######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000720 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (المتوفى: نحو 320هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نوادر الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب التخريج والزوائد #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000720 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-720 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/720 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الرحمن عميرة #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الجيل - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | - الأصل الأول ### | في بيان التحصين من لدغ العقرب وكلمة الاستعاذة بالكلمات # حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله ما نمت البارحة قال من أي شيء ~~قال لدغتني عقرب فقال أما انك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامة ~~كلها من شر ما خلق لم يضرك شيء إن شاء الله تعالى وفي رواية لم يضرك شيء ~~حتى تصبح # PageV01P059 # وعن خولة بنت حكيم السلمية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى ~~يرتحل من منزله ذلك # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضوان الله عليهم أجمعين قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا فزع أحدكم في النوم فليقل أعوذ بكلمات الله ~~التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون فإنها ~~لن تضره فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده ومن لم يبلغ كتبها في ~~صك ثم علقها في عنقه # PageV01P060 # وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين يقول أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان ~~وهامة ومن كل عين لامة # ويقول كان أبي إبراهيم يعوذ بهن إسماعيل وإسحاق عليهما السلام # قال أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين بن بشير الحكيم الترمذي المؤذن ~~كلمة الله التامة وكلمات الله التامات يؤديان إلى معنى واحد فمن قال كلمة ~~الله التامة فإنما أراد به الجملة ومن قال كلمات الله التامات فإنما أراد ~~الكلمة الواحدة التي تفرقت في الأمور في الأوقات فصارت كلمات ومرجعهن إلى ~~كلمة واحدة فكلمته التامة هي قوله تعالى {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون} # وقال الله تعالى {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} ms001 # وإنما قيل تامة لأن أقل الكلام عند أهل اللغة على ثلاثة أحرف حرف يبتدأ ~~به وحرف يحشى به الكلمة وحرف يسكت عليه فإذا كان على حرفين فهو عندهم منقوص ~~وإنما نقصت لعلة مثل قوله يد ودم وغد وفم هذه كلها منقوصات لأنها على حرفين ~~وكذلك كن هي من الآدميين من المنقوصات لأنها على حرفين ولأنها كلمة ملفوظة # PageV01P061 # بالأدوات ومن ربنا جل جلاله كلمة تامة لأنها بغيرالأدوات ومنفي عنه شبه ~~المخلوقين وقال الله تعالى {وتمت كلمة ربك} # ثم وصفها فقال {صدقا وعدلا} # أي قدسا واستواء ثم قال {لا مبدل لكلماته} أي ليس لأحد أن يعجزه إذا قال ~~لشيء كن وإنما قال بكلماته لتفرق هذه الكلمة في الأمور كلها فلكل قضية ولكل ~~إرادة من الأمور من ربنا في كل أمر كلام بقوله كن وهو ما روي عن أبي ذر رضي ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن الله عز وجل إنما ~~عطائي كلام وعذابي كلام # فأما قوله كن فالكاف من كينونته والنون من نوره وهي كلمة تامة بها أحدث ~~الأشياء وخلق الخلق فإذا استعاذ العبد بتلك الكلمة صارت له معاذا ووقى شر ~~ما استعاذ بها منه لأن العبد المؤمن لما عرف أن لا يكون شيء إلا ما جرى به ~~القضاء والقدر وإنما يمضي القضاء بقوله كن عظمت هذه الكلمة عنده فصارت ~~متعلق قلبه فإنما # PageV01P062 # تأخذه الرغبة في الأشياء والرهبة من الأشياء وقلبه نازع إلى مشيئته ~~وفؤاده مراقب لإرادته وأذنه مصيغة إلى كلمة كن وعينه شاخصة إلى تدبيره # فإذا قال أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق وقي شر ما خلق وصار في ~~حصنه وارتتع في عياذه آمنا مطمئنا هذا لمن قالها بيقظة وعقل ما يقول وهذا ~~القول منه تحقيق الايمان لأنه آمن برب لا يملك أحد سواه شيئا ولا شريك له ~~في شيء وهذا لأهل اليقين الذين إذا قال أحدهم هذا القول استقر قلبه بعد ~~القول على مقالته واطمأنت نفسه # فأما أهل الغفلة فإنهم يعاذون على ms002 أقدارهم لحرمة الكلمة وهو مثل ما جاء ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا قال العبد حسبي الله سبع مرات ~~قال الله تعالى وعزتي لأكفينه صادقا أو كاذبا # فإنما قال صادقا أو كاذبا لأن السابق المقرب وهو الموقن إذا قال حسبي ~~الله صدقه بفعله فهو صادق لأنه لا يتعلق بعد ذلك قلبه بالأسباب وذلك مثل ~~قول إبراهيم عليه السلام حين وضع في المنجنيق من الجبل ليرمى به في النار ~~وعري من الكسوة وكتف بالوثاق فقال حسبي الله فعارضه جبريل عليه السلام في ~~الهواء امتحانا # PageV01P063 # وابتلاء وقال هل من حاجة يا إبراهيم وهو يهوى في الجو فقال إبراهيم عليه ~~السلام أما إليك فلا وقد بكت السموات والملائكة وخزان المطر عليهم السلام ~~لما حل به وجأرت إلى الله تعالى فأمر الله تعالى بنصرته من حين استغاث به ~~عبده فلم يلتفت إلى أحد من خلقه ولا إلى جبريل مستغيثا حتى تفرد الله تعالى ~~بنصرته فقال تعالى {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} # وإنما عارضه جبريل عليه السلام في الهواء بما عارضه ليبرز صدق مقالة ~~إبراهيم عليه السلام في قوله حسبي الله عن مكنون قلبه وليعلم الصادقون من ~~بعده غاية الصدق في المقالات فاتخذه خليلا ونوه باسمه في العالمين وهو أول ~~من يكسى يوم القيامة لأنه عري في دار الدينا في ذات الله تعالى فبدىء به من ~~بين الأنبياء والرسل عليهم السلام فهكذا يكون قول أهل اليقين في حسبي الله ~~والمخلط كذبه بفعله حيث تعلق بالأسباب وبالمخلوقين حتى صاروا فتنة عليه # فقوله حسبي الله قول الموحدين قول أهل الإيمان لا قول المحققين قول أهل ~~النزاهة واليقين فكذلك قوله أعوذ بكلمة الله التامة المقرب عينه وأذنه إلى ~~تدبيره وقضائه وقوله كن والمخلط عينه وأذنه إلى الأسباب والحيل والحرز ~~والحصون والوقايات فيعاذ على قدره لحرمة قوله واعترافه بأنها كلمة إيمان ~~فالاستعاذة بالله تعلق به محضا والاستعاذة بكلمته تعلق بتدبيره لأنه كذا ~~دبر أن تكون الأشياء بالكلمة وقال في تنزيله عز من ms003 قائل {وإما ينزغنك من ~~الشيطان نزغ فاستعذ بالله} # PageV01P064 # وقال الله تعالى {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} # فهما يدلان على أن ما كان من أمر الباطن فالاستعاذة به وما كان من أمر ~~الظاهر فالاستعاذة بكلمته لأن ما هو في الظاهر هو بقوله كن وما في الباطن ~~صنعه وقال {قل أعوذ برب الناس} # ثم قال {ملك الناس} # ثم قال {إله الناس} أمره أن يستعيذ بثلاثة من أسمائه {من شر الوسواس} وهو ~~باطن # فقوله رب أي مالك ربني فلان يربني فهو راب ثم قالوا رب فحذفوا الألف كما ~~قالوا بار ثم قالوا بر فقوله رب يؤدي إلى الملك وملك يؤدي إلى الملك وإله ~~يؤدي إلى وله القلوب فالوسواس آفة على القلب أمره أن يستعيذ بمالك وملك ~~وإله لأن المالك الذي أحاط بهم فملكهم والملك الذي نفذ أمره فيهم والاله ~~الذي أوله القلوب إلى نفسه # PageV01P065 # من شر الوسواس الخناس وسوس عند الغفلة وخنس عند الذكر فاشتق له اسمان من ~~فعليه # ثم بين أين موضعه من الجسد فقال {الذي يوسوس في صدور الناس} والصدر ساحة ~~القلب وفيه الفكر ومنه تصدر الأمور # ثم بين أن الوسوسة جنسان فقال من الجنة والناس وسوسة جنية وهي الشيطان ~~ووسوسة إنسية وهي النفس # وكذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال هما وسواسان وإنما قال ~~وسوس لأنه يزعج وقوله أز يؤز أي أزعج يزعج وقال في تنزيله {تؤزهم أزا} ~~والهاء والهمزة والواو اخوات تجزىء الواحدة عن صاحبتيها فقوله أز وهز ووز ~~بمعنى واحد إلا أن كل واحدة تستعمل في نوع والزاء والسين أختان تجزىء ~~إحداهما عن الأخرى كما قالوا صقر وزقر وسقر فقوله وز وقوله وس يوس بمعنى ~~وسوس وقوله وسوس في قالب العربية فع فع لأنه في الأصل وس ثم كرر فقيل وسوس ~~لأن فعله على القلب مردد مكرر فأمره أن يستعيذ بالأسماء الثلاثة منه # PageV01P066 # ثم قال {قل أعوذ برب الفلق} وكل ما انفلق شيء عن شيء فهو فلق قال أهل ~~التفسير الفلق واد في ms004 جهنم إذا فتح وانفلق هر أهل النار من شدة حره وقال ~~بعضهم الفلق الصبح لأنه انفلق عن الليل وهو قوله تعالى {فالق الإصباح} # وقال الله تعالى {فالق الحب والنوى} # فالحبة تنفلق فتنبت والنوى كذلك أيضا وليس هذا منهم اختلاف لأن الكلمة ~~تؤدي إلى كل شيء انفلق واعظم فلق في الدنيا فلق قلب المؤمن بنور الله تعالى ~~فقال {قل أعوذ برب الفلق} وهو فلق القلب إذا انفلق بنوره # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للقلب أذنان وعينان فإذا أراد ~~الله تعالى بعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه # {من شر ما خلق} وهو ظلمة الكفر {من شر غاسق إذا وقب} والغسق الظلمة وهي ~~ظلمة المعاصي وقوله وقب أي دخل {ومن شر النفاثات في العقد} وهو السحر يعقد ~~الساحر الذي قد باع آخرته بدنياه فاعطى ما تمنى واختار وربنا عز وجل واسع ~~كريم طلب آدم التوبة والطاعة فأعطي وطلب إبليس تضليل ولد # PageV01P067 # آدم وغوايتهم وأن يعطى سلطان ذلك له فأعطي وطلب الساحر منى الدنيا وأن ~~يعطى كل شيء يتمناه برفض الآخرة وأن لا خلاق له فيها فأعطي فهو يعقد خيطا ~~أو وترا على منيته وينفث فيه من نفسه الخبيثة فيصل ضرره الى من يتمنى ذلك ~~عليه {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} # ولما سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عجز عن نسائه وأخذ بقلبه لبث ~~في ذلك ستة أشهر فيما روي في الخبر ثم نزلت المعوذتان إحدى عشرة آية ~~واستخرج الوتر فيه العقد من ذلك البئر فكان كلما قرأ آية من المعوذتين ~~انحلت عقدة حتى حل العقد كلها وبرىء {ومن شر حاسد إذا حسد} وهو العين ~~والحاسد والحاصد بمعنى فهو يحصده بعينه أي يقطعه من الأصل هلاكا ودمارا وهو ~~أن يعجب بالشيء فلا يذكر خالقه فإذا هو قد حصده ودمره والحسد إرادتك التي ~~تريد بها إبطال # PageV01P068 # ذلك الشيء فنوره فلق الظلمات وهو في دعوة إدريس عليه السلام أنت الذي فلق ~~الظلمات نوره فاذا أورد ms005 على القلب نوره فلق الظلمات فجميع ما ذكر في ~~التنزيل من الاستعاذة به وجدناه يؤول الى الباطن من الأمور وما جاء عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال أمرني جبريل عليه السلام أن أكررهن في السجود # وأعوذ بعفوك من عقابك فاستعاذ بالعفو من العقاب لأنه ضده وأعوذ برضاك من ~~سخطك فالرضى ضد السخط # ثم قال وأعوذ بك منك فاستعاذ به منه لأنه لا ضد له وهو كقوله لا مفر منك ~~إلا إليك وهو قوله تعالى {ففروا إلى الله} أي فروا منه إليه # PageV01P069 ### | - الأصل الثاني ### | في كلمة النجوى # عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا يجلس الرجل إلى الرجلين إلا على إذن منهما إذا كانا يتناجيان # روي عن النضر فيما يحكى عن أهل اللغة أن الجماعة إذا لم يكن فيهم # PageV01P070 # غريب فحديثهم نجوى وإن جهروا فيما بينهم وإذا كانوا ثلاثة وفيهم غريب ~~فليس حديثهم بنجوى وإن أسروه قال الله تعالى فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا # وأهل النجوى إذا اجتمعوا نجيا فكأنهم في ستر أو وطن فكما يجب الاستئذان ~~في الدخول عليهم في أوطانهم فكذلك يجب الاستئذان في الجلوس إليهم فإن ذلك ~~أذى لهم وقطع عليهم وهتك لسترهم وهذا كله لعظم حرمة المؤمن وتجنب أذاه وإذا ~~كان وحده ففيه سعة لأنه ليس هناك سر يطلع عليه ولكن يحق على الورع أن يتحين ~~الوقت والحال وأن يتجنب التثقيل # قال إبراهيم النخعي رحمه الله من أمن الثقل ثقل # وقال أبو حنيفة رحمه الله عن حماد من خاف أن يكون ثقيلا فليس بثقيل # قال مغيرة لقد نهى الله تعالى عن التثقيل في قوله الكريم {فإذا طعمتم ~~فانتشروا ولا مستأنسين لحديث} # إلى قوله والله لا يستحي من الحق # وهذه الآية نزلت في بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أحسبها زينب رضي ~~الله عنها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وأولم عليها فلما أطعمهم ~~أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلو بأهله ms006 فقعدوا بعد الطعام # PageV01P071 # يتحدثون في بيته ورسول الله صلى الله عليه وسلم مرة يخرج ومرة يدخل وهم ~~في البيت قعود لا يبرحون فنزلت هذه الآية # وكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا استثقل رجلا قال اللهم اغفر لنا وله ~~وأرحنا منه # وقال حاتم بن عبد الله الأشجي انتهيت مع سفيان الثوري إلى أبي حنيفة ~~اليمامي رحمه الله وإذا هو جالس في تراب فدنونا منه وسلمنا عليه وقال له ~~سفيان رحمك الله تأذن فنجلس إليك قال لا فرجعنا فقال سفيان إن الرجل في كل ~~حالاته يحب أن يجلس إليه # PageV01P072 ### | - الأصل الثالث ### | في تأثير الغضب في الإيمان # عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده رضوان الله ~~عليهم أجمعين قال قلت يا رسول الله أخبرني بوصية قصيرة فألزمها قال لا تغضب ~~يا معاوية بن حيدة إن الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P073 # إن الغضب ميسم من نار جهنم يضعه الله تعالى على نياط أحدهم ألا ترى أنه ~~إذا غضب احمرت عينه واربد وجهه وانتفخت أوداجه # وقال في حديث آخر إن الغضب جمرة توقد في قلب ابن آدم ألا ترى إلى انتفاخ ~~أوداجه وحمرة عينيه وذلك أن الشيطان ينفخ في تلك الجمرة # فشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بالعسل والصبر فكما يفسد الصبر ~~العسل فكذلك الغضب يدنس الإيمان ومرارته تذهب حلاوته ونزاهته فالإيمان حلو ~~نزه والغضب مر دنس # وروي عن عيسى عليه السلام أنه سأله يحيى بن زكريا عليه السلام عن الغضب ~~ما بدؤه قال الكبر ألا ترى أنك تغضب على من هو دونك ولا تغضب على من هو ~~فوقك بمثله # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ~~ذرة من كبر قيل فما الكبر يا رسول الله قال أن تسفه الحق وتغمض الناس أي ~~تحقرهم # PageV01P074 # وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله ms007 صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله ~~عز وجل لي العظمة والكبرياء والفخر والقدر سري فمن نازعني في واحدة منهن ~~كببته في النار والإيمان هو خضوع العبد والقاؤه بيده له سلما والكبر ضده ~~والغضب منه يبدو وينزع الشيطان بنفثه ونفخه حتى يتوقد ويهتاج فلذلك قال ~~يفسد الإيمان # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إني لأعلم كلمة لو قالها ~~لذهب عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وذلك عندما رأى رجلا يتمرغ أنفه من ~~الغضب وهو قوله تعالى وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم # وإنما وضع هذا الميسم من النار في هذا الموضع من الآدمي لكي يغضب لله ~~تعالى في المواضع التي ينبغي فإن في الغضب قوة للآدمي على أمر الله تعالى ~~وهو محتاج إلى أن يعادي اعداءه ويحاربهم فبالغضب # PageV01P075 # يتقوى حتى يحاربهم ويغير المنكر ويقيم حقوق الله تعالى وحدوده فللحق نفخة ~~في تلك الجمرة وللشيطان نفخة في وقته فنفخة الشيطان لها رجاسة تفسد الإيمان ~~وطهارته وطيبه وإذا كانت نفخة الحق فإنه يتقوى ويحمر وجهه ويمتلىء من نور ~~الحق ولا يفسد الإيمان وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب غضب لله ~~تعالى ولا يغضب لنفسه ولا لدنياه وكان إذا غضب رؤي ذلك العرق بين عينيه يرد ~~من الغضب ويظهر نتوؤه وانتفاخه وتحمر وجنتاه # وكان موسى عليه السلام إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا # PageV01P076 ### | - الأصل الرابع ### | في أدب الانتعال # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتقل ~~أحدكم فليبدأ باليمين فإذا نزغ فليبدأ بالشمال وليكن باليمين أولهما يلبس ~~وآخرهما ينزع # اليمين محبوب الله ومختاره من الأشياء فأهل الجنة عن يمين العرش يوم ~~القيامة وأهل السعادة يعطون كتبهم بأيمانهم وكفة الحسنات من الميزان عن ~~اليمين والكرام الكاتبون وكاتب الحسنات منهم عن اليمين # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوخى في كل فعل من مثل هذا اليمين # PageV01P077 # توخيا لمختار الله تعالى وكان إذا شرب أعطى الأيمن فالأيمن ms008 جرعته حتى أنه ~~شرب يوما وأبو بكر رضي الله عنه عن يساره وغلام إعرابي عن يمينه فقال ~~للغلام أتأذن لي فأعطي الأشياخ فقال ما كنت لأوثر بفضلك على نفسي أحدا ~~فأعطاه الغلام وكان يبدأ باليمنى إذا دخل المسجد ثم إذا خرج أو نزع نعله ~~بدأ باليسرى كي يكون اليمين آخر العهد بمسجد الله تعالى وبما هو خير للقدم ~~ورفق له وكان يستعمل تدبير الله تعالى ويفتقده في كل شيء حتى في ترجله ~~وتنعله وطهوره # وعن أنس رضي الله عنه قال لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة ~~ونحر نسكه ناول رأسه الحلاق فقال ابدأ بالشق الأيمن فحلقه فأعطاه أبا طلحة ~~ثم ناوله الأيسر فحلقه فقال اقسمه بين الناس # وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا ~~أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب أحدكم فليشرب بيمنه # PageV01P078 # وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~يمين الله ملأى سحاء لا يغيضها شيء بالليل ولا بالنهار # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~إن الله تعالى خلق آدم فمسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء ~~للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره بيساره فاستخرج منه ذرية فقال ~~خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون # وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خلق ~~الله الخلق وقضى القضية فأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء فأخذ أهل ~~اليمين بيمينه وأخذ أهل الشمال بالأخرى وكلتا يدي الرحمن يمين ثم قال يا ~~أصحاب اليمين قالوا لبيك ربنا وسعديك قال ألست بربكم قالوا بلى ثم قال ~~أصحاب الشمال قالوا لبيك # PageV01P079 # وسعديك قال ألست بربكم قالوا بلى فخلط بعضهم ببعض فقال قائل منهم رب لم ~~خلطت بيننا فقال لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون فقال قائل فما الأعمال ~~قال يعمل كل قوم ms009 لمنزلتهم فقال عمر رضي الله عنه إذا نجتهد # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأعمال أهي مؤتنف أم قد فرغ منها ~~قال بل فرغ منها # عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما خلق الله تعالى آدم ضرب بيده على شق آدم الأيمن فأخرج ذرية ~~كالذر ثم قال يا آدم هؤلاء ذريتك من أهل الجنة ثم ضرب بيده على شق آدم ~~الأيسر فأخرج ذرية كالحمم ثم قال هؤلاء ذريتك من أهل النار # وقال تعالى في تنزيله {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه} وجاء في الخبر أن الجنة يؤتى بها فتوضع عن يمين العرش يوم القيامة ~~والنار عن يسار العرش ويؤتى بالميزان فينصب بين يدي الله وكفة الحسنات عن ~~يمين العرش مقابل الجنة وكفة السيئات عن يسار العرش مقابل النار وقال تعالى ~~وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال # حدث جعفر بن كثير من آل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو يومئذ ابن ~~ثمانين سنة قال حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان # PageV01P080 # إذا صلى الفريضة تياسر فصلى ما بدا له وأمر أصحابه أن يتياسروا ولا ~~يتيامنوا # وعن ضبيعة بنت المقداد بن معدي كرب عن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا صلى إلى عمود أو خشبة أو شبه ذلك لم يجعله نصب عينيه ولكن ~~يجعله على حاجبه الأيسر # قال كأنه يدل بهذين الفعلين من هذين الحديثين على أنه يتوخى اليمين فإن ~~العبد إذا أقام فإنما هو قبالة الله عز وجل # بذلك جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واليمين دل اسمه على ~~معناه فالأمن والإيمان واليمين كله موجود في هذا الاسم # ووجه آخر أنه كان يتياسر بصلاة التطوع عن موضعه الذي أدى فيه الفريضة ~~كأنه لا يجب أن يقدم على الفريضة شيئا ومما يحقق ذلك ما روي عن أبي صالح ~~الحنفي قال ms010 كان علي كرم الله وجهه يسلم تسليمتي الصلاة إحداهما اخفض من ~~الأخرى قيل لأبي صالح أيهما أخفض من الأخرى قال اليسرى وإنما توخى ذلك أن ~~يكون فرقا بين التسليمتين بالخفض ورفع الصوت ليؤدي حق كاتب الحسنات برفع ~~الصوت وكذلك حق من عن يمينه ليؤديه برفع ذلك الصوت وبخفضه عن اليسرى ليتبين ~~فضل اليمنى عن اليسرى # PageV01P081 ### | - الأصل الخامس ### | في النهي عن القزع # عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن القزع والقزع أن يحلق وسط رأس الصبي ويترك ما حوله وكان هذا فعل القسين ~~وهم ضرب من النصارى وفي القرآن {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} والقسيس في ~~النصارى كالصديق في الإسلام وهومن قس أي قص أثر الرسول الذي دعاه على لسانه # قال سلمان رضي الله عنه قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {ذلك بأن ~~منهم قسيسين ورهبانا} فأقرأني ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا # PageV01P082 # وأما حلق أوساط الرؤوس فذلك علامة لضرب منهم أحدثوه فيما بينهم # ولما بعث أبو بكر الصديق رضي الله عنه الجنود إلى الشام قال إنكم ستجدون ~~أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم لله تعالى وستجدون ~~آخرين اتخذ الشيطان في أوساط رؤوسهم أفحاصا فإذا أوجدتم أولئك فاضربوا ~~أعناقهم فالذنن تركوا الدنيا وحبسوا أنفسهم في الصوامع واعتزلوا أمر بترك ~~التعرض لهم ولم يطالبوا بجزية لأنهم تركوا فتركوا لأنهم كانوا صادقين في ~~سبيلهم وإن كانوا على ضلالة والذين خرجوا من الصوامع فلم يصبروا على العزلة ~~وفحصوا عن أواسط رؤوسهم فقد أخبر أبو بكر رضي الله عنه أن الشيطان دلهم على ~~ذلك علامة لأنفسهم وتشهيرا وإظهارا لما هم عليه كأنه يدل على أن ذلك الصنف ~~منهم بمنزلة من تزهد في هذا العصر وهو غير صادق في ذلك يريد بترك الدنيا ~~وقصد بلبس الصوف والخلقان وحف الشارب وتشمير الثياب والعمة المطوقة تحت ~~الحنك والاستقصاء في الكحل إلى اللحاظ المراياة فهذه علامات الطبقة الكاذبة ~~المتزهدة المتأكلة حطام الدنيا بما أظهروا من ms011 زيهم وشكلهم وتماوتهم وخشوع ~~نفاقهم فكذلك كان أولئك غير صادقين في عزلتهم في الصوامع فلم يصبروا عليها ~~فخرجوا وقد حلقوا أوساط رؤوسهم ترائيا وتشهيرا لأمرهم فأمر أبو بكر رضي ~~الله عنه بضرب أعناقهم لأنهم مع كفرهم لغيرالله عملوا في دينهم والذين ~~تركوا وحبسوا أنفسهم تركوا وما حبسوا # PageV01P083 # لأنفسهم لأنهم صادقون في سبيلهم قال الله تعالى ورهبانية ابتدعوها ما ~~كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ثم ذمهم فقال {فما رعوها حق رعايتها} # فإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الصبي أن يحلق وسط رأسه ~~للتشبه بهؤلاء الذين وصفناهم وأما قصة هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية فقد ~~روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل {ورهبانية ~~ابتدعوها ما كتبناها عليهم} # قال كانت ملوك بعد عيسى بن مريم عليه السلام بدلوا التوراة والإنجيل فقال ~~ناس لملوكهم ما نجد شتما أشد مما يشتموننا به إنهم يقرأون ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون {فأولئك هم الفاسقون} مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم ~~فادعهم فليقرأوا ما نقرأ وليؤمنوا بما آمنا به فدعاهم فجمعهم فعرض عليهم ~~القتل وأن يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا وما # PageV01P084 # تصنعون بقتلنا دعونا وابنوا لنا أساطينا ادفعونا فيها واتركوا لنا شيئا ~~يدلى فيه طعامنا ولا نؤذيكم وقالت طائفة أخرى منهم دعونا نهيم في الأرض ~~ونسيح ونأكل مما تأكل منه الوحش ونشرب مما تشرب منه الوحش فإن قدرتم علينا ~~في أرضكم فاقتلونا # وقالت طائفة أخرى منهم ابنوا لنا ديورا في الفيافي فنحتفر الآبار ونحترث ~~البقول ولا نؤذيكم ولا نمر بكم وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم ~~ففعلوا ذلك فيهم وقال الآخرون ممن تعبد من أهل الشرك نتعبد كما تعبد فلان ~~ونتخذ ديورا كما اتخذ فلان ونسيح كما ساح فلان وهم في شركهم لا علم لهم ~~بإيمان الذين اقتدوا بهم وقد فني من فني منهم فلما بعث ms012 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل انحط صاحب الصومعة من صومعته وصاحب الدير ~~من ديره وصاحب السياحة من سياحته فآمنوا به وصدقوه # قال الله تعالى {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} وقال ~~يا أيها الذين آمنوا اتفقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته أي ~~أجرين بايمانهم بعيسى عليه السلام وبالتوراة والإنجيل وإيمانهم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم {ويجعل لكم نورا تمشون به} وقال لئلا يعلم أهل الكتاب ألا ~~يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء # PageV01P085 # قال أبو عبد الله فعلى هذا المثال عاملت متزهدة زماننا سمعت أنه مضى في ~~السلف الصالح من الصحابة والتابعين قوم اجتزوا بالدون من الحال فلبسوا ~~الصوف والخلقان وأكلوا النخالة وامتنعوا من الشهوات وشمروا الثياب وامتنعوا ~~من المخالطة صدقا وتورعا واحتياطا لدينهم كل ذلك خوفا من الله تعالى أن ~~يقدموا عليه متدنسين بحطام الدنيا مفتونين فيها وإنما فعل القوم ذلك لضعف ~~يقينهم بمنزلة من امتنع من دخول البحر سباحة مخافة الغرق لعجزه عن السباحة ~~فلم يكتب الله تعالى هذا عليهم بل احل لهم الطيبات والزينة ووسع عليهم ~~فابتدعوا تركها رهبة من الله تعالى وكانوا فيها صادقين فلم يعابوا ولم ~~يذموا لأنهم رعوا ما ابتدعوا حتى خرجوا من الدنيا مع صدق ما ابتدعوا ابتغاء ~~رضوان الله تعالى فخلف من بعدهم خلف اتبعوهم فيما ابتدعوه وهم غير صادقين ~~فيها فأقبلوا على لبس الصوف والخلقان وأكل النخالة والخبز المتكرج يريدون ~~بذلك إظهار الزهد وقلوبهم مشحونة بشهوات الدنيا تأكل دنياهم بدينهم فما ~~رعوها حق رعايتها كما فعل أصحاب الصوامع والديور واتبعوا القوم في فعلهم ~~وأس أمرهم على ضلالة # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا عبد الله بن مسعود قلت لبيك يا رسول الله ثلاث مرات قال هل تدري أي ~~عرى الإيمان أوثق قلت الله ورسوله أعلم قال فإن أوثق عرى الإيمان الولاية ~~في الله ms013 والحب فيه والبغض فيه يا عبد الله ابن مسعود قلت لبيك يا رسول الله ~~ثلاث مرات قال هل تدري أي الناس أفضل قلت الله ورسوله أعلم قال فإن أفضل ~~الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا في دينهم يا عبد الله بن مسعود قلت لبيك يا ~~رسول الله ثلاث مرات قال هل تدري أي الناس أعلم قلت الله ورسوله أعلم قال ~~فإن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل وإن ~~كان يزحف على أسته واختلف من كان قبلنا على # PageV01P086 # ثنتين وسبعة فرقة نجا منهم ثلاث وهلك سائرها فرقة آذت الملوك وقاتلتهم ~~على دين الله ودين عيسى بن مريم حتى قتلوا وفرقة منهم لم يكن لهم بموازاة ~~الملوك طاقة فأقاموا بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى بن ~~مريم فأخذتهم الملوك وقتلتهم وقطعتهم بالمناشير وفرقة لم يكن لهم طاقة ~~بموازاة الملوك ولا أن يقيموا بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى دين الله ودين ~~عيسى بن مريم عليه السلام فساحوا في الجبال وتزهدوا فيها فهم الذين قال ~~الله تعالى ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما ~~رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ~~فالمؤمنون الذين آمنوا بي وصدقوني والفاسقون الذين كذبوني وجحدوني # فكأنه صلى الله عليه وسلم يخبر في هذا الحديث أن الذين ساحوا وترهبوا هم ~~الفرقة الثالثة التي قد نجت وان الذين أخبر أنهم ما رعوها حق رعايتها قوم ~~جاءوا من بعدهم يقتدون بهم في ذلك وليسوا على صدق من أمرهم أخذوا بظاهر ~~أمرهم وفعلهم فساحوا ولزموا الديور والصوامع وتركوا سبيل أصحابهم الذين ~~مضوا على ذلك # PageV01P087 ### | - الأصل الثالث عشر ### | في العين المؤمنة إذا رأت منكرا # عن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا ينبغي لعين مؤمنة ترى أن يعصى الله تعالى فلا تنكر عليه # فالإيمان قد اشتمل على الجوارح السبع اللائي أخذ عليهن العهد والميثاق ~~وائتمن العبد عليهن ووكل برعايتهن ومستقره في ms014 القلب والشهوة في النفس ~~وسلطانها في الصدر ثم يتأدى الى هذه الجوارح السبع فمن صدق الإيمان أن يكون ~~سلطان كل حارجة منطفئا بما اشتمل عليه من سلطان الإيمان فإذا كان كذلك فقد ~~ملك نفسه فلا يستعمل شهوة بجارحة من الجوارح السبع إلا فيما أذن الله له ~~فيه وإذا رأى غيره يستعملها فيما لم يأذن به الله أنكره والإنكار على ثلاثة ~~منازل فمنكر بقلبه ولسانه ويده ومنكر بقلبه ولسانه ومنكر بقلبه # وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الجهاد ثلاثة جهاد ~~باليد واللسان والقلب وجهاد بالقلب واللسان وجهاد بالقلب وذلك # PageV01P088 # يستوجب بذلك القول المغفرة ولهذا ما روي في حديث آخر عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لا يقولها عبد عند الموت إلا هدمت ذنوبه قيل فكيف يا رسول ~~الله لمن قالها في الصحة قال هي أهدم وأهدم # وإنما هدمت ذنوبه لأنه قالها وقد ماتت منه شهواته وندم على ما فرط منه ~~ندما صحيحا فهو تائب صادق والتائب الصادق على موعود الله تعالى في تنزيله ~~أن {يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات} ويكفر عنه ويدخله الجنة قيل ~~فكيف من قالها في الصحة فإنما يقولها في الصحة على تلك الصفة التي هي عند ~~موته بعد رياضة نفسه وموت شهواته وحرصه ورغبته وبعد زهادته فيها وصفائه عن ~~التخليط فهي أهدم وأهدم فأما المخلط عبد نهماته وشهواته عبد دنياه عبد ~~درهمه وديناره فلا نعلم أن قوله هذا يهدم ذنوبه حتى يصير مغفورا له بهذه ~~الكلمة لأنه لا ترجع هذه الكلمة منه إلى قلب موقن كما اشترط الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في حديثه بل ترجع هذه الكلمة منه إلى قلب مفتون بدنياه ~~مأسور بشهوات نفسه سكران عن الآخرة حيران عن الله تعالى فقلبه ميال الى ~~الهوى والقلب الموقن الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القلب الذي ~~استقر لربه واطمأن بحكمه وقنع بقسمه وانقاد لأمره وشخصت عيناه إلى رحمته قد ~~أيس من كل شيء إلا من رحمته ms015 فهو الذي إذا قالها هدمت ذنوبه لأنه صادق في ~~قوله وإنما سمي اليقين يقينا لاستقراره # PageV01P089 # في القلب وهو النور يقال في اللغة يقن الماء في الحفرة أي استقر فإذا ~~استقر النور دام وإذا دام صارت النفس ذات بصيرة فاطمأنت فتخلص القلب من ~~اشتغاله ودوائره # وإنما استقر اليقين في القلب لأن العبد جاهد نفسه في الله حق جهاده على ~~الصدق واليقظة من خدعها والتحرز من آفاتها حتى بلغ بها غاية الرياضة وانقطع ~~عاجزا فاستغاث بالله تعالى صارخا مضطرا فأجابه فإنه يجيب المضطر ويكشف ~~السوء ويجعله من خلفاء الأرض كذلك وعد في تنزيله فقذف النور في قلبه ففلق ~~تلك الظلمات التي ركدت في صدره على قلبه فانكشف الغطاء وصار أمر الملكوت له ~~معاينة بقلبه وهو قول حارثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال كأني ~~أنظر إلى عرش ربي بارزا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد نور الله عز ~~وجل الإيمان في قلبه وهذه كلمة جارية فيما جاء في الخبر من دعوة إدريس عليه ~~السلام وأن موسى عليه السلام علم ذلك في زمانه وأن نبينا صلى الله عليه ~~وسلم أعطى ذلك في زمانه فكان يدعو بهن وهي قوله يا نور كل شيء وهداه أنت ~~الذي فلق الظلمات نوره # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير مخلصا بها روحه ~~مصدقا بها لسانه وقلبه فتقت له السماء فتقا حتى ينظر الرب إلى قائلها من ~~أهل الدنيا وحق لعبد إذا نظر الله اليه أن يعطيه سؤله # فالروح يخلص من شهوات النفس وأسرها وكذلك القلب فإذا نطق اللسان بالكلمة ~~لم تنازعه النفس ولا القلب ولا الروح فكان ذلك صدقا # عن زيد بن الأرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله # PageV01P090 # إلا الله مخلصا دخل الجنة قيل يا رسول الله وما إخلاصها قال أن يحجره عن ~~المحارم ولهذا ms016 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ يا معاذ أخلص يكفيك ~~القليل من العمل # وعن زيد بن أرقم أيضا رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن الله عهد إلي أن لا يأتيني أحد من أمتي بلا إله إلا الله لا يخلط بها ~~شيئا إلا وجبت له الجنة قالوا يا رسول الله وما الذي يخلط بها قال حرصا على ~~الدنيا وجمعا لها ومنعا لها يقول بقول الأنبياء ويعمل عمل الجبايرة # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~يذكر عن ربه عز وجل ان المؤمن مني بعرض كل خير اني أنزع نفسه من بين جنبيه ~~وهو يحمدني والعبد إنما يحمد الله وهو يقبض أعز شيء عليه بموت شهواته ولهذا ~~إذا رد إلى أرذل العمر وتبرم بالحياة وإذا انقطعت علايقه من الدنيا وتخلص ~~القلب من آفات النفس فنطق بالكلمة العظيمة استنار بها قلبه واطمأنت بها ~~نفسه وأخلص بها روحه فاستوجب المغفرة ولهذا كان السلف رحمهم الله يستحبون ~~أن يلقنوا المحتضر هذه الكلمة ويتعاهدونه بها وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلاالله # PageV01P091 # فهذا عبد ركبته أهوال الآخرة فرضيت نفسه بها عند الموت فنطق بها فغفر له ~~ومن راض نفسه أيام حياته فتح له إلى الغيب فركبته أهوال سلطان الله الكريم ~~وعظيم جلاله فنطق بها عن مثل ذلك القلب فهو للمغفرة أقمن وأخلق # PageV01P092 ### | - الأصل السابع ### | في ترجيح الرجاء على القنوط # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاجر ~~الراجي لرحمة الله تعالى أقرب منها من العابد # المقنط لجهله بالله بعد من رحمة الله وإنما رجاء العبد بالله على قدر ~~معرفته بالله وعلمه بجوده وكرمه والقنوط من الجهل ألا يرى إلى قوله تعالى ~~ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون # والمقنط إنما يقنط غيره لقنوطه فهو ضال عن ربه وما تغني العبادة مع ~~الضلالة وقال تعالى إنه لا ms017 ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون # واليأس من روح الله في الدنيا عند النوائب والكربات من سوء الظن # PageV01P093 # بالله تعالى ومن ساء ظنه بالله انقطع عن الله تعالى وتعلق بخلقه واستعاذ ~~بالحيل ولا يلجأ إلى ربه وكذلك القانط من رحمته قلبه متعلق بالجهد من ~~الأعمال طالبا للنجاة بها وإذا فكر في ذنوبه ألقى بيديه نفسه الى التهلكة ~~ورفض العمل # وروي عن الحسن البصري رحمه الله أنه سئل عن القنوط فقال ترك فرائض الله ~~في السر معناه إذا تراكمت عليه الذنوب أيس من نفسه فرفض الكل وقال قد ~~استوجبت النار وقد كان وقع عندي بعض من رزقة الله الإنابة فجعل يصوم فقلت ~~له ما هذا قال صوم شهر رمضان قلت أو لم تكن تصومه قال لا قلت لم قال كان ~~أصحابي لا يصومونه قلت وهم في الكورة معنا قال نعم قلت وما حملهم على ذلك ~~قال كانوا يقولون عملنا هذه الأعمال من سفك الدماء وأخذ الأموال وسائر ~~المعاصي فما يغني عنا الصوم والصلاة وكانوا لا يصومون رمضان ولا يصلون ~~المكتوبات إلا على أعين الناس يقولون قد استوجبنا النار فقلت هؤلاء قوم ~~أدركهم سخط الله فقنطوا من رحمته # عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال خرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال خرج من عندي خليلي جبرائيل عليه السلام آنفا فقال لي يا ~~محمد والذي بعثك بالحق إن لله تعالى لعبدا من عباده عبد الله خمسمائة سنة ~~على رأس جبل في البحر عرضه وطوله ثلاثون ذراعا في ثلاثين ذراعا والبحر محيط ~~به أربعة آلاف فرسخ من كل ناحية وأخرج الله تعالى له عينا بعرض الإصبع تبض ~~بماء عذب فيستنقع # PageV01P094 # في أسفل ذلك الجبل وشجرة رمانة تخرج كل ليلة رمانة فتغذيه يوما فإذا أمسى ~~نزل فأصاب من الوضوء وأخذ تلك الرمانة وأكلها ثم قام لصلاته فسال ربه عز ~~وجل عند وقت الأجل أن يقبضه ساجدا وأن لا يجعل للأرض ولا شيء لشيء عليه ~~يفسده عليه سبيلا حتى يبعثه ms018 ساجدا ففعل ذلك فنحن نمر به إذا هبطنا وإذا ~~عرجنا ونجد في العلم أنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله تعالى فيقول ~~الرب عز وجل أدخلوا عبدي الجنة برحمتي فيقول بل بعملي يا رب فيقول أدخلوا ~~عبدي الجنة برحمتي فيقول بل بعملي يا رب فيقول للملائكة قايسو عمل عبدي ~~بنعمي عليه وبعمله فتوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة وبقيت نعم ~~الجسد فضلا عليه فيقول أدخلوا عبدي النار فينادي يا رب برحمتك أدخلني الجنة ~~فيقول ردوه فيوقف بين يديه فيقول يا عبدي من خلقك ولم تك شيئا فيقول أنت يا ~~رب فيقول أفكان ذلك من قبلك أم برحمتي فيقول بل برحمتك فيقول من قواك ~~لعبادتي خمسمائة سنة فيقول أنت يا رب فيقول من أنزلك في جبل وسط البحر ~~وأخرج لك الماء العذب من الماء المالح وأخرج لك كل ليلة رمانة وإنمات تخرج ~~الشجرة في السنة مرة وسألتني أن أقبضك ساجدا ففعلت ذلك بك فيقول أنت يا رب ~~فيقول فذلك رحمتي وبرحمتي أدخلك الجنة أدخلوا عبدي الجنة برحمتي فنعم العبد ~~كنت يا عبدي فأدخله الله الجنة قال جبرائيل عليه السلام إنماالأشياء برحمة ~~الله تعالى يا محمد # عن زيد بن أسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انه ليس أحد منكم ~~ينجيه عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله ~~برحمته # PageV01P095 # وهذا الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ولا أنت كان أيضا في ~~عمى من هذا الأمر فإن الله تعالى من عليه بالنبوة وشرح الصدر وكل ذلك رحمة ~~منه قال الله تعالى {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك} # PageV01P096 ### | - الأصل الثامن ### | في بيان أن التعلق بالأسباب مع التوحيد لا يضر # عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أشفق ~~من الحاجة أن ينساها جعل في يده خيطا ليذكرها أو يذكره # الذكر والنسيان من الله تعالى إذا شاء ذكر ms019 وإذا شاء أنسى وربط الخيط سبب ~~من الأسباب لأنه نصب العين فإذا رآه ذكر ما نسي فهذا سبب موضوع دبره رب ~~العالمين لعباده كسائر الأسباب تحرز الأشياء بالأبواب والأقفال والحراس ~~ويستشفى من الأسقام بالأدوية وتقبض الأرزاق والأقوات بالطلب وكل أمر بحيلة ~~وسبب والأرض تخرج نباتها بالماء وهذا تدبيره في عباده والخيط والذكر ~~والشفاء وإيصال الأرزاق كل ذلك # PageV01P097 # بيده يجريها على الأسباب فأهل اليقين لا تضرهم الأسباب وهم الأنبياء ~~والأولياء عليهم السلام يمضون عليها فيحترزون ويتداوون ويحترفون ويحتالون ~~لأنه تدبير الله تعالى كذا دبر لعباده أن يجري أمورهم على الأسباب امتحانا ~~منه لهم لينظر من يتعلق قلبه بالأسباب فتصير فتنة عليه ومن يتخلى عنها ~~فيكون مع ولي الأسباب وخالقها فيسلم من فتنة الأسباب لأن الأسباب لا تملكه ~~فإنهم في الجملة كلهم آمنوا واعترفوا بأن الأشياء كلها من الله تعالى ثم ~~صاروا على ضربين فضرب منهم توالت على قلوبهم الغفلات وركدت أشغال الشهوات ~~وظلمتها على قلوبهم فحجتهم عن الانتباه فصاروا كالنيام والسكارى عن رؤية ~~هذا وذكره فإذا ذكروا ذكروا فاذا انبهوا انتبهوا ثم عادوا إلى رقدتهم ~~وغفلتهم فصار ذلك لهم كالخبر # والآخرون هم أهل اليقين قد خرجوا بيقينهم من الغفلة فالذكر على قلوبهم ~~دائم والأمور لهم معاينة كيف يجريها وكيف يدبرها فليس الخبر كالمعاينة فإن ~~استعملوا الأسباب لم تضرهم فكذلك هذا الخيط لما ربطه صار نصب عينه علامة ~~إذا وقع بصره عليه ذكر ما نسي ثم لا يحجبه ذلك الخيط عن صنع الله تعالى انه ~~هو الذي ذكره بهذا الخيط وحين ربطه لم يطمئن إلى الخيط ولم يركن ركون أهل ~~الغفلة بل ربطه ابتغاء موافقة تدبير الله تعالى الذي وضعه لعباده وكذلك ~~تداويه من اسقامه وطلبه لمعاشه وأخذه الجنة في الحرب وحفره الخندق من أجل ~~العدو وظاهر يوم أحد بين درعين ولا يظن برسوله الله صلى الله عليه وسلم انه ~~مال إلى الشيء من الأسباب غفلة مقدار طرفة عين # PageV01P098 ### | - الأصل التاسع ### | في مرتبة روح المؤمن # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ms020 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتز ~~العرش لموت سعد بن معاذ رضي الله عنه وذكر يوما عنده أن العرش اهتز لحب ~~الله لقاء سعد فقال ابن عمر إن العرش ليس يهتز لموت أحد ولكن سريره الذي ~~حمل عليه # وأحسب أن ابن عمر قصد بما دفع من ذلك تعظيما للعرش فهاب هذه الكلمة إذ ~~كان العرش أعلى شيء من خلقه وصفته ومنظره الأعلى وموضع تسبيحه ومظهر ملكه ~~ومبدأ وحيه ومحل قربه ولم ينسب شيئا من خلقه كنسبته فقال ذو العرش كما قال ~~ذو الجلال وذو العز وذو الكبرياء وذو القدرة وذو العظمة وذو البهاء وذو ~~الرحمة وذو الملك ولم يجز أن يقال ذو السموات وذو الأرض وذو # PageV01P099 # الكرسي وذو اللوح فلم يعط كلمة ذو من خلقه إلا للعرش فقط للقرب وذو كلمة ~~لحق واتصال وظهور ومبدأ فكأن ابن عمر رضي الله عنه لحظ إلى هذه الناحية ~~فدفع أن يكون يهتز لموت أحد وأما سائر العلماء فلا نعلمهم دفعوا هذا القول ~~فإن للمؤمن عند الله تعالى مراتب علية قد أتت بها الأنبياء من عند الله ~~تعالى تنزيلا منها قوله تعالى {والله ولي المؤمنين} # وقول تعالى {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا} # وقوله تعالى {هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} # وقوله تعالى وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبير # وقوله تعالى {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} # وقوله تعالى ولدينا مزيد # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن أكرم على الله عز وجل من ~~الملائكة المقربين # PageV01P100 # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم المؤمن أعظم حرمة عند الله من الكعبة # ومنها قول معاذ بن جبل إن المتقين في الجنة لا يستتر الرب منهم ولا يحتجب # ومنها ما جاء في شأن الزيارة في الأخبار ووضع المنابر والأسرة والكراسي ~~لهم على مراتبهم في مجلس الجبار جل جلاله فروي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لا يبقى أحد يومئذ في ذلك المجلس إلا حاضره الله تعالى محاضرة ~~حتى أنه ليقول يا فلان ms021 أتذكر غدرتك يوم كذا فيقول أو لم تغفرها لي فيقول ~~بلى # عن أبي هريرة وأبي الدرداء رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن في بيوت المؤمنين لمصابيح إلى العرش يعرفها مقربو الملائكة من ~~السموات السبع يقولون هذا النور من بيوتات المؤمنين التي يتلى فيها القرآن ~~وأعظم بنور يكون هناك في نور العرش مستبينا حتى يعرفه مقربوا الملائكة ~~واعتبر في الدنيا بنور الشمس أي نور يستبين في جنبه فكيف بالنور الذي ~~يستبين في نور العرش هناك # عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن ما تذكرون من جلال الله تعالى من تسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله ~~يتعاطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرن # PageV01P101 # لصاحبهن أفلا يحب أحدكم ان لا يزال له عند الرحمن جل جلاله شيء يذكر به # وقد جاءت أحاديث في وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه تكشف عن التأويل عن ~~جابر رضي الله عنه قال اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ # وعن أنس رضي الله عنه قال افتخر الحيان من الأنصار الأوس والخزرج فقالت ~~الأوس منا غسيل الملائكة حنظلة ابن الراهب ومنا من اهتز لموته عرش الرحمن ~~سعد بن معاذ ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت بن الأفلح ومنا من اجيزت ~~شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت فقالت الخزرج منا أربعة جمعوا القرآن لم ~~يجمعه أحد غيرهم زيد بن ثابت وأبو زيد وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل رضوان الله ~~عليهم أجمعين # وعن الحسن البصري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد ~~اهتز عرش الرحمن لوفاة سعد بن معاذ فرحا به فرحا به فرحا به وإذا كان العبد ~~يفرح خالق العرش بلقائه ففرح العرش يدق # PageV01P102 ### | - الأصل العاشر ### | في أن الحرص والاعتراض والعجلة شؤم # عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم ~~الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم ms022 تغترف الماء لكانت زمزم عينا ~~معينا # أنبأ أن الحرص داخل بالفساد على الأشياء لأن الحرص من النهمة والآدمي خلق ~~محتاجا عجولا فهو ينتظر الأسباب ويحرص عليها وإن كان معترفا على حد الإيمان ~~بالله تعالى أنه مسبب الأسباب وهذا لأهل اليقين أما أهل الغفلة فهم مفتونون ~~مشغولون بالأسباب عن خالق الأسباب وأم اسماعيل أدركتها الضرورة مع كربة ~~الغربة فأخذت تعدو في طلب الماء هكذا وهكذا وتستغيث فلما جاءها الغياث ~~أدركتها العجلة فاغترفت وأحرزته في وعائها فانقطع المدد فأخبر # PageV01P103 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها لو اطمأنت في ذلك الوقت إلى من أجرى ~~لها ذلك لجرت وبقيت جارية لكنها شغلت بالموجود عن الذي أوجده وحملتها النفس ~~على الإحراز لتطمئن به وهو قول سلمان رضي الله عنه حيث رؤي يحمل جرابا فقيل ~~له ما هذا يا أبا عبد الله قال إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت فهذا عمل ~~النفس وليس عمل القلب لأن القلب موقن أن الرزق هو الذي يوصله الله تعالى ~~إليه في وقته والنفس في عماها وظلمتها تزعم ان الرزق هو الذي توعيه في ~~جرابها فصاحبه في بلاء من وسوسته وتقاضيه فإذا أراد صاحبه أن يتخلص من ~~وسوسته أسعفها بذلك كما فعل سلمان رضي الله عنه فيطمئن إلى ذلك # وقد يهيء الله تعالى له الرزق المكتوب من غير ذلك الذي هيأه في جرابه ~~والذي أوعاه يسلط عليه غيره فيصير رزق غيره حتى يتبين كذبها وجهلها فمن ~~أحرز ذلك فلطمأنينة نفسه والخلاص من وسواسها وهذا فعل يدخل فيه نقص على أهل ~~التوكل والأنبياء والأولياء عليهم السلام # والعارفون في خلو من هذا لأن الشهوات منهم قد ماتت والنفس قد اطمأنت ~~بخالقها والقلوب منهم قد حييت بالله تعالى والصدور منهم قد أشرقت بنور الله ~~تعالى والأركان منهم قد خشعت لله تعالى فسواء عليهم أحرزوا أو لم يحرزوا ~~فإن أحرزوا فليس ذلك منهم إحرازا إنما هو شيء قد ائتمنوا عليه فأخذوه من ~~الله تعالى بأمانة وقفوها على نوائب الحق سبحانه وتعالى قد امتلأت قلوبهم ms023 ~~من عظمة الله تعالى فلم يبق للدنيا بما فيها موضع إبرة توجد حلاوتها ولذتها ~~وشهوتها هنالك فقد ارتفعت فكر شأن الأرزاق والمعاش عن قلوبهم وتعلقت نفوسهم ~~بقلوبهم وتعلقت قلوبهم بخالق الأرزاق وعالم التدبير فقالوا حسبنا الله ~~فخرجت هذه الكلمة منهم من قلب حي بالله تعالى على سكون من النفس فلم يبق في ~~صدورهم اختلاج ولا تنازع ولا ريب فاستقرت الأركان فمتى ما وقع # PageV01P104 # بأيديهم شيء من الدنيا لم يحبسوها لأنفسهم وعدوها أمانة قد ائتمنهم الله ~~عليها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنا خازن أقسم والله يعطي ~~فأنا أبو القاسم أقسم والله يعطي # عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا ~~لغد وعن أنس رضي الله عنه قال كنت خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ~~سنين فأهدي له طيران فتعشى بأحدهما وخبأت له أم أيمن الآخر فلما أصبح قال ~~يا أم أيمن هل عندك من غداء قالت أحد الطيرين قال يا أم أيمن أما علمت أن ~~أخي عيسى عليه السلام كان لا يخبأ عشاء لغداء ولا غداء لعشاء يأكل من ورق ~~الشجر ويشرب من ماء المطر يلبس المسوح ويبيت حيث يمسي ويقول يأتي كل يوم ~~برزقه قالت يا رسول الله لا اخبأ لك شيئا بعدها # عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أطعمنا يا ~~بلال قال ما عندي إلا صبر من تمر خبأته لك فقال أما تخشى أن يخسف الله به ~~نار جهنم أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا وخبأت أم سلمة قدرة من ~~لحم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته # PageV01P105 # في كوة فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قربته إليه فإذا هي قطعة ~~كدانة أو حجر فلما رآه قال هل سأل بالباب سائل قالت نعم قال فمن أجل ذلك أو ~~كما قال # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ms024 الله عليه وسلم لو ~~توكلتم على الله عز وجل حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح ~~بطانا قال في تنزيله {وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها} # ثم قال وإياكم أخبر أن المتوكل يرزق كما يرزق الطير قال له قائل فإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أدخل قوت سنة لعياله وقد تواترت الأخبار بذلك من ~~فعله أجاب وقال ليس الإدخال من الادخار في شيء إنما قسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مال خبير مما أفاء الله عليه فأدخل لعياله من الخمس قوتهم وكذلك ~~من فيء قريظة والنضير وتلك أمانة ائتمنه الله عليها وسلطه على ذلك وصرفها ~~في نوائب الحق والقلب منها خال ملك # PageV01P106 # من الملوك غني بالله حر من الأحرار فماذا ضره وهل كان سبيل ذلك المال ~~الذي أوتي إلا هكذا أن يصرفه في نوائب الحق فصرفه في الكراع والسلاح وفي ~~ذوي الحاجات من الأباعد فما باله يحرم عياله فلم يجئك في الخبر أنه أدخل ~~قوت سنة لنفسه إنما ذلك لعياله وعياله كسائر الناس ولا يحمل عياله ما لا ~~يطيقونه وإنما يطيق هذا الأنبياء والأولياء وأهل اليقين الذين بهم تقوم ~~الأرض قد طهرت قلوبهم وتنزهت نفوسهم من تهمة الله تعالى ألا ترى إلى قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال له ذلك الرجل أوصني بوصية قصيرة قال ~~اذهب فلا تتهم الله في نفسك # وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن ما يقع بيده من المال لنوائب ~~الحق لا لنفسه وقد كان يصرفها في السلاح والكراع لحاجتهم في ذلك الوقت إلى ~~ذلك فكان يرفع مقدار قوت نسائه ليعلم ما يبقى هنالك فيصرفه في هذه الوجوه # وقد أمر الله تعالى بخزن الأموال وحفطها فقال تعالى ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم التي جعل قياما فإذا أحرزه فإنما يحرزه لما ينوب من حقوق الله ~~تعالى حتى يصرفه فيه فهو مأجور فيه وخازن من خزانه ومن أحرزه ليتخذه عدة ~~لنوائب نفسه ودنياه وهو في نقص وإدبار وخذلان ms025 من الله تعالى ومسئول غدا عن ~~كل درهم من أين ولم وفي أين فما قسم لعياله كان مثل ما قسم لغيره فإنه إحدى ~~نوائب الحق ولأن نفوس أزواجه كانت لا تطمئن إلا على الإحراز فلم يكلفهن ما ~~ليس ذلك لهن مقام وإنما زجر بلالا في حديثه لأنه قال خبأته لك وكذلك أم ~~أيمن وأم سلمة فإنها قالت خبأته لك # PageV01P107 # فأما عياله فقد كان يبعث إليهم بما يبقى عندهم أياما فأما أم اسماعيل فإن ~~فعلها كان في حال الضرورة فلما زالت الضرورة أخذتها عجلة النفس فجعلته في ~~الوعاء فامتنع ما ظهر فانقطع المدد وإنما كان ذلك بدؤه من الكرام فلو تلقاه ~~كرم الآدمية لكان شكرا والشاكر يستحق المزيد ولكان يجري ولا ينقطع المدد ~~ولكنها تلقته بلؤم النفس فإن النفس لئيمة فتراجع الكرم وأعرض موليا لما لم ~~يجد له قابلا يحسن قبوله وكانت تلك عين سوغ الله عز وجل لها مخرجها من ~~الجنة إلى تلك البقعة من دار الدنيا وبعث جبرائيل عليه السلام فكانت منه ~~هزمة بعقبه فانبعث الماء فكان ذلك من كرم ربنا عاملها على بغيتها فكان ~~اللائق بهذا الفعل أن تأخذ منها حاجتها على تؤدة وإناءة وسعة صدر وحياء ~~وتكرم وتعفف وتذر ما بقي بين يدي من أجراه حتى تنظر ما يدبر فيه فلما عجلت ~~وأخذت تدبر لنفسها فعلت فعلا غير لائق بكرم ربنا عز اسمه وجلت قدرته ورحمته # ومثال ذلك في الآدميين موجود فيما بينهم فلو أن ملكا من ملوك الدنيا نظر ~~إليك في وقت حاجتك إلى شيء فرحمك كأنه رآك جائعا فهيأ لك مائدة عليها ألوان ~~الطعام لتأخذ منها حاجتك فجعلت تأكل لقمة وتضع لقمة تحت المائدة تخزنها ~~لنفسك أليس هذا مما يضعك عنده ولو نظر إليك وقت حاجتك إلى كسوة ففتح عليك ~~باب خزانته لتكتسي منها كسوتك فرفعت منها كسوتك ثم مددت يدك بالعجلة والحرص ~~إلى أثواب لتخزنها فرفعت منها في بيتك وعندك أليس ذلك مما يضعك عنده وأريته ~~من نفسك أنك اتهمته على نفسك فأنت إذا ms026 نطقت وقلت أنت خير لي من نفسي ألم ~~يكن يضع ذلك القول منك على الهذيان ويقول في نفسه فإن كنت أنا خيرا لك من ~~نفسك فما الذي حملك على أن مددت يدك إلى ما لا تحتاج إليه من الفضول تريد ~~أن تخزنه لنفسك دوني فإذا كان هذا سمجا قبيجا عند ملوك الدنيا فكيف بمن ~~يعامل رب العالمين بمثل هذا فكلما أعطاك من الدنيا شيئا فتناولته # PageV01P108 # على غير حد الأمانة فأنت في هذا اللؤم من الفرق الى القدم حتى تأخذه على ~~سبيل أنه ماله ائتمنك عليه لتصرفه في نوائب حقوقه # فأول حقوقه نفسك وعيالك ثم أرحامك وجيرتك ثم نوائب الحق التي تنوبك واحد ~~على اثر واحد وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سئل فقيل يا رسول ~~الله إني أصبت دينارا قال أنفقه على نفسك قال أصبت آخر فلم يزل يقول أصبت ~~آخر وهو يأمره بصرفه في وجه حتى كان في السابعة قال أصبت آخر قال أنفقه في ~~سبيل الله وذلك أخسهن وأدناهن أجرا فإذا تناولته على حرص وشره تناولته لغير ~~الله فاحرازك لؤم ودناءة وظلمة يعود على القلب ودنس على الفؤاد وسقم في ~~الإيمان وسم في الطاعات ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سلمان ~~قل اللهم إني أسألك صحة في إيمان # فهل يأمره بسؤال الصحة في الإيمان إلا من سقم لأنه رأى في سلمان ما قال ~~إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت فمن كانت نفسه مطمئنة بالأحوال فهذا سبيله ~~ومن كانت نفسه مطمئنة بربه فلو أعطى الدنيا إليها كلها لم يلتفت إليها وكان ~~عيناه إلى ربه وسكونه إليه وكان فعل أبي بكر رضي الله عنه يدل على أنه ممن ~~هو بهذا موصوف وروي لنا أن أبا بكر رضي الله عنه تلا هذه الآية بين يدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية} # PageV01P109 # فقال ما أحسن هذا يا رسول الله فقال يا أبا بكر أما أن الملك سيقولها ms027 لك ~~عند الموت # فهذه نفس رضيت عن الله تعالى بجميع ما دبر لها من المحبوب والمكروه لأنها ~~لذت بجوار الله تعالى وقربه فلهت عن لذاتها الدنياوية فرضي الله عنها وبشرت ~~عند الموت بذلك # فأما قوله لكانت زمزم عينا معينا أي مرئيا ظاهرا تجري والمعين أن يعاين ~~بالعيون معناه أنه لا يركد ولكن يجري حتى يعاينوه فبقي عينا ولبس بمعين ~~لفعل أم إسماعيل عليه السلام # PageV01P110 ### | - الأصل الحادي عشر ### | في حد التأديب في المماليك # عن ابن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا ~~تضربوا الرقيق فانكم لا تدرون ما توافقون # قد ندب الله تعالى العباد إلى تأديب أهليهم فقال {قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا وقودها الناس والحجارة} # فوقايتك نفسك وأهلك أن تعظها وتزجرها عن عمل يوردها النار وتقيم أودهم ~~بأنواع الأدب فمن الأدب الوعيد ومنه الضرب وحبس المنافع ومنه الرفق والعطية ~~والنوال والبر فإن ذلك ربما كان ادعى لهم من الوعيد والضرب وبين النفوس ~~تفاوت فنفس تضرع وتخضع بالبر والعطية ونفس تضرع وتخضع بالغلظة والشدة ولو ~~استعملت معها الرفق والبر لأفسدتها ونفس بالعكس من ذلك وقد جعل الله تعالى ~~الحدود أدبا # PageV01P111 # لعباده ومزجرة للآخرين ومن دون الحدود التعزير على قدر ما يأتون من ~~المنكر وقد جعل الله تعالى ممر الموحدين إلى الجنة على النار فقال تعالى ~~{وإن منكم إلا واردها} الآيتين فأدب الأحرار إلى السلطان وأدب العبيد ~~والمماليك والأولاد إلى السادات والآباء # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأن يؤدب أحدكم ولده خير ~~له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع وقال صلى الله عليه وسلم ما نحل والد ولده ~~أفضل من أدب حسن وقال صلى الله عليه وسلم إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها # PageV01P112 # فأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتضربوا الرقيق فخليق أن يكون ~~إنما نهى عن ضربهم على غضب المولى لنفسه في نفع أو ضر لا لله تعالى وأما ~~إذا ضربه تأديبا ليقومه لئلا يعصي الله تعالى في ms028 أموره ولئلا يعصى المولى ~~في أموره اللازمة له فإن عصيانه وتضييع أموره معصية لله تعالى فذاك مما يجب ~~عليه وهو داخل في قوله تعالى {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} # عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله ما تقول في ضرب ~~المماليك قال إن كان ذلك في كنهه وإلا قيد منكم يوم القيامة قيل يا رسول ~~الله ما تقول في سبهم قال مثل ذلك قيل يا رسول الله فإنا نعاقب أولادنا ~~ونسبهم قال إنهم ليسوا مثل أولادكم إنكم لا تتهمون على أولادكم # عن عبيد الله بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه رضوان الله عليهم أجمعين ~~قال قال رجل يا رسول الله كيف ترى في رقيقنا أقوام مسلمون يصلون صلاتنا ~~ويصومون صيامنا نضربهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوزن ذنبهم ~~وعقوبتكم إياهم فإن كانت عقوبتكم أكثر من ذنبهم أخذوا منكم قال أفرأيت سبنا ~~إياهم قال يوزن ذنبهم وأذاكم إياهم فإن كان أذاكم أكثر اعطوا منكم قال ~~الرجل ما اسمع عدوا أقرب إلى منهم # PageV01P113 # فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ~~ربك بصيرا فقال الرجل أرأيت يا رسول الله ولدي أضربه قال إنك لا تتهم في ~~ولدك لا تطيب نفسا تشبع وتجوع وتكتسى وتعرى # عن زياد بن أبي زياد رضي الله عنه قال جاء رجل فقال يارسول الله إن لي ~~مالا وإن لي خدما وإني أغضب فأعزم وأشتم وأضرب فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم توزن ذنوبه بعقوبتك فإن كانت سواء فلا لك ولا عليك وإن كانت ~~العقوبة أكثر فإنما هو شيء يؤخذ من حسناتك يوم القيامة فقال الرجل أوه أوه ~~يؤخذ من حسناتي قال فحسبت ماذا ألم تسمع إلى قول الله عز وجل {ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة} # فحديث ابن عمر رضي الله عنهما لا تضربوا الرقيق محمول على أنه لا يضربه ~~للتشفي من غيظه فإنه لا يدرى ما يوافق الضربة من أعضائه فربما وقعت على عين ms029 ~~ففقأها وربما وقعت على عضو فكسره وربما وقعت على صدر أو خاصرة فقتل أما ~~التأديب لله تعالى فهو تقويم للملوك وهو مأجور عليه وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته # PageV01P114 # ومن أدب لله تعالى فمات في ذلك الأدب لم يؤاحذ به إذا كان ذلك حدا معلوما ~~فضربه ولم يجاوز ولم يتعد فيه # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من لاءمكم من رقيقكم ~~فأطعموهم مما تطعمون واكسوهم مما تكتسون ومن لا فبيعوهم ولا تعذبوا خلق ~~الله # فالضرب المحمود ما كان لله تعالى والضرب المحجور ما كان للنفس والناس في ~~هذا على طبقات فمن كان قلبه لله تعالى أمكنه أن يؤدبه في أمر الدنيا ~~والآخرة لله تعالى ومن لم يكن قلبه لله تعالى وكان الغالب عليه هواه ونفسه ~~لم يمكنه أن يضربه إلا في أمر الدين فقط حتى يكون لله تعالى # وأما في أمر الدنيا من ضر أو نفع فلا قوام له في تأديبه لأنه إنما يغضب ~~لنفسه ألا ترى أنه لما ارتفعت التهمة في شأن الولد ذهب القصاص لأن ذلك لله ~~تعالى وذهب نصيب النفس وكذا اليتيم # وعن بلال رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله إن في حجري يتيما ~~أفأضربه قال نعم مما تضرب منه ولدك # PageV01P115 ### | - الأصل الثاني عشر ### | في تعجيل إعطاء اجرة الأجير # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعط ~~الأجير أجره من قبل أن يجف عرقه وذلك أن أجرته عمالة جسده # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما يحكى عن الله عز وجل أنه قال ~~ثلاثة أنا خصمهم ومن كنت خصمه خصمته من باع حرا وأكل ثمنه أو ظلم أجيرا ~~أجره أو ظلم امرأة مهرها # فهؤلاء كلهم أحرار وهي أثمان نفوسهم فخصمهم مالكهم فلذلك أمر بتعجيل أجره ~~لأنه عجل منفعته ومن شأن الباعة إذا سلموا المبيع قبضوا الثمن عند التسليم ~~فهذا أحق وأولى إذا كان ثمن ms030 مهجته لا ثمن سلعته # PageV01P116 ### | - الأصل الثالث عشر ### | في العين المؤمنة إذا رأت منكرا # عن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا ينبغي لعين مؤمنة ترى أن يعصى الله تعالى فلا تنكر عليه # فالإيمان قد اشتمل على الجوارح السبع اللائي أخذ عليهن العهد والميثاق ~~وائتمن العبد عليهن ووكل برعايتهن ومستقره في القلب والشهوة في النفس ~~وسلطانها في الصدر ثم يتأدى الى هذه الجوارح السبع فمن صدق الإيمان أن يكون ~~سلطان كل حارجة منطفئا بما اشتمل عليه من سلطان الإيمان فإذا كان كذلك فقد ~~ملك نفسه فلا يستعمل شهوة بجارحة من الجوارح السبع إلا فيما أذن الله له ~~فيه وإذا رأى غيره يستعملها فيما لم يأذن به الله أنكره والإنكار على ثلاثة ~~منازل فمنكر بقلبه ولسانه ويده ومنكر بقلبه ولسانه ومنكر بقلبه # وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الجهاد ثلاثة جهاد ~~باليد واللسان والقلب وجهاد بالقلب واللسان وجهاد بالقلب وذلك # PageV01P117 # أضعف الإيمان فأول ما يكل جهاد اليد ثم جهاد اللسان ثم جهاد القلب حتى لا ~~ينكر منكر # عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~كان لله نبي إلا وله حواريون يهدون بهديه ويستنون بسنته ثم يكون من بعده ~~خلوف يقولون ما لا يفعلون ويعملون ما ينكرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن ~~جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك مثقال حبة ~~من الإيمان # وهو كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شأن بني إسرائيل حين أحدثت ~~الملوك في دينهم الأحداث وأن أهل الهدى صاروا ثلاث فرق وقد ذكرنا ذلك في ~~الأصل الخامس في الحديث الذي نهى عن القزع فيه # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس لمؤمن أن يذل نفسه ~~قالوا وكيف يذل نفسه قال يتكلف من البلاء ما لا يطيق # معناه إذا علم أنه إن غيرالمنكر على القوي ابتلى ms031 به كف عنه وأنكر بقلبه ~~لأن ما يفسد أكثر مما يصلح # PageV01P118 # عن أبي أمية الشعباني رضي الله عنه قال سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه ~~الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} فقال لي لقد سألت عنها خبيرا ~~سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا ثعلبة ائتمروا ~~بالمعروف وتناهوا عن المنكر فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحا مطاعا وإعجاب كل ذي ~~رأي برأيه فعليك نفسك فإن من بعدكم أيام الصبر المتمسك يومئذ بمثل الذي ~~أنتم عليه له كأجر خمسين عاملا قالوا يا رسول الله كأجرخمسين عاملا منهم ~~قال لا بل منكم # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم المتمسك بسنتي عند اختلاف أمتي ~~كالقابض على الجمر # PageV01P119 ### | - الأصل الرابع عشر ### | في سر قوله صلى الله عليه وسلم لا تأمنن على أحد بعدي # عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا أبا عبيدة لا تأمنن على أحد بعدي # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمن الخلق ومفزعهم له عطف الآباء ~~وشفقة الأمهات ورحمة الوالدات وشهد الله له في تنزيله أعظم شهادة فقال عز ~~من قائل عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم قد حشي بالرأفة ~~والرحمة والنصيحة لله تعالى في خلقه واسنتار قلبه بنور الله تعالى فدقت ~~الدنيا بما فيها في عينه وصغر عنده بذل نفسه لله في جنب الله فكان مفزعا ~~وكان مأمنا وكان غياثا وكان رحمة وكان أمانا فأما المفزع فقال في تنزيله عز ~~من قائل ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ~~لوجدوا الله توابا رحيما # PageV01P120 # وفي المأمن قوله عز وجل {ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى} # وفي الغياث قوله تعالى {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} وفي ~~الرحمة قوله تعالى وما أرسناك إلا رحمة للعالمين وفي الأمان قوله تعالى وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # وليس لأحد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا ms032 المقام صديقا كان أو فاروقا ~~أو أمينا فلذلك قال لا تأمنن على أحد بعدي أي كأمنك علي فليس لمن بعده عصمة ~~الرسل عليهم السلام ألا ترى أن أبا بكر رضي الله عنه خطب الناس فقال إن لي ~~شيطانا يعتريني فاجتنبوني إذا غضبت لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم وإذا زغت ~~فقوموني # وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال ما منكم من أحد إلا وقد وكل ~~به قرينه من الشيطان قالوا ومعك يا رسول الله قال ومعي ولكن الله أعانني ~~عليه فأسلم وكان الله عصمه وأقامه على أدب القرآن وقال {وإنك لعلى خلق ~~عظيم} # PageV01P121 # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه أراد قتل بعض المشركين العتاة وكان ~~أمرهم أن يقتلوه وإن وجدوه متعلقا بأستار الكعبة فجاء به عثمان رضي الله ~~عنه يسأل له الأمان فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سأله فسكت ثم ~~سأله ثالثة فأعطاه الأمان وقال انتظرت أن يقوم أحدكم فيضرب عنقه قالوا فهلا ~~أو مأت يا رسول الله قال إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة عين # وعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يلتفت وراءه إذا مشى وربما تعلق رداؤه بالشيء أو بالشجر فلا ~~يلتفت حتى يضعوه عليه لأنهم كانوا يمزحون ويضحكون فكانوا قد أمنوا التفاته # عن هند بن أبي هالة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التفت ~~التفتوا جميعا # PageV01P122 ### | - الأصل الخامس عشر ### | في تحقيق التهديد على زوارات القبور # عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال قبرنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوما فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرفنا معه ~~فلما حاذى بابه وقف وتوسط الطريق فإذا هو بامرأة مقبلة لا نظنه عرفها فلما ~~دنت إذا هي فاطمة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرجك يا فاطمة ~~من بيتك قالت أتيت أهل هذا الميت فرحمت إليهم ميتهم ms033 أو عزيتهم لا يحفظ ~~ربيعة أي ذلك قال فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلك بلغت معهم ~~الكدا قالت معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيهم ما تذكر قال لو بلغت معهم الكدا ~~ما رأيت الجنة حتى يراها جدك أبو أبيك # قال قتيبة الكدا المقبرة بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم بمحو آثار ~~الجاهلية وكان من شأنهم إذا مات لهم ميت أن يخمشوا الوجوه وينتفوا # PageV01P123 # الشعور ويشقوا الجيوب ويخرقوا البيوت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليس منا من حلق أو خرق أو سلق # ولمن في حديث آخر ناشرات الشعور واللاتي ينعون بأصوات الحمير ونهاهم عن ~~زيارة القبور لحداثة عهدهم بالكفر لما في زيارة القبور من الفتنة حتى ~~استحكم إسلامهم وصاروا أهل يقين وبر وتقوى وصارت القبور لهم معتبرا بعد أن ~~كان مفتتنا خلى عنهم وقال صلى الله عليه وسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور ~~فزوروها فإن لكم فيها معتبرا # وسكت عن ذكر النساء لضعفهن ورقتهن وسرعة افتتانهن وقال صلى الله عليه ~~وسلم ما رأيت من نواقص عقول ودين أغلب للرجال منهن فقيل ما نقصان عقولهن ~~ودينهن يا رسول الله قال أما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين بشهادة رجل وأما ~~نقصان دينهن فترك الصلاة والصوم في الحيض # PageV01P124 # وبايعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ما نطق به التنزيل ~~من قوله تعالى {ولا يعصينك في معروف فبايعهن} # وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة أن لا ينحن عن أم عطية رضي ~~الله عنها قالت أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة أن لا ~~ننوح فما وفت منا امرأة إلا سبع نسوة منهن أم سليم وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يمنعهن عن حضور الجنائز وفي حديث بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة ~~عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نسوة في جنازة فقال ~~لهن ارجعن مأزورات غير مأجورات # عن أنس رضي الله عنه ms034 قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة ~~فرأى نسوة فقال أتحملنه قلن لا قال أتدفنه قلن لا قال فارجعن مأزورات غير ~~مأجورات # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات ~~القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج فبقي الخطر عليهن إلى آخر الدهر فإن ~~تخلت امرأة عن هذه الأمور فأتت قبرا لترمه أو تسلم أو تدعو أو تعتبر وقد ~~أمنت ناحية نفسها ذلك وماتت شهوتها وإنقطعت فتنتها فهي خارجة من النهي # PageV01P125 # وروي عن فاطمة رضي الله عنها أنها كانت تأتي قبر حمزة رضي الله عنه في كل ~~عام فترمه وتصلحه # وروي عن غير واحدة من النساء أنها كانت تأتي قبور الشهداء فتسلم عليهم ~~فأما مرمة القبر فلئلا يدرس أثره فينبش عنه لأنه إذا ذهب أثره حفر عنه لميت ~~آخر ولأن المسلم على الأموات وزائرهم يخفى عليه إذا ذهب رسمه فتبطل الزيارة ~~وهي حق من الحقوق ليس كالذي يسلم من بعد # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من زار ~~قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة مرة غفر له وكتب برا # عن ابن عمر رضي الله عنه قال من زار قبر أبويه أو أحدهما احتسابا كان ~~كعدل حجة مبرورة ومن كان زوارا لهما زارت الملائكة قبره # والتشديد الذي جاء في حديث فاطمة نراه في بدء الأمر ولا نعلم ذلك يحرم ~~الجنة لكن معناه أن من فعل ذلك كان يخاف عليه أن يسلبه الله الإسلام فإذا ~~سلبه لم ير الجنة أبدا وأعظم نعمة لله تعالى على عبده الإسلام وللإسلام سنن ~~ومنار كمنار الطريق فإذا عمل عملا يكون فيه إحياء سنن الجاهلية التي أطفأها ~~الله تعالى بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كفر منة الإسلام والكفور ~~ممقوت غير مأمون عليه السلب فكان إتيان المقابر من سنن الجاهلية فغلظ الزجر ~~لتموت تلك السنن # PageV01P126 ### | - الأصل السادس عشر ### | في أن الورود في النارالدخول # عن جابر بن عبد ms035 الله رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا ~~وسلاما كما كانت على إبراهيم عليه السلام حتى ان للنار ضجيجا من بردهم ثم ~~ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا # كأن الله تعالى أحب أن يجعل ممر المؤمنين فيها كي إذا نجوا منها علموا من ~~أين نجوا وليس الخبر كالمعاينة وإذا وردوا دار السلام علموا أين حلوا ~~فالشيء إنما يعرف بضده ويعظم قدره ولذلك قالوا عند دخول الجنة الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن أي حزن قطع النيران التي خلص منها وجعلها بردا وسلاما ~~وعلموا أنهم لم يحلوا دار المقامة إلا من فضله وانهم لم يستوجبوا ذلك منه ~~وكأنه عز وجل أحب أن يبرز فضل الصادقين وبذلهم أنفسهم له وليأخذ بحقه من ~~الطبقة التي آثرت شهوات نفوسها بتضييع الحق وهم أهل لا إله إلا الله حتى ~~تنتقم النار # PageV01P127 # منهم مدة ثم تدركهم رحمة الله وقد محصوا ونقوا وصلحوا لدار السلام وليجوز ~~الصادقون وهم لا يشعرون بالنار قال الله تعالى {إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون} # وإنما بعدوا عنها لأن نور الإيمان وبرد اليقين احتملهم واحتواهم فهم ~~يمضون في النار حتى إذا خرجوا منها قال بعضهم لبعض أليس قد وعدنا ربنا أن ~~نرد النار قالوا بلى ولكن مررتم بها وهي خامدة لأن الرحمة أظلتهم حتى أشرف ~~نور الإيمان في قلوبهم فخمدت النار من برد يقينهم ولذلك نسب البرد إلى ~~المؤمنين وأما ضجة النار فمن أجل أنها خلقت منتقمة من أهل الغفلة وحشيت ~~بغضب الله فإذا جاء المؤمن بنوره وبرده ضجت النار مخافة أن تبرد فتضعف عن ~~الانتقام # عن يعلى بن منبه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~النار لتنادي جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي # والنجاة من الله تعالى للعبد في هذا الموطن على قدر محله عنده ومحله على ~~قدر ما من الله ms036 عليه من المعرفة به وهو اليقين الذي جعل له من ذلك حظا # عن السدي عن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P128 # أنه قال يرد الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق ثم ~~كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحلة ثم كشد الرجل ثم كمشيه ثم كحبوه # وإنما ذكر الأعمال لأنها ظاهرة والظاهرة محنة الباطن وما في القلوب غيب ~~إلا عن خالق الغيب والظاهر شاهد ينبىء عما في الباطن # PageV01P129 ### | - الأصل السابع عشر ### | في أن الدنيا أسحر من هاروت وماروت # عن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اتقوا الدنيا فوالذي نفسي بيده أنها لأسحر من هاروت وماروت # هاروت وماروت ليسا من جنس الآدميين والشيء إنما يألف جنسه والآدمي خلق من ~~الدنيا فهو يألفها وينخدع لها وهاروت وماروت لا يعلمان أحدا السحر حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر # فهذا يعلمك سحره وينبئك فتنته والدنيا تعلمك سحرها وتكتمك فتنتها وتدعوك ~~إلى التحارص عليها والجمع لها والمنع منها فيتعلم منها ما يفرق بينه وبين ~~طاعة الله وبينه وبين رؤية الحق ورعايته ومحبتها # PageV01P130 # تلذذك بشهواتها وتمنيك بأمانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك ولهذا قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حبك الشيء يعمي ويصم # فمن أحب الدنيا أعمته وأصمته عن آخرته ومن أحب الآخرة أعمته وأصمته عن ~~دنياه ومن أحب نفسه أعمته وأصمته عن الله ومن أحب الله أعماه وأصمه عن نفسه ~~فإن الدنيا تحجب عن الآخرة والنفس تحجب عن الله ودنياه إنما هي نفسه ~~وشهواتها فسحرها أقرب إليه من سحر هاروت وماروت فسحر نفسه ودنياه أصلي وسحر ~~هاروت وماروت دخيل وليس الدخيل كالأصلي # PageV01P131 ### | - الأصل الثامن عشر ### | في كيفية الاحتراز عن الشيطان # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن ~~المؤمن ينضى شيطانه كما ينضى أحدكم بعيره في السفر # فالمؤمن قد وكل به قرينه من الشيطان وإنما يحترز منه بالله ms037 تعالى فإذا ~~اعترض لقلبه احترز بمعرفته وإذا اعترض لنفسه وهيأ شهواته احترز بذكر الله ~~عز وجل وإذا اعترض لاموره وأحواله احترز باسمه فهو أبدا نضو وقيد زجر به ~~فالبعير يتجشم في سفره أثقال حمولته ومع ذلك النصب يجوع ويظمأ ومع ذلك ~~مراعي مختلفة ومياه رنقة غير عذبة فإنما صار نضوا بهذه الأحوال فكذلك شيطان ~~المؤمن يتجشم # PageV01P132 # أثقال غيظه من المؤمن لما يرى من الطاعة والوفاء لله تعالى وإذا أراد أن ~~يشركه في طعامه وشرابه ولباسه ومنامه ومجلسه ومتصرف أحواله زجره وطرده عنه ~~بالتسمية فوقف منه بمزجر الكلب ناحية فإذا أراد أن ينفره عنه نطق ~~بالوحدانية وهي الكلمة العليا التي يهتز العرش لها فقال لا إله إلا الله ~~فإذا سمعها انتكس فصار أعلاه أسفله وولى على وجهه هاربا إلى رسه وذلك قوله ~~عز وجل {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفور} # روي عن أبي الجوزاء أنه قال ليس شيء أطرد له من القلب من قول لا إله إلا ~~الله ثم تلا {وإذا ذكرت ربك في القرآن} الآية # عن عمرو بن مالك رضي الله عنه قال قرأت في التوراة إن سرك أن تحيي وتبلغ ~~علم اليقين فاحتل في كل حين أن تغلب شهوات الدنيا فإنه من يغلب شهوات ~~الدنيا يفزع الشيطان من ظله # عن سديسة مولاة حفصة رضي عنهما قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول ما لقي الشيطان عمر قط إلا خر لوجه # عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ما لقي الشيطان عمر في فج فيسمع صوته إلا أخذ في ~~غيره # PageV01P133 # ومثل عمر رضي الله عنه في هذا الباب مثل أمير ذي سلطان وهيبة استقبله ~~مريب قد رفع إليه من ريبته أمورا شنيعة وعرفه بالعداوة له فانظر ماذا يحل ~~بهذا المريب إذا لقيه فإن ذهبت رجلاه فخر لوجهه فغير مستنكر # PageV01P134 ### | - الأصل التاسع عشر ### | في حقيقة الفقه وفضيلته # عن ابن عباس ms038 رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ~~العبادة الفقه وأفضل الدين الورع # وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف ~~عابد ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه # PageV01P135 # والفقه هو انكشاف الغطاء عن الأمور فإذا عبد الله بما أمر ونهى بعد أن ~~فهمه وعقله وانكشف له الغطاء عن تدبيره فيما أمر ونهى فهي العبادة الخالصة ~~المحضة وذلك أن الذي يؤمر بالشيء فلا يرى زين ذلك الأمر وينهى عن الشيء فلا ~~يرى شينه هو في عمى من أمره فإذا رأى زين ما أمر به وشين ما نهى عنه عمل ~~على بصيره وكان قلبه عليه أقوى ونفسه به أسخى وحمد على ذلك وشكر والذي يعمى ~~عن ذلك فهو جامد القلب كسلان الجوارح ثقيل النفس بطيء التصرف والفقه مشتق ~~من تفقؤ الشيء يقال في اللغة فقأ الشيء إذا انفتح وفقأ الجرح إذا انفرج عما ~~اندمل والاسم فقيء والهاء والهمزة تبدلان تجزي إحداهما عن الأخرى فقيل فقيء ~~وفقيه والفهم هو العارض الذي يعرض في القلب من النور فإذا عرض انفتح بصر ~~القلب فرأى صورة ذلك الشيء فالانفتاح هو الفقه والعارض هو الفهم وقد ذكر ~~الله تعالى في تنزيله الفقه فقال {لهم قلوب لا يفقهون بها} # فاعلم أن الفقه من عمل القلب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للإعرابي ~~حين قرأ عليه {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} ~~فولى وقال حسبي حسبي فقال صلى الله عليه وسلم فقه الرجل # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه إنك لن تفقه حتى ترى للقرآن وجوها كثيرة ~~وان الله عز وجل كلف العباد أن يعرفوه ثم اقتضاهم بعد المعرفة ms039 أن يدينوا له ~~فشرع لهم شريعة الحلال والحرام والدين هو # PageV01P136 # الخضوع # والدون مشتق من ذلك وكل شيء اتضع فهو دون فأمرت بأمور لتضع نفسك لمن ~~اعترفت به ربا فسمي ذلك الفعل وتلك الأمور دينا فمن فقه أسباب هذه الأمور ~~التي أمر ونهى بماذا أمر ونهى ورأى زين ما أمر وبهاءه وشين ما نهى تعاظم ~~ذلك عنده وكبر في صدره شأنه فكان أشد تسارعا فيما أمر وأشد هربا وامتناعا ~~مما نهى فالفقه في الدين جند عظيم يؤيد الله تعالى به أهل اليقين الذي ~~عاينوا محاسن الأمور ومشاينها ومقدار الأشياء وحسن تدبير الله عز وجل لهم ~~في ذلك بنور يقينهم ليعبدوه على يسر ومن حرم ذلك عبده على مكابدة وعسر لأن ~~القلب وإن أطاع وانقاد لأمر الله عز وجل فالنفس إنما تخف وتنقاد إذا رأى ~~نفع شيء أو ضرر شيء والنفس جندها الشهوات وصاحبها محتاج إلى أضدادها من ~~الجنود حتى يقهرها وهي الفقه # قال له قائل صف لنا واحدة من هذه الأمور نفهم بها غيرها قال نعم أحل الله ~~عز وجل النكاح وحرم الزنا وإنما هو إتيان واحد لامرأة واحدة إلا أن هذا ~~بنكاح وذاك بزنى فإذا كان من نكاح فمن شأنه العفة والتحصين للفرج فإذا جاءت ~~بولد ثبت النسب وجاء العطف من الوالد بالنفقة والتربية والميراث وإذا كان ~~من زنا ضاع الولد لأنه لا يدري أحد من الواطئين لمن هذا الولد فهذا يحيله ~~على ذلك وذاك يحيله على هذا وحرم الله عز وجل الدماء وأمر بالقصاص ~~ليتحاجزوا وليحيوا وقال تعالى في تنزيله {ولكم في القصاص حياة} إلى غير ذلك # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أراد الله بعبد خيرا يفقهه # PageV01P137 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~يرد الله به خيرا يفقهه في الدين # عن يوسف بن ماهك قال كان معاوية رضي الله عنه قليل الحديث عن رسول الله ~~صلى الله عليه ms040 وسلم وقل ما قام خطيبا إلا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين يا أيها الناس تفقهوا # PageV01P138 ### | - الأصل العشرون ### | في حكمة قصر أعمار هذه الأمة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر ~~أمتي من ستين سنة إلى سبعين # وقال صلى الله عليه وسلم معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين # وقال صلى الله عليه وسلم أقل أمتي أبناء السبعين # PageV01P139 # قال أبو عبد الله من رحمة الله على هذه الأمة وعطفه عليهم أخرهم في ~~الأصلاب حتى أخرجهم إلى الأرحام بعد أن نفدت الدنيا ثم قصر أعمارهم لئلا ~~يتلبسوا بالدنيا إلا قليلا ولا يتدنسوا فإن القرون الماضية كانت أعمارهم ~~وأجسادهم وأرزاقهم على الضعف كان أحدهم يعمر ألف سنة وجسمه ثمانون باعا ~~بالباع الأول والحبة من القمح مثل كلوة البقر والرمانة الواحدة يجتمع عليها ~~عشرة نفر والعنقود مثله فكانوا ما يتناولونه من هذه الدنيا بهذه الصفة على ~~مثل تلك الأجساد في مثل تلك الأعمار فمنها أشروا وبطروا واستكبروا وأعرضوا ~~عن الله عز وجل فصب الله عليهم سوط عذاب على ما نطق به كتاب الله العزيز ثم ~~لم يزل الناس ينقصون في الخلق والخلق والأجل والرزق إلى أن صارت هذه الآمة ~~آخر الأمم حتى يأخذوا من الدنيا أرزاقا قليلة بأجساد ضعيفة في مدة قصيرة ~~حتى لا يأشروا ولا يبطروا فهذا تدبير من الله عز وجل رحمة لهذه الأمة ثم ~~ضوعف لهم الحسنات فجعلت الحسنة الواحدة بعشرة إلى سبعمائة إلى ما لا يعلمه ~~من التضعيف إلا الله تعالى وأيدوا باليقين واعطوا ليلة القدر فجعلت حسناتهم ~~على ثلاث منازل لأنهم ثلاثة أصناف ظالمون ومقتصدون وسابقون فالصنف الأول هم ~~أهل تخليط قوم موحدون لا يرعوون عن الحرام ولا يحفظون حدود الله تعالى ~~{خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} فهم الظالمون فالحسنة منهم بعشر أمثالها # والصنف الثاني قوم متقون قائمون على الحدود وعلى سبيل الاستقامة وهم ~~المقتصدون فالحسنة منهم بسبعمائة لأن ms041 جوارحهم صارت مسبلة لله تعالى قد ~~استقامت على سبيل الله تعالى فإذا أنفقوا من جوارحهم عملا كان بسبعمائة ~~كالذي ينفق ماله في سبيل الله فهو # PageV01P140 # بسبعمائة ومما يحقق ذلك قوله صلى الله عليه وسلم إذا حسن إسلام العبد تمم ~~الله له عمله بسبعمائة ضعف # فقوله حسن إسلامه هو أن يستقيم ويكون مستقيم الطريق إلى ربه لا يعرج ~~يمينا وشمالا أي لا يعصى فهذا ترفع أعماله من جوارح طاهرة والأول من جوارح ~~دنسة # والصنف الثالث قوم أهل يقين انتبهوا وحييت قلوبهم بالله عز وجل وماتت ~~منها الشهوات وهم السابقون المقربون قال الله تعالى في السابقين {ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} فأعمالهم مضاعفة لا يعلم ~~تضعيفها إلا الله عز وجل وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل من ~~أمتي ليبلغ وزن الحرف الواحد من تسبيحه زنة أحد # وما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال إن الرجل من هذه الأمة يعدل ~~عمل يومه سبع سموات وسبع أرضين # وما روي عن كعب رضي الله عنه أن الرجل من هذه الأمة ليخر ساجدا فيغفر لمن ~~خلفه فكان كعب رضي الله عنه يتوخى الصف الأخير من المسجد رجاء ذلك ويذكر ~~أنه وجده كذلك # PageV01P141 ### | - الأصل الحادي والعشرون ### | في خصوصية هذه الأمة # عن ام الدرداء رضي الله عنها تقول سمعت أبا الدرداء يقول سمعت أبا القاسم ~~صلى الله عليه وسلم يكنيه قبلها ولا بعدها يقول إن الله عز وجل قال يا عيسى ~~إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا وإن أصابهم ما ~~يكرهون احتسبوا وصبروا ولا حلم ولا علم قال يا رب وكيف يكون هذا لهم ولا ~~حلم ولا علم قال أعطيتهم من حلمي وعلمي # فهذه أمة مختصة بالوسائل من بين الأمم محبوة بالكرامات مقربة بالهدايات ~~محظوظة من الولايات تولى الله هدايتهم وتأديبهم وتقريبهم مسمون في التوراة ~~صفوة الرحمن وفي الإنجيل حكماء علماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء ~~وفي القرآن أمة وسطا أي ms042 عدلا وشهداء الله في الموقف للأنبياء عليهم السلام ~~على الأمم وخير أمة أخرجت للناس والمنادون بجانب طور سيناء يا أمة أحمد ~~سبقت لكم رحمتي غضبي # PageV01P142 # أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني وأجبتكم قبل أن ~~تدعوني وهو قوله تعالى {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} {أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم} {ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه} الآية غر محجلون غر من ~~السجود محجلون من الوضوء وهو قوله تعالى {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} # وعن عبد الله بن بشر المازني رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله كيف تعرف ~~أمتك يومئذ قال أرأيت لو كان لأحدكم خيل دهم وفيها أغر محجل أما كان يعرفه ~~قالوا بلى يا رسول الله قال فإن أمتي يومئذ غر من السجود محجلون من أثر ~~الوضوء سماهم الله مهاجرين وأنصارا هاجروا في ذاته الوطن والأهل والمال ~~والولد ونصروا الله تعالى ثم من سار على منهاجهم بعدهم سماهم تابعين بإحسان ~~ثم جمعهم بالرضى عنهم فقال {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} وجمعهم في استحقاق الفيء ~~فقال {للفقراء المهاجرين} إلى أن قال والذين جاءوا من بعدهم # وإنما نالوا هذه الكرامات بخطة واحدة وهو أن الله تعالى هداهم # PageV01P143 # لسبيله وهو قوله تعالى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ~~أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب # وقال صلى الله عليه وسلم أعطيت أمتي من اليقين ما لم يعط أمة # وقال صلى الله عليه وسلم ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما على مثله ~~آمن البشر وإني لم أبعث بآية وإنما أوحي إلي وحيا ثم أنا أكثر الأمم تبعا ~~قال له قائل وما تلك الهداية قال الهدى على ثلاثة منازل هدى على ألسنة ~~الرسل وهو البيان يدعوهم ويبين لهم فتلك هداية الظاهر وهو قوله تعالى فأما ~~ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فإنما هداهم بالرسول عليه السلام # وهدى بالقلب يجعل فيه نورا فيعرفه ربا واحدا وهو هدى ms043 التوحيد وهو قوله ~~تعالى {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا} فتلك هداية الباطن وهو ~~الإيمان قال الله تعالى {ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} # أعطاه نورا لمعرفته بأنه واحد ثم تركه مع مجاهدة نفسه في أمره ونهيه على ~~سبيل الاستقامة ليثيبه الجنة وإنما كان ذلك لأن الشهوات # PageV01P144 # أحاطت بقلبه فلم تتركه على سبيل أهل الوفاء حتى يكون له عبدا بجميع ~~جوارحه في جميع منقلبه كما عرفه ربا فيكون واقفا عند أمره ونهيه مراقبا ~~لحدوده فهذه هداية العامة ولا ينال بهذا تلك الصفة التي ذكرت في التوراة ~~والإنجيل والفرقان لأن النفس بما فيها من الهوى غلبت على القلب ولا تتركه ~~على الاستقامة حتى تميل به يمينا وشمالا # وهدى على القلب وهو هدى الولاية والعصمة وهي أن يقذف الله في قلب العبد ~~نورا وهو اليقين حتى يهتك حجب الشهوات التي تراكمت في صدره فتصير الآخرة له ~~كالمعاينة وهو المراد بقوله تعالى {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} كما قال حارثة رضي الله عنه كأني أنظر إلى عرش ~~ربي بارزا وإلى أهل الجنة كيف يتزاورون وإلى أهل النار كيف يتعاوون فيها ~~وعزفت نفسي عن الدنيا واستوى عندي حجرها ومدرها وذهبها وفضتها فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عرفت فالزم عبد نور الله الإيمان في قلبه فهذا نور ~~على نور وذهبت ظلمات الشهوات من الصدر وهي التي كانت تحجبه عن الله تعالى ~~ووعده ووعيده وتزين له في صدره شهوات الدنيا وهو قوله تعالى {والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} # هدى التوحيد شرط المجاهدة وهي متقدمة عليها وهدى الولاية حكم المجاهدة ~~فهي متأخرة عنها وهذا الهدى نور يقذفه الله تعالى في القلب بعد المجاهدة ~~يستقر فيه وهو اليقين فإنما سمي يقينا لأنه استقر فيمتلىء قلبه نورا ويشرق ~~صدره به فيتصور له الدنيا والآخرة وشأن # PageV01P145 # الملكوت في صدره ويتصور له أمور الإسلام حتى تذل النفس وتنقاد وتلقي ~~بيديها السلم من الخشية والهيبة والسلطان الذي حل ms044 بقلبه وفي صدره وهو قوله ~~تعالى {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} # فشرح الصدر إنما يكون من النور الذي يستقر فيقال له نور اليقين وأما نور ~~التوحيد في القلب والصدر بتراكم دخان الشهوات مظلم كالليل وكالغيم وكالغبرة ~~وكالدخان وكالقتار # وهدى رابع على القلوب وهو هدى النبوة وهو نور وجهه الكريم يوصل قلوبهم ~~إلى وحدانيته ويشرق صدورهم بنوره ويجعلهم في قبضته ويرعاهم بعينه ويؤيدهم ~~بنور قدسه قال الله تعالى اجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم وقال {أولئك ~~الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة} ثم قال {أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده} # وقال الله تعالى {قل إن هدى الله هو الهدى} # أي إن ذلك الذي على ألسنة الرسل غير نافع ولا مغيث وإنما الهدى هداي الذي ~~أهدي على القلوب وإن كان ذاك أيضا يسمى هدى فهذا أحق الهدى وهو كما روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى ~~النفس # PageV01P146 # وهدي الرسل عليهم السلام حجة الله على خلقه بأن يبين لهم على ألسنتهم ~~ضلالة سبيلهم ثم ذكر هدى هذه الأمة فقال {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا ~~بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} الآية ~~إلى أن قال {قل إن الهدى هدى الله} # أي هذا الهدى الذي آتيناكم يا أمة محمد هدى الله فقوله إن الهدى معرفة ~~وليست بنكرة كأنه يشير إلى شيء منصوص يعني الهدى الذي أتى هذه الأمة هو هدى ~~الله أي هو الذي تولاكم بالهداية # ثم قال {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} أي من الهدى وهو اليقين وهو قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما أعطيت أمة من اليقين ما أعطيت هذه الأمة # ثم قال {أو يحاجوكم عند ربكم} وهي المحاجة التي ذكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث يوم القيامة # PageV01P147 # ثم قال {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم يختص برحمته ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم} ms045 # أما الحديث فعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا فقال من ~~يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط ألا فعملت اليهود ثم ~~قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ألا فعملت ~~النصارى ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى صلاة المغرب على قيراطين ~~قيراطين ألا فأنتم فغضب اليهود والنصارى وقالوا نحن أكثر عملا وأقل عطاء ~~فقال أظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال إنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء ~~فقوله نحن أكثر عملا وأقل عطاء فقال أظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال ~~إنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء فقوله نحن أكثر عملا وأقل عطاء هو المحاجة ~~عند ربهم قوله تعالى {أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من ~~يشاء} # فذكر في الآية أن هذه الأمة مختصة بالرحمة مفضلة بالكرامة فالفضل الذي ~~آتاهم على الأمم أن أعطاهم اليقين فيه انكشف الغطاء عن قلوبهم حتى صارت ~~الأمور لهم معاينة # عن بكر بن عبد الله المزني رضي الله عنه قال لم يفضل أبو بكر # PageV01P148 # رضي الله عنه الناس بكثرة صوم ولا صلاة إنما فضلهم بشيء كان في قلبه # عن عبد الرحمن بن زيد قال قال عبد الله أنتم اليوم أكثر صياما وجهادا ~~وصلاة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيرا منكم قالوا ~~فمم ذاك يا أبا عبد الرحمن قال كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة # وقال طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ما كان عمر رضي الله عنه أولنا ~~إسلاما ولا أقدمنا هجرة ولكن أزهدنا في الدنيا وأرغبنا في الآخرة # وأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عيسى عليه السلام فإن أصابهم ما ~~يحبون حمدوا وشكروا فالحمد هو التكلم بكلمة الحمد وأما الشكر فهو رؤية ~~النعمة من الله تعالى ومن رأى ms046 النعم من الله تعالى ذللته أثقال النعم ~~وإنقاد لله تعالى فإن الآدمي مطبوع هكذا ان من أحسن إليه فقد سبى قلبه وصار ~~له كالآخذ باليد يذهب به حيث يشاء والنفس يهيمها البر واللطف والرفق ~~والإحسان فإذا رأى العبد من الله تعالى إحسانه وبره تذلل له واستحيى منه أن ~~يخالف أمره # وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال جبلت القلوب على حب من أكرمها ~~وبغض من أهانها # وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أحبوا الله لما يغزوكم به من نعمه وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي ~~بحبي # PageV01P149 # وعن الحسين رضي الله عنه قال قال موسى عليه السلام يا رب كيف شكرك آدم ~~عليه السلام قال علم أن ذلك مني وكان ذلك شكره # فأما قوله احتسبوا وصبروا فالاحتساب أن يرى ذلك الشيء الذي أخذه لله وإن ~~كان قد صيره باسمه فالأصل هو لله تعالى فيحتسبه لله تعالى كما في الأصل ~~وصبر أي ثبت فلم يزل عن مقامه لله عز وجل بزوال ذلك الشيء عنه فإن العبد ~~المؤمن يقول انا لله وها أناذا بين يديه مقيم في طاعته ونعم الله عليه ~~سابغة فإذا امتحنه وأزال عنه نعمه زال عن مقامه ذلك طالبا لتلك النعمة التي ~~زالت فليس هذا ثباتا والصبر هو الثبات على المقام بين يديه وان لا يعصيه # وأما قوله ولا حلم ولا علم فكأنه يخبر أن الله عز وجل قدر علما وحلما ~~لخلقه يتحالمون فيما بينهم ويتعالمون فبذلك الحلم يتخلقون بأخلاقهم كما قدر ~~فيهم رحمة واحدة فقسمها بينهم فبها يتراحمون فيما بينهم وبها يتلاطفون ومنه ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله عز وجل قسم بينكم أخلاقكم كما ~~قسم بينكم أرزاقكم # PageV01P150 # وكانت هذه الأمة آخر الأمم فرق ذلك ودق فلو تركهم على دقة تلك الأخلاق ~~ورقة تلك الأحلام وقلة العلم لم ينالوا من الخير إلا قليلا يسيرا وهو قول ~~عبد الله بن عمر ولم يزل الناس ينقصون ms047 في الخلق والخلق والرزق والأجل من ~~زمن نوح عليه السلام وقد كان أحدهم يعمر ألف سنة # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن البرة فيهم كانت ككلوة البقر ~~والرمانة الواحدة يقعد في قشرها عشر نفر والرجل في خلقه ثمانون باعا فصارت ~~الأعمار ما بين الستين إلى السبعين والبرة هكذا والخلقة هكذا # فانظر كم التفاوت بين العمرين وبين الخلقتين وبين الرزقين فكذلك بين ~~الخلقين فكأنه على نحو ما ذكر لم يبق لنا من الحلم والعلم من الحظ إلا يسير ~~كان ما يفسد أكثر مما يصلح وكأنا في المثال كيأجوج ومأجوج إذ كان لا حلم ~~ولا علم فصرنا بمنة الله تعالى علينا بهذه الصفة التي وصف إن أصابهم ما ~~يحبون حمدوا وشكروا وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا حتى برزت هذه ~~الأمة على الأمم وصاروا صفوة الرحمن والمقدمين يوم القيامة والمبدوء بهم ~~وحرام على الأمم دخول الجنة حتى تدخلها هذه الأمة فسأل عيسى عليه السلام ~~ربه وقال كيف يكون هذا الفضل لهم ولا حلم ولا علم قال أعطيهم من حلمي وعلمي ~~وهو اليقين الذي أعطي هذه الأمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطي ~~أمتي ما لم يعط أحد وهو قوله تعالى {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} # PageV01P151 # ثم قال {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم يختص برحمته ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم} وقوله وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها وكان الله بكل شيء عليما # فقوله أعطيهم من حلمي وعلمي أي أعطيهم النور في قلوبهم فتنشرح له صدورهم ~~وتتسع فهو حلمه وأصل الحلم إتساع القلب والصدر بالأمور فكلما دخل الصدر ~~فكرة أمر ذاب فيه وانهضم كما ينهضم الطعام في المعدة فاتسع الصدر للأمور ~~وصلحت وطابت فكل طعام لا ملح فيه فلا طعم له وكل أمر لا حلم له في القلب ~~فلا يتسع له ولا تجد النفس طعم ذلك الأمر فتلفظه فإذا لفظته ضاق الصدر فإذا ~~ورد النور على القلب اتسع الصدر لذلك الأمر ms048 فمنه تخرج محاسن الأخلاق ~~والأفعال وهو قوله عز من قائل {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه} # والحلم والملح يرجعان إلى معنى واحد وكل واحد منهما ثلاثة أحرف تستعمل كل ~~واحد منهما في نوعه # وأما قوله ومن علمي فإنه لما ورد النور على قلوبهم صاروا في العلم بالله ~~تعالى وبأسمائه الحسنى بحيث سبى قلوبهم وصارت قلوبهم متعلقة بذكره فاحتشت ~~صدورهم من الحكمة وفهموا عن الله تعالى فصاروا أبرارا أتقياء فقهاء ولو ~~تركهم على قسمهم وحظهم في آخر الأمم من الذي قدر لجميع الأمم من الحلم ~~والعلم والرحمة لكانت # PageV01P152 # هذه الأمة أدنى الأمم وأخسها فلما من عليهم بعطائه الواسع الكريم برزوا ~~على الأمم # فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها ~~وأكرمها على الله تعالى فإنما قووا على أن صاروا مهاجرين وأنصارا هجروا ~~أوطانهم وأموالهم وأولادهم ونصروا الله تعالى ورسوله عليه السلام وصاروا من ~~بعدهم تابعين لهم بإحسان بمثل هذا العطاء الواسع واليقين النافذ أي النافذ ~~من الأسباب إلى ولي الأسباب لأن النفس من شأنها أنها لا تترك شيئا قبضت ~~عليه حتى تطمع في شيء خير منه وإلا فمخالبها أحد من أن يقدر على الانتزاع ~~منها فإذا كان في كفها درهم فأطمعت في دينار فرأت الدينار رمت بالدرهم ~~فأعرضت عنه ثم هي مقبلة على الدينار فإذا أطمت في جوهر فنظرت الى الجوهر ~~الذي يعدل ملء بيت دينارا لهت عن الدينار وصارت خدرة ذبلة وضعفت قوة ~~مخالبها فصارت سلسة فأقبلت على الجوهر معرضة عن الدينار والدرهم مشتغلة ~~بالجوهر وتعنى به فلولا أن من الله على هذه الأمة بهذا اليقين حتى طالعوا ~~الملكوت وعظم جلال الله في صدورهم متى كانوا ممن يؤبه لهم ويعبأ بهم وهم ~~آخر الأمم وأقلهم حظا من الحلم والعلم الذي قدر لهذه الأمم # وروي عن كعب رضي الله عنه أنه قال لما نظر موسى عليه السلام في الألواح ~~قال يا رب إني أجد في الألواح صفة قوم على قلوبهم من ms049 النور أمثال الجبال ~~تكاد البهائم تخر لهم سجدا إذا رأوهم من النور الذي في صدورهم قال تلك أمة ~~أحمد يذمون أنفسهم ولا يعجبون بها فمن سعة أخلاقهم ونور قلوبهم أمكنهم أن ~~يهاجروا وينصروا # PageV01P153 # الله ورسوله وقالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام {اذهب أنت وربك فقاتلا ~~إنا ها هنا قاعدون} # وعن عبد الله بن عمرو قال أجد في الكتب أن هذه الأمة تحب ذكر الله تعالى ~~كما تحب الحمامة وكرها وهم أسرع إلى ذكر الله من الإبل إلى وردها يوم ظمأها # PageV01P154 ### | - الأصل الثاني والعشرون ### | في النهي عن الأكل على الخوان وفي السكرجة والمرقق # عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على خوان قط ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق قلت لأنس فعلى ما كانوا يأكلون ~~قال على السفر # فالخوان هو شيء محدث فعلته الأعاجم والعرب لم تكن لتمتهنها وكانوا يأكلون ~~على السفر واحدتها سفرة وهي التي تتخذ من الجلود لها معاليق تنضم وتنفرج ~~فبالانفراج سميت سفرة لأنها إذا حلت معاليقها انفرجت فأسفرت عما فيها وإنما ~~سمي السفر لأسفار الرجل بنفسه عن البيوت والعمران # وقوله ولا في سكرجة لأنها أوعية الأصباغ ولم يكن من شأنهم # PageV01P155 # الألوان إنما كان طعامهم الثريد عليها مقطعات اللحم وقال صلى الله عليه ~~وسلم انهس اللحم نهسا فإنه أشهى وأمرأ # قوله ولا خبز له مرقق فكان عامة خبزهم الشعير وإنما يتخذ الرقاق من دقيق ~~البر وقل ما يتخذ ويمكن اتخاذه من الشعير وإنما الرقاق لمن اتخذ الميسر ~~والميسر من فعل العجم والعرب تنهس اللحم عن وكيع ما درينا ما ورد طعام ~~المريض حتى جاءنا ابن المبارك والميسر من تيسير اللحم وهو تفريق اللحم ~~اليسير على النفر الكثير # فإن قال قائل فقد جاء في الأخبار ذكر المائدة قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تصلي الملائكة على الرجل ما دامت مائدته موضوعة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال لو كان الضب حراما ما أكل على مائدة رسول الله ms050 صلى الله ~~عليه وسلم وقال فرقد رأيت محمدا صلى الله عليه وسلم وطعمت على مائدته ~~الطعام # فالمائدة كل شيء يمد ويبسط مثل المنديل والثوب والسفرة لنسب إلى فعله ~~وكان حقه أن يكون مادة الدال مضاعفة فجعلوا إحدى الدالين ياء فقيل مائدة ~~والفعل واقع به فكان ينبغي أن يكون ممدودا ولكن خرجت في اللغة مخرج فاعل ~~كما قالوا سر كاتم وهو مكتوم # PageV01P156 # وعيشه راضية وهي مرضية وكذلك قد خرجت في اللغة ما هو فاعل مخرج مفعول ~~فقالوا رجل مشؤوم وإنما هو شائم وحجاب مستور وإنما هو ساتر فالخوان هو ~~المرتفع عن الأرض بقوائمه والمائدة ما مد وبسط والسفرة ما أسفر عما في جوفه ~~وذلك أنها مضمونة بمعاليقها # عن الحسن رضي الله عنه قال الأكل على الخوان فعل الملوك وعلى المنديل فعل ~~العجم وعلى السفرة فعل العرب وهو السنة # ولما غلب العجم على هذا الفعل قيل للخوان مائدة ومما يحقق ذلك ما جاء في ~~التنزيل من ذكر المائدة وإنما نزلت سفرة حمراء مدورة # PageV01P157 ### | - الأصل الثالث والعشرون ### | في الأمر بقطع المراجيح # عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقطع ~~المراجيح # مرجح ومرجاح لغتان فمرجح جمعه مراجح ومرجاح جمعه مراجيح كمفتح ومفاتح ~~ومفتاح ومفاتيح وهو لهو ولعب إنما كان يفعله العجم في أيام النيروز تفرجا ~~وتلهيا عن الغموم التي تراكمت على قلوبهم من رين الذنوب وقد تأدت الى العرب ~~سنتها والمؤمن قد تعتوره الأحزان والغموم لا محالة فمحال أن ينفك عنه غموم ~~الذنوب وأحزان مشيئة الله تعالى فيه هذا حال المقتصدة # فأما أهل المعرفة وهم المقربون فغمومهم من البقاء في الدنيا فإن الدنيا ~~مطبق المقربين ينتظرون متى الراحة منها وهو قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الدنيا سجن المؤمن # PageV01P158 # وأما أحزانهم فمن ظماء الشوق إلى الله عز وجل فهذان الصنفان لم ينفكوا من ~~الغموم والأحزان وسائرهم مخلطون بطالون لعمرهم غافلون عن الآخرة سكارى ~~حيارى سكارى عن وعده ووعيده حيارى في سيرهم إليه وركض الليل والنهار بهم ~~إلى ms051 الله تعالى فهم الذين يفزعون من غموم الدنيا ورين الذنوب المعذبة ~~لقلوبهم في ظلمات سجون المعاصي إلى المرجاح تلهيا وتلعبا يتفرجون ويتنشطون ~~ويتلبسون ويلتمسون النزهة ونسيمها ولا يعلمون أن النزهة في نزاهة القلوب ~~وتطهيرها من آفات النفس وخدعها ورين الذنوب حتى يجدوا نسيم الملكوت وروح ~~قرب الله تعالى على قلوبهم في عاجل دنياهم # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الإيمان حلو نزه فنزهوا # فإذا التمس العبد هذه النزهة فهو نور على نور والقلب مشحون بالنور والصدر ~~مشرق بالنور يعلم من ربه ويعلم ما من به عليه ربه وهو عنه غنى ولكنه رحمه ~~فمن عليه مما يرى عنده فأي فرح يتسع مع هذا الفرح في قلب وكيف يبقى في قلب ~~فيه هذا الفرح بالله متسع للفرح بالدنيا وأحوالها فالقلوب التي تعتورها ~~غموم الآخرة هي نورانية تنفرج بتلك الأنوار التي يطالع بها الآخرة وعظيم ~~الرجاء من عند الماجد الكريم وأما القلوب التي تعتورها ظلمات المعاصي فهي ~~قلوب معذبة ونفوس لقسة وجوارح كسلة يريدون أن يستروحوا إلى مثل هذه الأشياء ~~من الملاهي ويتنفسوا في فسيح النزهات وقد أخذت غموم النفس بأنفاسهم وجرعتهم ~~الغيظ في أنهم لا يصلون إلى مناهم على الصفاء فالملوك تخوف الغدر والبيات ~~معهم والأمراء خوف العزل معهم # PageV01P159 # والأغنياء خوف السلب معهم والأصحاب خوف السقم معهم فهذه مخاوف مظلمة تورد ~~على القلب مغمات كسحائب متراكمات تغور في جوفها من الحر ومع تلك السحائب حر ~~مؤذ وذباب كلما ذب آب وبراغيث يمنعن بعضهن عن الرقاد # فهذه صفة قلب المتنزهة بنزهة الدنيا فالسحائب معاصيه والذي يغور في جوفها ~~إصراره على المعاصي والحر المؤذي شهواته التي تغلي في صدره والذباب مناه ~~كلما قضى نهمته من شيء عادت الأخرى والبراغيث تنافسه في دنياه وفي أحوال ~~دنياه وثاب إليها فإذا لم يصل إليها رجعت عليه بحزازة فعضته وهو الحسد ~~والغيرة والبغضة والبخل والشح فأي قلب هذه صفته يتهنى بنعمة من نعم الدنيا ~~فلا يغرن عاقلا ظاهر فرحهم # كما روي عن الفضيل بن ms052 عياض أنه قال ذل المعصية والله في قلوبهم وإن دقدقت ~~بهم الهمالج أبى الله إلا أن يذل أهل معصيته فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقطع تلك المراجيح وكره لهم أن يتزيوا بزي من اشترى الحياة الدنيا ~~بالآخرة فلا خلاق له هناك مع أن الخطر في ذلك غير قليل فربما انقطع الحبل ~~فاندق العنق فصار معينا على نفسه فأما الذي يرخص فيه للتداوي لمريض ضاق ~~بعلته صدره أو للصبيان يعللون به فذاك لهم كالمهد يرج فيه حتى يذهب به ~~النوم لأن الطفل لا يعقل ما يصلح له ولا يصبر على الضجعة حتى يأخذه النوم ~~كما يصبر الكبير # PageV01P160 # فيعلل بتلك الأرجوحة فيهوي بجسده تلقفا ودفعا حتى ينام فليس هذا بداخل ~~عندنا في النهي لأن هذا يأخذه على الانتفاع به لا على الأشر والبطر وعلى ~~سبيل الملاهي في يوم أهل البطالات عن داود بن أبي هند رضي الله عنه قال ~~رأيت الشعبي يترجح فنظرت إليه فقال إنه نعت لي من وجع ظهري ومحتاجه هذه ~~النفس إلى تعليل في كل مكان وأن تداوى ويرفق بها والله تعالى رفيق يحب ~~الرفق في الأمور كلها # عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن الله يحب الرفق في الأمر كله # وعن القاسم بن محمد رضي الله عنه قال سمعت عائشة رضي الله عنها تقول قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من حرم حظه من الرفق # PageV01P161 # فقد حرم حظه من خير الدنيا والآخرة ومن أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه ~~من خير الدنيا والآخرة # ومن الرفق والتعليل بالنفس ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لما انتهيت إلى سدرة المنتهى فتدلى النور الأكبر فغشى السدرة فحار بصري ~~فحال دونه فراش من ذهب يعلله بذلك حتى يقوى بصره على رؤية النور لأن الفراش ~~إذا طار هكذا وهكذا حجبه مرة وانكشف له مرة # وما روي عنه صلى الله عليه وسلم في قصة المعراج أنه ms053 قال لما انتهيت إلى ~~قرب العرش تدلى رفرف فأخذني من جبرائيل عليه السلام تناولا إلى سند العرش ~~فجعل يهوي بي يخفضني مرة ويرفعني مرة # فذاك تعليل النفس وذلك أنها لا تقوى على مباشرة الأمور في دفعة واحدة إلا ~~قليلا قليلا فقربه الرفرف في رفعه العرش ثم خفضه ثم رفعه لكي تتمالك النفس ~~ولو كانت دفعة واحدة لكان قمنا أن لا يتمالك فكان الرفرف سببا لتداريه ~~والرفق به وإنما قيل رفرف لأنه يرفرف حول المشاهدة والقربة ويقال هو أخضر ~~من الدر والياقوت فيما جاء به الخبر وإن أردنا بما ذكرنا من هذه الأشياء أن ~~المرجاح الذي يوضع فيه الصبي أو المريض ليرجح بنفسه هكذا وهكذا حتى يجد ~~الصبر على الإستقرار في موطن واحد خارج من النهي وإنما وقع النهي على من ~~تشبه بأهل البطالة في ذلك اليوم وبالملوك الفراعنة الذين تلذذوا به فإن ذلك ~~فعل ملهى مطرب مع الغناء والجواري والسماع على شاطىء الأنهار في تلك الخضر ~~ونور الربيع وأخذت الأرض زينتها وزخرفها في أيام # PageV01P162 # النيروز مع طيب الهواء وسجسجة الجو تنزهوا في نزهة الدنيا وتنعموا ~~بالألوان وقضوا المنى والشهوات وحف بهم المعازف وركبوا المراجيح فتعجلوا ~~طيباتهم في حياتهم الدينا # قال الله تعالى {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في ~~الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون} # فبلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلم في امتناعه من التوسع في ~~النعيم فتلا هذه الآية الكريمة فقيل له يا أمير المؤمنين أليس هذا للكفار ~~فقال ثكلتك أمك الكفار أهون على الله تعالى من أن يعاتبهم ونظرت في هذه ~~الآية فوجدت مبتدأها ذكر الكفار وهو قوله تعالى {ويوم يعرض الذين كفروا على ~~النار} ثم قال في آخرها {فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في ~~الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون} # فأخبر أنه إنما جزاؤهم عذاب الهون بالاستكبار بغير الحق وبالفسق ليحذر ~~المؤمن أن يستكبر في أرضه بغير الحق ms054 وأن يفسق فإن دخول النار بالكفر وتضاعف ~~العذاب وقسمة الدركات بالأعمال السيئة والأخلاق السيئة ودخول الجنة ~~بالإيمان وتضاعف النعيم وقسمة الدرجات بالأعمال والأخلاق الحسنة ولما عير ~~الكفار بالكبر والفسق فزع عمر رضي الله عنه من ذلك وحق له أن يفزع من ~~التعجيل ببعض الطيبات في الحياة الدنيا والاستمتاع بها # PageV01P163 # ومن ههنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أتي بعسل قد خيض ~~بماء فرده وقال أما إني لا أحرمه ولكني أتركه تواضعا لله تعالى # كأنه رأى أن النفس إذا أعطيت شهواتها فذاك من الاستكبار وإذا منعت فذاك ~~من التواضع لله تعالى هذا فيما حل وأطلق له فكيف بما حرم عليه وان الله ~~تعالى خلق الجنة فحشاها بالنعيم ثوابا لأهلها وخلق النار فحشاها بالعذاب ~~عقابا لأهلها وخلق الدنيا فحشاها بالآفات والنعيم محنة وابتلاء ثم خلق ~~الخلق والجنة والنار في غيب منهم لم يعاينوه فالنعيم والآفات التي في ~~الدنيا من أنموذج الآخرة ومذاقه فيها وخلق في الأرض من عبيده ملوكا أعطاهم ~~سلطانا أرعب به القلوب وملك به النفوس قهرا أنموذجا ومثالا لتدبيره وملكه ~~ونفاذ أمره ووصف الدارين وضرب الأمثال ثم قال {وتلك الأمثال نضربها للناس ~~وما يعقلها إلا العالمون} # وليس في الدنيا شهوة ولا نعمة إلا وهي أنموذج الجنة وذوقها ثم من وراء ~~ذلك فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ولا سمي للعباد ~~منها لم ينتفعوا بتلك الأسماء لأنهم لم يعقلوه ههنا ولا رأوه ولا أنموذج ~~لها في الدنيا والجنة مائة درجة وإنما وصف منها ثلاث درجات الذهب والفضة ~~والنور ثم ما وراء ذلك لا تحتمله العقول ولأهل الجنة تلاق وزيارات ومتحدث ~~من مواطن الألفة ومجتمع في ظل طوبى ويركبون رفارف والرفرف شيء إذا استوى ~~عليه رفرف به وأهوى به كالمرجاح يمينا وشمالا ورفعا وخفضا يتلذذ مع أنيسه ~~فإذا ركبوا الرفارف أخذ إسرافيل عليه السلام في السماع # PageV01P164 # وقال طلحة بن مطرف رضي الله عنه يعجبني أن يمر بي يوم النيروز وأنا لا ms055 ~~أشعر به ومن ذهب يصوم في ذلك اليوم ويزيد في أعمال البر يتوخى بذلك خلافا ~~لهم فهذا مذهب أيضا ولكن المذهب الأول وهو ما ذكره طلحة بن مصرف أسلم له ~~فإن هؤلاء اتخذوه عيدا لنزهتهم وسرورهم وهذا قد اتخذه عيدا لعبادته ~~والإتخاذ يشبه الاتخاذ وإن كان العملان متباينين ألا ترى أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الجمعة وقال لا تتخذوه عيدا # وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أتي بفالوذج # فقال ما هذا قالوا إنه يوم نيروز وذلك بأرض العراق # قال نورزوا كل يوم كأنه أراد ان لا يعبأ به # PageV01P165 ### | - الأصل الرابع والعشرون ### | في قوله صلى الله عليه وسلم احشر أنا وأبو بكر وعمر # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحشر ~~أنا وأبو بكر وعمر هكذا وأخرج السبابة والوسطى والبنصر وأراه قال ونحن ~~مشرفون على الناس # السبابة من الأصابع التي تلي الابهام وكانت في الجاهلية تدعى السبابة ~~لأنهم كانوا يسبون بها فلما جاء الله تعالى بالاسلام سموها المشيرة وذلك ~~أنهم كانوا يشيرون بها إلى الله عز وجل بالتوحيد وفي حديث وائل بن حجر ~~سماها السباحة ولكن اللغة سارت بما كانت تعرف في الجاهلية فغلبت # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~تأكلوا بهاتين وأشار بالابهام والمشيرة وقال كلوا بثلاث فإنها سنة ولا ~~تأكلوا بخمس فإنها أكلة الأعراب # فالأكل بالخمس علامة الحرص والاقتحام في الطعام وذلك مما يمحق البركة ~~ويفسد على أصحابه حتى يعافوه والأكل بإصبعين مما لا # PageV01P166 # يستوفي وهي أكلة الملوك وزي أهل النخوة الذين يستكبرون ويمتنعون عن الأكل ~~عتوا وتجبرا وصلفا وإذا نظروا فبلحاظ أعينهم وإذا تكلموا فبأشداق أفواههم ~~وإذا سمعوا فبأصعار خدودهم وإذا تناولوا فبأطراف أناملهم وإذا مشوا فبأجنحة ~~صدورهم وتمطي خواصرهم متبخترين مشية مطيطا بضم الميم مدودا بطرا وعلوا ~~والأكل بثلاثة أصابع تواضع عن النخوة وعفة عن الحرص فالأول غلو والآخر ~~تفريط وما ms056 بينهما وسط # قال الحسن البصري رحمه الله ان دين الله وضع على القصد فدخل الشيطان فيه ~~بالإفراط والتقصير فهما سبيلان إلى نار جهنم وعنه أن دين الله تعالى وضع ~~دون الغلو وفوق التقصير # عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل ~~بثلاث أصابع بالإبهام والتي تليها والوسطى ثم رأيته لحق أصابعه الثلاث حين ~~أراد أن يمسحها فلعق الوسطى ثم التي تليها ثم الإبهام # فأما قوله صلى الله عليه وسلم أحشر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا ~~فهذا على درجاتهم فكانت إشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصابعه الثلاث # وروي لنا عن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشيرة منها كانت ~~أطول # PageV01P167 # من الوسطى والبنصر أقصر من الوسطى وذكر المنازل والإشراف على الخلق وأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلاهم اشرافا ثم من بعده أبو بكر دون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فوق عمر ثم من بعده عمر دون أبي بكر رضي الله ~~عنهما فمن لم يعرف شأن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل تأويل هذا ~~الحديث على الانضمام والاقتراب بعضهم من بعض وهذا معنى بعيد لأن حشر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حشر الرسل عليهم السلام وحشر أبي بكر وعمر حشر ~~الصديقين رضوان الله عليهم أجمعين وكذلك مقامه في العرصات هو في مقام ~~النبيين ومقامهما من العرصات مقام الصديقين # عن ميمونة بنت كروم رضي الله عنها قالت خرجت في حجة حجها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولقد رأيتني أتعجب وأنا جارية من طول إصبعه التي تلي ~~الإبهام على سائر أصابعه # PageV01P168 ### | - الأصل الخامس والعشرون ### | في أن الكتابة قيد للعلم وحفظ له من النسيان # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قيدوا ~~العلم بالكتابة # وفي المأثور من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ~~لما خلق آدم خلق لقلبه غاشية تنطبق مرة ms057 وترتفع مرة فما سمع والغاشية مرتفعة ~~حفظه وما سمع والغاشية منطبقة نسيه # عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يا أمير ~~المؤمنين مم يذكر الرجل ومم ينسى فقال إن على القلب طخاءة كطخاءة القمر ~~فإذا تغشت القلب نسي بن آدم ما كان يذكر وإذا تجلت ذكر ما كان نسي # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أول من خط بالقلم بعد آدم إدريس ~~عليهما السلام وسمي بذلك لأنه كان يدرس الكتب وكتب نوح # PageV01P169 # عليه السلام ديوان السفينة وكتب الله تعالى التوراة لعبده موسى عليه ~~السلام قال تعالى وكتبنا له في الألواح من كل شيء وكتب الزبور من زبر الرجل ~~أي كتب وقال تعالى في تنزيله وكل شيء فعلوه في الزبر أي في اللوح وأول ما ~~بدأ شأن الكتابة بدأ القلم واللوح فكتب ما هو كائن # والكتاب حق وتدبير من الله تعالى لعباده والكتب الجمع بين الحروف ومنه ~~سميت الكتيبة لأنها جمعت فإذا قيدت المعاني بهذه الحروف المخطوطة التي هي ~~دلائل على المعاني فإن كانت محفوظة فالكتاب مستغنى عنه وإن نسيت صار الكتاب ~~نعم المستودع وإن دخل القلب ريب في ذلك نفى الريب واطمأنت النفس وقد أدب ~~الله عز وجل العباد وحثهم على مصالحهم فقال عز من قائل في شأن المداينة {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا تداينتم} الآية # فاعلم أن الكتابة قسط عند الله تعالى وهو العدل يؤدي ما ائتمن واستودع ~~وأقوم للشهادة أي أحرى أن يقوم بها وأبعد من الشك والريبة ومن ههنا أخذ ~~طاووس فقال يسعه أن يشهد على خطه وهو لا يذكر فإذا كان تجار الدنيا في ~~المداينة فيما بينهم يقيدون الأمانات المؤجلة لئلا تدرس ليؤدوها في مواقيت ~~حلها ندبهم الله تعالى إليه ودلهم عليه كان تجار الآخرة في تقييد الأمانات ~~التي أخذ الله تعالى الميثاق فيها أن يؤدوه ولا يكتموه أحرى أن يحافظوا ~~عليها ويداوموا على إثباتها وتقييد رسومها لئلا تدرس ليؤدوها في مواقيتها ~~عند حاجة الخلق إليها ms058 في نوازلهم فإن أمانة الدين أعظم شأنا من أمانة ~~الدنيا وقد ائتمن الله تعالى # PageV01P170 # أهل الأموال ليحرزوها ويحفظوها ويراقبوا أمر الله تعالى فيها من صرفها في ~~وجوهها وإخراج حقوقها وإنفاقها في السبل التي أذن الله تعالى فيها # وائتمن الله تعالى أهل العلم على ما أودعهم من نوره وبراهينه وكتبه وحججه ~~ليحرزوها ويحفظوها ويراقبوا أمر الله تعالى فيها من صرفها في وجوهها ووضع ~~كل شيء منها مواضعها وإخراج حقوقها لأهل الحاجة إليها وإنفاقها في السبيل ~~التي سبلها الله تعالى لهم ولهذا ما جاء في الخبر ان الله تعالى يختص هذين ~~الصنفين من جميع الخلق للحساب فيقول للعلماء كنتم رعاة غنمي ولأهل الأموال ~~كنتم خزان أرضي فقبلكم اليوم طلبني # فالمراعي بيد الخزان والمرعى بيد الرعاة إذا أرعى الخازن الغنم رعاه ~~الراعي وذلك أن مرعى الغنم دنياهم والدنيا بأيدي الخزان والرعاية بأيدي ~~الرعاة يسوقهم إليها فيرعيهم ويوردهم الماء حتى يعيشوا وهو العلم الذي بين ~~لهم منه وإن تردي مترد جبر كسيرته وإن عدى الذئب طردهم عنه بالكلاب وإن مال ~~إلى منابت السوء من السموم القاتلة صرف وجوههم عنها فهؤلاء الرعاة فهذا شأن ~~عظيم قد قلدوا من أمور الخلق فوقعت شدة الحساب عليهم وإذا منع الخازن هلكت ~~الغنم وإذا ضيع الراعي هلكت وكذلك جاء في الخبر أنه ينادى يوم القيامة يا ~~راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن ولبست الصوف ولم تأو لي الضالة ولم تجبر ~~الكسيرة ولم ترعسها في مرعاها اليوم أنتقم منك # فأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من أشراط الساعة أن توضع ~~الأخيار وترفع الأشرار وأن تقرأ المثناة على رؤوس الناس وما # PageV01P171 # شددت الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك فقالوا كتاب مع كتاب الله فإن ذلك ~~مما كانت اليهود فعلته وقد وصف الله تعالى في تنزيله الكريم فقال فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا # وذلك أنه لما درس الأمر فيهم وساءت رغبة علمائهم أقبلوا على الدنيا حرصا ~~وجمعا فطلبوا شيئا ms059 يصرف وجوه الناس إليهم فأحدثوا في شريعتهم وبدلوا ~~وألحقوا ذلك بالتوراة وقالوا لسفهائهم هذا من عند الله ليقبلوها عنهم ~~فتتأكد رياستهم وينالوا به حطام الدنيا وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا ليس ~~علينا في الأميين سبيل وهم العرب أي ما أخذنا من أموالهم فهو حل لنا وكان ~~مما أحدثوا فيه أن قالوا لا يضرنا ذنب فنحن أحباؤه وأبناؤه تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا وإنما كان في التوراة يا أحباري ويا أبناء رسلي فغيروه ~~وكتبوا يا أحبائي ويا أبنائي فأنزل الله تعالى تكذيبهم # {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم} ~~فقالت لن يعذبنا وإن عذبنا فأربعين يوما مقدار أيام العجل فأنزل الله تعالى ~~وقالوا لن تمسنا النارإلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف ~~الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون بلى من كسب سيئة الأية # فحذر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأمة لما قد علم ما يكون في ~~آخرالزمان فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم معارضا لكتاب الله تعالى # PageV01P172 # فيضلوا به الناس والمثناة ما ثني من الكتاب ليصرف وجوه الناس عن كتاب ~~الله تعالى فأما إثبات الكتاب وما سمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~تفسيره وبيانه وشرحه فمحمود قال صلى الله عليه وسلم ألا وإني أوتيت الكتاب ~~ومثله فلا يتكئن أحدكم على أن يقول ما وجدنا في كتاب الله عز وجل أخذنا به ~~وما لم نجد تركناه في كلام نحو هذا # وكان الذين يأخذون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بصائر ويقين ~~وتجلية قلوب ويحفظون عنه فلما صاروا إلى القرن الذي يليه وظهرت الفتن احتيج ~~الى إثباته في الكتب # فمنهم من هاب ذلك لأنه رآه حدثا وأمرا لم يكن على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهاب أن يكون بدعة ومنهم من تجاسر عليه لما رأى فيه من النفع كما ~~تجاسر أبو بكر رضي الله عنه على جمع القرآن وهابه عمر رضي الله عنه وقال ~~أنفعل ms060 ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر رضي الله عنه فلم ~~يزل يرادني في ذلك حتى شرح الله صدري لذلك كما شرح صدره فجمعوا على تأليفه ~~أبي بن كعب وقراء القرآن رضي الله عنهم فكذلك هذه الكتب لم يزل الناس كلما ~~مضى قرن احوج إلى تقييده وبيانه وشرحه لأن العلم في إدبار والجهل في إقبال ~~حتى غلب الجهل وأحاط بالخلق البلاء ونجمت قرون البدع فأحوج ما كانوا إلى ~~شرحه وبيانه في هذا الوقت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد أذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لغير واحد من أصحابه في ذلك رضوان الله عليهم # PageV01P173 # عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا شكى إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سوء الحفظ فقال استعن بيمينك # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في صحيفة يكتب فيها ما سمع منه فأذن له # عن عبد الله بن عمرو أنه قال يا رسول الله أكتب ما أسمع منك قال نعم قال ~~عند الغضب والرضى قال نعم فإنه لا ينبغي أن أقول إلا حقا # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب حيث ~~افتتح مكة شرفها الله فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال اكتب هذا ~~لي يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتبوه لأبي شاه يعني ~~تلك الخطبة # عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال قيدوا العلم قلنا وما تقييده قال ~~علموا وتعلموا واستنسخوه فإنه يوشك أن يذهب العلماء ويبقى القراء لا يجاوز ~~قراءة أحدهم تراقيه # PageV01P174 ### | - الأصل السادس والعشرون ### | في ذكر فتاني القبر # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ~~يوما فتاني القبر فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أترد إلينا عقولنا يا ~~رسول الله قال نعم كهيئتكم اليوم فقال عمر رضي ms061 الله عنه ففي فيه الحجر # المؤمن كريم على ربه يدل بزلفاه على خلقه فمن عرض له بسوء عارضه بإذن ~~الله معتزا بالله وكيف لا يكون هكذا وقد أوصى الله تعالى في تنزيله الكريم ~~{ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} # اعلم أن المنافقين لا يعلمون هذا فأما المؤمنون فقد بان لهم أن الله ~~تعالى قد أعزهم وبان لهم عند أنفسهم أنهم إنما يعتزون بالله تعالى فعمر # PageV01P175 # رضي الله عنه حين ذكر له فتاني القبر كأنه غاظه ذلك من فعل الفتانين ففزع ~~إلى الله تعالى وسأل الرسول صلى الله عليه وسلم فإنما كان يجد الخبر من ~~الغيب على لسانه أترد إلينا عقولنا فلما قال نعم كهيئتكم اليوم أنطقته ~~الجرأة الدالة لا جرأة الحماقة وجرأة الدالة من اليقظة والمعرفة وجرأة ~~الحماقة من الجهل والغفلة فقال ففي فيه الحجر أي أنه إذا كان عقلي الذي معي ~~اليوم يرد علي كهيئته اليوم معي أسكته بحسن الجواب فكأني ألقمته الحجر أي ~~بجوابي وبما أعطي من سلطان الحق ونفاذ بصيرة العقل لأنه نظر فوجده كأنه ~~أعطي سلطان الامتحان ونظر إلى نفسه فوجده قد أعطي سلطان الحق ونوره فلم ~~يبال به وخلق خلقة منكرة وسمي منكرا لذلك وسمى صاحبه نكيرا وقد وصفهما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال أعينهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد ~~القاصف وشعورهما تحت أقدامهما يحفران الأرض بأنيابهما فإذا كان في القلب من ~~سلطان المعرفة ما لا يهاب ملوك الدنيا وسائرها ما ينفر منه القلوب فإنه لا ~~يهاب منكرا ونكيرا وقال عمر رضي الله عنه في رواية إذا أكفيهما يا رسول ~~الله # وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه خرج في سفر له فإذا الجماعة على ~~طريق فقال ما هذه الجماعة قالوا أسد قطع الطريق قال فنزل ومشى إليه حتى ~~قفده بيده ونحاه عن الطريق ثم قال ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~إنما يسلط على ابن آدم من خافه ابن آدم ولو أن ابن آدم لم يرج ms062 إلا الله لم ~~يكله الله إلى أحد غيره # وحديث ابن عمر رضي الله عنهما يدل على أن كلا إنما يرد إليه عقله الذي ~~خرج به من الدنيا على تلك الهيئة وبين العقول تفاوت فإذا كان عقل الرجل ~~وافرا فاستقبله هول من أهوال الدنيا من ذي سلطان أو # PageV01P176 # غيره فاستقام ولم يدهش ولم تصبه الحيرة في أمره كان يومئذ مردودا عليه ~~ذلك العقل فإذا استقبله هول فتاني القبر لم يدهش ولم يتحير ومن كان عقله ~~اليوم ما إذا حل به شيء من ذلك الوجه دهش وتحير ولم يثبت على الإستقامة حتى ~~مال كان إذا إستقبله هول فتاني القبر هناك مثل ذلك وان الله تعالى يلطف ~~لعبده المؤمن وينصره ويثبته في الأحايين كلها قال عز من قائل {يثبت الله ~~الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} فعلى قدر ثباته في ~~الدنيا يكون ثباته في القبر # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر حديث ~~الصور فقال في آخر ذلك بقول الله تعالى لملك الموت عليه السلام من بقي ~~فيقول بقيت أنت الحي القيوم الذي لا يموت وبقي عبدك ملك الموت فيقول يا ملك ~~الموت أنت خلق من خلقي خلقتك لما ترى فقد مات الخلق كلهم فمت ثم لا تحيى ~~أبدا # وقد امتننع كثير من الرواة من رواية هذا الحرف ثم لا تحيى أبدا وهاب هذه ~~الكلمة وذلك مبلغ علمه فنظرنا في هذا الحرف فوجدنا أن الله تعالى يحب ~~المؤمن ومن حبه إياه رزقه الإيمان والمعرفة فقمن أن يترك إحياء ملك الموت ~~عليه السلام كرامة للمؤمنين فإن كل من لقي من أحد شدة ثقل عليه النظر إليه ~~فكيف بمن قتله وقطع روحه من كل مفصل حتى نزعه ألا ترى أنه كان يأتيهم عيانا ~~فشتموه وآذوه فشكا إلى الله عز وجل فصير أمر في خفاء وهيأ لهم الأسباب من # PageV01P177 # الأمراض والعلل لكي يدرس ذكر ملك الموت عليه السلام عن قلوبهم وألسنتهم ~~ويقولون مات فلان بعلة ms063 كذا # ألا ترى أنه لطمه موسى عليه السلام ففقأ عينه فرجع يشكو إلى الله عز وجل ~~وإنما فقأ عين الصورة التي كان أتاه فيها وهذا عند من يجهل معناه منكر ~~مرفوع متهم رواته وكيف يتهم رواته وقد روته الأئمة من غير وجه # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان ملك ~~الموت يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى عليه السلام فلطمه ففقأ عينه فرجع ملك ~~الموت إلى ربه عز وجل فقال يا رب إن عبدك موسى فعل بي ما ترى ولولا كرامته ~~عليك لشققت عليه قال إرجع إلى عبدي موسى فقل له فليضع يده على متن ثور ~~فخيره بكل شعرة توازي كفه أن يعيش سنة فقال موسى عليه السلام يا ملك الموت ~~فما بعد ذلك فقال الموت قال فمن الآن قال فشمه شمة فقبض روحه فرد عليه بصره ~~فكان يأتي الناس بعد ذلك في خفية # وإنما استجاز ذلك موسى عليه السلام لأنه كليم الله تعالى كأنه رأى أن من ~~اجترأ عليه ومد يدا بالأذى إليه فقد عظم الخطب فيه وإنما اعتز بالله تعالى ~~ورغب في عبادته ودعوة الخلق إليه لا شحا على الحياة وحرصا على الدنيا ~~وتلذذا بها # PageV01P178 ### | - الأصل السابع والعشرون ### | في أن من السنة مشاركة الجليس في الهدية # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أتى أحدكم بهدية فجلساؤه شركاؤه فيها # فالجلساء هم الذين داموا على مجالستهم معك وفاوضوك في أمورك فليس كل من ~~جلس إليك فهو جليسك كما يقال أكيلك وشريبك وحريفك ووزيرك وليس كل من أكل ~~معك مرة أو وازرك على أمر مرة بأكيل أو وزير فإذا أهدى لك فله من الحق أن ~~تحذي له منها لأن # PageV01P179 # كرامتك كرامته وهو من أهل وصية الله تعالى بالإحسان إليه فقال {والصاحب ~~بالجنب} # قيل في التفسير رفيقك في السفر وجليسك في الحضر وامرأتك التي تضاجعك # عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال يقول الله ms064 تعالى إني لأهم بعذاب أهل ~~الأرض فإذا نظرت إلى جلساء القرآن وعمار المساجد وولدان الإسلام يسكن غضبي # فليس كل من قرأ القرآن فهو جليس القرآن إنما الجليس من جالسه القرآن ~~وفاوضه وأبدا له عن أسراره وعجائبه وبواطنه وإنما يكون هذا لمن انتفى عنه ~~جور قلبه وذهبت خيانة نفسه فأمنه القرآن فارتبع في صدره وتكشف له عن زينته ~~وبهائه وكذلك عمار المساجد ليس كل من أنفق في مسجد أو رمه فهو من العمار ~~إنما عمار المساجد من عمرها بذكره قال الله تعالى {إنما يعمر مساجد الله من ~~آمن بالله واليوم الآخر} الآية فجليس القرآن من جالسه القرآن فإذا وجدالقلب ~~طاهرا جالسه القرآن وكشف عن وجهه فإن وجهه باطنه وهذا ظهره الذي يعقله ~~الناس # ومنه ما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لنجد لقراءتك لذة يا رسول ~~الله ما لا نجد لقراءة أحد قال لأنكم تقرأونه لظهر وأنا أقرأه لبطن فلا ~~يكشف عن وجهه إلا الأمين الذي لا يخونه # PageV01P180 # ومثله كمثل عروس مزين مد يده إليها دنس متلوث في المزابل متلطخ بالأقذار ~~وهي تعرض عنه أنفة وتعافه وتقذره فإذا تطهر ثم تزين فقد أدى حقها أقبلت ~~إليه بوجهها ففاوضته وصارت له جليسة فكذلك القرآن له ظهر وبطن فوجهه مما ~~يلي بطنه والزينة والبهاء والحسن في الوجه فلا يكون جليسا إلا من تطهر من ~~الذنوب ظاهرا وباطنا وتزين بالطاعة ظاهرا وباطنا فعندها يأمنه القرآن ~~فيتحلى له بزينته وبهائه ومواعظه وحكمه وما حشى الله تعالى فيه من المن ~~واللطف لعباده وحرام على من ليس هذه صفته أن ينال ذلك وكيف ينال البر ~~واللطف عبد آبق من مولاه هارب على وجهه لا يزداد على تجدد الأيام إلا هربا ~~بنفسه إنما ينال البر إذا أقبل إليه من إباقه تائبا نادما فيمكث في التوبة ~~مدة يظهر له نصحه فهناك فليتوقع بره ولطفه فكذلك هذا كيف ينال البر واللطف ~~من الله تعالى من قلبه مكب على حطام الدنيا وقضاء الشهوات وإنما البر ~~واللطف للمتقين والمحسنين وقال ms065 تعالى {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في ~~الأرض بغير الحق} # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من تواضع لله درجة رفعه الله ~~درجة ومن تواضع لله درجات رفعه الله درجات حتى يجعله في أعلا عليين ومن ~~تكبر على الله درجة وضعه الله درجة ومن تكبر على الله درجات وضعه الله ~~درجات حتى يجعله في أسفل سافلين # PageV01P181 # فالمتكبر بغير الحق هو الذي يقضي نهمته وشهوته ولا يبالي أذن الله له ~~فيها أو لم يأذن فهو من الله تعالى على عقوبة أن يضيعه فكيف ينيله البر ~~واللطف الذي يريه أحباءه في تنزيله الكريم بل إذا تلاه صرف قلبه عنها فلا ~~يعيه ولا يفهمه كما صرف هذا بقلبه عن الله تعالى إلى نفسه ودنياه وروي في ~~التفسير في قوله تعالى {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض} قال أنزع ~~عنهم فهم القرآن فلا يفهمونه ولا يحدون له حلاوة ولا لذاذة وذلك أن الفهم ~~نور إذا ورد على القلب دنس المعاصي ارتحل النور فتحير عن فهمه وروي في ~~الحديث أنه قال يأتي على الناس زمان يخلق القرآن في صدورهم حتى يتهافت مثل ~~الثوب الخلق البالي # PageV01P182 ### | - الأصل الثامن والعشرون ### | في سر إماطة الأذى عن الطريق # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينما ~~رجل يمشي في الطريق إذا أبصر بغصن شوك فقال والله لأرفعهن هذا لا يصيب أحدا ~~من المسلمين فرفعه فغفر له # قال أبو عبد الله ليس برفع الغصن نال المغفرة فيما نعلمه ولكن بتلك ~~الرحمة التي عم بها المسلمين فشكر الله له عطفه ورأفته بهم # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما عبد لم ~~يعمل لله خيرا قط مر على بئر فشرب فإذا هو بكلب يلهث عطشا فغرف له بخفه ~~فسقاه فشكر الله له ذلك فغفر له وبينما عبد لم يعمل لله # PageV01P183 # تعالى خيرا قط فمر على غصن شوك فأماطه عن الطريق فغفر الله له وبينما ms066 عبد ~~لم يعمل لله تعالى خيرا قط ففرق فخرج هاربا فجعل ينادي يا أرض اشفعي لي ويا ~~سماء اشفعي لي ويا كذا اشفعي لي حتى أصابه العطش فوقع فلما أفاق قيل له قم ~~فقد شفع لك من قبل فرقك من الله تعالى # قال أبو عبد الله فإنما غفر له من أجل الرحمة التي رحم بها الكلب وإنما ~~غفر له من أجل الفرق الذي حل بقلبه لأنه عمل فيه حتى فارق المعاصي أصلا ~~فتركه بالجوارح فعلا وتركه قلبا ونفسا فطهر الظاهر والباطن واماتت منه شهوة ~~كل معصية والذي يترك المعاصي بجوارحه وشهوتها في قلبه ونفسه تنازعه إلى ذلك ~~فإنه طهر ظاهره فلم يطهر باطنه فلم يستكمل التوبة بحقيقتها ولما أنزل الله ~~تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} قال فلما تلاها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين خر فتى مغشيا عليه فوضع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده فإذا هو يتحرك قال يا فتى قل لا إله ~~إلا الله فأفاق الفتى وهو يقولها فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالجنة فقال أصحابه يا رسول الله أمن بيننا فقال صلى الله عليه وسلم أما ~~سمعتم الله يقول {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} # والرهب هرب القلب من هول سلطان الله وهو أكبر من الخوف والخوف خيفته ~~وانزعاجه والرغب التهاب القلب حرصا على الشيء وهو أعلى من الطمع # PageV01P184 ### | - الأصل التاسع والعشرون ### | في النظافة # عن عبد الله بن بشر المازني رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قصوا أظافيركم وادفنوا قلاماتكم ونقوا براجمكم ونظفوا لثاتكم من ~~الطعام وتسننوا ولا تدخلوا علي قخرا بخرا # أما قص الأظفار فلأنها تخدش وتضر وهو مجمع الوسخ وربما أجنب ولا يصل ~~الماء إلى البشرة من الوسخ فلا يزال جنبا والأظافير جمع الأظفور والأظفار ~~جمع الظفر وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ms067 سها في صلاته فقال ~~وما لي لا أوهم ورفع أحدكم بين ظفره وأنملته ويسألني أحدكم عن خبر السماء ~~وفي أظافيره الجنابة والتفث # وأما دفن القلامة فإن جسد المؤمن ذو حرمة فما سقط منه فحظه من # PageV01P185 # الحرمة قائم وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفن دمه حيث احتجم ~~كيلا يبحث عنه الكلاب # وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يحتجم فلما فرغ قال يا عبد الله بن الزبير اذهب ببهذا الدم فاهرقه ~~حيث لا يراك أحد فلما برز عمد إلى الدم فشربه فلما رجع قال يا عبد الله ما ~~صنعت به قال جعلته في أخفى مكان ظننت أنه خاف على الناس قال لعلك شربته قال ~~نعم قال لم شربت الدم ويل للناس منك وويل لك من الناس # عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بدفن ~~سبعة أشياء من الإنسان الشعر والظفر والدم والحيضة والسن والقلفة والمشيمة # والبرجمة ظهر عقدة كل مفصل وهو مجمع الدرن والراجبة قصب الإصبع ما بين ~~العقدتين فلكل إصبع برجمتان وثلاث رواجب إلا الإبهام فإن لها برجمة ~~وراجبتين أمر بتنقيتها لئلا تدرن فيحول درن تلك الفصول بين الماء والبشرة ~~وتبقى الجنابة واللثة هي اللحمة فوق الأسنان ودون الأسنان وهي منابتها ~~والعمور اللحمة القليلة بين السنين واحدها عمر أمر بتنظيفها لئلا يبقى فيها ~~وضر الطعام فتتغير النكهة وتنكر الرائحة # وقوله تسننوا أي استاكوا مأخوذ من السن أي نظفوا السن وقوله لا تدخلوا ~~علي قخرا بخرا المحفوظ عندي قلحا وقحلا والأقلح الذي اصفرت أسنانه حتى بخرت ~~من باطنها ولا نعرف القخر والبخر إلا الذي نجد له رائحة منكرة يقال رجل ~~أبخر ورجال بخر # PageV01P186 ### | - الأصل الثلاثون ### | في أدب الصحبة # عن عبادة بن الصامت رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه # فالإجلال للكبير هو حق سنه الله ms068 تعالى أنه تقلب في العبودة لله تعالى في ~~مدة طويلة والرحمة للصغير هو موافقة لله تعالى بأنه رحمه ورفع عنه العبودة ~~فلم يؤاخذه بحفظ حد ولا حكم ومعرفة حق العالم هو حق العلم أن يعرف قدره بما ~~رفع الله من قدره وآتاه العلم قال تعالى {يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات} فيعرف درجاته التي رفع رفع الله له بما آتاه من ~~العلم # PageV01P187 ### | - الأصل الحادي والثلاثون ### | في حقيقة الاستيداع وسره # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أردت سفرا أو تخرج مكانا فقل لأهلك أستودعكم الله الذي لا يخيب ودائعه # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر إن ~~الله إذا استودع شيئا حفظه أصل الوديعة هو الترك والتخلي عن الشيء وهو قوله ~~تعالى {ما ودعك ربك وما قلى} أي ما تركك # وإن الله تعالى جعل الأمور إنما تقوم بالأسباب محنة وبلوى لينظر من ينفذ ~~قلبه من الأسباب إلى ولي الأسباب ومن يتعلق بها فيكون قلبه سبيا من سبي ~~الأسباب فيكون مثله كما ذكر الله تعالى في تنزيله فقال # PageV01P188 # {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل} # فهذا في الظاهر تجد رجلا يعبد أصناما ورجلا سلما للواحد القهار وفي ~~الباطن رجلا في قلبه شركاء متشاكسون وهي شهواته التي تغلي في صدره فقد سبى ~~قلبه أسباب تلك الشهوات ورجلا قد انفرد قلبه للواحد وخلا من جميع الأسباب ~~وماتت نفسه من الشهوات {هل يستويان مثلا} ثم قال {الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون} # ثم قال تعالى {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} # فأهل الظاهر لم يعبروا عن الأسباب إلى وليها فضيعوا حقوقه وركبوا مساخظه ~~وأهل اليقين يعلمون ربوبيته قائمة في الأسباب فلا تطرف عين ولا ينبض عرق ~~ولا تحس حاسة إلا بإذنه وقوام الأشياء ودوامها به فاحتدت أبصار قلوبهم بنور ~~اليقين فنفذت إلى تدبير ولي الأسباب فاستوطنت على القربة عاكفة على ms069 ربها عز ~~وجل وولت الأسباب ظهرا فهو يمضي في الأسباب كسائر الخلق والأسباب لا تأخذه ~~ولا تفتن قلبه لأن قلبه بين يدي الخالق مبهوت في جلاله وعظمته والأسباب من ~~وراء ظهره فهو يمضي فيها ولا يلتفت إليها # وإنما تأخذالأسباب من استنزلته نفسه وصار قلبه سبيا لنفسه وأسيرا من ~~أسرائه فإذا خلف شيئا في مكان أراد أن يغيب عنه واستودع الله ذلك الشيء فهد ~~امنه في ذلك الوقت تخل وتبرؤ من حفظه ومراقبته لأنه # PageV01P189 # ما دام معه فهو في نفسه يحسب أنه هو الذي يحفظه ويكلؤه ويرعاه وهو يقول ~~مع هذا {الله خير حافظا} # ولكن هذا القول منه قول الموحدين لا قول الموقنين ثم اذا خلفه في حرز أو ~~في حراسة غيره أو أخفاه في موضع فقد وكله إلى ذلك الحرز والحراسة وإذا جعله ~~هكذا ثم مع هذا أودعه ربه سبحانه وتعالى فقد وكله إلى الله وتبرأ من حفظه ~~وحفظ حرزه وحارسه وتخلى منه مضى في تدبير الآدميين أن يحرزوا أو يحرسوا ثم ~~وكله إلى الله تعالى فوجده مليا وفيا كريما # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من توكل على الله كفاه # وقال صلى الله عليه وسلم من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ~~فإنه إذا توكل قوي قلبه ولم يبال بأحد وذهبت مخاوفه # وقال عز وجل {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} # وقال صلى الله عليه وسلم من انقطع إلى الله كفاه # وان الله أعطى الخلق علم الأمور وعلم أسبابها وعلم حيلها وأعطاها القوة ~~ومعرفة التصرف في ذلك ولم يغنهم عن نفسه بما أعطاهم فالغافل الأحمق يرى أن ~~ما أعطي من هذه الأشياء يقتدر بها في الأمور ويتملك # PageV01P190 # فيريه الله تعالى ضعفه وفقره وعجزه ويعرفه أنه لا يقوم له شيء إلا به وان ~~الأسباب التي أعطاها كلها له عجزة ضعفاء مثله وإذا قال العبد لا حول ولا ~~قوة إلا بالله تبرأ من الأسباب وتخلى من وبالها فجاءته القوة والعصمة ~~والغياث والتأييد والرحمة # قال المصنف ms070 رحمه الله حدثنا عبيد بن إسحاق العطار الكوفي قال حدثنا عاصم ~~بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم قال حدثني زيد ~~بن أسلم عن أبيه قال بينما عمر رضي الله عنه يعرض الناس إذا هو برجل معه ~~ابنه فقال له عمر ويحك حدثني ما رأيت غرابا بغراب أشبه بهذا منك قال أما ~~والله يا أمير المؤمنين ما ولدته أمه إلا ميتة فاستوى له عمر رضي الله عنه ~~فقال ويحك حدثني # قال خرجت في غزاة وأمه حامل به فقالت تخرج وتدعني على هذا الحال حاملا ~~مثقلا قلت أستودع الله ما في بطنك قال فغبت ثم قدمت فإذا بابي مغلق قلت ~~فلانة قالوا ماتت فذهبت الى قبرها أبكي فلما كان من الليل قعدت مع بني عمي ~~أتحدث وليس يسترنا من البقيع شيء فرفعت لي نار بين القبور فقلت لبني عمي ما ~~هذه النار فتفرقوا عني فأتيت أقربهم مني فسألته فقال نرى على قبر فلانة كل ~~ليلة نارا فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون أما والله إن كانت لصوامة قوامة # PageV01P191 # عفيفة مسلمة انطلق بنا فأخذت فأسا فإذا القبر منفرج وهي جالسة وهذا يدب ~~حولها وناداني مناد من السماء أيها المستودع ربه وديعته خذ وديعتك أما لو ~~استودعت أمه لوجدتها فأخذته وعاد القبر كما كان فهو والله هذا يا أمير ~~المؤمنين # قال عبيد فحدثت بهذا الحديث محمد بن إبراهيم العمري فقال هذا والله الحق ~~وقد سمعت عم أبي عاصم يذكره وقال ورأيت ابن ابن هذا الرجل بالكوفة وقال لي ~~موالينا هو هذا # PageV01P192 ### | - الأصل الثاني والثلاثون ### | في بطاقة البهتان وبيان الاحتراز منه # عن ابن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاء ~~بالعبد يوم القيامة فتوضع حسناته في كفة وسيئآته في كفة فترجح السيئات ~~فتجيء بطاقة فتقع في كفة الحسنات فترجح بها فيقول يا رب ما هذه البطاقة فما ~~من عمل عملته في ليلي ونهاري إلا وقد استقبلت به قال هذا ما قيل ms071 فيك وأنت ~~منه بريء قال فينجو بذلك # وروي في الخبر أن داود عليه السلام سأل سليمان عليه السلام ما أثقل شيء ~~فقال البهتان على البريء # عن علي كرم الله وجهه البهتان على البريء أثقل من السموات # PageV01P193 # وإنما صار هكذا لأن الآدمي ائتمن على جوارحه السبع ووكل برعايتهن أيام ~~الحياة لئلا تدنس حتى يقدم على الله تعالى وهو مقدس يصلح لدار القدس وأن ~~يكون مجاورا للقدوس وزائرا له فإذا رعاهن هذا المؤمن ثم ضيع منه ما ضيع من ~~غفلة أو زلة أو فتنة فمن ورائه الندم والإقلاع والاستغفار وباب التوبة ~~مفتوح فإذا رعى العبد هذه الجوارح فقال هذا في عرضه ما هو بري منه فقد خونه ~~في أمانة الله تعالى عنده ولم يخن ورماه بداهية هو فيها ساع به إلى الله ~~تعالى وغير مقبولة سعايته لأن علام الغيوب مطلع على كذبه وكتب في شهداء ~~الزور وقد نهى الله تعالى عنه وقرنه بالشرك فقال تعالى {فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان واجتنبوا قول الزور} # وقال صلى الله عليه وسلم البهتان عدل بالشرك بالله # وسمي بهتانا لأنه يبهت القلب ويحيره من ظلمته فإن الظلم ظلمات وإذا بهت ~~القلب وتحير في الظلمة ذهبت الهداية والبصيرة وهو بمنزلة الشمس إذا انكسفت ~~فتهافت نورها فيصير الذي نيل من عرضه بهذا البهتان عند الله تعالى بحال ~~رحمة حيث أصيب من عرضه وخلص الألم إلى قلبه وإذا كان بريئا فهو أوجع لقلبه # PageV01P194 ### | - الأصل الثالث والثلاثون ### | في سر الاحتجاب وبيان حكمه # عن نبهان مولى أم سلمة رضي الله عنهما أنه حدث أن أم سلمة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم حدثته أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة ~~قالت بينا نحن عنده إذا أقبل إبن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد أن أمر ~~بالحجاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجبا منه فقلنا يا رسول الله ~~أليس هو الأعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه # قال أبو عبد ms072 الله إنما ضرب الحجاب عليهن كرامة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإجلالا له وصير الله تعالى أزواجه أمهات المؤمنين ليحرمن على من بعده ~~وقد تكلم بعضهم في حياته بشيء من تزويجهن فنزلت # PageV01P195 # {ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ~~ذلكم كان عند الله عظيما} ونزلت {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه ~~أمهاتهم} # فانقطع الخطاب الذي كان فيما بينهم والطمع في شأنهن فصرن أمهات المؤمنين ~~وليس المؤمنون بمحرم لهن وذلك ليعلم أنه إنما صرن إمهات المؤمنين ليحرمن ~~على الرجال من بعده وليس الرجال بمحرم لهن فقال تعالى {وإذا سألتموهن متاعا ~~فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} # فكما حظر على الرجال النظر إليهن فكذلك حظر عليهن النظر إلى الرجال فبين ~~علة الحجاب أنه إنما أريد بذلك طهارة قلوب الصنفين جميعا قلوب الرجال منهن ~~وقلوبهن من الرجال # وروي في الخبر أن الحسن والحسين رضي الله عنهما كانا لا يريان أمهات ~~المؤمنين وإنما كان يدخل عليهن محارمهن من النسب والرضاع ومماليكهن # PageV01P196 ### | - الأصل الرابع والثلاثون ### | في حقيقة النظرتين # عن أبي امامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة أول مرة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة ~~يجد حلاوتها # فالنظرة الأولى نظرة الروح والنظرة الثانية نظرة النفس لأن الإنسان خلق ~~مفتوح العين عمول ناظراه لحاظ هكذا وهكذا فهو مأذون له في ذلك لأن من شأن ~~العين أن تطرف وتفتح فإذا وقع بصره على شيء فليس عليه شيء لأن قلبه لم يعمل ~~شيئا فإذا عمل بصره فإنما يعلمه والابتداء من القلب حتى تعمل العين فذاك ~~نظر تكلف فهو مسئول عنه والأول مرفوع عنه فلذلك قال ينظر إلى محاسن امرأة ~~أول مرة ثم يغض بصره لأنه لما وقع بصره على المحاسن أول مرة وجب عليه أن ~~يغض فالغض فعل العين فعليه يثاب والفتح والنظر بعد ذلك فعل العين فعليه ~~يعاقب يقال إن بصر ms073 العين متصل ببصر الروح من داخل فلذلك # PageV01P197 # قيل الحياء في العينين لأن الحياء من فعل الروح ولذلك قيل لا تطلبن إلى ~~أعمى حاجة # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لا تطلبن إلى أعمى حاجة وإذا طلبت الحاجة ~~فاستقبل الرجل بوجهك فإن الحياء في العينين ولا تطلبنها ليلا وباكر في ~~حاجتك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم بارك لأمتي في بكورها # فلما غض بصره عما لا يخل فانما صان روحه أن تتدنس وقمع نفسه عن أن تلذ ~~بشهوة فأعطي نورا ثوابا عاجلا فوجد حلاوة العبادة # عن أبي امامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم النظر ~~إلى محاسن المرأة سهم مسموم من سهام الشيطان فمن صرف بصره عنها أبدله الله ~~تعالى عبادة يجد حلاوتها # PageV01P198 ### | - الأصل الخامس والثلاثون ### | في أن الحسنة بعشرة # عن أبي أيوب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر # فمن أجل أن الله تعالى جعل الحسنة لهم بعشر أمثالها فصوم رمضان بثلثمائة ~~يوم كل كل يوم بعشرة وبقي من السنة ستون يوما فعدل كل يوم بعشرة فيحتسب له ~~على حساب تضعيف الحسنات كأنه صام الدهر كله # PageV01P199 # عن معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الشهر كله لأن كل يوم يحتسب ~~له في التضعيف بعشرة أيام # PageV01P200 ### | - الأصل السادس والثلاثون ### | في الشكر والصبر # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر # فالطعم فعل والصوم كف عن فعل فالطاعم بطعمه يأتي ربه بالشكر والصائم بكفه ~~عن الطعم يأتي ربه بالصبر # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الإيمان نصفان نصف ~~للشكر ونصف للصبر # PageV01P201 # وفي حديث آخر عن ابن مسعود رضي الله عنه الصبر نصف ms074 الإيمان وإنما قال نصف ~~الإيمان لأن نصفه للشكر # ثم قال واليقين الإيمان كله ثم تلا {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} وقال ~~{وفي الأرض آيات للموقنين} # فجمع اليقين الصبر والشكر وإنما هو صنفان معطي فعليه الشكر وممنوع منه ~~فعليه الصبر فإذا شكر هذا فقد أتى من حقيقة الإيمان بنصفه وإذا صبر هذا فقد ~~أتى من حقيقة الإيمان بنصفه # PageV01P202 ### | - الأصل السابع والثلاثون ### | في سر قتل الحيات والنهي عنه # عن سري بنت نبهان العنوية قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~اقتلوا الحيات صغيرها وكبيرها وأسودها وأبيضها فإن من قتلها كانت له فداء ~~من النار ومن قتلته كان شهيدا # فالحية عدو قد أظهرت العداوة وقد كانت وكلت بخدمة آدم عليه السلام في ~~الجنة فخانته وأمكنت عدو الله من نفسها حتى صيرته سببا لدخوله الجنة في ~~إغوائه فلما ألقاهم إلى الأرض تأكدت العداوة من عدو الله ومن الحية لآدم ~~عليه السلام وأولاده # قال وهب بن منبه لما أسكن الله عز وجل آدم عليه السلام الجنة وزوجته كانت ~~الشجرة وغصونها منشعبة بعضها في بعض وكان لها ثمر تأكله الملائكة تخلدهم ~~وهي الثمرة التي نهى الله تعالى آدم وزوجته عليهما السلام عنها فلما أراد ~~إبليس أن يستنزلها دخل في # PageV01P203 # جوف الحية وكانت الحية لها أربع قوائم تحتية من أحسن دابة خلقها الله ~~تعالى فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس وأخذ من الشجرة التي نهى ~~الله آدم وزوجته عليهما السلام عنها فجاء بها إلى حوء فقال لها انظري الى ~~هذه الشجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها فأخذتها حواء فأكلتها ثم ~~ذهبت بها إلى آدم عليه السلام فقالت انظر الى هذه الشجرة ما أطيب ريحها ~~وأطيب طعمها وأحسن لونها فأكل منها آدم عليه السلام فبدت لهما سوآتهما فدخل ~~آدم في جوف الشجرة فناداه ربه أين أنت قال أنا هنا يا رب قال ألا تخرج قال ~~أستحيي منك يا رب قال اهبط إلى الأرض التي خلقتك منها قال ملعونة الأرض ~~التي ms075 منها خلقت لعنة تتحول ثمارها شوكا ثم قال يا حواء غررت عبدي فإنك لا ~~تحميلن حملا إلا حملت كرها فإذا أردت أن تضعبي ما في بطنك أشرفت على الموت ~~مرارا وقال للحية أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي ملعونة أنت ~~لعنة تتحول قوائمك في بطنك ولا يكون لك رزق إلا التراب أنت عدوة بني آدم ~~وهم أعداؤك أين لقيت أحدا منهم أخذت بعقبه وحيث لقيك شدخ رأسك # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلوا ~~الحية والعقرب وإن كنتم في الصلاة # عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال خمس ~~يقتلهن المحرم فذكر الحية فيهن # PageV01P204 # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمنى فمرت حية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلوها فسبقتنا إلى ~~جحر فدخلته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتوا بسعفة ونار فاضرمها ~~عليه نارا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن المثلة وعن أن يعذب ~~بعذاب الله # فلم يبق لهذا العدو حرمة حيث فاتته حتى اوصل إليه الهلاك من حيث قدر # وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول اخفروا ذمة إبليس عدو الله فإنه روي ~~في الخبر أن عدو الله إبليس قال للحية أدخليني الجنة وأنت في ذمتي # فأما ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من النهي عن قتل الجان فإن ~~تلك في صورة الحيات هن من الجن وهن سكان البيوت فإذا قتلتها ضرت بك # عن زيد بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~قتل دواب البيوت يعني الجان # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق ~~الله عز وجل الجان ثلاثة أثلاث فثلث كلاب وحيات # PageV01P205 # وخشاش الأرض وثلث ريح هفافة وثلث كبني آدم لهم الثواب وعليهم العقاب) ms076 # وفي رواية أبي ثعلبة الخشني صنف لهم أجنحة يطيرون يطيرون في الهواء يدل ~~قوله وثلث ريح هفافة وخلق الله تعالى الإنس ثلاثة أثلاث فثلث لهم قلوب لا ~~يفقهون بها وأعين لا يبصرون بها وآذان لا يسمعون بها إن هم إلا كالأنعام بل ~~هم أضل سبيلا وثلث أجسادهم كأجساد بني آدم وقلوبهم قلوب الشياطين وثلث في ~~ظل الله تعالى يوم لا ظل إلا ظله # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن بالمدينة نفرا من الجن أسلموا فمن رأى شيئا من هذه العوامر فليؤذنه ~~ثلاثا فإن له بعد ذلك فليقتله فإنه شيطان # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى أحد فخرج معه فتى منا من بني خدرة وهو حديث عهد بعرس فاستأذن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يطلع على أهله فأذن له فخرج الفتى وفي يده الرمح حتى ~~دخل الدار فوجد زوجته بباب حجرته جالسة # PageV01P206 # فأفزعه ذلك فقال ما أخرجك من بيتك قالت حية منطوية عل فراشك هي التي ~~ذعرتني فدخل الفتى فوكزها برمحه وخرج بها الى صحن الدار تضطرب فيه فماتت ~~ومات الفتى من ساعته فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا ~~تقتلوا شيئا تجدونه في البيوت منهن حتى تقدموا # عن ابن أبي ملكية قال قتلت عائشة رضي الله عنها جانا فأتيت في المنام ~~فقيل أما والله لقد قتلتيه مسلما فقالت لو كان مسلما ما دخل على أمهات ~~المؤمنين فقيل ما دخل عليك إلا وأنت مستترة فتصدقت وأعتقت رقابا # عن ثابت بن قطبة الثقفي قال جاء رجل الى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~فقال إنا كنا في سفر فمررنا بحية مقتولة مشعرة في دمها فواريناها فلما ~~نزلوا أتتهم نسوة وأناس فقالوا أيكم صاحب عمرو قلنا من عمرو قالوا الحية ~~التي دفنتموها أمس أما أنه من النفر الذين استمعوا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قلنا ms077 ما شأنه قال كان حيان من الجن مسلمون ومشركون بينهم قتال ~~فقتل # عن الربيع بن بدر قال الجان من الحيات التي نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن قتلها هي التي تمشي ولا تلتوي # عن علقمة قال اقتلوا الحيات كلها إلا الجان الذي كانه ميل فإنه جنها # PageV01P207 ### | - الأصل الثامن والثلاثون ### | في أكل القثاء بالرطب وسره # عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأكل القثاء بالرطب # قال أبو عبد الله فهذا جمع بين لونين فقد يجوز أن يكون قد اشتهاه فقضى ~~شهوته لله تعالى لتسكين النفس فإن النفس نازعة إلى ما فيه اللذة لها ولها ~~حق إذا استقامت لمولاها فأدى حقها وحمد الله وشكره عليها فلا يكون على ~~صاحبها وبال في مثل هذا وإنما الوبال على من قضى شهوته بنهمة غافلا عن ربه ~~سبحانه وتعالى منهوما بلذته لا يلتمس فيها حق النفس ولا يبتغي بها وجه الله ~~فالحساب أمامه وهو مسئول عن شكرها وقد يجوز أن يكون على غير هذا السبيل ~~الذي ذكرناه # PageV01P208 # ويحتمل أن يكون لمكان عياله أو ضيفه فعل ذلك فتوسع من أجلهم في ذلك ولم ~~يحمل قوته على ضعفهم فربما ينغص على الضيف أو العيال إمساكه عنه واستوحشوا ~~من فعله وتكدرت تلك النعمة عليهم ففيه تضييع حق الضيف وحق العيال فيخالطهم ~~في ذلك ويشركهم فيه ووجه آخر محتمل أيضا وذلك أن القثاء بارد رطب والرطب ~~حار فأحب أن يصيره مزاجا فيجمع بين الحار والبارد كيلا يضربه واحد منهما ~~على الانفراد # وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين ~~البطيخ والرطب # وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن يأكل البطيخ ~~بالرطب # PageV01P209 ### | - الأصل التاسع والثلاثون ### | في مراتب الأخلاق وفضل العلم # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كنت ذات يوم رديف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ألا أعلمك خصلات ينفعك الله بهن قلت بلى يا ms078 نبي الله قال ~~عليك بالعلم فإن العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله والعمل قيمه ~~والرفق أبوه واللين أخوه والصبر أمير جنده # قال أبو عبد الله الإيمان مستقره في القلب ويشرق نوره في الصدر فإذا ~~اعترض فكر في الأمور تصور كل شيء على هيئته فيرى الخير في بهائه وحسنه ~~والشر في قبحه وشينه وإنما قيل علم لأنه علائم الإيمان وقد أظهر في الصدر ~~باطن ما في القلب فهو خليله لأنه قد خله إلى الإيمان أي ضمه لما ظهر العلم ~~اهتدى فمال إلى من آمن به ليأتمر بأمره وينتهي عن نواهيه والخلة الضمة في ~~اللغة يقال هذا ثوب خليل # PageV01P210 # وهو الذي شكه بالخلال فضمه إلى نفسه فكذلك لما ظهر في صدر المؤمن شكه ~~وجمعه حتى لا تنتشر جوارحه في شهواته وهواه # والحلم وزيره فالحلم هو سعة الصدر وطيب النفس فإذا وسع الصدر وانشرح ~~بالنور أبصرت النفس رشدها من غيها وعواقب الخير والشر فطابت وإنما تطيب ~~النفس لسعة الصدروإنما يتسع الصدر بولوج النور الوارد من عند الله وهو قوله ~~تعالى {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} وإذا دخل النور سهل ~~تسليم النفس وذهبت عسرتها وكزازتها والملح يطيب الطعام والحلم يطيب النفس # عن عبد الله بن جراد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليس الأعمى من يعمى بصره إنما الأعمى من تعمى بصيرته # قال الله تعالى في تنزيله الكريم {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور} فطيب النفس من روح اليقين وهو من أعظم النعم # PageV01P211 # وعن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بأس من ~~غني لمن إتقى والصحة لمن إتقى خير من الغني وطيب النفس من النعيم # فالغني بغير التقوى هلكة يجمعه من غير حقه ويضعه في غير حقه فإذا كان مع ~~صاحبه تقوى فقد ذهب البأس وجاء بالخير # عن محمد بن كعب أن الغني إذا كان تقيا آتاه الله تعالى أجره مرتين ثم ms079 تلا ~~{وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا ~~فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون} # فليس من امتحن كمن لم يمتحن فقال في مؤمني أهل الكتاب {أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين بما صبروا} # فصبر الغني أشد من صبر الفقير كما أن محاربتك أسدا خلي عنه أشد من ~~محاربتك أسدا قد ربط بوثاق # قال مالك بن دينار رحمه الله يقول الناس مالك زاهدا وكيف لا يزهد وهو ~~مقبز عليه إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز نال الخلافة فلبس المسوح # وأما قوله والصحة لمن اتقى خير من الغنى فإن صحة الجسد عون على العبادة ~~والسقيم عاجز فالصحة خير من الغنى مع العجز # وأما قوله وطيب النفس من النعيم فقد ذكرنا أنه من روح اليقين على القلب ~~وهوالنور الوارد الذي قد أشرق في الصدر وأراح القلب # PageV01P212 # والنفس من الظلمة والضيق لأن النفس بشهواتها في ظلمة والقلب في تلك ~~الظلمات قد أحاطت به فالسائر إلى مدعاة في ظلمة يشتد عليه السير ويضيق صدره ~~لما يتخوف في الطريق من المهاوي والمخاوف فإذا أضاء له الصبح انفقأت الظلمة ~~ووضح الطريق وزالت المخاوف فكذلك السائر بقلبه في شريعة الإسلام إلى الله ~~تعالى إذا كان قلبه في ظلمة شهواته وهواه هو بهذه الصفة وإذا أشرق نور ~~اليقين في صدره استراح القلب فهذه صفة الحلم فهو وزير المؤمن يوازره على ~~أمر الله تعالى وإذا لم يكن حلم ضاقت النفس وانفرد القلب بلا وزير # والعقل دليله يدله على مراشد الأمور ويبصره غيها ويهديه لمحاسنها ويزجره ~~عن مساوئها وخلق الله عز وجل العقل فقال وعزتي ما خلقت خلقا أحب إلي منك ~~فبك آخذ وبك أعطي وإياك أعاتب ولك الثواب وعليك العقاب # PageV01P213 # وروي في الخبر أن الله تعالى قال يا موسى إنما أجزي الناس على قدر عقولهم # والعمل قيمة القيمة من شأنه أن يتوكل لك حتى يكفيك مهماتك والعلم الصالح ~~يهئ له في معاشه طيب الحياة قال الله تعالى {من عمل صالحا من ذكر ms080 أو أنثى ~~وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} ~~فالحياة الطيبة في الدنيا والجزاء في الآخرة وقال تعالى {إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه} # والرفق أبوه الأب له التربية مع العطف والشفقة وهو يشمل أحوال الولد ~~بالعناية ويجمع له وجوه المكاسب والرفق كشفير الأمور به يتأتى الأمور وبه ~~يتصل بعضها ببعض وبه يجمع ما تشتت منه ويأتلف ما تنافر وتبدد منه ويرجع إلى ~~المأوى ما شذ وهو يشمل أحوال المؤمن بالصلاح ويجمع له الخيرات والطاعات من ~~وجوه البر # واللين أخوه فالأخ آخية المرء ومعتمده من المخلوقين فهو مستراحه إذا أعيى ~~ونصب استند إليه واستراح فكذلك اللين هو مستراح المؤمن به تهدأ نفسه ويطمئن ~~قلبه وتجد أركانه راحة ذلك وحدته وشدته وغضبه تعب بدنه وعذاب نفسه ونصب ~~قلبه وإنما يلين قلبه بهدو نفسه وإنما تهدو نفسه بموت شهواتها وإنما تموت ~~شهواتها بما أصبر قلبه بنور اليقين من جلال الله تعالى وعظمته وصار كالدهن ~~في اللين ومن غلظ قلبه وفظ واشتد فمن القسوة وإنما يقسو قلبه من الغفلة عن ~~الله تعالى وإنما يلين القلب لما يرطب بذكر الله تعالى وفي اللغة عسى وعتا ~~وقسا قريبة المعنى ويرجع المعنى إلى أنه يبس فكز وضد # PageV01P214 # ذاك رطب فلان قال الله تعالى {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك} # فالفظاظة وغلط القلب تفرق المجموع وتبدد المؤتلف واللطافة ورقة القلب ~~تجمع المتفرق وتؤلف المتبدد وان القلب يلطف ويرق من النور وسببه الرحمة ~~ويفظ ويغلظ من حرارة الشهوات وقوة الغذاء والدم وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من شأنه المداومة على الحجامة إلى أن قبض وقال صلى الله عليه ~~وسلم ما مررت بملأ من الملائكة إلا أمروني بالحجامة وقالوا لي مرأمتك ~~بالحجامة # معناه عندنا لأنهم من بين الأمم أهل يقين فإذا اشتعل نور اليقين في القلب ~~ومعه حرارة الدم أضر بالقلب وبالطبع أيضا وكان صلى الله عليه وسلم يستعمل ~~الحناء في رأسه مع أنه ms081 لم يشنه الشيب وما خضب وإنما كان سبب الحناء أنه كان ~~يأتيه الوحي فيصدع فمن أجل الصداع كان يعالج بالحناء في رأسه حتى تخف حرارة ~~رأسه # والصبر أمير جنده والصبر هو ثبات القلب على عزمه فإذا ثبت الأمير ثبت ~~الجند لمحاربة العدو وإذا جاءت النفس بشهواتها فغلبت # PageV01P215 # القلب حتى استعملت الجوارح بما نهى عنه فقد ذهب الصبر وهو ذهاب العزم ~~فبقي القلب أسيرا للنفس واستولت عليه فانهزم العقل والحلم والعلم والرفق ~~واللين وجميع جنوده # PageV01P216 ### | - الأصل الأربعون ### | في تكثير التوبة # عن خبيب بن الحارث رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقلت يا رسول الله إني رجل مقراف الذنوب قال يا خبيب فكلما أذنبت فتب إلى ~~الله تعالى قلت ثم أعود يا رسول الله قال ثم تب قلت إذا يكثر يا رسول الله ~~قال عفو الله أكثر من ذنوبك يا خبيب # التوبة للعبد مبسوطة حتى يعاين قابض الأرواح وهو عند غرغرته بالروح وإنما ~~يغرغر به إذا قطع الوتين فشخص من الصدر إلى الحلق فعند ذلك حضور الموت ~~ومعاينة ملك الموت الذي وكل به فهو الذي يذيقه ومن قبل ذلك كان أعوانه ~~ليستوفون الروح وينزعونه من الجوارح والعروق قال الله تعالى {وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} فباب ~~التوبة مفتوح إلى # PageV01P217 # طلوع الشمس من مغربها ودواء الذنب التوبة وشفاء العبد منه إذا ماتت شهوة ~~ذلك الذنب منه # قوله عفو الله أكثر من ذنوبك أي فضل الله على العبد أكثر من نقصان العبد ~~وأنه كلما أذنب أبق من ربه عز وجل وكلما أبق ازداد عيبا وكلما ازداد عيبا ~~ازداد نقصا في القدر والجاه قال ففضل الله على العبد أكثر من نقصانه لأنه ~~يتفضل من كرمه ومجده فقبول التوبة من فضل الله ورجوعه بالتوبة إليه أيضا من ~~فضله فرب عبد لا يوفق للتوبة والعياذ بالله من ذلك # PageV01P218 ### | - الأصل الحادي والأربعون ### | في الخوارج # عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال ms082 قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الخوارج كلاب أهل النار # الخوارج قوم ضل سعيهم في الحياة الدين وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فهم ~~الأخسرون أعمالا حبطت أعمالهم فلا يقام لهم يوم القيامة وزن ذلك بأنهم قد ~~اجتهدوا ودأبوا في العبادة وفي قلوبهم زيغ ومرقوا من الدين # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وصفهم فقال يقراون القرآن ~~يقيمونه إقامة القدح لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية # PageV01P219 # ما زال بهم التنطع والتعمق حتى كفروا الموحدين بذنب واحد حتى صاروا بذلك ~~إلى الأنبياء عليهم السلام للزيغ الذي في قلوبهم دخلوا فيما لم يأذن به ~~الله تعالى فقاسوا برأيهم وتأولوا التنزيل على غير وجهه هم الذين وصفهم ~~الله تعالى فقال فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله # وربما تمسكوا بآخر الآية ونهوا عن أولها حتى قال قائلهم لجابر بن عبد ~~الله أنت الذي تقول يخرج الله من النار قوما بعدما أدخلهم فيها قال نعم ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأين قول الله تعالى وما هم ~~بخارجين منها ولهم عذاب مقيم قال جابر انظر لمن هذا من مبتدأ الآية إن ~~الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه الآية # فالمؤمن يستر ويرحم ويعطف ويتوقى أن يلوم ويعير ويرجو من الله الرحمة ~~ويرجيه وهذا المفتون يهتك ويعير ويؤيس ويقنط ويكفر فهذه أخلاق الكلاب ~~وتقولهم كلبوا على عباد الله ونظروا إليهم بعين البغضة والعداوة والملامة ~~فلما دخلوا النار صاروا في هيئة أعمالهم كلابا كما كانوا على الموحدين في ~~الدنيا كلابا # PageV01P220 # قال أبو العالية ما أدري أي النعمتين أفضل أن هداني للإيمان ثم لم يجعلني ~~حروريا والله أعلم # عن أبي عاكف قال كنت بدمشق فجيء برؤوس الخوارج من العراق فنصبت على درجة ~~المسجد فبينا أنا قائم إذ أنا بشيخ على حمار قصير ينظر إليهم ويبكي ويقول ~~كلاب النار كلاب النار كلاب النار فسألت عنه فقالوا ms083 أبو أمامة صاحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فدنوت منه فقلت يا أبا أمامة أراك تبكي وتقول كلاب ~~النار قال رحمة لهم لأنهم قد صلوا وصاموا وحجوا واعتمروا ثم صاروا كلاب ~~النار قلت هذا شيء تقوله أم سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو ~~لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أوثلاثة أو أربعة حتى بلغ عشر مرات ما قلت ولكن ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنه سيكون من امتي قوم يقرأون ~~القرآن لاتجاوز قراءتهم تراقيهم يعبدون الله تعالى عبادة يحتقرون عبادة ~~الناس في عبادتهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا يعود فيه ~~حتى يعود أعلاه فوقه هم شر الخلق والخليقة هم شر قتلى تحت أديم السماء طوبى ~~لمن قتلهم أو قتلوه # والأزارقة صنف من الخوارج كان رئيسهم نافع بن الأزرق # PageV01P221 # وكان من شأنه أن يخاصم يتأول القرآن في زمن ابن عباس رضي الله عنهما فنسب ~~تبعه إليه فقيل الأزارقة وفي زمن علي كرم الله وجهه كان رئيسهم ابن الكواء ~~وفي زمن التابعين رضوان الله عليهم أجمعين نجدة الحراوري وهو من بقية أهل ~~حروراء الذين خرجوا على علي كرم الله وجهه وحروراء قرية من قرى السواد # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجنهم ~~سبعة أبواب باب منها لمن سل سيفه على أمتي أو قال أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجل يعجبنا تعبده واجتهاده فذكرناه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~يعرفه ووصفناه بصفته فلم يعرفه فبينما نخن نذكره إذ طلع الرجل فقلنا هو هذا ~~يا رسول الله قال إنكم تخبروني عن رجل وعلى وجهه لسفعة من الشيطان قال ~~فأقبل حتى وقف على المجلس فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدك الله ~~هل قلت حين وقفت على المجلس ما في المجلس أحد أفضل ms084 مني أو خير من ي قال ~~اللهم نعم ثم دخل يصلي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقتل الرجل ~~قال أبو بكر رضي الله عنه أنا فدخل فوجده يصلي فقال سبحان الله أقتل رجلا ~~يصلي وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب المصلين فخرج فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مه قال وجدته بأبي أنت وأمي يصلي وقد نهيتنا ~~عن ضرب المصلين فقال صلى الله عليه وسلم من يقتل الرجل فقال عمر أنا فوجده ~~ساجدا فقال أقتل رجلا واضعا وجهه لله تعالى وقد # PageV01P222 # رجع أبو بكر رضي الله عنه وهو أفضل مني فخرج إليه فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مه فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي وجدته ساجدا فكرهت أن ~~أقتله واضعا وجهه لله تعالى قال صلى الله عليه وسلم من يقتل الرجل قال علي ~~أنا قال أنت إن أدركته قتلته فوجده علي قد خرج فجاء فقال وجدته بأبي أنت ~~وأمي قد خرج قال لو قتلته ما اختلف من أمتي رجلان كان أولهم وآخرهم واحدا # وقال محمد بن كعب القرظي هو الذي قتله علي يوم النهروان رؤيته مثل ~~البراغيث إنما نبت له جناحان يطير بهم حرقوص ذو الثدية # عن أبي سلمة رضي الله عنه قال وقف رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يقسم تبرا فقال يا محمد اعدل فرفع بصره إليه فقال ويلك إذا لم أعدل فمن ~~يعدل يوشك مثل هذا يظهرون يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإذا ظهروا ~~فاضربوا أعناقهم # قال والظاهر من قولهم وفعلهم يسبي نفوس الجهال والحمقى والباطن ظلمات ~~بعضها فوق بعض زيغ وكفر وزندفة وتشبيه # PageV01P223 ### | - الأصل الثاني والأربعون ### | في فضيلة المؤذنين # عن معاوية رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤذنون ~~أطول الناس أعناقا يوم القيامة # قال أبو عبد الله المؤذنون هم دعاة إلى أمر الله فزيدوا على الناس مرتبة ~~بطول أعناقهم ليشرفوا على الناس بأعناقهم وهذا الطول ms085 عندنا في شخصهم ~~وخيالهم فأما نفس الخلقة بحيث خلقها الله تعالى من جنس خلق أهل الجنة وإنما ~~ذكر العنق للمقدار لأن هناك طبقة أعلى منهم هم الأنبياء والأولياء الذين هم ~~دعاة إلى الله تعالى زيدوا في القامة كلها لا في العنق فقط وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوصف في هذه الحياة بصفة تدل على ما قلنا وهو أنه عليه ~~السلام كان إذا مشى ربما إذا اكتنفه رجلان طويلان فيمشي هو بينهما فيطولهما ~~فإذا مشى وحده نسب إلى الربعة # قال علي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن بقصير ولا طويل وإذا ~~جاء مع الناس غمرهم # PageV01P224 # عن أم معبد في صفته صلى الله عليه وسلم قالت كان أنظر الثلاثة منظرا # ووجه آخر أنهم أطول الناس أعناقا بمد أعينهم إلى عظيم ما يأملون من ~~الثواب ومد العين إلى الشيء تأميلا إشراف بالعنق فإذا كان يوم القيامة ووصف ~~الأنبياء والأولياء عليهم السلام إلى كرامة الله تعالى كانت قامتهم على حسب ~~درجاتهم في الموقف إذا أتوها حتى يصدروا من الموقف إلى الجنة فيعطون قامة ~~أهل الجنة ومما يحقق ما قلناه ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال أحشر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا وأخرج ~~السبابة والوسطى والبنصر ونحن مشرفون على الناس وقد ذكرناه في الأصل الرابع ~~والعشرون # ومما يحقق ما قلنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يحشر ~~الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صورة الذر يطأهم الناس تحت أقدامهم # فالمتكبرون الذين تكبروا على الله تعالى فلم يوحدوه قال تعالى {إنهم ~~كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} فقامتهم قامة الذر يوم ~~القيامة فكل من كان أشد تكبرا كان أقصر قامة وعلى هذا السبيل كل من كان أشد ~~تواضعا لله تعالى فهو أشرف قامة على الخلق # PageV01P225 ### | - الأصل الثالث والأربعون ### | في تسليم الحق وسر مصافحته لعمر رضي الله عنه # عن أبي بن كعب رضي ms086 الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من ~~يصافحه الحق عمر وأول من يسلم عليه وأول من يأخذ بيده فيدخله الجنة # قال أبو عبد الله الرحمة والحق لهما شأن في الموقف يومئذ الحق يقتضي ~~الخلق عبودته والرحمة تشتمل على من وفى بالعبودة له فمن طالبه الحق ~~بالعبوده ولم تدركه الرحمه فقد هلك وكان من شأن عمر رضي الله عنه القيام ~~بالحق وكان الغالب على قلبه عظمة الله وجلاله وهيبته سبحانه وتعالى وكان ~~الحق عز وجل معتمله حتى يقوم بأمر الله ويحاسب نفسه وسائر الخلق على الذرة ~~والخردلة في السر والعلانية وهو الوفاء بما قلد الله الخلق من رعاية هذا ~~الدين الذي ارتضاه لهم وهو الإسلام فكأنه خلق عزا للإسلام # PageV01P226 # وبذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم أعز الدين بعمر بن ~~الخطاب أو بعمرو بن هشام # عن عائشة رضي الله عنها قالت دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن ~~الخطاب وأبي جهل بن هشام فأصبح عمر وكانت الدعوة يوم الأربعاء وهم تسعة ~~وثلاثون رجلا فأسلم عمر رضي الله عنه يوم الخميس فكبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة وخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان مختفيا في بيت الأرقم فأظهر الإسلام وطاف بالبيت وعمر متقلد ~~السيف حتى صلى الظهر معلنا # وكان كما قالت عائشة رضي الله عنها وكان أحوذيا نسيج وحده قد أعد للأمور ~~أقرانها # عن سعيد بن جبير عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن جبرئيل عليه السلام جاء ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أقرىء عمر السلام وأخبره أن ~~غضبه عز وأن رضاه عدل # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمر إن غضبك عز ورضاك حكم # PageV01P227 # وهذا لأن من استولى على قلبه الحق إذا غضب غضب للحق وإذا رضي رضي من أجل ~~الحق وكان الغالب على قلب عمر رضي الله عنه الحق ونوره وسلطانه # قال رسول ms087 الله صلى الله عليه وسلم أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأقواهم في ~~دين الله عمر # وإنما القوة من أجل أن الحق على القلب سلطانه وكان أبو بكر رضي الله عنه ~~من شأنه القيام برعاية تدبير الله ومراقبة صنعه في الأمور حتى يدور مع الله ~~تعالى في تدبيره وكان مستعملا بالتدبير وعمر مستعملا بالحق فمن شأن أبي بكر ~~رضي الله عنه العطف والرحمة والرأفة والرقة واللين ومن شأن عمر رضي الله ~~عنه الشدة والقوة والصلابة والصرامة ولذلك شبه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حديثه أبا بكر بإبراهيم من الرسل وبميكائيل من الملائكة عليهم ~~السلام وشبه عمر بنوح من الرسل وبجبرئيل من الملائكة عليهم السلام فابتدأ ~~الله المؤمنين بالرحمة ورزقهم الإيمان ثم اقتضاهم حقه فشرع لهم الشريعة ~~واستهداهم القيام بذلك فمن وفى له بالقيام بذلك فقد أرضى الحق تعالى # فأبو بكر مع المبتدأ وهو الإيمان وعمر مع الذي يتلوه وهو الحق وهو ~~الشريعة لأن من حق الله تعالى على عباده أن يوحدوه وإذا وحدوه فمن حقه ~~عليهم أن يعبدوه بما أمرهم به ونهاهم عنه # PageV01P228 # ولذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أمرت أن أؤول ~~الرؤيا على أبي بكر وأمرت أن أقرأ القرآن على عمر لأن الرؤيا جزء من أجزاء ~~النبوة والقرآن بيان حقوقه ولذلك قيل أبو بكر الصديق لأنه صدق بالإيمان ~~بكمال الصدق # وقيل لعمر فاروق لأنه يفرق بين الحق والباطل وأسماؤهما دليلان على ~~مراتبهما من الله تعالى بالقلوب ويكشف لك عن درجتيهما أن مجرى أبي بكر مجرى ~~صدق الإيمان ومجرى عمر مجرى وفاء الحق وكيف ما دار الحق مع العباد يوم ~~الموقف باقتضاء أمر الله عز وجل وحبسهم على الباب والانتقام بالنار منهم ~~فالعاقبة الرحمة لأن الرحمة لا تترك أحدا قال لا إله إلا الله مرة واحدة في ~~دار الدنيا في جميع عمره صدقا في قلبه ثم لم يوجد له مثقال خردلة من خير ~~إلا وتأخذه من النار ولو بعد مقدار عمر الدنيا # وكذلك ms088 جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الشفاعة إذا انقضت ~~شفاعة الرسل والملائكة والأنبياء والمؤمنين جاء محمد في المرة الرابعة صلى ~~الله عليه وسلم فيسأل فيمن قال مرة لا إله إلا الله فيقول الله عز وجل إنها ~~ليست لك ولا لأحد من خلقي فتجيء الرحمة من وراء الحجاب فتقول يا رب منك ~~بدأت وإليك أعود فشفعني فيمن قال لا إله إلا الله مرة واحدة فتجاب إلى ذلك # فإنما أعطاهم قول لا إله إلا الله بالرحمة ثم لا تتركهم تلك الرحمة حتى ~~تأخذهم من الحق سبحانه وتعالى وانتقامه منهم بالنار ويكشف عن شأن درجتيهما ~~الأخبار المتواترة فمنها ماروي عن ابن شريحة قال سمعت عليا رضي الله عنه ~~على المنبر يقول إن أبا بكر أواه منيب القلب وان عمر ناصح الله فنصحه الله ~~تعالى # PageV01P229 # عن ابن سيرين رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه كان إذا صلى فقرأ خفض ~~صوته وكان عمر رضي الله عنه كان إذا قرأ جهر فقيل لأبي بكر لم تصنع هذا قال ~~أناجي ربي وقد علم حاجتي قيل أحسنت وقيل لعمر رضي الله عنه لم تصنع هذا قال ~~أطرد الشيطان وواقظ الوسنان قيل أحسنت فلما نزل {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت ~~بها وابتغ بين ذلك سبيلا} فقيل لأبي بكر ارفع شيئا وقيل لعمر اخفض شيئا # عن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه قال سمعت أبي يقول خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جاءت جارية سوداء فقالت يا نبي الله كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب ~~بين يديك بالدف فقال إن كنت نذرت أن تضربي وإلا فلا فدخل أبو بكر وهي تضرب ~~ثم دخل عمر فألقت الدف تحتها ثم قعدت عليه فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن الشيطان ليخاف منك يا عمر إني كنت جالسا وهي تضرب فدخل أبو بكر وهي ~~تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ms089 ثم دخل عثمان وهي تضرب فلما دخلت أنت ألقت الدف # PageV01P230 # فلا يظن ذو عقل أن عمر في هذا أفضل من أبي بكر وأبو بكر شبيه برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ذلك ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع ~~الأمرين والدرجتين فله درجة النبوة لا يلحقه أحد وأبو بكر له درجة الرحمة ~~وعمر له درجة الحق # عن الأسود بن هلال رضي الله عنه قال قال أبو بكر رضي الله عنه لأصحابه ~~ذات يوم ما ترون في هاتين الآيتين {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} ~~وقال {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} # قالوا استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم بذنب قال لقد ~~حملتموها على غير المحمل {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} فلم ~~يلتفتوا إلى إله غيره {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} أي بشرك # عن الزهري أن عمر رضي الله عنه تلا هذه الآية {إن الذين قالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا} قال استقاموا والله لله بطاعته ثم لم يروغوا روغان الثعالب # عن مكحول رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان بين رجل ~~من المنافقين ورجل من المسلمين منازعة في شيء ادعاه المنافق فأتيا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقصا عليه قصتهما فلما توجه القضاء على المنافق ~~قال المنافق يا رسول الله ادفعني وإياه إلى أبي بكر قال انطلق معه إلى أبي ~~بكر فانطلق معه فقصا قصتهما على أبي بكر رضي الله عنه فقال ما كنت لأقضي ~~بين من رغب عن قضاء الله وقضاء رسوله فرجعا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا نبي الله ادفعني وإياه الى عمر # PageV01P231 # قال انطلق معه إلى عمر قال يا نبي الله أنطلق مع رجل إلى عمر قد رغب عن ~~قضاء الله وقضاء رسول الله قال انطلق معه فخرجا حتى أتيا عمر رضي الله عنه ~~فقصا عليه قصتيهما فقال عمر رضي الله عنه لا تعجلا حتى أخرج إليكما فدخل ~~فاشتمل على السيف وخرج عليهما ms090 فقال أعيدا علي قصتكما فاعادا فلما تبين لعمر ~~رضي الله عنه أن المنافق رغب عن قضاء الله وقضاء رسوله حمل سيفه على ذؤابة ~~المنافق حتى خالط كبده ثم قال هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء ~~رسوله فأتى جبرئيل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول ~~الله إن عمر قد قتل الرجل وفرق الله بين الحق والباطل على لسان عمر رضي ~~الله عنه فسمي الفاروق ويلزم اسم الصديق من أقام الصدق في أموره كلها ويلزم ~~اسم الفاروق من أقام الحق في أموره كلها ولو كان في بعضها لكان هذا صادقا ~~وذاك فارقا من العربية في قالب فاعل وأما فعيل وفاعول هو الذي تمكن ذاك ~~الأمر فيه فصار له عادة وطبعا # PageV01P232 ### | 7 - # الأصل الرابع والأربعون # في ما يعدونه صدق الحديث # قال المصنف حدثنا الحسين بن علي العجلي الكوفي قال حدثنا يحيى بن آدم قال ~~حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا حدثتم عني بحديث تعرفونه ولا تنكرونه قلته أو ~~لم أقله فصدقوا به وإني أقول ما يعرف ولا ينكر وإذا حدثتم عني بحديث ~~تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف # PageV00P000 # فالرسل بعثوا إلى الخلق بحمل الأمور ومعرفة التدبير في الأمور وكيف ولم ~~وكنه الأمور عندهم مكنون قد أفشى الله من ذلك إلى الرسل من غيبه ما لا ~~يحتمله عقول من دونهم وبفضل النبوة قدروا على احتماله # فالعلم إنما بدأ من عند الله تعالى إلى الرسل ثم من الرسل إلى الخلق ~~فالعلم بمنزلة البحر فأجري منه واد ثم أجري من الوادي نهر ثم أجري منه جدول ~~ثم من الجدول إلى ساقية فلو أجري إلى الجدول ذلك الوادي غرقه وأفسده ولو ~~مال البحر إلى الوادي لأفسده وهو قوله تعالى في تنزيله الكريم أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها # فبحور العلم عند الله تعالى فأعطى الرسل منها ms091 أودية ثم أعطت الرسل من ~~أوديتهم أنهارا إلى العلماء ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغارا على ~~قدر طاقتهم ثم أجرت العامة إلى أهاليهم وأولادهم ومماليكهم سواقي بقدر ~~طاقتهم ومن ههنا ما روي في الخبر أن لله سرا لو أفشاه لفسد التدبير ~~وللأنبياء عليهم السلام سرا لو أفشوه لفسدت نبوته وللملوك سرا لو أفشوه ~~لفسد ملكهم وللعلماء سرا لو أفشوه لفسد علمهم وإنما يفسد ذلك لأن العقول لا ~~تحتمله فلما زيدت الأنبياء عليهم السلام في عقولهم قدروا على احتمال النبوة ~~وزيدت العلماء في عقولهم وبذلك نالوا العلم فقدروا على احتمال ما عجزت ~~العامة عنه # وكذلك علماء الباطن وهم الحكماء زيدت في عقولهم وبذلك نالوا العلم فقدروا ~~على احتمال ما عجزت عنه علماء الظاهر ألا يرى أن كثيرا من علماء الظاهر ~~دفعوا أن تنقطع الوسوسة من الآدمي في صلاته ودفعوا أن يكون له مشي على ~~الماء أو تطوي له الأرض أو يهيأ له رزق من غير وجوه الآدميين حتى أنكروا ~~عامة هذه الروايات التي جاءت في مثل هذه # PageV01P234 # الأشياء ولو عقلوا لقالوا مثل ما قال مطرف بن عبد الله حين سار ليلة مع ~~صاحب له فأضاء له طرف عصاه كالسراج معه فقال له صاحبه لو حدثنا بهذا كذبنا ~~فقال مطرف المكذب بنعم الله يكذب بهذا ولو نظر علماء الظاهر إلى ما أعطى ~~الله تعالى لهم من معرفته وهي أعظم شيء في السموات والأرض لم يستعظموا ما ~~إذا أعطي أحدهم دسجة من جزر في برية من الأرض أو رغيفا بل قالوا هذا من ~~الله الذي أعطانا معرفته التي هي أثقل من سبع سموات وسبع أرضين لكنه من ~~أعطي هذا العطاء الجليل فلم يرعه حق رعايته ولم يشكر المعطي بل سها ولها ~~وتبطل في صورة الكفور للنعمة مقبلا على الدنيا ومن انتبه لما أعطي وانكشف ~~غطاء قلبه رعى ما أعطي وعز عليه أن يدنس خلعة الله الذي خلع على قلبه كما ~~عز عليه أن يدنس خلعة الملوك في دار الدنيا فكيف بالخلعة التي ms092 خلعها رب ~~العالمين على قلوب الموحدين اشتعل في قلوبهم نور التوحيد حتى عرفوه وآمنوا ~~به فاشرقت صدورهم ونزع عنها ظلمة الكفر وخلعها عنهم وخلع عليهم لباس التقوى ~~الذي هو وقاية من النار # ثم قال في تنزيله الكريم {ذلك من آيات الله} وقال {حبب إليكم الإيمان ~~وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا ~~من الله ونعمة} ثم قال {والله عليم حكيم} # PageV01P235 # عليم بمعنى أعطى من هو من عباده حكيم في أمره بالحكمة فعل هذا لا بالجزاف # {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} # فمن انتبه لهذه النعمة ولهذا الفضل لم يستعظم أن تطوى له الأرض أو يعطى ~~رغيفا في برية والله يقول في تنزيله الكريم {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ويزيدهم من فضله} # قيل هو الشفاعة يوم القيامة فرجل يشفع في أهل النار يوم القيامة وصار ممن ~~يجوز قوله بين يدي رب العزة في ذلك الموقف إن أعطاه رغيفا في الدنيا من حيث ~~لا يقدر عليه ماذا يكون فيه حتى ينكر هذا وما يخرج إنكار هذا إلا من قوم ~~جهلوا صنائع الله تعالى وتدبيره في خلقه ولم يتبين لهم كرامة الله إياهم # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لو عرفتم الله حق معرفته ~~لزالت بدعائكم الجبال # فعلماء الظاهر عرفوا الله ولكن لم ينالوا حق المعرفة فلذلك عجزوا عن هذه ~~المرتبة ودفعوا أن يكون هذا كائنا لأحد ولو عرفوه حق المعرفة لماتت عنهم ~~الشهوات وحب الرياسة والشح على الدنيا والنتافس في أحوالها وطلب الثناء ترى ~~أحدهم ينصب سمعه مصغيا الى ما يقول الناس له وفيه وعينه شاخصة إلى ما ينظر ~~الناس إليه منه وقد عميت عيناه عن النظر إلى صنع الله وتدبيره فإن الله كل ~~يوم هو في شأن وقد صم أذنه عن مواعظ الله يقرأه ولا يتلذذ له ولا يجد له ~~حلاوة وكأنه إنما # PageV01P236 # عنى به غيره فكيف يتلذذ بما كلم به غيره وإنما صار كذلك ms093 لأن الله تعالى ~~خاطب أولي العقول والبصائر والألباب فمن ذهب عقله وبصيرته ولبه في شأن نفسه ~~ودنياه كيف يفهم كلام رب العالمين ويتلذذ به وإنما وقع البر واللطف على أهل ~~تلك الصفة # عدنا إلى تأويل الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم إذا حدثتم عني بحديث ~~تعرفونه ولا تنكرونه فنقول من تكلم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء من ~~الحق وعلى سبيل الهدى فالرسول صلى الله عليه وسلم سابق إلى ذلك القول وإن ~~لم يكن تكلم بذلك اللفظ الذي أتى به من بعده فقد أتى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بأصله مجملا فلذلك قال فصدقوا به قلته أو لم أقله إن لم أقله بذلك ~~اللفظ الذي يحدث به عني فقد قلته إذا جئت بالأصل والأصل مؤد عن الفرع # فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالأصل ثم تكلم أصحابه والتابعون رضوان ~~الله عليهم أجمعين من بعده بالفروع فإذا كان الكلام معروفا عند المحققين ~~غير منكر فهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم قاله أو لم يقله يجب علينا ~~تصديقه لأن الأصل قد قاله الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطاناه وإنما قال ~~ذلك لأصحابه الذين قد عرفهم بالحق فإنما يعرف الحق المحق وهو أولو الألباب ~~والبصائر فأما المخلط المكب على شهوات الدنيا المحجوب عقله عن الله تعالى ~~فليس هو المعني بهذا لأن صدره مظلم فكيف يعرف الحق وإنما شرط رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال إذا جائكم عني حديث تعرفونه ولا تنكرونه # وإنما تعرف وتنكر العقول التي لها إلى الله سبيل يصل إلى الله ونور الله ~~سراجه والعقل بصيرته والحق جيئته والسكينة طابعه فيرجع إلى # PageV01P237 # خلقه والحق عنده أبلج يضيء في قلبه كضوء السراج يقينا وعلما به كما قال ~~ربيع بن خيثم إن على الحق نورا وضوءا كضوء النهار نعرفه وأن على الباطل ~~ظلمة كظلمة الليل ننكره فالمحقون هكذا صفتهم يعرفون الحق والباطل # وكذلك وعد الله تعالى المتقين فقال عز من قائل {يا أيها الذين آمنوا إن ~~تتقوا الله يجعل ms094 لكم فرقانا} # قال أهل التفسير إخراجا أي من الشبهات والظلمات فأما محض التفسير فالمخرج ~~أن يجعل له نورا في قلبه يفرق بين الحق والباطل حتى يكون له مخرجا من ظلمة ~~الجهل وشبهات الدنيا فإن الجهل يظلم والدنيا تزين على الآدمي شهوته التي في ~~جوفه فتشبه عليه حتى تخدعه فبتقواه من هذه الأشياء يجعل له فرقانا وهو ~~النور يفرق بين الحق والباطل هذا ثواب التقوى في عاجل دنياه وثوابه في ~~الآخرة قربته وكرامته ورفعة درجته قال له قائل إن كان النظر في معرفة الحق ~~من الباطل إلى القلب فما الحاجة بنا إلى هذه الآثار قال اعلم أن الله تعالى ~~أنار القلب ووفر عقله والحق نور وعلى قلب الموحد نور يتقد من قلبه على قلبه ~~في صدره فإذا عرض أمر الله تعالى هو حق فوقع ذكره في الصدر على القلب التقى ~~نور الحق ونور القلب فأمتزجا وائتلفا فاطمأن القلب بما فيه وسكن فعلمت أنه ~~الحق وإذا عرض باطل فوقع ذكره في الصدر على # PageV01P238 # القلب والباطل ظلمة التقت الظلمة ونور القلب فيفر النور ولم يمزج معه ~~فاضطرب القلب # عن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جئت تسأل عن البر والإثم استفت قلبك البر ما إطمأنت إليه النفس والقلب ~~والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس # إنما ذكر طمأنينة النفس ليعلم أنها نفوس قد ماتت منها الشهوات وراضها ~~صاحبها وأدبها فقارنت القلب في الصدر في العبودية ولو كانت نفس شهوانية ~~بطالة لم تستحق أن ينظر اليها لما يحيك فيها وإلى ما يطمئن فالنفوس البطالة ~~تطمئن إلى الجهل ولا يحيك فيها الحق والخير ويستقر فيها الشر والباطل # عن عثمان بن عطاء عن أبيه رضي الله عنهما قال رجل أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا رسول الله أفتنا إن ابتلينا بالبقاء بعدك قال تفتيك نفسك ~~قال وكيف تفتيني نفسي قال عليه السلام ضع يدك على صدرك فإنه يسكن للحلال ~~ويضطرب ms095 من الحرام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وإن أفتاك المفتون إن المؤمن ~~يذر الصغير مخافة أن يقع في الكبير # عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال سمعت جدي صلى الله عليه وسلم # PageV01P239 # يقول دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة # وإنما صير رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة علامة لقلوب قد ملكت ~~النفوس وخلت من وساوسها الصدور لا القلوب التي قد ملكتها نفوسها وشحنت ~~بوساوسا صدورها قال الله تعالى في تنزيله الكريم {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون ~~به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم ~~صراطا مستقيما} وعد الهداية على فعل ما يوعظ به # وقال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} # وقال {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} بالهداية في ~~القلب والفرقان في القلب وهو نور يجعله الله في القلب فيشرق به الصدر ~~وتنجلي ظلمة الشهوات والهوى عن الصدور ويزول رين الذنوب فدلت الآيات أن هذا ~~لأهل التقوى والفاعلين بوعظه وأهل المجاهدة وهم أهل اليقين وطهارة القلوب ~~وأما العامة فإنهم يحتاجون إلى النصوص والآثار على ألسنة علماء الظاهر لما ~~دخل عليهم من آفة النفس وتخليطها فقد تراكمت على صدورهم سحائب تترى من حب ~~الدنيا # PageV01P240 # وحب الجاه وحب الثناء وحب الرياسة وحب الشهوات وفتن الدنيا ورين الذنوب # فإذا عرض في الصدر ذكر شيء هو حق وعلى الحق نور حالت الظلمة بين نور الحق ~~ونور القلب فلم يمتزجا ولم يعرف القلب ذلك الحق فصاحبه في حيرة منه وإذا ~~عرض أمر هو باطل وعلى الباطل ظلمة امتزج الباطل بظلمة الشهوات ورين الذنوب ~~فلم يعلم القلب بشيء من ذلك لأن نور القلب قد انكمن في القلب ولم يشرق في ~~الصدر فليس لأهل التخليط من هذه العلامة شيء فإنه قال دع ما يريبك إلى ما ~~لا يريبك وصدره ممتلىء ريبا فكيف يتبين فيه الريب الزائد قال له قائل إن ~~رأيت أن تنص على حديثين حديث يعرفه ms096 المحقون ببصائهم ولا ينكرونه وحديث ~~ينكرونه لنعرف به الوجهين جميعا ومن قبل ذلك فأخبرنا ما معنى قولك يعرفه ~~المحقون ببصائرهم قال ان الحق الأعظم الذين انشعب منه الحقوق لا يسكن إلا ~~في قلب طاهر وكذلك اليقين لا يستقر إلا في قلب طاهر فمن لم يطهر قلبه فهذه ~~الأشياء نافرة عنه لا تجد مأمنها فإذا وجدت قلبا وقد تطهرت من أدناس الذنوب ~~ودرن العيوب فقد وجدت مأمنا فارتبعت فيه فوجدت صاحبه حكيما ووجدته موقنا ~~ووجدته محقا فالحكمة ينبوع قلبه ومثال بين عينيه واليقين مطالعة الملكوت ~~والحق مستعمله ومن لم يطهر قلبه فالحق نافر عنه فهو يتبع الحق ليعمل به ~~والحق هارب منه فلذلك يشتد عليه القيام بالحق ويثقل عليه حتى يعجز عنه ~~والمحق يجري فيه كالسهم وكالماء وكالدهن لينا وكالريح سرعة ومضيا # وأما حديث يعرفه المحقون فروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على ناقته الجدعاء فقال أيها الناس كأن الموت فيها ~~على غيرنا كتب وكأن الحق على غيرنا وجب وكأن الذي نشيع من الموتى عن قليل ~~إلينا راجعون نبوءهم أجداثهم # PageV01P241 # ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس طوبى ~~لمن ذل نفسه من غير منقصة وتواضع لله تعالى من غير مسكنة وأنفق مالا جمعه ~~من غير معصية ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة طوبى لمن ذل ~~نفسه وطلب كسبه وصلحت سيرته وحسنت خليقته وكرمت علانيته وعزل عن الناس شره ~~طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا غلام ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن قلت بلى يا رسول الله قال ~~إحفظ الله يحفظك إحفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في ~~الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله وقد جف القلم بما هو ~~كائن فلو جهد الخلق على أن ms097 ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه ~~ولو جهد الخلق على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه فإن ~~استطعت أن تعمل لله بالرضى واليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما ~~تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر ~~يسرا # PageV01P242 # وأما حديث ينكره المحقون فما روي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سليمان عليه السلام مر في موكبه برجل يقال ~~له مرعبدي وهو قائم يصلي فوقف عليه حتى فرغ فلم يرفع رأسه فلما رأى ذلك منه ~~نزل إليه فكلمه فقال له مرعبدي ألست ابن داود الخاطىء حملت الدنيا فوق رأسك ~~وجعلت الآخرة تحت قدميك فصرت محجوبا عن الدارين في كلام طويل عامته كذب لا ~~يقبله قلوب المحقين وقد جعل الله الرسل عليهم السلام أحباءه وأصفياءه ومن ~~قال لرسول مثل هذا فقد عابه ومن عابه فقد كفر بالله سبحانه وتعالى وقد جعل ~~الله إيماننا به منظوما به فإيماننا بالله لا يقبل منا حتى نؤمن بالرسل كما ~~آمنا به وكيف يجوز أن يقال لرسول الله جعلت الآخرة تحت قدميك والدنيا فوق ~~رأسك فهو بذلك راد على الله تعالى والله عز وجل يقول في كتابه الكريم ونوحا ~~هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي ~~المحسنين # فسليمان من أهل هداية الله تعالى وسماه محسنا وهذا يحكى أنه قال جعلت ~~الآخرة تحت قدميك وصرت محجوبا عن الدارين وقال الله تعالى {ووهبنا لداود ~~سليمان نعم العبد إنه أواب} ثم قال لنبيه عليه السلام {أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده} # فهذا الذي زور هذا الحديث أحسبه من هؤلاء الحمقى الذين يتزهدون في الدنيا ~~رياء وسمعة يريدون أن يتأكلوا هذا الحطام بسمة الزهد ولم # PageV01P243 # يعرفوا ما الزهادة وما معناها حسبوا أن الزهادة شتم الدنيا وأكل النخالة ~~ولبس الصوف وذم الأغنياء ومدع الفقراء ومن جهله يزعم أنه قال مرعبدي ms098 ~~لسليمان عليه السلام ليس تقضي نهمة من الدنيا إلا نقص من ميزانك والله ~~تعالى يقول {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} ثم قال {وإن له عندنا ~~لزلفى وحسن مآب} # ومن الحديث الذي ينكره قلوب المحقين ما روي أن قوم موسى سألوا موسى عليه ~~السلام أن يسأل ربه عز وجل أن يسمعهم كلامه الكريم فسمعوا صوتا كصوت الشبور ~~إني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم أخرجتكم من مصر بيد رفيعة وذراع ~~شديد فهذا حديث من غرب فهمه وإنما الكلام شيء خص به موسى عليه السلام من ~~بين جميع ولد آدم عليه السلام فإن كان كلم قومه أيضا حتى أسمعهم كلامه فما ~~فضل موسى عليه السلام حيث سمي كليم الله من بين رسله عليهم السلام ومن ~~الحديث الذي ينكره قلوب المحقين ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~في قوله عز وجل {يوفون بالنذر} الآيات # قال مرض الحسن والحسين فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعادهما ~~عمومة العرب فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا وكل نذر ليس له ~~وفاء فليس بشيء فقال علي رضي الله عنه إن برأ ولداي صمت لله ثلاثة أيام ~~شكرا وقالت جارية لهم ثويبة إن برأ سيداي صمت لله تعالى ثلاثة أيام شكرا ~~وقالت فاطمة رضي الله عنها مثل ذلك # PageV01P244 # فألبس الغلامان العافية وليس عند آل محمد قليل ولا كثير فانطلق علي رضي ~~الله عنه إلى شمعون اليهودي الخيبري فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير فجاء ~~به فوضعه في ناحية البيت فقامت فاطمة رضي الله عنها إلى صاع فطحنته ~~واختبزته وصلى علي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتى المنزل فلما وضع ~~الطعام بين يديه أتاهم مسكين فقال السلام عليكم أهل بيت محمد أطعموني ~~أطعمكم الله على موائد الجنة فسمعه علي رضي الله عنه فأنشأ أبياتا لفاطمة ~~رضي الله عنها وأنشأت فاطمة أبياتا له فأطعموه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم ~~لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح وفي اليوم الثاني ms099 قامت إلى صاع فاختبزته ~~فوقف بالباب يتيم فأنشأ علي كرم الله وجهه أبياتا وأنشأت فاطمة رضي الله ~~عنها أبياتا فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئا إلا الماء ~~فلما أن كان اليوم الثالث قامت إلى الصاع الباقي فطحنته وأختبزته فوقف ~~بالباب أسير استطعم أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فأنشأ علي رضي الله ~~عنه أبياتا وأنشأت فاطمة رضي الله عنها أبياتا فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة ~~أيام ولياليها لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح # فلما أن كان اليوم الرابع وقد قضى الله النذر أخذ علي بيده اليمنى الحسن ~~وبيده اليسرى الحسين وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرتعشون ~~كالفراخ من شدة الجوع فلما أبصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا أبا ~~الحسن ما أشد ما أرى بكم انطلق بنا إلى ابنتي فاطمة فانطلقوا إليها وهي في ~~محرابها قد لصق بطنها بظهرها وغارت عيناها من # PageV01P245 # شدة الجوع فلما أن رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف المجاعة في ~~وجهها بكى فقال واغوثاه أهل بيت محمد يموتون جوعا فهبط جبرئيل عليه السلام ~~فقال السلام يقرئك السلام يا محمد خذ هنيئا في أهل بيتك فأقرأه {يوفون ~~بالنذر} إلى قوله {جزاء ولا شكورا} # هذا حديث مزوق وقد تطرف فيه صاحبه حتى يشبه على المستمعين والجاهل يعض ~~على شفتيه تلهفا ألا يكون بهذه الصفة ولا يدري أن صاحب هذا الفعل مذموم قال ~~الله تعالى في تنزيله الكريم ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو وهو الفضل الذي ~~يفضل عن نفسك وعيالك وقال صلى الله عليه وسلم خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ~~وابدأ بنفسك ثم بمن تعول # وافترض الله تعالى على الأزواج النفقة لأهاليهم وأولادهم وقال صلى الله ~~عليه وسلم كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت # PageV01P246 # أفيحسب عاقل أن عليا رضي الله عنه جهل هذا الأمر حتى أجهد صبيانا صغارا ~~من أبناء خمس أو ست على جوع ثلاثة أيام ولياليها حتى تضرروا من الجوع وغارت ~~العيون فيهم لخلاء ms100 أجوافهم حتى أبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهم ~~من الجهد هب أنه آثر على نفسه هذا السائل فهل كان يجوز له أن يحمل على ~~أطفاله جوع ثلاثة أيام بلياليهن ما يروج هذا إلا على حمقى جهال أبى الله ~~لقلوب منتبهة أن تظن بعلي رضي الله عنه مثل هذا وليت شعري من حفظ هذه ~~الأبيات كل ليلة عن علي وفاطمة رضوان الله عليهما وإجابة كل منهما صاحبه ~~حتى أداه إلى هؤلاء الرواة فهذا وأشباهه عامتها مفتعلة # ومما ينكره المحقون ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في سنة ~~مائتين يكون كذا وفي العشرين والمائتين كذا وفي الثلاثين كذا وفي الأربعين ~~كذا وفي الخمسين كذا وفي الستين والمائتين تعكف الشمس ساعة فيموت نصف الجن ~~والإنس فهل كان كذا وقد مضت هذه المدة وعكوف الشمس لا يخلو منه بلد في شرق ~~أو غرب ودلالة أخرى وهو أن التاريخ لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإنما وضعوه على عهد عمر رضي الله عنه # عن ميمون بن مهران قال رفع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه صك محله شعبان ~~فقال عمر رضي الله عنه أي شعبان هذا الذي هو آت أو هو الذي نحن فيه ثم قال ~~لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ضعوا للناس تاريخا فقال بعضهم اكتبوا على ~~تاريخ الروم فقيل إنهم يكتبون من عند ذي القرنين وهذا يطول وقال بعضهم ~~اكتبوا على تاريخ الفرس فقيل إن الفرس كلما كان ملك أرخ من قبله فاجتمع ~~رأيهم أن ينظروا كم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فوجدوه عشر ~~سنين فكتب التاريخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P247 # ومما تنكره القلوب حديث رووه عن عوف عن أبي القموص قال شرب أبو بكر رضي ~~الله عنه الخمر يعني من قبل نزول تحريمها فقعد ينوح قتلى بدر وينشد أبياتا ~~فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فخرج حتى أتاه فرفع عليه ms101 شيئا في ~~يده فقال أبو بكر أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله فنزلت {يا أيها الذين ~~آمنوا إنما الخمر والميسر} الآية فهذا منكر من القول والفعل # وقد أعاذ الله الصديقين من فعل الخنا وأقوال أهله وإن كان قبل التحريم ~~فقد كان أبو بكر بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر وقد ~~وسم بالصديقية لأنه كان هو وعثمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~حراء فرجف بهم الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسكن حراء فإنما ~~عليك نبي وصديق وشهيد # وعائشة رضي الله عنها أعلم بأبيها من أبي القموص فهي تنكر هذا وتكذب أهله # وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما قال أبو بكر ولا عثمان بيت شعر في ~~جاهلية ولا في إسلام # وعنها أيضا أنها كانت تدعو على من يقول إن أبا بكر قال هذه القصيدة ~~وأولها # (تحيا بالسلامة أم بكر ... وهل لي بعد قومي بالسلام) # PageV01P248 # إلخ ثم قالت والله ما قال أبو بكر بيت شعر في الجاهلية ولا في الإسلام ~~ولقد ترك أبو بكر وعثمان شرب الخمر في الجاهلية وما ارتاب أبو بكر في الله ~~منذ أسلم ولكنه كان تزوج امرأة من بني كنانة ثم من بني عوف فلما هاجر أبو ~~بكر طلقها فتزوج بها ابن عمتها أبو بكر بن شعوب الكناني الشاعر فقال هذه ~~القصيدة يرثي بها كفار قريش الذين قتلوا ببدر فحملها الناس أبا بكر من أجل ~~امرأته أم بكر التي طلقها # PageV01P249 ### | - الأصل الخامس والأربعون ### | في النهي عن إكراه المرضى على الطعام والشراب # عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~تكرهوا مرضاكم على الطعام فإن الله يطعمهم ويسقيهم # إطعام الله وسقياه الآدمي في دنياه هذا الذي هيأه في أرضه وسمائه وفي ~~الآخرة ما هيأه في جواره من جنانه ثم فيما بين ذلك من الله تعالى للعباد ~~لطائف من خزائنه في أحوالهم مثل مائدة عيسى عليه السلام ومثل ما أوتي ms102 مريم ~~حيث قيل {وجد عندها رزقا} # وسقياه مثل عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أصابهم العطش # PageV01P250 # فانفجرت من أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم منابع الماء حتى ارتوى ~~العسكر وأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم فإن الله يطعمهم ويسقيهم هو أنه ~~يطهر قلوبهم من رين الذنوب إذا طهرهم من رين الذنوب من عليهم باليقين ~~فأشبعهم وأرواهم فذاك طعامه وسقياه لهم ألا ترى أنه يمكث الأيام الكثيرة لا ~~يذوق شيئا ومعه قوته ولو كان ذاك في أيام الصحة لضعف عن ذلك وعجز عن ~~مقاساته وأقل الناس طعاما الأنبياء ثم الأولياء وكلما كان العبد أكثر حظا ~~من اليقين كان أقل طعما وتناولا # روي عن عامر بن عبد قيس أنه داوم شهرا لا يأكل شيئا قال الأعمش سمعت ~~إبراهيم التيمي رحمه الله يقول لقد أتى علي شهر وما أكلت طعاما ولا شرابا ~~إلا حبة من عنب أكرهوني عليها وما أنا بصائم وإني أقضي حوائجي # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الكافر يأكل في سبعة أمعاء ~~والمؤمن يأكل في معاء واحد # فقد فسرناه في بابه # PageV01P251 ### | - الأصل السادس والأربعون ### | في بيان أنه مما يحصل عذاب القبر # عن ميمونة رضي الله عنها أنها قالت يا رسول الله من أي شيء عذاب القبر ~~أفتنا عن عذاب القبر قال من أثر البول فمن أصاب منه شيئا فليغسله بماء فإن ~~لم يصبه أو يجده فليسمحه بتراب طيب # جعل التيمم حالة الشك والتخوف أنه أصاب جسده البول دافعا لعذاب القبر كما ~~جعل غسله بالماء في الحالة التي يدري أنه أصابه دافعا وباله في القبر # PageV01P252 ### | - الأصل السابع والأربعون ### | في بيان أن مدة المحنة لم تقدر بثلاثة أيام # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صبر ~~أهل بيت على جهد ثلاثة إلا آتاهم الله تعالى برزق # إنما صار مدة المحنة ثلاثة أيام لأن العبد على أجزاء ثلاثة جزء منه ~~للإيمان وجزء للروح وجزء للنفس فالطمأنينة للإيمان ms103 والطاعة للروح والشهوة ~~للنفس فإذا منع أول يوم فجاع وصبر فذاك صبر الإيمان لأنه أقوى الثلاثة وإذا ~~منع اليوم الثاني فجاع وصبر فذاك صبر الروح يطيع ربه ولا يتناول ما لايحل ~~وإذا منع اليوم الثالث فجاع وصبر فذاك صبر النفس وتمت المحنة لأن المحنة ~~إنما تقع على أهل التهمة والإيمان عزيمتهم وكذا الروح وإنما التهمة للنفس ~~وفي اليوم الأول لم يتبين صبرها لأن الإيمان والروح لها معين وفي اليوم ~~الثاني الروح معين لها فإذا صبرت في اليوم الثالث برزت منقبتها وإنما وقعت ~~المحنة لشأن النفوس الكاذبة وامتحن ايمانهم قال الله تعالى {الم أحسب الناس ~~أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} # PageV01P253 ### | - الأصل الثامن والأربعون ### | في أن البركة في بيع العقار منزوعة # عن سعيد بن حريث رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~باع دارا أو عقارا فليعلم أنه مال قمن أنه لا يبارك له فيه إلا أن يجعله في ~~مثله # وعن عمران بن الحصين الخزاعي البدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول من باع عقدة وهو يجد بدا من بيعها وكل بذلك المال ما ~~يتلفه قيل إنما نزعت البركة منها لأنها ثمن الدنيا المذمومة # PageV01P254 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذاكر ~~الله أو معلما أو متعلما # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال ملعونة الدنيا وملعون أهلها إلا ذكر ~~الله تعالى وما آوى ذكر الله # وكل شيء أريد به وجه الله تعالى من الأمور والأعمال فهو مستثنى من اللعنة ~~لأنه قد آوى ذكر الله تعالى # وقيل إنما نزعت البركة عن ثمن العقار لأنه مخالفة لتدبير الله تعالى لأن ~~الله تعالى خلق الأرض وجعلها مهادا ومسكنا لا ليتجر فيها وجعل الجبال ~~أوتادا وبارك فيها وقدر فيها أقواتها وجعل أثمان الأشياء في الذهب والفضة ~~فإذا اتجر فيما خلق له بورك له فيه وإذا اتجر فيما خلق مهادا وسكنا نزعت ~~البركة عنه ولهذا سماه ms104 عقدة لأنه مهاد لك قد عقد مسكنا # PageV01P255 ### | - الأصل التاسع والأربعون ### | في أن النفقة في التراب والبناء لا أجر فيها # عن خباب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يؤجر ~~العبد في نفقته كلها إلا ما كان في التراب أو قال في البناء # وفي رواية كل نفقة ينفقها العبد يؤجر فيها إلا ما كان من نفقة في التراب # هذا ما عندنا في البناء الذي يجعله مرفقا لنفسه وأما المساجد التي هي لله ~~تعالى فلا يملكها أحد فهي خارجة من ذلك وقد جاءت الآثار عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال من بنى مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة # PageV01P256 # فإنما صار غير مأجور في النفقة في التراب لأنه ينفق في دنياه وقد أذن ~~الله في خرابها وهو يزيد في زينتها التي جعلت فتنة وبلوى للعباد وتصير ~~عاقبتها إلى ما قال الله تعالى {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} # عن راشد بن الحارث أو غيره قال بنى أبو الدرداء كنيفا في منزله بحمص فكتب ~~إليه عمر رضي الله عنه لقد كان لك يا عويمر فيما بنت فارس والروم كفاية عن ~~تزيين الدنيا وقد أذن الله بخرابها فإذا أتاك كتابي هذا فارتحل من حمص إلى ~~دمشق قال يعني أنه عاقبه بما بنى # فإن كان البناء مما لا يستغنى عنه وقد بنى محتسبا فهو خارج عن ذلك لأن ~~الحاجة إلى المسكن كالحاجة إلى المطعم والمشرب والملبس والمركب فإن كان في ~~نفقته في هذه الأشياء محتسبا فهو مأجور فكذلك المسكن وإنما تأويل هذا ~~الحديث عندنا إذا بنى لنفسه بناء مرفق لا يحتسب بها # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كل نفقة ينفقها العبد على ~~نفسه فهي صدقه # وعن المقدام بن معدي كرب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنفقت ~~على نفسك فهو صدقة وما أنفقت على زوجك فهو صدقة # PageV01P257 ### | - الأصل الخمسون ### | في الاعتصام بالكتاب والعترة وبيناها # عن جابر بن عبد الله ms105 رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول أيها الناس قد ~~تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي # وعن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال لما صدر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من حجة الوداع خطب فقال # أيها الناس إنه قد نبأني اللطيف الخبير أنه لن يعمر نبي إلا مثل نصف عمره ~~الذي يليه من قبل وإني أظن موشك أن أدعى فأجيب وإني فرطكم على الحوض وإني ~~سائلكم حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفونني فيهما الثقل الأكبر ~~كتاب الله تعالى سبب طرفه بيد الله تعالى وطرف بأيديكم فاستمسكوا فلا تضلوا ~~ولا تبدلوا والثقل الأصغر # PageV01P258 # عترتي أهل بيتي فإني قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يتفرقا حتى يردا ~~على الحوض # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دعاهم ثم تلا هذه الآية {إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} # فذريتهم منهم فهم صفوة وليسوا بأهل عصمة إنما العصمة للنبيين عليهم ~~السلام والمحنة لمن دونهم وإنما يمتحن من كانت الأمور محجوبة عنه فأما من ~~صارت الأمور له معاينة ومشاهدة فقد ارتفع عن المحنة # وقوله صلى الله عليه وسلم لن يتفرقا حتى يردا على الحوض وقوله صلى الله ~~عليه وسلم ما إن أخذتم به لن تضلوا واقع على الأئمة منهم السادة لا على ~~غيرهم وليس بالمسيء المخلط قدوة وكائن فيهم المخلطون والمسيئون لأنهم لم ~~يعروا من شهوات الآدميين ولا عصموا عصمة النبيين وكذلك كتاب الله تعالى من ~~قبل ما منه ناسخ ومنسوخ فكما ارتفع الحكم بالمنسوخ منه كذلك ارتفعت القدوة ~~بالمخذولين منهم # وإنما يلزمنا الاقتداء بالفقهاء العلماء منهم بالفقه والعلم الذي ضمن ~~الله تعالى بين أحشائهم لا بالأصل والعنصر فإذا كان هذا العلم والفقه ~~موجودا في غير عنصرهم لزمنا الاقتداء بهم كالاقتداء بهؤلاء وقد قال تعالى ~~في تنزيله الكريم {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ms106 وأولي الأمر منكم} # PageV01P259 # فإنما يلي الأمر منا من فهم عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ~~ما يهم الحاجة إليه من العلم في أمر شريعته # وروي عن جابر وابن عباس وعدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~تفسير هذه الآية الكريمة {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ~~قال هم العلماء والفقهاء # وإنما أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نرى إليهم لأن العنصر إذا ~~طاب كان معينا لهم على فهم ما يحتاج إليهم وطيب العنصر يؤدي إلى محاسن ~~الأخلاق ومحاسن الأخلاق تؤدي إلى صفاء القلب ونزاهته وإذا نزه القلب وصفا ~~كان النور أعظم وأشرق الصدر بنورة فكان ذلك عونا له على درك ما به الحاجة ~~إليه من شريعته # PageV01P260 ### | - الأصل الحادي والخمسون ### | في بيان عدد الأبدال وصفاتهم # عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الأبدال ثلاثون رجلا قلوبهم على قلب إبراهيم عليه السلام إذا مات الرجل ~~أبدل الله مكانه آخر # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال البدلاء أربعون رجلا اثنان وعشرون ~~بالشام وثمانية عشر بالعراق وكلما مات واحد بدل آخر فإذا كان عند القيامة ~~ماتوا كلهم # PageV01P261 # وليس في الحديثين اختلاف وإنما هم أربعون رجلا فثلاثون منهم قلوبهم على ~~قلب إبراهيم عليه السلام دل عليه ما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال ~~ان الأنبياء عليهم السلام كانوا أوتاد الأرض فلما انقطعت النبوة أبدل الله ~~تعالى مكانهم قوما من أمة أحمد يقال لهم الآبدال لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ~~ولا صلاة ولا تسبيح ولكن بحسن الخلق وبصدق الورع وحسن النية وسلامة قلوبهم ~~لجميع المسلمين والنصيحة لله تعالى ابتغاء مرضاته بصبر وحلم ولب وتواضع في ~~غير مذلة فهم خلفاء من الأنبياء قوم اصطفاهم الله تعالى لنفسه واستخلصهم ~~بعلمه لنفسه وهم أربعون صديقا منهم ثلاثون رجلا على مثل يقين إبراهيم خليل ~~الرحمن بهم تدفع المكاره عن أهل الأرض والبلايا عن الناس وبهم يمطرون وبهم ~~يرزقون لا ms107 يموت الرجل منهم أبدا حتى يكون الله تعالى قد أنشأ من يخلفه ولا ~~يعلنون شيئا ولا يؤذون من تحتهم ولا يتطاولون عليهم ولا يحقرونهم ولا ~~يحسدون من فوقهم ولا يحرصون على الدنيا ليسوا بمتماوتين ولا متكبرين ولا ~~متخشعين أطيب الناس خبرا وأورعهم أنفسا طبيعتهم السخاء وصفتهم السلامة من ~~دعوى الناس قبلهم لا تتفرق صفتهم ليسوا اليوم في حال خشية وغدا في حال غفلة ~~ولكن مداومين على حالهم وهم فيما بينهم وبين ربهم لا تتدركهم الريح العاصف ~~ولا الخيل المجراة قلوبهم تصعد في السماء ارتياحا إلى الله تعالى واشتياقا ~~إليه قدما في اشتياق الخيرات {أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} # قلت يا أبا الدرداء ما شيء أثقل علي من هذه الصفة التي وصفتها فكيف لي ~~بأن أدركها قال ليس بينك وبين أن تكون في أوسط ذلك إلا أن تبغض الدنيا فإذا ~~أبغضت الدنيا أقبل عليك حب الآخرة وبقدر ما # PageV01P262 # تزهد في الدنيا تحب الآخرة وبقدر ما تحب الآخرة تبصر ما ينفعك وما يضرك ~~فإذا علم الله صدق الطلب من عبده أفرع عليه السداد واكتنفه بعصمته وتصديق ~~ذلك في كتاب الله العزيز {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} # فنظرنا في ذلك فما تلذذ المتلذذون بشيء أفضل من حب الله تعالى وطلب ~~مرضاته # عن الحسن رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بدلاء ~~امتي لا يدخلون الجنة بكثرة صوم ولا صلاة ولكن دخلوها برحمة الله وسلامة ~~الصدور وسخاوة الأنفس والرحمة ولجميع المسلمين # عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال الأبدال بالشام وهم ثلاثون رجلا على ~~منهاج إبراهيم عليه السلام كلما مات رجل أبدل الله مكانه آخر # فالعصب بالعراق أربعون رجلا كلما مات رجل أبدل الله مكانه آخر عشرون منهم ~~على اجتهاد عيسى بن مريم عليه السلام وعشرون منهم قد أوتوا مزامير آل داود ~~والعصب رجال تشبه الأبدال # وعن وهب بن منبه في ما يجيء في مناجاة موسى عليه السلام عن الله تعالى ms108 ~~قال هم أربعون صديقا كلهم بي ولي وإلي # وروي في الخبر أن الأرض شكت إلى الله تعالى ذهاب الأنبياء عليهم السلام ~~وانقطاع النبوة فقال لها سوف أجعل على ظهرك صديقين أربعين فسكنت # فالصديقون إنما بانوا من الخلق بصدق القلوب مع الله تعالى لا # PageV01P263 # بصدق الأعمال مع الملائكة والعمال ليس لقلوبهم طريق إلى الله تعالى إنما ~~طريق قلوبهم إلى الثواب والأنبياء والصديقون قد انكشف الغطاء عنهم وصار لهم ~~الى الله طريق ليعبده كأنهم يرونه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اعبد الله كأنك تراه وهو ما وعد الله تعالى من هداية السبيل للذين جاهدوا ~~فيه فقال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} # ويعقبه التوكل قال الله تعالى {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا ~~سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا} وإنما سموا أبدالا لوجهين # وجه أنه كلما مات رجل بدل مكانه آخر لتمام الأربعين # ووجه آخر أنهم بدلوا أخلاقهم السيئة وراضوا أنفسهم حتى صارت محاسن ~~أخلاقهم حلية أعمالهم # وأما قوله تعالى في مناجاة موسى عليه السلام كلهم بي أي بي يقومون ~~ويقعدون وبي ينطقون وبي يأخذون ويعطون # وهو قوله عليه السلام فيما يحكى عن الله عز وجل فإذا # PageV01P264 # أحببت عبدي كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وفؤاده فبي يسمع وبي يبصر ~~وبي ينطق وبي يأخذ وبي يبطش وبي يعقل # وقوله ولي أي هم صفوتي قد بذلوا لي قلوبهم ونفوسهم فهم لي لا يشركني فيهم ~~نفوسهم # وقوله إلي أي تأوي قلوبهم إلي في كل أمر وسعي وحال أما الذين قلوبهم على ~~قلب إبراهيم عليه السلام فهم الذين لا تسكن قلوبهم الى من دون الله تعالى ~~في شيء من أمر الدين والدنيا وأما العصب فهم المحقون فمنهم مستعملون على ~~طريق الجهد ومنهم روحانيون قد أوتوا مزامير آل داود عليه السلام # PageV01P265 ### | - الأصل الثاني والخمسون ### | في أنه يقبض العبد حيث اثره # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال إذا كان أجل العبد بأرض ms109 أتيت له الحاجة إليها حتى إذا بلغ أقصى أثره ~~قبضه الله سبحانه فتقول الأرض يوم القيامة رب هذا عبدك ما استودعتني # قال أبو عبد الله إنما صار أجله هناك لأنه خلق من تلك البقعة # وقد قال عز وجل في تنزيله الكريم {منها خلقناكم وفيها نعيدكم} وإنما يعاد ~~المرء من حيث بدأ # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ~~ببعض نواحي المدينة فإذا بقبر يحفر فأقبل حتى وقف عليه # PageV01P266 # فقال لمن هذا قيل لرجل من الحبشة فقال لا إله إلا الله سيق من أرضه ~~وسمائه حتى دفن في التربة التي منها خلق # وروي أن الأرض عجت إلى ربها تعالى لما أخذت تربة آدم عليه السلام منها ~~فقال لها إني سأرده إليك فإذا مات دفن في البقعة التي منها تربته # وإنما صارت وديعة عندها حتى تقول يومئذ رب هذا عبدك ما استدعتني لإنها ~~عبدت ربها فالعبودة وديعة في الأرض حتى يبعث للثواب فيكون الحق عز وجل أحق ~~به من الأرض لأنه كان والي الحق ونصره فصار الحق أملك به فأعاده سويا وسلمه ~~إلى الحق ليعيده إلى دار السلام أو عبد جحد العبودة فهو مسجون في بطن الأرض ~~للحق عنده تبعة وطلبة حتى يبعث للعقاب فيكون الحق أحق به من الأرض وهو خصمه ~~وله فيما لديه طلبة وتبعة فإن الله تعالى لم يخلق جسده لعبا إنما خلقه للحق ~~وبالحق # وفي الحديث أن الملك الموكل بالأرحام يأخذ النطفة من الرحم فيضعها على ~~كفه ثم يقول يا رب مخلقة أو غير مخلقة فإن قال مخلقة قال يا رب ما الرزق ما ~~الأثر ما الأجل فيقال أنظر في أم الكتاب فينظر في اللوح فيجد فيه رزقه ~~وأثره وأجله وعمله ثم يأخذ التراب الذي يدفن في بقعته فيعجن به نطفته فذلك ~~قوله الكريم {منها خلقناكم وفيها نعيدكم} # عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال إن النطفة إذا استقرت من الرحم ~~أخذها الملك بكفيه فقال أي رب أمخلقة ms110 أم غير مخلقة فإن قال غير مخلقة لم ~~تكن نسمة وقذفتها الأرحام دما وإن قال # PageV01P267 # مخلقة قال أي رب أذكر أم انثى أشقي أم سعيد ما الأجل وما الأثر وما الرزق ~~بأي أرض تموت فيقال له إذهب إلى أم الكتاب فإنك ستجد هذه النطفة فيقال ~~للنطفة من ربك فتقول الله تعالى فيقال من رازقك فتقول الله فتخلق فتعيش في ~~أجلها وتأكل رزقها وتطأ أثرها فإذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك المكان # فالأثر هو التراب الذي يؤخذ فيعجن به ماؤه وذكر الزبير بن بكار الزبيري ~~المدني رضي الله عنه كتابا صنفه بعض أهل المدينة في فضل المدينة وكتابا ~~صنفه بعض أهل مكة في فضل مكة فلم يزل كل واحد منهما يذكر بقعته بفضيلة يريد ~~كل واحد منهما أن يبرز على صاحبه بفضيلة بقعته حتى برز المدني على المكي في ~~خلة واحدة عجز عنها المكي فقال إن كل نفس إنما خلقت من تربتها التي دفنت ~~فيها بعد الموت فكأن نفس الرسول صلى الله عليه وسلم إنما خلقت من تربة ~~مدفنه فبان أن تلك التربة لها فضيلة بارزة على سائر الأرضين # عن ابن سيرين رضي الله عنه يقول رحمه الله لو حلفت حلفت صادقا بارا غير ~~شاك ولا مستثن أن الله عز وجل ما خلق نبيه صلى الله عليه وسلم ولا أبا بكر ~~ولا عمر رضي الله عنهما إلا من طينة واحدة ثم ردهم إلى تلك الطينة # PageV01P268 ### | - الأصل الثالث والخمسون ### | في أن الكبائر لا تجامع طمأنينة القلب بالله تعالى # عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ~~ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن # وعن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة رضي الله عنهم مثله وعن عكرمة ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله وعن مدرك بن عمارة عن ابن أبي أوفى مثله # قال أبو عبد الله الإيمان ms111 هو الطمأنينة واستقرار القلب وإنما هما اثنتان # الأول طمأنينة التوحيد وهو أن يوحد الله تعالى فلا يلتفت إلى شيء سواه ~~فيتخذه ربا # PageV01P269 # والآخر طمأنينة الإقبال وهي أن يكون مقبلا عليه بجميع قلبه فلا يلتفت إلى ~~شيء من شهوات نفسه ولا إلى أحوالها فالذي يسرق ويزني هو في حالته تلك غير ~~مطمئن إلى ربه سبحانه وتعالى طمأنينة الإقبال ولو كان كذلك لم يزن ولم يسرق ~~بل هو مقبل على شهوات نفسه وهو في طمأنينة التوحيد والإيمان اسم يلزم العبد ~~بفعله وبدؤه من النور الذي جعل الله في قلبه فأحياه به وشرح صدره ونطق ~~بتوحيده لسانه ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # وكل شيء له مبتدأ ونهاية فأوله لازم ذلك الاسم له ومنتهاه هو البالغ ~~فالذي وحد ربه بقلبه ولسانه وقبل الشريعة هو مؤمن قد حرم ماله ودمه وعرضه ~~ثم هو أسير نفسه والمؤمن البالغ الذي ماتت شهوة نفسه وقطع قبله عن كل شيء ~~سواه وهذه قلوب الأنبياء والأولياء عليهم السلام وللمؤمنين بين هذين الحدين ~~درجات كل يعمل على درجته فكلهم عبيد قد أقروا له بالعبودة الكاملة ولا يقر ~~له بالعبودة الكاملة إلا الأنبياء والأولياء وذلك أنهم تركوا مشيئتهم في ~~جميع أمورهم لمشيئته وهكذا صفة العبيد رفض المشيئة في جميع الأشياء وترك ~~الاختيار للأحوال # ولا يقدر على هذا إلا من نور الله الإيمان في قلبه كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في صفة حارثة رضي الله عنه حيث قال له كيف أصبحت قال أصبحت ~~مؤمنا حقا قال وما حقيقة إيمانك قال كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وإلى أهل ~~الجنة كيف يتزاورون وإلى أهل النار كيف يتعاوون قال عرفت فالزم ثم قال من ~~سره أن ينظر إلى عبد نور الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى هذا فإذا إمتلأ ~~الصدر والقلب من # PageV01P270 # النور كان كما وصفه الله تعالى {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور ~~من ربه} # وكان المؤمن عندهم في زمن رسول الله صلى الله ms112 عليه وسلم من كان بهذه ~~الصفة # ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه وددت أني شعرة في صدر مؤمن لما عرفوا غور ~~هذه الكلمة وأثنى الله تعالى على إبراهيم خليله عليه السلام بعدما شهد له ~~بالتسليم حين أراد ذبح ابنه وهو الإسلام وشهد له بالإحسان فأثنى عليه فقال ~~{إنه من عبادنا المؤمنين} وقيل ان الله تعالى إذا أثنى على عبد فأبلغ في ~~الثناء قال {إنه من عبادنا المؤمنين} # والله تعالى وصف المؤمنين في تنزيله الكريم فقال {إنما المؤمنون الذين ~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} إلى قوله ~~{أولئك هم المؤمنون حقا} # فمن ههنا استجاز من قال الإيمان يزيد وكما يزيد فإنه ينقص سمي الزائد من ~~النور في صدره إيمانا وما نقص فمنه ينقص والأصل الذي منه بدأ التوحيد قائم ~~فبأقل النور يصير موحدا فاطمأن به وعبده ربا وهو إيمانه حتى إذا نما النور ~~وامتلأ القلب وأشرق الصدر منه اطمأن الى جميع مشيئآته وأحكامه وأموره كما ~~اطمأن به ومن قبل هذا لم يقدر أن يطمئن إلى مشيئآته وأحكامه للشهوات ~~المستولية على قلبه فلما امتلأ القلب من نوره خشية ومهابة ودخلت عظمته في ~~قلبه ماتت شهواته # PageV01P271 # وسكن قلبه الى تدبيره وأحكامه وأقضيته كما سكن على توحيده في بدء الأمر # وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة وكانوا إذا قالوا ~~مؤمن إنما يسمون ما يعرفون من أنفسهم وكان بعضهم في تخليط من هذا ألا ترى ~~أنه لما هاجت الفتن وقع التخليط # قال حذيفة رضي الله عنه لو رميت صخرة من أعلى مسجد ما أصابت مؤمنا # ولم يكونوا عندهم كفارا بما أحدثوا ولكن زلوا عن تلك الدرجة التي كانوا ~~يسمون أهلها بذلك الاسم ومما يحقق ذلك ما روي عن كعب بن مالك رضي الله عنه ~~كان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما نسمة المؤمن طائر ~~يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله تعالى يوم القيامة إلى جسده ثم يبعثه # قال أبو ms113 عبد الله فليس هذا لأهل التخليط فيما نعلمه إنما هو للصديقين ~~وكان إسم المؤمن عندهم هكذا # فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ~~إنما يعني بذلك الإيمان البالغ لا انه يذهب توحيده ويكفر وإنما يتأول مثل ~~هذا جهال الناس وحمقاهم ولو كفروا بذلك وزال عنهم الإيمان لكان حدهم القتل ~~وحدودهم قائمة جلد مائه في الزنى وقطع اليد في السرقة ولكن تأويل ذلك أنه ~~إذا زنى المؤمن فهو في ذلك فقد # PageV01P272 # نور إيمانه وحجبته شهوته التي حلت به عن ذلك النور فسلب ذلك النور وصار ~~محجوبا عن الله تعالى فلما تاب راجعه النور وذلك النور يسمى إيمانا لأنه ~~اطمأن بذلك إلى ربه عز اسمه فذهبت طمأنينته في وقت استعمال الشهوة فاطمأن ~~الى شهوته والعبد عندما أدركته الهداية من ربه عز وجل قد كان من قبل ذلك ~~قلبه في تردد وجولان طالبا لمن يتخذه ربا ويعبده فلما جاءته الهداية ~~واستنار القلب سكن القلب واطمأنت النفس عن الجولان والتردد في طلب المعبود ~~فقيل آمن يؤمن إيمانا وهو في قالب افعل # ومن الخوف قيل أمن لأنه كان يضطرب فلما ذهب الخوف سكن فقيل أمن على قالب ~~فعل فكلما إزداد العبد نورا إزداد سكونا وطمأنينة عند أموره وأحكامه ومن ~~قبل ذلك كان الغالب على نفسه شهوات نفسه فكان القوم إذا ذكروا المؤمن ~~يعلمون أنه ذلك المؤمن الذي قد اطمأن قلبه عند أموره وأحكامه إليه ومن ههنا ~~قال أبو الدرداء رضي الله عنه مثل الإيمان مثل قميصك بينا أنت لبسته إذ أنت ~~نزعته # وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال كان عبد الله بن رواحة إذا لقيني ~~قال اجلس يا عويمر فلنؤمن ساعة فنجلس فنذكر الله تعالى بما شاء ثم قال يا ~~عويمر هذا مجلس الإيمان إن مثل الإيمان ومثلك مثل قميصك بينا أنت نزعته إذ ~~لبسته وبينا أنت لبسته إذ نزعته يا عويمر القلب أسرع تقلبا من القدر إذ ~~استجمعت غلبا # وعن عتبة بن عبد الله بن ms114 خالد بن معدان عن أبيه عن جده رضوان الله عليهم ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الإيمان بمنزلة القميص مرة ~~تقمصه ومرة تنزعه # PageV01P273 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال لم يزن عبد قط إلا نزع نور الإيمان منه ~~ثم إن شاء رده وإن شاء منعه # وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال ليأتين على الرجل أحايين وما في ~~جلده موضع إبرة من النفاق وليأتين عليه أحايين وما في قلبه موضع إبرة من ~~الإيمان # قال فإنما يخلو منه ذلك النور المشرق في صدره وأما الإيمان إيمان التوحيد ~~فهو بمكانه # وقول ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال لم يزن عبد قط إلا نزع منه نور ~~الإيمان يدل على تفسير حديثه الذي رواه لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن # وفي قوله حين يزني وهو وقت الفعل دليل على أنه في ذلك الوقت صار محجوبا ~~عن النور وزائله # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ~~يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن قيل يا رسول الله فكيف يصنع إذا وقع شيء من ~~ذلك قال إن راجع راجعه الإيمان وإن ثبت لم يكن مؤمنا # وعن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ~~ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ولا يقتل وهو مؤمن فاذا فعل نزع منه نور ~~الإيمان كما ينزع منه قميصه فإن تاب تاب الله عليه # PageV01P274 # قال أبو عبد الله وإنما خفي شأن هذا وذهاب هذا النور من القلوب ورده عليه ~~لأن فتن القلوب قد عمت والصدور قد شحنت بظلمة الإصرار على الذنوب من المآكل ~~الرديئة والمكاسب الدنسة والأخلاق البذلة الفاسدة # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى ms115 الله عليه وسلم قال ~~المؤمن في الدنيا على ثلاثة أجزاء الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~والذي يأمنه الناس على أنفسهم وأموالهم والذي إذا أشرف على طمع تركه لله ~~تعالى # قال فالجزء الأول هم الظالمون لأنفسهم آمنوا ثم لم يرتابوا في إيمانهم ~~ولكنهم ضيعوا العبودة واستوفوا الرزق واكتالوا النعم بالكيل الأوفى وكالوا ~~الطاعات بكيل الخسران فهو من المطففين الظالمين # والحزء الثاني قد أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم لأنه متق مستقيم وهو ~~المقتصد # والجزء الثالث تركوا الهوى وشهوة النفس ورضوا بتدبيره في جميع الأحوال ~~فهم المقربون وذلك مثل ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أتي ~~بشراب قد خيض بعسل فتركه ثم قال أما إني لا أحرمه ولكني أتركه تواضعا لله ~~تعالى # PageV01P275 # عن كثير بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله ~~عنها أطعمينا يا عائشة قالت ليس عندنا طعام قال أطعمينا يا عائشة قالت ~~والله ما عندنا طعام فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله إن المرأة ~~المؤمنة لا تحلف أنه ليس عندنا طعام وهو عندها فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وما يدريك أنها مؤمنة إن المرأة المؤمنة في النساء كالغراب ~~الأعصم في الغربان وإن النار خلقت للسفهاء وان النساء من السفهاء إلا صاحبة ~~القسط والسراج # قال أبو عبد الله يعرفك هذا الحديث أن المؤمن في ذلك الوقت بأية صفة كان ~~عندهم # فأم قوله صاحبة القسط والرج فالقسط العدل وهو الذي على سبيل استقامة وهو ~~المقتصد والقسط والقصد بمعنى واحد إلا أن هذا مستعمل في نوع وذاك في نوع ~~كما قيل توكيل وتفويض وكلاهما بمعنى واحد إلا أن التوكيل في أسباب الرزق ~~يستعمل والتفويض في سائر الأمور فالقسط العدل من أموره والقصد أن تأخذ من ~~كل أمر وسطه وهو الذي أمر به وأما السراج فهو اليقين ومن أشرق في قلبه ~~اليقين فقلبه يزهر ومنه قول حذيفة رضي الله عنه قلب أغلف وهو قلب الكافر ~~وقلب مصفح وهو ms116 قلب المنافق وقلب أجرد وأزهر وهو قلب المؤمن وإنما يزهر ~~بالسراج الذي فيه # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~شبهت خروج المؤمن من الدنيا إلى الآخرة إلا مثل خروج الصبي من بطن أمه من ~~ذلك الغم والظلمة إلى روح الدنيا # فالمؤمن الذي هو بالغ في إيمانه الدنيا سجنه وهي مظلمة عليه ضيقة حتى ~~يخرج منها إلى روح الآخرة وهذا غير موجود في العامة وإنما ذكر المؤمن ووصفه ~~بذلك ليعلم أن المؤمن عندهم البالغ في إيمانه وهو # PageV01P276 # كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه ما كفرتم فنتبرأ منكم ولا عندكم إيمان ~~بالغ فنحبكم عليه وما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم ولا أرى الله إلا قد ~~تخلى عنكم # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال ما لكم لا تحابون وانكم اخوان على الدين ~~ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم ولو اجتمعتم على أمر تحاببتم ما هذا ~~إلا من قلة الإيمان في صدوركم ولو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها لكنتم ~~للآخرة أطلب لأنها أملك بأموركم فبئس القوم أنتم إلا قليلا منكم ما حققتم ~~إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم فما كفرتم فنتبرأ منكم وعامتكم ~~تركوا كثيرا من أمر دينهم ثم لا يستبين ذلك في وجوهكم ولا تغيير حالاتكم ما ~~هذا إلا شر حل بكم وإني لأرى الله قد تخلى عنكم فأنتم تخطئون وتمنون ~~الأماني والله إني لأستعين على نفسي وعليكم فإنما قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يزني الزاني وهو مؤمن أي بذلك الإيمان البالغ فأما ايمان ~~التوحيد فهو معه وإنما زال عنه نور الإيمان ألا يرى إلى قول أبي الدرداء ~~رضي الله عنه وإن زنا وإن سرق فلو كان زناه وسرقته يخرجه من إيمانه لم يدخل ~~الجنة # عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~{ولمن خاف مقام ربه جنتان} قلت يا رسول الله وان زنى وإن سرق فقال ولمن ms117 خاف ~~مقام ربه جنتان قلت وإن زنى وإن سرق فقال ولمن خاف مقام ربه جنتان قلت يا ~~رسول الله وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق وإن رغم أنف أبي الدرداء # PageV01P277 # ومما يحقق ما قلنا ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ~~يلدغ المؤمن من جحر مرتين بروايات جمة وطرق شتى # قال أبو عبد الله فالمؤمن المخلط قد يلدغ مرات وهو لسكره لا يجد لدغة ~~اللدغة وقد عمل فيه حمة السم فلو قد أفاق لاحتاج إلى من يمسكه من الاضطراب ~~والتلوي وإنما عنى بالمؤمن ذلك البالغ الذي وقف به حذره على أمر عظيم كما ~~روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل ابن عباس عن أبي بكر رضي الله عنه ~~قال كان كالخير كله من رجل كان فيه حدة وسئل عن عمر رضي الله عنه فقال كان ~~كالطير الحذر الذي يرى أن له في كل طريق شركا يأخذه # فالمؤمن البالغ إذا وقع في الخطيئة وجع قلبه وتمرر عيشه وقلقت نفسه فهو ~~يتلوى كاللديغ يتململ ندما وتحسرا وأسفا يبيت ساهرا ويظل نائحا قد أنكت فيه ~~هذه الخطيئة سمها فكأنه أيقظته من الغفلة فلا يواقع تلك الخطيئة مخافة أن ~~يقع فيها وهذا لمن لدغته الخطيئة # PageV01P278 # وعمل فيه سمها كما فعل يوسف عليه السلام بعد الهم كان لا يكلم امرأة حتى ~~يرسل على وجهه ثوبا # عن أبي الأحوص عن عبد الله قال كان يوسف عليه السلام إذا جاءته امرأة ~~تستفتيه ألقى على وجهه ثوبا مخافة أن تفتتن # عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لها حين جاءته بعد ما طلقها زوجها فقال بيده على وجهه فاستتر به ~~وذلك بعد ما لقي من شأن زينب ما لقي # فأما مؤمن عمل بالخطيئة فلم تلدغه ولم يتبين فيه عمل سمها لأنه سكران قد ~~أسكرته شهوات الدنيا ومات قلبه عن الشعور بذلك فمتى يحذر حتى لا يلدغ وسم ~~الخطيئة ms118 هو الظلمة التي تتراكم في صدره على قلبه فتحجبه عن ربه فيصير قلبه ~~مسجونا محجوبا عن الملكوت وهو قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه لنفس ~~المؤمن أشد ارتكاضا في الخطيئة من العصفور حين يغدف به والإغداف الإرسال ~~يعني إرسال الشبكة عليه # وقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إن المؤمن إذا أذنب فكأنه تحت صخرة ~~يخاف أن تقع عليه فتقتله والمنافق ذنبه كذباب مر على أنفة وقوله لا تجد ~~المؤمن بخيلا ولا تجد المؤمن جبانا ولا تجد المؤمن كذابا # PageV01P279 # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خصلتان ~~لا تجتمعان في قلب مؤمن البخل وسوء الخلق # فهذه الخصال كلها موجودة في الموحدين فإذا ذكروا المؤمن فإنما يعنون به ~~الذين ذكرهم الله تعالى بأنهم مؤمنون حقا وصير لهم الدرجات في الجنة بما ~~ترقوا من درجات الإيمان # عن بكر بن عبد الله المزني رضي الله عنه أن الحواريين طلبوا عيسى عليه ~~السلام فقيل لهم توجه إلى البحر فجاءوه وهو يمشي على الماء يرفعه الموج ~~ويضعه فقال أفضلهم ألا أجيئك يا رسول الله فأدخل رجله الماء ورفع الأخرى ~~فقال أدركني فقد عرقت فقال يا قصير الإيمان أو قال هات يدك يا قصير الإيمان ~~لو أن لابن آدم مثقال حبة من خردل من اليقين مشى على الماء # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لو وزن ايمان أبي بكر رضي الله عنه ~~بإيمان أهل الأرض لرجع إيمان أبي بكر يإيمان أهل الأرض # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا أنه قال تزعمون أنكم مؤمنون وفيكم ~~مؤمن جائع # عن أبي إسحق السبيعي رضي الله عنه قال سمعت وهب بن منبه رضي الله عنه ~~يقول اسمع يا أخي إلى ما أصف لك من صفة # PageV01P280 # المؤمن وجدت في التوراة المؤمن الذي إلى الإسلام هدي وبالاقرار بدي ظاهر ~~الإيمان بدنه على الإيمان بني وذلك أنه عالم بالعلم ناطق بالحلم صادق ~~بالفهم ورع عن الحرام بين الإعلام كثير ms119 السلام لين الجانب قريب المعروف ~~سريع الرضاء بعيد السخط يعلم إذا فهم وإذا علم علم ويكف إذا شتم إن صحبته ~~تسلم وإن شاركته تغنم وإن فارقته تندم وإن سمعت منه تتعلم كثير الوقار مكرم ~~للجار مطيع للجبار قلبه بمعرفة الله زاهر ولسانه بذكر الله غازر وبدنه في ~~طاعة الله ساهر فهو من نفسه في تعب والناس منه في أرب فمثله كمثل الماء لأن ~~الماء حياة الأشياء كلها فكمال المؤمن الرضى وعمله التقوى مبغض للدنيا قليل ~~المنى صادق اللسان صابر البدن قانع القلب أن ائتمن أمانة أداها وإن ائتمن ~~هو غيره لم يتهم أب لليتيم وللأرملة رحيم وإلى الجنة مشتاق وبالوالدين غير ~~عاق له علم يرضى وعقل ينمى كلامه منفعة وجواره رفعة إن استكتمته كتم وإن ~~استطعمته أطعم جواد لله بالعطاء وللناس بحسن الخلق والرضى إن استقرض أدى ~~وإن سئل أعطى إن كان فوقك اتضع وإن كان دونك اعتدل فمثله كمثل شجرة ثبت ~~أصلها وجاد فرعها وكثر ثمرها فهو من رآها رغب فيها لا يأخذ شيئا إن أخذ ~~رياء ولا يتركه إن تركه حياء بل أخذه لله تعالى سالما وتركه لله تعالى ~~غانما محاسب نفسه ناظر في عيوبه مستعرض لعمله إن كان محسنا يخاف على نفسه ~~أن لا يقبل منه وإن كان مقصرا يخشى أن لا يغفر له وإن كان فاضلا كان شاكرا ~~لا يظلم ولا يأثم ولا يتكلف لين تدبيره كثير عمله قليل ذلله سهل أمره # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الورع ~~سيد العمل من لم يكن له ورع يرده عن معصية الله تعالى إذا خلا بها لم يعبأ ~~الله بسائر عمله شيئا # فذلك مخافة الله تعالى في السر والعلانية والاقتصاد في الفقر والغنى # PageV01P281 # والصدق عند الرضاء والسخط ألا وإن المؤمن حاكم على نفسه يرضى للناس ما ~~يرضى لنفسه والمؤمن حسن الخلق وأحب الخلق إلى الله تعالى أحسنهم خلقا ينال ~~بحسن الخلق درجة الصائم القائم وهو راقد على فراشه لأنه ms120 قد رفع لقلبه علم ~~فمن شهد مشاهد القيامة يعد نفسه حنيفا في بيته وروحه عارية في بدنه ليس ~~بالمؤمن جفاء حملانه على نفسه الناس منه في منه في عفاء وهو من نفسه في ~~عناء رحيم في طاعة الله بخيل على دينه حي مطواع وأول ما فات ابن آدم من ~~دينه الحياء خاشع القلب لله تعالى متواضع قد برىء من الكبر ينظر إلى الليل ~~والنهار يعلم أنهما في هدم عمره لا يركن إلى الدنيا ركون الجاهل # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا جرم أنه إذا خلف الدنيا خلف ظهره ~~خلف الهموم والأحزان ولا حزن على المؤمن بعد الموت بل فرحه وسروره دائم بعد ~~الموت # فمن هذه صفته فلدغ من حجرالمعاصي مرة كان ذلك الحجر نصب عينيه أبدا فمتى ~~يمر بها حتى تلدغه ثانية فإنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوحشته ~~المعصية حتى أسهر ليله ما حل بقلبه من وجه الذنب كمن يفارق محبوبه من ~~المخلوقين بموت أو غيبة يفجع لفراقه # فألم المؤمن إذا أصاب الذنب أشد من مصيبته بفراق المخلوقين فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين أي هذا الأمر قد ~~لدغته مرة فأوجعته فوجع ذلك تذكرة له من الغفلة في ذلك # PageV01P282 # حتى لا يقع فيه ثانية أي أن هذا صفة المؤمن وشرطة حتى يستحق شرط الإيمان # عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه أن نبي الله كان في سفر ومعه أبو بكر ~~وعمر رضي الله عنهما فأرسلو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه لحما ~~فقال أو ليس قد ظللتم من اللحم شباعا قالوا من أين فوالله ما لنا باللحم ~~عهد منذ أيام فقال من لحم صاحبكم الذي ذكرتم قالوا يا نبي الله إنما قلنا ~~والله إنه لعفيف ما يعيننا على شيء قال وذاك فلا تقولوا فرجع إليهم الرجل ~~فأخبرهم بالذي قال فجاء أبو بكر رضي الله عنه فقال يا نبي الله طأ على ~~صماخي واستغفر ms121 لي ففعل وجاء عمر رضي الله عنه فقال يا نبي طأ عل صماخي ~~واستغفر لي ففعل فهذا تكون اللدغة ألجأته الخطيئة إلى أن فزع إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وألقى نفسه في التراب تذللا وأن يطأ بقدمه عل صماخه ~~فهذا شأن المؤمن البالغ وأما الذي يلزمه اسم المؤمن فيحرم ماله ودمه وعرضه ~~فهم الموحدون # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن # PageV01P283 ### | - الأصل الرابع والخمسون ### | في أول تحفة المؤمن بعد الموت # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ~~تحفة المؤمن أن يغفر لمن صلى عليه # المؤمن كريم على ربه عز وجل ومقدمه على رب كريم ومن شأن الملوك أن أحدهم ~~إذا قدم عليه بعض خدمه من سفرة طال غيبته فيها أن يتلقاه ببشرى وكرامة ~~ويخلع عليه ويجيزه بالجائزة السنية ويأمر بأن يهيأ له نزل والله تعالى ~~أرانا تدبير الملوك في الدنيا فإذا قدم عليه المؤمن لقاه روحا وريحانا ~~وبشرى على ألسنة الرسل عليهم السلام # قال الله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم ~~الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم # PageV01P284 # توعدون) قال {من عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} وقال {لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله} # وأول تحفته أن يغفر لحملته إلى بابه والمصلين عليه فإن الرجل من عرض ~~الناس ليحمل إليه الهدية فيستحيى أنه ينصرف عنه الحامل للهدية خائبا صفر ~~اليد حتى يناوله شيئا فكيف الملك من ملوك الدنيا والله تعالى أخرج المؤمن ~~إلى الدنيا ليستكمل ويستعد للقائه ويتزود للأخرة فما زال يسعى في إرضاء ~~الحق سبحانه وتعالى فلما مات غسلوه وطيبوه وكسوه وحملوه هدية إلى الحق عز ~~وجل فقبله الحق تعالى وأداه إلى الرحمة فلم يستجز أن ينصرف حملة هذه الهدية ~~خائبين فغفر لهم # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أول ما يجازى ms122 به العبد أن يغفر لمن يصلي ~~عليه قوله يجازي من الجائزة # والتحفة عندنا هي الطرفة والهدية هي العطية ومعناهما قريب إلا أن بينهما ~~نكتة في الفرق فالهدية ما تعطيه لتستميل به والهدي الميل ومنه قيل مشى ~~يتهادى أي يتمايل ومنه سمي الهدي لأنه يميل به إليه والطرفة شيء يعطيه بعد ~~الاستمالة وبعد أن صار له وليا وثقة فهو يطرفه بشيء يريد أن يحليه بذلك ~~كالسكر على رأس الأرز ونحوه والله تعالى يوالي بين نعمه على العبد ثم يريد ~~أن يبره ويطرفه بشيء ليس عنده في الجنة ليتجدد به بره فذلك البر يكون أعظم ~~موقعا ومن طرقه ما جاء في الخبر إذا أراد الله تعالى أن يتحف عبده المؤمن ~~سلط عليه من يظلمه # PageV01P285 # لأن بلوى الدنيا كثيرة من الأمراض والمصائب وللنفس فيها فجعة ثم يرجع إلى ~~ربه تعالى في أن هذا صنعه وتدبيره وإذا ظلم اشتدت فجعته وتضاعفت لوعته فتلك ~~المصائب والأمراض هدايا من رب العالمين والظلم تحفة قد طرفه الله بها ~~والطرفة هي شيء يكون في الأحايين مرة لم يكن عنده مثله وقد سلط على يحيى بن ~~زكريا صلوات الله عليهما من ذبحه ذبحا وهذا شيء نادر طريف ليس مما يجري في ~~بلوى أهل الدنيا ومصائبهم وكذلك يجعل له الجنة ثوابا ثم يوجب له رضوانه ~~الأكبر ومن جعلت له الجنة هدية فتحفه من ألطافه الجسيمة # PageV01P286 ### | - الأصل الخامس والخمسون ### | في بيان ما يهرم ويشب من الآدمي # عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يهرم ابن ~~آدم ويشب منه اثنان الحرص على المال والحرص على العمر الحرص لهيان الشهوة ~~والشهوة نار ذات دخان فكلما زدت النار وقودا إزدادت نورا وتلهبا وسمي المال ~~مالا لأنه يميل بالقلب عن الله تعالى والعمر مدة عمارة البدن بالحياة وذكر ~~المال لأن به ينال جميع الشهوات وذكر العمر لأن بدوامه تدوم الشهوات # فإذا ذهب العمر وزال المال تعطلت الشهوات فوجدت النفس # PageV01P287 # لذة الشهوات ولذة دوام العمر فتشبثت به واستأثرت القلب ms123 والهرم الخالي من ~~الأشياء قد خلت طبائعة من الحرارة والقوى وقحل جلده من الحرارة لانتشاف ~~الحياة ماء جلدته ودق عظمه وانتشف النقص ماء شبابه ولا يطفىء لهيب الحرص ~~إلا الإيمان بالله فكلما ازداد العبد إيمانا بربه وهو النور الذي ينشرح به ~~صدره فهو على نور من ربه ازداد ثقة بربه وطمأنينة إليه وكلما إزداد ثقة ~~إزداد غنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن كثرة العرض إنما ~~الغنى غنى النفس فإذا استغنت النفس بالله تعالى لما دخل الصدر من نور ~~اليقين المنشرح به صدره صار عرض الدنيا فضلا # عن مكحول رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نفس ابن آدم ~~شابة ولو التقت ترقوتاه من الكبر إلا من امتحن الله تعالى قلبه للتقوى ~~وقليل ما هم # فهذا الخبر يكشف عما ذكرنا من المعنى لأن النفس معدن الشهوات فهي شابة ~~لأن الشهوات بمنزلة النار لا تزال متوقدة ما دامت واجدة للحطب فإذا أمسك ~~عنها الحطب خمدت خامدة لا محالة فكذلك النفس لا تزال رطبة متوقدة بشهواتها ~~ما دامت واجدة للنعم فإذا أمسك عنها ذبلت ويبست فإذا امتحن الله تعالى قلبا ~~للتقوى قوى صاحبه على # PageV01P288 # الامتناع من قضاء الشهوات والامتحان هو أن يستخرج سره والسر هو النور ~~الذي قذفه في قلبه فإذا استقر ذلك في قلبه وأشرقه به صدره صار ذاك وقاية له ~~من جميع مكاره الآخرة فقيل تقوى وإنما هو وقوى حولت الواو تاء ومأخذه من ~~الوقاية فإذا فعل ذلك فقد امتحنه لأنه يظهر على الأركان بالأفعال المحمودة ~~المرضية # فالنفوس شابة وإن هرمت الجوارح ونهدت الأركان لدوام التنعم بالمال والعمر ~~الا هذه الطبقة الممتحنة الذين استثناهم فنفوسهم هرمت في وقت شبابهم لإن ~~شهواتهم ذبلت وضعفت بالخشية التي دخلت قلوبهم لما اطلعوا عليه بقلوبهم من ~~علم الملكوت ولعلمهم بالله تعالى صاروا سبيا من سبيه فالمشغوف سبي من به ~~شغف # فإن شغفت بالدنيا فأنت سبيها وإن شغفت بالآخرة فأنت سبيها وإن شغفت ~~بالخالق فأنت سبيه وابن ms124 آدم ركب في طبعه أن لا تزال نفسه تجمع في طلب شيء ~~حتى إذا اطلعت على أفضل منه رفضب هذه وأقبلت على الأفضل فلا يزال طالبا ~~للدنيا حتى إذا طالع الآخرة رفض هذه وأقبل عليها فلا يزال لها طالبا حتى ~~إذا طالع الملكوت أقبل على مولاه ولها عن ذكر الدارين واشتغل بالماجد ~~الكريم فتراه سلس القياد منكسر القلب قد أخذت الأحزان بمجامع قلبه فقطعته ~~عن فكر الدنيا وأهلها وما هم فيه فهو حبيس الله في سجنه وهو قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر والمسجون عينه إلى الباب ~~يراقب دعوة من يدعى فيجيب # PageV01P289 # الأصل السادس والخمسون # في أن عدد الشرائع بتعدد الرسل # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه حدث أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول إن لله عز وجل ثلثمائة وخمس عشرة شريعة يقول الرحمن وعزتي لا ~~يأتين عبد من عبادي لا يشرك بي شيئا بواحدة منهن إلا أدخلته الجنة # فالرسل ثلثمائة وخمسة عشر ولكل رسول شريعة قال الله تعالى في تنزيله ~~الكريم {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} وقال {ثم جعلناك على شريعة من الأمر ~~فاتبعها} # وان الله تعالى دعا العباد الى دار السلام بعد أن دعاهم إلى الاقرار ~~بالتوحيد فأجابوه وإنما أجابه من هداه ثم شرع لكل رسول طريقا إليها وهو ~~الحلال والحرام فاحلال مرضاته والحرام مساخطه وإذا استقام العبد في سيؤه في ~~شريعته أدخله الجنة فقوله لا يأتيني عبد لا يشرك بي شيئا بواحدة من هذه ~~الشرائع أي شريعة زمانه ورسوله فلو # PageV01P290 # أتى رجل بشريعة هود في زمن موسى عليهما السلام لم ينتفع به ولو أتى ~~بشريعة موسى في زمن عيسى عليهما السلام لم ينتفع به ولو أتى بشريعة عيسى في ~~زمن محمد عليهما الصلاة والسلام لم يقبل منه ولم ينتفع به إنما يقبل من كل ~~عبد شريعته التي شرعت له على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وان الله تعالى ~~شرع الطريق لعباده ليحلوا حلاله ويحرموا حرامه كي ms125 يصلحوا لدار السلام يوم ~~مقدمهم عليه # PageV01P291 # الأصل السابع والخمسون # في حقيقة اليقين ومعنى العافية # عن سلمان بن عامر رضي الله عنه يقول سمعت أوسط البجلي على منبر حمص يقول ~~سمعت أبا بكر الصديق على المنبر وهو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على هذا المنبر عام أول والعهد قريب سلوا الله اليقين والعافية فإن ~~الناس لم يعطوا شيئا خيرا من اليقين والعافية # فاليقين هو استقرار النور في القلب والصدر وذلك أن نور الإيمان في القلب ~~والشهوات بظلمتها وفوران دخانها متراكمة على القلب قد أظلمت من الصدر وحالت ~~بين عيني القلب وبين رؤية أمور الغيب فهو مقر بالغيب من الجنة والنار ~~والحساب وأهوال الموقف وتدبير الله تعالى في دنياه إلا أن نفسه تشبه عليه ~~بخدعها وأمانيها لأنها لم تصر له كالمعاينة # PageV01P292 # وليس الخبر كالمعاينة فإذا امتلأ القلب من النور كان كمن قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لحارثة حين قال يا رسول الله كأني أنظر إلى عرش ربي ~~بارزا الخبر فاليقين استقرار القلب بذلك النور يقال في اللغة يقن الماء في ~~الحفرة أي استقر وأما العافية والعفو فكل واحد منهما مشتق من صاحبه فالعفو ~~في الآخرة والعافية في الدنيا وهو أن يعفى عنك من الخذلان فلا تخذل حتى لا ~~تقع في الذنب وأن يعفى عنك حتى لا تصيبك الشدائد والبلايا وأصله من العفو ~~فقد عفى عنك أن يصيبك هذا وأن تصيبك شدائد الآخرة وكلاهما في المعنى واحد ~~إلا أن العفو يستعمل في أمور الآخرة والعافية في أمور الدنيا # PageV01P293 ### | - الأصل الثامن والخمسون ### | في تفسير قوله تعالى {فروح وريحان} بالوجهين # عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~{فروح وريحان} الراء مضمومة وقد قرئت الراء مفتوحة فمن قرأ فروح مضمومة ~~الراء ذهب الى أن الروح أمر جليل من أمره يحل بالقلب فبه تطمئن القلوب الى ~~الله تعالى وبه ينال الذكر الصافي وبه يصير محقا وبه يقدس القلب وبه يشتاق ~~عند حضور أجله إلى اللقاء ms126 فيهون عليه الموت ويبشر وتطيب النفس للشخوص إلى ~~الله وبه تأتلف قلوب المتحابين في الله وبه عصمة قلوب الأنبياء عليهم ~~السلام ومن قرأها فروح مفتوحة الراء فإنه ذهب الى أن يسلم عليه ملك الموت ~~عليه السلام في ذلك الوقت ويقرئه السلام من رب العزة فيجد لذلك راحة على ~~القلب وهو قوله تعالى {تحيتهم يوم يلقونه سلام} # PageV01P294 ### | - الأصل التاسع والخمسون ### | في معنى معاء الآدمي لم كانت سبعا فصارت واحدة # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~المؤمن يأكل في معاء واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء # وعن أبي موسى رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله # قال أبو عبد الله الإنسان مبني على سبعة على الشرك والشك والغفلة والرغبة ~~والرهبة والشهوة والغضب فهذه أخلاقه وأي خلق من هذه الأخلاق إستولى على ~~قلبه نسب إليه دون الآخر ومما يحقق ذلك قوله تعالى وإن جهنم لموعدهم أجمعين ~~لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم فأهل النار مجزءون مقسمون على هذه # PageV01P295 # الأبواب السبعة فكل جزء منهم صار جزءا بخلق من هذه الأخلاق المستولية ~~عليه # ومما يحقق ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للنار باب لا يدخلها منه إلا من شفا غيظه بسخط الله تعالى # وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجهنم ~~سبعة أبواب باب منها لمن سل سيفه على أمتي # فهذه للرغبة والأول للغضب فابن آدم مبني على هذه الأخلاق السبعة فإذا ولج ~~الإيمان القلب نفى هذه السبعة من القلب فبقدر قوة الإيمان تذوب هذه الأخلاق ~~من النفس وعلى قدر ضعفه يبقى ضررهن فإذا اكمل النور وامتلأ القلب منه لم ~~يبق لهذه الأخلاق فيه موضع فنفى الشرك والشك والغفلة أصلا وصار بدل الشرك ~~إخلاصا وبدل الشك يقينا وبدل الغفلة انتباها وكشف غطاء معاينه وصار الغضب ~~له وفي ذاته وصارت الرغبة إليه والرهبة ms127 منه وصارت الشهوة منية وكانت نهمة ~~وبقدر ضعف الإيمان وسقمه يبقى من هذه الأخلاق في المؤمن فبقي منه شرك ~~الأسباب وشك الأرزاق وغفلة التدبير في كنه الأمور والرغبة والطمع في الخلق ~~والرهبة منهم في المضار والمنافع واستعمال الشهوات على النهمة فإيمانه ~~يقتضيه ما عقد في توحيده لربه أن هذه الأشياء كلها منه وله وأخلاقه تمنعه ~~الوفاء بذلك عند نوائبه فلذلك يبقى في عرصة القيامة محاسبا في مدة طويلة ~~والآخر كمل إيمانه فامتلأ قلبه من نور الإيمان فصار كما وصفنا بدءا فسقط ~~عنه الحساب غدا # فابن أدم يأكل في معاء واحد اعني الخلقة إلا أن هذه الأخلاق السبعة سوى ~~الغضب قد عملت على قلبه فصار كأنه يأكل في سبعة أمعاء فإذا آمن فامتلأ قلبه ~~من نور الإيمان سكنت هذه الأخلاق فشبع وروي لأنه # PageV01P296 # قد ثقل قلبه بما ولج فيه من الإيمان فإذا آمن فإنما يأكل بمعاه الذي خلق ~~فيه وكلما كان أوفر حظا من إيمانه كان أقل لطعمه بهذا المعاء الواحد أيضا ~~وإذا كان كافرا فهذه الأخلاق الستة تعمل على قلبه حتى يصير كأنه يأكل في ~~سبعة أمعاء لأن الشرك والشك والغفلة والشهوة والرغبة والرهبة هي أعوان ~~لحرصه فإذا أحرص لم يشبع واحتاج إلى الكثير والذي سكنت عنه هذه الستة ~~الأخلاق بولوج الإيمان قلبه ذاب الحرص في جوفه وثقل الإيمان في قلبه فأكل ~~بمعاه الذي خلق للآدميين فاكتفى بذلك # عن أبي صالح السمان قال قدم ثلاثون راكبا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من غفار فيهم رجل يقال له أبو بصيرة مثل البعير فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأصحابه بددوا القوم فجعل الرجل يقيم الرجل والرجل يقيم ~~الرجلين على قدر ما عنده من الطعام حتى تفرق القوم غير أبي بصيرة قال وكل ~~القوم يرى أن ليس عنده ما يشبعه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك ~~قام واستتبعه فتبعه فلما دخل دعا له بطعام فوضعه بين يديه فكأنما لحسه ثم ~~دعا بقدح فحلب فيه فشربه حتى ms128 حلب له في سبعة أقداح فشربها وبات عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الإسلام فتكلم منه بشيء فلما خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الغداة واستتبعه فتبعه فصلى معه الغداة ~~فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل على القوم بوجهه فقال علموا ~~أخاكم وبشروه فأقبل القوم بنصح يعلمونه وألقى عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثوبا حين أسلم ثم قام فاستتبعه فتبعه فلما دخل دعا له بطعام فوضعه بين ~~يديه فلم يأكل إلا يسيرا حتى قال شبعت ثم دعا له بقدح فحلب فيه فلم يشرب ~~إلا يسيرا حتى قال رويت فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكبه فقال ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إنك كنت أمس كافرا وإنك اليوم مؤمن ~~وإن الكافر يأكل في سبعة أمعاء وإن المؤمن يأكل في معاء واحد # PageV01P297 ### | - الأصل الستون ### | في أن للصائم دعوة مستجابة عند إفطاره # عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لكل ~~عبد صائم دعوة مستجابة عند إفطاره اعطيها في الدنيا أو ذخر له في الآخرة # فكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول عند إفطاره يا واسع المغفرة اغفر لي # خص أمة محمد صلى الله عليه وسلم من بين الأمم في شأن الدعاء فقيل {ادعوني ~~أستجب لكم} # وإنما كان يكون ذلك للأنبياء عليهم السلام فأعطيت هذه الأمة ما أعطيت ~~الأنبياء عليهم السلام فلما دخل التخليط في أمورهم من # PageV01P298 # أجل الشهوات التي استولت على قلوبهم حجبت قلوبهم فالصوم منع النفس عن ~~الشهوات وإذا ترك شهوته من أجله صفا قلبه وصارت دعوته بقلب فارغ قد زايلته ~~ظلمة الشهوات وتولته الأنوار فاستجيب له فان كان ما يسأل في المقدور عجل له ~~وإن لم يكن كان مدخورا له في الآخرة وبلغنا أن العبد إذا دخل الجنة أعطي من ~~الجنة بقدر ما يستقر في ملكه ويجاز له ثوابه فإذا زيد قيل له هذا دعواتك ~~التي ms129 كنت لا ترى لها إجابة كان لك ذخرا عظيما # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال للصائم عند فطره دعوة لا ترد # PageV01P299 ### | - الأصل الحادي والستون ### | في سجود الشكر # عن أبي بكر رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه ~~الأمر يسر به خر لله ساجدا شكرا # فالسجود أقصى حالة العبد في التواضع لله تعالى به ترتبط النعمة ويجتلب ~~المزيد فالشكر رؤية العبد النعمة ولا ينفك من رأى النعمة من الجبار إذا ~~استحيى خجل وتذلل وتواضع وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنه إذا ~~فرح غض بصره وغض البصر من الحياء لأن الحياء في العينين من أجل أن الحياء ~~من شأن الروح وبصره متصل ببصر الروح وأيضا الفرح في القلب مؤد الى العين ~~فإذا انتهى الفرح إلى العين فلم يغضها انتشر الفرح وقوي فلم يكن صلى الله ~~عليه وسلم يحب أن ينتشر فرحه في دار الأحزان حتى يكون ذلك كله في دار الله ~~تعالى # عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال جئت أزور عائشة رضي الله ~~عنها فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحي إليه ثم سرى # PageV01P300 # عنه فقال يا عائشة ناوليني ردائي فناولته ثم أتى المسجد فإذا مذكر يذكر ~~فجلس حتى قضى المذكر تذكرته افتتح {حم تنزيل من الرحمن الرحيم} فسجد فطالت ~~سجدته ثم تسامع به أظنه قال من كان على ميلين وملىء عليه المسجد وأرسلت ~~عائشة رضي الله عنها في حاجتها أن احضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلقد رأيت منه أمرا ما رأيته منه منذ كنت معه فرفع رأسه فقال سجدت هذه ~~السجدة شكرا لربي تعالى فيما أبلاني في أمتي فقال له - أحسبه أبو بكر رضي ~~الله عنه -وماذا أبلاك في أمتك قال أعطاني سبعين ألفا من أمتي يدخلون الجنة ~~فقال يا رسول الله إن امتك كثير طيب فازدد يا رسول الله قال قد ms130 فعلت ~~فأعطاني مع كل واحد من السبعين الألف سبعين ألفا قال يا رسول الله ازدد ~~لأمتك فقال بيديه ثم قال بهما إلى صدره أو إلى بعض جسده فقال عمر أو غيره ~~أوعيت يا رسول الله أو كلمة نحوها # عن عبد الله بن بكر أبي وهب السهمي حدثنا هشام بن حسان عن القاسم بن ~~مهران عن موسى بن وردان عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله تعالى أعطاني سبعين ألفا من أمتي يدخلون الجنة بغير ~~حساب فقال عمر يا رسول الله فهلا استزدته قال قد استزدته فأعطاني مع كل ~~واحد من السبعين الألف سبعين ألفا فقال رضي الله عنه يا رسول الله فهلا ~~استزدته قال استزدته فأعطاني هكذا وفتح أبو وهب يديه قال أبو وهب قال هشام ~~هذا من الله لا يدري ما عدده # PageV01P301 # وهذا الحديث أتم وأشبع والأول لم يذكر فيه أنهم يدخلون الجنة بغير حساب # وعن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أعطيت سبعين ألفا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب قلوبهم على قلب ~~رجل واحد واستزدت فزادني مع كل واحد سبعين ألفا # وعن أم قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج آخذا بيدها في سكة من ~~سكك المدينة حتى انتهى إلى بقيع الغرقد فقال يبعث منها سبعون ألفا يوم ~~القيامة في صورة القمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب # فقام رجل فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال أنت منهم فقام ~~آخر فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة # فهذا العدد من مقبرة واحدة فكيف سائر مقابر أمته وإنما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنت منهم كأنه رأى فيه أنه منهم والآخر لم يره بموضع ذاك ~~وأم قيس هي ابنة محصن وهي أخت عكاشة بن محصن الأسدي فالسبعون الألف الأولون ~~سقط عنهم الحساب لأن ms131 الله تعالى أيدهم باليقين حتى عاملوا الله تعالى على ~~الصدق والوفاء بيقينهم وهم أولياء الله تعالى لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~وهم السابقون المقربون يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا ممن احتسب للحساب # PageV01P302 # في الموقف ممن وجبت له الجنة ثم يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا ممن وجب ~~عليه الوقوف طول الموقف # عن عبد الله ابن أبي أوفى قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى ~~برأس أبي جهل صلى ركعتين وصلى بهم يوم الفتح ركعتين # وسجد عمر بن عبد العزيز ثلاث سجدات تباعا حيث روى له أبو بردة بن أبي ~~موسى عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث الذي قال يجاء ~~باليهودي والنصراني يوم القيامة فيقال هذا فداؤك يا مسلم من النار # PageV01P303 ### | - الأصل الثاني والستون ### | في بيان أفضل الصدقة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من ~~صدقة بأفضل من صدقة يتصدقها على مملوك عند مليك سوء فالمملوك عند المليك ~~السوء مضطر والصدقة على المضطر أضعاف مضاعفة لأنهم ثلاثة أصناف فقير مستغن ~~عن الصدقة في ذلك الوقت وفقير محتاج ومضطر فالصدقة على المستغنى عنه وهو في ~~حد الفقر صدقة والصدقة على المحتاج مضاعفة والصدقة على المضطر أضعاف مضاعفة ~~والمملوك عند المليك السوء انتظمت حالته هذه الثلاث هو فقير وهو محتاج وهو ~~مضطر # PageV01P304 ### | - الأصل الثالث والستون ### | في أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل الحسن # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~بعثتم إلي رسولا فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم # هذا من طريق التفاؤل وذلك أن أهل اليقظة والانتباه يرون الأشياء كلها من ~~الله تعالى وإذا ورد وارد حسن الوجه حسن الاسم تفاءل به وهو حسن الظن بالله ~~تعالى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولا يتطير لأن التفاؤل هو ~~حسن الظن بالله تعالى والفأل هو شيء يخص به قوم وليس يكون لكل ms132 أحد كالفراسة ~~والألهام وكالحكمة وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الفأل ~~مرسل # فمن أعطي حظا من التفاؤل انتفع به كمن أعطي الفراسة فله منها حظ ومن لم ~~يعط لم يكن له منها حظ والفأل قريب من الأركان والحظ نحوه # PageV01P305 # وكانت قريش جعلت مائة من الأبل في من يأخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~فيرده عليهم حيث توجه إلى المدينة فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته ~~من بني سهم فتلقى نبي الله فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم من أنت قال ~~أنا بريدة فالتفت إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال يا أبا بكر برد أمرنا وصلح ~~فقال وممن قال من اسلم فقال لأبي بكر سلمنا قال ثم ممن قال من بني سهم قال ~~خرج سهمك فأسلم بريده وأسلم الذين معه جميعا فلما أن أصبح قال بريده لنبي ~~الله صلى الله عليه وسلم لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء فحل عمامته ثم شد ~~بها في رمح ثم مشى بين يديه صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله تنزل علي ~~فقال إن ناقتي مأمورة فسارت حتى وقفت على باب أبي أيوب الأنصاري رضي الله ~~عنه فبركت فقال بريدة الحمد لله الذي أسلم بنو سهم طائعين غير مكرهين # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال قال الله تعالى أنا عند ظن ~~عبدي بي فليظن بي ما شاء فإذا أحسن ظنه وفى له بما أمل وظن والتطير سوء ~~الظن بالله وهروب من قضائه والعقوبة إليه سريعة ألا ترى إلى العصابة التي ~~فرت من الطاعون كيف أماتهم قال الله تعالى {ألم تر إلى الذين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} # عن أبي رافع قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي مكتل فيه شاة # PageV01P306 # مشوية فقال لي يا أبا رافع ضع ما معك ثم قال ناولني الذراع فناولته ~~فأكلها ثم قال ناولني الذراع فناولته ms133 فأكلها ثم قال ناولني الذراع فقلت وهل ~~للشاة أكثر من ذراعين فقال لو سكت لوجدتها # PageV01P307 ### | - الأصل الرابع والستون ### | في معنى الفطرة الأصلية # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كل ~~مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تناتج الإبل من بهيمة ~~جمعاء هل يحس من جدعاء قالوا يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا قال الله ~~أعلم بما كانوا عاملين على الفطرة أي على الإسلام # وذلك أن الله تعالى أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~فأسلموا له طوعا وكرها وألقوا بأيدهم اعترافا بربويته فمنهم مسلم ومنهم ~~مستسلم وفي الجملة كلهم أقروا له بالربوبية وحده وبالسمع والطاعة له فأخذ ~~عليهم الميثاق ثم ردهم إلى الأصلاب فلما خرجوا من الأرحام الى الدنيا ~~مولودين إنما خرجوا على تلك الفطرة فمن ولده يهودي أو نصراني أو مجوسي ~~فالولد في الحكم له # PageV01P308 # قال المصنف رحمه الله الولد في الحكم لأبيه دون أمه لأن العظام والعصب ~~والعروق من الأب واللحم والدم والشعر والجلد من الأم فأصل الجسد من الأب ~~ألا ترى أن اللحم والدم والجلد والشعر يذهب ويجيء والجسد باق والعظام ~~والعصب والعروق إذا ذهب ذهب الجسد ولذلك نسب إلى أبيه والعصوبة له في ~~الميراث والولاية وسائر الأحكام # أما قوله كما تناتج الابل هل يحس من جدعاء فإنه يقول ان الانعام إذا ~~تناتجت فمولودهن صحيح سوي فعمد المشركون فجدعوا آذانها # روى عوف بن مالك الجشمي رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فصعد في البصر وصوبه وقال أرب إبل أنت ام رب غنم قلت من كل المال قد ~~آتاني الله تعالى فأكثر وأطيب قال أفلست تنتجها وافية أعينها وآذانها قلت ~~بلى قال فتجدع آذانها فتقول صرماء وتشق من هذه فتقول بحيرة فساعد الله أشد ~~من ساعدك وموساه أحد لو شاء الله أن يأتيك بها صرماء فعل # فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال فأبواه يهودانه وينصرانه كما ms134 ~~تناتج الإبل فهل تحس من جدعا أي أن الله تعالى خلقه سويا وافرا وافيا فأنتم ~~جدعتموه وكذلك خلق الله تعالى هذا المولود على الفطرة التي فطرهم حيث ~~استخرجهم من صلب آدم عليه السلام معترفين له بالربوبية وأنتم هودتموه ~~ونصرتموه ومنه قول الله تعالى {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة} # PageV01P309 # كانت اليهود إذا ولد لهم ولد صبغته وكانت النصارى إذا ولد لهم مولود ~~صبغته في ماء لهم يقولون تطهر بذلك فقال الله تعالى {صبغة الله} أي فطرة ~~الله التي فطرهم عليها أحسن من صبغتهم # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ~~مولود يولد من ولد كافر أو مسلم فإنما يولدون على الاسلام كلهم ولكن ~~الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم فهودتهم ونصرتهم ومجستهم وأمرتهم أن ~~يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وقال الله تعالى وقوله الحق خلقت عبادي ~~حنفاء وأمرتهم أن لا يشركوا بي شيئا # عن عياض بن حمار رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~في خطبته ان الله تعالى أمرني أن أعلمكم وقال تعالى خلقت عبادي حنفاء ~~فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي وحرمت عليهم ما ~~أحللت عليهم # قال أبو عبد الله فهذا بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا وتأكدت حجة الله ~~عليهم وعملت أهواؤهم فيه لأن الشياطين وجدت قلوبا خالية والنفس والروح ~~يعقلان أمر الدنيا والمضار والمنافع والآيات ظاهرة من خلق السموات والأرض ~~والشمس والقمر واختلاف الليل والنهار وهذه حجج الله سبحانه وتعالى على ~~عبيده فذهبت بأهوائهم يمينا وشمالا وأما المؤمنون فهم أهل منة الله تعالى ~~من الله عليهم فجعل لهم نورا فأحياهم فقال أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا ~~له نورا يمشي به في الناس # PageV01P310 # كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) {ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور} # فأهل منته أحياهم الله تعالى بنوره وأهل عداوته حرموا ذلك فخابوا والحجة ~~عليهم قائمة بما أعطوا من ms135 المعرفة بأمور الدنيا # قال الله تعالى {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} إنما زكاها بنور ~~المعرفة وإنما دسي قلب الكافر وقوله دسي ودسس ودس كله بمعنى واحد وهو أن ~~يدس باب قلبه كما تدس الكوة حتى لا يقع في البيت ضوء فهو بيت مظلم وقد مال ~~به هوى نفسه # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يموت ~~لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسهم النار إلا تحلة القسم # عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخل الله تعالى ~~والديهم الجنة بفضل رحمته إياهم والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمه إلى ~~الجنة بسرره إذا احتسب # عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~يا عائشة من مات له فرطان من أمتي أدخله الله الجنة بفضل # PageV01P311 # رحمته إياهم قالت يا رسول الله فمن كان له فرط واحد قال ومن كان له فرط ~~واحد يا موفقة قالت ومن لم يكن له فرط قال فأنا فرط أمتي لم يصابو بمثلي # فإذا كان الوالدن إنما يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته للولد فكيف يكون ~~رحمته للولد # عن عائشة رضي الله عنها قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد ~~المسلمين أين هم يوم القيامة قال في الجنة يا عائشة وسألت عن أولاد ~~المشركين فقال في النار يا عائشة قلت لم يدركوا الأعمال يا رسول الله ولم ~~تجر عليهم الأقلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ربك أعلم بما كانوا ~~عاملين # عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن السقط ~~ليراغم ربه عز وجل إذا إذا أدخل أبويه النار فيقال له أيها السقط المراغم ~~ربه قد أدخل أبويك الجنة فيقول لا حتى يجرهما بسرره # عن معاذ بن جبل رضي الله ms136 عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرا فيقول ~~الممسوخ عقلا يا رب لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد مني ويقول ~~الهالك في الفترة يا رب لو أتاني منك عهد ما كان # PageV01P312 # من أتاه منك عهد بأسعد بعهدك مني ويقول الهالك صغيرا يا رب لو آتيتني ~~عمرا ما كان من آتيته عمرا بأسعد بعمره مني فيقول الرب تبارك وتعالى فإني ~~آمركم بأمر أفتطيعونني فيقولون نعم وعزتك فيقول لهم فاذهبوا وادخلوا جهنم ~~ولو دخلوها ما ضرتهم شيئا فتخرج عليهم قوابض من نار يظنون أنها قد أهلكت ما ~~خلق الله من شيء فيرجعون سراعا ويقولون يا ربنا خرجنا وعزتك نريد دخولها ~~فخرجت علينا قوابض من نار فظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله تعالى من شيء ثم ~~يأمرهم ثانية فيرجعون ويقولون كذلك فيقول الرب خلقتكم على علمي وإلى علمي ~~تصيرون ضميهم فتأخذهم النار # عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ~~رجل فسأله عن ذراري المشركين الذين هلكوا صغارا فوضع رأسه ساعة ثم قال أين ~~السائل فقال ها أنا ذا يا رسول الله فقال إن الله تعالى إذا قضى بين أهل ~~الجنة والنار لم يبق غيرهم عجوا فقالوا اللهم ربنا لم يأتنا رسولك ولم نعمل ~~شيئا فأرسل اليهم ملكا والله أعلم بما كانوا عاملين فقال إني رسول ربكم ~~إليكم فانطلقوا فاتبعوه حتى أتوا النار فقال لهم إن الله عز وجل يأمركم أن ~~تقتحموا فيها فاقتحمت طائفة منهم ثم اخرجوا من حيث لا يشعر أصحابهم فجعلوا ~~من السابقين المقربين ثم جاءهم الرسول عليه السلام فقال إن الله تعالى ~~يأمركم أن تقتحموا في النار فاقتحمت طائفة أخرى ثم أخرجوا من حيث لا يشعرون ~~فجعلوا من أصحاب اليمين ثم جاء الرسول فقال إن الله تعالى يأمركم أن ~~تقتحموا في النار فقالوا ربنا لا طاقة لنا بعذابك فأمر بهم فجمعت نواصيهم ~~وأقدمهم ثم ms137 القوا في النار # PageV01P313 # قال أبو عبد الله الولد عضو من الرجل فإذا قدمه من قبل أن يبلغ الحنث فقد ~~عتق من أسار الذنوب وفي الشرع أن المملوك إذا عتق جزء منه شاعت الحرية في ~~جميع أجزائه فهذا الطفل قدم على ربه وهو غير مطلوب بذنب فصار حرا من رق ~~الذنوب وهو جزء من أجزاء الوالدين # وقوله لم يبلغوا الحنث أي ما أدركوا مدرك الرجال فتركوا الوفاء بما ~~عاهدوا يوم الميثاق # وقوله تحلة القسم يريد قوله تعالى {وإن منكم إلا واردها} # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سألت ~~ربي أولاد المشركين فأعطانيهم خدما لأهل الجنة قال لأنهم لم يدركهم ما أدرك ~~آباؤهم من الشرك ولأنهم في الميثاق الأول # PageV01P314 ### | - الأصل الخامس والستون ### | في بيان قوله صلى الله عليه وسلم ان هذا المال خضرة حلوة # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه فلنعم المعونة هو # الأخذ على ثلاثة أوجه عندنا فالظالم يأخذه تمتعا والمقتصد يأخذه تزودا ~~والمقرب يأخذه تبلغا فالظالم لم يأخذه بحقه لأن الدنيا إنما خلقت متعة ~~للأعداء وهم الكفار يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم فهذا ~~قد ظلم نفسه حيث أخذها أخذ الأعداء قال الله تعالى {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ~~ويلههم الأمل فسوف يعلمون} # PageV01P315 # لأن المؤمن قد علم أنه عابر سبيل ولم يخلق للبقاء في هذه الدنيا فهو ~~مسافر يقطع الدنيا بعمره إلى الله تعالى والليل والنهار يركضان به اليه وقد ~~آمن بالله واليوم الأخر ومن صدق إيمانه أن يرفع باله عن الدنيا وييأس من ~~الخلود فيها ويأخذ منها ما يأخذ المتزود لما بين يديه من السفر الطويل وأخذ ~~التزود أن يكون له إرادة فيما يأخذ منها أن يأخذها لقوام دينه ويقدم فضله ~~ما بين يديه ليكون ذلك زادا له في المحشر فالأول ظالم أخذه أخذ الأعداء ~~وهذا أخذه بحقه فلنعم المعونة والثالث أخذه ms138 تبلغا لأنه خلق محتاجا مضطرا ~~لاينفك في دنياه أيام حياته من حاجة به إليه أما في نفسه وأما في المتصلين ~~به من عيال وقرابة وجيرة واخوان من أجل حرا وبردا وجوع أو عرى أو نوائب من ~~سقم أو غيره # وتدبير رب العالمين في هذا المال أنه وضعه في هذا الدار وأنه يصلح به هذه ~~المصالح فما تناول منه تناول منه تناول على التبلغ إلى الله تعالى لينفذ ~~عمره ويبلغ إلى ربه تعالى دافعا هذه النوائب التي تنوبه في هذه الدنيا عن ~~نفسه وعن هؤلاء بهذا المال الذي هكذا دبره رب العالمين وكان أبو بكر رضي ~~الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي المال بغير عدد ولا تقدير ~~يحثي حثوا ويعطي قبضات فراوده عمر رضي الله عنه على أن يقدر ويفضل ~~المهاجرين لفضلهم ومن له قدوة في الإسلام يبرر له ذلك بالمال فأبى عليه ~~وقال إن هذا المال بلاغ وخير البلاغ أوسعه وأجورهم على الله تعالى فلما ولي ~~عمر رضي الله عنه فضل أصحاب بدر وجعل بين الناس فضائل ففعل أبي بكر رضي ~~الله عنه فعل الصديقين المال عنده بلاغ فكلما تناول شيئا منه فقدمه في نوع ~~من أنواع البر لم يجعله عدة ليوم فقره كما فعل هذا المقتصد لأن عدة ~~الصديقين والمقربين خالقهم وأعينهم مادة إلى رحمته والمقتصدون ومن دونهم ~~عدتهم خالقهم عدة الايمان فإذا صاروا إلى الحقائق صيروا أعمالهم عدة # PageV01P316 ### | - الأصل السادس والستون ### | في أن الاختيار من الخير # عن أبي بكر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد ~~أمرا قال اللهم خر لي واختر لي # قال أبو عبد الله الخيرات كلها من خيرته والصفوة من الخيرات محبوبة ~~ومختارة خار لعباده الأعمال والأفعال واختار لنفسه من الذي خار لهم فذاك ~~محبوبه ومصطفاه سأله أن يخير له أن يرزقه الخير وإذا رزقه الخير وقاه الشر ~~ثم سأله أن يختار له من الخير محبوبه وله دعوة أخرى في حديث آخر وهو قوله ~~صلى ms139 الله عليه وسلم اللهم إني أسألك التوفيق لمحابك من الأعمال وصدق التوكل ~~عليك وحسن الظن بك # فانظر إلى هذه الخصال الثلاث كانها نظام واحد وهذا باب غامض يخفى على ~~الصادقين وإنما ينكشف للصديقين دون الصادقين لأن الصادق يفتش عن الأعمال ~~كيلا يدخل فيه العدو والنفس والهوى ويروجه عليه بخدعه فهو يبغي الصدق ~~والإخلاص ويلحظه والصديق يلحظ في أعماله إلى الله تعالى لأنه استقام قلبه ~~على الصدق وانطرد عنه الهوى واختسأ العدو فهو يفر من ظله وهو الذي ينكشف له ~~التوفيق # PageV01P317 # من الله لمحبوبه فرب عمل هو في الظاهر أعلى وأشرف على ألسنة الرسل عليهم ~~السلام والكتب المنزلة والمحبوب في ذلك الوقت ما هو دونه في الظاهر فالذي ~~يحبه في ذلك الوقت قد خفي على الأنبياء عليهم السلام حتى سأله التوفيق لذلك # وأما بيان انتظام هذه الأمور في طلق فهو أن الله تعالى إذا وفقه لمحبوبه ~~وهو أدنى في الظاهر وآثر الأدنى وإن كان الأدنى في الحقيقة من محاب الله ~~تعالى فسأله صدق التوكل والتوكل هو أن يتخذ الله وكيلا ويفوض إليه جميع ~~أموره فسأله صدق ذلك حتى لا يتردد ولا يتلكأ فيه ويسارع فيه كما يسارع في ~~الذي كان عنده أعلى # ثم قال وأسألك حسن الظن بك فإن النفس إذا مرت في الادون دخلها سوء الظن ~~من قبلها فتقول لعلي فيه مخذول إذا أقبلت على الادون وأعرضت عن الأعلى في ~~الظاهر فسأله حسن الظن كي لا تأخذه الحيرة ولا يخاف أنه خذل فلهذه الخصال ~~الثلاث كلها منظومة محتاج إليها في طلق لا يستغني ببعضها عن بعض لمن سأل أن ~~يختار له محبوبه ويوفقه لمحابه من الأمور # فجاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهاتين اللفظتين وكلاهما ~~يؤديان إلى معنى واحد قوله اختر لي وقوله وفقني لمحابك فالاختيار من الخير ~~هو محابه في ذلك الوقت قال له قائل صف لنا واحدة من هذه الأمور نعتبر بها ~~ما سواها قال نعم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا يزور ms140 بيت الله ~~الحرام لبعد عهده به قصد عن البيت فكان محاب الله تعالى في ذلك أن يصالحهم ~~ويعطيهم ما يريدون من ذلك فإنهم كانوا يريدون أن لا يدخل مكة في هذه الهيئة ~~فحلق دون قضاء العمرة ونحر الهدي ولما يصل إلى البيت ولم يبلغ محلها وكان ~~في الظاهر تعظيم البيت والاعتمار والوفاء بالنذر وهو الاحرام وهدي البدن ~~وهي سبعون بدنة أعلى عندهم وأشرف والصلح والرجوع عنهم # PageV01P318 # محاب الله في ذلك الوقت فاتسع لهذا الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولم يضق به ذرعا واتسع أبو بكر رضي الله عنه وضاق عمر رضي الله عنه حتى صار ~~إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال يا أبا بكر أليس هذا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أو ليس نحن المسلمون فقال بلى فقال فعلى م نعطي الدنية في ديننا ~~وهم الكفار قال أبو بكر رضي الله عنه يا عمر الزم غرز رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واسمع وأطع فإني أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنا ~~أشهد فلم يصبر على ذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول ~~الله ألست رسول الله أولسنا بالمسلمين أوليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلى ~~م نعطي الدنية في ديننا وهم الكفار قال أنا عبد الله ورسوله ولن أخالف أمره ~~ولن يضيعني # قال عمر رضي الله عنه فمازلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة ~~كلامي الذي تكلمت به يومئذ # فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين وكتب الكتاب فيما بينهم على ~~وضع الحرب عشر سنين يأمن منهم الناس ويكف بعضهم عن بعض فأمنوا ولقي بعضهم ~~بعضا وخالطوهم واستمعوا إلى القرآن وإلى ما جاء به عن الله تعالى والرجل ~~يكلم أخاه وصديقه ورحمه بذلك فدخل الناس أفواجا في دين الله مثل ما دخلوا ~~في سنين كثيرة # فانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف فوض أمره إلى الله تعالى ~~وأبرز صدق توكله وكيف حسن ظنه بالله ms141 تعالى فقال إني لن أخالف أمره ولن ~~يضيعني وكيف تابعه على ذلك أبو بكر رضي الله عنه واتسع # PageV01P319 # فيه وكيف ضاق عمر رضي الله عنه ومن بعد عمر عامة أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى بلغ من أمرهم أنه أمر مناديه فنادى بأن يحلقوا رؤوسهم ~~فلم يحلقوا حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيمة فقال يا أم سلمة ~~ألا ترين أن الناس لا يحلقون فقالت يا نبي الله بأبي أنت وأمي احلق أنت فلو ~~قد رأوك حلقت لقد فعلوه فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الناس ~~يحلقون ومنهم من قصر فقال اللهم اغفر للمحلقين قالوا والمقصرين يا رسول ~~الله قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال اللهم اغفر ~~للمحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال والمقصرين قالوا ظاهرت بالترحم ~~والمغفرة للمحلقين قال لأنهم لم يشكوا # فليس هذا شكا في أصل الفعل إنما الشك هنا ضيق الصدر بذلك الفعل احتاجوا ~~إلى أن يحلقوا وهم في إحرام ولم يحلوا بعد لأن السبيل كان عندهم في ~~الجاهلية وراثة أن لا يحل أحد من إحرامه دون الطواف بالبيت فلما أمرهم ~~بالحلق استعظموا ذلك وضاقت صدورهم ثم اتبعوه فقصروا كأنهم على كراهة شديدة ~~وهذا من خلق النفس وكزازته فحرموا الدعوة للكزازة التي فيهم وركوب الهوى # وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لن أخالف أمره أي لن أخالف أمر ~~الله أي لن أخالف ما استقبلني من وجه الأمر ومن توفيقه لما هو أحب إليه ~~وذلك أن أهل مكة لما تلقوه ليردوه في جمعهم أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في أسفل مكة فلما بلغ الحديبية بركت ناقته فقال الناس # PageV01P320 # خلأت أي حزنت فقال صلى الله عليه وسلم ما خلأت وما لها ذلك بخلق كأن ~~معناه أن هذه ناقة مسخرة لصاحبها وصاحبها ليس بحرون فإذا لم يحرن الذي سخر ~~على ربه لم تحرن المسخرة فقال ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل فعلم أن بروك ~~الناقة ms142 ههنا ليس من الحرانة لأنه لم يحرن على ربه في أمره ولكن هذا شيء ~~بديع قد اختار له ربه ما هو أحب إليه فنزل وعسكر هناك وانتظر ما يكون ثم ~~وجه الرسل إلى أهل مكة واحدا بعد آخر أني لم أجئكم لحرب وإنما جئت معظما ~~للبيت ومعي هدي فعاهدوا الله أن لا يدخلها أبدا أو نحاربك ثم كان من تلك ~~الرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه فأتاه الخبر أن عثمان قد قتل فانتدب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لحربهم وقال لا نبرح حتى نناجزهم فدعا إلى البيعة ~~تحت الشجرة فبايعوه فقال أصحابه بعد ذلك بحين بايعنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على الموت وقال آخرون ممن فهم الأمر لم نبايعه على الموت لكن ~~بايعناه على أن لا نفر فأنزل الله تعالى {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة} الآية فأوجب لهم رضاه وبشرهم بذلك ووعدهم النصرة ~~والفتح # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في الطريق رؤيا أن يدخل المسجد ~~الحرام مع أصحابه محلقين ومقصرين لا يخافون فأخبر بها أصحابه فلم يشكوا ~~أنها تفتح لهم فلما استقبلهم هذا الصلح شكوا في الرؤيا وساءت ظنون كثير ~~منهم قال الله تعالى {فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} فصالحوا وانصرفوا فخرجوا ~~إلى خيبر ففتح الله عليهم فاستأصلوا اليهود وهم احد الأعداء وغنموا العنائم ~~الكثيرة وتقووا بما # PageV01P321 # غنموا وأخذوا العدة من الكراع والسلاح وبلغ المشركين ذلك فذلوا وانقصموا # وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل فقضى عمرته وأخلوا له ~~مكة من نسائهم وأولادهم حتى انصرف ثم عاد من العام القابل لفتح مكة في عشرة ~~آلاف رجل وكان ذلك العام الذي صدر عنه في سبعمائة وكثر أصحابه لدخول الناس ~~في دين الله وذلك للصلح الذي كان بينهم وما التقوا فوعظ بعضهم بعضا وقرأ ~~عليهم ما نزل # فانظر إلى محاب الله تعالى ومختاره وإلى محاب الخلق ومختارهم فقد كان ~~مختار الخلق أن يدخلوها عنوة فيقتلون ويقتلون وقد ms143 كان لله عز وجل فيها ~~أولياء قد اجتباهم واختارهم وسبقت لهم منه الحسنى ولم يجىء وقت إسلامهم بعد ~~وفيهم أيضا قد أسلموا من المستضعفين نساء وشيوخا وعجزة ولو دخلوها بقتال ~~لأصابهم معرة الجيش فقال الله تعالى في تنزيله الكريم {وهو الذي كف أيديهم ~~عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} # وكانت طائفة من أهل مكة خرجوا عليه من وراء عسكره فهزمهم أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخذوا أسراء فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلذلك قوله تعالى {من بعد أن أظفركم عليهم} # ثم قال ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم إلى قوله {عذابا أليما} # PageV01P322 # فهؤلاء رجال مؤمنون ونساء مؤمنات قد كانوا هناك في أيديهم مستضعفين فلو ~~دخلتم الحرب لوطأتهم الخيل وهلكوا ولو تزيلوا أي فارقوهم وزايلوهم لعذبنا ~~الذين كفروا أي لنسلطنك عليهم بالحرب حتى تقتلهم ولكن هيأ الصلح وحبس ~~الناقة فبركت فلما بركت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حبسها حابس الفيل ~~لا تدعوني اليوم قريش إلى خطة فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها # وكان رجال مؤمنون ونساء مؤمنات في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات لم يخرجهم ~~الله تعالى إلى الدنيا وكان في سابق علمه أنه يخرجهم إلى مدة وأسماؤهم ~~مكتوبة في اللوح بالسعادة من الله تعالى فلو دخلوها عنوة لهلك آباؤهم ~~وأمهاتهم في الحرب ومعرة الجيش فلو تزيلوا أي زايلوا الأصلاب والأرحام ~~لعذبنا الذين كفروا أي الآباء والأمهات الكفرة وأنجينا هؤلاء الأطفال الذين ~~هم في علمي أوليائي فهيأ الله عز وجل الصلح بينهم حتى توالدوا وخرجوا من ~~أصلاب آبائهم من يعبد الله وحده وتهيأ للمستضعفين حال نجاح وفتح الله تعالى ~~مكة شرفها الله تعالى من العام الثالث عليهم وأظفره بهم # ومن قبل فتح مكة سهل الله سبيله حتى جاء قاضيا لعمرته في ذلك الشهر الذي ~~كان جاء أول عام الحديبية فاعتمر وغاظ المشركين في ذلك واقتص الله عز وجل ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم منهم ms144 كما ردوه وصدوه عن العمرة فأنزل الله تعالى ~~{الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} # ثم فتح الله تعالى عليه مكة من العام الثالث من الحديبية وهو سنة # PageV01P323 # ثمان من الهجرة وكانت الحديبية سنة ست وقضاء العمرة في سنة سبعة وافتتح ~~مكة سنة ثمان من الهجرة فغص المسجد الحرام بأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان في عشرة آلاف حتى لم تجد ناقته موضعا تبرك فيه في المسجد الحرام ~~حتى دنا من البيت فاحتملوه على أيدي الرجال فدعا بالمفتاح ففتح له فدخل ~~البيت فصلى فيه ثم خرج فوقف على الباب فقال الله أكبر الله أكبر صدق الله ~~وعده ونصرعبده وهزم الأحزاب وحده # فانظر إلى هذه الكلمات عظم ربه وصغر ما دونه بتعظيمه ثم قال صدق الله ~~وعده نشر عن ربه الجميل بأنه وفي له ثم قال ونصر عبده رأى النصر من عنده ~~ورأى دوران الأمور به ونظر إلى تدبيره من لدن مبعثه وما لقي منهم من الأذى ~~والضرب والشتم والمصائب وما حرم أقاربه وأرحامه من بركة ما جاء به والى ~~الناس من افناء الناس غرباء كيف رزقوا ذلك واحد من الروم وواحد من الحبشة ~~وآخر من فارس وواحد من الخيام وآخر من حضرموت وبلاد الشام وأبو لهب وأبو ~~طالب وولد عمومته حاربوه وعادوه وأخرجوه من بلاد الله ومن وطنه وبيت الله ~~الحرام وغربوه وتواطئوا على قتله وطلبوه فلم يظفروا به وانظر إلى تدبير ~~الله تعالى في الأنصار وبذلهم أنفسهم قال الله تعالى {فإن يكفر بها هؤلاء ~~فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} # ثم حروبهم ببدر واحد وتلك العجائب التي كانت هناك مرة لهم ومرة عليهم إلى ~~يوم الحديبية وصلحه وأنهم قد وضعوا الحرب فيما قد وضعوا الحرب فيما بينهم ~~عشر سنين فضاق عمر رضي الله عنه بذلك يوم الحديبية ولم يعلم أن الله تعالى ~~سيفتح لهم مكة في العام الثالث من # PageV01P324 # عامهم في أعز نصر وأوفر جمع فحسن الظن وسوء الظن ههنا يتيبن فرأى رسول ~~الله صلى الله عليه ms145 وسلم يومئذ جميل صنع الله تعالى في أمره فقال الله أكبر ~~صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده # فلو شاء الله تعالى لبعث مع محمد صلى الله عليه وسلم ملائكته عليهم ~~السلام معهم الشهب فيدمرون على من جحده ولكن تدبير الله تعالى في عباده في ~~التؤدة والتأني والرفق بهم ليتسعوا مع تدبيره فإن الإتساع مع تدبيره عبودة ~~والضيق من الاستبداد وكزازة النفس والعبودية الصادقة أن يدور مع تدبير الله ~~تعالى في الأحوال كيف ما دارت فهناك تكون عند الله تعالى راضيا في الأحوال ~~فيرضى عنك وهو قوله تعالى {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية} إطمأنت إلى الله سبحانه وتعالى وماتت شهواتها وذهب استبدادها فرضيت ~~عن الله تعالى في أحوالها على اختلاف محبوبها ومكروهها فرضي الله عنها # فلما تكلم على باب الكعبة بما تكلم قال لأهل مكة وهو حوله ماذا تقولون ~~وماذا ترون أني صانع بكم قالوا أخ كريم وابن أخ كريم قال فإني أقول كما قال ~~أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين # قال عمر رضي الله عنه وانتضحت عرقا من الحياء من قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وذلك أني كنت قلت لهم حين دخلنا مكة اليوم ننتقم منكم ونفعل ~~ونفعل فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال استحييت من قولي # فهكذا يكون فعل الناظر إلى تدبير الله تعالى فيهم من قبل في تلك الأمور ~~الماضية وحكمته # PageV01P325 # وأيضا قصة أخرى في شأن أبي جندل بن سهيل بن عمرو وكان مسلما في أيدي ~~المشركين مقيدا بمكة فلما جاء سهيل بن عمرو أبوه يراجع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الصلح وهو بعض رؤسائهم أبرم الصلح وكتب الكتاب فجاء ابنه أبو ~~جندل يرسف في قيوده قد انفلت من محبسه فقال يا محمد يا رسول الله إني مسلم ~~في أيدي المشركين واستغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين فقام ~~إليه أبوه فضرب وجهه ورده وقال يا محمد ms146 لقد لجت القضية فيما بيننا فتركه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده حتى رده فكاد المسلمون أن يفتتنوا في ~~ذلك الأمر وأخذهم الغيظ الشديد ولم يقدروا على شيء من الصلح وكان وقع الصلح ~~بينهم على أن من صار من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما ~~أن يرد عليهم ومن صار من المسلمين إليهم مرتدا لم يطلب فأجابهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فتحرك أصحابه في ذلك فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من جاءنا مسلما فرددناه عليهم فإن الله عز وجل جاعل له فرجا ~~ومخرجا ومن صار إليهم مرتدا فالى النار فما نصنع بمن ارتد عن دين الله # فأنظر إلى حسن ظنه حيث قال فإن الله جاعل له فرجا ومخرجا فكيف لا يحسن ~~ظنه وقد أوحى إليه عز وجل ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب # فالوحي قد نجع فيه وانكشف الغطاء عن قلبه حتى عاين حسن تدبير الله وصنائع ~~ربه وعرفه بالمجد والكرم فذهب سهيل بن عمرو بابنه إلى # PageV01P326 # مكة في قيوده ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ففتح خيبر ~~فقال عمر رضي الله عنه كنت أماشي أبا جندل وهو في قيوده وهو جنب أبيه وأهوى ~~بمقبض سيفي نحوه أدنيه منه وأقول يا أبا جندل ليهن عليك فانما دم أحدهم دم ~~كلب وأدنى قائمة السيف منه رجاء أن يأخذ السيف فيضرب به أباه قال فضن الرجل ~~بأبيه وسهيل آخذ بتلبيبه يجره إلى المنزل وأبو جندل يصرخ يا معشر المسلمين ~~أرد الى المشركين يفتنونني عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اصبر ~~واحتسب أبا جندل فإن الله عز وجل جاعل لك وللمسلمين فرجا إنا قد عقدنا ~~بيننا وبين القوم صلحا وانا لن نغدر # فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلبث إلا قليلا حتى انفلت أبو ~~جندل من قيوده ومر إلى ناحية البحر على طريق الشام فقعد هناك لأنه قد ms147 علم ~~أنه إن صار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجد بدا من رده عليهم لما ~~جرى بينهم في الصلح من ذلك فأقام هناك أياما فكان كل من سمع به من الشذاذة ~~المنفلتين ممن هم في مجالس المشركين لحق به حتى توافوا نحوا من سبعين رجلا ~~فقطعوا على المشركين عيرهم وأخذوا أموالهم وأضروا حتى بلغ من أمرهم وما ~~تأذى بهم المشركون أن وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن ~~يضمهم إلى نفسه حتى يرتفع عنهم ضررهم ثم أسلم سهيل بن عمرو وقتل شهيدا في ~~خلافه عمر رضي الله عنه # قال أبو عبد الله فأهل سعة الصدر عاشوا مع الله تعالى في دار الحبس ~~والضيق عيش أهل الجنان وإنما نالوا ذلك كله بذلك النور الذي إنشرح به ~~صدورهم فاتسعت لتدبير الله تعالى وان الله تعالى دبر للعباد امور امرن # PageV01P327 # النفوس سلوك طريق ذلك التدبير وعرفوه ووطنوه ثم له تعالى في ذلك التدبير ~~تدبير آخر مختص # فأهل الضيق يتحيرون ويضيقون ومن عاين الصنعين والتدبيرين لم يضق وان لله ~~عز وجل في كل تدبير مشيئة إن شاء أمضاه وإن شاء أخره فالتدبير الذي قد وطنه ~~الناس ان يكون بالولد من ذكر وانثى فاختص الله تعالى لعيسى عليه السلام ~~تدبيرا فحملت به مريم من غير ذكر فتحير فيه علماء ذلك الزمان وأحبارهم وهلك ~~فيه العام والسفهاء وأدرك مريم رضي الله عنه بعض تلك الحيرة فقالت # أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا {قال كذلك الله يخلق ما ~~يشاء} # فأبصرت وأذعنت لحكم ربها تعالى وتقدس فاستوجبت بذلك أن أثنى عليها رب ~~العالمين فقال وصدقت بكلمات ربها وقال وامه صديقة # وكذلك فعل زكريا عليه السلام فيما بشر به من الولد بعد الكبر وكذلك رزق ~~مريم رضي الله عنه {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا ~~مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} # فقد علم الناس أرزاقهم ms148 من مظانها من السوق ومن الكدح ومن # PageV01P328 # الكرم ومن الكيس ومن أيدي الخلق فرزقت على وجه التدبير المختص مما لم ~~تمسه أيدي العالمين فأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم التدبيرين ودخول ~~أحدهما في الآخر وخفاء شأنهما فسأل التوفيق وسأل مع التوفيق أن لا يكون من ~~نفسه إذا وفقه تلكأ وسأله إذا وفقه فلم يوافق شهوة نفسه أن يحسن الظن به ~~فقد يكون الرجل من أهل الغفلة يقول اللهم اختر لي ووفقني فإذا وفقه هرب من ~~مختار الله ودفع عن نفسه ذلك # بلغنا أن موسى عليه السلام قال يا رب أي عبادك أكثر ذنبا قال الذي يتهمني ~~قال ومن يتهمك يا رب قال الذي يستخيرني في الأمور فإذا اخترت له لم يرض ~~بقضائي وخيرتي # وأيضا قصة أخرى في شأن بدر وعدهم الله تعالى إحدى الطائفتين أنها لكم ~~الظفر بالعير أو الظفر بالعدو الذي انتدب من مكة وهم رؤساء الكفر وصناديد ~~قريش # وكان محاب الله تعالى في ذلك أن يظفروا بالعدو فيقتلهم على أيديهم ويقطع ~~دابرهم ومحابهم الظفر بالعير ليتقووا به وينكوا فيهم فقال في تنزيله الكريم ~~وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم الآية # PageV01P329 ### | - الأصل السابع والستون ### | في عقاب من غش العرب # عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~غش العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي # غش العرب أن يصدهم عن سبيل الهدى أو يحملهم على أمور يبعدون بها عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومن فعل ذلك فقد قطع الرحم فيما بينهم وبين الرسول ~~صلى الله عليه وسلم # ومن غشهم أيضا أن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله وأن يضع ما رفعه الله ~~ويغمر فضلهم والأخبار قد أتت بفضلهم # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~الله تعالى قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسما فذلك قوله # PageV01P330 # تعالى وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ms149 فأنا ~~من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين # ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرهم ثلثا فلذلك قوله تعالى فأصحاب ~~الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون ~~السابقون فأنا من السابقين وأنا خير السابقين # ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خير قبيلة وذلك قوله تعالى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم فأنا أتقى ولد آدم ~~وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر # ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا فذلك قوله تعالى {إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذ مرت بنا امرأة من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعض ~~القوم هذه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان إنما مثل محمد ~~صلى الله عليه وسلم في بني هاشم كالريحانة في وسط النتن فسمعت المرأة فدخلت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرته له فخرج ولا أراه إلا مغضبا فصعد ~~المنبر وقال ما بال أقوال تبلغني عن أقوام أن الله تعالى خلق سبع # PageV01P331 # سموات فاختار العليا فسكنها وأسكن سمواته من شاء من خلقه وخلق سبع أرضين ~~فاختار العليا فأسكنها خلقه ثم اختار خلقه فاختار بني آدم ثم اختار بني آدم ~~فاختار العرب ثم اختار العرب فاختار مضر ثم اختار مضر فاختار قريشا ثم ~~اختار قريشا فاختار بني هاشم ثم اختار بني هاشم فاختارني فلم أزل خيارا من ~~خيار ألا فمن أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم # عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني ~~جبرئيل عليه السلام فقال يا محمد إن الله بعثني فطفت شرق الأرض وغربها ~~وسهلها وجبلها فلم أجد حيا خيرا من العرب ثم أمرني فطفت في العرب فلم أجد ~~حيا خيرا من مضر ثم أمرني فطفت في مضر فلم أجد حيا خيرا من كنانة ثم ms150 أمرني ~~فطفت في كنانة فلم أجد حيا خيرا من قريش ثم أمرني فطفت في قريش فلم أجد حيا ~~خيرا من بني هاشم ثم أمرني أن أختار من أنفسهم فلم أجد فيهم نفسا خيرا من ~~نفسك # إنما ذكر النفس لأن الأخلاق هي في النفس حسنها وسيئها فهذا يدل على ما ~~قلنا أنه إنما طاف في هذا الخلق يطلب النفوس الطاهرة الصافية الزاكية ~~بمحاسن الأخلاق فمن أجل ذلك اختارهم فلم ينظر إلى أعمالهم فإنهم كانوا أهل ~~جاهلية إنما نظر إلى أخلاقهم فوجد الخير في هؤلاء وجواهر النفوس متفاوتة ~~بعيدة التفاوت وذلك أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام من قبضة # عن قسامة بن زهير عن الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم ~~على قدر الأرض جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض ومن ذلك السهل والحزن ~~والخبيث والطيب فالتربة الطيبة نفوسها سهلة # PageV01P332 # كريمة وليست فيها كزازة ولا يبوسة ولا شعوثة فهم أحرار كرام ولدتهم ~~أمهاتهم من رق النفوس وشهواتها والآخرون كانت الحزونة في تربتهم فجاءت ~~الكزازة والشعوثة والصعوبة ولدتهم أمهاتهم عبيدا قد ملكهم رق نفوسهم ~~بشهواتها وهو قول عيسى عليه السلام فيما يعظ به بني إسرائيل فقال لا عبيد ~~أتقياء ولا أحرار كرماء # معناه لستم من العبيد الذين يجاهدون أنفسهم ويتقون الله ولا من الأحرار ~~الذين نجوا من رق النفوس فساروا إلى الله تعالى سير الكرام بلا تعريج ولا ~~تردد والبخل والضيق والحدة والعجلة والحقد والحرص وما أشبهه من كزازة النفس ~~والجود والسماحة والسعة واللين والتؤدة والتأني والرفق من سهولة النفس ~~وطيبها فنفوس العرب بارزة أخلاقها لا ينكرها إلا معاند ولا يجحدها إلا مارد ~~إنها أخلاق الكرام فبهذا فضلوا لا باللسان العربي والله تعالى يحب معالي ~~الأخلاق ويبغض مدانيها # ومما يحقق ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم بدر أنه ~~سمع رجلا يقول بعد ما انصرفوا من بدر إنما قتلنا ms151 عجائز صلعا فأنكر ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم مه أولئك الملأ من قريش ~~لو نظرت إلى فعالهم لاحتقرت فعالك عند فعالهم لولا أن تطغى قريش لأخبرتها ~~بما لها عند الله تعالى اللهم إنك أذقت أول قريش نكالا فأذق آخرها نوالا # فالعرب بالأخلاق شرفوا وإلا فالشجرة واحدة وهو خليل الرحمن # PageV01P333 # عليه السلام ومما يدلك على ذلك دعوات إبراهيم عليه السلام حيث رفع ~~القواعد من البيت وأتم بناءه فقال ربنا واجعلنا مسلمين لك ثم قال ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك فإنما سأل من ذرية إسماعيل عليه السلام خاصة ألا يرى ~~أنه قال على أثر ذلك {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم # فالإسلام هو تسليم النفس وبذلها والجود بها ومن جاد بنفسه على الله تعالى ~~فلا أحد أحسن خلقا منه ولا أكرم منه فليس الشأن في الجود بالمال إنما الشأن ~~في الجود بالنفس حتى يسلمه إلى خالقه فجرت هذه الدعوة في ولد إسماعيل عليه ~~السلام خاصة أن صيرهم أمة مسلمة له فوهب لهم أخلاق الكرام حتى تكرمت نفوسهم ~~على الله تعالى بذلا حين جاءهم الرسول عليه السلام ومن قبل مجيء الرسول صلى ~~الله عليه وسلم كانت تلك الأخلاق ظاهرة فيهم فلما جاءهم الرسول عليه السلام ~~وجدهم مهذبين كراما فصاروا صديقين وأبرارا وأتقياء وحكماء وعلماء بالله ~~تعالى باذلين مهجهم وأموالهم لله تعالى والسيوف على عواتقهم والحجر على ~~بطونهم من الجوع وينصرون الله ورسوله # وبنو إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا ~~قاعدون وقيل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} # PageV01P334 # فصار قولهم هنا كقول أبيهم حيث ألقي في النار حسبي من سؤالي علمه بحالي ~~فهل يمكن أن يقول هذا إلا من حسن خلقه فجاد بنفسه على الله تعالى وإنما قال ~~هذا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم أحد بعد ما انهزموا وأصابتهم جراحات ~~وقتل من ms152 قتل منهم وانصرف عسكر المشركين فنزلوا مكانا وتآمروا فيما بينهم أن ~~يجمعوا جمعا فيكروا عليهم ودسوا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هذا الخبر ليفزعوهم فانتدب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه رضوان ~~الله عليهم أجمعين وفيهم من الجراحات غير قليلة يمضون الى جمعهم وفيهم مشاة ~~حتى أن الرجل ليغشى عليه في الطريق من كثرة ما يسيل من الدم من جراحته ~~فيحمله صاحبه يسيرون بمثل هذا الحالة إلى العدو وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل فوجدوا العدو تفرقوا وذهبوا قال الله تعالى {فانقلبوا بنعمة من الله ~~وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله} ولم يقل رضاء الله فان الرضوان ~~أكثر من الرضا وهو غاية الرضاء # فنهاية العرب إلى إسماعيل عليه السلام والشجرة واحدة وهو إبراهيم خليل ~~الله عليه السلام ولسانه عبراني وأنهما غصنان لهذه الشجرة إسماعيل واسحاق ~~عليهما السلام فاسماعيل عربي اللسان وإسحاق عبراني اللسان فاسماعيل أب ~~العرب واسحاق أب العبرانيين وهم بنو إسرائيل نسبوا إلى يعقوب عليه السلام ~~إسرائيل الله تعالى ابن إسحاق بن إبراهيم ولكل واحد من الغصنين حظ من الله ~~تعالى ونصيب وفضيلة وكرامة وموهبة فصارت وراثة في أولادهما إلى الأبد فظهر ~~في ولد إسحاق من تلك الموهبة والكرامة الجهد والعبادة وظهر في ولد # PageV01P335 # إسماعيل حسن الخلق والسماحة والشجاعة والموهبة إنما تكون على قدر الحظ ~~والجاه له عنده على قدر ذلك فنظرنا إلى موهبه كل واحد منهما ومن أي خزانة ~~أعطي لنستدل به على حظيهما منه فوجدنا الجهد والعبادة من خزائن الحكمة ~~والأخلاق من خزائن المنة فنظرنا إلى الحكمة والمنة من أين بدت كل واحدة ~~منهما فوجدنا الحكمة من العدل بدت والعدل من الربوبية والربوبية من الملك ~~والقدرة ووجدنا المنة أنها بدت من العطف والعطف من الفضل والفضل من الجمال ~~فمن الملك بدا الغضب فأسعرت فاستجرت النار واسودت من الغضب فهي سوداء مظلمة ~~مشحونة بغضبه ومن جماله بدت الرحمة وظهر الفضل والعطف حتى اهتزت الجنان ~~وتوردت واستنارت بنوره فهي بيضاء نورانية مشحونة برحمته وروحه ms153 وإنما هي ~~نظرة وجفوة فأهل الثواب سعدوا منه بنظرة واحدة وأهل العقاب شقوا منه بجفوة ~~واحدة ففهمنا بمبلغ ما علمنا من ظاهر ما عليهما وعلى أولادهما من بعدهما ما ~~بطن من حظيهما وموهبتيهما وإنما كثر ولد إسحق وظهروا في وقت موسى عليه ~~السلام حيث أنقذهم من ملكة فرعون وسخرته وجاء بالكتب من الله تعالى وظهرت ~~العبودة لله تعالى إلى وقت عيسى عليه السلام ثم صارت فترة فظهرت منازلهم ~~ودرجاتهم وجواهر نفوسهم بما عاملهم الله تعالى وما عاملوه وكثر ولد إسماعيل ~~وظهر شأنهم بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وظهرت سيرتهم في دينهم وما ~~عاملهم الله تعالى وما عاملوه فتبين لنا بفعليهما شأن نفوسهم ومحلهم من ~~الله تعالى وحظوظهم # عن مكحول رضي الله عنه قال لما كثر بنو معد أغار منهم اربعون فارسا على ~~عسكر بني إسرائيل فيهم موسى وهارون عليهما السلام فملئوا أيديهم من الغنيمة ~~ورجعوا بغنيمتهم لم يستنقذ مما في أيديهم شيء فقالوا لموسى عليه السلام ~~أغار علينا بنو معد وهم قليل فكيف لو كانوا كثيرا وأنتم فينا فكيف لو لم ~~تكونوا فينا فادع الله # PageV01P336 # عليهم وكانت الأنبياء عليهم السلام تفزع إلى الصلاة فصلى فقال اللهم إن ~~بني معد أغاروا على قومي ففعلوا وفعلوا وإن قومي أمروني أن أدعو عليهم فقيل ~~له لا تدع عليهم فانهم عبادي وانهم ينتهون إلى أداء أمري وإني أغفر لهم أول ~~ما يستغفروني قال يا رب اجعلهم من أمتي قال نبيهم منهم قال يا رب فاجعلني ~~منهم قال استقدمت واستأخروا # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث المعراج فلما ~~جاوزت موسى عليه السلام في السماء السادسة بكى موسى وقال يزعم بنو إسرائيل ~~أني أكرم ولد آدم على الله تعالى وهذا عبد أكرم على الله مني ولو كان وحده ~~هان ولكن الله تعالى قضى أن مع كل نبي تبعه من أمته ثم انطلق بي إلى السماء ~~السابعة فإذا إبراهيم عليه السلام ملزق ظهر ه بالبيت المعمور ومعه تبعه من ~~أمته ms154 فقال لي جبرئيل هذه منزلتك ومنزلة أمتك وهذا أبوك إبراهيم عليه السلام ~~فقال تعالى إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ~~معه والله ولي المؤمنين # فألحق هذه الأمة بابراهيم عليه السلام وضمهم في الولاية جميعا ولم يدخل ~~فيه بنو إسرائيل وهم ولد إبراهيم أيضا فبين في هذا الحديث منزلتيهما ~~ودرجتيهما وانما أرى في السماء الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم على درجاتهم ~~وإبراهيم عليه السلام المقدم عليهم ووصف الله تعالى في تنزيله الكريم شأن ~~الأمتين فوجدنا شأن بني إسرائيل يجري على سبيل العدل وأساس الربوبية وشأن ~~في هذه الأمة يجري على سبيل الفضل والألوهية فظهرت في بني إسرائيل السياحة ~~والرهبانية وعليهم في شريعتهم الأغلال والآصاد # PageV01P337 # وظهرت في هذه الأمة السماحة والصديقية والشجاعة والولاية وسيوف الله ~~تعالى في أيديهم يقتلون اباق عبيده ويردونهم لله تعالى للرق والعبودة وفك ~~عنهم الأغلال ووضع عنهم الآصاد فصاروا في حد الأمناء وجعلت شريعتهم أسمح ~~الشرائع وأوسعها فهم في عبودتهم في صورة الخدم وبنو إسرائيل في عبودتهم في ~~صورة عبيد الغلة ألا ترى أنه لما خاطبهم تعالى قال يا بني إسرائيل اذكروا ~~نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياك فارهبون كما يقول ~~الرجل لعبده أوف لي بهذه الغلة عند كل هلال أوف لك بالعتق في سنة كذا # ثم قال لهذه الأمة {يا أيها الذين آمنوا} فدعاهم بالكنية كنية باطنها منة ~~وظاهرها مدحة من عليهم في الباطن بالايمان ثم نسب ذلك إلى فعلهم فقال آمنوا ~~فمدحهم بذلك فبتلك الكنية دعاهم ودعا أولئك فنسبهم إلى أبيهم فقال (يا بني ~~إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين) أي عالمي ~~زمانكم ولكل زمان عالم # وقال لهذه الأمة {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم} ~~الآية ثم قال وجاهدوا في الله حق جهاده ثم قال {هو اجتباكم} أي اختاركم ثم ~~قال وما جعل عليكم في الدين من حرج أي من ضيق {ملة أبيكم إبراهيم} ثم قال ~~{هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} أي ms155 من # PageV01P338 # قبل أن يخلقكم في اللوح المحفوظ سماكم هكذا وتكونوا شهداء على الناس فهم ~~شهداء الله تعالى للأنبياء عليهم السلام على الأمم يوم القيامة ليكون ~~الرسول عليكم شهيدا واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير # فانظر إلى مخاطبة بني إسرائيل في أي صورة هي وانظر إلى مخاطبة هذه الأمة ~~في أي صورة هي يتبين لك أنهم في صورة عبيد الغلة وهذه الأمة في صورة عبيد ~~الخدمة وعبيد الخدمة أولى بالسيد من عبيد الغلة # فساحت بنو إسرائيل بأبدانهم إلى الجبال في مفاوز الدنيا عزلة بالأبدان من ~~الخلق كي يصدقوا الله تعالى في طلب ما عهد لهم ويوفوا بعهد الله عليهم # وساحت أمة محمد صلى الله عليه وسلم بقلوبهم في مفاوز الملكوت إلى خالق ~~العرش عزلة بالقلوب عن همم النفوس كي يصدقوا الله في طلبه والوصول إليه # فإن الله تعالى دعا الخلق إليه فقال {استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم ~~لا مرد له من الله} # وقال تعالى يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذ دعاكم لما يحييكم) # وقال الله تعالى فيما حكى عنه النبي صلى الله عليه وسلم إلي إلي يأهل ~~الموت # PageV01P339 # الموت والفناء لا إلى غيري فإني قد قضيت بالرحمة على نفسي وأوجبت المغفرة ~~لمن استغفرني فأنا العفو أعفو عن صغير الذنوب وكبيرها ولا أبالي # فلما أبطأت النفوس في الإجابة قال {والله يدعو إلى دار السلام} # فأهل الالتفات إلى الثواب والعقاب في الحياء من الفرق إلى القدم بين يديه ~~غدا لأن نفوسهم لم تسمح بالعبودة لربها إلا باسترواح إلى الثواب وهرب من ~~العذاب فهذه عبودة برشوة وعربون وليست عبودة الأنبياء ولا الصديقين ولا ~~الأولياء عليهم السلام فجعل حظوظ بني إسرائيل على قلوبهم في دار الدنيا ~~حقوقه وعهده وفي الآخرة جنانه ثوابا لرعاية حقوقه والوفاء بعهده وحظوظ هذه ~~الأمة على قلوبهم في دار الدنيا جلاله وعظمته وسلطانه ومعرفة آلائه وفضله ~~ورحمته وفي الآخرة قربه ورفع الحجاب فيما بينه وبينهم وقدمهم في الدنيا ~~خروجا وأخرنا وقدمنا في الجنة دخولا وأخرهم # وروي ms156 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الجنة محرمة على الأنبياء ~~حتى أدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتي # فبهذه الأمة فتح العبودة يوم الميثاق وبهذه الأمة يختم العبودة يوم تصرم ~~الدنيا وبهذه الأمة يفتح باب الرحمة فيدخلون داره # ثم ظهرت من معاملة بني إسرائيل ربهم ومن معاملة هذه الأمة ربها ما دلت ~~على نفوسهم وأخلاقهم ومحلهم من المكارم التي أعطيتا والمواهب فكانت مكرمة ~~إسماعيل عليه السلام بيت الله الذي خلقه قبل # PageV01P340 # السموات والأرض فكانت زبدة بيضاء إذ عرشه على الماء مبوء الذكر هناك وخلق ~~ملكين يسبحانه ويقدسانه على الزبدة فأبيضت فهناك مظهره ومعلمه ومبوء ذكره ~~وموضع تقديسه ولا سماء ولا أرض ولا خلق فولاه الله تعالى رفع قواعد بيته مع ~~أبيه دون إسحاق عليهم السلام وجعل حجابته بيد ولده فهم يحجبون ويأتون وانبط ~~زمزم سقيا له ولولده من بعده ولجميع من أم البيت معظما وساق إليه عينا من ~~عيون الجنة ففتح فيه ينبوعا وجعله مهبط رحمته في كل يوم ومنه تنتشر على أهل ~~الدنيا فيختص منها أهلها بمائة رحمة وعشرين لأهل الدنيا # ومكرمة إسحاق عليه السلام الصخرة التي إليها يجمع الخلق ويحاسبهم وهي ~~صخرة من الجنة عليها الأرضون السبعة وهي رأس تلك الصخرة وأما المعاملة فإنه ~~لما جاءت المحنتان من الله تعالى لهما في وقتيهما برز ما في نفوسهم وبرز ما ~~لهم من الحظ في الغيب عنده بالمحنة فإن السيد إذا كان له عبيد فإنما يتبين ~~له حظوظ العبيد منه بمعاملته إياهم ويتبين جواهر نفوسهم بمعاملتهم إياه # وإنما كثر ولد إسحاق عليه السلام في زمن يوسف عليه السلام بمصر بعد ما ~~حاز الله تعالى ليوسف عليه السلام مدائن مصر وأسكنه إياها وجعل بيده ~~خزائنها ودخلها إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام في ستة وسبعين نفسا من ولده ~~وولد ولده ونسلهم فأنمى الله تعالى عددهم وبارك في ذريته حتى خرجوا إلى ~~البحر يوم غرق فرعون وهم ستمائة ألف من المقاتلة سوى الشيوخ والذرية ~~والنساء وجاوز عددهم ألف ألف فقال الله ms157 تعالى فيما يحكى عنهم ولقد جاءكم ~~يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن ~~يبعث الله من بعده رسولا # PageV01P341 # فهذا قولهم بعد أن صيرهم ملوك مصر وأربابهم فغير الله تعالى ما بهم ~~فصاروا سخرة لآل فرعون يخدمونهم خدمة العبيد والإماء ومن عجز عن الخدمة ~~لسنه وضع عليه الغلة فاستودى مساء كل يوم فإن أعطى وإلا غلت يمينه ويقتلون ~~أبناءهم مخافة رؤيا فرعون أنه يولد منهم مولود يكون هلاك ملكه على يديه ~~فبعث الله عز وجل موسى عليه السلام ورحمهم به فقال في تنزيله الكريم ونريد ~~أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة # الآية فجعل فيهم الأنبياء وبث فيهم الكتب وجعلهم أهل عبادة وجهد وميثاق ~~وعهد وأنقذ الله بني إسرائيل من ملكة فرعون وعذابه وسخرته بمبعث موسى عليه ~~السلام وغرق فرعون وجعل لهم في البحر طريقا يبسا فلما جاوزوه قالوا يا موسى ~~إن قلوبنا لا تطمئن ان فرعون غرق حتى أمر الله تعالى البحر فلفظه فنظروا ~~إليه فلما اطمأنوا وصاروا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه ~~وغرقوا في النعمة رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم فقالوا يا موسى إجعل لنا ~~إلها كما لهم آلهة حتى زجرهم موسى عليه السلام وقال {أغير الله أبغيكم إلها ~~وهو فضلكم على العالمين} أي عالمي زمانهم # ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة التي كانت مساكن آبائهم ويتطهروا ~~من أرض فرعون وكانت الأرض المقدسة في أيدي الجبابرة قد غلبوا عليها فقالوا ~~له أتريد أن تجعلنا لحمة للجبارين لو تركتنا في يدي فرعون كان خيرا لنا قال ~~{يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة} الآية قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما ~~داموا # PageV01P342 # فيها فاذهب أنت وربك) الآية حتى دعا عليهم وسماهم فاسقين فبقوا في التيه ~~أربعين سنة عقوبة # ثم رحمهم فمن عليهم بالمن والسلوى وبالغمام يظللهم وبالحجر ينفجر منه ~~اثنتي عشرة عينا إذا ضربه بعصاه فقالوا لو أن موسى انكسر عصاه لمتنا عطشا ~~فأوحى ms158 الله تعالى إلى موسى عليه السلام إذا كان وقت الماء فكلم الحجر ولا ~~تضربه بالعصى حتى ينفجر منه الماء من العيون بكلمتك ثم سار موسى عليه ~~السلام إلى طور سيناء ليجيئهم بالتوراة فاتخذوا العجل فقال لهم السامري هذا ~~إلهكم واله موسى فاطمأنوا إلى قوله ونهاهم هارون عليه السلام فقال {يا قوم ~~إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه ~~عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} # فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك العجل إلا إثني عشر ألفا فيما روي في ~~الخبر وتهافت في عبادته سائرهم وهم أكثر من ألفي ألف فلما رجع موسى ألقى ~~الألواح فرفع من التوراة ستة أجزاء وبقي جزء واحد وهو من مائة حبا للعجل ~~فظهرت على شفاههم صفرة وورمت بطونهم فتابوا فلم تقبل توبتهم دون أن يقتلوا ~~أنفسهم فذلك قوله تعالى {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} # فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم على بعض من لدن طلوع الشمس إلى ارتفاع ~~الضحى لا يسأل والد عن ولد ولا ولد عن والد ولا أخ عن أخيه كل من استقبله ~~ضربه بسيفه وضربه الآخر بمثله حتى عج موسى # PageV01P343 # عليه السلام إلى الله تعالى صارخا يا رباه قد فنيت بنو إسرائيل فرحمهم ~~الله تعالى فقبل توبة من بقي وجعل من قتل في الشهداء # ثم قالوا يا موسى أرنا الله جهرة فجاءت صاعقة فأحرقت من جمعهم أربعين ~~ألفا فيما جاء في الخبر ثم عرض عليه ما في التوراة ليقبلوها فأبو وقالوا لا ~~نطيق هذا فنتق الله عليهم الجبل ونودوا منها خذوا ما آتيناكم بقوة وإلا ~~رميناكم بالجبل فسجدوا على حروف وجوههم ينظرون إلى الجبل ويقولون قبلنا ~~قبلنا ثم قيل لهم قد وصلتم الى بيت المقدس وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ~~أي حط عنا بمنزلة قوله استغفر الله # جاء في الخبر أنهم أمروا أن يدخلوا الباب سجدا على ركبهم فعلم الله تعالى ~~منهم ضيق أخلاقهم وأنهم لن يدخلوها سجدا فلما صاروا الى الباب طوطىء لهم ~~الباب حتى لم يمكنهم أن ms159 يدخلوها قياما فكزت نفوسهم والتوت وانكشف سوء ~~أخلاقهم فاستلقوا على ظهورهم زحفا على الإستاه وهم يقولون حنطة حنطة هطى ~~سمقائا سخرية واستخفافا بما أعطوا قال الله تعالى فبدل الذين ظلموا قولا ~~غير الذي قيل لهم الآية # وكان موسى عليه السلام شديد الحياء ستيرا فقالوا انه آدر فلما اغتسل وضع ~~على الحجر ثوبه فعدى الحجر بثوبه الى مجالس بني اسرائيل وموسى على أثره ~~عريان وهو يقول يا حجر ثوبي فذلك قوله # PageV01P344 # تعالى ولا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا # ثم لما مات هارون قالوا له أنت قتلت هارون وحسدته حتى نزلت الملائكة ~~بسريره وهارون ميت عليه ثم سالوه أن يكون ما نقدم من أموالنا نعلم تقبلها ~~فجعلت نار تجيء من السماء فتقبل قربانهم # ثم سألوه أن يبين لنا كفارات ذنوبنا في الدنيا فكان من أذنب ذنبا أصبح ~~وعلى بابه مكتوب عملت كذا وكفارته قطع عضو من أعضائك يسميه له ومن أصابه ~~بول لم يطهر حتى يقرضه ويزيل جلدته من بدنه # ثم بدلوا التوراة من بعده وافتروا على الله وكتبوا بأيديهم ليشتروا به من ~~الدنيا عرضا ثم صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبيائهم عليهم السلام فهذه ~~معاملتهم مع الله تعالى وسيرتهم في دينهم قد انكشف لنا عن جواهرهم وأخلاقهم ~~وحظوظهم عن ربهم بما أنزل الله علينا من أخبارهم ولمن كان له فهم # وأما ولد إسماعيل عليه السلام فجعل فيهم السخاء هم أولو الأخلاق السنية ~~والمكارم ومنحهم من خزائنه تلك الأخلاق الطاهرة التي عيش أهلها عيش أهل ~~الجنان فإن صاحب الأخلاق قلبه في راحة لأن نفسه طيبة كريمة وصاحب الضيق ~~قلبه معذب لأن نفسه شكسة كزة يابسة فقيرة هذا من قبل أن تأتيهم الهداية ~~فلما جاءتهم الهداية من الله تعالى ورد على قلوب بني إسرائيل نور التوحيد ~~وروحه وتركوا مع مجاهدة نفس كزة يابسة ضيقة وورد على قلوب هذه الأمة نور ~~التوحيد وروحه ونور اليقين وروحه فقلوب بني إسرائيل مؤيدة بالتوحيد معذبة ~~بكزازة النفس وضيقها وقلوب هذه الأمة مؤيدة بالتوحيد مستريحة ms160 بنور # PageV01P345 # اليقين وهو قوله تعالى {قل إن هدى الله هو الهدى} {قل إن الهدى هدى الله ~~أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} وكانوا ~~أحق بها وأهلها {يختص برحمته من يشاء} # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطيت أمة من اليقين مثل ما أعطيت ~~أمتي ومثل من أعطي اليقين ومن حرم ذلك كمثل شجرة لها غصنان والسقيا واحد ~~فلما جرى الماء إلى أحد الغصنين تحول طيبا بإذن الله تعالى وجرى في الغصن ~~الآخر فتحول ثمارا فمن الثمار حلو وحامض ومدخول وعفن ومر فمنه ما ينتفع به ~~ومنه ما ينفى فيرمى به والطيب يطيب به كل شيء من المأكول والمشروب والملبوس ~~والمركوب والمنكوح # فهذه الأمة نفوسها طيبة أيدت بروح اليقين فخرجت الأعمال طيبة فيها ~~الهناءة والمراءة يهنأ بها الحق ويستمرىء بها # فولد إسماعيل عليه السلام لم يزالوا مذكورين بالسماحة والأخلاق السنية ~~يطعمون الطعام ويفكون العاني ويكفلون الأيتام ويرعون الذمام وهم في شركهم ~~ولم يسلط عليهم أحد فيسبيهم ويستخسرهم ولا صاروا ملكا لأحد من الفراعنة حتى ~~أكرمهم الله تعالى ببعث محمد صلى الله عليه وسلم وصاغ محمدا صلى الله عليه ~~وسلم صياغة برز على الأنبياء والرسل فصار # PageV01P346 # سيدا لجميع ولد آدم عليه السلام وأنزل عليه كتابا مهيمنا على الكتب أجمل ~~فيه التوراة والإنجيل واختصر له الكلم وزاده المفصل وفاتحة الكتاب وآية ~~الكرسي وخاتمة سورة البقرة من كنزه الذي ادخره لهذه الأمة ووصفهم في ~~التوراة بمحاسنهم لبني إسرائيل من قبل أن يخلقهم بآلاف من السنين ولعيسى ~~عليه السلام ولقومه في الإنجيل حتى روي في الحديث أن أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم يسمون في التوراة صفوة الرحمن وفي الإنجيل حكماء علماء أبرار ~~أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء # وقال عز وجل في القرآن الكريم {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا} الآية تصديقا لما في التوراة صفوة الرحمن وقال {كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس} وقال عز وجل {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} أي عدلا لتكونا شهداء ms161 على ~~الناس # أي شهداء للرسل بالبلاغ عندما تجحد الأمم تبليغ الرسل عليهم السلام ~~رسالات الله تعالى فتشهد هذه الأمة لنوح عليه السلام فمن دونه رسولا رسولا ~~أنهم أدوا الرسالة فيحكم الله تعالى بشهادتهم على سائر الأمم ويتخلص الرسل ~~عليهم السلام من أمانة الرسالة وذلك بعد ما يعدلهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~فذلك قوله تعالى {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} # فتكون شهادة أمة محمد صلى الله عليه وسلم يومئذ مقبولة على جميع الأمم # PageV01P347 # لجميع الأنبياء عليهم السلام ثم أعطاهم سيفه ليقتلوا به أعداءه ولا يقتل ~~أعداءه إلا أولياؤه ثم قال {والله ولي المؤمنين} # فهم أولياء الله والله تعالى وليهم وهم أهل حميته وأنصاره فدعوا إلى ~~الحرب فوضعوا السيوف على عواتقهم وربطوا الحجر على بطونهم من الجوع والخرق ~~على ظهورهم من العري وقد هجروا أوطانهم ومقرهم وحرم الله تعالى عداوة في ~~الله لأهل الشرك وخرجوا من ديارهم وأموالهم ونابذوا أرحامهم في الله حتى ~~كان الرجل يقتل أباه وأخاه فكان أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ممن قتل ~~أباه فأنزل الله تعالى {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من ~~حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} # ثم أثنى عليهم فقال {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} الآية # وقالوا عندما استشارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الحرب ~~مرنا بما شئت وسر بنا حيث شئت فلو سرت بنا الى برك الغماد لسرنا موضع بعيد ~~ذكروه فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل {فاذهب أنت وربك فقاتلا} ~~الآية # وافتتح خيبر وغنم الغنائم فقسم في المهاجرين ولم يقسم في الأنصار لإنهم ~~في أموالهم والمهاجرون خلفوا أموالهم بمكة وكانوا فقراء # PageV01P348 # فسمحت الأنصار بذلك وكانوا حين قدموا المدينة ناصفوهم الأموال وواسوهم ~~بالكثير حتى كان الرجل يطلق إحدى امرأتيه ليتزوجها أخوه المهاجر # هذا كله لحب الله تعالى وحب طاعته وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنظر أي قلوب هذه ms162 وأي شيء في هذه القلوب من منن الله تعالى من خزائن فضله ~~وانظر أي نفوس هذه شيمها وأنظر أي أخلاق لهذه النفوس اللهم إنا نتقرب إليك ~~بحبهم فإنهم أحبوك ولم يحبوك حتى أحببتهم فبحبك إياهم وصلوا إلى حبك ونحن ~~لم نصل إلى حبهم فيك إلا بحظنا منك فتمم لنا ذلك حتى نلقاك به يا أرحم ~~الراحمين وأثنى الله تعالى على الأنصار رضوان الله عليهم أجمعين ومدح ~~سرائرهم فقال عز وجل {يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما ~~أوتوا} # أي لا يجدون ضيقا ولا بخلا ولا نفاسة فما أوتي المهاجرين من غنيمة خيبر ~~ولم يؤت الأنصار ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة # يخبر أنه كان بالأنصار فقر وحاجة إلى تلك الغنائم فآثروا المهاجرين على ~~أنفسهم ثم أخبر أن هذا من منة الله تعالى على الأنصار أن أمات منهم الحرص ~~وهو الشح فقال عز من قائل ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون # وإنما أمات منهم الحرص بما أعطاهم من اليقين وما يصنع من احتشى قلبه بنور ~~الله تعالى ويرى قربة الله منه بظلمات الدنيا وحطامها ولهوها وسار بهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى فتح مكة وهو وطنهم وأرضهم # PageV01P349 # المقدسة كما سار بها موسى عليه السلام فما تلكأ منهم شاب ولا شيخ حتى فتح ~~الله عليهم من غير أن يمسهم سوء ثم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فابتعث الله تعالى لهذا الدين أئمة صديقين خلفاء الأنبياء عليهم السلام ~~وأوتاد الحق يقومون بالحق وبه يعدلون فتفاوت الأمران والشأنان شأن بني ~~إسرائيل وشأن هذه الأمة # عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال بينما رجلان جالسان إذ قال ~~أحدهما لقد رأيت البارحة كل نبي في الأرض وقال آلاخر هات قال رأيت كل نبي ~~معه أربعة مصابيح مصباح من بين يديه ومصباح من خلفه ومصباح عن يمينه ومصباح ~~عن يساره ومع كل صاحب له مصباح ثم رأيت رجلا قام أضاءت له الأرض وكل شعرة ms163 ~~في رأسه مصباح ومع كل صاحب له أربعة مصابيح مصباح من بين يديه ومصباح من ~~خلفه ومصباح عن يمينه ومصباح عن يساره فقلت من هذا قالوا محمد بن عبد الله # قال كعب رضي الله عنه ما هذا الحديث الذي تحدث به قال رؤيا رأيتها ~~البارحة قال والذي بعث محمدا بالحق انها في كتاب الله كما رأيت # فبرز ولد إسماعيل عليه السلام وهم العرب بما منحهم الله تعالى من أخلاقه # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ان لله مائة وسبعة عشر ~~خلقا من أتى بواحدة منها دخل الجنة # PageV01P350 # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الأخلاق في الخزائن فاذا ~~أراد الله بعبد خيرا منحه خلقا # ألا يرى أن الرجل المفرط في دينه المضيع لحقوقه يموت وقد كان صاحب خلق من ~~هذه الأخلاق فتنطلق ألسنة العامة بالثناء عليه والمؤمنون شهداء الله في ~~الأرض كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # عن أنس رضي الله عنه قال مات رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأثنى عليه خير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت ثم مات آخر فأثني ~~عليه شر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت فقيل له يا رسول الله قلت ~~لذلك وجبت وقلت لهذا وجبت قال إنكم شهداء الله في الأرض ثم تلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا # إذا مات صاحب التخليط انطلق ألسنة المؤمنين بالثناء عليه فيقال كان سخي ~~النفس فيقبل الله شهادتهم عليهم ويدخله الجنة بسخاوته ويموت أحدهم فيقال ~~كان لينا ويقال كان رحيما ويقال كان حسن الخلق ويقال كان حليما ويقال كان ~~رزينا وكان عطوفا أو برا أو متوددا وكان مواتيا منبسطا كان سهلا كريما كان ~~عفوا حمولا كان عفيفا كان شكورا كان شجاعا صارما # فهذه أخلاق الله تعالى أكثرها مما تسمى به والذي لم يتسم به فهو داخل ~~فيما ms164 تسمى به لأن اللين والرزانة من الحلم والرحمة والعفاف من النزاهة ~~والطهارة # فمن منحه الله تعالى واحدة من هذه الأخلاق يعطيه نور ذلك الآسم # PageV01P351 # الذي تسمى به ربنا عز وجل فيشرق نوره على قلبه وفي صدره فيصير لنفسه بذلك ~~الخلق بصيرة فيعتادها ويتخلق بها فحقيق عليه إذا أكرمه بذلك أن يهب لها ~~مساويه ويستره بمغفرته ويدخله الجنة فإنه ما أعطاه ذلك حتى أوجب له ذلك في ~~غيبه # يحقق ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال بينما رجل لم ~~يعمل خيرا قط فرفع غصن شوكة من الطريق وقال لعل مارا يمر به فيؤذيه فغفر ~~الله له وإنما غفر له بالرحمة التي في قلبه وبالعطف الذي عطف على خلقه # وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال بينما رجل حوسب فلم توجد له حسنة ~~فقال الله تعالى اذكر شيئا كنت تفعله في الدنيا قال العبد لا أذكر شيئا إلا ~~أني كنت أسامح الناس وآمر غلماني أن يسامحوهم في اقتضاء مالي منهم فيقول ~~الله تعالى فأنا أحق اليوم أن أسامحك # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يحب كل عبد طلق سهل ~~لين هين وحرمه على النار # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ~~ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء # PageV01P352 # وقال الجنة دار الأسخياء وما جبل الله قط وليا له إلا على السخاء ولجاهل ~~سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل # وقال صلى الله عليه وسلم حسن الخلق ذهب بخير الدارين ويدرك به الرجل درجة ~~الصائم القائم # فهذه أخلاق العرب منحها الله تعالى إياهم وطهرهم بالتوحيد وطيبهم باليقين ~~فعبدوا الله كأنهم يرونه فشرع الله تعالى لهم أوسع الشرائع وأسمحها وستر ~~عليهم ذنوبهم وجعل خروجهم منها بالندم والاستغفار وقال لبني إسرائيل عاقبوا ~~أبدانكم بذنوبكم فاقطعوا منها كذا وتجدونه مكتوبا على أبوابكم وقال لنا ~~توبوا إلى الله أي ارجعوا إلي بقلوبكم فيما بيني وبينكم وقال لهم قولوا حطة ms165 ~~أي حط عنا وقال لنا قولوا اغفر لنا # فجوهر هذا الكلام غير ذلك وإنما صار هذا هكذا لأن كلام كل قوم عند ربهم ~~على ما هم عليه فبنو إسرائيل لم يكن عندهم من اليقين ما عند هذه الأمة فلما ~~أذنبوا قيل لهم قولوا حطة وهذه الأمة بفضل يقينها استحيت من الله تعالى من ~~الذنب الذي يعمله وكأنه رأى نفسه خارجا من ستر الله عريانا فأعطى الكلمة ~~التي تكون دواء لما حل به فقيل له قل إغفر فمن استحيا من ذنبه ورأى نفسه ~~عاريا بين يدي الله تعالى قيل له قل اغفر ومن عجز عن رؤية هذا قيل له قل ~~حطة وصارت صدقاتهم عودا بها على فقرائهم فطابت نفوسهم بما رأوا على فقرائهم ~~من فضلهم وسكنت قلوبهم على الصدقات أنها تصير إلى الله # PageV01P353 # تعالى قال الله تعالى {أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} # وقال عليه السلام إن الصدقة لتقع في يد الله من قبل أن يأخذها السائل # فرزقهم الله تعالى من اليقين ما إذا قبل لهم الشيء سكنت قلوبهم فكان ~~أحدهم يمشي بصدقته إلى السائل لا يكلها إلى غيره ويقبلها من قبل أن يضعها ~~في يده ليقينهم بمن يأخذها منهم # وقيل إن قلوب هذه الأمة تأوي إلى ذكر الله كما تحن الحمامة الى وكرها ~~ولهي أسرع إلى الذكر من ظمأ الإبل يوم وردها الى الماء وأمرت بنو إسرائيل ~~أن يضعوا في أرديتهم خيوطا خضرا كي إذا نظروا إليها ذكروا السماء فاذا ~~ذكروا السماء ذكروا العرش فيذكرون الله تعالى ويوم الوفادة حيث اختار موسى ~~عليه السلام سبعين رجلا لميقات الله تعالى فلما صاروا إلى الجبل أعطاهم ~~الله تعالى ثلاث خصال فيما روي في الخبر فقال أعطيكم الحفظ لتقرؤها عن ~~قلوبكم فقالوا إنا نحب أن نقرأ التوراة نظرا فقال ذلك لأمة أحمد صلى الله ~~عليه وسلم قال وأعطيكم السكينة في قلوبكم فقالوا لا نقدر على حملها فاجعلها ~~لنا في تابوت فكلمنا منها إذا احتجنا قال فذلك لأمة أحمد قال وأعطيكم ms166 أن ~~تصلوا من الأرض حيث أدركتم قالوا لا نحب أن يكون ذلك إلا في كنائسنا قال ~~فذلك لأمة أحمد فكان نوف البكائي إذا حدث بهذا الحديث قال احمدوا ربكم الذي ~~شهد غيبتكم وأخذ # PageV01P354 # بحظكم وجعل وفادة بني إسرائيل لكم فجعل الله السكينة في قلوب المؤمنين ~~وجعل لهم الأرض مسجدا وطهورا وقرن الحفظ بالعقول منهم ليقرءوا عن قلوبهم # وقال صلى الله عليه وسلم أعطيت أمتي ثلاثا لم يعط أحد صفوف الصلاة وتحية ~~أهل الجنة وآمين الا ما أعطي موسى وهارون من قوله آمين وكان من قبلهم ~~يتفرقون في الصلاة وجوه بعضهم إلى بعض وقبلتهم الى الصخرة وإذا لقيهم لقي ~~أحدهم أخاه انحنى له بدل السلام يخضع له وفيه مؤنة يريد بذلك أمانه فأعطينا ~~تحته أهل الجنة أن يقول أحدهم بلسانه فيؤمنه وجعل سيماء عبودتنا يوم ~~القيامة على وجوههم وأطرافهم غرا من السجود محجلين من الوضوء وقد سجدت ~~الأمم من قبلهم فلم يظهر على جباههم ولا على أطرافهم وتلك بشارة أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم في الموقف وبهم يعرفون وهم أهل الله وخاصنته قيل يا ~~رسول الله من أهل الجنة قال أهل القرآن وما زال موسى عليه السلام يقول يا ~~رب إني أجد في الألواح أمة لهم كذا ويعملون كذا فاجعلهم أمتي ويقول الله ~~تعالى هم أمة أحمد حتى قال فيما روي يا ليتني كنت معهم غبطة بهم # وفي الخبر عن ابن عباس رضي الله عنه أن موسى عليه السلام اشتاق إلى ~~رؤيتهم فقال الله تعالى له بطور سيناء أتحب أن أسمعك أصواتهم فقال نعم يا ~~رب فنادى يا أمة أحمد فأجابوه من الأصلاب لبيك اللهم لبيك فقال أعطيتكم قبل ~~أن تسألوني وأجبتكم قبل أن تدعوني ورحمتكم قبل أن تعصوني وغفرت لكم قبل أن ~~تستغفروني من لقيني منكم يشهد ان لا إله إلا أنا وأن محمدا عبدي # PageV01P355 # ورسولي أدخلته جنتي فذلك قوله تعالى وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن ~~رحمة من ربك # يمن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ms167 أي لم تكن يا محمد بجانب الطور إذ ~~نادينا أمتك ولكن كانت مني رحمة عليهم قبل أن أخلقهم فالعرب رأس الأمة ~~وسابقها الى المكارم قال الله تعالى {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم} وقال وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه وقال وإنه لذكر ~~لك ولقومك وسوف تسئلون أي شرف لك ولقومك حيث خاطبتهم بالوحي وسوف تسئلون عن ~~شكر هذا الشرف # والعجم وإن شاركوا العرب في مناقب هذه الأمة لكان السبق للعرب وتلك ~~الأخلاق غير موجودة في العجم إلا في الواحد بعد الواحد تخلقا لا طبعا ~~وبلغنا أن كنانة كان إذا لم يجد من يأكل معه وضع بين يديه حجرا فأكل لقمة ~~وألقى إليه لقمة أنفة أن يأكل وحده وكانت مائدة عبد المطلب موضوعة وكان ~~يرفع منها للطير والسباع في رؤوس الجبال وكان سوط أدبه معلقا حيث يراه ~~السفيه يؤدبهم بذلك # عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني دعوت ~~العرب فقلت اللهم من لقيك منهم مؤمنا موقنا مصدقا بلقائك فاغفر له أيام ~~حياته وهي دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ~~ومن أقرب الناس إلى لوائي يومئذ العرب # PageV01P356 # ومما يحقق ما قلنا قول الله تعالى {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} ~~الآية ثم قال {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} ثم قال {ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء} # فهم الرأس ونحن منهم لا أنهم منا والفضل لهم بما منحهم الله تعالى من ~~الأخلاق لا بمجرد اللسان فمن لم يوجد فيهم بهذه الأخلاق فهو هجين والهجنة ~~ضائرة جدا حتى في الخيل فكيف في الآدميين وبلغنا أن سليمان بن داود عليه ~~السلام أرسل الخيل من صنعاء إلى تدمر فتقدم فرسان من الخيل فقال المسبوق ~~للسابق لولا هجنة في أدركتني من ثماني عشرة جدة ما سبقتني # PageV01P357 ### | - الأصل الثامن والستون ### | في الأمر بالعقد بالأنامل في الذكر # عن حميضة بنت ياسر عن جدتها يسيرة رضوان الله عليهن أخبرتها أن رسول الله ms168 ~~صلى الله عليه وسلم أمرهن أن يراعين الشمس بالتسبيح والتقديس والتهليل وأن ~~يعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات ومستنطقات # وعن حميضة عن جدتها يسيرة رضي الله عنهما قالت دخل علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ونحن نسبح بالسبح فقال ألقين أو دعن عنكن وعليكن بالأنامل ~~فسبحن بها فإنهن مسئولات مستنطقات # مراعاة الشمس مراقبة وقت طلوعها وغروبها وهو قوله تعالى وسبحوه بكرة ~~وأصيلا # والتقديس هو التنزيه وهو التكبير والتهليل هو التوحيد والعقد بالأنامل من ~~أجل أنها تنطق وتشهد لصاحبها # أما المؤمن فتنطق عنه بخير وتصمت عن السوء سترا من الله تعالى # PageV01P358 # عليه وأما الكافر فتنطق عنه بالسوء وتصمت عن محاسنه لأنه لغير الله فهو ~~هباء منثور # قال الله تعالى {شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم} # كنى بالجلود عن الفروج وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا رجعوا باللوم على ~~الفروج لأن الأمر فيه أشد والعار أكثر # ثم بين بقوله أنطقنا الله الآيات أنها تشهد على من لم يعرف الله # فأما المؤمن فهو يعلم أن الله تعالى مطلع عليه فيتوب ويستغفر وإنما يعامل ~~المشرك بمثل هذه الأشياء فإنه لا يعرف الله تعالى معرفة الموحدين بل معرفة ~~المشركين # ومعرفة المشركين معرفة الفطرة فليس لأحد أن ينكره ومعرفة المؤمنين معرفة ~~التوحيد والتنزيه قال الله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ~~وقال عز من قائل قل لمن الأرض ومن فيها الآيات إلى قوله فأنى تسحرون سحرتهم ~~أهواؤهم وانقلبت بهم عن الله تعالى منكوسين لم يمن الله تعالى عليهم بنور ~~التوحيد ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # PageV01P359 ### | - الأصل التاسع والستون ### | في أن حق المؤمن على المؤمن ست خصال # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى ~~على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى يفرغ من أمرها فله قيراطان أحدهما أو ~~أصغرهما مثل أحد # فالقيراط سدس المثقال فيما نرى أنه كان عند القوم في ذلك الزمان وقد تغير ~~بناحيتنا في عصرنا # وجاء عن رسول الله صلى الله ms169 عليه وسلم أنه قال إن للمسلم على المسلم ست ~~خصال يجيبه إذا دعاه ويسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويصلي عليه إذا ~~مات وينصحه إذا استنصحه ويشمته إذا عطس # PageV01P360 # فذكر القيراط يعلمك أنه إذا صلى عليه فقد قضى سدس حقه وأما القيراط الآخر ~~بدفنه أو انتظاره حتى يدفن فذاك من النصيحة له وهي إحدى الخصال الست ومن ~~النصيحة أن يكون في المشهد والمغيب على حالة واحدة # PageV01P361 ### | - الأصل السبعون ### | في فضل الشهيد وكرامته على الله عز وجل # عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال لقيني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا جابر ما لي أراك منكسرا قلت يا رسول الله استشهد أبي وعليه ~~دين وترك عيالا ودينا قال صلى الله عليه وسلم أفلا أبشرك بما لقي الله به ~~أباك قلت بلى يا رسول الله قال ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب وأنه ~~أحيا أباك فكلمه كفاحا فقال تعالى يا عبدي تمن علي أعطيك قال يا رب تحييني ~~فأقتل فيك قال الله تعالى سبق مني أنهم إليها لا يرجعون ونزلت ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون كفاحا أي وجاها ~~وهو كقوله شفاها إلا أن الشفاه للمخلوقين # والكفاح له غير موصوف بالأدوات وفيه ما يدل على أن قوله # PageV01P362 # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أن هذا في الدنيا # أما في الآخرة فلأهل الجنان الحظ من الكلام كفاحا لما بذل نفسه لله تعالى ~~ساعة فاز بهذه الدرجة فكيف بالصديقين الذين بذلوا نفوسهم عمرا وتمنيه أن ~~يحيى لأنه وجد لذة بذله لنفسه حين قتل وإنما بذل نفسا خاطئة قد تدنست ~~بالذنوب فأحب أن يبذلها ثانية طاهرة # PageV01P363 ### | - الأصل الحادي السبعون ### | في بيان المنافاة بين اللعان والصديق # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يكون اللعانون شهداء ولا شفعاء # اللعان متعسف لأن اللعنة مستأصلة فإن أجيب الى ذلك ms170 فقد أهلك وإن لم يجب ~~فقد عمل عمله من الافراط والتعسف فهو جائر والجائر لا شهادة له # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون اللعانون شهداء لما عندهم ~~من الأحنة والعداوة والجور ولا يكونون شفعاء لأن قلوبهم خالية من الرحمة # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يدخل الجنة والذي نفسي ~~بيده أحدكم حتى يرحم العامة كما يرحم أحدكم خويصته # عن عائشة رضي الله عنه قالت سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر ~~رضي الله عنه وهو يلعن بعض رقيقه فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال يا أبا بكر لعانين وصديقين كلا ورب الكعبة فأعتق أبو بكر يومئذ بعض ~~رقيقه وجاء إليه فقال لا أعود إليه يا رسول الله # PageV01P364 ### | - الأصل الثاني والسبعون ### | في الذكر الخفي # عن حنظلة الأسيدي وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقيني ~~أبو بكر رضي الله عنه فقال كيف أنت يا حنظلة قلت نافق حنظلة يا أبا بكر قال ~~سبحان الله ما تقول قلت نافق حنظلة قال مم ذاك قلت نكون عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيذكرنا بالجنة والنار حتى كأنا رأي عين أو كأنا نراهما ~~فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ففزع أبو بكر فقال ~~والله إنا لنلقى مثل هذا فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كيف أنت يا ~~حنظلة قلت نافق حنظلة يا رسول الله قال مم ذاك قلت نكون عندك يا رسول الله ~~فتذكرنا بالجنة والنار حتى كأنا رأي عين حتى اذا خرجنا من عندك عافسنا ~~الأزواج والأولاد والضيعات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي # PageV01P365 # نفسي بيده إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي في الذكر لصافحتكم الملائكة ~~على فرشكم وطرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة # الذكر المذهل للنفوس إنما يدوم ساعة ثم ينقطع ولولا ذاك ms171 لما انتفع بالعيش ~~والناس في الذكر على طبقات فمنهم من يدوم له ذكره في وقت الذكر ثم تعلوه ~~غفلة حتى يقع في التخليط وهو الظالم ومنهم من يدوم له ذكره في وقت الذكر ثم ~~تعلوه معرفته بسعة رحمة الله وحسن معاملته مع عباده فتطيب نفسه بذلك فيصل ~~إلى معاشه وهو المقتصد على سبل الاستقامة # وأما أهل اليقين وهم السابقون المقربون جاوزوا هذه الخطة ولهم درجات ~~فأولها الخشية يمنتع بها من جميع ما كره الله تعالى دق أو جل والخشية من ~~القربة والعلم بالله فإذا علم لزمه خوف العظمة لا خوف العقاب وإذا كان ~~الخوف لازما للقلب غشاه بالمحبة فيكون بالخوف معتصما مما كره وبالخشية ~~وبالمحبة منبسطا في أموره إذ لو ترك مع الخوف لانقبض وعجز عن كثير من أموره ~~ولو ترك مع المحبة لا ستبد وتعدى لكنه لطف له فجعل الخوف بطانته والمحبة ~~ظهارته حتى يستقيم به قلبه ثم يرقيه الى مرتبة أخرى وهي الهيبة والأنس ~~فالهيبة من جلاله والأنس من جماله فاذا نظر الى جلا له هاب وانقبض ولو ترك ~~هكذا لصار عاجزا في جميع أموره كجنة بلا روح وإذا نظر الى جماله امتلأ كل ~~عرق منه فرحا وسرورا ولذة ونعيما لامتلاء قلبه ولو ترك # PageV01P366 # هكذا أداه الى التعدي والافراط لكنه لطف له فجعل الهيبة شعاره والأنس ~~دثاره حتى يستقيم به قلبه فهو عبد ظاهره الأنس بالله تعالى وباطنه الهيبة ~~من الله تعالى ثم يرقيه إلى مرتبة أخرى وهي مرتبة الانفراد بالله قربه ~~القربة العظمى وأدناه ومكن له بين يديه ونقاه وفتح له الطريق إلى وحدانيته ~~فهو ناظر إلى فردانيته فأحياه الله تعالى به واستعمله فبه ينطق وبه يعقل ~~وبه يعلم وبه يعمل وقد جاوز مقام الهيبة والانس الى مقام الأمناء ويصير سيد ~~الأولياء والعارفين وأمان أهل الأرض ومنظر أهل السماء وخاصة الله تعالى ~~وموضع نظره وموضع سره وهو سوط الله في خلقه يؤدب به عباده وبه يحيي القلوب ~~الميتة وبه يرحم أهل الأرض وبه يمطر ويرزق ويدفع عنهم ms172 البلاء مفتاح الهدى ~~وسراج الأرض وهو شفاء الأدواء وإمام الأطباء كلامه قيد القلوب ونظره شفاء ~~النفوس وإقباله قهر الأهواء فهو ربيع يزهر بنوره وخريف يجتنى ثماره وكهف ~~يلجأ إليه ومعدن يؤمل ما لديه وفصل بين الحق والباطل وهو الولي العارف ~~والصديق المقرب والفاروق المجتبى واحد الله في أرضه كما قال إبراهيم عليه ~~السلام اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض # وقد قال النبي عليه السلام يكون في هذه الأمة رجال قلوبهم على قلب ~~إبراهيم عليه السلام # وقوله ساعة وساعة أي ساعة للذكر وساعة للنفس فساعة الذكر تكون الجنة ~~والنار رأي عينه وساعة يقبل على المعاش ومرمته لأن القلب ربما عجز عن ~~احتمال ما يحل به فيحتاج الى مزاج ألا ترى أن ما روى أنس رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما انتهيت الى السدرة إذا ورقها مثل ~~آذان الفيلة وإذا نبقها أمثال القلال فلما غشيها من أمر الله تعالى ما ~~غشيها تحولت ياقوتا وفي رواية حال دونها فراش # PageV01P367 # من ذهب وفي رواية رأيت النور الأعظم ولط دوني الحجاب رفرفنا الدر ~~والياقوت فأوحى إلي ما شاء أن يوحي # لما لم يعم بصره للنور عورض بالزبرجد والياقوت وفراش الذهب حتى يقوى ~~ويستقر كأنه شغل قلبه بهذا المزاج عما رأى حتى لا ينفر ويجد قرارا ويقدر ~~احتماله فكان هذا من تدبير الله تعالى للعبيد وكان أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يطلبون تلك الساعة حتى قال معاذ رضي الله عنه لرجل تعال ~~نؤمن ساعة فذكر ذلك الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم قول معاذ وقال يا ~~رسول الله أو ما نحن بمؤمنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دع عنك قول ~~معاذ فإن الله تعالى يباهي به الملائكة # ولهذه قال عبد الله بن رواحة لأبي الدرداء يا عويمر تعال نؤمن ساعة ~~فللقلب أسرع انقلابا من القدر حين تغلي وإنما الإيمان بمنزلة القميص بينما ~~أنت لبسته إذ أنت نزعته # ولهذا قال صلى الله عليه ms173 وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن # أي أنه إذا فعل ذلك فقد خلع القميص ووضعه ناحية وإذا تاب ورجع إليه ~~بالصدق كساه وألبسه ذلك القميص فكان هذا الإيمان عندهم استقرار ذلك النور ~~وإشراقه في صدورهم حتى تصير الآخرة وأمر الملكوت لهم معاينة فمنهم من هذا ~~النور له دائم فتدوم له معاينة أمور # PageV01P368 # الآخرة وأمر الملكوت وهو مع ذلك يصاحب الأزواج والأولاد ويرم المعاش ~~وعددهم في كل زمان قليل قال الله تعالى والسابقون السابقون أولئك المقربون ~~في جنات النعيم ثلة من الأولين فالثلة الجماعة وهم الأنبياء عليهم السلام # وختمت النبوة برسولنا صلى الله عليه وسلم {وقليل من الآخرين} وهم ~~الأولياء عددهم قليل في كل زمان # وقال عليه السلام في كل قرن من أمتي سابقون وهم البدلاء والصديقون بهم ~~يسقون وبهم يرزقون وبهم يدفع البلاء عن أهل الأرض # PageV01P369 ### | - الأصل الثالث والسبعون ### | في خصال سألها سليمان عليه السلام # عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول لما فرغ سليمان عن بناء بيت المقدس سأل ربه حكما يصادف حكمه ~~وملكا لا ينبغي لأحد من بعده وأن لا يأتي أحد هذا البيت لا يريد إلا الصلاة ~~فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أما اثنتان فقد أعطيهما وأما الثالثة فأرجو أن يكون قد أعطى # قوله حكما يصادف حكمه معناه أن يحكم بين عباد الله بما يصادف حكم الله ~~تعالى لأن أمور العباد في الغيب وإنما أمروا أن يعملوا بالظاهر عندهم ~~بالشاهد أو اليمين وربما كان شاهد زورا أو كان في يمينه كاذبا فليس على ~~الحاكم إلا الحكم بما يظهر عندهم ويكلهم فيما غاب عنهم إلى الله تعالى وأما ~~سؤاله ملكه لا ينبغي لأحد من بعده فإن أحباب الله وخاصته يتنافسون في ~~المنزلة عنده ويغار أحدهم أن يتقدمه # PageV01P370 # غيره من نظرائه قال عليه السلام في حديث المعراج لقيت موسى عليه السلام ~~في السماء السادسة فلما ms174 جاوزته بكى وقال يزعم بنو إسرائيل أني أكرم ولد آدم ~~على الله عز وجل وقد جاوزني # فللأنبياء والأولياء عليهم السلام تنافس في محل القربة وحق لهم ذلك فسخر ~~الله له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب أي ليته مع قوتها وشدتها حتى لا ~~تضر بأحد وتحمله بعسكره وجنوده وموكبه وكان موكبه فيما روي فرسخا في فرسخ ~~مائة درجة بعضها فوق بعض في كل درجة صنف من الناس وهو في أعلى درجة منه مع ~~جواريه وحشمه وخدمه وكانت الريح تحمله بهذا الموكب فتهوي به في الجو مسيرة ~~شهر في غداة واحدة ومسيرة شهر في رواح واحد قال الله تعالى {غدوها شهر ~~ورواحها شهر} # وكانت الريح لا تدع كلمة يتكلم بها إلا ألقتها في إذنه وعلم منطق الطير ~~ومر بوادي فقالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان ~~وجنوده وهم لا يشعرون # فمرت به الريح فألقته في مسامعه وسخر له الجن قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخذت ليلة شيطانا فخنقته حتى وجدت برد لسانه ولهاته على يدي ~~فأردت أن أربطه على سارية في المسجد لتنظروا إليه إذا أصبحت # PageV01P371 # ثم ذكرت دعوة أخي سليمان فتركته وكان لكل نبي دعوة فجعلها سليمان في ذلك ~~وأخرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته # وعن عبد الرحمن بن عقيل رضي الله عنه قال انطلقت في وفد إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأتيناه فقال قائل منا يا رسول الله ألا سألت ربك ملكا ~~كملك سليمان فضحك ثم قال فلعل لصاحبكم عند الله أفضل من ملك سليمان إن الله ~~عز وجل لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة فمنهم من اتخذ بها دينا فأعطيها ومنهم ~~من دعا بها على قومه إذا عصوه فأهلكوا بها وإن الله تعالى أعطاني دعوة ~~اختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة فلكل نبي دعوة مجابة وسليمان ~~عليه السلام ما سأل الدنيا لنفسه وإنما سألها لله تعالى # وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يسأل شيئا من الدنيا ولم يسأل ms175 كلها قال ~~اللهم اجعل أوسع رزقي عند كبر سني # وكان نوح عليه السلام سأل إهلاك الدنيا فقال رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا فغرقت الدنيا كلها بدعوته وإنما سأل إهلاكها لله تعالى لا ~~لنفسه فأجيب الى ذلك # وأما رسولنا صلى الله عليه وسلم فأخرها لتكون تلك الحاجة مقضية له في ~~اليوم # PageV01P372 # الذي يعز فيه العفو ويظهر الجود والكرم من ربنا وما يقضي له هناك فالخلق ~~إليه أحوج منه في هذه الدنيا مما سأل سليمان عليه السلام فإنما سأله مملكة ~~الدنيا وقد كان أبواه داود عليه السلام ممن عرضت عليه الخلافة فقبلها وكان ~~حاكم الله في أرضه # وعرضت على لقمان فأبى فأعطي الحكمة فكان حكيم الله في أرضه قال الله ~~تعالى ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لقمان كان عبدا كثير التفكر حسن ~~النظر كثير الصمت أحب الله فأحبه الله فمن عليه بالحكمة نودي بالخلافة قبل ~~داود عليه السلام فقيل له يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض ~~تحكم بين الناس بالحق قال لقمان عليه السلام إن جبرني ربي قبلت فإني أعلم ~~إن فعل ذلك بي أعانني وعلمني وعصمني وإن خيرني ربي قبلت العافية ولم أسأل ~~البلاء فقالت الملائكة بصوت لا يراهم يا لقمان لم قلت هكذا قال لأن الحاكم ~~بأشد المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان فيخذل أو يعان وإن أصاب ~~فبالحري أن ينجو ولئن أخطأ أخطأ طريق الجنة ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من ~~أن يكون شريفا ضائعا ومن يختار الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا ولا يصير ~~إلى ملك الآخرة فعجبت الملائكة لحسن منطقه فنام نومة فغط بالحكمة غطا ~~فانتبه فتكلم بها ثم نودي داود عليه السلام بعده بالخلافة فقبلها ولم يشترط ~~شرط لقمان فأهوى في الخطيئة فصفح الله عنه وتجاوز # وكان لقمان يوازره بعلمه وحكمته فقال داود عليه السلام # PageV01P373 # طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة وصرفت عنك البلية وأوتي داود الخلافة ~~وابتلي ms176 بالرزية والفتنة فكان داود عليه السلام يحكم بين خلقه قال الله ~~تعالى وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب # وسخرت له الجبال ليسبحن معه بالعشي والإشراق والطير كي يزداد قوة على ~~إسعاد الجبال والطير له بذلك فلا يفتر فترة الآدميين فإن في الإسعاد قوة ~~قال الله تعالى {يا جبال أوبي معه والطير} ثم قال تعالى {وألنا له الحديد} ~~فجعل الحديد في يده كالعجين يعمل الدروع فجعل قوته ومطعمه منها ليكون من ~~كديده # وروي في الخبر أنه كان عليه السلام يرتفع له كل يوم درع فيبيعه بستة آلاف ~~فينفق على بني إسرائيل أربعة آلاف وعلى عياله ألفين فأوتي داود ما أوتي ثم ~~قيل له {اعملوا آل داود شكرا} # وأعطي سليمان منطق الطير والريح وعين القطر أسيلت له ثلاثة أيام فاتخذ ~~منها تماثيل على صور الرجال من النحاس # روي عن إبن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى وتماثيل قال اتخذ سليمان ~~تماثيل من نحاس فقال يا رب انفخ فيها الروح فإنها أقوى على الخدمة فنفخ ~~الله فيها الروح فكانت تخدمه وكان اسبنديار من بقاياهم # فلما انتهت خلافة داود عليه السلام أراد أن يستخلف ابنه سليمان عليه ~~السلام قال له سليمان أبحب الولد تفعل هذا أم # PageV01P374 # بشيء أمرك الله تعالى قال داود عليه السلام بحب الولد فأبى سليمان عليه ~~السلام أن يقبلها حتى أمره الله تعالى بذلك قال تعالى وورث سليمان داود # وجعل الله تعالى السيف في يد محمد صلى الله عليه وسلم والرعب جنده يرعب ~~منه العدو مسيرة شهر وجعل قوته ومطعمه من الغنائم فقيل لداود عليه السلام ~~خذ هذا الحديد فقد ألنتها لك من عطفي عليك لتعمل منه دروعا فيكون منها رزقك ~~وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم خذ هذا الحديد الذي قد حددتها من سلطاني ~~فاضرب بها رقاب أعدائي وصيرت أموالهم نحلة وطعمة خصصتك بها من بين الخلق ~~ولم تكن لأحد قبلك ثم قال حلالا طيبا وفي السيف عز وسلطان وملك ليس في ~~التجارة ذلك فأنت تجاهد أعدائي لي وتملك ms177 ما خولتهم فتأخذ منهم ذلك على سبيل ~~القهر وأنا معك في النصرة # فلمحمد صلى الله عليه وسلم في هذا تكرمة العز والسلطان ولداود عليه ~~السلام تكرمة العطف أن لان له الحديد # قال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى بعثني بالسيف بين يدي الساعة حتى ~~يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة على من خالف ~~أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم # فلما ورث سليمان داود جعل دعوته في ذلك فسأل مملكة الدنيا كلها ليسوي ~~الدنيا وأهلها ويحكم فيهم حكما يصادف حكمه وينفي الظلم عن أهل الأرض وينصف ~~بعضهم من بعض حتى الجن والإنس # PageV01P375 # والطير والوحوش والسباع وبقاع الأرضين والجبال والبحار فكان له حكم في كل ~~ذلك ومملكة وسلطان وأعين بالريح والشياطين والجن فسخر ذلك له وأعطي الفهم ~~لما زيد في المعرفة قال عليه السلام إن المعونة تنزل من السماء على قدر ~~المؤنة # وكان يعول خلقا من خلق الله تعالى ويعطف على عبيد الله تعالى وإمائه شفقة ~~على خلق الله فوهب له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ثم قال {هذا عطاؤنا فامنن ~~أو أمسك بغير حساب} # فكان المهنأة فيه أنه لا تبعة له عليه وجعل نوح عليه السلام دعوته إهلال ~~الكفار لتطهر الأرض من أقذارهم ونجاسة شركهم شفقة على حق الله ليخلص الحق ~~من أنجاسهم ومحمد صلى الله عليه وسلم أخر دعوته الى يوم الثواب والعقاب ~~ليفتح الله تعالى على لسانه خزائن الرحمة على عبيده في يوم بروز الجود ~~والكرم وشدة الفاقة في ذلك المقام المحمود فعمت الملائكة والأنبياء والرسل ~~وجميع الموحدين بالرحمة وسكن الهول واطمأنت القلوب وكان أهل الموقف كلهم ~~محتاجين إلى ما ادخره عليه السلام ليوم القيامة وصاروا عيالا عليه حتى قال ~~عليه السلام إن إبراهيم عليه السلام ليرغب إلي يوم القيامة في تلك الدعوة ~~ويحتاج إلي # وروي عن أنس رضي الله عنه أنه قال عليه السلام لكل نبي دعوته دعا بها في ~~أمته فإني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة # PageV01P376 ### | - الأصل ms178 الرابع والسبعون ### | في نشر السجلات يوم الحشر # عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول سيصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر ~~عليه تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر فيقول الله تعالى عبدي هل تنكر ~~من هذا شيئا فيقول هذه حجتك فيقول لا يا رب فيقول هل لك من حجة فيقول لا يا ~~رب فيقول بلى لا ظلم عليك اليوم فيخرج الله تعالى له بطاقة فيقول هذه حجتك ~~فيقول أي رب وما تغني هذه البطاقة من السجلات فيقول يا عبدي لا ظلم عليك ~~اليوم فيؤتى بالميزان فتوضع السجلات في كفة والبطافة في كفة فطاشت السجلات ~~وثقلت البطاقة وإذا فيها شهادة أن لا إله إلا الله # PageV01P377 # فهذا عبد كثرت سيئاته حتى غمرته فأدركه غوث تلك الكلمة وليست تلك بأول ~~مما قالها ولكنها كانت مقالة طاهرة خرجت من زكاوة قلبه في ساعة من عمره ~~فأنجته فحاطت ذنوبه وهدمتها وطاشت بالسجلات يوم الوزن لوزن تلك الكلمة ~~وإنما ثقلت لعظم نورها لأنها خرجت من نور استنار قلبه بالنطق بها وإذا أراد ~~الله بعبد خيرا من عليه في ساعة من عمره ونبهه فإذا انتبه انفتح قلبه ~~واستنار صدره من تلك الفتحة فإذا انفتح القلب خرج النور إلى الصدر فأشرق ~~فأي كلمة نطق بها في ذلك الوقت فإنما ينطق على شرح الصدر والمعاينة لصورة ~~تلك الكلمة تسمى كلمة الإخلاص وكلمة يقين تثقل في الوزن يوم الوزن وتكون ~~سببا لنجاة صاحبها وهذا لا يكون في شهادة التوحيد إذ لو كان لها لاستوى ~~الناس فيها # قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من قال لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير مخلصا ~~بها روحه مصدقا بها لسانه وقلبه إلا فتقت له السماء فتقا حتى ينظر الرب ~~سبحانه وتعالى إلى قائلها من أهل الدنيا وحق لعبد إذا ms179 نظر الله إليه أن ~~يعطيه سؤله # شرط إخلاص الروح فإن الروح سماوي خلقها الطاعة والنفس أرضية خلقها الشهوة ~~معصية كانت أو طاعة فإذا قال العبد هذه الكلمة في وقت فتحة القلب واستنارته ~~وانشراح الصدر فنمقت النفس وذلت وانخشعت وتخلص الروح من أسرها وتعلقها به ~~فصار روحه كالعازم # PageV01P378 # على هذه الكلمات بحقائقها فصار خالصا لله تعالى وقد باين النفس وهواها ~~وصدق بها لسانه وقبله لأن القلب قد استنار بالكلمات فاستوى اللسان بالقلب ~~والقلب باللسان وقد صدق بالكلمة لسانه وقلبه وأخلص روحه فاستوجب النظر إليه ~~فإذا أراد الله بعبد خيرا رزقه فتحة قلبه وخرجت منه هذه الكلمة في ذلك ~~الوقت فعظم وزنها وقدرها عند ربها قال الله تعالى {الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم} ثم قال {أولئك هم المؤمنون حقا} وصفهم بحقيقة الإيمان # قالت عائشة وأم الدرداء رضي الله عنهما إنما إيمان الرجل في القلب ~~كاحتراق السعفة لا يكاد يلبث طويلا فإذا وجد أحدكم فليدع الله تعالى فإن ~~الدعاء عند ذلك يستجاب # وعن ثابت البناني رضي الله عنه عن رجل قال إني لأعلم متى يستجاب لي قالوا ~~ومن أين تعلم ذلك قال إذا اقشعر جلدي ووجل قلبي وفاضت عيناي فذاك حين ~~يستجاب لي لأن هذه نفوس لا تحتمل ما يرد على القلب فتقشعر منه الجلود أما ~~أهل اليقين الذي استنارت صدورهم بنوره فهذا لهم دائم في الأمور كلها وهم ~~الذين يذكرون الله تعالى على كل حال لا ينقطع ذكرهم لأنهم بنور يقينهم قد ~~صارت قلوبهم بين يديه يعبدونه كانهم يرونه قال عليه السلام أعبد الله كانك ~~تراه ولأن نفوسهم قد إطمأنت إلى رؤية الملكوت وما يرد على القلوب ومرنت على ~~ذلك واعتادت # PageV01P379 # ومثل ذلك في الدنيا مثل جرة لم يصبها الماء فإذا وضعتها في الماء انتشقت ~~وسمعت لها قشيشا فإذا تكرر عليها ذلك لم تسمع لها ذلك لأنها قد تشربت من ~~الماء وارتوت فكذلك قلب العارف قد ارتوى من سقيا الله تعالى # وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ms180 الله عليه وسلم قال لي ~~جبرائيل يا محمد إن الله عز وجل يخاطبني يوم القيامة فيقول يا رب جبرائيل ~~ما لي أرى فلان بن فلان في صفوف أهل النار فأقول يا رب انا لم نجد له حسنة ~~يعود عليه خيرها اليوم قال يقول الله تعالى إني سمعته في دار الدنيا يقول ~~يا حنان يا منان فأته فاسأله ماذا عني بقوله يا حنان يا منان فآتيه فأسأله ~~فيقول وهل من حنان ومنان غير الله فآخذ بيده من صفوف أهل النار فأدخله في ~~صفوف أهل الجنة # PageV01P380 ### | - الأصل الخامس والسبعون ### | في أن غرس الله محفوظ في الدارين # عن أبي عتبة الخولاني رضي الله عنه وكان ممن صلى القبلتين مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال الله يغرس في ~~هذا الدين غرسا يستعملهم بطاعته فغرس الله محروس في الأحوال ومحفوظ في ~~الأصلاب والأرحام ومراعي في قطع الأسفار إليه يكلؤه ويرعاه وهم رجاله في ~~أرضه وأولياؤه والدعاة إليه وغرس الله راسخ عروقه في الأرض باسق فروعه في ~~الملكوت غرسهم الله تعالى وأنبتهم وهو يجني ثمرتهم # وغرسهم أي اجتباهم بمشيئته وأنبتهم أي راض نفوسهم وأدبها وقوم أخلاقها ~~بتدبيره وهو يجني ثمرتها أي لما وصلوا إليه وقبلهم ورتب لهم عنده في تلك ~~الخلوات والمجالس وصاروا في قبضته وهو الذي يستعملهم بطاعته وهو قوله عليه ~~السلام فيما يحكي عن الله تعالى أنه # PageV01P381 # قال إذا أحببت عبدي كنت سمعه وبصره ويده ورجله فبي يسمع وبي يبصر وبي ~~ببطش وبي ينطق # ومن علامة أولئك أنه يخرجهم من بطون أمهاتهم أحرارا من رق النفوس قد طبع ~~نفوسهم على أخلاق الكرام من السخاوة والشجاعة والسماحة والحلم والتأني ~~والنزاهة والصيانة فهذا حر من رق النفس ومن كان ضد هذه الأشياء مثل البخل ~~والضيق والمكر والعجلة وحدة الشهوة والحرص والجبن فهو عبد نفسه فإن رزق ~~تقوى احتاج إلى أن يجاهد نفسه حتى لا يستعجل أركانه بما يصير به عاصيا فهو ~~وإن جاهد فهذه الأخلاق باطنه ms181 وهو قول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل فلا ~~عبيد أتقياء ولا أحرار كرماء فالعبيد الأتقياء هؤلاء الذين فيهم هذه ~~الأخلاق فهم أتقياء يتقون الله أن يعصوه بجارحة وتتردد فيهم هذه الأخلاق ~~فإن عملوا بطاعة عملوها بكزازة نفس وجهد والأحرار الكرماء قد عوفوا من هذه ~~الأخلاق طبعا فإن انتهوا عما نهى الله تعالى عنه لم يحتاجوا إلى أن يحاربوا ~~ويجاهدوا نفوسهم وإن عملوا بطاعة عملوها تكرما وسماحة فقلبه لين منقاد ليس ~~فيه كزازة حيث ما قاده مولاه في أموره انقاد من غير تلجلج # قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقولوا للعنب كرم إنما الكرم قلب الؤمن ~~وإنما سمي العنب كرما لأنه لين ينقاد حيث ما استقيد # PageV01P382 # فكذلك المؤمن قلبه لين رطب بذكر الله سبحانه وتعالى ينقاد لله تعالى في ~~أموره وأحكامه # PageV01P383 ### | - الأصل السادس والسبعون ### | في منع الشيطان من المشاركة في كل شيء # عن نبيشة الخير وأنس بن مالك رضي الله عنه قالا قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أكل من قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة وصلت عليه # المؤمن إذا سمى الله تعالى على كل أمر منع الشيطان من مشاركته في طعامه ~~وشرابه ولباسه وجميع أموره وإذا ترك التسمية وجد فرصة فشاركه في ذلك حتى في ~~إتيانه أهله # وعن مجاهد رضي الله عنه قال إذا جامع الرجل أهله ولم يسم انطوى الجان على ~~إحليله فجامع معه فذلك قوله تعالى لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان # PageV01P384 # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ~~فقال إن الله عز وجل أمرني أن أعلمكم ما علمني وأن أؤدبكم إذا اقمتم على ~~أبواب حجركم فسلموا يرجع الخبيث عن منازلكم وإذا وضع بين يدي أحدكم طعام ~~فليسم كيلا يشارككم الخبيث في أرزاقكم ومن اغتسل بالليل فليحاذر على عورته ~~فإن لم يفعل فأصابه لمم فلا يلومن إلا نفسه وإذا رفعتم المائدة فاكنسوا ما ~~تحتها فإن الشياطين يلتقطون ما تحتها فلا تجعلوا لهم نصيبا في طعامكم # وعن ابن ms182 مسعود رضي الله عنه قال إذا وضعت يدك في الطعام فنسيت أن تقول ~~بسم الله فقل حين تذكر بسم الله في أوله وآخره فإنما يمتنع المؤمن من هذا ~~العدو باسم الله تعالى فإذا سمى على طعامه فالشيطان منه بمزجر الكلب وإذا ~~فرغ من الطعام ولم يلحس القصعة جاء الشيطان فلحسها لينال ما بقي هناك فإذا ~~لحسها فقد خلصها من الشيطان ولحسه فاستغفرت له وصلت عليه شكرا له # PageV01P385 ### | - الأصل السابع والسبعون ### | في حقيقة الرؤيا وان الشيطان لا يتمثل بالنبي صلى الله عليه وسلم # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآني ~~في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي فكان الرجل إذا قص ~~عليه الرؤيا يقول له كيف رأيته فإن جاء بالرؤيا على وجهها وإلا قال لم تره # قوله من رآني في المنام أي على نعتي الذي أنا عليه واعلم أن الرؤيا على ~~ثلاث منازل منها ما يريه الملك الموكل على الرؤيا فذاك حق ومنها ما يمثل له ~~الشيطان ومنها ما يحدث به المرء نفسه # PageV01P386 # قال صلى الله عليه وسلم في رواية أبي هريرة رضي الله عنه الرؤيا ثلاثة ~~فرؤيا حق ورؤيا يحدث به المرء نفسه ورؤيا تحزين من الشيطان فمن رأى ما يكره ~~فليقم فليصل # وفي رواية أبي قتادة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول الرؤيا على ثلاث منازل فمنها ما يحدث به المرء نفسه ليست بشيء ومنها ~~ما يكون من الشيطان فإذا رأى أحدكم ما يكره فليبصق عن يساره وليستعذ بالله ~~من الشيطان فلن يضره بعد ذلك ومنها بشرى من الله تعالى رؤيا الرجل الصالح ~~جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة فإذا رأى أحدكم رؤيا فليعرضها على ذي ~~رأي ناصح فليقل خيرا أو ليتأول خيرا فقال عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه ~~والله يا رسول الله لو كانت حصاة من عدد الحصى لكان كثيرا # وفي رواية لقيط بن عامر رضي ms183 الله عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم الرؤيا ~~على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت # فالرؤيا أصله حق جاء من عند الحق يخبر عن أنباء الغيب وهو من الله تعالى ~~تأييد لعبده بشرى ونذارة ومعاتبة ليكون له فيما ندب له ودعي إليه عونا وقد ~~وكل بالرؤيا ملك يضرب من الحكمة الأمثال وقد اطلع على قصص ولد آدم من اللوح ~~فهو ينسخ منها ويضرب لكل على قصة # PageV01P387 # مثله فإذا نام وخرجت نفسه تمثل له تلك الأشياء على طريق الحكمة لتكون له ~~بشرى أو نذارة أو معاتبة ليكونوا على بصيرة من أمورهم # فأما البشرى فمثل ما يروى أن صهيبا جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال ~~إني رأيت كأن يدك مغلولة إلى عنقك إلى سرير الى الحشر فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه الله أكبر جمع لي ديني إلى يوم الحشر # وأما النذارة فما يروى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه رجع من اليمن بعد ~~وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم معه برقيق قد أصابه هناك فقال له ~~عمر إذهب بها إلى أبي بكر حتى تطيب لك فأبى وقال إنما بعثني رسول الله ~~ليجبرني فيما أصابني من الدين وطيب لي الهدية فلما رجع إلى أهله وبات رأى ~~تلك الليلة كأنه قد وقع في ماء غمره فأتاه عمر فأخذ بيده حتى أخرجه منها ~~فلما أصبح غدا بالسبي إلى أبي بكر رضي الله عنه فقص عليه قصته فقال أبو بكر ~~قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعثك ليجبرك هم لك حل # وما روي في فتح نهاوند حيث حمل إلى عمر السفطين فيهما حلي وقد كان ~~للنجيرجان كنز فدله ذلك الرجل على الكنز على أن له الأمان ولأهل بيته فجمع ~~ذلك فحمله السائب بن الأقرع إلى عمر رضي الله عنه مع أصحابه مجمع أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فختمه ووضعه في خزائنه فرأى تلك الليلة كأن ~~ملائكة جاءت بسفطين فأوقدوا ما ms184 فيهما جمرا يتوقد فجعلت أنثني عنهما وأنكص ~~واقدم إليهما فكاد ابن الخطاب يحترق فأتبعه بريدا إلى الكوفة حتى جاء فقال ~~ما لي ولك يا سائب إني رأيت كذا فاذهب بهما إلى الكوفة وبعهما بأعطيات ~~المقاتلة والذرية # وأما المعاتبة فما روى سليمان بن يسار قال استيقظ أبو أسيد الأنصاري رضي ~~الله عنه وهو يقول إنا لله وإنا إليه راجعون فاتني وردي الليلة وكان وردي ~~البقرة فقد رأيت في المنام كان بقرة تنطحني # PageV01P388 # وأما الخبر الذي يلقي إليه من أمر الدنيا والآخرة مثل ما روى ابن عمر رضي ~~الله عنهما قال جاء رجل إلى عمر وهو عند أبي بكر رضي الله عنهما فقال إني ~~رأيت رؤيا فقال عمر رضي الله عنه لا حاجة لنا برؤياك فقال أبو بكر هات قال ~~رأيت كأن الناس قد حشروا فكأنك قرعت الناس بثلاث بسطات قلت بأي شيء قرع عمر ~~الناس بثلاث بسطات قال بأنه يكون خليفة وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم ~~وأنه يقتل شهيدا فقال عمر رضي الله عنه أضغاث أحلام لا حاجة لنا برؤياك قال ~~أبو بكر رضي الله عنه رأيت خيرا وخيرا يكون فلما أتى عمر رضي الله عنه ~~الشام وبصر بالرجل قال علي بالرجل وقال أنت صاحب الرؤيا قال وما تصنع ~~برؤياي وما تنتهرني حتى أني قد جئت بأمر قال قصها قال رأيت كأن الناس ~~يحشرون فرأيتك قرعت الناس بثلاث بسطات فقلت بأي شيء قرع عمر الناس بثلاث ~~بسطات قال بأنه يكون خليفة قال فقد كانت نسأل الله خيرها ونعوذ بالله من ~~شرها قال وبأنه لا تأخذه في الله لومة لائم قال إني أرجو من الله أن يكون ~~كذلك أو أن يعلم الله ذلك مني قال وبأن تقتل شهيدا قال عمر رضي الله عنه ~~أما الشهادة فأني الشهادة ثم قال بلى يأتي الله بكافر فينقرني نقر الديك ~~فيكرمني الله بهوانه ويهينه بكرامتي # وكأن شأن الرؤيا عظيما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه روي عن ~~سفينة قال كان رسول الله ms185 صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح أقبل على أصحابه ~~قال أيكم رأى الليلة رؤيا فقال ذات يوم ذلك فقال رجل أنا يا رسول الله رأيت ~~كأن ميزانا دلي من السماء فوضعت في كفة الميزان ووضع أبو بكر في كفة فرجحت ~~بأبي بكر ثم رفعت وترك أبو بكر ثم جيء بعمر فوضع في الكفة الأخرى فرجح أبو ~~بكر بعمر ثم رفع أبو بكر وترك عمر حتى جيء بعثمان فوضع في الكفة الأخرى ~~فرجح عمر # PageV01P389 # بعثمان ثم رفع الميزان فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال ~~خلافة نبوة ثلاثين عاما ثم يكون ملك قال سفينة أمسك سنتين أبو بكر وعشرا ~~عمر وثنتي عشرة عثمان وستا علي رضوان الله عليهم أجمعين # الرؤيا من أخبار الملكوت من الغيب وهو جزء من أجزاء النبوة وقد قال عليه ~~السلام يوم وفاته انه لم يبق بعدي من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة ~~وقال الله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة # قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قوله تعالى {لهم البشرى في الحياة الدنيا} قال هي الرؤيا الصالحة يراها ~~الرجل المسلم أو ترى له # وعن عبادة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا ~~المؤمن كلام يكلم به العبد ربه في المنام # وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من وراء حجاب قال في منامه # وعلم الله تعالى يوسف عليه السلام تأويل الرؤيا وسماه حديثا فقال تعالى ~~ولنعلمه من تأويل الأحاديث # PageV01P390 # والمحدث على ثلاثة أنواع محدث بالوحي وهو الذي يخفق على القلب بالروح ~~ومحدث في المنام أمره على الأرواح إذا خرجت الأرواح من الأجساد كلموا ومحدث ~~في اليقظة على القلب بالسكينة فيعقلوه ويعلموه # أما المحدث في المنام مثل ما روي عن رقية بن مصقلة قال رأيت رب العزة جل ~~جلاله في المنام فقال وعزتي وجلالي لأكرمن مثوى سليمان التيمي وما ms186 روي عن ~~إبراهيم بن أدهم رحمه الله أنه قال ذات يوم اللهم فإنه قد وقع الشوق إليك ~~في قلبي والنظر إليك وقد علمت أنك لا ترى في الدنيا فهب لي من عندك ما يسكن ~~إليه قلبي فغفى في مجلسه ذلك ثم أفاق فقال سبحان الله فقيل له لم سبحت قال ~~من لطف ربي إني بينما أنا غاف إذا أتاني آت من ربي فقال يا رجل أجب ربك ~~فأتيت ربي فكاد يذهب بصري لنور ربي فناداني ربي فقال يا إبراهيم تسألني ~~بدلا من النظر إلي والشوق إلى لقائي فهل لذاك من بدل فقلت يا رب دهشت في ~~حبك وكان قلبي إليك فلم أتمالك أن قلت ما قلت فكيف تأمرني أن أقول فقال يا ~~إبراهيم من وجدت قلبه خاليا من الدنيا والآخرة ملأته حبي حتى إذا ملأته ~~قبضت عنه فكان في قبضي فإذا كان في قبضي كنت سمعه الذي به يسمع وبصره الذي ~~به يبصر ويده الذي بها يبطش وعزتي وجلالي لو سألني جميع الدنيا كلها في كفه ~~لفعلت وكيف يتفرغ الى المسألة من سهلت له السبيل إلى نفسي وأريته كرامتي ~~فإن كنت لا بد سائلا فاسألني أن أجمعك إلي وأونسك بكلامي وآذن لأرواح ~~انبيائي في الالتقاء معك فإن ذلك يهون علي لأوليائي # وهذا لأن العامة في تخطيط من الشهوات وميل النفوس فلم يكلموا الا بعد ~~مزايلة الأرواح من النفوس والشهوات ولما صفت عقول المحدثين وطهرت قلوبهم ~~وتنزهت من الآفات والشهوات والعلائق كلموا على # PageV01P391 # القلوب فإذا كان الكلام على الأرواح في المنام جزءا من ستة وأربعين جزءا ~~من النبوة كان الكلام على القلوب في اليقظة أكثر من ثلث النبوة على قدر ~~قربها من ربها في تلك المجالس # وعن أبي سلمة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا ~~أنا نائم إذا اتيت بقدح لبن فشربت منه حتى أني لأرى الري جرى من أطرافي ثم ~~اعطيت فضلي عمر بن الخطاب فقال من حوله ماذا أولته يا رسول الله قال ms187 العلم ~~قال ورأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ ~~الركب ومر عمر وعليه قميص يجره قالوا فما أولته يا رسول الله قال الدين # PageV01P392 ### | - الأصل الثامن والسبعون ### | في أن المعدة إذا كانت صحيحة ترجى معها النجاة # عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان عبد من عباد الله آتاه الله مالا وولدا فكان لا يدين لله دينا فلبث حتى ~~إذا ما ذهب عمر وبقي عمر ذكر فعلم أنه لم يبتئر عند الله خيرا دعا بنيه ~~فقال أي بني تعلموني قالوا خيرا يا أبانا قال فإني والله لا أدع عند رجل ~~منكم مالا هو مني إلا أنا آخذ منه أو لتفعلن بي ما آمركم فأخذ منهم ميثاقا ~~وربي قال اما اني فإذا مت فخذوني فألقوني في النار حتى إذا كنت حمما فدقوني ~~ثم اذروني في الريح لعلي أضل الله ففعلوا به ورب محمد حين مات فجيء به أحسن ~~ما كان قط فعرض على ربه فقال ما حملك على النار قال خشيتك يا رباه قال إني ~~أسمعك راهبا فتيب عليه # PageV01P393 # وفي رواية أبي سعيد رضي الله عنه دخل رجل الجنة ما عمل خيرا قط فذكر ~~الحديث # وفي رواية أبي بكر رضي الله عنه فيقول الله عز وجل انظر إلى ملك أعظم ملك ~~في الدنيا فإن لك مثله وعشرة أمثاله فيقول لم تسخر بي وأنت الملك قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذاك الذي أضحكني # قوله لا يدين الله دينا أي لم يكن يسير في شريعته سير المطيعين فأما قبول ~~الشريعة فلم يكن يخلو منه إذ لو جحد الدين لكفر وهو مثل قوله في الحديث ~~الآخر لم يعمل خيرا لله قط قوله أسمعك راهبا أي رهبت مني وهو كقوله هربت ~~مني والهرب بالنفس والرهب بالقلب فهذا عبد كانت المعرفة استقرت في قلبه ~~بالتوحيد لله تعالى وبالمبعث بعد الموت والثواب والعقاب والغالب عليه الجهل ~~بالله وبأمره فأهمل الحدود وعطل ms188 العمر فلما حضره الموت هاج منه خوف التوحيد ~~فأعمل في قلبه فطلبته نفسه الجاهلة بالله ملجأ وخلاصا من الله فدلته نفسه ~~على ما أوصى به أهله من الإحراق والسحق والتذرية فذهل عقله من المخافة ~~وانقطعت حيله فهذا بذلك فألجأه الله تعالى بالمعرفة من غير التفات الى ~~العبودة قال الله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون فلم يعمل خيرا قط فأدركته دولة السعادة فأصاب حظا من ~~الخشية والخشية إنما تنال عند كشف الغطاء وانشراح الصدر بالنور وكان قد # PageV01P394 # سبق له من الله تعالى أثره وحظ وهو يقطع عمره في رفض العبودة ويضيعها ~~فلما حضر أوان شخوصه إلى الله تعالى جاءت الأثرة والسعادة بذلك الحظ الذي ~~كان سبق له فاسنتار الصدر بالنور وانكشف الغطاء حتى صار بحال لا يعقل ما ~~يقول من الرهب من الله تعالى فقدم عليه معها فغفر له بخشيته # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال بينما عبد لم يعمل لله ~~خيرا قط ففرق فخرج هاربا فجعل ينادي يا أرض اشفعي لي ويا سماء اشفعي لي ويا ~~كذا اشفعي لي حتى أصابه العطش فوقع فلما أفاق قيل له قم فقد شفع لك من قبل ~~فرقك من الله تعالى # وعن العباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اقشعر ~~جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما تحات عن الشجرة البالية ورقها # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال قال الله تعالى وعزتي لا ~~أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين فمن خافني في الدنيا أمنته في ~~الآخرة # PageV01P395 ### | - الأصل التاسع والسبعون ### | في أن في الخل منافع الدين والدنيا # عن عائشة رضي الله عنه قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أقفر ~~بيت فيه خل أقفر أي خلا والخل من الأدم التي تعم منافعها # وقيل في تفسير قوله تعالى {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} أنه الخل وفيه ~~منافع الدين والدنيا ms189 فلذلك قال ما أقفر بيت فيه خل أي ما خلا من أمر الدين ~~والدينا وذلك بأنه بارد يطفىء حرارة الشهوة ويقطعها # وعن عمرة بنت عبد الرحمن قالت كان عامة أدم أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعده الخل ليقطع عنهن ذكر الرجال # وخلق ابن آدم مجبولا على الشهوات الرجال منهم والنساء وكلما # PageV01P396 # وجدوا عونا لهم على طفء ذلك منهم كان عونا لهم وكل شيء هو عون للدين ~~فالبركة حالة به وإذا بورك في الشيء سعد به أهله # قال عليه السلام فيما رواه أنس رضي الله عنه نعم الادام الخل # PageV01P397 ### | - الأصل الثمانون ### | في دفع المنكرات بالدعاء # عن زياد بن علاقة عن عمه رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول اللهم جنبني منكرات الأعمال والأخلاق والأهواء والأدواء # ابن آدم لا ينفك فيما عده عليه السلام في متقلبه ليلا ونهارا فالكبائر ~~منكرات الأعمال وسوء الخلق من منكرات الأخلاق وهو الحقد والحسد والبخل ~~والشح وما أشبهه والزيغ منكرات الأهواء والسل وذات الجنب والجذام وما أشبهه ~~منكرات الأدواء وهذه كلها بوائق الدهر وكان صلى الله عليه وسلم يقول أعوذ ~~بك من بوائق الدهر وفجأة النقم # فأما منكرات الأعمال والأخلاق والأهواء فمنها ما يعظم الخطب فيه # PageV01P398 # حتى يصير منكرا غير متعارف فيما بينهم فذاك الذي يشار إليه بالأصابع # روي أن عبد الله بن عائد الثمالي رضي الله عنه حين حضرته الوفاة قال له ~~غضيف بن الحارث إن استطعت أن تلقانا فتخبرنا ما لقيت فتوفي فرؤي في المنام ~~فقال وجدنا ربنا خير رب يقبل الحسنات ويغفر السيئات إلا ما كان من الأحراض ~~قيل وما الأحراض قال الذي يشار إليه بالأصابع في الشر # وروى الحسن رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بحسب إمرىء ~~من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من عصمه الله تعالى إنما ~~يشار إليه في دين لأنه أحدث بدعة ومنكرا وفي دنيا أحدث منكرا من الكبائر ~~فأشير إليه # وقوله عليه السلام ms190 بحسبه من الشر لأنه قد هتك الله ستره والمهتوك ستره ~~يكون في دنياه في عار وغدا في النار ومن ستر الله عليه في الدنيا رجا له ~~العفو في الآخرة # قال عليه السلام إذا ستر الله على عبد في الدنيا لم يفضحه غدا # وقال علي رضي الله عنه أقسم على ذلك من غير أن أستثني لا يستر الله على ~~عبد فيفضحه غدا # PageV01P399 ### | - الأصل الحادي والثمانون ### | في أن النفس تألف بمن يبرها وبيان سره # عن جابر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ~~دعي احدكم إلى طعام فليجب فان شاء طعم وإن شاء ترك # المقصود من الدعوة ابتغاء الألفة والمودة وفي النفس هناة وفي الصدر سخائم ~~والنفوس جبلت على حب من أكرمها وقد حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الاجابة ليصل ذلك البر الذي بر به أخوه حتى تتأكد الألفة وتصفو المودة ~~وتنفي حزازات الصدر فإن صاحب الغل والحقد لا يسلم له دينه من سوء ما يضمر ~~لأخيه فالإطعام بر للنفس يطفي حرارة الحقد وينفي مكامن الغل وقد كانت للقوم ~~أحقاد الجاهلية فألف الله تعالى بين قلوبهم بالإيمان فحثهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على إجابة الدعوة لألفة النفوس ولذذلك قال عليه السلام من ~~لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله لأنهم كانوا يتخذون الطعام يدعون عليها ~~لنفي السخيمة # PageV01P400 # فمن امتنع عليه ليثبت على الغل والحقد فقد عصى الله ورسوله وامتنع من حق ~~عظيم والألفة من ثلاثة وجوه إذا حصل تأكد واستتم فالقلب يألف بالإيمان الذي ~~في قلب صاحبه والروح تألف بطاعته والنفس من شأنها الشهوة واللذة وليست ~~همتها الإيمان والطاعة فتألف ببرها فإذا برها صفت وصارت طوعا وإلا فهو ~~كالمكره فإنما دعاه أخوه إلى قبول بره فندبه صلى الله عليه وسلم إلى أن ~~يقبل ذلك من أخيه كيلا يضيع كرامته ولا يجد الشيطان سبيلا إلى وسوسته بالشر ~~ثم له الخيار إن شاء طعم وإن شاء ترك وترك الإجابة مما يدل على الجفاء ms191 ~~والبعد والاستهانة به فهناك يجد العدو سبيلا إلا أن يعتذر إليه المدعو ~~فيقبل الداعي عذره وإن أحس بالشر في الدعوة فله في التخلف عنها عذر مثل إن ~~كان ذلك الطعام لمباهاة أو رياء فله عذر في ترك الإجابة وقد نهى عليه ~~السلام عن طعام المتباهين أن يؤكل أو يكون في تلك الدعوة أمور منهي عنها من ~~اللهو واللعب المحظور عليهم فهذا عذر لما روى الحكم بن عمير وكان بدريا قال ~~أرسل رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى طعام وكان ~~عليه السلام يحفر الخندق فجاء وأصحابه فقال ادخل يا نبي الله البيت فدخل ~~فرأى البيت منجدا مسترا فخرج فقال يا رسول الله ما أخرجك فقال أطعمنا ~~بالفناء فأطعمهم حتى إذا شبع القوم فلما تفرقوا قال يا رسول الله لو كنت ~~دخلت فإن البيت كان أبرد وأطيب قال إنك نجدت البيت وسترته وهذا لا يحل ~~شبهته بيت الله الله ولو شئب بسطت فيه وطرحت فيه وسائد # PageV01P401 ### | - الأصل الثاني والثمانون ### | في أصل الأدوية وسر الحكمة في التداوي # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله # وعن أسامة بن شريك رضي الله عنه يقول شهدت الأعراب يسألون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هل علينا جناح في كذا هل علينا جناح أن نتداوى فقال تداووا ~~عباد الله فإن الله تعالى لم ينزل داء إلا وضع له شفاء إلا الهرم # PageV01P402 # فالطبائع تتغير بحدوث الأزمنة من الحر والبرد وفساد الهواء فيصير داء في ~~الأجساد وتحدث في الجسد الأحداث من الطعم وما يتعاطاه ابن آدم من قضاء ~~الشهوات واللذات والنصب والسهر والتعب والهموم وما يجتمع في الجسد من الدم ~~والمرة والبلغم وكل ذلك يحدث منه ما يتغير حاله فيحتاج إلى دواء يسكن منه ~~ما هاج فهذا تدبير الجسد فإذا ترك تدبيره ضيعه كما لو ترك تدبير المعاش ms192 ضاع ~~فالتداوي حق وهو فعل الأنبياء عليهم السلام وقدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة وهم يلقحون النخل فقال ما أرى يغني هذا شيئا فذهبت عامة ~~ثمارهم وصارت دفلا فعرف أن التدبير من الله تعالى في ذلك غير ما رأى فأمرهم ~~أن يعودوا إلى ما كانوا عليه فكذا وضعت علل الأجساد أن تعالج حتى ترد إلى ~~الهيئة التي كانت عليها ولولا ذلك لكانت الأدوية مهملة ولم يخلقها الله ~~تعالى عبثا وكان سليمان عليه السلام تنبت في محرابه كل يوم شجرة ثم تناديه ~~الشجرة أنا دواء لكذا فتقطع وتوضع في ديوان الطب فعامة الطب إنما ورثوه من ~~تلك الكتب # فالناس في التداوي على ثلاث طبقات # فالطبقة الأولى هم الأنبياء والأولياء عليهم السلام أهل يقين ومشاهدة ~~يتداوون وقلوبهم مع خالق الدواء الذي جعل الشفاء في ذلك الدواء فهم يتداوون ~~على ما هيأ لهم من التدبير وينتظرون الشفاء من الله تعالى وقلوبهم خالية عن ~~فتنة الدواء # والطبقة الثانية هم أهل اليقين لم يأمنوا خيانة نفوسهم أن تطمئن إلى ~~الدواء وتركن إليه فيفروا من ذلك فكلما عرض لهم داء فوضوا الأمر في ذلك الى ~~الله تعالى وتوكلوا عليه ولم يتكلفوا تداويا وتركوا التداوي من ضعف يقينهم ~~خوفا على قلوبهم أن تطمئن نفوسهم الى الدنيا فيصير سببا يتعلق به قلوبهم ~~والأول أعلى وأقوى # PageV01P403 # والطبقة الثالثة أهل تخليط وقلوبهم مع الأسباب لا ينفكون منها فهم ~~محتاجون الى التداوي ولا يصبرون على تركها وهم العامة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن ~~القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ~~ينفعك ولا تعجز فإن غلبك أمر فقل قدر الله وما شاء فعل وإياك واللو فإن ~~اللو يفتح عمل الشيطان # فالأقوياء تداووا ومروا في الحيل والأسباب وقلوبهم مع رب الأدوية لا مع ~~الأسباب وهم الأنبياء والأولياء عليهم السلام والمؤمن الضعيف انه يحجبه ~~تداويه عن الله تعالى ويتعلق قلبه به وذلك لضعف يقينه ms193 وفي كل خير والقوي ~~أحب إلى الله تعالى # وقوله احرص على ما ينفعك أي استعمل تدبير الله تعالى في هذه الأمور ولا ~~تعجز بتركه فإن استعملت ولم يكن الذي أردت فقل قدر الله وما شاء أي هكذا ~~كان قدر وشاء فارض بحكمه وإياك أن تقول لو كان كذا كان هذا الأمر كذا ولو ~~لم يكن كذا لكان كذا فهذا قول من يتعلق قلبه بالأسباب وعمي عن تدبير الله ~~تعالى وصنعه # وما رواه ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل ~~سبعون ألفا من أمتي الجنة بغير حساب قيل يا نبي الله من # PageV01P404 # هم قال الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون # فإنما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم الكي واستعمال النار في الأدوية ~~وكذلك الرقى لأن أكثره يشوبه الشرك # قال عليه السلام أقرب الرقى إلى الشرك رقية الحية والجنون وكذلك الطيرة ~~من فعل الجاهلية فرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الخصال المكروهة انهم ~~تركوها تورعا وتوكلوا على ربهم ولم يذكر أنهم لا يتداوون وليس في طلب ~~المعاش والتداوي والمضي في الأسباب على تدبير الله تعالى ترك للتفويض ~~والتوكل إذ الأنبياء والرسل عليهم السلام هم طلاب المعاش وأهل الحرف ~~والتجارات # قال عليه السلام إن الله يحب أن يرى العبد محترفا # ومر عمر رضي الله عنه بقوم فقال من أنتم قالوا المتوكلون فقال أنتم ~~المتأكلون إنما المتوكل رجل ألقى حبة في بطن الأرض وتوكل على ربه # وإنما ترك التوكل بالقلب إذا غفل عن الله تعالى وكان قلبه محجوبا فإذا ~~طلب المعاش أو تداوى صار فتنة عليه وتعلق قلبه به وقد نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الرقى ثم رخص فيما يؤمن فيه الشرك # روى جابر رضي الله عنه أن عمرو بن حزم دعا لامرأة بالمدينة # PageV01P405 # لدغتها حية ليرقيها فأبى فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه ~~فقال عمرو إنك لتزجر عن الرقى فقال اقرأها عليه فقرأها فقال لا ms194 بأس بها ~~إنما هي مواثيق فارق بها # وعن جابر رضي الله عنه كان بالمدينة رجل يكنى أبا مذكر يرقي من العقرب ~~ينفع الله بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا مذكر ما رقيتك هذه ~~اعرضها علي فقال ابو مذكر شجة قرينة ملحة بحر قغطى فقال عليه السلام لا بأس ~~بها إنما هي مواثيق أخذها سليمان بن داود عليه السلام على الهوام وهذه لغة ~~حمير # PageV01P406 ### | - الأصل الثالث والثمانون ### | في التنبيه على أن العقوبة من الله تعالى تعم والرحمة للمطيع # عن يوسف بن عطية الصفار قال سمعت ابن سيرين وسأله رجل فقال يا أبا بكر ما ~~تقول في هذا الذر يقع في طعامنا وشرابنا فنقتله فقال حدثنا أبو هريرة رضي ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيا من الأنبياء كان في غزاة ~~له فنزل تحت شجرة فلذعته نملة فامر بتلك الشجرة فاحرقت فأوحى الله تعالى ~~إليه الا نملة مكان نملة # كان هذا النبي قد حاور ربه في شأن الخلق وروي أن ذلك كان موسى بن عمران ~~فقال يارب تعذب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم # PageV01P407 # المطيع فكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده فسلط عليه الحر حتى التجأ الى ظل ~~شجرة مستروحا وعندها بيت النمل فغلبه النوم فلما وجد لذة النوم لذعته ~~النملة فأضجرته فدلكهن بقدمه وأحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم فأراه ~~الله تعالى العبرة في ذلك إنك تحيرت في عذابي أهل قرية وفيهم المطيع ~~والعاصي وإنما أجرمت إليك نملة فكيف قتلتهم وليس في هذا خطر عن قتل النمل ~~لأن كل ما أذاك أبيح لك قتله ألا ترى أن الفأر والغراب والكلب والحية ~~والعقرب قد أبيح للمحرم قتلها وكذلك سائر الهوام المؤذية إلا إن المؤمن لا ~~يقتل هذه الأشياء عبثا ولكنه يقتلها بحق إذا كان من تاذ أو خوف وليس ذاك ~~بأعظم حرمة من المؤمن ومع ذلك يباح دفعه بالقتل # PageV01P408 ### | - الأصل الرابع والثمانون ### | في أن الناس ينزلون منازلهم وتدبير الله في اختلاف أحوالهم # عن ميمون بن ms195 أبي شبيب عن عائشة رضي الله عنه قالت مر عليها سائل فأمرت له ~~بكسرة ومر عليها رجل ذو هيئة فأقعدته فقيل لها فقالت إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمرنا ان ننزل الناس منازلهم # PageV01P409 # دبر الله تعال لعبيده الأحوال غنى وفقرا وعزا وذلا ورفعة وضعة ليبلوهم في ~~الدنيا أيهم يشكر على العطاء وأيهم يصبر على المنع وأيهم يقنع بما أوتي ~~وأيهم يسخط ثم ينقلهم الى الآخرة فذلك يوم الجزاء فالعاقل يعاشر أهل دنياه ~~على ما دبر الله لهم فالغني قد عوده الله النعمة وهي منه كرامة ابتلاء لا ~~كرامة ثواب قال الله تعالى فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه ~~فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا # أي لست أكرم بالدنيا ولا أهين بمنعها فإذا لم تنزله المنزلة التي أنزل ~~الله تعالى استهنت به وجفوته من غير جرم استحق به ذلك الجفاء وتركه موافقة ~~الله تعالى في تدبيره وأفسدت عليه دينه وهو قوله عليه السلام أنزلوا الناس ~~منازلهم أي المنازل التي أنزلهم الله من دنياهم أما الآخرة فقد غيب شأنها ~~عن العباد فإذا سويت بين الغني والفقير في مجلس أو مأدبة أو هدية كان ما ~~أفسدت أكثر مما أصلحت فإن الغني يجد عليك إذا أزريت بحقه فإن الله تعالى لم ~~يعوده ذاك والفقير يعظم ذلك القليل في عينه ويقنع بذلك لأن تلك عادته وكذلك ~~معاملة الملوك والولاة على هذا السبيل فإذا عاملت الملوك بمعاملة الرعية ~~فقد استخففت بحق السلطان وهو ظل الله تعالى في أرضه به تسكن النفوس وتجتمع ~~الأمور فالناظر إلى ظل الله عليهم في الشغل عن الالتفاف الى سيرهم وأعمالهم ~~وإنما نفر قوم من السلف عنهم وجانبوهم لأنه لم تمت شهوات نفوسهم ولم يكن ~~لقلوبهم مطالعة ظل الله تعالى عليهم فخافوا أن يخالطوهم أن يجدوا حلاوة ~~برهم فتخلط قلوبهم بقلوبهم فجانبوهم وأعرضوا عنهم وتأولوا في ذلك لحديث ابن # PageV01P410 # عباس رضي الله عنهما ملعون من أكرم بالغنى وأهان بالفقر وهذا ms196 من قلة ~~معرفتهم بتأويله فإنهم لو نظروا إليهم بما ألبسوا من ظله لشغلوا عن جميع ما ~~هم فيه ولم يضرهم اختلاطهم وبهذه القوة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والتابعون من بعدهم بإحسان يلقون الأمراء الذين قد ظهر جورهم ويقبلون ~~جوائزهم ويظهرون العطف عليهم والنصيحة لهم # وأما حديث ابن عباس رضي الله عنه فتأويله أن الذي يعظم في عينه حطام ~~الدنيا وباع آخرته بدنياه من المنافسة في الدنيا والرغبة فيها وعظم شأن ~~الأغنياء في عينه لما يرى عليهم من الدنيا فيعظمهم ويتملقهم ويكرمهم تكريما ~~وتعظيما لما في أيديهم وإذا رأى من قد منع هذا وزويت عنه الدنيا ازدراه ~~وحقره فلغلبه الشهوات يعظم أبناء الدنيا ويحقر أبناء الآخرة فهو مستوجب ~~لعنة الله تعالى لأنه مفتون يكرم مفتونا فأما عبد دقت الدنيا في عينه ورحم ~~أهل البلاء فهو يرى الغني مبتلى بغناه قد تراكمت عليه أثقال النعمة وغرق في ~~حسابها وعليه وبالها غدا فيرحمه في ذلك كالغريق الذي يذهب به السيل فإذا ~~لقيه أكرمه وبره على ما عوده الله تعالى إبقاء على دينه لئلا يفسد فإنه قد ~~تعزز بدنياه وتكبر وتاه ويعظم ذلك في نفسه فإذا حقرته فقد أهلكته لأن عزه ~~دنياه فإذا أسقطت عزه فقد سلبته دنياه وهذه محاربه لا عشرة فعليك أن تبره ~~وتكرمه مداريا له على دينه ورفقا به وترحمه بقلبك وقد صغر في عينيك ما خوله ~~الله تعالى من الدنيا وهذا فعل الأنيباء والأولياء وبذلك أوصى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه # أراد من عوده قومه الاكرام من غير أن ينسمه إلى دين أو صلاح فإذا # PageV01P411 # أنت مأجور باكرام من عوده قومه الاكرام فكيف من عوده الله تعالى وأكرمه ~~ونعمه كرامة الابتلاء فإذا رأى ذا نعمة عظمه في الظاهر تعظيم بر ولطف ليبقى ~~من دينه ودين نفسه وليكون تدبير الله تعالى الذي وضعه له في العز والتعظيم ~~بمكانه وهو في الباطن قلبه منه بعيد وهكذا أهل الفساد من الموحدين يلطف ms197 بهم ~~ويرفق بهم في الظاهر إبقاء على أحوالهم في امر دينهم والرفق محبوب مبارك # عن عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يحب ~~الرفق كله # وقال عليه السلام من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة ~~ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من خير الدنيا والآخرة # وقال عليه السلام إذا أراد الله تعالى بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب ~~الرفق صدق رسول الله # PageV01P412 ### | - الأصل الخامس والثمانون ### | في أن المؤمن يموت بعرق الجبين # عن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما وكان بخراسان فدخل على ابن أخ له يعوده ~~فوجده في الموت فإذا هو يعرق جبينه فقال بريدة الله أكبر سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول المؤمن يموت بعرق الجبين # المؤمن لما رأى من ذنوبه في وقت مقدمه على ربه فتراءى له قبح ما جاء به ~~فيستحيي منه فيعرق لذلك وجهه لأن ما سفل منه قد مات وإنما بقيت قوى الحياة ~~وحركاتها فيما علا والحياة في العينين وذلك وقت الحياء والرجاء والأمل فإذا ~~عرق فذاك علامة الإيمان فأما الكافر ففي عمى عن هذا كله # PageV01P413 # وعن سعيد بن سوفة قال دخلنا على سلمان الفارسي نعوده وهو مبطون فقال إني ~~محدثك حديثا لم أحدثه أحدا قبلك ولا أحدث أحدا بعدك سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول ارقبوا الميت عند موته فأما إن رشحت جبينه وذرفت عيناه ~~وانتشر منخراه فهي رحمة من الله تعالى قد نزلت به فإن غط غطيط البكر ~~المخنوق وخمد لونه وأزبد شدقاه فهو عذاب من الله تعالى قد حل به ثم قال ~~لامرأته ما فعل المسك الذي جئنا به من بلنجر قالت هوذا قال فألقيه في الماء ~~ثم اضربي بعضه ببعض ثم انضحي حول فراشي فإنه يأتيني الآن قوم ليسوا بجن ولا ~~إنس ففعلت فقمنا من عنده ثم رجعنا فوجدناه قد قبض # وعن عبد الله قال موت المؤمن بعرق الجبين إن المؤمن يبقى عليه خطايا من ~~خطاياه ms198 فيجازف بها عند الموت فيعرق لذلك جبينه # PageV01P414 # الأصل السادس والثمانون # في أن الكيس من أبصر العاقبة والأحمق من عمي عنها # عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا قال يا نبي الله أي المؤمنين أكيس قال ~~أكثرهم ذكر للموت وأحسنهم له استعدادا وإذا دخل النور في القلب انفسح ~~واستوسع قالوا ما آية ذلك يا نبي الله قال الإنابة الى دار الخلود والتجافي ~~عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت ثم قرأ {أفمن شرح الله صدره ~~للإسلام فهو على نور من ربه} # الموت عاقبة أمر الدنيا فالكيس من أبصر العاقبة والأحمق من عمي عنها بحجب ~~الشهوات التي قامت بين يدي قلبه فاقتضته إنجازها وجاءته # PageV01P415 # الأماني بمواعيدها الكاذبة المخلقة فتقول له خذها ثم تتوب وأتته الشهوة ~~وتقول له خذني إليك ثم تستغفر فإن الله غفور للمذنبين وحبيب للتائبين فهذه ~~حجب كثيفة دون العاقبة فلا يراها والكيس من سعد بجميل نظر الله تعالى واعطى ~~النور الزائد على نور الموحدين وهو نور اليقين يهتك هذا النور الحجب ~~والدخان والظلمة التي في الصدر من الشهوات فسكن الدخان وانقشعت الظلمة ~~واستنار الصدر فأبصر عاقبة أمره وأنها قاطعة لكل لذة وشهوة وحائلة بينه ~~وبين كل أمنية وأن عمره أنفاس معدودة لا يدري متى ينفد العدد فصار من ذلك ~~على خطر عظيم ولا يعلم متى يحل به الموت ويبغت به الأمر فيرحل إليه من دار ~~الغرور مغترا به مخدوعا عنه مع دنس المعاصي وقبح الآثام فلا وصول إلى توبة ~~ولا مهلة له في إنابة فيكون مقدمه مقدم العبيد الاباق الذين أمهلهم الله في ~~الدنيا وحلم عنهم وكانوا يحكمون لأنفسهم بما يشتهون في دنياهم وهم مستدرجون ~~في مكره فيردهم إليه ويحكم فيهم بما يستوجبون من إباقهم قال الله تعالى ثم ~~ردوا الى الله تعالى مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين فالكيس ~~نظر بنوره الذي من الله تعالى عليه به فأبصر أن الموت قاطع لكل لذة حائل ~~بينه وبين التوبة فانكسر قلبه وذبلت نفسه وخمدت نار شهوته ms199 واكفهر الحق في ~~وجه أمنيته واستعد لكل ذنب توبة واعتذارا ومكان كل سيئة حسنة واستغفارا ~~لتكون الحسنة غطاء للسيئة والتوبة محاء للخطيئة فهذا تفسير قوله عليه ~~السلام أكيسهم أكثرهم ذكرا للموت وأحسنهم له استعداد فالاستعداد أن يجانب ~~التخليض مجانبة لا يحتاج إلى استمهال إذا فاجأه أمر الله تعالى وجاءته ~~دعوته فيقول أمهلني حتى أتوب وأصلح أمري وحسن الاستعداد أن يكون قد استعد ~~للقائه والعرض عليه بعد علمه أن الموت يؤديه إليه فطاب قلبه بالله # PageV01P416 # تعالى وروحه بالطاعة ونفسه تتجنب الشهوات والمنى ورفض التدبير لنفسه ~~وتفويض ذلك إلى خالقه # وهذا صفة أهل اليقين الذين قال الله تعالى فيهم {الذين تتوفاهم الملائكة ~~طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة} الآية تسلم عليهم الملائكة من الله ~~تعالى وتبشرهم بدخول الجنة من غير حبس في موطن أي حساب في موقف وإنما سموا ~~طيبين لأنه لم يبق فيهم تخليط فطابوا روحا وطابوا قلبا وطابوا نفسا وأما ~~أهل التخليط لا يقال لهم هذه الكلمة عند الموت وإنما يقال لهم {طبتم ~~فادخلوها خالدين} عند باب الجنة بعد ما محصوا بعذاب القبر وأهوال القيامة ~~وتناول النيران فيهم بلفحاتها على الصراط والحبس في العرض الأكبر فإذا خلي ~~عنهم وبلغوا باب الجنة نودوا {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الناس يعرضون ثلاث ~~عرضات يوم القيامة # فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما في العرضة الثالثة تطاير الصحف فالجدال ~~للأعداء لأنهم لا يعرفون ربهم فيظنون أنهم إذا جادلوه نجوا وقامت حججهم ~~والمعاذير لله الكريم يعتذر الى أنبيائه عليهم السلام ويقيم حجته عندهم على ~~الأعداء ثم يبعثهم الى النار قال عليه السلام لا أحد أحب إليه المدح من ~~الله تعالى ولا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى # PageV01P417 # والعرضة الثالثة للمؤمنين وهو العرض الأكبر وهم على ضربين منهم من نبهه ~~في الحياة الدنيا فكاد يموت حياء وفرقا فأعطى الأمان غدا من ذلك فإنه لن ~~يجمع ذلك على العبد في موطنين # قال عليه السلام قال ربكم ms200 وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع ~~له أمنين فمن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة ومن أمنني في الدنيا أخفته ~~في الآخرة # ومنهم من يريد أن يعاتبه حتى يذوق وبال الحياء منه ويرفض عرقا بين يديه ~~ويفيض العرق منهم على اقدامهم من شدة الحياء ثم يغفر لهم ويرضى عنهم فمن ~~استحيى من الله تعالى في الدنيا مما صنع استحيى الله تعالى من تفتيشه ~~وسؤاله ولا يجمع عليه حيائين كما لا يجمع عليه خوفين وقد ستر محاسنه مساويه ~~حتى يصير في ستر محاسنه وستر عليه علمه حتى لا يستحيي من الخلق ومن نفسه # وقوله عليه السلام إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح فدخول النور في ~~القلب والانفساح في الصدر فإن الصدر بيت القلب ومنه تصدر الأمور فيدخل ~~النور في القلب ومنه ينفسح الصدر وينشرح ويتسع لأن الصدر كان مظلما ~~بالشهوات المتراكمة فيه والأماني والفكر وعجائب النفس ودواهيها فكان يضيق ~~بأوامر الله تعالى لأنها خلاف امنيته وهواه فلما قذف بالنور فيه نفى الظلمة ~~وأشرق الصدر واتسع فيه أمر الله تعالى ونصائحه وآدابه ومواعظه فهذا كله ~~علامة الباطن وأما علامة الظاهر فثلاث خصال أشار عليه السلام إليها بقوله ~~الإنابة إلي دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت فأما ~~الانابة # PageV01P418 # إلى دار الخلود فهي أعمال البر لأنها وضعت جزاء لأعمال البر قال الله ~~تعالى {جزاء بما كانوا يعملون} # فإذا إنكمش في أعمال البر فهو إنابته وأما التجافي عن دار الغرور فهو أن ~~يخمد حرصه على الدنيا ولها عن طلبها وأقبل على ما يعنيه منها واكتفى بها ~~وقنع فقد تجافى عن دار الغرور # وأما الاستعداد للموت هو أن يعلم أنه ربما كان في قضاء شهوة في مساخط ~~الله تعالى ويخافض بأمر الله تعالى ويبغت بدعوته ولا بد من الإجابة في أسرع ~~من اللمحة فلا رجاء للمهلة ولا وصول الى التوبة فيحكم أموره بالتقوى فكان ~~ناظرا في كل أمر واقفا متأثيا متثبتا حذرا يتورع عما يريبه إلى ما لا يريبه ~~فمن فعل ms201 ذلك فقد استعد للموت وإنما صارت له هذه الرؤيا بالنور الذي ولج ~~القلب # PageV01P419 ### | - الأصل السابع والثمانون ### | في أن من الناس مفاتيح للخير ومن الناس ناس مفاتيح للشر # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس ناس ~~مفاتيح للخير مغاليق للشر ومن الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن ~~جعل مفاتيح الخير على يديه وويل لمن جعل مفاتيح الشر على يديه # فالخير مرضاة الله والشر مسخطه وإذا رضي الله عن عبد كان علامة رضاه عنه ~~أن يجعله مفتاحا للخير فإن رؤي ذكر الخير برؤيته وإن حضر حضر معه الخير وإن ~~ذكر ذكر الخير معه وإن نطق نطق بخير وعليه من الله تعالى سمات ظاهرة تذكر ~~بالخير من لقيه يتقلب في الخير بعمل الخير وينطق بالخير ويفكر في الخير ~~ويضمر على الخير وهو مفتاح الخير حيث ما حضر وسبب الخير لكل من خالطه أو ~~عاشره أو صحبه والآخر يتقلب في الشر يعمل بالشر وينطق بالشر ويفكر بالشر ~~ويضمر على شر فهو مفتاح الشر حيثما حضر وسبب الشر لكل من # PageV01P420 ### | 421 - # @ خالطه أو صحبه فصحبة الأول دواء لا ترجع منه إلا بزيادة وصحبة الثاني ~~داء لا ترجع منه إلا بنقصان فمن كان بين يدي قلبه دنياه فإنما يفتتح بدنياه ~~إذا لقيك ومن كان بين يدي قلبه آخرته فإنما يفتتح بآخرته إذا لقيك ومن كان ~~بين يدي قلبه خالقه فإنما يفتتح بذكره إذا لقيك قل انما ينشر عليك بره ~~ويحدثك عما يطالع قلبه فالناطق عن دنياه يرغبك فيها ويزين لك أحوالها ~~فالاستمتاع منه سقم يورطك في ورطته ويلقيك في وهدته والناطق عن آخرته يرغبك ~~فيها ويزين لك أحوالها ويقلل الدنيا في عينك ويزهدك فيها ويقف بك منها على ~~سبيل خطر لما يخبرك عن فتنها وغرورها وخدعها وأمانيها الكاذبة وما يلقى ~~أهلها غدا من شدة الحساب وأهوال القيامة والناطق عن الله تعالى عز ذكره يقف ~~بك على تدبير الله تعالى وعلى سبيل الاستقامة في العبودة ويلهيك عن نفسك ms202 ~~وعن الدارين لما يفتح عليك من منن الله تعالى وإحسانه ولما يكشف عن آلاء ~~الله من الغيوب المستترة التي حرم هذا الخلف معرفتها والانتباه لها حتى ~~يؤديك الى سنن التوحيد فيرقى بك الى فردانيته فتتفرد للفرد الواحد وهم ~~الكبراء الذين روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يا أبا جحيفة ~~جالس الكبراء وخالل الحكماء وسائل العلماء # فالعلماء بعلم اموره ينطقون فالمسألة لهم تسائلهم عن حلال الله وحرامه ~~والحكماء بعلم تدبيره ينطقون فالمخاللة لهم تخالله وتصير له مأمنا فيفضي ~~إليك حكمته والكبراء بعلم آلائه ينطقون تكبروا في كبرياء الله وعظمته ~~وانفردوا في فردانيته واعتزوا به فرؤيتهم دواء وكلامهم شفاء فالمجالسة ~~لهؤلاء فقد جعل الله تعالى في الخير من البركة ما يغلب الشر حيث ما كان # PageV01P421 ### | - الأصل الثامن والثمانون ### | في أن إجماع الأمة حجة واختلافهم رحمة # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجمع ~~الله أمتي أو هذه الأمة على ضلالة أبدا ويد الله على الجماعة هكذا فاتبعوا ~~السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار # وعد الله رسوله أن لا يزال دينه ظاهرا على الأديان عاليا غالبا لأهلها ~~النصرة معه حيثما كان قال تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله # وهذا الدين يشتمل على الإيمان والإسلام فجملة الإيمان هو الايمان بالله ~~وحده لا شريك له وبالرسل عليهم السلام والكتب كلها # PageV01P422 # والملائكة واليوم الآخر والبعث والجزاء والقدر خيره وشره هذا جملة ~~الإيمان وجملة الاسلام هي الصلوات الخمس بوضوئها في مواقيتها والغسل من ~~الجنابة والزكاة والصوم والحج وتحريم ما حرم الله وتحليل ما أحل الله تعالى ~~هذه جملة الإسلام وعليه السواد الأعظم لا يختلفون فيه فمن شذ عن شيء منه ~~فجحده فقد خرج من الشريعة وخاب من الإسلام وزاغ عن سبيل الهدى وشذ إلى ~~النار ثم للعلماء مداخل ومقال في الحوادث من طريق الاحكام واختلافهم فيها ~~رحمة واسعة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من الله تعالى ms203 عليهم بذلك وسهل ~~لهم سبل النظر والاجتهاد في الرأي فيما لم يجدوا فيه تنزيلا ولا سنة عن ~~الرسول عليه السلام # PageV01P423 ### | - الأصل التاسع والثمانون ### | في صفة الجنان الأربع # عن عبد الله بن قيس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جنان الفردوس أربع جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما ~~وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا الى ربهم إلا رداء الكبرياء على ~~وجهه في جنة عدن # هذا تأويل قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان وقوله ومن دونهما جنتان ~~وقد وصفهم الله تعالى في سورة الرحمن وقوله ما بين القوم وبين أن ينظروا ~~الى ربهم إلا رداء الكبرياء في جنة عدن # PageV01P424 # فجنة عدن دار الرحمن ومقصورته والفردوس جنات الأولياء والأنبياء عليهم ~~السلام بقرب جنة عدن فعدن كالمدينة والفردوس كالقرى حولها فإذا تجلى الرب ~~لأهل الفردوس رفع الحجاب وهو رداء الكبرياء فينظرون الى جلاله وجماله ~~فحجابه في جنات عدن رداء الكبرياء وفي الدنيا النار # وقال عليه السلام حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه ~~بصره # وهذا لأن أيام الدنيا أيام الملك والسلطان والربوبية وأيام الآخرة أيام ~~المجد والكرم والبر والمفاوضة فقال ههنا حجاب وهناك رداء # قال عليه السلام ان من أهل الجنة من ينظر الى الله تعالى غدوة وعشيا # وفي حديث آخر أن أهل الجنة يزورون في كل يوم جمعة فينظرون إلى الله تعالى ~~وللقوم في ذلك منازل ودرجات متفاوته # PageV01P425 ### | - الأصل التسعون ### | في الفرق بين حسن الأشياء عند أولي الألباب وبين حسنها عند السفهاء # عن عائشة رضي الله عنها قالت أهدى النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حلية فيها خاتم من ذهب فيه فص حبشي فأخذه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعود أو ببعض أصابعه وإنه لمعرض عنه ثم دعا ابنة ابنته امامة ابنة أبي ~~العاص فقال (تحلي بهذا يا بنية) # جعل صلى الله عليه وسلم الحلية زينة لجوارح الإنسان فإذا لبسها زانه لذلك ~~وإذا زانه حلاه ms204 فصار ذلك العضو أحلى في أعين الناظرين ولذا سمي حلية لأنه ~~تحلي تلك الجوارح في أعين الناظرين وفي قلوبهم قال الله تعالى وتستخرجون ~~منه حلية تلبسونها وهي اللؤلؤ فما كان من ذهب فللاناث ويحرم على الذكور وما ~~كان من فضة أو جوهر فمطلق للرجال والنساء وقد لبس صلى الله عليه وسلم ام ~~خاتما اتخذه من فضة وفصه منه # وعن نافع أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم صاغت حليا بثلاثين ألف # PageV02P005 # درهم وجعلته حبيسا على نساء آل عمر رضي الله عنه فلم تكن تؤدي زكاته وقد ~~خلق الله تعالى الآدمي خلقا سويا بارزا فضله قدمه على سائر الخلق في أرضه ~~وكل خلق ربي حسن قال الله تعالى أحسن كل شيء خلقه # وظهر حسن الأشياء عند أولي الألباب والبصائر والعقول لأنهم ينظرون إلى ~~صنعه في الأمور وأحكامه ولطفه في الأشياء وظهر الحسن عند السفهاء ما تحلو ~~في نفوسهم عند موافقة شهواتهم فإنهم ينظرون بعين الشهوة وهي سقيمة والحكماء ~~ينظرون بعين الحكمة وهي صحيحة والعارفون ينظرون بعين المعرفة إلى صنعه ~~ولطفه فتبارك الله أحسن الخالقين والزينة والحلية حق وإنما يفسدها الإرادة ~~والقصد فإذا كان الإرادة لله تعالى فقد أقام حقا من حقوق الله تعالى وعبد ~~الله باقامته وإذا كان لغير الله صار وبالا كسائر الأشياء ومثل ذلك ما يروى ~~أن جماعة أتو منزل زكريا عليه السلام فإذا فتاة جميلة رائعة أشرق لها البيت ~~حسنا قالوا من أنت قالت أنا إمرأة زكريا قالوا فيما بينهم كنا نرى نبي الله ~~لا يريد الدنيا فإذا هو قد اتخذ امرأة جميلة رائعة قالوا فأين هو قالت في ~~حائط آل فلان يعمل له فأتوه فإذا هو قرب رغيفين فأكل ولم يدعهم ثم قام فعمل ~~بقية عمله وقال لهم حاجتكم قالوا جئنا لأمر ولقد كان يغلبنا ما رأينا على ~~ما جئنا له فقال هاتوا قالوا أتينا منزلك فإذا امرأة جميلة رائعة وكنا نرى ~~نبي الله لا يريد الدنيا فقال إني إنما تزوجت امرأة جميلة رائعة لأكف بها ms205 ~~بصري وأحفظ بها فرجي قال فخرج نبي الله مما قالوا وقالوا ورأيناك قربت ~~رغيفين فأكلت ولم تدعنا قال إن القوم استأجروني على عمل فخشيت أن أضعف عن ~~عملهم إن لم آكل ولو أكلتم معي لم يكفني ولم يكفكم فخرج نبي الله مما قالوا # PageV02P006 ### | - الأصل الحادي والتسعون ### | في الخصال المنظومة للشكر # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ~~المنبر يخطب الناس وتلا هذه الآية إعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي ~~الشكور # ثم قال (ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي داود فقيل له ما هي يا رسول ~~الله قال العدل في الرضى والغضب والقصد في الفقر والغنى وخشية الله في السر ~~والعلانية) # معناه أن هذه الخصال منتظمة للشكر من أتى الله بهن فهو شاكر وهو قوله ~~عليه السلام (ثلاث منجيات وثلاث مهلكات فأما المنجيات فخشية الله في السر ~~والعلانية والحكم بالحق عند الرضى والغضب والاقتصاد عند الفقر والغنى وأما ~~المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه) # PageV02P007 # وقد أمر الله آل داود أن يعملوا شكرا أي يعملوا عملا يكون ذلك العمل شكرا ~~لما آتاهم من النعم وفضلهم بها فأجمل عليه السلام لهذه الأمة في ثلاث خصال ~~فقال من أوتيهن فقد أوتي الشكر فهو شاكر كشكر آل داود صلى الله عليه وسلم ~~ويجوز أن يكون معناه أن الأشياء التي أعطيت داود وسليمان عليهما السلام ~~فاستعملاها من أجلي شكرا لي ولم يبطروا بهذه النعمة فيغفلوا عني بل صيروا ~~استعمالها لي فصار شكرا وإذا أوتي العبد هذه الخصال الثلاث قوي على ما قوي ~~عليه آل داود عليه السلام # PageV02P008 ### | - الأصل الثاني والتسعون ### | في الحث على ترك ما لا يعني # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من حسن ~~إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) # الأشياء لا تكون قبيحة ولا حسنة في نفسها وإنما تحسن وتقبح بالشرع ولهذا ~~كان فيما تقدم من الشرائع أفعال قد أطلق الله تعالى ms206 فيها فكان غير قبيح ~~فلما حرمه حل به القبح كنكاح الأخوات والجمع بين الأختين كان مطلقا وكان ~~حسنا فلما حرمها صارت فاحشة ومقتا والمسلم قد اعتقد بقلبه وحدانية الله ~~تعالى لا شريك له وعرفه ربا أسلم نفسه إليه وصار له عبدا بكل ما يأمر وينهى ~~ويحكم ويشاء فامرهم بالحق وزجرهم من الباطل وبين الحق والباطل # PageV02P009 # في تنزيله الكريم فكل شيء يعرض للمؤمن فلم يعنه تركه من فضول الأشياء ~~وفضول الطعام وفضول الكلام وفضول المال وفضول الأعمال والأمور التي له منها ~~يد وغنى فترك هذه الفضولات دليل على حسن إسلام نفسه إلى ربه وبذله عبودية ~~له # PageV02P010 ### | - الأصل الثالث والتسعون ### | في التعوذ بنسبة الحق تعالى # عن عثمان رضي الله عنه قال دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني ~~فقال أعيذك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد من ~~شر ما تجد فرددها سبعا فلما أراد القيام قال (تعوذ بها فما تعوذ بخير منها ~~يا عثمان فمن تعوذ بها فقد تعوذ بما يعدل ثلث القرآن وبنسبة الله تعالى ~~التي رضيها لنفسه) # PageV02P011 ### | - الأصل الرابع والتسعون ### | في حكمة الله تعالى فيما نهى عن قتله وأمر بقتله # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل ~~النملة والنحلة والهدهد والصرد # خلق الله تعالى في الأرض أمما ثم خلق آدم عليه السلام وأبرز فضله على ~~سائر البرية بأن سخر له ما في السموات وما في الأرض قال الله تعالى {خلق ~~لكم ما في الأرض جميعا} بأن فضل الآدمي على سائر الأمم قال الله تعالى ولقد ~~كرمنا بني آدم الآية # وعن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن ~~الله تعالى خلق ألف أمة ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وإن # PageV02P012 # أول هلاك هذه الأمة الجراد فإذا هلكت الجراد تتابعته الأمم مثل نظام ~~السلك إذا انقطع) # وإنما تهلك الأمم لهلاك الآدميين لأنها سخرت لهم ومن فضل الآدميين ms207 على ~~سائر الأمم أن جميعها يعودون ترابا يوم القيامة والآدميون يوقفون للثواب ~~والعقاب والآدميون وغيرهم من الأمم جواهر على اختلاف تربتها التي منها خلقت ~~وقال صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع ~~الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض والسهل ~~والحزن والخبيث والطيب) # فكما ترى في بني آدم جواهرهم حتى يظهر منهم معالي الأخلاق ومدانيها كذلك ~~في سائر هذه الأشياء من الدواب والوحوش والطير فالحية أبدت جوهرها حيث خانت ~~آدم عليه السلام حتى لعنت وأخرجت من الجنة فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقتلها وقال (اقتلوها وإن كنتم في الصلاة) والوزغة أبدت جوهرها فنفخت ~~على نار نمرود عليه اللعنة فلعنت # قال عليه السلام (من قتل وزغة فكأنما قتل كافرا) # والفأر أبدت جوهرها فكن يقرضن حبال سفينة نوح عليه السلام # PageV02P013 # فشكى نوح إلى الله تعالى فأوحى إليه أن امسح جبهة الأسد فعطس فخرج سنوران ~~فأكلا الفار ثم كثرت العذرة في السفينة فأوحى إليه أن امسح ذنب الفيل فنثر ~~خنزيران فاكلا العذرة والغراب أبدى جوهره حيث بعثه نوح عليه السلام من ~~السفينة ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره وأقبل على جيفة والحمار أبدى جوهره ~~حيث تلوط ونزا على ذكر # قال ابن سيرين ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار ~~والضفدع أبدى جوهره حيث جاء بالماء ليطفىء عن إبراهيم عليه السلام ناره ~~فأثيب أن جعل مكانه الماء وأنها أكثر الدواب تسبيحا والنملة أبدت جوهرها ~~حيث أثنت على سليمان عليه السلام فقالت {لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا ~~يشعرون} والنحلة مذكورة في التنزيل قال الله تعالى {أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا} # والهدهد كان رسول سليمان عليه السلام الي بلقيس وحامل كتابه والمؤدي عنها ~~خبرها إلى سليمان عليه السلام والصرد يقال له صرد الصوام # قال أبو هريرة رضي الله عنه أول طير صام الصرد لما خرج إبراهيم عليه ~~السلام من الشام إلى الحرم في بناء البيت كانت السكينة معه ms208 والصرد وكان ~~الصرد دليله إلى الموضع والسكينة مقداره فلما صار إلى البقعة وقفت السكينة ~~على موضع البيت ونادت ابن يا إبراهيم على مقدار ظلي # نهى عن قتل النملة لأنها أثنت على سليمان عليه السلام بأبلغ ما تقدر ونهى ~~عن قتل النحل لأن فيه شفاء # PageV02P014 # قال أبو هريرة رضي الله عنه الذبان كلها في النار يجعلها عذابا لأهل ~~النار إلا النحل # ونهى عن قتل العنكبوت لأنه نسج على غار رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن ~~الهدهد لأنه كان دليل سليمان عليه السلام على الماء وعن الضفدعة لأنها كانت ~~تصب الماء على نار إبراهيم عليه السلام وعن الصرد لأنه دل إبراهيم عليه ~~السلام على البيت فقد علم الله سبحانه من جواهر هذا الخلق فاختار لمحبوبه ~~من الأمور من قد علم طيب جوهره وأظهر الآخرون بأفعالهم خبث جواهرهم مثل ~~الفأرة والغراب والوزغة والحية ويحل قتلها من غير أذى فأما غير ذلك إذا آذى ~~فيحل قتله ودفع شره عن نفسه # وعن زيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تسبوا الديك فإنه يدعو إلى ~~الصلاة) # PageV02P015 ### | - الأصل الخامس والتسعون ### | في سر قوله تعالى {من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا} # عن حيان قال صحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة فقال لنافع لا تمر بي على ~~المصلوب يعني ابن الزبير قال فما فجئه في جوف الليل أن صك محمله جذعه فجلس ~~يمسح عينيه ثم قال يرحمك الله أبا خبيب ان كنت وان كنت ولقد سمعت أباك ~~الزبير يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يعمل سوء يجز به في ~~الدنيا أو في الآخرة فإن يك هذا بذاك فهمه همه قال الله تعالى {من يعمل ~~سوءا يجز به} وهذا عام # ثم ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يجز به في الدنيا أو الآخرة ~~وليس يجمع الجزاء في الموطنين # وروي أنه لما نزل قوله تعالى {من يعمل سوءا يجز به} قال أبو بكر رضي ms209 الله ~~عنه يا رسول الله ما هذه ببقية منا قال يا أبا بكر إنما يجزى به المؤمن في ~~الدنيا ويجزى بها الكافر يوم القيامة # PageV02P016 # وفي رواية أخرى قال ألست تنصب ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء قال بلى قال ~~فذلك ما تجزون به # وقول ابن عمر ان يك هذا بذاك فهمه همه فإن ابن الزبير قاتل في حرم الله ~~وأحدث فيهما حدثا عظيما حتى أحرق البيت ورمى الحجر الأسود بالمنجنيق فانصدع ~~حتى ضبب بالفضة فهو إلى يومنا كذلك وسمع للبيت أنينا آه آه # وقد قال عليه السلام يوم فتح مكة إنها لا تحل لأحد بعدي وإنما احلت لي ~~ساعة من نهار وانها حرمت يوم خلق الله السموات والأرض # فلما رأى ابن عمر فعله ثم رآه مصلوبا ذكر قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال ذلك وذلك لأن المؤمن من يجزى بالسوء في الدنيا بالنصب والتعب ~~ونوائب الدنيا الحزن والغم والكافر يصيبه ذلك وليس ذاك جزاء له بالسوء الذي ~~قد عمل وادخر جزاؤه إلى يوم القيامة لأن جميع ما يصيب الكافر من المصائب لا ~~يصبر فيها وإن صبر فصبره تجلد لا حسبة وتسليم والمؤمن في كل ذلك صابر محتسب ~~مذعن والكافر ساخط على ربه مضمر على عداوته لأن المؤمن حبب إليه الإيمان ~~وزين في قلبه فالتذت نفسه وطابت فلان القلب ورق الفؤاد وراحت النفس وطابت ~~بلذتها فانقاد له واستسلم وألقي بيديه سلما فان جاءته أحوال المكاره تحملها ~~وهو في ذلك راض عنه طيب النفس يحمده بلسانه ويرجوه بقلبه وطابت نفسه بما ~~يرى من رحمة # PageV02P017 # الله تعالى عليه بأنه قد محصه وطهره وإذا خرج من الدنيا انقطع رجاؤه من ~~جميع الخلق وكان متعلق رجائه خالقه فإذا أعطى صحيفته يوم القيامة فأتى على ~~سيئاته قيل له تجاوز عن قراءتها فقد تجاوزنا عنك بما أصابك في الدنيا # قال صلى الله عليه وسلم (ما من شيء يصيب المؤمن من حزن ولا نصب ولا وصب ~~حتى الهم يهمه إلا أن الله تعالى يكفر عنه سيئاته) # وفي ms210 رواية عائشة رضي الله عنها قال صلى الله عليه وسلم (لا تصيب المؤمن ~~شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه خطيئة) # ومن ههنا قيل إن المرض إذا كان عقوبة لا يقبل الدواء لأنه قد جوزي بها في ~~الدنيا # قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء ~~فإذا كانت عقوبة فلا دواء له حتى تنقضي مدة العقوبة وينزل العفو إن شاء ~~الله تعالى) # PageV02P018 ### | - الأصل السادس والتسعون ### | في القبلة وتقبيل الباكورة # عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي ~~بالباكورة من كل شيء قبلها ووضعها على عينه اليمنى ثلاثا ثم على عينه ~~اليسرى ثلاثا ثم يقول (اللهم كما بلغتنا أولها فبلغنا آخرها ثم يعطيها أصغر ~~الولدان) # القبلة على وجوه قبلة شهوة وقبلة رحمة وقبلة حنين وقبلة اشتياق وكلها ~~عبادة إذا أريد بها وجه الله تعالى وأصلها من القلب لأن الرأفة والرحمة ~~معدنهما القلب ثم تصير الرحمة منها إلى الكبد والرأفة إلى الطحال ولذلك قال ~~علي كرم الله وجهه الرحمة في الكبد والرأفة في الطحال # فإذا تقلب القلب بما فيه من الرأفة فارت الرأفة وإنما قيل رأفة # PageV02P019 # لأنه يرؤف ويفور بحرارته والرؤف والفؤر بمعنى واحد وإذا فار خرجت حرارته ~~من فم القلب إلى الصدر وفار إلى الحلق فاستعمل الشفتين بذلك وهو تقبيلهما ~~لتقليب القلب بالرأفة فقبل وقبل وقلب بمعنى واحد إلاأن في الشفتين قبل وفي ~~القلب قلب وإنما يفور ذلك من نور الإيمان وكانت الأنبياء عليهم السلام أعظم ~~نورا وأوفر حظا من الرأفة إذا عرفت هذا فقبلة الشهوة للزوجة وذاك من الرحمة ~~والمودة التي جعلت بين الزوجين قال الله تعالى وجعل بينكم مودة ورحمة # والرأفة والرحمة يهيجان الشهوة لأنها حارة وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقبل عائشة ويمص لسانها وهو صائم وأما قبلة الرحمة فهي للولدان ومن ~~أشبههم وإذا قبله فمن رحمته له من لأنه ريحان الله تعالى وكان يستروح إلى ~~تقبيل الولد ms211 # قال صلى الله عليه وسلم حين قبل الحسن (إنكم لتبخلون أو تجهلون وتجبنون ~~وأنتم لمن ريحان الله تعالى) وفي رواية (من ريحان الجنة) # وأما قبلة الحنين فهي للحجر الأسود فكان إذا قبل الحجر قبله حنينا إلى ~~الجنة لأنه من الجنة والجنة دار الله تعالى وإنما يحن الأنبياء عليهم ~~السلام إلى دار الله تعالى لأجل الله سبحانه وتعالى لا من أجل التنعم قال ~~صلى الله عليه وسلم لعمر حين قبل الحجر وبكى ههنا تسكب العبرات وأما قبلة ~~الاشتياق فهي للباكورة لأنه يرى أثر صنعه لعباده فأول ما تخرج الثمرة طريا ~~لم تدنس بظلمة الدنيا وهو فلقها قال الله تعالى {فالق الحب والنوى} # PageV02P020 # فإذا رأى الباكورة وهو الذي قد ابتكر بخروجه تحرك نور الإيمان بما أبصر ~~من صنعه ولطفه فانقلب بالرأفة التي فيه فانفلق القلب أي فتح بابه فخرجت تلك ~~الحرارة من القلب إلى الفم فاستعمل الشفتين بالحركة فيقبلها ثم يضعها على ~~عينه وأشفاره إكراما وتعظيما له ثم يدعو بذلك الدعاء ثم يعطيها من لم يتدنس ~~بالذنوب وهو الصبي لأن القلم عنه مرفوع والرحمة عليه ظاهرة ولا يؤاخذ بذنب # PageV02P021 ### | - الأصل السابع والتسعون ### | في أن رهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله تعالى # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لكل أمة ~~رهبانية ورهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله) # فالرهبانية والسياحة قد كانت في الأمم الماضية كان أحدهم إذا علاه الخوف ~~والرهبة من الله تعالى ساح في البراري واتخذ صومعة في برية فترهب بها لتدوم ~~رهبته في تلك العزلة ليستعين بها على بذل النفس لله تعالى عبودة وأعطى الله ~~تعالى هذه الأمة السيف يضربون به وجوه أعدائه ويضربون قال الله تعالى ~~{يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} # وهذه أعظم الامتحان في بذل النفس فمن تلقى سيوف العدو بوجهه فقد صدق الله ~~تعالى في بذل النفس له عبودة فهي رهبانية هذه الأمة ورسولنا صلى الله عليه ~~وسلم مبعوث بالجهاد والحرب عن الله تعالى حمية له ونصرة لحقه وكلمته ms212 العليا ~~قال صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى # PageV02P022 # بعثني بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي ~~تحت ظل رمحي وجعل الذلة على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم) # PageV02P023 ### | - الأصل الثامن والتسعون ### | في دعوة المغموم # عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دعوة فشغله إعربي فلما قام تبعته فلما خفت أن يسبقني إلى بيته ضربت بقدمي ~~على الأرض فالتفت فقال أبو إسحاق مه قلت يا رسول الله دعوة ذكرتها فشغلك ~~الإعرابي قال (نعم دعوة ذي النون في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين ما دعا بها مسلم إلا استجيب له) # العبد إذا وحده ونفى عنه الشرك ثم نزهه عما رآه عليه من السوء واعترف ~~بأنه من الظالمين تكرم عليه ربه وتفضل على العبد فلم يخيبه فيما أمل ورجا ~~وكذلك وعد الله في تنزيله الكريم فقال وذا النون إذا ذهب مغاضبا الآية # PageV02P024 ### | - الأصل التاسع والتسعون ### | في أن هدى الله تعالى على لسان الناطقين بالحق # عن أبي رافع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لأن ~~يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس) # الهدى على يديه شعبة من الرسالة لأن الرسل عليهم السلام بعثت لتؤدي عن ~~الله تعالى عز وجل وتهدي عباده فالرسول هاد بما جاء من البيان والله هادي ~~القلوب يهدي القلوب بما يهدي رسوله بالمنطق بيانا وأداء عنه فمن كان داعيا ~~إلى الله فهدى الله به عبدا فقد أخذ شعبة من الرسالة واحتظى من ثواب الرسل ~~حظا من الكرامة فلذلك صار خيرا له مما طلعت عليه الشمس قال الله تعالى (يا ~~داود لأن تأتيني بعبد آبق أحب إلي من عبادة الثقلين) # وإذا هدى الله تعالى قلبا على لسان ناطق بالهدى فقد أكرم الناطق بجزيل ~~الكرامة فمن إحدى الكرامات أن جعل لكلامه حكم الصدق والعدالة في القلوب ~~وكساه من النور كسوة ms213 تلج آذان السامعين من # PageV02P025 # تلك الكسوة فتخرق حجب الشهوات حتى تصل إلى مستقر الإيمان من قلوبهم فيحيي ~~ما مات منهم ويشفي ما سقم منهم وجعل له من السلطان ما يذهل نفوس المخاطبين ~~عن شهواتهم فيأخذ بنواصي قلوب العبيد الاباق فيردهم إلى الله تعالى جذبا ~~وجعله من العملة الحرثة للقلوب يبذر بذره فيزرعه الله وينميه # وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ~~أفضل ما أعطي العبد في الدنيا العافية ومن أفضل ما أعطي العبد في الآخرة ~~المغفرة ومن أفضل ما أعطي العبد من نفسه موعظة حسنه صدر بها قوم عن خير) # PageV02P026 ### | - الأصل المائة ### | في حقيقة النصح لله تعالى وبيان سره # عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال الله ~~عز وجل أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي # فالنصح له الاقبال عليه بالعبودية وأن يرفض جميع مشيئاته بمشيئة مولاه ~~وأن لا يخلط بالعبودية شيئا من شأن الأحرار وأفعالهم فيكون في سره وعلانيته ~~قد آثر أمر الله تعالى على هواه وآثر حق الله الكريم على شهوات نفسه فهذا ~~هو النصح لله تعالى # روي أبو امامة رضي الله عنه قال قال الحواريون لعيسى بن مريم عليه السلام ~~ما الناصح لله قال الذي يبدأ بحق الله قبل حق الناس ويؤثر حق الله تعالى ~~على حق الناس وإذا عرض أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة بدأ بأمر الآخرة ~~قبل أمر الدنيا # وهذا درجة المقتصدين وأما المقربون فقد جاوزوا هذه الخطة بجميع # PageV02P027 # أمورهم كلها للآخرة لأنها صارت لله تعالى وقد ماتت نفوسهم عن أن تأخذ ~~بحظها من الأعمال وحيت قلوبهم بالله تعالى فاستوى عندهم عمل الدنيا والآخرة ~~وحقوق الله تعالى وحقوق الناس فصارت كلها حقوق الله تعالى عندهم ولهذا كان ~~صلى الله عليه وسلم يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب فإذ سجد وضعها وإذا قام ~~رفعها # وروى شداد بن الهادي عن أبيه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في ms214 إحدى صلاتي العشاء وهو حامل إحدى ابني ابنته الحسن أو الحسين فتقدم ~~فوضعه عند قدمه اليمنى ثم صلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها قال أبي ~~فرفعت رأسي من بين الناس وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد وإذا ~~الغلام على ظهره فعدت فسجدت فلما قضى صلاته قيل يا رسول الله لقد سجدت سجدة ~~ما كنت تسجدها أفشيء أمرت به أم كان يوحي إليك قال كل لم يكن ولكن ابني ~~ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته # وعن علقمة قال قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم هدية ~~فقبضها ثم جلسوا وشغلوه بالمسألة فما صلى الظهر إلا عند العصر فالأنبياء ~~والأولياء المقربون عليهم السلام قد تخلصوا من نفوسهم فأعمالهم خالصة لله ~~تعالى دنيا كانت أو آخرة حق الله تعالى كان أو حق الناس لأن الأمور قد صارت ~~لهم معاينة بنور يقينهم وعلموا أن الدنيا والآخرة لله تعالى وأن حق الناس ~~هو حق الله تعالى أوجبه عليهم وهم في قبضة الله تعالى يستعملهم في أمور ~~دنياهم وأخراهم وحقوقه وحقوق الناس كيف شاء وقد فارقهم المقتصدون في ذلك ~~لأنهم قد احتاجوا إلى تقديم الأمرين وتمييز الحقين لأنهم لما يفارقوا # PageV02P028 # أنفسهم فأي عمل عملوه من دنيا وآخرة فحظوظ نفوسهم فيها قائمة لأن شهواتهم ~~عاملة تأخذ بحظها فإذا اجتمع عليهم أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة أو ~~حقان أحدهما لله تعالى والآخر للناس فشهواتهم عاملة في أمر دنياهم منزوعة ~~في أمر آخرتهم فمن نصيحتهم لله تعالى أن يؤثروا الأمر الذي لا شهوة لنفوسهم ~~فيه ويؤخروا ما فيه حظ للنفس # كما يروى عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت يا رسول الله إن بني أبي ~~سلمة في حجري وليس لهم شيء إلا ما أنفقت عليه أفلي أجر إن أنفقت عليهم فقال ~~صلى الله عليه وسلم أنفقي عليهم فإن لك أجر ما أنفقت عليهم # فإذن المقتصد إذا صلى أو قرأ القرآن أو عمل شيئا من هذه الأعمال عدها ~~آخرة وإذا أكل ms215 أو شرب أو نام أو جامع عدها دنيا لأنه لا يقدر أن يخلصها حتى ~~يصفو من الشهوة النفسية فافترق أمراه دنيا وآخرة فما كان من أمر الآخرة ~~أمكنه تصفيته على حسب طاقته وما كان من أمر دنياه فالشهوة غالبة عليه قاهرة ~~له فمن النصح له أن يبدأ بأمر الآخرة وأما المقرب فقد صارت شهوته منية ~~فالفرق بين الشهوة والمنية أن النفس صارت حية بشهوتها فإذا عرض لها ما تلتذ ~~به اهتشت النفس بالعجلة إليه حرصا وشرها فتلك شهوة والمنية لما ماتت شهوة ~~النفس حيي القلب بالله تعالى فإذا عرض لها ما تلتذ به بالله تعالى لحظت إلى ~~الله تعالى وراقبت تدبيره فإن أعطيت أخذت وإن منعت قنعت فتلك منية فالمقرب ~~منيته فيما دبر الله تعالى له يراقب ما يبدو له من غيب الملكوت فيتلقاه ~~بالرضاء والذلة والانقياد والقبول عبودة لله تعالى ومسكنة فصارت الأمور ~~كلها آخرة عنده والحقوق كلها حقوق الله تعالى فالغالب على أمور المقرب ذكر ~~الله تعالى والغالب على أمور المقتصد ذكر النفس # PageV02P029 # قال علي كرم الله وجهه في وصف الشيخين أن أبا بكر كان أواه القلب منيبا ~~وأن عمر كان عبدا ناصحا لله تعالى فنصحه # فالأواه لا يميز بين الأمرين لأنهما كلهما لله تعالى وليس فيهما ذكر ~~النفس والناصح لله عبد تفرد لله تعالى بقيام حقوقه فكلما اجتمع أمران للنفس ~~في أحدهما نصيب آثر الذي لا نصيب لها فيه وبدأ به ففعل عمر رضي الله عنه في ~~الظاهر فعل المقتصدين وفي الباطن من المقربين لأن المقربين صنفان صنف منهم ~~قد انفردوا في فردانيته فخلت قلوبهم من ذكر نفوسهم والله تعالى يستعملهم ~~ووحدانيته تملك قلوبهم وهذه صفة أبي بكر رضي الله عنه وصنف منهم لم يصلوا ~~إلى هذه الخطة قد انكشف على قلوبهم من جلال الله تعالى وعظمته ما ملأت ~~قلوبهم من هيبته فهم القائمون على نفوسهم فلا يدعونها تلحظ إلا إلى حق ~~فالحق يستعملهم والهيبة تملك قلوبهم وعمر رضي الله عنه منهم # روى كعب بن مالك أن ms216 أبا بكر رضي الله عنه أتى من اليمن بثلاثة سيوف أحدها ~~محلي فقال ابنه عبد الله بن أبي بكر مر لي بهذا السيف المحلي فقال أبو بكر ~~رضي الله عنه فهو لك فقال عمر رضي الله عنه بل إياي فاعطني فقال أبو بكر ~~فأنت أحق به فأخذه عمر رضي الله عنه فانقلب عمر بالسيف إلى منزله فراح وقد ~~جعل حلية السيف في ظبية والنصل معه فقال عمر يا أبا بكر استعن بهذه الحلية ~~على بعض ما يعروك ورمى بالنصل إلى عبد الله ابن أبي بكر وقال والله ما صنعت ~~هذا نفاسة عليك يا أبا بكر ولكن للنظر لك فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال ~~يرحمك الله يرحمك الله # دق عند أبي بكر شأن ذلك السيف وحليه فلم يظهر على قلبه قدر ذلك فاستوى ~~عنده سؤال ولده وسؤال الأجنبي فأنعم ثم لما # PageV02P030 # سأله الأولى آثره عليه وعمر نظر إلى الحق وإلى تدبير الحق فإن من تدبير ~~الحق جل جلاله أن ينزع الحلية فيستعين بها في النوائب وفي النصل بلا حلية ~~كفاية وتابعه أبو بكر رضي الله عنه في ذلك لأنه أشار إلى الحق وبكى فرحا ~~بما وجد من التأييد والعون فيما قلده الله تعالى عند أخيه وصاحبه ودعا له ~~بالرحمة لما وجده ناصحا لله تعالى ولإمامه مشفقا عليه ولكن فعل أبي بكر فعل ~~الرسل عليهم السلام فالرسول ومن في درجته قريب منه في سعة عظيمة من ملكه ~~وفعل عمر رضي الله عنه فعل المحقين لأنهم في أمر عظيم من القيام بحقه حزما ~~واحتياطا وصحة وتقويما # وقد روى زيد بن أسلم عن أبيه قال قدم عبد الله وعبيد الله ابنا عمر رضي ~~الله عنهم على أبي موسى الأشعري من مغربي لهما فقال أبو موسى وددت أني قدرت ~~أن أنفعكما قال ثم قال ههنا من مال الله فخذاه فاشتريا به تجارة من تجارة ~~المدينة واضمناه فإذا قدمتما فأديا المال إلى أمير المؤمنين وكتب إلى عمر ~~رضي الله عنه أن اقبض منهما كذا ms217 وكذا فلما قدما على عمر رضي الله عنه قال ~~لهما أديا المال وربحه فأما عبد الله فسكت وأما عبيد الله فقال يا أمير ~~المؤمنين أرأيت لو تلف هذا المال أما كنت تأخذه منا قال بلى قال فلم تأخذ ~~الربح فقال رجل في مجلسه يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا قال فقاسمهما ~~الربح وأخذ المال فهذه معاملة عمر مع ولده ومع سائر الخلق إقامة الحق ~~ونصرته في الأمور كلها # قال صلى الله عليه وسلم إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه وقال في ~~رواية الحق بعدي مع عمر وقلبه وقال في رواية الحق بعدي مع عمر حيث كان # PageV02P031 # ووصفه ابن عباس رضي الله عنهما فقال كان عمر رضي الله عنه كالطير الحذر ~~الذي يرى أن له في كل طريق شركا فهذا شأن النصحاء لله تعالى # وروى جابر رضي الله عنه قال دخل أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان يضرب بالدف عنده فقعد ولم يزجر لما رأى من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فجاء عمر رضي الله عنه فلما سمع رسول الله صوته كف عن ~~ذلك فلما خرجا قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله كان حلالا فلما دخل ~~عمر صار حراما فقال صلى الله عليه وسلم يا عائشة ليس كل الناس مرخيا عليه # فهذه كلمة تكشف لك أن المقربين صنفان صنف منهم قلوبهم في جلاله وعظمته ~~هائمه فقد ملكتهم هيبته فالحق سبحانه وتعالى يستعملهم في كل أمر فهم مشرفون ~~على الأمور مشمرون لها وصنف آخر قد أرخى من عنانه فالأمر عليه أسهل لأنه قد ~~جاوز قلبه هذه الخطة فقلبه في محل الشفقة في ملك الوحدانية وكلما كان القلب ~~محله أعلى ومن القربة أوفر حظا كان الأمر عليه أوسع وهذا لأن الله تعالى ~~تلطف بلطفه بعبده المؤمن فإذا علم منه أن نفسه صعبة وأنه محتاج إلى اللجام ~~ألجمها بلجام الهيبة وأبدى على قلبه من سلطانه وعظمته لئلا يفسد وإذا علم ~~أن نفسه ms218 لينة كريمة أرخى من عنانه فأبدى على قلبه من الوحدانية والفردانية ~~ما انفرد له قلبه ونفسه وماتت شهوته وذهل عن ذكر نفسه فهو يستعمله وهو ~~يكلؤه فالمحق في الظاهر أعلا فعلا عند أهله والأواه في الباطن أعلا # PageV02P032 ### | - الأصل الحادي والمائة ### | في أن العقوبة لا تثني في الآخرة # عن علي كرم الله وجهه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصاب في ~~الدنيا ذنبا فعوقب به فالله أعدل من أن يثني عليه عقوبته ومن أذنب في ~~الدنيا ذنبا فستره الله وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء وقد عفا عنه ~~قال الله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ~~والكثير من الله تعالى لا يحصى عددا # وقد بين صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ما يعفى عنه مما لا يعفى فقال ~~من أذنب ذنبا فستره الله ذكر الستر وقوله تعالى ويعفو عن كثير هم الذين قد ~~ستر الله عليهم فإذا دام هذا الستر لهم فالله سبحانه وتعالى أكرم من أن ~~يهتك ما قد ستره أيام الدنيا # PageV02P033 # وقال صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى لأنا أكرم وأعظم عفوا من أن أستر ~~على عبد لي مسلم في الدنيا ثم أفضحه بعد أن سترته ولا أزال أغفر لعبدي ما ~~استغفرني # وقال عليه السلام يقول الله تعالى إني لأجدني أستحيي من عبدي يرفع يديه ~~إلى ثم أردهما صفرا قالت الملائكة إلهنا ليس لذلك بأهل قال الله تعالى لكني ~~أهل التقوى وأهل المغفرة وأشهدكم أني قد غفرت له # قال ويقول الله تعالى إني لاستحيي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام ثم ~~أعذبهما بعد ذلك في النار # فنستغفر الله العظيم # PageV02P034 ### | - الأصل الثاني والمائة ### | فيما كتب على جباه الجهنميين وجباه المتحابين في الله # عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يدخل قوم ~~النار حتى إذا صاروا فحما أخرجوا فأدخلوا الجنة فيقول أهل الجنة من هؤلاء ~~فيقال الجهنميون # هؤلاء قوم موحدون وحدوا ms219 الله تعالى بألسنتهم وقلوبهم وضيعوا العبودة التي ~~أوجبها الله تعالى على خلقه امتحانا فهم مكذبون في الظاهر مصدقون في الباطن ~~فقدموا عليه مع كذب الظاهر وصدق الباطن وإنما وكل الحق بفعل الظاهر فهو ~~يقتضي الخلق القيام بذلك قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # فإذا كان يوم الجزاء جاء الحق تعالى يقتضي حقه فلم يجد عندهم # PageV02P035 # شيئا فحبسهم في النار ثم تدركهم رحمته ويترك ما وجب له من العبودة ويهبها ~~منهم ويعتقهم ويكتب على جباههم الجهنميون عتقاء الله تعالى وفي رواية محرري ~~الرحمن رحمهم بصدق الباطن وأنهم كانوا لا يلتفتون إلى غيره ولا يشركون به # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ~~الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي ثم ماتوا عليها فهم في الباب ~~الأول من جهنم لا تسود وجوههم ولا تزرق أعينهم ولا يغلون بالأغلال ولا ~~يقرنون مع الشياطين ولا يضربون بالمقامع ولا يطرحون في الأدراك فمنهم من ~~يمكث ساعة ثم يخرج ومنهم من يمكث فيها يوما ثم يخرج ومنهم من يمكث فيها ~~شهرا ثم يخرج ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج وأطوالهم مكثا فيها مثل ~~الدنيا من يوم خلقت إلى يوم أقتت وذلك سبعة آلاف سنة ثم إن الله عز وجل إذا ~~أراد أن يخرج الموحدين منها قذف في قلوب أهل الأديان فقالوا لهم كنا نحن ~~وأنتم جميعا في الدنيا فآمنتم وكذبنا وأقررتم وجحدنا فما أغنى عنكم فنحن ~~وأنتم اليوم فيها جميعا سواء تعذبون كنا نعذب وتخلدون كما نخلد فيغضب الله ~~تعالى عند ذلك غضبا لم يغضبه في شيء فيما مضى ولا يغضب في شيء فيما بقي ~~فيخرج أهل التوحيد منها إلى عين بين الجنة والصراط يقال لها نهر الحياة ~~فيرش عليهم من الماء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ما يلي الظل ~~منها أخضر وما يلي الشمس منها أصفر ثم يدخلون الجنة فيكتب في جباههم عتقاء ~~الله من النار إلا رجلا واحدا فإنه ms220 يمكث فيها بعدهم ألف سنة ثم ينادي يا ~~حنان يا منان فيبعث الله إليه ملكا ليخرجه فيخوض في النار في طلبه سبعين ~~عاما لا يقدر عليه ثم يرجع فيقول يا رب إنك أمرتني أن أخرج عبدك فلانا من ~~النار وإني أطلب في النار منذ سبعين سنة فلم أقدر عليه فيقول الله تعالى ~~انطلق فهو في وادي كذا وكذا تحت صخرة فأخرجه فيذهب فيخرجه منها فيدخله ~~الجنة # PageV02P036 # تحت صخرة فأخرجه فيذهب فيخرجه منها فيدخله الجنة # ثم إن الجهنميين يطلبون إلى الله تعالى أن يمحو ذلك الاسم عنهم فيبعث ~~ملكا فيمحو عن جباههم ذلك ثم إنه قال لأهل الجنة ومن دخلها من الجهنميين ~~اطلعوا إلى النار فيطلعون إليهم فيرى الرجل أباه ويرى أخاه ويرى جاره ويرى ~~صديقه ويرى العبد مولاه ثم إن الله تعالى يبعث إليهم ملائكة بأطباق من نار ~~ومسامير من نار وعمد من نار فيطبق عليهم بتلك الأطباق ويشد بتلك المسامير ~~ويمد بتلك العمد ولا يبقى فيه خلل يدخل فيه روح ولا يخرج منه غم وينساهم ~~الجبار على عرشه ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم ولا يستغيثون بعدها أبدا وينقطع ~~الكلام فيكون كلامهم زفيرا وشهيقا فذلك قوله تعالى إنها عليهم مؤصدة في عمد ~~ممدة # أحب الله تعالى أن يظهر عذره عند أهل الجنان في تأخرهم دخول الجنة وأنهم ~~لم يدخلوها إلا برحمته ولم ينالوا جواره إلا بكرمه وهؤلاء قوم لم يتخلصوا ~~من نفوسهم في الآخرة كما لم يتخلصوا في الدنيا طرفة عين وأنفوا من هذا ~~الاسم أن ينسبوا إلى جهنم واستحيوا من إخوانهم وأرادوا أن تكون العقوبة ~~التي حلت بهم مستورة عند أهل الجنة ولا يدري أحد أنهم ممن ابتلوا بهوان ~~الله وعقوبته أنفة وذهابا بنفسه وليس في الجنة أذى إنما هي محشوة بكرم رب ~~العزة فترك الله تعالى محبته لمحابهم ومحى عنهم ذلك الاسم تكرما وتفضلا ~~وإتماما للمن عليهم ولو كان لهم من الانسانية والتكرم لما آثروا محابهم على ~~محابه ولو كان المحبون له ابتلوا بهذا لم يسألوه أبدا أن يمحو ms221 اسمه من ~~جباههم والكتابة على الجباه سيماهم في الجنان كما كتبت على جباه أهل الصفوة ~~والأولياء عليهم السلام هؤلاء المتحابون في الله # PageV02P037 # روى ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~المتحابين في الله لعلى عمود من ياقوتة حمراء في رأس العمود سبعون ألف غرفة ~~يضيء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا يقول بعضهم لبعض انطلقوا ~~بنا ننظر إلى المتحابين في الله فإذا أشرفوا عليهم أضاء حسنهم أهل الجنة ~~كما تضيء الشمس أهل الدنيا عليهم ثياب خضر من سندس مكتوب على جباههم هؤلاء ~~المتحابون في الله # PageV02P038 ### | - الأصل الثالث والمائة ### | في علامات أولياء الله تعالى # عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال قيل يا رسول الله من أولياء الله قال ~~الذين إذا رأوا ذكر الله # وفي رواية أخرى عنه قيل يا رسول الله أي جلسائنا خير قال من ذكركم بالله ~~رؤيته وزاد في أعمالكم منطقه وذكركم بالآخرة عمله # وفي رواية عبد الله بن عمرو رضي الله عنه وقال صلى الله عليه وسلم خياركم ~~من ذكركم بالله رؤيته وزاد في عملكم منطقه ورغبكم في الآخرة عمله وهم ~~الأولياء الذين عليهم سمات ظاهرة من الله تعالى قد علاهم بهاء القربة ونور ~~الجلال وهيبة الكبرياء وأنس الوقار # PageV02P039 # فإذا نظر الناظر إليه ذكر الله لما رأى عليه من آثار الملكوت والقلب معدن ~~هذه الأشياء ومستقر النور وشرب الوجه من ماء القلب فإذا كان على القلب نور ~~سلطان الوعد والوعيد تأدي إلى الوجه ذلك النور فإذا وقع بصرك عليه ذكرك ~~البر والتقوى ووقع عليك منه مهابة الصلاح والعلم بأمور الله تعالى ومتى كان ~~على القلب نور سلطان الحق ذكرك الصدق والحق ووقع عليك مهابة الحق ~~والاستقامة وإذا كان عليه نور سلطان الله تعالى وعظمته وجلاله ذكرك عظمته ~~وجلاله وسلطانه وإذا كان على القلب نوره وهو نور الأنوار بهتك رؤيته فكل ~~نور من هذه الأنوار كان في قلب فشرب وجهه من تلك الأنوار التي فيه لا غير ~~قال ms222 الله تعالى ولقاهم نضرة وسرورا أي سرورا في القلب ونضرة في الوجه فإذا ~~سر القلب برضاء الله تعالى عن العبد وبما يشرق قلبه وصدره من نوره حيث ~~ينكشف الغطاء نضرت الوجوه بما ولجت القلوب وهو الذي دله عليه السلام على ~~الذكر عند رؤيته وصيره علامة لأهل ولايته والناس على ثلاث طبقات كل طبقة ~~تعرف بما عندها وهم رجال ما عندهم فرجال هم علماء بأمور الله تعالى من ~~الحلال والحرام فعليهم سمات العلم وبالعلم يعرفون ورجال هم علماء بتدبير ~~الله تعالى فعليهم سمات الحكمة وبالحكمة يعرفون ورجال هم علماء بالله تعالى ~~فعليهم سمات نوره وهيبته فبالله يعرفون فهم أولياء الله وهم الذين قال عنهم ~~عليه السلام لأبي جحيفة سائل العلماء وخالط الحكماء وجالس الكبراء لأن في ~~مجالستهم شفاء وفي رؤيتهم دواء وسائر الناس عمال وعباد وأهل بر وتقوى بذلك ~~يعرفون وإلى أعمالهم ينسبون يقال هذا رجل زاهد وهذا رجل متق فإذا جاء الولي ~~ذهب هذا الذكر من القلوب وغلب على قلوب الناظرين ذكر الله تعالى # PageV02P040 # روى عمرو بن الجموح رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول قال الله تعالى إن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون ~~بذكري وأذكر بذكرهم # وعن أنس رضي الله عنه يقول قالوا يا رسول الله أينا أفضل كي نتخذه جليسا ~~معلما قال الذين إذا رأوا ذكر الله لرؤيتهم # وقوله يزيد في عملكم منطقه لأنه عن الله ينطق ومن كان يذكر بالله رؤيته ~~يزيد في العمل منطقه والناطق صنفان فصنف ينطق بالعلم عن الصحف تحفظا وعن ~~أفواه الرجال تلقفا وصنف ينطق بذلك العلم عن الله تلقيا فالذي ينطق عن ~~الصحف وهو غير عامل به يلج آذان المستمعين عريان بلا كسوة والذي ينطق كذلك ~~وهو عامل به يلج آذانهم عاريا خلق الكسوة لأنه لم يخرج من قلب نوراني وإنما ~~خرج من قلب دنس وصدر مظلم وإيمان مغشوش بحب الرياسة والعز والشح على حطام ~~الدنيا والذي ينطق عن الله تعالى إنما يلج آذان ms223 المستمعين مع الكسوة التي ~~تخرق كل حجاب وهو نور الله تعالى لأنه خرج من قلب مشحون بالنور وصدر مشرق ~~به فإذا خرج المنطق مع ذلك النور فولج آذان المستمعين خرق هذا النور كل ~~حجاب قد تراكم على قلوب المخلطين من رين الذنوب وظلمة الشهوات ومحبة الدنيا ~~فخلصته إلى نور التوحيد فأنارته ومثل ذلك مثل جمرة قد أحاط بها الرماد فذهب ~~بحرها وضيائها فلما وصلت النفخة إليها طيرت الرماد عنها فتلهبت وأضاءت ~~البيت كذلك الكلمة التي تخرج من الناطق # PageV02P041 # عن الله تعالى تخرج من نور وكسوته النور فإذا وصل إلى الصدر خرقت حجب ~~الظلمات حتى وصلت إلى القلب فأثارت نور التوحيد فأضاءت البيت فاستغفر وبكى ~~وندم وأبصر قال الله تعالى قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني أي على معاينة وهذا لمن تفرغ من نفسه واشتغل بالله تعالى فأما من ~~ليس عبدا لله تعالى ولا هو لله عز وجل وإنما قلبه عبد نفسه ولنفسه ومشغول ~~بشهوته ونهمته فكيف يدعو إلى الله تعالى # وقوله يزيد في عملكم منطقه فإنه إذا نطق نطق بآلاء الله تعالى وتدبيره ~~وصنعه فأما آلاء الله تعالى فهو ما أبدا من الهيبة في وحدانيته كالجلال ~~والجمال والعظمة والهيبة والكبرياء والبهاء والسلطان والعز والفخر فهذه ~~صفات على قلوب الأنبياء والأولياء عليهم السلام فتمالكوا مع ذلك واحتملته ~~عقولهم وأما تدبيره فما دبر من خلقهم من تراب ثم جعل فيهم أرواحا سماوية ثم ~~أعطاهم جوارح قوالب لتلك الأرواح ثم اضطرهم إلى التربية والمعاش ثم دبر لهم ~~الموت ثم هيأ لهم يوما يحاسبهم ويفتشهم ويقتضيهم حقه فيه ثم جعل ممرهم إلى ~~الجنة على متن النار ثم أكرم وأهان وأدنى وأقصى وحرم وأعطى وأبرز عدله ثم ~~أفضل على من شاء بجوده وكرمه ومنته فهذا من تدبيره منذ أبدا خلقه وأما صنعه ~~فأحوال العباد في الدنيا كيف يفقر وكيف يغني ويعز ويذل ويملك وينزع الملك ~~ويبتلي ويعافي ويغير الأحوال ساعة فساعة # وقوله ويرغبكم في الآخرة عمله لأن على عمله نورا ms224 وعلى أركانه خشوعا وعلى ~~تصرفه فيها صدق العبودة مع البهاء والوقار والحلاوة والمهابة لأنه عمل على ~~معنى المعاينة وعامل الله بتلك الأعمال # PageV02P042 # عبودة لا متاجرة فإذا رآه الراءون تقاصرت إليهم أعمالهم وهم في تلك ~~الأعمال بأعيانها وليس لأعمالهم ذلك النور وتلك المهابة والحلاوة لأنهم ~~يعاملون على الرغبة والرهبة والخوف والطمع وهؤلاء أهل اليقين يعاملونه على ~~المعاينة على الشوق والمحبة عبودة له قد سبت قلوبهم محبته فعملوا على اليسر ~~وطيب والنفس # قال بعض الأنبياء عليهم السلام لبعض العباد أنتم تعملون على الرغبة ~~والرهبة ونحن نعمل على الشوق والمحبة وشتان ما بين عبدين أحدهما يعمل لخوف ~~وعيد مولاه وحرمان وعده والآخر يعمل لمولاه شفقة على عمله ونصحا له وتذللا ~~وتخشعا ومحبة له وشغوفا به # قال صلى الله عليه وسلم لعوف بن مالك الجشمي رضي الله عنه أرأيت لو كان ~~لك عبدان أحدهما يخونك ويكذبك والآخر يصدقك ولا يخونك أيهما أحب إليك قال ~~الذي يصدقني ولا يخونني قال فكذلك أنتم عند ربكم # PageV02P043 ### | - الأصل الرابع والمائة ### | في أن التمطر من امارات المشتاقين إلى الله تعالى # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال أصابتنا السماء ونحن مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في مطر فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الثوب عن رأسه ~~حتى أصابه من المطر فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا قال لأنه قريب عهد بربه ~~سبحانه # هذا فعل المشتاقين وأولاهم بالله أشدهم شوقا وكلما ازداد العبد انتباها ~~ويقظة ازداد شوقا وكمدا وكان صلى الله عليه وسلم طويل الفكر دائم الاحزان ~~ولا يكون حزنه إلا من الحبس عن لقاء الصفاء فأعلاهم منزلة وأقربهم قربا ~~وأشدهم حرقة في القلوب شوقا وينتظر متى يدعى فيجيب فكأنه صلى الله عليه ~~وسلم وجد روحا إلى ذلك المطر بما وصف من حداثة عهده بربه عز وجل وكذلك جد ~~المشتاق إلى لقاء من غاب عنه فهو قلق لمكانه فإذا ورد عليه منه كتاب أو شيء # PageV02P044 # من آثاره كان له فيه أنس وإليه استرواح وبه تلذذ ms225 # وروي عن موسى عليه السلام أنه كان يخرج إلى طور سيناء فربما ضاق عليه ~~الأمر في الطريق فشق قميصه من شدة الشوق والعجلة التي كانت تأخذه وهو الذي ~~حمله على سؤال الرؤية لما سمع الكلام قلق وغلي شوقه غلي المرجل وضاق به ~~الأمر ففزع إلى الرؤية طمعا لتسكين غليانه فاعلم الله تعالى أنه لا يحتمل ~~ذلك فأبى عليه وألقى إليه عذره بأن جعل الجبل دكا يعلمه أنك لا تقدر احتمال ~~ذلك لأن الجبل حجر وحديد وصخر وأنت لحم ودم # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~قوله تعالى {رب أرني أنظر إليك} قال تعالى يا موسى لن تراني إنه لا يراني ~~حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تفرق إنما يراني أهل الجنة ~~الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أسألك الشوق إلى لقائك ولذة ~~النظر إلى وجهك الكريم # وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعل ~~في دعائك ارزقني لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك # PageV02P045 ### | - الأصل الخامس والمائة ### | في أن مناولة المسكين تقي ميتة السوء وأن خصلتين لا يكلهما إلى أحد # عن حارثة بن النعمان أنه جعل خيطا من مصلاه إلى باب حجرته وكان قد ذهب ~~بصره فيضع مكتلا فيه تمر وغير ذلك فكان إذا أسلم المسكين أخذ من ذلك المكتل ~~ثم أخذ الخيط حتى ينتهي إلى باب الحجرة فيناول المسكين فكان أهله يقولون ~~نحن نكفيك فيقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان مناولة المسكين ~~تقي ميتة السوء # ففي مناولة المسكين خصلة تعلو الخصال لأن الله تعالى قد شرف هذه الأمة من ~~بين الأمم وعظم شأنها وأكرمها بفضل يقينها وجعل صدقاتها تؤخذ من أغنيائها ~~فترد إلى فقرائها فيبقى النفع فيهم وكانت الأمم من بني إسرائيل صدقاتها ~~وقرباتها توضع فتجيء نار فتقبله وتترك من لم يتقبل منه فيصير ms226 منهتك الستر ~~وكانت نفوسهم لا تسخوا إلا على عيان وجهر حتى بلغ بهم أن قالوا لموسى عليه ~~السلام # PageV02P046 # {أرنا الله جهرة} وأيدت هذه الأمة بفضل يقين فعلموا أن الشيء إذا أعطوه ~~لله تعالى أن الله لا يضيعه وتفضل عليهم أن ولي أخذ صدقاتهم بنفسه الكريمة ~~فلم يكلها إلى ملائكته ولا إلى أحد من خلقه قال الله تعالى وهو الذي يقبل ~~التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات # ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لايكل خصلتين إلى أحد فكان يمشي ~~بالصدقة إلى المسكين ويستقي لوضوء الماء ولا يكله إلى أحد # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي ~~نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقه حسنة طيبة فيضعها في حق إلا كانت تقع في ~~يد الرحمن يربيها كما يربي أحدكم فصيله أو فلوه حتى أن التمرة واللقمة ~~لتصير مثل الجبل العظيم ثم قرأ يمحق الله الربا ويربي الصدقات # وقال عليه السلام إن الصدقة لو جرت على يد سبعين نفسا لكان أجر أحدهم مثل ~~أجر آخرهم # ومعناه أن هذه الأيدي كلها منتهية إلى يد الله تعالى بنقل تلك الصدقة # PageV02P047 # وكان علي بن حسين رضي الله عنه إذا أعطى لسائل شيئا قبله ووضعه على يده ~~وإنما قبله لأنه علم من يأخذه # وقوله صلى الله عليه وسلم مناولة المسكين تقي ميتة السوء لأنه يصير ~~بالمناولة في قرب الله تعالى ومن وقع في قرب الله كان له مأمنا وذمة وكان ~~في ذمته ويوقى مصارع السوء وميتة السوء أن يموت مصرا على معصيته أو قانطا ~~من رحمته أو يفجأه الموت من غير توبة فمن كان في ذمة الله وقي هذه الأشياء # قال صلى الله عليه وسلم من صلى الغداة فهو في ذمة الله لأنه شهد الله عز ~~وجل وملائكته قال تعالى {إن قرآن الفجر كان مشهودا} معناه ليشهد الله ~~وملائكته # PageV02P048 ### | - الأصل السادس والمائة ### | في حقيقة الزهاد وحقيقة الإيمان وحقيقة الإخلاص # عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول ms227 الله صلى الله عليه وسلم ليس ~~الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا باضاعة المال ولكن الزهادة أن لا يكون ~~شيء مما في يديك أوثق منك مما في يدي الله تعالى وأن يكون ثواب المصيبة أحب ~~إليه من أن لو نفيت المصيبة عنه ولكل حق حقيقة ولا يبلغ العبد حقيقة ~~الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وان ما أخطأه لم يكن ليصيبه ~~ولكل حق حقيقه ولا يبلغ العبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمد في كل شيء ~~يعمله لله تعالى # PageV02P049 # الزهد القلة فالزاهد قلت في عينه الدنيا بما فتح له من الغيب فرأى الآخرة ~~ببصر قلبه فاستقل هذه وتهاون بها وشخص بصره إلى ضامن الرزق الذي ضمن له ~~رزقه ووثق بضمانه وصار هذا الذي في يده كأنه أودع وديعة وكل بحفظها على ~~نوائب الحق لينفقها هناك وضمان الرب لعبده الرزق له أوكد عنده وأعظم شأنا ~~من أن يتلف مما في يده ويكون ثواب المصيبة آثر عنده من أن لو بقي عنده ذلك ~~الشيء لأن الشيء من الدنيا وقد دق في عينه والثواب من الآخرة وقد عظم في ~~عينه # فأما من لم يفتح بصره في الآخرة وعظم قدر الدنيا في عينه حتى وجد شيئا ~~منها إحتدت مخاليبه فيها وعلق قلبه بها ولم يستبن عند قلبه ضمان الرزق ~~وكلما ذكر الفقر أو حبس في نفسه خيفة فركن إلى ما في يده فهذا وان جانب ~~الدنيا ولبس المسوح وأكل الحشيش فليس بزاهد إنما هو متزهد يتكلف الزهد ~~بجوارحه # وقوله ولا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ~~فالموحدون كلهم يعلمون هذا علم اللسان ولكن لا تستقر قلوبهم مع هذه الكلمة ~~ولهذا يفرون من المخلوق فرارا فيه عصيان الله تعالى فأما أهل اليقين فقد ~~استقر هذا العلم في قلوبهم وانشرحت به صدورهم فكانوا في النوائب كرأي العين ~~أن هذا الذي ناب قد كان في سابق العلم ثم تصور عندهم كونه في اللوح مسطورا ~~فاستقرت نفوسهم لعلم ms228 يقينهم بذلك فهذا حقيقة الإيمان # وأما حقيقة الإخلاص فأن ينفي عن قلبه وصدره حب المحمدة والثناء ويكون ~~مخلصا لله تعالى في أمور يعملها من أعمال البر وذلك لأن النفس تحب المحمدة ~~والثناء لينفذ قوله وينال نهمته في دنياه من خلقه ويقول بلسان التوحيد هذا ~~كله من الله تعالى ثم تراه معلق القلب بخلقه طامعا فيما لديهم غير ناج من ~~التزين والترايئ # PageV02P050 # يريد بذلك التحمد عندهم لتنال النفس ما تطمع فيه ولم يبلغ حقيقة الاخلاص ~~حتى استنار صدره بالإيمان وتعلق قلبه بالله تعالى وينجو من الخلق والأسباب ~~وشخصت آماله إلى خالقه فينبىء الخلق ما تصور في صدره مما تنطق الألسنة به ~~من قوله لا مانع لما أعطي ولا معطي لما منع # PageV02P051 ### | - الأصل السابع والمائة ### | في أن الله تعالى أحق أن يستحيي منه # عن بهز بن حكيم عن جده عن أبيه رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله ~~عوراتنا ما نأتي منها وما نذر قال احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت ~~يمينك # قلت أرأيت إذا كان القوم بعضهم في بعض # قال فإن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها # قلت أفرأيت إذا كان أحدنا خاليا # قال صلى الله عليه وسلم فالله سبحانه وتعالى أحق أن يستحيي منه # فالعورة كانت مستورة من آدم وحواء عليهما السلام وعاشا ودخلا # PageV02P052 # الجنة فلما خرجا من ستر الله تعالى بالخطيئة وأكلا من الشجرة وإنكشفت ~~سوآتهما أمرا بالستر قال تعالى {ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما} # والزوجة وملك اليمين مطلق في ملامستهما فيحل النظر إليهما قال الله تعالى ~~والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ~~ملومين # إلا أن الحياء يحجر صاحبه عن ذلك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتوقى أن يرى أحد من نسائه عورته # قالت عائشة رضي الله عنها ما رأيت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وما رأى مني قط # وأما إذا كان خاليا فتعرى ولم يحتشم عن ذلك فهذا قلبه غافل عن الله ms229 تعالى ~~لم يعلم أن الله تعالى يراه ثم لا يأخذه الحياء ولا يثقل ذلك عليه # قال أبو بكر رضي الله عنه إني لأدخل الخلاء فأقنع رأسي حياء من الله ~~تعالى # وكان عثمان رضي الله عنه إذا اغتسل اغتسل في بيت مظلم # PageV02P053 ### | - الأصل الثامن والمائة ### | في فضل الإحسان إلى اليتيم # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن إلى ~~يتيم أو يتيمة كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وقرن بين اصبعيه # وفي رواية أخرى أنا وكافل اليتيم له ولغيره إذا اتقى الله في الجنة ~~كهاتين # إنما فاق هذا سائر الأعمال لأن اليتيم افتقد بر أبيه ولطفه وتعاهده ~~ومصالح أموره والله تعالى ولي ذلك كله يجريها على الأسباب فإذا قبض أبوه ~~فهو الولي لذلك اليتيم في جميع أموره يبتلي به عبيده لينظر أيهم يتولى ذلك # قال موسى عليه السلام يا رب أتميت أبوي الصبي ومن لا # PageV02P054 # حيلة له وتدعه هكذا قال يا موسى أما ترضى بي كافلا # فاليتيم كافله خالقه لأنه قطع عنه من كان قيض له وطوى عنه أسبابه فمن مد ~~يده إلى كفالته فانما ذلك عمل يعمله عن الله تعالى لا عن نفسه كما أن الرسل ~~عليهم السلام يعملون عن الله تعالى يؤدون عنه حججه إلى خلقه وبيانه وهدايته ~~والذي يكفل اليتيم يؤدي عن الله تعالى ما تكفل به فلذلك صار بالقرب منه في ~~الدرجة في ذلك الموقف وليس في الجنة بقعة أروح ولا أطيب ولا أنور ولا آمن ~~من البقعة التي يكون بها الرسل عليهم السلام فإذا نال كافل اليتيم القرب من ~~تلك البقعة فقد سعد جده وأما سائر الأعمال سوى الجهاد فيعمله العمال عن ~~أنفسهم والجهاد فيه ذب عن الدين وإعلاء كلمة الله تعالى فهم على أثر ~~الأنبياء عليهم السلام يومئذ وبالقرب منهم وقد ذكر الله تعالى شأن العفو ~~فقال ومن عفا وأصلح فأجره على الله # ولم يوجد شيء من أعمال البر أجره مضمونا في عاجل الدنيا غير العفو لأن ~~الرجل ms230 إذا ظلم وقع قلبه في سجن المعصية وصار محجوبا عن الله تعالى فهو وإن ~~تاب فهو غير مقبول منه حتى يتحلل المظلوم فيهب ظلامته فيكون في خذلان من ~~ربه وعمى عن رؤية الحق تعالى فإذا رحمه هذا المظلوم لما يعلم من فساد قلبه ~~وعفا وأصلح ما فسد من قلبه لسؤال ربه المغفرة له فإنما عمل لله تعالى لا ~~لنفسه فأجره على الله تعالى في عاجل الدنيا قال تعالى ولمن صبر وغفر إن ذلك ~~لمن عزم الأمور # فسمى سؤال الغفران له من عزم الأمور فقد أخذ هذا الذي عفا # PageV02P055 # وطلب له المغفرة بحظ من أمر أولي العزم وكان أولي العزم من الرسل عليهم ~~السلام من يضر به قومه حتى تسيل دموعه على وجنته فاذا أفاق اللهم قال اغفر ~~لقومي فانهم لا يعلمون # وعن الحسن رضي الله عنه قال ينادي مناد يوم القيامة ألا من كان له على ~~الله أجر فليقم فلا يقوم إلا من عفا الله تعالى # PageV02P056 ### | - الأصل التاسع والمائة ### | في أن الحوض لا يرده من كذب به # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي حوضا ما ~~بين عدن إلى عمان آنيته عدد نجوم السماء وله ميزابان أحدهما من ورق والآخر ~~من ذهب يمدانه من الجنة لا يرد عليه من كذبه # فالحياض يوم القيامة للرسل عليهم السلام لكل على قدره وقدر تبعه وقد هيأ ~~له مشربا يروى منه فلا يظمأ بعدها أبدا # عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من ~~يدعى يوم القيامة أنا فأقوم وألبي ثم يؤذن لي بالسجود فأسجد له سجدة يرضى ~~بها عني ثم يأذن لي فأرفع وأدعو بدعاء يرضاه عني فقلنا يا رسول الله وكيف ~~تعرف أمتك يوم القيامة # قال يقومون غرا محجلين من آثار الطهور ويردون إلى الحوض # PageV02P057 # ما بين بصرى إلى صنعاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج ~~وأطيب ريحا من المسك فيه من ms231 الآنية عدد نجوم السماء من ورده فشرب منه لم ~~يظمأ بعده أبدا ومن صرف عنه لم يرو بعده أبدا ثم يعرض الناس على الصراط ~~فيمر أوائلهم كالبرق ثم يمرون كالريح ثم يمرون كالطرف ثم يمرون كأجود الخيل ~~والركاب وعلى كل حال وهي الأعمال والملائكة جانبي الصراط يقولون رب سلم سلم ~~فسالم ناج ومخدوش ناج ومرسل في النار وجهنم تقول هل من مزيد حتى يضع فيها ~~رب العالمين ما شاء أن يضع فتنزوي وتنقبض وتغرغر كما تغرغر المزادة الجديدة ~~إذا ملئت وتقول قط قط # PageV02P058 ### | - الأصل العاشر والمائة ### | في أن الولد من ريحان الله تعالى # عن أنس رضي الله عنه قال لما قبض إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدرجوه في أكفانه حتى أنظر ~~إليه فأتاه وانكب عليه وبكى # الولد من ريحان الله تعالى يشمه المؤمن فيلتذ به قال صلى الله عليه وسلم ~~إنكم لتجهلون ولتجبنون وتبخلون وانكم لمن ريحان الله تعالى # فكأنه صلى الله عليه وسلم أحب أن يتزود من ريحان الله تعالى آخر # PageV02P059 # العهد به ولذلك قيل ريح الولد ريح الجنة فكان صلى الله عليه وسلم يفعل ~~فعل المشتاقين إذا هاج غليان الشوق إلى الله تعالى ولهذا كان إذا مطرت ~~السماء تجرد وكشف عن رأسه وأبرز ثم يتلقاه بجسده ويقول إنه حديث العهد بربه ~~وكان ينكب على الحجر الأسنود ويقول ههنا تسكب العبرات ألا ترى أنه كان ~~يستبطىء جبرئيل عليه السلام في مجيئه حتى قال يا محمد ما نتنزل إلا بأمر ~~ربك فانكبابه على إبراهيم صلى الله عليه وسلم تزود منه وبكاؤه توجع منه ~~لمفارقة من يشمه ريحانا من الله تعالى فنسب إلى الله تعالى لأنه هبة الله ~~والهبة منه حشوها البر واللطف وظاهرها الابتلاء قال تعالى يهب لمن يشاء ~~إناثا ويهب لمن يشاء الذكور # وقال صلى الله عليه وسلم أولادكم من هبة الله تعالى لكم فكلوا من كسبكم # PageV02P060 ### | - الأصل الحادي عشر والمائة ### | في أن إقراض الله تعالى سفاتج ms232 الآخرة وسره # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال لما نزلت {من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا} قال أبو الدحداح الأنصاري أو أن الله تعالى يريد القرض منا قال نعم ~~يا أبا الدحداح قال أرني يدك يا رسول الله بأبي أنت وأمي قال فناوله يده ~~قال فإني أقرضت ربي حائطي فيه ستمائة نخلة قال فجاء إليه فنادى وهو خارج من ~~الحائط يا أم الدحداح مرتين قالت لبيك قال اخرجي فقد أقرضت ربي عز وجل # القرض سفاتج الآخرة فان الله تعالى خلق هذا المال قواما لمعاش بني آدم ~~وجعل قوام الروح به فأحبه الآدمي على قدر نفعه منه والمحبة لازقة بالقلب ~~لأنها تخلص إلى حبة القلب أي باطنه وشهوته # PageV02P061 # وإنما هما بضعتان قلب وفؤاد فالقلب ما بطن والفؤاد البضعة التي قد اشتملت ~~على قلبه وفي الفؤاد العين والأذن قال الله تعالى {ما كذب الفؤاد ما رأى} # نسب الرؤية إلى الفؤاد ثم قد يجتمعان في اسم واحد فيقال للكل قلب كما قيل ~~نفس # وقال صلى الله عليه وسلم أتاكم أهل اليمن ألين قلوبا وأرق أفئدة وصف ~~القلب باللين والفؤاد بالرقة وذلك لأن القلب بضعة لحم في بضعة أخرى فالقلب ~~ما بطن منه والفؤاد ما ظهر منه وفيه العينان والأذنان يقال في اللغة لخبز ~~الملة خبز فئيد إذا كان له ظهارة وبطانة فنور التوحيد في القلب وشهوة النفس ~~قد خلصت إلى حبة القلب فلصقت به وذاك معدن الإيمان والحكمة والعلم ومستقر ~~النور وليس بموضع شهوة فإن الشهوة داء القلب وسقم الإيمان # قال صلى الله عليه وسلم حبك الشيء يعمي ويصم # PageV02P062 # فإذا خلص حب الشهوات إلى القلب فقد أعمى بصر القلب وأصم أذنه لأنه صار ~~سميعا وبصيرا بالنور فإذا خالطه حب الشهوات ودخانها ثقل الأذن وغشي البصر ~~ومن ههنا قال صلى الله عليه وسلم لسلمان رضي الله عنه قل اللهم إني أسألك ~~صحة في الإيمان # سأل الصحة من السقم وسقم الإيمان ما خالط من شهوة النفس وقد ذكر الله ~~تعالى في تنزيله الكريم ms233 خروج العباد من أموالهم وذكر ثواب كل واحد منها ~~فذكر الإنفاق والإيتاء والإطعام وأشار في جميع ذلك إلى المساكين وإلى سبيله ~~فقال تعالى وما تنفقوا من خير يوف إليكم # وقال ومثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل # وقال في شأن الصدقة ويكفر عنكم سيئاتكم # وقال في شأن الإطعام {فوقاهم الله شر ذلك اليوم} # فلما صار إلى ذكر القرض أشار إلى إقراضه دون خلقه وذكر ثواب القرض فقال ~~إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم # PageV02P063 # وعد المغفرة والتضعيف وقال في موضع آخر {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~فيضاعفه له أضعافا كثيرة} # والكثير من الله تعالى لا يحصى والقرض زائد على الجميع في الاسم الذي سمي ~~به والشرط الذي علق به فقال تعالى {يقرض الله قرضا حسنا} # فالقرض هو القطع وسمي بالمقراض لأنه يقطع به الشيء اللاصق بالشيء وليس ~~منه وإنما يحسن قرضه إذا قرضه من أصله قرضا لا يبقى هناك شئ فإذا أقرض ~~الشيء الذي قد لصقت شهوته ومحبته بالقلب وصرفه إلى نوع من أنواع البر فقد ~~قرض محبته من قلبه لأنه قد فارقه ملكا وأخرجه إلى ملك غيره فأما إذا أعطى ~~وعلى قلبه كراهة الإعطاء وعسره فقد قطعه وبقي هناك شيء فلم يستأصله وإذا ~~أعطى وانتظر الخلف والثواب فقد شخصت عيناه إلى محبة شيء هو أعظم من الذي ~~أعطى فقد أنهك القطع وقصر فيه وهذا لأن الله تعالى ابتلى العباد بما أعطاهم ~~من الدنيا ثم سألهم منها بعد إذ ولجت لذة منافعه قلوبهم محنة لسرائرهم فمن ~~أسكرته لذة هذه المنافع فقد سكرت عقولهم عن الله تعالى فصارت فتنة لهم فإن ~~أعطى كرها أو أعطى على طمع ثواب أو خلف لم تصف عطيته وإنما تصفو إذا أعطى ~~ربه عطاء لا تتبع نفسه العطية ولا تنتظر الخلف منها ولا الثواب عليها عطاء ~~من كان الشيء عنده بأمانة فإذا استرد اغتنم ذلك منه وتسارع إلى ردها ولا ~~يقوى على هذه الخطة إلا أهل اليقين ms234 وهم المقربون السابقون لأن الأشياء ~~عندهم عواري وودائع قبلوها عن الله تعالى بقلوبهم وأمسكوها لله تعالى على ~~نوائب حقوقه وقد سقط عن قلوبهم قدر الدنيا وما فيها وولجت قلوبهم عظمة الله ~~تعالى # PageV02P064 # فرقت الدنيا في أعينهم فإذا أعطوا منها شيئا فإنما هي عندهم أمانة خرجوا ~~منها إلى الله تعالى في وقت نائبة الحق فهم خزانه وأعوانه وأمناؤه في أرضه ~~وقد ماتت شهوات نفوسهم عن جميع حطامها وإمساكها حرصا وعدة والدنيا عندهم ~~كما قال صلى الله عليه وسلم إنما مثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح ~~منها # وكما فعل أبو بكر رضي الله عنه حين حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الصدقة فأتاه بماله كله فقال ما تركت لأهلك يا أبا بكر قال الله تعالى ~~ورسوله # فالمستغني بالله لا بالمال هكذا قلبه فمن أعطى العطية وغناه بالله تعالى ~~لم تشخص عيناه إلى الخلف والثواب ولم يكن عليه في وقت الإعطاء عسر ولا ~~كراهية فهذه عطية الأولياء ونفقاتهم ومن قبيل ذلك ما فعله أبو الدحداح فانه ~~صفق يده على يد رسول الله بالعطاء فإن من أعطى الرسول فقد أعطى الله ~~فالرسول ولي الله تعالى في الأرض يتولى قبض ما يعطى لله تعالى حتى يضعه حيث ~~يأمر الله تعالى ثم صار إلى الحديقة لم يدخلها وأخرج عياله منها وخلا عنها ~~وقال إني أقرضته ربي وإنما توقى دخولها مخافة أن تتبعه نفسه شيئا مما ذكرنا ~~فلم يأمن نفسه فاجتنب دخولها لئلا يكون في النفس شيء منه # PageV02P065 # وقال صلى الله عليه وسلم كم من عذق مذلل لأبي الدحداح في الجنة # وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه الشيء أخرج منه إلى الله تعالى ~~وكانت له سرية وكان بها معجبا فأعتقها وزوجها بعض مواليه فولدت له غلاما ~~وكان ابن عمر رضي الله عنهما يضم ولدها إلى نفسه ثم يقبله ثم يقول واها إني ~~أجد منك ريح فلانة يعني جاريته # قال وكان راكبا بعيرا له فأعنق وأعجبه سيره فقال أخ أخ فنزل ثم ms235 قال يا ~~نافع جلله وألحقه بالبدن # PageV02P066 ### | - الأصل الثاني عشر والمائة ### | في أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم هجرة المضطرين # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من زار ~~قبري وجبت له شفاعتي # زيارة قبره صلى الله عليه وسلم هجرة المضطرين هاجروا إليه فتوجب لهم ~~شفاعة تقيم حرمة زيارتهم والشفاعة لمن أوبقته ذنوبه # قال صلى الله عليه وسلم شفاعتي للمتلوثين المتلطخين المؤيسين فأما ~~المتقون فقد كفوا أنفسهم # وشفاعته صلى الله عليه وسلم من الجود قال صلى الله عليه وسلم إن إبراهيم # PageV02P067 # عليه السلام ليرغب إلي يوم القيامة وفي حديث آخر يحتاج إلي وشفاعة غيره ~~من الأنبياء عليهم السلام من الصدق والوفاء والحظوظ # PageV02P068 ### | - الأصل الثالث عشر والمائة ### | في أن أفضل الصلاة الصلاة لوقتها # عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم صل ~~الصلاة لوقتها فان أتيت الناس وقد صلوا كنت قد أحرزت وإن لم يكونوا صلوا ~~كانت لك نافلة # وقت الصلاة ممتد إلى آخر الوقت وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه بما يكون بعده من الأحداث والفتن حتى قال سيكون بعدي امراء يميتون ~~الصلاة فيصلونها لغير وقتها فصلوها لوقتها واجعلو صلاتكم معهم سبحة # PageV02P069 # وظهر تأويل هذا الحديث في زمن بني أمية فإنه روى أبو مسلم قال كان يخطبنا ~~الحجاج يوم الجمعة فلم يزل يخطب حتى غربت الشمس ثم نزل وصلى الظهر والعصر ~~والمغرب # وروي سالم قال لما قدم الوليد بن عبد الملك جاءت الجمعة فجمع بنا فما زال ~~يخطب حتى مضى وقت الجمعة ثم ما زال يخطب حتى مضى وقت العصر ولم يصل قال له ~~القاسم بن محمد فما قمت وصليت قال لا قال فما صليت قاعدا قال لا قال فما أو ~~مأت قال لا والله خشيت أن يقال رجل من آل عمر # وقوله صلى الله عليه وسلم كانت لك نافلة أي صلاتك التي صليت معهم هي ~~النافلة لأن الفريضة قد مضت # PageV02P070 ### | - الأصل الرابع ms236 عشر والمائة ### | في أن البداية في الخيرات بالأكابر # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استن ~~فأعطي أكبر القوم ثم قال أمرني جبرئيل عليه السلام أن أكبر # وروى زيد بن رفيع قال دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرئيل ~~وميكائيل وهو يستاك فناول رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرئيل السواك فقال ~~جبرئيل له أكبر أي ناول ميكائيل فأنه أكبر # وعند عبد الله بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استن أعطى ~~السواك الأكبر وإذا شرب أعطى الذي عن يمينه لأن أكبرهم سنا أقدمهم خروج ~~أسنان ومن كان أقدم فهو أحق وهكذا في حق الجوارح يبدأ بالأقدم # روى أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أدهن ~~أحدكم فليبدأ بحاجبه فإنه يذهب بالصداع وذلك أول ما ينبت على ابن آدم من ~~الشعر فإذا قدم الشيء في الخلقة فهو المقدم في التدبير عند خالقه وصاحبه ~~مطلوب بحفظ ذلك ورعايته ليقدم ما قدم الله سبحانه وتعالى ويؤدي حقه فإذا ~~اتبع الحق في كل شيء # PageV02P071 # من أمره فعقله مستريح وإذا اتبع الجهل أتعبه لأن العقل مسكنه الدماغ ~~وتدبيره على القلب فإذا بدأ بالحاجبين في الإدهان فقد أدي حقه لأنه بدئ به ~~في الخلقة فإذا ضيع الحق في ذلك فقدم المؤخر وأخر المقدم فغير مستنكر أن ~~يهيج الصداع لأن في فعله اتعاب الحق والعقل ويبدأ بالأكبر فالأكبر في كل ~~شيء لأنه إذا لم يبدأ به لم يوقره # وقال صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يوقر كبيرنا # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~سقي قال إبدءوا بالأكابر فان البركة مع أكابركم # وقوله إذا شرب أعطي الذي عن يمينه لأن الإناء كان واحدا فإذا شرب الكبير ~~وقد فضلت فضلة لم يجد بدا من مناولته غيره فالحق لليمين ومن على اليمين ~~كذلك يروى عن رسول الله صلى الله ms237 عليه وسلم # PageV02P072 ### | - الأصل الخامس عشر والمائة ### | في المبادرة إلى الآخرة # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض ~~جسدي فقال كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور # الغريب نازع قلبه إلى الوطن ماد عينه إلى أهله شاخص أمله إلى وقت ~~الارتحال متى ينادى بالرحيل فيرتحل وكلما قطع مرحلة خف ظهره وهاج شوقه ~~ينتظر نفاد المراحل ونهاية المسافة فإذا بلغ آخر مر حلة قلق وضاق ذرعا فإذا ~~وقع نظره على وطنه رق ودمعت عيناه فبكى من طول الغربة ومقاساة الوحشة ثم ~~بكى فرحا بوصوله # PageV02P073 # إلى الوطن ونظره إلى الأحباب فعلى هذه الصفة دله صلى الله عليه وسلم أن ~~يكون نازع القلب إلى دار السلام مادا عينه إلى الملك العلام شاخصا أمله إلى ~~دعوته ينتظر متى يدعى فيجيب وكلما قطع يوما من عمر خف ظهره من أثقال العمر ~~وهاج شوقه ينتظر نفاد الليالي والأيام التي أجلت له وإذا بلغ آخر يومه قلق ~~وضاق ذرعا لخوف الخطر الذي ركبه وأنه لا يدري بما يختم له فإذا كشف الغطاء ~~عنه وبشر بالسلامة وأري مكانه رق وبكى من طول الغربة ومقاساة جهد النفس ثم ~~بكى فرحا بلقاء مولاه ووصوله إليه والغريب منفرد منكسر القلب لا يتهنى بعيش ~~وإن كان في سعة من العيش ونعمة لا يتوجع لما ينوبه في سفره ولا يجزع لما ~~يقاسي من الشدة لأنه يعلم أن سفره منقطع # وقوله وعد نفسك من أهل القبور أن يقول ساعة بعد ساعة الآن يحضرني أمر ~~الله تعالى فيعد نفسه منهم لا من الأحياء لأن أهل القبور قد انقطعت أطماعهم ~~من الأحياء وقطعوا الدنيا ورفعوا بالهم عنها ولهذا كان السلف يبادرون إلى ~~تصحيح الأمور مخافة أن يحال مما يحافظ بينهم وبين ذلك فإن الأمر قد غيب عن ~~الخلق وكان عامر بن عبد القيس رحمة الله عليه يمر مسرعا إلى أمر فقيل له ~~فقال أبادر طي صحيفتي وانتهى كرز بن وبرة إلى قنطرة وعليها ms238 زحام فنزل عن ~~حماره وقام يصلي وقال أكره أن تبطل من عمري ساعة وقيل لجعفر بن برقان ألا ~~تخضب قال أكره أن يأتيني رسول ربي وأنا مشتغل به وسئل محمد بن النضر عن ~~الصوم في السفر فقال المبادرة المبادرة فاغتنم وسئل داود الطائي عن الرمي ~~وتعليمه فقال إنما هي أيامك فاقطعها بما شئت # PageV02P074 ### | - الأصل السادس عشر والمائة ### | في أن خوف الإقلال من سوء الظن بالله تعالى # عن عمر رضي الله عنه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن ~~يعطيه فقال صلى الله عليه وسلم ما عندي شيء ولكن اتبع علي فإذا جاء قضينا ~~فقال عمر رضي الله عنه ما كلفك الله ما لا تقدر عليه فكره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قول عمر فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أنفق ولا تخف من ~~ذي العرش إقلالا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وعرف السرور في ~~وجهه لقول الأنصاري ثم قال صلى الله عليه وسلم بذلك أمرت # خوف الإقلال من سوء الظن بالله تعالى لأن الله تعالى خلق الأرض بما فيها ~~لبني آدم قال تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا وسخر لكم ما في السموات وما ~~في الأرض # PageV02P075 # فهذه الأشياء للآدمي قطعا لعذره ليكون له عبدا في الدنيا ويقدم عليه غدا ~~فيحرره من العبودية ويبعثه ملكا إلى داره فالمستقيم من رفع باله وهمته عن ~~الدنيا وكان كل همته في إقامة العبودة والكون له كما خلقه مراقبا لأموره في ~~السر والعلانية منقادا لحكمه يعد نفسه عبدا لا يملك شيئا وأحواله عواري ~~يقلبها وليها ساعة فساعة كيف شاء ليست له فيها مشيئة ويتوقى أن يفكر فيها ~~فيحدث له مشيئة ناظرا إلى ما برز له من مشيئة الغيب وخوف الإقلال يضمحل من ~~القلب بأن يحسن الظن بالله تعالى ويعلم أنه رب غني كريم وقد استنار في صدره ~~غناه وكرمه فإذا أنفق لم يخف الإقلال لأنه يخلف ولا يعوزه شيء وإذا عرفه ~~بالقلة أو بالضيق والبخل ms239 جبن في ذلك # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال الله ~~تعالى سبقت رحمتي غضبي يا ابن آدم أنفق عليك يمين الله ملأى سحاء لا يغيضها ~~شيء بالليل والنهار # وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أطعمنا يا ~~بلال قال ما عندي إلا صبر من تمر قد خبأته لك قال أما تخشى أن يخسف الله به ~~نار جهنم أنفق يا بلال ولا تخشى من ذي العرش إقلالا # وعن الزبير رضي الله عنه قال جئت حتى جلست بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخذ بطرف عمامتي من ورائي ثم قال يا زبير إني رسول الله إليك ~~خاصة وإلى الناس عامة أتدري ماذا قال ربكم # PageV02P076 # قلت الله ورسوله أعلم قال قال ربكم حين استوى على عرشه ونظر إلى خلقه # عبادي أنتم خلقي وأنا ربكم أرزاقكم بيدي فلا تتعبوا فيما تكفلت لكم ~~واطلبوا مني أرزاقكم وإلي فارفعوا حوائجكم انصبوا الى أنفسكم أصب عليكم ~~أرزاقكم # أتدرون ماذا قال ربكم قال الله تعالى عبدي أنفق أنفق عليك وأوسع أوسع ~~عليك ولا تضيق فأضيق عليك ولا تضر فأضر عليك ولا تحزن فأحزن عليك # إن باب الرزق مفتوح من فوق سبع سموات متواصل إلى العرش لا يغلق ليلا ولا ~~نهارا ينزل الله تعالى منه الرزق على كل امرئ بقدر نيته وعطيته وصدقته ~~ونفقته من أكثر أكثر له ومن أقل أقل له ومن أمسك أمسك عليه يا زبير فكل ~~وأعطى ولا توك فيوكى عليك ولا تحصي فيحصى عليك ولا تقتر فيقتر عليك ولا ~~تعسر فيعسر عليك يا زبير إن الله تعالى يحب الإنفاق ويبغض الاقتار وإن ~~السخاء من اليقين والبخل من الشك فلا يدخل النار من أيقن ولا يدخل الجنة من ~~شك يا زبير إن الله يحب السخاء ولو بفلق تمرة والشجاعة ولو بقتل عقرب أو ~~حية يا زبير إن الله تعالى يحب الصبر عند زلزلة الزلزال واليقين النافذ عند ~~مجيء الشبهات ms240 والعقل الكامل عند نزول الشهوات والورع الصادق عند الحرام ~~والخبيثات يا زبير عظم الاخوان وجلل الأبرار ووقر الأخيار وصل الجار ولا ~~تماش الفجار وادخل الجنة بلا حساب ولا عذاب هذه وصية الله إلي ووصيتي إليك ~~يا زبير # PageV02P077 ### | - الأصل السابع عشر والمائة ### | في النعمة والرحمة وذكر بلوغ ذرى الإيمان # عن واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث الله يوم ~~القيامة عبدا لا ذنب له فيقول له بأي الأمرين أحب إليك أجزيك بعملك أم ~~بنعمتي عليك قال يا رب تعلم أني لم أعصك قال خذوا عبدي بنعمة من نعمي فلا ~~تبغي له حسنة إلا استفرغتها تلك النعمة فيقول يا رب بنعمتك ورحمتك قال ~~فيقول بنعمتي ورحمتي ويؤتى بعبد محسن في نفسه لا يرى أن له سيئة فيقال له ~~هل كنت توالي أولياءي قال يا رب كنت من الناس سلما قال فهل كنت تعادي ~~أعدائي قال يا رب لم أكن احب أن يكون بيني وبين أحد شيء قال يقول الله عز ~~وجل وعزتي لا ينال رحمتي من لم يوال أوليائي ولم يعاد أعدائي # فالأول عبد غافل عن ربه متيقظ لآخرته مكب على نفسه يحب أن يلق الله تعالى ~~بالصدق من نفسه فيقتضي الثواب منه على صدقه وقد خفي عليه شأن المنة والنعمة ~~عاش حافظا لأموره مادا عينه إلى ثوابه فإذا لقيه نطق لسانه بما توطنه في ~~الدنيا وعامل الله تعالى # PageV02P078 # به فتح له الحق وطلب منه ما يقتضيه شكرا لنعمه فأخذ بأصغرها فاستفرغت ~~عمله فعندها انكشف له الغطاء عن شأن المنة والنعمة وقدرهما فطلب النعمة ~~والرحمة وهذا عبد لم يفقه إذ لو فقه وكانت له عبادة الثقلين عمر الدنيا لم ~~يلحظ إليها أنه عمل شيئا ولم يوازن ذلك أصغر نعمة من نعم الله تعالى # قال صلى الله عليه وسلم ما عبد الله بمثل الفقه وقال من أراد الله به ~~خيرا يفقهه في الدين ولو كان جريج الراهب فقيها لعلم أن إجابة أمه من عبادة ~~ربه تعالى # وأما العبد ms241 الثاني فهو عبد رعى نفسه وعجز عن رعاية الحق سبحانه فمن رعى ~~نفسه فإنما عمله حفظ جوارحه وأداء فرائضه ائتمارا لأمره وتناهيا عن نهيه ~~لئلا يهلك نفسه فلذلك صار للناس سلما ولم يدر أن في رعاية الحق نجاة نفسه ~~والراعي للحق انكشف له الغطاء عن جلاله وعظمته فاشتعلت الحرقات في جوفه حبا ~~له وشغوفا به حتى أداه ذلك إلى معرفته فامتلأ قلبه من جلال الله وعظمته ~~فوالى أولياءه وعادى أعداءه موافقة له كما أن من حل من قلبك محلا ترى ~~الدنيا به فيهيج حبك له أن تحب من أحبه وتعادي من عاداه وهذا من بلوغ العبد ~~ذرى الإيمان # PageV02P079 ### | - الأصل الثامن عشر والمائة ### | في دعائه صلى الله عليه وسلم # عن عمر رضي الله عنه قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم ~~اجعل علانيتي صالحة واجعل سريرتي خيرا من علانيتي اللهم إني أسألك من خير ~~ما يؤتي الناس من المال والولد غير الضال والمضل # العلانية الصالحة مرضاة الله تعالى من الائتمار بأمر الله تعالى والتناهي ~~عن نهيه والسريرة التي هي خير من العلانية تعظيم أمره ونهيه والوقوف عند ~~حكمه وترك الاختيار في جميع أحواله وموافقته في مشيئته حتى ما يحب إلا ما ~~يحب ولا يكره إلا ما يكره ولا يريد إلا ما يريد # وقوله أسألك من صالح ما يؤتي الناس فإن الله يؤتي الناس ما يصير عليهم ~~وبالا ويؤتي ما يبارك لهم فيه فما بورك لهم فيه من مال وولد فهو صالح ما ~~يؤتي وليس ذلك بضال ولا مضل وما نزعت منه البركة من المال والولد فهو ~~الفاسد وهو الضال المضل # PageV02P080 ### | - الأصل التاسع عشر والمائة ### | في مبادرة العاطس بالحمد # عن واثلة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من بادر ~~العاطس بالحمد لم يضره شيء من داء البطن # العطاس تنفس الروح وسطوعه إلى الملكوت حنينا إلى قرب الله تعالى لأنه من ~~عنده جاء وهو شيء لطيف طاهر طيب ملكوتي تمكن له في لحم ودم وأمر ms242 بالقرار ~~فيه فاستقر فهذا من لطف ربنا لعبده وكرامته إياه ولولا الأرواح لم ينتفع ~~بهذه الجوارح قال الله تعالى ولقد كرمنا بني آدم إلى قوله وفضلناهم على ~~كثير ممن خلقنا تفضيلا # وقال صلى الله عليه وسلم الأرواح للملائكة والآدميين والجن والانفاس ~~للدواب # ويقال ان الروح في الرأس ثم هو بعد كالسربال في الجسد قال الله تعالى ~~{فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} # PageV02P081 # دل على مستقر الروح وهو المقتل فإذا عطس المؤمن فإنما ذلك وقت ذكر الله ~~تعالى لعبده وتعزية للروح بما وقع فيه من الضيق فاذا خلص إلى الروح تاق إلى ~~موضعه وموطنه فتلك الصيحة منه فالمؤمن من رأى عظيم صنع الله تعالى في جسده ~~فحمده على صنعه وكرامته إياه بالروح فالمبادر بالحمد أفهمهم لذلك ألا ترى ~~أن آدم عليه السلام لما عطس بادر بالحمد فقال الله تعالى له يرحمك ربك سبقت ~~رحمتي غضبي # فكذلك المؤمن المتنبه لما عطس حمد فبورك عليه وإذا سمع عاطسا سبقه إلى ~~الحمد لأنه رأى عظيم صنع الله تعالى فيه فاستوجب بذلك البركة والعطف من ~~الله وإذا بورك فيه وقي داء البطن وهو وجع الخاصرة # وقد روي وقي وجع الخاصرة والمكر وسوء السرائر في الكليتين فذلك داء البطن ~~فإذا كان سابقا بالحمد كان متنبها وكان صدره وجوفه مستنيرا فلم يعمل المكر ~~فيه شيئا # روي أن الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه السلام إن عطس عاطس من وراء سبعة ~~أبحر فاذكرني # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم حق المسلم على المسلم ست خصال فكان إحداهن ~~تشميت العاطس وذاك تهنئة بما ظهر للعبد من الحال عند ربه تعالى فإذا لم ~~يهنه فقد استهان به ومن استهان بأمر الله أهانه الله تعالى # PageV02P082 ### | - الأصل المائة والعشرون ### | في أن أطيب الكسب كسب التجار وسني خصالهم # عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ~~الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا ~~وعدوا لم يخلفوا وإذا اشتروا ms243 لم يذموا وإذا باعوا لم يطروا وإذا كان عليهم ~~لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعسروا # فهذه خصال الحافظين لحدود الله ولا يقدر على الوفاء بها إلا من وثق بضامن ~~الرزق في شأن الرزق وسقط عن قلبه خوفه وسكنت نفسه ودرس محسبة الرزق من أين ~~وكيف فعندها يستحق اسم التقوي والتقوي يصير رزقه من غير محسبة قال الله ~~تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب # ومحسبة الرزق مظانه ومعادنه وأسبابه التي تعلقت قلوب الخلق بها حتى يعصي ~~الله من أجل سبب لا يدري فيه رزقه أم لا مثل # PageV02P083 # ان اشترى سلعة فخان فيها أو مدح بما ليس فيه فانما فعل ذلك لغنية قلبه ~~وأنه يحسب أن ذلك رزقه ومعيشته وكم من مغرور بمثل هذا قد خدعه شيطانه ~~وأماني نفسه ثم يبغت بالموت وقد عري من منفعته فيصير مهنأة لوارثه والوبال ~~عليه فلو سقط عن قلبه محسبة معاشه ورزقه وعلم أن ذلك بيد الله تعالى يخرجه ~~من مشيئة الغيب فيجريها بالأسباب كان مراقبا لما يصنع مولاه مادا عينه إلى ~~ما تختار له ثم لا يتهمه إن أتاه غير ما تحب نفسه يؤتى برزقه عفوا صفوا ~~وتقواه معه وعلى رزقه طابع الإيمان # قال صلى الله عليه وسلم أفضل الأعمال أن لا تتهم الله تعالى في شيء قضي ~~عليك # والمتعلق بأسباب الرزق قلبه جوال ونفسه جشعة وهو كالهمج في المزابل يطير ~~من مزبلة إلى مزبلة حتى يجمع أوساخ الدنيا ثم يخلفها وراء ظهره وينزع قابض ~~الأرواح مخاليبه التي قد احتدت للقبض على حطام الدنيا ويلقى الله تعالى ~~بايمان سقيم دنسة وسخة ويخاطبه ربه عز وجل في وقفته بين يديه عبدي من كنت ~~تعرف لنفسك ربا وإلها فيقول له إياك عرفت وبك آمنت فيجيبه أمن معرفتك إياي ~~أو إيمانك بي كان يحل بك من خوف القوت والرزق ما عملك على أن عصيتني بأنواع ~~المعصية لأجله أشككت في ضماني أم اتهمتني أم أسأت الظن بي # فمن فتح له طريق الهداية ms244 إلى الله تعالى وعرف ربه عز وجل معرفة الموقنين ~~سقط عن قلبه هم الرزق وفكره ولها عنه وشغله # PageV02P084 # عن ذلك خوف جلاله وعظمته فكفى مؤنته ومن لم يفتح له طريق الهداية تعب ~~قلبه بما يرد عليه من المخاوف ونصب مما تتعاوره ظنون السوء بالله تعالى وكل ~~بدنه في السعي خلف زانية لا ترد يد لامس تتزين وتتشوق حتى إذا سبت القلب ~~ولت هاربة والمسبي على أثرها كالواله وهذا جزاء من أعرض عن الله تعالى ~~وإحسانه وأياديه ومننه وهل يجازى إلا الكفور المكب على جمع حطام الدنيا من ~~بين شبهة وحرام وحلال وقد عصى الله تعالى وينفقها في شهواته ومناه مضيعا ~~لحدود الله تعالى فيها مسرفا بطرا يأخذون الدنيا على غفلة ويخزنونها على ~~تهمة وينفقونها في نهمة ولا يذكرون ما أمامهم من الصراط والعرض على الله ~~تعالى والسؤال ونسوا وعيده الذي قدمه الله فقال كلا إنها لظى نزاعة للشوى ~~تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى # ومن قنعت نفسه بما أعطيت من الدنيا ولم يرفع بما سواه رأسا ورضيت في ~~الأحوال بتدبير الله تعالى وحكمه فقال له يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي ~~إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي # وقال صلى الله عليه وسلم من انقطع إلى الله كفاه الله مؤنته ورزقه من حيث ~~لا يحتسب # وقال صلى الله عليه وسلم التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء ~~وعن قيلة أخت بني النمار رضي الله عنها قالت # PageV02P085 # كنت امرأة أشتري وأبيع في السوق فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ~~فأتيته وهو عند المروة فقلت يا رسول الله إني امرأة أشتري وأبيع في السوق ~~فيأتيني الرجل يريد أن يشتري مني الشيء فأستام عليه بأكثر مما أريد أن ~~أبيعه فلا أزال أنقص وأنقص حتى أبيعه بالذي أريد وكذلك في الشراء قال فلا ~~تفعلي يا قيلة إذا أردت أن تبيعي شيئا فاستامي بالذي تريدين أن تبيعيه به ~~أعطيت أو منعت وإذا أردت أن تشتري شيئا فاشتري بالذي تريدين أن تشتريه به ~~أعطيت ms245 أو منعت # وكان زاذان رضي الله عنه يبيع الكرابيس وكان يسوم سومة واحدة وكان إذا ~~جاء المشتري ناوله شر الطرفين # PageV02P086 ### | - الأصل الحادي والعشرون والمائة ### | في أن الروحانيين قراء أهل الجنة وأن من استمع الى صوت غناء لم يؤذن له أن يستمع أصواتهم # عن سهل من ولد أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يستمع الروحانيين في الجنة ~~فقيل وما الروحانيون يا رسول الله قال قراء أهل الجنة # وفي الجنة أئمة كالعرفاء وهم الأنبياء عليهم السلام إذا صاروا إلى الله ~~تعالى فهم أمام القوم والسابقون إليه وعرفاؤهم أهل القرآن الذين عرفوا به ~~ههنا تلاوة له وعملا به # قال صلى الله عليه وسلم أهل القرآن عرفاء أهل الجنة وقراؤها فيلذذون أهل ~~الجنة بما يعطون من الأصوات وحظ كل واحد منهم من الله # PageV02P087 # على قدر درجته فمنهم من كانوا يفرحون في الدنيا بالعطاء مع نفوسهم فهم ~~كذلك في الجنة فرحهم بما يعطون في الجنة فبه يتلذذون وبه يفرحون ومنهم من ~~كانوا يفرحون بالله تعالى فهم كذلك في الجنة فرحهم بالله تعالى ودقت الجنة ~~في جنب فرحهم بالله تعالى وهم الأولياء ويسمون الروحانيين فالروح الذي على ~~قلوبهم شهرهم وحسن أصواتهم في الجنة حتى يطربوا ويلذذوا أهل الجنان وهذه ~~الطبقة على ثلاثة أصناف منهم من يكون الروح على قلوبهم والفرح غالب عليهم ~~ومثالهم في الملائكة هم المقربون ومنهم من يكون الهول على قلوبهم والأحزان ~~غالب عليهم ومثالهم في الملائكة الكروبيون فالأول أهل روح من شأنهم التسبيح ~~والتحميد والتقديس فتح لهم من جماله وبهائه فانبسطوا وملكهم الفرح به ~~والثاني أهل كرب من شأنهم البكاء فتح لهم من جلاله وعظمته فاكتأبوا وملكهم ~~الكرب ويقولون في تسبيحهم سبحانك ما لم تبلغه قلوبنا من خشيتك فاغفر لنا ~~يوم نقمتك من أعدئك # وإنما يأخذ كل واحد ما أعطي وينظر إلى ما وضع بين يديه وكشف له عنه وفتح ~~له من الغيب فالكروبيون كربهم وأحزانهم ms246 من رؤية التقصير والروحانيون شغلهم ~~جماله عن الالتفات إلى أنفسهم وأعمالهم فإذا ذكروها لم تدعهم رؤية جماله ~~إلا أن يحسنوا الظن به فحسن الظن به غالب على رؤية التقصير والفرح لهم به ~~دائم والروح على قلوبهم مترادف وصنف ثالث أعلى من هذين قد جاوزوا هاتين ~~الخطتين إلى وحدانيته فانفردوا به فشغلتهم وحدانيته عن الجلال والجمال فهم ~~أمناء الله تعالى وأعلامه في أرضه وقواد دينه وهم الذين قال صلى الله عليه ~~وسلم لأبي جحيفة جالس الكبراء وهم الذين تكبروا في عظمة الله تعالى وجلاله ~~واعتزوا به وله # والفرح على ثلاثة أضرب فرح بالدنيا الدنية الزائلة فقد خسر أهله # PageV02P088 # وهو فرح الظالمين قال الله تعالى وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة ~~الدنيا في الآخرة إلا متاع # وقال في قصة قارون {لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} # وفرح بفضل الله تعالى ورحمته أن فضلهم بمعرفته والإيمان به وهذا فرح ~~المقتصدين الشاكرين قال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير ~~مما يجمعون # وفرح بالله تعالى حيث انتبهوا أنه ربهم في عظمته وجلاله ومجده وكبريائه ~~وملكه وكرمه وغناه وهذا فرح المقربين # فالأول عبد ملكته دنياه فكان بها يفتخر ويصول وبها يفرح # ثم أفاق إفاقة فملكته نفسه بالعطايا التي وردت على قلبه فكان بها يفتخر ~~ويصول وبها يفرح ثم أفاق إفاقة فملكه الحق ليروضه ويؤدبه بين يديه حتى يصلح ~~له فإذا تمت رياضة الحق له بباب الملك الأعلى رفع الحجاب عن قلبه وأوصله ~~إلى قربه فكان بين يديه به يفتخر وبه يصول وبه يفرح حتى إذا اطمأن على ~~المقام واعتاده وسكنت منه الأفراح والأهوال والدهشات من النظر إلى جلاله ~~وجماله قدمه إلى الوسيلة العظمى والقربة الأوفى فغرق قلبه في وحدانيته فصار ~~منفردا به مشغولا عن جميع صفاته فهو أمينه وواحد بين عبيده فهو الذي إذا ~~ناداه في أرضه يا واحدي يصدق في قوله وهوالذي قال صلى الله عليه وسلم سيروا ~~فقد سبق المفردون قالوا يا رسول الله ومن المفردون قال الذين اهتروا في ذكر ms247 # PageV02P089 # الله يأتون يوم القيامة خفافا يضع الذكر عنهم أثقالهم # فالمهتر هو الذي خرف فذهب عقله فإذا تكلم هتر في كلامه كأنه يهذي والمفرد ~~قد فرد قلبه للواحد في وحدانيته وجاز من الجلال والجمال إلى وحدانيته قد ~~خمد نور عقله لنور وجهه الكريم فصار كالواله في ذكره كالذي يهذي لأن من شأن ~~العقل أن يقيم بك على الحدود والأشياء المقدرة المعلومة فإذا خمد العقل فقد ~~ذهب عمله فهو الذي اهتر في ذكر الله تعالى فالمقتصدون يتعبدون بذكره ~~ويفرحون بفضله عليهم والصديقون به يتنعمون به ويفرحون فإذا أدخلوا الجنة ~~فهمة المقتصدين الوصول إلى ثوابه من المساكن والحور في الحجال وهمة ~~الصديقين وقصدهم قربهم إلى ربهم # يروي أن الملائكة يأتون المؤمنين يوم القيامة فيقولون يا أولياء الله ~~انطلقوا فيقولون إلى أين فيقولون إلى الجنة فيقولون إنكم لتذهبون بنا إلى ~~غير بغيتنا فيقال لهم ما بغيتكم فيقولون المقعد الصدق مع الحبيب # وقال صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى إن المتقين في جنات ونهر في مقعد ~~صدق عند مليك مقتدر أن أهل الجنة يدخلون على الجبار كل يوم مرتين فيقرأ ~~عليهم القرآن وقد جلس كل امرىء منهم مجلسه على منابر الدر والياقوت والزمرد ~~والذهب والفضة بالأعمال فلا تقر أعينهم قط كما تقر بذلك ولم يسمعوا شيئا ~~أعظم منه # PageV02P090 # ولا أحسن منه ثم ينصرفون إلى رحالهم قريرة أعينهم ناعمين إلى مثلها من ~~الغد # فهؤلاء الروحانيون الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قراء ~~أهل الجنة فمن استمع إلى صوت غناء في الدنيا ثم دخل الجنة حرم أصواتهم # PageV02P091 ### | - الأصل الثاني والعشرون والمائة ### | في أن خير هذه الأمة أولها وآخرها استقامة # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير ~~أمتي أولها وآخرها وفي وسطها الكدر # وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهما مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير ~~أو آخره # وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال بعثني خالد ابن الوليد بشيرا ~~إلى رسول ms248 الله صلى الله عليه وسلم يوم مؤتة فلما دخلت عليه قلت يا رسول ~~الله فقال على رسلك يا عبد الرحمن أخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل زيد حتى ~~قتل رحم الله زيدا ثم أخذ اللواء جعفر فقاتل جعفر حتى قتل رحم الله جعفرا ~~ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل فقتل رحم الله عبد الله ثم أخذ ~~اللواء خالد ففتح الله لخالد فخالد سيف من سيوف الله تعالى فبكى أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهم حوله فقال ما يبكيكم فقالوا وما لنا لا نبكي ~~وقد قتل # PageV02P092 # خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل منا قال لا تبكوا فانما مثل أمتي مثل حديقة ~~قام عليها صاحبها فاجتثت رواكبها وهيأ مساكنها وحلق سعفها فأطعمت عاما فوجا ~~ثما عاما فوجا ثم عاما فوجا ولعل آخرها طعما يكون أجودها قنوانا وأطولها ~~شمراخا والذي بعثني بالحق نبيا ليجدن بن مريم في أمتي خلقا من حواريه وفي ~~رواية أخرى ليدركن المسيح من هذه الأمة أقوام انهم لمثلكم أو خير منكم ثلاث ~~مرات ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها # من الله تعالى على هذه الأمة فقال تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} وقال ~~تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا أي عدلا لا يميل إلى إفراط ولا إلى نقصان ~~فالميزان لسانه في وسطه وباستواء الطرفين والكفتين يستوي لسان الميزان ~~ويقوم الوزن فجعلت أوائل هذه الأمة وأواخرها ككفتي الميزان يستويان لأنهم ~~يهدون بالحق وبه يعدلون وما بينهما من العوج كلسان الميزان يستقيم باستواء ~~الكفتين فإنه إن مال الوسط إلى أي الجانبين مال إلى ركن وثيق فعم استواء ~~الكفتين اعوجاج الوسط # وقد جاء في الخبر أنه سيظهر العلم في آخر الزمان ويقبل الناس على أمرالله ~~تعالى حتى تتم حجة الله على عباده # PageV02P093 ### | - الأصل الثالث والعشرون والمائة ### | في شرائط الولاية # عن أبي أمامة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~إن من أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاته أحسن عبادة ربه ms249 ~~وكان غامضا في الناس وكان رزقه كفافا فصبر عليه فعجلت منيته وقل تراثه وقلت ~~بواكيه # PageV02P094 # وقال صلى الله عليه وسلم هكذا ونقر باصبعه هكذا # الولي من كتب الله له الولاية وجعل له حظا فبحظه من الله تعالى يقدر أن ~~يتولاه كما أن النبوة لمن كتب له النبوة وجعل له حظا فبحظه من الله تعالى ~~قامت له النبوة وبين الأنبياء عليهم السلام تفاوت في الدرجات قال تعالى ~~ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض # وقال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله الآية وهذه الآية نزلت في أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه حين ~~قتل أباه يوم بدر # وقال عبد الرحمن بن أبي بكر لأبيه رضي الله عنهما بعدما أسلم يا أبت لقد ~~أهدفت لي يوم بدر فضفت عنك فقال أبو بكر رضي الله عنه أما أنك لو أهدفت لي ~~ما ضفت عنك # وكتب الله لأهل الولاية ولايتهم وأيدهم بروح منه فلا تأحذهم # PageV02P095 # في الله لومة لائم ولا حب ولد ولا والد ولا أهل ولا تالد # قال ابن عباس رضي الله عنهما لا ينال الرجل ولاية الله وإن كثرت صلاته ~~وصيامه حتى يحب في الله ويبغض في الله ويوالي في الله ويعادي في الله # فبين الأنبياء تفاوت في القلوب والدرجات وكلهم أنبياء عليهم السلام فكذلك ~~الأولياء بينهم تفاوت وكلهم أولياء فهذا الذي وصفه صلى الله عليه وسلم كأنه ~~يحكي عن الله تعالى فقال إن من أغبط أوليائي عندي فالمغبوط من يقرب درجته ~~من درجة الأنبياء علوا وارتفاعا مؤمن خفيف الحاذ مثل أويس القرني وأشباهه ~~وهذه صفة الظاهر لا صفة الباطن # وقد يكون من الأولياء من هو أرفع درجة وذلك عبد قد ولي الله استعماله فهو ~~في قبضته يتقلب به ينطق وبه يبصر وبه يبطش وبه يعقل شهره في أرضه وجعله ~~إمام خلقه وصاحب لواء الأولياء وأمان أهل الأرض ومنظر أهل السماء وريحانة ~~الجنان وخاصة الله وموضع نظره ومعدن سره وسوط الله في أرضه يؤدب به ms250 خلقه ~~ويحيي القلوب الميتة برؤيته ويرد الخلق إلى طريقه وينعش به حقوقه مفتاح ~~الهدى وسراج الأرض وأمين صحيفة الأولياء وقائدهم والقائم بالثناء على ربه ~~بين يدي رسوله صلى الله عليه وسلم يباهي به الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~ذلك الموقف وينوه الله باسمه في ذلك المقام ويقر عين الرسول به صلى الله ~~عليه وسلم قد اخذ الله بقلبه أيام الدنيا ونحله حكمته العليا وأهدى إليه ~~توحيده ونزه طريقه عن رؤية النفس وظل الهوى وائتمنه على صحيفة الأولياء ~~وعرفه مقاماتهم وأطلعه على منازلهم فهو سيد النجباء وصالح الحكماء وشفاء ~~الأدواء وإمام الأطباء كلامه قيد القلوب ورؤيته شفاء النفوس وإقباله قهر ~~الأهواء وقربه طهر الأدناس فهو ربيع يزهر بنوره وخريف يجتنى ثماره وكهف ~~يلجا إليه ومعدن # PageV02P096 # يؤمل ما لديه وفصل بين الحق والباطل وهو الصديق والفاروق والولي والعارف ~~والمحدث واحد الله في ارضه # قال صلى الله عليه وسلم يكون في هذه الأمة قلوب على قلب إبراهيم عليه ~~السلام وهم صنف من البدلاء # وقال في شأن هلال عبد المغيرة بن شعبة هذا أحد السبعة الذين بهم تقوم ~~الأرض بل هو خير منهم # روي أبو الدرداء رضي الله عنه قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى الصلاة قال أبو الدرداء رضي الله عنه فخرجت من ذلك الباب فمضيت ~~فنظرت هل أرى أحدا فلم أر أحدا فدخلت فيه فقعدت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال أما أنك لست به يا أبا الدرداء ثم جاء رجل حبشي فدخل من ذلك ~~الباب وعليه جبة صوف فيها رقاع من آدم رام بطرفه إلى السماء حتى قام على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فقال كيف أنت يا هلال فقال بخير يا ~~رسول الله جعلك الله بخير فقال صلى الله عليه وسلم ادع لنا يا هلال واستغفر ~~لنا فقال رضي الله عنك يا رسول الله ms251 وغفر لك فقال أبو الدرداء فقلت له ~~استغفر لي يا هلال فأعرض عني ثم عاودته الثانية فأقبل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم قال أراض أنت عنه يا رسول الله قال نعم قال رضي الله عنك ~~وغفر لك ثم خرج وهو رام بطرفه إلى السماء فقال أبو الدرداء لقد رأيت عجبا ~~يا رسول الله لقد أقبل وهو رام بطرفه إلى السماء وما يقلع ثم خرج وهو على ~~ذلك فقال صلى الله عليه وسلم لئن قلت ذاك ان قلبه لمعلق بالعرش أما أنه لم ~~يبق فيكم أكثر من ثلاثة أيام فأحصيت الأيام فلما كان اليوم الثالث وصلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر خرج من المسجد ونحن معه فخرج يؤم دار ~~المغيرة بن شعبة فلقي المغيرة خارجا من داره فقال له # PageV02P097 # آجرك الله يا مغيرة قال يا رسول الله ما مات في دارنا الليلة أحد قال بلى ~~توفي هلال فالتمسه برسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده في ناحية الدار في ~~إصطبل له خارا على وجهه ساجدا ميتا فأمر أصحابه فاحتملوه فولي أمره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بنفسه حتى دفن ثم أقبل على أبي الدرداء فقال يا ~~أبا الدرداء أما إنه أحد السبعة الذين بهم كانت تقوم الأرض وبهم كنتم ~~تستسقون المطر بل هو خيرهم # فالصديقون أمان أهل الأرض وهم خلفاء النبيين لما خلت الأرض عن النبوة شكت ~~إلى الله تعالى وعجت فقال سوف أجعل عليك أربعين صديقا كلما مات واحد بدل ~~الله مكانه والحظ هو أن فتح الله تعالى لعبده قلبه وقذف في صدره النور حتى ~~ينخرق حجب الشهوات ويضيء فهو على نور من ربه وجعل له طريقا إليه فذاك مبتدأ ~~الحظ فلا يزال يسير إليه ويأتيه المدد من النور حتى يصل إليه فيظهر على ~~قلبه جلاله وعظمته وجماله وبهاؤه فلا يزال هناك حتى يصل إلى فرديته فيصير ~~والها به مبهوتا في وحدانيته فهذا هو الحظ الوافر الباهر # قال الله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ms252 سبلنا # فالأنبياء عليهم السلام لهم حظ النبوة والأولياء لهم حظ الولاية قال ~~تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله # هم طائفة من المؤمنين قد خصهم الله تعالى بالولاية وعصمهم باليقين ونور ~~قلوبهم بالهداية ولي الله تعالى منهم ذلك واجتباهم لنفسه # PageV02P098 # فهم صنيعه وهم الذين ذكرهم الله تعالى {فبشر عباد الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه} # قال الضحاك رحمه الله أحسنه ما أمر الله تعالى النبيين من الطاعة وقال ~~صلى الله عليه وسلم في حديث جبرائيل عليه السلام حيث سأله عن الإحسان ما ~~الإحسان فقال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال فإذا ~~فعلت ذلك فأنا محسن قال نعم قال صدقت # فمن عبد الله كأنه يراه إستمع إلى القول فاتبع أحسنه ونظر إلى الأمور ~~فعمل بأحسنها # PageV02P099 ### | - الأصل الرابع والعشرون والمائة ### | في ضغطة القبر وعذابه # عن حذيفة رضي الله عنه قال كنا في جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلما انتهينا إلى القبر جلس صلى الله عليه وسلم على شفته وجعل ينظر ثم قال ~~يضغط المؤمن في هذا ضغطة يزول منها حمائله ويملأ على الكافر نارا # فالمؤمن من أشرق نور الإيمان في صدره فباشر اللذات والشهوات وهي من الأرض ~~والأرض مطيعة وخلق الآدمي منها وقد أخذ عليه العهد والميثاق في العبودة فما ~~نقض من وفاء العبودة صارت واجدة عليه فإذا وجدته في بطنها ضمته ضمة ثم ~~تدركه الرحمة فترحب عليه وعلى قدر مجيء الرحمة يتخلص من الضمة فإن كان ~~محسنا فإن رحمة الله قريب من المحسنين فلم يكن للضمة لبث وإن كان خارجا عن ~~حد المحسنيين يطول اللبث في الضمة حتى تدركه الرحمة وهذا لأن المحسن توسع ~~عليه الرحمة وتلك الضمة ضمة الشفقة لا ضمة السخطة لأنه كان على ظهرها محسنا ~~وكانت مشتاقة إليه # PageV02P100 # فلما وجدته في بطنها ضمته كغائب وجد غائبه بعد الشوق إليه والظالم المخلط ms253 ~~يكون لضمته لبث حتى تدركه الرحمة والكافر لا خلاق له من الرحمة فيملأ عليه ~~نارا # روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~المؤمن في قبره في روضة خضراء يرحب له قبره سبعين ذراعا وينور له قبره مثل ~~ليلة البدر أتدرون فيم نزلت هذه الآية {فإن له معيشة ضنكا} قال عذاب القبر ~~والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا أتدرون ما التنين تسعة ~~وتسعون حية لكل حية منها تسعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم ~~يبعثون # وهذا لأن من عاد من بني آدم إلى الأرض بعد الموت وقد وضع الله تعالى وزره ~~فلا سبيل للأرض عليه لأنه نفسه قد طهرت من الدنس فإذا عاد جسده إلى الأرض ~~التي منها ابتدئت مع نور الإيمان ونور الطاعات فذاك جسد أشرف وأعظم خطرا من ~~أن تضمه الأرض وتضغطه فإن هذا الجسد صار في مرتبة أعظم من مرتبة الأرض من ~~منن الله تعالى فيها وطاعته لا تشبه طاعة الأرض لأن نفس الأرض مجبورة ونفس ~~الآدمي مفتونة بالشهوات فليست طاعة شيء من خلق الله تشبه طاعة الآدمي لأنه ~~يخرجه من بين شهوات ووساوس وعجائب # PageV02P101 # وما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما في شأن سعد بن معاذ رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل قبره فاحتبس فقالوا ما حبسك يا رسول الله ~~قال ضم سعد في القبر ضمة فدعوت الله أن يكشف عنه # وفي رواية أخرى جلس على القبر فقال لا إله إلا الله سبحان الله هذا العبد ~~الصالح لقد ضيق عليه قبره حتى خشيت أن لا يوسع عليه ثم وسع عليه # وروي في الخبر أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال كان ~~يقصر في بعض الطهور من البول # فإن القوم من ابتداء الإسلام يتمسحون بالحجارة والتراب فلما نزل قوله ~~تعالى {رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} فشا فيهم الطهور فمنهم ~~من كان يستنجي ومنهم ms254 من كان يتطهر بالماء وليس الاستنجاء بذنب عندهم ولا ~~خطيئة فيحاسبون في قبورهم فمن ورد اللحد مع التقصير نالته ضمة الأرض كما ~~نالت سعدا مع عظم قدره فكانت ضمة ثم فرج عنه # قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في القبر حساب وفي الآخرة حساب فمن ~~حوسب في القبر لم يعذب في الآخرة # وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا ~~البول فإنه من أول ما يحاسب به العبد في القبر # PageV02P102 # وروي أنه لما توفيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى جنازتها قال فكأنما يسفي على وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الرماد فلما دفنت ذهب عنه بعض ذلك فقالوا يا رسول الله لا ~~نزال نرى في وجهك ما نكرهه قال إني ذكرت ضعفها وضغطة القبر فعفي لي عنها ~~ولقد ضغطت ضغطة سمع كل شيء صوتها إلا الثقلين # وقال صلى الله عليه وسلم لو أفلت من فتنة القبر أو ضمه لنجا سعد ولقد ضم ~~ضمة ثم أرخى عليه # وهذا لأهل الاستقامة يكون من التقصير ثم رفع عنهم لأن الحق يقتضي حقه ثم ~~تجيئه الرحمة فتكشف عنه # فأما الأنبياء والأولياء عليهم السلام فليس لهم ضمة ولا سؤال لأنهم بحظهم ~~من ربهم امتنعوا من ذلك وتخلصوا فان على قلوبهم من جلال الله تعالى وعظمته ~~ما إذا وردوا اللحود تهابهم اللحود من جلالتهم # قال صلى الله عليه وسلم من هاب الله تعالى أهاب الله منه كل شيء وقال صلى ~~الله عليه وسلم من اتقي الله أهاب الله عز وجل منه كل شيء ومن لم يتق الله ~~أهابه الله من كل شيء # وقال صلى الله عليه وسلم لو عرفتم الله تعالى حق معرفته لزالت بدعائكم ~~الجبال # PageV02P103 # وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه على مصاب {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} الآية ~~فبرأ فقال صلى الله عليه وسلم لو قرأها موقن على جبل لزال وهذا لأن القلب ~~إذا كان ms255 له حظ من السلطان والهيبة والجلال نفذ قوله وفعله فمن نور الله ~~قلبه باليقين وفتح على قلبه من جلاله وعظمته وسلطانه هابه كل من رآه # ومن ههنا قال ابن عباس رضي الله عنهما والله لدرة عمر كانت أهيب في صدور ~~الناس من سيوف غيره # وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يهابونه وإذا أرادوا أن يكلموه ~~بشيء رفعوا ذلك إلى بنته حفصة رضي الله عنها هيبة له # وعن نافع قال خرج عنق نار من حمرة النار لا تمر على شيء إلا أحرقته فاتى ~~عمر رضي الله عنه فأخبر بها فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه وقال أيها ~~الناس أطفئوها بالصدقة فجاء عبد الرحمن ابن عوف بأربعة آلاف دينار فقال عمر ~~ماذا صنعت حصرت الناس فتصدق الناس فأتى عمر رضي الله عنه فقالوا له قد طفئت ~~فقال لو لم تفعل لذهبت حتى أنزل عليها وزلزلت المدينة على عهد عمر رضي الله ~~عنه حتى اصطفقت السرر فقام عمر رضي الله عنه على المنبر فقال أيها الناس ما ~~هذا ما أسرع ما أحدثتم قال فسكنت فقال لئن عادت لا أساكنكم فيها وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مع طلاقته وبشاشته إلى أصحابه ورحمته وعطفه على ~~الأمة يهابه الخلق كأنما على رءوسهم الطير حتى كانوا يغتنمون أن يجيئهم أحد ~~من البادية في جفائه فيسأله عن بعض الأمر وقال لرجل جلس عنده فأخذته الرعدة ~~فقال هون عليك فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد # PageV02P104 # فإذا كان هذا حال المؤمن على ظهر الأرض فكيف يجوز أن تضمه عن عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن إذا ~~مات تجملت المقابر لموته فليس منها بقعة إلا وهي تتمنى أن يدفن فيها فإذا ~~دفن في البقعة التي قضى الله أن يدفن فيها دخل عليه ملكا الرحمة فأجلساه ثم ~~سألاه فقال أحدهما للاخر أرفق بولي الله فانه نجا من هول شديد ثم يسأله عن ~~الرب فعظم إجلاله فأخبره ms256 بعظمته ثم يسأله عن نبي الله فصلى عليه وأثنى عليه ~~وان الأرض تزينت له فقالت رب مني خلقته وفي أعدته ومني تبعثه للحساب فاذن ~~لي حتى أدخل على عبدك فلان فأمر الله الأرض فتزينت في صورة لم تر الأعين ~~مثلها ودخلت على من هو أحسن منها فقالت له حين دخلت عليه ما أحسن وجهك ~~وأطول نعمك وأفسح مضجعك فقال لها ومن رآك في هذه الصورة فليحسن وجهه وليطل ~~نعمه وليفسح مضجعه فقالت له أنت مني خلقت وعلي أعدت وفي أكرمت وخرجت من ~~عنده فكان ابن آدم ناعما حتى يبعث أولياء الله تعالى لم يذق عذاب القبر ~~ويبعث مبياض وجهه حتى يبلغ الجنة فتلقاه الملائكة فيقولون سلام عليكم هذا ~~بشراك الذي كنت توعد # عن أبي الحجاج الثمالي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول القبر للميت حين يوضع فيه ويحك يا ابن آدم ما غرك بي ألم تعلم ~~أني بيت الظلمة وبيت الفتنة وبيت الوحدة وبيت الدود ما غرك بي إذ كنت تمر ~~بي فدادا قال فإن كان مصلحا أجاب # PageV02P105 # عنه مجيب القبر فيقول أرأيت ان كان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ~~فيقول اني إذا أعود إليه خضرا ويعود جسده عليه نورا وتصعد روحه إلى رب ~~العالمين # PageV02P106 ### | - الأصل الخامس والعشرون والمائة ### | في أن سعادة ابن آدم الاستخارة والرضى بالقضاء # عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من سعادة ابن آدم استخارته ربه ومن سعادة ابن آدم رضاه بقضاء الله تعالى ~~الاستخارة في الأمور لمن ترك التدبير في أمره وفوضه إلى ولي الأمور الذي ~~دبر له ذلك وقدره قبل أن يخلقه # قال الله تعالى لداود عليه السلام تريد وأريد ويكون ما أريد فإذا أردت ما ~~أريد كفيتك ما تريد ويكون ما أريد وإذا أردت غير ما أريد عنيتك فيما تريد ~~ويكون ما أريد # وسئل بعض السلف رحمهم الله تعالى بم تعرف ربك قال بفسخ العزم فالآدمي ~~يفكر ms257 ويدبر ويعزم وتدبير الله تعالى من ورائه بإبطال ذلك وتكون تلك الأمور ~~على غير ما فكر ودبر فأهل اليقين # PageV02P107 # والبصائر والتفويض لما علموا علم اليقين أن إرادتهم تبطل عند إرادته رموا ~~بإرادتهم وفكرهم وأقبلوا عليه يراقبون تدبيره وينتظرون حكمه في الأمور فإذا ~~نابهم أمر قالوا اللهم خر لنا فهذا من سعادته فإذا خار الله له رضي بذلك ~~وافقه أو لم يوافقه والآخر ترك الاستخارة فإذا حل به تدبيره وقضاؤه سخط ~~وضاق به ذرعا وخنق نفسه ولا يزداد إلا اختناقا وقد صار الوهن في عنقه # ومن سنة الاستخارة ما روي جابر رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن ~~يقول إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني ~~أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر ~~وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ~~ديني ودنياي ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ~~ويسره لي وبارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ~~ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ~~ورضني به وتسمي حاجتك باسمها # PageV02P108 # فان قيل هذا رضاه بالمقدور من المضار والمنافع في الدنيا فكيف يكون رضاه ~~بالمقدور من المعاصي قيل له رضاه بتقدير الله تعالى وسخطه على نفسه ~~بارادتها وعلى جوارحه في حركاتها فيما لم يؤذن له فيه وتقديره محمود عليه ~~لأنه لم يظلمك ومن هو منزه عن الظلم فمحمود في جميع شأنه وقد اتخذ عليك ~~الحجة البالغة بما أعطاك من العلم والعقل والهدى والبيان ولم يوجب لك على ~~نفسه العصمة إن شاء عصم وإن شاء خذل فارض بتقديره ولا تسخط عليه واسخط على ~~نفسك الجائرة ومعنى تقدير الله تعالى إبراز علمه في عبده من الغيب فقد علم ~~ما يعمل هذا العبد فابرز ms258 علمه # PageV02P109 ### | - الأصل السادس والعشرون والمائة ### | في أن الندم التوبة # عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الندم ~~التوبة # وعن أنس رضي الله عنه مثله # الندم العزم على أن لا يعود ومعناه إقامة القلب بين يدي الرب جل جلاله ~~لأن العبد بايع ربه أن يكون بين يديه وما دام بين يديه فهو مطيع له فإذا ~~أقبل على عمل غيره فقد أعرض عنه وتولى فإذا انتبه من نومته أو أفاق من ~~سكرته انقلب راجعا إلى مولاه فوقف بين يديه عازما على أن لا يبرح فتلك ~~الإقامة تسمى ندما ومنه سمى النديم لأنه مداوم على مجالسته ويقال مدن الرجل ~~بأرض كذا إذا أقام بها ومنه سميت المدينة لإقامة الناس بها واتخاذها وطنا ~~بحيث # PageV02P110 # لا يبرحون عنها فإذا كانت الإقامة بالبدن قيل مدن وإذا كان بالقلب بين ~~يدي الله تعالى قيل ندم فقدم الميم وأخر النون هناك وقدم النون وأخر الميم ~~ههنا وهو ذلك العزم الذي يعزم للإقامة بين يدي الله تعالى مطيعا والتوبة ~~الرجعة إلى الله تعالى وهو أن يعطي من جوارحه لله تعالى ما يأمر به حتى ~~يقيم العبودة التي لأجلها خلق فإذا أذنب فقد منع الله تعالى من جوارحه ~~العبودة فليس بمطيع والمؤمنون في أحوالهم على ضربين # ضرب منهم سكارى وقد أسكرتهم شهوات نفوسهم عن الله تعالى وحالت تلك ~~الشهوات بين قلوبهم وبين العقل فلا يبصرون قبح ما يأتون لأن معدن العقل في ~~الدماغ وعلى القلب تدبيره فبذلك النور الذي على القلب من العقل يبصر محاسن ~~الأمور ومشانيها فجاءت هذه الشهوات فسدت طريق العقل فسكر وضرب آخر قد ~~أفاقوا من سكرتهم بعمل النور الوارد على قلوبهم فأبصروا الوعد والوعيد فذهب ~~سد الطريق فهم على معاينة من الجنة والنار إلا أنهم نيام عن الله تعالى وهم ~~المقتصدون أهل الاستقامة مطيعون لله تعالى حافظون لحدوده ولكن لنومته عن ~~الله إن أطاع وعمل أعمال البر استكثر ذاك من نفسه وإن تورع عن الذنب كبر في ~~صدره فعله ms259 ويرى أنه عمل شيئا عظيما ولم ير أنه غريق في نعم الله تعالى ~~ومننه وتتابع إحسانه فإذا أفاق الضرب الأول من سكرته وانتبه الآخر من نومته ~~فر إلى الله راجعا إلى الكون بين يديه فعزم على أن لا يبرح فذلك العزم هو ~~الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه توبة لأنه باطن فيما بينه ~~وبين الله تعالى ولم يظهره بلسانه والاستغفار سؤال العبد ربه أن يستره بعد ~~ذلك فانه لما برح من بين يديه وترك مقامه فأخل بمركزه انحطت درجته وبعد من ~~ربه وخرج من ستره وتعرى فلما رجع بندمه إليه عاريا استحيى منه ومن خليقته ~~فأمر أن يسأل ربه المغفرة أي الغطاء والستر فاذا قال اغفر لي أي غطني ~~واسترني فاني خرجت من # PageV02P111 # سترك وبقيت عاريا بين يديك تنظر إلي ملائكتك وسماؤك وأرضك ولم يكن أحد ~~يسترني غيرك وهو مضطر لا يجد أحدا يستره عليه فستره الله تعالى وغفره قال ~~الله تعالى أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء # وقال ومن يغفر الذنوب إلا الله # فهذا عزم أهل اليقين وتوبتهم فمن فهم ذلك فله حظه ومن لم يفهم مر على ~~الظاهر كما وجد وقيل له التوبة والاستغفار باللسان والندم بالقلب والإقلاع ~~بالبدن والاضمار على أن يعود # PageV02P112 ### | - الأصل السابع والعشرون والمائة ### | في بيان أن الدعاء لم صار مخ العبادة # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء مخ ~~العبادة # إنما صار مخا لها لأنه تبرؤ من الحول والقوة واعتراف بأن الأشياء كلها له ~~وتسليم إليه إن كان رزقا أو عافية أو نوالا أو دفع عقاب فمنه إذا سأله فقد ~~تبرأ من الاقتدار والتملك والحول والقوة والدعاء سؤال حاجة وافتقار فإنما ~~يظهر على القلب ثم على اللسان فما على القلب يسمى عبودة وما على اللسان ~~عبادة # وعن كعب رضي الله عنه قال قال الله تعالى لموسى يا موسى قل للمؤمنين لا ~~يستعجلوني إذا دعوني ولا يبخلوني أليس يعلمون أني أبغض البخل فكيف ms260 أكون ~~بخيلا يا موسى لا تخف من أن تسألني عظيما ولا تستحي أن تسألني صغيرا اطلب ~~الي العلف لشاتك يا موسى أما علمت أني خلقت الخردلة فما فوقها وأني لم أخلق # PageV02P113 # شيئا إلا وقد علمت أن الخلق يحتاجون إليه فمن سألني مسألة وهو يعلم أني ~~قادر أعطي وأمنع أعطيته مسألته مع المغفرة فإن حمدني حين أعطيه وحين أمنعه ~~أسكنه دار الحامدين وأيما عبد لا يسألني مسألة ثم أعطيه كان أشد عليه عند ~~الحساب ثم إذا أعطيته ولم يشكرني عذبته عند الحساب # وقال عروة بن الزبير رضي الله عنه إني لأسأل الله تعالى حوائجي في صلاتي ~~حتى الملح لأهلي # وكان محمد بن المنكدر رضي الله عنه يقول في دعائه اللهم قو ذكري فان فيه ~~منفعة لأهلي سأل القوة في ذلك للخروج من حق الزوجة لأن المرأة نهمتها في ~~الرجال فإذا لهي عن حاجتها فهو مسئول عن ذلك وما سأل لقضاء نهمة نفسه # PageV02P114 ### | - الأصل الثامن والعشرون والمائة ### | في تلاقي الأرواح في الدنيا # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~إن أرواح المؤمنين لتتلاقى على مسيرة يوم وما رأى صاحبه قط # الأرواح شأنها عجيب وهي خفيفة سماوية وإنما ثقلت إذا اشتملت النفس عليها ~~بظلمة شهواتها وإذا ريضت النفس وتخلص الروح منها وصفا من كدورتها عادت إلى ~~خفتها وطهارتها وكان لها شأن لا يؤمن به إلا كل مؤمن قلبه بالله مطمئن ومن ~~ههنا قال عمر رضي الله عنه لأبي مسلم الخولاني حين ورد المدينة بعدما ألقي ~~في النار فلقيه عمر رضي الله عنه فقال أنشدك بالله أنت عبد الله بن توسي ~~الذي حرقه الكذاب صاحب صنعاء قال اللهم نعم فاعتنقه عمر رضي الله عنه # ومثله ما يروى أن الحارث بن عميرة أتى باب سلمان رضي # PageV02P115 # الله عنه فخرج إليه فقال أما تعرفني يا أبا عبد الله قال نعم عرف روحي ~~روحك قبل أن أعرفك # ومثله قول أويس لهرم حيث قال له السلام عليك يا أويس ms261 قال وعليك السلام يا ~~هرم بن حيان قال ومن أين علمت رحمك الله أني هرم بن حيان قال عرف روحي روحك ~~وإن الأرواح خلقت قبل الأجساد بألفي عام فتشامت كما تشام الخيل وهذا لأن ~~بصر الروح متصل ببصر العقل في عين الإنسان فالعين جارحة والبصر من الروح ~~وإدراك الألوان من بينهما فإذا تفرغ العقل والروح من اشتغال النفس أبصر ~~الروح وأدرك العقل ما أبصر الروح فعلم وإنما عجزت العامة عن هذا لشغل ~~الأرواح بالنفوس واشتباك الشهوات بها فيشغل بصر الروح عن درك هذه الأشياء ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم يطلع عليكم من هذا الفج رجل من أهل الجنة ~~فاطلع جرير # وقوله صلى الله عليه وسلم إن أرواح المؤمنين لتتلاقى أراد بذلك المؤمن ~~المستكمل لحقائقه الذي قد شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ليس ~~الموحد الذي أقبل على شهواته وتشاغل عن عبودته حتى خلط على نفسه الأمور ~~قلبه مأسور وروحه مشغول ونفسه مفتونة فكيف يبصر أو يعقل # PageV02P116 ### | - الأصل التاسع والعشرون والمائة ### | في أن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أمة ~~أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح # فالأمانة ترك الأشياء في مواضعها كما وضعت وإنزالها حيث أنزلت وقد جعل ~~الله تعالى الدنيا ممرا والآخرة مقرا والروح عارية والرزق بلغة والمعاش حجة ~~والفضول بلوى ووديعة والسعي جزاء إن خيرا فخير وإن شرا فشر وخلق الخلق في ~~ظهر آدم عليه السلام واستخرجهم ولهم بين يديه مقام قررهم بالعبودة وقلدهم ~~إياها وأخذ عليهم العهد والميثاق ثم نقلهم من الأصلاب إلى الأرحام ومن ~~الأرحام إلى الدنيا ومن الدنيا إلى اللحود ومن اللحود إلى النشور ومن ~~المنشر # PageV02P117 # إلى المحشر ومن المحشر إلى الصراط ومن الصراط إلى مقام العرض والسؤال من ~~الوقت الذي بلغ الحلم إلى وقت فراقه من الدنيا وخلق الليل والنهار ليركضا ~~بالخلق إليه دءوبا فالأمين استقرت نفسه فأبصر هذه الأشياء ببصيرة نفسه على ms262 ~~هيئتها التي خلقت وإنما تبصر إذا سكنت واستقرت واطمأنت إلى خالقها فقد صارت ~~أمينة لا تخون وأما إذا كانت في العدو والالتفات إلى أحواله يمنة ويسرة ~~وفيها شهوة ولها اخلاق رديئة دنيئة مفرطة لأمر الله عجولة في مهواها تشبثت ~~بمخاليبها في دنياها لما وجدت من اللذة وقضاء النهمة عميت عن أنها دار ممر ~~وألهتها عن أن تذكر دار المقر وشغفت بالحياة فنسيت عن أن تذكر الروح وكونها ~~عارية وطلبت المعاش حرصا لتجمع الكثيرة عدة لنهماتها وتناولت الرزق على ~~قضاء شهواتها ولهت عن السعي ورفعت بالها عنها ونسيت أنها تحتاج إلى سعي ~~منها مع ركض الليل والنهار سعيا يصلح في ذلك الموقف العظيم في صفوف ~~الملائكة والأنبياء والمرسلين وعباده الصالحين وإنما جاءت هذه الفتنة من ~~قبل النفس فإذا كانت ساكنة الطبع مطمئنة الفطرة ميتة الشهوات وجدتها كريمة ~~حرة ووجدت أخلاقها مستوية فأبصر القلب الأشياء على هيئتها التي خلقت وصار ~~ذا أمانة إذ ليس هناك ما يظلم الصدر ويحجب النور عن إشراقه ولهذا قال صلى ~~الله عليه وسلم ما من أحد من أصحابي إلا لو شئت عبت عليه في خلقه غير أبي ~~عبيدة بن الجراح # PageV02P118 ### | - الأصل المائة والثلاثون ### | في الاعتبار بكل شيء والاتعاظ بكل شيء # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم ~~البيت يدخله الرجل المسلم بيت الحمام وذلك إذا دخله سأل الله تعالى الجنة ~~واستعاذه من النار وبئس البيت يدخله المسلم بيت العروس وذلك لأنه يرغبه في ~~الدنيا وينسيه الاخرة # وهذا لأهل الغفلة فأما أهل اليقين قد صارت الآخرة نصب أعينهم لا بيت ~~الحمام يزعجه ولا بيت العروس يستفزه لقد دقت الدنيا بما فيها في جنب الآخرة ~~حتى أن جميع الدنيا في أعينهم كنثارة الطعام من مائدة عظيمة وجميع شدائدها ~~في أعينهم كتفلة عوقب بها محرم استوجب القتل فلم يحتاجوا إلى الاتعاظ ~~والاعتبار بالحمام وعمل على قلوبهم شأن كرمه وجوده ومجده وبره بعباده ~~فأنساهم كل نعيم وبؤس فأما أهل الغفلة فيحتاجون إلى كل ms263 شيء من الدنيا أن ~~يتعظوا # PageV02P119 # منها ويعتبروا بها فإذا رأى بقعة حامية ذات بخار وماء حميم ومرة هائجة ~~تذكره الآخرة وعجائبها ودار العقاب وفنون عذابها وإذا عاين بقعة مزينة ~~بزينة الدنيا منجدة بمتاع غرورها مشرقة بحطامها مغشوشة بأفراح خدعها تمنيه ~~نفسه وترغبه في ذلك وأنسته الآخرة لعاجل ما يجد من اللذة والشهوة ودخول ~~الحمام الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن دخله متأدبا بأدب الله ~~تعالى مستترا طالبا لخلوة أو غاضا بصره لا يرى عورة ولا يرى له # وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم ما يحذر ذلك ويؤدب وإن كان خاليا اتقوا ~~بيتا يقال له الحمام قيل يا رسول الله إنه يذهب الوسخ ويذكر النار فقال إن ~~كنتم لا بد فاعلين فادخلوه مستترين # وعن معاوية القشيري رضي الله عنه قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها ~~وما نذر قال إحفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قلت يا رسول الله ~~فإذا كان أحدنا خاليا قال فالله أحق أن يستحيي منه # PageV02P120 ### | - الأصل الحادي والثلاثون والمائة ### | في أن الهدية خلق من خلق الإنسان # عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقناع من رطب واجر زغب فأعطاني ملء كفه حليا أو ذهبا فقال تحلي بهذه يا ~~بنية # القناع الطبق وكل شيء أقنع أي ارتفع من الأرض وأجر واحدة جرو وهو القثاء ~~أول ما يدرك وهو الذي له زغب كهيئة زئبر الثوب فالهدية خلق من خلق الإنسان ~~عليه دلت الرسل وإليه ندبت لائتلاف القلوب ولنفي سخائم الصدور فإن ابن آدم ~~مقسوم على ثلاثة أجزاء القلب بما فيه من الإيمان والروح بما فيه من الطاعة ~~والنفس بما فيه من الشهوة فالإيمان يدعو إلى الله والروح تدعو إلى الطاعة ~~والنفس تدعو إلى البر واللطف والنوال فكانت القلوب تأتلف بالإيمان والأرواح ~~بالطاعات وحظ النفس باقية فإذا تهادوا تمت الألفة ولم تبق هناك حزازة وكان ~~صلى الله عليه وسلم جوادا يقبل الهدية ويكافىء من وجده ms264 بأمثالها والربيع ~~كانت ممن قتل أبوها يوم بدر وكان عليه # PageV02P121 # صلى الله عليه وسلم يبرها ويكرم أحوالها فوافقت هديته سعة الوجد منه وكان ~~قلبه واسعا وأعطاها ملء الكف ذهبا ليعلم من بلغه ذلك ومن عاينه أن لا قدر ~~للدنيا عنده ولأن للبر أثقالا فالكريم لا يكاد يتخلص من تلك الأثقال إلا ~~بأضعاف ذلك البر فإذا ضاعف في المكافأة انحطت عنه أثقال بره وذهب عنه وجل ~~نفسه # وقوله صلى الله عليه وسلم تحلي بها يا بنية رخصة لها في الحلية وأنها حق ~~وأنه يجوز أن يقال لولد غيره يا بني والمكافأة حق من الحقوق وكل أحد يكافىء ~~على قدره من خلقه وسعته ولم يكن يخلو في ذلك الوقت بالمدينة من فقير وذي ~~حاجة من أصحابه ولكنه كان يعطي على نوائب الحق فرأى هذا حقا فأعطاه # قال وهب رضي الله عنه ترك المكافأة من التطفيف # ناول شاب الليث بن سعد رضوان الله عليهم أجمعين اترنج باكورة فأمره أن ~~يعطى دينارا وكان الأسخياء يفعلون مثل ذلك وجاءت عجوز إلى الليث بن سعد رضي ~~الله عنه فقالت يا أبا الحارث مر وكيلك أن يعطيني رطلا من عسل فإن ابني ~~مريض يشتهيه فقال لوكيله أعطها مطرا من عسل قيل له إنما سألتك رطلا فقال هي ~~سألت على قدرها ونحن نعطيها على قدرنا والمطر وقر بعير مائتان وخمسون منا # وأتى قوم عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما فقالوا إن لنا مريضا قد ~~تشنجت أعضاؤه من الرياح ووصف لنا أن نعالجه بلبن الجواميس فينفعه فيه فنحب ~~أن تعيرنا من جواميسك فقال لوكيله كم لنا يا لطف من الجواميس قال خمسمائة ~~فقال سقها إليهم فقالوا رحمك الله إنا سألناك عارية قال إنا لا نعير ~~الجواميس وأعطاها إياهم وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # PageV02P122 # الهدية رزق من الله طيب فإذا أهدي إلى أحدكم فليقبلها وليعط خيرا منها # PageV02P123 ### | - الأصل الثاني والثلاثون والمائة ### | في بيان صفات ولاة الأمور العادلين # عن ابن عباس ms265 رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولي ~~من أمر أمتي شيئا فحسنت سريرته رزق الهيبة من قلوبهم وإذا بسط يده لهم ~~بالمعروف رزق المحبة منهم وإذا وفر عليهم أموالهم وفر الله عليه ماله وإذا ~~أنصف الضعيف من القوي قوى الله سلطانه وإذا عدل مد الله في عمره # فحسن السريرة من هيبة الله تعالى فإذا هاب عبد ربه ظاهرا وباطنا سرا ~~وعلنا أهاب الله منه خلقه وصنائع المعروف لا تكون إلا من حسن الخلق ومن حسن ~~الله خلقه أحبه ومن أحبه الله ألقى محبته على قلوب عباده قال تعالى لموسى ~~عليه السلام وألقيت عليك محبة مني # فكان لا يراه أحد إلا أحبه حتى فرعون اللعين الذي كان يذبح بني إسرائيل ~~لأجله وهو يوسعه في صدره ومن بسط اليد سقط عن قلبه قدر الدنيا فهي ومن فيها ~~مقبلة عليه خادمة له وإنصاف # PageV02P124 # الضعيف فانما أعطي السلطان على أن يأخذ للضعيف من القوي ولولا ذلك لم ~~يحتج إلى سلطان فإذافإذا فعل ذلك فقد تمسك بالذي أعطي على هيئة ما أعطي ~~فاديمت له قوة ذلك الذي أعطى وإذا ضيع ذلك فقد ضيع سلطانه وذلك لله فكيف ~~يبقى معه قوة والسلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم وإذا عدل مد في ~~عمره لأن العدل صلاح الأرض والجور فسادها وبالعدل قامت السموات والأرض فإذا ~~جار فالأرض تعج منه والسماء تجأر والبحار تئن والجبال تشكو فيقطع الله عمره ~~وإذا عدل وصل الله عمره من كرمه فمد له لأنه أقام عدله الذي ارتضاه لنفسه ~~عزت من نفس كريمة شريفة # PageV02P125 ### | - الأصل الثالث والثلاثون والمائة ### | فيما يعلم به منزلة العبد عند الله تعالى # عن جابر رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~أيها الناس من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده ~~فإن الله عز وجل ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه وإن لله سرايا من ~~الملائكة تحل وتقف على ms266 مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله في الأرض ألا ~~فارتعوا في رياض الجنة قالوا وأين رياض الجنة يا رسول الله قال مجالس الذكر ~~قال فاغدوا وروحوا في ذكر الله واذكروه بأنفسكم # فمنزلة الله عند العبد إنما هو على قلبه على قدر معرفته إياه وعلمه به ~~وهيبته منه وإجلاله وتعظيمه له وخشيته وحيائه منه والخوف من عقابه والوجل ~~عند ذكره وإقامة الحرمة لأمره ونهيه ورؤيه تدبيره والوقوف عند أحكامه بطيب ~~النفس والتسليم له بدنا وقلبا وروحا # PageV02P126 # ومراقبة لتدبيره في أموره ولزوم ذكره والنهوض بأثقال نعمه وإحسانه وترك ~~مشيئاته لمشيئاته وحسن الظن به في كل ما نابه والناس في هذه الأشياء ~~يتفاضلون فمنازلهم عند ربهم على قدر حظوظهم منها فأوفرهم حظا من المعرفة ~~أعلمهم به وأعلمهم به أوفرهم حظا من هذه الأشياء وأوفرهم حظا منها أعظمهم ~~منزلة عنده وأقربهم وسيلة وأرفعهم درجة وعلى قدر نقصانه من هذه الأشياء ~~ينتقص حظه وتنحط درجته وتبعد وسيلته ويقل علمه وتضعف معرفته قال الله تعالى ~~ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض # وإنما فضلوا على الخلق وبعضهم على بعض بالمعرفة له والعلم به لا بالأعمال ~~الظاهرة فبالمعرفة تطهر الأبدان وتزكو الأعمال وبها تقبل منهم فإن اليهود ~~والنصارى عملوا أعمال الشريعة فصارت هباء منثورا فمن فضل بالمعرفة فقد أوتي ~~حظا من العلم # قال صلى الله عليه وسلم حين عرج به إلى السدرة فإذا النور الأكبر قد تدلى ~~فالتفت إلى جبرائيل فإذا هو ميت من الفرق كالحلس الملقى من خشية الله فعرفت ~~فضل علمه بالله على علمي # وعن أنس رضي الله عنه قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ~~الصبح فصنع شيئا لم نره صنع في غيره مديده ثم أخرها فقلنا يا رسول الله لقد ~~صنعت في صلاتك شيئا لم نرك صنعت في غيرها قال إني رأيت الجنة فرأيت فيها ~~دالية قطوفها دانية حبها كالدباء فأردت أن أتناول منها فاوحى إليها أن ~~استأخري ثم رأيت النار فيما بيني وبينكم حتى رأيت ظلي وظلكم فأومأت إليكم ms267 ~~أن استأخروا # PageV02P127 # فقيل لي أقرهم فانك أسلمت وأسلموا وهاجرت وهاجروا وجاهدت وجاهدوا فلم أر ~~لي فضلا عليكم إلا بالنبوة # فبالنبوة أدرك رؤية ما وصف فأدنيت الجنة منه ليعرف حاله صلى الله عليه ~~وسلم أنه بهذه المنزلة ليس بينه وبينها إلا قبض الروح ولهذا لما مد يده ~~ليتناولها أوحى إليها أن تأخري فإنه في بقية من أجله صلى الله عليه وسلم في ~~الدنيا ولا ينال أحد الجنة إلا بعد مفارقة الروح ثم أرى النار بينه وبين ~~القوم رضوان الله عليهم أجمعين يعرفه أنك قد جزت النار بقلبك بما أعطيت من ~~النبوة وفرغت من أمر الصراط ومن خلفك من الأمة لم يجوزوا بعد بقلوبهم فهو ~~باق عليهم إلى يوم القيامة # قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس رضي الله عنه إذا ضرب الصراط على ~~النار قيل قرب أمتك فإذا دنوت منها قال لي جبرئيل يا محمد خذ بحجزتي فآخذ ~~بحجزة جبرئيل فيضعني من وراء النار ويقال للأمة جوزوا فيجوزون بأبدانهم ~~فمنهم في السرعة في مثل اللحظة والبرقة ومنهم في مثل الريح ومنهم في مثل ~~أجاويد الخيل ومنهم ركضا ومنهم سعيا ومنهم مشيا ومنهم زحفا # فالنبي صلى الله عليه وسلم بفضل النبوة جاز النار بقلبه أيام الحياة فلما ~~وصل إليها أجيز من غير تكلف ولا مباشرة وأهل اليقين لهم حظ من النبوة # قال صلى الله عليه وسلم الاقتصاد والهدي الصالح والسمت الحسن جزء من ~~أربعة وعشرين جزءا من النبوة # PageV02P128 # فيجوزونها بأبدانهم على قدر إيمانهم ويقينهم وحظهم من النبوة قال تعالى ~~{لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين} # فأهل اليقين في الدنيا يرونها بعلم اليقين فيجوزونها بقلوبهم ثم يرونها ~~عين اليقين غدا معاينة فمعاينة القلب علم اليقين ومعاينة الجسد بعينه التي ~~ركبت فيه عين اليقين فمن أعطي علم اليقين في الدنيا طالع الصراط وأهوالها ~~بقلبه فذاق من الخوف وركبته من الأهوال فوضع عنه غدا ومر عليها في مثل ~~البرق فأن الله تعالى لا يجمع على عبد خوفين # قال صلى الله ms268 عليه وسلم قال ربكم وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ~~ولا أجمع له أمنين # وكل من كان له ههنا حظ من اليقين طالع بقلبه بقوة ذلك اليقين فعاين منه ~~ما ذاق من الخوف فسقط عنه من الخوف على قدر ما ذاق ههنا فكذلك تفاوت جوازهم # وقوله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت ظلي وظلكم فيها فان النار سوداء مظلمة ~~والمؤمنون أهل نور وضياء فوقع ضوءهم على ظلمة النار على مقادير نورهم ~~وأجسادهم # وقوله صلى الله عليه وسلم أقرهم معناه أنهم قد ائتمروا بأمري فاني أمرتهم ~~بالإسلام والهجرة والجهاد فليس للنار عليهم سبيل لأن رحمتي قد نالتهم # PageV02P129 # قال الله تعالى إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون ~~رحمة الله والله غفور رحيم حقق رجاءهم وأخبر أنهم صدقوا في الرجاء ثم وعدهم ~~المغفرة # وقوله صلى الله عليه وسلم ولم أر لي فضلا عليكم إلا بالنبوة كفى بها فضلا ~~ولا ينال ما وصف إلا بالأعمال والأعمال إنما تقوم ويعظم خطرها بالنيات ~~والنية بدؤها من الإيمان يبدو لهم من إيمانهم ذكر الطاعة فينهض قلوبهم إلى ~~الله تعالى من مستقر نفوسهم والنية النهوض يقال ناء ينوء إذا نهض فنهوض ~~القلب من معدن الشهوات إلى الله تعالى بأن يعمل طاعة هو نية فأما أهل ~~اليقين فقد جاوزوا هذه المنزلة فإنه زايلت قلوبهم نفوسهم وصارت مع الله ~~تعالى وقد فرغوا من النية فمن كان قلبه بين يدي الله تعالى محال أن يقال له ~~نهض قلبه إلى الله في أمر فإن قلبه ناهض إليه بمرة واحدة واقف بين يديه ~~نهوضا لا يرجع ولا ينصرف إذ قد نقض الوطن وارتحل إلى الله تعالى ويعملون ~~وقلوبهم هناك وافقة بين يدي الله تعالى في جلال الله وعظمته باهتين سكارى ~~وما هم بسكارى فارتفع أعمال هؤلاء من الذين ينهضون بقلوبهم في ذلك العمل ~~لله عز وجل ويريدونه به وهم المقتصدون فتفاوتت لذلك مدة جوازهم على الصراط # PageV02P130 ### | - الأصل الرابع والثلاثون والمائة ### | في فضل الاستغاثة من النار بعفو الله تعالى ms269 # عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجلا في جوف الليل وهو يقول واغوثاه من النار يرددها ذلك ليلا طويلا ثم غدا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنت القائل الليلة واغوثاه من النار ~~قال نعم يا رسول الله قال لقد أبكيت أعيان ملأ من الملائكة كثيرة # النار حشوها غضب الله وإنما اسودت من غضبه يحل ذلك الغضب عذابا بأجساد ~~العداة العصاة فتنتقم النار منهم لحق الله عز وجل جلاله والمستغيث منه على ~~ثلاثة أضرب مستغيث من نار الله بعفو الله ومستغيث من غضب الله تعالى برحمة ~~الله ومستغيث بالله من الله تعالى # وقد جمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أتاه جبرئيل وأمره أن ~~يكون # PageV02P131 # ذلك في السجود فقال أعوذ بعفوك من عقابك ثم قال وأعوذ برضاك من سخطك ثم ~~قال وأعوذ بك منك # PageV02P132 ### | - الأصل الخامس والثلاثون والمائة ### | في قوله صلى الله عليه وسلم إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة # عن الأغر المزني رضي الله عنه قال خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو رافع يديه وهو يقول يا أيها الناس استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~فوالله إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة # وفي رواية وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة # المغفرة هي الغطاء والستر ومنه سمي المغفر دبير الثوب وهو الذي يعلق ~~الثوب الجديد والعبد المؤمن بايع الله تعالى يوم الميثاق أن يطيعه ويكون ~~بين يديه فلما أذنب ذنبا وترك مقامه خرج من ستره فتعرى # PageV02P133 # فقيل له تب أي ارجع إلى مقامك فلما رأى نفسه عاريا طلب الستر ففزع إلى ~~الله تعالى عن عريه فستر فقيل ارجع إلى ربك إلى مقامك في البيعة مع الستر ~~فأنت في كنفه ما دمت واقفا بمقام البيعة فلذلك بدىء بالاستغفار ثم بالتوبة ~~قال تعالى {استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} # وقال صلى الله عليه وسلم طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا ms270 كثيرا وعن أنس ~~رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن للقلوب صدءا كصدأ ~~الحديد وجلاؤه الاستغفار # وقال صلى الله عليه وسلم إن العبد إذا أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا ~~عاد نكتت أخرى حتى يسود القلب فإذا تاب ونزع صقل قلبه ثم تلا {كلا بل ران ~~على قلوبهم ما كانوا يكسبون} # واعلم أن للمغفرة درجات فمغفرة الرسول صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر ومغفرة من بعده بأعمال بر عملوها لا يخلو من ذلك والستر ~~أنواع فمنهم من لا يستر عليه أيام الحياة فإذا صار ممره إلى النار يستر ~~لئلا تصيبه النار ومنهم من يستر في الموضعين ولم يستر عليه في العرض ومنهم ~~من يستر عليه في الموضعين والعرض عند الملائكة وخلا به ربه في السؤال فلقي ~~شدة الحياء ومنهم من يستر عليه في الحجب عن نفسه حتى لا يراها فيستحيي ~~ومنهم من يستر عليه سترا لا يذكرها حتى يذهب عنه ذكرها فذاك ستر # PageV02P134 # بينه وبين العبد يستره عن عمله وحتى لا يخجل كما ستر أهل الجنان بالأنس ~~به إذا ذكروا ذنوبهم لم يخجلوا ولم يثقل عليهم ذكرها فكل من كان في الدنيا ~~من الأنس به أوفر حظا فإن ستره من ذنوبه هناك أكشف وأنسه بالله تعالى أكثر # والأنس بالله تعالى من الاحتظاء من جماله فإذا كان قلبه عنده في ملك ~~الجمال فالغالب عليه الأنس وجزاء الأنس به اليوم الأمل غدا ومن كان قلبه ~~عنده في ملك الجلال فالغالب عليه الهيبة وجزاؤه منه الأمن غدا ومن كان قلبه ~~عنده في ملك ملكه وجاوز ملك الجمال والجلال إلى وحدانيته وانفرد به في ~~فردانيته وهم الذين وصفهم صلى الله عليه وسلم سيروا فقد سبق المفردون قالوا ~~من هم يا رسول الله قال الذين اهتروا بذكر الله تعالى يضع الذكر اثقالهم ~~يأتون يومئذ خفافا فهم أمناؤه في أرضه قلوبهم في ملك الملك في تلك الخلوة ~~التي قد انقطع علم الصفات عندها فلا يوصف ما ms271 في قلوبهم أيام الحياة فجزاؤهم ~~غدا الدلال فصاحب الهيبة في عبودته ومعاملته من الفرق كالميت في كل أمر من ~~أموره على هول عظيم وخطر جسيم وصاحب الأنس في عبودته ومعاملته قد خف عنه ~~ذلك لما يأمل من عطفه ورأفته به ومحبته وصاحب البهتة أمينه فهو كالمطمئن ~~لأنه صار في قبضته وهو يستعمله فباستعماله أشرف على الأمور فهو المدل في ~~دنياه المدل في آخرته وهو الأمين الذي بسطه فانبسط وهو المحدث وهو أعلى من ~~الصنفين الأولين صاحب الأنس وصاحب الهيبة فإن صاحب الأنس بسطه الأنس بالملك ~~وهذا قد بسطه الملك وشتان من بسطه الملك ومن بسطه الأنس بالملك # PageV02P135 ### | - الأصل السادس والثلاثون والمائة ### | في تأثير هيبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته وتأثير وفاته في القلوب # عن أنس رضي الله عنه قال لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة أضاء كل شيء منها فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم كل ~~شيء منها وما نفضنا الأيدي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنا لفي دفنه حتى ~~أنكرنا قلوبنا # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نورا أضاء العالمين قال تعالى إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # فكان يستنير سراجه في العالمين وإذا مشى في الطريق فاح منه ريح الطيب حتى ~~يوجد عرفه في ممره صلى الله عليه وسلم فيعرف أنه مر بهذا المكان وكان طاهرا ~~طيبا طهره الله تعالى بالحفظ في الأصلاب والأرحام وطفلا وناشئا وكهلا حتى ~~قدسه بطهر النبوة وشرفه بالقربة وطيبه بروحه وجلله ببهائه فمن فتح الله ~~قلبه بالنور الذي جعله في قلبه وأبصره وما نحله الله تعالى وزينه به كان ~~رؤيته شفاء قلبه ودواء سقمه # PageV02P136 # ولا يخيب برؤيته عن أن يكون شفاء القلب إلا من ختم الله على قلبه وجعل ~~على سمعه وبصره غشاوة كما قال تعالى وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون # وكانت هيبته ووقاره وجلاله وطهارته سدا بين القلوب والنفوس فكانت النفوس ~~قد ألقت بأيديها ms272 منقادة مستسلمة هيبة له وإجلالا وحياء منه صلى الله عليه ~~وسلم وكان له طلاوة وحلاوة ومهابة فأين ما حل ببقعة أضاءت تلك البقعة بنوره ~~وطلاوته وحليت بحلاوته وتهيأت شئونها بمهابته فلما قبض صلى الله عليه وسلم ~~ذهب السراج وزال الضوء وفاتت تلك الطلاوة والحلاوة والمهابة # وقوله وما نفضنا الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا أخبر عن قلبه وعن قلب أشباهه ~~من القلوب التي لم تغلب عليها الهيبة من الله تعالى وتأخذها هيبة المخلوقين ~~وكان صلى الله عليه وسلم آية من آيات الله العظمى فمن عرفه وتمكنت معرفته ~~من هذا الطريق فإذا فقده أنكر قلبه لأن نفسه كانت في قهر ما أعطي الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من السلطان فلما أحست النفس بذهابه وجدت زمامها ساقطة ~~بالأرض كالمخلاة عنها فتحركت وتشوقت لمناها وأصاخت أذنا لمطامعها ومن غلب ~~الهيبة من الله تعالى على قلبه وملكته لم ينكر قلبه بقبضه ولم يتغير شأنه ~~بفقده وهم الصديقون والأولياء عليه السلام فقد دخل قلوبهم من جلال الله ~~تعالى وعظمته ما بهتهم فهابوه ونفوسهم قد صارت كالميتة من الخشوع لله تعالى ~~فتلك هيبة احتشت القلوب منهم من محبة الله تعالى فغمرت ما كان للمخلوقين ~~فيها من المحبة من غير أن تزول هيبة الرسول صلى الله عليه وسلم ومحبته من ~~قلبه فإن كل ما عظمت هيبة الله تعالى ومحبته في قلب عبد فهو للهيبة من رسول # PageV02P137 # الله صلى الله عليه وسلم أشد وحبه في قلبه أعظم وأصفى ولكن محبته وهيبته ~~غامرة لما سواها فلا يستبين بمنزلة واد ينصب في بحر فالوادي ينصب بهيبته ~~ولكن لا يستبين في جنب البحر وبمنزلة قمر مضيء فإذا أشرقت الشمس غمر ~~إشراقها ضوء القمر فالقمر يضيئ في مجراه والشمس بإشراقها غالبة عليه كذا حب ~~الله تعالى وهيبته في حب الرسول صلى الله عليه وسلم وهيبته # PageV02P138 ### | - الأصل السابع والثلاثون والمائة ### | في فضل نظرة المشتاق # عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نظر الرجل إلى أخيه على ms273 شوق خير من اعتكاف سنة في مسجدي هذا # الاعتكاف إقبال العبد على الله تعالى والتخلي عن الدنيا وشهواتها وكف ~~النفس عن التردد في ساحات العيش ومنعها عن الانبساط والتفسح ومسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وموضع مهاجره ومبوء الاسلام يعدل الاعتكاف فيه سنة ~~اعتكاف ألف سنة في سائر المساجد # قال صلى الله عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما سواه # PageV02P139 # كذا حكم الاعتكاف فقد جعل صلى الله عليه وسلم النظر إلى أخيه على شوق منه ~~أكثر منه لأنه المؤمن لما انتبه بقلبه وعرف ربه تبارك وتعالى واشتغل نور ~~اليقين في قلبه فانكشف له الغطاء عن جلاله وعظمته وجماله ومجده وبهائه ~~اشتاق إليه فلم يزل يدوم له الشوق حتى قلق وبرم بالحياة وضاق به ذرعا فهو ~~عطشان من ظمأ الشوق قد أسكرته محبته عن جميع الدنيا وأذهلته آماله فيها عن ~~جميع مناه فيها وأقلقته بقية أنفاسه ويتمنى أن ينقضي جميع أنفاسه في نفس ~~واحد حتى يطير بروحه إلى الله تعالى فهو في محبسه يتردد آثار من قد اجتباه ~~من بين خلقه وسبي قلبه بنوره وقد انقطع طمعه من أن يراه وهو ينادي في خلال ~~ذلك ارحم من تراه ولا يراك لأنه قد سبق إلى ذلك رأس المشتاقين كليم الله ~~صلوات الله عليه لما من عليه بالكلام طمع في الرؤية فآنسه وأعلمه سبب المنع ~~كالمعتذر فقال {لن تراني} أي لا تقدر ولكن أنظر إلى الجبل فإن إستقر مكانه ~~فسوف تراني # وكذلك فعل الحبيب بالحبيب إذا سأله حاجة لا طاقة له بها ولا يقوم لها وان ~~الحاجة تضيع لم يواجهه بالمنع ولم يوحشه بالرد ويقيم لنفسه عذرا فالمؤمن من ~~يطلب الآثار إليه شوقا ولله تعالى في أرضه اربعة من آثاره بها يقطع ~~المشتاقون أعمارهم فاحدى الآثار كلامه وعليه طلاق فإذا نظر إلى القرآن ~~استروح لأنه كلامه والثاني كعبته وهو بيته ومعلمه ومظهره وعليه وقاره فإذا ~~نظر إليها استروح والثالث السلطان وهو ظله وعلى ظله هيبته فإذا نظر إليه ~~استروح ms274 والرابع وليه المؤمن وهو خليفته في أرضه وعليه نور جلاله فإذا نظر ~~إليه استروح لأنه حبيبه وفيه بره وسيماء نوره قد أشرق في وجهه # PageV02P140 # قال صلى الله عليه وسلم إن الله أعطى المؤمن ثلاثة المقة والملاحة ~~والمحبة في صدور المؤمنين ثم تلا إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا # وقال صلى الله عليه وسلم من نظر إلى أخيه نظر ود غفر الله له لأن المشتاق ~~آيس من أن ينظر إلى مولاه في الدنيا فإذا نظر إلى هذا العبد فانما يقضي ~~المنية من ربه ولا يشفيه ذلك بل يذوب على قدميه فكل لحظة بلحظة إلى هذا ~~العبد وقصد به التشفي من حرقات الشوق إلى الله تعالى وقد حبسه الله تعالى ~~بباقي أنفاسه يستوجب بتلك النظرة التي من أجل الله تعالى كانت ولم يصل إلى ~~مراده ومنيته الرضوان والمغفرة منه وهؤلاء الأربعة الذين هم آثار الله ~~تعالى في أرضه بهم تقوم الأرض فإذا دنا قيام الساعة رفع القرآن وهدمت ~~الكعبة وذهب السلطان وقبض الأولياء عن آخرهم فالمتنبهون إنما يأخذون من ~~القرآن لطائفه وطلاوته ويلحظون من السلطان هيبة ظله دون أفعاله وسيره ومن ~~البيت وقاره دون الأحجار والبنيان ومن الولي نور جلاله الذي قد أشرق في ~~صدره دون جسده ولحمه ودمه # PageV02P141 ### | - الأصل الثامن والثلاثون والمائة ### | في أدب التنزه في المأكول وتناوله # عن عبد الله بن بشير رضي الله عنه قال دخل علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فطعم ثم أتي بسويق فشرب ثم أعطي الذي عن يمينه وكان إذا أكل التمر وضع ~~النواة على ظهر اصبعه الوسطى والمشيرة ثم ألقاها # لو أخذ النواة بباطن أصابعه ثم عاد إلى بقية التمر لكان لا يخلو أن تكون ~~أصابعه مبتلة من ريق الفم عند أخذ النواة فكره أن يعود إلى بقية التمر وفي ~~يده بلة النواة مراعاة للأكيل وحرمة للصاحب ليتأدب به من بعده فإنه قد يعاف ~~الرجل صاحبه في فعله من ذلك ويكرهه فكان يأخذ النواة بظاهرإصبعيه ويستعمل ~~باطنهما في تناوله # ومما ms275 يحقق ذلك ما روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى أن يجمع بين التمر والنوى وبين الرطب والنوى على الطبق # وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بطبق من رطب ~~فأكل منه شيئا ثم يلقي النوى من فمه بشماله فمرت به داجنة فناولها إياه ~~فأكلت # PageV02P142 ### | - الأصل التاسع والثلاثون والمائة ### | في أن ما يستصلح به الأقوات سيد الأدم # عن عيسى بن أبي عزة رضي الله عنه قال سمعت أنس ابن مالك رضي الله عنه ~~يقول سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول سيد ادامكم الملح # فالملح به إصلاح الأطعمة وطيبها فيكون مزاجا للأشياء # PageV02P143 ### | - الأصل الأربعون والمائة ### | في أن المرء مع من أحب # عن علي كرم الله وجهه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~متى الساعة قال وما أعددت لها قال حب الله ورسوله قال فأنت مع من أحببت # الحب هيجه للسؤال عن قيام الساعة لأنه علم أن لقاء العبد سيده بعد قيام ~~الساعة فقلق وضاق بالحياة ذرعا فسأل عن الساعة متى تقوم استرواحا إليها ~~وإنما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعددت لها تطلعا لمن يحن ضميره ~~وتعرفا للذي عجله عليه من السؤال إلى معدن هاجت هذه الكلمة وهذا السائل من ~~المشتاقين ألا ترى انه لم يذكر من عدته شيئا من أعمال البر وإنما ذكر الذي ~~كان بين يدي قلبه وما اعترض به في صدره فأجابه على ما وجده عليه فقال أنت ~~مع من أحببت فالموحدون كلهم يحبون الله تعالى حب إيمان لأن # PageV02P144 # الغالب عليه نفسه وشهوته وإنما يقلق لذلك ويجيش صدره إذا فاته شيء من ~~شهواته ونهماته في الدنيا فذاك إنما يعد للساعة أعمال بره وجعل ذلك عدته ~~يرجو لها الثواب من الله تعالى حتى إذا ورد القيامة حصلت سرائره وبلي خبره ~~واقتضى صدقه في الأعمال فان وجد صادقا في ذلك أثيب وأكرم على قدره وإن وجد ~~كاذبا رمي به في ms276 وجهه وهو موقوف في الحرصة يرجو بأعماله النجاة من النار ~~ونوال الثواب فتخلص حسناته وتصفى ثم توزن بالسيئات فإن فضل له شيء أعطي ~~بقدر ما فضل وهذا السائل قد كانت الأشياء كلها تلاشت عن قلبه في جنب معبوده ~~فلحبه إياه غليان في صدره فكان ذلك عدته فلذلك قال أنت مع من أحببت # ولعله كان أشدهم اجتهادا وأصفاهم عملا وأخلصهم قلبا وأطهرهم إيمانا ~~وأبعدهم عن كل ريبة وريب ودنس وعيب وأخلقهم بمعالي الأخلاق وأنزههم عن ~~مدانيها لأن حب الله تعالى لا ينال إلا محبوبه قال تعالى يحبهم ويحبونه # بدأ بحبه إياهم ثم بحبهم له ثم وصف أخلاقهم وشمائلهم فقال {أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين} الآية # وإذا فتح الله قلب عبد وأشرق النور في صدره وانتبه من غفلته فمحال أن لا ~~يجيش صدره بحب مولاه حتى ينسى في حبه حب كل مذكور ويلهو عن كل شيء سواه كما ~~قال الحسن رضي الله عنه حق على من عرفه أن ينكر كل شيء سواه # وقال صلى الله عليه وسلم لا يبلغ أحدكم ذروة الإيمان حتى يكون # PageV02P145 # الناس عنده أمثال الاباعر في جنب الله تعالى ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها ~~أحقر حاقر # وقال صلى الله عليه وسلم حبك الشيء يعمي ويصم # فالقلب واحد فإذا أحب الدنيا أعماه وأصمه عن الآخرة فإن الحب حرارة تتوقد ~~في القلب فإذا ولج القلب حرارة الشهوة تعميه وتصمه عن كل شيء سواه وإذا أحب ~~الآخرة أعماه عن الدنيا وأصمه لأنه صارت له الآخرة معاينة بالنور الوارد ~~على قلبه وهاجت شهوته لها واستجر قلبه وتوقد فأعماه وأصمه عن كل شيء سواها ~~وإذا أحب مولاه أعماه وأصمه عن جميع ما خلق وعن كل ما سواه لأنه إذا توقد ~~نوره في قلبه انكشف الغطاء عن جلاله وعظمته وجماله وبهائه وكبريائه فأعماه ~~وأصمه عن كل شيء سواه وهكذا ركب في طباع الآدميين أن يسموا قلبه إلى الأرفع ~~فالأرفع إذا رأى أهل النعيم والزينة يسمي قلبه أعظمهم قدرا وأوفرهم حظا من ~~ذلك وإذا ms277 عاين الآخرة رق هذه في جنبها وإذا وقع على قلبه من جلال الله ~~وعظمته رق هذا كله في جنب ما عاين ويحب الآدمي كلا على قدره وأهل المحبة ~~قوم سبقت لهم من الله تعالى سعادة زائدة فاضلة على من دونهم من عمال الله ~~تعالى اجتباهم بمشيئته وهداهم بإنابتهم وهم صنفان ذكرهما الله تعالى في ~~تنزيله الكريم الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب # فالأول طريق الأنبياء عليهم السلام بمشيئته اجتباهم وجذب قلوبهم إليه ~~جذبة بمشيئته من غير تردد وتكلف وطلب والثاني طريق الأولياء المهذبين سلام ~~الله تعالى عليهم أنابوا وساروا إليه بقلوبهم وأوصلهم # PageV02P146 # إليه فأحبهم وبحبه أوصلهم إلى حبه وقال الله تعالى {أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين} # ولهذا تفسيران تفسير المقتصدين أهل الاستقامة وتفسير الأولياء أهل اليقين ~~فأما أهل الإستقامة فيذل عند حق المؤمن لحقه ويرق له ويعطف عليه ويحب له ما ~~يحب لنفسه ويعز على الكافر بالله تعالى على باطله فيقهره يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم فمن حبهم إياه دق شأن الخلف وذمهم ومدحهم في ~~جنبه # وأما تفسير أهل اليقين {أعزة على الكافرين} يذلون عند كل مشيئة لله تعالى ~~فيظهر من الغيب من احكامه عليهم فينقادون له تسليما له بلا تلجلج ويعزون ~~على الباطل فيمتنعون منه حتى لا يجدوا سبيلا ولا تجد النفس إلى خدعها طريقا ~~ويعزون على أهله فلا يستقبلهم مضاد إلا انقمع لهم وسلس ولا يخافون لومة ~~لائم قد سقط عن قلوبهم خوف سقوط المنزلة عند الخلق وهذه عقبة عظيمة من ~~جازها فقد ولى الدنيا وراء ظهره ورفع عن الناس بالا وهما عقبتان كئودتان ~~فطلاب الآخرة أعرضوا عن الدنيا توليا عنها وأقبلوا على الآخرة الا أنهم ~~بقوا في العقبة الثانية فهم حرصاء أن يكون جاههم وقدرهم باقيا عند الخلق ~~وأن لا يسقطوا من أعينهم وهو الشهوة الخفية التي بكى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقيل له في ذلك فقال أخوف ما أخاف عليكم الشرك والشهوة الخفية # PageV02P147 # فحب الثناء وحب المحمدة ms278 هي الشهوة الخفية وهي من أقوى الأشياء في الآدمي ~~يبقى ذلك في العمال والقراء والزهاد والورعين فهم منه في جهد وهذا الذي ~~حملهم على الاختفاء والهرب من الخلق وإخفاء العمل وكتمان الأشياء التي ~~يكرمهم الله تعالى بها مخافة التزين والمباهاة في الأقوال فمن أشرب حب الله ~~قلبه شربة أسكرته عن الدارين وعن الخلق فطارت هذه المحبات عنه وزال عنه حب ~~المحمدة والثناء ورفع المنزلة عند الخلق وذهب باله ونسي هذا كله ولا يبقى ~~على قلبه إلا عظمة الله تعالى وجلاله إذ أشرق الصدر بنوره فامتلأ من عظمته ~~ولزمته هيبته وهاجت هوائج المحبة له والشوق إليه وظهر الوله والحنين فيه ~~فحينئذ تموت هذه الأشياء منه ويحيى قلبه به ولا يخاف في الله لومة لائم ~~فإذا ترقى من هذه الدرجة إلى الدرجة العظمى فانفرد بوحدانيته وبهت في جماله ~~وجلاله واستولت على قلبه هيبته افتقد ذكر هذا كله من نفسه فيصير في قبضته ~~مستعمله في أموره معتزا به به يقوم وبه يقعد وبه يتصرف في الأحوال # وهذا السائل الذي سأله صلى الله عليه وسلم عن الساعة من جملتهم ولهذا روى ~~أنس بن مالك رضي الله عنه في آخر الحديث كم من بدوي من رجال الله وخاصته لا ~~يعرف ولا يؤبه به # وقال ثابت البناني رضي الله عنه لا تسخروا من أحد ولا تستهزءوا من أحد ~~فإن أنس بن مالك رضي الله عنه حدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~بالبقيع فإذا هو باعرابي أعمش العينين خمش الذراعين دقيق الساقين عليه ~~شملتان ومعه عكة من سمن يبيعها فجاء جبرئيل عليه السلام إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذا زاهر # PageV02P148 # هذا يحب الله والله يحبه فدنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~زاهر قال لبيك يا رسول الله قال من يشتري مني زاهرا فقال يا رسول الله إذا ~~تجدني كاسدا فقال يا زاهر إن تكن عند الناس كاسدا فانك لست عند الله كاسدا ~~إذا قدمت ms279 المدينة فانزل علي وإذا أنا بدوت نزلت عليك # PageV02P149 ### | - الأصل الحادي والأربعون والمائة ### | في أي النساء خير # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله أي النساء خير قال التي ~~تسره إذا نظر ولا تعصيه إذا أمر ولا تخالفه لما يكره في نفسها ومالها # تسره إذا نظر لعفتها وجمالها فإن المرأة إذا كان لها جمال كان ذلك عونا ~~على عفة الرجل ودينه فلا يلحظ إلى إمرأة إلا كان في غنى عنها بما عندها من ~~جمالها # روي أن جماعة قصدوا دار زكريا عليه السلام فإذا فتاة جميلة رائعة قد أشرق ~~البيت لها حسنا قالوا من أنت قالت أنا امرأة زكريا عليه السلام قالوا بينهم ~~كنا نرى نبي الله زكريا لا يريد الدنيا فإذا هو اتخذ امرأة جميلة رائعة ~~فقال عليه السلام إني إنما تزوجت إمرأة جميلة رائعة لأكف بها بصري وأحفظ ~~بها فرجي # PageV02P150 # وقال صلى الله عليه وسلم مثل عائشة في النساء كالثريد في الطعام فهذا ~~تمثيل منه وذلك أن الثريد مشبع يجزي عن سائر الطعام يستغني به صاحبه عما ~~سواه ولا يقوم مقامه شيء من الطعام ولأن الله تعالى قد اخذ على الأزواج ~~ميثاقهم في شأن نسائهم وأمرهم بالإحسان إليهن والمعروف لهن قال تعالى ~~{فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} # وقال صلى الله عليه وسلم النساء عندكم عوان اخذتموهن بأمانة الله ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله فيهن أي في حسن عشرتهن والخروج ~~إليهن من حقوقهن فمن رزق امرأة على وفاق نفسه كان ذلك عونا له على حسن ~~العشرة وإقامة الحقوق فإن النفس إذا هويت شيئا مالت إليه فصار أمرهما على ~~اتفاق فلم يبق للنفس تردد ولا تلكؤ فهذا قوله صلى الله عليه وسلم تسره إذا ~~نظر # وقوله ولا تعصيه إذا أمر فإنما عظم أمر الأزواج الذي يلزمهن # PageV02P151 # أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه ولا تكلم غير ذي محرم من الرجال ولاتمنع ~~نفسها في حال حاجته إليها هويت أو لم تهو خف ذلك عليها أو ثقل # قال صلى ms280 الله عليه وسلم لا تمنع المرأة نفسها من الزوج وإن كانت على رأس ~~تنور # وفي حديث آخر وإن كانت على قتب أي في حال ولادتها فإن القوابل كانت يعز ~~وجودها في تلك البوادي فيحملون نسائهم على القتب عند ولادها وقد هيىء القتب ~~بالأرض حتى يتمكن من القعود عليها فتلد ويقبلون ولدها من تحت القتب # وعن أبي كبشة رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كنا ~~جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرت بنا امرأة فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فدخل منزله ثم خرج إلينا قد اغتسل فقلنا نرى أن قد كان ~~شيء يا رسول الله قال مرت بي فلانة فوقعت في نفسي شهوة النساء فقمت إلى بعض ~~أهلي فوضعت شهوتي فيها وكذلك فافعلوا فانه من أماثل أعمالكم # PageV02P152 # وقوله ولا تخالفه لما يكره في نفسها ومالها هو أن تساعده على أموره ما لم ~~يكن فيها معصية فإن حسن الصحبة في المساعدة وحسن العشرة ترك هواها لهواه # روى أنس رضي الله عنه أن رجلا انطلق غازيا فأوصى امرأته أن لا تنزل من ~~فوق البيت وكان والدها في أسفل البيت فاشتكى أبوها فأرسلت إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تخبره وتستأمره فأرسل إليها اتق الله وأطيعي زوجك ثم إن ~~والدها توفي فارسلت إليه صلى الله عليه وسلم تستأمره فأرسل إليها مثل ذلك ~~وخرج رسول صلى الله عليه وسلم وأرسل إليها أن الله قد غفر لك بطواعيتك ~~لزوجك # وقال صلى الله عليه وسلم الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة وقال ~~صلى الله عليه وسلم خير ما أعطي العبد من الدنيا زوجة مؤمنة تعينه على ~~إيمانه # وقال لقمان عليه السلام مثل المرأة الصالحة مثل التاج على رأس الملك ومثل ~~المرأة السوء كمثل الحمل الثقيل على ظهر الشيخ الكبير # PageV02P153 ### | - الأصل الثاني والأربعون والمائة ### | في المعمرين في الإسلام # عن عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول قال الله عز ms281 وجل إذا بلغ عبدي أربعين سنة عافيته من البلايا الثلاث من ~~الجنون والبرص والجذام فإذا بلغ خمسين سنة حاسبته حسابا يسيرا وإذا بلغ ~~ستين سنة حببت إليه الإنابة وإذا بلغ سبعين سنة أحبته الملائكة وإذا بلغ ~~ثمانين سنة كتبت حسناته وألقيت سيئاته وإذا بلغ تسعين سنة قالت الملائكة ~~أسير الله في أرضه فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفع في أهله # يروى هذا الحديث بروايات أخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيها ~~حكاية عن الله تعالى # وفي رواية أنس رضي الله عنه ما من معمر يعمر في الإسلام أربعين سنة إلا ~~صرف الله تعالى عنه ثلاثة أنواع من البلاء وقال في الخمسين لين الله حسابه # وفي رواية أخرى عن أنس رضي الله عنه قال المولود قبل أن يبلغ الحنث ما ~~يعمل من حسنه كتبت لوالديه وإن عمل سيئة لم تكتب عليه ولا على والديه فاذا ~~بلغ الحنث وجرى عليه القلم # PageV02P154 # أمر الملكان اللذان معه أن يحفظا ويسددا فإذا بلغ أربعين سنة وسرد الحديث ~~إلى أن قال بعد التسعين فإذا بلغ أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا كتب ~~الله له بمثل ما كان يعمل في صحته من الخير وإن عمل سيئة لم تكتب عليه # وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه فإذا بلغ مائة سنة سمي حبيس الله في ~~الأرض حق على الله أن لا يعذب حبيسه في الأرض هذا الحديث يخبر عن حرمة ~~الإسلام وما يوجب الله تعالى لمن قطع عمره مسلما من الكرامات وما يقصد في ~~ذلك بيان الأعمال والدرجات واكتساب الطاعات فذاك ثوابه على قدر ما سعى ~~واكتسب ومثل هذا موجود في حق الخلق ترى الرجل يشتري عبدا فإذا أتت عليه ~~ستون يقال عتق عندنا وطالت صحبته معنا فترتفع عنه بعض العبودة ويخفف عليه ~~في الضريبة فإذا زادت مدة صحبته زيدت رفقا وعطفا وإذا وجد منه تخليط وإساءة ~~عمل فلطول صحبته لا يمنع رفده ورفقه لإساءته فإذا شاخ وكبر اعتقه احتشاما ~~من ms282 بيعه والإساءة إليه # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يستحي من عبده وأمته أن ~~يشيبا في الإسلام فيعذبهما # PageV02P155 # ففي بلوغ العمر أربعين سنة استكمال الشباب واستجماع القوة وهو عمر تام ~~ولا يزال بعده في نقصان وإدبار فإذا عاش في الإسلام عمرا تاما وجب له من ~~الحرمة ما يدفع عنه الآفات الثلاث التي لا تقبل الدواء منه من الداء العضال ~~ووجود العدو إليه سبيلا في أخذ قلبه فإذا بلغ خمسين سنة وهو نصف المائة ~~التي هي أرذل العمر الذي يرفع عنه الحساب فهو على النصف من ذلك فخفف عنه ~~حسابه ولين وحوسب حسابا يسيرا وخفة الحساب في الدنيا أن لا يؤاخذه فيها ولا ~~ينزع منه البركة ولا يحرمه ألطافه ولا يقصيه ولا يخذله ومن قبل الخمسين لم ~~يستوجب هذه الحرمة فإذا بلغ ستين سنة وهو عمر التذكر والتوقف قال صلى الله ~~عليه وسلم إذا كان يوم القيامة نودي أبناء الستين {أولم نعمركم ما يتذكر ~~فيه من تذكر} # فإذا عمر ستين سنة فقد جاء أوان التذكر لأن الأربعين منتهى استتمام القوة ~~فإذا جاوز إلى ستين فقد أتى عليه عشرون سنة في النقصان وهو نصف الأربعين ~~الذي هو منتهى القوة فقد افتقد من نفسه نصف القوة فلذلك صار حجة عليه فأوجب ~~له حرمة بأن رزقه الإنابة إليه فيما يحب وهو التذكر فإنه إذا تذكر رزقه ~~الإنابة إليه في الطاعات ولم يخذله حتى يصير عمره وبالا وحجة عليه فيعير به ~~كما يعير أهل النار قال الله تعالى أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير # وإذا بلغ سبعين سنة فقد عمر حقبا من الدهر وهو سبعون سنة وهو غاية وقد ~~ينتهي إليه في الطول وهو منتهى أعمار هذه الأمة # PageV02P156 # قال صلى الله عليه وسلم أقل أمتي أبناء السبعين وقال صلى الله عليه وسلم ~~معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين # فإذا عمر في الإسلام سبعين سنة قال هذا عبد قد كان في عبودة مولاه حقبا ms283 ~~لم يأبق منه ولم يتول حتى مات في عبودته وذهب شبابه وقوته في طاعته فأوجب ~~له محبته وأحبه أهل السماء فإنه يشهر حبه فيهم وتحقيق ما ذكرنا ما روى وهب ~~قال مكتوب في التوراة أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده ابناء الخمسين هلموا ~~إلى الحساب لا عذر لكم أبناء الستين ماذا قدمتم وماذا أخرتم أبناء السبعين ~~ماذا تنتظرون ألا ليت الخلق لم يخلقوا فإذا خلقوا علموا لماذا خلقوا ألا ~~أتتكم الساعة فخذوا حذركم # فإذا بلغ ثمانين سنة قبلت حسناته وتجاوز الله تعالى عن سيئاته فإنه عمر ~~ضعف العمر فإن العمر التام أربعون ثم عمر أربعين أخر في نقصان وإدبار في ~~الإسلام فاستوجب أن قبلت حسناته وتجاوز عن سيئاته فإن الله تعالى قال في ~~الاستقامة حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني إلى آخر الآية ~~وقال الله تعالى {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا} إلى قوله {يوعدون} ~~فهذا لمن بلغ أربعين سنة في الاستقامة # PageV02P157 # فإذا كان مخلطا فعمر في الإسلام ضعف أربعين أوجب له بحرمة ذلك العمر ما ~~يوجب للمستقيم في وقت الأربعين # روى أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ ~~الرجل من أمتي ثمانين سنة حرم الله جلده على النار وإذا بلغ تسعين سنة فقد ~~أفند وفقد عقله وكان العقل حجة الله عليه فغفر له ما تقدم من ذنبه بقطع هذا ~~العمر مسلما وما تأخر بفقد عقله لأنه في أول ما اجتباه ألقى في قلبه نور ~~المعرفة فسبى قلبه عليه فما زال يستغله فيغل غلته ويؤدي خراجه حتى إذا شاخ ~~وكبر وعجز عن العلة وذهبت القوة وفقد العقل رفع عنه الضريبة والخراج وتبعة ~~الذنب فيما بقي وسمي أسير الله في الأرض لأنه في ربقة الايمان كأسير في ~~وثاق لا يقدر براحا قد عجز عن أعمال البر وهو في ربقة الاسلام فإذا بلغ ~~مائة سنة فقد رد إلى أرذل العمر فصار كالصبي فبلغ من حرمته أن يجري له ~~حسناته ولم ms284 يكتب عليه سيئاته لأنه قد بلي فوجد صادقا في التوحيد لم يتردد ~~فيه ودام عليه ناشئا فتيا وشابا طريا وكهلا سويا وبجالا بهيا وشيخا رضيا ~~فلما صار إلى أرذل عمره عاد إلى أحكامه طفلا وصبيا فأجرى له ما كان يعمل من ~~الحسنات في سالف أيامه ورفع عنه سيىء ما يجيء منه # قال الله تعالى {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين} ~~ثم استثنى فقال إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون أي غير ~~مقطوع # وقال صلى الله عليه وسلم غير ممنون ما يكتب لهم صاحب اليمين فإن عمل خيرا ~~كتب صاحب اليمين وإن ضعف عن ذلك كتب له صاحب اليمين وأمسك صاحب الشمال فلم ~~يكتب سيئة # PageV02P158 ### | - الأصل الثالث والأربعون والمائة ### | في فضل ذاكر الله في أهل الغفلة # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخل ~~سوقا من أسواق المسلمين فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله ~~الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله ~~له ألف ألف حسنة وحطت عنه ألف ألف خطيئة ورفعت له ألف ألف درجة # هذه كلمات يخرج بها العبد من حال الغفلة وإنما خص بها الأسواق لأن الغفلة ~~مستولية على أهلها وذلك لأن الله تعالى هو المعطي والمانع والقابض والباسط ~~والرازق بيده خزائن الأشياء ومفاتيح الغيب فمن قدر على شيء فبقدرته إياه ~~قدر ووضع الأشياء في الأسباب وجعل الأسباب من أبواب المكاسب ووجوه الأرزاق ~~نصب أعين الآدميين # PageV02P159 # فأهل اليقين بنور بصائرهم نفذوا من الأسباب إلى وليها بحيث لا تقدر ~~الأسباب أن تصير فتنة عليهم فهم يعملون في الأسباب مع وليها يزرعون ~~وينتظرون رحمتن فإذا أزكى قالوا هذا من فضلك ورحمتك ويتجرون يبتغون الأرباح ~~من فضل الله تعالى فإذا تعذر عليهم شيء سألوه كما قال تعالى {وابتغوا من ~~فضل الله} واسألوا الله من فضله # وأهل الغفلة تعلقت قلوبهم بالزراعات والحرف والتجارات ms285 وما وضع لهم فيه من ~~التدبيرات فاليه ينظرون وإياه يطلبون وبه يفتنون ومن أجله يعصون فالأسواق ~~معدن النوال ومظان الأرزاق وهي مملكة وضعها الله تعالى لأهل الدنيا ~~يتداولون ملك الأشياء فيما بينهم فترى الشيء الواحد يدور ملكه في اليوم ~~الواحد على أيدي المالكين مرات والتدبير على المملكة الأعلى وهي العرش ~~فملكة التداول في الأسواق ومملكة تدبير التداول هي العرش والسوق رحمة من ~~الله تعالى لعباده دبره معاشا لخلقه يدر عليهم منها حوائجهم ليلا ونهارا ~~وشتاء وصيفا ونقلا من بلد إلى بلد لتكون الأشياء كلها موجودة في الأيدي عند ~~الحاجة إليها قال تعالى وقدر فيها أقواتها # وجعل الذهب والفضة أثمان كل شيء وما سواها عرضا وصرف أرزاقهم إلى مثل هذه ~~الأرباح وصرف بوجوههم للطلب إلى مطالب الكسب لتكون الأسواق قائمة والتدبير ~~جاريا والمعاش نظاما وجعل الحرف والصنائع بعضها متعلقة بالبعض ينتفع هذا ~~بصنعة ذاك وذاك بصنعة هذا ولو لم يكن هكذا لكان الواحد يحتاج إلى آلة جميع ~~الحرف وإلى تعلم كل حرفة في الأرض فيصيرون عجزة وأسواقهم # PageV02P160 # بصنوف ما يحتاجون إليه مشحونة ثم صيرهم يبتغون من فضل الله تعالى في هذه ~~الأشياء بتغيير الأسعار فإن الله تعالى هو المسعر وهو القابض والباسط ~~فبتغيير الأسعار يتناولون الأرباح ويدر عليهم الشيء بعد الشيء ويكون ذلك ~~معاشا لهم تفضل الله تعالى عليهم به فأهل الغفلة صيروا هذه الرحمة وبالا ~~على أنفسهم بتعلق قلوبهم بالأسباب وغفلتهم عن المدبر لها والسائق أرزاقهم ~~إليهم من فضله فالناطق بهذه الكلمات بين أولئك الغفلة في هذا الحظ من ربه ~~فتكتب له الحسنات وتمحى عنه السيئات وترفع له الدرجات # قال صلى الله عليه وسلم ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في السنة ~~الحمراء # وهذا لأن العدو قد انتهز الفرصة من أهل الأسواق لما رأى من أحوالهم من ~~حرصهم وشحهم ورغبتهم في الدنيا وصيرها عدة وسلاحا لفتنته فدخلوا أسواقهم ~~وهم طالبون للمعاش والرغبة فيهم حاصلة والحرص كامن فنصب كرسيه في وسط ~~أسواقهم وركز رايته وبث جنوده وقال دونكم من رجال مات ms286 أبوهم وأبوكم حي فمن ~~بين مطفف في كيل وطائش في ميزان ومنفق سلعة بالحلف الكاذب وحمل عليهم ~~بجنوده حملة فهزمهم عن مقاومهم إلى المكاسب الرديئة وإضاعة الصلوات ومنع ~~الحقوق فما داموا في هذه الغفلة على مثل هذه الأحوال فهم على خطر من ربهم ~~من نزول العذاب وتغير الأمور وكون الأحداث فالذاكر فيما بينهم يرد سخط الله ~~تعالى ويطفىء ثائر غضبه لأن في كلماته هذه نسخا لتلك الأعمال قال تعالى ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض # فيدفع عن أهل الغفلة بالذاكرين وعن غير المصلي بالمصلين وفي # PageV02P161 # هذه الكلمات التي ذكرها صلى الله عليه وسلم نسخ لأفعال أهل السوق لأن ~~قلوبهم قد وله بعضها إلى بعض في النفع والضر فإذا قال لا إله إلا الله كان ~~نسخا لوله قلوبهم وإذا قال وحده لا شريك له يكون نسخا لما تعلقت قلوبهم ~~بعضها ببعض في نوال أو معروف أو رجاء نفع أو خوف ضر وقوله له الملك وله ~~الحمد نسخ لما يرون من صنع أيديهم وتصرفهم في الأمور بتحمل بعضهم بذلك إلى ~~بعض وقوله يحيي ويميت نسخ لحركاتهم وما يرجون في أسواقهم للتبايع أحياهم ~~حتى انتشرت الحركات ويميتهم فلا يبقى متحرك وقوله وهو حي لا يموت نفى عنه ~~ما ينسب إلى المخلوقين من الموت وقوله بيده الخير أي هذه الأشياء التي ~~تطلبونها من الخير في الأسواق وهو على كل شيء قدير # ومثل أهل التخليط والغفلة في الأسواق كمثل الذبان والهمج يجتمعن على ~~مزبلة يتطايرن فيها على ألوان القاذورات فيقعن على ضروب ما هناك فعمد رجل ~~إلى مكنسة ذات شعوب وقوة فكنس هذه المزبلة فجرفها في الوادي فإذا البقعة ~~نظيفة وصاحبها معجب بها فالناطق بهذه الكلمات وجد أسواقا مشحونة بالكذب ~~والفحش والخيانة والظلم والعدوان والأيمان الكاذبة والمكاسب الرديئة قد ~~هزمهم العدو وهم على شرف حريق ونزول عذاب فنطق بهذه الكلمات ورمى بالمزابل ~~في وجه العدو وطهر الأسواق منهم وأطفأ نائره سخط الله تعالى وستر مساوىء ~~أهل السوق ونفى ظلمتهم وطهر أرجاسهم فاستوجب من ms287 الله تعالى من الثواب ما ~~أشار إليه صلى الله عليه وسلم # PageV02P162 ### | - الأصل الرابع والأربعون والمائة ### | في أن الموحد والصديق في الناس قليل # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تجدون ~~الناس كالإبل المائة ليس فيها راحلة أوليس فيها إلا راحلة # فالراحلة هي التي قد ريضت وأدبت فسمحت بالطاعة وتركت شرتها وسارت بزمامها ~~وذلت لصاحبها وأعطت سيرها وجادت بنفسها وأعطت من نفسها السير في وجهها فما ~~زال ذلك عادتها في الرجل ودأبها في الانقياد وصاحبها يرعاها ويلي تأديبها ~~ويتفقد أحوالها حتى تمكنت عنده منزلة وحظا حتى صيرها نجيبة من نجائبه ~~وكريمة من كرائم إبله سمحة لا تحرن وكريمة لا تجمح وجريئة لا تنفر ووادعة ~~لا تشمس وساكنة لا تضطرب إذا حملت حملت # PageV02P163 # وإذا سارت استمرت وإذا حركت أعنقت فصاحبها بأحوالها معجب وبها ضنين لا ~~يملكه أحدا ولا يطلق لغيره عليه يدا حتى يتحمل أثقال صاحبه فيكون من نجائبه ~~فكانت كإحدى الإبل المائة سائمة ترعي في مظانها وتذهب في مهواها يمينا ~~وشمالا لا ينتفع بها برسل ولا حمولة فالواحد منها ركوبه وسائرها للأكل قال ~~الله تعالى وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون فالذي ذلل للركوب صارت ~~راحلة وسائرها لحم # فكذلك الناس انتشروا على بسيط الأرض فربتهم نعم الخالق وأظلتهم سحائب ~~رحمته واكتنفتهم رأفته وتولتهم نعمته ومنته فإذا ألجمت أحدهم بلجام الحق أو ~~زممته بزمام الصبر هز رأسه ولوى عنقه فرمى باللجام وجاذب بالزمام فمر شاردا ~~ورمى بحمولته فمن المائة لا تجد فيها راحلة واحدة عز أن تجد نفسا سمحة سخية ~~منقادة مطيعة لربها قد ألقت بيدها سلما وانخشعت لعظمة ربها ووطنت نفسها على ~~العبودة فلا يزال في عطف الله تعالى ورحمته وتأييده ونصرته حتى يصير ذا حظ ~~من ربه فبحظه منه تنجب وتزكو نفسه وتطيب أخلاقه وينشرح صدره وتلين عروقه ~~ويرطب قلبه ويألف ربه فإن رحله انقاد وإن سيره سار وإن عطفه انعطف وإن كبح ~~به وقف وإن بعثه انبعث وإن حركه هملج أو جمز ms288 وإن أوقره استمر وان أنصبه ~~احتمل وإن خلى زمامه تفويضا إليه استقام فهو لربه أليف وربه به ضنين # PageV02P164 # قال صلى الله عليه وسلم الله أضن بدم عبده المؤمن من أحدكم بكريمة ماله ~~حتى يقبضه على فراشه # وقال عليه السلام إن لله تعالى عبادا يضن بهم عن الأمراض والأسقام يحييهم ~~في عافية ويميتهم في عافية ويدخلهم الجنة في عافية # فالراحلة في الإبل قليلة والنجيبة في الرواحل قليلة فالموحدون في الناس ~~قليل والمستقيمون بلجام الله في سيرهم قليل في الموحدين والصديقون في ~~المستقيمين قليل قال الله تعالى وقليل من عبادي الشكور # فالسابقون أهل الشكر والوفاء والمؤيدون بالمن والعطاء والممتلئة قلوبهم ~~من الجلال والبهاء والعظمة الآلاء # قال صلى الله عليه وسلم طوبى للسابقين إلى ظل الله تعالى قيل ومن هم يا ~~رسول الله قال الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوا بذلوه والذين يحكمون ~~للناس بحكمهم لأنفسهم # وهذه صفة أهل القناعة فإنهم استغنوا بالله تعالى حتى قنعوا بما أعطوا ~~ولله انقادوا وألقوا بأيديهم حتى بذلوا الحق إذ سئلوا وإلى الله تعالى ~~أقبلوا حتى عدل قلوبهم فصاروا أمناءه وحكامه في أرضه يحكمون للناس بحكمهم ~~لأنفسهم قال تعالى فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون # وفي مناجاة موسى عليه السلام يا رب كيف أصل رحمي وقد تباعدوا عني في ~~مشارق الأرض ومغاربها قال يا موسى أحب # PageV02P165 # لهم ما تحب لنفسك ولا يقوي على ذلك إلا عبد سقط عن قلبه منزلة نفسه ومنزل ~~دنياه ولها عنهما وشغف بمولاه فنبه من رقدة الغافلين فانتبه وأشرق في صدره ~~النور فوقف بقلبه على جلال الله تعالى وعظمته وعلى جماله وبهائه وعلى ~~كبريائه وسلطانه فصارت دنياه عنده أقل من جناح بعوضة وصارت نفسه عنده قبضة ~~من تراب وردت على قلبه من محبة الله تعالى والحلاوة التي وجد لها ما أسكرته ~~وألهته عن محبة نفسه ودنياه وما يؤمن بها إلا كل مؤمن قد إمتحن الله قلبه ~~للإيمان وقليل ما هم # قال صلى الله عليه وسلم يقول (الله تعالى يا ms289 جبرئيل انسخ من قلب عبدي ~~المؤمن الحلاوة التي كان يجدها لي) قال فيصير العبد المؤمن والها طالبا ~~للذي كان تعاهد من نفسه ونزلت به مصيبة لم ينزل به مثلها قط فإذا نظر الله ~~تعالى إليه على تلك الحال قال يا جبرئيل (رد إلى قلب عبدي ما نسخت منه فقد ~~إبتليته فوجدته صادقا وسأمده من قبلي بزيادة) # فهذه حلاوة المحبة من نالها فقد غلب على عقله وصارت جميع الأشياء خولا ~~لها كمن وجد درهما فأحبه على قدره ثم وجد دينارا فأحبه على قدره ثم وجد ~~جوهرا لا يدري ما قيمته قد رق في عينه الدرهم والدينار لاستغنائه به ~~وانتفاعه بذلك أكثر من الاستغناء والانتفاع بهما وإذا فتح الله قلب المؤمن ~~ونور صدره وعرفه من صفاته ما جهله قبل ذلك علم أن الخير كله بيد الله تعالى ~~والنفع منه كان غناه بالله تعالى أكثر ورجاؤه منه أعظم من الدينار والدرهم ~~فإن أحبه حبا يلهيه عن حب الدرهم والدينار فليس بعجيب بل هو # PageV02P166 # المتمكن في العقول فإن من له بيت مملوء من دنانير فلو سقط منه عشرة مثلا ~~لم يجد على قلبه حزنا عليها ولو أهدي إليه هذا القدر لم يفرح بها لاستغنائه ~~بتلك الدنانير فإذا كانت هذه الدنانير قد أغنته وفرحته فرحا لا يجده لحصول ~~هذه الدراهم القليلة فرحا ولا لفواتها حزنا فما ظنك بمن عرف الله تعالى في ~~جلاله وعظمته وملكه وعرف إحسانه إليه ألا يكون غناه به وفرحه فرحا لا يجد ~~لشيء من عروض دنياه فرحا ولا يجد على فواتها حزنا # روى أنس رضي الله عنه قال بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فأطلع رجل من الأنصار تنطف ~~لحيته من ماء وضوئه معلق نعله في يده الشمال فلما كان من الغد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فأطلع ذلك الرجل ~~على مثل مرتبة الأولى فلما كان من الغد قال صلى ms290 الله عليه وسلم مثل ذلك ~~فأطلع الرجل فلما قام اتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال ~~إني لاحيت لأبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى ~~يحل يميني فعلت قال نعم فإذا له خيمة ونخل وشاة فلما أمسى خرج من خيمته ~~فاحتلب العنز واجتنى لي رطبة ثم وضعه فأكلت فبات نائما وبت قائما وأصبح ~~مفطرا وأصبحت صائما ففعل ذلك ثلاث ليال غير أنه كان إذا انقلب على فراشه ~~ذكر الله تعالى وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر فيسبغ الوضوء غير أني لا أسمعه ~~يقول إلا خيرا فلما مضت الليالي وكدت أحتقر عمله قلت يا عبد الله إنه لم ~~يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول لك ثلاث مرات في ثلاث مجالس # PageV02P167 # يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت تلك المرات الثلاث فأردت أن ~~آوي إليك فأنظر ما عملك فأخبرني ما عملك قال فأت الذي أخبرك حتى يخبرك ~~بعملي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ائته فمره فليخبرك فقلت إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تخبرني قال أما الآن فنعم لو كانت ~~الدنيا لي فأخذت مني لم أحزن عليها ولو أعطيتها لم أفرح بها وأبيت وليس على ~~أحد في قلبي غل ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه # قال عبد الله لكني والله أقوم الليل وأصوم النهار ولو وهبت لي شاة لفرحت ~~بها ولو ذهبت لحزنت عليها والله لقد فضلك الله علينا فضلا بينا وجماع الأمر ~~في هاتين الخصلتين سقوط منزلة دنياك من قبلك وسقوط منزلة نفسك عن قلبك فإذا ~~لم يكن لدنياك عندك قدر لم تفرح به ولم تحزن عليه وإذا لم يكن لنفسك عندك ~~قدر لم تغل ولم تحقد على من آذاك # وقال صلى الله عليه وسلم حين سئل أي المؤمنين أفضل قال مخموم القلب صدوق ~~اللسان قالوا يا رسول الله ما مخموم القلب قال ms291 التقي النقي لا إثم فيه ولا ~~بغي ولا غل ولا حسد قالوا ما نعرف هذا فينا يا رسول الله فمن يليه قال ~~الذين شنئوا الدنيا وأحبوا الآخرة قالوا ما نعرف هذا فينا إلا رافع مولى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يليه قال مؤمن في خلق حسن # فالمخموم مؤمن ولج النور قلبه فأخرج ما فيه من شهوة النفس والخمامة قماش ~~البيت وما يكنس عن وجه الأرض فعز وجود هذا في وقتهم على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبى الله أن يكون ذاك إلا في خاص من الناس قليل في كل وقت ~~قال تعالى في التنزيل في # PageV02P168 # بيان المقربين السابقين ثلة من الأولين وقليل من الآخرين # وقال صلى الله عليه وسلم في كل قرن من أمتي السابقون # وقوله صلى الله عليه وسلم الناس كالإبل المائة تمثيل لأن الإبل المائة هي ~~سائمة ترعى مرعاها بهواها ليس على ظهورها حمولة ولا في أنفها أزمة ولاخطم ~~فهي في استبدادها تعمل ما هويت فإن لم يكن لها راع فكم من متردية في جرف ~~هار وكم من فريسة بين أنياب السباع وكم من آكلة دفلى تموت آكلته وآخر تموت ~~عطشا وآخر تموت جربا فالراعي يرعاهم المرعى ويجنبهم الدفلى ويذود عنهم ~~السباع ويعدل بهم عن الجرف ويوردهم المياه العذبة وكذلك الناس هم بهذه ~~الصفة فالراحلة هو الذي رحل نفسه وراضها وجنبها سموم الدنيا وآفاتها وقوم ~~أخلاقها حتى استقامت لله تعالى فصارت راحلة تركبها حقوق الله تعالى فتنقاد ~~لها وتحمل أثقال الحقوق فتسير بها إلى الله تعالى فإذا رحل نفسه وارتحل إلى ~~الله تعالى ثم صار راعيا يرعى عباده فيصلح للرعاية يجنبهم الآفات ويهديهم ~~للهدايات ويوردهم المياه العذبة وهو العلم الصافي بلا تخليط ولا كدورة ~~ويعرفهم خداع العدو ومراصده ومكامن النفس وهو في ذلك يحب أن تكون أمورهم ~~على وفاق ما بين الله تعالى لهم وعلى محاب الله تعالى ولا يكون كذلك فربما ~~انتشرت الإبل عليه فيضطرب في ذلك ويتلوى ويقبل ويدبر احتيالا وتكلفا ويضيق ms292 ~~صدره بأمورهم فهو في جهد من ذلك لما يحب أن تستوي أمورهم وتستقيم سيرتهم ~~ويأبى الله إلا أن يكون كما قدر حتى إذا فتح عليه باب النجباء الكرام فأبصر # PageV02P169 # بذلك النور أن هذا تدبيره لهم ومشيئته فيهم وأنه أعلم بما يراد لهم فإنما ~~خلقهم من وجه الأرض تربتها مختلفة وأن القلوب أوعية في أرضه يضع فيها ما ~~أحب وأن العقول مقسومة بين العبيد وأن الأخلاق لهم من الخزائن ممنوحة وأن ~~الأنوار على ما اختصه برحمته من بينهم ممنونة وأن له من خلقه صفوة وربك ~~يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة وأن العبيد فقراء حتى يغنيهم الله ~~من فضله غنى القلب وأن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء وأن الهداية منه {يهدي ~~الله لنوره من يشاء} وأن الرسول صلى الله عليه وسلم عوتب في ذلك حتى قيل له ~~وإن كان كبر عليك إعراضهم الآية وقوله تعالى إنك لا تهدي من أحببت ولكن ~~الله يهدي من يشاء # وكان ذلك بعد مضي السنين من النبوة ثم أدبه صلى الله عليه وسلم وقومه ~~فألقى بيده سلما وذل لمولاه وترك مشيئته لمشيئته وراقب تدبيره فيهم فصار ~~نجيبة من نجائبه يصونه مولاه عن المكاره والآفات والبلايا والعاهات وأثنى ~~عليه فقال وإنك لعلى خلق عظيم # قالت عائشة رضي الله عنها كان صلى الله عليه وسلم يرضى برضاه ويسخط بسخطه # PageV02P170 ### | - الأصل الخامس والأربعون والمائة ### | في حقيقة الخشوع # عن أم رومان والدة عائشة رضي الله عنهما قالت رآني أبو بكر أتميل في ~~صلاتي فزجرني زجرة كدت أنصرف من صلاتي ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليسكن أطرافه لا يتميل تميل اليهود ~~فإن سكون الأطراف من تمام الصلاة # فالوقوف في الصلاة ينبغي أن يكون وقوف تذلل وتخشع والخشوع البالغ خشوع ~~القلب قال الله تعالى {الذين هم في صلاتهم خاشعون} # وقد يتخشع الرجل بأركانه وليس بخاشع فإن أراد بخشوعه ابتغاء # PageV02P171 # وجه الله تعالى فهو محمود وعلى ذلك مأجور وإن كان لغير ms293 الله تعالى فهو ~~تماوت وعليه ممقوت # قال صلى الله عليه وسلم تعوذوا بالله من خشوع النفاق قالوا يا رسول الله ~~وما خشوع النفاق قال خشوع البدن ونفاق القلب # ومعنى ذلك أن يتماوت ويرمي ببصره إلى الأرض تقربا وترائيا وقال صلى الله ~~عليه وسلم حين رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته لو خشع قلبه لخشع جوارحه # فالخشعة للقلب الذي قد ماتت شهوات نفسه فاطمأن لفراغه من النفس وفراغه من ~~تكلفها وأما تميل اليهود فأصله أن موسى عليه السلام كان إذا قرأ التوراة ~~على بني إسرائيل تلذذ بما فيه وهاجت منه اللذة فكان يتمايل على قراءته ~~كالذي يضطرب على الشيء يقرأه فخلت قلوب ما بعده مما كان يجده عليه السلام ~~فاستعملوها من بعده على خراب القلوب وخلاء الباطن من ذلك # قال موسى عليه السلام يوم الوفادة إن هدنا إليك أي ملنا إليك وهو التوبة ~~فأخذوا هذا من قوله وجعلوا يتهادون في صلاتهم وكان موسى عليه السلام هبط ~~الوادي حين أنس النار وكان نعلاه من جلد حمار غير مزكى فقيل له اخلع نعليك ~~إنك بالوادي المقدس فأخذوا هذا من فعله وإذا صلوا خلعوا نعالهم فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم باهدار هذه الأفعال وقال سكنوا أطرافكم في الصلاة ~~وقال في حديث آخر صلوا في نعالكم ولا تشبهوا باليهود # PageV02P172 # وكان موسى عليه السلام يعامل بني إسرائيل على ظاهر الأمور لقلة ما في ~~باطنهم فكان يهيب الأمور ويعظمها في الظاهر لهم ويكتفي لنفسه بما في باطنه ~~عليه السلام حتى أن بني إسرائيل لا تعظم التوراة فأوحى إليه أن هذه التوراة ~~صارت في حجور بني إسرائيل ولا تكاد تعظمها فحلها بذهب لم تمسه يد الآدميين ~~فأنزلت عليه الكيمياء فعلمه فعمد إلى اسماء تلك الأدوية والعقاقير ففرقها ~~ثلاثة أجزاء فأعطى جزءا منها هارون عليه السلام وجزءا منها يوشع عليه ~~السلام وجزءا منها قارون ليأتوا بها من الجبال كي لا يجتمع عند أحدهم علمها ~~فيعمل بها فذهب قارون فقعد على طريق هارون ويوشع عليهما السلام حين رجعا ms294 من ~~الجبال فاستدرجهما مختدعا لها فقال لكل واحد منهما بم أمرك موسى فأخبره كل ~~واحد منهما بالذي أمره فأثبتهما عنده فضم على الجزئين إلى الجزء الذي عنده ~~ثم عمد إلى الصفر فأذابه وألقى عليه فأخذ يعمل ذلك شهره ودهره حتى اجتمع له ~~أموال كانت تحمل مفاتيح كنوزه سبعون بغلا قال الله تعالى وآتيناه من الكنوز ~~ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة # ونافق فوعظ فقيل له أحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض قال ~~إنما أوتيته على علم عندي فخسف الله به وبداره الأرض # وكان موسى عليه السلام عمل هذا الذهب وحلى التوارة به ثم تركه وكان يعامل ~~أمته بظاهر الأمور فحلى باطنهم بتعظيم الله تعالى وتعظيم كلامه فأمرت هذه ~~الأمة بتسكين الأطراف والخشوع # PageV02P173 # لربها في الظاهر للعامة وفي الباطن للخاصة قال الله تعالى {قد أفلح ~~المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} # فأهل الظاهر يحفظون لحظات العيون عن الالتفات يمنة ويسرة وجوارحهم عن ~~الحركات في غير ما أمروا به وأهل الباطن قد جاوزوا ذلك وحفظوا لحظات القلوب ~~لئلا تلحظ أحدا سواه فتكون قلوبهم منتصبة بين يدي الله تعالى كما انتصبت ~~جوارحهم في الظاهر وذلك بما ولج قلوبهم من عظمة الله تعالى وجلاله فهابت ~~واستقرت في تلك الهيبة لله تعالى فانتفى عنهم وساوس نفوسهم ومن ههنا ما أنب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الوسوسة فقال هكذا أخرجت عظمة الله ~~تعالى من قلوب بني إسرائيل حتى شهدت أبدانهم وغابت قلوبهم لا يقبل الله ~~صلاة أمرىء لا يشهد فيها قلبه ما يشهد بدنه وإن الرجل ليصلي الصلاة وما ~~يكتب له عشرها # PageV02P174 ### | - الأصل السادس والأربعون والمائة ### | في سر التحية بالسلام # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~تبدأوا بالكلام قبل السلام ومن بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه # شرط الله تعالى مع هذه الأمة في دينهم أن يأمن بعضهم بعضا ويسلم بعضهم من ~~بعض ولذلك سماهم مؤمنين مسلمين والأسماء سمات ms295 الشيء فكل اسم دليل على صاحبه ~~ومشتق من معناه والأسماء الأصلية هي التي جاءت من عند الله تعالى مثل يحيى ~~قال الله تعالى {إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا} أي لم ~~نجعل أحدا لا يذنب سواه لأن يحيى من الحياة وقد أحيى الله تعالى قلبه به ~~فلم يذنب ولم يهم به # PageV02P175 # قال صلى الله عليه وسلم ما من آدمي إلا قد أخطأ أو هم بخطيئة غير يحيى بن ~~زكريا # ومثل أحمد قال الله تعالى ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد # قال صلى الله عليه وسلم أعطيت ما لم يعط أحد سميت أحمد ونصرت بالرعب # فكذلك شأن هذه الأمة والأمم فإن كل أمة تسمت باسم من تلقاء نفسها مثل ~~اليهود والنصارى والمجوس فولي الله تعالى تسمية هذه الأمة فقال عز من قائل ~~{هو سماكم المسلمين من قبل} وقال صلى الله عليه وسلم إن الله سمى أمتي ~~فاشتق لها اسمين من اسمه وهو السلام والمؤمن وسماهم مسلمين ومؤمنين فاسم ~~هذه الأمة على الحقيقة الأصلية التي علم آدم عليه السلام فاقتضى منها وفاء ~~هذا الاسم أن يأمن بعضهم من بعض ويسلم بعضهم # PageV02P176 # من بعض قال تعالى {إنما المؤمنون إخوة} وقال والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض وقال صلى الله عليه وسلم المؤمنون كرجل واحد # فوضعت هذا التحية فيما بينهم كرامة لهم فأكرم الله تعالى هذه الأمة بأن ~~جعل تحيتهم على ألسنتهم أشرف القول وأطيبها من قوله السلام عليكم وكان في ~~بني إسرائيل إذا لقي بعضهم بعضا ينحني له ويومىء برأسه كهيئة السجود فتلك ~~تحيتهم # روى أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطي أمتي ~~ثلاثا لم يعط أحد قبلهن السلام وهي تحية أهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين ~~إلا ما كان من موسى وهارون # وإنما جعل السلام وهو اسم من أسمائه موضوعا بينهم ليكون أمانا للعباد في ~~الدم والعرض والمال # قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه السلام أمان للعباد فيما بينهم # وقال صلى ms296 الله عليه وسلم من بدأ بالسلام فهو أولى بالله وبرسوله فلما كان ~~هذا السلام مأمن العباد فيما بينهم كان من بدأ بالكلام فقد ترك الحق ~~والحرمة فحقيق أن لا يجاب # PageV02P177 ### | - الأصل السابع والأربعون والمائة ### | في هم الأنبياء الثلاث وتنزههم عما لا يليق # عن أنس رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن ~~داود عليه السلام حين نظر إلى المرأة فهم بها قطع على بني إسرائيل بعثا ~~وأوصى صاحب البعث فقال إذا حضر العدو فقرب فلانا بين يدي التابوت فكان ذلك ~~التابوت في ذلك الزمان يستنصر به فمن قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل ~~أو ينهزم عنه الجيش الذي يقابله فقدم فقتل زوج المرأة ونزل الملكان على ~~داود عليه السلام فقصا عليه القصة ففزع منهم ففطن داود عليه السلام فسجد ~~فمكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه وأكلت الأرض جبينه ~~يقول في سجوده رب زل داود زلة أبعد ما بين المشرق والمغرب رب إن لم ترحم ~~ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلوق من بعده قال فجاءه جبريل ~~عليه السلام بعد أربعين ليلة فقال يا داود إن الله قد غفر لك الهم الذي ~~هممت به فقال له داود وقد علمت أن الله تعالى قادر على أن يغفر لي الذي ~~هممت به وقد عرفت أن الله تعالى عدل لا يميل فكيف بفلان إذا جاء يوم ~~القيامة فقال يا رب دمي الذي عند داود فقال له جبرئيل عليه السلام ما سألت ~~ربك ذلك ولئن # PageV02P178 # شئت لأفعلن قال نعم فعرج جبرئيل عليه السلام إلى السماء وسجد داود عليه ~~السلام فمكث ما شاء الله ونزل فقال سألت يا داود عن الذي أرسلتني إليه فقال ~~قل لداود إن الله يجمعكما يوم القيامة ثم يقول له هب لي دمك الذي عند داود ~~فقال هو لك يا رب فنقول له فإن لك الجنة فالهم من الأولياء والرسل عليهم ~~السلام عظيم شأنه لأنه ميل عن الله ms297 تعالى فنسأله العصمة في الحركات ~~والسكنات إنه قريب مجيب # وروي أن قاضيا في بني إسرائيل بلغ اجتهاده أن طلب إلى ربه أن يجعل بينه ~~وبينه علما إذا هو قضى بالحق عرف ذلك وإذا قصر عن الحق عرف ذلك فقيل له ~~ادخل منزلك ثم مد يدك في جدارك ثم أنظر كيف تبلغ أصابعك من الجدار فاخطط ~~عندها خطا وكلما قمت من مجلس القضاء فامدد يدك إليه فإنك متى كنت على الحق ~~ستبلغه وإن قصرت عن الحق قصر بك وكان يجتهد ولا يقضي إلا بالحق وإذا قام من ~~مجلسه يأتي ذلك الخط فإذا بلغه حمد الله وأفضى إلى كل ما أحل الله له من ~~أهل ومطعم ومشرب فلما كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء أقبل إليه رجلان ~~يريدان أن يختصما إليه وكان أحدهما له صديق فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون ~~الحق له فيقضي له به فلما أن تكلما دار الحق على صاحبه فقضى عليه فقام من ~~مجلسه وذهب إلى خطه ومد يده إليه فإذا الخط قد شمر إلى السقف وإذا هو لا ~~يبلغه فخر ساجدا وهو يقول يا رب شيئا لم أتعمده ولم أرده فبينه لي فقيل له ~~أتحسب أن الله تعالى لم يطلع على جور قلبك حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك ~~فتقضي له قد أردته وأحببته ولكن الله قد رد الحق إلى أهله وأنت لذلك كاره # وعن ليث رضي الله عنه قال تقدم إلى عمر رضي الله عنه # PageV02P179 # خصمان فأقامهما ثم عادا ففصل بينهما فقيل له في ذلك فقال تقدما إلي فوجدت ~~لأحدهما ما لم أجد لصاحبه فكرهت أن أفصل بينهما على ذلك ثم عادا وقد ذهب ~~ذلك ففصلت # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال اختصم إلي سليمان عليه السلام فريقان ~~أحدهما من أهل امرأته جرادة وكان يحبها فهوى أن يقع القضاء له ثم قضى ~~بينهما بالحق فأصابه الذي أصابه عقوبة لذلك الهوى # وعن سالم مولى أبي جعفر المنصور قال خرجنا مع أبي جعفر إلى بيت المقدس ms298 ~~فلما دخل دمشق بعث إلى الأوزاعي فأتاه فقال يا أمير المؤمنين حدثني حسان بن ~~عطية عن جدك ابن عباس في قوله تعالى {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} ~~ان ارتفع إليك خصمان فكان لك في أحدهما هوى فلا تشته في نفسك الحق له فيفلج ~~على صاحبه فأمحو اسمك من نبوتي ثم لا تكون خليفتي # يا أمير المؤمنين حدثني حسان عن جدك قال من كره الحق فقد كره الله لأن ~~الله تعالى هو الحق # يا أمير المؤمنين حدثني حسان عن جدك في قوله تعالى لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها قال الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك فكيف بما جنته الأيدي # فالهم بما عدل عن الحق هو ميل عن الله تعالى وإعراض وقلوب الأنبياء عليه ~~السلام معيار التوحيد وموازين الأعمال وحجج الله تعالى على الخواص والهم ~~همان هم عارض لا قرار له ينفيه القلب # PageV02P180 # بيقظته ونباهته وطيبه ونزاهته ونسيم روحه وفسيح ساحته وذاك يعتري ~~الأنبياء والأولياء عليهم السلام وذاك مرفوع عنهم لأنه عارض لا يملكه ولا ~~يتكلفه ولم يكن فيه حركة في ظاهر ولا في باطن وإنما أيد من الروح والسكينة ~~واليقين وهم آخر وهو هم عارض لله تعالى معه مشيئة وتدبير في أموره ~~والأنبياء والأولياء عليهم السلام بمعزل عنه وفي انحطاط منه وإنما يعتريه ~~العامة فان ربوبيته قاهرة لجميع ما عند هذا العبد من القوة والتأييد فإذا ~~هو مخذول فصار همه عزما وهو عقد القلب وصار بذلك في ميل عن الله تعالى وإذا ~~استعملوا هذا العزم فأخرجوه إلى الأركان فعملت به جوارحهم وقد بلي بالهم ~~الأول ثلاثة أعلام في الأرض من الرسل محمد وداود ويوسف صلوات الله عليهم ~~أجمعين # أما يوسف عليه السلام فهم بها حتى روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قعد ~~منها مقعد الرجال فانفرج السقف وتراءى له جبرئيل عليه السلام في صورة يعقوب ~~عاضا على إصبعه ونودي يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان ~~الأنبياء فولى هاربا ثم أوصلها تزويجا بعدما نالته العقوبة بالهم ms299 من طول ~~اللبث في السجن # عن وهب رضي الله عنه قال أصابت امرأة العزيز حاجة فقيل لها لو أتيت يوسف ~~فسألته فاستشارت الناس في ذلك فقالوا لا تفعلي فانا نخاف عليك قالت كلا إني ~~لا أخاف ممن يخاف الله تعالى قال فدخلت عليه فرأته في ملكه فقالت الحمد لله ~~الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته وجعل الملوك عبيدا بمعصيته قال فقضى # PageV02P181 # جميع حوائجها ثم تزوجها فوجدها بكرا فقال لها أليس هذا أجمل مما أردت ~~قالت يا نبي الله إني ابتليت فيك بأربع كنت أجمل الناس كلهم وكنت أنا أجمل ~~أهل زماني وكنت بكرا وكان زوجي عنينا # وأما داود عليه السلام ففتح من المحراب باب الكوة واطلع على تلك المرأة ~~فوقع في نفسه شأنها وفتنتها فلم يملك نفسه حتى وجه إليها من يومه ليضمها ~~إلى نسائه كي يسكن الهائج من نفسه انتظارا لما يكون فأبت المرأة فمشى إلى ~~بابها فمر بملكين يناجي أحدهما صاحبه وهو يقول لقد أكرم الله إبراهيم ~~وإسحاق عن مثل هذا الممشى ومضى فلم يعتصم حتى وقف ببابها فاستفتح فقالت من ~~ذا فأخبرها فقالت أعاذ الله داود من أن يمشي هذا الممشى فانصرف فكتب إلى ~~صاحب بعث كان زوجها فيه وأمره أن يقدم زوجها في مائتي رجل من بني إسرائيل ~~مع تابوت السكينة وكان من قدم معها لم يرجع حتى يفتح عليه أو يقتل فتقدم ~~فقتل فلما انقضت عدتها خطبها فتزوجها فلبث بذلك ما شاء الله فلم يرعه إلا ~~وقد تسور الخصمان عليه المحراب ففزع فقصا القصة وعرجا فانكشف الغطاء عن ~~داود عليه السلام وخر لله ساجدا أربعين صباحا حتى نبت المرعى حول وجهه وغمر ~~رأسه ثم نودي أجائع فتطعم أو عار فتكسى فنحب نحبة هاج المرعى من حر جوفه ~~فغفر له وبشر بها فقال يا رب هذا ذنبي فيما بيني وبينك قد غفرته فكيف بفلان ~~وكذا رجلا من بني إسرائيل تركت أولادهم أيتاما ونساءهم أرامل قال يا داود ~~لا يجاوزني يوم القيامة ظلم أمكنه منك ثم أستوهبك منه ms300 بثواب الجنة قال يا ~~رب هكذا تكون المغفرة الهنيئة ثم قيل يا # PageV02P182 # داود ارفع رأسك فذهب ليرفع رأسه فإذا به قد نشب في الأرض فأتاه جبرائيل ~~عليه السلام فاقتلعه عن وجه الأرض كما تقتلع عن الشجرة صمغتها حتى سأل ربه ~~تعالى أن ينقش خطيئة في كفه فكان لا يبسط كفه لطعام ولا شراب إلا رآها ~~فابكته # قال صلى الله عليه وسلم إنما مثل عيني داود مثل القربتين تنطفان الماء ~~لقد خدد الدموع في وجه داود خديد الماء في وجه الأرض وكان من دعاء داود رب ~~اغفر للخطائين لكي تغفر لداود معهم سبحان خالق النور إلهي خرجت أسأل أطباء ~~عبادك أن يداووا لي خطيئتي فكلهم يدل عليك إلهي أخطأت خطيئة قد خفت أن يجعل ~~حصادها عذابك يوم القيامة إن لم تغفرها سبحان خالق النور إلهي إذا ذكرت ~~خطيئتي ضاقت الأرض برحبها علي وإذا ذكرت رحمتك إرتد إلي روحي # وروي أنه كان إذا ذكرها انحلت مفاصله ثم يذكر رحمة الله تعالى فيرجع ~~بأوصالها إلى مكانها # وأما محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لما عاين زينب فوقع في نفسه ~~شأنها وذلك أنه أبصرها قائمة في صحن الدار في درع وخمار أسود فلما وقعت في ~~نفسه فزع إلى الله تعالى ووضع يده على وجهه وقال سبحان مقلب القلوب فنزهه ~~تعوذا بالتنزيه وتغوثا بالاسم الذي منه حدث على قلبه التقليب عن أن يقلبه ~~بمشيئة تورثه غدا الحياء والعويل واضطراب الصوت في الملكوت كما أورث من ~~قبله من إخوانه عليهم الصلاة والسلام وصيره ملجأ ومفزعا واستعمل التدبير ~~الموضوع بين العباد أن غض بصره ومال بيده على وجهه ليكون له # PageV02P183 # في ذلك تمسكن وتضرع وانقياد ليرحمه ويصرف عنه الفتنة التي أحس بها فشكره ~~على ذلك مولاه حيث فزع إليه ولم يفزع إلى نهمة النفس ولم يتدبر بالحيل التي ~~توصله إليها # روي في الخبر أنه أمسى زيد فآوى إلى فراشه قالت زينب رضي الله عنها لم ~~يستطعني زيد وما امتنع عنه غير ما منعه الله مني ms301 فلا يقدر علي # وفي بعض الروايات أن زيدا تورم ذلك منه حين أراد أن يقربها فعلم زيد بما ~~أخبرته زينب من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله حين أبصرها وصار ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن زينب تؤذيني ولا تاتي ما أحب ولا ~~تبر قسمي ولا تطيعني وتفعل وتفعل وإني أريد أن أطلقها # فقال له أمسك عليك زوجك واتق الله فلم يزل زيد على عزمه الذي عزم الله ~~على قلبه فكما قلب قلب رسوله صلى الله عليه وسلم بهواها قلب قلب زيد حتى ~~يطلقها فلما انقضت عدتها نزل القرآن بتزويجها منه وولي الله تعالى تزويجها ~~منه على لسان الروح الأمين فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها ~~بغير إذن وكان قبل نزول الآية قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخطبة ~~إليها ووجه زيد بن حارثة يعلمها ذلك فدخل عليها وهي في مسجدها فذكر لها ~~حاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت حتى أؤامر ربي عز وجل فنزلت قوله ~~تعالى {زوجناكها} فهي بعد في مؤامرتها وزيد عندها إذ دخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بغير إذن فقعد عندها وتلا الآية فخرت ساجدة وكانت تفخر بذلك ~~على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول إن الله أنكحني من العرش وهو ~~وليي من دون الخلق والسفير في ذلك جبرائيل # وكانت تسامي عائشة رضي الله عنها في الوسامة والحظ من # PageV02P184 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أنا الذي نزل تزويجي من السماء فقالت ~~عائشة رضي الله عنها أنا الذي نزل عذري من السماء في كتابه حين حملني ابن ~~المعطل على الراحلة قال الله تعالى وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت ~~عليه أي زيد بالعتق أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه ~~وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه الآية # فعوتب رسول الله صلى الله عليه وسلم والحبيب يحب عتاب الحبيب حتى يدوم ~~الصفاء ويكون العتاب بدل الوجد # قالت ms302 عائشة رضي الله عنها لو أن محمدا قدر على أن يكتم شيئا من الوحي ~~لكتم هذه الآية # وسبب العتاب على وجهين # أحدهما قول ابن عباس رضي الله عنهما وتخفي في نفسك الحب لها وطلاقه إياها ~~وتزويجك بها وكان صلى الله عليه وسلم يهوى أن يخلي سبيلها وخشي قالة الناس ~~وذلك أنه تبنى زيد بن حارثة فقال المنافقون ينهانا عن نساء أبنائنا ويتزوج ~~امرأة ابنه فخشي هذه القالة وقالوها من بعد تزويجه إياها فنزلت قوله تعالى ~~{ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} ونزلت {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} # PageV02P185 # إنما جاءت المعاتبة من قبل أنه قال {أمسك عليك زوجك} وهو يحبها ويود في ~~نفسه أن يطلقها وقد كان في الغيب أن سيطلقها ويبدي الله تعالى ما في نفس ~~محمد صلى الله عليه وسلم إذ يزوجها # الوجه الثاني ما ذكره علي بن الحسين رضي الله عنهما وهو جوهر من الجواهر ~~إنما عتب الله تعالى عليه فإنه قد أعلمه أن ستكون هذه الأمة من أزواجك فكيف ~~قلت بعد هذا لزيد أمسك عليك زوجك وأخذتك خشية الناس أن يقولوا تزوج امرأة ~~ابنه والله أحق أن تخشاه فتراقب أمره وتدبيره فيك وفيها فتكون ممن أطلق ذلك ~~كي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ثم قال ~~ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل ~~وكان أمر الله قدرا مقدورا # فرض الله ما أعلمه أن تكون زينب من أزواجه وذلك سنة الله تعالى في داود ~~عليه السلام حتى جمع بينه وبين تلك المرأة وكان ذلك قدرا مقدورا على داود ~~عليه السلام أن يكون الجمع بينهما على تلك الجهة ويغفر له ويضمن عنه تبعته ~~لخصمه # PageV02P186 ### | - الأصل الثامن والأربعون والمائة ### | في الثلاثة التي تحت العرش # عن الحسين بن عبد الرحمن عن أبيه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثلاثة تحت العرش القرآن له ظهر وبطن يحاج العباد والرحم ms303 ~~تنادي صل من وصلني واقطع من قطعني والأمانة ظهر وبطن فالظهر يحاج العامة ~~والبطن يحاج الخاصة # وهذا لأن الأمة على صنفين أهل يقين وأهل علم فأهل العلم صنفان مخلط وهو ~~الظالم ظلم نفسه والحق عز وجل وملائكته والأنبياء صلى الله عليه وسلم فإن ~~الله تعالى بعث بالحق على أيدي الملائكة على ألسنة الرسل عليهم السلام فإذا ~~أخل بذلك سمي ظالما ومستقيم وهو المقتصد # وأما أهل اليقين وهم السابقون الأولياء المقربون فظاهر القرآن يحاج ~~المقتصد في تفسيره والظالم في تخليطه وباطن القرآن يحاج السابقين # PageV02P187 # المقربين في تقصيرهم وخطراتهم وزلاتهم قال الله تعالى {اتقوا الله إن ~~الله عليم بذات الصدور} # فالظالم يتقي تخليطه حتى لا يدخل في عمله شيء نهى الله عنه والمقتصد قد ~~فزع من التخليط فهو يتقي أن يشوبه عجب أو رياء أو فساد أو خطأ والسابق قد ~~فرغ من هذا فهو يتقي الأسباب والعلائق والاعتماد على شيء دونه ويتقي ~~الخطرات وهذا كله هو التقوى ولكنه يتقي كل صنف مما بقي عليه من التقوى فإن ~~لم يفعل حاجه القرآن بم بقي عليه # وأما قوله الرحم تنادي صل من وصلني واقطع من قطعني فالرحم لها شأن عظيم ~~قال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت ~~الرحم فأخذت بحقوي الرحمن فقال مه قالت هذا مقام العائذ من القطيعة قال نعم ~~ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذلك لك ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إقرؤا إن شئتم {فهل عسيتم إن توليتم} الآية # وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال قال الله ~~تعالى للرحم خلقتك بيدي وشققت لك اسما من اسمي # PageV02P188 # وقربت مكانك مني وعزتي وجلالي لأصلن من وصلك ولأقطعن من قطعك ولا أرضى ~~حتى ترضين # فخلق الله تعالى الرأفة والرحمة يرؤف بها عباده ويرحم بها عباده والرأفة ~~غالبة على الرحمة ولها سلطان إذا تحرك علا كل شيء وغلب وبدء الرأفة من ms304 رأفة ~~الله تعالى ورأفته من فضله والفضل من جماله فهذه الرأفة التي خلقها ~~يتراءفون ويتعاطفون وبها يتراحمون ويتعاطفون فقامت تناشد ربها فقربها من ~~رأفته وبين بدو مكانها من أين بداثم جعلها كالشجنة قد برزت إلى ما دون ~~العرش فلما قربها جعل لها السبيل إلى الحقو في القربة فشق لها اسما من اسمه ~~وهو الرحمن ثم جعل لها سلطانا ممدودا من الحقو كالشجنة إلى ما تحت العرش ~~فاستعاذت هناك من القطيعة حيث أشارت من مقامها فقال الله تعالى لأصلن من ~~وصلك أي اصل واصلك بهذه الرأفة مني وأقطع من هذه الرأفة من قطعك فيكون صاحب ~~القطيعة مقطوعا من رأفته قال صلى الله عليه وسلم الرحم معلقة بالعرش # وقال في رواية ابن عمرو رضي الله عنهما يقول الله عز وجل أنا الرحمن وهي ~~الرحم جعلت لها شجنة من وصلها وصلته ومن قطعها بنته لها يوم القيامة لسان ~~طلق تقوم فيما شاءت فقد # PageV02P189 # بين أنها الرأفة التي خلقها ثم قامت مقام العائذ إلى الحقو من القطيعة ~~فتلك شجنة ناتئة من العرش معلقة منه بها يتواصلون ويتقاطعون وحرقتها في ~~الأجواف والرحمة هناك ثم هي مقسومة بين الخلق فيها يتراءفون وبها يتعاطفون ~~فإذا قطعها فقد انقطع من رأفة الله تعالى فلذلك يجعل عقوبته في الدنيا ~~ولذلك قيل أعجل البر ثوابا صلة الرحم فأسرع الشيء عقابا البغي وقطيعة الرحم ~~وهذا لأن الله تعالى خلق الإنسان فجعل الرأفة منه في الطحال وهو في موضع ~~الحقو يجد الآدمي منه حرقة تصل إلى الفؤاد فيعلمه وهو الذي يسمى بالعجمية ~~مهر وجعلها دما في الطحال له حرارة ثم جعل لها في العروق مجرى منها فصيرها ~~في الأرحام جارية ليصلوها قال صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله تعالى أن ~~يخلق النسمة فغشى الرجل والمرأة أحضر كل رحم له ثم قرأ {في أي صورة ما شاء ~~ركبك} # وقال في رواية ابن بريدة إن رجلا من الأنصار ولدت له امرأته غلاما حبشيا ~~أسود فأخذ بيد امرأته فاتى بها رسول الله صلى الله ms305 عليه وسلم فقالت والذي ~~بعثك بالحق لقد تزوجني بكرا وما أقعدت مقعده أحدا فقال صلى الله عليه وسلم ~~صدقت إن لك تسعة وتسعين عرقا وله مثل ذلك # فإذا كان حين الولد اضطربت العروق كلها ليس منها عرق الا يسأل الله تعالى ~~أن يجعل ذلك الشبه به فهذه عروق فيها دماء والرحم خلقتها من المرأة كالكيس ~~وهي عضلة وعصب وعروق ورأس عصبها في الدماغ ولها فم بحذاء قبلها ولها قرنان ~~شبه الجناحين تجذب بهما النطفة لقبولها ومن داخل فمها أربعة أفواه إلى ~~الرحم فإن دخل النطفة من باب فولد وإن دخل من بابين فولدان وعلى هذا وهذه ~~الدماء جارية من الأرحام إلى الأرحام منتقلة بعضها إلى بعض إلى # PageV02P190 # هذه العروق فأمروا بالصلة لهذه الدماء لئلا تنقطع # قال صلى الله عليه وسلم بلوا أرحامكم ولو بالسلام فإن الدم إذا يبست ~~تقطعت فتبل حتى لا تنقطع وبللها من السلام والزيارة والعطية # وقوله صلى الله عليه وسلم الأمانة تحت العرش فالأمانة معلقة بالإيمان # قال صلى الله عليه وسلم لا إيمان لمن لا أمانة له # وإنما آمن ليأمن الخلق جوره فإن الله تعالى عدل لا يجور وبدؤه من عدله ~~فهو معلق تحت العرش فهذه الثلاث تحت العرش القرآن وهو كلامه والرحم وهي ~~رأفته والأمانة وهي أمانته # PageV02P191 ### | - الأصل التاسع والأربعون والمائة ### | في أن الكلام عليك لا لك وضروبه # عن أم حبيبة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام ~~ابن آدم كله عليه لا له إلا أمرا بالمعروف أو نهيا عن منكرأو ذكرا لله ~~تعالى # فاللسان ترجمان القلب يعبر عما في القلب من العلم فيرمي به إلى الأسماع ~~فيولج القلب إن خيرا فخير وإن شرا فشر قال صلى الله عليه وسلم الأذنان قمع # قال كعب لعائشة رضي الله عنها في نعت الإنسان قال عيناه هاد وأذناه قمع ~~ولسانه ترجمان ورجلاه بريد وكبده رحمة ورئتاه نفس وطحاله ضحك وكلواتان مكر ~~والقلب ملك فإذا طاب الملك # PageV02P192 # طابت جنوده وإذا فسد الملك فسدت جنوده قالت ms306 هكذا سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ينعت # والكلام على ضروب منها ما يخلص للآخرة ويصفو فذاك مندوب إليه موعود عليه ~~خير ومنها ما يخلص للدنيا ولا نصيب للآخرة فيه فذلك مزجور عنه موعود عليه ~~الوبال والعقوبة ومنها ما يتجارى الناس فيما بينهم في أمر معاشهم مما لا بد ~~منه في الأخذ والإعطاء في تصرفهم وأحوالهم فذاك مأذون له فيه والحساب من ~~ورائه والناس في أمر دينهم على ضربين فضرب منهم يعاملون الله تعالى على ~~الوظائف كعبيد الغلة يؤدون الغلة وما بقي فهو لهم فقد خلى بينهم وبين ذلك ~~ثم هم في تصرفهم وأحوالهم يدبرون لأنفسهم ويهتمون لها ويكدون ويسعون ~~لنوائبهم وينفقون على أنفسهم وعيالهم مشاغيل القلوب والأبدان متعبون بذلك ~~فهم على تدبير أنفسهم يمضون وباختيارهم الأمور يعملون وغموم ذلك متراكم على ~~قلوبهم يحتاجون إلى توفير الغلة على المولى وتدبير معاشهم ومرمة أمور ~~عيالهم فهكذا من يعامل الله تعالى على هذا السبيل عهد إليه ربه عز وجل من ~~اداء فرائضه واجتناب محارمه في الجوارح السبع من جسده وفي ماله ووعده على ~~ذلك الجنة وعلى تضييعه أوعد النار قال الله تعالى أوفوا بعهدي أوف بعهدكم ~~وإياي فارهبون # فهو يقطع عمره بهذا ويقتضي منه الثواب غدا فإذا قدم على ربه عز وجل حاسبه ~~وحصل أموره وبلا سرائره فإذا وجده قد وفر حقوقه فيما عهد إليه أعتقه من رق ~~العبودية ومكن له في جواره ما يكون له جزاء لسعيه ووفاء لكده فهؤلاء إن ~~نطقوا بإذنه ينطقون فما صفا للآخرة فلرجاء ثوابه الذي وعد وما كان للمعاش ~~ومتصرف # PageV02P193 # الأمور فيما أذن لهم فيه وقفوا للحساب فذاك عليه لا له حتى يتخلص منه فإن ~~تخلص منه لا له ولا عليه فنعم ما يتخلص مع أنه لا ينفك مع الخلاص من حسرة ~~موجعة للقلب مفجعة للنفس إذ يرى أكثر عمره قد أهدره وأبطله فإن أهل الغفلة ~~حظهم من أعمارهم يوم القيامة الساعات التي كانوا في أمور آخرتهم من أعمال ~~البر وسائر ذلك هدر وإنما يثابون ms307 على أعمال البر لأنهم عملوها على ذكر ~~الاخرة فأما ما عملوها على العادة والشهوة وحظ النفس فلا نية لهم ولا حسبة ~~فهو بطال غافل ينكشف له الغطاء يوم الحسرة والندامة قال تعالى وأنذرهم يوم ~~الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة # فهؤلاء إن نطقوا فعن علومهم وعقولهم ينطقون وإن صمتوا ففي أحوالهم ~~يتفكرون وإياهم يذكرون وبدنياهم يشتغلون وفي منامهم وشهواتهم يرتاحون وهذا ~~صفة هؤلاء المستورين المعروفين عند العامة بأعمال البر وبالعدالة والصلاح ~~والرئاسة والعلم فإنهم قد رضوا من حظهم بما نالوا من مرفق النفس والوصول ~~إلى النهمة ورضوا من دينهم بهذه الأعمال التي تستروا بها ليحمدوا عند الخلق ~~بذلك ولا تلحظ قلوبهم إلى مالك الملك الذي يراهم على هذه الصفة حتى يستحيوا ~~منه # وأما الضرب الآخر فهم يعاملون الله تعالى على العبودة كعبيد الخدمة ~~انتبهوا من رقدة الغافلين فدبروا لأنفسهم أمرا علموا أنه قد مضى التدبير من ~~قبل خلق السموات والأرض وأثبته في اللوح المحفوظ فائتمنوه على أنفسهم ~~وألقوا بأيديهم سلما وفوضوا أمورهم إليه وشغلهم جلاله وجماله وعظمته ومجده ~~عن أن يتفرغوا لأنفسهم فيفكروا ويدبروا لها # PageV02P194 # أو يهتموا لرزق أو يهربوا من حكم أو يتخيروا عليه في شيء من الأحوال عزا ~~وذلا وفقرا وغنى وصحة وسقما ومحبوبا ومكروها وقد وقفوا بقلوبهم بين يديه ~~ناظرين إلى جلاله مبهوتين في جماله منفردين بوحدانيته متعلقين بكرمه ~~ينتظرون رزقه ويراقبون تدبيره ويتوخون من الأمور محابه وآذانهم مصيخة إلى ~~دعوته متى يدعون فيجيبون فكلام هؤلاء في المندوب إليه مما صفا للآخرة وفي ~~المأذون لهم مما يجارى بين أهل المعاش في أحوالهم قد صاروا شيئا واحدا ~~لأنهم له وفي خدمته وأموره فإن نطقوا فعنه ينطقون وإن صمتوا فإياه يذكرون ~~وبه يشتغلون وفي نجواه يرتاحون # وقوله صلى الله عليه وسلم كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا هذه الخصال ~~أراد بذلك الضرب الأول وأما الضرب الثاني فهم أولياء الله تعالى وخاصة ~~عبيده فهم أمناء الله تعالى وخدمه فأعمالهم ومتقلبهم كلها له فلا تبعة ~~عليهم في ذلك ms308 # وقال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى إذا أحببت عبدي كنت سمعه ~~وبصره ولسانه فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يعقل # فإذا كان ممن به ينطق إذا نطق فكيف يكون عليه في ذلك تبعة # PageV02P195 ### | - الأصل المائة والخمسون ### | في أن من غير الحق من العلماء يمسخ وسر ما يمسخون به # عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون في ~~أمتي فزعة فيصير الناس إلى علمائهم فإذا هم قردة وخنازير # فالمسخ تغيير الخلقة وإنما حل بهم المسخ لأنهم غيروا الحق عن جهته وحرفوا ~~الكلام عن موضعه فمسخوا قلوب الخلق وأعينهم عن رؤية الحق فمسخ الله تعالى ~~صورهم وبدل خلقتهم كما بدلوا الحق باطلا فعلماء السوء على ضربين منهم مكب ~~على حطام الدنيا لا يمل من جمعه فتراه شهره ودهره يتقلب في ذلك كالخنزير ~~على المزابل يصير من عذرة إلى عذرة قد أخذ بقلبه دنياه وألزمه خوف الفقر ~~وألهجه باتخاذه عدة للنوائب لا يتفكر عليه تقلب أحوالها ولا يتأذى بسوء ~~رائحتها قد احتشمت من الحرام ووسخت حلالها من تراكم الشهوات فأفعال هذا ~~الضرب واكبابه على هذه المزابل كإكباب الخنازير فإذا حلت السخطة مسخوا ~~هؤلاء في صورة الخنازير إن جوز المسخ في هذه الأمة وإن لم يجوز ذلك فيحمل ~~على أن معناه معنى الخنازير والضرب الثاني هم أهل تصنع وتراء ومخادعة وتزين # PageV02P196 # للمخلوقين شحا على رئاستهم يتبعون الشهوات ويلتقطون الرفض ويخلون بسوء ~~السريرة ويخادعون الله بالحيل في أمورهم دينهم المداهنة وساكن قلوبهم المنى ~~وطمأنينتهم إلى الدنيا وركونهم إلى أسبابها رضوا من هذا كله بالقول دون ~~الفعل فلما حلت السخطة مسخوا قردة فإن من شأن القردة المداهنة واللعب ~~والبطالة ومن شأن الخنزير الإكباب على المزابل والعذرات # PageV02P197 ### | - الأصل الحادي والخمسون والمائة ### | في ضروب البكاء وهي عشرة # عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إني قارىء عليكم سورة الهاكم فمن بكى فله الجنة فقرأ فمنا من بكى ومنا ms309 من ~~لم يبك فقال الذين لم يبكوا قد جهدنا يا رسول الله أن نبكي فلم نقدر عليه ~~فقال إني قارئها عليكم الثانية فمن بكى فله الجنة ومن لم يقدر أن يبكي ~~فليتباك # البكاء على ضروب وينشأ من أسباب مختلفة # بكاء من فجعة النفس وهو بكاء مصائب النفس يهان ويضرب ويظلم في نفسه وماله ~~فيبكي ويتولد منه صداع الرأس وضعف البصر # وبكاء الخدعة وهو بكاء اللصوص يبكون والسرقة في أحضانهم لا يفارقونها ~~وتورث منه القسوة والمقت # وبكاء المباعدة وهو بكاء النساء وهو يورث الفترة # PageV02P198 # وبكاء خوف الوعيد وهو بكاء من آمن بوعيد الله تعالى فرق قلبه بفجعة النفس ~~وهو يوجب الجنة ونزول الرحمة # وبكاء الحزن وهو من المراقبة وهو أن يعلم أنه لا يكون إلا ما شاء الله ~~تعالى وقد شخصت آماله نحوه ولا يصل إلى ذلك فلفقد ما يأمل تأخذه الأحزان ~~وهذا البكاء يورث نورا في القلب # وبكاء الفرح وهو لوجدان ما يأمل ويورث الطمأنينة والثقة وحسن الظن به # وبكاء الخشية فمن العلم بالله عز وجل ووجود السبيل إلى القربة رق قلبه من ~~الرحمة التي قرب قلبه منها ويورث الخشوع # وبكاء الشوق وهو يورث القربة # وبكاء الحنين إذا تحنن الله تعالى على عبد وقسم له الحظ من اسمه الحنان ~~فرأفته مظلة عليه تكتنفه وتحوطه فتثير البكاء منه من سابغ الرأفة وهذا ~~البكاء يورث الدنو والعطف والشفقة # وبكاء القبضة وهو الذي يقال له الدنو فهو الذي أبكاه قال الله تعالى وانه ~~هو أضحك وأبكى # ورأى ابن عباس رضي الله عنهما رجلا يضحك في جنازة فقال هو أضحك وأبكى # قال صلى الله عليه وسلم فيما يذكر عن ربه تعالى أنه قال لموسى عليه ~~السلام أما البكاءون من خشيتي فلهم الرفيق الأعلى لا يشركهم فيه أحد # وقال خالد بن معدان رضي الله عنه ما بكى عبد من خشية # PageV02P199 # الله تعالى إلا خشعت لذلك جوراحه وكان مكتوبا في الملأ الأعلى باسمه فلان ~~بن فلان منور قلبه بذكر الله تعالى # وعن مالك بن دينار رحمه ms310 الله تعالى يقول الباكي من خشية الله تعالى تهتز ~~له البقاع التي يبكي عندها وتغمره الرحمة ما دام باكيا # وقال عمر بن ذر رحمه الله تعالى إن البكاء من خشية الله يبدل بكل قطرة أو ~~دمعة تخرج من عينيه أمثال الجبال من النور في قلبه ويزاد في قوته من العمل ~~ويطفىء بتلك المدامع بحورا من النار # وعن مفضل بن مهلل قال أن العبد إذا بكي من خشية الله تعالى ملئت جوارحه ~~نورا وإستبشرت ببكائه وتداعت بعضها بعضا من هذا النور فيقال هذا غشيكم من ~~نورالبكاء # وقال فرقد السبخى رحمه الله تعالى قرأت في بعض الكتب أن العبد إذا بكى من ~~خشية الله تعالى تحاتت عنه ذنوبه كيوم ولدته أمه ولو أن عبدا جاء بجبال ~~الأرض ذنوبا وآثاما لوسعته الرحمة إذا بكى وإذا بكى على الجنة تشفع له ~~الجنة تقول يا رب أدخله علي كما بكى علي وإذا بكى خوفا من النار فالنار ~~تستجير له من ربه تقول يا رب أجره مني وبكي خوفا من دخولي # وعن كعب رضي الله عنه قال من بكى خوفا لله تعالى من ذنب غفر له ذلك الذنب ~~ومن بكى اشتياقا إلى الله تعالى أباحه الله تعالى النظر إليه متى شاء # PageV02P200 # وقال الله تعالى في بكاء الحزن تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا ~~يجدوا ما ينفقون # وقال في بكاء الفرح وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من ~~الدمع مما عرفوا من الحق # وبكى صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم فقيل أتبكي يا رسول الله قال ~~إنما هذه رحمة ومن لا يرحم لا يرحم # وأما حديث جرير رضي الله عنه فقد خاطب صلى الله عليه وسلم العامة ~~والمياسير وقرأ عليهم التكاثر والسؤال عن النعيم وفيه وعيد على أثر وعيد ~~فخوف الوعيد أبكاهم فقال من بكى فله الجنة قال تعالى ذلك لمن خاف مقامي ~~وخاف وعيد # وقوله صلى الله عليه وسلم فليتباك أي يتمثل لربه في صورة البكاء حتى ~~يلحقه بهم في الثواب ms311 # وأما بكاء السابقين وبكاؤهم بكاء أهل الخشية والمشتاقين والمحزونين وبكاء ~~من أبكى الله تعالى وأضحكه وهو إذا نظر إلى جلاله أبكاه وإذا نظر إلى جماله ~~أضحكه ومن وراء هذه منزلة أخرى أشرف من هذه وهو بكاء الدنو فتلك غمرات ~~القلب صاحب هذا قلبه منفرد في وحدانيته فإذا أدناه أبكاه للرقة التي تحل به ~~فإذا رجع إلى مرتبته هابه فقلص دمعه وانتشفت الهيبة رقته فيبس فإذا أدناه ~~رق فبكى فالدنو منه بر لعبده فالبر يرقه ويبكيه قال هارون # PageV02P201 # ابن أبي زياد رحمه الله إن البكاء مثاقيل لو وزن بالمثقال الواحد مثل ~~الجبال لرجح به البكاء وإن الدمعة لتخدر فتطفىء البحور من النار وما بكى ~~عبد لله مخلصا في ملأ من الملأ إلا غفر لهم جميعا ببركة بكائه # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن عبدا بكى في أمة من الأمم لأنجى ~~الله تلك الأمة من النار ببكاء ذلك العبد وما من عمل إلا له وزن وثواب إلا ~~الدمعة فإنها تطفىء بحورا من النار وما اغرورقت عين بمائها من خشية الله ~~إلا وحرم الله جسدها على النار وإن فاضت على خده لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة # PageV02P202 ### | - الأصل الثاني والخمسون والمائة ### | في أن الشكر اعتراف والصبر بالتسليم # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من نعمة ~~وإن تقادم عهدها فيجددها العبد بالحمد إلا جدد الله تعالى له ثوابا وما من ~~مصيبة وإن تقادم عهدها فيجدد لها العبد الاسترجاع إلا جدد الله له ثوابها ~~وأجرها والشكر على النعمة يخفف أثقالها والصبر على الشدة يحرز لك ثمرتها # والشكر معرفتك بأن هذا منه فاداء فرائضه وحفظ الجوارح عن مساخطه والتكلم ~~بالحمد لله إتمام الشكر فإنه اعتراف بأن هذه النعمة منه والصبر على المصيبة ~~والثبات على حفظ الجوارح لئلا تعصى والتكلم بالاسترجاع اعتراف بالتسليم له ~~وكما أن الإيمان هو المعرفة لله تعالى بوحدانيته والطمأنينة به والتسليم له ~~قلبا والتكلم بلا إله إلا الله إعتراف بذلك وبحقيقة العمل ms312 به ثم العبد ~~مأمور بتجديد الإيمان بهذه الكلمة # PageV02P203 # قال جددوا إيمانكم بلا إله إلا الله # فإذا كان إيمانه يتجدد بهذه الكلمة فكذلك حمده واسترجاعه يتجدد وهذا لأن ~~العبد يتكلم بلا إله إلا الله ثم يدنسها ويكدرها بسوء أفعاله لأن من شرط ~~المؤمنين في هذه الكلمة أن لا يكون لقلوبهم وله في شيء إلا إلى الله وأنه ~~لا إله غيره # فإذا نابتهم النوائب وظهرت الحوائج ولهت قلوبهم إلى المخلوقين فقد دنسوا ~~هذه الكلمة وأخلقوها فأمروا بالتجديد والاستقبال بالتكلم بها وكان من شأن ~~الصديق رضي الله عنه أن يقول كان كذا ولا إله إلا الله وفعلت كذا ولا إله ~~إلا الله # وهذا تفسير قول معاذ رضي الله عنه تعال نؤمن ساعة أي نذكره ذكرا يجمع ~~قلوبنا عنده ويكون الوله إليه فكذلك الحمد والاسترجاع يدنسان ويخلقان ~~بضدهما من الأفعال التي تظهر من العبد فيجددان ذلك فيكتب له ثوابها يومئذ ~~لأنه جددها بالقول قال صلى الله عليه وسلم الحمد لله رأس الشكر ما شكر الله ~~عبد لا يحمده # PageV02P204 ### | - الأصل الثالث والخمسون والمائة ### | في حقيقة الاستغفار # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~استطعتم أن تستكثروا من الاستغفار فافعلوا فإنه ليس شيء أنجح عند الله ~~تعالى ولا أحب إليه منه # والاستغفار سؤال العبد من الله تعالى الستر والغفر الغطاء وهذا لأن الله ~~تعالى اجتبى عبده واختاره للإيمان وجعل نوره في قلبه فهداه لنوره وأحياه به ~~وجعل للنور الأعظم الذي في قلبه سترا من نور وقاية ولباسا له وحجب ذلك عن ~~أعين الثقلين فهذا النور الظاهر هو كسوة النور الباطن قال تعالى يا بني آدم ~~قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير # والمؤمن في بهاء هذا الستر يمشي على أرضه والخليقة ينظرون إليه بعين ~~الجلال والشرف فإذا هم بالمعصية وعزم عليها تجافى عنه # PageV02P205 # الستر فإذا عملها تباعد عنه وبقي العبد عاريا من البهاء والجلال والشرف ~~فإن أصر لم يزدد إلا ضعة ودنسا ولم يزدد ms313 الستر إلا بعدا ونزاهة عنه فإذا ~~ندم رجع إليه بقلبه فمدن هناك أي أقام واقامة عزمه أن لا يبرح عن مقام ~~الطاعة فإذا سأل المغفرة قال استغفرك أي أسألك أن ترد علي الستر فيصير في ~~ذلك النور مستورا وبدو ذلك من آدم عليه السلام كان لباسه ستره وهو النور ~~فلما عصى انكشف النور وعري فذلك قوله تعالى {ينزع عنهما لباسهما ليريهما ~~سوآتهما} وقوله تعالى فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من ~~سوآتهما # قال جعل على عورة كل واحد منهما نور فلا يرى واحد منهما عورة الآخر وقد ~~جعل الله تعالى لهذه الجارحة من الآدمي شأنا عجيبا لأنه أداة الذرية في ~~صلبه إلى يوم القيامة والصلب باب الذرية والفرج أداة الشهوة ولهذا سأل داود ~~سليمان عليهما السلام عن كلمات أن من اخبره بها ورثه العلم والنبوة فمن ~~جملته قال له أين باب الشهوة منك قال الفرج فقال أي باب الذرية منك قال ~~الصلب # وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال أول ما خلق الله تعالى من ~~الإنسان فرجه فقال هذا أمانة خبأتها عندك فلا تبسل منها شيئا إلا بحقها # وقد خلق الله تعالى آدم ليذرأ من صلبه هذا الخلق فجعل مبتدأ خلقه من ~~الموضع الذي يذرأ منه الخلق ثم جعل الحياة في القلب وجعل هذه الآداة ركنا ~~من أركان القلب ومنه ينشىء الريح فيقويه ليقدر على استعماله فبروح الشهوة ~~يقوى ويقدر على الاستعمال وخبأها # PageV02P206 # عنده وجعلها أمانة لئلا يستعملها إلا فيما خلقت له ثم خلقت منه حواء وستر ~~عليها ذلك منها فلم ينكشف الستر عنهما حتى عصيا فعريا # قال وهب رضي الله عنه الإيمان عريان فلباسه التقوى وزينته الحياء وماله ~~الفقه فالمؤمن بين الخلق في ذلك اللباس يوقر ويعظم ويبجل ويهاب وليس يرى من ~~تقواه إنما يرى عليه طلاوة اللباس وزهرته ولبق حركاته وتصرفه في الأمور ~~وعليه مهابة ذلك اللباس # وعن جبير بن نفير رضي الله عنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوما بالناس ms314 صلاة الصبح فلما فرغ أقبل بوجهه على الناس رافعا صوته حتى كاد ~~يسمع من في الخدور وهو يقول يا معشر الذين أسلموا بألسنتهم ولم يدخل ~~الإيمان في قلوبهم لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عثراتهم فإنه ~~من يتبع عثرة أخيه المسلم يتبع الله عثرته ومن يتبع الله عثرته يفضحه وهو ~~في قعر بيته # فقال قائل يا رسول الله وهل على المؤمن من ستر # فقال ستور الله تعالى أكثر من أن تحصى إن المؤمن ليعمل بالذنوب فيهتك عنه ~~سترا سترا حتى لا يبقى منه شيء فيقول الله تعالى لملائكته استروا على عبدي ~~من الناس فإن الناس يعيرون ولا يغيرون فتحف به الملائكة بأجنحتها يسترونه ~~من الناس قال فإن تاب قبل الله منه ورد عليه ستوره ومع كل ستر تسعة أستار ~~فإن تتابع في الذنوب قالت الملائكة ربنا قد غلبنا وأقذرنا فيقول الله عز ~~وجل للملائكة إستروا على عبدي من الناس فإن الناس يعيرون ولا يغيرون فتحف ~~به الملائكة بأجنحتها يسترونه من الناس فإن تاب قبل الله تعالى منه فإن عاد ~~قالت الملائكة ربنا إنه قد غلبنا وأقذرنا فيقول الله # PageV02P207 # تعالى للملائكة تخلوا عنه فلو عمل ذنبا في بيت مظلم في ليلة مظلمة في حجر ~~أبدى الله عنه وعن عورته # وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه إن المؤمن في سبعين حجابا من نور فإذا ~~عمل خطيئة بعد الكبائر ثم تناساها حتى يعمل أخرى يهتك منها حجاب من تلك ~~الحجب ولا يزال كذلك فإذا عمل كبيرة من الكبائر تهتك عنه تلك الحجب كلها ~~إلا حجاب الحياء وهو أعظمها حجابا فإن تاب تاب الله عليه ورد تلك الحجب ~~كلها فإن عمل خطيئة بعد الكبائر ثم تناساها حتى يعمل أخرى قبل أن يتوب يهتك ~~عنه حجاب الحياء فالعبد لا يزال في عيب يحدثه وستر يزول عنه والستر الأعظم ~~قائم فإذا أذنب كبيرة عري # فقوله صلى الله عليه وسلم ليس شيء عند الله أنجح من الاستغفار لأنه ستر ~~نوره ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ms315 لله أفرح بتوبة العبد من رجل وجد ضالته ~~في مفازة مهلكة عليها طعامه وشرابه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال دخلت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني حزينا فقال ما لي أراك حزينا يا ~~أبا هريرة فقلت كان بيني وبين أهل بيتي شيء فعجلت إليهم فقال أين أنت ثكلتك ~~أمك عن الاستغفار فوالذي بعثني بالحق إني لأستغفر في اليوم والليلة مائتي ~~مرة فأكثر من الاستغفار فان في الأرض أمانين يوشك أن تفقدوا أحدهما عن قريب ~~وهو موت نبيكم قال الله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون # PageV02P208 # فإنه يجيء يوم القيامة محدقا بأعمال الخلائق له زئير حول العرش يقول إلهي ~~حقي حقي فيجيبه الجبار جل جلاله فيقول خذ حقك فما يترك من سيئات بني آدم ~~إلا اجتحفها بالجملة # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم من أدمن الاستغفار ~~جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب # أشار إلى الإدمان إلى الاستغفار لأن الآدمي لا يخلو من ذنب أو عيب ساعة ~~فساعة # ولذلك صلى الله عليه وسلم قال خياركم كل مفتن تواب # فإن أدمن على الاستغفار خرج من العيوب والذنوب ودخل في الستر الأعظم ~~وعادت عليه الستور فالإدمان عليه يحط الذنوب قال الله تعالى وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون # فإذا كان العبد متيقظا مشرفا على أموره فكلما أعيب وأذنب أتبعهما ~~استغفارا لم يبق في وبالهما وعذابهما # وإذا كانت منه العيوب والذنوب ولها عن الاستغفار تراكمت الذنوب والعيوب ~~فجاءت الهموم والضيق والعسر والكد والنصب في الدنيا # PageV02P209 # وفي الآخرة عذاب وإذا استغفر خرج من العيب والذنب فصار له من الهموم فرجا ~~ومن الضيق مخرجا وأسبغ عليه الرزق وهو قوله تعالى ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب # والتقوى اجتناب العيب والذنب فإذا وقع فيه لا يستقر حتى يتوب # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال صلى الله ms316 عليه وسلم ما من رجلين مسلمين ~~إلا بينهما ستر فإذا قال أحدهما لصاحبه هجرا هتك سترالله تعالى # وقوله لا شيء أنجح عند الله ولا أحب إليه من الاستغفار فأقرب الأشياء من ~~الشيء كسوته ووقايته ولعظم قدر الشيء يجعل له وقاية وكسوة وسترا وكل شيء له ~~نفاسة وخطر جعل في ستر فهو محظور وعن الجميع مستور فإذا أذنب العبد تباعد ~~عنه الستر لنفاسته ونزاهته فإذا ندم فالندم والتوبة بدؤهما من النور الذي ~~في قلبه هو الذي يندمه ويقتضيه الرجوع إلى الله تعالى ويهديه لذلك فلما أتي ~~به وسأل الستر فإنما يسأل بالنور الذي في قلبه فيحبه لحرمة ذلك النور قال ~~تعالى إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين # فالتوابون هم الذي رجعوا إلى الله تعالى وتطهروا بقربه من نجاسة الذنوب ~~ورجاسة العيوب # قال صلى الله عليه وسلم إذا تاب العبد فقبل الله توبته أنسى الحفظة ما ~~كان يعمل وقيل للأرض ولجوارحه اكتمي عليه فلا تظهري مساوئه أبدا # PageV02P210 # وهكذا من شأن الخلق إذا أحب أحدهم آخر واستقبله في طريق وهو سكران التفت ~~يمنة ويسرة هل رآه أحد على تلك الحالة ثم ستره وأدخله منزلا وأنامه إشقافا ~~عليه وكراهة أن يراه على تلك الحالة أحد وإذا استغفر العبد غفر الله له قال ~~تعالى {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا} # وقال صلى الله عليه وسلم أربع من أعطيهن لم يمنع من الله من أربع من أعطي ~~الدعاء لم يمنع الإجابة قال الله تعالى {ادعوني أستجب لكم} # ومن أعطي الاستغفار لم يمنع المغفرة قال الله تعالى {استغفروا ربكم إنه ~~كان غفارا} ومن أعطى الشكر لم يمنع الزيادة قال الله تعالى {لئن شكرتم ~~لأزيدنكم} # ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول فإنه قال وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ~~ويعفو عن السيئات # وهذه كلها على الحقائق لا على التجويز فحقيقة الاستغفار أن يرى العبد عند ~~الذنب خروجه من ستر ربه وتعريه فيأخذه الحياء كما يستحي إذا سلب عنه ثوبه ~~في ملأ عظيم فيعرى في ذلك الملأ فينقبض من ms317 الحياء # وحقيقة الشكر أن يرى النعمة منه رؤية القلب خلقه وتربيته وسياقته # PageV02P211 # وإيصاله إليه فيأخذه من أثقال ذلك من الخجل ما يأخذه ممن أهدي إليه نعما ~~كثيرة كرات ومرات ودفعات # وحقيقة التوبة أن يرى إباقه من مولاه فيرجع إليه بندم واعتذار ووجل وحياء ~~فيعزم على التوطن عنده بين يديه أشد من عزم من أبق من الآدمي وقد أحسن إليه ~~كل الإحسان ومناه العتق والبر واللطف فلما عاد إليه تأسف على نفسه تلظيا من ~~فعله وثقل عليه أن يتراءى له من شدة ما يعلوه من الحياء فهو يتستر منه بكل ~~شيء ويتوطن أن لا يفارقه إلى الممات # وحقيقة الدعاء أن يسأله سؤال من احضر قلبه كما أحضر بدنه بتضرع وسؤال ~~مضطر فقير وجد إذن دخول على ملك عطوف رحيم # فإذا عامل العبد مع الله في هذه الخصال الأربع على غير ما وصفنا فيشبه ~~ذلك فعل السكران والنائم # وقولهما ولا يعبأ عند العقلاء بفعلهما ولا قولهما فالمخلط سكران ~~والمستقيم وهو الورع نائم وإنما يفوز بهذه الخطة العظيمة المتنبهون عن الله ~~تعالى مزق شعل أنوار الله حجب قلوبهم ثم أحرقها فانحسر القلب لأمر عظيم ~~فصارت هذه الأربع كلها عطاياه فاعطي الاستغفار والتوبة والشكر والدعاء # فاما من دون هؤلاء أمروا أن يتطهروا من الأوساخ والأدران التي على قلوبهم ~~حتى يعطوا النور فتكون هذه الأربع لهم عطاء على الحقيقة فيجابوا إلى ما ~~وعدوا لأن الله تعالى لم يعد إلا على الحقيقة والحقيقة هي بلوغ الصفة التي ~~رسم الله تعالى لعباده فيما بينهم فمن دعا حقا واستغفر حقا وشكر حقا وتاب ~~حقا يجاب # PageV02P212 # قال صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله على عبد الدعاء فليدع فإن الله ~~يستجيب له # وقال أبو حازم رحمه الله لأنا من أن أمنع الدعاء أخوف مني من أن أمنع ~~الأجابة # فالدعاء هو العدو إلى الله تعالى بالقلب فإذا كان القلب في حبس النفس لا ~~يستطيع العدو إليه والتوبة الرجوع إلى الله تعالى بالقلب فإذا كان القلب في ~~حبس النفس لم يقدر ms318 والاستغفار سؤال الغطاء من الذنب للعري فإذا كان النفس ~~حجاب القلب لا يقدر أن يرى عريه حتي يسبل الستر والشكر رؤية النعمة فإذا ~~كان النفس حجاب القلب لا يقدر أن يرى نعمه فإذا أتي بهذه الأشياء فلم يأت ~~به على الحقيقة فإما إذا أعطى النور وعدا القلب إليه عند الحاجة فسأل أجيب ~~وأسعف به وإذا أعطي النور فرأى الاباق منه رجع إليه مع النور فتاب قبل منه ~~وإذا رأى العري فسأل الستر أعطي المغفرة وإذا رأى النعمة فشكر قبل منه ~~فأعطي الزيادة لأن الله تعالى يستأدي من الخلق الحقائق دون المجاز # PageV02P213 ### | - الأصل الرابع والخمسون والمائة ### | في أن الغنى في النفس والتقى في القلب # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه وتقاه في قلبه # الحاجة في النفس لأنها معدن الشهوات وشهواتها لا تنقطع فهي أبدا فقيرة ~~لتراكم الشهوات عليها واقتضائها وخوف فوتها قد برح بها وضيق عليها فهي ~~مغبونة وخلصت فتنتها إلى القلب فصار مفتونا فأصمته عن الله تعالى وأعمته ~~فإذا أراد الله بعبد خيرا قذف في قلبه النور فامتزق الحجاب وانحسر النور ~~الأصلي وأشرق هذا النور الوارد في القلب والصدر فذاك تقواه به يتقي مساخط ~~الله تعالى وبه يحفظ حدوده وبه يؤدي فرائضه وبه يخشي الله تعالى ويصير ذلك ~~النور وقايته يوم الجواز على الصراط فيه يتقي النار حتى يجوزها إلى دار ~~الله تعالى فهذا تقواه في قلبه وأما غناه في نفسه فإنه إذا أشرق الصدر بذلك ~~النور تأدى إلى النفس فأضاء ووجدت النفس لها حلاوة وروحا ولذة تلهيه عن ~~لذات الدنيا وشهواتها وتذهب مخاوفها # PageV02P214 # وعجلتها وحرقتها وبلاهتها تحيى بحياة القلب وتستضيء بنور القلب فتطمئن ~~لأن القلب صار غنيا بانتباهه عن الله تعالى والنفس جاره وشريكه ففي غنى ~~الجار غنى وفي غنى الشريك غنى والتقوى في القلب وهو النور والغنى في النفس ~~وهو الطمأنية # PageV02P215 ### | - الأصل الخامس والخمسون والمائة ### | في تفسير قوله تعالى قل إن ms319 كنتم تحبون الله فاتبعوني # عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني على البر والتقوى والتواضع وذلة ~~النفس # البر ما افترض الله تعالى على العبد والتوقي والكف عما نهى الله تعالى ~~عنه والتواضع أن يضع مشيئته في أموره لمشيئة مولاه وذلة النفس ترك المنى في ~~عطاياه في الدرجات وفي إقامة هذه الأربع صفو العبادة # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قدم وفد اليمن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا أبيت اللعن فقال صلى الله عليه وسلم سبحان الله إنما يقال ~~هذا لملك ولست ملكا أنا محمد بن عبد الله # قالوا إنا لا ندعوك باسمك # PageV02P216 # قال فأنا أبو القاسم # قالوا يا أبا القاسم إنا قد خبأنا لك خبيئا # فقال سبحان الله إنما يفعل هذا بالكاهن والكاهن والمتكهن والكهانة في ~~النار # فقال له أحدهم فمن يشهد لك أنك رسول الله # قال فضرب بيده إلى حفنة حصباء فأخذها فقال هذا يشهد أني رسول الله # قال فسجن في يده وقلن نشهد أنك رسول الله # فقالوا اسمعنا بعض ما أنزل عليك فقرأ {والصافات صفا} حتى انتهى إلى قوله ~~تعالى {فأتبعه شهاب ثاقب} وإنه لساكن ما ينبض منه عرق وان دموعه لتسبقه إلى ~~لحيته # قالوا له إنا نراك تبكي أمن خوف الذي بعثك تبكي # قال من خوف الذي بعثني أبكي إنه بعثني على طريق مثل حد السيف إن رغبت عنه ~~هلكت ثم قرأ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك # إنما صار في مثل حد السيف لأن طريق الأعمال على النفس ومبتدأه من القلب ~~وطريقها على النفس فإذا مرت فلم يلتفت إلى النفس فقد صفا العمل وصفت ~~العبودة فهذه منزلتان إحداهما أشرف من الأخرى فالأولى أن يبتدىء العمل من ~~القلب فيخرج إلى الأركان ونفسه حية تحب أن تشركه في ذلك والثانية أن تموت ~~النفس ويقوم # PageV02P217 # القلب في مقام الهيبة فيخرج العمل إلى الأركان فلا يلتفت إلى النفس ولا ~~بالنفس حراك ms320 فتشخص إليه طرفا فهذا صفو العبودة يعمل ما يؤمر ولا يتكلف من ~~تلقاء نفسه ولا يدبر لنفسه بل فوض ذلك إلى مولاه لأن من شأن المحب أن لا ~~تكون له نهمة دون لقاء الحبيب فإذا لم يهتد إليه ووجد دليلا يؤديه إليه أن ~~يققو أثر الدليل حتى يؤديه إليه قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~فاستقم كما أمرت # فالاستقامة في السير أن لا يلتفت يمينا وشمالا ولا يعرج على شيء فيشتغل ~~به دونه # واجتمع نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاضوا في الذكر ~~فرقوا فطربت نفوسهم وقالوا لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى فنعمله ~~فجاءت المحبة من الله تعالى فأنزل الله تعالى {إن الله يحب الذين يقاتلون ~~في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} # ليظهر صدق ما نطقوا به فخرجوا إلى القتال فلم يكن من بعضهم الذي قالوا ~~فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} # ثم قالوا إنا لنحب ربنا فامتحنوا فأنزل الله تعالى {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله} # PageV02P218 # فإن من شأن الكريم أن يحب من أحبه ولم ينل حبه أحد إلا من بعد حبه له كما ~~قال الله تعالى يحبهم ويحبونه # والاتباع في سيرته علامة المحقين وسيرته العبودة في هذه الخصال الأربع ~~على ما ذكرنا # PageV02P219 ### | - الأصل السادس والخمسون والمائة ### | في سر الحياء والتقى والصبر بالتمثيل # عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياء زينة ~~والتقى كرم وخير المراكب الصبر وانتظار الفرج من الله تعالى عبادة # الحياء من فعل الروح والروح سماوي وعمل أهل السماء يشبه بعضه بعضا في ~~العبودة والنفس أرضي شهواني ميال إلى شهوة عقيب شهوة ومنية على اثر منية لا ~~تهدأ ولا تستقر فاعمالها مختلفة لا يشبه بعضها بعضا مرة عبودة ومرة ربوبة ~~ومرة استسلام ومرة تملك ومرة عجز ومرة اقتدار فإذا ريضت النفس وذلت وأدبت ~~انقادت وكان السلطان والغلبة للروح جاء الحياء والحياء خجل الروح عن ms321 كل أمر ~~لا يصلح في السماء فهو يكاع ويزين الجوارح والأمور وهو زينة العبد فمنه ~~العفة والوقار والحلم # PageV02P220 # وقوله والتقى كرم فالكرم ما انقاد وذل ولذلك سمى شجرة العنب كرما لأنه ~~حيث ما مددتها امتدت وذلت لك # قال صلى الله عليه وسلم لا تقولوا للعنب كرما إنما الكرم قلب المؤمن # فإذا ولج النور القلب رطب ولان وبرطوبته ولينه ترطب النفس وتلين وتذهب ~~كزازتها ويبسها وطفئت حرارة الشهوات بالنور الوارد على القلب لأنه من ~~الرحمة والرحمة باردة فانقاد القلب فاتقى # وقوله وخير المراكب الصبر فالصبر ثبات العبد بين يدي ربه في مقامه لأموره ~~وأحكامه خف أو ثقل أحب أو كره يسرا وعسرا فهو خير مركب ركب به إلى الله ~~تعالى وهو مركب الوفاء بالعهد فإن الله تعالى خلق الدنيا ممرا لعبيده إلى ~~دار السلام فالقوم المختارون يأخذون الزاد ويمرون ومن الوفاء أن لا يلتفت ~~إلى شيء سوى الزاد قال الله تعالى أوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون أي ~~فارهبوا من نفوسكم إلي والهرب والرهب بمعنى واحد # وقوله انتظار الفرج من الله عبادة لأن في انتظار الفرج قطع العلائق ~~والأسباب إلى الله تعالى وتعلق القلب به وشخوص الأمل إليه والتبري من الحول ~~والقوة فهذا خالص الإيمان # PageV02P221 ### | - الأصل السابع والخمسون والمائة ### | في فضل ماء زمزم # عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زمزم لما ~~شربت له # فزمزم سقيا الله وغياثه لولد خليله إسماعيل عليهما السلام فبقي غياثا لمن ~~بعده في كل نائبة إن شربت لمرض شفيت وإن شربت لغم فرج عنك وإن شربت لحاجة ~~استعنت وإن شربت لنائبة صلحت لأن أصله من الرحمة بدا غياثا فلأي شيء شربه ~~المؤمن وجد غوث ذلك الأمر # PageV02P222 ### | - الأصل الثامن والخمسون والمائة ### | في أن عمل الأنبياء والأولياء في الدارين خدمة وعبودة # عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ~~البيت كأحدكم يخيط ثوبه ويعمل كأحدكم # هكذا شأن الأنبياء والأولياء عليهم السلام لأنهم عبيد الله تعالى ms322 على ~~العبودة وقفوا بين يديه ورأوا أن هذه الأعمال التي للدنيا والآخرة كلها ~~تدبير الله تعالى في أرضه وأنها كلها معلقة بعضها ببعض وأنها لله تعالى فما ~~استقبلهم من أمر لم يؤثروا عليه شيئا ولا اختاروا من تلقاء أنفسهم أمرا ~~فلزموه ورفضوا لما سواه لأنهم يحبون أن يكونوا كالعبيد ما وضع بين أيديهم ~~عملوه عبودة حتى يلقوا الله تعالى بها فيضع عنهم رق العبودة ويرضي عنهم هذا ~~بغيتهم # وأما الآخرون فقد اختاروا من الأعمال وآثروا هذا على ذلك وذاك على هذا ~~طلبا للأفضل لينالوا من نعيم الجنان ورفضوا كثيرا من الأعمال # PageV02P223 # ضيعوا به حقوقا واعتبر هذا بحديث جريج الراهب حين نادته أمه وهو في ~~الصلاة يا جريج أرني وجهك من الصومعة فقال صلاتاه فآثرها على أمه فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لو كان جريج الراهب فقيها عالما لعلم أن إجابة أمه ~~من عبادة ربه # فمن فقه عن الله تعالى أمره ورأى تدبيره لم يجد بدا من رفض الاختيار فلا ~~يؤثر أمرا على أمر ولا حالا على حال وكان صلى الله عليه وسلم لما بعث ~~أصحابه إلى تبوك أمر عليهم زيد بن حارثة وقال إن قتل زيد فجعفر أمير عليكم ~~فقال جعفر رضي الله عنه يا رسول الله أتؤمر علينا زيدا قال إنك لا تدري في ~~أي ذلك خير # وروي أن موسى عليه السلام قال يا رب أي عبادك أكبر ذنبا قال الذي يتهمني ~~قال ومن يتهمك يا رب قال الذي يستخيرني فإذا خرت له لم يرض بذلك # فمن جعل أمور الآخرة وأمور الدنيا كلها لله تعالى وأراد بذلك إقامة ~~العبودة فقد سقطت عنه مؤنة الأختيار ولا تملكه الأحوال ولا الأعمال # PageV02P224 ### | - الأصل التاسع والخمسون والمائة ### | في المقة والصيت وعلامة أهلها # عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المقة ~~من الله في الأرض والصيت في السماء فإذا أحب الله تعالى عبدا نادى جبرئيل ~~في السماء أن الله تعالى يحب فلانا فأحبوه فتنزل المقة ms323 في الأرض # أراد بالصيت اضطراب الصوت والنداء وقوله تعالى وألقيت عليك محبة مني قال ~~ملاحة وحلاوة # PageV02P225 # وقوله تعالى وحنانا من لدنا قال معبد الجهني رضي الله عنه الحنان المحبب # وقال علي كرم الله وجهه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ~~{سيجعل لهم الرحمن ودا} ما هو يا رسول الله قال المحبة يا علي في صدور ~~المؤمنين والملائكة المقربين يا علي إن الله تعالى أعطى المؤمن ثلاثا المقة ~~والمحبة والملاحة والمهابة في صدور الصالحين فمن اصطنعه لنفسه قبل نفسه ~~فوجد له حلاوة وملاحة ومن دعاه فأجابه وصدقه في الإفجابة قربه فقبل قلبه ~~فوجد له في القلوب وده وهو المحبة قال الله تعالى {واصطنعتك لنفسي} # فكان لا يراه أحد إلا أحبه حتى فرعون الذي كان يذبح أولاد بني إسرائيل من ~~أجله كان يرشفه في حجره # فمن كان من بعده على مثل سبيله وطريقه إليه فله الحلاوة والملاحة ومن سار ~~إليه حتى وصل فنال القربة فله الود في القلوب # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل ~~عبد صيت فان كان صالحا وضع في السماء وإن كان سيئا وضع في الأرض # PageV02P226 ### | - الأصل المائة والستون ### | في الاستعاذة من النفاق وثمراته # عن أم معبد رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~اللهم طهر قلبي من النفاق وعملي من الرياء ولساني من الكذب وعيني من ~~الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور # وعن حنظلة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاءني جبرائيل إلا ~~أمرني بهاتين قال تقول اللهم ارزقني طيبا واستعملني صالحا # والنفاق ما كان ذا لونين يقين وشك وإخلاص ورياء وغير ذلك وإنما سمي نفاقا ~~لأنه يدخل عليه الأمر من بابين من باب الله تعالى فيقبل عنه من طريق ~~الإيمان ومن باب النفس فيقبل عنها من طريق الشهوة وكذلك نافقاء اليربوع ~~يدخل من هذا الباب ويخرج من الباب الآخر # PageV02P227 # وكذلك النفقة تأخذ باليد وتنفق بالأخرى ms324 فسأل صلى الله عليه وسلم ربه عز ~~وجل أن يطهر قلبه من آفات النفس فأجملها فقال طهر قلبي من النفاق وعملي من ~~الرياء # روي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال كنا نوب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يطرقه أمرا ويأمر بشئ قال فكثر أهل النوب والمحتسبون ليلة حتى كنا ~~نتحدث فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذه النجوى ألم ~~تنهوا عن النجوى فقلنا تبنا إلى الله يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيح ~~نتخوف منه فقال ألا اخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح قال بلى يا ~~رسول الله قال الشرك الخفي رجل يعمل لمكان رجل # وقوله صلى الله عليه وسلم ولساني من الكذب فإن اللسان يعبر به عن مكنون ~~القلب وإذا قال بلسانه ما لم يكن كذبه الله تعالى وكذبه إيمانه لأنه إذا ~~قال لشيء لم يكن انه قد كان فقد زعم أن الله تعالى خلقه وإذا أخبر أنه قد ~~كان ولم يكن الله تعالى كونه فقد افترى على الله تعالى # ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه الكذب مجانب للإيمان فإيمانه في قلبه ~~يكذبه فسأل أن يطهر لسانه من ذلك # وقوله صلى الله عليه وسلم وعيني من الخيانة فخيانة العين المسارقة كأنه ~~يريد أن يسرق ممن لا يسرق منه ويستخفي ممن لا تخفي عليه لمحة فإنه لا ينظر ~~ولكنه يلحظ سرقة واختلاسا لمكان المخلوقين وقد غفل قلبه عن أن يراه أبصر ~~الناظرين قال الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور # PageV02P228 # وقوله في الحديث الآخر ارزقني طيبا واستعملني صالحا سأله عيش أهل الجنان ~~رزقهم طيب وأفعالهم صالحة كلها ليس فيها فساد فإن العباد على ضربين منهم من ~~وضع بين يديه فقيل له اعمل هذا ودع هذا وأقبل على هذا وجانب هذا بين له ~~الشريعة ثم قيل له سر فيها مستقيما وخذ الحق واجتنب الباطل وكثيرا ما يقع ~~في التخليط والأغاليط ويشوبه ما ليس منه ومنهم من جازوا هذه الخطة وعافوا ms325 ~~لمنتهى ونسوه طهرت قلوبهم وأركانهم فاستعملهم ربهم في الشريعة لمحابه وبما ~~قد علم أن صلاحهم في ذلك فسأل صلى الله عليه وسلم الاستعمال صالحا # PageV02P229 ### | - الأصل الحادي والستون والمائة ### | في دعائه صلى الله عليه وسلم للأمة عشية عرفة وغداة المزدلفة # عن عباس بن مرداس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا ~~لأمته عشية عرفة بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء فأجابه أني فعلت إلا ظلم ~~بعضهم بعضا فأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها قال يا رب إنك قادر أن ~~تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته وتغفر لهذا الظالم فلم يجبه تلك العشية ~~فلما كان الغداة غداة المزدلفة اجتهد في الدعاء فأجابه أني قد غفرت لهم ~~فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها ~~فقال تبسمت من عدو الله إبليس انه لما علم أن الله قد استجاب لي في أمتي ~~أهوى يدعو بالويل والثبور ويحثي على وجهه ويفر قد نالتهم المغفرة عشية عرفة ~~وستروا من الذنوب والحق تعالى يناشدهم ويقتضي تبعات الخلق ولا مرد له ولا ~~معارض فلو تركهم والحق سبحانه وتعالى لأخرجهم من الستر حتى يعودوا إلى ~~الحالة الأولى عراة فعطف الله تعالى عليهم ولم يخيب أضيافه وزائريه ~~والمنيخين بفنائه يستعطفونه ويسألونه سؤال المساكين فيضمن عنهم التبعات ~~ويرضى أهلها عنهم فغفرها فبقوا في ستره ورضي الحق جل جلاله ضمان الكريم ~~الوفي وخلا # PageV02P230 # عنهم فصاروا إلى تطواف بيته المحرم لائذين به بعد أن أرضوا الحق تعالى ~~وتطهروا من الأدناس فحباهم وخلع على قلوبهم من النور وتلك عرائس الضيافة # PageV02P231 ### | - الأصل الثاني والستون والمائة ### | في صفة الأولياء وحقيقة الولاية أو التحذير من إهانتهم # عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبرئيل عن الله ~~تعالى أنه قال من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وإني لأسرع شيء إلى ~~نصرة أوليائي لأني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرب وما ترددت عن شيء أنا ~~فاعله ترددي عن قبض روح المؤمن يكره ms326 الموت وأكره مساءته ولا بد له منه وما ~~تعبد لي عبدي المؤمن بمثل الزهد في الدنيا ولا تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل ~~أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فاذا ~~أحببته كنت سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا إن سألني أعطيته وإن دعاني استجبت له ~~وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الغني ولو أفقرته لأفسده ذلك وإن ~~من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن من ~~عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك وإن من عبادي ~~المؤمنين من لا يصلحه إلا السقم ولو صححته لأفسده ذلك إني أدبر عبادي بعلمي ~~بقلوبهم إني عليم خبير # PageV02P232 # وفي رواية عائشة رضي الله عنها فإذا أحببته كنت بصره الذي به يبصر ولسانه ~~الذي به ينطق وأذنه الذي بها يسمع وفؤاده الذي به يعقل ويده الذي بها يبطش ~~ورجله الذي بها يمشي # قوله من أهان لي وليا فالولي من ولي الله هدايته ونصره وأخذه من نفسه ~~ورفعه بمحمل علي جاهد فصدق الله في جهده حتى إذا استفرغ وسعه في ذلك ألقى ~~نفسه بين يديه ضرعا مستكينا مستغيثا به صارخا إليه مضطرا وقال تعالى أمن ~~يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض # فأجابه الله تعالى ورحمه وأخذه من نفسه بنور فتح لقلبه من الغيب فاشتعل ~~نارا أحرقت شهوات نفسه وأشرق الصدر بنوره فكشف السوء وجعله من خلفائه إماما ~~من أئمة الهدى وجعله ربيعا يشم أزهاره وخريفا يجتني أثماره وولي إقامته على ~~طريقته حتى رتب له ما عنده وهو قوله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا وإن الله لمع # PageV02P233 # المحسنين) # وقال صلى الله عليه وسلم المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله تعالى وذلك ~~أفضل الجهاد # فمن أهان هذا الولي فقد خرج إلى مبارزة الله تعالى يريد أن يسلبه ما أخذ ~~ويأخذ منه ما قد رفع فيضعه # وقوله وإني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي فإن من تدبير الله تعالى أن الحق ms327 ~~عزو جل والرحمة مقتضيان في شأن الخلق فالحق تعالى يقتضي عبودته فمن لم ~~يقبلها فهو ذرأ النار قال تعالى لأملئن جهنم من الجنة والناس أجمعين # ومن قبلها فوفى بها فلا حساب ولا عذاب ويدخل الجنة بسلام ومن قبلها فوفى ~~ببعض وضيع بعضا اقتضى الحق تعالى ذلك والنار منتقمة تأخذ من جسده وتدع كما ~~وفى ببعض وترك بعضا فإذا قال جاءت المشيئة جاءت الرحمة فأخذته من الحق ~~تعالى فأنقذته من العذاب فإن الحق تعالى يقتضي الغضب والنار وتجيء الرحمة ~~لمن سبقت له رحمته غضبه فأخذته من الحق قال تعالى سبقت رحمتي غضبي # وهذا لعامة الموحدين فأما الأولياء فإنما نالوا الولاية بالرحمة العظمى # PageV02P234 # فمن نازعه أو آذاه أو ظلمه فالرحمة خصمه والحق عز وجل خصم الجميع فقد ~~اجتمع الحق والرحمة في طلب ثأره من ظالمه فلذلك كان أسرع شيء إلى نصرة ~~أوليائه عليهم السلام والرحمة من المشيئة والحق من القدرة # ومما يؤيد ذلك ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الله فيقوم أبو بكر ~~وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فيقال لأبي بكر رضي الله عنه قم على باب ~~الجنة فأدخل فيها من شئت برحمة الله تعالى ورد منها من شئت بقدرة الله ~~تعالى ويقال لعمر رضي الله عنه قم عند الميزان فثقل ميزان من شئت برحمة ~~الله واخف ميزان من شئت بقدرة الله ويقال لعثمان رضي الله عنه خذ هذه العصا ~~فذد بها للناس عن الحوض ويقال لعلي رضي الله عنه البس هذه الحلة فإني قد ~~خبأتها لك منذ خلقت السموات والأرض إلى اليوم # فقد بين صلى الله عليه وسلم منازل القوم أنهم أهل الله عز وجل وخاصته ~~وأنه ينكشف ذلك لأهل الموقف غدا يظهره عليهم عند خلقه وقد صاروا أمناء الله ~~تعالى ووقفت قلوبهم بين يديه رافضين لمشيئتهم ولذلك سماهم أهل الله والأهل ~~والآل بمعنى يئولون إليه في كل شيء فيبرز لأهل الموقف مقاومهم ms328 بقلوبهم ~~وضمائرهم التي كانت فيما بينهم وبين الله تعالى كرامة لهم وتنويها بأسمائهم ~~في ذلك الجمع فكان الغالب على أبي بكر رضي الله عنه الرحمة في أيام الحياة ~~والغالب على عمر رضي الله عنه القيام بالحق وتعزيزه وكأنهما كانا ممن هو في ~~قبضته يستعمله فاستعمل هذا بالرحمة وهذا بالحق فهذا وقف عند باب الجنة يطلب ~~أهل الموقف بالرحمة ليوردهم الجنة وذا يقف عند الميزان ويطالب أهل الموقف ~~بالعدل # PageV02P235 # وهو قوله صلى الله عليه وسلم بي يسمع وبي يبصر وبي ينطق # ومنه قول عمر رضي الله عنه حيث أتاه رجل والدم يسيل على وجهه من شجته ~~فقال ويحك من فعل بك قال علي فقال علي رضي الله عنه رأيته مقاوما إمرأة ~~فأصغيت إليهما فساءني ما سمعت فشججته فقال عمر رضي الله عنه أصابتك عين من ~~عيون الله تعالى وإن لله تعالى في الأرض عيونا فهذا قوله صلى الله عليه ~~وسلم بي يسمع وبي يبصر وبي يبطش # وأما عثمان رضي الله عنه فكان الغالب عليه إغاثة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في نوائبه بالمال فحكمه في شأن الحوض ليذود من لم يستحق من الحوض ~~شرابا فإن الحوض غياث الخلق يومئذ # وأما علي كرم الله وجهه فالغالب عليه النفاذ في علم التوحيد وبه كان يبرز ~~على عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم ويدل على ذلك ~~خطبه فإنه بالغ في التوحيد والثناء على ربه تعالى وبرز على غيره والحلة ~~التي خبأها له هي حلة التوحيد فهذا قسم الله لهم وحظوظهم منه فيظهرها الله ~~تعالى يوم القيامة على أحوالهم # قال صلى الله عليه وسلم أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأقواهم في دين الله عمر ~~وأصدقهم حياء عثمان # PageV02P236 # وقوله ما ترددت في شيء ترددي عن قبض روح عبدي فإن الموت خلق فظيع منكر لا ~~بد للأحباب أن يذوقوه وأمر ثقيل مر لا يخلو من أن يكرهوه وقد علم الله ~~تعالى أنه يشتد عليهم ويتأذون به فتردد في فعله لكراهة مساءتهم ms329 وقد قضى ~~الله تعالى على نفسه حتما أنه يفعله فمشيئته لموتهم تردد بين الحق والرحمة ~~فالحق تعالى ينفذ الموت والرحمة تدفعه والمشيئة مترددة بينهما مرة إلى ~~الرحمة ومرة إلى الحق فمن كان أيام الحياة اهتش إلى ذكر الله شوقا إليه ~~فغليان الشوق في قلبه مراجل وهذا الشوق في القلب بالرحمة فتلك الرحمة تتحرك ~~له عند كل نائبة وأعظم نوائبه الموت يريد خلاصه والحق من ناحيته يقتضيه أن ~~ينفذ الموت عليه والمشيئة من الله تعالى مترددة فيما بينهما مرة إلى هذا ~~ومرة إلى ذلك ولا بد من الموت فأما غير هؤلاء فليس لهم هذا الحال فإذا جاءت ~~المشيئة مع الحق نفذ أمره قال تعالى وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه ~~تحيد # فالحائد من الموت أيام الحياة يأخذه الحق بتنفيذ الموت وليس للرحمة حركة ~~في الدفع عنه لأن المشيئة لم تتردد بينهما فنفذ # وقوله إني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرب فالليث كريم لا يؤذي حتى يجترأ ~~عليه فاذا اجترىء عليه اصطفه حرب فكسر ودمر على من ظفر به فمن آذي ولي الله ~~تعالى فإنما يجترىء على الله تعالى يريد أن يحاربه فيأخذ منه ما إصطفاه ~~لنفسه فيفسد شأنه ويهدم تربيته وبنيانه فإن الولي إذا بلغ غاية الصدق في ~~السير إلى الله تعالى ومجاهدة النفس وفطم نفسه عن سيىء الأخلاق وقد انقطعت ~~حيلته وبقي بين يديه ينتظر رحمته انتخبه الله تعالى للولاية ووكل # PageV02P237 # الحق به يهديه ويطهره ويسير به إليه وترد إليه الأنوار من قربه وتطهر ~~نفسه وتميت منه الأخلاق الرديئة فذاك تربية الله تعالى له فإذا تم البنيان ~~والتربية كشف الغطاء وأشرق على صدره نوره وجعل لقلبه إليه طريقا لا يحجبه ~~عنه شيء فهو ولي الله يتولاه في أموره وهو يكلؤه ويستعمله فمن يتعرض له ~~ويظلمه فقد اجترأ على الله تعالى يريد أن يهدم بنيانه ويفسد تربيته فغضب ~~الله له # وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم إياك ونار المؤمن لا تحرقك وإن عثر كل ~~يوم سبع مرات فإن ms330 يمينه بيد الله تعالى إذا شاء أن ينعشه نعشه # وأراد بالمؤمن ههنا المؤمن البالغ وهو الولي لله تعالى الذي احتظى من ~~النور والقربة وقد تولاه الله تعالى فإذا تعرضت له بمكروه فنار نوره تحرقك ~~فأما العامة من المؤمنين فمعه نور التوحيد ولا حظ له من نوره فليس له نار ~~تحرق ولهذا حذرك صلى الله عليه وسلم أن يشتبه عليك أمره فإذا رأيته عثر أو ~~وقع في زلة أن تنظر إليه بعين الازراء كسائر العامة فإن يمينه بيد الله ~~تعالى لأنه صار في قبضته وقد أخذه من نفسه فهو يمسكه وهو يحفظه فإذا عثر ~~فتلك العثرة كانت في تدبير الله تعالى له ليجدد عليه أمر أو ليرفعه إلى ما ~~هو أعظم شأنا وليست تلك عثرة رفض إنما هي عثرة تدبير كذا دبر له كما دبر ~~لداود عليه السلام تلك الخطيئة ثم انظر أي شيء كان له بعد الخطيئة من ~~الكرامة والقربة وظهر له من الله تعالى الزلفة والعطف عليه فيكون للأولياء ~~عثرات يجدد الله تعالى لهم بها كرامات ويبرز لهم ما كان مغيبا عنهم من حبه ~~إياهم وعطفه عليهم فينعشهم فهو مع ذلك الذنب يمينه بيد الله لم يكله إلى ~~نفسه ولا تخلى عنه # PageV02P238 # وإنما يجري عليه الذنب ثم ينعشه فيدخله الله الجنة ويدخل الذي يعير به ~~النار # وقوله وما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضته فإنما فرض الله ~~تعالى الفرائض من الصلاة والصوم والزكاة والحج ليحط بها عنه الخطايا ~~وليتطهر بها العبد قال تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار إلى قوله إن الحسنات ~~يذهبن السيئآت فإن العبد قد يلهو عن العبودة ويطيع الهوى ويركب الخطايا ~~والذنوب # فهذه سيئآت قد قبحته وشانته فإذا صلى فالقيام تذلل وتسليم والركوع خشوع ~~والسجود خضوع والجلوس رغبة وضرع فهذه حسنات تذهب السيآت وتظهر الزين وتستر ~~الشين وأما الزكاة فقال تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # وأما الحج فإن الله تعالى أمر بالوقوف ثم قال في آخره فمن تعجل في يومين ~~فلا إثم ms331 عليه ومن تأخر فلا إثم عليه أي يرجعون مغفورين قد حطت عنهم الآثام # فهذه الفرائض فرضها عليهم لتكون دواء للداء الذي اكتسبوه فإذا أقامها فقد ~~تطهر فصلح للقربة فإذا تنفل بعد ذلك استوجب المحبة فإن النفل في المغازي ~~كالعطف من الأمير على الواحد من أهل العسكر يخصه به والنفل زيادة على ~~القسمة خارج منها يبره الأمير على قدر عنائه في الحرب وبلائه فإذا تنفل ~~العبد بزيادة على الفرض ينفل القربة والمحبة فإذا أحبه أحياه واختاره ~~وأوصله إلى حبة القربى ولكل # PageV02P239 # شيء حبة وحبة كل شيء وسطه وجوفه ولبابه فنال القربة بأداء الفرائض ونفل ~~بالمحبة بالتطوع فأوصل إلى أقرب القربة وحبته فهناك يحيى قلبه بالحي الذي ~~لا يموت فإذا أحياه به كان سمعه وبصره وفؤاده ولسانه # وقوله وما تعبد لي عبدي بمثل الزهد في الدنيا هكذا شأن العبد يزهد في كل ~~شيء لم يقدر له في اللوح فما أعطي علم أنه كان قدر له فقبله وما منع علم ~~أنه لم يكن قدر له فرفع عنه باله فإذا فعل ذلك فقد أبرز صدق العبادة وتهاون ~~بالدنيا فلم يلحظ إليها فهذا منه تصديق إيمان وتحقيق لأنه لما أيقن بالآخرة ~~ونظر إليها بنور اليقين تلاشت الدنيا في عينه في جنب ما أعد الله له في ~~الآخرة فصغرت عنده وزهدت وإذا قل الشيء في عين المرء تهاون به فإنما أبصروا ~~قلة الدنيا بنور الإيمان الذي أبصروا به كثرة الآخرة وعظمها فنيلوا بذلك ~~وشرفوا وأعرضوا عن جميعها إلا ما قدر لهم في اللوح فعظموا ذلك القدر الذي ~~أوصل إليهم لأنهم علموا أن هذا وصل إليهم بتدبير الله تعالى وصنعه وعطفه ~~ورحمته فعظم شأن ذلك عندهم ففرحوا واستبشروا وحمدوا ربهم وتوسعوا في ذلك ~~فمن بلغك عن أحد من أئمة السلف رحمهم الله أنه فرح بشيء مما أوتي أو عظمه ~~فإنما عظمه أو فرح به لا من طريق قدر الشيء بل فرحه بتدبير الله تعالى ~~وصنعه له كيف دبر له ما قسم له في اللوح ولها عما سوى ms332 ذلك فأنعم فيه النظر ~~كي لا تغلط وتظن بهم ظن السوء فالزاهدون متعبدة فعبدوه بالزهد حتى تقربوا ~~إليه وأعرضوا عن الدنيا والأولياء عبيد تعبدوه بالعبودة وتقربوا إليه حتى ~~أعرضوا عن النفس فمن أعرض عن الدنيا أقام الزهد ومن أعرض عن النفس أقام ~~العبودة # وعن الحسن رضي الله عنه بني الإسلام على عشرة أركان أحدها الإخلاص بالله ~~تعالى وهي الفطرة ومعنى ذلك أن الخلق # PageV02P240 # فطروا على المعرفة فليس أحد يقدر أن ينكره فهم يقرون به ويعرفونه معرفة ~~الفطرة وقد استوى فيه الخلق قال تعالى {فطرة الله التي فطر الناس عليها} # قوله الإخلاص بالله أي المؤمن لما أدركته الهداية وجعل الله تعالى له ~~نورا فأحياه خلص الله تعالى أمره # الثاني الصلاة وهي الملة ومعنى ذلك أنها تشتمل على أفعال مضمومة بعضها ~~إلى بعض فصيرت فعلا واحدا وكذلك يجتمع الخلق بأجسادهم على هذا الأمر الواحد ~~فتكون صلاتهم مضمومة بعضها إلى بعض فتكون صلاة واحدة والملة ما ضمت ولذلك ~~سميت الخبزة المضمومة إلى الحفرة ملة # الثالث الزكاة وهي الطهرة ومعناه أن الزكاة طهرة لهم من أدناسهم قال ~~تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # فإن الله تعالى جعل المال سببا لقوام معاشهم وخلقهم محتاجين مضطرين ~~والمضطر مفزعه إلى من اضطر إلى نفسه فترك مفزعه وجعل الباب الذي صير سببا ~~مفزعا لحاجته فمال بقلبه عن الله تعالى ولهذا سمي مالا لميل القلوب عن الله ~~تعالى إليها فقد دنس بذلك فقيل تصدقوا أي أعطوا من هذا المال ما يظهر صدق ~~أقوالكم انا لله وان الأموال منه في أيدينا وسميت صدقة لأنه يظهر بالإعطاء ~~صدق أقوالهم فتصير صدقاتهم طهرة لهم من أدناسهم إذا أصابه من الحلال يصير ~~دنسا لميل قلبه عن الله تعالى فكيف بالحرام والشبهة فالحرام لا # PageV02P241 # يطهرها شيء والشبهة موقوفة والحلال متقبل وقد أمر الله تعالى بالصدقة من ~~مكاسب الحلال والغنائم # الرابع الصيام وهي الجنة قال صلى الله عليه وسلم حفت الجنة بالمكاره ~~والنار بالشهوات وفي الصيام ترك الشهوات فإذا تركها فقد ترك حفاف ms333 النار ~~فصار جنة له من النار # الخامس الحج وهي الشريعة فإن الله تعالى دعاهم إلى أن يؤمنوا به ويسلموا ~~إليه وجها وجعل البيت معلمه فهناك آثاره وآياته وقد كان من قبل خلق الأرض ~~زبدة بيضاء فاقتضاهم الإجابة له بإتيانهم المظهر الأعلى وهو العرش قلبا ~~وبإتيانهم المعلم الذي على الأرض بدنا وهما طريقان لهم إليه # السادس الجهاد وهي العزة ومعنى ذلك أن الله تعالى دعا العباد إلى أن ~~يوحدوه فأجابته طائفة وامتنعت طائفة وتعززوا بالكبر الذي في صدورهم والقوة ~~التي في أبدانهم والنعمة التي أسبغها عليهم فقال للطائفة المجيبة أنتم ~~أنصاري وأوليائي {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} فثارت هذه الطائفة ~~حمية لله تعالى ونصرته وولايته فقتلوهم وأخذوهم وأسروهم قال الله تعالى ~~ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين فالجهاد هو العزة # السابع الأمر بالمعروف وهو الحجة لأن المرسلين بعثوا لذلك # PageV02P242 # فمن فعله من بعدهم فهو من خلفائهم يقيم حجة الله على خلقه # الثامن النهي عن المنكر وهو الواقية قال الله تعالى {كانوا لا يتناهون عن ~~منكر فعلوه} # وقال صلى الله عليه وسلم إن الظالم إذا لم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم ~~الله بعذاب # وروى النعمان بن بشير رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على منبرنا هذا يقول مثل القائم على حدود الله والمداهن في حدود الله ~~والساكت عنه والراكب حدود الله كمثل قوم ركبوا سفينة فاقترعوا منازلها فأخذ ~~أحدهم القدوم فنقر السفينة فقال أحدهم لآخر يخرق السفينة ويريد أن يغرقنا ~~فقال له الآخر دعه فإنما يخرق مكانه فإن تركوه هلك وهلكوا وإن أخذوا على ~~يديه نجا ونجوا فإذا غيروا ونهوا كان ذلك واقية للعذاب # والتاسع الطاعة وهي العصمة فإن طاعة الأئمة منوط بطاعة الله تعالى وهي ~~عصمة بهم يعصمهم الله تعالى ويسكن الفتنة ويقمع أهل الريب ويقوم الحج ~~والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # PageV02P243 # فالسلطان شأنه عظيم وهو رحمة من الله تعالى فطاعتهم عصمة # والعاشر الجماعة وهي الألفة فإن الله تعالى جمع المؤمنين على معرفة واحدة ~~وشريعة ms334 واحدة ليألف بعضها بعضا بالله تعالى وفي الله فيكونون كرجل واحد قال ~~الله تعالى {إنما المؤمنون إخوة} # فإذا لم يخرج إلى حدث ولا إلى بدعة فهو في الألفة معهم والله أعلم وأحكم # PageV02P244 ### | - الأصل الثالث والستون والمائة ### | في مذاهب أهل الأهواء # عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا من هم قلت الله ورسوله أعلم قال هم أصحاب الأهواء ~~وأصحاب البدع وأصحاب الضلال من هذه الأمة يا عائشة إن لكل ذنب توبة ما خلا ~~أصحاب الأهواء والبدع ليس لهم توبة أنا منهم بريء وهم مني براء # أهل الأهواء قوم استعملوا أهواءهم والأهواء ميالة عن الله تعالى فحيث ما ~~مالت اتبعها قلوبهم لأنه لم يكن في قلوبهم من النور ما يصدهم عن إتباعها ~~قال الله تعالى {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله} # وسميت زيغا لأنها زائغة بالقلب عن الله تعالى وأهل الأهواء كلما استحلوا ~~شيئا ركبوه واتخذوه دينا حتى ضربوا القرآن بعضه ببعض وحرفوه فمنهم من يرفض ~~حتى جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونسبوا الرسالة # PageV02P245 # إلى علي كرم الله وجهه ومنهم من اتخذه ربا فدخل عليه فقال أنت ربي فقام ~~علي فوطئه بقدمه حتى قتله وأحرقه بالنار # ومنهم من أبدعوا من تلقاء أنفسهم بدعا فازالت بهم تلك البدع حتى أدتهم ~~إلى الخروج على علي رضي الله عنه وإلى حربه وهم الخوارج وأهل حروراء # وقوم قد تزهدوا بغير علم فأداهم الجهل إلى أن أبدعوا من تلقاء أنفسهم ~~بدعا وحسبوا أن الزهد في الدنيا تجنب الأشياء فعلا والعزلة من أهل الدنيا ~~فضيعوا الحقوق وقطعوا الأرحام وجفوا الخلق واكفهروا في وجوه الأغنياء وفي ~~قلوبهم من شهوة الغنى أمثال الجبال الشامخات ولم يعلموا أن أصل الزهد موت ~~الشهوات من القلب فلما اعتزلوها بالجوارح اكتفوا به وحسبوا أنهم استكملوا ~~الزهد حتى تأدى بهم الجهل إلى أن طعنوا في الأئمة الذين عرفوا بسعة المعاش ~~وكثرة المال حتى عابوا ms335 الأنبياء وطعنوا على سليمان عليهم السلام # وقوم زعموا أنهم توكلوا على ربهم وأن الطلب شك وأن الرزق يأتي في وقته ~~فقعدوا رفضا للطلب والمكسب فضيعوا الأهلين والأولاد في خلال ذلك يتدنسون في ~~أبواب المطامع ويخادعون الله تعالى في معاملته # وقوم اتخذوا العلم الذي هو حجة الله تعالى على عباده حرفة وصيروها مأكلة ~~فأكدوا بها رياستهم واحتظوا به من القلوب وصحبوا بها الملوك ختلا لما في ~~أيديهم من الحطام فلينوا لهم في القول طمعا لما في أيديهم وداهنوهم لما ~~يرجون من نوالهم وساعدوهم على تجبرهم وجورهم # PageV02P246 # وقوم مفتونون نسبوا إلى الدين والتقطوا الرخص وزلات العلماء فاتخذوها ~~دينا وتذرعوا بذلك إلى شهواتهم وزينوا للخلق بذلك تسترا على أحوالهم السيئة ~~من تعاطي الأشربة المحرمة والمكسبة الرديئة وأشباه ذلك # وقوم هم أهل الضلالة كالمشبهة والقدرية والجبرية والجهمية وأشباههم مالت ~~قلوبهم وأبدعوا وضلوا عن الله تعالى فإن الله تعالى اقتضى للعباد الإسلام ~~دينا والإسلام تسليم النفس والدين الخضوع لله تعالى بتسليم النفس إليه قال ~~الله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # فجعل الدين في تسليم النفس إليه فدانوا بأن سلموا نفوسهم إليه قبولا ~~لآمره وطاعته فأنزل كلاما فرقانا يفرق بين الحق والباطل وأمر بالاعتصام به ~~وأشار إلى دار السلام أن هذا مصيركم وإليها أدعوكم فقال واعتصموا بحبل الله ~~جميعا ولا تفرقوا وهو عهده # PageV02P247 # الذي أنزل قال والله يدعو إلى دار السلام # ودل على الطريق المستقيم إليها من غير تعريج ولا تلوية ودبر في هذا ~~الطريق فرائض معلومة وسننا وأخذ زينة ليوم العرض عليه # فالزائغون تركوا الخضوع لله تعالى وتسليم النفس إليه ففارقوا دينهم ~~فصاروا شيعا وأحزابا وزين لهم سوء أعمالهم وسد عليهم باب القدر فاستبدوا ~~وتعمقوا في طلبه حتى هلكوا وأداهم ذلك إلى أن برءوا الله من قدرته وشاركوه ~~في مشيئته إفكا وافتراء وسد عليهم باب درك الكيفية فاستبدوا يطلبون الكنه ~~والكيفية حتى عدلوه بخلقه وسد عليهم باب التعمق فما زالوا ينزهونه حتى ~~تاهوا في الإلحاد عنه فنفوا عنه ما لم ينف ms336 عن نفسه الكريمة # وقال صلى الله عليه وسلم قد افترقت بنو إسرائيل اليهود منهم على إحدى ~~وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين ~~فرقة كلها في النار إلا واحدة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها ~~في النار إلا واحدة قيل يا رسول الله من هذه الواحدة قال السواد الأعظم # وعن عمر رضي الله عنه قال أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أعرف ~~الحزن في وجهه فأخذ بلحيته فقال إنا لله وإنا إليه راجعون # PageV02P248 # قال وأتاني جبرئيل فقال إنا لله وإنا إليه راجعون # قلت أجل فانا لله وإنا إليه راجعون فمم ذاك يا جبرئيل # قال إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير # فقلت فتنة كفر أو فتنة ضلالة # قال كل ذلك سيكون # قلت ومن أين ذاك وأنا تارك فيهم كتاب الله تعالى # قال بكتاب الله يضلون وأول ذلك من قبل قرائهم وأمرائهم يمنع الأمراء ~~الناس حقوقهم فلا يعطونها فيقتتلوا ويتبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في ~~الغي ثم لا يقصرون # قلت يا جبرئيل فبم يسلم من يسلم منهم # قال بالكف والصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوا تركوه # وعن أفلح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث ضلالة الأهواء واتباع الشهوات في ~~البطن والفرج والعجب # وإنما صار هؤلاء فرقا لأنهم فارقوا دينهم فبمفارقة الدين تشتتت أهواءهم ~~فافترقوا فأما اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده فقد اختلفوا في ~~أحكام الدين فلم يفترقوا لأنهم لم يفارقوا الدين وإنما اختلفوا فيما أذن ~~لهم النظر فيه والقول باجتهاد الرأي واختلفت آراؤهم فاختلفت أقوالهم وقد ~~أمروا بذلك فصاروا باختلافهم محمودين لأنه أدى كل واحد منهم على حياله ما ~~أمر من جهد الرأي والنظر فيه # وكان ذلك الاختلاف رحمة من الله تعالى على هذه الأمة حيث # PageV02P249 # أيدهم باليقين ثم وسع على العلماء منهم النظر فيما لا يجدون ذكره في ~~التنزيل ms337 ولا في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يلحقوه ببعض وكانوا أهل ~~مودة وعطف متناصحين أخوة الإسلام فيما بينهم قائمة فكل مسألة حدثت في ~~الإسلام فخاض فيها الناس واختلفوا فلم يورث ذلك الاختلاف عداوة بينهم ولا ~~بغضا ولا فرقة علم أن ذلك من مسائل الإسلام يتناظر فيه ويأخذ كل فريق بقول ~~من تلك الأقوال ثم لا يكونون على أحوالهم من الشفقة والرحمة والألفة ~~والمودة والنصيحة كما فعل الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم وكل مسألة ~~حدثت فاختلفوا فيها فردهم اختلافهم في ذلك إلى التولي والإعراض والرمي ~~بالكفر علم أن ذلك ليس من أمر الدين في شيء بل حدثت من الأهواء المردية ~~الداعية صاحبها إلى النار وتورث العداوة والتباين والفرقة لأنها من التي ~~ابتدعها الشيطان فأقاها على أفواه أوليائه ليختلفوا ويرمي بعضهم بعضا ~~بالكفر لأنه ما خلت قلوبهم من خشية الله تعالى وخوف عقابه بما قدمت أيديهم ~~من ذكر الموت والأهوال التي أمامهم والاهتمام بصحة الأمور وطلب الخلاص فيما ~~بينهم والانتباه لحسن صنيعه بهم وطلب النجاة من رق النفوس إلى حرية العبودة ~~لربهم عز وجل فلما خلت من هذه الأشياء قلوبهم وجد العدو فرصة فألقى إليهم ~~مثل هذه الأشياء التي يعلم المستنيرة قلوبهم أن هذا تكلف وخوض فيما لا ~~يعنيه مثل قولهم في الجبر والقدر والاستطاعة قبل الفعل ومعه وطلب كيفية ~~صفات الله تعالى وفي الإيمان مخلوق هو أم لا وفي القرآن ما هو وفي الإمامة ~~من استحقها بعد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أداهم ذلك إلى أن رفضوا ~~الصحابة رضوان الله عليهم وأظهروا شتمهم فلولا خذلانهم ونكوس قلوبهم لكانوا ~~لا يشتغلون بمثل هذا وهم قوم قد مضوا إلى الله تعالى بأعمالهم وهو يقسم لهم ~~المنازل بهواه ويحمل بعضا على بعض قال الله تعالى تلك أمة قد # PageV02P250 # خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) # وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغا ومعلما وهاديا فخرج من ~~الدنيا وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة وعلم وهدى ms338 وأبلغ في النصيحة فأين ~~القول منه للأمة في هذه الأشياء وأين هدايته وتعليمه لهم ولم يوجد من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم خبر واحد في ذلك فإن كان بعث مبلغا وقد بلغ ولم ~~يكتم شيئا من الوحي فأين هذا في الوحي وفي السنن التي جاءت عنه وقد أدت عنه ~~أئمة الدين آداب الإسلام في طعامهم وشرابهم ونومهم وخلائهم ووضوئهم ولباسهم ~~ومشيهم وزيهم وتركوا هذه الأشياء التي أدى اختلاف القائلين عنه إلى اكفار ~~بعضهم بعضا ليعلم أن هذه من مسائل الفتنة وأنها تؤدي إلى الحيرة وأن الكلام ~~في ذلك مما لم يؤذن فيه # PageV02P251 ### | - الأصل الرابع والستون والمائة ### | في أن أحب الأصوات إلى الله تعالى صوت عبد لهفان # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من صوت أحب ~~إلى الله تعالى من صوت عبد لهفان قالوا يا رسول الله وما اللهفان قال صلى ~~الله عليه وسلم عبد أصاب ذنبا فكلما ذكر بذنبه امتلأ قلبه فرقا من الله ~~تعالى فقال يا رباه # اللهفان على مخرج فعلان إذا كان الشيء الغا غايته فهو غاية التلهف على ما ~~فاته بالتوجع والفرق نفار القلب والعبد إذا اشتد هيبته وهو الغالب على قلبه ~~وذكر ذنبه نفر قلبه بما يلاحظه فذاك الفرق فإذا امتلأ قلبه من ذلك فرق ~~فنادى نداء من ينحط من مهوى لا يدري ما قعره فهو في الانحطاط ينادي نداء ~~مستغيث يتلهف على ما فاته من مكان القربة بغاية التلهف يا رباه نداء ندبة ~~الثكلى نداء توجع وحرقة وللفرق شأن عظيم لأنه عاين القلب سلطانا عظيما وهو ~~في محل ملك الملك فلم يتمالك القلب أن لا يفرق لانه فتح له من ملك الهيبة ~~ما فرقه # PageV02P252 # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن وبين يديه رجل فسقط فمات ~~فقال صلى الله عليه وسلم إن الفرق فلذ كبده أي قطعه لأن الكبد متصل بالقلب ~~من شقه الأيمن فحرارته أحرقت الكبد # PageV02P253 ### | - الأصل الخامس والستون والمائة ### | في سنن المرسلين # عن ms339 مليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه عن جده رضوان الله عليهم قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس من سنن المرسلين الحياء والحلم والحجامة ~~والسواك والتعطر # وفي رواية أبي أيوب أربع من سنن المرسلين التعطر والحياء والنكاح والسواك # معناه هذه الخمسة من شأنهم أما الحياء فإن النور إذا دخل القلب تخلص ~~الروح من أسر النفس فصار إلى طبعه السماوي فالحياء خجالة الروح وتلكيه عن ~~كل عمل لا يحسن في أهل السماء فصار الحياء من شأنهم لطهارة الروح من أسباب ~~النفس # وأما الحلم فهو سعة الصدر وانشراحه لورود النور # PageV02P254 # وأما الحجامة فلأجل أن للدم حرارة وقوة وللنور حرارة فإذا لم ينقص من ~~حرارة الدم أضربه وتبيغ الدم فقتل لأن النور غالب على صدورهم وقلوبهم فتغلي ~~من ذلك دماؤهم فإذا لم يأخذوها فارت وأضرت وكان صلى الله عليه وسلم يلقى من ~~الصداع من نور الوحي فيغلف رأسه بالحناء ليخفف عن رأسه بالحناء سلطان تلك ~~الحرارة # ومما يحقق ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما مررت بملأ من ~~الملائكة ليلة أسري بي إلا قالوا يا محمد مر أمتك بالحجامة وإنما خصت هذه ~~الأمة من أجل زيادة النور قال صلى الله عليه وسلم ما أعطيت أمة ما أعطيت ~~أمتي من اليقين # وأما السواك فلأنه طريق التنزيل والوحي الوارد وموضع نجوى الملائكة ~~فكانوا يقصدون تطييبها وتطهيرها لئلا يؤذي الملك وتضيع حرمة الوحي # وأما النكاح فإن الأنبياء عليهم السلام زيدوا في النكاح بفضل نبوتهم فإنه ~~إذا امتلأ الصدر بالنور وفاض في العروق التذت النفس والعروق فأثارت الشهوة ~~وقواها وريح الشهوة إذا قويت فإنما تقوي من القلب والنفس فعندها تجد القوة # قال صلى الله عليه وسلم أعطيت قوة أربعين رجلا من البطش والنكاح وأعطي ~~المؤمن قوة عشرة # PageV02P255 # قال ابن عمر رضي الله عنهما ما أعطي أحد من الجماع بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما أعطيت أنا # وأما التعطر فإن الطيب يذكي الفؤاد وأصله من الجنة وحين تستر آدم ms340 عليه ~~السلام بورقة منها فرحم وتركت عليه فمن ذلك أصل الطيب ففي تذكية الفؤاد قوة ~~القلب والجوارح لأن حسن القلب بالفؤاد لأن الأذن عليه والبصر له والنور بين ~~القلب والفؤاد والرؤية للفؤاد قال الله تعالى {ما كذب الفؤاد ما رأى} # والفؤاد اللحمة الظاهرة والقلب اللحمة الباطنة وإنما هي بضعة واحدة بعضها ~~مشتمل على بعض فأظهر فهو فؤاد فاذا كان الفؤاد منحرفا لم يع شيئا من النور ~~قال الله تعالى وأفئدتهم هواء أي منحرفة لا تعي شيئا ولا تعقل وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم أتاك أهل اليمن ألين قلوبا وأرق أفئدة # PageV02P256 ### | - الأصل السادس والستون والمائة ### | في ذكر الفاجر بما فيه للتحذير منه # عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضوان الله عليهم قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أترعون عن ذكر الفاجر حتى يعرفه الناس إذكروه بما فيه يحذره ~~الناس # الفاجر هو الذي يفجر الحدود فإن الإسلام كحظيرة حظرها الله تعالى على ~~أهله فلا يتعدون حدود الحظائر فإذا ثلم أحدهم الحظيرة بالخروج منها متخطيا ~~إلى ما ورائها فقد فجرها ونعني بالفاجر الفاجر الموحد دون الكافر فإن ~~المشرك لا حرمة له ولا يتوقى لذكره وقد تورعوا عن ذكر المسلم لحرمة التوحيد ~~ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يحث على الستر وهو يقول من ستر المسلم ستره ~~الله تعالى ومن هتك سترا لأخيه هتك الله تعالى ستره فهابوا هذا الأمر # PageV02P257 # وكفوا فقال لهم صلى الله عليه وسلم أترعون عن ذكر الفاجر # معناه إذا غلب عليه الفجور وقد أعلن به وهتك ستره فإذا لم يبق له سترا ~~استحال أن يستر أو يكتم أمره وفي كتمان أمره خيانة ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم حتى يعرفه الناس ثم بين نفع الذكر فقال يحذره الناس وإنما هذا الذكر ~~لمن احتسب به النصيحة للعامة لئلا يعثر مسلم به فأما من ذكر تشفيا لغيظه أو ~~تنقما لنفسه فهو خارج عن هذا الحديث حتى يذكره على تلك النية # PageV02P258 ### | - الأصل السابع والستون والمائة ### | في أن لا ms341 أحد أحب إليه العذر من الله تعالى وعرض الاعمال # عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم يبق من الدنيا إلا مثل الذباب تمور في جوها فالله الله في إخوانكم من ~~أهل القبور فان أعمالكم تعرض عليهم # الأرواح أنواع أرواح تجول في البرزخ فتبصر أحوال الدنيا والملائكة تتحدث ~~في السماء عن أحوال الآدميين وأرواح تحت العرش وأرواح طيارة في الجنان على ~~قدر أقدارهم من السعي أيام الحياة إلى الله تعالى والعبودة له في محلهم # قال سلمان رضي الله عنه أرواح المؤمنين تذهب في بزرخ من الأرض حيث شاءت ~~من السماء والأرض حتى يردها الله تعالى إلى جسدها فإذا تردت الأرواح هكذا ~~علمت أحوال الأحياء وإذا ورد عليهم ميت التقوا به فتحدثوا وتسائلوا عن ~~الأخبار وخرج من تدبير الله تعالى أن وكل بهم أيضا ملائكة تعرض أعمال ~~الأحياء عليهم كي إذا عرضوا عليهم ما يعاقبون به في الدنيا ويصابون به من ~~أنواع # PageV02P259 # المصائب من أجل الذنوب كان عذر الله تعالى ظاهرا مكشوفا عند الأموات بأنه ~~لا أحد احب إليه العذر من الله تعالى # قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس رضي الله عنه إن أعمالكم تعرض على ~~عشائركم وأقاربكم من الموتى فإن كان خيرا استبشروا به وإن كان غير ذلك ~~قالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم إلى ما هديتنا # وقال صلى الله عليه وسلم تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس على الله ~~تعالى وتعرض على الأنبياء وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة فيفرحون ~~بحسناتهم ويزدادون وجوههم بيضا ونزهة فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم # وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~إن الله تعالى يعتذر إلى آدم يوم القيامة بثلاثة معاذير يقول الله تعالى يا ~~آدم لولا أني لعنت الكذابين وأبغض الكذب والحلف وأعذب عليه لرحمت اليوم ~~ذريتك أجمعين من شدة ما أعددت لهم من العذاب ولكن حق القول مني لمن كذب ~~رسلي وعصى أمري لأملئن ms342 جهنم منهم أجمعين ويقول الله تعالى يا آدم إني لا ~~أدخل أحدا من ذريتك النار ولا أعذب أحدا منهم بالنار إلا من قد علمت في ~~سابق علمي أني لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى شر مما كان فيه لم يراجع ولم ~~يعتب ويقول له يا آدم قد جعلتك اليوم حكما بيني وبين ذريتك قم عند الميزان ~~فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة فله ~~الجنة حتى تعلم أني لا أدخل النار منهم إلا ظالما فإذا ستر الله على عبد في ~~دنياه عند # PageV02P260 # الأحياء ستر عليه عند الأموات وذلك لمن ولي الله تدبيره ستره لئلا يرى ~~الخلق من الأحياء والأموات معايبه # روي أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه خرج غازيا في أرض الروم فقص عليه ~~قاص فقال ليس أحد من بني آدم يعمل عملا أول النهار إلا عرض على معارفه من ~~أهل الآخرة في آخر النهار ولا عمل عملا في آخر النهار إلا عرض على معارفه ~~من أول الغد فقال أبو أيوب إن ذاك لكذاك اللهم لا تفضحني عند سعد بن عبادة ~~ولا عند عبادة بن الصامت مما عملت بعدهما فقال القاص والله الذي لا إله ~~غيره ما كتب الله لعبد ولايته إلا ستر عورته وأثنى عليه بأحسن عمله # ومعنى ولاية التدبير أن الله تعالى شرع السبيل وهدى القلوب ورزق العقول ~~وأكد الحجة بالرسل وبما جاءوا به من البيان وأيد بالملائكة يهدون ويسددون ~~وقيل لهم سيروا إلى الله تعالى سيرا مستقيما في هذا الصراط فإن عارضتم ~~نفوسكم بخلاف ما أمر الله تعالى فجاهدوها وسلوا الله المعونة # فهذا تدبيره الذي وضعه للجميع فمن صدق الله تعالى في مجاهدة النفس حتى ~~بلغ أقصاها لم يقدر على أكثر من أن يمنع قلبه من الكفر كما يمنع جوارحه من ~~العمل فهذا غاية جهاد النفس وتصحيح الباطن والظاهر ونهاية الصدق فقد أتى ~~بالوسع وحال الطبع باق على تركيبه من الشهوة واللذة والغضب والرغبة والرهبة ~~ومن هذه الأشياء حدثت ms343 المعاصي إلى القلوب ومنه إلى الأركان فيجأر إلى الله ~~تعالى لكدورة الأخلاق فإنها تكدر عليه إيمانه فلا يصفو فعندها يرحمه الله ~~تعالى عند انقطاع أسبابه وتغوثه بها صارخا مضطرا فيأخذه من تدبيره الذي ~~وضعه لعباده ومن مجاهدة النفس إلى تدبيره الذي وضعه لعباده ومن مجاهدة ~~النفس إلى تدبير نفسه فهو القادر على ذلك # PageV02P261 # فيوكل به الحق تبارك وتعالى حتى يسير به إلى منازل القربة فلما سار في ~~القربة زيد مركبا من النور ليسير به إلى محله من القربة فكل نور يزاد يموت ~~من طبعه بقدر ذاك لأنه يزاد بكل نور قربة وتخطي إلى محله فيزداد بالله ~~تعالى علما منه وخشية فالحق تبارك وتعالى يربيه بهذه الأنوار حتى إذا انتهت ~~التربية وتغير الطبع عن النفسية إلى خلق الإيمان جذب جذبة إلى محل القربة ~~وانكشف له الغطاء عن جلال الله تعالى وعظمته فانتهبت فيه وإذا الهوى قد ~~طاوعته والنفس قد ماتت فحيى قلبه بالله تعالى فهو الصدق فهذا وإن كان صديقا ~~فلم يخل من ذنب كان في سابق علم الله تعالى وجرى بذلك القلم في اللوح ~~المحفوظ فهو يعمله لا محالة لكنه في ستر عند الأحياء وفي ستر عند الأموات ~~والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم وأحكم # PageV02P262 ### | - الأصل الثامن والستون والمائة ### | في أن المرض للمؤمن تمحيص للذنوب # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل المريض ~~إذا برىء من مرضه وصح كمثل البردة تقع من السماء في صفائها ولونها # المؤمن يتلوث في شهواته فتدنس الأفعال وتوسخ الأركان وتكدر الطلاوة فإذا ~~رحمه وأراد به خيرا أسقمه حتى يطهره ويصفيه فالمرض للمؤمن تمحيص من الآثام ~~كالفضة تلقى في كيرة ينفخ عليه يزول خبثه وتصفو فضته فتصلح للضرب والسكة ~~والتشرف باسم الملك على وجهه فشبهه بعد البرء بالبردة صفاء وطيبا وطهارة ~~ونظافة # PageV02P263 ### | - الأصل التاسع والستون والمائة ### | في حسن المجاورة لنعم الله تعالى # عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى ~~كسيرة ملقاة فمشى ms344 إليها فمسحها فقال يا عائشة أحسني جوار نعم الله تعالى ~~فإنها قل ما نفرت عن أهل بيت فكادت ترجع إليهم # حسن المجاورة لنعم الله من تعظيمها وتعظيمها شكرها والرمي بها من ~~الاستخفاف بها وذلك من الكفران والكفور ممقوت مسلوب فارتباط النعم في شكرها ~~وزوالها في كفرانها ومن عظمها فقد ابتدأ في شكرها ومن صغرها أو استخف بها ~~فقد تعرض لزوالها وفيها رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم خصالا غير واحدة ~~منها الاستخفاف بالنعمة والفساد والاسراف # PageV02P264 # والله لا يحب الفساد # {لا يصلح عمل المفسدين} # {لا يحب المسرفين} # {لا يحب كل خوان كفور} # PageV02P265 ### | - الأصل المائة والسبعون ### | في تفسير المروي للآية {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} # عن أنس رضي الله عنه قال تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {هل جزاء ~~الإحسان إلا الإحسان} ثم قال هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله ~~أعلم قال # إن ربكم يقول هل جزاء من أحسنت إليه بأن هديته للتوحيد إلا أن أسكنه داري ~~في جواري وهل جزاء من قربته بالمعرفة قلبا حتى يعرفني إلا أن أقربه في ~~المسكن نفسا حتى ينظر إلى وهل جزاء من أكرمته بمعرفتي إلا أن أغفر له ذنوبه ~~وأتجاوز عن سيئاته وأصفح عنه تكرمات كما تكرمت وجدت عليه بتوحيدي هل جزاء ~~من ابتدأته بهذه النعم العظيمة فمننت عليه بها إلا أن أحفظها عليه حتى أختم ~~له بها وأتمم عليه وله كرامتي # PageV02P266 ### | - الأصل الحادي والسبعون والمائة ### | في أن الكلمة من الباقيات خير من الدنيا بحذافيرها # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن الدنيا ~~كلها بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكان الحمد لله أفضل من ~~ذلك # معناه من أعطي الدنيا ثم أعطي على أثرها هذه الكلمة حتى نطق بها لكانت ~~هذه الكلمة أفضل من الدنيا كلها لأن الدنيا فانية والكلمة باقية قال تعالى ~~والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا # وفي رواية لكان ما أعطي أفضل مما أخذ ms345 # PageV02P267 ### | - الأصل الثاني والسبعون والمائة ### | في ذكر جملة من مكارم الأخلاق # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما محق ~~الاسلام محق البخل شيء قط ومن كف غضبه كف الله عنه عذابه ومن حفظ لسانه ستر ~~الله عورته ومن اعتذر إلى الله في الدنيا قبل الله تعالى معذرته # بني أس الإسلام على السماحة والجود لأنه هو تسليم النفس والمال لحقوق ~~الله تعالى فإذا جاء البخل فقد ذهب بذل المال ومن بخل بالمال كان بالنفس ~~أبخل ومن جاد بالنفس كان بالمال أجود فالبخل يمحق الإسلام ويبطله ويدرس ~~الإيمان وفيه سوء الظن بالله تعالى ومنع حقوقه والاعتماد على المال دون ~~الله تعالى # وقوله من حفظ لسانه ستر الله عورته إنما يحفظ عن أعراض المسلمين كيلا ~~يهتك استارهم فعاجل الله تعالى ثوابه بأن ستر عورته # وقوله من كف غضبه كف الله عنه عذابه فعذابه النار وحشوها غضبه وإنما تلظت ~~وتسعرت بغضب الله تعالى فإذا كف غضبه فقد # PageV02P268 # تواضع لله تعالى فكف عنه غضبه وإذا كف غضبه فمن ورائه الرضى عن الله ~~تعالى # وقوله من اعتذر إلى الله في الدنيا قبل الله معذرته فالكريم يقبل العذر ~~إذا اعتذر إليه صادقا كان أو كاذبا لأن اعتذاره ندم وتوبة وإقبال إليه ~~فيأبى الكريم أن يخيبه من معذرته # قال صلى الله عليه وسلم ما من أحد يعتذر إلى أخيه فلم يقبل عذره إلا كان ~~عليه كخطيئة صاحب مكس وهو العشار # PageV02P269 ### | - الأصل الثالث والسبعون والمائة ### | في قدر تعظيم الدنيا والمداهنة ووزر السيئآت # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~عظمت أمتي الدنيا نزعت منها هيبة الإسلام وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر حرمت بركة الوحي وإذا تسابت أمتي سقطت من عين الله تعالى # شرط الإسلام تسليم النفس وبذلها لله تعالى عبودة فإذا عظم ما صغر الله ~~تعالى وحقرها وقد أخذت بقلبه فسبته ذهبت العبودة ولم يقدر على بذل النفس ~~لله تعالى فكان إسلامه مدخولا ms346 وإذا فسد الباطن ذهبت الهيبة لأنه لو هابه لم ~~يستقر قرارا حتى يصلح باطنه وإنما يهابه من صلحت سريرته # قال صلى الله عليه وسلم تمام البر أن تعمل في السر عمل العلانية وإذا ~~عظمت النفس الدنيا آثرها على حقوق الله تعالى # PageV02P270 # ولا يجتمع تعظيم الحقوق وتعظيم الدنيا في قلب فأما إذا أسلم نفسه ووجهه ~~إلى الله تعالى وبذل نفسه لله تعالى عبودة صار من رجال الله تعالى وعبيده ~~وخاصته فتعلوه مهابة كما إذا صار عبدا للملك ظهر عليه من بهجة ملكه وغناه ~~ووجدت له هيبة فعبيد الله صدقا عليهم من الله تعالى طلاوة وحلاوة وملاحة ~~ومهابة فإذا غيروا وبدلوا فعظموا الدنيا بخراب قلوبهم فقد ارتجعوا في ~~نفوسهم فذهبت الهيبة لأنه الآن ليس من عبيد الملك إنما هو عبد نفسه وهواه ~~ودنياه وشهواته وسلطانه # وقوله وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي فإن في ~~ترك ذلك خذلانا للحق تعالى وجفوة للدين وفي ذلك ذهاب البصيرة وفقد النور ~~فيصير القلب محجوبا فيحرم بركة الوحي فيقرأه ولا تعي اذنه منه شيئا قد حرم ~~فهمه وهو من أعلم الناس باللغة وأبصرهم بتفسيره وقد عمي عن لطائفه ومعانيه ~~ووعده ووعيده وأمثاله لأنه إذا وقع من لسانه في أذنه صار إلى قلب صدره ~~مظلما فكأنه قد غرق في لجة إنما هو كلام يدخل سمعه فإذا صار إلى الصدر صار ~~في عمى والذي أشرق صدره بالنور فعلى قلبه ينابيع الفهم يلتذ باللطائف أحلى ~~من القطائف ويفرح بالوعد ويحذر الوعيد ويرغب ويرهب ويعتبر ويتعظ فهذا بركة ~~الوحي # وقوله وإذا تسابت أمتي سقطت من عين الله تعالى لأن بدوه الكبر والإستحقار ~~للمسلمين والحسد والبغي والتنافس في أحوال الدنيا فبهذا سقط من عين الله ~~والساقط من عينه قد خرج من كلاءته وحفظه ورعايته فليستعد للخذلان في نوائب ~~الدين والدنيا فإنه إذا زالت عنه رعايته ذهبت عصمته وله في كل نائبة ورطة ~~حتى تؤديه إلى الورطة الكبرى سلب الدين والانتكاص على العقبين ومن سقط عن ~~عينه لم يبال ms347 في أي واد هلك والعياذ بالله تعالى منه # PageV02P271 ### | - الأصل الرابع والسبعون والمائة ### | في إيداع العهد بالدعاء بعد الصلاة # عن أبي بكر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال في ~~دبر الصلاة بعد ما يسلم هؤلاء الكلمات كتبه ملك في رق فختم بخاتم ثم رفعها ~~إلى يوم القيامة فإذا بعث الله العبد من قبره جاءه الملك ومعه الكتاب ينادي ~~أين أهل العهود حتى يدفع إليه والكلمات أن تقول # اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم إني أعهد ~~إليك في هذه الحياة الدنيا أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ~~وأن محمدا عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك أن تكلني إلى نفسي تقربني ~~من الشر وتباعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل رحمتك لي عهدا ~~عندك تؤديه إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد # صاحب هذا العهد يتحلى بهذا العهد الذي عهد إلى ربه من الأسباب ويكون ~~متعلقه رحمته ولا يثق إلا بها ولا يلحظ النجاة إلا بها # PageV02P272 # ويجعل هذا العهد في الدنيا كالوديعة عند ربه وانه أمله ورجاؤه فمن كرم ~~ربنا أن لا يقطع رجاءه ولا يخيب أمله قال الله تعالى {لا يملكون الشفاعة ~~إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا} # واتخاذ العهد من صدق لا إله إلا الله والوفاء بها وهو أن لا يعتمد قلبك ~~شيئا سواه في أمر آخرة ولا دنيا فيكون هو كافيك وحسبك من الدارين # PageV02P273 ### | - الأصل الخامس والسبعون والمائة ### | في سر الكلمات العشر بعد الصلاة # عن بريدة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال عشر ~~كلمات عند دبر كل صلاة وجد الله عندهن مكفيا مجزيا خمس للدنيا وخمس للآخرة ~~حسبي الله لديني حسبي الله لدنياي حسبي الله لما أهمني حسبي الله لمن بغي ~~علي حسبي الله لمن حسدني حسبي الله لمن كادني بسوء حسبي الله عند الموت ~~حسبي الله عند المساءلة في القبر حسبي الله عند الميزان ms348 حسبي الله عند ~~الصراط حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب # هذه مواطن نوائب العبد في دنياه وآخرته وقد جعل له في كل موطن سببا وعدة ~~يقطع به تلك النائبة فاذا أعرض عن العدة والسبب وضرب عنه صفحا واغتنى بالله ~~تعالى كافيا وحسيبا كفاه الله تعالى وكان عند ظنه به فعدته في دينه العهد ~~الذي أنزل وهو الحبل الذي أمر بالاعتصام به وعدته في دنياه التوكل والكسب ~~من الطيب وعدته # PageV02P274 # فيما أهمه الحيل التي وضعت لكل هم وحيلة وعدته في البغي الاحتراز ~~والتجافي والأخذ بالحزم وعدته في الحسد التواضع والمقاربة للحاسد وعدته في ~~المكابدة بالسوء سد الأبواب التي منها يجد الكائد السبيل عليه وعدته في ~~الموت العمل الصالح وعدته في المساءلة في القبر تصحيح الأمر للجواب وعدته ~~عند الميزان كثرة الأعمال لثقل الوزن وعدته عند الصراط النور للجواز فإذا ~~لها عن هذه العدد وكان الله تعالى شرح بها صدره ولم يشخص أمله إلى شيء سواه ~~ولا لحظ إلى خلق ولا إلى فعل وقال حسبي الله عند كل موطن فقد تعلق بربه ~~تعالى ومن تعلق به لم يخيبه وكان له في تلك المواطن كظنه به # قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا ~~معه إذا دعاني # وكان إبراهيم عليه السلام لما وضع في المنجنيق ليرمي به في النار جأرت ~~السموات والأرضون والملائكة والخلق والخليقة بكاء وعويلا قالت يا رب عبدك ~~يحرق بالنار فأذن الله لهم في نصرته ان استغاث بهم ودعاهم إلى نصرته ورمي ~~في الهواء إذ عارضه جبرئيل عليه السلام بلوى من الله تعالى فقال يا إبراهيم ~~هل من حاجة # PageV02P275 # فقال أما إليك فلا حسبي الله قال الله تعالى يا نار كوني بردا وسلاما على ~~إبراهيم # فولي الله تعالى نصرته إذ لم يفزع إلى احد سواه فلم يكله إلى أحد من خلقه ~~فهذا صدق قوله حسبي الله فإذا لم يكن العبد في قلبه من الحقيقة ما كان ~~لإبراهيم عليه ms349 السلام فإن لكل مقال حرمة والله تعالى لا يضيع حرمته فإذا ~~ردد هذه الكلمات نفعته في هذه المواطن بأن كن شفعاء إلى الله تعالى وإذا ~~تكلم بها على يقظة وانشراح صدر وجد الله تعالى في هذه المواطن قد كفاه # قال صلى الله عليه وسلم إذا قال العبد حسبي الله سبع مرات قال الله تعالى ~~صدق عبدي لأكفينه صادقا أو كاذبا # PageV02P276 ### | - الأصل السادس والسبعون والمائة ### | في أن حسن الجواب في خلال الخطاب من لطافة الفهم من قراءة الرحمن من الوحي # عن جابر رضي الله عنه قال قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ~~الرحمن حتى ختمها ثم قال ما لي أراكم سكوتا للجن كانوا أحسن ردا منكم ما ~~قرأت عليهم هذه الآية من مرة فبأي آلاء ربكما تكذبان إلا قالوا ولا بشيء من ~~نعم ربنا نكذب فلك الحمد # حسن الرد في الجواب من لطائف الفهم وأجساد الجن من نار ولم يشغلهم شغل ~~الآدميين فجوهرهم أرق وجوهر الآدمي أغلظ لأنهم من تراب وهذه السورة قد عدد ~~الله تعالى فيها النعم وخاطب بتعديده الثقلين وقال في ذكر كل نعمة فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان # فكل هذا القول سؤال يحتاج إلى رد الجواب فيه وأثنى صلى الله عليه وسلم ~~على مؤمن الجن بحسن ردهم الجواب ومن رتبة الخطاب # PageV02P277 # أن لا يترك الخطاب الذي له جواب مهملا ليكون المستمع كالغافل وكان أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتوا على هذه الآية {أليس ذلك بقادر على ~~أن يحيي الموتى} # قالوا اللهم بلى # وإذا مروا بذكر النار استعاذوا بالله فاقتضاهم صلى الله عليه وسلم في وقت ~~قراءته عليهم ما وجده من الجن واستحسنه منهم وكان من أصحابه صلى الله عليه ~~وسلم من يشغله ذرو كلامه عن النظر في معناه إجلالا لكلام الله تعالى ودهشا ~~في ذكره ومنهم من يتعلق قلبه بأول الآية فيشغله أولها عن ذكر ما بعدها كما ~~صلى علي بن فضيل بن عياض رضي الله عنه خلف إمام قرأ سورة الرحمن فلما ms350 انفتل ~~قيل له يا علي ألم تسمع إلى ما أعد الله للمؤمنين من نعيم الجنان فقال ~~شغلني ما قبلها عن ذكر الجنان يعني ذكر النار وسلطان كلام الله تعالى على ~~القلوب على قدر ما فيها من العلم بالله تعالى والخشية له والحظ من القربة ~~وإنما ينزل من القلب كلام كل واحد منهم على قدر منزلته عنده # قال صلى الله عليه وسلم من أحب أن يعلم ما منزلته عند الله فلينظر ما لله ~~عنده من المنزلة فإن الله تعالى ينزل من العبد حيث أنزله العبد من نفسه # PageV02P278 ### | - الأصل السابع والسبعون والمائة ### | في كلمات الفرج والمغفرة والتلقين # عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول لقنوا موتاكم لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب ~~السموات السبع ورب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين قالوا يا رسول الله ~~فكيف هي للحي قال أجود وأجود # وتسمي هذه الكلمات عند أهل البيت كلمات الفرج يدعون بها في النوائب ~~والشدائد # وذلك ما روى علي كرم الله وجهه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ~~أعلمك كلمات إذا قلتهن غفرت لك ذنوبك مع أنه مغفور لك لا إله إلا الله ~~العلي العظيم لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب السموات ورب ~~العرش العظيم الحمد لله رب العالمين # PageV02P279 ### | - الأصل الثامن والسبعون والمائة ### | في حكمة الصدقة لم صارت بعشر والقرض بثمانية عشر # عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ~~على باب الجنة مكتوبا القرض بثمانية عشر والصدقة بعشر فقلت يا جبرئيل ما ~~بال القرض بثمانية عشر والصدقة بعشر قال لأن صاحب القرض لا يأتيك إلا وهو ~~محتاج وربما وضعت الصدقة في غني # المتصدق حسب له الدرهم بعشرة فدرهم صدقته وتسعة زائدة فصارت له عشرة ~~والقرض على ضعف الصدقة فدرهم قرضه يرجع إليه فلا يحسب بقي تسعة فتضاعف ~~فيكون ثمانية عشر والله أعلم وأحكم # PageV02P280 ### | - الأصل التاسع والسبعون ms351 والمائة ### | في بيان أفضل ما أعطي الناس # عن أبي بكر رضي الله عنه وكان يخطب وقال قام فينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كقيامي فيكم ثم بكى ثم أعادها ثم بكى ثم أعادها ثم بكى فقال إن ~~الناس لم يعطوا شيئا أفضل من العفو والعافية فأسألوههما الله سبحانه وتعالى # العفو والعافية مشتق أحدهما من الآخر ألا إن العفو يستعمل في نوائب ~~الآخرة والعافية تستعمل في نوائب الدنيا وأصل ذلك التفضل عليه أن يتفضل على ~~عبده فلا يعاقبه ولا يبتليه والعفو الدرس ومعناه أن يدرس عنه آثار الذنوب ~~والبلاء عن جوارحه فإن لكل نعمة تبعة ولكل ذنب نقمة في الدنيا أو في الآخرة ~~فإذا درست عنه التبعات والنقمات تخلص بهذا في العفو والله أعلم # PageV02P281 ### | - الأصل الثمانون والمائة ### | في الإلحاح في الدعاء وسر كونه محبوبا # عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن ~~الله يحب الملحين في الدعاء # الإلحاح ملق والمؤمن حبيب الله وكلما كثر سؤال الحبيب فهو أحب إلى محبه ~~والله تعالى يحب صوته # قال صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى لجبرئيل عليه السلام يا جبرئيل ~~قد قضيت حاجة فلان وأجبت دعوته ولكن احبسها عنه فاني أحب صوته # وعن وهب رضي الله عنه قال إن الله تعالى يقول أنزل البلاء استخرج منه ~~الدعوة # وإنما صار الملح محبوبا لأنه لا ينقطع رجاؤه فهو يسأل فلا يرى إجابة فلا ~~يزال يلح ولا ينقطع رجاؤه ولا يدخله اليأس فذلك لعلمه بالله تعالى وصحة ~~قلبه وصدق عبودته واستقامة وجهته فمن صدق # PageV02P282 # الله في دعوته استعمل اللسان وانتظر بالقلب مشيئته فلا يضيق ولا ييأس لأن ~~قلبه صار معلقا بمشيئته فانتظاره المشيئة من أفضل ما يقدم به على ربه وهو ~~صفو العبودة واستعماله اللسان عبادة لأن في السؤال اعترافا بأنها له ~~وإنتظار مشيئته لقضائه عبادة فهو بين عبادتين وجهتين وأفضل الدعاء من داوم ~~عليه # قال صلى الله عليه وسلم ليدع أحدكم ولا يقولن قد سألت ولم يستجب لي ms352 قال ~~صلى الله عليه وسلم إن العبد المؤمن يستجاب له فإذا قال العبد يا رب قال ~~الله تعالى لبيك فإذا سأله حاجة فإما أن يعجل له حاجته وإما أن يصرف عنه ~~شرا بدل حاجته وإما أن يدخر له في آخرته ما هو خير له مما سأل فلم تسقط ~~دعوته على كل حال # وأما أهل اليقين فإنهم يدعون ويلحون فإن أجاب قبلوا وإن تأخر صبروا وإن ~~منع رضوا وأحسنوا الظن وهم في الأحوال ساكنون مطمئنون ينتظرون مشيئته # قال سفيان الثوري رحمه الله أتيت أبا حبيب العدوي أسلم عليه وما كنت ~~رأيته قط قال لي أنت سفيان الثوري الذي يقال قلت نعم نسأل الله تعالى بركة ~~ما يقال ثم قال يا سفيان ما # PageV02P283 # رأينا خيرا قط إلا من ربنا قلت أجل قال فما لنا نكره لقاء من لم نر خيرا ~~قط إلا منه ثم قال لي يا سفيان منع الله إياك عطاء منه لك وذاك أنه لم ~~يمنعك من بخل ولا عدم وإنما منعه نظرا واختيارا يا سفيان ان فيك لأنسا ومعك ~~شغلا سلام عليك ثم أقبل على غنيمته وتركني # فالإعطاء أحب إلى أهل الجود من الأخذ للسؤال وهم يلتذون بالجود والإعطاء ~~أكثر مما يلتذ الآخذ بالنوال لأن الأخذ خلق الفقراء والإعطاء خلق الأغنياء ~~وهو خلق أهل الجنان وهو خلق الله الأعظم وكان من دعاء سفيان رحمه الله يا ~~من يحب أن يسأل ويغضب على من لا يسأل ويا من أحب عباده إليه من سأله فأكثر ~~سؤاله وليس أحد غيرك كذلك يا كريم ويا من أبغض عباده إليه من لا يسأله ولم ~~يطلب إليه وليس أحد غيرك كذلك يا كريم ويا من أحب عباده إليه من سأله ~~العظيم ولم يعظم عليك وعزتك عظيم يا عظيم # وقال الله تعالى لموسى عليه السلام اطلب الي العلف لشاتك ولا تستحي أن ~~تسألني صغيرا ولا تخف مني بخلا أن تسألني والله أعلم # PageV02P284 ### | - الأصل الحادي والثمانون والمائة ### | في قراءة القرآن في أربعين ليلة # عن عبد الله بن ms353 عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمره أن يقرأ القرآن في أربعين ليلة فاستزاده حتى رجع إلى سبع # فالأربعون مدة الضعفاء وأولي الأشغال ويكون ختمه في السنة تسع مرات ومدة ~~الأربعين مرددة في الأشياء كثيرة وأما توقيت السبع فإنه للأقوياء الذين ~~يقوون على سهر الليالي واحترفوا العبادة وتفرغوا من أشغال النفس والدنيا # قال رجل يا رسول الله من قرأ القرآن في سبع قال ذاك عمل المقربين قالوا ~~يا رسول الله فمن قرأه في خمس قال ذاك عمل الصديقين قالوا يا رسول الله فمن ~~قرأه في ثلاث قال ذاك عمل النبيين وذاك الجهد لا أراكم تطيقونه إلا أن ~~تصبروا على مكابدة الليل أو يبدا أحدكم بالسورة وهمه في آخرها قالوا يا ~~رسول الله وفي # PageV02P285 # أقل من ثلاث قال لا ومن وجد منكم نشاطا فليجعله في حسن تلاوتها # أراد صلى الله عليه وسلم بذلك المداومة عليه وأن يصيرها عادة ولو قرأ في ~~يوم وليلة لكان عظيم القدر وكان عثمان رضي الله عنه ختم في ركعة واحدة وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقرأه في سبع تيسيرا على الأمة # عن أوس رضي الله عنه قال احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ~~فقلنا له فقال إنه طرأ على حزب من القرآن فأحببت أن لا أخرج من المسجد حتى ~~أقضيه فقلنا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تحزبون قالوا ثلاث ~~سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة سورة وثلاث عشرة سورة وحزب ~~المفصل ما بين قاف فأسفل # ودلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول على حسن التلاوة فإن ~~القرآن موعظة والله تعالى يحب أن تعقل مواعظه ونصائحه ولطائفه فإذا خاطب ~~عبده بشيء يريد إظهار ما لهم عنده من الأثرة والمحبة ويحب أن يعجل أوائل ~~بره في عاجل محياهم ليتلذذوا به ويفرحوا فإذا مر عليه التالي يهذه هذاو ~~قلبه في عماء من ذلك مقته كما أن واحدا منا إذا ms354 كلم آخر بشيء يريد به بره ~~والطافه فاستمع إلى كلامه باذنه لاهيا عن ذلك بقلبه سقط عن عينيه فكيف برب ~~العالمين وقد أدب الله تعالى عباده ودلهم على الترتيل فقال تعالى ورتل ~~القرآن ترتيلا # وقال تعالى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث # PageV02P286 # وقال تعالى كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب # ودلهم على الترتيل والتؤدة والتدبر ليصل إليهم نفع ذلك فأفضلهم قراءة ~~أعقلهم عنه فمن أسرع القراءة وعقل عنه كان في نور عظيم ومنزلة علية لفضل ~~نوره ومن قصر ذلك فالتفكر والتدبر خير له وأنفع # PageV02P287 ### | - الأصل الثاني والثمانون والمائة ### | في أن النفس لا تموت حتى تستكمل رزقها # عن حذيفة رضي الله عنه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ~~فدعا الناس بيده هكذا فقال اجلسوا وأقبل الناس فقال بيده هكذا اجلسوا ثم ~~قال إني رأيتكم تطلبون معايشكم هذا رسول رب العالمين جبرئيل نفث في روعي أن ~~لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها وإن أبطأ عليها فاتقوا الله أيها الناس ~~وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق أن تأخذوه بمعصية فإن ~~الله لا يدرك ما عنده إلا بطاعته # الروع القلب والنفث هو من الروح ويشير في قوله هذا رسول رب العالمين أن ~~جبرئيل عليه السلام شاهده في ذلك الوقت # PageV02P288 # والأرزاق معلومة وقسط كل نفس واصل إليها وإن هربت منه ولا تموت حتى ~~تستوفي ما قسم لها فحذرهم صلى الله عليه وسلم عن الغفلة ودلهم على إجمال ~~الطلب وهو أن يحسن نيته في طلبه ويطلبه للعفة ولقوام الدين والقيام بما أمر ~~الله تعالى في ذلك ويحفظ فيه الجوارح ويبذل النصيحة ويراعي الأمانة ويتجنب ~~الخيانة والحلف والكذب والغش ويطلبه مع ذكر آخرته كما قال تعالى رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # طهر قلوبهم خوف ذلك اليوم وأذهل نفوسهم عن شهوة تستخفهم أو فتنة في طلبها ~~تستفزهم وأمات خوف العقاب منهم كل حرص وأكسلهم ثقل الحساب عن طلبه فتخلصوا ~~بذلك من فتنته # PageV02P289 ### | - الأصل ms355 الثالث والثمانون والمائة ### | في أجر الصبر الجميل عند المصيبة # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله ~~تعالى إذا وجهت إلى عبد من عبادي مصيبة في بدنه أو في ولده أو في ماله ~~فاستقبله بصبر جميل استحييت يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر له ~~ديوانا # الصبر ثلاث الأول صبر الموحدين وهو أن لا يسخطوا على ربهم ولا يجوروه ~~فلموجب إيمانهم صبروا واعترفوا أنه عدل في ذلك ثم أهملوا جوارحهم في ~~المعاصي لحرقة تلك المصيبة فهو صبر الظالمين # والثاني صبر المقتصدين فإنهم صبروا بالقلب والجوارح فرضوا بالقلب عن ربهم ~~وحفظوا جوارحهم عن المعصية بسبب ما نزل بهم لكن في النفس شدة كزة ومرارة ~~وعسر ولم يملكوا أكثر من ذلك فهذا صبر قد أذهبت النفس بشؤمها جماله # والثالث صبر المقربين فهو الرضاء لم تجد لوعة المصيبة مساغا # PageV02P290 # في قلوبهم لما فيها من الحلاوة واللذاذة بقرب الله تعالى لأن النور لما ~~اشتعل في صدورهم بعد امتلاء القلب منه وأحرقت شهوات النفس ومناها وصار ~~الصدر مستنيرا من نور القلب وشرح الله صدره بالإسلام لم يبق في النفس غل ~~ولا كزة ولا مرارة ولا عسر انتبهت النفس عن نومتها وخرجت من مشيئتها وأفاقت ~~عن سكرتها فصارت مشيئة الله تعالى عندها أحلى من مشيئته وصار بدل المرارة ~~حلاوة وعوض العسر غنى فأين ما برزت مشيئته في شيء من حجب غيبه وقفت قلوبهم ~~عند مشيئته وهم الصادقون في قولهم ما شاء الله كان # فصبر المخلطين صبر إيمان محشو بالجزع وصبر المقتصدين رضاء مع كزة النفس ~~وصبر المقربين رضاء القلب ورضاء النفس لأنه قد انكشف لهم أنه قد أوصلهم إلى ~~أشرف الأشياء لعطفه ورأفته وهو معرفته فلم يتهموه بعد ذلك في حال من أحوال ~~نفوسهم فكيف ما دبر لهم من محبوب أو مكروه وقع ذلك منهم موقع بر ورحمة وعطف ~~ورأفة كما قال معاذ رضي الله عنه حين اشتد به النزع في الطاعون فيغشي عليه ~~ثم يفيق فيقول اخنقني ms356 خنقك رب فوعزتك لا تزداد بذلك عندي إلا حبا # وكان الربيع بن خيثم رضي الله عنه ربما خرج إلى صلاته في مرضه فغشي عليه ~~فيجده إخوانه صريعا في الطريق فيرشون عليه الماء حتى يفيق فيقول يا رب غط ~~ما شئت أن تغط فوعزتك لا تزداد بذلك عندي إلا حبا فيقال له إنك لفي سعة أن ~~لا تكلف نفسك هذا فيقول فكيف بهذا الذي ينادي حي على الصلاة لا أقدر أن لا ~~أجيبه # PageV02P291 # وروى أبو موسى رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~الصبر رضاء # قوله فاستقبله بصبر جميل استحييت أن أنصب له ميزانا لأن العبد إذا صار ~~يتلقى أحكامه بالرضا وهو جمال الصبر صار من أوليائه وخاصته والخاصة لا ~~يحاسبون ولا يفتشون ولا يقابلون في الثواب بالأعمال بل يرفعون إلى معالي ~~الدرجات بالحظوظ التي كانت في قلوبهم من ربهم ويسامحون بالنوال في الدرجات ~~كما سامحوا بنفوسهم ولم يكن لهم شيء أعظم منها فألقوها بين يديه عبيدا كما ~~خلقهم فثوابهم بغير حساب ونوالهم بغير مقدار وقربتهم بغير حد ولا ضبط # PageV02P292 ### | - الأصل الرابع والثمانون والمائة ### | في طلب الخير والتعرض لنفحات رحمة الله # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلبوا الخير ~~دهركم وتعرضوا لنفحات رحمه الله فإن لله تعالى نفحات من رحمته يصيب بها من ~~يشاء من عباده وسلوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم # فالنفحة الدفعة من العطية فيعطي في دفعة واحدة ما يأتي على كثير من النعم ~~والنفحات من فتحات باب خزائن المنن فإن خزائن الثواب بمقدار وعلى طريق ~~الجزاء وخزائن المنن تغرق الواحدة منها لأنها منه يمن جودا وعطفا وو قت ~~الفتحة غير معلوم وإنما غيب علمه عنهم ليداوموا على طلبها بالسؤال المتدارك ~~ويكونوا متعرضين له في كل وقت وكل حال فإنه إذا داوم على ذلك كان وشيكا أن ~~يوافق دعوته الوقت الذي يفتح فيكون قد ظفر بالغنى الأكبر وسعد سعادة الأبد ~~كملك قدر الأرزاق على عبيده وجنده ms357 شهرا شهرا ثم له في خلال ذلك عطية من ~~سماحة وجود فيفتح باب الخزانة فيعطي # PageV02P293 # منها ما يعم ويستغرق في جميع الأرزاق الدارة التي أخذوها مدة سنين فمن ~~وافق ذلك من الملك استغنى آخر الأبد ولا يدري أي وقت يسمح ويعطف فينبغي أن ~~يديم الاختلاف إليه في اليوم مرارا رجاء أن يوافق تلك الساعة # قال لقمان عليه السلام لابنه يا بني عود لسانك أن تقول اللهم اغفر لي فإن ~~لله ساعات لا ترد # وقال الحسن أكثروا الاستغفار على أحوالكم فإنكم لا تدرون أي حين تنزل ~~المغفرة # PageV02P294 ### | - الأصل الخامس والثمانون والمائة ### | في عثرة الحليم وتجربة الكريم الحكيم # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحليم ~~إلا ذو عثرة ولا حكيم إلا ذو تجربة # الحليم المنشرح صدره الذي يتسع صدره لمساوىء الخلق وسوء سيرتهم وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أصبر الناس على أقذار الخلق # وقال الحسن رضي الله عنه ما سمعت الله تعالى نحل عباده شيئا أقل من الحلم ~~قال تعالى {إن إبراهيم لحليم} وقال {فبشرناه بغلام حليم} # إنما عظم حلمهما بما أتسع صدرهما للأمر العظيم الذي حل بهما # PageV02P295 # من الذبح فاتسع صدر إبراهيم عليه السلام لذبح ولده وصدر الغلام عليه ~~السلام لتسليم نفسه لله تعالى # فالحليم من يسلم النفس لربه عز وجل عبودة في جميع ما يأمر وفيما يحكم ~~عليه في الأحوال والحلم والملح واحد كما لا تطيب الأطعمة إلا بالملح لا ~~تطيب النفس إلا بالحلم # قال علي كرم الله وجهه الحلم كظم الغيظ وملاك النفس وفي الخبر أن أيوب ~~عليه السلام كان أحلم الناس وأصبره وأكظمه لغيظه # قوله لا حليم إلا ذو عثرة أي لا يتسع الرجل لما يرى من الخلق إلا بعد ما ~~يعثر فإذا رأى عثرته رحم الخلق واتسع لهم واتقى أن يلوم أحدا بعيب أو يعيره ~~بذنب # وكان داود عليه السلام يشدد على الخطائين ولا يجالسهم وقال يا رب لا تغفر ~~للخطائين لشدة الغيرة لله تعالى وكثرة ms358 الحنق عليهم فلما عثر كان ينظر إلى ~~أغمص مجلس في بني إسرائيل ويقعد معهم ويقول مسكين بين ظهراني مساكين رب ~~اغفر للخطائين كي تغفر لداود معهم # وقوله لا حكيم إلا ذو تجربة فالعقل يدل على الرشد والحكمة نور يكشف عن ~~مكنون الأمور ولا تستكمل الحكمة مع كشف الغطاء وإطلاعه بالقلب حتى يطالع ~~الأمور بمباشرة النفس فإن كل شيء تجده القلوب فمباشرة النفس مع القلوب أثبت ~~وآكد فالحكيم قد انكشف له الغطاء فيرى عواقب الأمور وزينها وشينها فإذا رأى ~~ذلك بالجوارح كان ذلك عيانا لا يرفع ولا ينسى فبعد التجارب تستكمل الحكمة ~~لأنها كانت قبل التجربة معاينة القلب فصارت معاينة العين وكان ذلك علم ~~اليقين فصار الآن عين اليقين ولهذا قيل إن العقل بالتجارب # PageV02P296 ### | - الأصل السادس والثمانون والمائة ### | في أن فزع وعد القرآن يورث الشيب وسر اللحظات # عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال قالوا يا رسول الله نراك قد شبت قال ~~شيبتني هود وأخواتها # الفزع يذهل النفس فينشف رطوبة الجسد وتحت كل شعرة منبع ومنه يعرق فإذا ~~انتشف الفزع رطوبته يبست المنابع فيبس الشعر فابيض لذهاب رطوبته ويبس جلده ~~كالزرع إذا ذهب سقياه يبس وابيض ولهذا يسرع الشيب إلى المحرور لانتشاف ~~الماء لأن المرة يابسة فتأدت إلى المنابع فيبست وإبيض الشعر فالنفس تذهل ~~لوعيد الله تعالى فتذبل وينشف ماءها ذلك الوعيد والهول الذي حل بها فمنه ~~تشيب قال # PageV02P297 # الله تعالى {يوما يجعل الولدان شيبا} # وسورة هود وأخوتها مثل الحاقة وسأل سائل وإذا الشمس كورت والقارعة ففيها ~~ذكر الأمم وما حل بهم من عاجل بأس الله تعالى ففي تلاوتها ينكشف لقلوب ~~العارفين سلطان الله تعالى وبطشه فتذهل منه النفوس وتشيب منه الرؤوس ولو ~~ماتوا من الفزع لحق لهم ولكن الله تعالى يلطف بهم في تلك الأحايين حتى يعوا ~~وحيه وتنزيله قال تعالى {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا ~~من خشية الله} # وروي أنه صلى الله عليه وسلم تلا آية وعنده شاب فخر ميتا فقال صلى الله ~~عليه وسلم ms359 إن الفرق فلذ كبده أي قطعه # فأهل اليقين بارز على قلوبهم لحظات الله تعالى والعفو جنايب لولا ذلك ما ~~استقر لهم قرار من هول أخذه واللحظة قد شملت القدرة والحلم إلا أن أهل ~~اليقين قد اطمأنت قلوبهم فارتفعت في سعة عفوه # قال محمد بن الحنفية رضي الله عنه إن لله ثلثمائة وستين لحظة يلحظ بها ~~إلى كل عبد من عبيده في كل صباح فإن أخذ أخذ بقدر وإن عفا عفا بحلم وكتب ~~علي بن الحسين رضي الله عنهما إلى الحجاج جواب كتابه الذي كان يوعده فيه ~~بلغني أن # PageV02P298 # رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن لله عز وجل في كل يوم ثلثمائة وستين ~~لحظة يلحظ بها إلى أهل الأرض فمن أدركه تلك اللحظة صرف الله عنه شر الدنيا ~~والآخرة وأعطاه خير الدنيا والآخرة وأرجو من الله أن يدركني بعض لحظاته ~~فيصرف عني شرك ويرزقني ما وعدني رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ هذا ~~الكلام هرقل فقال لا يخرج هذا إلا من أهل بيت نبوة # PageV02P299 ### | - الأصل السابع والثمانون والمائة ### | في النهي عن الاعتزاز بالعبيد # عن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اعتز ~~بالعبيد أذله الله تعالى # الاعتزاز الامتناع من الأشياء التي تنوبه فإن امتنع بمن لا يملك لنفسه ~~ضرا ولا نفعا فذاك من العزة والاعتزاز بالعبيد من الجهل بالله وجهله به سبب ~~لضعفه في كل الأمور وقد دلهم الله تعالى على ما فيه رشدهم فقال واعتصموا ~~بالله هو مولاكم # والاعتصام به والاعتزاز من ذرى الايمان ومن اعتصم بالمخلوقين واعتز لعرض ~~الدنيا فهو المخذول في دينه الساقط عن عين الله تعالى وأوحى الله تعالى إلى ~~داود عليه السلام ما من عبد يعتصم بي دون خلقي فتكيده السموات والأرض إلا ~~جعلت له من ذلك مخرجا # PageV02P300 # وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السماء من بين يديه وأسخطت ~~الأرض من تحت قدميه # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى ms360 إني والجن والإنس في ~~نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري # PageV02P301 ### | - الأصل الثامن والثمانون والمائة ### | في خصال طعم يحصل بها طعم الإيمان # عن عبد الله بن معاوية العامري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال ثلاث من فعلهن طعم طعم الإيمان من عبد الله وحده انه لا إله إلا ~~هو وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه ولم يعط الهرمة ولا الذرية ولا المريضة ~~ولكن من أوسط أموالكم فإن الله يأمركم بخيره ولم يأمركم بشره وزكى نفسه ~~فقال رجل وما تزكية نفسه قال أن يعلم أن الله معه حيثما كان # فالزكاة ثلاثة زكاة القلب لا إله إلا الله وزكاة المال إخراج ما افترض ~~الله فيه منه وزكاة النفس علمها بأن الله تعالى معه حيثما كان فإذا علم ذلك ~~استوت سريرته وعلانيته وهابه واستحيى منه كل الخلق في كل وقت ومكان والهيبة ~~والحياء وثاقان لنفس العبد من جميع ما كره الله سرا وجهرا وظاهرا وباطنا ~~والنفس في هذه الأحوال تخشع لهيبته وتذل وتخمد شهواته وتذبل حركاته ~~وانبعاثه وتخجل وتنقبض للحياء منه فإذا كان من الله تعالى لعبده تأييد ~~بهذين فاكتنفاه فقد استقام # وأردنا بالعلم علم القلب لا علم اللسان فإن علم اللسان أصله من # PageV02P302 # القلب ولا قرار له لأنه شرارة من شرر الإيمان وهي حجة الله تعالى على ابن ~~آدم وعلم القلب علم اليقين # قال صلى الله عليه وسلم العلم علمان علم بالقلب فذاك العلم النافع وعلم ~~على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم # فالزكاة هي الطهرة والنماء فإذا قال العبد صادقا من قلبه هذه الكلمة ~~فإنما قوله من النور الذي أحيى الله تعالى به قلبه فذلك النور طهر جميع ~~جسده ولصدق هذه الكلمة ثلاث منازل أولها الظالمون وأوسطها المقتصدون وآخرها ~~المقربون فالظالمون زكوا قلوبهم وجوارحهم بهذا القول ثم دنسوها بالمعاصي ~~فهو مع ظلمه شريف المنزلة رفيع القدر لم يخرج بظلمه نفسه من ولاية الله ~~تعالى ومن رحمته ولا زالت عنه حرمته وإن تابعوا زالت الأدناس ms361 وصاروا من أهل ~~نورالطاعات # والمقتصدون زكوا قلوبهم بهذه الكلمة وزكوا أموالهم وأجسادهم بالائتمار ~~بأمر الله والتناهي عن نهيه ثم ثبتوا على تزكية الأموال والأجساد ودنسوا ~~قلوبهم بالرغبة والرهبة والشهوة والغفلة والحرص والعجلة ومحبة النفس وهواها ~~ومحبة الدنيا وأحوالها # والمقربون زكوا بما زكى به المقتصدون وأقبلوا على قلوبهم فرعوها عن أن ~~تتدنس بشيء مما ذكرنا فكان مرعى قلوبهم بين يديه لم يكن للدنيا ولا للنفس ~~هناك دنو ولا لحاظ فتزكية قلوب الظالمين بنور التوحيد وجاءت الشهوات ~~بظلمتها وأحاطت بالقلب ولم يكن لنوره الذي أعطي ما يحرق هذه الشهوات # PageV02P303 # وتزكية قلوب المقتصدين بنور الإنابة فإنه إذا أناب العبد استنار قلبه ~~بنوره فأخرجه من سكر الظالمين فأفاق فخاف العقاب ورجا الثواب وأبصر الآخرة ~~حتى صارت نصب عينيه # وتزكية قلوب المقربين نور القربة فأحرق الشهوات وامتلأ القلب من نور ~~التوحيد وأشرق الصدر بنوره فأيقظه من نومة الغافلين فانتبه وفي المقربين ~~قوم مصطفون مجتبون هم خاصة المقربين وهم المحدثون فتزكية قلوبهم نور وجهه ~~الكريم فهم في قبضته يتصرفون # فالظالمون علانيتهم أكبر من سريرتهم وهو الجور # والمقتصدون استوت سريرتهم وعلانيتهم وهو العدل # والمقربون فضلت سريرتهم علانيتهم فللحظة من سرائرهم أعظم من أعمال ~~الثقلين عمر نوح عليه السلام # قال إبن مسعود رضي الله عنه إن الرجل من هذه الأمة يبلغ عمله يوما واحدا ~~ما يكون أثقل من سبع سموات وسبع أرضين في الوزن # ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبل أحد فقال رب رجل من أمتي يعدل ~~الحرف الواحد من تسبيحة هذا الجبل # وقوله أن يعلم أن الله معه حيث ما كان فهذه تزكية النفوس وهذا العلم علم ~~الإنابة فإنه إذا أناب استنار فبقي خوفه معه فقيده عن المعاصي سرا وجهرا ~~وهو علم القلب الذي قال صلى الله عليه وسلم فذاك العلم النافع والظالم إنما ~~يعلم علم إيمان أن الله تعالى معه ثم لا تأخذه مخافة هذاالعلم حتى يقيده عن ~~المعاصي سرا وجهرا فذاك هو العلم الذي قال صلى الله عليه وسلم هو علم ~~اللسان ms362 وأما المقرب فعلمه علم يقارب المعاينة قال صلى الله عليه وسلم أن ~~تعبد الله كأنك تراه # PageV02P304 # وكلم عروة بن الزبير عبد الله بن عمر رضي الله عنهم في الطواف بشيء من ~~خطبة ابنته فلم يجبه فلما لقيه بعد ذلك قال إنا كنا نتراءى الله سبحانه ~~وتعالى في الطواف بين أعيننا فذاك الذي منعني من جوابك # وقال صلى الله عليه وسلم إن أفضل إيمان العبد أن يعلم أن الله معه حيث ما ~~كان # وهذا علم اليقين لا علم القلب ولا اللسان فالموحدون علموا أن الله تعالى ~~معهم وقررهم إيمانهم به ثم لم يعملوا في قلوبهم وراء ذلك شيئا والمقتصدون ~~أعطوا علم الإنابة وهو النور الذي إذا أناب أعطي فوجد المخافة فقيده ذلك ~~النور الذي ورد على قلبه عما كره الله تعالى ووقف به على سبيل الاستقامة ~~والمقربون من أعطي اليقين وانكشف الغطاء عن قلبه بنوره وهو نور الأنوار ~~فنظر إلى جلال الله تعالى وعظمته فاندست أعضاؤه بعضها في بعض وصارت نفسه ~~الشهوانية كشجرة أصابها الحريق فيبست حتى صارت جذعا وصارت أركانه كوعاء فيه ~~حبوب عذرا وضعفا وعجزا ثم أحله مرتبة من مراتبه بين يديه فأحيا قلبه فقوي ~~بالله تعالى وخبت شهواته ورطب جسده وانبسطت جوارحه وانفتقت أعضاؤه وعاش في ~~غذائه ونجواه وبشراه بقية محياه مراقبا لأموره كأنه يراه فحياؤه منه أكثر ~~من حياء ملاء عظيم ضمهم اشراف المسلمين وهيبته له أكثر من هيبته من ملك من ~~ملوك الدنيا بل يدق حياؤهم في جنب حيائه منه وهيبته لذلك الملك في جنب ~~هيبته له وهو الذي قد علم حق الحق أن الله تعالى معه فلولا أن الله تعالى ~~يلطف له حتى ينبسط منه ويؤنسه ويقويه لا حتمال ذلك لما قدر عليه ولا صلح ~~للمعاش والعشرة # PageV02P305 ### | - الأصل التاسع والثمانون والمائة ### | في أن الأرض تنادي ابن آدم كل يوم سبعين مرة # عن ثوبان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الأرض ~~لتنادي كل يوم سبعين مرة يا بني آدم كلوا ms363 ما شئتم واشتهيتم فوالله لاكلن ~~لحومكم وجلودكم # هذا نداء متسخط فيه وعيد يقع على من أكل بشهوة ونهمة وغفلة فإن الله ~~تعالى سخر لنا لنشكر لا لنكفر والشكر ذكره عند كل نعمة وقبولها والحمد ~~عليها فإذا غفل عن هذا كله فقد أكل منها بغير حق فسلطت الأرض عليه لتأكله ~~كما أكل منها بغير حق فأما الأنبياء والأولياء عليهم السلام فلا تسخط الأرض ~~عليهم بل تفرح بكونهم على ظهرها وتفخر بقاعها بمنقلبهم عليها فإذا وجدتهم ~~في بطنها ضمتهم ضمة الوالدة الوالهة الواجدة بولدها ولأنهم أكلوا بالله ~~ولله وفي ذات الله تعالى ومن كان كذلك فالأرض أذل وأقل من أن تجترىء عليه ~~لأن الأرض دون النار وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النار ~~تنادي جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي # PageV02P306 # وقال صلى الله عليه وسلم إن النار تنزوي وتنقبض عند ورود المؤمن وقال صلى ~~الله عليه وسلم يجعل الله النار على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على ~~إبراهيم # فإذا كانت النار تخمد لممر عبد فكيف تجترىء الأرض على أكله وروي في الخبر ~~أن الشهداء لا تأكلهم الأرض وروي أن من أذن سبع سنين لم يدود في قبره # فإذا كان الشهيد والمؤذن قد امتنعا من الأرض بحالتيهما فحالة الأنبياء ~~والصديقين والأولياء عليهم السلام أرفع من هذا وأجل فانهم هم الشهداء أيام ~~الحياة والدعاة إلى الله تعالى على بصيرة # وروى جابر رضي الله عنه قال لما أراد معاوية رضي الله عنه أن يجري العين ~~إلى جنب أحد عند قبور الشهداء أمر مناديا فنادي فيهم من كان له قتيل فليخرج ~~إليه قال جابر فخرجنا إليهم فوجدناهم رطابا فرأيتهم ينثون على رقاب الرجال ~~كأنهم رجال نوم فأصابت المسحاة قدم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه فثارت ~~إصبعه فانبعث دما # ثم الأولياء على ثلاث مراتب منهم من أكل بالله تعالى وهو الأرفع وهو من ~~كان في قبضته قد انفرد به وخلص قلبه إلى وحدانيته فبه يقوم وبه يقعد وبه ~~ينطق على ms364 ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم عليه فإذا أحببت عبدي فكنت سمعه ~~وبصره الحديث # ومنهم من أكل لله تعالى ومقامه دون مقام الأول وهو عبد ألقى نفسه بين ~~يديه سلما يراقب أموره فهو يمضي فيها كالعبيد لا يؤثر أمرا على أمر ولا ~~يدبر لنفسه تدبيرا بل يراقب تدبيره ويعمل له # ومنهم من أكل في ذات الله سبحانه وتعالى وهو دون الثاني بدرجة # PageV02P307 # وذاك عبد قد شغف بحب الله تعالى وذكر آلائه يبتغي في جميع متقلبه رضاه ~~فهم كلهم أهل ولاية الله تعالى وحرام على الأرض لحومهم ودماؤهم لأنهم عبيد ~~الله تعالى وخاصته والأرض سخرة لهم فالأرض تمضي في سخرتها والعبيد يمضون في ~~حقوق الله تعالى فإن الله تعالى جعل الأرض ممرا للآدميين ليأخذوا منها ~~الزاد ليقطعوا هذه السفرة فهي بلغتهم قل أو كثر ضاق أو اتسع فالمنتبه اطلع ~~على هذا المطلع فأخذها تزودا ووجهه إلى الله تعالى وقلبه مع الله تعالى ~~يسير إليه ركضا يقطع الليل والنهار كلما ذكر الموت وارتاح لعلمه بأن الموت ~~يذهب به إليه ويقدم به عليه إذ ليس لأحد أن يقدم على مولاه الذي هو عطشان ~~إلى لقائه إلا بعد ورود الموت الذي وكله به والرسول الذي جعله بين يديه ~~فإذا صار إلى ملحده لم يكن بينه وبين الأرض إلا كل جميل # قال صلى الله عليه وسلم إنها تستاذن ربها في أن تدخل عليه في لحده في ~~صورتها التي خلقت فيها فإن لكل شيء صورة فيؤذن لها فتدخل عليه في تلك ~~الصورة وتؤنسه وتبشر به وتقول طال ما كنت تمشي على ظهري وأنا إليك مشتاقة ~~ويبكي ظهر الأرض عليه أربعين صباحا وتقول في بكائها يا رب عبدك كان يذكرك ~~في فجاجي وبقاعي أسفا على ما فاتها وافتقدت من ذلك والسماء تبكي عليه فتقول ~~يا رب عبدك كان ينزل عليه رزقه مني ويصعد عمله إلي فلا يزال ذلك دأبهما من ~~البكاء وهذا لأن الله تعالى جعل هذه الأرض سخرة للآدمي لتكون له قواما قطعا ~~لعذره وخلق ms365 الآدمي لعبودته وإقامة حقوقه فإذا اشتغل العبد في إقامة حقوقه ~~ونهمته وهمته وهواه ذلك فالسخرة له سليمة طيبة بلا وبال وإذا أحدث في ~~السخرة حدثا لم يكن له بأن إشتغل عن إقامة حقه بها بما سخر له عادت عليه ~~وبالا وصارت عليه فتنة وقد تحولت العبودة عن الواحد إلى الأعداد قال # PageV02P308 # الله تعالى ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل ~~يستويان مثلا # فهذه الآية لها ظهر وبطن فأما ظاهره فهو المشرك والموحد وباطنه رجل في ~~شركاء متشاكسون أي قلب فيه شركاء قد سبوه وادعوه كل على ناحيته يدعيه فكل ~~همة لها شقص من قلبه فقد صار فيه شركاء أحزابا ففي قلبه أفراح شهوات الدنيا ~~وأحوالها اللذيذة وسلطان الكل قائم على قلبه يزاحم صاحبها فهم متشاكسون أي ~~متشاقصون فيما بينهم وهو مفتون بكل شهوة قد سبت شعبة من قلبه # روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه باع حمارا له فقال كان لنا موافقا ~~ولكنه أذهب شعبة من قلبي فبعته # وقال صلى الله عليه وسلم من تشعبت به همومه في دنياه لم يبال الله في أي ~~واد هلك # وباع عمر رضي الله عنه حمارا له فقال قد كان موافقا لنا ولكنه أذهب شعبة ~~من قلبي فبعته # فهذا قلب فيه فتنة المال والأهل والولد والعز وحب الرياسة والثناء ~~والمحمدة وفتنة العلم ورجلا سالما لرجل أي قلبا سلما للواحد الفرد # PageV02P309 # فالمخذول من عبيده من قلبه بين هذه الشركاء فكلهم يدعيه ويستعبده وكلهم ~~ساخط عليه إذ لا ينال غاية نهمته والمؤيد من أخذ الله تعالى بقلبه فجذبه ~~إليه جذبة فأقامة في فرديته # وقد قال صلى الله عليه وسلم إن هذه الدنيا خضرة حلوة فاتقوها وقال صلى ~~الله عليه وسلم إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بحقه بورك له فيه ونعم ~~المعونة هو ومن أخذه بغير حقه لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع # فالأخذ بحقه أن يأخذه بحاجة إليه للتزود والأخذ بغير حقه أن يأخذه بشهوة ~~التمتع ms366 # PageV02P310 ### | - الأصل التسعون والمائة ### | في سر مكارم الأخلاق # عن عائشة رضي الله عنها تقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~مكارم الأخلاق عشرة تكون في الرجل ولا تكون في ابنه وتكون في الابن ولا ~~تكون في أبيه وتكون في العبد ولا تكون في سيده يقسمها الله تعالى لمن أراد ~~به السعادة صدق الحديث وصدق البأس وإعطاء السائل والمكأفاة بالصنايع وحفظ ~~الأمانة وصلة الرحم والتذمم للجار والتذمم للصاحب واقراء الضيف ورأسهن ~~الحياء وكل خلق من هذه الأخلاق مكرمة لمن منحها # قال صلى الله عليه وسلم إن الأخلاق مخزونة عند الله فإذا أراد الله بعبد ~~خيرا منحه منها خلقا # والأخلاق الطبيعية كالأكل والشرب وغير ذلك والأخلاق التي ركب عليها ~~الآدمي تلك أخلاق الطبيعة وقد عم الجميع ثم لله تعالى منائح من فضله لعبد ~~من عبيده يختصهم بمشيئته منا منه عليهم من المخزونات عنده # PageV02P311 # قال صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق فهذا يدل على أن ~~الأنبياء عليهم السلام قبله صلى الله عليه وسلم كانت معهم هذه الأخلاق ~~وبقيت منها بقية بعث هو ليتممها # وقال صلى الله عليه وسلم إن لله مائة وسبعة عشر خلقا فمن أتى بواحدة منها ~~دخل الجنة # وقال عليه السلام إن الله تعالى يحب معالي الأخلاق فإذا جعل من محابه في ~~عبد من عبيده أنجاه محبوبه # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم ~~أرزاقكم # فالله تعالى يحب العبد على أخلاقه إذا تخلق بها له فإذا تخلق بها لدنيا ~~كان من حرمة تلك المكرمة التي أعطيها أن يعقبه منها معروفا فإن كان ظالما ~~يتب عليه ورزق الإنابة وإن مات على غير توبة غفر له بحرمة ذلك الخلق وإن ~~كان كافرا خفف عنه العذاب # قال صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة رضي الله عنها ذهب حسن الخلق بخير ~~الدنيا والآخرة # وقال إنه لينال بحسن الخلق درجة الصائم القائم # وقال صلى الله عليه وسلم رأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه بينه ms367 وبين ~~لله حجاب فجاءه حسن خلقه فأدخله على الله تعالى # PageV02P312 # وعن علي رضي الله عنه قال سبحان الله ما أزهد الناس في الخير عجبت لرجل ~~يجيئه أخوه المسلم في حاجته لا يرى نفسه للخير أهلا فلو كنا لا نرجو جنة ~~ولا نخشى نارا ولا ثوابا ولا عقابا لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق ~~فانها مما تدل على سبيل النجاح # فقام رجل فقال فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين سمعته من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV02P313 # قال نعم وما هو خير منه لما أتانا سبايا طيىء وقعت لي جارية حماء حواء ~~لعساء لمياء عيطاء مسنونة الخدين صلته الجبين مقرونة الحاجبين صغيرة ~~الأذنين شماء الأنف مقبوضة الهامه درماء الكعبين خدلة الساقين لفاء الفخذين ~~خميصة الخصرين ممكورة الكحشين مسقولة المتنين فلما رايتها أعجبت بها وقلت ~~لاطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعلها في فيئي فلما تكلمت ~~نسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها فقالت يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا ~~تشمت بي احياء العرب فإني ابنة سرة قومي كان أبي يفك العاني ويحمي الذمار ~~ويقري الضيف ويشبع الجائع ويفرج عن المكروب ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم ~~يرد طالب حاجة قط وأنا ابنة حاتم طيىء فقال يا جارية هذه صفة المؤمن حقا لو ~~كان أبوك إسلاميا لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق ~~والله تعالى يحب مكارم الأخلاق فقام أبو بردة رضي الله عنه فقال يا رسول ~~الله الله يحب مكارم الأخلاق فقال يا أبا بردة لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن ~~الخلق # فأما ما عده رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرا منها صدق الحديث وهو من ~~الإيمان لأن الكذب مجانب للإيمان لأنه إذا كذب فقال كان كذا ولم يكن فقد ~~افترى على الله تعالى لأنه زعم أن الله تعالى قد كونه وإن كان ذلك فزعم أنه ~~لم يكن فقد افترى على الله تعالى # قال أبو بكر رضي الله عنه الكذب مجانب للإيمان # PageV02P314 # وقوله ms368 صدق البأس لأنه من الثقة بالله تعالى شجاعة وسماحة وإعطاء السائل ~~من الرحمة والمكافأة بالصنايع من الشكر وحفظ الأمانة من الوفاء وصلة الرحم ~~من العطف والتذمم للجار من نزاهة النفس وكذلك التذمم للصاحب وإقراء الضيف ~~من سخاوة النفس والحياء من عفة الروح وكل خلق من هذه الأخلاق مكرمة عظيمة ~~يسعد بالواحد منها صاحبه فكيف لمن جمعت له المكارم والأخلاق الحسنة كثيرة ~~وكلها تقرب إلى الله تعالى ولكن هذه مكارم تلك الأخلاق فكل مكرمة منها تمنح ~~العبد فهي له شرف وفضيلة في الدنيا ورفعة ووسيلة في الآخرة # PageV02P315 ### | - الأصل الحادي والتسعون والمائة ### | في الخصال الأربع التي تطهر الجسد والقلب # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أربع خصال إذا أعطي العبد فلا يضره ما عزل عنه من الدنيا حسن خلقه ~~وعفاف طعمه وصدق حديث وحفظ أمانة # هذه خصال كلها تطهر الجسد والقلب فأما حسن خلقه فأن يكون حسن العشرة مع ~~الخلق حسن الخلق مع أمر الله تعالى ونهيه حسن العشرة والخلق مع تدبير الله ~~تعالى وأحكامه # وعفاف طعمه بأن يطعم ما لا يشوبه الحرام ولا الشهوة ولا المطامع وصدق ~~الحديث فأن يعف لسانه وحفظ أمانة بأن يحفظ جوارحه وما ائتمن عليه # PageV02P316 ### | - الأصل الثاني والتسعون والمائة ### | في فضل صلاة الفجر يوم الجمعة # عن أبي عبيدة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~ليس من الصلوات أفضل من صلاة الغدوة يوم الجمعة في جماعة وما أحسبه شهدها ~~أحد منكم إلا مغفورا له # يوم الجمعة اصطفاه الله تعالى واستأثر به على الأيام وختم فيه آخر الخلق ~~وهو آدم عليه السلام وفيه قبضه وجعله يوم الجزاء وفيه تقوم الساعة وفيه فصل ~~القضاء وفيه زيارة الأحباب إلى الله تعالى في الفراديس وصلاة الغدوة فإن ~~الله تعالى يشهدها وملائكته عليهم السلام كما قال صلى الله عليه وسلم ثم ~~قرأ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم من صلى ms369 الصبح في جماعة فهو في # PageV02P317 # ذمة الله تعالى فإذا وافق العبد شهوده في يومه دخل في ستره وذمته # فالستر المغفرة والذمة الجوار والحصن من العدو # PageV02P318 ### | - الأصل الثالث والتسعون والمائة ### | في تمثيل بلال رضي الله عنه بالنحلة # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ببلال رضي ~~الله عنه وهو يقرأ من هذه السورة وهذه السورة وقال أخلط الطيب بالطيب فقال ~~صلى الله عليه وسلم إقرأ السورة على نحوها ثم قال مثل بلال كمثل نحلة غدت ~~تآكل من الحلو والمر ثم يمسي حلوا كله # النحلة مأمورة بذلك وجعل الحلو والمر رزقا لها فإن في الحلو شفاء وداء ~~وفي المر شفاء وداء فأمرت بالجمع بين ذلك ليكون الداء بالشفاء والشفاء ~~بالداء فيعتدل فلا يضره ويكون شفاء قال الله تعالى وأوحى ربك إلى النحل # فذللت لله تعالى مطيعة فاتخذت بيوتا من الأماكن التي تسير إليها واتبعت ~~رزقها من حيث ذكر لها فالمر من الثمار كريه على كل دابة ونفس لكن النحلة ~~كما سخرت للآدمي فذلت وإنقادت كذلك # PageV02P319 # فيما صرفت إليها من الرزق سخرت لأكلها حلوا كان أو مرا وقد نجد الدواب في ~~مرعاهن يتقين كثيرا من الكلاء ونبات الأرض فلا يقربن وذوات الأجنحة يتقين ~~كثيرا من الثمار فلا يقربنه وسخرت النحلة لأكل كل الثمرات حلوها ومرها ~~ومحبوبها ومكروهها واتخذت النحل بيوتا بما أوحي إليها لتكون أوعية لما يجعل ~~الله تعالى في مأكولها من الشفاء للآدميين ولولا تلك البيوت لكان الذي يخرج ~~منها يذهب فسادا فهذه البيوت وإن كانت مساكنها فهي للعسل ولأمر الله تعالى ~~وسائر الهوام والدواب والطيور تتخذ المأوى والأوكار لقرارها ثم أمرها الله ~~تعالى أن تأكل من كل الثمرات فإن لكل ثمرة نفعا فإذا أكلت من الكل فقد جمعت ~~النفع كله في أكلها وإذا تركت شهوتها استوى عندها محبوب الثمار ومكروهها ~~لما ذلت لأمر الله تعالى وصار هذا الأكل لله تعالى لا لنفسها إذ لو آثرت ~~المحبوب على المكروه لكان أكلها لنفسها فلما ذللت له ms370 عز وجل في أكل الثمرات ~~فيما وافقته وفيما لم توافقه صار ذلك شفاء بمنزلة الأدوية يخلط من كل نوع ~~فإذا ذلت النفس ذهبت الكراهة وانتظمت الطاعة في أكلها لله تعالى لا لنفسها ~~وحسب شهوتها ونهمتها صار ما في جوفها من المأكول حلوا وصار شفاء لأسقام ~~الآدميين ألا ترى أن البقرة صار لبنها شفاء ولحمها داء لأنها تأكل من كل ~~الشجر # قال صلى الله عليه وسلم عليكم بألبان البقر فإنها ترم أي تآكل من كل ~~الشجر # وقال صلى الله عليه وسلم لبنها دواء وسمنها شفاء ولحمها داء # PageV02P320 # إنما صار لبنها دواء لأنها تأكل من كل شجر وصار لحمها داء لأنها تأكل ~~بالنهمة لأنها جعمة ولهذا ترعى من كل الشجر حلوه ومره لجعامتها لأنها ذللت ~~لله تعالى بأمر ربها كالنحل فإنها لم يلق إليها ما ألقي إلى النحل إلهاما ~~من الله تعالى ولهذا ترعى من المزابل وترتع من القاذورات لجعامتها فصارت ~~لحمها داء واللبن الذي حدث عن أخلاط الشجر دواء للنهمة عليها صارت لحمانها ~~منزوعة البركة وكل شيء لا يبارك فيه فهو داء في الدنيا والآخرة فأما النحلة ~~ذلت بالهام الله تعالى وأكلت من الحلو والمر لله تعالى فصار ما في جوفها ~~شفاء ولهذا نهى صلى الله عليه وسلم عن قتل النحلة لأن في خلقها جوهرا يتقدم ~~الجواهر وقد شرحناه فيما قبله وثمرة هذه الآية لمن صفا فكره فيها أن الله ~~يعلمك أن النحلة التي سخرتها لك ذلت لي فاستوى عندها في المطعم محبوبها ~~ومكروهها وتركت نهمتها وشهوتها فجعلت ما في بطنها حلوها ومرها حلوا كله ~~وجعلته شفاء من الأسقام فكيف بالآدمي المسخر له إذا ذلت نفسه لي فتركت ~~نهمتها وشهوتها رياضة لها حتى إستوي عندها المكروه والمحبوب من أحوالها ~~ويصير ذلك المكروه كله عنده حلوا محبوبا يكون كلامه شفاء للمذنبين وأفعاله ~~شفاء للناظرين إليه من المعاصي ورؤيته حياة قلوبهم # وأما تمثيل فعل بلال رضي الله عنه بالنحلة أنه إذا قرأ قصد آيات الرحمة ~~وصفات الجنة فيتلوها نظاما وإنما يقصد من القرآن ms371 ما طيب نفسه فأمره صلى ~~الله عليه وسلم أن يقرأ السورة على نحوها كما # PageV02P321 # جاءت ممزوجة والله تعالى أعلم بدواء العباد وحاجتهم إذ ولو شاء لصنفها ~~أصنافا كل صنف عل حدة لكنه مزجها ليعمل على القلوب على المزاج ولا يفهم ~~نظامه إلا الأنبياء والأولياء عليهم السلام وحرام على قلوب التفتت إلى ~~أحوال النفس أو حجبت عقولها عنه لشهوة أن تفهم نظامه فنظامه في جميع كلامه ~~نظام يعجز عنه الواصف والمفكر ومن هذا النظام تخرج اللطائف وكان بلال رضي ~~الله عنه عجز عن إدراكه فقصد ما تطيب به النفوس من آيات الرحمة فأمره النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يقرأ على نظام رب العزة وهو أعلم بالشفاء فانه سماه ~~شفاء لما في الصدور فإن في الصدور داء النفوس وهي الشهوات وإذا جاءت مواعظ ~~الله تعالى جاءت بالشفاء معها فذهب الداء ثم مثل شأن بلال رضي الله عنه ~~بالنحلة تغدو فتآكل حلوا ومرا ثم يمسي كلها حلوا فكذلك المؤمن يتلو آية ~~الوعد فيسر قلبه ثم يتلو آية الوعيد فينكسر قلبه فهو بين خوف ورجاء فهذا ~~حلو وذاك مر ثم يطمئن إلى رحمة الله تعالى وإلى معرفته بربه فيصير حلوا كله ~~قال الله تعالى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم ~~إلى ذكر الله # اقشعرت الجلود من هول الوعيد الذي حل بقلوبهم فهذه مرارة ثم اطمأنت ~~جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله تعالى بما عرفوه كريما رحيما سمحا جوادا ودودا ~~رؤوفا فطابت نفوسهم ولانت جلودهم فإذا تلا وعده رجا وإذا تلا وعيده خاف ثم ~~التوحيد لا يدعه حتى يجذب قلبه إلى ربه تعالى فيطمئن إلى عطفه فشبهه ~~بالنحلة تأكل حلوا ومرا ثم أمسى فعاد كله حلوا # PageV02P322 ### | - الأصل الرابع والتسعون والمائة ### | في سر دعوات نبوية # عن أبي بكر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله علمني دعاء أدعو به قال قل ~~اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من ~~عندك وارحمني إنك أنت الغفور ms372 الرحيم # قد اعترف بالظلم ثم إلتجأ إليه التجاء مضطر لا يجد لذنبه ساترا غيره ثم ~~سأله المغفرة من عنده وإن كان الأشياء كلها من عند الله تعالى إلا أن لله ~~تعالى رحمة قد عمت الخلق في أرزاقهم ومعاشهم وأحوالهم ثم له رحمة الإيمان ~~خص بها المؤمنين وله رحمة الطاعة وقد خص بها المتقين وله رحمة قد خص بها ~~الأولياء فبها نالوا الولاية قال الله تعالى والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به كل من عند # PageV02P323 # ربنا) إلى أن قال {وهب لنا من لدنك رحمة} # وله رحمة قد خص بها الأنبياء عليهم السلام فبها نالوا النبوة قال الله ~~تعالى ووهبنا لهم من رحمتنا سألوه رحمة من عنده # PageV02P324 ### | - الأصل الخامس والتسعون والمائة ### | في سر قوله تعالى هو أهل التقوى وأهل المغفرة # عن أنس رضي الله عنه قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة # فقال صلى الله عليه وسلم قال ربكم جل وعز أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي ~~اله فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان أهلا أن أغفر له وفي رواية أخرى أنا أهل ~~أن أغفر له # فالعبد إذا اتقى أن يجعل معه إلها آخر فربنا أهل لذلك لأنه لا إله غيره ~~فهو أهل أن يتقي دعوى الشرك لأحد في ربوبيته وإلهيته ولو أشرك به لفعل ~~محالا لا يكون وليس بكائن فمن اتقى كان أهلا أن يستر عليه ذنوبه وعيوبه ~~ويقيه ظلمة النار وحرها قال تعالى # PageV02P325 # والزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها # وفي الرواية الأخرى فأنا أهل أن أغفر له ومعناه أغفر لمن وحدني واتقى أن ~~يجعل معي إلها وهذا رد على من قال إن أهل التوحيد يبقى في النار أبدا وما ~~أتى من لفظ الخلد أراد به طول المكث قال الله تعالى {أخلد إلى الأرض} أي ~~أبطأ عن الآخرة إليها # وقال صلى الله عليه وسلم خيرني ربي بين لقائه وبين الخلد في الدنيا ~~فاخترت لقاء ربي ولا شك أن الخلد في الدنيا لا ms373 يكون أبدا # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل # إني لأجدني أستحيي من عبدي يرفع يديه ثم أردهما # قالت الملائكة إلهنا ليس لذلك بأهل # قال الله تعالى لكني أهل التقوى وأهل المغفرة أشهدكم أني غفرت له # PageV02P326 ### | - الأصل السادس والتسعون والمائة ### | في ديدان القراء والتمسك بالسنة # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في آخر ~~الزمان ديدان القراء فمن أدرك ذلك فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومنهم ~~وهو الأنتنون ثم تظهر قلانس البرود فلا يستحيي يومئذ من الرياء والمتمسك ~~يومئذ بدينه كالقابض على جمرة والمتمسك بدينه أجره كأجر خمسين قالوا أمنا ~~أو منهم قال بل منكم # وفي رواية ابن مسعود رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم يأتي على الناس ~~زمان المتمسك فيه بسنتي عند اختلاف أمتي كالقابض على الجمر # PageV02P327 # القراء على ثلاثة أنواع ديدان القراء والصادقون والصديقون فأما ديدان ~~القراء فهم الذين تنسكوا في ظاهر الأحوال تصنعا ليأكلوا به الدنيا قد رموا ~~أبصارهم إلى الأرض ومدوا بأعناقهم تيها وتكبروا إعجابا بظاهر أحوالهم ~~يقصرون الخطأ ويتماوتون وينظرون إلى أهل الذنوب بعين الإزدراء حقارة لهم ~~وعجبا بأنفسهم أعطوا القوة على لبس الخشن والصبر على ترك ملاذ الدنيا ~~وشهواتها وسخت نفوسهم بترك جميع اللذات في جنب لذة ثناء الخلق عليهم ~~والتعظيم لهم والنظر إليهم بعين الإجلال وسولت لهم نفوسهم أنه إنما تنال ~~الرفعة العظمى عند الخلق بترك ظاهر الدنيا ولذاتها حتى تنال ملكا بلا سلاح ~~وجندا بلا إرتزاق وغنى بلا خزانة وعبيد بلا ملك فسبت قلوبهم بما مناهم ~~فأقبلوا على ترك الدنيا وذمها وذم من تناولها والطعن على من وسم بالغنى من ~~أئمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أداهم جهلهم إلى أن خرجوا على ~~من وسع عليه هذه الدنيا من الرسل عليهم السلام طعنا ورميا فمرقوا من الدين ~~وعظم شأن هؤلاء في أعين الخلق حين تركوا هذا الحطام وكبر في صدورهم ذلك ~~وحسبوا أنه لم يبق وراء هذا ms374 شيء وإن هذا عبد قد بلغ الغاية ولا يعلمون أنه ~~ترك شيئا قليلا مما لا يزن جميع ذلك عند الله تعالى جناح بعوضة قد تركوا ~~الدنيا من حيث يظهر للخلق وأخذوها من حيث يخفى عليهم اتخذوها بتركها في ~~الظاهر واكتسبوا عند الخلق منزلة نالوا في الباطن بتلك المنزلة أوفر مما ~~تركوها وأسهل مما تناولوها يزرون على أهل الغنى ويجفون أهل الذنب ويشمئزون ~~عن مخالطة العامة العبوس في وجوههم والتماوت في أركانهم وعجب النفس في ~~صدورهم وسوء الخلق في أفعالهم وضيق الصدر في عشرتهم الواحد منهم في نفسه ~~أعظم من # PageV02P328 # ملء بلدته رجالا يهابهم الناس هيبة سوء الخلق لا هيبة الحق والخشية هم ~~الأنتنون لأنهم في نتن من الأمور ودناءة وصدورهم أنتن من أمورهم لأنهم ~~يموتون على الدنيا عشقا همتهم هواهم ودينهم مناهم وتبعهم غواة وهم من الصدق ~~عراة قد ملكوا القلوب بتصنعهم وريائهم وهجروا الخلق من أجل دنياهم كأنهم ~~يقولون ضعوها حتى نرفعها وتخلوا عنها حتى نملكها # روي في الخبر أن الله تعالى يقول لتارك الدنيا زهدت في الدنيا راحة ~~تعجلتها ويقول للعابد عبدتني فحملك العباد فوق رؤوسهم هل في وليا أو عاديت ~~في عدوا وعزتي لا ينال رحمتي من لم يوال في ولم يعاد في # وصنف آخر تصنعوا للخلق بزي أهل المسكنة والفقر من حسن اللابس وطول ~~القلانس وطرة اللحى وصف الشوارب ليتمكنوا في صدور المجالس وليستدروا الحطام ~~من الشياطين والأبالس # فالمتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ظهور هذا كالقابض على ~~الجمر لأن هذين الصنفين قد تمكنوا من صدور الخلق لغلبة الجهل فهم المقتدي ~~بهم والمنظور إليهم فهم عند الخلق علماء وفي الملكوت جهال # قال صلى الله عليه وسلم إن الله لا يقبض العلم ينتزعه إنتزاعا من قلوب ~~الناس ولكن يقبض العلماء فإذا ماتوا إتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا ~~بغير علم فضلوا وأضلوا # PageV02P329 # فمن تمسك بالسنة بين ظهرانيهم بعد تمكنهم من الرياسة ونفاذ القول فيهم ~~فقد هتك سترهم وكشف عورتهم وأبان كذبهم وحط رياستهم وقطع ms375 مآكلهم وقد بارزهم ~~بالمحاربة وهم يستعدون لمحاربته ينتقصونه ويطلبون الغوايل منه فصارت مؤنتهم ~~عليه أعظم من مؤنة محاربة الكافرين لأن الكافر لا حرمة له والقلب والأركان ~~قد تعاونوا عليه في إهلاكه وهذا معه حرمة الإيمان فاحتجت إلى أن تداريه ~~وتداهنه وتلاطفه وترفق به وتراقب الله تعالى في شأنه وتحتمل أذاه وتحفظ ~~جوارحك حتى لا تعتدي وقلبك حتى لا يجور وهمك فيه حتى لا يغش وتنتظر الفرج ~~من خالقك وترى تدبيره فيه وفيك فلذلك شبهه بالقابض على الجمر لأن الجمر ~~يحرق اليد وهذا يحرق القلب والكبد من تغييره الحق عن جهته واغترار الخلق به ~~وتحتاج أن تعاشره معاشرة يسلم إيمانك وإيمانه وتذب عن الحق الذي به ألف ~~الله تعالى العباد وجمعهم عليه ذبا لا يدخل عليه من ناحية أخرى بما يؤذية ~~ويثلمه وتحفظ قلبك مع الله تعالى في هذه الأحوال لأن هذا المسكين قد غلب ~~عليه سكرتان سكرة الجهل وسكرة حب الدنيا وخطاب السكارى على سبيل العدل ~~والإنصاف أمر من الصبر وأشد من القبض على الجمر # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أنتم اليوم على بينة من ربكم ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله ثم تظهر فيكم ~~سكرتان سكرة العيش وسكرة الجهل وستحولون إلى غير ذلك يفشو فيكم حب الدنيا ~~فإذا كنتم كذلك لم تأمروا بمعروف ولم تنهوا عن منكر ولم تجاهدوا في سبيل ~~الله والقائمون يومئذ بالكتاب والسنة في السر والعلانية السابقون الأولون # PageV02P330 # هذا شأن ديدان القراء # وأما الصادقون فهم قوم تابوا صدقا فتاب الله عليهم فأعطاهم نورا قذفه في ~~قلوبهم فشرح صدورهم من الذي أشرق في قلوبهم وبرد وهج حر نفوسهم وسكن غليان ~~شهواتهم فأقبلوا على تصحيح أمورهم فيما بينهم وبين الله تعالى وعن التخلي ~~عن كل ما نهى الله عنه دق أو جل وجاهدوا أنفسهم في ذات الله تعالى حق جهاده ~~فلم يزل هذا دأب أحدهم يجاهد نفسه في شأن الاستقامة لله تعالى على سبيل ~~الطاعة ويأتيه المدد من الله تعالى نورا على ms376 نور حتى قوي على ترك كثير من ~~الحلال تحصنا مما نهى الله تعالى عنه حتى دق نظره في الأشياء وورعه عن دقيق ~~الأمور التي يخاف منها غدا فثبت على ذلك يرجو الثواب ويخاف العقاب ويطلب ~~الخلاص في الإتيان بما امر والتناهي عن كل ما نهى ويعلم أنه لا يثاب غدا ~~إلا على الصدق مشغول بنفسه لا يتفرغ لغيره فيعيبه أو يزري عليه في ريبه قد ~~أوثقه خوفه من الله تعالى وثاقا شغله عن جميع الخلق برعاية هذه الجوارح ~~السبع التي وكل برعايتهن وأخذ عليه العهد والميثاق فيهن يطلب إلى الله ~~تعالى فكاكهن مما انفلق به من الأعمال السيئة والعون على رعايته إياهن فيما ~~بقي من عمره المأتم نهاره والنوح ليله والصلاة نحلته والصوم عادته وكل ما ~~شغله عن أمره فالهرب منه عزيمة قد تحصن من الخلق بعزلته وباينهم بهمته ~~مبتهلا إلى الله تعالى في طلب المغفرة لجماعته وأهل ملته وهو على مثل هذا ~~الحال يطلب معيشته ويقوت عياله ويحسن إليهم ويعطف عليهم فإن كان عنده سعة ~~أنفق من سعته وألا يجري من وجوه المكاسب أسلمها وأحمدها عقبى وجد فيه ~~واجتهد حفظا للجوارح في طلبها وأداء الأمانة وإنصاف الخلق في تناولها ~~واجتزاء باليسير لنفسه وسعة على عياله وعفة عن المطامع الخبيثة ونزاهة عن ~~شبهات الدنيا والمكاسب الرديئة وصيانة لوجهه ودينه عن المعايش الشائنة ~~لدينه وكان في طلبها كالمضطر # PageV02P331 # الذي لا يجد عنه مندوحة ليطلبها على خطر وحذر مخافة أن تدعوه نفسه إلى ~~فتنة وبلية ويقصد بذلك أن تطمئن نفسه كما قال سلمان رضي الله عنه النفس إذا ~~أحرزت رزقها اطمأنت يطلبها على أحسن هيئة وأجمل طلب مع قلب واثق بالله ~~تعالى في رزقه ونفس قنعة لم يفتنها حرصها حتى يدعوها إلى تناول شبهة أو طلب ~~رخصة قال الله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # فهؤلاء هم المقتصدون أهل الاستقامة أعينهم مادة إلى الثواب والتفاتهم إلى ~~أعمالهم عليها يعتمدون وبها يدلون وفيها يفكرون وعليها ينطقون وإياها ~~يطلبون حتى ms377 إذا وردوا عرصة القيامة وانكشف الغطاء صارت رؤوسهم بين أرجلهم ~~من الحياء فلولا رحمة الله تعالى التي قد شملتهم من الدنيا إلى ذلك الموقف ~~لكانوا من الهالكين # وأما الصديقون فقوم فتح لهم الطريق إلى الله تعالى فمروا إليه لا يعرجون ~~على شيء ولا يلتفتون إلى جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب حتى وصلوا إلى ~~الباب فما زالوا إلى بابه يرفعون إليه شكواهم حتى فتح لهم وأشرق على قلوبهم ~~بنور جلاله فشغفوا به وشغلوا عن كل شيء سواه فوقفوا بين يديه للعبودة صدقا ~~وفوضوا إليه أمورهم وائتمنوا على نفوسهم وآثروا مختاره كيف ما دبر لهم ~~واختار رضوا عن الله تعالى في الأحوال ورضي الله عنهم عز وجل في الأمور ~~يقبلون النعمة منه ويتلقون أوامره ونواهيه بالبشاشة والسماحة يراقبون أمره ~~ويقفون عند حكمه وهم مع الله تعالى في كل أمر وحال فسلطان الله على قلوبهم ~~قد أمات من نفوسهم الشهوات فلا يخافون من خيانة النفس وخروجها عليهم من ~~مكامنها كما قال صلى الله عليه وسلم # PageV02P332 # ما لقي الشيطان عمر إلا خر لوجهه وما سمع حسه إلا فر # فهؤلاء أهل اليقين وهم السابقون المقربون {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم} # PageV02P333 ### | - الأصل السابع والتسعون والمائة ### | في شرف الخبز وقوام الروح # عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى ~~كسيرة ملقاة فمشى إليها فمسحها وقال يا عائشة أحسني جوار نعم الله فإنها قل ~~ما نفرت عن أهل بيت فكادت ترجع إليهم # الخبز غذاء الجسد والغذاء قوام الروح وقد جعل الله تعالى الخبز أشرف ~~الأرزاق # قال صلى الله عليه وسلم أكرموا الخبز فإن الله عز وجل أنزله من بركات ~~السماء وأخرج له من بركات الأرض # PageV02P334 # فاكرامه أن لا يوطأ ولا يطرح فإذا رمي به أو طرحه مطرح الرفض والهوان كان ~~قد كفر النعمة وجفاها وفي سعة الرزق قوة عظيمة على الدين فإذا جفاها صيرت ~~للنعمة العظمى نفرة وإذا نفرت لم تكد ترجع لأنها قد ms378 وسمتهم بالجفاء # وقال بعض التابعين الدنيا ظئر والآخرة أم ولكل يتبعها بنوها فإذا جفوت ~~الظئر نفرت وأعرضت وإذا جفوت الأم عطفت لأن الظئر ليس لها عطف الأمهات وهذه ~~النعمة تخرج من هذه الأرض المسخرة هي بمنزلة الظئر تربيك # PageV02P335 ### | - الأصل الثامن والتسعون والمائة ### | في أن المؤمن يبلى ويصفى # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل المريض ~~إذا برىء وصح من مرضه كمثل البردة تقع من السماء في صفائها ولونها # يقدم الله تعالى إلى العباد أن يحفظوا جوراحهم من أن يتدنسوا ليصلحوا ~~لدار القدس في جوار القدوس فتركوا الرعاية وضيعوا الحفظ فتدنسوا وتوسخوا ~~فدلهم على أن يتطهروا بالتوبة فلم يفعلوا لأنهم تابوا من البعض وأصروا على ~~البعض على الجهد من نفوسهم الشهوانية ثم دعاهم إلى هذه الفرائض مثل الصلاة ~~والزكاة والحج وصوم رمضان ليتطهروا بها قال تعالى في شأن الصلاة وأقم ~~الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات # PageV02P336 # وقال في الزكاة خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # وقال في الحج فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه أي ~~مغفورا له # وقال صلى الله عليه وسلم الصوم جنة # فدلهم على هذه الفرائض ليتطهروا بها خلطوها وغشوها وأدوها مع النقصان ~~والوسوسة والمكاسب الرديئة # فلم يك هذا مما يطهرهم إذ لا تطهر النجاسة بالنجاسة ولا ينفى الوسخ ~~بالوسخ فلما رأى الله تعالى حالهم هذه وأنهم قد توسخوا وتدنسوا وكدرت ~~طينتهم فأبى أن يضيعهم وقد اكتنفتهم رحمته فداواهم بهذه الأسقام ليمحصهم ~~ويطهرهم ثم يداويهم ويشفيهم كما تداوي الشفيقة من الأمهات لولدها بمر ~~الأدوية البشعة لما تأمل من شفائه عن سقمه فسلط الله تعالى عليهم الأسقام ~~حتى إذا تمت مدة # PageV02P337 # التمحيص خرج منها كالبردة في الصفاء في القلب واللون في الوجه طلاوة ~~وحلاوة # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى ابتلي عبدي المؤمن فإن ~~لم يشكني إلى عواده أطلقته من أساري ثم أبدلته لحما هو خير من لحمه ms379 ودما هو ~~خير من دمه ثم ليأتنف العمل # وشتان بين ما داويت بالفرائض جوارحك وبين ما داواك ربك فدواؤك قل ما يخلو ~~من العجب والرياء والتخليط والشبه وما داواك لا رياء فيه ولا عجب ولا صلف ~~ولاتخليط وإنما هي أسقام حل بلحمك ودمك ومخك وقواك ليأخذها ويبدلك خيرا ~~منها أو يقبضك إليه طاهرا حتى إذا وصلت إلى العرصة واضطررت إلى الجواز على ~~الصراط إلى دار الله وجدتك النار قد تطهرت إما بالتوبة أو بالفرائض أو ~~بالأسقام والمصائب التي احتسبتها وصبرت عليها فطهرك وأعطاك ثواب الصابرين ~~وإن حمدته كتبك من الحامدين وقدم عليه بغير تمحيص مع دنس المعاصي وأوساخها ~~فالنار بالمرصاد قد أعدت منتقمة من الأعداء ومطهرة للموحدين فإذا مر عليها ~~أخذت في الممر من جوارحه تلك الأدناس فتأكل من لحمه ودمه ثم يبدل لحما طريا ~~وجسدا يصلح لدار السلام # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه وضع يده على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبه حمى فوجدها من فوق اللحاف فقال يا رسول الله ما أشدها عليك # PageV02P338 # فقال صلى الله عليه وسلم إنا كذلك يشتد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر # فقلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء # قال الأنبياء # قلت ثم من # قال الصالحون إن كان الرجل ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحوها ~~وإن كان الرجل ليبتلى بالقملة حتى تقتله وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما ~~يفرح أحدكم بالرخاء # PageV02P339 ### | - الأصل التاسع والتسعون والمائة ### | في تخير المغبون # عن علي كرم الله وجهه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المغبون لا ~~محمود ولا مأجور إذا استرسل في وقت المبالغة فاشترى فغبن لم يقع عند البائع ~~موقع المعروف فيحمد ولا يحتسب بما زاد على قيمته ليسر فيؤجر # فالكيس يماكس مستقصيا ولا يخرج ماله الذي ائتمن عليه وجعل قواما له باطلا ~~بلا حمد ولا أجر وفي المكاس شرائط وهو أن يحفظ لسانه وأمانته وعهده يماكس ~~لا لحرص على الدنيا ولا رغبة فيها وهو مع ذلك حافظ لدينه ms380 ودين صاحبه لئلا ~~يأثم أو يؤثم # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجلين يتبايعان وأحدهما يقول ~~للآخر لا أعطيك وقال الآخر لا أزيدك فمر الرجل بالسلعة قد اشتراها # PageV02P340 # فقال صلى الله عليه وسلم قد وجب إثم أحدهما وساوم معاذ رضي الله عنه رجلا ~~سلعة فقال لا أعطيك فانصرف معاذ ثم دعاه فقال هل لك فيه قال لا إني أكره أن ~~أعينك على إثم # PageV02P341 ### | - الأصل المائتان ### | فيما يقال عند إهلال الهلال # عن طلحة بن عبد الله رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا رأى الهلال قال اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام ~~ربي وربك الله # وفي رواية أخرى قال إلهي وإلهك وربي وربك الله الحمد لله الذي سخرك لنا # اليمن السعادة والإيمان الطمأنينة بالله تعالى كأنه سأله دوامها والسلامة ~~والإسلام أن يدوم له الإسلام ويسلم له شهره # وقوله ربي وربك الله فإن من الناس من كان يسجد للشمس والقمر دون الله ~~تعالى فقال تعالى لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن # PageV02P342 # وقوله الحمد لله الذي سخرك لنا فخاطبه أن الإله إليه الربوبية وهو الملك ~~له وأنت مسخر لنا يحمده على تسخيره إياه شكرا له فقد سخره ليضيء لأهل الأرض ~~وقدره منازل ليعلم عدد السنين والحساب ويكون معلم مواقيت حجنا وديوننا وعدد ~~نسائنا وعند مستهل كل شهر حكم وأمر معلوم والله تعالى أعلم بالصواب # PageV02P343 ### | - الأصل الحادي والمائتان ### | في الحسنة الحديثة والذنب القديم # عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لم أر ~~شيئا أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ذلك ذكرى للذاكرين # الحسنة نور والسيئة ظلمة فإدراك النور الظلمة سريع لأن الحسنة نور مبتدأة ~~من نور الإيمان والإيمان هدى الله فبنور الإيمان يحسن طلبه وبقوة هدى الله ~~تعالى يسرع إدراكه # فلما كان في الحسنة نور ربه كان هادي الحسنة حتى يلحق السيئة بسرعة ومركب ~~الحسنة فإن مركب ms381 الحسنة نيته والنية من نور التوحيد فمن كان مركبه نور ~~التوحيد فلحاقه بمن يطلب سريع في أسرع من الطرف فطلبه أحسن طلب لأن معه ~~هداه ومن ولى الله هداه فهداه في لحظة أو أسرع ومن ولى الله إبلاغه فدركه ~~في أسرع من الطرفة والقديم والحديث عند الله بمنزلة وإنما يتفاوت هذا عند ~~الآدمي وسائر المخلوقين ولأن السيئة قد تقدمت في الصحيفة موضع # PageV02P344 # تخليطها منذ أعوام كثيرة والحسنة الحديثة لذلك الذنب هي التوبة وهي طالبة ~~لموضعها من الصحيفة أحسن طلب وأسرع إدراك حتى تصير مكتوبة تحت السيئة أنه ~~تاب ثم تضيء تلك الحسنة في مكانها حتى تعلو الظلمة التي على السيئة # وفي الخبر أنه إذا تناول العبد الصحيفة يوم القيامة أعطي منها ما يلي ~~السيئات فيجد تحت كل سيئة مكتوبة تاب وتلك حسنة تضيء بمكانها فتستر على ~~السيئة فيقرأها العبد فربما أتى العبد على عظيمة يشتد عليه النظر إليها ~~فتدركه رحمة من ربه في ذلك المكان فتستر عليه تلك العظيمة ويقال له جاوزها ~~لأنه قد كان دعاه أيام الحياة بأحسن التجاوز فإذا انتهى إلى آخرها غفر له ~~ما فيها فيصير جميع ما فيها بياضا لأن التوبة قد علت السيئة بضوئها ثم يقلب ~~الصحيفة فيقرأ الحسنات والخلق ينظرون إلى صحيفته حسنات فإذا قلبها نظروا ~~إلى الوجه الآخر فرأوها قد علت بضوئها فيقولون طوبى لهذا العبد لم يذنب ~~ذنبا قط فقبل حسناته فعند ذلك ينادي هاؤم إقرءوا كتابيه الآية # PageV02P345 ### | - الأصل الثاني والمائتان ### | في أن عرامة الصبي من ذكاة فؤاده # عن عمرو بن معد يكرب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عرامة الصبي في صغره زيادة في عقله في كبره # العرم المنكر وصار ذلك من ذكاوة فؤاده وحرارة رأسه والناس يتفاضلون في ~~أصل البنية في الفطنة والكياسة والحظ من العقل # والعقل على ضربين ضرب منه يبصر أمر دنياه وهو من نور الروح وهو موجود في ~~عامة ولد آدم عليه السلام إلا من كان فيه خلل أو علة وبينهم في ms382 ذلك العقل ~~تفاوت عظيم # وضرب منه يبصر أمر آخرته وهو من نور الهداية والقربة وذاك موجود في ~~الموحدين مفقود في المشركين وبين الموحدين في ذلك العقل تفاوت عظيم وسمي ~~عقلا لأن الجهل ظلمة وعمله على القلب فإذا غلب النور وبصره في تلك الظلمة ~~زالت الظلمة وأبصر فصار عقالا للجهل # PageV02P346 # فالصبي إذا رؤي منه زيادة بصيرة في الأمور وذكاوة فهم قيل عارم والعرم ~~بلغة أهل العرب المسناة وهي السد وهي عربية يمانية فالصبي يسد أبواب ~~البلاهة بزيادة ذلك النور فيكايس في الأعمال ويهتدي للطائف الأمور ومحاسنه ~~بالنور الزائد المتقد في دماغه فإذا أدرك مدرك الرجال وجاءه نور الهداية من ~~الله تعالى فأمن كان الذي ركب في صغره عونا له في جميع أموره فصار بذلك ~~زيادة في عقله ومن لم يكن له ذلك في صغره فيكون فيه نقص العقول الديناوية ~~من البلة والحمق فإذا جاءه العقل الثاني إفتقد العون ولم يكن له في النوائب ~~هداية الطبع وإنما له هداية الإيمان فحسب وقد إجتمع للعارم هداية الطبع ~~وهداية الإيمان والله أعلم # PageV02P347 ### | - الأصل الثالث والمائتان ### | في حق الولد على الوالد # عن أبي رافع رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله للولد علينا حق كحقنا ~~عليهم قال نعم حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية وأن ~~لا يرزقه إلا طيبا # الكتابة عون له على الدين والدنيا والسباحة منجاة من الهلاك والرماية دفع ~~عن مهجته وحريمه وشرف له عند لقائه العدو ولا يرزقه إلا طيبا لئلا ينبت ~~لحمه على سحت فتنزع منه البركة وهذه الخصال رؤوس الآداب # PageV02P348 ### | - الأصل الرابع والمائتان ### | في حال التائب وإتباع الذنب بالحسنة # عن أبي سعيد الأنصاري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~التائب من الذنب كمن لا ذنب له والندم توبة التائب حبيب الله تعالى إن الله ~~يحب التوابين # والحبيب يستر الحبيب ويحب زينه فإن بدا شين ستره فإذا أحب الله عبدا ~~فأذنب ستره فصار كمن لا ذنب له فإن الذنب يدنس العبد والرجوع ms383 إلى الله ~~تعالى بالتوبة يطهره لأن بالرجعة يصير في محل القربة منه ومحل القربة ينوره ~~ويذهب دنسه # PageV02P349 # قال صلى الله عليه وسلم إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا عاد ~~نكتت أخرى فإذا تاب صقل قلبه فذهبت النكتة وصارت كالمرآة تتلألأ ومن ههنا ~~قال الشعبي رضي الله عنه إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنبه حدثنا بذلك عبد ~~الله بن الوضاح النخعي قال حدثنا ابن يمان عن سفيان عن عاصم الأحول عن ~~الشعبي واعتبر بهذه الرأفة والرحمة التي وضعها في الآباء والأمهات ثم تراهم ~~كيف محل أولادهم منهم في محل البطالة والفساد من الرحمة عليهم والشفقة ~~والرفق بهم والتأني والانتظار والاحتراق عليهم مما يخافون عليهم من الوبال ~~وفرحهم بالتوبة إذا هم تابوا إلى الله تعالى فاعتبر بهذه الرأفة التي في ~~جميع الأمهات والآباء لو جمعها فوضعها في أم واحدة أو أب واحد لولد واحد ~~لكان لا يتراءى له فساد هذا الولد وسيئ عمله من عظيم الشفقة عليه والمحبة ~~له وكان ذلك ساترا له فكيف بالخالق الباري الماجد الكريم البر الرحيم الذي ~~يدق جميع رأفة أهل الدنيا ورحمتهم جنب رحمة من المائة المخلوقة ثم ماذا ~~تكون تلك في جنب الرحمة العظمى التي شملت كل الخير للعبيد فهذا العبد ~~المؤمن له كل هذا الحظ فإذا تاب صار في كنفه وهو في الأصل حبيبه فيدق ذنوبه ~~في جنب ما له عنده من الرأفة والرحمة وإن الله تبارك وتعالى اسمه لما وقعت ~~خيرته وجبايته على عبد من عبيده ثم أخرجه امه إلى الدنيا فأدركته الهداية ~~بما سبقت له من الجباية وكتب عليه هذا الذنب أنه سيصيبه لا محالة فلما ~~أصابه لم يتركه حيران فلم يغلق عنه باب التوبة وتكرم على أن يرجع إليه عبده ~~صدق الرجوع أن لا يقبله وإذا قبله صار كمن لا ذنب له في معنى القبول # PageV02P350 ### | - الأصل الخامس والمائتان ### | في أن الالتفاع لبسة أهل الإيمان # عن ابن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ms384 قال ~~الالتفاع لبسة أهل الإيمان والتردي لبسة العرب # الإلتفاع الالتحاف بالثوب متقنعا وهو أستر وكان صلى الله عليه وسلم يكثر ~~التقنع وذلك للحياء من الله تعالى لأن الحياء في العين والفم وهو من عمل ~~الروح وسلطانه في الرأس ثم هو متفش في جميع الجسد # وروي أن من أخلاق النبيين التقنع وهذا من آداب الأنبياء والأولياء عليهم ~~السلام لأنهم أبصروا بقلوبهم أن الله تعالى يراهم فصارت الأمور كلها لهم ~~معاينة يعبدونه كأن هم يرونه ففي الأعمال التي فيها حشمة يعلوهم الحياء ~~والحياء من الإيمان فلذلك قال لبسة أهل الإيمان # قال أبو بكر رضي الله عنه إني لأدخل الخلاء فأقنع رأسي حياء من الله ~~تعالى # PageV02P351 # والتردي لبسة العرب توارثوه في الجاهلية من آبائها كانوا في إزار ورداء ~~والالتفاع ورثه بنو إسرائيل على أنبيائهم عليهم السلام لأنهم قطعوا أعمارهم ~~بالعبادة وكانوا أصحاب لفاع # PageV02P352 ### | - الأصل السادس والمائتان ### | في أن الاعتبار في الاجتهاد بعقد العقل # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~بلغه عن رجل شدة عبادة سأل كيف عقله فإن قالوا غير ذلك قال لن يبلغ # وذكر له عن رجل من أصحابه رضي الله عنهم شدة عبادة واجتهاد فقال كيف عقله ~~قالوا ليس بشيء قال لن يبلغ صاحبكم حيث تظنون # العقل نور خلقه الله تعالى وقسمه بين عباده على مشيئته فيهم وعلمه بهم ~~فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما خلق الله العقل قال له أقبل ~~فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ثم قال له أقعد فقعد ثم قال له انطق فنطق ثم ~~قال له اصمت فصمت فقال وعزتي وجلالي وكبريائي وسلطاني وجبروتي ما خلقت خلقا ~~أحب إلي منك ولا أكرم علي منك بك أعرف وبك أحمد وبك أطاع وبك آخذ وبك أعطي ~~وإياك أعاتب ولك الثواب وعليك العقاب وما أكرمتك بشيء أفضل من الصبر # PageV02P353 # وقال صلى الله عليه وسلم إن أول شيء خلق الله تعالى القلم ثم خلق النون ~~وهي الدواة ثم قال ms385 له أكتب قال وما أكتب قال ما كان وما هو كائن إلى يوم ~~القيامة من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم ~~القيامة وذلك قوله تعالى {ن والقلم} # ثم ختم على في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة ثم خلق العقل ~~فقال وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت # قسم الله تعالى العقل بين خلقه على علمه بهم ثم قسم بين الموحدين عقل ~~الهداية على علمه بهم فتفاوت القسم فكل ما استقر في عبد كان دليله على ~~مقاديره الذي كان فيه يومئذ فكل فعل فعله يلهم العقل صاحبه في كل ما أذن له ~~وما خطر عليه فكل من كان حظه من العقل أوفر فسلطان الدلالة فيه أعظم وأنور # ومن شأن العقل الدلالة على الرشد والنهي عن الغي فكان صلى الله عليه وسلم ~~إذا ذكر له عن رجل شدة اجتهاد وعبادة سأل عن عقله لما قد علم أن العقل هو ~~الذي يكشف عن مقادير العبودة ومحبوب الله تعالى ومكروهه لأن العبادة ~~الظاهرة قد تكون من العادة وقد تكون من المساعدة فإن كان العقل يدله على ~~العبادة الظاهرة كان علامته أن يتورع عن مساخط الله تعالى فكان العقل مما ~~عقل عن # PageV02P354 # الله تعالى ما أمره ونهاه فائتمر بما أمره وانزجر عما نهاه فتلك علامة ~~العقل فإذا تعبد عن عقل تعبد عن بصيرة وإذا تعبد عن عادة ومساعدة فلم يحسن ~~الظن به # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا يعجبنكم إسلام رجل حتى تعلموا ما عقده ~~عقله # معناه لا يعجبنكم ظاهر ما ترون حتى تعلموا بأي شيء عقد عقله به فإن كان ~~عقله عقيد هواه لا يتورع ولا يتقي قال لن يبلغ صاحبكم حيث تظنون # قال صلى الله عليه وسلم الورع سيد العمل ومن لم يكن له ورع يرده عن معصية ~~الله تعالى إذا خلا بها لم يعبأ الله سائر عمله شيئا # فذلك مخافة الله تعالى في السر والعلانية والاقتصاد في الفقر والغنى ms386 ~~والصدق عند الرضاء والسخط الا وأن المؤمن حاكم على نفسه يرضى للناس ما يرضى ~~لنفسه والمؤمن حسن الخلق وأحب الخلق إلى الله تعالى أحسنهم خلقا ينال بحسن ~~الخلق درجة الصائم القائم وهو راقد على فراشه # قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه إنكم لتعملون أعمالا لهي أدق عندكم من ~~الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات # وقال صلى الله عليه وسلم يا عائشة إياك والمحقرات فإن لها من الله تعالى ~~طالبا # PageV02P355 # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله ناجى موسى فكان فيما قال يا موسى إنه لن ~~يتقرب إلي المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم فإنه ليس من عبد يلقاني يوم ~~القيامة إلا ناقشته الحساب وفتشته عما كان في يديه إلا ما كان من الورعين ~~فإني أجلهم وأكرمهم وأدخلهم الجنة بغير حساب # وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث من لم يأت بهن يوم القيامة فلا شيء له ورع ~~يحجره عن محارم الله تعالى وخلق يداري به الناس وحلم يرد به جهل السفيه # وعن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله بأي شيء يتفاضل الناس قال ~~بالعقل في الدنيا والآخرة # قلت أليس يجزى الناس بأعمالهم قال يا عائشة وهل يعمل بطاعة الله تعالى ~~إلا من عقل فبقدر عقولهم يعملون وعلى قدر ما يعملون يجزون # وقال صلى الله عليه وسلم إن الرجل لينطلق إلى المسجد فيصلي فصلاته لا ~~تعدل جناح بعوضة وإن الرجل ليأتي المسجد فيصلي فصلاته تعدل جبل أحد إذا كان ~~أحسنهما عقلا قيل وكيف يكون أحسنهما عقلا فقال أورعهما عن محارم الله تعالى ~~وأحرصهما على أسباب الخير وإن كان دونه في العمل والتطوع # وعن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قضي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين مهاجري وأنصاري فقال المهاجري يا رسول الله حقي ثابت وما قضى لي ~~شيئا قال الأنصاري صدق يا رسول الله إن # PageV02P356 # حقه ثابت وما قضيته شيئا فقال صلى الله عليه وسلم فأد إليه ms387 فقال أما ~~دعواه فقد أديت إليه وأما حق ثواب معروفه فإنه علي أكافئه فقال المهاجري ~~صدق يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم تبارك الذي قسم العقل بين عباده ~~أشتاتا ان الرجلين ليستوي عملهما وبرهما وصومهما وصلاتهما لكنهما يتفاوتان ~~في العقل كالذرة في جنب أحد وما قسم الله تعالى لخلقه حظا هو أفضل من العقل ~~واليقين # قال وهب رضي الله عنه أجد في سبعين كتابا أن جميع ما أعطي الناس من بدو ~~الدنيا إلى انقطاعها من العقل في جنب عقل محمد صلى الله عليه وسلم إلا كحبة ~~رمل رفعت من بين جميع رمال الدنيا # وقال إن الشيطان لم يكن يكابد شيئا أشد عليه من المؤمن العاقل إنه ليكابد ~~مائة ألف جاهل فيسخرهم ويكابد المؤمن العاقل فيضعف عنه وما من شيء أحب إليه ~~من فتنة العاقل وفتنة عاقل أحب إليه من غواية ألف جاهل # وقال صلى الله عليه وسلم إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر وإنما ~~يقرب الناس الزلف على قدر عقولهم # وعن أنس رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله رجل يكون قليل العمل كثير ~~الذنوب قال كل آدمي خطاء فمن كانت له سجية عقل وغريزة يقين لم يضره ذنوبه ~~شيئا قيل وكيف ذاك يا رسول الله قال كلما أخطألم يلبث أن يتوب فيمحى ذنوبه ~~ويبقى فضل يدخله الجنة # قال ابن مسعود رضي الله عنه ومن أعقل ممن خاف ذنوبه واستحقر عمله # PageV02P357 # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ~~عويمر إزدد عقلا تزدد من ربك قربا قلت يا رسول الله كيف قال اجتنب مساخط ~~الله وأد فرائض الله تكن عاقلا ثم تنفل بالصالحات من الأعمال تزدد في ~~الدنيا عقلا ومن ربك قربا وعليه عزا # عن كعب رضي الله عنه قال تجد الرجل يستكثر من أنواع البر ويحتاط في صنائع ~~المعروف ويكابد سهر الليل وشدة ظماء الهواجر وهو في ذلك لا يساوي عند الله ~~جيفة حمار قالوا وكيف قال ذاك ms388 من قلة عقله وسوء رعايته ولعلك تجد الرجل ~~العاقل نائما بالليل مفطرا بالنهار لا يظهر لك بره ولا ينسب إلى صنائع ~~المعروف وبينهما كما بين المشرق والمغرب قيل وكيف ذاك قال لأن ربنا افترض ~~على عباده أن يعرفوه ويطيعوه ويعبدوه وإنما يطيعه ويعرفه ويعبده من يعقل ~~فأما الجاهل فإنه لا يعرفه ولا يطيعه ولا يعبده # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز ~~وجل خلق العقل أكثر من عدد الرمل فمن الناس من أعطي حبة من ذلك ومنهم من ~~أعطي حبتين ومنهم من أعطي مدا ومنهم من أعطي صاعا ومنهم من أعطي فرقا ~~وبعضهم وسقا فقال ابن سلام من هم يا رسول الله قال العمال بطاعة الله على ~~قدر عقولهم ويقينهم وجدهم والنور الذي في قلوبهم # PageV02P358 # عن مهدي قال شهدت عمر وعنده ابن مسعود وأبو موسى رضي الله عنهم فقال أبو ~~موسى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رب رجل يعمل بطاعة الله فلعل ~~الحرف الواحد من تسبيحه وتحميده وبره أثقل من أحد ثم على قدر ذلك يتفاضل ~~عمله # قال ابن مسعود رضي الله عنه إن من المؤمنين من يكون عمله يوما واحدا أثقل ~~من السموات والأرض # قال عمر رضي الله عنه فكيف ذاك قال إن الله قسم الأشياء بين عباده على ~~قدر ما أحب أن يقسمه ولما خلق الخلق أقسم بعزته أنه أحب خلقه إليه وأعزهم ~~عليه وأفضلهم عنده وأرجح عباده أحسنهم عقلا وأحسنهم من كان في ثلاث خصال ~~صدق الورع وصدق اليقين وصدق الحرص على البر والتقوى فبكى عمر رضي الله عنه ~~بكاء نشج منه # وقال صلى الله عليه وسلم قسم الله العقل ثلاثة أجزاء فمن كان فيه فهو ~~العاقل حسن المعرفة بالله تعالى وحسن الطاعة لله وحسن الصبر لله تعالى فحسن ~~المعرفة الثقة بالله في كل أمرك والتفويض إليه والائتمار على نفسك وأحوالك ~~في الوقوف عند مشيئته لك في كل أمره دينا ودنيا وحسن الطاعة أن تطيعه ms389 في كل ~~أمر ثم لا تلتفت إلى نوال فتتخذه عدة دون الله تعالى # وحسن الصبر أن تصبر في النوائب صبرا لا يرى عليك أثر النائبة من ~~الاستكانة وأن تتلقى حكمه بالرضاء كما تتلقى ما وافق نفسك فيستوي عندك ~~المحبوب والمكروه # PageV02P359 ### | - الأصل السابع والمائتان ### | في تفسير المغربين # عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فيكم ~~مغربون قلت يا رسول الله ما المغربون قال الذين يشترك فيهم الجن # فالجن والإنس ابتليا بالعبادة ولهما الثواب وعليهما العقاب وأمر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بالنذارة إلى الجن والرسالة إلى الآدميين فأنذرهم ~~وعلمهم القرآن فللجن مساواة بابن آدم في الأمور والاختلاط فمنهم من يتزوج ~~فيهم وكانت بلقيس ملكة سبأ أحد أبويها من الجن وربما غلب الجن الآدمي على ~~أهله فيأخذ بقلبها ويعذبها والامتناع منهم باسم الله تعالى فإذا أحب الآدمي ~~أن يطرده من مشاركته طرده باسم الله # قال صلى الله عليه وسلم ستر بين عورات بني آدم وبين أعين الجن إذا وضع ~~الرجل ثوبه أن يقول باسم الله قال مجاهد رضي الله # PageV02P360 # عنه إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه # قال فذلك قوله تعالى {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} # PageV02P361 ### | - الأصل الثامن والمائتان ### | في سر شهادة العطاس # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من حدث ~~بحديث فعطس عنده فهو حق) # العطسة تنفس الروح وتحننه إلى الله تعالى لأنها من الملكوت فإذا تحرك ~~ساطعا عند حديث فهو شاهد يخبرك عن صدقه وحقه # قال عليه السلام (إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا # PageV03P005 # عطس أحدكم فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه يشمته والتثاؤب من الشيطان ~~فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا قال هاه ضحك الشيطان منه) # وقال عمر رضي الله عنه لعطسة واحدة عند حديث أحب إلي من شاهد عدل # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الفال مرسل والعاطس شاهد عدل # قوله (الفال ms390 مرسل) مثل ما يروى أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول في ~~العسكر يا حسن فقال أخذنا فالك من فيك واستقبله بريدة في طريق الهجرة فقال ~~ما اسمك قال بريدة فالتفت إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال برد أمرنا قال ممن ~~قال من أسلم قال سلمنا يا أبا بكر # ومعناه أن هذه الأسماء مما يرسله الله تعالى حتى يستقبلك كالبشير لك فإذا ~~تفاءلت فقد أحسنت به الظن والله سبحانه وتعالى عند ظن عبده # وعن أنس رضي الله عنه قال عطس عثمان بن عفان رضي الله عنه عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثلاث عطسات متواليات فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا عثمان ألا أبشرك هذا جبرائيل يخبرني عن الله تعالى أنه قال (ما من ~~مؤمن يعطس ثلاث عطسات متواليات إلا كان الإيمان في قلبه ثابتا) # PageV03P006 ### | - الأصل التاسع والمائتان ### | في النهي عن الجلوس على القبور # عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) # نهى أن يوطأ القبر أو يجلس عليه استهانة به إقامة لحرمة المسلم بعد موته # وعن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره أن توطأ ~~القبور إعظاما للمسلمين وإكراما لهم ويكره أن يتخذ القبور مسجدا وقبلة يصلى ~~إليها فإن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك # وروى بشر بن الخصاصية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يمشي في ~~القبور في نعلين فقال (يا صاحب السبتين اخلع) # PageV03P007 # وفي رواية أخرى (ألق سبتيك لا تشغله) # هذا يدل على إقامة الحرمة وتعظيم شأن المسلم أن يمشي المرء على أعظم ~~مدفونة قد اختبأها الرب عز وجل واختارها لمحبته ملكا في الجنان في جواره # وقال عليه السلام لمن رآه جالسا على قبر (انزل عن القبر لا تؤذ صاحبك ولا ~~يؤذيك) # معناه أن الأرواح تعلم بترك إقامة الحرمة وبالاستهانة فتتأذى بذلك # PageV03P008 ### | - الأصل العاشر والمائتان ### | في أن أبا ms391 بكر رضي الله عنه ويومه خير من مؤمن آل فرعون # عن عمر رضي الله عنه قال ما نيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نيل ~~منه ذات يوم أنه كان يطوف بالبيت فدخلوا عليه فقطعوا عليه الطواف وأخذوا ~~بتلابيبه وقالوا أنت الذي تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا قال (هو ذاك) وأبو ~~بكر رضي الله عنه ملتزمه من خلفه وهو يقول أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ~~وعيناه تهملان فخلوا سبيله # مرتبة أبي بكر رضي الله عنه من الدين ومحله من الإسلام أن يذب عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحده ولم يهب شرقي الدنيا وغربيها # PageV03P009 # وقال الحسن رضي الله عنه عاتب الله تعالى جميع أهل الأرض غير أبي بكر ~~فقال {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا} # وعن سالم بن عبيد قال لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قال رجل من ~~الأنصار منا أمير ومنكم أمير قال عمر رضي الله عنه سيفين في غمد لا يصطلحان ~~ثم أخذ بيد أبي بكر فقال من له هذه الثلاثة {ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ ~~يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} ثم بايعه فبايع الناس أحسن بيعة وأجملها # وعن علي رضي الله عنه قال اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث فأرادوا ~~قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل هذا يجاؤه وهذا يتلتله إلا أبو بكر ~~وله ضفيرتان فأقبل يجأ ذا ويتلتل ذا ويقول بأعلى صوته ويلكم أتقتلون رجلا ~~أن يقول ربي الله والله إنه لرسول الله فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذ ~~فقال علي رضي الله عنه ليوم من أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون إن ذلك رجل ~~كتم إيمانه فأثنى الله تعالى عليه في كتابه وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل ~~ماله ودمه لله تعالى # وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنهم قالوا لها # PageV03P010 # ما أشد شيء رأيت المشركين بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ms392 ~~كان المشركون قعودا في المسجد الحرام يتذاكرون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما يقول في آلهتهم فبينا هم كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقاموا إليه بأجمعهم وكانوا إذا سألوه عن شيء صدقهم فقالوا له ألست تقول في ~~آلهتنا كذا قال بلى فتشبسوا به بأجمعهم فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقيل له ~~أدرك صاحبك فخرج من عندنا وإن له غدائر فدخل المسجد وهو يقول ويلكم أتقتلون ~~رجلا أن يقول ربي الله فلهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلوا إلى ~~أبي بكر فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا جاء معه وهو ~~يقول تباركت يا ذا الجلال والإكرام # PageV03P011 ### | - الأصل الحادي عشر والمائتان ### | في المصافحة وسرها # عن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إذا ~~التقى المسلمان كان أحبهما إلى الله أحسنهما بشرا لصاحبه فإذا تصافحا أنزل ~~الله تعالى عليهما مائة رحمة تسعون منها للذي بدأ بالمصافحة وعشرة للذي ~~صوفح) # المؤمن عليه سمة الإيمان ووقاره وبهاء الإسلام وجماله فأحسنهما بشرا ~~أعقلهما عن الله تعالى ما من الله عز وجل عليه ويظهر بشره لعلمه بالله ~~تعالى ولمنة الله على عبده ولأن المؤمن عطشان إلى لقاء ربه شوقا إليه فإذا ~~رأى المؤمن اهتش إلى ذلك روحه وتنسم قلبه روح ما وجد من آثار مولاه فيطمئن ~~ويبشر بذلك فيظهر بشره وإنما صار أحب إلى الله تعالى بما له من الحظ من ~~الله تعالى ولأن الذي يظهر البشر لأخيه يسر أخاه المؤمن لأن في ذلك إظهار ~~المودة له # PageV03P012 # وروي أن يحيى بن زكريا عليهما السلام إذا لقى عيسى عليه السلام بدأ ~~بالسلام فسلم عليه وكان لا يلقاه إلا باشا متبسما ولا يلقى عيسى إلا محزونا ~~شبه الباكي فقال له عيسى إنك تبسم تبسم رجل يضحك كأنك آمن فقال يحيى إنك ~~لتعبس تعبس رجل يبكي كأنك آيس فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام أن ~~أحبكما إلي أكثركما تبسما # وأما المصافحة ms393 هو الأخذ باليد وهو كالبيعة لأن من شرائط الإسلام الأخوة ~~قال الله تعالى {إنما المؤمنون إخوة} وقال المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض ... # شرط الله تعالى فيما بينهم الأخوة والولاية فإذا لقيه فصافحه كأنه يبايعه ~~على هاتين الخصلتين ففي كل مرة يلقى يجدد بيعته فيجدد الله تعالى لهما ~~ثوابا كما يجدد المصاب الاسترجاع فيجدد له ثواب المصيبة ويجدد صاحب النعمة ~~الحمد فيجدد له ثواب الشكر فللسابق إلى تجديد له تسعون رحمة كتمسكه ~~بالولاية والأخوة وإقامة الحرمة وأول ما ظهرت البيعة يوم الميثاق # ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما الركن يمين الله يصافح به عباده يوم ~~القيامة لأنهم يوم الميثاق بايعوا الله فصافحوا الحجر فلما أنزله من ~~الفردوس وضع في ركن البيت ودعى الناس إليها ليجددوا بيعتهم فكلما تمسحوا ~~فذلك منهم بيعة متجددة # PageV03P013 ### | - الأصل الثاني عشر والمائتان ### | في فضل يوم عاشوراء وسر التوسيع فيه # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من وسع ~~على أهله يوم عاشوراء وسع الله تعالى عليه في سنته كلها) # الأصل في ذلك أن سفينة نوح عليه السلام استوت على الجودي يوم عاشوراء ~~فقيل له {اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك} أي الموحدين {وأمم ~~سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} وهم المشركون وكانوا كلهم في صلبه وهذا ~~السلام والبركات إلى آخر الدهر # وقيل له اهبط لتبوء لأهلك وولدك متبوأ صدق ومستقرا لمعاشك بهذا السلام ~~وهذه البركات فمن أراد أن يأخذ بحظه من تلك البركات فوافى ذلك اليوم كان في ~~تلك الهيئة هيئة من يبوء لأهله وعياله مرمة # PageV03P014 # لمعاشهم ويزيد في وظائفهم ويهيئ لهم لينالهم حظه من ذلك السلام وتلك ~~البركات لأن الله تعالى استقبلهم بالدنيا بعد أن غرقها وخربها شرقا وغربا ~~فلم يبق في جميع الدنيا إلا سفينة نوح عليه السلام بمن فيها فرد عليهم ~~دنياهم يوم عاشوراء وأمروا بالهبوط للتبوئة والتهيؤ لأمر المعاش مع السلام ~~والبركات عليهم وعلى الأمم الموحدين الذين في صلبه فمن أتى عليه ms394 ذلك اليوم ~~فكأنه في وقته يهبط من السفينة ويهيئ لعياله معاشا وتناله السلامة والبركات ~~لذلك # وروي أن من اكتحل يوم عاشوراء بكحل أثمد لم تتوجع عينه تلك السنة وعوفي ~~من الرمد وقال عليه السلام خير أكحالكم الأثمد فإنه ينبت الشفر ويجلو البصر # فالاكتحال مرمة العين وفي الكحل قوة للبصر ومدد للروح لأنه ينبت الأشفار ~~وهو ستر الناظرين ويقوي البصر فإنه يجليه ويذهب بالغشاوة وما يتحلب من ~~الماقين من فضول الدموع والبلة الطبيعية ينشفه الأثمد ولا يدعه يتلبث فيصير ~~غشاوة وغيما على حدقتيه وفيه مدد للروح لأن بصر الروح في الباطن متصل ببصر ~~العين فإذا ذهبت الغشاوة وصل النفع إلى بصر الروح ووجد لذهابه راحة وخفة ~~فإذا كان منه في هذا اليوم مرمة النفس نال البركة والسلامة وعوفي من الضيق ~~ووسع عليه سائر سنته وإن كانت مرمة الروح عوفي من الرمد # PageV03P015 ### | - الأصل الثالث عشر والمائتان ### | في أن العبد يسأل عن صدق لا إله إلا الله والفرق بين أهل الكلمة وأهل القول بالكلمة # عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ~~{فوربك لنسألنهم أجمعين} قال عن لا إله إلا الله # معناه عن صدق لا إله إلا الله والوفاء بها # قال الحسن رضي الله عنه ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في ~~القلوب وصدقته الأعمال # ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قال لا إله إلا الله مخلصا ~~دخل الجنة) قيل يا رسول الله ما إخلاصها قال (أن يحجره عن محارم الله ~~تعالى) # PageV03P016 # قال عليه السلام (إن الله تعالى عهد إلي أن لا يأتيني أحد من أمتي بلا ~~إله إلا الله لم يخلط بها شيئا إلا وجبت له الجنة) قالوا يا رسول الله وما ~~الذي يخلط بلا إله إلا الله قال (حرصا على الدنيا وجمعا لها ومنعا لها ~~يقولون قول الأنبياء ويعملون أعمال الجبابرة) # وثمرة هذه الكلمة لأهلها وأهلها من رعاها حتى قام بوفائها وصدقها ومن لم ~~يرعها فليس من أهل لا ms395 إله إلا الله إنما هم من أهل قول لا إله إلا الله ~~فأهل قول لا إله إلا الله من كان مرجعه إلى القول به والعمل بهواه وأهل لا ~~إله إلا الله من كان مرجعه إلى إقامة هذا القول وفاء وصدقا # قال عليه السلام (لا إله إلا الله يمنع العباد من سخط الله تعالى ما لم ~~يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا ~~لا إله إلا الله ردت عليهم وقال الله تعالى كذبتم) # وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يزال قول ~~لا إله إلا الله يرفع سخط الله عن العباد حتى إذا نزلوا بالمنزل الذي لا ~~يبالون ما نقص من دينهم إذا سلمت دنياهم فقالوا عند ذلك قال الله تعالى لهم ~~كذبتم كذبتم) # وصدق لا إله إلا الله أن يقف عند صنع الله تعالى وعند أمره كالعبيد أما ~~صنعه فهو أحكامه عليك وتدبيره فيك مثل العز والذل والصحة والسقم والفقر ~~والغنى وكل حال محبوب ومكروه فتقف هناك كالعبيد لا تعصى الله في جنب ما حكم ~~عليك ودبر لك ويحكم به عليك وأما أمره فهو أداء الفرائض واجتناب المحارم ~~فلا تعصيه في ترك فريضة ولا انتهاك محرم وهذا أدنى منزلة في صدق لا إله إلا ~~الله لأنه بعد في حفظ الجوارح وأما المنزلة الأعلى أن # PageV03P017 # يكون مع هذين حافظا لقلبه قد راض نفسه وماتت شهواته فما ورد عليه من ~~أحكام الله تعالى رضي بها واهتشت نفسه إلى قبولها حبا له وإعظاما وما أعطي ~~من الدنيا قنع بها وكان كالخازن الذي يعطيه مولاه شيئا يأتمنه عليه فهو ~~يمسكها بالأمانة يرقب متى يومئ إليه حتى يبذلها من غير تلجلج وما ورد عليه ~~من أمره ونهيه أنفذ من غير أن يلتفت إلى عوض عنها في عاجل أو ثواب في آجل # فهؤلاء هم السابقون راضوا أنفسهم وفطموها عن الشهوات فلما جاءهم أمر الله ~~وأحكامه انقادوا وذلت نفوسهم لأمره إعظاما لجلاله ذلة العبيد ms396 الذين قد ~~استسلموا لسيدهم وهم المبهوتون في طاعة الله تعالى لا يفرقون بين أمور ~~الدنيا والآخرة قد استوت عندهم لأنهم لله وبالله لا يخطر على بالهم عند ~~تصرفهم في الأمور اختيار الأمور والأحوال فإن كان في مرمة نفس أو إصلاح ~~معاش فهو لله وإن كان في أمر الآخرة فهو لله تعالى فأعمارهم غير معطلة كلها ~~عبادة لمليكهم عبدوا الله بنومهم كما عبدوه بسهرهم وبأكلهم كما عبدوه ~~بجوعهم وعبدوه بتناول الدنيا وأخذها كما عبدوه بتركها إنما نظرهم إلى ~~تدبيره لهم فعلى أي حال سار بهم إليه ساروا طيبة بذلك نفوسهم حسنة أخلاقهم ~~فإنهم نظروا إلى المقتصدين الذين لم يرضوا أنفسهم ولا فطموها عن الشهوات ~~إلا أن خوف الوعيد حال بين نفوسهم وبين المعاصي فحجرهم عن أعمال أهل الهلكى ~~وحملهم على أعمال أهل النوال لما أطمعوا من الثواب كفعل الدواب تتلكأ وتبطئ ~~في السير حتى إذا أحست بالدنو من المنزل استقلت الحمولة وجدت للسير تحننا ~~إلى الاوازي أو أحست بالسوط من راكبها فتهتاج في السير مجدا فهؤلاء قد ~~استحيوا من أن يكون شبيها بهم وأن تكون عبادتهم طمعا في الثواب أو رهبة من ~~العقاب فإن هؤلاء انقادوا لله تعالى من أجل نفوسهم وليس هذا بخالص العبودة ~~إنما خالص # PageV03P018 # العبودة لقوم هامت قلوبهم في حب الله تعالى وهامت في جلاله وعظمته ~~فانبعثوا لأعمال البر شفوفا بهم لعلمهم أنه يحب ذلك وامتنعوا عن الآثام ~~هيبة له وإجلالا لمعرفتهم أنه مساخطه ومكروهه فهذان الصنفان هم أهل لا إله ~~إلا الله إلا أن أحدهما أعلى من الآخر ومن لم يكن فيه ذلك فهو من أهل قول ~~لا إله إلا الله # قال عليه السلام (ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في القبور ولا في ~~النشور كأني أنظر إليهم وهم ينفضون التراب عن رؤوسهم وهم يقولون الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن) # والناس في الحزن على درجات وكل يحمد الله على إذهاب حزنه فالمتقون حزنهم ~~قطع النار وفوت الجنة ومجاهدة النفس أيام الحياة والصديقون حزنهم تقصير ms397 شكر ~~ما لزمهم من العصمة والتوفيق بأن وفقهم للطاعات وعصمهم من الآثام فوجدوا ~~أنفسهم مقصرين في شكره ينتظرون العفو والعارفون على صنفين وحزنهم على وجهين ~~فصنف منهم حزنهم حزن العاقبة وهو الغالب على قلبه فإنه اشتاق إلى الله ~~تعالى فرقي به إلى درجة الجلال والجمال فسكن شوقه لطعم لذة ما نال من ~~القربة فمر في العبودة بقوة حظه من الجلال وعظم عمله لغد بقوة حظه من ~~الجمال فهو مطمئن ساكن # ولهذا قيل لواحد منهم أما تشتاق فقال إنما يشتاق الغائب فاستعظموا هذا ~~وصيروه غاية الأمر ولا يعلمون أن وراء هذا درجة فيها تنافس الأنبياء ~~والأولياء عليهم السلام المجذوبين المحدثين وهو حزن القلق فإنه يقلقل ~~أحشاءهم إلى آخر رمق من الحياة حتى تخرج أرواحهم بغصة من الكمد لأنهم خلصوا ~~إلى فردانيته وتعلقوا بوحدانيته # PageV03P019 # فظمئت أكبادهم عطشا إلى لقائه وهذا هو الذي أقلق موسى عليه السلام حتى ~~حمله على سؤال الرؤية ثم عاش أيام الدنيا عطشان إلى لقائه فمحال أن يستقر ~~العارف حتى ينكشف له الغطاء يوم الزيادة ويصل إلى ما سأل كليم الله عليه ~~السلام لأنه كلما ازداد العبد إليه قربا زاده مولاه دنوا فازداد هيمانا ~~وولها حتى يقلق ويكمد ويحترق من نيران الشوق # PageV03P020 ### | - الأصل الرابع عشر والمائتان ### | في أن الأمثال من معدن الحكمة وأن المرأة لم مثلت بالسيف المصقول # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ~~لقمان عليه السلام على جارية في الكتاب فقال لمن يصقل هذا السيف # هذه كلمة تمثيل من معدن الحكمة وعامة الحكمة في الأمثال لأن الأمثال ~~أنموذج الآخرة والملكوت وبالخلق حاجة إلى معاينة الأجل وإنما يعاينوه ~~بالعاجل ولهذا ما ضرب الله تعالى الأمثال في تنزيله الكريم وعجل لأهل ~~الدنيا من نعيم الجنان أنموذجا من الأنوار والطيب والذهب والفضة واللؤلؤ ~~والزبرجد وسائر الجواهر لأنهم لو لم يروا ذلك في الدنيا لم يفهموا منه تلك ~~الصفة فوصف لهم ثلاث درجات درجة فضة ودرجة ذهب ودرجة نور وأمسك عن وصف سائر ms398 ~~الدرجات إذ ليس عندهم أنموذجاتها فيفهمون بها عنه ما يصفه فقال {لا تعلم ~~نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} # PageV03P021 # والسيف أمره وجي لا يكاد يلبث بصاحبه فكذلك المرأة شهوتها من بين الشهوات ~~كالسيف من بين الأسلحة # روي أن إبليس لما خلقت المرأة قال أنت نصف جندي وأنت موضع سري وأنت سهمي ~~الذي أرمي بك فلا أخطئ # وذكر الله تعالى في تنزيله الكريم حب الشهوات فبدأ بذكر النساء فقال عز ~~من قائل {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين} ليعلم أنها أقوى الشهوات ~~وقال {وخلق الإنسان ضعيفا} أي في شأن النساء وقال تعالى {لتسكنوا إليها} ~~ولا يكون السكن إلا من الاضطراب والجولان # وذكر الله تعالى في تنزيله الكريم شأن ثلاثة من أنبيائه وأعلام أرضه ~~ابتلوا بهن يوسف وداود ومحمد عليهم السلام # فأما يوسف فابتلي بامرأة العزيز فلما تزينت له وراودته {قال معاذ الله ~~إنه ربي أحسن مثواي} # فلم تزل في مراودته ومخادعته حتى خلت به في بيتها وغلقت الأبواب # فقالت له يا يوسف ما أحسن صورة وجهك # قال في الرحم صورني # قالت ما أحسن شعرك # قال هو أول شيء يبلى مني في قبري # PageV03P022 # قالت ما أحسن عينيك # قال بهما أنظر إلى ربي # قالت ارفع بصرك فانظر في وجهي # قال أخاف العمى في آخرتي # قالت أدنو منك وتتباعد عني # قال أريد الاقتراب من ربي # قالت فادخل القيطون معي # قال القيطون لا يسترني من ربي # قالت فراش الحرير قد فرشته قم فاقض حاجتي # قال إذن يذهب من الجنة نصيبي # قالت إنك لجريء على سخطي # قال أريد بذاك مرضاة ربي # قالت أنت عبدي اشتريتك بمالي فتعظم علي # قال بجرمي وخطيئتي اشتريتني # قالت ضع يدك على صدري # قال إنه لا صبر لي على احتراق جسدي إذا زرعت في أرض غيري # قالت يا يوسف الجنينة قد عطشت قم فاسقها # قال الذي بيده مفاتيحها أحق بسقيها # قالت أعتقتك من الرق وجعلتك بمنزلة زوجي فبأي حول امتنعت مني # قال بحول ربي الذي في السماء معمره ومكان سيدي ms399 الذي في الأرض سلطانه ~~أخافه على نفسي # قالت إني مسلمتك إلى المعذبين # قال ذاك فعل إخوتي # قالت النار قد التهبت قم فاطفئها # PageV03P023 # قال أخاف أن يحرقني بها ربي # فلم تزل تخدعه وتراوده حتى هم بها فلما حل سراويله ورد يده إلى جيب قميصه ~~ليخلعه ويدخل معها في فراشها ناداه مناد من السماء ثلاث مرات مهلا يا يوسف ~~فإنك إن واقعت الخطيئة محي اسمك من ديوان النبوة # فلم يكترث لذلك الصوت وغلبه ما حدث فيه من الشهوة فمثل الله تعالى له ~~أباه في مثل صورته التي عهده فيها فنظر إليه غضبان عاضا على أنملته المسبحة ~~يوعده فلما رأى ذلك يوسف عليه السلام كف وهرب موليا نحو الباب واتبعته ~~سيدته فتداركا عند الباب ينازعها ليخرج وتجره من خلفه ليرجع فانقد قميصه من ~~دبر وألفيا سيدها لدى الباب {قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن ~~أو عذاب أليم} # فلما رأى ذلك يوسف عليه السلام أفشاها فقال {هي راودتني عن نفسي} حتى آل ~~الأمر إلى أن شاع أمرها في النساء وقبح عليها الأمر فجمعت النساء وجعلت ~~عيدا واستعانت بهن عليه وأوعدته وهددته إن لم يفعل ذلك ليسجنن أو عذاب أليم ~~وليكونن من الصاغرين {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} فاستجاب له ~~ربه فصرف عنه كيدهن # فلبث في السجن بضع سنين أي عشر سنين فلما انتهت مدة عقوبة الهم وجاء أوان ~~الخروج منه قال لذلك الذي كان حبسه الملك # PageV03P024 # ثم أخرجه {اذكرني عند ربك} {فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع ~~سنين} أي ثلاث سنين # فلما انتهت مدة عقوبة قوله {اذكرني عند ربك} جاء جبريل عليه السلام فقال ~~له إن الله تعالى يقول لك أتحب أن يكلك الله في شيء من أمرك إلى فرعون عنده # قال يوسف عليه السلام أعوذ من ذلك برأفة ربي ورحمته فخرج من السجن وآتاه ~~الله تعالى ملك مصر وخوله خزائن أرضها حتى جمع بينه وبين يعقوب عليهما ~~السلام وجمع شمله في إخوته وأهل بيته ms400 وانتقلوا إلى مصر # وروي أن امرأة العزيز أصابتها حاجة فقالوا لها لو أتيت يوسف فسألته ~~فاستشارت الناس في ذلك فقالوا لها لا تفعلي ذلك فإنا نخاف عليك قالت كلا ~~إني لا أخاف ممن يخاف الله تعالى فدخلت عليه فرأته في ملكه فقالت الحمد لله ~~الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته وجعل الملوك عبيدا بمعصيته فقضى لها جميع ~~حوائجها ثم تزوجها فوجدها بكرا فقال لها أليس هذا أجمل مما أردت # فقالت يا نبي الله إني ابتليت فيك بأربع كنت أجمل الناس كلهم وكنت أنا ~~أجمل أهل زماني وكنت بكرا وكان زوجي عنينا # وأما داود عليه السلام فإنه قعد في المحراب والزبور في حجره يقرأه إذا ~~طائر بين يديه عليه من الألوان أكثرها وسليمان عليه السلام صغير يلعب عنده ~~فلما أهوى ليأخذه طار من الكوة وقيل إنه كان إبليس فظهر له في هيئة طائر ~~ليفتنه فأخرج داود عليه السلام # PageV03P025 # رأسه فوقع بصره على امرأة حسناء تغتسل على رأس بركة في بستانها تحت محراب ~~داود عليه السلام فرأت ظله في البركة وأنه قد اطلع عليها إنسان فحركت شعرها ~~فجللت جميع جسدها بشعرها فرجع داود عليه السلام من الكوة بجسده وبقي القلب ~~هناك فخرج من المحراب وقصد بيت المرأة لينقلها إلى نسائه لتكون لنفسه في ~~ذلك شفاء مما حدث حتى يقدم زوجها أو ينتظر ما يكون فوقف على مدرجته ملكان ~~يقول أحدهما لصاحبه لقد أكرم الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب عن مثل هذا الممشى ~~فلم ينتفع بما سمع حتى صار من أمره إلى أن كتب لصاحب البعث أن يقدم زوجها ~~إلى التابوت وكان من قدم لذلك لا يرجع حتى تفتح المدينة أو يقتل فقدم زوجها ~~في نفر إلى التابوت فقاتلوا حتى قتلوا # واعتدت المرأة فخطبها وتزوجها واشتغل عنها بالتوبة وأقبل على العبادة ~~متداركا لما سلف منه حتى شغل عن أمور بني إسرائيل وجعل يأكل قويهم ضعيفهم ~~فلا يجد الضعيف غياثا ويقيم شهرا ببابه فلا يصل إليه لشغله بما أحدث من ~~الأمر حتى طمع فيه سفهاء بني ms401 إسرائيل وائتمروا في خلعه فانطلقوا إلى إبن له ~~أكبرهم سنا وأعزهم عليه وهو يكرهه فخدعوه ومنوه الملك وقالوا أنت أكبر ولد ~~أبيك وقد كبر أبوك وشغل وعجز عن السياسة وضاعت حقوق الناس وأحكامهم وأنت ~~أحق من يدارك ذلك ولا نراه يكره ذلك فإن هو عاتبك في ذلك أخبرته أنك إنما ~~فعلت ذلك نظرا له وشفقة عليه حين خشيت # PageV03P026 # الأمم وضياع الناس وخشيت على ملكه الأعداء فلم يزالوا يخدعونه حتى بايعهم ~~فلم يشعر داود عليه السلام حتى خلع وأصبح ابنه يبايع الناس ويدعو إلى نفسه # فلما بلغ ذلك داود عليه السلام عرف أنه عقوبة لذنبه فخاف الفتنة والبلاء ~~فهرب بنفسه ومعه أمير جنده وصاحب مشورته حتى إذا كان ببعض الطريق وهو يريد ~~جبلا يتحصن فيه لقيه رجل من بني إسرائيل قد غلب القضاة والحكام قبل داود ~~فلما ولي داود عليه السلام أنصف منه الضعيف وأقام عليه الحدود فلما نظر ~~الرجل داود في مذلة البلاء قال الحمد لله الذي نزع ملكك وأهانك وأذلك ~~وأفردك إلى نفسك وفرق عنك جموعك فسل ابن أخت داود الذي هو أمير جنوده سيفه ~~ليضربه فقال له داود عليه السلام مهلا فإن هذا ليس هو الذي يسبني على لسانه ~~ولكن الله هو الذي يسبني على لساني بذنبي وخطيئتي ومتى كان يطمع هذا أو ~~يرومني حتى يأذن الله له في فلم يظلمني ربي وأنا الذي ظلمت نفسي فلما ~~انطلقوا هاربين كمنوا في تلك الجبال لا يأمنون القتل # وكان لداود عليه السلام صاحب شورى يقال له نوفيل فغضب عليه وعزله واستبدل ~~به فقال ابن داود عليه السلام لنوفيل كيف الرأي في أمره قال أن تطأ فراشه ~~حتى يستيقن الناس أنه ليست لداود بقية عندك # قال كيف الرأي في قتاله # قال إن كنت تريد من يوم من الأيام فعجله اليوم ما دام مخذولا مسخوطا عليه ~~وإن أخرت أمره حتى يتوب الله عليه ويغفر له لم تطقه فهو الذي قتل جالوت وبز ~~طالوت ملكه وأذل رقاب الملوك # ثم استشار ابن داود آخر ms402 فقال له سمعت بابن نبي قتل أباه # PageV03P027 # أم هل سمعت بنبي أذنب فلم تقبل توبته أم ماذا تقول لربك يوم القيامة وقد ~~قتلت نبيه وأباك ووطئت فراشه وما وجه من قتل أبا نبيا ونكح أمه ما أعلم ~~يقبل ممن فعل هذا صرف ولا عدل فإن كان لا محالة أنت ضابط هذا الملك وبما ~~أجمعت عليه من عقوق أبيك وخلعه فلا تطلبه ولا تقتله فإن كان الله تعالى قد ~~أذن بفنائه فما أكثر معاريض البلاء التي تكفيك ذلك منه وإن كانت له مدة ~~وحياة يستكملها ألفيتك لم تأثم بربك ولم تفرط بوالدك # فقال الرأي رأيك وما أسمعك عرضت بغش ولا ادخرت نصيحة وأنا متابعك على ما ~~في قلبك وكاف عن داود ما كف عني فإن قاتلني حميت نفسي مخافة أن يظفر ~~فيقتلني فقال له الرجل إن داود لن يقاتلك حتى يقبل الله توبته ويأذن له ~~لقتالك وإن ظفر بك أحياك وأمنك فإنه أعظم حلما وأوسع عفوا من أن يقتل ولده # ولبث داود عليه السلام من يوم خرج إلى أن رجع إلى ملكه سنتين وانقطع ~~الوحي فلما رد الله تعالى إليه ملكه سرح ابن أخته وهو أمير جنده فأمره أن ~~يدخل المدينة ثم يدعو إلى داود عليه السلام ويخبر بني إسرائيل أن الله ~~تعالى قد قبل توبته ورد إليه ملكه فاتبعوه إلا قليل منهم انحازوا إلى ابنه ~~وكرهوا أن ينظروا إلى وجه داود عليه السلام بعد الذي كان منهم فاستقبلوا ~~فقاتلوا قتالا شديدا حتى قتلوا وكف ابن داود عليه السلام فلم يقاتل حتى قتل ~~أصحابه # ثم إنه هرب حياء من أبيه وأن لا يرى أبوه وجهه فتبعه ابن أخت داود وعهد ~~إليه داود عليه السلام وحذره أن يقتله وقال له إياك أن تقتله فإني قاتلك به ~~إذا خالفت أمري فإنه أعز ولدي علي ابتلاني الله تعالى به ليذلني وينقمني ~~بذنبي ويهينني بخطيئتي وينزع ملكي ثم تداركني عفوه ورحمته فعفا عني وقبل ~~مني وقبل # PageV03P028 # توبتي فينبغي لي أن أعفو كما عفا وأرجو له ms403 من التوبة ما رجوت لنفسي فليس ~~هو بأعظم جرما مني فالحذر على دمه # فلحقه فوجده قد علقته شجرة دخل عود منها برنسه فاقتلعه من السرج وزلت ~~الدابة من تحته حتى اقتلعه العود فبقي معلقا وذهبت الدابة فطعنه ابن أخت ~~داود بالرمح حتى اعتدل فيه وترك وصية داود عليه السلام ثم انصرف وتركه حتى ~~مات معلقا فغضب داود عليه السلام وقال إني قاتلك عاجلا أو آجلا فوطن نفسك ~~على ذلك واستبقاه داود عليه السلام لأنه كان رجلا منصورا بعيد الصوت ~~والنكاية في العدو فكره أن يعجل قتله فلما حضرته الوفاة أوصى سليمان عليه ~~السلام بقتله فقتله ساعة رفع يده من قبره # فلما تيب عليه التوبة الظاهرة ورد الله تعالى إليه ملكه واطمأن نزل عليه ~~الملكان فتسورا المحراب على ما قص الله تعالى وانكشف عنه الغطاء عن فعله ~~فبرز صارخا متململا وسجد سجدة العويل والنوح دام في ذلك أربعين صباحا حتى ~~نبت العشب حول رأسه من دموع عينيه فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال يا داود ~~ارفع رأسك فقد غفر لك فقال يا جبرئيل كيف بالرجل قال إن الله تعالى قد ~~أعاضه الجنة وقد غفر لك فارفع رأسك # وأما محمد صلى الله عليه وسلم فإنه وافى باب زيد بن حارثة ووقع بصره على ~~امرأته زينب بنت جحش رضي الله عنها وهي في خمار أسود وكانت وسيمة وذات هيئة ~~وهي واقفة في صحن الدار فوقعت في نفسه فقال بكفيه على عينيه وتولى وقال ~~سبحان مقلب القلوب والأبصار فرجع إلى منزله فلما آوى زيد إلى فراشه عجز ~~عنها وحيل بينه وبين إتيانها فلما رأى ذلك أحس بأمر حادث من الله فجاء إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطلقها فاعتل بعلل تطييبا لقلب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال له (اتق الله يا زيد وأمسك عليك زوجك) فلم يزل زيد # PageV03P029 # عن عزمه الذي عزم الله على قلبه فكما قلب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ~~فهويها كذلك قلب قلب زيد حتى طلقها وانقضت عدتها ms404 فنزل القرآن الكريم ~~بتزويجها منه على لسان جبرئيل فلما نزل قوله تعالى {فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها} قام عليه السلام فدخل عليها بغير إذن وهي لا تعلم شيئا فقعد ~~عندها # فأما يوسف عليه السلام حين البلاء قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ~~اعتصم بالله تعالى وأخذ العدة من التعوذ به وذكر إحسان من ملكه وكفران ~~نعمته أن يخون في أهله # وأما داود عليه السلام حين شخص له البلاء اعتصم بالحيل ونقل تلك المرأة ~~إلى نسائه لتطمئن النفس وأما محمد صلى الله عليه وسلم فزع إلى الله تعالى ~~فردا حين شخص له البلاء واعتصم بفردانيته فقال سبحان مقلب القلوب فذكر ~~نزاهته ومشيئته فتعلق بها وتضرع إليه أن لا يقلبها إلى ما لا يليق به ولا ~~يحسن عنده فكان عقبى نطق يوسف عليه السلام أن تركه حتى هم بها وكاد الأمر ~~أن يكون ثم تداركه برحمته التي بها نال الاستخلاص وصرف عنه بالبرهان وهو ~~جبرئيل في صورة يعقوب عليه السلام وهو سبب من الأسباب وكان عقبى تعلق داود ~~عليه السلام أن تركه حتى هم بما هم من شأن أوريا حتى مضى الأمر إلى آخره ثم ~~نبهه بالملكين وعاتبه وملأ المشرق والمغرب جزعا على مأتمه للمصيبة التي حلت ~~به وللحرقات التي هاجت منه وصارت إنابته وتوبته حديثا في العالمين ليكون ~~مددا للنواحين أيام الدنيا # وكان عقبى تعلق محمد صلى الله عليه وسلم أن ولي خلاصه من ذلك بنفسه فردا ~~ومنع زيدا من إتيانها وأخذ بقلبه عنها حتى طلقها ثم ولي تزويجها # PageV03P030 # منه فردا وأنبأه من طريق الوحي أن قد زوجناكها وأخرج ذلك من تدبير أهل ~~الدنيا حيث تزوجوا بولي ورضاء وشاهدان ومهر فهذه مرتبة رفيعة لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم حين أخرج تزويجه زينب من تدبيره لعامة من خلقه فزوج أمته من ~~عبده وولي ذلك بكرمه ورحمته وأشهد الوحي على ذلك وجعل مرتبته صداقا لها منه ~~وأعلم الأمة محل هذه القلوب الثلاثة أين كانت منه وبروز قلب محمد صلى الله ~~عليه ms405 وسلم على سائر القلوب # PageV03P031 ### | - الأصل الخامس عشر والمائتان ### | في أن أبا موسى أوتي مزمارا من مزامير آل داود عليه السلام # عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لقد أوتي أبو ~~موسى مزمارا من مزامير آل داود) فبلغ ذلك أبا موسى فقال يا رسول الله لو ~~علمت أنك تسمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا # الرمز والزمر بمعنى واحد إلا أن الرمز بالشفتين والزمر بالحنجرة والرمز ~~بتحريك الشفتين فإذا كان بصوت فهو كلام لأنه يدخل السمع فيكلم القلب أي ~~يؤثر فيصور معاني ذلك الصوت # PageV03P032 # الذي نطق به في الصدر وإذا كان بغير صوت فهو رمز لأنه إشارة إلى حروف ~~شفتيه فيقوم مقام الصوت فيفهم منه وأما الرمز فإذا خرج الصوت من جو الصدر ~~إلى جو الرأس حرك الحنجرة المركبة بعضها على بعض حتى يرد الصوت ويرجعه فإذا ~~تردد صارت له صداء وبذلك الصداء يتلون الصوت فيصير ألوانا فتلذذ به لأن بين ~~اللونين تدبيرا من تدبير الله تعالى ولطفا من لطفه ففصل بين اللونين حتى ~~إذا سمعت الأول ورد الثاني ثم عاد الأول فورد على السمع طريا ثم عاد الثاني ~~فورد طريا فتلك الطراوة على السماع وجود اللذة ولهذا إذا دام اللون سمج ~~وفقدت لذته فأخبر عليه السلام أن هذه الأصوات الزائدة على أصوات العامة من ~~عطاء ربنا وفضله وإنما يؤتي من يشاء من رحمته فلما بلغ ذلك أبا موسى رضي ~~الله عنه عظمت منة الله تعالى عليه أن ركب في جسمه وخلقته شيئا له موقع عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من عطايا ربه فقال لو علمت أنك تسمع لقراءتي ~~لحبرته تحبيرا # والتحبير تلوين الصوت ومنه برد حبرة إذا كان ذا ألوان وقال تعالى {في ~~روضة يحبرون} # وخص أهل اليقين بهذا لأن النور يفتح سدد تلك الطرق التي هي مخارج الصوت ~~فيصفو # قال عليه السلام (لم يبعث نبي إلا حسن الصوت حسن الصورة) # وأبو موسى رضي الله عنه كان من أولياء الله تعالى المشتعلة # PageV03P033 # قلوبهم بنوره ms406 سلام الله عليهم والذين لا تملكهم نفوسهم بل أوفرهم حظا فلم ~~يكن تأخذه محمدة الخلق فتملكه فلذلك أمكنه أن يقول لو علمت أنك تستمع ~~لقراءتي لحبرته تحبيرا يبتغي بذلك سرور رسول الله صلى الله عليه وسلم # قال عليه السلام (المخلص من لا يحب أن يحمده الناس في شيء من عمله) # وأحق من ينفق عليه صوته الممنون عليه بذلك هو الرسول عليه السلام لأن ~~الصوت الحسن حلية القرآن # قال عليه السلام لكل شيء حلية وزينة وحلية القرآن الصوت الحسن # والدليل أن أبا موسى رضي الله عنه كان من الأولياء أنه نزل قوله سبحانه ~~وتعالى {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه} # قال عليه السلام (نعم قوم هذا) وأشار إلى أبي موسى رضي الله عنه فما ~~لبثوا إلا يسيرا حتى قدمت سفائن الأشعريين وقبائل اليمين من طريق البحر ~~وكان لهم بلاء في الإسلام في زمن # PageV03P034 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت عامة فتوح العراق على يدي قبائل ~~اليمن في زمن عمر رضي الله عنه # وعن زيد بن أسلم رضي الله عنه أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر ~~في نفر منهم لما هاجروا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في فلك وقد ~~أرملوا من الزاد فأرسلوا رجلا منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله ~~فلما انتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه يقرأ هذه الآية {وما ~~من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} فقال الرجل ما الأشعريون بأهون ~~الدواب على الله فرجع ولم يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~لأصحابه (أبشروا أتاكم الغوث) ولا يظنون إلا أنه قد كلم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فوعده # فبينا هم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينهما مملوءا خبزا ولحما ~~فأكلوا منها ما شاءوا ثم قال بعضهم لبعض لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليقضي به حاجته ms407 فقالوا للرجلين اذهبا بهذا الطعام ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنا قد قضينا منه حاجتنا ثم إنهم أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله فما رأينا طعاما أكثر ~~ولا أطيب من طعام أرسلت به فقال يا رسول الله فما رأينا طعاما أكثر ولا ~~أطيب من طعام أرسلت به فقال (ما أرسلت إليكم شيئا) فأخبروه أنهم أرسلوا ~~صاحبهم فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ما صنع وما قال لهم فقال ~~صلى الله عليه وسلم ذلك شيء رزقكموه الله سبحانه # وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (يقدم عليكم ~~قوم هم أرق أفئدة منكم) فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى # PageV03P035 # رضي الله عنه فجعلوا يرتجزون ويقولون غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه # وقوله (من مزامير آل داود) فإن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان داود ~~عليه السلام يقرأ الزبور بسبعين صوتا يلون فيها وكان يقرأ قراءة يطرب منها ~~المحموم وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر ولا بحر إلا سمعن ~~لصوته # وعن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال كان داود عليه السلام يأخذ المعزفة ~~فيضرب بها ثم يقرأ عليهم يريد أن يبكي بذلك ويبكي والمعزفة تهيج من معدن ~~السرور ما فيه لا من موضع الحزن فدل أن هذا بكاء الشوق يبكي داود عليه ~~السلام ويبكي المشتاقين لأن المشتاق الهائم من طول الغيبة عمن اشتاق إليه ~~يشتد حزنه وفي باطن حزنه السرور لأن الحب أصله والسرور من الحب والشوق من ~~السرور والحزن من أجل الشوق فإذا لاقى قلبه أصوات السرور بكي. # PageV03P036 ### | - الأصل السادس عشر والمائتان ### | في بئس العبد من ثمانية أوجه والتحذير منها # عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول (بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى بئس العبد عبد سهى ~~ولها ونسي المبدأ والمنتهى بئس العبد عبد بغى وعتا ونسي المقابر والبلى بئس ~~العبد ms408 عبد يحتال بالدين والدنيا بئس العبد عبد يختل الدنيا بالشبهات بئس ~~العبد عبد يذله الرعب عن الحق بئس العبد عبد طمع يقوده بئس العبد عبد هوى ~~يضله) # قوله (تجبر واعتدي) احتشى من الشهوات وعمل بهواه وجبر الخلق على هواه ~~وصار ذلك له عادة واعتدى في جبريته ونسي # PageV03P037 # الجبار الأعلى الذي له الجبر وقد صغرت الدنيا بمن فيها والملكوت في ملك ~~جبروته ودق # وقوله (سها ولها) سهوه بالأماني ولهوه بالشهوات ونسي المبدأ من أين خلق ~~ونسي المنتهى إلى أين يرد # وقوله (بغى وعتا) أي طلب العلو كلما رأى من الدنيا درجة أحب أن ينال ذلك ~~ويسلب غيره ليتفرد بها دون نظرائه (وعتا) يبس قلبه فإن حرارة شهوته انتشفت ~~رطوبة قلبه وما ركب فيه من الرأفة والرحمة الخلقية ونسي أن القبر متضمنه ~~ومحتوى على أركانه ومبلي لحمه ودمه أكلا # وقوله (يحتال الدنيا بالدين) فهو متصنع مداهن همته فيما يعرض له في ~~العاجل من النهمة متى ينالها لبعد قلبه عن الآخرة مترصد للتوثب على الدنيا ~~لينالها وليظفر بها منتهزا لفرصتها يتحلى بظاهر الإيمان ليطارد به الدنيا ~~وصير معالم الإيمان شبكة لحطامها وأوساخها يظهر الخشوع بالتماوت ليحظى عند ~~أهل الدنيا فينال من عزها وجاهها ويتحازن عند لقاء الخلق ويتنفس الصعداء ~~يظهر الاهتمام لدينه والتحسر على إدبار أمره وأسفه على ما يفوته من الدنيا ~~ويمتنع من قبول النزر اليسير من الدنيا ليكون في هيئة الزاهدين ولئلا ينكسر ~~جاهه عند الخلق ويصير عندهم في صورة الراغبين ومع ذلك قد هيأ على كل باب من ~~منالات الدنيا بابا من أبواب الدين ليختله من أيديهم يظهر الزهادة ليمال ~~عليهم الدنيا ويظهر العبادة لتكفي مؤنه ويظهر الورع ليؤتمن على الأموال ~~ويظهر الانقباض ليهاب ويظهر الشره على أهل الريب ليشار إليه بالأصابع ويطلب ~~الرياسة ليحكم في الخلق في معاملته تحكم الملوك ويطلب العز لنفاذ مشيآته ~~فيهم # قوله (يختل الدنيا بالشبهات) فهو رجل فر من الحرام ويغمص عند الشبهة ~~يخادع الله تعالى بذلك ويقول أفر من الحرام # PageV03P038 # وقوله (يذله الرعب عن ms409 الحق) إذا استقبله حق من حقوق الله تعالى فأراد أن ~~يقيمه جاءت النفس بسوء ظنها فخوفته وجوه المهالك حتى ترعبه فتذله قد علاه ~~الرعب من سوء الظن فانكسر قلبه وانخلع جبنا # قال عليه السلام (شر ما في الإنسان حرص هالع وجبن خالع) # وقوله (طمع يقوده) هو أن يتمنى أمرا من شهوات الدنيا فلا يزال يتمنى ~~ويفكر حتى يجد طمعه في الفكر الذي جال في صدره فإذا وجد القلب طمعه قادته ~~تلك الشهوة # وقوله (هوى يضله) هو ترك الحق في أموره وفي سيره إلى الله تعالى حتى يقع ~~في الباطل والهوى والزيغ عن سواء السبيل # PageV03P039 ### | - الأصل السابع عشر والمائتان ### | في سر دعوات أبي ذر رضي الله عنه # عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أتاه جبرئيل ~~عليه السلام فبينما هو عنده إذ أقبل أبو ذر فنظر إليه جبرئيل فقال هو أبو ~~ذر قلت يا أمين الله وتعرفون أنتم أبا ذر فقال نعم والذي بعثك بالحق ان أبا ~~ذر أعرف في أهل السماء منه في أهل الأرض وإنما ذلك لدعاء يدعو به كل يوم ~~مرتين وقد تعجبت الملائكة منه فادع به فسل عن دعائه فقال عليه السلام (يا ~~أبا ذر دعاء تدعو به كل يوم مرتين) قال نعم فداك أبي وأمي ما سمعته من بشر ~~وإنما هو عشرة أحرف ألهمني ربي إلهاما وأنا أدعو به كل يوم مرتين أستقبل ~~القبلة فأسبح الله مليا وأهلك مليا وأحمده مليا وأكبره مليا ثم أدعو بتلك ~~العشر الكلمات اللهم إني أسألك إيمانا دائما وأسألك قلبا خاشعا وأسألك علما ~~نافعا وأسألك يقينا صادقا وأسألك دينا قيما وأسألك العافية من # PageV03P040 # كل بلية وأسألك تمام العافية وأسألك دوام العافية وأسألك الشكر على ~~العافية وأسألك الغنى عن الناس # قال جبرئيل يا محمد والذي بعثك بالحق لا يدعو أحد من أمتك هذا الدعاء إلا ~~غفرت له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر وعدد تراب الأرض ولا يلقاك أحد ~~من أمتك وفي قلبه هذا الدعاء ms410 إلا اشتاقت إليه الجنان واستغفر له المكان ~~وفتحت له أبواب الجنة ونادت الملائكة يا ولي الله أدخل من أي باب شئت # (إيمانا دائما) أن يدوم له توحيده حتى يختم له بذلك فلا يسلبه فيلقى ربه ~~بإيمانه وأن يكون له يقين يصير أموره معاينة ولا ينقطع ذكر الله تعالى عن ~~قلبه على كل حال ويصير قلبه خاليا عن ذكر كل شيء وينفرد للفرد الواحد فيأنس ~~به ويطمئن إلى حكمه وإذا غلبته شهوة أو رغبة أو رهبة أو غضبة فملكته نفسه ~~صار إيمانه في قلبه كشمس قد انكسفت فذهب ضوؤها فسأل إيمانا دائما أي يدوم ~~له شمسه فلا تنكسف حتى يكون صدره مستنيرا بنور اليقين في كل أمر # ومنه قول أبي الدرداء رضي الله عنه حين بلغه أن فلانا أعتق مائة رقبة ~~إيمان ملزوم بالليل والنهار ولسانك رطب بذكر الله تعالى أفضل من ذلك # وقال ابن رواحة رضي الله عنه إذا دام الإيمان على القلب دام الذكر # ومن ههنا قال معاذ رضي الله عنه تعال نؤمن ساعة # PageV03P041 # وقال عليه السلام أشد الأعمال ذكر الله تعالى على كل حال # (وقلبا خاشعا) ماتت شهواته فذلت النفس لله تعالى وخشع القلب مما طالع من ~~جلال الله تعالى وعظمته # (وعلما نافعا) هو الذي تمكن في الصدر وتصور بالنور الذي أشرق في الصدر ~~فتصور الأمور حسنها وسيئها فيأتي حسنها ويجتنب سيئها فذلك العلم النافع من ~~نور القلب والعلم الذي تعلمه فذلك علم اللسان إنما هو شيء قد استودع الحفظ ~~والشهوة غالبة عليه قد أحاطت وأذهبت بظلمتها ضوءه # (ويقينا صادقا) ينفي الشك ولا يغلب الشهوة وهو يقين التوحيد ويقين آخر ~~نور مشرق للصدر غالب للشهوات صارت له أمور الدنيا والآخرة وأمر الملكوت ~~معاينة قد ورث قلبه الخشية والمحبة والهيبة والتعظيم لله عز وجل # (ودينا قيما) أي الخضوع لله تعالى بأمره ونهيه بأن يكون مسيره إليه في ~~الشريعة على سبيل الاستقامة لا زيغ فيه ولا بدعة فيحل ما أحله ويحرم ما ~~حرمه ويؤدي فرائضه ويجتنب مساخطه قال الله تعالى ms411 {وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين} الآية وأعلاه أن يدين لله تعالى حتى لا يلتفت إلى ~~أحد سواه فيكون هو ملجأه ومفزعه # (والعافية من كل بلية) بلية تعجيل عقوبة العبد مثل ما نزل بيوسف # PageV03P042 # عليه السلام من لبثه في السجن بالهم وبلية امتحان مثل ما نزل بأيوب عليه ~~السلام قال الله تعالى {إنا وجدناه صابرا} # وبلية كرامة مثل ما نزل بيحيى بن زكريا الذي لم يعمل خطيئة قط ولم يهم ~~بها فذبح ذبحا وأهدي رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل فسأل العافية من ~~ذلك كله # والعافية أن لا يكله إلى نفسه ولا يخذله بل يكلؤه ويرعاه في كل هذه ~~الوجوه # (ودوام العافية) أن تدوم له فلا تنقطع وتمام العافية أن تكون عافية لا ~~شوب فيها والشكر على العافية فإن به ترتبط النعمة ويجلب المزيد والغنى عن ~~الناس بالاستغناء بالله تعالى وفيه الخروج من الرق إلى الحرية # PageV03P043 ### | - الأصل الثامن عشر والمائتان ### | في أن العين حق # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (العين ~~حق ولو كان شيء سابقا القدر لسبقه العين وإذا استغسلتم فاغسلوا) # قال أبو عبد الله رحمه الله كان الله ولا شيء ثم أبدا ملكه وربوبيته ثم ~~خلق الخلق لإظهار ملكه ليدينوا له عبودة ولا يشغلوا بالأشياء عن صانع ~~الأشياء فيلهيهم عنه ويفتتنوا بهم فإذا أعجب واحد بشيء من خلقه غير ذلك ~~الحال ليفسد إعجابه وكان هذا حق من فعله لأن شرطه حين خلق الخلق أن ينتظروا ~~إلى صنعه ويرونه محمودا # قوله (لو كان شيء سابقا القدر لسبقته العين) فإن الله تعالى # PageV03P044 # قدر المقادير قبل الخلق بخمسين ألف سنة فليس شيء من الخلق سبق القدر ~~لأنهم خلقوا بعد القدر وإنما قدر الخلق ليخلق ويظهر ملكه وربوبيته فيحمدوه ~~ويعبدوه ويضيفوا الأشياء إلى وليها وصانعها كما روي أن الله تعالى قال (ما ~~خلقت الجن والإنس لحاجة كانت بي إليه ولكن لأبين به قدرتي ولأعرف به ~~الناظرين نفسي ولينظروا في ملكي وتدبير ms412 حكمتي وليدين الخلائق كلها لعزتي ~~ويسبح الخلق بحمدي ولتعنو الوجوه كلها لوجهي) # فمن غفل عن الله تعالى ونظر إلى الأشياء بعين الغفلة فيعجب بها وتصير ~~فتنة عليه ومن شرط الله تعالى أن يعتبروا وعبروا عن الأشياء إلى خالقها ~~فإذا لم يعتبروا وبقوا مع الأشياء عجبا وفتنة فسد ذلك الشيء عليهم كي ~~ينبئهم ويعير عليهم عجبهم وقد تقدم شرط القدر على الخلق فلو كان شيء سابق ~~القدر لسبقته العين لقربه وجواره له ولا يسبقه لأن القدر قبل أن يخلق الخلق # وقوله (فإذا استغسلتم فاغسلوا) هكذا جرت السنة أن العاين يتوضأ أو يغتسل ~~ليغسل بتلك الغسالة هذا المعان فيخف ما به وينحل من ثقله كما ينحل صاحب ~~الأخذة من سحره # فإن أخذه المعان من قبل الحق فإن الحق عز وجل يقتضي أن ينسبوا الأشياء ~~إلى وليها ومالكها ولا يرضى أن تضاف إلى غير خالقها فإذا أخذت الأشياء عن ~~الأسباب في حالة الغفلة عن الله تعالى والشرط النظر إلى صنع الله تعالى ~~ولطفه في صنعه وبره بالعبد وعطفه عليه فاقتضى الحق تعالى شكره لولي الخلق ~~فإذا نظروا إلى الأشياء فأعجبوا بها ناشد الحق وليها في إفساد ما به أعجبوا ~~لأن تلك النعمة # PageV03P045 # حدثت من الملك من خزائن المنة على أيدي لطفه فغيرها العباد بعمى النفوس ~~عن جهتها فغير الله تعالى ما بهم قال الله تعالى {ذلك بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} الآية # فغير الله تعالى الحال وأفسد عليها إعجابها رحمة للناظر والمنظور إليه ~~ليكون للناظر عبرة وللمنظور إليه خروجا من أن يكون سببا لما كره الله تعالى ~~من فتنة العباد من دونه فأمر هذا العاين أن يغتسل فإن الغسالة مرفوضة ~~تعافها النفس وجعل الله الشفاء فيما رفضت نفسها وعافته إذ ليس شيء في الأرض ~~مما يلائم النفس إلا ولها فيه شهوة وإليها نزوع فإذا استشفي هذا المعان بما ~~قد رفضت نفس العاين وليس لها فيه شهوة ولا إرادة تخلصت من آفة النفس تقربا ~~إلى الله ms413 تعالى بخلافها والرد عليها تأميلا للشفاء وحسن ظنه به فحقق الله ~~تعالى أمله ويفي بالظن فيعافيه وصارت النفس مزجورة مذمومة بفعلها # وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أكثر من ~~يموت من أمتي بالنفس بعد كتابه وقضائه) يعني بالعين # وعن أنس رضي الله عنه قال كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيم ~~مريض فسأل عنه يوما فقالوا إنه لمثبت يا رسول الله قال (أفلا استرقيتم فإن ~~ثلث منايا أمتي من العين) وإنما صار كذلك لأن هذه الأمة فضلت باليقين على ~~سائر الأمم فحجبوا يقينهم بالشهوات فعوقبوا # PageV03P046 # بآفة رحمة من الله لهم فإنه لما فضلهم باليقين وهو التأييد الأعظم لم يرض ~~منهم بأن ينظروا إلى الأشياء بعين الغفلة وتتعطل منة الله تعالى عليهم ~~وتفضيله إياهم والله أعلم # PageV03P047 ### | - الأصل التاسع عشر والمائتان ### | في الاستعاذة بالله تعالى # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ~~استعاذكم بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ومن استجاركم بالله فأجيروه ~~ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد ~~كافأتموه) # الاستعاذة بالله تعالى دخول في مأمنه وحريمه ومن التجأ إلى ملك في الدنيا ~~هاب طالبه أن يتكلف عنه أذى وكف عنه إعظاما لمن التجأ إليه ولم يرض الملك ~~أن يتكلف الطالب منه بعد ذلك مكروها وإن خذله عد ذلك منقصة فكيف ممن دخل في ~~عياذ الله وجواره # وقوله (من سألكم بالله فأعطوه) فالسؤال بالله أن يسأل ربه أن يسأل هذه ~~الحاجة له فكأنه صير الرب عز وجل سائلا بينه وبين صاحبه إذا سأل بحق والله ~~تعالى لا يرد وإذا سأل بباطل فإنه لن يسأل بالله تعالى وإنما يسأل بالشيطان # PageV03P048 # سأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه شيئا فلم يعطه فقال أسألك بوجه ~~الله تعالى فقال له كذبت ليس بوجه الله سألتني إنما وجه الله الحق ولكن ~~سألت بوجهك الخلق # وقال صلى الله عليه وسلم (من ms414 سألكم بالله فأعطوه وإن شئتم فدعوه) # قال معاذ رضي الله عنه فإن سأل وهو مستحق فإن لم تعطوه فأنتم ظلمة وإن ~~عرفتم أنه غير مستحق أو اشتبه عليكم فلم تعرفوا أنه سأل بحق فيجوز أن لا ~~تعطوه وأما المعروف فإنه يكافئ فإن لم يجد المكافأة فالدعاء أكبر من ~~المكافأة بالشيء لأن الذي أعطاه عوضا من الدنيا وهذا قد كافأه بالمسألة من ~~الله تعالى نوالا ونوال العبد يدق في جنب نوال الله تعالى والعبد إذا صنع ~~إليه معروف فلم يجد ما يكافئ اشتد عليه لكرم طبعه وكونه عارفا بالصنائع ~~شاكرا له فأثقله معروفة فأوعزته الحاجة من الخلائق من أثقال معروفة ففزع ~~إلى الله تعالى وسأله أن يكافئه عنه وهو يحب هذا الخلق من المؤمن فإنه محض ~~الشكر فقمن أن يستجيب له # PageV03P049 ### | - الأصل العشرون والمائتان ### | في أن القلب ملك والأركان عبيد # عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي ~~القلب # القلب ملك والأركان عبيد وإنما يعمل كل ركن في معمله بمشيئة القلب وأمره ~~والقلب عن مشيئة الله تعالى شاء لم يكله إلى أحد سواه ولم يطلع عليه أحدا ~~يضع فيه ما يشاء ويرفع منه ما شاء والنور والتوحيد فيه والطاعات منه وفكر ~~ذلك كله في الصدر وعنه تصدر الأمور ولذلك سمي صدرا والقلب لتقلبه والقلب ~~معدن النور ومستقر التوحيد ومنظر الرب سبحانه وتعالى والصدر موضع التدبير ~~والفكر والنفس معدن الشهوات فإذا وجدت النفس طريقا إلى القلب مرت بشهواتها ~~إليه فدنست الإيمان # PageV03P050 # قال عليه السلام (الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل) # وقال أيضا عليه السلام (الإيمان حلو نزه فنزهوه ونزاهته أن تفطم نفسك عن ~~الشهوات حتى لا يصل إلى قلبك منه بمنزلة ماء صاف جرى إليه ماء كدر فذهب ~~بصفائه أو عسل ماذي وصل إليه الصبر فغيره عن حالته لأنه إذا استقر في قلب ~~المؤمن توحيد رب كريم ودود ms415 ظهر له وداده وكرمه وبره فقد وجد حلاوة التوحيد ~~ونزاهته فإذا جاءت شهوات النفس سبيلا إلى القلب فخالطته وكدرته ومازجت ~~حلاوته فدنست وكدرت فأي خسران أعظم من هذا ومن خلع عليه ملك خير خلعه في ~~خزانته فدنسها بقلة التوقي لها عن مواضع الدنس أو لم يكن محقوقا أن يسلب ~~فيهان أم ليس على حياء من فعله في اليوم الذي دخل على الملك بتلك الخلعة ~~فما ظنك بمن خلع الله تعالى عليه التوحيد فدنسه فانظر ماذا حل به إذا دخل ~~عليه والقلب مثله مثل ملك له عبيد لهم هيئة وشارة ومراكب وزي الأغنياء ~~والملك فقير معدم ليس له مادة ولا كنز فإذا نظر إليه العاقل يقول ليس لهذا ~~الأمر نظام ولا له دوام فإنه معدم # فهذه الهيئآت التي أراها لا تدوم وسيحتاج إلى مثلها وليس له مدد وإن برز ~~له مناوئ يكون زوال ملكه وضياع هؤلاء العبيد ونظر أحوالهم وإن كان الملك ذا ~~كنوز ومادة والعبيد في هيئة بذة يقول في نفسه له بيوت أموال من الكنوز ففي ~~ساعة واحدة يصيرهم فرسانا بجميع آلتهم ويكسوهم من الكسوة ويعطيهم من العدة ~~ما يعرفهم لغناه فكذلك من كان قلبه بين يدي الله تعالى في غناه وسلطانه وقد ~~احتظى # PageV03P051 # منه الحظ الأوفى من جلاله وعظمته وكبريائه ومجده فهو في تلك الأنوار مشرق ~~صدره بها # فإذا رأى أركانه معطلة من أعمال البر لم يحيره ذلك لأن الملك غني فعري ~~الأرقام لا يضره إذ لا يترك فرضا وإنما يترك فضلا ولا تستبين الفضائل في ~~جنب ما تفضل الله تعالى به عليه من معرفته التي برز بها على الخلق وقد عرف ~~الله تعالى معرفة وثق به في جميع أحواله وفوض أموره إليه # فانظر إلى تدبيره مراقبا له قابلا لأحكامه قنعا بالذي يؤتى من دنياه ~~مؤتمرا بأمره مطمئنا به ليست له همة ولا نهمة ولا قرار إلا الخلاص من هذا ~~السجن الذي أخذ بنفسه قد ضاعت عليه الدنيا وصارت سجنا لطول احتباسه لأنه ~~ظمآن إلى لقاء مولاه # وأي ms416 شيء ألذ من لقاء العبد سيده الذي كان أمله من الدنيا والآخرة فأما ~~الإباق من العبيد الذين جهلوا سيدهم لا يحب لقاء سيده وهل شيء أثقل عليه من ~~لقائه لأنهم استطابوا الحرية وتعجلوها بتقلبهم في دنياهم وشهواتهم وهربوا ~~من العبودة فهم وإن كانوا قد عرفوه ولم يشكوا فيه بعد أن أيقنوا وعلموه علم ~~اللسان إلا أنهم جهال به لم ينكروه لأنه لم يتراء على قلوبهم نور جلاله ولا ~~حل بقلوبهم عظمته ولا تجلل عليها كبرياؤه ولا طالعت مجده وسلطانه ولا عاينت ~~منته وإحسانه ولا فهمت تدبيره ولطفه في الأمور ولا انتبهت لربوبيته ولا ~~شربت بالكأس الأوفى من محبته ولا ظمئت من الشوق إليه ولا ولهت وله العكف ~~ببابه ولا تفسحت في ساحات توحيده متأنسا بجماله ولا انفردت لأحديته ولا ~~حييت بحياته ولا خلصت لوحدانيته ولا طابت بنسيم قربه ولا انشرحت صدورهم ~~بذلك من قلوبهم بل علموا علما مجملا اقتضاهم الإيمان الإقرار بذلك قولا # PageV03P052 # والاعتقاد له قلبا وصدورهم غير منشرحة بباطن علمه فمن جهل هذا اكتفى ~~بهيئة العبيد والملك فقير معدوم # والعاقل ينظر إلى صلاته وصيامه وحجه وجهاده وأعمال بره وكأنه نظر إلى ~~أركان وجوارح كهيئة العبيد عليهم هيئة مرتفعة ومراكب سرية وأسلحة وافرة ~~وإذا نظر إلى باطن أحدهم وجد خوف الرزق على قلبه كالجبال كاد يموت من همه ~~وخوف الخلق وسقوط منزلته عن قلوبهم ووجد فيهم الفرح بمدح الخلق لهم والثناء ~~عليهم وحب الرياسة وطلب العلو والتبصبص للأغنياء والاستحقار للفقراء ~~والأنفة منهم والاستكبار في موضع الحق والحقد على أخيه المسلم والعداوة ~~والبغضة وترك الحق لمخافة ذل ينزل به والقول بالهوى والرغبة في الدنيا ~~والحرص عليها والشح والبخل وطول الأمل والأشر والبطر والغل والغش والمباهاة ~~والرياء والسمعة والاشتغال بعيوب الخلق والمداهنة والإعجاب بالنفس والتزين ~~للمخلوقين والصلف والتجبر وغرة النفس والقسوة والفظاظة وغلظ القلب والغفلة ~~وسوء الخلق وضيق الصدر والفرح بالدنيا والحزن على فوتها وترك القناعة ~~والمراء في الكلام والجفاء والطيش والعجلة والحدة وقلة الرحمة وقلة الحياء ~~والاتكال على الطاعات وفضول الكلام ms417 والشهوة الخفية وطلب العز واتخاذ ~~الأخوان في العلانية على عداوة في السر والتماس المغالبة والانتصار للنفس ~~والتعظيم للأغنياء من أجل غناهم والاستهانة بالفقراء من أجل فقرهم والغيبة ~~والحسد والنميمة والجور والعدوان # فهذه كلها مزابل قد انضمت عليها طويات صدره وظاهره العبادة وأنواع أعمال ~~البر فإذا انكشف الغطاء عن هذه الأشياء بين يدي الله تعالى كان كمزبلة فيها ~~أنواع الأقذار غشيت بالديباج فلما رفع عنه الغطاء أخذت بالأنف من نتنها ~~وأعرض الناظرون عن قبحها فهذا المتصنع المرائي عبد شهواته لم يقدر أن يخلص ~~من عمله ونفسه # PageV03P053 # متقدة بنار الشهوة وقلبه مشحون بهوى نفسه ولو اجتهد في إخلاص الصلاة ~~والصوم فهو محتاج إلى أن يخلص في مشيته وركوبه ونزوله وأكله وشربه ومنطقه ~~وصمته وأخذه وإعطائه وجميع معاملاته ولو أخلص هذا كله أليس هذه المزابل معه ~~فهذه كلها عيوب والعبد إذا كثرت عيوبه انحطت قيمته # والعاقل لا يغره ما رأى من ظاهر أحواله إذا اطلع على باطنه فوجده كما ~~وصفنا كمن رأى ملكا له عبيد في زي وهيئة ومراكب والملك بنفسه ليست له مادة ~~من الأموال وإذا رأى عبدا أركانه معطلة من أعمال البر وقلبه ملك من الملوك ~~مملوءة خزائنه أموالا وبيوته جواهر والأموال غناه بالله تعالى وأي غني أغنى ~~ممن استغنى بالله تعالى إذ الغنى بالأموال منقطع والغنى بالله تعالى دائم ~~إذ هو حي لا يزول وأما الجواهر فحكمة صفاته وقد عجز عن دركها العامة وإنما ~~خص بها الأنبياء والأولياء عليهم السلام أهل خدمة الله تعالى فإنه قد انفرد ~~بالفرد الواحد واحتظي من جلاله وعظمته وكبريائه ومجده وجماله فتواضع له ~~وخشعت جوارحه لخشوع قلبه وعظم أمر الله وحفظ حدوده وراقب تدبيره إعظاما ~~لجلاله وهيبته وتذللا لربوبيته فعنده الرأفة بالخلق والرحمة لهم واللين ~~والرأفة والحلم وسعة الصدر وتعظيم أمر الله تعالى والإخلاص له وحراسة القلب ~~ودوام الفكر والقناعة والرضى والإنابة والشوق إليه والتبرم بالحياة واليقظة ~~في الأمور والمعاينة لها والرزانة والصيانة والشفقة والعطف والتأني والوقار ~~والسكون والذكر الدائم والرهبة والرغبة والخوف والرجاء والأنس ms418 بالله تعالى ~~والسرور به والسخاء والجود والبشاشة والنصيحة وسلامة الصدر صار كمن رأى ~~عبدا في هيئة رثة والملك صاحب كنوز وجواهر فعلم هذا العاقل أن هذه الهيئة ~~لا تضر عبيده لأنه متى عرض لهم أمر فتح لهم بابا من خزائنه فعرفهم فكذا هذا ~~القلب قد امتلأ خيرا # PageV03P054 # وامتلأ جوارحه من هذا الخير فلساعة من عمره بهذه الصفة أفضل من أعمال ~~الثقلين دهرا وإذا تعطلت أركانه عن كثير من أعمال البر فهو في الخير كله ~~دائم عليه بدوام قلبه على ذلك وقليل من عمله أزكى من عمل ذلك المخلط سنين ~~كثيرة # يروى أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى ما به من ~~الضر قال (ما بلغ بك ما أرى) قال بأبي أنت وأمي السقم والحاجة قال له (أفلا ~~أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن أذهب الله عز وجل عنك ما بك) قال بأبي أنت وأمي ~~ما أحب أن لي مما ترى بي وقعة بدر وأحد فقال عليه السلام (يا أخا الأنصار ~~وأين تقع وقعة بدر وأحد من موضع الفقير القانع) وشهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجلا بالجنة فلم ير له صوم ولا صلاة فقيل له في ذلك فقال إني ~~أبيت وليس لأحد في قلبي غل ولو أعطيت الدنيا ما فرحت بها ولو أخذت مني لم ~~أحزن عليها # وعن أبي بكر بن عبد الله المزني رضي الله عنه قال إن أبا بكر رضي الله ~~عنه لم يفضل الناس بكثرة صلاة ولا صوم وإنما فضلهم بشيء كان في قلبه # وعن الحسن رضي الله عنه قال إن عمر لم يغلب الناس بالأعمال إنما غلبهم ~~بالصبر واليقين والزهد # وقال عبد الله رضي الله عنه أنتم اليوم أكثر صلاة وصوما وجهادا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيرا منكم قالوا مم ذاك قال كانوا ~~أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV03P055 # فيما يحكي ms419 عن ربه عز وجل أنه قال يا موسى إنه لن يتصنع المتصنعون بمثل ~~الزهد في الدنيا ولن يتقرب المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم ولم يعبدني ~~العابدون بمثل البكاء من خشيتي فأما الزاهدون فأبيحهم الجنة حتى يتبوؤا ~~منها حيث شاءوا وأما الورعون عما حرمت عليهم فإنه ليس من عبد يلقاني يوم ~~القيامة إلا ناقشته الحساب وفتشته عما في يديه إلا ما كان من الورعين فإني ~~أجلهم وأكرمهم وأدخلهم الجنة بغير حساب وأما البكاءون من خشيتي فلهم الرفيق ~~الأعلى لا يشركون فيه # وقال عليه السلام (الورع سيد العمل) # ومن لم يكن له ورع يرده عن معصية الله تعالى إذا خلا بها لم يعبأ الله ~~بسائر عمله شيئا فذلك مخافة الله في السر والعلانية والاقتصاد في الفقر ~~والغنى والصدق عند الرضى والسخط ألا وإن المؤمن حاكم لنفسه يرضى للناس ما ~~يرضى لنفسه وهذه الخصال لا تكون إلا لأهل القلوب # وقال أنس رضي الله عنه ما أعرف اليوم فيكم شيئا كنت عهدته على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لبس قولكم لا إله إلا الله # فصلاح القلب صلاح الجسد وعمارته عمارة دينه # قال عليه السلام (من كان له قلب صالح تحنن الله عليه) # وقال عليه السلام (بالقلوب الصالحة يعمر الله الأرض وبها يخرب الأرض إذا ~~كانت على غير ذلك) # PageV03P056 ### | - الأصل الحادي والعشرون والمائتان ### | في أن الوسوسة من برازخ الإيمان # عن أنس رضي الله عنه أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجدون في صدورهم من الوسوسة فقال (كيف ~~أنتم في ربكم) قالوا لا نشك في ربنا ولأن يقع أحدنا من السماء فيتقطع أحب ~~إليه من أن يتكلم بما يجد في صدره فقال عليه السلام (الله أكبر ذاك محض ~~الإيمان) # وكان ثابت يقول اللهم أكثر لنا منه # قال أبو عبد الله أحكم الله تعالى الإيمان في قلوب من اجتباهم وهداهم ~~وأبرز أسماءهم بالسعادة في اللوح المحفوظ وأخرجهم يوم الميثاق في أصحاب ~~اليمين ms420 وفزع الشيطان من أن يوسوس إليهم في توحيدهم ما يبطله عنهم وكيف يجوز ~~ذلك وقد أخذ الله بقلبه وناصيته وفي قلبه نوره فكيف يقوم العدو لنوره حتى ~~يطفئه إذ ليس أحد ينشرح صدره بالله تعالى وبالنطق بلا إله إلا الله إلا ~~بمنة الله عليه # PageV03P057 # فلن يسلط عليه العدو حتى يبطله والله عز وجل أكرم من أن يرتجع في منته ~~ويسلط عليه العدو ألا ترى إلى قوله للعدو {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~وكفى بربك وكيلا} أي مانعا شيطانه من أن يدخل عليه في قلبه فيفسد توحيده ~~لأن التوحيد هو الإيمان وذلك نور الله تعالى في قلبه قال تعالى {حبب إليكم ~~الإيمان وزينه في قلوبكم} # والقلب هو البضعة الباطنة والبضعة الظاهرة يقال لها فؤاد وفيها العينان ~~والأذنان والقلب يقلبه الله تعالى ولم يكله إلى أحد ولم يطلع عليها أحدا من ~~خلقه وإنما سلطان الشيطان في الصدر لأنه بيت القلب والنفس معدن الشهوات قال ~~تعالى {يوسوس في صدور الناس} # فالشيطان يزين ويشير ويمني ويحدث في صدور الناس الشهوة التي في النفس حتى ~~يضله ويفتنه وليس يجد المؤمن في نفسه شهوة الكفر لأن الله تعالى نزعها ~~بإيصال الإيمان إلى حبة قلبه ثم بقي شهوة الأشياء في قلبه ثم حرم وأحل ~~ليبلغه بالمجاهدة في هذه الشهوات فاذن المؤمن قد حلاه الله تعالى بالإيمان ~~وطهره وطيبه وزين قلبه وليس للكفر شهوة في النفس حتى يدخل الشيطان فيه ~~بظلمته فيزين له الشرك حتى يفسد توحيده ولا له إليه سبيل فإذا وسوس في صدره ~~أنكر القلب بما فيه من النور وإنكاره محض الإيمان لأنه اهتاج فاستنار وصار ~~كجمرة قد علاها الرماد لخمودها فلا تكاد تضيء مما علاها فوصلت إليه نفحة ~~فطار عنها رمادها فتوقدت وتلظت واستضاء البيت بتوقده فازدادت تلك الجمرة ~~فصارت محضة لما طار عنها الرماد # PageV03P058 # فكذلك القلب فيه الإيمان وقد سقم وعلاه رماد حريق الشهوات فإذا جاءه ~~الوسواس بكيده وحديثه يريد به نقض توحيده كان ذلك كمن ينفخ في تلك الجمرة ~~لتتقد ويطير عنه ms421 الغبار وتلك النفخة هي أمر من الله تعالى خفي يلطف له من ~~لطفه ليفي له بما توكل له من قوله {وكفى بربك وكيلا} # فلما صار إيمانه ذا غبار رحمه ولطف له من حيث خفي على العباد بالعصمة ~~فمنع كيده من أن يفسد عليه توحيده واهتاج الإيمان منكرا لما جاء به ونافرا ~~عنه فطار عنه رماد الشهوات ودخانه واستوقدت جمرة الإيمان فأضاءت الصدر ~~فلذلك صار محض الإيمان لأنه في ذلك بلا رماد ولا دخان # ولهذا قال ثابت رضي الله عنه اللهم زدنا منه سأل الزيادة من لطف الله ~~تعالى لعبده # وقال عبد الله رضي الله عنه حيث سئل عن الوسوسة فقال ذاك برازخ الإيمان ~~والبرزخ الحاجز بين الشيئين # ولهذا قال عليه السلام (مثل المؤمن مثل الفرس في آخيته يحول ويجول ثم ~~يرجع إلى آخيته) # فيحق على المؤمن أن يقل عبؤه بوسوسته فأخسأ ما يكون إذا استحقر له ولم ~~يعبأ به فمن اعتراه ضعف في قلبه حتى يخاف على نفسه فذاك لضيق صدره وقلة ~~انشراحه وظلمة الشهوات والذنوب فإن وسوس إليه في التشبيه فالرد عليه أن ~~يقول في نفسه كل ما # PageV03P059 # تصور في صدري فالرب سبحانه وتعالى بخلافه فإنه لا يتصور في صدري إلا ~~مخلوق له كيفيه ومثل وربي لا يدري كيف هو ولا مثل له ولا كيفية فما تمثل في ~~صدري فهو غير ربي ثم جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (الله الله ربي ~~لا أشرك به شيئا) لتطيب بها نفسه بما ضاق منه صدره ليخرج من ضيقه بها إلى ~~السعة # PageV03P060 ### | - الأصل الثاني والعشرون والمائتان ### | في أن النجوم أمان لأهل السماء # والعلماء الصديقين أهل بيت النبوة أمان للأمة # عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي) # فالنجوم هن الطوالع السوائر الغوارب عطارد والمريخ وزحل والمشتري والزهرة ~~وسميت نجوما لأنها تنجم أي تطلع من مطالعها في أفلاكها # قال تعالى {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا ms422 بها} وما عدا ذلك كواكب # PageV03P061 # قال تعالى {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب} فالكواكب معلقات من ~~السماء كالقناديل والنجوم لها مطالع ومغارب فهن أمان لأهل السماء فإذا ذهبت ~~أتى أهل السماء ما يوعدون وعلى هذا يأول قوله عليه السلام (مثل أصحابي مثل ~~النجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) # وليس المراد به من لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بايعه أو رآه ~~رؤية واحدة وإنما أراد من لازمه غدوة وعشية وكان يتلقى الوحي منه طريا ~~ويأخذ عنه الشريعة التي جعلت منهجا للأمة وينظر منه إلى آداب الإسلام ~~وشمائله فصاروا من بعده أئمة أدلة فبهم الإقتداء وعلى سيرتهم الاحتذاء ~~فكانوا يسمون عنده ويصبحون عنده ولازموه في السفر والحضر وتفقهوا في دين ~~الله وعرفوا الناسخ والمنسوخ والسنن وهم الذين أثنى الله عليهم وأمر نبيه ~~عليه السلام بالصبر معهم فقال {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي} # فهؤلاء هم النجوم الأدلة وشبههم عليه السلام بالنجوم لأن بهم الإقتداء ~~وهم من الأصحاب قليل عددهم كالنجوم لأنهم أهل بصائر ويقين وجاز لهم اجتهاد ~~الرأي بفضل اليقين والبصائر فلما اختلفوا في اجتهادهم جاز لكل أحد لم يكن ~~من أهل النظر والتمييز أن يأخذ بقول من أقوالهم تقليدا له ومن كان من أهل ~~النظر فاختار قولا من أقوالهم مجتهدا مستنبطا كان له ذلك وأما غير هؤلاء ~~فهم مثال الكواكب يضئن لأنفسهم وليسوا بأدلة ولا أئمة # PageV03P062 # وقوله (أهل بيتي أمان لأمتي) فأهل بيته من خلفه من بعده على منهاجه وهم ~~الصديقون والأبدال الذين روى علي كرم الله وجهه قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # (إن الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات منهم رجل أبدل الله ~~مكانه رجلا بهم يسقي الغيث وينصر بهم على الأعداء ويصرف عن أهل الأرض بهم ~~البلاء) # فهؤلاء أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمان هذه الأمة فإذا ماتوا ~~فسدت الأرض وخربت الدنيا قال الله تعالى {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لفسدت الأرض} # وهذا لأن البيت من ms423 تبوئة الذكر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ~~ليبوئ لذكره في الأرض فبدأ بمكة فطرد ونفى الذكر ثم جعل الله تعالى له ~~مهاجرا ومستقرا فمن هاجروا إليه ولزموه فصاروا أهل الذكر فهم أهل بيته ومن ~~آووا إليه ولم يصيروا من أهل الذكر فليسوا من أهل بيته بل هم من أصحابه ~~وأتباعه قال تعالى {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين} وهم المهاجرون والأنصار فتبوئوا الدار والإيمان فصاروا أهل بيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبوئه الذكر # PageV03P063 # وإنما يكون من أهل التبوئة من بوأ لذكره على طريقه صافيا غير مغشوش صادر ~~من إيمان غير مغشوش ولا سقيم وسقمه أن يمازجه شهوة النفس حتى تميل به عن ~~الله تعالى وتثقله عن أمره وتلهيه عن ذكره قال تعالى {لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله} # إذ الإيمان هو طمأنينة القلب إلى الله تعالى في كل أمر فإذا آمن به على ~~الجملة ثم مال يمينا وشمالا ليطمئن إلى الخلق والأسباب فذلك غش الإيمان إذ ~~خلط به ما ليس منه فأما الأنبياء والأولياء عليهم السلام قد اطمأنوا إليه ~~يراقبون ما يخرج من حجب الغيب من مشيئته وتدبيره فيقبلون منه اهتشاشا ~~وتسارعا لمشيئآته وأحكامه قد أخبتوا له وانخشعت نفوسهم لأن شهواتهم قد ماتت ~~من هيبة جلاله تعالى وتقدس فالمستحقون للذكر هم أهل الذكر وهم الذي ذكرهم ~~الله تعالى بحقيقة الذكر وهو أن لا يبقى على قلبه مع ذكره في ذلك الوقت ذكر ~~نفسه ولا ذكر مخلوق فذاك الذكر الصافي الذي لا غش فيه # قال عليه السلام (يقول الله عز وجل من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ~~ما أعطي السائلين) هذا فيمن شغله ذكر الخالق فكيف بمن شغله الخالق بأنسه ~~هذا فيمن شغله الخالق بأنسه فكيف بمن شغله الخالق بجلاله وجماله وكيف بمن ~~شغله الخالق في فردانيته بنفسه في وحدانيته وهم الذين أشار إليهم عليه ~~السلام فقال (سيروا فقد سبق المفردون) قيل يا رسول الله من المفردون # PageV03P064 # قال ms424 (الذين اهتروا في ذكر الله يأتون يوم القيامة خفافا يضع الذكر عنهم ~~أثقالهم) # فالمهتر إذا نطق يشبه كلامه كلام من لم يستعمله عقله لأن العقل يخرج ~~الكلام على اللسان بتدبير وتؤدة وتأني وهذا المهتر إنما ينطق به فكأنه ~~الماء على لسانه يجري حتى يشبه الهذيان في بعض أحواله عند العامة وهو في ~~الباطن مع الله تعالى من أصفي الناطقين وأصدقهم والمهتر في اللغة الشيخ ~~الكبير الذي قد أفند عقله وهو يهتر في الكلام كالخرف فهذا قد خمد نور عقله ~~لنور وجهه الكريم بمنزلة قمر طلع عليه شمس فخمد نور القمر بضوء الشمس فلم ~~يعمل عقله ذلك العمل ومن خمد عقله للقرب والدنو فقد استوجب من الله تعالى ~~كرامة أنطق لسانه وحفظ عليه شأنه وأيده وعصمه فصار بيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لتبوئة الذكر على الوجه الذي بينا # والأهل والآل بمنزلة واحدة إذ الهاء والهمزة أختان تجزي أحديهما عن ~~الأخرى وإنما قيل أهل لأنه حيث ما ذهب به فهو راجع إلى ذلك المستقر فكذا ~~الآل حيث ما تفرق والنسب يؤول إلى الأصل فأهل البيت كل من رجع نسبه إلى ذلك ~~الأصل فكذا أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى قد أخذ ~~الرسول عليه السلام من خلقه فاختصه لنفسه واصطفاه لذكره فكان في كل أمر ~~قلبه راجعا إلى الله تعالى من عنده يصدر ومعه يدور وإليه يرجع فكان هذا ~~بيتا أشرف وأعلى من البيت الذي هيأ له في أرضه وهو النسب فكان هذا البيت ~~عاليا على ذلك البيت ألا ترى أنه غلب على النسب نسبة ما أكرمه الله تعالى ~~به من الأمانة فكان يقال محمد بن عبد الله ثم يقال محمد # PageV03P065 # الأمين لأنه أعلى منه فلما جاءت الكرامة غلب على هذا الاسم فقيل نبي الله ~~ورسوله # فكذا كان له بيت النسبة وأهل بيت النسبة فلما جاءه بيت الكرامة والنبوة ~~فغلب على ذلك البيت كان كل من رجع قلبه إلى الله تعالى على طريقه من أهل ~~ذلك البيت ms425 وهم الأربعون الذي خلفوه من بعده حتى تقوم بهم الأرض وبهم يمطرون ~~ويرزقون ولا يجوز أن يحمل على أهل بيت النسب لمعان أحدها أنه روي في الحديث ~~(فإذا ذهب أهل بيتي أتى أمتي ما يوعدون) # فكيف يتصور أن يذهب أهل بيته حتى لا يبقى منهم أحد وهم أكثر من أن يحصى ~~وبركة الله تعالى عليهم دائمة ورحمته مظلة من فوقهم وقد قال عليه السلام ~~(كل سبب ينقطع إلا سببي ونسبي) # والثاني أن أهل بيته نسبة بنو هاشم وبنو عبد المطلب ولم يكونوا أمانا ~~لهذه الأمة حتى إذا ذهبوا ذهبت الدنيا # والثالث أنه قد يوجد منهم الفساد كما يوجد في غيرهم ومنهم المحسن ومنهم ~~المسيء # فبأي شيء صاروا أمانا لأهل الأرض فعلم أن المراد به من به # PageV03P066 # تقوم الدنيا وهم أعلامه وأدلة الهدى في كل وقت فإذا تفانوا لم يبق للأرض ~~حرمة فعمهم بالبلاء # فإن قال قائل بحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقربهم منه صاروا أمانا ~~لأهل الأرض قيل حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيمة جليلة وفي الأرض ~~ما هو أعظم من حرمة ذريته وهو كتاب الله فلا نجد ذكره في الحديث ثم الحرمة ~~لأهل التقوى لأنه إنما عظمت حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لفضل النبوة ~~ما أكرمه الله تعالى به # والدليل على ذلك ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال دخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على فاطمة وعندها صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال # (يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب يا فاطمة بنت محمد يا صفية عمة رسول ~~الله اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا سلوني من مالي ما ~~شئتم واعلموا أن أولى الناس بي يوم القيامة المتقون وإن تكونوا أنتم مع ~~قرابتكم فذلك لا يأتيني الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على ~~أعناقكم فتقولون يا محمد فأقول هكذا ثم تقولون يا محمد فأقول هكذا أعرض ~~بوجهي عنكم فتقولون يا محمد أنا فلان ms426 ابن فلان فأقول أما النسب فأعرف وأما ~~العمل فلا أعرف نبذتم الكتاب فارجعوا إلى قرابة بيني وبينكم) # وروي أنه قال جهارا غير سرا (ألا إن أوليائي منكم ليسوا بأبي فلان لكن ~~أوليائي منكم المتقون من كانوا وحيث كانوا) # PageV03P067 # وما زالت الطبقة الزائفة المفتونة بحب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نسبا مازالت بهم فتنتهم حتى عمدوا إلى كل شيء من هذه الأشياء فنسبوه ~~إليهم وحرموا غيرهم ذلك إعجابا بهم وفتنة وإن الله فضلهم بأن طيب عنصرهم ~~وطهر أخلاقهم واختار قبيلتهم على القبائل فلهم حرمة التفضيل والأثرة وحرمة ~~الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم فيحق علينا أن نحبهم حبا لا يرجع ~~علينا بوبال وظلمة وهؤلاء الغلاة جاءوا بأحاديث مختلفة وأكاذيب منكرة حتى ~~أداهم ذلك إلى أن طعنوا في الشيخين المهديين المرضيين الذين كان علي كرم ~~الله وجهه ينكل من فضله عليهما فقال لا أجد أحدا يفضلني عليهما إلا جلدته ~~حد المفترين # وبلغ من إفراط هؤلاء أن رووا أحاديث مختلفة يريدون أن يقيموا لعلي رضي ~~الله عنه فضلا وقد فضل الله عليا رضي الله عنه بأشياء كثيرة وفضائل جمة قد ~~أغناه عن مثل ذلك لكنهم تركوا لظلمة قلوبهم وشقاء جدهم تلك الأشياء وأقبلوا ~~على الكذب وتأولوا قوله تعالى {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} ~~إنما هم علي وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم وهي لهم خاصة وكيف ~~يجوز هذا ومبتدأ هذا الخطاب قوله عز وجل {يا أيها النبي قل لأزواجك} إلى ~~قوله {أجرا عظيما} # ثم قال {يا نساء النبي} إلى قوله {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت} # ثم قال {واذكرن ما يتلى في بيوتكن} # PageV03P068 # وهذا كلام منسوق بعضه على أثر بعض فكيف صارت هذه المخاطبات كلها لنساء ~~النبي عليه السلام قبلا وبعدا وينصرف ما في الوسط إلى غيرهن وهو على نسق ~~ونظام واحد لأنه قال {ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} ثم قال على أثره {في ~~بيوتكن} # فكيف صار الكاف الثاني خطابا للنساء والأول لعلي وفاطمة ms427 رضي الله عنهما ~~وأين ذكرهما في هذه الآيات فإن قال إن كان الخطاب لنسائه فكيف قال {ليذهب ~~عنكم} ولم يقل (عنكن) # قلنا إنما ذكره لينصرف إلى الأهل والأهل مذكر فسماهن باسم التذكير وإن كن ~~إناثا # وقد يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما نزلت هذه الآية دخل ~~عليه علي وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم فعمد النبي عليه السلام ~~إلى كساء فلفها عليهم ثم ألوى بيده إلى السماء فقال (هؤلاء أهلي أذهب عنهم ~~الرجس وطهرهم تطهيرا) # فهذه دعوة منه لهم بعد نزول الآية أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها ~~الأزواج رضوان الله عليهم أجمعين # PageV03P069 ### | - الأصل الثالث والعشرون والمائتان ### | في أخلاق المسافرين # عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (إذا اجتمع القوم في سفر فليجمعوا نفقاتهم عند أحدهم فإنه أطيب ~~لنفوسهم وأحسن لأخلاقهم) # في النفوس ضيق وشح وللشيء عندهم قدر وما أتى الشح والبخل وتعظيم الشيء ~~إلا لضعف يقينهم وظلمة صدورهم لأن اليقين نور في قلبك فإذا تمكن صارت عين ~~قلبك ذا بصيرة أبصر الغيب بذلك النور فتريك ما في الملكوت فتصغر عندك ~~الدنيا بما فيها كما أن بصر عين الرأس يريك الأشياء في الدنيا فإذا ضعف ~~اليقين يعجزك عن رؤية الآخرة وعظيم ما في الملكوت فتصغر عندك بما فيها كما ~~أن بصر عين الرأس يريك الأشياء في الدنيا فإذا ضعف اليقين يعجزك عن رؤية ~~الآخرة وعظيم ما في الملكوت وبين اليقين تفاوت فأوفرهم حظا من اليقين ~~أكثرهم معرفة وأغزرهم علما بما في الملكوت وأخشاهم لله تعالى وأعلمهم ~~بتدبيره وأغناهم بغناه وهذا قليل في الناس # PageV03P070 # وقد عجزت العامة من هذا لما يرون الأشياء بالأسباب وتعلقت بذلك قلوبهم ~~ومنها افتتنوا حتى عصوا الله في جنبه فمحال أن لا يكون للشيء قدر عندهم إلا ~~أن الله تعالى عصم طائفة منهم لخوف العقاب عن تناول حرامها وأوساخها # ثم هم مع ذلك لها يغضبون ولها يرضون وبها يفرحون ms428 ومن أجلها يحزنون وعظم ~~قدر ما في أيديهم من الحطام حتى لا تسخوا نفس أحدهم أن يخرج من يده فلسا ~~إلا على ذكر الخلف من الله تعالى في دنياه كما قال تعالى وما أنفقتم من شيء ~~فهو يخلفه أو على ذكر الثواب في الآخرة أن يعطيه قصورا وحورا وحبورا وسرورا ~~ولا تسخو نفوسهم على إتعاب جوارحهم وأعمالهم لله تعالى في شيء من أعمال ~~البر إلا على نوال الثواب غدا ولم ينتهوا عن محارم الله تعالى إلا على خوف ~~العقاب ركضا # فهؤلاء عبيد عبدوا الله من أجل نفوسهم لم تأخذهم هيبة عظمته وسلطان ~~كبريائه فيركض بهم في ميدان الطاعة ركضا وميدان الهرب عن مساخطه ركضا ~~إجلالا لرؤية الله تعالى إياهم على الأحوال وتوخيا لمحابه وتلذذا لعبودته ~~فإذا اجتمعت هذه الطائفة التي للشيء عندهم قدر في السفر وانفرد كل واحد ~~منهم لطعامه كانت في ذلك وحشة ونزعت البركة وفيه ذهاب الألفة وظهور الفرقة ~~والتصور بصورة أهل البخل والدناءة وإذا أنفق أحدهم على الجماعة لم يقم بذلك ~~وعجز عنه فالسبيل في ذلك ما ندبهم عليه السلام إليه أن يجمعوا نفقاتهم إلى ~~أحدهم حتى ينفقها عليهم فيكون أطيب لنفوسهم وأحسن لأخلاقهم فكل واحد إنما ~~خرج من يده مقدار كفايته وهو طيب النفس بذلك ولا يحتشم من الأكل ولو أنفق ~~واحد واحد يحتشم أحدهم من صاحبه ويستحيي ويثقل عليه حتى تجيء نوبته # PageV03P071 # وربما انقطع السفر وذهبت النوبة ففيما دل عليه السلام تسكين النفوس من ~~وجهي الحشمة والتثاقل والنفوس ساكنة والأيدي مجتمعة والألفة باقية والبركة ~~نازلة والبخل والشح زائل وخلق الإسلام قائم وسمي التناهد لأن النفس تنهد أي ~~تسارع إليها # وقد سبق ذكر النهد في التنزيل مما قص الله تعالى في شأن أهل الكهف من ~~قوله {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما ~~فليأتكم برزق منه} # وقد قال عليه السلام (إن أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي) # وقال عليه السلام (ألا أنبئكم بشراركم قالوا بلى يا رسول الله قال من أكل ms429 ~~وحده ومنع رفده وجلد عبده) وقال أبو أمامة رضي الله عنه في قوله عز وجل {إن ~~الإنسان لربه لكنود} وهو الذي يأكل وحده # فأرشد عليه السلام العامة إلى النهد فأما الكرام ملوك الدين فهم أرفع ~~شأنا من أن يتناهدوا لأن قدر الشيء عن قلبهم ساقط ومن طبيعتهم السخاء ~~والجود وقل ما يجري فيما بينهم إذا انفردوا عن العامة وزن أو عدد ومجرى ~~أمورهم على صدق الأخوة يأخذ أحدهم من مال أخيه عند الحاجة فطابت بذلك ~~نفوسهم لأنه لا يأخذ لرغبة فيه أو شهوة أو قضاء نهمة بل يتناول لله تعالى ~~وعرف أخوه ذلك # PageV03P072 # منه وأمنه على نفسه وماله وشهد له قلبه بالشفقة والعطف والرحمة فلا يتهمه ~~على نفقه ولا على إمساك # قال الحسن رضي الله عنه إن كان الرجل ليدخل يده في كيس أخيه فما يسأله كم ~~أخذت # وقال أبو جعفر رضي الله عنه يدخل أحدكم يده في كيس أخيه قلنا لا قال لستم ~~بأخوة # وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ليس لي ثوب ~~أتوارى به قال (فما لك جيران) قال بلى قال (فهل منكم أحد له ثوبان) قال نعم ~~قال (فيعلم أن لا ثوب لك) قال نعم قال (فيعود عليك بأحد ثوبيه) قال لا قال ~~ما ذاك بأخ # ودخل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه على عمر رضي الله عنه وهو يصلي فعمد ~~إلى مزوده فأخذ منه سويقا وتمرا فأكله وفعل الحسن رضي الله عنه مثل ذلك # ودخل أبو أيوب السختياني رحمه الله كرم صديق له فأكل منه بغير إذن # وإنما كف الناس عن ذلك بعد مضي السلف رحمهم الله لتغير القلوب فلا يأمن ~~بعضهم بعضا لفقد الرحمة والعطف وذهاب الألفة وظهور الحسد فامتنعوا من أن ~~يتناول أحدهم شيء صاحبه إلا بإذنه ومن بعد الإذن تأن ونظر واحتياط وحذر ولم ~~يبق لأحد على غيره أمن وثقة إلا أولئك الأربعون البدلاء العارفون الذين دقت ~~الدنيا في أعينهم في جنب الآخرة ودقت الآخرة ms430 في جنب ملك الله تعالى وعظيم ~~ما أبرز من غيبه ودق ما أبرز من ملكه في جنب عظمته # PageV03P073 # وجلاله فهم الذين لا قسمة بينهم ولا وزن ولا عدد يتناول أحدهم ما شاء من ~~مال أخيه من غير إذن وكان عليه السلام يعمل في مال أبي بكر رضي الله عنه ~~كما يعمل في مال نفسه كما قد عرف منه وهل كان يفعل في مال غيره مثل ذلك فإن ~~مخالطة المطبوع على السخاء أطيب والتناول من ماله أشهى والأكل من طعامه ~~أطيب وأحلى لأجل سقوط قدر ذلك عن قلبه # ولهذا كان أبو بكر رضي الله عنه تصدق بماله كله ولا يكاد أهل الانتباه ~~واليقظة يدخلون بيوت البخلاء ويتناولون من أطعمتهم إلا ويجدون ثقل ذلك على ~~قلوبهم ويفتقدون ذلك الطيب وتلك الحلاوة واللذة من طعامهم لأنهم قد أحسوا ~~بما في نفوسهم من قدر ذلك الشيء عندهم فيذهب طعمه وطيبه # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به نزل على القوم الذين ~~ذكرهم الله تعالى في تنزيله {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} ~~وعلمهم الشريعة ومستقرهم بأرض الصين من وراء نهر الرمل فسألهم عن معاشهم ~~فقالوا نزرع ونحصد ونجمعه في برية من الأرض فيخرج كل من احتاج إلى شيء ~~فيأخذ منه وسائره متروك هناك # فهذا صدق الأخوة في أهل الهداية بالحق والعدالة فصار العدل مقومهم والحق ~~عز وجل هاديهم وقد كانت أوائل هذه الأمة على هذا السبيل وقد أثنى الله ~~تعالى في تنزيله الكريم عليهم فقال عز من قائل {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة} {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} # PageV03P074 # وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما افتتح خيبر قسم الغنائم بين ~~المهاجرين دون الأنصار فلم يجدوا في صدورهم ضيقا ولا حسدا ولا شكا ولا وجدا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم في فعله حين ضربوا بالسيوف حتى غنموا ثم ~~أعطى الغنيمة للمهاجرين دونهم فأثنى الله تعالى عليهم وشهد لهم بالصدق ~~وسقوط قدر ms431 الشيء عن قلوبهم وقول الله تعالى في كتابه الكريم ليس عليكم جناح ~~أن تأكلوا من بيوتكم ... إلى قوله (. . أو صديقكم) إذن بالغ # لكن الصديق له حقيقة فما لم يعرف حقيقة صداقته لم يغرر المتقي المتورع ~~بنفسه في ذلك وأول حقيقة الصداقة في سقوط قدر الشيء من قلبه فإذا لم يعرف ~~بهذا وإن صادقه بكل قلبه فهو مجتهد في صداقته ولا يخلو من كراهية وثقل أن ~~تناولت من ملكه شيئا وقد أذن الله تعالى في الأموال عن طيب النفس قال عز من ~~قائل فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ولم يقل قلبا لأن ~~القلب ربما طاب ورضي بما فيه من الإيمان والنفس تكره بما فيها من الشهوة # وقال عليه السلام (لا يحل لامرئ من عطاء أخيه إلا بطيب نفسه) فالإقدام في ~~هذا اليوم على مثل هذا جرأة عظيمة إذ لا تعلم هذه الخصلة إلا لأولئك الذين ~~خلت قلوبهم من نفوسهم وتعلقت بالخالق الكريم فلا يبالون ما أقبل وما أدبر ~~ومن أخذ ومن أعطى يتناولون من الدنيا لله تعالى ويمسكونها لله على نوائب ~~الحق ويعطونها لله تعالى فإن تناولت من أموالهم لم يرجع عليك وبال منهم إذ ~~أخذتها لله تعالى فإن تناولته بغير حق يثقل فعله عليهم # PageV03P075 # ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أسخى البشر والدنيا ساقطة ~~عن قلبه فقال (إنما أنا خازن الله تعالى يعطي وأنا أقسم فمن أخذ مني شيئا ~~بطيب النفس بورك له فيه ومن أخذ مني شيئا وأنا له كاره فإنما يتأبطها نارا) # وحاشا أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كره من أجل قدر ذلك ~~الشيء فإن ذلك بخل ولكن إنما كان تطيب نفسه بالإعطاء لمن سأل بحق وأخذ بحق ~~فأما من أحس به أنه يأخذه أشرا وبطرا وحرصا وجمعا فكان يعطيه على كراهة نفس ~~ويخبرهم أنه لا يبارك لهم فيه # وروي في الحديث أنه قيل يا رسول الله فلم تعطيه قال (يأبى الله لي البخل) # وكان ms432 عليه السلام لا يزن ولا يحصي وقال لعائشة رضي الله عنها (لا توكي ~~فيوكى عليك ولا تحصي فيحصى عليك) # وكان لا يدخر شيئا لغد ليرى الخلق عنده قلة قدره وقال جابر رضي الله عنه ~~ما سئل شيئا قط فقال لا # PageV03P076 ### | - الأصل الرابع والعشرون والمائتان ### | في قوة الإيمان ويسر العمل ### | وهو التأييد والصبر والاستعفاف والاستغناء # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من تصبر ~~يصبره الله ومن يستعف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله وما أعطي عبد عطاء هو ~~خير وأوسع من الصبر) # قال أبو عبد الله أعطاهم الله تعالى العقول ومن عليهم بالإيمان والصبر ~~والعفة والغنى إنما يخرج كله من الإيمان فإذا أعطي الإيمان فقد أعطي هذا ~~كله فبقوة الإيمان يصبر على طاعة الله ويستعف عن محارمه وتناول شبهات ~~الدنيا ويقوم في العبودة على سبيل الاستقامة ثم لا يتم له ذلك إلا بعون من ~~الله تعالى لأن النفس تقوم بهدم ذلك وتدعو إلى خلافه ووقع العبد في ~~المجاهدة معها فلولا عون الله تعالى العبد لمالت النفس ولكن سبيل العبد أن ~~لا يتخير # PageV03P077 # فإذا جاء موضع الصبر تصبر وعزم عليه فوشيكا يجيئه العون من الله تعالى ~~فوجد اليسر في أمره فذاك عون الله تعالى فإنه قبل ذلك يدخل في الأمور مع ~~الجهد لأن النفس تأبى ذلك فدخلت فيه بإكراه صاحبها لها على ذلك فجاءه العون ~~من الله تعالى فيسر عليها وعلى ذلك دل عباده {إياك نعبد وإياك نستعين} # أمره بالعبادة وسؤال العون لأنه أعطي القوة على القيام بما أمره إلا أن ~~النفس تدعو إلى خلاف ذلك فجاءت شهواتها تريد أن تغلب القلب على ما أمر ~~فاحتاج عند مجاهدة النفس إلى عون من الله تعالى وهو نور على القلب يستنير ~~الإيمان ويمتزج به فيقوى القلب وتذل النفس وتخمد شهواتها فتذل النفس # فينبغي للعبد أن يقوم على كل أمر أمر به وأن ينتهي عن كل نهي نهي عنه بما ~~أعطي من العلم والعقل والإيمان وذلك مع ms433 جهد شديد ينتظر العون من الله تعالى ~~ولا يلقي بيده للتهلكة فإذا العون من الله تعالى يجيء وييسر عليه كل ذلك ~~فإن الله تعالى لم يأمرنا بأن نقول {إياك نعبد وإياك نستعين} ثم يحبس عنا ~~العون وقال الله تعالى {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} # وقال عليه السلام (لن يغلب عسر يسرين) # فاليسر الأول هو ما أعطي العبد من الآلة والمعرفة والعلم والقوة فلولا ~~النفس التي يحارب صاحبها بدفع ما تريد لكان الأمر قد تم # PageV03P078 # فإنه قد أعطي يسر به يقوم الأمر الذي أمر ولكن جاءت النفس بشهوتها فاحتاج ~~العبد إلى يسر آخر فوعده الله تعالى فقال عسر عليك الأمر فأعطيتك مع العسر ~~يسرا وهو العقل الذي هو حجة الله تعالى على عباده إذ لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها ويسرا بعد الأمر حين تأخذه فيه وهو العون فإذا جاء العون انهزمت ~~النفس وخمدت الشهوة وهرب العدو وبطل كيده فهما يسران لم يغلبهما هذا العسر ~~الذي بينهما من مجاهدة النفس حتى يأتيك بحربه وجهاده ليصدك ويقهرك بشهواته ~~وهو قوله عليه السلام (لن يغلب عسر يسرين) فبشرهم أن العبد إذا استعمل ما ~~أعطي من اليسر في وقت هذا العسر الذي عارضته النفس به جاء اليسر الثاني فلن ~~يغلب هذا العسر هذين اليسرين واليسر الثاني هو عونه وهو عطف الله على ~~العباد ورحمته وإذا عطف على عبده لم يبق للنفس عليه سبيل ولا للعدو مطمع # وقوله (من تصبر يصبره الله تعالى) أي من استعمل ما أعطي من الصبر الذي ~~يخرج له من الإيمان صبره الله أي جاءه المدد والعون حتى يتم له صبره في يسر ~~وهكذا قال الله تعالى {واصبر وما صبرك إلا بالله} أي لا يتم ذلك إلا بعون ~~الله تعالى وغياث منه # وهكذا قوله (من يستعفف يعفه الله) فأما قوله (فمن يستغن يغنه الله) أي من ~~التجأ إليه في الحوائج صدقا فهو أكرم من أن يردك ويلجئك إلى عبيده # روى ثابت رضي الله عنه قال حبس ابن أخ ms434 لصفوان بن محرز فلم يبق بالبصرة ~~رجل له وجه عند الأمير إلا تحمل به عليه فلم يزده إلا شدة فبات ليلة فقيل ~~له في منامه يا صفوان اطلب الأمر # PageV03P079 # من وجهه فقام وتوضأ وصلى ركعتين وسأل ربه ثم عاد إلى مضجعه فنودي بالباب ~~يا صفوان هذا ابن أخيك قد جئنا به فصار إلى الباب فإذا ابن أخيه فقال نبه ~~الأمير في جوف الليل فبعث إلى السجن فنودي أين ابن أخي صفوان فطلب حتى جيء ~~به فإذا هو ذا # وخرج ابن عمر رضي الله عنهما في سفر له فإذا بجماعة على طريق فقال ما هذه ~~الجماعة فقالوا أسد قطع الطريق فنزل فمشى إليه حتى قفده بيده ونحاه عن ~~الطريق فقال ما كذب عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إنما يسلط على ~~ابن آدم من خافه ابن آدم ولو أن ابن آدم لم يخف غير الله لم يسلط الله عليه ~~غيره وإنما وكل ابن آدم لمن رجا ابن آدم فلو أن ابن آدم لم يرج إلا الله لم ~~يكله الله إلى غيره) # وقوله (وما أعطي عبد عطاء هو أوسع من الصبر) لأن الصدر قد اتسع وانشرح ~~للنور الوارد على قلبه وإذا اتسع الصدر يسرت عليه الأمور كلها وإذا استقر ~~النور في القلب انفسح الصدر وانشرح وألقى بيديه سلما لمولاه في أمره ونهيه ~~وجميع أحكامه عليه وتدبيره له ولم يبق للقلب منازع لأن النفس تذل وتموت ~~شهوتها وتلقى بيديها حين يشرق الصدر فيحل بها من ذلك الإشراق خوف الله # PageV03P080 # تعالى وخوف عقابه فتحل به الرهبة ثم يزداد النور فتدخله العظمة فتحل بها ~~الهيبة والخوف الخالص منه فتيبس وتذهب شهوتها وتخشع لله تعالى فتصير تابعة ~~للقلب فحين بدأ أول النور وجد العبد متسعا في صدره فقيل صابر ثم زيد فهو ~~صابر قانع ثم زيد فهو صابر راض مراقب واله ثم زيد فهو منفرد لربه ولها عن ~~الصبر والرضى والمراقبة والوله وهذا كله له والانفراد غالب عليه فهو في ~~قبضته يستعمله وهو قوله ms435 عليه السلام # (كنت سمعه وبصره ويده ورجله ولسانه وفؤاده فبي ينطق وبي يعقل وبي يمشي ~~وبي يبصر وبي يبطش) # وهو قول عمر رضي الله عنه حين شج علي رجلا فقال لعمر رضي الله عنه مررت ~~به وأصغيت إليه سمعي فإذا هو يكلم امرأة بكلام فلم أملك حتى ضربته فقال عمر ~~رضي الله عنه أيها الرجل أصابتك عين من عيون الله وإن لله في الأرض عيونا # والصبر ثبات النفس على حكم الله تعالى وتدبيره وأمره ونهيه ورمي شهوته ~~ومنيته وإنما يبصر ذلك بالنور الوارد على القلب فيطيب ويستقر ويوقن وأي شيء ~~أوسع منه وبذلك يثقل ميزانه ويملأ ميزانه وسعة كفته سعة السموات والأرض # PageV03P081 ### | - الأصل الخامس والعشرون والمائتان ### | في النهي عن إسكان النساء الغرف وتعليمهن الكتابة # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا ~~تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتابة) # حذرهم ذلك لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجال وليس في ذلك تحصين لهن ~~ولا ستر فإنهن لا يملكن أنفسهن حتى يشرفن على الرجال فيحدث البلاء والفتنة ~~فحذرهم أن يجعلوا لها ذريعة إلى الفتنة # وهو كما قال عليه السلام (ليس للنساء شيء خير لهن من أن لا يراهن الرجال ~~ولا يرين الرجال) لأنها خلقت من الرجال فهمتها فيه وخلق في الرجل الشهوة ~~فجعلت سكنا له فغير مأمون كل واحد منهما في صاحبه وكذلك تعليم الكتابة ربما ~~كانت سببا # PageV03P082 # للفتنة وكتبت إلى من تهوى وفي الكتابة عين من العيون به يبصر الشاهد ~~الغائب وفي ذلك تعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسان فهو أبلغ من اللسان ~~فأحب عليه السلام أن يقطع عنهن أسباب الفتنة تحصينا لهن وطهارة لقلوبهن # PageV03P083 ### | - الأصل السادس والعشرون والمائتان ### | في أن رأس الحكمة لم صار مخافة الله # عن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رأس ~~الحكمة مخافة الله تعالى) # فمخافة الله تعالى هي التي ألهت عن الأسباب حتى صارت رأس الحكم وهي تعلق ~~القلب بمشيئة ms436 الله تعالى ولما صار إلى المشيئة # PageV03P084 # أبهم عليه الأمور فإنه يعلم أنه شاء فخلقه ولا يعلم أنه لماذا خلقه فظهر ~~له بعض المشيئة وخفي عليه آخر شأنه من مشيئته وأقلقه وألهاه وأذهله عن ~~النفس وعن دنياه فلما زايلته نفسه ودنياه انشرح صدره واتسع في الحكمة والله ~~أحكم # PageV03P085 ### | - الأصل السابع والعشرون والمائتان ### | في حقيقة الفراسة ودواعيها # عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اتقوا ~~فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى) # الفراسة مشتقة من الفروسية فركضه بالجوارح على الفرس فروسية وركضه ببصر ~~قلبه بنور الله تعالى هي فراسة فبالفرس يقطع مسافة # PageV03P086 # الدنيا وبنور الله تعالى يقطع مسافة القلب وذلك أن على الأشياء دلائل ~~وسمات وقد وسم الله تعالى خلقه بذلك فبنوره تدرك تلك السمات حتى يدرك ما لم ~~يأت بعد وكان عمر رضي الله عنه تفرس روى عبد الله بن سلمة رضي الله عنه قال ~~دخلنا على عمر معاشر وفد مذحج وكنت من أقربهم منه مجلسا فجعل ينظر عمر إلى ~~الأشتر ويصوب بصره فقال لي أمنكم هذا قلت نعم فلأي باله تسأله ما له قاتله ~~الله كفى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم شره والله أني لأحسب أن ~~للمسلمين منه يوما عصيبا # وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال ما حذر عمر شيئا قط فتكلم به إلا كان # وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم) # وقال في قوله تعالى {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} قال للمتفرسين # فالتوسم مأخوذ من السمة وهو أن يعرف سمات الله تعالى وعلائمه # PageV03P087 # في الأمور والتفرس أن يركض قلبه فارسا بنور الله تعالى إلى أمر لم يكن ~~بعد فيدركه مثل ما أدركه عمر رضي الله عنه وما أدركه الحسن البصري رضي الله ~~عنه فإنه روي أنه قال لعمرو بن عبيد هذا سيد فتيان أهل البصرة إن لم يحدث ~~وقال لأيوب هذا سيد فتيان أهل البصرة ولم يستثن # وقال الشعبي رحمه الله لداود الأودي وهو ms437 يماريه إنك لا تموت حتى تكوى في ~~رأسك فكان كما قال # وإذا امتلأ القلب من نور الله تعالى نظرت عينا قلبه بنوره فأبصر في صدره ~~ما لا يحاط به وصفا فالفراسة من الله تعالى لعبده كائنة # PageV03P088 ### | - الأصل الثامن والعشرون والمائتان ### | في تفسير الاستئناس # عن أبي أيوب رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله هذا السلام فما ~~الاستئناس قال (يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة وأن ينحنح فيؤذن ~~أهل البيت) # الاستئناس تنبيه والاستئذان عهد فندب إلى أن يبتدئ بالتنبيه ثم بالعهد ~~ليكون أوكد للعهد وأقوى للحجة وأنه إذا فوجئ بالسلام والإنسان في غفلة ~~والعقل عازب عنه كانت الحجة عليه أضعف يقول فوجئت بالسلام وعوجلت به فلم ~~أقبله بالتثبيت ألا ترى أن الله تعالى خاطب الخلق فقدم على الدعوة تنبيها ~~فقال {يا} وهو كلمة تنبيه حروف ذات أصداء لينبهك عما أنت به مشتغل ليرجع ~~إليك عقلك بصوته كأنه يعني بهذا أن يقول يا دعوة دعوة ثانية ثم قال أي وهي ~~كلمة الفتش مضمرة فيها من كأنه قال أيهم أريد بدعوتي ثم قال ها هو تنبيه ~~آخر يشير إلى شيء معلوم عينه معناه # PageV03P089 # من أذكر اسمه أريد بدعوتي ثم قال (الناس) أو الذين آمنوا فهذه التنبيهات ~~من إلقاء العذر وإتمام الحجة قال الله تعالى {وما كان الله ليضل قوما بعد ~~إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} # وقال صلى الله عليه وسلم (لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى ولذلك بعث ~~الرسل عليهم السلام) # فقال تعالى {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} # فالاستئناس التنبيه ثم يكون بعده التسليم وعندهم كان التسليم هو ~~الاستئذان فإذا ردوا جاء الإذن بعد ذلك وإن قيل ارجعوا رجعوا وأدنى ~~الاستئذان النحنحة لأن الحس حس المجيء وقد يختلف فإذا سمع لم يدر السامع ~~أسبع أم بهيمة أم داهية من الدواهي فإذا تنحنح عرف أنه من جنسه فأنس به لأن ~~الآدمي يأنس بجنسه ويستوحش من غير جنسه وأعلا الاستئذان التسبيحة ليعلم ~~السامع أنه أخوه المسلم ms438 وذلك أفضل لأن بالتنحنح لا يعرف السامع أمسلم هو أم ~~كافر ولي هو أم عدو فتدخله روعة لمجيئه فإذا ذكر الله كان أوفر للاستئناس # وما رواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم أن ~~هذا خطأ من الكاتب إنما هو (تستأذنوا وتسلموا # PageV03P090 # على أهلها) فهذا كلام جاهل أو ملحد يكيد الدين أو ليس فيما روى أبو أيوب ~~رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير الاستئناس ما يبطل ~~هذا وكان كتاب الله تعالى بين ظهراني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في مضيعة حتى كتب الكاتب فيها ما شاءوا أو زادوا أو نقصوا وكان الصحابة ~~أهملوا أمر دينهم حتى فوضوا عهد ربهم إلى كاتب يخطئ فيه ثم يقرؤه أبو بكر ~~وعمر وأبي رضي الله عنهم حيث جمعوه في خلافة أبي بكر رضي الله عنه ثم من ~~بعده مرة أخرى في زمن عثمان رضي الله عنه وهم على الخطأ وشعبة وأبو بشر ~~رواة لا يعرفون ما غور هذا وإنما ينكر هذه الأشياء ويدفعها الرعاة عقلوا عن ~~الله تعالى وعن تدبيره فهموا وهم المقربون أهل اليقين الذين وصفهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قوله (كنت سمعه وبصره) فهو الذي ينفي هذه ~~الأشياء ويدفعه فإذا نفاه ودفعه فبه ينفي وبه يدفع لأنه به يعقل وبه ينطق ~~وهو حجة الله تعالى على خلقه وراعي غنمه وطبيب عباده فمن عارضه هلك وهو لا ~~يشعر # ولهذا حذر صلى الله عليه وسلم فقال عن ربه عز وجل (من آذى لي وليا فقد ~~بارزني بالمحاربة وإني لأسرع شيء في نصرة أوليائي أفيظن أن يفوتني كيف وأنا ~~الثائر لهم) # PageV03P091 ### | - الأصل التاسع والعشرون والمائتان ### | في أن أهل الغرف في الجنة ومراتب الدرجات # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغائر ~~في الأفق من المشرق أو المغرب ms439 لتفاضل ما بينهم قالوا يا رسول الله تلك ~~منازل الأنبياء فلا يبلغها إلا هم قال (بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا ~~بالله وصدقوا المرسلين) # فأهل الغرف أهل العليين الذين قد ارتفعت درجاتهم إلى قرب العرش والإغتراف ~~الإرتفاع وسميت الغرفة لارتفاعها والجنة ثلاثة أثلاث أعلاها للسابقين ~~وأوسطها للمقتصدين وأدانيها وما فيها دني للمخلطين وعدن مقصورة الرحمن ~~وجنات عدن محل الأنبياء عليهم السلام والفردوس محل الأولياء وهي الغرف وهي ~~سرة الجنة بحيال باب # PageV03P092 # العرش فتوهموا أن تلك منازل الأنبياء عليهم السلام لا يبلغها غيرهم ~~فأعلمهم أن ذلك ليست بمنازل الأنبياء عليهم السلام وإنما هو منازل الأولياء ~~والأنبياء فوقهم لأن درجة النبوة أعلى الأنبياء عليهم السلام فوق الغرف في ~~جنات عدن وعدن كالمدينة وجنات عدن كالقرى حولها والفردوس حول جنات عدن ~~مضموم إليها منسوب منها كعوالي القرى وما دونها من الجنان كالخيام والمراعي ~~حول عوالي القرى فأعلم صلى الله عليه وسلم أن الغرف منازل رجال آمنوا بالله ~~وصدقوا المرسلين أراد به إيمان الصديقين لا إيمان المخلطين من الموحدين لأن ~~أهل الغرف أهل الدرجات العلى # قال تعالى {ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى} ثم ~~قال {وذلك جزاء من تزكى} أي تطهر من مساخط الله قلبا وقولا وفعلا # وهذا شأن الصديقين لأن إيمانهم إيمان طمأنينة به وبجميع أحكامه وتصديقهم ~~المرسلين تصديق لله تعالى وسكون # وقال صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا} ~~قال الغرفة من ياقوتة حمراء أو زبرجد خضراء أو درة بيضاء ليس فيها فصم ولا ~~وصم وإن أهل الجنة ليتراءون الغرفة فيها كما يتراءون الكوكب الدري الشرقي ~~أو الغربي في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما منهم وانعما # وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود رضي الله عنه إن المتحابين ~~في الله لعلى عمود من ياقوتة حمراء في رأس العمود # PageV03P093 # سبعون ألف غرفة يضيء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا يقول أهل ~~الجنة بعضهم لبعض انطلقوا بنا ms440 حتى ننظر إلى المتحابين في الله فإذا أشرفوا ~~عليهم أضاء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا عليهم ثياب خضر من ~~سندس مكتوب على جباههم هؤلاء المتحابون في الله # فهؤلاء أهل الغرف وهم أهل محبة الله في الله تعالى وإنما تحابوا في الله ~~لمحبة الله تعالى وهو قوله تعالى (حقت محبتي للمتحابين بجلالي) # وقد وصف الله تعالى أهل الغرفة فقال {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض ~~هونا} إلى قوله {واجعلنا للمتقين إماما} # وصف مشيهم وخطابهم وانتصابهم له ودعاءهم ونفقاتهم ونزاهتهم وانتباههم ~~وصدقهم ومحبتهم ونصحهم ثم قال {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا} # والصبر بذل النفس والثبات له وقوفا بين يديه بالقلوب عبادة وقال تعالى ~~{وما أموالكم ولا أولادكم} إلى قوله {وهم في الغرفات آمنون} # ذكر أن القربة لا تنال بالأموال والأولاد وإنما تنال بالعمل الصالح يعلمك ~~أن هذا إيمان طمأنينة وتعلق قلب به في كل ما نابه وبجميع أموره وأحكامه ~~والعمل الصالح الذي لا يخلطه بضده # PageV03P094 # فأما المخلط فغير مطمئن بأموره وأحكامه بل هو تابع لهوى نفسه يعمل على ~~شهوته وقضاء منيته # وهذان وإن كان إيمانهم إيمانهما برب واحد إلا أن ذلك قد جثمت على قلبه ~~شهوات نفسه فأظلمت صدره وانكمن نوره فلا يعمل شيئا من الإشراق والإنارة ~~وهذا البالغ من الله تعالى بنوره وهتك هذه الحجب من الظلمات وأمات منه ~~الشهوات وولج قلبه من عظمة الله تعالى وجلاله فأذهل نفسه واستقام القلب لله ~~تعالى # فعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل الغرف هؤلاء إذ لو جاز أن تنال ~~الغرف بالإيمان والتصديق الذي للعامة لكان جميع الموحدين في أعالي الدرجات # PageV03P095 ### | - الأصل الثلاثون والمائتان ### | في مراتب أهل الجنة # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ترك الكذب ~~وهو باطل بني له في ربض الجنة ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها ومن ~~حسن خلقه بني له في أعلاها # ترك الكذب هو ترك الشرك ولا كذب بأعظم من الشرك فمحل تاركه في ms441 ربض الجنة ~~وهو أدانيها فهذا الصنف هو الظالم # وترك المراء إذا اقتضاه الحق أمر الله من آداء فرائضه واجتناب محارمه أن ~~يخضع للحق ولا يماريه فيذهب برقبته من حق الله تعالى في أمره ونهيه فهذا ~~مقتصد فمحله في وسط الجنة # وأما حسن الخلق فإن الله تعالى دبر لعبده قبل أن يخلقه شأنه من الرزق ~~والأحوال والآثار كل ذلك موقت مقدر يبرز له في وقته # PageV03P096 # كما قدره ودبره مرة سقم ومرة صحة ومرة غنى ومرة فقر ومرة عز ومرة ذل ومرة ~~محبوب ومرة مكروه فأحوال الدنيا تتداوله لا ينفك من تدبيره وقضائه والعبد ~~يريد ما وافقه واشتهاه وتدبير الله تعالى فيه غير ذلك فإذا راض نفسه وقمعها ~~وخشعت لله تعالى بما أريده من نور اليقين حسن خلقه واستقام قلبه وترك جميع ~~مشيئآته لمشيئته ينتظر ما يبرز له من تدبيره في جميع أحواله فيتلقاه بهشاشة ~~قلب وطيب نفس فهذا حسن الخلق فمحله في أعالي الدرجات وسوء الخلق حجاب بين ~~العبد وبين ربه لأنه من نفس شهوانية والنفس ما لم تمت شهوتها لا تنقاد للحق ~~ولا يتخلص القلب من مخاليبها ولا يبرأ الإيمان من سقمه # قال صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤيا (رأيت رجلا من أمتي جاثيا على ~~ركبتيه وبينه وبين الله تعالى حجاب فجاءه حسن خلقه فأدخله على الله تعالى) # وقال صلى الله عليه وسلم (أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام يا إبراهيم ~~حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن ~~أظله في عرشي وأن أسكنه في حظيرة قدسي وأن أدنيه من جواري) # وحسن الخلق على ثلاث منازل # أولها أن يحسن خلقه مع أمره ونهيه # الثانية أن يحسن خلقه مع جميع خلقه # الثالثة أن يحسن خلقه مع تدبير ربه فلا يشاء إلا ما يشاء له ربه # ومن أسوء خلقا ممن دبر الله المطر من بركات السماء سقيا لعباده وبلاده ~~يجعل فيه أرزاقهم ومعاشا لهم ويحيي بذلك أمة من الأمم والعبد يكرهه ويأباه ~~لأجل إنه ms442 يبتل ثيابه أو يتأخر عن سفر يريده # PageV03P097 # فثقل عليه تدبير الله تعالى لهذه الأمة لشهوته لذلك العمل الذي هو فيه ~~ومن كان ميت الشهوة فأعماله كلها عبودة لله تعالى ومن كان يثقل عليه تدبيره ~~وحسن خلقه في جميع أموره وأحكامه وإن محاسن الأخلاق جاءت من الله تعالى وقد ~~خزنه الله تعالى عن خلقه فلا يعطيه إلا من أحبه وسعد جده فمن منحه خلقا من ~~تلك الأخلاق وتخلق بها يرى بهجة ذلك في شمائله وفي منطقه ومعاشرته حتى في ~~سيماء وجهه والله أعلم # PageV03P098 ### | - الأصل الحادي والثلاثون والمائتان ### | في ظن العبد بربه إن كان حسنا حقق له ذلك وإن كان سيئا وكله إليه # عن واثلة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله ~~تعالى أنا عند ظن عبدي فليظن بي ما يشاء # فالظن ما تردد في الصدر وإنما يحدث من الوهم وهو هاجسة النفس وأيد الله ~~تعالى المؤمن بنور التوحيد في القلب ونور في الصدر ويطوف حول القلب حجابا ~~لذلك النور الأعظم فإذا هجست النفس بعارض أمر ونور الصدر بمكانه يضيء ~~استقرت النفس فاطمأن القلب وحسن الظن لأن النور الذي في قلبه يؤدي إليه أن ~~الله تعالى كافيه وحسبه في كل أموره وأنه كريم رؤوف رحيم عطوف وإذا كانت # PageV03P099 # النفس ذات شهوة غالبة فارت بدخان شهوتها فأظلمت الصدر فصار الصدر مظلما ~~وجاءت النفس بهواجسها فاضطربت فذلك سوء ظنها بالله تعالى والظن ظنان ظن ~~عطاء فذاك الذي تستقر عليه النفس ويطمئن القلب ويوفي له بذلك ولا يخيبه # قال ابن مسعود رضي الله عنه والله الذي لا إله غيره ما أعطي عبد عطاء ~~خيرا من حسن الظن بالله # والظن الآخر ظن خالطه تهمة فلم يطمئن القلب فإن خيب فغير مستنكر # وقوله أنا عند ظن عبدي بي أي أن القلب بيدي لم أكلها إلى أحد فإذا ظن ~~عبدي بي حسنا حققت له ذلك ولم أخيبه وإذا ظن بي سيئا وكلته إلى سيئ ما ظن ~~وتخليت عنه لأني أعطيته من النور ms443 في القلب ما يؤدي إلى الصدر وفي الصدر ما ~~يضيء فيتصور له ما يؤدي القلب إليه وضاع ذلك الضوء لقوة ما أتت به النفس من ~~دخان شهواتها وتقوية الشهوات من العبد فعوقب عليه ونسب إليه بتركه تعاهد ~~القلب حتى استولت النفس عليه فألهته عن ذكر الله # وقوله فليظن بي ما شاء أي يجدني قريبا وفيا بما أمل ورجا وإنما يحسن ظنه ~~من انفرد له بين يديه وأعرض عن نفسه ورفع عنه بالها فانكشف له الغطاء عن ~~رأفته ورحمته فاستقر قلبه ومن كان صاحب شهوات واشتغال بنفسه فلو انكشف له ~~الغطاء عن رأفته ورحمته لأفسد أمره وضيع حدوده وركب شهواته واجترأ فستر عنه ~~حتى يكون في مخافة وحذر ولهذا كانت الأنبياء عليهم السلام لما سكنت شهواتهم ~~وماتت نفوسهم وحييت بالله تعالى قلوبهم بشروا بالنجاة فلم تضرهم البشرى بل ~~زادهم ألها أي شكرا # PageV03P100 ### | - الأصل الثاني والثلاثون والمائتان ### | في حكمة دعاء الرمد # عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصابه ~~الرمد أو أحدا من أهله وأصحابه دعا هؤلاء الدعوات اللهم أمتعني ببصري ~~واجعله الوارث مني وأرني ثأري فيه وانصرني على من ظلمني # جعل الله للبصر في الجسد محلا رفيعا ومكانا عاليا وفي الخبر أن العبد ~~يؤخذ يوم القيامة بنعمة البصر فيوجد قد استفرغ جميع حسنات العبد وبقي سائر ~~النعم عليه مع التبعة # ومن رفيع درهته على سائر الجوارح أنه ينظر به إلى الله تعالى يوم الزيادة ~~وبه يلذ تنعما برؤيته وبه ينظر إلى العبر في الدنيا فالعين قالب البصر ~~والبصر من نور الروح ولكل ذي جسم لطافة فالروح مسكنه في الدماغ ومعلقة في ~~الوتين وهو نياط القلب ثم هو منفش # PageV03P101 # في سائر الجسد من الظفر إلى شعر الرأس نفخ فيه الروح من طرف إبهامه في ~~المبتدأ ثم يخرج منه عند القبض من طرف لسانه لأن الله تعالى رفع درجة ~~اللسان على سائر الجوارح بالتوحيد وبه يظهر ما في القلب # قال صلى الله عليه وسلم (ما من ms444 شيء أحب إلى الله من بضعة لحم وذلك لسان ~~المؤمن وما من شيء أبغض إلى الله من بضعة لحم وذلك لسان الكافر) # فجعل سبيل الروح عند خروجه من طرف لسانه ليكون آخر الجوارح موتا وتكون ~~حركة لسانه عند خروج الروح منه بالتوحيد والحياة مع الروح والعقل والمعرفة ~~فالروح نور والعقل نور والمعرفة نور ولكل نور بصر فبصر العقل متصل ببصر ~~الروح ولطافة الروح فما رق منها وصفا فهو في العين وإذا أبصر الناظر إلى ~~حدقة رأى الرقة واللطافة في الحدقة في ذلك السواد فتلك لطافة الروح كالماء ~~وبصر الروح في تلك الإنسانة في الحدقة فذلك النور المشرق فيه هو بصر الروح ~~والضوء من خارج وإدراك الألوان من بين هذا النور الذي في الإنسانة وبين ~~الضوء الذي هو خارج وحتى لا يجتمعان لا يدرك الناظر بعينه الألوان فهذا ~~لعامة الآدميين # ثم خص الموحدين بأن أرواحهم من النور وأرواح الكافرين من النار وليس ~~للكافر عقل فخص الموحد بالعقل فاجتمع نور التوحيد ونور العقل ونور المعرفة ~~ونور الروح في تلك الإنسانة فبها تبصر العين في الدنيا وتتمثل له أمور ~~الآخرة # PageV03P102 # ثم خص الأولياء منهم بنور القربة ولذلك النور أيضا بصر فالنور في القلب ~~وبصره في بصر العين فبقوة ذلك يتفرس والفراسة أمر جليل من أمور الغيب خص ~~بها الأولياء عليهم السلام ينظرون بنور الله تعالى إلى سمات القدرة على ~~عبيد الله تعالى في الغيب فتوسمهم نظرهم ببصر ذلك العين الذي اتصلت الأبصار ~~فيها بعضها ببعض وغشيها بصر القدرة فيدركون سمات القدرة والتدبير فيخبرون ~~بالعجائب فهذا بصر الأولياء ثم للأنبياء عليهم السلام زيادة نور في أبصارهم ~~وهو بصر النبوة ثم للرسل عليهم السلام بصر الرسالة ثم لرسولنا صلى الله ~~عليه وسلم بصر سيادة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين فاجتمعت هذه الأبصار ~~كلها في إنسانة تلك الحدقة من عينه صلى الله عليه وسلم # وقال صلى الله عليه وسلم (رأيت ليلة أسري بي من العلى الذرة تدب على وجه ~~الأرض من السدرة المنتهى) # قوله (أمتعني ببصري) ms445 والإمتاع بالبصر أن يرى هذه العجائب من تدبير الله ~~تعالى من أمور الدنيا والآخرة ويرى كل شيء كما خلقه الله تعالى بما ينظر ~~إليه من العبر قال تعالى {وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد ~~منيب} # والمنيب الذي قد أناب بقلبه فأقبل على الله تعالى وفرغ قلبه له من حشو ~~الدنيا وطهره من أدناس المعاصي وكدورة الأخلاق وفضول الدنيا فقربه ربه ~~وأدناه ونقى قلبه بنوره واحتد بصره في خلقه وصنعه وتدبيره فلو نظر إلى ورقة ~~لحار عقله فيها من العجائب التي فيها من رطوبتها ولونها وطعمها وريحها ~~ولينها ومقدارها وتقطيعها وهيئتها ونقوشها وتخطيطها واللطف الذي حواها على # PageV03P103 # هذه الصفة ثم كل شجرة لها ورق لا يشبه الأخرى فللمؤمن المنيب في هذا ~~البصر بهجة # فأما المكب على نفسه في خلو من لطائف الله تعالى فيه التي هي عند العارف ~~أحلى من القطايف وبره وتدبيره ورحمته وإنما به شغل نفسه ماذا ينال منها من ~~عاجل النفع أكلا وتمتعا واعتقادا لما فضل منه حرصا على الدنيا وجمعا لها قد ~~اتخذه عدة لنوائبه دون الله تعالى واعتمد عليه فاستولت بهجة النفس عليهم ~~لينالوا بها عزا ويتمتعوا لهوا وسهوا فوقعوا في الخسران وحرموا رؤية البهجة ~~وصار عاقبة أمرهم إلى الكفران قال الله تعالى {لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} # فسأل صلى الله عليه وسلم أن يمتعه ببصره الذي ينال به هذه الأشياء حتى ~~يتوسم به آيات الله وينظر به إلى سمات القدرة ويكون ممن يعبد الله بكل نظرة ~~فإنما أعطي العباد ليعبدوا الله تعالى بها لا ليتمتعوا بها تمتع الكفار قال ~~تعالى {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} # فالمؤمن يتزود في جميع نظره وسعيه وعمله ينظر بعين العبرة والفكرة في أمر ~~الله تعالى ويتقرب إلى الله تعالى به ويتزود لآخرته والكافر يتمتع وإذا نظر ~~المؤمن بعين الغفلة والشهوة كان تمتعا فالمتنبه كلما نظر إلى شيء ازداد ~~علما وكان بصره رأس ms446 ماله والمزيد من العلم ربحه ولهذا جاءت به الأخبار أن ~~النظر إلى البحر عبادة وإلى العالم عبادة وإلى وجه الأبوين عبادة لأنه عبد ~~الله بتلك النظرة # PageV03P104 # وقوله (واجعله الوارث مني) أي اجعل بصري آخر ما يخرج مني فيكون قد ختمت ~~لي بالنبوة والتوحيد والعقل فيكون بصري هو الوارث لجوارحي فإن هذه الأبصار ~~قد اجتمعت في هذا البصر فكان آخر ما يخرج مني لطافة الروح وهو بصر العين ~~فقط فالسعيد من قبض روحه وكان آخر ما يخرج منه بصر توحيده وعقله والشقي من ~~سلب ذلك ثم قبض روحه فكان آخر ما يخرج منه بصر روحه فقط # قال صلى الله عليه وسلم (إن الروح إذا فارق الجسد تبعه البصر ألا ترى إلى ~~شخوص عينه) # فسأل صلى الله عليه وسلم الإمتاع ببصره أن يديم له ذلك إلى أن تفارقه ~~روحه وكان آخر ما يخرج عنه بصره لأنه كان متصلا ببصر العقل والتوحيد ~~والولاية والنبوة والرسالة والقيادة والسيادة حتى يكون ذلك ختاما لأمره # وقوله (وأرني ثأري) معناه أرني ببصري هذا ما يكون في أمتي إلى آخر الدهر ~~من النصرة لما جئت به فاستجيب له فأري ملك فارس والروم في أمته ومنازل ~~الحكماء والعلماء والأئمة الهادية بالحق والقائمة بالعدل والفتن التي هي ~~كائنة في أمته والرحمة التي عمتهم # وقوله (وانصرني على من ظلمني) ظلم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكذب ~~وتنفى عنه منة الله تعالى عليه في شأن النبوة فسأل إظهار حقه الذي جاء به ~~فكانت تلك نصرة النبوة فكان المستعدي عليه على أحد أمرين إما أن يهديه الله ~~تعالى وإما أن يقتله # PageV03P105 ### | - الأصل الثالث والثلاثون والمائتان ### | في حقيقة الخوف وحقيقة المعرفة # عن معاذ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو خفتم ~~الله تعالى حق خيفتة لعلمتم العلم الذي لا جهل معه ولو عرفتم الله تعالى حق ~~معرفته لزالت بدعائكم الجبال) # حقيقة الخوف لمن وصل قلبه إلى فردانيته فامتلأ من عظمة الفردية باهت في ~~جلاله فأينما وقع بصره على ms447 شيء وأينما دارت فكره واطلعت نفسه تلك المطالع ~~علم العلم الصافي الذي لا يمازجه شبهة ولا جهل بمنزلة الشمس إذا أشرقت على ~~أهل الدنيا بضوئه يريك الأشياء كلها حتى لا يخفى عليك منه شيء لعموم إشراقه ~~على الأشياء كلها فكذا شأن القلب إذا كمل علمه وأشرق نور الله تعالى في ~~صدره فذلك الضوء يريك أمر الملكوت وأمور الدنيا والآخرة وإنما ينال هذا ~~العلم بنور الخوف ونور الخوف ما أشرق في صدره من نور العظمة الفردية فخافه ~~حق خيفته وعلم العلم الذي لا جهل معه # PageV03P106 # لأنه يريك ذلك النور باطن الأمور والأسرار التي في الغيوب التي خص الله ~~تعالى بالكشف عنها الأنبياء والأولياء عليهم السلام # وقوله (حق معرفته) أن تعرفه بصفاته العلى وأسمائه الحسنى معرفة يستنير ~~قلبك بها فإذا عرفته بذلك كان دعاؤك عن معرفة وحسن الظن به وقال عز من قائل ~~أنا عند ظن عبدي بي والكريم يستحيي أن يعرف بشيء ثم لا يكون له من ذلك ~~الشيء منه نوال فما ظنك بعبد يعرف ربه بالكرم ثم يدعوه فيقول يا كريم هل ~~يخيب العارف له بذلك وقد عرفه بالكرم معرفة يقين # وقد عرف الموحدون كلهم أنه كريم ولكن تلك معرفة التوحيد لا معرفة اليقين ~~ولهذا يعاملونه معاملة اللئام ولا يأتمنونه على أحوالهم إذ لو ائتمنه لم ~~يتخير الأحوال وألقى مفاتيح الأمور إليه حتى يكون هو الذي يختار له وإذا ~~اختار له ما تكره نفسه ويثقل عليها راض نفسه وأدبها حتى إذا اختار الله ~~تعالى له ذلك اهتش إلى المكروه كما يهتش إلى المحبوب ثقة به وتفويضا إليه ~~فهؤلاء الراضون عن الله تعالى رضي الله عنهم ورضوا عنه فهم أهل الخشية ~~والذين عرفوه بالكرم معرفة التوحيد يتخيرون له الأحوال فيهربون من الفقر ~~والذل ويحتالون لأنفسهم الأحوال المحبوبة ويطلبونها ويدبرون لأنفسهم أمورا ~~وإذا جاءهم المكروه من الأمور وذلك له صنع من الله جميل رأيت له نفسا دنية ~~وخلقا شكسا فلا يزال ذلك السوء يتردد في صدره حتى يتكدر عليه عيشه فإن كان ms448 ~~صاحب تقوى اتقى الله بجوارحه وصدره بهذه الصفة وإن خذل فترك تقواه خرج ذلك ~~من صدره إلى الجوارح فافتضح عند الملائكة وعقلاء خلقه في الأرض # PageV03P107 ### | - الأصل الرابع والثلاثون والمائتان ### | في أن الطاعم الشاكر لم صار بمنزلة الصائم الصابر وأن الصبر أفضل # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الطاعم ~~الشاكر بمنزلة الصائم الصابر) # الصوم هو أن يعزم على أن يكف عن الطعام والشراب ومباشرة النساء طول ~~النهار والصائم كل ساعة تتردد فيه شهوة الطعام والشراب وغير ذلك مما هو ~~ممنوع منه فرد شهوته وتجرعت نفسه مرارة الرد فهو صابر يتجدد عليه الصبر ~~ساعة بعد ساعة عند تحرك كل شهوة في نفسه ومنعه منها فهو يردها ويثبت على ~~الوفاء بنذره فسمي # PageV03P108 # الصائم الصابر ولذلك قال الله تعالى (الصوم لي وأنا أجزي به) إنما صار ~~مختصا من بين الأعمال بأن نسبه إلى نفسه الكريمة وإن كان الأعمال كلها لله ~~تعالى لأن الصوم ليس بعمل الأركان ويقع سرا فيما بينه وبين ربه سبحانه ~~وتعالى والحفظة لا تعلم ذلك ولا تطلع عليه وخفي عليه جزاؤه ومقدار ثوابه ~~فولي الله تعالى ذلك لعبده لأنه كلما ترددت شهوة تجددت للعبد عزمة على ~~الثبات فله بكل عزمة ثواب جديد # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (ما من نعمة وإن تقادم عهدها فذكرها العبد ~~فحمد الله عليها إلا جدد الله تعالى له ثواب شكرها كيوم شكره وما من مصيبة ~~وإن تقادم عهدها فذكرها العبد فاسترجع إلا جدد الله له ثوابها كهيئته يوم ~~أصيب) # فللصائم بكل عزمة استئناف صبر قال الله تعالى {إنما يوفى الصابرون أجرهم ~~بغير حساب} فقد خرج هذا من عمل الحفظة وإدراكهم # قال صلى الله عليه وسلم (الأعمال كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلا ~~الصوم فإنه لا يعلم ثواب عامله إلا الله تعالى) # وقال صلى الله عليه وسلم الأعمال عند الله سبعة عملان موجبان # PageV03P109 # وعملان بأمثالهما وعمل بعشر أمثاله وعمل بسبعمائة ضعف وعمل لا يعلم ثواب ~~عامله إلا ms449 الله تعالى فأما الموجبان فمن لقي الله يعبده مخلصا لا يشرك به ~~شيئا وجبت له الجنة ومن لقي الله قد أشرك به وجبت له النار ومن عمل سيئة ~~جزي بمثلها ومن عمل حسنة جزي عشرا ومن أنفق ماله في سبيل الله ضعفت ~~بسبعمائة والصيام الذي لا يعلم ثواب عامله إلا الله تعالى # وقوله (الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر) فالإيمان منقسم على الشكر ~~والصبر # قال صلى الله عليه وسلم (الإيمان نصفان نصف للشكر ونصف للصبر) # لأن العبد في جميع عمره بين محبوب ومكروه فالإيمان يقتضي الشكر عند ~~المحبوب والصبر عند المكروه فإذا وفى لهما وفر إيمانه فإذا طعم وهو محبوب ~~النفس فشكر فقد أتى بنصف وفاء الإيمان وإذا جاع وهو مكروه النفس فصبر فقد ~~أتى بنصف وفاء الإيمان وهكذا في جميع الأعمال وهذا لأن العبد لما آمن بقلبه ~~واعترف بلسانه امتحن صدق ما في قلبه وطمأنينة نفسه بالإيمان بالمحبوب ~~والمكروه فإن أبرز عند المحبوب شكرا وعند المكروه صبرا فقد أتى بوفاء ~~الإيمان # قال تعالى {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} # PageV03P110 # لأن الشهوة التي في ابن آدم من المحفوف بباب النار فإذا أثارها محبوب من ~~الأمور فهي حرفة يقتضي عليها الشكر وهو رؤيتها من خالقها والمقدر له وإذا ~~آثرها بمكروه فهي حرفة يقتضي عليها الصبر للمقدر الحاكم عليه بذلك لتظهر ~~صحة إيمانه فيباهي الله تعالى به يوم الموقف ملائكته عليم السلام إذا أتى ~~الله تعالى بالصبر والشكر # PageV03P111 ### | - الأصل الخامس والثلاثون والمائتان ### | في أدب شرب الماء وفوائد كل شربة وحكمة الشكر والشفاء والوترية # عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا ~~شربتم فاشربوا بثلاثة أنفاس فالأول شكر لشرابه والثاني شفاء في جوفه ~~والثالث مطردة للشيطان وإذا شربتم فمصوه مصا فإنه أجدر أن يجري مجراه وأنه ~~أهنا وأمرأ) # النفس الأول صار شكرا للمنتهين لما خلص إليه عذوبة الماء ورطوبته وبرودته ~~تراءى لقلبه ms450 لطف الله تعالى في ذلك الماء كيف جرت ربوبيته فيه حتى رطبه ~~وأعذبه وبرده فكانت رؤيته لذلك شكرا وإذا كان النفس الأول بهذه الهيئة ذهب ~~بالداء وإذا ذهب الداء جاءت نوبة الشفاء فلما شكر هذا العبد في النفس الأول ~~استوجب من الله تعالى المزيد قال تعالى {لئن شكرتم لأزيدنكم} # PageV03P112 # فاجتلب في النفس الثاني المزيد فصار شفاء لأن البركة قد اشتملت على ~~المزيد # وأما النفس الثالث صار مطردة للشيطان للوترية التي فيه فإن الله تعالى ~~وتر يحب الوتر فالنفس الأول رحمته والنفس الثاني شكره لعبده وهو مزيده ~~والنفس الثالث محبوبه لسمة الوترية فوتريته تعالى نفت كل خلط في الأعمال ~~مما يريد الشيطان أن يزاوجه لأنه مستعد لأن يزاوج بما يورد على القلوب في ~~ملك الصدور والموحد ينفي مزاوجته بحظه من وترية الله تعالى حتى يبطل كيده ~~ويصفو عمله لله تعالى الوتر ولذلك كانت العلماء يتوخون الوتر في كل شيء ~~فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وترا وإذا تكلم فأعاد الحديث أعاد ~~وترا وكان يتوخى الوترية في كل شيء وكان أبو هريرة رضي الله عنه يتوخى ~~الوترية في كل شيء حتى أنه كان يقرأ في صلاته بأم القرآن بثلاثة أنفاس وكان ~~ابن سيرين رضي الله عنه يتفقد بطلب ذلك حتى يأمر الخادم أن يضع على مائدته ~~من كل شيء وترا يتوخون بذلك محبوب الله تعالى والتماس البركة وانطراد ~~الشيطان ونفوره وإذا انطرد الشيطان بقي الشفاء على هيئته وثبت الشكر لصاحبه ~~قال صلى الله عليه وسلم (إن الله ليرضى على العبد بالشربة الواحدة والأكلة ~~الواحدة يشربها أو يأكلها فيحمد الله عليها) # وقال صلى الله عليه وسلم (ما أنعم الله على عبد من نعمة صغيرة ولا # PageV03P113 # كبيرة فحمد الله عليها إلا كان قد أعطي خيرا مما أخذ) # فالنفس الأول للشكر وإنما يثبت الشكر للوترية في النفس الثالث لانطراد ~~الشيطان لأنه لم يكن مطرودا دخل عليه بوسوسة ما يبطل شكره بأن يوسوس إليه ~~في عذوبته أو في صفائه أو في برده خللا ينغص ms451 عليه النعمة حتى يغيب عن قلبه ~~لطف ربوبية الله تعالى في ذلك الماء في وقت الشرب # وقد استوجب العبد رضاء الله تعالى في شربة واحدة لهذه الآداب التي دأب ~~عليها مطيعا لله تعالى طالبا فيها حسن العمل وهذه الشربة الواحدة إنما رضي ~~الله بها عن العبد لأنه سمى في أولها وتنفس حين قطع الشكر للمزيد ليجتلبه ~~فإن المزيد أكثر من الشكر ثم تنفس فقطع ليجتلب الوترية فينفي العدو الحاسد ~~الذي قد أعد له في كل شيء حسدا فيثبت له الشكر فيدوم فإذا حمد الله فقد ~~ختمه بكلمة الصدق فرضي عنه بتلك الكلمة الصادقة وإذا حمد حمدا مع ترك الأدب ~~كانت كلمته مدخولة فلا يستوجب الرضى لأنه مع استيلاء الغفلة كحمد السكارى ~~وإذا رضي الله تعالى عن عبده أثنى عليه وأحبه ملائكته # قال صلى الله عليه وسلم (من شرب الماء بثلاثة أنفاس بدأ فسمى في كل مرة ~~وحمد كل مرة سبح الماء في جوفه حتى يشرب ماء غيره) # PageV03P114 # وقوله (إذا شربتم فمصوا) لأن اللهاة تيبس من حرارة الجوف ولهبان الكبد ~~فتعطش اللهاة فإذا مص الماء كان كثير البرودة على اللهاة فيسكن العطش ~~فاستغنى عن كثرته إذ كثرة الماء تتخم وتحدث داء كثيرة فإذا مص أسرع إلى ~~تسكين العطش فاستغنى عن الازدياد ولأنه أرفق لمجراه في العروق # قال (لا تعبه عبا فإن الكباد من العب) # فإنه إذا عب أضر بالكبد لأنه مجمع العروق ومنه تنقسم في العروق فإذا عبه ~~في دفعة واحدة كان بمنزلة نهر فتحت مفتحه دفعة واحدة فدخل الماء جملة لم ~~يؤمن البثق والفساد فكذا إذا شربه عبا لا مصا لم تحتمل العروق وفاضت من ~~المعدة إلى العروق فربما كان على الطريق سدة في العروق فاحتبس الماء هناك ~~فدوي فصار خاما وقوي البلغم فحدثت منه أدواء في النفس وأورثت كسلا عن عبادة ~~الله تعالى وفتورا فمن لها عن تفقد ذلك يوشك أن يؤديه إلى ما هو أكبر منه ~~فكان صلى الله عليه وسلم شفيقا على الأمة رؤوفا رحيما أن يؤديهم ms452 إلى الله ~~تعالى مع زينة الإسلام وبهاء الإيمان فعلمهم تناول الطعام والشراب وكل شيء ~~للنفس فيه حق وقد طهره الله تعالى وأدبه وأحيا قلبه ونفسه فقبل أدبه وصار ~~مهذبا وأمرنا بالاتساء به فقال تعالى {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} ~~وجعل الإتباع له علامة محبته في قلوب العباد فقال {إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله} فأوجب محبته لمن اتبعه # PageV03P115 ### | - الأصل السادس والثلاثون والمائتان ### | في أن النوم مع الطهر كالصوم مع القيام # عن عمرو بن حريث رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(النائم الطاهر كالصائم القائم) # الصائم بترك الشهوات يطهر وبقيامه بالليل يحيا والنائم نوم العدة محتسبا ~~إذا نام على طهارة بمنزلته فإن نفسه تعرج إلى الله تعالى فإذا كان طاهرا ~~قرب فسجد تحت العرش # قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما تعرج الأرواح إلى الله تعالى في ~~منامها فما كان طاهرا سجد تحت العرش وما كان غير طاهر سجد قاصيا فلذلك ~~يستحب أن لا ينام الرجل إلا وهو طاهر # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه إذا نام الإنسان عرج بنفسه # PageV03P116 # حتى يؤتى بها إلى العرش فإذا كان طاهرا أذن لها في السجود وإن كان حنبا ~~لم يؤذن لها في السجود # وما قال أبو الدرداء رضي الله عنه إن النفس تعرج أصوب فإنه يروى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال (وكل بالنفوس شيطان يقال له الهو فهو يخيل ~~إليها ويتراءى إلى أن ينتهي إذا عرج بها فإذا انتهت إلى السماء فما رأت فهو ~~الرؤيا التي تصدق) إلا أن عبد الله بن عمرو إستجاز أن يسمي الروح باسم ~~قرينها كالقلب والفؤاد والنفس والروح قرينان إلا أن الروح سماوي يدعو إلى ~~الطاعة ومسكنه في الرأس والنفس أرضية تدعو إلى الشهوات وقد وضع في كل واحد ~~منهما شيء من الحياة فيعمل بتلك الحياة فبالنفس يأكل ويشرب ويسمع ويبصر ~~وبالروح يعف ويستحيي ويتكرم ويتلطف ويعبد ربه ويطيع والنفس هي الأمارة ~~بالسوء وهي حارة والروح ms453 بارد فإذا نام العبد خرجت النفس بحرارتها فعرج بها ~~إلى الملكوت والروح باق معلق بنياط القلب يحرس القلب بما فيه من التوحيد ~~وأصل النفس باق يتقيد بالروح وقد خرج شعاعها قال الله تعالى {الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل ~~الأخرى إلى أجل مسمى} # ولذلك تجد النائم استيقظ في أعضائه بردا في أيام الصيف لخروج حرارة النفس # والنفوس تشترك بين الآدمي والبهائم وفضل الآدمي بالروح السماوي ليكون ~~داعيا لنفسه إلى الطاعة وإذا نام العبد خرجت النفس فلقيت من أمور الملكوت ~~وأخبار الغيب ما يرجع إلى صاحبها بالعلم الشافي # PageV03P117 # قال صلى الله عليه وسلم (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة) # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم (لم يبق بعدي من النبوة شيء إلا المبشرات ~~رؤيا المؤمن) # فإذا عرجت النفس صارت إلى فناء العرش فظهرت بقرب الله تعالى وبالسجود ~~الذي أذن لها فرجعت إلى صاحبها طاهرة بالقرب محبوة بكرامة السجود فصارت ~~بمنزلة الصائم الذي طهر بترك الشهوات وحيى بقيام الليل فهذه منزلة الصادقين ~~استوى نومه على طهارة بصيامه وقيامه # ولهذا قال معاذ رضي الله عنه لأبي موسى إني أنام نصف الليل وأقوم نصفه ~~فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي # فأما منزلة الصديقين خاصة الله تعالى فهي أرفع من هذا فإن النوم # PageV03P118 # عندهم أثر من القيام لأن نفوسهم قد قلقت بين الأحشاء فهي تطلب الانفلات ~~إلى فسحة التوحيد إلى فحص العرش وطلبت العقول الوصول إلى الله تعالى فاغتنم ~~ما تطلب النفس فاقترنا فخرج العقل بحظه من القلب اشتياقا إلى الله تعالى ~~وخرجت النفس اشتياقا إلى فسحة العرش والروح الذي هناك فإذا رجعا إلى البدن ~~أوردا على الروح من الطهارات والكرامات ما لا يخطر على قلب بشر حتى يرتاح ~~ويطهر ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوخى نوم السحر # قالت عائشة رضي الله عنها ما ألقاه السحر عندي إلا نائما # فالسحر ساعة نزول الرب سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا واطلاعه على ms454 ~~الخلق والعطف عليهم والنداء ألا هل من داع فأستجيب له ألا هل من تائب فأتوب ~~عليه ألا هل من سائل فأعطيه ألا هل من مستغفر فأغفر له وهو باسط يده لمسيء ~~النهار أن يتوب بالليل ثم يقول من يقرض غير معدوم ولا مطول # فكان صلى الله عليه وسلم يتوخى النوم في ذلك الوقت لعروج نفسه إلى الله ~~تعالى فتلقاه في سمائه وهذا أفضل عنده من قيامه لأنه في حال القيام إنما ~~يعرج إليه قلبه بعقله وفي حالة النوم تعرج النفس والعقل والقلب فاجتماع ~~الثلاثة أفضل عنده فخاصة الله تعالى نالوا هذا الحظ وتوخوا بنومهم ذلك ~~فصاروا أفضل من الصائمين القائمين وأما الصادق فقد اعتدل نومه بصومه ومكثه ~~في نومه بقومته وإليهم أشار صلى الله عليه وسلم في الحديث وهذا مثل قوله ~~صلى الله عليه وسلم (الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر) # فهذا شكر الصادقين عدل شكره على طعامه بصبره في صيامه فأما شكر الصديقين ~~فقد فاق وبرز على صبر الصائمين لأن الصبر ثبات العبد في مركزه عن الشهوات ~~برد ما يهتاج منه من الشهوات # PageV03P119 # في وجه النفس والشاكر من الصديقين يطعم ويفتتح طعامه ببسم الله الذي يملأ ~~تسميته ما بين السماء والأرض ويطفئ حرارة شهوته ويرى لطف الله تعالى في ذلك ~~الطعام ورأفته به في سياقته إليه ويحمد الله تعالى على ما يرى من صنعة الله ~~تعالى في ذلك الطعام حمدا لا ينتهي فقد بان تفاوت ما بين هذين الحالين # وعند معاذ بن جبل رضي الله عنه قال أبطأ عنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بصلاة الفجر حتى كادت الشمس تدركنا ثم خرج فصلى بنا فخفف في صلاته ثم ~~انصرف فأقبل علينا بوجهه فقال على مكانكم أخبركم بإبطائي عنكم اليوم في هذه ~~الصلاة إني صليت في ليلتي هذه ما شاء الله تعالى ثم ملكتني عيني فرأيت ربي ~~في أحسن صورة وأجملها فقال يا محمد قلت لبيك يا رب قال فيم يختصم الملأ ~~الأعلى قلت لا أدري يا رب ثم قال ms455 يا محمد قلت لبيك يا رب قال فيم يختصم ~~الملأ الأعلى قلت لا أدري يا رب قال فوضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله ~~بين ثديي فعلمت من كل شيء وبصرته ثم قال يا محمد قلت لبيك يا رب قال فيم ~~يختصم الملأ الأعلى قلت في الكفارات قال وما هن قلت في المشي على الأقدام ~~إلى الجماعات وفي إسباغ الوضوء في السبرات وفي القعود في المساجد بعد ~~الصلوات قال ثم فيم قال قلت وفي إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة بالليل ~~والناس نيام قال سل قلت اللهم إني أسألك حب الحسنات وترك المنكرات وحب ~~المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في خلقك فنجني إليك منها غير ~~مفتون اللهم وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك ثم أقبل علينا ~~فقال تعلموهن وادرسوهن فإنهن حق # PageV03P120 # فانظر كم بين النومة والقومة فهو قصد المشتاقين إلى الله تعالى في المنام ~~يتوخون بها تجدد أحوال النفوس ويتوقعون من الله تعالى المنن وكان أبو بكر ~~رضي الله عنه يقول لأن أسمع برؤيا صالحة أحب إلي من كذا وكذا # PageV03P121 ### | - الأصل السابع والثلاثون والمائتان ### | في التعوذ بالله من الرغب # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تعوذوا ~~بالله من الرغب) قال وكانت ابنة رغيبة فدعا الله عليها فماتت # الرغب كثرة الأكل والشبع مفقود حتى يحتاج صاحبه أن يثابر عليه في اليوم ~~مرات وذلك من غلبة الحرص ولهبان ناره يهضم ذلك الطعام وينشف رطوبته حتى ~~يسرع في يبسه فيصير تفلا يحتاج إلى أن ينفضه نفضا # وقال صلى الله عليه وسلم (الرغب شؤم) لأن ذلك من جعامة النفس وإذا كانت ~~النفس جعمة فصاحبها مفتون وجعامة النفس من قلة حظه من الله تعالى وبعد قلبه ~~منه وربة نفس مالت جعامتها إلى بطنه فيكون مفتونا ببطنه ولذة حلقه هالعا لا ~~يدع رطبا ولا يابسا وربة نفس مالت جعامتها بها إلى فرجه فكان منهوما بذلك ~~وإذا عجز عنه فعلا لكبر أو ضعف ms456 فقلبه منهوم ولسانه رافث وعينه طماحة # PageV03P122 # خائنة قال صلى الله عليه وسلم (أكثر ما يدخل الناس الجنة حسن الخلق وأكثر ~~ما يدخل الناس النار الأجوفان البطن والفرج) # وقال صلى الله عليه وسلم (أشر ما في الإنسان شح هالع وجبن خالع) # والشح الهالع هو الحرص الذي له حريق في الجوف وصاحبه لا يشبع والجبن ~~الخالع هو الذي إذا وقع الخوف في الرئة انتفخ من الجبن وسوء الظن حتى يرحل ~~القلب من مكانه فيبقى معلقا كالمتخلع والرغب مشتق من الرغبة والرغبة خلقت ~~من أخلاق الكفر # قال وهب رضي الله عنه وجدت في الحكمة مكتوبا بني الكفر على أربعة أركان ~~على الرغبة والرهبة والشهوة والغضب # فالرغبة ربع الكفر والمؤمن لا يرغب بل يتناول على الحاجة ولا يستمتع بل ~~يتزود لأنه مسافر قد أيقن بالبعث فهو في السير إلى ربه فما أخذه من الدنيا ~~أخذه تزودا ليقطع مسافة أيام الدنيا إلى يوم مقدمه عليه بالموت الذي حل به ~~والكافر قد ركن إلى الدنيا ونعيمها ولم يقر بالبعث ولا اطمأن إلى أنه صائر ~~إلى الله تعالى وإلى ما يأمله المؤمن من الرجاء العظيم والأمل الفسيح فيأخذ ~~من الدنيا متمتع ويأكل أكل متشبع # قال صلى الله عليه وسلم (ما ملأ آدمي وعاء شرا له من بطن بحسب # PageV03P123 # ابن آدم لقمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فثلث طعام وثلث شراب وثلث نفس) # وقال صلى الله عليه وسلم لأبي جحيفة رضي الله عنه حيث تجشأ (يا أبا جحيفة ~~أقصر من جشائك فإن أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا) # ويقال الشبع أب الكفر لأنه يحدث منه الأشر والبطر ومنهما يتكبر ويتجبر # وقال عليه السلام إن الله تعالى يحب القتير من أمتي قيل يا رسول الله وما ~~القتير قال قليل الطعم # وروي عن يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام أنه قال لإبليس هل وجدت مني ~~شيئا قط قال لا إلا أنك ربما شبعت فثقلت عن الصلاة فعاهد الله تعالى أن لا ~~يشبع حتى يخرج من الدنيا ms457 فأمر عليه السلام بالتعوذ منه ليعافى من هذه ~~الآفات إن شاء الله تعالى # PageV03P124 ### | - الأصل الثامن والثلاثون والمائتان ### | في سبب زيادة العمر # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا بني أسبغ ~~الوضوء يزد في عمرك) # فزيادة العمر على وجهين أحدهما أن العبد إذا عمر بالإيمان وبحياة القلب ~~به فذاك كثير وإن قل مدته لأن القصير من العمر إذا احتشى من الإيمان أربى ~~على الكثير لأن المبتغي من العمر العبودة لله تعالى كي يصير عند الله تعالى ~~وجيها ألا ترى أن المعمرين من الرسل عليهم السلام كلهم عمروا ما بين ~~المائتين إلى الألف ومحمد صلى الله عليه وسلم لبث في النبوة نيفا وعشرين ~~سنة فأربى على الجميع وتقدمهم لعظيم حشوه ووفور حظه ودنو قربه حتى قال (أنا ~~سيد ولد آدم ولا فخر وإن الله تعالى أعطاني خصالا لم يعط أحدا قبلي سميت # PageV03P125 # أحمد ونصرت بالرعب وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم) # الوجه الثاني أن الله تعالى قدر الآجال والأرزاق والحظوظ من أهلها فجعل ~~بعضها واجبة وبعضها هدية ثم أثبت ذلك في الكتاب الذي عنده لا يطلع عليه أحد ~~ومنه نسخ إلى اللوح فيمحو من ذلك الأم ما شاء ويثبت ما شاء وإنما يمحو من ~~الهدايا بالأحداث التي تكون من أهلها في الأرض فأما الواجبات فقد وجبت ~~لأهلها فإذا حافظ المؤمن على الوضوء وأسبغه فإنما يدوم هذا الفعل لوفارة ~~إيمانه واتساع صدره شرحا للإسلام فهداياه في أم الكتاب مثبتة تربو بحفظه ~~وصونه للهدايا فإذا استخف بها دخل التخليط في إيمانه وذهبت الوفارة وانتقص ~~من كل شيئ بمنزلة الشمس التي ينكسف طرف منها فبقدر ما انكسف ولو مقدار رأس ~~إبرة انتقص من شعاعها وإشراقها فكذلك نور المعرفة بقدر ما ينكسف من شمسها ~~ينتقص من جميع أعماله وأخلاقه وسيرته في الدين بين يدي الله تعالى لأن ~~القلب صار محجوبا ومن حجب عن الله تعالى بمقدار رأس إبرة فزوال الدنيا ~~بكليتها أهون من ذلك فلا يزال العبد ms458 ينتقص ويدوم ويتراكم نقصانه وهو أبله ~~لا ينتبه بذلك حتى يستوجب الحرمان فتمحى الهدية ويبقى العبد خاليا ولو قد ~~عقل لما حل به وانتبه له لم يزل صارخا إلى الله تعالى حتى تثبت له الهدية ~~ويزاد في العمر فيؤخر أجله ويزداد في رزقه وقوته في أعمال الدين والدنيا ~~ويزاد في البركة في كل شيء منه # وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن الرجل ليبقى من ~~أجله ثلاثة أيام فيصل رحمه فيزيد الله تعالى في عمره ثلاثين سنة) # PageV03P126 # وكيف لا يزاد في عمره وقد تعلق بقميص الرحمة والأخبار مستفيضة في نسأ من ~~أعمال البر أنه يزاد في عمره ثوابا لتلك الأعمال فذلك عاجل الثواب بشرى لما ~~أعد له في الآخرة من الثواب # وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال تذاكرنا زيادة العمر عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال (لن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها زيادة العمر ذرية ~~صالحة يرزقها الله تعالى العبد يدعون له بعد موته يلحقه دعاؤهم فذلك ~~الزيادة في العمر) # وعن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كان يريد أن ~~يبسط عليه في رزقه وينسأ في أثره فليصل رحمه) # PageV03P127 ### | - الأصل التاسع والثلاثون والمائتان # في خصائص النبي الأمي وفي سر قوله أعطيت خمسا ... إلخ # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أعطيت ~~خمسا لم يعطهن نبي من قبلي ولا أفخر بعثت إلى الأسود والأحمر وكان النبي ~~قبلي يبعث إلى قومه وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب أمامي مسيرة ~~شهر وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة فدخرتها لأمتي فهي ~~نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئا) # الرسول صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الخلق بمنزلة الأمير المؤمر يعطي ~~الإمارة والولاية والرعاية فهو بمنزلة الراعي يرعى غنمه في مراعي تسمن ~~عليها ويوردهم صفو الماء ويرتاد لهم في الصيف مشتاهم وفي الشتاء # PageV03P128 # مصيفهم ويعد لهم ms459 لكل ليلة مأوى قبل هجومه ويفر بها عن مراتع الهلكة ~~ويجنبها الأرضين الوبئة ويحرسها من السباع ويحوطها عن الشذوذ ويلحق شذاذها ~~ويجبر كسيرها ويداوي مريضها ويجمع رسلها من الألبان والصوف لرب الغنم فهذا ~~راع ناصح لمولاه وأجره موفور عليه يوم الجزاء ومتوقع من رب الغنم أفضل هدية ~~على قدر ملكه # فالرسول عليه السلام هو راعي الخلق والخلق غنمه بعث ليرعاهم فشرع لكل ~~خارجة في واديها ماذا تباشر وماذا تجتنب فأحل من كل خارجة بعضا وحرم بعضا ~~وأوردهم من المياه أصفاها وهو العلم الصافي وهيأ لهم المشتى والمصيف وهو ~~الاستعداد في الحياة وأيام الصحة والقوة قبل الهرم والمرض قبل الموت وأعد ~~لهم المأوى فبين لهم عند حدوث الفتن كالليل المظلم إلى أين يأوون وبمن ~~يعتصمون ويعزلهم عن مراتع الهلكة وهي الشهوات الدنيوية المشوبة بالحرص ~~ويجنبهم الأرض الوبئة وهي الأفراح التي تحل بالقلب منها فيوبأ ويمرض منها ~~القلب ويحرسهم عن الشذوذ مخافة الذئاب وهو العدو ويجبر كسيرهم إذا وقعوا في ~~المعاصي ويدعوهم إلى التوبة ويعينهم عليها حتى يجبر كسيرهم ويداوي مريضهم ~~وهو أن يعظ مفتونهم حتى يخلصهم بالمواعظ من فتن النفوس ويحمل بهماتهم وهو ~~أن يدعو لهم ويستغفر لهم ويسأل الله تعالى قبول أعمالهم فهذا راع # وهو مع ذلك أمير يؤدبهم ويحملهم على المكاره ويسوقهم ويسير بهم بسوط ~~الأدب على مشارع الاستقامة ليوافي بهم الموقف بين يدي الله عز وجل فكل راع ~~إلا ومعه عصا يهش بها على الغنم ويؤدبهم بها وقد ذكر سبحانه عصا موسى عليه ~~السلام في تنزيله فكل راع مؤنته على قدر غنمه وكل أمير مؤنته على قدر رعيته ~~فالأمير المبعوث إلى كورة محتاج على قدر ولايته إلى آلة الولاية من # PageV03P129 # الخدم والدواب والمراكب والكنوز على قدر ولايته لينفق في إمارته فمن أمر ~~على مجارستان فهو أقل حظا من هذه الأشياء التي وصفنا ومن أمر على خراسان ~~كانت حاجته إلى ما ذكرنا أكثر ومن كان أمير المؤمنين يحتاج إلى كنز عظيم ~~ومن ملك المشرق والمغرب احتاج إلى خزائن الأموال ms460 حتى يضبط بها ذلك الملك ~~فكذلك كل رسول بعث إلى قوم أعطي من كنز التوحيد وجواهر المعرفة على قدر ما ~~حمل من الرسالة فالمرسل إلى قومه في ناحية من الأرض إنما يعطى من النبوة ~~والكنوز على قدر ما يقوم به من شأن نبوته ورعاية قومه والمرسل إلى جميع أهل ~~الأرض كافة إنسها وجنها صلى الله عليه وسلم أعطي من المعرفة بقدر ما يقوم ~~بها في شأن النبوة إلى جميع أهل الأرض كافة فحظنا من قوله صلى الله عليه ~~وسلم بعثت إلى الأحمر والأسود وقوله تعالى له {وما أرسلناك إلا كافة للناس} ~~كحظه من ولاية ملك يملك الدنيا وجواهر شرقها وغربها وما بينهما ومن ملك ~~الأرض كلها جواهرها ومعادنها ومن ملك ناحية من الأرض ليس له إلا معدن ~~ناحيته وجوهر ذلك المعدن فلذلك قال صلى الله عليه وسلم (اختصر لي الكلام ~~وأوتيت جوامع الكلم) # ولذلك صار كتابه مهيمنا على الكتب وصار القرآن الكريم مشتملا على التوراة ~~والإنجيل والزبور والفرقان وبقي المفصل نافلة لهذه الأمة خاصة وأوحي إليه ~~بالعربية التي برزت على سائر اللغات بالاتساع وهي لسان أهل الجنة ولما أعطي ~~الرسالة إلى الكافة أعطي من الكنوز # PageV03P130 # مقدار الكفاية للجميع وأوتي من الحكمة وجواهرها كلها وأوتي ختم الرسالة ~~والرعب فبجواهر الرسالة قوي على علم مختصر الحديث وجوامع الكلم # وكان التوراة يحملها سبعون جملا موقرة والزبور من بعدها والإنجيل من بعده ~~فجمع له ذلك كله في القرآن الكريم والفرقان في فاتحة الكتاب ولذلك سمي أم ~~الكتاب قال تعالى {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} وهي سبع ~~آيات سميت مثاني لأن الله تعالى جمع الكتب كلها في اللوح المحفوظ ثم أنزل ~~منها على كل رسول ما علم أنه محتاج إليه هو وأمته واستثنى فاتحة الكتاب من ~~جميع ذلك وخزنها لهذه الأمة فجميع علم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ~~مستخرج من أم القرآن والقرآن مستخرج من أمه وسائر الكتب في القرآن # قال صلى الله عليه وسلم (أوتيت السبع يعني الطول مكان التوراة وأعطيت ~~المثاني مكان ms461 الإنجيل وأعطيت المتين مكان الزبور وفضلت بالمفصل) # فمن عمي قلبه عن الله ولم يكن في قلبه نور الهداية لم يبصر آثار النبوة ~~على محمد صلى الله عليه وسلم وإنما يبصر منه شخصه وجثته قال تعالى {وتراهم ~~ينظرون إليك وهم لا يبصرون} # ومن هداه الله تعالى لنوره فانفتح عين قلبه بذلك واستقرت المعرفة # PageV03P131 # في قلبه أبصر منه شخص النبوة بارزا من الحياة والذكاء واليقظة والانقياد ~~والسرعة والبراز والسبق والسماحة والكرم والسعة والجود والحياء والسكينة ~~والوقار والحلم ومن الأفعال السواك والحجامة والتعطر والجماع ويرى على شخص ~~النبوة شخص الرسالة فائقا من الجلال والبهاء والنزاهة والحلاوة والطلاوة ~~والملاحة والمهابة والسلطان وأصل هذا كله من اليقين والحب والحياة وإنما ~~نال المؤمنون من معرفة محمد صلى الله عليه وسلم على قدر معرفتهم بالله ~~وعلمهم به فمن صدق محمدا صلى الله عليه وسلم في الصحبة كان صدق صحبته على ~~قدر معرفته إياه وعلمه به وعلى حسب ذلك كان يترآى لبصر عينه في الظاهر ما ~~عددنا من الخلال فأوفرهم حظا من نور الله أوفرهم علما به وقدرة وجلاله ~~وخطير منزلته وأوفرهم علما به أسرعهم إجابة لدعوته وأبذلهم نفسا ومالا # ألا ترى أن أبا بكر رضي الله عنه لما أفشى إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه مبعوث صدقه على المكان ولم يتردد ولم يضطرب وقال علي كرم الله ~~وجهه حتى أسأل أبي ثم رجع عن الطريق وصدقه وصدقه عمر بعد مدة وبعدما أسلم ~~تسع وثلاثون نفسا فتم بإسلامه عدد الأربعين بعد دعوة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة أسلم من الغد (اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن ~~هشام) يعني أبا جهل فجرت الدعوة من عدو الله عمرو إلى محق الله عمر # PageV03P132 # رضي الله عنه فسعد عمر رضي الله عنه وشقي عمرو ودل اسماهما على حظيهما من ~~الله تعالى ومقدار الكائن من أمريهما لأن عمر رضي الله عنه أول اسمه مضموم ~~مثقل والمضموم الذي قد آواه الله وضمه إلى باله وعمرو أول اسمه ms462 مفتوح مخفف ~~والمفتوح هو الذي أهمله الله تعالى وأخرجه من باله فضمة أول اسم عمر رضي ~~الله عنه دليل على أنه كان مضموما إلى بال الله تعالى فأعز الله تعالى به ~~الإسلام عزا حتى صار بمحل أن جاء جبريل عليه السلام فقال يا محمد أقرئ عمر ~~السلام وأخبره أن غضبه عز ورضاه حكم # وفتحة أول الاسم في عمرو تدل على أنه خرج من بال الله تعالى وقد انكشف ~~الغطاء عن شأنه فكانت كنيته في قريش أبا الحكم فجرت كنيته في أهل الإسلام ~~بأبي جهل وعلى حسب خروجه من بال الله تعالى عظمت آفته على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعلى الإسلام حتى قتله الله تعالى أذل قتلة وقد أكرم الله ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وأبرز فضيلته وكرامته بأن جعل لكل نبي وزيرا وجعل ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم أربعة من الوزراء فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ~~وزيرا الرسالة وعثمان وعلي رضي الله عنهما وزيرا النبوة ثم نحلهم من الحظوظ ~~من عنده فحظ أبي بكر رضي الله عنه منه العصمة والحياء وحظ عمر رضي الله عنه ~~الحق والوكالة وحظ عثمان رضي الله عنه النور والحياء وحظ علي رضي الله عنه ~~الحرمة والخلة فتفاوت أعمالهم في صحبتهم الرسول صلى الله عليه وسلم أيام ~~الحياة وفي سيرتهم في الأمة بعده على قدر حظوظهم فلما أحس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالإرتحال إلى الله تعالى من الدنيا وابتدئ له في وجعه وعجز ~~عن الخروج إلى الصلاة بالأمة أمر أبا بكر رضي الله عنه بالصلاة فاتفقت ~~الأمة على أنه هو الذي ولي الصلاة # وكان من صنع الله تعالى للأمة أن خفف الله عنه يوم قبض فخرج # PageV03P133 # والمسلمون في صلاة الغداة ورجلاه يخطان الأرض حتى جلس إلى جنب أبي بكر ~~رضي الله عنه فصلى ليعلم الجميع أنه رضي بذلك من فعله لئلا يبقى لمعاند أو ~~طاعن مقال أنه لم يأمر بذلك أو أمره وهو مغلوب على عقله لشدة علته فأظهر ~~الله ذلك ms463 بما خفف عنه حتى خرج وقعد إلى جنبه فصلى من حيث انتهى أبو بكر رضي ~~الله عنه ثم صار المتأولون لذلك على صنفين منهم من يقول أبو بكر هو الإمام ~~وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته ومنهم من قال بل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الإمام وأبو بكر المقتدي # قال أنس رضي الله عنه آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف ~~أبي بكر # وقال أبو بكر رضي الله عنه آخر صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفي ~~في ثوب واحد # وعن عائشة رضي الله عنها قالت مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه ~~الذي مات فيه جاءه بلال يؤذنه بالصلاة فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس قلت ~~إن أبا بكر رجل أسيف ومتى ما يقوم مقامك يبكي فلا يستطيع فلو أمرت عمر يصلي ~~بالناس قال مروا أبا بكر يصلي بالناس فإنكن صواحبات يوسف قالت فأرسلنا إلى ~~أبي بكر فخرج يصلي بالناس فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج ~~وهو يهادي بين رجلين ورجلاه يخطان بالأرض فلما أحس به أبو بكر ذهب ليتأخر ~~فأومأ إليه أن مكانك فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس # PageV03P134 # إلى جنبه فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس يأتمون ~~بأبي بكر # وروى عبد الله بن زمعة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (مروا من يصلي بالناس) فخرجت فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائبا ~~فقلت يا عمر صل بالناس فقام فلما كبر سمع صوته رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان رجلا مجهرا فقال هذا صوت ابن الخطاب فأين أبو بكر يأبى الله ذلك ~~والمسلمون فقال عمر ويحك يا ابن زمعة ماذا صنعت بي ما ظننت إذ قلت لي إلا ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك ولولا ذلك ما صليت بالناس فقال ~~والله ما أمرني ولكن لم أر أبا بكر فرأيتك ms464 أحق من حضر بالصلاة # وحديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت إن أبا بكر رضي الله عنه يصلي فصلاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم محسبة منها هكذا حسبت وهي في البيت # وحديث أنس رضي الله عنه أصح لأنه خارج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على رأي العين ولأنه روى أن أبا بكر رضي الله عنه ذهب ليتأخر ولو كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هو الإمام لكان لا يحبسه عن التأخر وكان يقوم مقام ~~الأئمة ولأن أبا بكر رضي الله عنه قال آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خلفي وأبو بكر رضي الله عنه أعلم بهذه القصة من جميع الناس فثبت ~~أن أبا بكر رضي الله عنه هو الذي ولي الصلاة والصلاة عماد الدين وأول شيء ~~فرضه الله تعالى يوم أوحى إليه والصلاة إقبال الله تعالى على العبيد ~~ليقبلوا إليه # PageV03P135 # في صورة العبيد تذللا بالوقوف وتسلما بالتكبير وتبذلا بالثناء والتلاوة ~~وتخضعا بالركوع وتخشعا بالسجود وترغبا بالجلوس وتملقا بالتشهد # وقال صلى الله عليه وسلم (الصلاة عماد الدين) وقال صلى الله عليه وسلم ~~(الصلاة نور) وقال صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى جعل قرة عيني في ~~الصلاة) # فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما لهما وزارة الرسالة وحاجة الخلق إلى ~~الرسالة أمس ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتدوا بالذين من بعدي ~~أبو بكر وعمر # فالحاجة إلى الإقتداء بالرسالة آكد ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بما عليه مدار الدين أبا بكر رضي الله عنه أن يتقدم ليتبعه الأمة ~~ويقتدي فلما رأى أبو بكر رضي الله عنه قوة ما أعطي من تقلده لضمان الصلاة ~~عن الله تعالى لعبيده وعن العبيد لله تعالى ثم عن الله # PageV03P136 # تعالى في مرض الرسول صلى الله عليه وسلم أحس بالتأييد من الله تعالى بعد ~~وفاته صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى مؤيده فيما دون الصلاة من أمور ~~الشريعة وتقلد خلافة رسول الله صلى الله عليه ms465 وسلم لأمته ولذلك قالت ~~المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم في وقت المشورة قدمك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فمن يؤخرك فبايعوه # ومما يحقق أنهما وزيرا الرسالة ما روى أبو أمامة رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إني رأيتني أدخلت الجنة فلما خرجت منها أتيت ~~بكفة فوضعت ووضعت أمتي في الكفة الأخرى فرجحت بأمتي ثم رفعت ثم جيء بأبي ~~بكر فوضع في كفة الميزان وجيء بأمتي فوضعت في الكفة الأخرى فرجح بها ثم رفع ~~أبو بكر وجيء بعمر فوضع في كفة الميزان ثم جيء بأمتي فوضعت في الكفة الأخرى ~~فرجح بها ثم رفع الميزان إلى السماء # وفي رواية سفينة مولى أم سلمة رضي الله عنهما خلافة النبوة ثلاثون عاما ~~ثم يكون ملكا فقال سفينة أمسك سنتي أبي بكر وعشر عمر وثنتي عشر عثمان وست ~~علي # PageV03P137 # فمضى أبو بكر محمودا بنعمة الله تعالى عليه في الخلافة ثم نظر بحظه من ~~الله تعالى وبما وجد من تأييد الله تعالى بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~نظرا شافيا لحق الله ثم لنفسه فلم ير أحدا أحق بأن يخلف خلافة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من عمر رضي الله عنه وقد كان المهاجرون والأنصار حوله ~~فاختار منهم عمر رضي الله عنه ورأى الحق له حتى جادلوه فقالوا له استخلفت ~~علينا فظا غليظا فماذا تقول لربك قال أتهددوني وتخوفوني بربي أقول استخلفت ~~عليهم يا رب خير أهلك فمضى بسبيله وولي الأمر عمر من بعده فحقق فراسة أبي ~~بكر رضي الله عنه وإلهامه ووطأ الإسلام ومهده وزينه وأعزه # وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (ما من أمة إلا ولها محدث فإن يك في ~~أمتي فعمر منهم) وقال (إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه) # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم (الحق بعدي مع عمر حيث كان) # وقال (لو كان بعدي نبي لكان عمر) # قد امتثل أبو بكر رضي الله عنه هذه الأشياء مع إلهامه وفراسته فاستخلفه ~~ففتح الله ms466 الفتوح على يده ومصر الأمصار ودر الأرزاق وبث السرايا وجنود الله ~~في نواحي أقطار الأرض حتى تمهد الإسلام # PageV03P138 # في الوطن الذي منه بدا ثم أكرمه الله تعالى بالشهادة ففوض ذلك إلى ستة ~~نفر أزكن فيهم الخير وأحسن بهم الظن ولو وجد فيهم مساغا للفراسة أو حظا من ~~الإلهام لنصه باسمه ولكنه انسد عليه باب الفراسة وانقطع حظ الإلهام فرأى ~~التفويض إلى هؤلاء خيرا من إهمال أمر الأمة فقبض إلى الله وترك الأمر شورى ~~بينهم فاختاروا من بينهم واحدا بعد الاحتياط والتأني والتشاور وافتقدت ~~الأمة وزارة الرسالة وحضرت نوبة وزارة النبوة فاتفق أمر الستة على أحد ~~وزيري النبوة إذ لم يبق منهم من الأربعة إلا هذين عثمان وعلي رضي الله ~~عنهما فلم يزالوا يستخيرون الله تعالى حتى اتفقوا على عثمان رضي الله عنه ~~ثم أقبلت الدنيا وجاء كفران النعمة وهاجت الفتنة وعز اليقين وأدبر الحق ~~راجعا إلى الله تعالى عند إقبال الدنيا وذهبت حياة القلوب لكفران النعمة ~~وتبديل الأمور وغلبة الهوى حتى قتل عثمان رضي الله عنه وجاءت نوبة علي كرم ~~الله وجهه والزمان بتلك الحال فلم يبق لوزارة النبوة من القوة ما يقوم مقام ~~أبي بكر ولا عمر رضي الله عنهما بايعوا أبا بكر رضي الله عنه وسلوا على أهل ~~الردة سيوفهم فلم يغمدوها ولم يخذلوه ولم ينكثوا البيعة وبقي السيف مسلولا ~~إلى انقضاء وزارة الرسالة بموت عمر رضي الله عنه وبايعوا عليا كرم الله ~~وجهه في وقته ثم نكثوا بيعته وسلوا السيوف عليه وآخرون بايعوه وسلوا السيوف ~~له ثم خرجوا عليه مارقين وآخرون بايعوه وسلوا السيوف له وهم أهل الكوفة ثم ~~خذلوه وآخرون امتنعوا من بيعته وأبوا خلافته وحاربوه ولو كانت له وزارة ~~الرسالة لصارت القلوب كلها كقلب واحد وكانت الفئة القليلة المستضعفة يغلبون ~~الفئة الكثيرة كما كان في زمن أبي بكر رضي الله عنه ومن لحظ إلى علي رضي ~~الله عنه بالقرابة والختونة ومعاني ليس في هذا الأمر من شيء إنما هذا أمر ~~الرسالة وإنما يقوم بها القائم ms467 ويقوى بها بحظه من الله الذي ضمن حشو ~~الرسالة # PageV03P139 # وأما القرابة والميراث ومقالات جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ~~كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) فلعلي رضي الله ~~عنه من الفضائل والمناقب ما يستحق أن يوالي من والاه ويعادي من عاداه وليس ~~في ذلك ما يثبت له الخلافة ويقدم على أبي بكر رضي الله عنه # قال فضيل بن مرزوق سألت عمران بن علي هل فيكم إنسان مفترض طاعته تعرفون ~~له ذلك ومن لم يعرفه فمات مات ميتة جاهلية قال لا والله ما هذا فينا فهو ~~كذاب قلت له إن ناسا يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي ~~رضي الله عنه وإن عليا رضي الله عنه أوصى إلى الحسن رضي الله عنه وأن الحسن ~~أوصى إلى الحسين رضي الله عنهما وأن الحسين أوصى إلى علي ابن الحسين فقال ~~والله لما مات أبي وما أوصى بحرفين وإن هؤلاء لمتأكلون بنا # قال وسمعت الحسن بن الحسين أخا عبد الله بن الحسين رضي الله عنهم وهو ~~يقول لرجل ممن يغلوا فيهم ويحكم أحبونا في الله فإن أطعنا الله فأحبونا وإن ~~عصينا الله فابغضونا فقال الرجل إنكم لذو قرابة من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال والله لو كان الله نافعا بقرابة منه لنفع بذلك أقرب منه أباه ~~وأمه والله إني لأخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين كما يؤتي المحسن ~~منا أجره مرتين # ولو كان الأمر على ما يقولون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصي إلى ~~علي وأمره بالقيام بالأمر بعده ثم ترك على ما أمره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لكان علي في ذلك أعظم الناس خطيئة وجرما إذ ترك ما أمره رسول الله # PageV03P140 # صلى الله عليه وسلم فقال له الرافضي ألم يقل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (من كنت مولاه) فعلي مولاه فقال والله لو عنى به الامرة والسلطان ~~لأفصح لهم كما أفصح لهم بالصلاة ms468 والزكاة فقال هذا ولي أمركم من بعدي فما ~~كان وراء هذا فإن أنصح الناس للناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم # وعن زيد بن علي قال لبعضهم ويلك من يخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى تعرض بالخلافة # فهؤلاء الغلاة قد تعلقوا بمثل هذه الأشياء حتى خرجوا إلى شتم وزيري رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ونسبوهما إلى الاغتصاب لحق الله تعالى # قال صلى الله عليه وسلم (إن لي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل ~~الأرض فوزيري من أهل السماء جبرئيل وميكائيل عليهما السلام ووزيري من أهل ~~الأرض أبو بكر وعمر) # وخرج صلى الله عليه وسلم ويمينه على أبي بكر وشماله على عمر فقال هكذا ~~نبعث يوم القيامة # PageV03P141 # وقال صلى الله عليه وسلم (أحشر أنا وأبو بكر وعمر ونحن مشرفون على الناس ~~هكذا) وأشار بأصابعه الثلاث وكان سبابته أطول من الوسطى # وعن أسيد بن صفوان رضي الله عنه قال لما قبض أبو بكر ارتجت المدينة ~~بالبكاء كيوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجوه وجاء علي رضي الله ~~عنه باكيا مسرعا مسترجعا وهو يقول اليوم انقطعت خلافة النبوة حتى وقف على ~~باب البيت الذي فيه أبو بكر مسجى فقال # رحمك الله يا أبا بكر كنت إلف رسول الله وأنيسه وثقته وموضع سره ومشاورته ~~كنت أول القوم إسلاما وأخلصهم إيمانا وأشدهم يقينا وأخوفهم لله وأعظمهم ~~عناء في دين الله وأحوطهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجد بهم على ~~الإسلام وأيمنهم على أصحابه وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوالف ~~وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم هديا ~~وسمتا ورحمة وفضلا وخلقا وأشرفهم منزلة وأكرمهم عليه وأوثقهم عنده فجزاك ~~الله عن الإسلام وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين خيرا # كنت عنده بمنزلة السمع والبصر صدقت رسول الله حين كذبه الناس فسماك الله ~~في التنزيل صديقا فقال {والذي جاء بالصدق وصدق به} وآسيته حين بخلوا وقمت ~~معه عند المكاره حين قعدوا وصحبته ms469 في الشدة أحسن الصحبة ثاني اثنين وصاحبه ~~في الغار والمنزل عليه السكينة ورفيقه في الهجرة خلفته في دين الله وأمته ~~أحسن الخلافة حين ارتد الناس # وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي نهضت حين وهن أصحابك # PageV03P142 # وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا ولزمت منهاج رسوله إذ وهنوا # كنت خليفته حقا لم تنازع ولم تصدع برغم المنافقين وكبت الكافرين وكره ~~الكارهين وصغر الفاسقين وغيظ الباغين # قمت بالأمر حين فشلوا ونطقت حين تتعتعوا مضيت بنور إذ وقفوا فاتبعوك ~~فهدوا # كنت أخضعهم صوتا وأعلاهم فوقا أقلهم كلاما وأصوبهم منطقا أطولهم صمتا ~~وأبلغهم قولا أكبرهم رأيا وأشجعهم نفسا وأعرفهم بالأمور وأشرفهم عملا # كنت والله في الدين يعسوبا أولا حين نفر الناس عنه وآخرا حين قفلوا كنت ~~للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا فحملت أثقال ما ضعفوا ورعيت ما ~~أهملوا وحفظت ما أضاعوا لعلمك ما جهلوا فشمرت إذ خنعوا وعلوت إذ هلعوا ~~وصبرت إذ جزعوا فأدركت أوتار ما طلبوا وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا ونالوا ~~بك ما لم يحتسبوا # كنت على الكافرين عذابا صبيبا ونهبا وللمؤمنين رحمة وإنسا فطرت والله ~~بفنائها وفزت بحبائها وذهبت بفضائلها وأدركت سوابقها لم تغلل حجتك ولم تضعف ~~بصيرتك ولم تجبن نفسك ولم يزغ قلبك ولم يخف # كنت كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف وكنت كما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أأمن الناس عليه في صحبتك وذات يدك وكما # PageV03P143 # قال ضعيفا في بدنك قويا في أمر الله متواضعا في نفسك عظيما عند الله ~~جليلا في أعين المؤمنين كبيرا في أنفسهم لم يكن لأحد فيك مغمز ولا لقائل ~~مهمز ولا لأحد مطمع ولا لمخلوق عندك هوادة الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى ~~تأخذ له بحقه والقوي العزيز عندك ضعيف حتى تأخذ منه الحق القريب والبعيد ~~عندك في ذلك سواء أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له شأنك الحق والرفق ~~والصدق قولك حكم وحتم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم فأقلعت وقد نهج السبيل ~~وسهل العسير وأطفئت النيران واعتدل ms470 بك الدين وقوي الإيمان وثبت الإسلام ~~والمسلمون وظهر أمر الله ولو كره الكافرون فجليت عنهم فأبصروا وسبقت والله ~~سبقا بعيدا وأتعبت من بعدك أتعابا شديدا وفزت بالخير فوزا مبينا فجللت عن ~~البكاء وعظمت رزيتك في السماء وهدت مصيبتك الأنام فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون # رضينا بقضاء الله وسلمنا له أمره فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله ~~بمثلك أبدا كنت للدين عزا وحرزا وكهفا فألحقك الله بنبيه وجمع بينه وبينك ~~ولا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك فإنا لله وإنا إليه راجعون # قال وسكت القوم حتى انقضى كلامه فبكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى علت أصواتهم فقالوا صدقت يا ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم # قوله (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) وفر الله تعالى حظ الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأمته على الرسل كلهم وعلى سائر الأمم فحيث ما انتصبوا لله قياما ~~كان لهم من النور ما يتهيأ لهم الإقبال على الله وأقبل الله عليهم فطهرت ~~لهم بقاع الأرضين # وقوله وطهورا إذا لم يجدوا الماء الذي جعله الله طهورا للخلق # PageV03P144 # وتعذر عليهم وجوده أمرهم أن يتطهروا من أحداثهم بالصعيد الطيب وهو التراب ~~الذي يصعدونها ويمشون عليها فجعل ما تحت أقدامهم طهورا لهم إذا لم يجدوا ما ~~فوق رؤوسهم من الماء وهو ماء الحياة الراكد تحت العرش الذي خلقه الله حياة ~~لكل شيء قال تعالى وجعلنا من الماء كل شيء حي # فمنه حياة القلوب والأرواح ومنه يحيون في قبورهم يوم النشور وإذا دخلوا ~~الجنة يغتسلون به حتى يكون ذلك لهم طهورا من الذنوب والأدران ومن شرب منه ~~زايلهم كل أذى في أجوافهم وصفت ألوانهم وجرت النضرة في أجسادهم ووجوههم ~~وأمنوا الموت لقوة الحياة التي في ذلك الماء وقد جعل الله تعالى أرزاق ~~الخلق من ذلك الماء يقدر في ليلة القدر وهي ليلة يحكم أرزاق المرتزقة من ~~خلقه في تلك الليلة إلى مثلها من قابل فإذا نفذ ذلك البحر نفخ في الصور ~~وذلك قوله تعالى {وفي السماء رزقكم ms471 وما توعدون} # وأنزل الله تعالى هذا الماء وسماه طهورا فإن الشيطان بنجاسته ورجاسته قد ~~وجد السبيل إلى الولوج في جوف ابن آدم وبدء ذلك كان حين أكل آدم صلى الله ~~عليه وسلم من الشجرة التي أشار العدو إليه بأكله فجعل العدو السبيل إلى ~~المعدة فجعل له هناك موطنا فلذلك نتن ما في جوفه حين أخرج من الجنة لرجاسة ~~العدو ونجاسته ثم ورث ذلك ولده فأمر آدم وولده بالوضوء لذلك وأعلمهم أن هذا ~~الماء طهور لهم يطهرهم من الآفات الظاهرة والباطنة فالظاهرة ما يخرج من ~~الآدمي من البول والغائط فإنه بلغ من عداوته أن جعل في ذلك الموطن الذي صير ~~له منك معدنا وهو مجمع الطعام فإذا انطبخ صار روثا ودما والدم غذاؤه وموضع ~~الروث منك مجلسه # PageV03P145 # وبلغ من عداوته أنه ينفخ عليك فإذا خرج منك الصوت هيج الضحك من الطحال ~~فإن الطحال بيته ومنه يتسخط الآدمي في أموره وفيه مجمع نفاية البدن من ~~كدورة الدم وغيره وذاك الضحك الذي يهيج منك وممن سمعه من الناس وهو سخرية ~~منه وشماتة يريد أن يعلمك أني ههنا ليصغرك عند نفسك ويريك في باطنك ما يستر ~~عنك ليفسد منن الله تعالى عليك في جسدك الذي خلقه لك وقال تعالى {لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم} # فهذا العدو يحسدك في كل شيء ويصيبك منه آفاته ساعة فساعة من همزه ونفخه ~~ونفثه ونزغته ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعوذ منه فقال تعالى ~~{وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون} # وقال تعالى {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} # وقال تعالى {قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس ~~الذي يوسوس في صدور الناس} # فهل أمر أن يتعوذ منه إلا من تتابع الآفات وتواليها فجعل هذا الماء طهورا ~~من هذه الآفات التي تعتوره من هذا العدو الذي لا يفارقه وذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم (ما من أحد من الآدميين إلا وله قرين من الشيطان موكل به) قالوا ms472 ~~ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا ~~يأمرني إلا بخير # PageV03P146 # ووسواس هذا العدو ونزغاته وهمزاته ونفثاته تطمس وجه القلب وتذهب بحياته ~~وذهاب حياة القلب يوهن عقد الإيمان ويرخي عراه ويخمد توقده فيجد العدو ~~سبيلا إلى إهاجة النفس شهواتها وخدايعها وأمانيها واغترارها فإذا هاجت ~~النفس هاجت رياح الهوى فنسفت النفس والقلب والأركان فرمته في آبار المعاصي ~~إلا فيمن دخل في مأمن الله وحرزه ووكالته ومعاقله فجعل الله تعالى هذا ~~الماء طهورا للمؤمنين من آفاته الظاهرة والباطنة فأما في الظاهرة فليطهر ~~جوارحه من تلك الأحداث التي جرت عليها وفي الباطن يرد عليه ما ذهب من حياة ~~القلب قال تعالى {لنحيي به بلدة ميتا} # فالبلدة في الظاهر هي الأرض التي إذا وصل إليها ذلك الماء اهتزت وربت ~~وأنبتت من كل زوج بهيج والبلدة في الباطن القلوب تخلص إليها آفات العدو ~~فتموت عن الله فيحييها الله بذلك الوضوء # قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى {اعلموا أن الله يحيي الأرض ~~بعد موتها} يلين القلوب من بعد قسوتها # وقوله عليه السلام (لن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) # PageV03P147 # وقوله عليه السلام لأنس رضي الله عنه (يا بني إن استطعت أن لا تزال على ~~الوضوء فافعل فإنه من أتاه الموت وهو على وضوء أعطي الشهادة) # والمؤمن البالغ إيمانه إذا أحدث لم يقدر أن يدوم على حدثه ولا يطمئن حتى ~~يتوضأ فيكون أبدا على الوضوء لأن قلبه في وقت الحدث يفتقد نزاهة الإيمان ~~وطيبه ووسواسه يصير عامله على القلب فانطفأ بعض توقد ناره فإذا توضأ عاد ~~إلى الحالة الأولى فإذا لم يجد الماء صار الصعيد لهم طهورا بدل الماء لهذه ~~الأمة خاصة لأن الأرض لما أحست بمولود محمد صلى الله عليه وسلم وبظهوره من ~~بطن أمه انبسطت وتمددت وتطاولت ولبست ثياب الدالة وافتخرت على السموات ~~وسائر الخلق بأنه مني خلق وعلى ظهري تأتيه كرامات الله تعالى وعلى متني ~~يتقلب نبيا يعبد ربه وعلى بقاعي تسجد جبهته وفي ms473 خلال أوديتي يتنزل كلام ~~الله ووحيه البارز على الكتب كلها وفي بطني مدفنه وأنا الذي أتضمن جسده ~~وعلى ظهري يكون خاصة الله من أمته وورثة ميراثه فجرت الأرض رداء فخرها فجعل ~~ترابها طهورا لأمته فبالأرض يتطهرون وينتصبون بها بين يدي الله تعالى ~~فحيثما ضربوا بأقدامهم بين يدي الله تعالى صارت الأرض من تحت أقدامهم مسجدا # قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله إنك إذا دخلت صليت في مواضع من ~~البيت أفلا نهيئ لك موضعا تصلي فيه فقال (يا عائشة أما علمت أن المؤمن إذا ~~وضع جبينه لله طهرت تلك البقعة إلى سبع أرضين) # وإنما صار التيمم لهذه الأمة عوضا عن الوضوء بالماء دون سائر الأمم لأنه ~~بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم طهرت الأرض فلما جاء بالتيمم إلى الأمة ~~قبلوه فحيثما مدوا أيديهم إلى بقعة صار ذلك التراب طاهرا # PageV03P148 # بمد أيديهم وزايلته أنجاس الشرك والمعاصي التي عليها وإنما صارت طاهرة ~~بمد أيديهم على ذلك القبول الذي قبلوه عن الله تعالى قاصدا بالقلب التطهر ~~قابلا لما جاء به الهدية وهو محمد صلى الله عليه وسلم من المهدي هذه العطية ~~والتيمم كالطرفة والتحفة يتحف بها الملك عبده يريد به لطفه وبره فيظهر ذلك ~~التراب بمد اليد إليه وقبوله للهدية وهو محمد صلى الله عليه وسلم صار يطهر ~~ما جاء به تراب الأرض طهورا كطهور الماء الذي أنزله الله من بحر الحياة قال ~~تعالى {وإن كنتم جنبا فاطهروا} ثم قال {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} # وقولنا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الهدية صحيح فإنه قال صلى ~~الله عليه وسلم (بعثت إليكم وإنما أنا رحمة مهداة) # فهو من الله لنا هدية والرسل قبله بعثوا على الأمم حجة وعطية والهدية ~~ليست كالعطية فمن قبل العطية بورك له ومن لم يقبل تأكدت الحجة عليه وعوجل ~~بالعقوبة ورسولنا صلى الله عليه وسلم كان ms474 عطية وهدية فمن قبل محمدا صلى ~~الله عليه وسلم عطية وهدية سعد ورشد وصار سابقا ومقربا ومن قبل عطية ولم ~~يفطن للهدية سعد ولم يصب ثمرة الرشد ونجا بالسعادة ومن أباه وكفر النعمة ~~وجحدها كان حظه من السعادة النجاة من عقوبات الأمم التي عوجلوا بها في ~~الدنيا فسعدوا بهذا القدر وتأخر عنهم العذاب إلى يوم القيامة والأولون ~~عوجلوا بالعقوبة في الدنيا إلى أن ألحقوا بعذاب الآخرة فمن قبل محمد عطية ~~وهدية اجتباه الله ومن قبله # PageV03P149 # عطية هداه الله إليه بالإنابة وذلك قوله تعالى {الله يجتبي إليه من يشاء ~~ويهدي إليه من ينيب} # والعطية من الرحمة والهدية من المحبة فمن رق لعبده ورحمه إذا رآه في بؤس ~~أو ضعف قواه وجبره بما يذهب ضعفه وبؤسه فهذه عطية من الرحمة ومن أحب عبده ~~أهدى إليه خلعا وحملانا يريد بذلك أن يختصه ويستميل قلبه ولذلك سميت هدية ~~لاستمالة القلب به فالرسل إلى الخلق عطايا من ربنا سبحانه وتعالى رحمهم ~~فبعثهم إليهم ليهديهم ويذهب عنهم بؤس فقر الكفر ويجبر كسيرهم وربنا عز وجل ~~قد رحمنا فبعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم عطية وهدية فجعل الإيمان ~~والإسلام في العطية وحكمة الإيمان والإسلام في الهدية وذلك قوله تعالى {هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم} إلى أن قال {ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة} # فحكمة الإيمان والإسلام هدية لهذه الأمة بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~خاصة فضلا على الأمم والهدية كنوز المعرفة من خزائن السموات احتظى بها هذه ~~الأمة حتى صاروا موصوفين في التوراة صفوة الرحمن وفي الإنجيل حكماء علماء ~~أبرارا أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء وقال تعالى {قل إن الهدى هدى الله} ~~الآية # وقال صلى الله عليه وسلم (ما أعطيت أمة من اليقين ما أعطيت أمتي) # فإنما صير محمدا صلى الله عليه وسلم لنا ليهدينا إلى أعالي درجات الدنيا ~~عبودة # PageV03P150 # لنكون غدا في أعالي درجات الجنة بالقرب من رسولنا لتقر عينه صلى الله ~~عليه وسلم بنا # وقوله (نصرت بالرعب) أصله من فورة سلطان الله تعالى ms475 من باب النار فإذا ~~جعل نصرته من الرعب فقد أعطي جندا لا يقاومه أحد ولم يعط أحد من الرسل ذلك ~~فكان أين ما ذكر من مسيرة شهر وقع ذلك الرعب في قلب عدوه فذل بمكانه # وقوله (أحلت لي الغنائم) كانت الغنائم نجسة لأنها أخذت من العدو وملك ~~العدو كله نجس ألا يرى أن الله ذكر حلي آل فرعون فقال {أوزارا من زينة ~~القوم} # فكانت لا تحل لهم لنجاستها فكانوا يضعونها فتجيء نار من السماء فتأكلها ~~وكان هارون عليه السلام أمرهم أن يقذفوا ما في أيديهم من تلك الحلى التي ~~استعاروها من آل فرعون وقال لهم تطهروا فرموا بها فجمعها السامري فاتخذها ~~عجلا وقذف فيها التراب الذي كان رفعه من حافر فرس جبرئيل فرس الحياة للفتنة ~~التي كتب الله عليهم بلوى بها فذلك قوله تعالى {ولكنا حملنا أوزارا من زينة ~~القوم} تسمى أوزارا لنجاستها وأحلت لي الغنائم لهذه الأمة قال تعالى {فكلوا ~~مما غنمتم حلالا طيبا} لمحمد وأمته لأنهم ضربوا السيوف بحرارة حمية حب الله ~~وزايلها رجاسة الكفر وأهله لأن حرارة الحب تقطع علائق النفس وتحرق أسبابها # وعلائق النفس من أسباب الشرك وسائر الأمم لم يعطوا هذا فلم تطب لهم ~~الغنائم ولم تزل رجاسة أهل الكفر منها فلم تحل لهم # PageV03P151 # لأن بني إسرائيل قاتلوا على الديار والأرضيين التي كانت لآبائهم قاتلوا ~~عليها ليردوها إلى ملكهم وأنبياؤهم بعثوا للدعوة إلى الله تعالى ونبينا صلى ~~الله عليه وسلم بعث للتوبة والملحمة يعني إن لم يتوبوا لحموا بالسيوف قال ~~صلى الله عليه وسلم (أنا نبي التوبة وأنا نبي الملحمة) # ومعنى ذلك أني بعثت إلى الأمة بأن أدعوا إلى لا إله إلا الله فإن أجابت ~~وإلا أمهلهم حتى يتوبوا وللتوبة انتظار ومدة والعذاب مأمون فيهم يتقلبون في ~~الشرك مع المدة فإن تابوا قبل الله ذلك منهم بأن جعلني نبي التوبة ومن ~~تمادى في ذلك لحمت أجسادهم بالسيوف فكما صارت الغنائم طيبة من رجاسة الكفر ~~فكذلك طابت الأرض من رجاسة الكفر والمعاصي بما جاء به محمد ms476 صلى الله عليه ~~وسلم من الأنوار القدسية فصارت لهم مسجدا وطهورا وطابت أيضا بليلة القدر ~~ومشاهدة الرب أهل الأرض بالقربة وكانت المشاهدة للنبيين على أجسادهم وأعطيت ~~هذه الأمة على أرضها حتى يراها من سبقت له الحسنى من الله بعينه أشواق ~~المشاهدة # وقال صلى الله عليه وسلم (هذه ليلة كشف غطاؤها) # وقال علي رضي الله عنه استأذنت ملائكة الروح في النزول إلى الأرض طمعا أن ~~ينالوا ما لم يكن عندهم في مقاومهم # قال الله تعالى {تنزل الملائكة والروح} # PageV03P152 # وقال صلى الله عليه وسلم (لا يرمي في تلك الليلة بنجم ولا يحدث فيها داء) ~~لأن الشياطين قد اختنست من أجل المشاهدة والخلق في مأمن من مشاهدة السلام ~~فهذا كله لهذه الأمة # وقوله (أعطيت الشفاعة) فإن تلك دعوة كانت لكل نبي فتعجلتها الأنبياء في ~~الدنيا وأخرها محمد صلى الله عليه وسلم ذخرا لأمته ونصيحة لله في عباده ~~فاستوجب بنصيحة الله برأفته على عبيده أن وضع دعوته في محل التربية حتى ~~تربو وتتضاعف حتى تخرج له يوم القيامة تلك الدعوة بهيجة يحتاج الخلق كلهم ~~إليها حتى إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم # قال صلى الله عليه وسلم لما أتاني جبرئيل بهذه الدعوة قلت إني ادخرتها ~~لأمتي فيحتاج الخلق كلهم إلي في هذه حتى إبراهيم خليل الله عليه السلام # PageV03P153 ### | - الأصل المائتان والأربعون ### | في فضل الأمانة # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا إيمان لمن ~~لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) # الإيمان عش الأمانة والأمانة في جوفه كالفرخ الذي يتفقأ عن البيضة ووكل ~~العباد بتربيتها كما يربي الطير فرخه في عشه ويزقه ويغدو في طلب تربيته حتى ~~ينقل إليه من أقطار الأرضيين ويكتنفه ويذب عنه ويقاتل من يرومه في عشه ~~تحننا عليه وشفقة وصيانة حتى ينبت له جناح ويطير معه فكذا المؤمن موكل بحفظ ~~الأمانة وقد قبلها مع قبول الإيمان ولم يتم له الإيمان إلا بقبول الأمانة ~~وكانت مستورة فأحب الله أن يبرزها حتى يقبلها ms477 آدم عليه السلام ظاهرا فمثلها ~~له درة بيضاء وجعلها مستورة في جوفه فعرضت على السموات والأرض والجبال ~~فهبنها وأشفقن منها لأنه انكشف الغطاء عن ذلك لهن وستر عن آدم عليه السلام ~~لطفا من الله حتى قبلها لتحرك ما في قلبه من الإيمان فلم يملك أن أسرع إلى ~~القبول مقتدرا فابتلي باقتداره # PageV03P154 # فسمي ظلوما لقبوله على الاقتدار جهولا بما في باطن تلك الدرة فوضعها على ~~العاتق فألزمها عنقه كطوق العبيد وذلت لله رقبته فتكرر عليه الأمر للاقتدار ~~وإنما عمل فيه الاقتدار وانسد عليه باب التعلق بالله لما كان في ظهره من ~~الأعداء فابتلي بقبول الأمانة ليميز الخبيث من الطيب فقبله على الاقتدار ~~فصار القبول حظ الأحباب وصار الاقتدار حظ الإهداء وذلك قوله تعالى {إنا ~~عرضنا الأمانة} الآية # ثم أعلم العباد لم فعل هذا فقال {ليعذب الله المنافقين والمنافقات} الآية # ومعناه لأعذب الأعداء وأتوب على الأحباب فأغفر لهم سيئ ما عملوا وارحمهم ~~في تقصيرهم حتى تؤديهم الرحمة إلى دار رحمتي فتقلد حفظ هذه الأمانة فجرى ~~قبولها من القلب إلى الجوارح السبع فتجزأ حملها على هذه الجوارح فللعين جزء ~~وللسمع جزء ولليد جزء وللرجل جزء وللبطن جزء وللفرج جزء وللسان جزء وجعل ~~أمانة الفرج من بين الجوارح كلها مستورة وسميت فاحشة إذا كشف عنها بغير حق ~~والاستعمال لها بغير حق هلكة وتأديبه القتل بالحجارة والتنكيل والناظر ~~إليها عامدا ملعون والكاشف عنها منزوع الحياء ممقوت # وقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أول ما خلق الله من الإنسان فرجه ~~ثم قال (هذه أمانة خبأتها عندك فلا تبسل منها شيئا) إلا بحقها # فالسمع أمانة والبصر أمانة والفرج أمانة والبطن أمانة واللسان # PageV03P155 # أمانة واليد أمانة والرجل أمانة فالذي يكشف لك عما خبأه الله إهمالا ~~واستعمل بغير حق استوجب هذه العقوبات والذي في الدنيا النكال والرجم وأما ~~الذي في الآخرة فإن أهل النار يتأذون من نتن فروج الزناة ويزدادون بذلك ~~عذابا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم (أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان ~~البطن والفرج) # فقد ms478 قلد كل جارحة بقسطه من الأمانة فمن استبدل بها خيانة انتقص من وزن ~~إيمانه ومن ضوئه ما دام حيا وضوء الإيمان رأس مال الموحدين به يستضيئون في ~~السير إلى الله تعالى في الطاعات فإذا غاب الضوء ضل القلب بمنزلة قمر وقع ~~في كسوف فكسوف ضوء الأمانة في ظلمة الخيانة فكل فعل حرم الله على جارحة من ~~الجوارح فهتك تلك الجارحة ذلك الستر وانهتكت تلك الحرمة برفع حجابها فقد ~~خان الأمانة فالمتقون فهموا هذه القصة فخرست ألسنتهم عن أن تنطق بما نهى ~~الله عنه والسمع إلى الاستماع إلى ما نهى الله عنه وكل عضو كذلك وحفظوا ~~القلب وساحته وهي الصدر مع الله تعالى وفيما بينه وبين الخلق فكلما زلت ~~جارحة من جوارحك بفعل حظر الله عليك فقد ضيعت الأمانة بقدرها وانكسف من ضوء ~~قمرك بقدره ونقص من وزن إيمانك غدا بقدره فإذا حكمت شأن الجوارح السبع ~~وجعلتها في وثاق الأمانة فقد نجوت فإن كان ممن فتح لهم الطريق فسار إلى ~~الله صار حفظ الأمانة أصعب وأعظم خطرا وأوفر حظا من ثمرته لأنه حتى الآن ~~كان في كسب الجوارح عملا ينال به أجرا والآن قد وقع في كسب القلب سعيا إلى ~~الله ينال # PageV03P156 # به القربة فالحراسة ههنا للأمانة من الخواطر فإن حرسها بحقها وصدقها تحول ~~الضوء الذي كان بدءا شعاعا يتوهج يخطف بصائر النفس فضوء الإيمان للصادقين ~~مع جهدهم وشعاعه للصديقين مع تفويضهم فإن الكفر كليل مظلم والإيمان في ~~الصدر كالقمر فالموحدون يأخذ كل من ذلك القمر بقدره وكل مطيع يأخذ بقدره من ~~الضوء فإذا كان صادقا مطيعا لله في كل جارحة فالظاهر مستقيم والباطن فاسد ~~مجهود صار كمن أقمر ليلة بدر أو صار ضوء إيمانه كالقمر ليلة البدر # إلا أن الضوء ليس له شعاع ولا حريق ومن فتح لقلبه الطريق إلى الله تعالى ~~فصار على منهج الصدق وهو البذل لنفسه لله غير ملتفت إليها تحول قمره شمسا ~~فإنما يبدو لقلبه من شعاع تلك الشمس بمقدار ما كان يبدو من القمر في ms479 مبتدأ ~~أمره فلا يزال يسير حافظا للأمانة في العطايا حتى تزول عنه الخيانة ويتبرأ ~~من النفس وينسيها وافتقد مشيئته بمشيئة مولاه ونسي أحوال نفسه لما طالع من ~~العظائم وأشرقت شمسه بتمامها بجميع شعاعها وذلك قوله لداود عليه السلام ~~(يمشي تماما ويقول صوابا) وقوله تعالى {ثم آتينا موسى الكتاب تماما على ~~الذي أحسن} وهو المؤمن المستكمل لوقارة الإيمان وبهائه # قال أبو بكر رضي الله عنه وددت أني شعرة في صدر مؤمن # وقال تعالى حين أثنى على إبراهيم عليه السلام {إنه من عبادنا المؤمنين} # وقال صلى الله عليه وسلم (ثلاثة تحت العرش القرآن له ظهر وبطن يحاج ~~العباد # PageV03P157 # والرحم تنادي صل من وصلني وإقطع من قطعني والأمانة) # وقال صلى الله عليه وسلم انطلق ثلاثة نفر فدخلوا غارا فأرسل الله عليهم ~~صخرة فانطبق الغار عليهم فقال بعضهم لبعض قد ترون ما نحن فيه وما قد ~~ابتلينا به فلينظر كل رجل منكم أفضل عمل عمله فيما بينه وبين ربه فليذكره ~~ثم يدعو الله تعالى لعل الله يفرج عنا ما نحن فيه ويلقي عنا هذه الصخرة ~~فقال رجل منهم اللهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت عم وكانت من أحب الناس إلي ~~فطلبت منها نفسها فأبت علي إلا أن أعطيها مائة دينار فجمعتها من حسي ونسي ~~حتى جئتها بها فدفعتها إليها فلما قعدت منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت ~~وبكت فقالت يا عبد الله اتق الله ولا تفتح هذا الخاتم إلا بحقه فقمت عنها ~~وتركت الدنانير لها من مخافتك اللهم إن كنت تعلم أني إنما تركتها وتركت ~~الدنانير لها من مخافتك فافرج لنا من هذه الصخرة فرجة نرى منها السماء ففرج ~~الله عنهم منها فرجة فنظروا إلى السماء وقال الثاني اللهم إنك تعلم أنه كان ~~لي أبوان وكانت لي صبية صغار فكنت أرعى على أبوي وكنت أجيء بالحلاب فأبدأ ~~بأبوي فأسقيهما ثم أجيء بفضلهما على الصبية فأسقيهم وإني جئت ذات ليلة ~~بالحلاب فوجدت أبوي نائمين والصبية يتضاغون من الجوع فلم أزل بهم حتى ناموا ~~ثم ms480 قمت بالحلاب على أبوي ليلتي حتى قاما وشربا ثم جئت بفضلهما إلى الصبية ~~فأسقيتهم اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك من مخافتك فأفرج عنا منها ~~فرجة ففرج الله عنهم منها فرجة وقال الثالث اللهم إنك تعلم أنه كان لي أجير ~~يعمل عندي فأعطيته أجره فغمضه وذهب وتركه فعملت له بأجره حتى صار له بقر ~~وغنم ثم أتاني بعد حين يطلب أجره فقلت له # PageV03P158 # دونك هذا البقر والغنم وراعيها فخذها وهي لك فانطلق فأخذها اللهم إن كنت ~~تعلم أني إنما فعلت ذلك من مخافتك فألقها عنا فألقى الله عنهم فخرجوا يمشون # وعن عطاء قال كان رجل من بني إسرائيل له مكان من الملوك ليس منهم ملك ~~يموت فيخلفه ملك إلا أنزله منه بمنزلته من الملك الأول فبعث على بني ~~إسرائيل ملك صالح دعا الناس إلى الحقوق والمظالم فارتحلت الأحياء إليه حي ~~حي ليس منهم أحد إلا وهو ينظر في شأنه ومن كانت له مظلمة يرد عليه مظلمته ~~ومن كان له حق أنصفه من حقه ومن كانت له حاجة قضى له حاجته حتى ارتحل حي ~~الفتى وارتحل هو فيهم وهم يظنون أن الملك سينزله منه منزلته من الملوك قبله # فدخل على الملك بعض قومه فقضى حوائجهم ورد عليهم مظالمهم حتى دخل الفتى ~~فكلمه بمثل ما كان يكلم به الملوك قبله فيعجبهم ويقربونه فقال له الملك ~~أولا تتقي الله وتؤدي الأمانة قال أية أمانة فأخذ رجل من حرسته بيده فأخرجه ~~فانصرف إلى قومه فقال لعل بعضكم سبقني عند الملك فحلفوا له فصدقهم فانصرف ~~إلى أهله # فمات ذلك الملك وبعث عليهم ملك صالح فدعا الناس إلى ما دعاهم إليه الملك ~~قبله فارتحل الناس إليه فارتحل الفتى مع حيه فلما دخل عليه كلمة الفتى ~~بالكلام الذي يكلم به الملوك قبله فيقربونه فقال له الملك أولا تتقي الله ~~وتؤدي حق الأمانة فقال أية أمانة # PageV03P159 # فأخذ رجل من حرسته بيده فأخرج فانصرف إلى قومه فقال لعل بعضكم سبقني عند ~~الملك فحلفوا له فصدقهم فانصرفوا وانصرف ms481 الفتى إلى أهله فقال لا أحسب هذا ~~إلا لما كنت أصبت مما لا يصلح لي فوضع يده اليمنى على اليسرى ثم قال اللهم ~~إني أبايعك على أن لا أسأل أحدا شيئا أبدا فمكث بذلك ثم قال لا حاجة لي ~~بقرب الناس ومخالطتهم # فانطلق إلى برية فتعبد فيها وتخرق عنه ثيابه وصار كهيئة المسمار المحترق ~~وجعل يأكل من نبات الأرض فبينا هو على ذلك إذ هو بشخين بين أيديهما طعام ~~يأكلانه فتعرض لهما فرفعها رؤوسهما ونظرا إليه حتى إذا علما أنه قد علم ~~أنهما قد نظرا إليه أكبا على طعامهما ثم رفعا رؤوسهما فدعواه فأقبل فإذا ~~هما يأكلان خبز شعير فنظرا إليه ثم قالا اجلس فجلس ثم مد يده إلى كسرة ~~فأمسكاها فنظروا إليه ثم أكبا على طعامنا ثم قالا كل فكبر فأمسكا بيده ~~وقالا لم كبرت على كعامنا قال إني كنت حلفت أن لا أسأل أحدا شيئا فلولا ~~أنكما قلتما كل لم أتناول طعامكما قالا أو لا تتقي الله وتؤدي الأمانة قال ~~وأية أمانة فوالله ما أخرجني من الناس إلا هذه الكلمة ولا لقيت ما تريان ~~إلا لها قالا أشرف هذا الشرف فانظر ما ترى وراءه ثم ارجع إلينا # فأشرف ثم رجع إليهما فقال رأيت خمسمائة ضائنة أو ستمائة لم أر مثلها حسنا ~~جميعا قالا أتأخذها بأمانة الله على أن تؤدها إلينا إذ نحن سألناكها صحاحا ~~شق الشعرة شطرين قال نعم فدفعا إليه هذا الغنم وانطلقا فنمت وبارك الله ~~فيها فنزل قرية من القرى وباع منها فاشترى منها رعاء فجعلت ترعى جناب ~~القرية وتأوي إليها فكثرت ونمت وبارك الله وجعل لا يبيع منها فيتخذ صنفا من ~~أصناف الأموال إلا بارك الله فيها ونما فتزوج النساء واتخذ السراري وكثر # PageV03P160 # له الولد وكان في ذلك رجلا صالحا يقري الضيف وينول ابن السبيل ويعطي ~~السائل # فبينا هم على ذلك وقد أتى على ذلك سنون إذ هو بشيخين يقرعان عليه باب ~~داره فنادى غلامه فقال أنظر من يقرع باب الدار فخرج غلامه فإذا هو ms482 بشيخين ~~قال ما حاجتكما قالا حاجتنا إلى سيدك فرجع إلى سيده فأخبره قال انطلق بهما ~~ففرغ لهما بيتا في ناحية الدار ثم أفرشهما وأتحفهما وأطعمهما وأسقهما ~~فليبيتا بخير ثم ليغدوا لحاجتهما وهو يحسب أنه كان كمن يضيف فرجع الغلام ~~إليهما فقال إن سيدي أمرني أن أفرغ لكما بيتا وأن أفرشكما وأتحفكما ~~وأطعمكما وأسقيكما فتبيتا بخير ثم تغدوا لحاجتكما قالا هذا مكاننا أو يأذن ~~لنا عليه قال وهي ليلة قرة باردة شديدة البرد فرجع إلى سيده فأخبره فقال قل ~~لهما إني قد وضعت ثيابي وخلوت بأهلي فبيتا ثم أغدوا على حاجتكما فرجع ~~إليهما فأخبرهما قالا هذا مكاننا أو يأذن لنا فغضب العبد فأغلق الباب ~~دونهما وانصرف إلى مضجعه # فلما أصبح دعا غلامه فقال ويحك ما فعل ضيفاي قال عرضت عليهما ما أمرتني ~~فأبيا فأغلقت الباب وانصرفت قال ويحك تركت ضيفي في سقيع بغير عشاء لا جرم ~~لأفعلن بك ولأفعلن ائذن لهما فدخلا إليه فجعل يعتذر إليهما أتيتماني في ~~ساعة لا يدخل علي فيها فأمرت الغلام بقراكما فغمضتما ذلك فذكر لي أنه أغلق ~~الباب دونكما لا جرم لأفعلن به ولأفعلن # قالا إن لنا حاجة فأخلنا لحاجتنا فأمر من حوله فارتفع حتى إذا خلوا به ~~قالا هل تعرفنا قال لا قالا أتذكر شيخين أتيتهما ببرية كذا وكذا وبين ~~أيديهما خبز شعير يأكلانه وأنت كالمسمار المحترق قال أذكر قالا فما فعلت ~~الغنم قال فعلت خيرا كثرت ونمت واتخذت أصناف الأموال قالا ألست قد عرفت ~~شرطنا عليك قال # PageV03P161 # بلى صحاحا بشطرين قالا فادع لنا بما لنا قال فدعا بدواوينه وإذ الأموال ~~أكثر من أن تحصى إلا بكتاب فدعا بالغنم فقسمت شطرين ثم دعا بالإبل والبقر ~~وسائر الأموال فقسمت شطرين فقال قد فعلت ووفيت لكما بالشرط قالا ائتنا ~~بأمهات أولادك قال وما لكما وأمهات أولادي نساء قد ولدن وعتقن قالا إن ~~أثمانهن من مالنا قال لا أفعل قالا اتق الله وأد الأمانة تعلم أنا لسنا ~~نأخذك بسلطان وليس لنا عليك بينة وإنك إن تجحد يصدقك الناس ms483 ويكذبوننا # قال فبات يتسلق على فراشه ويقول أيتها النفس اصبري واذكري الحال الذي كنت ~~عليه صدقا لعمري إن أمهات أولادي والنفقة عليهن لمن مالهما فلما أصبح قال ~~ادعوا بأمهات أولادي فدعا بهن فقسمهن شطرين فجعل يبكي بعضهم إلى بعض قال قد ~~فعلت فقالا ائتنا بنسائك قال وما شأن نسائي بنات قوم أحرار فأما أمهات ~~أولادي فهن من مالكما قالا إن صدقاتهن والنفقة عليهن من مالنا قال لا أفعل ~~قالا اتق الله وأد الأمانة تعلم أنا لسنا نأخذك بسلطان وليست لنا عليك بينة ~~وإنك إن تجحد يصدقك الناس ويكذبوننا # قال يا نفس اذكري الحال الذي أتيتهما عليه صدقاتهن عليهن والنفقة عليهن ~~من مالهما ائتوني بنسائي فأتي بهن فقسمهن شطرين قال قد فعلت قالا ائتنا ~~بولدك قال وما شأن ولدي أما أمهات أولادي فالثمن والنفقة من مالكما وأما ~~النساء فالصدقات والنفقة من مالكما وأما ولدي فخرجوا من صلبي فلم أكن ~~لأفعلن قالا اتق الله وأد الأمانة تعلم أنا لسنا نأخذك بسلطان وليست لنا ~~عليك حجة وإنك إن تجحد يصدقك الناس ويكذبوننا # قال أيتها النفس اصبري واذكري الحال الذي أتيتهما عليه أرأيت كسوة الولد ~~والنفقة عليهم أليست من مالهما ائتوني ببني فأتي بهم فقسموا شطرين فإذا ~~منهم غلام لا يعدل به أحد من الولد قال # PageV03P162 # قد قسمت وهذا غلام فإن أحببتما أن تقوما قيمته ثم أرد عليكما الشطر فعلت ~~قالا لا نريد أن تشتري منا شيئا قال فهبا لي نصيبكما قالا ما نريد أن نعطي ~~أحدا من حقنا شيئا قال فأنا أهب لكما نصيبي قالا ما نريد أن تكون لك عندنا ~~منة قال فماذا قالا قد عرفت شرطنا عليك صحاحا كشق الشعرة قال أفأشقه قالا ~~أنت أعلم قال والله لا أفعل هذا أبدا قالا اتق الله وأد الأمانة تعلم أنا ~~لا نأخذك بسلطان وليست لنا عليك بينة وإنك إن تجحد يصدقك الناس ويكذبوننا # قال يا نفس اصبري واذكري الحال الذي أتيتهما عليه قربوا المنشار فأتي ~~بالمنشار قال خذا بناصيته وآخذ بناحيته قالا نعم ms484 ذاك لك قال فأخذا بناحية ~~المنشار وأخذ بناحيته ثم أدركته رقة الوالد فقال ابدءا فأشعراه به قالا أنت ~~أحق من بدأ قال إني لأجد له ما لا تجدان فأشعراه لي قالا أنت أحق من بدا ~~فتقاعس في المنشار ليأشره ورفعاه قالا إن كنت لفاعلا قال نعم والله حتى ~~أوفي لله بما جعلت له وأؤدي الأمانة قالا إذهب فلك أهلك وولدك ومالك بارك ~~الله لك لسنا من البشر كان هذا بلاء قضاه الله عليك فبررت وأوفيت ونحن ~~منعنا ملكي بني إسرائيل أن يعطياك شيئا لما قضاه الله عليك من البلاء ~~فاطمئن في مالك # وعن عطاء قال لما أعتق لقمان أعطاه مولاه مالا فبارك الله للقمان في ذلك ~~المال فكثر ونما وجعل لا يأتيه أحد يستقرضه قرضا إلا أقرضه لا يأخذ عليه ~~حميلا ولا رهنا إلا أنه إذا أراد أن يدفع إليه المال قال تأخذه بأمانة الله ~~لتؤدينه إلي عام قابل فإذا قال نعم دفعه إليه فجعل الناس يأخذون منه ويؤدون ~~فذكر فعل لقمان لرجل يسكن ساحل البحر تجارته في البحر لص ملط فاجر فقال ~~والله إن رأيت مالا أضيع من هذا ما يأخذ مني رهنا ولا حميلا والله لآتين ~~هذا # PageV03P163 # الرجل ولأقطعن من ماله مالا عظيما فأقبل إليه فقال يا لقمان ذكر لي ~~معروفك وأنا رجل أسكن كذا وكذا من ساحل البحر وتجارتي فيه فإن رأيت أن ~~تقرضني قرضا أصبت فيه ثم أؤديه إليك فعلت قال نعم وكم تريد فسمى له فأكثر ~~قال نعم أما أني لست أسألك جميلا حميلا ولا آخذ منك رهنا أتأخذه بأمانة ~~الله أن تؤديه إلى عام قابل في هذا اليوم قال نعم فدفع إليه ما سمى وكتب ~~عنده اسمه واسم أبيه ومنزله الذي سمى # فذهب بالمال فوضع يده فيه وخلطه بماله وعزم أن لا يؤديه إليه وأدرك ابن ~~للقمان فقال يا أبت إني أريد أرض كذا وكذا وإن رأيت أن تأذن لي فعلت قال ~~نعم يا بني إذهب فاحمل على دوابك وشد عليك ثيابك ثم ائتني ms485 أوصيك بوصيتي ~~ففعل ذلك ابنه ثم أتاه فقال قد فعلت يا أبت قد حملت على ظهري وشددت علي ~~ثيابي فأوصني قال نعم يا بني إن في طريقك مفازة فأبكر فيها الدلجة فإنه ~~ستعرض لك شجرة واسعة الظل تحتها عين فلا أعلمن ما قربت الشجرة ولا نزلت ~~تحتها يا بني إني أرجو أن يخرجك الله منها سالما فتأتي حي بني فلان وهم لنا ~~أصدقاء قد أعلم أنهم سيكرمونك يا بني وفيهم امرأة شابة كريمة الحسب كثيرة ~~المال وقد أعلم أنهم سيعرضونها عليك فلا أعلمن نكحتها ولا ضمنت لشيء من ~~أمرها يا بني أرجو أن يسلمك الله منها وإن رجلا يسكن ساحل كذا وكذا وقد ~~أتاني منذ حين فاقتطع من مالي كذا وكذا وهذا اسمه واسم أبيه فأته فاقبض ما ~~عليه ولا تبت عنده # PageV03P164 # ليلة يا بني أنظر الذي أوصيك به فافعله قال الفتى نعم قال يا بني إن من ~~أفضل ما أوصيك به إن صحبك في طريقك هذا رجل أكبر منك فلا تعصه حتى ترجع إلي ~~قال أفعل # فسار ابن لقمان حتى انتهى إلى المفازة بكر فيها الدلجة فإذا هو أبعد من ~~ذلك واسحق فقام قائم الظهيرة واشتد الحر وهو في وسط منها فبينا هو يسير إذ ~~عرضت له الشجرة فلما نظر إليها عرفها بنعت أبيه فإذا تحتها شيخ جالس فعدل ~~إليها فقال له الشيخ ما الذي تريد يا فتى قال أريد أن أسير قال فلا تفعل ~~فقد قام قائم الظهيرة وتوقد الحر ولكن انزل فاستظل في ظل هذه الشجرة وضع عن ~~دوابك واشرب من الماء فإذا أبردت فارتحل قال الفتى في نفسه هذه الشجرة التي ~~نهاني عنها أبي ما أريد أن أفعل قال أقسمت عليك لتنزلن قال ووافق ذاك منه ~~هواه وذكر أن أباه قال إن صحبك رجل هو أكبر منك فلا تعصه # فنزل الفتى فوضع عن دوابه واستظل وأكل وشرب ثم رقد وأبى الشيخ أن ينام ~~فلما استلقى ابن لقمان انحطت حية من رأس الشجرة فلما نظر إليها الشيخ ms486 رماها ~~فقتلها ثم قطع رأسها فجعله في قرابه وغيب لحمها حتى إذا برد النهار وأيقظ ~~ابن لقمان فقام فلم يستنكر من نفسه شيئا فحمل على دوابه وقال له الشيخ أين ~~تريد قال أريد أرض كذا وكذا قال أنا أريدها فهل لك في صحابتي قال ابن لقمان ~~أحب صاحب فلما نزلوا بالحي الذي سماهم له لقمان قالوا ابن لقمان فأنزلوه ~~وأكرموه # فبينا هم يأكلون عنده ويشربون إذ قال له رجل منهم يا ابن لقمان هل لك في ~~امرأة شابة كريمة الحسب كثيرة المال تنكحها قال ابن لقمان في نفسه هذه التي ~~منعنيها أبي ما لي حاجة بالنكاح قال الشيخ ما تعرضون عليه قالوا نعرض عليه ~~امرأة شابة جميلة كبيرة # PageV03P165 # الحسب كثيرة المال قال الشيخ أشباب وجمال ومال ما يترك هذا أحدا نكحها ~~قال ابن لقمان ما أريد النكاح يا عم وإني لعلي رحلي قال أقسمت عليك لتفعلن ~~فوافق ذلك منه هواه وذكر الذي عوفي في الشجرة وأن أباه قال إن صحبت رجلا هو ~~أكبر منك فلا تعصه فنكحها # فلما ملك عصمتها أتاه بعض صديق أبيه قال ما صنعت هذه امرأة قد نكحت تسعة ~~ليس منهم رجل إلا يصبح ميتا على فراشها وأنت العاشر فدخل الشيخ على ابن ~~لقمان وهو مهموم حزين قال ما يحزنك قال المرأة التي أمرتني أن أنكحها نكحت ~~قبلي تسعة ليس منهم رجل إلا يصبح ميتا على فراشها وأنا العاشر وأنا أكره ~~الموت قال انظر الذي آمرك به فافعله فإذا أدخلت عليك فلا تقربها حتى تأتيني # فأقبلوا بها إليه حتى أدخلوها عليه وكان من خلق أهلها وغلمانها أنها إذا ~~أدخلوها على الزوج حفوا بالبيت فإذا صاح كانت علامة موته دخلوا فاحتملوا ~~صاحبتهم وما معها وتركوه فحفوا بالبيت كما كانوا يصنعون وقال ابن لقمان ~~للمرأة إن لي حاجة فخرج إلى الشيخ فقال المرأة في البيت وأنا عندك قال ~~ائتني بمجمرة فيها جمر فأتاه بها ابن لقمان فعمد إلى رأس الحية التي قتل ~~عند الشجرة فجعلها على المجمرة ثم قال ms487 انطلق بها فاجعلها تحت المرأة فإذا ~~برد فائتني بها ففعل بها ابن لقمان فقال اجعلي هذا تحتك ففعلت فلما طفئ ~~الجمرة أخرجها فذهب ابن لقمان بها إلى الشيخ فإذا شبه الدودة محترقة في ~~المجمرة فقال إذهب إلى أهلك فلا بأس عليك فإن هذه التي كانت تقتل الرجال ~~فانطلق إلى أهله فأصبح قرير عين وأصبحت فرحة وتفرق الذين كانوا حفوا بالبيت ~~فلما أراد ابن لقمان أن يرتحل قال له الشيخ أين تريد قال غريما لنا في ساحل ~~بحر # PageV03P166 # كذا وكذا أريد أن آتيه فأقبض حقنا قبله قال فهل لك في صحابتي قال أحب ~~صاحب # فانطلق معه حتى إذا قدما الساحل سألا عن غريمهما فقال أهل البلد ذاك لص ~~ملط فاجر وكان قد عمد إلى قصر فبناه على ساحل البحر يمد البحر حين يمد فلا ~~يترك حول القصر شيئا إلا احتمله لا يخلص إلى القصر ولا إلى من فيه فأتاه ~~ابن لقمان وقال له حقنا عليك فقال مرحبا بيتا الليلة ثم اغدوا على مالكما ~~فقال ابن لقمان في نفسه هذا الذي منعني عنه أبي ما أريد أن أبيت الليلة قال ~~الشيخ ما تعرض عليه قال أعرض عليكما أن تبيتا الليلة ثم تغدوا على مالكما ~~قال افعل يا بني قال ما أريد ذاك قال أقسمت عليك لتفعلن قد أنسأته أطول من ~~ليلة فلا تنسئه ليلة فوافق ابن لقمان هواه وذكر الذي عوفي من الشجرة ~~والمرأة فباتا # فلما فرغ من عشائهما عمد إلى وطاء تحت القصر ففرش لهما على سريرين وقد ~~علم أن الماء إذا جاء احتملهما وعمد إلى ابن له فأضجعه على سرير فوقهما في ~~مكان قد علم أن الماء لا يبلغه فرقد ابن لقمان وأبى الشيخ أن ينام # فلما كان في جوف الليل أقبل البحر فلما رآه الشيخ أيقظ ابن لقمان فاحتملا ~~سريرهما فجعلاه مكان سرير الغلام وحملا سرير الغلام وهو نائم فوضعاه موضع ~~سريرهما وأقبل البحر فاحتمل الغلام بسريره فذهب به ولم يخلص إليهما # فلما أصبحا اطلع صاحب القصر ينظر ما ms488 فعل غريماه فإذا هما نائمان وإذا ~~ابنه قد ذهب فناداهما فقال مكرت بكما وحاق بي المكر فاغدوا على مالكما ~~فغدوا على مالهما فانتقداه ثم انصرفا إلى المرأة فأمرها ابن لقمان بالرحيل ~~فارتحلت فإذا أكثر مال قومها لها # PageV03P167 # مما كانت تصيب من الأزواج فارتحلت بمال عظيم من أصناف المال وأقبل معه ~~الشيخ حتى إذا شارفا منزل لقمان قال الشيخ لابن لقمان أي صاحب وجدتني في ~~سفرك قال خير صاحب كف الله بك ورزق قال أفما لي فيما أصبت نصيب قال بلى ~~نصفه لك طيبة لك به نفسي قال فإما أن تقسم وتخيرني وإما أن أقسم وأخيرك قال ~~ابن لقمان لا بل اقسم وخيرني فعرف الشيخ هوى ابن لقمان في المرأة فعمد ~~إليها وإلى شيء يسير من مالها فعزله وعمد إلى عظيم المال فتركه # ثم قال لابن لقمان اختر قال ابن لقمان أما إنك عدلت وأنصفت حين خيرت فإن ~~كنت فعلت ما فعلت أختار المرأة وما معها فارتحل ابن لقمان بالمرأة وما معها ~~وقام الشيخ في عظيم المال # فلما سار ابن لقمان وكاد أن يتغيب عن الشيخ أدركه فقال أعطيتني مالك فبم ~~ذاك لعلك تخوفت مني شيئا قال ابن لقمان وما عسيت أن أتخوف منك ولكن لا يذكر ~~صاحب من صاحب أفضل مما أذكر منك وسألتني قال أتعطيني ذاك طيبة به نفسك قال ~~نعم قال فاذهب فلك أهلك ومالك بارك الله فيك لست من البشر أنا أمانة أبيك ~~الذي كان يأتمن بها الناس بعثني الله لأصحبك في طريقك ثم أردك إلى أبيك ~~صالحا فاطمئن في مالك مباركا لك فيه فصاحب الأمانة المحافظ عليها في أمان ~~الله حيث ما انقلب # وقال صلى الله عليه وسلم (أول ما يرفع من الناس الأمانة) # فالأمانة من الإيمان بمنزلة القلب من الجسد فإذا مال القلب إلى # PageV03P168 # شيء مال الجسد إلى ما مال إليه القلب فالإيمان يشدد عقد القلب ويؤكد عزمه ~~ويقوي ضميره والأمانة في الإيمان بمنزلة العماد فإذا وهن العماد يتضع صاحبه ~~بسقم الإيمان وذهب بقوته فإذا ms489 جاءت الخيانة رفعت الأمانة لأنها ضدها ولن ~~يجتمعا وإذا رفعت الأمانة سقم الإيمان # قال صلى الله عليه وسلم (يا سليمان قل اللهم إني أسألك صحة في إيمان ~~وإيمانا في حسن خلق ونجاحا يتبعه فلاح) # والإيمان عطية من المنة والأمانة في الإيمان هدية من الجود فإذا ضاعت ~~الهدية ذهب بهاء العطية افتقد صاحبه زينته وحلاوته ولذاذته وذبلت النفس ~~واستراحت وإذا ذهب بها الشيء وثقلت عن المحافظة عليها وذهب قوة القلب لذبول ~~النفس وثقلها فحلت الخيانة محلها والخيانة في اللغة كل شيء يعمل من وراء ~~وهي مكر النفس فإنها لما لم تقدر على أن تستقبل القلب صبرا بالذي هويت من ~~المعصية أسرته من القلب والتمست الغرة والغفلة من القلب فأوجدته اللذة التي ~~وجدت فاستولت على القلب بسلطان اللذة في وقت غفلته عن الله تعالى وانقطاع ~~المدد من رأفة الله تعالى وإقباله عليه بأسباب العصمة فأمكنته أسره إياها ~~لأن القلب أضعف ما يكون في وقت الغفلة فتوجده شرا ومكرا تخادعه بها وتزين ~~له وتموه عليه # والأمانة قرينها اليقين وإنما ضاعت من قبل النفس وليس شيء أعز من اليقين ~~ولا أقل منه وإذا عز اليقين وقل كثر الشك وتذبذب القلب وإرتحلت الأمانة إلى ~~المبدأ وحلت الخيانة محلها فكيف ينتفع العبد بإيمان في جوفه الخيانة مكان ~~الأمانة كما كان اليقين علاوته فما ظنك # PageV03P169 # بشيء ذهب علاوته وبجسد قطع رأسه أليس قد ذهبت حواسه فلا يبصر ولا يسمع ~~ولا ينطق ولا يجد الروائح فكذا من إفتقد اليقين لم يسمع عن الله ما خاطبه ~~ولا أبصر ما كشف له وأراه ولا ينطق عن الله بحكمته ولا وجد الريح الطيب ~~الذي طيبه الله به وبذهاب اليقين يموت القلب عن الله تعالى ولم يمت عن ~~توحيده ولذلك تجده مخلطا يعمل عمل الموحدين والمشركين والموقنين والشاكرين ~~والجادين واللاعبين يعمل عمل الجد بقوة اليقين الذي في التوحيد فأما اليقين ~~الذي هو عماد القلب وهي الأمانة في جوف الإيمان فقد فاته فلذلك صار مخلطا # قال صلى الله عليه وسلم (خير ما ألقي ms490 في القلب اليقين) # وقال صلى الله عليه وسلم (إن عيسى كان يمشي على الماء ولو ازداد يقينا ~~لمشى في الهواء) # وكان صلى الله عليه وسلم يقول (ما أعطي أحد من اليقين ما أعطيت أمتي) # قال (وكان عيسى عليه السلام يقول ما أنزل في الأرض شيء أقل من اليقين) # وأتي داود عليه السلام بصحيفة مختومة بالذهب من السماء فيها عشر مسائل ~~وأمر أن يسأل ولده منها فمن أجابه بما فيها فهو الخليفة فدعا سليمان من بين ~~أولاده فسأله أي شيء أقل في الأرض # قال اليقين # قال فأي شيء أكثر # PageV03P170 # قال الشك # قال فأي شيء آنس # قال الروح في الجسد # قال فأي شيء أوحش # قال الجسد إذا خرج منه الروح # قال فأي شيء أحسن # قال الإيمان بعد الكفر # قال فأي شيء أقبح # قال الكفر بعد الإيمان # قال فأي شيء أمر # قال الفقر # قال فأي شيء أقرب # قال الآخرة إذ هو آت # قال فأي شيء أبعد # قال الدنيا إذا زالت عنك # قال فأي شيء أشر # قال المرأة السوء # ففك داود خاتم الصحيفة فنظر فإذا هو بتفسيرها في الكتاب لم يغادر منه ~~حرفا فاستخلصه # وقال صلى الله عليه وسلم (سلوا الله اليقين والعافية فإن الناس لم يعطوا ~~شيئا خيرا من اليقين والعافية) # PageV03P171 # ومر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بمصاب فقرأ عليه فبرأ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (ما قرأت) قال قرأت {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} الآية ~~فقال صلى الله عليه وسلم (لو قرأها موقن على جبل لزال) # فأوفر الناس حظا من اليقين أوفرهم حظا من الأمانة وأشدهم له حفظا وحراسة # قال صلى الله عليه وسلم (المؤمن العبد حتى يأمن الناس بوائقه) # وقال عليه السلام (المؤمن الذي يأمنه الناس) # وقال عليه السلام المؤمن في الدنيا على ثلاثة أجزاء الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ثم الذي يأمنه ~~الناس على أموالهم وأنفسهم ثم الذي إذا أشرف على طمع تركه لله تعالى # فهذه ثلاثة منازل للإيمان ms491 المنزلة الأولى نزلها صنف آمنوا بالله # PageV03P172 # إيمان طمأنينة لا ريب فيه وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله بأداء ~~الفرائض واجتناب المحارم إلا أن الرغبة فيهم باقية ومن كانت الرغبة فيهم ~~باقية فالخيانة فيهم كائنة فإن الله تعالى أعطى الخلق الأرواح بما فيها من ~~الحياة عارية وأعطاهم الدنيا عارية ووضعها ممرا للعباد ومتزودا فمن اشتغل ~~قلبه بالتمتع صيره كالمستقر وإنما جعلها للزوال والانتقال عنها فمن تشبث ~~بالحياة ولا يريد مفارقتها وفر من الموت فقد خان لأن العارية إذا امتنع ~~صاحبها من الخروج منها إلى مالكها قهر وسلب وسمي بامتناعه خائنا فكذا ~~الدنيا وضعت ممرا ومتزودا فمن صيرها مستقرا سلب يوم الخروج منها وهو خائن ~~وهو مع هذه الخيانة يقوم بأداء الفرائض بلا توفير وباجتناب المحارم بلا ~~تقوى وصيانة إنما التقوى إذا خرجت شهوة تلك الأشياء من قلبه وإنما اجتنب من ~~خوف العقاب غدا من غير أن يلتفت إلى صيانة المعرفة التي في قلوبهم فإن قال ~~له علام الغيوب غدا إن معرفتي كانت خلعتي على قلبك فاجتنب محارمي شفقة على ~~جلدك ولحمك ولم تلتفت إلى خلعتي فتخاف عليها الدنس والغبار وقد عظم عندك ~~شأن جسدك وجل قدره فباليت به واجتنبت المحارم توقيا عليه لا على خلعتي التي ~~بها طاب جسدك فماذا يقول هذا العبد فهذا من دناءة المنزلة # المنزلة الثانية من الإيمان صنف زالت عنهم رغبتهم فاشتاقوا إلى دار الله ~~فاطمأنت نفوسهم وطابت أروحهم فأمنهم الخلق على أموالهم وأنفسهم ولم يأمنوا ~~على أديانهم فلا تقبل القلوب منهم مواعظهم وإشارتهم إلى الله وإنما أمنهم ~~الناس للأمانة التي في جوف إيمانهم ولأن أرواح يتعارفون بما تضمنه من روح ~~الإيمان فإذا عاينوا الحق في فعل عامل به إستنارت له قلوبهم وعرفوا أنه ~~الحق فأمنت قلوب الخلق واطمأنت نفوسهم إلى ما عندهم قد أمنوا على النفوس ~~والأموال ولم يأمنوا منه على الدين # PageV03P173 # والمنزلة الثالثة من الإيمان فهم قوم بلغوا ذروة الإيمان وسماه صلى الله ~~عليه وسلم ذروة لأنه شبه الإيمان بالجبل والنفس كريشة طياشة تهب بها ms492 الريح ~~فكلما كان الجبل أثقل كانت الريشة أسكن حتى إذا بلغ العبد ذروة الإيمان كان ~~كأنه على قلة جبل والنفس تحته مضغوطة لا يقدر على التحرك فلا يزال كذلك تحت ~~أثقال المعرفة حتى تصفو من عصارتها وتسيل منها تلك الفضول وتيبس عن رطوبة ~~الشهوات كما يبس الكسب الذي قد عصر تحت الأثقال حتى سال دهنه وبقي ثفله ~~يابسا فعند ذلك تجدها قد ماتت شهواتها وخمدت نيرانها خمودا افتقد حرها # فهذا الذي قال صلى الله عليه وسلم (إذا أشرف على طمع تركه لله) وإنما قدر ~~على ذلك بقوة ما فيه من الغنى بالله فالغنى بالله في ذروة الجبل وهو أعلى ~~الإيمان أولئك الذين يأمنهم الخلق على دينهم فتقبل القلوب مواعظهم وإشارتهم ~~إلى الله تعالى لأنهم يسيرون إلى الله وقلوبهم بين يدي نور الإيمان ووقاره ~~فإذا نطق أحدهم استنارت القلوب لنور مقالته وإذا شخصت أبصارهم إليه توقرت ~~النفوس لوقاره وهدأت الأركان وسكنت منهم الأصوات # وقال صلى الله عليه وسلم لما صعدت إلى السماء السابعة إذ هو برجل أشمط ~~جالس على كرسي عند باب الجنة وعنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس ~~وقوم في ألوانهم شيء فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فدخلوا نهرا فاغتسلوا ~~فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء ثم دخلوا نهرا آخر فخرجوا وقد خلصت ~~ألوانهم فصارت مثل ألوان أصحابهم فقلت يا جبرئيل من هذا الأشمط ومن هؤلاء ~~ومن هؤلاء وما هذه الأنهار التي دخلوها قال عليه السلام هذا # PageV03P174 # أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض وأما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فقد خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا فتابوا فتاب الله عليهم وأما الأنهار فأدناها رحمة الله والثاني ~~نعمة الله والثالث وسقاهم ربهم شرابا طهورا # قوله ولا دين لمن لا عهد له فالدين اسم جامع منتظم لجميع الإسلام إلا أن ~~الإسلام هو تسليم النفس إلى الله عبودة وترجمة الدين هو الخضوع وأن تجعل ~~نفسك دون أمره ومن قبله فشرطه مع ms493 الله أن يكون كل أمره غالبا على قلبه ~~ونفسه وشهواته وإرادته كلها فمن وفى بها في جميع الأوقات فهو صادق مطيع وقد ~~وفى لله بما قبل منه ومن وفى بعضا وضيع بعضا فدينه منقوص وعلى حسب ذلك يقبض ~~الجزاء من ديان يوم الدين يوم ليس فيه لأحد أمر ليوم اتملك نفس لنفس شيئا ~~والأمر يومئذ لله # وأما العهد فهو تذكرة الله الذي وضعه فيما بينه وبين العباد يوم أخذهم ~~للعبودة قبل خلق السموات والأرض فلما خرجوا إلى الدنيا نسيه الأعداء وحفظه ~~الموحدون ثم غلب الموحدين غفلة على ذلك الحفظ فوهلوا فأوفرهم حظا من الحفظ ~~أوفرهم حظا من الذكر فالأعداء في غفلة ومن الغفلة النسيان والأحباب في غفلة ~~ومن الغفلة الوهلة ومن الوهلة الخطايا ونقض العهد ودروس ذكر العهد فأوفرهم ~~حظا من العهد أوفرهم حظا من الدين وأشدهم انقيادا فالكافر ينسى # PageV03P175 # والمؤمن يغفل فالكافر ناس لربه ونفسه من أين وإلى أين والمؤمن يتردد بين ~~الغفلات والذكر فالمؤمن أمين الله في أرضه ائتمنه على معرفته ووضعه في قلبه ~~وجعل قلبه خزانة له وأمنه عليها بما فيها من كنوز المعرفة ووكله بحراستها ~~من النفس الأمارة بالسوء ومن العدو الحاسد القائم في ظل النفس يرمي بالشيء ~~بعد الشيء إلى النفس ينتظر متى يفترض النفس فرصتها من القلب وليس أحد أعز ~~على الملك ولا أصفى حبا له من أمينه الذي ائتمنه على جميع الأشياء فإذا قام ~~العبد بحفظ الأمانة فهو أمين الله في أرضه وإذا وفى بالقيام وصدق الله فيه ~~فعين الله ترعاه وهو المستحق لاسم الإيمان # قال تعالى {إن المتقين في مقام أمين} فهو واحد الله في أرضه في كل وقت ~~وإنما سمي جبرئيل أمين الله قال تعالى {عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين} # فقال أهل التفسير حل من الأمانة محلا أن يدخل سبعين ألف حجاب من نور بغير ~~إذن وائتمنه الله على وحيه فبرز اسمه في السموات بأنه أمين واستحق دخول ~~الحجب بلا إذن وفي كل حجاب سر ولذلك تجد ملوك الدنيا ms494 لا يطلق الدخول لأحد ~~بغير إذن متى شاء إلا لمن ائتمن على أسرار ما في وراء الحجاب # PageV03P176 ### | - الأصل الحادي والأربعون والمائتان ### | في فضيلة غض البصر # عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من نظر ~~إلى محاسن امرأة فغض طرفه في أول نظرة رزقه الله تعالى عبادة يجد حلاوتها ~~في قلبه) # فمحاسن المرأة مجالس الشيطان وموضع زينته التي قال تعالى {رب بما أغويتني ~~لأزينن لهم في الأرض} # فتلك الزينة يلقيها على المحاسن فإن وجد العبد في النظرة على غفلة عملت ~~الزينة التي بيده على عين الناظر عملا ينفذ إلى القلب فيأخذ القلب بمنزلة ~~السهم المسموم إذا خلص إلى الجسد فقد سمه من طرف السهم فدب في جميع الجسد ~~فتلك الزينة التي بيد العدو لها سم فإذا ألقاها على محاسن المرأة فإنما ~~يلقيها ليهيج نفوس الآدميين # PageV03P177 # التي هي ساكنة فإذا نظرت العين وحظها من الدنيا زينة الأشياء وألوانها ~~فإذا أخذت الزينة وألوانها على غفلة وتخطى إلى ما لم يؤذن له في النظر ~~إليها أو فيما أذن له وهو غير ذاكر لله خلصت تلك الزينة التي بيد العدو إلى ~~النفس فهيجتها فصارت بمنزلة السم يدب في جميع الجسد فإذا تأدت إلى القلب ~~خالطت حلاوة الإيمان وحرارته فتكدر الإيمان وانكسفت المعرفة فصارت بمنزلة ~~شمس صارت في كسوف فعلق القلب بتلك النظرة بالمنظور إليها وصارت كجراحة ~~مسمومة والذي حل بداود عليه السلام إنما كان من نظرة واحدة والعبد أعطى ~~جفون الناظرين حجة عليه وقطعا لعذره وإخراسا للسانه # وفي الخبر أن الله تعالى يقول يا (ابن آدم إن نازعتك عينك فأطبق فقد جعلت ~~لهما طبقا وإن نازعك لسانك فأطبق فقد أعطيتك طبقا وإن نازعك فرجك فأطبق فقد ~~أعطيتك طبقا) يريد به الفخذين فهذا من الله تأييد لعبده فإذا استقبل زينة ~~الشيطان التي أعدها لغوايته بها بتأييده الذي أيده به جاءت العصمة بعد ~~التأييد وسكنت النفس وبطل كيد العدو وأثابه الله في عاجل الدنيا ثوابا أن ~~رزقه عبادة يجد حلاوتها ms495 مع ما يدخر له من ثواب الأجل # وفي الخبر (ما ترك العبد شيئا من الدنيا لله إلا آتاه الله خيرا منه ~~وأفضل) # وقال تعالى في قصة سليمان عليه السلام {نعم العبد إنه أواب} إلى قوله ~~{وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} # أخرجت له خيول من البحر منقوشة ذوات أجنحة فشغلته عن صلاة العصر حتى غربت ~~الشمس فدخلت عليه حرقة الفوت ووجد من # PageV03P178 # ذلك وجدا شديدا فسخر له الريح ثوابا لعاجله ثم أعد له ثواب الأجل فقال ~~{وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} # فمن غض بصره فقد رد حلاوة هاجت منه حين أحست نفسه بالنظرة الأولى التي ~~كانت له فرد تلك الحلاوة على النفس فرجعت النفس قهقرى على عقبيها وبقيت ~~خزانة الله مصونة فأعقبه الله تعالى في عاجل دنياه بما صان خزانته فأهاج من ~~الخزانة من شرارات المعرفة حلاوة عبادة طرية وخلصه من وبال النظرة وجعل تلك ~~العبادة حصنه وتلك العبادة زاد قلبه يقطع بها مسافة العبودة أيام الحياة ~~وحلاوة العبادة تحفة من الله تعالى وأصلها من هيجان المعرفة فالعبادة كثيرة ~~وحلاوته عزيزة لا تنال إلا من طريق التحف فهي زاد قلوب العابدين وبالزاد ~~يقطع الأسفار أسفار الملكوت # قال صلى الله عليه وسلم (أحب العيون إلى الله تعالى عينان عين غضت عن ~~محارم الله وعين حرست في سبيل الله) وقال تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم ويحفظوا فروجهم} # فخرجت مخرج النصيحة والعطف والتأييد وقال في سائر الأشياء افعلوا ولا ~~تفعلوا وبين الأمر والقول بون بعيد فوجد السابق سبيلا إلى صفاء الانتهاء ~~والمقصد سبيلا إلى الانتهاء مع التنازع قال تعالى {يعلم خائنة الأعين وما ~~تخفي الصدور} # PageV03P179 # والمقصد حظه منه ما يتخلص من خيانة العين وما في الصدور باق # وكانت أم سلمة وميمونة رضي الله عنهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فدخل عليه ابن أم كتوم فقال صلى الله عليه وسلم احتجبا منه فقالتا يا رسول ~~الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال صلى الله عليه وسلم ~~(أفعمياوان أنتما ms496 ألستما تبصرانه) # وقال تعالى وإذ سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ثم قال {ذلكم أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن} # اعلم أن المبتغى منهم طهارة القلوب وإنما تطهر القلوب بحفظ الحواس ~~المؤدية الأخبار إلى الباطن وقد حذر الله عباده شأن الزناة وعظمه وبين ~~عقوبته وبين الرسول أن لكل جارحة منه حظا # قال صلى الله عليه وسلم (العين تزني واليد تزني والرجل تزني والسمع يزني ~~ويصدق ذلك كله ويكذبه الفرج) # PageV03P180 # فتكذيب الفرج إياهن أن لا يوجب حدا فأما الأدناس والآثام فقد أصابت ~~الجوارح وحلت به # قال خالد بن عمران لا تتبعن البصر والنظر فربما نظر العبد نظرة ينفل فيها ~~قلبه كما ينفل الأديم في الدباغ فلا ينتفع به # قال صلى الله عليه وسلم (النظر إلى محاسن المرأة سهم من سهام إبليس مسموم ~~فمن صرف بصره عنها رزقه الله تعالى عبادة يجد حلاوتها) # وقال عيسى عليه السلام إياك والزناء فإنه من غضب الرب وإنما يثيره النظر ~~والشهوة واتباعهما ولا تكونن حديد النظر إلى ما ليس لك فإنه لن يزني فرجك ~~ما حفظت عينك وإن استطعت أن لا تنظر إلى ثوب المرأة التي لا تحل لك فافعل ~~ولا تستطيع ذلك إلا بالله # وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن لك من ~~الجنة كنزا وإنك ذو قرنيها فلا تتبعن من النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست ~~لك الأخرى) # فمعنى الكنز فاطمة وقرنيها الحسن والحسين رضي الله عنهم صيرها بمنزلة ~~الكنز لأن الكنز موضوع مستور إليه الموبل وسائر المال ظاهر يذهب ويجيء ~~والكنز أصل المال فشبه فاطمة رضي الله عنها من نعيم الجنة بالكنز من المال ~~ثم قال وأنت ذو قرنيها نسب # PageV03P181 # القرنين إلى فاطمة رضي الله عنها ومعناه أن الحسن والحسين رضي الله عنهما ~~قرناها وإنك يا علي ذو القرنين أي تجد الحسن والحسين وهما سيد أهل الجنة لك ~~ولدا # وقال صلى الله عليه وسلم (أربع نساء سيد نساء العالمين مريم وآسية وخديجة ~~وفاطمة) # وقال (إنما فاطمة بضعة مني) وقال ms497 لها عند موته (إنك أسرع الناس لحوقا بي) ~~فضحكت # فبشر عليا رضي الله عنه بأنها لك في الجنة ثم أوصاه على أثر البشرى وصية ~~الرسل على التلطف يحذره إتباع النظرة النظرة لئلا يطمس وجه الكنز ولا يغير ~~ما به من نعمة الله فإنه يحتاج إلى التطهير في شأن الوصول إلى الكنز وكان ~~صلى الله عليه وسلم إذا خص أحدا من أصحابه بموعظة وتحذير فإنما يقصد قصد ~~النكبة التي يخاف عليه منها وكان الغالب على قلب علي كرم الله وجهه محبة ~~الله والمحبة تسير إلى الله في ميدان السعة والتشجيع في الأمور والمحبة لها ~~حلاوة # PageV03P182 # وحرارة تهيج الشهوة وتذيب ماء الصلب فحذره عليه السلام ما كان يخاف عليه ~~فبشره بالكنز والقرنين ثم أتبعه الوصية وحذره كي يشفق على ما بشره له في ~~الجنة ويكون عونا على غض بصره ورد نفسه # قال صلى الله عليه وسلم (لأعطين رايتي غدا لرجل يحب الله ورسوله ويحبه ~~الله ورسوله) # فشهد له الرسول بحب الله إياه وبحب الله والمرء ينسب إلى ما يكون الغالب ~~عليه من الأمور والأعمال فكذلك من الحظوظ إنما ينسب أصحاب القلوب كل إلى ما ~~وفر له من الحظ من ذلك الشيء فأبو بكر منسوب إلى الرحمة وعمر منسوب إلى ~~الحق وعثمان منسوب إلى الحياء وعلي منسوب إلى المحبة وإنما نسب كل واحد ~~منهم إلى ما هو الغالب عليه وكان علي كرم الله وجهه ظاهر الأمر من بين ~~الأصحاب في شأن الثناء على الله تعالى وذكر الصفات وهذا علم المحبين وكان ~~معروفا بالانبساط والانطلاق والهشاشة إلى الخلق والمزاح حتى قال عمر رضي ~~الله عنه في حقه إنه رجل تلعابة وقال مرة أخرى به دعابة # وهذا لمن الغالب على قلب محبة الله تعالى لأن القلب ينبسط عند المحبة ~~وينقبض عند المخافة فإذا غلبت المحبة على الخوف انبسط وإذا غلب الخوف على ~~المحبة انقبض لأنه يلاحظ العظمة وفي وقت الانبساط يلاحظ جوده وكرمه فكان ~~انبساط علي رضي الله عنه إلى الخلق ومعاملته إياهم حسب ذلك ms498 من السعة والبشر # PageV03P183 # والهشاشة وبتلك القوة أمكنته المحاربة وتشجع فيه ومن كانت هذه صفته كانت ~~شهوته هائجة وكان قرما في أمر النساء وكان يقول كنت رجلا مذاء فكنت أغتسل ~~في اليوم مرات حتى شجئت وكنت أستحيي أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من أجل ابنته فأمرت المقداد أن يسأله فسأله فقال يجزيك الوضوء # وكان قد هم أن يتزوج علي فاطمة رضي الله عنها حتى خطب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على المنبر فقال إن بني المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم ~~من علي وإن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ألا فإني لا آذن ثم لا آذن # وكان علي رضي الله عنه يريد أن يخطب العوراء بنت أبي جهل فقال صلى الله ~~عليه وسلم (وما كان لعلي أن يجمع بين ابنة نبي الله وابنة عدو الله وإن ~~فاطمة بضعة مني يغضبني ما أغضبها) # ووقعت في سهمه يوم فتح مكة جارية من سبي هوزان فذهب بها مستعجلا إلى أخته ~~أم هانئ لتزينها فهم في ذلك إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خلوا عن السبايا فبقي على قارعة الطريق ودخلت أم أيمن على فاطمة رضي الله ~~عنها فرأت في وجهها شيئا أنكرته فسألتها فأبت أن تخبرها فقالت إن أباك كان ~~لا يكتمني شيئا فقالت جارية وهبها أبو بكر لعلي فخرجت أم أيمن فنادت أما ~~لرسول الله حق أن يحفظ من أهله فقال علي رضي الله عنه ما هذا فقالوا له أم ~~أيمن تقول كذا فقال علي رضي الله عنه الجارية لفاطمة رضي الله عنها ومات ~~يوم مات عن سبع عشرة من بين حرة وأم ولد وكان هذا كله من غلبة ما ذكرنا على ~~قلبه # PageV03P184 # وقد حذره صلى الله عليه وسلم النكبة التي عرفها فيه وعرفه خطرها ووبالها # وكان من شأنه صلى الله عليه وسلم إذا عرف من رجل شيئا يخاف عليه منه وعظه ~~من ذلك الباب ولهذا أخذ بطرف عمامة الزبير وقال (يا زبير إني رسول ms499 الله ~~إليك خاصة وإلى الناس عامة يا زبير إن الله تعالى يقول أنفق أنفق عليك ولا ~~تصر فأصر عليك) # هو إنما قصده بهذا لأن الزبير كان يزن ببخل وبلغ من إمساكه أنه كان يوصي ~~إليه أفاضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أموالهم لعلمهم بإمساكه # PageV03P185 ### | - الأصل الثاني والأربعون والمائتان ### | في فضيلة صوم شهر رمضان # عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~(إن شهر رمضان شهر فرض الله على المسلمين صيامه وسننت لكم قيامه فمن صامه ~~وقامه إيمانا واحتسابا خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه) # (صامه إيمانا) أي آمن بما افترض الله عليه ثم صامه على تلك النية والصوم ~~والعزم عن الكف عن كل شيء يطعم ويشرب وعن إتيان النساء وهذا العزم عن الكف ~~عن كل شيء يطعم ويشرب وعن إتيان النساء وهذا العزم بين العبد وبين ربه لا ~~يطلع عليه أحد فهو في كل ساعة من يومه إذا اعترضت له شهوة فإنما يمتنع منها ~~لإيمانه بأن الله تعالى مطلع على سره وإضماره فذاك منه إيمان في كل وقت # PageV03P186 # وساعة في رد كل شهوة مع طمأنينة نفسه بإن الله تعالى يعلم عزمه وضميره في ~~هذا الكف فيستقر لذلك قلبه ويعظم أمله هذا أكله إيمان # وقوله صلى الله عليه وسلم (إيمانا واحتسابا) فكل عمل ابن آدم إنما يقوم ~~بالنية والحسبة والنية قربتان تجريان في الأعمال معا فإذا انقطعت النية ~~انقطعت الحسبة والنية نهوض القلب إلى الله تعالى وبدؤها الخاطرة ثم المشيئة ~~ثم الإرادة ثم النهوض ثم اللحوق إلى الله تعالى بعقله وعلمه وذهنه وهمته ~~وعزمه وإضماره فههنا تتم النية ومن ههنا يخرج إلى الأركان فيظهر على ~~الجوارح فعله فمبدأ النية نهوض القلب ومنتهاه عزمه ثم الارتحال يقال ناء ~~ينوء أي نهض والعزم عقد القلب ولا يكون نية إلا بالعقد فإذا صح العزم خرج ~~الرياء والفخر والخيلاء من جميع أعماله # ثم الناس بعد ذلك على طبقات فالعامة لا بد لهم من أن ms500 يأتوا بهذه الصفة في ~~كل عمل يلتمسون ثوابه غدا وذلك موجود في العامة من الموحدين في كل عمل ~~أخلصوه لله تعالى فهذه الخصال موجودة في ذلك العمل إلا أنه لا يحسن أن يميز ~~هذا الاسم ويطالعه بقلبه في صدره لأن الصدر مشحون بأفعال النفس وفتنها ~~ووساوس شهواتها فمن أين يبصر في صدره الخواطر والمشيئآت والإرادات والنهوض ~~والإرتحال إلا أن الله لما رحم الموحدين ومن عليهم بالتوحيد ضمن هذه ~~الأشياء توحيدهم وأودعها قلوبهم فهم بتلك القوة يعملون أعمال البر فربما ~~أخلصوا وربما خلطوا وربما إطمأنوا وربما نافقوا ولذلك وقع الحساب في الموقف ~~لتخلط الإيمان بالنفاق والصدق بالكذب والإخلاص بشرك الأسباب # وإنما يستبين ما وصفنا لقلب أجرد أزهر في صدر فسيح قد شرحه الله للإسلام ~~فهو على نور من ربه رطب بذكر الله قد لان بلطفه # PageV03P187 # ورطب برحمته وصلبت بآلائه وبذلك وصفه صلى الله عليه وسلم فقال (قلب ~~المؤمن أجرد أزهر) # فصدره كمفازة جرداء فيها شموس تزهر ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (إن لله ~~في الأرض أواني ألا وهي القلوب فخيرها أصفاها وأرقها وأصلبها) # فأصفاها من كدورة الأخلاق وأرقها للإخوان وأصلبها في ذات الله تعالى # فأما الناس في النية على طبقات فنية العامة ارتحالهم إلى الله بهذا العقل ~~والعلم والذهن والهمة والإضمار والعزم ومبلغ ارتحالهم الجو إذ ليس لقلوبهم ~~من القوة ما يرتحلون ويطيرون لأنه لا ريش لقلوبهم فيطيرون والجو مسدود لأن ~~القلوب لما مالت إلى النفوس فأطاعتها انسد طريقها إلى ربها لأن القلوب إنما ~~أعطيت معرفة التوحيد ومن عليها بذلك لتمد النفس بما فيها من الشهوات إلى ~~الله فتطيعه فتمت حجة الله على القلب بما أعطى من القوة البالغة فلما ضعف ~~ولم يتشمر لأمر الله بما أعطي من الجنود ولم يجاهد النفس حتى يغلبها ~~ويأسرها بجميع ما فيها من الشهوات فيذلها وقال تعالى {وجاهدوا في الله حق ~~جهاده هو اجتباكم} # أي رفعكم من بين الأعداد جباية منه لكم ليتخذكم أحبابا ووضع # PageV03P188 # في قلوبكم التوحيد بحلاوته كي إذا جاءت النفس بحلاوة ms501 شهواتها إلى القلب ~~ضربت بتلك الحلاوة وجهها وردها بقوة هذه الحلاوة الممنون عليه فإذا لم ~~يجاهد وانخدع لنفسه وبما تأتي به تحيرت الجوارح وتعطلت الأعمال التي بها ~~وكلوا # فهناك تجده لا يلتذ بطاعة ولا يستروح إلى ذكر إذ لا يجد رائحة الذكر لأنه ~~يخرج من صدر كالمزابل محشو بالخبث والخيانة والظلم والعدوان والرغبة ~~والتجبر والتعزز والتكبر والاستبداد والحقد والغلو وحب الأشياء التي يضاهي ~~الله بها وينازع رداءه فيرجو صاحبه أن يلتذ بطاعة أو يستروح إلى ذكر أو ~~يجاوز قلبه في عمله فإن اجتهد فأخلص في شيء وأخذ بحرمة ذلك التوحيد وقوته ~~فبجهد شديد ولا يجاوز قلبه الجو فهذا شأن العامة # وأما الصادقون وهم العباد والزهاد والقراء فنياتهم صاعدة عن هذه الأشياء ~~التي ذكرنا من العقل والعلم والفهم والهمة والعزم والإضمار فإذا بلغ المحل ~~الذي هناك استقر القرار في بيت العزة في سماء الدنيا وضعفوا عن تجاوز ذلك ~~إلى ما فوقه لأنه لا يقدر قلبه على الطيران إلى العلى وعلى قدر علمه وعقله ~~وذهنه واستعماله ذلك يمكنه أن يطير فتحظى تلك النفوس من ذلك المحل ويأخذ ~~قوتها ويستمر في الطاعة # وأما العارفون وهم الصديقون فإن نياتهم قد صارت كلها نية واحدة لأن القلب ~~قد ارتحل إلى الله تعالى بمرة ووجد الطريق واشتغل بالنفس بما فيها من ~~الشهوات لينة منقادة قد تحولت من الخيانة إلى الأمانة وانقادت للقلب فالقلب ~~أمير والنفس أسير فارتحال قلوبهم إلى المعسكر عند ذي العرش ولهم مطاف ~~وأعمالهم معروضة على الله في كل معرج وينظر إليها الرب ويتقبلها ثم توضع ~~بعد القبول في الخزائن الخاصة # PageV03P189 # وأما العارفون حكماء الله فهم الذين أطلعوا على بدو الربوبية ومحل القدرة ~~فهم خاصة الله من بحور الله يعملون جميع الأعمال والأعمال غائبة عن القلوب ~~لأن الله تعالى نصب أعينهم في مجلس الملك فأجمل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذكر النية فقال (الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) يعلمك إن ~~للنية درجات كل على درجته ينال ثمرتها # وقال صلى الله عليه ms502 وسلم (لاعمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسبة له) # والحسبة أن يحتسب على الله تعالى من العبودة التي قبل منه لأن العبد في ~~رق العبودية إلى يوم خروجه من الدنيا لأنه خلقه ليعبده ثم وعده أن يحرره ~~يوم القيامة إذا أتاه بالعبودة فيقعده ملكا في دار السلام قال الله تعالى ~~{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} # فنحن نسعى في هذا الرق إلى يوم خروج الروح وقبض النفس عن الدنيا فمن أراد ~~الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا شكر الله لهم ~~بمغفرة الذنوب والرضاء عنهم # PageV03P190 # وتمليكهم الجنان وقضاء المنى والشهوات على التأييد ورضوان من الله أكبر ~~وإذا آمن العبد بربه ألقى بيديه سلما إليه وقبل أمره وعبودته قبله الله ~~وأقبل عليه بالعون قال تعالى {إن الله مع الذين اتقوا} أي من العون والنصرة # وإذا أعرض مغترا بخدائع النفس وأمانيها وأكاذيبها فأقبل على النفس وقبل ~~منها ما تأتي به فقد أعرض عن الله تعالى ومال عنه وأعرض الله عنه وعذب قلبه ~~وانقطع المدد والعون فإذا تاب إلى الله وفزع وأدركه رحمة الله وغوثه بأن ~~فتح باب الرحمة نظرا منه لمنته وأياديه التي كانت له عند العبد فوجد القلب ~~خلاصا وعاد العون والمدد فلم يزل العبد يترقى درجة درجة وتفضل الله عليه ~~بالكرم وجاد بالإقبال فانتعش بعد النكس وحيى بعد الموت حتى توردت بساتين ~~توحيده وانفطر مكنون جواهره كانفطار الينابيع وانغلاق الحبوب عن بذرها ~~وازدهرت وأينعت وذلك قوله تعالى {فالق الحب والنوى} و {فالق الإصباح} و ~~{يخرج الحي من الميت} # فأخذ العبد يسعى في الرق والعبودية فكلما عمل برا من الأعمال احتسب به ~~على الله في العبودة التي قبل منه كمن عليه دين في عنقه فهو يفك رقبته ~~بأدائه شيئا بعد شيء وكل شيء يؤديه إلى صاحب الدين احتسب عليه في قضاء ~~الدين الذي في عنقه فهذا العبد يحتسب في نفسه وفي ذاته بهذا الفعل يحسبه ~~على الله تعالى في قضاء دينه وهو العبودة التي لها ms503 خلق التي قبلها فإذا نوى ~~واحتسب فقد أخلص # PageV03P191 # قال الله تعالى {ليعبدوا الله مخلصين له الدين} فيكتب له أجر العبودة ~~ولذلك قال صلى الله عليه وسلم (لا أجر لمن لا حسبة له) # فرب رجل يعمل أعمال البر على العادة لا على يقظة العبودة فلا يكون له ~~احتساب ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (ومن غشيانك أهلك صدقة) قالوا يا رسول ~~الله نأتي شهواتنا ونؤجر قال (أرأيت لو وضعتها في حرام أكنت توزر) قالوا ~~نعم قال (فتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير) # معناه إذا زنى إنما قصد قضاء الشهوة فاحتسب على النفس بإعطائها منيتها ~~وقضائها شهوتها فإذا وضعها في حلال وأراد العفة عن الحرام احتسب بها قضاء ~~عن العبودة فصار ذلك منه صدقة على أهله ولذلك قال معاذ لأبي موسى أنا أنام ~~نصف الليل وأقوم نصفه فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي فإذا نام العبد تلذذا ~~وأتى أهله تلذذا لم يحتسبها قضاء على العبودة بطل أجره وبقيت العبودة في ~~عنقه فلقي الله وقد خسر أجر العبودة في ذلك الوقت الذي عطله وإذا مال بهذه ~~الشهوة إلى الحرام فإنما يقضي عبودة النفس وقد خلقه الله تعالى ليعبده فقبل ~~منه ثم ذهب فصبر نفسه عبدا لنفسه وشهواته وذهب بعبودة الله إليها ولهذا ~~استوجب اللعنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال # PageV03P192 # (لعن عبد الدينار لعن عبد الدرهم لعن عبد الخميصة وشيك فلا انتقش حبذا ~~عبد الله وعبيد الله) # وقال صلى الله عليه وسلم (لكل امرئ ما احتسب وعليه ما اكتسب والمرء مع من ~~أحب ومن مات على ذنابى طريق فهو من أهله) # معناه ما ذكرنا أن ما احتسب قضاء عن العبودة فهو له وما لم يحتسب ولكن ~~اكتسب فهو عليه # وقال تعالى {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} لأن الكسب فعل الأركان ~~والاكتساب فعل الذات يكتسب إتباع الهوى فيما تقضي النفس من مناها وشهواتها ~~ولذاتها فذاك عليه وإذا جاء الاحتساب من قوة القلب بذكر العبودة مع النية ~~الصادقة فتلك النية تحول العمل فصار ms504 للنية لا للهوى فيحتسب به على الله ~~قضاء العبودة لا قضاء الفهمة والشهوة فإذا صام رمضان إيمانا بما كتبه الله ~~عليه وبأنه يطلع على عزمه في صومه ورد شهواته في ساعات يومه فذاك كله إيمان ~~يتجدد عليه كل ساعة وهو سر بينه وبين ربه لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل ولذلك قال (الصوم لي وأنا أجزي به) # PageV03P193 # لأنه في ما بينه وبينه ففي كل ردة من العبد لشهوته تعرض له جزاء من ربه ~~وهو لا تدركه الحفظة والكتبة # PageV03P194 ### | - الأصل الثالث والأربعون والمائتان ### | في فضيلة الأمور الثلاثة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أوصاني حبيبي أبو القاسم صلى الله عليه ~~وسلم (بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وأن لا أنام إلا على وتر وركعتي الضحى) # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا ~~عويمر حافظ على أن لا تبيت إلا على وتر وركعتي الضحى مقيما أو مسافرا وصيام ~~ثلاثة أيام من كل شهر تستكمل الزمان كله أو قال تستكمل الدهر كله) # العبد محسوب عليه عمره معدود له أنفاسه مقتضى منه العبودة في كل نفس من ~~عمره فأمر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقبول ما جاء به ~~الرسول من عنده على صدق الاعتقاد من قلبه ثم اقتضى ما قبل من الله تعالى ~~مجملا في جميع عمره فمنه ما اقتضى من وقت دون وقت وهو الفرائض ومنه ما ~~اقتضى # PageV03P195 # من الأوقات كلها وهو العبودة في كل نفس فأجمل الله تعالى بعطفه وكرمه ~~للعباد أمرا أجمل به العبودة كي إذا فعلوها استكملوا الدهر كله عبودة فدلهم ~~لعبودتهم في النهار على ركعتي الضحى بعد أداء الفرائض واجتناب المحارم فإذا ~~أدى المفروضة من صلاة الفجر انتظر طلوع الشمس وتحليل الصلاة فإذا أضحت صلى ~~ركعتين على سبعة أجزاء بسبع جوارح مقسومة هذه الأجزاء بما ضمنت وحشيت على ~~ثلاثمائة وستين جزءا ليخرج إلى الله من صدقة النفس # وذلك قوله صلى الله عليه وسلم (إن ms505 على كل آدمي ثلاثمائة وستين سلامى على ~~كل سلامى منها صدقة وركعتي الضحى تجزيك من هذا كله) # فهذا صلاة يومه للعبودة # وأما صيام ثلاثة أيام من كل شهر فالحسنة بعشرة أمثالها فصوم ثلاثة أيام ~~من كل شهر يعدل ثلاثين يوما فقد صار العبد بهذا صائما في جميع عمره وبركعتي ~~الضحى قائما بهذا في نهاره كله # فأما في ليله فالفوز بصلاة الوتر فإذا كان صائما قائما في نهاره وبوتره ~~فائزا فقد استكمل الزمان كله فهذه دلالة الله لأهل السعادة على ما به ~~يستكملون العبودة بعد أداء الفرائض واجتناب المحارم فمن داوم على هذا كان ~~اسمه في ديوان الصائمين القائمين الفائزين وهو طاعم وشارب ونائم ليعلم يسر ~~الله تعالى لهذه الأمة ورفع الحرج عنهم في دينه وسماحته فيما اقتضاهم مما ~~له خلقهم فالوتر محبوب الله تعالى فيما خلق من الأشياء وقد كتب عليهم الخمس ~~المفروضات # PageV03P196 # غياثا لهم ليطفئوا بها حريقهم وما من صلاة يدخل وقتها إلا قال أهل السماء ~~يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم فأطفئوها فصرن هذه الخمس مكتوبات والعهد في ~~الكتاب فإذا أوفوا بالعهود أوجب لهم الجنة ثم كان من عطفه أن زادهم صلاة ~~الوتر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم # فالصلوات الخمس تكفير لسيئآتهم وفي ذلك الموقف من الوتر نوال تملأ منه ~~رغبتهم ومركز يجدون منها معاذاتهم فالنوم بعد النوال أفضل من أن يؤخرها إلى ~~آخر الليل فإذا أوتر أول الليل عرجت نفسه إلى الله في منامها مع الفوز ~~بالنوال والمعاذ فلذلك أوصاه صلى الله عليه وسلم أن لا ينام إلا على وتر ~~فكان أبو بكر رضي الله عنه يوتر قبل أن ينام فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (متى توتر يا أبا بكر) قال في أول الليل قال أخذت بالحزم وقال ~~لعمر رضي الله عنه متى توتر يا عمر قال آخر الليل قال (أخذت بالقوة) # فالحزم احتياط وثقة والقوة ملكة النفس وأبو بكر لاحظ كنه الوتر ولهذا قال ~~أحرزت نهى وابتغي النوافل معناه أن ms506 في موقف الوتر نثار الله وغنمه فينتهبه ~~ويبتغي فيما بقي من الليل نوافل الرب وعمر لاحظ الساعة التي يؤدي فيها ~~الوتر من ساعات الليل وهي الساعة التي آثرها الله فهبط إلى السماء الدنيا ~~واطلع على عباده وناداهم وهي ساعة اهتز لها العرش واشتغلت الملائكة في ~~صفوفها وانقطعت صلاتهم لما رأوا من هبوط الرب إلى سماء الدنيا سماء العبيد ~~واطلع عليهم وناداهم وقد جعل الله تعالى للعباد موقفين موقف في كل سنة من ~~تاسع ذي الحجة وهو موقف الحج وموقف في كل ليلة بعد صلاة العشاء في الركعة ~~التي وسمها بالوترية تلك ركعة عليها # PageV03P197 # سمة الله تعالى بأن فضلها على الأعمال فموقف الحج نطق به الكتاب وموقف ~~الوتر نطق به لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم # وللعباد في هذين الموقفين من الله نوال وقرات أعين لا يخطر على قلب بشر ~~فموقف الحج موقف المباهاة موقف الإسلام ألا ترى أنه يقال حجة الإسلام وقف ~~العبد ليسلم إليه رقبته عبودة ليتخذه عبدا فباهى الله به في سمائه وهبط إلى ~~سمائه العبيد ليطلع إليهم ويباهي بهم ملائكته والمباهاة أن يريهم بهاء ~~الإسلام الذي على عبيده في تسليمهم النفوس إليه معتذرين منعرضين ملقين ~~بأيديهم إليه سلما رافعي أيديهم إليه طمعا فيقول للملائكة انظروا إلى عبيدي ~~فتلك المباهاة وموقف الوتر موقف هدايا المعرفة للأولياء والأصفياء وحرمة ~~الإسلام للصادقين المجتهدين والرحمة العامة الموحدين فيدخل من ذلك الموقف ~~على الله بالتكبير ويقف بين يديه في القنوت يرفع إليه رغباته ويعتذر إليه ~~من عمل نهاره من تقصيره وتفريطه ويفتقر إلى الله تعالى ويتباءس ويتمسكن ~~ويتخشع ويتضع ويتعوذ من الأهوال والأخطار الذي هو عليها ويخرج منه ثناؤه ~~على ربه ومحامده له وذكر آلائه وبث مننه ونشر صنائعه واعتراف بمساوئه ~~واعتذار وتوبة إليه وقربة إليه وتنصل بالاستغفار وترض وملق وتضرع واستعاذة ~~بالمعاذ وتختيم بالكلمة التي بها يستجاب ويخاف مما خص الله تعالى هذه الأمة # قال صلى الله عليه وسلم أمرني جبريل ولقاني عند فراغي من فاتحة الكتاب ~~وعند الدعاء آمين ms507 وقال إنه كالطابع على الكتاب # PageV03P198 # وإذا ختم العبد الدعاء بآمين صار الدعاء مطويا بالكتاب مصونا عن الآفات ~~وعن تناوله وإطلاع ما فيه وإنما ختم الكتاب لئلا ينشره أحد ولا يطلع عليه ~~فإذا ختم العبد الدعاء بآمين صانه عن أن يطلع فيه وصعد إلى الله بالختم ~~مطويا مصونا عن الآفات فيجيبه الله تعالى لأنه قد سبق منه القول بالخصوصية ~~لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال تعالى {ادعوني أستجب لكم} # وفيهم ما فيهم من قلة الشكر والوفاء وكثرة التخليط والاستخفاف بأمر الله ~~والإعراض عن حق الله فلو لم يعطهم الختم حتى يختموا دعاءهم آمين فيصير ~~الختم مانعا لجميع الخلق بين العبد وبين الله من الهواء إلى العرش فكان ممر ~~دعائنا إلى العرش محل الدعاء ومعدن الإجابة والقضاء لكان لا يخلو من أن ~~يتعرض متعرض لإفساد ذلك حمية لله تعالى فإن الخلق كلهم مطيعون فإذا مرت ~~عليهم دعوة العصاة لم يؤمن أن يرموا فيها شيئا يكون فيه فسادا # قال صلى الله عليه وسلم إن على أبواب السماء حجابا يردون أعمال أهل الكبر ~~والحسد والغيبة # وقال صلى الله عليه وسلم إن العبد ليقول يا رب اغفر لي وقد أذنب فتقول ~~الملائكة يا رب إنه ليس لذلك بأهل قال الله تعالى لكني أهل أن أغفر له # فقد أعطى الله تعالى هذه الأمة كلمة الختم وهي آمين ليصعد دعوتهم إليه ~~مختومة لا يطلع على ما فيها أحد حتى لا يجدوا سبيلا # PageV03P199 # إلى الطعن فيها ودعاء كل رجل يخرج على قدر ما عنده من قوة القلب في ~~الدعاء فرب دعاء داع يخرج من نور وافر بمنزلة شمس تطلع ودعاء يخرج مع تقصير ~~فنوره بمنزلة قمر يطلع ودعاء يخرج مع تقصير كثير فنوره بمنزلة كوكب وإنما ~~تفاوت الدعاء لاختلاف مخارجها من المعادن # قال صلى الله عليه وسلم إن القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض فإذا دعوتم ~~الله تعالى فادعوه وأنتم موقنون بالاستجابة فإن الله تعالى لن يستجيب دعاء ~~عن ظهر قلب غافل # فظهر القلب دعاء قد تعلمه ms508 العبد يدبر الكلمات بمضغة لسانه في حنكه ولهاثه ~~وليس عنده وراء ذلك شيء إلا تلك الإرادة التي من القلب يبتغي خيرا من عند ~~ربه وهو لا يدري ذلك الخير وهو عنده كالجزاف غير مفتقر إلى تلك الحاجة فهو ~~كصبي نطق من غير عقل وليس لكلام الصبي قدر عند الخلق إلا أن الكريم لما علم ~~إرادة الخير من الداعي أعطاه على ذلك أجرا إذا دعا على رجاء أن ينال منه ~~معروفا فأما الاستجابة فهو بعيد منها لأنه لم يخرج منه الدعاء على الجد ~~والاجتهاد ولو كان ذلك منه جدا لترك الإباق من ربه بالذنوب والمعاصي ~~والبطالات والإكباب على الدنيا والاستخفاف بحق الله وبداره وبيوم الحساب ~~وبوعده ووعيده ومواعظه وموته فإن الآبق من مولاه في الدنيا إذا دعاه في حال ~~اباقه ويراسله يستوجب بذلك المقت من مولاه لأنه في صورة المستهزئ به فمن ~~أثقل ظهره من الخبائث فصار كسلان لحما ودما ملقى على الأرض وخيما جلفا ~~جافيا فتعلم الأدعية عن ألسنة الناس ملتمسا بها نوالا لا عن فاقة وافتقار ~~خرجت من جوفه تلك الكلمات ولا علم له # PageV03P200 # بما سأل وإن كان أعلم الناس باللغة فهو عالم بالكلمة من طريق اللغة جاهل ~~بغور الكلمة ومعدنها ووقتها وموضعها فهو جاهل بالمعنى أعمى عن حشوه فصاحب ~~لا يصيب في دعائه جدا ولا اجتهادا وإنما يدعو عن ظهر قلب فهذا عبد يجاب ولا ~~يستجاب وإنما يجاب لأنه مؤمن فالإجابة للمؤمنين والاستجابة للجادين ~~المجتهدين المفتقرين المرتعنين المتبائسين المتخشعين الموقنين إلا أن الله ~~هو الكريم الجواد أوسع لعبيده فجاد عليهم بالمعرفة التي هي أعظم الأشياء ~~استحيى أن يترك هذا العبد خاليا صفر اليدين إذا مد يده إليه حتى يأجره على ~~ذلك فيكون ذلك إجابة لا استجابة # قال عبد الرحمن بن غنم بينما نحن جلوس يوما عند معاذ بن جبل رضي الله عنه ~~إذ دعا بدعاء لم أسمع داعيا يدعو مثل دعائه فقلت له رحمك الله يا أبا عبد ~~الرحمن لو علمتني بعض ما تدعو به فقال لو كنت ms509 أعلم لك فيه خيرا كنت علمتك ~~فقلت سبحان الله لم لا تعلم لي فيه خيرا قال لأن رسول الله كان يدعو ~~بالدعاء الكبير الحسن الجميل الذي لا يستطيع أحد أن يقول مثله فقلت له يوما ~~يا رسول الله لو علمتني بعض ما تدعو به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لو كنت أعلم لك فيه خيرا لعلمتك فقلت سبحان الله يا رسول الله لم لا تعلم ~~لي فيه خيرا قال لأن أفضل الدعاء ما خرج من القلب بجد واجتهاد فذاك الذي ~~يسمع ويستجاب وإن قل # فالجد أن يقف العبد بقلبه في محل الدعاء والاجتهاد مفتقر القلب إلى الله ~~متبائس النفس # وقوله تعالى {أجيب دعوة الداع إذا دعان} أراد إجابة تلبية على ما قاله ~~صلى الله عليه وسلم # PageV03P201 # إذا قال العبد يا رب قال الله تعالى لبيك يا عبدي # وأما الاستجابة فقال تعالى ادعوني أستجيب لكم ثم بين في آية أخرى لمن ~~الاستجابة فقال {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} # وينبغي أن يكون الدعاء على هيئة وأدب فإن لكل أدب ثمرة ولكل هيئة زينة ~~يبدأ بمدائحه ثم الثناء عليه والتنزيه له ثم محامده وذكر آلائه وبث مننه ~~ونشر صنائعه والاعتراف بالمساوئ والتوبة إليه والاعتذار والتنصل والاستغفار ~~والتضرع والاستعاذة والاختتام بآمين والله أعلم وأحكم # PageV03P202 ### | - الأصل الرابع والأربعون والمائتان ### | في بيان أقسام القرآن # عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل القرآن ~~العظيم على عشرة بشيرا ونذيرا وناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها وعظة ومثلا ~~وحلالا وحراما فمن ابتشر ببشيره وانتذر بنذيره وعمل بناسخه وآمن بمنسوخه ~~واقتصر على محكمه ورد علم متشابهه إلى عالمه واتعظ بعظته واعتبر بمثله وأحل ~~حلاله وحرم حرامه فأولئك هم المؤمنون حقا لهم الدرجات العلى مع النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وهو وارثي ووارث الأنبياء ~~من قبلي ولولا قسم أنه لا نبي بعدي لكان نبيا من أنبياء الله تعالى ولا ~~يزال في ضمان الله تعالى وكيف وحيث ما تلا القرآن غشيته الرحمة وتنزلت ms510 عليه ~~السكينة وكان بعين الله منورا له قلبه إلى يوم القيامة ويحشر يوم القيامة ~~في زمرتي وتحت لوائي ولوائي أبيض العود أخضر الرقعة أفيح الريح له لسانان ~~لسان يرى بالمشرق ولسان يرى بالمغرب يظل حملة القرآن والمتحابين في الله ~~ومن ضيع واحدة منهن فقد ضيع كلهن ويلقى الله غدا ظمآن محول # PageV03P203 # القلب نادم القلب مرتعد الفؤاد حاسر القدم مستحييا من الرب مغفور له أو ~~معذب # قوله ابتشر ببشيره البشرى خبر عن الغيب فإن العبد في دار المحنة والبلوى ~~متعرض للآفات ممزوج بها مسئول عن الشكر عليها ومقتضى للبصر على مزاجها من ~~الآفات وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يظهر له من غيب الله غدا والخير كائنه ~~فأيد الله المؤمنين بخطاه وبشرهم بخبر نفى حيرتهم حتى قويت القلوب واطمأنت ~~النفوس وتخلص القلب من وساوسها وصار حرا مالكا قوي القلب وانتشر السرور في ~~الصدر فنضرت الوجوه وتلك النضرة تورث البشر قال الله تعالى {ولقاهم نضرة ~~وسرورا} نضرة في الوجوه وسرورا في القلب # فالسرور يفيض القلب من الفرح الذي حل بالنفس فالفرح في النفس والسرور ~~تولده في القلب وانتشاره في الصدر ثم يتأدى ذلك من مجمع العروق الذي على ~~القلب إلى العروق التي في الوجوه فتشرب جلده الوجوه من ذلك بمنزلة شجرة ~~شربت عروقها من الماء في أصلها فأدت عروقها إلى الأوراق فنضرت فإذا كان ~~كذلك على أن في الباطن خبرا سارا فعمل ذلك الكلام في قلبه وصدره حتى اختلط ~~بذاته فاختلط بسمعه وشمه وبصره ومخه وجميع جوارحه وهذا لمن استمع قلبه إلى ~~خطابه بأذني قلبه فاستقر فيه علم ذلك وورد العقل على قلبه بنهاء ذلك الخطاب ~~والفهم بمكنون لطائفه والفطنة بكشف الغطاء عن صور تلك اللطائف فطابت النفس ~~بذلك وازدهرت وأينعت عن الذبول والخمول فمن كان بهذه الصفة فقد ابتشر ~~بالبشرى # PageV03P204 # وقوله انتذر بنذيره فإن العبد قد شرهت نفسه من الفرح بأحوالها وبسبب ~~نمائها فقطرت فإذا جاءها الوعيد من الله تعالى ذبلت وسكن تلظي تلك الأفراح ~~فتنغصت عليه حلاوتها وتكدر عليه ms511 صفو النعم فظهر في صدره من كدورة دخان ~~الوعيد ومرارة التنغص فتأدى ذلك إلى الوجه فأورثه العبوس فتجده مرة ذا بشر ~~ونضرة ومرة ذا عبوس وكسوف وإذا ورد عليه البشر أقر وجهه بذلك النضرة وظهر ~~البشر وزال عنه الكسوف وإذا ورد عليه الوعيد انكسف القمر الذي بوجهه وانعبس ~~فمن ابتشر ببشير الله وانتذر بنذيره فإنما يفعل ذلك بقلب عامر ومحال أن تجد ~~أحدهما وتفقد الآخر لأن ذلك فعل القلب # قوله وعمل بناسخه وآمن بمنسوخه فالناسخ آية قد أمر الله بالعمل بها وقد ~~كان قبل ذلك أمر بغير ذلك في آية نزلت قبلها والناسخ والمنسوخ بلوى من الله ~~لعبده لينظر أيعبد الله ظاهرا وباطنا أم يعبده في الظاهر ويعبد هواه في ~~الباطن # قال الله تعالى {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه} # وقال تعالى {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} # معناه حتى نعلم من يجاهد نفسه في ذاتي ويصبر عما حرمت عليه وعلى ما ~~افترضت عليه وعلى ما حكمت عليه من الأحوال المكروهة مثل الفقر والذل والبؤس ~~والمرض # ثم قال ونبلوا أخباركم أي أنتم مني مع هذه المجاهدة والصبر أعلى طيب ~~النفوس أم على خبثها وترددها فإذا آمن بالمنسوخ وعمل بالناسخ فهذا عبد ~~منقاد لربه قد ألقى بيديه سلما # PageV03P205 # قوله (اقتصر على محكمه ورد علم متشابهة إلى عالمه) فالمحكم ما خرج إلى ~~العباد من الحكمة البالغة مثل قوله تعالى {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ~~عليكم} وقوله {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} إلى قوله {ذلك مما أوحى إليك ~~ربك من الحكمة} # فأعلم العباد أنه لم يأمر بشيء ولا نهى عن شيء جزافا أمرهم ونهاهم ~~بالحكمة البالغة # وقد قال قوم من العلماء ليس لأمره ونهيه علة وإنما هو تعبد وليس كما زعم ~~فإنه تعبد لزم العباد العمل به ولكن تيقن أن الله تعالى لم ينه عن شيء ولا ~~أمر بشيء إلا بالحكمة تعالى الله عن الجزاف المهمل عن التدبير والتقدير ~~فتطلب تلك الحكمة ms512 في معادنها فإنها تبعثك على إقامة الأمر والنهي # ونحن نذكر صورة نستدل بها وهو أن الله تعالى افترض الصلاة على عباده فرجل ~~أداها تعبدا وآخر طالع الحكمة ببصيرته فوجد العبد موكلا لحفظ الجوارح السبع ~~السمع والبصر واللسان والبطن والفرج واليدان والرجلان بمنزلة عبد وكل بسبعة ~~أغنام لكل شاة منها مرعى على حدة فأمر بأن يرعاها في مراعيها ومتى تردى ~~واحد في جرف تبادر بإخراجه فإن عني بشأنهن ورعايتهن نال الكرامة وإن أهمل ~~ما اكتسب بفعله إلا مقتا وبعدا فهذا المؤمن في غفلاته كالراعي في نفشائه ~~وإنما سمي مؤمنا لأنه إطمأن إلى الله عبودة له واستقر قلبه وسمي مسلما ~~لتسليم جوارححه إليه في أمره ونهيه وعليه الوفاء بذلك إلى يوم لقائه فمتى ~~ما ضيع شيئا من أمره ونهيه دخل في وفاء تسليمه نقص بقدر ما ضيع # PageV03P206 # وقد علم الله من العباد أنهم سيخلطون هذا التسليم بتضييع أموره فافترض ~~عليهم القيام بين يديه عبودة وتذللا معتذرين مما ضيعوا فقد قام العبد مقاما ~~جمع جوارحه المنتشرة في مراعيها بين يديه قد أزال سمعه عن الأمور والناس ~~وبصره عن النظر إليهم ولسانه عن خطاب الخلق ويده عن القبض والبسط ورجله عن ~~المشي وبطنه عن الطعام وفرجه عن الاعتمال فهذا من العبد تسليم إلى الله ~~مستقبلا معتذرا بالثناء والركوع والسجود مترضيا له حتى يرجع من عنده على ~~تجديد إسلامه ومزيد من فضل الله ورحمته فعبد أدى فرائضه على هذه الصفة من ~~المطالعة والعلم واليقظة والانتباه وآخر أداها تعبدا وهذا كله مستور عنه ~~فمتى يلحق هذا ذاك # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم إن الرجلين ليكونان في صلاة واحدة في سقف ~~واحد وكما بين صلاتيهما أبعد ما بين السماء والأرض # فالحكمة موجودة في جميع الأعمال وعللها قائمة لا يعلمها إلا أهلها وهم ~~قوم تخلصت قلوبهم من ظلمة الشهوات وخرجوا إلى البرهان العظيم وإلى النور ~~الأعظم # وأما المتشابه فأسرار الله التي طواها عن العباد وأسرار الرسل التي ~~أفضاها إليهم وطواها عن العباد وأسرار الأولياء التي أفضاها إليهم ms513 وطواها ~~عن سائر الموحدين فهذه أشياء قد اشتبه على الخلق لعجزهم عن احتمالها ~~فالمقتصر على محكمه لا يتعدى إلى ما شبه عليه بل يقتصر عنه على المحكم فإن ~~الحاجة به إلى المحكم والمتشابه زينة المحكم طواها الله عن العباد لعجزهم ~~عن احتمالها حتى إذا انكشف # PageV03P207 # الغطاء وتبحبحوا في دار الملك وزال عنهم رق العبودة وصار الأمر جهرا ~~وزاروا الله في داره طرقهم النظر إليه واحتمال لذة كلامه أفضى إليهم ~~الأسرار التي طواها عنهم قال ابن عباس (رضي الله عنهما) : تلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {قال رب أرني أنظر إليك} فقال: # (قال يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا ~~تفاق إنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم) فقد ~~أعلمك سبب عدم الرؤية في دارالفناء وألقى عذره إلى موسى حيث قال {ولكن انظر ~~إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} # فحل بموسى من الصعق ما حل بالجبل من الدك ما حل يعلمه أنه لا يطيقه ~~احتماله ولذلك قال (تبت إليك) لأنه سأله ذلك من دار فانية قذرت بالشرك ~~والمعاصي لشفوفه بربه وزلة عقله فلطف الله له إلى أن ألقى إليه عذره في ترك ~~إجابته وألجأه إلى التوبة إذ تبين له حتى فزع إلى التنزيه له وإلى التوبة # وذهب قوم من الغلاة المعطلة إلى أن الله تعالى لا يرى في الدنيا ولا في ~~الآخرة واحتجوا بقوله تعالى {لا تدركه الأبصار} وزعمت أن هذه صفة من صفاته ~~فلا تنسخ ولا تتغير صفته فيكون في الدنيا بخلاف ما في الآخرة # فلما قيل لهم فمن عطل صفة من صفاته أليس قد انقطع نظام توحيده لأن العباد ~~وحدوا ربا بجميع صفاته فإذا عطلت صفة فقد # PageV03P208 # خرجت من توحيده أفتزعمون أنه حين سأل الرؤية انقطع النظام وعطل صفة من ~~صفاته # ففزعوا من هذا القول والتجأوا إلى أن موسى عليه السلام لم يسأل رؤية ~~العين وإنما سأل مشاهدة القلب فلما قيل لهم إن ms514 موسى عليه السلام قال {رب ~~أرني أنظر إليك} ولم يقل قلبي ينظر إليك وإن كان هذا السؤال للقلب فلم تجلى ~~للجبل قالوا إنما جعل في الجبل آية من آياته فتجلت الآية للجبل يقال له ~~يقول الله تعالى {فلما تجلى ربه للجبل} وأنت تقول آية من آياته كفى له بهذا ~~خزيا # PageV03P209 ### | - الأصل الخامس والأربعون والمائتان ### | في التعوذ من النفاق # عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تعوذوا بالله من خشوع النفاق) قيل يا ~~رسول الله وما خشوع النفاق قال (خشوع البدن ونفاق القلب) # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا ~~يعبث بلحيته في الصلاة فقال (لو خشع قلبه لخشعت جوارحه) # قال أبو عبد الله فخشوع القلب من المعرفة فكلما كان أوفر حظا من العلم ~~بالله والمعرفة بآلائه كان أخشع فأثقال المعرفة حلت بالقلب فأدت القلب إلى ~~ثلاث خشعة وخضعة وذلة فالذلة الحذر والخضعة اللين والخشعة الانكسار ~~والانحناء فهذه صفة القلب # وأما صفة النفس تحت أثقال القلب فلها الخمود مكان ذلة القلب # PageV03P210 # والانثناء مكان الخضعة والتهافت والتهاتر كالرمل مكان الخشعة كما وصف ~~الله تعالى في كتابه الجبال فقال {وكانت الجبال كثيبا مهيلا} أي رملا ينهار ~~ويتساقط # فإذا صارت النفس هكذا فصار القلب كما وصفنا بدءا فقد لزمه اسم الخشوع على ~~الحقيقة وذلك قوله تعالى {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} # ذهب الصوت وقوة ذرو الكلام وقال تعالى {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة} ~~أي ساقطة هامدة # فمن لم يكن في قلبه تراكم أثقال المعرفة فتخشع بأركانه فذاك نفاق لأنه ~~تماوت وهو حي فالتماوت مراءاة والرياء نفاق مرة يرائي الله تعالى فيبتغي ~~عنده بذلك جاها ومدحا ومرة يرائي عبيده يبتغي عندهم جاها ومدحا فيتخشع وليس ~~بخاشع ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم # إذا قام العبد بين يدي الله لا يتفرغ للعبث في الصلاة وإنه ms515 كما انتصب لله ~~جسده في الظاهر فقد انتصب قلبه في الباطن وكما رمى ببصره في الظاهر حيث يقع ~~من الخلقة فكذلك رمى ببصر قلبه إلى المقام الذي رتب له إن كان من أهل ~~المرتبة وإلا في متعبده إن لم يكن من أهل المرتبة # قال له قائل وأين المراتب # قال الصديقون مراتبهم من العرش على أصنافهم عسكر دون العرش # PageV03P211 # وعسكر على العرش وعسكر في الملكوت والخاصة في ملك الملك بين يديه فأبصار ~~قلوبهم هناك وأبصار وجوههم في مواقع الخلقة # قيل له وما مواقع الخلقة # قال إن العبد إذا أقام على الخلقة ثم رمى ببصره على الخلقة فأما يقع من ~~الأرض بمكان لو خر ساجدا لوقعت جبهته على تلك البقعة التي لو كان قائما ~~فرمى ببصره لم يتعد تلك البقعة ولم يقصر عنها وإذا ركع فرمى ببصره على ~~الخلقة فإنما يقع على موضع القدمين وإذا سجد فرمى ببصره فإنما يقع على موضع ~~الصدر منه وإذا قعد للتشهد فرمى ببصره فإنما يقع على رأس ركبتيه وطرف فخذيه ~~فهذا كله رمى ببصره حيث وقع ليس فيه تكلف ولا استعمال للبصر وإنما ~~الاستعمال في وقت النظر فهذا رمي خرج من سلطان البصر وليس بنظر والقلب رام ~~ببصره حيث وصفنا من العلى في مراتبهم مراتب الأولياء والصديقين ومن لم يكن ~~من أهل المراتب ففي متعبده بين العزة حيث استقر القرآن في وقت نزوله جملة ~~في شهر رمضان في السماء الدنيا فذاك محل المتعبد فمنها قبلوا القرآن بما ~~فيه من العبودة علم العباد هذه الصفة أو لم يعلموا فإنهم داخلون في هذا ~~الباب كما تجد المسلمين كلهم قد دخلوا في الميثاق يوم استخرجهم من الأصلاب ~~علموا أو لم يعلموا فإنما يجزون وتجزى أرواحهم ويحقق لهم بذلك الأشياء من ~~التقرب # ووجدنا للصلاة ثلاث مراتب عليها رتب أهل الصلاة وقد ذكرهم الله تعالى في ~~تنزيله فحافظون ومداومون وخاشعون # قال تعالى {الذين هم على صلاتهم يحافظون} الذين # PageV03P212 # هم على صلاتهم دائمون) وعدهم عليها الكرامة في الجنة فقال تعالى {أولئك ~~في ms516 جنات مكرمون} # وقال {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} فوعدهم على ذلك ~~الفلاح # والفلاح اسم ينتظم الكرامة والترقي في الدرجات والأخذ من الجنة بغير حساب ~~والأثرة في ذات الله والمحافظة على الوقت والمداومة على استعمال الأركان ~~بحدودها في الصلاة وهو أن لا يلتفت في وقت الانتصاب ولا يتمايل ويسكن ~~أطرافه ولا يستعمل منها شيئا إلا لضرورة وعلة مثل الترواح على إحدى القدمين ~~ومثل حل شيء من جسده لذباب يؤذي أو بعوضة تشغله عن الصلاة فتلك ضرورة أو ~~بزاق أو مخاط فهذه كلها علل يعذر فيها وإذا ركع سوى ظهره لركوعه فيكون ~~مقدمه كمؤخره وإذا سجد خوى وجخى التخوية إعطاء كل مفصل وعضو حظه من ~~الانتكاس للسجود والتجخية توقيا للانبساط ليكون كهيئة الساجدين لا كهيئة ~~المنبطحين على الأرض ببطونهم وصدورهم فإن تلك ضجعة أهل النار على وجوههم ~~فإذا جخى توقى تلك الهيئة وإذا خوى أراد تركيب السجود بعضا على بعض وإنما ~~سمي سجودا لتركيب الأعضاء بعضها على بعض وإذا رفع رأسه من الركوع لم ينحط ~~حتى يفصل الركوع من السجود بقيام كل عضو منه إلى مكانه وإذا سجد فرفع رأسه ~~لم يعد إلى السجدة الأخرى حتى يعود قاعدا كما كان ويرجع كل عضو منه إلى ~~مكانه فذاك إتمام الركوع والسجود وإذا قعد جثا على ركبتيه # PageV03P213 # ونصب اليمنى منه وافترش اليسرى معتمدا بجلسته عليها فالمداومة على الصلاة ~~ما وصفنا # وأما الخشوع فهو على القلب ومن عنده يبتغي فإذا لم يكن هناك فليس بخشوع ~~إنما هو مداومة فالمحافظة من الخشية والمداومة من الخوف والخشعة من التجلي ~~فإذا خشي القلب حافظ وإذا خاف داوم وإذا خشع فالأركان مستعملة في القبضة ثم ~~يتحول صفات الخشعة على اختلاف صور الأفعال فيها فأولها خشعة في صورة الأسر ~~ثم من بعدها خشعة الخدمة ثم من بعدها خشعة العبودة ثم من بعدها خشعة الرق ~~ثم من بعدها خشعة الحمد ثم من بعدها خشعة التعلق ثم من بعدها خشعة التضرع ~~والملق من الأمل الفسيح في خشعته لأنه قد ms517 جعل إلى ذلك سبيلا للأحباب وقال ~~تعالى في تنزيله {ادعوني أستجب لكم} # عن المطلب بن أبي وداعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الصلاة مثنى ~~مثنى وتشهد في كل ركعتين وتباؤس وتمسكن وتقع بيديك وتقول اللهم اللهم فمن ~~لم يفعل ذلك فهو خداج قوله تباؤس مأخوذ من البؤس وهو أن تفتقر إلى ربك ~~افتقار من كان ترابا فخلق بشرا والتباؤس والتخشع قريب أحدهما من الآخر ~~والله أعلم وأحكم # PageV03P214 ### | - الأصل السادس والأربعون والمائتان ### | في ما يقال عند النوم # عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ ~~فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ويمسح بهما ما ~~استطاع من جسده ويبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده ويفعل ذلك ثلاث ~~مرات # وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوذات # PageV03P215 # وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده رجاء بركتها # عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا آوى إلى فراشه نفث بكفيه بقل هو الله أحد ~~والمعوذتين ثم يمسح بهما وجهه وعضده وصدره حيث ما بلغت من جسده فلما اشتكى ~~أمرني أن أفعل ذلك به فكنت أقول أعطني كفيك أمسح بهما ببركتهما # قال يونس فكنت أرى ابن شهاب يفعل ذاك إذا آوى إلى فراشه # عن زياد بن سعد أن ابن شهاب حدثه عن عروة عن عائشة رضي الله عنه قالت كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات فمسح بيديه ~~فلما اشتكى وجعه الذي قبض فيه طفقت أنفث عليه بالمعوذات وأمسح عليه بيديه # قال أبو عبد الله ففي حديث عقيل يخبر ms518 أنه بدأ فنفث فقرأ كأنه دل على أن ~~النفث كان قبل القراءة وفي حديث مالك بدأ بذكر القراءة ثم النفث # وفي حديث يونس بدأ بذكر النفث بالقراءة لأنه قال نفث بقل هو الله أحد فلا ~~يكون هذا النفث إلا بعد القراءة وإذا فعل الشيء بالشيء كان ذلك الشيء مقدما ~~حتى يأتي الشيء الثاني فقال في حديث يونس نفث بقل هو الله أحد دل على أن ~~القراءة مقدمة ثم نفث ببركتها لأنه يبتغي من قراءة هذه السور أن يصل إلى ~~الجسد # PageV03P216 # نورها وبركتها ولا يقدر على الإيصال إلا بمثل هذا وذلك أن العبد إذا قرأ ~~استنار صدره بنور ذلك الكلام الذي يتلوه كل قارئ على قدره فإذا نفث فإنما ~~ينفث من الصدر فالنفث من الروح والنفخ من النفس # وعلامة ذلك أن الروح بارد والنفس حار وإذا قال بف خرجت الريح باردة فذاك ~~من برد الروح وإذا قال هاه خرجت الريح حارة فتلك من النفس فالأولى نفثة ~~وهذه الثانية نفخة وإنما صار هكذا لأن الروح مسكنها في الرأس ثم هي منفث في ~~جميع الجسد والنفس مسكنها في البطن ثم هي منفشة في جميع الجسد وفي كل واحدة ~~منهما حياة بها يستعمل الجسد بالحركات فالروح سماوي والنفس أرضية والروح ~~عادتها الطاعة والنفس عادتها الشهوات فإذا ضم شفتيه اعتصرت الروح في مسكنها ~~فإذا قصد لإرسالها خرجت على شفتيه مع البرد فذاك النفث وإذا فتح فاه ~~فاعتصرت النفس فإذا أرسلت خرجت ريح حارة وإنما جاء الخبر بالنفث لأن الروح ~~أسرع نهوضا إلى نور تلك الكلمات وأوفر حظا من النفس والنفس ثقيلة بطيئة ~~عاجزة فأدى الروح إلى الكفين بذلك النفث ريحا قد باشرت أنوار الصدر التي ~~أنارتها تلك الكلمات وأشعلتها بما جاء من المزيد فإن في كل كلمة منها نورا ~~وفي كل حرف من تلك الكلمة نورا فإذا صارت الريح إلى الكفين بالنفث مسح بهما ~~وجهه وما أقبل من جسده ثم بعد ذلك حيث ما بلغ من جسده لأن الحق للوجه لأن ~~الصورة فيه ثم الحق ms519 من بعد ذلك لما أقبل من الجسد لأن قبالة المؤمن حيث ما ~~كان فهو لقبالة الله وكذلك قلبه في الباطن فالحق له في النفث أن يبدأ ~~بالوجه ثم بما أقبل من جسده وتفاوت النغثات من أهلها على قدر نور قلوبهم ~~وعلمهم بتلك الكلمات فإذا فعل ذلك بجسده عند إيوائه إلى فراشه كان كمن ~~اغتسل بأطهر ماء وأطيبه # PageV03P217 # فما ظنك بمن يغتسل بأنوار كلمات الله تعالى وكان ذلك أيضا كثوب نفض من ~~غباره وخلص من شوكه وتباعد من الزهومات فعاد طريا طيبا فخرجت نفسه إلى الله ~~في منامه كذلك هذا سوى الاستغفار والتوبة والتسبيح والدعاء الذي أشار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للأمة عند منامهم وإنما اختار هذه القلات الثلاث ~~لأن في إحداهن مدحة الله تعالى ونعته فبه يطهر وينزه ويطيب وبالمعوذتين ~~يتخلص من الشرك ولأن على ابن آدم عدوين عظيمي المؤنة النفس والشيطان يأتيان ~~بالشك والشرك في اليقظة ويأتيان بالعين الحاسدة التي تهدم أركان النعمة # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العين حق وأكثر من يموت من أمتي ~~بعد قضاء الله بالنفس وإنما صار هكذا لأن هذه الأمة أيدت باليقين وفضلت به ~~وطريقهم إلى الله تعالى واسعة فطولبوا بما فضلوا أن ينسبوا كل شيء ~~يستحسنونه إلى خالقه ويبركوا فيقولوا تبارك الله فإذا تركوا ذلك إعجابا ~~بذلك الشيء تهافت ذلك الشيء وذهب حسنه وهلك # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم حيث سبق ناقة الاعرابي ناقة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حيث استبقا فقال حق على الله أن لا يرفع الناس أعينهم إلى ~~شيء إلا وضعه الله # PageV03P218 # وإنما ذم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك العيون الغافلة عن الله تعالى ~~فسماها حاسدة فقال {ومن شر حاسد إذا حسد} # فإنما سمي حاسدا لأنه يحصد الأشياء حصدا ويستأصلها بسوء نظرته العاجزة عن ~~الله تعالى والسين والصاد يعتقبان يجزئ أحدها عن الآخر كقولك صراط وسراط # فإن قال قائل فإن كان هذا الناظر بغفلته هو الجاني فما بال المنظور إليه ~~لحقته ms520 العقوبة قيل ليس له ذا عقوبة ولكن هذا تدبير الله تعالى في عباده ألا ~~يرى أن الساحر يسحر بأخذته فيخلص الضرر إلى من سحره حتى يعالج # وكذلك فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزلت عليه المعوذتان فكان ~~جبرائيل عليه السلام يقرأ كل آية ويحل عقدة وذلك قوله تعالى {ومن شر ~~النفاثات في العقد} # فالساحر يعقد وينفث فيؤخذ بها أعضاء من يقصده بذلك فكذلك هذا يخلص إليه ~~ضرر نظرته المشوبة بالإعجاب حتى يأخذه # عدنا إلى حديث يونس عن الزهري قلنا فمن اتخذ هذا الفعل عندما يأوي إلى ~~فراشه عادة رأى النفع الظاهر في جسده وسائر أموره لأن النفس تعرج إلى الله ~~في منامها مع البركة والطهارة والنزاهة والتخلص من الشرك بقراءة هذه السورة ~~فتسجد تحت العرش وهي بهذه الصفة قد اغتسلت بهذه الأشياء فتنال من حباء الله ~~وكرامته ما ترجع به إلى الجسد بالخير الكثير والمزيد الشافي وإذا عرجت إلى ~~الله تعالى بغير هذه الصفة سجدت وهي خالية عن هذه الأشياء فينال من الحباء ~~والكرامة على قدره # PageV03P219 # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال تعرج الأرواح إلى الله تعالى في ~~منامها فما كان طاهرا يسجد تحت العرش وما لم يكن طاهرا يسجد قاصيا فلذلك ~~يستحب أن لا ينام الرجل إلا وهو طاهر # قال أبو عبد الله فإنما ذكر عبد الله بن عمرو في حديثه الأرواح وإنما هي ~~النفوس وقد يسمي الشيء باسم قرينه كما قيل قلب وفؤاد فالقلب ما بطن والفؤاد ~~ما ظهر وفيه العينان والأذنان والخروج من منامها للنفوس وذلك قوله تعالى ~~{الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها ~~الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال إن النفوس تعرج إلى الله تعالى في ~~منامها فما كان طاهرا سجد تحت العرش وما كان غير طاهر تباعد في سجوده وما ~~كان جنبا لم يؤذن لها في السجود # قال أبو عبد الله فإذا كان بطهارة الوضوء ms521 ينال القربة تحت العرش حتى يسجد ~~هناك فكيف إذا أتى بطهارة وتوضأ ونزه وطاب وطهر بأنوار كلام الله تعالى ~~التي ترددت في صدره ونفث منها على جسده إن هذه لسجدة لها عند الله خطر عظيم # PageV03P220 ### | - الأصل السابع والأربعون والمائتان ### | في حسن الخلق # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصوم والصلاة # فدرجة الصوم درجة الصابرين ودرجة الصلاة درجة الشاكرين فإذا وصل العبد ~~إلى درجة الشاكرين والصابرين فقد جمع الإيمان كله وذلك قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الإيمان نصفان نصف للشكر ونصف للصبر # وإذا جمع العبد الإيمان كله انقطع بقوة هذا الإيمان إلى الله تعالى وإذا ~~انقطع إلى الله نجا من شرور النفس وخدعها وأمانيها وصار في معاذ الله من ~~وساوسها # PageV03P221 # روى عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (من انقطع ~~إلى الله كفاه مؤنته ورزقه من حيث لا يحتسب) # وبذلك أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال {واذكر اسم ربك وتبتل ~~إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} # فمن تمسك بهذه الآية عاش حرا كريما ومات حرا كريما ولقي الله تعالى عبدا ~~صافيا خالصا # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث الرؤيا ورأيت رجلا ~~من أمتي بينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأدخله على الله تعالى # فهذا يحقق ما قلنا بدءا إن حسن الخلق يؤديه إلى الله انقطاعا عن النفس ~~وفتنتها وحسن الخلق على ثلاث منازل أول منزلة منها أن يحسن خلقه مع أمره ~~ونهيه ويأمر يأتمر وينتهي عن مناهيه فإذا أحكم هذا تخطى إلى المنزلة ~~الثانية وهو أن يحسن خلقه مع جميع خلقه على سبيل المساعدة والمقاربة ~~والمساهلة واللين والرفق والمواتاة والمواراة ومعاشرة الجميل فإذا حكم هذا ~~تخطى إلى المنزلة الثالثة وهو أن يحسن خلقه مع تدبير الله تعالى في كل ~~أموره فلا يريد إلا ما يريد ms522 الله ولا يشاء إلا ما يشاء الله # فعينه مادة إلى ما يبرز له ساعة فساعة من حجاب الملكوت من تلك الغيوب من ~~تدبيره فيتلقاه مهتشا راضيا وقد ائتمن الله على نفسه وأحوالها فهذا رجل قد ~~استكمل حسن الخلق واستراح قلبه واطمأنت نفسه واستقامت جوارحه وألقى إلى ~~الله بيديه سلما ووجدته كافيا كريما حسنا مولى وناصرا فنعم المولى ونعم ~~النصير # PageV03P222 # وإذا قال حينئذ حسبي الله صدقه على عرشه وإذا قال كفى بالله وكيلا كفاه ~~الله وإذا توكل على الله هيأه له وإذا اتكل على كرمه وفى له بما هو سأله ~~ولو كان ذلك طي الأرض والمشي في الهواء ولو سأله يوم القيامة أمة لشفعه ~~فيهم وكان مسكنه في أعلى الجنان يحقق ما قلناه قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من ترك الكذب وهو باطل بني له في ربض الجنة ومن ترك المراء وهو محق ~~بني له في وسطها ومن حسن خلقه بني له في أعلاها # فالذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الدرداء رضي الله ~~عنه إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم وهو عندنا درجة المعاشرة ~~مع خلقه مع الائتمار بأمره والتناهي عما نهى عنه فهذا عبد نزل من حسن الخلق ~~درجتين فصار كمن صام نهاره وقام ليله فهو صابر شاكر وإنما بقيت الدرجة ~~العليا فتلك درجة المنفردين خاصة الله # PageV03P223 ### | - الأصل الثامن والأربعون والمائتان ### | في الصبر عند المرض # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مرض ~~ليلة فصبر ورضي بها عن الله خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه # قال أبو عبد الله جاد العبد بنفسه على الله ليلة واحدة فجاد الله عليه ~~بمغفرة طهرته من جميع الذنوب فصار كمن لا ذنب له فهكذا شأن الكريم مع ~~المؤمنين هذا فيمن جاد عليه بليلة فكيف بمن جاد عليه في جميع عمره بماذا ~~يجود عليه يجود عليه غدا بوجهه الكريم حتى يصير بالصفة التي ذكرها في ~~تنزيله عندما ذكر ms523 لظى نعوذ بالله منها {وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله ~~يتزكى} إلى قوله {ولسوف يرضى} أي ابتغى بهذا التقوى والصفاء # PageV03P224 # والإخلاص أن يلقى وجهه الكريم قلبا ويلقاه غدا في الموقف رؤية ويلقاه في ~~الفردوس نظرا وذلك منتهى المنى # والنظر أكثر من الرؤية لأنه يراه في الموقف رؤية الديان عرضا وقبولا ~~وجزاء وفي الفردوس رؤية الحنان نظرا وبهجة وسرورا ولذة ثم ختمه بقوله ~~{ولسوف يرضى} أي يعطى حتى يرضى وإنما يعطى ما يعقل العبد ثم بين وراء ذلك ~~ما لم يعقله # عن جابر بن عبد الله أظنه رفعه قال يقول الله تعالى يا أهل الجنان بقي ~~لكم شيء لم تنالوه فيقولون وما هو يا ربنا فيقول رضواني # فالرضوان آخر ما ينال أهل الجنة لا شيء أكبر منه ذكر الله جنات عدن في ~~تنزيله ثم قال {ورضوان من الله أكبر} # فكل عبد من أهل الجنة حظه من الرضوان هناك فيها على قدر جوده بنفسه على ~~الله في الدنيا ألا ترى إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الحديبية حيث بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت وكانت البيعة ~~تحت الشجرة في ذلك الوادي أنزل الله تعالى {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا ~~قريبا} الآية # أوجب لهم الرضاء في بذلة واحدة بذلوا نفوسهم لله تعالى مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فكيف بمن بذل نفسه في جميع عمره لله فمن أوجب الله له ~~الرضاء عنه في الدنيا فحظه في الجنة الرضوان كله # PageV03P225 ### | - الأصل التاسع والأربعون والمائتان ### | في مسألة التثبيت للميت عند الدفن # عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~دفن ميتا وقف وسأل له التثبيت وكان يقول ما يستقبل المؤمن من هول الآخرة ~~إلا والقبر أفظع منه # قال أبو عبد الله رحمه الله فالوقوف على القبر وسؤال التثبيت للمؤمن في ~~وقت دفنه مدد للميت بعد الصلاة لأن الصلاة ms524 بجماعة المؤمنين كالعسكر له قد ~~اجتمعوا بباب الملك فيشفعون له والوقوف على القبر لسؤال التثبيت مدد العسكر ~~وتلك ساعة شغل المؤمن لأنه يستقبله هول المطلع وسؤال وفتنة فتاني القبر ~~منكر ونكير فإنما سميا فتاني القبر لأن في سؤالهما انتهارا وفي خلقهما ~~صعوبة ألا ترى أنهما سميا منكرا ونكيرا فإنما سميا بذلك لأن خلقهما لا يشبه ~~خلق الآدميين ولا خلق الملائكة ولا خلق طير ولا خلق البهائم ولا خلق # PageV03P226 # الهوام بل هما خلق بديع وليس في خلقهما أنس للناظرين إليهما خلقهما الله ~~تعالى مكرمة للمؤمنين وتبصرة وهتكا لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث ~~حتى يحل عليه العذاب وإنما صارت مكرمة للمؤمن لأن العدو لم ينقطع طمعه بعد ~~فهو يتخلل السبيل إلى أن يحيره في البرزخ # ومما يحقق ذلك ما روى سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال حضرت عبد الله بن ~~عمر في جنازة فلما وضعه في اللحد قال بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول ~~الله فلما أخذ في تسوية اللحد قال اللهم أجره من الشيطان ومن عذاب القبر ~~ومن عذاب النار فلما سوى الكثيب عليه قام جانب القبر ثم قال اللهم جاف ~~الأرض من كثيبها وصعد روحه ولقه منك رضوانا فقلت لابن عمر أشيئا سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أم شيئا قلته من تلقاء نفسك قال إني إذا ~~لقادر على القول بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم # عن عمرو بن مرة قال كانوا يستحبون إذا وضع الميت في اللحد أن يقال اللهم ~~أعذه من الشيطان الرجيم فإنما كانوا يتخوفون من فتنة الفتانين من قبل العدو ~~وأنه يشبه على من كان في قلبه زيغ أيام الحياة فروي عن سفيان الثورى أنه ~~قال إذا سئل الميت من ربك تراءى له الشيطان في صورة فيشير إلى نفسه أي أنا ~~ربك فهذه فتنة عظيمة جعلها الله مكرمة للمؤمن إذا ثبته ولقنه الجواب فلذلك ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بالثبات يقول اللهم ms525 ثبت عند المسائل ~~منطقه وافتح أبواب السماء لروحه # فلو لم يكن للشيطان هناك سبيل ما كان ليدعو له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأن يجيره من الشيطان وإنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصة لأن الأمم ~~قبلها كانت الرسل تأتيهم بالرسالة فإذا أبوا كفت الرسل فاعتزلت # PageV03P227 # وعوجلوا بالعذاب فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بعثه بالرحمة ~~وأمانا للخلق فقال {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} # فأمسك عنهم العذاب وأعطى السيف حتى يدخل في الإسلام من دخل لمهابة السيف ~~ثم يرسخ في قلبه فأمهلوا فمن ههنا ظهر أمر النفاق فكانوا يسرون الكفر ~~ويعلنون الإيمان فكانوا بين المسلمين في ستر فلما ماتوا قيض لهم فتانا ~~القبر ليستخرجا سرهم بالسؤال فروي في الحديث أنه إذا سئل عن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قال لا أدري فيضرب بالمقامع فيقال له لا دريت و {يثبت الله ~~الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} # عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأمة ~~تبتلى في قبورها # وأما قوله ما يستقبل المؤمن من هول الآخرة إلا والقبر أفظع منه فهذا ~~للمؤمن خاصة وأما الكافر فما يستقبله من شيء إلا وهو أفظع من ما مضى لأن ~~المؤمن كلما قرب من ربه تيسر عليه الأمر وكان أقرب إلى الرحمة فإنما يحاسب ~~المؤمن في القبر ليكون أهون عليه غدا إذا وقف بين يديه لأن الله تعالى أنزل ~~عبده المؤمن من نفسه أنه يستحيي منه وأنه أوجب له محبته ورحمته ورأفته فإذا ~~كانت # PageV03P228 # هذه منزلته منه وكان من العبد جفاء وانتهاك شيء حرمه الله أو اغترار بقول ~~العدو ويستوجب بذلك العقوبة ليرضى الحق أناله ذلك في القبر ليمحصه فيخرج من ~~القبر وقد اقتص منه وأرضى الحق # عن حذيفة رضي الله عنه قال في القبر حساب وفي الآخرة حساب فمن حوسب في ~~القبر نجا ومن حوسب في القيامة عذب ولذلك ما روي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن أهل التوحيد ms526 الذين تأخذهم النار يميتهم الله إماتة حتى تحرق ~~النار منهم ما تحرق ثم يحييهم فينجيهم # عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فلا نعلم ~~الإماتة سببا أكشف عن المعنى من الذي ذكرنا أن الله تعالى بعدما أوجب لعبده ~~محبته ورأفته ورحمته وبذلك جعله أهلا للكلمة العليا لا إله إلا الله وكان ~~ممن دخل اسمه في الآية في التنزيل حيث يقول {وألزمهم كلمة التقوى} ثم قال ~~{وكانوا أحق بها وأهلها} # فمن دخل اسمه في هذا المديح وفي مثل هذه المرتبة ثم حبسه في النار حقوق ~~الله تعالى حتى يحترق منها ما يرضي الحق كان غير مدفوع أن الله عز وجل ~~يستحيي من العبد فيميته في تلك النار حتى يقضي للحق ما وجب له ويرضيه ثم ~~إذا أحياه أنجاه # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يستحيي من عبده ~~وأمته أن يشيبا في الإسلام شيبة فيعذبهما بالنار وفي حديث # PageV03P229 # آخر إن الله تعالى ليستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا # PageV03P230 ### | - الأصل المائتان والخمسون ### | في بر الوالدين # عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال إني رأيت البارحة عجبا رأيت ~~رجلا من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرده عنه # قال أبو عبد الله فبر الوالدين شكر لأنه قال تعالى {أن اشكر لي ولوالديك ~~إلي المصير} فإذا برهما فقد شكرهما وقد قال في تنزيله {لئن شكرتم لأزيدنكم} # فإنما وجد العبد العمر من ربه في وقت انفصاله من أمه وقد كان في البطن ~~حياة ولم يكن عمر فلما خرج أعطى العمر بمقدار # PageV03P231 # فإذا وصل والديه ببر كان قد وصل الرحم الذي منه خرج والصلب الذي منه جرى ~~وكان في فعله ذلك شاكرا فزيد من ذلك العمر الذي شكر من أجله فرد عنه ملك ~~الموت يوهمك في هذا الحديث أن العباد ms527 إذا وصلوا أرحامهم زيد في أعمارهم ~~لأنهم بالصلة صاروا شاكرين فشكر الله لهم ووفى لهم بما وعد في تنزيله فقال ~~{لئن شكرتم لأزيدنكم} فزاد في أعمارهم # عن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيد في ~~العمر إلا البر ولا يرد القضاء إلا الدعاء وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب ~~الذي يصيبه # ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوءه فاستنقذه من ذلك # قال أبو عبد الله فعذاب القبر من البول والنجاسات # كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عامة عذاب القبر من البول ~~والنميمة # وإنما صار كذلك لأن البول من معدن إبليس من جوف الآدمي فإذا لم يتنزه ~~العبد من ذلك دخل قبره بنجاسات العدو فعذب في # PageV03P232 # القبر وعذاب المؤمنين في البرزخ وعذاب الكفار في القيامة جعل الله هذا ~~الماء طهورا يطهر نجاسات الدنيا وأدناس الذنوب فإذا كان العبد مداوما على ~~الوضوء فهو أبدا في إزالة الأدناس ونفض الغبار عن دينه وإذا كان يوم البرزخ ~~وجاء العذاب عذاب الأدناس التي اكتسبها بالسيئات جاءه وضوءه فاستنقذه من ~~العذاب # عن ميمونة رضي الله عنها إنها قالت يا رسول الله أفتنا عن عذاب القبر قال ~~من أثر البول فمن أصابه منه شيء فليغسله بماء فإن لم يصبه أو يجده فليمسحه ~~بتراب طيب # قال أبو عبد الله رحمه الله فالغسل لما يعلمه فإذا خفي عليه أن يكون ~~أصابه شيء وخاف من حيث لا يدري وهابه ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من شأن عذاب القبر دله على التيمم وذلك أن الجهل به ضرورة وفقد الماء ~~ضرورة وقد تفضل الله عز وجل على عبيده عند فقد الماء بالتيمم فصير طهورا ~~فكذلك في حال الشك والتخوف # عن جابر رضي الله عنه قال لما توفي سعد بن معاذ رضي الله عنه ووضع في ~~حفرته سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبح القوم ثم كبر وكبر القوم معه ~~فقالوا يا رسول الله ms528 مم سبحت قال هذا العبد الصالح لقد تضايق عليه قبره حتى ~~فرجه الله عنه فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال كان يقصر في ~~بعض الطهور من البول # PageV03P233 # ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم # قال أبو عبد الله فالشيطان وجنوده قد أعطوا السبيل إلى فتنة الآدمي ~~وتزيين ما في الأرض له طمعا في غوايته وقد قال {بما أغويتني لأزينن لهم في ~~الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} # فلو لم يجعل بيده شيء ما قدر على أن يزين ولكن قد أعطي سلطانا بتلك ~~الزينة التي أعطيها حتى يوصلها إلى النفوس ويهيجها تهييجا يزعزع أركان ~~البدن ويستفز القلب حتى يزعجه عن مستقره فلا يعتصم الآدمي بشيء أوثق ولا ~~أحصن من الذكر لأنه إذا هاج الذكر من القلب هاجت الأنوار فاشتعل الصدر بنار ~~الأنوار وهيج العدو من نفسه نار الشهوات بنفثه ونفخه ونار الأنوار تحرق نار ~~الشهوات وتحرق العدو فإذا رأى العدو هيج الذكر من القلب ولى هاربا ويترك ~~النفخ والنفث وخمدت نار الشهوة وامتلأ الصدر نورا فبطل كيده وذلك قوله ~~تعالى {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا} # وقال جل اسمه في التنزيل {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من ~~كل شيطان مارد} وقال {إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب} # فهذه قصة السماء حرسها بشهب الكواكب ثم جعل صدور المؤمنين # PageV03P234 # كذلك فجعل قلب المؤمنين خزانة لكنوز معرفته وجعل أعلام الكنوز في الصدر ~~مرفوعة لعين الفؤاد حتى يؤم عين الفؤاد العلم الذي رفع له في كل وقت علم ~~لأن الكنوز أنواع ولكل نوع علم فإنما يرفع العلم في الصدر لعين الفؤاد حتى ~~يتبع العلم فالأعلام زينة الصدر ومصابيحه فهؤلاء حراس السماء يحرسون أخبار ~~السماء حتى لا يسترق العدو سمع ما في السماء فإذا دنوا للسمع رموا بشهب ~~الكواكب وهؤلاء حراس الخزنة يحرسون كنوز المعرفة حتى لا يسترق العدو سمع ما ~~في الصدر تراءى لعين الفؤاد وتدبير ذات ms529 الصدور فإذا هاج الذكر فإنما يهيج ~~من هذه الأعلام التي في الصدر من تلك الكنوز التي في القلب فاشتعل القلب ~~نورا ولكل شعلة حريق فإن تراءى العدو في ذلك الوقت أحرقته تلك الشعلة يرمي ~~بشعاعها ويهرب العدو ويتخلص العبد فعلم العدو أن لله عبادا قد امتحنهم ~~للتقوى واستخلصهم للكرامة واستثناهم فقال {إلا عبادك منهم المخلصين} # فإنما استخلصهم الله بالذكر فأصفاهم ذكرا وأطيبهم معدنا للذكر أقواهم على ~~العدو والعدو أشد نفارا منهم # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان ليفر من حس عمر وما ~~رأى الشيطان عمر إلا خر لوجهه # وقال تعالى في تنزيله {الوسواس الخناس} # فإنما سماه خناسا لأنه إذا جاء الذكر انخنس وذهبت قوته وإن تعرض في ذلك ~~الوقت احترق # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحيى بن زكريا عليهما السلام # PageV03P235 # أمر بأن يأمر قومه بخمس خصال ويضرب لهم مثلا فقال رجل أتى العدو من ناحية ~~فقاتله فلما رأى أنهم أتوه من النواحي دخل الحصن وأغلق بابه فاستقر آمنا في ~~الحصن وبقي العدو خارجا # فالعبد إذا قاتل الشيطان بنوع من أنواع البر جاءه من نوع آخر فإذا جاء ~~الذكر هرب وتركه لأن للذكر نورا يحرق وليس لأعمال البر تلك القوة التي ~~يحترق منها العدو # ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من ~~أيديهم # قال فالعذاب إنما يقصد العبيد الاباق الذين هربوا وذهبوا برقابهم من الله ~~وأهل الصلاة كلما أبقوا عادوا إلى الله في وقت كل صلاة فوقفوا بين يديه ~~تائبين نادمين معتذرين مسلمين نفوسهم مجددين لإسلامهم يقرضونه بالتكبير ~~والتسبيح والتحميد والتهليل والركوع والسجود والرغبة والضرع إلى الله في ~~التشهد فسقطت عنهم عيوب إباقهم وهربهم وزالت عنهم العقوبات التي استوجبوها # ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما ورد حوضا منع فجاءه صيامه فسقاه ~~وأرواه # قال أبو عبد الله فهذا عبد اتبع هواه وأمعن في شهواته حتى بعد من الرحمة ~~فإذا بعد القلب من الرحمة عطش وإذا عطش يبس وإذا يبس ms530 قسا ولذلك قال {فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله} وقال {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ~~أو أشد قسوة} # PageV03P236 # فبالرحمة يرطب القلب ويروى وببعده من الرحمة يعطش فأورثه عطش القلب عطش ~~يوم القيامة حتى رآه النبي صلى الله عليه وسلم في منامه في القيامة في تلك ~~الحالة فإذا ترك العبد إتباع الهوى وامتنع من الشهوات عادت الرحمة إليه ~~فروي لأن برد الرحمة يسكن حرارة الشهوة التي تؤدي إلى العطش والصيام هو ترك ~~الشهوات والمنى ورفض الهوى وإنما جعل الحوض حوض الرسول غياثا لأهل الموقف ~~لأنهم يقومون عطاشا من قبورهم لأنهم دخلوها مع الهوى والشهوات لم يفارقوها ~~إلا بمفارقة الروح وخروج النفس فخرجوا من الدنيا عطاشا فاحتاجوا إلى الحوض ~~ومن خرج من الدنيا وفارق الهوى والشهوات سكن عطشه وروي برحمة الله من قرب ~~الله فدخل القبر ريان وخرج منها إلى الله يوم القيامة ريان من كل ماء عطشان ~~إلى الله فأولئك الذين يسقون قبل دخول الجنة حتى يرووا من حيث عطشوا # روي عن مالك بن دينار أنه قال ينادي مناد يوم القيامة أين أهل العطش فأول ~~من يقوم داوود عليه السلام فيسقي على رؤوس الخلائق فذلك قوله تعالى {وإن له ~~عندنا لزلفى وحسن مآب} # وإنما خص داوود عليه السلام بذلك لأن الخطيئة عطشه فهو وإن تاب وقبلت ~~توبته وغفر الله له فذلك العطش باق إلى ذلك اليوم # ورأيت رجلا من أمتي والنبيون قعود حلقا حلقا لما دنا إلى حلقة طرد فجاءه ~~اغتساله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي # قال أبو عبد الله فالجنابة إنما سميت جنابة لأن الماء الذي جرى من صلبه ~~قد كان جاور في الأصل مياه الأعداء في ظهر آدم عليه # PageV03P237 # السلام) فأصابته زهومة تلك المياه بجواره وممره من الصلب إلى مستقر العدو ~~في الجوف ومستقره من المعدة إلى موضع الحدث هو كله معدنه وإذا خرج من العبد ~~في يقظته أوجب غسلا وإذا خرج في منامه حلما أوجب غسلا وإذا أخرج منه عند ~~خروج الروح منه ms531 يوم الموت أوجب غسلا بعد الموت ولذلك يغسل الميت ولا يصلى ~~عليه حتى يغسل كما كان الحي لا يجزيه الصلاة إلا بعد الغسل والغسل تطهير من ~~أثر العدو والجنب ممنوع من قراءة القرآن ومن أن يمسه بيده ومن أن يتخذ ~~المساجد مجلسا لأن الطهارة مفقودة وآثار العدو موجودة فإذا كان هكذا فهو ~~ممنوع من حلق النبيين ومجالسهم في الموقف لأن حلقهم في الموقف على مراتب ~~فالرسل مراتبهم معلومة والأنبياء دونهم كل صنف على مرتبته فهذا الجنب لو لم ~~يكن يغتسل في الدنيا لمنعه فقد طهارته عنهم فلما اغتسل في الدنيا صارت ~~منزلته بطهارته بحيث صلح وجاز أن يقعد إلى سيد الرسل صلى الله عليه وسلم ~~ولما كان أصل الجنابة من الفرج وجد المغتسل السبيل إلى أصل الفرج وهو محمد ~~صلى الله عليه وسلم # ورأيت رجلا من أمتي من بين يديه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن ~~فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من ~~الظلمة وأدخلاه النور # قال أبو عبد الله رحمه الله قد وعد الله تعالى في تنزيله في شأن الحج حط ~~الآثام عنه فقال {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} # أي يرجع مغفورا له قد سقط عنه الآثام فتلك الظلمات كانت آثام العبد فإذا ~~قضى حجه وفى الله له بما وعد # PageV03P238 # وأما العمرة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم روي عنه أنه قال العمرة ~~الحج الأصغر # ورأيت رجلا من أمتي يكلم الناس ولا يكلمونه فجاءته صلة الرحم وقالت يا ~~معاشر المسلمين كلموه فكلموه # قال أبو عبد الله فالرحم أصل المؤمنين كلهم فمن تمسك بصلته فقد أرضى ~~المؤمنين كلهم ما بينه وبين آدم عليه السلام ومن تهيأ له صلة الرحم تهيأ له ~~إرضاء المؤمنين كلهم ومن كان قاطعا للرحم آيس المؤمنون من خيره ولذلك ما ~~روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الرحمة لا تنزل على قوم ~~فيهم قاطع رحم # قال ms532 وإنما صار هكذا لأن الرحمة منقطعة عنه وهو في سخط الله وإن الله خلق ~~الرحم بيده وشق لها اسما من اسمه فقال أنا الرحمن وأنت الرحم خلقتك بيدي ~~وشققت لك اسما من اسمي # ثم أرسل حواشي قميص الرحمة من العرش ليتعلق الخلق بها فمن وصل الرحم فقد ~~تعلق بحاشية القميص ومن قطعها قصرت يده عن حاشية القميص فانقطع عن رحمة ~~الله ولم يبق له إلا رحمة التوحيد فهذا الواصل للرحم كان رجلا قد عمل ~~السيئات الكثيرة وضيع الحقوق وحسن سيرته في هذه الخصلة الواحدة فلما وصل ~~الرحم نالت يده حواشي القميص فتعلق بها فنال الرحمة فجاءته الصلة فأخبرت ~~المؤمنين في القيامة كلموه معناه أنه دخل في رحمة الله التي يرحم بها ~~المؤمنين وصاروا كلهم له بعد أن كانوا عليه # PageV03P239 # ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه فجاءته صدقته ~~فصارت سترا على وجهه وظلا على رأسه # قال أبو عبد الله رحمه الله فالصدقة إنما صارت سترا للمؤمنين من النار ~~لأنه إذا تصدق فإنما يفدي نفسه ويفل غرامة جنايته # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحيى بن زكريا عليهما السلام ~~أمر قومه بالصدقة فضرب لها مثلا فقال كمثل رجل قتل قتيلا ثم هرب فسأله ~~أولياؤه أن يجعلوا دية القتيل عليه نجوما ففعلوا لوا فأداها نجما نجما ففك ~~رقبته وصار إلى أهله مطمئنا فالنار إنما تطلب وجوه الجفاة في الموقف ~~لتلفحها فإذا أدى الجاني غرمه صار الأداء سترا على الوجه وظلا على الرأس ~~وهكذا شأن الفدية تأخذ بالحذاء ومن فوق فتقيك بنفسها من كل ناحية # ورأيت رجلا من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان فجاءه أمره بالمعروف ~~ونهيه عن المنكر فاستنقذاه من أيديهم فأدخلاه مع ملائكة الرحمة # قال أبو عبد الله رحمه الله فالزبانية شرط الملائكة والشرط لمن جاهر ~~بالمعاصي من أهل الريب يلتمسونهم في الطرق والمسالك ليأخذوهم فمن استتر ~~بستر الله وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو وإن استعمل أعمال أهل الريب ~~بعد أن ms533 يكون مستورا لا ينتهك فالشرط في الدنيا منتهون عن أخذه غير ملتمسين ~~أشباه هؤلاء لحرمة ذلك الستر فكذلك في الآخرة إذا طلبت الزبانية في عرصة ~~القيامة أهل المجاهرة بالمعاصي فوقع هذا المستور في أيديهم نفعه ذلك النهي # PageV03P240 # عن المنكر والأمر بالمعروف وكل من عمل المعاصي في الدنيا سرا لا يجاهر به ~~فكائن منه أن ينهى عن المنكر إذا لقيه وإذا فعل ذلك كانت ملائكة الرحمة أحق ~~به من ملائكة العذاب ومن استحقته ملائكة الرحمة من الموقف فقد نجا # ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه ~~فأخذ بيده فأدخله على الله تعالى # قال أبو عبد الله رحمه الله ينبئك في هذا القول أن العبد تحجبه ذنوبه عن ~~الله في الدنيا قلبا وفي الموقف غدا بدنا وإن حسن الخلق منيحة من الله ~~لعبده لأن الأخلاق في الخزائن فإذا أحب الله عبدا منحه خلقا منها ليدر عليه ~~ذلك الخلق كرائم الأفعال ومحاسن الأمور فيظهر ذلك على جوارحه فيزداد العبد ~~بذلك محبة توصله إليه في الدنيا قلبا وفي الآخرة بدنا وحب الله عبده يمحق ~~الذنوب محقا ويتركه من آثامه عطلا وإذا أحب الله عبدا أهدى إليه خلقا من ~~أخلاقه وإذا رحم الله عبدا أذن له في عمل من أعمال البر فهذه ثمرة الرحمة ~~وتلك ثمرة المحبة # ورأيت رجلا من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله فأخذ ~~صحيفته فجعلها في يمينه # قال أبو عبد الله رحمه الله فأعظم الأهوال في القيامة في ثلاثة مواطن عند ~~تطاير الصحف وعند الميزان وعند الصراط وذلك قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيما روي عنه أنه قال لا يذكر أحد أحدا في هذه المواطن فإذا وقعت ~~الصحيفة بيمينه أمن وبانت سعادته قال الله تعالى في تنزيله {فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا} # PageV03P241 # عن الحسن رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال ربكم ~~تبارك وتعالى ms534 لن أجمع على عبدي خوفين ولن أجمع أمنين من أخفته في الدنيا ~~أمنته في الآخرة # فمن قاسى خوفه في الدنيا أوجب له الأمن يوم القيامة فإذا جاءه الهول عند ~~تطاير الصحف جاءه ذلك الخوف فنفعه بأن جعل صحيفته في يمينه حتى يأمن # ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه فجاءته إفراطه فثقلوا ميزانه # قال أبو عبد الله فالأفراط أولاده الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم فإنما ~~ثقل ميزانه لأنهم أطفال موحد قدموا على ربهم بلا شرك ولا ذنب فدبر الله ~~خلقهم من صلب موحد فبهم صار من أهل رحمة الله وإنما يثقل الموازين بالرحمة # وقال في حديث آخر من مات له ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحلم أدخله الله ~~الجنة بفضل رحمته إياهم # والموازين تثقل بالحسنات ومن أحسن الحسنات ذرية يخرجها الله من صلب موحد ~~ثم يقبضهم لم يتدنسوا بمعصية # ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ~~ذلك ومضى # قال أبو عبد الله الوجل هو في وقت انكشاف الغطاء لقلب المؤمن وهو خشية ~~العبد وإن جهنم حائلة بين العباد وبين الجنة حتى يضرب # PageV03P242 # الجسور ويهيأ القناطر فعندها يستبين الصراط وهو الطريق لأهله فالخلق كلهم ~~على شفير جهنم وقوف هائبون لها فوجل العباد يجعل لهم السبيل ليقطعوها لأن ~~الخشية ثوابها المغفرة قال تعالى {إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة} # والمغفرة نورها ساطع وهو نور الرأفة فإذا جاءت الرأفة وجل العبد قلبا ~~وذهبت الحيرة وتشجعت النفس فمضت # ورأيت رجلا من أمتي قد هوى في النار فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله ~~في الدنيا فاستخرجته من النار # قال أبو عبد الله هذا عبد استوجب النار بعمله فأدركته رحمة الله ببكائه ~~من الخشية فأنقذته لأن دمعة الخشية تطفئ بحورا من النيران # ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة فجاءه حسن ظنه ~~بالله فسكن رعدته ومضى # قال أبو عبد الله رحمه الله حسن الظن من المعرفة بالله وعظم رجاء العبد ~~وأمله لربه من المعرفة ms535 فلم يضيع الله معرفة العبد لأنه هو الذي من عليه بها ~~فلم يرتجع في منه ووفى له بأن أعطاه حسن الظن في الدنيا من تلك المعرفة ~~الممنون بها عليه ثم حقق ظنه في ذلك الموقف أي كما عرفتني ثم ظننت من ~~معرفتك أني أنجيك فلك النجاة والأمان فسكن رعدته # ورأيت رجلا من أمتي يرجع أحيانا ويحبو أحيانا ويتعلق أحيانا فجاءته صلاته ~~علي فأخذته فأقامته ومضى على الصراط # قال أبو عبد الله رحمه الله الصلاة على الرسول من العبد بنوة # PageV03P243 # لأبيه يريد أن يرى أباه مقام الولد للأب ولذلك أمر الله العباد أن يصلوا ~~عليه فذاك حق للرسول يقضونها بمنزلة الأولاد يقضون حقوق آبائهم وإذا كان ~~الولد هكذا فمن شأن الوالد أن يأخذ بيد الولد في وقت عثراته فيقيمه فصارت ~~صلوات العباد للرسول صلى الله عليه وسلم بمنزلة ذلك # ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته ~~شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة # قال أبو عبد الله رحمه الله فهذه كلمة جعلت مفتاحا لأبواب الجنة وإنما ~~غلقت دون هذا العبد كأنه جاء بمفتاح ليس له أسنان وقد نجد في الدنيا أن يجئ ~~الرجل بمفتاح الباب وقد ضاع بعض أسنانه فلا يزال يردده ويحركه حتى يفتحه ~~وإذا لم يكن بيده مفتاح لم يفتح فهذا عبد قد ضيع الأسنان فأغاثه الله بما ~~جاء به # وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤمنين يدعون من أبواب ~~الجنة وأن أبوابها مقسومة على أعمال البر فباب للصلاة وباب للصيام وباب ~~للصدقة وباب للحج وباب للجهاد وباب للأرحام وباب لمظالم العباد وهو آخرها ~~فهذه سبعة أبواب مقسومة على أعمال العباد برا وكذلك أبواب النيران مقسومة ~~على أعمال أهلها لكل باب منهم جزء مقسوم وباب للجنة زائد لأهل الشهادة يسمى ~~باب التوبة فأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه هذه الرؤيا ليعلم ~~العباد قوة هذه الأفعال التي ذكرها من العبيد أيام الدنيا ماذا لكل ms536 نوع من ~~هذه الأعمال من القوة هناك في الموقف وفي أي موطن ويؤيده ليعلم العباد ~~أجناس هذه الأفعال ليكثر منها كي إذا استقبله أهوال القيامة وتارات الموقف ~~نسأله عونها وقوتها # PageV03P244 ### | - الأصل الحادي والخمسون والمائتان ### | في وصف مشي الرسول صلى الله عليه وسلم # عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب # وعن هند بن أبي هالة الكندي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطو ~~تكفئا إذا مشى كأنما يخط من صبب # عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ~~يتوكأ على شيء # قال أبو عبد الله فالمشي بالقلب ومن القلب يتأدى قوة المشي إلى الساقين ~~ألا ترى أن القلب إذا فزع وارتاع وقع القائم وذهبت رجلاه والسكران إذا غاب ~~ذهنه وعقله عن قلبه استرخت رجلاه فاختلفتا وربما وقع فإذا ثاب إليه عقله ~~وذهنه قوي ذلك لتعلم أن قوة جميع # PageV03P245 # الأركان بالقلب إذا كان الذهن والعقل معه فكان قلب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مشحونا بكنوز المعرفة شحن السفينة إذا أثقلت حتى غابت في الماء ~~إلى منطقتها وكانت كنوزه على صنفين عن اليمين أسرار الله وعن اليسار سمات ~~الله فالرحمة مع الأسرار والحق مع السمات وحب الله أمامه جؤجؤ السفينة وشوق ~~الله له شراع سفينته وفرحه به رياح الأفراح فكان إذا مشى مالت به الصنفات ~~فمرة أثقال أسرار الله تميل به ومرة أثقال سمات الله تميل به فإذا استقر ~~قائما على المنبر أو قاعدا في مجلس استقرت به أثقال الحب وإذا هبت رياح ~~الأفراح وهاج الشوق قام إلى الصلاة فقرت عينه فذلك قوله (حبب إلي الصلاة ~~وقيل لي خذ منها ما شئت وإن الله جعل قرة عيني في الصلاة) # فأثقال الأسرار مطوية عن الخلق إلا عن أهل جذبت الله الذين أدرجهم بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وجعلهم قرة عينه فسار بهم على طريقه وجعل سقياهم من ms537 ~~مشربه ومرعاهم من ملك الملك بين يديه على مائدته تلك ضيافة محمد صلى الله ~~عليه وسلم لقرة عينه في عرس الله وهو بدء الربوبية وبدء التدبير وتلك حكمة ~~الله وأثقال السمات حشو ما في الأمثال العليا والأسماء الحسنى فتلك حكمة ~~الخلق والحق موكل بهذه والرحمة العظمى منهضة بتلك فصار هذا القلب كسفينة ~~موقرة من كنوز المعرفة مشحونة بعلم الله محفوفة بآلاء الله تجري في بحر غيب ~~الله وهو بحر الذكر وهو ذلك البحر الذي من شرب منه شربة نسي نفسه ولم يلتفت ~~إليها إلى يوم اللقاء وهبوب رياح أفراح # PageV03P246 # الله قد هبت في شوق الله إلى عبده ورفعت السفينة بما فيها من الكنوز ~~وميلانها مرة هكذا ومرة هكذا فالحق يمسكها عن الانقلاب من جانبه والرحمة ~~تمسكها عن الانقلاب من جانبها والعدل على كوثل السفينة يستقيم بسيرها ~~بمجدافها ومجدافه مشيئة الله تعالى فلولا المجداف لكان الشراع ورياحها تطير ~~بها فتضرب بها صخرة حتى تنكسر وتغرق أو تقذف بها إلى جزيرة يابسة فتلقيها ~~على الأرض لوحا لوحا ولكن المجداف الموكل به على كوثلها يستقيم بصدرها ~~والحب غالب على الأشياء التي في قلب المؤمن فلولا الثبات من الله تعالى ~~بالمشيئة لطار الحب به كل مطير ورمى به في واد قعير ألا ترى إلى قوله تعالى ~~{ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة ~~وضعف الممات} # فانظر أي وعيد هذا فإنما هاج من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الحب ~~لله حتى حرصه على دخولهم في الإسلام فأجابوه إلى الدخول في الإسلام على ~~شريطة أن لا يركعوا في صلاتهم وأن يتركهم حتى يتمتعوا باللات سنة فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يكاد يحترق من الحب لله فيحرص على دخولهم في ~~الإسلام فلما جاءوا بهذه الكلمة وهم ثقيف أهل الطائف وجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من هذه الكلمة وجدا شديدا واشتعل نارا ودعا بوضوئه كالمتبرد ~~حتى قال عمر رضي الله عنه أحرقتم رسول الله صلى الله ms538 عليه وسلم أحرق الله ~~أكبادكم # وإنما احترق رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنهم طمعوا فيه أن ~~يجيبهم إلى ذلك لما رأوا من رفقه وعطفه وسروره بمجيئهم بعد أن كان قد ~~حاصرهم شهرا فهال رسول الله صلى الله عليه وسلم طمعهم فيه وخاف أن # PageV03P247 # يكون قد أفرط في تعظيم مجيئهم وأنزل الله تعالى {وإن كادوا ليفتنونك عن ~~الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك ~~لقد كدت تركن إليهم} # فلم ينسبه إلى أنه هم بالركون أو مال إليهم بل أعلمه أن الثبات هو الذي ~~عصمه يعلمه أن حبه هذا يهيج حرصه حتى تجد النفس السبيل إلى القلب فيشاركه ~~في المحبة لأن الحب في القلب والحرص في النفس فلولا التثبيت لأفتتن فأعلمه ~~المنة عليه بالعصمة وإن خطر الحب عظيم وأنه يسبي القلب فإذا لم يكن له ثبات ~~ذهبت قوة القلب فطارت به لغلبة الفرح الذي في الحب بمنزلة السفينة التي ~~طارت فصدمت بها جبلا فتكسرت قطعة قطعة وتبددت كنوزه في بحر الغيب غرقا فلا ~~حق بقي ولا رحمة # PageV03P248 ### | - الأصل الثاني والخمسون والمائتان ### | في أن الأشربة من خمس # عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الأشربة من ~~خمس من الحنطة والشعير والتمر والزبيب والعسل فما خمر فهو خمر) # قال أبو عبد الله رحمه الله قوله (الأشربة من خمس) أي هذه أشياء ينبذ ~~عليها الماء فيستخرج بالماء ما فيهن من القوة # قوله فما (خمر فهو خمر) يعني إذا تركته نيا على هيئته التي خرج فلم تأخذ ~~قوته بالنار فشربته خالطت القوة التي فيها قوة العدو التي أعطي فإنه موكل ~~بما أعطي من هذه الأشربة فإذا تركتها بقوتها جاء العدو بما بيده فخلطه بها ~~ثم وجد السبيل إلى المعدة بنصيبه فإذا دخل الجوف خمر القلب أي غطاه وحال ~~بين القلب والعقل لأن العقل في الرأس وشعاعه في الصدر والتدبير للعقل مع ~~القلب # PageV03P249 # في الصدر لأن عين الفؤاد في الصدر وشعاع العقل يشرق من ms539 الصدر فبذلك ~~الإشراق يهتدي القلب إلى ما حسن وقبح وإنما نزل القرآن بتحريم الخمر والخمر ~~اسم لما خمر الفؤاد أي يغطيه ويحول بينه وبين شعاع العقل وكل شراب كانت فيه ~~هذه الصفة فقد لزمه اسم الخمر ولزمه التحريم # ولذلك قال عمر رضي الله عنه الخمر ما خمر العقل أي غطاه ولذلك قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (كل مسكر خمر وكل خمر حرام) المسكر هو المفعل ~~للسكر والسكر سد العقل ومنه يقال لسد النهر سكر ومنه قوله تعالى {سكرت ~~أبصارنا} أي سدت # فالماء جار في النهر فإذا ألقيت في بعض طريقه كيسا من التراب وغيره بقي ~~الماء إلى حيث انتهى فصار ما سفل من الكيس في بطن النهر خاليا فكذلك العقل ~~قراره في الدماغ ثم شعاعه جار إلى الصدر إلى عيني الفؤاد لتدبير الأمور ~~وتمييز الحسن والقبيح والضر والنفع فإذا شرب هذا الشراب ولم يكن أخذ قوته ~~بالطبخ فالعدو منه بنصيبه يخلص إلى الصدر برجاسته ونجاسته فإذا وقعت هذه ~~النجاسة والظلمة في هذا الطريق بين عيني الفؤاد والرأس صار سدا فيبقى الصدر ~~مظلما وما وراء السد ما يلي الرأس مضيئا مشرقا لا ينتفع بذلك عينا الفؤاد ~~فيبقى الصدر خاليا كما بقي النهر ويبقى عينا الفؤاد في ظلمة ما جاء به ~~العدو فسمى ذلك في النهر سكرا بفتح السين # PageV03P250 # وسمى هذا سكرا بضم السين فمن أجاز طلاق السكران وفرق بينه وبين المعتوه ~~والمجنون والصبي فلأن السكر سد والعقل وراء السد قائم وهو حجة الله تعالى ~~على العبد لوجوب الأحكام عليه والصبي لم يعط عقل الحجة وهو تمام العقد الذي ~~به يقوم حجة الله وعلامته أنه إذا تم فحرارة ذلك النور تؤدي إلى الصلب ~~فيخرج منه الماء الذي يوجب الغسل إما بحلم أو بجماع فلذلك صيروا الحلم ~~علامة الإدراك وجرى الحكم عليه لأن العقل قد تم وقبل ذلك كان صغيرا لا ~~يحتمل دماغه ذلك العقل وأما العتاهة فهو التحير وهو أن يهيج من المرة ما ~~يتأدى إلى الدماغ فيفسد العقل ويخالطه ms540 فليس هناك عقل يقدر أن يعمل شيئا ~~لأنه قد خالطه وكذلك الجنون هو من المرة فكل ما ستر العقل من داء فذاك ~~يخالط العقل ويفده وما كان من شراب فإن ذاك سد ظلمة من رجاسة العدو والعقل ~~من ورائه على هيئته لم يخالطه شيء إلا أنه متمكن لانسداد الطريق وقد يكون ~~هذا السد سدا رقيقا وسدا كثيفا فربما عمل بعض عقله من خلال ذلك السد ألا ~~ترى أنه يعقل شيئا ولا يعقل شيئا لأن العقل بمكانه لم يخالطه شيء وفي حال ~~الجنون خالط العقل ذلك الداء لأنه خلص إلى الدماغ وأما الصبي فإنه لم يعط ~~تماما وهو يزاد قليلا قليلا باللطف حتى يبلغ من السن ما يحتمل ذلك وجد ~~العقل مكانا ينفسخ فالذي فرق بين طلاق السكران وطلاق المعتوه والمجنون ~~والصبي إنما فرق لهذا وأما اللذين لم يجيزوا طلاقه فإنما نظروا إلى افتقاد ~~القلب العقل فإذا افتقده لم يلزموه شيئا من الأحكام لأنه إنما تقوم الحجة ~~بالعقل # PageV03P251 ### | - الأصل الثالث والخمسون والمائتان ### | في أن القرآن مثله كجراب فيه مسك # عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعثا وأمر عليهم أميرا منهم هو أصغرهم فلم يسيروا فلقي النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجلا منهم فقال يا فلان ما لك أما انطلقتم قال يا رسول الله أميرنا ~~يشتكي رجله فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم أو بعث إليه فقال (بسم الله ~~وبالله وأعوذ بعزة الله وبقدرته من شر ما فيها) سبع مرات فبدأ الرجل فقالوا ~~له يا رسول الله أتؤمره علينا وهو أصغرنا فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~قراءته للقرآن فقال يا رسول الله لولا أني أخاف أن لا أقوم به فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن القرآن مثله كجراب فيه مسك قد ربط فيه فإن ~~فتحته فاح ريح المسك وإن تركته كان مسكا موضوعا مثل القرآن إن قرأته وإلا ~~فهو في صدرك # PageV03P252 # عن أبي أمامة رضي الله عنه يبلغ به النبي ms541 صلى الله عليه وسلم (قال لا ~~تغرنكم هذه المصاحف المعلقة إن الله تعالى لا يعذب قلبا وعى القرآن) # عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو ~~كان القرآن في إهاب ما مسه النار) # قال أبو عبد الله من حرمة القرآن أن لا تمسه إلا طاهرا وأن تقرأه وأنت ~~على طهارة وأن تستاك وأن تتخلل وتطيب فإن هذا طريقه وأن تستوي قاعدا إن كنت ~~في غير صلاة ولا تكون متكئا وأن تتلبس له كما تتلبس للدخول على الأمير لأنك ~~مناج وأن تستقبل القبلة بقراءته كان أبو العالية إذا قرأ اعتم ولبس وارتدى ~~واستقبل القبلة وأن تتمضمض كلما تنخع # عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يكون بين يديه ثور إذا تنخع تمضمض ~~وأخذ في الذكر وأن يمسك عن القراءة إذا تثاوب فإن التثاؤب من الشيطان وأن ~~يستعيذ بالله ويبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم وإذا أخذ في سورة لم يشتغل ~~بشيء حتى يفرغ منها إلا من ضرورة وإذا أخذ في القراءة لم يقطعها ساعة بساعة ~~بشيء من كلام الآدميين من غير ضرورة وأن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد ~~بكلامه فيخلطه بجوابه لأنه إذا فعل ذلك زال عنه سلطان الاستعاذة في البدء ~~وأن يقرأه على تؤدة وترسل وترتيل وأن يشتغل به ذهنه وفهمه حتى يعقل ما به ~~يخاطب وأن يقف على آية الوعد فيرتغب إلى الله تعالى ويسأله من فضله وأن يقف ~~على آية الوعيد فيستجير # PageV03P253 # بالله منه وأن يقف على أمثاله فيمتثلها وأن يلتمس أعرابه وأن يؤدي لكل ~~حرف حقه من الأداء حتى يبرز الكلام باللطف تماما فإن لكل حرف عشر حسنات ~~وإذا انتهت قراءته أن يصدق ربه ويشهد بالبلاغ للرسل صلوات الله عليهم ويشهد ~~على ذلك أنه حق فيقول صدقت ربنا وبلغت رسلك ونحن على ذلك من الشاهدين اللهم ~~اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط ثم يدعو بدعواته وأن لا يلتقط الآي ~~من كل سورة فيقرأها فإنه روي عن رسول ms542 الله صلى الله عليه وسلم أنه مر ببلال ~~وهو يقرأ من كل سورة شيئا فأمره أن يقرأ السور كلها أو كما قال صلى الله ~~عليه وسلم # ومن حرمته إذا وضع الصحيفة أن لا يتركه منشورا وأن لا يضع فوقه شيئا من ~~الكتب حتى يكون أبدا عاليا على سائر الكتب وأن يضعه في حجره إذا قرأه أو ~~على شيء بين يديه ولا يضعه بالأرض وأن لا يمحوه من اللوح بالبزاق ولكن ~~يغسله بالماء وإذا غسله بالماء أن يتوقى النجاسات من المواضع والمواضع التي ~~توطأ فإن لتلك الغسالة حرمة وأن من كان قبلنا من السلف منهم من يستشفي ~~بغسالته وأن لا يتخذ الصحيفة إذا بليت ودرست وقاية للكتب فإن ذلك جفاء عظيم ~~ولكن يمحوها بالماء وأن لا يخلي يوما من أيامه من النظر في المصحف مرة كان ~~أبو موسى الأشعري يقول إني لأستحي أن لا أنظر كل يوم في عهد ربي مرة وأن ~~يعطي عينه حظها منه فإذا العين تؤدي إلى النفس وبين النفس والصدر حجاب ~~والقرآن في الصدر فإذا قرأه عن ظهر قلب فإنما يسمع أذنه فيؤدي إلى النفس ~~وإذا نظر في الحظ كانت العين والأذن قد اشتركا في الأداء وذلك أوفر للأداء ~~وكان قد أخذت العين بحظها كالأذن # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(أعطوا أعينكم حظها من العبادة) قالوا يا رسول الله وما # PageV03P254 # حظها من العبادة قال (النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه) # عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن) # ومن حرمته أن لا يتأوله عندما يعرض له من أمر الدنيا والتأول مثل قولك ~~للرجل إذا جاءك {جئت على قدر يا موسى} ومثل قولك {كلوا واشربوا هنيئا بما ~~أسلفتم في الأيام الخالية} عند حضور الطعام وأشباه هذا ومن حرمته أن لا ~~يقال سورة كذا كقولك سورة البقرة وسورة النساء وسورة النحل ولكن يقال ~~السورة التي ms543 يذكر فيها كذا ومن حرمته أن لا يتلى منكوسا كفعل معلمي الصبيان ~~يلتمس أحدهم بذلك أن يرى الحذق من نفسه والمهارة فإن تلك مجانة منهم ومن ~~حرمته أن لا يقرأه بألحان الغناء كلحون أهل العشق ولا بترجيع النصارى ولا ~~نوح الرهبانية فإن ذلك كله زيغ # عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل العشق وأهل الكتابين ~~فإنه سيجيء قوم من بعدي يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح لا ~~يجاوز حناجرهم) # ومن حرمته أن تجلل تخطيطه إذا خططته عن أبي حليمة أنه كان # PageV03P255 # يكتب المصاحف بالكوفة فمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه فنظر إلى كتابه ~~فقال له أجلل قلمك فأخذت القلم فقططت من طرفه قطا ثم كتبت وعلي رضي الله ~~عنه قائم ينظر إلى كتابتي فقال هكذا نوره كما نوره الله تعالى # ومن حرمته أن لا يجهر بعض على بعض في القراءة فيفسد عليه حتى يبغض إليه ~~ما يسمع ويكون كهيئة المغالبة ومن حرمته أن لا يماري ولا يجادل فيه من ~~القراءة ولا يقول لصاحبه ليس كذا فلعل تلك القراءة صحيحة بين القراء فيكون ~~قد جحد كتاب الله تعالى ومن حرمته أن لا يقرأه في الأسواق ولا في مواطن ~~اللغط واللغو ومجمع السفهاء قال الله تعالى {وإذا مروا باللغو مروا كراما} ~~هذا إذا مر بنفسه فكيف إذا مر بالقرآن الكريم # ومن حرمته أن لا يتوسد المصحف ولا يعتمد عليه ولا يرمي به إلى صاحبه إذا ~~أراد أن يناوله ومن حرمته أن لا يصغر المصحف # عن علي رضي الله عنه قال لا تصغر المصحف # ومن حرمته أن لا يخلط به ما ليس منه ومن حرمته أن لا يحلى بالذهب ولا ~~يكتب بالذهب فيخلط به زينة الدنيا # عن أبي عوانة عن مغيرة عن إبراهيم أنه كان يكره أن يحلى المصحف أو يكتب ~~بالذهب أو يعلم عند رؤوس الآي أو يصغر # عن أبي الدرداء رضي الله عنه ms544 قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا ~~زخرفتم مساجدكم وحليتم مصافحكم فالدمار عليكم) # PageV03P256 # عن ابن عباس رضي الله عنها أنه رأى مصحفا قد زين بفضة قال تغرون به ~~السارق وزينته في جوفه # ومن حرمته أن لا يكتب على الأرض ولا على حائط كما يفعل به في المساجد ~~المحدثة # عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بكتاب في أرض فقال لشاب من هذيل ما هذا قال من كتاب الله كتبه يهودي قال ~~لعن الله من فعل هذا لا تضعوا كتاب الله إلا في مواضعه # ورأى عمر بن عبد العزيز ابنا له يكتب القرآن على حائط فضربه ومن حرمته ~~أنه إذا اغتسل بكتابه مستشفيا من سقم أن لا يصبه على كناسة أو في موضع ~~نجاسة ولا على موضع يوطأ ولكن ناحية من الأرض في بقعة لا يطأها الناس أو ~~يحفر حفرة في موضع طاهر حتى ينصب من جسده في تلك الحفير ثم يكبسها أو في ~~نهر يختلط بمائه فيجري # ومن حرمته أن يفتتحه كلما ختمه حتى لا يكون كهيئة المهجور ولذلك كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا ختم يقرأ من أول القرآن قدر خمس آيات لئلا ~~يكون في هيئة المهجور # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء رجل فقال يا رسول الله أي العمل ~~أفضل فقال عليك بالحال المرتحل قال وما الحال المرتحل قال صاحب القرآن يضرب ~~في أوله حتى يبلغ آخره ثم يضرب في أوله كلما حل ارتحل # ومن حرمته أن لا يكتب المعاذ منه تدخلها الخلاء إلا أن يكون في غلاف من ~~آدم أو فضة أو غيرهما فيكون كأنها في صدرك # PageV03P257 # ومن حرمته إذا كتبه وشربه سمى الله على كل نفس وعظم النية فيه فإن الله ~~يؤتيه على قدر نيته # عن محمد بن مروان عن أبي جعفر قال من وجد في قلبه سوءة فليكتب يس في جام ~~بزعفران ثم يشربه # عن مجاهد قال لا بأس أن يكتب ms545 القرآن ثم يغسله ويسقى المريض # عن هلال بن الصلت أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سورة يس تدعى في التوراة المعمة قيل وما المعمة قال تعم ~~صاحبها خير الدنيا وتكابد عنه بلوى الدنيا وتدفع عنه أهاويل الآخرة وتدعى ~~المدافعة القاضية تدفع عن صاحبها كل شيء وتقضي له كل حاجة ومن قرأها عدلت ~~له عشرين حجة ومن سمعها عدلت له ألف دينار في سبيل الله ومن كتبها ثم شربها ~~أدخلت جوفه ألف دواء وألف نور وألف يقين وألف بركة وألف رحمة ونزع من كل غل ~~وداء # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل شيء قلب ~~وقلب القرآن يس ومن قرأها فكأنما قرأ القرآن عشر مرات # فالقلب أمير على الجسد وكذلك يس أمير على سائر السور مشتمل على جميع ~~القرآن # PageV03P258 # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~الله تعالى من شغله ذكري وقراءة القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي ~~السائلين وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه # فهذا فضل لا يحاط بكنهه إذ كان لا يحاط بفضل الله على جميع خلقه وإنما ~~صار هكذا لأنه كلامه منه خرج # عن عمرو بن دينار قال أدركت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقولون الله الخالق وما سواه المخلوق غير الكلام فإنه منه خرج وإليه ~~يعود # عن طاووس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رد العباد إلى الله ~~شيئا أحب إليه من كلامه # عن سفيان الثوري رضي الله عنه يقول سمعت أن قراءة القرآن أفضل من الذكر ~~وجاد ما غاص قائل هذا القول لأن الذكر هو شيء يبتدعه العبد من تلقاء قلبه ~~من علمه بربه والقرآن قد تكلم به الرب فإذا تلاه العبد فإنما يتكلم بشيء قد ~~كان عند الرب ولم يخلق ولا يتدنس فهو على طراءته وطيبه ms546 وأيضا ليس تأليف ~~العبد كتأليف الله تعالى قال تعالى {لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} # ألا ترى إلى قول الوليد بن المغيرة حيث استمع إلى القرآن وتحير فيه فقال ~~قد عرضته على رجز الشعر وهزجه وقريضه فلم يشبهه # PageV03P259 # وليس بسحر ولا كهانة وإن عليه لطلاوة وإن له لحلاوة وإن أسفله لمغدق وإن ~~أعلاه لمثمر # عن محمد بن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~القرآن أفضل من كل شيء دون الله تعالى وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل ~~الله على خلقه فمن وقر القرآن فقد وقر الله ومن لم يوقر القرآن لم يوقر ~~الله وحرمة القرآن عند الله تعالى كحرمة الوالد على ولده القرآن شافع مشفع ~~وما حل مصدق فمن شفع له القرآن شفع ومن محل به القرآن صدق ومن جعله أمامه ~~قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار حملة القرآن هم المحفوفون ~~برحمة الله الملبسون نور الله المعلمون كلام الله ومن والاهم فقد والى الله ~~ومن عاداهم فقد عادى الله يقول الله تبارك اسمه يا حملة القرآن استجيبوا ~~لربكم بتوقير كتابه يزدكم حبا ويحببكم إلى عباده يرفع عن مستمع القرآن بلوى ~~الدنيا ويدفع عن تالي القرآن شر الآخرة ومن استمع آية من كتاب الله كان له ~~خيرا من صبر ذهبا ومن قرأ آية من كتاب الله كان أفضل مما تحت العرش إلى ~~التخوم وإن في كتاب الله لسورة تدعى العزيزة يدعى صاحبها الشريف يوم ~~القيامة تشفع لصاحبها أكثر من ربيعة ومضر وهي سورة يس # PageV03P260 ### | - الأصل الرابع والخمسون والمائتان ### | في سر كلمة التقوى # عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~وألزمهم كلمة التقوى لا إله إلا الله # قال أبو عبد الله إنما سميت كلمة التقوى لأن العبد إذا نطق بها إنما ينطق ~~عن نور التوحيد الذي في قلبه فإذا انتهى إلى الصراط ms547 صار ذلك النور له وقاية ~~من النار وذلك النور برد يخمد لهب النار لأن ذلك النور نور الرحمة وتلك ~~الرحمة هي حظ المؤمن من ربه فإذا نال العبد تلك الرحمة أشرق القلب بنور ~~التوحيد وأضاء الصدر من ذلك الإشراق ونطق اللسان عن نور وضوء فإذا انتهى ~~إلى الصراط صار ذلك النور والضوء وقاية فالنور يخمد ما تحت قدميه والضوء ~~يضيء له أمامه وينفرج له الطريق عن تلك الظلمة التي على الصراط # PageV03P261 # من سواد النار فلذلك قيل كلمة التقوى لأنه بها يتقي من النار فكلمة لا ~~إله إلا الله أولها نفي الشرك وآخرها تعلق بالله فلا يقدر العبد أن يتعلق ~~بالله حتى يلزمه الله وإنما يلزمه الله بعدما يجعل له إليه سبيلا فإذا رحم ~~عبدا فتح له من قلبه الطريق إليه حتى إذا صار القلب محل التوحيد فهناك ~~يلزمه الله نور الكلمة فيصدر القلب عن الله بتوحيده إلى النفس حتى تطمئن ~~النفس وتسكن إلى ذلك وتستقر عن التردد والجولان في طلب معبود سواه فيستقر ~~القلب والنفس جميعا للعبودة له لما يأمر وينهى فصار تعلقها جميعا به في ~~العبودة وهو قوله {فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} # فهذه عقدة القلب وطمأنينة النفس ثم بعد ذلك تمضي النفس في شهواتها حلا ~~وحراما وهي مع ذلك بالله مطمئنة أنه معبوده على إضمار أنها تقضي شهواتها ~~وتعود إلى مكانها ثانية وأما القلب فهو منكر لذلك مستمسك بعروته مقهور في ~~سلطان النفس حتى إذا أقبل الله على العبد بالرحمة وأعطاه سلطان التوبة خمدت ~~نار الشهوة وخرج القلب من آثار النفس فالعروة الوثقى هي ذلك النور الذي ~~ألزم الله قلب العبد فاستمسك به وقوي لا انفصام لها فإذا انتهى إلى الصراط ~~صار ذلك النور وقاية له من تحت قدمه وصار الضوء أمامه يطرق له في الظلمة ~~حتى يجوزها # وقد قلنا بدءا أن كلمة لا إله إلا الله أولها نفي الشرك وآخرها تعلق ~~بالله وإنما يتعلق بالله إذا استكمل التقوى وذلك أن الشرك على ضربين شرك ~~عبودة ms548 وشرك الأسباب وكلاهما علاقة وهو مشتق من الشرك الذي ينصب فيتعلق به ~~الصيد فإنما ينصب الشرك ويلقى هناك حبوب ينخدع الطائر لحاجته إليها حتى يقع ~~فيه فيتعلق وكذلك # PageV03P262 # السمك إنما يقع في حبالته لشهوة بطنه وكذلك الآدمي إنما يقع في حبالة ~~العدو حتى يتولى دون الله إلها ويتخذه معبودا لشهوة نفسه يشتهي أن يعاين ~~معبوده فيلتذ بالعبادة فطلب معبوده فلما لم يجده مده العدو إلى شيء وصوت له ~~من جوفه وزينه له فالتذ بصوته فعبده فهو يعبد الشيطان ولا يدري بحيث أنه ~~يعبد ذلك الوثن وذلك قوله تعالى لهم يوم القيامة ألم أعهد إليكم يا بني آدم ~~ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وقال واستنفزز من استطعت منهم بصوتك ~~واجلب # قال له قائل ما ذلك الصوت قال ذلك صوت أعطى العدو ليفتن به الآدميين أي ~~يهيج الحرقة التي في جوف الآدمي قال القائل وما تلك الحرقة قال تلك حرقة ~~الفرح الذي خلق من النار فوضع بباب النار وحفت النار به وهو الشهوات فمن ~~سمعها من المخذولين فقد سباه ومن سمعها من الموحدين لم يقدر أن يسبيه لأن ~~الله تعالى من عليه بالرشد ومن من عليه بالرشد فقد كره إليه الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة وذلك قوله تعالى {ولقد ~~آتينا إبراهيم رشده من قبل} # فمن أوتي الرشد لم يتلذذ بذلك الصوت ومن وجد قلبه خاليا عن ذلك سباه ألا ~~ترى أن الموحدين لما سمعوا صوته في المزامير والمعازف افتتنوا به ولولا أنه ~~يمازج بصوته ذلك الصوت من المعازف ما التذوا به وقد كره الله الكفر إلى ~~المؤمن ولم يكن إليه المعازف وأمره بالمجاهدة فإذا جاهد فتح له في الغيب ~~فنال من الأنوار ما لا تجد له هذه المعازف إليه سبيلا لأن الذي في جوفه من ~~الشهوة # PageV03P263 # قد مات فلم يجد العدو إليه سبيلا وقبل ذلك إنما كان يلتذ بصوت المعازف ~~الممازج لصوت العدو والمهيج لما في جوفه فلما وقع في منازل القربة ماتت ~~شهوته وخشع ms549 قلبه من جلال الله تعالى لم يجد العدو إليه سبيلا فصارت لذة ~~قلبه في حبه فدقت حلاوة جميع الأشياء عنده وصارت جميع الأشياء مرفوضة # وإنما يتعلق القلب بالله إذا نجا من تعلقه بالشهوات والمشيآت والإرادات ~~فهذه كلها شرك الأسباب فإذا تخلص من هذا الشرك لم يبق له متعلق القلب بالله ~~فعندها صدق الله في مقالته لا إله إلا الله وتلك المقالة تملأ الكفة من ~~الميزان حتى تستميل بالسموات والأرض ومن فيهما من الخلق # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~قال موسى عليه السلام رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به قال قل يا موسى لا ~~إله إلا الله قال كل عبادك يقول هكذا قال قل لا إله إلا الله قال لا إله ~~إلا الله إنما أريد شيئا تخصني به قال يا موسى لو أن السموات السبع وعمارهن ~~والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله # PageV03P264 ### | - الأصل الخامس والخمسون والمائتان ### | في آية الكرسي وما يحرس به # عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ~~المنذر أية آية معك من كتاب الله أعظم قلت {الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم} قال فضرب في صدري فقال ليهن لك العلم أبا المنذر فوالذي نفس محمد ~~بيده إن لهذه الآية للسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش # أنزل الله تعالى هذه الآية وجعل ثوابها لقارئها عاجلا وآجلا أما في ~~العاجل فهي تحرس من قرأها من الآفات فإن الله تعالى خلق آدم فأحسن خلقه ~~وقال في تنزيله {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} فمن ذا يقدر على صفة حسن ~~تقديره وقال {الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك} # PageV03P265 # فأخرج تقويمه وتسويته وتعديله من باب الرحمة وأخرج تركيب الصورة من باب ~~المشيئة ثم فضله بالروح وقرنه بالنفس وجعل فيهما الحياة للحراك للعبودة ثم ~~جعل تلك البضعة الجوفاء ms550 خزانته وهي القلب وجعل لها عينين تبصران الغيب ~~وأذنين يستمعان وحيه وكلامه وجعل لها بابا إلى الصدر للسراج المتوقد شعاعه ~~في الصدر وجعل تلك البضعة معدنا لجواهر التوحيد من الحكم البالغة والعلوم ~~العالية ثم خلق الآفات في ذلك اليوم الذي خلقه وهو يوم الجمعة ليقابل كل ~~شيء من صنعه الجميل في آدم وولده في الظاهر منه والباطن آفة ذلك الشيء ~~ليكون الآدمي حامدا له شاكرا يرتبط الصنع الجميل بالحمد والشكر ويحذر من ~~الآفة # ولما صار للعبد هفوات وغفلات من نزغات العدو ونفثاته ونفخاته من أجل ~~الشهوة المركبة فيه والهوا الهفافة فيها لا هبوب تلك الشهوات وهما سلاح ~~العدو وسبيله إلى الآدمي جعل كلمة الله العليا وهي كلمة لا إله إلا الله ~~وهي كلمة التقوى تقيه آفات الدنيا والآخرة وإنما تدخل الآفات من التقصير في ~~الشكر قال تعالى {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم} # وجاء في الخبر عن الله تعالى من قوله لبني إسرائيل إني أبتدئ عبادي ~~بنعمتي فإن قبلوا أتممت وإن شكروا زدت وإن غيروا نقلت وإن بدلوا غضبت # قال نوف البكالي آية الكرسي تدعى في التوراة ولية الله وتدعى قارئها في ~~ملكوت السموات عزيزا وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إذا دخل بيته قرأ ~~آية الكرسي في زوايا بيته الأربع كأنه # PageV03P266 # يلتمس بذلك أن يكون لها حارسا من جوانبه الأربعة وأن ينفي الشيطان من ~~زوايا بيته # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه صارع جنيا فصرعه عمر فقال له الجني خل عني ~~أعلمك ما تمتنعون به منا فقال إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي وقال الله ~~تعالى من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة أعطيته ثواب الأنبياء # معناه ثواب عمل الأنبياء فأما ثواب النبوة فليس لأحد إلا للأنبياء عليهم ~~السلام # وقال جبرائيل عليه السلام لموسى عليه السلام إن ربك يقول من قال في دبر ~~كل صلاة مكتوبة مرة واحدة اللهم إني أقدم إليك بين يدي كل نفس ولمحة ولحظة ms551 ~~وطرفة يطرف بها أهل السموات وأهل الأرض وكل شيء هو من علمك كائن أو قد كان ~~أقدم إليك بين يدي ذلك كله الله لا إله إلا هو الحي القيوم إلى آخرها فإن ~~الليل والنهار أربع وعشرون ساعة ليس منها ساعة إلا يصعد إلي منه سبعون ألف ~~ألف حسنة حتى ينفخ في الصور وتشتغل الملائكة # ولما عجز عن إحصاء هذه الأشياء التي أجمل ذكرها على الانفراد وقال أقدم ~~بين هذه الأشياء أنه الله لا إله إلا هو كأنه يؤدي معناه إلى أنه قديم لم ~~يزل حي حييت به الأشياء فتحركت قيوم قامت به الأشياء فاستقرت الشفع ضم ~~الشيء إلى الشيء يقال شفع إليه أي رفع إليه شخصه وحاجته وكان في البدء وترا ~~وكل الأشياء لا تكون إلا بإذنه وإنما يخص الدعاء لأن الله تعالى أذن فيه ~~فقال {ادعوني أستجب لكم} وقال في سائر الأعمال إنما يتقبل # PageV03P267 # الله من المتقين) {ما بين أيديهم} الآخرة و {ما خلفهم} الدنيا وقيل ~~بالعكس عن ذلك # عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وسع كرسيه السماوات والأرض} ~~أي علمه معناه وسع ذلك العلم الذي عند الكرسي السموات والأرض وإنما وضع ~~الله علمه بحركات الخلق هناك ثم قرن الحفظ بذلك العلم فكما لا يؤوده علم ~~الحركات لا يؤوده حفظهما # أما قوله إن لها لسانا وشفتين معناه أن قراءة القارئ بها يصعد إلى الرحمن ~~فتقدس مليكه عند ساق العرش والتقديس سؤال الحراسة لقارئها لأن القدوس به ~~يتقدس الأشياء فإذا تقدست بقيت على هيئتها وتحصنت من الآفات فقراءة العبد ~~الآية اعتراف بما تضمنت به من صفاته وتجديد الإيمان به فيقع لقراءته حرمة ~~تنتهي إلى ساق العرش فتقدس فجعل ثواب التقديس حراسة العبد لكل ما هيأ الله ~~له من الحال المحمودة والموعود فيها والله أعلم # PageV03P268 ### | - الأصل السادس والخمسون والمائتان ### | في زمزم واشتقاقه وهي من الجنة # عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زمزم لما ~~شربت له # زمزم بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما ms552 السلام أنبطه الله له غياثا في وقت ~~الاضطرار والإشراف على الموت بعدما كان يتمايل عطشا فبعث الله تعالى ~~جبرائيل عليه السلام فأدار بطرف جناحه على تلك البقعة ثم دفعها بعقبه دفعة ~~فانفتقت عن الماء من عين من الجنة من قبل الركن الذي يستلمه الناس اليوم ~~وزمزم هزمة جبرائيل عليه # PageV03P269 # السلام بعقبه اشتقت من الهزمة والهزمة الدفعة ومنه الهزيمة وقوله ~~{فهزموهم بإذن الله} أي دفعوهم وكسروهم # عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال بينما عبد المطلب نائم في الحجر إذ ~~أتى فقيل له احفر برة قال وما برة ثم ذهب عنه حتى إذا كان الغد نام إلى ~~مضجعه ذلك فأتى فقيل له أحفر مضنونة قال وما مضنونة ثم ذهب عنه حتى إذا كان ~~الغد نام في مضجعه فأتى فقيل له احفر طيبة ثم ذهب عنه فلما كان الغد عاد ~~لمضجعه فنام فيه فأتى فقيل له أحفر زمزم قال وما زمزم قال لا تنزف ولا تذم ~~ثم نعت له موضعها فقام فحفر حيث نعت له فقالت له قريش ما هذا يا عبد المطلب ~~قال أمرت بحفر زمزم فلما كشف عنه وأبصر الطوى قالوا يا عبد المطلب إن لنا ~~حقا فيها معك إنها بئر أبينا إسماعيل قال ما هي لكم لقد خصصت بها دونكم ~~فحفرها # فهذه الأشياء التي ذكرت لعبد المطلب في منامه دليلة على ما فيها # فأما قوله برة فمعناه أنها تعطيك الصدق من نفسها لأنها من الجنة وكل شيء ~~من الجنة فإن الأشياء المشتهات كائنة جميعها في الواحد منها وذلك قوله وهم ~~فيما اشتهت أنفسهم خالدون وقال {فيها ما تشتهي أنفسكم} # PageV03P270 # وكل شيء من الجنة موجود في واحد منها جميع الشهوات ألا ترى العينين ~~النضاختين المذكورتين في القرآن تنضخان بألوان الأشياء إن اشتهى ولي الله ~~من تلك العين طعاما نضخت وإن اشتهى شرابا نضخت وإن اشتهى جواري نضخت وإن ~~اشتهى دواب نضخت مسرجة ملجمة وبذلك جاء الخبر # وروي في الخبر أيضا أن السحابة تقف على رؤوسهم فينطق ماؤها فتمطر ms553 عليهم ~~ما يشتهون وإن الأشجار تنطق والأقداح تطير فتغترف بمقدار شهوة الشارب وذلك ~~قوله تعالى {قدروها تقديرا} أي لا يفضل عن الري ولا ينقص منه # وإن الرجل منهم ليمشي في بيوتاته ويصعد إلى قصوره وبيده قضيب فيشير به ~~إلى الماء فيجري معه حيث ما دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود ~~ويصعد حيث ما صعد من أعلى قصوره وذلك قوله تعالى {يشرب بها عباد الله ~~يفجرونها تفجيرا} # وإن الثوب الذي يلبسه ولي الله يتلون عليه في اليوم الواحد سبعين لونا ~~كلما خطر بباله لون تغير لباسه وتلون عليه بما اشتهت نفسه وكذلك فيما يطعم ~~ويشرب كلما تمنى أو خطر بباله شيء تغير ذلك الشيء الذي في فيه يمضغه إلى ~~طعم ما خطر بباله # فهذا كله وفاء ربنا لعبده حيث قال وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون لأنهم ~~ردوا شهوات نفوسهم في الدنيا فشكر الله لهم في داره فكلما تناولوا بشهوة من ~~طعام أو شراب أو لباس أو مركب # PageV03P271 # أو شيء من الأشياء فخطر ببالهم في ذلك الشيء شهوة غيرها تحول ذلك الشيء ~~إلى ما اشتهت أنفسهم لئلا يتنغص عليهم عيشهم ولا يتكدر عليهم عطاء ربهم لأن ~~الله تعالى وعد في تنزيله أن الجنة عطاء غير مجذوذ أي غير منقطع # ولو كان إذا خطر بباله شيء احتج إلى مدة ومهلة حتى يناله لم يكن في ذلك ~~وفاء بالوعد فجعل الله الجنة ونعيمها له نهمة كلما خطرت بباله شهوة في شيء ~~تحولت له تلك في أسرع من طرفة عين إلى الشهوة الأخرى وفاء له بما وعد ليكون ~~عطاء غير مجذوذ دائما أبدا ألا يرى أنه يأتي زوجته وهي بكر فإذا قضى منها ~~شهوته عادت بكرا على حالها فهكذا شأن الجنة فإذا خرجت من الجنة إلى الدنيا ~~تلك الأشياء تغيرت أحوالها لأن الجنة محرمة على الآدميين حتى يذوقوا الموت ~~ألا ترى أن الحجر الأسود في الركن كان يضيء كالشمس فاسود لأدناس الآدميين ~~وسترت زينته عنهم فهو في الباطن كهيئته ولكنه مستور ولو ms554 دق فصار رضيضا لم ~~تجده إلا أسود في رأي العين وهو في الباطن على هيئته # عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا ما ضيع ~~من الركن من أنجاس الجاهلية وأرجاسها وأيدي الظلمة والأثمة لاستشفى به من ~~كل عاهة ولألفاه اليوم كهيئته يوم خلقه الله وإنما غيره الله بالسواد لئلا ~~ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة وإنها لياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة وضعه ~~الله لآدم حين أنزله في موضع الكعبة قبل أن تكون والأرض يومئذ طاهرة لم ~~يعمل عليها شيء من المعاصي وليس لها أهل ينجسونها ووضع لها صفا من الملائكة ~~على أطراف الحرم يحرسونه من جان الأرض وسكانها يومئذ الجن وليس ينبغي لهم ~~أن ينظروا إليه لأنه شيء من الجنة ومن نظر إلى الجنة دخلها # PageV03P272 # وهم على أطراف الحرم حيث أعلامه اليوم محدقون به من كل جانب فلذلك حرم ~~وسمي الحرم # وعن وهب بن منبه قال كان الركن كرسيا لآدم عليه السلام يجلس عليه فالركن ~~حجر من الفردوس بعثه الله يوم أخذ الميثاق فوضعه بينه وبين العباد ليبايعوه ~~على ذلك الحجر فيمسحونه بأيدهم بيعة لله ولذلك أمر باستلامه # عن أبي وليد القرشي قال سمعت فاطمة بنت الحسين رضي الله عنهما تقول لما ~~أخذ الله ميثاق العباد جعله في الحجر فمن الوفاء لله بالعهد استلام الحجر ~~فكذلك ماء زمزم هو بهيئته على ما في الجنة من حلاوته ولذته ولونه إلا أنه ~~ممتنع أن يوجد للشاربين تلك الهيئة التي فيه من الجنة لإغاثة ولد خليل الله ~~عليهما السلام لأن إبراهيم صلوات الله عليه لما ولى نادته هاجر يا إبراهيم ~~إلى من تكلنا قال إلى الله تعالى فكان خليل الله صادقا في قوله فوفى الله ~~له بصدقه وأغاث ولده في وقت الاضطرار وبقي ذلك الغياث لمن بعده # وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم زمزم لما شربت له فالغياث أمر ~~جامع ينعكس ويطرد من جميع الأمور فإذا ناب العبد نائبة كائنة ما كانت فنواه ~~وقصده ms555 وجد ذلك الغوث فيه موجودا وإنما يناله العبد على قدر نيته # قال سفيان الثوري رحمه الله إنما الرقي والدعاء بالنية فالنية تبلغ العبد ~~عناصر الأشياء والنيات على قدر طهارة القلوب وسعيها إلى ربها في تلك ~~المراتب وتفسير النية النهوض يقال ناء ينوء أي نهض ينهض فالنية نهوض القلب ~~بعقله ومعرفته إلى الله فعلى قدر # PageV03P273 # العقل والمعرفة يقدر القلب على السعي والطيران إلى الله فالشارب لزمزم إن ~~شرب لشبع أشبعه الله وإن شربه لري أرواه الله وإن شربه لشفاء شفاه الله وإن ~~شربه لسوء خلق حسنه الله وإن شربه لضيق صدر شرحه الله وإن شرب لانفلاق ~~ظلمات الصدر فلقه الله وإن شربه لغنى النفس أغناه الله وإن شربه لحاجة ~~قضاها الله وإن شربه لأمر نابه كفاه الله وإن شربه للكربة كشفها الله وإن ~~شربه لنصرة نصره الله وبأية نية شربها من أبواب الخير والصلاح وفى الله له ~~بذلك لأنه استغاث بما أظهره الله تعالى من جنته غياثا # فأما قوله مضنونة فإنما سميت لأنها قد ضن بها عمن قبله من الآدميين فجاد ~~الله بها على أب العرب إسماعيل عليه السلام لتبقى مكرمتها في ولده محمد صلى ~~الله عليه وسلم وفي أمته وأما قوله طيبة فإنها طابت بذات الله خلقها بيده ~~ثم طابت بجود الله وبعطفه على ولد خليله صلوات الله عليهما # PageV03P274 ### | - الأصل السابع والخمسون والمائتان ### | في سر الدعاء عند المضجع # عن أبي رمثة الأنماري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ ~~مضجعه قال اللهم اغفر لي ذنبي واخسأ شيطاني وفك رهاني وثقل ميزاني واجعلني ~~في النداء الأعلى # أمر بالاستغفار فقال في تنزيله {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} # فالمغفرة درجات بعضها أعلى من بعض فمغفرة الرسل عليهم السلام أعلى من ~~مغفرة من دونهم ومغفرة محمد صلى الله عليه وسلم أعلاها ألا ترى أنه جاء عنه ~~أنه قال إن لي دعوة أخرتها إلى يوم القيامة وإن إبراهيم عليه السلام ليرغب ~~إلي في ذلك اليوم # وقال إذا زفرت النار على أهل الموقف قال ms556 الأنبياء والرسل عليهم السلام ~~نفسي نفسي وقال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمتي أمتي # PageV03P275 # فهذا لعلو درجته في المغفرة أمر أن يستغفر فلم يزل ذلك دأبه بعد ما بشره ~~الله تعالى في سورة الفتح بقوله {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} ~~فنزلت عليه في آخر أمره {إذا جاء نصر الله والفتح} إلى آخر السورة # وإنما نزلت هذه بعد فتح مكة والبشرى بالمغفرة في سورة إنا فتحنا قبل ذلك ~~بنحو من سنين وذلك عند فتح خيبر فلم يزل ذلك دأبه ولم يفارق الاستغفار إلى ~~أن قبضه الله إليه ومن يحيط بالمغفرة إلا الله فكلما استكثر العبد من ~~سؤالها كان منها أوفر حظا # وروي في الخبر المأثور أن الاستغفار يخرج يوم القيامة ينادي يا رب حقي ~~فيقول خذ حقك فيحتفل أهله ويجتحفهم # وروي أن داود عليه السلام خرج يستسقي فلما انتهى إلى البر إذ قال اللهم ~~اغفر لنا ورجع فما تنام آخر الناس حتى رجع أولهم فكأنهم استقلوا ذلك منه ~~فأوحى إليه أن قل لقومك إني من أغفر له مغفرة واحدة أصلح له بها أمر دنياه ~~وآخرته # قوله أخسأ شيطاني فإنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الشيطان قالوا ولا أنت يا رسول الله ~~قال ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم # ثم تأول بعضهم هذه الكلمة فقال أي أسلم من كيده ودواهيه ونفر أن يحمل ~~معناه على الإسلام وليس ذلك بصحيح لأن قوله أسلم مفتوح الميم معناه انقاد ~~وأعطى بيديه سلما كقوله تعالى # PageV03P276 # {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} أي أعطينا بأيدينا ~~سلما كقوله تعالى {وألقوا إلى الله يومئذ السلم} أي أعطوا بأيديهم وألقوا ~~إلى الله أنفسهم تسليما # فقوله أخسأ شيطاني أي أنك إذا أخسأته خسئ فلم يبق معه شر ولا كيد والخسأ ~~في لغة العرب الفرد والزكا الزوج وكل شيء انضم إليه شيء فزواجه فهو زكا ~~ومنه سميت ms557 الزكاة في المال زكاة يقال زكى الزرع وقوله ذلك أزكى لكم وقوله ~~ما زكى منكم من أحد أبدا ومنه قوله وويل للمشركين اللذين لا يؤتون الزكاة ~~أي لا يؤتون كلمة لا إله إلا الله فيخسئون من نورها فهم خسا أي فرد خال عن ~~النور والخير فيقول الله لهم في النار إخسأوا فيها ولا تكلمون أي كونوا في ~~خلاء مني ومن رحمتي وعطفي فعندها ينقطع الكلام والنداء ويطبق عليهم فلا ~~يبقى لهم من الرب شيء فذلك الحال أخلى خلاء فقوله أخسأ شيطاني أي أخله من ~~جميع الشر حتى لا يكيدني بشيء # قوله فك رهاني فإن النفوس حظها من الدنيا النعمة نعمة البصر ونعمة السمع ~~ونعمة اللسان ونعمة سائر الجوارح وسائر النعيم التي تربى بها الجوارح وحظها ~~من ربها الحياة والعلم والذهن والمعرفة والعقل والحفظ والفطنة والقوة ~~فالنفوس مرتهنة بالنعم وإنما يفكها الشكر فعلم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أن العباد لا يبلغون كنه الشكر ففزع إلى # PageV03P277 # ربه أن يتولى فك رهانه بجوده وفضله وقال في تنزيله {كل امرئ بما كسب ~~رهين} وقال {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين} # فأصحاب اليمين هم الموحدون وحدوا الله بقلوبهم ثم أبرزوا ذلك التوحيد على ~~ألسنتهم فنطقوا بلا إله إلا الله فاقتضى الله عباده الوفاء بصدقها وصدقها ~~مستور عن الخلق وعند الله ظاهر فاقتضاهم حفظ الجوارح السبع عن المناهي ~~وأداء الفرائض ليبرز صدق الصادق وكذب الكاذب وكل الموحدين قد أخذوا بسهم من ~~سهام يمن اليمين كل على قدر صدقه فأول أصحاب اليمين الرسل عليهم السلام ~~وآخرهم من أتى الله بكلمة التوحيد نطقا بها ليس معه وراء ذلك شيء وأصحاب ~~الدرجات فيما بين ذلك وكل من أتى الله مع هذه الكلمة بشيء من أعمال البر من ~~حفظ جارحة وأداء فريضة واحدة فقد أتى بسهم من الشكر وعلى قدر ذلك الشكر فك ~~رهانه وبقيت سائر السهام عليه غرما ولذلك قال تعالى {إن عذابها كان غراما} # فأوفرهم حظا من حفظ الجوارح وأداء الفرائض أوفرهم حظا من الشكر ms558 وهم الرسل ~~عليهم السلام وهم مع هذا مقصرون عن أنفسهم في الشكر قال الله تعالى {كلا ~~لما يقض ما أمره} أي لن يبلغ أحد أن يقضي أمره على كنهه # وكيف يقدر آدمي على أن يخرج من لحمه ودمه الذي أصله من التراب ومعه شهوات ~~نفسه ووساوسها أن يبلغ به كنه أمره الذي هو أهله هيهات فالآدميون عجزوا عن ~~ذلك فلذلك فزع إلى ربه فقال # PageV03P278 # فك رهاني حتى يكون الذي عجز عنه الآدميون هو الذي يفكه بجوده فينجو من ~~رهائن الشكر ألا ترى إلى قول موسى عليه السلام يا رب أسبغت علي النعم ~~فشكرتك عليها فكيف لي بشكر شكرك قال يا موسى تعلمت العلم الذي لا يفوقه علم ~~بحسبك أن تعلم أن ذلك من عندي فهذا موضع العجز فإذا بلغ العبد موضع العجز ~~فزع إلى الله حتى يجود عليه بما بقي عليه من الشكر ففكه من رهنه # قوله ثقل ميزاني فالرسل في ستر الله الأعظم فإذا نصبت الموازين امتلأت ~~الكفتان من ورع أعمال النبوة وأفعال الرسالة والصدق لسان موازينهم فأهل ~~الموقف في أشد الأهوال في ذلك الوقت لأن الرحمة لم تخرج بعد من الحجب إليهم ~~والرب غضبان أسفا محتجب عن خلقه لشرك المشركين وعبادة الأوثان وفرية ~~المفترين فإذا نصبت موازين الرسل وطارت أنوار أعمالهم من الميزان إلى الله ~~تعالى سكن الغضب ورضي عنهم الرب وخرجت الرحمة من الحجب إلى أهل التوحيد ~~فأحاطت بهم فصار الموحدون في سرادقها فعندها يوزن أفعال العباد إنما قال ~~ثقل ميزاني أي وفر علي أنوار النبوة والرسالة حتى أكون أعظمهم نورا وأشدهم ~~صدقا حتى يكون عملي هو الذي يسكن غضبك على خلقك ويخرج الرحمة إلى الموحدين # قوله واجعلني في النداء الأعلى فإن الأنبياء عليهم السلام في الموقف لهم ~~مراتب على نحو مقاماتهم بقلوبهم فمن كان أقرب منزلة بقلبه في الدنيا فهو ~~أعلى مرتبة هناك فأعلى البداء هم السابقون الذي يبدأ بهم فكان هذا دعاؤه ~~حتى بشر بالمقام المحمود # قال مجاهد {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} قال ms559 يجلسه على عرشه # PageV03P279 ### | 4 - # PageV04P001 ### | - الأصل الثامن والخمسون والمائتان ### | في أخلاق المعرفة # عن الحسن رضي الله عنه أنه قال من لم يحفظ هذا الحديث كان نقصا من مروءته ~~وعقله قلنا وما ذاك يا أبا سعيد قال فبكى وأنشأ يحدثنا فقال لو أن رجلا من ~~المهاجرين الأولين اطلع من باب مسجدكم هذا ما أدرك شيئا مما كانوا عليه ما ~~أنتم عليه إلا قبلتكم هذه ثم قال هلك الناس ثلاثا قول ولا فعل ومعرفة ولا ~~صبر ونفس ولا صدق ما لي أرى رجالا ولا أرى عقولا وأرى أجسادا ولا أرى قلوبا ~~دخلوا في الدين ثم خرجوا وحرموا ثم استحلوا وعرفوا ثم أنكروا وإنما دين ~~أحدهم على لسانه ولئن سألته هل تؤمن بيوم الحساب قال نعم كذب ومالك يوم ~~الدين إن من أخلاق المؤمن قوة في دين وحزما في لين وإيمانا في يقين وحرصا ~~في علم وشفقة في معة وحلما في علم وقصدا في غنى وتحملا في فاقه وتخرجا في ~~طمع وكسبا من حلال # PageV04P001 # وبرا في استقامة ونشاطا في هدى ونهيا عن شهوة ورحمة لمجهود وإن المؤمن ~~عياذا لله لا يحيف على من يبغض ولا يأثم فيمن يحب ولا يضيع ما استودع ولا ~~يحسد ولا يطعن ولا يلعن ويعترف بالحق وإن لم يشهد عليه ولا يتنابز بالألقاب ~~في الصلاة متخشعا إلى الزكاة مسرعا في الزلازل وقورا في الرخاء شكورا قانعا ~~بالذي له لا يدعي ما ليس له لا يجمع في القنط ولا يغلبه الشح عن معروف ~~يريده يخالط الناس كي يعلم ويناطق الناس كي يفهم وإن ظلم أو بغى عليه صبر ~~حتى يكون هو الذي ينتصر له ثم قال الحسن وعظني بهذا الحديث جندب بن عبد ~~الله وقال جندب وعظني بهذا الحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال حق ~~على كل مسلم حفظه وتعلمه # هذه الخصال كلها من أخلاق المعرفة فمن ترقى في درجات المعرفة احتظى في كل ~~درجة بخلق من أخلاقها # قوله قوة في دين فالدين خضوع القلب وذبول النفس وكل شيء ms560 اتضع لشيء فقد ~~دان له ومنه سمي الدون فقيل هذا دون ذاك أي تحته وأوضع منه فانقياد القلب ~~وتوضيع النفس للحق وهو الدين فقلب الآدمي كثيف غليظ ونفسه صفيقة ممتنعة بما ~~فيها من الكبر فإذا جاءت المعرفة بأنوارها ذابت تلك الكثافة وانتشفت ~~الصفاقة والفظاظة لان القلب ورق الفؤاد ولذلك قال عليه السلام أتاكم أهل ~~اليمن ألين قلوبا وأرق أفئدة # PageV04P002 # وإنما تلين القلوب لرطوبة الرحمة التي جاءت مع المعرفة لأن المعرفة لا ~~ينالها العبد إلا برحمة الله فإذا لان القلب برطوبة الرحمة ورق الفؤاد ~~بحرارة النور ضعف القلب وذبلت النفس فاحتاج إلى صلابة فكان من صنع الله ~~تعالى للعبد أن أعطاه من هذه الأنوار الثلاثة حتى دان القلب لله وهو نور ~~الرحمة ونور الحياة ونور العظمة فبنور الرحمة يلين القلب وينقاد بنور ~~الحياة ينصب لله عبودة وبنور العظمة يتصلب ويثبت إذا جاءته أمواج الشهوات ~~ليزيله عن مركزه ومقامه لأن العبد دعي إلى العبودة فمن أجاب ولان قلبه ~~فإنما لان وأجاب بنور الرحمة الذي ناله والذي لم ينله ذلك قسا قلبه أي يبس ~~بمنزلة غصن شجرة يابسة إذا مددته انكسر فإذا كان القلب رطبا فمددته انقاد ~~وانمال ثم لما أمر هذا العبد أن يكون منتصبا بين يدي خالقه لعبودته أيد ~~بالحياة في كبده حتى يتكبد ويقوى للانتصاب وذلك قوله تعالى {لقد خلقنا ~~الإنسان في كبد} # قال منتصبا فقوة الحياة في الكبد ومن تلك القوة ينتصب قلبه لله تعالى ثم ~~يحتاج إلى ثبات عند الزلازل لأن الشهوات إذا هاجت بأمواجها وهبوب رياحها في ~~عروق النفس وقعت الرجفة في النفس والزلزلة في القلب بمنزلة سفينة في بحر قد ~~علت أمواجه فصارت السفينة تتكفأ بما فيها فكذلك يصير القلب وإذا صار هكذا ~~وهن وذل فيحتاج هذا القلب إلى ثبات فإذا أيد بنور العظمة صلب وثبت # ولذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما رزق عبد شيئا ~~أفضل من إيمان صلب # وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله ms561 عليه وسلم إن لله في الأرض ~~أواني # PageV04P003 # ألا وهي القلوب وأحبها إلى الله أرقاها وأصفاها وأصلبها # أرقاها للإخوان وأصفاها من الذنوب وأصلبها في ذات الله تعالى # قوله وحزما في لين فإن اللين يظهر على الأركان فإذا كان أصله من القلب ~~كان من السكينة وإذا كان أصله من النفس كان من الكسل فإذا كان من الكسل ~~انتشرت أمور دينه ودنياه وتبددت وضاعت وإذا كان من السكينة ثقل القلب بثقل ~~السكينة فسكنت الجوارح وإذا سكنت الجوارح من ثقل القلب ظهر الحزم في الأمور ~~والحزم هو اجتماع الأمور فيرى أمر دينه ودنياه كلها محكمة قد جمعت حزمة ~~حزمة # قوله وإيمانا في يقين فإن الموحدين من الله عليهم بنور التوحيد فوحدوه ثم ~~للنفس في الأسباب مرتع فإذا تعلقت بسبب من الأسباب لم تنتقض عقدة التوحيد ~~لأنها معقودة بالعقدة العظمى وهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها ولكن ~~دخل النقص في نوره المشرق في صدر فصار محجوبا عن الله وبقي مع الأسباب ~~فتراه الدهر من خوف الرزق مضطربا ومن خشية الخلق ذاهلا ومن الطمع فيما ~~لديهم أسيرا ولا يعمل لله إلا كأجير السوء فهذا موحد دني سفل ولا يقدر على ~~الوفاء والتوفير لما نطق لسانه يقول الحمد لله على نعمته ثم تراه كفورا في ~~الفعل ويقول الله أكبر ثم يتكبر على حق الله ويقول لا إله إلا الله ثم توله ~~قلبه إلى الأسباب فتراه عيير أهل الدنيا ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله ثم ~~يقتدر في الأمور ويقول صلى الله على محمد ثم يوهن عرى ما جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم بالسيرة المذمومة والأفعال السيئة ويقول يا رب ثم ينازعه في ~~تدبيره في ربوبيته # PageV04P004 # ويقول توكلت على الله ثم يتخذ من دونه أولياء فيتعلق بهم لنوائبه وحوائجه ~~ويقول فوضت أمري إلى الله ثم يعرض عن تدبيره ويشتغل بتدبير نفسه ويقول ~~اللهم خر لي فإذا خار تسخط وتلوى ويقول حسبي الله ثم تراه يركن إلى كل ظلوم ~~قال الله تعالى ولا تركنوا إلى ms562 الذين ظلموا فتمسكم النار # فهذا مع هذه العقارب قد يسمى باسم الإيمان باعترافه وتوحيده وقبوله ~~الإسلام ولكن الحساب طويل والعذاب أليم في القبر والقيامة وعلى الجسر ~~فيحتاج مع هذا الإيمان إلى يقين فإذا نال اليقين تخلص من هذه العقارب وصار ~~موحدا شاكرا لله خالصا متواضعا والها إليه في كل حاجة مفوضا ملقيا نفسه ~~بيديه سلما فيتولى الله ويتولاه الله قد عز رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ووقره ونصره واتبع النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون # وقال الحسن البصري رضي الله عنه إن عمر رضي الله عنه لم يغلب الناس ~~بالصلاة والصوم ولكن بالزهد واليقين # وقال بكر بن عبد الله المزني أن أبا بكر رضي الله عنه لم يفضل الناس ~~بكثرة صوم ولا صلاة وإنما فضلهم بشيء كان في قلبه # وقال صلى الله عليه وسلم خير ما ألقي في القلب اليقين # وقال صلى الله عليه وسلم ما أعطيت أمة من اليقين ما أعطيت أمتي # وقال صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين وفساد آخرها بالبخل # PageV04P005 # والأمل ولا يظهر البخل والأمل إلا من فقد اليقين ساء ظنهم بربهم فبخلوا ~~وتلذذوا بشهوات الدنيا فحدثوا أنفسهم بالأماني الكاذبة # قوله حرصا في علم قد اتجه على وجهين وجه منهما أن العلم بحر فإذا دخله ~~طالبه فتوسطه فلم ير له ساحلا ولا منتهى وسأم فيحتاج إلى حرص يعينه على ذلك ~~ويذهب بملالته والحرص إنما صار مذموما في أمر الدنيا لأن النفس كلما أعطيت ~~درجة من الدنيا نزعت إلى أعلى منها وهو في طلب الدنيا مذموم ولأنه لا يقنع ~~بما قدر له في اللوح من الرزق الذي قد فرغ الله منه لكل نفس والحرص في طلب ~~العلم محمود لأنه يترقى بعلمه بقلبه إلى علام الغيوب فكلما نال درجه قربت ~~منزلته عند ربه قال تعالى {والذين أوتوا العلم درجات} # وقال عليه السلام إن يوما لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله تعالى لا ~~بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم # فالحرص في طلب العلم يرقى بصاحبه والحرص ms563 في طلب الدنيا يحط بصاحبه # والوجه الآخر من الحرص أنه يحرص على البر والتقوى فيحتاج ذلك الحرص إلى ~~العلم لئلا يتعدى به حرصه في بره وتقواه إلى السقوط في التهلكة فيبر بما ~~يصير عقوقا ويتقي بما يصير وسوسة ويعمل البر غير مصيب للحق كما فعل جريج ~~الراهب في بره وكما فعلت بنو إسرائيل في تقواهم # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جريج # PageV04P006 # الراهب كان متعبدا في صومعة زمن بني إسرائيل وكانت له أم تأتيه فتناديه ~~فتقول يا جريج فيقطع صلاته فيكلمها فأتته يوما فجعلت تناديه يا جريج فجعل ~~لا يكلمها ولا يقطع صلاته ويقول يا رب أمي وصلاتك فلا يكلمها فلما رأت ~~العجوز ذلك جزعت وقالت اللهم إن كان جريج يسمع كلامي ولا يكلمني فلا تمته ~~حتى ينظر في أمين المومسات وكانت راعية وراع يأويان إلى ديره فوقع بها ~~الراعي فحملت وكانت أهل القرية يعظمون الزناء إعظاما شديدا فلما ولدت ~~أخذوها فقالوا ممن ولدت قالت من جريج الراهب نزل فوقع بي فحملت فأتاه قومه ~~فنادوه يا جريج فجعل يقول يا رب قومي وصلاتك وجعل لا يكلمهم فلما رأوا ذلك ~~ضربوا صومعته بالفئوس فلما رأى ذلك نزل إليهم فقال ما لكم قالوا ذكرت هذه ~~أنها ولدت منك فضحك ثم صلى ركعتين ثم وضع يده على رأس المولود فقال من أبوك ~~فقال الراعي الذي كان يأوي معها إلى ديرك فلما رأى قومه ذلك جزعوا مما ~~صنعوا به وقالوا دعنا نبني لك صومعتك ونعيدها لك من ذهب وفضة فقال لا ~~أعيدوها على ما كانت فقال له قومه لم ضحكت ونحن نريد ما نريد من القتل ~~والشتم قال ذكرت دعوة والدتي ألا أموت حتى أنظر في أعين المومسات فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو دعت الله أن يخزيه لأخزاه ~~ولكنها دعت أن ينظر فنظر # قال مجاهد كان المولود أحد الثلاثة الذين تكلموا في المهد # عن يزيد بن حوشب الفهري عن أبيه ms564 قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV04P007 # يقول لو كان جريج الراهب فقيها عالما لعلم أن إجابة أمه من عبادة ربه # عن سعيد بن المسيب قال جاء عثمان بن مظعون إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا رسول الله غلبني حديث النفس فلم أحب أن أحدث شيئا حتى أذكر ~~ذلك لك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وما تحدثك به نفسك يا عثمان قال ~~تحدثني نفسي أن أختصي فقال مهلا يا عثمان فإن خصاء أمتي الصيام قال يا رسول ~~الله فإن نفسي تحدثني بأن أترهب في رؤوس الجبال قال مهلا يا عثمان فإن ترهب ~~أمتي الجلوس في المساجد انتظارا للصلاة قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني ~~أن أسيح في الجبال قال مهلا يا عثمان فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله ~~والعمرة والحج قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أخرج من مالي كله قال ~~مهلا يا عثمان فإن صدقتك يوما بيوم وتكف نفسك وعيالك وترحم المسكين واليتيم ~~فتطعمه أفضل من ذلك قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أطلق خولة امرأتي ~~قال مهلا يا عثمان فإن الهجرة في أمتي من هجر ما حرم الله عليه أو هاجر إلي ~~في حياتي أو زار قبري بعد موتي أو مات له امرأتان وثلاث وأربع قال يا رسول ~~الله فإن نهيتني أن أطلقها فإن نفسي تحدثني بأن لا أغشاها قال مهلا يا ~~عثمان فإن الرجل المسلم إذا غشي أهله أو ما ملكت يمينه فلم يكن من وقعته ~~تلك ولد كان له وصيف في الجنة وإن كان من وقعته ولد فمات قبله كان له فرطا ~~وشفيعا يوم القيامة وإن مات بعده كان له نورا يوم القيامة قال يا رسول الله ~~فإن نفسي تحدثني بأن لا آكل اللحم قال مهلا يا عثمان فإني # PageV04P008 # أحب اللحم ولآكله إذا وجدته ولو سألت ربي أن يطعمنيه في كل يوم لأطعمنيه ~~قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن لا أمس الطيب ms565 قال مهلا يا عثمان فإن ~~جبرائيل عليه السلام أتاني بالطيب غبا وقال يوم الجمعة لا مترك له يا عثمان ~~لا ترغب عن سنتي ومن رغب عن سنتي فمات قبل أن يتوب ضربت الملائكة وجهه عن ~~حوضي يوم القيامة # وأما تقوى بني إسرائيل فروي عن جامع بن شداد قال أتيت أبا بكر ابن عبد ~~الرحمن بن الحارث بن هشام بمكة فقلت يرحمك الله إذا خرجنا فأكل بعضنا الخبز ~~وتركه بعضنا كراهية له فكيف ترى فقال أيها الناس لا تغلوا في دينكم مرتين ~~حدثني أبو هريرة رضي الله عنه أن عيسى بن مريم عليه السلام ندب قومه بخبز ~~ولحم وشراب ثم أرسل إليهم فدعاهم فأقبلوا يمسحون أيديهم بملاء الكتان باغين ~~فقالوا لا نأكل من هذا اللحم لأن كبشه رضع من كلبه ولا نأكل من هذا الخبز ~~لأن سنبله نبتت في مزبلة ولا نشرب من هذا الشراب لأن حبله نبتت في مقبرة ~~قال فلم ترهم يا ابن أخي حبب إليهم اللحم حتى أنهم ليأكلون الخصي من حبهم ~~اللحم وإن الفويسقة تقع في إناء أحدهم فيخرجها ويشرب من حبه الشراب وإنه لا ~~يصلح له شيء إلا بمزبلة ثم التفت إلى مولى له فقال ولم يكن من أحب زادنا ~~إلينا الخبز # عن أبي قلابة قال بلغ النبي عليه السلام أن أناسا من أصحابه احتموا ~~النساء واللحم فأوعد النبي صلى الله عليه وسلم فيه وعدا شديدا حتى ذكر ~~القتل فقال لو تقدمت فيه لقتلت ثم قال إني لم أرسل بالرهبانية إن خير الدين ~~عند الله الحنيفية السمحة وإنما هلكت من قبلكم من أهل الكتاب بالتشديد فتلك ~~بقاياهم في الصوامع والديار اعبدوا الله ولا تشركوا به # PageV04P009 # شيئا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم لكم # فمحتاج الحريص على البر والتقوى إلى العلم حتى يمسك حرصه عن التعدي وذلك ~~صدق الحرص الذي قال عبد الله بن مسعود لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما يا ~~أمير المؤمنين إن في هذه الأمة من يبلغ عمله في الميزان ما يكون ms566 عمل يوم ~~وليلة أثقل من سبع سموات فقال بم ذلك يا ابن أم عبد قال بصدق اليقين وبصدق ~~الورع وبصدق الحرص على البر والتقوى # قوله شفقة في معة فالشفقة تحنن الرأفة والإكباب على من يشفق عليه والمعة ~~هي الحاوية مشتقة من المعاء معاء البطن فإذا كانت الشفقة بغير معة انتشرت ~~وفسدت وإذا كانت في معة كانت الشفقة في حصن فلم ينتشر ولم يفسد لأن هناك ~~شيئا يحويها قال له قائل وما ذلك الشيء قال تعظيم حق الله فإذا أشفقت على ~~حق الله تعالى كانت تلك الشفقة حاوية لهذه الشفقة فلا ينتشر ولا ينبثق ولا ~~يتعدى إلى الفساد ألا يرى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جزعوا عند ~~الحدود في مبتدأ أمرهم فأنزل الله تعالى {لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ~~إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} # وجلد عمر رضي الله عنه ابنه فقال يا أبت قتلتني فقال إذا لقيت ربك فاخبره ~~أنا نقيم الحدود # وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في فاطمة المخزومية حيث أراد قطعها في ~~سرقة # PageV04P010 # فغضب فقال والله لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتها ثم نزل من المنبر فقطعها # قوله حلما في علم فالحلم سعة الخلق وإذا توسع المرء في أخلاقه ولم يكن له ~~علم افتقد الهدى وضل لأن توسعه يرمي به إلى نهمات النفس فيحتاج إلى علم يقف ~~به على الحدود وإذا كان له علم ولم يكن هناك حلم ساء خلقه وتكبر بعلمه لأن ~~العلم له حلاوة ولكل حلاوة شره فيضيق أخلاقه ويرمي به ضيق إلى شره النفس ~~وحدتها فيكون صاحب عنف وخرق في الأمور فيضيع علمه # قال الشعبي ما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم # وقيل الحلم أرفع من العقل لأن الله تعالى تسمى بالحلم ولم يتسم بالعقل # عن الحسن رضي الله عنه ما سمعت الله نحل عباده شيئا أقل من الحلم قال {إن ~~إبراهيم لحليم} وقال {فبشرناه بغلام حليم} # فالحلم سعة الخلق والعقل عقال عن التعدي في ms567 أخلاقه والواسع في # PageV04P011 # أخلاقه حر عن رق النفس ولذلك قال عيسى عليه السلام لبني إسرائيل لا عبيد ~~أنقياء ولا أحرار كرماء # فالحليم كريم أينما انقاد والحليم يحتمل أثقال الأمر والنهي بلا كبد ولا ~~مجاهدة فكان إبراهيم عليه السلام ممن احتمل الأثقال ابتلي بالنار وابتلي ~~بالهجرة والغربة وابتلي بسارة وابتلي بالختان وابتلي بذبح الولد فجاد بنفسه ~~وولده فقال الله تعالى {إن إبراهيم لحليم أواه منيب} # قوله قصدا في غنى القصد القسط إلا أن القصد في الأفعال والأعمال والقسط ~~في الأوزان قال الله تعالى {واقصد في مشيك} أي المشي الوسط لا الوهن ~~الكسلان ولا السريع العجلان # وروي أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءه ضيف فبينما هو قاعد عنده إذ جاءه ~~الراعي على يده بهمة قد ولدها فقال له اذبح شاة ثم قال للضيف لا تحسبن أنا ~~من أجلك ذبحنا ولكن لنا شياه مائة فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة ~~فهكذا القصد إن الله إذا رزقه اقتصد قال الله تعالى {فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} # قال عليه السلام في قوله تعالى {اعملوا آل داود شكرا} من كان فيه ثلاث ~~خصال فقد أوتي ما أوتي آل داود خشية الله في السر والعلانية والقصد في ~~الغنى والفقر والعدل في الغضب والرضاء # PageV04P012 # قوله تجملا في فاقة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ثائرا شعره ~~فقال لم يشوه أحدكم نفسه ورأى آخر في ثياب وسخة فقال أما يملك هذا ما يغسل ~~ثيابه وقال إن الله نظيف يحب النظافة وقال نظفوا أفنيتكم فإن اليهود لا ~~ينظفون # فالفقير صاحب الفاقة إذا كان حي القلب صاحب تقوى وجدته في نظافة وهيئة من ~~نظر إليه لم يوحشه ومن جالسه لم يثقل عليه ولم يتأذ به يأخذ شعره ويقلم ~~أظافره ويغسل أدرانه ويبيض أثوابه ويتطيب وينظف مجلسه ويكنس بيته وليس لذلك ~~كثير مؤنة وإنما يهملها من يهملها لنذالة النفس ودناءتها لا لأنه لا يجد ~~والقلب إذا مات لم يلتمس النظافات والطهارات # وكان رسول الله صلى ms568 الله عليه وسلم يربط الحجر على بطنه من الجوع ولا ~~يترك الطيب ويعاهد أحوال نفسه # وكان لا تفارقه المرآة والسواك والمقراض في السفر والحضر # وكان إذا أراد أن يخرج إلى الناس نظر في ركوة فيها ماء فيسوي من لحيته ~~وشعر رأسه ويقول إن الله جميل يحب الجمال # عن مكحول عن عائشة رضي الله عنها فمن أغفل ذلك ورفع البال عن نفسه ساء ~~منظره ووحشت هيئته فأدخل على إخوانه من المؤمنين الغم والهم من أجله وكان ~~ذلك كالشكوى إلى العباد من ربه وإذا تجمل في فاقته كان كالكاتم مصيبته ~~الشاكر لربه المتحمد إلى خلقه # PageV04P013 # وروي عن عمران بن الحصين رضي الله عنه أنه لبس الخز فقيل له تلبس الخز ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أنعم الله على عبده أحب أن ~~يرى أثر ذلك عليه # وقد لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبا جديدا فقال الحمد لله الذي ~~كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في الناس # فهذا التجمل في الناس لا للناس إنما هو لله شكرا له ونشرا للجميل عنه ~~وإذا أصابته مصيبة سترها وكتمها # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من كتم مصيبته أربعين يوما ~~يخرج من الذنوب كيوم ولدته أمه # وروي عن علي بن الحسين رضي الله عنه أنه لدغته عقرب فصبر في ذلك الوجع ~~ليلته إلى الصباح كاتما له لئلا يعلم به أحد فلما أصبح أعتق رقبة شكرا لله ~~أن أعطاه الصبر حتى قدر على كتمانه # والعبد الحي القلب إذا أنعم الله تعالى عليه نعمة نشرها عند خلقه قولا ~~وفعلا وإذا نكب نكبة سترها وكتمها لئلا يرى العباد من أحوال نفسه ما يتحير ~~العباد فيه من سوء الحال لأن الله تعالى معروف بالمعروف فإذا رأوا سوءا # PageV04P014 # تحيروا حتى يرجعوا إلى إيمانهم به أنه عدل لا يظلم ولا يجور ولذلك استرجع ~~أهل المصيبة لأنهم عندما يصابون تأخذهم الحيرة في أول الصدمة وإذا ذكروا ~~ربهم استرجعوا معنى قولهم {إنا لله ms569 وإنا إليه راجعون} أي رجعنا إليك من ~~حيرتنا وعلمنا أن ذلك لك وأن فعلك هذا بنا خير كله # قوله تحرجا عن الطمع فالطمع فيما في أيدي الخلق هو انقطاع عن الله ~~والمنقطع عن الله مخذول خائب لأنه عبد بطنه وفرجه وشهواته والطمع والرجاء ~~مقترنان إلا أن الرجاء صفة فعله أن يمد القلب عنقه إلى شيء والطمع وجود ~~القلب طعم ذلك الشيء الذي رجاه فهذا فتنة # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعوذ بالله من طمع يهدي إلى طبع # فالطمع إذا عمل في القلب وتمكن فيه طبع على قلبه لأنه يوله قلبه إلى ~~الخلق عن الله فتراه يتملق لهذا ويمدح ذاك في وجهه ويتبع هذا فيصير كالعبد ~~له فكم من حق يضيعه وكم من أمر يسكت عن الحق فيه فإذا نطق نطق بالهوى فهذا ~~قلب قد خرب ولذلك قال الله تعالى يا داود ما من عبد يعتصم بخلق دوني إلا ~~أسخطت الأرض من تحت قدميه وقطعت أسباب السماء من فوقه # وقال الله تعالى لموسى عليه السلام من رجا غيري وكلته إليه ومن وكلته ~~إليه فليستعد للفتنة والبلاء # قوله كسبا من حلال كل نفس قد فرغ الله من رزقها وأثبته في # PageV04P015 # اللوح ثم أنزل بذلك قرآنا فقال {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ~~ويعلم مستقرها ومستودعها} # فالمؤمن الموقن قد صار هذا الضمان له معاينة فاطمأن إلى ذلك ولم يتعد إلى ~~الحرام والذي ضعف يقينه بغلبة شهواته على إيمانه فيفتتن ويتعدى إلى الحرام ~~والشبهة # قوله برا في استقامة المؤمن إذا كان لين القلب رقيق الفؤاد عطف على الأهل ~~والولد والناس كلهم فإذا بر وكان بهذه الصفة لم يؤمن أن يزل عن الحق ~~والصواب فيصير البر عقوقا # عن إبراهيم النخعي كان يستحب أن يسوي الرجل بين ولده حتى في القبلة # عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اعدلوا بين أولادكم ~~في النخب كما تحبون أن تعدلوا بينكم في البر واللطف # وعن النعمان بن بشير أن ms570 أباه نحله غلاما فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يشهده فقال كل ولدك نحلته قال لا قال فاردده # فقوله برا في استقامة شرط وثيق وهو أن لا يمازجه الهوى والبر والملق ~~قرينان مشتبهان # قوله نشاطا في هدى فالنشاط هو انحلال النفس وانبساطها # PageV04P016 # والأنشوطة هو العقد إذا مددته انحل من غير أن تحله فإذا عمل العبد عملا ~~كان من النفس فيه انقباض وكسل فإذا قارنها الهوى والشهوة نشطت وانحلت فأمر ~~صاحب هذا أن يتفقد حتى يكون نشاط نفسه وانحلالها في هدى لا في ضلالة # قال الله تعالى {ويحذركم الله نفسه} وقال {واعلموا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه} أي أحذروا أن لا يتلظى عليكم شعاع من نور العظمة فتصير ~~السموات والأرض جمرة واحدة # فالنشاط يحتاج إلى الهدى كيلا يفوته الحذر مثل الصبي إذا رأى معلمه انقبض ~~وتطأطأ فإذا افتقده انبسط وابتش وكان السلف الصالح ينبسطون إلى أهاليهم ~~وأولادهم وإخوانهم ويظهرون النشاط في الأمور ويتفقدون من أنفسهم الوقوف عند ~~الحدود كي لا يرتطموا في النهي # وقال إبراهيم النخعي يعجبني أن يكون الرجل في أهله كالصبي فإذا بغى منه ~~وجد رجلا يعني إذا طولب بما لا يجوز في الحق وجد صلبا في دينه # قوله نهيا عن شهوة فإن النفس ذات شهوات فإذا أطمعتها في واحدة طمعت في ~~أخرى ثم لا يزال كذلك حتى تستمر فتشرد على صاحبها شراد البعير # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من السرف أن تأكل كل ما شئت # معناه أن النفس إذا اعتادت هذا من صاحبها استمرت فإذا منعتها لم تقدر على ~~ذلك # وعن عكرمة رضي الله عنه أن النفس إذا أطمعتها طمعت وإن آيستها أيست وإن ~~فوضت إليها ضيعت # PageV04P017 # قوله رحمة للمجهود فالمجهود أصناف مجهود في المعاش ومجهود في العبادة ~~ومجهود في البلاء فمن شأنه أن يرحم كل هؤلاء # قوله إن المؤمن عياذا لله عياذا الله هو الذي يعيذ عباده من السوء المؤمن ~~البالغ في إيمانه يعيذ العباد بفضل إيمانه من جوره فقد أمنه الخلق ms571 وصاروا ~~منه في معاذ لا يحيف على من يبغض أي بغضه إياه لا يحمله على أن يحيف عليه ~~وذلك قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} ~~الآية # قوله لا يأثم فيمن يحب أي لا يحمله حبه إياه أن يأثم في جنبه فإنه إذا ~~كان على غير ذلك كان بغضه لغير الله وحبه لغير الله # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يبلغ العبد ذروة ~~الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله # فمن كان حبه في الله وبغضه في الله لم يحمله البغض على أن يجور ولا الحب ~~على أن يأثم ومن أحب وأبغض لهوى نفسه جار على المبغض وأثم في جنب المحبوب ~~قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} ~~وذلك أنهم لما أرادوا الهجرة امتنع منهم بعض أزواجهم وأولادهم فافتتن بعضهم ~~بالأزواج والأولاد فأقاموا وتركوا الهجرة ومنهم من مضى وتركهم فنزلت هذه ~~الآية فيمن أثم في جنب محبوبه من الأهل والولد # قوله ولا يضيع ما استودع لأنه يشفق على ما يؤتمن عليه كشفقته على مال ~~نفسه لعظيم قدر الأمانة عنده # PageV04P018 # قوله ولا يحسد لأن من عرف الله عرف أنه هو قسم الدنيا بين أهلها بحكمة ~~بالغة وقال {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها كل في كتاب مبين} ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وقال تعالى {ما ~~يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} وقال ~~{وإن يردك بخير فلا راد لفضله} # فمن أيقن في إيمانه بهذه الكلمات لم يحسد الناس على فضل أوتوا وقنع بما ~~أوتي # وروي عن وهب بن منبه رضي الله عنه أن الله تبارك وتعالى اسمه كتب التوراة ~~بيده فيها عشر كلمات أمره بهن بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب الله تبارك ~~وتعالى اسمه كتبه لعبده موسى سبحني وقدسني يا موسى إني أنا الله لا إله إلا ~~أنا فاعبدني ms572 ولا تشرك بي شيئا فإني حق القول مني لتلفحن وجوه المشركين ~~النار واشكر لي ولوالديك إلي المصير أنسألك في عمرك وأقيك المتالف وأحييك ~~حياة طيبة وأقلبك إلى خير منها ولا تقتل النفس التي حرمت إلا بالحق فتضيق ~~عليك الأرض برحبها والسماء بأقطارها وتبوأ بسخطي والنار ولا تحلف باسمي ~~كاذبا ولا آثما فإني لا أطهر ولا أذكى من لم ينزهني ويعظم أسمائي ولا تشهد ~~بما لم تع سمعك ولم يحفظ عقلك ولم يعمد عليك قلبك فإني واقف أهل الشهادات ~~يوم القيامة على شهاداتهم ثم أسائلهم عنها سؤالا خفيا ولا تحسد الناس على ~~ما آتيتهم من فضلي فإني أنا الجواد بالعطية أعطي من شئت وأمنع من أردت ولا ~~تنفس عليهم نعمي ورزقي ولا تمدن عينيك ولا تتبعه نفسك فإن الحاسد عدو ~~لنعمتي # PageV04P019 # مضاد لقضائي ساخط لقسيمي الذي أقسم بين عبادي ومن يك كذلك فلست منه وليس ~~مني وأنا منه بريء ولا تزن ولا تسرق فأحجب عنك وجهي ويغلق دون صوتك أبواب ~~السماء ولا تغدر بحليلة جارك فإنه كبر مقتا عندي وأحبب للناس ما تحب لنفسك ~~واكره لهم ما تكره لنفسك ولا تذبح لغيري فإنه ليس يصعد إلي قربان أهل الأرض ~~إلا ما ذكر عليه اسمي وتفرغ للسبت وفرغ له آنيتك وأسقتك وثورك وحمارك ~~ودوابك وجميع أهل بيتك # وذكر وهب رضي الله عنه أن هذه الكلمات العشر التي كتب الله لموسى عليه ~~السلام في الألواح مكتوبات في القرآن وذلك أن الله تعالى يقول {من يشرك ~~بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} # وقال الله تعالى في الوالدين {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} # وقال في القاتل {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} # قال في الحلف {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} # وقال في الشهادة ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسئولا # PageV04P020 # وقال في الحسد {أم يحسدون الناس على ما آتاهم ms573 الله من فضله} # وقال في الزنا ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا # وقال في السرقة {والسارق والسارقة} الآية # وقال في حليلة الجار {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله ~~عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم} # وقال في التحاب بين الناس {إنما المؤمنون إخوة} # وقال {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} # وقال في الذبائح {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} # وقال في السبت {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا ~~قردة خاسئين} # فمن عادى نعمة الله بحسده وسخط أمره وضاد قضاءه فمعرفته في # PageV04P021 # سجن مظلم وسويداء قلبه لا أدري أتبقى معه حتى يختم له بها أم يسلب فيموت ~~كافرا عدوا لله وإن تفضل الله عليه بأن يتركها عليه وختم له بها لا أدري ~~متى ينجو من النار # قوله لا يطعن فالطعن قد يكون من الحسد وقد يكون من الغيرة والغيرة من ~~إبليس في صدر الآدمي كالعذرة من الآدمي فحق على كل مؤمن أن يعاف من الغيرة ~~فإذا طعن فقد هتك الستر وإنما يطعن في ستر الله ولو أن رجلا طعن في ستر ملك ~~من عظماء ملوك الدنيا لخاطر بنفسه وأهلكها فكيف بستر الله لأن المؤمن في ~~سبعين سترا من الله # عن الحسن البصري عن سلمان قال المؤمن في سبعين حجابا من نور فإذا عمل ~~خطيئة ثم تناساها حتى يعمل أخرى هتك عنه حجابا فإذا عمل كبيرة هتك عنه ~~الحجب كلها إلا حجاب الحياء وهو أعظمها حجابا فإن تاب تاب الله عليه ورد ~~تلك الحجب كلها فإن عمل خطيئة بعد الكبائر ثم تناساها حتى يعمل أخرى قبل أن ~~يتوب هتك عنه حجاب الحياء فلم يلقه إلا مقيتا ممقتا فإذا كان مقيتا ممقتا ~~نزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم يلقه إلا خائنا مخونا فإذا كان ~~خائنا مخونا نزعت منه الرحمة فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا فظا غليظا ~~فإذا كان فظا غليظا نزعت منه ms574 ربقة الإيمان فإذا نزعت منه ربقة الإيمان لم ~~تلقه إلا لعينا ملعنا شيطانا رجيما # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ما من رجلين مسلمين إلا بينهما من الله ~~ستر فإذا قال أحدهما لصاحبه هجرا هتك ستر الله # قوله لا يلعن اللعنة إذا خرجت من العبد استأذنت ربها فإذا صارت إلى من ~~رجمت إليه فلم تجد مساغا رجعت إلى ربها فقالت رب إني لم أجد مساغا فأمرت ~~بالرجوع إلى صاحبها # PageV04P022 # قوله يعترف بالحق وإن لم يشهد عليه فالمؤمن أسير الحق يعلم أن الشاهد ~~عليه علام الغيوب وقد أيقن بما أنزل عليه من قوله {ولا تعملون من عمل إلا ~~كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه} فقد اجتمع على قلبه أمران اثنان العلم ~~والشهادة فأخذته هيبة العلم وحياء الشهادة وقال تعالى {والله يعلم متقلبكم ~~ومثواكم} وقال {ألم يعلم بأن الله يرى} فلا يحوج الموقن بهذا إلى أن يشهدوا ~~عليه فهو معترف بالحق أبدا له أو عليه # عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتدرون من ~~السابقون إلى ظل الله يوم القيامة قالوا الله ورسوله أعلم قال الذين إذا ~~أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوا بذلوه وحكموا الناس كحكمهم لأنفسهم # قوله لا يتنابز بالألقاب فالنبز من شأن البطالين الذين رفعوا عن أنفسهم ~~البال وشرهت نفوسهم إلى التلذذ بالبطالات وفي ذلك حقارة للمؤمنين # وروي عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال له رجل يا أصلع فقال لقد كنت ~~غنيا عن لعنة الملائكة # وبلغ من تعظيم حق المؤمن أن يكنى ويدعي بالكنية لأن الاسم قد نالته ~~البذلة في صغره فلما بلغ وحل محل الإجلال جعلت له دعوة طرية مرفوعة عن ~~البذلة فكنى عن الاسم بشيء آخر تعظيما له # PageV04P023 # وكانت الأعراب لجفائهم ينادون يا محمد يا محمد يا محمد فنزل {لا تجعلوا ~~دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} فعلموا أن يقولوا يا نبي الله وكانت ~~كنيته أبا القاسم ولو دعي بتلك الكنية لكان مدعوا بما قد ابتذل قبل النبوة # قوله ms575 في الصلاة متخشعا الخشوع من فعل القلب فإذا علم القلب أين قام ولمن ~~قام تخشع وإذا استقام القلب ذلت النفس وإذا ذلت النفس هدأت الجوارح # ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في صلاته قال لو ~~خشع قلبه لخشعت جوارحه # قوله إلى الزكاة مسرعا فالسرعة هي من حياة القلب يعلم أن المال ميال ~~بالقلوب عن الله فإذا مال القلب عن الله بشيء نزعت البركة من ذلك الشيء ~~فأمر بالتصدق منه ليظهر صدق إيمانه بأني لما ملت إلى هذا المال وأحببته ملت ~~عنه إلى الله تعالى بهذه العطية وبأن أخرجته من ملكي فسميت صدقة ثم سميت ~~زكاة لأن المال بسبب هذه العطية عادت إليه البركة فزكى وطهر العبد من الميل ~~عن الله فزكى # قوله في الزلازل وقورا الوقار يثقل قلب العبد فإذا نالته زلزلة بين بلوى ~~وشدة لم تستفزه ولم يتكفأ يمينا وشمالا والوقار إكليل الإيمان # قال زيد بن أسلم إن على الحق نورا وعلى الإيمان وقارا # قال داود عليه السلام إلهي دلني على عمل إذا أنا عملته نلت به # PageV04P024 # وقارك فأوحى الله إليه يا داود أحبب المؤمنين من أجلي ولا يزال لسانك ~~رطبا من ذكري واعمل لي حتى كأنك تراني # قوله في الرخاء شكورا لأن وقت الرخاء النفس ساكنة والقلب مفتوح الباب ~~مشرق النور منكشف الغطاء فإذا تناول النعمة على نور من ربه كان شكورا ومن ~~كان في الرخاء شكورا كان في البلاء صبورا # قوله قانعا بالذي له القناعة ثواب الله العاجل للعبد بما أطاعه وهي طيب ~~النفس والحياة الطيبة # قال الله تعالى {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة ~~طيبة} وهي أن يملأ قلبه غنى حتى يكون غنيا بالله أغناه الله # وقال صلى الله عليه وسلم من استغنى بالله أغناه الله # وقال صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس # عن زيد بن رافع المدني رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ms576 إن الله أنزل في بعض ما أنزل من الكتب قسما يقسمه يقول وعزتي وجلالي ~~وجمالي وعلوي ودنوي وارتفاع مكاني لمن آثر هواي على هواه لأجمعن له شمله ~~ولأكفينه ما أهمه ولأجعلن غناه في نفسه ولأضمنن السموات والأرض رزقه ~~ولأتجرن له من وراء تجارة كل تاجر ولمن آثر هواه # PageV04P025 # على هواي لأشتتن عليه أمره ولأجعلن فقره بين عينيه ولأحضرنه همومه الحاضر ~~منها والغائب والقديم منها والحديث حتى لا يدري من أين يجيئه ومن أين يأخذه # وكان حق هذه الكلمة في الأعراب أن يقال قنعا بالذي له ولكن الرواة ربما ~~لحنوا في الأداء # ولذلك قال الحسن البصري أهلكتهم العجمة وقيل للحسن إنك لا تلحن قال إني ~~سبقت اللحن والقانع السائل يقال قنع يقنع قنوعا أي سأل وقنع يقنع قناعة أي ~~رضي # قال الله تعالى {وأطعموا القانع والمعتر} # وقال الشاعر # (لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقرة أعف من القنوع) أي من السؤال # قوله لا يجمع في القنط القنط حرارة الحرص وإذا جمع كذلك لم يدعه الحرص أن ~~يتورع في مكاسبه # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن كيس ~~فطن حذر وقاف متثبت لا يعجل عالم ورع والمنافق همزة لمزة حطمة كحاطب ليل لا ~~يبالي من أين كسب وفيم أنفق # سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي بكر رضي الله عنه فقال كان كالخير ~~كله من رجل كان فيه حدة # PageV04P026 # وسئل عن عمر رضي الله عنه فقال كان كالطير الحذر الذي يرى أن له في كل ~~طريق شركا يأخذه # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من طلب الدنيا حلالا ~~واستعفافا على المسألة وسعيا على عياله وتعطفا على جاره جاء يوم القيامة ~~ووجهه كالقمر ليلة البدر ومن طلب الدنيا حلالا مفاخرا مكاثرا مرائيا لقي ~~الله وهو عليه غضبان # قوله لا يغلبه الشح عن معروف يريده الشح أقوى من البخل لأن الشح يدعو إلى ~~أن يأخذ مال غيره وما حرم عليه ويمنع حقوق الله في ms577 ماله والبخل يدعو إلى أن ~~يمنع المعروف من ماله والشح إنما هو من شح والحاء منه مضاعفة إنما هو شاح ~~يشوح أدغمت الألف في الحاء فشددت وقوله حاش يحوش هو أن يطرد الصيد من ~~النواحي إلى الصائد وكذلك الحرص يجمع أسباب المنال إلى ملكه فالحوش في فعل ~~الظاهر والشح في فعل الباطن والبخل والخلب بمعنى إلا أن الخلب أن يخادع ~~الناس في معاملاته والبخل أن يخادع ربه في معاملته على المعروف # قوله يخالط الناس كي يعلم يعني لا يخالطهم مخالطة استرواح إليهم وأنس بهم ~~ولكن مخالطة خبرة واعتبار وحذر وأخذ بالحزم # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يسأل الناس عما في الناس ~~وكان سؤاله على هذه الجهة لا للتجسس # قوله يناطقهم كي يفهم أي يفهم أحوالهم وأمورهم لأن الأسرار إنما تظهر ~~بالمناطقة ولذلك قيل إنما المرء بأصغريه وهما القلب واللسان فإذا ناطقهم ~~عرف كلا على درجته ولم يناطقهم لشهوة الكلام # PageV04P027 # جزافا بل يناطق الحكماء ليزداد بالله علما والعامة ليفهم أحوالهم # قوله وإن ظلم أو بغى عليه صبر حتى يكون الرحمن هو الذي ينتصر له الصبر ~~الحبس ومنه المصبورة وهو أن ينصب طائرا غرضا ويرميه والمؤمن يعرف أن الله ~~عدل يأخذ من الظالم فإذا ظلم وجد الله مليا في الانتصار وأما في البغي فإن ~~صبر فقد أخذ بباب السلامة فإن انتصر فقد أثنى الله على المنتصر فقال وإذا ~~أصابهم البغي هم ينتصرون المنتصر ينتصر لحق الله لا لنفسه فإن خاف أن تشركه ~~النفس فيأخذ بحظها فالصبر أسلم # PageV04P028 ### | - الأصل التاسع والخمسون والمائتان ### | في دفع الوسوسة # عن أبي المليح عن أبيه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~إني أدخل في صلاتي فما أدري على شفع أنفتل أم على وتر من وسوسة أجدها في ~~صدري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجدت ذلك فاطعن إصبعك هذا يعني ~~السبابة في فخذك اليسرى وقل بسم الله فإنها سكين الشيطان أو مدية الشيطان # ومعناه أن الطعنة بالسبابة ms578 مدية الشيطان إذا كان مبتدأها بسم الله ~~والمدية السكين الذي له وجهان كالخنجر في المقدار إلا إنها ذات وجهين فب ~~(أسم الله تخلص تلك الطعنة بالسبابة إلى الشيطان فينال منه فخذه وساقيه حتى ~~يصير مقعدا زمنا فذلك أن الوسواس جاء صفة في الحديث كيف هو من الآدمي # عن عثمان بن أبي العاصي رضي الله عنه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الوسواس فقال ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا # PageV04P029 # أحسست بشيء منه فاتفل عن شمالك ثلاثا ثم تعوذ بالله منه # عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال سألت الله عز وجل أن يريني الشيطان ~~ومكانه من ابن آدم فرأيته يداه في يديه ورجلاه في رجليه متشاعب في جسده غير ~~أن له خطما كخطم الكلب فإذا ذكر الله خنس ونكص وإذا سكت عن ذكر الله أخذ ~~بقلبه # فعلى نحو ما وصف أبو ثعلبة أنه متشاعب في الجسد أن في كل عضو منه لشعبة ~~منه # عن عبد الرحمن بن الأسود أنه قال بعدما كبر سني وضعفت ما أمنت من الزنا ~~وما يؤمنني أن يدخل الشيطان ذكري فيؤيده فهذا القول ينبئك أنه يتشعب في ~~الجسد # عن الأعمش عن جثيمة أنه كان يقول يقول الشيطان كيف ينجو مني ابن آدم وأنا ~~في صدره وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه # إنما يطير إلى الرأس في وقت الغضب لأن العقل في الرأس وإشراقه من الرأس ~~إلى الصدر لينظر عين الفؤاد بنور العقل فيميز بين الأمور ويدبر فإذا رأى ~~الشيطان الغضب قد هاج من الآدمي طار إلى رأسه حتى يحجب العقل عن أن يشرق في ~~الصدر # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الشيطان يجري من ابن آدم ~~مجرى الدم # PageV04P030 # فمجرى الدم هي العروق المشتملة على جميع الجسد فدل هذه الأحاديث أن ~~الشيطان متشاعب في الجسد ثم سلطانه ومقعده في الصدر وقت الوسوسة # عن يحيى بن أبي كثير قال الوسواس له باب في صدر ابن آدم يوسوس إليه ms579 منه # عن وهب بن منبه إن إبليس وضع ابنا له بين يدي حواء وقال اكفليه فجاء آدم ~~عليه السلام فقال ما هذا يا حواء قالت جاء عدونا إبليس بهذا وقال لي اكفليه ~~فقال ألم أقل لك لا تطيعيه في شيء هو الذي غرنا حتى وقعنا في المعصية وعمد ~~إلى الولد فقطعه أربعة أرباع وعلق كل ربع على شجرة غيظا له فجاء إبليس فقال ~~يا حواء أين ابني فأخبرته بما صنع آدم عليه السلام فقال يا خناس فحيى ~~فأجابه فجاء به إلى حواء وقال اكفليه فجاء آدم عليه السلام فحرقه بالنار ~~وذر رماده في البحر فجاء إبليس عليه اللعنة فقال يا حواء أين ابني فأخبرته ~~بفعل آدم به فذهب إلى البحر فقال يا خناس فحيى فأجابه فجاء به إلى حواء ~~الثالثة وقال اكفليه فنظر إليه آدم فذبحه وشواه وأكلاه جميعا فجاء إبليس ~~فسألها فأخبرته حواء فقال يا خناس فحيى فأجابه فجاء به من جوف آدم وحواء ~~فقال إبليس هذا الذي أردت وهذا مسكنك في صدر ولد آدم وهو ملتقم قلب ابن آدم ~~ما دام غافلا يوسوس فإذا ذكر الله لفظ قلبه وانخنس # عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيطان ملتقم قلب ~~ابن # PageV04P031 # آدم فإذا ذكر الله خنس عنه وإذا نسي التقم قلبه # وأما التفل الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به أن يتفل عن يساره ~~فإن التفلة واصلة إلى وجه الشيطان فيصير قروحا وكذلك رمي الجمار إنما يرمى ~~رأس الشيطان ومطلعه حيث طلع لآدم عليه السلام ثم لخليل الله عليه السلام ~~فبقيت سنة لأن تلك الطلعة منه كائنة لكل مسلم حاج فإذا رمي الجمار شدخ رأسه ~~وطلعته حتى يختسئ وإنما أمر بسبع حصيات لأنه اطلع رأسه من سبع أرضين ونفسه ~~موثقة في سجين ولذلك سجنه تحت الأرض السابعة فبكل حصاة يختسئ في الأرض حتى ~~يبلغ خسئاته بالحصاة السابعة الأرض السابعة إلى مستقره فكذلك التفلة مع ~~تعوذك بالله يرد الذي جاء به من النزعة ms580 والوسوسة كالنار إلى وجهه فيحرق ~~فيصير قروحا # وروي عن الربيع بن خيثم أنه قصت عليه رؤيا منكرة وذلك أنه أتاه آت فقال ~~إني رأيت في المنام كأن قائلا يقول أخبر الربيع أنه من أهل النار فتفل عن ~~يساره ثلاثا وقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فرأى ذلك الرجل في منامه في ~~الليلة الثانية كأن رجلا جاء بكلب فأقامه بين يديه وفي عنقه حبل وعلى جبهته ~~قروح فقال هذا ذلك الشيطان الذي أراك في منامك رؤيا الربيع وهذه القروح تلك ~~التفلات الثلاث التي كانت منه # PageV04P032 ### | - الأصل المائتان والستون ### | في أن كمال المرء في سبع # عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم ~~وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام # كمال المرء في العلم والحق والعدل والصواب والصدق والأدب واللبق وذلك أنه ~~إذا لم يعلم فهو جاهل بأمر الله فإذا علم أمر الله احتاج أن يكون محقا ~~فيعمل بذلك العلم فإذا عمل بذلك احتاج إلى إصابة الصواب في ذلك العمل بأن ~~لا يكون في غير وقته كالصلاة عند # PageV04P033 # طلوع الشمس وترك إجابة الأم في الصلاة والغزو بغير إذن أبويه وقبل ذلك ~~احتاج إلى العدل بأن يكون يريد به وجه الله في ذلك العمل فإذا عدل احتاج ~~إلى الصدق أن لا يلتفت إلى نفسه فيوجب لها ثوابا فتحتجب عنه المنة فيصير ~~معجبا فإذا صدق العبودة احتاج إلى الأدب حتى يعمله كأن الله يراه بوقار ~~وسكينة وهيبة ويقظة فإن الأدب بساط العمل وإذا قام الأدب احتاج إلى اللبق ~~وإنما يدرك اللبق بحياة القلب بالله فهذا الكامل لأنه يعمل على المشاهدة ~~على بصيرة قال الله تعالى {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} أي ~~لا يقبل عذره لأنه أعطي البصيرة فأعماها بهوى النفس والبصيرة للقلب من نور ~~معرفة الفطرة والعمى من دخان النفس وحريق الشهوات وظلمتها # ثم من الله على مختاريه ms581 من ولد آدم من كل ألف واحد فوضع فيه الخير حتى ~~صار مختارا ثم من عليه بنور التوحيد وفي جوف ذلك النور نور المحبة فلما ~~وجدت النفس حلاوة نور المحبة رفضت حلاوة عبادة الأوثان وقبح عنده الشرك ~~وقويت بصيرته فهتكت كل حجاب بينه وبين ربه وصدرت أعماله من صدره إلى ~~الأركان على مشاهدة النفس ومعاينة القلب محل المقادير والقضاء من ملك ~~الجبروت وذلك قوله تعالى {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} # فلم يجعل الدعاء على بصيرة إلا لتابعي محمد صلى الله عليه وسلم وتابعوه ~~من هاجر عما نهى الله عنه ونصر الحق في كل موطن وكان له السبق فهذا عبد قد ~~رضي الله عنه وأعطاه حبه فأحبه فاحتدت بصيرته حتى انتهت إلى المقام بين يدي ~~الله فباطن الأشياء له معاينة كظاهر الأشياء لأهل الغفلة # PageV04P034 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور ~~الله # وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يأثره عن جبرئيل عليه السلام عن ~~الله تعالى إنه قال ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء فرائضي وإنه ليتقرب إلي بعد ~~ذلك بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع وبصره الذي به ~~يبصر ولسانه الذي به ينطق ويده التي بها يبطش ورجله التي بها يمشي وفؤاده ~~الذي به يعقل فبي يستعمل هذه الأشياء # فإذا أدى الفرائض وهو إقامة الأمر والنهي فقد هاجر وإذا تنفل بعد إقامة ~~الأمر والنهي فقد نصر الحق وإذا قطع العلائق نال السبق لأنه قد انفلت من ~~المتعلقين فعاد إلى ربه فهذا التابع بإحسان قال الله تعالى {والسابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه} # فالسبق والأولية في كل أمر وعمل لهذه الطبقة التي هاجرت عن الآثام ونصرت ~~الحق فهم أهل الرضاء ومحبو الله لأنهم اتبعوا رأس المحبين محمدا صلى الله ~~عليه وسلم فنالوا من تلك المحبة التي أعطى محمد صلى الله ms582 عليه وسلم وقال في # PageV04P035 # تنزيله {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم} فجعل ~~اتباع محمد صلى الله عليه وسلم علما لمحبة الله فمن اتبعه صدقا نال حبه ~~صدقا # عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} قال على البر والتقوى ~~والتواضع وذلة النفس # فالبر والتقوى هو الهجرة التي ذكرناها والتواضع هو السبق لأن من تواضع ~~رفعه الله وذلة النفس نصرة الحق # قال له قائل وكيف صار نصرة الحق في النوافل دون الفرائض قال إن نصرة الحق ~~منه في الفرائض منكمنة لأنه إن ترك الفرائض فخوف الوعيد يحمله على القيام ~~بها فما دام يؤدي الفرائض فهو ناصر للحق ولكن النصرة منكمنة لأنه ربما ~~أداها من خوف العقاب والوعيد فإذا تنفل فقد انكشفت النصرة لأنه يعمل لا من ~~خوف الوعيد إنما يريد أن يتودد ويتقرب ويتحبب إلى ربه ألا ترى أنه قال في ~~حديثه وإنه ليتقرب إلي بعد ذلك بالنوافل حتى أحبه فإنما أوجب له حبه بما ~~تحبب إليه بالنوافل فقد تقرب العبد بالفرائض وتحبب ولكن كان ذلك منه منكمنا ~~لأن خوف الوعيد قد مازجه فبالنوافل ظهر ما كان منكمنا فأظهر له حبه فأوجبه ~~له # عن جابر رضي الله عنه قال جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعليه ثياب بيض فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه فقال يا رسول ~~الله ما الجمال قال صواب القول بالحق قال فما الكمال قال حسن الفعال بالصدق # PageV04P036 # عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله ~~غير أنه زاد فيه فرآه تبسم فقال ما يضحكك يا رسول الله أضحك الله سنك قال ~~يضحكني جمالك قال وما الجمال يا رسول الله فذكر بقية الحديث # فهذا الكمال موجود في الرجال بفضل العقول وتفاوتها لأن المعرفة مع العقل ~~والنساء منقوصات في العقل ولذلك صارت شهادة امرأتين تعدل شهادة ms583 رجل # فأما مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم فإنهما برزتا على النساء بما أعطيتا ~~فكملتا قال له قائل فماذا أعطيتا حتى كملتا قال أعطيتا السبيل إلى الوصول ~~إلى الله ثم الاتصال به وذلك ما ندب الله إليه عباده المؤمنين فقال {يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم ~~تفلحون} # وفيما قص الله علينا من نبأهما دليل على كمالهما من قوله {ضرب الله مثلا} ~~أي صفة للذين آمنوا ليتمثلوه فيطلبوا هذا المثال من أنفسهم {امرأة فرعون إذ ~~قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} والعند في اللغة أقرب القرب بين يديه ~~فسألت ربها مستقرا بين يديه في داره في مكان القربة فلم تسأل ذلك إلا وقد ~~طالعت نور القربة ثم قالت {ونجني من فرعون وعمله} # سألت أن يخلصها من سلطان فرعون حتى لا يجتمعا في شأن البضاع على رائحة ~~الشرك ولذلك حرم الله على المؤمنين مشركات النساء حتى لا يجتمع رائحة ~~التوحيد مع رائحة الشرك وأباح نساء أهل # PageV04P037 # الكتاب لأنهن من الكفار غير مشركات ثم قال ومريم ابنت عمران التي أحصنت ~~فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه # فالتصديق بالكلمة أعظم الأشياء لأنها لم تعاين الملائكة وإنما سمعت صوت ~~البشرى {إن الله يبشرك بكلمة منه} فصدقت ولم تردد فسماها الله صديقة في ~~تنزيله فقال {وأمه صديقة} # فبالاتصال بلغ العباد أعلى منازل الصديقين فلا ينالهم في أمر الله حيرة ~~ألا ترى أن سارة لما بشرت بإسحاق كيف اضطربت حتى أنكرت الملائكة من قولها ~~إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله فتبين ههنا منها نقص وتبين ~~الكمال من مريم حيث بشرت بالكلمة من قوله {إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في ~~المهد وكهلا ومن الصالحين} # فعندها قالت {رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر} فإنما سألت من أين هذا ~~الولد لأنه قد جاءها من أمر الله ما ليس في البشر ms584 مثله والذي جاء من أمر ~~سارة ليس بمستنكر قد يكون مثله في البشر ألا ترى أنه لما جاء الولد من ~~إبراهيم وسارة لم يفتتن الخلق به ومجيء عيسى عليه السلام فتنة على ~~المفتونين # PageV04P038 ### | - الأصل الحادي والستون والمائتان ### | في أخلاق الله المائة والسبعة عشر # عن عبد الله بن راشد قال حدثني مولاي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله مائة وسبعة عشر خلقا من أتى ~~بواحدة منهن دخل الجنة # وعن مروان يقول سمعت عثمان بن عفان يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول إن لله تعالى مائة وسبعة عشر خلقا من جاء بخلق منها دخل الجنة ~~بغير حساب فقلنا بينها لنا قال كظم الغيظ والعفو عند المقدرة والصلة عن ~~القطيعة والحلم عند السفه والوقار عند الطيش ووفاء الحق عند الجحود ~~والإطعام عند الجوع والعطية عند المنع والإصلاح عند الفساد والتجاوز عن ~~المسيء والعطف على الظالم وقبول المعذرة والإبانة للحق والتجافي عن دار ~~الغرور وترك التمادي في الباطل ألا وليس في أخلاق الله شيء أحب إليه من ~~الجود والكرم فإذا أراد الله بعبد خيرا وفقه لأخلاقه فتخلق بها وإذا أراد ~~الله بعبد شرا خلى # PageV04P039 # بينه وبين أخلاق إبليس وإن من أخلاق إبليس أن يغضب فلا يرضى وأن يسمع ~~فيحقد وشراهية النفس وهنتها وأخذ ما ليس لها ونزقها إلى اللهو والباطل إلا ~~وإن إبليس ليس هو على أحد أشد منه على القراء الذين هم عند أنفسهم قراء لا ~~يزال فيما بينهم يذهب ويجيء حتى يورث بينهم العداوة والبغضاء فلو قلت حقا ~~ما أقل من يجتمع منهم غدا في الآخرة إلا قوم عطف بعضهم على بعض وتركوا ~~الحقد والغضب وألحوا في الطلبة إلى الله أن يقبلهم ويقبل معذرتهم # قال أبو عبد الله فالأخلاق موضوعة في الطبع ومعقلها في الصدر ومثل ذلك ~~مثل ملك له خزانة وقواد ومملكة فإن كانت الخزانة قليلة كنوزها وكورته صغيرة ~~ضاق بهؤلاء القواد وقال بعضهم لبعض هذا ملك ms585 له اسم الخزانة والكنوز وليس ~~لكنوزه مادة يجري علينا ويعيننا حتى نتخذ عدة للعدو الذي بمرصد منا ومن ~~ملكنا هذا وليست له مملكة فسيحة تنتشر فيها فيأخذ كل قائد منا ناحية من ~~المملكة فيدبر أمر الملك في أهل ناحيته فتعالوا ننتقل عن هذا إلى ملك ~~لمملكته فسحة ومنتشر فنتسع في نواحيها فيقود الجيوش إلى أعمالنا فإن العدو ~~بمرصد ولا نأمن أن ينتهز منا فرصة فالملك هو القلب وخزانته جوف القلب فيه ~~كنوز المعرفة وجواهر العلم بالله والعقل وزيره والصدر فسحته وساحته ومملكته ~~والأخلاق قواده والأركان رعيته ونواحيه وهي الجوارح السبع فهؤلاء القواد هم ~~الأخلاق في الصدر قواد الملك قيام بين عيني الفؤاد والعقل شعاعه يشرق بين ~~عيني الفؤاد يدبر أمر القلب والنفس في الجوف رابضة في مكانها تطلب الملك ~~وترصد لإنتهاز الفرصة ليخرج على الملك لأن شهوة الإمرة فيها والهوى بباب ~~النفس يتلهف عطشا ويتلظى بين يدي بصيرة النفس وذلك قوله تعالى {إن النفس ~~لأمارة بالسوء} وهي أبدا في طلب الإمارة لتتملك وتتأمر على الجوارح # PageV04P040 # فإذا خطرت الخاطرة في الصدر بين عيني الفؤاد نظر العقل فإن رآها حسنة ~~وأمرا رشيدا قدر ودبر ماذا يراد وكم يراد ومتى يراد وإلى متى يراد وإن رآها ~~سيئة وغيا نفاها من الصدر ففي هذا الوقت للنفس منازعة مع القلب والهوى مع ~~العقل في هذه الخاطرة النفس تشتهي والهوى يزعج النفس ويشجعها والعدو يزين ~~ويمني ويغر فإذا جاء مدد الأخلاق بطل تزيين العدو وأمانيه وانكشف غروره ~~وأدبر الهوى قهقرى وجاء مدد كنوز المعرفة ومد الملك يده إلى جواهر العلم ~~بالله في الخزانة فانمحقت المخاطرة وأسبابها وجنودها وأعوانها فإن الخاطرة ~~كانت طليعة النفس والهوى والعدو هذا إن كانت خاطرة الغي وإن كانت رشدا كانت ~~طليعة الحق عز هذا الملك ومنعته وقوام مملكته بهذه الكنوز وهؤلاء القواد ~~وهي الأخلاق التي أحدقت بالقلب فإذا دبر العقل وقدر ما رآه حسنا أمضاه ~~القلب لأن محاسن الأخلاق كائنة في الطبع والنفس تتماسك في الأمر وتنقاد ~~للقلب بالطبع فإذا كان الخلق ms586 بالطبع ظهر ذلك الخلق وسلطانه في الصدر حتى ~~يقوى القلب به فيخرج من الصدر إلى الأركان ذلك الخاطر الذي قدره العقل فعلا ~~حسنا مقدرا مدبرا في يسر بلا عسر ولا تلجلج ولا تردد ولا تقديم ولا تأخير ~~ولا غلو ولا تقصير ولا التفات إلى رشوة النفس من طريق الثواب والعلائق لأن ~~الأخلاق تصير النفس حرة سخية وسخاوتها حريتها والسخاء والخساء بمعنى واحد ~~إلا أن الخساء هو البعيد من الأشياء والسخاء هو انفراد النفس من الشيء ~~وعتقها من رقها والخسا والزكا هما ضدان والخسا الفرد والزكا الزوج وهما ~~مقصوران غير ممدودين فجميع محاسن الأخلاق تؤول إلى الجود والكرم والسخاء ~~فإذا سخت النفس تكرمت وإذا تكرمت جادت # فأخلاق الله تعالى أخرجها لعباده من باب القدرة وخزنها للعباد في الخزائن ~~وقسمها على أسمائه الحسنى وأمثاله العليا فإذا أراد # PageV04P041 # بعبد خيرا منحه منها خلقا ليدر عليه من ذلك الخلق فعلا حسنا جميلا بهيا ~~فجبله في بطن أمه على ذلك الخلق وإذا لم يكن مجبولا بذلك الخلق في بطن أمه ~~قدر له علم ذلك وحسنه وبهاءه ليتخلق العبد بذلك وتخلقه أن يحمل نفسه على ~~فعل ذلك الخلق حتى تعتاد نفسه ذلك # وروي عن وهب بن منبه أنه قال من داوم على خلق أربعين يوما صار ذلك له ~~خلقا أي بقي معه ذلك ولا يكون أصليا لأن المجبول عليه منحه الله تعالى ~~وهديته وإذا أهدي له ثبت له ذلك وكانت نفسه معجونة بذلك الخلق والرب لا ~~يرتجع في هديته # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من أدرك التكبيرة الأولى ~~في صلاة الجماعة أربعين يوما كتب له عتق من النار # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~صلى أربعين يوما في جماعة لا تفوته الركعة الأولى كتب له عتق من النار # PageV04P042 # فهذا إذا صار المشي إلى جماعة أربعين يوما خلقا فكذلك سائر الأخلاق لأن ~~الأخلاق احتمال أثقال المكاره والمشي إلى الجماعة احتمال مكروه لأنه ms587 لو شاء ~~صلاها في بيته فلما أمر بالمشي إلى الجماعة احتمل أثقال المكروه فقدر له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدار أربعين يوما ليصير له خلقا ويسقط عنه ~~الأثقال لأن سوء الخلق في طلب الراحة وإن هذه الأخلاق تفضل الله بها على ~~عبيده على قدر منازلهم عنده فمنح أنبياءه منها فمنهم من أعطاه منها خمسا ~~ومنهم من أعطاه منها عشرا أو عشرين وأكثر من ذلك وأقل فمن زاد منها ظهر حسن ~~معاملته ربه وحسن معاملته خلقه على قدر تلك الأخلاق ومن نقصه منها ظهر عليه ~~ذلك ولذلك ابتلي يونس عليه السلام بما ابتلي به حتى صار ذنبا وسجنه في بطن ~~الحوت حتى طهره وجعل ما حل به موعظة للموحدين وإنما سماه آبقا في تنزيله ~~{أبق إلى الفلك المشحون} لتضايق أخلاقه وترك احتمال أثقال الخلق في ذات ~~الله تعالى فعتب الله عليه ثم اجتباه بعطفه ورحمته وهذبه بكرمه # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال بعثت لأتمم مكارم الأخلاق # فأنبأنا في قوله هذا أن الرسل قد مضت ولم تتمم هذه الأخلاق كأنه بقيت ~~عليهم من هذا العدد بقية فأمر أن يتممها فأعلمنا في قوله هذا أن تلك ~~الأخلاق التي كانت في الرسل فيه ثم هو مبعوث لإتمام ما بقي منها ليقدم على ~~الله بجميع أخلاقه التي ذكرناها مائة وسبعة عشر خلقا فلا يجوز لنا أن نتوهم ~~عليه أنه بعث لأمر فقدم على ربه وهو غير متمم # PageV04P043 # له ومن أشرق في صدره نور اسم من أسماء الله كانت له تلك الأخلاق التي ~~لذلك الاسم هذا للمجبولين ومن تخلق بذلك الخلق ولم يكن جبل عليه كان تخلقه ~~طهارة لصدره وقلبه من دنس الخلق السيئ الذي هو ضد هذا الخلق فإذا تطهر من ~~سيئ الأخلاق لتخلقه بمحاسن الأخلاق بجهد وكد شكر الله له ذلك فوجد قلبه ~~طريقا إلى ذلك الاسم وذلك قوله تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ~~وإن الله لمع المحسنين} أحسن الله أخلاقه جهدا فكان الله معه بالتأييد ms588 ~~والنصرة والعون حتى تمت المجاهدة فشكر الله له ذلك فهداه السبيل إليه بأن ~~كشف عنه السوء حتى أشرق في صدره نور ذلك وهو قوله تعالى أمن يجيب المضطر ~~إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض # وإذا كشف السوء صلح للخلافة في دينه ووجب عليك طاعته وذلك قوله تعالى ~~{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} # فلذلك قيل في حكمة الحكماء المعروفة في صفاء الأخلاق وطهارة القلب فإذا ~~طهر القلب من الريب وصفت الأخلاق من الدنس والكدورة نال العبد المعرفة التي ~~في القربة والوصول إلى ربه فإذا وصل القلب إلى ربه دان له فعندها أصاب ~~الدين الذي يدين الله به # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلق وعاء الدين رواه أنس بن ~~مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV04P044 # فالدين هو خضوع القلب مشتق من الدون الوضوع فإذا تواضع القلب وخشعت النفس ~~وألقت بيديها لله سلما فذلك دين العبد فإذا أمره بأمر ائتمر وإذا نهاه ~~انتهى وإذا قسم له من الدنيا قنع وإذا حكم عليه بحال رضي محبوبا كان أو ~~مكروها فهذه عبودة العبد وإنما قدر العبد على إقامة العبودة في هذه الأشياء ~~بخشعة النفس وخضعة القلب وتواضعه فذلك دينه وإنما قال الخلق وعاء الدين لأن ~~ذلك الخلق إذا كان للعبد مثل الجود والسخاء والكرم كانت النفس حرة من رق ~~الهوى والقلب حرا من رق النفس فهان عليه التواضع والخضوع لله والقناعة بما ~~قسم والرضاء بما حكم والائتمار بأمره والانتهاء عن نهيه وإنما يسر عليه ~~إقامة الدين من أجل ذلك الخلق فإذا كان للعبد ذلك الخلق كان وعاء لدينه من ~~ذلك الخلق يخرج له الدين وهو الخضوع والخشوع وبذل النفس لله واحتمال أثقال ~~المكروه ولما كان هذا الإسلام أشرف الأديان أعطاه أقوى الأخلاق وأشرفها وهو ~~الحياء # عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء # والحياء أصله من الحياة فإذا حيى القلب ms589 بالله استحيى وكلما ازداد حياة ~~بالله ازداد حياء منه ألا ترى أن المستحيي يعرق في وقت الحياء فعرقه من ~~حرارة الحياة التي هاجت من الروح فمن هيجانه يفور الروح بتلك الحرارة فيعرق ~~الجسد منه ويعرق منه ما علا لأن سلطان الحياء في الوجه والصدر # PageV04P045 # عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت إن جبرائيل عليه السلام نزل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه شيء من حبوب يأكله متكئا فجلس يتصبب ~~عرقا فقمت إليه فجعلت أمسح العرق عن وجهه وأقول بأمي وأبي يا رسول الله ما ~~لك قال إن جبرائيل عليه السلام أتاني وأنا آكل متكئا فقال يسرك أن تكون ~~ملكا فهالني قوله قالت عائشة رضي الله عنها فما رأيت النبي عليه السلام أكل ~~متكئا بعد ذلك حتى فارق الدنيا # وإنما تصبب عرقا لفوران حرارة حياته بالله فكلما كان حياة القلب بالله ~~أعظم كان تسليمه لله أكثر وأوفر ونفسه أساس للانقياد لأن الإسلام هو تسليم ~~النفس لله والدين خضوعها وانقيادها فلذلك صار الحياء خلقا للإسلام ووعاء ~~للدين يستحيي فيتواضع ويستحيي فيخضع ويستحيي فيبذل نفسه لله ولا يبخل بها ~~عليه ومن الحياء انكسار النفس وذهاب رجوليتها ألا ترى أن المرأة لما فضلت ~~على الرجل بتسعة وتسعين جزءا من الحياء كيف كسرت شهوتها التي فضلت بها على ~~الرجل # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المرأة فضلت على الرجل بتسعة ~~وتسعين جزءا من الشهوة وفضلت من الحياء بتسعة وتسعين جزءا لتكسر تلك ~~الشهوات ما فضلت به من أجزاء الحياء # PageV04P046 # فقد بان لك أن الحياء يكسر ويذهب بالقوة والجلادة والصلابة من النفس وإذا ~~كان ذلك يقوي القلب لأن الحياء من الحياة بالله والحياة بالله من نفس ~~المعرفة فأما ما ذكرنا من شأن المجبول على خلق ومن شأن الممنوح المتخلق به ~~فروي عن العلاء بن كثير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن محاسن ~~الأخلاق مخزونة عند الله فإذا أحب الله عبدا منحه منها خلقا حسنا أو خلقا ~~صالحا ms590 # وعن هود العبدي القصري عن جده قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحدث أصحابه إذ قال لهم إنه سيطلع عليكم من هذا الوجه ركب هم من خير أهل ~~المشرق فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتوجه في ذلك الوجه فلقي ثلاثة عشر ~~راكبا فرحب وقرب وقال من القوم قالوا نفر من عبد القيس قال فما أقدمكم هذه ~~البلاد التجارة قالوا لا قال أفتبيعون سيوفكم هذه قالوا لا فلعلكم إنما ~~قدمتم في طلب هذا الرجل قالوا أجل فمشى معهم يحدثهم حتى إذا نظر إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال هذا صاحبكم الذي تطلبونه فرمى القوم بأنفسهم عن ~~رحالهم فمنهم من سعى ومنهم من هرول ومنهم من مشى حتى أتوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخذوا بيده فقبلوها وقعدوا إليه وبقي الأشج هو أصغر القوم فأناخ ~~الإبل وعقلها وجمع متاع القوم ثم أقبل يمشي على تؤدة حتى أتى النبي عليه ~~السلام فأخذ بيده فقبلها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فيك خصلتان ~~يحبهما الله ورسوله قال وما هما يا رسول الله قال الأناءة والتؤدة قال يا ~~نبي الله أجبلا جبلت عليه أم تخلقا مني قال لا بل جبلا جبلت عليه فقال ~~الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله # PageV04P047 # وأقبل القوم قبل تمرات يأكلونها فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم ~~بها يسمى لهم هذا كذا وهذا كذا قالوا أجل يا نبي الله ما نحن بأعلم ~~بأسمائها منك قال أجل فقالوا لرجل أطعمنا من بقية القوس الذي بقي من نوطك ~~والقوس قطعة تمر فأتاهم بالبرني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ~~البرني إما أنه من خير تمركم لكم إما أنه دواء لا داء فيه # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلة الحياء كفر # والكفر غطاء على القلب فإذا حل الغطاء بالقلب ذهب الحياء ومات القلب وإذا ~~انكشف الغطاء فإنما ينكشف لحياته بالله فإذا حيى استحيا ولذلك قال سفيان بن ~~عيينة الحياء ms591 أخو التقوى ولا يخاف العبد أبدا حتى يستحيي وهل دخل أهل ~~التقوى في التقوى وفي أمر الله إلا من الحياء # وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أشد حياء من العذراء في خدرها # وقال أبو بكر رضي الله عنه استحيوا من الله فإني لأدخل الكنيف فأقنع رأسي ~~حياء من الله تعالى # رجعنا إلى مبتدأ ما وصفنا من شأن المثل المضروب قلنا فإذا أراد العبد أن ~~يتخلق بخلق من هذه الأخلاق احتاج إلى أن يمكن له في الصدر الذي هو ساحة ~~القلب فمن كان أوسع صدرا كان بمنزلة من كان أوسع مملكة من المال حتى تجد ~~قواد الملك منفسحا فيأخذ كل قائد ناحية # PageV04P048 # فيتملك فيها على حشمه فإذا اتسع صدره أخذ كل خلق من هذه الأخلاق ناحية من ~~صدره وتمكن فيه ويسهل على القلب إنفاذ أمر الله عز وجل وإذ ضاق صدره لم ~~يستقر فيه خلق بمنزلة أولئك القواد لما لم يجدوا فسحة انتقلوا إلى ملك آخر ~~أوسع مملكة منه وأوفر كنوزا ولذلك سأل موسى عليه السلام أول ما سأل حين ~~بعثه إلى فرعون فقال {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري} فبشرح الصدر قدر على ~~احتمال أثقال المكروه حيث احتاج إلى أن يستقبل فرعون بالمكاره قد هرب منه ~~خوفا من القتل # ومبتدأ هذا الأمر أن يعمل في توسيع الصدر حتى تصير له هذه الأخلاق وتوسعه ~~أن يترك الشهوات والنهمات ويجعل المكاره على النفس حتى تصير مدبوغة فعندها ~~تطهر الأخلاق ويشرق أنوار الأسماء في صدره فعنده يغزر علمه بالله تعالى ~~فيعيش عبدا غنيا بالله ما عاش # PageV04P049 ### | - الأصل الثاني والستون والمائتان ### | في صورة النفس وإحيائها # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع من ~~كن فيه حرمه الله تعالى على النار وحفظه من الشيطان من ملك نفسه حين يرغب ~~وحين يرهب وحين يغضب وحين يشتهي وأربع من كن فيه نشر الله عليه رحمته ~~وأدخله في محبته ms592 من آوى مسكينا ورحم ضعيفا ورفق بالملوك وأنفق على الوالدين # قال أبو عبد الله فالنفس في هذا الجسد ومعدنها في البطن ثم هي متفشية في ~~جميع الجسد والروح معدنه في الرأس ثم هو منفش في جميع الجسد والجسد قالب ~~للروح والنفس كليهما والحياة موضوعة في كليهما وحياة الروح أقوى وأكثر ~~وأخلص وأصفى من حياة النفس والدليل على ذلك أن الروح يأمر بالطاعة وذلك لأن ~~حياته أكثر وأقوى لأن أصله من روح الحيوان الذي ماء الحيوان منه الذي إذا ~~شرب منه # PageV04P050 # أهل الجنة بباب الجنة لم يموتوا وقال تعالى في تنزيله {وإن الدار الآخرة ~~لهي الحيوان} فههنا حياة وفي الدار الآخرة حيوان # فهذه الحياة التي في الروح قليلة والماء الذي في الجنة والنهر الذي بباب ~~الجنة لاغتسال أهل الجنة يوم يدخلونها كله من ماء الحيوان والماء الذي تحت ~~العرش بحر راكد على مقدار أرزاق العباد وهو من ماء الحيوان وذلك قوله تعالى ~~وجعلنا من الماء كل شيء حي # فإذا أنزل الله عز وجل إلى الأرض منه أحيا به الأرض وذلك قوله تعالى ~~وأنزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد # ثم قال {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة} أي ميتة لا تتحرك {فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت} فاهتزازها وربوها وحركتها من الحياة التي دخلت ~~فيها # ثم قال {إن الذي أحياها} يعني الأرض {لمحيي الموتى} وقال تعالى {أحيينا ~~به بلدة ميتا} فإنما إحياء الأرض بماء الحيوان # وينزل الله تعالى على أهل القبور قبل نفخة الصور من ماء الحيوان حتى تنبت ~~أجسادهم وتحياهم ثم يبعث الأرواح وهم في قبورهم يتحركون قال له قائل وكيف ~~يتحركون بلا روح قال بالحياة التي نالتهم من ذلك الماء ويتحركون كما تحركت ~~الأرض بماء الحياة # PageV04P051 # {اهتزت وربت} وإهتزازها بالحياة التي نالت أغصان الأشجار حتى أورقت وكل ~~شيء يتحرك إنما يتحرك بالحياة # فالروح أوفر الأشياء حظا من هذه الحياة لأنه خرج من روح الحياة الأصلي ثم ~~من بعد ذلك أوفر الأشياء حظا من الحياة بعد الروح ms593 هذه النفس فالنفوس لجميع ~~الدواب والبهائم والطيور وفضل الآدمي بالروح للخدمة لأنه خادم ربه وسائر ~~الخلق سخرة للآدمي فالروح بما فيه من الحياة يدعو القلب إلى الطاعة والنفس ~~بما فيها من الحياة تدعو إلى الشهوات والأفراح والقلب أمير على الجوارح وعن ~~أمره يصدرن إلى الأعمال فالأمير يأمر بقوة المعرفة والعلم بالله # فقوله من ملك نفسه فالملك للقلب على النفس فمن كان قلبه مالكا لنفسه في ~~هذه الأحايين الأربع حين الرغبة وحين الرهبة وحين الشهوة وحين الغضب فقد ~~حرم على النار واختسأ شيطانه لأن الدنيا كلها في هذه الأربع فإذا ملك القلب ~~النفس بقوة المعرفة والعلم بالله فإن للمعرفة والعلم سلطانا عظيما وجنودا ~~كثيفة وكنوزا جمة للجنود فقد دقت دنياه في عينه وصغرت وتلاشت حتى صارت ~~كالهباء ومن ملكت نفسه قلبه بقوة الهوى وسلطان هذه الأربع وحدتها وغليانها ~~صارت دنياه في عينه كل شعبة منها كالجبال أو كالبحور وعظم في عينه شأنها ~~وشأن أحوال نفسه فيها وصارت الآخرة في عينه كالحلم فإن المحتلم يتعشق في ~~منامه على جارية حسناء ويثب إليها ويلقي نفسه عليها من شدة الشبق لأن ~~شيطانه يريد ذلك ويخدع نفسه البلهاء فيما مثل لها في منامه فإذا إنتبه وجد ~~نفسه خاليا مما رأى وإذا هو لم يزد على أن بال في فراشه فهذا لم يزد على أن ~~ضحك به الشيطان # فهذه صفة من يتعشق على الجنات من شهوة نفسه لسماع الأذن لا بحياة القلب ~~وإذا هو ميت على الدنيا من حبها ويعظمها تعظيما لا ينام ولا ينيم حرصا ~~وأشرا وشرها وبطرا حتى يأخذها من الشبهات بتضييع # PageV04P052 # الأمانات والتفريط في الفرائض ونسيان الموت والمعاد والقبر والقيامة ~~والحساب بين يدي الله تعالى وقطع النار على الجسور ويمنع الحقوق ويعرض عن ~~مواعظ الله عز وجل وإذا تلا القرآن فكأنما ينشد شعرا أو يحكي كلام الناس لا ~~يتحرك قلبه لوعد ولا لنبأ من أنباء القرآن ولا تدمع عينه ولا يدري ما تلا ~~إنما همه أن يطيب نفسه بأني قرأت وتلوت فهو في ms594 مثل هذا القلب الخرب ممتلئ ~~من الغش والغل والحقد وطلب العلو والتعزز والتجبر والتكبر وإهمال الجوارح ~~وتضييع البركة على الجوارح السبع وهي الميثاق يتعشق على الحور ويتلمظ على ~~فواكه الجنة ويتشمم برياحين الجنان من بعد لسماع الأذن أبله من الأبالهة ~~زبونا من زبون الشيطان أحمق من حمقى أهل الغي ليس من الحياة في قلبه أن إذا ~~سمع بذكر الجنة قال الجنة دار الله فغمض عينيه حياء من الله تعالى وقال ~~مثلي يصلح لدار الله وأنا لا أصلح لدار أمير المؤمنين الذي هو عبده في ~~الدنيا ثم دمعت عيناه واحترق جوفه مخافة الفوت والبعد من الله تعالى لفوتها ~~وأخذته الحسرة والندامة حتى أداه ذلك إلى التضرع والحزن الدائم والتوقي ~~والتورع وملك النفس # فهذه النفس بفضلتها هي كالمحتلم الذي وصفنا أنه إذا انتبه استحيا من نفسه ~~بما سخر به شيطانه ووجد في نفسه حسرة حيث رأى نفسه خالية عما رأى في منامه ~~فهو بين حسرة وحياء # كذلك هو المتعشق بفضلته إذا قدم على الله استحيا منه حتى يتصبب عرقا ~~وتحسرت نفسه إذا رأى ما فاته من موعود الله للمطيعين الأتقياء فمن آتاه ~~الله المعرفة إذا تذكر الجنة بكى حياء من الله أن رأى جسدا توسخ وتدنس ~~الوسخ من الآثام والدنس من العيوب ورأى الجنة مقدسة بقدس الله مطهرة بطهر ~~الله مسفرة تضحك إلى أولياء الله تعالى فرجع إلى قلبه فرآه مع الأوساخ ~~والأدناس فاستحيى من الله وبكى على أيامه التي عطلها على اكتساب رضوان الله ~~واكتسب بها معاصي الله فهذا له # PageV04P053 # الرجاء كل الرجاء إذا قدم على الله والنفس في هذه الأربعة صورتها عجيبة ~~إذا اشتهت فصورتها كالريشة تهب بها الريح وشهوة الأشياء متفاوتة وفرح النفس ~~بكل شهوة على قدرها والشهوة في الأول واللذة في الآخر وإنما قيل شهوة ~~لهشاشة النفس والميل إلى ذلك الشيء والمبادرة إليه لخوف الفوت فتلك هشاشة ~~يقال هش واهتش وشهى واشتهى فالشهوة مأخوذة من هناك واللذة إذا نال الشيء ~~فانتهى إلى آخره فذل ذلك الهيج وسكن سلطان ms595 الهشاشة يقال لذ وذل والذل ~~انكسار وسكونها عن الاهتياج والاغتلام والغلي فأول الشهوة كلظى النار ~~ولهبها ودخانها وآخره وهي اللذة كالجمرة التي بعد ما كانت تتلظى سكن ضرامها ~~ولهبها وصارت خامدة علاها الرماد # فصورة النفس في الشهوة كريشة هبت بها ريح نكباء فهي تدير النفس دوران ~~الرحى وصورة النفس في الرغبة كعطشان يكاد يقطع عنقه من العطش فإذا رأى ~~الماء عبه عبا يكاد يلتهم التهاما أو كجائع غرثان وجد طعاما فالتقمه وبلعه ~~بلعا من غير مضغ وصورة النفس في الرهبة كالعلق في الديدان بينما هي منبسطة ~~مقدار إصبع طويلة إذ هي منقبضة مقدار فتر وكالقنفذ من الهوام بينما هي ~~منبسطة ترى صورتها وخلقتها إذا هي منقبضة كالكرة قد اقشعرت وشكست لضيق ~~خلقها وكالكلب اللهثان المخلوع الفؤاد من الجبن وكاللبدة البالية الملقاة ~~ذلا وجبنا # وصورة النفس في الغضب كالأسد الذي يفترس ويمزق ويقعد عليه ومرة كالنمر ~~يثب وثبة من لا يهاب ولا يبالي فيمزق ويكسر ويبدد # فإذا كان القلب أميرا وللأمير كنوز وجنود فقد ملك النفس فذهب سلطان النفس ~~وأفعالها فحفظ القلب بعقله ومعرفته وبعلمه بالله حدود الله في هذه الأحايين ~~الأربعة فإذا اهتاجت الشهوة من النفس أعطاها القلب بمقدار ما أذن الله لها ~~فيه وأحل لها ومنعها ما حرم عليها واستوثق منها حتى لا يتطاير شررها ويشتعل ~~نيرانها في العروق حتى لا # PageV04P054 # يجاوز الحدود لأن قوة النفس في العروق وأعطاها من الرغبة ما أحل الله لها ~~وصيره لها غنى وقوة في دينها ودنياها واستوثق في جنبيها حتى لا يفيض من ~~مجاريها وينطفح من الجانبين فينبثق من المجاري ومن الرهبة بمقدار ما حذر ~~الله أن يرهب وقواها في جنبها وأمدها وشجعها بقوة العلم وأيدها بالمعرفة ~~بالله وأعطاها من الغضب بمقدار ما أطلق الله لها من ذلك فلا يحملها غضبها ~~على أن يجاوز الحدود في الأمور ولا يتعدى إلى الظلم ويكون مع غضبها متمسكة ~~بالعدل ولا يتعداه إلى جور فصاحب هذه الصفقة هو الذي قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أربع ms596 من كن فيه حرمه الله على النار # وإذا خلا القلب من هذه المعرفة والعلم صار أسيرا للنفس بعد أن كان أميرا ~~عليها وذهب سلطانه وصار مملوكا للنفس فبرزت الشهوة في وقتها فأحرقت والرغبة ~~في وقتها فأفسدت والرهبة في وقتها فأضرمت والغضب في وقته فتسلط فجاء الخراب ~~والضياع والفساد فهذا ملك النفس للقلب وذاك ملك القلب للنفس # عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا ~~وهي القلب # PageV04P055 # فالقلب ملك بصلاحه يصلح الجسد لأن التدبير إليه والنفس تحب الملك وتشتهيه ~~وتباري القلب فهي تطلب الفرصة وإذا نالت تملكت على القلب فأفسدته وبفساده ~~يفسد الجسد بمنزلة أمير وقع في الجيش وخارجي قد ملك على البلد فضاعت الحدود ~~والأحكام وخربت الكورة وظهر الظلم والعدوان والحريق والغارات فالحريق ~~المعاصي والغارات غارات كنوز القلب وصار الصدر كله معدن الجهل والشره ~~والبطر والشهوة والكبر والعلو والحرص والحسد والحقد وأخلاق الكفر وقد أمر ~~الله عز وجل بمجاهدة النفس فقال {وجاهدوا في الله حق جهاده} # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهاد جهادان وأفضلهما جهاد النفس # وإذا التقى القلب والنفس للمحاربة هذا بجنود الله من العلم والعقل ~~والمعرفة والفهم والفطنة والحفظ والكياسة وحسن التدبير والحراسة فأشرقت هذه ~~الأنوار واشتعلت شعاعاتها في النفس بجنود العدو من الهوى والشهوة والغضب ~~والرغبة والكبر والحرص والمكر والخديعة والمدد من الزينة والأفراح فاضطربا ~~وتحاربا فذلك وقت يباهي الله تعالى بعبده ملائكته والنصرة موضوعة في ملك ~~المشيئة في حجاب القدرة فإذا رأى الهوى النصرة ذل وانهزم العدو بجنوده ~~وأقبل بجمعه وجنوده على النفس حتى أسرها وحبسها في سجنه وقعد أميرا وجمع ~~جنوده وقواده الذين ذكرنا في الأصل المتقدم وهي الأخلاق وفتح باب بيوت ~~الأموال والخزائن ورزق الجنود من الأموال وزادهم من الخزائن في الآلة ~~والعدة فهذا ملك القلب للنفس حين تغضب وحين ترغب وحين ترهب وحين تشتهي قد ~~خسأ شيطانها وحرمت ms597 جوارحها على النار كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV04P056 # وإذا التقى القلب والنفس للمحاربة والتقى الجمعان كانت صفته كجبرئيل مع ~~محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر وإبليس مع الكفار يشجعهم ويقوي أمرهم ~~ويعدهم ويمنيهم فلما رأى جبرئيل نكص على عقبيه هاربا وقال {إني أرى ما لا ~~ترون إني أخاف الله} وإنما خاف الأسر أن يأسره جبرئيل فيفضحه ويريه الناس ~~فهرب وترك الجمع # وكذلك الهوى لما رأى المعرفة بسلطانها قد أقبلت والعقل على مقدمتها ~~والعلم بالله محيط بالعسكر والجنود نكص الهوى على عقبيه وتبرأ من الجنود ثم ~~من بعد هذا ملك آخر لأولياء الله وهو أن يحصل القلب في سلطان قبضه الله ~~ويملكه الله ويستعمله فإذا تعدى في الظاهر لم يفسد ولم يخرب ولم يخبر أحد ~~أن يستعمله بتغيير لأن ذلك حد الله في الباطن وقد خفي على الخلق والحد ~~عندهم في الظاهر غير ذلك فهذا قلب غلب عليه سلطان القبضة فملكه واستعمله ~~الله في قبضته كما استعمل الخضر في خرق السفينة وقتل الغلام وكان ذلك في ~~الباطن حد الله وفي الظاهر مخفيا عند الخلق ولذلك أنكره موسى عليه السلام ~~فهذه قلوب ملكها سلطان القبضة وتلك قلوب ملكها سلطان الحق والقلوب التي ~~ذكرنا بدءا ملكها سلطان النفس # ومما يحقق ما قلنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه مر برجل وهو يقاوم ~~امرأة فأصغى إليه سمعه فأنكر ما سمعه منه فشجه فجاء الرجل إلى عمر رضي الله ~~عنه والدماء تسيل فقال ويحك من فعل بك قال علي فقال عمر ما هذا يا أبا ~~الحسن فقص عليه فقال عمر أصابتك عين من عيون الله إن لله في الأرض عيونا ~~وإن عليا من عيون الله # PageV04P057 ### | - الأصل الثالث والستون والمائتان ### | في حقيقة الفقه وفضيلته # عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ~~العبادة الفقه وأفضل الدين الورع # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم ما عبد الله بشيء ms598 ~~أفضل من فقه في دين ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء عماد ~~وعماد هذا الدين الفقه # وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~يرد الله به خيرا يفقهه في الدين # PageV04P058 # قال أبو عبد الله الفقه مشتق من التفقؤ وهو انكشاف الغطاء عن الشيء يقال ~~تفقأت الثمرة عن أكمامها وتفقأ الحب عما فيه وفقأ عينه إذا انخرق الحجاب ~~وانكشف عن الحدقة فعلوم الأشياء في الصدر مجتمعة متراكمة بعضها على بعض ~~فإحساس القلب من ذلك العلم هو علم القلب أداه إلى الذهن وإلى الحفظ عند ~~الحاجة كنبعان العين ينفجر منه الشيء بعد الشيء فما دام هكذا فهو ساكن خامد ~~لا قوة له فإذا تصور في الصدر لعين الفؤاد قوي القلب بذلك الذي تصور فذلك ~~علم مستتر وفي القلب بقية من الضعف والخمود فإذا انكشف الغطاء عن الصورة ~~التي تصورت في الصدر فذلك الفقه لأنه حين تصور في الصدد أحس القلب بتلك ~~الصورة علما ولم يرها لأن الغطاء بينه وبين العلم قائم وهو ظلمة الهوى فهو ~~عالم بذلك الشيء يترجمه بلسانه ويتضمنه بحفظه وتمثل صورته لعقله وليست له ~~قوة ينتصب قلبه لذلك ويتشمر لفعله ويطمئن إليه حرارة العلم وقوته # فإذا انكشف الغطاء عن تلك الصورة التي صورها عقله صار عيانا للفؤاد فيقال ~~لذلك العيان علم اليقين قال الله تعالى {كلا لو تعلمون علم اليقين لترون ~~الجحيم ثم لترونها عين اليقين} فعين اليقين يوم القيامة وعلم اليقين في ~~الدنيا في الصدر فسماه رؤية ليعلم أن هذه رؤية عين الفؤاد وتلك في الآخرة ~~رؤية عين الرأس # PageV04P059 # فهذا الذي انكشف له الغطاء وانفقأ الحجاب عن مكنون العلم أبصر بعين ~~الفؤاد صورة ذلك الشيء المعبأ فسمى ذلك فقها وإنما هو في الأصل فقىء الياء ~~مهموزة فأبدلت بالهمزة هاء فقيل فقه قال الله تعالى فيما يحكي عن قول شعيب ~~عليه السلام حيث قال لقومه يا قوم يا قوم بقية الله خير لكم {ويا قوم ~~استغفروا ms599 ربكم} ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا عليه السلام يقول ذاك ~~خطيب الأنبياء لحسن دعائه قومه ومراجعته وتلطفه في الدعوة فقال في آخر ذلك ~~قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول # فمن فقه قلبه ما يقال له تبين عليه أثره فهؤلاء الذين انتحلوا هذا الرأي ~~وأكثروا فيه الخوض سموا هذا فقها وخيل إليهم أن هذا هو الذي ما عبد الله ~~بمثله وهو هذه المسائل التي عندهم فقط ولا يعلمون أن أستاذيهم تكلموا بها ~~ثم قالوا وددنا أنا نجونا منها كفافا لا لنا ولا علينا مثل إبراهيم النخعي ~~والشعبي والحسن وابن سيرين رحمهم الله في زمانهم وأبي حنيفة وسفيان ~~والأوزاعي ومالك رحمهم الله في زمانهم فكل تمنى الخلاص منه لا له ولا عليه ~~وهؤلاء أعرضوا عن سائر العلوم التي حاجة الناس إليها في كل وقت وصار هذا ~~النوع فتنة لهم فتراه طول الدهر يقول يجوز ولا يجوز يدخل فيما بينه وبين ~~عباده مع الحيرة في ذلك ولا يدري أصواب هو أم خطأ ثم تراه في خاصة أمره ~~ودينه عوج كله فإقباله على نفسه حتى يكف منها ما لا يجوز خير له من إهماله ~~نفسه وإقباله على إصلاح الناس ذلك ليعلم أنه مفتون وكان # PageV04P060 # المتقدمون أولى بالشفقة على الأمة والحرص على الدين والنصيحة لله فشغلهم ~~إصلاح أنفسهم عن الخوض في هذه الأشياء حتى يلهيه عن عيوب نفسه ويقال لهذا ~~المعجب إن كانت هذه الفضائل لمن تفقه في هذا النوع الواحد وكيف إذا فقهت ~~كلام رب العالمين الذي أدب به عبيده ووعظهم وعطف به عليهم كي يجعلهم غدا ~~ملوكا في دار السلام # فمن فقه عن الله عز وجل قوله {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره} أمسك عن الصغير والكبير والدقيق والجليل من الشر ولم ~~يستحقر ما دق من الخير وصغر ولم يستهن به وأمات هذا الوعيد من نفسه ~~البطالات كلها ألا ترى إلى الأعرابي الذي سمع من ms600 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هذه السورة قام وركب راحلته وقال حسبي حسبي ومر على وجهه فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقه الأعرابي فهكذا يكون الفقه # ومن فقه ما في السورة من شأن الأرض وأخبارها عن السرائر وذكر الصدر من ~~بين يدي الله {أشتاتا ليروا أعمالهم} ثم وجد أعماله موزونة بمثاقيل الذر من ~~الخير والشر كيف لا يكون هذا حسبه فيما بينه وبين الله # ومن فقه عن الله قوله عز وجل {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} الآية ~~فكيف لا يكون هذا حسبه فيما بينه وبين العباد حتى ينصف الخلق من نفسه ويؤدي ~~إلى كل ذي حق حقه من نفسه وماله # ومن فقه عن الله قوله تعالى {وما من دابة في الأرض إلا على الله} # PageV04P061 # رزقها) الآية كيف لا يكون هذا حسبه فيما بينه وبين معاشه ولا يخرج هم ~~الرزق من قلبه حتى يثق بربه ويطمئن إلى ضمانه # ومن فقه عن الله قوله عز وجل وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه كيف لا يكون ~~هذا حسبه من الثقة بخلفه حتى لا يجد في وقت الإنفاق ضيقا في صدره ولا حرارة ~~في نفسه # ومن فقه عن الله قوله عز وجل {زين للناس حب الشهوات من النساء} الآية كيف ~~لا يكون هذا حسبه في نزوله على ما اختار له ربه حتى يلهو عن حب هذه الشهوات ~~ويتشمر في طلب الذي أعلمه الله أنه خير من ذلك # ومن فقه عن الله عز وجل قوله {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا} و {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} {إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين} كيف لا يكون هذا حسبه في معاملته ربه حتى ينكمش في الإحسان # ومن فقه عن الله عز وجل قوله {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} كيف لا ~~يكون هذا حسبه حتى يعلم أنه خلق للعبودة وأن عبودته في جميع حركاته كلها ~~فإن كانت حركاته مما حسنها الله في تنزيله وعلى ألسنة رسله ms601 فقد عبده وإن ~~كانت سيئة فقد ترك عبودته # PageV04P062 # ومن فقه عن الله تعالى قوله {ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو ~~عن كثير} كيف لا يكون هذا حسبه حتى تهون عليه المصائب كأنه قال إنما قاصصتك ~~بهذه المصيبة بشيء يسير من ذنوبك حتى أنبهك من رقدتك # ومن فقه عن الله قوله عز وجل {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا راد لفضله} كيف لا يكون هذا حسبه حتى ينقطع رجاؤه عن ~~المخلوقين ويصير حرا من رق نفسه ومن تبصبص خلقه وتخلص من تعيير الله حيث ~~عير المنافقين فقال {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا ~~يفقهون} برئ من الفقه من كان رهبته من المخلوقين غالبة على رهبته من الله # وقال عز وجل في المنافقين {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون} فمن ~~رأى حاجته ورزقه من الدنيا بيد الخلق دون الله حتى يضيع حقوقه ويداهن في ~~دينه فقد برأه القرآن من الفقه # ومن فقه عن الله عز وجل قوله {ادعوني أستجب لكم} كيف لا يكون هذا حسبه ~~حتى يعلم أن الله عز وجل أكرمه بغاية الكرامة فلو أن ملكا كتب إلى عبد من ~~عبيده ارفع إلي حوائجك لامتلأ سرورا واتكل على هذا الكتاب مع أنه عبد مثله ~~لا يقدر على شيء في الحقيقة # PageV04P063 # فهذا كتاب رب العالمين ينطق بأن الله تعالى قال هذا ولم يخرجه مخرج الأمر ~~ولكن أبرزه في معرض القول فقال {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} فمن يعلم ما ~~في حشو هذه الكلمة اشتفى به ثم إذا دعا دعا على يقين من الإجابة ثم ينتظر ~~الوقت كما قال الله لموسى وهارون عليهما السلام {قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ~~ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} أي أن سبيل الذين لا يعلمون الاستعجال # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال العبد بخير ما لم ms602 يستعجل ~~ربه قيل كيف يستعجل ربه يا رسول الله فقال يقول دعوت فلم تستجب لي # فهل استعجاله إلا من قلة فقهه لا يعي أن ربه قد خار له حين يأتي وقته ~~فيعطيه أكثر مما سأل # وروي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا دعا العبد ~~قال الله تعالى يا جبرئيل احبس حاجة عبدي فإني أحب صوته وقد أجبته إلى ما ~~سأل # فإذا فقه هذا لم يستبطئ إجابته ولم يستعجل ربه فالفقه في هذا لا في تلك ~~المخاتلات والخدائع التي يجدها العبيد الاباق في سيرهم إلى الله # PageV04P064 # في معايشهم من نهب الدنيا حرصا وجمعا وتضييعا لدين الله وربما يكون صاحب ~~هذا ممن خدعته نفسه فيقول أنا أشتغل بتسوية أمور الناس فيهمل أمر نفسه ~~لمحبة أن ينزل الخلق كلهم على قوله ويصدروا عن مشيئآته فإذا هو جبار عات قد ~~رمي بالعبودة وتشبه بالأرباب في تسوية أمورهم على الاقتدار # PageV04P065 ### | - الأصل الرابع والستون والمائتان ### | في سر غفرانك بعد الفراغ # عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج ~~من الخلاء قال غفرانك # قوله غفرانك طلب المغفرة على قالب فعلان وهو أعظم القوالب وأوفرها كأنه ~~طلب المغفرة الوافرة لأنه نظر إلى أمر عظيم وذلك أن آدم عليه السلام عجن ~~الله طينته وخمرها وصوره وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق ~~الله آدم عليه السلام من تراب وعجنه بماء من ماء الجنة فلم يكن يصلح له ~~مكان يليق به من هذه المكارم إلا داره فتوجه وكلله وختمه بخاتم الملك وكساه ~~ونظفه ووضعه على سرير هو وزوجته وأمر ملائكته بحملها إلى داره ولم يزالا في ~~داره طاهرين بالله فرحين مسرورين # PageV04P066 # مكرمين حتى إذا جاء وقت الشقوة وغلب القضاء والقدر على جميع ما أعطاهما ~~وخلص العدو إليهما فأكلا بأمر العدو وصارت تلك الأكلة فرصة إبليس منهما ~~والمأكول حظه منهما فصارا عاريين من جميع ms603 هذه الكرامات وأخرجا مذمومين وصار ~~مستقر تلك الأكلة سلطان إبليس ومملكته والشيء المأكول منتنا وإنما أنتن ~~لكينونة العدو ونجاسته وكفره فيها فكلما ظهر من ذلك الموضع بول أو غائط أو ~~ريح أمر بالوضوء وغسل ذلك المكان فالوضوء من توضئة الأعضاء التي هي جوانب ~~الجسد حتى تصير وضيئة فإنما لاحظ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من ~~الخلاء ذلك الذي حل بأبيه فورثه عنه فظهر ذلك عليه فالتجأ إلى عظيم المغفرة ~~فقال غفرانك أي إنما القينا من تلك الخطيئة فلو أن رجلا وقف تحت ميزاب ~~الكعبة حتى جرى من الميزاب فتلقاه نغبة من الماء الذي نزل من السماء ولم ~~يمازجه شيء من الدنيا فدخل جوفه ثم خرج من هذه المخارج لأمر بالغسل والوضوء ~~وحكم له بحكم النجاسة لأن هذا الماء صار إلى المعدة في مجاورة العدو الذي ~~جعل له السبيل إلى الآدمي # كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم قالوا ومنك يا رسول الله قال ومني إلا أن الله أعانني عليه فأسلم # فمستقره تحت المعدة على مطحن العلف ثم يجري مع الدم في العروق سلطانه ~~فالمتنبه إذا دخل الخلاء وأحس حياة قلبه بما يخرج منه إستحيا وعرف أن هذا ~~ميراث تلك الخطيئة وذكر بدو أمره وأنه بسبب تلك الخطيئة ألقي إلى الدنيا ~~وقارف غيرها من الخطايا فالتجأ إلى سؤال الغفران # ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنع رأسه # PageV04P067 # عن حبيب بن صالح رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~دخل المرفق لبس حذاءه وغطى رأسه # وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال إني لأدخل الكنيف فأقنع ~~رأسي حياء من الله تعالى # فهذه ملاحظة الرسل والأنبياء والأولياء عليهم السلام وأما العامة فهم لا ~~يرون هذا بقلوبهم ولا يعرفونه وإنما أدبوا بالحمد أن يقولوا الحمد لله الذي ~~أذهب عني الأذى وعافاني فردوا إلى حال النفس ونعمة الله عليهم # عن أنس بن مالك ms604 رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أتى الخلاء قال اللهم أذهب عني الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ~~فإذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني # فهذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينه وبين الأمة فأما الكلمة ~~الأولى ففيما بينه وبين الله تعالى # وكذلك شأن الكبراء كلامهم في الباطن مع الله تعالى غير كلامهم في الظاهر # قال له قائل مثل ماذا قال في الظاهر مع الخلق يقولون لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له وفي الباطن معه يقولون لا إله إلا الله فقط وفي الظاهر # PageV04P068 # يقولون الحمد لله الذي أطعمني وسقاني وأشبعني وأرواني وكساني ولو شاء ~~أجاعني وأظمأني وأعراني وفي الباطن يقول الحمد لله فقط وفي الظاهر يقولون ~~ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون وفي الباطن يقولون ما شاء الله ينشرون ~~مع الخلق عن الله تعالى ذكر ربوبيته والهيته وصنائعه ليكون ذلك منشورا ~~مشهورا وفي الباطن إذا قالوا لا إله إلا الله بقيت قلوبهم في الوهيته ولا ~~يلتفتون إلى شرك الشركاء فإن القلوب الوالهة يصعب عليها الالتفات إلى غيره ~~وكذلك في الحمد إذا رفعوا الحمد إليه بقلوبهم صعب عليهم أن يلتفتوا إلى ~~النعمة وكذا في المشيئة إذا وقعوا في بحرها ارتفع عنهم ذكر كان ويكون # وعن ابن مقاتل رضي الله عنه قال كان ابن سيرين رحمه الله إذا خرج من ~~الكنيف فلم يره أحد خر ساجدا باكيا بما أنعم الله عليه أن سهل له خروج ~~الأذى # PageV04P069 ### | - الأصل الخامس والستون والمائتان ### | في سر العمل وعلانيته # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله إني كنت أصلي في ~~بيتي فأسره فاطلع علي رجل فأعجبني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ~~أجران أجر السر وأجر العلانية # قال أبو عبد الله هذا رجل ناصح الله في خلقه أسر العمل لا عن ضعف يقين ~~ولكن خلا بربه يناجيه فلما اطلع عليه أعجبه ms605 رؤيته إياه كي ينتدب لمثله ~~ويقتدي به ولم تعمل فيه رؤيته فتتحرك من نفسه شهوة المدح لقوة يقينه # PageV04P070 # وروي معمر عن زيد رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أعمالكم ~~التي تحبون أن يعلم بها قال زيد والذي يكتمها ليسلم رفعه زيد إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # وقد أثنى الله عز وجل على قوم فسماهم عباد الرحمن وبين أن مثواهم غرف ~~الجنة وعدد خصالهم التي أثنى بها عليهم ثم حكى عن دعائهم قوله تعالى {هب ~~لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما} # سألوه أن يجعلهم أئمة لمن يقتدي بهم فلا يكون أمر هذا مكتوما وكيف يؤتم ~~به إن أسر العمل فهؤلاء نصحاء الله والدعاء إلى الله يدعون إلى الله ~~بأقوالهم وبأفعالهم التي يظهرونها على أعين الخلق يحدون الخلق على ذلك ~~وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة لك أجران أجر ~~السر وأجر العلانية لأنه نوى بالسر أمرا وبالعلانية أمرا ولو لم يكن هكذا ~~لم يكتب له أجران فإنه لا أجر لمن لا نية له فهذا عبد نوى أن يسر بعمله ~~ليخلو بربه كي لا يشكره عليه أحد غيره ثم لما اطلع عليه نوى أن ينتفع به ~~غيره بأن يقتدي به فالسر مضاعف على العلانية بسبعين ضعفا وعلانية هذا ~~مضاعفة على سره بسبعين ضعفا لأن سره خلوه بربه كيلا يشكره عليه أحد غير ربه ~~وإعلانه نصحه له في عباده ليس له في وقت سره التفات إلى مدح الناس فيهرب ~~منه ولا في علانيته المنزلة عند الناس # وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السر ~~أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد به الاقتداء # PageV04P071 # وإنما صار عمل السر مضاعفا على العلانية بسبعين ضعفا من جهات فجهة منها ~~إن الذي يسرها إنما أسرها ليصفو له لأنه إذا أحست نفسه بشعور الناس به علمت ~~أنه ينال بذلك عند الخلق رفعة وكرامة وصارت له من القلب منزلة ms606 تقضي حوائجه ~~ويعظم فرحت بذلك فإذا هو يطلب الجزاء من الله تعالى والثواب من الخلق فهذا ~~الذي في نفسه هذه الفتنة كائنة يجاهد نفسه في وقت العمل إذا أعلن به حتى ~~ينكر عليها ذلك ولا يرضى ولا يقبل منها هذه الوساوس فإن أغفل المجاهدة طرفة ~~عين وجد نفسه في عين هذه الفتنة فصاحب هذا ضعيف اليقين وإذا هرب من الإعلان ~~فأسره ضوعف له عمله بسبعين ضعفا لأنه يفرغ لله قلبه من أشغال النفس فإذا ~~أعلنها نصحا لله تعالى في عباده وحبا لأن يعبده الخلق صار السبعون مضاعفا ~~الضعف الذي لا يحصيه إلا الله تعالى # فإذا لم يكن من رجال الإعلان ولم يبلغ قلبه من المنازل محلا تموت فتنة ~~نفسه ويفتقد منها حب المدح من الخلق وفرح الرياسة والعلو أمسك عن الإعلان ~~وأسره وصفا العمل لصاحبه بتلك النية الصادقة وسلمت النية بما أسره فهذا ~~الوجه للمقتصدين # ووجه آخر للسابقين المقربين فإذا أسر العمل إنما يسره ليخلو بربه في تلك ~~الطاعة فإن الله تعالى موجود بكل مكان وفي كل طاعة فإذا أسر العمل وخلا ~~بربه برز له وجوده في صدره بين عيني فؤاده فمن يقدر أن يصف ذلك البروز وتلك ~~الحلاوة وذلك الطيب ومن يقدر أن يصف تصور القلب في أحواله وهشاشة النفس في ~~أحوالها وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سأله جبرائيل عليه ~~السلام ما الإيمان وما الإسلام وما الإحسان فأجابه في كل مسألة وقال في ~~الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال فإذا فعلت ~~ذلك فأنا محسن قال نعم قال صدقت قال فعجبنا من تصديقه له لأنهم لم يعرفوا # PageV04P072 # أنه جبرائيل حتى أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك # وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه لحقه ابن الزبير في الطواف فخطب إليه ~~ابنته ولم يكلمه ابن عمر فلما قدما المدينة ولقيه عروة قال له ابن عمر إنك ~~كلمتني في الطواف بما كلمتني وإنا كنا نتراءى الله بين ms607 أعيننا فهل لك فيما ~~سألت قال نعم فزوجه # وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال كنت جالسا في المسجد فدخل رجل فقرأ ~~قراءة أنكرتها عليه ثم جاء آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فلما انصرفا دخلنا ~~جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للرجل إقرأ فقرأ ثم قال للآخر إقرأ فقرأ فقال أحسنتما أو ~~أصبتما فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حسن قراءتهما سقط في ~~نفسي وودت أني كنت في الجاهلية فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~غشيني ضرب بيده في صدري ففضت عرقا وكأني أنظر إلى الله فرقا فقال يا أبي إن ~~ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أي رب هون على أمتي فرده ~~إلي الثانية أن إقرأ على حرفين فقلت يا رب هون على أمتي فرده إلي الثالثة ~~إن إقرأه على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألينها فقلت اللهم إغفر ~~لأمتي مرتين وأخرت الثالثة إلى يوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم عليه ~~السلام # PageV04P073 # وعن عبد العزيز بن أبي رواد رضي الله عنه رفعه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في قصة حارثة حيث قال له كيف أصبحت يا حارثة قال مؤمنا حقا قال ~~ما حقيقة إيمانك قال كأني أنظر إلى الله فوق عرشه هذا في رواية عبد العزيز # وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في حديثه ~~كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا # رجعنا إلى ذكر صفة السابقين المقربين إنه إذا أسر العمل خلا بربه في ~~العمل فبرز له وجوده على القلب في الصدر والأول المقتصد أسر العمل فخلا ~~بطاعته وعبودته لا بربه فبرز له توحيده على قلبه في صدره # فالمقتصد يتولى تربية عمله التوحيد والسابق يتولى تربية عمله ربه الجواد ~~الكريم فإذا أسر السابق الذي هذه صفته عملا من أعماله فإنما يسره ليخلو ~~بربه فيجده في العمل ms608 وذلك قول عامر بن عبد قيس ما نظرت إلى شيء إلا رأيت ~~الله أقرب منه وقول محمد بن واسع ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله فيه فقد ~~تباين قولاهما مع رفعة قوليهما وجلالة حظيهما في القولين فإذا وجده السابق ~~في العمل عمل على مشاهدة القلب فعظمه وحسنه وبالغ فيه ثم جعله من وراء ظهره ~~فلم يلتفت إليه لأنه إنما يسره من أجل شيئين أحدهما أنه يريد أي يطفئ نار ~~شوقه إلى ربه بوجوده في العمل لأنه إذا وجده فأول ما يلاقي قلبه برد الرحمة ~~وقرة العين فإذا قرت عينه وناله برد الرحمة انطفت نار الشوق وسكنت فهذا وجه # PageV04P074 # ووجه آخر أن عين قلبه مادة إلى جلاله وعظمته يسأل بذلك نزاهة اليقين ~~فيزداد حياة بالله ولم يسره يريد بذلك تصفيته مما يخالط من فتنة النفس لأن ~~نفس هذا قد ماتت وافتقدت وساوسها قال له قائل هذا لم لم يعلن العمل حتى ~~يقتضي به الخلق قال صاحب هذا قد لها عن الثواب ووله بالماجد الكريم # ومن وجه آخر يسره يريد بذلك أن يغيبه عن أعين الخلق فإنهم إذا رأوا صلاة ~~وصوما وصدقة رأوا زينة وبهاء وزهدا ونزاهة وسخاء فأكرموه وعظموا منزلته ~~فإنما يسر أعماله لئلا يكتسب بها من الخلق هذه المنزلة غيرة لربه # وإذا أسرها من هذا الوجه كان ممن يباهي الله به ملائكته وقال هذا عبدي ~~حقا ولم يكن الله ليباهي به ويثني عليه ثم لا يفيده شيئا وأول ما يفيده أن ~~ينشر ثناؤه الذي أثنى به عليه في ملائكته على قلوب أهل الأرض حتى ينظروا ~~إليه بتلك العين وتتناسم الأرواح برؤيته وتتباشر القلوب بلقائه وتلتذ ~~العيون الشاخصة بالنظر إليه # قال عيسى عليه السلام إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن شفتيه وإذا تصدق ~~فليخف يمينه عن شماله وإذا صلى فليدل على بابه ستره فإن الله تعالى يقسم ~~الثناء كما يقسم الرزق # فهذه وجوه إسراره للعمل # وإذا أعلنه فإنما يعلنه حبا لأن يعبد الله في أرضه بمثل ما يعبده نصيحا ~~لله ms609 في ذاته وفي دينه وفي كتابه ورسوله وخلقه # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إن الدين هو النصيحة ثلاث ~~مرات # PageV04P075 # قيل لمن قال لله ولكتابه ولأمة المسلمين وعامتهم رواه تميم الداري # فنصيحته لله من ذاته أن تكون عينه مادة إلى عظمة الله وفي دينه إلى حسن ~~تدبيره وفي كتابه إلى العمل بما فيه وفي رسوله إلى إتباعه وفي العامة إلى ~~حملهم على ما فيه نجاتهم # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيار عباد الله الذين يحببون الله إلى ~~عباده ويحببون العباد إلى الله ويمشون لله في الأرض نصحا # قوله يحببون الله إلى عباده أي يذكرونهم آلاء الله ونعمه وإحسانه ويحببون ~~العباد إلى الله أي يأمرونهم بالطاعة حتى يطيعوه فيحبهم ويمشون لله في ~~الأرض دعاة إلى الله وإلى دينه فالدعاة إلى الله دأبهم في شهرهم ودهرهم أن ~~يعلنوا الخير كي يقتدي الناس بهم ولذلك أثنى الله تعالى على من سأله فقال ~~{واجعلنا للمتقين إماما} # وإذا أسروا فالوجه الذي وصفنا فهم على مفرق الطريقين وهم على كلا ~~الطريقين مستقيمون وجيهون عند الله # عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما ~~خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقى عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة ~~من شدة الجبال فقالت يا رب هل من خلقك شيء # PageV04P076 # أشد من الجبال قال نعم الحديد قالت يا رب هل من خلقك شيء أشد من الحديد ~~قال نعم النار قالت يا رب هل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الماء قالت ~~يا رب هل من خلقك شيء أشد من الماء قال نعم التراب قالت يا رب هل من خلقك ~~شيء أشد من التراب قال نعم الريح قالت يا رب هل من خلقك شيء أشد من الريح ~~قال نعم الإنسان يتصدق بيمينه يخفيه من شماله هذه رواية أنس رضي الله عنه # وروى علي رضي الله عنه هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ms610 عندما بلغ ذكر خلق الإنسان في هذا الحديث ثم خلق الإنسان يغلب الريح ~~يتقيها بيده ثم خلق النوم يغلب الإنسان ثم خلق الهم يغلب النوم فأشد خلق ~~ربك الهم # فحديث علي رضي الله عنه موافق لحديث أنس رضي الله عنه لأنه إذا صار يتصدق ~~سرا يخفي ذلك السر بيمينه من شماله كان قويا وهذا تمثيل فاليمين هي القلب ~~والشمال هي النفس ألا ترى أن الطاعة تخرج من إيمان القلب والمعاصي من شهوات ~~النفس فتأويل هذه الكلمة عندنا الذي قال يتصدق بيمينه يخفيها من شماله أي ~~يتصدق بقلبه ويخفيها من نفسه فالإيمان في القلب والهوى في النفس فإذا ~~أخفاها من الهوى فهذا الإنسان يغلب الريح يتقيها بيده كما وصفه علي رضي ~~الله عنه لأن الهوى تنفس النار فهو ريح يخرج منها فتمر بباب النار فتحمل ~~الشهوات إلى الآدمي إلى الموضع الذي قد ركب في الآدمي من تلك الشهوة حتى ~~يثيرها فيشتغل في العروق ويأخذ القلب فمرجع الروايتين إلى شيء واحد وهو أن ~~يعمل عملا مبتدأه من الإيمان من القلب فيسره من الهوى وإسراره أن لا يلتفت ~~إليه حتى يعجب به أو يرى لنفسه عملا فيتكل عليه وإذا تعلق بالأعمال نزع يده ~~من التعلق بالرحمة فوكله الله إلى نفسه وعمله ومنها بدأ هلاكه ولذلك قال ~~الله # PageV04P077 # تعالى يا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين قال وكيف ذاك يا رب قال بشر ~~المذنبين أن لا يتعاظمني ذنب أغفره وأنذر الصديقين أنه ليس منهم أحد أنصبه ~~للحساب وأقيمه على عدلي إلا هلك فالملتفت إلى أعماله يريد أن ينجو من ربه ~~بأعماله وإذا هو هلك # وهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس أحد منكم ينجيه عمله قالوا ~~ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته # والذي يغلب الريح هو الذي يغلب هواه في كل بر يعمل لله تعالى وأثر الأمور ~~عنده ما ثقل عليه لأنه يعلم أنه أصفى وأبرأ من هيئآت النفس وموردات الهوى ~~فهو يجتهد أن يخفيه من ms611 نفسه # فأما المقربون فإنهم عملوا لله كأنهم يرونه فلو أن أحدهم صار له عمل ~~الأولين والآخرين لتلاشى في عينه إذا صار قبالة عظمة الله وجلاله # وإنما قلنا إن حديث علي رضي الله عنه موافق لحديث أنس من أجل أن النوم في ~~الظاهر يغلب الإنسان وفي الباطن النوم هو الغفلة لا غفلة القلب ولكن غفلة ~~النفس عن أحوالها في الدنيا فإذا جاءت الغفلة نام القلب عن شهوات النفس ~~وأحوالها وأفراحها فإذا جاء الهم طار النوم فحيى القلب بالله فذاك الهم في ~~الظاهر هو أحوال النفس وفي الباطن هم ربه فلذلك قدر أن يتصدق بقلبه ويخفيها ~~من نفسه لأن صفته إن قطع همه بربه عنه نومة الغفلة فرجع الكلام إلى ما قلنا ~~إن المؤمن إذا صار # PageV04P078 # بهذه الصفة كان أشد وأقوى من الأرضين والجبال والحديد والنار والماء ~~والريح فهو أشد خلق ربه لأن ذلك الهم هم النفس من أحوال الدنيا يطرد النوم ~~وينفيه وهم القلب من أحواله في الملكوت يطرد عنه النوم نوم القلب ونوم ~~العين فالهم قد غلب هذه الأشياء # فلذلك قال ابن مسعود لعمر رضي الله عنهما إنا نجد أن عمل المؤمن في يوم ~~واحد أثقل من سبع سموات وسبع أرضين # وقال موسى عليه السلام فيما روي عنه يا رب إني أجد صفة قوم في قلوبهم من ~~النور أمثال الجبال الرواسي تكاد البهائم تخر لهم سجدا إذا رأتهم من النور ~~الذي في قلوبهم قال يا موسى تلك قلوب طوائف من أمة محمد إنما بلغوا ذلك ~~بإقبالهم على أنفسهم وذمهم لها وإنما هلك من هلك من قومك بالعجب بأنفسهم # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن لله ملائكة موكلين ~~بأرزاق بني آدم ثم قال لهم أيما عبد وجدتموه جعل الهم هما واحدا فضمنوا ~~رزقه السموات والأرضين والطير وبني آدم # فأما قول عيسى عليه السلام إن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق فإنما ~~يقسم الثناء على القلوب على أقدار محل العباد عنده وإنما يحل العباد عنده ~~حيث يحلون ms612 ربهم عز وجل من قلوبهم # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب أن يعلم ما منزلته عند الله ~~فلينظر ما منزلة ربه عنده فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من ~~قلبه # فقلوب الخلق في قبضته وبين اصبعين من أصابعه فيرى القلوب محل العبد من ~~صدق العبودة حتى يحبه العبيد وذلك قوله تعالى إن الذين # PageV04P079 # آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هاب الله أهاب الله منه كل شيء ومن ~~خاف الله أخاف الله منه كل شيء ومن أحبه حببه الله إلى عباده وأثنى عليه ~~وهو قوله تعالى لموسى عليه السلام {وألقيت عليك محبة مني} وقوله تعالى عند ~~ذكر أنبيائه {وتركنا عليه في الآخرين} فإنما ينزل الثناء على القلوب ويظهر ~~السمات على الشخص # قيل في قوله تعالى {وألقيت عليك محبة} قال الحلاوة والملاحة # وعن الزهري قال يعطى الصادق ثلثي الحلاوة والمهابة والطلاوة # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قوله تعالى {سيجعل لهم الرحمن ودا} قال إن الله عز وجل أعطى المؤمن المحبة ~~والمقة والمهابة في صدور الصالحين # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر ~~الله # PageV04P080 # وروي في حديث آخر قال موسى يا رب من أوليائك قال الذين إذا ذكروا ذكرت ~~وإذا ذكرت ذكروا # وقيل يا رسول الله من نجالس قال خياركم قيل ومن خيارنا يا رسول الله قال ~~من يذكركم بالله رؤيته ويزيد في عملكم منطقه ويزهدكم في الدنيا عمله # فقسمة الرزق على التدبير في الباطن وقسمة الثناء على منازل العباد في ~~الباطن في كينونتهم له عبيدا وتسليمهم إليه نفوسا ولأمره انقيادا ولأسمائه ~~علما فيورثهم خشوعا وطمأنينة وثقة فإذا هبته هابك الخلق وإذا عظمته عظمك ~~الخلق وإذا أحببته أحبك الخلق وإذا وثقت به وثق بك الخلق واطمأنت نفوسهم ~~إليك وإذا أنست به أنس بك الخلق وإذا نزهته نظر إليك الخلق بعين النزاهة ms613 ~~والطهارة يحكي لقلوب الخلق عن قلبك ما يراه من قلبك فإن شئت فازدد وإن شئت ~~فانقص فإنما تنقص من حظ نفسك فمنتهى قسمة الثناء أن خلط ذكره بذكره وجعل ~~على شخصه طلاوة سماته فإذا رأوه ذكروا الله قال له قائل وما تلك السمات قال ~~سمات الحظوظ قال حظوظ من ماذا قال حتى تخرج من المهد وتنفطم عن الرضاع ~~فعندها تعرف السمات إن شاء الله تعالى قال وما المهد وما الفطام قال ~~الإنسان من حين يولد فهو راكب هواه غير مفارق لشهواته ونهماته فهو في مهد ~~مناه كالصبي في المهد يريد في كل أمر أن يبر ويلطف له ويعطف عليه ويعمل ~~بهواه ويعلل كالصبي ويداري ويوافق في شيئآته هذا حاله إلى أن يشيخ ويكبر ~~ويدخل في عبودة قبره لم يدخل الله تعالى قط ولا تولى الله قط ولاية الحق ~~إنما تولاه ولاية التوحيد وحده بما من عليه من عقد الإيمان وقبل منه ~~الإيمان والإسلام أن يكون مطمئن القلب في الله تعالى في كل حال ساكنا عند ~~أحكامه مسلما إليه جميع جوارحه عند أمره ونهيه ثم هو عبد # PageV04P081 # آبق منخلع العذار مستبد حرون جموح إذا أمره تثاقل وحرن وإذا نهاه جمح ~~وإذا قسم له بحسن تدبيره من الأحوال أرسل مشفريه كمشفري البعير وعبس وجهه ~~وانقبض انقباض القنفذ وإذا حكم عليه التوى وذلل بقدميه الأرض فهذا عبد ~~دنياه وعبد بطنه وعبد فرجه وشهواته ومناه فمتى يقدر هذا أن يعظم حقوق الله ~~ويعظم أمره ويتذلل له عبودة ومتى يصير هذا عالما بالله عارفا له وبمننه ~~وإحسانه شاكرا خاشعا خائفا لزوال النعمة مستحييا منه هيهات ما أبعد هذا ~~فهذا رضيع في المهد فلينظر أين يكون من تلك العرصة العظيم شأنها ومن تلك ~~الصفوف كما يكون الصبي من محافل الدنيا مع مخاطه وأدناسه وأوساخه ولهوه ~~ولعبه من وراء الباب لا يعبأ به ولا يهيأ له مجلس والذي فطم حتى تأدب وشب ~~وأخذ الزينة والهيئة والبهاء واللباس والأدب أين يقعد فلذلك من فطم نفسه عن ~~الشهوات وعن ms614 ارتضاع حلاوة الدنيا ورمى بعلل نفسه ورفع باله عن الخلق ماذا ~~يقال له وماذا يكون أعتقه الله من رق النفس بأنوار الهدى وحشا صدره من ~~أنوار الحظوظ ووسمه بسماته فالدنيا كلها تحت قدمه والخلق من وراء ظهره ~~والله نصب عينه يتخطى على أعناق الخلق في الموقف إلى الله يسبق الصفوف صفا ~~صفا ويقال له ادن حتى يغبطه الناظرون إليه من أهل القرية # وهو ما رواه أبو مالك الأشعري رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال اعقلوا واعلموا أن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء ~~يغبطهم النبيون والشهداء لمكانهم وقربهم من الله فقام أعرابي فقال يا رسول ~~الله من هم حلهم لنا فسر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول الأعرابي ~~فقال هم قوم لم تصل منهم أرحام متقاربة من أفناء الناس ونوازع القبائل ~~تحابوا في جلال الله عز وجل وتصافوا فيه وتزاوروا فيه وتباذلوا فيه يضع ~~الله لهم منابر من نور فيجلسون عليها وإن ثيابهم لنور ووجوههم نور لا ~~يخافون إذا خاف الناس ولا يفزعون إذا فزع الناس # PageV04P082 # أولئك أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن ~~الله تعالى إذا أحب عبدا أثنى عليه من الخير مثل عمله سبع مرات وإذا أبغض ~~عبدا أثنى عليه مثل عمله من الشر سبع مرات # وعن أبي الهيثم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله إذا أحب ~~عبدا أثنى عليه بسبعة أضعاف من الخير لم يعمله وإذا أبغض عبدا أثنى عليه ~~بسبعة أضعاف من الشر لم يعمله # عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تدرون من ~~المؤمن قالوا الله ورسوله أعلم قال المؤمن من لا يموت حتى يملأ مسامعه مما ~~يحب ولو أن عبدا اتقى الله في بيت في جوف بيت إلى سبعين بيتا على كل بيت ~~باب من حديد ألبسه الله ms615 تعالى رداء عمله حتى يتحدث به الناس ويزيدون ~~والكلام مثل ذلك في فجوره قيل وكيف يزيدون يا رسول الله قال إن التقى لو ~~استطاع أن يزيد في بره لزاد والفاجر لو يستطيع أن يزيد في فجوره لزاد # وقال عليه السلام نية المؤمن أبلغ من عمله # PageV04P083 # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله عز وجل لعبده يوم ~~القيامة عبدي عبدتني أكرمك الناس ووضعوك على رؤوسهم زهدت في الدنيا راحة ~~تعجلتها هل واليت لي وليا أو عاديت لي عدوا # عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال يؤتى يوم القيامة بعبد محسن في نفسه لا يرى أن له سيئة فيقال له هل كنت ~~توالي أوليائي # قال يا رب كنت من الناس سلما # قال فهل كنت تعادي أعدائي # قال يا رب إني لم أكن أحب أن يكون بيني وبين أحد شيء فيقول وعزتي لا ينال ~~رحمتي من لم يوال أوليائي ولم يعاد أعدائي # فأما الذي يفعل ويحب أن يحمد فهو على وجهين فإن كان حبه للحمد لأن يعلو ~~بذلك منزلته عند الخلق فهذا فتنة وإن كان حبه للحمد من نزاهة نفسه وشرف ~~قلبه في الدين يطلب الجمال والهيئة والله جميل يحب الجمال فإن طلبه في ~~أموره أن يحمد فهو محمود لأنه لم يطلب بذلك الحمد دنيا وإنما طلب به مسكة ~~الدين والعصمة لئلا يذل في خلقه فيذل دينه ولذلك قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليس المؤمن أن يذل نفسه وقال في خطبته طوبى لمن تواضع في غير ~~مذلة # قال بشر الثعلبي كنت جالسا عند أبي الدرداء رضي الله عنه فمر # PageV04P084 # بنا ابن الحنظلة رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رجلا ~~متوحدا قل ما يجالس الناس إنما هو صلاة فإذا انصرف إنما هو تسبيح وتكبير ~~وتهليل حتى يأتي أهله فمر بنا فقال أبو الدرداء كلمنا كلمة تنفعنا ولا تضرك ~~فقال بعث رسول الله صلى الله عليه ms616 وسلم سرية فقدمت فقال رجل لو رأيتنا حين ~~لقينا العدو فطعن فلان فلانا فقال خذها وأنا الغلام الغفاري ورجل إلى جنبه ~~فقال كيف ترى قال ما أراه إلا أبطل أجره قال الآخر لا أرى بذلك بأسا ~~فتنازعا في ذلك حتى سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سبحان الله لا ~~بأس أن يؤجر ويحمد فسر بذلك أبو الدرداء فقال أنت سمعت هذا فجعل يقول نعم # وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله إني حب أن أحمد ~~كأنه يخاف على نفسه قال وما يمنعك أن تعيش حميدا وتموت فقيرا وإنما بعثت ~~لأتمم محاسن الأخلاق # وفي رواية أخرى أن هذا الرجل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ~~ثابت ابن قيس بن شماس # فهذا يحب الحمد لشرف نفسه وللتجمل هربا من الذم ونزاهة من دناءة النفس ~~لأن الحمد والذم ضدان فإذا فقد الحمد ظهر الذم وأما الذي يحب الحمد ~~للمباهاة وطلب العلو فذلك مذموم قال الله تعالى {تلك الدار الآخرة نجعلها ~~للذين لا يريدون علوا في الأرض} وقال تعالى {ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا} # وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة أن لا ~~تكون بشيء مما في يدك أوثق منك بما في يد الله تعالى وأن يكون ثواب # PageV04P085 # المصيبة أحب إليك من أن لو نفيت عنك المصيبة ولكل حق حقيقة ولا يبلغ ~~العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم ~~يكن ليصيبه ولا يبلغ العبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمد على شيء عمل ~~لله عز وجل # فهذا فعل السابقين ومنزلة أخرى في هذا الباب أشرف من هذا كله وهو أن يحب ~~أن يحمد ومنبع حبه للحمد حب الله تعالى فهذا يحب أبدا أن يكتسي حمده فيرى ~~عليه تلك الكسوة وتنطلق الألسنة بذلك الحمد له ms617 فتكون تلك الألسنة شهود الله ~~له في أرضه فهذا أشرف المنازل وهو الذي سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال ~~{واجعل لي لسان صدق في الآخرين} أي الثناء الحسن فأجيب إلى ذلك فقال ~~{وتركنا عليه في الآخرين} # ومحمد صلى الله عليه وسلم فوض ذلك إلى ربه فزاده فقال {ورفعنا لك ذكرك} ~~فقرن ذكره بذكر نفسه ثم جعل لأمته من ذلك أوفر الحظ فقال موسى عليه السلام ~~يا رب من أولياؤك قال الذين إذا ذكروا ذكرت وإذا ذكرت ذكروا # وقيل يا رسول الله من أولياء الله قال الذين إذا رؤوا ذكر الله # عن أنس رضي الله عنه قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم إذ مرت ~~به جنازة فسأل عنها وأثنوا عليها خيرا فقال وجبت ثم مرت به أخرى فأثنوا ~~عليها شرا فقال عليه السلام وجبت فقلنا يا رسول الله قلت وجبت قال إن ~~المؤمنين شهود الله في الأرض إذا شهدوا للعبد بخير أوجب الله له الجنة وإذا ~~شهدوا للعبد بشر أوجب الله له النار # PageV04P086 # وما من عبد يشهد له أمة إلا قبل الله شهادتهم والأمة الواحد إلى ما فوقه ~~قال الله تعالى {إن إبراهيم كان أمة} وقال {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس} # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من ~~مسلم يوضع في قبره فيثني عليه ثلاثة أهل بيت من جيرانه خيرا إلا قال الله ~~تعالى لملائكته قد قبلت شهادة عبادي لعبدي فيما ظهر وغفرت لهم ما لا يعلمون # رجعنا إلى ذكر السر والعلانية # عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} ~~قال # جعل الله صدقة التطوع يفضل سرها علانيتها سبعين ضعفا وجعل صدقة الفريضة ~~علانيتها تفضل سرها بخمسة وعشرين ضعفا وكذلك جميع الفرائض والنوافل في ~~الأشياء كلها # وإنما قال ابن عباس رضي الله عنهما فيما يرى ذلك من قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن عمل السر من التطوع ms618 يفضل العلانية بسبعين ضعفا # PageV04P087 # وقال في حديث آخر صلاة الرجل في جماعة يعني الفريضة تزيد على صلاته وحده ~~بخمس وعشرين درجة # وروي عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه في قوله تعالى {إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هي} قال الفرائض {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء} قال التطوع ~~وجاد ما غاص أبو جعفر رضي الله عنه وحق لمعدن النبوة أن يكون هكذا # وصف الله تعالى إبداء الصدقة بالنعمة فقال {فنعما هي} وإنما هي نعم كقولك ~~فعل وهو ضد بئس من البؤس والنعمة والبؤس ضدان وكل شيء جسم واحتشا ورطب فهو ~~نعمة وكل شيء هزل ويبس فهو بؤس ثم نسب فعل نعم إلى ما ولفظ ما باطن الأشياء ~~كأنه قال إبداء الصدقة نعم باطنة وإنما نعم الإبداء لأنه فريضة افترضها ~~الله على عباده دواء لأسقام قلوب العباد لأن القلوب سقمت بحب المال ولذلك ~~سمي مالا لأن القلوب تميل بحبها عن الله فأمر بمفارقته على سبيل التصدق وهو ~~إظهار صدق الإيمان لأن الله تعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة # فسمي زكاة والزكاة عبارة عن النماء لأن فيه نمو ما نقص من نور قلوبهم ~~وارتحل من بركاتهم عن القلوب وتطهرا عن أدناس الميل إلى المال من الله ~~تعالى وتنزها عن حب المال وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان ~~حلو نزه فنزهوه # وسمي صدقة لأن فيه إظهار صدق الإيمان وقد حلف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال والذي نفسي بيده ما نقصت صدقة مالا قط # PageV04P088 # وقال عليه السلام حين تصدق من تمر قدر مد قبضة قبضة والشيء مكانه على ~~هيئته فقيل يا رسول الله نراك تعطي ولا ينقص فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أما تقرأون وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ولكنكم لا ترون الخلف بقلة ~~اليقين # وقال عليه السلام لو أن أم إسماعيل عليه السلام لم تغرف من زمزم لكان ~~زمزم عينا معينا # وروي إن عامر بن عبد قيس كان يأخذ عطاءه في ثوبه ثم ms619 يعطيها قبضة قبضة ~~فإذا بلغ المنزل وزن فيوجد كما هو وكان بنو أعمامه يفعلون مثل ذلك فينقص ~~فقالوا له في ذلك فقال إنكم تجربون الله عز وجل وأنا لا أجرب # وسمي المال خيرا في التنزيل والخير منه ما كان منزوع الحمة وحمة المال ~~وسمه حبك له وما لم ينزع حمته فهو مال لأنه مال بقلبه عن الله # قال الله تعالى {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} وقال {إني أحببت حب الخير ~~عن ذكر ربي} وقوله تعالى {وإنه لحب الخير لشديد} وقوله تعالى {كتب عليكم ~~إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا} # PageV04P089 # سماه خيرا عند حضور الموت لأنه عند انطفاء نار الشهوات وانطماس حب المال ~~وقال {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} لأن ذلك وقت عطف ورحمة من السيد على ~~عبده يرغب في عتقه من الرق وتأخذه الحاجة لأن المال قوام الدين # فمن أحب المال لحب الدين فقد صدق الله في إيمانه ولم يدخل عليه في حب ~~إيمانه ممازجة ولا شوب وعلامته أن يكون بما أعطي أشد فرحا منه بما بقي في ~~يده # ولذلك قال الله تعالى لداود عليه السلام يا داود هل تدري أي المؤمنين ~~أعظم منزلة عندي الذي هو بما أعطي أشد فرحا بما حبس # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست الزهادة في الدنيا بتحريم ~~الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة أن لا تكون بشيء مما في يدك أوثق منك ~~بما في يد الله تعالى وأن يكون ثواب المصيبة أحب إليك من أن لو نفيت ~~المصيبة عنك # عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن ملك الموت أتى إبراهيم عليه السلام ~~فأخبره بأن لله خليلا في الأرض فقال يا ملك الموت من هو حتى أكون له خادما ~~قال فإنك أنت هو قال بماذا قال إنك تحب أن تعطي ولا تحب أن تأخذ # PageV04P090 # قوله تعالى {إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي} سماه خيرا لأن الله عز وجل ~~أعطاه تلك الخيل المعروضة عليه بالعشي تلك الصافنات الجياد فكانت تلك ms620 عطية ~~الله تعالى لاحقة بما أعطي من الملك # قال تعالى {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} قال له قائل فما الذي حل ~~به من حبه حتى طفق مسحا بالسوق والأعناق فضرب سوقها وأعناقها قال لأنه شغله ~~حبه إياها عن صلاة العصر حتى فاتته ولم يكن حبه حب فتنة لأنه أعطي الملك ~~بلا حساب فعصم من الفتنة وما اعترض تلذذا إنما اعترض عطية الله التي أعطاها ~~بلا تبعة ولا حساب تلذذا بعطف الله ورأفته ثم لما شغله عن حب ما هو أعظم ~~منه رمى به كالمعرض عنه لأنه رأى في الصلاة إقبال الله تعالى على عبده ولم ~~ير في العطية ولا في اعتراضه للعطية إقبال الله تعالى فلما رأى فوت الإقبال ~~هاجت منه حرقة فوت الإقبال فرمى بهذا وتخلى عنه فشكر الله له تلك الحرقة ~~فأعطاه بدلا من الخيل ما لم يعط أحدا من الآدميين وهو الريح # قال تعالى {فسخرنا له الريح تجري بأمره} الآية وقوله تعالى {وإنه لحب ~~الخير لشديد} # المال في الأصل قوام العباد في أمر دينهم به يصلون ويصومون ويزكون ~~ويتصدقون فالأبدان لا تقوم إلا بهذا المال وأعمال الأركان لا تقوم إلا بهذا ~~المال منه يطعم ومنه يشرب ومنه يكتسي ومنه يسكن # PageV04P091 # من الحر والبر وبه يتوقى الأذى والمشقة ويدفع الشدائد من الأحوال # قال الله تعالى {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} # أعلمك أن هذا قيامك أي قوامك في أمر دينك ودنياك فالمؤمن دينه ودنياه ~~جميعا في دنياه وإن عمل لآخرته فإنما يعمل في دنياه وإن عمل لدنيا فإنما ~~يعمل في دنياه فهذا المال على ما وصفنا حقيق أن يسمى خيرا لأن الخيرات به ~~تقوم فإذا أحبه فاشتد حبه له فغير معيب ولا ملوم ثم يفترق حبه فيصير على ~~ضربين فإن كان حبه للمال من أجل حب الله فهو محمود وإن كان حبه له من أجل ~~حب نفسه الدنية البالية غدا في التراب فهو مذموم لأن حبه له من هذا الوجه ~~حب فتنة والفتنة ms621 تهديه إلى النار لأن ذلك الحب شهوة والشهوة بباب النار # وقال عليه السلام حفت النار بالشهوات # وإن كان من حب الله أحبه فذلك الحب نور على قلبه قال له قائل وكيف يكون ~~حب المال من حب الله تعالى قال علم العبد أن الله تعالى أمره بأمور وجعل ~~مرضاته في تلك الأمور وأن تلك الأمور لا تقوم إلا بالمال فمن أحب ربه أحب ~~أمره وابتغاء مرضاته ثم نظر فإذا تلك الأمور لا تقوم إلا بالمال فليس من ~~المحال أن يحب شيئا من أجل حب ربه ثم يعلم أن ذلك الشيء لا يقوم ولا يتهيأ ~~له إلا بشيء آخر ثم لا يحب هذا الشيء الثاني وكيف لا يحب العبد نعمة يلتذ ~~بها ويجد تلك النعمة # PageV04P092 # لحمد ربه فإذا خلصت إليه لذة ذلك الشيء هيجت منه ذكر المنعم فأثارت في ~~صدره نورا يجدد حمده وينكشف له الغطاء عن عطف ربه ورحمته عليه فيزداد بذلك ~~خضوعا وذلة وحياء منه وتتراكم عليه أثقال الشكر فالنعم على هذا الوجه ~~محقوقة أن تحب # ومن هذا القبيل ما أنعم به على سليمان عليه السلام ومن توهم أنه سأل ملكا ~~لا ينبغي لأحد من بعده لحب نفسه ولحب دنياه مع أن الله تعالى أثنى عليه ~~وقال {نعم العبد إنه أواب} وقال تعالى {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} وقال ~~{ومن ذريته داود وسليمان} ثم قال في آخر الآية {أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده} # فسماه مهديا وأوابا وصاحب زلفة وحسن مآب فقد رد على الله فلم يؤمن عليه ~~الكفر # عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال لما قتل أبي يوم أحد دعاني النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال أتحب الدراهم قلت نعم قال لو جاءتني دراهم أعطيتك ~~هكذا وهكذا وهكذا وهكذا فقبض النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يعطيني فلما ~~استخلف أبو بكر أتاه مال من البحرين فدعاني فقال خذ كما قال لك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخذت بكفي جميعا وأخذت الثانية أقل منه ms622 فقلت عدوا هذا ~~فأعطوني مثله مرتين فعد فوجد سبعمائة وخمسين فأعطوني مثلها مرتين # PageV04P093 # فلو كان حب جابر رضي الله عنه للدراهم حب النفس والدنيا لكان معيبا وما ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهديه ولكنا نظن بجابر الأولى والأحق حيث ~~ناطق بهذه الكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعده على ذلك جزيلا # وقيل لابن عون أتحب الدراهم قال نعم قيل لم ذاك قال لأنها تنفعنا # وقال كعب رضي الله عنه أول من ضرب الدينار والدرهم آدم عليه السلام # وقال لا تصلح المعيشة إلا بهما # وعن وهب بن منبه الدنانير والدراهم خواتيم رب العالمين وضعها الله تعالى ~~معايش لبني آدم لا يؤكل ولا يشرب إلا بهما من جاء بخاتم رب العالمين قضيت ~~حاجته # PageV04P094 ### | - الأصل السادس والستون والمائتان ### | في أن الله تعالى إنما ينظر إلى القلوب لأن كنوز المعرفة فيها والى الأعمال # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ~~لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وأحسابكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم # قال أبو عبد الله إنما ينظر إلى القلوب لأنها أوعية الجواهر وكنوز ~~المعرفة فيها وينظر إلى أعمال الجوارح بأن مبتدأ الأعمال من القلوب فإذا ~~نظر إلى الجواهر ووجدها طرية سليمة كهيئتها محروسة من آفات النفس مكنونة عن ~~تناول النفس وتلمسها شكر لعبده فزاده في الجواهر وبصره بأقدارها وأخطارها ~~حتى يزداد بها غنى ومن استغنى بالله عز # PageV04P095 # وجل فلا قوي أقوى منه قد آيست النفس من إجابته إياها وآيس العدو من ~~غوايته # وإنما ندب العبد إلى التقوى وصار العبد لله وليا بأن حرس ما في قلبه من ~~المعرفة لله وصيره في وقاية من آفات النفس فلا يصل إليه آفاتها من أجل صون ~~تلك الجواهر فإن العدو يأتي بأضدادها يريد أن يضعها في تلك الأمكنة وينفي ~~عن قلبه ما وضعه الله تعالى فإن لم يقدر على النفي غطاه بما أورد عليه فلبس ~~عليه بمنزلة رجل في يده جواهر ودنانير فأكب عليه ms623 خائن مخادع يصحبه ويخالطه ~~في الأخذ والإعطاء فإذا أخذ منه جوهرا لينظر إليه يأخذ ياقوتة حمراء فلا ~~يزال يقلبها في كفه ينتظر بلاهته ويلتمس غرته حتى يبدله بها خرزة حمراء ~~صافية تشبهها وصاحبه قليل البصر بالجواهر إنما معرفته بها ما ينظر إليه من ~~ظاهرها ويأخذ منه لؤلؤة فيبدل بها عظما صافيا يشبهها ويأخذ منه فيروزجا ~~فيبدله بخزف ملون أزرق صقيل ويأخذ منه زمردة فيبدل بها فلقة من جوهر الزجاج ~~ويأخذ منه دينارا فيبدل به فلسا أصفر مدورا فهو لا يعرف من الدينار إلا ~~صفرته وتدويره وكتابته ومن الزمرد إلا خضرته ومن اللؤلؤة إلا بياضها ومن ~~الياقوتة إلا حمرتها فإذا رأى مثلها من الهيئة لم ينكر ذلك # فكذلك هذا الموحد أعطي المعرفة ليوحد ويتوجه إلى الواحد ويقبل على الواحد ~~ويبذل نفسه له عبودة ويأتمنه على نفسه ويتخذه وكيلا ويفوض إليه أموره ويترك ~~التدبير عليه ويثق به ويركن إليه ويتذلل لربوبيته ويتواضع لعظمته ويتزين ~~لبهائه ويتخذه عدة لكل نائبة من دنيا وآخرة # فلما رأى العدو ذلك حسده وشمر لاستلاب ما أعطي العبد فلم يقدر أن يكابره ~~ويستقبله بالقهر كما قهر الكفار وكابرهم ولكنه خادعه وأخفى خداعه في ظل ~~النفس فهو يوسوس إلى النفس والنفس توسوس # PageV04P096 # إلى القلب فإذا كان القلب أبله ورفض الكياسة وكان مستثقلا في نوم البلاهة ~~والغفلة انخدع لما يورد العدو فأورده على توحيده شرك الأسباب بدلا وبالتوجه ~~إليه توجها إلى أولياء الأسباب وبالإقبال إليه إقبالا على أحوال النفس ~~وببذل النفس له عبودة بذل النفس لمناه وشهواته وبائتمانه على نفسه إئتمان ~~ما جمع وحوى من الدنيا وباتخاذه وكيلا إتخاذ علمه وبصره وحذقه بالأمور ~~وكيلا وبالتفويض إليه تفويضا إلى تدبيره وقوته مقتدرا وبالركون إليه ركونا ~~إلى خدمه فلبس ما أعطي من الكنوز بهذه الأشياء فانقطعت قوته ومادة معرفته ~~من الله تعالى # فأي مغبون أعظم غبنا من هذا فبعدا له لأنه قد ترك نصيحة الله له فإنه ~~أنزل عليه نصيحته تنزيلا فقال {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ms624 ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} # فإنما يذكر الله تعالى من وحده في جميع أموره دينا ودنيا وتوجه إليه في ~~جميع نوائبه وحوائجه وأقبل عليه بكل همومه وبذل له نفسه بذل من يعلم أنه ~~مملوك مخلوق من تراب ممنون عليه بخلقه وبعظائم المنن وائتمنه على نفسه ~~سكونا إليه واتخذه وكيلا فاستراح من المخاوف وفوض إليه وقعد ببابه ينتظر ~~خروج تدبيره إليه وركن إليه ركون من استند إلى جبل شامخ لا يقدر أن يؤتي من ~~قبله واطمأن فمن ألهاه حب ماله وولده عن ذكر الله بهذه الأشياء فخسر أنه ~~أعظم من أن يوصف لأنه خدع فأبدل بما أعطي من الجواهر الخرز والخزف والزجاج ~~والعظام والفلوس فليت شعري في أي واد بقي توحيده وفي أي واد هو أولئك ~~ينادون من مكان بعيد # عن أبي معبد بن حبان أو عن حبان بن حجر قال قال رسول الله # PageV04P097 # صلى الله عليه وسلم يأتي على الناس زمان القرآن في واد وهم في واد غيره # فإنما صار في واد لأن جواهرهم ودنانيرهم قد صارت خرزا وخزفا وفلوسا ~~وعظاما وزجاجا فالقرآن كلام رب العالمين جرى إليهم من أصل الجواهر ليعقلوا ~~عنه كلامه بأنوار تلك الجواهر فإذا خدعهم العدو بنفخة الكبر فيهم ونفثة ~~الشهوة وسلطان الهوى صارت هذه الأشياء بدلا فلم يوجد للخرز والخزف والفلوس ~~أنوار تشرق ليستنير الصدر لكلام رب العالمين أو يتراءى لعين الفؤاد في ~~ظلمات الكبر تلك المعاني واللطائف هيهات ما أبعد ما وقع القوم انخدعوا ~~للعدو بخيانة نفوسهم حتى أهلكهم قال الله تعالى {سأصرف عن آياتي الذين ~~يتكبرون في الأرض بغير الحق} # تلك قلوب عز ربي وجل عن أن ينظر إليها حتى يزين فيها الخرز والحصى والخزف ~~بدل الفلوس وتلك الجواهر وتلك قلوب صرفها الله عن آياته ودلائله فعميت ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور تلك قلوب أعرض الله عنها وشغلها بما كثر عليها ~~من دنياها الخربة من زينتها ولهوها ولعبها ومتاع غرورها تلك قلوب فرحت ~~بنفسها ودنياها الدنية وشهواتها الردية فطمسها ms625 الله عن الفرح به والقلوب ~~المطموسة معرض عنها خالقها قال الله تعالى {من قبل أن نطمس وجوها فنردها ~~على أدبارها} # وإذا أعرض الله عن قلب صار الصدر كنهار غربت شمسه وإذا أظلم الصدر انقبض ~~القلب وذبل وافتقر وصار أسير النفس فالفرح بالله برد يطفئ حرارة النفس ~~وشعاع ينير الصدر وحياة تهزم جميع الشهوات # PageV04P098 # ولطافة تجري في جميع عروقك حتى تتأدى إلى مخ أعظمك وحلاوة تسكرك عن كل ~~حلاوة دونها ولذة تلهيك عن كل لذة دونها وبشرى يغرق فيها جميع آمال قلبك ~~وهيمان في تلك البشرى يدق الدنيا والآخرة في جنبها والفرح بأحوال النفس له ~~حرارة تحرق وجه القلب وساحته وهي الصدر حتى يصير للقلب حزونة كحزونة الأرض ~~فيصبح حزينا على فوت الدنيا # روي عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ~~ساخطا على ربه # وعن فرقد السنجي قال قرأت في التوراة من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ~~ساخطا على ربه ومن تضعضع لغنى ذهب ثلثا دينه ومن نزلت به مصيبة فشكاها إلى ~~الناس فإنما يشكو ربه # والفرح بأحوال النفس إذا اضطرم عليه نيران الحرص امتلأ الجو من دخانها ~~حتى يصير صدره كالليل الدامس وتعمى بصيرته والفرح بأحوال النفس له سلطان ~~يميت القلب ويحيي النفس وتهتز الشهوات بتلك الحرارة فهو يستحيي من الخلق ~~ولا يستحيي من خالقه كما قال في تنزيله {يستخفون من الناس ولا يستخفون من ~~الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول} # وله حلاوة تسكر عن الله وبرد كبرد السم يدب في العروق ويحذر عن الإيمان ~~بالله ويصيرك كأنك خال عنه ويشتمل على روحك حتى يتغير إلى طبع النفس ~~وكدورتها وله لذة تلهيك عن الله تعالى وعن يوم الميثاق ويوم الميعاد لوفاء ~~الميثاق وله آمال كاذبة وأماني خادعة يهيم فيها هيمان المحتلم يثب على كل ~~مفروح من الدنيا وثبان المحتلم على # PageV04P099 # جارية قد عشقها فإذا انتبه وجد نفسه عما وثب إليه خاليا وفي فراشه بائلا ~~كذلك الفرح بالدنيا إذا ms626 قبض روحه يجد نفسه خاليا من أفراح النفس ودنياها ~~يقدم على ربه جنبا قد بال في دينه وعبوديته وراث فيها كروث الحمار الذي قد ~~حمل عن الله أسفارا على ظهره من قبل أن يتطهر بماء الندم والكيس نظر إلى ~~هذا الحال فاقشعر منها ورجع إلى نفسه فوجدها كريمة حرة تنقاد وتسلس بلا ~~كزازة فقام على الساق متشمرا في تصفية قلبه وتطهيره ليرق ويجلى فإن المرآة ~~إذا جليت فقابلها نور الشمس تولد من بينهما إشراق يضيء البيت منه فكذلك ~~القلب إذا جلى ثم يلاحظ نور الملكوت أضاء الصدر وامتلأ من شعاعه فأبصرت ~~عينا الفؤاد باطن أمور الله في خلقه فذاك قلب قد استكمل الزينة والبهاء بما ~~سبق من الطهارة والصفاء فصار قلبه موضع نظر الله من بين خلقه فكلما نظر إلى ~~قلبه زاده به فرحا وله حبا ومنه قربا واكتنفه بالرحمة # عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله ~~تعالى في الأرض أواني ألا وهي القلوب فأحبها إلى الله أرقها وأصفاها ~~وأصلبها أرقها للإخوان وأصفاها من الذنوب وأصلبها في ذات الله فمن كان له ~~قلب صالح تحنن الله عليه وإنما يصلح إذا سكنت النفس بشهواتها والهوى بجنوده ~~واطمأن القلب أميرا على الجوارح نافذا سلطانه فعندها يحظى العبد من الله ~~الحنان فإذا تحنن عليه وجد القلب ريح الرأفة فيزداد طمأنينة إلى ربه ~~واهتاجت آماله فيأخذ في السير إليه فعنده تظهر الكنوز وإذا استغنى القلب ~~بالكنوز وصل العبد إلى زينة الأعمال وإنفاق الكنوز لمحاسن الأخلاق ومحمود ~~الفعال فعند ذلك ينظر الله إلى قلبه وإلى أعماله # PageV04P100 ### | - الأصل السابع والستون والمائتان ### | في فضل العلم بالله # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال العلم بالله ثم أتاه فسأله ~~فقال له مثل ذلك قال يا رسول الله إنما أسألك عن العمل قال إن العلم ينفعك ~~معه قليل العمل وكثيره فإن ms627 الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فالعلم ثلاثة أنواع علم بالله وعلم بتدبير ~~الله وربوبيته وعلم بأمر الله # وروي عن عيسى عليه السلام أنه قال العلماء ثلاثة عالم بالله ليس بعالم ~~بأمر الله وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله وعالم بالله عالم بأمر الله # كأن عيسى عليه السلام جعل العلم بتدبيره وربوبيته مع العلم بالله علما ~~واحدا وإنما صيرناه ثلاثة أنواع لأنا أردنا أن يتميز عند من لا يعقله علم ~~الله من علم التدبير لأن علم التدبير للعباد وهو داخل في باب العبودة وعلم ~~الله هو الثناء الذي يظهر على الألسنة من القلوب فالعلم رأس كل أمر وخلق ~~الله الخلق أصنافا ثم أعطى كل شيء علمه الذي # PageV04P101 # ينبغي له فبالعلم يعرف ربه وبالعلم يعبد ربه وهو جواب موسى عليه السلام ~~لفرعون حيث قال {فمن ربكما يا موسى} قال ربنا الذي أعطي كل شيء من خلقه ثم ~~هدى أي أعطاهم خلقهم ثم هداهم من خلقهم ومن كونهم ومن يملكهم وبمن قوامهم # فالهدى هو العلم الذي أعطى كل شيء خلقه حتى هداهم إلى نفسه فالعرش فمن ~~دونه إلى الثرى كلهم أعطاهم خلقهم ثم عرفهم نفسه وهداهم خلق كل شيء فوضع ~~فيه الحياة وأعطاهم العلم به واقتضاهم القنوت له فقال تعالى {وله من في ~~السماوات والأرض كل له قانتون} والقنوت الركود بين يديه في مقامه الذي ~~أقامه # ثم بدأ خلق آدم عليه السلام وذريته فجعل الأشياء سخرة للآدميين وضع فيها ~~تلك الأشياء التي فيها منافع الآدميين وقوام معايشهم وأعطاها علم إخراج ذلك ~~إلى الأميين بمقدار معلوم ووزن معلوم وفي وقت معلوم وفي موضع معلوم فالعرش ~~مقصد القلوب والسموات ظلال أبدانهم وموضع أرزاقهم وتدبير أمورهم بما فيها ~~من الشمس والقمر والنجوم والرياح والحر والبرد والليل والنهار وما في الأرض ~~كلها سخرة لبني آدم فهم كلهم إلى الثرى مسخرون موكلون بإخراج ما وضع فيهم ~~من المنافع إلى الآدميين وأعطاهم العلم على قدر ذلك من الحاجة إلى ms628 إخراج ~~السخرة إليهم وخلق الآدميين للخدمة ووضع فيهم أنواره ليخرج الخدمة لله من ~~باطنه # فالحاجة بالآدمي إلى العلم بالله تعالى حسب ما له خلق فانظر كم بين ~~السخرة والخدمة فالسخرة لنا والخدمة لله تعالى فلو أن أحدنا أقيم لخدمة ملك ~~من ملوك الدنيا لعظم شأنه واحتاج إلى علم كثير وأدب # PageV04P102 # عظيم وكياسة وافرة حتى يصلح لخدمته ولدوام القيام بين يديه ماثلا ليله ~~ونهاره حتى لا يضيع شيئا من خدمته فكيف بمالك الملوك ورب العزة واله ~~العالمين فعلى حسب ذلك الذي خلقنا له أعطانا من العلم وأوتينا من العلم ما ~~عجزت الملائكة عنه وقالت {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} فعند هذا {قال ~~يا آدم أنبئهم بأسمائهم} فنحن خلقنا لما لم يخلق هؤلاء # فهؤلاء للسخرة لنا وللوكالة لإخراج المنافع إلينا لنقيم عبودته بأركاننا ~~بقوة تلك المنافع ولنتمثل بقلوبنا بين يديه على مثال الخدم لا تبرح قلوبنا ~~بين يديه قال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} # فلو لم تصل هذه المنافع إلينا من قبل المسخرين الموكلين بنا لشغلت النفس ~~منا بحوائجها وضروراتها قلوبها فتزيلها عن مواضعها فلا تكاد تثبت فخلق لنا ~~ما في الأرض جميعا وسخر لنا ما في السموات فقال {هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا} وقال {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} # فإذا إنقضت العبودة ذهبت السخرة وأعيد من خلق من التراب إلى التراب ومن ~~خلق من النار والنور رجع إلى معادنهما فعندها يستقبلك منافع لا تنقطع في ~~دار السلام أو مضار في دار الهوان لا تنقطع إما ملكا محبورا وإما عبدا آبقا ~~مدحورا فأوتي هؤلاء علم السخرة وأوتينا علم # PageV04P103 # الخدمة قال الله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها} الآية # فلما نال العلم بالله والعلم بتدبير الله يسرت عليه الخدمة لأن هذين ~~النوعين يهديانه للخدمة قال له قائل ما الخدمة وما علمها قال # أما الخدمة فالقنوت بقلبك بين يديه ماثلا منتصبا كالمتشمر في قراطق ~~الخدمة مخفا مبادرا مسارعا مركبك في جميع أمورك وأما ms629 علم الخدمة فعلم ~~البساطين قال له قائل وما البساطان قال بساط القدرة وبساط العبودة فإذا ~~طالعت بساط القدرة بعقل وافر ثم طالعت بساط العبودة بكياسة وحذق حتى أدركت ~~تدبيره في العبودة وباطن أمره ونهيه وعلل التحليل والتحريم لماذا أحل ~~ولماذا حرم فبعلم بساط القدرة تملك نفسك وبعلم بساط العبودة تملك جوارحك ~~وخواطر قلبك فلم يقتض الله العباد شيئا لم يعطهم فالأشياء كلها من عند الله ~~كان الله ولا شيء معه فبسط بساط الربوبية من باب القدرة وبسط بساط العبودة ~~من باب العظمة ثم كان آخر خلقه الإنسان ابتدأ خلقه من التراب وجمع ترابه ~~بالماء فعجنه ثم صوره وركب جسده وجعله أجوف ثم وضع فيه الروح والنفس ~~والحياة والقوة والعلم والمعرفة والذهن والفهم والفطنة والحفظ والعقل ~~والكياسة والصبر والشهوة والرحمة والرأفة واللطف والحب والفرح والغضب ~~والسخط ثم اقتضاه استعمال ذلك كله وإبرازه من باطنه إلى ظاهر جوارحه فيكون ~~اعمالا عليها يثاب ويعاقب وفتح لعيني قلبه طريقا إلى المظهر للمعاملة لتفيض ~~منه أرزاقه وعطاياه وما يدر عليه من رحمته ومن ربوبيته وخلق العدو وأعطاه ~~السبيل إلى أجوافنا فيجري في عروقنا ومسكنه في صدورنا وجعل جنده وعظم قوته ~~في الهوى والهوى مثير الشهوات ودواعي الآدمي إلى مكابد العدو وغروره فمن لم ~~يعطه روحا # PageV04P104 # أو قوة أو علما أو ذهنا أو شيئا من هذه الأشياء لم يقتضه ما يخرج له من ~~ذلك الشيء كما لو أنه لم يعطك القائمة لم يقتضك الصلاة قائما ولو لم يعطك ~~القوة لم يقتضك الصوم ولو لم يعطك المال لم يقتضك الزكاة ولا الحج ولو لم ~~يعطك الكسوة أجزئ عنك الصلاة عريانا ولو لم يعطك الماء أجزئ عنك التيمم # فكذلك ما في الباطن كل شيء لم يعطك لم يقتضك استعماله وإبرازه عنك وكل ~~شيء أعطاكه ووضعه فيك فإنما أعطاك لتبرزه فيكون ربك محمودا على ما وضع فيك ~~ناشرا في خلقه جماله ومحاسن فعاله وتكون عليه مثابا مكرما فإذا منعته ~~إبرازك إياه فقد ظلمت نفسك وضيعتها وضاعت عنك الأشياء التي ms630 وضعها فيك ~~فالقلب أمير على الجوارح والروح معلق بالوتين وهو عرق القلب والحياة في ~~الروح وكلما زيد من الحياة حيى القلب وزاد علمه ومعرفته وانبسط ذلك العلم ~~في الصدر وتميزت الأشياء وتدبر العقل في صدره فميز الحسن من السيئ فالعلم ~~إلى الذهن والتدبير والتمييز إلى العقل فجعل للقلب عينين وجعل لهما طريقا ~~إلى المظهر وهو العرش ومد بصر قلبك إلى مظهر نور العلم بالله والمعرفة لله ~~حتى يرجع بصره إلى صدرك بعلم عزيز وأمور مستقرة يعلم كنهها وكيفيتها ووضع ~~الشهوات في الجوف ففوران الشهوات لها دخان وغيوم لأنها من باب النار ~~وجالبها وناقلها الهوى فإذا صارت إلى الصدر صار الصدر كيوم مغيم قد حال بين ~~نور الشمس وبين قلبك فإلى أين تهتدي وأي طريق تسلك في ذلك الغيم وأي شيء ~~تتوقى حتى لا تتردى فيه مع ذلك الدخان وأي أرض مشاكة تتجنبها حتى لا تقع ~~فيها وأي مزبلة تحيد عنها حتى لا تتلوث في أقذارها فإذا سكنت الغيوم وذهب ~~الفوران وبرزت الشمس فأشرقت اهتديت للطريق وتتجنب الآفات لأنها صارت رأي ~~العين فإذا ذهبت الغيوم ورميت ببصر العين الذي على الفؤاد امتد البصر إلى ~~ذلك الذي # PageV04P105 # جعل لك الطريق إليه فجعلت ببصر عينك في ملكوت العرش فرجع إلى القلب ~~بالعجائب من تلك المشاهد ووقفت على تدبير عظيم من أمر الله تعالى في شأنك ~~فكل حركة ظهرت منك فإنما يظهرها الحياة وكل حركة ظهرت منك بغير ذكرالله عز ~~وجل فقد فاتك من الخدمة بقدرها وبقسطها يفقدك ذكر الله تعالى إياك # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة ~~مرت لم يذكروا الله فيها روى ذلك معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيروا ~~سبق المفردون قالوا يا رسول الله وما المفردون قال هم المتهترون بذكر الله ~~حط الذكر عنهم أوزارهم فوردوا القيامة خفافا # وعن أبي ms631 جعفر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد ~~الأعمال ثلاثة ذكر الله على كل حال ومواساة الأخ من مالك والإنصاف من مالك # فأدوم الناس على الذكر أوفرهم للخدمة لكنا لا نقدر على مداومة الذكر مع ~~كل طرفة ومع كل نفس إنما هذا للملائكة الذين عروا من الشهوات ونحن لا نقدر ~~على ما قدرت عليه لأن آفات الجسد من الجوع والعطش والآلام تشغلنا وتذهلنا ~~فرضي منا عز وجل أن يكون # PageV04P106 # ذكره مع استعمال كل جارحة لا مع كل حركة وذلك الجوارح السبع الكواسب ~~للخير والشر وهي السمع والبصر واللسان واليد والقدم والبطن والفرج فإذا ~~ذكرنا مع تحريك كل جارحة بخير فرضي به ذكرناه بنعمة تلك الجارحة علينا فهذا ~~ذكر يترقى به العبد درجات حتى يبلغ منازل المقربين الذين يدوم ذكرهم على كل ~~حال لأن قلوبهم قد ملكتها عظمة الله عز وجل وسبتها محبته وأما من دونهم ~~فإذا حرك جارحة من هذه الجوارح السبع بتلك الحياة التي فيها فإنما يحركها ~~بالقلب والقلب أمير وذلك التحريك منه استعمال لها فإذا قصد الخير فإنما ~~يقصد ذكر الله وإياه أراد وإذا قصد الشر بما دعاه إليه للهوى والشهوة فقد ~~حاد عن الله تعالى واستعمل إمارته في طريق الجور فجار على جوارحه وظلم نفسه ~~حيث أرادها وأوجب لها النار وحرمها ثواب الله # والحركات التي ذكرنا أولا التي خرجت من أركانه من غير استعمال لها بقلبه ~~مع كل نفس ومع كل طرفة لا تبعة عليه فيها لأنها حركات الحياة ليس فيها أمر ~~ولا نهي مثل نظرة الفجأة لأن عينيك مفتوحتان فليس عليك تبعة في وقوع بصرك ~~على الأشياء التي تراها بأول النظرة حتى تستعمله بقلبك وكذلك تقلبك في ~~مقعدك من قبض يد وبسط واتكاء واحتباء وأشباه ذلك هذا مما لا يمتنع منه ~~الآدمي من الحركات فإن ظهرت منك في ساعات تمر بك فإن كان قلبك غافلا عن ~~الله كانت خدمة قد فاتتك وثواب ضاع عنك المنعم يجري عليك رزقه ويذكرك ~~بادرار نعمه ms632 عليك وقد ضيعت في ذلك الوقت الخدمة فهو في ذكرك وأنت عنه في ~~غفلتك فإن لم تتبع بالتبعات لحقتك الحسرة التي قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإنما يتحسر أهل الجنة في الموقف لا في الجنة لما عرضت عليهم أيام ~~الدنيا وماذا خرج لهم من ذكر الله تعالى # PageV04P107 # أما ثواب عمل الأركان من قصور الجنة ونعيمها وثواب الذكر من فرح الله ~~بالعبد وحبه له وتقريبه والبسط منه ثم نظروا إلى الساعة الأخرى التي لم ~~يذكروا الله فيها وقد حرموا ثوابها والمسخرون قد عملوا أعمالهم وأوصلوا ~~منافع السخرة إلى هذا الآدمي فضاعت الخدمة عن الآدمي بقدر ما غاب عن قلبه ~~ذكره ولو طرفة أو لحظة وذلك موضوع عن الآدمي لأنه خلق في غيب والملائكة في ~~جهر وكشف وعروا عن الشهوات والآدمي مبتلى بها فهو نساء خطاء عجول فلما خلق ~~الله تعالى خلقنا هكذا رحمنا وعطف علينا فأعطانا في القلوب من العلم به ما ~~أنبأنا في كتابه أن الملائكة عجزت عن ذلك العلم {قالوا سبحانك لا علم لنا ~~إلا ما علمتنا} # فالملائكة يطالعون بعيون أجسادهم ما تحت العرش وقلوب الآدميين تطالع ما ~~وراء الحجب من عظائم الأمور التي لا تدور الألسنة بذكرها ثم الآدميون على ~~ضربين ضرب أهمل القلب حتى خرجت الحركات منه بغير ذكر ولا نية فيما أذن الله ~~له من الأكل والنوم والشرب فهو في ذلك الوقت مضيع للخدمة بطال فتعظم حسرته ~~والضرب الآخر أهمل القلب حتى خرجت حركات في أمر لم يأذن به الله تعالى فصار ~~ذنبا ومعصية فذهب العبد بالرقبة أكل رزقه وأبق فاجتمع عليه أمران فوت ذهاب ~~الخدمة وعار الإباق فهو أعظم حسرة وأشد عقوبة فلما علم الله تعالى أن ذلك ~~نازل بعبيده لم يؤيسهم من رحمته بل ترك لهم بابين مفتوحين بابا عن اليمين ~~وهو باب التوبة وبابا تجاهه وهو باب الدعاء وبسط يده فتركها مبسوطة لمن رجع ~~إليه وبايعه على رد الرقبة وبذل النفس # عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله ms633 صلى الله عليه وسلم إن الله ~~لا # PageV04P108 # ينام ولا ينبغي له أن ينام باسط يده لمسيء النهار أن يتوب بالليل ولمسيء ~~الليل أن يتوب بالنهار حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء ~~أدركه بصره # فإذا تاب وأقام على سواء الطريق أشرق له نوران نور الحق ونور العدل فنور ~~الحق يمنعك عن الباطل والمعصية ونور العدل يمسكك عن الميل في الحق وهو أن ~~تكون في الطاعة مرائيا أو متصنعا أو مداهنا فتذهب عن الاستقامة وهو قوله ~~تعالى {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} # فإذا ظفرت بهذين النورين وكانا لك فلزمتهما فأنت في كل أمر يحدث يخرج ~~حركاتك إلى الجوارح من قلب محق عدل فهذا قد أكل رزقه وقبض منافعه من ~~المسخرين وأدى إلى الله تعالى خدمته وفي خلال ذلك يستغفر للتقصير الذي ~~يتخوف منه فلم يبق للسموات والأرض ولا للشمس والقمر والليل والنهار عليه ~~تبعة ولا خصومة ومن كان بخلاف ذلك فهؤلاء كلهم خصماؤه فويل له من أرضه التي ~~يدفن فيها ماذا تعمل به وكيف تعصره عصرا وكيف تضغطه ضغطا ومن سمائه التي ~~يصعد بروحه إليها ومن ملائكة الله حيث يمر بروحه عليهم ومن جميع خلقه ~~المسخرين له يقولون قد استرحنا من هذا العبد الآبق ولذلك قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مستريح ومستراح منه # فالمستريح من غفر له والمستراح منه من هؤلاء خصماؤه يقولون أوصلنا إليك ~~السخرة فأين الخدمة فمن تاب وتطهر تولاه الله تعالى # PageV04P109 # واتخذه حبيبا كما قال تعالى {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} ثم ~~أرضى عنه خصماءه # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ينادي مناد يوم القيامة ألا ~~من كان لله وليا فليعتزل ثم يقول أنا ضامن لمن ادعى قبلهم حقا # فهؤلاء الذين ضمن لهم آدميون ونادى جبرائيل عليه السلام بحب الله له ~~فبرأه من تبعة أهل السخرة # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صلاتكم علي معروضة يوم الجمعة ~~فأكثروا علي الصلاة فقال قائل كيف ms634 وقد رممت فقال إنا معاشر الأنبياء حرم ~~الله على الأرض أجسادنا أن تأكلها # أخبر عن حال الأنبياء عليهم السلام أن الأرض تبرأت منهم ولم تتبعهم مما ~~أكلوا فيها لأنهم تناولوا ما تناولوا منها بالحق والعدل # يحقق ما قلنا حديث جابر بن عبد الله أن شهداء أحد لما نقلوا عن قبورهم ~~إلى موضع آخر في زمن معاوية حيث أراد أن يجري الماء في ذلك الموضع أخرجوا ~~عن قبورهم بعد نحو من أربعين سنة رطابا حتى أصابت المسحاة قدم حمزة رضي ~~الله عنه فانبعث دما طريا # وقد حذر الله عن الميل عن الحق واتباع الهوى قال تعالى يا داود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع # PageV04P110 # الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما ~~نسوا يوم الحساب) # أعلمنا أن نسيان يوم الحساب يجرئنا على استعمال الهوى وترك الحذر من ~~العلم بالهوى وأعلمنا في آية أخرى أن في يوم الحساب إبلاء السرائر واستخراج ~~حاصل الصدور فإن قال قائل إن الله تعالى وضع في علما ومعرفة وقوة وذهنا ~~وغير ذلك من الأشياء ولكن منعني الإذن فبقي هذه الأشياء في غير عاملة ولا ~~مستعملة فمن حجة الله تعالى أن يقول إنما أعطيتك هذه الأشياء ووضعتها في ~~وعائك والوعاء هو القلب والنفس فإذا ذهبت بقلبك ونفسك عني وأقبلت على ~~الشهوات واستعمال الهوى فقد ذهبت بالنفس وبما فيها من هذه الأشياء الموضوعة ~~فيك وهي نعم مني فيك فلما غيرت بأن ذهبت بنفسك انقطع الإذن وبقيت الأشياء ~~غير عاملة وقال في تنزيله {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم} # وإذا ذهبت بروحك وحياتك وقوتك وعلمك وذهنك وفهمك وفطنتك وحلمك وبصرك ~~وكياستك فمازجتها بالهوى والهوى دنس قد خرج من النار ومر بالشهوات فاحتملها ~~إلى شهوتك الموضوعة في نفسك فأثارها فأغبر عليك صدرك وبقيت عينا الفؤاد في ~~الصدر في ذلك الغبار تائهة فغيرت النعم بأن قطعت الإذن عنك فإن وقفت نفسك ~~بين ms635 يدي بما فيها من الأشياء الموضوعة فقد بذلت نفسك لي وصرت أمينا من ~~أمنائي فأذنت للأشياء الموضوعة فيك إذنا عاما لا يحتاج إلى أن تستأذنني في ~~كل أمر مثال هذا العبد المحجور الذي لم يوثق بأمانته فإنه يحتاج في كل تصرف ~~إلى إذن خاص ولا يلزم السيد ضمان ما استدان # PageV04P111 # بغير إذنه بل تعلق رقبته في يوم العتق والعبد الذي يوثق بأمانته يكون ~~مأذونا مطلقا تاجرا أمينا فلا يحتاج في كل تصرف إلى إذن خاص وكل ما يركبه ~~من الديون يلزم السيد كذلك عبدي المتهم الذي لا يبذل لي نفسه أحجر عليه ~~لأضبطه أما إذا بذل لي نفسه وتخلى من الهوى والشهوة اجتبيته وهديته كما وصف ~~خليله {شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه} فهو في قبضة الله يستعمله على مشيئته ~~ومحبته فإذا نطقوا فيه نطقوا وإذا نظروا فبه نظروا وإذا سمعوا فبه سمعوا ~~وإذا بطشوا فبه بطشوا وإذا مشوا فبه مشوا وإذا تدبروا فبه تعلقوا # كذلك جاء عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن جبرائيل صلوات الله عليه عن الله تبارك وتعالى # قال له قائل وما بذل النفس لربه قال أن يترك جميع مشيئآته لمشيئته فإن ~~الله تعالى خلقه لما شاء لا لما شاء العبد ودبر له من أمر دنياه ما علم أن ~~صلاحه فيه فإذا ترك العبد مشيئته فصارت عينا قلبه شاخصتين إلى ما يبرز له ~~من الغيب فرضي به وقد فوض إليه قبل ذلك أمور فقد بذل له نفسه وزالت عنه ~~التهمة وصار أمينا من أمنائه فأذن لجميع ما وضع فيه أن يعملوا أعمالهم في ~~الباطن ويؤدوا إليه ثمراتهم فصار عبدا مأذونا تدور رحى حركاته بالقطب وهو ~~الإذن وعند ذلك صارت مشيئة ربه في مشيئته فمتى ما شاء شيئا أنفذه وكأن ذلك ~~الشيء الذي شاء العبد مشيئة ربه فهو الذي يقسم على ربه # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كم من ms636 ~~أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على ربه لأبره # PageV04P112 # فإن كان من حجة العبد أن يقول وضعت في العقل والعلم والقوة والحياة ولكن ~~حبست عني الإذن وهذه الأشياء كلها جنود القلب والقلب أمير فمن حجة الرب ~~تعالى أن يقول إني وضعت هذا فيك لتكون النفس لي وقائمة بين يدي فخانت وزاغت ~~ولم تنظر إلى مشيئتي وتدبيري الذي سبق خلقها # والخائن كالعبد المحجور يطلق له الإذن في شيء ولا يطلق في شيء لأنه يفسد ~~ولا يضبط قال تعالى في تنزيله {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} # فالإذن للنفس بما وضع فيها فإن قال العبد مخاصما فهل أقدر أن أبذل نفسي ~~وأترك مشيئتي إلا بما تعطيني فإنك وضعت في الشهوات وإنما زاغت بي حلاوة ~~شهواتي وقوة هواني فمن حجة الرب تعالى أن يقول أعطيتك حلاوة معرفتي وقوة ~~الحياة بي وقائمة من عندي وتعلقا بحبلي فهلا جررت حلاوة شهواتك إلى حلاوة ~~معرفتي بقوة تلك الحياة وبثبات تلك القائمة ورسوخ قدمك في القائمة حتى ~~تنغمر حلاوة شهواتك في حلاوة معرفتي وتعلقك بحبلي حتى لا يقدر الهوى أن يمد ~~بك فههنا تنقطع الحجة وتتحير العبيد فالمؤمنون من الله عليهم في السير ~~بمشيئته وليس لأحد في المشيئة منازعة أن يقول لم شئت لفلان ولم تشأ لي ~~وكذلك المحبة فخلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فلما أصاب من ~~أصاب بمشيئته وأخطأ من أخطأ بمشيئته فقد علم من يصيبه ممن يخطئه فلما أبرز ~~السلطان النفر الذين لم ينالوا من ذلك الرش شيئا فتباعدوا فلما خرجوا من ~~صلب آدم عليه السلام # PageV04P113 # خرجوا سودا عميا عن الله فأقروا به كرها على وجه التقية وذلك قوله تعالى ~~{وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} # كذلك هؤلاء الموحدون أعطاهم كلهم آلات الطاعة في الباطن من العلم والذهن ~~والعقل ثم لم يعطهم ما به يبذلون أنفسهم له حتى لا يشاءون شيئا إلا ما شاء ~~الله من أجل الشهوات التي ركبت فيهم لأن للشهوات ms637 حلاوة وإنما أعطي ذلك من ~~يذل نفسه لله وقطع عن نفسه حب الشهوات مجاهدا لنفسه محاربا لهواه مادا ~~بقلبه إلى ربه ضرعا باكيا تجري دموعه على خديه فمرة يجثو ومرة ينتصب ومرة ~~يضع خده بالأرض ومرة يدعو ومرة يتملق حتى رحمه ربه واطلع على صدق بذله فمن ~~عليه بذلك الحب الذي هو أصل الحب عنده فأحياه بذلك وأذاقه من حلاوته ما جرف ~~كل حلاوة في نفسه كالسيل الذي يجيء فيجري بالكناسات وما فيها وبالمزابل بما ~~فيها من الأقذار والميتات فصارت بقاعا طاهرة فكذلك صدر هذا العبد بما نال ~~من هذا الحب فذهبت مشيئآته بحب خالقه فصار مأذونا بجميع ما فيه من الأشياء ~~الموضوعة فيه حتى أينعت ثمراتها ونورت عمالاتها على الجوارح ثم صيره في ~~أحوال الدنيا مقسما على ربه في ملكه قال الله تعالى {أهم يقسمون رحمة ربك ~~نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} # فرتب لتارك المشيئة مرتبة القسمة أن يتناول من ملكه حاجته من خزائن تلك ~~الحاجة بقلبه ثم يرفعه إلى ربه متمسكا ينتظر مشيئته فيجعل الرب مشيئته في ~~مشيئة عبده فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أقسم على الله لأبر ~~قسمه # PageV04P114 # فإقسامه أن يأخذ العبد من القسمة بمشيئته فيمضي أخذه وإقسامه فهذا الحب ~~بمشيئته يعطي ويمن ليس لأحد أن يقول لم شئت له ولم تشأ لي ولم أحببته ولم ~~تحبني # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ~~تعالى إذا أحب عبدا قال يا جبرائيل إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبرائيل عليه ~~السلام فيوضع له القبول في الأرض # فالعلم بالله يؤدبك في باطنك والعلم بتدبير الله يؤدبك في ظاهرك قال له ~~قائل كيف يؤدبه في الباطن قال يجعل ذلك العلم مراقبا لله فيقف به على حدود ~~المراقبة في الأمور كلها ويورثه الحياء منه ويقف به على مهابة أسرار الله ~~ويرضي نفسه رضا في أثقال الأعمال حتى يؤديه إلى التعلق به في كل الأحوال ~~قال فكيف يؤدبه ms638 علم التدبير في ظاهره قال # إذا علم التدبير تصور له صور الأعمال فرأى مراتب الأعمال عند الله ~~فالصلاة إقبال العبد على الله والزكاة فرار من شرك النفس والصوم وثاق النفس ~~ورباطها لله والجهاد حمية وتعصب لله والحج وفاء البيعة الأولى وتجديد بيعة ~~أخرى والجمعة قبول ضيافة الله وتناول جوائزه والأعياد اعتراض العبيد على ~~الله ومجالس الذكر تملق العبيد لله ومرتع في رياض الله ومؤآخاة المؤمنين ~~ومعاطاتهم مرمة عسكر الله والدعاء إلى الله نصيحة الله والرغبة إلى الله ~~افتقار العبد إلى الله فانظر إلى ما نطق به التنزيل وإلى ما جاءت به ~~الأخبار عن الرسول عليه السلام من ثواب # PageV04P115 # هذه الأشياء وحسن الجزاء هل يشبه بعضه بعضا فإذا نظرت إلى ذلك علمت أن ~~بينهن تفاوتا وإنما اختلفت مثوباتها لاختلاف صورها ومن التدبير خرجت الصور ~~فمن عرف هذه الصور من الأعمال فإنما يعرفها بالعلم بتدبير الله تعالى فعلى ~~حساب ذلك يقيم حرمتها ويضعها مواضعها ألا يرى أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كيف كان إذا صلى يعطي كل عضو منه حقه من الصلاة # ولذلك قال عمر رضي الله عنه أعطوا مرافقكم حظها من السجود معناه أن لا ~~يبسط ذراعيها فيبطل حظها من السجود # وقال ابن مسعود رضي الله عنه لأن يرضى إبهامي رضا أحب إلي من أن أستقبل ~~بهما غير القبلة إذا وضعت كفي بالأرض في حال السجود # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفريضة لم يصل في مكانه شيئا ~~من التطوع إقامة لحرمة الفريضة وكان إذا تطوع تياسر ويأمر بذلك ولا يتيامن ~~إقامة لحرمة اليمين وكان إذا صلى إلى عمود أو سارية أو عصى جعله على حاجبه ~~الأيسر ولم يجعله نصب عينيه إقامة لحرمة القبالة وكان علي رضي الله عنه إذا ~~سلم خفض تسليمته الأخرى قليلا من التسليمة الأولى لحرمة كاتب اليمين وأشباه ~~ذلك محفوظة عندهم # PageV04P116 ### | - الأصل الثامن والستون والمائتان ### | في سر رواية الحديث بالمعنى # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله ms639 صلى الله عليه وسلم ~~نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما سمع منا فإنه رب مبلغ هو أوعى له من ~~سامع # عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ~~ورب حامل فقه غير فقيه # عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالحيف من منى فقال نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم ~~يسمعها فرب حامل فقه لافقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه # PageV04P117 # قال أبو عبد الله اقتضى العلماء الأداء وتبليغ العلم فلو كان اللازم لهم ~~أن يؤدوا تلك الألفاظ التي بلغت أسماعهم باعيانها بلا زيادة ولا نقصان ولا ~~تقديم ولا تأخير لكانوا يستودعونها الصحف كما فعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالقرآن فكان إذا انزل الوحي دعا الكاتب فكتبه مع ما توكل الله له ~~بجمعه وقرآنه فقال {إن علينا جمعه وقرآنه} وقال {وإنا له لحافظون} # فكان الوحي محروسا مع الحرس يكتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كانت ~~هذه الأحاديث سبيلها هكذا لكتبها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل ~~جاءنا عن أحد منهم أنه فعل ذلك # وجاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه استأذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في صحيفة فأذن له # وأما سائر الأخبار فانهم تلقنوها منه حفظا وأدوها حفظا فكانوا يقدمون ~~ويؤخرون وتختلف ألفاظ الرواية فيما لا يتغير معناه فلا ينكر ذلك منهم ولا ~~يرون بذلك بأسا # وروي أنه لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كذب علي متعمدا ~~فليتبوأ مقعده من النار # PageV04P118 # أمسك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرواية مخافة تغير الألفاظ ~~ثم سألوه عن ذلك فهداهم السبيل وأوضح لهم الطريق # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى ms640 الله عليه وسلم عن ~~الرجل يحدث بالحديث فيقدم ويؤخر ويزيد وينقص قال إذا أصاب المعنى فلا بأس # عن عبد الله بن أكمية رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله إنا نسمع ~~الحديث فلا نؤديه كما سمعنا قال ما لم تحرموا حلالا ولا تحللوا حراما ~~وأصبتم المعنى فلا بأس # عن مكحول قال خرجنا إلى واثلة بن الأسقع فقلنا يا أبا الأسقع حدثنا بحديث ~~غض لا تقدم فيه ولا تؤخر حتى كأنا نسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال فغضب الشيخ وكان شيخا كبيرا فقال أجلسوني فأجلس فقال أما منكم أحد قام ~~في ليلة بشيء من القرآن قلنا ما منا إلا من قام بما رزق الله تعالى قال ~~فكأن أحدكم حالفا بالله ما قدم حرفا من كتاب الله ولا أخره إنا كنا أمسكنا ~~عن الحديث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعناه يقول إنه لا ~~بأس بالحديث قدمت فيه أو أخرت إذا أصبت معناه # ثم لما تداولت هذه الأحاديث طبقات القرون واشتبهت عليهم أصول العلم وهي ~~الحكمة وافتقدوا غور الأمور كثر التخليط بحال الزيادة والنقصان والتقديم ~~والتأخير فالحكماء ميزوا رواية الرواة صحيحها من سقيمها # قال له قائل مثل ماذا قال مثل ما روي عن أبي هريرة رضي الله # PageV04P119 # عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أتاكم أهل اليمن ألين قلوبا ~~وأرق أفئدة # فميزت الحكماء بين اللفظين وحكموا لكل واحد بالصواب وذلك أن القلب هو ~~البضعة الباطنة والفؤاد البضعة الظاهرة التي فيها العينان والأذنان والنور ~~في القلب ويتأدى إلى الفؤاد فالرؤية للفؤاد والتقلب للقلب ولذلك سمي قلبا ~~والله تعالى يقلبه وفي الدعاء يا مقلب القلوب ثبت قلبي وقال {ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم} ولكن أصل التقليب للقلب وإن نال الفؤاد منه حظا ولذلك لم يسم ~~قلبا وسمي فؤادا # ونسب الرؤية إلى الفؤاد فقال {ما كذب الفؤاد ما رأى} لأن العينين على ~~الفؤاد يقال هذا خبز فئيد لخبز ملة لأن له ظاهرا وباطنا وظاهره مفشي عليه ~~فاللين ms641 للقلب والرقة للفؤاد لأنه إذا دخل النور القلب بالرحمة دخل فرطب ~~القلب بالرحمة ولان ثم لا يزال ذلك النور يعمل في ذلك القلب بحره وحريقه ~~حتى يرقق هذه البضعة الطاهرة لذوب تلك اللحمة فمن زيد في نور قلبه كان أرق ~~لفؤاده لذوب تلك البضعة من فؤاده واللين من قلبه لرطوبة الرحمة فإنما وصف ~~أهل اليمن بذلك وأخبر بحظهم من الله فمن لم يصل إلى معرفة هذا الذي وصفنا ~~وكانت روايته حفظا اشتبه عليه الأمر فمرة يقول ألين قلوبا أرق أفئدة # PageV04P120 # ومرة يقول ألين أفئدة وأرق قلوبا فقلب المعنى واستحال الكلام ولم يكن ~~عنده تمييز الحكماء # ومثل قوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه البكر تستأذن والثيب تستأمر # فروى ابن المبارك رضي الله عنه عن علي بن المبارك رضي الله عنه بهذا ~~اللفظ وروى وكيع عن علي بن المبارك البكر تستأمر والثيب تستأذن # فالذي فقه هذا ميز الصواب من الخطأ فقال البكر تستأذن ألا ترى أنه قال ~~إذنها صماتها والثيب تستأمر حتى تتكلم وتأمر فإنها لا تستحيي فمن روى أن ~~البكر تستأمر فقد أحال لأن الاستئمار لمن ينطق بالأمر والاستئذان لمن سكوته ~~إذن فهو البكر فمن أراد أن يؤدي إلى من بعده حديثا قد سمعه جاز له أن يغير ~~لفظه ما لم يتغير المعنى وجاز له أن يقول أخبرني وحدثني وكذلك إذا كتب إليه ~~من بلدة أخرى جاز أن يقول أخبرني وحدثني فإن الخبر يكون شفاها ويكون بكتاب ~~وذلك قوله تعالى في تنزيله {من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير} # فإنما صار نبأ وخبرا بوصول علم ذلك إليه وكذلك يجوز أن يقول حدثني بأنه ~~قد حدث إليه الخبر فسواء حدث شفاها أو بكتاب وكذلك إذا ناوله كتابه فقال ~~هذا حديثي لك وهذا خبري إياك فحدث عني # PageV04P121 # وأخبر عني جاز له أن يقول حدثني وأخبرني وكان صادقا في قوله لأنه قد أحدث ~~إليه وأخبره فليس للممتنع أن يمتنع من هذا تورعا ويتفقد الألفاظ مستقصيا في ~~تحري الصدق يتوهم أن ترجمة قوله ms642 أخبرني وحدثني لفظه بالشفتين وليس هو كذلك ~~فاللفظ لفظ والكلام كلام والقول قول والحديث حديث والخبر خبر فالقول ترجيع ~~الصوت والكلام كلم القلب بمعاني الحروف والخبر إلقاء المعنى إليك فسواء ~~ألقاه إليك لفظا أو كتابا وقد سمى الله القرآن في تنزيله حديثا حدث به ~~العباد وخاطبهم به وسمى الذي تحدث في المنام حديثا فقال {ولنعلمه من تأويل ~~الأحاديث} # PageV04P122 ### | - الأصل التاسع والستون والمائتان ### | في فضل الفاتحة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~إن الله قال قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي يقول ~~العبد {الحمد لله رب العالمين} يقول الله تعالى حمدني عبدي يقول العبد ~~{الرحمن الرحيم} يقول الله تعالى أثنى علي عبدي يقول العبد {مالك يوم ~~الدين} يقول الله تعالى مجدني عبدي يقول العبد {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~يقول الله تعالى هذه بيني وبين عبدي قال يقول {اهدنا الصراط المستقيم} إلى ~~آخر السورة يقول الله تعالى هذا لعبدي ولعبدي ما سأل # قال أبو عبد الله قوله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فالصلاة تصلية ~~المرء بين يدي ربه لينال من سبحات وجهه الكريم لأن العبد إذا وقف بين يدي ~~ربه مصليا أقبل على الله بوجهه الذي هو مكارم # PageV04P123 # بدنه ثم وضع وجهه بمكارمه على الأرض تذللا وتواضعا لوجهه الكريم ولذلك ~~قال داود وغيره من الأنبياء عليهم السلام سجد وجهي لوجهه الكريم وكان من ~~جزاء الله له أن أقبل عليه بوجهه فالمصلي هو كالمصطلي بنار يقف على النار ~~حتى يدفئ جسده من حر النار فأمر العباد أن يقفوا بين يديه بالإقبال عليه ~~قلبا وبدنا فيقبل عليه بوجهه الكريم فينالهم من سبحات وجهه ما يحيي قلوبهم ~~من موت الشهوات ويطهر جوارحهم من أدناس الذنوب فسمى ذلك الوقوف صلاة مشتقا ~~من الصلى # فإذا وقف العبد فمن أدب الوقوف أن يترضى ربه بالثناء عليه فيذكر مدائحه ~~وصنائعه ثم يسأل حاجته وكانت لمحمد صلى الله عليه وسلم ولأمته حظوظ مخزونة ~~عند الله في ms643 سره وغيبه ليست لأحد من ولد آدم عليه السلام ولو أبرزها لمدت ~~الرسل والأمم عينها إلى تلك الحظوظ وظهرت الخصومة وكانوا يقولون في أنفسهم ~~نحن عبيدك من طينة واحدة فما هذه الحظوظ لهم دوننا وتحيرت الملائكة في شأن ~~هذه الأمة فأسر هذه الحظوظ في غيبه وألقاها إلى الدعاء ليخيل إلى الجميع ~~أنهم إنما نالوها من الدعاء وفتح لهم من باب الدعاء ما لم يفتح لأحد من ~~الأمم ونزل {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أعطيت أمتي ما لم يعط إلا ~~الأنبياء كان الله تعالى إذا بعث نبيا قال له ما جعل عليك في الدين من حرج ~~وقال لهذه الأمة {وما جعل عليكم في الدين من حرج} # وكان الله إذا بعث نبيا جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على ~~الناس # PageV04P124 # وكان خالد الربعي يقول عجبت لهذه الآية {ادعوني أستجب لكم} أمرهم بالدعاء ~~ووعدهم الإجابة وليس بينهما شرط قال له قائل مثل ماذا قال مثل قوله {وبشر ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فههنا شرط وقوله {بشر الذين آمنوا أن لهم قدم ~~صدق عند ربهم} ليس فيه شرط العمل ومثل قوله {ادعوا الله مخلصين له الدين} ~~فههنا شرط وقوله {ادعوني أستجب لكم} ليس فيه شرط وكانت الأمم تفزع إلى ~~أنبيائها في حوائجهم حتى يسأل الأنبياء لهم ذلك # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال أوحى الله إلى عبده المسيح أن قل لبني ~~إسرائيل إني لا أستجيب لأحد منهم دعوة ولأحد منهم قبله مظلمة # وقال في حديث آخر يا عيسى قل لبني إسرائيل أن لا يمدوا أيديهم بالرغبة ~~إلي حتى يبرأوا من أنجاس الذنوب # وقال في حديث لموسى عليه السلام لو دعاني حتى تنقطع أوصاله ما استجبت له ~~حتى تخرج الذنوب من بين أعضائه # فإنما خص الله هذه الأمة من بين الأمم بما أطلق لهم من الدعاء ورفع الشرط ~~الذي كان منه على بني إسرائيل ليصل إليهم تلك الحظوظ التي سبقت لهم من الله ms644 ~~الحسنى من قبل دعائهم فأعطاهم من اليقين ما نفذ # PageV04P125 # بقلوبهم إلى محل الإجابة والإجابة هي جوبة الدعاء أن ينجاب لهم عن الحجاب ~~دعاؤهم بنور اليقين الذي فضلوا به # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطيت أمتي من اليقين ما لم يعط ~~أمة وذلك قوله تعالى {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} أي واسع ~~لمن أعطي عليم بمن هو أهل لذلك يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) # فالاستجابة والإجابة هو أن ينفذ دعاء العبد بقوة نور اليقين حتى ينجاب ~~الحجاب فيجوز الدعوة إلى الله تعالى فيقف بين يديه مقتضيا للحاجة ولذلك قال ~~تعالى {فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} أي أجعل لدعوته جوبة وهو ~~المستقر حتى تقتضيني الحظ الذي وضعت له بين يدي فأقضي أي أمضي له من بين ~~يدي حتى يصل إليه ولو لم يكن حظ لم ينل شيئا ولم أترك دعوته مهملة بل ذخرت ~~له ذخيرة إذا قدم عليها ودانه لم يستجب له لما يرى من فضل تلك الذخيرة على ~~ما يسأل # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة # أي معكم نور اليقين حتى ينجاب لكم الحجاب وتنفذ الدعوة إلى # PageV04P126 # ربها فلما كان شأن هذه الحظوظ على ما وصفنا وأحب الله أن يوصلها إليهم من ~~طريق دعائهم هيأ لهم فاتحة الكتاب فأنزلها على هذه الأمة دون سائر الأمم ~~وخصهم بها كما خصهم بالدعاء فجعل نصفها دعاء ونصفها ثناء ليثني العبد بقوله ~~تعالى {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين} إلى قوله {إياك ~~نعبد} ثم يرفع حاجته من قوله {وإياك نستعين} إلى آخرها ثم أعطاهم آمين # خصهم من بين سائر الأمم ليصير التأمين طابعا على دعائهم فيختم به فأنزل ~~عليهم فاتحة الكتاب وخزنها عن الأمم ليثنوا عليه بأبلغ الثناء ويسألوه أوجز ~~المسائل ففي ذلك الثناء مجمع الثناء وفي تلك المسألة مجمع الحاجات وهذا لا ~~يعقله إلا أهله ثم وضعها في التنزيل وسماها القرآن العظيم فقال {ولقد ms645 ~~آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} # فروي عن أبي هريرة عن أبي بن كعب رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده إنها السبع المثاني وإنها القرآن العظيم ~~يعني فاتحة الكتاب # فوفر الله حظ محمد صلى الله عليه وسلم وحظوظ أمته في حظه وبرز بذلك على ~~الخلق فجعل ذلك الحظ كله في # PageV04P127 # {بسم الله الرحمن الرحيم} {الحمد لله رب العالمين} {الرحمن الرحيم} {مالك ~~يوم الدين} {إياك نعبد وإياك نستعين} {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} # فختمها ب آمين فجعل مفتاحها بسم الله الرحمن الرحيم وختمها آمين ووضعها ~~في أم الكتاب الذي لم يطلع عليه أحد في الحجب مع الحكمة والرحمة بين يديه ~~ثم أصدرها مع سائر الكتب من أم الكتاب إلى اللوح المحفوظ ثم أنزل الكتب إلى ~~الرسل إلى الأمم واستثنى هذه الصورة منها فخزنها عن الرسل والأمم وادخرها ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته وصيرت هذه الصورة كلمات حروفها مؤلفة ~~منتظمة تلك الحروف لجميع حروف القرآن فسميت أم الكتاب لأن الكتاب استخرج ~~منها وسميت مثاني لأنها استثنيت من الرسل عليهم السلام فقال تعالى {ولقد ~~آتيناك سبعا من المثاني} أي سبع آيات مما استثنيناه من الكتب فإدخرناه لك ~~ولأمتك # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال الآية السابعة بسم الله الرحمن ~~الرحيم # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحو من ذلك # قال له قائل فكيف إذا قرأها الإمام افتتحها ب الحمد لله ولا يجهر ب بسم ~~الله قال إن علة مثل هذا لا يدرك إلا بالخبر # عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال كان المشركون يحضرون المسجد فإذا قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم قالوا هذا محمد يذكر ~~رحمن اليمامة يعنون مسيلمة فأمر أن يخافت بسم الله # PageV04P128 # الرحمن الرحيم ونزلت {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} # فبقي إلى يومنا هذا على ذلك الرسم وإن زالت العلة كما بقي ms646 الرمل في ~~الطواف وإن زالت العلة وبقيت المخافتة في صلاة النهار وإن زالت العلة فجعل ~~الله عظم الدعاء وجملته موضوعا في هذه الصورة نصفها فيه مجمع الثناء ونصفها ~~فيه مجمع الحاجات ثم قال في آية أخرى {ادعوني أستجب لكم} فأنزل هذه السورة ~~لنتلوها ولندعو بها # فكما خزن هذه السورة عن سائر الأمم كذلك خزن قوله ادعوني أسجب لكم عن ~~سائر الأمم # فكانت الأمم تفزع إلى أنبيائها في وقت الحاجة وإنما كانت هذه للأنبياء ~~عليهم السلام فجعل لسانك مطلقا بالدعاء وكفيك مبسوطتين بالتناول وجعل هذا ~~الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي تدعو به لأن هذا كلام قد تكلم به ~~رب العالمين جل وعز فبينه وبين ما تدعو به من كلام نفسك بون بعيد وإنما ~~أطلق الله لهذه الأمة وفتح لهم باب الدعاء لينيلهم الحظوظ التي جعل لهم في ~~الغيب كي إذا وصلت إليهم فظهرت عليهم تلك الأشياء ظن الخلق أنهم نالوها من ~~قبل الدعاء ولذلك قيل ليس شيء أكرم على الله من الدعاء وصار للدعاء من ~~السلطان ما يرد القضاء # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن نفع ~~حذر من قدر فإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء # PageV04P129 # عن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرد ~~القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب ~~يصيبه والله أعلم # PageV04P130 ### | - الأصل السبعون والمائتان ### | في أن من لا يرحم لا يرحم # عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من لا يرحم الناس لا يرحمه الله # قال أبو عبد الله الرحمة موضوعة في الآدمي فأوفرهم حظا منها أرحمهم لنفسه ~~ولخلقه فإذا رحم نفسه جنبها المعاصي والمساخط وطلب لها حسن عواقب الأمور ~~ليحسن منزلته عند ربه فينزله غدا داره الحسنى وذلك جزاء المحسنين فبالرحمة ~~يتخطى إلى الإحسان إلى نفسه ومنها ms647 يتخطى إلى الإحسان إليهم وكل من رحمته رق ~~قلبك له ودعتك الرقة إلى الإحسان إليه والعطف عليه بدوام الإحسان ومن أنجس ~~حظه من الرحمة غلظ قلبه وصار فظا فإذا غلظ قلبه لم يرق لنفسه ولا لأحد من ~~خلقه قال الله تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم ولو # PageV04P131 # كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم # فالشديد يشدد على نفسه في الأحوال ويعسر ويضيق وكذلك على الخلق فهو من ~~نفسه في تعب والخلق منه في أذى واللين لأن قلبه ورطب بماء الرحمة وانتشف ~~ماء الرحمة يبوسة نفسه وأذهب حزازتها وكزازتها وأذهب قسوة قلبه فمن لم يكن ~~له وفارة حظ من الرحمة وجدته حديد النفس يابس الخلق قاسي القلب مكدود الروح ~~مظلم الصدر عابس الوجه منكر الطلعة ذاهبا بنفسه تيها وعظمة غليظ الرقبة ~~سمين الكلام عظيم النفاق قليل الذكر لله تعالى ولدار الآخرة ولهادم اللذات # عن عائشة رضي الله عنها قالت أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي ~~فقبله فقال رجل أتقبل هذا ما قبلت صبيا قط فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وما أملك إن كان الله نزع من قلبك الرحمة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال خليلي وصفيى أبو القاسم صلى الله عليه ~~وسلم ما نزعت الرحمة إلا من شقي # وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنها قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # PageV04P132 # الراحمون يرحمهم الرحمن ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء # فالرحمة المكتوبة على نفسه مائة رحمة والمقسومة منها واحدة بين خلقه فيما ~~روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالواحدة التي قسمها بين خلقه احتظى ~~منها الآدمي وسائر الأمم حتى الطيور والوحوش والبهائم فتلك رحمة العطف فبها ~~يتعاطفون قد اشترك فيها البرر والفاجر والولي والعدو وأما هذه الرحمة التي ~~وصفنا بدءا فهي رحمة الإيمان مأخوذة من الرحمة العظمى التي منها بدت تلك ~~المائة فأوفرهم حظا من المعرفة بالله والعلم به أوفرهم حظا من ms648 القربة ~~وأوفرهم حظا من القربة أوفرهم حظا من الرحمة فكلما كان القلب أقرب إلى الله ~~كان ألين وفؤاده أرق وكلما تباعد القلب من الله بمعصية يأتيها كان قلبه ~~أقسى وأبعد من الرحمة ألا يرى إلى قوله تعالى {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ~~وجعلنا قلوبهم قاسية} # فإنما قست قلوبهم بالتباعد من الله من أجل نقض الميثاق وذلك لما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة إلا رحيم قالوا يا رسول الله كلنا ~~يرحم قال ليس رحمة أحدكم خويصته يعني أهله وولده ولكن حتى يرحم العامة ~~فرحمتك الخويصة هي رحمة العطف من الرحمة المقسومة بين خلقه ورحمتك العامة ~~من رحمة المعرفة بالله تعالى # PageV04P133 ### | - الأصل الحادي والسبعون والمائتان ### | في جمع الهموم وتشعبها # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~يقول من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله هم آخرته ومن تشعبت به الهموم في ~~أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها وقع # قال أبو عبد الله رضي عنه الله فالهم للقلب وهو أمير الجسد وهو وعاء كنوز ~~المعرفة ومنها يفرق على جنده فالعقل والحفظ والذهن والفهم والفطنة والروح ~~هؤلاء كلهم مرتزقة من عند القلب والقلب ينفق عليهم من كنزه الذي أعطي وهو ~~المعرفة بالله تعالى والعلم به فإذا جاءته هموم أحوال النفس فقد تشعب قلبه ~~شعبا وشغل القلب بشعبها فضيع الكنز وفرق الجند وبقي مأسورا في يدي النفس ~~وأحوالها فلم يبال الله في أي أوديتها من تلك الشعوب هلك لأن هموم # PageV04P134 # النفس ووساوس العدو تخوفك بالرزق وتخوفك بأحوال الدنيا وتقلبها وترغبك في ~~الجمع والمنع وتحل في قلبك ما فيه مصرعك وهلاكك وتزين لك أحوال الدنيا فهذه ~~كلها سموم قاتلة للقلب فمن تخلى من هذه الهموم كلها حتى صارت همومه كلها ~~هما واحدا كفاه الله الهموم من أمر الدنيا والآخرة والهم دبيب القلب وهو ~~على وجهين أحدهما هم دبيب وهو متجاوز عنه والآخر هم حلول # فالقلب إذا بدت له خاطرة دب إليها ثم ms649 يبقى في الطريق متحيرا عاجزا قد ~~انسد عليه الطريق فهذا هم يتجاوز عنه والهم الآخر يدب القلب بالخاطرة إلى ~~الشيء الذي بدأ حتى ينتهي منتهاه فيحل به فحلوله عزم وإضمار فإن كانت سيئة ~~صار قد هم بسيئة فهي وإن لم تكتب عليه قد انحط عن درجته لأنه قد عزم على ~~معصية فهذا هم حلول القلب وإنما يصير همه هما واحدا إذا نسي نفسه وأحوالها ~~وهو أن ينكشف له الغطاء عن المعرفة بالله تعالى حتى يرى الله كافيا له في ~~كل أمر من دنيا وآخرة فعندها يرفع باله عن التدبير لنفسه ويلقي ذلك كله إلى ~~الله تعالى تفويضا ويراقب ماذا يخرج له من تدبيره ساعة فساعة # فتدبير الله تعالى للمؤمن أعلى من تدبيره لنفسه فإذا رفض العبد تدبيره ~~وأقبل على محافظة تدبير الله في كل وقت ماذا يظهر له فقد استراح فإنما همه ~~في كل ساعة التوخي لمحاب الله في كل أمر من متقلبه فإنه إنما خلقه عبدا ~~ليكون له عبدا عارفا له عالما به فينظر بعين المعرفة والعلم إلى عظمته ~~وجلاله وبهائه وكبريائه وسلطانه ورحمته وإلى ملكه وتدبيره فيقر عينه ويمتلئ ~~قلبه فرحا به فعندها تظهر محبته على قلبه ويشتاق إلى لقائه ويتبرم بحياته ~~ويقلق بمكانه ينتظر متى يدعى فيجيب فهو مسجون برمق الحياة ولذلك قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الدنيا سجن المؤمن وسنته # PageV04P135 # فالآدمي إذا أسنت ضاقت عليه المعيشة واشتد العيش فهو ينتظر الخصب والسعة ~~والمسجون وإن أحاطت به نعم الدنيا في سجنه فعينه شاخصة إلى باب السجن متى ~~يخلى عنه فيخرج عنه فالمؤمن اشتاق إلى لقاء من عرفه بما ذكرنا فضاق بالحياة ~~في الدنيا وانتظر الدعوة فهمه في الدنيا هم واحد وهو أن يلتمس محاب الله في ~~كل أمر دق أو جل فيكون ظاهر أمره حركات في طاعة الله وباطن تلك الحركات حب ~~الله تعالى به يغلي قلبه فهو الذي جعل همه هما واحدا وانقطع من الخلق إلى ~~الله تعالى فمن العباد يصعد إلى الله أعمال ms650 الجوارح ومن هذا أنوار الحب مع ~~كل نفس فنور هذا متواتر صاعد إلى السماء وأنوار العمال منقطعة قال الله ~~تبارك وتعالى صلى الله عليه وسلم {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب ~~المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} # فاسم الرب هو الاسم الأعظم المكنون الذي منه خرجت الأسماء فمن وصل إلى ~~ذلك الاسم المكنون وانكشف له الغطا عنه فقد تبتل إليه وانقطع عن الخلق ~~واتخذه وكيلا فعندها بطلت وكالة النفس وتعطلت الهموم وانتصب ذلك الهم ~~الواحد بين عيني فؤاده فاستكمل الصدر نورا فتتابعت أنوار حبه متواترة إلى ~~العلى # عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من # PageV04P136 # انقطع إلى الله كفاه الله مؤنته ورزقه من حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى ~~الدنيا وكله الله إليها # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله ~~ملائكة موكلين بأرزاق بني آدم ثم قال لهم أيما عبد وجدتموه جعل الهم هما ~~واحدا فضمنوا رزقه السموات والأرض والطير وبني آدم وأيما عبد وجدتموه طلبه ~~فإن تحرى العدل فطيبوا له ويسروا وإن تعدى إلى غير ذلك فخلوا بينه وبين ما ~~يريد ثم لا ينال فوق الدرجة التي كتبتها له # PageV04P137 ### | - الأصل الثاني والسبعون والمائتان ### | في الاعتزاز بالعبد # عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اعتز بالعبيد أذله الله # الاعتزاز بالعبيد مفتاحه حب العز وطلبه فإذا طلب العز للدنيا طلبه من ~~العبيد فترك العمل بالحق والقول بالحق لينال ذلك العز فعاقبة أمره الذلة ~~فإن الله تعالى يمهل المخذول حتى ينتهي به خذلانه إلى أن يستحق لباس الذل ~~وإن الله تعالى أظهر عزه وأخرج إلى العباد إزار العز ليجعل لهم من ذلك حظا ~~فإنما سماه إزارا ليعقل العباد عنه أن هذه قوة أخرجها إلى العباد ليقووا به ~~على الأعداء وليقوى به المحق على المبطل ms651 والأزر هو القوة وذلك قوله تعالى ~~{كزرع أخرج شطأه فآزره} أي قواه # والإرز موضعه من الآدميين من الوسط يتزرون على أوساطهم ليقووا # PageV04P138 # ولذلك سمي إزارا لأنه قوة المرء فمن أسلم وجهه لله أوجب له حظا من ذلك ~~العز ومن أعرض عنه فأشرك به غيره في ملكه حرمه عزه ومن احتظى بذلك العز فقد ~~تزكى والزكاء النماء والاحتشاء والاكتناز فالمؤمن زكي محتش مكتنز والكافر ~~خال خاو رخو ضعيف # فمن ازداد لله تسليما وإليه طمأنينة في الأحوال كلها ازداد نموا واحتشاء ~~واكتنازا قال الله تعالى {قد أفلح من تزكى} وقال تعالى {ومن تزكى فإنما ~~يتزكى لنفسه} وقال تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد ~~أبدا ولكن الله يزكي من يشاء فمن تزكى فبفضله ورحمته تزكى وهو نور التوحيد # ثم قواه حتى ربي ذلك النور بالشكر واستوجب المزيد وقال تعالى {ومن يأته ~~مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى} وقال تعالى {ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين} # فقوى رسوله والمؤمنين بتلك العزة التي أخرجها من عزه وسماه عزة وسماه ~~إزارا ليعلم العباد أنها قوة لهم كل يحتظي منه على قدر بذل نفسه لله في ~~الائتمار بما يأمره ووضع له نفسه بالأرض ذلة وخشوعا في الانتهاء عما نهوا ~~عنه وترك مشيئآته في أحواله كلها لمشيئته فعلى قدر ذلك يستوجب الحظ من تلك ~~العزة فذلك قوله تعالى {سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين ~~والحمد لله رب العالمين} # PageV04P139 ### | - الأصل الثالث والسبعون والمائتان ### | في من يقص وتحقيق القصص # عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يقص إلا أمير أو مأمور أو مرائي # القصص اسم جامع دخلت فيه الموعظة والتذكرة والدعوة إلى الله والنشر عن ~~الله مننه وإحسانه ثم سمي ذلك قصصا من أجل أن قلب هذا يقتص أثرا لكل شيء ~~ويشير بقلبه إلى شيء ثم يعبر إشارات قلبه بلسانه للخلق فهو قاص عليهم لتلك ~~الأشياء أثرا أثرا فهذه كلمات لزمت أشياء ms652 كثيرة مما تشابهت صورها بعضها ~~ببعض فيقال قص أثره وهو أن يتبع أثره ويقال قص خبره وهو أن يتبع بقلبه صفة ~~ذلك الشيء الذي يخبر به فيتبع الصفة شيئا بعد شيء ويقال قص شعره وظفره وهو ~~أن يتبع بما زاد من شعره وظفره خروجا من جسده فيتبع ذلك فأزاله عنه # فالدعاء إلى الله بالموعظة والتذكرة لمن وصل إلى الله قلبا وكان # PageV04P140 # مركز قلبه الحق والعدل وهو قوله تعالى {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون} # فقوم موسى عليه السلام أعطوا ذلك في عزلة من الخلق من ورائهم الرمل من ~~ناحية المشرق حيث لا يخلص إليهم أحد ولقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة أسري به فعلمهم القرآن وعرض عليهم الشريعة فقبلوها فأعطيت هذه الأمة ~~في الجماعة والعامة ما أعطي أولئك في العزلة فساروا في الجماعة بما سار ~~أولئك في العزلة بفضل يقينهم ووصول قلوبهم إلى الله فمركب قلوبهم الحق ~~وطريقهم إلى الله على العدل في ذلك الحق وهم أمراء الدين في كل وقت وهو ~~قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم} # فالقصص لهم ولمن يرونه أهلا لذلك المقام والثالث مرائي متكلف مذموم فهو ~~دخيل لا يجب أن يسمع منه # PageV04P141 ### | - الأصل الرابع والسبعون والمائتان ### | في محبة الأسباب ومعرفة الشرك والتوحيد فيها # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك ~~أخفى على أمتي من دبيب الذر على الصفا # عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال قال أبو بكر رضي الله عنه وشهد به على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذكر الشرك فقال هو أخفى فيكم من دبيب ~~النمل وسأدلك على شيء إذا فعلت أذهب عنك صغار الشرك وكباره تقول اللهم إني ~~أعوذ بك أن أشرك بك فيما أعلم وأستغفرك لما لا أعلم تقولها ثلاث مرات # عن ابن جريج قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر ~~الشرك أخفى فيكم من ms653 دبيب النمل فقال أبو بكر هل الشرك إلا ما عبد من دون # PageV04P142 # الله قال يا أبا بكر الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل إن من الشرك أن يقول ~~الرجل ما شاء الله وشئت ومن الند أن يقول الرجل لولا فلان لقتلني فلان أفلا ~~أدلك على ما يذهب الله عنك به صغار الشرك وكباره قال بلى يا رسول الله قال ~~تقول كل يوم ثلاث مرات اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك ~~لما لا أعلم # عن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كنت أكره ~~لكم أن تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم ما شاء ~~محمد # قال أبو عبد الله الرب واحد وجعل ربوبيته في الغيب وخلق العباد في الغيب ~~وأوله قلوبهم إليه فأقر كلهم بالعبودة له وعلى ذلك فطرهم فكلهم يفزعون عند ~~الحاجة إلى اسمه الله الذي جعل موله قلوبهم فثبت فريق منهم على إخلاصه ~~وأشرك فريق وذلك قوله تعالى {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} {ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا ~~فسوف يعلمون} # فجعل أمور العباد كلها يوصلها إليهم في الغيب قد ستر أموره بالأسباب فقال ~~أنا الرزاق ثم جعل أرزاقهم في ماء الحيوان تحت العرش ثم وكل ملائكته بالقطر ~~ثم السحاب لقبوله وسخر الرياح لتحمل كثيف السحاب ركاما ويبسط كيف يشاء ثم ~~أمر السحاب أن يدر القطر مطرا ثم أمر الأرض أن تقبل ودائع القطر ثم أمرها ~~أن تنفجر # PageV04P143 # عن ذلك القطر في أصلب موضع منها من أجواف الصخور من الجبال وذلك قوله ~~تعالى {أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض} وقوله تعالى {وفجرنا ~~فيها من العيون} # ثم على الآدميين أن يحرثوا الأرض ثم أمر الأرض أن تنبت من كل زوج بهيج ~~وقال تعالى أفرأيتم ما تحرثون ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون # ثم أمر الشمس أن تسير بحرها على وجه الأرض لتربية هذه الثمار ms654 والنبات ثم ~~أمر الريح عند الحصاد أن تذروه ثم على الآدميين طحنه وخبزه وأنزل النار ~~وجعلها في الشجر الأخضر وقال في تنزيله هو الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ~~نارا # فالنار موجودة في كل شجرة خشبة تحتك بالأخرى فتوري نارا وقال أفرأيتم ~~النار التي تورون ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ~~ومتاعا للمقوين # ومن اللباس غزل قطنه ونسجه وغسله وخياطته حتى يكتسوا وكذلك سائر الأشياء ~~التي أضطر إليها الآدمي فهذه كلها أسباب والآدمي يرى ما ظهر من هذه الأشياء ~~التي ذكرنا وفي باطنها ربوبيته وهو الذي دبر هذا كله من القدرة وأمضى ~~التدبير بمشيئته وأوصل إلى العباد قضيته في خفاء والعباد إنما يرون المطر ~~والحر والبرد والرياح والأرض والماء والزرع والحصاد والأيدي التي تتداوله ~~وربوبيته في # PageV04P144 # جميع الأشياء قائمة لا يكون شيء إلا بإذنه ولا يقوم إلا به ولا يدوم إلا ~~به فقلوب الآدميين ونفوسهم معلقة بالأسباب التي يرونها فإذا احتاجوا إلى ~~شيء طلبوا ذلك الشيء من مظانه الذي هناك عاينوه فمن الله على الموحدين ~~بمعرفتهم أن الرب واحد والوله بالقلوب في الحوائج إلى الواحد الذي اسمه ~~الله الذي خرجت الأشياء من ذلك الاسم # ولذلك أمروا أن يبدأوا في كل أمر بقول بسم الله كأنه يقول هذا الشيء بهذا ~~الاسم خرج ومن حرم المنة بقي مع الأسباب قلوبهم معلقة بها مفتونة فيها ~~فاتخذوا دونه أولياء فعبدوه ثم قالوا {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى} وقالت الرسل لهم {أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا} ~~حتى قال إبراهيم عليه السلام {أف لكم ولما تعبدون من دون الله} والأف كلمة ~~للشتم والصنعة # وأنزل على المؤمنين وحيا يثبت قلوبهم ويعلمهم الحجة فقال {وإلهكم إله ~~واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} فقال المشركون أرنا آية فأنزل الله ~~تعالى {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار} إلى قوله {لآيات ~~لقوم يعقلون} # فأعلم أن العقل يدل عليه فيما أراهم من قدرته وقال {ما اتخذ الله من ms655 ولد ~~وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان ~~الله عما يصفون} # PageV04P145 # وأهل اليقين طلبوا الأشياء من المظان نفسا وجسدا ومن الله قلبا ويقينا ~~وإخلاصا قمن ضعف يقينه كان السبب بين عينيه فإذا طلب شيئا طلبه من السبب ~~قلبا ونفسا وإذا فاته منها شيء تلهف وأسف على الفوت ولام وذم وتردد في ~~اضطراب حتى يخرج دينه ويسقم إيمانه وإذا صار إلى القول يقول لا يكون إلا ما ~~شاء الله ولا يكون إلا ما قدر الله وإلا ما قضى الله وإذا قضى فلا يقوم شيء ~~ولا يدوم إلا بالله فإذا علم أن الكون من الله والدوام بالله كان هذا من ~~علم التوحيد وإنما هو كلحظة ثم يخفي في صدره هذا العلم حتى لا يشرق نوره ~~وإنما كانت شررة أو كلمحة أو برقة ثم ذهبت وبقي العبد مع شرك السبب فكلما ~~لحظ العبد إلى شيء من هذه الأسباب دونه فقد أتى بالشرك فإذا رأى السحاب ~~استبشر وإذا أنبت الأرض ابتهج ثم فرح وأشر وبطر لأن قلبه في غفلة عن الله ~~عز وجل فهذا قلب الموحد وقلب الكافر في غلفة فقلب المؤمن المتعلق بالأسباب ~~غافل وقلب الكافر أغلف فالغلفة غلاف القلب والغفلة حجاب القلب وهو هذه ~~الأسباب التي ذكرنا وقد انشق عنه الغلاف الذي كان في وقت الكفر وبقيت ~~الغفلة فهذه الغفلة لا يذهبها إلا ذكر الله تعالى فلا يزال الذكر الدائم ~~يذيبها بحرارة الحياة التي يزاد القلب بالذكر حتى يهتك حجب الأسباب كلها ~~ويذهب الخفاء ويصير الأمور كالمعاينة له فهو يمضي في الأسباب ولا يغفل عن ~~الله فيقبلها من عنده فإذا هاجت الريح استبشر بصنع الله لأنه علم أنه هو ~~الذي أرسلها بشرا بين يدي رحمته وإذا رأى تراكم السحاب استبشر بصنع الله ثم ~~يرى المطر سقيا كما قال وأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه إلى غير ذلك # فأهل اليقين هتكوا هذه الحجب بقوة نور اليقين حتى انكشف لهم الغطاء وفضل ~~الله هذه الأمة باليقين ms656 حتى صار ما بقي منهم من الشرك # PageV04P146 # أخفى من دبيب النمل في القلة والرقة فهذا مدح لهذه الأمة لأن شرك الأسباب ~~ذاب فيهم وتلاشى بفضل يقينهم حتى صار أخفى من دبيب النمل لأن دبيب النمل لا ~~يؤثر على الصفا وكذلك ما بقي من الأسباب لا يؤثر على أهل اليقين لأن قلوبهم ~~صلبت باليقين وصار كزير الحديد والصخر # عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك ~~أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء وأدناه أن يحب على شيء من ~~الجور أو يبغض على شيء من العدل وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله ~~قال الله تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} # فأما قوله أن يحب على الجور ويبغض على العدل إنما يحب على الجور رجاء ~~المنفعة منه ويبغض على العدل خوف المضرة ورجاء المنفعة # عن وهب بن أبان عن عبد الله بن عمر قال خرج عبد الله ابن عمر رضي الله ~~عنهما في سفر له فإذا بجماعة على طريق فقال ما هذه الجماعة قالوا أسد قطع ~~الطريق فنزل فمشى إليه حتى قفده بيده ونحاه عن الطريق ثم قال ما كذب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال إنما يسلط على ابن آدم من خافه ابن آدم ولو أن ~~ابن آدم لم يخف غير الله لم يسلط الله عليه غيره وإنما وكل ابن آدم إلى من ~~رجاه ابن آدم ولو أن ابن آدم لم يرج إلا الله لم يكله الله إلى غيره # وإنما هو شرك وشك والشك هو ضيق الصدر فإذا أحست النفس # PageV04P147 # بمكروه في الأمر انتفخت الرئة للجبن الذي حل بها فضاق الصدر حتى زحزح ~~القلب عن مكانه فإذا ضاق على القلب مكانه ضاق موضع التدبير وهو الصدر لأن ~~عيني الفؤاد مفتوحتان في الصدر وعند العينين تدبير الأمور ثم يصدر إلى ~~الجوارح ولذلك سمي صدرا لأن الأمور تصدر من هناك # وإنما سمي شكا لأن ذلك النائب من الأمر ms657 يشك سعة الصدر كما يشك الثوب ~~المبسوط فيجمع بعضه إلى بعض ويشك بشوكة أو بإبرة أو يخيط فيقال شك الثوب ~~وهو مشكوك فإذا انتفخت الرئة بما خطر على بال القلب من الخواطر وضاق على ~~القلب مكانه ترحل القلب عن مستقره وتذبذب وكان كالدلو المعلق أو القنديل ~~المعلق فإذا تحرك القنديل اضطرب الإشراق فصار بعضه ظلا وبعضه إشراقا ففي ~~الظل الضلالة وفي الإشراق الهدى فكلما تراكمت الأظلة انقبض الصدر فصار ~~مشكوكا كالثوب الذي شك وقبض بعضه إلى بعض فصار متراكما بعضه على بعض وصارت ~~له زوايا كذلك الصدر إذا انقبض حدثت له في زواياه أظلة فمنها يضل عن الله ~~ويفتقد الهدى وأما الشرك فهو مأخوذ من الشرك والشرك حبل فيه معاليق يعلق ~~بها أرجل الطير أو أعناقها أو أجنحتها حتى تؤخذ صيدا فكذلك الأسباب التي ~~وضعت فيها حاجات الآدمي فتلك الأسباب تأخذ بقلبه لأن شهوة تلك الأشياء في ~~نفسه فإذا اشتهاها له أحبها فإذا وصل حبها إلى قلبه ثم رأى القلب تلك ~~الأشياء من تلك أحب تلك الأسباب من أجل تلك الأشياء وذلك قوله تعالى {زين ~~للناس حب الشهوات} ثم عدد الشهوات فقال {من النساء والبنين} الآية # فالشك ضيق الصدر والشرك تعلق القلب بالشيء وإنما يوسع القلب # PageV04P148 # نور اليقين فكلما كان الصدر باليقين أنور كان أوسع وأكثر انشراحا ~~فباليقين ينجو العبد من وبال الشك وبالإخلاص ينجو من وبال الشرك فعندها ~~يتولاه الله وذلك قوله تعالى لداود عليه السلام يا داود هل تدري متى ~~أتولاهم إذا طهروا قلوبهم من الشرك ونزعوا من قلوبهم الشك فخلق الآدمي ~~والأسباب مشتبكة به لا يرى مسببا إلا في غيب وربوبية الرب قائمة في ذلك ~~الغيب وفي جميع الأسباب لا تكون إلا به فالله مكونها وبالله يدوم ما كون ~~والآدمي لم ير التكوين ولا التدويم إلا رؤية الإيمان بالغيب فاستقر قلبه ~~إيمانا بذلك ثم جاءت النفس بشكها وشركها فأوردت ولو رجعت على القلب حتى صار ~~القلب ذا شك وشرك فلا يزال صاحبها يضيع هذا الأمر ويهمله حتى ms658 يحل العقد ~~ومنه عقدة الإيمان فيكفر والذي أغاثه الله وأيده لما رأى ضعف اليقين ~~وانقياد القلب للنفس بما أوردت عليه فزع إلى الله حتى قواه وأيده فإذا رزق ~~الله عبدا نور اليقين ونور التوحيد صار القلب موقنا مخلصا فبقوة هذين يمحو ~~خواطر النفس في الصدر تلك الخواطر التي تورد شكا وشركا فاستقام القلب وصلب ~~واستقرت النفس منقادة للقلب فإذا صار بهذا الحال خفي ذلك الشك والشرك فلم ~~يؤثر ما بقي من ذلك في قلوبهم كما لا يؤثر دبيب النمل على الصفا لأن الذي ~~خفي من البقية لا يقدر أن يزعزع النفس أو يشغل القلب عن الله # ألا ترى أنه قال في حديث أبي بكر رضي الله عنه أفلا أدلك يا أبا بكر على ~~ما يذهب الله به صغار الشرك وكباره عنك قال بلى رسول الله قال تقول كل يوم ~~ثلاث مرات اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم # فصغار الشرك مثل قول الرجل ما شاء الله وشئت ومن الند أن يقول لولا فلان ~~لكان كذا وكذا # PageV04P149 # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم ~~واللو فإن اللو يفتح عمل الشيطان # واللو مفتاح الحسرات وإذا تحسر القلب تعرى عن خلع الله # عن عبد الله رضي الله عنه قال جاء رجل فقال يا رسول الله أي الذنب أعظم ~~قال أن تجعل له ندا وهو خلقك # فالند هو شبيه بالضد لأن الضد صورة إبطال من يضاده والند من الندو وهو ~~التباعد والنفار معناه أن تجعل من دونه دافعا عنك فلا يدفع عنك إلا من ولي ~~خلقك # وجاء في الحديث ومن الند أن يقول لولا فلان لقتلني فلان وإنما صار أعظم ~~الذنوب لأنه يضعف اليقين ويعمل في حل العقدة وسائر الذنوب يعمل في قضاء ~~النهمة والتلذذ بالشهوات # ومعنى قوله عليه السلام الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا أن ~~هذه الأمة لما خصوا به من اليقين لا يؤثر فيهم ms659 ما بقي # PageV04P150 # من الشرك إلا ما يخفى أثره والخبر سيق في معرض مدحهم وإظهار فضلهم على ~~سائر الأمم وليس كما يتوهمه قوم أن المراد من الخبر أن الشرك يخفى عليهم ~~لغمارتهم وجهلهم لأنه ما جاء في الحديث أن الشرك أخفى في الآدميين ولكنه ~~قال أخفى في أمتي ما بال هذه الأمة يخفى عليها من الشرك ما لا يخفى على بني ~~إسرائيل ويقين هذه الأمة أوفر قال عليه السلام ما أعطيت أمة من اليقين ما ~~أعطيت أمتي # وإنما معنى الخبر أن هذه الأمة لليقين الذي نالوه من فضل الله ورحمته ~~يذيب خواطر الشك والشرك في صدورهم فتدق وتخفى حتى لا ترى وتضعف حتى لا يؤثر ~~كونها على القلب كما لا يؤثر دبيب الذر على الصفا وأما كبار الشرك فهو أن ~~يعمل بطاعة الله يريد به غير الله رجاء اتخاذ المنزلة عنده فهذا موحد قد ~~غلب عليه الجهل فأمل غيره وإذا رجع إلى توحيده علم أنه لا يملك أحد نفعا ~~ولا ضرا دون الله # رئي شداد بن أوس في مصلاه وهو يبكي قيل ما أبكاك يا أبا عبد الرحمن قال ~~حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل وما هو قال بينا أنا عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إذ رأيت بوجهه أمرا ساءني قلت بأبي أنت ~~وأمي يا رسول الله ما الذي أرى بوجهك قال أمر أتخوفه على أمتي من بعدي قلت ~~وما هو قال الشرك والشهوة الخفية قلت يا رسول الله وتشرك أمتك من بعدك قال ~~يا شداد أما إنهما لا يعبدون شمسا ولا حجرا ولا وثنا ولكنهم يراءون ~~بأعمالهم قلت يا رسول الله والرياء شرك هو قال نعم قلت فما الشهوة الخفية ~~قال يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهوات الدنيا فيفطر # PageV04P151 # وقال الحسن رضي الله عنه الرياء شرك # قال الله تعالى {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا} # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ms660 خرج ذات يوم إلى أصحابه وهم ~~يتناجون فقال ما هذا النجوى قالوا يا رسول الله كنا نتحدث عن فتنة المسيح ~~الدجال فقال عليه السلام ألا أخبركم بأعظم فتنة من الدجال رجل يعمل لمكان ~~رجل # PageV04P152 ### | - الأصل الخامس والسبعون والمائتان ### | في غياث العباد في أربع السلطان والقرآن وأهل الإيمان وأشرف المكان الكعبة # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~السلطان ظل الله يأوي إليه كل مظلوم من عباده فإذا عدل كان له الأجر وعلى ~~الرعية الشكر وإذا جار كان عليه الإصر وعلى الرعية الصبر وإذا جارت الولاة ~~قحطت السماء وإذا منعت الزكاة هلكت المواشي وإذا ظهر الزنا ظهر الفقر ~~والمسكنة وإذا خفرت الذمة أديل الكفار # قال أبو عبد الله رضي الله عنه إن الله تعالى أغاث عباده في أرضه # PageV04P153 # بأربع بالقرآن وهو كلامه كي يهتدوا به إلى الله تعالى وبالسلطان وهو ظله ~~كي يتمانعوا به عما في أيديهم من المهجة والمال والأهل والولد وبالإيمان ~~وفيه نور كي يهتدوا به إلى خالقهم وبالكعبة وهي أشرف البنيان كي يفوزوا ~~بالرحمة التي فيها إذا طافوا بها فإذا قصدوا الله جعلوا نوره مرآة قلوبهم ~~فينظرون فيها إلى عجائب ما أبرز من ملكه من لدن عرشه إلى الثرى وإلى عجائب ~~تدبيره فيهم وإلى قدرته عليهم فأداهم ذلك النظر بقوة ذلك النور إلى عظمته ~~وجلاله ونفاد قدرته وإلى جوده وكرمه ولطفه وعطفه عليهم وبره بهم وعظيم مننه ~~فامتلأت صدورهم وقلوبهم به غنى وقويت أركانهم للقيام بأموره وانقادت نفوسهم ~~واستسلمت لله وإذا قصدوا القرآن جعلوا بسم الله الرحمن الرحيم علما لعسكر ~~القرآن فإن القرآن بمنزلة جند وعسكر فيه ألوان الأسلحة وآلات الحرب والعدة ~~فيه يحارب الهوى والنفس والعدو ويبطل مكائدهم قال تعالى {فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى} # وبسم الله الرحمن الرحيم قسم من ربنا عند رأس كل سورة يقسم لعباده أن هذا ~~الذي وصفت لكم يا عبادي في هذه السورة حق وأني أفي لكم بجميع ما ضمنت في ms661 ~~هذه السورة من وعدي ولطفي وبري ثم حض الشيء الذي به عظمت فتنة العباد وهو ~~الرزق فخصه بقسم آخر فقال {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} # وإذا قصدوا الكعبة لاذوا بها وجددوا بيعة الإسلام الذي دنسوه وأخلقوه ~~باستلام الحجر الذي فيه بيعتهم حين استخرجهم من الأصلاب للميثاق # PageV04P154 # وإذا قصدوا السلطان ارتبعوا في ظله وسكنت نفوسهم في المستراح من ذلك الظل ~~فإن الظلم له وهج وحرارة تحرق الأجواف وتظمأ الأكباد فإذا رأت الغنم الظل ~~وأحست بالماء اندفعت في السير وصيرته مفزعا فإذا صارت إلى الظل مع الظمأ ~~والعطش الشديد لم تجد الماء فبقيت على اليبس ووجدت الذئاب قد سبقن إلى الظل ~~وقعدن بمرصد للغنم فما ظن العاقل بتلك الغنم ماذا يكون حالها وما ظنه برب ~~الغنم ماذا يقول للراعي وعسى أن يقول له ألم يكن معك أسلحة وحراس تطرد ~~الذئاب عن هذا المستراح وكيف سددت مجرى العيون حتى عطشت الغنم # وأما قوله إذا جارت الولاة قحطت السماء معناه انقطاع المطر من ماء ~~الحيوان الذي ينزل من تحت العرش من بحر الأرزاق إلى السماء في الأبزن ~~والأبزن هو مستنقع الماء في السماء فإذا أصاب السماء القحط انقطع عن الأرض ~~القطر فإذا انقطع القطر ماتت الأرض فلم تنبت لأن الأرض إنما تنبت بحياتها ~~وحياتها من ماء الحيوان فإذا جارت الولاة ذهب العدل عن الأرض وإذا ذهب ~~العدل منعت الحياة ماء الحيوان عن أن يقطر فالوالي فاصل بين الحق والباطل ~~فإذا ذهب الفاصل انقطعت الرحمة # وأما قوله إذا منعت الزكاة هلكت المواشي فإن الزكاة نمو المال والنمو من ~~البركة وإذا منعت الزكاة دنس المال ولا بقاء للبركة مع الدنس وإذا ارتحلت ~~البركة عن شيء هلك ذلك الشيء # وأما قوله إذا ظهر الزنا ظهر الفقر فمن أجل أن الغنى من فضل الله تعالى ~~والفضل لأهل الفرح بالله وبعطائه والمناكحة بمحاب الله وبأمره وحبه يلتقي ~~الزوجان على الأفراح بالله وعدهم الله بذلك في تنزيله الغني # PageV04P155 # من فضله فقال {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين} الآية ms662 وبين في الآية من ~~أين يغنيهم فقال {من فضله} والفضل قبل القسمة # ولذلك قال عمر رضي الله عنه ما وجدنا الطلب للغنى في مثل الباءة وتلا هذه ~~الآية # فإذا زنى فقد آثر الفرح الذي هو من قبل العدو السابي لقلبه على الفرح ~~الذي ندب الله عز وجل إليه عباده فقال {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا} فذهب الفضل والغنى لأنه قد جاوره من يدنسه # وأما قوله إذا أخفرت الذمة أديل الكفار لأن المؤمن عاهد الله بالوفاء ~~بذمته فإذا أخفر نقض العهد وإذا نقض العهد وهي عقدة المعرفة لأن المعرفة ~~مقرونة بالعهد معقودة به فبنقض العهد يخاف انحلال العقد ومن قبل الانحلال ~~تذهب هيبة الإسلام ويقذف الوهن في القلوب # عن ثوبان مولى النبي عليه السلام قال سمعت النبي عليه السلام قال ليتداعى ~~عليكم الأمم كما يتداعى الأكلة إلى قصعتها قلت يا رسول الله ومن قلة بنا ~~يومئذ قال لا بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله المهابة ~~من صدور عدوكم منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن فقلت يا رسول الله وما الوهن ~~قال حب الدنيا وكراهة الموت # PageV04P156 ### | - الأصل السادس والسبعون والمائتان ### | في ما تراءى للحكيم في منازل القربة مجاوبات للآية التي فيها السجدة # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد ~~قال سجد لك سوادي وخيالي وآمن بك فؤادي أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي هذا ما ~~جنيت على نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنب العظيم إلا أنت # عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ~~سجود القرآن بالليل مرارا سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله ~~وقوته # PageV04P157 # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله دقيقه وجليله أوله وآخره سره وعلانيته # عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ~~سجوده أعوذ ms663 بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك جل وجهك لا ~~أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك يا عظيم فقلت يا رسول الله لقد ~~سمعتك تقول في سجودك شيئا ما سمعتك تذكره قال وقد علمت ذلك قلت نعم قال ~~تعلميهن وعلميهن فإن جبرائيل عليه السلام أمرني أن أكررهن في السجود # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا رسول الله رأيتني هذه الليلة فيما يرى النائم كأني أصلي خلف ~~شجرة ورأيت كأني قرأت السجدة فسجدت فرأيت الشجرة مكانها سجدت لسجودي وهي ~~تقول اللهم اكتب لي بها عندك أجرا وضع عني بها وزرا واجعلها لي عندك ذخرا ~~واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود عليه السلام # قال ابن عباس رضي الله عنهما فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم السجدة ~~ثم سجد فسمعته يقول كما قال الرجل عن قول الشجرة # PageV04P158 ### | - الأصل السابع والسبعون والمائتان ### | في الحكمة في فتاني القبر # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ~~يوما فتاني القبر فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أترد إلينا عقولنا يا ~~رسول الله قال نعم كهيئتكم اليوم فقال عمر رضي الله عنه ففي فيه الحجر # قال أبو عبد الله رضي الله عنه قد فسرنا هذا الحديث في الأصل السادس ~~والعشرين وبقيت علينا نكتة لم نأت على تفسيرها وذلك أنا سئلنا ما سبب هذه ~~الفتنة في القبر وقد انقطعت العبودة عند خروج الروح إلى الله موحدا وانكشف ~~الغطاء والجواب في ذلك والله أعلم أن الله تعالى من على الموحدين المؤمنين ~~بمعرفته وتوحيده وذلك من فضله ورحمته وخاب الآخرون عن فضله ورحمته وكان ~~يبعث الرسول بعد الرسول إلى الأمم فكان الممنون عليه يؤمن به ويتبع الرسول ~~في شريعته والخائب يكذب الرسول ويتخذ من دون الله وليا يعبده فكان يمهلهم ~~حتى يريهم الآيات ثم إذا لم يؤمنوا بعث عليهم عذابا ودمرهم # PageV04P159 # ثم ms664 ينشئ قرنا آخر فكان هذا سنة الله في الذين خلوا من قبل وقال في تنزيله ~~عندما قص نبأ نوح وإبراهيم وعاد وثمود وشعيب وموسى وفرعون ثم قال {فكلا ~~أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا} ثم بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~رسولا فقال {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} # وكان من رحمته أن أعطاه السيف بدل العذاب الذي كان يأتي الأمم بغتة ~~فيهلكهم كي يخوفهم بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام طوعا وكرها إذا مرنت ~~نفوسهم الكارهة في الدين على شريعة الإسلام انقادت وأطاعت وزايلهم الغش ~~والنفاق ومنهم من لم يزل النفاق فيهم إلى أن مات فستر الله عليهم ذلك فكان ~~المنافقون يخالطون المسلمين في مناكحاتهم ومواريثهم ومغازيهم ومعاملاتهم ~~والنفاق في القلب ولم يكن قبل ذلك نفاق إنما كان تصديق وتكذيب لأنه لم يكن ~~هناك تخويف بالسيف فكان المكذبون يجهرون بالتكذيب حتى يأتيهم عذاب الله ~~بغتة فلما جاءت هذه الأمة وخوفوا بالسيف دخلوا في الدين طوعا وكرها فجاءهم ~~الابتلاء في القبر ليظهر نصرة الله للمطيع في الحياة الدنيا الثابت في ~~قبوله الإسلام ويلقن الجواب عند السؤال ويضل الله الظالم الذي كان مع ~~النفاق أيام الحياة # يحقق ما قلنا ما روي عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هذه الأمة تبتلى في قبورها # PageV04P160 # أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأمة خصوصا وإنما ابتلوا ~~ليميز الله الخبيث من الطيب قال الله تعالى {يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما ~~يشاء} وقال وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث ~~من الطيب الآية وقال {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين} # وقوله تعالى {ويفعل الله ما يشاء} تأويله والله أعلم أن من مشيئته ms665 أن ~~يرفع مرتبة أقوام عن السؤال وهم الصديقون والشهداء # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قيل له ما بال الشهداء لا ~~يفتنون في قبورهم فقال كفى ببارقة السيوف عليهم فتنة # معناه أنه أظهر صدق ما في ضميره حيث برز للحرب والقتل فلماذا يعاد عليه ~~السؤال في القبر فإذا كان الشهيد لا يفتن فالصديق أحرى أن لا يفتن # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقاه الله فتنة القبر # PageV04P161 # عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~مات مرابطا في سبيل الله أجير من فتنة القبر وجزي على صالح عمله الذي كان ~~يعمله إلى يوم القيامة # فمن مات يوم الجمعة انكشف الغطاء عما له عند الله تعالى لأن يوم الجمعة ~~لا يسجر جهنم ويغلق أبوابها فإذا قبض الله عبدا من عبيده يوم الجمعة كان ~~دليل سعادته وحسن ما به عند الله فيوم الجمعة يوم الله الذي خلق فيه آدم ~~وذريته ويومه الذي تقوم فيه الساعة فيميز بين الأحباب والأعداء ويومه الذي ~~يدعوهم إلى زيارته في جنات عدن فلم يكن ليعطي بركة هذا اليوم إلا من كتب له ~~السعادة عنده فلذلك يقيه فتنة القبر على أن سبب فتنة القبر إنما هو لتمييز ~~المنافق من المؤمن في البرزخ من قبل أن يلقى الله لأن كلا الصنفين صلى ~~عليهما وفعل بهما سنتة الموتى من الغسل والتكفين فامتحنا بالسؤال ليهتك ~~المنافق من ستره بقوله لا أدري إذ ستر الله عليه نفاقه بحرمة ما أظهر من ~~المنطق الجميل فقال لا إله إلا الله محمد رسول الله # وروي عن سفيان الثوري أنه جاء في الخبر أنه عندما يقال له من ربك يدخل ~~الشيطان عليه فيتمثل له ويشير إلى نفسه فيقول أنا فطلبنا تحقيق هذا فوجدنا ~~في الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند دفن الميت ~~اللهم ms666 أجره من الشيطان # عن سعيد بن المسيب قال حضرت مع عبد الله بن عمر في جنازة فلما وضعها في ~~اللحد قال بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله فلما أخذ في تسوية ~~اللبن على اللحد قال اللهم أجرها من # PageV04P162 # الشيطان ومن عذاب القبر ومن عذاب النار فلما سوى الكثيب عليها قام جانب ~~القبر فقال اللهم جاف الأرض عن جنبها وصعد روحها ولقها منك رضوانا فقلت ~~لابن عمر رضي الله عنهما أشيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم # عن عبد الله بن محمد أن إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم توفي فخرج ~~به فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي أمام سريره ثم دخل قبره فلما ~~رآه قد وضع في اللحد فاضت عيناه فلما رأوا ذلك أصحابه بكوا حتى ارتفعت ~~أصواتهم ثم أقبل أبو بكر رضي الله عنه فقال يا رسول الله تبكي وأنت تنهى عن ~~البكاء فقال يا أبا بكر تدمع العين ويوجع القلب ولا نقول ما يسخط الرب ثم ~~دفن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما من أحد يأتينا بماء نطهر به قبر ~~إبراهيم فأتى بماء فأمر به فرش على القبر ثم وضع يده اليمنى عليه من عند ~~رأسه فقال ختمت عليك بالله من الشيطان الرجيم والله أعلم # PageV04P163 ### | - الأصل الثامن والسبعون والمائتان ### | في استكمال العبودية # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لن يؤمن عبد حتى يكون هواه تبعا لما جئت به # قال أبو عبد الله الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله هو ~~العبودة التي لها خلقوا قال الله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ~~وقال ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه # فالعبودة في ترك الهوى واتباع ما جاء به فكل امرئ اجتمع فيه هذه الخصال ~~الست فقد استكمل العبودة الحق والصواب والعدل والصدق والأدب والبهاء فإذا ~~رفع أمرك إلى الله ms667 وقد اجتمعت هذه الست فيه لبق وإذا لبق قبل إذا عرض على ~~الله وإذا صلى الرجل فدعته أمه فلم يجبها فالصلاة حق وليس بصواب فالحق كل ~~أمر رضي الله به والصواب كل أمر رضي الله به في ذلك الوقت وأما العدل فأن ~~يكون # PageV04P164 # قلبك في إصابة الحق والعمل به لا يميل إلى النفس يريد به الرياء وأما ~~الصدق في العدل فأن يرمي ببصر قلبه إلى موضع المشاهدة وأما الأدب فأن تضع ~~كل شيء من الحركات موضعه وأما البهاء فوقاره وسكينته وزينته ولبقه # PageV04P165 ### | - الأصل التاسع والسبعون والمائتان # في فضل العقل # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~بلغه عن رجل شدة عبادة سأل كيف عقله فإن قالوا غير ذلك قال لن يبلغ # وذكر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل من أصحابه شدة عبادة واجتهاد فقال ~~كيف عقله قالوا ليس بشيء قال لن يبلغ صاحبكم حيث تظنون # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يعجبنكم إسلام رجل حتى تعلموا ما عقدة عقله # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فالعقل خلق مخلوق من نور البهاء مقسوم بين ~~الموحدين من ولد آدم موضوع في الدماغ وإشراقه وشعاعه ومعتمله في الصدر بين ~~عيني الفؤاد فهو مدبر لأمره وآمر وزاجر ومميز ودليل وهاد ومبصر فبه عرف ربه ~~وبه علم ربوبيته وبه نظر إلى تدبيره وإلى ما أظهر لخلقه من ملكه وعجائب ~~قدرته # PageV04P166 # وصنعه وبه عرف جواهر الأمور من أمر الدين والدنيا وبه نهض إلى ربه وذلك ~~النهوض اسمه على ألسنة الخلق النية من قوله ناء ينوء أي نهض ينهض وإنما ~~ينهض بقصده وإلقاء همته لا أنه ينخلع عن مكانه فهمه وقصده نيته وهي النهوض ~~عن سكونه فهم القلب يطير إلى الله بنور العقول التي لها كل على قدر حظه من ~~العقل الذي قسم له ربه وبين القسم تفاوت وإنما تفاوتت الرسل والأنبياء ~~عليهم السلام ومن دونهم من الموحدين ms668 في منازل الدين وفي درجات الجنان غدا ~~بتفاضل العقول فالعبادة والاجتهاد فيها من ذات النفس ما هو وبال على صاحبه ~~لأن ذات النفس هو الهوى الذي حذرنا أتباعه في التنزيل فقال تعالى {ولا تتبع ~~الهوى فيضلك عن سبيل الله} # فإذا كانت العبادة والاجتهاد فيها مخرجها من تدبير العقل استقام الأمر ~~وصفت العبادة وذهب الجهد من ضيق النفس وعسرتها والهوى يضيق أمرها عليها ~~فإذا كان العقل ولي القلب غالبا للهوى فالهوى مقضي مدحور والقلب آمر مؤمر ~~عدل في إمارته فلا يستعمل جارحة إلا بما يدبر له العقل ولذلك كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا سمع بعبادة رجل سأل عن عقله فإذا كان العقل مغلوبا ~~كان القلب أسير الهوى والنفس فهو وإن اجتهد في العبادة فعامة عبادته خطأ ~~وجهل كما سبق في قصة جريج الراهب # PageV04P167 ### | - الأصل الثمانون والمائتان ### | في الثلاثة التي تحت العرش # عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثة تحت العرش القرآن له ظهر وبطن يحاج العباد والرحم تنادي صل من وصلني ~~واقطع من قطعني والأمانة # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فظهر القرآن يحاج الظالمين أهل التخليط ~~وبطن القرآن يحاج المقتصدين لأن ظاهر القرآن يحاج لأهل الجنان وباطن القرآن ~~لأهل الغرف وهم السابقون وإنما يحاج المقتصدين لأنهم أقاموا ما أنزل إليهم ~~من ربهم على مجاهدة منهم لأنفسهم فأهل الجهد لا يقدرون على صفاء الأمر ~~وإنما يقيمونها مع كدورة النفس وعسرتها وتردها ونكدها فلا يبلغون حقائق ~~الأمور على الصفاء وإنما يبلغ حقائق الأمور صافية السابقون الذين عتقوا من ~~رق النفس فهم أحرار كرماء وأولئك عبيد أتقياء كما قال عيسى عليه السلام ~~لبني إسرائيل لا عبيد أتقياء ولا أحرار كرماء # PageV04P168 ### | - الأصل الحادي والثمانون والمائتان ### | في وصية نوح عليه السلام بنيه وهي أربع كلمات # عن معاذ بن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقول ألا أخبركم عن وصية نوح عليه السلام بنيه حين ms669 حضره الموت قال إني واهب ~~لك أربع كلمات هن قيام السموات والأرض وهن أول كلمات دخولا على الله تعالى ~~وآخر كلمات خروجا من عنده ولو وزن بها أعمال بني آدم لوزنتهن فاعمل بهن ~~واستمسك حتى تلقاني أن تقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر والذي نفس نوح بيده لو أن السموات والأرضين وما فيهن وما تحتهن وزن ~~بهؤلاء الكلمات لوزنتهن # قال أبو عبد الله رضي الله عنه ونعمت المواهب ونعم الموهوب له هذا نوح ~~رأس المرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين أوصى ابنه عند وفاته وخروجه من ~~الدنيا ثم صير الوصية هبة ليكون تمليكا ولا يكون تمليك إلا من مالك فدلت ~~هذه الكلمة من قول نوح عليه السلام أني واهب لك أن هذه الكلمات وهبت لي ~~فأنا واهب لك من قبل أن يزول ملك الهبة مني بمزايلة الروح الجسد لأن أولاد ~~الرسل إنما # PageV04P169 # يورثون إرث النبوة بحكم الله قال الله تعالى {وورث سليمان داود} وقال ~~زكريا عليه السلام {فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب} # وهذا الولد هو سام بن نوح فيما روي في الخبر وهو أب العرب والعجم ~~المجاورين للعرب وهم فارس والروم وأما حام فهو أب الحبشة والهند والسند ~~وأما يافث فهو أب الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج فكان هؤلاء الثلاثة ممن ~~ركبوا السفينة معه وامتنع كنعان الابن الرابع وحال بينهما الموج فكان من ~~المغرقين وإنما صارت هذه الكلمات الأربع قيام السموات والأرض وما فيهن ~~بالحق لأن الله تعالى خلق السموات والأرضين وما فيهن بالحق لتجزى كل نفس ~~بما كسبت وهم لا يظلمون وحقيقة القيام بالحق في الوفاء بمقالة سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وإنما يطالب الله عباده بحقيقة ~~القيام بهذه الكلمات الأربع حتى يرضي الحق فالسموات والأرض وما فيهن مسخرات ~~للآدمي ليقوم هذا الآدمي بمقالة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر منطقا وعملا ووفاء لطهارة هذه الأربع ونزاهتهن وقدسهن # فمن قام من ms670 الآدميين بهذه الأربعة بهذه الصفة التي وصفنا كان ولي هذه ~~الكلمات وكان ولي الله وبه تقوم السموات والأرض وما فيهن وإنما صارت في ~~الوزن أثقل من السموات والأرض وما فيهن وأوزن من أعمال بني آدم لأن هذه ~~الكلمات عماد الأعمال فبالتسبيح تطهر الأعمال وبالتقديس تحط أثقال النعم ~~وبالتهليل تقبل الطاعات وبالتكبير ترفع وينال الثبات # PageV04P170 # وأما قوله أولهن دخولا على الله وآخرهن خروجا من عند الله فإن هذه ~~الكلمات رؤوس الكلام وأمناؤه ومهيمن على سائر الكلام فالأمناء أولهن دخولا ~~على الملك يوم يقعد لعرض الأخبار وتدبير الملك فيرفعون إليه أمور الرعية ثم ~~يأذن للرعية فيعترضهم فإذا خرجوا من عنده كان التدبير مع الأمناء وقضاء ~~حوائج الرعية على أيديهم وقبول معاذيرهم ونوال عطاياهم فكذلك هذه الكلمات ~~يدخلن على الله يوم تعرض الأعمال في كل إثنين وخميس ثم تجيء الأعمال بعد ~~ذلك على أثرهن فتعرض على الله فتزكية الأعمال وتوفيرها من هؤلاء الأمناء ~~يشهدون لها بالصدق وإذا خرجت الأعمال بقي هؤلاء عنده لتوفير التقصيرات ~~وتصحيح الأعمال وسؤال القبول والثبات وتربية الأعمال وتقوية النفوس ومدد ~~القلوب فهن المستأذنات للأعمال والمسهلات لسبل الأعمال والشفعاء والمزينات ~~لأن على طريق العرض سماطي الملك ملك الرحمة وملك العظمة وملك السلطان وملك ~~البهجة وملك الجمال وملك الجلال وملك البهاء فهذه الكلمات تطرف الأعمال إلى ~~مالك الملك وتسهل السبيل وتشفع وتزين وبهن يقرع الباب ومثل ذلك مثل ملك ~~أصبح فعرضت عليه أعمال الرعية واجتمعت الرعية على باب الملك فأول من يدخل ~~عليه الوجوه وسراة الرعية والمختصون بالوسائل فإذا دخلوا عليه قربهم في ~~المجلس وأدناهم من نفسه وأحلهم محل الأمناء والخاصة فإياهم يأتمن وعليهم ~~يقبل ومنهم وإياهم يسعف بالحوائج ومن أجلهم يأذن لهم وعلى قدر ما يثنى كل ~~واحد منهم على الرعية وينشر عن طاعاتهم للملك وصدقهم ووفائهم ونصحهم يقبل ~~الملك على هذه الرعية ويقضي حوائجهم ويجزل عطاياهم فهؤلاء وفود الرعية فهذا ~~مثل هؤلاء الكلمات ثم للقائلين بها درجات تتفاوت # ومثل ذلك مثل هذا الملك يجتمع ببابه هؤلاء الوفود فأول من ms671 يدخل # PageV04P171 # عليه أوجههم عند الملك وأحسنهم هيئة وأعقلهم وأعذبهم منطقا وأفصحهم لسانا ~~وأصبحهم وجها وأطهرهم خلقا وأبهاهم زيا وسمنا وأنقاهم ثيابا وأقصدهم مشيا ~~وأفهمهم عنه إشارة وأوعاهم علما فالحظ كل الحظ والإسعاف كل الإسعاف ~~بالحوائج لمن كانت هذه صفته من بين الوفد # فكذلك هذه الكلمات قد وعتها القلوب ووعت معانيها الصدور وزينتها العقول ~~لأفئدة القلوب وأشرقت أنوارها بين أودية الأفكار وعلى بصائر النفوس وأسماع ~~هواجس الأحلام فمن كان قلبه واعيا لنور الله الأعظم وصدره مشرقا بذلك النور ~~وعين فؤاده منكشفة الغطاء عن زينة العقل وبهائه قد سد تراكم أنواره خلال ~~الرويات واجتذت لها أبصار النفوس وأذنت أسماع الهواجس واحتشت من نور الحياة ~~فإنما تخرج الكلمات إلى الله من بين هذه الأشياء فهذا بحر الله فيه جواهر ~~الله فإنما يصعد إلى الله جواهر قد غاص عليها قائلها من بحره فولي البحر ~~أعلم بأثمان تلك الجواهر وقد عجز عن علم أثمانها جميع الخلق قال له قائل ما ~~أثمانها قال حب الله فمن ذا يدرك حرارة الحب وفورانه وشعله ويعلم كنهها إلا ~~محبوبه الذي يثيره قال قائل وكيف يثيره قال يثير الحب الذي وضعه في العبد ~~بالحب الذي عنه للعبد فمن خرجت منه هذه الكلمات من حبه فدخلت هذه الكلمات ~~منه على الله كن أول من يدخل ثم يعرض أعماله بعد دخولهن وكل عمل إنما يقتضي ~~ثوابه هذا الحب الذي إنما صار هذه الكلمات وجيهة عند الله بهذه الأشياء ~~التي وصفنا وإنما نال هذه الأشياء بلب هذه الأشياء ولبه حب العبد لله ولب ~~ذلك حب الله لعبده ومن كان قلبه خاليا من جميع ما وصفنا إلا أنه مؤمن بهذه ~~الكلمات قد تضمن توحيده نفس هذه الكلمات وعلما بها ومعرفة لها فهو مقربها ~~ناطق بها باستقرار القلب بذلك التوحيد والإيمان قد خلا قلبه عن أنوارها ~~وحشو ما فيها فإنما # PageV04P172 # يصعد إلى الله إيمانه بتلك الكلمات فيدخل من قائلها على هذه الهيئة وتلك ~~على تلك الهيئة فإنما تكون كلمته من الله قربا ودنوا ووسيلة وجواز ms672 قول ~~ونوال عطية على قدر هيئته أو تلك على قدر هيئتها # فاعتبر بهذا المثل الذي ضربنا لك بدءا من شأن الملوك والسراة المقدمين في ~~الإذن قال الله تعالى {وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} {وما ~~يعقلها إلا العالمون} # فالغائص في بحر الله على هذه الكلمات هو عبد قد طالع مقاسم الكلمات كيف ~~انقسمت على أمور العباد في موضع المقسم على العرش وطالع حكمة التأليف لحروف ~~الكلمات في ملك الملك وطالع ما في حشو كل حرف منها في المبدأ فهو إذا نطق ~~بها لاحظ المقسم فوجه يلحظه كل كلمة من معدنها التي عزيت هذه الكلمة إلى ~~المعدن منه جرى إلى العبد وكل كلمة لها نوبة من الأمور والأفعال فالتسبيح ~~تنزيه من الهواجس والحمد يكشف عن النعم والصنائع والتهليل يبرأ عن العلائق ~~والتكبير يثبت القيومية له عن الزوال فعين فؤاده يدور مع دوران لسانه حتى ~~تقسم اللحظات الكلمات على الأمور فيلاحظ الهواجس ويلاحظ النعم ويلاحظ الشرك ~~ويلاحظ الزوال فينتقل لحظاته كما ينتقل دوران لسانه من كلمة إلى كلمة # PageV04P173 ### | - الأصل الثاني والثمانون والمائتان ### | في رأس النعم وشكر المنعم # عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في ~~البيت كسيرة ملقاة فمشى إليها فرفعها ومسحها وقال يا عائشة أحسني مجاورة ~~نعم الله فقل ما نفرت عن قوم فكادت ترجع إليهم # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فرأس نعم الدين نور التوحيد معرفة بالقلب ~~وشهادة باللسان أن لا إله إلا الله ورأس نعم الدنيا هذا الجسد الذي هو قالب ~~لهذه النعمة الفائقة للنعم فإن الله تعالى أنعم عليك بنور التوحيد حتى ~~عرفته ثم وضع حول قلبك في صدرك بيدرا من الأنوار يتربى فيها نور المعرفة ~~وأنعم عليك بهذا القالب المجسد ووضع حوله بيدرا من نعم الدنيا يتربى فيها ~~هذا الجسد وأمرت بحسن مجاورة نعم هذين فحسن المجاورة مع نور المعرفة أن لا ~~تذكر كل شيء سواه وأن لا تؤثر عليه أحدا وأن لا تقرن بمشيئآته مشيئآت النفس ~~وأن ms673 لا يلهيك الهوى عن الوله إلى الله تعالى في كل حالاتك وحسن مجاورة ~~الجسد أن لا تستعمل جارحة من جوارحك إلا له ولرضاه عز وجل # PageV04P174 ### | - الأصل الثالث والثمانون والمائتان ### | في طنين الأذن # عن أبي رافع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طنت ~~أذن أحدكم فليصل على النبي عليه السلام ويقول اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد ذكر الله من ذكرنا # وعن عبيد الله بن المغيرة رضي الله عنه أنه كان يقال إذا ضرب أذن العبد ~~فإن الله يذكره فليذكر الله أو فليحسن ذكر الله # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الأرواح لتتلاقى في ~~الهوى وأحدهما من صاحبه على مسيرة يوم وليلة وإن الأرواح خلقت قبل الأجساد ~~بألفي عام فتشامت كما تتشام الخيل ثم هي جنود مجندة فإذا التقوا فما تعارف ~~منها ائتلف وما تناكر منها اختلف # هذا كله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV04P175 # وقال سلمان للحارث كيف أنت يا حارث قال ومن أين عرفتني قال عرف روحي روحك ~~وكذلك قال أويس لهرم بن حيان رحمهما الله ولولا أن الروح مشغولة بالنفس ~~وشهواتها لأوردت عجائب على صاحبها من درك الأشياء لأن لها سطوعا في الجو ~~تجول ثم تصعد إلى الله إلى مقامها الذي منه بدت ولكنها تدنست بما لبست من ~~أثواب اللذات وتكدرت بما شربت من كأس حب الدنيا وخالطت الهوى ومالت نحوه ~~فمن صفاه وأخلصه ونزهه فقد ظفر بنور اليقين وفاز بالحظ العظيم والكأس ~~الأوفى # وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبض قيل له إلى أين يا رسول الله ~~قال إلى السدرة المنتهى # فلكل رسول في السماء مستقر إذا قبض فلآدم عليه السلام في الدنيا وليحيى ~~وعيسى عليهما السلام في السماء الثانية وليوسف عليه السلام في السماء ~~الثالثة ولإدريس عليه السلام في السماء الرابعة ولهارون عليه السلام في ~~السماء الخامسة ولموسى عليه السلام في السماء السادسة ولإبراهيم عليه ~~السلام في السماء السابعة ولمحمد صلى ms674 الله عليه وسلم في السدرة المنتهى ~~بباب الله عند الحجاب فهو متشمر هناك يسأل الله لأمته في كل يوم لكل صنف ~~فللمتهافتين التوبة وللتائبين الثبات وللمستقيمين الإخلاص ولأهل الصدق ~~الوفاء وللصديقين وفارة الحظ # وكذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حياتي خير لكم ~~وموتي خير لكم # عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إني لكم بمكان # PageV04P176 # صدق حياتي وإذا مت فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله إذا مت قال لا ~~أزال أنادي في قبري رب أمتي أمتي حتى ينفخ في الصور النفخة الأولى ثم لا ~~تزال دعوتهم لي مجابة حتى ينفخ في الصور النفخة الثانية # فطنين الأذن من قبل الروح أنه بحدة بصره وخفته وطهارته وحياته وسطوعه إلى ~~المقام أدرك في وقت سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم بباب الله له شيئا ~~وذكر الله إياه بخير فرجع إلى أصله المتمكن في رأسه وقلبه بذلك الخير ~~والبشرى فطنت الأذن لصوته وما جاء به من الخير فلذلك قال فليصل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأنه ذكره عند الله في ذلك الوقت وطلب منه شيئا فاستوجب ~~منه الصلاة ليكون فيه أداء حقه فهذا وما أشبهه مكرمات الموحدين من ولد آدم ~~عليه السلام وكذلك العطاس هو في ذلك الوقت ذكر من الله لذلك الروح بخير ~~فابتهج الروح وسطع نوره فذلك الصوت من سطوعه ولذلك قيل عطس وسطع وهما ~~كلمتان مستعملتان في نوعين يقال عطس وسطع فلذلك أمر أن يحمد ربه وأول من ~~فعل ذلك آدم عليه السلام لما استقر فيه الروح وذكر بخير فازدهر وسطع نوره ~~كالمسرور # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال العطاس من الله # PageV04P177 # وقال صلى الله عليه وسلم من حدث بحديث فعطس عنده فهو حق لأن ذلك وقت ذكر ~~الله للأرواح فلا يقول صاحبه إلا حقا ولذلك وجب للمسلم على المسلم حق ~~التشميت لأنه ظهر عليه أثر نعمة الله تعالى في ذلك ms675 الذكر # وروي أنه قال الله يا داود إن سمعت عاطسا من وراء سبعة أبحر فاذكرني # PageV04P178 ### | - الأصل الرابع والثمانون والمائتان ### | في أن الدنيا ملعونة إلا عن ثلاثة # عن عبد الله بن حمزة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الدنيا ملعونة ملعون من فيها إلا من ذكر الله أو معلم أو ~~متعلم # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فالدنيا هذه الدار التي دورت أرضها تدويرا ~~بجبل قاف وأحيط عليها بالجبل والآخرة هي الدار الآخرة وهذه أولى قال الله ~~تعالى {وإن لنا للآخرة والأولى} # وسميت هذه دنيا لأنها أدنى إليك والآخرة تعقب هذه إذا ذهبت هذه جاءت تلك ~~فتلك اسمها عاقبة قال الله تعالى {والعاقبة للمتقين} # PageV04P179 # وسميت هذه عاجلة لأنها عجلت وتلك آجلة لأنها أجلت ففي هذه الدار زينة ~~وحياة وفي تلك الدار زينة وحياة وحياة هذه من الروح المركب في هذا القالب ~~الذي هو من اللحم والدم والعظم والعصب والعروق والشهوة واللذة في هذا ~~القالب وأصل الشهوة من الفرح وأصل اللذة من الذهن وأصل القالب من التراب ~~والحياة مسكنها في الروح والروح مسكنها في الدماغ ثم هو منفش في جميع الجسد ~~وأصله معلق في الوتين عرق القلب مشدود هناك وذلك العرق نياط القلب والنفس ~~مسكنها في الباطن ثم هي منفشية في جميع الجسد وأصلها مشدود بهذا العرق ~~والشهوات في النفس واللذة منها وعملها من الذهن فهذه الزينة والحياة التي ~~في النفس تستعمل هذا القالب فما كان من عمل العين خرج إلى العين وما كان من ~~عمل السمع خرج إلى السمع وما كان من عمل المنطق خرج إلى اللسان وما كان من ~~عمل اليد خرج إلى اليد وما كان من عمل الرجل خرج إلى الرجل فمخرج أعمال ~~الجوارح السبع من الفرح الذي في القلب ومن الزينة والحياة التي في النفس ~~فإذا حزن القلب ذبلت النفس وانطفأت نار الشهوة وتعطلت الجوارح عن العمل ~~وسكنت الحركات وإذا فرح القلب هاجت النفس وصارت قوية طرية وأثارت نيران ms676 ~~الشهوات واستعملت الجوارح فالفرح رأس مال أعمال الجوارح والعبد مبلو بهذا ~~الفرح فإذا حيى القلب بالله ففرح بشيء من زينة الدنيا تراءى ذلك النور الذي ~~في قلبه وتلك الحياة التي لقلبه صنع الله في تلك الزينة وخلقه لها ورحمته ~~فيها ورأفته على عبده بذلك فقبلها من ربه واستبشر بها وصار ذلك الفرح لله ~~ونطق بالحمد لله وأضمر على الطاعة شكرا لله وإظهارا لعلمه أن هذا له من ~~الله حتى يأخذ الفرح من صدره في جميع جوارحه فيذهب كسله وتقوى عزيمته ~~وتتجدد نيته وتطيب نفسه # فهذا عبد حامد لله شاكرا له قد صدق علمه بأنه من الله يقول بلسانه الحمد ~~لله ثم يصدقه بفعل جوارحه شكرا لله وإذا هاج الفرح # PageV04P180 # بتلك الزينة من قلبه وكان قلبه محجوبا عن الله وصدره مظلما بغيوم الهوى ~~ودخان الشهوات ورين الذنوب لم يتراءى لعيني فؤاده في صدره صنع الله تعالى ~~في تلك الزينة ولا خلقه لها ولا رحمته فيها ولا رأفته عليه فجاء الهوى ~~بكبره والنفس بعلوها وتجبرها فصار الفرح للنفس وبالدنيا وبمراءات الأشكال ~~ومباهاة الأضداد فظهر الفساد من الجوارح وخرجت السيئات من الجسد كل سيئة من ~~معدنها من قلة الرحمة وقلة المبالاة وترك النصيحة وظهرت الفظاظة واليبوسة ~~والغلظة والقسوة ورذائل الأخلاق حتى صارت الجوارح إلى الغش والمكر ~~والمخادعات وإلى أفعال الجسد وإلى سوء النيات والمقاصد وخرج إلى الفرعنة ~~والتجبر كل على قدره يتنعمون بنعم الله ويتلذذون بتلك الزينة وتلك اللذات ~~فرحا وأشرا وبطرا في هيئة أهل الكفر بالله والجحود له فقد تبين أن أصل هذا ~~الأمر كله الفرح # فمن قدر أن يصرف هذا الفرح منه إلى الله في كل عمل وفي كل أمر من دنيا أو ~~آخرة بنور قلبه وإلا فقد وقع في الوبال فإن كان فرحه في أمر الدنيا أشر ~~وبطر وإن كان في أمر الآخرة أعجب وتكبر وصار مرائيا فمن صرف ذلك إلى الله ~~لم يزدد لربه إلا خشوعا وحبا فحمده ودعاه ذلك إلى شكره بجميع جوارحه وذلك ~~حفظ الجوارح السبع على ms677 أمر الله وإقامة فرائض الله والقيام بحقوق الله ومن ~~لم يقدر على ذلك سباه فرحه فصار سبيا من سبي النفس # وإذا نالت النفس الفرح كان بمنزلة رجل متغلب وجد كنزا وأموالا جمة فاحتوى ~~عليها وفرقها فيمن اجتمع إليه من الغوغاء حتى صاروا أعوانه وأتباعه فخرج ~~بتلك القوة على أمير البلد وعمد إلى الأمير فسجنه فالأمير في الوثاق في ~~السجن والخارجي يرؤس أهل البلد فإن تداركه أمير المؤمنين بمدد وجيش وكنز ~~فقد نصره وإن تركه مخذولا فقد ذهبت الامرة فهذا شأن القلب مع النفس وقد حذر ~~الله تعالى عباده في # PageV04P181 # تنزيله في قصة قارون فقال {لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} وقال وفرحوا ~~بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع وقال تعالى {قل بفضل ~~الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} # فدلك على الفرح بفضله ليصرفك عن الفرح بالجمع فإن فرح الجمع هلاك الدين ~~والقلب وفرح الفضل والرحمة يؤديك إلى الله لأن كل من فرح بشيء أقبل عليه ~~وطلبه فإذا رأى الله من عبد إقبالا على هذه الدنيا الدنية وعلى هذه الشهوة ~~الرديئة أعرض عنه ووكله إليها حتى يكون همه دنياه وهمته شهوات نفسه وطلبه ~~العلو فيها حتى يضاد أقضية الله وتدبيره فخسر الدنيا والآخرة وإذا رأى ~~إقباله على ربه صنع له جميلا وهيأ له تدبيرا ينال به فوز العاجل والآجل ~~وسعادة الدارين # عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم فما أقبل عبد بقلبه على الله إلا أقبل ~~الله تعالى عز وجل بقلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة وكان الله بكل ~~خير إليه أسرع # فإذا نظر الله إلى عبد بالرحمة وقلبه مأسور في إسار النفس أمده من عنده ~~بما إذا صار المدد إليه تاب ومن رحمة الله تعالى على عبده إقباله فإذا أقبل ~~عليه تلظت جمرة الإيمان في القلب فتوردت أشجار الخيرات وأينعت كما يتورد ~~بساتين الدنيا ويتورد أشجارها إذا وجد الحر فإذا وجد ms678 القلب هذه القوة أقبل ~~على النفس بالزجر لها بسلطان قوي حتى # PageV04P182 # يقمعها بمنزلة ما ضربنا له من المثل الخارجي إذا سمع أن جيش أمير ~~المؤمنين قد أقبل هرب عن البلد وخلى عنها وخرج الأمير من السجن فقعد في ~~إمرته واحتوشته الجنود وفرق الأموال والكنوز التي جاءته من أمير المؤمنين ~~في جنده وقصد الخارجي يحاربه ويتباعد قليلا قليلا والأمير خائف مع هذا ~~الجند لا يأمن بياته وافتراصه فهو مشغول بحرس جنده ونفسه ويسأل أمير ~~المؤمنين زيادة في مدده فلا يزال يمده حتى إذا أمده بغاية المدد أخذه أسيرا ~~ويكون الخارجي قد نظر إلى كثرة المدد فعلم أنه لا يقاوم أمير المؤمنين ~~فألقى بيده سلما وأسلم وتاب على يدي أمير المؤمنين فهذه صفة التائب إذا تاب ~~احتاج إلى مجانبة النفس ومجاهدتها في كل أمر فلا يزال كذلك ويزداد مددا وهو ~~لا يأمنها مع ذلك المدد يخاف أن يثب وثبة من زوايا جوفه فيأخذه لأن مكرها ~~أعظم من أن يوصف حتى تجلى لقلبه شأن الملكوت وأشرق في صدره أنوارها فامتلأ ~~صدر العبد من جلال الله وعظمته فبسلطان الجلال يأسر النفس ويسبيها وبالعظمة ~~يولهها فإما أن يأخذها بتلك القوة فيحبسها حتى تموت في سجن القلب غما وإما ~~أن تلقي بيديها سلما وتذعن للقلب وتنقاد له فتصير في يدي القلب كالأسير حتى ~~إذا وجدت تلك اللذات التي وردت على القلب من تلك الملكوت من العطايا اعتصمت ~~بالقلب فتركت لذاتها الفانية الدنية فعندها وصل العبد إلى أوائل العبودة ~~ووضع في هذا القالب الحياة والحياة في الروح والنفس وهما ريحان إحداهما ~~أرضية والأخرى سماوية فالحياة ههنا في الروح والنفس والجسد قالب فإذا خرجا ~~بقي القالب لحما مواتا وحياة الآخرة في كل شيء منه فكل شيء منه حي من قرنه ~~إلى قدمه كل شعرة وكل ظفر حي بحياته وذلك إذا شربوا ماء الحياة بباب الجنة ~~قال الله تعالى {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون} # PageV04P183 # أخرجه على قالب فعلان لبلوغ الغاية في التكثير كقولك رحمن ورحيم وعريان ms679 ~~وعار والذي يشرب ماء الحياة في الآخرة يجد اللذة والنعيم كل شعرة منه على ~~حدتها ويقوى على نعيم الجنة بقوة تلك الحياة # فجميع ما في هذه الدار التي سميت دنيا كله متاع هذه الحياة والمتاع ~~المنفعة والبلغة قال الله تعالى {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين} ~~إلى قوله {ذلك متاع الحياة الدنيا} ثم قال {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ~~ولهو وزينة} الآية # ثم ضرب المثل بالغيث ليريك عاقبتهما وقال {وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور} ثم قال {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} # ثم أخبرك لأي شيء جعل هذا فقال {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} ثم ضرب المثل ~~فقال {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء} ثم قال في آخره ~~{والله يدعو إلى دار السلام} # ثم قال ءأنبئكم بخير من ذلكم وبين ذلك الخير ما هو # PageV04P184 # فقال {جنات عدن تجري من تحتها الأنهار} ثم بين لمن هي فقال {الذين يقولون ~~ربنا إننا آمنا} إلى قوله {بالأسحار} # وإنما صارت الدنيا ملعونة مذمومة من أجل أنها غرت النفوس بنعيمها وزهرتها ~~ولذتها والشهوة واللذة في النفوس فإذا ذاقت النفوس طعم النعيم اشتهت ولذت ~~فمالت عن العبودة إلى هوى النفس وإنما جعلها زينة في نفوس العباد وأعطى من ~~تلك الزينة العدو ليوسوس بتلك الزينة ويمازج بها تلك الزينة التي وضعها ~~الله في العباد وحبها وشهوتها ليبلوهم أيهم أحسن عملا في هذه الزينة ~~ليتواضع لله فيما أعطاه من الزينة ويشكره عليه أو يتكبر عليه ويكفره كما ~~قال سليمان عليه السلام حيث قال {أيكم يأتيني بعرشها} فقال ذلك الجني {أنا ~~آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} فاستبطأه فقال الذي عنده علم من الكتاب وهو ~~اسم الله الأعظم {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده} ~~أعني السرير قال هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر أي أقدر هذا الإنسي ~~على ما لم أقدر عليه وأعطى ما لم أعط فابتلاني برؤية ما أعطى ليبلوني ءأشكر ~~فأعدته بما أعطاه من ms680 نعمة علي لأنه حولي أو أحسده فأكفر النعمة # فهذه الأشياء إنما غرت المفتونين الذين لما تناولوها عميت عيونهم # PageV04P185 # عن تدبير الله وتقديره وسياقته إليهم {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة ~~أعمى وأضل سبيلا} # فوضع الله الدنيا مع زينتها وبهجتها وخلقنا فيها فحرم وأحل وأمر ونهى فمن ~~انتهى عن المحرمات وأدى الفرائض وتناول من الدنيا فعبده بتناولها لأنه ~~أخذها على الحاجة ومن السبيل التي أطلقت له فقد خرج من الذم وبرئ من الدنيا ~~المذمومة وإن تناول بشهوة ونهمة في غفلة عن الله تعالى فقد أخذ الدنيا ~~المذمومة ولا يصل إلى هذه المرتبة التي تبرأ من عارها وذمها ووبالها إلا من ~~وصل إلى الله فعظمته على قلبه وخشيته في صدره وذكره دائم على لسانه فليست ~~هذه دنيا مذمومة وإنما هو رزق ومعاش وتزود يأخذ العبد من مولاه ليقوم ~~بخدمته لأنه خلقه للخدمة وجعل هذه الأشياء كلها سخرة له فهو يأخذ من السخرة ~~للخدمة والآخر يأخذ من هذه السخرة لقضاء الشهوة والنهمة ليفرح به أيام ~~الحياة ليلهيه ذلك الفرح عن الله تعالى ويورثه الغفلة حتى يهتاج منه الكبر ~~وينظر إلى نفسه وهيأته وما أعطي من الدنيا فيعجب به فيفاخر الناس ويناطح ~~أشكاله فهو عبد فرجه عبد بطنه عبد هواه قد دخل في لعنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حيث قال لعن عبد الدينار لعن عبد الدرهم ثم قال بئس العبد عبد ~~نسي المبتدأ والمنتهى بئس العبد عبد سها ولها ونسي القبر والبلى بئس العبد ~~عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى بئس العبد عبد طمع يقوده بئس العبد عبد ~~هوى يضله بئس العبد عبد يختل الدنيا بدينه # PageV04P186 # فهذا كله جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته وقال الله تبارك ~~وتعالى {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا} # روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال إن الرجل ليعجبه شراك نعله ~~يريد به أن يكون أجود من صاحبه فيدخل في هذه ms681 الآية # فاللعن واقع على ما يطلب به العلو ويلهي عن ذكر الله وعلى ما غرك من ~~الدنيا لا على النعيم واللذة فإن النعيم واللذة قد تناولته الرسل والأنبياء ~~والصديقون عليهم السلام فردهم تناولهم إلى الله ذكرا وشكرا ثم آووا منه إلى ~~المأوى وهو حفظ الحدود والقيام بحقوق الله تعالى محل الاستثناء والله أعلم # PageV04P187 ### | - الأصل الخامس والثمانون والمائتان ### | في أن القنوت وقوف العبد وإقباله وركود وخشوع # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل حرف ~~ذكره الله في القرآن عن القنوت فهي الطاعة # قال أبو عبد الله رضي الله عنه إنما صرفه إلى الطاعة لأنها أكشف الأشياء ~~وأشهرها عند الناس والعامة إنما تعرف الطاعة والمعصية فكل ما أمر الله به ~~فهو طاعة وكل ما نهى عنه فهو معصية فأما حاصل الاسم فالطاعة بذل النفس لله ~~فيما أمر ونهى والمعصية امتناع النفس واشتدادها لأن الله تعالى دعا العبد ~~إلى الوقوف بين يديه كالعبيد فالمؤمنون أجابوا دعوته وقبلوا العبادة ثم ~~دعاهم بعد ذلك إلى شيء بعد شيء فمن ائتمر بأمره وانتهى عن نهيه فقد وفى ~~بتلك الإجابة في المبتدأ وبذلك القبول فقيل أطاع فهو مطيع أي أعطى ذلك ~~البذل الذي قبله في المبتدأ فقوله أعطى وأطاع مشتق بعضه من بعض وحروفها في ~~العدد سواء # PageV04P188 # وفي التأليف مختلفة قدم العين هنا وأخر العين هناك ليستعمل هذا في عطاء ~~العبودة ويستعمل ذاك في عطاء الأشياء المملوكة والمعصية من التعصيص وهو ~~اشتداد النفس وامتناعها ومنه سمي العصا يقال في اللغة تعيص عليه أي امتنع ~~وتشدد # وأما القنوت فهو الركود وكل شيء استقر في مكانه فلم يتحرك فهو راكد ومن ~~ذلك سمي الماء راكدا إذا أمسك عن الجري والسفن رواكد قال الله تعالى {إن ~~يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره} يقال قنت ونتق والنتوق أن يقابل ~~الشيء بالشيء راكدا عليه وذلك قوله تعالى {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة} # ومنه قول علي رضي الله عنه حيث سئل عن البيت ms682 المعمور فقال هو بيت في ~~السماء السابعة نتاق هذا البيت أي بحذائه # والقنوت مقابلة قلبك عظمة من وقفت له وبين يديه فإنه روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا صلى العبد أقبل الله عليه بوجهه # فمن حق إقباله عليه أن يقبل العبد بقلبه على عظمته وجلاله فهذه مقابلة ~~العبد بقلبه قبالة ربه فهذا القنوت ومرجعه إلى ما كشفه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال هو الطاعة لأنه إذا قابله بقلبه فقد أعطاه بذل النفس فقد ~~أطاعه وإنما صار إذا قابله باذلا لنفسه لأن القلب إذا لاحظ ببصر فؤاده ~~جلاله وعظمته خلص إلى النفس هول الجلال والعظمة فانقبضت وانقمعت وانخشعت ~~وذهلت عن هشاشتها وخمد تلظي نيران شهواتها لما أحست به # PageV04P189 # عن مجاهد رضي الله عنه في قوله تعالى {وقوموا لله قانتين} قال القنوت ~~الركود والخشوع فجاد ما غاص مجاهد صار إلى الأصل # وأما التي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قانتين أي مطيعين فقول ابن ~~عباس رضي الله عنهما ظاهر التفسير وقول مجاهد باطن التفسير وقوله تعالى {يا ~~مريم اقنتي لربك} روي في التفسير أنه قال قومي لربك والقيام غير القنوت ولو ~~كان القنوت قياما لاستحال أن يقول {قوموا لله قانتين} والقنوت صفة تحدث عن ~~القيام # فقوله تعالى لمريم {اقنتي لربك} أي أطيعي ربك فهذا تفسير ظاهر ولكن أريد ~~من مريم القنوت في الباطن وهو أن تقبل بقلبها على الله مظلا على النفس ~~مشتملا على شهواتها لئلا تتحرك وتتفرق غليانا وتجيش حتى يفور دخانها إلى ~~الصدر إلى محل إشراق نور الألوهة فإنه ليس من حق عطايا ربنا أن يعطي عبدا ~~إشراق نور عظمته في صدره فيهمل العبد حراسته ورعايته حتى تفور حرارة شهواته ~~كفوران القدر التي تغلي إلى صدره كالدخان بين يدي نور العظمة في صدره فإذا ~~فعل ذلك حجب لأن ذلك الفوران كالدخان فإذا هاج من النفس وتأدى إلى الصدر ~~امتنع الإشراق واحتجب وبقي العبد محجوبا كأنه صار خاليا من الزكاء # فأمرت مريم بالقنوت ms683 أي بالدوام وبالركود بمقابلة القلب قبالة عظمة الله ~~حتى يدوم لها التعظيم لجلال الله ولذلك سمي دعاء الوتر قنوتا لأن الصلاة ~~وقوف تخشع وتذلل يؤدى فرضه فإذا قنت فإنما خرج من صلاته التي افترضت عليه ~~وقام له متعرضا لربه إلى موقف آخر لرغبة أو # PageV04P190 # رهبة فسمي قنوتا لأن ذلك مقام خرج من فعل صلاته إليه ودخل فيه بتكبيرة ~~فقابل بقلبه محل الرغبة والرهبة ومن قبل التكبيرة كان في محل التذلل ~~والتخشع بين يدي عظمته والآن في محل الرغبة والرهبة بين يدي جوده وكرمه ~~فتباين التقابلان والموقفان # PageV04P191 ### | - الأصل السادس والثمانون والمائتان ### | في عثرة الحليم وتجربة الحكيم # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حليم ~~إلا ذو عسرة ولا حكيم إلا ذو تجربة # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فالحلم يعطي العبد من نور الجود فإذا خلص ~~إلى القلب نور الجود انحلت عقد النفس وكلت مخاليبها وتخلص القلب من رق ~~النفس ومن سخرتها ووثاقها واتسعت النفس بما نالت من القلب من نور الجود ~~فتولدت السماحة وإذا عثرت فوقعت في الذنب فهناك تبصر وتنفسح لما رأت عثرتها ~~اتسعت لغيرها في تلك العثرة وأبصرت أن العاثر هو كمثله إما مغبونا مخذولا ~~وإما معاقبا ولما رأى في نفسه في وقت العثرة أنه مغبون أو معاقب أو جاهل ~~فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حليم إلا ذو عثرة أي بعد العثرة وصل ~~إلى حقيقة الحلم وكنهه فأما قبل العثرة فقد يكون حليما وليس على كنهه كأنه ~~لم # PageV04P192 # يكمل حلمه بعد لأن نفسه لم تتسع بعد في الحلم الذي أعطي فإذا جاءت ~~العثرات اعتبر بها ورأى غيره فيها كما رأى نفسه في وقتها فهناك يجد الحلم # وهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر ليس الغنى عن كثرة ~~العرض وإنما الغنى غنى النفس وليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان إنما ~~المسكين الذي قعد في بيته وقنع # فذاك الذي كثر عرضه هو أيضا غني ms684 ولكن الغنى على كنهه وحقيقته هو غنى ~~النفس والمسكنة على الحقيقة وعلى كنهها في من قعد في بيته وقنع بما أوتي # وأما قوله لا حكيم إلا ذو تجربة فالحكمة من نور الجلال فإذا أعطي العبد ~~انفجرت ينابيع الحكمة على قلبه فهذه الحكمة ينبوعها على قلبه فهي جاثمة ~~متراكمة وما لم يأخذه التجارب لم تقدر النفس على مطالعة الحكمة لأن النفس ~~بلهاء غنمية مشغولة بالشهوات فكيف تدرك الحكمة والحكمة باطن الأمور وأسرار ~~العلم فهي تعاين الظاهر ولا تدركه فكيف تدرك الباطن فإذا جرت الأمور صارت ~~هذه التجارب له كالمرآة ينظر فيها لأنها صارت معاينة ولذلك قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما ينتهي عقل الرجل إلى ثمان وعشرين ثم بعد ذلك التجارب # فالعقل للقلب والتجارب للنفس لأن العقل باطن والتجارب ظاهرة تبصر العين ~~وتسمع الأذن ويشم الأنف وتلمس اليد ويذوق اللسان # PageV04P193 # واللهاة والتجارب ههنا وهذه الأشياء مسالك إلى النفس وعندها تشعر النفس ~~بذلك للعقل الذي أعطي لأن العقل مسكنه في الدماغ وفي الصدر يشرق بين عيني ~~الفؤاد والنفس لا تعلم بشيء من ذلك إلا ما يعلمها القلب ويفطن لها فإذا ~~نالتها التجارب عرفت وأيقنت لأنها صارت معاينة ما أدى إليها القلب من ~~الحكمة ودلالة العقل # PageV04P194 ### | - الأصل السابع والثمانون والمائتان ### | في كلمة التقوى وصورة معناها في القلب والكنية والختم والقفل على القلب # عن أبي بن كعب عن أبيه رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول {وألزمهم كلمة التقوى} قال لا إله إلا الله # قال أبو عبد الله رضي الله عنه إنما سميت هذه الكلمة كلمة التقوى لأنه ~~صارت وقاية لتوحيده لأنه أثبت عقد المعرفة بإلهه قلبا وباللسان نطقا أنه ~~إلهه فلما أحدث الأعداء هذا الحدث وهو الشرك فأشركوا في ملكه غيره وذهبوا ~~بوله قلوبهم في الضر والنفع إلى الذي قصدوه بالعبودة رجاء وتأميلا لنوال ~~نفع ودفع ضر اقتضى الله المؤمنين كلمة نفي ذلك الحدث وهو قوله لا فنفوا ~~بقولهم لا هذا الحدث الذي أحدثته الفجرة الغواة الظلمة فصار ms685 قوله لا نزاهة ~~لرجاسة ما أتوا به وطهارة لنجاسته ووقاية لذلك العقد الذي اعتقدوه وحصنا ~~كثيفا لما في ذلك العقد وهو التوحيد ونور المعرفة فنسبت هذه الكلمة إلى ~~التقوى وإنما هو في الأصل وقوى مأخوذ من الوقاية # PageV04P195 # أي صار وقاية لعقدة التوحيد أن لا يمازجه شرك ثان معه فإنه واحد لا ثاني ~~له فرد لا نظير له # وهذه الكلمة في قالب الافتعال لا في قالب فعل لأن فعل هو قالب الظاهر ~~وافتعل هو قالب الظاهر والباطن فقيل اتقى وكان حقه أن يقول أوتقى لأن الواو ~~في أصل الكلمة موضوعة لأنها أصيلة من قوله وقى يقي وقاية فلما صار افتعل ~~كان حقه أن يقال أوتقى فثقلت على الألسنة لاجتماع الواو والتاء فأدغمت ~~الواو في التاء وشددت التاء فقيل أتقى يتقي اتقاء والاسم منه تقوى # فقوله لا إله ينفي وقوله إلا إله استثناء لئلا يقع النفي على الجميع فلو ~~قال لا إله ثم اقتصر لكان نفي الجميع فابتدأ بنفي الحدث بقوله لا إله ثم ~~قال إلا الله لئلا يقع النفي على هذا الاسم وهو قوله إله فإنما هما كلمتان ~~نفي ب لا وأثبت ب إلا فقوله لا حرفان لام ثم ألف وإلا أربعة أحرف ألف ثم ~~لامان مدغمة أحدهما في الأخرى ثم ألف فكأنما أخرجت هذه الكلمة على صورة ~~إشارات القلوب وقصدها لأن القلب لما حيى بنور الحياة انفتحت عينا الفؤاد ~~بالنور وجاء نور الهداية ونور المعرفة فتراءى لعيني الفؤاد انزعج القلب ~~مرتحلا عن وطنه إلى ذلك النور الذي عاين حتى لقيه فاطمأن وسكن إلى معبوده ~~وبذل النفس للعبودة ثم خطر بقلبه بال إلهه وأنه أشرك في ملكه غيره وأن ~~قلوبا ولهت إلى غيره افتقارا فهاجت منه المحبة المنطوية في نور التوحيد ~~والهداية والمعرفة فحمى القلب من حرارة المحبة فمن تلك الحرارة قوي القلب ~~حتى قام منزعجا بعضلاته وعروقه فنفى ولههم وافتقارهم إلى من دونه وأبطله ~~فلما احتاج إلى إبراز تلك القوة للنفي أبرز باللام ثم بالألف وإنما ابتدئ ~~باللام لأن عظم ms686 القوة فيها وهي نزيع الألف فإنه كان أولا ألفا ثم نزع منها ~~لام فعظمت القوة في اللام فنفى القلب كل رب ادعى العباد له # PageV04P196 # ربوبيته وولهت قلوبهم إليه دونه فابتداء هذا القلب الذي وصفنا بالنفي ~~لأرباب الأرض ثم سما عاليا حتى انتهى إلى الرب الأعلى فوقف عنده وتذلل وخشع ~~له واطمأن ووله إليه وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {سبح اسم ~~ربك الأعلى} # أي أن هذه أرباب متفرقون والرب الله الواحد القهار فهداه إلى الرب الأعلى ~~وقال {وأن إلى ربك المنتهى} # فهذه صورة فعل القلب فلما احتاج إلى النطق والإبراز باللسان أعطي تلك ~~الحروف ففي النفي لام وألف وفي المستثنى الذي هو المنتهى ألف مخفوضة ولامان ~~وألف لاجتماع قوة اللامين على صورة فعل القلب يدلك على ذلك من قولنا كسر ~~الألف وخفضها لأن القلب من السفول ينزعج نافيا للأرباب ويصعد إلى الرب ~~الأعلى بالألف الآخر من قوله إلا فيثبته ربا لا شريك له واحدا لا ثاني له ~~أحدا لا نظير له فردا لا ند له صمدا لا شبيه له حيا لا مثل له قيوما لا ~~زوال له إلها لا وله إلا إليه # فأما قوله {وألزمهم كلمة التقوى} فإنه ألزم قلوبهم هذه الكلمة بنور ~~المحبة حتى نطقوا بها وذلك أنهم أعطوا المعرفة مع المحبة وأعطوا العقل ~~والعقل من نور البهاء فوجد القلب حلاوة المحبة ووجدت النفس فرح زينة نور ~~البهاء فسكن القلب واطمأن إلى الحلاوة واستقرت النفس للزينة فنشر عليه ~~التكلم بقول لا إله إلا الله وهو قوله {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} # PageV04P197 # فبحلاوة الحب وزينة البهاء صارت الكلمة لازمة لقلوبهم حتى خرجت إلى ~~اللسان فدلت الألسنة بها ودارت بحروفها التي نطقت بمعناها فصارت منطقا أحاط ~~بمعناها ولزمها وشددها كما أحاطت المنطقة بوسط الرجل وشددت فهو الذي ألزمهم ~~هذه الكلمة بما من عليهم بحلاوة الحب وزينة البهاء # وأما قوله تعالى {وكانوا أحق بها وأهلها} فإنما صاروا كذلك لأن الله ~~تعالى خلق المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف ms687 عام فيما روي لنا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الله ولا شيء فخلق المقادير وخلق الخلق ~~في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل ~~فقد علم من يخطئه ممن يصيبه # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة # عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا قد بشرتنا فاعطنا قال اقبلوا البشرى يا ~~أهل اليمن قالوا قد بشرتنا فأخبرنا قال كان الله ولا شيء ثم خلق العرش ~~فجعله على الماء وكتب في الذكر كل شيء # PageV04P198 # عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك ~~النور اهتدى ومن أخطأه ضل # وعن عبد الله بن الديلمي قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص بلغنا أنك ~~تقول جف القلم بما هو كائن قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن ~~الله خلق خلقه ثم جعلهم في ظلمة ثم أخذ من نوره ما شاء فألقاه عليهم فأصاب ~~النور من شاء الله أن يصيبه وأخطأ من شاء الله أن يخطئه فمن أصابه النور ~~يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك ما أقول جف القلم بما هو كائن # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فيوم المقادير خلقهم وهم كالنجوم الذراري ~~ثم سلبهم الضوء ووضعهم في ترابية التربة التي أراد منها إنشاء خلق آدم عليه ~~السلام وقد طمس ضوءهم فلبثوا في تلك الظلمة مليا إلى أن مضى من المدة مقدار ~~خمسين ألف سنة أو نحوه فصاروا في طول ذلك اللبث في تلك الظلمة ثلاثة أصناف ~~فصنف منهم زعم أن الذي ملكنا لم يدم ملكه فعجز عنه ms688 ولو لم يكن كذلك لم ~~يتركنا ههنا كالمنسي وقال الصنف الآخر تركنا ههنا فنحن ننتظر ما يكون وما ~~يظهر لنا من أمره فالأول كفر والثاني نفاق وشك وقال الصنف الثالث تركنا ~~ههنا وهو دائم ونحن له يجعلنا حيث يشاء فأما الصنف الأول لما تكلموا بما ~~ذكرنا صارت تلك الترابية في أفواههم وقال لهم ما الذي رأيتم مني حتى ~~نسبتموني إلى العجز وانقطاع الملك فصارت هذه # PageV04P199 # الكلمة ختما على أفواههم على تلك الترابية وهو قوله تعالى {ختم الله على ~~قلوبهم} فالختم غير مرفوع أبدا # وأما الصنف الثاني فشكوا فهم في الزندقة ينتظرون ما يكون ولم يستيقنوا ~~ولا استقرت قلوبهم فتناثرت تلك الترابية على أفواه قلوبهم لتذبذبهم مرة ~~إقبالا على الله ومرة إعراضا عنه ومرة إقبالا على بال النفس فلم يصر ختما ~~ولكن صار قفلا قد يرفع ويفتح إن شاء والختم لا يرفع أبدا ذلك قوله تعالى ~~{أم على قلوب أقفالها} # وأما الصنف الثالث فقالوا ربنا الذي يملكنا دائم يجعلنا حيث يشاء إن شاء ~~جعلنا في ظلمة وإن شاء جعلنا في نور ثم مدوا أيدي القلوب نحوه للتعلق به ~~فضرب بيديه إلى قلوبهم فقال أنتم لي عملتم أو لم تعملوا فصارت هذه الكلمة ~~مكتوبة على قلوبهم فمن أصابته يده اليمنى فهم الأولياء ومن أصابته يده ~~الأخرى فهم عامة الموحدين تناولهم فصيرهم في قبضته وصارت تلك الكلمة مكتوبة ~~بين أعين الفؤاد على قلوبهم وذلك قوله تعالى {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} ~~وقال للآخرين {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} فالطبع هو ~~الختم # فهذه كانت صفتهم في البدو ولم يزل ينقلهم من حال إلى حال إلى أن نقلهم ~~إلى الطينة المعجونة طينة آدم عليه السلام قال تعالى في تنزيله {من حمإ ~~مسنون} # PageV04P200 # ثم لما نفخ فيه الروح أخرج المتعلقين من كتفه الأيمن كهيئة الذر في صفاء ~~وتلألؤ وأصحاب الشمال كالحمة سودا من كتفه الأيسر والسابقون أمام الفريقين ~~المقربون وهم الرسل والأنبياء والأولياء عليهم السلام فقررهم وأخذ عهدهم ~~وميثاقهم على الإقرار له بالعبودة ms689 وأشهدهم على أنفسهم وشهد عليهم بذلك ثم ~~ردهم إلى الأصلاب ليخرجهم تناسلا من الأرحام أرحام الأمهات # عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله ~~تبارك وتعالى خلق آدم فضرب بيمينه على كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضا كالفضة ~~ومن اليسرى سودا كالحممة ثم قال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ~~ولا أبالي # معنى قوله هؤلاء في الجنة ولا أبالي والله أعلم أني لا أبالي ما يعملون ~~من خير أو شر فأقبل خيرهم وأغفر شرهم وذلك قوله تعالى {ووصينا الإنسان ~~بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها} إلى قوله أولئك الذين نتقبل ~~منهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئأآهم وعد الصدق الذي كانوا يوعدون # وهو الوعد الذي وعدهم حيث ضرب بيديه إليهم تناولا ثم قال لهم أنتم لي ~~عملتم أو لم تعملوا وإنما صاروا بيضا كالفضة من أجل ذلك النور الذي أصابهم ~~والآخرون سودا من أجل الظلمة التي خلقهم فيها # PageV04P201 # عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول إن الله خلق آدم وأخذ الخلق من ظهره فقال هؤلاء في الجنة ~~ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي فقال رجل يا رسول الله فعلى ماذا إذا ~~نعمل قال على مواقع القدر # عن هشام بن يسار الجهني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن هذه ~~الآية {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} فقال عمر رضي الله عنه ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها فقال إن الله خلق آدم فمسح ~~ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة ~~يعملون ثم مسح ظهره بيده فاستخرج ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل ~~النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل ~~أهل الجنة فيدخله الجنة ms690 وإذا خلق للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت ~~وهو على عمل أهل النار فيدخله به النار # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة نطفة ثم علقة ~~مثل ذلك ثم مضغة مثل ذلك ثم يبعت الله الملك بأربع كلمات فيقول له اكتب ~~أجله وعمله ورزقه وشقي أو سعيد وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون ~~بينه وبينها إلا ذراع فيغلب عليه كتابه الذي سبق فيختم له بعمل أهل النار ~~فيدخله الله النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها ~~إلا ذراع فيغلب عليه # PageV04P202 # كتابه الذي سبق فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخله الله الجنة # فهذه قصة هذا الخلق سبق لهم ما سبق قال في تنزيله {إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون} # فالحسنى هي الجنة فمن سبقت له الجنة بوعد من الله تعالى لا يسمعون حسيسها ~~وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون أي في الجنة فشكر الله لهم ما كان لهم في تلك ~~الظلمة من الطمأنينة إلى الله تعالى في وقت مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~وعرفهم منته عليهم فقال {وألزمهم كلمة التقوى} ثم شكر لهم قديمهم في تلك ~~الظلمة فأثنى عليهم بقوله {وكانوا أحق بها وأهلها} أي أحق بهذه الكلمة ~~وأهلا لهذه الكلمة بما تقدم منهم # وإنما استقروا هناك في تلك الظلمة ونطقوا بما نطقوا بما رش عليهم من نوره ~~هناك فأوجب لهم يومئذ محبته وجعل لهم ذلك النور حظهم من ربهم وأصحاب الختم ~~لم يصبهم النور فلم يكن لهم حظ وأصحاب القفل منهم من لاحظ له فهو لاحق ~~بأصحاب الختم ومنهم من له حظ في الغيب مكنون وحظهم أدنى الحظوظ ألا يرى إلى ~~قوله تعالى {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} ثم قال {إلا الذين ~~تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله} فشرط # PageV04P203 # لهم أربع شرائط ثم قال ms691 {فأولئك مع المؤمنين} ولم يقل من المؤمنين # فهؤلاء لاحقة بهم فهم في عدد المؤمنين وحظهم من المحبة قليل وهم من أصحاب ~~القفل أدركتهم الرحمة الواسعة فصاروا متخلصين من النفاق ورفع القفل عنهم ~~حتى انفتحت عيون أفئدتهم مع هذه الشرائط الأربع التوبة إلى الله والإصلاح ~~لما خرب والاعتصام بالله والإخلاص لله فحينئذ ألحقهم بالمؤمنين ليعلم أنهم ~~لم يكونوا من المؤمنين الذين كتب في قلوبهم الإيمان يومئذ بقوله أنتم لي ~~عملتم أو لم تعملوا فهؤلاء يعتريهم ذلك النفاق بعد إيمانهم في اعمالهم فهم ~~الذين يدلون على الله بأعمالهم في الشريعة ويعجبون بشأن أنفسهم ويكبون على ~~أموالهم في عامة عمرهم يتكثرون بها ويتعالون على الخلق ويعاملون الله في ~~السر بخلاف العلانية ويراءون بأعمالهم ويتفاخرون على طلب الدنيا وجاهها ~~وعزها وفخرها وخيلاها ويضاهئون الله في مدائحه فالعزة لله جميعا والعلو لله ~~والكبرياء لله فهم في شهرهم ودهرهم طالبون لعز الدنيا ذهابا بأنفسهم عن ~~الخلق وعلوا عن أحوالهم وتكبرا عن الانقياد للحق لكبرياء نفوسهم ساخطين ~~لأقدار الله في الخلق وفي أنفسهم حاسدين لعباد الله في نعمهم مضادين ~~لأقضيته وتقديره وتدبيره فيهم فهؤلاء أصحاب الأقفال الذين كانت له فيهم ~~مشيئة أن تدركهم رحمته وجوده فإن للجود بعد انقضاء الرحمة المقسومة يوم ~~القيامة بين أهل الجنة عملا وشأنا عظيما جاد الله على من بقي في النار ~~آلافا من السنين وليس عنده مثقال ذرة خير إلا توحيده خرج له أيام دنياه من ~~باب الجود والرحمة العظمى فهم أصحاب الأقفال الذين كانت لله تعالى فيهم ~~مشيئة أن أدركتهم رحمته العظمى فلم يبال بما صنعوا فرفع عنهم القفل في ~~الدنيا حتى # PageV04P204 # نطقوا بالكلمة العليا وهي كلمة التقوى وأدخلهم الجنة بلا عمل ولا خير ~~قدموه نالوا هذا من باب الجود في محل القدرة ونال المؤمنون المحبة من الذات ~~وولهت قلوبهم بالذات حبا له # PageV04P205 ### | - الأصل الثامن والثمانون والمائتان ### | في مبدأ الاستقامة ومنتهاها # عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال لما نزلت {الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم} شق ذلك على ms692 المسلمين فقالوا وأينا لم يظلم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليس بذلك ألم تسمعوا إلى قول لقمان {إن الشرك لظلم ~~عظيم} # عن الأسود بن هلال عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنه سأل أصحابه عن ~~هاتين الآيتين {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} وقوله تعالى {الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} فقالوا استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم أي بشرك # عن الحسن رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى # PageV04P206 # {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} أمتي ورب الكعبة مرتين أوثلاثا # فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله ما ذكرك بهذه الآية # قال إن اليهود قالوا ربنا الله فلم يستقيموا فقالوا في عزير عليه السلام ~~ما قالوا وإن النصارى قالوا ربنا الله فلم يستقيموا فقالوا في المسيح ما ~~قالوا وإن أمتي قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلم يشركوا # قال أبو عبد الله الاستقامة اسم لفعل ولكل فعل حدان فحد منه مبتدأه والحد ~~الآخر منتهاه فالاستقامة مبتدأها انتصاب القلب لله تعالى رقا وتذللا وإلقاء ~~باليدين سلما فهذا أول العبودة ومبتدأ الاستقامة ثم قد يروغ يمينا وشمالا ~~عن الانتصاب لله تذللا وخشعة ويناله تجبر الكبرياء ثم يتوب ويرجع إلى الله ~~تعالى ويعود إلى مقامه من التذلل والرق ويصير إلى الاستقامة في مقامه فلا ~~يزال هذا دأبه مرة هكذا ومرة هكذا يقطع عمره على هذه الصفة فيختم له بإحدى ~~المنزلتين ومن أيد في الاستقامة حتى يمر إلى الله تعالى ولا يروغ في سيره ~~يمينا وشمالا فإذا وصل إلى الله فقد ذهب الروغان واستقام على الباب بعد موت ~~شهواته فهذا منتهى الاستقامة ورأيت فيما يرى النائم كأن سائلا يسألني عن ~~قوله تعالى {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} فأردت أن أجيبه بما ~~عندي من ظاهر العلم فرأيتي قبالتي شخصا بيده صحيفة يقابل بها وجهي مكتوب ~~فيها {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} أي اشتاقوا إلى لقائه ثم ~~انتبهت فقلت ms693 في نفسي هذا عين التفسير # وإذا نزل العبد منزلة المشتاقين فنهمته وشهوته اللحوق بربه فقلبه بالباب ~~عاكف والعاكف لا تزول استقامته فالناس فيما بين الحديث من # PageV04P207 # مبتدأه إلى أعلاه كل قد أخذ من هذا بحظ فالديان يحاسبهم فيعطيهم من ثواب ~~هذه الاستقامة كلا على قدر ثباته وانتصابه لله وتوقيه للروغان عنه وكذلك ~~قوله تعالى {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} # فالإيمان هو طمأنينة القلب إلى الله واستقرار النفس بما استقر عليه القلب ~~وإنما صار ذلك كذلك بالنور فذلك النور اكتساب القلب به يكرم وعليه يتاب وبه ~~يجوز الصراط إلى دار السلام فإذا أذنب فالذنب ظلمة فقد ألبس ذلك النور ظلمة ~~وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة ~~سوداء فإن عاد نكت أخرى فلا يزال كذلك حتى يسود القلب فإذا تاب ونزع صقل ~~قلبه يعني يرفع عنه تلك النكت فينجلي القلب بنوره بمنزلة شمس خرجت عن ~~كسوفها فتجلت # فأقل الظلم ترك أصغر شيء من أمر الله وأعظم الظلم الشرك فذاك مبتدأه وهذا ~~منتهاه فترك أدنى أمر الله هو ظلم وبقدر ذلك أطبق على نور الإيمان وأظلم ~~الصدر منه بقدر ذلك لأنه افتقد إشراق ذلك النور على قدر ما أطبق فكلما ~~إزداد ذنبا ازداد افتقادا للإشراق وازداد ظلمة حتى يطبق عليه كله إذا انتهى ~~إلى منتهاه وهو رأس الذنوب وهو أعلاها والخلق فيما بين الحدين كل قد ألبس ~~إيمانه يعني من هذا الظلم ومن ذلك مثل الشمس إذا انكسفت فعلى قدر ما ينكسف ~~منها يفتقد الخلق إشراقها من الأرض فإذا انكسفت كلها صار نهارهم كالليل # فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلق منتهاه في حديث ومبتدأه في ~~حديث آخر # وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من بعده فقال أبو بكر رضي الله عنه ~~استقاموا فلم يشركوا # PageV04P208 # وقال عمر رضي الله عنه استقاموا فلم يروغوا روغان الثعالب فقصد أبو بكر ~~لأدناه وعمر لأعلاه # وأما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم # روي عن ابن عباس ms694 رضي الله عنهما قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في مسير ساره إذ عرض له إعرابي على بكر له فدنا فسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنهاه المهاجرون والأنصار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خلوا عنه فقال يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد جئتك من بلادي وتلادي ~~لأهتدي بهداك وآخذ من قولك فما بلغتك حتى ما لي طعام إلا من خضر الأرض ~~فاعرض الإسلام علي فعرض عليه فقبل فازدحمنا عليه فدخل خف بكره في بيت جرذان ~~فتردى الإعرابي فانكسر عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق والذي ~~بعثني بالحق لقد خرج من بلاده وتلاده وما له ليهتدي بهداي ويأخذ من قولي ~~فما بلغني حتى ما له طعام إلا من خضر الأرض كما قال أسمعتم بالذي عمل قليلا ~~وجزي كثيرا هذا منهم أسمعتم {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك ~~لهم الأمن وهم مهتدون} فإن هذا منهم والذي بعثني بالحق ما بلغ الأرض حتى ~~ملئ شدقه من ثمر الجنة اغسلوا أخاكم وكفنوه وصلوا عليه قالوا يا رسول الله ~~أنشق أم نلحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللحد لنا والشق لغيرنا # عن سخبرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعطي فشكر وابتلي فصبر ~~وظلم فغفر وظلم فاستغفر ثم سكت فقيل ما له يا رسول الله قال {أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون} فهذا أعلاه وحديث علقمة عن عبد الله أدناه # فوعد الله في تنزيله للمستقيم الأمان من الخوف والحزن والبشرى # PageV04P209 # بالجنة ولمن لم يلبس إيمانه بظلم الأمن والاهتداء فكل إنما ينال من ذلك ~~الوعد بقدر ما فيه من الاستقامة وقلة اللبس فالمؤمن لما آمن تقبل الله ~~إيمانه ودخل في أمانه فله الأمن في الدنيا والآخرة من كل آفة فلما أذنب خرج ~~من أمان الله بقدر ذلك الذنب ونقص من الأمن بقدر ذلك واستحق العقوبة بقدر ~~ذلك وهو أن يزول نعمة من نعمه عنه بقدر ذلك وإن شاء تفضل وعفا ms695 وإن عاقب ~~زالت عنه من النعم بقدر ذلك وذلك قوله تعالى {ذلك بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} # فالنعمة اسم جامع جملة لهذا الآدمي في بدنه ودينه ودنياه فلو لم يذنب لم ~~يأخذ منه شيئا وكان على هيئته وإنما جاءت الأمراض والنوائب والأحوال ~~المتغايرة لمكان الخطايا والذنوب غيروا فغير الله ما بهم وعفى عن كثير وقال ~~الله تعالى في تنزيله {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير} # فالاعتبار في هذا الأمر بقصة أبينا آدم عليه السلام فإن الله تعالى خلقه ~~بيده وأسجد له ملائكته وبوأه مع زوجته وعهد إليه عهدا أن هذا الذي أبى أن ~~يسجد لك هو عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى وعرض الأمانة على ~~السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها فنظر آدم إلى إباد هؤلاء فأخذته ~~الغيرة وهاج منه الحب لله فاحتملها وتقلدها فبقيت قلادة في عنقه فقيل له ~~هذه الجنة مسكنك فانظر أن لا يخرجك وزوجتك هذا العدو من هذا المسكن بأن ~~يغرك حتى تحدث فيه حدثا يكون خيانة للأمانة وقيل له إن لك فيها أي في الجنة ~~أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى وهذه الأربع قوام ~~الآدمي ومعاشه يعرفه أنك إن أحدثت أخرجت منها فإذا أخرجت # PageV04P210 # شقيت أي صرت بمعزل من النعيم ولحقتك الشدة والتعب والنصب في هذه المعيشة ~~فتحتاج إلى أن تتكلف لجوعك طعاما ولعريك لباسا ولظمأك ماء ولضحاك وهو حر ~~الشمس مسكنا وكنا فلما أحدث أخرج منها وألقي عليه هذا الذي حذر من الشقاء ~~دون حواء فقيل تشقى ولم يقل تشقيان ومن ههنا علمنا أن نفقة المرأة على ~~الزوج فبقي ولده في هذا الشقاء إلى انقضاء الدنيا فكل من كان من ولده أحفظ ~~لهذه الأمانة كان أوفر حظا من أمان الله في الدنيا والآخرة لأنه إنما قبل ~~الله منه إيمانه بقبوله للأمانة # فأوفرهم حظا من وفاء الإيمان وحفظ الأمانة أوفرهم حظا من قبوله وإذا قبله ms696 ~~فهو في أمانة في الدنيا والآخرة وذلك قوله تعالى {إن الله يدافع عن الذين ~~آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور} # وكان داود عليه السلام يقول في دعائه اللهم دافع عني من كل جانب وكان ~~يسأل الدفاع # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنه أن يقول أعوذ بك من كذا وبذلك ~~أمر في تنزيله وهو قوله تعالى {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك ~~رب أن يحضرون} وعليه أنزلت المعوذتان فالدفاع سؤال من بعد في الفرقة ~~والتعوذ تعلق به في القربة من القربة # PageV04P211 ### | - الأصل التاسع والثمانون والمائتان ### | في تمثيل الحرص والسرف بالذئبين # عن كعب بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والسرف لدينه # قال أبو عبد الله رضي الله عنه وضع الله الحرص في الآدمي ثم ذمه في ~~المؤمنين بزمام التوحيد واليقين وقطع علائق الحرص بنور السبحات فمن كان حظه ~~من نور اليقين ونور السبحات أوفر كان وثاق حرصه أوثق والحرص محتاج إليه ~~الآدمي ولكن بقدر معلوم فإذا لم يكن لحرصه وثاق تعدى القدر الذي يحتاج إليه ~~فأفسد قال له قائل وما حاجة الآدمي إليه قال إن الحرص مدد القوة الموضوعة ~~في الآدمي ومثيرها وهي نار تتقد وأصلها من نور الحياة وبقدر ما تتلظى نار # PageV04P212 # الحرص يظهر لهبها في الجوارح فإذا استعمل تلك الجارحة استعملها باستفزاز ~~وخفة وإذا سكن الحرص فترت القوة فبالحرص يقوى على تعب الأركان في أعمال ~~البر وبالحرص يصابر على طاعة الله تعالى وبالحرص يسمو إلى معالي الدرجات ~~ومن شأن الحرص الترقي في الدرجات وطلب الازدياد من كل شيء يناله من الدنيا ~~والآخرة وكذلك قيل في الحديث ما أعطي العبد شيئا من الدنيا إلا زيد مثليه ~~في الحرص والحرص والصرح مشتق بعضه من بعض فالصرح البناء العالي المشرف ~~الناتئ على البنيان وهو قوله تعالى {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ ~~الأسباب} ms697 فهذا في الظاهر صرح وذاك في الباطن سمي حرصا لأنه به يطلب ~~الازدياد ويترقى في درجات المزيد علوا # ثم إذا نظر إلى من دونه اعتراه العجب وضال به على الخلق واستطال فرمى به ~~من ذلك العلو فلا يبقى له عضو إلا انكسر فأعطي الآدمي الحرص ليتقوى به على ~~الازدياد من أعمال البر وأمر أن يكون حرصه مزموما بزمام الخوف والخشية ~~مشحونا بأثقال السكينة والوقار ليكون معصوما من الإعجاب وترك الأدب في ~~الدين # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة حيث دخل المسجد ~~والناس ركوع فركع ومشى في ركوعه حتى وصل إلى الصف فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زادك الله حرصا ولا تعد # وكان قد تقدم إليهم فقال إذا أتيتم الصلاة فأتوها بالسكينة والوقار فما ~~أدركتم فصلوا وما فاتكم فأقضوا # وقال في حديث آخر التأني من الله والعجلة من الشيطان # PageV04P213 # عن الحسن رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من استعجل ~~أخطأ # فالعجلة من الخفة والخفة من هيجان الحرص يزيل السكينة والوقار فهذا صاحب ~~الدين # وأما صاحب الدنيا فحرصه يحمله على طلب الازدياد طالبا لعلو الدرجات وقال ~~الله تعالى {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا} # فزجر عن طلب العلو في درجات الدنيا وحرم طالبه الدار الآخرة وهي الجنة ~~لأن الدنيا مقدرة مقسومة لن ينال عبد منها إلا ما قدر له وهي درجات بعضها ~~فوق بعض ليبلونا فيما آتانا قال تعالى في تنزيله وهو الذي جعلكم خلائف ~~الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم وقال {وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها} ثم قال {كل في كتاب ~~مبين} # وإنما ضمن بيان مقداره لتسكن النفوس إلى ما قدر ويتفرغ القلب لما خلق له ~~من العبودة وإذا هاج الحرص وقع في الكبائر حتى يصير إلى عبادة الأوثان ~~فإنهم عبدوا الأوثان بأهواء النفوس كلما زين الشيطان في قلوبهم شجرا أو ~~حجرا ms698 نصبوه وثنا فعبدوه وحرصوا على ذلك وابتدروه قال الله تعالى {كأنهم إلى ~~نصب يوفضون} والوفض السرعة في المشي # PageV04P214 # ولم يزل شأن الله مع الأنبياء أن ينزع إرادتهم ومشيئآتهم ليقفوا على ~~مراقبة مشيئته حتى استقاموا فرضي الله عنهم بموافقتهم إياه وتخليتهم عن ~~الجبرية فإن الجبار واحد قهار فليس للعبيد أن يتجبروا فيضاهئون الله وإنما ~~سمي الجبار جبارا لأنه مستبد بكبره يجبر الخلق على مشيئته فالجبار مضاد لله ~~مضاد لحكمه قال الله تعالى يا داود تريد وأريد ويكون ما أريد فإن أردت ما ~~أريد كفيتك ما تريد وإن أردت غير ما أريد عنيتك فيما تريد ويكون ما أريد # ولم يزل يهذب نبينا صلى الله عليه وسلم عن التحارص في الدين حتى يكون ~~بمقدار ومقداره أن يراقب أمر الله وما يبدو له من مشيئآته في كل أمر فيطمئن ~~إليه حتى استقام فأثنى عليه فقال {وإنك لعلى خلق عظيم} فسئلت عائشة رضي ~~الله عنها عن خلقه فقالت كان يرضى برضاه ويسخط بسخطه أي برضاء الله وسخطه ~~كأنه لم يبق له مشيئته # وبلغ من استقامته أنه فيما روي حين كان يقبض جاءه جبرائيل عليه السلام ~~فقال إن ربك يخيرك بين لقائه وبين الخلد فقال لا أختار حتى يختار لي ربي # فهذا غاية رفض المشيئة لم يحمله الشوق إلى ربه على اختيار اللقاء ولم ~~يحمله الكون بين الأمة في خالص العبودة ولذة الطاعات وتربية الأمة اختيار ~~الكون بين ظهرانيهم فألقى الاختيار إلى ربه فرفع جبرائيل عليه السلام إليه ~~وقد كان لملك الموت لا تنزعن محمدا حتى آتيك فرجع وملك الموت ينتظره فقال ~~يا محمد إن الله اختار لك لقاءه فقال تقدم يا ملك الموت فما زال يقول لقاء ~~ربي لقاء ربي حتى خرجت نفسه وكذلك فعل حيث خير بين أن يكون عبدا نبيا أو ~~ملكا # PageV04P215 # نبيا فلم يختره حتى أشار إليه جبرائيل صلوات الله عليه وقد صار جبرائيل ~~كهيئة الحلس الملقى ميتا من الفرق فأشار إليه بيده أن تواضع فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms699 نبيا عبدا فقيل له إن لك بما تواضعت أنك أول من تنشق ~~عنه الأرض وأول خطيب وأول شفيع ولواء الحمد بيدك ومفاتيح الكرم بيدك وتوقف ~~جبرائيل فلم يختر له حتى ينظر ما يتجلى له من ربه من ملكه فلما تجلى له ما ~~تجلى صار كالميت من الفرق فذاك ملك الجلال واستدل بذلك جبرائيل عليه السلام ~~في ذلك الوقت أنه اختار له التواضع فجاء جبرائيل بما جاء وأشار له بالتواضع ~~ولو أراد أن يختار له أن يكون نبيا ملكا لكان عسى أن يتجلى له ملك الجمال ~~والبهجة فكان ينبسط جبرائيل عليه السلام ويأنس بما يتجلى له فيستدل به على ~~ما يختار له ربه فهذا شأن النبي عليه السلام # وإذا كان الحرص في الدين يضر فكيف بمن حرص على دنيا دنية يطلب بها العلو ~~على الخلق فمن فعل ذلك في دينه سمي جاهلا كما قال له {فلا تكونن من ~~الجاهلين} ويكون قد عميت بصيرته قال الله تعالى {فإنها لا تعمى الأبصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} فعمي قلبه في ظلمات المعاصي جمعا من غير ~~حق ومنعا من حق وإنفاقا من غير حق # قال الله تعالى {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} # وقال عليه السلام حبك الشيء يعمي ويصم # PageV04P216 # إنما حرص على جمعه لحبه إياه فأعماه وأصمه عن أمر الله فيه وعن حقوقه فيه ~~وعن حدوده فيه وألهاه تكاثره به عن ذكر الموت حتى زار المقابر أصم أعمى قد ~~لحقته حقوق المال كالزنابير تلسعه وكالعقارب تلدغه وكالحيات تنهشه قال الله ~~تعالى ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر ~~لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي جمع من غير حله ومنع ~~الحقوق منه تمثل له ماله حية يطوق بها عنقه فتقض قضا بأسنانها شؤن رأسه ~~بأكل دماغه ثم يعود كما كان ثم يفعل به مثل ذلك فما زال هذا حاله في الموقف ~~حتى يقضي الله بين ms700 العباد ثم مصيره إلى ما شاء الله من النار أو غيرها # فالحرص في الدين يطمس العلم ويكون صاحبه جاهلا إن خرج الحرص من الوثاق ~~فإذا كان في وثاق انتفع به صاحبه لأن الله تعالى وضعه في الآدمي ليكون عونا ~~له وقوة على ما يحتاج إليه في الدين والدنيا وإذا كان الحرص مفقودا أداه ~~إلى العجز والكسل في أمر الله تعالى وفي عبودته فالحرص على الدنيا إذا كان ~~في وثاق يقفه على القناعة بما قسم الله له من دنياه فكلما أتاه شيء منها من ~~حله من غير طمع ولا إشراف نفس قبله من ربه وحمده عليه وقنع به والحرص في ~~دينه إذا كان في وثاق يقفه على حدود مراقبة المشيئة وتدبير الله # PageV04P217 # وروي لنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعث إليه بهدية كأنه امتنع من قبولها فقال له يا عمر ما آتاك الله من هذا ~~المال من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه فإنما هو رزق ساقه الله إليك # فمن أدبه الله وهذبه كان حرصه على ما وصفنا # PageV04P218 ### | - الأصل التسعون والمائتان ### | في أن مراتب الشهداء سبع أو ثمان # عن جابر بن عتيك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ~~ثابت فوجده قد غلب عليه فصاح به فلم يجبه فاسترجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتيك ~~يسكتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية # قالوا وما الوجوب يا رسول الله # قال إذا مات # قالت ابنته والله إني كنت لأرجو أن تكون شهيدا فإنك قد كنت قضيت جهادك # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته ثم ~~قال ما تعدون الشهادة فيكم # قالوا القتل في سبيل الله # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله ~~المطعون شهيد والغريق ms701 شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد # PageV04P219 # وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيد # قال أبو عبد الله فالشهادة لها مرتبة عظيمة عند الله والصدق أعظم مرتبة ~~وقد ذكر الله في تنزيله الصنفين فقدم الصدق على الشهادة فقال {ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين} # فبدأ بالأول فالأول ذكرالنبوة ثم الصدق ثم الشهادة ثم الصلاح فالصديق صدق ~~الله في بذل نفسه له في جميع عمره والشهيد صدق الله في بذل نفسه له في وقت ~~الوفاة وإنما نال الكرامة كل هؤلاء الأصناف ببذل النفس ومن بذل نفسه لله ~~تعالى فقد آثر الله على نفسه وذلك أن الله تعالى وضع للعبد في هذا القالب ~~أعني الجسد روحا به حيى وبالنفس التي في جوفه وهي الأمارة بالسوء المحبة ~~للحياة في الدنيا فعظم الآدمي هذه الحياة ههنا ليلتذ بالأشياء بقوتها وعظم ~~الله الحياة في الدار الآخرة وقال تعالى في تنزيله {وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان لو كانوا يعلمون} # فالحيوان في الجنة والحياة في الدنيا وكل شيء على قالب فعلان فهو أكثر من ~~قالب فعيل وفاعل كقوله الرحمن والرحيم والعريان والعاري # PageV04P220 # وحسان وحسن وندمان ونديم فالعريان هو المتجرد عن الثوب والعاري الذي أخلق ~~ثيابه وبلي قال النابغة # (أتيتك عاريا خلقا ثيابي ... على خوف يظن بي الظنون) # فالحياة العظمى هي حياة الحي الذي لا يموت فمن حيى قلبه بالله سعد ~~وللحياة بين العباد درجات فالكافر ميت القلب حي الجسد بحياة الروح فيه ~~وحياة النفس الأمارة بالسوء والمؤمن حي القلب حي الجسد فحياة قلبه بالله ~~وحياة جسده بالروح والنفس فنال بتلك الحياة التوحيد ثم لم يزل يعمل الطاعات ~~يتقرب بها إلى ربه فكلما ازداد قربا زاده الله حياة قلب به وكلما ازداد من ~~الله قربه ازداد حياة حتى ينال درجة الشهادة فيبذل نفسه لله ويؤثر الله على ~~نفسه عند كل أمر لأن المؤمن ممتحن بالشهوات فإذا عارضته شهوة آثر الله على ~~تلك الشهوة فرفضها ms702 ولم يذق نفسه طعمها عادى نفسه في ذات الله فهذا عبد قد ~~أراد الله ورفض نفسه فحق على الله أن يريده ويؤثره وإن للشهوة حلاوة ولذة ~~ولوجود الله بالقلب لذة وحلاوة ووجوده أن يتراءى لفؤاده نور من أنوار فيهيج ~~من قلبه حبه له وشوقه إلى لقائه فكلما كان ذلك النور أعلى كان هيجان القلب ~~وفوران الشوق وسلطان الحب أقوى وأشد فمن عارضته شهوة من شهوات الدنيا فأعطى ~~نفسه حلاوتها ولذتها فقد آثر نفسه على الله تعالى فهو محجوب عن الله بقدر ~~ما آثر لأن قلبه قد صار والها عن الله بتلك الشهوة فبقدر ما صار وصار ولهه ~~إلى الشهوة نقص ولهه الذي يوله إلى الله وبقدر ذلك نقص من نور كلمة لا إله ~~إلا الله فإن نور كلمة لا إله إلا الله أثقل في الميزان من سبع سموات وسبع ~~أرضين وجميع ما فيهما من الخلق # وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال قال موسى عليه السلام ~~يا رب دلني على عمل أعمله # قال يا موسى قل لا إله إلا الله # PageV04P221 # قال يا رب دلني على عمل أعمله قال يا موسى قل لا إله إلا الله قال يا رب ~~دلني على عمل قال فأراد نبي الله أن يعمل عملا ينهك منه بدنه فقال يا موسى ~~إن السموات والأرضين ومن فيهما من الخلق لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا ~~الله في كفة لرجحت بهن # عن محمد بن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمسى في ~~الأنصار بقباء عشية خميس وأمسى صائما فأتاه أوس بن خولة الأنصاري لما أمسى ~~بقدح فذاقه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شرابك فقال ماء وعسل ~~أو لبن وعسل قال فوضعه وقال أما إني لا أحرمه ولكن أتركه تواضعا لله تعالى ~~فإنه من تواضع لله رفعه الله ومن اقتصد أغناه الله ومن بذر أفقره الله # فهذا يحقق لك ما قلنا بدءا أن من آثر الله ms703 على شهوة فقد بذل نفسه لله ومن ~~آثر الشهوة لقي ما لقي الخضر عليه السلام حيث عوتب على فعله وإنما يعاتب ~~الأحباب والخواص من العباد والأباعد لا يعاتبون ولا يبتغي منهم ذلك # روي عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال بينما الخضر عليه السلام قاعد على ~~شط البحر إذا أتاه سائل فوقف عليه فقال له أيها القاعد أسألك بوجه الله أن ~~تعطف علي بخير فغشي على الخضر عليه # PageV04P222 # السلام ساعة من مقالة السائل بوجه الله فأفاق ثم قال أيها السائل سألتني ~~بوجه الله لا أدري ما أكافئك به وليس من الأشياء أكرم علي شيء من نفسي فقد ~~بذلتك نفسي بعزة وجه الله فدونك فبعها وانتفع بثمنها # فذهب به السائل فعرضه على البيع فباعه من رجل غني يقال له ساحم بن أرقم ~~فذهب به إلى منزله وله بستان صغير في داره بجنبها جبل كبير فدفع المسحاة ~~إليه وأمره أن ينحت شيئا من ذلك الجبل الذي في البستان قدر ما يغرس فيه ~~شيئا وغاب ساحم إلى حاجته وأقبل الخضر على النحت من ذلك الجبل فأبطأ مولاه ~~في حاجته فجاء إلى بيته ممسيا فقال لمن في البيت أطعمتم هذا الغلام قالوا ~~أيما غلام قال الذي اشتريته اليوم وجعلته في البستان قالوا لا علم لنا به ~~فاسترجع وأخذ الطعام ودخل عليه فإذا هو فرغ من ذلك الجبل وهذه وذلك الجبل ~~فرسخ في فرسخ قد سوى في ذلك البستان وأصلحه وفرغ منه وقام إلى الصلاة فنظر ~~ساحم إلى أمر عظيم وفرغ من ذلك فتعجب وكاد يغشى عليه فدنا منه فقال له من ~~أنت قال أنا عبدك قال نعم فما قصتك وما جنسك وممن أنت قال أما القصة فعبد ~~بيع وآخر اشترى وأما الجنس فمن آدم عليه السلام وآدم من تراب قال فمن أين ~~لك هذه القوة التي أرى قال من الله قال فأسألك بوجه الله لما صدقتني من أنت ~~فغشي على الخضر وسقط ساعة مغشيا عليه # فلما أفاق قال أنا الخضر المذنب فغشي على ms704 ساحم ساعة علم أنه الخضر فأفاق ~~ثم غشي عليه ثم أفاق وهو يقول سبحان خالق النور أعتقت عبدك ووليك وحبيبك ~~وصفيك خضر لوجهك وأسألك التوبة مما كان من استعمالي إياه فسجد الخضر سجدة ~~وهو يقول يا رب بوجهك بذلت نفسي وبوجهك أقررت بالرق وبوجهك بعت رقبتي ~~وبوجهك رددت إلي نفسي فمن الذي رجاك فخيبته ومن الذي خافك فلم # PageV04P223 # تؤمنه ومن الذي دعاك فلم تجبه يا رب أدعوك دعوة الخاطئين يا رب أعتقني ~~ساحم فمن يعتقني من ذنوبي الموبقة خلصني ساحم من عبودته فمن يخلصني من ~~سيئآتي وذنوبي عند ذي العرش فقال له ساحم أقسمت عليك بعزة الله أن تخبرني ~~بالسبب كيف صرت عبدا وما الذي صير إلى أن بعت نفسك قال الوجه الذي أعتقني ~~له ثم قص عليه القصة # قال وقد عظمت علينا منتك يا ساحم فإن رأيت أن أقيم فأؤدي بعض ما يجب من ~~حقك أقمت وإن أذنت لي بالرجوع بعد إذ أعتقتني فأنت المأجور فيه فقال ساحم ~~فقد أذنت لك يا ولي الله ارجع بسلام واذكرني في دعائك فقال اللهم اغفر ~~لساحم وأرحمه رحمة لا عذاب بعدها قال فنودي قد أجبت يا خضر # قال ومضى خضر حتى أتى البحر فإذا هو برجل قائم على وجه الماء شاخص ببصره ~~إلى السماء وهو يقول يا من أمسك السموات بأمره فلا يسقط بعضها على بعض يا ~~من دحا الأرض وما فيها فأحصى عدد ما فيها من مثاقيل رملها وحصبائها يا من ~~عاقب الخضر بذنبه وابتلاه بالعبودة بذنبه خلصه واجعل توبته مقبولة بوجهك ~~أكرم الوجوه فدنا منه الخضر فقال السلام عليك يا عبد الله من أنت الذي تسأل ~~التوبة للخضر قال أنا الذي آمنت بجلال ربي فاشتغلت بأداء شكر إيماني وإن ~~الخضر لم يزل معصوما حتى رغب في الدنيا وأدخل في قلبه حبها فابتلي فقد ~~رحمته وأخلصت له دعائي فقال له أنا الخضر فقال إليك إليك أيها المذنب لا ~~تخالطني أيها الميال إلى الميالة والذيال إلى الذيالة والمغرور إلى ~~المغرورة أنسيت نعيم ms705 الآخرة فجرك النسيان إلى طلب نعيم الدنيا أو قد نسيت ~~شدة الآخرة وبؤسها فطلبت راحة الدنيا وسرورها أليس الله أبلاك بما ابتلاك ~~عقوبة منه عليك فلو قد نجوت مما قد رأيت لربحت يا خضر الخاطئ تبوأت لنفسك ~~مكانا كأنك تخلد فيها # PageV04P224 # وقد غرست لراحتك ظلا كأنك باق فيها أو ما علمت أن أمكنتها مبدلة وأن ~~أغراسها منقلعة وأن عمرانها مخربة وأن نعيمها زائلة بمن فيها يا خضر الخاطئ ~~أين كان قلبك ساعة غرستها حتى فرغت قلبك لغرسها أين كانت فكرتك عن الآخرة ~~أليس قد خلا قلبك عن ذكر الآخرة بذكر الدنيا ساعة وإن الساعة في ذكر الآخرة ~~لبلاغا للعاقلين يا خضر قد ابتليت بالدعاء لك من عبودة الرحمن # قال وذلك أن الخضر كان له موضع معلوم على بعض شواطئ البحر فإذا خرج الخضر ~~إلى البر عبد الله تعالى فيه # قال فغرس في ذلك الموضع شجرة يعبد الله تعالى في ظل أغصانها إذا اشتهى ~~العبادة فيها استتر بها في عبادته فعلم الله منه حب الدنيا بقدر ما اشتهى ~~من تنزهه بها وإن كان ذلك في طاعته عاقبه الله تعالى بذلك السائل حتى صارت ~~عبادته في عبودة عبد من عباد الله ولم يدر الخضر أنه ابتلي بذنب حتى سمع ما ~~سمع من العابد القائم على ظهر الماء وكان اسمه سادون بن اشى فلما سمع الخضر ~~بذلك خر ساجدا وهو يقول يا رب ما طلبت بذلك إلا وجهك ورضاك فنودي يا خضر ~~آثرت الدنيا على الآخرة وفرغت قلبك لحبها دون حب الآخرة وعزتي ما لي في ~~حبها رضاء ولا أكرم من أحبها ولو كان لي في حبها رضاء لخصصت بها أوليائي ~~ولكن أزويها عنهم لهوانها علي وكرامتهم لدي أذهب فلا مرغب لي فيمن رغب في ~~الدنيا وأمكنها من قلبه فلولا ما أدركك من دعاء سادون لأنزلت عليك بوائقي ~~ولتتابعت عليك عقوباتي # قال وذلك أن سادون طلبه في مكانه الذي كان يسكن فيه أن يراه فلم يره في ~~مقعده ولم يجده فدعا الله أن ms706 يدله على الخضر ويعلمه مكانه وكان يعرف الخضر ~~والخضر لا يعرفه # قال فأري أن الخضر أحب الدنيا وزهرتها وعوقب بعقوبة كذا # PageV04P225 # وكذا فوقف بين يدي الله قائما على الماء شاخصا ببصره إلى السماء وهو يقول ~~يا رب إن أنت أهنت عبدك الخضر بعد كرامته فمن يكرمه يا رب ارتكب عظيما وحمل ~~ثقيلا وخان نفسه ونسي العهد يا من لا ينسى كل ما كان ويكون من أمر عباده ~~أذكر عند ذنوب الخضر ما مننت به عليه من أنواع طاعتك وعظيم عبادته إياك يا ~~من ناصية الخضر بيده يا من ليس له حراك نفس ولا عصمتها ولا طرفة عين إلا ~~بأمرك ومشيئتك وقدرتك يا رب فاغفر له ما قدرت عليه من معصيتك وقدر عليه ~~طاعتك فإنها تذهب معصيتك يا رب فاستجاب الله له وخلص الخضر مما كان ابتلي ~~به من العقوبة # قال فرفع الخضر رأسه وأتى من ساعته سادون وهو يقول يا سادون الممنون علي ~~بمنة الله وجلاله أين عرفتني ولم أعرفك يا أخي فقال له سادون يا خضر إن ~~قلوب أولياء الله زاهرة نائرة لها شعاع كشعاع الشمس تطلع على قلوب أولياء ~~الله ألا ترى إلى الشمس ما أعظم قدرها وأكثر ضوءها فلو غشيتها الظلمة ~~القليلة لأذهبت بأكثر ضوئها وكذلك قلب ولي الله صاف طاهر فلو غشيه حب ~~الدنيا بقدر ذرة لأكدر ضوءها ولأضعف شعاعها فإذا خلص القلب من حب الدنيا ~~تراه ينظر إلى أولياء الله في مظانهم وقد عرفك قلبي فو الله لو كان قلبك ~~للدنيا مثل قلبي لعرفني قلبك كما عرفك قلبي فقال له الخضر يا سادون وكيف ~~قلبك للدنيا # قال بلغ من بغض الدنيا ما لو أن الله تعالى عرض علي الدنيا والجنة لأبيت ~~قبولهما ولست أريد الجنة مع ما أبغضها الله وذلك أني أؤثر رضاء الله على ~~رضائي فإن رضاء الله ترك الدنيا ورضائي دخول الجنة ولو أن الله خيرني بين ~~أن أبقى في الدنيا ونعيمها خالدا مخلدا أبدا لا أموت فيها وبين أن يقبضني ~~ويدخلني النار ms707 الساعة لاخترت أن يقبضني ويدخلني النار الساعة وذلك أني أؤثر ~~سخطي على سخط الله تعالى وأن # PageV04P226 # حب الدنيا سخط الله ودخول النار سخطي أفتجد ذلك في قلبك يا خضر قال لا # قال لو كان ذلك في قلبك لكان يراني قلبك اذهب فليكن أكثر عبادتك بعض ما ~~أبغض الله وهي الدنيا ليس حب الدنيا بجمع أموالها وشهواتها وزهرتها ولكن حب ~~الدنيا أن يشغل قلبك عن حب الآخرة ولو طرفة عين أبغضها بغضا لا يكونن شيء ~~أبغض إليك منها فإنك لا تطيق أن تحب الآخرة إلا على قدر ما تبغض الدنيا ~~فقال يا سادون ادع الله تعالى أن يتوب علي بما ارتكبت فإني استحيي من ربي ~~أن أدعوه فقد حاربته مع عدوه فقال سادون يا رب قدرت على عبدك الذنب فارتكب ~~من الذنب ما ارتكب وما كان أهلا لذلك وهو عدل منك يا رب ثم قدرت له الخلاص ~~من عقوبتك يا رب وألهمته طلب التوبة من ذنوبه يا رب فتب عليه فقد عرف ذنبه ~~توبة مصر غير عائد يا رب إن الخضر سألني أن أدعوك فقد دعوتك مدلا عليك بما ~~وعدتني من حسن إجابتك في أوليائك # فنودي مر الخضر أن يزهد في الدنيا فإذا زهد في الدنيا اشتاق إلي ومن ~~اشتاق إلي اشتقت إليه ولا أشتاق إلى من لا أريد مغفرته ولم أرض عنه فأخبره ~~سادون فزهد بعد ذلك الخضر زهدا لم يزهد أحد مثله وكان سادون رجلا ملاحا ~~فكان ذات ليلة نائما على شط البحر إذ خرجت سمكتان فوقعتا حذاءه فسكت عنهما ~~سادون رجاء أن يخرجا إلى البر فيأخذهما فنادته إحداهما يا سادون أبلغ حبك ~~الدنيا أن تطمع في برها وبحرها والله إنك طمعت أن تصطاد من هو أعبد إلى ~~الله منك فنادتها صاحبتها يا هذه أتمنين على سادون بعبادتك ولم تؤد شكر ~~نعمة أنعمها الله عليك فقلت من أنتما فقالت الأخيرة أما التي نادتك بالكلام ~~الأول منت على الله فمسخها الله الآن فها هي ذي ممسوخة خرساء وأما أنا فمن ms708 ~~جنس السمك الذي كان يونس بن متى عليه # PageV04P227 # السلام في بطنها فقال سادون كيف خصها الله بيونس عليه السلام من بين دواب ~~البحر قالت كانت تعبد الله في البحر بزهدها قال فكيف كان زهدها قالت كانت ~~لا تبرح فإن أوتيت صيدا عفوا أكلته وإلا صبرت فكانت دواب البحر تسميها ~~السمكة الزاهدة فأكرمها الله بنبيه ورسوله عليه السلام إكراما لها بزهدها ~~فزهد سادون في مكانه زهدا وأخلص لله عبادته فقام من ساعته فمر على الماء ~~فلما توسط البحر وقف فلم يزل إلى أن صار إلى الخضر يعبد الله ويدعوه # قال أبو عبد الله فنور هذه الكلمة بلغ هذا المبلغ فإنما بلغ بصدق القائل ~~ولو كان غير الصدق لكان المنافق قد قاله واليهود والنصارى قد قالوها ~~فأصدقهم في المقال أعظمهم نورا والصدق في المقال إنما يظهر من العبد ببذل ~~النفس لله وإيثاره ربه على نفسه في كل مشيئة وإرادة وشهوة فإذا آثر الله ~~فقد صدق الله في إرادته ربه ورفض نفسه فالنبي بفضل نبوته أراد الله إرادة ~~بزيادة الحياة التي في قلبه والصديق هو دون النبي والشهيد دونهما وهو أقل ~~حياة من الصديق والصديق أقل حياة من النبي والصالح أقل حياة من الشهيد ومن ~~حيى بالله نال نور اليقين فهؤلاء الأصناف على درجاتهم على ما وصفنا في ~~الحياة بالله واليقين به فأوفرهم حظا من الحياة واليقين أشدهم شوقا إليه ~~وإرادة له وإيثارا له على شهوات نفسه فالنبي رأس الشهداء ثم الصديق من بعده ~~ثم القتيل في سبيل الله ثم من بعد ذلك من هذه الأصناف التي ذكرها في الحديث ~~وأصناف آخرون مذكورون في غير هذا الحديث وإنما قال في هذا الحديث الشهادة ~~سبع ولم يقل ولا يكون شهيدا من وراء السبع إنما ذكر السبع في ذلك الموطن ثم ~~ذكر بعد ذلك أن الغريب إذ مات فهو شهيد ومن مات مرابطا فهو شهيد ومن خرج في ~~طلب العلم فمات فهو شهيد ومن دام على الطهارة متوضئا فهو شهيد ومن مات في ~~يوم الجمعة ms709 فهو شهيد # PageV04P228 # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم موت ~~الغربة شهادة # عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من مات يوم ~~الجمعة أو ليلة الجمعة وقاه الله فتنة القبر # عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله وزاد ~~فيه وغذي وريح عليه من الجنة أي يرزقه تعالى # فأما تفسير الشهادة فإنه روي في الخبر أن الله تبارك وتعالى اسمه لما خلق ~~الموت فزعت الملائكة منه وعظم شأنه عندهم فقالوا من يقوم لهذا فقال تعالى ~~فيما روي عنه إن لي عبادا يتمنونه حبا للقائي يتجرعون مرارته ويهون ذلك ~~عليهم اشتياقا إلي ويرفضون الحياة الدنيا طالبين لي فعجبت الملائكة من شأن ~~هؤلاء العبيد وحنت إلى رؤيتهم قال فعرضت تلك الأرواح عليهم يومئذ فمن شهد ~~ذلك العرض يومئذ أثبت اسمه وسمي شهيدا أي شهداء العرض وكان من أهل هذه ~~الصفة فإذا خرج الروح منه صار إلى ذلك المعرض وكان من الأحياء المرزوقين ~~فلما صارت تلك الأرواح إلى الأجساد في الدنيا كانت # PageV04P229 # قلوبهم حية بالله على الصفة التي وصفنا بدءا فمنهم الصديقون أولياء الله ~~يتمنون الموت لحب الله قال الله تعالى في تنزيله حين ادعت اليهود ولايته ~~فقال {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} ثم قال {ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم} # ثم هؤلاء الأصناف الذين ذكرهم في الحديث هم في الغيب في ذلك العرض قد ~~اثبتت أسماؤهم في الشهداء لذلك المحل والعرض فوفق الله لهم هذه الأحوال فمن ~~غرق فأخذ الماء بنفسه كانت موتته موتة وحية أي سريعة بلا لبث فبذل نفسه لما ~~أيس من الحياة واختار لقاء الله وكذلك صاحب الحريق وصاحب الهدم والنفساء ~~بجمع إذا نشب الولد في البطن ايست من الحياة وآثرت لقاء الله وكذلك المطعون # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فقال وخز أعدائكم ms710 من الجن ~~فذاك قتيل الجن يائس صاحبه من الحياة فكذلك المبطون وصاحب ذات الجنب وهو ~~صاحب السل قد أيسا من الحياة لأن قوة الحياة قد ذهبت من المبطون والمسلول ~~وقد أحست نفوسهما بالموت وكذلك الغريب إذا أشرف على الموت فلم ير أهله ~~وولده ولا أحبابه تمنى الموت وبذل نفسه لأن هؤلاء إذا كانوا بالحضرة اشتد ~~على النفس فراقهم فأحبوا الحياة ففي هذا نقصان ولذلك تعوذ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال أعوذ بك من حب العيش عند حضرة الموت فإذا أحب أن يعيش ~~في ذلك الوقت الذي دعاه الله إليه فتلكأ وتردد فذاك عيب ونقص فأصحاب الفرش ~~في هذا العيب لا يتمنون الموت إذا حضر لحب العيش # PageV04P230 # وفتنة قلوبهم بالأهل والولد وحطام الدنيا فذاك نقص وعيب # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء أمناء الله قتلوا أو ~~ماتوا على فرشهم # عن راشد بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس كل ~~قتيل شهيدا رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته # فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رأس الشهداء ثم من بعده أبو بكر ~~رضي الله عنه كذلك فإنهم صاروا شهداء بأنهم أمناء الله جعل الله أرواحهم ~~وأجسادهم عارية فيقبضهم عند نفاد آجالهم فكانوا في أيام الحياة يعدونها ~~عارية وكانت أعينهم مادة إلى الدعوة متى يدعون فيستجيبون بلا تلكؤ ولا تردد ~~فمن أحب العيش في الدنيا ولم يكن له حب لقاء الله فحضره الموت تلكأ وتردد ~~في بذل الروح فخرج من أن يكون من أمناء الله تعالى وكذلك وضع فيما بين ~~العباد لو أن رجلا أعطي شيئا عارية أو أودع وديعة ثم استردها صاحبها فتلكأ ~~هذا في ردها على مالكها فقد خان وضيع الأمانة فإنما يؤخذ منه بعد ذلك قهرا # فأمناء الله هم الذين أرواحهم عندهم عارية بأمانة الله فهم يتمنون الموت ~~حبا للقاء الله تعالى فإذا جاءهم الموت تجرعوا مرارته حبا للقائه ولم ~~يتلكأوا في رد العواري فلذلك صاروا ms711 أمناء الله وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هم الشهداء لأنهم كانوا يومئذ شهدوا ذلك العرض واليوم حين خرجت ~~منهم الأرواح صارت إلى المحل فشهدوا القربة فهم شهود عند الله في القربة ~~أحياء # PageV04P231 # فهذا يحقق ما قلنا بدءا فقد صير في حديثه القتيل والذين ماتوا على فرشهم ~~بمنزلة وسماهم شهداء يعلمك أن الشهادة ليست على القتل حدثت إنما اسم ~~الشهادة لزمهم لما وصفنا والكرامة نالوها من أجل أنهم رفضوا الحياة وآثروا ~~لقاء الله وأرادوه فأرادهم وكذلك الذي لا يزال على وضوء أيام الدنيا لأن ~~الله تبارك وتعالى قال {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} أي فعولا للطهر ~~{لنحيي به بلدة ميتا} # فالأرض تحيا بذلك الماء وتنبت والآدمي خلق من الأرض فإذا أذنب مات قلبه ~~عن الله على قدر ذنبه فإذا توضأ كان ذلك الماء الذي أنزله طهورا يطهرجوارحه ~~ويزيل عنه المعاصي فيعود القلب إلى الحياة التي كانت فإذا دام وضوؤه وتتابع ~~كانت حياة قلبه دائمة فإذا دامت حياة قلبه تمنى الموت ولذلك قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حديثه لأنس إن حفظت وصيتي فلا يكون شيء أحب إليك من ~~الموت # عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده ~~الشهداء فقال إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ورب قتيل بين صفين الله أعلم ~~بنيته # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس من ~~أحد إلا وله كرائم من ماله يأبى بهم الذبح فإن لله تعالى خلقا من خلقه يأبى ~~بهم الذبح أقوام يجعل موتهم على فرشهم ويقسم لهم أجور الشهداء # PageV04P232 # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لله أضنن بدم عبده المؤمن من أحدكم بكريمة ماله حتى يقبضه على فرشه # فهذه صفة عبد مؤمن قد اطمأنت نفسه إلى ربه ولها عن الدنيا وأحوال النفس ~~وأناب قلبه إلى ربه وجاد بنفسه على ربه يقبل أحكامه وأقضيته على ms712 نفسه قبول ~~مهتش مشتاق إلى لقاء محب له بكل قلبه فكما جاد بنفسه على ربه ضن به ربه عن ~~أحوال البلاء ولم يدفعه إلى تلك الأحوال فلذلك يأبى به عن القتل في سبيله ~~حتى يقبضه على فرشه فيقسم له أجر الشهداء لأن الشهيد إنما بذل نفسه ساعة من ~~نهار حتى قتل فهذا بذل نفسه في جميع عمره فالله يضن بدمه كما يضن أحدنا ~~بنجيبته فإن النجيبة من كرائم ماله فلا تسخو نفسه أن يذبحها فكذلك ربنا يضن ~~به عن البلاء أن يعرض نفسه للبلاء ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في حديث عن حوشب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله ضنائن # وفي رواية إن لله عبادا يصونهم عن الأمراض والأسقام يحييهم في عافية ~~ويميتهم في عافية فيدخلهم الجنة في عافية قال له قائل فأين قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون قال هذا إذا ~~ابتلاهم فمن ابتلي من الأنبياء فهو أشد الناس بلاء # ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دخلوا عليه وبه حمى ~~قال أبو سعيد رضي الله عنه فما كادت يدي تقار من شدة الحر حين وضعت يدي ~~عليه فقلت له يا رسول الله ما أشد حماك قال إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم ~~وإن أشد الناس بلاء الأنبياء # PageV04P233 # فهذا إذا ابتلي فهو أشد الناس بلاء والذي قلنا باب آخر إنما ذلك في ~~التتابع والتواتر فكثير من الأنبياء تتابعت عليهم وتواترت حتى قتلوا بأنواع ~~القتل وأما الخواص من الأنبياء فقد عوفوا منهم إبراهيم خليل الرحمن عليه ~~السلام إنما ابتلي ببلية من البلوى ثم لم يزل معافا وإسماعيل وإسحاق وموسى ~~وهارون ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين فقد عرضوا للبلاء ثم رفع عنهم ولم ~~يبتلهم فيشملهم البلاء إنما البلاء لمثل أيوب عليه السلام ومثل يحيى بن ~~زكريا عليهما السلام حيث قتل صبرا ولزكرياء عليه السلام حيث نشر بالمنشار ~~في الشجر ومثل جرجيس وأشباهه عليه ms713 السلام # عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن لله ~~ضنائن من خلقه تغذوهم رحمته محياهم في عافية ومماتهم إذا توفاهم الله إلى ~~جنته أولئك الذين تمر عليهم الفتن كمثل قطع الليل المظلم وهم منها في عافية ~~والله أعلم # PageV04P234 ### | - الأصل الحادي والتسعون والمائتان ### | في أن القلب الحقيقي في أثقال العظمة يتحمل بالمزاج # عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول ليس من اللهو إلا ثلاثة تأديب الرجل فرسه وملاعبته امرأته ورميه بقوسه ~~ونبله # وفي رواية عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كل لهو المؤمن باطل إلا ثلاثا فانهن حق رميه بقوسه وتأديبه فرسه ~~وملاعبته امرأته # قال أبو عبد الله رضي الله عنه فاللهو ما يلهي قلب المؤمن عن الله تعالى ~~وهو كله مذموم إلا في هذه الثلاثة الأنواع لأن في هذه الثلاثة # PageV04P235 # عونا على الدين وقواما له يرمي بقوسه لئلا تذهب عادته للرمي ولا يتشنج ~~أعضاؤه ومفاصله وكتفاه ويؤدب فرسه لئلا يجمح ولا يكون مستوليا على النزع ~~منه والفروسية لئلا ينقطع عنه شجاعته ويكون جريئا ذا قلب فإذا ترك ذلك ضعف ~~قلبه وجبن وملاعبته أهله ليسكن ما به وبها وهذا كله وإن كان ملهيا فهو في ~~الأصل حق وإنما رخص للمؤمن في التلهي بهذا لأن قلبه في أثقال العظمة فإذا ~~دام عليه ضاق به والتمس تفرجا وتخفيفا فيلجأ إلى هذه الأشياء التي هي في ~~الأصل حق حتى يكون مزاجا للمؤمن # ألا يرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به فانتهى إلى السدرة ~~وغشيها ما غشيها قال رأيت نورا ثم حال دونه فراش من ذهب وأخذني كالثبات ~~فذاك مزاج له ليتحمل رؤية ذلك النور كأنه لم يقدر على احتمال ذلك النور حتى ~~مازجه بذلك الفراش فأطاق احتماله # كذلك المؤمن البالغ إذا تراكمت على قلبه أثقال العظمة التمس متنفسا ليقوى ~~على احتمالها فصير رسول ms714 الله صلى الله عليه وسلم في حديثه هذا اللهو الملهي ~~لقلبه حقا وتخفيفا عنه فإنما صارت هذه الأشياء ملهية لأن الرجل إذا رمى عن ~~قوسه توخى بقلبه تسديد السهم وإصابته للهدف فهو يجتهد في علم ذلك ووضعه يده ~~حيث وضع ففي ذلك مشغلة تلهي قلبه ولا يخلو من ذلك وفي إصابته حيث وضع شفاء ~~للنفس وقوة للقلب فسمي لهوا لأنه يلهيه وذلك اللهو حق وكذلك تأديبه الفرس ~~حتى لا يحرن ولا يجمح ويفهم شأن العنان ويتعلم السير والوثبان والوقوف ~~والاستدارة وفي ذلك مشغلة تلهيه وذلك حق وكذلك ملاعبته امرأته يريد بذلك ~~تسكينها وعفتها عن الرجال ففي ذلك ما يهيج عليه من الشهوة ويلهيه # ففي هذه الأشياء تفرج وخفة عن أثقال العظمة على قلب المؤمن فيكون مزاجا ~~والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب # PageV04P236 # هذا آخر كتاب نوادر الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم والحمد ~~لله على توفيق إتمامه والصلاة والسلام على نبيه وحبيبه محمد صلى الله تعالى ~~عليه وسلم وعلى آله الطاهرين وأصحابه أجمعين تم PageV04P237 ms715