######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037033 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (المتوفى: نحو 320هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رياضة النفس #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037033 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37033 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37033 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1426 هـ - 2005 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | كتاب الرياضة # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن الترمذي رحمه الله عليه. # الحمد لله رب العالمين، ولي الحمد وأهله. أما بعد، فإن الله تعالى خلق ~~الآدميين لخدمته، وخلق ما سواهم سخرة لهم؛ فقال # تعالى في تنزيله: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا)، ثم قال: (وسخر ~~لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه)، فجعل في كل مسخر ما يحتاج إليه ~~هؤلاء الخدم، وما يرجع نفعه إليهم، وهم كلهم قانتون، يؤدون السخرة إلى ~~هؤلاء الخدم؛ فأظهر خلقهم من القدرة بقوله (كن)، وأظهر خلق هؤلاء الخدم من ~~المحبة بيده؛ فعجن طينته، وصوره بيده؛ ثم جعله ذا أجزاء، كل جزء منه يعمل ~~عملا غير عمل الآخر، ثم نفخ فيه من روحه. وهو روح الحياة، ونفست الطينة، ~~فبدت النفس واستقرت. وتنفست في الجوف: فجعل في ظاهره # PageV01P029 # يدين ذواتي أصابع ومفاصل. يبسط ويقبض؛ ورجلين موشجتين في الوركين، ذواتي ~~ساقين؛ وقدمين يختلف بهما في قطع المسافات؛ وعينين بهما يشتمل على الألوان ~~لذة وجهدا؛ وأذنين بهما يتناول الأصوات لذة وخبرا؛ ولسانا يديره في قبو ~~حنكة إلى شفتيه، ليتلفظ بنغماته من صدره إلى شفتيه، مؤدية تلك النغمات ~~معاني الأمور التي يعقل، وتتردد في صدره صور تلك الأمور، فتصير تلك الصور ~~حروفا مؤلفة، فيبرزها بصوت يسمع به آذان المستمعين له، حتى تصير تلك ~~الأسماع قمعا لهذا الصوت، فيتحول ما في صدر هذا من علم الأمور، إلى صدر ~~المستمع، من طريق فم هذا إلى أذن الآخر، فيكون قد أفرغ ما في صدره من صور ~~الأمور ومعانيها بالحروف والصوت، إلى صدر صاحبه. وجعل له منخرين للنفس ~~والمشام، ومعدة صيرها دار رزقه؛ وباب هذه الدار متصل بالقبو، وبابين في ~~أسفل جسده، أحدهما # مخرج للذرية، والآخر مخرج الفضول والأذى؛ وذلك أن العدو لما غره حتى أكل ~~من حتى أكل الشجرة، وجد السبيل إلى معدته بتلك الأكلة التي أطاعه فيها، ~~فجعله مستقره، فنتن ما في المعدة لرجاسة العدو؛ فمن هاهنا وجب علينا غسل ~~الأطراف ms01 مما يظهر من المعدة من الغائط والبول وريحهما؛ ثم وضع في جوفه بضعة ~~جوفاء سماها قلبا وفؤادا، فما بطن منها فهو القلب، وما ظهر منها فهو فؤاد؛ ~~وإنما سمي قلبا لأنه يتقلب بتقليب الله عز وجل إياه، لأنه بين إصبعين من ~~أصابع الرحمن عز وجل، يقلبه بمشيئاته فيه؛ وسمي فؤادا لأنه غشاء لتلك # PageV01P030 # البضعة الباطنة، ومنه يقال: هذا خبز فئيد، وخبز ملة، لأنها خبزة قد ~~ظاهرها أخرى؛ وجعل له على هذا الفؤاد عينين وأذنين، وبابا في الصدر، وصير ~~القلب بيتا له عينان وأذنان، وبابا في الصدر؛ وجعل الصدر ساحة هذا البيت؛ ~~وجعل إلى جانبه بضعة أخرى سماها كبدا، وجعلها مجمع عروق هذا الجسد كله، ~~ومنه ينقسم ما يخرج من المعدة من قوة الطعام الذي طحنته المعدة، حتى صار ~~دما طريا، فجرى في جميع العروق؛ وألصق بأسفله بضعة أخرى، فسماها طحالا، ~~وإلى جانب الأخرى سماها رئة، ومسكن النفس فيها، ومنها تتنفس النفس لحياتها ~~التي فيها، فتخرج الأنفاس إلى الفم وبالمنخرين؛ ثم وضع بين القلب والرئة ~~وعاء رقيقا، فيه ريح هفافة، تجري في العروق مجرى الدم، وأصل تلك الريح من ~~باب النار، مخلوقة من نار جهنم، لم يصل إليها سلطان الله وغضبه، فتسود كما ~~اسودت جهنم، بل هي نار مضيئة حفت النار بها؛ موضوع في هذه النار الفرح ~~والزينة، وسماها شهوة؛ وإنما سميت شهوة لاهتشاش النفس إليها، يقال، أهتشت ~~واشتهت؛ الاهتشاش في الظاهر، والاشتهاء في الباطن، وكلاهما في الحروف عددها ~~سواء، إلا أنه قدم الهاء هاهنا وأخر هناك، ليكون فرقا بين النوعين. فالنفس ~~إذا هبت تلك الريح من ذلك الوعاء لعارض ذكر شيء، أحست النفس بذلك، فالتهبت ~~نار # الحرارة بتلك الريح، والنفس مسكنها في الرئة، ثم هي منفشة في جميع الجسد، ~~والروح مسكنه في الرأس إلى أصل الأذنين، ومعقلها في الوتين، وهي منفشة في ~~جميع الجسد، والروح فيه حياة، والنفس فيها حياة، فهما يعملان في جميع الجسد ~~لحياتهما، # PageV01P031 # حتى تتحرك الجوارح في جميع الجسد في الظاهر والباطن بالحياتين اللتين ~~وضعتا فيهما، والروح ms02 نور فيه روح الحياة، والنفس ريح كدرة جنسها أرضية روح ~~الحياة. ووضع الرحمة في الكبد، الرأفة في الطحال، والمكر في الكليتين، وعلم ~~الأشياء في الصدر، وجعل مستقر الذهن في الصدر، ثم هو متفش في البدن كله، ~~والذهن يقبل العلم جملة، وقرينه الحفظ، وجعل في ناصيته الفهم، وجعل له ~~طريقا إلى عين الفؤاد، فالحفظ مستودع العلم، فإذا أحتاج الفؤاد إلى شيء لحظ ~~إلى الحفظ، فأبرز له علم ذلك الشيء المستودع الذي قد تعلمه. وجعل ماء ~~الذرية في صلبه، فمنه ماء أخذ عليه الميثاق يوم أخرجهم من الظهور، فعرضهم ~~على آدم صلى الله عليه وسلم، ومنه ماء لم يؤخذ عليه الميثاق، وجعل مجراه من ~~صلبه إلى نفسه. ووضع الفرح في قلبه، وجعل مجراه إلى صلبه، لتتأدى حرارة ذلك ~~الفرح إلى الصلب، فتذيب ماء الصلب، فبقوة هذا الفرح يخرج ذلك الماء، فيدفق ~~به، وإنما صار دفقا لقوة الفرح، وهبوب رياحها، وضيق المخرج، فإذا افتقد ~~الإنسان الفرح عجز عن الدفق. فهذه لعامة الآدميين. ثم خص المؤمنين بنور ~~العقل، فجعل مسكنه في الدماغ، وجعل له بابا من دماغه إلى صدره، ليشرق شعاعه ~~بين عيني الفؤاد، ليدبر الفؤاد بذلك النور الأمور، فيميز بين الأمور ما حسن ~~منها وما قبح، ووضع نور التوحيد في باطن هذه البضعة، وهي القلب، وفيه نور ~~الحياة فحيي القلب بالله تبارك وتعالى، وفتح عيني الفؤاد، فأشرق نور ~~التوحيد إلى الصدر من باب القلب، فأبصر عينا الفؤاد بنور الحياة التي فيهما ~~نور التوحيد، فوحد الله عز وجل، وعرفه، وميز العقل تلك العلوم التي # أعطى الذهن في صدره جملة، فيصيرها شعبا شعبا، فصارت معرفة حين انشعبت، ~~فهذا عمل العقل في الصدر. # PageV01P032 # والهوي أصله من نفس النار، فإذا خرج ذلك النفس من النار، احتمل من ذلك ~~الحفوف من الشهوات بباب النار فيها الزينة والأفراح، فأورد على النفس. فإذا ~~نالت النفس ذلك الفرح والزينة، هاجت بما فيها من الفرح والزينة الموضوعة ~~إلى جانبها في ذلك الوعاء، وهي ريح حارة، فدبت في العروق، فامتلأت العروق ~~منها في ms03 أسرع من الطرفة، والعروق مشتملة على جميع الجسد، من القرن إلى ~~القدم، فإذا دبت في العروق، ولذت النفس دبيبها وانفشاشها في الجسد، وامتلأت ~~النفس لذة، وهشت إلى ذلك الشيء، فتلك شهوتها ولذتها، فإذا تمكنت النفس بتلك ~~الشهوة واللذة من جميع الجسد، فصارت تلك الشهوة نهمة على القلب، والنهمة ~~غلبة الشهوة وغليانها، فإذا غلت الشهوة غلبت على القلب، فيصير القلب ~~منهوما، وهو أن تقهر القلب حتى تمتهنه، فتستعمله بذلك، فيصير سلطان الهوى ~~والشهوة مع النفس ومسكنها في البطن، وسلطان المعرفة والعقل والعلم والفهم ~~والحفظ والذهن في الصدر، وجعل المعرفة في القلب، والفهم في الفؤاد، والعقل ~~في الدماغ، والحفظ قرينة، وجعل للشهوة بابا من مستقره إلى الصدر، يفور دخان ~~تلك الشهوات التي جاء بها الهوى، حتى يتأدي ذلك إلى الصدر، فيحفظ، فيحيط ~~بفؤاده، وتبقى عينا الفؤاد في ذلك الدخان، وذلك الدخان اسمه الحمق، قد حال ~~بين عيني الفؤاد وبين النظر إلى نور العقل ماذا يدبر له؛ وكذلك الغضب إذا ~~فار، فهو كالغيم يقف بين عيني الفؤاد حتى يصير العقل منكمنا، لأن العقل ~~مستقره في الدماغ، وشعاعه مشرق إلى الصدر، فإذا خرج ذلك الغيم (غيم الغضب) ~~من الرئة إلى الصدر، امتلأ الصدر منه، وبقيت عينا الفؤاد في ذلك الغيم، # PageV01P033 # لأن شعاع العقل قد انقطع، وحال الغيم بينه وبين الفؤاد، فصار الفؤاد من ~~الكافر في ظلمة الكفر، وهي # الغلفة التي ذكرها الله تعالى في التنزيل: (وقالوا قلوبنا غلف) وقال ~~تعالى: (بل قلوبهم في غمرة من هذا). وصار الفؤاد من المؤمن في دخان الشهوات ~~وغيوم الكبر، فذلك غفلة. # ومن الكبر أصل الغضب والكبر في النفس لما أحست بما ولي الله تعالى من ~~خلقها، فيبقى ذلك الكبر فيها. فهذه صفة ظاهر الآدمي وباطنه. فوقعت الجباية ~~من الله تعالى والخبرة على هذا الموحد، من كل ألف واحد، وبقى تسع مئة وتسعة ~~وتسعون، رفع البال عنهم، وجعل باله لواحد من كل ألف من الآدميين، فقسم ~~الحظوظ يوم المقادير بالبال، ورفض من لم يبال به، فخابوا عن الحظوظ، فلما ms04 ~~إستخرجهم ذرية من الأصلاب استنطقهم، فاعترف له أهل الحظوظ من باله، طوعا ~~لقوله عز وجل حين قال: (ألست بربكم). واعترف من خاب عن الحظوظ، ومن لم ينل ~~من باله بقوله: (بلى) كرها؛ فذلك قوله عز وجل: (وله أسلم من في السموات ~~والأرض طوعا وكرها)، فيصيرهم فريقين: عن اليمين وعن الشمال، ثم قال تعالى: ~~هؤلاء في الجنة ولا أبالي، أي لا أبالي بمغفرتي أن تنالهم؛ وهؤلاء في النار ~~ولا أبالي، أي ولا أبالي بهؤلاء إلى أين يصيرون؛ ثم ردهم إلى صلب آدم عليه ~~السلام، فيخرجهم في أيام الدنيا للأعمال وإقامة الحجة، فكل من وقعت عليه ~~جبايته واختياره له، وصبغ قلبه، أي غمس قلبه في ماء الرحمة حتى طهر به، وهو ~~قوله عز وجل (صبغه الله ومن أحسن من الله صبغة) ثم أحياه بنور الحياة، وقد ~~كان قبل ذلك بضعة من لحم جوفاء، فلما أحياه بنور الحياة وفتح عينيه اللتين ~~على الفؤاد، ثم هداه بنوره، وهو # PageV01P034 # نور التوحيد ونور العقل؛ فلما أشرق في صدره، واستقر الفؤاد وهو القلب إلى ~~ذلك النور، فعرف ربه عز وجل بذلك، فذلك قوله عز وجل: (أو من كان ميتا ~~فأحييناه)، أي بنور الحياة، ثم قال تعالى: (وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس)، أي نور التوحيد يمشي من ذلك النور في الناس، ثم # أوله قلبه بذلك النور إليه، حتى اطمأنت النفس وسكنت إلى أنه وحده لا إله ~~غيره، فعندها نطق اللسان عن طمأنينة النفس وموافقتها للقلب بلا إله إلا ~~الله، وذلك قوله عز وجل: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) وهو قوله عز ~~وجل: (يا أيتها النفس المطمئنة)، فلما اطمأنت النفس حين رأت تلك الزينة ~~التي زين العقل بين عيني الفؤاد توحيد الرب عز وجل، وجدت حلاوة الله تعالى، ~~التي وردت على القلب مع نور التوحيد، فلما رأت تلك الزينة وجدت حلاوة الحب ~~الذي في نور التوحيد، فعندها اطمأنت وسكنت إلى توحيده، فشهدت بلا إله إلا ~~الله، وذلك قوله عز وجل: (حبب إليكم الإيمان وزينة ms05 في قلوبكم). فلما نالت ~~تلك النفس الزينة كرهت الكفر والفسوق والعصيان، فالمؤمن إذا أذنب فإنما ~~يعصى بالشهوة والنهمة وهو كاره للفسوق والعصيان، ومع الكراهية يفسق ويعصي ~~بغفلة، ولا يقصد الفسق والعصيان كما قصد إبليس، فتلك الكراهية موجودة فيه، ~~والشهوة غالبة عليه، والكراهية من أجل التوحيد الذي فيه، إلا أن القلب ~~مقهور بما فيه، والعقل منكمن، والصدر ممتلئ من دخان تلك الشهوة، والنفس بما ~~أوردت قاهرة للقلب، لأن العقل قد غاب، والمعرفة قد انفردت، والذهن قد تبدد، ~~والحفظ مع العقل منكمن في الدماغ، والنفس قد قامت على ذنبها، بما وجدت من ~~القوة في تلك الشهوة، والعدو يزين ويرجى ويمني المغفرة، ويدل على التوبة، ~~حتى يجرئه قلبا ويشجعه. # PageV01P035 # فلما كان العبد بهذه الصفة، أمر بالمجاهدة، فقال عز وجل: (وجاهدوا في ~~الله حق جهاده). ثم لما علم المجاهدة تشتد وتصلب على العباد، أخبرهم عن ~~منته وحسن صنيعه، وبره ولطفه بهم فقال عز وجل: (وهو اجتباكم، وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج)، يعلمهم أنه لو لم يجتبهم، ولم يوقع اختياره عليهم، وما ~~كانوا ينالون نور الرحمة ونور المعرفة، وكانوا أسارى في يد العدو، وحطبا ~~للنار، فأخبرهم أنه # اجتباهم، ثم قال عز وجل: (ما جعل عليكم في الدين من حرج). يعلمهم أنى حين ~~ألزمت جوارحكم أمري ونهي، لم أضيق عليكم حتى تحرجوا، بل أبحت لكم، ووسعت ~~عليكم مالا يضيق عليكم، حتى تفزعوا إلى الحرام، ولم أحملكم فرائضي حملا ~~تعجزون عنه، ووسعت لكم في كل فريضة ما لم يضيق عليكم، وكل شهوة منعتكم ~~عنها، أطلقت لكم من بعضها، فوضعت على كل جارحة من هذه السبع حدا، ووكلتكم ~~بخفظها. والجوارح السبع هي اللسان، والسمع، والبصر، واليدان، والرجلان، ~~والبطن، والفرج، وجعلت مستقر هذه الشهوة في البطن، فإن اشتهى الكلام خرج ~~سلطان تلك الشهوة إلى الصدور إلى القلب، والقلب أمير على هذه الجوارح، فإذا ~~غلب سلطان الشهوة وحلاوتها ولذتها على القلب، # PageV01P036 # وانكمن سلطان المعرفة وحلاوتها ولذتها في القلب، وسلطان العقل وزينته ~~وبهجته في الدماغ، تحير الذهن عن التدبير، ms06 وخمد نور العلم في الصدر، فظهرت ~~المعصية على الجوارح؛ وإذا غلب سلطان المعرفة ولذتها وحلاوتها، وسلطان ~~العقل وزينته وبهجته، احتد الذهن، واستنار العلم، وانتشر وأشرق، وقوى ~~القلب، فقام منتصبا متوجها بعين فؤاده إلى الله تعالى، وجاء المدد والعطاء، ~~وظهرت العزيمة على ترك المعصية العارضة فإذا ظهرت العزيمة وجد القلب قوة ~~على زجر النفس، ورفض ما عزمت عليه، فانقمعت النفس وذابت، وسكن غليان ~~الشهوة، وماتت اللذة، وسكنت العروق، ودست صورة تلك المعصية عن الصدر، وتخلص ~~العبد، فأمر بالمجاهدة إذا عرض ذكر شيء على الصدر، وقد حرم الله عز وجل ذلك ~~الشيء عليه، وذلك أنه لما عرض الذكر اهتاجت النفس لما هاجها الهوى، وأورد ~~العدو زينة التي وضعت بين يديه، وجعل له السبيل إلى صدره ليزين، وتلك ~~الزينة هي الفرح الذي وصفنا أنه بباب النار، فأصله الفرح، وحشوه الزينة، ~~وكلاهما من النار خلقا، سميت شهوة لإهتشاش النفس، وهو قول رسول الله صلى ~~الله علية # وسلم: (حفت النار بالشهوات)، ولذلك قال عمر رضي الله عنه في خطبته: (إن ~~العدو مع الدنيا، وارصاده مع الهوى، ومكره في الشهوات). فإنما يصير العدو ~~إلى العباد مع أفراح الدنيا وزينتها، ويرصد الهوى الذي يهيج من الآدمي، ~~ويمكر به إذا اشتهت النفس؛ # PageV01P037 # وإنما صار مكرا لأن الشهوات بعضها مطلق، وبعضها محظور عليه، فيمكر به في ~~المطلق له، ليجره إلى المحظور عليه، لأن النفس بلهاء، فإذا مرت في الحلال، ~~فتمكنت منه، سلست في الحرام، إذا لم يكن في القلب ما يقيد النفس عن الحرام، ~~ويقويها حتى لا تسلس، وقوة القلب من النور، فإذا جاهد العبد، فمن جهاده أن ~~يروض نفسه فيؤدبها. # وأدب النفس أن يمنعها الحلال، حتى لا تطمع في الحرام، وذلك أن النفس قد ~~اعتادت لذة التكلم بالكلام، فإذا لم يلزمها الصمت فيما لابد منه، حتى تعتاد ~~السكوت عن الكلام فيما لابد منه، فقد ماتت شهوة الكلام، فاستراح وقوى على ~~الصدق، فلا يتكلم إلا بحق، فصار سكوته عبادة، وكلامه عبادة، لأنه إن نطق ~~نطق بحق، وأن سكت سكت ms07 بحق، لأنه سكت مخافة الوبال. وكذلك شهوة النظر، ~~فاعتاد النفس لذة رمي البصر حيثما وقع، من غير مبالاة، فإذا لم يلزمها ~~الخفض عما لابد منه، وهو أن يكون خاشع الطرف، خافض النظر، اعتادت نفسه رمي ~~البصر، لتدرك الأشياء، فإذا أرى الحرام لم يملك بصره، لأن شهوة النظر قد ~~أخذت بعينه فملكته، فإذا ألزم عينه الغض عن النظر، ورمى بها إلى الأرض إذا ~~مشى وقام وقعد، ماتت شهوة النظر إلى الأشياء، واعتادت غض البصر وحفظه، فإذا ~~نظر نظر بحق، وإذا غض غض بحق، وصار نظره عبادة، وغضه عبادة. وكذلك شهوة ~~السمع واليدين والرجلين والبطن والفرج. فالمجاهدة هاهنا إذا عزم العبد على ~~مجاهدة النفس، ألزم كل جارحة من هذه الجوارح السبع الفطام عن عملها حلالا ~~كان أو حراما، حتى تموت تلك الشهوة، لأن تلك الشهوة هي شهوة # واحدة، أحل له بعضها، وحرم عليه بعضها، بلوى من الله تعالى لعباده، ~~وتدبيرا لهم، فما علم أنه يصلح لهم ويصلحون عليه أطلقه لهم؛ وما علم أنه ~~يفسدهم وأنهم يفسدون عليه حظره عليهم، فالمطلق حلال، والمحظور حرام، وذلك ~~مثل الكلام، فهي شهوة واحدة، بعضها حلال، وبعضها حرام، فلاستماع إلى ~~الأصوات بعضه حلال، وبعضه حرام؛ والنظر إلى الأشياء بعضه حلال، وبعضه حرام؛ ~~والأخذ والإعطاء بعضه حلال، وبعضه حرام؛ وكذلك المشي، والبطن والفرج كذلك، ~~وإنما هي شهوة واحدة لكل جارحة، # PageV01P038 # أحل للعبد إمضاء تلك الشهوة، وقضاء تلك النهمة، بصفة وهيئة؛ وحرم عليه ~~بصفة أخرى وهيئة، كالمرأة يطؤها بالنكاح فتحل، ويطؤها بغير نكاح فتحرم ~~عليه؛ وكذلك كل شيء خرج من هذه الجوارح من الحركات، وقد أخذ عليه يوم ~~الميثاق ألا يعمل جارحة إلا بما أطلق له في التنزيل، وعلى ألسنة الرسل، ~~وقبل العبد ذلك يومئذ، فأوثقه بما ضمن، فاقتضاه الوفاء، ولذلك سمي بالعجمية ~~(بنده) لأنه أوثق بما قيل من الطاعة في الأمر والنهي، فإذا وفى له بتلك ~~البندكية، وفى له بالعهد، وهي الجنة، فقام العبد بمجاهدة النفس عندما يعرض ~~ذكر شهوة محرمة عليه، فعلى العبد أن يجاهدها بقلبه، بما ms08 فيه من المعرفة، ~~وتعلقه بالمواعظ التي وعظه الله عز وجل، من الوعد والوعيد، وذكر الموت ~~والحساب والقبر والقيامة، حتى يزجر النفس والعدو، فإذا كان العبد لم يرض ~~نفسه قبل ذلك ولم يؤدبها، ولم يعودها رفض ما ذكرنا بدءا، من رفض هذه الشهوة ~~المطلقة له حتى تذل وتسكن، ويلزمها خوف الله عز وجل وخشيته، لم يملك نفسه ~~عند ذكر ما يعرض لها، ولم يقدر على تسكينها، بل هي تغلب القلب بما فيها من ~~سلطان الفرح والزينة والشهوة، فيصير القلب أسيرا للنفس، بعد أن كان أميرا ~~على النفس، لأن إمارة القلب بالمعرفة، وبما أعطى من هذه الأنوار التي ~~وصفنا، من نور العقل، ونور الحفظ، ونور الفهم، ونور العلم، ونور السكينة، # فأجمل للعبد في الأمر، فقيل له جاهد في الله عز وجل حق جهاده، فمن لم يرض ~~نفسه قبل ذلك، فإذا جاهد فربما غلب وربما غلب، فلذلك يوجد العبد مرة طائعا ~~ومرة عاصيا في شهوة واحدة، # PageV01P039 # فأما الأكياس فراضوا أنفسهم، فأدبوها، فامتنعوا من الحلال المطلق لهم، ~~حتى هدأت جوارحهم، وإنما هدأت وسكنت لسكون غليان شهوة النفس، فإذا ~~استعملوها كان القلب أميرا قاهرا، فاستعمل تلك الشهوة بما يريه العقل، ~~ويزين له، ويحد له، فيؤدبه بأدب الله عز وجل الذي أدبه، فهناك يملك نفسه أن ~~تقف على الحلال فلا تجاوزه، فهو ينطق، فإذا بلغ في منطقة مكانا يصير ذلك ~~الكلام عليه غيبة أو كذبا، ملك نفسه، فامتنع وتورع، لأن شهوة الكلام قد ~~ماتت منه، فهو يتكلم لله غز وجل وابتغاء مرضاته، وكذلك النظر؛ إذا كان قد ~~راض نفسه حتى ماتت منه شهوة النظر، ملك نفسه عند الحرام؛ وملك السمع، وسائر ~~الجوارح السبع. روي أن سهل بن علي المروزي رحمه الله تعالى، كان إذا مشى في ~~السوق حشا أذنيه بالقطن، ورمى ببصره إلى الأرض، وكان يقول لامرأة أخيه وهي ~~في الدار معه: استتري مني، وكان ذلك دأبه زمانا، ثم ترك ذلك ورمى بالقطن، ~~ورفع بصره إلى الناس، وقال لامرأة أخيه: كوني كيف شئت، فذلك منه حيث ms09 وجد ~~شهوته ميتة. وروي عن عامر بن عبد قيس رحمه الله تعالى أنه قال: ما أبالي ~~امرأة لقيت أو حائطا. # PageV01P040 # وروي عن بعض التابعين أنه قال: ألزمت نفسي الصمت بحصاة جعلتها في فمي، ~~وكان إذا أكل أخرجها، وإذا فرغ وضعها في فيه، وكذلك إذا صلى، فبقى في ذلك ~~أربعين سنة، حتى لزمت نفسه الصمت، فرمى بها، وروى لنا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه مر برجل يعبث في صلاته بلحيته، فقال: لو خشع قلب هذا ~~لخشعت جوارحه؛ وإنما يخشع القلب بما يتجلى له من عظمة الله عز وجل وجلاله، ~~ويهيج من النفس الخوف والخشية والحياء منه، فيوجل القلب، فإذا خافت النفس ~~وخشيت، فوجل القلب واستحيا، # سكنت الجوارح، وملك القلب جوارحه، ووقف بها على الحدود. فإذا ترك الرياضة ~~أحاطت بالقلب فورات الشهوات، وحلاوتها وزينتها كالدخان والغيم، فلم يستبن ~~إشراق الأنوار، وانكمنت الأنوار بما فيها من السرور والبهجة والزينة ~~والحلاوة واللذة، فلم يتجل في الصدر نور العظمة والسلطان، وافتقد صاحبه ~~الخوف والخشية والحياء أن يعملوا على القلب والنفس، فأصابت النفس نهمتها ~~بنما زين لها العدو، ومناها الغرور والأماني الكاذبة، يعدها سعة المغفرة، ~~ووفارة الرحمة، وفيض العفو والتجاوز، ويحدث نفسه بالتوبة، ليتجرأ على الذنب # PageV01P041 # والأكياس بحثوا عن أصل هذه الأمور، ووجدوه على ما ذكرنا، فخلصوا إلى ~~الرياضة، فقالوا: أنا لما وجدنا النفس تأشر وتبطر، وتستمر على الفرح، حتى ~~تصير بحال من امتلائها بالفرح بالأشياء، كالسكران الذي لا يفيق من سكره، ~~فكل شيء نالت من الدنيا من حال أو عرض أو حال، مطلق لها أو غير مطلق فرحت، ~~فذلك الفرح سم يجري في العروق حتى يشتمل على الجسد، يمتلئ القلب من حلاوة ~~ذلك الفرح، ويصير أشرا بطرا، لا يذكر موتا ولا قيامة ولا حسابا، ولا شيئا ~~من أهوال القيامة، فذلك فرح يميت القلب، وتستمر النفس عليه وتطيب، وتقوى ~~الشهوة وتحتد، فهذا فرح مذموم، ذمه الله عز وجل في تنزيله، فقال: (وفرحوا ~~بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع). وقال تعالى: ms10 (لا ~~تفرح إن الله لا يحب الفرحين). ودل على الفرح المحمود، وندب إليه فقال عز ~~وجل: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون). فإذا فرح ~~العبد بما فضله الله عز وجل على سائر العبيد، فمن عليه بالمعرفة والعقل، ~~فاستنار قلبه، وطابت نفسه، فتعاونا على الشكر والحمد، فاستوجب المزيد، فقال ~~عز وجل: (لئن شكرتم لأزيدنكم)، ففرحه بذلك يجلب عليه المزيد، فهذا الفرح ~~ترياق، وذلك الفرح سم، فمن شرب الترياق لم يضره السم، وإنما صار سما لأنه # زينة وفرح من جنس النار وباب النار، وهو حظ # PageV01P042 # إبليس، فجاء به الهوى مع العدو إلى هذا الآدمي بهذه الأشياء الدنياوية ~~ليبتليه، ليفرح بهذا أو يستعمله معرضا لاهيا، أو يقبل على ربه عز وجل وداره ~~التي مهدت له، فقد قال عز وجل في تنزيله: (زين للناس حب الشهوات)، ثم ذكر ~~النساء، والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، ~~والأنعام، والحرث؛ ثم قال تعالى: (ذلك متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن ~~المآب). فإذا فرح العبد بهذا المزين، الذي قد خلص حب تلك الزينة وشهوتها ~~إلى قلبه، وسماه الفرح، فاته حسن المآب، فقد وصف الله عز وجل حسن المآب، ~~فقال: (قل أؤنبؤكم بخير من ذلكم)، ثم بين لمن هي، فقال: (للذين اتقوا عند ~~ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار). فوصفها بما فيها، ثم بين المتقين من هم، ~~فقال عز وجل: (الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين ~~بالأسحار). وقال عز وجل: (لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله). فمن ~~شغله الفرح بهذه الزينة، وملك قلبه حب هذه الشهوات، فقد ألهاه عن ذكر لله ~~عز وجل، وفاته التقوى والصبر والصدق والقنوت، وحجزه عن الإنفاق، ونومه عن ~~الاستغفار بالأسحار. فالرائضون راضوا أنفسهم وأدبوها، بمنعها الشهوات التي ~~أطلقت لهم، فلم يمكنوها من تلك الشهوات إلا مالا بد منه، كهيئة المضطر، حتى ~~ذبلت النفس، وطفئت حرارة تلك الشهوات، ثم زادوها منعا حتى ذبلت واسترخت، ~~فكلما منعوها شهوة آتاهم الله على منعها نورا في القلب، فقوى القلب، وضعفت ~~النفس، ms11 وحيى القلب بالله جل ثناؤه، وماتت النفس عن الشهوات، حتى امتلأ ~~القلب من الأنوار، ودخلت النفس من الشهوات، فأشرق الصدر بتلك الأنوار، فجلب ~~على النفس خوفا وخشية وحياء، واستولى على النفس وقهرها، فالولايات على ~~النفوس من القلوب بالإمرة التي أعطيت القلوب، بما فيها من المعرفة؛ فعلى ~~حسب تأديب القلب النفس ينال القلب ولاية وسلطانا، فإذا # أشرقت الأنوار من القلب في الصدر، وخلا الصدر من دخان الشهوات، # PageV01P043 # أبرز القلب سلطانه، فانقادت النفس وسلست، وألقت بيدها سلما، وانكمن العدو ~~واختشى. فمن يرض نفسه على ما وصفنا، وأعطاها مناها من الحلال، وانكمش في ~~أعمال البر مستظهرا به، عجل له ثواب أعمال البر في العاجل نورا، ففي الصدر ~~ذلك النور، وليس له من القوة ما يمنع النفس من قضاء النهمة، فيمضي في ~~الشهوات الحلال بلا نية، فيتعطل، ويبقى بلا حسنة ولا أجر، ومعه فساد ~~الباطن، من حب الدنيا والرغبة والرهبة من المخلوقين، وخوف فوت الرزق، وخوف ~~المخلوقين، والحسد والحقد، وطلب العلو والجاه، وحب الرياسة، وحب الثناء ~~والمدحة، والكبر والفخر، والصلف والغضب، والحمية وسوء الظن، والبخل والمن ~~والأذى، والعجب والاتكال على العمل، ودواه كبيرة، فكم من فعل سيئ يظهر على ~~أركان هذا مع هذه الدواهي، ففساد القلب وخراب الصدر من الفرح بالدنيا، ~~وأحوال النفس كلما ازدادت النفس فرحا بهذه الأشياء قويت واحتدت، واشتد ~~سلطانها، حتى تصير شرهة أشرة، بطرة مستبدة، فإذا هويت شيئا من الشهوات لم ~~يملك القلب من أمرها شيئا، ولم يتورع عن الحرام، وإن تورع عن الحرام لم ~~يتنزه عن الفضول، وإن ننزه عن الفضول، يتناول ما احتاج إليه على غفلة، وفقد ~~النية والحسبة، فإن تناول بنية وحسبه تناول على فقد ذكر المنة، وإن تناول ~~على ذكر المنة، تناول على فقد رؤية المنة واللطف والبر، فهو أبدا في نقصان، ~~في أي درجة كان، لأنه محجوب عن الله عز وجل، وإنما حجبه عن الله عز وجل ~~الفرح بغير الله عز وجل. # PageV01P044 # فالفرح المحمود على ضربين: فرح بالله عز وجل، وفرح بفضل الله ورحمته، ~~فالفرح ms12 بفضل الله ورحمته ذكر النفس معه، والفرح بالله قد غاب ذكر النفس ~~معه، والفرح بالله قد غاب ذكر النفس في ذكر مولاه، فقال عز وجل في تنزيله: ~~(قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا)، وقال تعالى فيما روي: (قل # للصديقين بي فافرحوا، وبذكرى فتنعموا). وإنما يفرح بذكر الله عز وجل وحين ~~يرى منته عليه، وإنما يفرح بالله عز وجل من وصل إلى الله عز وجل، ومن كان ~~مرعاه بين يديه في ملك من ملكه، والواصلون إلى قرب الله عز وجل مرعاهم تحت ~~العرش في محل القربة. # فالأكياس صاروا إلى الله عز وجل في هذا الطريق، وتوقوا كل فرح، فما فرحوا ~~بشيء من الدنيا، أو بشيء من أعمال البر، وقالوا: إنما فساد قلوبنا من فرح ~~النفس، لأن النفس إذا فرحت بشيء استولت على القلب، فلم ينفذ له شيء، فليس ~~بنا التمييز بين الأعمال، لأنا لا نسير إلى الله تعالى بالأعمال، إنما نسير ~~إليه القلوب نزاهة وطهارة، فإنما يدنس القلب بأفراح النفس؛ وصار القلب ~~محجوبا عن الله عز وجل، فكانوا يصونون قلوبهم عن الفرح بكل شيء دق أو جل، ~~للضرر الذي يحدث عنه، ومن جهل هذا الباب توقى الحرام والشبهة، وانكمش في ~~أعمال البر، فهو في الظاهر عامر، وفي الباطن خراب، لأن النفس شاركت القلب ~~في تدبير العمل، فإذا شاركت أخذت نصيبها، والهوى مقرون بالنفس، فلا يتخلص ~~العمل لصاحبه أبدا، وإنما صار هذا هكذا، # PageV01P045 # لأن الله عز وجل أوله قلوب العباد إلى ألوهيته، فمن صان قلبه عما تورد ~~النفس عليه، بقى قلبه مع الله عز وجل في جميع الأحوال، فهو أبدا واله بالله ~~عز وجل، والوله تعلق القلب به، ومن لم يصن قلبه حتى أوردت النفس عليه ~~أفراحها التي أورد عليها الهوى من باب النار، فقد صار وله قلبه إلى الهوى. ~~فالصائن أوله قلبه الله بأفراحه وحبه. والتارك للصيانة أوله قلبه الهوى ~~بأفراحه إلى باب النار، ولجت تلك الزينة. فالكيس لما أبصر هذا التدبير من ~~الله تعالى أنه خلق الآدمي هكذا، وجعل فيه ms13 قلبا ونفسا، ثم جعل للقلوب محلا ~~في عظمته، حتى تسير القلوب إلى ذلك المحل، فيكون مقامها هناك حتى إذا صار ~~القلب إلى أن يستعمل جوارحه استعملها بذكره، معظمها لشأنه، حافظا # لحدوده في جميع حركات جوارحه، مؤتمرا بأمره، متناهيا عن نهيه وإن دق، ~~مراعيا لتدبيره، راضيا بحكمه، وذلك كله لقوة ما يلاحظه من عظمته وجلاله بين ~~يديه، فيخشاه ويتقيه، ويخافه ويرجوه، ويستحي منه ويهابه ويعظمه، وخلق بباب ~~النار هذه الأفراح والزينة من النار، وحفت النار بها، ثم خلق الهوى وأصله ~~من الشيطان، فمر بهذه الأفراح إلى نفس هذا الآدمي، حتى تستعمل هذه الأشياء ~~الملائمة لها، اللينة في ذاتها، الناعمة لجسدها، بذلك الفرح، فابتلى عباده ~~بهذين الفرحين، فرح هناك بين يدي عظمته ومحله القلوب، وفرح هاهنا يورده ~~الهوى، فيزيله الهوى عن ذلك الوله الذي في ذلك المحل، فيرده من هناك إلى ما ~~هاهنا، فمن التفت عن ذلك الوله إلى هذا الوله، حجب عن الله عز وجل، ونفى عن ~~الوله، ورجع قلبه لما رجعت النفس إلى هذا الوله الذي أولهه الهوى، فخاب ~~وخسر، # PageV01P046 # وكذلك حذر الله عز وجل عباده فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم ~~أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله)، ثم قال: (ومن يفعل ذلك فأولئك هم ~~الخاسرون). فلم يعب المال والولد، وإنما عاب الوله بالمال والولد، لأن ~~الفرح والوله بالمال والولد يلهيه عن ذكر الله عز وجل، إذا لم يكن فيه فرح ~~بفضل الله ورمته، ودعاه الهوى إلى أن يفرح بالمال، لزينة الدنيا وبهجتها ~~ولذتها، وبالفرح بالولد، ليلعب به ويلهو، ويتزين به، ويستظهر به ويعتضد، ~~فصار المال والولد فتنة لحبه إياهم، فلم يحب المال من أجل أنه عون له على ~~طاعة الله عز وجل، ولم يحب الولد من أجل أنه غصن من شجرته، خرج ليعبد ~~مولاه، فيكون له جاها عند الله عز وجل بما يعبده ولده، ولكنه أحبهما ~~للتكاثر والتفاخر والتعاضد، تزينا بهما عند أهل الدنيا، كما قال الله عز ~~وجل في تنزيله: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا). ثم قال ms14 عز وجل: ~~(والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا). فمن أحبهما للزينة وفرح بهما، كان ~~فرحه للدنيا، وكان وله قلبه إلى الهوى لا إلى الله عز وجل، ولذلك قال رسول ~~الله # صلى عليه وسلم: (ما تحت أديم السماء إله يعبد من دون الله عز وجل، أبغض ~~إلى الله عز وجل من الهوى). وقال عز وجل: (أفرأيت من أتخذ إلهه هواه). فلما ~~اتبعوا الشهوات. ولم يروضوا نفوسهم، انقطعت القلوب عن محل الألوهية إلى ~~الهوى، ففرحت بما أورد الهوى عليها من دنياه، فضاعت الحدود، وذهبت ~~العبودية، وخانوا الأمانة، فماتت قلوبهم عن الحياة بالحي القيوم. وروى عن ~~مالك بن دينار رحمة الله قال: مكتوب في بعض الكتب: (إن # PageV01P047 # سرك أن تحيا وتبلغ علم اليقين، فاحتل في كل حين أن تغلب شهوات الدنيا، ~~فإنه من يغلب شهوات الدنيا يفرق الشيطان من ظلمه). فهذه شهوات الدنيا إذا ~~كانت مع الهوى. # فإما إذا تناولها وكان وله قلبه بين يدي الله تعالى في ملك العظمة، كان ~~على سبيل نبي الله تعالى سليمان عليه السلام، ملك الدنيا شرقها وغربها ~~وقلبه أخشع القلوب لله عز وجل، فلم يضره، فقال تعالى: (هذا عطاؤنا فامنن أو ~~أمسك بغير حساب). ثم قال تعالى: (وإن له عندنا لزلفى وحسن المآب) فإنما ~~ارتفع الحساب عنه، لأنه تناولها وكان وله قلبه إلى الله عز وجل، فقد كشفنا ~~عن هذا الأمر بأن قلنا: إن قلب العبد موقوف بين يدي الوله إلى محل العظمة، ~~وبين الوله إلى الهوى إلى محل باب النار؛ ففي العظمة أفراح وزينة، وباب ~~النار أفراح وزينة. فتلك الأفراح بالقلب، وهذه الأفراح التي بباب النار في ~~النفس، هو الهوى، وهو ريح من نفس النار، والذي يورد هذه الأفراح على القلب، ~~هو نور المعرفة ونور العقل، حتى يشخصا ببصر قلبك إلى نور العظمة، فيرجع ~~عليك مع الأفراح، فالعباد موقوفون بين هاتين الحالتين، # PageV01P048 # فالإنسان منذ سقط من بطن أمه غذى بالشهوات، وكلما نشأ نشأ معه فرح، وذلك ~~فرح وجود اللذة والنعمة، وفرح الحياة بما فيها من الزينة ms15 والبهجة؛ فلما شب ~~وعقل قامت عليه الحجة، فاقتضى الوفاء بالإسلام، وهو الأمر والنهي، فأراده ~~قلبا، فاستعصت عليه النفس، فاحتاج إلى مجاهدتها، حتى يقيم أمر # الله عز وجل، ويفي بالإسلام الذي قبله، وسيسعد غدا بجنته وجواره، لأنه ~~دعاه دعوة إلى الله عز وجل حين قال تعالى: (ففروا إلى الله)، ودعاه إلى دار ~~السلام حين قال: (والله يدعوا إلى دار السلام)، فصار أهل المجاهدة فرقتين: ~~فرقة حفظت الجوارح، وأدت الفرائض، وسارت إلى الله عز وجل قلبا، فلم تعرج ~~على شيء حتى وصلت إلى الله عز وجل، وفرقة حفظت الجوارح، وأدت الفرائض بجهد ~~وتعب، في كد محافظة وحراسة، ومع ذلك تخليط وتهافت في الخطايا، وأدناس لا ~~يستطيع أن يسلم منها، بمنزلة راع أعطى سبعة أغنام، ليرعاها في سبعة أودية، ~~في تلك الأودية سموم قاتلة، وجرف هارية، وسباع ضارية، فهو قائم على أكمة ~~مراقبا لتلك الأغنام، فإن رعت سما بادرها بالبازهر والسمن واللبن، حتى ~~يردها إلى العافية؛ # PageV01P049 # وإن تردت في جرف فتكسرت، عمد إلى ما تكسر منها، فجبرها حتى تجبر، وإن ~~عرضت لها السباع ذاد عنها وطردها، وما وجدها فريسة استلبها من مخالبها ~~وأنيابها، فداواها حتى تبرأ؛ فوكل العبد بجوارحه السبع ليحفظها، حتى لا ~~تتعدى الحدود، فإنه إذا تعدى الحدود، وعصى الله عز وجل، وخان الأمانة، وظلم ~~نفسه، وسقطت منزلته، فبعد عن الله عز وجل، فإذا بعد عنه تباعد عن الرحمة، ~~وصار مرفوضا مخذولا، فأسره العدو، وذهب به إلى النار، لأنه إذا أسره العدو ~~ذهبت قوة القلب، واستولت النفس، فمرت في كل شهوة جزافا، فلم تبال حلالا ولا ~~حراما، فهلكت. فهذا شأن العبد في حفظ الجوارح، قال الله تعالى: (والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون)، ثم قال الله عز وجل: (أولئك في جنات مكرمون). # حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا جرير، عن ليث، عن أبن أبي نجيح، عن عمر ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال: أول ما خلق الله من الإنسان فرجه، فقال ~~له: هذه أمانة خبأتها عندك، فلا ترسل منها شيئا إلا ms16 بحقها، فالفرج أمانة، ~~والبصر # أمانة، والسمع أمانة واللسان أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، والبطن ~~أمانة، فإنما بدأ بالفرج، لأن جميع الأفراح تجتمع عند استعماله، وهو أقوى ~~اللذات، وبه دخل النار أهله، وقيل: يا رسول الله، ما يدخل الناس النار؟ ~~قال: الأجوفان: البطن والفرج، # PageV01P050 # وإنما خبأه عند عبده، يعني آدم عليه السلام، لأنه بدء الفرح وهو سر الله ~~عز وجل، مقرون بسر القدر، لا ينكشف إلا لأهل الجنة فيها، فأمرر بسر العودة ~~لذلك، لأنه خلق مستور، خبأه الله عز وجل عندنا، وأمرنا بحفظه، وسماه سوءة، ~~فحرص العدو على أن يهتك ذلك الستر، حتى يبدوا لنا، وقبل ذلك كان مستورا عن ~~آدم وحواء عليهما السلام، وإنما بدا بالمعصية، قال الله عز وجل: (ينزع ~~عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما). # فإنما صير كل جارحة من هذه السبع أمانة عندنا، لأن كل جارحة ذات شهوة، ~~ومجمع الشهوات في النفس، فإذا استعمل هذه الشهوات بإذن الله تعالى، وبلغ ~~بها الحد الذي حده له، فهو مطلق له، وإذا تعدى إلى المحظور صار ملوما، قال ~~الله عز وجل: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، ويحفظوا فروجهم). ثم أثنى ~~عليهم فقال: (والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم، فإنهم غير ملومين). فأزال الملامة عن استعماله في نكاح أو ملك ~~يمين؛ ثم قال عز وجل: (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون). فذم من جاوز ~~الحد، وكذلك في كل جارحة على هذه الصفة. فالراعي يحفظ هذه الأغنام حتى يصلح ~~ما فسد منها، على ما وصفنا، فكذلك الذي وقف بمجاهدته على نفسه، يحفظ جوارحه ~~على الحدود، في النظر، والكلام، والاستماع، والأخذ، والعطاء، والبطن، ~~والفرج، فإذا غلب أو زال أو نسى أو غفل، عاد إلى مركز الطاعة بين يدي الله ~~عز وجل بالاستغفار والتوبة؛ فهذا عبد في جهد الاستقامة، وباطنه غير مستقيم، ~~لأن شهوات نفسه قائمة بين يديه، فهو يمنعها بجهد، ومتى ما غفل عنها زل ~~وسقط؛ # PageV01P051 # فطريق # هذا العبد إلى دار السلام، ليس له وراء هذا مسلك. وأما الذي ms17 راض نفسه ~~وأدبها، ومنعها اللذات والشهوات، حتى طهر قلبه، واستوجب القربة بطهارة ~~قلبه، وآثر الفرح بالله على الفرح بما أورده الهوى على نفسه من أفراح ~~الدنيا، فتح الله عز وجل له طريقا إليه، فسار سيرا لم يلتفت إلى دار ~~السلام، لأنه لما أخذ في الرياضة أخذه بصدق، فلم يقف في الطريق على شيء ~~مفروح به، ولو كان أسنى عمل من الأعمال، لأنه إذا توقى الفرح بلذات الدنيا ~~وشهواتها، أمد القلب بالنور، وهان عليه رفض الشهوات، حتى إذا انكمش في ~~أعمال البر، فرح القلب بتلك الأعمال، فينبغي له أن يتوقى تلك الأفراح أيضا، ~~وينتقل من عمل إلى عمل، ليقطع عن النفس فرحها بذلك العمل، لأنها إذا فرحت ~~بعمل من أعمال البر، اطمأنت إلى ذلك العمل، فإذا اطمأنت إلى شيء دون الله ~~عز وجل، فقد سيره إليه، ووقف على ذلك العمل، فاقتضى منه صدق ذلك العمل، فلم ~~يوجد عنده صدقة، لأن النفس تأخذ بحظها من ذلك العمل، وهو أن تجد حلاوة حب ~~الثناء والمدحة لذلك العمل، # PageV01P052 # فهو وإن أخفاه وستره علمت نفسه أن الناس يحسون بذلك منه، ويشعرون به، ~~فيأنس بعلم الناس، وملاحظة أعينهم إليه، فلا يصفوا له عمل، ولا يقدر أن ~~يخلص بأكثر من هذا، فيقبل منه إذا رد الذي عرض له من ذلك قبول الصادقين، لا ~~قبول الصديقين. # فينبغي للمبتدئ في هذا الأمر أن يبدأ بالصوم، فيصوم شهرين متتابعين، توبة ~~من الله عز وجل، وعد الله عز وجل في تنزيله أن شهرين توبة من الله عز وجل ~~لعبده إذا تابعهما، ثم ينتقل من الصوم إلى الإفطار، فيطعم اليسير من الشيء ~~يتجزأ به، فإن كان في اليوم مرارا كسرة كسرة، فهو أجود له من أن يملأ بطنه، ~~فيصيرها أكلة، وإنما ذلك محمود عند الأطباء، فتقول أكلة واحدة كي يستمر ~~بها، وذلك لا يدخل في هذا الباب، لأن صاحب هذا لا يأكل حتى يتخم، إنما نشير ~~عليه # بأن يأكل كسرة كسرة قوتا، فيداري نفسه على ذلك وبين الأيام دسما قليلا، ~~لئلا تهيج ms18 عليه الرياح، وتضطرب العروق، ويقطع الإدام والفواكه عن نفسه. ~~وكذلك في الكسوة، يجتزئ بالدون وما لا بد منه. وكذلك في سائر الأحوال التي ~~للنفس فيها حظ من الفرح واللذة يقطعها عن نفسه، ومجالسه الإخوان، والنظر في ~~الكتب، فهذا كله أفراح النفس وجماعها. # PageV01P053 # وفي الجملة ينبغي أن يتفقد كل حال وكل أمر للنفس فيه فرح واستبشار، من ~~نعمة أو وجود لذة أو أنس بشيء، فيقطعه عنها، وأنه كلما هويت النفس شيئا ~~أعطاها فرحت به، فينبغي له أن يمنعها ولو شربة من ماء بارد تريد أن تشربها، ~~فيمنعها في تلك الفورة التي تشوفت لوجود بردها ولذتها، حتى تسكن تلك ~~الفورة، وينغص عليها، ثم يسقيها بعد ذلك حتى يملأها غما، ويوقرها هما، لأن ~~من شأنها إذا حبس عنها هذه الأفراح بهذه الأشياء وبهذه الأحوال، فكأنه ~~يصيرها في سجن، فيقترب إلى الله عز وجل بغمها وهمها، فيجعل الله عز وجل له ~~ثوابه نورا على القلب، فيزداد القلب بذلك النور قوة على منع النفس شهواتها، ~~وعلى أخذ سلطانها، ويستولي عليها وهي تذل وتذبل، والعدو يخسأ ويتحير، ويبطل ~~كيده ومكره؛ حتى إذا انتهى إلى أعمال البر، فكل عمل يراها تفرح به أو تأنس ~~به، يقطع عنها ذلك العمل، حتى إنه لو قرأ القرآن فرجع فيه وغنى، منعها ذلك، ~~لأنها متى وجدت شيئا مفروحا به، أنست واطمأنت إليه، ومدت القلب إلى ذلك ~~الأنس، فمتى يصل القلب إلى الأنس بالله عز وجل، والطمأنينة إليه، والوله ~~إلى عظمته. وصفاء الحب له، فهذا صدق المريدين ربهم عز وجل، والسائرين إليه، ~~والطالبين له في منازل القربة. # فينبغي أن ينفي كل فرح للنفس فيه نصيب، حتى يصل إلى ربه تعالى، فإذا وصل ~~إلى ربه عز وجل امتلأ قلبه به فرحا وسرورا ويقينا، فكل شيء مد إليه يدا من # دنيا أو آخره لم يضره، لأنه منه يقبل، فإذا قبل منه حمده عليه وشكره، ~~وكانت جوارحه مستقيمة، حافظة للحدود، معتصمة بخوف الله عز وجل، ولسانه ~~ذاكر، وبدنه شاكر صابر، لأنه امتلأ قلبه بالله تعالى ms19 فرحا، فلم تجد أفراح ~~الدنيا فيه مكانا، # PageV01P054 # فإذا فرح بشيء من الدنيا، فإنما يفرح ببر الله تعالى له بذلك وتقديره ~~وتدبيره ولطفه، ولا يخون أمانته، ولا يكفر نعمه، ولا ينسى ذكره، لا يحدث ~~عيبا، فاستعمال جوارحه في ذلك الشيء بمنزلة رجل شرب ترياقا، فامتلأت عروقه ~~منه، فإن مد يده إلى حية أو عقرب لم يضره سمها، لأنه لم يجد السم مسلكا إلى ~~عروقه، فإذا لم يجد الترياق وجد السم مسلكا إلى العروق، فجمد الدم الذي في ~~العروق من ذلك السم فمات، فكذلك أفراح الدنيا تجري في العروق مجرى الدم، ~~فتشمل الجوارح كلها، فتأخذ القلب فتسبيه، فإذا دخلت الأنوار القلب بما راض ~~نفسه بهذه الرياضة التي ذكرنا، عجل له ثواب رياضته، فانشرح الصدر وانفسح، ~~فصارت الآخرة له كالمعاينة، ولا حظ الملكوت بتلك العين عين الفؤاد، في فسحة ~~ذلك النور المشرق في الصدر، فرأى شأنا عجيبا من عظمة الله عز وجل وجلاله، ~~ورأى من لطف الله عز وجل بالعبيد، وبره بهم، وإحسانه إليهم، ومننه عليهم، ~~فامتلأ القلب به فرحا، وجرت الأفراح في العروق، حتى امتلأت فمتى تجد بعد ~~ذلك أفراح الدنيا مسلكا إلى عروقه، حتى يكون لذلك الفرح سلطان يأخذ القلب ~~فيسبيه، فعندها يمد يده إلى ما أحل له من الطعام والشراب واللباس والنكاح، ~~والاحتواء إلى ما قدر له من دنياه، فيقبله من ربه عز وجل على تدبيره الذي ~~دبر له، فإن أخذ أخذ بحق، وإن أمسك أمسك بحق، وإن أعطى أعطى بحق، وقلبه حر ~~من رق النفس وفتنته، ذلك الشيء وذلك العمل بمنزله رجل له ملء بيت دنانير ~~يملكها، وإن أعطاه رجل صرة فيها عشرة دنانير، لم يعمل في قلبه فرح تلك ~~العطية عملا يؤثر أثرا، ولا يستبين، وإن كان عنده تلك الصرة، فسقطت منه حتى # تويت، لم يبد عليه ضرر # PageV01P055 # ذلك، ولا عمل على قلبه حزن ذلك، ولا هو فرح بما أصاب، ولا حزن على ما توى ~~وذهب، لامتلاء قلبه بفرح تلك الدنانير، التي هي ملء بيت؛ فكذلك من فرح ms20 قلبه ~~بالله عز وجل، استغنى بالله عز وجل، فلا تملك قلبه بعد ذلك أفراح الدنيا، ~~لأنه لا يستغني بالدنيا، إنما غناه بالله تعالى؛ وهذا تأويل قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغني غني النفس). ~~فالنفس إذا استغنت، فغناها بغنى القلب المشرق نوره في صدره، فإذا اطمأنت ~~النفس بما أشرق فيها من النور بالله عز وجل، أشرق النور فيه إلى الله عز ~~وجل، فقد رق عندها نوال الدنيا من أولها إلى آخرها، في جنب ما عاين القلب، ~~وأورد من حياة على النفس؛ فهذا شأن النفس إذا وصلت إلى ربها عز وجل بوصول ~~القلب، فإنما قلنا إنه لا يدع لنفسه قرارا على شئ من أعمال البر، فكلما ~~فرحت النفس بشيء من الدنيا، أو بعمل من أعمال البر، قطع عنها ذلك الفرح حتى ~~يغمها، حتى يطهر القلب من أفراح النفس، فهناك يرحم، لأنه إذا وصل إلى هذه ~~المرتبة، بقى بلا أنس ولا فرح، قد قطع عن نفسه أفراح الدين والدنيا، فهو ~~يحفظ جوارحه عن كل ما نهى الله عز وجل، وعن كل شيء من الفضول، فيقيم ~~الفرائض والسنن، لا يزيد عليها، كفى بهذا شغلا، ولذلك قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (أد ما افترض الله عليك، تكن من أعبد الناس؛ واجتنب محارم ~~الله عز وجل، تكن من أورع الناس؛ وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا). فهذا ~~المؤمن المستكمل المستحق لاسم الإيمان عند إقامة هذه الخصال الثلاث، فكفى ~~بهذا شغلا، فهذا عبد صدق الله عز وجل في العبودية. وأما سائر الناس من غير ~~أهل هذه # PageV01P056 # الصفة، فهم متخبطون بطالون، يعبدون الله عز وجل على الشايد بود، قد طابت ~~أنفسهم ولذات أهوائهم. وروى أن داود عليه السلام قال: يا رب، أمرتني أن ~~أطهر بدني بالصوم والصلاة، فبم أطهر قلبي؟ قال: بالهموم # والغموم يا داود، فإنما تدنس القلب بالأفراح، أفراح النفس، فلا يطهر بمثل ~~عمر نوح عليه السلام صوما وصلاة، وإنما يطهر الصوم والصلاة أدناس الأركان ~~بالمعصية، ms21 وإنما يطهر القلب ما يزيل عنه أدناس الفرح، وهو الهموم والغموم، ~~فلما منعت النفس شهواتها ذبلت، وطفئ تلظى شهواتها، وفوران دخان هواها، ~~فزالت أدناس الفرح من القلب، بذهاب الفرح، وطهر بالأنوار التي ولجت القلب، ~~بمنزلة سحائب تحجبك بظلمتها، وبما فيها من الغبرة عن الشمس، فلما انقشعت ~~السحائب وتبددت، أشرقت الشمس، فعندها يصلح لقرب الله عز وجل، قال الله ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة). فالوسيلة ~~والوصيلة بمعنى واحد، إلا أن الوصيلة أن يوصل الشيء بالشيء، فلما صار الأمر ~~إلى ذكر الله عز وجل، أخرجوه مخرج القربة، فقيل وسيلة، بدل بالسين صادا، ~~وبالصاد سينا، فيكون له من الألفاظ أشرفها وأعلاها وأنزهها، فأمرهم بابتغاء ~~الوسيلة إليه بالتقوي؛ فجماع التقوى هاهنا هو ما وصفناه، إلى أن يتقي الفرح ~~في كل شيء، تجد النفس في ذلك الشيء فرحا: من كلام، أو صيام، أو قيام، أو ~~قعود، أو ذهاب، أو مشي، أو لباس، أو طعام، أو شراب، أو صاحب، أو أهل، أو ~~ولد، إلا فيما لابد منه كالمضطر، فإذا فعله على تلك الهيئة، فعله مع ~~الاهتمام والاغتمام، أو مع الحزن، لأنك الحزن، لأنك تجد ذلك الفعل لله عز ~~وجل خالصا، لا تأخذ النفس من ذلك الفعل لله حصتها، فأنت تفعل ذلك الذي لابد ~~منه، فتكسر عليها فرحها ونشاطها لذلك التخليط، الذي ترى في أمرك من قبلها، ~~حتى يدوم عليها الغم والهم، # PageV01P057 # فجهاد الصديقين في هذا أن يلقوا الفرح بشيء سواه، حتى أوصلهم إلى نفسه، ~~بعد أن امتلأت صدورهم غموما وهموما، فلما أوصلهم قربهم، ومكن لهم بين يديه، ~~وملأهم فرحا، فاشتاقوا إليه، فقربهم، فازدادوا شوقا كلما زاد قربهم اشتد ~~شوقهم فازدادوا حتى عطشت قلوبهم، وامتلأت قلوبهم أحزانا، حتى قطعوا # الحياة والعمر بالأحزان. وروى في الخبر، قال: (كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دائم الأحزان والفكر). وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما ~~عبد الله عز وجل بمثل طول الحزن). وحق لمثل هذا أن يحزن، فإنه وصل بقلبه ~~إلى رب ms22 ماجد كريم، فرأى عظمة وجلالة، وعطفا وبرا، ونال منه حبا، فلم يشف ~~الوصول إليه بتلك القربة وذلك الفرح به، دون رؤيته في الجنة. # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(المؤمن من أمن الناس بواثقة، والورع سيد العمل، من لم يكن له ورع يرده عن ~~معصية الله عز وجل إذا خلا بها، لم يعبأ الله بسائر عمله شيئا). فذلك مخافة ~~الله عز وجل في السر والعلانية، والاقتصاد في الفقر والغنى، والصدق عند ~~الرضا والسخط؛ إلا أن المؤمن حاكم على نفسه، يرضى للناس ما يرضى لنفسه؛ ~~والمؤمن حسن # PageV01P058 # الخلق، وأحب الخلق إلى الله عز وجل أحسنهم خلقا، وينال بحسن خلقه درجة ~~الصائم القائم وهو راقد على فراشه، لأنه قد رفع لقلبه علم، فهو يشهد مشاهد ~~القيامة بقلبه، يعد نفسه ضيفا في بيته، ورحه عارية في بدنه، ليس بالمؤمن ~~حقا من لم يكن حملانه على نفسه، الناس منه في عفاء، وهو من نفسه في عناء، ~~رحيم في طاعة الله عز وجل، بخيل على دينه، حي مطواع، وأول ما فات ابن آدم ~~من دين الحياء، خاشع القلب لله عز وجل، متواضع قد برئ من الكبر، قائم على ~~قدميه، ينظر إلى الليل والنهار يعلم أنهما في هدم عمره، لا يركن إلى الدنيا ~~ركون الجاهل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا جرم أنه إذا خلف الدنيا ~~خلف الهموم والأحزان، ولا حزن على المؤمن بعد الموت، بل فرحه وسروره مقيم ~~بعد الموت. حدثنا عبد الجبار بن العلاء بن يوسف بن عطية، قال: سمعت ثابتا ~~البناني رحمه الله تعالى يذكر عن أنس رضي الله عنه، قال: بينما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يمشي إذا استقبله رجل شاب من الأنصار، فقال # له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا ~~بالله عز وجل حقا. قال: انظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقته، قال: يا رسول ~~الله، عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت ms23 نهاري، فكأني بعرش ربي ~~بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة كيف يتزاورون فيها، وإلى أهل النار كيف ~~يتعاوون فيها، قال: أبصرت فالزم. عبد نور الإيمان في قلبه، فقال يا رسول ~~الله، ادع الله لي بالشهادة، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنودي ~~يوما في الخيل، فكان أول فارس استشهد، وأول فارس ركب، فبلل أمه فجاءت إلى # PageV01P059 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، أخبرني عن ابني إن ~~يك في الجنة لم أبك عليه، ولم أحزن، وإن يك غير ذلك بكيت عليه ما عشت في ~~الدنيا. فقال: يا أم الحارث، إنها ليست جنة، ولكنها جنان، والحارث في ~~الفردوس الأعلى. فرجعت وهي تضحك وتقول: بخ بخ لك يا حارث. # قال أبو عبد الله رحمه الله تعالى، فإنما وصل العبد لله هذه المنزلة بتلك ~~النوار، ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا عبد نور الله ~~عز وجل الإيمان في قلبه). # حدثنا أبي حدثنا محمد بن الحسن المكي، عن عبد العزيز بن أبي رواد، يرفعه ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثل حديث يوسف، إلا أنه قال: (لكأني ~~أنظر إلى ربي عز وجل فوق عرشه، يقضي بين خلقه). فقد أعلم أن الإيمان في ~~القلب، ولا يستنير في الصدر، لإحاطة غيوم الشهوات، ورين الذنوب بالقلب في ~~الصدر. حتى إذا تاب العبد صقل قلبه بالتوبة، فإذا جاهدها وراضها حتى ينقطع ~~دخان شهواتها، وفوران الهوى، جاءت الأنوار مددا للإيمان الذي في القلب، ~~فصار القلب ذا شعاع وإشراق في الصدر. فإذا أشرق في صدره، فذلك عبد نور الله ~~عز وجل الإيمان في قلبه، فلما نوره استنار في صدره، فصدرت الأمور إلى ~~الجوارح # من ذلك النور، مع الخوف والخشية والحياء، فعملت الجوارح على الحدود ~~والمقدار الذي أمر، مع البهاء والزينة. # وروي عن رسول الله صلى اله عليه وسلم: (إن العبد إذا أذنب ذنبا نكت في ~~قلبه نكتة سوداء، فإذا عاد نكت أخرى، فلا يزال ينكت حتى يسود القلب كله، ms24 ~~فإذا تاب ونزع وصقل # PageV01P060 # قلبه). فإنما ينصقل بالأنوار حتى يتجلى كالمرآة المجلية، فإذا صار ~~كالمرآة تراءت له الدنيا على هيئتها، والآخرة على هيئتها والملكوت، فإذا ~~لاحظ في الملكوت عظمة الله عز وجل جلاله، صارت الأنوار كلها نورا واحدا، ~~فامتلأ الصدر شعاعا، بمنزلة رجل نظر في المرآة، فأبصر صورة نفسه فيها، ~~وأبصر ما بين يديه وما خلفه فيها، فإذا قابل بها عين الشمس، وقع الشعاع في ~~البيت، فأشرق البيت من تقابل النورين: نور عين الشمس، ونور المرآة، فكذلك ~~القلب إذا جلى فانجلى، فلاحظ العظمة والجلال، تجلت العظمة بين الحجاب لذلك ~~القلب المجلي، لأنه طاهر من أدناس المعاصي، وأدناس الشهوات، وأدناس الهوى، ~~والتقى النوران فامتلأ القلب شعاعا، فهناك تموت النفس ويخشع القلب. # حدثنا سفيان بن وكيع، وقتيبة بن سعيد، قائلا: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، ~~عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عيه وسلم. (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا ~~لحياته، ولكنه إذا تجلى الله عز وجل لشيء من خلقه خشع له؛ ولذلك لما تجلى ~~لطور سينا، صارت البقعة التي وقع التجلي عليها كالهباء المبثوث، وما في ~~جوارها ساخت في الأرض، فهي تذهب في تلك البحار التي من وراء الدنيا، إلى ~~يوم القيامة، فلا تستقر، وما في جوارها أبعد منه، صارت ثماني فلق، # PageV01P061 # فطارت هربا وفرقا، حتى وقعت أربعة منها في حرم الله عز وجل، وأربعة في ~~حرم الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وخر موسى عليه الصلاة والسلام ~~صعقا، فصارت الأرض كلها # ذات بهجة وزينة، حتى ظهرت الكنوز على ظهر الأرض، وأبصرت العميان، وصح كل ~~مريض، وبرئ كل زمين، وانفتحت الأرحام، فحملت كل عقيم، وحلى كل أجاج). # فأعلم في هذا الحديث أن الشمس إنما ذهب ضوءها خشعة لله عز وجل، وخشوعها ~~خروجها من سربا لها التي سربلت به من نور العرش، فتهافت الضوء؛ فكذلك النفس ~~إذا أحست بالتجلي خشعت له عز وجل، وخرجت من جميع شهواتها إلى الله ms25 عز وجل، ~~وتهافتت أفراحها، وطرآت الشرور، فصارت ذبلة كالميتة، فتخلص القلب من ذلك، ~~وتخلص من أدناسها، فوجد السبيل إلى اله عز وجل، بما فيه من المعرفة والعقل، ~~فقرب ثم قرب، ثم زيد نورا، حتى مكن له بين يديه، فهو يعبده كأنه يراه، وهو ~~قول جبريل عليه السلام. (ما الإحسان؟ قال. أن تعبد الله عز وجل كأنك تراه). ~~فحسن العبادة مع الترائي، فإذا كان محجوبا فإنه يعبد الله ولا يلتمس الحسن ~~والزنة في العبادة، بمنزلة رجل دعاه الملك ليقطع ثوبا بين يديه ويخيطه، فلا ~~يترك هذا الصانع من خفة اليد، وحسن الابتداء، ووجازة الفعل، وإحكام الخياطة ~~وزينتها، إلا صنعه بين يديه، ويريد أن يتجلى بذلك عنده، فيكتسب به جاها ~~عنده ومنزلة؛ والآخر رجل دعاه الملك، وقال: أذهب بهذا الثوب فاقطعه وخطه ~~قميصا، واحمله إلي، حتى أنظر إليه، فلما غاب عنه ترك خفة اليد، وحسن ~~الابتداء، ووجازة الفعل، وإحكام الخياطة، وأتقنه وزينه، لأنه ذاكر العرض ~~عليه؛ والآخر دعاه الملك فقال: أذهب بهذا الثوب فاقطعه وخطه، وأنفذه إلى ~~فلان الراعي، فلما غاب عنه رفع عنه باله، فكيف قطعة وخاطه جوزة، لنه لم ~~يشعر برؤية الملك، ولا ذكر الغرض عليه، وإن ما به ارتفاع العمل، فيقول: قد ~~عملت، وأخذ الأجرة؛ وإنما جرأه على ذلك غفلته عن رؤية الملك، وعن العرض ~~عليه. # PageV01P062 # فعمال الله عز وجل ثلاثة أصناف، عامل يعمل على الترائي، فلا يترك زينة، ~~ولا مبادرة، ولا سرعة، ولا خفة يد، ولا طهارة، ولا تعظيما، ولا وجازة، ولا ~~مسابقة إلا جاء بها، يريد أن يتحلى بذلك عند مولاه عز وجل، وعامل ليس له ~~هذا الترائي، وهو محجوب القلب عنه بالشهوات، صادق في ابتغاء مرضاته، ذاكر ~~للعرض عليه، فلا يتزين، ولا يبادر، ولا يعظم، ولا يسارع، ولا يوجز، ولا ~~يسابق، ولكنه يعمل على الأحكام وحفظ الحدود، وإتمام الأمر بالأركان. وعامل ~~لا يذكر رؤية ربه عز وجل أنه ناظر إليه في هذا العمل، ولا هو ذاكر لعرض ~~الأعمال يوم القيامة، فهو يعمل على الغفلة على التجويز، ms26 فإنما يعمل كل صنف ~~منهم علة نوره الذي في صدره. # فجملة ما وصفنا من أمر السير إلى الله تعالى أن يتقى فرح النفس، أن ~~يتركها حتى تفرح بشيء من أحوالها، أو بتناولها من الدنيا وأعمال البر، كلما ~~ظهر فرحها نغص عليها بالمنع لها، والانتقال عنه حتى يملأ غما، فيذوب الفرح ~~الذي يتأدى إلى القلب، ويظهر النور، ويظهر في ذلك النور الفرح بالله عز ~~وجل، لأن ذاك النور يؤديه إلى صفات الله عز وجل، وإلى عظمته وجلاله، وجماله ~~وكبريائه، وبهائه وسؤدده، وكمه وجوده، وبره ولطفه، ومننه وإحسانه ورحمته؛ # PageV01P063 # فمحال أن يعتقد القلب هذا الفرح حتى يدوم له ذلك، وتزول عنه أفراح النفس، ~~ثم يصير في فرحه بالله عز وجل حزينا، لأنه محبوس عنه برمق الحياة في دار ~~الدنيا، مشتاق إلى ربه عز وجل، قد أنس به، واشتاق إلى لقائه، واستوحش من ~~الدنيا وأهلها، وهمته ذكر الله، وعبودية شهوته، وموته راحته ويوم عيده. # وتحقيق ما وصفنا من ضرر فرح النفس، أن الله عز وجل حرم المعازف والخمر ~~على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وما نطق به الوحي في شأن الخمر، وذلك أن ~~الله عز وجل لما خلق الفرح، وجعل له بابا، فلما خلق الجنة، خرجت الأغراس # من باب الرحمة، وخرج غرس العنب من باب الفرح، فلذلك أول ما أكل آدم صلى ~~الله عليه وسلم حين دخلها العنب، فامتلأ فرحا. # وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه سئل: (ما أول ما يأكل أهل ~~الحنة من الجنة؟ قال: العنب): وأول ما أكل آدم العنب، فامتلأ فرحا، ووضع من ~~الفرح في تلك النار التي فيها الزينة بباب النار التي سميت شهوات، فجعل ذلك ~~الفرح حظ إبليس، حتى يأخذه فيضعه في الأشياء التي يغوي الآدميين بها، فلما ~~أضل إبليس المشركين بذلك الفرح، دخل الأشجار وكل معبود من دون الله عز وجل، ~~فصوت منها بذلك الفرح، فكل من يتبع صوته، سبى ذلك الفرح قلبه، حتى يجيبه ~~إلى الشرك وإلى عبادته، فهو يرى أنه يعبد ms27 الشجرة والوثن، وإنما يعبد ~~الطاغوت، وإبليس طغى حتى بلع غاية الطغيان، فقيل طاغوت، وذلك قول الله عز ~~وجل: (كل حزب بما لديهم فرحون). فذلك الفرح لكل حزب من الذي أعطى إبليس، ~~حتى أورده على قلوبهم بصوته، وذلك قوله عز وجل: (واستفزز من استطعت منهم ~~بصوتك). وصوته مع ذلك الفرح، ولولا ذلك ما أجابوه، فهم فرحون بأديانهم، ~~وإنما يفرحون بالله عز وجل، ولكن غير مقبول منهم، وهم يحسبون أنهم مهتدون ~~بذلك الفرح، لأنهم تناولوه من إبليس، لا من هداية الله عز وجل ومعرفته، ~~وإنما وصل إلى غواية آدم صلى الله عيه وسلم، بما استفرحوا من الفرح. # PageV01P064 # وروى في الخبر أنه دخل الجنة صوت من مزمار له، حتى كادت حواء تطير من ~~الفرح، فقالت ما هذا الصوت؟ قال: لسروري بمكانكما، ثم قلب المزمار، فناح ~~نياحة أخذ بقلبها، حتى امتلأت حواء خوفا، فقالت: ما هذا الصوت؟ فقال حزنا ~~عليكما أن تموتا أو تخرجا منها. فهناك دلهما على شجرة الخلد، لكي يأكلا ~~منها، فيخلدا فيها. ففي وقت الفرح دلهما على شجرة الخلد، ولتخويف الزوال ~~دلاهما بغرور، حتى ذاقا الشجرة، فلما صارا محجوبين بالهم، فلما ذاقا عريا ~~من اللباس، # وانكشف الغطاء عن الذنب، فوليا في الجنة هاربين، فبالفرح، خلص العدو ~~إليه، حتى أكل من الشجرة، فصرعه. وحرم الله عز وجل الخمر لما فيها من ذلك ~~الفرح، لأن إبليس لما سرق العنب من سفينة نوح عليه الصلاة والسلام، وافتقده ~~نوح عليه السلام، جاءت الملائكة، حتى يقضي جبريل عليه السلام بينه وبين نبي ~~الله صلى اله عليه وسلم على الثلث والثلثين، فكل ما وجده نيا أو مطبوخا فيه ~~بقية من حظه لم تأكله النار، خاض فيه يديه بفرحة الذي أعطى، حتى يتحول ذلك ~~الفرح من يده إلى ذلك الشراب، وإنما يزبد ويغلي بحرارة يده الملعونة خلق من ~~النار، فإذا شربه الشارب، وقد تحول ذلك الفرح من يده في ذلك الشراب، دب في ~~هذا الشارب، وانكمن العقل، لتدنس يده ورجاسته، فشاربه يحتمل مرارته، وذهاب ~~عقله، وتلف ماله، وألم ms28 جسده، والآفات التي تحل به، فإنما يحتمل ذلك كله من ~~أجل ذلك الفرح الذي دب فيه، حتى يصده عن ذكر الله عز وجل وعن الصلاة، ووجد ~~سبيلا إلى أن يحرش بينهم، ويغري بعضهم ببعض، فحرمه الله عز وجل، لئلا يفرح ~~بفرح هو حظ إبليس لعنه الله تعالى. # فكذلك أصوات المعازف والملاهي، تلك الأصوات ممزوجة بالفرح الذي بيده، فلا ~~يلتذ المستمع إلا بما يمازجه من الفرح الذي بيد العدو، فإذا مازجه وسمع ~~الآدمي، هاج بالفرح منه، ودب في جميع جسده، وطرب حتى وثب ورقص كالقرد، فحرم ~~الله عز وجل هذه المعازف، للفرح الممازج من حظ العدو فيها، وأطلق # PageV01P065 # هذه الأشياء التي لا غنية بالآدمي عنها، مما هو له غذاء أو معاش، ثم حذره ~~أن يلهيه ذلك الفرح حتى يأشر ويبطر، ويتعدى الحدود. فالكيس حسم باب الفرح ~~عن نفسه، من كل حلال أو حرام، ومن جميع أعمال البر، مما يجد في النفس ~~استرواحا إليه. وبه فرحا، حتى ملأها غما، حتى طهر قلبه. وتجلت فيه أنوار ~~العزيز الماجد الكريم، على ما ذكرنا بديا، وعريت الملائكة من الشهوات # والجوارح والأجسام والأجواف والضرورات، فلا يحتاجون إلى طعام ولا شراب، ~~ولا كسوة ولا كن يستكنونه من الحر والبرد، فنجت من فتن الآدميين وضروراتهم، ~~ومكايد العدو، وأظهر خلقهم من التدبير بقوله (كن). وعاملهم من ملك الجبروت، ~~ومقاومتهم في ملك الجلال، وأظهر خلقنا من يده، وعاملنا من ملك الرأفة ~~والرحمة، ومقاومنا في ملك المحبة؛ فالملائكة مجبورون على حال واحد، لا ~~ينفكون ولا ينقلون عنها. والآدميون خدم بين يديه عز وجل، يتقلبون من حال ~~إلى حال، وكل أحوالهم خدمة، وإنما صار هكذا لأن المعرفة من الملائكة على ~~الأبصار، والمعرفة من الأميين على القلوب، والقلب أمير على الجوارح، فحركات ~~الجوارح كلها من تقلب القلب بمشيئاته، ومشيئاته بمشيئات ربه عز وجل، فأي ~~جارحة حركها فإنما محركها قلبه، والقلب شاخص إلى الله عز وجل بولهه في تلك ~~الحركة، فتلك خدمة منه له، مأخوذة هذه اللفظة من خدمة الساق، لأن الآدمي ~~إذا قام ms29 منتصبا، قام على خدمة ساقه، فهو بالقلب قائم بين يدي ربه عز وجل، ~~ومنه تتأدى الحركات إلى الجوارح، حتى تظهر على الجوارح، فقيامه ونهوضه إلى ~~ربه عز وجل بتلك الحركة هو خدمته، وهو النية التي ينوى بها العبد في كل ~~عمل، # PageV01P066 # والنية النهوض، يقال في اللغة. ناء ينوء، أي نهض ينهض، فالقلب يرتحل إلى ~~الله عز وجل، حتى يصل إلى سورة المنتهى إن كان له طريق، فإن حبس في الطريق ~~فللتهمة احتبس، ولسوء الأدب منع وانسد الطريق، فعلى أي حال كان، فقد نهض من ~~مكانه إن وجد الطريق أو لم يجد. ويقول للجارحة التي تعمل ذلك العمل تحركي ~~بذلك العمل في حركاتك، وانفذي العمل على أثري، فإني واقف بالباب، أبتغي من ~~ربي عز وجل مرضاته، بما ينفذ إليه على أثري، فهذه النية. # ثم الناس في نياتهم على درجات، على تفاوت عقولهم؛ ولذلك قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم، فيما يروى عنه، قال: (يعملون الناس الخير ويعطون ~~أجورهم على قدر عقولهم). وروي عن الله عز وجل قال: يا موسى، إنما أجزي ~~الناس على قدر عقولهم). قال له قائل: صف لنا شيئا منه، كيف تفاوت على قدر ~~العقول؟ قال: مثل رجل دخل المسجد فوجد الصف الأول قد قام، فوقف في الصف ~~الثاني، فقد سقط من درجة الصف الأول، # PageV01P067 # ودرجته أنه جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته ~~يصلون على الصف الأول، وجاء إن الرحمة تنزل على الإمام مائة رحمه، فيأخذ من ~~بحياله خلفه مثل ما للإمام، ثم الذي عن يمينه إلى منتهى خمسة وسبعين، ثم ~~الذي عن يساره خمسون، فمن دخل المسجد فوقف في الصف الثاني عن غفلة لم ينل ~~من صلاة الرب عز وجل شيئا، ولا من هذه الرحمة التي وصفت عن ابن عباس رضي ~~الله عنه، فمن دخل فنوي أني لو وجدت مكانا لدخلت في الصف الأول، فبهذه ~~النية استوى هو بالصف الأول، وله مثل أجورهم لما نوى، كأنه فيهم. ثم إذا ~~تمنى أن يدخل ms30 في الصف الأول، ونوى ذلك، وامتنع وتحرج مخافة أن يؤذى مسلما، ~~أو يضيق عليه، يضاعف أجره على من في الصف الأول، بما اتقى أذى المسلم. # كذلك روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن النية، وفي شأن التقوى؛ ~~عن أبي كبشة الأنصاري رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: أحدثكم حديثا فاحفظوه، إنما الدنيا أربعة نفر: عبد رزقه الله عز وجل ~~فيها مالا وعلما، فهو يتقي الله عز وجل، ويصل رحمه فيه، ويعطي الله عز وجل ~~منه حقه، فهو بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله عز وجل علما، ولم يرزقه مالا، ~~فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان، فأجرهما سواء. وعبد ~~رزقه الله عز وجل مالا، ولم يرزقه علما، فهو يتخبط في ماله بغير علم، فلا ~~يتقي فيه ربا، ولا يصل فيه رحما، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث ~~المنازل. # PageV01P068 # وعبد لم # يرزقه الله عز وجل مالا ولا علما، فهو يقول: لو أن لي مالا عملت بعمل ~~فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء. # حدثنا الفضل بن محمد، حدثنا زريق بن الورد الرقي، حدثنا أسلم بن سالم، عن ~~عبد الغفار بن ميمون، عن عبد الملك الجزري، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (من ترك الصلاة في الصف الأول مخافة أن يؤذي مسلما أو يزاحم ~~أحدا، فصلى في الصف الثاني أو الثالث، أضعف الله عز وجل أجره على من صلى في ~~الصف الأول). فهذا بعقله نال زيادة الثواب على الصف الأول، والآخر بغفلته ~~وجهله سقط عن هذا الثوب. فهذا تفسير: (إنما أجزى الناس على قدر عقولهم). ~~ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يروى عنه. (لا يعجبنكم إسلام ~~رجل حتى تعلموا ما عقدة عقله). # وحدثني بذلك أبي رحمه الله، حدثنا جندل بن واثق الكوفي، حدثنا عبد الله ~~بن عمر الرقي، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، ~~عن رسول الله صلى الله ms31 عليه وسلم. # فالصادقون المخلطون قلوبهم محجوبة بالشهوات، فنيتهم النهوض بالقلب، إذا ~~نهضوا لم يجدوا منفذا، فيقفون حيث بلغوا من الجو. وأما الذين فتح لهم في ~~الغيب، فإن قلوبهم تنهض إلى العلا، حتى تبلغ مقامه، فهناك يبتغي مرضاة ربه ~~تعالى، وحركات الجوارح عند فراغه من العمل تلحقه على أثره، فذلك النهوض هو ~~نيته؛ والسابقون الذين وصلوا إلى الله عز وجل في مقامه، يترضى ربه عز وجل، ~~ثم يلحقه العمل على الأثر، فالنيات متفانية، فهؤلاء خدم. # PageV01P069 # وأما الملائكة عليهم السلام، فإنما يعملون في مصافهم ومقاومهم على ~~الأبصار، وإنما خص جبريل عليه الصلاة والسلام من بين الملائكة. لأنه خادم ~~ربه عز وجل، لأنه بين يديه على ساقيه يخدمه باختلاف الأحوال، وأهل السموات ~~في # مصافهم؛ فالملائكة في أعلى الخلق مكانا، وهم سخرة للآدميين. فأما إسرافيل ~~عليه الصلاة والسلام فقابض الوحي، ومؤديه إلى جبريل عليه السلام، وصاحب ~~الصور، يدعوهم إلى الحشر وقبض الجزاء. وأما جبريل عليه السلام فصاحب ~~الرسالة. وأما ميكائيل عليه السلام فقابض أرزاق الآدميين، والموكل بالقطر ~~والنبات والرياح لمعاش الآدميين. وأما ملك الموت عليه السلام فقابض ~~أرواحهم، وأما حملة العرش فموكلون بالاستغفار للآدميين. وأما الكوريون وأهل ~~عليين فموكلون بالاستغفار والتضرع، والبكاء على أهل الذنوب من الآدميين. # وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما أسرى بي، سمعت دويا، ~~فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا بكاء الكوريين على أهل الذنوب من أمتك). ~~وأما أهل السموات فموكلون في صلاتهم بالاستغفار ووفارة التقصير؛ وآخرون ~~موكلون بالرياح، وآخرون موكلون بالسحاب، وآخرون موكلون بالشمس، وموكلون ~~بالقمر، وموكلون بالنبات، وموكلون بالجبال، وموكلون بالبحار، وموكلون ~~بالليل والنهار، وموكلون بالحر، وموكلون بالبرد، وموكلون برزق الخلق صباح ~~كل يوم، موكلون بالثلج، وموكلون بأعمالهم: حفظة كتبة، وموكلون بالحراسة، ~~وهم # PageV01P070 # المعقبات؛ وموكلون بالهداية على القلوب، وموكلون بالهداية في الأسفار ~~بالاستقامة، موكلون بإتمام الكلام، فإذا قال: الحمد لله، قال الملك: رب ~~العالمين، وإذا قال العبد: سبحان الله، قالت الملائكة: وبحمده، ويكتب ذلك ~~لصاحبها، وموكلون بصلاة الآدميين في صفوفهم، فكلما زاد رجل ms32 زاد معه ملك معه ~~رحمة؛ وموكلون بحجهم، وفي مشاهدهم وموقفهم، وموكلون بالزحف للنصر عند لقاء ~~العدو؛ وموكلون بجنائزهم للتشييع، فهم أمام الجنازة؛ وموكلون بليلة القدر: ~~ونزول الروح، والتسليم على الآدميين؛ وموكلون بالأعياد وحمل الجوائز؛ ~~وموكلون بالتثبيت للآدميين في أعمالهم؛ موكلون بنزع الأرواح منهم، ورفعها ~~إلى الله عز # وجل مع ملك الموت؛ وموكلون بتشييع أرواحهم إلى العرض على الله عز وجل، في ~~مقام العرض؛ هذا كله في الدنيا، ثم إذا قامت القيامة، فموكل بنفخ الصور، ~~وموكل بالبشرى للموحدين، وموكل بحمل الكسوة للآدميين، وموكلون بالرحمة، ~~ليقسموها عليهم، وموكلون بجنبات النار، ينادون ربهم عز وجل، يسألونه ~~السلامة وموكلون بوزن الأعمال، وعرض الدواوين، وموكلون بحمل الأعمال من ~~الخزائن إلى الموقف؛ وموكلون بتشيعهم إلى الجنان من الموقف؛ وموكلون في ~~الجنان بالخزانة: قهارمة، وزوار، وحملة هدايا من رب العالمين؛ وجبريل صلى ~~الله عليه وسلم موكل في الدنيا بأداء الوحي، وتبليغ الرسالة، ويوم القيامة ~~بوزن الأعمال، وفي الجنة بالنداء من بطنان العرش، للزيارة إلى رب العالمين. # PageV01P071 # فوجدنا الملائكة كلهم مسخرين لنا في الدنيا، ويوم القيامة، وفي الجنان ~~إلى الأبد، فآدم عليه السلام خليفة الله عز وجل في أرضه، والملائكة جند ~~الخليفة، يعملون له ولولده ما ذكرنا في ولده، فما خرب ولده عمرته الملائكة، ~~وما أفسد ولده أصلحه الملائكة، وما دنس ولده غسلته الملائكة وطهرته. # وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: قالت الملائكة، يا ربنا ~~منا المقربون ومنا الصافحون المسبحون، ومنا الكرام الكاتبون، ومنا ومنا، ~~جعلت الدنيا لبني آدم يأكلون ويشربون، فاجعل لنا الآخرة، قال: لن أفعل. ~~فعاودوه بمثل مقالتهم، فقال: لن أفعل. ثم عاودوه في الثالثة، فقال: لن ~~أفعل، لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن فكان، هم عبادي ~~المقربون، والملائكة عباد مجبورون، ومكرمون بالعبادة والطهارة، والآدميون ~~خدم وتجار معاملون، # PageV01P072 # فالمعرفة رءوس أموالهم، والحركات تجاراتهم، ومرضاة الله عز وجل أرباحهم، ~~قال الله عز وجل: (والله يعلم متقلبكم ومثواكم)، تقلبوا في مرضاته، وثووا ~~في جناته، تحت عرشه في جواره، ms33 فأكرم الله تعالى هذا المؤمن بمعرفته، فأحرزه ~~في # ذمته، وحرم عرضه ودمه وماله، وعظم حرمته، فأعلمهم بالله أعظمهم حرمة، ~~وأقربهم وسيلة، وأكرمهم عليه، فمثل العلم به كمثل رجل نظر إلى شخص رجل، حتى ~~عرفه بالوجه، فهو ساكن القلب، حتى إذا عرفه بخصلة من خصال الشرف، فوجد قلبه ~~قد تغير له إلى التعظيم والإجلال، فإن كان قد جمعت هذه الخصال في رجل واحد، ~~مما وصف الله عز وجل بها نفسه، من الجود والغنى، والرأفة والرحمة، والسماحة ~~والكرم، والمعرفة بالأمور، والقوة والتدبير، ومحاسن الأخلاق، عظم شأن الرجل ~~عندك، حتى تهتم في ذكره وأوصافه، فمن كشف له الغطاء حتى عرف ربه عز وجل ~~بأسمائه الحسنى، وبأمثاله العلا، كان أسبى لقلبه، والهج لذكره. # وابن آدم مطبوع على سبعة، وهي الغفلة، والشك، والشرك، والرغبة، والرهبة، ~~والشهوة، والغضب، فهذه سبعة أخلاق، فإذا جاءه نور الهداية حتى عرف ربه عز ~~وجل ووحده، ذهبت الغفلة، وذهب الشك والشرك؛ فهو يعلم ربه يقينا، وينفى عنه ~~الشرك، وزوال الشك عنه، ثم لما جاءت الشهوة، فأظلم الصدر بدخانها وفورانها، ~~ذهب بضوء علمه واستنارته، وتحير في أمر ربه عز وجل كالشاك، وظهر شرك ~~الأسباب، فكلما أزداد العبد معرفة وعلما بربه عز وجل، استنار قلبه وصدره، ~~وانتقص من الغفلة، # PageV01P073 # ومن هذه الخصال السبع كلها، حتى يمتلئ صدره من عظمة الله عز وجل وجلاله، ~~فعندها كشف الغطاء، وصار يقينا، وزايله شرك الأسباب، وماتت الشهوة، وذهب ~~الغضب، وذهبت الرغبة والرهبة، فلا يرغب إلا إلى الله عز وجل، ولا يرهب إلا ~~منه، ولا يغضب إلا في ذات الله عز وجل ولله، ولا يشتغل بشهوة إلا بذكر الله ~~عز وجل. # PageV01P074 # قال له قائل: صف لنا من رياضة النفس شيئا: قال: إن النفس إذا اعتادت ~~اللذة والشهوة، والعمل بالهوى، أقبل على فطمها عن العادة في كل شيء، فكلما ~~اشتد # عليها فطم شيء فأقبل ذلك الشيء حتى تفطمها عنه، حتى يصير قلبك حرا، يألف ~~مع الله عز وجل ببره ولطفه، فقد رأيت البازي كيف يلقى في البيت، وتخاط ~~عيناه، ms34 حتى ينقطع عن الطيران، ويربى باللحم، ويرفق به، حتى يأنس بصاحبه، ~~ويألفه إلفا، إذا دعاه فسمع صوته أجابه. # فكذلك النفس. إنما تجيب ربها عز وجل فيما أمرها بعد فطامها عن عادات ~~الأمور التي اشتهت ولذت، فإذا فطمها ألزمها الدعاء، وثناء الرب عز وجل ~~ومدائحه ونجواه، حتى تأنس بذلك، وتألف الذكر، حتى ينكشف الغطاء بعد ذلك، ~~فيألف ربه عز وجل. # وكذلك تجد الصبي قد ألف ثدي أمه، حتى لا يكاد يصبر عنه ساعة، فإذا فطمته ~~اشتد على الصبي، وبكى وقلق، فإذا دام الفطم نسيه، وأقبل على الطعام ~~والشراب، فكلما وجد حلاوة الأطعمة والأشربة هجر الثدي، وعاف ذكر اللبن. # وكذلك تجد الدابة تؤخذ من الدواب السائمة، لتؤدب وتعود الركوب، ففي ~~الابتداء تنفر عن اللجام والسرج، فتشكل حتى تسرج، وتلجم حتى تعتاد، وتعلم ~~السير حتى تصير أذنها إلى العنان، وقلبها إلى إشارات الراكب بذلك العنان، ~~فإذا بلغ بها القنطرة وثبت وثبة لا تدعها تجور، فتعتاد ذلك، فليس في كل ~~مكان يوجد قنطرة، فيهودها الوثب وسيرها في جلبة الصناعيين، مثل الحدادين ~~والنجارين فإذا نفرت من تلك الأصوات أو تركت سيرها، أدبها حتى لا تنفر ولا ~~تتحير، حتى تصير أديبة سيورة. # PageV01P075 # فكذلك الآدمي، يؤدب كما تؤدب هذه الطيور والدواب، بالفطم عن عاداتها، وكل ~~شيء تجد النفس لذته في وقت تفرح بذلك الشيء، فإذا فرحت به فقد تدنس بذلك ~~الفرح، فيصير غشاء عليه، حجابا له من ذلك الفرح؛ فكان أهل الصدق في هذه ~~الطريق يلزمون هذا الباب الذي وصفت، فكل شيء تفرح نفوسهم به من وجود # لذة ذلك الشيء كائنا ما كان، من طعام أو شراب، أو لباس أو أهل، أو ولد، ~~أو أخ، أو مؤنس، أو أصحاب، أو أمكنة، أو عرض من عروض الدنيا؛ فكانوا يتوقون ~~الفرح لذلك، فيأخذون من ذلك الشيء ألي لا بد لهم منه على الضرورة، ثم ~~يهربون من لذته، خوفا على النفس أن تفرح بذلك، فإذا دام على ذلك صاحبه، ~~فذلك تقوى الباطن. وأما تقوى الظاهر فهو حفظ الجوارح مع الخلق ms35 والملائكة. # فإذا فعل ذلك فأدى الفرائض لمواقيتها وحددوها، واستعان على النفس برؤية ~~الموتى والمقابر وأهل السجون، والمواضيع التي فيها النيران العظيمة، من ~~الأتون ومذاب جواهر الزجاج، فإن في ذلك قمعا للنفس، أورثه فعله بنفسه الغم، ~~ومن الغم الهم والأحزان. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما عبد ~~الله عز وجل بمثل طول الأحزان). ### | تم كتاب الرياضة، بحمد الله ومنه # وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا. PageV01P076 ms36