P084 ~~الآخرة ولو طرفة عين، أبغضها بغضا لا يكون شيء أبغض إليك منها، فإنك لا ~~تطيق أن تحب الآخرة إلا على قدر ما تبغض الدنيا. # فقال: يا سادون! ادع الله أن يتوب علي مما ارتكبت؛ فإني أستحي من ربي أن ~~أدعوه، وقد حاربته مع عدوه. # فقال سادون: يا رب! قدرت على عبدك الذنب، إن ارتكب من الذنب ما ارتكب، ~~وكان أهلا لذلك، وهو عدل منك، يا رب! ثم قدرت عليه الخلاص من عقوبتك، يا ~~رب! ثم قدرت عليه وألهمته طلب التوبة من ذنوبه، يا رب! فتب عليه؛ فقد عرف ~~ذنبه، توبة مصر غير عائد، يا رب! إن الخضر سألني أن أدعوك، فقد دعوتك مدلا ~~عليك بما وعدتني من حسن إجابتك في أوليائك. # فنودي: مر الخضر أن يزهد في الدنيا، فإذا زهد في الدنيا، اشتاق إلي، ومن ~~اشتاق إلي، اشتقت إليه، ولا أشتاق إلى من لا أريد مغفرته، ولم أرض عنه، ~~فأخبره سادون، فزهد بعد ذلك الخضر زهدا لم يزهد أحد مثله. # وكان سادون رجلا ملاحا، فكان ذات ليلة نائما على شط البحر، إذ خرجت ~~سمكتان، فوقفتا حذاءه، فسكت عنهما سادون رجاء أن تخرجا إلى البر فيأخذهما، ~~فنادته إحداهما: يا سادون! أبلغ من حبك الدنيا حتى تطمع في برها وبحرها، ~~والله! إنك طمعت أن تصطاد من هو أعبد لله PageV07P085 ~~منك، فنادتها صاحبتها فقالت: يا هذه! أتمنين على سادون بعبادتك ربك، ولم ~~تؤدي شكر نعمة أنعمها الله عليك؟!. # قال: فقلت: من أنتما فقالت الأخيرة: أما التي نادتك بالكلام الأول، فمنت ~~على الله، فمسخها الله الآن، فها هي ذي ممسوخة خرساء، وأما أنا، فإني من ~~جنس السمكة التي كان يونس بن متى في بطنها. # فقال سادون: كيف خصها الله بيونس من بين دواب البحر؟ قالت: كانت تعبد ~~الله ms1160 في البحر بزهدها، قال: فكيف كان زهدها؟ قالت: كانت لا تبرح، فإن أوتيت ~~صيدا عفوا، أكلته، وإلا، صبرت، فكانت دواب البحر تسميها: السمكة الزاهدة، ~~فأكرمها الله تعالى بنبيه عليه السلام إكراما لها بزهدها، فزهد سادون من ~~مكانه زهدا، وأخلص لله عبادته، فقام من ساعته، فمر على الماء، فلما توسط ~~البحر، وقف، فلم يزل إلى أن صار إلى الخضر في مكان واحد يعبد الله ويدعوه. # قال أبو عبد الله: # فبنور هذه الكلمة بلغ هذا المبلغ، وإنما بلغ بصدق المقال، ولو PageV07P086 ~~كان بغير الصدق؛ لكان المنافق قد قاله، واليهود والنصارى قد قالوها، ~~فأصدقهم في المقال: أعظمهم نورا، والصدق في المقال: إنما يظهر من العبد ~~ببذل النفس لله، وإيثاره ربه على نفسه في كل مشيئة، وإرادة، وشهوة، فإذا ~~آثر الله، فقد صدق الله في إرادته ربه، ورفضه نفسه. # والنبي صلى الله عليه وسلم بفضل نبوته أراد الله بزيادة الحياة التي في ~~قلبه بالله تعالى. # والصديق دون النبي، والشهيد دونهما، وهو أقل حياة من الصديق، والصديق أقل ~~حياة من النبي، والصالح أقل حياة من الشهيد، ومن حيي بالله، نال نور ~~اليقين. # فهؤلاء الأصناف على درجاتهم على ما وصفنا في الحياة بالله، واليقين به، ~~فأوفرهم حظا من الحياة واليقين: أشدهم شوقا إليه، وإرادة له، وإيثارا له ~~على شهوات نفسه. # فالنبي عليه السلام رأس الشهداء، ثم الصديق من بعده، ثم القتيل في سبيل ~~الله، ثم من بعد ذلك هذه الأصناف التي ذكرها في الحديث، وأصناف آخرون ~~مذكورون في غير هذا الحديث. # وإنما قال في هذا الحديث: ((الشهادة سبع)): ولم يقل: ولا يكون شهيد من ~~وراء السبع، إنما ذكر السبع في ذلك الموطن، ثم ذكر بعد ذلك: # أن الغريب إذا مات فهو شهيد. PageV07P087 # ومن خرج في طلب العلم فمات؛ فهو شهيد. # ومن داوم على الطهارة متوضئا؛ فهو شهيد. # ومن مات مرابطا؛ فهو شهيد. # ومن مات يوم الجمعة؛ فهو شهيد. # 1581 - نا عبد العزيز بن منيب، قال: نا محمد بن كثير العبدي، وابن أبي ~~شيبة، والهيثم بن أيوب، ms1161 قالوا: نا أبو المنذر هذيل بن الحكم الأزدي، قال: ~~نا عبد العزيز بن أبي رواد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((موت الغريب شهادة)). PageV07P088 # 1582 - نا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، قال: نا بشر بن عمر، قال: ~~نا هشام بن سعد، عن سعيد ابن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف الإسكندراني، عن ~~عياض ابن عقبة الفهري، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ((من مات يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، وقاه الله فتنة القبر)). PageV07P089 # 1583 - نا الجارود، قال: نا حفص بن عبد الله السلمي، قال: نا عبد القدوس، ~~عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله، ~~وزاد فيه: ((وغدي وريح عليه من الجنة)). # أي: برزقه. # فأما تفسير الشهادة: # فإنه روي لنا في الخبر: أن الله تعالى لما خلق الموت، فزعت الملائكة منه، ~~وعظم شأنه عندهم، فقالوا: من يقوم لهذا؟ فقال تعالى فيما روي عنه: ((إن لي ~~عبادا يتمنونه حبا للقائي، يتجرعون مرارته، ويهون ذلك عليهم اشتياقا إلي، ~~ويرفضون حياة الدنيا طالبين لي، فعجبت الملائكة من شأن هؤلاء العبيد، وحنت ~~إلى رؤيتهم، قال: فعرضت تلك الأرواح يومئذ عليهم، فمن شهد ذلك العرض يومئذ، ~~أثبت اسمه، وسمي شهيدا)). # أي: شهد العرض، وكان من أهل هذه الصفة، فإذا خرج الروح منه، PageV07P090 ~~صار إلى ذلك المعرض، وكان من الأحياء المرزوقين، فلما صارت تلك الأرواح إلى ~~الأجساد في الدنيا، وكانت قلوبهم حية بالله على الصفة التي وصفنا بدءا، ~~فمنهم الصديقون أولياء الله يتمنون الموت لحب الله. # قال الله تعالى في تنزيله حين ادعت اليهود ولايته، فقال: {قل يا أيها ~~الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين}، ثم قال: {ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم}. # فأعلم العباد: أنهم بما قدمت أيديهم من نقض العهد، ونكث البيعة التي ~~بايعوا الله يوم الميثاق، والمعاصي التي قدموها، لا ms1162 يحبون لقاء الله، ولا ~~يتمنون الموت، فأوفى العباد لتلك البيعة: أشدهم شوقا إلى الله، وأحرصهم على ~~الموت؛ فقد كانوا يوم العرض شهودا في ذلك المحل، فلزمهم اسم الشهادة، فقيل: ~~شهيد، فهم أيام الحياة في الدنيا على درجاتهم. # فأول الدرجات هم: النبيون، وهم رأس المشتاقين إلى الله، وفيهم تفاوت، ثم ~~من بعدهم: الأولياء الصديقون، وفيهم تفاوت، ثم من بعدهم: من جاهد في سبيل ~~الله ابتغاء مرضاة الله، وهو لا يدري من هو، وهو محب للحياة، وكان في ذلك ~~اليوم في ذلك العرض، فرزقه الله عند لقاء العدو شوقا إليه، فلما آثر لقاء ~~الله على الحياة في الدنيا، فأراد الله، PageV07P091 ~~أراده الله، فقتل، فتبين في عاقبة أمره أن هذا كان من هذا الصنف يومئذ، ~~وإنما وجد القلب في هذه الساعة التي لقي فيها العدو، فصدق الله في بذل ~~النفس، وإيثار لقاء الله. # ثم هؤلاء الأصناف الذين ذكرهم في الحديث هم في الغيب في ذلك العرض قد ~~أثبتت أسماؤهم في الشهداء بذلك المحل والعرض، فوفق الله لهم هذه الأحوال. # فمن غرق، فأخذ الماء بنفسه، كانت موتته موتة وحية بلا لبث، فبذل نفسه لما ~~أيس من الحياة، واختار لقاء الله. # وكذلك صاحب الحريق، وصاحب الهدم، والنفساء بجمع إذا نشب الولد في البطن، ~~أيست من الحياة، فآثرت لقاء الله، وكذلك المطعون. # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فقال: ((وخز أعدائكم من ~~الجن)). # فذلك قتيل الجن يائس صاحبه من الحياة، وكذلك المبطون، وصاحب PageV07P092 ~~ذات الجنب، -وهو السل-، قد أيسا من الحياة؛ لأن قوة الحياة قد ذهبت عن ~~المبطون، والمسلول، وقد أحست نفوسهما بالموت، وكذلك الغريب إذا أشرف على ~~الموت، فلم ير أهله وولده، ولا أحبابه، تمنى الموت، وبذل نفسه؛ لأن هؤلاء ~~إذا كانوا بالحضرة، واشتد على النفس فراقهم، فأحب الحياة، ففي هذا نقصان. # ولذلك تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أعوذ بك من حب العيش ~~عند حضرات الموت)). # وإذا أحب أن يعيش في ذلك الوقت الذي دعاه الله إليه، فتلكأ وتردد، ms1163 فذاك ~~عيب ونقص، فأصحاب الفرش في هذا الغيب لا يتمنون الموت إذا حضر؛ لحب العيش، ~~وفتنة قلوبهم بالأهل والولد، وحطام الدنيا، فذاك عيب ونقص. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الشهداء أمناء الله؛ قتلوا أو ~~ماتوا على فرشهم)). # 1584 - نا بذلك محمد بن يحيى، عن علي بن الحسن، عن عبد الله بن المبارك، ~~عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني، عن راشد بن سعد، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. PageV07P093 # وقال النبي عليه السلام: ((ليس كل قتيل شهيدا، ورب قتيل بين الصفين الله ~~أعلم بنيته)). # فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم على فراشه، وهو رأس الشهداء، ثم من ~~بعده أبو بكر كذلك، فإنما صاروا شهداء؛ بأنهم أمناء الله، جعل الله أرواحهم ~~في أجسادهم عارية، فيقتضيهم عند نفاد آجالهم، فكانوا في أيام الحياة ~~يعدونها عارية، وكانت أعينهم مادة إلى الدعوة، متى يدعون فيجيبون بلا تلكؤ، ~~ولا تردد، فمن أحب العيش في الدنيا، لم يكن له حب لقاء الله تعالى، فحضره ~~الموت، تلكأ، وتردد في بذل الروح، فخرج من أن يكون من أمناء الله، فكذلك ~~وضع فيما بين العباد، لو أن رجلا أعطي شيئا عارية، أو أودع وديعة، ثم ~~استردها صاحبها، فتلكأ هذا في ردها على مالكها، فقد خان، وضيع الأمانة، ~~فإنما تؤخذ منه بعد ذلك قهرا. # فأمناء الله: هم الذين أرواحهم عندهم عارية بأمانة الله، فهم يتمنون ~~الموت حبا للقاء الله، فإذا جاءهم الموت؛ تجرعوا مرارته حبا للقائه، ولم ~~يتلكؤوا في رد العواري، فلذلك صاروا أمناء الله. PageV07P094 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هم الشهداء)). # لأنهم كانوا يومئذ شهدوا ذلك العرض، واليوم حين خرجت منهم الأرواح صارت ~~إلى المحل، وشهدوا القربة، فهم شهود عند الله في القربة أحياء. # وهذا يحقق ما قلنا بدءا. # فقد صير في حديثه: القتيل: والذين ماتوا على فرشهم بمنزلة، وسماهم: ~~شهداء، يعلمك: أن الشهادة ليست عن القتل حدثت، إنما اسم الشهادة لزمهم لما ~~وصفنا، والكرامة نالوها من أجل أنهم رفضوا الحياة، وآثروا ms1164 لقاء الله، ~~وأرادوه، فأرادهم. # وكذلك الذي لا يزال على وضوء أيام الدنيا؛ لأن الله تعالى قال: {وأنزلنا ~~من السماء ماءا طهورا}؛ أي: فعولا للطهر؛ {لنحيي به بلدة ميتا}. # فالأرض تحيا بذلك الماء، وتنبت، والآدمي خلق من الأرض، فإذا أذنب، مات ~~قلبه عن الله، على قدر ذنبه، فإذا توضأ، كان ذلك الماء الذي أنزله طهورا، ~~يطهر جوارحه، ويزيل عنه المعاصي، فيعود القلب إلى الحياة التي كانت، فإذا ~~دام وضوءه، وتتابع، كانت حياة قلبه دائمة، فإذا دامت حياة قلبه، تمنى الموت. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه لأنس: ((إن حفظت وصيتي، PageV07P095 ~~فلا يكونن شيء أحب إليك من الموت)). # 1585 - نا عبد الكريم بن عبد الله، عن محمد بن معاوية، عن ليث بن سعد، عن ~~سعيد بن أبي هلال، عن ابن شهاب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن ابن ~~مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده الشهداء، فقال: ((إن أكثر ~~شهداء أمتي أصحاب الفرش، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته)). # 1586 - نا عبد الكريم، عن خالد بن صبيح أبو أنس المدائني، عن ابن جريج، ~~عن نافع، عن ابن عمر، PageV07P096 ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس من أحد إلا وله كرائم من ~~ماله يأبى بهن الذبح، وإن لله خلقا من خلقه يأبى بهم الذبح، أقوام يجعل ~~موتهم على فرشهم، ويقسم لهم أجور الشهداء)). # 1587 - نا سهل بن العباس، قال: نا عبد الرحمن ابن مغراء، عن عبد الرحمن ~~بن زياد، عن أبي عبد الرحمن المعافري، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((لله أضن بدم عبده المؤمن من أحدكم بكريمة ماله ~~حتى يقبضه على فراشه)). # فهذه صفة عبد مؤمن قد اطمأنت نفسه إلى ربه، ولها عن الدنيا، وأحوال الناس ~~والنفس، وأناب قلبه إلى ربه، وجاد بنفسه على ربه، فقبل أحكامه وأقضيته على ~~نفسه قبول مهتش مشتاق إلى لقائه، محب له بكل قلبه، فكما جاد بنفسه على ms1165 ربه، ~~ضن به ربه عن أحوال البلاء، فلم يدفعه PageV07P097 ~~إلى تلك الأحوال، فكذلك يأبى به عن القتل في سبيله حتى يقبضه على فراشه، ~~ويقسم له أجر الشهداء؛ لأن الشهيد إنما بذل نفسه ساعة من نهار حتى قتل، ~~وهذا بذل نفسه في جميع عمره، فالله تعالى يضن بدمه؛ كما يضن أحدنا بنجيبته؛ ~~فإن النجيبة من كرائم ماله، فلا تسخو نفسه أن يذبحها، فكذلك ربنا يضن به عن ~~البلاء أن يعرض نفسه الكريمة للبلاء. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث: # 1588 - نا أحمد بن مصرف اليامي، قال: نا محمد ابن بشر العبدي، عن عباد بن ~~كثير، عن حوشب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله عبادا يضن ~~بهم عن الأمراض والأسقام، يحييهم في عافية، ويميتهم في عافية، ويدخلهم ~~الجنة في عافية)). # قال له قائل: فأين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أشد الناس بلاء: ~~الأنبياء، ثم الصالحون))؟ # قال: هذا إذا ابتلاهم، فمن ابتلي من الأنبياء، فهو أشد الناس بلاء، PageV07P098 ~~ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دخلوا عليه وبه حمى، قال ~~أبو سعيد: فما كادت يدي تقاربه من شدة الحر حين وضعت يدي عليه، فقلت له، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: ((إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم؛ فإن أشد الناس ~~بلاء الأنبياء)). # فهذا إذا ابتلي، فهو أشدهم بلاء، والذي قلنا باب آخر، إنما ذلك في ~~التتابع، والتواتر، فكثير من الأنبياء -عليهم السلام- تتابعت عليهم، ~~وتواترت، حتى قتلوا بأنواع القتل. # وأما الخواص من الأنبياء والأولياء؛ فقد عوفوا، منهم: إبراهيم الخليل ~~عليه السلام إنما ابتلي بثلاث من البلوى، ثم لم يزل معافى، وإسماعيل، ~~وإسحاق، وموسى، وهارون، ومحمد -صلى الله عليهم- فقد عرضوا PageV07P099 ~~للبلاء، ثم دفع عنهم، ولم يبتلهم، فشملهم البلاء، إنما البلاء لمثل أيوب، ~~ويحيى حيث قتل صبرا، ولزكريا حيث نشر بالمنشار في الشجرة، وجرجيس، ~~وأشباههم. # 1589 - نا عمر بن أبي عمر، قال: نا الربيع بن روح الحمصي، عن إسماعيل بن ~~عياش، عن مسلم ms1166 بن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: ((إن لله ضنائن من خلقه يغذوهم برحمته، محياهم في عافية، ~~ومماتهم إذا توفاهم إلى جنته، أولئك الذين تمر عليهم الفتن كقطع الليل ~~المظلم، وهم منها في عافية)). PageV07P100 ### || AUTO الأصل الحادي والتسعون والمئتان # 1590 - نا محمد بن علي الشقيقي، قال: نا أبي، قال: نا عبد الله، عن عبد ~~الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: نا أبو سلام، قال: نا خالد بن يزيد، عن عقبة ~~بن عامر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليس من اللهو ~~ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته امرأته، ورميه بقوسه ونبله)). PageV07P101 # 1591 - نا صالح بن محمد، قال: نا نصر بن عبد الكريم، عن هشام الدستوائي، عن ~~يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن عبد الله بن زيد، عن عقبة بن عامر، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل لهو للمؤمن باطل إلا ثلاثة؛ ~~فإنهن حق: رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله)). # قال أبو عبد الله رحمه الله: # فاللهو: ما يلهي قلب المؤمن عن الله، وهو كله مذموم، إلا في هذه الثلاثة ~~الأنواع؛ لأن في هذه الثلاثة عونا على الدين، وقواما له. # يرمي بقوسه: لئلا تذهب عادته للرمي، ولا تتشنج أعضاؤه ومفاصله وكتفاه، ~~ولا يكون مستوليا على النزع منه. # ويؤدب فرسه: لئلا يجمح، ولا يكون مستوليا على الشرع منه. # والفروسية: لئلا تنقطع شجاعته، ويكون جريئا ذا قلب، فإذا ترك ذلك، ضعف ~~قلبه، وجبن. PageV07P102 # وملاعبة أهله: ليسكن ما به وبها، فهذا كله -وإن كان ملهيا-، فهو في الأصل ~~حق، وإنما رخص للمؤمن في التلهي بهذا؛ لأن قلبه في أثقال العظمة، فإذا دامت ~~عليه، ضاق به والتمس تفرجا وتخفيفا، فيلجأ إلى هذه الأشياء التي هي في ~~الأصل حق حتى تكون مزاجا للمؤمن. # ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به، رأى السدرة، ~~وغشيها ما غشيها، قال: ((رأيت نورا، ثم حال دونه فراش من ذهب ms1167 عرور، وأخذني ~~كالسبات)). # فذاك مزاج؛ ليحمل رؤية ذلك النور؛ كأنه لم يقدر على احتمال ذلك النور، ~~حتى مازجه بذلك الفراش، فأطاق احتماله. # فكذلك المؤمن البالغ إذا تراكمت على قلبه أثقال العظمة، التمس متنفسا؛ ~~ليقوى على احتمالها، فصير رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه هذا اللهو ~~الملهي لقلبه حقا؛ تخفيفا عنه. # وإنما صارت هذه الأشياء ملهية؛ لأن الرجل إذا رمى عن قوسه، توخى بقلبه ~~تسديد السهم، وإصابته الهدف، فهو يجتهد في علم ذلك، ووضعه يده حيث يضع، ففي ~~ذلك مشغلة عظيمة تلهي قلبه، ولا يخلو من ذلك، وفي إصابته حيث وقع شفاء ~~للنفس، وقوة للقلب، فسمي لهوا؛ لأنه يلهيه، PageV07P103 ~~وذلك اللهو حق. # وكذلك تأديبه فرسه حتى لا يحرن، ولا يجمح، ويفهم شأن العنان، ويتعلم ~~السير والوثبان، والوقوف والاستدارة، ففي ذلك مشغلة ملهية، وذلك حق. # وكذلك ملاعبته امرأته، يريد بذلك تسكينها، وعفتها عن الرجال، ففي ذلك ما ~~يهيج عليه من الشهوة ما يلهيه. # ففي هذه الأشياء تفرج وخفة على أثقال العظمة على قلب المؤمن، فيكون ~~مزاجا، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. PageV07P104 ### || AUTO الأصل الثاني والتسعون والمئتان (¬1) # 1592 - حدثنا إبراهيم بن عبد الحميد التمار: ثنا عثمان بن صالح المقرئ، ~~قال: حدثني ابن لهيعة، قال: حدثني عبد الرحمن بن جساس، عن عمرو بن حريث، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((النائم الطاهر كالصائم القائم)). # قال أبو عبد الله: # فالصائم بترك الشهوات يطهر، وبقيامه بالليل يرحم، فيحيا، والنائم نوم ~~العدة محتسبا إذا نام على طهارة، فنفسه تعرج إلى الله، فإذا كان طاهرا، ~~قرب، فسجد تحت العرش. # 1593 - حدثنا بذلك قتيبة بن سعيد: ثنا ابن لهيعة، PageV07P105 ~~عن واهب بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو، قال: تعرج الأرواح إلى ~~الله في منامها، فما كان منها طاهرا، سجد تحت العرش، وما كان غير طاهر، سجد قاصيا. # فلذلك: يستحب ألا ينام الرجل إلا وهو طاهر. # قال قتيبة: سألني جرير عن هذا الحديث، فحدثته به، فقال لابنه إسماعيل: ~~اكتب هذا الحديث. # 1594 - حدثنا ms1168 عمر بن أبي عمر، ثنا عبد الغفار بن داود، عن ابن لهيعة، عن ~~عثمان بن نعيم، عن أبي عثمان الأصبحي، عن أبي الدرداء، قال: إذا نام ~~الإنسان، عرج بنفسه حتى يؤتى بها تحت العرش، فإن كان طاهرا، أذن لها في ~~السجود، وإن كان جنبا، لم يؤذن لها في السجود. # قال أبو عبد الله: # فالأول: ذكر الأرواح تعرج في منامها، وهي لفظة قد يستعملها أهل اللغة، ~~فينسب الشيء، فيسموه باسم قرينه؛ كالقلب والفؤاد، وأشباه ذلك كثير، فالنفس ~~والروح قرينان، إلا أن الروح مسكنه في الرأس، وهو يدعو إلى الطاعة؛ لأنه ~~سماوي، والنفس تدعو إلى الشهوات؛ لأنها أرضية، PageV07P106 ~~وكلاهما ريحان، قد وضع في كل واحد منهما شيء من الحياة، فيعمل بتلك الحياة، ~~فبالنفس يأكل ويشرب، ويسمع ويبصر، وبالروح يعف، ويستحيي، ويتكرم، ويتلطف، ~~ويعبد ربه، ويطيع. # والنفس هي أمارة بالسوء، وبذلك أثنى عليها، وهي حارة، والروح باردة، فإذا ~~نام العبد، خرجت النفس بحرارتها، فعرج بها إلى الملكوت، والروح باق معلق ~~بنياط القلب، وهو الذي يحرس القلب بما فيه من التوحيد، فأصل النفس باق مقيد ~~بالروح، وقد خرج شعاعها، وعظم خلقها وحرارتها، وهو قول الله تعالى: {الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى}. # ولذلك تجد النائم إذا استيقظ، يجد في أعضائه بردا في أيام الصيف، فذاك ~~خروج حرارة النفس. # فإنما استجاز عبد الله بن عمرو أن قال: إن الأرواح تعرج؛ لأن استجاز أن ~~يسميها باسم قرينها؛ كالقلب والفؤاد، واللهو واللعب، وأشباه ذلك. # والنفوس تكون للبهائم، وفضل الآدمي بالروح السماوي؛ ليكون داعيا لنفسه ~~إلى الطاعة، ولكن إذا نام، خرجت النفس، فلقيت من أمر الملكوت وأخبار الغيب ~~ما ترجع إلى صاحبها بالعلم الشافي، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)). # وقال في حديث آخر في مرضه يوم توفي صلى الله عليه وسلم: ((إنه لم يبق ~~بعدي من النوبة شيء إلا المبشرات، رؤيا المؤمن. ms1169 PageV07P107 # فالقول ما قال أبو الدرداء؛ حيث أتى باسمه، الذي هو اسمه، فقال: عرج بنفسه ~~إلى الله، ومقالة عبد الله بن عمرو صحيح، إنه سماه باسم قرينه. # فإذا عرجت النفس، صارت إلى فناء العرش، فطهرت بقرب الله، وطهرت بالسجود ~~الذي أذن لها، فرجعت إلى صاحبها طاهرة بالقرب، محبوة بكرامة السجود، فصار ~~بمنزلة الصائم الذي يتطهر بترك الشهوات، حيي بقيام الليل، فهذه منزلة ~~الصادقين، استوى نومه على طهارة بقيامه وصيامه. # ولذلك قال معاذ لأبي موسى: إني أنام نصف الليل، وأقوم نصفه، فأحتسب نومتي ~~كما أحتسب قومتي. # لأنه قد عرف ما ثمرة هذه النومة، وما ترجع النفس من الله إليه بتلك ~~النومة. # فأما منزلة خاصة الله؛ فهي أرفع من هذا، فربما كان النوم آثر عندهم من ~~القيام؛ لأن نفوسهم قد قلقت بين الأحشاء، فهي تطلب الانقلاب إلى فسحة ~~التوحيد في فحص العرش، وطلبت العقول الوصول إلى الله -فاغتنم ما تطلب ~~النفس- فافترقا، فخرج العقل بحظه من القلب اشتياقا إلى الله، وخرجت النفس ~~اشتياقا إلى فسحة العرش، والروح الذي هناك، فإذا رجعا إلى البدن، أوردا على ~~الروح من الطهارات والكرامات ما لا يخطر على قلب بشر، حتى ترتاح وتطهر، ~~ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوخى نوم السحر. PageV07P108 # 1595 - حدثنا محمد بن الحسن الليثي: ثنا إبراهيم ابن سعد، عن أبيه، عن أبي ~~سلمة، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: ((ما ألفاه السحر عندي إلا نائما)) ~~-تعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم-. # قال: فالسحر ساعة نزول الرب -تبارك اسمه- إلى السماء الدنيا، واطلاعه إلى ~~خلقه، والعطف عليهم، ويناديهم: ألا هل من داع فأستجيب له؟ ألا هل من تائب ~~فأتوب عليه؟ ألا هل من سائل فأعطيه؟ ألا هل من مستغفر فأغفر له؟ وهو باسط ~~يده لمسيء النهار أن يتوب بالليل، ثم يقول: من يقرض غير عدوم، ولا ظلوم؟. # فانظر أي وقت هذا حين يظهر كلامه وإقباله من فوق رؤوس أهل الأرض، فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتوخى النوم في ذلك الوقت؛ لعروج نفسه إلى ms1170 الله، ~~فيلقاه في سمائه، فكان ذلك عنده أفضل من قيامه؛ لأنه في حال القيام إنما ~~يعرج إليه بعقله، وهاهنا في حال النوم تعرج النفس مع القلب والعقل، فاجتماع ~~الثلاثة عنده أفضل في ذلك المحل من توحد العقل. PageV07P109 # فخاصة الله قد نالوا من هذا الحظ، فإذا ناموا، توخوا بنومهم هذا الذي ~~وصفنا، فلذلك صاروا أفضل من الصائمين القائمين. # وأما الصادق الذي وصفنا بدءا، فقد اعتدل نومه بصومه، ومكثه في نومه ~~بقومته، فالحديث للصادقين، فأما الخاصة، فقد جازوا هذه المرتبة. # 1596 - حدثنا محمد بن سعيد بن سويد الحكمي: حدثني أبي سعيد بن سويد، عن ~~عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: ~~أبطأ عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة الفجر حتى كادت الشمس تدركنا، ~~ثم خرج فصلى بنا، فخفف في صلاته، ثم انصرف، فأقبل علينا بوجهه، فقال: ((على ~~مكانكم، أخبركم ما بطأني عنكم اليوم في هذه الصلاة: إني صليت في ليلتي هذه ~~ما شاء الله، ثم ملكتني عيني فنمت، فرأيت ربي تعالى في أحسن صورة وأجملها، ~~فقال: يا محمد! قلت: لبيك يا رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا ~~أدري يا رب، ثم قال: يا محمد! قلت: لبيك يا رب قال: فيم يختصم الملأ ~~الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب، قال: فوضع كفه بين كتفي، فوجدت برد أنامله بين ~~ثديي، فعلمت من كل شيء، وبصرته، ثم قال: يا محمد! قلت: PageV07P110 # لبيك يا رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: وما هن؟ ~~قلت: في المشي على الأقدام إلى الجماعات، وفي إسباغ الوضوء في السبرات، وفي ~~القعود في المساجد بعد الصلوات، قال: ثم فيم؟ قال: قلت: وفي إطعام الطعام، ~~وفي إفشاء السلام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام، قال: سل، قال: ~~قلت: اللهم إني أسألك حب الحسنات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر ~~لي وترحمني، وإذا أردت فتنة بين خلقك، فنجني منها غير مفتون، اللهم وأسألك ~~حبك، وحب من يحبك، وحب ms1171 عمل يقرب إلى حبك))، ثم أقبل علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: ((تعلموهن، وادرسوهن؛ فإنهن حق)). PageV07P111 # 1597 - حدثنا الجارود بن معاذ: ثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني عبد الرحمن ~~بن يزيد بن جابر، قال: حدثني خالد بن اللجلاج، قال: حدثني عبد الرحمن بن ~~عائش الحضرمي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه. # 1598 - حدثنا أبو سنان البلخي: ثنا عبد الله بن صالح: PageV07P112 # ثنا معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، عن أبي يزيد، عن أبي سلام الأسود، عن ~~ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه. # 1599 - حدثنا أبي رحمه الله، عن رجاء بن نوح، عن سعيد بن سالم، قال: ~~حدثني عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي مليح بن أسامة، قال: حدثني أبو هريرة ~~رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه. # قال: فقد ذكر في هذا الحديث: أنه قام في ليلة ما قام، ثم نام، فقال ما ~~قال، فانظر كم بين القومة والنومة، فهذا قصد المشتاقين إلى الله للمنامات، ~~يتوخون بها تجدد أحوال النفوس، ويتوقعون من الله المنن. PageV07P113 # وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: ((لأن أسمع برؤيا صالحة، أحب إلي ~~من كذا وكذا)). # 1600 - حدثنا الفضل بن محمد الواسطي: ثنا إبراهيم بن موسى الطرسوسي: ثنا ~~يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن سعيد بن زيد، قال: حدثني أبو سلمة [بن] عبد ~~الرحمن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((وكل بالنفوس شيطان يقال ~~له: اللهو، فهو يخيل إليها، ويتراءى إلى أن تنتهي إذا عرج بها، فإذا انتهت ~~إلى السماء، فما رأت، فهو الرؤيا التي تصدق)). # قال: فقد أخبرني بهذا الحديث من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~يحقق قول أبي الدرداء: التي تعرج في منامها هي النفوس، لا الأرواح، فهذا الحديث PageV07P114 ~~الذي ابتدأنا فيه من قوله: ((النائم الطاهر بمنزلة الصائم القائم)). # هو نظير الحديث الذي جاء عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((الطاعم ms1172 ~~الشاكر بمنزلة الصائم الصابر)). # فهذا شكر الصادقين، عدل شكره على طعامه بصبره في صيامه. # فأما شكر الصديقين أولياء الرحمن؛ فقد فاق، وبرز على صبر الصائمين؛ لأن ~~الصبر ثبات العبد في مركزه عن الشهوات، يرد ما يحتاج إليه من الشهوات في ~~يومه إلى المساء في وجه النفس، والشاكر من الصديقين يطعم، فيفتتح طعامه ~~باسم الله الذي تملأ تسميته ما بين السماء والأرض، ويطفئ حرارة الشهوة، ~~ويرد كل سم في كل شهوة من طعامه، ويرى لطف الله في ذلك الطعام، ويرى رأفة ~~الله في سياقه إليه، وحزنه عن جميع خلقه، ويحمد الله على ما يرى من صنائعه ~~إليه في ذلك الطعام حمدا لا ينتهي، ولا ينهنهه شيء؛ حتى يلحق بالحمد الذي ~~حمد الله بنفسه في عش الحمد، فقد بان عند أولي الألباب تفاوت ما بين هذين ~~الحالين. PageV07P115 ### || AUTO الأصل الثالث والتسعون والمئتان (¬1) # 1601 - حدثنا أبي رحمه الله: ثنا محمد بن حفص البلخي: ثنا العلاء بن ~~الحكم، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن: أنه قال: من لم يحفظ هذا الحديث، كان ~~نقصان في مروءته وعقله، قلنا: وما ذاك يا أبا سعيد؟ قال: فبكى، وأنشأ ~~يحدثنا، فقال: لو أن رجلا من المهاجرين الأولين اطلع من باب مسجدكم هذا، ما ~~أدرك شيئا مما كانوا عليه إلا قبلتكم هذه، ثم قال: # هلاك الناس ثلاث: قول ولا فعل، ومعرفة ولا صبر، ويقين ولا صدق، مالي ~~أراكم رجالا، ولا أرى عقولا، وأرى أجساما، ولا أرى قلوبا، دخلوا في الدين ~~ثم خرجوا، PageV07P117 ~~وحرموا ثم استحلوا، وعرفوا ثم أنكروا، إنما دين أحدهم على لسانه، ولئن ~~سألته: هل يؤمن بيوم الحساب؟ قال: نعم، وكذب ومالك يوم الدين! # ((إن من أخلاق المؤمن: قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا ~~في علم، وشفقة في معة، وحلما في علم، وقصدا في غنى، وتجملا في فاقة، وتحرجا ~~عن طمع، وكسبا من حلال، وبرا في استقامة، ونشاطا في هدى، ونهيا عن شهوة، ~~ورحمة للمجهود، وإن المؤمن -عياذا لله- لا يحيف على من يبغض، ولا ms1173 يأثم فيمن ~~يحب، ولا يضيع ما استودع، ولا يحسد، ولا يطعن، ولا يلعن، ويعترف بالحق، وإن ~~لم يشهد عليه، ولا يتنابز بالألقاب، في الصلاة متخشعا، إلى الزكاة مسرعا، ~~في الزلازل وقورا، في الرخاء شكورا، قانعا بالذي له، لا يدعي ما ليس له، ~~ولا يجمع في القيظ، ولا يغلبه الشح عن معروف يريده، يخالط الناس كي يعلم، ~~ويناطق الناس كي يفهم، وإن ظلم وبغي عليه، صبر، حتى يكون الرحمن هو الذي ~~ينتصر له)). PageV07P118 # ثم قال الحسن: وعظني بهذا الحديث: جندب بن عبد الله، وقال جندب: وعظني بهذا ~~الحديث: رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال أبو عبد الله: # فهذه الخصال كلها من أخلاق المعرفة، فمن ترقى في درجات المعرفة، احتظى من ~~كل درجة خلقا من أخلاقها. # قوله: ((قوة في دين)). # فالدين: خضوع القلب، وذبول النفس، وكل شيء اتضع لشيء، فقد دان له، ومنه ~~سمي الدون، يقال: هذا دون ذاك؛ أي: تحته، وأوضع منه، وانقياد القلب، وتوضيع ~~النفس للحق هو الدين. # فقلب الآدمي كثيف غليظ، ونفسه شفيفة، ممتنعة بما فيها من الكبر، فإذا ~~جاءت المعرفة بأنوارها؛ أذابت تلك الكثافة، وانتشفت تلك الشفافة والفظاظة، ~~فلان القلب، ورق الفؤاد، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتاكم ~~أهل اليمن ألين قلوبا، وأرق أفئدة)). # وهذا مدح رفيع اختص به أهل اليمن، وقد كتبنا شأنه العظيم في مسألة جليلة ~~في كتاب ((النقائص))، فاقتصرنا عليه. # فإنما تلين القلوب؛ لرطوبة الرحمة التي جاءت مع المعرفة؛ لأن المعرفة لا ~~ينالها العبد إلا برحمة الله، فإذا لان القلب برطوبة الرحمة، ورق الفؤاد ~~بحرارة النور؛ ضعف القلب، وذبلت النفس، فاحتاجت إلى صلابة، PageV07P119 ~~فكان من صنع الله للعبد أن أعطاه الله من هذه الأنوار الثلاثة، حتى دان ~~القلب لله، وهو: نور الرحمة، ونور الحياة، ونور العظمة. # فبنور الرحمة يلين القلب وينقاد، وبنور الحياة ينتصب لله عبودة، وبنور ~~العظمة يتصلب، ويثبت إذا جاءته أمواج الشهوات؛ لتزيله عن مركزه ومقامه؛ لأن ~~العبد دعي إلى العبودية، فمن أجاب، ولان قلبه، فإنما لان وأجاب بنور ms1174 الرحمة ~~الذي ناله، والذي لم ينله ذلك؛ قسي قلبه، وعسى أن ييبس؛ بمنزلة غصن شجرة ~~يابسة إذا مددته، تكسر، فإذا كان رطبا، فمددته؛ انقاد، وانمال. # لما أمر هذا العبد أن يكون قلبه منتصبا بين يدي خالقه لأموره وعبودته، ~~وأيد بالحياة في كبده؛ حتى يتكبد، ويقوى للانتصاب، وذلك قوله: {لقد خلقنا ~~الإنسان في كيد}، قال: منتصبا. # فقوة الحياة في الكبد، ومن تلك القوة ينتصب قلبه لله، ثم يحتاج إلى ثبات ~~عند الزلازل؛ لأن الشهوات إذا هاجت بأمواجها، وهبوب رياحها في عروق النفس؛ ~~وقعت الرجفة في النفس، والزلزلة في القلب؛ بمنزلة سفينة في بحر قد علت ~~أمواجه، فصارت السفينة تتكفأ بما فيها. # فكذلك يصير القلب، فإذا صار القلب هكذا؛ وهن، وذل، فيحتاج هذا القلب إلى ~~ثبات، فإذا أيد بنور العظمة، صلب وثبت. # ولذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: # ((ما رزق عبد شيئا أفضل من إيمان صلب)). # 1602 - حدثنا أبي رحمه الله: ثنا صالح بن محمد، PageV07P120 ~~عن النضر بن شميل، عن عوف، عن أبي السليل، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بمثله. # 1603 - حدثنا صالح بن محمد: ثنا سليمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن ~~سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله في الأرض أواني، ألا ~~وهي القلوب، وأحبها إلى الله: أرقها، وأصفاها، وأصلبها: أرقها للإخوان، ~~وأصفاها من الذنوب، وأصلبها في ذات الله. # قوله: ((حزما في لين)). # فإن اللين يظهر على الأركان، فإذا كان أصله من القلب؛ كان من السكينة، ~~وإذا كان أصله من النفس؛ كان من الكسل، وإذا كان من الكسل؛ انتشرت أمور ~~دينه ودنياه، وتبددت، وضاعت، وإذا كان من السكينة؛ ثقل القلب بثقل السكينة، ~~فسكنت الجوارح، وإذا سكنت الجوارح من ثقل PageV07P121 ~~القلب؛ ظهر الحزم في الأمور. # والحزم: هو اجتماع الأمور له، فترى أمور دينه ودنياه كلها محكمة قد جمعت ~~له حزمة. # قوله: ((وإيمانا في يقين)). # فإن الموحدين قد من الله عليهم بنور التوحيد، فوحدوه، ثم للنفس في ~~الأسباب ms1175 مرتع، فإذا تعلقت بسبب من الأسباب، لم تنقض عقدة التوحيد؛ لأنها ~~معقودة بالعقدة العظمى، وهي العروة الوثقى التي ذكرها الله عز وجل في ~~تنزيله بأنها: {لا انفصام لها}. # ولكن دخل النقص في نوره المشرق في صدره، فصار محجوبا عن الله، وبقي مع ~~الأسباب، فتراه الدهر من خوف الرزق مضطربا، ومن خشية الخلق ذاهلا، ومن ~~الطمع فيما لديهم أسيرا، ولا يعمل لله إلا كأجير السوء. # فهذا موحد دني سفل، لا يقدر على الوفاء والتوقير لما نطق، لسانه. # يقول: الحمد لله على نعمه، ثم تراه في الفعل كفورا. # ويقول: الله أكبر، ثم يتكبر على حق الله. # ويقول: لا إله إلا الله، ثم يوله قلبه إلى الأسباب، فتراه عبيد أهل ~~الدنيا. # ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم يقتدر في الأمور. # ويقول: صلى الله على محمد، ثم يوهن عرا ما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وأقامه بالسيف؛ بأفعال السوء، والسيرة المذمومة. # ويقول: يا رب! ثم ينازعه في تدبيره في ربوبيته. # ويقول: توكلت على الله، ثم يتخذ من دونه أولياء، فيتعلق بهم لنوائبه ~~وحوائجه. PageV07P122 # ويقول: فوضت أمري إلى الله، ثم يعرض عن تدبيره، ويشتغل بتدبير نفسه. # ويقول: اللهم خر لي، فإذا خار له، تسخط وتلوى. # ويقول: حسبي الله، ثم تراه في خلو من الحسب، قد ركن إلى كل ظلوم، قال ~~الله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}. # فهذا مع هذه العقائد قد يتسمى باسم الإيمان؛ لتوحيده واعترافه بالكلمة ~~العليا، وقبوله الإسلام، ولكن حساب طويل، وعذاب أليم في القبر، والقيامة، ~~وعلى الجسر، فيحتاج مع هذا الإيمان إلى يقين، فإذا نال القين؛ تخلص من هذه ~~العقائد، وصار موحدا شاكرا لله، خالصا له، متواضعا والها إليه في كل حاجة، ~~مفوضا، ملقيا بيديه سلما، قد تولى الله، وتولاه الله، قد عزز رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ووقره، ونصره، واتبع النور الذي معه؛ أولئك هم المفلحون. # وقال الحسن البصري: إن عمر رضي الله عنه لم يغلب الناس بالصوم والصلاة، ~~ولكن بالزهد واليقين. # وقال ms1176 بكر بن عبد الله المزني: إن أبا بكر لم يفضل الناس بكثرة صوم ولا ~~صلاة، وإنما فضلهم بشيء كان في قلبه. # وفيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال في خطبته: ((خير ما ~~ألقي في القلب اليقين)). PageV07P123 # وقال: ((ما أعطيت أمة من اليقين ما أعطيت أمتي)). # وقال: ((صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وفساد آخرها بالبخل ~~والأمل)). # فالبخل والأمل لا يظهران إلا من فقد اليقين، ساء ظنهم بربهم؛ فبخلوا، ~~وتلذذوا بشهوات الدنيا، فحدثوا أنفسهم بطول الأمل، تلك أماني كاذبة. # قوله: ((حرصا في علم)). # فهذا حرص قد اتجه على وجهين: # فوجه منه: أن العلم بحر؛ فإذا دخل طالبه، فتوسطه، فلم ير له ساحلا، ولا ~~منتهى، مل وسئم، فيحتاج إلى حرص يعينه على ذلك، ويذهب بملالته وسآمته ~~وبيعته في كل وقت؛ لأن العلم درجات، وبدوه من العالم العليم، فلما كان ذلك ~~النوع أقرب إلى العالم، كان أغمر وأضيق مدخلا. # والحرص: هو الرقي إلى العالي من أمر الدين والدنيا، وإنما صار الحرص ~~مذموما في أمر الدنيا؛ لأن النفس كلما أعطيت درجة من الدنيا، نزعت إلى أعلى ~~منها، فلا تقنع أبدا، كلما نالت درجة، تاقت إلى درجة أعلى منها. PageV07P124 # فهذا إذا كان في طلب الدنيا مذموما؛ لأنه لا يقنع بما قدر له في اللوح من ~~الرزق الذي قد فرغ الله منه لكل نفس، فهو في حرصه في طلب العلم محمود؛ لأنه ~~يترقى بعلمه بقلبه إلى علام الغيوب، فكلما نال درجة، قربت منزلته عند ربه، ~~قال الله تعالى: {والذين أوتوا العلم درجات}. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن يوما لا أزداد فيه علما يقربني ~~إلى الله، لا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم)). # فالحرص في العلم يرقى بصاحبه، والحرص في الدنيا يحط بصاحبه. # والوجه الآخر من الحرص: أنه يحرص على البر والتقوى، فيحتاج ذلك الحرص إلى ~~العلم؛ لئلا يتعدى به حرصه في بره وتقواه إلى السقوط في الهلكة، فيبر بما ~~يصير عقوقا، ويتقي بما يصير وسوسة، ويعمل البر وهو ms1177 غير مصيب للحق؛ كما فعل ~~جريج الراهب في بره، وكما فعلت بنو إسرائيل في تقواهم. # فأما جريج: # 1604 - فحدثنا عبد الوهاب بن فليح المكي: ثنا مروان بن معاوية الفزاري، ~~عن الحسن بن عمرو، ثنا PageV07P125 ~~عبد الرحمن بن سعد بن ذئاب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ((عن جريج الراهب: أنه كان متعبدا في صومعة زمان بني ~~إسرائيل، وكانت له أم، فتأتيه فتناديه، فتقول: يا جريج! فيقطع صلاته، ~~ويكلمها، فأتته يوما، فجعلت تناديه: يا جريج! فجعل لا يكلمها، ولا يقطع ~~صلاته، ويقول: يا رب! أمي وصلاتك، فلا يكلمها، فلما رأت العجوز ذلك، جزعت، ~~وقالت: اللهم إن كان جريج يسمع كلامي ولا يكلمني، فلا تمته حتى ينظر في ~~أعين المومسات، وكانت راعية وراع يأويان إلى ديره، فوقع بها الراعي، فحملت، ~~وكان أهل القرية يعظمون الزنا إعظاما شديدا، فلما ولدت، أخذها أهل القرية ~~فقالوا: ممن ولدت؟ قالت: من جريج الراهب، نزل فوقع بي، فحملت، فأتاه قومه ~~فنادوه: يا جريج! فجعل يقول: يا رب! قومي وصلاتك، وجعل لا يكلمهم، فلما ~~رأوا ذلك، ضربوا صومعته بالفؤوس، فلما رأى ذلك، نزل إليهم، قال: ما لكم؟ PageV07P126 # قالوا: ذكرت هذه أنها ولدت منك، فضحك، ثم صلى ركعتين، ثم وضع يده على رأس ~~المولود، فقال: من أبوك؟ فقال: الراعي الذي كانت تأوي معه إلى ديرك، فلما ~~رأى ذلك قومه، جزعوا بما صنعوا به، وقالوا له: دعنا نبني صومعتك، ونعيدها ~~لك من ذهب، قال: لا، أعيدوها على ما كانت، فقال له قومه: لم ضحكت ونحن نريد ~~ما نريد من القتل والشتم؟ قال: ذكرت دعوة والدتي: لا أموت حتى أنظر في أعين ~~المومسات))، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده! لو دعت ~~الله أن يخزيه، لأخزاه، ولكنها دعت أن ينظر، فنظر)). # فقال مجاهد: فكان المولود أحد الثلاثة الذين تكلموا في المهد. # 1605 - حدثنا إبراهيم بن المستمر الهذلي: أنبأنا الحكم بن الريان ~~اليشكري، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني يزيد بن ms1178 حوشب الفهري، عن ~~أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لو كان جريج الراهب فقيها PageV07P127 ~~عالما؛ لعلم أن إجابته أمه من عبادة ربه)). # 1606 - حدثنا صالح بن محمد: ثنا القاسم بن عبد الله العمري، عن عمه عبيد ~~الله بن عمر، عن علي بن زيد ابن جدعان القرشي، عن سعيد ابن المسيب، قال: ~~جاء عثمان بن مظعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! ~~غلبني حديث النفس، فلم أر أن أحدث شيئا حتى أذكر ذلك لك، فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ((وما تحدثك به نفسك يا عثمان؟))، قال: تحدثني نفسي بأن ~~أختصي؟ قال: ((مهلا يا عثمان؛ فإن خصاء أمتي الصيام))، قال: يا رسول الله! ~~فإن نفسي تحدثني بأن أترهب في رؤوس الجبال؟ قال: ((مهلا يا عثمان؛ فإن ترهب ~~أمتي في الجلوس في المساجد انتظارا للصلاة))، قال: يا رسول الله! فإن نفسي ~~تحدثني أن أسيح في الأرض؟ قال: ((مهلا يا عثمان؛ فإن سياحة أمتي الغزو في ~~سبيل الله، والحج والعمرة))، قال: يا رسول الله! فإن نفسي تحدثني بأن أخرج ~~من مالي كله؟ قال: ((مهلا يا عثمان؛ فإن صدقتك يوما بيوم، وتكف PageV07P128 ~~نفسك وعيالك، وترحم المسكين واليتيم، فتطعمه، أفضل من ذلك))، قال: يا رسول ~~الله! فإن نفسي تحدثني بأن أطلق خولة امرأتي؟ قال: ((مهلا يا عثمان؛ فإن ~~الهجرة في أمتي من هجر ما حرم الله عليه، أو هاجر إلي في حياتي، أو زار ~~قبري بعد مماتي، وإن مات وله امرأتان، أو ثلاث، أو أربع)). # قال: يا رسول الله! فإن نهيتني أن أطلقها، فإن نفسي تحدثني بأن لا ~~أغشاها؟ قال: ((مهلا يا عثمان؛ فإن الرجل المسلم إذا غشي أهله، أو ما ملكت ~~يمينه، فلم يكن من وقعته تلك ولد، كان له وصيف في الجنة، وإن كان من وقعته ~~تلك ولد، فمات قبله؛ كان له فرطا وشفيعا يوم القيامة، وإن مات بعده؛ كان له ~~نورا يوم القيامة))، قال: يا رسول الله! فإن نفسي تحدثني بأن لا ms1179 آكل اللحم؟ ~~قال: ((مهلا يا عثمان؛ فإني أحب اللحم وآكله إذا وجدته، ولو سألت ربي أن ~~يطعمنيه في كل يوم، لأطعمنيه))، قال: يا رسول الله! فإن نفسي تحدثني بأن لا ~~أمس الطيب؟ قال: ((مهلا يا عثمان؛ فإن جبريل أتاني بالطيب من الجنة غبا، PageV07P129 ~~وقال: يوم الجمعة لا تتركه، يا عثمان! لا ترغب عن سنتي، فمن رغب عن سنتي، ~~ثم مات قبل أن يتوب، ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم القيامة)). # 1607 - حدثنا أبي رحمه الله: أنبأنا أحمد بن يونس، عن عباد بن كثير، عن ~~علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه، ~~وزاد فيه: أنه قال: يا رسول الله! إن نفسي تحدثني أن أخرج من جميع ما أملك؟ ~~قال: ((مهلا يا عثمان، صدقة على اليتيم والمسكين والأرملة، فكذلك حتى يأتيك ~~الموت)). PageV07P130 # وأما تقوى بني إسرائيل: # 1608 - فحدثنا إسماعيل بن نصر: ثنا الحسن بن قتيبة المدائني، عن جامع بن ~~شداد، قال: أتيت أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بمكة، فقلت: ~~يرحمك الله! إنا خرجنا، فأكل بعضنا الجبن، وتركه بعضنا كراهية له، فكيف ~~ترى؟ فقال: يا أيها الناس! لا تغلوا في دينكم -مرتين- حدثني أبو هريرة: أن ~~عيسى بن مريم -صلاة الرحمن عليه- ندب قومه لخبز ولحم وشراب، ثم أرسل إليهم، ~~فدعاهم، فأقبلوا يمسحون أيديهم بملاء الكتان باغين، فقالوا: لا نأكل من هذا ~~اللحم؛ لأن كبشه رضع من كلبة، ولا نأكل من هذا الخبز؛ لأن سنبله نبت في ~~مزبلة، ولا نشرب من هذا الشراب؛ لأن حبلته نبتت في مقبرة، قال: فلم يرموا ~~بخبز حتى حبب إليهم اللحم، حتى إنهم ليأكلون الخصي؛ من حبهم اللحم، وإن ~~الفويسقة تقع في إناء أحدهم، فيخرجها، ويشرب من حبه الشراب، وإنه لا يصلح ~~شيء إلا بمزبلة، ثم التفت إلى مولى له، فقال: أو لم يكن من أحب زادنا إلينا ~~الخبز؟. PageV07P131 # 1609 - حدثنا هارون بن حاتم الكوفي: أنبأنا عبيدة الحذاء، عن الأعمش، عن ~~جرير بن حازم، عن أبي قلابة، قال: ms1180 بلغ النبي صلى الله عليه وسلم: أن ناسا ~~من أصحابه احتموا النساء واللحم، فأوعد النبي صلى الله عليه وسلم فيه وعدا ~~شديدا، حتى ذكر القتل، فقال: ((لو كنت تقدمت فيه، لقتلت))، ثم قال: ((إني ~~لم أرسل بالرهبانية، إن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة، وإنما هلك من ~~قبلكم من أهل الكتاب بالتشديد يشدد على أنفسهم، فتلك بقاياهم في الصوامع ~~والديار، اعبدوا لله، ولا تشركوا به شيئا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، ~~وحجوا، واعتمروا، واستقيموا، يستقم بكم)). # فيحتاج الحريص على البر والتقوى إلى العلم؛ حتى يمسك حرصه على التعدي، ~~وذلك صدق الحرص الذي قال عبد الله بن مسعود لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما: ~~يا أمير المؤمنين! إن في هذه الأمة من يبلغ عمله في الميزان ما يكون عمل ~~يوم وليلة أثقل من سبع سماوات، قال: بم ذاك يا ابن أم [عبد]؟ قال: بصدق ~~اليقين، وبصدق الورع، وبصدق الحرص على البر والتقوى. PageV07P132 # قوله: ((شفقة في معة)). # فالشفقة: تحنن الرأفة، والإكباب على من يشفق عليه، فإنما يصير مكبا بشدة ~~الرأفة؛ فتلك الشفقة. # والمعة: هي الحاوية، مشتقة من المعى، معاء البطن، فإذا كانت الشفقة بغير ~~معة، انتشرت؛ فأفسدت، وإذا كان في معة؛ كانت الشفقة في حصن، فلم تنتشر، ولم ~~تفسد؛ لأن هناك شيئا يحويها. # قال له قائل: وما ذاك الشيء؟. # قال: تعظيم حق الله، فإذا أشفقت على حق الله، كانت تلك الشفقة حاوية لهذه ~~الشفقة؛ لأن النفس تأخذ بنصيبها من الشفقة، فإذا كان الغالب على العبد ~~الشفقة على حق الله، كانت تلك الشفقة تجري على هذه الشفقة، حتى لا تنتشر ~~وتنبثق، فيتعدى إلى الفساد. # ألا ترى أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جزعوا عند إقامة الحدود في ~~مبتدأ أمرهم؛ فأنزل الله تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر}، فجعل علامة إيمانهم في إقامة حق الله: الرمي ~~برأفة النفس. # وجلد عمر ابنه الحد، فقال: يا أبت! قتلتني! فقال: إذا لقيت ربك، فأخبره ~~أنا نقيم الحدود. PageV07P133 # وكلم رسول ms1181 الله صلى الله عليه وسلم في فاطمة المخزومية حيث أراد قطعها في ~~سرقة، فغضب، وقال: ((والله! لو كانت فاطمة بنت محمد، لقطعتها)). # ثم نزل عن اليمين، فقطعها. # قوله: ((حلما في علم)). # فالحلم: سعة الأخلاق، فإذا توسع المرء في أخلاقه، ولم يكن له علم؛ افتقد ~~الهدى، وضل؛ لأن توسعه يرمي إلى نهمات النفس، فيحتاج إلى علم يقف به على ~~حفظ الحدود، وإذا كان له علم، ولم يكن هناك حلم؛ ساء خلقه، وتكبر بعلمه؛ ~~لأن العلم له حلاوة، ولكل حلاوة بشرة، فإذا ضاقت أخلاقه، ولم ينتفع بعلمه؛ ~~لأن ضيقه يرمي به إلى شره النفس وحدتها، فيكون صاحب عنف وخرق في الأمور، ~~فعندها ضاع علمه. # ولذلك قال الشعبي، أو غيره من التابعين: ما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم ~~إلى علم. # ولذلك قال ابن شوذب: الحلم أرفع من العقل؛ لأن الله تعالى تسمى بالحلم، ~~ولم يتسم بالعقل. PageV07P134 # 1610 - حدثنا أحمد بن عبد الرحيم الحراني، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ~~يونس، عن الحسن، قال: ما سمعت الله نحل عباده شيئا أقل من الحلم، قال: {إن ~~إبراهيم لحليم}، وقال: {فبشرناه بغلام حليم}. # فالحلم: سعة الخلق، والعقل: عقال عن التعدي، فالواسع في أخلاقه حر عن رق النفس. # ولذلك قال عيسى -صلوات الله عليه- لبني إسرائيل: فلا عبيد أتقياء، ولا ~~أحرار كرماء. # فاعلم أن هاهنا صنفين: رجل عبد نفسه وأخلاقه؛ فهو بتقواه ينجو، وعبد حر ~~من أخلاق النفس ورقها؛ فهو كريم، أينما قدته انقاد؛ فهذا صفته الحليم. # فالحليم يحتمل أثقال الأمر والنهي بلا كبد ولا مجاهدة. # وكان إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- ممن احتمل الأثقال: ابتلي PageV07P135 ~~بالنار، وابتلي بالغربة والهجرة، وابتلي بسارة، وابتلي بالختان، وابتلي ~~بذبح الولد، فجاد بنفسه وبولده على الله تعالى، فأثنى الله سبحانه عليه، ~~فقال: {إن إبراهيم لحليم}. # قوله: ((قصدا في غنى)). # فالقصد والقسط بمعنى واحد، وهو العدل، إلا أن القصد مستعمل في نوع، ~~والقسط مستعمل في نوع. # فالقصد: في الأفعال والأعمال، والقسط: في الأوزان. # قال الله تعالى: {واقصد في مشيك}، وهو المشي الوسط، لا الوهن ms1182 الكسلان، ~~ولا السريع العجلان، وقال: {وأقيموا الوزن بالقسط}. # فمعنى قوله: ((قصدا في غنى)). # أي: إذا كان غنيا، لم يتدرع في الإنفاق، فيقع في الإسراف، ويكون وسطا، ~~حتى لا يجحف بماله؛ فإنما هو رزق. # ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه ضيف، فبينما هو قاعد عنده، ~~إذ جاء الراعي على يده بهمة قد ولدها، فقال له: ((اذبح شاة))، ثم قال ~~للضيف: ((لا تحسبن أنا من أجلك ذبحنا، ولكن لنا شياه مئة، فإذا ولد الراعي ~~بهمة، ذبحنا مكانها شاة)). PageV07P136 # فهكذا القصد؛ أن الله إذا رزقه، اقتصد في إنفاقه، وذكر الله في كتابه منازل ~~الخلق، فقال: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات}، ~~فالمقتصد يسير إليه على طريق العدل، والسابق على طريق الفضل. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال في قوله: {اعملوا آل داود ~~شكرا}، قال: ((من كن فيه ثلاث خصال، فقد أوتي ما أوتي آل داود: خشية الله ~~في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، وكلمة العدل في الرضا ~~والغضب)). # قوله: ((تجملا في فاقة)). # والفاقة: هو الخلاء من الشيء، وهو الفقر، فدل على التجمل، وأن لا يلقي ~~بيديه إلى التهلكة، فإذا وسخت ثيابه؛ صبر على الأوساخ، وقلت مبالاته، وإذا ~~تشوه شعره، ودرن جسده؛ صبر على الفضول والأدران، ورفع باله عن أحوال نفسه، ~~وهيئته، وهيئة مسكنه، حتى يصير بحال يوحش الناظرين إليه. # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه رأى رجلا ثائرا شعره، فقال: ~~((لم يشوه أحدكم نفسه؟))، ورأى آخر في ثياب وسخة، فقال: ((أما يملك هذا ما ~~يغسل ثيابه؟)). PageV07P137 # وقال: ((إن الله نظيف يحب النظافة))، وقال: ((نظفوا أفنيتكم؛ فإن اليهود لا ~~ينظفون)). # فالفقير وصاحب الفاقة إذا كان حي القلب، صاحب تقوى؛ وجدته في نظافة ~~وهيئة، من نظر إليه، لم يوحشه، ومن جالسه، لم يثقل عليه، ولم يتأذ به، يأخذ ~~شعره، ويقلم أظفاره، ويغسل أدرانه، ويبيض أثوابه، ويتطيب، ويتوقى على ~~أحزابه. # وكذلك في مسكنه، يهيئ كل شيء على حياله مما لا يحتاج فيه ms1183 إلى كثير نفقة، ~~يقول: إن لم يكن له مال، فإن هذه الأحوال التي تتجمل بها لا يحتاج صاحبها ~~إلى كثير نفقة؛ فإن الأنهار جارية، والغسول من ورق الأشجار موجودة، فأخذ ~~الشعر والأظفار ليس فيه كبير مؤنة، وتنظيف المجالس التي يجلس فيها في مسكنه ~~ليس في كنسها ونظافتها كبير مؤنة، فليس يترك هذا صاحبه، ويهمله من أجل أنه ~~لا يجد، ولكنه يتركه؛ لنذالة النفس ودناءتها، وموت قلبه؛ فإن القلب إذا ~~مات، لم يلتمس الطهارات والنظافات. # ((وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربط الحجر على بطنه من الجوع)). PageV07P138 # ولا يترك الطيب، ويعاهد أحوال نفسه، وكان لا تفارقه المرآة والسواك ~~والمقراض في السفر والحضر. # وكان إذا أراد أن يخرج إلى الناس، نظر في ركوة فيها ماء، فيسوي من لحيته، ~~وشعر رأسه، ويقول: # ((إن الله جميل يحب الجمال)). # 1611 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله: ثنا أبو نعيم النخعي، عن العلاء بن ~~كثير، عن مكحول، عن عائشة -رضي الله عنها-، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فهذا تجمل في فاقة، يتجمل في الناس على قدر ما يجد، ولا يرفع باله عن ~~نفسه وأحوالها؛ لأنه إذا أهمل ذلك، ورفع البال؛ ساء منظره، ووحشت هيئته، ~~فأدخل على إخوانه من المؤمنين الغم والهم من أجله، وكان ذلك منه كالشكوى ~~إلى العباد، ومن ربه، وإذا تجمل في فاقته؛ كان ذلك كالكاتم مصيبته، والشاكر ~~لربه، والمتحمد إلى خلقه منه. # وروي عن عمران بن حصين: أنه لبس الخز، فقيل له: تلبس PageV07P139 ~~الخز؟! فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا أنعم الله على ~~عبد نعمة، أحب أن يرى أثر ذلك عليه)). # فصاحب هذه الصفة كأنه إذا رأى الناس ذلك من فعله، كأنه يقول لهم: أحمد ~~إليكم ربي؛ فإن نعمته علي هكذا كما ترون؛ فإن الله يحب هذا الفعل من عبده؛ ~~لأنه يشكره بهذا الفعل. # ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لبس ثوبا جديدا، فقال: ~~((الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل ms1184 به في الناس))؟ # فهذا التجمل في الناس لا للناس، إنما هو لله، وإنما صار لله؛ لأنه نوى أن ~~يرى العباد نعمه عليه، فيكون ذلك منه شكرا، ونشر الجميل من ربه، وإذا ~~أصابته مصيبة، كتمها وسترها. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من كتم مصيبته أربعين ~~يوما؛ خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه)). PageV07P140 # وروي عن علي بن الحسين رضي الله عنه: أنه لدغته عقرب، فصبر في ذلك الوجع ~~ليلته إلى الصباح كاتما له؛ لئلا يعلم به أحد، فلما أصبح، أعتق رقبة؛ شكرا ~~لله أن طوقه ذلك الصبر حتى قدر على كتمانه. # فالعبد الحي القلب إذا أنعم الله عليه نعمة؛ نشرها عند خلقه قولا وفعلا، ~~يريد بذلك أن يريهم حسن صنيعه إليه، وإذا نكب نكبة، كتمها وسترها، ويقول: ~~أنعم علي بما لا يحصى عدده، فلم أبلغ كنه شكره، فإن أصابتني مصيبة، لم ~~أبثها وأكتمها؛ حتى لا أري العباد أنه أصابني من قبله سوء، فإنما حمله على ~~كتمان المصائب، وعلى التجمل في الفاقة؛ لئلا يرى العباد من أحوال نفسه ما ~~يتحير العباد فيه من سوء الحال؛ لأن الله تعالى -جل ذكره- معروف بالمعروف، ~~فإذا رأوا سوءا، تحيروا، حتى يرجعوا إلى إيمانهم به أنه عدل لا يظلم، ولا يجور. # ولذلك استرجع أهل المصيبة؛ لأنهم عندما يصابون تأخذهم الحيرة في أول ~~الصدمة، فإذا ذكروا ربهم، استرجعوا معنى قولهم: ((إنا لله وإنا إليه ~~راجعون))؛ أي: رجعنا إليك من حيرتنا، وعلمنا أن ذلك لك، وأن فعلك هذا بنا ~~خير كله. # قوله: ((تحرجا من طمع)). # فالطمع: فيما في أيدي الخلق، وهو انقطاع عن الله، ومن انقطع عن الله، فهو ~~المخذول الخائب؛ لأنه عبد بطنه، وفرجه، وشهوته. # والطمع والرجاء مقترنان، إلا أن الرجاء: صفة فعله من القلب: أن يمد القلب ~~عنقه إلى شيء، فيكاد يزول عن مكانه، والطمع: وجود القلب طعم ذلك الشيء الذي ~~رجاه؛ فهذه فتنة. PageV07P141 # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تعوذوا بالله من طمع يهدي إلى طبع)). # فهذا الطمع إذا عمل ms1185 في قلب العبد، فتمكن فيه، طبع على قلبه؛ لأنه يوله ~~قلبه إلى الخلق عن الله، فهذا مدبر، فتراه يتملق هذا، ويمدح ذلك في وجهه، ~~ويتبع هذا، فيصير في متابعته كالعبد له، فكم من حق يضيعه في جنب هذا! وكم ~~من أمر يسكت عن الحق فيه! فإذا نطق؛ نطق بالهوى، فهذا قلب قد خرب. # ولذلك قال: ((يا داود! ما من عبد يعتصم بخلق دوني، إلا أسخطت الأرض من ~~تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء من فوقه)). # وقال لموسى فيما روي عنه: ((من رجا غيري، وكلته إليه، ومن وكلته إليه، ~~فليستعد للفتنة والبلاء)). # فمن أخلاق المعرفة: التحرج عن المطامع. # قوله: ((كسبا من حلال)). # لأن كل نفس قد فرغ الله من رزقها، وأثبته في اللوح، ثم أنزل بذلك قرآنا، ~~فقال: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها ~~كل في كتاب مبين}. PageV07P142 # فالمؤمن الموقن قد صار هذا الضمان، والإثبات في الكتاب المبين الذي قصه ~~الله في تنزيله له معاينة، فاطمأن إلى ذلك، وسكن إلى إتيانه بفضل يقينه، ~~وقنع بما أوتي، وقال: قد أيقنت بالمقدار، ولا أدري أبطلبي أوتى أم بقعودي، ~~فمرة أطلب، فإذا رأى أنه قد أوتي بغير طلب، قعد، فإذا رأى أنه انقطع، طلب ~~على هيئة وسكينة وسكون قلب على ما أثبت له في اللوح. # والذي ضعف يقينه، وغلبته شهوات نفسه، طلب، فجد في الطلب، ولم يصر له ~~معاينة، فهو يطلب من وجوه المكاسب، فإذا طلب كسبه من حلال؛ فإنما منعه ~~تقواه أن يتعدى ذلك إلى الحرام، وقواه ضمان ربه، وإثباته في اللوح، وأحسن ~~الظن بربه، ووثق به؛ فقدر على كسب الحلال، والمفتون بنهمات الدنيا وشهواتها ~~قد غلبته نفسه، فحرصه وشدة طلبه لا يفارقه، فلا يقدر على حفظ الحدود، ~~والتورع عن الشبهة، فهذا من أجل أن أخلاق الفرقة مفقودة من إيمانه، فهو في ~~الجملة يقول: إن الله يرزق، ولكن شهوته تغلبه حتى يفتتن، فيتعدى إلى الحرام ~~والشبهة. # قوله: ((برا في استقامة)). # فإن المؤمن إذا كان لين القلب، رقيق الفؤاد؛ ms1186 عطف على الأهل والولد، وذوي ~~الأرحام، والناس كلهم، فإذا بر، وكان بهذه الصفة، لم يؤمن أن يزول عن الحق ~~والصواب، وتذهب استقامته، فإذا زال، ذهبت استقامته؛ لأن لكل مؤمن مقاما عند ~~ربه للعبودة، فتلك استقامته، فإذا مال عن الحق، صار معلقا كالمتدلي، كهيئة ~~طائر على غصن شجرة، فطار من عشه، فهو المستقيم، فإنما اشترط على البار أن ~~يكون بره في استقامته، لا بر هوى، ولكن بر مع صلابة؛ لأن النفس إذا كانت ~~سلسلة، والقلب ذا لين، والفؤاد PageV07P143 ~~رقيق، فجاء الهوى؛ تعدى بره إلى غير الحق والصواب، بر أهله بين يدي والدته، ~~فهيج غيرتها، وأدخل على والدته مكروها، فصار عقوقا، فسبيله إذا أراد ذلك: ~~أن يبرها من حيث لا ترى، وربما بر أحد أولاده بما لا يبر غيره، فصار ذلك ~~جورا، وقد نهي عن ذلك، فأمر بالتسوية بينهم. # 1612 - حدثنا الجارود بن معاذ: ثنا عبد العزيز بن أبان، عن مالك بن مغول، ~~عن أبي معشر، عن إبراهيم: أنه يستحب أن يسوي الرجل بين ولده، حتى في ~~القبلة. # 1613 - حدثنا سفيان بن وكيع: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن النعمان ~~بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((اعدلوا بين أولادكم في ~~النحلة كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف)). PageV07P144 # 1614 - حدثنا سفيان، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن حميد بن عبد ~~الرحمن، عن النعمان بن بشير: أن أباه نحله غلاما، فأتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يشهده، فقال: ((كل ولدك نحلته؟))، قال: لا، قال: ((فاردده)). # 1615 - حدثنا سفيان، نا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: حدثني ~~النعمان بن بشير، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. PageV07P145 # وربما بر إخوانه، فإذا لم يتفقد ذلك من أقدارهم حتى يبرهم على ذلك، دخل فيه ~~الضرر الكثير، والجور عن الحق. # فقوله: ((بر في استقامة)). # شرط وثيق، وهو أن لا يمازجه هوى، والبر والملق قرينان، وهما مشتبهان، فكم ~~من متملق يرى أنه يبر، وليس ذلك ببر، إنما هو ملق، ms1187 فلذلك شرط الاستقامة. # قوله: ((نشاطا في هدى)). # فالنشاط: هو انحلال النفس وانتشاطها. # والأنشوطة: هي العقد الذي إذا مددته، انحل من غير أن تحله، فإذا عمل ~~العبد عملا، كان من النفس انقباض للكسل والهرب من الأثقال، فإذا مال بها ~~الهوى والشهوة، نشطت، وانحلت العقد عن الانقباض، وإذا قواها القلب ~~بالمعرفة، نشطت، وانحلت العقد عن الانقباض، وأمر صاحب هذا أن يتفقد حتى ~~يكون نشاط نفسه وانحلالها في هدى لا في ضلالة؛ فإنه إذا مال بها الهوى، ~~ضلت؛ فإن مثلها كمثل الصبي إذا رأى معلمه، انقبض وتطأطأ، فإذا افتقد شخص ~~معلمه، انبسط وانتشر، فما دام انبساطه وانتشاطه في صلاح، عذر، فإذا تعدى ~~إلى الفساد، عزر ووبخ، فلذلك اشترط أن يكون نشاطه في هدى؛ لأن النفس ربما ~~نشطت، فإن تركها صاحبها ونشاطها، تعدت إلى الفساد وضلت. # وكان السلف الصالحون ينتشطون إلى أهاليهم وأولادهم، وإلى إخوانهم، ~~ويظهرون النشاط في الأمور، ويتفقدون من أنفسهم الوقوف PageV07P146 ~~على الحدود، ويحذرون المجاوزة، ويتوقون الخفة وسوء الأدب حتى لا يرتطموا في النهي. # وقال إبراهيم النخعي: يعجبني أن يكون الرجل في أهله كالصبي، فإذا بغي ~~منه، وجد رجلا. # معناه: إذا طولب بما لا يجوز في الحق، وجد صلبا في دينه، فهو في رأي ~~العين كالصبي انبساطا ونشاطا مع أهله وعياله وتواضعا، وفي مواضع الحق مهيبا ~~لا يرام. # قوله: ((ونهيا عن شهوة)). # فإن النفس ذات شهوات، فإذا أطعتها في واحدة، طمعت في أخرى، ثم لا تزال ~~كذلك حتى تستمر، فتشرد عن صاحبها شراد البعير، هكذا شأن النفس، فكان القوم ~~يحذرون ذلك، وينهون النفس عن الشهوات. # وروي: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من السرف أن تأكل كل ~~ما اشتهيت)). # 1616 - حدثنا بذلك حفص بن عمرو. # ومعناه عندنا: أن النفس إذا اعتادت هذا من صاحبها، استمرت، فإذا منعها، ~~لم يقدر على ذلك، فإذا فعل ذلك، عودها نوال كل شيء اشتهت، فقد أسرف؛ أي: ~~جاوز حد الأدب، وترك أدبها. PageV07P147 # وروي عن عكرمة: أنه قال: إن النفس إذا أطعتها، طمعت، وإن آيستها، ms1188 يئست، وإن ~~فوضت إليها، ضيعت. # قوله: ((رحمة للمجهود))، فالمجهود على أصناف، فمجهود في العبادة، ومجهود ~~في المعاش، ومجهود في البلاء، فمن شأنه أن يرحم كل هؤلاء؛ لأنه إذا نظر إلى ~~ذلك الجهد، رزق قلبه، واشتد على سوء الحال))، وتقلب ذلك البدن، فرق فؤاده، ~~وفزعت نفسه لذلك الحال. # قوله: ((المؤمن عياذا لله)). # فالعوذ لله: هو الذي يعيذ العباد من السوء، فالمؤمن البالغ في إيمانه ~~يعيذ العباد بفضل إيمانه من جوره وظلمه وعيبته، فقد أمنه الخلق، وصاروا منه ~~في معاذ. # ثم وصفه فقال: ((لا يحيف على من يبغض)). # أي: بغضه إياه لا يحمله على أن يحيف عليه، ويجور ويظلم. # وذلك قول الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ~~ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}. # قوله: ((لا يأثم فيمن يحب)). # أي: لا يحمله حبه إياه أن يأثم في جنبه؛ فإنه إذا كان على غير ذلك، كان ~~بغضه لغير الله، وحبه لغير الله. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لن يبلغ العبد ذروة ~~الإيمان PageV07P148 ~~حتى يحب في الله، ويبغض في الله)). # فمن كان حبه في الله، وبغضه في الله؛ لم يحمله البغض على أن يجور عليه، ~~ولا حبه إياه أن يأثم في جنبه، ومن أحب وأبغض لهوى نفسه، جار على المبغض، ~~وأثم في جنب المحبوب، ولذلك قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم}. # وذلك أنهم لما أرادوا الهجرة، امتنع منهم بعض أزواجهم وأولادهم، فافتتن ~~بعضهم بالأزواج والأولاد، فأقاموا، وتركوا الهجرة، ومنهم من مضى، وتركهم، ~~فنزلت الآية فيمن أثم في جنب محبوبهم من الأهل والولد. # قوله: ((ولا يضيع ما استودع)). # لأنه يشفق على ما تودعه وتأتمنه عليه كشفقته على مال نفسه؛ لعظيم قدر ~~الأمانة عنده. # قوله: ((ولا يحسد ولا يطعن)). # لأن من أخلاق المعرفة: إذا رأى لأخيه المؤمن حالا حسنا في دين أو دنيا، ~~سره ذلك، واعتده في النعم عنده، فكيف يحسده، ومن عرف الله، عرف أنه هو ms1189 الذي ~~قسم الدنيا بين أهلها بحكمة بالغة، وبين حصصهم بمقادير معلومة في اللوح، ثم ~~أعلمهم في تنزيله، فقال: {وما من دابة في الأرض إلى الله رزقها ويعلم ~~مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين}. # فقد فصل أرزاق البرية كلها، حتى البعوضة والنملة، ولا تعدو مقاديره PageV07P149 ~~خردلة ولا حبة، ولن تموت نفس حتى تستوفي ما كتب لها، والأرزاق جارية من ~~الرحمة إلى العباد، وقال تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده}. # وقال تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا ~~راد لفضله}. # فمن أيقن في إيمانه بهذه الكلمات، لم يحسد الناس على فضل أوتوا، وقنع بما ~~أوتي، فهذا من أخلاق المعرفة. # وروي عن وهب بن منبه: أن الله تعالى كتب التوراة بيده فيها عشر كلمات أمر بهن: # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا كتاب الله -تبارك وتعالى- كتبه بيده لعبده موسى -عليه الصلاة ~~والسلام-: # تسبحني وتقدسني، يا موسى! إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني، ولا تشرك ~~بي شيئا؛ فإنه حق القول مني؛ لتلفحن وجوه المشركين النار. # واشكر لي ولواديك إلي المصير، أنسأ لك في عمرك، وأقيك المتالف، وأحييك ~~حياة طيبة، وأقلبك إلى خير منها. # ولا تقتل النفس التي حرمت إلا بالحق؛ فتضيق عليك الأرض برحبها، والسماء ~~بأقطارها، وتبوء بسخطي والنار. # ولا تحلف باسمي كاذبا ولا آثما؛ فإني لا أطهر ولا أزكي من لم ينزهني ~~ويعظم أسمائي. # ولا تشهد بما لم يع سمعك، ولا يحفظه عقلك، ولم يعقد عليه PageV07P150 ~~قلبك؛ فإني أوقف أهل الشهادات على شهاداتهم، ثم أسائلهم عنها سؤالا خفيا. # ولا تحسد الناس على ما آتيتهم من فضلي؛ فإني أنا الجواد بالعطية؛ أعطي من ~~شئت، وأمنع من أردت، ولا تنفس عليهم نعمي ورزقي، ولا تمدن إلى ذلك عينيك، ~~ولا تتبعه نفسك؛ فإن الحاسد عدو لنعمتي، مضاد لقضائي، ساخط لقسمي الذي أقسم ~~بين عبادي، ومن يك كذلك؛ فلست منه، وليس مني، وأنا منه بريء، ولا تزن، ولا ms1190 ~~تسرق؛ فأحجب عنك وجهي، وتغلق دون دعوتك أبواب السماوات، ولا تغدر بحليلة ~~جارك؛ فإنه كبر مقتا عندي، وأحبب للناس ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره ~~لنفسك، ولا تذبح لغيري؛ فإنه فسق، ولا يصعد إلي قربان أهل الأرض إلا ما ذكر ~~عليه اسمي، وتفرغ للسبت، وفرغ له آنيتك، وأسقيتك، وثورك، وحمارك، ودوابك، ~~وجميع أهل بيتك. # وذكر وهب: أن هؤلاء الكلمات العشر التي كتب الله تعالى لموسى عليه السلام ~~في الألواح مكتوبات في القرآن. # وذلك أن الله تعالى يقول: {من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه ~~النار وما للظالمين من أنصار}. # وقال في الوالدين: {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير}. # وفي القاتل: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما}. PageV07P151 # وقال في الحلف: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم}. # وفي الشهادة: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسئولا}. # وقال في الحسد: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله}. # وقال في الزنا: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا}. # وقال في السرقة: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا ~~من الله}. # وقال في حليلة الجار: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب ~~الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم}. # وقال في التحابب بين الناس: {إنما المؤمنون إخوة}، وقال: {محمد رسول الله ~~والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}. # وقال في الذبائح: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق}. # وقال في السبت: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا ~~قردة خاسئين}. # قال أبو عبد الله: # فمن عادى نعمة الله بحسده، وسخط أمره، وضاد قضاءه، فمعرفته في سجن مظلم ~~في سويداء قلبه، ولا أدري أتبقى عليه حتى يختم له بها، أم يسلب فيموت كافرا ~~عدوا لله؟ وإن تفضل عليه بأن تركها عليه، وختم له بها لا أدري متى ينجو من النار؟ # قوله: ((لا يطعن)). PageV07P152 # فالطعن: ms1191 قد يكون من الحسد، ويكون من الغيرة، والغيرة من إبليس في صدر ~~الآدمي كالعذرة من الآدمي، فحق على كل مؤمن أن يخاف من الغيرة، فإذا طعن؛ ~~فقد هتك الستر، وإنما يطعن في ستر الله، ولو أن رجلا طعن في ستر ملك من ~~عظماء ملوك الدنيا؛ لخاطر بنفسه وأهلكها، فكيف بستر الله؟ لأن المؤمن في ~~سبعين سترا من الله. # 1617 - حدثنا محمد بن عيسى، عن موسى بن محمد ابن عطاء مولى عثمان بن ~~عفان، عن عبيد الله بن راشد، عن الحسن البصري، عن سلمان، قال: المؤمن في ~~سبعين حجابا من نور، فإذا عمل خطيئة، ثم تناساها حتى يعمل أخرى، هتك عنه ~~حجابا من تلك الحجب، فلا يزال كلما عمل خطيئة، ثم تناساها حتى يعمل أخرى، ~~هتك عنه حجابا، فإذا عمل كبيرة، هتك عنه تلك الحجب كلها، إلا حجاب الحياء، ~~وهو أعظمها حجابا، فإن تاب تاب الله عليه، ورد تلك الحجب كلها، فإن عمل ~~خطيئة بعد الكبائر، ثم تناساها حتى يعمل أخرى قبل أن يتوب، هتك عنه حجاب ~~الحياء، فلم تلقه إلا مقيتا ممقتا، فإذا كان مقيتا ممقتا؛ نزعت منه ~~الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة، لم تلقه إلا خائنا مخونا، فإذا كان خائنا ~~مخونا، نزعت منه الرحمة، فإذا PageV07P153 ~~نزعت منه الرحمة، لم تلقه إلا فظا غليظا، فإذا كان فظا غليظا، نزعت منه ~~ربقة الإيمان، فإذا نزعت منه ربقة الإيمان، لم تلقه إلا لعينا ملعنا شيطانا رجيما. # 1618 - حدثنا الجارود: ثنا: حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عمرو بن ~~أسامة الهمداني، عن ابن مسعود، قال: ما من رجلين مسلمين إلا بينهما من الله ~~ستر، فإذا قال أحدهما لصاحبه: هجرا، هتك ستر الله. # قوله: ((لا يلعن شيئا)). # فإن اللعنة إذا خرجت من العبد، استأذنت ربها، فإذا صارت إلى من وجهت ~~إليه، فلم تجد مساغا، رجعت إلى ربها، فقالت: رب! إني لم أجد مساغا، أمرت ~~بالرجوع إلى صاحبها. # قوله: ((يعترف بالحق وإن لم يشهد عليه)). # فالمؤمن: أسير الحق، يعلم أن الشاهد عليه علام ms1192 الغيوب، وقد أيقن بما أنزل ~~عليه من قوله: {ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه}، فقد ~~اجتمع على قلبه أمران اثنان: العلم، والشهادة، فأخذ هيبة العلم، وحياء ~~الشهادة. PageV07P154 # وقال في تنزيله: {والله يعلم متقلبكم ومثواكم}، وقال: {ألم يعلم بأن الله ~~يرى. كلا}، فلا يحوج الموقن بهذا إلى أن يشهدوا عليه، وهو معترف بالحق أبدا ~~له وعليه. # 1619 - حدثنا محمد بن يحيى القطعي: ثنا بشر بن عمر الزهراني، عن ابن ~~لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة -رضي الله ~~عنها-، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((هل تدرون من السابقون ~~إلى ظل الله يوم القيامة؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم؟ قال: ((الذين إذا ~~أعطوا الحق، قبلوه، وإذا سئلوا، بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم)). # قوله: ((ولا يتنابز بالألقاب)). # فالتنابز: من شأن البطالين، وأهل الخفة الذين قد رفعوا عن أنفسهم البال، ~~ورموا بها في كل واد من شره النفس، فإذا شرهت النفس، طلبت التفسخ، والتوزع ~~في الأمور، والتلذذ بالبطالات، فلذلك تجترئ على تغيير أسماء قد تسمى بها ~~أهلها، وفي ذلك حقارة للمؤمنين، إذا دعوا بالألقاب. # وروي عن أبي أمامة: أنه قال له رجل: يا أصلع! فقال: لقد كنت PageV07P155 ~~غنيا عن لعنة الملائكة. # وبلغ من تعظيم حق المؤمن وإجلاله أن يكنى، ويدعى بالكنية؛ لأن الاسم قد ~~نالته البذلة، فلم يزل يسمى ويدعى به في صغره، فلما حل محل الإجلال، جعل له ~~دعوة طرية من نوعه عن البذلة، فكني عن الاسم بشيء آخر تعظيما له؛ لأن الاسم ~~قد امتهن وابتذل في أيام صغره، فصار كالشيء الخلق بالامتهان، فأجل بالكنية، ~~وكانت الأعراب -لجفائهم- ينادون: يا محمد! يا محمد! فنهي العباد عن ذلك، ~~ونزلت: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا}. # فعلموا أن يقولوا إذا دعوا: يا رسول الله! يا نبي الله! وقد كانت كنيته ~~أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فلو دعي بتلك الكنية؛ لكان مدعوا بما قد ~~كان ابتذل قبل النبوة، وامتهن، فجعلت مرتبته ms1193 أعلى بين الأمة، فدعي بالنبوة ~~والرسالة؛ لئلا يسوى به سائر الناس. # قوله: ((في الصلاة متخشعا)). # فالخشوع: من فعل القلب، فإذا علم القلب أين قام، ولمن قام، تخشع، وهذا ~~لمن ذلت نفسه في العبودة، وقد شهد الله لهم بالفلاح في تنزيله، فقال: {قد ~~أفلح المؤمنون}، ثم نعتهم فقال: {الذين هم في صلاتهم خاشعون}، فإذا استقام ~~القلب لله، ذلت النفس، وإذا ذلت النفس، هدأت الجوارح. PageV07P156 # 1620 - حدثنا صالح بن محمد: أنبأنا سليمان بن عمرو، عن محمد بن عجلان، عن ~~المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجلا يعبث بلحيته في صلاته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو ~~خشع قلبه، خشعت جوارحه)). # قوله: ((إلى الزكاة مسرعا)). # فالسرعة: من حياة القلب، يعلم أن المال ميال بالقلوب عن الله تعالى؛ لما ~~فيه من حلاوة المنافع، ودرك الشهوات والمنى، ولذلك سمي مالا، فإذا مالت ~~القلوب بسبب شيء؛ نزعت البركة من ذلك الشيء، فأمر بالتصدق منه؛ ليظهر صدق ~~إيمانه. # فإني لما ملت إلى هذا المال، فأحببته، وفرحت به، ملت عنه إلى الله بهذه ~~العطية، وبمفارقة قلبي إياه؛ بأن أخرجته من ملكي، وودعت نفسي تلك الحلاوة ~~التي كانت تجدها من درك المنى والشهوات، فهذه العطية صدق إيماني، فسميت صدقة. # ثم سميت زكاة؛ لأنها لما صارت إلى الله، احتشت من إقباله، فاحتشى القلب ~~من دنوه منه؛ لأن العبد تقرب بها إلى الله، فلما قبلت منه، قرب. # فالصدقة: تطهر العبد من السباب، فيصير العبد زاكيا، فإنما سميت زكاة؛ لأن ~~المال عادت البركة إليه، وزكي، وطهر العبد من الميل عن الله، فزكي، فلذلك ~~قال: {والذين هم للزكاة فاعلون}؛ أي: أسرعوا لما علموا ميل القلوب عن الله ~~بحبهم ذلك المال، وبادروا ففعلوا تزكية القلوب PageV07P157 ~~والنفوس، فأثنى الله عليهم، فسماهم: فاعلين للزكاة، وقال في آية أخرى: ~~{وآتى المال على حبه}، ثم قال في آخر الآية: {أولئك الذين صدقوا}؛ أي: في ~~إيمانهم، {وأولئك هم المتقون}؛ أي: دخلوا في وقاية الإيتاء فرارا من حبه؛ ~~لأن ms1194 ذلك الحب يضر بهم. # قوله: ((في الزلازل وقورا)). # فالوقار: يثقل قلب العبد؛ فإنما نالته الزلزلة من بلوى وشدة، فلم يكن ~~وقورا، استفزته الشدة، فتكفأت به يمينا وشمالا، فإذا توقر، ثقل، فأصاب ~~الثبات في وقت الشدائد، والوقار: إكليل الإيمان. # ولذلك قال زيد بن أسلم، أو غيره من التابعين: إن على الحق نورا، وعلى ~~الإيمان وقارا. # وأوفر المؤمنين حظا من الوقار: أوفرهم حظا من القربة. # 1621 - حدثنا الفضل بن محمد الواسطي: ثنا أحمد ابن أبي الحواري: ثنا ~~مروان بن محمد بن الفضل الكندي، عن خالد بن يزيد بن صبيح، عن يونس بن ~~ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، قال: قال داود عليه السلام: إلهي! دلني على ~~عمل إذا أنا عملته، نلت به وقارك، فأوحى الله إليه: يا داود! أحبب المؤمنين ~~من أجلي، ولا يزال لسانك رطبا PageV07P158 ~~من ذكري، واعمل لي حتى كأنك تراني. # قوله: ((في الرخاء شكورا)). # لأن وقت الرخاء النفس ساكنة في مستقرها، والقلب مفتوح الباب، مشرق النور، ~~منكشف الغطاء، فإذا تناول النعمة على نور من ربه على انكشاف الغطاء؛ كان ~~شكورا، فهو على بصيرة من ربه، ومن كان في هذه الحال شكورا، كان في البلاء ~~صبورا؛ لأن الغطاء منكشف، والستر مرفوع. # قوله: ((قانعا بالذي له، لا يدعي ما ليس له)). # فالقناعة: طيب النفس، وهي الحياة الطيبة، وهي من الله ثواب عاجل للعبد ~~بما أطاعه؛ فإن ربنا شكور، وله ثواب في العاجل لعبيده، وثواب في الآجل، وهو ~~الأولى؛ لمعرفة الحقوق، وأقدار الأمور، وشكر العبيد، وكنه الأشياء، وقال في ~~تنزيله: {من عمل صالحا من ذكر أو أثنى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}. # وروي عن وهب بن منبه: أنه قال: الحياة الطيبة: القناعة. # 1622 - حدثنا بذلك صالح بن محمد: ثنا سليمان بن عمرو، عن سعيد بن عبد ~~العزيز التنوخي، عن وهب بن منبه في قوله: {فلنحيينه حياة طيبة}، قال: ~~القناعة. # والجبن: والحرص غريزة واحدة يجمعها سوء الظن بالله. PageV07P159 # فهذه القناعة ثواب الله العاجل لعبده، إذا صلحت سريرته وعلانيته، يملأ قلبه ~~غنى حتى يكون غنيا ms1195 بالله، فيقنع بما يؤتى ويقسم له من الدنيا. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من استغنى بالله، أغناه ~~الله)). # وقال: ((ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس)). # 1623 - حدثني أبي رحمه الله: ثنا إسماعيل بن صبيح اليشكري: ثنا صباح بن ~~واقد الأنصاري، عن إسماعيل بن رافع المديني، عن دويد بن نافع المديني، رفع ~~الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن الله أنزل في بعض ~~ما أنزل الله من الكتب قسما يقسمه، يقول: وعزتي وجلالي، وجمالي وعلوي ودنوي ~~وارتفاع مكاني! لمن آثر هواي على هواه، لأجمعن له شمله، ولأكفينه ما أهمه، ~~ولأجعلن غناه في نفسه، ولأضمنن السماوات والأرض رزقه، ولأتجرن له من رواء ~~تجارة كل تاجر، ولمن آثر هواه على هواي، لأشتتن -أو قال: لأشككن- عليه ~~أمره، ولأجعلن فقره PageV07P160 ~~بين عينيه، ولأحضرنه همومه، الحاضر منها والغائب، والقديم منها والحديث، ~~حتى لا يدري من أين تجيئه، ومن أين تأخذه، فإذا ملأ قلبه غنى، قنع)). # وكان حق هذه الكلمة في الإعراب أن يقول: ((قنعا بالذي له))، وهؤلاء ~~الرواة ربما لحنوا في الأداء حتى يحرفوا الكلمة عن موضعها؛ من جهلهم ~~باللغة؛ لما دخلهم من اللكنة في لسانهم. # ولذلك قال الحسن البصري: أهلكتهم العجمة. # وقيل للحسن: إنك لا تلحن؟ فقال: إني قد سبقت اللحن. # وإنما هو قانع، وقنع، فالقانع: السائل، قنع يقنع قناعة؛ أي: رضي يرضى ~~رضى، وهذه من الأضداد. # وقال القائل: # لمال المرء يصلحه عفافا ... أعف من القنوع PageV07P161 ~~أي: من السؤال. # وروي عن ابن عباس: أنه ذكر هذا البيت. # وقال تعالى في تنزيله: {وأطعموا القانع والمعتر}. # فالقانع: الذي يسأل، والمعتر: الذي يعتريك ولا يسأل. # قوله: ((لا يجمع في القيظ)). # فالقيظ: حرارة الحرص؛ فإنه إذا جمعه كذلك، لم يدعه الحرص أن يتورع في ~~مكاسبه، حتى ينغمس ويتغمض في مكاسب السوء والزيف، ثم يؤديه ذلك إلى التقحم ~~في جراثيم الحرام، ولكن يجمعه في تؤدة وهيبة، ونظر ومراقبة، يعبد الله بذلك ~~الجمع، فمن كان جمعه عبودة لله، كان كما وصفه ms1196 رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 1624 - حدثنا بذلك صالح بن محمد: ثنا سليمان ابن عمرو، عن أبان، عن أنس، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن كيس فطن حذر، وقاف متثبت، ~~لا يعجل، عالم ورع، والمنافق همزة لمزة حطمة كحاطب ليل، لا يبالي من أين ~~اكتسب، وفيما أنفق)). PageV07P162 # 1625 - حدثنا أبي رحمه الله: ثنا عثمان بن زفر الكوفي: ثنا حصين بن عمر ~~الأحمسي، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: سئل ابن عباس عن أبي بكر الصديق، ~~قال: كان كالخير كله من رجل كان فيه حدة، وسئل عن عمر، فقال: كان كالطير ~~الحذر الذي يرى أن له في كل طريق شركا يأخذه. # فإذا جمع المال ليعف عن المسألة، ويسعى على عياله، ويعطف على جاره، فهي ~~عبودة لله. # كذلك جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: # ((من طلب الدنيا حلالا، واستعفافا عن المسألة، وسعيا على عياله، وتعطفا ~~على جاره، جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلب الدنيا حلالا، ~~مفاخرا مكاثرا مرائيا، لقي الله وهو عليه غضبان)). PageV07P163 # 1626 - حدثنا بذلك أبي رحمه الله: ثنا ثابت بن محمد الزاهد: ثنا سفيان ~~الثوري، عن حجاج بن فرافصة، عن مكحول، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # قوله: ((لا يغلبه الشح عن معروف يريده)). # فالشح: أصله من الحرص، وهو الذي يجمع الحرام والحلال، فإذا عوفي من الشح، ~~صفا ماله، وإذا عوفي من البخل، ظهر المعروف من دأب يده، وقال في تنزيله: ~~{ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}. # وروي لنا عن عبد الرحمن بن عوف: أنه كان يطوف بالبيت ودعاؤه: ربي! قني شح نفسي. # فالشح والبخل متولدان عن الحرص، والشح أقوى من البخل؛ لأن الشح يدعو إلى ~~أن يأخذ مال غيره، وما حرم عليه، ويمنع حقوق الله في ماله، والبخل يدعو إلى ~~أن يمنع المعروف من ماله. # 1627 - حدثنا قتيبة بن سعيد: ثنا حبيب بن غالب PageV07P164 ~~اليشكري، عن العوام بن حوشب، ms1197 عن مجاهد، قال: الشح: منع حقوق الله في ماله، ~~والبخل: منع المعروف. # قال أبو عبد الله: # والشح إنما هو شح يشح شحا، والحاء منه مضاعفة، إنما هو: شاح يشوح، أدغمت ~~الألف في الحاء، فشددت، فقيل: شح يشح. # وقوله: حاش يحوش، وهو أن يطرد الصيد ليجمعه إلى الصائد ويقول: حش عليه، ~~أي اطرد الصيد من النواحي إلى الصائد، ويقول: حش عليه؛ أي: أطرد الصيد من ~~النواحي إلى الصائد، وكذلك صورة عمل الحرص في الآدمي، وهو أن يجمع أسباب ~~المنالات، ويطردها ويسوقها من نواحي الضأن؛ ليجمعها إلى ملكه، فذاك مستعمل ~~في ذلك النوع، وهذا مستعمل في هذا النوع. # فالحوش في فعل الظاهر، والشح في فعل الباطن، وأحدهما مشتق من الآخر، ~~والبخل والخلب بمعنى واحد. # فالخلابة: أن يخادع الناس في بيعه ومعاملاته، والبخل: أن يخادع ربه في ~~معاملته وبيعته في ماله، فإنه قد بايع الله على المعروف. # قوله: ((يخالط الناس كي يعلم)). # أي: يعلم فضل الله عليه، ويعرف أحوال الناس، ويعلم ما يبقي وما يذر، فليس ~~مخالطته مخالطة استرواح إليهم، وأنس بهم، وطمأنينة PageV07P165 ~~إليهم، ولكن مخالطة خبرة واعتبار وحذر، وأخذ بالحزم في أمره معهم. # روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جميع بن عمر في صفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنه كان يسأل الناس عما في الناس)). # فكان سؤاله عن هذه الجهة فيما يرى، وهو صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~التجسس، وكان للأمة أبا يهتم لهم همة الآباء، فيخير الناس، ويأخذ حذره ~~منهم، ويأخذ بالحزم في أمورهم. # قوله: ((يناطقهم كي يفهم)). # أي: يفهم أحوالهم في أمورهم؛ لأن الأسرار وما في الغيوب إنما تظهر ~~بالمناطقة، فلذلك قيل: إنما المرء بأصغريه، وهو القلب واللسان، هذه بضعة ~~صغيرة، وتلك بضعة صغيرة، وإحداهما ترجمان لما في الأخرى، والأخرى وعاء علم ~~الأشياء، فإذا نطق، فهم أين هم، وعرف كلا على درجته، فهو يناطقهم عن حاجة ~~إلى ذلك؛ كي يهتدي لمعاشرتهم كلا على قدره. يقول: ليس به أنس اللقاء، ولا ~~شهوة الكلام، ms1198 وخرافة الحديث، بل هو منهم وحش، ومن حديثهم في تقية، وأنسه ~~بالله، وبمن يلقاه في الله، ويناطق الحكماء إذا ناطق؛ ليزداد بالله علما، ~~وإذا نطق العامة، ناطقهم ليفهم أحوالهم. PageV07P166 # قوله: ((وإن ظلم أو بغي عليه، صبر، حتى يكون الرحمن هو الذي ينتصر له)). # فالصبر: مركز المؤمن بين يدي الله، فإذا ترك الصبر، ترك مركزه بين يدي ~~الله، وانتكست رايته، وتلك راية الهدى، ففي نكس راية الهدى الضلالة، وإنما ~~سمي صبرا؛ لثباته على المركز، ومشتقه من المصبور، وهو أن ينصب طائرا غرضا، ~~فيرميه، فكذلك النفس إذا صيرها صاحبها غرضا لنائبات رميات القضاء، فيثبت، ~~ولا يزول، فكذلك الصبر. # فالمؤمن المحق قد عرف أن الله عدل، يأخذ من الظالم للمظلوم، فإذا ظلم، ~~وجد الله مليا أملأ منه في الانتصار. # وأما البغي: فإن صبر، فقد أخذ بباب السلامة، وإن انتصر، فقد أثنى الله ~~على المنتصر في تنزيله، فقال: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون}. # فالمنتصر أقوى من التارك، والتارك أسلم، ومن ترك الانتصار، فإنما تركه ~~بضعفه، ولما خاف أن تشركه النفس، فأخذ بحظها؛ لأن المنتصر إنما ينتصر بحق ~~الله، لا لنفسه. # فالدين محتاج إلى القوة، فقوته من هذه الثلاث خصال التي ذكرناها في مبتدأ ~~الحديث، واللين محتاج إلى الحزم، فقوته من السكينة، والسكينة ثواب من الله ~~في عاجل الدنيا لمن آثر هوى ربه على هوى نفسه. # ولذلك ما روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه ~~-تبارك وتعالى- قسما يقسمه: أنه قال: ((وعزتي وجلالي! لمن آثر هواي PageV07P167 ~~على هواه، لأجمعن له شمله، فلأفعلن ولأفعلن)). # تركنا بقية الحديث، وذكرنا منه ما احتجنا إليه. # فالإيمان: محتاج إلى اليقين، فقوته من نور العظمة، وإنما ينالها إذا وله ~~القلب بالله عن الأشياء. # والعلم: محتاج إلى الحرص، فقوته من الصدق، وإنما ينال الصدق إذ لها عن ~~نفسه وأحوالها، فهناك يبذل نفسه لله. # والحلم: محتاج إلى العلم، فقوته من الهيبة، وإنما ينال الوصول إليها: إذا ~~هدأت جوارحه، وسكنت نفسه، وانقاد قلبه تذللا. # والغنى: محتاج إلى ms1199 القصد، فقوته من العدل، وإنما ينال العدل: إذا حرس ~~ساحة صدره من وساوس النفس. # والفاقة: محتاجة إلى التحمل، فقوتها من التقوى، وإنما ينال التقوى: إذا ~~وصل إلى القربة، فقرب. # والطمع: يحتاج إلى التحرج، فقوته من الانفراد، فإذا انفرد العبد بالله، ~~خرج من الطمع. # والكسب: محتاج إلى الحلال، فقوته من الخوف، فإذا نال الخوف، قدر على ~~مجاهدة النفس في الكسب حتى يطيبه. # والبر: محتاج إلى الاستقامة، فقوته من انفتاح الطريق، فإذا فتح له، ~~استقام، ولم يعرج. # والنشاط: محتاج إلى الهدى، فقوته في الحذر، فإذا حذر من PageV07P168 ~~الذات، انقبض، ولم يجترئ على النشاط؛ لأن النشاط انحلال الجوارح. # قال الله تعالى: {ويحذركم الله نفسه}؛ فإنما حذرك ذاته. # وقال: {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه}؛ أي: احذروا أن لا ~~يتلظى عليكم شعاع من نور العظمة، فتصير السماوات والأرض جمرة واحدة. # والشهوة: محتاجة إلى النهي، فقوتها من الوجل، فإذا ولج قلبه، لم يدع له ~~تهنيا بشهوته، وإنما ينال الوجل: إذا خشي ربه، وإنما ينال الخشية: إذا تردد ~~قلبه في علم الملكوت، والله أعلم. PageV07P169 ### || AUTO الأصل الرابع والتسعون والمئتان (¬1) # تفسير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنزل القرآن على عشرة ~~أحرف)). # 1628 - حدثتني أم عائشة بنت سهل، عن أبيها سهل ابن سالم، عن خلاد بن ~~محمد، عن أبي حمزة السكري، عن زكريا بن حكيم، عن الشعبي، عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنزل القرآن ~~على عشرة: بشيرا، ونذيرا، وناسخا، ومنسوخا، ومحكما، ومتشابها، وعظة، ومثلا، ~~وحراما، وحلالا، فمن ابتشر ببشيره، وانتذر بنذيره، وعمل بناسخه، وآمن ~~بمنسوخه، PageV07P171 ~~واقتصر على محكمه، ورد أمر متشابهه إلى عالمه، واتعظ بعظته، واعتبر بمثله، ~~وأحل حلاله، وحرم حرامه؛ فأولئك هم المؤمنون حقا، لهم الدرجات العلا مع ~~النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وهو وارثي، ~~ووارث الأنبياء قبلي. # ولولا قسم أنه لا نبي بعدي؛ لكان نبيا من أنبياء الله، ولا يزال في ضمان ~~الله وكنفه، وحيثما تلا القرآن، غشيته الرحمة، ms1200 وتنزلت عليه السكينة، وكان ~~بعين الله منورا له قلبه إلى يوم القيامة، ويحشر يوم القيامة في زمرتي، ~~وتحت لوائي، ولوائي أبيض العود، أخضر الرقعة، أفيح الريح، وله لسانان: لسان ~~يرى بالمشرق، ولسان يرى بالمغرب، يظل حملة القرآن، والمتحابين في الله، فمن ~~ضيع واحدة منهن؛ فقد ضيع كلهن، ويلقى الله تعالى غدا ظمآن، محول الخد، نادم ~~القلب، مرتعد الفؤاد، حاسر القدم، مستحييا من الرب -جل وعز-، مغفورا له، أو ~~معذبا)). PageV07P172 # قال أبو عبد الله: # فأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ابتشر ببشيره)). # فالبشرى: خبر عن الغيب، وذلك أن العبد في دار المحنة والبلوى متعرض ~~للنعمة والآفات، ممزوج بها، مسؤول عن الشكر عليها، ومقتض الصبر على مزاجها ~~من الآفات، وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يظهر له من غيب الله تعالى غدا. # فالخيرة كائنة للعبد؛ فأيد الله المؤمنين بخطابه وكلامه، فبشرهم، وإنما ~~سمي بشرا؛ لأنه أنبأهم في هذا الخطاب عن خبر نفى حيرتهم، حتى قويت القلوب، ~~واطمأنت النفوس؛ فإن النفس إذا اطمأنت، فقد تخلص القلب من وساوسها، وصار ~~حرا، والحر قوي مالك، والعبد ضعيف عاجز في رتبة، فإذا اطمأنت النفس، قوي ~~القلب، انتشر السرور في الصدر، فإذا انتشر السرور؛ نضرت الوجوه، فتلك ~~النضرة تورث البشر، وضد النضرة: الكسوف، وضد البشر: العبوس. # قال الله تعالى: {ولقاهم نضرة وسرورا}، قال: نضرة في الوجوه، وسرورا في القلب. # فالسرور يفيض [على] القلب من الفرح الذي حل بالنفس، فالفرح في النفس، ~~والسرور تولده في القلب، وسلطانه وانتشاره في الصدر، ثم يتأدى ذلك من مجمع ~~العروق التي على القلب إلى العروق التي في الوجوه، فتشرب جلدة الوجه من ~~ذلك؛ بمنزلة شجرة شربت عروقها من ماء في أصلها، فأدت عروقها إلى الأوراق، ~~فنضرت، فيقال: أشجار PageV07P173 ~~ناضرة كأن الماء يقطر من ورقها، وخضرتها تبرق بروقا من نضرتها وطراوتها، ~~فكذلك هذا يتأدى إلى الوجه، فينضر بشرة الوجه، وهو جلدتها، فإذا كان ذلك، ~~علم أن في الباطن خبرا سارا. # فقوله: ((ابتشر)) على قالب افتعل؛ أي: صار هذا البشر الذي ms1201 ظهر على وجهه ~~من ذاته؛ أي: عمل ذلك الكلام في قلبه وصدره، حتى اختلط بذاته، فاختلط ~~بسمعه، وبصره، ومخه، وجميع جوارحه؛ فهذا لمن استمع قلبه إلى خطابه، فوعاه ~~بأذني قلبه، فاستقر في قلبه علم ذلك، وورد العقل على قلبه ببهاء ذلك ~~الخطاب، والفهم بمكنون لطائفه في ذلك الخطاب، والفطنة بكشف الغطاء عن صور ~~تلك اللطائف، فطابت النفس لذلك، وازدهرت، وأينعت عن الذبول والخمول، فإذا ~~كان بهذه الصفة؛ فقد ابتشر بالبشرى. # وأما قوله: ((وانتذر بنذيره)). # فكذلك أيضا، وهو أن العبد قد شرهت نفسه من الفرح بأحوالها، وبسبب نمائها، ~~ونضرت، فإذا جاءها الوعيد من الله تعالى، ذبلت، وسكن تلظي تلك الأفراح، ~~وانقمعت، فتنغصت عليه حلاوة الأفراح، وتكدر عليه صفو النعم بما جاءه من ~~الوعيد، فظهر في صدره من كدورة دخان الوعيد، ومرارة التنغيص، فتأدى ذلك إلى ~~الوجه، فظهر على وجهه الكسوف، فأورثه العبوس، فتجد صاحب هذه الصفة مرة ذا ~~بشر ونضرة، ومرة ذا عبوس وكسوف، فإذا وردت عليه البشرى؛ أقمر وجهه بتلك ~~النضرة، فظهر البشر والكشر، وزال عنه الكسوف، فإذا ورد عليه الوعيد، انكسف ~~القمر الذي بوجهه وانعبس، والعبوس يقبض أسارير الوجه والجبين، PageV07P174 ~~والبشر انطلاق تلك الأسارير، وذلك قوله: {يوما عبوسا قمطريرا}، وهو أن ~~يتقلص الجبين، وتنقبض أسارير وجهه، فمن ابتشر ببشر الله، وانتذر بنذيره، ~~فإنما يفعل ذلك بقلب عامر، ومحال إن وجد أحدهما عنده أن يفقد الآخر؛ لأن ~~ذلك فعل القلب. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((وعمل بناسخه، وآمن بمنسوخه)). # فإن الناسخ آية قد أمر الله بالعمل بها، وقد كان قبل ذلك أمر العبد بغير ~~ذلك في آية نزلت قبلها، فالناسخ ما قد جاء، فدفع الأول، وحل بمكانه، فهو ~~ناسخ للأول، والأول منسوخ؛ أي: مدفوع عن مكانه، ولذلك سمي: نسخة الكتاب؛ ~~لأنه يدفع عن الكتاب مثاله وصور الحروف. # فالناسخ والمنسوخ: بلوى من الله لعبده، أمره بالتوجه إلى الكعبة، ثم صرفه ~~إلى بيت المقدس، ثم صرفه إلى الكعبة، لينظر أيعبد الله؟ أم يعبده في ~~الظاهر، ويعبد هواه في الباطن؟. # ثم قال: ms1202 {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ~~ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله}، وقال: ~~{ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين}. # أي: حتى نعلم من يجاهد نفسه في ذاتي، ويصبر عما حرمت عليه، وعلى ما ~~افترضت عليه، وعلى ما حكمت عليه من الأحوال المكروهة؛ مثل: الفقر، والذل، ~~والبؤس، والمرض. # ثم قال مع هذا بعد مجاهدة النفس والصبر: {ونبلوا أخباركم}؛ أي: أنتم مني ~~مع هذه المجاهدة والصبر أعلى طيب النفوس، أم على خبثها وترددها، والأركان ~~صابرة؟ فإذا آمن بالمنسوخ، وعمل بالناسخ؛ فهذا عبد PageV07P175 ~~منقاد لربه، قد ألقى بيده سلما. # وأما قوله: ((واقتصر على محكمه، ورد علم متشابهه إلى عالمه)). # فالمحكم خرج إلى العباد من الحكمة البالغة، وهو مثل الآيات التي في سورة ~~الأنعام: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم}، ومثل قوله: {وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} إلى قوله: {ذلك مما أوحى إليك ربك من ~~الحكمة}. # فأعلم العباد أنه لم يأمر بشيء، ولا نهى عن شيء جزافا، أمرهم ونهاهم ~~بالحكمة البالغة، فظاهر الحكمة في أيدي علماء الظاهر، وباطن الحكمة في أيدي ~~علماء الباطن حكماء الله ونصحائه، وهو علل الأمر والنهي. # وقد نفر علماء الظاهر من هذه المقالة، وقالوا: ليس لأمره ونهيه علة، ~~وإنما هو تعبد، خافوا على ذلك من قبل أهل كياد الدين، وقالوا: متى أطلقنا ~~هذه المقالة، لم نأمن أن يطلب ذلك منا من يروم كيد الدين من أهل الزيغ، ~~فيعجز عن علم تلك العلة، فتسقط الحجة عن نفسه، فحسموا هذا الباب. # فقال أهل الباطن: هذا تعبد، وقد لزم العباد العمل به، ولكنا نستيقن أنه ~~لم ينه عن شيء، ولا أمر بشيء إلا بالحكمة، تعالى الله عن الجزاف المهمل عن ~~التدبير والتقدير، فنحن نطلب تلك الحكمة في معادنها، فإذا وجدناها، حمدنا ~~الله، وإن افتقدناها، انقدنا لله تعالى عبودة وذلة لرقها، فإن تلك الحكم ~~تبعثك على إقامة الأمر والنهي إذا رأيت حسن تلك الأمور وبهجتها، ونزاهة ~~النهي عن طهارته، ms1203 وسنذكر واحدة من تلك الحكم: # افترض الله تعالى الصلاة على عباده، فرجل أداها تعبدا، وآخر طالع PageV07P176 ~~الحكمة ببصيرته، فوجد العبد موكلا بحفظ الجوارح السبع، وهي: السمع، والبصر، ~~واللسان، والبطن، والفرج، واليدين، والرجلين، وهو بمنزلة عبد وكل بسبعة ~~أغنام ليرعاها في مراعيها، ولكل شاة مرعى على حدة، وهو على مكان مشرف على ~~هذه الأودية، ويورد عليهم من مكانه الماء، فيسقيهم كلا على حياله في واديه، ~~وقيل له: متى ترد في جرف أو بئر، فبادر في إخراجه منه، وإن أنكر، فأجبره، ~~ومتى ما وقع في سموم الكلأ؛ مثل: الدفلى وأشباهه، فبادر بالترياق. # ومتى وقع الذئب فيه؛ فأرسل الكلاب عليه لاستلابه من الذئب، فإن ذهب هذا ~~الراعي، فجعل هذه الأغنام في باله، وعني بشأنهن ورعايتهن؛ نال الكرامة، ~~وعوض عن تعبه وكده، يا لك من عوض! وإن أهمل الرعاية، وضيع الغنم، فواحدة في ~~بئر قد تردت فيها، وواحدة في أنياب السبع، وواحدة في السموم قد تهرأ لحمها ~~وعظمها، فأول ما يقال له: يا راعي السوء! أكلت اللحم، وشربت اللبن، ولبست ~~الصوف، ولم تؤو الضالة، ولم تجبر الكسيرة، ولم ترها في مرعاها، وعطشتها في ~~مراعيها، حتى يبست وماتت هزلا، بؤسا لك من راع! ما اكتسبت بفعلك إلا مقتا ~~وبعدا، توقع الرق مستقبلا، والعقوبة العظيمة في هذا الرق. # فهذا المؤمن في غفلاته كالراعي في نعساته، فإذا نعس الراعي حتى تردت ~~واحدة منهن في البئر، بادر إليها فاستخرجها، وإذا وقعت في سموم الكلأ، ~~عالجها بالترياق والبادزهر، حتى يردها إلى الحالة الأولى، والمؤمن إنما سمي ~~مؤمنا؛ لأنه اطمأن إلى الله تعالى عبودة له، واستقر قلبه، وسمي مسلما؛ ~~لتسليم جوارحه إليه في أمره ونهيه، وعليه الوفاء PageV07P177 ~~بذلك إلى يوم القيامة، فمتى ما ضيع شيئا من أمره ونهيه، دخل في وفاء تسليمه ~~نقص بقدر ما ضيع، وترك الوفاء، فقد علم الله عز وجل من العباد أنهم سيخلفون ~~هذا التسليم تضييع أموره، فافترض عليهم القيام بين يديه عبودة وتذللا، ~~معتذرين مما ضيعوا، فقد قام العبد مقاما جمع جوارحه المنتشرة في مراعيها ms1204 ~~بين يديه، قد أزال سمعه عن الناس والأمور، وأزال بصره عن النظر إليهم، ~~وأزال لسانه عن خطاب الخلق، ويده عن القبض والبسط، ورجله عن المشي، وبطنه ~~عن الطعام، وفرجه عن الاعتماد. # فهذا من العبد تسليم إلى الله مستقبلا معتذرا بالثناء والركوع والسجود، ~~مرضيا له، حتى يرجع من عنده على تجديد إسلامه، ومزيد من فضل الله ورحمته، ~~فعبد أدى فرائضه على هذه الصفة من المطالعة، والعلم، واليقظة، والانتباه، ~~وعبد أداها تعبدا، وهذا كله مستور عنه، فمتى يلحق هذا ذاك؟ # ولهذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجلين ليكونان في ~~صلاة واحدة في سقف واحد، ولما بين صلاتيهما أبعد ما بين السماء والأرض)). # فقد ذكرنا هذا في الصلاة، وفي الوضوء موجود مثل ذلك، وفي الغسل من ~~الجنابة مثله، وفي الصوم مثله، وفي الزكاة مثله، وفي سائر الأعمال التي ~~عللها قائمة لا يعقلها إلا أهلها، أولئك قوم قد تخلصت قلوبهم من ظلمة ~~الشهوات، وخرجوا إلى البرهان العظيم الواضح، وإلى PageV07P178 ~~النور الأعظم، وهو قوله: {يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} إلى ~~قوله: {إلى النور}. # فإنما نالوا هذا الخروج بصلاته عليهم، وإنما نالوا صلاته عليهم بكثرة ~~ذكره، ويتلاقى ماؤها من ذلك الذكر بالتسبيح بكرة وأصيلا. # وأما المتشابه، فأسرار الله التي طواها عن العباد، وأسرار الرسل التي ~~أفضاها إليهم، وطواها عن العباد، وأسرار الأولياء التي أفضاها إليهم، ~~وطواها عن سائر الموحدين، فهذه أشياء قد اشتبهت على الخلق؛ لعجزهم عن ~~احتمالها. # فالمقتصر على محكمه لا يتعدى إلى ما شبه عليه، بل يقتصر على المحكم؛ فإن ~~الحاجة به إلى المحكم، والمتشابه رتبة المحكم، طواها الله تعالى عن العباد؛ ~~لعجزهم عن احتمالها، ثم إذا تنحنحوا في دار الملك، وانكشف الغطاء، وزال ~~عنهم رق العبودة، وصار الأمر جهرا، وزاروا الله تعالى في داره، طوقهم النظر ~~إليه، واحتمال لذة كلامه، أفضى إليهم الأسرار التي طواها عنهم. # 1629 - حدثنا محمد بن رزام الأبلي: ثنا أحمد ابن عطاء الهجيمي، قال: ~~حدثني محمد بن نصير، عن عطاء بن أبي رباح، ms1205 عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، ~~قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {قال رب أرني أنظر ~~إليك}، فقال: ((يا موسى! إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، ولا ~~رطب إلا تفرق، إنما يراني PageV07P179 ~~أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم، ولا تبلى أجسادهم)). # فقد أعلمك سبب عدم الرؤية في دار الفناء، وألقى عذره إلى عبده موسى حيث ~~قال: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني}. # فحل بموسى من الصعق ما حل، وبالجبل من الدك ما حل، يعلمه أنه لا يطيقه ~~احتماله، وأن الجنة خلقت، فزينها ببهائه، فاحتملت الجنة تجليه، والدنيا ~~خلقت من كدورة وزبدة، فذللها بسلطانه، وزينها بنثاره من الجنة، مستورة عن ~~الأرض زينتها، ومزجها بالشهوات التي حفت بالنار، وذلك حظ إبليس، فلا الجبل ~~احتمل تجليه، ولا موسى. # ولذلك قال: {تبت إليك}؛ لأنه سأل ذلك في دار دنية فانية خربة، قد قذرت ~~بالشرك والمعاصي، ذهبت رؤيته في ذلك الوقت بشغوفه بربه، وزلة عقله، فلطف ~~الله له أن ألقى إليه عذره في ترك إجابته، وألجأه إلى التوبة، إذ تدين له، ~~حتى فزع إلى التنزيه، وإلى التوبة، ومن هاهنا عقلنا قوله: {يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض}: أن هذه الأرض بدلت بها أرض طاهرة لم تدنس بمعصية لنور الله ~~تعالى، وهو قوله: {وأشرقت الأرض بنور ربها}. # فلم تكن الأرض النجسة بالمعاصي بمستحقة لذلك، فبدلت بها أرض طاهرة لكلام ~~الله وجنته، وإشراقها بنوره. # وقد أبت هذه الطبقة الغالية المعطلة احتمال هذه الخطة من جود ربنا PageV07P180 ~~سبحانه وكرمه، فقالوا: إن هذه صفة من صفاته؛ أي: لا ترى في الدنيا، ولا في ~~الآخرة. # واحتجوا بقوله: {لا تدركه الأبصار}. # وزعمت أن هذه صفة من صفاته، فلا تنسخ، ولا تتغير صفته، فتكون في الدنيا ~~بخلاف الآخرة. # فلما قيل لهم: فمن عطل صفة من صفاته، أليس قد انقطع نظام توحيده؛ لأن ~~العباد وحدوا ربا بجميع صفاته، فإذا عطلت صفة، فقد خرجت من توحيده؟ ~~أفتزعمون أنه حين سأل الرؤية قطع النظام، وعطل ms1206 صفة من صفاته؟ ففزعوا من هذا ~~القول، والتجؤوا إلى أن موسى -عليه الصلاة والسلام- لم يسأل رؤية العين، ~~إنما سأل مشاهدة القلب. # فلما قيل: فإنما قال موسى: {رب أرني أنظر إليك}، ولم يقل: أر قلبي ينظر ~~إليك، فإن كان هذا السؤال للقلب، فلم تجلى للجبل؟ # فأنكروا هذا، وقالوا: إنما جعل في الجبل آية من آياته، فتجلت الآية ~~للجبل، فقلنا: يا ممسوخ القلب! يقول الله تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل}، ~~وأنت تقول: إنما تجلت آية من آياته! كفى بذلك خزيا، وحدثنا عن الآية! التي ~~احتجيت بها في قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}، وأن هذه ~~صفة من صفاته، هل عقلت أي شيء هو؟ وأين هذا من ذاك؟ # إنما قال: لا تدرك، فقد تم الكلام، ثم قال: هو، ف ((هو)): اسم، لا صفة ~~له، ومن الهوية خرجت الصفات، وإلى ((هو)) إشارة القلب إلى PageV07P181 ~~المعروف الموصوف. # ألا ترى إلى قوله: {هو}، ثم قال: {الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب ~~والشهادة}، ثم قال: {هو الرحمن الرحيم}، ثم قال: {هو}، ثم قال: {الملك ~~القدوس}، ثم قال: {هو}، ثم قال: {الخالق البارئ المصور}؛ ف ((هو)) أصل ~~الأسماء، وإليه يشير القلب؛ لأنه الباطن الذي لا يدري كيف. # فكذلك الله تعالى وصف نفسه، وسمى صفاته، فإنما وصف وسمى صفاته لدرك ~~العباد، وأما هو فلا تدرك العباد منه معنى ولا صفة، ولا تدرك الأبصار ذلك ~~المعنى والإشارة، فأين هذا من التجلي بصفة من صفاته؛ بجلال، أو بعظمة، أو ~~بهاء؟ ما أحسب أن الله تعالى صرف قلوبهم عن هذا، إلا أنه حبسهم عن ذلك في ~~دار البقاء، وأشقاهم، جعل لصفاته أسماء بحروف مؤلفة دارت الألسن عليها نطقا ~~بما تراءت في القلوب هذه الصفات، فصير عينا يوم الموقف التي كانت على ~~القلوب، وللصفات معنى، ولا تدرك ألوهيته؛ لأنه لا معنى له، ولا يحاط به علما. # فأما قوله: ((إن المتشابه زينة المحكم)). # مثل قوله في مبتدأ السورة: {الم}، فإنما ذكر حروف المعجم مؤلفة شبه بها ~~عن العامة، وطوى علمها ms1207 عنهم، وأوصلها إلى أهلها، يعلمهم حشو ما في السورة ~~للعباد من زاد الإيمان، وإنما ظهر عندهم وعنهم الإيمان. # ومثل قوله: {طسم} يعلمهم بهذه الحروف حشو ما في هذه السورة. # ومثل قوله: {يس} يعلمهم حشو ما في هذه السورة -بالياء والسين-، PageV07P182 ~~فهذا لا يدركه إلا حكماء الله في أرضه، وأوتاد أرضه وصلوا إليه، فبه نالوا ~~هذه الحكمة؛ لأن هذه حكمة الحكمة، وكما أن للعلم باطن، كذلك للحكمة باطن، ~~فهذا باطن الحكمة. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((العلم علمان: فعلم في ~~القلب، فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان، فذلك حجة الله سبحانه على ابن آدم)). # فالعلم الذي على اللسان هو العلم الظاهر، والعلم الذي على القلب فهو ~~الباطن، وهو الحكمة. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ما من آية إلا ولها ~~ظهر وبطن)). # فهذا تحقيق ما قلنا بدءا. # كما أن العلم علمان، فكذلك الحكمة حكمتان: # حكمة ظاهرة يعلمها الحكماء، وحكمة باطنة يعلمها نجباء الحكماء، من وصلت ~~قلوبهم إلى فردانيته، فتناولوا هذا العلم من الفردية، وهو علم حروف المعجم، ~~وبهذه الحروف تعرف العلوم كلها، وبالحروف ظهرت أسماؤه، حتى عبروها ~~بالألسنة، وفهموا معانيها من قبل الحروف، فهذه حكمة العلماء من الفردية ~~خرجت إلى العباد، فإنما شبه علمه على العباد؛ PageV07P183 ~~لأن قلوبهم لا تحتمل ذلك، وعقولهم لا تهتدي لذلك، إنما يهتدي لذلك من وصفهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن الله: أنه قال: ((ما تقرب إلي ~~عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ثم إنه يتقرب إلي بعد ذلك بالنوافل حتى ~~أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه وبصره، ويده، ورجله، ولسانه وفؤاده، فبي يسمع، ~~وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، وبي ينطق، وبي يعقل)). # فالمتشابه زينة المحكم؛ لأن المحكم في السورة، وفي المحكم لطائف، وتأديب، ~~وتنبيه، ومعاريض، وندبة، وتشويق، وحداثة، فأجمل ذلك كله في مفتتح السورة؛ ~~ليعلم أهله ما في حشو هذه السورة، وهو كالبشرى لهم، تبتهج [به] قلوبهم، ~~وتتورد نفوسهم، وتزدهر وتينع ثمراتها. # فالعباد ms1208 محتاجون إلى ذلك؛ لأنهم يسيرون إليه في مفازة جرداء؛ أعني: ~~دنياهم، فزادهم فيها الأعمال بالجوارح، ويسيرون إليه بقلوبهم في بحر عميق ~~مظلم، فقليل منهم يخلص من هذا البحر. # فالعامة قد غرقت فيه، وانكسرت سفائنهم، فمتعلق بحبل، ومتعلق بلوح منها، ~~هذه أحوالهم في البحر، وأكثرهم غرقى هلكى أموات، فهم قتلى هذا البحر، وهم ~~المشركون، والمنافقون، والموحدون قد تعلقوا بمثل ما وصفنا. # وأما القليل المتخلصون من هذا البحر، فهم الصديقون، جاهدوا نفوسهم في ~~الله حق جهاده، حتى أمطروا، فأدركتهم رحمة الله تعالى حين PageV07P184 ~~جأروا إلى الله عز وجل، فاستجاب لهم، واجتباهم، وهداهم إليه، فمن بين واصل ~~إليه، وبين منقطع موقوف به على مقام من تلك المقام. # قال الله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء ~~الأرض}. # فهذا سر لا يقدر العبد في جهده أن يكشف عن نفسه، حتى يتولاه فيكشفه عنه، ~~ويجعله من خلفاء الأرض، فخاصة الله من الصديقين هم الذين وصلوا إلى ملك ~~الملك، حتى نالوا علم هذه الأشياء من الفردية، فهذا نوع من المتشابه، ونوع ~~آخر قد حازت خطته أن يصل إليه أحد من الرسل فمن دونهم، وهو ستر القدر، لا ~~ينكشف لهم ذلك إلا في داره، وذلك عندما زالت العبودية عنهم؛ لأن علم القدر ~~لا يستقيم لهم مع العبودة، ولو كشف، لفسدت العبودة عليهم، فطواه عن الرسل، ~~وعن الملائكة؛ لأنهم في العبودة، فإذا زالت العبودة، احتملوه؛ فإن ذلك من ~~جهاز الإيمان. # ألا ترى أن الله تعالى وصف الراسخين في العلم أنهم قالوا: {آمنا به كل من ~~عند ربنا}، وذلك أنهم تلوا آية العبودية، ثم تلوا آية القدر، فاستحال عندهم ~~في تدبيره الذي وصفه لهم، فسلموا ذلك إليه، فقالوا: {آمنا به كل من عند ~~ربنا}، فردوا علم ذلك الذي شبه لهم إلى عالمه. # ثم خافوا شره النفس لطلبها؛ لأن العلم لذيذ، وفتنة تلك اللذة لها شره، ~~ففزعوا إلى ربهم، فقالوا: {ربنا لا تزغ قلوبنا} الآية، علموا أن الرحمة ~~تطفئ تلك الفتنة من نفوسهم، ثم قالوا: {ربنا إنك ms1209 PageV07P185 ~~جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد}. # يتساءلون بمجيء ذلك اليوم، وانكشاف ستر القدر؛ لأن فيه الفرج كل الفرج ~~لقلوبهم، وإنما طوي عنهم؛ لأنهم لم يحتملوا ذلك هاهنا، فكانت الفتنة ~~تفسدهم، فأولئك الطبقة إذا بلغوا من التلاوة تلك المواضع؛ وجدوا حرقات تلك ~~الأسرار على قلوبهم، ولا يجترئون على أن يلاحظوه بقلوبهم على جهة التفتيش، ~~فيردون علمه إلى عالمه، ويسألونه السلامة من الزيغ في فتنة اللذة، ويتسلون ~~بجمع الناس في ذلك اليوم وميعادهم؛ لانكشاف ذلك، فيبرز الله عز وجل مكرمة ~~الموحدين وجاههم وإقرارهم هناك. # وفي القرآن آيات كثيرة عجزت علماء العامة عن دركها، ونالتها الحكماء؛ ~~أعني: خاصة الله تعالى، وآيات عجز الحكماء أيضا عنها؛ مثل: القدر، ونحوه. # 1630 - حدثنا الجارود: ثنا يونس بن محمد، عن شيبان، عن قتادة، قال: كان ~~ابن عباس يكتم تفسير آيات من القرآن؛ مثل قوله تعالى: {إن الذي فرض عليك ~~القرآن لرادك إلى معاد}، ومثل قوله: {ويسألونك عن الروح}،ومثل قوله: ~~{والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم}. PageV07P186 # 1631 - حدثنا صالح بن عبد الله بن ذكوان، عن محمد بن بكر، عن هشام، عن ~~الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من القرآن آية إلا ~~ولها ظهر وبطن، وما من حرف إلا وله حد، ولكل حد مطلع)). # وزاد فيه عمر بن عبيد: قال: قلت للحسن: ما ظهر وما بطن؟ قال: سر وعلانية. # قال: فما المطلع؟ قال: منتهى ينتهي إليه. # وأما قوله: ((واتعظ بعظته، واعتبر بمثله)). # فالاتعاظ: أن يشتمل على القلب، فيجعلها من ذاته كالشيء يتشرب في الشيء، ~~حتى يأخذه سلطانه، ويكون أملك به. # وأما الاعتبار بمثله: فإن الأمثال نموذجات الآخرة، وكل شيء غاب عن عينك، ~~فوصف لك؛ احتجت إلى مثاله في الشاهد، فتعتبر بالشاهد إلى الغائب الموصوف، ~~واشتقاقه من العبور، إذا رأيت هذا الحاضر، عبرت بعقلك وقلبك إلى شكله في ~~الغائب، وإنما قيل: عبور؛ لأنك عبرت بعقلك في سفينة الذهن على بحر العلم، ~~ولأن فهمك غواص يغوص في هذا البحر، فإذا كان ms1210 الفهم ذكيا، غاص على الدر، ~~وأيد العقل بالفهم والحفظ. # فالذهن يشتمل على العلم، والعقل يميزه ويزينه، والفهم يستخرج PageV07P187 ~~الدرة منه غوصا، والحفظ يمسكه مستودعا إلى وقت الحاجة إليه، فيخرجه إلى ~~عيني الفؤاد في الصدر صورة، فإذا كان كذلك، اطمأنت النفس إلى ما تصور في ~~الصدر، ووضح، وانكشف الغطاء. # وأما قوله: ((وأحل حلاله، وحرم حرامه)). # فهو المتمسك به أن ينبسط في حلاله الذي أطلق عن وثاقه كهيئة المحرم، فإنه ~~لكل شيء حريما، والحريم: حمى الله الذي حمى عباده عن الدنيا. # وأما قوله: ف {أولئك هم المؤمنون حقا}. # فهذه صفة عبد قد بلغ حقيقة الإيمان، وحقيقة الإيمان: هو الإيمان الذي ~~أحاط بجميع خصال الإيمان، فجمعه في صدره على قلبه، فذاك عبد نور الله ~~بالإيمان قلبه، فهو الذي ينتظم هذه الخصال التي ذكرت في الحديث. # ولذلك قال: ((من ضيع واحدة منهن، فقد ضيعهن كلهن))؛ لأن ذلك كله على ~~القلب، فإذا خرب القلب عن واحدة منهن؛ فهو عن سائرهن كذلك. # وأما قوله: ((لهم الدرجات العلا)). # فهي جنات الفردوس، وهي سرة الجنة. # كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الفردوس أعلى الجنة ~~سموا، وأوسطها محلا، وأقربها إلى العرش)). PageV07P188 # وهي سرة الجنة، وهي مسكن النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وهم أهل ~~الوفاء بعهده، # فإن العهد للأمراء؛ فهم أمراء على سائر أهل الجنان، ألا ترى أنه ليس لهم ~~أن يرتقوا في الزيارة إلى درجاتهم، حتى ينزل أهل الدرجات في الزيارة إلى ~~منازل هؤلاء، وإذا نزل، تحول نعيمهم في ذلك الوقت إلى تلك الهيئة في ذلك الطعم. # قال الله تعالى: {ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات} إلى قوله: {وذلك جزاء ~~من تزكى}، فنسب الفردوس إلى عدن؛ لأنها حول عدن، وعدن دار الرحمن. # وأما قوله: ((وهو وارثي، ووارث النبيين قبلي)). # فإن ميراث الأنبياء ذلك التنزيل الذي نزل به الروح الأمين وحيا، فإذا ~~قبضوا؛ ورثهم خلفاؤهم، ومن طهر مكانه لاحتماله. # وأما قوله: ((ولولا قسم أن لا نبي بعدي؛ لكان نبيا من أنبياء الله)). # فإن النبوة مضمنة سيرة الحق، ms1211 وذلك أن النبوة رفعت من العدل والحق، وبعث ~~الله النبيين بالحق والعدل، وجعل لهم وزراء على ذلك في حياتهم وبعد وفاتهم، ~~فقال: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}. # فلما أعطي موسى -عليه الصلاة والسلام- هذا، رضي من الله عز وجل كل الرضا، ~~وذلك لأنه قرأ في التوراة صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فسأل ربه، ~~فأعطي ما رضي به من قوله: {يهدون بالحق وبه يعدلون}. PageV07P189 # ثم أعطيت هذه الأمة ذلك، فقال: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}، ~~فهذه مكرمة أكرم الله عز وجل بها موسى عليه السلام يوم الوفادة، ثم جعل ~~لهذه الأمة مثلها. # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ القرآن، فكأنما أدرجت ~~النبوة بين جنبيه، غير أنه لا يوحى إليه)). # وأما قوله: ((لا يزال في ضمان الله وكنفه)). # فإن القرآن ذمة الموحدين، فمن دخل في ذمته، وقي شر الدنيا والآخرة، وذلك ~~قوله: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى}. # فروي في الخبر عن الشعبي، قال: أجار الله تابع القرآن من الضلالة ~~والشقاء. # والشقاء على وجهين: # وجه منهما: شقاء العيش في الدنيا. # والوجه الآخر: شقاء العيش في سجون النيران. PageV07P190 # فتابع القرآن قد أجير من الوجهين جميعا، فنعيمه في الدنيا: راحة القلب من ~~غموم الدنيا وظلماتها، ويسره في الأمور، فقلبه في راحة؛ لأنه ميسر عليه ~~أمور الدنيا، مهيا له في يسر، فإذا ضمن الله عبدا، واكتنفه، كانت صفته ~~هكذا، وهو قوله: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات} إلى قوله: {ساء ما ~~يحكمون}. # أي: من طمع من عمال الفاسدات أن يجعل محياه ومماته كمحيا وممات من عمل ~~الصالحات؛ فقد ساء ما حكم، فأكذب الله عز وجل ظنه وأمانته. # وأما قوله: ((وحيثما تلا القرآن، غشيته الرحمة، وتنزلت عليه السكينة)). # فذلك لأن كلام الله عز وجل خرج من اللطف، وجرت به الرحمة، حتى تضمنته ~~الرحمة، فنزل به على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، جاد بكلامه على العباد، ~~ورفع قدرهم بأن خاطبهم خطاب اللطف والكرم والشرف، ثم أوصل ms1212 إليهم كلامه، ~~وجعل لكلامه كسوة من نور، فقال: يا أيها الناس {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين}. # والكتاب: هو الحروف، قد بان وانفصل، ثم اتصل بالمنطق بالأدوات، والنور ~~كسوته، ثم قال: {وهدى وموعظة}. # فالهدى: هو الذي يمدك ويميل به إليك، والموعظة: ما يعصمك به، وشفاء لما ~~في الصدور؛ فإن في الصدور وساوس النفس، ولذات الشهوات، فكذلك سقم القلب بما ~~فيه من الإيمان. # فالقرآن شفاء من ذلك السقم، إذا حل بالقلب مع كسوته، فاستنار الصدر، فأما ~~إذا صار الصدر كالمروج والغياض الملتفة شوكا وقصبا وبرديا PageV07P191 ~~وثماما؛ من كثرة الأشغال، أشغال النفس؛ لم يجد القلب سبيلا إلى الله تعالى؛ ~~لأن عمل ذلك على عيني الفؤاد في الصدر، فإذا صارت عينا الفؤاد في هذه ~~الغياض، لم يستبن فيه شيء، فهذه تلاوة عبد قد فرغ قلبه وصدره، حتى صار ~~كبقعة من الأرض جرداء. # وقلب أزهر، فإذا ازدهر القلب، [أو] حل الضوء بالصدر، استبانت مواعظ الله، ~~وهداية الله في نصائحه ولطائفه، وصار شفاء لما في الصدور. # وأما قوله: ((وتنزلت عليه السكينة)). # فالسكينة من الله لعبيده، بها تطمئن القلوب في الأمور؛ لثقلها إذا تنزلت، ~~وأعطيت بنو إسرائيل، فعرفوا ثقلها، فأبوا قبولها، وسألوا أن يجعل ذلك في ~~التابوت؛ لينطق عن التابوت بما تطمئن إليه القلوب في الأمور، وذلك قوله: ~~{أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم}، وذلك أن التابوت كان استلبه العدو ~~يوم الهزيمة، فحملته الملائكة إلى محلة بني إسرائيل، فجعل الله ذلك لأمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: {هو الذي أنزل السكنية في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم}؛ أي: طمأنينة في الأمور إلى طمأنينتهم بالله. # وبالسكينة بوأ لإبراهيم -عليه الصلاة والسلام- مكان البيت، وذلك أنها ~~وقفت وانزوت، حتى وقفت على مقدار الكعبة، ونادت: أن ابن على ظلي، فإنما تحل ~~السكينة بقلوب أهل الصفوة. # وقال أسيد بن حضير: يا رسول الله! كنت أصلي البارحة، فغشيني شيء PageV07P192 ~~حتى نفر فرسي؟ قال: ((اقرأ أسيد، تلك السكينة جاءت تستمع القرآن)). # وأما قوله: ((وكان بعين الله)). # فهذه كلمة قد ms1213 أتت على النوال كله، وهذه أعلى كلمة في هذا الحديث، ومن كان ~~بعين الله؛ كان من خاصة الله في أرضه، ومن أصفيائه ومقربيه يوم القيامة. # وأما قوله: ((منورا له قلبه إلى يوم القيامة)). # فهذا نور الحظ؛ لأن الأنوار ثلاثة: نور التوحيد، ونور الطاعة، ونور الحظ؛ ~~فمن كان بعين الله، كان له نور الحظ. # وأما قوله: ((يحشر يوم القيامة في زمرتي، وتحت لوائي)). # فزمرته: السابقون المقربون، وهم تحت لوائه، واللواء بيد أمير السابقين، ~~وذلك أن لكل أمة لواء، ولواء الأمة بيد رسولها، ولواء هذه الأمة بيد أمير ~~السابقين؛ لأن محمدا صلى الله عليه وسلم بيده لواء الرب -تبارك وتعالى-، ~~وهو لواء الحمد، آدم فمن دونه تحت ذلك اللواء. # ثم وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم لواءه، فقال: ((لوائي أبيض العود، ~~أخضر الرقعة، أفيح الريح، له لسانان: لسان يرى بالمشرق، ولسان يرى ~~بالمغرب)). # فبياض العود من الغمام، والغمام حجاب الرحمة، وخضرة الرقعة من ملك ~~الهيبة، وفيح الريح من ملك الرأفة، وله لسان قد بلغ المشرق PageV07P193 ~~والمغرب؛ لأنه بعث إلى أهل المشرق والمغرب كافة، فلواؤه من نبوته. # وأما قوله: ((يظل حملة القرآن، والمتحابين في الله)). # فهؤلاء صفوة الأمة أولياؤه، والعمال كل في ظل عمله، والسابقون في ظل ~~العرش، وهو ظل الله سبحانه وتعالى. # وأما قوله: ((ومن ضيع واحدة منهن، فقد ضيع كلهن)). # لأن هذه خلال معتملها على القلب، فإذا عمر القلب، انتظم هذه الخلال كلها، ~~وإذا خرب، كانت بمنزلة خرزات في نظام واحد، إذا انقطع السلك، سقطت الخرزات، ~~ويلقى الله غدا ظمآن؛ لأنه خرج من الدنيا عطشان؛ لأنه اتخذ القرآن مهجورا، ~~ولقي الله مفتونا، لاه عن ذكر الله، وذكر آلائه، وذكر مننه، وذكر لطائفه، ~~وذكر وعده ووعيده. # وفتنة النفس على وجوه: # فمفتون برياسة نالها من علم على اللسان قد تزين به، واتخذ به جاها عند ~~الخلق، واكتسب الحطام لقوته. # ومفتون بملك قد زاحم جبابرة أهل الدنيا، حتى نال ناحية من زواياها يتجرأ ~~فيها على أهلها. # ومفتون بزهد قد ملك الخلق وما في ms1214 أيديهم بظاهر تركه، فهو يحكم فيهم بزهده ~~حكم السادة على العبيد، وفي قلبه من الرغبة أمثال الجبال. # ومفتون بعبادة ونسك وتقوى يتحلب من ضروع شبابكه ما يمتلئ به عليه. # ومفتون بالجمع والمنع. # ومفتون بسعة العيش، وقضاء النهمات، قد أملى له ذلك مستدرجا، PageV07P194 ~~يجري في مكر الله سبحانه وتعالى. # وأما قوله: ((محول الخد)). # فمن أجل أنه وحد الله، ثم بايعه على قبول العهد والوفاء به، فلما بدل، ~~حول الله خده عنه، ورمى به إلى العدو. # قال الله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} إلى ~~آخر الآية، ثم قال: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون}. # وأما قوله: ((نادم القلب)). # فإنه ندم حين لا تنفعه الندامة، وأنى له التوبة، وقد انكشف الغطاء؟! # وأما الندم العزم على رفض مساخط الله، وأي شيء رفض، وقد زالت الأشياء ~~التي أمر برفضها؟ فليس له هناك عزم، إنما العزم في دار الامتحان، لا في دار ~~كشف الغطاء. # وأما قوله: ((خاسر القدم)). # فلأنه دعي إلى أن يعامل الله بهذا العهد، ويتاجره، فيكون ربحه جنته، ~~وهديته رضوانه الأكبر، فاكتسب مساخطه، قال الله تعالى: {وأوفوا بعهدي أوف ~~بعهدكم}. # وأما قوله: ((مرتعد الفؤاد)). # فذاك للأهوال التي ركبته، فانخلع فؤاده واضطرب؛ للخصام الذي يتوقع من ~~القرآن، فإنه ماحل مصدق، ويشرف الرجل على النار، فيقال له: PageV07P195 # ((زخ في قفاه في النار))، فيفعل. # وأما قوله: ((مستحييا من الرب)). # فلأنه نبذ لطائفه وبره وعطفه وراء ظهره، وآثر شهوات نفسه في دنياه، على ~~ما هيأ له ومهد رب العالمين برأفته ورحمته، فهذا حياؤه من بعد ذلك، مغفورا ~~له، أو يعذبه على قدر ذنوبه، والله سبحانه وتعالى أعلم أعلم. ### || AUTO مسألة في الإجازة # قال أبو عبد الله: # سألت عن إجازة العلماء هذه الكتب التي قيد فيها العلم: ما وجهها؟. # واعلم: أن العلم جملة، والمعرفة متولدة من العلم المجمل، فهذا التخطيط، ~~وهذه السطور في هذه الكتب قيود العلم، حتى لا يدرس؛ لأن النسيان داخل على ~~الحفظ، وكأن دروس العلم عن ms1215 الصدور بما يحدث من النسيان، فأودعوه الكتب. # وبذلك أدبهم الله عز وجل في تنزيله فقال: {يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه}. # ثم قال: {ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند ~~الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا}. # فجعل الكتاب لهذا الدين المؤجل: صفة هذا الدين، وكميته، ونحله، PageV07P196 ~~وتقويما للشهادة، ونفيا للريبة. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((قيدوا العلم ~~بالكتابة)). # والصدور وعاء العلم، والكتابة وعاء من أوعيته؛ فكما كان في الصدور تصوير ~~المعاني التي في ذلك الكلام، فكذلك صار تصوير ذلك الكلام في الكتاب تخطيطا، ~~فهو علائم ذلك المعنى، فإذا ناولني صاحبه، أو أعلمني: أن هذا الذي فيه هو ~~كلامه، فينبغي أن أقول: هذا كلام فلان. # وإذا قال: هذا قولي على معنى أني قلته، أو على معنى أني إن سئلت عنهن، ~~فإني أقول بهذا، فهو جائز؛ لأن ذلك التخطيط هو كلام، وهو قول، فإذا ناولني ~~صاحبه، فقال: هذا كتابي، فاروه عني؛ جاز لي أن أروي عنه، وإن قال: هذا خطي، ~~وهذا علمي بهذه المسألة؛ جاز لي أن أقول: هذا خط فلان، وهذا علم فلان. # فإذا قال: هذا كلامي، وهذا قولي؛ لشيء لم ينطق به، وإنما كتبه وناوله؛ ~~جاز أن يقول: هذا قوله، وهذا كلامه؛ لأن هذا يقع على معنى كلامي أن لو ~~تكلمت به، وقولي أن لو قلت به، فكما جاز لي أن أقول: هذا قول فلان على معنى ~~أنه قوله أن لو قاله، وكلامه أن لو تكلم به. # وكذلك قوله: اشهد بكذا، ولم يكن شهد قبل ذلك، ولا بعد ذلك. # وجاز للمستمع أن يقول: حدثني، وأخبرني؛ لأن الحديث هو أن يحدث إليه شيئا ~~من علم ذلك الأمر محدثا، فكذلك الشيء هو حديث، وهو المحدث لذلك، وكذلك ~~الخبر، وهو إلقاؤه علم ذلك إليه، وتأتي PageV07P197 ~~جهة إلقائه إليه؛ فهو خبر. # وقد سمى الله سبحانه وتعالى تنزيله: كلاما، وحديثا، فقال: {الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها}. # قال أبو عبد الله ms1216 رضي الله عنه: # ووجدنا الأحكام جارية أن تمضي العقود فيما بين الناس بالكتب، فيلزمهم ~~الحكم في ذلك. # فمن ذلك: أن الرجل يكتب إلى امرأته بطلاقها من غير أن يلفظ به، فينزل به ~~الطلاق، وإلى عبده بالعتق، فيصير حرا إذا وصل الكتاب، وكذلك البيع والشراء ~~والإقرار بالمال، كل هذا لازم حكمه، فإذا كانت الأحكام جارية، كان في الخبر ~~هكذا، وإذا كتب إلى القاضي بأن لفلان علي كذا وكذا؛ ألزمه القاضي ذلك، ~~وأحله محل الإقرار. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب إلى أمرائه، فكان يجوز لهم أن ~~يقولوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا. # وإنما على العلماء الأداء، وتبليغ العلم، فإذا أدوه، وتلقت الأسماع منهم، ~~ووعوه لفظا ومعنى، ثم أدوه إلى من بعدهم من القرون، فلو كان اللازم لهم أن ~~يؤدوا تلك الألفاظ التي وعوها بأعيانها بلا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم، ~~ولا تأخير؛ لكانوا استودعوها الصحف؛ كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالقرآن، كان إذا نزل الوحي، دعا بالكاتب فكتبه. # وقال تعالى في تنزيله: {إن علينا جمعه وقرآنه}، وقال: {إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون}. PageV07P198 # فكان الوحي محروسا، ومع الحرس يكتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو ~~كانت هذه الأحاديث شأنها كذلك؛ لكتبها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فهل جاء عن أحد منهم أنه فعل ذلك إلا من كان ضعيف الحفظ، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ((قيده بالكتابة)). # وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله عبدا سمع منا مقالا، ~~فأداه كما سمعه)). # فإنما معناه: أن يؤديه أداء لا يتغير معناه بزيادة ما يزيد فيه وينقص، ~~وإلا، فمن يقدر أن يؤدي مقالة لا يزيد فيها حرفا، ولا ينقص منها حرفا؟ ~~وإنما ذلك في الزيادة والنقصان الذي يغير المعنى، والله سبحانه أعلم. PageV07P199 # ### |EDITOR| # ENDNOTES # (¬1) هذا الأصل جاء في النسخة (ن) برقم: الأصل التاسع والثلاثين والمئتين، ~~وهو غير موجود في النسخة الأصل، ألحقناه هنا لتمام الفائدة. PageV07P105 # (¬1) هذا الأصل ms1217 جاء في النسخة (ن) برقم: الأصل الثاني والستين والمئتين، ~~وهو غير موجود في النسخة الأصل، ألحقناه هنا لتمام الفائدة. PageV07P117 # (¬1) هذا الأصل جاء في النسخة (ن) برقم: الأصل السابع والستين والمئتين، ~~وهو غير موجود في النسخة الأصل، ألحقناه هنا لتمام الفائدة. PageV07P171 ms1218