######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009291 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: البيهقي #META# 010.AuthorNAME :: إبراهيم بن محمد البيهقي #META# 011.AuthorBORN :: - #META# 011.AuthorDIED :: 320 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المحاسن والمساوئ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: كتب متفرقة في الأخلاق والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: المحاسن والمساوى #META# 030.LibURI :: JK_009291 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عدنان علي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت/ لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1420هـ - 1999م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم وله الأمان من الخذلان . الحمد لله رب العالمين ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد النبي الأمي ~~الهاشمي الأبطحي المكي المدني الهادي المهدي السراج المضيء والقمر المنير ~~التقي النقي وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار السادة الأطهار المقسطين ~~الأبرار الذين خلقوا من طينة واحدة وجبلوا على فطرته ودرجوا على حوزته ~~وميزوا بحكمته وعلى منهاجه وملته وفازوا بطاعته وسلم تسليما كثيرا دائما . ~~PageV01P005 صفحة فارغة PageV01P006 # | محاسن الكتب # قال الشيخ إبراهيم بن محمد البيهقي : قال مصعب بن الزبير : إن الناس ~~يتحدثون بأحسن ما يحفظون ويحفظون أحسن ما يكتبون ويكتبون أحسن ما يسمعون ، ~~فإذا أخذت الأدب فخذه من أفواه الرجال فإنك لا تسمع منهم إلا مختارا . وقال ~~لقمان لابنه : يا بني تنافس في طلب الأدب فإنه ميراث غير مسلوب وقرين غير ~~مغلوب ونفيس حظ في الناس مطلوب . وقال الزهري : الأدب ذكر لا يحبه إلا ~~الذكور من الرجال ولا يبغضه إلا مؤنثهم . وقيل : إذا سمعت أدبا فاكتبه ولو ~~في حائط ، قال : وقال المنصور بن المهدي للمأمون : أيحسن بمثلي طلب الأدب ؟ ~~قال : لأن تموت طالبا للأدب خير من أن تعيش قانعا بالجهل . قال : فإلى متى ~~يحسن بي ذلك ؟ قال : ما حسنت بك الحياة . وقال الزهري : ما سمعت كلاما أوجز ~~من كلام عبد الملك بن مروان لولده حيث يقول : اطلبوا معيشة لا يقدر عليها ~~سلطان جائر . قيل ما هي ؟ قال : الأدب . وقال بزرجمهر : يا ليت شعري أي شيء ~~أدرك من فاته الأدب أم أي شيء فات من أدرك الأدب ومادته من الكتب ! وقد ~~أهدى بعض الكتاب إلى صديق له دفترا وكتب له : هديتي هذه ، أعزك الله ، تزكو ~~عن الإنفاق وتربو على الكد ، لا تفسدها العواري ولا تخلقها كثرة التقليب ، ~~وهي أنس في الليل والنهار والسفر والحضر تصلح للدنيا والآخرة ، تؤنس في ~~الخلوة وتمتع في الوحدة ، مسامر مساعد ومحدث مطواع ونديم صديق . وقال بعضهم ~~: الكتب بساتين العلماء . وقال آخر : الكتاب جليس لا مؤنة له . وقال الفضل ~~بن سهل للمأمون وهو ms001 بدمشق بدير مران مشرف على غوطتها : يا أمير المؤمنين هل ~~رأيت في حسنها شبيها في شيء من ملك العرب ؟ يعني PageV01P007 الغوطة . قال ~~: بلى والله ، كتاب فيه أدب يجلو الأفهام ويذكي القلوب ويؤنس الأنفس أحسن ~~منها . وقال الجاحظ : الكتاب نعم الذخر والعقدة ونعم الجليس والقعدة ، ونعم ~~النشرة والنزهة ، ونعم المشتغل والحرفة ، ونعم الأنيس ساعة الوحدة ، ونعم ~~المعرفة ببلاد الغربة ، ونعم القرين والدخيل ، ونعم الوزير والنزيل ، ~~الكتاب وعاء مليء علما وظرف حشي ظرفا ، إن شئت كان أعيا من باقل وإن شئت ~~كان أبلغ من سحبان وائل وإن شئت ضحكت من نوادره وإن شئت بكيت من مواعظه ، ~~ومن لك بواعظ مله وبناسك فاتك وناطق أخرس ، ومن لك بطبيب أعرابي ورومي ~~وهندي وفارسي ويوناني ونديم مولد ووصيف ممتع ، ومن لك بشيء يجمع الأول ~~والآخر والناقص والوافي والشاهد والغائب والرفيع والوضيع والغث والسمين ~~والشكل وخلافه والجنس وضده ، وبعد فما رأيت بستانا يحمل في ردن وروضة تنقل ~~في حجر ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء غيره ، ومن لك بمؤنس لا ينام إلا ~~بنومك ولا ينطق إلا بما تهوى ، آمن من في الأرض وأكتم للسر من صاحب السر ~~وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة ، ولا أعلم جارا أبر ولا خليطا أنصف ولا ~~رفيقا أطوع ولا معلما أخضع ولا صاحبا أظهر كفاية ولا عناية ولا أقل إملالا ~~وإبراما ولا أبعد عن مراء ولا أترك لشغب ولا أزهد في جدال ولا أكف عن قتال ~~من كتاب ، ولا أعم بيانا ولا أحسن مؤاتاة ولا أعجل مكافأة ولا شجرة أطول ~~عمرا ولا أطيب ثمرا ولا أقرب مجتنى ولا أسرع إدراكا ولا أوجد في كل إبان من ~~كتاب ، ولا أعلم نتاجا في حداثة سنه وقرب ميلاده ورخص ثمنه وإمكان وجوده ~~يجمع من التدابير العجيبة والعلوم الغريبة ومن آثار العقول الصحيحة ومحمود ~~الأذهان اللطيفة ومن الحكم الرفيعة والمذاهب القديمة والتجارب الحكيمة ~~والأخبار عن القرون الماضية والبلاد المتراخيةو السائرة والأمم البائدة ما ~~يجمع من كتاب ولولا الحكم المخطوطة والكتب المدونة لبطل أكثر العلم ولغلب ~~سلطان ms002 النسلن سلطان الذكر ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار ، ولو لم ~~يتم ذلك لحرمنا أكثر النفع ، ومن لك لا يبتدئك في حال شغلك ولا في أوقات ~~عدم نشاطك ولا يحوجك إلى التجمل والتذمم ، ومن لك بزائر إن شئت جعلت زيارته ~~غبا وورده خمسا وإن شئت لزمك لزوم ظلك . PageV01P008 والكتاب هو الجليس ~~الذي لا يطريك والصديق الذي لا يقليك والرفيق الذي لا يملك والمستميح الذي ~~لا يؤذيك والجار الذي لا يستبطئك والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك ~~بالملق ولا يعاملك بالمكر ولا يخدعك بالنفاق . والكتاب هو الذي إن نظرت فيه ~~أطال إمتاعك وشحذ طباعك وبسط لسانك وجود بيانك وفخم ألفاظك وعمر صدرك وحباك ~~تعظيم الأقوام ومنحك صداقة الملوك ، يطيعك في الليل طاعته بالنهار ، وفي ~~السفر طاعته في الحضر ، وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقرك وإن قطعت ~~عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة وإن عزلت لم يدع طاعتك وإن هبت عليك ريح ~~أعدائك لم ينقلب عليك ، ومتى كنت متعلقا به ومتصلا منه بأدنى حبل لم يضرك ~~منه وحشة الوحدة إلى جليس السوء ، وإن أمثل ما يقطع به الفراغ نهارهم ~~وأصحاب الكفايات ساعة ليلهم نظرة في كتاب لا يزال لهم فيه ازدياد أبدا في ~~تجربة وعقل ومروءة وصون عرض وإصلاح دين ومال ورب صنيعة وابتداء إنعام ، ولو ~~لم يكن من فضله عليك وإحسانه إليك إلا منعه لك من الجلوس على بابك ونظرك ~~إلى المارة بك مع ما في ذلك من التعرض للحقوق التي تلزم ومن فضول النظر ~~وملابسة صغار الناس ومن حضور ألفاظهم الساقطة ومعانيهم الفاسدة وأحوالهم ~~الردية وطرائقهم المذمومة وأفعالهم الخبيثة القبيحة لكان في ذلك السلامة ثم ~~الغنيمة وإحراز الأصل مع استفادة الفرع ، ولو لم يكن في ذلك إلا السلامة ثم ~~الغنيمة وإحراز الأصل مع استفادة الفرع ، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يشغلك ~~عن سخف المنى وعن اعتياد الراحة وعن اللعب وكل ما أشبهه ، لقد كان في ذلك ~~على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المنة ، وهو الذي ms003 يزيد في العقل ويشحذه ~~ويداويه ويهذبه وينفي الخبث عنه ويفيد العلم ويصادق بينك وبين الحجة ويقودك ~~للأخذ بالثقة ويعمر الحال ويكسب المال ، وهو منبهة للمورث وكنز عند الوارث ~~غير أنه كنز لا زكاة فيه ولا حق للسلطان يخرج منه ، هو كالضيعة التي لا ~~تحتاج إلى سقي ولا إسجال بإيغاز ولا إلى شرط ولا أكار ، وليس عليها عشر ~~للسلطان ولا خراج ، ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها وخلدت من عجيب ~~حكمها ودونت من أنواع سيرها حتى شاهدناها بها من غاب عنا وفتحنا بها كل ~~منغلق علينا فجمعنا في قليلنا كثيرهم وأدركنا ما لم ندركه إلا بهم لقد كان ~~بخس حظنا منه ، وأكثر من كتبهم نفعا وأشرف منها حظا وأحسن موقعا كتب الله ~~عز وجل التي فيها الهدى والرحمة والإخبار عن كل عبرة وتعريف كل سيئة وحسنة ~~، وما زالت كتب الله جل وعلا في الألواح والصحف والمصاحف ، فقال جل ذكره : ~~' أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ' ، فذكر صحف موسى ~~الموجودة وصحف إبراهيم البائدة ، وقال : ' آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه ' ، ~~وقال عز وجل : ' ما فرطنا في الكتاب من شيء ' ، وقال : ' كراما PageV01P009 ~~كاتبين ' ، وقال : ' وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ' ، وقال : ' اقرأ كتابك ~~كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ' ، ولو لم تكن تكتب أعمالهم لكانت محفوظة لا ~~يدخل ذلك الحفظ نسيان ولكنه تعالى جده علم أن نسخه أوكد وأبلغ وأهيب في ~~الصدور فقال جل ذكره : ' إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ' ، ولو شاء الله ~~أن يجعل البشارات بالمرسلين على الألسنة ولم يودعها الكتب لفعل ، ولكنه ~~تبارك وتعالى علم أن ذلك أتم وأبلغ وأكمل وأجمع . وفي قول سليمان ، عليه ~~السلام : ' اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ' ، وقد كان عنده من يبلغ الرسالة ~~على تمامها من عفريت وإنسي وغيرهما ، فرأى الكتاب أبهى وأحسن وأكرم وأفخم ~~وأنبل من الرسالة ، ولو شاء النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أن لا يكتب إلى ~~قيصر وكسرى والنجاشي والمقوقس وإلى بني الجلندي وإلى العباهلة من حمير وإلى ~~هوذة ms004 والملوك العظماء والسادة النجباء لفعل ولوجد المبلغ المعصوم من الخطإ ~~والزلل والتبدل ، ولكنه ، عليه السلام ، علم أن الكتاب أشبه بتلك الحالة ~~وأليق بتلك المراتب وأبلغ في تعظيم ما حواه الكتاب ، وحمله إن كثر ورقه ~~فليس مما يمل لأنه وإن كان كتابا واحدا فإنه كتب كثيرة ، فإن أراد قراءة ~~الجميع لم يطل عليه الباب الأول حتى يهجم على الثاني ولا الثالث حتى يهجم ~~على الرابع ، فهو أبدا مستفيد ومستطرف ، وبعضه يكون حاثا لبعض ، ولا يزال ~~نشاطه زائدا متى خرج من أثر صار في خبر حتى يخرج من خبر إلى شعر ومن الشعر ~~إلى النوادر ومن النوادر إلى نتف وإلى مواعظ حتى يفضي به إلى مزح وفكاهة ~~وملح ومضاحك وخرافة . وكانوا يجعلون الكتاب نقرا في الصخور ونقشا في ~~الحجارة وحلقة مركبة في البنيان ، وربما كان الكتاب هو الناتيء وربما كان ~~الكتاب هو المحفور إذا كان ذلك تاريخا لأمر جسيم أو عهدا لأمر عظيم أو ~~موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره ، كما كتبوا على قبة ~~غمدان وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقر ~~وعلى الأبلق الفرد من تيماء وعلى باب الرهاء ، يعمدون إلى المواضع الرفيعة ~~المشهورة PageV01P010 والأماكن المذكورة ويضعون الخط في أبعد المواضع من ~~الدثور وأمنعها من الدروس وأجدر أن يراها من مر ولا ينسى على مرور الدهور ، ~~وعمدوا إلى الرسوم ونقوش الخواتيم فجعلوها سببا لحفظ الأموال والخزائن ~~ولولاها لدخل على الناس الضرر الكبير ، ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب ~~أكثره ولبطلت معرفة التضاعيف ، ونفع الحساب معلوم والخلة في موضع فقده ~~معروفة . قال الله عز وجل : ' هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ' ، ولولا الكتب المدونة والأخبار ~~المجلدة والحكم المخطوطة التي تجمع الحساب وغير الحساب لبطل أكثر العلم ، ~~ولولا الكتاب لم يكن يعلم أهل الرقة والموصل وبغداد وواسط ما كان بالبصرة ~~وحدث بالكوفة في بياض يوم حتى تكون الحادثة بالكوفة غدوة فيعلمها أهل ~~البصرة قبل المساء ، وذلك مشهور في ms005 الحمام إذا أرسلت ، وكانت العرب تعمد في ~~مآثرها على الشعر الموزون والكلام المقفى وكان ذلك ديوانها على أن الشعر ~~بقية فضيلة البيان على الشاعر الراغب وفضيلة الأثر على السيد المرغوب إليه ~~، وكانت العجم تقيد مآثرها بالبنيان فبنت مثل بناء أردشير وبناء إصطخر ~~وبيضاء المدائن وشيرين والمدن والحصون والقناطر والجسور ، ثم إن العرب ~~شاركت العجم في البنيان وتفردت بالشعر ، فلها من البنيان غمدان وكعبة نجران ~~وقصر مأرب وقصر شعوب والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان ، وتصنيف الكتب أشد ~~تقييدا للمآثر على مر الأيام والدهور من البنيان لأن البنيان لا محالة يدرس ~~وتعفو رسومه والكتاب باق يقع من قرن إلى قرن فهو أبدا جديد والناظر فيه ~~مستفيد وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير ، وأهل العلم والنظر ~~وأصحاب الفكر والعبر والعلماء بمخارج الملل وأرباب النحل وورثة الأنبياء ~~وأعوان الخلفاء يكتبون كتب الظرفاء والملحاء وكتب الملاهي والفكاهات وكتب ~~أصحاب المراء والخصومات وكتب أصحاب العصبية وحمية الجاهلية فمنهم من يفرط ~~في التعلم في أيام جهله وخمول ذكره وحداثة سنه ، ولولا جياد الكتب وحسانها ~~لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم ونازعت إلى حب الأدب وأنفت من حال الجهل ~~وأن تكون في غمار الحشوة ويدخل عليهم الضرر والحقارة وسوء الحال بما عسى أن ~~يكون لا يمكن الإخبار عن مقداره إلا بالكلام الكثير ، ولذلك قال عمر بن ~~الخطاب : تفقهوا قبل أن تسودوا . وفكاهة وملح ومضاحك وخرافة . وكانوا ~~يجعلون الكتاب نقرا في الصخور ونقشا في الحجارة وحلقة مركبة في البنيان ، ~~وربما كان الكتاب هو الناتيء وربما كان الكتاب هو المحفور إذا كان ذلك ~~تاريخا لأمر جسيم أو عهدا لأمر عظيم أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف ~~يريدون تخليد ذكره ، كما كتبوا على قبة غمدان وعلى باب القيروان وعلى باب ~~سمرقند وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقر وعلى الأبلق الفرد من تيماء وعلى ~~باب الرهاء ، يعمدون إلى المواضع الرفيعة المشهورة والأماكن المذكورة ~~ويضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور وأمنعها من الدروس وأجدر أن يراها ~~من مر ms006 ولا ينسى على مرور الدهور ، وعمدوا إلى الرسوم ونقوش الخواتيم ~~فجعلوها سببا لحفظ الأموال والخزائن ولولاها لدخل على الناس الضرر الكبير ، ~~ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب أكثره ولبطلت معرفة التضاعيف ، ونفع ~~الحساب معلوم والخلة في موضع فقده معروفة . قال الله عز وجل : ' هو الذي ~~جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ' ، ~~ولولا الكتب المدونة والأخبار المجلدة والحكم المخطوطة التي تجمع الحساب ~~وغير الحساب لبطل أكثر العلم ، ولولا الكتاب لم يكن يعلم أهل الرقة والموصل ~~وبغداد وواسط ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في بياض يوم حتى تكون الحادثة ~~بالكوفة غدوة فيعلمها أهل البصرة قبل المساء ، وذلك مشهور في الحمام إذا ~~أرسلت ، وكانت العرب تعمد في مآثرها على الشعر الموزون والكلام المقفى وكان ~~ذلك ديوانها على أن الشعر بقية فضيلة البيان على الشاعر الراغب وفضيلة ~~الأثر على السيد المرغوب إليه ، وكانت العجم تقيد مآثرها بالبنيان فبنت مثل ~~بناء أردشير وبناء إصطخر وبيضاء المدائن وشيرين والمدن والحصون والقناطر ~~والجسور ، ثم إن العرب شاركت العجم في البنيان وتفردت بالشعر ، فلها من ~~البنيان غمدان وكعبة نجران وقصر مأرب وقصر شعوب والأبلق الفرد وغير ذلك من ~~البنيان ، وتصنيف الكتب أشد تقييدا للمآثر على مر الأيام والدهور من ~~البنيان لأن البنيان لا محالة يدرس وتعفو رسومه والكتاب باق يقع من قرن إلى ~~قرن فهو أبدا جديد والناظر فيه مستفيد وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان ~~والتصاوير ، وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر والعلماء بمخارج الملل ~~وأرباب النحل وورثة الأنبياء وأعوان الخلفاء يكتبون كتب الظرفاء والملحاء ~~وكتب الملاهي والفكاهات وكتب أصحاب المراء والخصومات وكتب أصحاب العصبية ~~وحمية الجاهلية فمنهم من يفرط في التعلم في أيام جهله وخمول ذكره وحداثة ~~سنه ، ولولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم ونازعت إلى ~~حب الأدب وأنفت من حال الجهل وأن تكون في غمار الحشوة ويدخل عليهم الضرر ~~والحقارة وسوء الحال بما عسى أن يكون لا يمكن الإخبار عن مقداره إلا ~~بالكلام الكثير ، ولذلك ms007 قال عمر بن الخطاب : تفقهوا قبل أن تسودوا . وقال ~~بعض الحكماء : ذهبت المكارم إلا من الكتب . وقال الله عز وجل : ' اقرأ وربك ~~الأكرم PageV01P011 الذي علم بالقلم ' ، فوصف نفسه تعالى جده بأنه علم ~~بالقلم كما وصف نفسه بالكرم واعتد بذلك في نعمه العظام وأياديه الجسام ووضع ~~القلم في المكان الرفيع ونوه بذكره وأقسم به كما أقسم بما يخط به فقال : ' ~~ن والقلم وما يسطرون ، والقلم أرجح من اللسان لأن كتابته تقرأ بكل مكان ~~ويظهر ما فيه على كل لسان ويوجد مع كل زمان ، ومناقلة اللسان وهديته لا ~~تجاوزان مجلس صاحبه ومبلغ صوته ، والكتاب يخاطبك من بعيد ، وقد قالوا : ~~القلم أحد اللسانين ، وقالوا : كل من عرف النعمة في بيان اللسان كان أعرف ~~لفضل النعمة في بيان القلم . وقد يعتري القلم ما يعتري المؤدب عند ضربه ~~وعقابه ، فما أكثر من يعزم على عشرة أسواط فيضرب مائة لأنه ابتدأ الضرب وهو ~~ساكن الطباع فأراه السكون أن الصواب في الإقلال فلما ضرب تحرك دمه فأشاع ~~الحرارة فيه وزاد في غضبه فأراه الغضب أن الرأي في الإكثار ، وكذلك صاحب ~~القلم فما أكثر من يبتديء الكتاب وهو يريد مقدار سطرين فيكتب عشرة . وقد ~~قيل : القلم الشاهد والغائب يقرأ بكل لسان وفي كل زمان . وقالوا : ظاهر ~~عقول الرجال في اختيارها ومدون في أطراف أقلامها ، ومصباح الكلام حسن ~~الاختيار . وقالوا : القلم مجهز جيوش الكلام ، يخدم الإرادة ولا يمل ~~الاستزادة ، ويسكت واقفا وينطق سائرا على الأرض ، بياضه مظلم وسواده مضيء ، ~~وقال الشاعر : قوم إذا خافوا عداوة معشر . . . سفكوا الدما بأسنة الأقلام ~~ولمشقة من كاتب بمداده . . . أمضى وأقطع من صنيع حسام وقال آخر أيضا : ما ~~السيف والسيف سيف الكمي . . . بأخوف من قلم الكاتب له غاية إن تأملتها . . ~~. ظهرت على سوءة الغائب أداة المنية في جانبيه . . . فمن مثله رهبة الراهب ~~سنان المنية في جانب . . . وسيف المنية في جانب ألم تر في صدره كالسنان . . ~~. وفي الردف كالمرهف القاضب فيجري به الكف في حالة . . . على هيئة الطاعن ~~الضارب وقال آخر أيضا ملغزا : وأعجف رجلاه ms008 في رأسه . . . يطير حثيثا على ~~الأملس مطاياه من تحته الإصبعان . . . ولولا مطاياه لم يلمس وقال آخر ، ~~سامحه الله : وأعجف منشق الشباة مقلم . . . موشى القرا طاوي الحشا أسود ~~الفم PageV01P012 إذا هو أضحى في الدواة فأعجم . . . ويضحي فصيحا في يدي ~~غير أعجم يناجي مناجاة أغر مرزأ . . . متى ما استمع معروفه يتبسم وقال آخر ~~، رحمه الله : لك القلم الذي لم يجر لؤما . . . بغاية منطق فكبا بعي ومبتسم ~~عن القرطاس يأسو . . . ويجرح وهو ذو بال رخي فما المقداد أعضب من شباه . . ~~. ولا الصمصام سيف المذحجي وقال وأجاد : أحسن من غفلة الرقيب . . . ولحظة ~~الوعد من حبيب والنغم والنقر من كعاب . . . مصيبة العود والقضيب ومن بنات ~~الكروم راحا . . . في راحتي شادن ربيب كتب أديب إلى أديب . . . طالت به مدة ~~المغيب فنمقت كفه سطورا . . . تنمق الصبر في القلوب تترك من سطرت إليه . . ~~. أطرب من عاشق طروب وقال آخر : إذا استمدت صرفت الطرف عن يدها . . . خوفا ~~عليها لما أخشى من التهم كأنما قابل القرطاس إذ مشقت . . . منها ثلاثة ~~أقلام على قلم وقال أشجع في جعفر البرمكي : إذا أخذت أنامله . . . تبين ~~فضله القلما تطأطأ كل مرتفع . . . لفضل الكتب مذ نجما يقدم ويؤخر ، أراد : ~~إذا أخذت أنامله القلم تبين فضله . وفي الخط قال : نظر المأمون إلى مؤامرة ~~بخط حسن فقال : لله در القلم كيف يحوك وشي المملكة ! وقال يحيى بن خالد ~~البرمكي : الخط صورة روحها البيان ويدها السرعة وقدماها التسوية وجوارحها ~~معرفة الفصول ، وقال في مثله ، رحمه الله تعالى : تقول وقد كتبت دقيق خطي : ~~. . . فديتك مم تجتنب الجليلا ؟ فقلت لها : نحلت فصار خطي . . . دقيقا مثل ~~صاحبه نحيلا وقال علي بن الجهم في صفة الكتب : إذا غشيني النعاس في غير وقت ~~النوم تناولت PageV01P013 كتابا فأجد اهتزازي فيه من الفوائد والأريحية ~~التي تعتادني وتعتريني من سرور الاستنباه وعز التبيين أشد إيقاظا من نهيق ~~الحمار وهدة الهدم ، وإني إذا استحسنت كتابا واستجدته رجوت فيه فائدة ، فلو ~~تراني ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقه مخافة استنفاده وانقطاع المادة من ~~قبله ، وإن كان ms009 الكتاب عظيم الحجم وكان الورق كبير القدر . وذكر له العتبي ~~كتابا لبعض القدماء وقال : لولا طوله لنسخته ، فقال : ما رغبي إلا فيما ~~زهدت عنه ، وما قرأت كتابا كبيرا فأخلاني من فائدة ولا أحصي كم قرأت من ~~صغار الكتب فخرجت منها كما دخلت فيها . قال ابن داحة : كان عبد الله بن عبد ~~العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، لا يجالس الناس ونزل ~~مقبرة من المقابر وكان لا يكاد يرى إلا وفي يده كتاب يقرأ فيه ، فسئل عن ~~ذلك وعن نزوله المقبرة فقال : لم أر أوعظ من قبر ولا آنس من كتاب ولا أسلم ~~من الوحدة . وقيل لابن داحة وقد أخرج إليه كتاب أبي الشمقمق وهو في جلود ~~كوفية وورقتين طابقتين لا بخط عجيب فقال : لقد ضيع درهمه صاحب هذا الكتاب ، ~~وقال : والله إن القلم ليعطيكم مثل ما تعطونه ولو استطعت أن أتودعه سويداء ~~قلبي وأجعله مخطوطا على ناظري لفعلت . وقال بعضهم : كنت عند بعض العلماء ~~وكنت أكتب عنه بعضا وأدع بعضا فقال لي : اكتب كل ما تسمع فإن أخس ما تسمع ~~خير من مكانه أبيض ، وقيل : أما لو أعي كل ما أسمع . . . وأحفظ من ذاك ما ~~أجمع ولم أستفد غير ما قد جمعت . . . لقيل هو العالم المقنع ولكن نفسي إلى ~~كل نوع . . . من العلم تسمعه تجزع فلا أنا أحفظ ما قد جمعت . . . ولا أنا ~~من جمعه أشبع ومن لث في علمه هكذا . . . ترى دهره القهقرى يرجع إذا لم تكن ~~حافظا واعيا . . . فجمعك للكتب لا ينفع وقال بعضهم : الحفظ مع الإقلال أمكن ~~ومع الإكثار أبعد وهو للطبائع مع رطوبة القضيب أقبل ، ومنها قول الشاعر : ~~PageV01P014 أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى . . . فصادف قلبي خاليا فتمكنا ~~وقيل : العلم في الصغر كالنقش في الحجر ، فسمع ذلك الأحنف فقال : الكبير ~~أكثر عقلا ولكنه أكثر شغلا ، وكما قال : وإن من أدبته في الصبى . . . ~~كالعود يسقى الماء في غرسه حتى تراه مورقا ناضرا . . . بعد الذي أبصرت من ~~يبسه والصبي على الصبى أفهم وله ms010 آلف وإليه أنزع ، وكذلك العالم على العلم ~~والجاهل على الجهل ، وقال الله تبارك وتعالى : ' ولو جعلناه ملكا لجعلناه ~~رجلا ' ، لأن الإنسان على الإنسان أفهم وطباعه بطباعه آنس ، ومن التقط ~~كتابا جامعا كان له غنمه وعلى مؤلفه غرمه ، وكان له نفعة وعلى صاحبه كده ، ~~ومتى ظفر بمثله صاحب علم فهو وادع جام ومؤلفه متعوب مكدود وقد كفي مؤنة ~~جمعه وتتبعه وأغناه عن طول التفكير واستنفاد العمر ، كان عليه أن يجعل ذلك ~~من التوفيق والتسديد إذا بالغ صاحبه في تصنيفه وأجاد في اختياره ، قال أبو ~~هفان : إذا آنس الناس ما يجمعون . . . أنست بما يجمع الدفتر له وطري وله ~~لذتي . . . على الكأس والكأس لا تحضر تدور على الشرب محمودة . . . لها ~~المورد الخرق والمصدر يغنيهم ساحر المقلتين . . . كشمس الضحى طرفه أحور ~~وريحانهم طيب أخلاقهم . . . وعندهم الورد والعبهر على أن همتنا في الحروب . ~~. . فتلك الصناعة والمتجر قال : لما قلتها عرضتها على ابن دهقان فقال : إذا ~~سمع بها الخليفة استغنى بها عن الندماء . وأنشدنا غيره : نعم المحدث ~~والرفيق كتاب . . . تلهو به إن خانك الأصحاب لا مفشيا سرا إذا استودعته . . ~~. وتنال منه حكمة وصواب وقال آخر : نعم الجليس بعقب قعدة ضجرة . . . للملك ~~والأدباء والكتاب ورق تضمن من خطوط أنامل . . . مرعى من الأخبار والأداب ~~يخلو به من مل من أصحابه . . . فيقال خلو وهو في الأصحاب PageV01P015 قال : ~~وأنشدنا أبو الحسن علي بن هارون بن يحيى النديم ، رحمه الله : إذا ما خلوت ~~من المؤنسين . . . جعلت المحدث لي دفتري فلم أخل من شاعر محسن . . . ومن ~~مضحك طيب مندر ومن حكم بين أثنائها . . . فوائد للناظر المفكر وإن ضاق صدري ~~بأسراره . . . وأودعته السر لم يظهر وإن صرح الشعر باسم الحبيب . . . لما ~~اختشيت ولم أحصر وإن عذت من ضجرة بالهجاء . . . ولو في الخليفة لم أحذر ~~فناديت منه كريم المغيب . . . لندمانه طيب المحضر فلست أرى مؤثرا ما حييت . ~~. . عليه نديما إلى المحشر وقال في الذهن : إذا ما غدت طلابة العلم ما لها ~~. . . من العلم إلا ما يخلد في الكتب غدوت بتشمير وجد عليهم . . . ومحبرتي ~~سمعي ms011 ودفترها قلبي وقال آخر : يا أيها الطالب الآداب مبتدرا . . . لا تسه ~~عن حملك الألواح للأدب فحملها أدب تحوي به أدبا . . . وسوف تنقل ما فيها ~~إلى الكتب وليس في كل وقت ممكنا قلم . . . ودفتر يا عديم المثل في الحسب ~~وكل ما تقدم ذكره من مناقب الكتب ووصف محاسنها فهو دون ما يستحقه كتابنا ~~هذا فقد اشتمل على محاسن الأخبار وظرائف الآثار وترجمناه بكتاب المحاسن ~~والمساوئ لأن المصلحة في ابتداء أمر الدنيا إلى انقضاء مدتها امتزاج الخير ~~بالشر والضار بالنافع والمكروه بالمحبوب ، ولو كان الشر صرفا محضا لهلك ~~الخلق ، ولو كان الخير محضا لسقطت المحنة وتقطعت أسباب الفكرة ، ومتى بطل ~~التخيير وذهب التمييز لم يكن صبر على مكروه ولا شكر على محبوب ولا تعامل ~~ولا تنافس في درجة ، وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل . ~~PageV01P016 # | محاسن رسول الله صلى الله عليه وسلم # وافتتحنا كتابنا هذا بذكر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وأصحابه ~~الطيبين الطاهرين الأبرار الأخيار ، لما رجونا فيه من الفضل والبركة واليمن ~~والتوفيق ، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وإخوته من النبيين ~~وآله الطيبين أجمعين ، اختار الله من خير أرومات العرب عنصرا ومن أعلى ~~ذوائب قريش فرعا من أكرم عيدان قصي مجدا تم لم يزل بلطفه لنبيه ، صلى الله ~~عليه وسلم وآله ، واختياره إياه بالآباء الأخائر والأمهات الطواهر حتى ~~أخرجه في خير زمان وأفضل أوان ، تفرع من شجرة باسقة الندى ، شامخة العلى ، ~~عربية الأصل ، قرشية الأهل ، منافية الأعطان ، هاشمية الأغصان ، ثمرتها ~~القرآن ، تندى بماء ينابيع العلم في رياض الحلم ، لا يذوي عودها ولا تجف ~~ثمرتها ولا يضل أهلها ، أصلها ثابت وفرعها نابت ، فيا لها من شجرة ناضرة ~~خضراء ناعمة غرست في جبل قفر وبلد وعر محل ضرع غير ذي زرع عند بيتك المحرم ~~وبلدك المكرم فهو ، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأخيار ، كما قال بعض ~~الحكماء : لئن كان سليمان ، عليه السلام ، أعطي الريح غدوها شهر ورواحها ~~شهر لقد أعطي نبينا ، صلى الله عليه وسلم ، البراق ms012 الذي هو أسرع من الريح ، ~~ولئن كان موسى ، عليه السلام ، أعطي حجرا تتفجر منه اثنتا عشرة عينا لقد ~~وضع أصابعه ، عليه وعلى آله السلام ، في الإناء والماء ينبع من بين أصابعه ~~حتى ارتوى أصحابه ، رضي الله عنهم ، وما لهم من الخيل ، ولقد كان رديف عمه ~~أبي طالب بذي المجاز فقال : يا ابن أخي قد عطشت ، فقال : عطشت يا عم ؟ قال ~~: نعم ، فثنى وركه فنزل وضرب بقدمه الأرض فخرج الماء فقال : اشرب ، فشرب ~~حتى روي ، ولئن كان عيسى ، عليه السلام ، أحيا النفس بإذن الله لقد رفع ، ~~صلى الله عليه وسلم ، ذراعا إلى فيه فأخبرته أنها مسمومة ، وكان ، صلى الله ~~عليه وسلم ، يخبر بما في الضمائر وما يأكلون فما يدخرون ، ثم دعاؤه ~~المستجاب الذي لا تأخير فيه ، وذلك أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لما ~~لقي من قريش والعرب من شدة أذاهم له وتكذيبهم إياه واستعانتهم عليه ~~بالأموال دعا أن تجدب بلادهم وأن يدخل الفقر بيوتهم ، PageV01P017 فقال : ~~اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ! اللهم اشدد وطأتك على مضر ! فأمسك ~~الله عز وجل عنهم القطر حتى مات الشجر وذهب الثمر وقلت المراعي فماتت ~~المواشي حتى اشتووا القد وأكلوا العلهز ، فعند ذلك وفد حاجب بن زرارة إلى ~~كسرى يشكو إليه الجهد والأزل ويستأذنه في رعي السواد وهو حين ضمن عن قومه ~~وأرهنه قوسه ، فلما أصاب مضر خاصة الجهد ونهكهم الأزل وبلغت الحجة مبلغها ~~وانتهت الموعظة منتهاها دعا بفضله ، صلى الله عليه وسلم ، الذي كان نداهم ~~به فسأل ربه عز وجل الخصب وإدرار الغيث فأتاهم منه ما هدم بيوتهم ومنعهم ~~حوائجهم ، فكلموه في ذلك فقال : اللهم حوالينا ولا علينا ، فأمطر الله ما ~~حولهم ودعا ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، على المستهزئين بكتاب ~~الله عز وجل ، وكانوا اثني عشر رجلا ، فكفاه الله جل اسمه أمرهم ، فقال : ' ~~إنا كفيناك المستهزئين ' ، وقصة عامر بن الطفيل ودعائه عليه ، وناطقه ، صلى ~~الله عليه وسلم ، ذئب ، وأظلته غمامة ، وحن إليه عود المنبر ، وأطعم عسكرا ~~من ثريدة في جسم قطاة ms013 ، وسقى عاما ووضأهم من ميضأة جسم صاع ، ورسوخ قوائم ~~فرس سراقة بن جشعم في الأرض وإطلاقه له بعد إذ أخذ موثقه ، ومريه ضرع شاة ~~حائل فعادت كالحامل ، والتزاق الصخرة بيد أربد ، وما أراه الله عز وجل أبا ~~جهل حين أهوى بالصخرة نحو رأس رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو ساجد ~~فظهر له فحل ليلقم رأسه فرمى بالصخرة ورجع يشد إلى أصحابه قد انتقع لونه ، ~~فقالوا له : ما بالك ؟ فقال : رأيت فحلا لم أر مثله يريد هامتي . وأما ما ~~أراه الله أعداءه من الآيات فأكثر من أن يحصى ، منها ما رواه وهب بن منبه ~~عن الليث بن سعد قال : أتى أربد بن ربيعة وعامر بن الطفيل إلى رسول الله ، ~~صلى الله عليه وسلم ، فقال أحدهما للآخر : أنا أشغله بالكلام حتى تقتله ، ~~فوقف أحدهما على النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فلما طال عليه انصرف فقال ~~لصاحبه : ما صنعت شيئا ؟ قال : رأيت عنده شيئا ورجله في الأرض ورأسه في ~~السماء لو دنوت منه أهلكني ، وأما أربد فأصابته صاعقة ، وأنزل الله تعالى : ~~' له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ، وأما عامر فإنه ~~قال لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم : لنا أهل الوبر ولكم أهل المدر ، ~~فقال ، صلى الله عليه وسلم : لكم الأعنة ، فقال : لأملأنها خيلا عليكم ~~ورجلا . فلما ولى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : اللهم اكفنيه ، ~~فأخذته غدة فقتلته . وعن محمد بن عبد الله قال : بينا رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم ، قائم يصلي إذ رآه أبو جهل فقال لنفر من PageV01P018 قريش : ~~لأذهبن فأقتلن محمدا ، فدنا منه قال : ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ~~قائم يصلي ويقرأ : ' اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق ' ، حتى ~~بلغ آخرها ، فانصرف أبو جهل وهو يقول : هذا وأبيكم وعيد شديد ، فلقي أصحابه ~~فقالوا له : ما بالك لم تقتله ؟ قال : والله إن بيني وبينه رجلا له كتيت ~~ككتيت الفحل يعدني يقول : ادن ادن . وعن عبد الله أن أعرابيا جاء بعكة ms014 من ~~سمن فاشتراها أبو جهل فأمسك العكة وأمسك الثمن ، فشكاه الأعرابي إلى قريش ~~فكلموه فأبى عليهم ، فقال بعض المستهزئين : يا أعرابي أتحب أن تأخذ عكتك ~~وثمنها ؟ قال : بلى ، قال : أترى هذا الرجل المار ؟ القه فكلمه ، يعني ~~النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فأتاه الأعرابي وشكا إليه أمر العكة ، فخرج ~~عليه ، صلى الله عليه وسلم ، حتى وقف بباب أبي جهل فناداه باسمه ، فخرج ~~إليه ترعد فرائصه ، فقال له : أد هذا عكته وثمنها ، فدخل أبو جهل فدفع إلى ~~الرجل العكة ، فخرج الأعرابي إلى قريش وأخبرهم بذلك ، ثم خرج أبو جهل ، ~~فقالت له قريش : كلمناك أن تؤدي الأعرابي حقه فأبيت ثم جاءك ابن عبد المطلب ~~فدفعت إليه ذلك ؟ فقال : إن معه لجملا فاتحا فاه ينظر ما أقول فيلتقم رأسي ~~فما وجدت بدا من إعطائه حقه . وأما أنس الوحش به فمما حدثنا إسماعيل بن ~~يحيى بن محمد عن سعيد بن سيف بن عمر عن أبي عمير عن الأسود قال : سأل رجل ~~هند بن أبي هالة . . . . . . فقال : حدثينا بأعجب ما رأيت أو بلغك عن رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقالت : كل أمره كان عجبا ، وأعجب ما رأيت أنه ~~كان لي ربائب وحش كنت آنس بهن وآلفهن فإذا كان يومه الذي يكون فيه عندي لم ~~يزلن قياما صواف ينظرن إليه ولا يلهيهن عن النظر إليه شيء ولا ينظرن إلى ~~غيره ، فإذا شخص قائما سمون إليه بأبصارهن ، فإذا انطلق موليا لاحظنه النظر ~~، فإذا غاب شخصه عنهن ضربن بأذنابهن وآذانهن ، وكان ذلك يعجبني . وعن عبد ~~الملك بن عمير أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مر بظبية عند قانص فقالت : ~~يا رسول الله إن ضرعي قد امتلأ وتركت خشفين جائعين فخلني حتى أذهب وأرويهما ~~ثم أعود إليك فتربطني ، فقال : صيد قوم وربيطتهم ! قالت : يا رسول الله ~~فإني أعطيك عهد الله لأرجعن ، فأخذ عليها عهد الله ثم أطلقها وأرسلها فما ~~لبثت إلا يسيرا حتى جاءت وقد فرغت ما في ضرعها ، PageV01P019 فقال : صلى ~~الله عليه وسلم : لمن هذه الظبية ؟ قالوا : لفلان ms015 ، فاستوهبها منه ثم خلى ~~سبيلها وقال : لو أن البهائم تعلم ما تعلمون من الموت ما أكلتم سمنا . وأما ~~محاسن شهادات السباع له بالنبوة فمن ذلك ما روي أن أبا سفيان بن حرب وصفوان ~~بن أمية خرجا من مكة فإذا هما بذئب يكد ظبية حتى إن نفسه كاد أن يبلغ ظهر ~~الظبية أو شبيها بذلك إذ دخل الظبي الحرم فرجع الذئب ، فقال أبو سفيان : ما ~~أرض سكنها قوم أفضل من أرض أسكنها الله إيانا ، أما رأيت ما صنع الذئب أعجب ~~منه حين رجع ! فقال الذئب : أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ~~بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار . فقال أبو سفيان : واللات ~~والعزى لئن ذكرت ذلك بمكة لنتركها خلوا . وذكروا أن رافع بن عميرة بن جابر ~~كان يرعى غنما إذ غار الذئب عليها فاحتمل أعظم شاة منها فشد عليه رافع ~~ليأخذها منه وقال : عجبا للذئب يحتمل ما حمل ! قال : فأقعى الذئب غير بعيد ~~وقال : أعجب منه أنت أخذت مني رزقا رزقنيه الله تعالى . فقال رافع : يا ~~عجبا للذئب يتكلم ! فقال الذئب : أعجب من ذلك الخارج من تهامة يدعوكم إلى ~~الجنة وتأبون إلا دخول النار . فأقبل الرجل إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ~~، وقد جاءه جبريل ، عليه السلام ، فأنبأه بما كان ، فقص النبي ، صلى الله ~~عليه وسلم ، ما كان فآمن وصدق وقال : رعيت الضأن أحميها بنفسي . . . من ~~اللص الخفي وكل ذيب فلما أن رأيت الذئب يعوي . . . وبشرني بأحمد من قريب ~~يبشرني بدين الحق حتى . . . تبينت الشريعة للمنيب رجعت له وقد شمرت ثوبي . ~~. . عن الكعبين معتمدا ركوبي فألفيت النبي يقول قولا . . . صوابا ليس ~~بالهزل الكذوب ألا بلغ بني عمرو بن عوف . . . وأختهم جديلة أن أجيبي دعاء ~~المصطفى لا شك فيه . . . فإنك إن تجيبي لا تخيبي ومن محاسن رسول الله ، صلى ~~الله عليه وسلم ، وبركته ما رواه محمد بن إسحاق عن سعيد بن مينا عن جابر بن ~~عبد الله قال : عملنا مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في الخندق ms016 وكانت ~~عندي شويهة غير سمينة فقلت : والله لو صنعت هذه الشاة لرسول الله ، صلى ~~الله عليه وسلم . PageV01P020 قال : فأمرت امرأتي فطحنت شيئا من شعير فصنعت ~~له منه خبزا وذبحت الشاة فشويتها ، فلما أمسينا وأراد رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم ، الانصراف قلت : يا رسول الله إني صنعت لك شويهة وشيئا من خبز ~~الشعير وأحب أن تنصرف معي إلى منزلي ، وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله ، ~~صلى الله عليه وسلم ، وحده . فلما قلت له ذلك قال : نعم ، ثم أمر بصارخ ~~فصرخ : انصرفوا إلى بيت جابر . فقلت : أنا لله وإنا إليه راجعون . وأقبل ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، والناس معه ، فأخرجتها إليه فسمى ثم أكل ~~وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء قوم حتى صدر أهل الخندق عنها . ~~وروي عن محمد بن إسحاق أن ابنة لبشير بن سعد قالت : دعتني أمي ابنة رواحة ~~فأعطتني حفنة تمر في ثوبي وقالت : يا بنية اذهبي إلى أبيك بهذا . قالت : ~~فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأنا ألتمس ~~أبي فقال ، عليه الصلاة والسلام : تعالي يا بنية ، ما هذا معك ؟ قلت : تمر ~~بعثت به أمي إلى أبي بشير بن سعد . فقال : هاتي به . فصببته في كفي رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم ، فما ملأتهما ، ثم أمر بثوب فبسط ثم دحا بالتمر ~~عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده : ناد في أهل الخندق أن هلموا إلى ~~الغداء . فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل هو يزداد حتى صدر ~~أهل الخندق عليه وهو يسقط من أطراف الثوب . ومن آياته ، صلى الله عليه وسلم ~~، ما لا يعرفها إلا الخاصة وهي محاسن أخلاقه وأفعاله التي لم تجتمع لبشر من ~~قبله ولا تجتمع لأحد من بعده ، وذلك أنا لم نر ولم نسمع لأحد قط صبره وحلمه ~~ووفاءه وزهده وجوده ونجدته وصدق لهجته وكرم عشيرته وتواضعه وعلمه وحفظه ~~وصمته إذا صمت ونطقه إذا نطق ولا كعفوه وقلة امتنانه ، ولم نجد شجاعا قط ~~إلا وقد فر ms017 مثل عامر فر عن أخيه الحكم يوم الرقم وعيينة فر عن أبيه يوم ~~نسار وبسطام عن قومه يوم العظالى . وكان له ، صلى الله عليه وسلم ، وقائع ~~مثل أحد وحنين وغيرهما فلا يستطيع منافق أن يقول هاب حربا أو خاف . وأما ~~زهده ، صلى الله عليه وسلم ، فإنه ملك من أقصى اليمن إلى شحر عمان إلى أقصى ~~الحجاز إلى عذار العراق ثم توفي ، صلى الله عليه وسلم ، وعليه دين ودرعه ~~مرهون في ثمن طعام أهله ، لم يبن دارا ولا شيد قصرا PageV01P021 ولا غرس ~~نخلا ولا شق نهرا ولا استنبط عينا واعتبر برديه اللذين كان يلبسهما وخاتمه ~~. وكان ، صلى الله عليه وسلم ، يأكل على الأرض ويلبس العباءة ويجالس ~~الفقراء ويمشي في الأسواق ويتوسد يده ولا يأكل متكيا ويقتص من نفسه ، وكان ~~، صلى الله عليه وسلم ، يقول : إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأشرب كما ~~يشرب ، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت ولو أهدي إلي كراع لقبلت . ولم يأكل قط ~~وحده ولا ضرب عبده ، ولم ير ، عليه الصلاة والسلام ، أدار رجله بين يدي أحد ~~ولا أخذ بيده أحد فانتزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسلها . وأما ~~كرمه ، صلى الله عليه وسلم ، في فتح مكة وقد قتلوا أعمامه ورجاله وأولياءه ~~وأنصاره وآذوه وأرادوا نفسه فكان يلتقي السفه بالحلم والأذى بالاحتمال ، ~~وكان متى كان أكرم وعنهم أصفح كانوا ألأم وعليه ألح ، والعجب أنهم كانوا ~~أحلم جيل إلا فيما بينهم وبينه فإنهم كانوا إذا ساروا إليه أفحشوا عليه ~~وأفرطوا في السفه ورموه بالفرث والدماء وألقوا على طريقه الشوك وحثوا في ~~وجهه التراب ، وكان لا يتولى هذا منه إلا العظماء والأخوال والأعمام ~~والأقرب فالأقرب ، فإذا كانوا كذلك كان أشد للغيظ وأثبت للحقد ، فلما دخل ، ~~عليه السلام ، مكة قام فيهم خطيبا فحمد الله ، عز وجل ، وأثنى عليه ثم قال ~~: أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم ~~الراحمين . وأما محاسن قوله الحق فإنه ذكر زيد بن صوحان فقال : زيد وما ms018 زيد ~~، يسبقه عضو منه إلى الجنة ، فقطعت يده يوم نهاوند في سبيل الله ووعد ~~أصحابه بيضاء إصطخر وبيضاء المدائن وقال لعدي بن حاتم : لا يمنعك ما ترى ، ~~يعني ضعف أصحابه وجهدهم ، فكأنهم ببيضاء المدائن قد فتحت عليهم ، وكأنهم ~~بالظعينة تخرج من الحيرة حتى تأتي مكة بغير خفير ، فأبصر ذلك كله عدي وقال ~~لعمار بن ياسر : تقتلك الفئة الباغية ، فكان كما قال حتى قال معاوية : إنما ~~قتله من أخرجه . وضلت ناقته ، صلى الله عليه وسلم ، فأقبل يسأل عنها فقال ~~المنافقون : هذا محمد يخبرنا عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته ! فصعد ~~المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن رجلا يقول في بيته إن محمدا ~~يخبرنا عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته ، ألا وإني لا أعلم إلا ما ~~علمني ربي عز PageV01P022 وجل وقد أخبرني أنها في وادي كذا وكذا تعلق ~~زمامها بشجرة . فبادر الناس إليها وفيهم زيد بن أرقم وزيد بن اللصيت فإذا ~~هي كذلك . ولما استأمن أبو سفيان بن حرب إليه ، عليه الصلاة والسلام ، أمر ~~عمه العباس أن يأخذه إلى خيمته حتى يصبح ، فلما صار في قبة العباس ندم على ~~ما كان منه وقال في نفسه : ما صنعت ؟ دفعت بيدي هكذا ، ألا كنت أجمع جمعا ~~من الأحابيش وكنانة وألقاه بهم فلعلي كنت أهزمه ! فناداه رسول الله ، صلى ~~الله عليه وسلم ، من خيمته : إذا كان الله يخزيك يا أبا سفيان . فقال أبو ~~سفيان : يا عباس أدخلني على ابن أخيك . فقال له العباس : ويلك يا أبا سفيان ~~ما آن لك ذلك . فأدخله على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا ~~رسول الله قد كان في النفس شيء وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول ~~الله حقا . وقوله ، صلى الله عليه وسلم ، لما يكون من بعده مما حدث به محمد ~~بن عبد الرحمن بن أذينة عن سلمان بن قيس عن سلمان بن عامر عن سلمان الفارسي ~~قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إني رأيت على ms019 منبري هذا اثني ~~عشر رجلا من قريش يخطب كلهم رجلان من ولد حرب بن أمية وعشرة من ولد أبي ~~العاص بن أمية . ثم التفت إلى العباس وقال : هلاكهم على يدي ولدك . وأما ~~جماله وبهاؤه ومحاسن ولادته ، صلى الله عليه وسلم ، فما روي عن عثمان بن ~~أبي العاص قال : أخبرتني أمي أنها حضرت آمنة أم النبي ، صلى الله عليه وسلم ~~، لما ضربها المخاض ، قالت : جعلت أنظر إلى النجوم تتدلى حتى قلت لتقعن علي ~~، فلما وضعته خرج منها نور أضاء له البيت والدار حتى صرت لا أرى إلا نورا . ~~قال : وسمعت آمنة تقول : لقد رأيت وهو في بطني أنه خرج مني نور أضاءت له ~~قصور الشام ، ثم ولد ، صلى الله عليه وسلم ، فخرج معتمدا على يديه رافعا ~~رأسه إلى السماء كأنه يخطب أو يخاطب . وروي عن أنس بن مالك قال : كان رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم ، أشجع الناس وأحسن الناس وأجود الناس ، ما مسست ~~بيدي ديباجا ولا حريرا ولا خزا ألين من كف رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ~~. وعن جابر بن سمرة قال : رأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في ليلة ~~البدر وعليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو أحسن في عيني من ~~القمر . وعن جابر بن زيد عن أبيه قال : أتيت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ~~في مسجد الخيف فناولني يده فإذا هي أطيب من المسك وأبرد من الثلج . ومن ~~فضله الذي أبر على جميع الخلائق ومحاسنه ما روي عن وهب بن منبه أنه قال : ~~لما خلق الله عز وجل الأرض ارتجت واضطربت فكتب في أطرافها محمد رسول الله ~~فسكنت . PageV01P023 وأما عقله ، عليه الصلاة والسلام ، فقد روي أن عقول ~~جميع الخلائق من الأولين والآخرين في جنب عقل رسول الله ، صلى الله عليه ~~وسلم ، كرملة من بين جميع رمال الدنيا . ومن محاسنه ، صلى الله عليه وسلم ، ~~الإسراء ما روي عن الحسن بن أبي الحسن البصري ، رحمه الله ، يرفعه قال : ~~قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إني ms020 لنائم في الحجر إذ جاء جبريل ، ~~عليه السلام ، فغمزني برجله فجلست فلم أر شيئا ثم عدت لمضجعي ، فجاءني ~~الثانية فغمزني فجلست وأخذ بعضدي فخرج بي إلى باب الصفا وإذا أنا بدابة ~~أبيض بين الحمار والبغل له جناحان في فخذيه يضع حافره منتهى طرفه ، فقال لي ~~جبريل : اركب يا محمد ، فدنوت إليه لأركب فتنحى عني . فقال له جبريل ، عليه ~~السلام : يا براق ما لك فوالله ما ركبك خير منه قط ! فركبت وخرجت ومعي ~~صاحبي لا أفوته ولا يفوتني حتى انتهى بي إلى بيت المقدس فوجدت فيه نفرا من ~~الأنبياء قد جمعوا لي فأممتهم ، ثم أتيت بإناءين من خمر ولبن فتناولت اللبن ~~وشربت منه وتركت الخمر . فقال جبريل ، عليه السلام : هديت وهديت أمتك وحرمت ~~عليهم الخمر ، ثم أصبحت بمكة . قال : فلما ذكر رسول الله ذلك ارتد كثير ممن ~~كان آمن به وقالوا : سبحان الله ! أذهب محمد إلى الشام في ساعة من الليل ثم ~~رجع والعير تطرد شهرا مدبرة وشهرا مقبلة ! فبلغ ذلك أبا بكر ، رضي الله عنه ~~، فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول ~~الله ما يقول هؤلاء ؟ يزعمون أنك حدثتهم بأنك قد أتيت الشام هذه الليلة ~~ورجعت من ليلتك ! قال : قد كان ذاك . قال : يا رسول الله فصف لي المسجد . ~~فجعلت أصفه لأبي بكر ، رحمه الله ، وأنا أنظر إليه فكلما حدثته عن شيء قال ~~: صدقت أشهد أنك رسول الله ، حتى فرغت من صفته ، فقال رسول الله يومئذ : ~~فأنت الصديق يا أبا بكر . PageV01P024 # | محاسن المعراج # عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال : ~~أخبرنا نبي الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : بينا أنا بين اليقظان ~~والنائم عند البيت إذ سمعت قائلا يقول : أحد الثلاثة بين الرجلين ، فانطلق ~~بي فشرح صدري واستخرج قلبي ، ثم أتيت بطست من ذهب فيه من ماء زمزم فغسل به ~~ثم أعيد مكانه وحشي إيمانا وحكمة ، ثم أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل ~~يضع حافره ms021 عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلقنا حتى أتينا السماء الدنيا ~~فاستفتح جبريل فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . ~~قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم . ففتح لنا ، قالوا : مرحبا به ولنعم ~~المجيء جاء . فأتيت على آدم فقلت : يا جبريل من هذا ؟ قال : هذا أبوك آدم . ~~فسلمت عليه فقال : مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح . وانطلقنا حتى أتينا ~~السماء الثانية فاستفتح جبريل ، عليه السلام ، فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل ~~. قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم . ففتح لنا ~~وقالوا : مرحبا به ولنعم المجيء جاء . فأتيت على يحيى وعيسى فقلت : يا ~~جبريل من هذان ؟ قال : عيسى ويحيى . قال : فسلمت عليهما فقالا : مرحبا ~~بالأخ الصالح والنبي الصالح . ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثالثة فكان ~~مثل قولهم الأول ، فأتيت على يوسف فسلمت عليه فقال : مرحبا بالأخ الصالح ~~والنبي الصالح . ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الرابعة ، فأتيت على إدريس ، ~~عليه السلام ، فسلمت عليه فقال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح . ثم ~~أتينا السماء الخامسة فأتيت على هارون فسلمت عليه فقال مثل ذلك . ثم أتينا ~~السماء السادسة فأتيت على موسى ، عليه السلام ، فقال مثل ذلك . ثم أتينا ~~السماء السابعة فأتيت على إبراهيم ، عليه وعلى آله السلام ، فقال : مرحبا ~~بالابن الصالح والنبي الصالح . ثم رفع لنا البيت المعمور فقلت : يا جبريل ~~ما هذا ؟ قال : البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لا ~~يعودون فيه . ثم رفعت لنا سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار يخرجن من أسفلها ~~فقلت : يا جبريل ما هذه PageV01P025 الأنهار ؟ قال : أما النهران الظاهران ~~فالنيل والفرات ، وأما الباطنان فنهران في الجنة . ثم أتيت بإناءين من خمر ~~ولبن فاخترت اللبن . فقيل لي : أصبت أصاب الله بك أمتك على الفطرة . وفرضت ~~علي خمسون صلاة فأقبلت بها حتى أتيت على موسى ، عليه السلام ، فقال : بم ~~أمرت ؟ قلت : بخمسين صلاة كل يوم ، قال : أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت ~~الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك جل ms022 وعز فاسأله ~~التخفيف . قال : فرجعت إلى ربي فحط عني خمسا ، فأتيت على موسى ، عليه ~~السلام ، فقال : بم أمرت ؟ فأنبأته بما حط عني فقال مثل مقالته الأولى ، ~~فما زلت بين يدي ربي جل وعز أستحط حتى رجعت إلى خمس صلوات ، فأتيت على موسى ~~، عليه السلام ، فقال : بم أمرت ؟ فقلت : بخمس صلوات كل يوم . فقال : أمتك ~~لا يطيقون ذلك ، فارجع إلى ربك جل ذكره واسأله التخفيف . فقلت : لقد رجعت ~~إلى ربي تبارك وتعالى حتى استحييت ، لا ولكني أرضى وأسلم . فلما جاوزت ~~نوديت أني قد خففت عن عبادي وأمضيت فريضتي وجعلت بكل حسنة عشرا أمثالها . ~~وانظر إلى رونق ألفاظه ، عليه السلام ، وصحة معانيه وموضع ذلك من القلوب مع ~~قلة تعميقه وبعده من التكلف كقوله ، صلى الله عليه وسلم : زويت لي الأرض ~~حياء فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ، قوله زويت ~~جمعت . ومثله : إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة في النار ، ~~ولا يكون الانزواء إلا بانحراف مع تقبض . وقال : إن منبري هذا على ترعة من ~~ترع الجنة ، وهي الروضة تكون في المكان المرتفع . وقال : إن قريشا قالت إني ~~صنبور ، وهي النخلة تبقى منفردة ويدق أصلها ، تقول إنه فرد ليس له ولد فإذا ~~مات انقطع ذكره . وقال في أبي بكر ، رضي الله عنه : ما أحد من الناس عرضت ~~عليهم الإسلام إلا كانت له كبوة PageV01P026 غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم ، ~~أي لم ينتظر ولم يمكث ، والكبوة مثل الوقعة . وقال في عمر ، رحمه الله : لم ~~أر عبقريا يفري فريه ، والعبقري السيد ، يقال : هذا عبقري قومه أي سيدهم ، ~~ويفري فريه أي يعمل عمله . وقال في علي بن أبي طالب ، رضوان الله عليه : إن ~~لك بيتا في الجنة وإنك ذو قرنيها ، يريد أنه ذو طرفيها . وقال في الحسين بن ~~علي ، رحمهما الله ، حين بال عليه وهو طفل فأخذ من حجره : لا تزرموا ابني ، ~~الازرام القطع ، يقال للرجل يقطع بوله ازرم . وقال في الأنصار : إنهم كرشي ~~وعيبتي ولولا الهجرة لكنت امرأ منهم ، أي ms023 من الأنصار ، الكرش الجماعة ، ~~والعيبة أي هم موضع سري ومنه أخذت العيبة . وقال ، صلى الله عليه وسلم : ~~لعن الله النامصة والمتنمصة والواشرة والموتشرة والواصلة والموتصلة ~~والواشمة والموتشمة ، فالنامصة التي تنتف الشعر من الوجه ، ومنه قيل ~~للمنقاش المنماص ، والمتنمصة التي تفعل بها ذلك ، والواشرة التي تشر ~~أسنانها وذلك أنها تفلجها وتحددها حتى يكون لها أشر ، والأشر تحدد ورقة في ~~أطراف الأسنان ، والواصلة والموتصلة التي تصل شعرها بشعر غيرها ، والواشمة ~~المرأة تغرز ظهر كفها ومعصمها بإبرة حتى تؤثر فيه وتحشوه بالكحل . وذكر ~~أيام التشريق فقال : هي أيام أكل وشرب وبعال ، يعني النكاح . وقال : يحشر ~~الناس يوم القيامة حفاة بهما ، وهو البهيم الذي لا يخلط لونه لون سواه من ~~سواد كان أو غيره ، يقول : ليس فيهم شيء من الأمراض والعاهات التي تكون في ~~الدنيا . وقال في صلح الحديبية : لا إغلال ولا إسلال ، الإسلال السرقة ، ~~والإغلال الخيانة . وقال : اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب ~~والحور بعد الكور ، الحوب إذا كان بالباء والكون إذا كان بالنون تقول يكون ~~في حالة جميلة فيرجع عنها ، وإذا كانا PageV01P027 جميعا بالراء فهو ~~النقصان بعد الزيادة . وقال ، عليه السلام : خمروا آنيتكم وأوكوا أسقيتكم ~~وأجيفوا الأبواب وأطفئوا المصابيح واكفتوا صبيانكم فإن للشيطان انتشارا ~~وخطفة ، يعني بالليل ، التخمير التغطية ، والإيكاء الشد ، واسم الخيط الذي ~~يشد به السقاء الوكاء ، واكفتوا يعني ضموهم إليكم . وقال في دعائه : لا ~~ينفع ذا الجد منك الجد ، بفتح الجيم الغنى والحظ في الرزق ، ومنه قيل : ~~لفلان في هذا الأمر جد إذا كان مرزوقا . وقال : إن روح القدس نفث في روعي ~~أن نفسا لا تموت حتى تستوفي أو تستكمل رزقها ، فاتقوا الله وأجملوا في ~~الطلب ، قوله نفث في روعي بضم الراء ، النفث شبيه بالنفخ ، وروعي يقول في ~~خلدي . وقال ، عليه السلام : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن حال بينكم ~~وبينه سحاب وظلمة أو هبوة فأكملوا العدة ، هبوة يعني غبرة . وقال ، عليه ~~السلام : إن العرش على منكب إسرافيل وإنه ليتواضع لله جل وعز حتى يصير مثل ~~الوصع ، الوصع ms024 ولد العصافير . فقال ، عليه السلام ، حين سئل أين كان ربنا ~~جل جلاله قبل أن يخلق السماوات والأرضين فقال : كان في عماء تحته هواء ، ~~العماء السحاب . وقال ، عليه السلام : عم الرجل صنو أبيه ، يعني أن أصلهما ~~واحد ، وأصل الصنو إنما هو في النخل ، قال الله عز وجل : ' صنوان وغير ~~صنوان ' ، الصنوان المجتمع ، وغير الصنوان المتفرق . وقال : من تعلم القرآن ~~ثم نسيه لقي الله عز وجل وهو أجذم ، أي مقطوع اليد . وقال لرجل أتاه وقال : ~~يا رسول الله أيدالك الرجل امرأته بمهرها ؟ قال لا إلا أن يكون ملفجا . ~~فقال له أبو بكر ، رضي الله عنه : بأبي وأمي أنت يا رسول الله ! إنما نشأت ~~فيما بيننا ونحن قد سافرنا وأنت مقيم فنراك تكلم بكلام لا نعرفه ولا نفهمه ~~! PageV01P028 فقال ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم : إن الله عز وجل أدبني ~~وأحسن أدبي ، وهذا الرجل كلمني بكلامه فأجبته على حسبه ، قال : أيدالك ~~الرجل امرأته بمهرها ؟ أي يماطلها ، فقلت : لا إلا أن يكون ملفجا ، أي ~~معدما . فكلامه ، صلى الله عليه وسلم ، وأخلاقه ومذاهبه تدل على أنه موافق ~~لقول الله جل وعز : ' الله أعلم حيث يجعل رسالته ' ، وكقوله : ' ولقد ~~اخترناهم على علم على العالمين ' . وقال جل ذكره : ' خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين ' ، فلما علم أنه قد قبل أدبه قال : ' وإنك لعلى خلق ~~عظيم ' ، فلما استحكم له ما أحب قال : ' وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا ' الحشر : 7 ] . PageV01P029 # | مساوئ من تنبى # روي أن مسيلمة بن حبيب الكذاب كتب إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ~~وذلك في آخر سنة عشر : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ، أما بعد ~~فإني قد شوركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ، ولكن ~~قريشا قوم يعتدون . فقدم عليه رسولان من قبل مسيلمة بهذا الكتاب . فقال : ~~أما والله لولا أن الرسل لا يقتلون لضربت أعناقكما . ثم كتب : بسم الله ~~الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب . السلام على من اتبع ~~الهدى ms025 ، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من عباده من يشاء والعاقبة للمتقين . ~~قيل وأتاه الأحنف بن قيس مع عمه فلما خرجا من عنده قال الأحنف لعمه : كيف ~~رأيته ؟ قال : ليس بمتنب صادق ولا بكذاب حاذق . ومنهم طليحة تنبى على عهد ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وكان يقول إن ذا النون يأتيه ، فقال ~~النبي ، صلى الله عليه وسلم : لقد ذكر ملكا عظيما . فلما كان أيام الردة ~~بعث أبو بكر ، رحمة الله عليه ، خالد بن الوليد إليه ، فلما انتهى إلى ~~عسكره وجده قد ضربت له قبة من أدم وأصحابه حوله ، فقال : ليخرج إلي طليحة ! ~~فقالوا : لا تصغر نبيا هو طلحة ، فخرج إليه فقال خالد : إن من عهد خليفتنا ~~أن يدعوك إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، فقال : يا خالد ~~اشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فلما سمع خالد ذلك انصرف عنه ~~وعسكره بالقرب منه على ميل ، فقال عيينة بن حصن لطليحة : لا أبا لك ! هل ~~أنت مرينا بعض نبوتك ؟ قال : نعم . وكان قد بعث عيونا له حين سار خالد من ~~المدينة مقبلا إليهم فعرفوه خبر خالد ، فقال : لئن بعثتم فارسين على فرسين ~~أغرين محجلين من بني نصر بن قعين أتوكم من القوم بعين . فهيأوا فارسين ~~فبعثوهما فخرجا يركضان فلقيا عينا لخالد مقبلا إليهم فقالا : ما خبر خالد ؟ ~~أو قالا : ما وراءك ؟ قال : هذا خالد بن الوليد في المسلمين قد أقبل فزادهم ~~فتنة ، وقال : ألم أقل لكم ؟ فلما كان في السحر نهض خالد إلى طليحة فيمن ~~معه من أصحاب PageV01P030 رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فلما التقى ~~الصفان تزمل طليحة في كساء له ينتظر زعم الوحي ، فلما طال ذاك على أصحابه ~~وألح عليهم المسلمون بالسيف ، قال عيينة بن حصن : هل أتاك بعد ؟ قال طليحة ~~من تحت الكساء : لا والله ما جاء بعد ! فقال عيينة : تبا لك آخر الدهر ! ثم ~~جذبه جذبة جاش منها وقال : قبح الله هذه من نبوة ! فجلس طليحة ، فقال له ~~عيينة : ما ms026 قيل لك ؟ قال : قيل لي إن لك رحا كرحاه ، وأمرا لا تنساه ! فقال ~~عيينة : قد علم الله عز وجل أن سيكون لك أمر لا تنساه هذا كذاب ما بورك لنا ~~ولا له فيما يطالب . ثم هرب عيينة وأخوه فأدركوه وأسروه وأفلت أخوه وخرج ~~طليحة منهزما وأسلمه شيطانه حتى قدم الشام فأقام عند بني جفنة الغسانيين ~~حتى فتح الله عز وجل أجنادين وتوفي أبو بكر وأسلم طليحة إسلاما صحيحا وقال ~~: وإني من بعد الضلالة شاهد . . . شهادة حق لست فيها بملحد ومنهم من تنبى ~~بعد في أيام الرشيد رجل زعم أنه نوح ، فقيل له : آنت نوح الذي كان أم نوح ~~آخر ؟ قال : أنا نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وقد بعثت ~~إليكم لأفي الخمسين عاما تمام الألف سنة ، فأمر الرشيد بضربه وصلبه ، فمر ~~به بعض المخنثين وهو مصلوب فقال : صلى الله عليك يا أبانا ، ما حصل في يدك ~~من سفينتك إلا دقلها ! وهو الذي يكون في وسط السفينة كجذع طويل . ومنهم رجل ~~تنبى في أيام المأمون فقال للحاجب : أبلغ أمير المؤمنين أن نبي الله بالباب ~~. فأذن له ، فقال ثمامة : ما دليل نبوتك ؟ قال : تحضر لي أمك فأواقعها ~~فتحمل من ساعتها وتأتي بغلام مثلك . فقال ثمامة : صلى الله عليك أيها النبي ~~ورحمة الله وبركاته أهون علي من إحضارك أمي ومواقعتها ! PageV01P031 # | محاسن الخلفاء الراشدين # # | محاسن أبي بكر رضوان الله ورحمته عليه # روي عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، قال : دخل رسول الله ، صلى الله عليه ~~وسلم ، المسجد وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله فقال : هكذا نبعث يوم ~~القيامة . وقال ، صلى الله عليه وسلم : إن الله تبارك وتعالى أيدني من أهل ~~السماء بجبريل وميكائيل ومن أهل الأرض بأبي بكر وعمر ، ورآهما مقبلين فقال ~~: هذان السمع والبصر . وروي عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، أنه قال : لو ~~وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم . وروي عن عمر ، رضي الله عنه ~~، أنه قال : أمر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ms027 ، بالصدقة ووافق ذلك مالا ~~عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته ، فجئته بنصف مالي ، فقال رسول الله ~~، صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ؟ قلت : النصف ، وجاء أبو بكر بكل ~~ماله ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ؟ قال : الله ~~حقا ورسوله ، فقلت : والله لا أسبقك إلى شيء أبدا . وعن عمر ، رضي الله عنه ~~، أنه قال : وددت أني شعرة في صدر أبي بكر ، رضي الله عنه . وعن عطاء عن ~~أبي الدرداء أنه مشى بين يدي أبي بكر ، رضي الله عنه ، فقال له رسول الله ، ~~صلى الله عليه وسلم : المشي بين يدي من هو خير منك ، ما طلعت الشمس ولا ~~غربت بعد النبيين والمرسلين على أحد أفضل من أبي بكر . وعن علي بن أبي طالب ~~، رضوان الله ورحمته عليه ، قال : قال النبي ، صلى الله عليه وسلم : يا علي ~~هل PageV01P032 تحب الشيخين ؟ قلت : نعم يا رسول الله ، قال : لا يجتمع حبك ~~وحبهما إلا في قلب مؤمن . وعن أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله ، صلى ~~الله عليه وسلم : رحم الله أبا بكر ، زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة ~~وعتق بلالا من ماله . وعن أنس عن أبي بكر ، رضي الله عنه ، قال : قلت للنبي ~~، صلى الله عليه وسلم ، ونحن في الغار : لو أن أحدهم نظر في قدميه لأبصرنا ~~، فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله جل وعز ثالثهما ! وعن أبي سعيد ~~الخدري ، رضي الله عنه ، قال : خرج علينا رسول الله في مرضه الذي مات فيه ~~وهو عاصب رأسه حتى صعد المنبر فقال : إني قائم الساعة على الحوض وإن عبدا ~~عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة ، فلم يفطن لها أحد إلا أبو بكر ، ~~رضي الله عنه فقال : بأبي أنت وأمي بل نفديك بآبائنا وأبنائنا وأنفسنا ~~وأموالنا ! وبكى ، فقال : لا تبك يا أبي بكر ، إن من آمن الناس علي في ~~صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذا خليلا من الناس لاتخذت أبا بكر . ولكن ~~أخي في الإسلام لا يبقى في ms028 المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر . فبكى أبو ~~بكر وقال : أنا ومالي لك يا رسول الله . وعن ابن المنكدر قال : قال رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم : دعوا لي صاحبي إني بعثت وقال الناس كلهم كذبت ~~وقال لي صدقت ، يعني أبا بكر ، رضي الله عنه . وعن محمد بن عبيد عن إسماعيل ~~بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال : بعث رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ~~، عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل فجاء وقد ظهر ، فقال : يا رسول الله ~~أي الناس أحب إليك ؟ قال : عائشة ، قال : لست أسألك عن النساء ، قال : ~~أبوها إذا تؤنس . وعن الحسن قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ~~يجيء يوم القيامة رجل إلى باب الجنة ليس منها باب إلا وعليه ملك يهتف به ~~هلم هلم ادخل ، فقال أبو بكر ، رضي الله عنه : إن هذا لسعيد ، قال : هو ابن ~~أبي قحافة . PageV01P033 وعن سليمان بن يسار أن رسول الله ، صلى الله عليه ~~وسلم ، قال : في المؤمن ثلاثمائة وستون خصلة من الخير إذا جاء بواحدة دخل ~~الجنة ، قال أبو بكر ، رضي الله عنه : بأبي أنت وأمي أفي منها شيء ؟ قال : ~~هي كلها فيك يا أبا بكر . وعن ابن عمر ، رضي الله عنه ، قال : بينا النبي ، ~~صلى الله عليه وسلم ، جالس وعنده أبو بكر ، رضي الله عنه ، وعليه عباءة قد ~~خلها في صدره بخلال إذ نزل عليه جبريل ، عليه السلام ، فقال : يا رسول الله ~~ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره ؟ قال : أنفق ماله علي قبل ~~الفتح ، قال : فأقرئه من الله عز وجل السلام وقل له يقول لك ربك تبارك ~~وتعالى : أراض أنت عني في فقرك أم ساخط ؟ فقال أبو بكر : أعلى ربي أغضب ! ~~أنا عن ربي راض . وعن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : كنت جالسا ~~عند النبي ، صلى الله عليه وسلم ، إذ طلع أبو بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، ~~فقال ، عليه الصلاة والسلام : هذان سيدا كهول ms029 أهل الجنة من الأولين ~~والآخرين ممن مضى وممن بقي إلا النبيين والمرسلين ، لا تخبرهما يا علي . ~~وعن جابر قال : كنت مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فسمعته يقول : ~~يطلع علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة ، فطلع أبو بكر ، رضي الله عنه ، ~~ثم قال يطلع علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة ، فطلع عمر ، رضي الله عنه ~~، ثم قال : يطلع علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة ، اللهم اجعله عليا ! ~~فطلع علي ، رضي الله عنه . وعن ابن عباس قال : قال أبو بكر : يا رسول الله ~~ما أحسن هذه الآية ! قال : أيتها ؟ قال قوله تبارك وتعالى : ' يا أيتها ~~النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ' ، ~~فقال : يا أبا بكر إن الملك سيقولها لك . وقيل : إنه لما أسلم أبو قحافة لم ~~يعلم أبو بكر ، رضي الله عنه ، بإسلامه حتى دخل على النبي ، صلى الله عليه ~~وسلم ، فقال : ألا أبشرك يا أبا بكر بما يسرك ؟ قال : مثلك يا رسول الله من ~~يبشر بالخير ، PageV01P034 فما هي ؟ قال : أسلم أبو قحافة ! قال : يا رسول ~~الله لو بشرتني بإسلام أبي طالب كان أقر لعيني فإنه أقر لعينك ، فبكى رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم ، حتى علا بكاؤه جزعا لما فاته من إسلام أبي ~~طالب وقال : رحمك الله يا أبا بكر ، ثلاثا . # | محاسن عمر بن الخطاب رضوان الله ورحمته عليه # عن أبي هريرة ، رحمه الله ، قال النبي ، صلى الله عليه وسلم : بينا أنا ~~نائم إذ رأيتني على قليب وعليها دلو ، فنزعت ما شاء الله ثم أخذها مني أبو ~~بكر ، أو قال ابن أبي قحافة : فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف ~~والله جل وعز يغفر له ، ثم أخذها عمر فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى ~~ضرب الناس بعطن . وروي أن امرأة في الجاهلية تسمى عاصية أسلمت فكرهت اسمها ~~فأتت عمر ، رحمه الله ، فقالت : إني كرهت اسمي فسمني . فقال : أنت جميلة . ~~فغضبت وقالت : سميتني باسم الإماء ms030 ! ثم أتت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ~~، فقالت : بأبي أنت وأمي إني كرهت اسمي فسمني ! فقال : أنت جميلة ، فقالت : ~~يا رسول الله إني أتيت عمر سماني جميلة فغضبت . فقال : أوما علمت أن الله ~~جل وعز عند لسان عمر ويده ؟ وعن سعيد بن جبير في قوله عز وجل : ' وصالح ~~المؤمنين ' ، قال : نزلت في عمر خاصة . وعن علي ، رضي الله عنه ، قال : قال ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : رحم الله عمر لقول الحق وإن كان مرا ، ~~تركه الحق ما له من صديق . وعن سعيد بن جبير قال : إن جبريل قال للنبي ، ~~صلى الله عليه وسلم : اقرأ على عمر السلام وأعلمه أن غضبه عز ورضاه حكم . ~~وعن عثمان بن مظعون قال : مر بنا عمر ، رضي الله عنه ، ونحن جلوس عند النبي ~~، صلى الله عليه وسلم ، فقال : هذا غلق باب الفتنة ، لا يزال بينكم وبين ~~الفتنة باب ما عاش هذا بين أظهركم أو ظهرانيكم ، فقال بيمينه وشبك بين ~~أصابعه . PageV01P035 وعن ابن عباس عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ~~جاءني جبريل ، عليه السلام ، حين أسلم عمر ، رحمه الله ، فقال لي : تباشرت ~~الملائكة بإسلام عمر وعمر سراج أهل الجنة . وعن جابر بن عبد الله الأنصاري ~~قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : بينا أنا في الجنة إذ رأيت ~~دارا فأردت أن أدخلها فسألت لمن هي فقيل هي لعمر بن الخطاب ، فذكرت غيرته ~~فرجعت ، فقال عمر : يا رسول الله لست ممن يغار عليه . وعن علي ، رضي الله ~~عنه : ما كنا نبعد أن السكينة كانت تنطق على لسان عمر . وعن عطاء عن ابن ~~عباس قال : لما نزلت هذه الآية : ' ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ' ، الآية ، ' ثم أنشأناه خلقا آخر ' ، فقال عمر ~~: تبارك الله أحسن الخالقين ! فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : والذي ~~نفسي بيده لقد ختمها الله عز وجل بما قلت يا عمر . وعن سعد بن أبي وقاص ، ~~رحمه الله ، قال : استأذن عمر على رسول ms031 الله ، صلى الله عليه وسلم ، وعنده ~~نسوة من قريش قد علت أصواتهن فأذن له ، فلما دخل بادرن الحجاب ، فضحك رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : أضحك الله سنك ، بأبي أنت وأمي مم ~~ضحكت ؟ فقال : أعجب من اللواتي كن عندي لما سمعن صوتك بادرن الحجاب ! فقال ~~: أنت كنت أحق أن يهبن يا رسول الله . ثم أقبل عليهن وأغلظ لهن وقال : ~~أتهبنني ولا تهبن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ قلن : نعم إنك أفظ ~~وأغلظ . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : يا عمر والذي نفسي بيده ما ~~لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك . # | محاسن عثمان بن عفان رضي الله عنه ورحمه # عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في حائط من ~~حيطان المدينة فجاء أبو بكر ، رحمه الله ، فقال : افتح له وبشره بالجنة ، ~~ثم جاء عمر ، رحمه الله ، فقال : افتح له وبشره بالجنة ، ثم جاء علي ، ~~رضوان الله عليه ، فقال : افتح له وبشره بالجنة ، PageV01P036 ثم جاء عثمان ~~، رضي الله عنه ، فقال : افتح له وبشره بالجنة ، فلما جاء عثمان ، رحمه ~~الله ورحمهم أجمعين ، وقد بدت من فخذ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ~~ناحية فقال : افتح له وبشره بالجنة ، فلما جاء عثمان ، رحمه الله ، غطاها ، ~~فقالوا : يا رسول الله ما لك لم تغطه حين جئنا ؟ فقال : ألا أستحيي من رجل ~~تستحيي منه الملائكة ؟ وعن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله جل ~~وعز أمرني أن أزوج كريمتي عثمان بن عفان ، رحمه الله . # | محاسن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه # عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال ~~النبي ، صلى الله عليه وسلم : رحم الله عليا ، اللهم أدر الحق معه حيث دار ~~. وعن علي قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : يا معشر قريش والله ~~ليبعثن الله عليكم رجلا منكم قد امتحن الله قلبه للإيمان يضرب رقابكم على ~~الدين . فقال أبو بكر : أنا ms032 هو يا رسول الله ؟ قال : لا . فقال عمر : أنا ~~هو يا رسول الله ؟ قال : لا ، ولكنه خاصف النعل ، وأنا أخصف نعل رسول الله ~~، صلى الله عليه وسلم . وعن جابر قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ~~: لعلي هذا وليكم بعدي إذا كانت فتنة . وعن مصعب عن أبيه قال : سمعت النبي ~~، صلى الله عليه وسلم ، يقول : ما لكم ولعلي ، من آذى عليا فقد آذاني . وعن ~~علي ، رضي الله عنه ، قال : هلك في رجلان : عدو مبغض ومحب مفرط ، قال : ~~وقال ليحبني أقوام حتى يدخلهم حبي النار ويبغضني أقوام حتى يدخلهم بغضي ~~النار ، هم الرافضة والناصبة . وعن أم سلمة قالت : قال رسول الله ، صلى ~~الله عليه وسلم : لا يحب عليا منافق ولا يبغض عليا مؤمن . PageV01P037 وعن ~~عمرو بن الأصم قال : قلت للحسن بن علي ، رضوان الله عليهما : هؤلاء الشيعة ~~يزعمون أن عليا مبعوث الآن . قال : كذبوا والله ما أولئك بشيعة ولو كان كما ~~يقولون ما أنكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه . وعن فاطمة ، رضي الله عنها ، ~~قالت : دخل علي علي ، رضي الله عنه ، وأنا عند النبي ، صلى الله عليه وسلم ~~، فقال : ابشر يا أبا الحسن ! أما إنك في الجنة وإن قوما يزعمون أنهم ~~يحبونك يرفضون الإسلام يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية لهم نبز يقال ~~لهم الرافضة فإن أدركتهم فقاتلهم فإنهم مشركون . قال : وحدثنا رجل حضر مجلس ~~القاسم بن المجمع وهو والي الأهواز قال : حضر مجلسه رجل من بني هاشم فقال : ~~أصلح الله الأمير ! ألا أحدثك بفضيلة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي ~~الله عنه ؟ قال : نعم إن شئت . قال : حدثني أبي قال : حضرت مجلس محمد بن ~~عائشة بالبصرة إذ قام إليه رجل من وسط الحلقة فقال : يا أبا عبد الرحمن من ~~أفضل أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أبو بكر وعمر وعثمان ~~وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح . فقال ~~له : فأين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ؟ قال : يا هذا تستفتي ms033 عن أصحابه ~~أم عن نفسه ؟ قال : بل عن أصحابه . قال : إن الله تبارك وتعالى يقول : ' قل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ' ، فكيف ~~يكون أصحابه مثل نفسه ؟ وعن عطاء قال : كان لعلي ، رحمه الله ، موقف من ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يوم الجمعة إذا خرج أخذ بيده فلا يخطو ~~خطوة إلا قال : اللهم هذا علي اتبع مرضاتك فارض عنه ، حتى يصعد المنبر . ~~وحدثنا إبراهيم بن أحمد الغضائري بإسناد يرفعه إلى أبي مالك الأشجعي رواه ~~أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : هبط علي جبريل ، عليه السلام ، يوم ~~حنين فقال : يا محمد إن ربك تبارك وتعالى يقرئك السلام ، وقال : ادفع هذه ~~الأترجة إلى ابن عمك ووصيك علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه . فدفعتها إليه ~~فوضعتها في كفه فانفلقت بنصفين فخرج منها رق أبيض مكتوب فيه بالنور : من ~~الطالب الغالب إلى علي بن أبي طالب . أبو عثمان قاضي الري عن الأعمش عن ~~سعيد بن جبير قال : كان عبد الله بن عباس بمكة يحدث على شفير زمزم ونحن ~~عنده ، فلما قضى حديثه قام إليه رجل فقال : يا ابن عباس إني امرؤ من أهل ~~الشام من أهل حمص ، إنهم يتبرأون من علي بن أبي طالب ، رضوان الله ~~PageV01P038 عليه ، ويلعنونه . فقال : بل لعنهم الله في الدنيا والآخرة ~~وأعد لهم عذابا مهينا ، ألبعد قرابته من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ~~وأنه لم يكن أول ذكران العالمين إيمانا بالله ورسوله وأول من صلى وركع وعمل ~~بأعمال البر ؟ قال الشامي : إنهم والله ما ينكرون قرابته وسابقته غير أنهم ~~يزعمون أنه قتل الناس . فقال ابن عباس : ثكلتهم أمهاتهم ! إن عليا أعرف ~~بالله عز وجل وبرسوله وبحكمهما منهم ، فلم يقتل إلا من استحق القتل . قال : ~~يا ابن عباس إن قومي جمعوا لي نفقة وأنا رسولهم إليك وأمينهم ولا يسعك أن ~~تردني بغير حاجتي ، فإن القوم هالكون في أمره ففرج عنهم فرج الله عنك . ~~فقال ابن عباس : يا أخا أهل الشام إنما مثل علي في هذه ms034 الأمة في فضله وعلمه ~~كمثل العبد الصالح الذي لقيه موسى ، عليه السلام ، لما انتهى إلى ساحل ~~البحر فقال له : هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا ؟ قال العالم : إنك ~~لن تستطيع معي صبرا ، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ؟ قال موسى : ستجدني ~~إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا . قال له العالم : ألم أقل لك إنك لن ~~تستطيع معي صبرا فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا . ~~فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ، وكان قد خرقها لله جل وعز رضى ~~ولأهلها صلاحا ، وكان عند موسى ، عليه السلام ، سخطا وفسادا فلم يصبر موسى ~~وترك ما ضمن له فقال : أخرقتها لتغرق أهلها ؟ لقد جئت شيئا إمرا ! قال له ~~العالم : ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ؟ قال موسى : لا تؤاخذني بما ~~نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا . فكف عنه العالم ، فانطلقا حتى إذا لقيا ~~غلاما فقتله ، وكان قتله لله جل وعز رضى ولأبويه صلاحا ، وكان عند موسى ، ~~عليه السلام ، ذنبا عظيما ، قال موسى ولم يصبر : أقتلت نفسا زكية بغير نفس ~~؟ لقد جئت شيئا نكرا ! قال العالم : ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ؟ ~~قال : إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ، قد بلغت من لدني عذرا . فانطلقا ~~حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا ~~يريد أن ينقض فأقامه ، وكان إقامته لله عز وجل رضى وللعالمين صلاحا ، فقال ~~: لو شئت لاتخذت عليه أجرا ، قال : هذا فراق بيني وبينك . وكان العالم أعلم ~~بما يأتي موسى ، عليه السلام ، وكبر على موسى الحق وعظم إذ لم يكن يعرفه ~~هذا وهو نبي مرسل من أولي العزم ممن قد أخذ الله جل وعز ميثاقه على النبوة ~~، فكيف أنت يا أخا أهل الشام وأصحابك ؟ إن عليا ، رضي الله عنه ، لم يقتل ~~إلا من كان يستحل قتله ، وإني أخبرك أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ~~كان عند أم سلمة بنت أبي أمية ms035 إذ أقبل علي ، عليه السلام ، يريد الدخول على ~~النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فنقر نقرا خفيا فعرف رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم ، نقره فقال : يا أم سلمة قومي فافتحي الباب . فقالت : يا رسول ~~الله من هذا الذي يبلغ خطره أن استقبله بمحاسني ومعاصمي ؟ فقال : يا أم ~~سلمة إن طاعتي طاعة الله جل وعز ، قال : ' ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ' ~~[ النساء : 80 ] PageV01P039 قومي يا أم سلمة فإن بالباب رجلا ليس بالخرق ~~ولا النزق ولا بالعجل في أمره يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، يا أم ~~سلمة إنه إن تفتحي الباب له فلن يدخل حتى يخفى عليه الوطء ، فلم يدخل حتى ~~غابت عنه وخفي عليه الوطء ، فلما لم يحس لها حركة دفع الباب ودخل فسلم على ~~النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فرد عليه السلام وقال : يا أم سلمة هل تعرفين ~~هذا ؟ قالت : نعم هذا علي بن أبي طالب . فقال رسول الله ، صلى الله عليه ~~وسلم : نعم هذا علي سيط لحمه بلحمي ودمه بدمي وهو مني بمنزلة هارون من موسى ~~إلا أنه لا نبي بعدي يا أم سلمة ، هذا علي سيد مبجل مؤمل المسلمين وأمير ~~المؤمنين وموضع سري وعلمي وبابي الذي أوي إليه ، وهو الوصي على أهل بيتي ~~وعلى الأخيار من أمتي ، وهو أخي في الدنيا والآخرة وهو معي في السناء ~~الأعلى ، اشهدي يا أم سلمة أن عليا يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين . ~~قال ابن عباس : وقتلهم لله رضى وللأمة صلاح ولأهل الضلالة سخط . قال الشامي ~~: يا ابن عباس من الناكثون ؟ قال : الذين بايعوا عليا بالمدينة ثم نكثوا ~~فقاتلهم بالبصرة أصحاب الجمل ، والقاسطون معاوية وأصحابه ، والمارقون أهل ~~النهروان ومن معهم . فقال الشامي : يا ابن عباس ملأت صدري نورا وحكمة وفرجت ~~عني فرج الله عنك ، أشهد أن عليا ، رضي الله عنه ، مولاي ومولى كل مؤمن ~~ومؤمنة . اس من الناكثون ؟ قال : الذين بايعوا عليا بالمدينة ثم نكثوا ~~فقاتلهم بالبصرة أصحاب الجمل ، والقاسطون معاوية وأصحابه ، والمارقون أهل ~~النهروان ومن معهم . فقال الشامي : يا ابن عباس ms036 ملأت صدري نورا وحكمة وفرجت ~~عني فرج الله عنك ، أشهد أن عليا ، رضي الله عنه ، مولاي ومولى كل مؤمن ~~ومؤمنة . ويروى أن ابن عباس ، رحمه الله ، قال : عقم النساء أن يجئن بمثل ~~علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، ما رأيت محربا يزن به لرأيته يوم صفين ~~وعلى رأسه عمامة بيضاء وكأن عينيه سراجا سليط وهو يقف على شرذمة بعد شرذمة ~~من الناس يعظهم ويحضهم ويحرضهم حتى انتهى إلي وأنا في كثف من الناس فقال : ~~معاشر المسلمين استشعروا الخشية وأكملوا اللأمة وتجلببوا بالسكينة وغضوا ~~الأصوات والحظوا الشزر وأطعنوا الوجر وصلوا السيوف بالخطى والرماح بالنبل ، ~~فإنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، تقاتلون عدو ~~الله عليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنب ، فاضربوا ثبجه فإن الشيطان ~~راكس في كسره مفترش ذراعيه قد قدم للوثبة يدا وأخر للنكوص رجلا ، فصمدا ~~صمدا حتى ينجلي لكم الحق وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم . وعن ~~ابن عباس أنه قال : لقد سبق لعلي ، رضي الله عنه ، سوابق لو أن سابقة منها ~~قسمت على الناس لوسعتهم خيرا . وعنه قال : كان لعلي ، رضي الله عنه ، خصال ~~ضوارس قواطع سطة في العشيرة وصهر PageV01P040 بالرسول وعلم بالتنزيل وفقه ~~في التأويل وصبر عند النزال ومقاومة الأبطال ، وكان ألد إذا أعضل ، ذا رأي ~~إذا أشكل . قيل : ودخل ابن عباس على معاوية فقال : يا ابن عباس صف لي عليا ~~، قال : كأنك لم تره ؟ قال : بلى ولكني أحب أن أسمع منك فيه مقالا ، قال : ~~كان أمير المؤمنين ، رضوان الله عليه ، غزير الدمعة طويل الفكرة ، يعجبه من ~~اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب ، يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا دعوناه ، ~~وكان مع تقربته إيانا وقربه منا لا نبدأه بالكلام حتى يتبسم فإذا هو تبسم ~~فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، أما والله يا معاوية لقد رأيته في بعض مواقفه وقد ~~أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قابض على لحيته يبكي ويتململ تململ ~~السليم وهو يقول : يا دنيا إياي تغرين ؟ أمثلي تشوقين ؟ لا ms037 حان حينك بل زال ~~زوالك ، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعيشك حقير وعمرك قصير وخطرك يسير ، ~~آه آه من بعد السفر ووحشة الطريق وقلة الزاد ! قال : فأجهش معاوية ومن معه ~~بالبكاء . وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين يصف محاسن أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب ومن حضره ، كرم الله وجهه ، في قصيدة له : رأوا نعمة لله ليست ~~عليهم . . . عليك وفضلا بارعا لا تنازعه فعضوا من الغيظ الطويل أكفهم . . . ~~عليك ومن لم يرض فالله خادعه من الدين والدنيا جميعا لك المنى . . . وفوق ~~المنى أخلاقه وطبائعه وروي أن عدي بن حاتم دخل على معاوية بن أبي سفيان ~~فقال : يا عدي أين الطرفات ؟ يعني بنيه طريفا وطارفا وطرفة . قال : قتلوا ~~يوم صفين بين يدي علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه . فقال : ما أنصفك ابن ~~أبي طالب إذ قدم بينك وأخر بنيه ! قال : بل ما أنصفت أنا عليا إذ قتل وبقيت ~~! قال : صف لي عليا . فقال : إن رأيت أن تعفيني . قال : لا أعفيك . قال : ~~كان والله بعيد المدى وشديد القوى ، يقول عدلا ويحكم فضلا ، تتفجر الحكمة ~~من جوانبه والعلم من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ~~ووحشته ، وكان والله غزير الدمعة طويل الفكرة ، يحاسب نفسه إذا خلا ويقلب ~~كفيه على ما مضى ، يعجبه من اللباس القصير ومن المعاش الخشن ، وكان فينا ~~كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويدنينا إذا أتيناه ، ونحن مع تقريبه لنا وقربه ~~منا لا نكلمه لهيبته ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته ، فإن تبسم فعن اللؤلؤ ~~المنظوم ، يعظم أهل الدين ، يتحبب إلى المساكين ، لا يخاف القوي ظلمه ولا ~~ييأس الضعيف من عدله ، فأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه وأرخى الليل ~~سرباله وغارت نجومه ودموعه تتحادر على لحيته وهو يتململ تململ السليم ويبكي ~~بكاء الحزين ، فكأني الآن أسمعه وهو يقول : يا دنيا PageV01P041 أإلي تعرضت ~~أم إلي أقبلت ؟ غري غيري ، لا حان حينك ، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك ، ~~فعيشك حقير وخطرك يسير ، آه من قلة الزاد وبعد السفر وقلة ms038 الأنيس ! قال : ~~فوكفت عينا معاوية ينشفهما بكمه ثم قال : يرحم الله أبا الحسن ! كان كذا ~~فكيف صبرك عنه ؟ قال : كصبر من ذبح ولدها في حجرها فهي لا ترقأ دمعتها ولا ~~تسكن عبرتها . قال : فكيف ذكرك له ؟ قال : وهل يتركني الدهر أن أنساه ! ~~وهذا الخبر أتم من خبر ابن عباس ، رحمه الله . # | محاسن من أمسك عن الوقوع في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم # قال : قدم عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان فقال له يحيى بن ~~الحكم عم عبد الملك بن مروان ، قال : ما تقول في علي وعثمان ؟ قال : أقول ~~ما قال من هو خير مني فيمن هو شر منهما : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم . عصام بن يزيد قال : كنت عند حمزة حتى أتاه ~~رجل فسأله عن أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : تلك أمة قد ~~خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون . وروي أنه كتب ~~إسماعيل بن علي إلى الأعمش أن اكتب إلينا بمناقب علي ووجوه الطعن على عثمان ~~، رضي الله عنهما ، فكتب : لو أن عليا لقي الله جل وعز بحسنات أهل الدنيا ~~لم يزد ذلك في حسناتك ، ولو لقيه عثمان ، رضي الله عنه ، بسيئات أهل الأرض ~~لم ينقص ذلك من سيئاتك . وعن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قال : ~~كان إياس بن معاوية لي صديقا فدخلنا على عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر ~~الصديق ، رضي الله عنهما ، وعنده جماعة من قريش يتذاكرون السلف ، ففضل قوم ~~أبا بكر وقوم عمر وآخرون عليا ، رضي الله عنهم أجمعين ، فقال إياس : إن ~~عليا ، رحمه الله ، كان يرى أنه أحق الناس بالأمر ، فلما بايع الناس أبا ~~بكر ورأى أنهم قد اجتمعوا عليه وأن ذلك قد أصلح العامة اشترى صلاح العامة ~~بنقض رأي الخاصة ، يعني بني هاشم ، ثم ولي عمر ، رحمه الله ، ففعل مثل ذلك ~~به وبعثمان ، رضي الله عنه ، فلما قتل عثمان ، رحمه الله ms039 ، واختلف الناس ~~وفسدت الخاصة والعامة وجد أعوانا فقام بالحق ودعا إليه . وقيل إنه حضر مجلس ~~عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، جماعة من أهل العلم فذكروا عليا ، رضي ~~الله عنه ، وعثمان وطلحة والزبير ، رضي الله عنهم أجمعين ، وما كان بينهم ~~فأكثروا وعمر ساكت ، قال القوم : ألا تتكلم يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا ~~أقول شيئا ، تلك دماء طهر الله منها كفي فلا أغمس فيها لساني . PageV01P042 # | مساوئ تلك الحروب ومن تنقص علي بن أبي طالب رضوان الله ورحمته وبركاته ~~عليه # أبو نعيم قال : حدثنا عبد الجبار بن العباس الهمداني عن عمار الدهني عن ~~سالم بن أبي الجعد قال : ذكر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بعض أمهات ~~المؤمنين فضحكت عائشة ، رضي الله عنها ، فقال : انظري يا حميراء أن لا ~~تكوني أنت هي ، ثم التفت إلى علي ، رضوان الله عليه ، فقال : انظر يا أبا ~~الحسن إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها . وقال الزهري : لما سارت عائشة ~~ومعها طلحة والزبير ، رضي الله عنهم ، في سبع مائة من قريش كانت تنزل كل ~~منزل فتسأل عنه حتى نبحتها كلاب الحوأب فقالت : ردوني ، لا حاجة لي في ~~مسيري هذا ، فقد كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، نهاني فقال : كيف ~~أنت يا حميراء لو قد نبحت عليك كلاب الحوأب أو أهل الحوأب في مسيرك تطلبين ~~أمرا أنت عنه بمعزل ؟ فقال عبد الله بن الزبير : ليس هذا بذلك المكان الذي ~~ذكره رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ودار على تلك المياه حتى جمع خمسين ~~شيخا قسامة فشهدوا أنه ليس بالماء الذي تزعمه أنه نهيت عنه ، فلما شهدوا ~~قبلت وسارت حتى وافت البصرة ، فلما كان حرب الجمل أقبلت في هودج من حديد ~~وهي تنظر من منظر قد صير لها في هودجها ، فقالت لرجل من ضبة وهو آخذ بخطام ~~جملها أو بعيرها : أين ترى علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ؟ قال : ها هوذا ~~واقف رافع يده إلى السماء ، فنظرت فقالت : ما أشبهه بأخيه ! قال الضبي : ~~ومن أخوه ؟ قالت : رسول ms040 الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : فلا أراني أقاتل ~~رجلا هو أخو رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فنبذ خطام راحلتها من يده ~~ومال إليه . وعن الحسن البصري ، رحمه الله ، أن الأحنف بن قيس قال لعائشة ، ~~رحمها الله ، يوم الجمل : يا أم المؤمنين هل عهد عليك رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم ، هذا المسير ؟ قالت : اللهم لا . قال : فهل وجدته في شيء من ~~كتاب الله جل ذكره ؟ قالت : ما نقرأ إلا ما تقرأون . قال : فهل رأيت رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم ، استعان بشيء من نسائه إذا كان في قلة ~~والمشركون في كثرة ؟ قالت : اللهم لا . قال الأحنف : فإذا ما هو ذنبنا ؟ ~~قال : وقال الحسن البصري : تقلدت سيفي وذهبت لأنصر أم المؤمنين فلقيني ~~الأحنف فقال : إلى أين تريد ؟ فقلت : أنصر أم المؤمنين . فقال : والله ما ~~قاتلت مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، المشركين فكيف تقاتل معها ~~المؤمنين ؟ قال : فرجعت إلى منزلي ووضعت سيفي . PageV01P043 # | مساوئ من عادى علي بن أبي طالب رضي الله عنه # قال : ولما فرغ أمير المؤمنين ، عليه السلام ، من قتال أهل الجمل دخل ~~عليه عبد الله بن الكواء وقيس بن عبادة السكري فقالا : يا أمير المؤمنين ~~أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت يضرب الناس بعضهم رقاب بعض أرأيا رأيته حين ~~تفرقت الأمة واختلفت الدعوة ، فإن كان رأيا رأيته أجبناك في رأيك ، وإن كان ~~عهدا عهده إليك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فأنت الموثوق به المأمون ~~فيما حدثت عنه . فقال : والله لئن كنت أول من صدق به لا أكون أول من كذب ~~عليه ، أما أن يكون عندي عهد من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فيه فلا ~~والله لو كان عندي ما تركت أخا تيم وعدي على منبر رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم ، ولكن نبينا ، عليه السلام ، لم يقتل قتلا ولم يمت فجاءة ولكنه ~~مرض ليالي وأياما فأتاه بلال ليؤذنه بالصلاة فيقول : ائت أبا بكر وهو يرى ~~مكاني ، فلما قبض ، صلى الله عليه وسلم ، نظرنا في ms041 الأمر فإذا الصلاة علم ~~الإسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله ، صلى الله عليه ~~وسلم ، لديننا فولينا أمورنا أبا بكر فأقام بين أظهرنا الكلمة واحدة والدين ~~جامع ، أو قال : الأمر جامع لا يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد منا أحد على ~~أحد بالشرك ، وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب الحدود بين يديه ~~بسيفي وسوطي على كراهة منه لها ، وود أبو بكر لو أن واحدا منا يكفيه ، فلما ~~حضرت أبا بكر ، رحمه الله ، الوفاة ظننت أنه لا يعدل عني لقرابتي من رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم ، وسابقتي وفضلي ، فظن أبو بكر أن عمر أقوى مني ~~عليها ، ولو كانت اثرة لآثر بها ولده ، فولى عمر على كراهة كثير من أصحابه ~~، فكنت فيمن رضي لا فيمن كره ، فوالله ما خرج عمر ، رحمه الله ، من الدنيا ~~حتى رضي به من كان كرهه ، فأقام عمر ، رحمه الله ، بين أظهرنا الكلمة واحدة ~~والأمر واحد لا يختلف عليه منا اثنان ، فكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا ~~أغزاني وأضرب الحدود بين يديه بسوطي وسيفي ، أتبع أثره اتباع الفصيل أمه لا ~~يعدل عن سبيل صاحبيه ولا يحيد عن سنتهما ، فلما حضرت عمر ، رضي الله عنه ، ~~الوفاة ظننت أنه لا يعدل عني لقرابتي وسابقتي وفضلي ، فظن عمر أنه إن ~~استخلف خليفة يعمل بخطيئة لحقته في قبره فأخرج منها ولده وأهل بيته وجعلها ~~شورى في ستة رهط ، منهم : عبد الرحمن بن عوف ، فقال : هل لكم أن أدع لكم ~~نصيبي على أن أختار لله ولرسوله ؟ قلنا : نعم . فأخذ ميثاقنا على أن نسمع ~~ونطيع لمن ولاه ، وأخذنا ميثاقه على من يختار لله ولرسوله ، فوقع اختياره ~~على عثمان ، رضي الله عنه ، فنظرت فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي وإذا ميثاقي قد ~~أخذ لغيري ، فاتبعت عثمان وأديت إليه حقه على أثرة منه وتقصير عن سنة ~~صاحبيه ، فلما قتل عثمان ، رضي الله عنه ، نظرت فكنت أحق بها من جميع الناس ~~. فقالا : صدقت وبررت ، فأخبرنا عن طلحة والزبير بما استحللت قتالهما وقد ~~شركاك ms042 في الهجرة مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وفي الشورى ~~PageV01P044 من عمر ، رحمهم الله . فقال : قد شركاني في الهجرة وفي الشورى ~~ولكنهما بايعاني بالحجاز وخلعاني بالعراق ولو فعلا ذلك بأبي بكر وعمر ~~لقاتلاهما . فقالا : صدقت وبررت وأنت أمير المؤمنين . قال : ولما كان حرب ~~صفين كتب أمير المؤمنين ، رضوان الله عليه ، إلى معاوية بن أبي سفيان : ما ~~لك يقتل الناس بيننا ؟ ابرز لي فإن قتلتني استرحت مني وإن قتلتك استرحت منك ~~. فقال له عمرو بن العاص : أنصفك الرجل فابرز إليه . قال : كلا يا عمرو ، ~~أردت أن أبرز له فيقتلني وتثب على الخلافة بعدي ! قد علمت قريش أن ابن أبي ~~طالب سيدها وأسدها . ثم أنشأ يقول : يا عمرو قد أسررت تهمة غادر . . . ~~برضاك لي تحت العجاج برازي ما للملوك وللبراز وإنها . . . حتف المبارز خطفة ~~من بازي إن التي منتك نفسك خاليا . . . قتلي جزاك بما نويت الجازي فلقد ~~كشفت قناعها مذمومة . . . ولقد لبست لها ثياب الخازي فأجابه عمرو بن العاص ~~: معاوي إنني لم أجن ذنبا . . . وما أنا بالذي يدعى بخازي فما ذنبي بأن ~~نادى علي . . . وكبش القوم يدعى للبراز فلو بارزته للقيت قرنا . . . حديد ~~الناب شهما ذا اعتزاز أجبنا في العشيرة يا ابن هند . . . وعند الباه كالتيس ~~الحجازي ثم كتب معاوية إلى علي ، رحمه الله : أما بعد فإنا لو علمنا أن ~~الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض وإن كنا قد غلبنا على ~~عقولنا فقد بقي لنا ما نرم به ما مضى ونصلح ما بقي ، وقد كنت سألتك الشام ~~على أن تلزمني لك طاعة فأبيت ذلك علي وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه ~~أمس وإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو ولا خاف من الفناء إلا ما أخاف ، ~~وقد والله رقت الأجناد وذهبت الرجال ، ونحن بنو عبد مناف ليس لأحد منا على ~~أحد فضل نستذل به عبدا أو نسترق به حرا . فأجابه علي : من علي بن أبي طالب ~~إلى معاوية بن أبي سفيان ، أما بعد فقد ms043 جاءني كتابك وتذكر أنك لو علمت أن ~~الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض ، وأنا وإياك نلتمس ~~غاية لم نبلغها بعد ، فأما طلبك الشام فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك ~~عنه أمس ، وأما استواؤنا في الخوف والرجاء فلست بأمضى على الشك مني على ~~اليقين وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة ، وأما ~~قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك PageV01P045 نحن وليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد ~~المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا الطليق كالمهاجر ولا المحق كالمبطل ، ~~في أيدينا فضل النبوة التي قبلنا بها العز ونفينا بها الخزي . عن الشعبي أن ~~عمرو بن العاص دخل على معاوية وعنده ناس فلما رآه مقبلا استضحك فقال : يا ~~أمير المؤمنين أضحك الله سنك وأدام سرورك وأقر عينك ، ما كل ما أرى يوجب ~~الضحك ! فقال معاوية : خطر ببالي يوم صفين يوم بارزت أهل العراق فحمل عليك ~~علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، فلما غشيك طرحت نفسك عن دابتك وأبديت ~~عورتك كيف حضرك ذهنك في تلك الحال ، أما والله لقد واقفته هاشميا منافيا ~~ولو شاء أن يقتلك لقتلك ! فقال عمرو : يا معاوية إن كان أضحكك شأني فمن ~~نفسك فاضحك ، أما والله لو بدا له من صفحتك مثل الذي بدا له من صفحتي لأوجع ~~قذالك وأيتم عيالك وأنهب مالك وعزل سلطانك ، غير أنك تحرزت منه بالرجال في ~~أيديها العوالي ، أما إني قد رأيتك يوم دعاك إلى البراز فاحولت عيناك وأزبد ~~شدقاك وتنشر منخراك وعرق جبينك وبدا من أسفلك ما أكره ذكره . فقال معاوية : ~~حسبك حيث بلغت لم نرد كل هذا . قال : وذكر أن أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب ، رضي الله عنه ، قال : زعم ابن النابغة أني تلعابة تمزاحة ذو دعابة ، ~~أعافس وأمارس ، لا رأي لي في الحروب ، هيهات يمنع من العفاس والمراس ذكر ~~الموت والبعث ، فمن كان له قلب ففي هذا عن هذا واعظ ، أما وشر القول الكذب ~~إنه ليحدث فيكذب ويعد فيخلف ، فإذا كان ms044 البأس فأعظم مكيدته أن يمنح القوم ~~استه . قال : وقال عمرو بن العاص لابنه عبد الله يوم صفين : تبين لي هل ترى ~~علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ؟ قال عبد الله : فنظرت فرأيته فقلت : يا ~~أبت ها هو ذاك على بغلة شهباء عليه قباء أبيض وقلنسوة بيضاء . قال : ~~فاسترجع ، وقال : والله ما هذا بيوم ذات السلاسل ولا بيوم اليرموك ولا يوم ~~أجنادين ، وددت أن بيني وبين موقفي بعد المشرقين . فنزل سعد بن أبي وقاص ~~وعبد الله بن عمرو قالا : والله لئن كان صوابا إنه لعظيم مشكور ، ولئن كان ~~خطأ إنه لصغير مغفور . فقلت له : يا أبت فمن يمنعك من الذي فعلا ؟ فوالله ~~ما يحول بينك وبين ذلك أحد ! فقال : إن يرجع الشيخ ولم يعذر إذ نزل القوم ~~بضنك فانظر ، ثم تأمل بعد هذا أو ذر . PageV01P046 وقال بعض الشعراء في ~~معاوية ومحاربته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : قد سرت سير كليب في ~~عشيرته . . . لو كان فيهم غلام مثل جساس الطاعن الطعنة النجلاء عاندها . . ~~. كطرة البرد أعيا فتقها الآسي عبد الله بن السائب قال : جمع زياد أهل ~~الكوفة يحرضهم على البراءة من علي ، كرم الله وجهه ، فملأ منهم المسجد ~~والرحبة ، قال : فغفوت غفوة فإذا أنا بشيء له عنق مثل عنق البعير أهدل أهدب ~~، فقلت له : من أنت ؟ فقال : أنا النقاد ذو الرقبة بعثت إلى صاحب القصر . ~~فانتبهت فزعا ، فما كان بأسرع إذ خرج علينا خارج من القصر فقال : انصرفوا ~~فإن الأمير في شغل عنكم اليوم ، فإذا هو قد فلج ، فقال عبد الله في ذلك : ~~ما كان منتهيا عما أراد بنا . . . حتى تأتى له النقاد ذو الرقبه فأسقط الشق ~~منه ضربة ثبتت . . . لما تناول ظلما صاحب الرحبه أراد أنه قتل في رحبة ~~المسجد . الأصمعي قال : سمع عامر بن عبد الله بن الزبير ابنه ينال من علي ، ~~رضي الله عنه ، فقال : يا بني إياك وذكر علي ، رضي الله عنه ، فإن بني أمية ~~تنقصته ستين عاما فما زاده الله بذلك إلا رفعة . قال : وقال ms045 عبد الملك بن ~~مروان للحجاج بن يوسف : جنبني دماء آل أبي طالب فإني رأيت بني حرب لما ~~قتلوا الحسين ، عليه السلام ، نزع الله ملكهم . # | محاسن الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم # روي عن أنس بن مالك أنه قال : لم يكن في أهل بيت رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم ، أحد أشبه به من الحسن ، عليه السلام ، وكان قال له رسول الله ، ~~صلى الله عليه وسلم ، ابني هذا سيد لعل الله جل وعز أن يصلح به بين فئتين ~~من المسلمين . وكان بينه وبين أخيه الحسين ، عليه السلام ، طهز واحد ، وكان ~~أسخى أهل زمانه . وذكروا أنه أتاه رجل في حاجة فقال : اذهب فاكتب حاجتك في ~~رقعة وارفعها إلينا نقضها PageV01P047 لك . قال : فرفع إليه حاجته ، ~~فأضعفها له ، فقال بعض جلسائه : ما كان أعظم بركة الرقعة عليه يا ابن رسول ~~الله . فقال : بركتها علينا أعظم حين جعلنا للمعروف أهلا ، أما علمت أن ~~المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة ؟ فأما من أعطيته بعد مسألة فإنما ~~أعطيته بما بذل لك من وجهه ، وعسى أن يكون بات ليلته متململا أرقا يميل بين ~~اليأس والرجاء لا يعلم لما يتوجه من حاجته أبكآبة الرد أم بسرور النجح ~~فيأتيك وفرائصه ترعد وقلبه خائف يخفق ، فإن قضيت له حاجته فيما بذل لك من ~~وجهه فإن ذلك أعظم مما نال من معروفك . قيل : وكان لرجل على ابن أبي عتيق ~~مال فتقاضاه فقال له : ائتني العشية في مجلس الولاية فسلني عن بيت قريش . ~~فوافاه الغريم في ذلك المجلس ، فقال له : إنا تلاحينا في بيت قريش ورضينا ~~بك حكما ، فقال : آل حرب ، قال : ثم من ؟ قال : آل أبي العاص ، والحسن بن ~~علي ، رضي الله عنه ، حاضر ، فشق ذلك عليه ، فقال الرجل : فأين بنو عبد ~~المطلب ؟ قال : لم أكن أظن أن تسألني عن غير بيت الآدميين فأما إذا صرت ~~تسألني عن بيت الملائكة وعن رسول الله رب العالمين وسيد كل شهيد والطيار مع ~~الملائكة فمن يساوي هؤلاء فخرا إلا وهو ms046 منقطع دونهم . قال : فانجلى عن ~~الحسن ، عليه السلام ، ثم قال : إني لأحسب أن لك حاجة . قال : نعم يا ابن ~~رسول الله ، لهذا علي كذا وكذا ، فاحتملها عنه ووصله بمثلها ، قال : وأتاه ~~رجل آخر فقال : يا ابن رسول الله إني عصيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ~~. فقال : بئس ما صنعت ، فماذا عصيته ؟ قال : قال ، عليه السلام : شاوروهن ~~وخالفوهن ، وإني أطعت صاحبتي فاشتريت غلاما فأبق . قال له : اختر واحدة من ~~ثلاث ، إن شئت ثمن الغلام . قال : بأبي أنت وأمي قف على هذه ولا تجاوزها ! ~~قال : اعرض عليك الثلاث ! فقال : حسبي هذه ، فأمر له بثمن الغلام . وذكروا ~~أن رجلين أحدهما من بني هاشم والآخر من بني أمية قال هذا : قومي أسمح ، ~~وقال هذا : قومي أسمح ، قال : فسل أنت عشرة من قومك وأنا أسأل عشرة من قومي ~~. فانطلق بني أمية فسأل عشرة فأعطاه كل واحد منهم عشرة آلاف درهم ، وانطلق ~~صاحب بني هاشم إلى الحسن بن علي ، رضي الله عنه ، فأمر له بمائة وخمسين ألف ~~درهم ، ثم أتى الحسين ، عليه السلام ، فقال : هل بدأت بأحد قبلي ؟ قال : ~~بدأت بالحسن ، قال : ما كنت أستطيع أن أزيد على سيدي شيئا ، فأعطاه مائة ~~وخمسين ألفا من الدراهم ، فجاء صاحب بني أمية فحمل مائة ألف درهم من عشرة ~~أنفس ، وجاء صاحب بني هاشم فحمل ثلاثمائة ألف درهم من نفسين ، فغضب صاحب ~~بني أمية فردها عليهم فقبلوها ، وجاء صاحب بني هاشم فردها عليهما فأبيا أن ~~يقبلاها وقالا : ما كنا نبالي أخذتها أم ألقيتها في الطريق ، وكان ~~PageV01P048 الحسن بن علي ، رضوان الله عليهما ، أشبه برسول الله ، صلى ~~الله عليه وسلم ، من صدره إلى قدمه ، وكان أيضا أحد الأجواد ، دخل على ~~أسامة بن زيد وهو يجود بنفسه ويقول : واكرباه واحزناه ! فقال : وما الذي ~~أحزنك يا عم ؟ قال : يا ابن رسول الله ستون ألف درهم دين علي لا أجد لها ~~قضاء . قال : هي علي . قال : فك الله رهائنك يا ابن النبي ، صلى الله عليه ~~وسلم ، الله أعلم حيث يجعل رسالاته . # | مساوئ ms047 قتلة الحسين بن علي رضوان الله عليهما # حدثنا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم عن يحيى بن معين عن الحجاج عن أبي ~~معشر قال : لما مات معاوية بن أبي سفيان وذلك في النصف من رجب سنة ستين ورد ~~خبره على أهل المدينة في أول شعبان وكان على المدينة يومئذ الوليد بن عتبة ~~بن أبي سفيان وكان غلاما حدثا يتحرج ، فلما جاءه ما جاءه ضاق به صدره فأرسل ~~إلى مروان بن الحكم ، وهو الذي صرف به مروان عن المدينة ، وكان في مروان ~~حدة ، فقال له الوليد : يا أبا عبد الملك إنه قد جاءنا اليوم شيء لم نكن ~~نستغني معه عن استشارتك . قال : وما هو ؟ قال : موت أمير المؤمنين . قال : ~~إنا لله وإنا إليه راجعون ، مات ، رحمه الله ! قال : نعم . قال : أتطيع ~~أمري ؟ قال : نعم . قال : أرسل إلى الحسين بن علي وإلى عبد الله بن الزبير ~~فإن بايعا فخل سبيلهما وإن أبيا فاضرب أعناقهما ، فأرسل إلى الحسين ، رضوان ~~الله عليه ، وإلى عبد الله بن الزبير ، رحمه الله ، وبدأ بالحسين ، عليه ~~السلام ، فمر الحسين في المسجد فأشار إليه ابن الزبير وهو قائم يصلي ، ~~فأتاه فقال للحرسي : تأخر أيها العبد . فتأخر الحرسي . فقال له : يا أبا ~~عبد الله أتدري لأي شيء دعيت ؟ قال : لا . قال : مات طاغيتهم فدعوك للبيعة ~~فلا تبايع وقل له بالغداة على رؤوس الملإ . قال : فدخل الحسين ، عليه ~~السلام ، فقال له الوليد : يا أبا عبد الله دعوناك لخير . قال : أي شيء هو ~~؟ قال : مات أمير المؤمنين وقد عرفتم ولي عهدكم ومفزعكم وقد بايع أهل الشام ~~والناس فادخل فيما دخل فيه الناس . قال : نعم بالغداة إن شاء الله . قال : ~~لا بل الساعة . قال : ومثلي يبايع في جوف البيت ! بالغداة أبايعك على رؤوس ~~الناس . قال : لا بل الساعة . قال : ما أنا بفاعل . وخرج من عنده . فأرسل ~~إلى ابن الزبير فقال : يا أبا بكر دعوناك لخير . قال : وما هو ؟ قال : مات ~~أمير المؤمنين . فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، رحمة الله عليه ! قال : ~~فيجعل ms048 يردد الترحم عليه وقد نظر ابن الزبير قبل ذلك إلى مروان وهو يناجي ~~الوليد فتلا هذه الآية : ' فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ~~ورسوله إن كنتم مؤمنين ' ، فقال : يا أبا بكر قد عرفتم ولي عهدكم ومفزعكم ~~وقد بايع أهل الشام والناس فادخل فيما دخل فيه الناس . قال : نعم بالغداة ~~إن شاء الله . قال : لا بل الساعة قال : ومثلي يبايع في جوف البيت ! أبايعك ~~على PageV01P049 رؤوس الملإ . قال : لا بل الساعة قال : ما أنا بفاعل . ~~فقال مروان للوليد : ما تصنع ؟ أطعني واضرب أعناقهما ، لئن خرجا من البيت ~~لا تراهما أبدا إلا في شر . وكان الوليد متحرجا ، فقال : ما كنت لأقتلهما . ~~فقال ابن الزبير لمروان : يا ابن الزرقاء أوتقدر على قتلنا ؟ فقال مروان : ~~إنه والله لو أطاعني ما خرجت ولا صاحبك من البيت حتى تضرب أعناقكما . قال : ~~فدعا الحسين ، عليه السلام ، برواحله فركب يتوجه نحو مكة على المنهج الأكبر ~~وركب ابن الزبير ، رحمه الله ، دواب له وأخذ طريق الفرع فأتى الحسين ، عليه ~~السلام ، عبد الله بن مطيع وهو على بئره فنزل إليه وقال : يا أبا عبد الله ~~أين تريد ؟ قال : العراق ، مات معاوية وجاءني أكثر من حمل صحف . قال : لا ~~تفعل فوالله ما حفظوا أباك وكان خيرا منك ، والله لئن قتلوك لا تبقى حرمة ~~بعدك إلا استحلت . فمر الحسين ، عليه السلام ، حتى نزل مكة فأقام بها هو ~~وابن الزبير ، رحمه الله ، وقدم عمرو بن سعيد بن العاص في رمضان أميرا على ~~المدينة وعلى الموسم وعزل الوليد بن عتبة ، فلما استوى على المنبر رعف فقال ~~أعرابي : ما جاءنا والله بالدم . قال : فتلقاه رجل بعمامته فقال : ما عم ~~الناس والله . ثم قام وخطب ، فناولوه عصا لها شعبتان فقال : تشعب الناس ~~والله . ثم خرج إلى مكة فقدمها قبل التروية بيوم ، وخرج الحسين ، عليه ~~السلام ، فقيل له : خرج الحسين . فقال : اركبوا كل بعير وفرس بين السماء ~~والأرض في طلبه فاطلبوه . قال : فكان الناس يتعجبون من قوله هذا ، فطلبوه ~~فلم يدركوه ، فأرسل عبد الله بن جعفر ms049 ابنيه عونا ومحمدا ليردا الحسين ، ~~فأبى الحسين أن يرجع وخرج بابني عبد الله معه ، ورجع عمرو بن سعيد إلى ~~المدينة وبعث بجيش يقاتلون ابن الزبير ، وقدم الحسين ، عليه السلام ، مسلم ~~بن عقيل إلى الكوفة ليأخذ عليهم البيعة ، وكان على الكوفة حين مات معاوية ~~النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري ، فلما بلغه خبر الحسين ، عليه السلام ، ~~قال : لابن بنت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أحب إلينا من ابن بنت ~~بحدل . فبلغ ذلك يزيد فأراد أن يعزله فقال لأهل الشام : أشيروا علي من ~~استعمل على الكوفة ؟ فقالوا : أترضى برأي معاوية ؟ قال : نعم . قالوا : فإن ~~العهد بإمارة عبيد الله بن زياد على العراقين قد كتب في الديوان ، فاستعمله ~~على الكوفة . فقدم الكوفة قبل أن يقدم الحسين ، عليه السلام ، وقد بايع ~~مسلم بن عقيل أكثر من ثلاثين ألفا من الرجال من أهل الكوفة ، فخرجوا معه ~~يريدون عبيد الله بن زياد ، فجعلوا كلما انتهوا إلى زقاق انسل ناس منهم حتى ~~بقي في شرذمة قليلة وجعل الناس يرمونه بالآجر من فوق البيوت ، فلما رأى ذلك ~~دخل دار هانيء بن عروة المرادي وكان له فيهم رأي ، فقال له هانيء : إن لي ~~من ابن زياد مكانا وسوف أتمارض له ، فإذا جاء يعودني فاضرب عنقه . فقيل ~~لابن زياد : هانيء بن PageV01P050 عروة شاك يقيء الدم ، وكان شرب المغرة ~~فجعل يقيئها ، فجاء ابن زياد يعوده ، وقال : هانيء لمسلم : إذا قلت اسقوني ~~ولو كانت فيه نفسي فاضرب عنقه . فقال : اسقوني ، فأبطأوا عليه ، فقال : ~~ويحكم اسقوني ولو كانت فيه نفسي ! قال : فخرج ابن زياد ولم يصنع الآخر شيئا ~~، وكان أشجع الناس ولكن أخذته كبوة . فقيل لابن زياد : والله إن في البيت ~~رجلا متسلحا ، فأرسل ابن زياد إلى هانيء فدعاه ، فقال : إني شاك . فقال : ~~ائتوني به وإن كان شاكيا . قال : فأسرجت له دبة فركب وكانت معه عصا وكان ~~أعرج فجعل يسير قليلا قليلا ثم يقف ويقول : ما لي ولابن زياد ! فما زال حتى ~~دخل عليه . فقال : يا هانيء ما كانت يد زياد عندك ms050 بيضاء ؟ قال : بلى . قال ~~: فيدي ؟ قال : بلى . فتناول العصا التي كانت في يد هانيء فضرب بها وجهه ~~حتى كسر جبهته ثم قدمه فضرب عنقه ثم أرسل إلى مسلم بن عقيل ، فخرج عليهم ~~بسيفه فما زال يناوشهم ويقاتلهم حتى جرح وأسر فعطش وقال : اسقوني ماء ، ~~ومعه رجل من آل أبي معيط ورجل من بني سليم . فقال : شمر بن ذي جوشن : والله ~~لا نسقيك إلا من البئر . وقال المعيطي : والله لا نسقيه إلا من الفرات . ~~فأتاه غلام له بإبريق من ماء وقدح قوارير ومنديل فسقاه ، فتمضمض فخرج الدم ~~فما زال يمج الدم ولا يسيغ شيئا حتى قال : أخره عني ، فلما أصبح دعاه عبيد ~~الله ليضرب عنقه ، فقال له : دعني أوصي . فقال : أوص . فنظر في وجوه الناس ~~فقال لعمر بن سعد : ما أرى هاهنا أحدا من قريش غيرك فادن مني حتى أكلمك . ~~قال : فدنا منه . فقال له : هل لك في أن تكون سيد قريش ؟ قال نعم . قال : ~~إن حسينا ومن معه وهم تسعون إنسانا بين رجل وامرأة في الطريق فارددهم واكتب ~~إليه بما أصابني . ثم أمر عبيد الله فضرب عنقه . فقال عمر : أتدري ما قال ؟ ~~قال : اكتم على ابن عمك ! قال : هو أعظم من ذاك ، قال : اكتم على ابن عمك ! ~~قال : هو أعظم من ذاك . قال : أي شيء هو ؟ قال : أخبرني أن حسينا قد أقبل ~~ومعه تسعون إنسانا بين رجل وامرأة . فقال : أما والله لو إلي أسر لرددتهم ! ~~لا والله لا يقاتلهم أحد غيرك . فبعث معه جيشا ، وجاء الحسين ، عليه السلام ~~، الخبر وهو بشراف فهم أن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل فلقيه الجيش على ~~خيولهم بوادي السباع ، فقال بنو عقيل : أترجع وقد قتل أخونا ؟ فقال الحسين ~~، عليه السلام : ما لي عن هؤلاء من صبر ، يعني بني عقيل . فأصاب أصحابه ~~العطش فقالوا : يا ابن رسول الله اسقنا ! فأخرج لكل فرس صحفة من ماء فسقاهم ~~بقدر ما يمسك رمق أحدهم ، ثم قالوا : سر بنا ، وأخذوا به على الجرف حتى ~~نزلوا كربلاء ، فقال : هذا كرب ms051 وبلاء . فنزلوا وبينهم وبين الماء يسير ، ~~قال : فأراد الحسين ، عليه PageV01P051 السلام ، وأصحابه الماء فحالوا ~~بينهم وبينه . فقال له شمر بن ذي جوشن : لا تشربون أبدا حتى تشربون من ~~الحميم . فقال العباس بن علي للحسين ، عليه السلام : يا أبا عبد الله ألسنا ~~على الحق ؟ قال : نعم . فحمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا وأسقوا ، ثم ~~بعث عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد أن قاتلهم . فقال الحسين ، عليه ~~السلام : يا عمر اختر مني إحدى ثلاث : تتركني أرجع كما جئت ، وإن أبيت هذه ~~فسيرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت ، وإن أبيت هذه فابعث بي إلى يزيد لأضع ~~يدي في يده ، وأرسل إلى ابن زياد بذلك . فهم أن يسيره إلى يزيد ، فقال له ~~شمر بن ذي جوشن : قد أمكنك الله منه ، أو قال : من عدوك ، وتسيره إلى ~~الأمان إلا أن ينزل على حكمك ! فأرسل إليه بذلك ، فقال : لا حبا ولا كرامة ~~انزل على حكم ابن سمية . وكان مع عمر ابن سعد قريب من ثلاثين رجلا من أهل ~~الكوفة فقالوا : يعرض عليكم ابن ابنة رسول الله ، عليه وعلى آله السلام ، ~~ثلاث خصال لا تقبلون منها شيئا ! فتحولوا مع الحسين ، عليه السلام ، ~~فقاتلوا حتى قتلوا وقتل الحسين ، رضي الله عنه ، وجميع من معه ، رحمهم الله ~~، وحمل رأسه إلى عبيد الله بن زياد فوضع بين يديه على ترس فبعث به إلى يزيد ~~، فأمر بغسله وجعله في حريرة وضرب عليه خيمة ووكل به خمسين رجلا . فقال ~~واحد منهم : نمت وأنا مفكر في يزيد وقتله الحسين ، عليه السلام ، فبينا أنا ~~كذلك إذ رأيت سحابة خضراء فيها نور قد أضاءت ما بين الخافقين وسمعت صهيل ~~الخيل ومناديا ينادي : يا أحمد اهبط ، فهبط رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ~~، ومعه جماعة من الأنبياء والملائكة فدخل الخيمة وأخذ الرأس فجعل يقبله ~~ويبكي ويضمه إلى صدره ، ثم التفت إلى من معه فقال : انظروا إلى ما كان من ~~أمتي في ولدي ، ما بالهم لم يحفظوا فيه وصيتي ولم يعرفوا حقي ؟ لا أنالهم ms052 ~~الله شفاعتي ! قال : وإذا بعدة من الملائكة يقولون : يا محمد الله تبارك ~~وتعالى يقرئك السلام وقد أمرنا بأن نسمع لك ونطيع فمرنا أن نقلب البلاد ~~عليهم . فقال ، صلى الله عليه وسلم : خلوا عن أمتي فإن لهم بلغة وأمدا . ~~قالوا : يا محمد إن الله جل ذكره أمرنا أن نقتل هؤلاء النفر ! فقال : دونكم ~~وما أمرتم به . قال : فرأيت كل واحد منهم قد رمى كل واحد منا بحربة ، فقتل ~~القوم في مضاجعهم غيري فإني صحت : يا محمد ! فقال : وأنت مستيقظ ؟ قلت : ~~نعم . قال : خلوا عنه يعيش فقيرا ويموت مذموما ، فلما أصبحت دخلت على يزيد ~~وهو منكسر مهموم فحدثته بما رأيت فقال : امض على وجهك وتب إلى ربك . أبو ~~عبد الله غلام الخليل ، رحمه الله ، قال : حدثنا يعقوب بن سليمان قال : كنت ~~في ضيعتي فصلينا العتمة وجعلنا نتذاكر قتل الحسين ، عليه السلام ، فقال رجل ~~من القوم : ما PageV01P052 أحد أعان عليه إلا أصابه بلاء قبل أن يموت ، ~~فقال شيخ كبير من القوم : أنا ممن شهدها وما أصابني أمر كرهته إلى ساعتي ~~هذه ، وخبا السراج فقام يصلحه فأخذته النار وخرج مبادرا إلى الفرات وألقى ~~نفسه فيه فاشتعل وصار فحمة . قيل : ودخل سنان بن أنس على الحجاج بن يوسف ~~فقال : أنت قتلت الحسين بن علي ؟ قال : نعم . فقال : أما إنكما لن تجتمعا ~~في الجنة ، فذكروا أنهم رأوه موسوسا يلعب ببوله كما يلعب الصبيان . قال : ~~وقال محمد بن سيرين : ما رؤيت هذه الحمرة في السماء إلا بعدما قتل الحسين ، ~~عليه السلام ، ولم تطمث امرأة بالروم أربعة أشهر إلا أصابها وضح . فكتب ملك ~~الروم إلى ملك العرب : قتلتم نبيا أو ابن نبي . وروي أنه لما قتل ، رضي ~~الله عنه ، احمرت آفاق السماء واقتسموا ورسا كان معه فصار رمادا ، وكانت ~~معه إبل فجزروها فصارت جمرة في منازلهم . # | مساوئ الحرة # قال : ولما كان من أمر الحسين ، عليه السلام ، ما كان قدم عمرو بن حفص بن ~~المغيرة وكان تزوج يزيد بن معاوية ابنته وأعطاه مالا كثيرا ، فلما قدم ~~المدينة جاءه محمد ms053 بن عمرو بن حزم وعبيد الله بن حنظلة وعبد الله بن مطيع ~~ابن الأسود وناس من وجوه أهل المدينة قالوا : ننشدك الله رب هذا البيت ورب ~~صاحب هذا القبر ألا أخبرتنا عن يزيد ؟ فقال : إنه ليشرب الخمر وينادم ~~القردة ويفعل كذا ويصنع كذا . فقالوا : والله ما لنا بأهل الشام من طاقة ~~ولكن ما يحل لنا أن نبايع رجلا على هذه الحال . فقال محمد بن عمرو لأهله : ~~هاتوا درعي . ثم خرج فخرج أهل المدينة وخلعوا يزيد وأخرجوا عثمان بن محمد ~~بن أبي سفيان وبني أمية من المدينة ، وكان عثمان والي المدينة ، ثم قال ~~محمد بن أبي جهم لأهل المدينة : أطيعوا أمري اليوم واعصوني الدهر ، اقتلوا ~~سبعة عشر رجلا من بني أمية لا تروا شرا أبدا . فأبى أهل المدينة أن يقتلوهم ~~وأخذوا عليهم المواثيق أن لا يرجعوا إلى المدينة مع جيش أبدا ، فبعث عثمان ~~بن محمد بن أبي سفيان قميصه مشقوقا إلى يزيد وكتب إليه : واغوثاه ! إن أهل ~~المدينة أخرجوا قومي من المدينة وشقوا ثوبي وارتكبوا مني . قال أبو معشر : ~~حدثنا رجل قال : خرج علينا يزيد بعد العتمة ومعه شمعتان ، شمعة عن ~~PageV01P053 يمينه وشمعة عن يساره ، وعليه معصفرتان كأنهما قطرتا دم وإزار ~~ورداء وقد نفش جمته كأنها برس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ~~أما بعد يا أهل الشام فإنه كتب إلي عثمان بن محمد بن أبي سفيان أن أهل ~~المدينة أخرجوا قومنا من المدينة ، ووالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب ~~إلي من هذا . قال : وكان معاوية أوصى يزيد : إن رابك من قومك ريب أو انتقض ~~عليك منهم أحد فعليك بأعور بني مرة فاستشره ، يعني مسلم بن عقبة . فلما كان ~~تلك الليلة قال : أين مسلم بن عقبة ؟ فقام فقال : ها أنا ذا ، قال : كن معي ~~. فجعل يزيد يعبي الجيوش ، وكان ابن سنان نازلا على مسلم ، فقال له : إن ~~أمير المؤمنين قد بعثني إلى المدينة ومكة . قال : استعفه . قال : فاركب ~~فيلا أو فيلة وتكن أبا يكسوم . فمرض مسلم قبل خروجه ms054 من الشام ، فدخل عليه ~~يزيد بن معاوية فقال : قد كنت وجهتك لهذا البعث وأراك مدنفا ؟ فقال : يا ~~أمير المؤمنين أنشدك الله أن تحرمني أجرا ساقه الله إلي ، إنما هو أمر خفيف ~~وليس علي من بأس ! قال : فلم يطق من الوجع أن يركب بعيرا ولا دابة ، قال : ~~فوضع على سرير وحمله الرجال على أعناقهم حتى جاؤوا به مكانا يقال له ~~البتراء ، فأراد النزول به ، فقال : ما اسم هذا المكان ؟ قيل : البتراء . ~~قال لا تنزلوا به . فنزلوا بقهر ثم ارتحلوا حتى نزلوا الحرة ، فأرسل إلى ~~أهل المدينة أن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول : أنتم الأصل ~~والعشيرة فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا فإن لكم في عهد الله وميثاقه عطاءين ~~في كل سنة : عطاء في الشتاء وعطاء في الصيف ، ولكم عندي في عهد الله أن ~~أجعل سعر الحنطة عندكم سعر الخبط ، والخبط يومئذ سبعة أصوع بدرهم . فقالوا ~~: نخلعه كما نخلع عمائمنا ونعالنا . فقاتلهم فهزمهم وقتل عبد الله بن حنظلة ~~وابن حزم وبضعة عشر رجلا من الوجوه وتسعون رجلا من قريش وبضعة وسبعون رجلا ~~من الأنصار ، وقتل من سائر الناس نحو أربعة آلاف رجل ، وقتل ابنان لعبد ~~الله بن جعفر ، وقتل أربعة من ولد زيد بن ثابت ، وقال مسلم لعبد الله بن ~~جعفر : اخرج عن المدينة لا يقع بصري عليك . وأنهب المدينة ثلاثا ، فقتل ~~الناس وضجت النساء وذهبت الأموال ، فلما فرغ مسلم من القتال انتقل إلى قصر ~~ابن عامر فدعا أهل المدينة ليبايعوه ، وكان ناس منهم قد تحصنوا في عرصة ~~سعيد ، منهم : محمد بن أبي جهم ونفر معه ، فدعاهم للبيعة ، فقال : تبايعون ~~لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خوله مما أفاء الله عليه بأسياف ~~المسلمين إن شاء وهب وإن شاء أعتق وإن شاء استرق ؟ فبايعه ناس منهم على ذلك ~~، وجاء عمرو بن عثمان بيزيد بن عبد الله بن زمعة ، وجدته أم سلمة زوج النبي ~~، صلى الله عليه وسلم ، وكان عمرو بن عثمان PageV01P054 قال لأم سلمة : ~~أرسلي معي ابن ابنتك ولك مني عهد الله وميثاقه ms055 أن أرده إليك كما أخذته منك ~~، فجاء به إلى مسلم فجلس عمرو بن عثمان على طرف سريره ، فلما تقدم يزيد بن ~~عبد الله قال : تبايع ليزيد أمير المؤمنين على أنك من خوله مما أفاء الله ~~عليه بأسياف المسلمين إن شاء وهب وإن شاء أعتق وإن شاء استرق ؟ فقال : لا . ~~أنا أقرب إلى أمير المؤمنين منك . فقال : والله لا أستقيلها منك أبدا ! ~~فقال عمرو بن عثمان : أنشدك الله ! فإني أخذته من أم سلمة بعهد الله ~~وميثاقه أن أرده إليها ، قال : فركله ورمى به من فوق السرير فقال : لو ~~قلتها ما أقلتك . فقتل يزيد بن عبد الله ، ثم أتي بمحمد بن أبي جهم فقال له ~~: أنت القائل اقتلوا سبعة عشر من بني أمية لا تروا شرا أبدا ؟ قال : قد ~~قلتها ولكن لا يطاع لقصير أمر ، أرسل يدي من غلي وقد برئت مني الذمة . قال ~~: لا حتى أقدمك إلى النار . فضرب عنقه ، ثم جاؤوه بمعقل بن سنان وكان جالسا ~~في بيته فأتاه مائة رجل من قومه فقالوا : اذهب بنا إلى الأمير حتى نبايعه . ~~فقال : إني قد قلت له كلمة وإني أتخوفه . قالوا : لا والله لا يصل إليك ~~أبدا . فلما بلغوا الباب أدخلوا معقلا وغلقوا الباب ، فلما نظر إليه مسلم ~~قال : إني أرى الشيخ قد لغب ، اسقوه من الثلج الذي زودنيه أمير المؤمنين . ~~قال : فخاضوا له ثلجا بعسل فشربه . وقال : أشربت ؟ قال : نعم . قال : والله ~~لا تبوله من مثانتك أبدا . أنت القائل اركب فيلا أو فيلة وتكن أبا يكسوم ؟ ~~قال : أما والله لقد تخوفت ذلك منك ولكن غلبتني عشيرتي . قال : فجعل يفزر ~~جبة عليه من برود ويقول : أما والله يا أعداء الله ما شققتها جزعا من الموت ~~ولكني أخشى أن تسلبوا منها . فضربت عنقه . عشيرتي . قال : فجعل يفزر جبة ~~عليه من برود ويقول : أما والله يا أعداء الله ما شققتها جزعا من الموت ~~ولكني أخشى أن تسلبوا منها . فضربت عنقه . ثم سار إلى مكة حتى إذا بلغ قفا ~~المشلل دنف فدعا بحصين بن نمير ms056 الكندي فقال : يا بردعة الحمار والله ما خلق ~~الله أحدا هو أبغض إلي منك ، ولولا أن أمير المؤمنين أمرني أن أستخلفك ما ~~استخلفتك ، أتسمع ؟ قال : نعم . قال : لا يكون إلا الوقاف ثم الثقاف ثم ~~الانصراف ، لا تمكن أذنيك من قريش . ثم مات مسلم ، لا رحمه الله ، فدفن ~~بقفا المشلل ، وكانت أم يزيد بن عبد الله بن زمعة بأسناده فخرجت إليه ~~فنبشته وأحرقته بالنار وأخذت أكفانه فشققتها وعلقتها بالشجرة . قال أبو ~~معشر : أقبلت من مكة حتى إذا كنت بقفا المشلل عند قبر مسلم إذا رجل من أهل ~~الشام ممن حضر وقعة الحرة يسايرني ، فقلت له : هذا قبر مسلم بن عقبة . فقال ~~: أحدثك PageV01P055 بالعجب ؟ كان مع مسلم رجل من أهل الشام يقال له أبو ~~الغراء فإذا نصف شعره أسود ونصفه أبيض ، فقلت له : ما شأنك ؟ قال : لما ~~كانت ليلة الحرة جئت قباء فدخلت بيتا فإذا فيه امرأة جالسة معها صبي لها ~~وليس عليها شيء إلا درع وقد ذهب بكل شيء لها ، فقلت لها : هل من مال ؟ قالت ~~: لا والله لقد بايعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، على أني لا أزني ~~ولا أسرق ولا أقتل ولدي . قال : فأخذت برجل الصبي فضربت به الحائط . فنثر ~~دماغه ، فخرجت فإذا نصف رأسي أبيض ونصفه أسود كما ترى . # | محاسن ما قيل فيهم من الأشعار # قال كعب بن زهير في الحسين بن علي ، رحمة الله عليهما : مسح النبي جبينه ~~. . . فله بياض في الخدود وبوجهه ديباجة . . . كرم النبوة والجدود قال : ~~وأنشد الحميري في الحسن والحسين : أتى حسنا والحسين الرسول . . . وقد برزا ~~حجرة يلعبان فضمهما وتفداهما . . . وكانا لديه بذاك المكان ومر وتحتهما ~~عاتقاه . . . فنعم المطية والراكبان قال : وقال المأمون : أنصف شاعر الشيعة ~~حيث يقول : أنا وإياكم نموت فلا . . . أفلح بعد الممات من ندما وقال ~~المأمون : ومن غاو يغص علي غيظا . . . إذا أدنيت أولاد الوصي يحاول أن نور ~~الله يطفى . . . ونور الله في حصن أبي فقلت أليس قد أوتيت علما . . . وبان ~~لك الرشيد من الغوي وعرفت احتجاجي بالمثاني . . . وبالمعقول والأثر ms057 القوي ~~بأية خلة وبأي معنى . . . تفضل ملحدين على علي علي أعظم الثقلين حقا . . . ~~وأفضلهم سوى حق النبي قال غيره وأجاد : إن اليهود بحبها لنبيها . . . أمنت ~~معرة دهرها الخوان PageV01P056 وذوو الصليب بحب عيسى أصبحوا . . . يمشون ~~زهوا في قرى نجران والمؤمنون بحب آل محمد . . . يرمون في الآفاق بالنيران ~~وقال آخر ، سامحه الله : يا لك من متجرة كاسده . . . بين شياطين عتت مارده ~~إذا تذكرت بني أحمد . . . تنافروا كالإبل الشارده فقل لمن يلحاك في حبهم . ~~. . خانتك في مولدك الوالده وقال دعبل ، رحمه الله تعالى : قل لابن خائنة ~~البعول . . . وابن الجوادة والبخيل إن المذمة للوصي . . . هي المذمة للرسول ~~أتذم أولاد النبي . . . وأنت من ولد النغول الموصلي النصراني : عدي ونعيم ~~لا أحاول ذكرهم . . . بسوء ولكني محب لهاشم وهل تأخذني في علي وحبه . . . ~~إذا لم أعث يوما ملامة لائم يقولون ما بال النصارى تحبه . . . وأهل التقى ~~من معرب وأعاجم فقلت لهم إني لأحسب حبه . . . طواه إلهي في قلوب البهائم ~~وفي بني أمية قيل : دخل خالد بن خليفة الأقطع على أبي العباس وعنده علي بن ~~هشام بن عبد الملك فأشار إلى أبي العباس وهو يقول شعرا : إن تعاقبهم على ~~رقة الدي . . . ن فقد كان دينهم سامريا كان فحلا زمانهم يرمح النا . . . س ~~فأضحى الزمان منهم خصيا # | محاسن السبق إلى الإسلام # روي عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : خرج أبو بكر ، رضي الله عنه ، ~~يريد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قبل الإسلام وكان له صديقا في ~~الجاهلية فلقيه فقال : يا أبا القاسم قعدت في مجالس قومك واتهموك بالعيب ~~لآبائها وأديانها . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إني رسول الله ~~أدعوك إلى الله . فما كان إلا أن سمع أبو بكر كلام رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم ، فشرح الله صدره فأسلم ، فانصرف عنه رسول الله ، صلى الله عليه ~~وسلم ، وما بين الأخشبين أحد أكثر سرورا بإسلام أبي بكر ، رضي الله عنه ، ~~منه . PageV01P057 ومضى أبو بكر حتى أتى طلحة بن عبيد الله والزبير بن ~~العوام وسعد بن أبي وقاص ms058 فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا ، ثم عثمان بن مظعون ~~وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد والأرقم ~~بن أبي الأرقم مع أبي بكر فأسلموا . وأما إسلام عمر ، رضي الله عنه ، فإن ~~قريشا بعثت بعمر ، رضي الله عنه ، ليقتل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فخرج ~~عمر متقلدا سيفه في أثر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو يومئذ في دار ~~في أصل الصفا ، فلقيه نعيم بن عبد الله بن أسيد وقد أسلم فقال : يا عمر أين ~~أراك تريد ؟ قال : أريد محمدا هذا الذي سفه عقولنا وشتم آلهتنا وخالف ~~جماعتنا لأقتلنه ! قال نعيم : لبئس المشي والله مشيت يا عمر ! ولقد أفرطت ~~وأردت هلكة عدي بن كعب بمعاداتك بني هاشم ، أوترى أنك آمن من أعمامه وبني ~~زهرة وقد قتلت محمدا افتخارا ؟ حتى ارتفعت أصواتهما . فقال له عمر : والله ~~لأظنك قد صبوت ولو أعلم ذلك منك لبدأت بك . فلما رأى نعيم أنه غير منته قال ~~: أما إن أهلك قد أسلموا وتركوك وما أنت عليه . فلما سمع ذلك نغر وقال : ~~أيهم ؟ قال : ختنك وابن عمك وأختك . فانطلق إلى أخته وقد كان رسول الله ، ~~صلى الله عليه وسلم ، اجتمع عليه طائفة من ذوي الفاقة من أصحابه فقال لأولي ~~السعة : يا فلان فليكن عندك فلان ، فوافق ابن عم عمر وختنه سعيد بن زيد بن ~~عمرو بن نفيل قد دفع إليه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، خباب بن الأرت ~~مولى أم انمار حليف بني زهرة ، وقد أنزلت سورة طه ، فأقبل عمر حتى انتهى ~~إلى باب دار أخته ليتعرف ما بلغه ، فإذا خباب عند أخته يدرس عليها سورة طه ~~، وإذا الشمس كورت ، فلما دخل عمر أحذرته أخته وعرفت الشر في وجهه وخبأت ~~الصحيفة ، وراغ خباب فدخل البيت ، فقال عمر لأخته : ما هذه الهينمة ؟ قالت ~~: حديث نتحدث به بيننا ، فحلف أن لا يبرح حتى يتبين شأنها . فقال له زوجها ~~: إنك لا تستطيع أن تجمع الناس على هواك يا عمي إن كان الحق سواه . فبطش ms059 به ~~عمر ووطئه وطأ شديدا . فقامت أخت عمر تحجز بينهما فنفحها بيده فشجها . فلما ~~رأت الدم قالت : هل تسمع يا عمر ؟ أرأيت كل شيء بلغك عني مما يذكر من تركي ~~آلهتك وكفري باللات والعزى فهو حق وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله فاتمم أمرك واقض ما أنت قاض . فلما رأى عمر ذلك سقط في يده فقال ~~لأخته : أرأيت ما كنت تدرسين آنفا ؟ أعطيك موثقا لا أمحوه حتى أرده إليك ~~ولا أخونك فيه . فلما رأت أخته حرصه على الكتاب رجت أن يكون ذلك لدعوة رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقالت له : إنك نجس ولا يمسه إلا المطهرون . ~~فقام واغتسل من الجنابة وأعطاها موثقا ، فاطمأنت به ودفعت إليه الصحيفة ، ~~فقرأ طه حتى بلغ : PageV01P058 ' إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس ~~بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى ' ، وقرأ : ' إذا ~~الشمس كورت ' ، حتى انتهى إلى قوله : ' علمت نفس ما أحضرت ' ، فأسلم عند ~~ذلك وقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وخلع الأنداد ~~وكفر باللات والعزى ، فخرج خباب وكان داخلا في البيت مكبرا وقال : ابشر ~~بكرامة الله يا عمر فإن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، دعا أن يعز الله ~~بك الإسلام . فقال عمر : دلوني على المنزل الذي فيه رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم . فقال له خباب : هو في الدار التي في أصل الصفا . فأقبل عمر وقد ~~بلغ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن عمر يطلبه ليقتله ولم يبلغه ~~إسلامه ، فلما انتهى عمر إلى الباب ليستفتح رآه رسول الله ، صلى الله عليه ~~وسلم ، متقلدا سيفه فأشفقوا منه ، فلما رآه حمزة وحده قال : افتحوا فإن كان ~~الله يريد بعمر خيرا اتبع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وصدقه ، وإن ~~كان غير ذلك قتلناه بسيفه ويكون قتله علينا هينا . فابتدره رجال من أصحاب ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يوحى ~~إليه ، فسمع ms060 صوت عمر فخرج ليس عليه رداء حتى أخذ بمجمع رداء عمر وقميصه ~~وقال له : أما والله ما أراك تنتهي يا عمر حتى ينزل الله جل وعز بك من ~~الزجر ما أنزله بالوليد بن المغيرة . ثم قال : اللهم اهد عمر . فضحك عمر ~~وقال : يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك محمد ~~عبده ورسوله فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها من وراء الدار والمسلمون يومئذ ~~بضعة وأربعون رجلا وإحدى عشرة امرأة ، ثم قال عمر : يا رسول الله نحن ~~بالإسلام أحق أن نبادى منا بالكفر فليظهرن دين الله عز وجل بمكة . فخرج عمر ~~وجلس في المسجد وصلى علانية وأظهر الإسلام ، فلم يزل الدين عزيزا منذ أسلم ~~عمر ، رضي الله عنه . وأما إسلام عثمان فإنه روي أن عثمان بن عفان ، رحمه ~~الله ، قال : دخلت على جدتي بنت عبد المطلب أعودها فإني لعندها إذ جاء رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم ، يعودها فجعلت أنظر إليه وقد نشر من شأنه حينئذ ~~شيئا ، فأقبل علي فقال : ما شأنك يا عثمان ؟ فجعل لي إلى الكلام سبيلا ، ~~فقلت : أعجب منك ومن مكانك فينا وفي قومك وما يقال عليك ، فقال : لا إله ~~إلا الله ، فالله يعلم أني اقشعررت . ثم قال : ' وفي السماء رزقكم وما ~~توعدون ، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ' ، فقام فقمت في ~~أثره ، عليه السلام ، فأسلمت . # | مساوئ من ارتد عن الإسلام # منهم جبلة بن الأيهم الغساني ، لما افتتحت الشام ونظر جبلة إلى هدي ~~المسلمين ووقارهم أحب الدخول في الإسلام فسار نحو المدينة إلى عمر بن ~~الخطاب ، رحمه الله ، فلما بلغ عمر قدومه قال للمهاجرين : استقبلوه وأظهروا ~~تعظيمه وتبجيله فإنه قريب العهد بالملك . PageV01P059 فاستقبله الناس ~~وأظهروا بره ، وأقبل جبلة حتى دخل على عمر ، رضي الله عنه ، فقرب مجلسه ~~وأدناه ووعده من نفسه خيرا ، فأسلم وأقام بالمدينة حتى إذا حضر أوان الموسم ~~حج عمر ، رحمه الله ، وخرج معه جبلة ، فبينا هو يطوف بالبيت محرما وعليه ~~إزاران قد تردى بواحد واتزر بالآخر ms061 إذ وطيء رجل طرف إزاره فانحل عنه حتى ~~بدت عورته ، فغضب ووثب على الرجل فلطمه ، فتعلق به الرجل وجماعة معه ~~وانطلقوا به إلى عمر ، رضي الله عنه ، وشهدوا عليه . فقال عمر : أقد الرجل ~~أو استوهبه منه . فقال جبلة : وكذلك هذا الدين لا يفضل فيه شريف على وضيع ~~ولا ملك على سوقة ؟ قال عمر : قال الله تعالى ، وقوله الحق : ' إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم ' ، إن الناس شريفهم ووضيعهم في الحق سواء . فانصرف جبلة ، ~~فلما جن عليه الليل خرج في حشمه وعياله حتى لحقوا بأرض الشام مرتدا عن ~~الإسلام ، فكتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح فأمره أن يستتيب جبلة فإن تاب ~~وإلا ضرب عنقه ، وبلغ ذلك جبلة فخرج من أرض الشام حتى دخل أرض الروم وأتى ~~الملك فأخبره بأمره ورجوعه إلى النصرانية ، فسر الملك بقدومه واستخلفه على ~~ملكه وجعله جائز الأمر في سلطانه ، فأقام عنده ، فلما ولي معاوية بن أبي ~~سفيان بعث رجلا من الأنصار يقال له تميم بن بشر إلى قيصر ملك الروم في بعض ~~أموره ، قال تميم : فلما دخلت على قيصر أبلغته الرسالة وجلست عنده فحدثني ~~مليا ثم قال : هل لك في لقاء رجل من العرب من أهل بيت الملك ؟ فقلت : ومن ~~هو ؟ قال : جبلة بن الأيهم . قلت : إن لي في ذلك أملا وإني لرجل من قومه ، ~~فبعث معي رجلا حتى أدخلني عليه وهو في مجلس له يغشى العيون حسنه وكثرة ~~تصاويره ، مطلية حيطانه بماء الذهب والفضة ، يتلألأ تلألؤا وحوله نفر من ~~بطارقة الروم ، فسألني من أنا ، فانتسبت له ، فقال : حياك الله فإننا بنو ~~عم . ثم أمر جلساءه فخرجوا من عنده وخلا بي يسألني عن العرب وأماكنها ، ~~فخبرته بجميع ما سألني عنه ، فبكى حتى اخضلت لحيته الدموع ثم أنشأ يقول : ~~تنصرت بعد الدين من عار لطمة . . . وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنفني ~~منها لجاج ونخوة . . . فبعت بها العين الصحيحة بالعور ويا ليت أمي لم تلدني ~~وليتني . . . ثويت أسيرا في ربيعة أو مضر PageV01P060 ويا ليتني أرعى ~~المخاض بقفرة ms062 . . . ولم أنكر القول الذي قاله عمر ويا ليت لي بالشأم أدنى ~~معيشة . . . أجالس قومي في العشيات والبكر أدين لما دانوا به من شريعة . . ~~. وقد يجلس العير الضجور على الدبر قال : ثم دعا بغدائه فتغدينا ، فلما ~~فرغنا خرجت علينا جاريتان في يد إحداهما بربط وفي يد الأخرى مزمار فجلستا ، ~~ثم خرجت علينا جاريتان في يد إحداهما جام فيه مسك مسحوق وفي يد الأخرى جام ~~مملوء ماء ورد ، ثم أقبل طائران كانا شبيهين بطاؤوسين أو تدرجين فسقطا في ~~الجام واحتملا المسك بجناحيهما فرشاه علينا ، وقال جبلة للمغنيتين : غنيانا ~~، فغنتاه : لمن الدار أقفرت بمعان . . . بين أعلى اليرموك فالمسربان ذاك ~~مغنى لآل جفنة في الده . . . ر وحق تصرف الأزمان قد أراني هناك حقا مكينا . ~~. . عند ذي التاج مقعدي ومكاني قال : ثم بكى حتى اخضلت دموعه لحيته ، ثم ~~قال : غنياني ، فغنتاه : لله در عصابة نادمتهم . . . يوما بجلق في الزمان ~~الأول أولاد جفنة حول قبر أبيهم . . . قبر ابن مارية الكريم المفضل يسقون ~~من هبط البريص عليهم . . . بردى يصفق بالرحيق السلسل يغشون حتى ما تهر ~~كلابهم . . . لا يسألون عن السواد المقبل بيض الوجوه كريمة أحسابهم . . . ~~شم الأنوف من الطراز الأول ثم قال لي : ما فعل ابن الفريعة ؟ يعني حسان بن ~~ثابت . قلت : حي إلا أنه كف بصره . فوجد من ذلك وجدا شديدا وبكى وقال لخادم ~~له : انطلق فأتني بأربعمائة دينار ، فأتاه بها ، فناولنيها وقال : أوصلها ~~إلى حسان . ثم ودعته وخرجت حتى أتيت معاوية فأخبرته بجواب رسالة قيصر ثم ~~سرت من الشام حتى أتيت المدينة ولقيت حسان ودفعت إليه الدنانير ، فقال : إن ~~ابن جفنة من بقية معشر . . . لم يغذهم آباؤهم باللوم لم ينسني بالشأم إذ هو ~~ربها . . . يوما ولا متنصرا بالروم يعطي الجزيل فما يراه عنده . . . إلا ~~كبعض عطية المذموم ما جئته إلا وقرب مجلسي . . . ودعا بأفضل زاده المطعوم ~~PageV01P061 # | محاسن المفاخرة # قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أنا سيد ولد آدم ولا فخر . وقال ~~يوسف ، عليه السلام : اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم . قيل : وسمع ~~رسول ms063 الله ، صلى الله عليه وسلم ، رجلا ينشد : إني امرؤ حميري حين تنسبني . ~~. . لا من ربيعة آبائي ولا مضر فقال : ذلك ألأم لك وأبعد من الله ورسوله ، ~~وقال : صلى الله عليه وسلم : إذا اختلف الناس فالحق مع مضر ، وقال : إذا ~~مضر الحمراء كانت أرومتي . . . وقام بنصري خازم وابن خازم عطست بأنفي شامخا ~~وتناولت . . . يداي الثريا قاعدا غير قائم شعيب بن إبراهيم قال : حدثني سيف ~~بن عمر عن علي بن يزيد عن عبد الله بن الحارث عن المطلب بن ربيعة قال : مر ~~العباس بنفر من قريش وهم يقولون : إنما مثل محمد ، صلى الله عليه وسلم ، في ~~أهله كمثل نخلة نبتت في كبا ، فبلغ ذلك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ~~فوجد منه وخرج حتى قام فيهم خطيبا فقال : أيها الناس من أنا ؟ قالوا : أنت ~~رسول الله . قال : فأنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، إن الله عز وجل ~~خلق خلقه فجعلني من خير خلقه ثم جعل الخلق الذين أنا منهم فرقتين فجعلني من ~~خير الفرقتين ثم جعلهم شعوبا فجعلني من خيرهم شعبا ثم جعلهم بيوتا فجعلني ~~من خيرهم بيتا ، فأنا خيركم بيتا وخيركم والدا ، وإني مباه ، قم يا عباس ، ~~فقام عن يمينه ، ثم قال : قم يا سعد ، فقام عن يساره ، ثم قال : يقرب امرؤ ~~من الناس عما مثل هذا أو خالا مثل هذا . حدثنا سنان بن الحسن التستري قال : ~~حدثنا إسماعيل بن مهران اليشكري قال : حدثنا أحمد بن محمد عن أبان بن عثمان ~~عن عكرمة عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : لما أمر ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن يعرض نفسه على القبائل خرج وأنا معه ~~ومعه أبو بكر ، وكان أبو بكر عالما بأنساب العرب ، فدفعنا إلى مجلس من ~~مجالس العرب عليهم الوقار والسكينة ، فتقدم أبو بكر وسلم عليهم فردوا عليه ~~السلام ، فقال : ممن القوم ؟ فقالوا : من ربيعة . فقال : أمن هامتها أم من ~~لهازمها ؟ قالوا : بل من هامتها العظمى . PageV01P062 قال : وأي هاماتها ؟ ~~قالوا : ذهل ms064 . قال : أذهل الأكبر أم ذهل الأصغر ؟ قالوا : بل ذهل الأكبر . ~~قال : أمنكم عوف الذي كان يقول لا حر بوادي عوف ؟ قالوا : لا . قال : ~~أفمنكم بسطام بن قيس صاحب اللواء ومنتهى الأحياء ؟ قالوا : لا . قال : ~~أفمنكم جساس بن مرة حامي الذمار ومانع الجار ؟ قالوا : لا . قال : أفمنكم ~~المزدلف صاحب العمامة الفردة ؟ قالوا : لا . قال : فأنتم أخوال الملوك من ~~كندة ؟ قالوا : لا . قال : أصهار الملوك من لخم ؟ قالوا : لا . قال : فلستم ~~ذهل الأكبر إذا أنتم ذهل الأصغر ، فقام إليه غلام أعرابي حسن بقل وجهه فأخذ ~~بزمام ناقته ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، على ناقته يسمع مخاطبته ، ~~فقال : لنا على من سالنا أن نسأله . . . والعبء لن نعرفه أو تحمله يا هذا ~~إنك سألتنا أي مسألة شئت فلم نكتمك شيئا فأخبرنا ممن أنت ؟ فقال أبو بكر ، ~~رضي الله عنه : من قريش . قال بخ بخ أهل الشرف والرئاسة ، فأخبرني من أي ~~قريش أنت ؟ قال : من تميم بن مرة . قال : أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمع ~~القبائل من فهر فكان يقال له مجمع ؟ قال أبو بكر : لا . قال : أفمنكم هاشم ~~الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف ؟ قال أبو بكر : لا . قال : ~~أفمنكم شيبة الحمد الذي كان وجهه قمرا يضيء ليلة الظلمة الداجية مطعم طير ~~السماء ؟ قال : لا . قال : أفمن المفيضين بالناس أنت ؟ قال : لا . قال : ~~أفمن أهل الرفادة أنت ؟ قال : لا . قال : أفمن أهل السقاية أنت ؟ قال : لا ~~. قال : أفمن أهل الحجابة أنت ؟ قال : لا . قال : أما والله لو شئت لأخبرتك ~~أنك لست من أشراف قريش ، فاجتذب أبو بكر زمام ناقته منه كهيئة المغضب ، ~~فقال الأعرابي : صادف در السيل در يدفعه . . . في هضبة ترفعه وتضعه فتبسم ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال علي : فقلت : يا أبا بكر إنك لقد ~~وقعت من هذا الأعرابي على باقعة ! فقال : أجل يا أبا الحسن ما من طامة إلا ~~فوقها طامة وإن البلاء موكل بالمنطق . # | محاسن كلام الحسن بن علي رضي الله عنه # قيل : وأتى الحسن بن ms065 علي ، رضي الله عنهما ، معاوية بن أبي سفيان وقد ~~سبقه ابن عباس فأمر معاوية فأنزل ، فبينا معاوية مع عمرو بن العاص ومروان ~~ابن الحكم وزياد بن أبي سفيان يتحاورون في قديمهم وحديثهم ومجدهم ، فقال ~~معاوية : أكثرتم الفخر فلو حضركم PageV01P063 الحسن بن علي وعبد الله بن ~~العباس لقصرا من أعنتكما ما طال . فقال زياد : وكيف ذلك يا أمير المؤمنين ، ~~ما يقومان لمروان ابن الحكم في غرب منطقه ولا لنا في بواذخنا ؟ فابعث ~~إليهما في غد حتى نسمع كلامهما . فقال معاوية لعمرو : ما تقول ؟ قال هذا : ~~فابعث إليهما في غد ، فبعث إليهما معاوية ابنه يزيد ، فأتياه ودخلا عليه ~~وبدأ معاوية فقال : إني أجلكما وأرفع قدركما عن المسامرة بالليل ولا سيما ~~أنت يا أبا محمد فإنك ابن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وسيد شباب أهل ~~الجنة . فتشكرا له ، فلما استويا في مجلسهما وعلم عمرو أن الحدة ستقع به ~~قال : والله لا بد أن أقول فإن قهرت فسبيل ذلك وإن قهرت أكون قد ابتدأت . ~~فقال : يا حسن إنا تفاوضنا فقلنا إن رجال بني أمية أصبر عند اللقاء وأمضى ~~في الوغى وأوفى عهدا وأكرم خيما وأمنع لما وراء ظهورهم من بني عبد المطلب . ~~ثم تكلم مروان فقال : وكيف لا تكون كذلك وقد قارعناكم فغلبناكم ، وحاربناكم ~~فملكناكم ، فإن شئنا عفونا وإن شئنا بطشنا . ثم تكلم زياد فقال : ما ينبغي ~~لهم أن ينكروا الفضل لأهله ويجحدوا الخير في مظانه ، نحن أهل الحملة في ~~الحروب ولنا الفضل على سائر الناس قديما وحديثا . فتكلم الحسن ، رضي الله ~~عنه ، فقال : ليس من العجز أن يصمت الرجل عند إيراد الحجة ولكن من الإفك أن ~~ينطق الرجل بالخنا ويصور الباطل بصورة الحق . يا عمرو أفتخارا بالكذب ~~وجراءة على الإفك ! ما زلت أعرف مثالبك الخبيثة أبديها مرة وأمسك عنها أخرى ~~فتأبى إلا انهماكا في الضلالة ، أتذكر مصابيح الدجى وأعلام الهدى وفرسان ~~الطراد وحتوف الأقران وأبناء الطعان وربيع الضيفان ومعدن النبوة ومهبط ~~العلم وزعمتم أنكم أحمى لما وراء ظهوركم وقد تبين ذلك يوم ms066 بدر حين نكصت ~~الأبطال وتساورت الأقران واقتحمت الليوث واعتركت المنية وقامت رحاؤها على ~~قطبها وفرت عن نابها وطار شرار الحرب فقتلنا رجالكم ومن النبي ، صلى الله ~~عليه وسلم ، على ذراريكم فكنتم لعمري في هذا اليوم غير مانعين لما وراء ~~ظهوركم من بني عبد المطلب ! ثم قال : وأما أنت يا مروان فما أنت والإكثار ~~في قريش وأنت طليق وأبوك طريد يتقلب من خزاية إلى سوءة ولقد جيء بك إلى ~~أمير المؤمنين ، فلما رأيت الضرغام قد دميت براثنه واشتبكت أنيابه كنت كما ~~قال : ليث إذا سمع الليوث زئيره . . . بصبصن ثم قذفن بالأبعار ويروى رمين ~~بالأبعار . فلما من عليك بالعفو وأرخى خناقك بعدما ضاق عليك وغصصت بريقك لا ~~تقعد معنا مقعد أهل الشكر ولكن تساوينا وتجارينا ونحن ممن لا يدركنا عار ~~ولا يلحقنا خزاية ! ثم التفت PageV01P064 إلى زياد فقال : وما أنت يا زياد ~~وقريشا لا أعرف لك فيها أديما صحيحا ولا فرعا نابتا ولا قديما ثابتا ولا ~~منبتا كريما بل كانت أمك بغيا تداولها رجال قريش وفجار العرب فلما ولدت لم ~~تعرف لك العرب والدا فادعاك هذا ، يعني معاوية ، بعد ممات أبيه ، ما لك ~~افتخار تكفيك سمية ويكفينا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأبي علي بن ~~أبي طالب سيد المؤمنين الذي لم يرتد على عقبيه وعمي حمزة سيد الشهداء وجعفر ~~الطيار وأنا وأخي سيدا شباب أهل الجنة ! ثم التفت إلى ابن عباس فقال : يا ~~ابن العم إنما هي بغاث الطير انقض عليها أجدل . فأراد ابن عباس أن يتكلم ~~فأقسم عليه معاوية أن يكف فكف ثم خرجا ، فقال معاوية : أجاد عمرو الكلام ~~لولا أن حجته دحضت وتكلم مروان لولا أنه نكص . ثم التفت إلى زياد وقال : ما ~~دعاك إلى محاورته ؟ ما كنت إلا كالحجل في كف البازي ، فقال عمرو : ألا رميت ~~من ورائنا ؟ قال معاوية : إذا كنت شريككم في الجهل ، أفاخر رجلا رسول الله ~~جده وهو سيد من مضى ومن بقي وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ؟ ثم ~~قال لعمرو : والله لئن سمع ms067 به أهل الشام لهي السوءة السوآء . فقال عمرو : ~~لقد أبقى عليك ولكنه طحن مروان طحن الرحى بثفالها ووطئها وطء البازل القراد ~~بمنسمه . فقال زياد : قد والله فعل ولكن معاوية يأبى إلا الإغراء بيننا ~~وبينهم ، لا جرم والله لا شهدت مجلسا يكونان فيه إلا كنت معهما على من ~~فاخرهما . فخلا ابن عباس بالحسن فقبل بين عينيه وقال : أفديك يا ابن عم ، ~~والله ما زال بحرك يزخر وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا . ثم إن ~~الحسن ، رضي الله عنه ، غاب أياما ثم رجع حتى دخل على معاوية وعنده عبد ~~الله بن الزبير ، فقال معاوية : يا أبا محمد إني أظنك تعبا نصبا فأت المنزل ~~فأرح نفسك فيه . فقام الحسن ، فلما خرج قال معاوية لعبد الله بن الزبير : ~~لو افتخرت على الحسن فإنك ابن حواري رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وابن ~~عمته ولأبيك في الإسلام نصيب وافر . فقال ابن الزبير : أنا له ! فرجع وهو ~~يطلب ليلته الحجج ، فلما أصبح دخل على معاوية ، وجاء الحسن فحياه معاوية ~~وسأله عن مبيته فقال : خير مبيت وأكرم مستفاض . فلما استوى في مجلسه قال ~~ابن الزبير : لولا أنك خوار في الحرب غير مقدام ما سلمت لمعاوية الأمر وكنت ~~لا تحتاج إلى اختراق السهوب وقطع المفاوز تطلب معروفه وتقوم ببابه ، وكنت ~~حريا أن لا تفعل ذلك وأنت ابن علي في بأسه ونجدته ، فما أدري ما الذي ~~PageV01P065 حملك على ذلك ، أضعف رأي أم وهن نحيزة ، فما أظن لك مخرجا من ~~هاتين الخلتين ، أما والله لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أني ابن الزبير ~~وأني لا أنكص عن الأبطال ، وكيف لا أكون كذلك وجدتي صفية بنت عبد المطلب ~~وأبي الزبير حواري رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأشد الناس بأسا ~~وأكرمهم حسبا في الجاهلية وأطوعهم لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ ~~فالتفت إليه الحسن وقال : أما والله لولا أن بني أمية تنسبني إلى العجز عن ~~المقال لكففت عنك تهاونا ، واكن سأبين ذلك لك لتعلم أني لست بالعي ولا ~~الكليل ms068 اللسان ، إياي تعير وعلي تفتخر ولم يكن لجدك بيت في الجاهلية ولا ~~مكرمة فزوجته جدتي صفية بنت عبد المطلب فبذخ على جميع العرب بها وشرف ~~بمكانها ، فكيف تفاخر من هو من القلادة واسطتها ومن الأشراف سادتها ؟ نحن ~~أكرم أهل الأرض زندا ، لنا الشرف الثاقب والكرم الغالب ، ثم تزعم أني سلمت ~~الأمر لمعاوية ، فكيف يكون ذلك ويحك كذلك وأنا ابن أشجع العرب وقد ولدتني ~~فاطمة سيدة نساء العالمين وخير الإماء ؟ لم أفعل ذلك ويحك جنبا ولا ضعفا ~~ولكنه بايعني مثلك وهو يطلبني ببرة ويداجيني المودة ولم أثق بنصرته لأنكم ~~أهل بيت غدر ، وكيف لا يكون كما أقول وقد بايع أبوك أمير المؤمنين ثم نكث ~~بيعته ونكص على عقبيه واختدع حشية من حشايا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ~~، ليضل بها الناس ، فلما دلف نحو الأعنة ورأى بريق الأسنة قتل مضيعة لا ~~ناصر له وأتي بك أسيرا قد وطئتك الكماة بأظلافها والخيل بسنابكها واعتلاك ~~الأشتر فغصصت بريقك وأقعيت على عقبيك كالكلب إذا احتوشته الليوث ؟ فنحن ~~ويحك نور البلاد وأملاكها وبنا تفخر الأمة وإلينا تلقى مقاليد الأزمة ، ~~أنصول وأنت تختدع النساء ثم تفتخر على بني الأنبياء ؟ لم تزل الأقاويل منا ~~مقبولة وعليك وعلى أبيك مردودة ، دخل الناس في دين جدي طائعين وكارهين ثم ~~بايعوا أمير المؤمنين ، رضي الله عنه ، فسار إلى أبيك وطلحة حين نكثا ~~البيعة وخدعا عرس رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقتل أبوك وطلحة وأتي ~~بك أسيرا ، فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك ، فأنت عتاقة ~~أبي وأنا سيدك وسيد أبيك ، فذق وبال أمرك ! فقال ابن الزبير : اعذر يا أبا ~~محمد فإنما حملني على محاورتك هذا وأحب الإغراء بيننا فهلا إذ جهلت أمسكت ~~عني فإنكم أهل بيت سجيتكم الحلم والعفو ! فقال الحسن : يا معاوية انظر هل ~~أكيع عن محاورة أحد ، ويحك أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي ؟ انته قبل ~~أن أسمك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق والبلدان ، فقال ابن الزبير : هو ~~لذلك أهل . فقال معاوية ms069 : PageV01P066 أما إنه قد شفى بلابل صدري منك ورمى ~~مقتلك فصرت كالحجل في كف البازي يتلاعب بك كيف أراد فلا أراك تفتخر على أحد ~~بعدها . ويحك نور البلاد وأملاكها وبنا تفخر الأمة وإلينا تلقى مقاليد ~~الأزمة ، أنصول وأنت تختدع النساء ثم تفتخر على بني الأنبياء ؟ لم تزل ~~الأقاويل منا مقبولة وعليك وعلى أبيك مردودة ، دخل الناس في دين جدي طائعين ~~وكارهين ثم بايعوا أمير المؤمنين ، رضي الله عنه ، فسار إلى أبيك وطلحة حين ~~نكثا البيعة وخدعا عرس رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقتل أبوك وطلحة ~~وأتي بك أسيرا ، فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك ، فأنت ~~عتاقة أبي وأنا سيدك وسيد أبيك ، فذق وبال أمرك ! فقال ابن الزبير : اعذر ~~يا أبا محمد فإنما حملني على محاورتك هذا وأحب الإغراء بيننا فهلا إذ جهلت ~~أمسكت عني فإنكم أهل بيت سجيتكم الحلم والعفو ! فقال الحسن : يا معاوية ~~انظر هل أكيع عن محاورة أحد ، ويحك أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي ؟ ~~انته قبل أن أسمك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق والبلدان ، فقال ابن ~~الزبير : هو لذلك أهل . فقال معاوية : أما إنه قد شفى بلابل صدري منك ورمى ~~مقتلك فصرت كالحجل في كف البازي يتلاعب بك كيف أراد فلا أراك تفتخر على أحد ~~بعدها . وذكروا أن الحسن بن علي دخل على معاوية فقال متمثلا : فيم الكلام ~~وقد سبقت مبرزا . . . سبق الجواد من المدى والمقيس فقال معاوية : إياي تعني ~~؟ أما والله لأنبئنك بما يعرفه قلبك ولا ينكره جلساؤك ، أنا ابن بطحاء مكة ~~، أنا ابن أجودها جودا وأكرمها جدودا وأوفاها عهودا ، أنا ابن من ساد قريشا ~~ناشئا وكهلا . فقال الحسن ، رضي الله عنه : أجل إياك أعني ، أفعلي تفتخر يا ~~معاوية ؟ أنا ابن ماء السماء وعروق الثرى وابن من ساد أهل الدنيا بالحسب ~~الثابت والشرف الفائق والقديم السابق ، أنا ابن من رضاه رضى الرحمن وسخطه ~~سخط الرحمن ، فهل لك أب كأبي وقديم كقديمي ؟ فإن قلت لا تغلب وإن قلت نعم ~~تكذب . فقال ms070 معاوية : أقول لا تصديقا لقولك . فقال الحسن : الحق أبلج ما ~~تخون سبيله . . . والصدق يعرفه ذوو الألباب تخون أي ما تخون من سلكها ، قال ~~: وقال معاوية ذات يوم وعنده أشراف الناس من قريش وغيرهم : أخبروني بخير ~~الناس أبا وأما وعما وعمة وخالا وخالة وجدا وجدة . فقام مالك بن العجلان ~~فأومأ إلى الحسن فقال : ها هوذا أبوه علي بن أبي طالب ، رضوان الله عليهم ، ~~وأمه فاطمة بنت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وعمه جعفر الطيار في ~~الجنان ، وعمته أم هانيء بنت أبي طالب ، صلى الله عليه وسلم ، وخاله القاسم ~~بن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وخالته بنت رسول الله ، صلى الله عليه ~~وسلم ، زينب ، وجده رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وجدته خديجة بنت ~~خويلد ، رضي الله عنها . فسكت القوم ونهض الحسن ، فأقبل عمرو بن العاص على ~~مالك فقال : أحب بني هاشم حملك على أن تكلمت بالباطل ؟ فقال ابن العجلان : ~~ما قلت إلا حقا وما أحد من الناس يطلب مرضاة مخلوق بمعصية الخالق إلا لم ~~يعط أمنيته في دنياه وختم له بالشقاء في آخرته ، بنو هاشم أنضرهم عودا ~~وأوراهم زندا ، كذلك يا معاوية . قال : اللهم نعم . قيل : واستأذن الحسن بن ~~علي ، رضي الله عنه ، على معاوية وعنده عبد الله ابن جعفر وعمرو بن العاص ، ~~فأذن له ، فلما أقبل قال عمرو : قد جاءكم الأفه العيي الذي كان بين لحييه ~~عبلة . فقال عبد الله بن جعفر : مه فوالله لقد رمت صخرة ململمة تنحط عنها ~~السيول وتقصر دونها الوعول ولا تبلغها السهام ، فإياك والحسن إياك ، فإنك ~~لا تزال راتعا في لحم PageV01P067 رجل من قريش ولقد رميت فما برح سهمك ~~وقدحت فما أورى زندك . فسمع الحسن الكلام ، فلما أخذ الناس مجالسهم قال : ~~يا معاوية لا يزال عندك عبد راتعا في لحوم الناس ، أما والله لو شئت ليكونن ~~بيننا ما تتفاقم فيه الأمور وتحرج منه الصدور ، ثم أنشأ يقول : أتأمر يا ~~معاوي عبد سهم . . . بشتمي والملا منا شهود إذا أخذت مجالسها قريش . . . ~~فقد علمت قريش ms071 ما تريد قصدت إلي تشتمني سفاها . . . لضغن ما يزول وما يبيد ~~فما لك من أب كأبي تسامي . . . به من قد تسامي أو تكيد ولا جد كجدي يا ابن ~~هند . . . رسول الله إن ذكر الجدود ولا أم كأمي من قريش . . . إذا ما يحصل ~~الحسب التليد فما مثلي تهكم يا ابن هند . . . ولا مثلي تجاريه العبيد فمهلا ~~لا تهج منا أمورا . . . يشيب لها معاوية الوليد وذكروا أن عمرو بن العاص ~~قال لمعاوية ذات يوم : ابعث إلى الحسن بن علي فمره أن يخطب على المنبر ~~فلعله يحصر فيكون ذلك مما نعيره به ، فبعث إليه معاوية فأصعد المنبر وقد ~~جمع له الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أيها الناس من عرفني فأنا ~~الذي يعرف ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب بن عم النبي ، صلى ~~الله عليه وسلم ، أنا ابن البشير النذير السراج المنير ، أنا ابن من بعث ~~رحمة للعالمين وسخطا على الكافرين ، أنا ابن من بعث إلى الجن والإنس ، أنا ~~ابن المستجاب الدعوة ، أنا ابن الشفيع المطاع ، أنا ابن أول من ينفض رأسه ~~من التراب ، أنا ابن أول من يقرع باب الجنة ، أنا ابن من قاتلت معه ~~الملائكة ونصر بالرعب من مسيرة شهر . فافتن في هذا الكلام ولم يزل حتى ~~أظلمت الدنيا على معاوية ، فقال : يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة ولست ~~هناك . فقال الحسن : إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله ، صلى الله عليه ~~وسلم ، وعمل بطاعة الله ، وليس الخليفة من دان بالجور وعطل السنن واتخذ ~~الدنيا أبا وأما ، ولكن ذاك ملك أصاب ملكا يمتع به قليلا وكان قد انقطع عنه ~~واستعجل لذته وبقيت عليه تبعته فكان كما قال الله جل وعز : وإن أدري لعله ~~فتنة لكم ومتاع إلى حين ، ثم انصرف ، فقال معاوية لعمرو : والله ما أردت ~~إلا هتكي ! ما كان أهل الشام يرون أن أحدا مثلي حتى سمعوا من الحسن ما ~~سمعوا . قيل : وقدم الحسن بن علي ، رضوان الله عليه ، على معاوية ، فلما ms072 ~~دخل عليه وجد عنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة وصناديد ~~قومه ووجوه اليمن وأهل الشام ، فلما نظر إليه معاوية أقعده على سريره وأقبل ~~عليه بوجهه يريه السرور بمقدمه ، فيما PageV01P068 نظر مروان إلى ذلك حسده ~~وكان معاوية قال لهم : لا تحاوروا هذين الرجلين فلقد قلداكم العار وفضحاكم ~~عند أهل الشام ، يعني الحسن بن علي ، رضي الله عنهما ، وعبد الله بن العباس ~~، رضي الله عنهما ، فقال مروان : يا حسن لولا حلم أمير المؤمنين وما قد بنى ~~له آباؤه الكرام من المجد والعلاء ما أقعدك هذا المقعد ولقتلك وأنت له ~~مستوجب بقودك الجماهير ، فلما أحسست بنا وعلمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل ~~الشام وصناديد بني أمية أذعنت بالطاعة واحتجرت بالبيعة وبعثت تطلب الأمان ، ~~أما والله لولا ذلك لأريق دمك ، وعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى ، ~~فاحمد الله إذ ابتلاك بمعاوية فعفا عنك بحلمه ثم صنع بك ما ترى ، فنظر إليه ~~الحسن فقال : ويحك يا مروان لقد تقلدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها ~~والمخاذلة عند مخالطتها ، نحن ، هبلتك الهوابل ، لنا الحجج البوالغ ولنا إن ~~شكرتم عليكم النعم السوابغ ، ندعوكم إلى النجاة وتدعوننا إلى النار ، فشتان ~~ما بين المنزلتين ، تفخر ببني أمية وتزعم أنهم صبر في الحروب أسد عند ~~اللقاء ، ثكلتك أمك أولئك البهاليل السادة والحماة الذادة والكرام القادة ~~بنو عبد المطلب ، أما والله لقد رأيتهم وجميع من في هذا البيت ما هالتهم ~~الأهوال ولم يحيدوا عن الأبطال كالليوث الضاربة الباسلة الحنقة ، فعندها ~~وليت هاربا وأخذت أسيرا فقلدت قومك العار لأنك في الحروب خوار ، أيراق دمي ~~زعمت ؟ أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل وأنت ~~تثغو ثغاء النعجة وتنادي بالويل والثبور كالأمة اللكعاء ، ألا دفعت عنه بيد ~~أو ناضلت عنه بسهم ؟ لقد ارتعدت فرائصك وغشي بصرك فاستغثت بي كما يستغيث ~~العبد بربه ، فأنجيتك من القتل ومنعتك منه ثم تحث معاوية على قتلي ، ولو ~~رام ذلك معك لذبح كما ذبح ابن عفان ، أنت ms073 معه أقصر يدا وأضيق باعا وأجبن ~~قلبا من أن تجسر على ذلك ثم تزعم أني ابتليت بحلم معاوية ، أما والله لهو ~~أعرف بشأنه وأشكر لما وليناه هذا الأمر فمتى بدا له فلا يغضين جفنه على ~~القذى معك ، فوالله لأثخنن أهل الشام بجيش يضيق عنه فضاؤها ويستأصل فرسانها ~~ثم لا ينفعك عند ذلك الهرب والروغان ولا يرد عنك الطلب تدريجك الكلام ، ~~فنحن ممن لا يجهل آباؤنا القدماء الأكابر وفروعنا السادة الأخيار ، انطق إن ~~كنت صادقا . فقال عمرو : ينطق بالخنى وتنطق بالصدق . ثم أنشأ يقول : قد ~~يضرط العير والمكواة تأخذه . . . لا يضرط العير والمكواة في النار ذق وبال ~~أمرك يا مروان . وأقبل عليه معاوية فقال : قد كنت نهيتك عن هذا الرجل وأنت ~~تأبى إلا انهماكا فيما لا يعنيك ، اربع على نفسك فليس أبوك كأبيه ولا أنت ~~مثله ، أنت ابن الطريد الشريد وهو ابن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ~~الكريم ، ولكن رب باحث عن حتفه وحافر عن مديته . PageV01P069 فقال مروان : ~~ارم من دون بيضتك وقم بحجة عشيرتك . ثم قال لعمرو : طعنك أبوه فوفيت نفسك ~~بخصييك فلذلك تحذره . وقام مغضبا . فقال معاوية : لا تجار البحور فتغمرك ~~ولا الجبال فتبهرك واسترح من الاعتذار . قيل : ولقي عمرو بن العاص الحسن بن ~~علي ، رحمه الله ، في الطواف فقال : يا حسن أزعمت أن الدين لا يقوم إلا بك ~~وبأبيك ؟ فقد رأيت الله جل وعز أقامه بمعاوية فجعله راسيا بعد ميله وبينا ~~بعد خفائه . أفرضي الله قتل عثمان أم من الحق أن تدور بالبيت كما يدور ~~الجمل بالطحين ؟ عليك ثياب كغرقىء البيض وأنت قاتل عثمان ، والله إنه لألم ~~للشعث وأسهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك . فقال الحسن ، عليه السلام : ~~إن لأهل النار علامات يعرفون بها وهي الإلحاد لأولياء الله والموالاة ~~لأعداء الله . والله إنك لتعلم أن عليا ، رضي الله عنه ، لم يتريب في الأمر ~~ولم يشك في الله طرفة عين . وايم الله لتنتهين يا ابن أم عمرو أو لأقرعن ~~جبينك بكلام تبقى سمته عليك ما حييت ! فإياك ms074 والإبراز علي فإني من قد عرفت ~~لست بضعيف الغمزة ولا بهش المشاشة ولا بمريء المأكلة ، وإني من قريش كأوسط ~~القلادة ، يعرف حسبي ولا أدعي لغير أبي ، وقد تحاكمت فيك رجال قريش فغلب ~~عليك ألأمهم نسبا وأظهرهم لعنة ، فإياك عني فإنك رجس ، وإنما نحن بيت ~~الطهارة ، أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيرا . قيل : واجتمع الحسن بن علي ~~وعمرو بن العاص فقال الحسن : قد علمت قريش بأسرها أني منها في عز أرومتها ~~لم أطبع على ضعف ولم أعكس على خسف ، أعرف بشبهي وأدعي لأبي . فقال عمرو : ~~قد علمت قريش أنك من أقلها عقلا وأكثرها جهلا ، وأن فيك خصالا لو لم يكن ~~فيك إلا واحدة منهن لشملك خزيها كما اشتمل البياض الحالك ، لعمر الله ~~لتنتهين عما أراك تصنع أو لأكبسن لك حافة كجلد العائط أرميك من خللها بأحر ~~من وقع الأثافي أعرك منها أديمك عرك السلعة ، فإنك طالما ركبت صعب المنحدر ~~ونزلت في عراض الوعر التماسا للفرقة وإرصادا للفتنة ولن يزيدك الله فيها ~~إلا فظاعة . فقال الحسن ، عليه السلام : أما والله لو كنت تسمو بحسبك وتعمل ~~برأيك ما سلكت فج قصد ولا حللت رابية مجد . وايم الله لو أطاعني معاوية ~~لجعلك بمنزلة العدو الكاشح ، فإنه طالما طويت على هذا كشحك وأخفيته في صدرك ~~وطمح بك الرجاء إلى الغاية القصوى التي لا يورق بها غصنك ولا يخضر لها ~~مرعاك . أما والله ليوشكن يا ابن العاص أن تقع بين لحيي ضرغام من قريش قوي ~~متمنع فروس ذي لبد يضغطك ضغط الرحى للحب لا ينجيك منه الروغان إذا التقت ~~حلقتا البطان . | PageV01P070 # | محاسن كلام عبد الله بن العباس رضي الله عنه # أبو المنذر عن أبيه عن الشعبي عن ابن عباس أنه دخل المسجد وقد سار الحسين ~~بن علي ، رضي الله عنه ، إلى العراق فإذا هو بابن الزبير في جماعة من قريش ~~قد استعلاهم بالكلام ، فجاء ابن عباس حتى ضرب بيده بين عضدي ابن الزبير ~~وقال : أصبحت والله كما قال الأول : يا لك من حمرة بمعمر . . . خلا لك ms075 الجو ~~فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري . . . قد رفع الفخ فماذا تحذري خلت ~~الحجاز من الحسين بن علي وأقبلت تهدر في جوانبها . فغضب ابن الزبير وقال : ~~والله إنك لترى أنك أحق بهذا الأمر من غيرك . فقال ابن عباس : إنما يرى من ~~كان في حال شك وأنا من ذاك على يقين . فقال : وبأي شيء تحقق عندك أنك أحق ~~بهذا الأمر مني ؟ قال ابن عباس : لأنا أحق ممن يدل بحقه ، وبأي شيء تحقق ~~عندك أنك أحق بها من سائر العرب إلا بنا ؟ فقال ابن الزبير : تحقق عندي أني ~~أحق بها منكم لشرفي عليكم قديما وحديثا . فقال : أنت أشرف أم من قد شرفت به ~~؟ فقال : إن من شرفت به زادني شرفا إلى شرف قد كان لي قديما وحديثا . قال : ~~أفمني الزيادة أم منك ؟ قال : بل منك . فتبسم ابن عباس ، فقال : يا ابن ~~عباس دعني من لسانك هذا الذي تقلبه كيف شئت ، والله لا تحبوننا يا بني هاشم ~~أبدا . قال ابن عباس : صدقت ، نحن أهل بيت مع الله عز وجل لا نحب من أبغضه ~~الله تعالى . فقال : يا ابن عباس ما ينبغي لك أن تصفح عن كلمة واحدة ؟ قال ~~: إنما أصفح عمن أقر وأما عمن هر فلا ، والفضل لأهل الفضل . قال ابن الزبير ~~: فأين الفضل ؟ قال : عندنا أهل البيت لا تصرفه عن أهله فتظلم ولا تضعه في ~~غير أهله فتندم . قال ابن الزبير : أفلست من أهله ؟ قال : بلى إن نبذت ~~الحسد ولزمت الجدد . وانقضى حديثهما ، وقام القوم فتفرقوا . وروي عن ابن ~~عباس أنه قال : قدمت على معاوية وقد قعد على سريره وجمع أصحابه ووفود العرب ~~عنده ، فدخلت فسلمت وقعدت ، فقال : من الناس يا ابن عباس ؟ فقلت : نحن . ~~قال : فإذا غبتم ؟ قلت : فلا أحد . قال : ترى أني قعدت هذا المقعد بكم ؟ ~~قلت : نعم ، فبمن قعدت ؟ قال : بمن كان مثل حرب بن أمية . قلت : من أكفأ ~~عليه إناءه وأجاره بردائه . قال فغضب وقال : وار شخصك مني شهرا فقد أمرت لك ~~بصلتك وأضعفتها لك . فلما خرج ms076 ابن عباس قال لخاصته : ألا تسألوني ما الذي ~~أغضب معاوية ؟ إنه لم يلتق أحد من رؤساء قريش في عقبة ولا مضيق مع قوم إلا ~~لم يتقدمه أحد حتى يجوزه ، فالتقى حرب بن أمية مع PageV01P071 رجل من بني ~~تميم في عقبة فتقدمه التميمي ، فقال حرب : أنا حرب بن أمية ، فلم يلتفت ~~إليه وجازه ، فقال : موعدك مكة . فبقي التميمي دهرا ثم أراد دخول مكة فقال ~~: من يجيرني من حرب بن أمية ؟ فقالوا : عبد المطلب . قال : عبد المطلب أجل ~~قدرا من أن يجير على حرب ، فأتى ليلا دار الزبير بن عبد المطلب فدق عليه ، ~~فقال الزبير للغيداق : قد جاءنا رجل إما طالب حاجة وإما طالب قرى وإما ~~مستجير وقد أعطيناه ما أراد قال : فخرج إليه الزبير ، فقال التميمي : لاقيت ~~حربا في الثنية مقبلا . . . والصبح أبلج ضوءه للساري فدعا بصوت واكتنى ~~ليروعني . . . ودعا بدعوته يريد فخاري فتركته كالكلب ينبح وحده . . . وأتيت ~~أهل معالم وفخار ليثا هزبرا يستجار بقربه . . . رحب المباءة مكرما للجار ~~ولقد حلفت بزمزم وبمكة . . . والبيت ذي الأحجار والأستار إن الزبير لمانعي ~~من خوفه . . . ما كبر الحجاج في الأمصار فقال : تقدم فإنا لا نتقدم من ~~نجيره . فتقدم التميمي فدخل المسجد ، فرآه حرب فقام إليه فلطمه ، فحمل عليه ~~الزبير بالسيف فعدا حتى دخل دار عبد المطلب فقال : أجرني من الزبير ، فأكفأ ~~عليه جفنة كان هاشم يطعم فيها الناس ، فبقي هناك ساعة ثم قال له : اخرج . ~~فقال : كيف أخرج وتسعة من ولدك قد احتبوا بسيوفهم على الباب ؟ فألقى عليه ~~رداء كان كساه إياه سيف بن ذي يزن له طرتان خضراوان ، فخرج عليهم فعلموا ~~أنه قد أجاره فتفرقوا عنه . قال : وحضر مجلس معاوية عبد الله بن عباس وابن ~~العاص ، فأقبل عبد الله بن جعفر فلما نظر إليه ابن العاص قال : قد جاءكم ~~رجل كثير الخلوات بالتمني والطربات بالتغني ، محب للقيان ، كثير مزاحه ، ~~شديد طماحه ، صدوف عن السنان ، ظاهر الطيش ، لين العيش ، أخاذ بالسلف ، ~~منفاق بالسرف . فقال ابن عباس : كذبت والله أنت وليس كما ذكرت ، ولكنه لله ms077 ~~ذكور ، ولنعمائه شكور ، وعن الخنا زجور ، جواد كريم ، سيد حليم ، ماجد ~~لهميم ، إن ابتدأ أصاب ، وإن سئل أجاب ، غير حصر ولا هياب ، ولا فحاش عياب ~~، حل من قريش في كريم النصاب ، كالهزبر الضرغام ، الجريء المقدام ، في ~~الحسب القمقام ، ليس يدعي لدعي ، ولا يدني لدني ، كمن اختصم فيه من قريش ~~شرارها فغلب عليه جزارها ، فأصبح ألأمها حسبا وأدناها منصبا ، ينوء منها ~~بالذليل ويأوي منها إلى القليل ، يتذبذب بين الحيين كالساقط بين ~~PageV01P072 الفراشين ، لا المضطر إليهم عرفوه ولا الظاعن عنهم فقدوه ، ~~وليت شعري بأي قدم تتعرض للرجال وبأي حسب تبارز عند النضال ، أبنفسك فأنت ~~الوغد الزنيم أم بمن تنتمي إليه ، فأهل السفه والطيش والدناءة في قريش ، لا ~~بشرف في الجاهلية شهروا ، ولا بقديم في الإسلام ذكروا ، غير أنك تتكلم بغير ~~لسانك ، وتنطق بغير أزكانك ، والله لكان أبين للفضل وأطهر للعدوان أن ينزلك ~~معاوية منزلة البعيد السحيق ، فإنه طالما سلس داؤك ، وطمح بك رجاؤك إلى ~~الغاية القصوى التي لم يخضر بها رعيك ولم يورق بها غصنك . قال عبد الله بن ~~جعفر : أقسمت عليك لما أمسكت فإنك عني ناضلت ولي فاوضت . قال ابن عباس : ~~دعني والعبد فإنه قد كان يهدر خاليا إذ لا يجد مراميا ، وقد أتيح له ضيغم ~~شرس ، وللأقران مفترس ، وللأرواح مختلس . فقال عمرو بن العاص : دعني يا ~~أمير المؤمنين انتصف منه فوالله ما ترك شيئا . قال ابن عباس : دعه فلا يبقي ~~المبقي إلا على نفسه ، فوالله إن قلبي لشديد ، وإن جوابي لعتيد ، وبالله ~~الثقة ، فإني كما قال نابغة بني ذبيان : وقبلك ما قذعت وقاذعوني . . . فما ~~نزر الكلام ولا شجاني يصد الشاعر العراف عني . . . صدود البكر عن قرم هجان # | محاسن كلام غانمة بنت غانم في شرف بني هاشم وفخرهم # قيل : ولما بلغ غانمة بنت غانم سب معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم قالت ~~لأهل مكة : أيها الناس إن قريشا لم تلد من رقم ولا رقم ، سادت وجادت ، ~~وملكت فملكت ، وفضلت ففضلت ، واصطفيت فاصطفت ، ليس فيها كدر عيب ولا أفن ~~ريب ، ولا حشروا ms078 طاغين ولا حادوا نادمين ، ولا المغضوب عليهم ولا الضالين ، ~~إن بني هاشم أطول الناس باعا وأمجد الناس أصلا وأحلم الناس حلما وأكثر ~~الناس عطاء ، منا عبد مناف الذي يقول فيه الشاعر : كانت قريش بيضة فتفلقت . ~~. . فالمخ خالصها لعبد مناف وولده هاشم الذي هشم الثريد لقومه ، وفيه يقول ~~الشاعر : هشم الثريد لقومه وأجارهم . . . ورجال مكة مسنتون عجاف ثم منا عبد ~~المطلب الذي سقينا به الغيث ، وفيه يقال الشاعر : ونحن سني المحل قام ~~شفيعنا . . . بمكة يدعو والمياه تغور وابنه أبو طالب عظيم قريش ، وفيه يقول ~~الشاعر : PageV01P073 آتيته ملكا فقام بحاجتي . . . وترى العليج خائبا ~~مذموما ومنا العباس بن عبد المطلب أردفه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ~~فأعطاه ماله ، وفيه يقول الشاعر : رديف رسول الله لم أر مثله . . . ولا ~~مثله حتى القيامة يوجد ومنا حمزة سيد الشهداء ، وفيه يقول الشاعر : أبا ~~يعلى لك الأركان هدت . . . وأنت الماجد البر الوصول ومنا جعفر ذو الجناحين ~~أحسن الناس حسنا وأكملهم كمالا ، ليس بغدار ولا ختار ، بدله الله جل وعز له ~~بكل يد له جناحا يطير به في الجنة ، وفيه يقول الشاعر : هاتوا كجعفرنا ~~الطيار أو كعلينا . . . أليسا أعز الناس عند الخلائق ومنا أبو الحسن علي بن ~~أبي طالب ، رضي الله عنه ، أفرس بني هاشم وأكرم من احتفى وتنعل بعد رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم ، ومن فضائله ما قصر عنكم أنباؤها ، وفيه يقول ~~الشاعر : وهذا علي سيد الناس فاتقوا . . . عليا بإسلام تقدم من قبل ومنا ~~الحسن بن علي ، رضي الله عنه ، سبط رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وسيد ~~شباب أهل الجنة ، وفيه يقول الشاعر : ومن يك جده حقا نبيا . . . فإن له ~~الفضيلة في الأنام ومنا الحسين بن علي ، رضوان الله عليه ، حمله جبريل ، ~~عليه السلام ، على عاتقه وكفى بذلك فخرا ، وفيه يقول الشاعر : نفى عنه عيب ~~الآدميين ربه . . . ومن مجده مجد الحسين المطهر ثم قالت : يا معشر قريش ~~والله ما معاوية بأمير المؤمنين ولا هو كما يزعم ، هو والله شانيء رسول ~~الله ، صلى الله عليه ms079 وسلم ، إني آتية معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينه ~~ويكثر منه عويله . فكتب عامل معاوية إليه بذلك ، فلما بلغه أن غانمة قد ~~قربت منه أمر بدار ضيافة فنظفت وألقي فيها فرش ، فلما قربت من المدينة ~~استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه ، فلما دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن ~~غانم فقال لها يزيد : إن أبا عبد الرحمن يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته ، ~~وكانت لا تعرفه ، فقالت : من أنت كلأك الله ؟ قال : يزيد بن معاوية . قالت ~~: فلا رعاك الله يا ناقص لست بزائد ، فتمعر لون يزيد ، فأتى أباه فأخبره ، ~~فقال : هي أسن قريش وأعظمهم . فلما قال يزيد : كم تعد لها يا أمير المؤمنين ~~؟ قال : كانت تعد على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أربعمائة عام وهي ~~من بقية PageV01P074 الكرام . فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلم عليها ، ~~فقالت : على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان . ثم قالت : من منكم ابن ~~العاص ؟ قال عمرو : ها أنا ذا . فقالت : وأنت تسب قريشا وبني هاشم وأنت أهل ~~السب وفيك السب وإليك يعود السب يا عمرو ، إني والله لعارفة بعيوبك وعيوب ~~أمك وإني أذكر لك ذلك عيبا عيبا . ولدت من أمة سوداء مجنونة حمقاء تبول من ~~قيام ويعلوها اللئام ، إذا لامسها الفحل كانت نطفتها أنفذ من نطفته ، ركبها ~~في يوم واحد أربعون رجلا ، وأما أنت فقد رأيتك غاويا غير راشد ومفسدا غير ~~صالح ، ولقد رأيت فحل زوجتك على فراشك فما غرت ولا أنكرت ، وأما أنت يا ~~معاوية فما كنت في خير ولا ربيت في خير فما لك ولبني هاشم ، أنساء بني أمية ~~كنسائهم أم أعطى أمية ما أعطى هاشم في الجاهلية والإسلام ؟ وكفى فخرا برسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم . فقال معاوية : أيتها الكبيرة أنا كاف عن بني ~~هاشم . قالت : فإني أكتب عليك عهدا ، كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ~~دعا ربه أن يستجيب لي خمس دعوات فأجعل تلك الدعوات كلها فيك . فخاف معاوية ~~وحلف لها أن لا يسب بني هاشم أبدا . فهذا آخر ms080 ما كان بين معاوية وبني هاشم ~~من المفاخرة ، والله أعلم . # | محاسن مجالس أبي العباس السفاح في المفاخرة # قيل : كان أبو العباس يطيل السهر ويعجبه الفصاحة ومنازعة الرجال ، فسهر ~~ذات ليلة وعنده أناس من مضر وفهر وفيهم خالد بن صفوان بن الأهتم التميمي ~~وناس من اليمن فيهم إبراهيم بن مخرمة الكندي ، فقال أبو العباس : هاتوا ~~واقطعوا ليلتنا بمحادثتكم . فبدأ إبراهيم بن مخرمة وقال : يا أمير المؤمنين ~~إن إخوالكم هم الناس وهم العرب الأول الذين دانت لهم الدنيا وكانت لهم اليد ~~العليا ، ما زالوا ملوكا وأربابا ، توارثوا الرئاسة كابرا عن كابر وآخرا عن ~~أول ، يلبس آخرهم سرابيل أولهم ، يعرفون بيت المجد ومآثر الحمد ، منهم ~~النعمانات والمنذرات والقابوسات ، ومنهم غسيل الملائكة ، ومنهم من اهتز ~~لموته العرش ، ومنهم مكلم الذئب ، ومنهم من كان يأخذ كل سفينة غصبا ويحوي ~~في كل نائبة نهبا ، ومنهم أصحاب التيجان وكماة الفرسان ، ليس من شيء وإن ~~عظم خطره وعرف أثره من فرس رائع وسيف قاطع أو مجن واق أو درع حصين أو درة ~~مكنونة إلا وهم أربابها وأصحابها ، إن حل ضيف أقروه ، وإن سألهم سائل أعطوه ~~، لا يبلغهم مكاثر ولا يطاولهم مطاول ولا مفاخر ، فمن مثلهم يا أمير ~~المؤمنين ؟ البيت يمان والحجر يمان والركن يمان والسيف يمان . فقال أبو ~~العباس : ما أرى مضر تقول بقولك هذا وما أظن خالدا يرضى بذلك . فقال خالد : ~~إن أذن أمير المؤمنين وأمنت المواخذة تكلمت . فقال أبو العباس : تكلم ولا ~~ترهب أحدا . فقال خالد : يا PageV01P075 أمير المؤمنين خاب المتكلم وأخطأ ~~المتقحم إذ قال بغير علم ونطق بغير صواب ، أويفخر على مضر ومنها النبي ، ~~صلى الله عليه وسلم ، والخلفاء من أهل بيته ؟ وهل أهل اليمن يا أمير ~~المؤمنين إلا دابغ جلدا وقائد قردا وحائك بردا ؟ دل عليهم الهدهد وغرقهم ~~الجرذ وملكتهم أم ولد من قوم ، والله يا أمير المؤمنين ما لهم ألسنة فصيحة ~~ولا لغة صحيحة ولا حجة تدل على كتاب ولا يعرف بها صواب ، وإنهم منا لإحدى ~~الخلتين إن حازوا ما قصدوا أكلوا وإن ms081 حادوا عن حكمنا قتلوا . ثم التفت إلى ~~الكندي فقال : أتفخر بأكرم الأنام وخيرها محمد ، صلى الله عليه وسلم ، وبه ~~افتخر من ذكرت ، فالمن من الله عز وجل عليكم إن كنتم أتباعه وأشياعه فمنا ~~نبي الله المصطفى وخليفة الله المرتضى ولنا السودد والعلى وفينا الحلم ~~والحجا ولنا الشرف المقدم والركن المكرم والبيت المعظم والجناب الأخضر ~~والعدد الأكثر والعز الأكبر ، ولنا البيت المعمور والمشعر المشهور والسقف ~~المرفوع وزمزم وبطحاؤها وجبالها وصحراؤها وحياضها وغياضها وأحجارها ~~وأعلامها ومنابرها وسقايتها وحجابتها وسدانة بيتها ، فهل يعدلنا عادل ويبلغ ~~فخرنا قائل ، ومنا أعلم الناس ابن عباس أعلم البشر الطيبة أخباره الحسنة ~~آثاره ، ومنا الوصي وذو النور ، ومنا الصديق والفاروق ، ومنا أسد الله وسيف ~~الله ، ومنا سيد الشهداء وذو الجناحين ، ومنا الكماة والفرسان ، ومنا ~~الفقهاء والعلماء ، بنا عرف الدين ومن عندنا أتاكم اليقين ، فمن زاحمنا ~~زاحمناه ومن عادانا اصطلمناه ومن فاخرنا فاخرناه ومن بدل سنتنا قتلناه . ثم ~~التفت إلى الكندي وقال : كيف علمك بلغات قومك ؟ قال : أنا بها عالم . قال : ~~ما الجحمة في لغتكم ؟ قال : العين . قال : فما الميزم ؟ قال : السن . قال : ~~فالشناتر ؟ قال : الإصبع . قال : فالصنانير ؟ قال : الآذان . قال : فما ~~القلوب ؟ قال : الذئب . قال : فما الزب ؟ قال : اللحية . قال : أفتقرأ كتاب ~~الله عز وجل ؟ قال : نعم . قال : فإن الله عز وجل يقول : ' إنا أنزلناه ~~قرآنا عربيا ' ، وقال : بلسان عربي مبين ، وقال جل ذكره : ' وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه ' ، وقال عز وجل : ' العين بالعين ' ، ولم يقل الجحمة ~~بالجحمة ، وقال : ' جعلوا أصابعهم في آذانهم ' ، ولم يقل شناترهم في ~~صنانيرهم ، وقال : السن بالسن ، ولم يقل الميزم بالميزم ، وقال : فأكله ~~الذئب ، ولم يقل القلوب ، وقال : لا تأخذ بلحيتي ، ولم يقل بزبي ، وأنا ~~سائلك يا ابن مخرمة عن ثلاث خصال فإن أنت أقررت بها قهرت وإن جحدتها كفرت ~~وإن أنكرت قتلت . قال : وما هي ؟ قال : أتعلم أن فينا نبي الله المصطفى ، ~~صلى الله عليه وسلم ؟ قال : اللهم نعم . قال : أتعلم أن فينا كتاب الله ~~PageV01P076 تعالى ؟ قال : اللهم نعم . قال : أفتعلم ms082 أن فينا خليفة الله ~~المرتضى ؟ قال : اللهم نعم . قال : فأي شيء يعدل هذه الخصال ؟ قال أبو ~~العباس : اكفف عنه فوالله ما رأيت غلبة أنكر منها ، والله ما فرغت من كلامك ~~يا أخا مضر حتى إنه سيعرج بسريري إلى السماء . ثم أمر لخالد بمائة ألف درهم ~~. ري إلى السماء . ثم أمر لخالد بمائة ألف درهم . وعن أبي بكر الهذلي قال : ~~اجتمعنا عند أبي العباس أهل البصرة وأهل الكوفة ولم يكن من أهل البصرة غيري ~~وكان من أهل الكوفة الحجاج بن أرطاة والحسن بن زيد وابن أبي ليلى فتذاكروا ~~أهل الكوفة وأهل البصرة فقال ابن أبي ليلى : نحن والله يا أمير المؤمنين . ~~. . . . . . وكيف يكون لنا ذلك ولنا السند والهند وكرمان ومكران والفرض ~~والعرض والديار وسعة الأنهار ؟ فقال ابن أبي ليلى : نحن أعلم منهم علما ~~وأكثر منهم فهما ، يقر بذلك أهل البصرة لأهل الكوفة . قلت : هم أكثر أنبياء ~~وأقل أتقياء وأعظم كبرياء ، منهم المغيرة الخبيث السريرة وبيان وأبو بيان ، ~~وتنسب فيهم الأنبياء والله ما أتانا إلا نبي واحد . قال الحسن بن زيد : ~~أنتم أصحاب علي يوم سرنا إليه لنقتله فكف الله أيدينا عنه وسار إلى الكوفة ~~فقتلوه فأينا أعظم ذنبا ؟ فقال الحجاج : والله يا أمير المؤمنين لقد بلغني ~~أن أهل البصرة كانوا يومئذ عشرين ألفا وكان أهل الكوفة خمسة آلاف ، فلما ~~التقت حلقتا البطان وأخذت الرجال أقرانها شدت خيلهم في صعيد واحد . فقلت : ~~وكيف يكون ذلك وخرجت ربيعة سامعة مطيعة تعين عليا وخرج الأحنف بن قيس في ~~سعد والرباب وهم السنام الأعظم والجمهور الأكبر يعين عليا ؟ ولكن سل هؤلاء ~~يا أمير المؤمنين كم كانت عدتهم يا أمير المؤمنين يوم استغاثوا بنا ، فلما ~~التقينا كانوا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف . فقال ابن أبي ليلى : ~~والله يا أمير المؤمنين إنا لأشرف منهم أشرافا وأكثر منهم أسلافا . قلت : ~~معاذ الله يا أمير المؤمنين ! هل كان في تميم الكوفة مثل الأحنف ابن قيس في ~~تميم البصرة الذي فيه يقول الشاعر : إذا الأبصار أبصرت ابن قيس ms083 . . . ظللن ~~مهابة منه خشوعا وهل كان في قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم في قيس البصرة ~~الذي يقول فيه الشاعر : كل عام يحوي قتيبة نهبا . . . ويزيد الأموال مالا ~~جديدا دوخ الصغد بالقبائل حتى . . . ترك الصغد بالعراء قعودا PageV01P077 ~~باهلي تعصب التاج حتى . . . شبن منه مفارق كن سودا وهل كان في أزد الكوفة ~~مثل مهلب بن أبي صفرة في أزد البصرة الذي يقول فيه الشاعر : إذا كان المهلب ~~من ورائي . . . هدا ليلي وقر له فؤادي ولم أخش الدنية من أناس . . . ولو ~~صالوا بقوة قوم عاد وهل كان في بكر الكوفة مثل مالك بن مسمع في بكر البصرة ~~الذي يقول فيه الشاعر : إذا ما خشينا من أمير ظلامة . . . أمرنا أبا غسان ~~يوما فعسكروا وهل كان في عبد قيس الكوفة مثل الحكم بن المنذر بن الجارود في ~~عبد قيس البصرة الذي يقول فيه الشاعر : يا حكم بن المنذر بن الجارود . . . ~~أنت الجواد بن الجواد المحمود فضحك أبو العباس حتى ضرب برجله وقال : والله ~~ما رأيت مثل هذه الغلبة قط ! # | محاسن الافتخار بالنبي صلى الله عليه وسلم # قيل : كان علي بن عبد الله بن العباس ، رضي الله عنه ، عند عبد الملك بن ~~مروان إذ فاخره عبد الملك فجعل يذكر أيام بني أمية ، فبينا هو كذلك إذ نادى ~~المنادي للأذان فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . فقال ~~علي لعبد الملك : تلك المكارم لا قعبان من لبن . . . شيبا بماء فعادا بعد ~~أبوالا فقال عبد الملك : الحق في هذا أبين من أن يكابر . علي بن محمد ~~النديم قال : دخلت على المتوكل وعنده الرضي فقال : يا علي من أشعر الناس في ~~زماننا ؟ قلت : البحتري . قال : وبعده ؟ قلت : ولد مروان بن أبي حفصة خدمك ~~وعبيدك . فالتفت إلى الرضي وقال : يا ابن عم من أشعر زماننا ؟ قال : علي بن ~~محمد العلوي . قال : وما تحفظ من شعره ؟ قال قوله : لقد فاخرتنا من قريش ~~عصابة . . . بمط خدود وامتداد الأصابع PageV01P078 فلما تنازعنا القضاء قضى ~~لنا . . . عليهم بما نهوى نداء ms084 الصوامع يعني المساجد . قال المتوكل : وما ~~معنى نداء الصوامع ؟ قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . ~~قال : وأبيك إنه لأشعر الناس . # | محاسن ما قيل في ذلك من الشعر # قال علي بن محمد العلوي : عصيت الهوى وهجرت النساء . . . وكنت دواء ~~فأصبحت داء وما أنس لا أنس حتى الممات . . . نزيب الظباء تجيب الظباء دعيني ~~وصبري على نائبات . . . فبالصبر نلت الثرى والثواء وإن يك دهري لوى رأسه . ~~. . فقد لقي الدهر مني التواء ليالي أروي صدور القنا . . . وأروي بهن ~~الصدور الظماء ونحن إذا كان شرب المدام . . . شربنا على الصافنات الدماء ~~بلغنا السماء بأنسابنا . . . ولولا السماء لجزنا السماء فحسبك من سودد أننا ~~. . . بحسن البلاء كشفنا البلاء يطيب الثناء لآبائنا . . . وذكر علي يزين ~~الثناء إذا ذكر الناس كنا ملوكا . . . وكانوا عبيدا وكانوا إماء هجاني قوم ~~ولم أهجهم . . . أبى الله لي أن أقول الهجاء وقال غيره : وإني من القوم ~~الذين عرفتهم . . . إذا مات منهم سيد قام صاحبه نجوم السماء كلما انقض كوكب ~~. . . بدا كوكب تأوي إليه كواكبه أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم . . . دجى ~~الليل حتى نظم الجزع ثاقبه فلا توعدني يا شريح فإنني . . . كليث عرين فر ~~عنه ثعالبه يمشي بأوصال الرجال إذا ستا . . . قد احمر من نضخ الدماء مخالبه ~~وقال آخر : حلماء حين يقول قائلهم . . . بيض الوجوه مقاول لسن لا يفطنون ~~لعيب جارهم . . . وهم لحفظ جواره فطن PageV01P079 وأحسن من ذلك كله قول ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وقد أتاه أعرابي فقال : بأبي أنت وأمي ~~أكرم الناس حسبا ! فقال : أحسنهم خلقا وأفضلهم تقوى ، فانصرف الأعرابي . ~~فقال : ردوه ، ثم قال : يا أعرابي لعلك أردت نسبا ؟ قال : نعم . قال : يوسف ~~صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله ~~فأين مثل هؤلاء الآباء في جميع الدنيا ! ما كان فيها مثلهم أبدا . وقال ~~الشاعر : ولم أر كالأسباط أبناء والد . . . ولا كأبيهم والدا حين ينسب ودخل ~~عيينة بن حصن الفزاري على النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فانتسب ثم قال : ~~أنا ابن الأشياخ الأكارم ms085 ، فقال ، صلى الله عليه وسلم : أنت إذا يوسف صديق ~~الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله ، ~~وقال ، صلى الله عليه وسلم : خير البشر آدم ، عليه السلام ، وخير العرب ~~محمد ، صلى الله عليه وسلم ، وخير الفرس سلمان ، وخير الروم صهيب ، وخير ~~الحبشة بلال ، رحمهم الله أجمعين . # | مساوئ الافتخار # روي عن ابن عباس قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : لا تفخروا ~~بآبائكم في الجاهلية ، فوالذي نفسي بيده لما يدحرج الجعل بأنفه خير من ~~آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية . قيل : وكان الحسن البصري يقول : ابن آدم ~~لم تفتخر وإنما خرجت من مسيل بولين نطفة مشجت بأقذار ؟ وقال بعضهم لرجل ~~يتبختر : يا هذا إن أولك نطفة قذرة وآخرك جيفة منتنة وأنت فيما بينهما وعاء ~~عذرة فما هذه المشية ؟ قال : وقيل لعامر بن قيس : ما تقول في الإنسان ؟ قال ~~: ما أقول فيمن إن جاع ضرع وإن شبع طغى . وروي عن ابن عباس أنه قال : ~~يتفاضلون في الدنيا بالشرف والبيوتات والإمارات والعتاق والجمال والهيئة ~~والمنطق ويتفاضلون في الآخرة بالتقوى واليقين ، فأتقاهم أحسنهم يقينا ~~وأزكاهم عملا وأرفعهم درجة أعقلهم ، وقيل في ذلك : يزين الفتى في الناس صحة ~~عقله . . . وإن كان محظورا عليه مكاسبه يشين الفتى في الناس قلة عقله . . . ~~وإن كرمت آباؤه ومناسبه PageV01P080 وقال بعض الحكماء : لا يكون الشرف ~~بالحسب والنسب ، ألا ترى أن أخوين لأب وأم يكون أحدهما أشرف من الآخر ؟ ولو ~~كان ذلك من قبل النسب لما كان لأحد منهم على الآخر فضل لأن نسبهما واحد ~~ولكن ذلك من قبل الأفعال لأن الشرف إنما هو فيه لا في النسب ، وقال الشاعر ~~في ذلك : أبوك أبي والجد لا شك واحد . . . ولكننا عودان آس وخروع وبلغنا عن ~~المدائني أنه قال : ليس السودد بالشرف وإنما ساد الأحنف بن قيس بحلمه وحضين ~~بن المنذر برأيه ومالك بن مسمع بمحبته في العامة وسويد بن منجوف بعطفه على ~~أرامل قومه ، وساد المهلب بن أبي صفرة بجميع هذه الخصال . قيل : وسمع عمر ~~بن الخطاب ms086 ، رضي الله عنه ، وهو خليفة صوتا ولفظا بالباب فقال لبعض من عنده ~~: اخرج فانظر من كان من المهاجرين الأولين فأدخله . فخرج الرسول فأدخل ~~بلالا وصهيبا وسلمان ، وكان أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو في عصابة من ~~قريش جلوسا بالباب فقال أبو سفيان : يا معشر قريش أنتم صناديد العرب ~~وأشرافها وفرسانها بالباب ويدخل حبشي وفارسي ورومي ؟ فقال سهيل : يا أبا ~~سفيان أنفسكم فلوموا ولا تلوموا أمير المؤمنين ، دعا القوم فأجابوا ودعيتم ~~فأبيتم وهم يوم القيامة أعظم درجات وأكثر تفضيلا . فقال أبو سفيان : لا خير ~~في مكان يكون فيه بلال شريفا . # | مساوئ أصحاب الصناعات # قال المأمون وذكر أصحاب الصناعات : السوقة سفل والصناع أنذال والتجار ~~بخلاء والكتاب ملوك على الناس . وقال المأمون : الناس أربعة : ذو سيادة أو ~~صناعة ، أو تجارة أو زراعة ، فمن لم يكن منهم كان عيالا عليهم ، وذكروا أن ~~أبا طالب كان يعالج العطر والبز ، وكان أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، ~~بزازا ، وكان عمر بن الخطاب بزازا ، وكان عبد الرحمن بن عوف بزازا ، وكان ~~سعد بن أبي وقاص ، رحمه الله ، يأبر النخل ، وكان أخوه عتبة ، رحمه الله ، ~~نجارا ، وكان العاص بن هشام أخو أبي جهل بن هشام جزارا ، وكان الوليد بن ~~المغيرة حدادا ، وكان عقبة بن أبي معيط خمارا ، وكان عثمان بن طلحة صاحب ~~مفتاح البيت خياطا ، وكان أبو سفيان بن حرب يبيع الزيت والأدم ، وكان أمية ~~بن خلف يبيع البرم ، وكان عبد الله بن جدعان نخاسا ، وكان العاص بن وائل ~~أبو عمرو بن العاص يعالج PageV01P081 الخيل والإبل ، وكان جرير بن عمرو ~~وقيس أبو الضحاك بن قيس ومعمر بن عثمان وسيرين أبو محمد بن سيرين كلهم ~~حدادين ، وكان المسيب أبو سعيد زياتا ، وكان ميمون بن مهران بزازا ، وكان ~~مالك بن دينار وراقا ، وكان أبو حنيفة صاحب الرأي خزازا ، وكان مجمع الزاهد ~~حائكا . قيل : واتخذ يزيد بن المهلب بستانا في داره بخراسان ، فلما ولي ~~الأمر قتيبة بن مسلم جعله لإبله ، فقال له مرزبان مرو : هذا كان بستانا وقد ~~اتخذته لإبلك ms087 ! فقال قتيبة : كان أبي أشتربان وكان أبو يزيد بستانبان ~~فمنهما صار ذلك كذلك . # | محاسن النتاج # ذكروا أن جرهم من نتاج ما بين الملائكة وبنات آدم وأن الملأك من الملائكة ~~كان إذا عصى ربه في السماء أهبطه إلى الأرض في صورة رجل في طبيعته ما في ~~طبيعة بني آدم كما صنع بهاروت وماروت في خبرهما مع الزهرة حتى كان من ~~شأنهما ما كان ، فعصى بعض الملائكة ربنا جل ذكره فأهبطه إلى الأرض في صورة ~~رجل فتزوج أم جرهم فولدت منه جرهم ، فقال شاعرهم : لاهم إن جرهما عبادكا . ~~. . الناس طرف وهم تلادكا وكان ذو القرنين أمه قيرى آدمية وكان أبوه عيرى ~~من الملائكة . وسمع عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، رجلا ينادي : يا ذا ~~القرنين ! فقال : فرغتم من أسماء الأنبياء فارتقيتم إلى أسماء الملائكة ! ~~وزعموا أن التناكح والتلاقح قد يقع بين الجن والإنس لقوله جل وعز : ' ~~وشاركهم في الأموال والأولاد ' . ولأن الجنيات إنما يعرضن لصرعى رجال الإنس ~~على جهة العشق وطلب السفاد وكذلك رجال الجن لنساء بني آدم ، ومن زعم أن ~~الصرع من المرة فقد رد قول الله عز وجل : إن الذين يأكلون الربا لا يقومون ~~إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ' ، وقال جل ذكره : ' وشاركهم في ~~الأموال والأولاد ' ، وقال عز وتعالى : ' لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ' ، ~~وكان عبد الله بن هلال سبط إبليس من قبل أمهاته . وروى أبو زيد النحوي أن ~~سعلاة أقامت في بني تميم حتى ولدت فيهم ورأت ذات يوم برقا من شق بلاد ~~السعالي فحنت إلى وطنها وطارت إليهم . PageV01P082 وقد قيل إن الواقواق من ~~نتاج ما بين بعض النبات وبعض الحيوان . وقد قيل إن الثعلب يسفد الهرة ~~الوحشية فيخرج من بينهما ولد فيه مشابهة منهما ، قال حسان بن ثابت : أبوك ~~أبوك وأنت ابنه . . . وبئس البني وبئس الأب وأمك سوداء نوبية . . . كأن ~~أناملها العنظب يبيت أبوك بها مغدفا . . . كما ساور الهرة الثعلب وقد يولد ~~من بين الكلاب والثعالب هذه الكلاب السلوقية الماهرة بالصيد . وقيل : إنه ~~يخرج ms088 من بين الذئب والكلبة ولد يسمى الديسم ، قال بشار : أديسم يا ابن ~~الذئب من نجل زارع . . . أتروي هجائي سادرا غير مقصر وزارع اسم كلب يعرف ~~بزارع . وزعموا أنه يخرج من بين الذئب والضبع ولد يسمى السمع كالحية لا ~~يعرف العلل ولا يموت إلا بعرض يعرض له وأنه أشد عدوا وأسرع من الريح ، قال ~~الشاعر : مسبل في الحي أحوى رفل . . . فإذا يغزو فسمع أزل ومن عجائب ~~التركيب فوالج البخت إذا ضربت في إناث البخت لم يخرج الحوار إلا قصير العنق ~~لا ينال كلأ ولا ماء ، وإذا ضربت الفوالج في العراب جاءت هذه الجوامز ~~والبخت الكريمة ، ومتى ضربت فحول العراب في إناث البخت جاءت هذه الإبل ~~القبيحة المنظر . وقد قيل في الإبل : إن فيها عرقا من سفاد الجن وإن فيها ~~إبلا وحشية هي من بقايا إبل وبار ، لما أهلكهم الله جل وعز بقيت إبلهم ، ~~وإن الجمل منها ربما صار إلى أعطان الإبل فضرب في ناقة فتجيء منه هذه ~~المهرية والغسجدية التي تسمى الذهبية . وزعموا أن ببلاد الحبشة ذكر الضباع ~~يعرض للناقة من الوحش فيسفدها فتلقح بولد على خلقة الناقة والضبع ، فإن كان ~~أنثى يعرض لها الثور الوحشي فيضربها فيصير الولد زرافة ويسمى بالفارسية ~~اشتر كاوبلنك ، أي خرج من بين الجمل والثور والضبع ، وقد جحد الناس أن ~~PageV01P083 يكون الزرافة الأنثى تلقح من الزرافة الذكر . وأما النعامة ~~فإنها لا تقع إلا من ذكر النعام وإناثها . ومن نتاج الطير ما رواه بعضهم ~~أنه رأى طائرا له صوت حسن زعموا أنه من نتاج ما بين القمري والفاختة ، ~~وقناص الطير يزعمون أن أجناسا من الطير تلتقي على المياه فتسافد وأنهم لا ~~يزالون يرون أشكالا لم يروها قط فيقدرون أنها من تلاقيح تلك المختلفة . # | مساوئ النتاج # فأما من يخرج من بين بني آدم فإنه إذا تزوج خراساني بهندية خرج من بينهما ~~الذهب الإبريز غير أنه يحتاج أن يحرس ولدهما إذا كان أنثى من زناء الهند ~~وإذا كان ذكرا من لواط رجال خراسان . ومن خبث النتاج ابن المذكرة من ms089 النساء ~~والمؤنث من الرجال يكون أخبث نتاجا من البغل وأفسد أعراقا من السمع وأكثر ~~عيوبا من كل خلق وأن يأخذ بأسوإ خصال أبيه وأردى خصال أمه فتجتمع فيه خصال ~~الدواهي وأعيان المساوئ ، وأنه إذا خرج كذلك لم ينجع فيه أدب ولم يطمع في ~~علاجه طبيب ، وقد رأينا في دور ثقيف فتى اجتمعت فيه هذه الخصال فما كان في ~~الأرض يوم إلا وهم يتحدثون عنه بشيء يصغر في جنبه أكبر ذنب كان ينسب إليه ، ~~والخلاسي من الناس الذي يخرج من بين الحبشي والبيضاء ، والبيسري من الناس ~~الذي يخرج من بين البيض والهند ويكون من أحسن الناس وأجملهم . # | محاسن الوفاء # قيل في المثل : هو أوفى من فكيهة ، وهي امرأة من قيس بن ثعلبة كان من ~~وفائها أن السليك بن السلكة غزا بكر بن وائل فخرج جماعة من بكر فوجدوا أثر ~~قدم على الماء فقالوا : والله إن هذا لأثر قدم ترد الماء ، فقعدوا له ، ~~فلما وافى حملوا عليه فعدا حتى ولج قبة فكيهة فاستجار بها ، فأدخلته تحت ~~درعها ، فانتزعوا خمارها ، ونادت إخوتها فجاؤوا عشرة فمنعوهم منها . قال : ~~فكان السليك يقول : كأني أجد خشونة استها على ظهري حين أدخلتني درعها ، ~~وقال : لعمر أبيك والأنباء تنمي . . . لنعم الجار أخت بني عوارا من الخفرات ~~لم تفضح أخاها . . . ولم ترفع لوالدها شنارا PageV01P084 فما ظلمت فكيهة ~~حين قامت . . . لنصل السيف وانتزعوا الخمارا وقيل أيضا : هو أوفى من أم ~~جميل ، وهي من رهط أبي هريرة من دوس ، وكان من وفائها أن هشام بن الوليد بن ~~المغيرة المخزومي قتل أبا أزيهر رجلا من الأزد فبلغ ذلك قومه بالسراة ~~فوثبوا على ضرار بن الخطاب ليقتلوه فعدا حتى دخل بيت أم جميل وعاذ بها ، ~~فقامت في وجوههم ونادت قومها فمنعوه لها ، فلما قام عمر بن الخطاب ، رضي ~~الله عنه ، بالأمر ظنت أنه أخوه فأتته بالمدينة ، فلما انتسبت عرف القصة ~~وقال : إني لست بأخيه إلا في الإسلام وهو غاز وقد عرفنا منتك عليه ، ~~فأعطاها على أنها بنت سبيل . ويقال : هو أوفى من السموأل ms090 بن عادياء ، وكان ~~من وفائه أن امرأ القيس بن حجر الكندي لما أراد الخروج إلى قيصر ملك الروم ~~استودع السموأل دروعا له ، فلما مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام ~~فتحرز منه السموأل ، فأخذ الملك ابنا له ذكروا أنه كان متصيدا ، فصاح به : ~~يا سموأل هذا ابنك في يدي وقد علمت أن امرأ القيس ابن عمي وأنا أحق بميراثه ~~فإن دفعت إلي الدروع وإلا ذبحت ابنك . فقال : أجلني ، فأجله . فجمع أهل ~~بيته وشاورهم ، فكل أشار عليه أن يدفع الدروع وأن يستنقذ ابنه ، فلما أصبح ~~أشرف فقال : ليس إلى دفع الدروع سبيل فاصنع ما أنت صانع ! فذبح الملك ابنه ~~وهو ينظر إليه ، وكان يهوديا ، فانصرف الملك ، ووافى السموأل بالدروع ~~الموسم فدفعها إلى ورثة امرىء القيس وقال في ذلك : وفيت بأدرع الكندي ، إني ~~. . . إذا ما خان أقوام وفيت وقالوا عنده كنز رغيب . . . فلا وأبيك أغدر ما ~~مشيت بنى لي عاديا حصنا حصينا . . . وبئرا كلما شئت استقيت وقال الأعشى في ~~ذلك : كن كالسموأل إذ سار الهمام له . . . في جحفل كسواد الليل جرار خيره ~~خطتي خسف ، فقال له . . . إذبح أسيرك إني مانع جاري وقيل : هو أوفى من ~~الحارث بن عباد ، وكان من وفائه أنه أسر عدي بن ربيعة ولم يعرفه ، فقال : ~~دلني على عدي . فقال : إن أنا دللتك على عدي أتؤمنني ؟ قال : نعم ، قال : ~~فأنا عدي . فخلاه وقال في ذلك : لهف نفسي على عدي وقد أس . . . قب للموت ~~واحتوته اليدان ويقال : هو أوفى من عوف بن محلم ، وكان من وفائه أن مروان ~~القرظ غزا بكر بن وائل ففضوا جيشه وأسره رجل منهم وهو لا يعرفه ، فأتى به ~~أمه فقالت : إنك لتختال بأسيرك PageV01P085 كأنك جئت بمروان القرظ ! فقال ~~لها مروان : وما ترجين من مروان ؟ قالت : عظم فدائه . قال : وكم ترتجين من ~~فدائه ؟ قالت : مائة بعير . قال مروان : ذلك لك على أن ترديني إلى خماعة ~~بنت عوف بن محلم . قالت : ومن لي بمائة من الإبل ! فأخذ عودا من الأرض فقال ~~: هذا لك بها . فمضت به ms091 إلى عوف فاستجار بخماعة ابنته ، فبعث عمرو بن هند ~~أن يأتيه به ، فقال : قد أجارته ابنتي وليس إليه سبيل . فقال عمرو : قد ~~آليت أن لا أعفو عنه أو يضع يده في يدي . فقال عوف : يضع يده في يدك على أن ~~تكون يدي بينهما ، فأجابه عمرو إلى ذلك ، فجاء عوف بمروان فأدخله عليه فوضع ~~يده في يده ووضع عوف يده بين أيديهما فعفا عنه . ويقال : إن قباذ أمر بقتل ~~رجل من الطاعنين على المملكة ، فقتل ، فوقف على رأسه رجل من جيرانه وصنائعه ~~فقال : رحمك الله ، إن كنت لتكرم الجار وتصبر على أذاه وتؤاسي أهل الخلة ~~وتقوم بالنائبة والعجب كيف وجد الشيطان فيك مساغا حتى حملك على عصيان ملكك ~~فخرجت من طاعته المفروضة إلى معصيته وقديما ما تمكن ممن هو أشد منك قوة ~~وأثبت عزما ! فأخذ صاحب الشرطة الرجل فحبسه وأنهى كلامه إلى قباذ ، فوقع : ~~يحسن إلى هذا الذي شكر إحسانا يفضل به وترفع مرتبته ويزاد في عطائه . قيل : ~~ولما قتل كسرى النعمان بن المنذر كتب إلى إياس بن قبيصة يأمره أن يبعث إليه ~~بولد النعمان بن المنذر وتركته من المال والإبل والخيل والسلاح ، وكان ~~النعمان أودع ذلك هانيء بن مسعود ، فبعث إليه إياس يعلمه بما كتب به كسرى ، ~~فأبى أن يسلم شيئا من تركة النعمان ، فكتب إياس إلى كسرى يعلمه ذلك ، فآلى ~~على نفسه ليستأصلن بكر بن وائل ، فكتب إلى إياس يأمره بالمسير إليهم ~~لمحاربتهم فيمن معه من طيء وإياد وغيرهم ، وكتب إلى قيس بن مسعود الشيباني ~~المعروف بذي الجدين ، وكان عاملا على سفوان ، يمنع العرب من دخول أطراف ~~السواد ويأمره أن يسير بمن معه من قومه فيعين إياسا على محاربة بكر بن وائل ~~، ثم عقد كسرى لقائد من قواده يسمى الهامرز في اثني عشر ألف رجل من أبطال ~~أساورته ووجهه إلى إياس لمعاونته ، ثم عقد أيضا لهرمز جرابزين ، وكان أعظم ~~مرازبته في مثل ذلك ، وأمره أن يقفو أثر الهامرز حتى يوافي إياس بن قبيصة ، ~~فسارت الجيوش إلى بكر بن وائل ms092 ، وكانوا بمكان يسمى ذا قار منه إلى مدينة ~~الرسول خمس مراحل مما يلي طريق البصرة ، فأقبلت الجيوش حتى أناخت على بكر ~~فأحدقت بهم ، ثم إن عظماء بكر بن وائل اجتمعوا إلى هانيء بن مسعود ~~PageV01P086 المزدلف وقالوا : إن هذه الجيوش قد أحدقت بنا من كل ناحية فما ~~ترى ؟ قال : أرى أن تجعلوا حصونكم سيوفكم ورماحكم وتوطنوا أنفسكم على الموت ~~. فقالوا : نعم والله لنفعلن ! ثم إن قيس بن مسعود أقبل في سواد الليل من ~~عسكر إياس حتى أتى هانيء بن مسعود فقال : يا ابن عم إنه قد حل بكم من الأمر ~~ما قد ترون ففرق خيل النعمان وسلاحه في أشداء قومك ليقووا بذلك على القتال ~~فهي مأخوذة لا محالة إن قتلوا وإن سلموا أمرتهم فردوها عليك ، وعليك بالجد ~~والصبر ، وإياك ثم إياك أن تخفر ذمتك في تركة النعمان حتى تقتل ويقتل معك ~~جميع قومك ! قال له هانيء : أوصيت يا ابن عم محافظا فوصلتك رحم وأرجو أن لا ~~ترى منا تقصيرا ولا فتورا ، فانصرف قيس ذو الجدين من عند هانيء كئيبا حزينا ~~باكيا خائفا من هلاك قومه حتى أتى عسكر إياس وكان يريه أنه مجامع له على ~~حرب قومه خوفا أن يجد عليه كسرى فيقتله ، فلما أصبح هانيء بن مسعود دعا ~~بخيل النعمان وسلاحه ففرقه في أبطال قومه وأشدائهم ، فركبوا تلك الخيول ، ~~وكانت ستمائة فرس وستمائة درع ، واستلأموا تلك الدروع ، وكان ذلك في العام ~~الذي هاجر فيه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى المدينة ، واتفقت بكر ~~بن وائل أن تجعل شعارها باسم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، محمد يا ~~منصور ، وذلك قبل أن يسلموا ، وبذلك الاسم نصروا وقهروا عدوهم ، وعمد رجل ~~من أشراف بني عجل يقال له حنظلة بن سيار إلى حزم رحالات النساء فقطعها كلها ~~، أراد بذلك أن يمنع قومه من الهرب إن وقعت الهزيمة ، فسمي بذلك مقطع ~~الوضين . وإن إياس بن قبيصة أرسل إلى بكر بن وائل يخيرهم خصلة من ثلاث : ~~إما أن يسلموا تركة النعمان ، وإما أن يسيروا ms093 ليلا في البراري فيعتل على ~~كسرى أنهم هربوا ، فإن أبوا هاتين الخلتين خرجوا إلى الحرب . فتوامروا ~~بينهم فقالوا : إما أن نسلم خفارتنا فلا يكون ذلك وإن نحن لحقنا بالفلاة ~~أفضينا إلى بلاد تميم فيقطعون علينا ويأخذون ما معنا ويأسروننا وليست لنا ~~حيلة إلا القتال ، فاختاروا القتال ووجهوا خمسمائة فارس من أبطالهم عليهم ~~يزيد بن حارثة اليشكري وأمروهم أن يكمنوا للعجم ، ثم زحف الفريقان بعضهم ~~إلى بعض وتقدم الهامرز فوقف بين الصفين ونادى بالفارسية : مردى آمردى . ~~فقال يزيد بن حارثة : ما يقول ؟ قال : يدعو إلى البراز رجلا لرجل . فقال : ~~وأبيكم لقد أنصف ! ثم خرج إليه فاختلف بينهما ضربتان فضربه يزيد ضربة ~~بالسيف على منكبه فقد درعه حتى أفضى السيف إلى منكبه فأبانه فخر ميتا ~~الهامرز أول قتيل بين الصفين ، وألقى الله عز وجل الرعب في قلوب العجم ~~فولوا منهزمين ، ولحق حنظلة بن سيار العجلي بهرمز جرابزين قائد العجم فطعنه ~~طعنة خر منها ميتا ، ودفع هانيء بن مسعود فرسه في طلب إياس بن قبيصة حتى ~~لحقه ومعه قيس بن مسعود ذو الجدين ، فأراد هانيء قتل إياس فمنعه قيس وحال ~~بينه وبين قتله ، واتبع العجم خمس مائة فارس من بني شيبان لا يلوون ~~PageV01P087 على شيء يقتلون يومهم ذلك من أدركوا منهم حتى جنهم الليل ، ~~وبلغت هزيمة الأعاجم كسرى بالمدائن ، قال دغفل : فذكر هذا الحديث لرسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم ~~وبي نصروا ، يعني باسمه ، صلى الله عليه وسلم ، قال : وسقط في يد كسرى ~~واغتاظ من ذلك غيظا شديدا ووقعت الولولة والعويل بالمدائن ، فندب كسرى ~~الجنود وفرق فيهم السلاح والمال لمعاودة حرب بكر بن وائل ، تم إن بطارقة ~~الروم خرجوا على ملكهم قيصر فقتلوه فاشتغل به عن معاودة حرب بكر بن وائل ~~فكان هانيء بن مسعود المزدلف أحد الأوفياء . ليه وسلم ، فقال : هذا أول يوم ~~انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا ، يعني باسمه ، صلى الله عليه وسلم ، ~~قال : وسقط في يد كسرى واغتاظ من ms094 ذلك غيظا شديدا ووقعت الولولة والعويل ~~بالمدائن ، فندب كسرى الجنود وفرق فيهم السلاح والمال لمعاودة حرب بكر بن ~~وائل ، تم إن بطارقة الروم خرجوا على ملكهم قيصر فقتلوه فاشتغل به عن ~~معاودة حرب بكر بن وائل فكان هانيء بن مسعود المزدلف أحد الأوفياء . ومنهم ~~الطائي صاحب النعمان بن المنذر ، وكان من حديثه أن النعمان بن المنذر ركب ~~في يوم بؤسه ، وكان له يومان يوم بؤس ويوم سعد ، لم يلقه في يوم بؤسه أحد ~~إلا قتله وفي يوم سعده أحد إلا حباه وأعطاه ، فاستقبله في يوم بؤسه أعرابي ~~من طيء فقال : حيا الله الملك ، إن لي صبية صغارا لم أوص بهم أحدا فإن يأذن ~~لي الملك في إتيانهم وأعطيه عهد الله إني أرجع إليه إذا أوصيت بهم حتى أضع ~~يدي في يده . فرق له النعمان فقال : لا إلا أن يضمنك رجل ممن معنا فإن لم ~~تأت قتلناه ، وشريك بن عمرو بن شرحبيل نديم النعمان معه ، فقال الطائي : يا ~~شريك يا ابن عمرو . . . هل من الموت محاله يا أخا كل مضام . . . يا أخا من ~~لا أخا له يا أخا النعمان فك ال . . . يوم عن شيخ غلاله إن شيبان قبيل . . ~~. أحسن الناس فعاله فقال شريك : هو علي أصلح الله الملك ! فمر الطائي ~~والنعمان يقول لشريك : إن صدر هذا اليوم قد ولى ولا يرجع ! وشريك يقول : ~~ليس لك علي سبيل حتى نمسي ، فلما أمسوا أقبل شخص والنعمان ينظر إلى شريك ، ~~فقال : ليس لك علي سبيل حتى يدنو الشخص ، فبينا هم كذلك إذ أقبل الطائي ~~فقال النعمان : والله ما رأيت أكرم منكما وما أدري أيكما أكرم ! لا أكون ~~والله ألأم الثلاثة ، ألا إني قد رفعت يوم بؤسي ! وخلى سبيل الطائي ، فأنشأ ~~يقول : ولقد دعتني للخلاف عشيرتي . . . فأبيت عند تجهر الأقوال إني امرؤ ~~مني الوفاء خليقة . . . وفعال كل مهذب بذال فقال النعمان : ما حملك على ~~الوفاء ؟ قال : ديني . قال : وما دينك ! قال : النصرانية . قال : اعرضها ~~علي ! فعرضها عليه فتنصر النعمان . PageV01P088 ومنهم وزير ملك الصين ، ~~وكان حديثه ms095 أن شمر بن افريقيس بن أبرهة خرج في خمس مائة ألف مقاتل إلى أرض ~~الصين ، فلما قارب بلادهم بلغ ذلك ملك الصين فجمع وزراءه فاستشارهم ، فقال ~~رئيسهم : أيها الملك أثر في أثرا وخلني ورائي . فأمر به فجدع أنفه ، فقام ~~هاربا مستقبلا لشمر ، فوافاه على أربعة منازل بعد خروجه من مفاوز الصين ~~فدخل عليه وقال : إني أتيتك مستجيرا ! قال شمر : ممن ؟ قال : من ملك الصين ~~لأني كنت رجلا من خاصة وزرائه وإنه جمعنا لما بلغه مسيرك إليه فاستشارنا ~~فأشار القوم جميعا عليه بمحاربتك وخالفتهم في رأيهم وأشرت عليه أن يعطيك ~~الطاعة ويحمل إليك الخراج ، فاتهمني وقال : قد مالأت ملك العرب ، وكان منه ~~إلي ما ترى ولم آمنه مع ذلك أن يقتلني فخرجت هاربا إليك ، ففرح به شمر ~~وأنزله معه في رحله وأوعده من نفسه خيرا ، فلما أصبح وأراد أن يرحل قال ~~لذلك الرجل : كيف علمك بالطريق ؟ قال : أنا من أعلم الناس به . قال : فكم ~~بيننا وبين الماء ؟ قال : مسيرة ثلاثة أيام وأنا موردك يوم الرابع على ~~الماء ، فأمر جنوده بالرحيل ونادى فيهم أن لا تحملوا من الماء إلا لثلاثة ~~أيام ، ثم سار في جنوده والرجل بين يديه ، فلما كان يوم الرابع انقطع بهم ~~الماء واشتد الحر فقال : لا ماء وإنما كان ذلك مكر مني لأدفعك بنفسي عن ~~ملكي ! فأمر به فضربت عنقه ، فعطش القوم ، وقد كان المنجمون قالوا لشمر عند ~~مولده أنه يموت بين جبلي حديد ، فوضع درعه تحت قدميه من شدة الرمضاء ووضع ~~ترسا من حديد على رأسه من حر الرمضاء ، فذكر ما كان قيل له في ولادته وقال ~~للقوم : تفرقوا حيث أحببتم فقد أورطتكم ، فهلك وجميع من كان معه . وحكي أنه ~~لما حمل رأس مروان بن محمد الجعدي إلى أبي العباس وهو بالكوفة قعد له مجلسا ~~عاما وجاؤوا بالرأس فوضع بين يديه فقال لمن حضره : أمنكم أحد يعرف هذا ~~الرأس ؟ فقام سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة فأكب عليه وتأمله طويلا ثم قال ~~: هذا رأس أبي عبد الملك ms096 خليفتنا بالأمس ، رحمه الله ، وعاد إلى مجلسه ، ~~فوثب أبو العباس حتى خرج من المجلس وانصرف ابن جعدة وتحدث الناس بكلامه ، ~~فلامه بنوه وأهله وقالوا : عرضتنا ونفسك للبوار ! فقال : اسكتوا قبحكم الله ~~! ألستم أشرتم علي بالأمس بحران بالتخلف عن مروان ففعلت ذلك غير فعل ذي ~~الوفاء والشكر وما كان ليغسل عار تلك الفعلة إلا هذه ، وإنما أنا شيخ هامة ~~فإن نجوت يومي هذا من القتل مت غدا ! قال : وجعل بنوه يتوقعون رسل أبي ~~العباس أن تطرقه في جوف الليل ، فأصبحوا ولم يأته أحد وغدا الشيخ فإذا هو ~~بسليمان بن مجالد فلما أبصره قال : يا ابن جعدة ألا أبشرك بحسن رأي أمير ~~المؤمنين فيك ؟ إنه ذكر في هذه الليلة ما PageV01P089 كان منك . فقال : أما ~~ما أخرج هذا الكلام من الشيخ إلا الوفاء ولهو أقرب بنا قرابة وأمس بنا رحما ~~منه بمروان إن أحسنا إليه . قال : أجل . وذكر أن المنصور أرسل إلى شيخ من ~~أهل الشام وكان من بطانة هشام بن عبد الملك بن مروان فسأله عن تدبير هشام ~~في حروبه مع الخوارج فوصف الشيخ له ما دبر ، فقال : فعل ، رحمه الله ، كذا ~~وصنع ، رحمه الله ، كذا . فقال المنصور : قم عليك لعنة الله ! تطأ بساطي ~~وتترحم على عدوي ؟ فقام الرجل فقال وهو مول : إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي ~~لا ينزعها إلا غاسلي ! فقال له المنصور : ارجع يا شيخ ، فرجع . فقال : أشهد ~~أنك نهيض حرة وغراس شريف ، ارجع إلى حديثك . فعاد الشيخ في حديثه حتى إذا ~~فرغ دعا له بمال فأخذه وقال : والله يا أمير المؤمنين ما لي إليه حاجة ولقد ~~مات عني من كنت في ذكره فما أحوجني إلى وقوف على بابه أحد بعده ولولا جلالة ~~أمير المؤمنين وإيثاري طاعته ما لبست نعمة أحد بعده ! فقال المنصور : إذا ~~شئت لله أنت فلو لم يكن لقومك غيرك لكنت قد أبقيت لهم مجدا مخلدا وعزا ~~باقيا . وعن أبي دفافة العبسي قال : حدثت المنصور بحديث العجلان بن سهل ~~وكان دخل على عبد العزيز بن القعقاع ms097 ، فبينا هو جالس إذ دخل رجل متلطخ ~~الثوب بالطين ، فقال عبد العزيز : ما لك ؟ قال : ركب هذا الأحول ، يعني ~~هشام بن عبد الملك ، فنفرت ناقتي فسقطت ، فانتزع العجلان سيفه فنفحه به ~~ووثب الرجل فأخطأه السيف ووقع في وسادة فقطعها وقال : يا لكع أعياك أن ~~تسميه بأمير المؤمنين وباسمه الذي سماه به أبوه أو بكنيته ونظرت إلى الذي ~~يعاب به فسميته به ، أما والله لوددت أن السيف أخذ منك مآخذه ! قال : فكان ~~المنصور يستعيدني هذا الخبر كثيرا ويقول : كيف صنع العجلان بن سهل ؟ مع ~~مثله يطيب الملك . قال : وأخبرنا عطاف قال : بينا عبد الله بن طاهر مقبل من ~~منزل عبيد الله بن السري بمصر حتى إذا دنا من بابه إذا بشيخ قد قام إليه ~~فناوله رقعة كانت معه وقال : أصلح الله الأمير ! نصيحة واجبة فافهمها ، ~~فأخذ الرقعة ودخل ، فما هو إلا أن دخل وخرج الحاجب فقال : أين صاحب الرقعة ~~؟ فقام إليه الشيخ فأخذ بيده فأدخله إلى عبد الله فقال : قد فهمت رقعتك هذه ~~وما تنصحت به إلينا فانصفني في مناظرتك . فقال الرجل : ليقل الأمير ما أحب ~~. قال : أخبرني هل يجب شكر الناس بعضهم لبعض ؟ قال : نعم . قال : وبم يجب ؟ ~~قال : بإحسان المحسن وبفضل المنعم . قال : صدقت ، جئت إلي وأنا على هذه ~~الحال التي ترى خاتمي بفرغانة وآخر ببرقة وحكمي ونهيي وأمري جائز فيما بين ~~هذين الطرفين وقد جمع لي من العمل ما لم يجمع لأحد قط من ولاءة المشرق ~~والمغرب والشرطة وما خرج من هذه الطبقة ولست ألتفت إلا إلى نعمة ~~PageV01P090 هؤلاء القوم ومنتهم ، لا أستفيء إلا بظلها ولا أعرف غيرهم سادة ~~ولا كبراء ولا أئمة ولا خلفاء ، فأردت أن أكفر هذه النعمة وأجحد هذا ~~المعروف وأبايع رجلا ما امتحن للتقوى ولا أفاد علما للهدى ولا جرت له على ~~ملي ولا ذمي يد سالفة ولا نعمة سائرة ، افترى على الله جل ذكره ، ولو فعلت ~~هذا الذي دعوتني إليه كنت ترضى به في مكارم الأخلاق وشكر المنعمين قال : ~~فسكت الرجل ولم يحر ms098 جوابا ، وكان دعاه إلى بيعة ابن طباطبا . وقال بعضهم : ~~إنه كان دسيس المأمون . برون الكبير قال : وجه إلي المأمون وقد مضى من ~~الليل الثلث فقال لي : يا برون قد أكثر علينا أصحاب الأخبار في أن شيخا يرد ~~خرابات البرامكة فيبكيهم ويندبهم وينشد أبياتا من الشعر فاركب أنت وعلي بن ~~محمد ودينار بن عبد الله حتى تردوا هذه الخرابات فتصيروا من وراء جدرانها ~~فإذا رأيتم الشيخ قد ورد وبكى وأنشد فأتوني به . قال برون : فركبت مع القوم ~~حتى وردنا الخرابات ، وإذا الخادم قد أتى ومعه زلية رومية وكرسي جديد ، ~~وإذا شيخ وسيم جميل له صلعة وهامة فجلس يبكي ويقول : ولما رأيت السيف قد قد ~~جعفرا . . . ونادى مناد للخليفة في يحيى بكيت على الدنيا وأيقنت أنه . . . ~~قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا أجعفر إن تهلك فرب عظيمة . . . كشفت ونعمى ~~قد وصلت بها نعمى فقل للذي أبدى ليحيى وجعفر . . . شماتته أبشر لتأتيهم ~~العقبى لئن زال غصن الملك عن آل برمك . . . فما زال حتى أثمر الغصن واستعلى ~~وما الدهر إلا دولة بعد دولة . . . تبدل ذا ملك وتعقب ذا بلوى على أنها ~~ليست تدوم لأهلها . . . ولو أنها دامت لكنتم بها أولى بني برمك كنتم نجوما ~~مضيئة . . . بها يهتدي في ظلمة الليل من أسرى لأيكم أبكي أللفضل ذي الندى . ~~. . أم الشيخ يحيى أم لمحبوسه موسى أم الملك المصلوب من بعد عزة . . . أم ~~ابكي بكاء المعولات أم الثكلى لكلكم أبكي بعين غزيرة . . . وقلب قريح لا ~~يموت ولا يحيا قال : فتراءينا له ثم قبضنا عليه ، فجزع وفزع وقال : من ~~القوم ؟ فقال برون : أنا حاجب أمير المؤمنين وهذا فلان وفلان . قال : وما ~~الذي تريدون ؟ قال برون : فأعلمته ما أمر به أمير المؤمنين من أخذه إلى ~~مجلسه . قال : ذرني أوص فإني لا آمنه ، ثم تقدم إلى بعض العلافين في فرضة ~~الفيل فأخذ بياضا وأوصى فيه وصية خفيفة ودفعها إلى الغلام وسرنا به ، فلما ~~مثل بين يدي المأمون زبره وقال : من أنت وبماذا استوجب البرامكة ما تفعله ~~في دورهم ؟ قال : يا أمير ms099 PageV01P091 المؤمنين للبرامكة عندي أياد خضرة ~~أفتأذن لي أن أحدثك ؟ فقال : سديدا . قال : أنا يا أمير المؤمنين المنذر بن ~~المغيرة من أهل دمشق كنت بها من أولاد الملوك فزالت عني نعمتي كما تزول عن ~~الرجال ، فلما ركبتني الديون واحتجت إلى بيع مسقط رأسي ورؤوس آبائي أشاروا ~~علي بالخروج إلى البرامكة ، فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون امرأة وصبيا ~~وصبية وليس معنا ما يباع ولا ما يرهن حتى دخلت بغداد ونزلنا بباب الشام في ~~بعض المساجد ودعوت بثويبات لي قد كنت أعددتها لأستميح بها الناس وتركتهم ~~جياعا وركبت شوارع بغداد فإذا أنا بمسجد مزخرف وفيه مائة شيخ قد طبقوا ~~طيالستهم بأحسن زي وزينة وبزة ، وإذا خادمان على باب المسجد ، فطمعت في ~~القوم وولجت المسجد وجلست بين أيديهم وأنا أقدم وأؤخر والعرق يسيل مني ~~لأنها لم تكن صناعتي ، فأنا لكذلك إذا أنا بخادم قد أقبل وقال للخادمين : ~~ازعجا القوم ، فازعج القوم وأنا معهم فأدخلونا دار يحيى بن خالد ودخلت معهم ~~، فإذا بيحيى جالسا على دكة له وسط بستان ، فسلمنا وهو يعدنا مائة رجل ~~وواحدا ، وبين يدي يحيى عشرة من ولده ، وإذا غلام أمرد حين عذر خداه قد ~~أقبل من بعض المقاصير بين يديه مائة خادم متنطقون في وسط كل خادم منطقة من ~~ألف مثقال مع كل خادم مجمرة من ذهب ورجل من ذهب في كل مجمرة قطعة من العود ~~كهيأة الفهر قد ضم إليه مثله من العنبر السلطاني فوضعوه بين يدي الغلام ~~وجلس الغلام إلى جنب يحيى ثم قال يحيى للزبرقي القاضي : تكلم فقد زوجت ~~ابنتي عائشة من ابن عمي هذا من بيت نار النوبهار . فخطب القاضي وشهد القاضي ~~والنفر وأقبلوا علينا بالنثار ببنادق المسك والعنبر ، فالتقطت والله يا ~~أمير المؤمنين ملء كمي ونظرت وإذا يحيى في الدكة ما بين المشايخ ويحيى ~~وولده والغلام ونحن مائة رجل واثنا عشر رجلا ، فخرج إلينا مائة خادم واثنا ~~عشر خادما مع كل خادم صينية فضة عليها ألف دينار شامية ، فوضع بين يدي كل ~~رجل منا صينية ms100 ، فرأيت القاضي والمشايخ يصبون الدنانير في أكمامهم ويجعلون ~~الصواني تحت آباطهم ويقوم الأول فالأول حتى بقيت وحدي بين يدي يحيى لا أجسر ~~على الصينية ، فغمز لي الخادم ، فجسرت عليها وجعلتها في كمي وأخذت الصينية ~~وقمت وأنا أمر طول الصحن والتفت ورائي هل يتبعني أحد ، فإني لكذلك أطاول ~~الالتفات ويحيى يلحظني فقال للخادم : ائتني بالرجل ، فرددت إليه ، فأمر ، ~~فسلبت الدنانير والصينية ، ثم أمرني بالجلوس فجلست ، فقال : ممن الرجل ؟ ~~فقصصت عليه قصتي . فقال : علي بموسى ، فأتي به ، فقال : يا بني هذا رجل ~~غريب فخذه إليك اخلطه بنفسك ونعمتك . فقبض علي موسى وأخذني إلى بعض دوره ~~فقصف علي يومي وليلتي ، فلما أصبح دعا PageV01P092 بأخيه العباس وقال له : ~~إن الوزير أمرني بالقصف على هذا الفتى وقد علمت تشاغلي في دار أمير ~~المؤمنين فاقبض عليه وقاصفه ، فلما كان من غد تسلمني أحمد ، ثم لم أزل ~~وأيدي القوم تتداولني عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني في الأموات هم ~~أم في الأحياء ، فلما كان في اليوم العاشر دفعت في يدي الفضل فقصف علي ، ~~فلما كان في الحادي عشر جاءني خادم مع عشرة من الخدم فقالوا : قم عافاك ~~الله فاخرج إلى عيالك بسلام . فقلت : وا ويلاه سلبت الدنانير والصينية وقد ~~تمزقت ثيابي واتسخت وأخرج على هذه الحالة ! إنا لله وإنا إليه راجعون ! ~~فرفع لي الستر الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس ، فقبل أن ~~رفع السابع قال لي الخادم : تمن ما شئت ، ورفع لي ستر عن حجرة كالشمس ~~استقبلني منها رائحة العود والند ونفحات المسك ، وإذا أنا بصبياني يتقلبون ~~في الحرير والديباج وأنا قد حمل إلي ألف ألف درهم مبدرة وعشرة آلاف دينار ~~وقبالتين بضيعتين وتلك الصينية مع الدنانير والبنادق ، فبقيت يا أمير ~~المؤمنين مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة ~~أنا أم من بيت نار النوبهار أو رجل غريب اصطنعوني ، فلما جاء القوم البلية ~~ونزلت بهم من الرشيد النازلة قصدني عمرو بن مسعدة وألزمني من الخراج في ~~هاتين الضيعتين ما لا يفي ms101 دخلهما به ، فلما تحامل علي الدهر كنت أنظر إلى ~~خرابات القوم فأندبهم . فقال المأمون : علي بعمرو بن مسعدة ، فلما أتي به ~~قال له : يا عمرو أتعرف الرجل ؟ قال : نعم هو من بعض صنائع البرامكة . قال ~~: كم ألزمته في ضيعته ؟ قال : كذا وكذا . قال : رد عليه كل ما استأديته ~~إياه في سنيه وأوغر ضيعتيه تكونان له ولعقبه من بعده ، فعلا نحيب الرجل ~~بالبكاء يرثي البرامكة ، فلما طال بكاؤه قال له المأمون : فمم بكاؤك وقد ~~أحسنا إليك ؟ قال : يا أمير المؤمنين هذا أيضا من صنائع البرامكة ، أرأيتك ~~يا أمير المؤمنين لو لم آت خرابات القوم فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري ~~بأمير المؤمنين ففعل بي ما فعل من أين كنت أصل إلى ما وصلت إليه ؟ قال ~~إبراهيم بن ميمون : فلقد رأيت المأمون وقد دمعت عينه واشتد حزنه على القوم ~~وقال : صدقت لعمري هذه أيضا من صنائعهم ، فعليهم فابك وإياهم فاشكر ! # | مساوئ قلة الوفاء والسعاية # يقال : إن رجلا رفع رقعة إلى عمر بن الخطاب ، رحمه الله ، يسعى فيها ببعض ~~أصحابه ، فوقع فيها : تقربت إلينا بما باعدك من الرحمن ولا ثواب لمن آثر ~~عليه . قيل : ورفع منتصح رقعة إلى عبد الملك بن مروان ، فوقع فيها : إن كنت ~~كاذبا عاقبناك ، وإن كنت صادقا مقتناك ، وإن استقلتنا أقلناك . فاستقاله ~~الرجل . PageV01P093 قيل : وكتب صاحب بريد همذان إلى المأمون بخراسان يعلمه ~~أن كاتب البريد المعزول أخبره أن صاحبه وصاحب الخراج كانا تواطآ على إخراج ~~مائتي ألف درهم من بيت المال واقتسماها بينهما ، فوقع المأمون : إنا نرى ~~قبول السعاية شرا كمن قبله وأجازه ، فأنف الساعي عنك فلو كان في سعايته ~~صادقا لقد كان في صدقه لئيما إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر على أخيه . قال : ~~وقال المأمون لولده : يا بني نزهوا أقداركم وطهروا أحسابكم عن دنس الوشاة ~~وتمويه سعايتهم فكل جان يده في فيه وليس يشي إليكم إلا أحد الرجلين ثقة ~~وظنين ، أما الثقة فقد قيل إنه لا يبلغ ولا يشين بالوشاية قدره ، وأما ~~الظنين فأهل أن يتهم صدقه ويكذب ms102 ظنه ويرد باطله ، وما سعى رجل برجل إلي قط ~~إلا انحط من قدره عندي ما لا يتلافاه أبدا ، فلا تعطوا الوشاة أمانيهم فيمن ~~يشون بهم ، فقد قال بعض الملوك لرجل سعى بآخر : لو كنت أنت أنا ما كنت ~~صانعا به ؟ قال : كنت أقتله . فقال : أما إذ لم تكن أنت أنا فإني غير قاتله ~~ومع ذلك فلا تدعوا الفحص عما يلقى إليكم مما تحذرون رجوع ضرره عليكم . ~~عوانة قال : قام رجل إلى سليمان بن عبد الملك فقال : يا أمير المؤمنين عندي ~~نصحية . قال : وما نصيحتك هذه ؟ قال : كان فلان عاملا ليزيد والوليد وعبد ~~الملك فخانهم فيما تولاه واقتطع أموالا جليلة فمر باستخرجها منه . فقال : ~~أنت شر منه وأخون حيث اطلعت على أمره وأظهرته ولولا أني أنفر أصحاب النصائح ~~لعاقبتكم ولكن اختر مني خصلة من ثلاث . قال : اعرضهن يا أمير المؤمنين . ~~قال : إن شئت فتشت عما ذكرت فإن كنت صادقا مقتناك ، وإن كنت كاذبا عاقبناك ~~، وإن شئت أقلناك . قال : بل تقيلني يا أمير المؤمنين . قال : قد فعلت فلا ~~تعودن بعدها إلى أن تظهر من ذي مروءة ما كتمه الله وستره . # | محاسن الشكر # قال بعض الحكماء : صن شكرك عمن لا يستحقه واستر ماء وجهك بالقناعة . وقال ~~الفضل بن سهل : من أحب الازدياد من النعم فليشكر ، ومن أحب المنزلة عند ~~سلطانه فليكفه ، ومن أحب بقاء عزه فليسقط دالته ومكره . ومن ذلك قول رجل ~~لرجل شكره في معروف : PageV01P094 لقد ثبتت في القلب منك محبة . . . كما ~~ثبتت في الراحتين الأصابع قال : واصطنع رجل رجلا فسأله يوما : أتحبني يا ~~فلان ؟ قال : نعم أحبك حبا لو كان فوقك لأظلك ولو كان تحتك لأقلك . وقال ~~كسرى أنوشروان : المنعم أفضل من الشاكر لأنه جعل له السبيل إلى الشكر . ~~واختصر حبيب بن أوس من هذا شيئا في مصراع واحد فقال : لهان علينا أن نقول ~~وتفعلا وقال بشار : أثني عليك ولي حال تكذبني . . . فيما أقول وأستحيي من ~~الناس قد قلت إن أبا حفص لأكرم من . . . يمشي فخاصمني في ذاك إفلاسي ولأبي ~~الهول ms103 في مثله : فإني إذ مدحتك يا ابن معن . . . رآني الناس في رمضان أزني ~~فإن أك أبت عنك بغير شيء . . . فلا تفرح كذلك كان ظني ولآخر في مثله : لحى ~~الله قوما أعجبتهم مدائحي . . . فقالوا خفاتا في ملام وفي عتب : أبا حازم ~~تمدح ، فقلت معذرا : . . . هبوني امرأ جربت سيفي على كلب ولبعض المحدثين : ~~عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمن . . . لكنه يشتهي حمدا بمجان والناس أكيس من أن ~~يحمدوا أحدا . . . حتى يروا قبله آثار إحسان وقال آخر : فلو كان يستغني عن ~~الشكر سيد . . . لعزة ملك أو علو مكان لما أمر الله العباد بشكره . . . ~~فقال اشكروني أيها الثقلان الباهلي عن أبي فروة قال : أخبرني الحلبي قال : ~~مكتوب في التوراة : اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك ، فإنه لا زوال ~~للنعم إذا شكرت ولا إقامة لها إذا كفرت والشكر زيادة في النعم وأمان من ~~الغير . قيل وقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : خمس يعاجل صاحبهن ~~بالعقوبة : البغي والغدر وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم ومعروف لا يشكر . ~~PageV01P095 وفي حديث مرفوع : دعاء المنعم على المنعم عليه مستجاب . وقيل : ~~أنشد عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، الحطيئة هذا البيت وعنده كعب الأحبار ~~: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه . . . لا يذهب العرف بين الله والناس فقال ~~كعب : يا أمير المؤمنين هذا البيت الذي قال مكتوب في التوراة ! قال عمر : ~~وكيف ذاك ؟ قال : في التوراة مكتوب : من يصنع المعروف لا يضيع عندي ، لا ~~يذهب العرف بيني وبين عبدي . قيل : ودخل أبو مسلم صاحب الدولة على أبي ~~العباس وأبو جعفر المنصور عنده ، فقال أبو العباس لأبي مسلم : يا عبد ~~الرحمن هذا أبو جعفر عبد الله بن محمد مولاك ! قال : قد رأيت مجلسه يا أمير ~~المؤمنين ولكن هذا مجلس لا يقضى فيه حق غيرك . فصل لكاتبه في مثله : ولست ~~أقابل أياديك ولا أستديم إحسانك إلا بالشكر الذي جعله الله جل وعز للنعم ~~حارسا وللحق مؤديا وللمزيد سببا . وقيل لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ~~أليس قد غفر لك ما تقدم من ms104 ذنبك وما تأخر ؟ قال : أفلا أكون عبدا شكورا ! ~~وفي الحديث أن رجلا قال في الصلاة خلف رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ~~اللهم ربنا لك الحمد حمدا زاكيا طيبا مباركا فيه . فلما انصرف رسول الله ، ~~صلى الله عليه وسلم ، قال : أيكم صاحب الكلمة ؟ قال أحدهم : أنا يا رسول ~~الله . فقال : لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرون أيهم يكتبها أولا ، وقيل ~~: نسيان النعمة أول درجات الكفر ، ولابن المقفع : مننت على قومي فأبدوا ~~عداوة . . . فقلت لهم كفؤ العداوة والشكر وقال آخر : ألا في سبيل الله ود ~~بذلته . . . لمن لم يكن عندي لمعشاره أهلا ولكن إذا فكرت فيه وجدتني . . . ~~بحسني إليه قد أفدت به عقلا وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : لا تدع ~~المعروف لكفر من كفره فإنه يشكرك عليه أشكر الشاكرين ، وقد قيل في ذلك : يد ~~المعروف غنم حيث كانت . . . تحملها شكور أم كفور PageV01P096 فعند الشاكرين ~~لها جزاء . . . وعند الله ما كفر الكفور قال بعضهم : ما أنعم الله على عبد ~~نعمة فشكر ذلك إلا لم يحاسبه على تلك النعمة ، وقال بعض الحكماء : عند ~~التراخي عن شكر المنعم تحل عظائم النقم . قيل : وكان رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم ، كثيرا ما يقول لعائشة ، رضي الله عنها : ما فعل بيتك أو بيت ~~اليهودي ؟ فتقول : يجزيك أو يثني عليك وإن من . . . أثنى عليك بما فعلت كمن ~~جزى فيقول ، عليه وعلى آله السلام : قد صدق يا عائشة ، إن الله جل وعز إذا ~~أجرى لرجل على يدي رجل خيرا فلم يشكره فليس لله بشاكر . قيل وقيل لذي الرمة ~~: لم خصصت بلال بن أبي بردة بمدحك ؟ فقال : لأنه وطأ مضجعي وأكرم مجلسي فحق ~~لكثير معروفه عندي أن يستولي على شكري . ومنهم من يقدم ترك مطالبة الشكر ~~وينسبه إلى مكارم الأخلاق ، من ذلك ما قاله بزرجمهر : من انتظر بمعروفه ~~شكرا فقد استدعى عاجل المكافأة . وقال بعض الحكماء : كما أن الكفر يقطع ~~مادة الإنعام فكذلك الاستطالة بالصنيعة تمحق الأجر . وقال علي بن عبيدة : ~~من المكارم الظاهرة وسنن النفس الشريفة ms105 ترك طلب الشكر على الإحسان ورفع ~~الهمة عن طلب المكافأة واستكثار القليل من الشكر واستقلال الكثير مما يبذل ~~من نفسه . # | مساوئ الشكر # قال بعض الحكماء : المعروف إلى الكرام يعقب خيرا والمعروف إلى اللئام ~~يعقب شرا ، ومثل ذلك مثل المطر يشرب منه الصداف فيعقب لؤلؤا وتشرب منه ~~الأفاعي فتعقب سما . وقال سفيان : وجدنا أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى ~~اللئام . قيل : وأثار جماعة من الأعراب ضبعا فدخلت خباء شيخ منهم . فقالوا ~~: اخرجها . فقال : ما كنت لأفعل وقد استجارت بي . فانصرفوا ، وكانت هزيلة ~~فأحضر لها لقاحا فجعل يسقيها حتى عاشت ، فنام الشيخ ذات يوم فوثبت عليه ~~فقتلته ، فقال شاعرهم في ذلك : ومن يصنع المعروف في غير أهله . . . يلاقي ~~الذي لاقى مجير أم عامر PageV01P097 أعد لها لما استجارت بقربه . . . غداء ~~من البان اللقاح الغزائر وأسمنها حتى إذا ما تملأت . . . فرته بأنياب لها ~~وأظافر فقل لذوي المعروف هذا جزاء من . . . يجود بمعروف إلى غير شاكر قيل : ~~وأصاب أعرابي جرو ذئب فاحتمله إلى خبائه وقرب له شاة فلم يزل يمتص من لبنها ~~حتى سمن وكبر ثم شد على الشاة فقتلها ، فقال الأعرابي : غذتك شويهتي ونشأت ~~عندي . . . فما أدراك أن أباك ذيب فجعت نسية وصغار قوم . . . بشاتهم وأنت ~~لهم ربيب إذا غلبت طباع الشر فيه . . . فليس لغيرها فيه نصيب ويروى : نشأت ~~مع السخال وأنت جرو . ويضرب المثل بسنمار ، وكان بنى للنعمان بن المنذر ~~الخورنق فأعجبه فكره أن يبني لغيره مثله فأمر به فرمي من أعلاه حتى مات ، ~~فقيل فيه : جزتنا بنو سعد بحسن بلائنا . . . جزاء سنمار ولم يك ذا ذنب ~~ويروى : وما كان ذا ذنب ، وفي المثل : سمن كلبك يأكلك . وقال بعضهم : وإني ~~وقيسا كالمسمن كلبه . . . فخدشه أنيابه وأظافره # | محاسن الدهاء والحيل # ذكروا أنه لم يكن في ملوك العجم أدهى من كسرى أنوشروان ، وأن الخزر كانت ~~تغير في سلطان فارس حتى تبلغ همذان والموصل ، فلما ملك أنوشروان كتب إلى ~~ملكهم فخطب ابنته على أن يزوجه أيضا ابنته ويتوادعا ويتفرغا إلى سائر ~~أعدائهما ، فأجابه إلى ذلك ، وعمد ms106 أنوشروان إلى جارية من جواريه نفيسة ~~فزفها إلى صاحب الخزر وأهدى معها ما يشبه أن يهدى مع بنات الملوك وزف صاحب ~~الخزر إلى أنوشروان ابنته ، فلما وصلت إليه قال لوزرائه : اكتبوا إلى صاحب ~~الخزر لو التقينا وأكدنا المودة بيننا ، فأجابه إلى ذلك ووعده موضع الدرب ، ~~فالتقيا فكانا يخلوان في لذاتهما ، ثم إن أنوشروان أمر قائدا من قواده أن ~~يختار ثلاثمائة رجل من أشد أصحابه فإذا هدأت العيون أغار في ناحية من عسكر ~~الخزر ، ففعل ذلك ، فلما أصبح بعث إليه صاحب الخزر : ما هذا ينهب عسكري ~~البارحة ؟ فأنكر ذلك وقال : لم تؤت من قبلي . فأمهله أياما ثم عاد إلى ~~مثلها ، ففعل ذلك ثلاث مرات في كل ذلك يعتذر إليه أنوشروان ويسأله البحث ~~فيبحث فلا يقف على شيء ، فلما طال ذلك دعا صاحب الخزر بقائد من قواده وأمره ~~بمثل PageV01P098 ذلك ، فلما أصبح بعث إليه أنوشروان : ما هذا أتستبيح ~~عسكري البارحة ؟ فأرسل إليه : ما أسرع ما ضجرت ، قد فعل هذا بعسكري ثلاث ~~مرات وإنما فعل بك مرة واحدة ! فبعث إليه أنوشروان : إن هذا عمل قوم يريدون ~~أن يفسدوا بيننا وعندي رأي إن قبلته . فقال : وما هو ؟ قال : تدعني أبني ~~حائطا بيني وبينك وأجعل عليه بابا فلا يدخل عليك إلا من تحب ولا يدخل علي ~~إلا من أحب . فأجابه إلى ذلك وتحمل ومضى ، وأقام أنوشروان فأمر ، فبني ~~بالصخر والرصاص حائط عرضه ثلاثمائة ذراع حتى ألحقه برؤوس الجبال وجعل عليه ~~أبواب حديد فكان يحرسه مائة رجل بعد أن كان يحتاج إلى خمسة آلاف رجل ، فلما ~~فرغ من السد وقيد الفند في البحر وأحكم الأمر سر سرورا شديدا فأمر أن ينصب ~~على الفند سريره ويفرش له عليه ، ثم قام فرقى إليه وأغفى عليه ، فطلع طالع ~~من البحر سد الأفق بطوله وأهوى نحو الفند ، فثار الأساورة إلى قسيهم ، ~~فانتبه الملك فقال : ما شأنكم ؟ أمسكوا ، لم يكن الله جل وعز ليلهمني ~~الشخوص عن وطني اثنتي عشرة سنة فأسد ثغرا يكون عزا لرعيتنا وردءا ومرتقى ~~لعباده ثم يسلط علي ms107 دابة من دواب البحر . فتنحى الأساورة وأقبل الطالع نحو ~~الفند ، فذكر الموبذ أن الله جل وعز أنطق ذلك الحيوان فقال : أيها الملك ~~أنا ساكن من سكان هذا البحر وقد رأيت هذا الفند مشدودا سبع مرات وخرابا سبع ~~مرات ، وأوحى الله جل وعز إلينا معشر سكان هذا البحر أن ملكا عصره عصرك ~~وصورته صورتك يبعثه الله جل وعز يسد هذا الثغر إلى الأبد ، وأنت ذلك الملك ~~، فأحسن الله على البر معونتك . ثم غاب عن بصره كأنما غاب في البحر أو طار ~~في الجو ، وسأل أنوشروان عند فراغه من ذلك السد من ذلك البحر ، فقيل : هو ~~ثلاثمائة فرسخ في مثلها وبينه وبين بيضاء الخزر مسيرة أربعة أشهر على هذا ~~الساحل ومن بيضاء الخزر إلى الفند الذي بناه أسفندياذ مسيرة شهرين . فقال ~~أنوشروان : لا بد من الوقوف عليه والنظر إليه . قالوا : أيها الملك إنه ~~طريق لا يطمع في سلوكه لموضع فيه يقال له دهان شير ، يريد فم الأسد ، وفيه ~~دردور لا يكاد تسلم فيه سفينة . قال أنوشروان : لا بد من ركوب هذا البحر ~~والنظر إلى هذا السد . فقالوا : أيها الملك اتق الله في نفسك وفيمن معك ! ~~فقال : أتوكل على الله الذي خلق هذا البحر وهو جل وعز ينجينا من دردوره ولا ~~أحسب أني أمسح ايران شهر شرقه وغربه وأعرف عدد جباله وأوديته إلا بعد ركوب ~~هذا البحر وسلوكه إلى البر . فهيئت له السفن وركب معه عدة من النساك حتى ~~لججوا في البحر ووافوا ذلك الذي يعرف بدهان شير فدفعوا إلى دردور هائل ~~فبقوا فيه متحيرين لا يرون منارا يجعلونه علما لهم ولا جبلا يقيمونه أمارة ~~لمنصرفهم ، فرجعوا على الملك باللوم والعيب . فقال : أخلصوا نياتكم لله جل ~~وعز وتضرعوا إليه ، ففعلوا ، ونذر أنوشروان إن نجاه الله جل ذكره ليصدقن ~~بخراج سبع سنين . قال : فرفعت له جزيرة تعلوها الأمواج وفوق الجزيرة أسد في ~~عظم جبل يتشرب الماء مؤخره وينحط من فيه إلى ذلك PageV01P099 الدردور ، ~~فبينا هم كذلك إذ بعث الله جل جلاله سمكة عظيمة فطفرت ms108 حتى صارت في في الأسد ~~، فسكن الدردور ونفذت السفينة حتى وصل إلى ما أراد ثم انصرف إلى دار مملكته ~~. حماد قال : حدثني أبي قال : قال الأعشى في مدحه إياس بن قبيصة وذكره ~~مسيره إلى الروم حيث لقيه كسرى أبرويز بساتيدما ، وهو جبل يزعم أهل العلم ~~أنه دون الجبال وأنه لا بد من أن يراق عليه دم كل يوم . قال الواقدي : بل ~~هو محيط بالدنيا ، وزعموا أنه ليس في الأرض يوم إلا ويسفك عليه دم ، وإنما ~~سمي ساتيدما معناه سيأتي دما ، فكان من خبر إياس بن قبيصة أن كسرى أبرويز ~~كان رجلا سيء الظن وأنه بعث شهربراز إلى الروم في جيش عظيم فأعطي من الظفر ~~ما لم يعط أحد كان قبله ، وهو الذي أصاب خزائن الملك التي كانت تسمى كنج ~~بادآورد ، أي الكنز الذي جاءت منه به الريح ، وكانوا حملوها ليحرزوها ، ~~فضربتها الريح في الجزر من خليج البحر فأخذها وبعث بها إلى كسرى ، فحسده ~~كسرى وحذره وبعث إليه برجل تقدم إليه في قتله ، وكان الذي أتاه رجل من أهل ~~أذربيجان ، فلما رأى جماله وهيئته قال : لا يصلح قتل هذا في غير جرم ولا حق ~~، فأخبره بما أمره به ، فأرسل شهربراز إلى قيصر : إني أريد أن ألقاك . ~~فالتقيا ، فقال له : إن هذا الخبيث قد أراد قتلي وإني والله لأريدن منه مثل ~~الذي أراد مني ، فاجعل لي ما أطمئن إليه وأعطيك مثل ذلك ، ولئن قتلته ~~لتجلعن لي ما أغلب عليه من الكور وأجعل لك أن لا أغزوك أبدا ولا أتناول ~~شيئا من أرضك وأن أعطيك من بيوت أموال كسرى مثل ما تنفق في مسيرك هذا ، ~~فأعطاه قيصر ما سأل ، وسار قيصر في أربعين ألف مقاتل وخلف شهربراز في أرض ~~الروم وقد أخذ منه العهود والمواثيق ، ولم يعلم كسرى بذلك حتى دنا منه قيصر ~~، فلما بلغه ذلك علم أن شهربراز علم بما كان دبره من قتله ، وكانت جنوده قد ~~تفرقت في السواد وغيرها ، وكان كسرى قد أبغضه أهل مملكته وملوه وعرف حاله ~~عند الناس ms109 ، فاحتال بحيل الرجال واستعمل المكر والدهاء فبعث إلى قس عظيم من ~~النصارى يثق ملك الروم بقوله فقال : إني أكتب معك كتابا لطيفا في حرير ~~وأجعله في قناة إلى شهربراز وجائزتك علي ألف دينار ، وقد عرف كسرى أن القس ~~يذهب بالكتاب إلى ملك الروم ، فكتب إلى شهربراز : إني كتبت إليك وقد دنا ~~قيصر مني وقد أحسن الله جل وعز إلي بصنيعك ونفوذ تدبيرك وقد فرقت لهم ~~الجيوش وأنا تاركه حتى يدنو مني وأثب عليه وثبة أستأصل شأفته بها ، وإذا ~~كان ذلك اليوم وهو يوم كذا وكذا فأغر أنت علي من قبلك منهم فإنك تبيدهم ~~وتهلكهم ، وأرجو أن PageV01P100 تكون لملك قيصر مصطلما . فخرج القس بالكتاب ~~حتى لقي قيصر ، وقد كانت صورت لقيصر أرض العرب والعراق وصورت له النهروان ~~بغير حين المد ، فلما انتهى إليه في المد وليس عليه جسر وقرأ الكتاب من يد ~~القس وقال : هذا هو الحق ، ورجع منهزما مفلولا واتبعه كسرى بإياس بن قبيصة ~~الطائي فأدركهم بساتيدما مرعوبين مفلولين من غير لقاء ولا قتال ، فقتلوا ~~قتل الكلاب ونجا قيصر في خواص من أصحابه ، فمدح الأعشى إياس بن قبيصة وكان ~~قد أصابه مرض فقال : ما تعيف اليوم في الطير الروح . . . من غراب البين أو ~~تيس برح جالسا في نفر قد أيسوا . . . في مقيل القد من صحب قزح قال ابن ~~الأعرابي وسأله حماد عن قوله : ما تعيف القوم في الطير الروح ؟ فقال : تطير ~~الأعشى من مرض إياس إلى الزجر والفأل فقال لنفسه ما تعيف منه ، أي ما تكره ~~منه ، وهو آخر أمره إلى السلامة ، فرجع قيصر وقد اتهم شهربراز فلم يزل به ~~حتى أمكنته الفرصة منه فقتله وعامة رجاله وأفناهم . قيل : ولما تشاغل عبد ~~الملك بن مروان بمقاتلة مصعب بن الزبير اجتمع وجوه الروم إلى ملكهم وقالوا ~~له : قد أمكنتك الفرصة من العرب فقد تشاغل بعضهم ببعض ووقع بأسهم بينهم ~~فالرأي أن تغزوهم في بلادهم فإنك تذلهم وتنال حاجتك منهم ، فنهاهم عن ذلك ~~فأبوا عليه إلا أن يفعل ، فلما رأى ذلك دعا ms110 بكلبين فأرش بينهما فاقتتلا ~~قتالا شديدا ثم دعا بثعلب فخلاه بينهما ، فلما رأى الكلبان الثعلب تركا ما ~~كانا فيه وأقبلا على الثعلب حتى قتلاه ، فقال ملك الروم : هكذا العرب تقتتل ~~بينها فإذا رأونا وهم مجتمعون تركوا ذلك وأقبلوا علينا ، فعرفوا صدقه ~~ورجعوا عما كانوا عليه . وعن بكار بن ماهويه قال : قال كسرى أبرويز لمنجمه ~~: كيف يكون أجلي ؟ فقيل له : تقتل . فقال : والله لأقتلن قاتلي ! فأمر بسم ~~فخلط في أدوية وكتب عليه : هذا دواء الجماع من أخذ منه وزن كذا جامع كذا ~~مرة ، وصيره في خزانة الطب ، فلما قتله ابنه شيرويه فتش خزانة أبيه فمر ~~بذلك السم فقال في نفسه : بهذا كان يقوى أبي على الجماع وعلى شيرين وغيرها ~~، فأخذ منه فمات من ساعته . وعن الهيثم عن ابن عياش قال : كان الحجاج حسودا ~~لا تتم له صنيعة حتى يفسدها ، فوجه عمارة بن تميم اللخمي إلى عبد الرحمن بن ~~محمد بن الأشعث فظفر به وصنع به ما صنع ورجع إلى الحجاج بالفتح فلم ير منه ~~ما أحب وكره منافرته ، وكان عاقلا رفيقا ، فجعل يترفق به ويداريه ويقول : ~~أنت أيها الأمير أشرف العرب فمن شرفته شرف ومن وضعته اتضع وما ينكر لك ~~PageV01P101 ذلك مع رفقك ويمنك ومشورتك ورأيك ، وما كان هذا كله إلا بصنع ~~الله عز وجل وتدبيرك ، وليس أحد أشكر لصنيعك مني ، ومن ابن الأشعث وما خطره ~~! حتى عزم الحجاج على المضي إلى عبد الملك فأخرج عمارة معه ، فوفد عليه ~~وعمارة يومئذ على أهل فلسطين أمير ، فلم يزل يلطف بالحجاج في مسيره ويعظمه ~~حتى قدموا على عبد الملك ، فلما قامت الخطباء بين يديه وأثنت على الحجاج ، ~~قام عمارة فقال : يا أمير المؤمنين سل الحجاج عن طاعتي ومناصحتي وبلائي . ~~فقال الحجاج : يا أمير المؤمنين صنع وصنع ، ومن بأسه ونجدته وعفافه ومكيدته ~~كذا وكذا ، هو أيمن الناس نقيبة وأعلمهم بتدبير وسياسة ، ولم يبق غاية في ~~الثناء عليه . فقال عمارة : أرضيت يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم ، فرضي ~~الله عنك ، حتى قالها ثلاثا في كلها يقول ms111 : قد رضيت ، فقال عمارة : فلا رضي ~~الله عن الحجاج يا أمير المؤمنين ولا حفظه ولا عافاه ! فهو والله السيء ~~التدبير الذي قد أفسد عليك أهل العراق وألب عليك الناس ، وما أتيت إلا من ~~قلة عقله وضعف رأيه وقلة بصره بالسياسة ، ولك والله أمثالها إن لم تعزله ! ~~فقال الحجاج : مه يا عمارة ! فقال : لا مه ولا كرامة يا أمير المؤمنين ، كل ~~امرأة له طالق وكل مملوك له حر إن سار تحت راية الحجاج أبدا ! فقال عبد ~~الملك : ما عندنا أوسع لك ، فلما انصرف عمارة إلى منزله بعث إليه الحجاج ~~وقال : أنا أعلم أنه ما خرج هذا عنك إلا معتبة ولك عندي الغنى ولك ولك . ~~فأرسل إليه : ما كنت أظن أن عقلك على هذا . أرجع إليك بعد الذي كان من طعني ~~وقولي عند أمير المؤمنين ! لا ولا كرامة لك . وعن الهيثم بن الحسن بن عمارة ~~قال : قدم شيخ من خزاعة أيام المختار فنزل على عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي ~~، فلما رأى ما تصنع شيعة المختار به من الإعظام له جعل يقول : يا عباد الله ~~أبالمختار يصنع هذا ؟ والله لقد رأيته تبيع الإماء بالحجاز ! فبلغ ذلك ~~المختار فدعا به فقال : ما هذا الذي يبلغني عنك ؟ قال : الباطل ، فأمر بضرب ~~عنقه ، فقال : لا والله لا تقدر على ذلك ! قال : ولم ؟ قال : أما دون أن ~~أنظر إليك وقد فتحت مدينة الدمشق حجرا حجرا وقتلت المقاتلة وسبيت الذرية ثم ~~تصلبني على شجرة على نهر ! والله إني لأعرف الشجرة الساعة وأعرف شاطيء ذلك ~~النهر ! قال : فالتفت المختار إلى أصحابه فقال لهم : أما إن الرجل قد عرف ~~الشجرة ، فحبس حتى إذا كان الليل بعث إليه فقال : يا أخا خزاعة ومزاح عند ~~القتال ! فقال : أنشدك الله أن أقتل ضياعا ! قال : وما تطلب ها هنا ؟ قال : ~~أربعة آلاف درهم أقضي بها ديني . قال : ادفعوها إليه وإياك أن تصبح بالكوفة ~~، فقبضها وخرج . PageV01P102 وعنه قال : كان سراقة البارقي من ظرفاء أهل ~~المدينة فأسره رجل من أصحاب المختار فأتى به المختار وقال : أسرت ms112 هذا ، ~~فقال : كذبت والله ما أسرني هذا إنما أسرني رجل عليه ثياب بيض على فرس أبلق ~~! فقال المختار : أما إن الرجل قد عاين ، يعني الملائكة ، خلوا سبيله ، ~~فلما أفلت أنشأ يقول : ألا أبلغ أبا إسحاق عني . . . رأيت الدهم بلقا ~~مصمتات أري عيني ما لم تبصراه . . . كلانا مولع بالترهات كفرت بدينكم وجعلت ~~نذرا . . . علي قتالكم حتى الممات وعنه قال : خرج الأخوص بن جعفر المخزومي ~~يتغدى في دير اللج وذلك في يوم شديد البرد ومعه حمزة بن بيض وسراقة البارقي ~~، فلما كانا على ظهر الكوفة وعليه الوبر والخز وعليهما أطمار قال حمزة ~~لسراقة : أين يذهب بنا هذا في هذا البرد ونحن في أطمارنا ؟ قال سراقة : أن ~~أكفكيه . فبينا هو يسير إذ لقيهم راكب مقبل فحرك سراقة دابته نحوه وافقه ~~ساعة ولحق بالأخوص ، فقال : ما خبرك به الراكب ؟ قال : زعم أن خوارج خرجت ~~بالقطقطانة ، قال : بعيد . قال : إن الخوارج تسير في ليلة ثلاثين فرسخا ~~وأكثر ، وكان الأخوص أحد الجبناء فثنى رأس دابته وقال : ردوا طعامنا نتغدى ~~في المنزل ، فلما حاذى منزله قال لأصحابه : ادخلوا ، ومضى إلى خالد بن عبد ~~الله القسري فقال : قد خرجت خارجة بالقطقطانة ، فنادى خالد في العسكر ~~فجمعهم ووجه خيلا تركض نحو دير اللج لتعرف الخبر ، فانصرفوا وأعلموه أنه لا ~~أصل للخبر ، فقال للأخوص : من أعلمك هذا ؟ قال : سراقة ، قال : وأين هو ؟ ~~قال : في منزلي ، فأرسل إليه من أتاه به فقال : أنت أخبرته عن الخارجة ؟ ~~قال : ما فعلت أصلح الله الأمير ، فقال له الأخوص : أوتكذبني بين يدي ~~الأمير ؟ قال خالد : ويحك اصدقني ! قال : نعم أخرجنا في هذا البرد وقد ظاهر ~~الخز والوبر ونحن في أطمارنا هذه فأحببت أن أرده ، فقال له خالد : ويحك ~~وهذا مما يتلاعب به ؟ ! وكان سراقة ظريفا شاعرا وهو الذي يقول : قالوا ~~سراقة عنين فقلت لهم : . . . ألله يعلم أني غير عنين فإن ظننتم بي الشيء ~~الذي زعموا . . . فقربوني من بنت ابن يامين وذكروا أن شبيب بن يزيد الخارجي ~~مر بغلام مستنقع في ماء الفرات فقال له : يا ms113 غلام PageV01P103 اخرج إلي ~~أسائلك ، فعرفه الغلام ، فقال : إني أخاف ، أفآمن أنا إن خرجت حتى ألبس ~~ثيابي ؟ قال : نعم ، فخرج وقال : والله لا ألبسها اليوم ، فضحك شبيب وقال : ~~خدعني ورب الكعبة ! ووكل به رجلا من أصحابه يحفظه ألا يصيبه أحد من أصحابه ~~بمكروه . قال : وكان رجل من الخوارج قال في قصيدة له : ومنا يزيد والبطين ~~وقعنب . . . ومنا أمير المؤمنين شبيب فسار البيت حتى سمعه عبد الملك بن ~~مروان فأمر بطلب قائله ، فأتي به ، فلما وقف بين يديه قال : أنت القائل : ~~ومنا أمير المؤمنين شبيب ؟ قال : لم أقل هكذا يا أمير المؤمنين ، قال : ~~فكيف قلت ؟ قال : قلت ومنا أمير المؤمنين شبيب ، فضحك عبد الملك وأمر ~~بتخلية سبيله ، فتخلص بحيلته وفطنته لإزالة الإعراب عن الرفع إلى النصب . ~~وزعموا أن عمرو بن معدي كرب الزبيدي هجم في بعض غاراته على شابة جميلة ~~منفردة فأخذها ، فلما أمعن بها بكت ، فقال : ما يبكيك ؟ قالت : أبكي لفراق ~~بنات عمي ، كن مثلي في الجمال وأفضل مني ، خرجت معهن فانقطعنا عن الحي ، ~~قال : وأين هن ؟ قالت : خلف ذلك الجبل ووددت إذ أخذتني أخذتهن ، فأخذ إلى ~~الموضع الذي وصفته فما شعر بشيء حتى هجم على فارس شاك في السلاح فعرض عليه ~~المصارعة فصرعه الفارس ثم عرض عليه ضروبا من المناوشة فغلبه الفارس في كلها ~~، فسأله عمرو عن اسمه فإذا هو ربيعة بن مكدم ، فاستنقذ الجارية منه . وعن ~~عطاء أن مخارق بن عفان ومعن بن زائدة لقيا رجلا ببلاد الشرك ومعه جارية لم ~~يريا مثلها شبابا وجمالا فصاحا بها ليخلي عنها ، ومعه قوس فرمى وهابا ~~الإقدام عليه ، ثم عاد ليرمي فانقطع وتره وسلم الجارية وأسند في جبل كان ~~قريبا منه ، فابتدرا الجارية وفي أذنها قرط فيه درة فانتزعه بعضهما من ~~أذنها ، فقالت : وما قدر هذا ؟ لو رأيتما درتين معه في قلنسوته ، وفي ~~القلنسوة وتر قد أعده فنسيه من الدهش ! فلما سمع قول المرأة ذكر الوتر ~~فأخرجه وعقده في قوسه ، فوليا ليست لهما همة إلا النجاء وخليا عن الجارية . ~~قيل : واستودع رجل ms114 رجلا مالا ثم طالبه به فجحده ، فخاصمه إلى إياس بن ~~معاوية القاضي وقال : دفعت إليه مالا في مكان كذا وكذا ، قال : فأي شيء كان ~~في ذلك الموضع ؟ قال : شجرة ، قال : فانطلق إلى ذلك الموضع وانظر إلى تلك ~~الشجرة فلعل الله أن يوضح لك هناك ما تبين به حقك أو لعلك دفنت مالك عند ~~الشجرة فنسيت فتذكر إذا رأيت الشجرة ، PageV01P104 فمضى ، وقال إياس ~~للمطلوب منه : اجلس حتى يرجع صاحبك ، فجلس وإياس يقضي وينظر إليه بين كل ~~ساعة ثم قال : ترى صاحبك بلغ موضع الشجرة ؟ قال : لا ، فقال : يا عدو الله ~~أنت الخائن ! قال : أقلني أقالك الله ! فأمر بحفظه حتى جاء خصمه فقال له : ~~خذه بحقك فقد أقر . قال : واستودع رجل رجلا كيسا فيه دنانير فغاب وطالت ~~غيبته فشق المستودع الكيس من أسفله وأخذ الدنانير وجعل مكانها دراهم وخيطه ~~والخاتم على حاله ، فجاء الرجل بعد ست عشرة سنة فقال : مالي . وطالب به ، ~~فأعطاه الكيس بخاتمه ، فنظر إليه وإذا ماله دراهم ، فأحضره مجلس إياس ، ~~فقال إياس للطالب : ماذا تقول ؟ قال : أعطيته كيسا فيه دنانير ، فقال : منذ ~~كم ؟ قال : فإذا ست عشرة سنة ، قال : فضا الخاتم ، ففضاه ، فقال : انثرا ما ~~فيه ، فنثراه ، فإذا هي دراهم بعضها من ضرب عشر سنين وأكثر وأقل ، فأقر ~~بالدنانير وألزمه إياها حتى خرج منها . قال : وأودع رجل رجلا من أمناء إياس ~~مالا وحج ، فلما رجع طالبه فجحده ، فأتى إياسا فأخبره ، فقال : أتعلم أنك ~~أخبرت غيري بذلك ؟ قال : لا ، قال : فهل علم أنك أعلمتني ؟ قال : لا ، قال ~~: أفنازعته بحضرة أحد ؟ قال : لا ، قال : فانصرف واكتم أمرك ثم عد إلي ، ~~ودعا إياس أمينه ذلك فقال : قد حضر مال كثير وقد رأيت أن أودعك إياه وأصيره ~~عندك فارتد له موضعا وأتني بمن يحمله معك . فمضى الأمين ، وعاد الرجل إلى ~~إياس فقال له : انطلق إلى صاحبك فطالبه بمالك فإن أعطاك وإلا فقل إنك ~~تعلمني ، فأتاه فقال له : اعطني مالي وإلا أتيت القاضي فأعلمته ، فدفع إليه ~~ماله ، وصار إلى إياس فقال : قد رد مالي ms115 علي ، وجاء الأمين إلى إياس في ~~موعده فانتهره وقال : اخرج عني يا خائن . قال : وأراد معاوية أن يوجه ابنه ~~يزيد إلى غزو الصائفة وكره يزيد ذلك وأنشأ يقول : تجنى لا تزال تعد ذنبا . ~~. . لتقطع وصل حبلك عن حبالي فيوشك أن يريحك من أذاتي . . . نزولي في ~~المهالك وارتحالي وخرج وخرج الناس معه ، وفيمن خرج أبو أيوب الأنصاري ، ~~فلما قرب من قسطنطينية اشتكى أبو أيوب فأتاه يزيد عائدا ، فقال له : ما ~~حاجتك ؟ قال : أما دنياكم فلا حاجة لي فيها ولكن سمعت رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم ، يقول : يدفن بجنب قسطنطينية رجل صالح وقد رجوت أن أكونه فقدمني ~~ما قدرت عليه ، فمات فلما فرغ من جهازه ووضع على سريره قدم الكتائب بين ~~يديه ، فنظر قيصر ورأى أمرا عجيبا وشيئا يحمل والناس بالسلاح تحته ، فأرسل ~~إليه : ما هذا الذي نرى ؟ قال يزيد : هذا صاحب نبينا ، صلى الله عليه وسلم ~~، أوصى أن ندفنه إلى جنب مدينتكم ونحن ننفذ وصيته أو نموت دونه ، فأرسل ~~إليه : العجب من الناس ! وما يذكرونه من دهاء أبيك وهو يبعثك PageV01P105 ~~في هذا البعث تدفن صاحب نبيك بجنب مدينتي فإذا وليت عنه نبشته فطرحته ~~للكلاب ، فأرسل إليه يزيد : إني ما أردت أن أجنه حتى أودع مسامعك كلامي ، ~~وكفرت بالذي أكرمت له هذا الميت ، لئن تعرضت له لا تركت في أرض العرب ~~نصرانيا إلا سفكت دمه واستصفيت ماله وسبيت حرمه ، فأرسل إليه قيصر : كان ~~أبوك أعرف لك مني وإني أحلف بحق المسيح ، عليه السلام ، لا يحرسه سنة أحد ~~غيري . وعن بعض مشايخ المدينة قال : كانت عند عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ~~، رضوان الله عليهما ، جارية مغنية يقال لها عمارة ، فلما وفد عبد الله على ~~معاوية خرج بها معه فزاره يزيد ذات يوم وأقام عنده ، فأخرجها إليه فلما نظر ~~إليها وسمع غناءها وقعت في نفسه فأخذه عليها ما لم يملك نفسه معه وجعل ~~يمنعه من أن يبوح به مكان أبيه مع يأسه من الظفر بها ، فلم يزل يكاتمه إلى ~~أن مات ms116 معاوية وأفضى إليه الأمر وتقلد الخلافة يزيد ، فاستشار بعض من يثق ~~به في أمرها فقال : إن أمر عبد الله لا يرام ، وأنت لا تستجيز إكراهه ولا ~~يبيعها بشيء أبدا وليس يغني في هذا الأمر إلا الحيلة ، قال : اطلب لي رجلا ~~عاقلا من أهل العراق ظريفا أديبا له معرفة ودراية ، فطلبوه فأتوه به ، فلما ~~دخل عليه استنطقه فرأى بيانا وحلاوة وفقها ، فقال له : إني دعوتك لأمر إن ~~ظفرت به فهو حظوتك آخر الدهر ويد أكافيك عليها ، ثم أخبره بأمره ، فقال : ~~يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن جعفر ما يرام ما قبله إلا بالخديعة وإن ~~يقدر على ما سألت رجل فأرجو أن أكونه والقوة بالله ، فأعني يا أمير ~~المؤمنين بالمال ، قال : خذ ما أحببت ، فأخذ واشترى من طرف الشام وثياب مصر ~~ومتاعها للتجارة ومن الرقيق والدواب وغير ذلك حاجته وشخص إلى المدينة فأناخ ~~بعرصة عبد الله بن جعفر واكترى منزلا إلى جانبه ثم توسل إليه وقال : أنا ~~رجل من أهل العراق وقدمت بتجارة فأحببت أن أكون في جوارك وكنفك إلى أن أبيع ~~ما جئت به ، فبعث عبد الله إلى قهارمته وقال : أكرموا جارنا وأوسعوا عليه ~~المنزل ، فلما اطمأن العراقي وسلم عليه أياما وعرفه نفسه هيأ له بغلة فارهة ~~وثيابا من ثياب العراق وألطافا وبعث بها إليه وكتب رقعة يقول فيها : يا ~~سيدي أنا رجل تاجر ونعمة الله علي سابغة وعندي احتمال وقد بعثت إليك بشيء ~~من اللطف وهو كذا ومن الثياب والعطر وبعثت إليك ببغلة خفيفة العنان وطية ~~الظهر فاتخذها لرحلك وأنا أسألك بقرابتك من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ~~، إلا قبلت هديتي ولم توحشني بردها فإني أدين الله عز وجل بحبك وحب أهل ~~بيتك ، وإن أفضل ما في سفري هذا أن أستفيد الأنس بك وأتشرف بمواصلتك ، وأمر ~~عبد الله بقبض هديته وخرج إلى PageV01P106 الصلاة ، فلما رجع مر بالعراقي ~~في منزله فقام إليه وقبل يده وسلم عليه واستكثر منه ، فرأى أدبا وظرفا ~~وحلاوة وفصاحة فأعجب به وسر بنزوله عليه ، فجعل ms117 العراقي يبعث كل يوم بلطف ~~إلى عبد الله وبطرف ، فقال عبد الله : جزى الله ضيفنا هذا خيرا فقد ملأنا ~~شكرا وأعيانا عن مجازاته ، فإنهما لكذلك إذ دعاه عبد الله ودعا بعمارة ~~وجواريه ، فلما تعشيا وطاب لهما وسمع غناء عمارة تعجب وجعل يزيد في عجبه إذ ~~رأى ذلك يسر عبد الله إلى أن قال له : رأيت مثل عمارة ؟ قال : لا والله يا ~~سيدي ما رأيت مثلها وما تصلح إلا لك وما ظننت أنه يكون في الدنيا مثل هذه ~~حسن وجه وحذق عمل ! قال : كم تساوي عندك ؟ قال : ما لها ثمن إلا الخلافة ، ~~قال : تقول هذا لما ترى من رأيي فيها ولتجلب سروري ! قال : والله يا سيدي ~~إني لأحب سرورك وما قلت لك إلا الجد ، وبعد فإني رجل تاجر أجمع الدرهم إلى ~~الدرهم طلبا للربح ولو أعطيتها بعشرة آلاف دينار لأخذتها ، قال عبد الله : ~~بعشرة آلاف دينار ؟ قال : نعم ، ولم يكن في ذلك الزمان جارية بعشرة آلاف ~~دينار ، فقال عبد الله كالمازح : أنا أبيعكها بعشرة آلاف دينار ! قال : قد ~~أخذتها ، قال : هي لك ، قال : قد وجب البيع ، وانصرف العراقي . فلما أصبح ~~لم يشعر عبد الله إلا والمال قد وافاه ، فقال عبد الله : بعث العراقي ~~بالمال ؟ قالوا : نعم بعشرة آلاف دينار وقال هذه ثمن عمارة ، فردها إليه ~~وقال : إنما كنت أمزح معك وما أعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها ، قال : جعلت ~~فداك إن الجد والهزل في البيع سواء ! قال له عبد الله : ويحك لا أعلم موضع ~~جارية تساوي ما بذلت ولو كنت بائعها من أحد لآثرتك ولكني كنت أمازحك وما ~~أبيعها بملك الدنيا لحرمتها بي وموقعها من قلبي ، قال له العراقي : فإن كنت ~~مازحا فإني كنت جادا ، وما اطلعت على ما نفسك ، وقد ملكت الجارية وبعثت ~~بالثمن وليست تحل لك وما من أخذها بد ، فمنعه إياها ، فخرج العراقي وهو ~~يقول : أستحلفك في مجلس أمير المؤمنين ، فلما رأى عبد الله الجد منه قال : ~~بئس الضيف ! ما طرقنا طارق ولا نزل بنا ضيف أعظم بلية ms118 علينا منك ، تحلفني ~~فيقول الناس اضطهده وقهره وألجاه إلى أن استحلفه ، أما والله ليعلمن أني ~~سأبلي في هذا الأمر الصبر وحسن العزائم وجميل العزاء ! ثم أمر قهرمانه بقبض ~~المال وتجهيز الجارية بما يشبهها من الثياب والخدم والطيب والمركب ، فجهزت ~~بنحو من ثلاثة آلاف دينار ، ثم سلمها إلى قهرمانه وقال : أوصل الجارية إليه ~~مع ما معها وقل هذا لك ولك عندنا عوض مما ألطفتنا به ، فقبض العراقي ~~الجارية وخرج ، فلما برز من المدينة قال لها : يا عمارة إني والله ما ملكتك ~~قط ولا أنت لي ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار ، وما كنت لأقدم على ~~عبد الله بن جعفر فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي ولكني دسيس من قبل أمير ~~المؤمنين يزيد وأنت له وفي طلبك بعثني فاستتري مني فإن دخلني الشيطان في ~~أمرك أو تاقت نفسي إليك فامتنعي ، ثم مضى بها حتى ورد دمشق فتلقاه الناس ~~يحملون جنازة يزيد وقد استخلف ابنه معاوية ، فأقام PageV01P107 الرجل أياما ~~ثم تلطف للدخول عليه فشرح له القصة ، فقال : هي لك ، فارتحل العراقي وقال ~~للجارية : إني قلت لك ما قلت حين أخرجتك من المدينة لأني لم أملكك وقد صرت ~~الآن لي وأنا أشهدك أني قد وهبتك لعبد الله بن جعفر ، فخرج بها حتى قدم ~~المدينة فنزل قريبا من عبد الله ، فدخل عليه بعض خدمه فقال : هذا العراقي ~~ضيفك الصانع بنا ما صنع لا حياه الله قد نزل ! فقال : مه أنزلوا الرجل ~~واكرموا مثواه ، فأرسل إلى عبد الله : إن أذنت ، جعلت فداك ، لي في الدخول ~~عليك دخلة خفيفة أشافهك فيها بحاجتي وأخرج . فأذن له ، فلما دخل عليه خبره ~~بالقصة وحلف له بالمحرجات من الأيمان أنه ما رأى لها وجها إلا عنده وها هي ~~ذه ، فأدخلها الدار ، فلما رآها أهل الدار والحشم تصايحوا ونادوا : عمارة ~~عمارة ! فلما رأت عبد الله خرت مغشيا عليها ، وجعل عبد الله يمسح وجهها ~~بكمه ويقول : يا حبيبتي أحلم هذا ؟ فقال له العراقي : بل ردها الله إليك ~~بوفائك وكرمك ، فقال عبد الله : قد ms119 علم الله كيف كان الأمر ، فالحمد لله ~~على كل حال ، ثم أمر ببيع عير له بثلاثة عشر ألف دينار وأمر بها للعراقي ، ~~فانصرف إلى العراق وافر العرض والمال . هره وألجاه إلى أن استحلفه ، أما ~~والله ليعلمن أني سأبلي في هذا الأمر الصبر وحسن العزائم وجميل العزاء ! ثم ~~أمر قهرمانه بقبض المال وتجهيز الجارية بما يشبهها من الثياب والخدم والطيب ~~والمركب ، فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار ، ثم سلمها إلى قهرمانه وقال : ~~أوصل الجارية إليه مع ما معها وقل هذا لك ولك عندنا عوض مما ألطفتنا به ، ~~فقبض العراقي الجارية وخرج ، فلما برز من المدينة قال لها : يا عمارة إني ~~والله ما ملكتك قط ولا أنت لي ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار ، وما ~~كنت لأقدم على عبد الله بن جعفر فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي ولكني دسيس من ~~قبل أمير المؤمنين يزيد وأنت له وفي طلبك بعثني فاستتري مني فإن دخلني ~~الشيطان في أمرك أو تاقت نفسي إليك فامتنعي ، ثم مضى بها حتى ورد دمشق ~~فتلقاه الناس يحملون جنازة يزيد وقد استخلف ابنه معاوية ، فأقام الرجل ~~أياما ثم تلطف للدخول عليه فشرح له القصة ، فقال : هي لك ، فارتحل العراقي ~~وقال للجارية : إني قلت لك ما قلت حين أخرجتك من المدينة لأني لم أملكك وقد ~~صرت الآن لي وأنا أشهدك أني قد وهبتك لعبد الله بن جعفر ، فخرج بها حتى قدم ~~المدينة فنزل قريبا من عبد الله ، فدخل عليه بعض خدمه فقال : هذا العراقي ~~ضيفك الصانع بنا ما صنع لا حياه الله قد نزل ! فقال : مه أنزلوا الرجل ~~واكرموا مثواه ، فأرسل إلى عبد الله : إن أذنت ، جعلت فداك ، لي في الدخول ~~عليك دخلة خفيفة أشافهك فيها بحاجتي وأخرج . فأذن له ، فلما دخل عليه خبره ~~بالقصة وحلف له بالمحرجات من الأيمان أنه ما رأى لها وجها إلا عنده وها هي ~~ذه ، فأدخلها الدار ، فلما رآها أهل الدار والحشم تصايحوا ونادوا : عمارة ~~عمارة ! فلما رأت عبد الله خرت مغشيا عليها ، وجعل عبد ms120 الله يمسح وجهها ~~بكمه ويقول : يا حبيبتي أحلم هذا ؟ فقال له العراقي : بل ردها الله إليك ~~بوفائك وكرمك ، فقال عبد الله : قد علم الله كيف كان الأمر ، فالحمد لله ~~على كل حال ، ثم أمر ببيع عير له بثلاثة عشر ألف دينار وأمر بها للعراقي ، ~~فانصرف إلى العراق وافر العرض والمال . أبو محارب قال : قال معاوية بن أبي ~~سفيان : إن عمرو بن العاص قد احتجن عنا خراج مصر ، فعزله واستعمل أبا ~~الأعور السلمي ، فبلغ عمرا الخبر فدعا وردان مولاه وقال له : ويحك عزلني ~~أمير المؤمنين ! قال : فمن استعمل ؟ قال : أبا الأعور ، قال : دعني وإياه ~~أصنع له طعاما ولا ينظر في كتابه حتى يأكل ، قال : نعم ، فلما قدم عليه ~~أخرج الكتاب بتسليم العمل إليه ، فقال عمرو : ما تصنع بالكتاب ؟ لو جئتنا ~~برسالة لقبلنا ذلك منك ، فقال وردان : ضع الكتاب وكل ، فقال أبو الأعور ~~لعمرو : انظر في الكتاب ، قال : ما أنا بناظر فيه حتى تأكل ، فوضعه إلى ~~جانبه وجعل يأكل ، فاستدار وردان فاتخذه ، فلما فرغ أبو الأعور من غدائه ~~طلب الكتاب فلم يجده فقال : أين كتابي ؟ فقال له عمرو : أوليس جئتنا زائرا ~~لنحسن إليك ؟ قال : بل استعملني أمير المؤمنين وعزلك ! قال : مهلا لا يظهرن ~~هذا منك فإنه قبيح ونحن نصلك ونحسن إليك ، فرضي بالصلة ، وبلغ معاوية الخبر ~~فاستضحك وتعجب من فعله وأقر عمرا على عمله . وعن الشعبي قال : كتب المغيرة ~~بن شعبة إلى معاوية ، وكان خاف العزل : قد كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي ~~وسفهني سفهاء قريش وأمير المؤمنين أولى بعمله . فكتب إليه معاوية : أما ما ~~ذكرت من كبر سنك فأنت أكلت عمرك ، وأما اقتراب أجلك فلو أستطيع دفع الموت ~~عن أحد دفعته عن نفسي وعن آل أبي سفيان ، وما ذكرت من سفهاء قريش فحلماؤها ~~PageV01P108 أنزلتك هذه المنزلة ، وأما العمل فاصبر رويدا يدرك الهيجاء حمل ~~. فاستأذنه في القدوم عليه فأذن له ، فوافاه ، فقال له معاوية : يا مغيرة ~~كبرت سنك واقترب أجلك ولم يبق منك شيء وسأستبدل بك ، فانصرف فرأى أصحابه ~~الكآبة في وجهه ms121 فقالوا : ما لك ؟ قال : قال لي كيت وكيت ، قالوا له : فما ~~تريد أن تصنع ؟ قال : ستعلمون ، قال : فأتى معاوية فقال له : يا أمير ~~المؤمنين إن الإنسان يغدو ويروح ، ولست في زمن أبي بكر ولا عمر ، فلو أنك ~~نصبت لنا إنسانا نصير إليه بعدك ، كان الرأي على أني قد كنت دعوت أهل ~~العراق إلى يزيد ، قال : يا أبا محمد انصرف إلى عملك واحكم هذا الأمر لابن ~~أخيك . قال : فأقبل على البريد يركض وقال : قد والله وضعت رجله في ركاب ~~طويل الركض ، قال : فذاك هو الذي بعث معاوية على أخذ البيعة ليزيد . # | مساوئ العي وضعف العقل # قال ثمامة صاحب الكلام : كان المأمون قد هم بلعن معاوية وأن يكتب بذلك ~~كتابا في الطعن عليه ، قال : ففثأه عن ذلك يحيى بن أكثم وقال : يا أمير ~~المؤمنين العامة لا تحتمل هذا ولا سيما أهل خراسان ولا تأمن أن يكون لهم ~~نفرة ونبوة لا تستقال ولا يدرى ما تكون عاقبتها ، والرأي أن تدع الناس على ~~ما هم عليه ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق فإن ذلك أصلح في ~~السياسة وآمن في العاقبة وأجرى في التدبير ، فركن إلى قوله ، فلما دخلت ~~عليه قال : يا ثمامة قد علمت ما كنا دبرناه في أمر معاوية وقد عارضنا رأي ~~هو أصلح في تدبير المملكة وأبقى ذكرا في العامة ، ثم أخبرني أن يحيى بن ~~أكثم حذره وأخبره بنفور العامة عن مثل هذا الرأي ، فقلت : يا أمير المؤمنين ~~والعامة عندك في هذا الموضع الذي وضعها فيه يحيى ، والله لو بعثت إليها ~~إنسانا على عاتقه سواد ومعه عصا لساق إليك منها عشرة آلاف ! والله يا أمير ~~المؤمنين ما رضي الله جل وعز أن سواها بالأنعام حتى جعلها أضل سبيلا ، فقال ~~تبارك وتعالى : ' أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام ~~بل هم أضل سبيلا ' ، والله لقد مررت يا أمير المؤمنين منذ أيام في شارع ~~الخلد وأنا أريد الدار فإذا إنسان قد بسط كساءه وألقى عليه أدوية وهو ms122 قائم ~~ينادي : هذا الدواء للبياض في العين والغشاوة والظلمة وضعف البصر ، وإن ~~إحدى عينيه لمطموسة والأخرى مؤلمة ، وقد تألبوا عليه واحتفلوا إليه ، فنزلت ~~عن دابتي ودخلت بين تلك الجماعة فقلت : يا هذا أرى عينيك PageV01P109 أحوج ~~الأعين إلى العلاج وأنت تصف هذا الدواء وتخبر أنه شفاء ! فما بالك يا هذا ~~لا تستعمله ؟ قال : أنا في هذا الموضع منذ عشرين سنة ما رأيت شيخا قط أجهل ~~منك ولا أحمق ! قلت : وكيف ذاك ؟ قال : يا جاهل أتدري أين اشتكت عيني ؟ قلت ~~: لا ، قال : بمصر ، فأقبل علي الجماعة فقالت : صدق والله أنت جاهل ، وهموا ~~بي ، فقلت : والله ما علمت أن عينه اشتكت بمصر ! فتخلصت منهم بهذه الحجة . ~~قال : فضحك المأمون وقال : ما لقيت من الله جل ذكره من سوء الثناء وقبح ~~الذكر أكثر ، قلت : أجل . وقيل : إنه كان رجل من المعتزلة وكان له جار يرى ~~رأي الخوارج ، وكان كثير الصلاة والصيام حسن العبادة ، فقال المعتزلي ~~لرجلين من أصحابه : مرا بنا إلى هذا الرجل فنكلمه لعل الله جل وعز ينقذه من ~~الهلكة بنا ويهديه من الضلالة ، فأتوه وكلموه فأصغى إلى كلامهم ، فلما ~~سكتوا انتعل وقام ومعه القوم حتى وقف على باب المسجد فرفع صوته بالقراءة ~~واجتمع إليه الناس ، وقعد الرجل وصاحباه ، فقرأ ساعة حتى أبكى الناس ثم وعظ ~~فأحسن ثم ذكر الحجاج فقال : أحرق المصاحف وهدم الكعبة وفعل وفعل فالعنوه ~~لعنه الله ! فلعنه الناس ورفعوا أصواتهم ، ثم قال : يا قوم وما علينا من ~~ذنوب الحجاج ومن أن يغفر الله عز وجل له ولنا معه فإنا كلنا مذنبون ، لقد ~~كان الحجاج غيورا على حرم المسلمين تاركا للغدر ضابطا للسبيل عفيفا عن ~~المال لم يتخذ ضيعة ولم يكن له مال فما علينا إن نترحم عليه فإن الله عز ~~وجل رحيم يحب الراحمين ، ثم رفع يده ودعا بالمغفرة للحجاج ورفع القوم ~~أيديهم وارتفعت الأصوات بالاستغفار مليا ، قال الرجل المعتزلي وهو يلاحظني ~~، فلما فرغ وانصرف ضرب بيده إلى منكبي وقال : هل رأيت مثل هؤلاء القوم ~~لعنوه واستغفروا له في ms123 ساعة واحدة ، أتنهى عن دماء أمثال هؤلاء ؟ والله ~~لأجاهدنهم مع كل من أعانني عليهم . # | محاسن التيقظ # قيل : كان أردشير من أشد خلق الله فحصا وبحثا عن سرائر خاصته وعامته ~~وإذكاء للعيون عليهم وعلى الرعية ، وكان يقول : إنما سمي الملك راعيا ليفحص ~~عن دفائن رعيته ، ومتى غفل الملك عن تعرفه ذلك فليس له من رسم الراعي إلا ~~اسمه ومن الملك إلا ذكره ، ويقال : إنه كان يصبح فيعلم كل شيء جرى في دار ~~مملكته خير أم شر ويمسي فيعلم كل شيء أصبحوا عليه ، فكان متى شاء قال ~~لأرفعهم وأوضعهم : كان عندك في هذه الليلة كيت وكيت ، PageV01P110 ثم يحدثه ~~بكل ما كان فيه إلى أن أصبح ، وكان بعضهم يقول : يأتيه ملك من السماء ~~فيخبره ، وما كان ذلك إلا لتيقظه وكثرة تعهده لأمور رعيته . ويقال : إن ~~الأمم كلها ، أولها وآخرها ، قديمها وحديثها ، لم تخف ملوكها خوفها أردشير ~~من ملوك العجم وعمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، من ملوك العرب والإسلام ، ~~فإن عمر ، رضي الله عنه ، كان علمه بمن نأى من عماله ورعيته كعلمه بمن بات ~~معه على مهاد ، فلم يكن له في قطر من الأقطار ولا ناحية من النواحي أمير ~~ولا عامل إلا وله عليه عين لا يفارقه ، فكان أخبار النواحي كلها عنده كل ~~صباح ومساء ، حتى إن العامل كان يتوهم على أقرب الخلق إليه وأخصهم به ، ~~فساس الرعية سياسة أردشير في الفحص عنها وعن أسرارها ، ثم اقتفى معاوية ~~فعله وطلب أثره ، فانتظم له أمره وطالت في الملك مدته . وكذا كان زياد بن ~~أبي سفيان يحتذي فعل معاوية كاحتذاء معاوية فعل عمر ، رحمه الله ، في تعرف ~~أمور رعيته وممالكه ، وفي ما يحكى عنه أن رجلا كلمه في حاجة له فتعرف إليه ~~وهو يظن أنه لا يعرفه فقال : أصلح الله الأمير ، أنا فلان بن فلان ، فتبسم ~~زياد وقال : أتتعرف إلي وأنا أعرف منك بنفسك ؟ والله إني لأعرفك وأعرف أباك ~~وأمك وجدك وجدتك وأعرف هذا البرد الذي عليك وهو لفلان ! فبهت الرجل وأرعد ~~حتى كاد يغشى ms124 عليه . وعلى هذا كان عبد الملك بن مروان والحجاج ولم يكن بعد ~~هؤلاء الثلاثة أحد في مثل هذه السياسة حتى ملك المنصور فكان أكبر الأمور ~~عنده معرفة الرجال حتى عرف العدو من الولي والموادع والمسالم من المشاغب ~~فساس الرعية على ذلك ، ثم درست هذه السياسة حتى ملك الرشيد فكان أشد الملوك ~~بحثا عن أسرار رعيته وأكثرهم بها عناية وأحزمهم فيها أمرا . وعلى هذا كان ~~المأمون في أيامه ، والدليل على أمر المأمون رسالته إلى إسحاق بن إبراهيم ~~في الفقهاء وأصحاب الحديث وهو بالشام خبر فيها عن عيب واحد واحد وعن نحلته ~~وعن أموره التي خفيت أو أكثرها على القريب والبعيد ، ولم يكن أحد من ذوي ~~السلطان الأعظم أشد فحصا وبحثا عن أمور الناس حتى بلغ هذا المبلغ في ~~الاستقصاء وجعله أكبر شغله وأكثره في ليله ونهاره من إسحاق بن إبراهيم . ~~حدثني موسى بن صالح بن شيخ قال : كلمته في امرأة من بعض أهلنا وسألته النظر ~~لها فقال : يا أبا محمد من قصة هذا المرأة ومن فعلها ، قال : فوالله ما زال ~~يحدثني ويخبرني عن قصتها ويصف أحوالها حتى بهت . وحدث أبو البرق الشاعر قال ~~: كان يجري علي أرزاقا فدخلت عليه فقال بعد أن PageV01P111 أنشدته : كم ~~عيالك ؟ تحتاج في كل شهر من الدقيق إلى كذا ومن الحطب إلى كذا ، فأخبرني ~~بشيء من أمر منزلي جهلت بعضه وعلمه كله . وحدث بعض من كان في ناحتيه قال : ~~رفعت إليه قصة أسأله فيها أجرا وأرزاقا ، فقال : كم عيالك ؟ فزدت في العدد ~~، فقال : كذبت ، فبهت وقلت : يا نفس من أين علم أني كذبت ! فأقمت سنة أخرى ~~لا أجسر على كلامه ثم رفعت إليه القصة ، فقال : كم عيالك ؟ فقلت : كذا ، ~~قال : صدقت ، ووقع في القصة : يجرى على عياله كذا وكذا . ويقال : إن كسرى ~~أبرويز كان نصب رجلا يمتحن به من فسدت عليه نيته من رعيته وطعن في المملكة ~~، فكان الرجل يظهر التأله والدعاء إلى التخلي من الدنيا والرغبة في الآخرة ~~وترك أبواب الملوك ، وكان يقص على الناس ويبكيهم ms125 ويشوب كلامه في خلال ذلك ~~بذم الملك وتركه شرائع ملته وسنن سيرته ودينه الذي كان عليه ، وكان هذا ~~الرجل يمتثل ما حده له أبرويز ليمتحن بذلك خاصته ، وكان من يسعى يخبر ~~أبرويز بذلك ، فيضحك ويقول : فلان في عقله ضعف وأنا أعلم أنه وإن كان بتكلم ~~بما يتكلم لا يقصدني بسوء ولا المملكة بما يوهنها ، ويظهر الاستهانة بأمره ~~والثقة به والطمأنينة إليه ، ثم توجه إليه في خلال ذلك من يدعوه فيأبى أن ~~يجيبه ويقول : لا ينبغي لمن خاف الله أن يخاف أحدا سواه ، فكان الطاعن على ~~الملك والمملكة يكثر الخلوة بهذا الرجل والزيارة له والأنس به ، فإذا خلوا ~~تذاكرا أمر الملك فابتدأ الناسك فطعن فيه وأعانه الخائن وطابقه على ذلك ~~وشايعه ، فيقول الناسك : إياك وأن يظهر هذا الجبار على كلامك فإنه لا يحتمل ~~لك ما يحتمله لي ، فحص منه دمك ، فيزداد الآخر إليه استنامة وبه ثقة ، فإذا ~~علم الناسك أنه قد بلغ من الطعن على الملك ما يستوجب به العقوبة في الشريعة ~~قال لمن بحضرته : إني قاعد غدا مجلسا للناس أقص عليهم فاحضروه ، ويقول لمن ~~هو أشد به ثقة : احضر أنت فإنك رجل رقيق عند الذكر حسن النية ساكن الريح ~~بعيد الصوت وإن الناس إذا رأوك قد حضرت زادت نياتهم خيرا وسارعوا إلى ~~استجابتي ، فيقول الرجل : إني أخاف من هذا الجبار فلا تذكره إن حضرت ، ~~وكانت العلامة بينه وبين أبرويز أن أبرويز قد كان وضع عيونا يحضرون متى جلس ~~، فكان الناسك يقص على العامة ويزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة والخائن ~~حاضر ، فيأخذ الناسك في ذكر الملك ، فينهض الخائن ، وتجيء عيون أبرويز ~~فتخبره بما كان ، فإذا زال الشك عنه في أمره وجهه إلى بعض البلدان وكتب إلى ~~عامله : قد وجهت إليك برجل وهو قادم عليك بعد كتابي هذا فأظهر بره والأنس ~~به والثقة إليه والسكون إلى ناحيته فإذا اطمأنت به الدار فاقتله قتلة ~~PageV01P112 تحيي بها بيت النار وتصل بها حرمة النوبهار ، فإن من فسدت نيته ~~بغير علة في الخاصة والعامة لم ms126 يصلح بعلة ، ومن فسدت نيته بعلة صلحت ~~بخلافها . قال : وحدثنا الوضاح بن محمد بن عبد الله قال : سمعت أبا بديل بن ~~حبيب يقول : كنا إذا خرجنا من عند أبي جعفر المنصور صرنا إلى المهدي وهو ~~يومئذ ولي عهد ، ففعلنا ذلك يوما فأبرز لي المنصور يده فانكببت عليها ~~فقبلتها ، فضرب يدي بيده ، فعلمت أنه لم يفعل ذلك إلا لشيء في يده ، فوضع ~~في يدي كتابا صغيرا تستره الكف ، فلما خرجت قرأت الكتاب فإذا فيه : إذا ~~قرأت كتابي هذا فاستأذن إلى ضياعك بالري ، فرجعت فاستأذنت فقلت : يا أمير ~~المؤمنين ضياعي بالري قد اختلت ولي حاجة إلى مطالعتها . فقال : لا ولا ~~كرامة ، فخرجت ثم عدت إليه اليوم الثاني فكلمته ، فرد علي مثل الجواب الأول ~~، فقلت : يا أمير المؤمنين إنما أردت صلاحها لأقوى بها على خدمتك ، فقال : ~~إذا شئت ، فقلت : يا أمير المؤمنين فلي حاجة أذكرها . قال : قلت : أحتاج ~~إلى خلوة ، فنهض القوم وبقي الربيع ، فقلت أحلني ، قال : ومن الربيع ؟ قلت ~~نعم ، فتنحى الربيع فقال : إن جدت لي بدمك ومالك ، فقلت : يا أمير المؤمنين ~~وهل أنا ومالي إلا من نعمتك ؟ حقنت دمي ورددت علي مالي وآثرتني بصحبتك ، ~~فقال : إنه يهجس في نفسي أن المرار بن جهور على خلعي وليس لي غيرك لما أعرف ~~بينكما فاظهر إذا صرت إليه الوقيعة في والتنقص لي حتى تعرف ما عنده فإذا ~~رأيته يهم بخلعي فاكتب إلي ولا تكتبن على بريد ولا مع رسول ولا يفوتني خبرك ~~في كل يوم فقد نصبت لك فلانا القطان في دار القطن فهو يوصل كتبك ، قال : ~~فمضيت حتى أتيت الري فدخلت على مرار فقال : أفلت ؟ قلت : نعم والحمد لله ، ~~ثم أقبلت أؤنسه بالوقيعة في المنصور حتى أظهر ما كان المنصور ظن به ، فكتبت ~~إليه بذلك ، فلما وصلت منه إلى ما أردت أتيت ضياعي ثم رجعت إليه بعد أيام ، ~~فقال : نجاك الله من الفاجر ؟ قلت : نعم ، وأرجو أن تقع عينه علي أبدا ، ~~فكنت أعرض به فيزيدني مما عنده ، ثم قال لي : هل لك أن ms127 تخرج إلى متنزه طيب ~~؟ قلت : نعم ، فخرجت أنا وهو نتساير حتى صرنا إلى موضع مشرف قد بنيت له ~~عليه قبة ، فأحد النظر إلى ما هناك ثم قال : يا أبا بديل أترى الفاجر يظن ~~أني أعطيه طاعة أبدا ما عشت ؟ اشهد أني قد خلعته كما خلعت خفي هذا من رجلي ~~! قال : فرجعت إلى منزلي وأنا في كل يوم أكتب بخبره ، قال : وقد كنت أعددت ~~تسعة فرسان من بني يربوع ورجلا من بني أسد فواطأتهم أن نبطش به وكتبت إلى ~~المصمغان أن يأتيه في جنده إلى الموضع الذي اتفقنا عليه ، قال : وأخذ ~~المرار الدواء في PageV01P113 ذلك اليوم ، وسبق إليه الأسدي بالخبر وقال : ~~احذر فقد اتخذ لك كيت وكيت ، قال : فدخلت عليه فإذا هو على كرسي ، فعرفت ~~الشر في وجهه والمنكر في نظره ، فقال : هيه يا أبا بديل مع إكرامي لك أردت ~~أن تقتلني ؟ قال فتضاحكت وقلت : بلغ من مكره أن دس إليك هذا الأسدي ، لقد ~~علمت فيك حيلته ! ثم حركه بطنه فقام إلى الخلاء وقال : لا ترم ، فلما ولى ~~وثبت وخرجت مسرعا ، فقال الحاجب : أسرعت . قلت : نعم في حاجة للأمير ، ~~وركبت فرسي فرأيت القوم قد وافوا كلهم إلا الأسدي ، فعلمت أنه صاحبي ، فلما ~~خرج سأل عني فأخبر بمضيي ، فوجه خيلا في طلبي ، فمال اليربوعيون فدفعهم ، ~~ومضيت حتى صرت إلى المصمغان وكتبت إلى أبي جعفر المنصور كتابا مكشوفا ، ~~فكتب : إني قد عرفت ما وصفته وقد صح الأمر ، ثم كتب إلى خازم بن خزيمة فصار ~~إليه حتى أخذه . علي بن بريهة الهاشمي قال : قال صاحب عذاب أبي جعفر : ~~دعاني أبو جعفر المنصور ذات يوم وإذا بين يديه جارية صفراء وقد دعا لها ~~بأنواع العذاب وهو يقول لها : ويلك اصدقيني فوالله ما أريد إلا الألفة ولئن ~~صدقتني لأصلن الرحم ولأتابعن البر إليه ، وإذا هو يسائلها عن محمد بن عبد ~~الله وهي تقول : ما أعرف مكانه ، ودعا بالدهق وأمر به فوضع عليها فلما كادت ~~نفسها أن تتلف قال : امسكوا عنها ، وكره ما رأى وقال لأصحاب العذاب ms128 : ما ~~دواء مثلها إذا صار إلى مثل حالها ؟ قالوا : الطيب تشمه والماء البارد يصب ~~على وجهها وتسقى السويق ، فأمر لها بذلك وعالج بعضه بيده وقال لأصحاب ~~العذاب : ألا أعلمتموني بما ينالها فأكف عنها ؟ قالوا : قد علمنا أنها لا ~~تقوى على هذا ولكنا هبناك ، فما زالوا يردون عليها نفسها حتى أفاقت ، وأعاد ~~عليها المسألة فأبت إلا الجحود ، فقال لها : أتعرفين فلانة الحجامة ؟ فاسود ~~وجهها وتغيرت ، فقالت : نعم يا أمير المؤمنين تلك في بني سليم ، قال : صدقت ~~، هي والله أمتي ابتعتها بمالي ورزقي يجري عليها في كل شهر وكسوة شتائها ~~وصيفها ، أمرتها أن تدخل منازلكم وتحجمكم وتتعرف أخباركم ، ثم قال : ~~أوتعرفين فلانا البقال ؟ قالت : نعم هو في بني فلان ، قال : هو والله ~~مضاربي بخمسة دنانير أمرته أن يبتاع بها كل ما يحتاج إليه من البيوع ~~فأخبرني أن أمة لكم يوم كذا وكذا من شهر كذا صلاة المغرب جاءت تسأله حناء ~~وورقا ، فقال لها : ما تصنيعن بهذا ؟ فقالت : كان محمد بن عبد الله في بعض ~~ضياعه بناحية البقيع وهو يدخل الليلة فأردنا هذا لتتخذ منه النساء ما يحتجن ~~إليه عند دخول أزواجهن من المغيب ، فأسقط في يدها وأذعنت بكل ما أراد . قيل ~~: وإن أبا جعفر كتب في حمل عبد الله بن الحسن وأهل بيته من المدينة إلى ~~PageV01P114 حضرته ، فلما أخرجوا كثر عليهم البكاء ، فقال عبد الله : ~~أفيقوا من البكاء وأوغلوا في الدعاء ، فإني أشهد الله على ما أردت من إحياء ~~الحق وإماتة الباطل ، فجرى القدر بما جرى ، فجدي الحسن والحسين قتلا بسم ~~وسيف ، فالحمد لله الذي جعل منايانا جهادا ولم يجعلها مهادا . وأخبرنا ~~إبراهيم بن السندي بن شاهك وكان من العلماء بأمر الدولة قال : قال لي ~~المأمون : نبئت أنك عالم بأمر الدولة ورجال الدعوة . قلت : ذلك الذي يلزمني ~~يا أمير المؤمنين بعد الفرض أن أعرف أيام موالي ومحاسن ساداتي ، قال : فهات ~~ما عندك ، ثم أنشأ يحادثني ويسائلني عن أمور خفية لم تخطر ببالي قط ، فكان ~~منها أن قال : ما اسم أم قحطبة بن ms129 شبيب ؟ قلت : لا أعلم ، قال : لبابة بنت ~~سنان . ثم قال : ما اسم أبي عون ؟ قلت : لا أدري ، قال : فلان . فوالله ما ~~زال يسائلني عن خفي أمر الدولة ولا يجد عندي جوابا ولا يزيدني على أن تبسم ~~، فكلما فعل ذلك زاد في عيني وضعفت عند نفسي ، قال فكان آخر ما قال : أخبرك ~~أن بعض أهلنا ذات يوم رأت وهي حامل متم كأنه أتاها آت في منامها فقال لها : ~~يولد في هذه الليلة خليفة ويموت خليفة ويستخلف خليفة ، فمات الهادي في تلك ~~الليلة واستخلف الرشيد وولدت أنا . وعن إبراهيم بن السندي بن شاهك قال : ~~لما اختار يحيى بن أكثم العشرة من الفقهاء وأحضرهم مجلس المأمون لمذاكرة ~~الفقه جعل له يوما في الجمعة يحضرون مجلسه ، فقال لي المأمون : يا إبراهيم ~~احضر فلست بدون أكبرهم ، فكنت أحضر ، وكان قد اختار من أيام الجمعة يوم ~~الثلاثاء ، قال : فحضرت يوما فلما أمسك المأمون عن المسائل نهض القوم ، ~~وكان ذلك إذنه بانصرافهم ، فوثبت معهم ، فقال بيده : مكانك يا إبراهيم ، ~~فقعدت وقام يحيى وساءه تخلفي ، فقال لي ودخل إبراهيم بن المهدي : هات ذكر ~~من في عسكرنا ممن يطلب ما عندنا بالرياء ، فقلت ما عندي ، وقال إبراهيم ما ~~عنده ، فقال : ما أرى عند أحد ما يبلغ إرادتي ، ثم أنشأ يحدث عن أهل عسكره ~~حتى والله لو كان قد أقام في رحل كل رجل حولا لما زاد على معرفته ، وقال : ~~إنه كان مما حفظت عنه في ثلب أصحابه أنه قال : تسبيح حميد الطوسي وصلاة ~~قحطبة وصيام النوشجاني ووضوء بشر المريسي وبناء مالك بن شاهك المساجد وبكاء ~~إبراهيم بن بريهة على المنبر وجمع الحسين بن قريش القيامي وقصص مرجا وصدقة ~~علي بن هشام وحملان إسحاق بن إبراهيم في سبيل الله وصلاة أبي رجاء الضحى ، ~~فقال لي رجل من عظماء العسكر حين خرجنا من الدار : هل رأيت أو سمعت قط أعلم ~~برعيته وأشد تنقيرا من هذا ؟ قلت : اللهم لا ! فحدثت بهذا الحديث بعض أهل ~~الخطر ، فقال : وما تصنع بهذا وقد PageV01P115 كتب إلى ms130 إسحاق بن إبراهيم في ~~الفقهاء بمعايبهم رجلا رجلا حتى إنه أعلم بما في منازلهم منهم ؟ قال : ~~وحدثنا سليمان بن علي النوفلي قال : سمعت عمرو بن مسعدة يقول : قال لنا ~~المأمون يوما من الأيام : من أنبل من تعلمون نبلا وأعفهم عفة ؟ قال : فقلنا ~~وأكثرنا ، فبعضنا مدحه وقرظه وقدمه على كل خليفة وإمام وعددنا ما نعرف من ~~مكارم الأخلاق ، فقال : ما كمال المناقب إلا لبني هاشم غير أنا لم نردها ~~ولا أردنا خلفاءها ، قال علي بن صالح : اعرف القصة في عمر بن الخطاب ، رحمه ~~الله ، فأشاح بوجهه وأعرض وذكر كلاما ليس من جنس هذا الكتاب فنذكره ، ثم ~~قال : ذاك والله أبو العباس عبد الله بن طاهر دخل مصر وهي كالعروس الكاملة ~~فيها خراجها وبها أموالها جمة ثم خرج عنها فلو شاء الله أن يخرج عنها بعشرة ~~آلاف ألف دينار لفعل ، ولقد كان لي عليه عين ترعاه ، فكتب إلي أنه عرضت ~~عليه أموال لو عرضت علي أو بعضها لشرهت إليها نفسي ، فما علمته خرج عن ذلك ~~البلد إلا وهو بالصفة التي قدمه فيها إلا مائة ثوب وحمارين وأربعة أفراس ، ~~فمن رأى أو سمع بمثل هذا الفتى في الإسلام ؟ فالحمد لله الذي جعله غرس يدي ~~وخريج نعمتي . وقال بشر بن الوليد : كان والله المأمون الملك حقا ، ما رأيت ~~خليفة قط كان الكذب عليه أشد منه على المأمون ، وكان يحتمل كل آفة تكون ~~بالإنسان إلا الكذب ، قال فقال لي يوما : صف لي أبا يوسف القاضي فإني لم ~~أره ، فوصفته له ، فاستحسن صفته وقال : وددت أن مثل هذا بحضرتنا فنتزين به ~~، ثم أقبل علي وقال : ما في الخلافة شيء إلا وأنا أحسن أن أدبره وأبلغ منه ~~حيث أريد وأقوى عليه إلا أمر أصحابك ، يعني القضاة ، وما ظنك بشيء يتحرج ~~منه علي بن هشام ويتوقى سوء عاقبته ويكالب عليه الفقهاء وأهل التصنع ؟ قال ~~قلت : يا أمير المؤمنين ما أدري ما تقصده فأجيب عنه ! قال : لكني أدريه ~~وأدريك ولا والله ما تجيبني عنه ولا فيه بجواب مقنع ، ثم ms131 قال : ولينا رجلا ~~أشرت به قضاء الأبلة وأجرينا عليه في الشهر ألف درهم وما له صناعة ولا ~~تجارة ولا كان له مال قبل ولايتنا إياه . . . . . . وولينا رجلا آخر قضاء ~~دمشق وأجرينا عليه ألف درهم في الشهر أشار به إلي محمد بن سماعة ، فأقام ~~بها أربعة عشر شهرا ، فوجهنا من يتبع أمواله في السر والعلانية ويتعرف حاله ~~، فأخبر أنه وجد ما ظهر من ماله في هذا المقدار من دابة وغلام وجارية وفرش ~~وأثاث قيمته ثلاثة آلاف دينار ، وولينا رجلا أشار به إلي فلان نهاوند فأقام ~~بها أربعة وعشرين شهرا ، فوجهنا من يتبع أمواله فأخبرنا أن في منزله خدما ~~PageV01P116 وخصيانا بقيمة ألف وخمس مائة دينار سوى نتاج قد اتخذه ، فهات ~~ما عندك من الجواب ! فقلت : ما عندي يا أمير المؤمنين جواب ، قال : ألم ~~أعلمك ؟ ثم قال : وأكبر من هذا وأطم أني فزعت إلى علي بن هشام في رجل أوليه ~~القضاء فقال : قد أصبت واحدا والله يشهد أنه سرني ورجوت أن يكون بحيث أحب ، ~~قلت : فاغد به علي ، قال : أفعل ، ثم غدا ، فقلت : أين الرجل ؟ فقال : لم ~~أجده في الفقه بالموضع الذي يجب أن يتصل صاحبه بأمير المؤمنين ، قال : ~~فأنكرت عليه وأظهرت الغضب ، فقال : يا أمير المؤمنين إن الرجل الذي ذكرته ~~لك بالأمس هو علي بن مقاتل وكان عندي من أهل العفاف والستر ، فانصرفت ~~بالأمس على أن أحضره ، فوجهت إليه وأنا لا أشك أنه سيظهر الكراهية في ما ~~أراد له أمير المؤمنين وإن كان يستبطن غيرها ويستعفي كفعل من يتصنع أو يكره ~~ذلك بالحقيقة ، فلما جاءني ألقيت إليه الذي أردته له فما تمالك أن وثب فقبل ~~رأسي ، فعلمت أنه لا خير عنده وأنه لو كان من أهل الفضل والخير لعد الذي ~~دعي إليه إحدى المصائب ، فلم أر لنفسي أن أحضره ولا أن يستعان بمثله ، فقلت ~~: جزاك الله خيرا عن إمامك أحسن ما جزى امرأ عن إمامه وهم دينك ونفسك ، قال ~~بشر : فبهت وانقطعت ولم أحر كلمة . . . . . فقال : لا ولكن إن أردت العفيف ~~النظيف ms132 الزاكي التقي الطاهر فقاضي الري هو بالحالة التي فارقته عليها والله ~~ما غير ولا بدل ، فأما قولكم في يحيى بن أكثم فما ندري ما عيبه إلا أن ~~ظاهره أنه أعف خلق الله عن الصفراء والبيضاء ، ميل إلينا من أموال الحشوية ~~أربع مائة ألف دينار ، فأي نفس تسخو بهذا ؟ قال بشر : فقلت يا أمير ~~المؤمنين ما لك في الخلفاء شبيه إلا عمر بن الخطاب فإنه كان يفحص عن عماله ~~وعن دفين أسرار حكامه فحصا شافيا ، فكان لا يخفى عليه ما يفيد كل امريء وما ~~ينفق ، وكان من نأى عنه كمن دنا منه في بحثه وتنقيره ، فقال المأمون : إن ~~أهم الأمور كلها أمور القضاة والحكام إذ كنا قد ألزمناهم النظر في الدماء ~~والأموال والفروج والأحكام فوددت أني أجد مائة حاكم وأني أجوع يوما وأشبع ~~يوما . حمدون بن إسماعيل النديم قال : حضر العيد فعبى المعتصم بالله خيله ~~تعبية لم يسمع بمثلها ولم ير لأحد من ولد العباس شبيه بها ، وأمر بالطريق ~~فمسح من باب قصره إلى المصلى ثم قسم ذلك على القواد وأعطى كل واحد منهم ~~مصافه ، فلما كان قبل الفطر بيوم حضر القواد وأصحابهم في أجمل زي وأحسن ~~هيأة فلزموا مصافهم منذ وقت الظهر إلى أن ركب المعتصم بالله إلى المصلى ، ~~فكان الموضع الذي وقع لإبراهيم بن المهدي من بعد الحرسي بحذاء مسجد ~~الخوارزمي وإبراهيم واقف وأصحابه في المصاف ، فلما أصبح المعتصم أمر ~~PageV01P117 القواد الذين لم يرتبوا في المصاف بالمصير إلى المصلى على ~~التعبية التي حدها ، ولبس ثيابه وجلس على كرسي ينتظر مضي القواد ، فلما ~~انقضى أمرهم تقدم إلى الرجالة في المسير بين يديه فتقدم منهم سبعة آلاف ~~ناشب من الموالي كل ثلاثمائة منهم في زي مخالف لزي الباقين وأربعة آلاف من ~~المغاربة وأمر الشيعة فكانوا وراءه بالأعمدة وعدتهم أربعة آلاف ، وركبت لا ~~أدري منزلتي أين هي ولا أعرف مرتبتي ولم أعلم أين أسير من الموكب ، فلما ~~وضع رجله في الركاب واستوى على سرجه التفت إلي وقال : يا حمدون كن أنت خلفي ms133 ~~، فلزمت مؤخر دابته ، فلما خرج من باب القصر تلقاه القواد وأصحاب المصاف ~~يخرج الرجل من مصافه فإذا قرب نزل وسلم عليه بالخلافة فيأمره بالركوب ويمضي ~~حتى وصل إلى إبراهيم بن المهدي فنزل وسلم عليه بالخلافة فرد عليه السلام ~~فقال : كيف أنت يا إبراهيم وكيف حالك وكيف كنت في أيامك ؟ اركب ، فركب ، ~~فلما جاوزه التفت إلي فقال : يا حمدون ! قلت : لبيك يا أمير المؤمنين ! قال ~~: تذكر ، قلت : أي والله يا سيدي ، وأمسك ، فنظرت في ما قال فلم أجدني أذكر ~~شيئا في ذلك الموضع مما يشبه ما كنا فيه ، فنغص علي يومي وما رأيت من حسنه ~~وسروري بالمرتبة التي أهلني بها ، وقلت : الخلفاء لا يعاملون بالكذب ولا ~~يجوز أن يسألني عند انصرافي عن هذا الأمر فلا يكون له عندي جواب ولا حقيقة ~~، وتخوفت أن ينالني منه مكروه ، فلم أزل واجما في طريقي إلى وقت انصرافه ثم ~~أجمعت على مغالطته إن أمكنني وأعمل الحيلة في التخلص إن يسألني ، فلما ~~استقر في مجلسه وبسط السماط وجلس القواد على مراتبهم للطعام أقبلت أخدم ~~وأختلف ليست لي همة غير ما كان قاله لي لا أغفل عن ذلك حتى انقضى أمر ~~السماط ورفع الستر ونهض أمير المؤمنين ودخل الحجرة ومضى إلى المرقد ، فلم ~~ألبث أن جاء الخادم وقال لي : أجب أمير المؤمنين ، فمضيت فلما دخلت ضحك إلي ~~وقال : يا حمدون رأيت ؟ قلت : نعم يا سيدي قد رأيت ، فالحمد لله الذي بلغ ~~بي هذا اليوم وأرانيه فما رأيت ولاسمعت لأحد من الخلفاء والملوك بأجل منه ~~ولا أبهى ولا أحسن ، قال : ويحك رأيت إبراهيم بن المهدي ؟ قلت : نعم يا ~~سيدي ، قال : رأيت سلامه علي وردي عليه ونزوله إلي ؟ قلت : نعم ، فقال : ~~إنه لما كان من أمره ما كان ، يعني الخلافة ، قسم الطريق في يوم عيد من ~~منزله إلى المصلى كقسمتي إياه في هذا اليوم بين قواده ، فوقع موضعي منه ~~الموضع الذي كان به هذا اليوم ، فلما حاذاني نزلت فسلمت عليه فرد علي مثل ~~ما رددته حرفا حرفا على ما ms134 قال لي ، قال : فدعوت له وانفرج عني ما كنت فيه ~~وتخلى عني الغم والكرب ، ثم قال : يا حمدون إني لم آكل شيئا وأنا أنتظر أن ~~تأكل معي فامض إلى حجرة الندماء فإنك تجد إبراهيم هناك PageV01P118 فاجلس ~~إليه وعابثه وضاحكه وأجر له هذا الحديث وقل له إنك رأيته في ذلك اليوم فعل ~~بي فعلي به في هذا اليوم وانظر إلى وجهه وكلامه وما يكون منه فعرفنيه على ~~حقيقته واصدقني عنه وعجل ولا تحتبس ، قلت : نعم يا سيدي ، فمضيت وقد دفعت ~~إلى أغلظ مما كنت فيه لعلمي بأن إبراهيم لو كان من حجر لأثر فيه هذا القول ~~وتغير وظهر منه ما يكره ، وخفت أن يكون يأتي بما يسفك به دمه فمضيت حتى ~~دخلت الحجرة فجلست إلى إبراهيم وفعلت ما أمرني به وأنا مبادر خوفا من خادم ~~يلحقني أو رسول فلا يمكنني معه تحسين الأمر وما يظهر لي منه ، فقلت ~~لإبراهيم : كيف رأيت يا سيدي هذا اليوم ، أما أعجبك حسنه وما كان من تعبية ~~أمير المؤمنين ؟ قال : بلى والله إنه أعجبني فالحمد لله الذي بلغنيه ~~وأرانيه ، وأطنب في الدعاء للمعتصم ، فلما أمسك قلت : يا سيدي أذكرك في ~~أيامك وقد ركبت فعبيت شبيها بهذه التعبية وقسمت الطريق مثل هذه القسمة فوقع ~~لأمير المؤمنين الموضع الذي وقع لك واجتزت به فنزل إليك وسلم فرددت عليه ~~كرده عليك في هذا اليوم ، قال : فوالله إن كان إلا أن قلت حتى اربد لونه ~~وجف ريقه واعتقل لسانه وبقي لا يتكلم بحرف مليا ، ثم قال بلسان ثقيل : ~~لكأني في ذلك الموضع في ذلك اليوم ، فالحمد لله للذي رأيته لأمير المؤمنين ~~، فعل الله به وفعل ، قال : فتغنمت ذلك وقمت وأنا ألتفت ونهضت حتى أتيت ~~المعتصم ، فقال لي : هيه يا حمدون ! فقلت : يا أمير المؤمنين أتيت إبراهيم ~~وقلت له ما أمرتني به فأظهر سرورا ودعاء وقال كيت وكيت ، فقال : والله قال ~~بحياتي ؟ قلت : وحياتك يا أمير المؤمنين ، قال : فكيف رأيت وجهه ؟ فلم أدر ~~ما أقول فقلت : يا أمير المؤمنين بالله لما ms135 تركتني من وجه عمك الذي لا ~~يتبين فيه فرح ولا حزن ، فاستضحك ثم أمسك وتخلص إبراهيم ، ودعا بالطعام ~~فأكلنا ثم رقد ، فلما انتبه وجلس دعا بإبراهيم وسائر الندماء فشرب وبر ~~إبراهيم وألطفه . قع لك واجتزت به فنزل إليك وسلم فرددت عليه كرده عليك في ~~هذا اليوم ، قال : فوالله إن كان إلا أن قلت حتى اربد لونه وجف ريقه واعتقل ~~لسانه وبقي لا يتكلم بحرف مليا ، ثم قال بلسان ثقيل : لكأني في ذلك الموضع ~~في ذلك اليوم ، فالحمد لله للذي رأيته لأمير المؤمنين ، فعل الله به وفعل ، ~~قال : فتغنمت ذلك وقمت وأنا ألتفت ونهضت حتى أتيت المعتصم ، فقال لي : هيه ~~يا حمدون ! فقلت : يا أمير المؤمنين أتيت إبراهيم وقلت له ما أمرتني به ~~فأظهر سرورا ودعاء وقال كيت وكيت ، فقال : والله قال بحياتي ؟ قلت : وحياتك ~~يا أمير المؤمنين ، قال : فكيف رأيت وجهه ؟ فلم أدر ما أقول فقلت : يا أمير ~~المؤمنين بالله لما تركتني من وجه عمك الذي لا يتبين فيه فرح ولا حزن ، ~~فاستضحك ثم أمسك وتخلص إبراهيم ، ودعا بالطعام فأكلنا ثم رقد ، فلما انتبه ~~وجلس دعا بإبراهيم وسائر الندماء فشرب وبر إبراهيم وألطفه . # | مساوئ التيقظ وتركه # قيل لبعض بني أمية : ما كان سبب زوال ملكهم ؟ فقال : قلة التيقظ وشغلنا ~~بلذاتنا عن التفرغ لمهماتنا ووثقنا بكفاتنا فآثروا موافقهم علينا وظلم ~~عمالنا رعيتنا ففسدت نياتهم لنا وحمل على أهل خراجنا فقل دخلنا وبطل عطاء ~~جندنا فزالت طاعتهم لنا واستدعاهم أعداؤنا فأعانوهم علينا وقصدنا بغاتنا ~~فعجزنا عن دفعهم لقلة نصارنا ، وكان أول زوال ملكنا استتار الأخبار عنا ~~فزال ملكنا عنا بنا . PageV01P119 # | محاسن الرسل # يقال إن ملوك العجم كانت إذا احتاجت إلى أن تختار من رعيتها من تجعله ~~رسولا تمتحنه أولا بأن توجهه إلى بعض خاصتها ثم تقدم عينا على الرسول يحضر ~~ما يؤديه من الرسالة ويكتب كلامه ، فإذا رجع الرسول بالرسالة جاء العين بما ~~كتب من ألفاظه وأجوبته فقابل بها الملك ألفاظ ذلك الرسول فإن اتفقت معانيها ~~عرف بها الملك صحة عقله وصدق ms136 لهجته ثم جعله رسولا إلى عدوه وجعل عليه عينا ~~يحفظ ألفاظه ويكتبها ثم يرفعها إلى الملك فإن اتفق كلام الرسول وكلام عين ~~الملك وعلم أن رسوله قد صدقه عن عدوه ولم يزد عليه جعله رسولا إلى ملوك ~~الأمم ووثق به ثم بعد ذلك يقيم خبره مقام الحجة ويصدق قوله . وكان أردشير ~~يقول : كم من دم سفكه الرسول من غير حله ولا حقه وكم من جيوش قد قتلت ~~وعساكر قد انتهكت ومال قد انتهب وعهد قد نقض بجناية الرسول وأكاذيبه ، وكان ~~يقول : على الملك إذا وجه رسولا إلى ملك آخر أن يردفه بآخر وإن وجه رسولين ~~أتبعهما بآخرين ، وإن أمكنه أن لا يجمع بينهما في طريق ولا ملاقاة وألا ~~يتعارفا فيتفقا ويتواطآ في شيء فعل ، ثم عليه إن أتاه رسول بكتاب أو رسالة ~~من ملك في خير أو شر أن لا يحدث حدثا في ذلك حتى يكتب إليه مع رسول آخر ~~ويحكي به كتابه الأول حرفا حرفا ، فإن الرسول ربما خرم ما أملي عليه وافتعل ~~الكتب وحرض المرسل على المرسل إليه وأغراه به وكذب عليه ، ومنها قال أبو ~~الأسود وقد سمع رجلا ينشد : إذا كنت في حاجة مرسلا . . . فأرسل حكيما ولا ~~توصه فقال : قد أساء القول ، أيعلم الغيب ؟ إذا لو يوصه كيف يعلم ما في ~~نفسه ؟ ألا قال : إذا أرسلت في أمر رسولا . . . فأفهمه وأرسله أديبا ولا ~~تترك وصيته لشيء . . . وإن هو كان ذا عقل أريبا وإن ضيعت ذاك فلا تلمه . . ~~. على أن لم يكن علم الغيوبا وقال يحيى بن خالد البرمكي : ثلاثة أشياء تدل ~~على عقول الرجال : الهدية والرسول والكتاب . | PageV01P120 # | مساوئ الرسول # وحكي عن الإسكندر أنه وجه رسولا إلى بعض ملوك المشرق فجاءه رسوله برسالة ~~فشك في حرف منها فقال له الإسكندر : ويحك إن الملوك لا تخلو من مقوم ومسدد ~~إذا مالت بطانتها وقد جئتني برسالة صحيحة الألفاظ بينة العبارة غير أن فيها ~~حرفا ينقضها ، أفعلى يقين أنت من هذا الحرف أو أنت شاك فيه ؟ فقال الرسول : ~~بل على يقين ms137 ، قال : فأمر الإسكندر أن تكتب ألفاظه حرفا حرفا وتعاد إلى ~~الملك مع رسول آخر فيقرأ عليه ويترجم له ، فلما قرأ الكتاب على الملك فمر ~~بذلك الحرف أنكره فقال للمترجم : ضع يدي على هذا الحرف ، فوضعها ، فأمر أن ~~يقطع ذلك الحرف بسكين ، فقطع من الكتاب ، وكتب إلى الإسكندر : رأس المملكة ~~صحة فطنة الملك وأس الملك صدق لهجة رسوله إذ كان عن لسانه ينطق وإلى أذنه ~~يؤدي ، وقد قطعت بسكيني ما لم يكن من كلامي إذ لم أجد إلى قطع لسان رسولك ~~سبيلا ، فلما جاء الرسول بهذا إلى الإسكندر دعا الرسول الأول فقال : ما ~~حملك على كلمة أردت بها فساد ملكين ؟ فأقر الرسول أن ذاك كان لتقصير رآه من ~~الموجه إليه ، قال الإسكندر : فأراك سعيت لنفسك لا لنا فلما فاتك بعض ما ~~أملت جعلت ذلك نارا في الأنفس الخطيرة الرفيعة ! ثم أمر بلسانه فنزع من ~~قفاه . # | محاسن الحجاب # يقال إن ملوك العجم كانت تأخذ أبناءها بأن يعاملوها بما تعامل به عبيدها ~~، وأن لا يدخل أحد من الولد عليها إلا عن إذنها ، وأن يكون الحجاب عليهم ~~أغلظ منهم على من دونهم من بطانتها وخدمها لئلا تحملهم الدالة على تعدي ~~ميزان الحق ، فإنه يقال إن يزدجرد رأى بهرام بموضع لم يكن له فقال له : ~~مررت بالحاجب ؟ قال : نعم ، قال : وعلم بدخولك ؟ قال : نعم ، قال : فاخرج ~~إليه فاضربه ثلاثين سوطا ونحه عن الستر ووكل بالحجاب أزاذمرد ، ففعل بهرام ~~ذلك وهو إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة ، ولم يعلم الحاجب فيم غضب عليه الملك ، ~~فلما جاء بهرام بعد ذلك ليدخل دفع أزاذمرد في صدره دفعة أوقذه منها وقال له ~~: إن رأيتك بهذا الموضع ضربتك ستين سوطا لجنايتك على الحاجب الأول وثلاثين ~~لئلا تطمع في الجناية علي ، فبلغ ذلك يزدجرد فدعا بازاذمرد فخلع عليه ووصله ~~. ويقال : إن يزيد بن معاوية كان بينه وبين أبيه باب ، فكان إذا أراد ~~الدخول عليه قال PageV01P121 لبعض جواريه : انظري هل تحرك أمير المؤمنين ، ~~فجاءت الجارية حتى فتحت الباب ومعاوية قاعد في حجره ms138 مصحف وبين يديه جارية ~~تصفح عليه ، فأخبرت يزيد بذلك ، فجاء يزيد حتى دخل على معاوية ، فقال : يا ~~بني إنما جعلت بيني وبينك بابا كما بيني وبين العامة لتدخل علي وقت إذنك ~~فهل ترى أحدا يدخل علي من ذلك الباب ؟ قال : لا ، قال : فكذلك إذنك . ~~وذكروا أن موسى الهادي دخل على المهدي وهو خليفة فزبره الحاجب وقال : إياك ~~أن تعود إلى مثلها إلا بإذن أمير المؤمنين لخاصته . وذكروا أن المأمون لما ~~اشتد به الوجع سأل بعض بنيه الحاجب أن يدخله عليه ليراه ، فقال : لا والله ~~ما لي إلى ذلك سبيل ولكن إن شئت أن تراه من حيث لا يراك فاطلع عليه من ثقب ~~في ذلك الباب ، فجاء حتى اطلع عليه وتأمله وانصرف . وحكي عن إيتاخ أنه بصر ~~بالواثق في حياة المعتصم واقفا في موضع لم يكن له أن يقرب منه ولا أن يقف ~~به فزبره وقال : تنح فوالله لولا أني لم أتقدم إليك لضربتك مائة سوط . ~~وكانت الأعاجم تقول : ما شيء بأضيع للملكة ولا أضيع للرعية من صعوبة الحجاب ~~، ولا شيء أهيب للرعية من سهولة الحجاب ، لأن الرعية إذا وثقت من الوالي ~~بسهولة الحجاب أحجمت عن الظلم ، وإذا وثقت منه بصعوبة الحجاب هجمت على ~~الظلم وركب القوي منهم الضعيف ، فخير خلال السلطان سهولة الحجاب . قال : ~~وقال خالد بن عبد الله القسري : لا يحجب الوالي إلا لثلاث خصال : إما رجل ~~عي فهو يكره أن يعرف الناس منه ذلك ، وإما رجل مشتمل على سوءة فهو يكره أن ~~يطلع الناس على ذلك فيه ، وإما رجل يكره مسألة الناس إياه . قيل : واستأذن ~~أبو سفيان بن حرب على عثمان بن عفان ، رحمه الله ، فحجبه ، فقيل له : حجبك ~~أمير المؤمنين ، فقال : لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني . قال : وقال ~~الرشيد لبشر بن ميمون لما ولاه الحجبة : يا بشر صن طلاقة اسمك بحسن فعلك ~~واحجب عني من إذا قعد أطال وإذا طلب أجال فكره ، ولا تستخفن بذوي المروءة ~~والحرمة فإنهم إن مدحوا تلبوا وإن ذموا أزالوا ms139 . وذكروا عن الربيع الحاجب ~~أن المنصور دعا محمد بن عيسى بن علي إلى الغذاء فقال : يا أمير المؤمنين قد ~~أكلت ، فلما خرج أخذه الربيع وحمله على ظهر رجل وضربه كما يضرب PageV01P122 ~~الصبيان ، فظن أهل بيته أن المنصور أمره بذلك ، فخرج يبكي إلى أبيه ، فجاء ~~أبوه عيسى بن علي فخلع سيفه بين يدي المنصور وصاح ، فقال : ما أمرت بذلك ~~ولم يفعل الربيع ذلك إلا لأمر ، فلما سئل الربيع عن ذلك قال : أمرته أن ~~يتغدى معك فقال قد أكلت ، وإنما دعوته لتشرفه وترفع منه ولم تدعه لتشبعه ، ~~فأدبته إذ لم يؤدبه أبوه ، فقال المنصور : أحسنت ! قد علمت أنك لا تخطيء . ~~قال : وقال المهدي للفضل بن الربيع حين ولاه الحجبة : إني موليك ستر وجهي ~~وكشفه فلا تجعل الستر بيني وبين الناس سبب إراقة دمائهم بعبوس وجهك في ~~وجوههم فإن لهم دالة الحرمة وحرمة الاتصال وقدم أبناء الدعوة وثن بالأولياء ~~واجعل للعامة وقتا إذا وصلوا أعجلهم ضيقه عن التلبث والتمكث ، وكان أول من ~~حجبه الحسن بن عثمان ثم الفضل بن الربيع ، وكان الهادي ولى حجبته الفضل بن ~~الربيع بعد الربيع وقال له : لا تحجب عني الناس فإن ذلك يزيل عني التزكية ، ~~ولا تلق إلي أمرا إذا كشفته وجدته باطلا فإن ذلك يوهن الملك ويضر بالرعية . ~~قيل : وقال الواثق لابن أبي دؤاد : من أولى الناس بالحجبة ؟ فقال : مولى ~~شفيق يصون بطلاقة وجهه من ولاه ويستعبد الناس لمولاه ، فنظر إلى إيتاخ وكان ~~واقفا على رأسه فقال : قد ولاك أبو عبد الله الحجبة ، فكان إيتاخ يعرف ذلك ~~له ويتقدم بين يديه إلى أن يبلغ مرتبته . قال : وقال رجل لزياد : إن حاجبك ~~إنما يبدأ بالإذن لمعارفه ، فقال : قد أحسن ، المعرفة تنفع عند الكلب ~~العقور والأسد الهصور وبين لحيي البعير الصؤول ، كن من معارفه ، فقد قيل : ~~التعارف نسب وقبح الله معرفة لا تنفع . وكان ليحيى بن خالد حاجب قبل ~~الوزارة ، فلما صار إلى الوزارة رأى كأنه تثاقل عن حجابته فقيل له : لو ~~اتخذت حاجبا غيره ، قال : كلا ، هذا يعرف ms140 إخواني القدماء ، وقال الشاعر في ~~مثله : هش إذا نزل الوفود ببابه . . . سهل الحجاب مؤدب الخدام وإذا رأيت ~~شقيقه وصديقه . . . لم تدر أيهما أخو الأرحام وقال خيط القنديل في محمد بن ~~عبد الله بن طاهر : يا أيها الملك المحجوب آمله . . . وراء بابك هم غير ~~مشترك وكم أقول فلا يجدي فينجدني . . . ولا أرى مدنيا من قبة الملك ~~PageV01P123 وقد تحصن مني في محصنة . . . خلقاء خلف وشيج السمر والحسك ~~أصبحت كالشمس لا تخفى على أحد . . . لكن مطلعها في سرة الفلك يا ليت ريح ~~سليمان مسخرة . . . إليه تحملني أو منكبي ملك فلست دون أناس كان سهمهم . . ~~. سهم النجيح فنالوا غاية الدرك فإن ظلمت ولم أنصف فقد ظلمت . . . بنت ~~النبي كما قد قيل في فدك # | مساوئ الحجبة # قال ثمامة : جلس المأمون يوما وقد حضر الناس فأمر علي بن صالح بإدخال ~~إسماعيل بن موسى فغلط وأدخل إسماعيل بن جعفر ، وكان المأمون من أشد الناس ~~له بغضا فرفع يده إلى السماء فقال : اللهم ابدلني بعلي بن صالح مطيعا ناصحا ~~فإنه بصداقته لهذا آثر هواه على هواي ، فلما دنا قبل يده ، فقال : هات ~~حوائجك ، فقال : ضيعتي بالفتنة قهرتها وغصبت عليها ، فأمر بردها عليه ثم ~~قال : اذكر حاجتك ، فقال : دين كثير قد لحقني في جفوة أمير المؤمنين إياي ، ~~فأمر بقضاء دينه ، وقال : حاجتك ؟ قال : يأذن لي أمير المؤمنين في الحج ؟ ~~قال : قد أذنا لك ، وحاجتك أيضا ؟ قال : وقف أبي كان في يدي فأخرج عني ، ~~قال : يرد عليك إن رضي ورثة أبيك ، ثم قال : الذي أمكننا في أمرك قد جدنا ~~به ووقف أبيك إلى ورثته ، ثم قال لعلي بن صالح : يا عبد الله ما لي ولك ! ~~متى رأيتني أنشط لإسماعيل بن جعفر وهو صاحبي بالأمس بالبصرة ؟ قال : يا ~~أمير المؤمنين ذهب عني إسماعيل بن موسى ، قال : ذهب عنك ما كان يجب عليك ~~حفظه وحفظت ما كان يجب أن لا تحفظه ، فأما إذ أخطأت فلا تعلم إسماعيل بن ~~جعفر القصة ، فظن أنه عنى إسماعيل بن موسى فأخبر إسماعيل بن جعفر حرفا حرفا ms141 ~~فأذاعها إسماعيل وبلغ المأمون فقال : الحمد لله الذي وهب لي هذه الأخلاق ~~التي أحتمل عليها علي بن صالح وأبا عمران الطوسي وحميد بن عبد الحميد ~~ومنصور بن النعمان . وحدثنا مسعود بن بشر عن ابن داحة قال : خرج إلينا ~~يعقوب بن داود من عند المهدي ونحن على بابه فقال : ما صدر هذا البيت : ~~ومحترس من مثله وهو حارس فإن أمير المؤمنين سأل عنه فلم يكن عند أحد منهم ~~جواب . فقلت : أنا أخبرك ، قال البردخت الشاعر ، والبردخت الفارغ بالفارسية ~~: PageV01P124 أقلي عليك يا اللوم يا أم مالك . . . وذمي زمانا ساد فيه ~~الفلافس كساع إلى السلطان ليس بناصح . . . ومحترس من مثله وهو حارس الفلافس ~~من بني نهشل بن دارم كوفي وكان على شرطة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة ~~المخزومي ، وقال الأشهب بن رميلة النهشلي : يا حار يا ابن أبي ربيعة إنه . ~~. . يزني إذا اختلط الظلام ويشرب جعل الفلافس حاجبين لبابه . . . سبحان من ~~جعل الفلافس يحجب فدعا به الحارث وقال : قد علمت أنه كذب عليك ولكن لا حاجة ~~لي فيك فاخرج عني ، وقال الشاعر في مثله : سأترك هذا الباب ما دام إذنه . . ~~. على ما أرى حتى تلين قليلا إذا لم نجد للإذن عندك موضعا . . . وجدنا إلى ~~ترك المجيء سبيلا وقال آخر : سأترك بابا أنت تملك إذنه . . . وإن كنت أعمى ~~عن جميع المسالك فلولا كنت بواب الجنان تركتها . . . وحولت رجلي مسرعا نحو ~~مالك وكتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف : لئن عدت بعد اليوم إني لظالم . ~~. . سأصرف وجهي حيث تبغي المكارم متى ينجح الغادي لديك بحاجة . . . ونصفك ~~محجوب ونصفك نائم وكتب رجل إلى عبد الله بن طاهر : إذا كان الجواد له حجاب ~~. . . فما فضل الجواد على البخيل فأجابه : إذا كان الجواد قليل مال . . . ~~ولم يقدر تعلل بالحجاب وكتب عبد الله بن محمد بن أبي عيينة إلى صديق له : ~~أتيتك زائرا لقضاء حق . . . فحال الستر دونك والحجاب ولست بساقط في قدر قوم ~~. . . وإن كرهوا كما يقع الذباب وقال آخر : وأحضر باب إبراهيم جهلا . . . ~~بما فيه ms142 وأرشو الحاجبين PageV01P125 فأخرج إن خرجت بغير شيء . . . وأدخل إن ~~دخلت بدرهمين وقال آخر : يدل على أنه كاتب . . . سواد بأظفاره راتب فإن كان ~~هذا دليلا له . . . فإسكافنا كاتب حاسب حجاب شديد لأبوابه وليس لباب استه ~~حاجب وقال آخر : لقلع ضرس وضنك حبس . . . ونزع نفس ورد أمس وأكل كف وضيق خف ~~. . . وفقد إلف وإلف فلس وقود قرد ونسج برد . . . ودبغ جلد بغير شمس وشرب ~~سم وقتل عم . . . وكل غم ويوم نحس ونفخ نار وحمل عار . . . وبيع جار بربع ~~فلس أيسر من وقفة بباب . . . يلقاك بوابه بعبس وقال : لما رأيتك ذاهبا . . ~~. ورأيتني أجفى ببابك عديت رأس مطيتي . . . وحجبت نفسي عن حجابك وقال آخر : ~~لئن كان التشرف في الحجاب . . . لقد أصبحت في الشرف اللباب لقد عاتبت نفسي ~~في وقوفي . . . فقلت لها : وقفت بأي باب بباب تسلب الموتى عليه . . . ~~ويستلب العراق من الكلاب ؟ منصور بن باذان : أما وزمر ابن شيبه . . . وقبح ~~لحية عقبه كأنما شعر قرد . . . ملصق حول ذنبه ووجهه حين يبدو . . . كقبح ~~أول شربه لئن أطلت حجابي . . . ما أنت إلا ابن قحبه وكيف تبني المعالي . . ~~. يا نجل كلب لكلبه وهل يكون كريما . . . يا قوم حمال قربه ! وله : يا ذا ~~الذي قصر في مجده . . . وزاد في عدة حجابه PageV01P126 أقسمت لا أقرب باب ~~امريء . . . يحجبني البواب عن بابه فأدخل الله رؤيس امريء . . . يحجب مثلي ~~في است بوابه ولأبي عبد الله مريقة في علي بن أحمد المعروف بابن الحواري ~~شاعر وكان حجبه فتعرض له وقد ركب فقال : أسل الذي صرف الأعن . . . ة ~~بالمواكب نحو بابك وأراك نفسك دائما . . . ما لم يكن لك في حسابك وأذل ~~موقفي العزي . . . ز علي في أقصى رجائك ألا يطيل تجرعي . . . غصص المنية من ~~حجابك # | محاسن الولايات # قال إبراهيم بن السندي : بعث إلي المأمون فأتيته فقال : يا إبراهيم إني ~~أريدك لأمر جليل والله ما شاورت فيه أحدا ولا أشارك بك أحد ، فاتق الله ولا ~~تفضحني ، فقلت : يا سيدي لو كنت شر خلق الله ما تركت موضع قادح فكيف ونيتي ~~في طاعة أمير المؤمنين ms143 نية العبد الذليل لمولاه ؟ قال : قد رأيت أن أوليك ~~خبر ما وراء باب داري فانظر أن تعمل بما يجب عليك لله جل وعز ولي ولا تراقب ~~أحدا ، فقلت : يا سيدي فإني أستعين بالله عز وجل على مرضاته ومرضاتك ، ~~فبعثت أصحاب الأخبار في الأرباع ببغداد فرفع إلي بعضهم أن صاحب ربع الحوض ~~أخذ امرأة مسلمة مع رجل نصراني من تجار الكرخ فافتدى نفسه بألف دينار ، ~~فرفعت إليه ذلك فدعا عبد الله بن طاهر فقال له : انظر في هذا الذي رفعه إلي ~~صاحب الخبر ، فقرأه وقال : رفع يا أمير المؤمنين الباطل والزور وأغراه بي ~~فعمل قوله في وملأ قلبه ، فبعث إلي وقال : يا إبراهيم ترفع إلي الكذب ~~وتحملني على عمالي ؟ فكتبت رقعة دفعتها إلى فتح الخادم ليوصلها إليه قلت ~~فيها : إنما يحضر الأخبار في الأرباع المرأة والطفل وابن السبيل وغير ذلك ، ~~ولو كانت الأخبار لاترفع إلا بشهود عدول ما صح خبرولا كتب به ، ولكن مجرى ~~الأخبار أن يحضرها قوم على غير توطؤ ، فإن أمرني أمير المؤمنين أن لا أكتب ~~إليه بخبر إلا بعدول وبرهان فعلت ذلك ، وعلى هذا فلا يرتفع في السنة خبر ~~واحد . فلما قرأ الرقعة فكر فيها ليلته وجاءني رسوله مع طلوع الشمس ، ~~فأتيته من باب الحمام فلما رآني قال : اطمأنن . وقام فصلى ركعتين أطال ~~فيهما ثم سلم والتفت إلي وليس في المجلس غيري فقال : يا إبراهيم إنما قمت ~~للصلاة ليسكن PageV01P127 بهرك ويقوى متنك ويفرخ روعك فتمكن في قعودك ، ~~وكنت قاعدا على ركبتي ، فقلت : لا أضع قدر الخلافة يا سيدي ولا أجلس إلا ~~جلوس العبد بين يدي مولاه . ثم قام فصلى ركعتين دون الأوليين ثم قال : هذه ~~رقعتك تحت رأسي قد قرأتها أربع مرات وقد صدقت في ما كتبت به ولكني امرؤ ~~أداري عمالي مداراة الخائف وبالله ما أجد إلى أن أحملهم على المحجة البيضاء ~~سبيلا ، فاعمل على حسب ذلك ولن لهم تسلم منهم وفي حفظ الله إذا شئت . ~~فانصرفت فدعوت أصحاب الأخبار فتقدمت إليهم في مداراة القوم والرفق بهم ms144 ~~واللين لهم . وعن إسحاق بن أيوب بن جعفر بن سليمان قال : دخل محمد بن واضح ~~دار المأمون وخلفه أكثر من خمسمائة راكب كلهم راغب إليه وراهب منه ، وهو إذ ~~ذاك يلي أعمالا من أعمال السواد ، فدعا به المأمون فقال : يا أمير المؤمنين ~~اعفني من عمل كذا وكذا فإنه لا قوة لي عليه ، فقال : قد أعفيتك ، واستعفى ~~من عمل آخر وهو يظن أنه لا يعفيه فأعفاه حتى خرج من كل عمل في يده في أقل ~~من ساعة وهو قائم على رجله ، فخرج وما في يده شيء من عمله ، فقال المأمون ~~لسلم الحوائجي : إذا خرج فانظر إلى موكبه واحص من معه ، وكان المأمون قد ~~رآه من مستشرف له حين أقبل ، فخرج سالم وقد استفاض الخبر بعزله عن عمله ~~فنظر فإذا لا يتبعه إلا غلام له بغاشية ، فرجع إلى المأمون فأخبره ، فقال : ~~ويلهم لو تجملوا له ريثما يرجع إلى بيته كما خرج منه ! ثم تمثل فيهم : ومن ~~يجعل المعروف في غير أهله . . . يلاق الذي لاقى مجير أم عامر ثم قال : صدق ~~رسول الله وكان للصدق أهلا حين قال : لا تنفع الصنيعة إلا عند ذي حسب أو ~~دين . وذكروا أنه كان سبب عزل الحجاج عن الحجاز أنه وفد وفد منهم فيهم عيسى ~~بن طلحة بن عبيد الله على عبد الملك بن مروان فأثنوا على الحجاج وعيسى ساكت ~~، فلما قاموا ثبت عيسى حتى خلا له وجه عبد الملك فقام وجلس بين يديه فقال : ~~يا أمير المؤمنين من أنا ؟ قال : عيسى بن طلحة بن عبيد الله ، قال : فمن ~~أنت ؟ قال : عبد الملك بن مروان ، قال : أفجهلتنا أو تغيرت بعدنا ؟ قال : ~~وما ذاك ؟ قال : وليت علينا الحجاج يسير فينا بالباطل ويحملنا على أن نثني ~~عليه بغير الحق ، والله لئن أعدته علينا لنعصينك ، فإن قاتلتنا وغلبتنا ~~وأسأت إلينا قطعت أرحامنا ، ولئن قوينا عليك لنعصينك ملكك ! قال : فانصرف ~~والزم بيتك ولا تذكرن من PageV01P128 هذا شيئا ، قال : فقدم إلى منزله ~~وأصبح الحجاج غاديا على الوفد في منازلهم يجزيهم الخير ، ثم ms145 أتى عيسى بن ~~طلحة فقال : جزاك الله عن خلوتك بأمير المؤمنين خيرا فقد أبدلني بكم خيرا ~~لي منكم وأبدلكم بي غيري وولاني العراق . وعن الوضاحي عن معمر بن وهيب قال ~~: كان عبد الملك عندما استعفى أهل العراق من الحجاج بن يوسف قال لهم : ~~اختاروا أي هذين شئتم يعني أخاه محمد بن مروان أو ابنه عبد الله مكان ~~الحجاج ، فكتب إليه الحجاج : يا أمير المؤمنين إن أهل العراق استعفوا من ~~سعيد بن العاص إلى عثمان بن عفان فأعفاهم منه فساروا إليه من قابل فقتلوه ، ~~فقال عبد الملك : صدق ورب الكعبة ، وكتب إلى محمد وعبد الله بالسمع والطاعة ~~له . # | مساوئ الولايات # قال : كتب عبد الصمد بن المعذل إلى صديق له ولي النفاطات فأظهر تيها : ~~لعمري لقد أظهرت تيها كأنما . . . توليت للفضل بن مروان منبرا وما كنت أخشى ~~لو وليت مكانه . . . علي أبا العباس أن تتغيرا بحفظ عيون النفط أحدثت نخوة ~~. . . فكيف به لو كان مسكا وعنبرا دع الكبر واستبق التواضع إنه . . . قبيح ~~بوالي النفط أن يتكبرا قال : وسئل عمار بن ياسر عن الولايات فقال : هي حلوة ~~الرضاع مرة الفطام ، ولابن المعتز في مثله : كم تائه بولاية . . . وبعزله ~~يعدو البريد سكر الولاية طيب . . . وخمارها صفع شديد ولغيره : لا تجزعن فكل ~~وال يعزل . . . وكما عزلت فعن قريب يعزل إن الولاية لا تدوم لواحد . . . إن ~~كنت تنكره فأين الأول وكذا الزمان بما يسرك تارة . . . وبما يسوءك مرة ~~يتنقل # | محاسن بعد الهمة # قال : حدثنا أحمد بن إسحاق التستري قال : دخل أحمد بن أبي دؤاد على ~~الواثق فقال له الواثق : بالله يا أبا عبد الله إني حنثت في يمين فما ~~كفارتها ؟ فقال : مائة ألف دينار ، فقال PageV01P129 ابن الزيات : والله ما ~~سمعنا بهذا في الكفارات إنما قال الله جل وعز ، وتلا الآية في كفارة ~~الأيمان ، فقال : تلك كفارة مثله في بعد همته وجلالة قدره أو مثل آبائه ، ~~إنما تكون كفارة اليمين على قدر جلال الله من قلب الحالف بها ولا نعلم أحدا ~~الله جل وعز في قلبه أجل ms146 من أمير المؤمنين فقال الواثق : تحمل إلى أبي عبد ~~الله يتصدق بها . قال : ودعا يحيى بن خالد البرمكي ابنه إبراهيم يوما وكان ~~يسمى دينار بني برمك لجماله وحسنه ودعا بمؤدبه وبمن كان ضم إليه من كتابه ، ~~وأجابه ، فقال : ما حال ابني هذا ؟ قالوا : قد بلغ من الأدب كذا وكذا ونظر ~~في كذا وكذا قال : ليس عن هذا سألت ، قالوا : قد اتخذنا له من الضياع كذا ~~وغلته كذا قال : ولا عن هذا سألت إنما سألت عن بعد همته وهل اتخذتم له في ~~أعناق الرجال مننا وحببتموه إلى الناس ؟ قالوا : لا قال : فبئس العشراء ~~أنتم والأصحاب ، هو والله إلى هذا أحوج منه إلى ما قلتم ! ثم أمر بحمل خمس ~~مائة ألف درهم إليه ففرقت على قوم لا يدري من هم . قال : وقال المأمون ~~لولده وعنده عمرو بن مسعدة ويحيى بن أكثم : اعتبروا في علو الهمة بمن ترون ~~من وزرائي وخاصتي ، إنهم والله ما بلغوا مراتبهم عندي إلابأنفسهم ، إنه من ~~تبع منكم صغار الأمور تبعه التصغير والتحقير وكان قليل ما يفتقد من كبارها ~~أكثر من كثير ما يستدرك من الصغار ، فترفعوا عن دناءة الهمة وتفرغوا لجلائل ~~الأمور والتدبير واستكفوا الثقات وكونوا مثل كرام السباع التي لا تشتغل ~~بصغار الطير والوحش بل بجليلها وكبارها ، واعلموا أن أقدامكم إن لم تتقدم ~~بكم فإن قائدكم لا يقدمكم ولا يغني الولي عنكم شيئا ما لم تعطوه حقه ، ~~وأنشده : نحن الذين إذا تخمط عصبة . . . من معشر كنا لها أنكالا ونرى ~~القروم مخافة لقرومنا . . . قبل اللقاء تقطر الأبوالا نرد المنية لا نخاف ~~ورودها . . . تحت العجاجة والعيون تلالا نعطي الجزيل فلا نمن عطاءنا . . . ~~قبل السؤال ونحمل الأثقالا وإذا البلاد على الأنام تزلزلبت . . . كنا ~~لزلزلة البلاد جبالا ولبعضهم في أبي دلف : له همم لامنتهى لكبارها . . . ~~وهمته الصغرى أجل من الدهر له راحة لو أن معشار جودها . . . على البر كان ~~البر أندى من البحر PageV01P130 ولو أن الله في مسك فارس . . . فبارزه كان ~~الخلي من العمر أبا دلف بوركت في كل وجهة . . . كما ms147 بوركت في شهرها ليلة ~~القدر ولغيره : لا تهدمن بنيان قوم وجدتهم . . . بنوا لك بنيانا وكن أنت ~~بانيا وإن زهد الأقوام في طلب العلى . . . فسام بكفيك الندى والمعاليا عبد ~~الله بن طاهر : فتى خصه الله بالمكرمات . . . فمازج منه الحيا والكرم إذا ~~همة قصرت عن يد . . . تناول بالمجد أعلى الهمم ولا ينكت الأرض عند السؤال . ~~. . ليثني زواره عن نعم بدا حين أثرى لإخوانه . . . ففلل عنهم شباة العدم ~~وذكره الحزم غب الأمور . . . فبادر قبل انتقال النعم قال : وحدثنا بعض أهل ~~ذي الرئاستين قال : كان ذو الرئاستين يبعث بي وبأحداث من أهل بيته إلى شيخ ~~بخراسان ويقول : تعلموا منه الحكمة ، فكنا نأتيه ونستفيد منه الآداب ، فلما ~~كان بعد ذلك قال لنا : أنتم أدباء وقد تعلمتم الحكمة ولكم نعمة فهل فيكم ~~عاشق ؟ فاستحيينا من قوله وسكتنا ، فقال : اعشقوا فإن العشق يطلق لسان ~~البليد ويسخي البخيل ويشجع الجبان ويبعث على التلطف وإظهار المروءة في ~~المطعم والمشرب والملبس وغير ذلك ، وانظروا أن تعشقوا أهل البيوتات والشرف ~~. قال : فخرجنا من عنده وصرنا إلى ذي الرئاستين ، فسألنا عما أفادنا فهبناه ~~أن نخبره ، فقال : تكلموا ، فقلنا : تكلموا ، فقلنا : إنه أمرنا بكذا وكذا ~~، فقال : صدق وبر ، أتعلمون من أين قال لكم ذلك ؟ قلنا : يخبرنا به الوزير ~~، فقال : كان لبهرام جور ابن قد رشحه للملك من بعده واعتمد عليه في حياته ، ~~وكان خامل المروءة ساقط الهمة فضم إليه عدة من المؤدبين والحكماء والعلماء ~~ومن يتعلم الفروسية ، فبينا بهرام في مجلسه إذ دخل عليه بعض أولئك المؤدبين ~~المضمومين إلى ابنه ، فسأله عن خبر ابنه وأين بلغ من الحكمة والأدب ، فقال ~~: أيها الملك قد كنت أرجو أن يتوجه أو يعي بعض ما ألفته وألقيه إليه حتى ~~حدث من أمره ما آيسني منه ، قال : وما هو ؟ قال : بصر بابنة فلان المرزبان ~~فهويها فهو الآن يهذي بها ليله ونهاره ، فقال : الآن رجوت فلاحه ، اذهب ~~فشجعه بمراسلة المرأة وخوفه بي ، فذهب المؤدب فانتهى إلى ما أمره به ، وبعث ~~بهرام إلى أبي الجارية ودعاه فقال له : إني مزوج ms148 ابني ابنتك فأتها ومرها أن ~~تراسل ابني وتطمعه في نفسها فإذا استحكم طمعه فيها ورجا الالتقاء تجنت عليه ~~وقالت : إني لا أصلح إلا لملك عظيم القدر بعيد الهمة حسن المودة أديب النفس ~~شجاع البطش PageV01P131 ولست كذلك ولا هناك ، ثم عرفني الكائن منك في ذلك . ~~فمضى المرزبان إلى ابنته فأعلمها بذلك وبما قاله له الملك ، فراسلت الفتى ~~وأطمعته ثم قالت له ما أمرها به أبوها ، فلما سمع الفتى ذلك أنف أنفا شديدا ~~وتقاصرت إليه نفسه فأقبل على تعلم الأدب والحكمة والفروسية حتى صار رأسا في ~~ذلك ، فلما بلغ الغاية التي لا بعدها رفع قصته إلى أبيه يشكو تخلف حاله ~~وقصور يده عما يشتهيه ، فوقع له أبوه بإزاحة علته والتوسعة عليه ، ثم بعث ~~إلى المؤدب فدعاه فقال : قل لابني يرفع إلي قصة يسألني فيها إنكاحه ابنة ~~المرزبان ، فقال له المؤدب ذلك فكتب قصة رفعها إلى الملك يسأله تزويجها منه ~~وأن يصل جناحه بذلك وأنها ممن تصلح لمثله ، فأمر الملك بإحضار المرزبان ~~وسأله أن يزوج ابنته من ابنه ففعل ، وجهزها الملك بأجل ما يكون من الجهاز ~~وقال لابنه : إذا أنت خلوت بها فلا تحدثن شيئا حتى آتيك ، فلما كان ذلك ~~الوقت دخل الملك على ابنه فقال : يا بني إياك وأن تصغر شأن هذه المرأة عندك ~~فإنها من أعظم الناس منة عليك ، وإن الذي كان من مراسلتها إياك فإنما كان ~~عن أمري وبإذني وتدبيري ، فاعرف حقها وحق أبيها وأحسن معاشرتها وبرها ، ثم ~~خرج الملك وخلا الفتى بأهله ، ثم قال ذو الرئاستين : سلوا الآن الشيخ عن ~~السبب الذي حمله على ما أمركم به ، قال : فسألناه فحدثنا بحديث ذي ~~الرئاستين . # | مساوئ سقوط الهمة # قال : وكان القاسم بن الرشيد ساقط الهمة دني النفس ، وكان المأمون على أن ~~يعهد إليه ويؤكد له ما كان الرشيد جعله له من ولاية العهد ، وكان لا يزال ~~يبلغه عنه ما يكره مرة في نفسه وأخرى في حشمه ، قال : فرفع إليه في الخبر ~~يوما أنه قال لقوام حمامه : نوروا الناس بالمجان ، ففعلوا ذلك ms149 فلم يبق ~~محتاج إلا جاء يتنور ، فلما علم أنهم كثروا أخرج عليهم الأسد من باب كان ~~يدخل منه إلى الحمام فخرج الناس عراة مغمى عليهم مع ما عليهم من النورة ~~هاربين من الأسد فصاروا إلى شارع قصره وقد أشرف عليهم وهو يضحك ، فحدثنا ~~الحسن بن قريش قال : دعاني المأمون وقال : يا هذا ما لي ولهذا الفتى ، إلى ~~كم أحتمل منه هذا الأذى ؟ قال : فقلت قومه يا أمير المؤمنين إن رأيت في ذلك ~~صلاحا ، قال : نعم ، فقلت : يا سيدي إنه عضو منك وأنت أولى الناس بتقويمه ، ~~قال : فجعل ينهاه ويأبى لا ينتهين ، فلما كثر هذا من فعله عزم على خلعه ~~فكتب إلى هرثمة بن أعين في ذلك كتابا نسخته : أما بعد فإن أمير المؤمنين ~~يستوفق الله جل وعز في جميع أموره ويستخيره فيها خاصها وعامها ، لطيفها ~~وجليلها ، استخارة من يوقن أن البركة وخيرة البدء والعاقبة في قضائه وما ~~يلهمه من إرشاد وتسديد رأي وإثبات صواب ، وقد رأى أمير المؤمنين عندما ~~استخار الله تبارك اسمه فيه من أمر القاسم بن PageV01P132 الرشيد فيما كان ~~إليه من ولاية العهد خلعه عن ذلك وصرفه عنه ، فأظهر ذلك فيمن بحضرتك وأمر ~~بالكتاب إلى العمال في نواحي عملك وثغورك وولاة الأمصار ، فقد أمل أمير ~~المؤمنين أن يكون ذلك توفيقا من الله تبارك اسمه ورشدا ألهمه إياه إذ كان ~~به توفيقه وعليه معوله وإليه رجوعه فيما يبرم ويمضي ، فامتثل ما حده لك ~~أمير المؤمنين وانته إليه واكتب بما يكون منك فيه إن شاء الله . قال : ونظر ~~المأمون يوما إلى ابنه العباس وأخيه المعتصم ، فابنه العباس يتخذ المصانع ~~ويبني الضياع والمعتصم يتخذ الرجال ، فقال شعرا : يبني الرجال وغيره يبني ~~القرى . . . شتان بين قرى وبين رجال قلق بكثرة ماله وضياعه . . . حتى يفرقه ~~على الأبطال وأنشد في مثله : لما رأيتك لا تجود بنائل . . . وتظن بالمعروف ~~ظن الساقط ورأيت همتك التي تعلو بها . . . سوط الثريد وشم ريح الغائط وإذا ~~تكلف حاجة ضيعتها . . . بتغافل عنها كأنك واسطي لا للمكارم تشرئب بنهضة . . ~~. ولدى المكاره ms150 كالحمار الضارط أيست نفسي من رجائك دهرها . . . ونقشت شبهك ~~صورة في حائط وقال آخر ، سامحه الله عز وجل : إذا أنت لا ترجي لدفع ملمة . ~~. . ولا أنت في المعروف عندك مطمه ولا أنت ذو جاه يعاش بجاهه . . . ولا أنت ~~يوم الحشر ممن يشفع فموتك في الدنيا وعيشك واحد . . . وعود خلال من نوالك ~~أنفع ولآخر ، سامحه الله وعفا عنه : كلما قلت ويك للكلب إخسأ . . . لحظتني ~~عيناك لحظة تهمه أتراني أظن أنك كلب . . . أنت عندي من أبعد الناس همه # | محاسن كرم الصحبة # قال ابن طاهر : حدثوني عن عبد الله بن مالك قال : كنت أتولى الشرطة ~~للمهدي وكان يبعث إلي في ندماء الهادي ومغنيه أني أضربهم وأحبسهم صيانة له ~~عنهم ، فبعث الهادي يسألني الرفق بهم والترفيه عنهم ، فلا ألتفت إلى ذلك ~~وأمضي إلى ما يأمر به المهدي ، PageV01P133 فلما ولي الهادي الخلافة أيقنت ~~بالتلف فبعث إلي يوما فدخلت عليه متكفنا متحنطا ، فإذا هو على كرسي والنطع ~~والسيف بين يديه ، فسلمت فقال : لا سلم الله عليك ! تذكر يوم بعثت إليك في ~~أمر الحراني لما أمر أمير المؤمنين ، رضي الله عنه ، بضربه فلم تجبني في ~~فلان وفي فلان ، وجعل يعد ندماءه ، ولم يلتفت إلى قولي ؟ قلت : نعم يا أمير ~~المؤمنين ، أفتأذن لي في استيفاء الحجة ؟ قال : نعم ، قلت : نشدتك الله يا ~~أمير المؤمنين أيسرك أن وليتني ما ولاني أبوك وأمرتني بأمر فبعث إلي بعض ~~بنيك بأمر يخالف أمرك فاتبعت أمره وعصيت أمرك ؟ قال : لا ، قلت : فكذلك أنا ~~لك وكذا لأبيك وأخيك . فاستدناني فقبلت يده وأمر بخلع فصبت علي وقال : قد ~~وليتك ما كنت تتولاه فامض راشدا . فخرجت من عنده وصرت إلى منزلي مفكرا في ~~أمره وأمري وقلت حدث والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتابه ~~فكأني بهم حين يغلب عليه الشراب وقد أزالوه عن رأيه في وحملوه في أمري ما ~~كنت أتخوفه ، قال : فإني لجالس وبين يدي بنية لي والكانون بين يدي ورقاق ~~أشطره بكامخ وأسخنه وأطعمه الصبية حتى توهمت أن الدنيا قد اقتلعت بي وزلزلت ms151 ~~لوقع حوافر الدواب وكثرة الضوضاء فقلت : هاه كان والله ما ظننت ! فإذا ~~الباب قد فتح وإذا الخدم قد دخلوا وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في ~~وسطهم ، فلما رأيتهم وثبت عن مجلسي مبادرا وقبلت يده ورجله وحافر حماره ، ~~فقال : يا أبا عبد الله إني فكرت في أمرك فقلت يسبق إلى قلبك أني إذا شربت ~~وجاءني أعداؤك أزالوا ما حسن من رأيي فيك فأقلقك وأوحشك فصرت إلى منزلك ~~لأؤنسك وأعلمك أن السخيمة قد زالت عن قلبي فهات اطعمني ما كنت تأكل وافعل ~~فيه ما كنت تفعل لتعلم أني قد تحرمت بطعامك وأنست بمنزلك فيزول خوفك ووحشتك ~~. فأدنيت إليه ذلك الرقاق والسكرجة التي فيها الكامخ فأكل منها ثم قال : ~~هاتوا الزلة التي زللتها لأبي عبد الله من مجلسي ، فأدخل إلي أربعمائة بغل ~~موقرة دراهم ، فقال : هذه زلتك فاستعن بها على أمرك واحفظ هذه البغال عندك ~~فلعلي أحتاج إليها لبعض أسفاري ، وانصرف راجعا . فأخبرني موسى بن عبد الله ~~أن أباه أعطاه بستانه الذي كان وسط داره فبنى حوله معالف لتلك البغال وكان ~~هو يتولى القيام عليها مدة حياة الهادي . وحدث من حضر مجلس المأمون وقد أمر ~~بإحضار العباس صاحب الشرطة ببغداد وبين PageV01P134 يديه رجل مكبل بالحديد ~~، فلما حضر قال : يا عباس خذ هذا إليك واستوثق منه ولا يفوتنك وبكر به ~~واحذر كل الحذر . قال العباس : فدعوت جماعة حملوه ولم يقدر يتحرك فقلت في ~~نفسي مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به ما يحب ~~أن يكون معي إلا في بيتي ، ثم سألته عن قصته وحاله من أين هو ، فقال : من ~~دمشق ، فقال : جزى الله دمشق وأهلها خيرا ، فمن أنت من أهلها ؟ قال : لا ~~تزيد أن تسألني ، فقلت له : أتعرف فلانا ؟ فقال : ومن أين عرفت ذلك الرجل ؟ ~~فقلت : كانت لي قصة معه ، فقال : ما أنا بمعرفك خبره أو تعرفني قصتك ، فقلت ~~: ويحك ! كنت مع بعض الولاة بها فخرج علينا أهلها حتى أراد الوالي أن يدلي ~~في زنبيل من قصر الحجاج وهرب ms152 هو وجميع أصحابه وهربت فيمن هرب ، فإني لفي ~~بعض الطريق إذا جماعة يعدون خلفي ، فما زلت أحاضرهم حتى مررت على هذا الرجل ~~الذي ذكرته لك وهو جالس على باب داره فقلت : أغثني أغاثك الله ! فقال : لا ~~بأس عليك ادخل الدار ، فدخلت ، فقالت لي امرأته : ادخل الحجلة ، فدخلتها ، ~~وأتت الرجال خلفي فما شعرت إلا به وهم معه يقولون : هو والله عندك ! فقال : ~~دونكم الدار ، ففتشوها حتى لم يبق إلا البيت الذي كنت فيه ، فقالوا : هاهنا ~~، فصاحت المرأة وانتهرتهم ، فانصرفوا وخرج الرجل فجلس على باب داره ساعة ~~وأنا قائم في الحجلة خائفا ، فقالت المرأة : اجلس لا بأس عليك ، فجلست ، ~~فلم ألبث أن دخل الرجل وقال : لا تخف فقد صرت إلى الأمن والدعة إن شاء الله ~~تعالى ، فقلت له : جزاك الله عني خيرا ! ثم ما زال يعاشرني أحسن المعاشرة ~~وأجملها ولا يفتر من القصف والأكل والشرب والفرح أربعة أشهر إلى أن سكنت ~~الفتنة وهدأت ، فقلت له : أتأذن لي في الخروج لأتعرف خبر غلماني ومنزلي ~~فلعلي أن أقف لهم على أثر أو خبر ، فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه ، فخرجت ~~وطلبت غلماني فلم أر لهم أثرا فرجعت إليه وأعلمته الخبر وهو مع هذا لا ~~يعرفني ولا يعرف اسمي ولا مخاطبتي بغير الكنية ، ثم قال لي : ما تعزم ؟ ~~فقلت : قد عزمت على الشخوص إلى بغداد فإن قافلة تخرج بعد ثلاثة أيام وقد ~~تفضلت علي هذه المدة فأسألك أن تعطيني ما أنفقه في طريقي وما ألبسه ، فقال ~~: بصنع الله عز وجل ، ثم قال لغلام له أسود : انعل الفرس الفلاني ، وتقدم ~~إلى من في منزله بإعداد السفر ، فقلت في نفسي : ما أشك إلا أنه يخرج إلى ~~ضيعة له أو ناحية من النواحي ، فوقعوا يومهم ذلك في تعب وكد ، فلما كان يوم ~~خروج القافلة جاءني في السحر وقال : يا أبا فلان قم فإن القافلة تخرج ~~الساعة وأكره أن تنفرد عنها ، فقلت في نفسي : ما أعطاني شيئا مما سألته ، ~~ثم قمت فإذا هو وامرأته يحملان إلي PageV01P135 خفاتين مقطوعة جددا ورانات ms153 ~~وآلة السفر ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي ثم قدم البغل فحمل عليه ~~الصناديق وفوقها مفرشان ودفع إلي نسخة بما في الصناديق وفيها خمسة آلاف ~~درهم وقدم إلي الفرس الذي كان أنعله بسرجه ولجامه وقال لي : اركب وهذا ~~الغلام الأسود يخدمك ويسوس دوابك ، وأقبل هو وامرأته يعتذران من تقصيرهما ~~في أمري ، وركب معي فشيعني ، وانصرفت إلى بغداد وأنا على مكافأته ومجازاته ~~فعاقنا عن ذلك ما نحن فيه من الشغل بالأسفار واتصالها والتنقل من مكان إلى ~~مكان . فلما سمع الرجل الحديث قال : قد أتاك الله عز وجل بمن تريد مكافأته ~~بلا مؤونة عليك ، فقلت : وكيف ذلك ؟ قال : أنا والله ذلك الرجل ! ثم قال لي ~~: ما أثبتك ! فتعرف إلي وأقبل يذكرني بأشياء يتعرف بها إلي حتى أثبته ~~وعرفته فما تمالكت أن قمت إليه فقبلت رأسه وقلت له : ما الذي أصارك إلى هذا ~~؟ فقال : هاجت فتنة بدمشق مثل الفتنة التي كانت في أيامك فنسبت إلي وبعث ~~أمير المؤمنين بجيوش فأصلحوا البلد وحملت إليه وأمري عنده غليظ جدا وهو ~~قاتلي لا محالة ، وقد خرجت من عند أهلي بلا وصية وقد تبعني من عبيدي من ~~ينصرف إلى منزلي بخبري وهو نازل عند فلان ، فإن رأيت أن تنعم وتبعث إليه ~~حتى يحضر فأتقدم إليه بما أريد ، فإذا أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة ~~لي . قال فقال العباس : بصنع الله ، ثم قال : علي بحدادين ، فأتوا بهم ، ~~فحل قيوده وما كان عليه من أنواع الأنكال ، ودعا بالحجام فأحضر وأخذ من ~~شعره ثم قال : علي بمولاه ، فأنفذ في طلبه من يحضره . قال الرجل : فلما أن ~~أخذ شعري أدخلني الحمام فطرح علي من ثيابه ما اكتفيت به ثم حضر مولاي وقعد ~~يبكي ، فقال العباس : علي بفرسي الفلاني والفرس الفلاني والبغل الفلاني ، ~~حتى عد عشرا ، ثم قال : علي من الصناديق والكسوة بكذا ومن صناديق الطعام ~~بكذا ، ثم أمر لي ببدرة فيها عشرة آلاف درهم وكيس فيه خمسة آلاف دينار وقال ~~لصاحب شرطته : خذه واعبر به إلى جسر الأنبار ، فقلت ms154 له : إن أمري غليظ وإن ~~أنت احتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأرد وأقتل ~~، فقال : انج بنفسك ودعني أدبر أمري ، فقلت : والله لا أبرح من بغداد أو ~~أعلم ما يكون من خبرك ، فإن احتجت إلى حضوري حضرت ، فقال لصاحب الشرطة : إن ~~كان الأمر على هذا فليكن في موضع كذا وكذا فإن سلمت في غداة غد فسبيل ~~المحبة وإن قتلت كنت قد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه ، وأنشدك الله أن تذهب ~~من ماله شيئا قيمته درهم وتخلصه حتى تخرجه من بغداد . دخلني الحمام فطرح ~~علي من ثيابه ما اكتفيت به ثم حضر مولاي وقعد يبكي ، فقال العباس : علي ~~بفرسي الفلاني والفرس الفلاني والبغل الفلاني ، حتى عد عشرا ، ثم قال : علي ~~من الصناديق والكسوة بكذا ومن صناديق الطعام بكذا ، ثم أمر لي ببدرة فيها ~~عشرة آلاف درهم وكيس فيه خمسة آلاف دينار وقال لصاحب شرطته : خذه واعبر به ~~إلى جسر الأنبار ، فقلت له : إن أمري غليظ وإن أنت احتججت بأني هربت بعث ~~أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأرد وأقتل ، فقال : انج بنفسك ودعني ~~أدبر أمري ، فقلت : والله لا أبرح من بغداد أو أعلم ما يكون من خبرك ، فإن ~~احتجت إلى حضوري حضرت ، فقال لصاحب الشرطة : إن كان الأمر على هذا فليكن في ~~موضع كذا وكذا فإن سلمت في غداة غد فسبيل المحبة وإن قتلت كنت قد وقيته ~~بنفسي كما وقاني بنفسه ، وأنشدك الله أن تذهب من ماله شيئا قيمته درهم ~~وتخلصه حتى تخرجه من بغداد . قال الرجل : فأخذني صاحب الشرطة فصيرني في ~~مكان يثق به وتفرغ العباس لنفسه واغتسل وتحنط وتكفن . قال العباس : فلم ~~أفرغ من ذلك حتى وافتني رسل المأمون في السحر وقالوا : PageV01P136 أمير ~~المؤمنين يقول هات الرجل ، فسكت وأتيت الدار وإذا أمير المؤمنين جالس عليه ~~ثيابه أمام فراشه ، فقال : الرجل ! فسكت ، فقال : ويحك الرجل ! فقلت : يا ~~أمير المؤمنين اسمع مني ، فقال : أعطي الله عهدا لئن ذكرت أنه هرب لأضربن ~~عنقك ! فقلت ms155 : لا والله ما هرب ، فاسمع مني حديثي وحديثه ثم أنت أعلم بما ~~تفعله في أمرنا ، قال : قل ، فقلت : يا أمير المؤمنين كان من حديثي معه كذا ~~وكذا ، وقصصت عليه القصة وعرفته أني كنت أريد مكافأته فشغلت عن ذلك حتى إذا ~~كان البارحة عرفته وعبرت به جسر الأنبار وقلت : أنا من سيدي أمير المؤمنين ~~بين أمرين ، إما تصفح عني وإما قتلني وأكون قد كافيته ووقيته بنفسي كما ~~وقاني بنفسه . فلما سمع المأمون الحديث قال : ويحك ! لا جزاك الله خيرا عن ~~نفسك وعنا وعن هذا الفتى الحر ، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة وتكافيه ~~بعد المعرفة بهذا ! لم لا عرفتني خبره فكنت أكافيه عنك ؟ فقلت : يا أمير ~~المؤمنين إنه والله هاهنا قد حلف أنه لا يبرح حتى يعرف سلامتي فإن احتيج ~~إلى حضوره حضر ، قال : وهذه والله منه أعظم من الأولى ، فاذهب إليه الآن ~~وطيب نفسه وسكن روعه وتعبر به إلي حتى أتولى مكافأته عنك . فصرت إليه وقلت ~~: ليسكن روعك إن أمير المؤمنين قال كيت وكيت ، فقال : الحمد لله الذي لا ~~يحمد على السراء والضراء غيره ، ثم تهيأ للصلاة فصلى ركعتين ثم جئنا فلما ~~مثل بين يدي المأمون أدناه حتى أجلسه إلى جانبه وآنسه وحدثه حتى حضر الغداء ~~، ثم قال : الطعام ، فأكل معه وخلع عليه وعرض عليه أعمال دمشق فاستعفاه ، ~~ثم قال المأمون : علي بعشرة أفراس بسروجها ولجمها وعشرة بغال بجميع آلتها ~~وبعشر بدر وبعشر تخوت وعشرة مماليك بذواتهم وجميع آلتهم ، فدفع ذلك إليه ، ~~وكتب إلى عامله بالوصاية عليه وأوغر خراجه وكتب إلى صاحب البريد أن تنفذ ~~كتبه وصرفه إلى بلده . قال العباس : فكان إذا ورد له كتاب في خريطة يقول لي ~~المأمون : يا عباس هذا كتاب صديقك . وحدث رجل عن جعفر العطار قال : بينما ~~يحيى بن أكثم يماشي المأمون في بستان موسى والشمس عن يمينه والمأمون في ~~الظل وقد وضع يده على عاتق يحيى وهما يتحدثان إذ رأى المأمون أن يرجع في ~~الطريق الذي جاء منه ، فلما انتهى إلى ms156 الموضع الذي قصده قال يحيى : إنك جئت ~~وعن يسارك الشمس وقد أخذت منك فكن أنت الآن في منصرفك حيث كنت وأكون أنا ~~حيث كنت أنت ، فقال يحيى : والله يا أمير المؤمنين لو أمكنني أن أقيك بنفسي ~~من هول المطلع لفعلت فكيف لا أصبر على أذى الشمس ساعة ؟ فقال : والله لا بد ~~من أن آخذ منها كما أخذت منك وتأخذ من الظل كما أخذت منه ! فصار المأمون في ~~موضعه وصار يحيى في موضع المأمون وتماشيا وأخذ بيده فوضعها على عاتقه حتى ~~صار إلى المجلس . PageV01P137 وحدث رجل من آل اسوار بن ميمون عن عمه عبد ~~الله بن اسوار قال : دخلت على يحيى بن خالد البرمكي يوما فقال : اجلس ، ~~وكنت أحد كتابه فقلت : ليست معي دواة ، فقال : ويحك ! في الأرض صاحب صناعة ~~تفارقه آلته ؟ وأغلظ لي في حرف علمت أنه أراد به خطي وأراني بعض التثاقل في ~~الكتاب ظهر لي به أنه أراد خطي على الأدب لا غير ، ثم دعا بدواة فكتبت بين ~~يديه كتابا منه إلى الفضل ابنه ، ورأى مني بعض الضجر في ما كتبت فتوهم أن ~~ذلك من أجل الكلمة التي كلمني بها ، فأراد أن يمحو عن قلبي ما توهمه علي ~~فقال : عليك دين ؟ قلت : نعم ، قال : من دينك ؟ قلت : ثلاثمائة ألف درهم ، ~~فوقع بخطه إلى الفضل في الكتاب : وكلكم قد نال شبعا لبطنه . . . وشبع الفتى ~~لؤم إذا جاع صاحبه ثم قال : إن عبد الله ذكر أن عليه دينا يخرجه منه ~~ثلاثمائة ألف درهم فإذا نظرت في كتابي هذا وقبل أن تضعه من يدك فأقسمت عليك ~~لما حملت ذلك إلى منزله من أخص مال قبلك . قال : فحملها الفضل إلي وما أعلم ~~لها سببا إلا تلك الكلمة . وحدث إبراهيم بن ميمون قال : حدثني جبريل بن ~~بختيشوع قال : اشتريت ضيعة فنقدت بعض الثمن وتعذر علي بعضه فدخلت على يحيى ~~وعنده ولده وأنا أفكر فقال لي : ما لي أراك مفكرا ؟ فقلت : أنا في خدمتك ~~وقد اشتريت ضيعة بسبع مائة ألف درهم ونقدت بعض الثمن ms157 وتعذر علي بعضه . فدعا ~~بالدواة وكتب : يعطى جبريل سبع مائة ألف درهم . ثم دفع الكتاب إلى ولده ~~فوقع فيه كل واحد منهم بثلاثمائة ألف درهم ، فقلت : جعلت فداك ! قد أديت ~~عامة الثمن وإنما بقي علي أقله ، فقال : اصرف ذلك في بعض ما ينوبك . ثم صرت ~~إلى الرشيد فقال : ما أبطأ بك ؟ قلت : يا أمير المؤمنين كنت عند أبيك ~~وإخوتك ففعلوا بي كذا وكذا ، قال : فما حالي أنا ؟ ثم دعا بدابته فركب إلى ~~يحيى فقال له : يا أبت خبرني جبريل بما كان فما حالي من بين ولدك ؟ فقال : ~~يا أمير المؤمنين مر له بما شئت يحمل إليه ، فأمر بحمل مال إلى جبريل . ~~وكان إبراهيم بن جبريل على شرطة الفضل فوجهه إلى كابل فافتتحها وغنم غنائم ~~كثيرة ثم ولاه سجستان ، فلما انصرف منها كان عنده من مال الخراج أربعة آلاف ~~ألف درهم ، فلما قدم بغداد وبنى داره في البغويين استزار الفضل بن يحيى ~~ليريه نعمته عليه وأعد الهدايا والطرف وآنية الذهب والفضة والوصفاء ~~والوصائف والدواب والقباب والثياب وما تهيأ لمثله ووضع الأربعة الآلاف ~~الألف الدرهم في ناحية من الدار ، فلما تغدى الفضل قدم إليه تلك ~~PageV01P138 الهدايا ، فأبى أن يقبل منها شيئا وقال : لم آتك لأسلبك ! فقال ~~: أيها الأمير إنها نعمتك علي ! قال : ولك عندنا مزيد . قال : فلم يزل يطلب ~~إليه فأخذ من جميع ذلك سوطا سجزيا ، فقال : هذا من آلة الفرسان ، فقال ~~إبراهيم : أيها الأمير فهذا المال من مال الخراج تأمر بقبضه ؟ قال : هو لك ~~، فأعاد عليه القول مرارا ، فقال : ما لك بيت يسعه ، فوهب له المال بعد أن ~~كان قد صار إليه ألف ألف درهم . قال : ودخل قوم من حاشية المنصور وخدمه ~~عليه فرأى منهم رجلا عليه سواد خلق فقال له : يا فلان ما لي أرى سوادك ~~منقطعا ، أما تقبض رزقك ؟ قال : بلى يا أمير المؤمنين ولكن أبي توفي وترك ~~دينا فبعت تركته في قضاء دينه وصرفت أكثر رزقي إلى حرمته وولده من بعده ، ~~فقال : أعد علي ما قلت ، فأعاده ، فقال ms158 : ما أحسن ما فعلت ! اغد علي في غد ~~، فغدا عليه فوجد الربيع جالسا على الكرسي ، فقال : قد سأل عنك أمير ~~المؤمنين فادخل ، فدخل فوجده قائما يصلي ، فقضى صلاته وقال : ألم آمرك أن ~~تغدو ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ما قصرت في الغدو عند نفسي ، قال : خذ ما ~~تحت تلك المضربة ، وإذا السراج يزهر وسرير صغير في ناحية المجلس ينام عليه ~~، فرفعت المضربة فإذا دنانير ، فجعلت أحثوها في كمي ثم دعوت له هو وخرجت ، ~~فبصر بصفرة دينار في ضوء السراج ، فدعا لي فقال لي : انظر ما على السرير ، ~~فإذا دينار فأخذته ، فقال : ادن مني ، فدنوت منه فعرك أذني تعريكا شديدا ~~فقال : تترك دينارا وفيه نفقة يومك ؟ قال : فأخذت الدينار ، ووزنت الدنانير ~~وإذا هي ألف دينار عددها تسعمائة وتسعة وتسعون دينارا في عافية وأخذت واحدا ~~بعرك الأذن . قيل : وقال علقمة بن لبيد لابنه : يا بني إن نازعتك نفسك يوما ~~إلى صحبة الرجال لحاجتك إليهم فاصحب من إن صحبته زانك ، وإن تخففت له صانك ~~، وإذا نزلت بك نازلة مانك ، وإن قلت صدق قولك ، وإن صلت به شدد صولك . ~~اصحب من إذا مددت يدك لفضل مدها ، وإن رأى منك حسنة عدها ، وإن بدت منك ~~ثلمة سدها . اصحب من لا تأتيك منه البوائق ولا تختلف عليك منه الطرائق ولا ~~يخذلك عند الحقائق . وقال بعض الحكماء : إذا رأيت كلبا ترك صاحبه وتبعك ~~فارجمه بالحجارة فإنه تاركك كما ترك صاحبه . وقال آخر : اصحب من خولك نفسه ~~وملكك خدمته وتخيرك لزمانه فقد وجب عليك حقه وذمامه ، وكان يقال من قبل : ~~صلتك ، فقد باعك مروءته وأذل لقدرك عزه . وقال بعضهم : أنا أطوع لك من اليد ~~وأذل من النعل . وقال بعضهم : أنا أطوع لك من الرداء وأذل من الحذاء . ~~PageV01P139 قيل : وقال ابن أبي دؤاد لرجل انقطع إلى محمد بن عبد الملك ~~الزيات : ما خبرك مع صاحبك ؟ قال : لا يقصر في الإحسان إلي ، قال : يا هذا ~~إن لسان حالك يكذب لسان مقالك . # | مساوئ الصحبة # قال : كان يوسف بن عمر يتولى العراقين لهشام ms159 بن عبد الملك ، وكان مذموما ~~في عمله فحدث المدائني قال : وزن يوسف بن عمر درهما فنقص حبة فكتب إلى دور ~~الضرب بالعراق فضرب أهلها مائة سوط . قيل : وخطب في مسجد الكوفة فتكلم ~~إنسان مجنون فقال : يا أهل الكوفة ألم أنهكم أن يدخل مجانينكم المسجد ؟ ~~اضربوا عنقه ! فضربت عنقه . قال : وقال لهمام بن يحيى وكان عامله : يا فاسق ~~أخربت مهرجانقذق ! قال : إني لم أكن عليها إنما كنت على ماه دينار وتقول ~~أخربت مهرجانقذق ! فلم يزل يوسف يعذبه حتى قتله . قال وقال لكاتبه : ما ~~حبسك عني ؟ قال : اشتكيت ضرسي ، قال : تشتكي ضرسك وتقعد عن الديوان ؟ ودعا ~~له بالحجام وأمره بقلع ضرسين من أضراسه . وعن المدائني قال : حدثني رضيع ~~كان ليوسف بن عمر من بني عبس قال : كنت لا أحجب عنه وعن حرمته فدعا ذات يوم ~~بجوار له ثلاث ودعا بخصي أسود يقال له حديج فقرب إليه واحدة فقال لها : إني ~~أريد الشخوص أفأخلفك أم أشخصك معي ؟ فقالت : صحبة الأمير أحب إلي ولكني ~~أحسب أن مقامي وتخلفي أعفى وأخف علي ، قال : أحببت التخلف للفجور ! اضرب يا ~~حديج ، فضربها حتى أوجعها ، ثم أمره أن يأتيه بأخرى قد رأت ما لقيت صاحبتها ~~، فقال لها : إني أريد الشخوص أفأخلفك أم أخرجك ؟ قالت : ما أعدل بصحبة ~~الأمير شيئا بل يخرجني ، قال : أحببت الجماع ما تريدين أن يفوتك ! اضرب يا ~~حديج ، فضربها حتى أوجعها ، ثم أمر بالثالثة أن يأتيه بها وقد رأت ما لقيت ~~المقدمتان ، فقال لها : أريد الخروج أفأخلفك أم أشخصك ؟ قالت : الأمير أعرف ~~أي الأمرين أخف عليه ، قال : اختاري لنفسك ، قالت : ما عندي لهذا اختيار ~~فليختر الأمير ، قال : قد فرغت أنا الآن من كل شيء ومن كل عمل ولم يبق علي ~~إلا أن أختار لك ! أوجع يا حديج ، فضربها حتى أوجعها . قال الرجل : وكأنما ~~يضربني من شدة غيظي عليه ، فولت الجارية وتبعها الخادم ، فلما بعدت قالت : ~~الخيرة والله في فراقك ، ما تقر والله عين أحد بصحبتك ! فلم يفهم يوسف ~~كلامها ، فقال : ما تقول يا حديج ؟ قال ms160 : قالت كذا وكذا ، قال : يا ابن ~~الخبيثة من أمرك أن تخبرني ؟ يا غلام خذ السوط من يده وأوجع به رأسه ! فما ~~زال يضرب حتى اشتفيت . PageV01P140 # | محاسن السخاء # روي عن نافع قال : لقي يحيى بن زكرياء ، عليه السلام ، إبليس فقال له : ~~أخبرني بأحب الناس إليك وأبغض الناس إليك ، قال : أحب الناس إلي كل مؤمن ~~بخيل وأبغض الناس إلي كل منافق سخي ، قال : ولم ذاك ؟ قال : لأن السخاء خلق ~~الله الأعظم فأخشى أن يطلع عليه في بعض سخائه فيغفر له . وقال ، صلى الله ~~عليه وسلم : السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار ~~، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار ، ~~ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل ، وأدوى الداء البخل . وعن ~~النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ما أشرقت شمس إلا وبجنبتيها ملكان ~~يناديان وإنهما ليعرفان الخلائق إلا الثقلين الجن والإنس : اللهم عجل لمنفق ~~خلفا ، اللهم عجل لممسك تلفا ، وملكان يناديان : يا أيها الناس هلموا إلى ~~ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى . وعن الشعبي قال : قالت أم البنين ~~بنت عبد العزيز أخت عمر بن عبد العزيز : لو كان البخل قميصا ما لبسته ولو ~~كان طريقا ما سلكته ، وكانت تعتق كل يوم رقبة وتحمل على فرس في سبيل الله ، ~~وكانت تقول : البخل كل البخل من بخل على نفسه بالجنة . قيل : وأعتقت هند ~~بنت المهلب في يوم واحد أربعين رقبة . وروي عن أم ذر قالت : أرسل ابن ~~الزبير إلى عائشة بثمانين ومائة ألف درهم فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة فقسمته ~~بين الناس حتى أمست وما عندها من جميع ذلك درهم واحد ، فقالت : يا جارية ~~هلمي فطريني ، فجاءتها بخبز وزيت ، فقالت لها : يا عائشة أما استطعت مما ~~قسمت أن تشتري لحما بدرهم ؟ فقالت : لا تغضبي فلو ذكرتني لفعلت ، وقيل : ~~إنها تصدقت بسبعين ألف درهم وإن درعها لمرقع . وقال بعض الحكماء : ثواب ~~الجود خلف ومحبة ومكافأة ، وثواب البخل حرمان وإتلاف ms161 ومذمة . وقال علي بن ~~أبي طالب ، رضي الله عنه : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : يا علي كن ~~شجاعا فإن الله جل وعز يحب الشجاع ، يا علي كن سخيا فإن الله عز وجل يحب ~~السخاء ، يا علي كن غيورا PageV01P141 فإن الله عز وجل يحب الغيور ، يا علي ~~وإن سائل سألك حاجة ليس لها بأهل فكن أنت لها أهلا . وقال ، صلى الله عليه ~~وسلم : السخاء شجرة في الجنة ، أغصانها في الدنيا من أخذ منها بغصن قاده ~~ذلك الغصن إلى الجنة . قيل : وقال عبد العزيز بن مروان : لو لم يدخل على ~~البخلاء في بخلهم إلا سوء ظنهم بالله عز وجل لكان عظيما . وقال ، صلى الله ~~عليه وسلم : تجافوا عن ذنب السخي فإن الله جل وعز يأخذ بيده كلما عثر . ~~وقال بهرام جور : من أحب أن يعرف فضل الجود على سائر الأشياء فلينظر إلى ما ~~جاد الله عز وجل به من المواهب الجليلة النفيسة والنسيم والريح وما وعدهم ~~في الجنان فإنه لولا رضاه الجود لم يصطنعه لنفسه . قال : وقال الموبذ ~~لأبرويز : أكنتم أنتم وآباؤكم تمنون بالمعروف وتترصدون عليه المكافأة ؟ قال ~~: لا ، ولا نستحسن ذلك لخولنا وعبيدنا فكيف نرى ذلك لأنفسنا ؟ وفي كتاب ~~ديننا : إن من أظهر معروفا خفيا ليتطاول به على المنعم عليه فقد نبذ الدين ~~وراء ظهره واستوجب أن لا يعد في الأبرار ولا يذكر في الأتقياء والصالحين . ~~قال : وسئل الإسكندر : ما أكثر ما سررت به من ملكك ؟ قال : اقتداري على ~~اصطناع الرجال والإحسان إليهم . قال : وقال أرسطاطاليس في رسالة له إلى ~~الإسكندر : اعلم أن الأيام تأتي على كل شيء فتخلق الآثار وتميت الأفعال إلا ~~ما رسخ في قلوب الناس وأودع قلوبهم محبة بمآثره يبقى بها حسن ذكرك وكريم ~~فعالك وشريف آثارك . قيل : ولما قدم بزرجمهر إلى القتل قيل له : أنت في آخر ~~وقت من أوقات الدنيا وأول وقت من أوقات الآخرة فتكلم بكلام تذكر به ، فقال ~~: أي شيء أقول ؟ الكلام كثير ولكن إن أمكنك أن تكون حديثا حسنا فافعل . قيل ms162 ~~: وتنازع رجل من أبناء الأعاجم وأعرابي في الضيافة فقال الأعرابي : نحن ~~أقرى PageV01P142 للضيف ، قال : وكيف ذلك ؟ قال : لأن أحدنا ربما لم يملك ~~إلا بعيرا فإذا حل به ضيف نحر له ، قال العجمي : فنحن أحسن مذهبا في القرى ~~منكم ، قال : وما ذاك ؟ قال : نسمي الضيف مهمان ، ومعناه أنه أكبر من في ~~المنزل وأملكنا به . قال بعض الحكماء : قام بالجود من قام بالمجهود . وقيل ~~: من لم يضن بالموجود هو الجواد . وقال المأمون : الجود بذل الموجود ، ~~والبخل سوء الظن بالمعبود . قيل : وشكا رجل إلى إياس بن معاوية كثرة ما يهب ~~ويصل وينفق ، فقال : إن النفقة داعية إلى الرزق ، وكان جالسا بين بابين ~~فقال للرجل : اغلق هذا الباب ، فأغلقه ، فقال : هل تدخل الريح البيت ؟ قال ~~: لا ، قال : فافتحه ، ففتحه ، فجعلت الرياح تخترق في البيت ، فقال : هكذا ~~الرزق إنك إذا غلقت الباب لم تدخل الريح وكذلك إذا أمسكت لم يأتك . قيل : ~~ووصل المأمون محمد بن عباد المهلبي بمائة ألف دينار ففرقها على إخوانه ، ~~فبلغ ذلك المأمون فقال : يا أبا عبد الله إن بيوت المال لا تقوم لهذا ! ~~فقال : يا أمير المؤمنين البخل بالموجود سوء الظن بالمعبود . وعن أمية بن ~~يزيد الأموي قال : كنا عند عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية فجاءه رجل من أهل ~~بيته فسأله المعونة على تزويج ، فقال له قولا ضعيفا فيه وعد وقلة طمع ، ~~فلما قام من عنده ومضى دعا صاحب خزانته وقال : أعطه أربعمائة دينار ، ~~فاستكثرناها وقلنا : كنت رددت عليه ردا ظننا أنك تعطيه شيئا قليلا فإذا أنت ~~قد أعطيته أكثر مما أمل ! فقال : إني أحب أن يكون فعلي أحسن من قولي . ~~وبحاتم يضرب المثل في السخاء ، فحدثنا عن بعض رجالات طيء قال : كان حاتم ~~جوادا شاعرا ، وكان حيثما نزل عرف منزله ، وكان مظفرا إذا قاتل غلب ، وإذا ~~غنم أنهب ، وإذا سئل وهب ، وإذا ضرب بالقدح سبق ، وإذا أسر أطلق ، وكان ~~أقسم أن لا يقتل واحد أمه ، ولما بلغ حاتما قول التلمس : وأعلم علم حق غير ~~ظن . . . وتقوى الله من خير ms163 العتاد لحفظ المال خير من بغاه . . . وطوف في ~~البلاد بغير زاد قليل المال تصلحه فيبقى . . . ولا يبقى الكثير على الفساد ~~قال : ما له ، قطع الله لسانه ، حرض الناس على البخل ؟ أفلا قال : فلا ~~الجود يفني المال قبل فنائه . . . ولا البخل في مال الشحيح يزيد ~~PageV01P143 فلا تلتمس رزقا بعيش مقتر . . . لكل غد رزق يعود جديد ألم تر ~~أن الرزق غاد ورائح . . . وأن الذي يعطيك غير بعيد قيل : ولما مات حاتم خرج ~~رجل من بني أسد يعرف بالخيبري في نفر من قومه وذلك قبل أن يعلم كثير من ~~العرب بموته فأناخوا بقبره ، فقال : والله لأحلفن للعرب أني نزلت بحاتم ~~وسألته القرى فلم يفعل ، وجعل يضرب برجله قبره وهو يقول : أعجل أبا سفانة ~~قراكا . . . فسوف أنبي سائلي ثناكا فقال بعضهم : ما تنادي رمة ! وباتوا ~~مكانهم ، فقام صاحب القول من نومه فزعا فقال : يا قوم عليكم مطاياكم فإن ~~حاتما أنشدني : أبا الخيبري وأنت امرؤ . . . ظلوم العشيرة شتامها أتيت ~~بصحبك تبغي القرى . . . لدى حفرة صخب هامها تبغي لي الذم عند المبيت . . . ~~وحولك غوث وأنعامها فإنا سنشبع أضيافنا . . . ونأتي المطي فنعتامها قيل : ~~ونزل على حاتم ضيف ولم يحضره قرى فنحر ناقة الضيف وعشاه وغداه ثم قال له : ~~إنك أقرضتني ناقتك فغديتك بها فاحتكم علي ، قال : راحلتين ، قال : لك عشرون ~~أرضيت ؟ قال : نعم وفوق الرضى ، قال : فلك أربعون ، ثم قال لمن بحضرته من ~~قومه : من أتانا بناقة فله ناقتان بعد الغارة ، فأتوه بأربعين فدفعها إلى ~~ضيفه . وحكوا عن حاتم أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة ، فلما كان بأرض ~~عنزة ناداه أسير لهم : يا أبا سفانة أكلني الإسار ، قال : ويلك والله ما ~~أنا في بلادي وما معي شيء وقد أسأت أن توهمت بي ! فذهب إلى العنزيين ~~فساومهم به واشتراه منهم وقال : خلوا عنه وأنا أقيم مكانه في قيده حتى أؤدي ~~فداه ، ففعلوا ، فأتاهم بفدائه . وقيل في المثل : هو أجود من كعب بن مامة ، ~~وكان من إياد ، وبلغ من جوده أنه خرج في ركب وفيهم رجل من أهل ms164 النمر بن ~~قاسط في شهر ناجر ، والنجر العطش ، فضلوا وتصافنوا ماءهم فجعل النمري يشرب ~~نصيبه فإذا أصاب كعبا نصيبه قال : اعط أخاك يصطبح ، فيؤثره على نفسه ، حتى ~~أضر به العطش ، فلما رأى ذلك استحث راحلته وبادر حتى رفعت له أعلام الماء ~~وقيل له : رد كعب فإنك وارد ، فغلبه العطش فمات ونجا رفيقه . وقيل في المثل ~~: هو أسمح من لافظة ، وهي العنز تستدعى للحلب فتجيء إليه وهي تلفظ بجرتها ~~فرحا بالحلب ، وقال الشاعر : يداك يد خيرها يرتجى . . . وأخرى لأعدائها ~~غائظه PageV01P144 فأما التي خيرها يرتجى . . . فأجود جودا من اللافظه وأما ~~التي شرها يتقى . . . فنفس العدو بها فائظه قيل : وخرج معاوية بن أبي سفيان ~~ذات يوم فقام إليه رجل فقال : قد أملتك لمهم فما عوضي من ذلك ؟ قال : ~~إبلاغك أمنيتك فتمن ، قال : ألف دينار ، قال : هي لك ومثلها استظهارا لبقاء ~~النعمة عليك . وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه : يا بني إن ثيابكم على غيركم ~~أحسن منها عليكم ، ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم ، وكان يقول لولده : ~~لا تتكلوا على ما سبق من فعلي وافعلوا ما ينسب إلي ، ثم قال متمثلا : إنما ~~المجد ما بنى والد الصد . . . ق وأحيا فعاله المولود ويقول : ابتداء الفضل ~~يد موفورة والبذل بعد الطلب يد مقبوضة . فأما صلات الخلفاء وسخاؤهم فإنه ~~حدثنا هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي قال : حدثني علي بن صالح ~~قال : كنت يوما على رأس الهادي وأنا غلام وقد جفا المظالم ثلاثة أيام عاقر ~~العقار فيها ، فدخل عليه الحراني فقال : يا أمير المؤمنين إن العامة لا ~~تقاد ، أو قال : لا تنقاد لما أنت عليه ، لم تنظر في المظالم منذ ثلاثة ~~أيام ، فالتفت إلي فقال : يا علي ائذن للناس علي بالجفلى لا بالنقرى ، ~~فخرجت من عنده وأنا أطير على وجهي لا أدري ما قال لي ، فقلت : أرجع فأسأله ~~عما قال فيقول تحجبني ولا تعلم كلامي ؟ ثم أدركني ذهني فبعثت إلى أعرابي ~~كان وفد علينا فسألته عن الجفلى والنقرى ، فقال : الجفلى جفالة الرجال ~~والنقرى ترتيبهم ، فأمرت ms165 بالستور فرفعت وبالأبواب ففتحت فدخل الناس على ~~بكرة أبيهم فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل ، فلما تقوض المجلس قلت : يا ~~أمير المؤمنين كلمتني بكلام لم أعرفه فبعثت إلى أعرابي كان عندي ففسره لي ~~وفهمني فكافه عني يا أمير المؤمنين ، فقال : نعم مائة ألف درهم تحمل إليه ، ~~فقلت : يا أمير المؤمنين أعرابي جلف وفي عشرة آلاف درهم ما أغناه ! فقال : ~~ويحك أجود وتبخل ؟ قال : وحدثنا عبد الله بن عمرو البلخي عن ابن دأب أنه ~~كان يأكل مع الهادي وينادمه وكان يدعو له بتكاء وما كان يفعل ذلك في مجلسه ~~بغيره ، وكان لذيذ المفاكهة طيب المسامرة كثير النادرة جيد الشعر حسن ~~الانتزاع ، قال : فأمر له ذات ليلة بثلاثين ألف دينار ، فلما أصبح وجه ~~قهرمانه إلى باب موسى وقال له : الق الحاجب فقل له يوجه إلينا بهذا المال ، ~~فلقي الحاجب فأتاه برسالته فتبسم وقال : هذا ليس إلي ، فانطلق إلى صاحب ~~التوقيع ليخرج إليك كتابا إلى الديوان فتدبره ثم تفعل فيه كذا وكذا ، فرجع ~~إلى ابن دأب فأخبره ، فقال : دعها ولا PageV01P145 تعرض لها ، قال : فبينا ~~موسى في مستشرف له إذ نظر إلى ابن دأب قد أقبل وليس معه إلا غلام واحد ، ~~فقال لإبراهيم الحراني : أما ترى ابن دأب ما غير من حاله شيئا وقد بررناه ~~بالأمس لنرى أثر ذلك عليه ؟ فقال إبراهيم : إن أمرني أمير المؤمنين تعرضت ~~له بشيء من أمره ، قال : لا ، هو أعلم بأمره ، ودخل ابن دأب وأخذنا في ~~حديثه إلى أن عرض له موسى بذكر ذلك فقال : أرى ثوبك غسيلا وهذا شتاء يحتاج ~~فيه إلى الثوب الجديد اللين ، فقال : يا أمير المؤمنين باعي قصير عما أحتاج ~~إليه ، قال : وكيف وقد صرفنا إليك من برنا ما ظننا أن فيه صلاح شأنك ؟ قال ~~: ما وصل إلي ولا قبضته ، فدعا صاحب بيت مال الخاصة وقال : عجل له الساعة ~~ثلاثين ألف دينار ، فأحضرت وجلعت بين يديه . وقال الحسن بن يحيى بن عبد ~~الخالق : حدثني محمد بن القاسم بن الربيع قال : أخبرني محمد بن عمرو ms166 الرومي ~~قال : حدثني أبي قال : جلس الهادي مجلسا خاصا فدعا بإبراهيم بن جعفر بن أبي ~~جعفر وإبراهيم بن سلم بن قتيبة بن مسلم والحراني فجلسوا عن يساره ومعهم ~~خادم للهادي أسود يقال له أسلم ، إذ دخل صالح صاحب المصلى فقال هارون بن ~~المهدي : ائذن له ، فدخل وسلم عليه وقبل يده وجلس عن يمينه بعيدا ، فأطرق ~~موسى ثم التفت إليه وقال : يا هارون كأني بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا وتؤمل ~~ما أنت منه بعيد ودون ذلك خرط القتاد ، تؤمل الخلافة ! قال : فبرك هارون ~~على ركبتيه وقال : يا موسى إنك إن تجبرت وضعت ، وإن تواضعت رفعت ، وإن ظلمت ~~ختلت ، وإني أرجو أن يفضي إلي الأمر فأنصف من ظلمت وأصل من قطعت وأصير ~~أولادك أعلى من أولادي وأزوجهم بناتي وأبلغ ما يجب من حق الإمام المهدي ، ~~فقال له موسى : ذلك الظن بك يا أبا جعفر ، ادن مني ، فدنا وقبل يده ثم ذهب ~~يعود إلى مجلسه ، فقال : لا والشيخ الجليل والملك النبيل أعني أباك المنصور ~~لا جلست إلا معي ، فأجلسه في صدر المجلس معه ثم قال : يا حراني احمل إلى ~~أخي ألف ألف دينار وإذا افتتح الخراج فاحمل إليه النصف واعرض عليه ما في ~~الخزانة اخاصة وسائر الخزائن من مالنا وما أخذ من أهل بيت اللعنة فيأخذ منه ~~ما أراد ، قال : ففعل ذلك ، فلما قام قال لصالح : أدن دابته إلى البساط ، ~~قال عمرو الرومي : وكان هارون يأنس به ، قلت : يا سيدي ما الرؤيا التي قال ~~لك ؟ قال المهدي : رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبا وإلى هارون ~~قضيبا أورق من قضيب موسى وأعلى منه ، فأما قضيب PageV01P146 هارون فأورق من ~~أوله إلى آخره وكان قضيب موسى دون قضيب ذلك ، فدعا المهدي الحكم بن موسى ~~العنزي وهو الذي بنى أبوه واسطا للحجاج فقال له : عبر هذه الرؤيا ، قال : ~~يملكان جميعا فأما موسى فتقل أيامه وأما هارون فيبلغ مدى آخر ما عاش خليفة ~~وتكون أيامه أحسن أيام وأنضرها ودهره أحسن دهر ، قال : فلم يلبث إلا أياما ms167 ~~يسيرة حتى مات موسى وتولى الأمر هارون فزوج حمدونة من جعفر بن موسى وفاطمة ~~من إسماعيل ووفى بكل ما قال ، فكان دهره أحسن الدهور . حدثنا محمد بن علي ~~بن الحسين العلوي قال : كنت عند عمر بن الفرج الرخجي في اليوم الذي عقد فيه ~~المأمون لأخيه أبي إسحاق على ثغر المغرب ولابنه العباس على الشام والجزيرة ~~ولعبد الله بن طاهر على الجند ومحاربة بابك وعند عمر جماعة من الهاشميين ~~فتذاكرنا أمر هؤلاء الثلاثة فقال عمر : فرق أمير المؤمنين في هؤلاء الثلاثة ~~ما لم يفرق مثله أحد منذ كانت الدنيا ، أمر لأخيه أبي إسحاق بخمس مائة ألف ~~دينار ولابنه العباس بخمس مائة ألف دينار ولعبد الله بن طاهر بخمس مائة ألف ~~دينار ، فمن سخت نفسه بمثل هذا ؟ وكان للبرامكة في هذا الشأن ما لم يكن ~~لأحد من الناس منها ، إنهم كانوا يخرجون بالليل سرا ومعهم الأموال يتصدقون ~~بها ، وربما دقوا على الناس أبوابهم فيدفعون إليهم الصرة فيها الثلاثة ~~الآلاف إلى الخمسة الآلاف والأكثر من ذلك والأقل ، وربما طرحوا ما معهم في ~~عتب الأبواب ، فكان الناس لاعتيادهم ذلك يعدون إلى العتب إذا أصبحوا يطلبون ~~ما ألقي فيها . ومنهم خالد بن برمك فإنه حدثنا يوسف بن سلام الزعفراني قال ~~: حدثني أبي قال : قال خالد بن برمك يوما وهو بالري وأراد الخروج إلى مجلس ~~له وإخراج دوابه إلى الخضرة ونحن قيام بين يديه : من يخرج مع هذه الدواب ؟ ~~قال أبي : أنا ، وليس أحد يجتريء أن يتكلم ، فقال : اخرج معها ، فخرجت وكنت ~~أحسن إليها ، فلما رددتها حمد أثري فيها ، فقلت : أيها الأمير لي حاجة ، ~~فقال : وما حاجتك ؟ قلت : ثلاثة آلاف درهم ، قال : ثلاثة آلاف درهم ؟ قلت : ~~نعم ، قال : اعطوها ثلاثة آلاف درهم ، وقال لي : اشترها الآن واعتقها ، ثم ~~قال : ما تريد ؟ قلت : الحج أحج وتحج هي أيضا ، قال : اعطوه ثلاثة آلاف ~~درهم ، قلت : نحتاج إلى خادم يخدمنا ، قال : اعطوه ثلاثة آلاف درهم لثمن ~~الخادم ، قلت : نحتاج إلى ثمن كسوة ، قال : اعطوه ثلاثة آلاف درهم لكسوتهم ~~، فلم ms168 أزل أقول وأعد شيئا شيئا حتى قلت : وأحتاج إلى منزل وأحتاج إلى ~~PageV01P147 فرس ، وهو يقول اعطوه ثلاثة آلاف درهم ، حتى أخذت ثلاثين ألف ~~درهم . قال : وحدثنا يزيد البرمكي قال : كسا خالد كل ثوب كان له حتى لم يبق ~~عليه من كسوته إلا طيلسان خلق ، فاتصل خبره في كسوته بامرأته أم خالد بنت ~~يزيد وكانت بالري فبعثت إليه بكسوة من الري طيلسان مطبق لم أر مثله جودة ~~وحسنا وسعة ، وكان خالد ذا بسطة في الجسم فكان يحتاج إلى أسبغ ثوب وأتمه ، ~~فوضع بين يديه فنظر إليه ثم رفع رأسه إلي فقال : يا يزيد كيف ترى هذا ~~الطيلسان ؟ قلت : ما رأيت مثله وإن بالأمير إليه لحاجة ، قال خالد : اصنع ~~به ماذا شئت ، قلت : تلبسه أيها الأمير ، قال : أنا والله إلى غير هذا أحوج ~~، قلت : وما هو ؟ قال : أن تقوم الساعة على شريف من أشراف الناس أو حر من ~~أحرارهم فتتحفه به فيقوم فيلبسه كل يوم عيد أو يخرج إذا خرج نحو أهله ~~فيلبسه عند قدومه عليهم فيقول هذا كسوة خالد ، هذا والله أفضل وأشرف من ~~لبسي إياه ، قال : فكساه بعض عفاته . يحيى بن خالد فإنه حدثنا علي بن ~~الحسين الأشقر عن عبد الله بن أسوار قال : كنت أخط بين يدي يحيى وكان خطي ~~يعجبه ، فبينا أنا جالس بين يديه إذ ناوله رجل كتابا فثنى أعلاه وجعل يقرؤه ~~، فدخل الفضل ابنه فسلم وجلس ثم أقبل على رجل يحدثه وطرف يحيى في الكتاب ~~الذي بيده ، فقال الفضل لذلك الرجل : إني لأعجب كثيرا من أمر نحن فيه ! كان ~~الرجل يصل الرجل بخمسين ألف درهم فتغنيه وعشيرته فيكتفون بها ونرى ذلك في ~~وجوههم ويتبين عليهم أثره ونحن نصل الرجل بالخمس المائة الألف الدرهم ~~والأكثر فلا نرى ذلك في وجوههم ! فالتفت إليه يحيى وقطع قراءة الكتاب فقال ~~: يا أبا العباس إذا كان أمل الرجل ألف ألف درهم وأعطيته خمس مائة ألف لم ~~تقع منه موقعا وإنما يرى في وجه الرجل ما بلغ به الأمل ، فعجب أهل المجلس ms169 ~~من كرمه وقوله وما زالوا يحكونه عنه . وحدث ابن مزروع عن أبيه قال : كنت ~~أسير في موكب يحيى بن خالد فعرض له رجل من العامة ومعه كتاب فقال : أصلح ~~الله الأمير ، اختم هذا الكتاب ، فبادر إليه الشاكرية يزجرونه من حواشي ~~موكبه ، فقال : دعوه قبل أن لا تنتفع به ، يعني خاتمه ، واستدناه فختمه له ~~، وتعجب مسايروه من اغتنامه المعروف وعمله بأفعال الرجال . وحدث صالح بن ~~سليمان قال : وذكر ليحيى وهو مجاور بمكة أن بجدة قوما يصيدون السمك ~~ويبيعونه ويشترون طعامهم به فإن لم يجدوا صيدا مكثوا أياما لا يأكلون يشد ~~الرجل على بطنه حجرا ولا يسألون الناس شيئا وربما مات أحدهم جوعا ، فقال : ~~هؤلاء أعجب قوم سمعت بهم ، ينبغي أن نلتمس الثواب فيهم ، فبعث فحمل إليه ~~بعضهم فسأله عن حالهم فأخبره فقال : وكم أنتم ؟ فذكر عدة ، فقال : وكلكم ~~على هذه الطريقة ؟ قال : نعم ، قال : فما يغنيكم ؟ PageV01P148 قال : تحفر ~~لنا بركة يجتمع فيه ماء السماء فإن الماء يعز بالبلاد إلا على من كانت له ~~مصنعة فيشرب منها ويبيع فضلها وينتفع بثمنه ، قال : فبكم يكتفي أحدكم في ~~الشهر ؟ قال : بأربعة دراهم لكل رجل وللمرأة ستة دراهم ، قال : فإني قد ~~أجريت لكل رجل عشرة دراهم ولكل امرأة ثمانية عشر درهما ، فهل تتزوجون ؟ قال ~~: نعم ، قال : فكم مهور نسائكم ؟ قال : أربع مائة درهم ، قال : فإني آمر ~~بإعطائكم ما أجريت عليكم لسبع سنين ولمهور نسائكم عشرين ألف درهم ، قال : ~~من يدفع هذا المال إلينا ؟ فأشار إلى غلام أمرد معه فقال : ادفع إلى هذا ~~المال ، فدفع إليه ، فقال : أتأذن أن أشتري ، أصلحك الله ، من هذا المال ~~تابوتا أجعله فيه ؟ قال : نعم ، وأمر باتخاذ بركة لهم بلغت النفقة عليها ~~عشرين ألف درهم . وحدثنا يزيد البرمكي قال : قدم الوافدي من المدينة بأسوإ ~~حال فصار إلى يحيى وهو لا يعرفه فوضع الطويلة على رأسه ، فركب يحيى وخرج ~~فرآه جالسا على باب داره في زي القضاة ، فقام الواقدي وأثنى عليه ودعا له ، ~~ومر يحيى في موكبه إلى دار أمير المؤمنين ثم ms170 انصرف وإذا الواقدي في مجلسه ~~ذلك ، فقام إليه ودعا له وأثنى عليه ، فدخل منزله وجلس الواقدي ، فسأل يحيى ~~عنه وقال : من هذا الشيخ الرث الهيأة ؟ فلم يعرفه أحد . فقال : ويحكم لا ~~أشك إلا أنه شيخ أصيل معه علم وفقه ، ودعا بكيس فيه أربعة آلاف دينار وأمر ~~وكيلا له أن يدفعها إليه ، وكان قصارى الواقدي ومناه أن يصله بألف درهم ، ~~فخرج الرسول ووضع الكيس في حجره ، فلما رأى عظم الكيس أقبل يدعو ليحيى ~~ويثني عليه ثم قام وانصرف إلى منزله وقد أخذته الرعدة والحرص أن يرى ما في ~~الكيس فيعرف منتهاه ، فلما صار إلى حجرته استعار من بعض جيرانه ميزانا ~~وصنجات ثم فتح الكيس وإذا أربعة آلاف دينار فكاد أن يغشى عليه من السرور ، ~~فرم من حاله واتخذ ثيابا سوية وعمد على أن ينصرف إلى المدينة . فلما كان من ~~الغد بكر على يحيى ليودعه فدخل وأنشد فرآه عالما فقيها مسامرا بليغا فأعجب ~~به ، فقام ليودعه فقال : أقم عندنا ولك في كل حول هذا المقدار ، فأقام عنده ~~. وحدثنا يعقوب بن إسحاق قال : رأى رجل من الموالي ليحيى رؤيا ، وكان يحيى ~~على حال الخوف والوجل من الهادي ، فقص الرؤيا على أبيه ، فقال : يا بني هذه ~~والله رؤيا عجيبة وأخلق به لأن الرشيد في حجره وولاية العهد له ، قال : يا ~~أبت أفترى أن أخبره بها ؟ قال : يا بني لا تفعل فإن السلطان غليظ عليه وهو ~~يرميه بالزندقة وأنا أشفق عليه من إتيانه لأنه لا يقبل مثل هذا في هذا ~~الوقت ، فعصى الرجل أباه وأتاه ، قال الرجل : فلما دخلت عليه رأيت المصحف ~~بين يديه يقرأ فيه فعجبت مما قيل فيه ، فلما خف من عنده دنوت منه فقصصت ~~عليه الرؤيا ، فقال : يا ابن أخي ما أحسن بالرجل أن يلتمس الرزق بالأحسن ~~الأجمل وأقبح به أن يلتمسه PageV01P149 على هذا وربما تذكره مما يشبهه ! ~~فخرجت من عنده وقد سقط وجهي ، فأتيت أبي فأعلمته ، فقال : بعدا لك وسحقا ! ~~قد نصحت لك فلم تقبل ، ثم أقبل يشتمه وتشتمه أمه وأهله ms171 ويقولون : نشهد عليك ~~أنك من الزنادقة المعطلين ! قال : ثم لم يلبث أن توفي الهادي وأفضى الأمر ~~إلى الرشيد وصار يحيى إلى ما صار إليه ، فبينا هو في موكبه يوما إذ بصر بي ~~فوجه إلي ودعاني ، فدخلت عليه وهو على كرسي قد طرح ثوبه وجعل يمسح وجهه ، ~~فلما دنوت منه قال : أين كنت عنا ؟ قلت : أعزك الله ، والله ما لقيت منك ما ~~يدعو إلى إتيانك ! قال : ويحك إنك أتيتنا ونحن في حال كنا نتخوف الجدر أن ~~يكون فيها من يسعى بنا والإخوان أن يسعوا بنا ويحتالوا علينا ، ولم يكن ~~الرأي أن أجيبك إلا بما أجبتك ، ووالله ما فارقني الفكر في العناية بك ~~والإيجاب لك والمعرفة بحقك منذ وقعت عليك عيني . ثم أمر سلاما بإحضار عشرة ~~آلاف درهم فأحضرت ، وأمر بالكتاب إلى سليمان بن راشد بأرمينية فدفع المال ~~إلي وحملني وخلع علي وقال : اذهب فاصلح شأنك وتعال فتسلم كتبك ، وأمر لي ~~بعشر من دواب البريد ، فانصرفت إلى منزلي وتحتي دابة وعلي خلعة ومعي عشرة ~~آلاف درهم ، فقال أبي : ما هذا يا بني ؟ فأعلمته الخبر ، فما زلت وأهلي ~~وأبي ندعو له ونشهد أنه من الصديقين والشهداء والصالحين ، فقلت لبعض ~~جيراننا : ما أصنع بعشر دواب البريد ؟ فقال : أكرها فإنك تصيب في السكك من ~~تقصر به دابته عن حاجته فيكتري منك ، قال : فلما كان من الغد عدت إليه ~~فأخذت كتبي وجوازي ، فلما صرت إلى السكة وجدت رجلا كبيرا قد وجه إلى تلك ~~الناحية ولم يكتف بما حمل عليه من الدواب ، فأكريت منه ثماني دواب وخرجت ~~على دابتين ، أنا على دابة وغلامي على أخرى ، ولم أزل في حشم المكتري حتى ~~صرنا إلى أول العمل فإذا يحيى قد سبقني بالكتاب إلى سليمان أن رجلا من حاله ~~كيت وكيت وله عندي أياد فاخترتك له فكن عند ظني بك في أمره وافعل به وافعل ~~، قال : فوجه سليمان قائدا في جند عظيم لاستقبالي حتى إذا اتصل به دنوي ~~استقبلني في وجوه أهل البلد ، فلما دنا منا بادر إلى الرجل المكتري ms172 مني ولم ~~يشك أني هو وسأله ، فأعلمه المكتري أنه فلان بن فلان ، فقال سليمان : ~~توهمتك فلانا ! قال : لست هو لكنه ذاك ، وأشار إلي ، فأقبل سليمان ركضا إلي ~~وتضاءلت منه حياء لرثاثة حالي ، فسألني وأعلمني أنه وجه إلي وكيله وحمل معه ~~هدايا ، فقلت : ما وصل ذلك إلي ، فلما نزلنا وحططنا في بعض تلك المنازل إذا ~~وكيله قد وافى بهداياه وإذا دواب وبغال موقرة وتخوت وثياب ، فدخلت البلد ~~وقد حسنت حالي ووكد علي في كتابه وليس عندي إلا إطلاق العمل لك ، وهاهنا ~~نشوى الكبرى PageV01P150 ونشوى الصغرى وهما من أجل الأعمال بأرمينية ~~ونواحيها وإن شئت أن تخرج إليها فاخرج وإن شئت فهاهنا من يبذل عنهما خمس ~~مائة ألف درهم ، قلت : لا والله أبقاك الله إلا الخمس المائة الألف عجلها ~~لي فأنصرف إلى أب شيخ كبير وعيال قد خلفتهم ورائي ، قال سليمان : ذاك إليك ~~، فلما خرج سليمان سألت عن نشوى ونشوى قال فقيل مقاطعتهما خمس مائة ألف ~~درهم ويصير إلى المقاطع مثلها ، ثم لم ألبث من الغد أن أتى رسوله بالمال ~~فخرجت وأهديت إلى يحيى هدايا كثيرة وألطافا جليلة مما كان برني به سليمان ، ~~فلما دخلت إليه تبسم لي وقال : إنا لم نوجهك لننتفع بك وإنما وجهناك لتنتفع ~~بنا وسيتصل معروفنا إليك فالزمنا ، فكسبت تجاهه مع ما وصل إلي منه ولم يزل ~~يصلني به عشرين ألف ألف درهم . وحدثني أيوب بن هارون بن سليمان بن علي قال ~~: جاء يحيى ومعه ابنه جعفر إلى عبد الصمد بن علي فسلم عليه وببابه فتى من ~~ولد عبد الله بن علي فقام إلى جعفر فقبل يده ، فقال له : ائتني وارفع إلي ~~حوائجك إلى أمير المؤمنين وقد أمرت لك بخمسة آلاف دينار ، فقال يحيى : وقد ~~أمرت لك بمثلها وأجريت عليك ثلاثة آلاف درهم في كل شهر فابعث بمن يقبض ذلك ~~. فلما انصرف دعاه عبد الصمد فقال : لم فعلت ما فعلت ؟ فقال : أنا ابن أخيك ~~وإنما تصلني في السنة بأربعة آلاف درهم ، وقد أغناني هذا وأبوه في ساعة ~~واحدة فكيف ms173 تلومني على ذلك ؟ وحدث يحيى بن محمد قال : لما خرج الرشيد إلى ~~القاطول قال ليحيى : يا أبت لا تفجعني بك وكن معي في هذا الوجه لآنس بك ، ~~فعمد على الشخوص معه ، فقال لرجاء بن عبد العزيز وكان على نفقاته : كم عند ~~وكلائنا من المال ؟ قال : سبع مائة ألف درهم ، قال : فاقبضها إليك ، فغدا ~~إليه فقبل يده ومنصور بن زياد عنده ، فلما خرج رجاء قال لمنصور : قد ظننت ~~أن رجاء توهم أنا وهبنا له هذا المال وإنما أمرناه بقبضه ليكون معنا في هذا ~~الوجه ، فقال منصور : فأنا أعلمه ذلك ، قال إذن يقول : فقل له يقبل يدي كما ~~قبلت يده ، فلا تقل له شيئا ، وترك المال له . وكان يحيى يقول : اسرف فإن ~~الشرف في السرف . ومنهم الفضل بن يحيى البرمكي ، فإنه حدثنا محمد بن علي بن ~~عيسى بن ماهان عن محمد بن زيد أنه قال : دخلت على الفضل بن يحيى وقد خرج من ~~الحمام بعد العصر وهو يقول : أعوذ بالله من النار ! فقلت : جعلت فداك ! ~~اشتر هذا الوجه الحسن من النار . فدعا بخمس مائة ألف درهم وقال : اشتر بها ~~وجهي الساعة ، فقلت : جعلت فداك ! الوقت ضيق PageV01P151 ولكن غدا إن شاء ~~الله ، فقال : لا والله إلا الساعة ، فوجهت إلى القضاة في الجانبين ~~بثلاثمائة ألف درهم وحملت إلى أبي محمد السمرقندي منها صدرا وأمرتهم عنه ~~بتفريقه وفرقت البقية بحضرتي ، فلم تغب الشمس حتى فرق ذلك كله . وحدث محمد ~~بن الحسين بن مصعب قال : وقف الفضل بن يحيى بخراسان موقفا لم يقفه أحد قط ، ~~خرج إلى الميدان ليضرب بالصوالج فأمر بدفاتر البقايا التي على الناس فأحضرت ~~وأمر الحاجب بالخروج إلى الناس وإعلامهم أنه قد وهبها لهم ثم أمر بها فضربت ~~بالنار ، وكان مبلغ ذلك أكثر من عشرين ألف ألف درهم . وحدث بعض الهاشميين ~~عن خلف المصري قال : مررت يوما بباب يحيى بن معاذ فوجدته مغلقا ولم أر ~~بالباب أحدا ، فأنكرت ذلك ، فدنوت إلى الباب واستفتحت ففتح لي ودخلت عليه ~~وسألته عن حاله فذكر أنه توراى ms174 عن غرمائه ، فقلت : وكم لديانك عليك ؟ فقال ~~: ثلاثمائة ألف درهم ، ثم مضيت إلى الفضل بن يحيى فأخبرته فسكت ، فلما ~~انصرف إلى منزلي كتب إلي : إنك دللتنا على مكرمة فشكرناك على ذلك وأمرنا لك ~~بمائة ألف درهم لدلالتك وبعثنا إليك بثلاثمائة ألف درهم لتوصلها إلى يحيى ~~بن معاذ ، فأوصلتها إليه فقضى دينه بها . قيل : ودفع حمزة بن جعفر بن ~~سليمان إلى أبي النضير الشاعر رقعة ليوصلها إلى الفضل يسأله فيها الإذن في ~~ابتياع ضيعة بفارس ، وكان مبلغ ما يوزن في ثمنها مائة ألف درهم ، قال أبو ~~النضير : فأخذتها منه فدفعتها إلى الفضل فنظر فيها ووضعها فاغتممت لما رأيت ~~من قلة نشاطه لها ، فلما أصبحت قيل لي : خزان بيت المال يطلبونك ، فظننت ~~أنه نظر لي بشيء في خاصتي ، فأتيتهم فقالوا لي : أحضر من يحمل المائة الألف ~~إلى صاحب الرقعة ، فحملتها إلى حمزة ، قال حمزة : فصرت إليه فقلت : أصلح ~~الله الأمير ! وصلت إلي صلتك ولا والله ما أدري كيف أشكرك إلا بقول أبي ~~النضير فيك : وللناس معروف وفيهم صنائع . . . ولن يجبر الأحزان إلا جدا ~~الفضل إذا ما العطايا لم تكن برمكية . . . فتلك العطايا ما تمر وما تحلى ~~قال أبو النضير : فالتفت إلي الفضل فقال : يا أبا النضير جزاؤك عندي ، ~~فوصلني حتى أغناني . وحدث أحمد بن علي الشيقي وغيره ممن ينزل بنهر المهدي ~~قال : أقبل الفضل بن يحيى يوما على نهر المهدي يريد منزله بباب الشماسية ، ~~فاستقبله فتى من الأبناء قد أملك ومعه PageV01P152 جماعة كثيرة قد ركبوا ~~معه في السواد والسيوف ، وهكذا كانوا يفعلون ، يركبون مع الرجل عند إملاكه ~~ويستعيرون الدواب ويسيرون خلفه ويطرقون بين يديه ، قال : فترجل الفتى للفضل ~~وقبل يده ورجله ، فسأله عن شأنه فأخبره ، فقال : كم أصدقت أهلك ؟ قال : ~~أربعة آلاف درهم ، فدعا قهرمانه وقال : احمل إليه الساعة أربعة آلاف درهم ~~لصداق أهله وأربعة ألاف درهم لشراء منزل ينزله وأربعة آلاف درهم لنفقة ~~تحويل أهله وأربعة آلاف للنفقة على الوليمة وأربعة آلاف درهم ليتصرف بها في ~~معيشته ، قال أحمد بن علي ms175 : فأشاروا على الفتى أن يسأله أن يأمر قواده ~~وحشمه بإتيانه ، فأمرهم بذلك فأتوه وجعلوا يطرحون العشرة الآلاف الدرهم ~~والخمسة الآلاف الدرهم والأقل والأكثر في مجلسه حتى اجتمع له خمسون ألف ~~درهم سوى ما أعطاه الفضل . وحدث أحمد بن علي قال : حدثنا رجل من جيراننا أن ~~الفضل بن يحيى مر به في يوم صائف منصرفا من المدينة يريد منزله فقال الرجل ~~: لا والله إن في منزلي قليل ولا كثير ، فعطس الفضل ، فقلت : يرحمك الله ، ~~وقد كان سمع يميني فأمر بعض غلمانه أن يحملني معه على دابته ، فلما صار بي ~~إلى قصره أخرج إلي خمسة آلاف درهم وعشرة أثواب ، فانصرفت بها إلى منزلي ، ~~فقالت لي امرأتي : والله لقد خرجت من عندنا وما تملك قليلا ولا كثيرا ، فمن ~~أين سرقت هذا ؟ قال : فأعلمتها القصة فلم تصدقني قولي واستراب الجيران ~~بحالي وتناهى الخبر إلى السلطان فطمع في وأخذني فحبسني ، فقلت له : إنه كان ~~من أمري كيت وكيت ، فوقع خبري إلى الفضل فأمر بإحضاري ، فلما أحضرت ورآني ~~عرفني وأمر بإطلاقي ووصلني بخمسة آلاف أخرى وبعشرة أثواب وقال : تعهد بما ~~ننفعك ، فلم يزل ينفعه حتى حدث من أمرهم ما حدث . وعن أحمد بن محمد بن عبد ~~الصمد أن رجلا كان ينزل على نهر المهدي وكانت عليه نعمة فزالت فلم يقدر على ~~شيء فمطر الناس ثلاثة أيام متتابعة فبقي في منزله لا يقدر على الخروج ، ~~فأضر به ذلك وأبلغ إليه الجوع وإلى عياله ، فلما كان في آخر الليل جاء إلى ~~البقال بقصعة له ليرهنها عنده على خبز ، فانتهره البقال وقال : ما أصنع ~~بهذه القصعة ؟ وأبى أن يعطيه عليها شيئا ، قال : فعاد إلى منزله مغموما لا ~~حيلة له ، فرفع يده إلى السماء وقال : اللهم سق إلي في هذه الليلة عبدا من ~~عبادك تحبه يفرج عني ما أمسيت فيه ، فما شعرت إلا والباب يدق علي فإذا رجل ~~على حمار قد حف به خدم ، فقال لي : كم عيالك ؟ قلت : كذا وكذا ، فأعطاني ~~كيسا قدرت أن فيه خمسة آلاف درهم ، فقلت ms176 : الحمد لله الذي استجاب دعائي ~~وفرج عني ، فقال لي : وما كان قولك ودعاؤك ؟ فخبرته الخبر بصنيع البقال وما ~~دعوت الله جل وعز به ، فاستحلفني أني دعوت بهذا الدعاء ، فحلفت له ، فأمر ~~لي بمائة ألف درهم ، فسألت بعض أولئك الخدم عنه لأعلم هل يقدر على ما أمر ~~لي به أم لا ، فقال : هو الفضل بن يحيى بن خالد PageV01P153 البرمكي ، فسكت ~~إلى ذلك وانصرفت إلى منزلي ، ومضيت إلى قهرمانه لما أصبحت فقبضت منه المال ~~. وحدث خلف بن عمر المصري قال : كنا عند الفضل ذات ليلة فقال : أتعرفون ~~رجلا كانت عليه نعمة فزالت عنه حتى أردها عليه ؟ فقال الأشعري ، وكان قاضيا ~~: أعرف ، أصلحك الله ، رجلا شريفا من آل خالد بن عبد الله القسري بالكوفة ~~قد أضرت به الحاجة ، وسماه له ، فكتب إلى عامل الكوفة : احمل إلي فلانا على ~~البريد فقد بعثت بجوازه ، فلم يعلم الخالدي حتى حمله العامل على البريد ~~ووجهه إليه ، فلما قدم عليه دعاه وسأله عن حاله وأمر له بمائة ألف درهم ~~وقال : أقم بها مروءتك حتى أنظر في أمرك وأدبر لك ما يصلح حالك ، ثم ولاه ~~كرمان ، فصار إليها وحسنت حاله ، ثم إن كتاب صاحب البريد بها ورد على الفضل ~~بن يحيى بوفاة الكوفي فقال لنا : أتدرون ما قال الفارسي في مثل له ؟ فذكر ~~المثل بالفارسية ثم فسره بالعربية فقال : إلى أن يدرك الحشيش قد مات الحمار ~~، أردت بهذا الرجل الغنى فمات قبل ذلك ، واغتم لوفاته ولما فاته من الإحسان ~~إليه بعد الذي قد كان أعطاه وأكبسه من مرافق العمل الذي ولاه ، وتقدم بحمل ~~جميع ما خلفه إلى أهله فحمل إليهم . وحدثنا أبو طالب الجعفري قال : حدثني ~~سليمان بن أبي جعفر أن محمد بن إبراهيم الإمام ركب إلى الفضل بن يحيى يوما ~~وكان قد ركبه دين وحمل حقة فيها جوهر ، فلما وصل إليه قال : قد لزمني دين ~~أحوجني إلى احتيال ألف ألف درهم ، وعلمت أن التجار لا يسمحون بإخراج مثلها ~~وإن وثقنا الرهن ولك معاملون وتجار مطيعون ومعي رهن فإن ms177 رأيت أن تأمر بقبضه ~~وحمل هذا المال إلينا فأنت أولى بذلك ، فقال الفضل : نعم لنا تجار يطيعوننا ~~ويسارعون إلى أمرنا ، ولكن ما هذا الرهن ؟ فوضع الحقة بين يديه ، ففتحها ~~حتى نظر إليها فأعجب بالجوهر الذي فيها ، ثم أمر بإعادتها إلى حالها وقال : ~~ضع خاتمك عليها ، فختمها ، قال فقال الفضل : إن نجح الحاجة أن تقيم في ~~منزلي الذي أنا فيه ، فقال : يشق علي المقام ، فقال : وما يشق عليك ؟ إن ~~رأيت أن تلبس من ثيابنا شيئا دعوت لك به وإلا فابعث إلى منزلك لتؤتى به ، ~~فأقام عنده ، ونهض الفضل فدعا وكيله وأمر أن يحمل إلى منزل محمد بن إبراهيم ~~ألف ألف درهم مبدرة ويضعها قبالة مجلسه ليراها إذا دخل ، ففعل الوكيل ذلك ، ~~وانصرف محمد إلى منزله مع المغرب ، فلما دخل وقعت عينه على المال فقال : ما ~~هذا ؟ قالوا : وجه به الفضل ، قال : أحسن الله جزاءه فإنه وإن كان وجه بذلك ~~على ما رهناه فقد ظهر لنا من عنايته ما قدرناه فيه ، PageV01P154 قالوا : ~~وما الرهن ؟ قال : الحقة ، قالوا : قد ردها تحت خاتمك ، فقال : أين هي ؟ ~~فأتي بالحقة ففتحها حتى نظر إليها وفرح فرحا شديدا فعدا إلى الفضل فوجده قد ~~سبقه إلى دار أمير المؤمنين فتبعه فلم يزل واقفا ينتظره حتى خرج الفضل من ~~باب آخر فصار إلى منزله وشكر له ما كان منه وانصرف عنه ، فلما دخل منزله ~~وجد فيه ألف ألف درهم سوى الأولى ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : بعث به الفضل ، ~~فأتاه فقال له : جعلت فداك ! أما كان فيما وجهت به أمس كفاية حتى أردفته ~~بمثله ؟ فقال : إنه والله طالت علي ليلتي فركبت إلى أمير المؤمنين وأعلمته ~~حالك فأمرني بالتقدير لك فقدرت مائة ألف دينار ، فما زال يقول ويماكسني حتى ~~وقفت على ألف ألف فأمر لك بها فلم أنصرف إلى المنزل حتى حمل المال إليك ، ~~فقال محمد : لست أجد لك شكرا أقضي به حقك غير أنه على ابن محمد بن علي ~~وعليه من الأيمان المغلظة إن وقفت بباب أحد سواك أبدا حتى ms178 ألقى الله جل وعز ~~ولا أسأل أحدا حاجة ما بقيت سواك ، فكان لا يركب إلى أحد سوى الفضل ولا يقف ~~بباب أحد غيره . ومن كرمه ما حدث به المأمون فكبر عنده واستحسنه وعجب من ~~جوده وسعة صدره ، فإنه بلغنا عن عمرو بن مسعدة قال : رفعت قصة إلى المأمون ~~منسوبة إلى محمد بن عبد الله يمت فيها بحرمه ويزعم أنه من أهل النعمة ~~والقدر وأنه مولى ليحيى بن خالد وأنه كان ذا ضيعة واسعة ونعمة جليلة وأن ~~ضياعه قبضت فيما قبض للبرامكة وزالت نعمته بحلول النقمة عليهم ، فدفعها ~~المأمون إلى ابن أبي خالد وأمره أن يضم الرجل إلى نفسه وأن يجري عليه ويحسن ~~إليه ، ففعل ذلك به وصاحت حاله وتراجع أمره وصار نديما لابن أبي خالد لا ~~يفارقه ، فتأخر عنه ذات يوم لمولود ولد له ، فبعث إليه فاحتجب عنه ، فغضب ~~عليه ابن أبي خالد وأمر بحبسه وتقييده وإلباسه جبة صوف ، فمكث لذلك أياما ، ~~فسأله المأمون عنه ، فقص عليه قصته وعظم عليه جرمه وشكا ما يراه عليه من ~~التيه والصلف والافتخار بالبرامكة والسمو بآبائهم ، فأمره بإحضاره ، فأحضر ~~في صوفه ، فأقبل عليه المأمون بالتوبيخ مصغرا لقدره مسفها لرأيه وعظم في ~~عينه إحسان ابن أبي خالد إليه مع طعن على البرامكة ووضع منهم ، فأطنب في ~~ذلك ، فقال محمد : يا أمير المؤمنين لقد صغرت من البرامكة غير مصغر ووضعت ~~منهم غير موضوع وذممت منهم غير مذموم ، ولقد كانوا شفاء أسقاهم دهرهم وغياث ~~إجداب عصرهم ، كانوا مفزعا للملهوفين وملجأ للمظلومين ، وإن أذن لي أمير ~~المؤمنين حدثته ببعض أخبارهم ليستدل بذلك على صدق قولي فيهم ويقف على جميل ~~أخلاقهم ومحمود مذاهبهم في عصرهم والأفعال الشريفة والأيادي النفيسة ! قال ~~: هات ، قال : ليس بإنصاف محدث مقيد في جبة PageV01P155 صوف ، فأمر فأخذ ~~قيده ، فقال : يا أمير المؤمنين ألم الجبة يحول بيني وبين الحديث ، فأمر ~~فخلع عليه ، ثم قال : هات حديثك ، قال : نعم يا أمير المؤمنين ، كان ولائي ~~وانقطاعي إلى الفضل ، فقال لي الفضل يوما بمحضر من أبيه وأخيه جعفر : ويحك ms179 ~~يا محمد إني أحب أن تدعوني دعوة كما يدعو الصديق صديقه والخليل خليله ، ~~فقلت : جلعت فداك ! شأني أصغر من ذلك ومالي يعجز عنه وباعي يقصر عن ذلك ~~وداري تضيق عنه ومنتي لا تقوم له ، قال : دع عنك ذلك فلا بد منه ، فأعدت ~~عليه الاستعفاء ، فرأيته جادا في ذلك مقيما عليه ، وسألا ذلك وأعلماه قصور ~~يدي عن بلوغ ما يجب ويشبه مثله ، فقال لهما : لست بقانع منه دون أن يدعوني ~~وإياكما لا رابع معنا ، فأقبل علي يحيى وقال : قد أبى أن يعفيك وإن لم يكن ~~غيرنا فأقعدنا على أثاث بيتك فلا حشمة منا واطعمنا من طبيخ أهلك فنحن به ~~راضون وعليه شاكرون ، فقلت : جعلت فداك ! إن كنت قد عرضت علي ذلك وأبيت إلا ~~هتكي وفضيحتي فالأقل أن تؤجلني حتى أتأهب ، فقال : استأجل لنفسك ، فقلت : ~~سنة ، فقال : ويحك أمعنا أمان من الموت إلى سنة ؟ فقال يحيى : أفرطت في ~~الأجل ، ولكني أحكم بينكما بما أرجو أن لا يرده أبو العباس واقبله أنت أيضا ~~، فقلت : احكم وفقك الله للصواب وتفضل علي بالاستظهار والفسح في المدة ، ~~فقال : قد حكمت بشهرين ، فخرجت من عندهم وبدأت برم داري وإصلاح آلتي وشراء ~~ما أتجمل به من فرش وأثاث وغير ذلك وهو في ذلك لا يزال يذكرني ويعد الأيام ~~علي ، حتى إذا كانت الجمعة التي يجب فيها الدعوة قال لي : يا محمد قد قرب ~~الوقت ولا أحسبه بقي عليك إلا الطعام ، قلت : أجل يا سيدي ، فأمرت باتخاذ ~~الطعام على غاية ما انبسطت به يدي ومقدرتي ، وجاءني رسوله عشية اليوم الذي ~~في صبيحته الدعوة فقال لي : إلى أين بلغت وهل تأذن بالركوب ؟ قلت : نعم بكر ~~، فبكر هو ويحيى وجعفر ومعهم أولادهم وفتيانهم ، فلما دخلوا أقبل علي الفضل ~~وقال : يا محمد إن أول ما أبدأ به النظر إلى نعمتك كلها صغيرها وكبيرها ، ~~فقم بنا إليها حتى أدور فيها وأقف عليها ، فقمت معه وطاف في المجلس ثم خرج ~~إلى الخزائن وصار إلى بيوت الشراب وخرج في الاصطبلات ونظر إلى صغير نعمتي ~~وكبيرها ms180 ثم عدل إلى المطبخ فأمر بكشف القدور كلها وأبصر قدرا منها ، فأقبل ~~على أبيه وقال : هذا قدرك الذي يعجبك ولست أبرح دون أن تأكل منه ، ثم كره ~~أن يأكل فيثلم علي في أكله ويفسد طعامه ، فدعا برغيف فغمسه في القدر وناول ~~أباه ثم فعل ذلك بأخيه ودعا بخلال ، وخرج إلى الدار ووقف في صحنها مفننا ~~طرفه في فنائها وبنائها وسقوفها وأروقتها ثم أقبل علي وقال : من جيرانك ؟ ~~قلت : جعلت فداك ! عن PageV01P156 يميني فلان بن فلان التاجر ، وعن شمالي ~~فلان بن فلان الكاتب ، وفي ظهر داري رجل من بني برجا كبير فهو في بنائه لا ~~يفتر ولا يقصر ، فقال لي : أوتعرفه ؟ قلت : لا ، قال : كان ينبغي لك في ~~قدرك ومحلك من هذه الدولة ألا يجتريء أحد أن يشتري شيئا في جوارك إلا بأمرك ~~لا سيما إذا كان ملاصقا لك ولا ترضى لنفسك إلا بجار تعرفه ، فقلت : لم ~~يمنعني من ذلك إلا ما كنت فيه من الشغل بهذه الدعوة المباركة ، فقال لي : ~~فأين الحائط الذي يتصل بداره ؟ فأومأت إليه ، فقال : علي بنجار ، فأتي به ، ~~فقال : افتح هاهنا بابا ، فأقبل عليه أبوه وقال : نشدتك الله يا بني أن لا ~~تهجم على قوم لا تعرف لهم سببا ، وأقبل عليه أخوه بمثل ذلك ، فامتنع دون ~~فتح الباب ، فلما رأيته قد رد أباه وأخاه أمسكت عن مسألته ، ففتح الباب ~~ودخل وأدخلني معه ، فدخلت دارا حار بصري فيها من حسنها ، كلها لؤلؤ تعشي ~~العيون ، فانتهى إلى رواق فيه مائة مملوك في قد واحد وزي واحد عليهم ~~الأقبية الديباج المنسوجة والمناطق المذهبة ، فلما نظروا إلى الفضل عدوا ~~ووقفوا بين يديه وإذا شيخ بهي قد خرج من بعض تلك المجالس فقبل يده فقال : ~~مر بنا ننظر في مرافق هذه الدار ، فما دخلت مجلسا من مجالسه إلا وقد فرغ ~~تخشيبه بالفرش الذي لا يحيط به الوصف ، وكذلك مرافقها من الستور والبسط ~~وغير ذلك ، ثم قال للشيخ : مر بنا إلى عند الدواب ، فدخلنا إصطبلا فيه ~~أربعمائة رأس من الدواب والبغال وغيرها ms181 ، فوجدت ذلك الاصطبل أحسن بناء من ~~داري ، ثم خرج نحو دور النساء والشيخ بين يديه ، فلما انتهى إلى الباب وقف ~~الشيخ ودخل الفضل وجذبني إلى نفسه وأنا معه حتى دخلت بعض تلك الدور فإذا ~~فيها مائة وصيفة كأنهن الأقمار قد أقبلن في حليهن وحللهن فوقفن بين يديه ، ~~فقال : يا محمد هذه الدار أجل أم دارك ؟ فقلت : يا سيدي وما أنا وما داري ! ~~هذه تصلح للأمير لا غيره على تحرج مني في قولي ، فقال : يا محمد هذه الدار ~~بما فيها من الدواب والرقيق والفرش والأواني لك ولك عندي زيادة ، فقلت في ~~نفسي : يهب لي ملك غيره ! فعلم ما في نفسي ، فقال : يا محمد إني لما سألتك ~~هذه الدعوة تقدمت إلى هذا القهرمان بشراء البراح وأن يعجل الفراغ منه ومن ~~بنائه وحولت إليها ما ترى ، فبارك الله لك فيها ! وانصرف بي إلى عند أبيه ~~وأخيه وحدثهما بما جرى ، فرأيت أخاه جعفرا قد أمعض من ذلك وتغير وجهه تغيرا ~~عرفته ، ثم أقبل على أبيه يشكو الفضل ويقول : يتفرد بمثل هذه المكرمة من ~~دوني فلو شاركني فيها لكانت يدا أشكرها منه ، فقال : يا أخي بقي لك منها ~~قطبها ، قال : وما هو ؟ قال : إن مولانا هذا لا يتهيأ له ضبط هذه الدار بما ~~فيها إلا بدخل جليل فأعطه ذلك ، فقال : فرجت عني يا أخ فرج الله عنك ! فدعا ~~من وقته بصكاك لخمس قريات واحتمل عني خراجها ، فخرج عني وأنا أيسر أهل ~~زماني ، فهل تلومني يا أمير المؤمنين على ذكرهم والقول بفضلهم ؟ فقال ~~المأمون : ذهب القوم والله بالمكارم ! ثم أمر لمحمد بمائة ألف درهم وتقدم ~~إلى ابن أبي خالد برد مرتبته وتصييره في PageV01P157 جملة خواصه . ري رجل ~~من بني برجا كبير فهو في بنائه لا يفتر ولا يقصر ، فقال لي : أوتعرفه ؟ قلت ~~: لا ، قال : كان ينبغي لك في قدرك ومحلك من هذه الدولة ألا يجتريء أحد أن ~~يشتري شيئا في جوارك إلا بأمرك لا سيما إذا كان ملاصقا لك ولا ترضى لنفسك ~~إلا بجار تعرفه ، فقلت ms182 : لم يمنعني من ذلك إلا ما كنت فيه من الشغل بهذه ~~الدعوة المباركة ، فقال لي : فأين الحائط الذي يتصل بداره ؟ فأومأت إليه ، ~~فقال : علي بنجار ، فأتي به ، فقال : افتح هاهنا بابا ، فأقبل عليه أبوه ~~وقال : نشدتك الله يا بني أن لا تهجم على قوم لا تعرف لهم سببا ، وأقبل ~~عليه أخوه بمثل ذلك ، فامتنع دون فتح الباب ، فلما رأيته قد رد أباه وأخاه ~~أمسكت عن مسألته ، ففتح الباب ودخل وأدخلني معه ، فدخلت دارا حار بصري فيها ~~من حسنها ، كلها لؤلؤ تعشي العيون ، فانتهى إلى رواق فيه مائة مملوك في قد ~~واحد وزي واحد عليهم الأقبية الديباج المنسوجة والمناطق المذهبة ، فلما ~~نظروا إلى الفضل عدوا ووقفوا بين يديه وإذا شيخ بهي قد خرج من بعض تلك ~~المجالس فقبل يده فقال : مر بنا ننظر في مرافق هذه الدار ، فما دخلت مجلسا ~~من مجالسه إلا وقد فرغ تخشيبه بالفرش الذي لا يحيط به الوصف ، وكذلك ~~مرافقها من الستور والبسط وغير ذلك ، ثم قال للشيخ : مر بنا إلى عند الدواب ~~، فدخلنا إصطبلا فيه أربعمائة رأس من الدواب والبغال وغيرها ، فوجدت ذلك ~~الاصطبل أحسن بناء من داري ، ثم خرج نحو دور النساء والشيخ بين يديه ، فلما ~~انتهى إلى الباب وقف الشيخ ودخل الفضل وجذبني إلى نفسه وأنا معه حتى دخلت ~~بعض تلك الدور فإذا فيها مائة وصيفة كأنهن الأقمار قد أقبلن في حليهن ~~وحللهن فوقفن بين يديه ، فقال : يا محمد هذه الدار أجل أم دارك ؟ فقلت : يا ~~سيدي وما أنا وما داري ! هذه تصلح للأمير لا غيره على تحرج مني في قولي ، ~~فقال : يا محمد هذه الدار بما فيها من الدواب والرقيق والفرش والأواني لك ~~ولك عندي زيادة ، فقلت في نفسي : يهب لي ملك غيره ! فعلم ما في نفسي ، فقال ~~: يا محمد إني لما سألتك هذه الدعوة تقدمت إلى هذا القهرمان بشراء البراح ~~وأن يعجل الفراغ منه ومن بنائه وحولت إليها ما ترى ، فبارك الله لك فيها ! ~~وانصرف بي إلى عند أبيه وأخيه وحدثهما بما ms183 جرى ، فرأيت أخاه جعفرا قد أمعض ~~من ذلك وتغير وجهه تغيرا عرفته ، ثم أقبل على أبيه يشكو الفضل ويقول : ~~يتفرد بمثل هذه المكرمة من دوني فلو شاركني فيها لكانت يدا أشكرها منه ، ~~فقال : يا أخي بقي لك منها قطبها ، قال : وما هو ؟ قال : إن مولانا هذا لا ~~يتهيأ له ضبط هذه الدار بما فيها إلا بدخل جليل فأعطه ذلك ، فقال : فرجت ~~عني يا أخ فرج الله عنك ! فدعا من وقته بصكاك لخمس قريات واحتمل عني خراجها ~~، فخرج عني وأنا أيسر أهل زماني ، فهل تلومني يا أمير المؤمنين على ذكرهم ~~والقول بفضلهم ؟ فقال المأمون : ذهب القوم والله بالمكارم ! ثم أمر لمحمد ~~بمائة ألف درهم وتقدم إلى ابن أبي خالد برد مرتبته وتصييره في جملة خواصه . ~~وحدثنا غيره قال : اصطحب رسول للفضل ورجل كوفي في طريق خراسان فأقبل الكوفي ~~يسأل عن أفعال الفضل ، فأخبره بإنهابه الأموال الجليلة في العطايا ، فقال ~~له الكوفي : خبرني عن هذه الأموال التي يهبها يراها وينظر إليها ؟ فقال : ~~لا ، قال : فمن هناك تهون عليه . فلما وصلا إلى الموضع دعا الفضل بالرسول ~~وسأله عما رأى في طريقه وعما سمع ، فأقبل يخبره حتى انتهى إلى خبر الكوفي ~~فذكر له ما قال وكان متكيا فاستوى جالسا ثم قال : يا غلام ائت صاحب بيت ~~المال فاسأله عن حاصله ، فقال : هو عشرة آلاف درهم ، فقال تحمل الساعة إلى ~~دار العامة وتشق عنها البدر شقا وتنثر في وسط الدار ، قال : ففعل ذلك بها ، ~~ثم قال للرسول : هات صاحبك الكوفي ، فأتي به ، وأمر الفضل بتفريق ذلك المال ~~على زواره رجلا رجلا واسما اسما على مقاديرهم وما وقع لكل رجل منهم ، ثم ~~أمر للكوفي بمائة ألف درهم وقال : هذه لك لتنبيهك إياي على هذا الفعل ، ~~ومما قيل في ذلك : كريم كريم الأمهات مهذب . . . تحلب كفاه الندى وأنامله ~~هو البحر من أي النواحي أتيته . . . فلجته المعروف والجود ساحله جواد إذا ~~ما جئت للعرف طالبا . . . حباك بما تحوي عليه أنامله ولو لم يكن في كفه غير ~~روحه . . . لجاد ms184 بها ، فليتق الله سائله وللبحتري في ذلك : لو أن كفك لم ~~تجد لمؤمل . . . لكفاه عاجل وجهك المتهلل أو أن مجدك لم يكن متقادما . . . ~~أغناك آخر سودد عن أول علي بن يحيى النديم قال : دعاني المتوكل ذات يوم وهو ~~مخمور قال : أنشدني قول عمارة في أهل بغداد ، فأنشدته : من يشتري مني ملوك ~~المخرم . . . أبع حسنا وابني هشام بدرهم وأعطي رجاء بعد ذاك زيادة . . . ~~وأمنح دينارا بغير تندم وإن طلبوا مني الزيادة زدتهم . . . أبا دلف ~~والمستطيل ابن أكثم فقال المتوكل : ويلي على ابن البوال على عقبيه يهجو ~~شقيق دولة بني العباس ! قلت : يا سيدي من شقيق دولة بني العباس ؟ فقال : ~~القاسم بن عيسى فهل عندك من مديحه شيء ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، قول ~~الأعرابي الذي يقول : أبا دلف إن السماحة لم تزل . . . مغللة تشكو إلى الله ~~غلها فبشرها ربي بميلاد قاسم . . . فأرسل جبريلا إليها فحلها PageV01P158 ~~ولبكر بن النطاح في أبي دلف : بطل بصدر حسامه وسنانه . . . أجلان من صدر ~~ومن إيراد ورث المكارم وابتناها قاسم . . . بصفائح وأسنة وجياد يا عصمة ~~العرب التي لو لم تكن . . . حيا إذا كانت بغير عماد إن العيون إذا رأتك ~~حدادها . . . رجعت من الإجلال غير حداد وإذا رميت الثغر منك بعزمة . . . ~~فتحت منه مواضع الأسداد وكأن رمحك منقع في عصفر . . . وكأن سيفك سل من ~~فرصاد لو صال من غضب أبو دلف على . . . بيض السيوف لذبن في الأغماد أذكى ~~ونور للعداوة والهوى . . . نارين نار دم ونار رماد وقال أبو هفان : أنشدته ~~عبد العزيز بن أبي دلف بسر من رأى فبرني ثم قال : هل خلق مثله ؟ قلت : لا . ~~ولغيره في أبي دلف : ولو يجوز لقال الناس كلهم . . . لولا أبو دلف ما أورق ~~الشجر قرم إذا ما حوى في كفه حجرا . . . يفيض في كفه من جوده الحجر وأنشد ~~أيضا ، رحمه الله : خل إذا جئته يوما لتسأله . . . أعطاك ما ملكت كفاه ~~واعتذرا يخفي صنائعه والله يظهرها . . . إن الجميل إذا أخفيته ظهرا وأنشد : ~~يداك يد غيثها مرسل . . . وأخرى لأعدائها غائظه فأما التي سيبها ms185 يرتجى . . ~~. فأجود بالمال من لافظه وأما التي شرها يتقى . . . فنفس العدو بها فائظه ~~آخر : فتى عاهد الرحمن في بذل ماله . . . فليس تراه الدهر إلا على العهد ~~فتى قصرت آماله عن فعاله . . . وليس على الحر الكريم سوى الجهد آخر : ~~PageV01P159 عاد السرور إليك في الأعياد . . . وسعدت من دنياك بالأسعاد ~~رفقا بشكر جل ما أوليته . . . رفقا فقد أثقلته بأيادي ملأ النفوس مهابة ~~ومحبة . . . بدر بدا متغمرا بسواد ما إن أرى لك مشبها فيمن أرى . . . أم ~~الكرام قليلة الأولاد ولآخر : إذا ما أتاه السائلون توقدت . . . عليه ~~مصابيح الطلاقة والبشر له في ذرى المعروف نعمى كأنها . . . مواقع ماء المزن ~~في البلد القفر # | محاسن صلات الشعراء # قيل : دخل جرير على عبد الملك بن مروان وقد أوفده إليه الحجاج بن يوسف ، ~~فدخل محمد بن الحجاج فقال : يا أمير المؤمنين هذا جرير مادحك وشاعرك ، فقال ~~: بل مادح الحجاج وشاعره ، فقال جرير : إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ~~إنشاده مدحة فيه ، قال : هات ابدأ بالحجاج ، قال : بل بك يا أمير المؤمنين ~~، فقال : هات ابدأ بالحجاج ، فأنشده : صبرت النفس يا ابن عقيل . . . محافظة ~~فكيف ترى الثوابا ولو لم ترض ربك لم ينزل . . . مع النصر الملائكة الغضابا ~~إذا شعر الخليفة نار حرب . . . رأى الحجاج أثقبها شهابا فقال : صدقت كذاك ~~هو ، ثم قال للأخطل : قم فهات مديحا ، فقام فأنشد وأجاد وأبلغ ، فقال : أنت ~~شاعرنا وأنت مادحنا ، قم فاركبه ، فألقى النصراني ثوبه وقال : خب يا ابن ~~المراغة ، فساء ذلك من حضر من مضر وقالوا : يا أمير المؤمنين إن النصراني ~~لا يركب الحنيف المسلم ! فاستحيا عبد الملك وقال : دعه ، قال جرير : ~~فانصرفت أخزى خلق الله ، حتى إذا كان يوم الوداع دخلت لأودعه فأنشدته : ~~ألستم خير من ركب المطايا . . . وأندى العالمين بطون راح فقال : بلى نحن ~~كذلك ، أعد ، فأعدت وأسفر لونه وذهب ما كان في قلبه ، فالتفت إلى محمد بن ~~الحجاج فقال : أترى أم حزرة يرويها مائة من الإبل ؟ فقلت : نعم يا أمير ~~PageV01P160 المؤمنين إن كانت من فرائض كلب فلم يروها فلا أرواها ms186 الله ، ~~فأمر لي بمائة من الإبل . وحدثنا المدائني عن كيسان عن الهيثم قال : حج عبد ~~الملك بن مروان ومعه الفرزدق ، فبينا هو قاعد بمكة في الحجر إذ مر به علي ~~بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعليه مطرف خز ، فقال عبد الملك : من هذا يا ~~فرزدق ؟ فأنشأ يقول : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته . . . والبيت يعرفه ~~والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم . . . هذا التقي النقي الطاهر ~~العلم إذا رأته قريش قال قائلها : . . . إلى مكارم هذا ينتهي الكرم يكاد ~~يمسكه عرفان راحته . . . ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم ينمي إلى ذروة العز ~~التي قعدت . . . عن نيلها عرب الإسلام والعجم مشتقة من رسول الله نبعته . . ~~. طابت عناصره والخيم والشيم في كفه خيزران ريحه عبق . . . من كف أروع في ~~عرنينه شمم ينشق نور الدجى عن نور غرته . . . كالشمس تنجاب عن إشراقها ~~الظلم يغضي حياء ويغضى من مهابته . . . فما يكلم إلا حين يبتسم من معشر ~~حبهم دين وبغضهم . . . كفر وقربهم منجى ومعتصم يستدفع السوء والبلوى بحبهم ~~. . . ويسترب به الإحسان والنعم لا يستطيع جواد بعد غايتهم . . . ولا ~~يدانيهم قوم وإن كرموا إن عد أهل الندى كانوا أئمتهم . . . أو قيل من خير ~~أهل الأرض قيل هم مقدم بعد ذكر الله ذكرهم . . . في كل بر ومختوم به الكلم ~~قال : فلما فرغ من شعره قال لهم عبد الملك : أورافضي أنت يا فرزدق ؟ فقال : ~~إن كان حب أهل البيت رفضا فنعم ، فحرمه عبد الملك جائزته ، فتحمل عليه بأهل ~~بيته فأبى أن يعطيه ، فقال له عبد الله بن جعفر بن أبي طالب : ما كنت تؤمل ~~أن يعطيك ؟ قال : ألف دينار في كل سنة ، قال : فكم تؤمل أن تعيش ؟ قال : ~~أربعين سنة ؟ قال : يا غلام علي بالوكيل ، فدعاه إليه ، وقال : اعط الفرزدق ~~أربعين ألف دينار ، فقبضها منه . قيل : ودخل الفرزدق على سكينة بنت الحسين ~~، فقالت له : من أشعر الناس ؟ قال : أنا ، قالت : كذبت ، أشعر منك الذي ~~يقول : PageV01P161 بنفسي من تجنبه عزيز . . . علي ومن زيارته لمام ومن ~~أمسى وأصبح لا ms187 أراه . . . ويطرقني إذا هجع النيام فقال : أما والله لئن ~~تركتني لأسمعنك ما هو أحسن منه ، فقالت : اخرجوه عني ، ثم عاد من الغد ~~فقالت : من أشعر الناس ؟ قال : أنا ، قالت : كذبت ، أشعر منك الذي يقول : ~~يا بيت عاتكة الذي أتعزل . . . حذر العدى وبه الفؤاد موكل إني لأمنحك ~~الصدود وإنني . . . قسما إليك مع الصدود لأميل فقال : أما والله لئن تركتني ~~لأسمعنك أحسن منه ، فقالت : اخرجوه عني ، ثم عاد من الغد وعندها جوار ~~كالتماثيل ، فأخذت جارية منهن بقلبه ، فقالت سكينة : من أشعر الناس ؟ قال : ~~أنا ، قالت : كذبت ، أشعر منك الذي يقول : إن العيون التي في طرفها حور . . ~~. قتلننا ثم لا يحيين قتلانا فقال : يا بنت رسول الله إن لي حقا بإقبالي ~~عليك من مكة ولا أزال تدعيني أسمعك شعري ولا تزيديني على التكذيب مع أني ~~لأخاف لما بي أني لا أبرح ميتا ولي حاجة ، قالت : فما هي ؟ قال : إن أنا مت ~~تأمرين بتكفيني في ثياب هذه ، وأشار إلى الجارية ، فقالت : هي لك ، وضمت ~~إليها جائزة وكسوة . وعن أبي الزناد قال : اجتمع جرير والفرزدق وكثير ونصيب ~~في منزل سكينة بنت الحسين ، فخرجت جارية ومعها قرطاس وقالت : أيكم الفرزدق ~~؟ فقال : ها أنا ذا ، قالت : أنت الذي يقول : أبيت أمني النفس أن سوف نلتقي ~~. . . وهل هو مقدور لنفسي لقاؤها فإن ألقها أو يجمع الدهر بيننا . . . ~~ففيها شفاء النفس منها وداؤها قال : نعم ، قالت : قولك أحسن من منظرك ! ~~وأنت القائل : ودعنني بإشارة وتحية . . . وتكرنني بين الديار قتيلا ~~PageV01P162 لم أستطع رد الجواب عليهم . . . عند الوداع وما شفين عليلا لو ~~كنت أملكهم إذا لم يبرحوا . . . حتى أودع قلبي المخبولا قال : نعم ، قالت : ~~أحسنت أحسن الله إليك ! وأنت القائل : هما دلتاني من ثمانين قامة . . . كما ~~انقض باز أقتم الريش كاسره فلما استوت رجلاي في الأرض نادتا : . . . أحي ~~فيرجى أم قتيل نحاذره فقلت : ارفعوا الأسباب لا يشعروا بنا . . . ووليت في ~~أعجاز ليل أبادره أحاذر بوابين قد وكلا بها . . . وأحمر من ساج تبص مسامره ~~فأصبحت في القوم القعود وأصبحت . . . مغلقة دوني عليها ms188 دساكره قال : نعم ، ~~قالت : سوءة لك ! قضيت حاجتك فأفشيت عليها وعلى نفسك ، فضرب بيده على جبهته ~~وقال : نعم فسوءة لي ! ثم دخلت وخرجت وقالت : أيكم جرير ؟ فقال : ها أنا ذا ~~، قالت : أنت القائل : رزقنا به الصيد الغزير ولم نكن . . . كمن نبله ~~محرومة وحبائله فهيهات هيهات العقيق ومن به . . . وهيهات حي بالعقيق نواصله ~~قال : نعم ، قالت : أحسن الله إليك ! وأنت القائل : كأن عيون المجتلين ~~تعرضت . . . وشمسا تجلى يوم دجن سحابها إذا ذكرت للقلب كاد لذكرها . . . ~~يطير إليها واعتراه عذابها قال : نعم ، قالت : أحسنت ! وأنت القائل : سرت ~~الهموم فبتن غير نيام . . . وأخو الهموم يروم كل مرام طرقتك صائدة القلوب ~~وليس ذا . . . وقت الزيارة فارجعي بسلام لو كان عهدك كالذي حدثتني . . . ~~لوصلت ذاك فكان غير ذمام تجري السواك على أغر كأنه . . . برد تحدر من متون ~~غمام قال : نعم ، قالت : سوءة لك ! جعلتها صائدة القلوب حتى إذا أناخت ~~ببابك جعلت دونها حجابا ، ألا قلت : طرقتك صائدة القلوب فمرحبا . . . نفسي ~~فداؤك فادخلي بسلام قال : نعم فسوءة لي ! ودخلت وخرجت وقالت : أيكم كثير ؟ ~~فقال : ها أنا ذا ، فقالت : أنت القائل : PageV01P163 وأعجبني يا عز مكن ~~خلائق . . . حسان إذا عد الخلائق أربع دنوك حتى يطمع الصب في الصبا . . . ~~وقطعك أسباب الصبا حين تقطع فوالله ما يدري كريم مطلته . . . أيشتد إن ~~قاضاك أم يتضرع قال : نعم ، قالت : أعطاك الله مناك ! وأنت القائل : هنيئا ~~مريئا غير داء مخامر . . . لعزة من أعراضنا ما استحلت فما أنا بالداعي لعزة ~~في الورى . . . ولا شامت إن نعل عزة زلت وكنت كذي رجلين ، رجل صحيحة . . . ~~ورجل رمى فيها الزمان فشلت قال : نعم ، قالت : أحسن الله إليك ! ثم دخلت ~~وخرجت وقالت : أيكم نصيب ؟ فقال : ها أنا ذا ، قالت : أنت القائل : ولولا ~~أن يقال صبا نصيب . . . لقلت بنفسي النشأ الصغار ألا يا ليتني قامرت عنها . ~~. . وكان يحل للناس القمار فصارت في يدي وقمرت مالي . . . وذاك الربح لو ~~علم التجار على الإعراض منها والتواني . . . فإن وعدت فموعدها ضمار بنفسي ~~كل مهضوم حشاها . . . إذا قهرت فليس لها انتصار إذا ms189 ما الزل ضاعفن الحشايا ~~. . . كفاها أن يلاث بها إزار ولو رأت الفراشة طار منها . . . مع الأرواح ~~روح مستطار قال : نعم ، قالت : والله إن إحداهن لتقوم من نومتها فما تحسن ~~أن تتوضأ ! لا حاجة لنا في شعرك ، ثم دخلت وخرجت وقالت : أيكم جميل ؟ قلت : ~~أنا ، قالت : أنت القائل : لقد ذرفت عيني وطال سفوحها . . . وأصبح من نفسي ~~سقيما صحيحها ألا ليتنا كنا جميعا وإن نمت . . . يجاور في الموتى ضريحي ~~ضريحها أظل نهاري مستهاما ويلتقي . . . مع الليل روحي في المنام وروحها فهل ~~لي في كتمان حبي راحة . . . وهل تنفعني بوحة لو أبوحها قال : نعم ، قالت : ~~بارك الله فيك ! وأنت القائل : خليلي فيما عشتما هل رأيتما . . . قتيلا بكى ~~من حب قاتله قبلي أبيت مع الهلاك ضيفا لأهلها . . . وأهلي قريب موسعون ذوو ~~فضل فيا رب إن تهلك بثينة لا أعش . . . فواقا ولا أفرح بمالي ولا أهلي ويا ~~رب إن وقيت شيئا فوقها . . . حتوف المنايا رب واجمع بها شملي قال : نعم ، ~~قالت : أحسنت أحسن الله إليك ! وأنت القائل : PageV01P164 ألا ليت شعري هل ~~أبيتن ليلة . . . بوادي القرى إني إذا لسعيد لكل حديث عندهن بشاشة . . . ~~وكل قتيل بينهن شهيد ويا ليت أيام الصبا كن رجعا . . . ودهرا تولى يا بثين ~~يعود إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي . . . من الحب قالت ثابت ويزيد وإن قلت ~~ردي بعض عقلي أعش به . . . تناءت وقالت ذاك منك بعيد فما ذكر الخلان إلا ~~ذكرتها . . . ولا البخل إلا قلت سوف تجود فلا أنا مردود بما جئت طالبا . . ~~. ولا حبها فيما يبيد يبيد يموت الهوى مني إذا ما لقيتها . . . ويحيا إذا ~~فارقتها ويزيد قال : نعم ، قالت : لله أنت ! جعلت لحديثها ملاحة وبشاشة ~~وقتيلها شهيدا . وأنت القائل : ألا ليتني أعمى أصم تقودني . . . بثينة لا ~~يخفى علي مكانها قال : نعم ، قالت : قد رضيت من الدنيا أن تقودك بثينة وأنت ~~أعمى أصم ؟ قال : نعم ، ثم دخلت وخرجت ومعها مدهن فيه غالية ومنديل فيه ~~كسوة وصرة فيها خمس مائة دينار فصبت الغالية على رأس جميل حتى سالت على ~~لحيته ms190 ودفعت إليه الصرة والكسوة وأمرت لأصحابه بمائة مائة . وقال سوار بن ~~عبد الله : قال رؤبة بن العجاج : أرسل إلي سليمان بن علي وهو بالبصرة فقال ~~: هذا رسول الأمير أبي مسلم قدم في إشخاصك ، قلت : سمعا وطاعة ، أرجع إلى ~~أهلي فأصلح من شأني ، قال : ليس إلى ذلك سبيل ، ثم التفت إلى الحرسي فقال : ~~هذا صاحبك فشأنك ، فلم أنهنه أن حملت على البريد فوافيت الأنبار مع الجمعة ~~الأخرى فأدخلت سرادقا فيه عشرة آلاف رجل في السواد واضعي أذقانهم على قوابع ~~سيوفهم لا ينظر بعضهم إلى بعض إلا شزرا ولا يكلمه إلا همسا ، ثم اخترق بي ~~سرادق آخر مثل الأول على مثل حالهم ، فقلت في نفسي : أحسبه تذكر علي بعض ~~قولي في بني أمية فأراد قتلي ، فأيست عند ذلك من الحياة ، ثم خرجت إلى ~~سرادق ثالث فإذا قبة مضروبة في وسطه فدفعت إليه فسلمت بالإمارة عليه ، فقال ~~لي : أنت رؤبة ابن العجاج ؟ قلت : نعم ، جعلني الله فداك أيها الأمير ! ~~فقال : أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدق ، فحقق في نفسي ما كنت قدرت ~~وظننت ، ثم قلت : بل أنشدك ، جعلت فداك : PageV01P165 لبيك إذ دعوتني لبيكا ~~. . . تطلب حقا واجبا عليكا فسكت حتى فرغت منها ثم أقبل علي فقال : أنشدني ~~قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدق ، قلت بل أنشدك قولي : ما زال يبني خندقا ~~ويهدمه . . . وعسكرا يشرعه ويهزمه ومغنما يجمعه ويقسمه . . . مروان لما غره ~~منجمه فأمسك حتى فرغت ثم قال : أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدق ، ~~فقلت بل أنشدك : ما زال يأتي الأمر من أقطاره . . . على اليمين وعلى يساره ~~حتى أقر الملك في قراره . . . مشمرا لا يصطلى بناره فقال : أنشدني ويحك ~~يرمي الجلاميد ! فأنشدته : وقاتم الأعماق خاوي المحترق . . . مشتبه الأعلام ~~لماع الخفق فأنصت حتى انتهيت إلى قولي : يرمي الجلاميد بجلمود مدق فوقفت ، ~~فقال : إن أمير المؤمنين وجهني إلى خراسان وبها جبال الحديد من الرجال ~~فدمثتها حتى جعلتها دهسا فلم أجد لي مثلا إلا قولك يرمي الجلاميد بجلمود ~~مدق ، أنا والله ذلك الجلمود ، اذكر حاجتك ، قلت : جعلت فداك ، حاجتي ms191 أن ~~تردني إلى أهلي فقد خرجت من عندهم وهم على وجل ، فقال : يا غلام علي ببدرة ~~، فكأنها لم تزل بين يديه ، فقال : يا أبا الجحاف إنك أتيتنا والأموال ~~مشفوهة وقد أمرنا لك بشيء وهو زمر ولو أتيتنا ونحن على طمأنينة لأوطأت ~~العرب عقيبك ، والدهر بيننا وبينك أطرق مستتب ، ولك عودة وعلينا معول . قال ~~رؤبة : فوالله ما دريت بما أجيبه ، ثم قال يرد على السير الذي جاء عليه : ~~فما شعر بي سليمان في الجمعة الثانية إلا وأنا عنده فأخبرته الخبر فقال : ~~يا أبا الجحاف هذه ديتك وربحت نفسك . قال : وحدثني عبد الله بن عمرو بن ~~عبيد الله قال : حدثني عبيد الله قال : لما دخل مروان بن أبي حفصة على ~~المهدي وأنشده شعره الذي يقول فيه : أنى يكون وليس ذاك بكائن . . . لبني ~~البنات وراثة الأعمام PageV01P166 أجازه بسبعين ألف درهم ، فقال مروان : ~~بسبعين ألفا راشني من حبائه . . . وما نالها في الناس من شاعر قبلي فحدثنا ~~إدريس بن سليمان بن يحيى بن يزيد بن أبي حفصة قال : كان سبب اتصال مروان ~~بخلفاء بني العباس أن جارية يمانية أهديت إلى أبي جعفر المنصور فأنشدته ~~شعرا لمروان يمدح به السري بن عبد الله يذكر فيه وراثة العباس ، فسألها لمن ~~الشعر فأخبرته ، فأمر بإحضار مروان ، فوافاه بالربذة حاجا فلقي الربيع ، ~~والمنصور عليل العلة التي مات فيها ، فقال : كن قريبا حتى ندعو بك . فلم ~~تزل العلة تشتد به حتى مات قبل أن يصل إليه مروان . فقال له الربيع : الحق ~~بالمهدي ولا تتخلف عنه . وانصرف مروان إلى اليمامة فجعلها طريقا وعليها بشر ~~بن المنذر واليا ، فأوفده بشر فيمن أوفده وأعطى كل رجل ألف درهم . فقدم ~~مروان على المهدي وقد مدحه بأربع قصائد قوله : صحا بعد جهد فاستراحت عواذله ~~. . . وأقصر عنه حين أقصر باطله وقوله : طاف الخيال وحيه بسلام . . . أنى ~~ألم وليس حين لمام وقوله : اعص الهوى وتعز عن سعداكا . . . فلمثل حلمك عن ~~هواك نهاكا وقوله : مرى العين شوق حال دون التجلد . . . ففاضت بأسراب من ~~الدمع حشدي حشدي من الحشاد ms192 ، يريد أنه يخلطها به . قال إدريس : فأعطي مروان ~~المهدي ثلاثين ألف درهم فانصرف إلى اليمامة ثم عاد في سنة أربع وستين ومائة ~~فطلب الوصول بيعقوب بن داود ، فأقام نحوا من سنة ، وغضب المهدي على يعقوب ~~بن داود . قال إدريس : فحدثني مروان قال : بينا أنا واقف على باب المهدي إذ ~~خرج خالد بن يزيد بن منصور فقال : يا ابن أبي حفصة ذكرك أمير المؤمنين آنفا ~~وهو يراك أشعر الناس غير أنه يقول لا حاجة لنا فيما قبلك فانصرف عن بابنا . ~~قال : فانصرفت مغموما ثم تذكرت رجلا أتحدث عنده وأتفرج به وآنس لديه ، ~~فأتيت يزيد بن مزيد فشكوت إليه ما قال لي خالد بن يزيد ، فقال : أدلك على ~~رجل صدوق له رقة لعله ينفعك . قلت : ومن هو ؟ قال : الحسن الحاجب . فغدوت ~~إلى الحسن فشكوت إليه ما PageV01P167 حكاه خالد من رأي أمير المؤمنين . ~~فقال : قل في يعقوب بن داود . فقلت : بأبي أنت وأمي ! أنت ترجو أن يكون ذلك ~~مفتاحا لما أنا فيه ؟ قال : ذاك كما أقول لك . فانصرفت وقلت : أتاني من ~~المهدي قول كأنما . . . به احتز أنفي مدمن الضعن جادع وقلت ، وقد خفت التي ~~لا شوى لها . . . بلا حدث : إني إلى الله راجع وما لي إلى المهدي لو كنت ~~مذنبا . . . سوى حلمه الصافي من الناس شافع ولا هو عند السخط منه ولا الرضى ~~. . . بغير الذي يرضى به الله صانع عليه من التقوى رداء يكنه . . . وللحق ~~نور بين عينيه ساطع يغض له طرف العيون وطرفه . . . على غيره من خشية الله ~~خاشع هل الباب مفض بي إليك ابن هاشم . . . فعذري إن أفضى بي الباب ناصع ~~أتيت امرأ أطلقته من وثاقه . . . وقد أنشبت في أخدعيه الجوامع وجلى ضباب ~~العدم عنه وراشه . . . وأنهضه معروفك المتتابع فقلت وزير ناصح قد تتابعت . ~~. . عليه بإنعام الإمام الصنائع وما كان لي إلا إليك ذريعة . . . وما ملك ~~إلا إليه الذرائع وإن كان مطويا على الغدر كشحه . . . فلم أدر منه ما تجن ~~الأضالع وقل مثل ما قال ابن يعقوب يوسف . . . لإخوته قولا له ms193 القلب نائع ~~تنفس فلا تثريب إنك آمن . . . وإني لك المعروف والقدر جامع فما الناس إلا ~~ناظر متشوف . . . إلى كل ما تسدي إلي وسامع قال وقد قلت في قصيدة أخرى : ~~سيحشر يعقوب بن داود خائبا . . . يلوح كتاب بين عينيه كافر خيانته المهدي ~~أودت بذكره . . . فأمسى كمن قد غيبته المقابر بدا منك للمهدي كالصبح ساطعا ~~. . . من الغش ما كانت تجن الضمائر وهل لبياض الصبح إن لاح ضوءه . . . فجاب ~~الدجى من ظلمة الليل ساتر أمنزلة فوق التي كنت نلتها . . . تعاطيت ، لا ~~أفلحت مما تحاذر قال : ثم أتيت بها الحسن بعد يومين فقال : ما صنعت ؟ ~~فأنشدتهما إياه . قال : اكتبهما لي . فقلت : قد فعلت . فقال : هاتهما . ~~فتناولهما وقال : لست واضعهما من يدي حتى أضعهما في يد المهدي . ثم مضى ~~وأتيته من الغد فقال : ما وضعتهما من يدي حتى وضعتهما في يد المهدي فقرأهما ~~فرق لك وأمر بإدخالك عليه فاحضر يوم الاثنين . فحضرت فخرج علي فقال : قد ~~علم أمير المؤمنين بمكانك وقد أحب أن يجعل لك يوما يشرفك فيه ويبلغ بك . ~~PageV01P168 قلت : فمتى بأبي أنت وأمي ؟ قال : يوم الخميس . فعدت إليه يوم ~~الخميس فإذا وجوه بني العباس يدخلون على المهدي ، فلما تتام المجلس دعاني ~~فدخلت ، فسلمت فرد علي السلام ، فقال : إنما حبسك عن الدخول انقطاعك إلى ~~الفاسق يعقوب بن داود . فافتتحت النشيد بما قلت في يعقوب فأنشدته ثم أشدته ~~قولي فيه : طرقتك زائرة فحي خيالها . فأعجب بذلك وقال : جزاك الله خيرا . ~~فقلت : اشهدوا هذا والله الشرف ، أمير المؤمنين يجزيني خيرا ، ثم أنشدته : ~~أعادك من ذكر الأحبة عائد ، فلما صرت إلى قولي : أيادي بني العباس بيض ~~سوابغ . . . على كل قوم بادئات عوائد فهم يعدلون السمك من قبة الهدى . . . ~~كما يعدل البيت الحرام القواعد سواعد عز المسلمين وإنما . . . ينوء بصولات ~~الأكف السواعد يزين بني ساقي الحجيج خليفة . . . على وجهه نور من الحق شاهد ~~يكون غرارا نومه من حذاره . . . على قبة الإسلام والخلق راقد كأن أمير ~~المؤمنين محمدا . . . لرأفته بالناس للناس والد على أنه من خالف الحق منهم ~~. . . سقته ms194 به الموت الحتوف الرواصد أشار إلي فأمسكت . فقال : يا بني ~~العباس هذا شاعركم المنقطع إليكم المعادي فيكم فآتوا إليه ما يسره . فقلت : ~~ينبغي إذ سمعوا كلام أمير المؤمنين وعرفوا رأيه أن يصلوني من أموالهم . ~~فقال : أنا فارض عليهم لك مالا ، ففرض على موسى ابنه خمسة آلاف درهم وعلى ~~هارون خمسة آلآف ثم فرض على القوم على قدر حالاتهم حتى فرض عليهم سبعة ~~وثلاثين ألف درهم والربيع يكتب كل ما فرض على كل رجل منهم . فقال أبو عبيد ~~الله : يا أمير المؤمنين إنما نحن من أهلك فأدخلنا فيما أدخلتهم فيه ، فجعل ~~عليه ألفا وعلى الربيع ألفين ، فتمت أربعين ألفا . فقلت : يا أمير المؤمنين ~~من لي بهذا المال ؟ قال : هذا ، وأشار إلى الربيع ، ثم قال : إن أمير ~~المؤمنين يعطيك من صلب ماله ، فأمر لي بثلاثين ألف درهم في ثلاث بدر ، فجيء ~~بهن فطرحن قريبا ، فدعوت وشكرت فقال : يا ابن أبي حفصة ستجيئك صلاتي وبري ~~ويأتيك مني ما يؤديك إلى الغنى . قلت : يا أمير المؤمنين قد رأيت من قبولك ~~وبشرك وسرورك بما سمعت مني ما سأزداد به شعرا وستسمع ويبلغك ، وقلت : يا ~~أمير المؤمنين لا يبلغ ما أعطيتني لشاعر بعدي . قال : أجل . قلت : وآذني في ~~زيارتك . قال : نعم . قلت : يا أمير المؤمنين لي عدو فيك وفي أهل بيتك فإن ~~رأى أمير المؤمنين أن يجعل لأحد علي سلطان دونه . قال : لا سلطان عليك دون ~~أمير المؤمنين . فقلت : اكتب إلي بذلك كتابا . فأمر بالكتاب بذلك ، فانصرفت ~~، فلما صرت خلف الستر خرج إلي خادم بمنديل فيه أربعة أثواب : ثوب وشي وثوب ~~خز وجبة بياض محشوة وقميص ، فقال : ألبسوه وأعيدوه إلي ، فلبست الخز والوشي ~~PageV01P169 على الثياب التي كانت علي وألقيت القميص على أحد منكبي والجبة ~~على المنكب الآخر . فقال لي : يا ابن أبي حفصة أتدخل على أمير المؤمنين ~~هكذا وقد مثلت بنفسك ؟ فقلت : والله لو كانت كرامة أمير المؤمنين أحد لما ~~خلعت منها شيئا أطيق حمله ، ثم دخلت . فلما رآني تبسم ثم قال : مطرف ، ~~فأبطأوا به ، فقال ms195 : المطرف ! وأنا قائم ، ثم قال الثالثة المطرف ، فلما ~~أبطأوا انصرفت وقعدت خلف الستر ، فلم ألبث أن رفع الستر وخرج أمير المؤمنين ~~على دابة ، فقمت إليه ، فلما رآني قال : المطرف ! فما برح حتى أتي به فنشر ~~علي بين يديه ، وأمر لي بعشرة من خدم الروم وقطيعة بناحية السواد ، فبعت ~~القطيعة من عيسى بن موسى بعشرين ألف درهم وبرذون بسرجه ولجامه . قال : فلم ~~يزل مروان على باب المهدي حتى هلك . وعن عبد الله بن هارون قال : حدثني عبد ~~الملك بن عبد العزيز بن عبد الله عن المغيرة قال : دخل المغيرة بن عبد ~~الرحمن المخزومي وأبو السائب والعثماني ابن لؤلؤ الرطب وابن أخت الأحوص على ~~المهدي وهو بالمدينة فقال : أنشدوني . فأنشد المغيرة : وللناس بدر في ~~السماء يرونه . . . وأنت لنا بدر على الأرض مقمر فبالله يا بدر السماء ~~وضوءه . . . تزال تكافي عشر ما لك أضمر وما البدر إلا دون وجهك في الدجى . ~~. . يغيب فتبدو حين غاب فتقمر وما نظرت عيني إلى البدر ماشيا . . . وأنت ~~فتمسي في الثياب فتسحر وأنشد ابن أخت الأحوص : قالت كلابة : من هذا ؟ فقلت ~~لها : . . . هذا الذي من أعدائه زعموا إني امرؤ لج بي حب فأحرضني . . . حتى ~~بليت وحتى شفني السقم وأنشده العثماني المخزومي : رمى القلب من قلبي السواد ~~فأوجعا . . . وصاح فصيح بالرحيل فأسمعا وغرد حادي البين وانشقت العصا . . . ~~فأصبحت مسلوب الفؤاد مفجعا كفى حزنا من حادث الدهر أنني . . . أرى البين لا ~~أسطيع للبين مدفعا وقد كنت قبل اليوم بالبين جاهلا . . . فيا لك بينا ما ~~أمر وأوجعا وأنشده أبو السائب : أصيخا لداعي حب ليلى فيمما . . . صدور ~~المطايا نحوها فتسمعا خليلي إن ليلى أقامت فإنني . . . مقيم وإن بانت فبينا ~~بنا معا وإن انثنت ليلى بربع يحوزها . . . قعيدكما بالله أن تتزعزعا فقال : ~~والله لأغنينكم الليلة ! ثم قال للمغيرة : هل لك من حاجة ؟ فإنه بلغني أنك ~~بعت PageV01P170 جاريتك في دين كان عليك . قال : والله يا أمير المؤمنين ~~لقد فعلت ذلك . قال : فلأردنها عليك ، فأجاز ثلاثة منهم بعشرة آلاف دينار ~~إلا ابن لؤلؤ الرطب فإنه ms196 سار معه ، فمر بدار فقال : لمن هذه الدار ؟ فقال : ~~للأحوص الذي يقول : يا بيت عاتكة الذي أتعزل . . . حذر العدى وبه الفؤاد ~~موكل وأراك تفعل ما هويت وبعضهم . . . مدق الحديث يقول ما لا يفعل فقال : ~~عز علي لم تأخذ شيئا ، ثم قال للربيع : اعتق ما تملك إن لم تعطه أنت عشرة ~~آلاف دينار وأنا عشرة آلاف دينار ، فقبضها وخرج . قال : ودخل ابن الخياط ~~على المهدي فمدحه فأمر له بخمسين ألف درهم ، فلما قبضها فرقها بين الناس ~~وأنشأ يقول : لمست بكفي كفه أبتغي الغنى . . . ولم أدر أن الجود من كفه ~~يعدي فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى . . . أفدت وأعداني فبددت ما عندي ~~فأعطاه لكل درهم دينارا . قال : ودخل سلم بن عمرو الخاسر على المهدي فقال : ~~أليس أحق الناس أن يدرك الغنى . . . مرجي أمير المؤمنين وسائله لقد بسط ~~المهدي عدلا ونائلا . . . كأنهما عدل النبي ونائله فقال : أما ما ذكرت يا ~~سلم من الجود فوالله ما تعدل الدنيا عندي خاتمي هذا ، وأما العدل فإنه لا ~~يقاس برسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أحد وإني لأتحراه جهدي ، ثم أمر له ~~بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب ، ثم وفد عليه في السنة الثانية فأنشده : إن ~~الخلافة لم تكن بخلافة . . . حتى استقرت في بني العباس شدت مناكب ملكهم ~~بخليفة . . . كالدهر يخلط لينه بشماس فأمر له بعشرين ألف درهم وعشرين ثوبا ~~، فلما كان في العام الثالث وفد عليه فأنشده : أفنى سؤال السائلين بجوده . ~~. . ملك مواهبه تروح وتغتدي هذا الخليفة جوده ونواله . . . نفد السؤال ~~وجوده لم ينفد فأمر له بثلاثين ألف درهم وثلاثين ثوبا . وعن أحمد بن بكر ~~الباهلي قال : حدثني حاجب المهدي قال : قال لي المهدي يوما نصف النهار : ~~اخرج وانظر من بالباب . فخرجت فإذا بشيخ واقف ، فقلت : ألك حاجة ؟ فقال : ~~ما يمكن أن أخبر بحاجتي أحدا غير أمير المؤمنين ، فتركته ودخلت على المهدي ~~، فقال لي : PageV01P171 اخرج فانظر من بالباب ، فخرجت فإذا الشيخ ، فقلت : ~~إن كان لك حاجة فاذكرها . قال : لا أذكرها إلا لأمير المؤمنين . ففعل هذا ~~مرات ms197 ، فقال المهدي : انظر من بالباب . فقلت : شيخ قد سألني غير دفعة عن ~~حاجة فقال : ما يمكن أن أخبر بحاجتي أحدا دون أمير المؤمنين ، فقلت : أيدخل ~~؟ قال : نعم ومره بتخفيف ، فخرجت وقلت له : ادخل وخفف . فدخل وسلم بالخلافة ~~ثم قال : يا أمير المؤمنين إنا قد أمرنا بالتخفيف : فإن شئت خففنا فكنا ~~كريشة . . . متى تلقها الأنفاس في الجو تذهب وإن شئت ثقلنا فكنا كصخرة . . ~~. متى تلقها في حومة البحر ترسب وإن شئت سلمنا فكنا كراكب . . . متى يقض ~~حقا من سلامك يعزب فضحك المهدي وقال : بل تكرم وتقضى حاجتك . فقضى حاجته ~~ووصله بعشرة آلاف درهم . قال المبرد : حدثني محمد بن عامر الحنفي قال : ~~ذكروا أن فتيانا كانوا مجتمعين قد ائتلفوا في نظام واحد كلهم ابن نعمة ~~وكلهم قد شرد عن أهله وقنع بأصحابه ، فذكر ذاكر منهم وقال : كنا قد اكترينا ~~دارا شارعتها على أحد طرق بغداد المعمورة بالناس فكنا لا نستكثر أن تقع ~~مؤونتنا على واحد منا إذا أمكنه ويبقى الواحد منا لا يقدر على شيء فيقوم ~~أصحابه بأمره الدهر الأطول ، فكنا إذا أيسرنا أكلنا من الطعام أطيبه ولبسنا ~~من اللباس ألينه ودعونا الملهين والملهيات وكنا في أسفل الدار ، وإذا عدمنا ~~الطرب جلسنا في غرفة لنا نتمتع فيها بالنظر إلى الناس ، وكنا لا نخل ~~بالنبيذ في عسر ولا يسر ولو نبيع الثوب من الأثواب ، فإنا لكذلك يوما إذا ~~بفتى يستأذن علينا ، فقلنا له : اصعد وادخل ، فإذا رجل حلو الوجه سري ~~الهيئة تنبيء رؤيته أنه من أهل النعم . فأقبل علينا فقال : إني سمعت ~~بمجتمعكم وحسن منادمتكم وصحة ألفتكم حتى كأنكم أدرجتم جميعا في قلب واحد ~~فأحببت أن أكون واحدا منكم وأن لا تحتشموني . قال : وصادف ذلك منا إقتارا ~~من القوت وإكثارا من النبيذ . فقال لغلام معه : هات ما عندك . فغبر عنا غير ~~بعيد ثم أتى بسلة خيزران فيها طعام من جداء ودجاج وفراخ ورقاق وأشنان وأخلة ~~ومحلب فأصبنا من ذلك الطعام ثم أفضنا في شرابنا وانبسط الرجل ، فإذا هو ~~أحلى خلق الله إذا حدث ms198 وأحسنهم استماعا إذا حدث وأمسكهم عن ملاحاة إذا خولف ~~، ثم أفضينا معه إلى أكرم مخالعة وأجمل معاشرة ، فكنا ربما امتحناه بأن ~~ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه فيظهر لنا أنه لا يحب غيره ويرى ذلك ~~في أسارير وجهه ، فكنا نغنى به عن حسن الغنى ونتمثل بكلامه ونتدارس أخباره ~~، فشغلنا بظرفه وبما عاشرنا به عن وصفه والسؤال عن تعرف اسمه ونسبه ، فلم ~~يكن PageV01P172 عندنا من أمره إلا معرفة الكنبة ، فإنا سألناه عنها ~~فأنبأنا أنه يكنى أبا الفضل ، فقال لنا يوما بعد اتصال الأنس : ألا أخبركم ~~كيف عرفتكم ؟ قلنا له : إنا لنحب ذاك . فقال : أحببت جارية في جواركم وكانت ~~مولاتها ذات حبائب فكانت تختلف بالرسائل بينها وبين حبائبها وكنت أجلس لها ~~في الطريق ورأيت غرفتكم هذه فسألت عن خبرها فخبرت عن ائتلافكم ومساعدة ~~بعضكم بعضا فكان الدخول عندي فيما أنتم فيه آثر عندي من الظفر بالجارية . ~~فسألناه فخبرنا بمكانها . فقلنا له : فإنا نخدعها لك حتى يظفرك الله بها . ~~قال : يا إخوتي إني والله على ما ترون من شدة الشوق إليها والكلف بها وما ~~قدرت فيها حراما قط وما تقديري إلا مطاولتها ومصابرتها إلى أن يمن الله جل ~~وعز بثروة فأشتريها . فأقام معنا شهرين ونحن به على غاية الاغتباط وبقربه ~~على غاية السرور ، ثم احتبس عنا فتألمنا لفراقه كل ممض ولوعة مؤلمة ولم ~~نعرف له منزلا نلتمسه فيه فيكون فقده أخف علينا ، فكدر عيشنا الذي كان ~~صافيا قد طاب لبابه ، وقبح ما كان قد حسن لنا بقربه وانصرام الغم بمحادثته ~~، فكنا فيه كما قال القائل : يذكرنيهم كل خير رأيته . . . وشر فما أنفك ~~منهم على ذكر فغاب عنا عشرين يوما لا نلتذهن ، ثم نحن يوما مجتازون في ~~الرصافة فإذا به وقد طلع في موكب نبيل وزي جليل فحيث بصر بنا انحط عن دابته ~~وانحط غلمانه ثم قال : يا إخوتي ما هنأني عيش بعدكم ولست أماطلكم بحديثي ~~وخبري حتى نبلغ المسقر ، ثم مال بنا إلى مسجد فقال : أعرفكم أولا نفسي ، ~~أنا العباس بن الأحنف ms199 وكان من خبري أني انصرفت من عندكم إلى منزلي والمسودة ~~قد أحاطت بي فمضي بي إلى دار أمير المؤمنين فصرت إلى يحيى بن خالد فقال : ~~ويحك يا عباس إنما اخترتك من ظرفاء الشعراء لقرب مأخذك وحسن تأتيك ! وإن ~~الذي ندبتك له من شأنك ، وقد عرفت خطرات الخلفاء ، وإني أخبرك أن ماردة هي ~~الغالبة على أمير المؤمنين وقد جرى بينهما عتب وهي بعزة دلالة المعشوق تأبى ~~أن تعتذر وهو بعزة الخلافة وشرف الملك يأبى ذلك ، وقد رمت الأمر من قبلهما ~~فأعياني وهو أحرى أن تستفزه الصبابة ، فقل شعرا تسهل به هذا السبيل ، فقضى ~~كلامه ، ثم دعاه أمير المؤمنين فصار إليه ، وأعطيت قرطاسا ودواة فاعتراني ~~الزمع ونفر عني كل شيء من العروض ثم انفتح لي شيء من الأشياء والرسل ما ~~تغبني فجاءتني أربعة أبيات رضيتها وقعت صحيحة المعنى سهلة الألفاظ ملائمة ~~لما طلب مني ، فقلت لأحد الرسل : أبلغ الوزير قد قلت أربعة أبيات فإن كان ~~فيها مقنع . وفي قدر ذهاب الرسول ومجيه حضرني بيتان من غير ذلك الروي ، ~~فكتبت الأربعة الأبيات في صدر الرقعة وعقبت بالبيتين فكتبت : PageV01P173 ~~العاشقون كلاهما متغضب . . . وكلاهما متوجد متجنب صدت مغاضبة وصد مغاضبا . ~~. . وكلاهما مما يعالج متعب راجع أحبتك الذين هجرتهم . . . إن المتيم قل ما ~~يتجنب إن التجنب إن تطاول منكما . . . دب السلو له فعز المطلب ثم كتبت تحت ~~ذلك : لا بد للعاشق من وقفة . . . تكون بين الوصل والصرم حتى إذا الهم ~~تمادى به . . . راجع من يهوى على رغم قال : ووجهت بالكتاب فدفعه إلى الرشيد ~~، فقال : والله ما رأيت شعرا أشبه بما نحن فيه من هذا ، والله لكأني قصدت ~~به . فقال يحيى : فأنت والله المقصود به يا أمير المؤمنين ، هذا يقوله ~~العباس بن الأحنف في هذه القصة . فلما قرأ البيتين وأفضى إلى قولي : راجع ~~من يهوى على رغم ، استفرغ ضاحكا ثم قال : إني والله أراجعها على الرغم ، ~~وقال : يا غلام نعلي ، فنهض وأذهله الجذل والسرور عن أن يأمر لي بشيء . ~~فدعاني يحيى وقال : إن شعرك قد وقع بغاية ms200 الموافقة وأذهل أمير المؤمنين ~~السرور عن أن يأمر لك بشيء . قلت : لكن هذا الخبر لم يقع مني بغاية ~~الموافقة . قال : إذا أوقعه . ثم جاء إنسان فساره بشيء فنهض ونهضت لنهوضه . ~~فقال : يا عباس أمسيت أنبل الناس ، أتدري ما سارني به هذا الرسول ؟ قلت : ~~لا . قال : ذكر أن ماردة تقلت أمير المؤمنين لما علمت بمجيئه فقالت : كيف ~~كان هذا يا أمير المؤمنين ؟ فأعطاها الشعر وقال : هذا الذي جاء بي ! قالت : ~~فمن يقوله ؟ قال : العباس بن الأحنف . قالت : فبكم كوفيء ؟ قال : ما فعلت ~~شيئا . قالت : إذا والله لا أجلسن حتى يكافأ ! فأمير المؤمنين قائم لقيامها ~~وأنا قائم لقيامهما وهما يتناظران في صلتك ، فهذا كله لك . قلت : ما لي من ~~هذا إلا الصلة ! فضحك وقال : هذا أحسن من شعرك . فأمر لي أمير المؤمنين ~~بمال كثير وأمرت هي لي بمال دونه وأمر لي الوزير بمال دون ما أمرت به وحملت ~~على ما ترون من الظهر . ثم قال لي الوزير : تمام اليد عندك أن لا تخرج من ~~الدار حتى يؤثل لك بهذا المال ، فاشتريت لي ضياع تغل عشرين ألف درهم ودفع ~~إلى بقية المال . فهذا هو خبري الذي عاقني عنكم ، فهلموا حتى أقاسمكم ~~الضياع وأفرق بينكم المال . فقلنا : هنأك الله مالك ، كلنا يرجع إلى نعمة ~~من أبيه وأهله . فأقسم وأقسمنا فقال : أنتم إسوتي فيه . قلنا : أما هذا ~~فنعم ، فامضوا بنا إلى الجارية حتى نشتريها . قال : فمضينا إلى صاحبتها ، ~~وكانت جارية جميلة حلوة لا تحسن شيئا أكثر مما بها من الظرف ، وكانت تساوي ~~على وجهها خمسين ومائة دينار ، فاستامت بها صاحبتها خمس مائة دينار ~~فأجبناها بالتعجب فحطت مائة . فقال لنا العباس : يا فتيان إني أحتشم والله ~~أن أقول PageV01P174 بعد ما قلتم ولكن هي جارية في نفسي بها يتم سروري ، إن ~~هذه الجارية أريد إيثار نفسي بها وأكره أن تنظر إلي بعين من قد ماكس في ~~ثمنها فدعوني أعطيها خمس مائة دينار . قلنا : قد حطت مائة ! قال : وإن فعلت ~~. فصادفت مولاتها رجلا حرا وأخذت من الثمن ثلاثمائة ms201 وجهزتها بالباقي فما ~~زال لنا عشيرا حتى فرق بيننا وبينه الموت . وعن المبرد قال : حدثني من ~~اعتمد عليه أن مسلم بن الوليد كان يمدح من دون الخليفة وكان يقول : إن نفسي ~~تذوب حسرات من أنه يحوي خزائن الخلفاء من لا يقاربني في أدب ولا يوازيني في ~~نسب ولا يصلح أن يكون شعره خادما لشعري . وكان إذا كسب جمع أصحابه فلم يخرج ~~من منزله حتى يأتي على جميع ما معه ، فلا يزال في أكل وشرب وقصف حتى يفنى ~~ما معه ، فعرف بذلك ، وكانت البرامكة ويزيد بن مزيد الشيباني ومحمد بن ~~منصور بن زياد يبرونه ويعطفون عليه ويتفقدون من حاله . فخرج ذات يوم فلقي ~~يزيد بن منصور الحميري بباب الرشيد فسلم عليه فرد عليه السلام ورحب به ~~وسأله عن شأنه فخبره وسأله أن يقربه من الخليفة وأن يحتال حتى يعد في ~~ممازحته ومن يجري عليه أرزاقه . فقال له الحميري : سأتأتى لوصولك إلى أمير ~~المؤمنين . فدخل الحميري فأصاب أمير المؤمنين لقس النفس قد اشتمل عليه ~~الفكر في سرعة تقضي أمور الدنيا وأنه لا يتشبث منها بشيء إلا كان كالظل ~~الزائل والسراب الخادع . فقال له جعفر بن يحيى : يا أمير المؤمنين أفتظن أن ~~هذا الفكر يحبس عليك الأيام ويمنعك مما لا تستمتع به ؟ إنما هذا الذي أنت ~~فيه عارض عرض لك ، وقد كان ملك من الملوك يقال له بهمان وكان من أجل ملوك ~~العجم وكان حكيما يقول : الهم مفسدة للنفس ومضلة للفهم ومشدهة للقلب ، ومن ~~أعظم الخطإ التشاغل بما لا يمكن دفعه ، وقد قالت الحكماء : بالسرور يطيب ~~العيش ومع الهم يتمنى الموت . وقال له سليمان بن أبي جعفر : يا أمير ~~المؤمنين يروى عن لقمان الحكيم أنه قال : من يملك يستأثر ، ومن لا يستشر ~~يندم ، والهم نصف الهرم ، والفقر الموت الأكبر . قال : فكأن الرشيد نشط ~~واندفع عنه ما كان اعتراه من ذلك الفكر . فتقدم إليه الحميري وقال : يا ~~أمير المؤمنين خلفت بالباب آنفا رجلا من أخوالك الأنصار متقدما في شعره ~~وأدبه وظرفه ، أنشدني قصيدة يذكر ms202 فيها أنسه ولهوه ولعبه ومحادثته إخوانه ~~ويذكر مجالس اتصلت له بأبلغ قول وأحسن وصف وأقرب رصف ، يبعث والله على ~~الصبابة والفرح ويباعد عن الهم والترح ، وكأنه قد وفق بيمن أمير المؤمنين ~~وسعادة جده لأن يكون مبرئا من هذه الشكوى زائدا في سرور أمير المؤمنين ~~مستدعيا له صلة رحمه والتشرف بخدمته . قال : فاستفزه السرور والقلق إلى ~~دخوله عليه واستماع قصيدته وجعل يتابع الرسل PageV01P175 بعضهم في إثر بعض ~~حتى دخل . وكان حلو الشمائل ، فوصل إليه في وقت قد كان خرج فيه من رسم ~~الشباب وشرته ولم يكن في عداد من قد اضطرب سنا ، وكان ناهيك من رجل معه فهم ~~وتجربة وتمييز ومعرف ، فأمهل حتى سكن ثم أذن له في الجلوس والانبساط ~~واستدعى منه أن يزيد في الأنس ، فانبرى مسلم ينشد قصيدته ، فجعل الرشيد ~~يتطاول لها ويستحسن ما حكاه من وصف شراب ولهو ودماثة وغزل وسهولة ألفاظ ، ~~فأمر له بمال وأمر أن يتخذ له مجلس يتحول إليه ، وجعل الرشيد وأصحابه ~~يتناشدون قصيدته ، فسماه يومئذ بآخر بيت من قصيدته صريع الغواني ، والرشيد ~~الذي سماه بهذا الاسم ، والقصيدة هي هذه : أديرا علي الكأس لا تشربا قبلي . ~~. . ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي فما جزعي أني أموت صبابة . . . ولكن على ~~من لا يحل لها قتلي أحب التي صدت وقالت لتربها : . . . دعيه الثريا منه ~~أقرب من وصلي بلى ربما وكلت عيني بنظرة . . . إليها تزيد القلب خبلا على ~~خبل كتمت تباريح الصبابة عاذلي . . . فلم يدر ما بي واسترحت من العذل ~~ومانحة شرابها الملك قهوة . . . يهودية الأصهار مسلمة البعل ربيبة شمس لم ~~تهجن عروقها . . . بنار ولم يجمع لها سعف النخل بعثنا لها منا خطيبا لبضعها ~~. . . فجاء بها يمشي العرضنة في مهل قد استودعت دنا لها فهو قائم . . . بها ~~شفقا بين الكروم على رجل فوافى بها عذراء خل أخو ندى . . . جزيل العطايا ~~غير نكس ولا وغل معتقة لا تشتكي دم عاصر . . . حرورية في جوفها دمها يغلي ~~أغارت على كف المدير بكونها . . . فصارت له منها أنامل كالذبل أماتت نفوسا ~~من حياة ms203 قريبة . . . وماتت فلم تطلب بوتر ولا تبل شققنا لها في الدن عينا ~~فأسبلت . . . كما أخضلت عين الخريدة بالكحل كأن فنيقا بازلا شق نحره . . . ~~إذا أسفرت منها الشعاع على البزل ودارت علينا الكأس من كف ظبية . . . مبتلة ~~حوراء كالرشإ الطفل كأن ظباء عكفا في رياضها . . . أباريقها أوجسن قعقعة ~~النبل وحن لنا عود فباح بسره . . . فكان عليه ساق جارية عطل PageV01P176 ~~تضاحكه طورا وتبكيه تارة . . . خدلجة هيفاء ذات شوى عبل إذا ما علت منا ~~ذؤابة واحد . . . تمشت به مشي المقيد في الوحل فلا نحن متنا موتة الدهر ~~بغتة . . . ولا هي عادت بعد عل ولا نهل سأنقاد للذات متبع الهوى . . . ~~لأمضي هما أو أصيب فتى مثلي هل العيش إلا أن تروح مع الصبا . . . وتغدو ~~صريع الكأس والأعين النجل قيل : وأدخل الفضل بن يحيى أبا نواس إلى عند ~~الرشيد فقال له الرشيد : أنت القائل : عتقت في الدن حتى . . . هي في رقة ~~ديني أحسبك زنديقا ! قال : يا أمير المؤمنين قد قلت ما يشهد لي بخلاف ذلك . ~~قال : وما هو ؟ قال قلت : أية نار قدح القادح . . . وأي حد بلغ المازح لله ~~در الشيب من واعظ . . . وناصح لو قبل الناصح فاغد فما في الحق أغلوطة ورح ~~لما أنت له رائح من يتق الله فذاك الذي . . . سيق إليه المتجر الرابح لا ~~يجتلي الحوراء من خدرها . . . إلا امرؤ ميزانه راجح فاسم بعينيك إلى نسوة . ~~. . مهورهن العمل الصالح فقال الفضل : يا سيدي إنه ليؤمن بالبعث ويحمله ~~المجون على ذكر ما لا يعتقده ، ثم أنشد : لقد دار في رسم الديار بكائي . . ~~. وقد طال تردادي بها وعنائي كأني مريع في الديار طريدة . . . أراها أمامي ~~مرة وورائي فلما بدا لي حان لا تهر كلابه . . . علي ولا ينكرن طول ثوائي ~~فما رمته حتى أتى دون ما حوت . . . يميني وحتى ريطتي وحذائي وكأس كمصباح ~~السماء شربتها . . . على قبلة أو موعد بلقاء أتت دونها الأيام حتى كأنها . ~~. . تساقط نور من فتوق سماء ترى ضوءها من ظاهر البيت ساطعا . . . عليك ولو ~~غطيته بغطاء تبارك من ساس الأمور بقدرة ms204 . . . وفضل هارونا على الخلفاء نراك ~~بخير ما انطوينا على التقى . . . وما ساس دنيانا أبو الأمناء إمام يخاف ~~الله حتى كأنما . . . يؤمل رؤياه صباح مساء PageV01P177 أشم طوال الساعدين ~~كأنما . . . يناط نجادا سيفه بلواء فخلع عليه الرشيد ووصله بعشرة آلاف درهم ~~والفضل بمثلها ، فنظر إلى جارية تختلف كأنها لؤلؤة فقال : يا أمير المؤمنين ~~أنا ميت في ليلتي هذه فإذا مت فمر أن أدفن في بطن هذه الجارية . فقال له ~~الرشيد : خذها لا بارك الله لك فيها ! قال أبو نواس : فأخذتها وانصرفت بمثل ~~الشمس حسنا وفي منزلي غلام مثل القمر ، فلقيني محمد بن يسير الشاعر فقال : ~~أتيتك مهنئا بما حباك به أمير المؤمنين . فقلت : نعمة تتبعها نقمة . قال : ~~ولم ذاك ؟ فقلت : عندي غلام مثل القمر وهذه مثل الشمس وإن جمعتهما أتخوف ما ~~تعلم وإن أفردت الجارية لم آمن عليها وغلامي لا بد منه . قلت : اجعلها عند ~~بعض إخوانك إلى وقت حاجتك إليها . قلت : فلعل الحارس هو المتحرس منه . قال ~~: فصيرها عند عجوز تثق بها ، قلت : لعلي أسترعي الذئب ! قال : ثم افترقنا ، ~~فالتقى معه أبو نواس بعد ثلاثة أيام فقال له : يا محمد بن يسير ما على ~~الأرض شر منك ، شاورتك في أمر فلم تفتح علي فيه شيئا فلما فارقتك ازدحم علي ~~الرأي المصيب . قال محمد فماذا صنعت ؟ قال : زوجت الشمس من القمر فحصلتهما ~~لأقضي بهما وطري ! قال : كان الشيء عليك حلال فجعلته حراما . قال : يا أحمق ~~شاورتك في الحلال والحرام ! إنما قلت كيف الرأي في تحصيلهما ! ثم أنشأ : ~~زوجت هذاك بهذه لكي . . . أنكح ثنتين فثنتين أنكح هذه مرة ثم ذا . . . أدير ~~رمحا بين صفين متعت نفسي بهما لذة . . . يا من رأى مطلع شمسين وحدثنا محمد ~~بن أيوب بن جعفر بن سليمان وهو أمير البصرة قال : كان بالبصرة رجل من بني ~~تميم وكان شاعرا ظريفا وكنت آنس به فأردت أن أخدعه فقلت : يا أبا نزار أنت ~~شاعر وظريف والمأمون أجود من السحاب الحافل والريح العاصف فما يمنعك منه ؟ ~~قال : ما عندي ما أتحمل به ms205 . قلت : أنا أعطيك نجيبا فارها ونفقة سابغة تخرج ~~إليه وقد امتدحته فإنك إن حظيت بلقائه صرت إلى أمنيتك . قال : والله أيها ~~الأمير إني لا أظنك صادقا . قلت : أجل ، فدعوت بنجيبة فارهة . فقال : هذه ~~إحدى الحسنيين فما بال الأخرى ؟ فدعوت له بثلاثمائة درهم . قال : وهذه ~~الثانية ، قال : أحسبك أيها الأمير قصرت في النفقة . قال : هي لك كافية إن ~~قبضت يدك عن السرف . قال : ومتى رأيت السرف في أكابر بني سعد فكيف في ~~أصاغرها ؟ فأخذ النجيبة والنفقة ثم عمل أرجوزة ليست بطويلة فأنشدنيها وحذف ~~منها ذكري . فقلت له : ما صنعت شيئا . قال : وكيف ذلك ؟ قلت : تأتي الخليفة ~~وأنت وافد فلا تثني على أميرك ! قال : أيها الأمير أردت أن تخدعني فوجدتني ~~خداعا . أما والله ما لكرامتي حملتني وجدت لي بمالك PageV01P178 الذي ما ~~رامه أحد إلا جعل الله خده الأسفل ولكن لأذكرك ! قلت : فأنشدني ما قلت . ~~فأنشدني ، فقلت : أعنت وأجدت . فتركني وخرج حتى أتى الشأم والمأمون بسلغوس ~~، فأخبرني قال : بينا أنا غزاة قرة قد ركبت نجيبتي ولبست أطماري وأنا أريد ~~العسكر فإذا أنا بكهل على بغل فاره ما يقر قراره ولا يدرك خطاه ، فتلقاني ~~مكافحة ومواجهة وقال : السلام عليكم ، بكلام جهوري ولسان بسيط . فقلت : ~~وعليكم السلام . فقال : قف إن شئت . فوقفت ، فتضوعت منه رائحة المسك الأذفر ~~. فقال : ممن ؟ قلت : رجل من مضر . قال : ونحن من مضر ، ثم ماذا ؟ قلت : من ~~بني تميم . قال : وما بعدهم ؟ قلت : من بني سعد . قال : هيه ، فما أقدمك ؟ ~~قلت : قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله أندى راحة ولا أوسع باحة ولا أطول ~~باعا ولا أمد يفاعا منه . قال : فما الذي قصدته به ؟ قلت : شعر طيب يلذ على ~~أفواه الرواة ويحلو في أذن المستمعين . قال : فأنشدنيه . فمضيت وقلت : يا ~~ركيك أخبرك أني قصدت الخليفة بشعر قلته ومديح حبرته فتقول أنشدنيه ؟ فقال : ~~وما الذي تأمل فيه ؟ قلت : إن كان على ما ذكر لي فألف دينار . قال : أنا ~~أعطيك ألف دينار إن رأيت الشعر جيدا والكلام عذبا وأضع عنك العناء وطول ms206 ~~الترداد ، متى تصل أنت إلى الخليفة ؟ بينك وبينه عشرة آلاف رامح ونابل . ~~قلت : فلي عليك الله أن تفعل ؟ قال : لك الله علي أن أفعل . قلت : ومعك مال ~~؟ قال : بغلي هذا خير من ألف دينار أنزل لك عن ظهره . قال : فغضبت وعارضتني ~~مرة بني سعد وخفة أحلامها وقلت : ما يساوي هذا البغل ، هذا النجيب ! قال : ~~فدع عنك هذا ولك الله أن أعطيك ألف دينار ، فأنشدته الأرجوزة وقلت : مأمون ~~يا ذا المنن الشريفه . . . وصاحب المرتبة المنيفه وقائد الكتيبة الكثيفه . ~~. . هل لك في أرجوزة ظريفه أظرف من فقه أبي حنيفه . . . لا والذي أنت له ~~خليفه ما ظلمت في أرضنا عفيفه . . . أميرنا شكته خفيفه وما اجتبى شيئا سوى ~~الوظيفة . . . فالذئب والنعجة في سقيفه واللص والتاجر في قطيفه فوالله ما ~~أتممت إنشادها حتى جاءني زهاء عشرة آلاف فارس قد سدوا الأفق وهم يقولون : ~~السلام عليك يا أمير المؤمنين . فأخذني القلق ، ونظر إلي بتلك الحال وشملي ~~قد تبدد فقال : لا بأس عليك ! قلت : يا أمير المؤمنين أمعذري أنت ؟ قال : ~~نعم . ثم التفت إلى خادم في جانبه وقال له : أعطه ما معك ، فأخرج له كيسا ~~فيه ثلاثة آلاف دينار وقال : هاك سلام عليك ، فكان آخر العهد به . ~~PageV01P179 حدثنا إبراهيم بن عبد السلام عن الحسين بن الضحاك قال : دخلت ~~أنا ومحمد بن عمرو الرومي دار المعتصم بالله فخرج علينا كالحا فجاء إيتاخ ~~وقال : الملهون على الباب مخارق وعلويه وفلان وفلان . فقال : اغرب ، عليك ~~وعليهم لعنة الله ! قال : فتبسمت إلى محمد وتبسم إلي . فقال المعتصم : مم ~~تبسمت يا حسين ؟ قلت : من شيء خطر لي ، قال : هاته ، فأنشدته : انف عن قلبك ~~الحزن . . . بدنو من السكن وتمتع بكر طر . . . فك في وجهه الحسن فدعا بألفي ~~دينار ، ألف لي وألف لمحمد بن عمرو . فقلت : يا أمير المؤمنين الشعر لي فما ~~معنى ألف لمحمد ؟ قال : لأنه جاء معك . وأمر الملهين بالدخول فأدخلوا ، فما ~~زال ينشد الشعر ، ولقد قام يريد البول فسمعته يردده . قال أبو العيناء : ~~أنشدني المعتصم بعقب مدح جرى لبغداد : سقاني بعينيه ms207 كأس الهوى . . . فظلت ~~وبي منه مثل اللمم بعيني مهاة شقيقته . . . وشنب عذاب وفرع أحم قال أبو ~~العيناء : فتوهمت أنه يعني سر من رأى ويكني عنها بذلك الكلام ، فقلت : يا ~~أمير المؤمنين قال مروان في جدك قريش : الأبلج ذو البهاء غيث العفاة غد ~~الأنواء وهم زمام الدولة الزهراء . فقال : قل يا أبا عبد الله في مدح بني ~~هاشم لك ولغيرك فلقد أصبت مقالا ، فأنشدته لمروان بن أبي حفصة : إلى ملك ~~مثل بدر الدجى . . . عظيم الفناء رفيع الدعم قريع نزار غداة الفخار . . . ~~ولو شئت قلت جميع الأمم له كف جود تفيد الغنى . . . وكف تبيد بسيف النقم ~~فقال : زدني ، فأنشدته : انتجعي يا ناق ملك غالب . . . قريش بطحاء أولي ~~الأهاضب والرأس ممدود على المناكب . . . مد القباطي على المشاجب فقال : ~~زدني ، فأنشدته : يا قطب رجراجة الملحاء . . . ومنزل البدر من السماء ~~والمجتدي في السنة العجفاء PageV01P180 فقال : حسبك يا أبا عبد الله . ثم ~~التفت إلى جارية بين يديه فقال : عشر بدر ووصيفة وفرسا ومملوكا وخمسين ثوبا ~~الساعة ، فجيء بذلك كله ، فأعطاه إياه وانصرف . فقال له الناس : يا أبا ~~العيناء ما هذا ؟ قال : مال الله على يد عبد الله ، الحمد لله والشكر لأمير ~~المؤمنين ما دامت السماء وما حملت مقلتاي الماء . قال أحمد بن أبي طاهر : ~~أخبرني مروان بن أبي الجنوب قال : لما استخلف المتوكل بعثت إليه بقصيدة ~~مدحت فيها ابن أبي دؤاد وفي آخرها بيتان ذكرت فيهما ابن الزيات بين يدي ابن ~~أبي دؤاد وهما : وقيل لي الزيات لاقى حمامه . . . فقلت أتاني الله بالفتح ~~والنصر لقد حفر الزيات بالغدر حفرة . . . فألقي فيها بالخيانة والغدر فلما ~~صارت القصيدة في يدي ابن أبي دؤاد ذكر لك للمتوكل وأنشده البيتين ، فقال : ~~احضرنيه . قال : هو باليمامة . قال : يحمل . قلت : عليه دين . قال : كم ؟ ~~قلت : ستة آلاف دينار . قال : يعطاها . فأعطيت ذلك وحملت وصرت إلى سر من ~~رأى وامتدحت المتوكل بقصيدة أقول فيها : رحل الشباب وليته لم يرحل . . . ~~والشيب حل وليته لم يحلل فلما صرت من القصيدة إلى هذا البيت : كانت خلافة ms208 ~~جعفر كنبوة . . . جاءت بلا طلب ولا بتبخل وهب الإله له الخلافة مثلما . . . ~~وهب النبوة للنبي المرسل فأمر لي بخمسين ألف درهم . قال : وكان علي بن ~~الجهم يقع في مروان ويثلبه حسدا لمنزلته من أمير المؤمنين . فقال له ~~المتوكل : يا علي أيكما أشعر ؟ قال : أنا أشعر منه . قال : ما تقول يا ~~مروان ؟ قال : إذا حققت شعرك في أمير المؤمنين لم أبال بمن زيف شعري . ثم ~~التفت مروان إلى علي فقال : يا علي أنت أشعر مني ؟ قال : نعم ، تشك في ذا ؟ ~~قال أمير المؤمنين : بيني وبينك . قال : هو يحابيك . فقال المتوكل : هذا من ~~عيك . ثم التفت إلى حمدون النديم فقال : ذا حكم بينكما . فقال : يا أمير ~~المؤمنين تركتني بين لحيي الأسد ! قال : لا بد أن تصدقني قال : يا أمير ~~المؤمنين أعرقهما في الشعر أشعرهما ، فقال المتوكل : يا مروان اهجه . قال : ~~لا أبدأه ولكن يقول . فقال علي : قد كظني النبيذ ولست أقدر أن أقول . قال ~~مروان : لكني أقول : PageV01P181 إن ابن جهم في المغيب يعيبني . . . ويقول ~~لي حسنا إذا لاقاني وإذا التقينا فاق شعري شعره . . . ونزا على شيطانه ~~شيطاني إن ابن جهم ليس يرحم أمه . . . لو كان يرحمها لما عاداني فقال ~~المتوكل : يا مروان بحياتي لا تقصر ! فقال : يا علي يا ابن بدر . . . قلت ~~أمي قرشيه قلت ما ليس بحق . . . فاسكتي يا نبطيه اسكتي يا بنت جهم . . . ~~اسكتي يا حلقيه قال : فجعل المتوكل يضرب برجله ويضحك وأمر لي بألف دينار ، ~~قال مروان : صرت إلى المتوكل فقلت : سقى الله نجدا والسلام على نجد . . . ~~ويا حبذا نجد على القرب والبعد نظرت إلى نجد وبغداد دونها . . . لعلي أرى ~~نجدا وهيهات من نجد ونجد بها قوم هواهم زيارتي . . . ولا شيء أحلى من ~~زيارتهم عندي قال : فلما تممت إنشادها أمر لي بعشرين ومائة ألف درهم وخمسين ~~ثوبا وثلاثة من الظهر فرسا وبغلة وحمارا ، فما برحت حتى قلت في شكره : تخير ~~رب الناس للناس جعفرا . . . فملكه أمر العباد تخيرا فلما صرت إلى هذا البيت ~~: فأمسك ندى كفيك عني ولا تزد ms209 . . . فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا قال : لا ~~والله لا أمسك حتى أغرقك بجودي ولا تبرح أو تسأل حاجة . قلت : يا أمير ~~المؤمنين الضيعة التي أمرت بإقطاعي إياها من اليمامة ذكر ابن المدبر أنها ~~وقف من المعتصم . قال : فإني أقبلكها بخراج درهم . قلت : لا يحسن أن يؤدي ~~درهم . فقال ابن المدبر : فألف درهم . قلت : نعم . فأمضاها لي ثم قال : ~~ليست هذه حاجة . قلت : فضياعي التي كانت لي وحال ابن الزيات بيني وبينها . ~~فأمر بردها علي . قال : وقال أبو يعقوب الخطابي : كنت جالسا عند معن بن ~~زائدة وإذا عليه إزار يساوي أربعة دراهم ، فقال : يا أبا يعقوب هذا إزاري ~~وقد قسمت العام في قومك خاصة أربعين ألف دينار ، فبينا نحن نتحدث إذ أبصر ~~أعرابيا يحط به الآل من خوخة مشرفة له على PageV01P182 الصحراء ، فقال ~~لحاجبه : إن كان هذا يريدنا فأدخله ! فدخل الأعرابي وسلم وأنشأ يقول : ~~أصلحك الله قل ما بيدي . . . فلا أطيق العيال إذ كثروا ألح دهر رمى بكلكله ~~. . . فأرسلوني إليك وانتظروا قال : فاضطرب ، وقال : أرسلوك وانتظروا ! يا ~~غلام ما فعل بغلتنا الفلانية ؟ قال : حاضرة . قال : كم هي ؟ قال : ألف ~~دينار . قال : اطرحها إليه . ثم قال : اذهب إليهم بما معك ثم إذا احتجت ~~فارجع . وعن أبي يعقوب الخطابي قال : دخل أعرابي معه صبي صغير في نطع إلى ~~معن بن زائدة وقال : سميت معنا بمعن ثم قلت له . . . هذا سمي امريء في ~~الناس محمود أنت الجواد ومنك الجود أوله . . . لا بل يمينك منها صورة الجود ~~فأعطاه ألف دينار . قال : ودخل يزيد بن مزيد الشيباني أحد الأجواد مسجدا ~~باليمن فوجد في قبلته مكتوبا : مضى معن وخلاني ببثي . . . على معن بن زائدة ~~السلام فسأل عن قائله ، فإذا هو معهم ، فقال : يا غلام أمعك شيء ؟ قال : ~~نعم ألف دينار . قال : فادفعها إليه . فخرج الرجل وهو يقول : رحم الله أبا ~~الوليد وصلني حيا وميتا . وحدثنا جعفر بن منصور بن المهدي قال : حدثني أبي ~~قال : حج المهدي فنزل زبالة فدخل حسين بن مطير الأسدي عليه فقال : أضحت ms210 ~~يمينك من جود مصورة . . . لا بل يمينك منها صورة الجود من حسن وجهك تضحي ~~الأرض مشرقة . . . ومن بنانك يجري الماء في العود فقال له المهدي : كذبت . ~~قال : ولم ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال : لقولك في معن بن زائدة : ألما على ~~معن وقولا لقبره . . . سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا فيا قبر معن كيف واريت ~~جوده . . . وقد كان منه البر والبحر مترعا فلما مضى معن مضى الجود وانقضى . ~~. . وأصبح عرنين المكارم أجدعا PageV01P183 فكنت لدار الجود يا معن عامرا . ~~. . فقد أصبحت قفرا من الجود بلقعا أبى ذكر معن أن يميت فعاله . . . وإن ~~كان قد لاقى حماما ومصرعا فتى عيش في معروفه بعد موته . . . كما كان بعد ~~السيل مجراه مرتعا فقال : يا أمير المؤمنين إنما معن حسنة من حسناتك وفعلة ~~من فعلاتك ، فأمر هل بألف دينار ثم قال : سل حاجتك . فقال : بيضاء تسحب من ~~قيام فرعها . . . وتغيب فيه وهو جعد أسحم فكأنها فيه نهار مشرق . . . وكأنه ~~ليل عليها مظلم قال : خذ بيدها ، لجارية كانت على رأسه ، فأولدها مطير بن ~~الحسين بن مطير . قال : ودخل مروان بن أبي حفصة على جعفر بن يحيى يسأله ~~إيصاله إلى الرشيد وأنه قد مدحه بقصيدة ينشدها إياه وقد كان جعفر وصله ~~بثلاثين ألف درهم كتب له بها إلى صالح الصيرفي وكانت فيها دراهم طبرية ، ~~فقال : ثلاثون ألفا كلها طبرية . . . دعا لي بها لما رأى الصك صالح دعا ~~بالزيوف الناقصات وإنما . . . عطاء أبي الفضل الجياد الرواجح فقلت له لما ~~دعا بزيوفه . . . أألجد هذا منك أم أنت مازح فلما أنشده ذلك جعفرا ضحك وقال ~~: أنشدني مرثيتك في معن بن زائدة ، فأنشده : كأن الشمس يوم أصيب معن . . . ~~من الظلماء ملبسة جدولا وكان الناس كلهم لمعن ، . . . إلى أن زار حفرته ، ~~عيالا فقال جعفر : هل أثابك على هذه المرثية أحد من ولده وأهله ؟ قال : لا ~~. قال : فلو كان حيا ثم سمعها منك بكم كان يثيبك ؟ قال : بأربع مائة دينار ~~. قال : أظن أنه كان لا يرضاها لك ، قد أمرنا لك عن معن بأربعمائة كما ظننت ms211 ~~وزدناك مثلها لما ظنناه به فيك فاغد على الخازن لقبضها منه . قال : ودخل ~~أعرابي على داود بن يزيد بالسند فقال : أيها الأمير تأهب لمديحي . فتأهب ثم ~~قال : لئن أحسنت لأحسنن إليك ولئن أسأت لأردن شعرك عليك ، فقال : أمنت ~~بداود وجود يمينه . . . من الحدث المخشي والبؤس والفقر وأصبحت لا أخشى ~~بداود نبوة . . . ولا حدثانا إذ شددت به أزري فما طلحة الطلحات ساواه في ~~الندى . . . ولا حاتم الطائي ولا خالد القسري له حكم لقمان وصورة يوسف . . ~~. وملك سليمان وصدق أبي بكر فتى تهرب الأموال من طل كفه . . . كما يهرب ~~الشيطان من ليلة القدر PageV01P184 فقال : يا أعرابي أحسنت فاحتكم وإن شئت ~~فاردد الحكم إلي . فقال : ما عند الأمير ما يسعه حكمه . فقال : أنت في هذا ~~أشعر . وأمر هل بعشرة آلاف درهم . قال : ودخل محمد بن الجهم على المأمون ~~فقال : أنشدني أحسن ما سمعته في المديح . فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، ~~قوله : يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها . . . والجود بالنفس أقصى غاية الجود ~~فقال : أنشدني أخبث ما سمعته في الهجو ، فقال قوله : قبحت مناظره فحين ~~خبرته . . . حسنت مناظره لقبح المخبر قال : فأنشدني أحسن ما سمعته في ~~المراثي ، فقال قوله : أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه . . . فطيب تراب القبر ~~دل على القبر ومثله : على قبره بني القبور مهابة . . . كما قبله كانت على ~~ساكن القبر قال : فأنشدني أحسن ما سمعته في الغزل ، قال قوله : حب مجد ~~وحبيب يلعب . . . وأنت ملقى بينهم معذب فاستحسن الأبيات ثم أمر بتقليدي ~~الصيمرة والسيروان ومهرجانقذق والدينور ونهاوند ، فانصرفت من عنده بولاية ~~الجبل . # | مساوئ منع الشعراء والبخل # قيل : كان أبو عطاء السندي بباب أمير المؤمنين أبي العباس وبنو هاشم ~~يدخلون ويخرجون ، فقال : إن الخيار من البرية هاشم . . . وبنو أمية أرذل ~~الأشرار وبنو أمية عودهم من خزوع . . . ولهاشم في المجد عود نضار أما ~~الدعاة إلى الجنان فهاشم . . . وبنو أمية من دعاة النار وبهاشم زكت البلاد ~~وأعشبت . . . وبنو أمية كالسراب الجاري فلم يؤذن له في الدخول على أبي ~~العباس ولم يصله أحد من بني هاشم ms212 ، فولى وهو يقول : PageV01P185 يا ليت جور ~~بني مروان عاد لنا . . . وأن عدل بني العباس في النار قال : وقال المؤمل ~~المحاربي : شخصت إلى المهدي وهو بالري فامتدحته فأمر لي بعشرين ألف درهم ، ~~فرفع الخبر إلى المنصور فبعث قائدا إلى جسر النهروان يستبري القوافل ، فلما ~~وردت عليه قال : من أنت ؟ قلت : أنا المؤمل أقبلت من عند الأمير من الري . ~~فقال : إياك أردت ! ثم أخذ بيدي فأدخلني على المنصور وهو بباب الذهب ، فقال ~~: أتيت غلاما غرا فخدعته ! فقلت : بل أتيت غلاما غرا كريما فخدعته فانخدع . ~~فقال : أنشدني ما قلته فيه ، فأنشدته : هو المهدي إلا أن فيه . . . مشابه ~~صورة القمر المنير تشابه ذا وذا فهما إذا ما . . . أنارا يشكلان على البصير ~~فهذا في الظلام سراج ليل . . . وهذا بالنهار سراج نور ولكن فضل الرحمن هذا ~~. . . على ذا بالمنابر والسرير وبالملك العزيز فذا أمير . . . وما ذا ~~بالأمير ولا الوزير ونقص الشهر يخمد ذا وهذا . . . منير عند نقصان الشهور ~~فيا ابن خليفة الله المصفى . . . به تعلو مفاخرة الفخور لقد سبق الملوك ~~أبوك حتى . . . تراهم بين كاب أو أسير وجئت وراءه تجري حثيثا . . . وما بك ~~حين تجري من فتور فقال الناس ما هذان إلا . . . كما بين الخليق إلى الجدير ~~فإن بلغ الصغير مدى كبير . . . فقد خلق الصغير من الكبير فقال : ما أحسن ما ~~قلت ولكن لا يساوي ما أخذت ، يا ربيع خذ منه ستة عشر ألفا وخله وما سواها . ~~قال : فحط والله الربيع ثقلي حتى أخذ مني ستة عشر ألفا فما بقيت معي إلا ~~نفيقة ، فآليت على نفسي أن لا أدخل العراق وللمنصور بها ولاية ، فلما بلغني ~~موت المنصور واستخلاف المهدي قدمت بغداد وقد جعل المهدي على المظالم رجلا ~~يقال له ابن ثوبان ، فرفعت إليه قصة أذكر فيها خبري فعرضها على المهدي ، ~~فضحك حتى استلقى وقال : هذه مظلمة أنا بها عارف ، ردوا عليه ماله وزيدوا له ~~عشرين ألفا ، فأخذتها وانصرفت . قيل : ودخل عون على عمر بن عبد العزيز فقال ~~: يا أمير المؤمنين هذا جرير بالباب يريد الدخول عليك ms213 . فقال عمر : ما أدري ~~أن أحدا من أمة محمد ، صلى الله عليه وسلم ، يحجب عني . قال : إنه يريد ~~إذنا خاصا قال : أدخله . فخرج عون وأخذ بيده فأدخله ، فشكا إليه طول المقام ~~وشدة الحال وإلحاح الزمان وجهد العيال وسأله أن يأذن له في إنشاده شعرا . ~~فقال : إن أمير المؤمنين لفي PageV01P186 شغل عن الشعر . فقال : إنها رسالة ~~من أهل الحجاز ، قال : هاتها ، فقال : قد طال قولي إذا ما كنت مجتهدا . . . ~~يا رب عاف قوام الدين والبشر خليفة الله ثم الله يحفظه . . . عند المقام ~~وإما كان في السفر إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا . . . من الخليفة ما نرجو ~~من المطر بذ الخليفة أن كانت له قدرا . . . كما أتى ربه موسى على قدر ما ~~زلت بعدك في دار تؤرقني . . . قد طال في الحي إصعادي ومنحدري أأذكر الجهد ~~والبلوى التي نزلت . . . أم قد كفاني الذي نبئت من خبري كم بالمواسم من ~~شعثاء أرملة . . . ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر أمسى حزينا يبكي فقد والده . ~~. . كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر إن تسه عنه فمن يرجو لفاقته . . . أو ~~تنح عنه فقد أنحيت من ضرر أنت المبارك والمهدي سيرته . . . تعصي الهوى ~~وتقوم الليل بالسور ما ينفع الحاضر المجهود بادينا . . . ولا يعود لنا باد ~~على حضر هذي الأرامل قد قضيت حاجتها . . . فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر ~~الخير ما دمت حيا لا يفارقنا . . . بوركت يا عمر الخيرات من عمر فبكى عمر ~~ثم رفع رأسه وقال : ما حاجتك يا جرير ؟ قال : حاجتي ما عودتني الخلفاء قبلك ~~. قال : وما ذاك ؟ قال : أربعمائة من الإبل برعاتها وتوابعها من الحملان ~~والكسى . قال له عمر : أمن المهاجرين أنت ؟ قال : لا . قال : فمن الأنصار ؟ ~~قال : لا . قال : فممن أنت ؟ قال : من التابعين بإحسان . قال : إذا نجري ~~عليك كما نجري على مثلك . قال : فإني لا أريد ذاك . قال : فما أرى لك في ~~بيت المال غيره . قال : إنما جئت أسألك من مالك ! قال : فإن لي كسوة ونفقة ~~وأنا أقاسمكهما . قال : بل أؤثرك وأحمدك يا أمير المؤمنين . فانصرف ms214 من عنده ~~وهو يقول : وجدت رقى الشيطان لا تستفزه . . . وقد كان شيطاني من الجن راقيا ~~ولبعض الشعراء في مثله : إن حراما قبول مدحته . . . ومنع ما يرتجى من الصفد ~~كما الدنانير والدراهم في ال . . . صرف حرام إلا يدا بيد وقال : أبو نجدة ~~في مثله : فلما أن بلوناك . . . ولم نلقك بالناشط أطعنا فيك ميمونا . . . ~~فصورناك في الحائط PageV01P187 إذا لم تك نفاعا . . . فأنت النازح الشاحط ~~سواء أنت في عيني . . . بجي كنت أو واسط وروي في الحديث قال : لا يجتمع ~~الشح والإيمان في قلب عبد أبدا . ويقولون : الشحيح أعذر من الظالم ، وأقسم ~~الله جل وعز بعزته لا يساكنه في جنته بخيل . وقال النبي ، صلى الله عليه ~~وسلم : من فتح له باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عليه ، وقال ~~الشاعر في ذلك : ليس في كل ساعة وأوان . . . يتهيا صنائع الإحسان فإذا ~~أمكنت تقدمت فيها . . . حذرا من تعذر الإمكان وسئل بعض الحكماء : من أكيس ~~الناس في زماننا ؟ فقال : ابن أبي دواد حيث يقول فيه الشاعر : بدا حين أثرى ~~بإخوانه . . . ففلل عنهم شباه العدم وحذره الحزم صرف الزمان . . . فبادر ~~قبل انتقال النعم فليس وإن بخل الباخلو . . . ن يقرع سنا له من ندم ولا ~~ينكت الأرض عند السؤال . . . ليمنع سواله عن نعم ولكن ترى مشرقا وجهه . . . ~~ليرتع في ماله من عدم وفصل لبعضهم في هذا المعنى : إن لأيام القدرة على ~~الخير غنائم فاصطنعها ما دامت راهنة لديك وأنت منها متمكن قبل أن تنقضي عنك ~~. وفي المثل السائر في البخل : هو أبخل من قاذر . وهو رجل من بني هلال ابن ~~عامر بلغ من بخله أنه سقى إبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل فسلح فيه وقذر ~~الحوض فسمي قاذرا ، وذكروا أن بني فزارة وبني هلال تنافروا إلى أنس بن مدرك ~~وتراضوا به ، فقالت بنو هلال : يا بني فزارة أكلتم جلد الحمار ! فقالت بنو ~~فزارة : لم نعرفه . وكان سبب ذلك أن ثلاثة أنفار اصطحبوا ، فزاري وثعلبي ~~وكلابي ، فصادوا حمار وحش ، فمضى الفزاري في بعض حوائجه فطبخاه وأكلاه ms215 ~~وخبيا للفزاري جلد الحمار ، فلما رجع قالا له : قد خبأنا لك فكل ، فأقبل ~~يأكل PageV01P188 ولا يسيغه ، فجعلا يضحكان ، ففطن وأخذ السيف وقام إليهما ~~فقال لهما : إن أكلتماه وإلا قتلتكما ، فامتنعا ، فضرب أحدهما فأبان رأسه ، ~~وتناوله الآخر فأكل منه ، فقال فيهم الشاعر : نشدتك يا فزار وأنت شيخ . . . ~~إذا خيرت تخطيء في الخيار أصيحانية أدمت بسمن . . . أحب إليك أم جلد الحمار ~~فقالت بنو فزارة : منكم يا بني هلال من سقى إبله فلما رويت سلح في الحوض ~~وقذره بخلا . فقضى أنس بن مدرك على الهلاليين وأخذ الفزاريون منهم مائة ~~بعير . وكانوا تراهنوا عليها ، وفي بني هلال يقول الشاعر : لقد جللت خزيا ~~هلال بن عامر . . . بني عامر طرا بسلحة قاذر فأف لكم لا تدركوا الفخر بعدها ~~. . . بني عامر أنتم شرار المعاشر وفي المثل : هو أبخل من نار الحباحب ، ~~وهو رجل كان في الجاهلية من بخله أنه كان يسرج السراج فإذا أراد أحد أن ~~يأخذ منه أطفأه فضرب به المثل . ومنهم صاحب نجيح بن سليف اليربوعي ، فإنه ~~ذكر أن نجيحا خرج يوما إلى الصيد فعرض له حمار وحش فاتبعه حتى دفع إلى أكمة ~~فإذا هو برجل أعمى أسود قاعد في أطمار بين يديه ذهب وفضة ودر وياقوت ، فدنا ~~منه نجيح فتناول منها بعضها ، فلم يستطع أن يحرك يده حتى ألقاها ، فقال : ~~يا هذا ما الذي بين يديك وكيف تستطيع حمله ، ألك هو أم لغيرك ؟ فإني أعجب ~~مما أرى ! أجواد أنت فتجود لنا أم بخيل فأعذرك ؟ فقال الأعمى : كيف تطلب ~~مال رجل قد غاب منذ سنتين وهو سعد بن خشرم بن شماس ؟ فأتني بسعد يعطك ما ~~تشاء . فانطلق نجيح مسرعا قد استطير فؤاده حتى وصل إلى محلته ودخل خباءه ~~فوضع رأسه ونام لما به من الغم لا يدري من سعد ، فأتاه آت في منامه فقال له ~~: يا نجيح إن سعد بن خشرم في حي محلم من ولد ذهل بن شيبان ، فخرج وسأل عن ~~بني محلم ثم سأل عن خشرم فإذا هو بشيخ قاعد على باب خبائه ms216 ، فحياه نجيح فرد ~~عليه . فقال له نجيح : من أنت ؟ قال : خشرم بن شماس . قال : وأين ابنك ؟ ~~قال : خرج في طلب نجيح بن سليف اليربوعي وذلك أن آتيا أتاه في منامه فحدثه ~~أن مالا له في نواحي بني يربوع لا يعلم له إلا نجيح ، فضرب نجيح بطن فرسه ~~وهو يقول : أيطلبني من قد عناني طلابه . . . فيا ليتني ألقاك سعد بن خشرم ~~أتيت بني يربوع تطلبني به . . . وقد جئت كي ألقاك حي المحلم فلما دنا من ~~محلته استقبل سعدا فقال له : أيها الراكب هل لقيت سعدا في بني يربوع ؟ قال ~~: أنا سعد فهل تدل على نجيح ؟ قال : أنا نجيح ، وحدثه بالحديث ثم قال : ~~الدال على الخير كفاعله ، وهو أول من قاله . فانطلقا حتى أتيا ذلك المكان ، ~~فتوارى الرجل حين أبصرهما PageV01P189 وترك المال فأخذه سعد كله . فقال له ~~نجيح : يا سعد قاسمني ! فقال له : اطو عن مالي كشحا ، وأبى أن يعطيه . ~~فانتضى نجيح سيفه فجعل يضربه حتى برد ، فلما وقع قتيلا تحول الرجل الحافظ ~~للمال سعلاة فأسرع في أكل سعد وعاد المال إلى مكانه ، فلما رأى نجيح ذلك ~~ولى هاربا إلى قومه . قال : وكان أبو عميس بخيلا فكان إذا وقع الدرهم في ~~يده نقره بإصبعه ثم يقول له : كم من مدينة قد دخلتها ويد قد وقعت فيها ~~والآن استقر بك القرار واطمأنت بك الدار ! ثم يرمي به في صندوقه فيكون ذلك ~~آخر العهد به . وقيل : ونظر سليمان بن مزاحم إلى درهم فقال : في شق لا إله ~~إلا الله ، وفي شق محمد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ما ينبغي أن يكون ~~هذا إلا معاذة ، وقذفه في صندوقه . وذكروا أنه كان بالري عامل على الخراج ~~يقال له المسيب فأتاه شاعر فامتدحه فسعل سعلة فضرط ، فأنشأ الشاعر يقول : ~~أتيت المسيب في حاجة . . . فما زال يسعل حتى ضرط فقال غلطنا حساب الخراج . ~~. . فقلت من الضرط جاء الغلط فولع به الصبيان ، فكان كلما مر قالوا : من ~~الضرط جاء الغلط . فما زالوا يقولون ذلك حتى هرب منها من ms217 غير عزل . وكان ~~أبو الأسود الدئلي بخيلا وهو القائل لبنيه : لا تجاودوا الله فإنه أجود ~~وأمجد ولو شاء أن يوسع على الناس كلهم حتى لا يكون فقير لفعل . وسمع رجلا ~~يقول : من يعشي الجائع . فعشاه ، ثم ذهب ليخرج فقال : هيهات تخرج فتؤذي ~~غيريمن المسلمين كما آذيتني ! ووضع رجله في الأدهم حتى أصبح . قال : وكان ~~رجل يأتي ابن المقفع فيلح عليه ويسأله الغداء عنده فيقول : لعلك تظن أني ~~أتكلف لك شيئا ! والله لا أقدم إليك إلا ما عندي . فلما أتاه إذ ليس في ~~بيته إلا كسر يابسة وملح جريش . وجاء سائل إلى الباب فقال : وسع الله عليك ~~، فلم يذهب ، فقال : والله لئن خرجت إليك لأدقن ساقك . فقال ابن المقفع ~~للسائل : لو عرفت من صدق وعيده ما أعرف من صدق وعده لم تردد كلمة ولم تقم ~~طرفة ببابه . المدائني عن خالد كيلويه قال : كنت نجارا حاذقا فذهب بي إلى ~~المنصور فقال : افتح لي PageV01P190 بابا أنظر منه إلى المسجد وعجل الفراغ ~~منه . قال : ففتحت الباب وعلقت عليه بابا وجصصته وفرغت منه قبل الصلاة ، ~~فلما نودي بالصلاة جاء فنظر إليه فأعجبه عملي وقال لي : أحسنت بارك الله ~~عليك ! وأمر لي بدرهمين . قال : وقال المنصور للمسيب بن زهير : أحضرني بناء ~~حاذقا الساعة . فأحضره ، فأدخله إلى بعض مجالسه وقال : ابن لي بإزائه طاقا ~~يكون شبيها بالبيت . فلم يزل يؤتى بالجص والآجر حتى بناه وجوده ، ونظر إليه ~~واستحسنه فقال للمسيب : اعطه أجره . فأعطاه خمسة دراهم فاستكثرها وقال : لا ~~أرضى بذلك ، فلم يزل حتى نقصه درهما ، ففرح بذلك وابتهج كأنه أصاب مالا . ~~وحكي عن المنصور أنه لدغ فدعا مولى يقال له أسلم رقاء فأمره أن يرقيه فرقاه ~~فبريء ، فأمر له برغيف ، فأخذ الرغيف فثقبه وصيره في عنقه وجعل يقول : رقيت ~~مولاي فبريء فأمر لي برغيف ! فبلغ المنصور ذلك فقال : لم آمرك أن تشنع علي ~~! قال : لم أشنع إنما أخبرت بما أمرت . فأمر أن يصفع ثلاثة أيام في كل يوم ~~ثلاث صفعات . وعن الأصمعي قال : دخل أبو بكر الهجري ms218 ذات يوم على المنصور ~~فقال : يا أمير المؤمنين أتنقض علي فمي وأنتم أهل بيت بركة ؟ فلو أذنت يل ~~لقبلت رأسك لعل الله يشد فمي . فقال المنصور : اختر ذلك أو الجائزة . فقال ~~: يا أمير المؤمنين أهون علي من ذهاب درهم الجائزة أن لا يبقى في فمي حاكة ~~. ومنه مكاتبات : كتب أرسطاطاليس إلى رجل في رجل يصله بشيء فلم يفعل فكتب ~~إليه : إن كنت أردت فلم تقدر فمعذور ، وإن كنت قدرت فلم ترد فسيأتيك يوم ~~تريد فيه فلا تقدر . قيل : وكتب إبراهيم بن سيابة إلى رجل صديق له كثير ~~المال يستسلفه ، فكتب إليه : العيال كثير والدخل قليل والمال مكذوب . فكتب ~~إليه : إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا ، وإن كنت صادقا فجعلك الله معذورا . ~~قال : وكتب بعضهم يصف رجلا : أما بعد فإنك كتبت تسأل عن فلان فكأنك هممت أو ~~حدثت نفسك بالقدوم عليه فلا تفعل ، امتع الله بك ، فإن حسن الظن به لا يقع ~~في الوهم إلا بخذلان الله ، وإن الطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلا ~~بسوء التوكل على الله ، وإن الرجاء لما يده لا ينبغي إلا بعد اليأس من رحمة ~~الله ، إنه يرى الإقتار الذي نهى الله عنه هو التبذير الذي يعاقب الله عليه ~~، والاقتصاد الذي أمر الله عز وجل به هو الإسراف الذي يعذب الله عز وجل ~~عليه ، وإن بني إسرائيل لم يستبدلوا العدس بالمن والبصل بالسلوى إلا لفضل ~~PageV01P191 أحلامهم وقديم علم تدارسوه من آبائهم ، وإن الصنيعة مرفوعة ~~والصلة موضوعة والهمة مكروهة والصدقة منحوسة والتوسع ضلالة والجود فسوق ~~والسخاء من همزات الشياطين ، وإن مؤاساة الرجل أخاه من الذنوب الموبقة ~~وإفضاله عليه من إحدى الكبائر ، وإن الله عز وجل لا يغفر أن يؤثر المرء في ~~خصاصة على نفسه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، ومن آثر على نفسه فقد ضل ضلالا ~~بعيدا وخسر خسرانا مبينا ، كأنه لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية الذين ~~قطع الله أدبارهم ونهى جل اسمه عن اتباع آثارهم ، وإن الرجفة لم تأخذ أهل ~~مدين إلا لسخاء ms219 كان فيهم ، وإن الريح العقيم أهلكت عادا وثمودا لتوسع كان ~~فيهم ، وهو يخشى العقاب على الإنفاق ويرجو الثواب على الإقتار ويعد نفسه ~~العقوق ويأمرها بالبخل خيفة أن تمر به قوارع الدهور وأن يصيبه ما أصاب ~~القرون الأولى ، فأقم ، رحمك الله ، بمكانك واصبر على عسرك لعل الله أن ~~يبدلنا خيرا منه زكاة وأقرب رحما . ومنه فن آخر ، وصف أعرابي رجلا فقال له ~~: بشر مطمع ومطل موئس ، فأنت منه أبدا بني اليأس والطمع ، لا منع مريح ولا ~~بذل سريح . وقال أعرابي : أنا من فلان في أماني تهبط العصم وخلف يذكر العدم ~~، ولست بالحريص الذي إذا وعده الكذوب أعلق نفسه لديه وأتعب راحلته إليه . ~~وذكر أعرابي رجلا فقال : له مواعيد عواقبها المطل وثمارها الخلف ومحصولها ~~اليأس . ويقال : سرعة اليأس أحد النجحين . وقال بعضهم : مواعيد فلان مواعيد ~~عرقوب ، ولمع الآل ، وبرق الخلب ، وأماني الكمون ، ونار الحباحب ، وصلف ~~تحته راعدة . ولبعض الكتاب فصل في هذا المعنى : أما بعد فإن كثرة المواعيد ~~من غير نجح عار على المطلوب ، وقلتها عند الحاجة مكرمة من صاحبها ، وقد ~~رددتنا في حاجتنا هذه مع كثرة مواعيدك من غير نجح لها حتى كأن قد رضينا ~~بالتعلل بها دون النجاح ، كقول الأول : لا تجعلنا ككمون بمزرعة . . . إن ~~فاته الماء أروته المواعيد ولآخر منهم : ما رأيت مثل طيب قولك أمره سوء ~~فعلك ، ولا مثل بسط وجهك خالفه ضيق تنكيدك ، ولا مثل قرب مواعيدك باعدها ~~فرط مطلك ، ولا مثل أنس بديهتك أوحش منه قبيح عواقبك ، حتى كأن الدهر أودعك ~~لطيف الحيلة بالمكر بأهل الخلة ، وكأنه زينك فيهم بالخديعة لتدرك منهم فرصة ~~الهلكة . وقد قيل : وعد الكريم نقد وتعجيل ، ووعد اللئيم مطل وتأجيل . ~~PageV01P192 وقال بعضهم : وعدتنا مواعيد عرقوب ، ومطلتنا مطل نعاس الكلب ، ~~وغررتنا غرور السراب ، ومنيتنا أماني الكمون . ولبعضهم : أما بعد فلا تدعني ~~متعلقا بوعدك فالعذر الجميل أحسن من المطل الطويل ، فإن كنت تريد الإنعام ~~فأنجح وإن تعذرت الحاجة فأوضح وأعلمني ذاك لأصرف وجه الطلب إلى غيرك . ~~وذكروا أن فتى من مراد كان يختلف إلى ms220 عمرو بن العاص فقال له ذات يوم : ألك ~~امرأة ؟ قال : لا . قال : أفتتزوج وعلي المهر ؟ فرجع إلى أمه فأخبرها ، ~~فقالت : إذا حدثتك النفس أنك قادر . . . على ما حوت أيدي الرجال فكذب فتزوج ~~ثم أتى عمرو بن العاص ، فاعتل عليه ولم ينجز له وعده ، فشكا ذلك إلى أمه ، ~~فقالت : لا تغضبن على امريء في ماله . . . وعلى كرائم مال نفسك فاغضب ولبعض ~~الشعراء في هذا المعنى : أروح وأغدو نحوكم في حوائجي . . . فأصبح منها غدوة ~~كالذي أمسي وقد كنت أرضى للصديق شفاعتي . . . فقد صرت أرضى أن أشفع في نفسي ~~ولأبي نواس : وعدتني وعدك حتى إذا . . . أطمعتني في كنز قارون جئت من الليل ~~بغسالة . . . تغسل ما قلت بصابون وأنشد لأبي تمام : يحتاج من يرتجي نوالكم ~~. . . إلى ثلاث بغير تكذيب فكنز قارون أن يكون له . . . وعمر نوح وصبر أيوب ~~ولآخر : إني لأعجب من قول غررت به . . . حلو يلذ إليه السمع والبصر لو تسمع ~~العصم في صم الجبال به . . . ظلت من الراسيات العصم تنحدر كالخمر والشهد ~~يجري فوق ظاهره . . . وما لباطنه طعم ولا حبر وكالسراب شبيها بالغدير وإن . ~~. . تبغ السراب فلا عين ولا أثر ولا ينبت العشب عن برق وراعدة . . . غراء ~~ليس بها سيل ولا مطر ومما قيل من الشعر في البخل بالطعام لبعضهم : ~~PageV01P193 رأيت أبا عثمان يبذل عرضه . . . وخبز أبي عثمان في أكرم الحرز ~~يحن إلى جاراته بعد شبعه . . . وجاراته غرثى تحن إلى الخبز ولآخر : ما كنت ~~أحسب أن الخبز فاكهة . . . حتى نزلت على عوف بن خنزير الحابس الروث في ~~أعفاج بغلته . . . بخلا على الحب من لقط العصافير ولغيره : نوالك دونه خرط ~~القتاد . . . وخيرك كالثريا في البعاد ترى الإصلاح صومك لا لنسك . . . ~~وكسرا للرغيف من الفساد أرى عمر الرغيف يطول جدا . . . لديك كأنه من قوم ~~عاد ولآخر : اللؤم منك على الطعام طباع . . . فعيال بيتك ما حييت جياع وإذا ~~يمر بباب دارك سائل . . . هرت عليه نوابح وسباع وعلى رغيفك حية مسمومة . . ~~. وعلى خوانك عقرب وشجاع ولآخر : يا تارك البيت على الضيف . . . وهاربا منه ~~من الخوف ضيفك ms221 قد جاء بزاد له . . . فارجع فكن ضيفا على الضيف إذ ااشتهى ~~الضيف طبيخ الشتا . . . أتاه بالشهوة في الصيف وإن دنا المسكين من بابه . . ~~. شد على المسكين بالسيف ولآخر : يكتب بالحبر على خبزه . . . والله لا ~~يأكله الجار ويسأل الخادم من بخله . . . أي رغيف فيه آثار ويختم القدر على ~~أهله . . . ويشعب العظم بمسمار والماء في منزله طرفة . . . يشربه الناس ~~بمقدار ولآخر : أرى ضيفك في الدار . . . وكرب الموت يغشاه على خبزك مكتوب . ~~. . سيكفيكهم الله PageV01P194 ولآخر : لأبي نوح رغيف . . . أبدا في حجر ~~دايه أبدا يمسحه الده . . . ر بكم ووقايه وله كاتب سر . . . خط فيه بعناية ~~فسيكفيكهم الل . . . ه إلى آخر آيه ولآخر : الخبز يبطي حين يدعو به . . . ~~كأنه يقدم من قاف ويمدح الملح لأصحابه . . . يقول هذا ملح سيراف سيان أكل ~~الخبز في داره . . . وقلع عينيه بخطاف ولآخر : فتى لا يغار على عرسه . . . ~~ولكن يغار على خبزه فمنه يد الجود مقبوضة . . . وكف السماحة في عجزه ولآخر ~~: يصونون أثوابهم في التخوت . . . وأزواجهم يخترقن السكك ينحون من رام ~~رغفانهم . . . ويدنون من رام حل النكك ولآخر : ولو أن الذباب تراء يوما . . ~~. عدت غرثى لصحفته تروم لنادى في العشيرة أدركوني . . . ألا أين القماقم ~~والقروم فيا ويل الذباب إن ادركوه . . . وفي الهيجا عدوهم سليم ولآخر : أما ~~الرغيف لدى الخوا . . . ن فمن كريمات الحرم ما إن يجس ولا يم . . . س ولا ~~يذاق ولا يشم فتراه أخضر يابسا . . . بالي النقوش من الهرم ولآخر : أتينا ~~أبا طاهر مفطرين . . . غلى رحله فرجعنا صياما وجاء بخبز له حامض . . . وقلت ~~دعوه وموتوا كراما وعن حذيفة بن محمد الطائي قال : قال الرشيد : لا أعرف ~~لمولد أهجى من قول أبي نواس : PageV01P195 وما روحتنا لتذب عنا . . . ولكن ~~خفت مرزئة الذباب شرابك كالسراب إذا التقينا . . . وخبزك عند منقطع التراب ~~ولآخر : خان عهدي عمرو وما خنت عهده . . . وجفاني وما تغيرت بعده ليس لي ما ~~حييت ذنب إليه . . . غير أني يوما تغديت عنده الخليل بن أحمد : كفاه لم ~~تخلقا للندى . . . ولم يك بخلهما بدعه فكف عن الخير مقبوضة . . . كما ~~انقبضت مائة تسعه ms222 ولآخر : أتيت أبا عمرو أرجي نواله . . . فزاد أبو عمرو ~~على حزني حزنا فكنت كباغي القرن أسلم أذنه . . . فآب بلا أذن ولم يستفد ~~قرنا # | مساوئ من استدعى الهجاء ومن هجا نفسه # قال أبو العتاهية : خرجت مع المهدي إلى الصيد فتفرق أصحابه وبقيت معه وقد ~~أقبل علينا المطر ، فانتهينا إلى ملاح معه زورق فقال لنا : ادخلا من هذا ~~المطر . فدخلنا ووقعت الرعدة على المهدي من شدة البرد فقال له الملاح : هل ~~لك أن ألقي عليك جبتي ؟ فقال : نعم . فألقاها عليه . فما زال يتقرقف حتى ~~نام ، ثم أقبل الخدم والغلمان وألقوا عليه الخز والوشي ، فلما انتبه أمر ~~بدفع ذلك إلى الملاح وقال : يا أبا العتاهية ألا هجوتني ! فقلت : يا أمير ~~المؤمنين وكيف تطيب نفسي بهجائك ؟ قال : فإني أسألك بالله ، فقلت : يا لابس ~~الوشي على شيبه . . . ما أقبح الأشيب في الداح فنقر نقرة ثم قال : زدني ، ~~فقلت : لو شئت أيضا جلت في خامة . . . وفي وشاحين وأوضاح فقال : ويلك زدني ~~، فقلت : كم من عظيم الشأن في نفسه . . . قد بات في جبة ملاح قيل : وشرب ~~يزيد بن معاوية ذات يوم وعنده الأخطل فلما ثمل قال : يا أخطل اهجني ولا ~~تفحش ، فأنشأ يقول : PageV01P196 ألا اسلم سلمت أبا خالد . . . وحياك ربك ~~بالعنقز وروى عظامك بالخندري . . . س قبل الممات ولم تعجز أكلت الدجاج ~~فأفنيتها . . . فهل في الحنانيص من مغمز ودينك حقا كدين الحما . . . ر بل ~~أنت أكفر من هرمز فرفع يده ولطمه وقال : يا ابن اللخناء ما بكل هذا أمرتك ! ~~قال : ودخل أبو دلامة على المنصور وعنده المهدي وعيسى بن موسى ، فقال له ~~المنصور : اهج بعض من في المجلس . فقال في نفسه : من أهجو ، الخليفة أم ابن ~~أخيه ؟ ما أحد أحق بالهجاء مني ، فقال : ألا أبلغ لديك أبا دلامه . . . ~~فلست من الكرام ولا كرامه جمعت دمامة وجمعت لؤما . . . غذاك اللؤم تتبعه ~~الدمامه إذا لبس العمامة قلت قرد . . . وخنزير إذا وضع العمامه فضحك ~~المنصور وأمر له بجائزة . قيل : وأتى أعرابي عبد الله بن طاهر فقال : أيها ~~الأمير اسمع مديحتي . فقال ms223 : لست أنحاش له . قال : فاسمع شعري في نفسي . ~~قال : هات ، فقال : ليس من بخلك أني . . . لم أجد عندك رزقا ذا لجدي ولشؤمي ~~. . . ولحرفي المبقى فجزاك الله خيرا . . . ثم بعدا لي وسحقا فضحك ثم قال : ~~تلطفت في الطلب ، وأمر له بألف دينار . # | محاسن الرجال # مدح أعرابي رجلا فقال : فتى آتاه الله الخير ناشئا فأحسن لبسه وزين نفسه ~~. ومدح أعرابي رجلا فقال : كان والله للأخلاء وصولا وللمال بذولا ، وكان ~~الوفاء بهما عليه كفيلا ، فمن فاضله كان مفضولا . ومدح أعرابي رجلا فقال : ~~هو أكسبهم للمعدوم وآكلهم للمأدوم وأعطاهم للمحروم . PageV01P197 ومدح ~~أعرابي رجلا فقال : ما زلت لأحسن ما يرجى من الإخوان منك راجيا وما زلت ~~لأكثر ما أرجو منك مصدقا . ومدح أعرابي رجلا فقال : كان والله تعبا في طلب ~~المكارم وغير ضال في مصالح طرقها ولا متشاغل عنها بغيرها . ومدح أعرابي ~~رجلا فقال : لسانه أحلى من الشهد وقلبه سجن للحقد . ومدح أعرابي رجلا فقال ~~: ذاك صحيح النسب مستحكم الأدب ، من أي أقطاره أتيته قابلك بكرم فعال وحسن ~~مقال . ومدح أعرابي رجلا فقال : إذا أنبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن ~~بالفروع ، والله يعلم أني لك شاكر ولساني بثنائك ذاكر ، وما يظهر الود ~~السليم إلا من القلب المستقيم . ومدح أعرابي رجلا فقال : كان إذا نزلت به ~~النوائب قام إليها ثم قام بها ولم تقعده علات النفوس عنها . ومدح أعرابي ~~رجلا وفرسا فقال : كان والله طويل العذار أمين العثار ، إذا رأيت صاحبه ~~عليه حسبته بازيا على مرقب معه رمح يقبض به الآجال . ومدح أعرابي رجلا فقال ~~: لا تراه الدهر إلا كأنه لا غنى به عنك وإن كنت إليه أحوج ، وإذا أذنبت ~~غفر وكأنه المذنب ، وإن احتجت إليه أحسن وكأنه المسيء . قال : وقال أعرابي ~~لرجل : أما والله لقد كنت لجاما لأعدائك ما تفل شكيمتاه إذا كبح به الجموح ~~أقعى على رجليه . قال : ولقي أعرابي أعرابيا فقال : كيف وجدت فلانا ؟ قال : ~~وجدته والله رزين الحلم واسع العلم خصيب الجفنة ، إن فاخرته لم يكذب وإن ~~مازحته لم يحفظ . ومدح أعرابي ms224 رجلا فقال : كان يفتح من الرأي أبوابا منسدة ~~ويغسل من العار وجوها مسودة . ومدح أعرابي قوما فقال : أولئك غيوث جدب ~~وليوث حرب ، إن قاتلوا أبلوا وإن أعطوا أغنوا . ومدح أعرابي رجلا فقال : ~~ذاك من شجر لا يجف ثمره وماء لا يخاف كدره . PageV01P198 # | مساوئ الرجال # ذم أعرابي رجلا فقال : يا نطفة الحمار ونزيع الظؤورة وشبيه الأخوال . وذم ~~قوما فقال : إن آل فلان قوم غدر شرابون للخمر ، ثم هذا في نفسه نطفة خمار ~~في رحم صناجة . وذم أعرابي رجلا فقال : يقطع نهاره بالمنى ويتوسد ذراع الهم ~~إذا أمسى . وذم أعرابي رجلا فقال : ما قنع كميا سيفا ولا قرى يوما ضيفا ولا ~~حمدنا له شتاء ولا صيفا . وقال أعرابي لامرأته : أقام الله ناعيك وأشمت ~~عاديك . وذم أعرابي رجلا فقال : عليه كل يوم قسامة من فعله تشهد عليه بفسقه ~~، وشهادات الأفعال أعدل من شهادات الرجال . وذم أعرابي رجلا فقال : تسهر ~~زوجته جوعا إذا نام شبعا ، ولا يخاف عاجل عار ولا آجل نار ، كالبهيمة أكلت ~~ما جمعت ونكحت ما وجدت . وذم أعرابي رجلا فقال : ذاك أعيا ما يكون عند ~~الناس أبلغ ما يكون عند نفسه . ولام أعرابي رجلا فقال : تقطع أخاك لأبيك ~~وأمك ! فقال : إني لأقطع الفاسد من جسدي وهو أقرب إلي من أخي وأعز فقدا منه ~~. وذم أعرابي قوما فقال : يا قوم لا تسكنوا إلى حلاوة ما يجري من القول على ~~ألسنة بني فلان ، وأنتم ترون الدماء تسيل من أفعالهم ، قد جعلوا المعاذير ~~ستورا والعلل حجبا . وذم أعرابي رجلا فقال : إذا سأل ألحف وإذا سئل سوف ، ~~يحسد أن يفضل ويزهد أن يفضل . وذم أعرابي رجلا فقال : يكاد أن يعدي بلؤمه ~~من تسمى باسمه . وذم أعرابي رجلا فقال : تعدو إليه مواكب الضلالة وترجع من ~~عنده بهلاك الأنام ، معدم مما يحب مثر مما يكره . وقال أعرابي لرجل : والله ~~ما جفانكم بعظام ولا أجسامكم بوسام ولا بدت لكم نار ولا طلبتم بثار . ورأى ~~أعرابي رجلا ظلوما يدعو فقال : يا هذا إنما يستجاب لمظلوم أو مؤمن ولست ~~PageV01P199 أحدا ms225 منهما ، أراك تخف عليك الذنوب وتحسن عندك مقابح العيوب . ~~وذم أعرابي رجلا فقال : فلان لا يستحيي من الشر ولا يحب أنه أحب الخبر ، ~~ولا يكون في موضع إلا حرمت فيه الصلاة ، ولو قذف لؤمه على الليل طمس نجومه ~~، ولو أفلتت كلمة سوء لم تصر إلا إليه . وسأل أعرابي رجلا فقال : لقد نزلت ~~بواد غير ممطور وبرجل بك غير مسرور ، فارتحل بندم أو أقم بعدم . وذم آخر ~~رجلا فقال : ما كان عنده فائدة ولا عائدة ولا رأي جميل ولا إكرام الدخيل . ~~وقيل لأعرابي : ما بلغ من سوء خلقك ؟ قال : تبدو لي الحاجة إلى الجار أو ~~الصاحب في بعض الليل فأصبح غضبان عليه أقول كيف لم يعلمها ؟ وذكر أنه تنافر ~~رجلان من بني أسد إلى هرم بن سنان المري في الشر وعنده الحطيئة فقال أحدهما ~~: إني بقيت زمانا وأنا أرى أني شر الناس وألأمهم حتى أتاني هذا فزعم أنه شر ~~مني ، فقال هرم : أخبراني عنكما . فقال أحدهما : لم يمر بي أحد قط إلا ~~اغتبته ولا ائتمنني إلا خنته ولا سألني إلا منعته . وقال الآخر : أما أنا ~~فأبطر الناس في الرخاء وأجبنهم في اللقاء وأقلهم حياء وأمنعهم خباء . فقال ~~هرم : وأبيكما لقد ترددتما في الشر ولكن أخبركما بمن هو شر منكما ! قالا : ~~ما ولدت ذاك النساء ! قال : بلى ، هذا الحطيئة هجا أباه وأمه ونفسه ومن ~~أعطاه ومن أحسن إليه ، فقال لأبيه : لحاك الله ثم لحاك حقا . . . أبا ولحاك ~~من عم وخال فبئس الشيخ أنت على النوادي . . . وبئس الشيخ أنت لدى المعالي ~~جمعت اللؤم لا حياك ربي . . . وأبواب المخازي والضلال وقال لأمه : تنحي ~~فاقعدي مني بعيدا . . . أراح الله منك العالمينا أغربالا إذا استودعت سرا . ~~. . وكانونا على المتحدثينا ألم أوضح لك البغضاء مني . . . ولكن لا إخالك ~~تعلمينا وقال لنفسه : أبت شفتاي اليوم إلا تكلما . . . بشر فما أدري لمن ~~أنا قائله أرى لي وجها شوه الله خلقه . . . فقبح من وجه وقبح حامله وقال ~~لمن أعطاه : سألت فلم تبخل ولم تعط نائلا . . . فسيان لا ذم عليك ولا ms226 حمد ~~PageV01P200 قيل : ولما حضرت الحطيئة الوفاة قيل له : أوص . فقال : الشعر ~~صعب وطويل سلمه . . . إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلت به إلى الحضيض قدمه ~~. . . والشعر لا يسطيعه من يظلمه يريد أن يعربه فيعجمه فقيل له : أوص ~~للمساكين بشيء . فقال : أوصيهم بالمسألة ما عاشوا فإنها تجارة لن تبور . ~~قيل : أوص فقد حضرك أمرك . فقال : مالي للذكور من ولدي دون الإناث . قيل له ~~: إن الله عز وجل لم يأمر بهذا ! قال : لكني آمر به . فقيل له : اعتق غلامك ~~يسارا الأسود . قال : هو مملوك ما دام على ظهر الأرض عبسي . قيل له : من ~~أشعر الناس ؟ فقال : هذا المحجن ما أطمع في خير ، وأومأ إلى لسانه ثم جعل ~~يبكي . فقيل له : ما يبكيك ، أجزعا من الموت يا أبا مليكة ؟ قال : لا ولكن ~~ويل للشعر من رواية السوء ! ثم قال : أبلغوا الشماخ أنه أشعر غطفان على وجه ~~الأرض ، وإن مت فاحملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط . وفي غير هذه ~~الرواية أنه قال : احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط لعلي أن أنجو ~~، ثم أنشأ يقول : لكل جديد لذة غير أنني . . . رأيت جديد الموت غير لذيذ له ~~نكهة ليست بطعم سفرجل . . . ولا طعم تفاح ولا بنبيذ ثم خرجت روحه ، فلما ~~مات قال فيه الشاعر : لا شاعر ألأم من حطيه . . . هجا بنيه وهجا المريه من ~~لؤمه مات على فريه قال : وقيل لمعاوية بن أبي سفيان : من رأيت شر الناس ؟ ~~فقال : علقمة ابن وائل الحضرمي ، قدم على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ~~فأمرني أن أنطلق به إلى منزل رجل من الأنصار أنزله عليه ، فانطلقت معه وهو ~~على ناقته وأنا أمشي في ساعة حارة وليس علي حذاء ، فقلت : احملني يا عم من ~~هذا الحر فإنه ليس علي حذاء . فقال : لست من أرداف الملوك . قلت : أنا ابن ~~أبي سفيان ، قال : قد سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول ذلك . ~~قال فقلت : الق إلي نعليك . قال : لا تقلهما قدماك ، ولكن امش في ظل ms227 ناقتي ~~وكفى لك بذلك شرفا ، وإن الظل لك لكثير . فما مر بي مثل ذلك اليوم . ثم ~~أدرك سلطاني فلم أؤاخذه بذلك بل أجلسته على سريري هذا وقضيت حوائجه . ومنهم ~~دريد بن الصمة بن غزية وكان من المعمرين قال : يا بني أوصيكم بالناس شرا ، ~~لا تتبعوا لهم خيرا ، كلموهم نزرا والحظوهم شزرا ولا تقبلوا لهم عذرا ولا ~~تقيلوهم عثرة ، ثم أنشأ يقول : PageV01P201 يا رب نهب صالح حويته . . . ورب ~~غيل حسن لويته لو كان للدهر بلى أبليته . . . أو كان قرنا واحدا كفيته ~~اليوم يبنى لدريد بيته # | محاسن ذكر التنعم # يضرب المثل بخريم الناعم ، وهو خريم بن عمرو من بني مرة بن عوف ، قيل له ~~الناعم لأنه كان يلبس الخلق في الصيف والجديد في الشتاء . وسأله الحجاج : ~~ما النعمة ؟ قال : الأمن فإني رأيت الخائف لا ينتفع بنفسه ولا بعيشه . قال ~~: زدني . قال : الغنى فإني رأيت الفقير لا ينتفع بعيش . قال : زدني . قال : ~~الصحة فإني رأيت السقيم لا ينتفع بعيش . قال : زدني . قال : الشباب فإني ~~رأيت الشيخ لا ينتفع بعيش . قال : زدني . قال : لا أجد مزيدا . قال : وقال ~~زياد لجلسائه : من أنعم الناس عيشا ؟ قالوا : أمير المؤمنين . قال : هيهات ~~فأين ما يلقى من الرعية ؟ قالوا : فأنت أيها الأمير . قال : فأين ما يرد ~~علي من الثغور والخراج ؟ بل أنعم الناس عيشا شاب له سداد من عيش وحظ من دين ~~وامرأة حسناء رضيها ورضيته لا يعرفنا ولا نعرفه . قال وقال عمرو بن العاص ~~لمعاوية : يا أمير المؤمنين ما بقي من شبابك وتلذذك ؟ قال : والله ما بقي ~~شيء يصيبه الناس من الدنيا إلا وقد أصبته ، أما النساء فلا إرب لي فيهن ولا ~~لهن في ، وأما الطيب فقد شممته حتى ما أبالي به ، وأما الثياب فقد لبست من ~~لينها وجيدها حتى ما أبالي ما ألبس ، فما شيء ألذ عندي من شربة باردة في ~~يوم صائف ونظري إلى بني وبني بني يدرجون حولي ، فأنت يا عمرو ما بقي من ~~لذتك ؟ قال : أرض أغرسها فآكل من ثمرها وأنتفع بغلتها . ثم ms228 التفت معاوية ~~إلى وردان فقال : يا وريد ما بقي من لذتك ؟ قال : صنائع كريمة أعتقدها في ~~أعناق الرجال لا يكافئوني عليها تكون لأعقابي من بعدي . فقال معاوية : تبا ~~لهذا المجلس يغلبنا عليه هذا العبد ! قال : وقال قتيبة بن مسلم لوكيع بن ~~أبي سود : ما السرور ؟ قال : لواء منشور وجلوس على السرير والسلام عليك ~~أيها الأمير . وقال لحضين بن المنذر : ما السرور ؟ قال : امرأة حسناء في ~~دار قوراء وفرس بالفناء . PageV01P202 وقيل لرجل من بني قشير : ما السرور ؟ ~~قال : الأمن والعافية . قال : صدقت . وقد قيل : العيش في سعة الرزق وصحة ~~الجسم وإقبال الزمان وعز السلطان ومعاشرة الإخوان . وقيل : نعيم المتوسطين ~~لون مشبع وكأس مترع وصديق ممتع وغنى مقنع . وقيل : راحة البدن النوم ، ~~وراحة الدار أن تسكن . وقال بعضهم : ليس سرور النفس بالجدة إنما سرورها ~~بالأمل . وقيل لبعضهم : أي الأمور أمتع ؟ قال : الأماني ، وأنشد في ذلك : ~~إذا تمنيت بت الليل مغتبطا . . . إن المنى رأس أموال المفاليس لولا المنى ~~مت من هم ومن جزع . . . إذا تذكرت ما في داخل الكيس وقيل لعبد الله بن ~~الأهتم : ما السرور ؟ قال : رفع الأولياء وحط الأعداء . وقال بعضهم : ~~السرور توقيع نافذ وأمر جائز . وقال عبد الرحمن بن أبي بكر : السرور إدراك ~~الأماني . وقال آخر : السرور معانقة الأحبة والرجوع إلى الكفاية . وقال ~~بعضهم : العيش محادثة الإخوان والانتقال إلى كفاية . وقيل لطرفة : ما ~~السرور ؟ قال : مطعم شهي ومركب وطي وملبس دفي . وقيل للأعشى : ما السرور ؟ ~~فقال : صهباء صافية تمزجها غانية بصوب غادية . وقيل لملك : ما السرور ؟ ~~فقال : حمى ترعاه وعدو تنعاه . وقيل لراهب : ما السرور ؟ قال : الأمان من ~~الوجل إذا انقضت مدة الأجل . وقيل لبعضهم : ما السرور ؟ قال : زوجة وسيمة ~~ونعمة جسيمة . وقيل لمغن : ما السرور ؟ قال : مجلس يقل هذره وعود يصفو وتره ~~وعقول تفهم ما أقول . وقيل لمظلوم : ما السرور ؟ قال : كفاية ووطن وسلامة ~~وسكن . وقيل لوراق : ما السرور ؟ قال : جلود وأوراق وحبر براق وقلم مشاق . ~~وقيل لبعضهم : ما السرور ؟ قال : بنون أغيظ بهم أعدائي ولا تقرع معهم صفائي ms229 ~~. وقيل : لفتاة : ما السرور ؟ فقالت ؟ زوج يملأ قلبي جلالا وعيني جمالا ~~وفنائي جمالا . وقيل لطفيلي : ما السرور ؟ فقال : ندامى تسكن صدورهم وتغلي ~~قدورهم ولا تغلق دورهم . وقيل لقانص : ما السرور ؟ فقال : قوس مأطورة وشرعة ~~مشزورة ونبال مطرورة . وقيل لمحبوس : ما السرور ؟ فقال : فكاك يفجأ وإطلاق ~~لا يرزأ . وقيل للوطي : ما السرور ؟ فقال : شخص ناضر ودرهم حاضر . وقيل ~~لعاشق : ما السرور ؟ فقال : لقية تشفي من الفرقة واعتناق يداوي من الحرقة . ~~PageV01P203 وكان يقال إنه حكي عن الحكماء أن لذة الثوب يوما ولذة المركب ~~جمعة ولذة المرأة شهرا ولذة الضيعة سنة ولذة الدار الأبد . # | الشعر في هذا الفن # أطيب الطيبات قتل الأعادي . . . واحتفال على متون الجياد وأياد تحبو بهن ~~كريما . . . إن عند الكريم تزكو الأيادي ورسول يأتي بوعد حبيب . . . وحبيب ~~يأتي على ميعاد وللخليع : أطيب الطيبات أمر ونهي . . . لا يردان في الأمور ~~الجسام وامتطاء الخيول في كنف الأم . . . ن بغير الإقدام والإحجام وسماع ~~الصهيل في لجب المو . . . كب تحت اللواء والأعلام الموصلي : أطيب الطيبات ~~طيب الزمان . . . وندام المنعمات الغواني واحتساء العقار في غرة الصب . . . ~~ح على شدو ماهرات القيان وأمان من الهموم ومال . . . ليس تفنيه نائبات ~~الزمان # | محاسن الفقر # روي في الحديث أن الفقير الصبور يدخل الجنة قبل الغني الشكور بأربعين ~~عاما . وروي عن أبي الدرداء أنه قال : لأن أموت وعلي أربعة آلاف درهم أنوي ~~قضاءها أحب إلي من أن أترك مثلها حلالا . وقال سلمان الفارسي : قد خشيت أن ~~أكون قد تركت عهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قيل : ولم ذاك ؟ قال : ~~لأنه قال من أراد أن يدخل الجنة فلا يكون زاده من الدنيا إلا كزاد الراكب ، ~~وأنا قد جمعت ما ترون . فقوموا ما عنده فبلغ ثمانية عشر درهما . وكان يقال ~~: من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فعلى الدنيا العفاء . ~~وروي عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه كان من دعائه : اللهم أحيني ~~مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في PageV01P204 زمرة الفقراء ، اللهم اجعل ~~رزق آل محمد كفافا . فسأل ms230 بعضهم : ما الكفاف ؟ فقال : جوع يوم وشبع يوم . ~~وروي أن عيسى بن مريم ، عليه السلام ، كان لا يأوي سقف بيت ، فألجأه المطر ~~ذات ليلة إلى غار ، فدخله فإذا سبع قد سبقه إليه ، فكأن صدره ضاق فأوحى ~~الله عز وجل إليه : يا عيسى ضاق صدرك فوعزتي لأزوجنك أربعة آلاف حوراء ~~ولأولمن عليك ألف عام . قال : وكان الفضيل بن عياض يقول في دعائه : اللهم ~~أجعتني وأجعت عيالي وتركتنا في ظلم الليل بلا مصباح وإنما تفعل هذا ~~بأوليائك فبأي منزلة نلت هذا منك يا رب ؟ # | مساوئ الفقر # قيل : أمر الله عز وجل موسى ، عليه السلام ، فقال : ائت كورة كذا وكذا ، ~~فقال : يا رب إني قتلت منهم نفسا وأنا خائف ، فقال الله جل وعز : إني قد ~~أمت أقرباءه . فصار إليها فأول ما استقبله قرابة للمقتول . فقال : يا رب ~~هذا أخوه ! قال : يا موسى إني جعلته فقيرا والفقير ميت من العقل وعند الناس ~~ميت وعند الحلال والحرام ميت والفقر الموت الأكبر . وقيل : إنه إذا أيسر ~~الفقير ابتلي به ثلاثة : صديقه القديم يجفوه وامرأته يتزوج عليها وداره ~~يهدمها ويبنيها . وكان في الجاهلية رجل حسن الحال وكان بنو عمه وأخواله ~~يختلفون إليه فيعطيهم ويمونهم ويقوم بأمورهم ، ثم اختل أمره فأتاهم فحرموه ~~، فأتى أهله كئيبا ، فقالت له امرأته : ما حالك ؟ فقال : دعيني عنك ، وأنشأ ~~يقول : دعي عنك عذلي ما من العذل أعجب . . . ولا بد حال بعد حال تقلب وكان ~~بنو عمي يقولون مرحبا . . . فلما رأوني مقترا مات مرحب كأن مقلا حين يغدو ~~لحاجة . . . إلى كل من يلقى من الناس مذنب وقال بعضهم : رب مغبوط بميسرة هي ~~داؤه ومرحوم من عدم هو شفاؤه ، والدنيا دول فما كان لك منها أتاك على ضعفك ~~وما كان عليك لم تدفعه بقوتك ، ومن عتب على الدهر طالت معتبته . وقال ~~الأضبط : إرض من الدهر ما أتاك به . . . من قر عينا بعيشه نفعه PageV01P205 ~~قال : وسمع سفيان الثوري قوما يقولون بعضهم لبعض : كيف حالك ؟ فقال : لقد ~~بلغني أن من كان قبلكم كان يكره أن يسأل أخاه ms231 عن حاله إلا من يكون مجمعا ~~على تغيير سوء حاله إذا أخبره . قال : وقال أوس بن حارثة : خير الغنى ~~القنوع وشر الفقر الخضوع . قيل : ومر رجل من الأغنياء برجل من أهل العلم ~~فتحرك له وأكرمه ، فقيل له : هل كانت لك إليه حاجة ؟ قال : لا ولكن ذو ~~المال مهيب ، وقال : فيه الشاعر : أرى كل ذي مال يجل لماله . . . ومن ليس ~~ذا مال يهان ويحقر ويخذله الإخوان إن قل ماله . . . وليس بمحبوب بلى هو ~~يهجر وأقنع بالمال القليل تكرما . . . لأغنى به عما لديك وأصبر وذكروا أن ~~زياد بن أبي سفيان أرق ذات ليلة وهو بالبصرة فبعث إلى غيلان بن خرشة الضبي ~~وسويد بن منجوف السدوسي والأحنف بن قيس السعدي ، فلما توافوا إليه قال : ~~أتدرون فيم بعثت إليكم ؟ إنه كان عندي ثلاثة من دهاقين كسرى يحدثون بما ~~كانت الأكاسرة فيه من ملكها وعظيم شأنها ، فتقاصر إلي ما نحن فيه فبعثت ~~إليكم لتصفوا لي ما كانت العرب فيه من البؤس وشدة الحال لنقنع بما نحن فيه ~~فإن الغنى القناعة . قال غيلان : إن اقتصرت علي دون أصحابي حدثتك . قال : ~~هات . قال : أخبرني عم لي صدوق أنه خرج في سنة أصابت العرب فيها شدة حتى ~~أكلوا القد من القحط واحمر أديم الأرض وآفاق السماء ، قال : فطفت ثلاثا ما ~~أطعم فيهن شيئا إلا ما يأكل بعيري من حشرات الأرض حتى أصابني الميد فشددت ~~على بطني حجرا من الجوع ، فإني لكذلك في جوف الليل إذ دفعت إلى حي عظيم ~~فسلمت . فقالوا : من هذا ؟ قلت : طارق ليل يلتمس القرى . فقالوا : والله ما ~~أبقت لنا هذه السنة قرى ولا فضلا . فقالت امرأة كانت إلى جانب القبة : يا ~~عبد الله دونك القبة العظيمة فإن كان عند أحد خير فعندها . فأممتها فلما ~~دفعت إليها سلمت فقال لي : من هذا ؟ فقلت : طارق ليل يلتمس قرى ، فقال رجل ~~منهم : يا فلان هل عندك قرى ؟ قال : نعم ، قد أبقيت في ضرع فلانة رسلا ~~لطارق ليل . ثم ثار إليها فناداها فانبعثت وتفاجت عن مثل الظبي القنيص ms232 ، ~~فضرب زبونتها ثم حلب في علبة معه حتى علتها رغوة اللبن ، وكل ذلك بمرأى مني ~~ومسمع ، فلقد سمعت الغناء الحذاء فما سمعت شيئا كان أحب إلى مسامعي من صوت ~~شخبها في تلك العلبة ، ثم PageV01P206 أقبل بها يريدني فلما أهويت لآخذها ~~عثر فانكفأت العلبة وذهب ما فيها ، فوالله لقد فقدت الأهل والمال فما أصبت ~~بشر كان أفزع لقلبي ولا أعظم موقعا عندي من انكفاء تلك العلبة على مثل ~~الحال التي كنت فيها ، فلما رآني صاحب القبة ورأى ما بي من شدة الجهد خرج ~~حتى دخل في إبله وهو يقول : صدق أخو بني قيس في قوله : هم يطردون الفقر عن ~~جارهم . . . حتى يرى كالغصن الناضر فأخذ ناقة كوماء فكشف عن عرقوبيها ثم ~~قال : دونك السنام ، فلما وافى الودك بطني وحفوف الماء ولا عهد لي قبل ذلك ~~بشيء منه خررت مغشيا علي ، فوالله ما أيقظني إلا برد السحر . فقال زياد : ~~قطني قد اكتفيت بهذا ، هذا والله غاية الجهد فالحمد لله الذي من علينا ~~بمحمد ، صلى الله عليه وسلم ، وهدانا إلى الإسلام وجعلنا ملوكا . ثم قال : ~~لا أب لشانئك فمن الرجل ؟ فقال : عامر بن الطفيل . فقال أبو علي : والله ~~كان لها ولأمثالها . قال وقال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : لقد رأيتني ~~في الجاهلية وأخية لي وإنا لنرعى ناضحا لأبوينا قد زودتنا أمنا يمنتيها من ~~الهبيد فإذا أسخنت علينا الشمس ألقيت الشملة على أختي وخرجت عريانا أسعى ~~فنظل نرعى ذلك الناضح فنرجع إلى أمنا من الليل وقد صنعت لنا لفيتة من ذلك ~~الهبيد فنتعشى فواخصباه ! قال بعض جلسائه : فوالله لقد حسدته على ذلك . قال ~~: وسئل عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، عن جهد البلاء فقال : قلة المال ~~وكثرة العيال . وكان الفضيل يقول : المال يسود غير السيد ويقوي غير الأيد . ~~وفي كتاب كليلة ودمنة : الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمنا وأساء به ~~الظن من كان يظن به حسنا ، وإن أذنب غيره ظنوه به ، وإن كان لسوء الظن ~~والتهمة موضعا حملوا على ذلك الذي ms233 يفعله غيره ، وأنشد في ذلك : إذا قل مال ~~المرء قل صديقه . . . وأومت إليه بالعيوب الأصابع ولآخر : إذا قل مال المرء ~~قل حياؤه . . . وضاقت عليه أرضه وسماؤه وحار ولا يدري وإن كان حازما . . . ~~أقدامه خير أم وراؤه PageV01P207 إذا قل مال المرء قل حياؤه . . . ولا خير ~~في وجه يقل حياؤه وقيل لأعرابي : ما أشد الأشياء ؟ قال : كبد جائعة تؤدي ~~إلى أمعاء ضيقة . وقيل لأعرابي : لم يقول أهل الحضر باعك الله في الأعراب ؟ ~~قال : لأنا والله نعري جلده ونجيع كبده ونطيل كده . ومما قيل فيه من الشعر ~~: أعظم من فاقة وجوع . . . مقام حر على خضوع فلا ترده ولا ترد ما . . . ~~أنيل بالذل والخشوع واطلب معاشا بقدر قوت . . . وأنت في منزل رفيع لعل دهرا ~~غدا بنحس . . . يعود بالسعد في الرجوع ولآخر : الموت خير للفتى . . . من أن ~~يعيش بغير مال والموت خير للكري . . . م من الضراعة للرجال ولآخر : بخلت ~~وليس البخل مني سجية . . . ولكن رأيت الفقر شر سبيل لموت الفتى خير من ~~البخل للفتى . . . وللبخل خير للفتى من سؤال بخيل لعمرك ما شيء لوجهك قيمة ~~. . . فلا تلق مخلوقا بوجه ذليل ولا تسألن من كان يسأل مرة . . . فللموت ~~خير من سؤال سؤول ولآخر : لاتحسبن الموت موت البلى . . . فإنما الموت سؤال ~~الرجال كلاهما موت ولكن ذا . . . أشد من هذا لذل السؤال ولآخر في معناه : ~~من كان في الدنيا أخا ثروة . . . فنحن من نظارة الدنيا نرمقها من كثب هكذا ~~. . . كأننا لفظ بلا معنى ولآخر : قد أراح الله من غ . . . م شديد وعذاب ~~واسترحنا من عيال . . . وعبيد ودواب PageV01P208 وضياع ونخيل . . . وحصاد ~~وكراب واسترحنا من وقوف . . . لبني الدنيا بباب وقنعنا وأقمنا . . . وحططنا ~~عن ركاب حبذا الوحدة إن كا . . . ن بصيرا بالحساب ولآخر : الحمد لله ليس لي ~~مال . . . ولالخلق علي إفضال الخان بيتي ومشجبي بدني . . . وخادمي والوكيل ~~بقال ولآخر : بقيت ومركبتي البرذون حتى . . . أخف الكيس إغلاء الشعير وصرت ~~إلى البغال فأعجزتني . . . وصرت من البغال إلى الحمير فعزتني الحمير فصرت ~~أمشي . . . أزجي الرجل تزجية الكسير ولآخر : أتراني أرى من الدهر يوما . . ~~. لي ms234 يوما مطية غير رجلي وإذا كنت في جميع فقالوا . . . قربوا للرحيل قربت ~~نعلي حيثما كنت لا أخلف رحلا . . . من رآني فقد رآني ورحلي أبو هفان : يا ~~مولج الليل في النهار . . . صبرا على الذل والصغار كم من حمار له حمار . . ~~. ومن جواد بلا حمار الحمدوني : تسامى الرجال على خيلهم . . . ورجلي من ~~بينهم حافيه فإن كنت حاملنا ربنا . . . وإلا فأرجل بني الزانية قال : وكان ~~أعرابي بالبصرة في بيت فكان إذا خرج استوثق على غلق بابه فيظن جيرانه أن له ~~مالا فقال : ليس إغلاقي لبابي أن لي . . . فيه ما أخشى عليه السرقا إنما ~~أغلقه كي لا يرى . . . سوء حالي من يمر الطرقا ليس لي فيه سوى بارية . . . ~~وبلى أغلقت لبدا خلقا منزل داخله الفقر فلو . . . دخل السارق فيه شرقا ~~PageV01P209 ولآخر : يبيت يراعي النجم من جوع بطنه . . . ويصبح يلقى ضاحكا ~~متبسما ولآخر : وعاقبة الصبر الجميل جميلة . . . وأحسن أخلاق الرجال التفضل ~~ولا عار أن زالت على المرء نعمة . . . ولكن عارا أن يزول التجمل ولآخر : كم ~~من فقير بعد جهد وحاجة . . . هو اليوم محسود وقد كان يرحم ولآخر : قد يكثر ~~المال يوما بعد قلته . . . ويكتسي الغصن بعد اليبس بالورق ولآخر : كم من ~~غني رأيت الفقر أدركه . . . ومن فقير غنيا بعد إقلال ولآخر : كم من غني كان ~~بالمال مثريا . . . هو اليوم مرحوم وقد كان يحسد ولآخر : كم من فتى كان ذا ~~ثروة . . . رمته الحوادث حتى افتقر ولآخر : إذا كان جد المرء في الشيء ~~مقبلا . . . تأتت له الأشياء من كل جانب وإن أدبرت دنياه عنه توعرت . . . ~~عليه وأعيته وجوه المطالب وإن قل مال المرء أقصاه أهله . . . وأعرض عنه كل ~~إلف وصاحب وكذبه الأقوام في كل منطق . . . وإن كان فيه صادقا غير كاذب ~~ولآخر : متى ما يرى الناس الفقير وجاره . . . يقولون هذا عاجز وجليد وليس ~~الغنى والفقر من حيلة الفتى . . . ولكن أحاظ قسمت وجدود وقال عبد الأعلى ~~القاضي : الفقير مرقته سلقة ورداؤه علقة وسمكته شلقة . PageV01P210 ولآخر : ~~من كان ذا مال كثير فلم . . . يقنع فذاك الموسر المقتر الفقر في النفس ms235 ~~وفيها الغنى . . . وفي غنى النفس الغنى الأكبر وكتب بعضهم يستميح بعض ~~الأغنياء : هذا كتاب فتى أزرى الزمان به . . . قد كاد تنفطر الأضلاع من ~~هممه شطت منازله عنه وضعضعه . . . ريب الزمان فأبدى الضعف في كلمه يذري ~~الدموع بعين غير جامدة . . . طورا بدمع ويبكي تارة بدمه أضحى ببابك محزونا ~~له أمل . . . يرجو بجودك أن يفتك من عدمه يا ذا المقدم في الأفعال من كرم . ~~. . أنت المداوي صريع الدهر من سقمه ولآخر : خلق واسع ومال قليل . . . ~~واعتداء من الزمان طويل ما احتيال الفتى بدولة دهر . . . وعليه النائبات ~~تدول كلما رام نهضة أقعدته . . . عائلات من الزمان تعول فيمن أثرى بعد ~~الفقر أنشد لرجل من المحدثين : لئن كنت قد أعطيت خزا تجره . . . تبدلته من ~~فروة وإهاب فلا تعجبن أن تملك الناس إنني . . . أرى أمة قد أدبرت لذهاب ~~ولآخر : تاه على إخوانه بالغنى . . . فصار لا يطرف من كبره أعاده الله إلى ~~حاله . . . فإنه يحسن في فقره ولآخر دعبل : عطاياه تغدو على سابح . . . ~~وطورا على بغلة ندبه فلو خص بالرزق بخل الكرا . . . م ما نال خيطا ولا هدبه ~~ولكنه الرزق ممن يعي . . . ش في رزقه الكلب والكلبه ولآخر : كنت إذ كنت ~~عديما . . . لي خلا ونديما ثم أثريت فأعرض . . . ت ولم ترع قديما صار ما ~~نلت من الما . . . ل لنا ذنبا عظيما PageV01P211 هكذا يفعل بالإخ . . . وان ~~من كان كريما ولآخر : صحبتك إذ أنت لا تصحب . . . وإذ أنت لا غيرك الموكب ~~وإذ أنت تفرح بالزائرين . . . ونفسك نفسك تستحجب وإذ أنت تكثر ذم الزمان . ~~. . ومشيك أضعاف ما تركب فقلت كريم له همة . . . ينال فأدرك ما أطلب فنلت ~~وأقصيتني جانبا . . . كأني ذو عرة أجرب # | محاسن الثقة بالله عز وجل # قيل : خطب سليمان بن عبد الملك فقال : الحمد لله الذي أنقذني من ناره ~~بخلافته . وقال الوليد بن عبد الملك : لأشفعن للحجاج بن يوسف وقرة بن شريك ~~. وقال الحجاج : يقولون مات الحجاج ! فمه ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت ~~! والله ما رضي الله البقاء إلا لأهون خلقه عليه إبليس إذ قال : رب ms236 أنظرني ~~إلى يوم يبعثون . قال : فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم . وقال أبو ~~جعفر المنصور : الحمد لله الذي أجارني بخلافته وأنقذني من النار بها . ~~وحدثنا إبراهيم بن عبد الله رفع الحديث إلى أنس بن مالك قال : دخلنا على ~~فتى من الأنصار وهو ثقيل في مرضه فلم نخرج من عنده حتى قضي عليه ، وإذا ~~عجوز عند رأسه ، فالتفت إليها بعض القوم وقال : استسلمي لأمر الله عز وجل ~~واحتسبي . قالت : أمات ابني ؟ قال : نعم . قالت : أحق ما تقولون ؟ قلنا : ~~نعم . فمدت يدها إلى السماء ثم قالت : اللهم إنك تعلم أني أسلمت لك وهاجرت ~~إلى نبيك محمد ، صلى الله عليه وسلم ، رجاء أن تعينني عند كل شدة ! اللهم ~~فلا تحملني هذه المصيبة اليوم ! فكشف ابنها الثوب الذي سجيناه به عن وجهه ~~وما برحنا حتى طعم وطعمنا معه . وقيل : وبينا عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ~~، يعرض الناس إذا هو برجل معه صبي له . فقال له عمر ، رضي الله عنه : ويحك ~~ما رأيت غرابا أشبه بغراب من هذا بك ! فقال : يا أمير المؤمنين والله ما ~~ولدته أمه إلا وهي ميتة . فاستوى عمر ، رحمه الله ، جالسا وقال : ويحك ~~حدثني ! قال : خرجت في غزاة وأمه حامل به ، فقالت : تخرج وتدعني على هذه ~~الحالة حاملا مثقلا ؟ فقلت : أستودع الله ما في بطنك . PageV01P212 فغبت ثم ~~قدمت وإذا بابي مغلق ، فقلت : ما هذا وما فعلت فلانة ؟ قالوا : ماتت . ~~فذهبت إلى قبرها وكنت عنده ، فلما كان من الليل قعدت مع بني عمي أتحدث وليس ~~يسترنا من البقيع شيء ، فرفعت لي نار بين القبور ، فقلت لبني عمي : ما هذه ~~النار ؟ فقال أحدهم : يا أبا فلان نرى على قبر فلانة كل ليلة نارا ! فقلت : ~~إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله لقد كانت صوامة قوامة عفيفة ، والله ~~لأنبشن قبرها ولأنظرن ما حالها . فأخذت فأسا وأتيت القبر فإذا هو مفتوح ~~والمرأة ميتة وهذا حي يدب حولها ، فنادى مناد : أيها المستودع ربه وديعته ~~خذ وديعتك ، أما إنك لو استودعته أمه لوجدتها ! فأخذته وعاد القبر ms237 كما كان ~~، وهو والله يا أمير المؤمنين هذا . # | مساوئ الثقة # قال : قال عيسى بن مريم ، عليه السلام : يا معشر الحواريين إن ابن آدم ~~خلق في الدنيا في أربعة منازل هو في ثلاثة منها واثق بالله عز وجل وهو في ~~الرابع سيء الظن يخاف خذلان الله عز وجل إياه ، فأما المنزلة الأولى فإنه ~~خلق في بطن أمه خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث : ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ~~، وظلمة المشيمة ، ينزل الله جل وعز عليه رزقه في جوف ظلمة البطن ، فإذا ~~خرج من ظلمة البطن وقع في اللبن لا يخطو إليه بقدم ولا ساق ولا يتناوله بيد ~~ولا ينهض بقوة ويكره عليه إكراها ويوجره إيجارا حتى ينبت عليه عظمه ودمه ~~ولحمه ، فإذا ارتفع من اللبن وقع في المنزلة الثالثة في الطعام بين أبويه ~~يكتسبان عليه من حلال وحرام ، فإن مات أبواه عن غير شيء عطف عليه الناس هذا ~~يطعمه وهذا يسقيه وهذا يؤويه ، فإذا وقع في المنزلة الرابعة واشتد واستوى ~~وكان رجلا خشي أن لا يرزق يثب على الناس يخون أماناتهم ويسرق أمتعتهم ~~ويكابرهم على أموالهم مخافة خذلان الله عز وجل إياه . # | محاسن طلب الرزق # بلغنا عن ابن السماك أنه قال : لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض ~~، وكن اليوم مشغولا بما أنت عنه غدا مسؤول ، وإياك والفضول فإن حسابها طويل ~~. وقال عمرو بن عتبة : من لم يقدمه الحزم أخره العجز . وقال الله تبارك ~~وتعالى : يا ابن آدم احدث لي سفرا أحدث لك رزقا . PageV01P213 وفي بعض ~~الحديث : سافروا تغنموا ، وقال الكميت : ولن يزيح هموم النفس إذ حضرت . . . ~~حاجات مثلك إلا الرحل والجمل وقال الطائي : وطول مقام المرء في الحي مخلق . ~~. . لديباجتيه فاغترب تتجدد فإني رأيت الشمس زيدت محبة . . . إلى الناس إذ ~~ليست عليهم بسرمد وقال بعض الحكماء : لا تدع الحيلة في التماس الرزق بكل ~~مكان فإن الكريم محتال والدني عيال ، وقال : فسر في بلاد الله والتمس الغنى ~~. . . تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا ولا ترض من عيش بدون ولا تنم . . . وكيف ms238 ~~ينام الليل من كان معسرا وتقول العرب : كلب جوال خير من أسد رابض . وتقول ~~أيضا : من غلى دماغه صائفا غلت قدره شاتيا . ووقع عبد الله بن طاهر : من ~~سعى رعى ، ومن لزم المنام رأى الأحلام . وقال الكسروي : أخذ من توقيع ~~أنوشروان بالفارسية هرك روذ خرذ هرك خسيذ خاف وينذ ، وأنشد : كفى حزنا أن ~~النوى قذفت بنا . . . بعيدا وأن الرزق أعيت مذاهبه ولو أننا إذ فرق الدهر ~~بيننا . . . غني واحد منا تمول صاحبه ولكننا من دهرنا في مؤونة . . . ~~يكالبنا طورا وطورا نكالبه ولآخر : إذا المرء لم يبغ المعاش لنفسه . . . ~~شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا وصار على الأذنين كلا وأوشكت . . . صلات ~~ذوي القربى له أن تنكرا ولآخر : ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا . . . من المال ~~يطرح نفسه كل مطرح ليبلغ عذرا أو ينال غنيمة . . . ومبلغ نفس عذرها مثل ~~منجح ولآخر : PageV01P214 وليس الرزق عن طلب حثيث . . . ولكن ألق دلوك في ~~الدلاء تجيء بمثلها يوما ويوما . . . تجيء بحمأة وقليل ماء ولآخر : وقد ~~علمت وعلم المرء ينفعه . . . أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعنيني ~~تطلبه . . . ولو قعدت أتاني لا يعنيني ولآخر : لعمرك ما كل التبطل ضائر . . ~~. ولا كل شغل فيه للمرء منفعه إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى . . . عليك ~~سواء فاغتنم لذة الدعه وإن ضقت فاصبر يفرج الله ما ترى . . . ألا كل ضيق في ~~عواقبه سعه ولآخر : سهل عليك فإن الأمر مقدور . . . وكل مستأنف في اللوح ~~مسطور يأتي القضاء بما فيه لمدته . . . وكل ما لم يكن فيه فمحظور لا تكذبن ~~وخير القول أصدقه . . . إن الحريص على الدنيا لمغرور ولآخر : لا يتعبنك شيء ~~أنت تطلبه . . . وقد تقدمك المقدور والقلم ولآخر : لا تعتبن على العباد ~~فإنما . . . يأتيك رزقك حين يؤذن فيه ولآخر : هي المقادير تجري في أعنتها . ~~. . فاصبر فليس لها صبر على حال يوما تريش خسيس القوم ترفعه . . . دون ~~السماء ويوما تخفض العالي ولآخر : اصبر على زمن جم تلونه . . . فليس من شدة ~~إلا لها فرج تلقاه بالأمس في عمياء مظلمة . . . ويصبح اليوم قد لاحت ms239 له ~~السرج ولآخر : ألا رب راجي حاجة لا ينالها . . . وآخر قد تقضى له وهو آيس ~~PageV01P215 يجول لها هذا وتقضى لغيره . . . فتأتي التي تقضى له وهو جالس ~~ولآخر : أتطلب رزق الله من عند غيره . . . وتصبح من خوف العواقب آمنا وترضى ~~بصراف وإن كان مشركا . . . ضمينا ولا ترضى بربك ضامنا كأنك لم تقنع بما في ~~كتابه . . . فأصبحت مدخول اليقين مباينا ولآخر : إني لأكرم نفسي أن أدنسها ~~. . . بشين عرضي وبذل الوجه للناس والله ضامن رزقي ما حييت وما . . . في ~~ضمن ذي العرش من شك ولا باس إني رأيت سؤال الله مكرمة . . . وفي سؤال سواه ~~أعظم الياس قيل : ووجد في بعض خزائن ملوك العجم لوح من حجارة فيه مكتوب : ~~كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو ، فإن موسى ، عليه السلام ، خرج يقتبس ~~نارا فنودي بالنبوة . وأنشد : ولما أن عييت بما ألاقي . . . وأعيتني ~~المسائل والقروض ذكرت الله لا أرجو سواه . . . ورب العرش ذو فرج عريض ولآخر ~~: يا صاحب الغم إن الغم منقطع . . . أبشر بخير كأن قد فرج الله اليأس يقطع ~~أحيانا بصاحبه . . . لا تيأسن فإن الصانع الله إذا ابتليت فثق بالله وارض ~~به . . . فكاشف الضر والبلوى هو الله ولآخر : كم رأينا من صحيح قد هوى . . ~~. وأخي سقم من السقم خرج لا تكن إن راب أمر آيسا . . . فلعند اليأس يأتيك ~~الفرج ولآخر : وإذا تصبك من الحوادث نكبة . . . فاصبر فكل ضبابة تتكشف # | مساوئ طلب الرزق # لديك الجن : احل وامرر معا ولن تارة واخ . . . شن ورش أنت وانتدب للمعالي ~~PageV01P216 وأغث واستغث بربك في الأز . . . ل إذا جلحت صروف الليالي لا ~~تقف للزمان في منزل الضي . . . م ولا تستكن لرقة حال وأهن نفسك الكريمة ~~للمو . . . ت وقحم بها على الأهوال فلعمري للموت أزين للح . . . ر من الذل ~~ضارعا للرجال أي ماء يدور في وجهك الح . . . ر إذا ما امتهنته بالسؤال ثم ~~لا سيما إذا عصف الده . . . ر بأهل الندى وأهل النوال غاضت المكرمات وانقرض ~~النا . . . س وبادت سحائب الإفضال فقليل من الورى من تراه . . . يرتجى أو ~~يصون عرضا ms240 بمال وكذاك الهلال أول ما يب . . . دو نحيلا في دقة الخلخال ثم ~~يزداد ضوءه فتراه . . . قمرا في السماء غير هلال عاد تدميثك المضاجع للجن . ~~. . ب فعال الخريدة المكسال وادرع يلمق اجتياب دجى اللي . . . ل بطرف مضبر ~~الأوصال عاملي النتاج تطوى له الأر . . . ض إذا ما استعد للأنقال جرشع لاحق ~~الأياطل كالأع . . . فر ضافي السبيب غير مذال واتخذ ظهره من الذل حصنا . . ~~. نعم حصن الكريم في الزلزال لا أحب الفتى أراه إذا ما . . . عضه الدهر ~~جاثما في الضلال مستكينا لذي الغنى خاشع الطر . . . ف ذليل الإدبار ~~والإقبال أين جوب البلاد شرقا وغربا . . . واعتساف السهول والأجبال واعتراض ~~الرقاق يوضع فيها . . . بظباء النجاد والعمال ذهب الناس فاطلب الرزق بالسي ~~. . . ف وإلا فمت شديد الهزال # | محاسن استصلاح المال # روي عن عبد الله بن جعفر قال : بعثني علي بن أبي طالب إلى حكيم بن خزام ~~يسأله سلف ثلاثين ألف درهم ، فأتيته فانطلق بي إلى منزله فوجد في الطريق ~~صوفا فأخذه ومر بقطعة كساء فأخذه فلما صار إلى منزله أعطاني طرف الصوف ~~فجعلت أفتله ويرسل حتى فتلته ، ثم دعا بغرارة مخرقة فرقعها بالكساء وخاطها ~~بالخيط وصير فيها ثلاثين ألف درهم وحملت معي . PageV01P217 قال : وأتى قوم ~~قيس بن سعد بن عبادة يسألونه في حمالة فصادفوه في حائط له يتتبع ما يسقط من ~~الثمر فيعزل جيده عن رديه ويجعل كل صنف منها على حدته ، فهموا أن يرجعوا ~~عنه وقالوا : ما نظن عند هذا خيرا ، ثم عزموا على لقائه فأقاموا حتى فرغ من ~~حائطه فكلموه فأعطاهم . فقال رجل من القوم له : لقد رأيناك تصنع شيئا لا ~~يشبه فعالك ! وأخبروه فقال : إن الذي رأيتم من صنيعي قضيت به حاجتكم . عبد ~~العزيز بن أبان عن هشام الثقفي عن رجل أتى طلحة بن عبيد الله يسأله حمالة ~~فرآه يهنأ بعيرا له فقال : يا غلام أخرج له بدرة . فقبضها ثم قال : أردت أن ~~أنصرف حين رأيتك تهنأ البعير . فقال : إنا لا نضيع الصغير ولا يتعاظمنا ~~الكبير . وكان يقال : من أنفق ولم يحسب عطب ms241 ولم يشعر . وقيل : الإفلاس سوء ~~التدبير . الأصمعي قال : سمعت بعض الهالبيين يقول لبنيه : لا تشتروا الغنم ~~فإنها مال الرقة ولا تشتروا البقر فإنها مال الذلة واشتروا الإبل واقتنوها ~~فإنها رقوء الدم وصدقات الحرائر وسفن البر وفيها قضاء الحقوق ، ولا تتزوجوا ~~المميتات فإنهن يضربن على رؤوسكم من كان قبلكم وتزوجوا المطلقات فإنهن أضعف ~~نفسا وإنكم تضربون على رؤوسهن من كان قبلكم . وقال بعضهم في جمع القليل إلى ~~القليل : رب كبير هاجه صغير . . . وفي البحور تغرق البحور وقال آخر : قد ~~يلحق الصغير بالجليل . . . وإنما القرم من الأفيل وسحق النخل من الفسيل # | محاسن الدين # قيل : قدم رجل مع إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة وهو على قضاء البصرة ~~فأقام أكثر من سنة متعطلا ، فكثر عليه الدين لرجل من أهل البصرة ، فتوعده ~~أن يقدمه إلى القاضي ، فأتى الرجل إسماعيل فأخبره بما تخوفه من حبس الرجل ~~إياه . فقال : إذا قدمك فأقر له بحقه ثم قل أبيع داري وأقضيه ، فإنه سيقول ~~: لا دار لك ، قل فأبيع دابتي وضيعتي ، فإنه سينكر أن يكون لك شيء . ففعل ~~فجرى بينهما ما قاله القاضي . فقال القاضي : قد أقررت أنه لا شيء له ، فكيف ~~أحبسه ؟ ؟ فخل سبيله . PageV01P218 قال : وكان لرجل من التجار صاحب عينة ~~على رجل من الجند مال فخرج عطاء الجندي ولم يقض صاحبه . فأرسل إليه التاجر ~~غلاما يلزمه وعلى الغلام كساء أحمر فلزمه . فجعل الرجل يتلو : ' وإن كان ذو ~~عسرة فنظرة إلى ميسرة ' . والغلام يتلو : ' إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها ' . فلما طال ذلك على الرجل واشتد إلحاح الغلام عليه ~~أتى صاحبه فقال : منع الرقاد فما أغمض ساعة . . . من غم تعذيب الكساء ~~الأحمر يتلو التي فيها الأمانة منهما . . . لؤما وأتلو آية المتيسر فضحك ~~الرجل ووهب له ما كان عليه من دينه . # | مساوئ الدين # قال أبو اليقظان : كان الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب الشاعر يسلف ~~الناس فإذا حل ماله ركب حمارا اسمه شارب الريح فيقف على غرمائه ويقول : بني ~~عمنا ردوا الدراهم إنما . . . يفرق بين ms242 الناس حب الدراهم وكان رجل من بني ~~الدئل عسر القضاء فإذا تعلق به غرماؤه فر منهم وقال : فلو كنت الحديد ~~لكسروني . . . ولكني أشد من الحديد فأقرضه الفضل بن العباس ، فلما كان قبل ~~المحل جاء فبنى معلفا على باب داره ، وكان يقال له عقرب . فلقي كل واحد ~~منهما من صاحبه شدة فهجاه فقال : قد تجرت في سوقنا عقرب . . . يا عجبا ~~للعقرب التاجره قد ضاقت العقرب واستيقنت . . . ليس لها دنيا ولا آخره فإن ~~تعد ترجع بما ساءها . . . وكانت النعل لها حاضره كل عدو يتقى مقبلا . . . ~~وتتقى شرتها دابره إن عدوا كيده في استه . . . لغير ذي كيد ولا بادره قال : ~~وقدم أعرابيان غريما لهما إلى قاض ، فحلف ثم قال : ألم تعلما أني طموح ~~عنانه . . . وأني لا يقضي علي أمير طمست الذي في الصك مني بحلفة . . . ~~سيغفرها الرحمن وهو غفور ولآخر : PageV01P219 أرى الغرماء قد كثروا وضجوا . ~~. . إلى السلطان غير مقصرينا فإن سألوا اليمين فقد ربحنا . . . وإن سألوا ~~الشهود فقد خزينا ولآخر : الدين حقا كاسمه دوي . . . قد يخضع المرء له ~~القوي كم من شريف غاظه غبي # | محاسن إصلاح البدن # قال : جمع الرشيد أربعة من الأطباء : عراقيا وروميا وهنديا وسواديا ، ~~فقال : ليصف كل واحد منهم الدواء الذي لا داء فيه . فقال الرومي : الدواء ~~الذي لا داء فيه حب الرشاد الأبيض . وقال الهندي : الماء الحار . وقال ~~العراقي : الإهليلج الأسود . وكان السوادي أبصرهم فقال له : تكلم . فقال : ~~حب الرشاد يولد الرطوبة والماء الحار يرخي المعدة والإهليلج يرق المعدة . ~~قال : فأنت ما تقول ؟ قال : الدواء الذي لا داء فيه أن تقعد على الطعام ~~وأنت تشتهيه وتقوم عنه وأنت تشتهيه . وقال بعضهم : سألت أسقف فارس فقلت : ~~إنا قوم نغترب ويتغير علينا المياه فصف لنا ما نتعالج به . فقال : دعوا ~~الأدوية وعليكم بالأغذية وما يخرج من الضرع والنحل ، وعليكم بأكل اللحم ~~وشرب ماء الكرم ودخول الحمام ولبس الكتان . وعن الهيثم بن عدي قال : قلت ~~لتياذوق وكان متطبب الحجاج : أوصني بشيء أحفظه عنك فإني مسافر . فقال : لا ~~تنامن حتى تعرض نفسك على ms243 الخلاء ، ولا تذوقن طعاما وفي معدتك طعام ، واتق ~~ما تخرجه النعجة والنحلة ، فإن اعتللت فأنا الضمين إلا علة الموت . وقال ~~سوادة : سألت بختيشوع ما معنى البلغم ؟ فقال : تفسيره بلاء وغم . وقال بعض ~~الفلاسفة : ينبغي للعاقل أن يتقي البرد في أول الشتاء وفي آخره . فقيل له : ~~ففي وسطه ؟ قال : ذاك يتقيه العاقل والأحمق . قيل : وأوصى بعض الحكماء ولده ~~فقال له : إياك أن تسير شبرا من الأرض وأنت حاف ، ولا تذوقن نبتة ولا ~~تشمنها حتى تعرفها ، وإياك وأن تبول في شق الأرض فتخرج منه عليك داهية ، ~~ولا تشرب من فم قربة ولا إداوة حتى يكون الماء معينا ، واحذر مرافقة ~~المعرفة ومن لا PageV01P220 تعرف فلا تصاحبه ، وإياك والسجود على بارية ~~جديدة حتى تمسحها بكمك فرب شظية حقيرة فقأت عينا خطيرة ، ولا تنظرن في بئر ~~عادية ، ولا تشهدن من الحيوان الكبار ما هو في النزع ، واقبل وصيتي ترشد ~~ولا تدعها فتندم . قيل : ودخل أعرابي ذو كدنة على معاوية بن أبي سفيان ~~فأعجبه فقال : يا أعرابي مم هذا السمن ؟ قال : لا آكل حتى أجوع وأستوثق من ~~أطرافي في الشتاء وأغفل غاشية الهجر . وقال بعض الفلاسفة : اخضع للريح ~~خضوعك للملك ، وجاهد البلغم مجاهدة عدوك ، ودار المرة مداراتك صديقك ، ~~وأنزل دمك في السنة مرة أو مرتين ، ورو مشاشتك من ماء لحوم الطير ، وعليك ~~بالشراب الأصفر فإنه حليف الروح . وذكر أبو الحسين محمد بن أحمد بن يحيى بن ~~أبي البغل عن أحمد بن أبي الأضبع وكان كاتبا لأحمد عن يحيى بن ماسويه قال : ~~أكل الفالوذ لصاحب النبيذ عندنا من شر الطب . وقيل : ما من أحد إلا وفيه ~~أربعة عروق : عرق الجذام وعرق البرص وعرق العمى وعرق الجنون ، فإذا تحرك ~~عرق الجذام قمعه الله بالزكام فأذهبه ، وإذا تحرك عرق البرص سلط الله جل ~~وعز عليه الدماميل فأذهبته ، وإذا تحرك عرق الجنون سلط الله عليه البلغم ~~فقطعه ، وإذا تحرك عرق العمى سلط الله عليه الرمد فأذهبه . وقد روي عن ~~النبي ، صلى الله عليه وسلم : لا تكرهوا أربعا لأربع ، لا تكرهوا ms244 الزكام ~~فإنه يقطع عرق الجذام ، وتكرهوا السعال فإنه يقطع عرق الفالج ، ولا تكرهوا ~~الرمد فإنه يقطع عرق العمى ، ولا تكرهوا الدماميل فإنها تقطع عرق البرص . ~~وروي عن علي ، رضي الله عنه ، أنه قال : من ابتدأ غداءه بالملح أذهب الله ~~عنه سبعين نوعا من السوء ، ومن أكل إحدى وعشرين زبيبة حمراء لم ير في جسده ~~شيئا يكرهه ، ومن أكل سبع تمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه ، واللحم ينبت ~~اللحم ، والثريد طعام العرب ، والسواك وقراءة القرآن يذهبان بالبلغم ، ~~والبقر لحومها داء وألبانها دواء وسمنها شفاء ، والسمك يذيب الجسد ، والشحم ~~يخرج مثله من الداء ، ولن يتداوى الناس بمثل السمن ، ولن تستشفي النفساء ~~بمثل الرطب ، والمرء يسعى بجده والسيف يقطع بحده ، ومن أراد البقاء ولابقاء ~~فليباكر الغداء وليخفف الرداء وليقلل من غشيان النساء . وخفة الرداء قلة ~~الدين . قيل : من بات والهندباء في جوفه بات PageV01P221 آمنا من الدبيلة ، ~~ومن بات والفجل في جوفه بات آمنا من البشم ، ومن بات والكرفس في جوفه بات ~~آمنا من وجع الأضراس ، ومن بات والجرجير في جوفه بات وعروق الجذام تتردد في ~~صدره ، ومن بات والكراث في جوفه بات آمنا من البواسير . وقال بعض الفلاسفة ~~: لا ينبغي للعاقل أن يستخف بالقليل من ثلاثة أشياء ، بالقليل من النار ~~والقليل من السلطان والقليل من السقم . وقال أبو هفان : حدثني العباس بن ~~المأمون قال : كنت عند المأمون ذات يوم وعنده الموبذ فسأله : ما أنفع ~~الأشياء ؟ فقال : الاقتصاد في الطعم والشرب فإن كثيره يثقل الجسم ويوهن ~~العلم والفهم ويكدر صفاء البشرة ويفتح الأدواء ويخمد نار المعدة ويمحق شرف ~~صاحبه . فقال المأمون : لو أسلمت يا موبذ ولم أستقضك كنت قد ضيعت حجة الله ~~في أرضه . الحسن بن علي بن زيد قال : سمعت علي بن الجعد يقول : لما قدم ~~بختيشوع الأكبر على أبي جعفر من السوس أمر له بالطعام ، فلما وضع بين يديه ~~الخوان قال : الشرب . قيل له : لا يشرب على مائدة أمير المؤمنين . قال : لا ~~آكل طعاما ليس معه شراب . فأخبر أمير المؤمنين بذلك ms245 ، فقال : دعوه . فلما ~~حضر العشاء فعل به مثل ذلك ، فطلب الشراب ، فقيل له : لا يشرب على مائدة ~~أمير المؤمنين . فتعشى وشرب ماء دجلة . فلما كان الغد نظر إلى مائه فقال : ~~ما كنت أحسب شيئا يجري مجرى الشراب فهذا ماء دجلة يجري مجرى الشراب . يريد ~~في المنفعة أنه مثله . # | مساوئ ما يفسد البدن # قال وقال رجل لعبد الملك بن أبجر : أشتهي أن أمرض . فقال له : كل سمكا ~~مالحا واشرب نبيذا حلوا واقعد في الشمس واستمرض الله عز وجل فإن لم تمرض ~~فأنت حمار . # | محاسن الندامة # روي عن عائشة ، رضي الله عنه ، أنها دخلت على أم سلمة بعد رجوعها من وقعة ~~الجمل وقد كانت أم سلمة حلفت أن لا تكلمها أبدا من أجل مسيرها إلى محاربة ~~علي بن أبي طالب ، فقالت عائشة : السلام عليك يا أم المؤمنين ! فقالت : يا ~~حائط ألم أنهك ؟ ألم أقل لك ؟ قالت عائشة : فإني أستغفر الله وأتوب إليه . ~~كلميني يا أمر المؤمنين ، قالت : يا حائط ألم أقل لك ؟ ألم أنهك ؟ فلم ~~تكلمها حتى ماتت ، وقامت عائشة وهي تبكي وتقول : وا أسفاه على ما فرط مني . ~~PageV01P222 قيل : وسئلت عائشة ، رضي الله عنه ، عن أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب ، رضي الله عنه ، فقالت : وما عسيت أن أقول فيه وهو أحب الناس إلى ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ لقد رأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ~~، قد جمع شملته على علي وفاطمة والحسن والحسين وقال : هؤلاء أهل بيتي اللهم ~~أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . قيل لها : فكيف سرت إليه ؟ قالت : أنا ~~نادمة ! وكان ذلك قدرا مقدورا . وعن جميع بن عمير قال : قلت لعائشة حدثيني ~~عن علي ، رضي الله عنه ، فقالت : تسألني عن رجل سالت نفس رسول الله ، صلى ~~الله عليه وسلم ، في يده وولي غسله وتغميضه وإدخاله قبره ، قلت : فما حملك ~~على ما كان منك ؟ فأرسلت خمارها على وجهها وبكت وقالت : أمر كان قضي علي . ~~قال : وقال ابن المعافى لأبي مسلم صاحب الدولة : أيها الأمير لقد قمت بأمر ~~لا ms246 يقصر بك ثوابه عن الجنة في إقامة دولة بني العباس ، فقال : خوفي من ~~النار والله أولى من الطمع في الجنة ، إني أطفيت من أمية جمرة وألهبت من ~~بني العباس نيرانا ، فإن أفرح بالإطفاء فوا حزنا من الإلهاب ! وحدث أبو ~~نملة عن أبيه قال : سمعت أبا مسلم بعرفات في الموقف يقول باكيا : اللهم إني ~~تائب إليك مما لا أظن أن تغفره لي ، فقلت : أيها الأمير أيعظم على الله عز ~~وجل غفران ذنب ؟ فقال : إني نسجت ثوبا من الظلم لا يبلى ما دامت الدولة ~~لبني العباس ، فكم من صارخ وصارخة تلعنني عند تفاقم هذا الأمر ، فكيف يغفر ~~الله عز وجل لمن هذا الخلق خصماؤه ؟ قيل : ولما سخط عليه المنصور ووكل به ~~شهرام المروزي قال له يوما : الويل لك من الخليفة المنصور ! فقال : الويل ~~لي من ربي ، وأين يقع ويل ساعة من عذاب الأبد ؟ # | مساوئ الندامة # قال : وإلى الكسعي يضرب المثل في الندامة وذلك أنه كان يرعى إبلا له بواد ~~كثير العشب ، فبينا هو كذلك إذ بصر بنبعة في صخرة فأعجبته ، فقال : ينبغي ~~أن تكون هذه قوسا ، فجعل يتعهدها حتى إذا أدركت قطعها وجففها واتخذ منها ~~قوسان فأنشأ يقول : | PageV01P223 يا رب وفقني لنحت قوسي . . . فإنها من ~~لذتي لنفسي وانفع بقوسي ولدي وعرسي . . . أنحتها صفراء مثل الورس صلباء ~~ليست كقسي النكس ثم دهنها وخطمها بوتر ثم عمد إلى ما كان من برايتها فجعل ~~منه خمسة أسهم فجعل يقلبها في كفه ويقول : هن وربي أسهم حسان . . . يلذ ~~للرامي بها البنان كأنها قومها الميزان . . . فأبشروا بالخصب يا صبيان إن ~~لم يعقني الشؤم والحرمان ثم خرج حتى أتى موارد حمر الوحش فكمن فيها فمر ~~قطيع منها فرمى عيرا فأمخطه السهم حتى جازه وأصاب الجبل فأورى نارا فظن أنه ~~أخطأ فقال : أعوذ بالله العزيز الرحمن . . . من نكد الجد معا والحرمان ما ~~لي رأيت السهم بين الصوان . . . يوري شرارا مثل لون العقيان فأخلف اليوم ~~رجاء الصبيان ثم مكث على حاله فمر به قطيع آخر فرمى عيرا منها فأمخطه السهم ms247 ~~فصنع صنيع الأول فقال : لا بارك الله الرحمن في رمي القتر . . . أعوذ ~~بالرحمن من سوء القدر أأمخط السهم لإرهاق الضرر . . . أم ذاك من سوء احتيال ~~ونظر ثم مكث على حاله فمر به قطيع آخر فرمى عيرا منها فأمخطه السهم فقال : ~~ما بال سهمي يوقد الحباحبا . . . قد كنت أرجو أن يكون صائبا وأمكن العير ~~وأبدى جانبا . . . فصار رأيي فيه رأيا خائبا ومكث مكانه فمر به قطيع آخر ~~فرمى عيرا منها فأصرد السهم فصنع صنيع الأول فقال : أبعد خمس قد حفظت عدها ~~. . . أحمل قوسي وأريد ردها أخزى الله لينها وشدها . . . والله لا تسلم ~~عندي بعدها ولا أرجي ما حييت رفدها ثم عمد إلى القوس فضرب بها حجرا فكسرها ~~ثم بات ، فلما أصبح إذا الحمر مطرحة حوله واسهمه مضرجة بالدم ، فندم على ~~كسر قوسه وشد على إبهامه فقطعها ، وأنشأ يقول : ندمت ندامة لو أن نفسي . . ~~. تطاوعني إذا لقطعت خمسي تبين لي سفاه الرأي مني . . . لعمر أبيك حين كسرت ~~قوسي PageV01P224 وقال الفرزدق : ندمت ندامة الكسعي لما . . . غدت مني ~~مطلقة نوار وكانت جنتي فخرجت منها . . . كآدم حين لج به الضرار ومنه ما قيل ~~في خفي حنين وكان حنين إسكافا من الحيرة فساومه أعرابي بخفيه واختلفا في ~~ذلك حتى أغضبه فأراد أن يغيظ الأعرابي ، فلما ارتحل أخذ حنين الخفين فألقى ~~أحدهما على الطريق وألقى الآخر في موضع آخر من طريقه ، فلما مر الأعرابي ~~رأى أحدهما فقال : ما أشبه هذا بخف حنين ولو كان معه أخوه نزلت فأخذته ، ~~ومضى ، فلما انتهى إلى الآخر ندم على ترك الأول وأناخ راحلته فأخذه ورجع ~~إلى الأول . وقد كمن له حنين فعمد إلى راحلته فذهب بها وما عليها ، وأقبل ~~الأعرابي وليس معه إلا الخفان ، فقال له قومه : ما الذي أتيت به ؟ قال : ~~أتيت بخفي حنين ، فضربته العرب مثلا . و قال الشاعر في مثله : لتقرعن علي ~~السن من ندم . . . إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي # | محاسن الحنين إلى الوطن # قال الله تبارك وتعالى : ' ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو ~~اخرجوا من ms248 دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ' ، فقرن جل ذكره الجلاء عن الوطن ~~بالقتل ، وقال جل وتعالى : ' وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ~~ديارنا وأبنائنا ' ، فجعل القتال ثأرا للجلاء . وقال النبي ، صلى الله عليه ~~وسلم : الخروج عن الوطن عقوبة . وقال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : لولا ~~حب الوطن لخرب بلد السوء . وكان يقال : بحب الأوطان عمرت البلدان . وقال ~~جالينوس : يتروح العليل بنسيم أرضه كما تتروح الأرض الجدبة ببلل المطر . ~~وقال بقراط : يداوى كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تنزع إلى غذائها . ~~ومما يؤكد ذلك قول أعرابي وقد مرض بالحضرة فقال له قائل : ما تشتهي ؟ قال : ~~محضا رويا وضبا مشويا . وحدث عن بعض بني هاشم قال : قلت لأعرابي : من أين ~~أقبلت ؟ قال : من هذه البادية ! قلت : وأين تسكن منها ؟ فقال : مساقط الحمى ~~حمى ضرية لعمر الله ما نريد بها بدلا ولا نبغي عنها حولا نفحتها العذاوات ~~وحفتها الفلوات فلا يعلولج ترابها ولا يتمعر جنابها ولا يملولح ماؤها ، ليس ~~بها أذى ولا قذى ولا موم ، فنحن فيها بأرفه عيش وأنعم معيشة وأرغد نعمة . ~~PageV01P225 قلت : فما طعامكم ؟ قال : بخ بخ عيشنا عيش تعلل جاذبه وطعامنا ~~أطيب طعام وأهنأه وأمرأه الفث والهبيد والصليب والعنكث والعلهز والذآنين ~~والينمة والعراجين والحسلة والضباب واليرابيع والقنافذ والحيات وربتما ~~والله أكلنا القد واشتوينا الجلد فما نعلم أحدا أخصب منا عيشا ولا أرخى ~~بالا ولا أعمر حالا ، أوما سمعت قول شاعر وكان والله بصيرا برقيق العيش ~~ولذيذه ؟ قلت : وما قال ؟ قال قوله : إذا ما أصبنا كل يوم مذيقة . . . وخمس ~~تميرات صغار كوانز فنحن ملوك الناس خصبا ونعمة . . . ونحن أسود الناس عند ~~الهزاهز وكم متمن عيشنا لا يناله . . . ولو ناله أضحى به حق فائز فالحمد ~~لله على ما بسط من حسن الدعه ورزق من السعة وإياه نسأل تمام النعمة . وقيل ~~لأعرابي : كيف تصنع بالبادية إذا انتصف النهار وانتعل كل شيء ظله ؟ فقال : ~~وهل العيش إلا ذاك ؟ يمشي أحدنا ميلا فيرفض عرقا كأنه الجمان ، ثم ينصب ~~عصاه ويلقي ms249 عليها كساءه وتقبل عليه الرياح من كل جانب فكأنه في إيوان كسرى ~~. # | ذكر من اختار الوطن على الثروة # - قال بعض الأدباء : عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك . وقيل لأعرابي : ~~ما الغبطة ؟ قال : الكفاية ولزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان . قيل : فما ~~الذلة ؟ قال : التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان . وقال بعض الأدباء : ~~الغربة ذلة فإن ردفتها علة وإن أعقبتها قلة فتلك نفس مضمحلة . وقالت العرب ~~: الغربة ذلة والذلة قلة . وقال آخر : لا تنهض عن وكرك فتنقصك الغربة ~~وتضيمك الوحدة . وشبهت العرب والحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ثكل ~~أبويه فلا أم ترأم له ولا PageV01P226 أب يحدب عليه . وكان يقال : الجالي ~~عن مسقط رأسه كالعير الناشز عن موضعه الذي هو لكل سبع فريسة ولكل كلب قنيصة ~~ولكل رام رمية . وكان يقال : الغريب عن وطنه ومحل رضاعه كالغرس الذي زايل ~~أرضه وفقد شربه فهو ذاو لا يثمر وذابل لا ينضر ، وأنشد : ومغترب بالمرج ~~يبكي لشجوه . . . وقد غاب عنه المسعدون على الحب إذا ما أتاه الركب من نحو ~~أرضه . . . تنفس يستشفي برائحة الركب ولآخر : إذا ما ذكرت الثغر فاضت ~~مدامعي . . . وأضحى فؤادي نهبة للهماهم حنينا إلى أرض بها اخضر شاربي . . . ~~وحلت بها عني عقود التمائم وألطف قوم بالفتى أهل أرضه . . . وأرعاهم للمرء ~~حق التقادم ولآخر : أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي . . . خيام بنجد دونها الطرف ~~يقصر وما نظري من نحو نجد بنافعي . . . أجل لا ولكني على ذاك أنظر أفي كل ~~يوم نظرة ثم عبرة . . . لعينيك يجري ماؤها يتحدر متى يستريح القلب ؟ إما ~~مجاور . . . حزين وإما نازح يتذكر الطائي : نقل فؤادك حيث شئت من الهوى . . ~~. ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى . . . وحنينه ~~أبدا لأول منزل # | مساوئ من كره الوطن # قال بعض الفلاسفة : اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تكسبوا مالا غنمتم ~~عقلا كثيرا . وقال آخر : لا يألف الوطن إلا ضيق العطن . وقيل لآخر : ما ~~أصبرك على الغربة ! فقال : انست بالنوائب حتى ما أعرف غيرها وغذيت بالمكاره ~~فما أجد ضيرها ms250 . ومدح أعرابي رجلا فقال : خرجته الغربة ودربته التجربة ~~وضرسته النوائب . PageV01P227 وقال آخر : ما حن أحد إلى بلد لا جمع فيه ~~شمله إلا لوصمة في عقله ولا تنزع نفسه إلى بلد قل به رفده إلا لاستيلاء ~~الموق عليه . وقيل لآخر : ما العيش ؟ فقال : دوران البلدان ولقاء الإخوان ~~ومغازلة القيان واستماع الأغاني والنغمات من الزير والمثاني . وقد قيل : من ~~صبر على الغربة أمن من الكربة ، وأفضل العدة الصبر على الشدة . وقالوا : لا ~~توحشنك الغربة إذا أنست بالكفاية ، ولا تجزع لفراق الأهل مع لقاء اليسار . ~~وقيل الفقير في الأهل مصروم والغني في الغربة موصول . وقيل : أوحش قومك ما ~~كان في إيحاشهم انسك واهجر وطنك ما نبت عنه نفسك . وقريء على باب خان ~~بطرسوس : ما من غريب وإن أبدى تجلده . . . إلا تذكر عند الغربة الوطنا ~~الطائي : لا يمنعنك خفض العيش تطلبه . . . نزاع شوق إلى أهل وأوطان تلقى ~~بكل بلاد إن حللت بها . . . أهلا بأهل وجيرانا بجيران ولآخر : نبت بك الدار ~~فسر آمنا . . . فللفتى حيث انتهى دار وروي عن كعب بن مالك أنه وصف وحشة ~~المدينة لغيبة النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : تنكرت البلاد فما هي ~~بالبلاد التي نعرف ، وتنكر الناس فما هم بالناس الذين نعرف . وفي معناه قال ~~الشاعر : فما الناس بالناس الذين عهدتهم . . . ولا الدار بالدار التي كنت ~~أعرف وأنشد : لا تقنعن ومطلب لك ممكن . . . فإذا تضايقت المطالب فاقنع وقال ~~آخر : كم المقام وكم تعتادك العلل . . . ما ضاقت الأرض في الدنيا ولا السبل ~~إن كنت تعلم أن الأرض واسعة . . . فيها لغيرك مرتاد ومرتحل PageV01P228 ~~فارحل فإن بلاد الله ما خلقت . . . إلا ليسلك منها السهل والجبل الله قد ~~عود الحسنى فما برحت . . . عندي له نعم تثري وتتصل إن صاق بي بلد هيا له ~~عوضا . . . وإن نأى منزل بي كان لي بدل وإن تغير لي عن وده رجل . . . أصفى ~~المودة لي من بعده رجل لم يقطع الله لي من صاحب أملا . . . إلا تجدد لي من ~~بعده أمل لا تمتهن أبدا خديك من طمع . . . فما لوجهك ms251 نور حين يبتذل وابغ ~~المكاسب من أزكى مطالبها . . . من حيث تحمل حتى ينفد الأجل ولآخر : إذا ما ~~أطال المرء مكثا ببلدة . . . تقعبه من بعد حدته نكس ولو أن هذي الشمس دام ~~طلوعها . . . أو البدر لم يحبب ولا حبت الشمس فجل طالبا للرزق في الأرض ~~واغترب . . . ففي كل أرض للفتى الأكل واللبس ولآخر : وإذا الديار تنكرت عن ~~أهلها . . . فدع الديار وأسرع التحويلا ليس المقام عليك حتما واجبا . . . ~~في بلدة تدع العزيز ذليلا ولآخر : إذا خفت من دار هوانا فإنما . . . ينجيك ~~من دار الهوان اجتنابها ولآخر : اصبر على حدث الزمان فإنما . . . فرج ~~الحوادث مثل حل عقال وإذا رأيت من ابن عمك جفوة . . . فاشدد يديك بعاجل ~~الترحال إن المقام على الهوان مذلة . . . والعجز آفة حيلة المحتال وقد قيل ~~: في حب الوطن : أحق البلدان بنزعك إليه بلد امصك حلب رضاعه . وقيل : احفظ ~~بلدا أرشحك غذاؤه ، وارع حمى أكنك فناؤه . وقيل : لا تشكون بلدا فيه قبائلك ~~ولا أرضا فيها قوابلك . وقيل : من علامة الرشد أن تكون النفس إلى أوطانها ~~مشتاقة وإلى مولدها تواقة . قيل : ولما خرج الرشيد إلى خراسان وصار بعقبة ~~همذان أنشأ يقول : PageV01P229 حتى متى أنا في حل وترحال . . . وطول هم ~~بإدبار وإقبال ونازح الدار لا ينفك مغتربا . . . عن الأحبة لا يدرون ما ~~حالي في مشرق الأرض طورا ثم مغربها . . . لا يخطر الموت من حرصي على بالي ~~ولو قنعت أتاني الرزق في دعة . . . إن القنوع الغنى لا كثرة المال وذكروا ~~أن أبا دلف لما ولي الشام طال مقامه فحن إلى وطنه فكتب لى يزيد بن مخش : ~~أيزيد طالت غربة ومقام . . . وبكا فأسعده البكاء حمام أيزيد هل من مطمع في ~~أوبة . . . لمتيم طالت به الأيام لعب الفراق بنومه فأفاته . . . طيب الكرى ~~فدموعه تسجام ما نام عنه وإن رقدتم شوقه . . . والشوق يسري والعيون نيام ~~والشوق ألزمه البكاء فنفسه . . . حرى وأذبل جسمه التهمام يا طائفا أهدى ~~السلام إلى فتى . . . تهدي إلي سلامك الأحلام أنى وكيف ينام صب هائم . . . ~~أفضت إليه بسره الأقلام يا جانب الأهواز جادك وابل ms252 . . . وسقاك من ديم ~~الربيع رهام كم فيك من شجن ومأنس وحشة . . . ومحبب تشفى به الأسقام فلئن ~~أحلكما الزمان ببلدة من دونها القفرات والآكام وشواهق تزع السحاب شوامخ . . ~~. ليست وإن دأب المطي ترام . . . . أرى الأيام تجمع بيننا . . . والدهر فيه ~~مسرة وغرام أيزيد ساعدك الزمان وخاننا . . . والدهر ليس لحالتيه دوام تمسي ~~ضجيع خريدة ومضاجعي . . . عضب حديد الشفرتين حسام وتجر أذيال النعيم مرفلا ~~. . . وأظل يكسوني الشحوب قتام متسربلا حلق الحديد يحفني . . . لجب يضيق به ~~الفضاء لهام من كل أشعث في الحديد مقنع . . . ذرب الحسام كأنه ضرغام والحرب ~~حرفتنا وليست حرفة . . . إلا لمن هو في الوغى مقدام نعري السيوف فلا تزال ~~عرية . . . حتى تكون جفونهن الهام ما للزمان اعتاقنا من بينكم . . . فجرت ~~علينا للزمان سهام يا ليته إذ لم يدم إحسانه . . . أن لا يكون لما أساء ~~دوام PageV01P230 فبلغ شعره المأمون فقال : حن القاسم بن عيسى إلى وطنه ، ~~فأمره بالانصراف . قال الأصمعي : قدم سعيد بن صمصم على الحسن بن سهل فأنشده ~~القصيدة يصف فيها حنينه إلى سوء حاله بالبادية ويستميحه : سقيا لحي باللوى ~~عهدتهم . . . منذ زمان ثم هذا ربعهم عهدتهم والعيش فيه غرة . . . ولم يناو ~~الحدثان شعبهم ولم يبينوا لنوى قذافة . . . تقطع حبلي من وصال حبلهم فليت ~~شعري هل لهم من مطلب . . . أو أجدن ذات يوم بدلهم أو يعذرن بالبكاء إن بكى ~~. . . صب معنى مستحق إثرهم مكلف بالشوق لا ينساهم . . . يمنحهم ودا ويرعى ~~عهدهم وينذر النذور إن رآهم . . . وعاد يوما عيشه وعيشهم ولا رب العرش لا ~~يلقاهم . . . ولا يعود عيده وعيدهم وكيف يلقاهم كبير سنه . . . وقد مضى ~~الدهر وطاح نجمهم هيهات عد النفس عن ذكراهم . . . واقصد لنحو آخرين غيرهم ~~هذا وقد رأيتني فلم ألم . . . رأيي إذا لام الرجال رأيهم أدعو ابن سهل حسنا ~~ومجده . . . حين تعيا بعيالي أمرهم أظل أدعو باسمه ودونه . . . قوم كثير ~~رغبة تركتهم تخيرا إخترته عليهم . . . ولا بهم بأس ولا ذممتهم ناموا فلما ~~أن رأيت نومهم . . . عني تحملت فما أيقظتهم يا ابن كرام كابرا عن كابر . . ~~. زانوك زينا باقيا وزنتهم كانوا هم ms253 الأشراف سادوا كلهم . . . ما في جميع ~~العالمين مثلهم بنوا جميع المجد فيما قد مضى . . . وأنت تبنيه كذاك بعدهم ~~في شرف مؤيد أركانه . . . لم يبنه بان سواهم قبلهم فيا ابن سهل وابن آباء ~~له . . . كانوا مناجيب قديما فضلهم والله ما تصبح بين معشر . . . إلا وأنت ~~شمسهم وبدرهم والناس آخاذ وماء ناقع . . . وغدر تجري وأنت بحرهم والناس ~~أجناس كما قد مثلوا . . . وفيهم الخير وأنت خيرهم حاشا أمير المؤمنين إنه . ~~. . خليفة الله وأنت صهرهم إليك أشكو صبية وأمهم . . . لا يشبعون وأبوهم ~~مثلهم PageV01P231 قد أكلوا الوحش فلم يشبعهم . . . وشربوا الماء فطال ~~شربهم وامتذقوا المذاق فيا دنياهم . . . والمضغ إن نالوه فهو حسهم لا ~~يعرفون الخير إلا ذكره . . . والدهر هيهات فليس عندهم وما رأوا فاكهة في ~~عيصها . . . ولا رأوها وهي تهوي نحوهم وما لهم من كاسب علمته . . . على ~~جديد الأرض غير جحشهم وجحشهم قد بات منهوي القرى . . . ومثل أعواد الشكاعى ~~كلبهم كأنني فيهم وإن وليتهم . . . كانوا موالي وكنت عبدهم مجتهدا بالنصر ~~لا آلوهم . . . أدعو لهم يا رب سلم أمرهم وتارة أقول مما قد أرى . . . يا ~~رب باعدهم وباعد دارهم يأوون بالليل إذا ما أحرجوا . . . وهي إلى ذرى ~~اللهيم وهي قدرهم بها يطوفون إذا ما اجرنثموا . . . وهي أبوهم عندهم وأمهم ~~زغب الرؤوس قرعت هاماتهم . . . من البلاء وأسمأد سمعهم بل لو تراهم لعلمت ~~أنهم . . . قوم مساغيب قليل نومهم وكالسعالي في مسوكها . . . . . . فلو ~~يعضون لذكى سمهم قد جرسوا الدهر وقد بلاهم . . . هذا وهذا دأبه ودأبهم ولا ~~يعيشون بعيش سابغ . . . ولا يموتون وذاك قصرهم وقد رجونا يا ابن سهل نائلا ~~. . . منك يرم فقرهم وبؤسهم فإنما أنت حيا أمثالهم . . . فجد لهم بنائل لا ~~تنسهم وأسد نعماك إليهم واتخذ . . . حمدا وشكرا كل ذاك عندهم هذا وأنت قد ~~حرمت حظهم . . . فلا تجودن لخلق بعدهم فقال له الحسن : سل ما شئت وتمن ما ~~أحببت ، فلو خرجت إليك من ملكي كله ما كافأتك . فقال : تشتري لي غنيمات ~~وتردني إلى البادية . فقال : نحن إلى مكان تصفه بهذه الصفة . قال : الوطن ~~الوطن . فاشترى له ألف شاة وأعطاه ms254 عشرين ألف درهم ورده إلى وطنه . ومما قيل ~~فيمن كره الغربة قال ابن أبي السرج : قرأت على حائط خان بالأهواز : إن ~~الغريب ولو يكون ببلدة . . . يجبى إليه خراجها لغريب وأقل ما يلقى الغريب ~~من الأذى . . . أن يستذل وقوله مكذوب PageV01P232 قال : وقرأت على حائط خان ~~بعسكر مكرم من الأهواز : إن الغريب إذا ينادي موجعا . . . عند الشدائد كان ~~غير مجاب فإذا نظرت إلى الغريب فكن به . . . متراحما لتباعد الأحباب قال : ~~وقرأت على حائط خان ببغداد في الجانب الغربي : غريب الدار ليس له صديق . . ~~. جميع سؤاله كيف الطريق تعلق بالسؤال بكل شيء . . . كما يتعلق الرجل ~~الغريق فلا تجزع فكل فتى ستأتي . . . على حالاته سعة وضيق قال : ووجدت على ~~باب مكتوبا : عليك سلام الله يا خير منزل . . . رحلنا وخلفناك غير ذميم فإن ~~تكن الأيام فرقن بيننا . . . فما أحد من ريبها بسليم وأنشد : أقمنا مكرهين ~~بها فلما . . . ألفناها خرجنا مكرهينا وما حب البلاد بنا ولكن . . . أمر ~~العيش فرقة من هوينا ولآخر : أقمت بأرضكم بالكره مني . . . فلما طاب لي ~~فيها المقيل وأوطنت البلاد وحن قلبي . . . بغزلان بها أزف الرحيل ولآخر : ~~وإن اغتراب المرء من غير فاقة . . . ولا حاجة يسمو لها لعجيب فحسب الفتى ~~بخسا وإن أدرك الغنى . . . ونال ثراء أن يقال غريب ولآخر : أي سرور لعيش ~~مغترب . . . فرد وحيد نأى عن الوطن لا تطمع النفس في هواه ولا . . . يكحل ~~عينا بمنظر حسن ولآخر : سل الله الإياب من المغيب . . . فكم قد رد مثلك من ~~غريب وسل الحزن عنك بحسن ظن . . . ولا تيأس من الفرج القريب ولآخر : تصبر ~~ولا تعجل وقيت من الردى . . . لعل إياب الظاعنين قريب PageV01P233 فقلت وفي ~~قلبي جوى لفراقها . . . ألا لا تعزيني فلست أجيب أعاذل حبي للغريب سجية . . ~~. وكل غريب للغريب حبيب لئن قلت لم أجزع من البين إن مضوا . . . لطيتهم إني ~~إذا لكذوب بلى غبرات الشوق أضرمت الحشا . . . ففاضت لها من مقلتي غروب ~~ولآخر : إذا اغترب الكريم رأى أمورا . . . محجلة يشيب لها الوليد قال أبو ~~الحسين محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل ms255 : أنشد أبو العباس أحمد بن يحيى ~~ثعلب : ما كنت أحسب أن يكو . . . ن كذا تفرقنا سريعا بخل الزمان علي أن . . ~~. نبقى كما كنا جميعا فأحلني في بلدة . . . وأحلك البلد الشسيعا قد كنت ~~أنتظر الوصا . . . ل فصرت أنتظر الرجوعا ولآخر : إلفان كانا لهذا الحب قد ~~خلقا . . . داما عليه فتم الوصل واتفقا كنا كغصنين في عود فغالهما . . . ~~ريب الزمان وصرف الدهر فافترقا فاصفر عودهما من بعد خضرته . . . وأسقط ~~البين من عوديهما الورقا ولآخر : أتظعن والذي تهوى مقيم . . . لعمرك إن ذا ~~خطب عظيم إذا ما كنت للحدثان عونا . . . عليك وللفراق فمن تلوم ولآخر : لقد ~~شفني أني أدور ببلدة . . . أخلاي منها نازحون بعيد أقلب طرفي في البلاد فلا ~~أرى . . . وجوه أخلاي الذين أريد ولآخر : قف بالمنازل وقفة المشتاق . . . ~~واسفح بها من دمعك المهراق لا تبخلن على الديار بأدمع . . . يجرين بين ~~محاجر ومآقي تلك الديار كما عهدت عميرة . . . لكنها صفر من الطراق لم يبقها ~~أمد تقادم عهده . . . فالدمع ينطق والرسوم بواقي لهفي على زمن مضت أيامه . ~~. . والعيش غض مورق الأوراق PageV01P234 أيامنا ما كانت إلا خلسة . . . كسف ~~الهلال عراه وجه محاق أو نظرة من خائف لم ينجه . . . خوف الحذار وشدة ~~الإشفاق وكذاك أيام السرور قصيرة . . . لكن أيام البلاء بواقي كيف اللقاء ~~وقد تطاوحت النوى . . . شتان بين مشائم وعراق يا ليت شعري كيف عهد أحبتي . ~~. . لما أظلهم وشيك فراقي ظني بهم حسن وكيف بأوبة . . . تروي غليل متيم ~~مشتاق ومنها نجديات : ألا هل أرى حورا تبرقعن بالحمى . . . وهل أجتني ~~بالعين من خدهم وردا لعلي أرى نجدا ومن حل بالحمى . . . فأحسب من نجد على ~~كبدي بردا خليلي قد داويت عقلا سلبته . . . بشحط النوى والبعد من قربهم ~~عمدا فلم أر بعد الدار يشفي من الجوى . . . ولا القرب أيضا من ديارهم أجدى ~~بلى إن في النأي التقطع والأسى . . . وحب سليمى القلب من بينهم أودى ولآخر ~~: نسيم الخزامى والرياح التي جرت . . . بليل على نجد تذكرني نجدا أتاني ~~نسيم السدر طيبا من الحمى . . . فذكرني نجدا وقطعني وجدا ولآخر : ألا ليت ~~شعري هل أبيتن ms256 ليلة . . . بصحراء من نجران ذات ثرى مندي وهل أردن الدهر حصن ~~مجاشع . . . وقد ضربته نفحة من صبا نجد ولآخر : أقول لصاحبي والعيس تخدي . ~~. . بنا بين المنيفة والضمار تمتع من شميم عرار نجد . . . فما بعد العشية ~~من عرار ألا يا حبذا نفحات نجد . . . وريا روضه غب القطار شهور ينقضين وما ~~شعرنا . . . بأنصاف لهن ولا سرار وأما ليلهن فخير ليل . . . وأنضر ما يكون ~~من النهار قال : وقال الفتح بن خاقان : ورد علي أعرابي من البادية نجدي ~~فصيح فبات ليلة عندي على سطح مشرف على بستان ، فسمع فيه صوت الدواليب فقال ~~: ما أشبه هذا إلا بحنين الإبل ، وأنشدني : بكرت تحن وما بها وجدي . . . ~~وأحن من شوق إلى نجد فدموعها تحيا الرياض بها . . . ودموع عيني أحرقت خدي ~~PageV01P235 # | محاسن الدعاء للمسافر # بأيمن طالع وأسر طائر ، لا كبا بك مركب ولا أشت بك مذهب ولا تعذر عليك ~~مطلب ، سهل الله لك السير ويسر لك القصد وطوى البعد بمسرة الظفر وكرامة ~~المذخر بأيمن طائر وأسعد جد على الطائر الميمون والكوكب السعد . وفي رسالة ~~للبحتري : إلى حيث تتقاصر أيدي الحوادث عنك وتتقاعس نوائب الأيام دونك . ~~فصل : وخصصت بسهولة المطلب ونجاح المنقلب ، كان الله لك في سفرك خفيرا وفي ~~حضرك ظهيرا . آخر : بسعي نجيح وأوب سريع وسريح . آخر : قصر الله محله وهدى ~~رحله وسر بأوبته أهله ولا زال آمنا مقيما وظاعنا . آخر : بأسعد جد وأنجح ~~مطلب وأسر منقلب وأكرم بدأة وأحمد عاقبة . فصل : فاشخص مصحوبا بالسلامة ~~والكلاءة ، آئبا بالنجح والغبطة ، محوطا فيما تطالعه بالعناية والشفقة في ~~ودائع الله وضمانه وكنفه وجواره وستره وأمانه وحفظه وذماره . وقال رجل ~~للنبي ، صلى الله عليه وسلم : إني أريد سفرا . فقال : في حفظ الله وكنفه ، ~~زودك الله التقوى ووجهك إلى الخير حيث كنت . كتب أبو العيناء : استخلف الله ~~فيك واستخلفه منك . لابن أبي السرح : في كنف الله وفي ستره . . . من ليس ~~يخلو القلب من ذكره وأنشد الآخر : فارحل أبا بشر بأيمن طائر . . . وعلى ~~السعادة والسلامة فانزل # | مساوئ الدعاء للمسافر # بالبارح الأشأم والسانح الأعضب والصرد ms257 الأنكد للسفر الأبعد ، لا استمرت ~~مطيته واستتبت أمنيته ، ولا تراخت منيته بنحس مستمر وعيش مر ، لا قرى إن ~~استضاف ولا أمن إن خاف . PageV01P236 ويقال : إن عليا لما اتصل به مسير ~~معاوية قال : لا أرشد الله قائده ولا أسعد رائده ولا أصاب غيثا ولا سار إلا ~~ريثا ولا وافق إلا ليثا ، أبعده الله وأسحقه وأوقد نارا على أثره ، لا حط ~~الله رحله ولا كشف محله ولا بشر به أهله ، لا زكا له مطلب ولا رحب له فيه ~~مذهب ، لا سقاه الله غماما ولا يسر له مراما ، لا فرج الله همه ولا سرى غمه ~~، ولا حل عقده ولا أورى زنده ، جعله الله سفر الفراق وعصا الشقاق ، وأنشد : ~~بأنكد طائر وبشر قال . . . لأبعد غاية وأخس حال بحد السند حيث يكون مني . . ~~. كما بين الجنوب إلى الشمال غريبا تمتطي قدميك دهرا . . . على خوف تحن إلى ~~العيال الباهلي : إذا استقلت بك الركاب . . . فحيث لا درت السحاب وحيث لا ~~يبتغى فلاح . . . وحيث لا يرتجى إياب ابن أبي السرح : فسر بالنحوس إلى بلدة ~~. . . تعمر فيها ولا ترزق ولا تمرع الأرض من نهرها . . . ولا يثمر الشجر ~~المورق تغيض البحار بها مرة . . . ويكدي السحاب بها المغدق الباهلي : أدنى ~~خطاك الهند والصين . . . وكل نحس بك مقرون بحيث لا يأنس مستأنس . . . وحيث ~~لا يفرج محزون تهوي بك الأرض إلى بلدة . . . ليس بها ماء ولا طين # | محاسن الرؤيا # حدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد قال : كان المأمون يبطل الرؤيا ~~ويقول : ليست بشيء ولو كانت على الحقيقة كنا نراها ولا يسقط منها شيء ، ~~فلما رأينا إنما يصح منها الحرف والحرفان من الكثير علمنا أنها باطل وأن ~~أكثرها لا يصح ، وكان بعث بابنه العباس إلى بلاد الروم فأبطأ عليه خبره ~~فصلى ذات يوم الصبح وخفق وانتبه ودعا بدابته وركب وقال : أحدثكم بأعجوبة ، ~~رأيت الساعة كأن شيخا أبيض الرأس واللحية عليه فروة وكساؤه في عنقه ومعه ~~عصا وفي يده كتاب فدنا مني وقد ركبت فقلت : من أنت ؟ فقال : رسول العباس ~~بالسلامة ، وناولني PageV01P237 كتابه ms258 . فقال المعتصم : أرجو أن يخفق الله ~~رؤيا أمير المؤمنين ويسره بسلامته . قال : ثم نهض فوالله ما هو إلا أن خرج ~~فسار قليلا إلا وبصر بشيخ قد أقبل نحوه في تلك الحال ، فقال المأمون : هذا ~~والله الذي رأيته في منامي وهذه صفته . قال : فدنا منه الرجل فنحاه خدمه ~~وصاحوا به . فقال : دعوه . فجاء الشيخ ، فقال له : من أنت ؟ قال : رسول ~~العباس وهذا كتابه . قال : فبهتنا وطال منه تعجبنا . فقلت : يا أمير ~~المؤمنين أتبطل الرؤيا بعد هذه ؟ قال : لا . وحدثنا علي بن محمد قال : ~~حدثني أبي عن محمد بن عبد الله قال : رأيت فيما يرى النائم في آخر سلطان ~~بني أمية كأني دخلت مسجد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فرفعت رأسي ~~ونظرت إلى الكتاب الذي فوق المحراب فإذا فيه ما أمر به أمير المؤمنين ~~الوليد بن عبد الملك ، فإذا قائل يقول : يمحي هذا الكتاب ويكتب مكانه اسم ~~رجل من بني هاشم يقال له محمد . فقلت : فأنا محمد ، فابن من ؟ قال : ابن ~~علي . قلت : فأنا ابن علي ، فابن من ؟ قال : ابن عبد الله . قلت : فأنا ابن ~~عبد الله ، فابن من ؟ قال : ابن عباس . فلو لم أكن بلغت العباس ما شككت أني ~~صاحب الأمر ، فتحدثت بهذه الرؤيا في ذلك الدهر ولا نعرف نحن المهدي فتحدث ~~الناس بها حتى ولي المهدي فدخل مسجد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فرفع ~~رأسه فإذا اسم الوليد ، وإني لأرى اسم الوليد في مسجد رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم ، إلى اليوم ، فدعا بكرسي فألقي له في صحن المسجد ، فقال : ما ~~أنا ببارح حتى يمحى ويكتب اسمي مكانه . فأمر بأن يحضر العمال والسلاليم وما ~~يحتاج إليه لذلك ، فلم يبرح حتى غير وكتب اسمه . قال : ورأى رجل أبا دلف ~~فيما يراه النائم فقال : ما حالك ؟ فقال : فلو أنا إذا متنا تركنا . . . ~~لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا . . . ونسأل بعده عن كل شيء ~~قال : ورأى رجل الحجاج بن يوسف فيما يراه النائم فقال له : ما حالك ؟ فقال ms259 ~~: ما أنت وذاك لا أم لك ! فقال : سفيه في الدنيا سفيه في الآخرة ! وعن ~~إسحاق بن إسماعيل بن علي قال : حدثني عمي عيسى بن علي قال : دخلت على ~~المنصور فقال : يا أبا العباس أتذكر رؤياي بالشراة ؟ قلت : يا أمير ~~المؤمنين أي الرؤيا ؟ قال : مثلك ينساها ؟ كان يجب أن تكتبها بقلم من ذهب ~~في رق وتوصي بها بنيك وبني بنيك ! قلت : فأخبرني بها يا أمير المؤمنين ! ~~قال : رأيت كأني بمكة إذ فتح باب الكعبة فخرج رجل فقال : عبد الله بن محمد ~~. فقمت PageV01P238 وقام أخي . فقال الرجل : ابن الحارثية . فدخل أخي فأبطأ ~~هنيهة ثم خرج وفي يده لواء فخطا خطى خمسا ثم سقط اللواء من يده . ثم خرج ~~الرجل بعينه فقال : عبد الله ، فقمت وقام عمي عبد الله بن علي وصعد الدرجة ~~فزحمته ببعض أركاني فسبقت فإذا بأبي وإذا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . ~~فقال لي الرجل : ابدأ برسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فسلمت عليه فدعا ~~بلواء فعقده لي ثم قال : هاك فيك وفي ولدك حتى تقتلوا به الرجال . فخطوت ~~خطى لو شئت أن أخبركم بها لأخبرتكم . وحدثنا محمد بن يونس قال : أخبرني ~~منصور بن أبي مزاحم عن طيفور مولى أبي جعفر قال : قال المنصور : رأيت في ~~السنة التي ولي فيها هشام بن عبد الملك كأني راكب حمار أسود وعليه حمل تبن ~~عظيم ، وكان بالموصل رجل يعبر الرؤيا ، وحججت تلك السنة فرأيته بمنى وقصصت ~~عليه الرؤيا . فقال : أخبرني لمن هذه الرؤيا . فقلت : لرجل من أفناء الناس ~~. قال : ما قلت الحق ، اصدقني وأصدقك ! فقلت : لرجل من بني هاشم . قال : ~~الآن جئت بالحق ، إن صدقت الرؤيا صار صاحبها خليفة . قال : فانسلكت كالهارب ~~خوفا أن يظهر من قولي وقوله شيء . قال : فبينا الربيع ذات يوم قد دخل فقال ~~: يا أمير المؤمنين رجل بالباب معبر يستأذن . قال : أدخله . فأدخله فلما ~~رآه تبسم وقال : هذا صاحبي . فدنا منه وقبل يده . فقال : أتذكر رؤياي ؟ قال ~~: نعم ، وهي التي حملتني إليك . قال : كيف كنت تأولتها ؟ قال : قلت ms260 راكب ~~حمار أسود والحمار جد الرجل وسواده سودد ، قلت وكان على الحمار تبن فقلت ~~الحنطة والشعير يخرجان من التبن وقعد عليه ومن صار مالكه فقد ملك الأقوات ~~فهذا رجل يملك الناس . قال : لله أبوك ما أحسن ما عبرت وأسرع ما صححت ! ~~وأمر له بصلة وقال : أقم عندنا وحول عيالك فإنا نأمر لك بأرزاق تسعك وإياهم ~~. ففعل ذلك . وبلغنا عن مزاحم مولى فاطمة قالت : كنت مع عمر بن عبد العزيز ~~وهو نائم فانتبه وقال : يا فاطمة لقد رأيت رؤيا ما رأيت أحسن منها . قلت : ~~حدثني بها يا أمير المؤمنين . قال : حتى أصبح . قال : فجاء المنادي فناداه ~~بالصلاة فقام فصلى بالناس الفجر ثم رجع إلى مجلسه . فأتيته فقلت : يا أمير ~~المؤمنين حدثني بالرؤيا . فقال : رأيت كأني في أرض خضراء لم أر أرضا أحسن ~~منها ، ورأيت في تلك الأرض قصور زبرجد ورأيت جميع الخلائق حول ذلك القصر ، ~~فبينا أنا كذلك إذ نادى مناد من القصر : أين محمد بن عبد الله بن عبد ~~المطلب ؟ فقام النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فدخل القصر ، فقلت : سبحان ~~الله ! إنا في ملإ فيهم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ولم أسلم عليه ! ~~فلم ألبث إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى : أين أبو بكر الصديق ؟ فقام أبو ~~بكر ، رحمه الله ، فدخل ، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى : أين ~~عمر بن الخطاب ؟ فقام عمر فدخل ، فقلت : سبحان الله ! إنا في جمع فيهم أبي ~~ولم أسلم عليه ! فما لبث إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى : أين عثمان بن ~~عفان ؟ فقام عثمان ، PageV01P239 رحمه الله ، فدخل ، فما لبثت إلا قليلا ~~حتى خرج المنادي فنادى : أين علي بن أبي طالب ؟ فقام علي فدخل ، فما لبثت ~~إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى : أين عمر بن عبد العزيز ؟ فقمت فدخلت ~~فرأيت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قاعدا ورأيت أبا بكر عن يمينه وعمر عن ~~يساره وعثمان وعليا بين يديه ، فقلت : أين أقعد ؟ لا أقعد إلا إلى جنب أبي ~~، قال : فقعدت عند عمر بن الخطاب ms261 ، فرأيت فيما بين النبي ، صلى الله عليه ~~وسلم ، وأبي بكر شابا حسن الوجه ، فقلت : يا أبة من هذا ؟ قال : هذا عيسى ~~بن مريم ، عليه السلام . قال : فما لبثت إلا قليلا حتى سمعت مناديا ينادي : ~~يا عمر بن عبد العزيز اثبت على ما أنت عليه . قال : ثم قمت فخرجت فلم ألبث ~~إلا قليلا حتى خرج علي عثمان وهو يقول : الحمد لله الذي نصرني . ثم لم ألبث ~~إلا قليلا حتى خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال : الحمد لله الذي ~~غفر لي ! # | مساوئ الرؤيا # روي عن عمر بن حبيب القاضي أن رجلا كان بالبصرة وكانت له امرأة وله منها ~~ابنان فمات وترك لهم شاة ، فرأت المرأة في النوم كأن أحد ابنيها يقول : يا ~~أمه أما ترين هذا الجدي قد أفنى علينا لبن هذه الشاة وليس بد من أن أقوم ~~فأذبحه ! فقالت : لا تفعل يا بني . قال : لا بد من أذبحه . فقام فذبحه ~~وسمطه وشواه وأخرجه من التنور فقعد هو وأخوه يأكلان ، فكلمه أخوه بشيء ، ~~فأخذ السكين فشق بطنه ، فانتبهت فزعة وإذا ابنها يقول : يا أمه أما ترين ~~هذا الجدي قد أفنى علينا لبن هذه الشاة أقوم فأذبحه ؟ فقالت : لا تفعل يا ~~بني . فجعلت تتعجب من تصديق الرؤيا فأخذت بيد أخيه فدخلت بيتا وأغلقت الباب ~~من داخل ، فبينا هي مفكرة مغتمة إذ غقت فرأت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ~~في النوم ، فقال : ما شأنك ؟ فخبرته الخبر . فنادى : يا رؤيا ! فإذا الحائط ~~قد انصدع وخرجت امرأة جميلة بارعة الجمال . فقال لها النبي ، صلى الله عليه ~~وسلم : ما أردت إلى هذه المسكينة ؟ قالت : لا والذي بعثك بالحق نبيا ما ~~أتيتها في منامها ! فنادى : يا أضغاث أحلام ! فخرجت امرأة دونها . فقال : ~~ما أردت إلى هذه المسكينة ؟ قالت : رأيتهم بخير فحسدتهم فأردت أن أغمهم . ~~فقال ، صلى الله عليه وسلم : ليس عليك بأس . فانتبهت وأكلت مع ابنيها ولم ~~يزالوا بخير . # | محاسن الازكان # قال : نظر إياس بن معاوية إلى نسوة قد فزعن من بعير فأشار إليهن فقال ms262 : ~~هذه بكر وهذه PageV01P240 حامل وهذه مرضع . فقام إليهن رجل فسألهن فكن كما ~~قال . فقيل له : كيف علمته ؟ قال : رأيتهن لما فزعن وضعت كل واحدة منهن ~~يدها على أهم المواضع إليها ، فوضعت الحامل يدها على بطنها ، ووضعت المرضع ~~يدها على ثديها ، ووضعت البكر يدها على قبلها . قال : ونظر إياس يوما إلى ~~رجل متأبط شيئا فقال : معه سكر وقد ولد له غلام . فاتبعه الرجل فسأله فإذا ~~هو كما قال . فقيل له في ذلك ، فقال : رأيت الذباب قد أطافت به فقلت معه ~~حلاوة وهو سكر ، ورأيته نشيطا فقلت ولد له غلام . # | مساوئ الازكان # قال : واستقبل إياس رجلا فقال : خذوه فإنه سرق وسيأتي من يطلبه . فأخذوه ~~فلم يتجاوز ساعة حتى جاء قوم يطلبونه فأخذوه فقيل له في ذلك ، فقال : رأيته ~~يرعد ويعدو مدلها متغير اللون يكثر الالتفات فزكنت فيه هذا وأنه لص . قال : ~~ورأى رجلا على عاتقه جرة عسل فقال : فيها سم أو حية . فنظروا فإذا حية ، ~~فسئل عن ذلك فقال : رأيت الذباب تحوم حوله ولا تسقط عليه فعلمت أنه حية أو ~~سم . # | محاسن الفأل والزجر # حدثنا الحسن بن وهب قال : حدثني صالح بن علي بن عطية قال : كان المنصور ~~ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم ونذر دمه فيها وأجله ثلاثة أيام . ~~فقال خالد ليحيى ابنه : إني قد طولبت بما ليس عندي وإنما يراد بذلك دمي ~~فانصرف إلى حرمتك وأهلك فما كنت فاعلا بعد موتي فافعله ، ثم قال : يا بني ~~ولا يمنعنك ذلك من أن تلقى إخواننا فتعلمهم حالنا . قال يحيى : فأتيت إخوان ~~والدي فمنهم من جبهني بالرد ثم بعث إلي بمال جليل ، ومنهم من لم يأذن لي ~~وبعث بمال في أثري لكيلا يخبر به المنصور . قال : فدخلت على عمارة بن حمزة ~~وهو مقابل بوجهه إلى الحائط فسلمت فرد ردا ضعيفا . قال يحيى : فضاقت بي ~~الأرض ، ثم كلمته فيما كنت أتيته فيه . فقال : إن أمكننا شيء فسيأتيك . ~~فانصرفت عنه وصرت إلى أبي فأعلمته ذلك وقلت : أراك تثق من عمارة بما لا ~~يوثق ms263 به . فوالله إني لفي ذلك الحديث إذ طلع علينا رسول عمارة بمائة ألف ~~درهم ورسول صاحب المصلى بمائة ألف درهم ورسول مبارك التركي بمائتي ألف درهم ~~. فجمعنا في يومين ألفي ألف درهم وسبع مائة ألف درهم وبقيت ثلاثمائة ألف ~~درهم ، فتعذر ذلك . قال يحيى : فوالله إني لمار بالجسر PageV01P241 مهموما ~~مغموما إذ وثب إلي زاجر فقال : فرخ الطير قف أخبرك ! فطويته ولم ألتفت إليه ~~، فلحقني وتعلق بي . فقلت : ويحك اذهب عني فإني مشغول عنك ! فقال : أنت ~~والله مهموم ووالله ليفرجن همك وتمن باللواء غدا في هذا الموضع بين يديك . ~~فأقبلت أعجب من قوله . فقال لي : إن كان ذلك فلي عليك خمسة آلاف درهم ! قلت ~~: نعم . ولو قال خمسين ألف درهم لقلت نعم لبعد ذلك عني . ثم مضيت فوالله ما ~~انصرفت حتى ورد على المنصور الخبر بانتقاض أمر الموصل وانتشار الأكراد بها ~~. فقال المنصور : ويحكم من لها ! وكان المسيب بن زهير عند المنصور وكان ~~صديقا لخالد فقال : عندي والله من يكفيكه وأنا أعلم أنك ستلقاني بما أكره ~~ولكني لا أدع على حال نصحك ، فقال المنصور : قل فلست أرد عليك . قال : يا ~~أمير المؤمنين ما ترميها بمثل خالد . فقال المنصور : ويحك وتراه يصلح لنا ~~بعد ما أتيناه إليه ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين وأنا زعيمه بذلك والضامن ~~عليه . فتبسم المنصور وقال : صدقت والله ما لها غيره ، فليحضر غدا . فأحضر ~~فصفح له عن الثلاث المائة الألف الدرهم الباقية عليه وعقد له . قال يحيى : ~~فنمر والله بالزاجر واللواء بين يدي ، فلما رآني قال : أنا ها هنا أنتظرك ~~منذ غدوة ! قال : فتبسمت إليه فقال : امض . فمضى معي ودفعت إليه الخمسة ~~الآلاف الدرهم . # | مساوئ الفأل # قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي : حضرت مجلس المأمون فقلت : يا أمير ~~المؤمنين ألا أحدثك عن الفضل بن يحيى ؟ قال : بلى . فقلت : دخلت دار الرشيد ~~وإذا الفضل بن يحيى وإسماعيل بن صبيح وعبد الملك بن صالح في بعض تلك ~~الأروقة يتحدثون ، فلما بصر بي الفضل أومأ إلي وقال : يا إسحاق انتظرناك ~~منذ الغداة ms264 لتساعد على ما نحن فيه من المذاكرة ! فقلت : يا سيدي أنا السكيت ~~إذا أجريت الجياد وفاز السابق والمصلي . فقال : هيهات عندها مدحت نفسك ولما ~~تكذب . فلما فرغ عبد الملك من حديثه قال الفضل : إن لقس حديثا سمعته من ~~الخليل بن أحمد فهل عند واحد منكم له ذكر ؟ فسكت القوم . فقلت : يا سيدي ما ~~نعرف له حديثا إلا حديث خطبته بعكاظ . قال : ذاك شيء قد فهمته العامة ~~واختبرته الخاصة . ثم أطرق ساعة . فقلنا : إن رأيت أن تحدثنا . فقال : ~~حدثني الخليل بن أحمد أن قيصر ملك الروم بعث إلى قس بن ساعدة أسقف نجران ~~وكان حكيما طبيبا بليغا في منطقه ، فلما دخل عليه ومثل بين يديه حمد الله ~~وأثنى عليه ، فأمره بالجلوس فجلس ، فرحب به وأدنى مجلسه وقال : ما زلت ~~مشتاقا إليك معما PageV01P242 أحببت من مناظرتك في الطب . فكان أول ما سأله ~~عن الشراب لعجبه به ، فقال : أي الأشربة أفضل عاقبة في البدن ؟ قال : ما ~~صفا في العين واشتد على اللسان وطابت رائحته في الأنف من شراب الكرم . قال ~~: فما تقول في مطبوخه ؟ قال : مرعى ولا كالسعدان . قال : فما تقول في نبيذ ~~الزبيب ؟ قال : ميت أحيي وفيه بعض المتعة وما يكاد يقوى شيء بعد الموت . ~~قال : فما تقول في نبيذ العسل ؟ قال : نعم شراب الشيخ للابردة والمعدة ~~الفاسدة . قال : فما تقول في أنبذة التمر ؟ قال : أوساخ يطيب مذاقها في ~~اللهوات وتسوء عاقبتها في البدن وتولد الأرواح في البطن لرقتها . قال : فمن ~~أي شيء يكون الثمل الذي يذهب الغم ويطيب النفس ؟ قال : زعموا أن العقل ~~تصعده سورة الشراب إلى الدماغ الذي هو أصله بقوة الروح الذي جعل فيه ، فإذا ~~صعدت السورة إلى الدماغ الذي هو أصله فاحتوت عليه حتى تغشاه حجب العقل عن ~~منافعه فاحتجب البصر بغير عمى والسمع بغير صمم واللسان بغير خرس ، والدليل ~~على ذلك أن السكران لا يرى في نومه شيئا ولا تصيبه جنابة فلا يزال العقل ~~كذلك محتجبا حتى تفكه الطبيعة من إسار السكر إما بقوة فيعجل وإما بضعف ms265 ~~فيبطيء . قال : فمن أي شيء الخمار من بعد صحو السكران ؟ قال : من إعياء ~~الطبيعة عن مجاهدة السورة في افتكاك العقل وتخلصه حتى يردها النوم إلى هدوء ~~وما أشبهه . قال : الصرف أفضل أم الممزوج ؟ قال : الصرف سلطان جائر والجائر ~~مستفسد مذموم والممزوج سلطان عادل والعادل مستصلح محمود . قال : فصف لي ~~الأطعمة . قال : الأطعمة كثيرة مختلفة وجملة ما آمرك به الإمساك عن غاية ~~الإكثار فإن ذلك من أفضل ما بلوناه من الأدوية ورأس ما نأمر به من الحمية . ~~قال له : عمن حملت الحكمة ؟ قال : عن عدة من الفلاسفة . قال : فما أفضل ~~الحكمة ؟ قال : معرفة المرء بقدره . قال : فما تقول في الحلم ؟ قال : حلم ~~الإنسان ماء وجهه . قال : فما تقول في المال وفضله ؟ قال : أفضل المال ما ~~أعطي منه الحق . قال : فما أفضل العطية ؟ قال : أن يعطى قبل السؤال . قال : ~~فأخبرني عما بلوت من الزمان وتصرفه ورأيت من أخلاق أهله . قال : بلونا ~~الزمان فوجدناه صاحبا ولا يعتب من عاتبه ، ووجدنا الإنسان صورة من صور ~~الحيوان يتفاضلون بالعقول ، ووجدنا الأحساب ليست بالآباء والأمهات ولكنها ~~هي أخلاق محمودة ، وفي ذلك يقول ، أو قال أقول : لقد حلبت الزمان أشطره . . ~~. ثم محضت الصريح من حلب فلم أر الفضل والمعال في . . . قول الفتى إنني من ~~العرب حتى نرى ساميا إلى خلق . . . يذود محموده عن النسب ما ينفع المرء في ~~فكاهته . . . من عقل جد مضى وعقل أب PageV01P243 ما المرء إلا ابن نفسه ~~فبها . . . يعرف عند التحصيل للنوب حتى إذ المرء غال مهجته . . . ألفيته ~~تربة من الترب ووجدنا أبلغ العظات النظر إلى محل الأموات ، وأحمد البلاغة ~~الصمت ، ووجدنا لأهل الحزم حذارا شديدا وبذلك نجو من المكروه ، والكرم حسن ~~الاصطبار ، والعز سرعة الانتصار ، والتجربة طول الاعتبار ، قال : خبرني هل ~~نظرت في النجوم ؟ قال : ما نظرت فيها إلا فيما أردت به الهداية ولم أنظر ~~فيما أردت به الكهانة ، وقد قلت في النجوم : علم النجوم على العقول وبال . ~~. . وطلاب شيء لا ينال ضلال ماذا طلابك علم شيء أغلقت . . . من دونه ~~الأفلاك ليس ينال ms266 هيهات ما أحد بغامض قدره . . . يدري كم الأرزاق والآجال ~~إلا الذي فوق السماء مكانه . . . فلوجهه الإكرام والإجلال قال : فهل نظرت ~~في زجر الطير ؟ قال : نحن معاشر العرب مولعون بزجر الطير . قال : فما أعجب ~~ما رأيته منه ؟ قال : شخصت أنا وصاحب لي من العرب إلى بعض الملوك فألفيناه ~~يريد غزو قوم كانوا على دين النصرانية فخرج حتى إذا كان على فراسخ من ~~مدينته أمر بضرب فساطيطه وأروقته لتتوافى إليه جنوده وضرب به فسطاط على ~~شاطيء نهر وأمر بخباء فضرب لي ولصاحبي ، فبينا نحن كذلك إذ أقبل طائران ~~أسود وأبيض وأنا وصاحبي نرمقها حتى إذا كانا رأسه رفرفا وشرشرا ثم غابا ثم ~~رجعا أيضا حتى إذا كانا قريبا منه طوياه ثم أقبلا نحونا فوقفا ثم رتعا . ~~فقال صاحبي : ما رأيت كاليوم طائرين أعجب منهما فأيهما أنت مختار ؟ فقلت : ~~الأسود . قال : الأبيض أعجبهما إلي ، فما تأولتهما ؟ قلت : الليل والنهار ~~يطويان هذا الرجل في سفره فيموت ، وتأولت اختيارك الأبيض أنك تنصرف بيد ~~بيضاء مخفقة من المال . فإذا هو قد غضب . فلما جن الليل بعث إلينا الملك ~~لنسمر عنده فإذا صاحبي قد أخبره بالخبر ، فسألني فأخبرته وصدقته . فغضب ~~وقال : هذه حمية منك لأهل دينك . فقلت : أما أنا فقد صدقتك . فأمر بحبسي ~~ومضى لوجهه ، فلم يتجاوز إلا قليلا حتى مات ، فأوصى لي بعشرين ناقة وقال : ~~قاتل الله قسا ! لقد محضني النصيحة . فانصرفت من سفري ذلك بعدة من الإبل ~~وانصرف صاحبي مخفقا من المال . قال الملك : وما رأيت أيضا من الزجر أعجب ؟ ~~قلت : رأيت مرة عند الملك الهمام أبي قابوس وقد خرج عليه خارج من مضر يريد ~~ملكه وقد حشد له فبعث إلى بعض عماله في توجيه PageV01P244 أربعمائة فارس ~~ووجهني مع الرسول وأمرنا بالشد على أيديهم في جمع الخيل والرجال ، وكان ~~الرسول شاعرا ، فبينا نحن نسير إذ سنحت لنا ظباء أعنز فيها تيس يقدمها ، ~~وكان أبو قابوس يواعد للقائه في يوم كذا وكذا ، فنحن نقول إن كان الملك قد ~~خرج في يوم كذا فهو اليوم في موضع ms267 كذا وقد أقبلنا ونحن نقود جيشا عرمرما ، ~~فأنشأ الرسول يقول : ألا ليت شعري ما تقول السوانح . . . أغاد أبو قابوس أم ~~هو رائح قال : فنظرت إلى التيس عند فراغه من هذا البيت قد دخل في مكنسه حتى ~~توارى فيه ، فدخلني من ذلك ما لم أقدر على أن أمسك نفسي حتى استرجعت . فقال ~~لي رفيقي : ما لك ؟ قلت : إن صدق الزجر فصاحبك قد ثوى في التراب والتحف ~~عليه أطباق الثرى . قال : كيف ذلك ؟ قلت : وافق فراغك من البيت دخول التيس ~~في مكنسه . فأعرض عني فلما أصبحت في اليوم الذي واعدنا للقائه لم يواف ولم ~~يكن بأوشك من أن أتانا الخبر بهلاكه وقعود ابنه ، فأكرمه قيصر وأحسن جائزته ~~. قلنا : أيد الله الوزير ! لقد بلغت باستحقاق ولقد حزت قصبة الرهان في كل ~~منقبة . فتبسم وقال : عز الشريف أدبه . وإذا رسول الرشيد قد وافاه فنهض ~~نحوه وتصدع المجلس وانصرفنا . فلما مضى من الليل بعضه إذ أنا بطارق قد ~~طرقني وبين يديه غلمان على أعناقهم البدر وإذا رسول الفضل وقد حمل إلي مائة ~~ألف درهم وقال : الوزير يقرأ عليك السلام ويقول : ضجرت باستماع الحديث ~~وأوجبت علي بذلك منة وهذه صلة وتحة في جنب قدرك عندي فخذها ولا تعتد بها . ~~فقلت : سبحان الله الذي خلق هذا الرجل وجبله على كرم بذ به من مضى ومن غبر ~~! وإذا هو قد وجه إلى أصحابي الذين كانوا معي بمثل الذي وجه به إلي ، فغدوت ~~إليه وأردت أن أشكره فقال : والله لئن ذهبت تكشف ما ستر الله لأجفونك ! ~~فكأنما ألقمني بذلك حجرا ، فاحتبسني عنده فطعمت وشربت ورحت وقد حملني على ~~عدة أفراس بسروج مذهبة ولجم مذهبة ووجه معي بعشرة تخوت ثياب وعشر بدر . قال ~~فقال المأمون : ويحك يا إسحاق ! ثواب حديثك ضعف ما أمر لك به الفضل وقد ~~أمرت لك بمائة ألف درهم . فقبضت ذلك وانصرفت . قال : وكان محمد بن حازم قال ~~قصيدته التي يقول فيها : فيا شامتا مهلا فكم من شماتة . . . تكون لها ~~العقبى لقاصمة الظهر فاعتل محمد ولم يكن ms268 يرثه إلا أخوه وكان بسر من رأى ، ~~فوجهت إليه جاريته تعلمه PageV01P245 بشدة علته ، فقدم أخوه ومحمد لمآبه ~~فأدخل الجارية بيتا في الدار ووطئها قبل وفاة أخيه . فلما مات حمل المال ~~والأثاث والجارية إلى منزله بسر من رأى وأخذ في الشراب ، فانصرف ليلة ثملا ~~فأراد المبيت على سطح الدار فمنع من ذلك فامتنع ، فلما صار في أعلى الدرجة ~~سقط وانقصف ظهره فجعلنا نتذاكر شعر أخيه . قيل : ووفدت عزة كثير على عبد ~~الملك بن مروان ، فلما دخلت سلمت فرد عليها السلام ورحب بها وقال : ما ~~أقدمك يا عزة ؟ قالت : شدة الزمان وكثرة الألوان واحتباس القطر وقلة المطر ~~. قال : هل تروين لكثير : وقد زعمت أني تغيرت بعدها . . . ومن ذا الذي يا ~~عز لا يتغير قالت : لا أروي له هذا ، ولكني أروي له قوله : كأني أنادي صخرة ~~حين أعرضت . . . من الصم لو تمشي بها العصم زلت فقال : ما كنت لتصيري إلى ~~حاجة أو تهبي نفسك لي فأزوجك منه . قالت : الأمر إليك يا أمير المؤمنين ، ~~ما كنت لأزهد في هذا الشرف الباقي لي ما دامت الدنيا أن يكون أمير المؤمنين ~~وليي . فعظم بذلك قدرها عنده وأمر لها بمال وكتب إلى كثير وهو بالكوفة : أم ~~اركب البريد وعجل فإني مزوجك عزة . فأتاه الكتاب وهو مضنى من الشوق إليها ~~فرحل فأقبل نحوها ، فلما كان في بعض الطريق إذا هو بغراب على شجرة بانة ~~وإذا هو ينتف ريشه ويطايره ، وكان شديد الطيرة ، فلما رآه تطير وهم ~~بالانصراف ثم غلبه شوقه فمضى وهو مكروب لما رأى ، حتى أتى ماء لبني نهد ، ~~فإذا هو برجل يسقي إبله فنزل عن راحلته واستظل بشجرة هناك فأبصر النهدي ، ~~فأتاه وسأله عن اسمه ونسبه فانتسب ، فرحب به ، فأخبره عما رأى في طريقه ، ~~فقال : أما الغراب فغربة ، وأنا البانة فبين ، وأما نتف ريشه ففرقة . ~~فاستطير لذلك ، ومضى حتى دنا من دمشق فإذا بجنازة فاستعبر وقال : أسأل الله ~~خير ما هو كائن ! فسأل عن الميت فإذا هي عزة ، فخر مغشيا عليه ، فعرف وصب ~~عليه الماء فكان ms269 مجهوده أن بلغ القبر ، فلما دفنت انكب على القبر وهو يقول ~~: سراج الدجى ضمر الحشى منتهى المنى . . . كشمس الضحى نوامة حين تصبح إذا ~~ما مشت بين البيوت تخزلت . . . ومالت كما مال النزيف المرنح تعلقت عزا وهي ~~رؤد شبابها . . . علاقة حب كاد بالقلب يرجح أقول ونضوي واقف عند رمسها . . ~~. عليك سلام الله والعين تسفح PageV01P246 فهلا فداك الموت من أنت دونه . . ~~. ومن هو أسوأ منك ذلا وأقبح على أم بكر رحمة وتحية . . . لها منك والنائي ~~يود وينصح منعمة لو يدرج الذر بينها . . . وبين حواشي بردها كاد يجرح وما ~~نظرت عيني إلى ذي بشاشة . . . من الناس إلا أنت في العين أملح ثم بكى حتى ~~غشي عليه ، فأفاق وهو يقول : ما أعيف النهدي لا در رده . . . وأزجره للطير ~~لا طار طائره رأيت غرابا ساقطا فوق بانة . . . ينتف أعلى ريشه ويطايره فقال ~~غراب اغتراب من النوى . . . وبانة بين من حبيب تعاشره ثم لم يزل باكيا حتى ~~أدركه الموت ولم ير ضاحكا بعدها ، وقيل فيه من الشعر : تنادى الطائران ببين ~~سلمى . . . على غصنين من غرب وبان فكان البان أن بانت سليمى . . . وفي ~~الغرب اغتراب غير داني أخذه أبو الشيص فقال : أشاقك والليل ملقي الجران . . ~~. غراب ينوح على غصن بان أحص الجناح شديد الصياح . . . يبكي بعينين ما ~~تدمعان وفي نعبات الغراب اغتراب . . . وفي البان بين بعيد التداني ولآخر : ~~أقول يوم تلاقينا وقد سجعت . . . حمامتان على غصنين من بان الآن أعلم أن ~~الغصن لي غصص . . . والبان بين قريب عاجل داني فقمت تخفضني أرض وترفعني . . ~~. حتى وثبت وهذا السير إزكاني ولآخر : أقول وقد صاح ابن دأية غدوة . . . ~~بوشك النوى لا أخطأتك الشوابك أفي كل يوم رائعي منك روعة . . . ببينونة ~~الأحباب عرسك فارك فلا بضت في خضراء ما عشت بيضة . . . وضاقت برحبيها عليك ~~المسالك # | محاسن الشعر في هذا الفن # لبعضهم : وقالوا عقاب قلت عقبى لهم من النوى . . . دنت بعد شحط منهم ~~ونزوح PageV01P247 وقالوا حمام قلت حم لقاؤها . . . وعادت لنا ريح الوصال ~~تفوح وقالوا دم دامت مودة بيننا . . . وطلح فنيلت والمطي ms270 طلوح وقالوا تغنى ~~هدهد فوق أيكة . . . فقلت هدى تغدو بنا وتروح وحكي عن النعمان بن المنذر ~~أنه خرج يتصيد ومعه عدي بن زيد فمر بآرام ، وهي القبور ، فقال عدي : أبيت ~~اللعن ، أتدري ما تقول هذه الآرام ؟ قال : لا . قال : إنها تقول : أيها ~~الركب المخبو . . . ن على الأرض تمرون فكما كنتم فكنا . . . وكما نحن ~~تكونون قال : أعد . فأعاد ، فرجع كئيبا وترك صيده . قال : ثم خرج معه خرجة ~~أخرى فوقف على آرام بظهر الكوفة ، فقال : أبيت اللعن ، أتدري ما تقول هذه ~~الآرام ؟ قال : لا . قال : فإنها تقول : رب ركب قد أناخوا عندنا . . . ~~يشربون الخمر بالماء الزلال ثم أضحوا عصف الدهر بهم . . . وكذاك الدهر حالا ~~بعد حال فانصرف وترك صيده . عبد الله بن مسلم قال : حدثت عن معاوية أنه سأل ~~عبيد بن شرية الجرهمي عن أعجب شيء رآه فقال : نزلت بحي من قضاعة في ~~الجاهلية فأخرجوا جنازة لرجل من بني عذرة فخرجت معهم حتى إذا واروه تنحيت ~~جانبا وعيناي تذرفان ثم تمثلت بأبيات من شعر كنت رويتها قبل ذلك الزمان : ~~استقدر الله خيرا وارضين به . . . فبينما العسر إذ دارت مياسير وبينما ~~المرء في الأحياء مغتبط . . . إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير يبكي الغريب ~~عليه ليس يعرفه . . . وذو قرابته في الحي مسرور حتى كأن لم يكن إلا تذكره . ~~. . والدهر أيتما حال دهارير قال : وإلى جانبي رجل يسمع ما أقول ، فقال : ~~أتدري من قائل هذه الأبيات ؟ قلت : لا والله . قال : والذي يحلف به أنه ~~لصاحب هذا القبر وهذا ذو قرابته أسر الناس بموته وأنت الغريب تبكي عليه ! ~~فعجبت مما ذكره في شعره والذي صار إليه من قوله كأنه نظر إلى نفسه بعد موته ~~. قال : ولما بعث أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، خالد بن الوليد إلى أهل ~~الردة انتهى إلى حي من تغلب فأغار عليهم وقتلهم ، وكان رجل منهم جالسا على ~~شراب له وهو يغني بهذه الأبيات : PageV01P248 ألا عللاني قبل جيش أبي بكر . ~~. . لعل منايانا قريب وما ندري فوقف عليه رجل من أصحاب خالد فضرب ms271 عنقه وإذا ~~رأسه في الجفنة التي كان يشرب منها ، ولذلك قيل : إن البلاء موكل بالمنطق ~~وحدثنا الحسين بن الضحاك قال : شهدت الواثق وكان قاعدا في مجلس كان أول ~~مجلس قعده فكان أول ما تغنى من الغناء في ذلك المجلس صوت إبراهيم بن المهدي ~~فغنت به شارية جارية إبراهيم : ما درى الحاملون يوم استقلوا . . . نعشة ~~للثواء أم للقاء فلتقل فيك باكيات كما شئ . . . ن صباحا وعند كل مساء قال : ~~فبكى والله وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه ، ثم اندفع بعض ~~المغنين فغنى : ودع هريرة إن الركب مرتحل . . . وهل تطيق وداعا أيها الرجل ~~قال : فازداد والله في البكاء ، ثم قال : أسمعت كاليوم قط تعزية بأب ونعي ~~نفس ؟ ثم ارفض ذلك المجلس . وحدثنا ابن المكي عن أبيه قال : قال محمد ~~الأمين في آخر أيامه : يا مكي والله أحب أن أقعد يوما قبل أن يحال بيننا ~~وبين ما نريد . فقلت : يا أمير المؤمنين افعل ذلك ، فقال : اغد علي في غد . ~~قال : فانصرفت وغدا علي رسوله في السحر فجئت إليه وهو في صحن داره وعليه ~~جبة وشي مذهبة تأتلق وعمامة مثلها ما رأيت لأحد قط مثل ذلك وتحته كرسي من ~~ذهب مرصع بالجوهر . فدعا بكرسي فجلست عليه عن يساره . ثم قال لخادم على ~~رأسه : ادع لي فلانة وفلانة ، حتى عد أربع جوار ما منهن جارية إلا وأنا ~~أعرف حذقها وجودة غنائها . فخرجن وجلسن عن يمينه . ثم قال : يا غلام علي ~~برطل ، فأتي برطل وقدح بلور مكلل بالجوهر . فالتفت إلى التي تليه فقال لها ~~: غني ، فضربت ضربا حسنا وتغنت بشعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط : هم قتلوه ~~كي يكونوا مكانه . . . كما قتلت كسرى بليل مرازبه بني هاشم ردوا سلاح أخيكم ~~. . . ولا تنهبوه لا تحل مناهبه قال : فرمى بالقدح في وسط الدار ثم قال : ~~لعنك الله ! ما هذا ؟ قالت : لا والله يا سيدي ما جاء على لساني غير هذا . ~~ثم التفت إلى الغلام فقال : اسقني . فأتاه بقدح مثل الأول . وقال للأخرى : ~~غني . فغنت ms272 ما قيل في كليب وائل : PageV01P249 كليب لعمري كان أكثر ناصرا . ~~. . وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم فرمى بالقدح في صحن الدار وكسره ثم قال : يا ~~غلام علي برطل . وقال للثالثة : غني ، فغنت : أتقتل عمرا لا أبا لك شاردا . ~~. . وتزعم بعد القتل أنك هارب فلو كنت بالأقطار ما فت ضربتي . . . وكيف ~~تفوت الحين والدم طالب قال : فرماها بالقدح وقال : يا غلام علي برطل . وقال ~~للرابعة : غني . فغنت : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا . . . أنيس ولم ~~يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا . . . صروف الليالي والجدود ~~العوائر قال : فالتفت إلي وقال : قد سمعت هذا أمر يريده الله جل وعز . قال ~~: فما مضت أيام حتى رأيت رأسه بين شرفتين من شرف قصره . # | محاسن ترك التطير # روي عن عكرمة قال : كنا جلوسا عند ابن العباس وابن عمر فمر طائر يصيح ، ~~فقال رجل من القوم : خير ! فقال ابن العباس : لا خير ولا شر ، وأنشد في ~~مثله : ما فرق الأحباب بع . . . د الله إلا الإبل والناس يلحون غرا . . . ب ~~البين لما جهلوا وما على ظهر غرا . . . ب البين تطوى الرحل ولا إذا صاح غرا ~~. . . ب في الديار احتملوا وما غراب البين إ . . . لا ناقة أو جمل ولآخر : ~~أترحل عمن أنت صب بمثله . . . وتلحى غراب البين إنك ذو ظلم أقم فغراب البين ~~غير مفرق . . . ولا نازل إلا على أفضل الحكم ولآخر : غلط الذين رأيتهم ~~بجهالة . . . يلحون كلهم غرابا ينعق ما الذنب إلا للجمال فإنها . . . مما ~~يشتت جمعهم ويفرق إن الغراب بيمنه يدني النوى . . . وتشتت الشمل الجميع ~~الأينق PageV01P250 # | محاسن المواعظ # قال : وحكي عن الأوزاعي قال : بعث إلي المنصور فقال : لم تبطيء عنا ؟ قلت ~~: وما تريد منا ؟ قال : لآخذ عنكم وأقتبس منكم . فقلت له : مهلا فإن عروة ~~بن رويم أخبرني أن نبي الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : من جاءته موعظة ~~من ربه فقبلها شكر الله له ذلك ، ومن جاءته فلم يقبلها كانت حجة عليه يوم ~~القيامة ، مهلا فإن مثلك لا ينبغي له أن ينام . إنما جعلت الأنبياء ms273 رعاة ~~لعلمهم بالرعية يجبرون الكسير ويسمنون الهزيلة ويردون الضالة فكيف من يسفك ~~دماء المسلمين ويأخذ أموالهم ! أعيذك بالله أن تقول إن قرابتك من رسول الله ~~، صلى الله عليه وسلم ، تدعوك إلى الجنة ، إن رسول الله ، صلى الله عليه ~~وسلم ، كانت في يده جريدة يستاك بها فضرب بها قرن أعرابي فنزل عليه جبريل ، ~~عليه السلام ، فقال : يا محمد إن الله تبارك وتعالى لم يبعثك جبارا مؤيسا ~~مقنطا تكسر قرون أمتك ، ألق الجريدة عن يدك ، فدعا الأعرابي إلى القصاص من ~~نفسه فكيف بمن يسفك دماء المسلمين ؟ إن الله عز وجل أوحى إلى من هو خير منك ~~إلى داود ، عليه السلام : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق . وأوحى إليه : يا داود إذا أتاك الخصمان فلا يكونن لأحدهما ~~على صاحبه الفضل فأمحوك من ديوان نبوتي . اعلم أن ثوبا من ثياب أهل النار ~~لو علق بين السماء والأرض لمات أهل الأرض من نتن ريحه ، فكيف بمن تقمصه ؟ ~~ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبال الدنيا لذابت كما يذوب الرصاص حتى ~~تنتهي إلى الأرض السابعة ، فكيف بمن تقلدها ؟ قال : ودخل عمرو بن عبيد على ~~المنصور فقال : يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل يقفك ويسائلك عن مثقال ذرة ~~من الخير والشر ، وإن الأمة خصماؤك يوم القيامة ، وإن الله جل وعز لا يرضى ~~منك إلا ما ترضاه لنفسك ، ألا وإنك لا ترضى لنفسك إلا بأن يعدل عليك وإن ~~الله جل وعز لا يرضى منك إلا بأن تعدل على الرعية ، يا أمير المؤمنين ، إن ~~وراء بابك نيرانا تتأجج من الجور ، والله ما يحكم وراء بابك بكتاب ولا بسنة ~~نبيه ، صلى الله عليه وسلم ، قال : فبكى المنصور . فقال سليمان بن مجالد ~~وهو واقف على رأس المنصور : يا عمرو قد شققت على أمير المؤمنين ! فقال عمرو ~~: يا أمير المؤمنين من هذا ؟ قال : أخوك سليمان بن مجالد . قال عمرو : ويلك ~~يا سليمان ! إن أمير المؤمنين يموت وإن كل ما تراه ينفد وإنك جيفة غدا ms274 ~~بالفناء لا ينفعك إلا عمل صالح قدمته ، ولقرب هذا الجدار أنفع لأمير ~~المؤمنين من قربك إذ كنت PageV01P251 تطوي عنه النصيحة وتنهى من ينصحه ، يا ~~أمير المؤمنين إن هؤلاء اتخذوك سلما إلى شهواتهم . قال المنصور : فأصنع ~~ماذا ؟ ادع لي أصحابك أولهم ! قال : ادعهم أنت بعمل صالح تحدثه ومر بهذا ~~الخناق فليرفع عن أعناق الناس واستعمل في اليوم الواحد عمالا كلما رابك ~~منهم ريب أو أنكرت على رجل عزلته ووليت غيره ، فوالله لئن لم تقبل منهم إلا ~~العدل ليتقربن به إليك من لا نية له فيه . وحدث محمد بن عبد الله قال : قال ~~المنصور لجعفر بن حنظلة البهراني : عظني . قال فقلت : يا أمير المؤمنين ~~أدركت عمر بن عبد العزيز سنتين لم يتخذ مالا ولم ينشيء عينا ولم يستخرج ~~أرضا ولم يضع لبنة على لبنة ولا أحصي كم من ولده تحمل الحمالات وحمل على ~~الخيل ، وولي هشام بن عبد الملك ثماني عشرة سنة ما منها سنة إلا وهو ينشيء ~~فيها عيونا ويتخذ فيها أموالا ويقطع لولده القطائع ، ولا أعرف اليوم من ~~ولده رجلا يشبع . فقال : والله لقد وعظت وأحسنت . قال جعفر : ففرحت أن نجعت ~~عظتي في أمير المؤمنين . قال : فأطرق ساعة ثم قال : يا غلام ادع لي سليمان ~~بن مجالد . فدعاه فقال : يا سليمان علق أصحاب قيليا بأرجلهم حتى يؤدوا ما ~~عليهم . وكان قد جعلها لصالح ابنه ، فعلمت أن عظتي لم تنفع قليلا ولا كثيرا ~~. وحدث محمد بن عبد الله الخراساني قال : حدثني المفضل الضبي قال : سمعت ~~المسيب بن زهير يقول : بينا المنصور يطوف بالبيت وأنا قدامه إذا رجل مستلم ~~الركن فقلت له : تنح فقد جاء أمير المؤمنين ، كرتين أو ثلاثا ، فلم يبرح ~~حتى رمقه المنصور وسمعه وهو يقول : اللهم إني أشكو إليك ظهور الجور والبغي ~~والفساد في الأرض وما يحول بين المرء وقلبه من الطمع . فلما سمعه قال لي : ~~يا مسيب علي بالرجل . فقلت له : أما إذ قد ابتليت بك فأجب . قال : حتى أتم ~~طوافي . فلما أتم طوافه قلت له : أجب الآن ms275 فقد فرغت من طوافك ، قال : حتى ~~أصلي ركعتين . قلت : نعم فصل . فصلى ركعتين ثم أدخلته على المنصور ، فلما ~~رآه قال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ! قال : وعليك ~~السلام ، ما هذا الكلام الذي سمعتك تلفظ به آنفا عند الركن ؟ قال : أوسمعته ~~يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم . قال : هو ذاك ، ألست بان عم رسول الله ، ~~صلى الله عليه وسلم ، ألست الخليفة ما بقيت غاية إلا وقد بلغتها ، أتطمع أن ~~تنال ما عند الله جل وعز بما أنت فيه ؟ قال : وفيما أنا ؟ قال : أخبرك بما ~~لا تقدر أن تدفعه . قال : وما هو ؟ قال : عمدت إلى الطين فأوقدت عليه فصيرت ~~منه الآجر قم عمدت إلى الرمل وأوقدت عليه فصيرت منه الجص وصيرت بعضه فوق ~~بعض فبنيت لك منها الحصون المشيدة والقصور العالية PageV01P252 ثم غلقت ~~عليها أبواب الحديد فاحتجبت عن الناس أجمعين ثم أقعدت على الأبواب أقواما ~~عبدوك من دون الله . فلما قال له ذلك استوى جالسا ثم قال : أنا ! قال : نعم ~~أنت ، أما سمعت الله جل ذكره يقول : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله ما صلوا لهم ولا صاموا ولكنهم أمروهم فأطاعوهم في كل ما أرادوا ولم ~~يخالفوهم ، فكانت تلك ربوبتهم ؟ ثم اتخذت بطانة يسيرة وقلت لا يدخل علي ~~فلان وفلان ، فرفع أولئك إليك من أمور المسلمين ما هان عليهم وخف عليك ، ~~فإذا جاء المظلوم إلى الباب لم يصل إليك فصار إلى بعض من يصل إليك فقال ~~ارفع قصتي هذه إلى أمير المؤمنين ، قال : نعم ، فدفعها إليه فإذا هو يتظلم ~~من بعض من يصل إليك ، فأرسل إليه الظالم الذي ظلم صاحب القصة : والله لئن ~~رفعت قصة فلان إلى أمير المؤمنين لأرفعن قصة فلان الذي ظلمته في كذا وكذا ، ~~فأمسك القصة ولم يرفعها ، فعند ذلك اقتطعت حقوق الناس دونك وأنت محصور في ~~قصرك تظن أنك في شيء أو على شيء والناس وراء بابك يقتلون ويؤكلون . والله ~~لقد دفعت إلى جزيرة من جزائر البحر وإذا ملك تلك البلاد مشرك وصنمه في كمه ms276 ~~وتسمى البلاد الصين فرأيته ذات يوم وهو يبكي في مجلسه ، فقام إليه وجوه ~~مملكته فقالوا : ما يبكيك أدام الله ملكك وأعزك أيها الملك ، أليس قد مكن ~~الله لك ، أليس قد مهد الله لك ؟ قال : أبكي الصمم قد اعتراني أخاف أن لا ~~أسمع صوت مظلوم وصارخ بالباب ، ألا وقد آليت عليكم أن لا يركب منكم الفيل ~~ولا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم حتى أعرفه . قال : فلقد والله رأيته يركب ~~بالغداة والعشي يتصفح الوجوه هل يرى مظلوما فينصفه ، فهذا لا يعرف الله جل ~~وعز ولا يريد بذلك رفعة عند الله جل وعز ولا زلفى لديه ولا رجاء ثواب ولا ~~مخافة عقاب ولكن شفقة على ملكه وخوفا من أن ينتشر عليه أمره فيخاف أن يذهب ~~ملكه ، وهو مشرك يفعل هذا ويتفقده من نفسه ورعيته ، وأنت ابن عم رسول الله ~~، صلى الله عليه وسلم ، وكنت أولى بهذا الفعل من ذلك المشرك ! قال : صدقت ~~قد عرفت الذي قلت وفهمت ما وصفت والأمر على ما ذكرت ، ولكن كيف أصنع وقد ~~بليت بأمر الأمة ودعوت الفقهاء فلانا وفلانا على أن أستعين بهم على ما أنا ~~فيه فهربوا مني ؟ قال : إنهم لم يهربوا منك ولكن لم يعلموا أنك تريدهم ~~للعمل بالحق وكان العمل معك ومعونتك أوجب عليهم من الصلاة والصيام والحج ~~والنوافل ولكنهم هربوا خوفا على أبدانهم من عذاب الله وذلك أنهم تخوفوا أن ~~تحملهم على مثل رأيك . قال المنصور : فهذا عمي عيسى بن علي الضامن علي أنك ~~إن تأتيني بهم أطلقت أيديهم في إنصاف الناس ولا PageV01P253 أخالف أمرهم . ~~فقال الرجل : أكذا يا عيسى أنت الضامن على ما قال الخليفة ؟ قال : نعم . ~~قال : الله ، حتى قالها ثلاثا . قال : وأقيمت الصلاة فافترقنا ، فلما صلينا ~~طلب الرجل فلم يوجد فكانوا يرون أنه الخضر ، عليه السلام ، أو ملك أرسل ~~إليه . وحكي عن الحجاج قال : حججت فنزلت ضرية فإذا أعرابي قد كور عمامته ~~على رأسه وتنكب قوسه وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ~~إنما الدنيا دار ممر والآخرة ms277 دار مقر فخذوا من ممركم لمقركم ولا تهتكوا ~~أستاركم عند من يعلم أسراركم ، أما بعد فإنه لم يستقبل أحد يوما من عمره ~~إلا بفراق آخر من أجله ، فاستصلحوا لأنفسكم ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه ~~وراقبوا من ترجعون إليه ، فإنه لا قوي أقوى من خالق ولا ضعيف أضعف من مخلوق ~~ولا مهرب من الله إلا إليه ، وكيف يهرب من يتقلب في يدي طالبه ، وإنما ~~توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ، وما ~~الحياة الدنيا إلا متاع الغرور . وقال بعض الأعراب : إن الموت ليقحم على ~~الشيب تقحم الشيب على الشباب ، ومن عرف الدنيا لم يفرح فيها برخاء ولم يحزن ~~فيها على بلوى ، ولا طالب أغشم من الموت ، ومن عطف عليه الليل والنهار ~~أردياه ، ومن وكل به الموت أفناه . وقال أعرابي : كيف تفرح بعمر تنقصه ~~الساعات وسلامة بدن معرض للآفات ؟ ولقد عجبت من المؤمن يفر من الموت وهو ~~سبيله إلى الثواب ، ولا أرى أحدا إلا سيدركه الموت وهو منه آبق . وقال عتيق ~~بن عبد الله بن عامر بن الزبير : كنت عند سليمان بن عبد الملك فدخل عليه ~~عمر بن عبد العزيز فقال : يا أمير المؤمنين بالباب أعرابي له حزم ودين ~~ولسان . فقال : يؤذن له . فلما دخل قال له سليمان : تكلم . قال : يا أمير ~~المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله إن كرهته فإن وراءه ما تحب . قال : يا ~~أعرابي إنا لنحتمل عمن لا ينصح وأنت الناصح جيبا والمأمون غيبا . فقال : ~~أما إذ أمنت بادرة غضبك فإني سأطلق من لساني ما خرست عنه الألسن تأدية لحق ~~الله جل ذكره ، وحق إمامتك يا أمير المؤمنين إنه قد تكنفك قوم قد أساؤوا ~~الاختيار لأنفسهم فابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم ، خافوك في الله ~~ولم يخافوا الله فيك ، حرب للآخرة سلم للدنيا ، فلا تأمنهم على ما ائتمنك ~~الله جل وعز فإنهم لا يألون للأمانة تضييعا وللأمة خسفا وعسفا ، وأنت مسؤول ~~محاسب على ما اجترحت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك ، فإن أعظم الناس غبنا ms278 ~~بائع آخرته بدنيا غيره ! فقال سليمان : يا أعرابي إن لسانك لأقطع ~~PageV01P254 من سيفك ! قال : أجل يا أمير المؤمنين هو لك لا عليك . فقال له ~~: هل لك حاجة في ذات نفسك ؟ قال : لا حاجة لي في شيء خاص دون عام . وعن أبي ~~بكر الهذلي قال : بعث عمر بن هبيرة إلى الحسن البصري وابن سيرين والشعبي ~~فقدموا عليه وهو بواسط ، وكان رجلا يحب حسن السيرة ويسمع من الفقهاء ، فلما ~~دخلوا عليه ألطفهم وأمر لهم بنزل وحسن ضيافة ، فأقاموا على بابه شهرا ، ~~فغدا عليهم حسن بن هبيرة ذات يوم فقال : إن الأمير داخل عليكم ، فجاء يتوكأ ~~على عكاز له حتى دخل فسلم ثم قال : إن يزيد بن عبد الملك عبد من عبيد الله ~~أخذ عهودهم وأعطاهم عهده كي يسمعوا له ويطيعوا ، وإنه يأتيني منه كتب أعرف ~~في تنفيذها الهلكة فإن أطعته عصيت الله ، فماذا تأمرون ؟ فقال الحسن : يا ~~ابن سيرين أجب الأمير . فسكت . فقال للشعبي : أجب الأمير . فتكلم بكلام ~~هيبة ، فقال : يا أبا سعيد ما تقول ؟ فقال : أما إذ سألتني فإنه يحق علي أن ~~أجيبك : إن الله جل وعز مانعك من يزيد ولن يمنعك يزيد من الله ، وإنه يوشك ~~أن ينزل بك ملك من السماء فيستنزلك من سريرك وسعة قصورك إلى باحة دارك ثم ~~يخرجك من باحة دارك إلى ضيق قبرك ثم لا يوسع عليك إلا عملك . يا ابن هبيرة ~~إني أنهاك عن الله جل وعز ، فإنما جعل الله جل وعز السلطان ناصرا لعباده ~~ودينه فلا تركبوا عباد الله سلطان الله فتذلوهم فإنه لا طاعة لمخلوق في ~~معصية الخالق . يا ابن هبيرة لا تأمنن أن ينظر الله جل وعز إليك عند أقبح ~~ما تعمل في طاعته نظرة مقت فيغلق عنك باب الرحمة . يا ابن هبيرة إني قد ~~أدركت أناسا من صدور هذه الأمة كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم ~~الله عليكم ، وكانوا لحسناتهم أن لا تقبل أخوف منكم لسيئاتكم أن لا تغفر ، ~~وكانوا لثواب الآخرة أبصر منكم لمتاع الدنيا بأعينكم ms279 ، وكانوا على الدنيا ~~وهي عليهم مقبلة أشد إدبارا من إقبالكم عليها وهي عنكم مدبرة . يا عمر إني ~~أخوفك مقاما خوفك الله جل وعز من نفسه فقال : ذلك أن خاف مقامي وخاف وعيدي ~~. يا عمر إن تكن مع الله على يزيد يكفك الله بائقته ، وإن تكن مع يزيد الله ~~على الله يكلك الله إليه . قال : فبكى ابن هبيرة وقام في عبرته وانصرف ~~وأرسل إليهم من الغد بجوائزهم وأعطى الحسن أربعة آلاف درهم وابن سيرين ~~والشعبي ألفين ألفين . فخرج الشعبي إلى المسجد وقال : من قدر منكم أن يؤثر ~~الله جل وعز على خلقه فليفعل ، فإن ابن هبيرة أرسل إلي وإلى الحسن وابن ~~سيرين فسألنا عن أمر . والله ما علم الحسن شيئا جهلته ولا علمت شيئا جهله ~~ابن سيرين ولكنا أردنا وجه ابن هبيرة فأقصانا الله جل وعز وقصر بنا ، وأراد ~~الحسن وجه الله فحباه تبارك اسمه وزاده . وعن المدائني عن علي بن حرب قال : ~~قال الشعبي : جمعنا عمر بن هبيرة بواسط وفينا الحسن البصري فقال : أنا ولي ~~هذه الرعية وربما كان مني الشيء الذي لا أرضاه وأمور ترد علي PageV01P255 ~~من أمير المؤمنين أكره إمضاءها وإنفاذها . فقال الشعبي : لا عليك أيها ~~الأمير ، إنما الوالي والد يخطيء ويصيب ، وما يرد عليك من رأي أمير ~~المؤمنين فإن استطعت أن ترده فاردده وإلا فلا ضير عليك . فقال : ما تقول يا ~~أبا سعيد ؟ فقال الحسن : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، من استرعاه ~~الله جل وعز رعية فلم يحط من ورائها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة ، وأما ~~رأي أمير المؤمنين فإذا ورد عليك فاعرضه على كتاب الله وإن وافقه فأمضه وإن ~~خالفه فاردده ، فإن الله جل وعز يمنعك من يزيد ولن يمنعك يزيد من الله . ثم ~~أقبل الحسن على الشعبي فقال : ويلك يا شعبي ! يقول الناس إن الشعبي فقيه ~~أهل الكوفة فدخل على جبار من الجبابرة فيزين له المعصية ! فقال : والله يا ~~أبا سعيد لقد قلت وأنا أعلم ما فيه ! قال : ذلك أوكد للحجة عليك وأبعد ms280 لك ~~من العذر . قيل : ووجد في كتب بزرجمهر صحيفة فيها : إن حاجة الله جل وعز ~~إلى عباده أن يعرفوه ، فمن عرفه لم يعصه طرفة عين . كيف البقاء بعد الفناء ~~؟ كيف يأسى المرء على ما فاته والموت يطلبه ؟ فقال كسرى : لم يكن من حق ~~عليه أن يقتل وأنا نادم على ذلك . قيل : وحضرت الوفاة رجلا من حكماء فارس ~~فقيل له : كيف حالك ؟ فقال : كيف يكون حال من يريد سفرا بعيدا بغير زاد ~~ويقدم على ملك عادل بغير حجة ويسكن قبرا موحشا بغير أنيس ؟ ! # | مساوئ المواعظ # قال : لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جزع عليه عمر جزعا شديدا ، ~~فقال ذات يوم لمن حضره : هل من منشد شعرا أتعزى به أو واعظ يخفف عني فأتعزى ~~وأتسلى ؟ فقال رجل من أهل الشام : يا أمير المؤمنين كل خليل مفارق خليله ~~بأن يموت أو بأن يذهب إلى مكان . فتبسم عمر ، رحمه الله ، ثم قال : ويحك ! ~~مصيبتي فيك زادتني مصيبة . قيل : وأصيب الحجاج بمصيبة وعنده رسول عبد الملك ~~بن مروان فقال : ليت أني وجدت إنسانا يخفف عني مصيبتي ! فقال رجل ممن حضر : ~~أقول ؟ قال : قل . فقال : كل إنسان يفارق صاحبه يموت أو يصلب أو يقع من فوق ~~البيت أو يقع البيت عليه أو يسقط في بئر أو يغشى عليه PageV01P256 أو يكون ~~شيء لا يعرفه . فضحك الحجاج وقال : مصيبتي في أمير المؤمنين أعظم حيث وجه ~~بمثلك رسولا ! # | محاسن ما قيل في المراثي # قال أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي : أحسن مناطق الشعر المراثي والبكاء ~~على الشيب ، وكان بنو مروان لا يقبلون الشاعر إلا أن يكون راوية للمراثي ، ~~ويقولون : إن فيها ذكر معالي الأمور . وقيل لأبي عبيدة : ما أجود الشعر ؟ ~~فقال : النمط الأوسط ، يعني المراثي . قال : وسألت أعرابيا : ما أجود الشعر ~~عندكم ؟ قال : ما رثينا به آباءنا وأولادنا ، وذلك أنا نقولها وأكبادنا ~~تحترق . قيل : وقال المأمون لبعض جلسائه : ما أحسن ما قيل في المراثي ؟ ~~فقال قوله : فتى لم تكذب موته نادباته . . . بما قلن فيه لا ولا ms281 المادح ~~المطري فتى لم يزل مذ شد عقد إزاره . . . مشيد المعالي أو مقيما على ثغر ~~قال الأصمعي : قدم علينا أعرابي فأقام عندنا أياما ثم رجع إلى البادية فسأل ~~عن إخوانه وأترابه فأخبر أن الدهر أبادهم وأفناهم فبكى وأنشأ يقول : ألا يا ~~موت لم منك بدا . . . أتيت فما تحيد ولا تحابي كأنك قد هجمت على مشيي . . . ~~كما هجم المشيب على شبابي قال أبو العيناء : ابن أبي طاهر أشعر الناس في ~~بيتيه حيث يقول : اذهبا بي إن لم يكن لكما عق . . . ر إلى ترب قبره ~~فاعقراني وانصحا من دمي عليه فقد كا . . . ن دمي من نداه لو تعلمان وقال في ~~مثله : إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت . . . حميمك فاعلم أنها ستعود وإن ~~امرأ ينجو من النار بعدما . . . تزود من أعمالها لسعيد عبد الرحمن بن عيسى ~~بن حماد الهمذاني في حمولة كاتب أحمد بن عبد العزيز : حسنت لفقدك كثرة ~~الأحزان . . . بل هان بعدك نائب الحدثان ما كان حقك أن تصير إلى البلى . . ~~. وأعيش لولا قسوة الإنسان ولآخر : PageV01P257 إذا ما الدهر جر على أناس . ~~. . كلاكله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا . . . سيلقى الشامتون كما ~~لقينا ولعبدة بن الطبيب في قيس بن عاصم : عليك سلام الله قيس بن عاصم . . . ~~ورحمته ما شاء أن يترحما سلام امريء وليته منك نعمة . . . إذا زار عن شحط ~~بلادك سلما فما كان قيس هلكه هلك واحد . . . ولكنه بنيان قوم تهدما البسامي ~~يرثي عبيد الله بن سليمان بن وهب : قد انقضى العيش ومات الكمال . . . وقال ~~صرف الدهر أين الرجال هذا أبو القاسم في نعشه . . . قوموا انظروا كيف تزول ~~الجبال وله فيه : لست مستسقيا لقبرك غيثا . . . كيف يظما وقد تضمن بحرا أنت ~~أولى بأن تعزى من النا . . . س فقد مات بعدك الناس طرا ولأبي الحسين بن أبي ~~البغل : بعدت ديارك غير أني موجع . . . والهم مني في الحشا متداني فاذهب ~~فقد عمرت بشخصك حفرة . . . فضلت على متشامخ البنيان ولئن صبرت فما صبرت ~~تسليا . . . لكن ذلك غاية الولهان # | مساوئ ما قيل في المراثي # القاسم بن ms282 عبيد الله عند موته : لا تأمنن الدهر إني أمنته . . . فلم يبق ~~لي حالا ولم يرع لي حقا قتلت صناديد الرجال فلم أدع . . . عدوا ولم أترك ~~على ظهرها خلقا وأفنيت دار الملك من كل بارع . . . فشتتهم غربا وشدرتهم ~~شرقا فلما بلغت النجم عزا ورفعة . . . وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا رماني ~~الردى سهما فأخمد جمرتي . . . فها أنا ذا في حفرتي ميتا ألقى ولم يغن عني ~~ما جمعت ولم أجد . . . لدى قابض الأرواح في فعله رفقا ولبعضهم في القاسم بن ~~عبيد الله : خرجت من الدنيا ذميما إلى القبر . . . فلا أحد يأسى ولا عبرة ~~تجري PageV01P258 وترت رسول الله في أهل بيته . . . فكيف رأيت الله طالب ~~بالوتر الجاحظ قال : مررت بقبرين مكتوب على أحدهما : أنا ابن سافك الدماء ، ~~وعلى الآخر : أنا ابن ساجن الريح ، فسألت عنهما فقيل : كان أحدهما حجاما ~~والآخر حدادا . قال الكسروي : مررت بناووس في الري فإذا عليه مكتوب : وما ~~نار بمحرقة جوادا . . . وإن كان كان الجواد من المجوس ورأيت على ناووس ذكر ~~أنه ناووس مهيار بن مهفيروز : أيا ميتا قد كان في أهل دينه . . . مكان سنان ~~الرمح لما تقدما لقد كنت أرجو الدهر أن يسعف النوى . . . وأرجو المنايا أن ~~توافيك مسلما فإن بخست آمالنا فيك ضلة . . . سعادة جد ما أجل وأعظما # | محاسن ما قيل في الشيب # قال : دخل منصور النميري على الرشيد فأنشده : ما كنت أوفي شبابي كنه عزته ~~. . . حتى مضى فإذا الدنيا له تبع فبكى الرشيد وقال : يا نميري لا خير في ~~دنيا لا يخطر فيها بحلاوة الشباب ويستمتع بأيامه ، وأنشد : ولو ان الشيب ~~رزء حل بي . . . وقت ما استحققت شيبا لم أبل بل أتاني والصبا يرمقني . . . ~~مثل ما يأتي الكبير المكتهل وأنشد : حسرت عني القناع ظلوم . . . وتولت ~~ودمعها مسجوم أنكرت ما رأت برأسي فقالت . . . أمشيب أم لؤلؤ منظوم قلت شيب ~~وليس عيبا ، فأنت . . . أنة يستثيرها المهموم واكتست لون مرطها ثم قالت . . ~~. هكذا من توسدته الهموم إن أمرا جنى عليك مشيب ال . . . رأس في جمعه لأمر ~~عظيم شد ما أنكرت ms283 تصرف دهر . . . لم يداوم وأي شيء يدوم PageV01P259 لابن ~~المعتز : لما رأت شيبا يلوح بعارضي . . . صدت صدود مغاضب متحمل نظرت إلي ~~بعين من لم يعدل . . . لما تمكن طرفها من مقتلي ما زلت أطلب وصلها بتذلل . ~~. . والشيب يغمزها بأن لا تفعلي ولابن المعتز أيضا في الشيب : قالت وقد ~~راعها مشيبي . . . كنت ابن عم فصرت عما واستهزأت بي فقلت أيضا . . . قد كنت ~~بنتا فصرت أما كفي ولا تكثري ملامي . . . ولا تزيدي العليل سقما من شاب ~~أبصر الغواني . . . بعين من قد عمي وصما لو قيل لي اختر عمى وشيبا . . . ~~أيهما شئت قلت أعمى ولآخر : رأت طالعا للشيب أغفلت أمره . . . ولم تتعهده ~~أكف الخواضب فقالت : أشيبا ماأرى ؟ قلت : شامة . . . فقالت : لقد شامتك بين ~~الحبائب ولآخر : شكوت من الشيب حتى ضجرت . . . فدب إلى عارضي واشتعل وسود ~~وجهي فسودته . . . فعلت به مثل ما قد فعل ولآخر : إذا راقهن خدين الشباب . ~~. . عطفن كما تعطف الوالده وإن هن عاين ذا شيبة . . . فيا لك من مقل زاهده ~~فويح الشباب وويح المشيب . . . عدوان دارهما واحده لابن المعتز : صرحت ~~بالجفاء أم حباب . . . حين باشرتها ببعض الخطاب قلت : لم ذا وقد رأيتك حينا ~~. . . لا تملين عشرتي وعتابي ؟ قالت الشيب قد أتاك فأقصر . . . عن عتابي ~~فلست من أصحابي فتعللت بالخضاب لأحظى . . . عندها ساعة بلون الخضاب فرأته ~~فأعرضت ثم قالت : . . . ستر سوء على خراب يباب ولابن المعتز أيضا : ~~PageV01P260 رفعت طرفها إلي عبوسا . . . واستثارت من المآقي الرسيما ورأتني ~~أسرج العاج بالعا . . . ج فظلت تستحسن الأبنوسا ليس شيبي إذا تأملت شيبا . ~~. . إنما الشيب ما أشاب النفوسا وله : ضحكت إذ رأت مشيبي قد لا . . . ح ~~وقالت قد فضض الأبنوس قلت : إن الشباب في لباق . . . بعد ، قالت : هذا شباب ~~لبيس قال : استقبل يونس النحوي عدوا له وهو يتهادى في مشيه ويقارب خطوه . ~~فقال : يا يونس بلغت ما أرى ! فقال : هذا الذي كنت آمله فقد بلغته فلا ~~بلغته ! فاستحسن ابن الزيات قوله فجعله شعرا وقال : وعائب عابني بشيب . . . ~~لم يعد لما ألم وقته فقلت إذ عابني بشيب : . . . يا عائب الشيب ms284 لا بلغته ~~ولغيره : إن المسيب رداء الحلم والأدب . . . كما الشباب رداء الجهل واللعب ~~تعجبت إذ رأت شيبي فقلت لها . . . لا تعجبي من يطل عمر به يشب فينا لكن وإن ~~شيب بدا أرب . . . وليس فيكن بعد الشيب من أرب شيب الرجال لهم عز ومكرمة . ~~. . وشيبكن لكن الذل فاكتئبي ولآخر : الشيب في رأس الفتى حلم به . . . ~~والشيب في رأس الفتاة قبيح والخال في خد الفتى عيب به . . . والخال في خد ~~الفتاة مليح # | محاسن الورع # محمد بن الحسين عن أبي همام وكان يخدم ضيغما قال : كنت معه في طريق مكة ، ~~فلما صرنا في الرمل نظر إلى ما تلقى الإبل من شدة الحر فبكى . فقلت له : لو ~~دعوت الله أن يمطر علينا كان أخف على هذه الإبل . قال : فنظر إلى السماء ~~وقال : إن شاء ربي فعل . فوالله ما كان إلا أن تكلم حتى نشأت سحابة وهطلت . ~~وعن عطاء أن أبا مسلم الخولاني خرج إلى السوق بدرهم يشتري لأهله دقيقا فعرض ~~له سائل فأعطاه بعضه ثم عرض له آخر فأعطاه الباقي وأتى إلى النجارين فملأ ~~مزوده من نشارة PageV01P261 الخشب وأتى به منزله وخرج هاربا من أهله ، ~~فأخذت المرأة المزود فإذا دقيق حوارى فعجنته وخبزت . فلما جاء قال : من أين ~~هذا ؟ قالت : الدقيق الذي جئت به . وعن أبي عبد الله القرشي عن رجل قال : ~~دخلت بئر زمزم فإذا أنا بشخص ينزع الدلو مما يلي الركن ، فلما شرب أرسل ~~الدلو فأخذته فشربت فضلته فإذا هو سويق لوز لم أر سويق اللوز أطيب منه ، ~~فلما كانت القابلة في ذلك الوقت دخل الرجل وقد أسبل ثوبه على وجهه ونزع ~~الدلو وشرب وأرسل الدلو ، فأخذته وشربت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالعسل لم ~~أشرب شيئا قط أطيب منه ، فأردت أن آخذ طرف ثوبه فأنظر من هو ففاتني ، فلما ~~كان في السنة الثالثة قعدت قبالة زمزم فلما كان في ذلك الوقت جاء الرجل وقد ~~أسبل ثوبه على وجهه فدخل فأخذت طرف ثوبه ، فلما شرب من الدلو وأرسلها قلت : ~~يا هذا أسألك ms285 برب هذه البنية من أنت ؟ قال : تكتم علي حتى أموت ؟ قلت : نعم ~~. قال : أنا سفيان ، وهو الثوري ، فتناولت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالسكر ~~الطبرزد لم أر قط أطيب منه ، فكانت تلك الشربة تكفيني إذا شربتها إلى مثلها ~~من الوقت لا أجد جوعا ولا عطشا . وقال الأصمعي : رأيت أعرابيا يكدح جبينه ~~بالأرض يريد أن يجعل سجادة فقلت : ما تصنع ؟ قال : إني وجدتها نعم الأثر في ~~وجه الرجل الصالح . ومما قيل من الشعر من هذا الفن منهم بشار حيث يقول : ~~كيف يبكي لمحبس في طلول . . . من سيقضي ليوم حبس طويل إن في البعث والحساب ~~لشغلا . . . عن وقوف برسم دار محيل ولمحمد بن بشير : ويل لمن لم يرحم الله ~~. . . ومن تكون النار مثواه يا حسرتا في كل يوم أتى . . . يذكرني الموت ~~وأنساه كأنه قد قيل في مجلس . . . قد كنت أتيه وأغشاه صار البشيري إلى ربه ~~. . . يرحمنا الله وإياه ولجرير : إن الشقي الذي في النار منزله . . . ~~والفوز فوز الذي ينجو من النار يا رب قد أسرفت نفسي وقد علمت . . . علما ~~يقينا لقد أحصيت أثاري فاغفر ذنوبا إلهي قد أحطت بها . . . رب العباد ~~وزحزحني عن النار ولذي الرمة بيت : إن تنج منها تنج من ذي عظيمة . . . وإلا ~~فإني لا إخالك ناجيا PageV01P262 ولآخر : أستغفر الله مما يعلم الله . . . ~~إن الشقي لمن لم يرحم الله هبه تجاوز لي عن كل سيئة . . . وا سوءتاه من ~~حيائي يوم ألقاه ولإسماعيل بن القاسم : تعصي الإله وأنت تظهر حبه . . . هذا ~~محال في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته . . . إن المحب لمن يحب مطيع ~~ولآخر : أيا عجبا كيف يعصي الإل . . . ه أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له ~~قدرة . . . تدل على أنه واحد ولله في كل تحريكة . . . وتسكينة أبدا شاهد ~~ولأبي نواس الحسن بن هانيء : سبحان من خلق الخل . . . ق من ضعيف مهين ~~يسوقهم من قرار . . . إلى قرار مكين يحور خلقا فخلقا . . . في الحجب دون ~~العيون حتى بدت حركات . . . مخلوقة من سكون ولآخر : أخي ما بال قلبك ليس ~~ينقى ms286 . . . كأنك لا تظن الموت حقا ألا يا ابن الذين مضوا وبادوا . . . أما ~~والله ما ذهبوا لتبقى وما لك غير تقوى الله زاد . . . إذا جعلت إلى اللهوات ~~ترقى ولآخر : يا قلب مهلا وكن على حذر . . . فقد لعمري أمرت بالحذر ما لك ~~بالترهات مشتغلا . . . أفي يديك الأمان من سقر ولآخر : إن كنت توقن بالقيا ~~. . . مة واجترأت إلى الخطيه فلقد هلكت وإن جحد . . . ت فذاك أعظم للبليه ~~ولآخر : وأفنية الملوك محجبات . . . وباب الله مبذول الفناء PageV01P263 ~~فمن أرجو سواه لكشف ضر . . . وبلوى حين أجهد في الدعاء وشكوائي إلى ملك ~~عظيم . . . جليل لا يصم عن الدعاء # | مساوئ من لم يتورع # ابن أبي العرجاء قال : أراد موسى بن داود بن علي بن عبد الله بن العباس ~~الخروج إلى الحج فدعا بأبي دلامة فقال له : تهيأ حتى تخرج معنا ، وأعطاه ~~عشرة آلاف درهم وقال : خلف لعيالك ما يكفيهم . وإنما أراد موسى أن يأنس به ~~في طريقه ويحدثه بنوادره وملحه ويسامره بالليل والنهار وينشده الأشعار . ~~وكان أبو دلامة يفي بذلك كله مع ظرف كان فيه ولطف ، وكان من ابراز الملوك . ~~فلما حضر خروج موسى هرب إلى السواد بالكوفة فجعل يشرب من خمرها ويتمتع في ~~نزهتها ، وقد سأل عنه موسى فقيل له : استتر ، فطلبه تحت كل حجر فلم يقدر ~~عليه فخاف أن يفوته الحج فلما أيس منه قال : اتركوه إلى نار الله وحر سقره ~~، وخرج ، فلما شارف القادسية نظر إلى أبي دلامة قد خرج من قرية يريد أخرى ، ~~فبصروا به وأتوه به . فقال : قيدوه وألقوه في المحمل ، ففعل به ذلك ، وأنشأ ~~يقول : يا معشر الناس قولوا أجمعين معا . . . صلى الإله على موسى بن داود ~~أما أبوك فعين الجود تعرفه . . . وأنت أشبه خلق الله بالجود نبئت أن طريق ~~الحج معطشة . . . من الطلاء وما شربي بتصريد والله ما بي من خير فتطلبه . . ~~. في المسلمين ولا ديني بمحمود كأن ديباجتي خديه من ذهب . . . إذا تكسر في ~~أثوابه السود إني أعوذ بداود وتربته . . . من أن أحج بكره يا ابن داود فقال ~~موسى : ألقوه ms287 من المحمل عليه لعنة الله ودعوه يذهب إلى سقر الله ! فألقي عن ~~المحمل ومضى موسى لوجهه . فما زال أبو دلامة بالسواد يشرب من خمرها ويتمتع ~~في نزهتها حتى أتلف العشرة الآلاف الدرهم مع إخوانه وندمائه ، وانصرف موسى ~~فدخل عليه أبو دلامة يهنئه ، فلما بصر به قال : يا محارف أتدري ما فاتك ؟ ~~فقال : والله يا سيدي ما فاتني ليل ولا نهار ، يعني اللهو والقصف ، ثم ~~أنشده مديحا له فيه ، فاستحسنه وأمر له بجائزة . قيل : وكان جندي بقزوين ~~يصلي في بعض المساجد فافتقده المؤذن أياما فقرع عليه الباب فخرج إليه . ~~فقال له المؤذن : أبو من ؟ قال : أبو الجحيم . قال : بس رد يا هذا الباب . ~~قال وقيل للقيني : ما أيسر ذنبك ؟ قال : ليلة الدير . قيل : وما ليلة الدير ~~؟ قال : نزلت بديرانية فأكلت عندها طفيشلا بلحم خنزير وشربت خمرها وسرقت ~~كساءها وخرجت . PageV01P264 # | ما قيل فيه من الشعر # قال بشار : وإنني في الصلاة أحضرها . . . ضحكة أهل الصلاة إن شهدوا أقعد ~~في سجدة إذا ركعوا . . . وأرفع الرأس إن هم سجدوا أسجد والقوم راكعون معا . ~~. . وأسرع الوثب إن هم قعدوا فلست أدري إذا إمامهم . . . سلم كم كان ذلك ~~العدد ولآخر : نعم الفتى لو كان يعرف ربه . . . ويقيم وقت صلاته حماد عدلت ~~مشافره الدنان وأنفه . . . مثل القدوم يسنه الحداد وابيض من شرب المدامة ~~وجهه . . . فبياضه يوم الحساب سواد ولآخر : إن قرأ العاديات في رجب . . . ~~فليس يأتي بها إلى رجب بل هو لا يستطيع في سنة . . . يختم تبت يدا أبي لهب # | محاسن صفة الدنيا # قال علي بن أبي طالب : الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ~~ودار غنى لمن تزود منها ، مسجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر ~~أوليائه ، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة ، فمن ذا يذمها وقد آذنت ~~ببينها ونادت بفراقها ونعت نفسها فشوقت بسرورها إلى السرور ببلائها إلى ~~البلاء تخويفا وتحذيرا وترغيبا وترهيبا ، فأيها الذام للدنيا والمتعلل ~~بتغريرها متى غرتك ، أبمصارع آبائك في البلى أم بمضاجع أمهاتك في الثرى ؟ ~~كم عللت بكفيك ms288 وكم مرضت بيديك تبتغي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء وتلتمس ~~لهم الدواء لم ينفعهم تطلبك ذلك ولم يشفهم دواؤك ! مثلت لك الدنيا مصرعك ~~ومضجعك حيث لا ينفعك بكاؤك ولا يغني عنك أحباؤك ، ثم وقف على أهل القبور ~~فقال : يا أهل الثروة والعز إن الأزواج بعدكم قد نكحت والأموال قد قسمت ~~والدور قد سكنت ، فهذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ؟ ثم التفت إلى ~~أصحابه فقال : أما والله لو أذن لهم لقالوا : إن خير الزاد التقوى . وفي ~~خبر أن عليا وقف على المقابر ثم قال : اعتبروا بأهل الديار التي طبق ~~بالخراب فناؤها وشيد في التراب بناؤها ، فمحلها مقترب وساكنها مغترب ، لا ~~يتزاورون تزاور الإخوان PageV01P265 ولا يتواصلون تواصل الجيران ، قد طحنهم ~~بكلكله البلى وأكلتهم الجنادل والثرى . ثم قال : إن الأزواج بعدكم قد نكحت ~~، إلى آخر الخبر . # | مساوئ صفة الدنيا # قال الحسن البصري : بينا أنا أطوف بالبيت إذا أنا بعجوز متعبدة ، فقلت : ~~من أنت ؟ فقالت : من بنات ملوك غسان . قلت : فمن أين طعامك ؟ قالت : إذا ~~كان آخر النهار في كل يوم تجيئني امرأة متزينة فتضع بين يدي كوزا من ماء ~~ورغيفين . قلت لها : أتعرفين المرأة ؟ قالت : اللهم لا . قلت : هذه الدنيا ~~خدمت ربك جل وعز فبعث إليك بالدنيا فخدمتك على رغم أنفها . وزعموا أن زياد ~~ابن أبيه مر بالحيرة فنظر إلى دير هناك فقال لحاجبه : ما هذا ؟ قال : دير ~~حرقة بنت النعمان بن المنذر . فقال : ميلوا بنا إليها نسمع كلامها . فجاءت ~~إلى وراء الباب فكلمها الخادم فقال لها : كلمي الأمير . فقالت : أوجز أم ~~أطيل ؟ قال : بل أوجزي . قالت : كنا أهل بيت طلعت الشمس وما على الأرض أعز ~~منا فما عابت تلك الشمس حتى رحمنا عدونا . قال : فأمر لها بأوساق من شعير . ~~فقالت : أطعمتك يد شبعى جاعت ولا أطعمتك يد جوعى شبعت . فسر زياد بكلامها ~~وقال لشاعر : قيد هذا الكلام لا يدرس . فقال : سل الخير أهل الخير قدما ولا ~~تسل . . . فتى ذاق طعم الخير منذ قريب وفي مثل هذا قول أعرابي وقد دعا ms289 لرجل ~~بره : مستك يد أصابت فقرا بعد غنى ولا مستك يد أصابت غنى بعد فقر . ويقال : ~~إن فروة بن إياس بن قبيصة انتهى إلى دير حرقة بنت النعمان فألفاها وهي تبكي ~~. فقال لها : ما يبكيك ؟ فقالت : ما من دار امتلأت سرورا إلا امتلأت ثبورا ~~، ثم قالت : فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا . . . إذا نحن فيهم سوقة نتقسم ~~وقالت : فأف لدنيا لا يدوم نعيمها . . . وأف لعيش لا يزال يهضم قال : وقالت ~~حرقة بنت النعمان لسعد بن أبي وقاص : لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة وعقد لك ~~المنن في أعناق الكرام ، ولا أزال بك عن كريم نعمة ، ولا أزالها بغيرك إلا ~~جعلها السبب لردها عليه . قال وقال عبد الملك بن مروان لسلمة بن زيد الفهمي ~~: أي الزمان أدركت أفضل وأي الملوك ؟ فقال : أما الملوك فلم أر إلا ذاما أو ~~حامدا ، وأما الزمان فيضع قوما ويرفع آخرين PageV01P266 وكلهم يذم زمانه ~~لأنه يبلي جديدهم ويطوي أعمارهم ويهرم صغيرهم وكل ما فيه منقطع إلا الأمل . ~~قال : فأخبرني عن فهم . قال : هم كما قال الشاعر : درج الليل والنهار على ~~فه . . . م بن عمرو فأصبحوا كالرميم وخلت دارهم فأضحت يبابا . . . بعد عز ~~وثروة ونعيم وكذاك الزمان يذهب بالنا . . . س وتبقى ديارهم كالرسوم قال : ~~فمن يقول منكم : رأيت الناس مذ خلقوا وكانوا . . . يحبون الغني من الرجال ~~وإن كان الغني أقل خيرا . . . بخيلا بالقليل من النوال فما أدري علام وفيم ~~هذا . . . وماذا يرتجون من البخال أللدنيا فليس هناك دنيا . . . ولا يرجى ~~لحادثة الليالي قال : أنا وقد كتمتها . قال : ولما دخل علي بن أبي طالب ، ~~رضي الله عنه ، المدائن نظر إلى إيوان كسرى فأنشده بعض من حضره قول الأسود ~~بن يعفر : ماذا أؤمل بعد آل محرق . . . تركوا منازلهم وبعد إياد أهل ~~الخورنق والسدير وبارق . . . والقصر ذي الشرفات من سنداد نزلوا بأنقرة يسيل ~~عليهم . . . ماء الفرات يسيل من أطواد أرض تخيرها لطيب مقيلها . . . كعب بن ~~مامة وابن أم دؤاد جرت الرياح على محل ديارهم . . . فكأنما كانوا على ميعاد ~~فأرى النعيم وكل ms290 ما يلهى به . . . يوما يصير إلى بلى ونفاد فقال علي ، رضي ~~الله عنه : أبلغ من ذلك قول الله جل وعز : ' كم تركوا من جنات وعيون وزروع ~~ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين ' . وقال ~~عبد الملك ببن المعتز : أهل الدنيا كصورة في صحيفة كلما نشر بعضها طوي ~~بعضها . وقال : أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام . وقال بعضهم : طلاق ~~الدنيا مهر الجنة . وذكر أعرابي الدنيا فقال : هي جمة المصائب رنقة المشارب ~~لا تمتعك الدهر بصاحب . PageV01P267 وقال أبو الدرداء : من هوان الدنيا على ~~الله جل وعز أنه لا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها . وقيل : ~~إذا أقبلت الدنيا على امريء أعارته محاسن غيره ، وإذا أدبرت عنه سلبته ~~محاسن نفسه . # | ما قيل فيه من الشعر # قال الأصمعي : ووجد في قبة لسليمان بن داود ، عليه السلام ، مكتوب : ومن ~~يحمد الدنيا لشيء يناله . . . فسوف لعمري عن قليل يلومها إذا أدبرت كانت ~~على الناس حسرة . . . وإن أقبلت كانت كثيرا همومها وكان إبراهيم بن أدهم ~~ينشد : نرقع دنيانا بتمزيق ديننا . . . فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع وقال ~~أبو العتاهية : يا من ترفع بالدنيا وزينتها . . . ليس الترفع رفع الطين ~~بالطين إذا أردت شريف القوم كلهم . . . فانظر إلى ملك في زي مسكين ولآخر : ~~هب الدنيا تساق إليك عفوا . . . أليس مصير ذاك الزوال فما ترجو بشيء ليس ~~يبقى . . . وشيكا ما تغيره الليالي محمود الوراق : هي الدنيا فلا يغررك ~~منها . . . مخايل تستفز ذوي العقول أقل قليلها يكفيك منها . . . ولكن ليس ~~تقنع بالقليل تشيد وتبتني في كل يوم . . . وأنت على التجهز والرحيل ومن هذا ~~الذي يبقي عليها . . . مضاربه بمدرجة السيول ولآخر : أيا دنيا حسرت لنا ~~قناعا . . . وكان جمال وجهك في النقاب ديار طال ما حجبت وعزت . . . فأصبح ~~إذنها سهل الحجاب وقد كانت لها الأيام ذلت . . . فقد قرنت بأيام صعاب كأن ~~العيش فيها كان ظلا . . . يقلبه الزمان إلى ذهاب PageV01P268 ولآخر : دنيا ~~تداولها العباد ذميمة . . . شيبت بأكره من نقيع الحنظل وثبات دنيا لا تزال ~~ملمة . . . منها فجائع ms291 مثل وقع الجندل ولآخر بيت : حتى متى أنت في دنياك ~~مشتغل . . . وعامل الله بالرحمان مشغول أبو نواس : دع الحرص على الدنيا . . ~~. وفي العيش فلا تطمع ولا تجمع من المال . . . فما تدري لمن تجمع ولا تدري ~~أفي أرض . . . ك أم في غيرها تصرع قال : وقال الأصمعي قال أبو عمرو بن ~~العلاء : بينا أنا أدور في بعض البوادي إذا أنا بصوت : وإن امرأ دنياه أكثر ~~همه . . . لممتسك منها بحبل غرور قال : فنقشته على خاتمي . قال : وسمع يحيى ~~بن خالد البرمكي بيت العدوي في صفة الدنيا حيث يقول : حتوفها رصد وعيشها ~~نكد . . . وشربها رنق وملكها دول فقال : لقد انتظم في هذا البيت صفة الدنيا ~~. قيل : وسمع المأمون بيت أبي نواس : إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت . . . له ~~عن عدو في ثياب صديق فقال : لو سئلت الدنيا عن نفسها لما وصفت كما وصفها به ~~أبو نواس . وقال أبو حازم : الدنيا طالبة ومطلوبة وطالب الدنيا يطلبه الموت ~~حتى يخرجه منها وطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى توفيه رزقه . قال : وقيل ~~للحسن البصري : ما تقول في الدنيا ؟ فقال : ما عسى أن أقول ؟ حلالها حساب ~~وحرامها عذاب . فقيل : ما سمعنا كلاما أوجز من هذا ! قال : بلى كلام عمر بن ~~عبد العزيز ، كتب إليه عدي بن أرطاة وهو على حمص أن مدينة حمص قد تهدمت ~~واحتاجت إلى إصلاح حيطانها ، فكتب إليه : حصنها بالعدل ونق طرفها من الظلم ~~. PageV01P269 # | محاسن معرفة الأوائل # حدثنا زيد بن أخزم قال : حدثنا عبد الصمد عن سعيد عن المغيرة قال : سمعت ~~سماك بن سلمة يقول : أول من خط بالقلم إدريس ، عليه السلام . وهو أول من ~~خاط الثياب ولبسها وكانوا من قبله يلبسون الجلود . وأول قرية بنيت في الأرض ~~قرية تسمى ثمانين ابتناها نوح ، عليه السلام . وأول من عمل الصابون سليمان ~~بن داود ، عليه السلام . وأول من باع فيمن يزيد حلسا وقدحا رسول الله ، صلى ~~الله عليه وسلم . وأول من اتخذ القراطيس يوسف ، عليه السلام . وأول من خبز ~~له الرقاق نمرود بن كنعان لعنه الله وأول من حكم ms292 في الخنثى عامر بن الظرب ~~العدواني . وأول من خضب بالسواد عبد المطلب بن هاشم . وأول من سن الدية من ~~الإبل أبو سيارة العدواني وأقره رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في ~~الإسلام . وأول من خلع نعله لدخول الكعبة الوليد بن المغيرة فخلع الناس ~~نعالهم في الإسلام . وهو أول من قضى بالقسامة في الجاهلية فأقرها رسول الله ~~، صلى الله عليه وسلم ، في الإسلام . وهو أول من حرم الخمر على نفسه في ~~الجاهلية فأقرها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في الإسلام . وهو أول من ~~قطع في السرقة في الجاهلية فقطع رسول الله في الإسلام . وأول من سلم عليه ~~بالإمرة المغيرة بن شعبة . وأول من أرخ الكتب وختم على الطين عمر بن الخطاب ~~، رضي الله عنه . وأول من كتب بالعربية مرامر بن مروة من أهل الأنبار ~~فانتشر من الأنبار في الناس . وأول من مشت الرجال معه وهو راكب الأشعث بن ~~قيس . وأول من اتخذ المقصورة في المسجد معاوية بن أبي سفيان وذلك أنه بصر ~~كلبا على منبره . وأول من لبس الخفاف وثياب الكتان زياد بن أبي سفيان ، ~~وأول من لبس الطيلسان جبير بن مطعم . وأول من لبس الخز الطاروني عبد الله ~~بن عامر فقال الناس : لبس الأمير جلد دب . وأول من نقش على الدراهم عبد ~~الملك بن مروان وأول من سمي عبد الملك . وأول من ابتنى مدينة في الإسلام ~~الحجاج بن يوسف بنى مدينة واسط ، وهو أول من قعد على سرير في حرب وأول من ~~اتخذ المحامل ، فقال فيه حميد الأرقط : أخزى الإله عاجلا وآجلا أول عبد عمل ~~المحاملا عبد ثقيف ذاك أزلا آزلا وهو أول من علق له الخيش ونقل له الثلج . ~~وأول من أطعم على ألف مائدة على كل مائدة عشرة رجال وأجاز بألف ألف درهم ~~ولبس الدراريع السود المختار بن أبي عبيد . وأول من حذا النعال جذيمة ~~الأبرش ، وهو أول من وضع المنجنيق ورفعت له الشموع ونادم الفرقدين . وأول ~~من حدا رجل من مضر . وأول رأس حمل من بلد ms293 إلى بلد رأس عمرو بن PageV01P270 ~~الحمق الخزاعي . وأول من عمل له النعش زينب بنت جحش زوجة رسول الله ، صلى ~~الله عليه وسلم ، فقال عمر بن الخطاب : نعم خباء الظعينة ! وأول من قطع نهر ~~بلخ سعيد بن عثمان بن عفان . وأول من ضرب بسيفه باب قسطنطينية وأذن في بلاد ~~الروم عبد الله بن طليب من بني عامر بن صعصعة وكان مع مسلمة بن عبد الملك ~~فأراد قيصر قتله فقال : والله لئن قتلتني لا تبقى بيعة في بلدان الإسلام ~~إلا هدمت ! فكف عنه . وأول من جمع جمعة مصعب بن عمير جمعهم بالمدينة وكانوا ~~اثني عشر رجلا . وروى أبو هلال عن أبي حمزة قال : أول من رأينا بالبصرة ~~يتوضأ بالماء عبيد الله بن أبي بكرة فقلنا : انظروا إلى هذا الشيخ يلوط ~~استه ، أي يستنجي بالماء . وأول مولود ولد في الإسلام عبد الله بن الزبير . ~~وأول من رشا في الإسلام المغيرة بن شعبة . وأول رام رمى في الإسلام سعد بن ~~أبي وقاص . وأول قاض قضى أبو قرة الكندي . وأول من اتخذ الجمازات أم جعفر . # | مساوئ الأوائل # أول من اتخذ الود رجل يقال له لمك ولد له على كبر سنه ابن فأصيب به واشتد ~~وجده عليه فعمد إلى عود واتخذ كهيأة الصبي شبه صدر العود بالفخذ وإبريقه ~~بالقدم والملاوي بالأصابع والأوتار بالعروق ثم ضرب به ، وكانت له ابنة يقال ~~لها ملاهي ، وهي أول من اتخذت المعازف والطبول . وأول من عمل الطنابير قوم ~~لوط كانوا يستميلون بها الغلمان المرد . وأما الزمر وشبهه فللرعاء والأكراد ~~. وكان أول من غنى من العرب جذيمة بن سعد الخزاعي وذلك بعد جرادتي عاد ، ~~وكان من أحسن الناس صوتا فسمي المصطلق فغنى بالركبانية ، ويقال إن أول من ~~غنى باليمن رجل من حمير يقال له عنبس : وأول من غنى بالحرمين طويس . وأول ~~امرأة قطعت يدها في الإسلام في السرق بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم ~~قطعها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وقال : لو كانت فاطمة بنت محمد ~~لقطعتها . ومن الرجال ms294 الخيار بن عدي بن نوفل . # | محاسن الدلائل # روي عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال لعلي بن أبي طالب ، رضي ~~الله عنه : إن المؤمن إذا أتت عليه ستون سنة أحبه أهل السماء والأرض ، وإذا ~~أتت عليه سبعون سنة كتبت حسناته ومحيت سيئاته ، وإذا أتت عليه ثمانون سنة ~~غفر له ما تقدم من ذنبه ، وإذا أتت عليه تسعون سنة شفع في PageV01P271 أهل ~~بيته وأهله ، وإذا أتت عليه مائة سنة كتب اسمه عند الله عز وجل أسير الله ~~في أرضه . وقال عمرو بن العاص : يتغير الغلام لسبع ، ويحتلم لأربع عشرة سنة ~~، ويتم خلقه لإحدى وعشرين ، ويجتمع عقله لثمان وعشرين ، وما بعد ذلك فتجارب ~~. وقال وهشابور : يستحب من الربيع الزهرة ، ومن الخريف الخصب ، ومن الغريب ~~الانقباض ، ومن القاريء البيان ، ومن الغلام الكياسة ، ومن الجارية الملاحة ~~. # | ومنه باب آخر # قيل : إذا جارت الولاة قحطت السماء ، وإذا منعت الزكاة هلكت الماشية ، ~~وإذا ظهر الربا ظهر الفقر والمسكنة ، وإذا خفرت الذمة أديل العدو . وعن ابن ~~عباس قال : إذا رأيتم السيوف قد أعريت والدماء قد أريقت فاعلموا أن حكم ~~الله جل وعز قد ضيع وانتقم من بعضهم ببعض ، وإذا رأيتم الرثاء قد فشا ~~فاعلموا أن الربا قد فشا ، وإذا منعتم القطر فاعلموا أن الناس قد منعوا ما ~~عندهم من الزكاة فمنع الله جل وعز ما عنده . # | محاسن المشورة # كان يقال : إذا استحار الرجل ربه واستشار نصيحة وأجهد رأيه فقد قضى ما ~~عليه ويقضي الله جل وعز في أمره ما يحب . وقال آخر : حسن المشورة من المشير ~~قضاء لحق النعمة . وقيل : إذا استشرت فانصح وإذا تركت فاصفح . وقال آخر : ~~من وعظ أخاه سرا زانه ومن وعظه علانية شانه . وقال آخر : الاعتصام بالمشورة ~~نجاة . وقال آخر : نصف عقلك مع أخيك فاستشره . وقال آخر : إذا أراد الله ~~بعبد هلاكا أهلكه برأيه . وقال آخر : إن المشورة تقوم اعوجاج الرأي . وقال ~~: إياك ومشورة النساء فإن رأيهن إلى الإفن وعزمهن إلى الوهن . وروي عن ابن ~~عباس ، رضي الله عنه ، أنه قال : كان ms295 بين العباس بن عبد المطلب PageV01P272 ~~وعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، مباعدة فلقيت عليا ، رحمه الله ، فقلت ~~له : إن كان لك في النظر إلى عمك حاجة فأته وما أراك تلقاه . فوجم لها ثم ~~قال : تقدمني . فتقدمته فأذن له فاعتنق كل واحد منهما صاحبه وأقبل علي على ~~يده ورجله يقبلهما ويقول : يا عم ارض عني رضي الله عنك ! قال : قد رضيت عنك ~~، ثم قال : يا ابن أخي قد كنت أشرت عليك بأشياء فلم تقبل مني فرأيت في ~~عاقبتها ما كرهت وها أنا أشير عليك برأي آخر فإن قبلته وإلا نالك ما نالك . ~~فقال : وما الذي كنت أشرت به يا عم ؟ قال : أشرت عليك لما قبض رسول الله ، ~~صلى الله عليه وسلم ، أن تسأله فإن كان الأمر فينا أعطاناه وإن كان في ~~غيرنا أوصى بنا . فقلت : إن منعناه لم يعطنا أحد بعده . فمضت تلك ، فلما ~~قبض رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أتانا سفيان بن حرب تلك الساعة ~~فدعوناك إلى أن نبايعك فقلت : ابسط يدك حتى نبايعك ، فإنا إن بايعناك لم ~~يختلف عليك منافي وإن بايعك بنو عبد مناف لم يختلف عليك قرشي وإن بايعتك لم ~~يختلف قريش لم يختلف عليك أحد من العرب . فقلت : في جهاز رسول الله ، صلى ~~الله عليه وسلم ، شغل وليس علي فوت . فلم نلبث أن سمعنا التكبير من سقيفة ~~بني ساعدة فقلت : ما هذا يا عم ؟ فقلت : هذا ما دعوناك إليه فأبيته ! قلت : ~~سبحان الله ويكون هذا ! قلت وهل رد مثل هذا ؟ ثم أشرت عليك حين طعن عمر ، ~~رحمه الله ، أن لا تدخل نفسك في الشورى فإنك إن اعتزلتهم قدموك وإن ساويتهم ~~تقدموك . فدخلت معهم فكان ما رأيت . وها أنا أقول لك الآن : أرى هذا الرجل ~~، يعني عثمان بن عفان ، رحمه الله ، يأخذ في أمور ولكأني بالعرب قد سارت ~~إليه حتى ينحر كما ينحر الجزور ، والله لئن كان ذاك وأنت بالمدينة ليرمينك ~~الناس بدمه ولئن فعلوا لا تنال من هذا الأمر شيئا إلا بشر لا خير ms296 معه . قال ~~ابن عباس : فلما قتل عثمان ، رضي الله عنه ، خرج علي وهو على بغلة رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم . وأنا عن يمينه وابن القاريء عن يساره ، وكان ~~من أمر طلحة والزبير ما كان ، وقتل طلحة عشية ذلك اليوم وأنا أرى الكراهية ~~في وجه علي ، رضي الله عنه . فقال : أما والله لقد كنت أكره أن أرى قريشا ~~صرعى تحت بطون الكواكب ، ولكن نظرت إلى ما بين الدفتين فلم أر يسعني إلا ~~قتالهم أو الكفر ، ولئن كان قال هؤلاء ما سمعت في طلحة لقد كان كما قال أخو ~~جعفى : فتى كان يدنيه الغنى من صديقه . . . إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر ~~ورحم الله عمي فكأنما يطلع إلى الغيب من ستر رقيق ، صدق والله ما نلت من ~~هذا الأمر شيئا إلا بعد شر لا خير معه . قال : وقال ابن عباس لعلي ، رضي ~~الله عنه : اجعلني السفير بينك وبين معاوية في PageV01P273 الحكمين فوالله ~~لأفتلن له حبلا لا ينقطع وسطه ولا ينتشر طرفاه . قال علي ، رحمه الله : لست ~~من كيدك وكيد معاوية في شيء ، والله لا أعطيه إلا السيف حتى يدخل في الحق . ~~قال ابن عباس : وهو والله لا يعطيك إلا السيف حتى يغلب بباطله حقك . قال ~~علي ، رضي الله عنه : وكيف ذاك ؟ قال : لأنك تطاع اليوم وتعصى غدا وإنه ~~يطاع فلا يعصى . فلما انتشر على علي ، رضي الله عنه ، أصحابه وابن عباس ~~بالبصرة قال : لله ابن عباس إنه لينظر إلى الغيب من ستر دقيق . ومثله خبر ~~عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، حين قال لأصحابه : دلوني على رجل أستعمله ~~على أمر قد أهمني . قالوا : فلان . قال . لا حاجة لنا فيه . قالوا : فمن ~~تريد ؟ قال : أريد رجلا إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم ، ~~وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم . قالوا : ما نعرف هذه الصفة إلا في ~~الربيع بن زياد الحارثي . قال : صدقتم . فولاه . ومنه خبر صاحب الأمين ، ~~فإنه حكي أنه كان بمدينة السلام شيخ من الكتاب مسن قد اعتزل ms297 لأمور وكان ~~يوصف بجودة الرأي ، فدعاه محمد الأمين وشاوره في أمر أخيه المأمون وما ~~ينبغي أن يعامله حتى يقع في يده . فقال : إن استعجلت لم تنتفع بفعل ولا رأي ~~، وإن تمهلت وقبلت مشورتي تمكنت من أخيك وذاك أنك تدعو بحجاج خراسان إذا ~~قدموا مدينة السلام وتجلس مجلسا حافلا وتقول لهم : إن أخي كتب إلي يحمدكم ~~ويذكر سمعكم وطاعتكم وجميل مذاهبكم ، وتجزيهم الخير ثم تقول : قد أسقطت ~~عنكم خراج سنة ، وأخوك في بلد رجال بلا مال وليس له في نقض قولك حيلة ~~وسيناله من ذلك خلل شديد حتى ينتقض أكثر أمره ، ثم تفعل مثل ذلك في السنة ~~المقبلة وترفع عنهم خراج سنتين ، فإن لم يأتوك بأخيك في وثاق وكنت حيا ~~فاضرب عنقي . فلم يقبل الأمين ذلك للأمر المقدور والقضاء السابق وعجل إلى ~~خلع المأمون في عقد الأمر لابنه حتى كان ما كان . وليس يبلغ شيء في الملك ~~والدولة خاصة مبلغ الرأي لأن الرأي لا يحتاج إلى السلاح والسلاح يحتاج أهله ~~إلى الرأي وإلا كانت عدتهم عليهم ضررا إذا لم يصيبوا في استعمالها وجه ~~الرأي . # | مساوئ من يستشير # قال بعض أهل العلم : لو لم يكن في المشورة إلا الاستحقار من صاحبها لك ~~وظهور فقرك إليه لوجب اطراح ما تفيده المشورة وإلقاء ما تكسبه الإنسان ، ~~وما استشرت أحدا قط إلا كبر عندي وتصاغرت له ودخلته العزة ودخلتني الذلة ، ~~فإياك والمشورة وإن ضاقت بك المذاهب واختلفت عليك المسالك وأداك الاستبهام ~~إلى الخطإ الفادح ، فإن صاحبها أبدا PageV01P274 مستذل مستضعف ، وعليك ~~بالاستبداد فإن صاحبها أبدا جليل في العيون مهيب في الصدور ، ولن تزال كذلك ~~ما استغنت عن العقول ، فإذا افتقرت إليها حقرتك العيون ورجفت بك أركانك ~~وتضعضع شأنك وفسد تدبيرك واستحقرك الصغير واستخف بك الكبير وعرفت بالحاجة ~~إليهم ، وقد قيل : نعم المستشار العلم ونعم الوزير العقل . وممن اقتصر على ~~رأيه دون المشاورة أبو جعفر المنصور ، فإنه لما حدث من أمر إبراهيم ومحمد ~~ابني عبد الله بن الحسن ما حدث أمسك المنصور عن المشاورة واستبد برأيه ~~وأقبل ms298 على السهر والخلوة ولم يذكر أمرهما لأحد من أهله ، وكان تحته مصلى قد ~~تفزز لحمته وسداه وكان جلوسه ومبيته عليه فلم يغيره ، وعليه جبة خز دكناء ~~قد درن جيبها فلم يغيرها حتى ظفر ، وكان يقول في تلك الحال : إياك والمشورة ~~فإن عثرتها لا تستقال وزلتها لا تستدرك ، فكم قد رأيت من نصيح عاد نصحه غشا ~~! ومنهم الرشيد فإنه حكي عنه أنه بعث ذات ليلة إلى جعفر بن يحيى : إني قد ~~سهرت فوجه إلي بعض سمارك . فوجه إليه بسمير له كوفي ، فسامره ليلته ، فلما ~~أن رجع سأله جعفر عن خبره . فقال : سامرته ليلتي كلها فأنشدته فما رأيته ~~استحلى إلا بيتين من شعر أنشدتهما إياه فإنه أولع بهما وما زال يأمرني ~~بتكريرهما عليه حتى حفظهما . فقال جعفر : وما هما ؟ قال : ليت هندا أنجزتنا ~~ما تعد . . . وشفت أنفسنا مما تجد واستبدت مرة واحدة . . . إنما العاجز من ~~لا يستبد فقال له جعفر : أهلكني والله وأهلكت نفسك ! قال : وكيف ذاك ؟ قال ~~: إنه كان لا غنى به عني وعن مشورتي ولم يكرر البيتين إلا وقد عزم على ترك ~~مشاورتي والاستبداد بالرأي . فقتله بعد حول . وقال الشاعر في مثله : بديهته ~~وفكرته سواء . . . إذا ما نابه الخطب الكبير وأحزم ما يكون الدهر رأيا . . ~~. إذا عمي المشاور والمشير وصدر فيه للهمم اتساع . . . إذا ضاقت بما فيه ~~الصدور ومنهم الشعبي ، فإنه ذكر أنه كان صديقا لابن أبي مسلم كاتب الحجاج ~~وأنه لما قدم به على الحجاج لعنه ، فقال له : أشر علي . فقال : ما أدري بما ~~أشير ولكن اعتذر بما قدرت عليه . وأشار عليه بذلك جميع أصحابه . قال الشعبي ~~: فلما دخلت خالفت مشورتهم ورأيت والله غير الذي قالوا ، فسلمت عليه ~~بالإمرة ثم قلت : أصلح الله الأمير ! إن الناس قد أمروني أن أعتذر بغير ما ~~يعلم الله أنه الحق ، وأيم الله لا أقول في مقامي هذا إلا الحق ! قد جهدنا ~~وحرضنا فما كنا بالأقوياء الفجرة ولا بالأتقياء البررة ، ولقد نصرك الله ~~علينا وأظفرك بنا ، PageV01P275 فإن سطوت فبذنوبنا وإن عفوت فبحلمك والجحة ~~لك ms299 علينا . فقال الحجاج : أنت والله أحب إلينا قولا ممن يدخل علينا وسيفه ~~يقطر من دمائنا ويقول : والله ما فعلت وما شهدت ، أنت آمن يا شعبي ! فقلت : ~~أيها الأمير اكتحلت والله بعدك بالسهر واستحلست الخوف وقطعت صالح الإخوان ~~ولم أجد من الأمير خلقا . فقال : صدقت فانصرف . فانصرفت . # | محاسن كتمان السر # قال : كان المنصور يقول : الملوك تحتمل كل شيء من أصحابهم إلا ثلاثا : ~~إفشاء السر ، والتعرض للحرم ، والقدح في الملك . وكان يقول : سرك من دمك ~~فانظر من تملكه . وكان يقول : سرك لا يطلع عليه غيرك . إن من أنفذ البصائر ~~كتمان السر حتى يبرم المبروم . وقيل لأبي مسلم صاحب الدولة : بأي شيء أدركت ~~هذا الأمر ؟ فقال : ارتديت بالكتمان واتزرت بالحزم وحالفت الصبر وساعدت ~~المقادير فأدركت ظني وحزت حد بغيتي ، وأنشد : أدركت بالحزم والكتمان ما ~~عجزت . . . عنه الملوك بني مروان إذ حشدوا مازلت أسعى عليهم في ديارهم . . ~~. والقوم في غفلة بالشأم قد رقدوا حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا . . . من ~~نومة لم ينمها قبلهم أحد ومن رعى غنما في أرض مسبعة . . . ونام عنها تولى ~~رعيها الأسد قال : وقال عبد الملك بن مروان للشعبي ، لما دخل عليه : جنبني ~~خصالا أربعا : لا تطريني في وجهي ، ولا تجرين علي كذبة ، ولا تغتابن عندي ~~أحدا ، ولا تفشين لي سرا . وقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : استعينوا على ~~قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود . وأنشد المنقري في ذلك : ~~النجم أقرب من سر إذا اشتملت . . . مني على السر أضلاع وأحشاء وقال غيره : ~~ونفسك فاحفظها ولا تفش للورى . . . من السر ما يطوي عليه ضميرها فما يحفظ ~~المكتوم من سر أهله . . . إذا عقد الأسرار ضاع كبيرها من القوم إلا ذو عفاف ~~يعينه . . . على ذاك منه صدق نفس وخيرها قال وقال معاوية بن أبي سفيان : ~~أعنت على علي ، رضي الله عنه ، في أربع خصال : PageV01P276 كان رجلا ظهرة ~~علنة أي لم يكتم سرا ، وكنت كتوما لأمري ، وكان لا يسعى حتى يفاجئه الأمر ~~مفاجأة ، وكنت أبادر إلى ذلك ، وكان في أخبث جند وأشدهم خلافا ، وكنت ms300 في ~~أطوع جند وأقلهم خلافا ، وكنت أحب إلى قريش منه فقلت ما شئت من جامع إلي ~~ومفرق عنه . وكان يقال لكاتم سره : من كتمانه إحدى خصلتين وفضيلتين الظفر ~~بحاجته والسلامة من شره . من أحسن فليحمد الله وله المنة عليه ، ومن أساء ~~فليستغفر الله جل وعز وله الحجة عليه . وقال بعضهم : كتمانك سرك يعقبك ~~السلامة وإفشاؤك سرك يعقبك التبعة ، والصبر على كتمان السر أيسر من الندم ~~على إفشائه . وقال بعضهم : ما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما في يده اللصوص ~~فيخفيه ثم يمكن عدوه من نفسه بإفشاء سره إليه وإظهار ما في قلبه له أو أن ~~يظهره على سر أخيه ، ومن عجز عن تقويم أمره فلا يلومن من لا يستقيم له . ~~وكان معاوية يقول : ما أفشيت سري إلى أحد إلا أعقبني طول الندم وشدة الأسف ~~، ولا أودعته جوانح صدري فخطمته بين أضلاعي إلا كسبني ذلك مجدا وذكرا وسناء ~~ورفعة . فقيل له : ولا ابن العاص ؟ فقال : ولا ابن العاص . وكان يقول : ما ~~كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك . وقال النبي ، صلى الله عليه وسلم ~~: من كتم سره كانت الخيرة في يده ، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء ~~به الظن ، وضع أمر أخيك على أحسنه ولا تظنن بكلمة خرجت منه سوءا إذا كنت ~~واجدا لها في الخير مذهبا ، وما كافأت من عصى الله فيك بأكثر من أن تطيع ~~الله جل ذكره فيه ، وعليك بإخوان الصدق فإنهم زينة عند الرخاء وعصمة عند ~~البلاء . وحدث إبراهيم بن عيسى قال : ذاكرت المنصور ذات يوم أمر أبي مسلم ~~وصونه لذلك السر حتى فعل ما فعله . فقال : تقسمني أمران لم أقتحمهما . . . ~~بحرص ولم تعركهما لي الكراكر وما ساور الأحشاء مثل دفينة . . . من الهم ~~ردتها إليك المقادر وقد علمت أفناء عدنان أنني . . . لدى ما عرا مقدامة ~~متجاسر وقال غيره : صن السر بالكتمان يرضك غبه . . . فقد يظهر السر المضيع ~~فيندم ولا تفشين سرا إلى غير أهله . . . فيظهر خرق السر من حيث يكتم وما ~~زلت في الكتمان ms301 حتى كأنني . . . برجع جواب السائلي عنك أعجم PageV01P277 ~~لأسلم من قول الوشاة وتسلمي . . . سلمت وهل حي على الناس يسلم ؟ ولآخر : ~~أمني تخاف انتشار الحديث . . . وحظي في ستره أوفر ولو لم أصنه لبقيا عليك . ~~. . نظرت لنفسي كما تنظر ولآخر : لساني كتوم لأسراركم . . . ودمعي نموم ~~لسري مذيع فلولا الدموع كتمت الهوى . . . ولولا الهوى لم تكن لي دموع ولآخر ~~: إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها . . . فسرك عند الناس أفشى وأضيع أبو نواس : ~~لا تفش أسرارك للناس . . . وداو أحزانك بالكاس فإن إبليس على ما به . . . ~~أرأف بالناس من الناس وقال المبرد : أحسن ما سمعت في حفظ السر ما روي لأمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه : فلا تفش سرك إلا إليك . . . فإن ~~لكل نصيح نصيحا فإني رأيت بغاة الرجا . . . ل لا يتركون أديما صحيحا قال ~~العتبي : ولي صاحب سري المكتم عنده . . . مخاريق نيران بليل تحرق عطفت على ~~أسراره فكسوتها . . . ثيابا من الكتمان ما تتخرق فمن تكن الأسرار تطفو ~~بصدره . . . فأسرار نفسي بالأحاديث تغرق فلا تودعن الدهر سرك جاهلا . . . ~~فإنك إن أودعته منه أحمق وحسبك في سر الأحاديث واعظا . . . من القول ما قال ~~الأديب الموفق إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه . . . فصدر الذي يستودع السر ~~أضيق ولآخر : ولربما اكتتم الوقور فصرحت . . . حركاته عن كتمانه ولربما رزق ~~الفتى بسكوته . . . ولربما حرم الفتى ببيانه ولآخر : PageV01P278 لا يكتم ~~السر إلا كل ذي خطر . . . والسر عند كرام الناس مكتوم والسر عندي في بيت له ~~علق . . . قد ضاع مفتاحه والباب مردوم قال : ودخل أبو العتاهية على المهدي ~~وقد ذاع شعره في عتبة فقال : ما أحسنت في حبك ولا أجملت في إذاعة سرك . ~~فقال أبو العتاهية : من كان يزعم أن سيكتم حبه . . . أو يستطيع الستر فهو ~~كذوب إذا بدا سر اللبيب فإنه . . . يبد إلا والفتى مغلوب الحب أغلب للرجال ~~بقهره . . . من أن يرى للسر فيه نصيب إني لأحسد ذا هوى مستحفظا . . . لم ~~تتهمه أعين وقلوب فاستحسن المهدي شعره وقال : قد عذرناك في إذاعة سرك ~~ووصلناك على حسن عذرك على ms302 أن كتمان ذلك أحسن من إذاعته . وقال المهلب بن ~~أبي صفرة : ما ضاقت صدور الرجال عن شيء كما ضاقت عن السر . وقال زياد : لكل ~~مستشير ثقة ولكل سر مستودع ، وإن الناس قد أبدعت بهم خصلتان : إذاعة السر ~~وترك النصيحة ، وليس موضع السر إلا أحد رجلين : رجل آخري يرجو ثواب الله ، ~~ورجل دنيوي له شرف في نفسه وعقل يصون به حسه ، وهما معدومان في هذا الدهر . # | محاسن حفظ اللسان # قال أكثم بن صيفي : مقتل الرجل بين فكيه ، يعني لسانه . وقال الشاعر : ~~رأيت اللسان على أهله . . . إذا ساسه الجهل ليثا مغارا ومنه قول أكثم : رب ~~قول أشد من صول . وقوله : لكل ساقطة لاقطة . الساقطة من الكلام لها لاقطة ~~من الناس . وقال المهلب لبنيه : اتقوا زلة اللسان فإني وجدت الرجل تعثر ~~قدمه فيقوم من عثرته ويزل لسانه فيكون فيه هلاكه . وقال يونس بن عبيد : ~~ليست خلة من خلال الخير تكون في الرجل هي أحرى أن تكون جامعة لأنواع الخير ~~كلها من حفظ اللسان . PageV01P279 وقال قسامة بن زهير : يا معشر الناس إن ~~كلامكم أعثر من صمتكم فاستعينوا على الكلام بالصمت وعلى الصواب بالفكر . ~~وقال الجاحظ : جرى بين شهرام المروزي وبين أبي مسلم كلام ، فما زال أبو ~~مسلم يقاوله إلى أن قال شهرام : يا لقيط ! فصمت أبو مسلم ، وندم شهرام ، ~~فما زال مقبلا عليه معتذرا وخاضعا متنصلا . فلما رأى ذلك أبو مسلم قال : ~~لسان سبق ووهم أخطأ وإنما الغضب شيطان وما جرأك غيري بطول احتمالي فإن كنت ~~متعمدا للذنب فقد شاركتك فيه ، وإن كنت مغلوبا فالعذر سبقك ، وقد غفرنا لك ~~على كل حال . فقال شهرام : أيها الأمير عفو مثلك لا يكون غرورا . قال : أجل ~~. قال : فإن عظم ذنبي لا يدع قلبي أن يسكن . ولج في الاعتذار . فقال لأبو ~~مسلم : يا عجبا ! كنت تسيء وأنا أحسن فإذا أحسنت أسيء . وشتم رجل المهلب ~~فلم يجبه . فقيل له : حلمت عنه ؟ فقال : لم أعرف مساويه فكرهت أن أبهته بما ~~ليس فيه . سلمة بن القاسم عن الزبير قال : حملت إلى ms303 المتوكل فأدخلت عليه ~~فقال : يا عبد الله الزم أبا عبد الله ، يعني المعتز ، حتى تعلمه من فقه ~~المدنيين . فأدخلت إلى حجرة فإذا أنا بالمعتز قد أتى في رجله نعل من ذهب ، ~~فعثر حتى دميت رجله ، فأتي بإبريق من ذهب وطست من ذهب وجعل يغسل ذلك الدم ~~وهو يقول : يصاب الفتى من عثرة بلسانه . . . وليس يصاب المرء من عثرة الرجل ~~وعثرته من فيه ترمي برأسه . . . وعثرته في الرجل تبرا على مهل فقلت في نفسي ~~: ضممت إلى من أريد أن أتعلم منه . وكان يقال : ينبغي للعاقل أن يحفظ لسانه ~~كما يحفظ موضع قدمه ، وقيل : من لم يحفظ لسانه فقد سلطه على هلاكه . وقال ~~الشاعر : عليك حفظ اللسان مجتهدا . . . فإن جل الهلاك في زلله ولآخر : وجرح ~~السيف تدمله فيبرا . . . وجرح الدهر ما جرح اللسان جراحات الطعان لها ~~التئام . . . ولا يلتام ما جرح اللسان ولآخر : وجرح اللسان كجرح اليد ~~PageV01P280 ولآخر : وجرح السيف يأسوه المداوي . . . وجرح القول طول الدهر ~~دامي # | مساوئ جناية اللسان # أحمد بن إبراهيم الهاشمي قال : لما عفا أبو العباس السفاح عن سليمان بن ~~هشام بن عبد الملك وعن ابنيه قربهم وأدناهم وبسطهم حتى كانوا يسمرون عنده ~~بالليل ، وكان سليمان إذا دخل ثنيت له وسادة وكذلك لابنيه وربما طرحت لهم ~~نمارق ونصبت لهم كراسي ، فإنهم عنده ذات ليلة أو ذات يوم إذ دخل إليه أبو ~~غسان الحاجب فقال : يا أمير المؤمنين بالباب رجل متلثم أناخ راحلته وقال : ~~استأذن لي على أمير المؤمنين . فقلت : ضع عنك ثياب سفرك . فقال : لا أحط ~~رحلي ولا أسفر عمتي حتى أنظر إلى وجه أمير المؤمنين . فقال أبو العباس : ~~فهل سألته من هو ؟ قال : قد فعلت فذكر أنه سديف مولاك . فقال : سديف سديف ! ~~ائذن له فدخل رجل أحم طويل يتثنى عليه ممطر حر ومعه محجن يتوكأ عليه ، فلما ~~نظر إلى أبي العباس سفر عن وجهه ثم سلم ودنا وقبل يده ثم انصرف إلى خلفه . ~~فقام مقام مثله وأنشده : أصبح الملك ثابت الأساس . . . بالبهاليل من بني ~~العباس لا تقيلن عبد ms304 شمس عثارا . . . واقطعن كل رقلة وغراس ولقد ساءني وساء ~~سوائي . . . قربهم من نمارق وكراسي أنزلوها بحيث أنزلها الل . . . ه بدار ~~الهوان والإتعاس واذكروا مصرع الحسين وزيد . . . وقتيلا بجانب المهراس ~~والقتيل الذي بحران أمسى . . . ثاويا بين غربة وتناسي نعم شبل الهراش مولاك ~~لولا . . . آود من حبائل الإفلاس فقام سليمان بن هشام فقال : يا أمير ~~المؤمنين إن مولاك هذا مثل بين يديك يبعثك على قتلي وقتل ابني ويحدوك على ~~طلب ثأرك منا ، وقد بلغني أنك تريد اغتيالي . فقال أبو العباس : والله ما ~~كان عزمي أن أقتلك ولا أن أسيء بك ولا أطالبك بشيء مما طالبت به أهل بيتك ، ~~فأما إذ وقع في خلدك إني أغتالك فيا جاهل من يحول بين وبينك وبين قتلك حتى ~~أغتالك ؟ ثم أمر بقتله وقتل ابنيه . | PageV01P281 فقال سليمان لقاتله أبي ~~الجهم : إنك قد أمرت بأمر لا بد لك من إنفاذه وحاجتي إليك أن تقدم ابني حتى ~~أحتسبهما ، ففعل . وخرج سديف وقد وصله العباس بخمسة آلاف دينار وهو يقول : ~~قد قرت العينان واشتفت النفس فلله الحمد والشكر ! وحكي عن شيرويه بن أبرويز ~~أن رجلا من الرعية وقف له يوما وقد خرج من الميدان فقال : الحمد لله الذي ~~قتل أبرويز على يدك وملكك ما كنت أحق به منه وأراح آل ساسان من جبريته ~~وعتوه وبخله ونكده ، فإنه كان يأخذ بالإحنة ، ويقتل بالظن ، ويخيف البري ، ~~ويعمل بالهوى . فقال شيرويه لبعض حجابه : احمله إلي . فحمل . فقال له : كم ~~كانت أرزاقك في حياة أبرويز ؟ قال : كنت في كفاية العيش . قال : فكم رزقك ~~بما سمعت اليوم ؟ قال : ما زيد في رزقي شيء . قال : فهل وترك أبرويز ~~فانتصرت منه بما سمعت من كلامك ؟ قال : لا . قال : فما دعاك إلى الوقوع فيه ~~ولم يقطع عنك مادة رزقك ولا وترك في نفسك ، وما للعامة والوقوع في الملوك ~~وهم رعية ؟ وأمر أن ينزع لسانه من قفاه ، وقال : حق ما يقال : الخرس خير من ~~البيان بما لا يجب . وقال بعض الشعراء في مثله : يا ليت أني لا أموت بغصتي ms305 ~~. . . حتى أرى رجلا يقول فيصدق احفظ لسانك لا تقول فتبتلى . . . إن البلاء ~~موكل بالمنطق ولآخر : لعمرك ما شيء علمت مكانه . . . أحق بسجن من لسان مذلل ~~على فيك مما ليس يعنيك قوله . . . بقفل شديد حيث ما كنت فاقفل ولآخر : إذا ~~الأمر أعيا اليوم فانظر به غدا . . . لعل عسيرا في غد يتيسر ولا تعد قولا ~~من لسانك لم يرض . . . مواقعه من قبل ذاك التفكر ولا تصر من حبل امريء في ~~رضى امريء . . . فيتصلا يوما وحبلك أبتر # | محاسن الصدق # قال بعض الحكماء : عليك بالصدق فما السيف القاطع في كف الرجل الشجاع بأعز ~~من الصدق ، والصدق عز وإن كان فيه ما تكره ، والكذب ذل وإن كان فيه ما تحب ~~، ومن عرف PageV01P282 بالكذب اتهم في الصدق . وقيل : الصدق ميزان الله ~~الذي يدور عليه العدل ، والكذب مكيال الشيطان الذي يدور عليه الجور . وقال ~~ابن السماك : ما أحسبني أؤجر على ترك الكذب لأني أتركه أنفة . وقال الشعبي ~~: عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك فإنه ينفعك ، واجتنب الكذب حيث ترى أنه ~~ينفعك فإنه يضرك . وعن أسماء بنت أبي بكر قالت : قال رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم : لا يصلح الكذب إلا في ثلاث : كذب الرجل لأهله ليرضيها ، وإصلاح ~~بين الناس ، وكذب في حرب . وقال بعض الحكماء : الصدق عز والكذب خضوع . وقال ~~آخر : لو لم يترك العاقل الكذب إلا مروءة لقد كان حقيقا بذلك فكيف وفيه ~~المأثم والعار ! ومن المعروفين بالصدق أبو ذر الغفاري ، قال النبي ، صلى ~~الله عليه وسلم : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على أصدق ذي لهجة من ~~أبي ذر . ومنهم العباس بن عبد المطلب ، حدثنا الحكم بن عيسى عن الأعمش عن ~~الشعبي قال : اطلع العباس على النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وعنده جبريل ، ~~عليه السلام ، فقال له جبريل ، عليه السلام : هذا عمك العباس ؟ قال : نعم . ~~قال : إن الله جل وعز يأمرك أن تقرأ عليه السلام ، وتعلمه أن اسمه عبد الله ~~الصادق وأن له شفاعة يوم القيامة . فأخبره ، صلى الله عليه وسلم ، بذلك ، ~~فتبسم العباس . فقال ms306 له النبي ، صلى الله عليه وسلم : إن شئت أخبرتك مما ~~تبسمت وإن شئت أن تقول فقل . قال : بل تعلمني يا رسول الله . قال : لأنك لم ~~تحلف يمينا في جاهلية ولا إسلام برة ولا فاجرة ولم تقل لسائل لا . قال : ~~والذي بعثك بالحق ما تبسمت إلا لذلك . ومنهم علي بن أبي طالب ، رضي الله ~~عنه ، قال يوم النهروان لأصحابه : شدوا عليهم فوالله لا يقتلون عشرة ولا ~~ينجو منهم عشرة . فشدوا عليهم فوالله ما قتل من أصحابه تمام عشرة ولا نجا ~~منهم تمام عشرة . ثم قال : اطلبوا ذا الثدية . فطلبوه فقالوا : لم نجده . ~~فقال : والله ما كذبت قط ولا كذبت ، والله لقد أخبرني رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم ، أنه يقتل مع شر جيل يقتلهم خير جيل . ثم دعا ببغلة PageV01P283 ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فركبها فسار حتى وقفت على قليب فيه قتلى ~~فقال : اقلبوا القتلى واطلبوه بينهم . فإذا هو سابع سبعة ، فلما أخرجه قال ~~: الله أكبر ! لولا أن تنكلوا فتتركوا العمل لأخبرتكم بما جعل الله جل وعز ~~لمن قتلهم على لسان نبيه ، صلى الله عليه وسلم . ومن الأخبار في مثله قيل : ~~دخل هشام بن عروة على المنصور فقال له : يا أبا المنذر أتذكر حيث دخلت عليك ~~أنا وأخي مع أبي الخلائف وأنت تشرب سويقا بقصبة يراع فلما خرجنا من عندك ~~قال أبي : استوصوا بالشيخ خيرا واعرفوا حقه فلا يزال في قومكم بقية ما بقي ~~؟ قال : ما أثبت ذاك يا أمير المؤمنين . فلامه بعض أهله وقالوا : يذكرك ~~أمير المؤمنين ما يمت به إليك وتقول له لا أذكره ؟ فقال : لم أذكره ولم ~~يعودني الله في الصدق إلا خيرا . قال : قدم زياد على معاوية ، فلما طال بهم ~~المجلس حدثه زياد بحديث ، فقال له معاوية : كذبت . فقال : مهلا يا أمير ~~المؤمنين فوالله ما حللت للكلام حبوة إلا على بيعة الصدق ولم أكذب ، وحياة ~~الكذب عندي موت المروءة ، فاستحياه معاوية وقال : يغفر الله لك يا أخي ، ~~فكأني أرى بك حرب بن أمية في جميل شيمه ms307 وكرم أخلاقه . قال : وكان الفضلبن ~~الربيع يخاطب الرشيد فقال له الرشيد : كذبت . فقال : يا أمير المؤمنين وجه ~~الكذب لا يقابل وجهك ولسانه لا يقابل جوابك . # | محاسن الكذب # روي عن المغيرة بن إبراهيم قال : لم يرخص لأحد في الكذب إلا للحجاج بن ~~علاط ، فإنه لما فتحت خيبر قال لرسول الله : إن لي عند امرأة من قريش وديعة ~~فإن أذن لي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن أكذب كذبة فلعلي أن أستل ~~وديعتي . قال : فرخص له . فقدم مكة فأخبرهم أنه ترك رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم ، أسيرا في أيديهم يأتمرون فيه ، قائل يقول يقتل وقائل يقول لا ~~بل يبعث إلى قومه فيكون ذلك منة . فجعل المشركون يتباشرون بذلك ويوئسون ~~العباس عم النبي ، صلى الله عليه وسلم ، منه والعباس يريهم التجلد . وأخذ ~~الرجل وديعته ، فاستقبله العباس فقال : ويحك ما الذي أخبرت به ؟ ! فأعمله ~~السبب ثم أخبره أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قد فتح خيبر واستنكح ~~صفية بنت حيي بن أخطب وقتل أباها وزوجها ، وقال له : اكتم علي اليوم وغدا ~~حتى أمضي ، ففعل ذلك . فلما مضى أخبرهم العباس بالذي أخبره فكبتوا . وروي ~~أن رجلا أتى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إتي ~~أستسر بخلال أربع : الزناء PageV01P284 والسرق وشرب الخمر والكذب ، فأيهن ~~أحببت تركته لك سرا . فقال : دع الكذب . فمضى الرجل فهم بالزناء فقال : ~~يسألني رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فإن جحدت نقضت ما جعلته له وإن ~~أقررت حددت ، فلم يزن ، ثم هم بالسرقة وبشرب الخمر ففكر في مثل ذلك فرجع ~~إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال له ، عليه السلام : تركتهن أجمع ~~. ومن ملح الكذب قيل : إنه كان بين يحيى بن خالد البرمكي وبين عبد الله بن ~~مالك الخزاعي عداوة وتحاسد وكان كل واحد منهما ينتظر لصاحبه الدوائر ، فلما ~~ولي عبد الله بن مالك أذربيجان وأرمينية ضاق برجل من الدهاقين بالعراق ~~الأمر وتعذرت عليه المطالب فحمل نفسه على أن افتعل على لسان يحيى بن ms308 خالد ~~إلى عبد الله بن مالك بالوصاة به وأكد بمعاونته كل التأكيد ، ولم يعلم ما ~~بينهما من التباعد ، فشخص من مدينة السلام إلى أذربيجان وصار إلى باب عبد ~~الله بن مالك بالكتاب ، فأوصله الحاجب ، فقال له عبد الله : أدخل صاحب هذا ~~الكتاب . فأدخله . فقال له عبد الله : إن كتابك هذا مفتعل ولكنك قد تجشمت ~~هذه الشقة البعيدة ولسنا نخيبك . فقال الرجل : أما كتابي فليس بمفتعل وإن ~~كنت إنما تقصده بهذه التهمة لتصرفه فالله جل وعز حسبي وعليه أتوكل . فقال ~~عبد الله : أفترى أن تحبس في دار وتزاح علتك إلى أن أكتب وأستطلع الرأي ~~وأعرف نبأ هذا الكتاب فإن كان مزورا عاقبتك وإن كان صحيحا خيرتك بين الصلات ~~والولايات فأيها اخترت سوغتكه ؟ قال : نعم . فأمر عبد الله بحبسه وإزاحة ~~علته وكتب إلى وكيله بالعراق : إن رجلا يسمى فلان بن فلان أورد علي كتابا ~~من أبي علي يحيى بن خالد البرمكي فتعرف لي أمر هذا الكتاب واكتب إلي بالحال ~~فيه . فصار الوكيل بكتاب عبد الله إلى يحيى بن خالد فقرأه عليه ، فدعا ~~بالدواة وكتب إليه بخطه : فلان من أخص من يليني وأوجبهم حقا وقد أخبرني ~~صاحبك بشكك في أمره فأزل ، جعلت فداك ، الشك وليكن صرفه إلي معجلا بما ~~يشبهك . فلما خرج الوكيل قال يحيى لأصحابه : ما تقولون في رجل افتعل علي ~~كتابا إلى عبد الله بن مالك وصل به من مدينة السلام إلى أذربيجان ؟ فقالوا ~~جميعا : نرى أن تفضحه وتكشف ستره وتعلن أمره ليرتدع به غيره ويصير نكالا ~~وأحدوثة للعالمين . قال : لا والله ، وهذا رأيكم ؟ قالوا : نعم . فقال : ~~قبح الله هذا من رأي فما أقله وأنذله ! ويحكم هذا رجل ضاق به الرزق فأمل في ~~خيرا ووثق بي وشخص إلى أذربيجان مع بعد شقتها وصعوبة طريقها أتشيرون علي أن ~~أحرمه ما أمله في حتى يسيء ظنه بي وقد عرفتم قدر عبد الله وحاله عند أمير ~~المؤمنين وأني لم أكن أحتال لهذه المنزلة إلا بالخطير من المال ، أفتريدون ~~أن أرد الأمر بيني وبينه بعد ms309 الألفة الواقعة إلى الحشمة ؟ هذا والله النكد ~~طول الأبد وغاية الضعف ونهاية أسباب الانتكاس ! ثم PageV01P285 أخبرهم بما ~~كتب به إلى عبد الله فتعجبوا من كرمه واحتماله الكذب . وورد الكتاب بخطه ~~على عبد الله فدعا بالرجل وقد سقط في يده لاعتراض سوء الظن بقلبه ، فلما ~~دخل عليه قال . هذا كتاب أخي قد ورد علي بصحة أمرك وسألني تعجيل صرفك إليه ~~. فدعا له بمائتي ألف درهم وبما يتبعها من الدواب والبغال والجواري ~~والغلمان والخلع وسائر الآلة ثم أصدره . فلما حضر باب يحيى بن خالد أدخل ~~ذلك أجمع إليه وعرضه عليه ، فأمر له يحيى بمثل ذلك وأثبته في خاصته . قيل : ~~وكان رجال من أهل المدينة من فقيه وراوية وشاعر يأتون بغداد فيرجعون بحظوة ~~وحال حسنة ، فاجتمع عدة منهم يوما فقالوا لصديق لهم لم يكن عنده شيء من ~~الآداب : لو أتيت العراق فلعلك كنت تصيب شيئا . فقال : أنتم أصحاب آداب ~~تلتمسون بها ! قالوا : نحن نحتال لك ، فجهزوه وقدم بغداد وطلب الاتصال بعلي ~~بن يقطين بن موسى وشكا إليه الحاجة ! فقال : ما عندك من الأدب ؟ قال : ليس ~~عندي من الآداب شيء غير أني أكذب الكذبة فأخيل إلى من سمعها أني صادق . ~~وكان ظريفا مليحا ، فأعجب به وعرض عليه مالا فأبى أن يقبله وقال : لست أريد ~~منك إلا أن تسهل إذني وتدني مجلسي . قال : ذاك لك . فكان من أقرب الناس ~~إليه مجلسا حتى عرف بذلك . وكان المهدي غضب على رجل من القواد حتى استصفى ~~ماله فكان يختلف إلى علي بن يقطين رجاء أن يكلم له المهدي ، وكان يرى قرب ~~المدني منه ومكانه ، فأتى المدني القائد عشاء وقال له : ما البشرى ؟ فقال : ~~لك البشرى وحكمك ، قال : قد أرسلني إليك علي بن يقطين وهو يقرئك السلام ~~ويقول : قد كلمت أمير المؤمنين في أمرك ورضي عنك وأمر برد مالك وضياعك ~~ويأمرك بالغدو عليه لتغدو معه إلى أمير المؤمنين متشكرا ، فدعا له الرجل ~~بألف دينار وثياب وكسوة وحملان ودفعها إليه ، وغدا على علي مع جماعة من ~~وجوه العسكر متشكرا . فقال ms310 له علي : وما ذاك ؟ فقال : أخبرني أبو فلان ، ~~وهو إلى جنبه ، بكلامك لأمير المؤمنين في أمري ورضاه عني ! فالتفت إلى ~~المدني فقال : ما هذا ؟ فقال : أصلحك الله ! هذا بعض ذلك المتاع نشرناه . ~~فضحك علي وقال : علي بدابتي ، فركب إلى المهدي وحدثه بالحديث فضحك المهدي ~~وقال لعلي : فإنا قد رضينا عن الرجل ورددنا عليه ماله فأجر على المدني رزقا ~~واسعا واستوص به خيرا . فأجرى عليه ووصله ، وكان يعرف بكذاب الخليفة . قال ~~: وكتب عبد الملك بن مروان إلى عمر بن محمد صاحب البلقاء أن اخطب علي ~~الشقراء بنت شبيب بن عوانة الطائية وهو يومئذ في بادية له ومعه عدة من ~~أصحابه . فأرسل إليه عمر : إن أمير المؤمنين كتب إلي أن أخطب عليه الشقراء ~~ابنتك فاحضر فارسل إليه . فقال : PageV01P286 ما لنا إليكم حاجة ، فإن كانت ~~لأمير المؤمنين إلينا حاجة فليأت أو يرسل رسولا . فقال عمر : سيروا بنا ~~إليه . فسار في جماعة من وجوه البلقاء . قال : فدفعنا إلى أعرابي بفناء ~~خيمته فسلمنا فرد السلام ، وتكلم عمر فقال الأعرابي : أرسول أمير المؤمنين ~~أنت ؟ قال : نعم ، قال : فإنا قد زوجناه على صداق نسائنا مائة من الإبل وما ~~يتبعها من الثياب والخدم . فقلت : نعم . ثم جاءنا بثلاث جفان من كسور خبز ~~ولبن فأكلنا ثم انصرفنا ، فكتبت إلى عبد الملك بن مروان فأرسل إليه بمائة ~~من الإبل وعشرة آلاف درهم وما يتبع ذلك من الطيب والخدم والأثاث . فجهزها ~~ثم حملها إلى عبد الملك وما معها من ذلك شيء إلا البعير الذي ركبته ومعها ~~نسوة من بنات عمها . فلما وافت عبد الملك أمر فأدخلت إلى دار فأقامت أياما ~~ثم إن عبد الملك بنى بها فكان كثيرا ما يقول : ما رأيت مثل هذه الأعرابية ~~ظرفا وخلقا ومنطقا . فاشتد ذلك على عاتكة بنت يزيد بن معاوية فأرسلت إلى ~~روح بن زنباع ، وكان من أخص الناس بعبد الملك ، فقالت : يا أبا زرعة قد ~~علمت رأي أمير المؤمنين معاوية كان فيك ورأي يزيد من بعده وأن أمير ~~المؤمنين قد أعجبه أمر هذه الأعرابية ms311 وغلبت على قلبه فشأنك في إفساد ذلك ~~عنده . قال : نعم ونعمة عين . ثم خلا بعبد الملك فقال : يا أمير المؤمنين ~~كيف ترى الأعرابية ؟ قال : قد جمعت ما جمع النساء الحاضرة والبادية . قال : ~~يا أمير المؤمنين إنك من الأعرابية كما قال الأول : وإذا تسرك من تميم خلة ~~. . . فلما يسوءك من تميم أكثر فقال له : لا تقل ذلك ، قال : كأنك بها قد ~~حالت إلى غير ما هي عليه . فكثر ذلك منه . ثم إن عبد الملك دخل عليها فقال ~~: يا شقراء أعلمت أن روحا قال لي كذا وكذا ؟ قالت : ولم ذاك وحال عشيرتي ~~وعشيرته كما تعلم ؟ قال : هو علي ما قلت لك وإن أحببت أسمعتك ذلك منه ! ~~فقالت : قد أحببت . فأمرها أن تجلس خلف الستر وأرسل إلى روح ، فلما دخل ~~عليه قال : هيه يا أبا زرعة والله لقد وقع كلامك مني موقعا ! قال : نعم يا ~~أمير المؤمنين إن الأعرابية تنتكث كانتكاث الحبل ثم لا تدري ما أنت عليه ~~منها . فعجلت ورفعت الستر وقالت : أنت فلا حياك الله ولا وصل رحمك قد كان ~~يبلغني هذا عنك فما كنت أصدق ! فوثب روح وقال : يا هذه إن هذا أرسل إلي ~~فأعلمني أنك خلف الستر وعزم علي أن أتكلم بهذا فلم أجد بدا من أبر عزيمته ، ~~وأما أنت فلا يسوءك الله ! قالت : صدق والله ابن عمي وأنت الذي حملته على ~~ما قال . فقال عبد الملك : ويلك يا شقراء ألا تقبلي منه ! قالت : هو عندي ~~أصدق منك . وجعل روح يقول وهو مول : هو والله الحق كما أقول . فخرج ووقع ~~الكلام بينهما . PageV01P287 وقال خالد بن صفوان : دخلت على أبي العباس وهو ~~خالي المجلس فقلت : يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأمر بحفظ الستر لألقي ~~إليك شيئا أنصحك به أو قال فيه . فأمر بذلك . فقلت : يا أمير المؤمنين فكرت ~~في هذا الأمر الذي ساقه الله إليك ومن به عليك فرأيتك أبعد الناس من لذاته ~~وأتعب الخلق فيه ؟ قال : وكيف ذاك يا خالد ؟ قلت : باقتصارك من الدنيا على ~~امرأة واحدة وتركك ms312 البيضاء المشتهاة لبياضها والخضرة التي تراد لخضرتها ~~والسمينة المشتهاة لوطائها وذكرت الرشيقة الرخيمة والجعدة السبطة ، فقال : ~~يا خالد هذا أمر ما مر بسمعي ! فاستأذن في الانصراف فأذن له . وخرجت إليه ~~أم سلمة وهو ينكت بالقلم على دواة بين يديه ، فقالت : يا أمير المؤمنين ~~أراك مفكرا ، أنتقض عليك عدو ؟ قال : كلا ولكن كلام ألقاه إلي خالد بن ~~صفوان فيه نصيحتي . وشرح ذلك لها . قالت : فما قلت لابن الزانية ؟ قال : ~~ينصحني وتشتمينه ! فقامت عنه وبعثت إلى مائة من مواليها فقالت : لهذا اليوم ~~اتخذتكم وأعددتكم ! امضوا إلى خالد بن صفوان فحيث وجدتم خالدا فاهووا إلى ~~أعضائه عضوا عضوا فرضوها . فطلبت ومررت بقوم أحدثهم إذ أقبل القوم فدخلت في ~~جملتهم ولجأت إلى دار ووقعت البغلة فرضوها بالأعمدة وبقيت لا تظلني سماء ~~ولا تقلني أرض . فإني جالس ذات يوم إذ هجم علي قوم فقالوا : أجب أمير ~~المؤمنين . فقمت ولا أملك من نفسي شيئا حتى دخلت عليه وهو في ذلك المجلس ~~وأنا أسمع حركة من وراء الستر فقلت أم سلمة والله . فقال : يا خالد من أين ~~ترى ؟ قلت : كنت في غلة لي . ثم قال : الكلام الذي كنت ألقيته إلي في بعض ~~الأيام أعده علي . قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، إن العرب اشتقت اسم الضر ~~من اسم الضرتين ، وإن الضرائر شر الذخائر ، والإماء آفة المنازل ، ولم يجمع ~~رجل بين امرأتين إلا كان بين جمرتين تحرقه واحدة بنارها وتلحقها أخرى ~~بشرارها . قال : ليس هذا هو ! قلت : بلى . قال : ففكر . قلت : نعم يا أمير ~~المؤمنين ، وأخبرتك أن الثلاث إذا اجتمعن كن كالأثافي المحرقة ، وأن الأربع ~~يتغايرن فلا يصبرن ويتعالين فلا يهوين ، وإن أعطين لم يرضين . قال : لا ~~والله ما هو هذا . قلت : يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الأربع هم ونصب وضجر ~~وصخب إنما صاحبهن بين حاجة تطلب وبلية تترقب ، إن خلا بواحدة منهن خاف شر ~~الباقيات ، وإن آثرها كن له أعدى من الحيات ، وأخبرتك أن الجواري رجال لا ~~خصى لهن وخرق لا حياة معهن . قال : لا والله ما هو ms313 هذا ! قلت : بلى إن بني ~~مخزوم ريحانة العرب وكنانة بيت قريش ، وعندك ريحانة الرياحين وسيدة نساء ~~العالمين ، وحدثتني أنك تهم بالتزوج فقلت لك هيهات تضرب في حديد بارد ليس ~~ذلك بكائن آخر الزمان المعاين ! قال : ويلك أتستعمل PageV01P288 الكذب ؟ ~~قلت : فمع السيوف لعب ! قال : فاذهب فإنك أكذب العرب ، قلت : فأيهما أصلح ، ~~أكذب أم تقتلني أم سلمة ؟ فاستلقى ضاحكا وقال : اخرج قبحك الله ! وارتفع ~~الضحك من وراء الستر وانصرفت إلى منزلي فإذا خادم لأم سلمة ومعه خمس بدر ~~وخمسة تخوت وقال : الزم ما سمعناه منك . قال الأصمعي : قال الخليل بن سهل : ~~يا أبا سعيد أعلمت أن طول رمح رستم كان سبعين ذراعا من حديد مصمت في غلظ ~~الراقود ؟ قال : فقلت ها هنا أعرابي له معرفة فاذهب بنا إليه نحدثه بهذا . ~~فذهبت به إلى الأعرابي فقال له ذلك فقال الأعرابي : قد سمعنا بهذا وقد ~~بلغنا أن رستم هذا واسفنديار أتيا لقمان بن عاد بالبادية فوجداه نائما ~~ورأسه في حجر أمه فقالت لهما : ما شأنكما ؟ فقالا : بلغنا شدة هذا الرجل ~~فأتيناه ، فانتبه فزعا من كلامهما فنفخهما فألقاهما إلى أصفهان فقبورهما ~~اليوم بها . فقال الخليل : قبحك الله ما أكذبك ! فقال : يا ابن أخي ما ~~بيننا شيء إلا وهو دون الراقود . قيل : وقدم بعض العمال من عمل فدعا قوما ~~إلى طعامه وجعل يحدثهم بالكذب فقال بعضهم : نحن كما قال الله عز وجل : ~~سماعون للكذب أكالون للسحت . # | وممن ذم الكذب # قيل : إنه وجد في كتب الهند : ليس لكذوب مروءة ولا لضجور رياسة ولا لملول ~~وفاء ولا لبخيل صديق . وقال قتيبة بن مسلم لبنيه : لا تطلبوا الحوائج من ~~كذوب فإنه يقربها وإن كانت بعيدة ويبعدها وإن كانت قريبة ، ولا من رجل قد ~~جعل المسألة مأكلة فإنه يقدم حاجته قبلها ويجعل حاجتك وقاية لها ، ولا من ~~أحمق فإنه يريد نفعك فيضرك . وقيل : أمران لا ينفكان من كذب : كثرة ~~المواعيد وشدة الاعتذار . وقال : كفاك موبخا على الكذب علمك بأنك كاذب . ~~وقال رجل لأبي حنيفة : ما كذبت قط . فقال : أما هذه ms314 فواحدة . وفي المثل : ~~هو أكذب من أسير السند ، وذلك أنه يؤخذ الخسيس منهم فيزعم أنه ابن الملك . ~~ويقال : هو أكذب من الشيخ الغريب ، وذلك أنه يتزوج في الغربة وهو ابن سبعين ~~سنة PageV01P289 فيظن أنه ابن أربعين سنة . وقيل : هو أكذب من مسيلمة . ~~ومما قيل في ذلك من الشعر : حسب الكذوب من البل . . . ية بعض ما يحكى عليه ~~ما إن سمعت بكذبة . . . من غيره نسبت إليه ولآخر : لقد أخلفتني وحلفت حتى . ~~. . إخالك قد كذبت وإن صدقتا ألا لا تحلفن على يمين . . . فأكذب ما تكون ~~إذا حلفتا ولآخر : كلام أبي خلف كله . . . نداء الفواخت جاء الرطب وليس وإن ~~كن يشبهنه . . . يقاربنه أبدا في الكذب ولآخر : قد كنت أنجز دهرا ما وعدت ~~إلى . . . أن أتلف الوعد ما جمعت من نشب فإن أكن صرت في وعدي أخا كذب . . . ~~فنصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب # | محاسن فضل المنطق # سئل بعض الحكماء عن المنطق والصمت فقال : إنك تمدح الصمت بالمنطق ولا ~~تمدح المنطق بالصمت وما عبر عن شيء فهو أفضل منه . وسئل آخر عنها فقال : ~~أخزى الله المساكنة فما أفسدها للسان وأجلبها للعي والحصر ، والله للمماراة ~~في استخراج حق أسرع في هدم العي من النار في يابس العرفج . فقيل له : قد ~~عرفت ما في المماراة من الذم . فقال : إن ما فيها أقل ضررا من السكتة التي ~~تورث عللا وتولد أدواء أيسرها العي . وقال بعض الحكماء : اللسان عضو فإن ~~مرنته مرن وإن تركته حزن . # | محاسن الصمت # الهيثم بن عدي قال بعض الحكماء : تكلم أربعة من الملوك بأربع كلمات رميت ~~عن قوس واحدة فقال كسرى : أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قد قلت ~~. وقال ملك PageV01P290 الهند : إذا تكلمت بالكلمة ملكتني وإن كنت أملكها . ~~وقال قيصر : لا أندم على ما لم أقل وقد أندم على ما قد قلت . وقال ملك ~~الصين : عاقبة ما قد جرى به القول أشد من الندم على ترك القول . وقال بعضهم ~~: من حصافة الإنسان أن يكون الاستماع أحب إليه من ms315 المنطق إذا وجد من يكفيه ~~، فإنه لن يعدم في الاستماع والصمت سلامة وزيادة في العلم . وقال بعض ~~الحكماء : من قدر أن يقول فيحسن قادر أن يصمت فيحسن ، وليس كل من صمت فأحسن ~~قادر أن يقول فيحسن . وقال أبو عبيد الله كاتب المهدي : كن على التماس الحظ ~~بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام . وكان يقال : من سكت فسلم كان كمن ~~قال فغنم . وقال علي بن عبيدة : الصمت أمان من تحريف اللفظ وعصمة من زيغ ~~المنطق وسلامة من فضول القول . وقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إن ~~الله جل وعز يكره الانبعاق في الكلام ، فرحم الله امرأ أوجز في كلامه ~~واقتصر على حاجته . قيل : وكلم رجل سقراط بكلام أطاله فقال : أنساني أول ~~كلامك طول عهده وفارق آخره فهمي بتفاوته . قيل : ولما قدم ليقتل بكت امرأته ~~، فقال : ما يبكيك ؟ قالت : تقتل ظلما . قال : وكنت تحبين أن أقتل حقا ! ~~قيل : ودخل رجل على معاوية ومعه ابن له يتوكأ عليه فقال : من هذا الغلام ~~معك ؟ قال : ابن لي يتيم . قال : حق لمن كنت أباه أن يكون يتيما . # | محاسن الكلام في الحكمة # اصبر محتسبا مأجورا وإلا صبرت مضطرا مأزورا . المصيبة بالصبر أعظم ~~المصيبتين إن بقيت لم يبق الهم . إذا حضر الأجل افتضح الأمل . الأمل يتخطى ~~الأجل . من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة . لا يستبطأ ~~الدعاء بالإجابة وقد سدت طريقه بالذنوب . واجد لا يكتفي وطالب لا يجد . ~~PageV01P291 الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له بخيل بما لا يملكه . شكرك نعمة ~~سالفة يقتضي لك نعمة مستأنفة . من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم . لولا من ~~يقبل الجور لم يكن من يجور . من مدحك بما ليس فيك فحقيق بأن يذمك بما ليس ~~فيك . من تكلف ما لا يعنيه فاته ما يعنيه . من أحس بضعف حيلته عن الاكتساب ~~بخل . عالم معاند خير من جاهل منصف . أطع من هو أكبر منك ولو بليلة . حافظ ~~على الصديق ولو في حريق . أعظم المصائب انقطاع الرجاء . إذا كفيت فاكتف ms316 . ~~الليل أخفى للويل . عين عرفت فذرفت . لم يفت من لم يمت . أصدع الفراق بين ~~الرفاق . # | محاسن البلاغة # يقال في المثل : هو أبلغ من قس ، وكان من حكماء العرب ، وهو أول من كتب ~~من فلان إلى فلان ، وأقر بالبعث من غير نبي ، وأول من قال البينة على ~~المدعي واليمين على المدعى عليه . وقال فيه الأعشى : وأبلغ من قس وأجرا من ~~الذي . . . بذي الغيل من خفان أصبح خادرا قال : وسئل أرسطاطاليس عن البلاغة ~~فقال : أن تجعل في المعنى الكثير كلاما قليلا وفي القليل كلاما كثيرا . ~~ووصف آخر بلاغة رجل فقال : كيف قادهم الله بأزمة أنوفهم إلى مصارع حتوفهم . ~~وقال اليوناني : البلاغة تصحيح الأقسام واختيار الكلام . وقال الرومي : ~~البلاغة حسن الاقتصاد عند البديهة والاقلال عند الإطالة . PageV01P292 وقال ~~الهندي : البلاغة وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة . وقال الفارسي ~~: البلاغة أن تعرف الفصل من الوصل . وقال إبراهيم الإمام : يكفي من حظ ~~البلاغة أن يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق ولا يؤتى الناطق من سوء إفهام ~~السامع . وسئل آخر عن البلاغة فقال : أن تجعل بينك وبين الإكثار مسورة ~~للاختصار . وقال أحنف : البلاغة الوقوف عند الكفاية وبلوغ الحاجة بالاقتصاد ~~. وقال معاوية لصحار العبدي : ما البلاغة ؟ فقال : أن تجيب فلا تبطيء وتقول ~~فلا تخطيء . وقيل لبعضهم : ما البلاغة ؟ فقال : أن لا تبطيء ولا تخطيء . ~~وقيل : البليغ من أغناك عن التفسير . وقال خالد بن صفوان : ليست البلاغة ~~بخفة اللسان ولا كثرة الهذيان ولكنها إصابة المعنى والقصد للحجة . # | محاسن الأدب # قال علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه : كفى بالأدب شرفا أنه يدعيه من لا ~~يحسنه ويفرح إذا نسب نسب إليه ، وكفى بالجهل خمولا أنه يتبرأ منه وينفيه عن ~~نفسه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه . فأخذ بعض المولدين معنى قوله فقال : ~~ويكفي خمولا بالجهالة أنني . . . أراع متى أنسب إليها وأغضب وقال ، رحمة ~~الله عليه : قيمة مل امريء ما يحسن . فرواه بعض المحدثين شعرا فقال : قال ~~علي بن أبي طالب . . . وهو اللبيب الفطن المتقن كل امريء قيمته عندنا . . . ~~وعند ms317 أهل العلم ما يحسن وأنشد أبو الحسن بن طباطبا العلوي لنفسه : حسود ~~مريض القلب يخفي أنينه . . . ويضحي كئيب البال عندي حزينه يلوم على أن رحت ~~في العلم راغبا . . . وأجمع من عند الرواة فنونه فأعرف أبكار الكلام وعونها ~~. . . وأحفظ مما أستفيد عيونه ويزعم أن العلم لا يجلب الغنى . . . ويحسن ~~بالجهل الذميم ظنونه فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي . . . فقيمة كل الناس ما ~~يحسنونه PageV01P293 وقيل : الأدب حياة القلب ولا مثيبة أعظم من الجهل . ~~وأنشدنا الكسروي : عي الشريف يزين منصبه . . . وترى الوضيع يزينه أدبه قال ~~: وسمع بعض الحكماء رجلا يقول : إني غريب . فقال : الغريب من لا أدب له . ~~وكان يقال : من قعد به حسبه نهض به أدبه . وقال علي بن أبي طالب ، رضي الله ~~عنه : العلم خير من المال لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والمال يبيده ~~الإنفاق ، والعلم يزكو على الإنفاق ، والعلم حاكم والمال محكوم عليه . وقيل ~~لبزرجمهر : الأدب أفضل أم المال ؟ قال : بل الأدب . قيل له : فما بال ~~الأدباء بباب الأغنياء ولا نرى الأغنياء بباب الأدباء ؟ فقال : لعلم ~~الأدباء بمقدار فضل المال وجهل الأغنياء بمقدار الأدب . وقال بعض الحكماء : ~~إن كان الرزق لا بد مطلوبا بسبب فأفضل أسبابه ما افتتح بالأدب ، ونظرنا فلم ~~نره اجتمع لشيء من أصناف الصناعات كما اجتمع للكتبة لأنها لا تكمل لأحد حتى ~~يبتدئها برياضة نفسه في الأدب فينفذ في الخط والبلاغة في الكتب والفصاحة في ~~المنطق والبصر بصواب الكلام من خطابه والعلم بالشريعة وأحكامها والمعرفة ~~بالسياسة والتدبير . # | المناظرات في الأدب # حدثنا أبو ناظرة البصري عن المازني قال : بينا أنا قاعد في المسجد إذا ~~صاحب بريد قد دخل وهو يسأل عني ويقول : أيكم المازني ؟ فأشار الناس إلي ، ~~فقال : أجب ، قلت : من ومن أجيب ؟ قال : الخليفة ، فذعرت منه وكنت رجلا ~~فاطميا فظننت أن اسمي رفع فيهم فقلت : أصلحك الله ! تأذن لي أن أدخل منزلي ~~فأودع أهلي وأتأهب لسفري ؟ فقال : افعل . فعلمت أنه لو كان شرا لما أذن لي ~~فسكنت إلى قوله ودخلت المنزل فودعتهم وخرجت إليه ، فحملني على دابة ms318 من دواب ~~البريد حتى وافى بي باب الواثق ، فما كان إلا قليلا حتى أذن لي فدخلت إلى ~~بهو وإذا رجل قاعد وعلى رأسه سبعون وصيفا . فذهبت أسلم عليه بالخلافة . ~~فقيل لي : هذا بغا . ثم تقدمت إلى بهو آخر فإذا رجل قاعد على كرسي وبين ~~يديه سبعون وصيفا . فذهبت أسلم عليه بالخلافة فقيل : هذا وصيف . حتى دفعت ~~إلى الستر فما زال يقول : اذهب ادن ادن ، حتى حاذاني بسريره ، ثم قال : ما ~~اسمك ؟ قلت : بكر بن محمد . قال : ممن سمعتها ؟ يعني اللغة . قلت : من ~~مزاحم العقيلي ، فقال حدثني . فلم أدر بما أحدثه وقلت : لعل حديثي على ~~البديهة PageV01P294 يعجبه ، قلت : يا أمير المؤمنين قال رؤبة بن العجاج : ~~لا تعلواها وادلواها دلوا . . . إن مع اليوم أخاه غدوا فكأنه فطن لما أردت ~~فقال : أجل أتدري لم دعوناك ؟ قلت : لا . قال : وقع بيني وبين جارية لي ~~شجار في بيت أردت لها إعرابه فامنتعت علي وقالت : سل المازني . قلت : ~~فأسمعني يا أمير المؤمنين . قال : نعم . وأومأ إلى خادم بين يديه فضرب ~~ستارة كادت عيني تلتمع من كثرة ذهبها ثم سمعت وراءها نقرا لولا جلالة أمير ~~المؤمنين لرقصت عليه ، ثم غنت : أظليم إن مصابكم رجلا . . . أهدى السلام ~~تحية ظلم فقال : كيف ما سمعت ؟ قلت : صواب . قال : فقد أخطأنا إذا ، قلت : ~~وكيف ؟ قال أمير المؤمنين قلت : أظليم إن مصابكم رجل . . . أهدى السلام ~~تحية ظلم فقلت : وأصاب أمير المؤمنين . قال : فكاد يقوم إلي فرحا ، ثم أدخل ~~رأسه في الستارة فأومأ إلي الخادم في الخروج فخرجت فناولني صرة فيها ~~خمسمائة دينار وحملت على البريد حتى رددت إلى منزلي بالبصرة . والشعر لأبي ~~دهبل الجمحي يقول فيه : عقم النساء فلا يلدن شبيهه . . . إن النساء بمثله ~~عقم فلا يلدن شبيهه أجود . وحدثنا علي بن يزيد عن إسحاق بن المسيب بن زهير ~~قال : حدثني المفضل قال : كنت يوما عند الصراة ببغداد وكنت في الصحابة ~~فأتاني رسول المهدي فقال لي : أجب . فخفت أن يكون ساع سعى بي ، فدخلت منزلي ~~ولبست ثيابي وهممت أن أخبر أهلي ثم ms319 قلت : لم أعجل لهم الهم ؟ إن كان خير ~~سيأتيهم وإن كان غير ذلك فلا أكون عجلته لهم . فمضيت حتى دخلت عليه وأنا ~~مرعوب فسلمت عليه ورد السلام ، وإذا عنده الفضل بن الربيع وعلي بن يقطين ~~وغيرهما ، فقال : إن هؤلاء زعموا أنك أعلم الناس بالشعر فأخبرني ما أشعر ~~بيت قالته العرب ؟ فوقعت في شيء لم أدر كيف هو فجهدت والله أن أنشده بيتا ~~من شعر فما قدرت عليه . فقال لي : ما لك لا تتكلم ؟ فجرى على لساني ذكر ~~الخنساء فقلت : لقد أحسنت الخنساء في قولها : وإن صخرا لمولانا وسيدنا . . ~~. وإن صخرا إذا نشتوا لنحار وإن صخرا لتأتم الهداة به . . . كأنه علم في ~~رأسه نار قال : فاستبشر بذلك ، وسر سرورا شديدا ، ثم قال : أنت والله أعلم ~~الناس وقد قلت هذا لهؤلاء فأبوا علي . فقال القوم : كان أمير المؤمنين أولى ~~بالصواب . فقال لي : يا مفضل أسهرتني البارحة أبيات حسين بن مطير الأسدي . ~~قلت : وأي أبياته ؟ قال قوله : PageV01P295 وقد تغدر الدنيا فيضحي غنيها . ~~. . فقيرا ويغنى بعد بؤس فقيرها وكم قد رأينا من تغير عيشة . . . وأخرى صفا ~~بعد اكدرار غديرها قلت : مثل هذه فليسهرك يا أمير المؤمنين زادك الله ~~توفيقا وتسديدا ! قال : حدثني يا مفضل . قلت : أي الأحاديث تحب ؟ قال : ~~أحاديث الأعراب . فما زلت أحدثه حتى بلغت الشمس منه ، ثم قال : ما لك ، قلت ~~: يا سيدي ما تسأل عن رجل مأخوذ بعشرة آلاف درهم ليست عنده ! قال : عليك ~~عشرة آلاف درهم ؟ قلت : نعم . فقال : يا ربيع احمل إليه عشرة آلاف درهم ~~لقضاء دينه وعشرة آلاف درهم يبني بها داره وعشرة آلاف ينفقها على عياله ، ~~فرجعت ومعي ثلاثون ألف درهم . وقال النضر بن شميل : دخلت على المأمون بمرو ~~وهو في بهو له في يوم صائف وعلي قميص مرقوع فقال : يا نضر تدخل على أمير ~~المؤمنين في خلقان ثيابك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين حر مرو وأنا شيخ كبير ~~لا أحتمل الحر ولا البرد . ثم أنشدته : لو يشترى الشباب لاشتريته . . . ~~شبابي النضر الذي أبليته بكل ما لي ثم ms320 ما استغليته ثم أجرينا الحديث فقال : ~~يا نضر أي النساء أحب إليك ؟ قلت : البيضاء الفرعاء المديدة ، فقال : حدثني ~~هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال : قال رسول الله ، صلى ~~الله عليه وسلم : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان له فيها سداد ~~من عوز . قلت : صدق هشيم . حدثني عوف عن الحسن عن علي بن أبي طالب ، كرم ~~الله وجهه ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إذا تزوج الرجل ~~المرأة لدينها كان له فيها سداد من عوز . قال : يا نضر والسداد خطأ ؟ قلت : ~~خطأ يا أمير المؤمنين ! قال : وما يدريك ؟ قلت : السداد بالفتح القصد في ~~الدين وفي السبيل ، والسداد البلغة ، وكل شيء سددت به شيئا فهو سداد . قال ~~: أتعرف العرب ذلك ؟ قلت : نعم هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان ، رحمه ~~الله ، حيث يقول : أضاعوني وأي فتى أضاعوا . . . ليوم كريهة وسداد ثغر ~~فاستوى جالسا وقال : قبح الله من لا أدب له ! ثم أقبل علي فقال : أخبرني ~~بأخلب بيت قالته العرب ، قلت : قول ابن بيض في الحكم بن مروان : تقول لي ~~والعيون هاجعة . . . أقم علينا يوما فلم أقم PageV01P296 متى يقل صاحب ~~السرادق ه . . . ذا ابن بيض بالباب يبتسم قد كنت أسلمت فيك مقتبلا . . . ~~فهات أدخل وأعطني سلمي قال : لقد أحسن وأجاد ، فأخبرني بأنصف بيت قالته ~~العرب ، قال : قول أبي عروبة : إني وإن كان ابن عمي واغدا . . . لمداهن من ~~خلفه وورائه ومفيده نصري وإن كان امرأ . . . متباعدا من أرضه وسمائه فأكون ~~والي سره وأصونه . . . حتى يحين علي وقت أدائه وإذا الحوادث أجحفت بسوامه . ~~. . قربت جلتنا إلى جربائه وإذا دعا باسمي ليركب مركبا . . . صعبا ركبت له ~~على سيسائه وإذا رأيت عليه بردا ناضرا . . . لم يلفني متمنيا لردائه فقال : ~~لقد أحسن وأجاد ، فأخبرني عن أعز بيت قالته العرب . قلت : قول راعي الإبل : ~~أطلب ما يطلب الكريم من ال . . . رزق لنفسي وأجمل الطلبا وأحلب الثرة الصفي ~~ولا . . . أطلب في غير خلفها حلبا إني رأيت الفتى الكريم إذا . . . رغبته ~~في صنيعه ms321 رغبا والنذل لا يطلب العلاء ولا . . . يعطيك شيئا إلا إذا رهبا ~~مثل الحمار الموقع السوء لا . . . يحسن مشيا إلا إذا ضربا فقال : والله لقد ~~أحسن وأجاد . ودعا بالدواة فما أدري ما يكتب ثم قال : يا نضر كيف تقول من ~~الإتراب ؟ قلت : أقول اترب القرطاس والقرطاس متروب . قال : فلم كسرت الألف ~~؟ قلت : لأنها ألف وصل تسقط في التصغير . قلت : فكيف تقول من الطين ؟ قلت : ~~طن الكتاب والكتاب مطين . قال : هذه أحسن من الأولى . ثم دفع ما كتب إلى ~~خادم ووجهه معي إلى ذي الرياستين الحسن بن سهل ، فقال لي ذو الرياستين : ما ~~الذي جرى بينك وبين أمير المؤمنين ؟ فقد أمر لك بخمسين ألف درهم . فقصصت ~~عليه القصة . فقال ويحك لحنت أمير المؤمنين . قلت : معاذ الله بل لحنت ~~هشيما لأنه كان لحانة ، فوقع لي أيضا من عنده بثلاثين ألف درهم فانصرفت ~~بثمانين ألف درهم في حرف واحد سداد وسداد . قال أبو سعيد الضرير : سمعت ابن ~~الأعرابي يقول : بعث إلي المأمون فصرت إليه وإذا هو مع يحيى بن أكثم يطوفان ~~في حديقة ، فلما نظر إلي ولاني ظهره فجلست فلما أقبل قمت قائما فأسر إلى ~~يحيى بشيء ما فهمت كله إلا ما قال : ما أحسن أدبه ! وقد أقبل إلى مجلسه ثم ~~التفت إلي فقال : يا محمد بن زياد من أشعر العرب في وصف الخمر ؟ فقلت : ~~الذي يقول : تريك القذى من دونها وهي دونه . . . إذا ذاقها من ذاقها يتمطق ~~PageV01P297 فقال : أحسن الناس قولا في صفة الخمر الذي يقول : فتمشت في ~~مفاصلهم . . . كتمشي البرء في السقم فعلت في البيت إذ مزجت . . . مثل فعل ~~الصبح في الظلم فاهتدى ساري الظلام بها . . . كاهتداء السفر بالعلم قلت : ~~فائدة أمير المؤمنين . ثم قال : ما معنى قول هند : نحن بنات طارق . . . ~~نمشي على نمارق إن تقبلوا نعانق . . . أو تدبروا نفارق فراق غير وامق ففكرت ~~في نسبها ونسب أبيها فلم أجد طارقا فقلت : ما أعرف طارقا يا أمير المؤمنين ~~. فقال : إنما قالت إنها في العلو والشرف بمنزلة الطارق وهو النجم ، من قول ms322 ~~الله ، عز وجل ، والسماء والطارق ، قلت : فائدة يا أمير المؤمنين ثانية . ~~ثم التفت إلى يحيى بن أكثم فقال : أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبئه . فلم أدر ~~ما قال وقمت لأخرج . فلما نظر إلي وقد قمت رمى إلي بعنبرة كانت في يده ~~بعتها بخمسة آلاف درهم ، قال : فرجعت إلى كتبي فنظرت فيها لأعرف ما قال ~~فوقعت على هذه الأبيات لبعض الأعراب : كأنما بنت أبي المحيريه . . . قاعدة ~~في إتبها لؤيليه قد فاقت البؤبؤ والبؤيبيه فعملت أنه عنى السيد وابن السيد ~~. قال أبو عبد الله الأسواري : دخلت على المأمون في حديقة له وفي يده مقراص ~~ذهب وهو يقرص به ما طال من أوراق تلك الروضة ويقوم ما بدا من أغصانها ، ~~فسلمت وقلت : يا أمير المؤمنين ، جعلت فداك ، إنك لمستهتر بهذه الحديقة حتى ~~إنك لا تأمن عليها أحدا . قال : نعم يا أسواري فهل يحضرك في ذلك شيء ؟ قلت ~~: نعم ، وأنشدته : أوائل رسل للربيع تقدمت . . . على طيب وجه الأرض خير ~~قدوم فراقت لها بعد الممات حدائق . . . كواس وكانت مثل ظهر أديم إذا اقتصها ~~طرف البصير بلحظة . . . توهمها مفروشة برقوم كأن اخضرار الزهر والروض طالع ~~. . . عليه سماء زينت بنجوم تردت بظل دائم فتضاحكت . . . كضحك بروق في بكاء ~~غيوم PageV01P298 وأوردها فحل السحاب عرائسا . . . ضعاف القوى من مرضع ~~وفطيم إذا برزت منهن بكر حسبتها . . . تراك وإن أضحت بعين سقيم كمثل نشاوى ~~الراح يلثم ذاك ذا . . . أو الريح جادت بينها بنسيم تخال وقوع الطل فيهن ~~أدمعا . . . رنت بعيون غير ذات سجوم قال : أحسنت يا أسواري ، يا غلام اسقنا ~~على هذا . ثم جلس على كرسي مغشى بالحرير وإذا غلام قد أقبل يهتز كأنه ~~القضيب المائل حين اخضر شاربه وبدا عذاره وفي يده كأس وإبريق فصب في الكأس ~~من الإبريق ثم مزجه وناوله إياه ، فأخذه في يده ساعة وجعل ينظر إلى الغلام ~~ما يرد بصره عنه ، ثم قال : يا أسواري هل يحضرك في صفة مثل هذا شيء ؟ قلت : ~~نعم يا سيدي ، وأنشدته : ثجاج مزن شج كأس رحيق . . . ريق المهفهف فيه أعذب ms323 ~~ريق أذرى لخوف البين حر مدامع . . . في در خد فيه ذوب عقيق هو في تناهي صدق ~~حسن فائق . . . في حسن صورة يوسف الصديق قامت على رجل به الدنيا لنا . . . ~~إن قام بالمنديل والإبريق فرأى على قلبي لواحظ طرفه . . . وتلا كتاب الحب ~~بالتحقيق إن دام ذا في حسنه أبدا لنا . . . سمي فقيه العصر بالزنديق قال : ~~فقال المأمون : أحسنت ويحك فمن صاحب هذه الأبيات ؟ قلت : فلان يا أمير ~~المؤمنين . فقال : أشعر والله منه في هذا المعنى شيخ الشعراء أبو نواس حيث ~~يقول : كفي فلست لعاذل بمطيق . . . بلغ الهوى بي غاية التحقيق قطع الهوى ~~فرط الشباب بباطل . . . أيدي الزمان وألسن التصديق وجداول موصولة بجداول . ~~. . من صوب غادية ولمع بروق تكسو مدامعه الرياض عرائسا . . . من نرجس ~~متكاثف وشقيق باكرتها قبل الصباح بسحرة . . . قبل ابتكار مجرة العيوق من كف ~~أحور ذي عذار أخضر . . . يسبي القلوب بقده الممشوق فكأن ما في الكأس من ~~إبريقه . . . نار تسلل من فم الإبريق وكأنها والماء يأخذ جسمها . . . در ~~ينثر فوق أرض عقيق وتضوع مسكا في الزجاجة أذفرا . . . ذوب الشباب معصفرا ~~بخلوق قمر عليه من البدائع حلة . . . يسقيك كأس هوى وكأس رحيق ما طاب عيش ~~فتى يطيب بغيرها . . . لا سيما إن شجها بالريق | PageV01P299 يغنيك عن ورد ~~الرياض وزهرها . . . منه تورد خده المعشوق قال فقلت : يا أمير المؤمنين قد ~~حضرني في هذا المعنى شيء فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشاده ؟ قال ~~: هات . فقلت : جسم مركبه في العين إنسي . . . وفي اللطافة والأجناس عدني ~~ما يعرف الطرف من أعراض جوهره . . . إلا الذي يخبر الفكر القياسي وكل من ~~غاص في إدراك صورته . . . فإنما نطقه في ذاك وهمي حاز المحاسن والأنوار ~~أجمعها . . . فالحسن من حسنه في الخلق جزئي إذا العيون تراءته تراهقها . . ~~. من حسن صورته اللحظ الظلامي ما دب في فطن الأوهام من حسن . . . إلا وكان ~~له الحظ الخصوصي كأن جبهته من تحت طرته . . . بدر يتوجه الليل البهيمي كأن ~~عينيه خرطا جزعتي يمن . . . من كل حافاتها سهم صيابي كأن صدغيه قافا كاتب ~~مشقا ms324 . . . من فوق ياقوتة والخد وردي كأنما الثغر منه في تبسمه . . . در ~~تفلق عنه البحر لجي كأنما الردف منه إذ يميس به . . . موج يكفكفه الريح ~~الجنوبي لو مس أجبال ماهان لفجرها . . . بالماء يسعده الطل الغمامي أو لامس ~~الماء لانسابت أنامله . . . كالثلج حل به الودق السخامي جنسي نور على كنهي ~~جوهرة . . . من روح قدس أو الأنوار بري يسقي بجوهرة في جوف جوهرة . . . من ~~نور جوهرة واللون جنسي ماء وماء وفي ماء يديرهما . . . ماء خلافهما والطيب ~~تيهي قد جل عن طيب أهل الأرض عنبره . . . ومسكه فهو الطيب السماوي إذا رأته ~~عيون الخلق أحسرها . . . نورا ولاحظها الحسن الهوائي كادت محاسنه من لطف ~~رقته . . . تصير عيبا وما للعيب كيفي سبحان خالقه ماذا أراد به . . . لولاه ~~لم يكن الفعل السريري إذا أدار علينا الكأس جمشه . . . من ود أسرارنا ود ~~حقيقي مصور طرفت عين الزمان به . . . واكتنه من جناح الخفض علوي قال : ~~فتبسم المأمون وقال : أحسنت والله يا أسواري ، فلمن هذا ويحك ؟ قلت : لعبدك ~~النظام . فقال : أحسن فيما وصف وأحسنت في تعبيرك عنه . ثم سقاني وأمر لي ~~بخمسين ألف درهم وأمر للنظام بمثلها . أحمد بن القاسم قال : كنت أنا وعبد ~~الله بن طاهر عند المأمون وهو PageV01P300 مستلق على قفاه فقال لعبد الله : ~~يا أبا العباس من أشعر الناس في زماننا ؟ فقال : أمير المؤمنين أعرف بهذا ~~مني . قال : على حال . قال الذي يقول : أيا قبر معن كنت أول حفرة . . . من ~~الأرض خطت للمكارم أجمعا قال أحمد : فقلت أشعرهم الذي يقول : أشبهت أعدائي ~~فصرت أحبهم . . . إذ كان حظي منك حظي منهم فقال المأمون : أين أنتما عن قول ~~أبي نواس : يا شقيق النفس من حكم . . . نمت عن ليلي ولم أنم قال : وقال ~~المأمون لعبد الله بن طاهر في الحلبة وقد ارتفعت أصوات العامة : يا أبا ~~العباس سكن العامة . قال عبد الله : فوثتب أنا ومن معي فارتفع من أصواتنا ~~وضجيجنا أكثر مما كان ، فقال لي : أتدل بالرياسة ولا بصر لك بالسياسة ، ~~هكذا تسكن العامة ؟ هلا ناديت الأقربين لينادي الأقربون الأبعدين ! قال ms325 : ~~فوالله ما ميزت بين تأديبه وبين نغرانه . قال : وقال الحسن بن الفضل بن ~~الربيع : خرج علينا المهدي متنكرا ومعه الربيع والمسيب بن زهير يطوف في ~~الأسواق إذ نظر إلى أعرابي ينشد فقال الربيع : أخبرني عن أرق بيت قالته ~~العرب ، قال : بيت امريء القيس بن حجر : وما ذرفت عيناك إلا لتضربي . . . ~~بسهميك في أعشار قلب مقتل فقال المهدي : بيت قد داسته العامة وفيه غلط . ثم ~~قال للمسيب : هات ما عندك . فقال : ومما شجاني أنها يوم أعرضت . . . تولت ~~وماء العين في الجفن حائر فلما أعادت من بعيد بنظرة . . . إلي التفاتا ~~أسلمتها المحاجر وسلمتها أيضا . فقال : وإن هذا قريب من ذاك . وخلفهم شاب ~~من أهل المدينة له أدب وظرف وقدم متظلما فطال مقامه على باب المهدي ، فلما ~~سمع ذلك منهم حمله ظرف الأدب على أن أدخل نفسه بينهم واتصل بهم وقال : ~~أتأذنون أن أخوض معكم فيما أنتم فيه ؟ قالوا : ماذا ؟ قال قال الأحوص : إذا ~~قلت إني مشتف بلقائها . . . فحم التلاقي بيننا زادني وجدا فقال المهدي : ~~أحسنت يا فتى ، فمن أنت ؟ قال : أنا رجل من أهل المدينة . قال : وما أقدمك ~~العراق ؟ قال : مظلمة لي أنا مقيم عليها بباب الخليفة منذ كذا وكذا وقد أضر ~~بي ذلك . فقال للربيع : عليك بالرجل . فأخذه معه وسامره أياما ثم أمر برد ~~مظلمته وقضى حوائجه وأمر له بصلة عشرة آلاف PageV01P301 درهم . قال النضر ~~بن شميل : حدثني الفراء عن الكسائي قال : دعاني الرشيد ذات يوم وما عنده ~~إلا حاشيته فقال : يا علي أتحب أن ترى محمدا وعبد الله ؟ قلت : ما أشوقني ~~إليهما يا أمير المؤمنين وأسر إلي معاينة نعمة الله جل وعز على أمير ~~المؤمنين فيهما وبهما ، فأمر بإحضارهما ، فأقبلا كأنهما كوكبا أفق يزينهما ~~هديهما ووقارهما ، قد غضا أبصارهما وقاربا خطوهما ، حتى وقفا بباب المجلس ~~فسلما بالخلافة ثم قالا : تمم الله على أمير المؤمنين نعمه وشفعها بشكره ~~وجعل ما قلده من هذا الأمر أحمد عاقبة ما يؤول إليه أمر حمدا اختصه به ~~وأخلصه له بالبقاء وكثره لديه بالنماء ولا كدر ms326 عليه منه ما صفا ولا خالط ~~مسروره الردى ، فقد صرت للمسلمين ثقة ومستراحا إليك يفزعون في أمورهم ~~ويقصدون في حوائجهم ، فأمرهما بالدنو وصير محمدا عن يمينه وعبد الله عن ~~يساره ثم التفت إلي فقال : يا علي ما زلت ساهرا مفكرا في معاني أبيات قد ~~خفيت علي . قلت : إن رأي أمير المؤمنين أن ينشدنيها ؟ فأنشدني : قد قلت ~~قولا للغراب إذ حجل . . . عليك بالقود المسانيف الأول تغد ما شئت على غير ~~عجل فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ، إن العير إذا فصلت من خيبر وعليها التمر ~~يقع الغراب على آخر العير فيطردها السواق ، يقول هذا : تقدم إلى أوائل ~~العير فكل على غير عجل ، والقود الطوال الأعناق ، والمسانيف المقدمة . ثم ~~أنشدني : لعمري لئن عشرت من خشية الردى . . . نهاق الحمار إنني لجهول قلت : ~~نعم يا أمير المؤمنين ، كان الرجل من العرب إذا دخل خيبر أكب على أربع وعشر ~~تعشير الحمار ، وهو أن ينهق عشر نهقات متتابعات ، يفعل ذلك ليدفع عن نفسه ~~حمى خيبر . ثم أنشدني في قول الآخر : أجاعل أنت بيقورا مضرمة . . . ذريعة ~~لك بين الله والمطر قلت : نعم ، كانت العرب إذا أبطأ المطر تشد العشر ~~والسلع ، وهما ضربان من النبت ، في أذناب البقر وألهبوا فيه النار وشردوا ~~بالبقر تفاؤلا بالبرق والمطر ، ثم أنشدني : لعمرك ما لام الفتى مثل نفسه . ~~. . إذا كانت الأحياء تعدى ثيابها وآذن بالتصفيق من ساء ظنه . . . فلم يدر ~~من أي اليدين جوابها قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، كان الرجل إذا ضل في ~~المفازة قلب ثيابه وصاح كأنه يوميء إلى إنسان ويشتد شدة ويصفق بيديه فيهتدي ~~الطريق . ثم أنشدني : قوداء تملك رحلها . . . مثل اليتيم من الأرانب ~~PageV01P302 قلت : نعم ، يقول : هذه ناقة مثل اليتيم من الاكام ، واليتيم ~~الواحد من كل شيء ، والأرانب الاكام . ثم أنشدني لآخر أيضا : إلى الله أشكو ~~هجمة هجرية . . . تعاورها مر السنين العوابر فعادت رذايا تحمل الطبن بعدما ~~. . . تكون قرى للمعتفين المفاقر قلت : هذا رجل في بستانه نخيل أتى عليها ~~الدهر فجفت فقطعها وصيرها أجذاعا وسقف بها البيوت ، فقال : هذه ms327 الأجذاع ~~كانت تحمل الرطب ، فأكل وأطعم الأضياف فجفت فقطعتها وسقف بها البيوت فهي ~~تحمل الطين ، يعني ما فوقها من اللبن والتراب وغير ذلك . ثم أنشدني لرجل ~~آخر : وسرب ملاح قد رأيت وجوههم . . . إناث أدانيه ذكور أواخره يعني ~~الأضراس ، ثم أنشدني لآخر : فإني إذا كالثور يضرب جنبه . . . إذا لم يعف ~~شربا وعافت صواحبه قلت : نعم ، كانت العرب إذا أودت البقر الماء فشربت ~~الثيران وأبت البقر ضربت الثيران حتى تشرب البقر ، وهو كما قال : كالثور ~~يضرب لما عافت البقر . ثم أنشدني : ومنحدر من رأس برقاء حطه . . . مخافة ~~بين أو حبيب مزايل قلت : نعم ، يعني الدموع ، والبرقاء العين لأن فيها ~~سوادا وبياضا ، حطه أسأله ، حبيب محبوب ، مزايل مفارق . قال فوثب الرشيد ~~فجذبني إلى صدره وقال : لله در أهل الأدب ! ثم دعا بجارية فقال لها : احملي ~~إلى منزل الكسائي خمس بدر على أعناق خمسة أعبد يلزمون خدمته ، ثم قال : ~~استنشدهما ، يعني ابنيه ، فأنشدني محمد الأمين : وإني لعف الفقر مشترك ~~الغنى . . . وتارك شكل لا يوافقه شكلي وشكلي شكل لا يقوم بمثله . . . من ~~الناس إلا كل ذي نيقة مثلي ولي نيقة في المجد والبذل لم يكن . . . تأنقها ~~فيما مضى أحد قبلي وأجعل مالي دون عرضي جنة . . . لنفسي وأستغني بما كان من ~~فضلي وأنشدني عبد الله المأمون : بكرت تلومك مطلع الفجر . . . ولقد تلوم ~~بغير ما تدري ما إن ملكت مصيبة نزلت . . . إذ لا يحكم طائعا أمري ملك ~~الملوك علي مقتدر . . . يعطي إذا ما شاء من يسر فلرب مغتبط بمرزئة . . . ~~ومفجع بنوائب الدهر ومكاشح لي قد مددت له . . . نحرا بلا ضرع ولا غمر ~~PageV01P303 حتى يقول لنفسه لهفا : . . . في أي مذهب غاية أجري وترى قناتي ~~حين يغمزها . . . غمز الثقاف بطيئة الكسر فقال : يا علي فكيف تراهما ؟ فقلت ~~: أرى قمري أفق وفرعي بشامة . . . يزينهما عرق كريم ومحتد يسدان آفاق ~~السماء بشيمة . . . يؤيدها حزم وعضب مهند سليلي أمير المؤمنين وحائزي . . . ~~مواريث ما أبقى النبي محمد ثم قلت : يا أمير المؤمنين زرع زكا أصله وطاب ~~مغرسه وتمكنت عروقه وعذبت مشاربه ، غذاهما ملك ms328 أعز نافذ الأمر واسع العلم ~~عظيم الحلم والقدر ، علاهما فعليا ، وحكمهما فتحاكما ، وعلمهما فتعلما ، ~~فهما يطولان بطوله ويستضيئان بنوره وينطقان بلسانه ، ويتقلبان في سعادته ، ~~فما رأيت أحدا من أبناء الخلفاء أذرب منهما لسانا ، ولا أعذب كلاما ، ولا ~~أحسن ألفاظا ، ولا أشد اقتدارا على تأدية ما حفظا ورويا ، فاسأل الله أن ~~يزيدهما بالإيمان تأييدا وعزا ، ويمتع أمير المؤمنين بهما ويمتعهما بدوام ~~قدرته وسلطانه ما بقي ليل وأضاء نهار . فضمهما إلى صدره وجمع يديه عليهما ~~فلم يبسطهما حتى رأيت دموعه تتحادر على صدره رقة وإشفاقا ، ثم أمرهما ~~بالخروج . قال : ثم أقبل علينا وقال : كأنكم بهما وقد نجم القضاء ونزلت ~~مقادير السماء وبلغ الكتاب أجله وانتهى الأمر إلى وقته المحدود وحينه ~~المسطور الذي لا يدفعه دافع ولا يمنع منه مانع ، وقد تشتت أمرهما وافترقت ~~كلمتهما وظهر تعاديهما وانقطعت الرقة بينهما حتى تسفك الدماء وتكثر القتلى ~~وتهتك ستور النساء وتمنى كثير من الأحياء أنهم بمنزلة الموتى . قلت : يا ~~أمير المؤمنين أوكائن ذلك ؟ قال : نعم . قلت : لأمر رأيته أو رؤيا أريته أو ~~لشيء تبين لك في أصل مولدهما أم لأثر وقع لأمير المؤمنين في أمرهما ؟ قال : ~~بل أثر واجب صحيح حملته العلماء عن الأوصياء وحملته الأوصياء عن الأنبياء ، ~~عليهم السلام . قال : وحدث الأصمعي أنه دخل ذات يوم على أمير المؤمنين ~~الرشيد وكان لا يحجب عنه وكان في فرد رجليه خف وفي الأخرى جورب لعلة كان ~~يجدها ، فسامره ساعة ثم نهض ليخرج فقال له الرشيد : يا أصمعي ماذا تشتهي أن ~~يتخذ لك ليتقدم فيه وتتغدى معنا ؟ فقال : أشتهي رقاقا وجوزلا شخصا . فلم ~~يعرف الرشيد ما قاله الأصمعي وكره أن يسأله عنه فتقدم إلى الطباخ أن يتبعه ~~ويسأله من تلقاء نفسه ويوهمه أنه تقدم إليه فيه فلم يعرفه ، فقال له : ~~الرقاق معروف والجوزل الفرخ السمين . فمضى الطباخ وعرف الرشيد ذلك وأصلح ~~للأصمعي ما طلبه وعاد فتغدى مع الرشيد . فلما أكل أمر بأن يحمل معه عشرون ~~ألف درهم . PageV01P304 وحدث الأصمعي قال : دخلت ذات يوم على الرشيد فقال ~~لي ms329 : اكتب يا أصمعي ولو على تكتك أو طرف ثوبك : كن موسرا إن شئت أو معسرا . ~~. . لا بد في الدنيا من الهم وكلما زادك في نعمة . . . زاد الذي زادك في ~~الغم قال : فكتبت البيتين . قال وقال الأصمعي : بينا أنا ذات يوم قد خرجت ~~في الهاجرة والجو يلتهب ويتوقد حرا إذ أبصرت جارية سوادء قد خرجت من دار ~~المأمون ومعها جرة فضة تستقي فيها ماء وهي تردد هذا البيت بحلاوة لفظ ~~وذرابة لسان : حر وجد وحر هجر وحر . . . أي عيش يكون من ذا أمر قال فقلت ~~لها : يا جارية ما شأنك ؟ فقالت : إني من دار أمير المؤمنين المأمون وأنا ~~أحب عبدا له أسود وإنه قد هجرني ولا أحسن أن أخرج سري إلى أحد . قال : ~~فمضيت واستأذنت على المأمون ، وإذا هو نائم فأذن لي ، وقد كان أمر أن لا ~~أحجب عنه على أي حال كان . فدخلت عليه وهو في مرقده فقال : ما جاء بك يا ~~أصمعي في هذا الوقت ؟ قلت : يا أ مير المؤمنين تهب لي جاريتك السوداء وعبدك ~~الأسود فلانا ؟ فقال : قد فعلت ذلك وهما لك افعل بهما ما شئت . فخرجت من ~~عنده وأحضرتهما وجمعت من أهل الدار من حضر وأعتقتهما وزوجت الجارية من ~~العبد ثم عدت إلى المأمون فقلت : يا أمير المؤمنين إني فعلت كيت وكيت وإني ~~أريد الآن ما أجهزهما به . فأمر لكل واحد منهما بعشرة آلاف درهم وأمر لي ~~بمثل ذلك وخرجت من عنده وعاد هو إلى نومه . وحدثنا عبد الله بن سلام قال : ~~لما ولد العباس بن الفضل دخل الناس على الفضل بن يحيى يهنئونه به وفيهم أبو ~~النضير ، فوقف بين يديه وهو يقول : ويفرح بالمولود من آل برمك . . . بغاة ~~الندى والسيف والرمح والنصل وتنبسط الآمال فيه لفضله . . . . . . . . . . . ~~. فأرتج عليه فوقف لا يمكنه أن يجيزه . فقال له الفضل : يا أبا النضير تمم ~~، قال : أعز الله الأمير . قال : ويحك فقل : . . . . . . . . . . . . . . ~~ولا سيما إن كان من ولد الفضل قال : هذا والله ، أصلح الله الأمير ، طلبته ~~فلم أقدر عليه وتعللت بغيره ms330 . قال : وقيل لأبي العيناء : ما بال العمى قد ~~صار في صغاركم وكباركم حتى إنه يلحق PageV01P305 الطفل منكم ؟ فقال : نعم ~~الطينة الملعونة والدعوة المشؤومة ، وذلك أنه سلم بعض الخلفاء رجلا من آل ~~أبي طالب إلى جدنا الأكبر فقتله ودعا عليه فلحقتنا دعوته فما تراه فهو من ~~تلك الدعوة . واجتاز أبو العيناء ذات يوم فسمع غناء لم يعجبه فسأل أبو ~~العيناء عن صاحب الغناء فلما قيل له إنه أبو الحمار قال : صدق الله إن أنكر ~~الأصوات لصوت الحمير . وكان عما لمحمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل . قيل ~~: ولما صدر المعتصم بالله عن بلاد الروم وصار بناحية الرقة قال لعمرو بن ~~مسعدة : يا عمرو أشرت علي بالرخجي فوليته الأهواز فقد قعد في سلة الدنيا ~~يأكلها خضما وقضما . فقلت : يا أمير المؤمنين فأنا أوجه إليه رسولا يبعث ~~إليك بالأموال ولو على أجنحة الطير . قال : كلا ولكن اشخص إليه بنفسك كما ~~أشرت به . قال : ففكرت في أن أنزل عن الوزارة وأصير مستحثا على عامل . فقلت ~~: يا أمير المؤمنين أن أقع إليه . قال : فضع يدك على رأسي أنك لا تقيم ~~ببغداد إلا يوما واحدا حتى تلحق به ، فوضعت يدي على رأسه وحلفت له ، ~~وانحدرت إلى بغداد فسلمت على أهلي وإخواني وأخذت زلالا فعلقت عليه الخيش ~~وبسط لي فيه الطبري وملأته بالثلج وسرنا . فلما صرنا بين دير العاقول ودير ~~هزقل إذا أنا برجل على الشط يصيح : يا ملاح رجل منقطع أريد دير العاقول ~~فاحملني يأجرك الله ! فقلت : احملوه . فقال : يا مولاي هذا رجل من هؤلاء ~~الشحاذين يؤذيك ويقذر عليك زلالك . فقلت : احمله ويلك ! فقرب إليه الزلال ~~فحمله في مؤخره . وحضر الغداء فتحوبت أن لا أدعوه فقلت له : هلم . فقام حتى ~~جاء فأكل أكل جائع نهم إلا أنه كان نظيف الأكل ، فلما فرغ من الغداء أردت ~~منه ما تفعله العامة بالخاصة أن يقوم فيغسل يده ناحية فلم يفعل . فغمزه ~~الغلام وسائر الغلمان فلم يقم . فتناومت عليه فلم يقم . فقلت له : ما ~~صناعتك ؟ قال : حائك ، جعلت فداك ms331 . فقلت : هذا أنا فعلته بنفسي . فقال لي : ~~وأنت فما صناعتك ؟ فقلت : كاتب . فقال : الكتاب خمسة ، فأيهم أنت ؟ فأورد ~~علي شيئا عجبت منه . فقلت : عدهم . قال : كاتب رسائل يجب PageV01P306 أن ~~يعرف الوصول والفصول والترغيب والترهيب والجوابات . قلت : نعم . قال : ~~وكاتب خراج يجب أن يعرف المساحة والذراع والأشول والتقسيط ، قلت : نعم . ~~قال : وكاتب قاض يجب أن يعرف الحلال والحرام والتأويل والتنزيل والمحكم ~~والمتشابه والمقالات والاختلافات . قلت : نعم . قال : وكاتب جند يجب أن ~~يعرف الحلي والشيات . قلت : نعم . قال : وكاتب شرطة يجب أن يعرف الشجاج ~~والجرحات . فأيهم أنت ؟ قلت : كاتب رسائل . قال : فصديق لك تكاتبه في ~~المحبوب والمكروه تزوجت أمه كيف تكتب إليه تهنئة أو تعزية ؟ قلت : هو والله ~~إلى التعزية أقرب . قال : فكيف تعزيه ؟ قلت : لا أجد إلى ذلك سبيلا . قال : ~~فلست بكاتب رسائل ! قلت : أنا كاتب خراج . قال : فولاك أمير المؤمنين بلدة ~~وأمرك بالنفوذ فخرجت إلى عملك فبثثت عمالك في العمل فجاء إليك قوم يتظلمون ~~من عامل زاد عليهم في المساحة فخرجت معهم فوقفوا على قراح كأنه قاتل فيئا ~~كيف تمسحه ؟ قلت : اضرب وسطه في طرفيه . قال : تتثنى عليك القطوع . قلت : ~~فكيف أمسحه ؟ قال : لست بكاتب خراج ! قلت : أنا كاتب قاض . قال : فإن رجلا ~~خلف حرة حاملا وسرية حاملا فولدتا في ليلة واحدة الحرة جارية والسرية غلاما ~~، فلما علمت الحرة بذلك حملتها الغيرة على أن وضعت الجارية في مهد السرية ~~وأخذت الابن ، فقالت السرية من الغد : الابن لي ، فتحاكمتا في ذلك إلى ~~القاضي وأنت حاضر فقال لك : اقض بينهما ، بم كنت تقضي ؟ قلت : لا علم لي ~~بذلك . قال : لست بكاتب قاض ! قلت : أنا كاتب جند . قال : الله أكبر ! تقدم ~~إليك رجلان من أهل عملك أو من أهل عسكرك أسماؤهما واحد يقال لهذا أحمد ~~ولهذا أحمد ، هذا مشقوق الشفة من فوق وهذا من أسفل ، كيف تحليهما ؟ قلت : ~~أكتب أحمد الأعلم وأحمد الأعلم . قال : إذا يأخذ هذا عطاء هذا وهذا عطاء ~~هذا . قلت : فكيف أصنع ؟ قال : لست بكاتب جند ! قلت : أنا كاتب شرطة ms332 . قال ~~: تقدم عليك رجلان قد شج الآخر موضحة وشج الآخر مأمومة كم بينهما من الإبل ~~؟ قلت : لا أدري . قال : لست بكاتب شرطة ! فقلت : فسر ما قلت . قال : أما ~~الرجل الذي تزوجت أمه فتكتب إليه أن الأقدار تجري بخلاف محاب المخلوقين ، ~~وستر في عافية خير من شانئة في أهلها ، والله يختار للعباد ، فخار الله لك ~~في قبضها إليه ، فإن القبور أكرم الأكفاء . وأما القراح فتمسح اعوجاجه ثم ~~تنظر مبلغ الطرفين فتضرب بعضه في بعض فإذا استوى في يدك عقده رجعت إلى ~~المستوي فضربته فيه حتى يخرج سواء . وأما الحرة والسرية فيوزن لبنهما ~~فأيهما كانت أحد لبنا فالابن لها . وأما الجند فتكتب هذا أدحم الأعلم وهذا ~~أحمد الأفلج . PageV01P307 وأما الشجة ففي المأمومة ثلاثة وثلاثون من الإبل ~~وفي الموضحة خمسة من الإبل فترد عليه ما بين ذلك . قلت : ألست تزعم أنك ~~حائك ؟ قال : أنا حائك كلام قعد بي الدهر فخرجت أريد بعض القرابة فصادفته ~~قد صرف عن العمل فبقيت على هذه الحالة . قال : فدعوت المزين فنظفه ودعوت له ~~بثلاث خلع وصرت به إلى الرخجي وكلمته في أمره فوهب له خمسين ألف درهم وحمله ~~على ثلاثة من الظهر ورجعت إلى أمير المؤمنين بالأموال ، فقال : يا عمرو ما ~~رأيت في طريقك ؟ فأخبرته بقصة الرجل . فأطال التعجب منه وقال : ما فعل ؟ ~~قلت : يصير إلي في كل يوم . قال : لما يصلح من الأعمال ؟ قلت : للهندسة . ~~قال : فوله . قال عمرو : فنظرت إليه بعد ذلك وهو يركب في موكب عظيم . ~~البيهقي قال البحتري : كنت قاعدا مع المتوكل إذ مرت سحابة فقال قل فيها . ~~فقلت : اذت ارتجاع بحنين الرعد . . . جرورة الذيل صدوق الوعد مسفوحة الدمع ~~بغير وجد . . . لها نسيم كنسيم الورد ورنة مثل رنين الأسدولمع برقكسيوف ~~الهند جاءت به ريح الصبا من نجد . . . فانتثرت مثل انتثار العقد فأضحت ~~الأرض بعيش رغد . . . كأنما غدرانها في الوهد يلعبن من حبابها بالنرد ثم ~~أنشدته لمروان بن أبي حفصة : لما سمعت ببيعة لمحمد . . . شفت النفوس وأذهبت ~~أحزانها بايعت مغتبطا ولو لم تنبسط . . . كفي لبيعته ms333 قطعت بنانها حتى ~~انتهيت إلى قوله : رجحت زبيدة والنساء شوائل . . . والله أرجح بالتقى ~~ميزانها فصاح بي صيحة فقال : كذبت وألمت يا عربدة ! قل : رجحت قبيحة . ثم ~~قال : أنشدني . فأنشدته للطائي : لست لربع عفا ولا قدمه . . . ولست من كاتب ~~ولا قلمه فإن من يفخر الملوك به . . . ويستعير الكريم من كرمه ألحقني ~~بالملوك معتصم . . . بالله والمسلمون في عصمه خلقت من طين مباركة . . . ~~فالبر من خيمه ومن شيمه مازال إحسانه ونعمته . . . علي حتى غرقت في نعمه ~~PageV01P308 فأسأل الله فضل نعمته . . . والأمن من بأسه ومن نقمه فلما ~~سمعها ارتاح وقال : أحسنت والله وما جزاؤك إلا أن أقطعك من موضعك إلى حيث ~~تبلغ أمنيتك ، فسل تعط . قال : ففكرت ساعة ثم قلت : تعطيني فترا في فتر من ~~قلبك . فقال : أحسنت أحسنت ! أنت والله في هذا أشعر من الطائي في شعره . ثم ~~قال : أنشدني . فأنشدته للحسين بن الضحاك : كم لك لما احتمل القطين . . . ~~من زفرة يتبعها الأنين وعبرة تحدرها الشوؤن . . . إني ببغداد لمستكين حظ ~~الغريب الشوق والشجون . . . يا لائمي لكل يوم هون إليك عني إنني مفتون . . ~~. الشعر مني كاسد ودون وحان من تحريكه تسكين . . . قد ركبت أربابها الديون ~~بضاعة أكسدها المأمون . . . إمام عدل للتقى أمين قال : أحسنت يا أبا عبادة ~~فماذا فعل به المأمون بعد إذ هجاه ؟ قلت : أعيذك بالله من أن يجسر على هجاء ~~المأمون . قال : فمن القائل فيه : ولا فرح المأمون بالملك بعده . . . ولا ~~زال في الدنيا طريدا مشردا قلت : يا أمير المؤمنين دعاه الموق والحين إلى ~~هذا . قال : لا بأس فإنه قد تلا في هذا الكلام قوله : رأى الله عبد الله ~~خير عباده . . . فملكه والله أعلم بالعبد قال فقلت : يا أمير المؤمنين ~~أثقلت ظهري بالفوائد ، فقال : إنا نأخذ ونعطي ونأتي بما يحيي المهج . # | مساوئ من ذم الأدب # قال بعضهم : كثرة الأدب في غير طاعة الله قائدة الذنوب . وقال : ما أحد ~~زيد في عقله إلا انتقص من رزقه . وأنشد في ذلك : ثنتان من أدوات العلم قد ~~ثنتا . . . عنان شأوي عما رمت من هممي أما الدواة ms334 فأضنى حبها بدني . . . ~~وقلم المال مني حرفة القلم والعلم يعلم أني حين أندبه . . . لدفع نائبة خلو ~~من العصم ولآخر ، وقيل إنه للخليل بن أحمد : PageV01P309 ما ازددت في أدبي ~~حرفا أسر به . . . إلا تبينت حرفا تحته شوم إن المقدم في حذق بصنعته . . . ~~أنى توجه فيها فهو محروم # | مساوئ اللحن # قال يونس بن حبيب النحوي : أول من أسس العربية وفتح بابها ونهج سبيلها ~~أبو الأسود الدئلي واسمه ظالم بن عمرو . فقال له الحجاج : أتسمعني ألحن على ~~المنبر ؟ قال : كلا ، الأمير أفصح العرب . قال : أقسمت عليك ! قال : حرفا ~~واحدا تلحن فيه . فقال : وما هو ؟ قال : في القرآن . قال : ذاك أشنع له ، ~~فما هو ؟ قال : تقول لو كان آباؤكم وأبناؤكم ، حتى تبلغ : أحب إليكم من ~~الله ورسوله ، تقرأها بالرفع . قال فقال له : لا جرم لا تسمع لي لحنا أبدا ~~. فنفاه إلى خراسان وعليها يزيد بن المهلب . فكتب يزيد إلى الحجاج : إنا ~~لقينا العدو وفعلنا وصنعنا واضطررناهم إلى عرعرة الجبل ، فقال الحجاج : ما ~~لابن المهلب ولهذا الكلام ؟ فقيل : ظالم بن عمرو هناك . قال : فذاك إذا . ~~قال وقال المأمون وقد سمع من بعض ولده كلاما أسرع فيه اللحن إلى لسانه : ما ~~على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم بها أوده ويزين مشهده ويتملك مجلس سلطانه ~~بظاهر بيانه ويقل حجج خصمه بسكنات حكمته ، أويسر أحدكم أن يكون لسانه كلسان ~~عبده وأمته ولا يزال أسير كلمته ؟ قاتل الله القائل حيث يقول : ألم تر ~~مفتاح الفؤاد لسانه . . . إذا هو أبدى ما يقول من الفم وكائن ترى من صامت ~~لك معجب . . . زيادته أو نقصه في التكلم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده . . . ~~ولم يبق إلا صورة اللحم والدم وفي الحديث المرفوع : رحم الله عبدا أصلح ~~لسانه . قيل : وكتب غسان بن رفيع إلى أبي عثمان بكر بن محمد المازني النحوي ~~: تفكرت في النحو حتى مللت . . . وأتعبت نفسي به والبدن وأتعبت بكرا ~~وأصحابه . . . بطول المسائل في كل فن فكنت بظاهره عالما . . . وكنت بباطنه ~~ذا فطن خلا أن بابا عليه العفا . . . ء للفاء يا ليته ms335 لم يكن وللواو باب ~~إلى جنبه . . . من المقت أحسبه قد لعن إذا قلت هاتوا لماذا يقا . . . ل لست ~~بآتيك أو تأتين أجيبوا لما قيل هذا كذا . . . على النصب قالوا لإضمار أن ~~PageV01P310 قال : وكان الوليد بن عبد الملك لحانة فدخل عليه أعرابي فقال : ~~من ختنك ؟ قال : رجل من الحي لا أعرف اسمه . فقال عمر بن عبد العزيز : إن ~~أمير المؤمنين يقول : من ختنك ؟ فقال : ها هوذا بالباب . فقال الوليد لعمر ~~: ما هذا ؟ فقال : النحو الذي كنت أخبرك عنه . فقال : لاجرم لا أصلي بالناس ~~حتى أتعلمه . وسمع إعرابي رجلا يقول : أشهد أن محمد رسول الله . فقال : ~~يفعل ماذا ؟ قال وقال مولى لزياد : أيها الأمير أخذوا لنا همار وهش . فقال ~~له : ما تقول ويحك ؟ فقال : أخذوا لنا أيرا ' يريد عيرا ' . فقال زياد : ~~الأول خير . قال : وجاء رجل إلى زياد فقال : إن أبينا هلك وإن أخينا غصبنا ~~على ميراثنا من أبانا . فقال زياد : ما ضيعت من نفسك أكثر مما ضيعت من ~~ميراثك ، فلا رحم الله أباك حيث ترك ولدا مثلك . قال : وعزم رجل من أهل ~~الشام على لقاء المأمون فاستشار رجلا من أصحابه فقال : على أي جهة أصلح أن ~~ألقى أمير المؤمنين ؟ قال : على الفصاحة ، قال : ليس عندي منها شيء وإني ~~لألحن في كلامي كثيرا . قال : فعليك بالرفع فإنه أكثر ما يستعمل . فدخل على ~~المأمون فقال : السلام عليك يا أ مير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، فقال : ~~يا غلام اصفع ، فصفع . قال : بسم الله ، فقال : ويلك من صبك على الرفع ؟ ~~قال : وكيف لا أرفع من رفع الله ! فضحك وقضى حاجته . قال : واختصم رجلان ~~إلى عمر بن عبد العزيز فجعلا يلحنان فقال الحاجب : قما فقد أوذيتما أمير ~~المؤمنين . فقال عمر : أنت والله أشد أذاء إلي منهما . وعن أبي داود قال : ~~أرسل المعتصم إلى أشناس فطلب منه كلب صيد فوجه به إليه فرده وهو يعرج . ~~فكتب إليه أشناس بشعر قاله : الكلب أخذت جيد مكسور رجل جبت رد جيد كما كلب ~~كنت أخذت فكتب إليه المعتصم : الكلب كان ms336 يعرج يوم الذي به بعثت لو كان جاء ~~مخبرا خبر رجل كلب أنت قال : وقال بشر المريسي وكان كثير اللحن : قضى لكم ~~الأمراء على أحسن الوجوه وأهنؤها . فقال القاسم التمار : هذا على قوله : ~~PageV01P311 إن سليمى والله يكلؤها . . . ضنت بشيء ما كان يرزؤها فكان ~~احتجاج القاسم أطيب من لحن بشر . قال : وكان زياد النبطي شديد اللكنة وكان ~~نحويا فدعا غلامه ثلاثا فلما أجابه قال : فمن لدن دأوتك فقلت لي إلى أن ~~جيتني ما كنت تصنأ ، يريد دعوتك وتصنع . قال : ومر ماسرجويه الطبيب بمعاذ ~~بن سعيد فقال : يا ماسرجويه إني أجد في حلقي بححا ، قال : هو من عمل بلغم ، ~~فلما جاوزه قال : تراني لا أحسن أن أقول بلغم ، ولكنه قال بالعربية فأجبته ~~بخلافه . وقال ثمامة : بكر أحمد بن أبي خالد يوما يعرض القصص على المأمون ~~فمر بقصة فلان اليزيدي وكان جائعا فصحف وقال : فلان الثريدي ، فضحك المأمون ~~وقال : يا غلام ثريدة ضخمة لأبي العباس فإنه أصبح جائعا . فخجل أحمد وقال : ~~ما أما بجائع يا سيدي ولكن صاحب القصة أحمق وضع على نسبته ثلاث نقطات ~~كأثافي القدر ، قال : دع هذا فالجوع اضطرك إلى ذكر الثريد والقدر . فجاؤوه ~~بصحفة عظيمة كثيرة العراق والودك فاحتشم أحمد . فقال المأمون : بحياتي عليك ~~إلا عدلت نحوها ، فوضع القصص ومال إلى الثريد فأكل حتى انتهى ، فلما فرغ ~~دعا بطشت فغسل يده ورجع إلى القصص فمر بقصة فلان الحمصي فقال : فلان ~~الخبيصي . فضحك المأمون وقال : يا غلام هات جاما فيه خبيص فإن طعام أبي ~~العباس كان مثبورا . فجعل أحمد وقال : يا أمير المؤمنين صاحب هذه القصة ~~أحمق فتح الميم فصارت كأنها ثنتان . قال : دع عنك هذا فلولا حمقه وحمق ~~صاحبه مت جوعا . فجاؤوه بجام فيه خبيص ، فأتى عليه وغسل يده وعاد إلى القصص ~~فما أسقط بحرف حتى فرغ . حدثنا العباس بن جرير قال : كان للمهدي خصي كان ~~معجبا فضم إليه معلما نحويا يعلمه القرآن وكان الخصي عجميا لا يفصح فقال في ~~هل أتى : يوما عبوسا كمتريرا . وقال في الجن : نكعد ms337 منها مكاعد للسمع ، ~~فقال النحوي : ولثقل الجبال أهون مما . . . كلفوني من الخصي نجاح نفر النحو ~~حين مر بلحيي . . . ه فألفيته شديد الجماح قال في هل أتى فأوجع قلبي . . . ~~كمتريرا وكده بالصياح وقال رجل من الصالحين : لئن أعربنا في كلامنا حتى ما ~~نلحن لقد لحنا في أعمالنا حتى ما نعرب . وأنشد في مثله : أما تراني وأثوابي ~~مقاربة . . . ليست بخز ولا من خز كتان فإن في المجد هماتي وفي لغتي . . . ~~علوية ولسان غير لحان PageV01P312 # | محاسن الشعراء # قال الخليل بن أحمد : الشعراء أمراء الكلام يجوز لهم شق المنطق وإطلاق ~~المعنى ومد المقصور وقصر الممدود . وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة : افتتح ~~الشعر بامريء القيس وختم بابن هرمة . وقال أبو عبيدة : الشعراء في الجاهلية ~~من أهل البادية أهل نجد ، منهم : امرؤ القيس ، والنابغة ، وزهير ، ودريد بن ~~الصمة ، ومنهم كثير في الإسلام ، فهؤلاء الشعراء الفحول الذين مدحوا وفخروا ~~وذموا ووصفوا الخيل والمطر والديار وأهلها ، وأشعر أهل المدن أهل يثرب وأهل ~~الطائف وعبد القيس ، وليس في بني حنيفة شاعر ، وأشعر الشعراء ثلاثة : امرؤ ~~القيس ، والنابغة ، وزهير ثم الأعشى . وأشعر الفرسان ثلاثة : عنترة بن شداد ~~، ودريد بن الصمة ، وعمرو بن معدي كرب ، وأشعر الشعراء المقلين ثلاثة : ~~المتلمس ، والمسيب بن علس ، وحصين بن حمام المري ، وأشعر العرب واحدة طويلة ~~جمعت جودة مع طول ثلاثة : طرفة بن العبد في قوله : لخولة أطلال ببرقة ثهمد ~~والحارث بن حلزة في قوله : آذنتنا ببينها أسماء وعمرو بن كلثوم في قوله : ~~ألا هبي بصحنك فاصبحينا وأشعر أهل زماننا ثلاثة : جرير ، والفرزدق ، ~~والأخطل . قيل : وسئل الأخطل : أيكم أشعر ؟ فقال : أفخرنا الفرزدق ، ~~وأمدحنا وأوصفنا للخمر أنا ، وأسهبنا وأنسبنا وأسبنا جرير ، وأرجز الرجاز ~~في الإسلام وقبله العجاج ، فإنه فتح أبواب الرجز واستوقف ووصف الديار ~~وأهلها ووصف الخيل والمطر ومدح وذم ، فذهب في الرجز مذهب امريء القيس في ~~القصد وهو أرجز الرجاز ، وقد قيل أرجز الرجاز ثلاثة : العجاج ، وابنه رؤبة ~~، وحميد الأرقط ، وقال بعضهم : أبو النجم العجلي ، وأجود الأراجيز قول رؤبة ~~: وقاتم الأعماق خاوي المخترق وقول أبي ms338 النجم : الحمد لله الوهوب المجزل ~~PageV01P313 قيل وقال مسلمة بن عبد الملك لخالد بن صفوان : صف لنا جريرا ~~والفرزدق والأخطل . فقال : أصلح الله الأمير ! أما أعظمهم فخرا وأبعدهم ~~ذكرا وأحسنهم غزلا وأحلاهم معاني وعللا ، الطامي إذا زخر والحامي إذا زأر ~~والسامي إذا نظر ، الذي إن أهدر قال وإن خطر صال وإن طلب نال ، الفصيح ~~اللسان السباق في الرهان فالفرزدق . وأما أهتكهم سترا وأغزرهم بحرا وأرقهم ~~شعرا ، والأغر الأبلق الذي إن طلب لم يسبق وإن طلب لم يلحق ، الواصف ~~للفرسان الناعت للأظعان بحلاوة وبيان فجرير ، وأما أحسنهم نعتا وأقلهم فوتا ~~وأمدحهم بيتا ، الذي إن هجا وضع وإن مدح رفع وإن حاز أفظع ، البعيد المتان ~~الماضي الجنان الممداح للسلطان فالأخطل . وكلهم ، أصلح الله الأمير ، طويل ~~النجاد رفيع العماد ذكي الفؤاد . قال : فصف لنا الشعراء العشرة ، فقال : ~~قصتهم مفسرة ، أما أحسنهم نسيبا وتشبيبا وأشدهم تأليبا فامرؤ القيس . وأما ~~أفحلهم مقالا وأنبلهم رجالا وأكرمهم فعالا فزهير . وأما أرجحهم كلاما ~~وأنبلهم مقاما وأشرفهم أياما فأوس بن حجر . وأما أفصحهم لسانا وأثبتهم ~~بنيانا وأشدهم إذعانا فالنابغة ، وأما أطردهم للصيد وأجحشهم في الكيد ~~وأدرجهم في القيد فعدي بن زيد . وأما أوصفهم للسلاح وأنعتهم للقداح والحرب ~~ذات الكفاح فابن مقبل . وأما أوصفهم للسيئين وأكسبهم للمئين وأمدحهم أجمعين ~~فالحطيئة . وأما أهجاهم للرجال وأبذهم في المقال وأضربهم للأمثال فطرفة . ~~وأما أعفهم عن الكاس وأحضهم على الباس وأصدقهم عند الناس فسلامة بن جندل . ~~قال : وقال العتابي في ذكر أبي نواس : لو أدرك الخبيث الجاهلية ما فضل عليه ~~أحد . وقال أبو عمرو بن العلاء : أشعر الناس في صفة الخمر ثلاثة : الأعشى ~~والأخطل وأبو نواس . وقال إبراهيم النظام : كأنما كشف لأبي نواس عن معاني ~~الشعر فاختار أحسنها . وقال أبو عبيدة : أبو نواس للمحدثين كامريء القيس ~~للأوائل هو فتح لهم هذه الفطن ودلهم على المعاني . # | وفي مدح الشعراء # قال : لما قال حسان بن ثابت للحارث بن عوف المري وهو مشرك : وأمانة المري ~~حيث لقيته . . . مثل الزجاجة صدعها لم يجبر قال الحارث للنبي ، صلى الله ~~عليه ms339 وسلم : يا محمد أجرني من شعر حسان فوالله لو مزج به البحر لمزجه . قال ~~: وكان كعب بن مالك ينشد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : PageV01P314 ~~قضينا من تهامة كل ريب . . . وخيبر ثم أجممنا السيوفا نخبرها ولو نطقت ~~لقالت . . . قواطعهن دوسا أو ثقيفا فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ~~لهو أسرع فيهم من السهم في غلس الظلام . قال : ولما أنشد عبد الله بن رواحة ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : فثبت الله ما أتاك من حسن . . . تثبيت ~~موسى ونصرا كالذي نصرا أقبل عليه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، متبسما ~~ثم قال : وإياك فثبت الله ، وهو الذي يقول يوم مؤتة : أقسمت يا نفس لتنزلنه ~~. . . طائعة أو لتكرهنه ما لي أراك تكرهين الجنه قال : وحدا رجل برسول الله ~~، صلى الله عليه وسلم ، وهو يقول : تالله لولا الله ما اهتدينا . . . ولا ~~تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا . . . وثبت الأقدام إن لاقينا ~~والمشركون قد بغوا علينا . . . إذا أرادوا فتنة أبينا فقال رسول الله ، صلى ~~الله عليه وسلم : من يقولها ؟ قال : أبي . قال يرحمه الله . # | مساوئ الشعراء # قيل : ليس أحد من الناس آكل للسحت وأنطق بالكذب ولا أوضع ولا أطمع ولا ~~أقل نفسا ولا أدنى همة من شاعر . ولذلك قال أبو سعد المخزومي : الكلب ~~والشاعر في حالة . . . يا ليت أني لم أكن شاعرا هل هو إلا باسط كفه . . . ~~يستطعم الوارد والصادرا قال : ولما قال الهذيل الأشجعي في عبد الملك بن ~~مروان : إذا ذات دل كلمته بحاجة . . . فهم بأن تقضى تنحنح أو سعل قال عبد ~~الملك : أخزاه الله ! فلربما جاءتني السعلة والنحنحة وأنا وحدي في المتوضأ ~~فأذكر قوله فأردها . قال : ولما قال الشاعر في شهر بن حوشب : PageV01P315 ~~لقد باع شهر دينه بخريطة . . . فمن يأمن القراء بعدك يا شهر فحلف لا يمس ~~خريطة حتى مات . وقال كعب بن جعيل : مكثت دهرا أهجو الناس ولا أهجى حتى ~~انبرى لي غلام من تغلب فقال : تسميت كعبا بشر العظام . . . وكان أبوك يسمى ~~الجعل وأنت مكانك من وائل . . . مكان القراد ms340 من است الجمل فما رفعت رأسي ~~حتى الساعة . # | ذكر من كره الشعر # قال إسحاق بن سليمان الهاشمي . دخلت على المنصور يوما والإيوان قد غص ~~بأهله ، فقال : بلغني أنك تقول الشعر . قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : ~~فأنشدني شيئا منه . فأنشدته قصيدة طويلة فيها مدح له . فلما فرغت قال : يا ~~بني مالك وللمديح إياك وإياه واحذر الهجاء فإنهما لا يشبهانك وعليك من ~~الشعر بالبيتين والثلاثة تقول ذلك تطربا وتذكر فيه فضلا وتحببا . قال : ~~وقال معاوية بن أبي سفيان لعبد الرحمن بن الحكم : يا ابن أخي إنك قد لهجت ~~بالشعر فإياك والتشبيب فتهجن به كريما والهجاء فتثير به لئيما ، وإياك ~~والمدح فإنه كسب الخسيس ، ولكن افخر بمآثر قومك وقل من الأمثال ما تزين به ~~نفسك وتؤدب به غيرك ، فإن لم تجد بدا من المديح فقل كما قال الأول : أحللت ~~رحلي في بني ثعل . . . إن الكريم للكريم محل قيل : وسئل رجل عن الشعر فقال ~~: أسرى مروءة الدني وأدنى مروءة السري . # | في ذم الشعر # قال الأصمعي : أنشد رجل بشارا العقيلي بيت الطرماح : فما للنوى لا بارك ~~الله في النوى . . . وهم لنا منها كهم المباين فقال : إن هذا البيت لو وثبت ~~عليه الشاة لأكلته ، يعني إعادته النوى في البيت مرتين ، PageV01P316 فقلت ~~: صدق بشار ، إعادة الأسماء في بيت أكثر من مرة عي . قال : وكتب محمد بن ~~أبي عون إلى محمد بن عبد الله بن طاهر : قد بعثنا بزهرة البستان . . . بكر ~~ما قد أتى من الريحان ياسمينا ونرجسا قد بعثنا . . . وبعثنا بسوسن البستان ~~فقرأهما محمد وقال : ثلاث مرات قد . وكتب إليه : عون دق الإله من فيك أدنا ~~. . . ه وأقصاه يا عيي اللسان حشو بيتيك فيه قد وقد . . . قدك الله بالحسام ~~اليماني # | ومنه مضاحيك الشعر # قيل : دخل رجل على الرشيد فقال : يا أمير المؤمنين إني هجوت الروافض . ~~قال : هات ، فقال : شمسا ورغما وزيتونا ومظلمة . . . من أن ينالوا من ~~الشيخين طغيانا فقال : فسر . قال : يا أمير المؤمنين أنت في مائة ألف أنت ~~في مائة ألف لا تفهم هذا أفأفهمه ms341 وأنا وحدي ! فضحك وأمر له بصلة . الحمدوني ~~قال : أتاني رجل فقال : قلت شعرا أحب أن أعرضه عليك ، فقلت : هات . فقال : ~~إن لي حبا شديدا . . . ليس ينحيه الفرار فقلت : نعم هو شعر . فقال : إن من ~~أفلت منه . . . لابس ثوب المخازي فقلت : ذاك راء وهذا زاي ! قال : لا تنقطه ~~. فقلت : فهبني لم أنقطه ذاك مرفوع وهذا مخفوض ! قال : يا أحمق أنا أقول لا ~~تنقطه وأنت تعجمه . قال : وجاء رجل إلى حاجب إبراهيم بن إسماعيل عامل ~~المدينة فقال : أدخلني عليه فإني قد مدحته ولك نصف ما يصلني منه . فقال : ~~أنشدني ما قلت فيه . فقال : لا أفعل . قال : لا أدخلك . قال : فإني أنشدك . ~~قال : هات . قال قلت : كاد الأمير على تكرمه . . . أن لا يكون لأمه بظر ~~فقال الحاجب : يا عاض بظر أمه كان يعطيك ستمائة سوط لي منها ثلاثمائة ! امض ~~إلى حرق الله وناره . PageV01P317 # | محاسن المخاطبات # قال : ذكروا أن ابن القرية دخل على عبد الملك بن مروان ، فبينا هو عنده ~~إذ دخل بنو عبد الملك عليه ، فقال : من هؤلاء الفتية يا أمير المؤمنين ؟ ~~قال : ولد أمير المؤمنين . قال : بارك الله لك فيهم كما بورك لأبيك فيك ~~وبارك لهم فيك كما بورك لك في أبيك . فحشا فاه درا . قال : وقال عمارة بن ~~حمزة لأبي العباس وقد أمر له بجوهر نفيس : وصلك الله يا أمير المؤمنين وبرك ~~، فوالله لئن أردنا شكرك على إنعامك ليقصرن شكرنا عن نعمتك كما قصر الله ~~بنا عن منزلتك . قال : ودخل شبيب بن شيبة على المهدي فقال : يا أمير ~~المؤمنين إن الله جل وعز حيث قسم الدنيا لم يرض لك إلا بأرفعها وأشرفها فلا ~~ترض لنفسك من الآخرة إلا بمثل ما رضي لك من الدنيا ، وأوصيك يا أمير ~~المؤمنين بتقوى الله فإنها عليكم نزلت ومنكم قبلت وإليكم ترد . قال : وقال ~~إبراهيم الموصلي للهادي وقد غناه صوتا أعجبه : إن من كان محله من الانبساط ~~وتقارب الندام محلي جرأه البسط على الطلب وبعثته المنادمة على الرجاء ، وقد ~~نصب لي أمير المؤمنين لقربي منه مشارع ms342 الرغبة وحثني مكان حالي عنده على ~~الكروع في النهل من يده . فقال له : سل حاجتك شفاها فإني جاعل فعلي إجابتك ~~إليه حاضرا . فسأله قيمة خمس مائة ألف درهم فأعطاه ألف ألف درهم . قيل : ~~ودخل إسحاق بن إبراهيم الموصلي على الرشيد فقال : كيف حالك ؟ فقال : سوامي ~~سوام المكثرين تجملا . . . ومالي كما قد تعلمين قليل وآمرة بالبخل قلت لها ~~اقصري . . . فذلك شيء ما إليه سبيل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى . . . ~~ورأي أمير المؤمنين جميل أرى الناس خلان الجواد ولا أرى . . . بخيلا له في ~~العالمين خليل فقال الرشيد : هذا والله الشعر الذي صحت معانيه وقويت أركانه ~~ولذ على أفواه القائلين وأسماع السامعين ، يا غلام احمل إليه خمسين ألف ~~درهم . قال إسحاق : كيف أقبل صلتك يا أمير المؤمنين وقد مدحت شعري بأكثر ~~مما مدحتك ؟ قال الأصمعي : فعلمت أنه أصيد للدرهم مني . قال : وقال المأمون ~~لإبراهيم بن المهدي : شاورت في أمرك فأشاروا علي بقتلك . فقال : أما أن ~~يكونوا نصحوك فيما جرت به السياسة وحكمت به الرياسة فقد فعلوا ولكنك تأبى ~~PageV01P318 أن تستجلب النصر إلا من حيث عودك الله ، فإن عاقبت فلك نظير ~~وإن عفوت فليس لك نظير ، وإن جرمي يا أمير المؤمنين أعظم من أن أنطق فيه ~~بعذر وعفو أمير المؤمنين أجل من أن يفي به شكر . فقال المأمون : مات الحقد ~~عند هذا العذر . فاستعبر إبراهيم وبكى ، فقال له المأمون : ما لك ؟ قال : ~~الندم إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام علي . وحدثني سعيد بن مسلم ~~قال : قال المأمون لإبراهيم بن المهدي بعد المؤانسة وإخراج ما كان في قلبه ~~عليه : يا عم ما الذي حملك على منازعة من جرى قدر الله عز وجل له بتمام ~~أمره وإصلاح شأنه ؟ قال : طلب صلاح حالي يا أمير المؤمنين وتوفر ما تتسع به ~~يدي على خاصتي وعامتي . قال : فقدر ما شئت وهو لك مشاهرة . قال : إذا تجدني ~~بحيث تحب ويجري حكمك علي وفي كما يجري في أحد عبيدك . وقد قلت في ذلك : أرى ~~الحر عبدا للذي ms343 سيب كفه . . . شراه بما قد غاظه غاية الحمد على أن ملك الحر ~~أسنى ذريعة . . . إلى المجد من مال يصان ومن عبد وإن خص بيع ملك حر بنعمة . ~~. . إذا قوبلت بالشكر قارنها المجد فقال : لئن كان ذلك كذلك إني لأهل أن ~~أرفعك بمواد نعمتي عليك عن أن يقال هذا فيك أو تمتهنك عين أحد بذلة . قال : ~~ودخل المأمون ذات يوم إلى الديوان فنظر إلى غلام جميل على أذنه قلم فقال : ~~من أنت يا غلام ؟ قال : يا أمير المؤمنين الناشيء في دولتك والمتقلب في ~~نعمتك والمؤمل لخدمتك الحسن بن رجاء . فقال المأمون : بالإحسان في البديهة ~~تتفاضل العقول . يرفع عن مراتب الديوان إلى مراتب الخاصة ويعطى مائة ألف ~~درهم معونة له . ففعل به ذلك . قال : ودخل يزيد بن جرير على المأمون وكان ~~وجد عليه فقال : أيزيد ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين غذي نعمتك وخريج ~~صنيعتك وغرس يدك الذي لم يشركك فيه مصطنع ولم يسبقك إلى تخريجه أحد ، ولم ~~أزل يا أمير المؤمنين بعفوك بعد سخطك راجيا وببصيرة رأيك في الانفراد بردي ~~إلى ما عودتني واثقا حتى أقامني الله جل وعز هذا المقام الذي فيه إدراكي ~~أملي ونيلي محبتي ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يشهرني برضاه كما شهرني بسخطه ~~فعل إن شاء الله ! فقال : قد رضي عنك أمير المؤمنين . قال : ووصف يحيى بن ~~خالد الفضل بن سهل وهو غلام على المجوسية للرشيد وذكر أدبه وحسن مذهبه ~~وجودة معرفته فعمل على ضمه إلى المأمون . فقال يوما ليحيى : أدخل إلي هذا ~~الغلام المجوسي حتى أنظر إليه ، ففعل يحيى ذلك ، فلما مثل بين يديه وقف ~~وتحير وأراد الكلام فأرتج عليه وأدركته كبوة ، فنظر الرشيد إلى يحيى نظر ~~منكر لما كان تقدم من تفريطه PageV01P319 إياه ، فانبعث الفضل فقال : يا ~~أمير المؤمنين إن من أبين الدلالة على فراهة المملوك شدة إفراط هيبته لسيده ~~. فقال له الرشيد : أحسنت والله ! لئن كان سكوتك لتقول هذا إنه لحسن وإن ~~كان هذا شيء أدركك عند انقطاعك إنه لأحسن وأحسن . ثم جعل لا يسأله ms344 عن شيء ~~إلا رآه مقدما فيه مبرزا . فضمه المأمون في ذلك اليوم . وقال الفضل بن سهل ~~للمأمون وقد سأله حاجة لبعض أهل بيوتات دهاقين سمرقند ووعد تعجيل إنفاذها ~~فتأخر ذلك عليه : يا أمير المؤمنين هب لوعدك تذكرا من نفسك وهنيء سائلك ~~حلاوة نعمتك واجعل ميلك إلى ذلك في الكرم حاثا على اصطفاء شكر الطالبين ~~لتشهد القلوب بحقائق الكرم والألسن بنهاية الجود . فقال : قد جعلت إليك ~~إجابة سؤالي عني بما ترى فيهم وأخذتك بالتقصير فيما يلزم لهم من غير ~~استثمار ولا معاودة في إخراج الصكاك من أخضر المال متناولا . قال : إذا ~~لأتحدى معرفتي بما يجب لأمير المؤمنين الهنأ بما يديم له حسن الثناء ، ومن ~~دعائهم طول البقاء . قال : وقال الفضل بن سهل للمأمون : يا أمير المؤمنين ~~اجعل نعمتك صائنة لماء وجوه خدمتك عن إراقته في غضاضة السؤال . فقال ~~المأمون : والله لا كان ذلك إلا كذلك . قال : ودخل العتابي على المأمون ~~فقال : يا أبا كلثوم خبرت بوفاتك فغمتني ثم جاءتني وفادتك فسرتني . فقال : ~~يا أمير المؤمنين كيف أمدحك أو بماذا أصفك ولا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك ~~! فقال : سلني عما بدا لك . قال : يداك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة . ~~قال : وتكلم المأمون يوما فأحسن فقال يحيى بن أكثم : يا أمير المؤمنين ~~جعلني الله فداك ! إن خضنا في الطب فأنت جالينوس في معرفته ، أو في النجم ~~فأنت هرمس في حسابه ، أو في الفقه فأنت علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، ~~في علمه ، وإن ذكر السخاء كنت حاتما في جوده ، أو الصدق فأنت أبو ذر في صدق ~~لهجته ، أو الكرم فأنت كعب بن مامة في إيثاره على نفسه ، أو الوفاء فأنت ~~السموأل بن عاديا في وفائه . فاستحسن قوله وتهلل وجهه . قال : وقال إبراهيم ~~بن المهدي للمأمون : يا أمير المؤمنين ليس للعافي بعد القدرة عليه ذنب ، ~~وليس للمعاقب بعد الملك عذر . قال : صدقت فما حاجتك ؟ قال : فلان . قال : ~~هو لك . قال : وقال الواثق يوما لأحمد بن أبي دؤاد وقد تضجر بكثرة حوائجه ms345 : ~~قد أخليت بيوت الأموال بطلباتك للائذين بك والمتوصلين إليك ! فقال : يا ~~أمير المؤمنين نتائج شكرها متصل بك وذخائر أجرها مكتوب لك وما لي من ذلك ~~إلا عشق الألسن لخلود المدح فيك . فقال : يا أبا عبد الله والله لا منعتك ~~ما يزيد في عشقك وتقوى به منتك إذ كانا لنا دونك . وأمر فأخرج له ~~PageV01P320 ثلاثون ألف دينار يفرقها في الزوار . قال : وقدم أبو وجزة ~~السلمي على المهلب بن أبي صفرة فقال : أصلح الله الأمير ! إني قطعت إليك ~~الدهناء وضربت إليك أكباد الإبل من يثرب . فقال : هل أتيتنا بوسيلة أو ~~قرابة أو عشرة ؟ قال : لا ولكني رأيتك لحاجتي أهلا فإن قمت بها فأهل ذلك ~~أنت وإن يحل دونها حائل لم أذمم يومك ولم أيأس من غدك . فقال المهلب : يعطى ~~ما في بيت المال . فوجد فيه مائة ألف درهم فدفعت إليه ، فأنشأ يقول : يا من ~~على الجود صاغ الله راحته . . . فليس يحسن غير البذل والجود عمت عطاياك من ~~بالشرق قاطبة . . . وأنت والجود منحوتان من عود قال : ودخل الكوثر بن زفر ~~على يزيد بن المهلب فقال : أصلحك الله ! أنت أعظم قدرا من أن يستعان عليك ~~ويستعان بك ، لست تفعل من المعروف شيئا إلا وهو أصغر منك ، وليس من العجب ~~أن تفعل ولكن العجب أن لا تفعل . قال : سل حاجتك . قال : تحملت عن قومي عشر ~~ديات وقد نهكتني . قال : قد أمرنا لك بها وأضعفناها بمثلها . فقال الكوثر : ~~إن ما سألتك هو بوجهي لمقبول منك ، وأما ما بدأتني به فلا حاجة لي فيه . ~~قال : ولم وقد كفيتك ذل السؤال ؟ قال : لأني رأيت الذي أخذته مني بمسألتي ~~إياك أكثر مما نالني من معروفك فكرهت الفضل على نفسي . قال يزيد : فأنا ~~أسألك بحقك علي فيما أملتني له من إنزالك إلي إلا قبلتها . فقبلها . # | مساوئ المخاطبات # قيل : دخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب فقال له : إني أكلت من لحوم ~~هذه الجوازيء فطسئت طسأة فأصابني وجع ما بين الوابلة إلى دأية العنق ولم ~~يزل يربو وينمو حتى خالط الخلب ms346 والشراسيف فهل عندك دواء ؟ قال : نعم خذ ~~خرفقا وسلفقا فرقرقه واغسله بماء روث واشربه . قال : لا أدري ما تقول ! قال ~~: ولا أنا أدري ما تقول . وقال له آخر : إني أجد معمعة في بطني وقرقرة ، ~~فقال له : أما المعمعة فلا أعرفها ، وأما القرقرة فهو ضراط لم ينضج . قيل : ~~وأتى رجل إلى الهيثم بن عريان بغريم له وقد مطله في حق له فقال : أصلح الله ~~PageV01P321 الأمير ! إن لي على هذا حقا قد غلبني عليه . فقال له الآخر : ~~أصلحك الله ! إن هذا باعني عنجدا وقد استنسأته حولا وشرطت أن أعطيه مياومة ~~فهو لا يلقاني في لقم إلا اقتضاني . فقال له الهيثم : أمن بني شيبة أنت ؟ ~~قال : لا . قال : فمن بني هاشم ؟ قال : لا . قال : فمن أكفائهم من العرب ؟ ~~قال : لا . قال : ويلي عليك انزع ثيابه يا حرسي ! فلما أرادوا أن ينزعوا ~~ثيابه قال : أصلحك الله ! إن إزاري مرعبل . فقال : دعوه فلو ترك الغريب في ~~موضع لتركه في هذا الموضع . قال : ومر أبو علقمة ببعض الطرق فهاجت به مرة ~~فوثب عليه قوم وأقبلوا يعضون إبهامه ويؤذنون في أذنه . فأفلت من أيديهم ~~وقال : ما لكم تتكأكؤون علي كما تتكأكؤون على ذي جنة ؟ افرنقعوا عني ! فقال ~~رجل منهم : دعوه فإن شيطانه هندي يتكلم بالهندية . وقال مرة لحجام يحجمه : ~~اشدد قصب الملازم وارهف ظبة المشارط وخفف الوضع وعجل النزع ، وليكن شرطك ~~وخزا ومصك نهزا ، ولا تكرهن أبيا ولا ترددن أتيا . فوضع الحجام محاجمه في ~~جونته ومضى . # | محاسن المكاتبات # قال : وقال كعب العبسي لعروة بن الزبير : قد أذنبت ذنبا إلى الوليد بن ~~عبد الملك وليس يزيل غضبه شيء فاكتب إليه . فكتب : لو لم يكن لكعب من قديم ~~حرمته ما يغفر له عظيم جريرته لوجب أن لا تحرمه التفيؤ بظل عفوك الذي تأمله ~~القلوب ، ولا تعلق به الذنوب وقد استشفع بي إليك فوثقت له منك بعفو لا ~~يخلطه سخط ، فحقق أمله في وصدق ثقتي بك مغتنما للشكر مبتدئا بالنعمة . فكتب ~~إليه الوليد : قد شكرت رغبته إليك وعفوت عنه لمعوله ms347 عليك ، وله عندي الذي ~~تحب إن لم تقطع كتبك عني في أمثاله وفي سائر أمورك . قال : وكتب عبد الله ~~بن معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى بعض إخوانه : أما بعد فقد عاقني الشك عن ~~عزيمة الرأي ، ابتدأتني بلطف من غير خبرة ثم أعقبتني جفاء من غير ذنب طمعني ~~أولك في إخائك وأيسني آخرك من وفائك ، فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك ~~اطراحا ولا في غدو انتظار منك على ثقة ، فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الرأي ~~فيك ما أقمنا على ائتلاف وافترقنا على اختلاف . قال : وسخط مسلمة بن عبد ~~الملك على العريان بن الهيثم فعزله عن شرطة الكوفة فشكا ذلك إلى عمر بن عبد ~~العزيز ، فكتب إليه : فإن من حفظ نعم الله رعاية حق ذوي الأسنان ، ومن ~~PageV01P322 إظهار شكر الموهوب له صفح القادر عن الذنوب ، ومن تمام السودد ~~حفظ الودائع واستتمام الصنائع ، وقد كنت أودعت العريان نعمة من نعمك ~~فسلبتها عجلة سخطك ، وما أنصفته إذ غصبته على أن وليته ثم عزلته وخليته ، ~~وأنا شفيعه فأحب أن تجعل له من قلبك نصيبا ولا تخرجه من حسن رأيك فيضيع ما ~~أودعته ويتوى ما أفدته . فعفا عنه . قال : وغضب سليمان بن عبد الملك على ~~أبي عبيدة مولاه فشكا إلى سعيد بن المسيب ذلك ، فكتب إليه : أما بعد فإن ~~أمير المؤمنين في الموضع الذي يرتفع قدره عن أن تعصيه رعيته وفي عفو أمير ~~المؤمنين سعة للمسلمين . فرضي عنه . قال : وطلب العتابي من رجل حاجة فقضى ~~له بعضها وماطله ببعض . فكتب إليه : أما بعد فقد تركتني منتظرا لرفدك وصاحب ~~الحاجة محتاج إلى نعم هنيئة أو لا مريحة ، والعذر الجميل أحسن من المطل ~~الطويل ، وقد كتبت : بسطت لساني ثم أوثقت نصفه . . . فنصف لساني بامتداحك ~~مطلق فإن أنت لم تنجز عداتي تركتني . . . وباقي لسان الشكر باليأس موثق قال ~~: ولما بنى المهدي بريطة ابنة أبي العباس كتب إليه يحيى بن سعيد بن قيس ~~الأنصاري : أدام الله لك جميل عاداته عندك وأوتر ما يجري به القدر لك ms348 ولا ~~زالت يد الله تحوطك في المحبوب وتدرأ عنك المكروه ، وهنئت بهذه النعمة ~~ومليتها أمنا من زوالها بطول البقاء والمدة . فقالت له ريطة : ما لهذا ~~الكلام ثمن ! فقال : وكيف ونحن أطلقنا بإحساننا إليه وإنعامنا عليه لسانه ~~فينا وسنزيده من الثواب لثنائه علينا . قال : وأمر الرشيد جعفر بن يحيى أن ~~يعزل أخاه الفضل بن يحيى عن الخاتم ويقبضه إليه قبضا لطيفا ، فكتب إلى أخيه ~~: قد رأى أمير المؤمنين أن تنقل خاتم خلافته عن يمينك إلى شمالك ، فكتب ~~إليه الفضل : ما انتقلت عني نعمة صارت إليك ولا خصتك دوني . أحمد بن يوسف ~~الكاتب قال : أمرني المأمون أن أكتب إلى الآفاق في الاستكثار من المصابيح ~~في المساجد ، فلم أدر كيف أكتب لأنه شيء لم أسبق إليه فأسلك طريقته ومعناه ~~، فأتاني آت في منامي وقال لي : اكتب : فإن فيها أنسا للمجتهدين ، واضاء ~~للسائلين ، ونفيا لتكامن الريب ، وتنزيها لبيوت الله عز وجل عن وحشة الظلم ~~. فكتب بذلك . قال : وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون في رجل من بني ضبة ~~يستشفع إليه في زيادة في منزلته وجعل كتابته تعريضا : أما بعد فقد استشفع ~~بي فلان يا أمير المؤمنين لتطولك في إلحاقه بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون ~~، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين ، وفي ابتدائه ~~بذلك تعدي طاعته والسلام . فكتب إليه المأمون : قد عرفنا توطئتك ~~PageV01P323 له وتعريضك لنفسك وأجبناك إليهما ووافقناك عليهما . وحدثنا عبد ~~الله بن ميمون قال : تأخر الجاري من الرزق لإبراهيم بن إسحاق الموصلي عنه ~~في أيام المأمون فكتب إليه : يا أمير المؤمنين ما فوق جودك في العاجلة ~~مرتقى لآمالنا ولا إلى غير دولتك متطلع لقلوبنا فلم تتأخر الإفادات عنا ~~ويعسر نيل المحبوب علينا . فقال المأمون : ما سمعت في التصريح والإشارة ~~بالطلب أحسن من هذا ، وأمر بإخراج فائته وبجائزة ثلاثمائة ألف درهم . قال : ~~وأولم المأمون على بعض ولده فكتب إليه إبراهيم بن المهدي : لولا البضاعة ~~تقصر عن الهمة لأتعبت السابقين إلى البر وخفت صحيفتها وليس لي فيها ذكر ~~فبعثت بالمبتدإ به ليمنه ms349 وبركته والمختوم به لنظافته وطيبه جراب ملح وجراب ~~أشنان . وكتب إبراهيم بن المهدي إلى صديق له بعث إليه بهدية : لو كانت ~~التحفة على حسب ما يوجبه حقك بنا أداء حقك ولكنه على ما يخرج من حد الحشمة ~~ويوجب الأنس ، وقد بعثت إليك بكذا . وحدثنا أبو الودغ قال : أول كتاب ورد ~~على المأمون بالخلافة كتاب الحارث بن سباع الخراساني ، فإنه كتب إليه : قد ~~أظلنا أمير المؤمنين بخلافته تحت جناح الطمأنينة وبلغنا بها مدى الأمنية ، ~~فأدام الله له من كرامته ما يتطأمن له أقاصي وأداني رعيته وجعله أعز خليفة ~~وجعلنا أسمع وأطوع رعيته . فقال المأمون للفضل بن سهل : أتعرف ما قيمة هذا ~~الكلام ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين . قال : وما هي ؟ قال : تلقيك به ~~بالسرور . فأعجبه قوله واستحسنه . قال : وكتب عبد الله بن طاهر إلى المأمون ~~من خراسان : بعدت داري عن أمير المؤمنين وعن ظل جناحه وعن خدمته وإن كنت ~~حيث تصرفت لا أتفيأ إلا به وقد اشتد شوقي إلى النظر إلى رؤيته المباركة ~~والتزين بحضور مجلسه وتلقيح عقلي بحسن رأيه ، فلا شيء عندي آثر من قربه ، ~~وإن كنت في سعة من عيش وهبه الله جل ذكره لي به ، فإن رأى أمير المؤمنين أن ~~يأذن لي في المصير إلى دار السلام لأحدث عهدا بالنعم علي وأتهنأ بالنعمة ~~التي أقرها لدي فعل . فأجابه المأمون : قربك إلي يا أبا العباس حبيب وأنا ~~إليك مشتاق وإنما بعدت دارك عن أمير المؤمنين بالنظر لك والتخير لحسن ~~العاقبة ، فالزم مكانك واتبع قول الشاعر : رأيت دنو الدار ليس بنافعي . . . ~~إذا كان ما بين القلوب بعيدا وحدثنا خصيف بن الحارث عن أبي رجاء قال : قدم ~~مع المأمون رجل من دهاقين الشاش وعظمائهم على عدة سلفت من المأمون له من ~~توليته بلدا وأن يضم إليه مملكته ، فطال على الرجل انتظار خروج المأمون ~~وأمره له بذلك ، فقصد عمرو بن مسعدة وسأله إنفاذ رقعة إلى المأمون من ~~ناحيته . فقال عمرو : اكتب ما شئت فإني أوصله . قال : فتول ذلك عني يكن لك ~~علي ms350 PageV01P324 نعمتان . فكتب عمرو : إن رأى أمير المؤمنين أن يفك أسر ~~عبده من ربقة المطل بقضاء حاجته أو يأذن له في الانصراف إلى بلده فعل إن ~~شاء الله تعالى . فلما قرأ المأمون الرقعة دعا عمرا فجعل يعجبه من حسن ~~لفظها وإيجاز المراد فيها . قال عمرو : فما نتيجتها يا أمير المؤمنين ؟ قال ~~: الكتاب له في هذا في الوقت بما سأل لئلا يتأخر فضل استحساننا كلامه ~~وبجائزة مائة ألف درهم صلة عن دناءة المطل وسماجة الإغفال . ففعل عمرو ذلك ~~. وحدثنا إسماعيل بن أبي شاكر قال : لما أصاب أهل مكة سنة ثمان ومائتين ~~السيل الذي شارف الحجر ومات تحت هدمه خلق كثير كتب عبد الله بن الحسن ~~العلوي وهو والي الحرمين إلى المأمون : يا أمير المؤمنين إن أهل حرم الله ~~وجيران بيته وألاف مسجده وعمرة بلاده قد استجاروا بفيء معروفك من سيل ~~تراكمت أحداثه في هدم البنيان وقتل الرجال والنسوان واجتياح الأموال وجرف ~~الأمتعة والأثقال ، حتى ما ترك طارفا ولا تالدا يرجع إليهما في مطعم وملبس ~~، قد شغلهم طلب الغذاء عن الاستراحة إلى البكاء على الأمهات والأولاد ~~والآباء والأجداد ، فأجرهم يا أمير المؤمنين بعطفك عليهم وإحسانك إليهم تجد ~~الله مكافئك عنهم ومثيبك عز الشكر لك منهم . قال : : فوجه إلهيم المأمون ~~بالأموال الكثيرة . وكتب إلى عبد الله : أما بعد فقد وصلت شكيتك لأهل حرم ~~مكة إلى أمير المؤمنين فتلافاهم الله بفضل رحمته وأنجدهم بسيب نعمته وهو ~~متبع ما أسلفه إليهم بما يخلفه عليهم عاجلا وآجلا إن أذن الله جل وعز في ~~تثبيت عزمه على صحة نيته فيهم . قال : فكان كتابه هذا أسر إلى أهل مكة من ~~الأموال التي أنفذها إليهم . قال أحمد بن يوسف : دخلت على المأمون يوما ~~ومعه كتاب يعجب به كتبه إليه عمرو بن مسعدة ، فالتفت إلي وقال : أحسبك ~~مفكرا فيما رأيت . قلت : نعم ، وقى الله أمير المؤمنين المكروه . قال : إنه ~~ليس بمكروه ولكني قرأت كلاما نظير الخبر خبرني به الرشيد ، سمعته يقول : ~~البلاغة التقرب من معنى البغية والتباعد من حشو الكلام ودلالة ms351 بالقليل على ~~الكثير ، فلم أتوهم أن هذا الكلام يسبك على هذه الصيغة حتى قرأت هذا الكتاب ~~، والله لأقضين حق هذا الكلام ، وكان الكتاب استعطافا على الجند فيه كتابي ~~إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من أجناده وقواده في الطاعة والموالاة ~~والانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند ، وقد تأخرت أرزاقهم واختلت ~~أحوالهم . قال : فأمر بإعطائهم لثمانية أشهر . قال : ولما بعث طاهر بن ~~الحسين برأس محمد الأمين كتب إليه : آتى الله أمير المؤمنين من شكره ما ~~يزيد به في نعمته عليه وأياديه لديه ، فقد كان من قدر الله جل وعز في إعانة ~~أمير المؤمنين على الظفر بحقه وسلامة الأولياء ووفاة محمد بن الرشيد ما لا ~~دافع له من القضاء في PageV01P325 الخلق والاستبداد بالأمر لنفوذ مشيئته ~~فيما أحب من إعزاز وإجلال وموت وحياة ، فليهنيء أمير المؤمنين فوائد تطول ~~الله عليه وليعزه عن أخيه الرضى بما يؤول إليه أهل الأرض والسماء من ~~الانقراض والفناء . فكان المأمون يقول : والله لسروري بتعزيته أوقع بقلبي ~~من تهنئته . قال : وكتب إليه الفضل بن سهل : أما بعد فإن المخلوع وإن كان ~~قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة فقد فرق الكتاب بينه وبينه في الولاية ~~والحرمة لقول الله جل وعز فيما اقتص علينا من نبإ نوح حيث يقول : إنه ليس ~~من أهلك إنه عمل غير صالح ، ولا صلة لأحد في معصية الله ولا قطيعة فيما ~~كانت القطيعة في ذات الله . وكتبت إلى أمير المؤمنين : وقد قتل الله جل وعز ~~المخلوع ورداه رداء نكثه وعجل لأمير المؤمنين ما كان ينتظر من وعده ، ~~فالحمد لله الذي رد إلى أمير المؤمنين معلوم حقه ، وكبت المكايد له في خفر ~~عهده ونقض عقده حتى رد بذلك أعلام الدين إلى سبيلها بعد دروسها والسلام . ~~قال : وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر : أما بعد فإن المأمون أحله الله ~~دار كرامته رآك لأكثر الذي أنت له فيه أهلا وقد جمع الله لك إلى حسن رأيه ~~كان فيك جميل رأيي لما محضته من حسن الطاعة وكرم الوفاء ms352 وشكر الإحسان ، وقد ~~اتصلت الأخبار بأنك في كفاية من أولياء أمير المؤمنين وأموال خراسان وفي ~~منعة من خاصتك وعامتك عن أن ينالك عدوك أو أحد ممن يخالفك بسوء ، فاكتب ~~بشرح ذلك إلى أمير المؤمنين ليعرفه إن شاء الله . فلما وصل كتابه قال عبد ~~الملك لكاتبه إسماعيل بن حماد : ما تقول في هذا الكتاب ؟ قال : كتاب تعريض ~~بأنك خارج من طاعته مالك أمر نفسك دونه . قال : فأجبه عنه . فكتب إليه : ~~أما بعد يا أمير المؤمنين فإن حزب الله وإن قلوا وأنصار المؤمنين وإن ضعفوا ~~فهم الغالبون ، وما أنا بشيء في ملاقاة عدو أوثق مني بعز دولة أمير ~~المؤمنين ، فأما الأيدي فقليلة والأموال فنزرة وفي الله وفي أمير المؤمنين ~~أعظم الغنى . فقبل عذره وحسن موقع كتابه منه . قال : وكتب أحمد بن إسرائيل ~~إلى الواثق ، وقد عزله عن ديوان الخراج وأمر بتقييده ليصحح حساباته : يا ~~أمير المؤمنين بم يستحق الإذلال من أنت بعد الله ورسوله موئل عزه وإليك ~~مفزع أمله ، ولم تزل نفسه راجية لابتداء إحسانك إليه وتتابع نعمك لديه ، ~~وعينه طامحة إلى تطولك عليه ورفعك منه والزيادة في الضيعة إليه ، فهب له يا ~~أمير المؤمنين ما يزينك واعف عما لا يشينك ، فما به عنك معدل ولا على غيرك ~~معول . فأمر بإطلاقه . قال : وكتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد ~~يستعفيه من العمل : شكري لك على ما أريد الخروج منه شكر من نال الدخول فيه ~~. وكتب علي بن هشام إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي : ما أدري كيف أصنع ، ~~أغيب PageV01P326 فأشتاق وألتقي فلا أشتفي ثم يحدث لي اللقاء نوعا من ~~الحرقة للوعة الفرقة . وكتب معقل إلى أبي دلف : فلان جميل الحال عند كرام ~~الرجال وأنت إن لم ترتبطه بفضلك عليه غلبك فضل غيرك عليه . وكتب رجل إلى أخ ~~له : أما بعد فقد بان لنا من فضل الله جل وعز ما لا نحصيه لكثرة ما نعصيه ~~وما ندري ما نشكر أجميل ما نشر أم قبيح ما ستر أم عظيم ما أبلى أم ms353 كثير ما ~~عفا ، غير أنه يلزمنا في الأمور شكره ويجب علينا حمده ، فاستزد الله من حسن ~~بلائه بشكرك إياه على حسن آلائه . وكتب رجل إلى أخ له : أوصيك بتقوى الله ~~الذي ابتدأك بإحسانه وأتم عليك نعمه بأفضاله وصبر عليك مع اقتداره ولا ~~يغررك إمهاله فإنه ربما كان استدراجا ، عافانا الله وإياك من الاغترار ~~بالامهال فإنه ربما كان استدراجا ، عافانا الله وإياك من الاغترار بالامهال ~~والاستدراج بالإحسان . قال : وكتب أبو هاشم الحراني إلى بعض الأمراء : عوضي ~~من أمل الأمير متأخر ، والصبر على الحرمان متعذر . وكتب رجل إلى محمد بن ~~عبد الله : إن من النعمة على المثني عليك أن يخاف الإفراط ولا يأمن التقصير ~~ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب ولاينتهي من المدح إلى غاية إلا وجد في فضلك ~~عونا على تجاوزها ، ومن سعادة جدك أن الداعي لك لا يعدم كثرة المادحين ~~ومساعدة من النية على ظاهر القول . وكتب رجل إلى أبي عبد الله بن يحيى : ~~رأيتني فيما أتعاطاه من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر المضيء ~~الزاهر الذي لا يخفى على ناظر ، وأيقنت أني حيث أنتهي من القول منسوب إلى ~~العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن إثناء عليك إلى الدعاء لك ، ووكلت الإخبار ~~عنك إلى علم الناس بك . قال : وكتب المهلب بن أبي صفرة إلى عبد الملك بن ~~مروان لما هزم الشراة : أما بعد فإنا لقينا المارقة ببلاد الأهواز وكانت ~~للناس جولة ثم ثاب أهل الدين والمروءة ونصرنا الله جل وعز عليهم ونزل ~~القضاء بأمر جاوزت النعمة فيه الأمل فصاروا ردية رماحنا وضرائب سيوفنا وقتل ~~رئيسهم في جماعة من حماتهم وذوي النيات منهم وجلا الباقون عن عسكرهم ، ~~وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأولها تماما وكمالا ، والسلام . وكتب المهلب ~~إلى الحجاج في فتح الأزارقة : الحمد لله الكافي بالإسلام ما وراءه الذي لا ~~تنقطع مواد نعمته حتى ينقطع من خلقه مواد الشكر ، وإنا كنا أعطينا من الله ~~جل وعز على PageV01P327 عدونا حالين يسرنا منهم أكثر مما يسوءنا ويسوءهم ~~منا أكثر مما ms354 يسرهم ، فلم يزل الله جل وعز يزيدنا وينقصهم ويعزنا ويخذلهم ~~حتى بلغ الكتاب أجله وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين . ~~أخبرنا ابن أبي السرح أن الحجاج أغزى جيشا فظفروا وأن صاحب جيشه كتب إليه : ~~الحمد لله الذي جعل لأوليائه أمام نصره موعدا قوى به قلوبهم وقدم إلى ~~أعدائه بين يدي خذلانه إياهم وعيدا أرعب به مفاصلهم وزعزع معه قلوبهم . ~~فلما بلغ هذا الموضع طوى ما كان نشره من الكتاب ولم يقرأ ما بعده ثم التفت ~~إلى الرسول فقال : غيرنا هذا الكلام المبتدأ به ، إن العدو ولى من غير حرب ~~! فقال : صدق الأمير صدق الله ظنه وأصاب أصاب الله رأيه . قال : وكتب مروان ~~بن محمد إلى عبد الله بن علي يوصيه بحرمة ، فكتب إليه عبد الله : يا مائق ~~إن الحق لنا في دمك والحق علينا في حرمك . وكتب علي ، رضوان الله عليه ، ~~إلى زياد ابن أبيه : لئن بلغتني عنك خيانة لأشدن عليك شدة أدعك فيها قليل ~~الوفر ثقيل الظهر . قال : وكتب رجل إلى أبي مسلم حين خرج : أحسن الله لك ~~الصحبة وعصمك بالتقوى وألهمك التوفيق ، إن الأرض لله يورثها من عباده من ~~يشاء والعاقبة للمتقين ، فسر فيها راغبا إلى الله ورسوله والرضى من هذه ~~الأمة بالكتاب والسنة . واعلم أن التقوى أس ما تبني عليه أمرك ، فإن ضعف ~~الأساس تداعى البنيان ودخل الأعداء من كل مكان ، فتألف الأعلام من الرجال ~~وسرواتهم وتصفح عقولهم ومروءاتهم ، فكلما ارتضيت رجلا ففره عن عزائم رأيه ~~واصرف نظرك إلى تصرف حاله ، وإن وجدته على خلاف ما أنت عليه فلا تعجل ~~بإلقاء أمرك إليه فتدخل الوحشة منك والنفور عنك ، لكن اقرعه بالحجة في رفق ~~وسقه إلى شرك المحجة في لين حتى يتكشف لك ثوب الظلمة عن النور وتظهر لك ~~وجوه الأمور ، فإنه سيكثر أعوانك على الحق ويسهل لك منهاج الطرق . فإذا ~~كثرت العدة من أصحابك وأمكنتك الشدة على أعدائك فحارب الفئة الباغية ~~والأئمة الطاغية الذين أباحوا حمى المسلمين وأجروا عليهم أحكام الفاسقين ~~وقادوهم بجرائر المهن ms355 واستذلوهم في البر والبحر . واعلم أن من عرف الله جل ~~وعز لم ير لأهل البغي جماعة ولا لأئمة الضلالة طاعة . وكلما غلبت على بلدة ~~فامسك عن القتل وأظهر في أهله العدل لتسكن إليك النفوس ويثوب PageV01P328 ~~نحوك الناس وينتشر فعلك في الخاصة والعامة فتستدعي أهواءها وتستميل آراءها ~~وتهش إليك من الآفاق نفوس عرانين الكرم ومصابيح الظلم من ذوي الأحساب ~~الكريمة والبيوت القديمة التي شرفها الإسلام وزينها الإيمان لتزرع بذلك لك ~~المحبة في قلوب العباد ويكونوا لك دواعي في نواحي البلاد . تمم الله لك ~~أمرك وأعلى كعبك . قال : ولما استقامت المملكة لأبرويز وانقضى ما بينه وبين ~~بهرام جوبين أمر أن تكتب تلك الحروب والوقائع إلى منتهاها ففعلت الكتبة ذلك ~~وعرضته على أبرويز فلم يرض صدره . فقال غلام من أولاد الكتاب : إن أمر ~~الملك كتبت صدره . فقال : شأنك . فتناول القلم وكتب : إن الدهر لم يخل في ~~تارات عقبه وتصرفه ووجوه تنقله في حالات من العجائب ولم تنصرم فيه فنونها ~~على طول مداه ولم يزل في تقلب عصريه وصفحات أزمنته وطبقات أحايينه تحدث فيه ~~جلائل الأمور وغرائب الأنباء وتنجم فيه قرون وتعقب فيه أعقاب بعد أسلاف ~~وتعفو آثار ، وله في تلونه تصريف أنباء معجبة وأحاديث فيها معتبر وعظة ~~ومختبر ، ومن أعاجيب ذلك أمر بهرام بن بهرام ولقبه جوبين ، فعرضه على ~~أبرويز فأعجبه ذلك وأمر برفع درجته وتقديمه وتعظيمه . # | مساوئ المكاتبات # قال الجاحظ : كتب ابن المراكبي إلى بعض ملوك بغداد : جعلت فداك برحمته . ~~وقرأت على عنوان كتاب لأبي الحسين السمري : للموت أنا قبله . وقرأت أيضا ~~على عنوان كتاب : إلى ذاك الذي كتب إلي . وكتب بعضهم إلى ابن له عليل : يا ~~بني اكتب إلي بما تشتهي . فكتب إليه : أشتهي قلنسوة . فكتب إليه : إنما ~~سألتك أن تخبرني بما تشتهي من الغداء . فكتب إليه : أشتهي دهن خل وزيت . ~~فكتب إليه : أنزل الله عليك الموت فإنك ثقيل ! قال : ونقش بشر بن عبد الله ~~على خاتمه : بشر بن عبد الله بالرحمن لا يشرك . فقال أبوه : هذا والله أقبح ~~من الشرك ms356 ! # | محاسن الخطب # قال : خطب خالد بن صفوان خطبة نكاح فقال : الحمد لله جامعا للحمد كله ~~وصلى الله على محمد وآله . أما بعد فقد قلتم ما سمعنا وبذلتم فقبلنا وخطبتم ~~فأنكحنا فبارك الله لنا ولكم . PageV01P329 قال : وخطب محمد بن الوليد بن ~~عتبة إلى عمر بن عبد العزيز أخته فزوجه وخطب فقال : الحمد لله ذي العزة ~~والكبرياء ، وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء ، وقد زوجتك على ما في كتاب ~~الله جل وعز : إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان . وخطب عبد الله بن جعفر فقال ~~: الحمد لله الذي ليس من دونه احتراز ولا لذاهب عنه مجاز ، السميع المنيع ~~ذي الجلال الرفيع ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه ~~ولا سمي له في برهانه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وسلم . ~~أما بعد فإن لكل شيء سببا مضت به الأقدار وأحصيت فيه الآثار على وقوع ~~أقضيته وحلول مدته ، والصهر نسب شابك يجمع المختلف ويقرب المؤتلف ، وفلان ~~بن فلان قد بذل لكم الموجود ووعدكم الوفاء المحمود فأجيبوه إلى ما رغب فيه ~~تحمدوا العاقبة وتذخروا الأجر للآخرة . وخطب أبو عبيدة خطبة نكاح بالبصرة ~~وحضره أعرابي فقال : الحمد لله أكثر مما حمدتم ، وربنا أعظم مما وصفتم ، ~~ندع الفصول ونتبع الأصول كفعل ذوي العقول ، وقد سمعنا مقالتكم وشفعنا ~~خاطبكم وقبلنا ما بذلتم ، والسلام عليكم . وخطب أعرابي إلى قوم فقال : ~~الحمد لله ولي الأنعام وصلى الله على محمد خير الأنام وعلى آله وسلم . أما ~~بعد فإني إليكم معشر الأكفاء خاطب ، وفي سبب الألفة بيننا وبينكم راغب ، ~~ولكم علي فيمن خطبت أحسن ما يجب للصاحب على الصاحب ، فأجيبوني جواب من يرى ~~نفسه لرغبتي محلا ولما دعتني الطلبة إليه أهلا . فأجابه أعرابي آخر : أما ~~بعد فقد توسلت بحرمة وذكرت حقا وأملت مرجوا ، فحبلك موصول ، وعرضك مقبول ، ~~وقد أنكحنا وسلمنا والحمد لله على ذلك . قال : وكان الحسن البصري يقول في ~~خطبة النكاح بعد حمد الله والثناء عليه : أما بعد فإن الله عز وجل جمع بهذا ~~النكاح ms357 الأرحام المنقطعة والأنساب المتفرقة وجعل ذلك في سنة من دينه ومنهاج ~~واضح من أمره ، وقد تزوج فلان بن فلان بفلانة ابنة فلان وبذل لها من الصداق ~~كذا وكذا ، فاستخيروا الله وردوا خيرا . قال : وحضر المأمون إملاكا فسأله ~~بعض من حضر أن يخطب فقال : الحمد لله والمصطفى رسول الله ، عليه وعلى آله ~~السلام ، وخير ما عمل به كتاب الله ، قال الله جل وعز : ' وأنكحوا الأيامى ~~منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ~~والله واسع عليم ' ، ولو لم يكن النكاح آية منزلة وسنة متبعة إلا لما جعل ~~لله جل اسمه في ذلك من تأليف البعيد وإدناء الغريب لسارع إليه العاقل ~~المصيب وبادر إليه المختار اللبيب ، وفلان من قد عرفتموه في نسب لم تجهلوه ~~يخطب إليكم فتاتكم فلانة ويبذل لها من الصداق PageV01P330 كذا ، فشفعوا ~~شافعنا وأنكحوا خاطبكم وقولوا خيرا تحمدوا عليه وتؤجروا ، أقول قولي هذا ~~وأستغفر الله لي ولكم . # | مساوئ الخطب # قيل : واستعمل الوليد بن عبد الملك أعرابيا على بعض مدن الشام ، فلما صعد ~~المنبر قال : الحمد لله ، أحمده وأستعينه ، من يهد الله فليس بضال ومن يضلل ~~فأبعده الله . أما بعد فوالله لقد ذكر لي أنكم تأتون الأندرين فتشربون من ~~خمورها ، وما الذي عرضكم أخزاكم الله لما يشين أعراضكم ؟ فإن كنتم لا بد ~~فاعلين فليشرب الرجل قعبا أو قعبين أو ثلاثة إن كان طيبا . ولقد بلغني أنكم ~~تأتون بالليل النساء اللواتي قد غاب أزواجهن ، وإني أعطي الله عهدا أني لا ~~أجد رجلا يأتي امرأة ليلا إلا قطعت ظهره بالسياط ، فإذا قدم عليهن أزواجهن ~~فأتوهن حلالا ، وأيما رجل أصاب في بيته رجلا فليأخذ سلبه . فقال له كاتبه : ~~أيهما يأخذ سلب صاحبه أيها الأمير ؟ فقال : أيهما غلب . فكانت المرأة تقول ~~لزوجها : قد أحل لنا الأمير الزناء . وحكي عن جحا أن أباه قال له : دع ما ~~أنت عليه من الجنون والمجون والخلاعة وترزن حتى أخطب لك بعض بنات أهل ~~الثروة والشرف . فقال : نعم يا أبتاه ، فتزين وتبخر وصار إلى مجمع الناس ms358 ~~فقعد وهو صامت وقد حضر أشراف الناس وعظماؤهم ، فقال له أبوه : تكلم يا بني ~~، فقال : الحمد لله ، أحمده وأستعينه وأشرك به حي على الصلاة حي على الفلاح ~~. فقال أبوه : يا بني لا تقم الصلاة فإني على غير وضوء . # | محاسن الأمثال # آتيه في البردين ، يعني قبل أن يشتد الحر وبعدما يسكن ، والمعنى فيه أيضا ~~: بالغداة والعشي ، قال الشاعر : يسرن الليل والبردين حتى . . . إذا أظهرن ~~رفعن الظلالا وقولهم : همك في الأحمرين ، يعنون اللحم والخمر . وقولهم : ~~إنه لطويل النجادين ، يريدون كماله وتمامه في جسمه . وقولهم : إنه لغمز ~~الرداء ، أي كثير المعروف . وأنشد الأصمعي : PageV01P331 غمر الرداء إذا ~~تبسم ضاحكا . . . غلقت بضحكته رقاب المال وقولهم : إنه لسبط البنان ، إذا ~~كان شجاعا سخيا . وقولهم : شديد الجفن ، إذا كان صبورا على السهر . وقولهم ~~: إنه لطيب الحجزة ، إذا كان عفيفا ، قال النابغة : رقاق النعال طيب ~~حجزاتهم . . . يحيون بالريحان يوم السباسب وقولهم : إنه لطاهر الثياب ، أي ~~ليس في قلبه غش ، وقد روي في تفسير قول الله جل وعز : وثيابك فطهر ، أي طهر ~~قلبك . وأنشد : ثياب بني عوف طهارى نقية . . . وأوجههم بيض المشافر غران ~~يعنون بثيابهم قلوبهم . وقولهم : إنه لطيب الأثواب ، أي طاهر الأخلاق . قال ~~بعض الأنصار : ومواعظ من ربنا تهدي لنا . . . بلسان أزهر طيب الأثواب ~~وقولهم : تحسبها حمقاء وهي بأحسن ، يضرب مثلا لمن يظن به الجهل فإذا ~~اختبرته وجدته عاقلا . وقولهم : من أجدب انتجع ، أي من احتاج طلب . ويقال : ~~إن صعصعة ابن صوحان كان يأكل مع معاوية فجعل معاوية يأكل من دجاجة بين يديه ~~، فمد صعصعة يده فجذب الدجاجة ، فقال له معاوية : انتجعت ! فقال : من أجدب ~~انتجع . وقولهم : من لي بالسانح بعد البارح ، يضرب مثلا لرجل يسيء إليه ~~إنسان فيقال له : احتمل فإنه سيحسن فيما بعد . وأصل ذلك أن رجلا مرت به ~~ظباء بارحة فتطير منها فقيل له : لا تتطير فإنها سوف تسنح لك ، فقال : من ~~لي بالسانح بعد البارح ! وذلك أن العرب كانت إذا خرجت فمرت بها ظباء عن ~~يمينها قالت : يمن وبركة ، فإذا مرت عن يسارها تشاءمت ms359 بها وقالت : هذا يوم ~~نحس . والسانح ما جاء عن يمينك . والبارح ما جاء عن يسارك . والقعيد ما جاء ~~من ورائك . والناطح ما استقبلك . # | مساوئ الأمثال # قولهم : ذهب منه الأطيبان ، يعنون الشباب والطعم . وقالوا : هو الأكل ~~والنكاح . وقولهم : نعوذ بالله من الأمرين ، يعنون الفقر والهرم . ~~PageV01P332 ويقال : وقيت شر الأجوفين ، يعنون البطن والفرج . وقولهم : ~~أماطله العصرين ، يعنون الغداة والعشي . وقال الشاعر : أماطله العصرين حتى ~~يملني . . . ويرضى بنصف الدين والأنف راغم وقولهم : أفناه الملوان ، يعنون ~~الدهر ومقاساة الغم . وقولهم : أبلاه الجديدان ، يعنون الليل والنهار . ~~وقال الشاعر : إن الجديدين في طول اختلافهما . . . لا ينقصان ولكن ينقص ~~الناس وقولهم : فلان قصير يد سرباله ، أي أنه قليل المعروف . وأنشد الأصمعي ~~: لا تنكحي إن فرق الدهر بيننا . . . قصير يد السربال مثل أبان وقولهم : ~~إنه لجعد البنان ، وهو بخيل . وقولهم : الحمى أضرعتني لك وإليك ، يقول : ~~الحاجة أذلتني إليك ولك . وقولهم : من مدحنا فليقصد ، يقول : من مدحنا ~~فليقل الحق فإن المادح بالباطل غير ممتدح . وقولهم : إنك تشج وتأسو ، أي ~~إنك تصلح وتفسد . وتأسو تداوي . قال الشاعر : يد تشج وأخرى منك تأسوني ~~وقولهم : سكت ألفا ونطق خلفا ، يضرب مثلا للرجل العي الذي يسكته العي عن ~~الكلام . والخلف من الكلام الذي يشين صاحبه مثل خلف السوء ، يقال : فلان ~~خلف من أبيه إذا كان صالحا ، فإذا كان رديئا قيل خلف ، قال لبيد : ذهب ~~الذين يعاش في أكنافهم . . . وبقيت في خلف كجلد الأجرب وقولهم : شر الرأي ~~الدبري ، يروى ذلك لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، وهو أن ~~يعرف الرجل وجه نجاح حاجته بعد فوت الحاجة . وقولهم : أحشك وتروثني ، أي ~~أوليك خيرا وتوليني شرا . والأصل في ذلك أن رجلا كان يحتش لفرسه وفرسه ~~بقربه فراث على رأسه ، فقال له : أحشك وتروثني ! وقولهم : إن الخبيث عينه ~~فراره ، أي يتبين الخبث في الخبيث من غير اختبار . وقد قيل : إن الجواد ~~عينه فراره ، أي يتبين فيه الجودة من غير اختبار . يقال : فرس جواد بين ~~الجودة . ونظر أعرابي إلى صياد فقال : إن الخبيث عينه فراره ms360 . . . في فمه ~~شفرته وناره PageV01P333 ممشاه ممشى الكلب وازدجاره . . . أطلس يخفي شخصه ~~غباره ويقال : إن رجلا ضاف امرأة بالبادية وللمرأة ابنة فقالت لها : يا أمه ~~لا تضيفيه فإن الخبيث عينه فراره ، فلما أظلم الليل راود المرأة عن نفسها ، ~~وكانت عفيفة ، فقالت لأمها : لولا حق الضيافة لانقلبت محروبا ، فاستحيا ~~الرجل فولى وهو يقول : تقول أم عامر للغمر قل . . . فإن تقل فعندنا ماء وظل ~~ولبن تنهل منه وتعل . . . أما الذي سألتنا فلا يحل وقولهم : خلا لك الجو ~~فبيضي واصفري . . . ونقري ما شئت أن تنقري قد رفع الفخ فماذا تحذري قيل : ~~كان طرفة بن العبد البكري مع عمه وهو صغير في بعض أسفارهما فنزلا على ماء ~~فنصب طرفة فخه للقنابر وقعد لها وهن يحذرن الفخ وينفرن مما حوله ، فقال : ~~قاتلكن الله من قنابر . . . منتبذات في الفلا نوافر وأخذ فخه ورجع إلى عمه ~~. فلما تحملوا أقبلت القنابر تلتقط ما كان ألقاه لهن من الحب ، فالتفت ~~فرآهن فقال : يا لك من حمرة بمعمر . . . خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما ~~شئت أن تنقري وقولهم : لو ترك القطا لنام ، كانت حذام بنت الريان ملك معد ~~وإن رجلا من حمير سار إلى أبيها في حمير ، فلقيهم الريان في أحياء ربيعة ~~فالتقوا في أرض تدعى المرامة فاقتتلوا يومين وليلتين ثم رجع الحميري إلى ~~عسكره وهرب الريان وسار يومه وليلته ، فلما أصبح الحميري ورأى عسكر الريان ~~سار في طلبه ، وجعلوا يمرون ويثيرون القطا وجعلت القطا تمر على عسكر الريان ~~، فانتبهت ابنته فقالت لقومها : ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا . . . فلو ترك ~~القطا ليلا لناما فارتحلوا واعتصموا برؤوس الجبال ورجع القوم ، ففي ذلك ~~يقول حميد : إذا قالت حذام فصدقوها . . . فإن القول ما قالت حذام ~~PageV01P334 # | محاسن الجواب # قيل : دخل رجل على كسرى أبرويز فشكا عاملا له غصبه على ضيعة له . قال ~~كسرى : منذ كم هي في يدك ؟ قال : منذ أربعين سنة . فقال : أنت تأكلها منذ ~~أربعين سنة ما عليك أن يأكل منها عاملي سنة ! فقال : ما كان على الملك أن ~~يأكل بهرام جوبين ms361 الملك سنة واحدة ! فقال : ادفعوا في قفاه واخرجوه . فأخرج ~~، فأمكنته التفاتة فقال : دخلت بمظلمة وخرجت بثنتين . فقال كسرى : ردوه ، ~~وأمر برد ضيعته وجعله في خاصته . ويقال : إن سعيد بن مرة الكندي حين أتى ~~معاوية قال له : أنت سعيد ؟ فقال : أمير المؤمنين سعيد وأنا ابن مرة . قيل ~~: ودخل السيد بن أنس الأزدي على المأمون فقال : أنت السيد ؟ فقال : أنت ~~السيد يا أمير المؤمنين وأنا ابن أنس . وقيل للعباس بن عبد المطلب : أنت ~~أكبر أم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : هو ، عليه السلام ، أكبر ~~مني وولدت قبله . وقيل : إنه قال وأنا أسن منه . قيل : وقال الحجاج للمهلب ~~: أنا أطول أم أنت ؟ فقال : الأمير أطول وأنا أبسط قامة . قال : ووقف ~~المهدي على امرأة من بني ثعل فقال لها : ممن العجوز ؟ قالت : من طيء . قال ~~: ما منع طيئا أن يكون فيها آخر مثل حاتم ؟ فقالت : الذي منع العرب أن يكون ~~فيها آخر مثلك . فأعجب بقولها ووصلها . قال : وقدم وفد من العراق على عمر ~~بن عبد العزيز ، فنظر عمر إلى شاب فيهم يريد الكلام ، فقال عمر : أولو ~~الأسنان أولى . فقال الفتى : يا أمير المؤمنين إن الأمر ليس بالسن ولو كان ~~كذلك لكان في المسلمين من هو أسن منك ، فقال : صدقت ، تكلم . قال : يا أمير ~~المؤمنين إنا لم نأتك رغبة ولا رهبة ، أما الرغبة فقدمت علينا في بلادنا ، ~~وأما الرهبة فقد آمننا الله بعدلك من جورك . قال : فما أنتم ؟ قال : وفد ~~الشكر . قال : لله أنت ما أحسن منطقك ! وقيل : إنه لما استوسق أمر العراق ~~لعبد الله بن الزبير وجه مصعب إليه وفدا ، فلما قدم عليه الوفد قال : وددت ~~أن لي بكل خمسة منكم رجلا منهم . فقال رجل من أهل الشام : بل وددت أن لي ~~بكل عشرة منكم رجلا منهم . فقال رجل من أهل العراق : يا أمير المؤمنين ~~علقناك وعلقت بأهل الشام وعلق أهل الشام آل مروان ، فما أعرف لنا ولك مثلا ~~إلا قول الأعشى : علقتها عرضا وعلقت رجلا . . . غيري وعلق أخرى غيرها الرجل ~~PageV01P335 فما ms362 وجدنا جوابا أحسن من هذا . وقيل : إنه عزم الفضل بن الربيع ~~على تطهير بعض ولده فأتى الرشيد فقال : يا سيدي قد عزم عبدك على تطهير ولده ~~خدمك فإن رأى أمير المؤمنين أن يزين عبده بنفسه ويصل نعمته هذه بنعمته ~~المتقدمة ويتم سروره فعل متفضلا على عبده متمننا بذلك . فقال : نعم . فغدا ~~إليه وقد أصلح جميع ما يحتاج إليه ووضعت الموائد وقعد الناس يأكلون وأقبل ~~الرشيد يدور في داره ، فرأى صبيا صغيرا أول ما نطق فقال : يا صبي أيما أحسن ~~داركم هذه أم دار أمير المؤمنين ؟ فقال : دارنا هذه أحسن ما دام أمير ~~المؤمنين فيها فإذا صار أمير المؤمنين إلى داره فداره أحسن . فضحك منه ~~الرشيد وتعجب من نجابته ووهب له عشر قريات ومائة ألف درهم . وقال مسلمة بن ~~عبد الملك : ما شيء يؤتاه العبد بعد الإيمان بالله أحب إلي من جواب حاضر ، ~~فإن الجواب إذا تعقب لم يك شيئا . وأنشد في مثله في مالك بن أنس صاحب الفقه ~~: يأبى الجواب فما يراجع هيبة . . . والسائلون نواكس الأذقان هذا التقي وعز ~~سلطان التقى . . . فهو المطاع وليس ذا سلطان # | مساوئ الجواب # قيل : إنه اجتمع عند رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، الزبرقان بن بدر ~~وعمرو بن الأهتم ، فذكر عمرو الزبرقان فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ~~إنه لمطاع في أدانيه شديد العارضة جواد الكف مانع لما وراء ظهره . فقال ~~الزبرقان : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، والله إنه ليعرف مني أكثر من هذا ~~ولكنه يحسدني . فقال عمرو : والله يا نبي الله إنه لزمر المروءة ضيق العطن ~~لئيم العم أحمق الخال ، والله ما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى ولكني ~~رضيت فقلت بأحسن ما أعلم وسخطت فقلت بأسوإ ما أعلم . فقال رسول الله ، صلى ~~الله عليه وسلم : إن من البيان لسحرا . وذكروا أن الوليد بن عقبة قال لعقيل ~~بن أبي طالب : غلبك أبو تراب على الثروة والعدد . فقال له : نعم وسبقني ~~وإياك إلى الجنة . فقال الوليد : أما والله إن شدقيك لمتوضمتان من ms363 دم عثمان ~~. فقال عقيل : ما لك ولقريش وإنما أنت فيهم كمنيح الميسر . فقال الوليد : ~~والله إني لأرى لو أن أهل الأرض اشتركوا في قتله لوردوا صعودا . فقال له ~~عقيل : كلا ما ترغب له عن صحبة أبيك . قال : وقال المنصور لقواده : صدق ~~القائل أجع كلبك يتبعك . فقال أبو العباس الطوسي : يا أمير المؤمنين أخاف ~~أن يلوح له رجل برغيف فيتبعه ويدعك . PageV01P336 قال : وقال رجل من قريش ~~لخالد بن صفوان : ما اسمك ؟ قال : خالد بن صفوان بن الأهتم . قال : إن اسمك ~~لكذب ما أنت بخالد ، وإن أباك لصفوان وهو حجر ، وإن جدك لأهتم والصحيح خير ~~من الأهتم . فقال له خالد : من أي قريش أنت ؟ قال : من بني عبد الدار من ~~هاشم . قال : لقد هشمتك هاشم ، وأمتك أمية ، وجمحت بك جمح ، وخزمتك مخزوم ، ~~وأقصتك قصي فجعلتك عبدها وعبد دارها تفتح إذا دخلوا وتغلق إذا خرجوا . قيل ~~: ومر الفرزدق بالمربد فرأى خلف بن خليفة الشاعر ، فقال للفرزدق : يا أبا ~~فراس من القائل : هو القين وابن القين لا قين مثله . . . لقطع المساحي أو ~~لقد الأداهم فقال الفرزدق : الذي يقول : هو اللص وابن اللص لا لص مثله . . ~~. لقطع جدار أو لطر دراهم قيل : ودخل أبو العتاهية على المأمون حين قدم ~~العراق فأنشده شعرا يمدحه به ، فأمر له بمال جزيل وأقبل عليه يحدثه إذ ذكر ~~أبو العتاهية القدرية ، فقال : يا أمير المؤمنين ما في الأرض فئة أجهل ولا ~~أضعف حجة من هذه العصابة . فقال المأمون : أنت رجل شاعر وأنت بصناعتك أعلم ~~فلا تتخطها إلى غيرها فلست تعرف الكلام . فقال : إن جمع أمير المؤمنين بيني ~~وبين رجل منهم وقف على ما عندي من الكلام . قال ثمامة : فوجه إلي رسولا ، ~~فلما دخلت قال : يا ثمامة زعم هذا أنه لا حجة لك ولا لأصحابك ! قلت : فليسل ~~عما بدا له . فقال المأمون : سله يا إسماعيل . قال : أقطعه يا أمير ~~المؤمنين بحرف واحد . قال : شأنك . فأخرج أبو العتاهية يده من كمه وحركها ~~وقال : يا ثمامة من حرك يدي هذه ؟ قلت : حركها من ms364 أمه زانية . قال : فضحك ~~المأمون حتى فحص برجله وتمرغ على فراشه وقال : زعمت أنك تقطعه بكلمة واحدة ~~! فقال أبو العتاهية : شتمني يا أمير المؤمنين . قلت : ناقضت يا عاض بظر ~~أمه ! قال : فعاد المأمون في الضحك حتى خفت عليه من ضحكه وشدة ما ذهب له ، ~~ثم قلت : يا جاهل تحرك يدك وتقول من حركها ! فإن كنت أنت المحرك لها فهو ~~قولي وإن تكن الأخرى فما شتمتك ! فقال المأمون : يا إسماعيل عندك زيادة في ~~الكلام ؟ فإن الجواب قد مضى فيما سألت . فما نطق بحرف حتى انصرف . ~~PageV01P337 # | محاسن المسايرة # قال : فيما يحكى عن أنوشروان أنه بينا هو في مسيرة له كان لا يسايره أحد ~~من الخلق مبتدئا وأهل المراتب على مراتبهم ، فإن التفت يمينا دنا منه صاحب ~~الحرس وإن التفت شمالا دنا منه الموبذ فأمره بإحضار من أراد مسايرته . ~~فالتفت في مسيره هذا يمينه فدنا منه صاحب الحرس فقال : فلان . فأحضره . ~~فقال : عرفت حديث أردشير حين واقع ملك الخزر ؟ وكان الرجل قد سمع من ~~أنوشروان هذا الحديث مرة فاستعجم عليه وأوهمه أنه لا يعرفه ، فحدثه ~~أنوشراون هذا بالحديث وأصغى إليه الرجل بجوارحه كلها ، وكان مسيرهما على ~~شاطيء نهر ، وترك الرجل النظر إلى موطيء قوائم دابته لإقباله على حديث ~~أنوشروان ، فزلت إحدى رجلي دابته فمالت بالرجل إلى النهر فوقع في الماء ~~ونفرت دابته فابتدرها حاشية الملك وغلمانه حتى أزالوها عن الرجل وجذبوه من ~~تحتها وحملوه على أيديهم ، فاغتم لذلك أنوشروان ونزل عن دابته وبسط له هناك ~~وأقام حتى تغدى موضعه ذلك ودعا للرجل بثياب من خاص كسوته وألقيت عليه وأكل ~~معه . وقال : كيف أغفلت النظر إلى موطيء حافر دابتك ؟ قال : أيها الملك إن ~~الله جل وعز إذا أنعم على عبد بنعمة قابله بمحنة ، وإنه جل ذكره أنعم علي ~~نعمتين عظيمتين منهما إقبال الملك علي بوجهه من بين هذا السواد الأعظم ، ~~والأخرى هذه الفائدة وإقبال هذا الجيش الذي حدث فيه عن أردشير ، حتى لو ~~رحلت من حيث تطلع الشمس إلى حيث تغرب فيه كنت رابحا ms365 ، فلما اجتمعت علي ~~هاتان النعمتان الجليلتان في وقت واحد قابلتهما هذه المحنة ، ولولا أساورة ~~الملك وخدمه كنت بعرض هلكة ، ولو غرقت حتى أذهب عن جديد الأرض كان الملك قد ~~أبقى لي ذكرا مخلدا باقيا ما بقي الضياء والظلام . فسر بذلك أنوشروان وقال ~~: ما ظننتك بهذه المنزلة ! فحشا فمه جوهرا ودرا ثمينا واستبطنه حتى غلب على ~~أكثر أمره . وحكي عن يزيد بن شجرة الرهاوي أنه بينا هو يسير مع معاوية ~~ومعاوية يحدثه عن خزاعة ويومها وبني مخزوم وقريش ، وكل هذا قبل الهجرة وكان ~~يوم إشراف الفريقين على الهلكة حتى جاءهم أبو سفيان فارتفع ببعيره على ~~رايته ثم أومأ بكمه إلى الفريقين فانصرفوا ، فبينا معاوية يحدث يزيد بن ~~شجرة بهذا الحديث إذ صك وجه يزيد حجر عائر فأدماه وجعلت الدماء تسيل من ~~وجهه على ثوبه ما يمسحه . فقال له معاوية : لله أنت ! أما ترى ما نزل بك ؟ ~~قال : وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال : هذا دم وجهك يسيل على ثوبك ! فقال ~~: أعتق ما أملك إن لم يكن حديث أمير المؤمنين ألهاني حتى غمر فكري وغطى على ~~قلبي فما شعرت بشيء حتى نبهني له أمير المؤمنين . فقال له معاوية : لقد ~~ظلمك من جعلك في ألف من العطاء PageV01P338 وأخرجك عن عطاء أبناء المهاجرين ~~وحماة أهل صفين . وأمر له بمائة ألف درهم وزاد في عطائه ألف درهم وجعله بين ~~ثوبه وجلده . وحكي عن أبي بكر الهذلي أنه كان يساير أبا العباس السفاح إذ ~~تحدث أبو العباس بحديث من أحاديث الفرس فعصفت الريح فرمت طستا من سطح إلى ~~طريق أبي العباس فارتاع من معه ولم يتحرك أبو بكر لذلك ولم تزل عينه مطابقة ~~لعين أبي العباس . فقال له : ما أعجب شأنك يا هذا ! لم ترع مما راعنا ؟ ~~فقال : يا أمير المؤمنين إن الله جل وعز يقول : ما جعل الله لرجل من قلبين ~~في جوفه ، وإنما للمرء قلب واحد ، فلما غمر السرور قلبي بفائدة أمير ~~المؤمنين لم يكن لحادث فيه مجال ، وإن الله جل وعز إذا تفرد ms366 بكرامة أحد ~~وأحب أن يبقي له ذكرها جعل ذلك على لسان نبيه أو خليفته ، وهذه كرامة خصصت ~~بها مال إليها ذهني وشغل بها فكري ، فلو انقلبت الخضراء على الغبراء ما ~~أحسست بها . فقال أبو العباس : لئن بقيت لك لأرفعن منك ما لا تطيف به ~~السباع ولا تنحط عليه العقبان . وحكي عن قباذ أنه ركب ذات يوم والموبذ ~~يسايره إذ راث دابة الموبذ وفطن قباذ لذلك فغم ذلك الموبذ ، فقال له قباذ ~~في أول كلام مر : ما أول ما يستدل به على سخف الرجل ؟ قال : أن يعلف دابته ~~في الليلة التي يركب الملك في صبيحتها . فضحك قباذ وقال له : لله أنت ما ~~أحسن ما ضمنت كلامك بفعل دابتك ! وبحق ما قدمتك الملوك وجعلت أحكامهم في ~~يدك ! ووقف ودعا له بدابة من خاص مراكبه وقال : تحول من هذا الجاني عليك ~~إلى ظهر هذا الطائع لك . وحكي عن معاوية بن أبي سفيان أنه بينا هو يسير ~~وشرحبيل بن السمط يسايره إذ راث دابة شرحبيل وساءه ذلك . فقال معاوية : يا ~~أبا يزيد إنه كان يقال إن الهامة إذا عظمت دلت على وفور الدماغ وصحة العقل ~~. قال : نعم يا أمير المؤمنين إلا هامتي فإنها عظيمة وعقلي ضعيف ناقص ، ~~فتبسم معاوية وقال : كيف ذاك لله أنت ؟ قال : لإعلافي دابتي مكوكين من شعير ~~. فتبسم معاوية وحمله على دابة من مراكبه . ويقال : إن سعيد بن سلم بينا هو ~~يساير موسى الهادي وعبد الله بن مالك أمامه والحربة بيده فكانت الريح تسفي ~~التراب الذي تثيره دابة عبد الله في وجه موسى وعبد الله في خلال ذلك يلحظ ~~موضع مسير موسى فيطلب أن يحاذيه فإذا حاذاه ناله من ذلك التراب ما يؤذيه ~~حتى إذا كثر ذلك من عبد الله قال موسى لسعيد : أما ترى ما لقينا من هذا ~~الخائن في مسيرنا هذا ؟ فقال له سعيد : والله يا أمير المؤمنين ما قصر في ~~الاجتهاد ولكنه حرم حظ التوفيق . PageV01P339 # | مساوئ المسايرة # ذكر عن عبد الله بن الحسن أنه بينا هو يساير أبا ms367 العباس السفاح بظهر ~~مدينة الأنبار وهو ينظر إلى بناء قد بناه إذ قال أبو العباس : هات ما عندك ~~يا أبا محمد . وهو يستطعمه الحديث بالأنس منه . فأنشده : ألم تر حوشبا أمسى ~~يبني . . . بناء نفعه لبني بقيله يرجي أن يعمر عمر نوح . . . وأمر الله ~~يحدث كل ليله فتبسم أبو العباس وقال : لو علمنا لاشترطنا حق المسايرة . ~~فقال عبد الله : يا أمير المؤمنين بوادر الخواطر وأعقال المشايخ . قال : ~~صدقت خذ في غير هذا . وذكر عن المدائني قال : بينا عيسى بن موسى يساير أبا ~~مسلم في منصرفه عن أبي جعفر في اليوم الذي قتل فيه إذ أنشد : سيأتيك ما ~~أفنى القرون التي مضت . . . وما حل في أكناف عاد وجرهم ومن كان أسنى منك ~~عزا ومفخرا . . . وأنهض بالجيش اللهام العرمرم فقال أبو مسلم : هذا مع ~~الأمان الذي أعطيت . فقال عيسى : عتق ما يملك إن كان هذا لشيء من أمرك وما ~~هو إلا خاطر . قال : فبئس والله الخاطر ! # | محاسن المسامرة # قال الكسائي : دخلت على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مال كثير ~~قد شق عنه البدر شقا وأمر بتفريقه في خدم الخاصة وبيده درهم تلوح كتابته ~~وهو يتأمله ، وكان كثيرا ما يحدثني ، فقال : هل علمت من أول من سن هذه ~~الكتابة في الذهب والفضة ؟ قلت : يا سيدي هذا عبد الملك بن مروان . قال : ~~فما كان السبب في ذلك ؟ قلت : لا علم لي غير أنه أول من أحدث هذه الكتابة . ~~فقال : سأخبرك ، كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانيا على دين ~~الملك ملك الروم ، وكانت تطرز بالرومية وكان طرازها أبا وبنا وروحا قديشا . ~~فلم يزل كذلك صدر الإسلام كله يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك ~~فتنبه عليه وكان فطنا ، فبينا هو PageV01P340 ذات يوم إذ مر به قرطاس فنظر ~~إلى طرازه فأمر أن يترجم بالعربية ففعل ذلك فأنكره وقال : ما أغلظ هذا في ~~أمر الدين والإسلام أن يكون طراز القراطيس وهي تحمل في الأواني والثياب ~~وهما تعملان بمصر وغير ذلك ms368 مما يطرز من ستور وغيرها من عمل هذا البلد على ~~سعته وكثرة ماله وأهله تخرج منه هذه القراطيس فتدور في الآفاق والبلاد وقد ~~طرزت بشرك مثبت عليها ! فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز بن مروان ، وكان عامله ~~بمصر ، بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك ~~وأن يأخذ صناع القراطيس بتطريزها بصورة التوحيد : وشهد الله أنه لا إله إلا ~~هو . وهذا طراز القراطيس خاصة إلى هذا الوقت لم ينقص ولم يزد ولم يتغير . ~~وكتب إلى عمال الآفاق جميعا بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة ~~بطراز الروم ومعاقبة من وجد عنده بعد هذا النهي شيء منها بالضرب الوجيع ~~والحبس الطويل . فلما أثبتت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد وحمل إلى ~~بلاد الروم منها انتشر خبرها ووصل إلى ملكهم فترجم له ذلك الطراز فأنكره ~~وغلظ عليه فاستشاط غضبا وكتب إلى عبد الملك : إن عمل القراطيس بمصر وسائر ~~ما يطرز هناك للروم ولم يزل يطرز بطراز الروم إلى أن أبطلته ، فإن كان من ~~تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت ، وإن كنت قد أصبت فقد أخطأوا ، فاختر ~~من هاتين الخلتين أيتهما شئت وأحببت ، وقد بعثت إليك بهدية تشبه محلك ~~وأحببت أن تجعل رد ذلك الطراز إلى ما كان عليه في جميع ما كان يطرز من ~~أصناف الأعلاق حاجة أشكرك عليها وتأمر بقبض الهدية . وكانت عظيمة القدر . ~~فلما قرأ عبد الملك كتابه رد الرسول وأعلمه أن لا جواب له ولم يقبل الهدية ~~. فانصرف بها إلى صاحبه ، فلما وافاه أضعف الهدية ورد الرسول إلى عبد الملك ~~وقال : إني ظننتك استقللت الهدية فلم تقبلها ولم تجبني عن كتابي فأضعفت لك ~~الهدية وأنا أرغب إليك في مثل ما رغبت فيه من رد هذا الطراز إلى ما كان ~~عليه أولا . فقرأ عبد الملك الكتاب ولم يجبه ورد الهدية . فكتب إليه ملك ~~الروم يقتضي أجوبة كتبه ويقول : إنك قد استخففت بجوابي وهديتي ولم تسعفني ~~بحاجتي فتوهمتك استقللت الهدية فأضعفتها فجريت على سبيلك الأول وقد أضعفتها ms369 ~~ثالثة ، وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه أو لآمرن ~~بنقش الدنانير والدراهم ، فإنك تعلم أنه لا ينقش شيء منها إلا ما ينقش في ~~بلادي . ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الإسلام . فينقش عليها من شتم ~~نبيك ما إذا قرأته ارفض جبينك له عرقا ، فأحب أن تقبل هديتي وترد الطراز ~~إلى ما كان عليه وتجعل ذلك هدية بررتني بها ونبقى على الحال بيني وبينك . ~~PageV01P341 فلما قرأ عبد الملك الكتاب غلظ عليه وضاقت به الأرض وقال : ~~احسبني أشأم مولود ولد في الإسلام لأني جنيت على رسول الله ، صلى الله عليه ~~وسلم ، من شتم هذا الكافر ما يبقى غابر الدهر ولا يمكن محوه من جميع مملكة ~~العرب . إذ كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم . وجمع ~~أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأيا يعمل به . فقال له روح بن ~~زنباع : إنك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه . فقال : ~~ويحك من ؟ قال : الباقر من أهل بيت النبي ، صلى الله عليه وسلم ! قال : ~~صدقت ولكنه أرتج علي الرأي فيه . فكتب إلى عامله بالمدينة : أن أشخص إلي ~~محمد بن علي بن الحسين مكرما ومتعه بمائتي ألف درهم لجهازه وبثلاثمائة ألف ~~درهم لنفقته وأزح علته في جهازه وجهاز من يخرج معه من أصحابه واحتبس الرسول ~~قبله إلى موافاته علي . فلما وافى أخبره الخبر فقال له علي : لا يعظمن هذا ~~عليك ، فإنه ليس بشيء من جهتين : إحداهما أن الله جل وعز لم يكن ليطلق ما ~~يهددك به صاحب الروم في رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، والأخرى وجود ~~الحيلة فيه . قال : وما هي ؟ قال : تدعو في هذه الساعة بصناع يضربون بين ~~يديك سككا للدراهم والدنانير وتجعل النقش عليها سورة التوحيد وذكر رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم ، أحدهما في وجه الدرهم والدينار والآخر في ~~الوجه الثاني ، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه ~~والسنة التي يضرب فيها تلك الدراهم والدنانير ، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهما ms370 ~~عددا من الثلاثة الأصناف التي العشرة منها عشرة مثاقيل وعشرة منها وزن ستة ~~مثاقيل وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل فتكون أوزانها جميعا واحدا وعشرين ~~مثقالا فتجزئها من الثلاثين فتصير العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل ، وتصب ~~سنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان فتضرب الدراهم على وزن عشرة ~~والدنانير على وزن سبعة مثاقيل . وكانت الدراهم في ذلك الوقت إنما هي ~~الكسروية التي يقال لها اليوم البغلية لأن رأس البغل ضربها لعمر بن الخطاب ~~، رحمه الله ، بسكة كسروية في الإسلام مكتوب عليها صورة الملك وتحت الكرسي ~~مكتوب بالفارسية : نوش خر ، أي كل هنئيا . وكان وزن الدرهم منها قبل ~~الإسلام مثقالا . والدراهم التي كان وزن العشرة منها وزن ستة مثاقيل ~~والعشرة وزن خمسة مثاقيل هي السميرية الخفاف والثقال ، ونقشها نقش فارس . ~~ففعل عبد الملك ذلك . وأمره محمد بن علي بن الحسين أن يكتب السكك في جميع ~~بلدان الإسلام وأن يتقدم إلى الناس في التعامل بها وأن يتهددوا بقتل من ~~يتعامل بغير هذه السكك من الدراهم والدنانير وغيرها وأن تبطل وترد إلى موضع ~~العمل حتى تعاد على السكك الإسلامية . PageV01P342 ففعل عبد الملك ذلك ورد ~~رسول ملك الروم إليه يعلمه بذلك ويقول : إن الله جل وعز مانعك مما قدرت أن ~~تفعله ، وقد تقدمت إلى عمالي في أقطار الأرض بكذا وكذا وبإبطال السكك ~~والطراز الرومية . فقيل لملك الروم : افعل ما كنت تهددت به ملك العرب . ~~فقال : إنما أردت أن أغيظه بما كتبت به إليه لأني كنت قادرا عليه والمال ~~وغيره برسوم الروم ، فأما الآن فلا أفعل لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام ~~. وامتنع من الذي قال وثبت ما أشار به محمد بن علي بن الحسين إلى اليوم . ~~قال : ثم رمى الدرهم إلى بعض الخدم وقال : علي بالخازن . فأقبل الخازن . ~~فقال : ائتني بالجبل . فأتاه بحق فيه خاتم ياقوت يتقد كأنه مصباح ، فقال ~~للخادم : ضع لنا هذا على هذا الدرهم الذي معك وليكن على مقدار إصبعي . ثم ~~قال : أتعرف هذا الخاتم ؟ فقلت : لا يا ms371 سيدي . قال : إن ملك الترك كان غزا ~~في زمن أبي مسلم سمرقند وعليها عامل له يقال له صبيح بن إسماعيل ومع ملك ~~الترك قائد لملك الصين كان جليلا عنده عظيم القدر بمنزلة ولي العهد أمده به ~~لصهر كان بينهما في سبعين ألف رجل ، وإن صبيح بن إسماعيل ظفر بعسكر التركي ~~وهزمه وغنم عامة ما فيه وأسر رجاله كافة وأسر القائد الصيني فيمن أسر فكان ~~هذا الخاتم في إصبعه فأخذه منه وبعث به إلى أبي مسلم فبعث به أبو مسلم إلى ~~أبي العباس فأعجب به إعجابا شديدا ودعا له من يبصره من الجوهريين والمقومين ~~وسألهم عن قيمته فلم يحسنوا أن يقوموه ، فلم يزل مرفوعا في خزانته إلى أن ~~مات ، فلما أخرج ما كان في خزانته من الجواهر والذخائر لتباع أخرج هذا ~~الخاتم فنودي عليه وطلبه المنصور وعيسى ابن موسى وتزايدا عليه فبلغ به ~~المنصور أربعين ألف دينار وحرص على شرائه واشتدت عليه مزايدة عيسى إياه فيه ~~، فلما رأى عيسى أن ذلك قد أغاظه أمسك عن مزايدته فاشتراه المنصور بأربعين ~~أفل دينار ، فما ظنك بشيء يشتريه المنصور بهذه الجملة في ذلك الزمان وكان ~~الدرهم أعز من الدينار في زماننا ؟ فلم يزل في خزانته إلى أن ولي المهدي ~~فأخرجه ووهبه لي من دون أخي الهادي ، وذلك أنه جعل ولايه العهد له فأرضاني ~~عن ولاية العهد بهذا الخاتم وبأشياء أخر ، فلما ولي الهادي طلب مني الخاتم ~~فمنعته ولج فيه لجاجا شديدا وبعث إلي سعيد ابن سلم الباهلي يدعوني فعلمت ~~لماذا يدعوني فأخذت هذا الخاتم وأخرجته من إصبعي ، فلما توسطت الجسر قلت ~~PageV01P343 لسعيد : انظر إلى هذا الخاتم ، ثم رميت به في دجلة . ومضى سعيد ~~إلى الدار فأخبر الهادي بما كان مني . فبعث بالغواصين إلى الموضع الذي ~~ألقيت فيه الخاتم فطلبوه أشد طلب فلم يقدروا عليه . فلما صار الأمر إلينا ~~بعثنا بالغواصين فأخرجوه فها هوذا عندي . ثم قال : يا علي أتعبناك بذكر هذه ~~الأموال وقد عوضناك لإصغائك إلينا بخمسين ألف درهم . فحملت بين يدي . وحكي ~~بعد ms372 ذلك أن هذا الخاتم صار إلى المأمون فوهبه لبوران ابنة الحسن بن سهل ذي ~~الرياستين ثم صار إلى المعتصم ثم إلى المعتز والمستعين فنقشه المستعين ثم ~~صار كل خليفة ينقش عليه اسمه حتى نقصت قيمته ، وهو الآن عند الخليفة ~~المقتدر بالله . # | مساوئ المسامرة # علي بن محمد بن سليمان الهاشمي قال : حدثني أبي عن سليمان بن عبد الله ~~قال : وفدت على أبي العباس ، فكان يدعوني في كل ليلة مقامي عنده ويعقب بين ~~أصحابه وأهل الأقدار والأدب ومن يحضر بابه فيسامرونه ، فإذا كانت الليلة ~~التي يحضره فيها سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة المخزومي وجدته أم هانيء ~~بنت أبي طالب ، وكانت قد كبرت سنه وشهد عامة سلطان بني أمية ، وكانت السن ~~قد أرعشته ، فقال له : يا سعيد حدث عن بني أمية فإنك لا تزال تحدث عنهم وعن ~~جوهرهم . فقال : يا أمير المؤمنين حضرت الجمعة ونحن مع الوليد بن يزيد ~~فمضينا نريد الجمعة فإذا سرادق قد ضمت إليه سرادقات ومدت الحجر في جنبتيه ~~ووضع المنبر وأخذ الناس يتطوعون وينتظرون الفريضة ، فلما زالت الشمس أذن ~~المؤذن فأذنه بالصلاة ، فإذا أصوات الملاهي والمعازف والمزامير مقبلة من ~~مضربه نحونا ، فما راعنا إلا به على هذا الذي يسميه اللعابون الداربازي ~~عليه غلالة وإزار مصبوغان بالزعفران لا يواريان عورته متشح بإزار وهو متخلق ~~في فمه مزمار حتى أشرف علينا وهو يقول : طوط طوط . وحكاه الشيخ برعشته ، ~~فضحك أبو العباس حتى استلقى على فراشه وضرب مرافقه برجليه . # | محاسن الإغضاء # حكي عن بهرام جور أنه خرج يوما لطلب الصيد فاحتمله فرسه حتى دفع إلى راع ~~تحت شجرة وهو حاقن . فقال للراعي : احفظ علي عنان فرسي حتى أريق ماء . فأخذ ~~بركابه حتى PageV01P344 نزل وقبض على عنان الفرس ، وكان عنانه ملبسا ذهبا ، ~~فوجد الراعي غفلة من بهرام فأخرج من خفه سكينا فقطع به أطراف اللجام ، فرفع ~~بهرام رأسه فنظر إليه فاستحيا ورمى بطرفه إلى الأرض وأطال الاستبراء ليأخذ ~~الراعي حاجته من اللجام ، وجعل الراعي يفرح بإبطائه عنه حتى إذا ظن أنه ms373 قد ~~فرغ وأخذ من اللجام حاجته قال : يا راعي قدم إلي فرسي فإنه سقط في عيني شيء ~~. وغمض عينه لئلا يوهمه أنه يتفقد حلية اللجام ، فقرب الراعي منه فرسه ~~فركبه . فلما ولى قال له الراعي : أيها العظيم كيف آخذ إلى موضع كذا وكذا ~~مكانا بعيدا ؟ قال بهرام : وما سؤالك عن هذا الموضع ؟ قال : هناك منزلي وما ~~وطئت هذه الناحية قط غير يومي هذا ولا أراني أعود إليه أبدا . فضحك بهرام ~~وفطن لما أراده الراعي وقال : أنا رجل مسافر وأنا أحق بأن لا أعود إلى ما ~~ها هنا أبدا . ثم مضى ، فلما نزل عن فرسه قال لصاحب مراكبه : إن معاليق ~~اللجام وهبتها لسائل مر بي فلا تتهم أحدا . وحكي عن أنوشروان أنه قعد في ~~يوم نيروز أو مهرجان ووضعت الموائد ودخل وجوه الناس وكسرى بحيث يراهم ولا ~~يرونه . فلما فرغ الناس من الطعام وجاؤوا بالشراب في آنية الفضة وجامات ~~الذهب فشرب الأساورة وأهل الطبقة العالية في آنية الذهب . فلما انصرف الناس ~~ورفعت الموائد أخذ بعض أولئك القوم جام ذهب فأخفاه في قبائه وأنوشروان ~~يلحظه فصرف وجهه عنه ، وافتقد صاحب الشراب الجام فصاح : لا يخرجن أحد من ~~الدار حتى يفتش ! فقال كسرى : لا يعرضن لأحد . وانصرف الناس . فقال صاحب ~~الشرب : إنا قد فقدنا بعض آنية الذهب . فقال الملك : صدقت ، أخذها من لا ~~يردها ورآها من لا يخبرك بها . وحكي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قعد للناس ~~في يوم عيد ووضعت الموائد وبدر الدراهم للجوائز والصلات . فجاء رجل من ~~الجماعة فقعد على كيس فيه دنانير والناس يأكلون . فصاح به الخدم : تنح فليس ~~لك هذا الموضع ! فسمع معاوية وقال : دعوا الرجل يقعد حيث أحب . وأخذ الكيس ~~وقام فلم يجسر أحد أن يدنو منه . فقال الخدم : أصلح الله الأمير ! إنه قد ~~نقص من المال كيس فيه دنانير ! فقال : أنا صاحبه وهو محسوب علي لكم . وأحسن ~~من هذا ما فعله جعفر بن سليمان بن علي وقد عثر برجل أخذ درة رائعة ثمينة ~~PageV01P345 من بين يديه ms374 فطلب بعد أيام فلم يوجد فباعها الرجل ببغداد ، وقد ~~كانت وصفت لأصحاب الجوهر فأخذ وحمل إلى جعفر ، فلما رآه وبصر به استحيا منه ~~وقال : ألم تكن طلبت هذه الدرة مني فوهبتها ؟ قال : نعم . فقال : لا تعرضوا ~~له . فباعها الرجل بألوف الدنانير . # | مساوئ الإغضاء # قال : بعث زياد إلى رجال من بني تميم وجمع العرفاء فقال : أخبروني بصلحاء ~~كل ناحية . فأخبروه . فاختار منهم رجالا فضمنهم الطريق وحد لكل واحد منهم ~~حدا ، فكان يقول : لو ضاع بيني وبين خراسان شيء لعلمت من أخذه . وكان يدفن ~~النباش حيا وينزع أضلاع اللصوص . قيل : وقال عبد الملك للحجاج : كيف تسير ~~في الناس ؟ قال : أنظر إلى عجوز أدركت زيادا فأسألها عن سيرته ثم أعمل بها ~~. قال عوف الأعرابي : فأخذ والله بسيء أخلاقه وترك أحسنها . قال : واختصم ~~إلى زياد رجلان فقال أحدهما : أصلح الله الأمير ! هذا يدل علي بخاصة زعم ~~أنها له منك . فقال : صدق وسأخبرك ، إن كان الحق لك عليه قضيت عليه وقضيت ~~عنه ، وإن كان الحق له عليك أخذتك به أخذا عنيفا . # | محاسن التأني # قال بعض الحكماء : التؤدة يمن وفي اليمن النجح . وأنشد في ذلك القطامي : ~~قد يدرك المتأني بعض حاجته . . . وقد يكون مع المستعجل الزلل وقال النبي ، ~~صلى الله عليه وسلم : من حرم الرفق فقد حرم الخير . ولأمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب ، رضي الله عنه : اصبر على مضض الإدلاج بالسحر . . . وفي الرواح ~~على الحاجات والبكر لا تضجرن ولا يعجزك مطلبها . . . فالنجح يتلف بين العجز ~~والضجر إني وجدت ، وفي الأيام تجربة ، . . . للصبر عاقبة محمودة الأثر ~~PageV01P346 وقل من جد في أمر يحاوله . . . فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر ~~وقال النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لعائشة ، رضي الله عنها : عليك بالرفق ~~فإن الرفق لا يخالط شيئا إلا زانه ولا يفارق شيئا إلا شانه ، وخلق الله جل ~~وعز السموات والأرض في ستة أيام ولو شاء جل وعز قال لها كوني فكانت ، وفي ~~المثل : رب عجلة تهب ريثا ، يقول : رب عجلة يراد بها صلاح الأمر فتفسده حتى ~~لا يصلح إلا ms375 بعد مدة طويلة ، فكأنها كانت ريثا . وهذا قريب من قول بزرجمهر ~~: إن شرا من التواني الاجتهاد في غير حينه . وأنشدنا ابن حمزة : الخرق شؤم ~~والأناة سعادة . . . فاستأن حلمك في أمورك تسلم وكان يقال : إن من الحزم ~~الأناة والتثبيت فإن العجلة لا تزال تورث أهلها حسرة وندامة . وأنشد : ~~الرفق يمن والأناة سعادة . . . فاستأن في رفق تلاق نجاحا # | مساوئ العجلة والحدة # قيل : سأل المأمون أحمد بن أبي خالد عن أخلاق أبي عباد ثابت الكاتب فقال ~~: هو يا أمير المؤمنين أحد من سيف سعيد بن العاص وأنزق من مجنون البكرات ، ~~قال : ما أتبين ذلك فيه . قال : لموضع الخلافة وعلى ذاك فإن حركته تحرك . ~~فأراد المأمون أن يمتحنه فدخل عليه فعرض ما معه من الحوائج فأمره أن يوقع ~~فيها ثم خرج . فلما صار بالباب قال : ردوه . فرجع . فقال : افعل في ~~الأهوازيين ما قلت لك ولا تعرض فيه رقعة . قال : نعم . ثم خرج . فلما صار ~~بالباب قال : ردوه . فأتاه الرسول فقال : ارجع . فرجع . فقال : قل لعمرو بن ~~مسعدة أخر أمر أبي دلف حتى آمرك بما أريد . ثم خرج . فلما صار بالباب قال : ~~ردوه . فأتاه الرسول فقال : ارجع . فتناول الدواة وقال : الساعة والله أضرب ~~بها وجهك القبيح يا ابن الخبيثة ! قال الغلام : ما ذنبي ؟ قال : ينبغي أن ~~تقول قد ذهب إلى النار . ورجع فقال : ارفع في غد فيما تعرض قصة الهاشميين . ~~قال : نعم . ثم قال : والله لا أرجع بعدها ! فضحك المأمون حتى أمسك بطنه ~~وقال : انطلق راشدا . قال : وقعد المأمون ذات يوم وأبو عباد يكتب بين يديه ~~إذ دخلت شعرة بين سني القلم فأهوى لإخراجها بأسنانه ثم كتب فإذا هي على ~~حالها ، فأهوى إليها ثانية فقطع طرفها وبقي أصلها ثم كتب فإذا هي قد أعمت ~~حروفه ، فأخذ القلم فاتكى عليه بأسنانه وكسره وقال : لعنك الله ولعن من ~~يراك ولعن من أنت له ! فضحك المأمون وقال : بحق قيل فيك ما قيل . ~~PageV01P347 # | محاسن المكافأة # قال بعض الحكماء : لا يكونن سلاحك على عدوك أن تكثر سبه وشتمه فإنك إنما ms376 ~~تخبر عن خبره فيك وعجزك عنه ، ولكن عامله بالكظم وساتره بالحيلة ، فإن ~~أقدمت أقدمت مع الفرصة وإن غلبت على الظفر لم تغلب على ستر العجز . وقيل : ~~الأدب الصبر على كظم الغيظ حتى تملك الفرصة . وقال أبو عمرو بن العلاء : ~~لما قدم عبد الملك المدينة خطب فقال : يا أهل المدينة إنا والله ما نحبكم ~~ما ذكرنا ما فعلتم بنا ولا تحبونا ما ذكرتم ما فعلنا بكم ! وإنما مثلنا ~~ومثلكم كمثل حية كانت في جحر إلى جنبها خباء رجل فوثبت عليه فلسعته فقتلته ~~فجاء أخو المقتول يطلب بثأر فقالت له الحية : لا تقتلني حتى أؤدي إليك دية ~~أخيك . ففارقها على ذلك وعاهدها فكانت تؤدي إليه في كل يومين مالا ، فلما ~~استوفى أكثر الدية قال : والله لو قتلتها كنت قد أدركت ثأري وأخذت الدية . ~~فعمل فأسا وحددها ، فلما خرجت إليه أهوى إليها بالفأس فأخطأها ورجعت إلى ~~جحرها فأسقط في يده . فقالت : والله ما الثأر أدركت ولا الدية استوفيت ! ~~فقال : تعالي أعاقدك أن لا ينداك مني مكروه حتى أستوفي منك الدية . فقالت : ~~أما ما رأيت قبر أخيك تجاهك وذكرت أنا الضربة فلن أثق بك ولن تثق بي . ثم ~~أنشده : ألا هل لنا مولى يحب صلاحنا . . . فيعذرنا من مرة المتناصره وأنشد ~~في مثله : ظلمت الناس فاعترفوا بظلمي . . . فتبت فأزمعوا أن يظلموني فلست ~~بصابر إلا قليلا . . . فإن لم ينتهوا راجعت ديني ولآخر : إياك من ظلم ~~الكريم فإنه . . . مر مذاقته كطعم العلقم إن الكريم إذا رآك ظلمته . . . ~~ذكر الظلامة بعد نوم النوم فجفا الفراش وبات يطلب ثأره . . . أنفا وإن أغضى ~~ولم يتكلم # | محاسن الشدة # ذكروا أن جندب بن العنبر كان شديد البأس وأن عوانة بن زيد عيره يوما فقال ~~: هل يسود الفتى إذا قبح الوج . . . ه وأمسى تراه غير عتيد PageV01P348 ~~وإذا ما تكلم القوم يوما . . . في الندى قال قولا غير سديد وكان جندب فيه ~~دمامة مع إمساك غير أنه كان ليثا في الحرب ، فأجابه : ليس زين الفتى الجمال ~~ولكن . . . زينه الضرب بالحسام التليد وكان جندب عائفا فقال ms377 : والله لا ~~تموت حتى تنصر عليك ظعينة . وإن عوانة خرج يوما يتصيد على فرسه ومعه قوسه ~~فسار غير قليل إذ عرضت له جارية قد حملت وطبا من لبن فهم بها فدنا فقال : ~~تمكنيني طائعة أو تقهرين ؟ فقالت : لا إحداهما . فنزل إليها فأخذت ساعديه ~~بإحدى يديها فما زالت تعصرهما حتى تركتهما وما يستطيع أن يحركهما ثم كتفته ~~بوتر قوسه وشدت حبل الفرس في جيده ثم قالت : خذ بنا نحو محلة جندب . فمر ~~يقود الفرس في جيده حبل . فلما قارب الحي بصر بجندب مقبلا فناداه : أيها ~~المرؤ الكريم انصر أخاك ظالما أو مظلوما ! فذهب مثلا ، فأطلقه . ومنهم كليب ~~بن شؤبوب الأزدي كان أخبث أهل زمانه في قطع الطريق وحده ، وكان كثير الغارة ~~على طيء ، فدعا حارثة بن لأم الطائي رجلا من قومه يقال له عبرم ، وكان ~~شجاعا ، فقال له : أما تستطيع أن تكفينا هذا ؟ قال : نعم . فأرسل العيون ~~حتى علم مكانه فانطلق إليه حتى وجده نائما في ظل أراكة وفرسه مشدود عنده ، ~~فنزل عبرم ورجل معه فمشيا حتى أخذ كل واحد منهما بإحدى يديه ، فانتبه ونزع ~~يده اليمنى فقبض على حلق صاحب اليسرى وهو عبرم فما زال يخنقه حتى قتله . ~~وقد كان أعد قوما فلحقوه وهم عشرة فوجدوه قتيلا ، وأخذوا كليبا فكتفوه ~~وساقوه ، وأنشأ خوذة بن عبرم يرثي أباه ويقول : إلى الله أشكو أن أؤوب وقد ~~ثوى . . . قتيلا وأودى سيد القوم عبرم فمات ضياعا هكذا بيد امريء . . . ~~لئيم فلو أدمي لما كنت أثلم ولكن ثوى لم يكلم السيف جيده . . . ولا ناله ~~رمح ولم يرق الدم فأنت ابن شؤبوب فيا لهفتا له . . . وما جز من أظفاره منك ~~أكرم سأسقيك قبل الموت كأسا مزاجها . . . ذعاف من السم النقيع وعلقم فأجابه ~~كليب : أخوذة إن تفخر وتزعم بأنني . . . لئيم ويأبى لي قتالي عبرم فأقسم ~~بالبيت المحرم من منى . . . وبر يميني صادقا حين أقسم لضب بقفر من قفار ~~وضبعة . . . خموع ويربوع الفلا منك أكرم ألا عجبا من فخر هذا وأمه . . . ~~سوادية والجد علج مكدم أتوعدني بالمنكرات وإنني ms378 . . . صبور على ما ناب جلد ~~مصمم PageV01P349 واعلم أني ميت لا محالة . . . فلا جزعا إن كنت ذلك تعلم ~~فأراد خوذة قتله فمنعه أصحابه حتى يذهبوا به إلى حارثة . فلما انتهوا إليه ~~قال له حارثة : يا كليب أنت أسير . فقال : من ير يوما ير به ! فذهبت مثلا . ~~فدفعه إلى خوذة فخنقه حتى مات . ومنهم هدبة بن خشرم قتل ابن عم له يسمى ~~زيادة بن زيد فحبس ليقاد به ، فلم يزل محبوسا حتى شب ابن المقتول فدخل عليه ~~السجن وهو يلاعب صاحبا له بالشطرنج فقيل له : قم إلى القتل ! فقال : حتى ~~أفرغ من لعبتي . فلما فرغ خرج وجعل يهرول . فقيل له : ما بالك تأتي الموت ~~هكذا ؟ فقال : لا آتيه إلا شدا . فلقيه عبد الرحمن بن حسان فقال : أنشدني . ~~فأنشده : ألا عللاني قبل نوح النوائح . . . وقبل اطلاع النفس بين الجوانح ~~وقبل غد يا لهف نفسي على غد . . . إذا راح أصحابي ولست برائح إذا راح ~~أصحابي وخلفت ثاويا . . . بداوية بين المتان الضحاضح قال : ثم أقعد ليقاد ~~فنظر إلى أبويه فقال : أبلياني اليوم صبرا منكما . . . إن حزنا منكما باد ~~لشر لا أرى ذا الموت يبقي أحدا . . . إن بعد الموت دار المستقر ثم نظر إلى ~~امرأته فقال لها : لا تنكحي إن فرق الدهر بيننا . . . أغم القفا والوجه ليس ~~بأنزعا وكوني حبيسا أو لأروع ماجد . . . إذا ضن أغساس الرجال تبرعا فمالت ~~زوجته إلى جزار فأخذت مديته فقطعت بها أنفها وجاءته مجدوعة فقالت : أتخاف ~~أن يكون بعد هذا نكاح ؟ فرسف في قيوده وقال : الآن طاب الموت . فلما قدم ~~ليقاد بابن عمه وأخذ ابن زيادة السيف فضوعفت له الدية حتى بلغت مائة ألف ~~درهم ، فخافت أم الغلام أن يقبل ابنها الدية ولا يقتله فقالت : أعطي الله ~~عهدا لئن لم تقتله لأتزوجنه فيكون قد قتل أباك ونكح أمك ! فقتله . قال : ~~ولما واقع طلحة والزبير عثمان بن حنيف عامل علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ~~، على البصرة خرج حكيم بن جبلة العبدي فشد عليه رجل من أصحاب طلحة فقطع ~~رجله ، فزحف ms379 إلى رجله حتى أخذها ورمى بها قاطعها فقتله ، ويقول : يا رجل لا ~~تراعي ، فإن معي ذراعي . ثم حبا إلى المقتول فاتكأ عليه . فقيل له : يا ~~حكيم من ضربك ؟ فقال : وسادتي . PageV01P350 وعن معاذ بن الجموح قال : سمعت ~~الناس يوم بدر يقولون : أبو الحكم لا يخلصن إليه . يريدون أبا جهل . فلما ~~سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه ، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة ~~أطننت قدمه بنصف ساقه ، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت ~~مرضحة النوى . قال : وضربني عكرمة بن أبي جهل على عاتقي فطرح يدي فتعلقت ~~بجلدة من جنبي فأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي ~~، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها حتى طرحتها . قيل : ولما حمل ~~رأس محمد بن عبد الله بن الحسن إلى المنصور من مدينة الرسول ، عليه وعلى ~~آله السلام ، قال لمطير بن عبد الله : أما تشهد أن محمدا بايعني ؟ قال : ~~أشهد بالله لقد أخبرتني أن محمدا خير بني هاشم وأنك بايعت له . قال : يا ~~ابن الزانية أنا قلت ؟ قال : الزانية ولدتك . قال : يا ابن الزانية الفاعلة ~~أتدري ما تقول ؟ قال : التي تعني خير من أمك . فأمر به فوتد في عينيه فما ~~نطق . قيل : وقدم أعرابي على عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، يستحمله فقال ~~: خذ بعيرا من إبل الصدقة . فنظر إلى بعير منها فتعلق بذنبه ونازعه البعير ~~فاقتلع ذنبه . فقال عمر : هل رأيت أشد منك ؟ قال : نعم ، خرجت بامرأة من ~~أهلي أريد بها زوجها فنزلت منزلا أهله خلوف ، فدنوت من الحوض فإذا رجل قد ~~أقبل ومعه ذود له فصرف ذوده إلى الحوض وأقبل نحو المرأة ولا أدري ما يريد ، ~~فلما قرب منها ساورها فنادتني فلما انتهيت إليه كان قد خالطها فجئت أدفعه ~~فأخذ رأسي فوضعه بين ذراعه وجنبه فما استطعت أن أتحرك حتى قضى ما أراد ، ثم ~~قام فاضطجع وقالت : نعم الفحل هذا لو كانت لنا منه سخلة . فأمهلت حتى امتلأ ~~نوما ثم قمت إليه فضربت ساقه بالسيف فأطننتها ms380 ، فوثب فهربت وغلبه الدم ~~فرماني بساقه فأخطأني وأصاب بعيري فقتله . فقال عمر : فما فعلت المرأة ؟ ~~فقال : هذا حديث الرجل . فكرر عليه مرارا كل هذا يقول هذا حديث الرجل . عمر ~~بن شبة النميري أبو زيد قال : كان علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي ~~بن أبي طالب ، رضوان الله عليهم أجمعين ، من آل الأفطس وكان يلقب بالجزري ، ~~فتزوج رقية بنت عمرو العثمانية وكانت تحت المهدي ، فبلغ ذلك الهادي فأرسل ~~إليه فحمله وقال : أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين ! فقال : ما حرم ~~الله عز وجل على خلق إلا نساء جدي ، صلى الله عليه وسلم ، فأما غيرهن فلا ~~ولا كرامة . فشجه بمخصرة كانت في يده وأمر بضربه خمس مائة سوط وأراد على أن ~~يطلقها فلم يفعل ، فحمل من بين يديه في نطع فألقي ناحية ، وكان في يده خاتم ~~سري فرآه بعض الخدم وقد غشي عليه فأهوى إلى الخاتم ، فقبض على يد الخادم ~~فدقها ، فصاح : PageV01P351 الموت دق يدي ! فسمعه الهادي فدعاه فرأى ما به ~~فاستشاط فقال : تفعل هذا بخادمي مع استخفافك بي وقولك لي ؟ قال : قل له ~~وسله ومره أن يضع يده مرة على رأسك ليصدقن . ففعل ذلك موسى فصدقه الخادم . ~~فقال : أحسن والله ! أنا أشهد أنه ابن عمي ، لو لم يفعل ذلك لانتفيت منه . ~~وأمر بإطلاقه ووصله بمائة ألف درهم . قيل : وخطب علي بن أبي طالب ، رضي ~~الله عنه ، فقال : تقول قريش جزع ابن أبي طالب من الموت ، والله لعلي آنس ~~بالموت من الطفل بثدي أمه . قيل : ولما كان في حرب صفين والناس في أشد ما ~~يكون من الحرب قال علي : رضوان الله عليه : ألا ماء فأشتريه ؟ فأتاه شاب من ~~بني هاشم بشربة من عسل ، فتناوله وقال : يا فتى عسلك هذا طائفي . قال : ~~سبحان الله ! في هذا الوقت تعرف الطائفي من غيره ! فقال : إنه لم يملأ صدر ~~ابن عمك شيء قط . وحكي عنه ، رضوان الله عليه ، أنه قال : ما أبالي وقعت في ~~الموت أو وقع الموت علي . حدثنا الوضاحي عن معمر ms381 بن وهيب قال : قال عبد ~~الملك بن مروان عند موته للوليد وهو يبكي عند رأسه : ما هذا البكاء وحنين ~~النساء ثكلتك أمك ! ألا تتأهب للخلافة بشدة سطوتك وقلة رحمتك لناقض بيعتك ~~وتجريد سيفك للمبدي ذات طويته ؟ فقال له قبيصة بن ذؤيب : ليس هذا أمر الله ~~جل وعز . فقال : ما كنت لآمر بغيره . ثم قال : بنو الحرب لا نعيا بشيء ~~نريده . . . ولسنا على ما أحدث الدهر نجزع جلاد على ريب الزمان فلن ترى . . ~~. على هالك عينا لنا الدهر تدمع وأنشدنا غيره في مثله : وإنا لقوم ما تفيض ~~دموعنا . . . على هالك منا وإن قصم الظهرا ولسنا كمن يبكي أخاه بعبرة . . . ~~فيعصرها من جفن مقلته عصرا ولكننا نشفي الفؤاد بغارة . . . تلهب من قطري ~~جوانبه جمرا ولآخر في مثله : سقيا ورعيا وإيمانا ومغفرة . . . للباكيات ~~علينا يوم نرتحل يبكي علينا ولا نبكي على أحد . . . لنحن أغلظ أكبادا من ~~الإبل ولآخر في نحوه : إذا استلب الخوف الرجال قلوبها . . . صبرنا على ~~الموت النفوس الغواليا حذار الأحاديث التي غب يومها . . . عقدن بأعناق ~~الرجال المخازيا ولآخر في مثله : PageV01P352 مقتلون وقتالون ميتتهم . . . ~~كما تقتل أسد الغاب في الأجم والقتل عادتهم والقتل مكرمة . . . ولا يموتون ~~من داء ولا هرم وبالوجوه جراح ما تشينهم . . . وما بهم طعنة في ظهر منهزم ~~ولآخر في مثله : سدكت أنامله بقائم سيفه . . . وبنشر فائدة وذروة منبر ما ~~إن يزال إذا الرماح شجرنه . . . متسربلا سربال طيب العنصر يلقى الرماح ~~بصدره وبنحره . . . ويقيم هامته مقام المغفر أوما إلى الكوماء هذا طارق . . ~~. نحرتني الأعداء إن لم تنحر وللمأمون : نحن الذين إذا تخمط عصبة . . . من ~~معشر كنا لها أنكالا وترى القروم مخافة لقرومنا . . . قبل اللقاء تقطر ~~الأبوالا نرد المنية لا نخاف ورودها . . . تحت العجاجة والعيون تلالا نعطي ~~الجزيل فلا نمن عطاءنا . . . قبل السؤال ونحمل الأثقالا وإذا البلاد على ~~العباد تزلزلت . . . كنا لزلزلة البلاد جبالا # | مساوئ الجبن # قيل في المثل : هو أجبن من هجرس ، وهو القرد ، وذلك أنه لا ينام إلا في ~~يده حجر مخافة أن يأكله الذئب . وحدثنا رجل بمكة قال ms382 : إذا كان الليل رأيت ~~القرود تجتمع في موضع واحد ثم تبيت مستطيلة واحدا في إثر واحد في يد كل ~~واحد منها حجر لئلا ترقد فيأتيها الذئب فيأكلها ، فإن نام واحد وسقط الحجر ~~من يده فزعت فتحول الآخر فصار قدامها فلا تزال كذلك طول الليل فتصبح وقد ~~صارت من الموضع الذي باتت فيه على ثلاثة أميال وأقل وأكثر جبنا . وقيل أيضا ~~: هو أجبن من صافر ، وهو طائر يتعلق برجليه وينكس رأسه ثم يصفر ليلته كلها ~~خوفا من أن ينام فيؤخذ . ويقال أيضا : إن الصافر هو الذي يصفر لريبة . ~~وذكروا أن رجلا كان يأتي امرأة وهي جالسة مع بنيها وزوجها فيصفر لها فتقوم ~~وتخرج عجزها من وراء الباب وهي تحدث ولدها فتقضي حاجتها وحاجته وينصرف . ~~فعلم بذلك بعض بنيها فغاب عنها يومها ثم جاء في ذلك الوقت وصفر ومعه مسمار ~~محمى ، فلما جاءت لعادتها كواها به ، فجاء الرجل بعد ذلك فصفر فقالت : قد ~~قلينا صفيركم ، فضربه الكميت مثلا في قوله : أرجو لكم أن تكونوا في مودتكم ~~. . . كلبا كورهاء تقلي كل صفار PageV01P353 لما أجابت صفيرا كان يألفها . ~~. . من قابس شيط الوجعاء بالنار وقيل أيضا : هو أجبن من المنزوف ضرطا ، ~~وكان من جبنه أن نسوة من العرب لم يكن لهن رجل فتزوجت واحدة منهن برجل كان ~~ينام إلى الضحى فإذا أتينه بصبوحه قلن له : قم فاصطبح ، فيقول : لو لعادية ~~تنبهنني ، فقلن : هذه نواصي الخيل . فجعل يقول : الخيل الخيل ! ويضرط حتى ~~مات ، فضرب به المثل . قيل : وخرج رهم بن خشرم الهلالي ومعه أهله وماله ~~يريد النقلة من بلد إلى بلد ، فلقيه قوم من بني تغلب فدهش ورعب رعبا شديدا ~~فقال : يا بني تغلب شأنكم المال وخلوا عن الظعينة . فقالوا : رضينا إن ~~ألقيت الرمح . فرجع إليه عقله وقال : أومعي رمح ! وحمل عليهم فقتل منهم ~~رجلا ثم صرع آخر وأنشأ يقول : ردا على آخرها الأتاليا . . . إن لها ~~بالمشرفي حاذيا ذكرتني الطعن وكنت ناسيا فانهزم الباقون ونجا هو بالمال ~~والظعينة ومر نحو وطنه سالما . قيل : وكان في بني ms383 ليث رجل جبان فخرج رهطه ~~وبلغ ذلك ناسا من بني سليم كانوا أعداءهم فلم يشعر الرجل إلا بخيل قد أحاطت ~~بهم فذهب يفر فلم يجد مفرا ووجدهم قد أخذوا عليه كل وجه ، فلما رأى ذلك جلس ~~ثم أبرز كنانته وأخذ قوسه وقال : ما علتي وأنا جلد عابل . . . والقوس من ~~نبع لها بلابل يرن فيها وتر عنابل . . . إن لا أقاتلكم فأمي هابل أكل يوم ~~أنا عنكم ناكل . . . لا أطعن القوم ولا أقاتل الموت حق والحياة باطل ~~فقاتلهم فانهزموا فصار بعد ذلك أشجع قومه . قيل : وخرج أبو دلامة مع روح بن ~~حاتم إلى بعض الحروب ، فلما التقى الجمعان قال أبو دلامة لروح : أصلح الله ~~الأمير ! لو أن تحتي فرسا من خيلك وفي وسطي ألف دينار لأشجيت أعداءك نجدة ~~وإقداما . فقال روح : ادفعوا إليه ذلك . فدفع إليه فلما أخذه أنشأ يقول : ~~إني أعوذ بروح أن يقدمني . . . إلى القتال فيشقى بي بنو أسد | PageV01P354 ~~إن المهلب حب الموت أورثكم . . . ولم أرث نجدة في الموت من أحد فأجابه روح ~~: هون عليك فلن أريدك في الوغى . . . لتطاعن وتنازل وضراب كن آخرا في القوم ~~تنظر واقفا . . . فإن انهزمت مشيت في الهراب فأجابه أبو دلامة : هذي السيوف ~~رأيتها مشهورة . . . فتركتها ومضيت في الهراب ماذا تقول لما يجيء ولا يرى . ~~. . من بادرات الموت من نشاب فضحك روح فأعفاه وانصرف . وحدثني أبو مالك عبد ~~الله بن محمد قال : لما توفي أبو العباس السفاح دخل أبو دلامة على أبي جعفر ~~المنصور والناس عنده يعزونه فقال : يا أمير المؤمنين كان أبو العباس أمر لي ~~بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوبا وهو مريض فلم أقبضها . فقال المنصور للخازن : ~~ادفعها إليه وسيره إلى هذا الطاغية ، يعني عبد الله بن علي . فقال أبو ~~دلامة : يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن أخرج معهم فإني والله مشؤوم ! ~~فقال : لعله يغلب شؤمك فاخرج مع العسكر . فقال : والله ما أحب لك يا أمير ~~المؤمنين أن تجرب ذلك فإني لا أدري على أي الفريقين يكون . فقال أبو جعفر : ~~دعني من هذا ما ms384 نريد غير المسير . فقال : يا أمير المؤمنين والله لأصدقنك ، ~~إني شهدت تسعة عساكر كلها هزمت فأنا أعيذك بالله أن تكون العاشر . فاستفرغ ~~أبو جعفر ضحكا وأمره أن يتخلف . قال : وقيل لجبان : انهزمت فغضب عليك ~~الأمير . فقال : يغضب علي الأمير وأنا حي أحب إلي من يرضى عني وأنا ميت . ~~قال : وقيل لبعض المجان : ما لك لا تغزو ؟ فقال : والله إني لأبغض الموت ~~على فراشي فكيف أمر إليه ركضا ! قال : وقال الحجاج لحميد الأرقط وقد أنشده ~~قصيدة يصف فيها الحرب : يا حميد هل قاتلت قط ؟ قال : لا أيها الأمير إلا في ~~النوم . قال : وكيف كان وقعتك ؟ قال : انتبهت وأنا منهزم . وقال عمرو بن ~~بحر الجاحظ : سمعت بلالا يحكي عن أصحابه أن رئيسهم كان يسمى ابريقياء وأنهم ~~خرجوا في سفر فإذا بعشرة نفر من اللصوص قد تعرضوا لهم ، قال : وكان أشد ~~أصحابنا والمنظور إليه منا فتى يقال له دومني بطل شديد لا يهوله شيء مطاعن ~~مسابق ، فحمل PageV01P355 على رجل منهم فعطف عليه الرجل فقطع أنف دومني ~~ونزع خصييه وكسر أسنانه فرجع منهزما ، فغاظني ذلك فوثبت وأخذت كسائي وطويته ~~بطاقين ولففته على يدي وأخذت عصاي وأخذ آخر ملحفة والدته فلفها على ذراعيه ~~وأخذ آخر طبقا كبيرا من أطباق الفاكهة فستر به وجهه وخرجنا وتقدم رئيسنا ~~ابريقياء وقد لف على يده قطيفة وهو يقول : إن تنكروني فأنا ابن كلب فقال له ~~بعض اللصوص : ما ننكر ذلك عليك . فشد عليه ابريقياء بأسفل دن كان معه فلم ~~يحك فيه ، فأخذ اللص أسفل الدن فرمى به ابريقياء فهشم وجهه وكسر أسنانه ، ~~وتنحى ابريقياء وأقبل منا آخر يسمى لقوة وأنشأ يقول : إن عصاي فاعلموا ~~مقيره . . . أضرب بها وجه اللصوص الكفره ثم شد على واحد منهم فضرب مفرق ~~رأسه فلم يحك فيه واستلب العصا منه وطلاه بها طليا فإذا هو قد خلع منكبه ~~وكسر أضلاعه وبقي لا يحلي ولا يمر . ثم أقبل فتى من أصحابنا وفي يده مجرفة ~~وهو يقول : أنا ابن الكهل في يدي مجرفه . . . والله لو كان بكفي ms385 مغرفه وهي ~~لعمري قد كستني ملحفه . . . والدتي كريمة منظفه قتلتكم فكيف عندي مجرفه ~~فضرب بالمجرفة واحدا من اللصوص فأخطأه وعطف عليه اللص فأخذها من يده ثم ~~ضربه بها ضربة فدار سبع مرات وسقط وقد غشي عليه . فلما رأيت ذلك عدت إلى ~~الطعان وأنا أقول : أنا فلان سيد الفتيان . . . أنا ابن حمران فتى الميدان ~~أحلف بالله وبالفرقان . . . لأضربن القوم بالمميان ضرب غلام ماجد كشحان . . ~~. والعجز منسوب إلى الجبان فأشد على واحد منهم فأضرب كفيه ، فوثب قبل أن ~~تصل إليه الضربة فضربني فهشم أنفي وكسر أسناني وخررت مغشيا علي ثم فتحت ~~عيني فلم أر منهم أحدا ولا أدري كيف أخذوا ، فالحمد لله على الظفر . # | ما قيل في ذلك من الشعر # ما أحسن الضربة في وجهه . . . إن لم تكن رمحة برذون ولآخر : ويحسبها ~~PageV01P356 الشجاع قراع سيف . . . ويحسبها الجبان قراع ثور ولآخر : جبان ~~اللقاء وعند الخوا - ن أمضى وأشجع من رستم فلو كنت تفعل ذا في الحروب . . . ~~أغرت على الترك والديلم كاتب الحسن بن زيد : ظلت تشجعني ضلا بتضليل . . . ~~وللشجاعة خطب غير مجهول هاتي شجاعا بغير القتل مصرعه . . . أوجدك ألف جبان ~~غير مقتول الحرب توسع من يصلى بها حربا . . . يتم البنين وإثكال المثاكيل ~~واسم الوغى اشتق من غوغاء تبصرها . . . يغدون للموت كالطير الأبابيل والله ~~لو أن جبريلا تكفل لي . . . بالنصر ما خاطرت نفسي بجبريل هل غير أن يعذلوني ~~أنني فشل . . . فكل هذا نعم فاغروا بتعذيلي إن أعتذر من فراري في الوغى ~~أبدا . . . فكان ذلك عذرا غير مقبول اسمع أخبرك عن بأسي بذي سلم . . . خلاف ~~بأس المساعير البهاليل لما بدت منهم نحوي عشوزنة . . . تشرع الموت في عرضي ~~وفي طولي فقلت : ويحكم لا تذهبوا جلدي . . . رمحي كسير وسيفي غير مسلول لما ~~اتقيتهم طورا بذات يد . . . وانصعت أطوي الفر ميلا إلى ميل الله خلصني منهم ~~وفلسفتي . . . حتى تخلصت مخضوب السراويل ولآخر : أضحت تشجعني هند وقد علمت ~~. . . أن الشجاعة مقرون بها العطب لا والذي حجت الأنصار كعبته . . . ما ~~يشتهي الموت عندي من له أرب للحرب قوم أضل الله ms386 سعيهم . . . إذا دعتهم إلى ~~حوماتها وثبوا ولست منهم ولا أهوى فعالهم . . . لا القتل يعجبني منهم ولا ~~السلب قطرب النحوي : ما لي وما لك قد كلفتني شططا . . . حمل السلاح وقول ~~الدارعين قف أمن رجال المنايا خلتني رجلا . . . يمسي ويصبح مشتاقا إلى ~~التلف PageV01P357 تمشي المنون إلى غيري فأكرهها . . . فكيف أمشي إليها ~~عاري الكتف هل خلت أن سواد الليل غيرني . . . وأن قلبي في جنبي أبي دلف # | محاسن النظر في المظالم # قال : دخل رجل في جماعة من الناس على سليمان بن عبد الملك وهو جالس ~~للعامة فقال : يا سليمان أذكرك يوم الأذان . قال : فارتاع لما دعاه باسمه ~~وقال : ويحك وما يوم الأذان ؟ قال : قول الله جل ذكره : ' فأذن مؤذن بينهم ~~أن لعنة الله على الظالمين ' . فبكى سليمان وقال له : ما حاجتك ؟ فقال : ~~أنا جار في ضيعتك الفلانية وقد ظلمني وكيلك فأضر ذلك بي وبعيالي . قال : قد ~~وهبت لك الضيعة . وكتب إلى وكيله بتسليمها إليه . قيل : وقدم رجل من حلوان ~~مصر على عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، فقال : يا أمير المؤمنين إن والدك ~~ولي بلادنا فكتب إلى عبد الملك يخبره أن حلوان صافية وهي أرض خراج فأقطعها ~~إياه فورثتها أنت وإخوتك فاتق الله ولا تظلمنا كما ظلمنا أبوك فإنه كان ~~شيخا ضعيف الخرج وأنت رجل مخرج . فقال عمر : إن كان أبي كما ذكرت فهو أبي ~~لا أبوك ، نازعني منازعة جميلة ولا تشتم عرضي فإن لي فيها شركاء إخوة ~~وأخوات لا يرضون أن أقضي فيها بغير قضاء قاض ، أقوم معك إلى القاضي فإن قضى ~~لي اصطبرت وإن قضى لك سلمت . قال : إن قمت معي إلى القاضي فقد أنصفتني . ~~فقاما جميعا إلى القاضي فقعدا بين يديه ، فتكلم عمر بحجته وتكلم الرجل ، ~~فقضى القاضي للرجل . فقال عمر : إن عبد العزيز قد أنفق عليها ألف ألف درهم ~~. فقال القاضي : قد أكلتم من غلتها بقدر ذلك . فقال عمر : وهل القضاء إلا ~~هذا ؟ لو قضيت لي وما وليت لي عملا أبدا . فخرج إلى الرجل من حقه . قال : ~~ودخل نفر من ms387 القراء وفيهم رجل ذكر ظلامة له على عمر فقال : يا أمير ~~المؤمنين اذكر مقامي هذا فإنه مقام لا يشغل الله جل وعز عنه كثرة من تخاصم ~~إليه من الخلائق يوم تلقاه بلا ثقة من العمل ولا براءة من الذنوب . فقال ~~عمر : ويحك اردد كلامك ! فرده عليه ، فجعل يبكي وينتحب حتى إذا أفاق قال : ~~ما حاجتك ؟ قال : عاملك على أذربيجان ظلمني وأخذ من مالي عشرة آلاف درهم ، ~~فكتب برد ذلك عليه وبعزل عامله وقال : انظروا هل اخلولق له من ثوب أو تقطع ~~له من حذاء . فحسب ذلك فبلغ عشرين دينارا فأمر بدفعها إليه . قال : وبينا ~~عمر ، رحمه الله ، يسير على بغلته إذ جاء رجل فتعلق بلجامها فقال : أتيتك ~~بعيد الدار مظلوما ! قال له : من أين أنت ؟ قال : من حضرموت أرضي وأرض ~~آبائي أخذها PageV01P358 الوليد وسليمان فأكلاها . فنزل عمر عن بغلته يبكي ~~حتى جلس على الأرض ثم قال : من يعلم ذلك ؟ قال : أهل البلد قاطبة . قال : ~~يكفيني من ذلك شاهدا عدل ، اكتبوا له إلى بلاده إن أقام شاهدي عدل أن الأرض ~~له ولآبائه فادفعوها إليه . فلما ولى الرجل قال : انظروا هل هلكت له راحلة ~~أم نفد له زاد أو تخرق له من حذاء . فحسبوا ذلك فبلغ ثلاثين دينارا فأتي ~~بها فعدت في يده . قال ابن عياش : وخرج عمر ذات يوم من منزله على بغلة له ~~وعليه قميص وملاءة إذ جاء رجل على راحلة حتى أناخها وسأل عن عمر فقيل له : ~~قد خرج وهو راجع الآن . فأقبل عمر ومعه رجل يسايره ، فقيل للرجل : هذا أمير ~~المؤمنين . فقام فشكا إليه عدي بن أرطاة في أرض له ، فقال عمر : قاتله الله ~~! أما والله ما غرنا إلا بعمامته السوداء ، أما إني قد كتبت إليه فضلا عن ~~وصيتي إن من أتاك ببينة على حق له فسلمه إليه ، ثم قد عناك إلي . فكتب إلى ~~عدي برد أرضه وقال للرجل : كم أنفقت ؟ قال : تسألني عن نفقتي وقد رددت علي ~~أرضا هي خير من مائة ألف درهم ! قال : إنما ردها ms388 عليك حقك ، أخبرني كم ~~أنفقت ؟ قال : ما أدري . قال : احرزوه ، فإذا هو ستون درهما ، فأمر له بها ~~من بيت المال ، فلما ولى صاح به فرجع فقال : وهذه خمسة دراهم من مالي فكل ~~بها لحما حتى تبلغ . الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت قال : أخبرني دهقان ~~السيلحين قال : كان لسعيد بن مالك إلى جنبي ضيعة وكان رجلا حديدا فأتيته ~~فقلت له : أعدني على نفسك . فأمر بي فوجئت في عنقي ، فقلت : لأرحلن إلى عمر ~~. فدخلت على امرأتي فأعلمتها ذلك فقالت : إني أخاف أن لا تصنع شيئا ويجتريء ~~عليك . فقلت : إني أكره أن تحدث العجم بأني قلت شيئا لم أفعله . قال : ~~فخرجت حتى قدمت المدينة فسألت عن عمر ، رحمه الله ، فدللت عليه وأرشدت إليه ~~. فلما أتيت منزله دخلت فإذا عمر ، رضي الله عنه ، جالس على عباءة ، فرفع ~~رأسه إلي وقال : كأنك لست من أهل الملة . فقلت : أنا رجل من أهل الذمة . ~~قال : فما حاجتك ؟ قلت : لسعيد بن مالك ضيعة إلى جانبي وإني أتيته أستعديه ~~على نفسه فأمر بي فوجئت في عنقي فقلت لأرحلن إلى عمر . فقال : يا يرفا ~~ائتني بالدواة والمكتب . فأتاه بجراب ، فأدخل يده وأخرج صحيفة فكتب فيها ، ~~ثم أخرج سيرا يشدها به فلم يقدر عليه فتناول خيطا من العباءة التي تحته وقد ~~تنشرت جوانبها فشدها به ، فأردت أن لا آخذها ثم تناولتها متثاقلا ، فكأنه ~~عرف ما في نفسي فقال : ائته فإن كفاك وإلا فأقم واكتب إلي . قال : فخرجت ~~حتى قدمت على أهلي فقالوا : ما صنعت ؟ قلت : أتيت رجلا لم يقدر على سير يشد ~~به صحيفته حتى تناول خيطا من عباءة كانت تحته قد تفززت وتنشرت جوانبها ~~فشدها به . قالوا : وما عليك من ذلك إن نفذ PageV01P359 أمره ؟ قال : فأتيت ~~سعيدا فناولته الكتاب ، فلما قرأه أرعدت فرائصه حتى سقط الكتاب من يده وقال ~~: ويلك ما صنعت ؟ اذهب فالأرض لك . فقلت : لا أقبلها . فقال : لا والله لا ~~أخذتها أبدا . قال : وكان نسخة الكتاب : بسم الله الرحمن الرحمن . من عبد ~~الله عمر أمير المؤمنين إلى ms389 سعيد بن مالك . سلام عليك . أما بعد فإن مهرزاد ~~دهقان السيلحين ذكر أن له ضيعة إلى جانبك وأنه أتاك يستعديك على نفسك فأمرت ~~به فوجئت عنقه فإذا جاءك كتابي هذا فأرضه من حقه وإلا فأقبل إلي راحلا ، ~~والسلام . قيل : ولما ولي المأمون الخلافة عرضت عليه سيرة أبي بكر ، رحمه ~~الله ، وفي آخرها : وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها . فقال : ~~أمير المؤمنين لا يطيق ذلك . ثم عرضت عليه سيرة عمر ، رضي الله عنه ، وفي ~~آخرها : وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها فقال : أمير ~~المؤمنين لا يطيق هذا . ثم عرضت عليه سيرة عثمان ، رحمه الله ، وفي آخرها : ~~وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها . فقال : أمير المؤمنين لا ~~يطيق هذا . ثم عرضت عليه سيرة علي ، رضي الله عنه . وفي آخرها : وكان يأخذ ~~الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها . فقال : أمير المؤمنين لا يطيق هذا . ~~ثم عرضت عليه سيرة معاوية بن أبي سفيان وفي آخرها : وكان يأخذ الأموال من ~~وجوهها ويضعها كيف شاء . فقال : إن كان فهذا . وأخبرنا بعض أصحابنا قال : ~~شهدت المأمون يوما وقد خرج من باب البستان ببغداد فصاح به رجل بصري : يا ~~أمير المؤمنين إني تزوجت بامرأة من آل زياد وإن أبا الرازي فرق بيننا وقال ~~هي امرأة من قريش . قال : فأمر عمرو بن مسعدة فكتب إلى أبي الرازي : إنه قد ~~بلغ أمير المؤمنين ما كان من الزيادية وخلعك إياها إذ كانت من قريش ، فمتى ~~تحاكمت إليك العرب لا أم لك في أنسابها ، ومتى وكلتك قريش يا ابن اللخناء ~~بأن تلصق بها من ليس منها ؟ فخل بين الرجل وامرأته ، فلئن كان زياد من قريش ~~إنه لابن سمية بغي عاهرة لا يفتخر بقرابتها ولا يتطاول بولادتها ، ولئن كان ~~ابن عبيد لقد باء بأمر عظيم إذ ادعى إلى غير أبيه لحظ تعجله وملك قهره . ~~وحدثنا غيره قال : شهدت المأمون يوما وقد ركب بالشماسية وخلف ظهره أحمد بن ~~هشام ، فصاح به رجل من أهل فارس : الله الله يا ms390 أمير المؤمنين ! فإن أحمد ~~بن هشام ظلمني واعتدى علي ! فقال : كن بالباب حتى أرجع فأنظر في أمرك . ~~فلما مضى التفت إلى أحمد بن هشام فقال : ما يؤمنك منا أن نوقفك وصاحبك هذا ~~على PageV01P360 رؤوس هذه الجماعة وتقعد مع خصمك حيث يقعد ثم يكون محقا ~~وتكون مبطلا ! فكيف إن كنت في صفته وكان في صفتك ؟ فوجه إليه من يحوله عن ~~بابنا إلى رحلك وأنصفه من نفسك وأعطه ما أنفق في طريقه إلينا ، ولا تجعل ~~لنا ذريعة إلى لائمتك ، فوالله لو ظلمت العباس ابني كان أهون علي من ظلمك ~~ضعيفا لا يجدني في كل وقت ولا يخلو له وجهي ، ولا سيما من كان يتجشم السفر ~~البعيد ويكابد حر الهواجر وطول المسافة . قال : فوجه إليه أحمد بن هشام ~~فحوله إلى مضربه وكتب إلى عامله برد ما أخذ منه ، ووصل الرجل بأربعة آلاف ~~درهم . قال : وتنازع رجلان بباب الجسر أحدهما من العظماء والآخر من السوقة ~~فقنعه الرجل فصاح السوقي : وا عمراه ذهب الإسلام ! فأخذ الرجل وكتب بخبره ~~إلى المأمون ، فدعاه وقال له : ما كانت حالك ؟ فأخبره . وأحضر خصمه وقال له ~~: لم قنعت هذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين هذا رجل معاملي وكان سيء المعاملة ~~وكنت صبورا على ذلك منه ، فلما كان في هذا اليوم مررت بباب الجسر فأخذ ~~بلجام دابتي وقال : لا أفارقك حتى تخرج إلي حقي . فقلت له : إني أبادر إلى ~~باب إسحاق بن إبراهيم . فقال : والله لو جاء إسحاق ومن ولى إسحاق ما فارقتك ~~. فما صبرت حين عرض بالخلافة أن قنعته فصاح : وا عمراه ذهب الإسلام منذ ذهب ~~عمر . فقال للرجل : ما تقول ؟ قال : كذب علي وقال الباطل . فقال الرجل : لي ~~جماعة يشهدون على مقالته يا أمير المؤمنين ، فإن أذنت لي أحضرتهم . قال ~~المأمون للرجل : من أين أنت ؟ قال : من أهل فامية . فقال : أما إن عمر بن ~~الخطاب ، رضي الله عنه ، كان يقول : من كان جاره نبطيا واحتاج إلى ثمنه ~~فليبعه . فإن كنت إنما طلبت سيرته فهذا حكمه في أهل فامية . ثم أمر ms391 له بألف ~~درهم وأمر صاحبه أن ينصفه . وحدثنا أبو الفضل الهاشمي عن قحطبة بن حميد بن ~~قحطبة قال : قعد المأمون للمظالم ذات يوم فلم يزل قاعدا إلى أن قلنا قد ~~فاتته الصلاة ، فكان آخر من دعي امرأة فقالت : السلام عليك يا أمير ~~المؤمنين ورحمة الله وبركاته . فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم فقال : وعليك ~~السلام ، تكلمي يا أمة الله . فقالت : يا خير منتصف يهدى به الرشد . . . ~~ويا إماما به قد أشرق البلد أشكو إليك عقيد الملك أرملة . . . عدا عليها ~~فلا تقوى به الأسد فابتز مني ضياعي واستبد بها . . . ففارق العيش مني الأهل ~~والولد فقال المأمون : PageV01P361 في دون ما قلت عيل الصبر والجلد . . . ~~وقد تقطع مني القلب والكبد هذا أوان صلاة الظهر فانصرفي . . . وأحضري الخصم ~~في اليوم الذي أعد والمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا . . . ننصفك فيه وإلا ~~المجلس الأحد قال : فانصرفت فلما كان يوم الأحد جلس فكان أول من دعا به ~~المرأة ، فسلمت فرد المأمون عليها السلام وقال : أين الخصم ، رحمك الله ؟ ~~قالت : هو واقف على رأسك وقد حيل بيني وبينه . وأومأت إلى العباس ابنه . ~~فقال : يا أحمد بن أبي خالد خذ بيده فأقعده معها . قال : ففعل ذلك . فجعلت ~~تعلو على العباس بصوتها وتقول : ظلمتني واعتديت علي وأخذت ضيعتي . فقال لها ~~أحمد : ما هذا الصياح ؟ إنك بين يدي أمير المؤمنين تناظرين الأمير ! فقال ~~المأمون : دعها يا أحمد فإن الحق أنطقها والباطل أخرسه . فلم يزالا ~~يتناظران حتى حكم المأمون لها برد ضيعتها ثم قال : يا أحمد اردد عليها ما ~~جباه العباس من ضيعتها وادفع إليها عشرة آلاف درهم ترم بها ما أراه من سوء ~~حالها واكتب إلى والينا وقاضينا بإرفاقها والنظر في أمرها وأوغر لها خراج ~~ضيعتها بالشيء الطفيف وليكن ذلك في يومنا هذا . فما برحت حتى قضيت حوائجها ~~وخرجت . وعن الحسن بن سهل قال : جلس المأمون ذات يوم للمظالم وإذا هو برجل ~~قد مثل بين يديه وفي يده رقعة فيها سطران : بسم الله الرحمن الرحيم . مظلمة ~~من أمير المؤمنين أطال ms392 الله بقاءه . فقال : أمظلمة مني ! قال : أفأخاطب ~~بالخلافة سواك ؟ قال له : وما ظلامتك هذه ؟ قال : ثلاثون ألف دينار . قال : ~~وما وجهها ؟ قال : إن سعيدا وكيلك اشترى مني جوهرا بثلاثين ألف دينار وحمله ~~إلى منزلك ولم يوفر علي المال . قال : فإذا اشترى سعيد منك الجوهر تشكو ~~الظلامة مني ! قال : نعم إذا كانت الوكالة قد صحت له منك . قال : إن كلامك ~~هذا يحتمل ثلاث جهات : أما أول ذلك فلعل سعيدا قد اشترى هذا الجوهر منك كما ~~زعمت وحمله إلينا وأخذ المال من بيت المال ولم يوفره عليك ، أو لعله قد ~~وفره وادعيت باطلا ، أو اشتراه لنفسه . أما في العاجل فلا يلزمني لك حق ولا ~~أعرف لك ظلامة . فقال الرجلك إن الله جل وعز قد أهلك لموضع رفيع واختصك ~~بنسب جعلك أولى الخلق معه بالانصاف فإنك مناسب لرسول الله ، صلى الله عليه ~~وسلم ، واسترعاك على خلقه فهلا تحملني على كتاب الله جل وعز وسنة ابن عمك ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وسنة عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، في ~~رسالته إلى أبي موسى الأشعري وهي التي اتخذتموها صدور أحكامكم ووصية ~~لقضاتكم إذ يقول : البينة على من ادعى واليمين على من أنكر . قال المأمون : ~~فإنك والله قد عدمت البينة فما يجب لك إلا حلفة ولئن حلفتها لأنا صادق ~~PageV01P362 إذ كنت لا أعرف لك حقا يلزمني . قال : فإذا أدعوك إلى الحاكم ~~الذي نصبته لرعيتك . قال : نعم ، يا غلام علي بيحيى بن أكثم . فإذا هو قد ~~مثل بين يديه . فقال : يا يحيى ! قال : لبيك يا أمير المؤمنين ! قال : اقض ~~بيننا . قال : في حكم وقضية ! قال : نعم . قال : لا أفعل . قال : ولم ؟ قال ~~: لأن أمير المؤمنين لم يجعل داره مجلس قضائي . قال : قد فعلت . قال : فإني ~~أبدأ بالعامة أولا ليصبح المجلس للقضاء . قال : افعل . ففتح الباب وقعد في ~~ناحية من الدار وأذن للعامة ونادى المنادي وأخذ الرقاع ودعا بالناس ثم دعا ~~الرجل المتظلم فقال له يحيى : ما تقول ؟ قال : أقول أن تدعو بخصمي أمير ~~المؤمنين المأمون ms393 . فنادى المنادي فإذا المأمون قد خرج في رداء وقميص ~~وسراويل قد أرسلها على عقبيها في نعل رقيق ومعه غلام يحمل مصلى حتى وقف على ~~يحيى وهو جالس . فقال له : اجلس . فطرح المصلى ليقعد عليه . فقال له يحيى : ~~يا أمير المؤمنين لا تأخذ على خصمك شرف المجلس . فطرح له مصلى آخر فجلس ~~عليه . وقال له يحيى : ما تقول ؟ فقال : لي على هذا ثلاثون ألف دينار . قال ~~: ومن هذا ؟ قال : أمير المؤمنين المأمون بالله . قال له يحيى : يا أمير ~~المؤمنين قد سمعت ما يقول ؟ قال : سله ما وجهها . فأعاد خبر الوكيل . فقال ~~المأمون : ما أعرف له حقا . فأقبل على الرجل فقال : قد سمعت ، ألك بينة ؟ ~~قال : لا . قال : فما تريد ؟ قال : ما يوجبه الحكم لمن عدم البينة . قال ~~المأمون : ويحك قد لججت في اليمين ! قال : يا أمير المؤمنين أتحلف ؟ قال : ~~إي والله ولا أوطيء نفسي العشوة في إعطاء رجل ما لا يجب له ظلما . فقال : ~~قل والله . فاستحلفه غموسا . ثم وثب يحيى عند فراغ المأمون من يمينه فقام ~~على رجليه . فقال له المأمون : ما أقامك ؟ فقال : إني كنت في حق الله جل ~~وعز حتى أخذته منك وليس الآن من حقك أن أتصدر عليك . وقبض على الرجل لئلا ~~يخرج . فقال المأمون : ارفقوا به . ثم قال : يا غلام أحضرني ما ادعى من ~~المال . فلما أحضر قال : خذه إليك والله ما كنت أحلف على فجرة ثم اسمح لك ~~فأفسد ديني ودنياي ، والله يعلم ما دفعت إليك هذا المال إلا خوفا من هذه ~~الرعية لعلها ترى أن تناولتك من وجه القدرة وأني منعتك واجبك بالاستطالة ~~عليك وإنها لتعلم الآن ما كنت أسمح لك باليمين . فقال : يا أمير المؤمنين ~~أفأحاط في المال حتى أصل إلى حيث آمن عليه ؟ قال : إي والله ولو بالتغزغز ~~وأسبيجاب . فأخرج الرجل مع المال وبذرق به إلى أن بلغ مأمنه PageV01P363 # | ومنه روايات # وروي عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : إن الرجل إذا ظلم فلم ~~ينتصر ولم يجد من ينصره فرفع طرفه ms394 إلى السماء ودعا قال الله ، جل وعز : ~~لبيك عبدي أنصرك عاجلا وآجلا . وقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في ~~قولهم : انصر أخاك ظالما أو مظلوما ، قال : تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه ~~. قال : وقال الفضيل بن عياض : بكى ابني فقلت له : ما يبكيك ؟ فقال : أبكي ~~على من ظلمني وأخذ مالي ارحمه غدا إذا وقف بين يدي الله عز وجل وسأله فلا ~~تكون له حجة . قال : وقال الحسن البصري : يا أيها المصدق على السائل ترحمه ~~ارحم أولا من ظلمت . وروي عن عبد الله بن سلام أنه قال : قرأت في بعض الكتب ~~قال تبارك وتعالى : إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني . وقال ~~خالد : إياكم ومجانيق الضعفاء ، يريد الدعاء . # | ومنه توقيعات # قال : وقع المأمون في كتاب متظلم من أحمد بن هشام : اكفني أمر هذا الرجل ~~وإلا كفيته أمرك . ووقع في رقعة رجل من العامة تظلم من علي بن هشام : يا ~~أبا الحسن الشريف من يظلم من فوقه ويظلمه من دونه فاعلمني أي الرجلين أنت . ~~وقال عمرو بن مسعدة : كتبت إلى عامل دستبى كتابا أطلته فأخذه المأمون من ~~يدي وكتب : قد كثر شاكوك فإما عدلت وإما اعتزلت . ووقع في رقعة رجل تظلم من ~~الرستمي : ليس من البر أن تكون آنيتك ذهبا وقدورك فضة وجارك يطوي وغريمك ~~يعوي . قال : ووقع هشام بن عبد الملك في رقعة متظلم من العامة : أتاك الغوث ~~إن كنت صادقا وحل بك النكال إن كنت كاذبا ، فتأخر أو تقدم . قال : ورفع رجل ~~إلى المنصور قصة يتظلم فيها من عامل فارس فوقع له : إن آثرت العدل صحبتك ~~السلامة . PageV01P364 ووقع لقوم متظلمين شكوا سيرة واليهم : كما تكونون ~~يولى عليكم . ووقع يحيى بن خالد لمتظلم من بعض الولاة : أنصف من وليت أمره ~~وإلا أنصفهم من ولي أمرك . ووقع بعضهم إلى صاحب مظالم : ما أراني سالما من ~~المآثم بتوليتي إياك المظالم . يا رديء المختبر اعتزل غير محمود الأثر . ~~قيل : وقال رجل للمعتصم : يا أمير المؤمنين ظلمني من وافق اسمه فعله . فقال ms395 ~~المعتصم لبغا : سله ممن يتظلم فإني أراه يتظلم من ظلوم . فسأله فقال : من ~~ظلوم . فتبسم المعتصم وقال لابن أبي دؤاد : ما أبعد الرجل في قوله ، قل لها ~~بحياتي أنصفيه . قال : وأخبرنا إبراهيم بن محمد قال : كنا مع المتوكل في ~~بعض متنزهاته فوقف على تل كله حصى قد غسله المطر فاستحسنه فنزل فصلى وسبح ~~ثم قال في دعائه : اللهم إنك خلقتني ولم أك شيئا ثم صيرتني فوق هذا الخلق ~~وأنت قادر أن تزيل هذا كله فارزقني العدل والنصفة وألق في قلبي لهم الرأفة ~~والرحمة . ثم بكى وأخذ كفا من ذلك الحصى فجعله على رأسه وجعل يقلب خده ~~ووجهه على الأرض ثم قام فركب . # | مساوئ أخذ الجار بالجار # قال : قال الحجاج بن يوسف : لآخذن السمي بالسمي والولي بالولي والجار ~~بالجار ، وقد لعن الناس قائل هذا البيتك أرى أخذ البري بغير جرم . . . تجنب ~~ما يحاذره السقيم وقال الحارث بن عباد في هذا المعنى : لم أكن من جناتها ~~علم الل . . . ه وإني بحرها اليوم صالي وقيل : لعل له عذرا وأنت تلوم وأنشد ~~في مثله النابغة : فحملتني ذنب امريء وتركته . . . كذي العر يكوى غيره وهو ~~راتع وكانوا إذا أصاب إبلهم العر كووا السليم ليذهب العر عن السقيم فأسقموا ~~الصحيح من غير أن يبرأ السقيم . وكانوا إذا أوردوا البقر الماء فلم تشرب ~~ضربوا الثور ليقتحم الماء فتتبعه البقر ، فقال الشاعر في ذلك : PageV01P365 ~~هجوني إذ هجرت جبال سلمى . . . كضرب الثور للبقر الظماء وقال غيره : كما ~~ضرب اليعسوب إن عاف باقر . . . وما ذنبه إن عافت الماء باقر وقال غيره : ~~إذا عركت عجل بنا ذنب طيء . . . عركنا بتيم اللات ذنب بني عجل وقال سعيد بن ~~عبد الرحمن بن حسان : وإن امرأ يمسي ويصبح سالما . . . من الناس إلا ما جنى ~~لسعيد قيل : وأتي عبد الصمد بن علي بأناس من الشطار فأمر بضربهم وحلق ~~رؤوسهم ولحاهم . ففعل بهم ذلك ، وكان فيهم رجل سناط فقيل له : إن هذا ليست ~~له لحية فهل تزيده في الضرب ؟ قال : لا ولكن احلقوا لحية هذا الشرطي ms396 مكانه ~~. # | محاسن السطوة # قيل : وبلغ من عدل هرمز بن كسرى أنوشروان أنه ركب ذات يوم إلى ساباط ~~المدائن متنزها وكان ممره على كروم وبساتين وأن رجلا من أساورته اطلع على ~~كرم فرأى فيه حصرما غضا فأمر غلامه فنزل إليه وأخذ من عناقيد ، وقال له : ~~انطلق به إلى المنزل ليطبخ مرقة حصرمية . فأقبل حافظ ذلك الكرم فتعلق ~~بالغلام وصاح حتى بلغ ذلك صاحبه ففزع وتخوف عقوبة الملك فدفع منطقته إلى ~~حافظ ذلك الكرم ، وكانت محلاة بالذهب مرصعة بالجوهر ، فافتدى بها نفسه من ~~عقوبة الملك ورأى أن لحافظ ذلك الكرم عليه الفضل . وبلغ من عدله أيضا أن ~~ابنه أبرويز وقع مركب من مراكبه في بعض مسيرته في زرع على طريقه فأفسده ~~فأقبل صاحب الزرع إلى ذلك المركب فأخذه وصار إلى الموكل بالنظر في مظالم ~~الرعية فرفع أمره إلى الملك ، فأمر الملك بالفرس أن تجدع أذناه ويقطع ذنبه ~~ويغرم صاحبه كسرى أبرويز مقدار مائة ضعف مما أفسد من ذلك الزرع . فخرج ~~الموكل بذلك من عند الملك لينفذ أمر الملك في فرس ابنه ، فتحمل عليه ابنه ~~بنفر من عظماء المرازبة وسألوه أن يصفح عما أمر به الملك على أن يغرم كسرى ~~لصاحب الزرع ألفي ضعف ما أفسد المركب من زرعه . PageV01P366 فلم يجبهم ~~الموكل إلى ذلك وأخذ الفرس فجدع أذنيه وقطع ذنبه وغرم كسرة مائة ضعف ما ~~أفسد المركب من زرع الرجل ورده عليه . وحكي عن بهرام جوبين أن رجلا من ~~خاصته في مسيره إلى ملك الترك أخذ من امرأة أكار سبذ تبن ، فشكت ذلك إلى ~~بهرام . فأمر الرجل فضربت عنقه ودفع سلبه إلى المرأة بدلا من تبنها . قيل : ~~وبلغ من عدل كسرى أنوشروان أنه اتخذ وصيفتين وأمر أن تقوم واحدة عن يمينه ~~وتقوم الأخرى عن شماله بأيديهما قضيبان من ذهب وهو جالس لينظر في أمور ~~الناس . فكان إذا كاد أن تسهو حركتاه بالقضيب وقالتا له والرعية يسمعون : ~~أيها الملك انتبه أنت مخلوق لا خالق ، أنت عبد لا مولى ، أنت فان لا باق ، ~~ليس بينك ms397 وبين الله جل وعز قرابة فانظر لنفسك وانصف الناس . فمضى على هذا ~~حتى أتاه اليقين . وقال أردشير : تعطيل الحدود تضرية للمجرمين ، ويوم العدل ~~على الظالم أمر من يوم الظالم على المظلوم . المدائني قال : مر رجل من ~~الدهاقين أيام زياد بحمار قد حمل عليه خمر ، فأخذه الحرس وقالوا : ألم تعلم ~~أن الأمير قد نهى عن إدخال الخمر إلى مصر ؟ قال : بلى ، وهذا الخمر للأمير ~~. فلما بلغ زيادا ذلك قال : هذا رجل احتال للوصول إلي . فدعا به وقال : ما ~~أمرك ؟ قال : لي أرض عند نهر المرأة فيها نخل ، فأرسل ابن المرأة غلمانه ~~ليصرموا بعض النخل فقلت لهم خذوا حاجتكم منها ولا تفسدوا ، فأخذوا ما ~~أرادوا وأتوه فأخبروه مقالتي ، فأرسل إلي وضربني وعقر نخلي . فأرسل زياد ~~معه رجلا وقال له : انطلق به فإذا كنت قريبا من الأرض التي يذكر فسل من ~~لقيت من رجل وامرأة عما يقول فإن اجتمعوا على مقالة واحدة ورأيت النخل قد ~~عقر فخذ الذي أمر بقطعها فأجله ثلاث ساعات ، فإن أتاك بقيمة النخل لكل نخلة ~~ألف درهم فخل سبيله ، وإن مضت الثلاث الساعات ولم يأتك بذلك فاضرب عنقه ~~وأتني برأسه . ومضى الرسول فسأل فكان الأمر كما حكاه ، فأغرم قاطع النخل ~~أربعين ألف درهم وحمل المال إلى زياد ، فقال : لو أتيتني برأسه كان أحب إلي ~~. ودفع المال إلى صاحب النخل . PageV01P367 # | محاسن العفو # قيل : أخذ مصعب بن الزبير رجلا من أصحاب المختار بن أبي عبيد فأمر بضرب ~~عنقه فقال : أيها الأمير ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه ~~الحسنة فأتعلق بأطرافك وأقول : يا رب سل مصعبا فيم قتلني . فقال : اطلقوه . ~~فقال : أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من عمري في خفض . فقال : اعطوه مائة ~~ألف درهم . قال : بأبي أنت وأمي أشهدك أن لابن قيس الرقيات منها النصف ~~لقوله : إنما مصعب شهاب من الل . . . ه تجلت عن وجهه الظلماء فضحك مصعب ~~وقال : لقد تلطفت وإن فيك لموضعا للصنيعة ! وأمر له بالمائة الألف ولابن ~~قيس بخمسين ألف درهم . وذكر عن ms398 أبي العباس السفاح أنه غضب على رجل فذكره في ~~ليلة من الليالي فقال له بعض جلسائه : يا أمير المؤمنين إن فلانا لو رآه ~~أعدى خلق الله له لرحمه وأنغض قلبه له . قال : ولم ذلك ؟ قال : بغضب أمير ~~المؤمنين عليه . قال : ما له من الذنب ما تبلغ به العقوبة هذا المبلغ ! قال ~~: من عليه يا أمير المؤمنين برضاك . قال : ما هذا وقت ذاك . قال : يا أمير ~~المؤمنين إنك لما صغرت ذنبه طمعت له في رضاك . فقال : إنه من لم يكن بين ~~غضبه ورضاه فرجة لم يحسن أن يغضب ولا يرضى ، وعلى هذا أخلاق الملوك . قيل : ~~وحضر صالح المري مجلس المنصور وعنده نفر من أهل بيته وقد ولي سعيد بن دعلج ~~أحداث البصرة فدعا بنفر من أهل الجنايات ليعاقبهم ، فلما أتي بهم تحرك صالح ~~ليقوم فقال له رجل ممن حضر : أين تقوم ؟ والله ما أحتاج إلى جلوسك عنده إلا ~~الساعة . فقال : صدقت . وقال : يا أمير المؤمنين إن الله جل وعز يقول في ~~كتابه : ' والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ' . فبكى ~~المنصور حتى اخضلت لحيته بالدموع وأمر بتخليتهم . قيل : وأتي المنصور بجان ~~فأمر فيه بعقوبة غليظة . فقال له العباس بن محمد : يا أمير المؤمنين إنك ~~غضبت لله جل ذكره فلا تغضب له بأكثر مما غضب لنفسه ، وقد تبين لك ما يجب ~~على مثله من الحد . فأمر بإطلاقه . قال : وحدثنا المدائني قال : كان سهل بن ~~سعد القشيري خرج مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن على المنصور ، ~~فقال المنصور : هذا كان عندنا من الفقهاء والعلماء فكيف خرج علينا ؟ ثم قال ~~له المنصور : والله لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحدا ! فقال : يا أمير المؤمنين ~~أن PageV01P368 تحنث في يمينك هذه خير لك عند الله من أن تبرها ، واعلم يا ~~أمير المؤمنين أنك إن قتلتني قتلت أربعة آلاف حديث سمعتها من الضحاك بن ~~مزاحم عن جدك عبد الله بن العباس عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لا ~~يرويها أحد غيري . قال : فوضع يده على ms399 خده وقال : هات . قال : حدثني الضحاك ~~بن مزاحم عن جدك عبد الله بن العباس قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه ~~وسلم : عمل الجنة حزن بربوة وعمل النار سهل بسهوة ، والسعيد من وقي شر ~~الفتن ، ومن ابتلي فصبر فيا لها ثم يا لها ، وما امتلأ عبد غيظا فكظمه إلا ~~ملأه الله إيمانا . قال : هات . قال : حدثني الضحاك بن مزاحم عن جدك عبد ~~الله بن عباس قال : قال رسول الله : شرف المؤمن قيامه بالليل وعزلته عن ~~الناس . فأمره بالجلوس ثم قال : هل من أحد يضمنك على أن تلزمنا فتسمر عندنا ~~؟ وأقام معه . وقيل : إنه سخط المهدي على بعض القحاطبة فقال : لا أراه إلا ~~والسيف مسلول والنطع منشور . فأتي به وقد سل السيف ونشر النطع فبكى فقال : ~~ألك مثل حركتك وتبكي ؟ فقال : ما بكيت جزعا من الموت ولكن بكيت أن ألقى ~~الله وأنت ساخط علي . فقال المهدي : يا غلام ادرج النطع واغمد السيف : إن ~~الكريم إذا خادعته انخدعا قيل : وعاتب المهدي شبيب بن شيبة في شيء بلغه عنه ~~. فاعتذر إليه وقال : والله لو كان لي ذنب لأقررت ولكن عفو أمير المؤمنين ~~أسرع إلي من براءتي . وقال موسى بن عبد الله : أتي موسى برجل فجعل يقرره ~~بذنوبه ويتهدده ، فقال الرجل : يا أمير المؤمنين اعتذاري مما تقرعني به رد ~~عليك وإقراري يوجب لي ذنبا ولكني أقول : إن كنت ترجو في العقوبة رحمة . . . ~~فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر فأمر بإطلاقه . وقال العباس بن قيس : أتي ~~الهادي برجل أراد أن يضرب عنقه فقال : يا عدو الله ائتمناك فخنت واستنجدناك ~~فلم تنجدنا ، وأعطيناك فلم تشكرنا ! فقال الرجل : يا أمير المؤمنين إن ~~كلامي وحجتي رد عليك وفي أكثر مما قال أمير المؤمنين ، وعفوه وإحسانه ~~يأتيان على ذلك . فكأنما كان نارا صب عليها الماء ، فخلى سبيله . وحكي عن ~~الرشيد في عبد الله بن مالك الخزاعي حين غضب عليه فأمر أهله وحشمه ~~PageV01P369 وجميع قراباته أن يتجنبوا كلامه ومعاملته ومعاطاته حتى أثر ذلك ~~في بدنه وتحاماه أقرب الناس إليه من ms400 ولد وأهل فلم يدن منه أحد ولم يطف به . ~~فجاءه محمد بن إبراهيم الهاشمي وكان أحد أودائه ، في جوف الليل ، فقال له : ~~إن لك عندي يدا ما أنساها ومعروفا ما أكفره وقد علمت ما تقدم به أمير ~~المؤمنين في أمرك وها أنا بين يديك ونصب عينيك فمرني بأمرك فوالله لأجعلن ~~نفسي وقاية لك . فقال له عبد الله خيرا وأثنى عليه وأخبره بعذره فيما وجد ~~عليه الرشيد . فلما دخل عليه قال له : أين كنت في هذه الليلة ؟ قال : عبدك ~~يا أمير المؤمنين عبد الله بن مالك كنت عنده وهو يحلف بطلاق نسائه وعتق ~~مماليكه وصدقة ماله مع عشرين بدنة يهديها إلى بيت الله الحرام حافيا راجلا ~~إن كان ما بلغ أمير المؤمنين سمعه الله جل وعز من عبد الله ولا اطلع عليه ~~ولا هم به أو أظهره . قال : فأطرق الرشيد مليا مفكرا ومحمد يلحظه ووجهه ~~يشرق مرة ويسفر أخرى وكان قد حال لونه حين دخل عليه ، ثم رفع رأسه فقال : ~~أحسبه صادقا يا محمد فمره بالرواح إلى الباب . قال : وأكون معه ؟ قال : نعم ~~. فانصرف محمد إلى عبد الله فبشره وأمره بالركوب رواحا . فدخلا جميعا ، ~~فلما أبصر عبد الله بالرشيد انحرف نحو القبلة وخر ساجدا ثم رفع رأسه ، ~~فاستدناه الرشيد فدنا وعيناه تهملان فأكب عليه وقبل بساطه ورجليه وموطيء ~~قدميه ثم طلب أن يأذن له في الاعتذار . فقال : ما بك حاجة إلى أن تعتذر إذ ~~قد عرفت عذرك . قال : فكان عبد الله يرى بعد ذلك إذا دخل على الرشيد بعض ~~الانقباض ، فشكا ذلك إلى محمد ، فقال محمد : يا أمير المؤمنين إن عبدك عبد ~~الله يشكو أثرا باقيا من تلك النبوة التي كانت من أمير المؤمنين ويسأل ~~الزيادة في بسطه . فقال الرشيد : إنا معشر الملوك إذا غضبنا على أحد من ~~بطانتنا ثم رضينا عنه بقي لتلك الغضبة أثر لا يخرجه ليل ولا نهار . قيل : ~~ومدح شاعر أبا حاتم كاتب الديوان فلم يصله بشيء فأنشأ يقول : لتنصفني يا ~~أبا حاتم . . . أو لأصيرن إلى حاكم ms401 أول ما أتلفت من ماله . . . خمسين ألفا ~~في شرى هاشم خمسين ألفا وضحا كلها . . . من مال هذا الملك النائم فاحتفظها ~~صاحب الخبر ورفعها إلى الرشيد فقال : صدق ، لولا أني نائم ما كانت أموري ~~تجري على هذا السبيل : وأمر بإخراج الجرائد من الدار إليه . فأول ما وجد ~~على منصور بن زياد عشرة آلاف ألف درهم . فحدث صالح صاحب المصلى قال : دعاني ~~الرشيد وهو على كرسي فقال : اذهب PageV01P370 الساعة فخذ منصور بن زياد ~~بالخروج من عشرة آلاف ألف درهم فإن لم يوردها بينك وبين المغرب فاضرب عنقه ~~وجئني برأسه وأنا نفي من المهدي لئن أنت دافعت عنه لأضربن عنقك . قلت : يا ~~سيدي فإن أعطاني بعضها ووقت لي في بعضها وقتا ؟ قال : لا . فخرجت فأعلمته ~~الخبر فأسقط في يده وقال : ما أراد إلا قتلي لأنه يعلم أن مقدار مالي لا ~~يبلغ ما به طالبني ، ولكن تأذن لي أن أدخل بيتي فأودع أهلي ؟ فأذنت له فدخل ~~ودخلت معه وبقيت واقفا فبعث إلى أمهات أولاده وبناته ونسائه أن اخرجن إلي ~~كما كنتن تخرجن عند موتي فإن هذا آخر أيامي ولا ستر لكن بعدي . فخرجن إليه ~~مشققات الجيوب مخمشات الوجوه بصراخ شديد . فبكى إليهن وبكين إليه وبكيت ~~معهن ثم ودعهن وخرج وهن في أثره واضعات التراب على رؤوسهن ، ثم قال : يا ~~أبا مقاتل لو أذنت لي في المصير إلى أبي علي يحيى بن خالد البرمكي فكنت ~~أوصيه بولدي وأهلي ؟ فقلت : امض . وصرنا إليه وقد نزل في ساعته وهو على ~~كرسي يغسل يده ، فلما توسطنا الدار جعل منصور يبكي ويمشي إليه حتى دنا منه ~~وهو يسأله عن الحال فيمنعه البكاء من إخباره ، فأقصصت عليه قصته فقال : ~~ارجع إلى أمير المؤمنين وسله أن يهبه لي . قلت : ما لي إلى ذلك سبيل ولا ~~يراني إلا والمال معي أو رأس منصور كما أمرني . فقال لخادم له : ائت فلانة ~~فسلها كم لنا عندها من المال . فانصرف وذكر أن عندها خمسة آلاف ألف درهم . ~~فقال لي : احملها وابلغ أمير المؤمنين رسالتي في ms402 باقيها . فأعلمته أن لا ~~سبيل إلى حمل بعضها دون بعض . فأطرق ثم رفع رأسه ثم قال : يا غلام ائت ~~دنانير فقل لها تبعث إلي بالجوهر الذي وهبه لها أمير المؤمنين . فبعثت إليه ~~بحق فقال : هذا جوهر ابتعناه لأمير المؤمنين بمائتي ألف دينار وهو عارف به ~~وقد جعلته له بمائة ألف دينار وهو ألفا ألف درهم ، واحمل إليه هذه السبعة ~~الآلاف الألف والرسالة . فأبيت . فوجه إلى الفضل ابنه : إنك كنت أعلمتني ~~أنك على ابتياع ضيعة نفيسة وقد أصبتها ولا يوجد مثلها في كل وقت وابتياعها ~~فرصة فاحمل إلي مالها . فعاد الرسول ومعه ألفا ألف درهم . ووجه إلى جعفر ~~ابنه أن يوجه إليه بألف ألف درهم . فأنفذ إليه صكا أو صكاكا إلى الجهبذ بها ~~. فقبضت المال ووافيت الرشيد قبل المغرب وهو منتصب على حالته ينتظر رجوعي ~~إليه . فأخبرته الخبر فلما انتهيت إلى خبر الحقة قال : صدق وقد ظننت أنه لا ~~ينجيه غيرهم ، احمل هذا المال أجمع إلى أبي علي واردده عليه وأعلمه أني قد ~~قبلت ذلك عن منصور ورددته عليه . ففعلت ذلك . ولقيني بعد ذلك يحيى منصرفا ~~من الدار ومنصور معه يسايره ويضاحكه والناس خلفه فقلت : والله لأنصحن هذا ~~الشيخ الكريم . فدخلت معه ودخل منصور ودعا بغدائه ، فلما نهض PageV01P371 ~~منصور قلت : يا أبا علي إني والله ما رجعت معك إلا لنصحك وقد رأيت مكان هذا ~~الرجل منك وكنا حين حملت المال أنهضته معي فوالله ما قطع نصف الصحن من ~~الدار حتى تمثل بهذا البيت : فما بقيا علي تركتماني . . . ولكن خفتما صرد ~~النبال فعارض أكرم فعلك بألأم خصلة فيه فدعاني الامتعاض من ذلك إلى إخبارك ~~، فإني من تعلم في مودتك وطاعتك . فأكب على الأرض ساعة ثم رفع رأسه فقال : ~~اعذره فقد كان عقله عزب عنه في ذلك الوقت . قال : فكان عذره له أحسن من ~~إحيائه إياه . قيل : وأمر الرشيد يحيى بن خالد بحبس رجل جنى جناية . فحبسه ~~يحيى وسأله عنه الرشيد فقيل : هو كثير الصلاة والدعاء . فقال للموكل به : ~~اعرض عليه أن يكلمني ms403 ويسألني إطلاقه . فقال له ذلك الموكل به فقال : قل ~~لأمير المؤمنين إن كل يوم يمضي من نعمتك ينقص من محنتي والأمر قريب والموعد ~~الصراط والحكم الله . فخر الرشيد ساجدا مغشيا عليه وأمر بإطلاقه . قيل : ~~وأتي الرشيد برجل قد وجب عليه الحد فأمر أن يضرب فضرب . فقال : يا أمير ~~المؤمنين قتلتني ! قال : الحق قتلك . قال : ارحمني ! قال : لست بأرحم لك ~~ممن أوجب عليك الحد . ثم أمر بإطلاقه . قال : وقال الرشيد للجهجاه : أزنديق ~~أنت ؟ فقال : كيف أنا زنديق وقد قرأت القرآن وفرضت الفرائض وفرقت بين الحجة ~~والشبهة ؟ قال : والله لأضربنك حتى تقر ! قال : هذا خلاف ما أمر الله جل ~~وعز به ، أمر أن يضرب الناس حتى يقروا بالإيمان وأنت تضربني حتى أقر بالكفر ~~! فالتفت الجهجاه إلى أبي يوسف القاضي فقال له : افته لا يهلك في دينه . ~~قال : وبلغ الرشيد أن عبد الملك بن صالح دعا إلى نفسه فأمر بحبسه ثم دعاه ~~ذات يوم فقال : أكفرا للنعمة وإظهارا للغدر ؟ قال : كلا يا أمير المؤمنين ~~ولكنه مقالة كاشح واحتيال حاسد . قال : هذا قمامة كاتبك يذكر صحة ذلك . قال ~~: أسمعنيه يا أمير المؤمنين ! قال : اخرج يا قمامة . وكان من وراء الستر . ~~فخرج فقال له : لقد انطويت عليه وواطيت من خالفه . قال : يا أمير المؤمنين ~~كيف لا يكذب علي من خلفي من يبهتني في وجهي مع نعمتي عليه وإحساني إليه ؟ ~~قال : فهذا عبد الرحمن ابنك ! فقال : هو بين مأمور وعاق ، فإن كان مأمورا ~~فلا ذنب له ، وإن كان عاقا فأقل عقوبته الشهادة بالزور علي . قال : فما ~~الحكم ؟ قال : أولى الناس بصفحك عنه من لا شفيع له إليك إلا حلمك . فقال ~~الرشيد : أريد حياته ويريد قتلي . . . عذيرك من خليلك من مراد PageV01P372 ~~والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع وإلى عارضها قد لمع وكأني بالوعيد قد ~~أورى نارا فأقلع عن براجم بلا معاصم ورؤوس بلا غلاصم ، مهلا مهلا بني هاشم ~~فبي سهل الله الوعر وصفى الكدر وألقت الأمور أزمتها . نذار من حلول داهية ~~خبوط باليد لبوط بالرجل . فقال ms404 عبد الملك : أفذا أتكلم أم توأما ؟ قال : بل ~~توأما . فقال : يا أمير المؤمنين اتق الله فيما ولاك ، وراقبه فيما استرعاك ~~، ولا تجعل الشكر بموضع الكفر ، ولا الثواب بمحل العقاب ، والله الله في ~~رحمك أن تقطعها بعد أن وصلتها بظن يؤثم ثم تقول باغ ينهس اللحم وولغ في ~~الدم ، فقد جمعت القلوب على محبتك وذللت الرجال لطاعتك وكنت كما قال أخو ~~كلاب لبيد بن ربيعة : ومقام ضيق فرجته . . . بلساني وبياني وجدل لو يقوم ~~الفيل أو فياله . . . زل عن مثلي مقامي وزجل فوثب الرشيد من مجلسه واعتنقه ~~وجعل يقبل ما بين عينيه ويسترجع ويعتذر ثم خلع عليه حلل الرضى وتنفس ~~الصعداء وقال : والله لقد دعوته وإني لأرى موضع السيف من قفاه وها أنا ذا ~~نادم على ما كان مني ، والله جل وعز يتجاوز بقدرته عن ذلك . قال : وظفر ~~المأمون برجل كان يطلبه ، فلما دخل عليه قال : يا عدو الله أنت الذي تفسد ~~في الأرض بغير حق ، يا غلام خذه إليك واسقه كأس الموت . فقال : يا أمير ~~المؤمنين إن رأيت أن تستبقيني حتى أؤيدك بمال ؟ قال : ليس إلى ذلك سبيل . ~~قال : يا أمير المؤمنين فدعني أصل ركعتين أختم بهما عملي . قال : ليس إلى ~~ذلك سبيل . قال : فدعني أنشد أبياتا . قال : هات . فقال : زعموا بأن الصقر ~~صادف مرة . . . عصفور بر ساقه المقدور فتكلم العصفور تحت جناحه . . . ~~والصقر منقض عليه يطير ما كنت خاميزا لمثلك لقمة . . . ولئن شويت فإنني ~~لحقير فتهاون الصقر المدل بصيده . . . كرما وأفلت ذلك العصفور فقال المأمون ~~: أحسنت ! ما جرى ذلك على لسانك إلا لبقية بقيت من عمرك . فأطلقه وخلع عليه ~~ووصله . PageV01P373 قال : وقال عبد الله صاحب المأمون : دخلت على المأمون ~~فإذا نطع مبسوط ورجل فوقه على رأسه رجل مسلول سيفه . فلما نظر إلي المأمون ~~قال : يا عبد الله شأنك والرجل . فحسرت عن ذراعي وقمت فوق رأسه واخترطت ~~سيفي ، فسلط على المأمون النعاس فجعل يخفق برأسه ويقول : أستخير الله . ~~فلما كان عند المساء قال لي : شأنك والرجل احفظه . فطرحت حمائل سيفي في ms405 ~~عنقه وأردفته خلفي وذهبت به إلى منزلي ثم عدت اليوم الثاني إلى المأمون ~~ففعل كفعله أمس . فلما كان اليوم الثالث قال لي المأمون : خل عن الرجل ~~واعطه عشرة آلاف درهم . فأردفته خلفي ولم أجعل حمائل السيف في عنقه . فقال ~~لي : ما لك لم تلق حمائل السيف في عنقي ؟ قلت : إنه قد عفي عنك . قال : فخل ~~عني إذا . قلت : أمرني أن أعطيك عشرة آلاف درهم . قال : لا حاجة لي فيها ، ~~خل عني . قال : إذا أمرنا بأمر انتهينا إليه . ثم قلت له : كنت تهمهم في ~~قفاي إذا أنا أردفتك بشيء فما كنت تقول ؟ قال : كنت أقول : اللهم أنت كل ~~يوم في شأن لا يشغلك شأن عن شأن فاجعلني من شأنك حتى تنقل ما في قلب هذا ~~الرجل من الغضب إلى الرضى ومن الغلظة إلى اللين والرقة يا أرحم الراحمين . ~~وعن إبراهيم بن المهدي أنه بينا هو في مجلس المأمون إذ تكلم بكلام أسقط فيه ~~وكان كلامه يحتمل أمرين . فقام وعلم أنه قد أخطأ فقال : إن رأى سيدي أن ~~يأذن لي في الكلام . قال : قل . قال : نساؤه طوالق وماله صدقة وعبيده أحرار ~~وكل نذر وضعه الله جل وعز بين عباده ففي عنقه دون الخلق حتى يفي به إن كان ~~ما تكلم به إلا لجهة كذا وكذا وتأويل كذا وكذا . قال : فتبسم المأمون وقال ~~: اجلس ، إني والله ما ذهبت حيث ظننت وما كنت لأعفو عن الكل وآخذ بالجزء ، ~~ولولا أني في مجلس يرق عن الإغضاء على أكثر الحالات ثم بلغ مني رجل ما يبلغ ~~من عبده ما وجد عندي إلا الصفح والعفو ، وما أحسبني أؤجر عليه إذ كان لا ~~يؤثر في وإنما الأجر بقسط الألم وميزان المضض . وعن بعضهم أن واليا أتي ~~برجل قد جنى جناية فأمر بضربه ، فلما مد قال : بحق رأس أمك إلا عفوت عني ! ~~فأبى . فقال : بحق عينيها ! قال : اضرب . قال : بحق خديها ونحرها ! قال : ~~اضرب . قال : بحق ثدييها ! قال : اضرب . قال : بحق سرتها ! قال : دعوه لا ~~ينحدر إلى أسفل . # | مساوئ ms406 تعدي السلطان # قال : قال جميل بن بصبهري : إياك أن تصحب السلطان بالجرأة عليه والتقصير ~~في المعرفة بقدره والتهاون بأمره ، ولتكن صحبتك له بالحذر وشدة التوقي كما ~~تصحب الأسد PageV01P374 الضاري والفيل المغتلم والأفعى القاتلة ، ولا تصحب ~~الصديق إلا بالتواضع ولين الجانب ، واصحب العدو بالحجة فيما بينك وبينه ~~والإعذار عليه ، واصحب العامة بالبر والبشر الحسن . وقد قيل : سبع غشوم خير ~~من وال ظلوم . وحدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال : أتي الوليد بن عبد الملك ~~برجل من الخوارج وعنده عمر بن عبد العزيز وخالد بن الريان فقال له الوليد : ~~ما تقول في أبي بكر ؟ قال : صاحب نبي الله في الغار وثاني اثنين رحمه الله ~~وغفر له . قال : فما تقول : في عمر ؟ قال : هو الفاروق رحمه الله وغفر له . ~~قال : فما تقول في عثمان ؟ قال : كان سنيات من خلافته ملازما للعدل . قال : ~~فما تقول في مروان بن الحكم ؟ قال : لعن الله ذاك . قال : فما تقول في عبد ~~الملك ؟ قال : ذلك ابن ذاك لعن الله ذاك . قال : فما تقول في ؟ قال : بني ~~ذينك وأنت شر الثلاثة . فقال : يا عمر ما تقول فيما تسمع ؟ قال : يا أمير ~~المؤمنين ما أحد أعلم بهذا منك وأنت أعلى به عينا . فألح عليه والله لتقولن ~~، فقال : أما إذا أبيت يا أمير المؤمنين إلا أن أقول فسب إياه كما سب إياك ~~وأن تعفو أقرب للتقوى . قال : ليس إلا هذا . قال : لا يا أمير المؤمنين إلا ~~أن تدخلك جبرية ، فأما الحق فليس إلا هذا . فالتفت إلى خالد بن الريان وهو ~~قائم على رأسه ثم قام وهو غضبان . فقال خالد : والله يا عمر لقد نظر إلي ~~أمير المؤمنين نظرة ظننت أنه سيأمرني بضرب عنقك . قال : ولو أمرك كنت تفعل ~~؟ قال : إي والله . قال : أما إنه كان يكون شرا لكما وخيرا لي . ثم سكت عنه ~~وبقي ذلك في قلبه ، فلما قام الوليد من مجلسه دخل على امرأته أم البنين بنت ~~عبد العزيز وهي أخت عمر فقال : أخوك الحروري والله لأقتلنه . فمكث أياما ~~وعمر في ms407 منزله لا يحضر الباب ولا يلتمس المعذرة ، فأتاه رسول الوليد وقت ~~القائلة فدعاه ، فلما دخل من باب القصر عدل به إلى بيت فأدخل فيه وطين عليه ~~الباب . فرجع صاحب دابته إلى أهله فأخبرهم فأخبروا أخته بذلك فبحثت عن خبره ~~فلم تجد أحدا يخبرها بخبره وذلك يوم الثالث . فقيل لها : إن فلانا الخصي ~~يعلم علمه . فأرسلت إليه فأعلمها بموضعه . فدخلت على الوليد فناشدته الله ~~والرحم وقبلت يده . فقال : قد وهبته لك إن أدركته حيا قال . ففتحوا عنه ~~الباب فوجدوه قد انثنى عنقه فحملوه إلى منزله وعالجوه . فلما توفي الوليد ~~وكان سليمان بعده فهلك وتولى عمر الخلافة جاء خالد بن الريان في اليوم الذي ~~استخلف فيه عمر ، رحمه الله ، متقلدا سيفه ، فقال له عمر : يا خالد انطلق ~~بسيفك هذا فضعه في بيتك واقعد فيه فإنه لا حاجة لنا فيك ، أنت رجل إذا أمرت ~~بشيء فعلته لا تنظر لدينك . فلما ولى خالد نظر عمر في قفاه فقال : اللهم يا ~~رب إني قد وضعته لك فلا ترفعه أبدا . فما لبث إلا جمعة حتى ضربه الفالج ~~فقتله . PageV01P375 قال : ولما قالت التغلبية للجحاف بن حكيم في وقعة ~~البشر : فض الله عمادك ، وأطال سهادك ، وسلبك حياتك ، فوالله لئن قتلت إلا ~~نساء كالدمى أو أسافلهن دمي وأعاليهن ثدي . فقال لمن حوله : لولا أن يلد ~~منها حكيم لخليت سبيلها . فبلغ ذلك الحسن البصري فقال : إنما الجحاف جذوة ~~من نار جهنم . قيل : ولما بنى زياد البيضاء بالبصرة أمر أصحابه أن يسمعوا ~~من أفواه الناس ، فأتي برجل قيل إنه تلا : ' أتبنون بكل ريع آية تعبثون ~~وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ' . فقال : ما دعاك إلى هذا ؟ قال : آية من ~~كتاب الله عز وجل حضرت . قال : والله لأعلمن فيك الآية الثانية : ' وإذا ~~بطشتم بطشتم جبارين ' . فأمر فبني عليه ركن من أركان القصر . قيل : إن ~~الحجاج لما أتى المدينة أرسل إلى حسن بن حسن فقال : هات سيف رسول الله ، ~~صلى الله عليه وسلم ، ودرعه . فقال : لا أفعل . قال : فجاء الحجاج بالسيف ~~والسوط والعصا فقال : والله ms408 لأضربنك بهذه العصا حتى أكسرها ! ثم قال : ~~لأضربنك بهذا السوط حتى أقطعه ، ثم لأضربنك بهذا السيف حتى تبرد أو تأتيني ~~بهما ! فقال الناس : يا أبا محمد لا تتعرضن لهذا الجبار . قال : فجاء الحسن ~~بسيف رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ودرعه فوضعهما بين يدي الحجاج . ~~فأرسل الحجاج إلى رجل من آل أبي رافع فقال له : هل تعرف سيف رسول الله ، ~~صلى الله عليه وسلم ؟ فخلطه بين أسيافه ثم قال : أخرجه ، فأخرجه . ثم جاء ~~بالدرع فنظر إليها فقال : هناك علامة كانت على الفضل بن العباس يوم اليرموك ~~فطعن بحربة فخرقت الدرع . فرفعناها فوجدنا الدرع على ما قال . فقال الحجاج ~~للحسن : أما والله لو لم تجئني به وجئت بغيره لضربت به رأسك . وذكروا أن ~~الحجاج قال يوما لحاجبه : اعسس الليلة بنفسك فمن وجدته فجئني به ، فلما ~~أصبح أتاه بثلاثة نفر ، فقال الحجاج لواحد منهم : ما كان سبب خروجك بالليل ~~وقد نادى مناد ألا يخرج أحد ليلا ؟ فقال : أصلح الله الأمير ! كنت سكران ~~فغلبني السكر فخرجت ولا أعقل . ففكر الحجاج ساعة ثم قال : سكران غلبه سكره ~~خلوا عنه لا تعودن . وقال للآخر : فأنت ما كان سببك ؟ قال : أصلح الله ~~الأمير ! كنت مع قوم في مجلس يشربون فوقعت بينهم عربدة فخفت على نفسي فخرجت ~~. ففكر الحجاج في نفسه ثم قال : رجل أحب المسالمة خلوا عنه . ثم قال للآخر ~~: ما كان سبب خروجك ؟ قال : لي والدة عجوز وأنا رجل حمال فرجعت إلى بيتي ~~فقالت والدتي : ما ذقت اليوم طعاما ، فخرجت ألتمس لها ذلك فأخذني عسس ~~الأمير . ففكر ساعة ثم قال : يا غلام اضرب عنقه . فإذا رأسه بين رجليه . ~~PageV01P376 # | محاسن الحلم # حكي عن أنوشروان أن وفودا وردوا عليه من قبل الملوك فأتوه واستأذنوا ، ~~فأمر رجلا من بطانته أن يأتيه بتاجه . فأقبل الرجل بالتاج فارتعشت يده وسقط ~~التاج من يده فانكسر وذلك بعين كسرى . فغض طرفه لئلا يرعبه . فتناول الرجل ~~التاج وقال له كسرى : لا بأس عليك ! انطلق إلى الحاجب ومره أن يصرف الوفود ~~في هذا اليوم ms409 . وحكي عنه أيضا أنه دعا كاتبه وعرض عليه كتابا ورد عليه من ~~قبل أصبهبذ خراسان فيه أخبار من أخبار الترك فجعل يؤامره فيها وإن رهطا من ~~خاصته قاموا خلف سريره فتسمعوا عليه فعطس واحد منهم فالتفت كسرى ونظر إليهم ~~وقال : لا ينبغي أن تسمعوا سر الملك ، وقد صفحت عنكم فلا تعودوا لمثل ذلك . ~~قال : وقال رجل من قريش : ما أظن معاوية أغضبه شيء قط . فقال بعضهم : إن ~~ذكرت أمه غضب . فقال مالك بن أسماء المنى القرشي : أنا أغضبه إن جعلتم لي ~~جعلا . ففعلوا . فأتاه في الموسم فقال له : يا أمير المؤمنين إن عينيك ~~لتشبهان عيني أمك . قال : نعم كانتا عينين طال ما أعجبتا أبا سفيان . ثم ~~دعا مولاه شقران فقال له : اعدد لأسماء المنى دية ابنها فإني قد قتلته وهو ~~لا يدري . فرجع وأخذ الجعل . فقيل له : إن أتيت عمرو بن الزبير فقل له مثل ~~ما قلت لمعاوية أعطيناك كذا وكذا . فأتاه فقال له ذلك فأمر بضربه حتى مات . ~~فبلغ معاوية فقال : أنا والله قتلته . وبعث إلى أمه بديته وأنشأ يقول : ألا ~~قل لأسماء المنى أم مالك . . . فإني لعمر الله أهلكت مالكا قيل : وجاء رجل ~~إلى الأحنف بن قيس فلطم وجهه فقال : بسم الله يا ابن أخي ما دعاك إلى هذا ؟ ~~قال : آليت أن ألطم سيد العرب من بني تميم . قال : فبر يمينك فما أنا ~~بسيدها ، سيدها حارثة بن قدامة ! فذهب الرجل فلطم حارثة فقام إليه حارثة ~~بالسيف فقطع يمينه . فبلغ ذلك الأحنف فقال : أنا والله قطعتها . وعن إسحاق ~~بن إسماعيل قال : حدثني أبي أنه كان يتغدى مع يحيى بن خالد البرمكي يوما إذ ~~طلب أرزة اشتهاها فأمر الطباخ باتخاذها بدهن النارجيل فغلط الطباخ وجعل ~~مكان الدهن نفطا وأتاه بها . فلما وضع يده فيها قال : ارفع . ولم يقل شيئا ~~سوى ذلك . وحكى جعفر ابن أخت أبي العباس قال : دخلت على المأمون ويداه ~~معلقتان من شيء PageV01P377 رطب أكله قد مسته النار وهو يصيح : يا غلام . ~~وكلهم يسمع صوته فما منهم أحد ms410 يجيبه . فخرجت إليهم وأنا أفور غضبا فإذا ~~بعضهم يلعب بالشطرنج وبعضهم بالكعاب وبعضهم يهارش الديوك . فقلت : يا بني ~~الفواعل أما تسمعون أمير المؤمنين يدعوكم ؟ فقال واحد : حتى أقيس هذا الكعب ~~. وقال الآخر : قد بقيت على ضربه . وقال آخر : امض فإني أتبعك . فما علمت ~~ما أخاطبهم به من الحنق عليهم ، فإذا المأمون قد صوت بي وأنا أقذف أمهاتهم ~~. فأتيته وهو يضحك . فقال : ارفق بهم فإنهم بشر مثلك . فقلت : تقول هذا ~~وأنت معلق اليد ؟ فقال : وهذا معاشرتك خدمك ؟ فقلت : والله لو فعل بي هذا ~~ولدي من دون خدمي لقتلته ! قال : هذه أخلاق السوقة وأخلاقنا أخلاق الملوك . ~~فقلت : لا والله ما هذه أخلاق الملوك ولا أخلاق الأنبياء عليهم السلام . ~~وقال ثمامة بن أشرس : والله إني لفي مجلس المأمون وعنده عمرو بن مسعدة وأبو ~~عباد والعباسي ومحمد بن أبي محمد اليزيدي إذ دخل علي بن صالح فقال : محمد ~~بن الفضل بن سليمان الطوسي بالباب . قال : يدخل . فدخل وسلم وفي يده كتاب ~~فأشار به إلى المأمون . فقال المأمون : اذكر ما فيه . فقال : يا أمير ~~المؤمنين جعلني الله فداك سر من أسرار الخليفة لا يحتمل إذاعته ! قال : وإن ~~كان ذلك فاذكره . قال : يا أمير المؤمنين لست فاعلا ! قال : يا هذا ما ~~بحضرتنا من نكتمه أسرارنا فأبد ما عندك . فأعاد محمد بن الفضل مثل قوله ~~الأول والثاني . فقال المأمون إني لأعلم ما في كتابك ! قال : هذه كهانة ! ~~قال : فنزل المأمون عن فرشه ورفع سترا كان في ظهر مجلسه ودخل وأشار إلينا ~~وقال : لا تبرحوا . فجاء علي بن صالح فأخذ بيد الطوسي وقال : قم فأنت أشأم ~~من البسوس . فأقعده خلف حائط بقرب المجلس لكي إن خرج لا يراه وإن دعاه ~~أحضره . قال : فجعل كل واحد منا يرجف بجنس من المكروه وكلنا خائفون عليه ، ~~فواحد يقول : يأخذ الساعة أمواله وينفيه . وآخر يقول : يضرب عنقه . قال : ~~فأبطأ علينا المأمون ثم خرج ووجهه مسفر ضاحكة سنه ، فقال : سمعتم ما كلمني ~~به هذا الخائن ، إنه والله لما بلغ مني كلامه لم أجد ms411 بدا ولا دواء إلا ~~ملاعبة الجواري والنساء ليزول عني ما قد تداخلني ، وقد أسمعني ما أكره بضع ~~عشرة مرة واحتملته . PageV01P378 # | مساوئ من سخط عليه وحبس # في الحديث المرفوع قال : شكا يوسف ، عليه السلام ، إلى ربه جل وعز طول ~~الحبس وأوحى الله تبارك وتعالى إليه : أنت حبست نفسك حيث قلت رب السجن أحب ~~إلي مما يدعونني إليه ، ولو قلت العافية أحب إلي عوفيت . قال : وكتب يوسف ~~على باب السجن : هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة ~~الأصدقاء . ودعا لأهل الحبس بدعوتين هما معروفتان فيهم إلى اليوم : اللهم ~~اعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار . فكل الناس يرحمونهم ~~والأخبار من كل جهة عندهم . قال : ولما خرج جعفر الأحمري من الحبس وأدخل ~~على المهدي في الحديد قال له : يا فاسق أزلك الشيطان وأغواك ، وفي غمرة ~~الجهل أرداك ، وعن الهدى بعد البصيرة أعماك ، حتى تركت الطريقة ودخلت فيما ~~لا أصل له ولا حقيقة ، كيف رأيت الله كشف أمرك وأعلن فسقك وأظهر ما كنت ~~تخفي من سقم سريرتك وخبث نيتك فأوردك حوض منيتك وذلك بما قدمت يداك وما ~~الله بظلام للعبيد ! قال جعفر : لا والذي لم يزل بعباده خبيرا ، وبعث محمدا ~~، عليه وعلى آله السلام ، بالحق بشيرا ، طهر أهله من دنس الريب تطهيرا ، ~~ووقفني بيد يديك أسيرا ، وجعلك علينا سلطانا أميرا ، ما خنت الإسلام نقيرا ~~، ولا أضللت الهدى منذ كنت بصيرا ، فلا تقدم علي بالشبهة تقديرا ، بسعي ساع ~~سوف يجزي بسعيه سعيرا . فقال المهدي : ما يغني عنك وسواسك ، فما تهذي من أم ~~رأسك ، قد تناهت إلي أخبارك ، وأداها من كان يقفو آثارك ، ويعرف أسرارك ، ~~ومن بايعك من أعوانك الذين وازروك على ضلالك ، فأقلل ، لا أم لك ، تشجعك ، ~~فقد حل قضاؤك ، وحان حصادك . فقال جعفر : إن تقتلني تقتل مني علما فلا تجعل ~~لي على ظهرك وزرا فأصير لك يوم القيامة خصما ، وأنت تعلم أنك لا تجيء بقتلي ~~عدلا ولاتنال به فضلا ، فاتق الذي خلقك وأمر عباده ملكك وبالعدل فيهم أمرك ~~، ولا تحكم علي بحكم ms412 عن الهدى مائل ، فإنك للدنيا مفارق وعنها راحل ، وكل ~~ما أنت فيه فمضمحل زائل . قال له المهدي : تطالبني وأنت المطلوب ، وبباطلك ~~تغلب حقي وأنت المغلوب ، الآن ظهر فسادك ، وبلغ غرسك ، ودبت عقاربك ، اللهم ~~إلا أن تقر بذنبك وتعترف بجرمك وتتوب إلى ربك وتحقن بالإنابة دمك ، فإن ~~فعلت ذلك أمهلنا أمرك وأطلنا حبسك وإلا فاحتسب PageV01P379 نفسك ولا تلم ~~إلا جهلك . قال جعفر : ما لي ذنب فأستغفر ولا جرم فأعترف ولا لي بك قوة ~~فأنتصر ، وأنت على ظلمي مقتدر ، فإن كنت تعلم أن ما بعد الموت مصدر ولا ~~للعباد بعد البلى محشر ولا للظالم موعد يخاف منه ويحذر فاعمل من هذا ما شئت ~~واستكثر . قال المهدي : لا والذي بمكة بيته الحرام ، وحوله الشعث العاكفون ~~قيام ، ما أخشى في إقامة الأحكام عليك وعلى أشباهك إثما ولا زورا ، فاستسلم ~~للقتل ودع الكلام ، فإنه إذا عقر الأساس تداعى النظام ، وإذا انكسرت القوس ~~تعطلت السهام ، وأنت فطال ما أعنت على إطفاء النور بريح الظلام . قال جعفر ~~: اعف فإنك كريم جواد سامح ، ولا تقبل في قول العدو الكاشح ، فإني من ~~الإسلام على الطريق الواضح ، رفيق على أهله ولهم ناصح ، أبر العالمين بفهم ~~راجح ، فلا تقدم علي بقول كلب نابح ، فقتلك إياي عمل غير صالح . قال المهدي ~~: مذهبك واعتقادك تزعم أن الآخرة بعد فراق الساهرة ، وأن الناس كانوا ~~أعلاما زاهرة ، وأشجارا ناضرة ، وزروعا غاضرة ، تلبث يسيرا ثم تعود هشيما ، ~~وإن من مات لا يعود كما أن ضوء المصباح إذا طفيء لا يرجع . قال جعفر : لا ~~والذي يخلق ويبيد ، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ، ما قلت ذلك وهو له شهيد ~~، وإني أخلص له التوحيد والتفريد والمشية والتحديد ، وأشهد أنه الغفور ~~الودود ، يعلم منقلب العبيد . قال المهدي : إن كنت تحب خلاص نفسك ورقبتك ~~فأحضرني كتاب زندقتك الذي بالجهل ألفته وبالباطل زينته وبالضلال زخرفته ، ~~سميته أس الحكمة وبستان الفلسفة ، زعمته مستخرجا من ديوان الإلهام منظما ~~بحسن الكلام ، عنفت فيه الإسلام وأضللت فيه الأنام . فقال جعفر : لا والذي ~~خلق الظلمات والنور ms413 ، ودبر الأمور وهو قادر على أن يبعث من في القبور ، ما ~~هذا إلا إفك مجترح وزور ، وإن ديني لظاهر منير تقديمي ذرية من هو مع الله ~~جل وعز في كل فرض لازم أمام النبيين في البيت المعمور ، فاتق الذي خلقك ~~وأمر عبادك قلدك يعلم خفيات الأمور . قال المهدي : وأصفح لك عن هذا فما ~~حجتك في كتابك الذي أضل أهل الشقاق والنفاق ومن منهم في الأندية والأسواق ~~يقرأونه ويتدارسونه في الآفاق ، أما بعد أعلمكم أن الله جل وعز عدل لا ~~يوالي الظالمين ولا يرضى فعال الجاهلين ، وأنه ليس لله بولي من رضي بأحكام ~~الجائرين ، فسيحوا في الأرض حيث لا تنالكم أيدي المعتدين ، فإن بني العباس ~~طغاة PageV01P380 كفرة ، أولياؤهم فسقة وأعوانهم ظلمة ، دولتهم شر الدول ، ~~عجل الله بوارهم وهدم منارهم والعاقبة للمتقين . قال جعفر : هذا والله ~~بهتان عظيم جدا قذفني به قاذف عمدا وأنت تعلم أني ما خالفت لكم أمرا ولا ~~غبت منكم أحدا ، فاقبل المعذرة وأقل العثرة وتغمد الهفوة واغتفر الزلة فإنك ~~راع مسؤول . قال المهدي : أولم أبلغ أنك في الغوغاء تحثهم على شق العصا ~~ومخالفة الأمر وتحيدهم عن طاعة الخلفاء ، فأي داهية أدهى منك ؟ قال جعفر : ~~ما بلغت حقا ولقد طوى النصيحة من أودع قلبك بهتانا وإفكا فلا تقبل في قول ~~من ظلم واعتدى وبفسادي إليك سعى ، فإن الله جل وعز سائله يوم يود الظالم يا ~~ليته لم يكن أميرا ، ولا كان المضل له وزيرا . قال المهدي : إنك لجاهل أن ~~تقيم اعوجاجك بكثرة احتجاجك ، هيهات لا يكدر صفوتي مزاجك ، وقد قيل : من ~~ظفر بحية لا يأمن لسعها ثم لم يشدخ رأسها كانت سبب حتفه ، ولعمري إن من ~~يكون له عدو مثلك يرقب غرته وينتظر فورته ولا يطلق يده بقتله لعاجز . قال ~~جعفر : وما بلغ الله بقدر النملة ونكاية النحلة وإنما يكتفي مثلي من مثلك ~~بلحظة ، فالكرماء رحماء بررة ، والقسوة في اللئام الشررة . قال المهدي : من ~~تنته أيامه لاحت في الظلام أعلامه وأسرع به أن يذوق حمامه ، يا غلام سيفا ~~قاطعا ms414 وضاربا حاذقا ! قال جعفر : إن كنت تؤمن بالمعاد وتتقي من الحشر يوم ~~التناد ، يوم يجمع الله فيه العباد ، تعلم أن طالب ثأري لك بالمرصاد ، ومن ~~لم يكن له في الموت خير فلا خير له في الحياة ، إن قدمتني أمامك فأنا قاعد ~~لك على الجادة التي ليس عنها مرحل الحاكم يومئذ غيرك . قال : فسكت المهدي ~~طويلا ثم التفت إلى أصحابه فقال : كيف أقدم على قتل رجل لا يخاف مكيدتي ولا ~~يرعبه سلطاني ولا يتقي سطوتي وأعواني ، يناصبني كلامي ويفسخ احتجاجي ، كيف ~~ولو كنا بين يدي من لا يخاف جوره ولا يتقى ميله وحيفه كان لسانه أمضى وقلبه ~~أجرى وخصمه أذل ! خلوا سبيله . فمضى . وحكي عن عدي بن زيد أنه كان ترجمانا ~~بين كسرى وبين العرب وأنه أشار على كسرى بتولية النعمان بن المنذر الملك ، ~~وكان له عبد يعرف بعدي بن قيس فوشى إلى النعمان بعدي بن زيد وذكر أنه كان ~~السبب في تمليكه ، فسجنه النعمان وسخط عليه وتغير له وحبسه . فكتب عدي بن ~~زيد إلى النعمان يستعطفه : PageV01P381 أبا منذر جازيتني الود سخطة . . . ~~فماذا جزاء المجرم المتبغض وإن جزاء الحر منك كرامة . . . وليس بنصح فيك ~~بالمتعرض فلم يحفل النعمان بقوله . فقال يذكر حبسه : إن للدهر صولة ~~فاحذرنها . . . لا تبيتن قد أمنت الدهورا قد يبيت الفتى صحيحا فيردى . . . ~~ولقد بات آمنا مسرورا إنما الدهر لين ونطوح . . . يترك العظم واهنا مكسورا ~~فسل الناس أين آل قبيس . . . طحطح الدهر قبلهم سابورا خطفته منية فتردى . . ~~. وهو في ذاك يأمل التعميرا ولقد عاش ذا جنود وتاج . . . ترهب الأسد صوله ~~والزئيرا وبنو الأصفر الكرام ملوك ال . . . روم لم يبق منهم مذكورا ثم إن ~~عديا كتب إلى صاحب له مقيم بباب كسرى يقال له أبي : فأبلغ أبيا على نأيه . ~~. . وهل ينفع المرء ما قد علم بأن أخاك شقيق الفؤاد . . . يكاد لنأيك أن ~~يخترم لدى ملك موثق بالحدي . . . د إما بحق وإما ظلم فلا تلفين كثير الرق . ~~. . د بل اصرم الرأي ثم اعتزم فلما قرأ هذه الأبيات دخل على كسرى ms415 فأخبره ~~بما كان من النعمان إلى عدي ، فغضب كسرى وبعث برجل من مرازبته إلى النعمان ~~أن يطلق عديا ويبعث به إليه . فأقبل الرسول حتى دخل إلى النعمان وأدى إليه ~~رسالة كسرى . فقال : نعم أنا أطلقه . ودس إلى عدي من قتله ثم قال للرسول : ~~ادخل السجن حتى تخرجه . فلما دخل إليه وجده ميتا ، فرجع إلى النعمان وقال ~~له : عجلت عليه وقتلته وأنا مخبر كسرى بذلك . فوصله بألف دينار وسأله تحسين ~~أمره عند كسرى . فانصرف الرسول فأخبر كسرى بموته . وكان لعدي ابن يقال له ~~زيد ، فخاف النعمان على نفسه فهرب من الحيرة حتى أتى المدائن فدخل على كسرى ~~وتعرف له فقربه وبره . فقال لكسرى ذات يوم : أيها الملك إن لعبدك النعمان ~~ابنة يقال لها حرقة وأختا تسمى سعدى وابنة عم تسمى لباب وليس في جميع ~~الأقاليم أحسن منهن . فكتب كسرى إلى النعمان أن احمل إلي ابنتك حرقة وأختك ~~سعدى وابنة عمك لباب على يدي خادم له . فقال زيد : أيها الملك ابعث بي مع ~~الخصي . فقال : اخرج على اسم الله وعجل علي بالنسوة . فخرجا حتى قدما ~~الحيرة فدخلا على النعمان ودفعا إليه الكتاب . فلما قرأه قال : أما في عين ~~السواد وفارس ما يغني الملك عن العربيات السود الأبدان الحمش PageV01P382 ~~السيقان ؟ فقال الخادم لزيد : ما يقول النعمان ؟ قال : يقول : ما في بقر ~~فارس والسواد ما يغني الملك عن العربيات ؟ فخرج الخادم حتى أتى كسرى فأخبره ~~بما سمعه من النعمان وقال : أيها الملك إن الكلب الذي بعثت بي إليه قد سمن ~~وتعدى طوره . فوقع ذلك في قلب كسرى وغضب على النعمان ودعا إياس بن قبيصة ~~الكناني وولاه مكان النعمان فأمره أن يكبل النعمان بالحديد ويبعث به إليه ، ~~فبلغ ذلك النعمان فاستودع أهله وولده وخزائنه وسلاحه وابنته حرقة وخيله عند ~~هانيء بن مسعود المزدلف ثم خرج حتى أتى المدائن فلقي زيد بن عدي فقال له : ~~يا ابن اللخناء لئن بقيت لك لألحقنك بأبيك ! فقال له زيد : أما والله بنيت ~~لك عند الملك بنية لا تصلح بعدها ms416 أبدا . ثم دخل على كسرى ودخل زيد بعده . ~~فقال زيد : أيها الملك إن هذا العبد إذا جلس على سريره ووضع التاج على رأسه ~~ودعا بشرابه لم يظن أن لك عليه سلطانا . فأمر كسرى بالنعمان أن يلقى بين ~~أرجل الفيلة ، ففعل به ذلك فداسته الفيله وقتلته ، وهيج ذلك حرب ذي قار . ~~وحدث الهيثم بن الخليل الشيعي ، وكان موكلا بحبس البرامكة من قبل هرثمة بن ~~أعين ، قال : أتى مسرور الخادم الحبس يوما ومعه خدم في يد بعضهم منديل ~~ملفوف على شيء ، فأمرني بإخراج الفضل بن يحيى ، فأخرجته . فقال : إن أمير ~~المؤمنين يقول لك اصدقني وإلا فقد أمرت مسرورا أن يضربك مائتي سوط . فنكس ~~رأسه ساعة . فقال له مسرور : يا أبا العباس الرأي لك أن لا تؤثر مالك على ~~مهجتك فإني لا آمن إن نفذت ما أمرني به أن آتي عليك ، ومع هذا فإن صرت إلى ~~رضى أمير المؤمنين فإن المال يأتيك كما أتاك وإن يك غير ذلك فما حاجتك إلى ~~المال ؟ فرفع رأسه وقال : والله يا أبا هاشم ما كذبت أمير المؤمنين ولا ~~كذبتك ، لو كانت الدنيا لي ثم خيرت بين الخروج منها وبين أن أقرع بمقرعة ~~بسببها لاخترت الخروج منها ، وأمير المؤمنين يعلم وأنت تعلم أني كنت أصون ~~عرضي بمالي فكيف أصون الآن نفسي بمالي ! فإن كنت أمرت بشيء فامض له . ~~فأمرنا بالمنديل فنفض وسقط منه سياط بثمارها ، فضربه مائتي سوط ، وتولى ~~ضربه الخدم فضربوه أشد ضرب ولم يحسنوا أن يضربوه فضربته الحمرة وخيف عليه . ~~فقيل له : هاهنا فتى كان في الحبس هو بصير هذا . فأتيته فسألته فقال : لعلك ~~تعالج الفضل بن يحيى فقد بلغنا خبره . قلت : نعم . قال : فامض بي إليه . ~~قلت : وتجسر على ذلك ؟ قال : نعم والله لو قطعت . فجئت به فلما رآه قال : ~~ليس بشيء ، ضرب خمسين سوطا ! قلنا : بل ضرب مائتين ! قال : هذا أثر خمسين ، ~~وأحتاج أن أنيمه على بارية وأدوس صدره . فجزع الفضل من ذلك PageV01P383 ~~وأبى أن يفعل ، فخوفناه تلف نفسه وناشدناه حتى فعل ، فأخذ بيده ms417 بعض من حضر ~~وأخذت بيده الأخرى ثم جررناه على البارية فإذا عليها صورته من لحم ظهره . ~~فقال : لا بد لي من أن أعيده . فأعاده . ثم اختلف إليه ، فبينا هو ينظر ~~إليه يوما إذ خر ساجدا فقلت : ما لك ؟ قال : برأ أبو العباس بإذن الله . ~~فدنوت فأراني في ظهره لحما ناتئا كهيئة الدعاميص الحمر ثم قال : أتحفظ قولي ~~إنه أثر خمسين سوطا ؟ لو ضرب ألف سوط ما كان أثرها بأشد من ذلك ، ولكني قلت ~~ما قلت لتقوى نفسه فيعينني على علاجه . وخرج . وسألني الفضل أن ألقى بعض ~~إخوانه وأعلمه أنه يحتاج إلى عشرة آلاف درهم . فأتيت بعض إخوانه وأعلمته ~~أنه يحتاج إلى عشرة آلاف درهم . فسألني أن أحملها إليه وأمرني بدفعها إلى ~~الرجل الذي عالجه . فلما مضيت بها إليه وجدته غائبا عن منزله ورأيت بابه ~~مغلقا فملت إلى مسجد هناك منتظرا له حتى عاد فقمت إليه ودخلت منزله فإذا ~~بيت فيه حصيران ومسورتان وطنبور وثلاث دساتيج وقناني وأقداح . فقال : ما ~~حاجتك ؟ فأقبلت أعتذر إليه وأذكر حاله ثم أعلمته ما وجهني له . فنخر نخرة ~~حتى أفزعني ثم قال : عشرة آلاف ! فجهدت الجهد كله به أن يقبلها فأبى ، فعدت ~~إلى الفضل فأعلمته . فقال : إنه استقلها والله ! قلت : لا أظن . قال : بلى ~~وإلا فما معنى قوله عشرة آلاف درهم ! ولكن تعود إلى صاحبنا وتسأله عشرة ~~آلاف أخرى وتحملها إليه . فحملتها إلى الرجل فنخر نخرة أشد من نخرته الأولى ~~ثم قال : أنا أعالج فتى من الأبناء بكراء ، أنا طبيب ! والله والله لو كانت ~~عشرة آلاف دينار ما قبلتها . فخرجت من عنده وسألت عن معيشته فقيل : له برج ~~يصعد إليه في كل يوم فيبيع فراخه وصيده ويعتكف على ما تراه . فرجعت إلى ~~الفضل وأخبرته فتعجب ثم قال : أخبرني بأعجب ما رأيته منا وأحسنه . فاندفعت ~~أحدثه . فلما رأى إطنابي قال : بالله أينا أحسن أفعالا نحن أم هذا الفتى ؟ ~~فإذا هو يستقبح أفعالهم مع فعله ويستصغرها . قال : ودخل ابن الزيات على ~~الأفشين وهو محبوس مكبل بالحديد فقال : اصبر ms418 لها صبر أقوام نفوسهم . . . لا ~~تستريح إلى عقل ولا قود فقال الأفشين : من صحب الزمان رأى الكرامة والهوان ~~. ثم قال : لم ينج من خيرها أو شرها أحد . . . فاذكر شآبيبها إن كنت من أحد ~~خاضت بك المنية الحمقاء غمرتها . . . فتلك أمواجها ترميك بالزبد ~~PageV01P384 الشعر الأول والثاني لأبي سعد المخزومي . قال حمدون بن إسماعيل ~~: بعث الأفشين إلى المعتصم من الحبس أن يا أمير المؤمنين مثلي ومثلك مثل ~~رجل ربى عجلا له حتى أسمنه وكبر وحسنت حاله وكان له أصحاب اشتهوا أن يأكلوا ~~من لحمه فعرضوا له بذبح العجل فلم يجبهم إلى ذلك ، فاتفقوا جميعا على أن ~~قالوا له ذات يوم : ويحك لم تر هذا الأسد وقد كبر ؟ والسبع إذا كبر رجع إلى ~~جنسه . فقال لهم : هذا عجل ! فقالوا : هذا سبع سل من شئت عنه ، وقد تقدموا ~~إلى جميع من يعرفه أنه إن سألهم عنه قالوا هو سبع . فأمر بالعجل فذبح . ~~ولكني أنا ذلك العجل كيف أقدر أن أكون أسدا ؟ الله الله في أمري فقد وجب ~~حقي وأنت سيدي ومولاي ! فلم يلتفت المعتصم إلى رسالته ، وغلظ عليه الأمر ~~حتى قيل إنه قد مات ، فقال المعتصم : أروه ابنه . فأخرجوه مكبلا بالحديد ~~فطرحوه بين يديه ، فلما رآه نتف لحيته ودعا بالويل والثبور ثم ردوه إلى ~~منزل إيتاخ ، وكان يطعم في كل يوم رغيفا حتى مات فأخرجوه وصلبوه على باب ~~العامة ثم أحرق ورمي به في دجلة . قيل : وكان العجيف بن عنبسة ممن خرج مع ~~العباس بن المأمون على المعتصم وسعى في الخلاف عليه ، قال : فحدثنا أبو ~~طالب قال : كنت مع محمد بن الفضل الجرجرائي فالتفت إلى رجل عنده فقال : حدث ~~أبا طالب بما حدثتني به . فأقبل علي الرجل يحدثني . فسألت عنه فقيل : هو ~~عمر بن عمرو القرقارة الكاتب . قال : كنت أتقلد ضياع عجيف بناحية كسكر فرفع ~~علي أني خربت ضياعه فكتب في حملي ، فأدخلت عليه في داره التي بسر من رأى ~~وهو يطوف على الضياع وعلى رأسه برطلة خوص ، فلما نظر إلي قال : أخربت ضياعي ms419 ~~وأخذت أموالي والله لأقتلنك ! ودعا بالسياط ، فبلت فرقا منه ، فكأني أنظر ~~إلى البول يأخذ في سراويلي يمينا وشمالا ، وأومأت إلى الكاتب فالتفت الكاتب ~~إلى عجيف فقال : أيها الأمير أنت مشغول القلب بما يحتاج أن تأمر به وتشرف ~~عليه وهذا في أيدينا فإن كان ما رفع عليه حقا فالأمير من وراء ذلك وإن كان ~~باطلا لم تأثم فيه . فقال : الحبس . فلبثت في الحبس أياما فوجه إلي كاتب ~~عجيف فأتيته ، فقال لي : طاب لك المكان . ما معك ؟ فبررته بشيء فأطلقني . ~~فقلت لغلامي : قد نالنا من الحبس والغرم ما نالنا ، وصديقي فلان بن فلان ~~صاحب الديوان أحتاج أن ألقاه لعل الله عز وجل أن يسهل عملا . فشخص فيه . ~~فأتيت صديقي ذلك فقال لي : أنت في الحياة ! هاهنا عمل في ديار ربيعة أقلدكه ~~. PageV01P385 فتقلدته وخرجت أنا وغلامي فما زلت أسير حتى أتيت باعيناثا ، ~~فغمزني البول في السحر وهي مقمرة فنزلت عن دابتي وجلست وأنا أبول فقلت ~~لغلامي : ويحك لكأني أبول في ثيابي فاطلب لي ماء . فقال : الناس نيام . فلم ~~أزل واقفا حتى خرج بعض أوائل الأنباط فطلب الغلام منه ماء فجاء به فجعل هو ~~والغلام يصبان علي الماء وأنا أغسل ثيابي . فقال لي النبطي : وأين بلت ؟ ~~قلت : هاهنا . قال : هذا نطع عجيف ! قلت : عجيف ! قال : نعم . قلت : ما ~~يعمل عجيف هاهنا ؟ قال : أوما بلغك أن أمير المؤمنين بعث إليه بشربة ~~فأقامته ثلاثمائة مجلس فمات فلف في نطع وها هوذا ؟ فصبرت حتى أصبحت فنظرت ~~إلى النطع فقلت : لا إله إلا الله ! بينا أنا بالأمس بين يديه أبول من فرقه ~~حتى جئت فبلت عليه . قيل : وسخط المعتصم على الفضل بن مروان فأمر بحبسه ~~وتقييده واستئدائه ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار ورفعت فيه القصص ، ~~فأقبل أحمد بن عمار يقرأها فوقعت في يده قصة في نصف طومار فإذا فيها شعر ، ~~فتوقف عن قراءتها . فقال : ما توقفك ؟ قال : إنه شعر . قال : هاته . فإذا ~~فيها : لا تعجبن فما بالدهر من عجب . . . ولا من الله من حصن ولاهرب يا فضل ms420 ~~لا تجزعن مما ابتليت به . . . من خاصم الدهر أجثاه على الركب كم من كريم ~~نشا في بيت مكرمة . . . أتاك مختنقا بالهم والكرب أوليته منك إذلالا ومنقصة ~~. . . فخاب منك ومن ذي العرش لم يخب وكم وثبت على قوم ذوي سرف . . . فما ~~تلعثمت عن زور وعن كذب خنت الإمام وهذا الخلق قاطبة . . . وجرت حتى أتى ~~المقدور في الكتب جمعت شتى وقد أديتها جملا . . . لأنت أخسر من حمالة الحطب ~~فقال المعتصم : ليدع صاحب القصة . فدعي فلم يجب . فقال : والله لو جاءني ~~لدفعت إليه الفضل لينفذ فيه أمره . وقال بعضهم : رأيت على حائط دار الفضل ~~بن مروان مكتوبا : تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر . . . فمثلك كان الفضل ~~والفضل والفضل ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم . . . أبادهم التنكيل والحبس ~~والقتل وإنك قد أصبحت في الناس لعنة . . . ستودي كما أودى الثلاثة من قبل ~~قيل : وكان الواثق غضب على جعفر المتوكل أخيه لبعض أموره فأراد أن يقومه ~~فوكل به PageV01P386 عمر بن فرج ، فأتى جعفر إلى محمد بن عبد الملك الزيات ~~مستغيثا به ليكلم أخاه ، فدخل عليه فمكث مليا واقفا بين يديه لا يكلمه ثم ~~أشار إليه أن يقعد ، فقعد ، فلما فرغ من نظره في الكتب التفت إليه شبيها ~~بالمتهدد له فقال : ما جاء بك ؟ قال : جئت لتسأل أمير المؤمنين الرضى عني . ~~فقال لمن حوله : انظروا إلى هذا يغضب أخاه ثم يسألني أن أسترضيه ! اذهب ~~فإنك إذا أصلحت رضي عنك . فقام جعفر كئيبا حزينا لما لقيه به من قبح اللقاء ~~، فخرج من عنده . وكتب محمد بن عبد الملك إلى الواثق حين خرج جعفر من عنده ~~: يا أمير المؤمنين أتاني جعفر بن المعتصم يسأل أن أسأل أمير المؤمنين ~~الرضى عنه في زي المخنثين له شعر . فكتب إليه الواثق : ابعث إليه فأحضره ~~ومر من يحز شعره ويضرب به وجهه . فحدث عن المتوكل قال : لما أتاني رسوله ~~لبست سوادا لي جديدا وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضى عني ، فلما دخلت ~~عليه قال : يا غلام علي بحجام . فدعي ، فقال : خذ شعر هذا ، فأخذه ms421 على ~~السواد الجديد ولم يأتني بمنديل ، فأخذ عليه شعري وضرب به وجهي . فما دخلني ~~شيء من الجزع مثل ما دخلني في ذلك اليوم . قال : فلما ولي جعفر الخلافة بعث ~~إلى محمد بن عبد الملك فدعاه . فركب حتى أتى دار إيتاخ فأخذ سيفه وقلنسوته ~~ودراعته فدفع إلى غلمانه وانصرفوا وهم لا يشكون أنه مقيم عند إيتاخ . ثم ~~سوهر ومنع النوم وسئل عن شيء يعذب به فدل على تنور من خشب فيه مسامير قيام ~~. فحدثت عن أحمد بن أبي دؤاد أنه قال : هو أول من أمر بعمل التنور فابتلي ~~به لصحة المثل : كما تدين تدان ، وإن شئت : من ير يوما ير به ، وإن شئت : ~~من حفر حفرة هوى فيها ، فعذب في التنور . فحدث الموكل بعذابه فقال : كنت ~~أخرج وأقفل عليه الباب فيمد يديه إلى السماء جميعا حتى يدق موضع كتفيه ثم ~~يدخل التنور ويجلس وفي التنور مسامير حديد وفي وسطه خشبة معترضة يجلس ~~المعذب عليها إذا أراد أن يستريح . قال المعذب له : فخاتلته يوما وأريته ~~أني قد أقفلت عليه ثم مكث قليلا ودفعت الباب فإذا هو قاعد ، فقلت : أراك ~~تعمل هذا ! فكنت إذا خرجت شددت خناقه ، فما مكث بعد ذلك إلا أياما حتى مات ~~. فوجد على حائط البيت الذي كان فيه من قبل التنور : لعب البلى بمعالمي ~~ورسومي . . . ودفنت حيا تحت ردم غموم وشكوت غمي حين ضقت ومن شكا . . . كربا ~~يضيق به فغير ملوم لزم البلى جسمي وأوهن قوتي . . . إن البلى لموكل بلزوم ~~أبنيتي قلي بكاءك واصبري . . . فإذا سمعت بهالك مغموم فانعي أباك إلى نسائه ~~واقعدي . . . في مأتم يبكي العيون وقومي PageV01P387 قولي له يا غائبا لا ~~ترتجى . . . حتى القيامة مخبرا بقدومي يا عين كنت وما أكلفك البكا . . . ~~حتى ابتليت فإن صبرت فدومي وقال في التنور الذي عذب فيه : هيض عظمي الغداة ~~إذ صرت فيه . . . إن عظمي قد كان غير مهيض ولقد كنت أنطق الشعر دهرا . . . ~~ثم حال الجريض دون القريض وله أيضا وهو يعذب في التنور ، وقيل إنه آخر ما ~~قاله : تمكنت ms422 من نفسي فأزمعت قتلها . . . وأنت رخي البال والنفس تذهب ~~كعصفورة في كف طفل يسومها . . . ورود حياض الموت والطفل يلعب فلا الطفل ~~يدري ما يسوم بكفه . . . وفي كفه عصفورة تتضرب قال : وكان إسماعيل بن ~~القاسم في حبس الرشيد فكتب إليه بسوء حاله . فكتب في رقعته : ليس عليك بأس ~~. فكتب إليه : أرقت وطار عن عيني النعاس . . . ونام السامرون ولم يؤاسوا ~~أمين الله أمنك خير أمن . . . عليك من التقى فيه لباس تساس من السماء بكل ~~بر . . . وأنت به تسوس كما تساس كأن الخلق ركب فيه روح . . . له جسد وأنت ~~عليه راس أمين الله إن الحبس بأس . . . وقد أرسلت ليس عليك باس فأمر ~~بإطلاقه وصلته . قيل : إنه لما غضب المتوكل على سليمان والحسن ابني وهب قال ~~الحسن : أقول والليل ممدود سرادقه . . . وقد مضى الثلث منه أو قد انتصفا يا ~~رب ألهم أمير المؤمنين رضى . . . عن خادمين له قد شارفا التلفا لئن يكونا ~~أساءا في الذي سلفا . . . فلن يسيئا بإذن الله مؤتنفا فرضي عنهما وأمر ~~بإطلاقهما . قال الكسروي : وقع كسرى بن هرمز إلى بعض المحتبسين : من صبر ~~على النازلة كمن لم تنزل به ، ومن طول له في الحبل كان فيه عطبه ، ومن أكل ~~بلا مقدر تلفت نفسه . PageV01P388 ووقع بعضهم لمحبوس سأل الإطلاق : أنت إلى ~~الاستيثاق أحوج منك إلى الإطلاق . وأنشد في هذا المعنى : ألا أحد يدعو لأهل ~~محلة . . . مقيمين في الدنيا وقد فقدوا الدنيا كأنهم لم يعرفوا غير دارهم . ~~. . ولم يعرفوا غير الشدائد والبلوى وقال أعرابي : ولما دخلت السجن كبر ~~أهله . . . وقالوا أبو ليلى الغداة حزين وفي الباب مكتوب على صفحاته . . . ~~بأنك تنزو ساعة وتلين ولابن المعتز : تعلمت في السجن نسج التكك . . . وكنت ~~امرأ قبل حبسي ملك وقيدت بعد ركوب الجياد . . . وما ذاك إلا بدور الفلك ألم ~~تبصر الطير في جوه . . . يكاد يلامس ذات الحبك إذا أبصرته خطوب الزما . . . ~~ن أوقعنه في حبال الشرك فهاذاك من حالق قد يصاد . . . ومن قعر بحر يصاد ~~السمك ووجدنا في أرض البيت الذي قتل فيه بخطه : يا نفس صبرا ms423 لعل الخير ~~عقباك . . . خانتك من بعد طول الأمن دنياك مرت بنا سحرا طير فقلت لها . . . ~~طوباك يا ليتني إياك طوباك قال : وكتب يحيى بن خالد البرمكي إلى الرشيد : ~~من الحبس لأمير المؤمنين وخلف المهديين وخليفة رب العالمين ، من عبد أسلمته ~~عيوبه وأوبقته ذنوبه وخذله شقيقه ورفضه صديقه وزال به الزمان ونزل به ~~الحدثان وحل به الضيق بعد السعة والشقاء بعد السعادة وعالج البؤس بعد الدعة ~~ولبس البلاء بعد الرخاء وافترش السخط بعد الرضى واكتحل السهود وفقد الهجود ~~، ساعته شهر وليلته دهر ، قد عاين الموت وشارف الفوت ، جزعا يا أمير ~~المؤمنين قدمني الله قبلك من موجدتك وأسفا على ما حرمته من قربك لا على شيء ~~من المواهب ، لأن الأهل والمال إنما كانا لك وعارية في يدي منك ، والعارية ~~لا بد مردودة ، فأما ما اقتصصته من ولدي فبذنبه وعاقبته بجرمه وجريرته على ~~نفسه فإنما كان عبدا من عبيدك لا أخاف عليك الخطأ في أمره ولا أن تكون ~~تجاوزت به فوق ما كان أهله ولا كان مع ذلك بقاؤه أحب إلي من موافقتك ، ~~فتذكر يا أمير المؤمنين ، جعلني الله فداك وحجب عني فقدك ، كبر سني وضعف ~~قوتي وارحم شيبتي وهب لي رضاك عني ولتمل إلي بغفران ذنبي ، فمن مثلي يا ~~أمير المؤمنين الزلل ومن مثلك الإقالة ، ولست أعتذر إليك إلا بما تحب ~~الإقرار به حتى ترضى ، فإذا رضيت رجوت أن PageV01P389 يظهر لك من أمري ~~وبراءة ساحتي ما لا يتعاظمك معه ما مننت به من رأفتك بي وعفوك عني ورحمتك ~~لي ، زاد الله في عمرك يا أمير المؤمنين وقدمني للموت قبلك . وكتب في أسفله ~~: قل للخليفة ذي الصنا . . . ئع والعطايا الفاشيه وابن الخلائف من قري . . ~~. ش والملوك الهاديه ملك الملوك وخير من . . . ساس الأمور الماضيه إن ~~البرامكة الذي . . . ن رموا لديك بداهيه عمتهم لك سخظة . . . لم تبق منهم ~~باقيه فكأنهم مما بهم . . . أعجاز نخل خاويه صفر الوجوه عليهم . . . خلع ~~المذلة باديه متفرقين مشتتي . . . ن بكل أرض قاصيه بعد الإمارة والوزا . . ~~. رة والأمور الساميه ومنازل ms424 كانوا بها . . . فوق المنازل عاليه وتحرم ~~برضاع أو . . . في مرضع لك فاديه فاليوم قد رموا لدي . . . ك بما يشيب ~~الناصيه أضحوا وجل مناهم . . . منك الرضى والعافيه فإذا رضيت فإن أن . . . ~~فسهم بحكمك راضيه فاليوم قد سلب الزما . . . ن كرامتي وبهائيه واليوم قد ~~ألقى الزما . . . ن جرانه بفنائيه ورمى سواد مقلتي . . . فأصاب حين رمانيه ~~يا من يود لي الردى . . . يكفيك ويحك ما بيه يكفيك ما أبصرت من . . . ذلي ~~وذل مكانيه يكفيك أني مستبا . . . ح معشري ونسائيه ورزئت مالي كله . . . ~~وفدى الخليفه ماليه إن كان لا يرضيك إ . . . لا أن أذوق حماميه فلقد رأيت ~~الموت من . . . قبل الممات علانيه وفجعت أعظم فجعة . . . وفنيت قبل فنائيه ~~ولبست أثواب الذلي . . . ل ولم تكن بلباسيه وعطبت في سخط الإما . . . م على ~~رفيع بنائيه فانظر بعينك هل ترى . . . إلا قصورا خاليه PageV01P390 وذخائرا ~~مقسومة . . . قسمن قبل مماتيه وحرائرا من بين صا . . . رخة علي وباكيه ~~ونوادبا يندبنني . . . تحت الدجى بكنائيه يابا علي البرمك . . . ي فما أجيب ~~الداعيه وبكاؤهن وقد سمع . . . ت مقلقل أحشائيه أخليفة الله الرضى . . . لا ~~تشتمن أعدائيه اذكر عهودك لي وما أعطيتني بوفائيه اذكر مقاساتي الأمو . . . ~~ر وخدمتي وعنائيه ارحم جعلت لك الفدا . . . كبري وشدة حاليه ارحم أخاك ~~الفضل وال . . . باقين من أولاديه فلقد دعوك وقد دعو . . . تك إن سمعت ~~دعائيه أخليفة الرحمن إ . . . نك لو رأيت بناتيه وبكاء فاطمة الكئي . . . ~~بة والمدامع جاريه ومقالها بترجع . . . وا شقوتا وشقائيه من لي ولا من لي ~~وقد . . . فصم الزمان قناتيه وعدمت صفو معيشتي . . . وتغيرت حالاتيه من لي ~~وقد غضب الزما . . . ن على جميع رجاليه أودى الزمان بجوره . . . بساستي ~~وحماتيه يا عطفة الملك الرضى . . . عودي علينا ثانيه فوقع الرشيد في رقعته ~~: ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت ~~بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون . وقد قلت : ~~يا آل برمك إنما . . . كنتم ملوكا عاديه فطغيتم وبغيتم . . . وكفرتم ~~نعمائيه هذا عقوبة من عصى . . . من فوقه وعصانيه كنتم كشيء قد مضى ms425 . . . ~~أحلام نوم ساريه وتمثل بقول مهلهل : PageV01P391 بات ليلي بالأنعمين طويلا ~~. . . أرقب النجم ساهرا أن يزولا أزجر العين أن تبكي الطلولا . . . إن في ~~الصدر من كليب غليلا إن في الصدر غلة لن تقضى . . . ما دعا في الغضون داع ~~هديلا لم يطيقوا أن ينزلوا فنزلنا . . . وأخو الحرب من أطاق النزولا قال ~~أبو أحمد بن القاسم بن واضح ، رحمه الله : كان محمد بن الواثق وهو المهتدي ~~بالله قبل الخلافة يكثر عند المعتز بالله الجلوس والخلافة يومئذ بسر من رأى ~~فيرجع المعتز إلى قول محمد في أموره وما يمضيه ويبرمه ، وكان كثير المعارضة ~~لأم المعتز فيما تأمر به وتنهى ، فلم تزل بالمعتز إلى أن أمر بإحداره إلى ~~مدينة السلام على كره منه ، فلما أمر بذلك كان وزيره أحمد بن إسرائيل ~~منحرفا عن محمد بن الواثق وأحب أن يخرجه مع حرمه نهارا ليسوءه ويضع منه ، ~~فسأل محمد بن الواثق القاسم بن واضح لحال كانت بينهما وزلفة كانت له عنده ~~متقدمة أن يدخل مع صاحبه المعروف بالطوسي ويسأله أن يخرجه وحرمه ليلا ، ~~ففعل وكلم أحمد بن إسرائيل ورققه ولاطفه ، فغضب أحمد واحتد ، وكان غير حافظ ~~للسانه قليل الفكر في العواقب متهورا ، فأطلق لسانه بكلام بشع قبيح وقال : ~~من هو ومن بناته وحرمه الكذا الكذا حتى لا يخرجون نهارا ! فقال القاسم : ~~ليت أن رجلي انكسرت ولم أحضر هذا المجلس . وقام معه الطوسي رسول محمد بن ~~الواثق وما زال يسأله أن لا يرد خبر المجلس ولا يحكي الكلام الذي بدر من ~~أحمد بن إسرائيل ، فوعده وخالفه لما فارقه ولم يصبر حتى مضى فحكاه لمحمد بن ~~الواثق ، وأحدر محمد مع حرمه نهارا إلى مدينة السلام ، فوقر ذلك في نفس ~~محمد وحقده على أحمد بن إسرائيل . فلم يمض إلا القليل حتى قعد محمد بن ~~الواثق في الخلافة بعد قتل المعتز . وكان رجلا تقيا متألها يؤثر العدل ~~والإنصاف ويتحرج ويحب إظهار السنن الحسنة وإقامة الدين على شرائعه المستويه ~~وأعلامه القديمة من الخلفاء الذين عدلوا ، إلا أن أيامه قصرت وكان الأتراك ~~قد ms426 غلبوا على الخلافة لكثرة معارضتهم للخلفاء وإضعافهم أيديهم وإنهائهم ~~أمرهم . فأمر لما ولي الخلافة بالقبض على أحمد بن إسرائيل وأبي نوح الكاتب ~~والحسن بن مخلد . وكانت عليهم تدور دولة المعتز من قبله . ورسم أن يضرب ~~أحمد بن إسرائيل بباب العامة ألف سوط فإن مات وإلا زيد ضربا حتى يتلف ، ~~وذلك لما كان منه من القول الذي كان سبب تلفه . فراسل أحمد القاسم بن واضح ~~في أن يشفع له إلى المهتدي ، ففعل وكتب إليه رقعة وصلت مع خادم له اسمه ~~مستطرف ، فوقع المهتدي : هذا رجل لنا في جنبه حدود أنت PageV01P392 شاهد ~~ببعضها ولا سبيل إلى الصفح عنه . وكان ذلك تذكيرا له بأمر المجلس وقول أحمد ~~ما قاله فيه وفي حرمه . وضرب أحمد إلى أن تلف . ثم كلم المهتدي في أمر أبي ~~نوح الكاتب والحسن بن مخلد فقال : لأبي نوح حرمة وهي أن أمه كانت تهدي ~~إلينا كامخا كالناطف المعقود وزيتونا كأمثال البيض فاطلقوا عنه ، وأما ~~الحسن بن مخلد فقد بلونا منه نصحا وميلا فردوه إلى منزلته . وتخلصا جميعا ~~وعادا في الأمر . وكان المهتدي فصيحا شجاعا فطنا عارفا بالتدبير لو أمهل ~~ولم تعجل الأتراك إلى قتله . وكان خرج يوما في هيج لهم وبيده العقرب سيف ~~عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، وحمل على الأتراك ووسط منهم جماعة قدهم ~~وقطعهم . وكان إذا جلس للمظالم أمر بأن توضع كوانين الفحم في الأروقة ~~والمنازل عند تحرك البرد ، فإذا دخل المتظلم أمر بأن يدفيء ويجلس ليسكن ~~ويثوب إليه عقله ويتذكر حجته ثم يدنيه ويسمع منه ، ويقول : كيف يدلي ~~المتظلم بحجته إذا لم يفعل به هذا وقد تداخلته رهبة الخلافة وألم البرد ؟ ~~وكان الغالب على أمر الخلافة في أيامه وصيف الكبير وداره معروفة بمدينة ~~السلام في مربعة الخرسي إلى اليوم . # | محاسن الحبس # لعلي بن الجهم : قالت حبست فقلت ليس بضائري . . . حبسي وأي مهند لا يغمد ~~أوما رأيت الليث يحمي غيله . . . كبرا وأوباش السباع تردد والنار في ~~أحجارها مخبوءة . . . لا تصطلي إن لم تثرها الأزند والبدر يدركه السرار ms427 ~~فتنجلي . . . أيامه وكأنه متجدد والزاعبية لا يقيم كعوبها . . . إلا الثقاف ~~وجذوة تتوقد غير الليالي بادئات عود . . . والمال عارية يفاد وينفد ولكل ~~حال معقب ولربما . . . أجلى لك المكروه عما تحمد لا يؤيسنك من تفرج كربة . ~~. . خطب أتاك به الزمان الأنكد كم من عليل قد تخطاه الردى . . . فنجا ومات ~~طبيبه والعود صبرا فإن اليوم يتبعه غد . . . ويد الخليفة لا تطاولها يد ~~والحبس ما لم تغشه لدنية . . . تزري فنعم المنزل المتورد لو لم يكن في ~~الحبس إلا أنه . . . لا يستذلك بالحجاب الأعبد بيت يجدد للكريم كرامة . . . ~~ويزار فيه ولا يزور ويحمد PageV01P393 يا أحمد بن أبي دؤاد إنما . . . تدعى ~~لكل عظيمة يا أحمد أبلغ أمير المؤمنين ودونه . . . خوض العدى ومخاوف لا ~~تنفد أنتم بنو عم النبي محمد . . . أولى بما شرع النبي محمد ما كان من حسن ~~فأنتم أهله . . . طابت مغارسكم وطاب المحتد أمن السوية يا ابن عم محمد . . ~~. خصم تقربه وآخر تبعد إن الذين سعوا إليك بباطل . . . أعداء نعمتك التي لا ~~تجحد شهدوا وغبنا عنهم فتحكموا . . . فينا وليس لغائب من يشهد لو يجمع ~~الخصماء عندك مجلس . . . يوما لبان لك الطريق الأقصد والشمس لولا أنها ~~محجوبة . . . عن ناظريك لما أضاء الفرقد قال : فعارضه عاصم بن محمد الكاتب ~~لما حبسه أحمد بن عبد العزيز بتغير حمولة له فقال : قالت حبست فقلت خطب ~~أنكد . . . أنحى علي به الزمان المرصد لو كنت حرا كان سربي مطلقا . . . ما ~~كنت أؤخذ عنوة وأقيد أو كنت كالسيف المهند لم أكن . . . وقت الشديدة ~~والكريهة أغمد أو كنت كالليث الهصور لما رعت . . . في الذئاب وجذوتي تتوقد ~~من قال إن الحبس بيت كرامة . . . فمكاشر في قوله متجلد ما الحبس إلا بيت كل ~~مهانة . . . ومذلة ومكاره ما تنفد إن زارني فيه العدو فشامت . . . يبدي ~~التوجع تارة ويفند أو زارني فيه الصديق فموجع . . . يذري الدموع بزفرة ~~تتردد يكفيك أن الحبس بيت لا ترى . . . أحدا عليه من الخلائق يحسد عشنا ~~بخير برهة فكبا بنا . . . ريب الزمان وصرفه المتردد قصرت خطاي وما كبرت ~~وإنما . . . قصرت لأني في الحديد ms428 مصفد في مطبق فيه النهار مشاكل . . . لليل ~~والظلمات فيه سرمد تمضي الليالي لا أذوق لرقدة . . . طعما فكيف حياة من لا ~~يرقد فتقول لي عيني إلى كم أسهرت . . . ويقول لي قلبي إلى كم أكمد وغذاي ~~بعد الصوم ماء مفرد . . . كم عيش من يغذوه ماء مفرد وإذا نهضت إلى الصلاة ~~تهجرا . . . جذبت قيودي ركبتي فأسجد فإلى متى هذا الشقاء مؤكد . . . وإلى ~~متى هذا البلاء مجدد يا رب فارحم غربتي وتلافني . . . إني غريب مفرد متلدد ~~PageV01P394 ما لي مجير غير سيدي الذي . . . ما زال يكفلني فنعم السيد غذيت ~~حشاشة مهجتي بنوافل . . . من سيبه وصنائع لا تجحد عشرين حولا عشت تحت جناحه ~~. . . عيش الملوك وحالتي تتزيد إن حدت عن قصد المحجة قال لي . . . مهلا ~~فذاك هو الطريق الأقصد فيردني بترفق نحو التي . . . فيها السلامة والسبيل ~~الأرشد فبعدت عنه مجبرا متكرها . . . الله يعلم ما أقول ويشهد وخلا العدو ~~بموضعي من قلبه . . . فحشاه جمرا ناره ما تخمد هبني أسأت فلم حقدت إساءتي . ~~. . ماإن عهدتك مذ صحبتك تحقد بل كنت تغتفر الذنوب تكرما . . . وتظل تعفو ~~دائما وتغمد فاغفر لعبدك ذنبه متطولا . . . فالحقد منك سجية لا تعهد واذكر ~~خصائص حرمتي ومقاومي . . . أيام كنت جميع أمري تحمد يا أحمد بن محمد يا ذا ~~الندى . . . دم لي على ما كنت لي يا أحمد لا تشمتن بي العدو وخلني . . . ~~ببياض وجهك إن وجهي أسود ولغيره : إلى الله فيما نابنا الشكوى . . . في يده ~~كشف الضرورة والبلوى خرجنا من الدنيا ونحن من اهلها . . . فلسنا من الأحياء ~~فيها ولا الموتى إذا دخل السجان يوما لحاجة . . . عجبنا وقلنا جاء هذا من ~~الدنيا ونفرح بالرؤيا فجل حديثنا . . . إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا ~~فإن حسنت كانت بطيا مجيئها . . . وإن قبحت لم تنتظر وأتت عجلى # | محاسن بر الآباء # حكي عن ميمون بن مهران أنه قال : كنت عند عمر بن عبد العزيز فوجدته يكتب ~~إلى ابنه عبد الملك : أما بعد فإن أحق من وعى عني وفهم قولي أنت ، وإن الله ~~، وله الحمد ، قد أحسن إلينا في لطيف أمرنا وجليله ms429 ، وعلى الله جل وعز تمام ~~النعمة ، فاذكر يا بني فضل الله عليك وعلى أبيك فإنك إن استطعت أن تصدق ذلك ~~كله بعمل تعمله وصلاة أو صوم أو صدقة قبل ذلك منك ، وإياك والعزة والعظمة ~~والكبرياء فإنه من عمل الشيطان وهو عدو مضل مبين ، وإن النفس لأمارة بالسوء ~~إلا ما رحم ربي ، إن ربي لغفور رحيم . واعلم أن الشباب إلا ما وقى الله ~~ودفع عون على أمور كثيرة من السوء ، وفيه لعمري معونة كثيرة على ~~PageV01P395 الخير لمن رزقه الله ، فاحذر شبابك وإياك أن تعلم في قلبك زهوا ~~أو كبرا فإنه ما لم يكن من ذلك كان خيرا ، واحفظ لسانك ونفسك حفظا ترجو فيه ~~رحمة الله جل وعز ومغفرته ، واذكر صغر أمرك وحقارة شأنك ولا تبغ في ما ~~أعجبك من نفسك وفيما عسيت أن تفرط فيه مما ليس معه غير الفكرة في أمرك ~~وأمره ، وليس كتابي هذا لأن يكون بلغني عنك إلا خيرا ، غير أنه قد بلغني ~~عنك شيء من بعض إعجابك بنفسك ، ولو بلغني أن ذلك خرج عنك إلى أمر كرهته ~~لبلغك عني أمر يشتد عليك كراهته وعرفت مع ذلك أن الشباب والحرص والنعمة ~~يحمل ذلك كله على أمر شديد إلا ما وقى الله ودفع ، فكن يا بني على حذر ، ~~فإن الشيطان قل ما يصيب فرصته بمن احترس منه بدعاء الله جل اسمه والتواضع ~~له ، وأكثر تحريك لسانك في ليلك ونهارك بذكر الله فإن أحسن ما وصلت به ~~حديثا حسنا ذكر الله جل اسمه ، وأحسن ما قطعت به حديثا سيئا ذكر الله تبارك ~~وتعالى ، وأعن على نفسك بخير . نسأل الله لنا ولك حسن التوفيق والسلام . ~~قال ميمون : ثم قال لي عمر : إن ابني عبد الملك قد زين في عيني وأنا متهم ~~لنفسي فيه وأخاف أن يكون هواي فيه قد غلب على علمي به وأدركني ما يدرك ~~الوالد من الإشفاق على ولده فأته واسبره ثم ائتني بعلمه ثم انظر هل ترى منه ~~ما يشاكل النخوة فإنه غلام حدث ولا آمن عليه الشيطان ms430 . قال ميمون : فخرجت ~~إلى عبد الملك حتى قدمت عليه فاستأذنت ودخلت ، فإذا غلام ابن ست عشرة سنة ~~جالس على حشية بيضاء أحسن الناس تواضعا وإذا مرافق بيض وبساط شعر . فرحب بي ~~ثم قال : قد سمعت أبي يذكر منك ما أنت أهله وإني أرجو أن ينفع الله بك وقد ~~حسبت أن يكون قد غرني من نفسي حسن رأي والدي في وما بلغت من الفضل كل ما ~~يذكر ، وقد حذرت أن يكون الهوى قد غلبه على علمه فأكون أحد آفاته . قال ~~ميمون : فعجبت من اتفاقهما فقلت له : أعلمني من أين معيشتك ؟ قال : من عطاي ~~ومن غلة زراعة اشتريت عن ظهر يد ممن ورثها عن أبيه فوهبها لي فأغناني بها ~~عن فيء المسلمين . قال : فقلت : فما طعامك ؟ فقال : ليلة لحم وليلة عدس ~~وزيت وليلة خل وزيت وفي هذا بلاغ . قال فقلت له : أفما تعجبك نفسك ؟ فقال : ~~قد كان في بعض ما كان فلما وعظني أبي في كتابه بصرني نفسي وما صغر من شأني ~~وحقر من قدري فنفعني الله جل وعز بذلك فجزاه الله من والد خيرا . فقعدت ~~ساعة أحدثه وأتسمع من منطقه فلم أر فتى كان أجمل وجها ولا أكمل عقلا ولا ~~أحسن أدبا على صغر سنه وقلة تجربته منه . قال ميمون : فلما كان آخر ذلك ~~أتاه غلام فقال : أصلحك الله قد فرغنا . قال : فسكت . PageV01P396 فقلت : ~~ما هذا الذي فرغ منه ؟ قال : الحمام أخلاه لي . قال فقلت : لقد كنت وقعت ~~مني كل موقع حتى سمعت هذا . قال : فاسترجع وذعر وقال : وما ذاك يا عم ، ~~يرحمك الله ؟ قلت : الحمام لك ؟ قال : لا . قلت : فما دعاك إلى أن تطرد عنه ~~غاشيته كأنك تريد بذلك الكبر فتكسر على صاحب الحمام غلته ويرجع من أتاه ~~خائبا ؟ قال : أما صاحب الحمام فإني أرضيه وأعطيه غلة يومه . قال قلت : هذه ~~نفقة سرف خالطها الكبر ، وما يمنعك أن تدخل الحمام مع الناس وإنما أنت ~~كأحدهم ؟ قال : يمنعني من ذاك أن أرى عورة مسلم ورعاع من الناس يدخلون بغير ~~أزر فأكره ms431 رؤية عوراتهم وأكره أن أجبرهم على أزر فيضعون ذلك مني على حد هذا ~~السلطان الذي خلصنا الله منه كفافا ، فعظني رحمك الله عظة أنتفع بها واجعل ~~لي مخرجا من هذا الأمر . فقلت له : ادخله ليلا فإذا رجع الناس إلى رحالهم ~~خلا لك الحمام . قال : لا جرم لا أدخله نهارا أبدا ولولا شدة برد بلادنا ~~هذه ما دخلته أبدا ، فأقسمت عليك لتطوين هذا الخبر عن أبي فإني أكره أن يظل ~~علي ساخطا ولعل الأجل يحول دون الرضى منه . قال : فأردت أن أسبر عقله فقلت ~~: إن سألني هل رأيت منه شيئا تأمرني أن أكذبه ؟ قال : لا معاذ الله ولكن قل ~~رأيت شيئا ففطمته عنه وسارع إلى ما أردت من الرجوع ، فإنه لا يسألك عن ~~التفسير لأن الله جل وعز قد أعاذه من بحث ما ستر . قال ميمون : فلم أر ~~والدا قط ولا ولدا قط ، رحمة الله وبركاته عليهم ، مثلهما . وذكروا أن ضرار ~~بن عمرو الضبي ولد له ثلاثة عشر ابنا كلهم بلغ ورأس فاحتمل ذات يوم . فلما ~~رأى بنيه رجالا معهم أهاليهم وأولادهم سره ما رأى من هيأتهم ثم ذكر نفسه ~~وعلم أنهم لم يبلغوا ذلك حتى أسن هو ورق وضعف فقال : من سره بنوه ساءته ~~نفسه . فذهبت مثلا . قيل : ودخل الأمين على أبيه الرشيد وقد عرضت له وصيفة ~~جميلة فلم يزل محمد ينظر إليها وفطن له أبوه فقال : يا محمد ما ترى في هذه ~~الوصيفة ؟ قال : ما أرى بأسا . قال : فهل لك فيها ؟ قال : أمير المؤمنين ~~أحق بها مني . قال : فقد آثرك على نفسه فخذها . فأخذها . فقال الرشيد : ولي ~~ولد لم أعصه مذ ولدته . . . ولا شك في بري به مذ ترعرعا تخيرته للملك قبل ~~فطامه . . . وأقطعته الدنيا فطيما ومرضعا فلا الملك يخلو باعه من محمد . . ~~. ولا هو منه بل هما هكذا معا فنهض محمد ومعه الجارية فأتبعه طرفه فلما غاب ~~قال : وإنما أودلانا بيننا . . . أكبادنا تمشي على الأرض وحكي عن بعض ~~الأعراب أنه كان يرقص ولده ويقول : PageV01P397 كأنما ريح الولد . . . ريح ms432 ~~الخزامى بالبلد أهكذا كل ولد . . . أم لم يلد قبلي أحد # | محاسن تأديب الولد # قيل : نظر ابن عباس ، رحمه الله ، إلى بعض ولده نائما بالغداة فركله ~~برجله ثم قال : قم لا أنام الله عينك ! أتنام في وقت يقسم الله جل وعز فيه ~~الأرزاق ؟ أوما علمت أنها النومة التي قالت العرب فيها مكسلة ومانعة ~~للحوائج ؟ وقد قيل : النوم على ثلاثة أوجه : خرق وحمق وخلق ، فأما الخرق ~~فنوم الضحى شغل عن أمر الدنيا والآخرة ، والحمق النوم بين العصر والمغرب ~~فإنه لا ينامها إلا أحمق أو عليل أو سكران ، وأما الخلق فنوم الهاجرة الذي ~~أمر به رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فإنه قال : قيلوا فإن الشيطان لا ~~يقيل . وقيل : إن نوم الغداة يمحق الرزق ويورث الصفار والكسل والبخر . ~~وذكروا عن عبد الملك بن مروان أنه مات بعض ولده فجاءه الوليد ابنه وهو صغير ~~فعزاه فقال : يا بني لمصيبتي فيك أعظم وأفدح من مصيبتي بأخيك ، ومتى رأيت ~~ابنا عزى أباه ! فقال : يا أمير المؤمنين أمي أمرتني بذلك . قال : يا بني ~~أهون علي وهو لعمري من مشورة النساء . # | مساوئ جفاء الآباء # قال : فقال رجل لابنه : يا ابن الزانية ! فقال : الزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك . وقال آخر لابنه : يا ابن الزانية ! قال : لا تفعل ، لقد كنت ~~أحفظ لأهلك من أبيك لأهله . قال : وقال أعرابي لابنه : وأمك قد رويتها ~~فشفيتها . . . على حاجة مني وعينك تنظر فأجابه : وجدي قد روى عجوزا فبلها . ~~. . فما كنت ترعاه وما كنت تشكر وقيل لأعرابي وقد تزوج بعدما كبر وأسن : لم ~~تأخرت عن التزوج ؟ قال : أبادر ابني باليتم قبل أن يسبقني بالعقوق . ~~PageV01P398 قال : وقال رجل لأبيه : يا أبتا إن عظيم حقك لا يبطل صغير حقي ~~، ولا أقول إني وإياك بالسواء ، ولكن الله جل وعز لا يحب الاعتداء . # | محاسن بر الأبناء بالآباء والأمهات # عن طاؤوس عن أبيه قال : كان رجل له أربعة بنين فمرض فقال أحدهم : إما أن ~~تمرضوه وليس لكم من ميراثه شيء وإما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شيء ms433 . ~~قالوا : بل تمرضه وليس لك من ميراثه شيء . فمرضه حتى مات ولم يأخذ من ~~ميراثه شيئا . قال : فأتي في النوم فقيل له : ائت مكان كذا وكذا فخذ منه ~~مائة دينار . فقال : أفيها بركة ؟ قالوا : لا . فلما أصبح ذكر لك لامرأته ~~فقالت : خذها فإن من بركتها أن نكتسي منها ونعيش بها . فلما أمسى أتي في ~~النوم فقيل له : ائت مكان كذا وكذا فخذ منه عشرة دنانير . فقال : أفيها ~~بركة ؟ قالوا : لا . فلما أصبح ذكر لك لامرأته فقالت له مثل ذلك ، فأبى أن ~~يأخذها . فأتي في الليلة الثالثة فقيل له : ائت مكان كذا وكذا وخذ منه ~~دينارا . فقال : أفيه بركة ؟ قالوا : نعم . قال : فذهب فأخذ الدينار ثم خرج ~~به إلى السوق فإذا هو برجل يحمل حوتين . فقال : بكم هما ؟ قال : بدينار . ~~فأخذهما منه وانطلق بهما إلى بيته ، فلما شقهما وجد في بطن كل واحد منهما ~~درة لم ير الناس مثلها ، فبعث الملك يطلب درة يشتريها فلم توجد إلا عنده ~~فباعها بثلاثين وقرا ذهبا . فلما رآها الملك قال : ما تصلح هذه إلا بأخت ~~فاطلبوا أختها ولو أضعفتم الثمن . فجاؤوه وقالوا : أعندك أختها ونعطيك ضعف ~~ما أعطيناك ؟ قال : نعم . فأعطاهم الثانية بضعف ما باع به الأولى . قال : ~~وذكر المأمون بر الأبناء بالآباء فقال : لم أر أحدا أبر من الفضل بن يحيى ، ~~فإنه بلغ من بره بأبيه أنهما حيث حبسا كان الفضل يسخن ليحيى الماء لوضوئه ~~لأنه كان يتوضأ بالماء السخن ، فمنعهم السجان ذات ليلة من إدخال الحطب ~~والليل بارد فقام الفضل حين أخذ يحيى مضجعه إلى قمقم كان يسخن فيه الماء ~~فملأه من الجب ثم جاء به إلى القنديل فأدناه منه فلم يزل قائما والقمقم في ~~يده حتى أصبح وقد سخن الماء ، فأدناه من أبيه . قال : ولما وجه عمر بن ~~الخطاب ، رضي الله عنه ، الجيش إلى اليرموك قام إليه أمية بن الأسكر ~~الكناني فقال : يا أمير المؤمنين هذا اليوم من أيامي لولا كبر سني . فقام ~~إليه ابنه كلاب ، وكان عابدا زاهدا ، فقال : لكني يا ms434 أمير المؤمنين أبيع ~~الله نفسي وأبيع دنياي بآخرتي . PageV01P399 فتعلق به أبوه وكان في ظل نخل ~~له وقال : لا تدع أباك وأمك شيخين ضعيفين ربياك صغيرا حتى إذا احتاجا إليك ~~تركتهما ! فقال : نعم أتركهما لما هو خير لي . فخرج غازيا بعد أن أرضى أباه ~~، فأبطأ وكان أبوه في ظل نخل له ، وإذا حمامة تدعو فرخها ، فرآها الشيخ ~~فبكى ، فرأته العجوز فبكت ، وأنشأ يقول : لمن شيخان قد نشدا كلابا . . . ~~كتاب الله إن ذكر الكتابا أناديه ويعرض لي حنين . . . فلا وأبي كلاب ما ~~أصابا تركت أباك مرعشة يداه . . . وأمك ما تسيغ لها شرابا فإن أباك حين ~~تركت شيخ . . . يطارد أينقا شزبا جذابا إذا رتعن إرقالا سراعا . . . أثرن ~~بكل رابية ترابا طويلا شوقه يبكيك فردا . . . على حزن ولا يرجو الإيابا إذا ~~غنت حمامة بطن وج . . . على بيضاتها ذكرا كلابا فبلغت هذه الأبيات عمر بن ~~الخطاب ، رضي الله عنه ، فأرسل إلى كلاب فوافاه فقال : إنه بلغني أن أباك ~~وجد لفراقك وجدا شديدا فبماذا كنت تبره ؟ قال : كنت أبره بكل شيء حتى أني ~~كنت أحلب له ناقة فإذا حلبتها عرف حلبي . فأرسل عمر ، رحمه الله ، إلى ~~الناقة فجيء بها من حيث لا يعلم الشيخ فقال له : احلبها . فقام إليها وغسل ~~ضرعها ثم حلبها في إناء . فأرسل عمر ، رحمه الله ، بالإناء إلى أبيه فلما ~~أتي به بكى ثم قال : إني أجد في هذا اللبن ريح كلاب . فقال له نسوة كن عنده ~~: قد كبرت وخرفت وذهب عقلك ، كلاب بظهر الكوفة وأنت تزعم أنك تجد ريحه ! ~~فأنشأ يقول : أعاذل قد عذلت بغير علم . . . وهل تدري العواذل ما ألاقي ~~سأستعدي على الفاروق ربا . . . له حج الحجيج على اتساق إن الفاروق لم يردد ~~كلابا . . . إلى شيخين ما لهما تواقي فقال له عمر : اذهب إلى أبيك فقد ~~وضعنا عنك الغزو وأجرينا ك العطاء . قال : وتغنت الركبان بشعر أبيه . فبلغه ~~فأنشأ يقول : لعمرك ما تركت أبا كلاب . . . كبير السن مكتئبا مصابا وأما لا ~~يزال لها حنين . . . تنادي بعد رقدتها كلابا لكسب المال أو ms435 طلب المعالي . . ~~. ولكني رجوت به الثوابا PageV01P400 وكان كلاب من خيار المسلمين ، وقتل مع ~~علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، بصفين وعاش أبوه أمية دهرا طويلا حتى خرف ~~، فمر به غلام له كان يرعى غنمه وأمية جالس يحثو على رأسه التراب فوقف ينظر ~~إليه ، فلما أفاق بصر بالغلام فقال : أصبحت لهوا لراعي الضأن أعجبه . . . ~~ماذا يريبك مني راعي الضان انعق بضأنك في أرض بمخضرة . . . من الأباطح ~~واحسبها بجلدان انعق بضأنك إني قد فقدتهم . . . بيض الوجوه بني عمي وإخواني ~~قال : وحدثني من سمع أعرابيا حاملا أمه في الطواف وهو يقول : إني لها مطية ~~لا أذعر . . . إذا الركاب نفرت لا أنفر ما حملت وأرضعتني أكثر . . . الله ~~ربي ذو الجلال أكبر ثم التفت إلى ابن عباس ، رحمه الله ، فقال له : أتراني ~~قضيت حقها ؟ فقال : لا والله ولا طلقة من طلقاتها . قال : ونحر أعرابي ~~جزورا فقال لامرأته : أطعمي أمي منه . فقالت : أيها أطعمها ؟ فقال : قطعي ~~لها الورك . قالت : ظوهرت بشحمة وبطنت بلحمة ، لا لعمر الله ! قال : فاقطعي ~~لها الكتف . قالت : الحاملة الشحم من كل مكان ، لا لعمر الله ! قال : فما ~~تقطعين لها ؟ قالت : اللحى ظوهرت بجلدة وبطنت بعظم . قال : فتزوديها إلى ~~أهلك . وخلى سبيلها . وروي أن الحسن بن علي ، رضوان الله عليه ، كان يمتنع ~~من مؤاكلة أمه ، صلوات الله عليها ، فسئل عن ذلك وهو ابن ست سنين . فقال : ~~أخاف أن تسبق يدي إلى لقمة تقع عينها عليها فأكون قد عققتها . # | مساوئ عقوق البنين # الأصمعي قال : حدثني رجل من الأعراب قال : خرجت من الحي أطلب أعق الناس ~~وأبر الناس فكنت أطوف بالأحياء حتى انتهيت إلى شيخ في عنقه حبل يستقي بدلو ~~لا تطيقه الإبل في الهاجرة والحر الشديد وخلفه شاب في يده رشاء من قد ملوى ~~يضربه به قد شق ظهره بذلك الحبل . فقلت : أما تتقي الله في هذا الشيخ ~~الضعيف ؟ أما يكفيه ما هو فيه من مد هذا الحبل حتى تضربه ؟ قال : إنه مع ~~هذا أبي . قلت : فلا جزاك الله خيرا ! قال : اسكت فهكذا ms436 كان يصنع هو بأبيه ~~وكذا كان يصنع أبيه بجده . فقلت : هذا أعق الناس . ثم جلت أيضا حتى انتهيت ~~PageV01P401 إلى شاب في عنقه زبيل فيه شيخ كأنه فرخ فيضعه بين يديه في كل ~~ساعة فيزقه كما يزق الفرخ . فقلت له : ما هذا ؟ فقال : أبي وقد خرف فأنا ~~أكفله . قلت : فهذا أبر العرب . فرجعت وقد رأيت أعقهم وأبرهم . قيل : وكانت ~~لخيزران في خلافة موسى الهادي كثيرا ما تكلمه في الحوائج فكان يجيبها إلى ~~كل ما تسأل ، حتى مضت لذلك أربعة أشهر من خلافته فاجتمع الناس إليها وطمعوا ~~فيما قبلها فكانت المواكب تغدو إلى بابها وتروح ، قال : فكلمته يوما في أمر ~~فاعتل بعلة ، فقالت : لا بد من إجابتي . قال : لا أفعل . قالت : فإني قد ~~تضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك . قال : فغضب وقال : ويلي عليه ابن ~~الفاعلة قد علمت أنه صاحبها والله لا قضيتها له ! قالت : إذا والله لا ~~أسألك حاجة أبدا . فقال : إذا والله لا أبالي . وحمي وغضب ثم قال : مكانك ~~حتى تستوعبي كلامي والله وإلا فأنا نفي من قرابتي من رسول الله ، صلى الله ~~عليه وسلم ، لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي وخاصتي وخدمي لأضربن ~~عنقه ولأقبضن ماله فمن شاء فليلزم ذلك ، ما هذه المواكب التي تغدو وتروح ~~إلى بابك في كل يوم ؟ أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك ؟ إياك ~~ثم إياك أن تفتحي بابك لملي ولا ذمي ! فانصرفت ما تعقل ما تطأ فلم تنطق ~~عنده بحلوة ولا بمرة بعد ذلك . قال يحيى بن الحسن : وحدثني أبي قال : سمعت ~~خالصة تقول للعباس ابن الفضل بن الربيع : بعث موسى الهادي إلى أمه الخيزران ~~بأرزة فقال : اشتهيتها فأكلتها فكلي منها . قالت خالصة : فقلت : امسكي حتى ~~ننظر فإني أخاف أن يكون فيها شيء . فأرسل إليها بعد ذلك : كيف رأيت الأرزة ~~؟ قالت : وجدتها طيبة . فقال : لم لم تأكلي منها ؟ والله لو أكلت لقد كنت ~~استرحت منك ، فما أفلح خليفة له أم ! قيل : وضرب إبراهيم بن بهنك العكي ~~ابنه ms437 فذهب الابن فوشى بأبيه إلى الرشيد وذكر أنه يريد اغتياله ، فدفعه ~~الرشيد إلى ابنه ، فقيده وحبسه في بيت ودعا بأمهات أولاده فجعل يشرب معهن ~~ليغيظ أباه ، فاستبطأ الرشيد فدعا به وقال له : إن كذبت على أبيك استرضيناه ~~لك وإن كنت صدقت فلست أرى أفعالك تشاكل أفعال الصادقين . فلما انصرف من ~~عنده دخل على أبيه بالسيف فضربه حتى قتله . ولذلك قيل : شر المرزئة سوؤ ~~الخلف . قال : ولما خلع شيرويه بن كسرى أباه وهم بقتله قال لعظيم من عظماء ~~مرازبته : ادخل على أبينا فاقتله . فانطلق المرزبان حتى دخل على كسرى ~~فأخبره بما أمر به ابنه . فقال له PageV01P402 كسرى : انصرف فلست بصاحبي . ~~فانصرف المرزبان إلى شيرويه فأخبره بمقالة كسرى . فوجه رجلا آخر فلما دخل ~~قال له مثل مقالته للأول ، فانصرف ولم يصنع شيئا واعتل على شيرويه بأنه لم ~~يطب نفسا بقتله . فالتفت شيرويه إلى فتى يسمى هرمز بن مردانشاه وكان أبوه ~~يقال له فاذوسبان بابل وخطرنية ، وقد كان كسرى سأل المنجمين قبل ذلك بعامين ~~عن ميتته فأخبروه أنها على يدي رجل يكون عظيم بابل . فلما سمع ذلك وقعت ~~تهمته على مردانشاه فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه . فلما قدم تجنى عليه ثم ~~أمر بقطع يمينه ، فقطعت ، فتناولها بيده الأخرى ووضعها في حجره وجعل يبكي ~~وينتحب . فسمع كسرى ذلك فرحمه ورق له فأرسل إليه أنه قد ندم على ما كان منه ~~وأمره أن يسأله حاجة تكون له عوضا من ذهاب يده . فأرسل إليه مردانشاه إن ~~وثق لي بالأيمان المحرجة ، ففعل كسرى ذلك وعاهده أن يجيبه إلى جميع ما سأل ~~. فأرسل إليه أن حاجتي أن تأمر بقتلي فلا خير في الحياة بعد يميني . فأمر ~~كسرى به فضربت عنقه . فلما دخل دخل ابنه هرمز على كسرى قال له : من أنت ؟ ~~قال : أنا ابن مردانشاه فاذوسبان بابل . فقال : أنت لعمري صاحبي كنت قتلت ~~أباك ظلما فدونك وما أمرت به . وكان معه طبرزين ، فضرب به كسرى على عضده ~~فلم يحك فيه لأن كسرى كان في عضده خرزة لا يعمل ms438 الحديد فيه من أجلها ، فضرب ~~الشاب بيده إلى عضده وقطع تلك الخرزة ثم ضربه بالطبرزين حتى مات ، وانصرف ~~إلى شيرويه فأخبره ، فأمر بقتله ، ثم هلك شيرويه بعد قتل أبيه بثمانية أشهر ~~. وقد قالت الحكماء : ومن جرب من الأوائل أن الرجل إذا قتل أباه وأخاه لم ~~يمتع بعدهما إلا أربعة أشهر أو ما هو فوق ذلك بيسير وربما سلط عليه السهر ~~فلا يزال كذلك إلى أن يتلف . قال : وقيل للمأمون : إن بني علي بن صالح مجان ~~سفهاء . فقال المأمون : يا علي أحضر ولدك الأكابر والأصاغر فإني أريد أن ~~أرتبهم وأرشحهم للأمر الذي يصلحون له . فانصرف علي فأخبر ولده بذلك وأمرهم ~~بالركوب . فاستعدوا وتزينوا بأحسن هيأة واستأذن لهم فدخلوا وسلموا . فقال ~~لهم المأمون : تركتم الأدب واطرحتموه وآثرتم المجون والسفه ، هذا وأبوكم ~~أحد الفقهاء والعلماء يستضاء برأيه ويحمد مذهبه . فأقبل على علي فقال : أما ~~على ذلك فما الذنب إلا لك إذ تركتهم يتتابعون في المجون وتركوا ما كان أولى ~~بك وبهم أن تأخذهم به . فقال علي : ولا سيما يا سيدي هذا الكبير فإنه باقعة ~~لا والله ما لي بهم قوة ولا يد وهذا الكبير أفسدهم وهتكهم وزين لهم سوؤ ~~أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون . PageV01P403 فأطرق الأكبر ما ~~يترمرم بحرف . فقال المأمون : تكلم . قال : يا سيدي بلساني كله أو كما ~~يتكلم الذليل بين يدي مولاه حتى يترك حجته ويسكت عن إيضاح جوابه مهابة ~~لسيده ؟ قال : تكلم بما عندك . فقال : يا أمير المؤمنين هل حمدت رأي أبينا ~~وحمدت مذهبه وعلمه ؟ قال : نعم . قال : فأعتق ما يملك وطلق ما يطأ طلاق ~~الحرج والسنة وصدق بما حوى وعليه ثلاثون حجة مع ثلاثين نذرا يبلغ به الكعبة ~~إن لم يكن أبوه على طلب سكر طبرزد فلم يوجد في خزانته ولم يكن وقتا يوجد ~~فيه سكر ولا يقدر على ابتياع شيء منه . فقال : فيم يصلح للخزانة التي ليس ~~فيها سكر ؟ ثم قال : الحمد لله رب العالمين ولا أقول إنا لله وإنا إليه ~~راجعون وإن كانت المصيبة لأن ms439 ذلك إنما يقال عند المصائب في الأنفس ولكني ~~أحمده على السراء والضراء والشدة والرخاء كما حمده الشاكرون وأنا أرجو أن ~~أكون منهم . ثم أقبل على الخازن فقال : ادع الوكيل . فدعاه . فقال : ما ~~منعك إذ فني السكر أن يشترى لنا سكر ؟ قال : لم يعلمني الخازن . فقال ~~للخازن : لم لم تعلمه ؟ قال : كنت على أن أعلمه . قال : ما ههنا شيء هو ~~أبلغ في عقوبتكما من أن أقوم على إحدى رجلي وأن لا أضع الأخرى ولا أراوح ~~بينهما حتى تحضروني ألف من سكر طبرزد ليس بمضرس ولا وسخ ولا لين المكسر ولا ~~بمحدث الصنعة ولا معوج القالب . ثم وثب فقال : يوفون بالنذر ويخافون يوما ~~كان شره مستطيرا ، والله والله لا أزال قائما حتى أوفي بنذري . قال : ~~فتبادر غلمانه ومواليه وبعض أولاده وعجائزه نحو السوق فواحد ينبه حارسا ~~وآخر يرمي كلبا وآخر يفتج دربا وآخر يوقظ نائما وآخر يدعو بائعا والغلمان ~~والجواري والجيران والسوقة والحراس في مثل صيحة يوم القيامة ، ثم قال : يا ~~قوم أما لي من أهلي مساعد ؟ أين البنات العواتق والأبكار ؟ أين اللواتي كنت ~~أغذوهن بطيب الطعام ولين اللباس يسرحن فيما ادعين من خفض العيش وغضارة ~~الزهر ؟ أين أمهات الأولاد اللواتي اعتقدن العقد النفيسة وملكن الرغائب بعد ~~الحال الخسيسة ؟ أين الأولاد الذكور الذين لهم نسعى ونحفد ونقوم ونقعد ولهم ~~نروح ونغدو ؟ فبادرت إليه بناته وأمهاتهن ، فقامت واحدة منهن على ساق فقال ~~: أحسنتن أحسن الله جزاءكن ، لمثل هذا أردتكن . ولاحظ الكبرى من بناته وآخر ~~من بنيه وهما يراوحان بين أقدامهما ، فقال : يا فلانة تراوحين ولا أراوح ، ~~صدق الله جل وعز وبلغ رسوله ، عليه وعلى آله السلام ، حيث يقول : ' إن من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ' ، حذرني ربي جل وتعالى منكم . ثم قال ~~: علي بن صالح ليس في خزانته سكر طبرزد وجائزته من أمير المؤمنين ألف ألف ~~درهم وضيعته بالنهروان تغل ثلاثمائة ألف درهم وضيعته بالكوفة المعروفة ~~بالمغيرة من أنبل PageV01P404 ضيعة ما ملك مثلها أحد بسطوح الدسكرة ولولا ~~أن سعيدا السعدي ، أراح الله منه ms440 ، قطع شربها وعور مجاري مياهها حتى اندفنت ~~أنهارها وقلت عمارتها إضرارا بنا وتعديا علينا ما كان لأحد مثلها وعلى أن ~~أكرتها ومزارعيها من أخابث خلق الله ، والله والله لو أمكنهم أن يقطعوا ~~الحاصل وحاصل الحاصل ما أعطونا من ذلك شيئا ، ومن أخبرك أن الضيعة لرب ~~الضيعة فقل له كذبت لا أم لك ، الضيعة ثلاث أثلاث : فثلث للسلطان وثلث ~~للوكيل وثلث للأكار ، وإنما يأتي رب الضيعة صبابة كصبابة الإناء ومخة كمخة ~~عرقوب ، يجني الأكار وقت الدياس فيمر بهم الأبرمذ هذا يذبح له وهذا يخبز له ~~وهذا يسقيه النبيذ ، وما نبيذهم إلا العكر الأسود ووضر الدنس وماء الأكشوت ~~، قبح الله ذلك شربا ما أنغله للجوف وأضره بالأعلاق النفيسة ، ثم يأتي وقت ~~الكيل فمن بين رقام ، رقم الله جلبابه وأعد له الهوان ، ومن بين كيال ، جعل ~~الله له الويل لقوله جل وعز : ويل للمطففين ما يبالي أحد منهم على ما يقدم ~~، لقد سمعت أمير المؤمنين يسأل قضاته وكلهم بالحضرة : هل عدلتم كيالا قط ؟ ~~فكلهم يقول : لا ، فإن أطعموا الجداء الرضع ونقي الخبز من دستميسان ووهبت ~~لهم الدراهم ظفر الأكار بحاجته ، فويل يومئذ لقبة السلطان ماذا يحمل إليها ~~من القشب والقصل والمدر والزوان ويحشى فيها التبن . ثم قال : يا قوم لم ~~أطنبت في ذكر هؤلاء وما الذي هاج هذا في هذه الساعة حتى خضت فيه ؟ أما ~~كفاني أني قائم على رجلي على أحد جناحي ؟ قالوا : هذا للسكر الذي ليس في ~~خزانتك منه شيء . قال : أجل والله إذا كان وكيلي مشتغلا بزوجته وبناته ~~ومصالح حالهن متى يفرغ للنظر في مصالح خزانتي ؟ والله والله لقد حدثت أنه ~~حلى بناته بألوف دنانير وقال لزوجته اخرجي إلى الأعياد وادخلي الأعراس وسلي ~~عن الرجال المذكورين واطلبي المراضع المعروفة والأنساب المرضية لبناتك ~~وأخرجيهن في الجمعات يتصفحن محاسن الغرات ويخترن أولي الأنساب ، أولم يرو ~~عن الثقات أنهم كرهوا خروج الأبكار في الجمعات التي فرض الله جل وعز فيهن ~~السعي إلى ذكره ؟ فنبع قوم من هؤلاء المبتدعة خارجة خرجت ومارقة مرقت ~~ورافضة ms441 رفضت الدين وأهل الدين فتركوا ما فرض الله جل وعز عليهم ، فقاتلهم ~~الله أنى يؤفكون ، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، وقد روينا ~~عن PageV01P405 النبي ، صلى الله عليه وسلم ، من غير وجه ولا اثنين انه خطب ~~الناس فقال في خطبته : إن الله جل وعز قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا ~~في يومي هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة ، فمن تركها استخفافا بها وجحودا ~~بها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أهله ولا حج له ولا جهاد حتى يتوب ~~إلى الله جل وعز ، فمن تاب تاب الله عليه . ثم قال : يا قوم ما الذي حركنا ~~على هذه الفضيلة في جوف هذه الليلة ؟ قيل : السكر الطبرزد . قال : أجل ~~والله فما أحضرتموني ألف من سكر إلى هذه الغاية ! أيا نصح أيا فتح أيا صبح ~~أيا نجح تبادروا مولاكم فإنه قد نصب وتعب من طول القيام ! والله لأحسب ~~الثريا مقابلة سمت رأسي ، ذهب والله الليل وجاء الويل ، ويلكم أدركوني فإني ~~أريغ نومة ولا بد لي من البكور نحو الدار . فبادرت حرمه الخاصة فحثوا ~~الباعة وانبهوا السوقة وأخذوا ما عندهم على غير سوم وجاؤوا به . فقال : ما ~~هذا ؟ قالوا : ما أمرت به . قال : فهل أخذتموه على الصفة التي وصفت لكم ؟ ~~قالوا : نعم . قال : فهل ورثتموه واستوجبتموه ؟ قالوا : لا . قال : يا ~~أعداء الله أردتم أن تفسدوا ديني ! لا والله لا يطمع مني في هضيمة ، لا ~~والله لا تزال هذه حالي حتى تأخذوه بيعا صحيحا ، لا شرط فيه ولا خيار ولا ~~مثنوية ولا على حد تلجئة ، هيهات يأبى الله جل وعز ذاك علي . قال : فرجعوا ~~وساوموا الباعة وقطعوا ثمنه وأخبروه . فقال : يوزن بحضرتي . فأتوه بالقبان ~~. فقال : من يزن منكم ؟ قال : من أمرته . قال : زن يا نصح فقد دنا الصبح ~~وأرجح فإن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، اشترى فقال للوزان : زن وأرجح ، ~~والله لو لم يكن في الرجحان إلا تحلة القسم لكان في ذلك ما يدعو العلماء ~~والفقهاء في دين الله جل وعز ms442 إلى العمل به . فجعل الغلام يزن ويرجح وهو ~~يقول : ويلك عجل فداك أهلك قد دنا الصبح أوه خرجت نفسي أو كادت ! فلما ~~استوى الوزن خر مغشيا عليه ما يدري أرضا توسد أو وسادا ، وكذلك كانت حال من ~~كان في مثل حاله . فهذه يا أمير المؤمنين حال من أحمدت علمه وفهمه ورأيه . ~~فقال المأمون : قاتلك الله ما أعجب أمرك ! على كل حال والله لئن كنت ولدت ~~هذا عن أبيك في مقامك ما في الأرض نظير ولا في السماء شبيه ، وإن كنت حكيت ~~عنه عيانا ووعيت فلقد أجدت الحكاية وأحسنت العبارة وما لأبيك في الدنيا ~~شبيه ، وإنك لتغمر مساويك بمحاسنك فلا تذكرن شيئا من هذا بعد هذا المجلس ~~فإن عيبه فينا أقدح منه في أبيك . قال : فذهب علي ليتكلم ، فقال المأمون : ~~لا تبضن لسانك بحرف واحد . ثم أمر بنيه بالانصراف . PageV01P406 # | محاسن البنات # قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : نعم الولد البنات مطلقات مجهزات ~~مؤنسات مباركات مفليات فاليات مندبات نادبات . قال : ودخل عبد الله بن ~~الزبير على معاوية بن أبي سفيان وبنية له تمرغ على صدره فقال : أمطها عنك ~~يا أمير المؤمنين فإنهن يقرين الأعداء ويورثن البعداء . فقال معاوية : مهلا ~~يا ابن الزبير فما مرض المرضى ولا ندب الموتى ولا بر الأحياء كهن . فقال ~~ابن الزبير : قد تركتهن آثر عندي من الأبناء . وحكي أنه قال : والله لقد ~~دخلت يوما وما أحد أبغض إلي منهن وإني أخرج وما أحد أحب إلي منهن . وروي عن ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : ما من أحد أمتي ولدت له جارية ~~فلم يتسخط ما خلق الله جل وعز إلا هبط ملك من السماء بجناحين أخضرين موشحين ~~بالدر والياقوت في سلم من در ويزف من درجة إلى درجة حتى يأتيه بالبركة فيضع ~~يده على رأسها وجناحه على جسدها ثم يقول : بسم الله وبالله محمد رسول الله ~~ربي وربك الله نعم الخالق الله ضعيفة خرجت من ضعيف المنفق عليها معان إلى ~~يوم القيامة . وقال ابن المقفع لرجل ms443 ولدت له جارية : بارك الله لك في ~~الابنة المستفادة وجعلها لكم زينا وأجرى لكم عليها خيرا ، فلا تكرهنهن ~~فإنهن الأمهات والأخوات والعمات والخالات ومنهن الباقيات الصالحات ، ورب ~~غلام ساء أهله بعد مسرتهم ، ورب جارية فرحت أهلها بعد مساءتهم ، وأنشد في ~~ذلك : سخطت بنية عما قليل . . . تسر بها عيون الناظرات فبارك في فطيمة رب ~~موسى . . . وأنبتها نبات الصالحات وزادك عاجلا أخرى سواها . . . لسخطك إذ ~~سخطت على البنات قال : وكان لرجل امرأتان في دار واحدة فولدت إحداهما غلاما ~~والأخرى جارية فكانت أم الغلام تقول : عافاني اليوم من الجواري . . . من كل ~~سوداء كشن بالي لا تدفع الضيم عن العيال PageV01P407 وقالت أم الجارية : ~~وما علي أن تكون جاريه . . . تحفظ بيتي وترد العاريه تمشط رأسي وتكون ~~الفاليه . . . وتحمل الفاضل من خماريه حتى إذا بلغت ثمانيه . . . وزينت ~~بنقبة يمانيه زوجتها مروان أو معاويه . . . أزواج صدق بمهور غاليه # | محاسن بر البنات # عوانة قال : بلغنا أن شيخا من أصحاب معاوية كان يكاتب علي بن أبي طالب ، ~~رضوان الله عليه ، وقد كان طعن في السن ، فبلغ معاوية خبره ، فدعاه فقال : ~~أيها الشيخ إنك لتكاتب عليا ، رضي الله عنه ، ولولا سنك لقتلتك فلا تفعل ~~ولا تعد . فوقع كتاب له بعد ذلك إلى علي ، رحمه الله ، في يدي معاوية فدعاه ~~وقال : أتعرف هذا الكتاب ؟ قال : نعم ، كتب فأجبته ، فأمر معاوية بقتله . ~~فانتهى الخبر إلى ابنة له صغيرة ، فجاءت حتى قامت بين يدي معاوية وأنشأت ~~تقول : معاوي لا تقتل أبا كان مشفقا . . . علينا فنبقى إن فقدناه شردا ~~وتوتم أولاد صغار بقتله . . . وإن تعف عنه كنت بالعفو أسعدا معاوي هبه ~~اليوم لله وحده . . . وللباكيات الصارخات تلددا معاوي منك العلم والحلم ~~والتقى . . . وكنت قديما يا ابن حرب مسددا فعجب معاوية وأصحابه منها ودمعت ~~عيناه ووهبه لها . قيل : وكان المأمون وجد على قائد من قواده فاستصفى ضياعه ~~وداره وأنهب دوابه وماله ، وكان شيخا فانيا ولم يكن له من الولد إلا بنية ~~صغيرة ، فأجمع أن يضرب في الأرض ويطلب من فضل الله جل وعز ويخلف بنيته ms444 . ~~فبكت الابنة وقبضت على أبيها وقالت : اقنع بما آتاك الله واصبر على محن ~~الزمان ونوائب الدهر والزم الوطن وارحم وحدتي وضعفي وقلة حيلتي أو اذبحني ~~فلا أبتلى بفراقك . فبكى الشيخ وقال : تقول ابنتي لما أردت وداعها . . . ~~وقد حضرتني نية ورحيل : لعل المنايا في رحالك تنبري . . . لنفسك ختلا أو ~~تغولك غول فتتركني أدعى اليتيمة بعدما . . . تبين وعزي بعد ذاك ذليل | ~~PageV01P408 أفي طلب الدنيا وربك بالذي . . . تسير له راع عليك كفيل أليس ~~ضعيف القوم يأتيه رزقه . . . يساق إليه والبلاد محول ويحرم جمع المال من قد ~~يرومه . . . يكد عليه رحله وحلول فلو كنت في طود على رأس هضبة . . . لها ~~نجف فيه الوعول تقيل مضعدة لا يستطاع ارتقاؤها . . . ولا لنزول يستطاع سبيل ~~إذا لأتاك الرزق يحدوه سائق . . . حثيث ويهديه إليك دليل قال : فنمى الخبر ~~إلى المأمون ، فدعا بالشيخ فاستنشده شعره فأنشده ، فرق له وأمر برد جميع ما ~~أخذ منه وأعاده إلى مرتبته وزاده من عنايته . قال : وعاش يزيد بن زبيبة ~~الشيباني دهرا طويلا حتى لحق زمن الحجاج وسعى مع ابن الأشعث ، فظفر به ~~الحجاج وورد عليه كتاب عبد الملك بن مروان يأمره بقتله . فلما دعا به قال ~~له : أيها الأمير اتق الله بسبع عشرة نسوة أو تسع عشرة نسوة ليس لهن قيم ~~غيري ! قال : أحضرهن . فلما أحضرهن سألهن الحجاج عن شأنهن فما منهن امرأة ~~إلا وهي تقول : اقتلني ودعه . فقامت بنية له صغيرة فبكت بكاء حارا موجعا ~~محرقا وأنشأت تقول : أحجاج إما أن تجود بنعمة . . . علينا وإما أن تقتلنا ~~معا أحجاج كم تفجع به إن قتلته . . . ثلاثا وعشرا واثنتين وأربعا فمن رجل ~~دان يقوم مقامه . . . علينا فمهلا لا تزدنا تضعضعا فرحمه الحجاج وكتب إلى ~~عبد الملك يسأله العفو عنه ، فأجابه إلى ذلك ، وأطلقه . # | مساوئ من كره البنات # قيل : وبشر الأحنف بجارية فبكى . فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : لم لا أبكي ~~وهي عورة ، وبكاؤها عبرة ، وهديتها سرقة ، ونصرتها البكاء ، ومهنأها لغيري ~~! ومما قيل فيها من الشعر : لولا البنية لم أجزع من العدم . . . ولم أجب في ms445 ~~الليالي حندس الظلم وزادني رغبة في العيش معرفتي . . . ذل اليتيمة يجفوها ~~ذوو الرحم تهوى بقاي وأهوى موتها شفقا . . . والموت أكرم نزال على الحرم ~~PageV01P409 مخافة الفقر يوما أن يلم بها . . . فيكشف الدهر عن لحم على وضم ~~إذا تذكرت بنتي حين تندبني . . . فاضت لرحمة بنتي عبرتي بدم ولآخر : أحب ~~بنيتي ووددت أني . . . دفنت بنيتي في جوف لحد وما لي بغضها غرضا ولكن . . . ~~مخافة ميتتي فتضيع بعدي مخافة أن تصير إلى ليئم . . . فيفضح والدي ويشين ~~جدي فليت الله أكرمها بقبر . . . وإن كانت أعز الناس عندي فتستر عورتي ~~وتكون أجرا . . . إذا قدمتها وكتمت وجدي وتتبع بعد ذاك بأم صدق . . . فتؤنس ~~بنتها وأعيش وحدي ولآخر : فكل أبي بنت يرجي ببعلها . . . ثلاثة أصهار إذا ~~عدد الصهر فزوج يراعيها وحدن يصونها . . . وقبر يواريها وخيرهم القبر # | مساوئ البنات # ذكروا أن الضيزن الغساني ملك الحيرة سار إليه سابور ذو الأكتاف ، فتحصن ~~الضيزن وحاصره شهرا ، وأن مليكة بنت الضيزن نظرت من ناحية السور إلى سابور ~~فهويته وأرسلت إليه : إني قد هويتك وسأدلك على فتح هذه المدينة . فقال : ~~افعلي وأنا لك وبين يديك . فأسكرت حفاظ السور وفتحت الأبواب ، فدخل سابور ~~فقتل من قدر عليه وأخذ أباها أسيرا . فلما أصبح سابور أمر فأدخل إليه ~~الضيزن وهو قاعد على سرير من ذهب والجارية إلى جنبه ، فلما رآها ضرب بيده ~~ورجله وغشي عليه ، وقال لها حين أفاق : ما لك سود الله وجهك كما سودت وجهي ~~وسلطه عليك ؟ فأمر به سابور فضربت عنقه وغنم هو وأصحابه غنائم كثيرة وانصرف ~~إلى دار ملكه وأمر للجارية بمقصورة فبنيت لها فأسكنها فيها وأعجب بها ~~إعجابا شديدا ، فمكثت عنده حولا ثم إنه دعاها ذات ليلة فباتت معه على فراش ~~حشوه ريش فقلقت قلقا شديدا . فقال لها : ما لك يا حبيبتي ؟ قالت : إن في ~~الفراش شيئا خشنا قد أقلقني . ففتش الفراش فوجد تحت الريش ورقة آس وإذا هي ~~قد أثرت في جنبها بمقدار الورقة لرطوبة جسدها ولين بشرتها . فقال لها : ما ~~الذي كان أبوك يغذوك به ؟ قالت : بالمخ ولباب الدرمك ms446 ، وهو الحوارى ، ~~PageV01P410 بالسكر الطبرزد . فقال : والله لأكافينك ! فأمر بها فشدت ~~ضفائرها إلى أذناب فرسين فركضا فتقطعت . # | محاسن الإخوان # قال بعض الحكماء : ليس للعقلاء تنعم إلا بمودات الإخوان . وقال آخر : ~~الازدياد من الإخوان زيادة في الآجال وتوفير لحسن الحال . وقال المأمون : ~~الإخوان ثلاث طبقات : طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه ، وطبقة كالدواء يحتاج ~~إليه أحيانا ، وطبقة كالداء الذي لا يحتاج إليه . وقيل : أبعد الناس سفرا ~~من كان سفره في ابتغاء صالح . وكان يقال : أعجز الناس من فرط في طلب ~~الإخوان . وأنشد : لعمرك ما مال الفتى بذخيرة . . . ولكن إخوان الثقات ~~الذخائر وقيل : صحبة الأخيار تورث الخير ، وصحبة الأشرار تورث الشر ، ~~كالريح إذا مرت على النتن حملت نتنا ، وإذا مرت على الطيب حملت طيبا . وقال ~~شيخ من الأعراب : عاشروا الناس معاشرة إن عشتم حنوا إليكم وإن متم بكوا ~~عليكم . وقيل في ذلك : قد يمكث الناس حينا ليس بينهم . . . ود فيزرعه ~~التسليم واللطف يسلي الشقيقين طول النأي بينهما . . . وتلتقي شعب شتى ~~فتأتلف وقال آخر : كم إخوة لك لم يلدك أبوهم . . . وكأنما آباؤهم ولدوكا ~~وأقارب لو أبصروك معلقا . . . بنياط قلبك ما رؤوا رحموكا وقال علي بن أبي ~~طالب ، رضي الله عنه ، لابنه الحسن ، صلوات الله عليه : ابذل لصديقك كل ~~المودة ولا تطمئن إليه كل الطمأنينة ، وأعطه كل المؤاساة ولا تفض إليه بكل ~~الأسرار . وقال العباس بن جرير : المودة تعاطف القلوب وائتلاف الأرواح وأنس ~~النفوس ووحشة الأشخاص عند تنائي اللقاء وظهور السرور بكثرة التزاور ، وعلى ~~حسب مشاكلة الجواهر يكون الاتفاق في الخصال . وكتب بعض الكتاب : إن فلانا ~~أولاني جميلا من البشر مقرونا بلطيف من الخطاب في PageV01P411 بسط وجه ولين ~~كنف ، فلما كشفه الامتحان بيسير الحاجة كان كالتابوت المطلي بالذهب المملوء ~~بالعذرة ، أعجبك حسنه ما دام مطبقا فلما فتح آذاك نتنه ، فلا أبعد الله ~~غيره . وقال بعضهم : من لم يؤاخ من الإخوان إلا من لا عيب فيه قل صديقه ، ~~ومن لم يرض من صديقه إلا بإيثاره إياه على نفسه دام سخطه ، ومن جانب على ~~غير ذنب إخوانه كثر ms447 عدوه . # | مساوئ الإخوان # أنشد لبعضهم : والله لو كرهت كفي منادمتي . . . لقلت للكف بيني إذ ~~كرهتيني ولآخر : فإني لو تخالفني شمالي . . . خلافك ما وصلت بها يميني إذا ~~لقطعتها فلقلت بيني . . . كذلك أجتوي من يجتويني ولآخر : من لم يردك فلا ~~ترده . . . هبه كمن لم تستفده باعد أخاك إذا نأى . . . وإذا دنا شبرا فزده ~~قال : وسمعها الكسروي فقال : في سعة الأرض وفي عرضها . . . مستبدل بالأهل ~~والجار فمن دنا منا فأهلا به . . . ومن تولى فإلى النار ولآخر : وقائل كيف ~~تهاجرتما . . . فقلت قولا فيه إنصاف لم يك من شكلي فتاركته . . . والناس ~~أشكال وألاف ولآخر : تود عدوي ثم تزعم أنني . . . صديقك إن الرأي عنك لعازب ~~وليس أخي من ودني رأي عينه . . . ولكن أخي من ودني وهو غائب وقد قالت ~~الحكماء الأوائل : نعوذ بالله من بوائق الثقات ومن الاغترار بظاهر المودات ~~. وأنشد الآخر : إن اختياريك على خبرة . . . أعجب شيء مر في العالم وأنشد : ~~PageV01P412 إن اختياريك لا عن خبرة سلفت . . . إلا الرجاء ومما يخطيء ~~النظر كالمستغيث ببطن السيل يحسبه . . . جزرا يبادره إذ بله المطر وأنشد ~~لآخر : إذا كنت في قوم فقارن سراتهم . . . فإنك منسوب إلى من تقارن وبيت ~~عدي بن زيد في هذا المعنى مختار قديم : عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه . . . ~~فإن القرين بالمقارن يقتدي ولآخر في هذا المعنى : مشي البري مع المقارف ~~تهمة . . . ويرى البري مع السقيم فيلصخ ولآخر في هذا المعنى : إذا اعتذر ~~الصديق إليك يوما . . . من التقصير عذر أخ مقر فصنه عن جوابك واغض عنه . . ~~. فإن العفو شمية كل حر ولبعض الكتاب : وصاحب كان لي وكنت له . . . أشفق من ~~والد على ولد وكان لي مؤنسا وكنت له . . . ليست بنا حاجة إلى أحد كنا كساق ~~تمشي بها قدم . . . أو كذراع نيطت إلى عضد حتى إذا أمكن الحوادث من . . . ~~حظي وحل الزمان من عقدي ازور عني وكان ينظر من . . . عيني ويرمي عن ساعدي ~~ويدي حتى إذا استرفدت يدي يده . . . كنت كمسترفد يد الأسد # | محاسن الخصيان # من مناقب الخصيان أن الخصي لا يصلع ومتى خصي قبل الإنبات ms448 لم ينبت ، وإذا ~~خصي بعد استحكام الشعر في مواضع الشعر تساقط كله إلا شعر الرأس والحاجبين ~~وأشفار العينين ، وإنما يعرض لما يتولد من فضول البدن ، ولم ير خصي قط ~~مخنثا ولا سمعنا به ولا ندري كيف ذلك ولا نعرف المانع منه ما هو ، وقد كان ~~ينبغي أن يكون ذلك فيهم خلقة ويشمل جماعتهم لشبههم بالنساء وقربهم من ~~الصبيان ، وقد رأينا غير واحد من الأعراب مخنثا ورأينا عدة مجانين مخنثين ~~وأخبرني من رأى كرديا مخنثا . ومن فضائل الخصي أن المرأة تميل إليه لأن ~~أمره أستر وعاقبته أسلم وتحرص عليه لأنه PageV01P413 ممنوع عنها وترغب في ~~السلامة من الولد . والخصي إذا تنسك غزا ولزم الثغور وبادر بماله إلى طرسوس ~~. وقيل فيهم : ونساء لمطمئن مقيم . . . ورجال إن كانت الأسفار وقد يرى ~~الخصي وكأن السيوف تلمع في لونه وكأنه مرآة صينية وجمارة أو قضيب فضة قد ~~مسه ذهب وكأن في وجنتيه الورد ، ويعرض له صبر على طول الركوب والقوة على ~~كثرة الركض حتى يجاوز في ذلك رجال الأتراك وفرسان الخوارج ، وهم أطول الناس ~~أعمارا ، وما ذلك فيما أرى إلا لعدم النكاح وقلة استنزاح النطف ، ولذلك ~~يقال : إن البغل أطول أعمارا من سائر الدواب والعصفور أقلها أعمارا ، وما ~~ذلك إلا لكثرة سفادة العصفور وقلة نزو البغال . ولو أن أخوين أحدهما توأم ~~أخيه خصي أحدهما لخرج الخصي منهما أجود خدمة وأفطن لأبواب المعاطاة وأذكى ~~عقلا عند المخاطبة من أخيه الذي ولد معه في وقت واحد . # | مساوئ الخصيان # قيل : كل ذي ريح منتنة وكل ذي ذفر وصنان كريه المشم كالتيس وما أشبهه ~~فإنه متى خصي نقص نتنه وذهب صنانه غير الإنسان فإن الخصي يعود أنتن ما كان ~~وصنانه أحد ، ويعتري الخصيان خبث العرق حتى توجد لأجسادهم رائحة لا تكون ~~لغيرهم ، وكل شيء من الحيوان يخصى فإن عظمه يدق ويسترخي لحمه ويتبرأ من ~~عظمه ويعود رخصا رطبا بعد أن كان عضلا صلبا ، والإنسان إذا خصي طال عظمه ~~وعرض ويعرض له طول القدم واعوجاج الأصابع ويعرض له سرعة التغير والتبدل ms449 ~~والانقلاب من حد الرطوبة والبضاضة وملاسة الجلد وصفاء اللون ورقته والتقبض ~~إلى الهزال وسوء الحال ، ويعرض للخصيان سرعة الرضى والغضب وحب النميمة وضيق ~~الصدر لما أودع من سر ، وما أكثر ما يعرض للخصيان البول في الفراش ولا سيما ~~إذا بات أحدهم ممتلئا من النبيذ ، ويعرض لهم حب الشراب والإفراط في شهوته ، ~~ويعرض لهم سرعة الدمعة والعبث واللعب بالطير والفخ وما أشبه ذلك وجاء من ~~أخلاق الصبيان ، ويعرض لهم الشره عند الطعام والبخل عليه . والخصي تسخن ~~معدته وتلين جلدته وتنحدر شعرته ويتسع دبره . والخاصي ربما عمد إلى الصبي ~~ليخصيه فتتقلص إحدى خصيتيه وتصير البيضة في موضع لا يمكنه ردها إلى مكانها ~~فيقطع ما ظهر له ويبقى ذا بيضة واحدة فهو حينئذ لا امرأة ولارجل ولا خصي ~~وتخرج لحيته فلا يدعه الناس في دورهم فلا يكون مع الخصيان مقربا ولا مع ~~الفحول مستخدما ، وقد فاته غشيان النساء ولذة النسل والتمتع بشم الأولاد . ~~PageV01P414 على أن في الخصيان شرها شديدا وميلا عجيبا إلى النساء ، من ذلك ~~ما حكي عن أبي المبارك الخصي ومسامحته في حفظ النساء فقال : والله إني ربما ~~أسمع نغمة المرأة فأظن أن كبدي قد ذابت وأن عقلي قد اختلس ، وربما نزا ~~فؤادي عند ضحك إحداهن حتى أظن أنه قد خرج من فمي فكيف ألوم عليه غيري ؟ قال ~~: وكان الجماز يتعشق جارية لآل جعفر يقال لها طغيان ، وكان لهم خصي يسمى ~~سنانا يحفظها وكان يتعشق الجارية أيضا ، وحال بينها وبين الجماز ومنعها من ~~الدنو منه . فقال الجماز : ما للمقيت سنان . . . وللظباء الملاح أليس زان ~~خصي . . . غاز بغير سلاح قيل : ودخل معاوية بن أبي سفيان على امرأته ميسون ~~بنت بحدل وهي أم ابنه يزيد ومعه خصي فاستترت منه . فقال : لم تتسرين عنه ~~وإنما هو بمنزلة المرأة ؟ فقالت : كأنك ترى أن مثلتك به تحلل له ما حرم ~~الله عليه مني . قيل : وكان إسحاق بن مسلم العقيلي جالسا عند المنصور فمر ~~خادم وضيء الوجه فقال : يا أمير المؤمنين أي ولدك هذا ؟ قال : ما هو لي ms450 ~~بولد . قال : فأي إخوة أمير المؤمنين هذا ؟ قال : ما هو لي بأخ . قال : فمن ~~هو ؟ قال : فلان الخادم . قال : يا أمير المؤمنين فبكم شمة هذا وضمته أحب ~~إليها من شمتك وضمتك ! قال : فتداخل المنصور من ذلك أمر عظيم حتى تغير وجهه ~~وأمر بمنع الخدم من دخول دار النساء . # | محاسن العبيد # قال : مر عبيد الله بن معمر بحبشي يأكل تمرا وبين يديه كلب ، فلما وضع في ~~فمه لقمة رمى إلى الكلب بلقمة وتمرة . فقال له عبيد الله : هذا الكلب لك ؟ ~~قال : لا . قال : فكيف صرت تطعمه وأنت تأكل ؟ قال : إني لأستحيي ذا عينين ~~أن ينظر إلي وأنا آكل فلا أطعمه . قال له عبيد الله : أأنت حر أم عبد ؟ قال ~~: عبد لبني غاضرة . فأتاهم فقال : لمن الحبشي ؟ قال صاحبه : لي . فقال : ~~بعه مني . قال : هو لك . قال : لا والله إلا أن تأخذ ثمنه أو غلاما يكون ~~محله . فاشتراه ثم قال : أشهدكم أنه حر لوجه الله جل وعز . قيل : ومر عبد ~~الله بن عمر براع مملوك يرعى غنما فقال له : بعني شاة من هذه الغنم . فقال ~~: إنها ليست لي . فقال : أين العدل ؟ فقال : فأين الله جل وعز ؟ فاشتراه ~~ابن عمر وأعتقه . PageV01P415 فقال : اللهم قد رزقني العتق الأصغر فارزقني ~~العتق الأكبر ، أو قال : فلا تحرمني العتق الأكبر . قال : وكان لكثير عزة ~~عبد راع يتولى بيع غنمه فباع عزة وهو لا يعرفها شيئا من غنمه ، فقال يوما ~~وهو يتقاضاها : قضى كل ذي دين فوفى غريمه . . . وعزة ممطول معنى غريمها ~~فقالت له امرأة : أتعرف عزة ؟ قال : لا . قالت : فهذه والله عزة ، فقال : ~~لا والله لا آخذ منها شيئا أبدا ! ورجع إلى كثير فأخبره فأعتقه لما فعل . # | مساوئ العبيد # وعن حميد الطويل : كان رجل له غلام فباعه وقال للمشتري : إني أبرأ إليك ~~من كل عيب به إلا عيبا واحدا . قال : وما هو ؟ قال : النميمة . قال : أنت ~~بريء منه فإني لا أقبل قوله . قال : فما لبثت إلا قليلا حتى أتى السيد ~~السيد وقال : إن امرأتم بغي وهي تريد ms451 أن تقتلك وتتزوج غيرك . قال : وما ~~يدريك ؟ قال : قد عرفت ذلك ، فتناوم عليها فإنه سيظهر لك ما أقول . وأتى ~~المرأة فقال : إن زوجك يريد أن يخلعك ويتزوج غيرك فهل لك أن أرقيك فيرجع ~~إليك حبه ؟ قالت : نعم ولك كذا وكذا . قال : ائتني بثلاث شعرات من تحت حنكه ~~. فلما دنت منه لتتناول الشعر قام إليها بالسيف ولم يشك فيما قاله الغلام ~~فقتلها ، وجاء إخوة المرأة فقتلوا الزوج فذهبا جميعا بسوء صنيع عبدهما ~~وقبولهما نميمته . ومما قيل فيهم من الشعر : وإذا ما جهلت ود صديق . . . ~~فاختبر ما جهلت بالغلمان إن وجه الغلام يخبر عما . . . في ضمير المولى من ~~الكتمان قال : وكتب الطائي إلى بعض إخوانه يسأله نبيذا ، فأمر له بذلك ~~ومنعه الغلام . فقال : أبا جعفر وأصول الفتى . . . تدل عليه بأغصانه أليس ~~قبيح بأن امرأ . . . رجاك لصالح أزمانه فتأمر أنت بإعطائه . . . ويأمر فتح ~~بحرمانه ولست أحب الشريف الظريف . . . يكون غلاما لغلمانه # | مساوئ سوء معاملات الموالي لعبيدهم # قال : وقال أبو العباس الموصلي : كان لي جار فسمعت من داره استغاثة ~~مضروبين ، PageV01P416 فلما سألت عن الخبر قيل : إنه فقد دجاجة . فكتبت ~~أبياتا في رقعة وشددتها في رجل دجاجة وألقيتها في داره وضمنتها : يا ذا ~~الذي من أجل فروجة . . . أظهر للعالم أخلاقه ألقى على الغلمان من أجلها . . ~~. بالضرب والتعذيب أرواقه رفقا قليلا بعقوباتهم . . . فإنهم لم يعقروا ~~الناقه قيل : وقدم أعرابي مصرا من الأمصار فدخل سوق النخاسين ليبتاع جارية ~~فصادف جارية قد أقيمت لتباع يبرأ فيها من الإباق والسرقة والسكر والفجور ~~وقد تحاماها الناس فاشتراها وأبرأهم من عيوبها ، فقال له رجل : يا عبد الله ~~لقد اشتريت بمالك ما لم يكن غيرك يأخذه بلا ثمن ! فقال : إنا لسنا نكره من ~~مثلها ما تكرهون ، أما الإباق فوالله إن أدنى ماء من مياهنا لعلى مسيرة خمس ~~ولربما سرى الرجل الهادي من حيث ينزل فيصبح بحيث يرى فأنى لها بالإباق ؟ ~~وأما السرق فما عسى أن تسرق شاة أو بعيرا أو قتبا أو حلسا . وأما السكر ~~فوالله ما نقدر على ريها من الماء ms452 فكيف تصيب شرابا ؟ وأما الفجور فإن لنا ~~زنوجا يخدموننا فما نكره أن يقع عليها بعضهم فننتفع بولدها . ثم عمد إلى ~~ثوبين مصبوغين كانا عليها فانتزعهما منها وقال : مولاتك أحق بهما . وألبسها ~~مدرعة . فبكت الجارية وقالت : قد كانت مولاتي تدعو علي وتقول : باعك الله ~~في الأعراب . فقال : لأنا نجيع كبده ونعري جلده ونطيل كده . # | محاسن مطالبة المعلمين بالتعليم # قال : كان الرشيد جعفر محمدا الأمين في حجر الفضل بن يحيى وعبد الله ~~المأمون في حجر جعفر بن يحيى . فقال الفضل بن يحيى لهيثم بن بشير الواسطي : ~~ليكن أكثر ما تأخذ به ولي العهد تعظيم الدماء ، فإني أحب أن يشرب الله قلبه ~~الهيبة لها والعفاف عن سفكها . ثم إن الرشيد أرسل إلى الأحمر النحوي فلما ~~دخل عليه قال : يا أحمر أن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه ~~وصير يدك عليه مبسوطة ومقالتك فيه مصدقة وطاعتك عليه واجبة ، فكن له بحيث ~~وضعك أمير المؤمنين ، أقرئه القرآن وعلمه الآثار والأخبار والسنن وروه ~~الأشعار وبصره مواقع الكلام ومره بالرزانة في مجلس والاقتصاد في نظره وسمعه ~~، فلا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيده إياها وكلمة نافعة ~~يعيها ويحفظها من غير أن تخرق به فتميت ذهنه وتمله ، ولا تمعن في مسامحته ~~فيستحلي الفراغ ويألفه ، وقومه بالتقريب والملاينة ، فإن أبى فالشدة . قال ~~الأحمر : فكنت كثيرا ما أشدد عليه في التأديب وأمنعه الساعات التي يتفرغ ~~فيها للهو PageV01P417 واللعب . فشكا ذلك إلى خالصة فأتتني برسالة من أم ~~جعفر تعزم علي بالكف عنه وأن أجعل له وقتا أجمه فيه لتوديع بدنه . فقلت : ~~الأمير قد عظم قدره وبعد صوته ، وموقعه من أمير المؤمنين ومكانه من ولايه ~~العهد لا يحتملان التقصير ولا يقبل منه الخطل ولا يرضى منه بالزلل في ~~المنطق والجهل بشرائع الدين والعمى عن الأمور التي فيها قوام السلطان ~~وإحكام السياسة . قالت : صدقت غير أنها والدة لا تملك نفسها ولا تقدر على ~~كف إشفاقها وحذرها ومع حذرها أمر إن شئت حدثتك به . فقلت : وما ذاك ؟ قات ms453 : ~~حدثتني السيدة أنها رأت في الليلة التي حملت فيها به كأن ثلاث نسوة دخلن ~~عليها فقعدت منهن ثنتان واحدة عن يمينها وواحدة عن يسارها ، فأمرت إحدى ~~الثلاث يدها على بطنها ثم قالت : ملك ربحل عظيم البذل ثقيل الحمل سريع ~~الأمر . وقالت الثانية : ملك قصير العمر سليم الصدر متهتك الستر . وقالت ~~الثالثة : ملك قصاف عظيم الإتلاف يسير الخلاف قليل الإنصاف . فانتبهت وأنا ~~فزعة فلم أحس لهن أثرا حتى كانت الليلة التي وضعته فيها أتينني في الخلق ~~الذي رأيتهن فقعدن عند رأسه واطلعن جميعا في وجهه ثم قالت واحدة منهن : ~~شجرة نضرة وريحانة جنية وروضة زاهره وعين غدقة ، قليل لبثها عجل ذهابها . ~~وقالت الثانية : سفيه غارم وطالب للمغارم جسور على المخاصم . وقالت الثالثة ~~: احفروا قبره وشقوا لحده وقربوا أكفانه وأعدوا جهازه فإن موته خير له من ~~حياته . قالت : فبقيت متحيرة وبعثت إلى المنجمين والمعبرين ومن يزجر الطير ~~فكل يبشرني بطول عمره ويعدني بقاءه وسعادته وقلبي يأبى إلا الحذر عليه ~~والتهمة لما رأيت في منامي . وبكت خالصة وقالت : يا أحمر وهل يدفع الإشفاق ~~والحذر والاحتراق واقع القدر أو يقدر أحد على أن يدفع عن أحبائه الأجل ؟ ~~قلت : صدقت إن القضاء لا يدفعه شيء . ثم كان من أمره ما كان . ثم اتخذ ~~الرشيد قطربا النحوي على الأمين ، وكان حماد عجرد يتعشق الأمين ويطمع فيه ~~أن يتخذه عليه مؤدبا فلم يتهيأ له ذلك لتهتكه وقبيح ذكره في الناس ، وقد ~~كان رام ذلك فلم يجب إليه ، فلما سمع أن قطربا قد استوى أمره وأجيب إلى ذلك ~~لستره وعفافه أخذ حمادا المقيم والمقعد حسدا على ما ناله قطرب من ذلك وبلغه ~~من المنزلة الرفيعة والدرجة السنية ، فأخذ رقعة وكتب فيها أبياتا ودفعها ~~إلى بعض الخدم الذين يقومون على رأس الرشيد وجعل له على ذلك جعلا وسأله أن ~~يودع الرقعة دواة أمير المؤمنين . ففعل فما كان بأسرع من أن دعا الرشيد ~~بالدواة فإذا فيها رقعة فيها هذه الأبيات : قل للإمام جزاك الله مغفرة . . ~~. لا يجمع الدهر بين السخل ms454 والذيب PageV01P418 السخل غر وهم الذئب غفلته . ~~. . والذئب يعلم ما بالسخل من طيب فلما قرأ الرشيد الرقعة قال : انظروا أن ~~لا يكون هذا المعلم لوطيا انفوه من الدار . فأخرجوه عن تأديب الأمين واتخذ ~~عليه حمادا ، وجعل عليه ثمانين من الرقباء . قال : ولما وسم قطرب بهذه ~~السمة القبيحة خاف أن يلحقه بعض ما يكره فهرب إلى الكرج وتوسل إلى أبي دلف ~~ومعقل ببراعة الأدب ، فلما عرفا غزارة فنه ووقفا على معرفته اصطفياه ~~لأنفسهما وأحلاه محلا رفيعا وقدماه على جميع أهل الأدب وأرغدا له في العطية ~~، فلما رأى قطرب برهما به وإلطافهما به رغب في المقام بالكرج وأثرى وكثر ~~ماله . فيقال : إن أصل هذه الآداب التي وقعت بالكرج إلى أبي دلف ومعقل من ~~علم قطرب وتصنيفه الكتب . وإن المأمون سأل أبا دلف : من خلفت بالجبل منسوبا ~~إلى الأدب ؟ قال : ما خلفت غير قطرب . فقال المأمون : صدقت ، إن لقطرب ~~لمحلا من هذا الشأن . وعن أبي محمد اليزيدي قال : كنت أؤدب المأمون وهو في ~~حجر سعيد الجوهري ، فأتيته يوما وهو داخل فوجهت إليه بعض غلمانه يعلمه ~~بموضعي فأبطأ علي ثم وجهت إليه آخر فأبطأ ، فقلت لسعيد : إن هذا الفتى ربما ~~تأخر وتشاغل بالبطالة . قال : أجل ومع هذا إذا تأخر تعرم على خدمه ولقوا ~~منه أذى فقومه بالأدب . فلما خرج أمرت بحمله وضربته تسع درر ، قال : فإنه ~~ليدلك عينه من أثر البكاء إذ أقبل جعفر بن يحيى فاستأذن وأخذ منديلا فمسح ~~عينيه وجمع ثيابه وقام إلى فراشه وقعد عليه متربعا ثم قال : يدخل . فدخل ~~وقمت عن المجلس وخفت أن يشكوني إليه فألقى منه ما أكره . قال : فأقبل عليه ~~بوجهه وحديثه حتى أضحكه وضحك . فلما هم بالحركة دعا بدابته وأمر غلمانه ~~فسعوا بين يديه ثم سأل عني فجئت فقال : خذ ما بقي من حزني . فقلت : أيها ~~الأمير لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر ولو فعلت ذلك لتنكر لي . قال : إنا لله ~~، أتراني يا أبا محمد كنت أطمع الرشيد في هذه فكيف جعفرا أطلعه على أني ~~أحتاج إلى ms455 أدب ؟ يغفر الله لك ، خذ في أمرك فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدا ~~ولو عدت في كل يوم مرة . وكان لسعيد الجوهري غلام قد لز بالمأمون في الكتاب ~~فكان إذا احتاج المأمون إلى محو لوحه بادر إليه فأخذ اللوح من يده فمحاه ~~وغلب على غلمان المأمون ومسحه وجاء به فوضعه على المنديل في حجره ، فلما ~~سار المأمون إلى خراسان وكان من أخيه ما كان خرج إليه غلام سعيد فوقف ~~بالباب حتى جاء أبو محمد اليزيدي فلما رآه عرفه فدخل فأخبر المأمون . فقال ~~له PageV01P419 مستبشرا بقدومه : لك البشرى ! ثم أذن له فدخل عليه فضحك ~~إليه حين رآه ثم قال : أتذكر وأنت تبادر إلى محو لوحي ؟ قال : نعم يا سيدي ~~. فوصله بخمس مائة ألف درهم . ثم اتخذ الرشيد الحسن اللؤلؤي بعد أبي محمد ~~اليزيدي على المأمون ، فبينا هو يطارحه شيئا من الفقه إذ نعس المأمون . ~~فقال له اللؤلؤي : نمت أيها الأمير ! فقال المأمون : سوقي ورب الكعبة ! ~~خذوا بيده . فبلغ الرشيد ما صنع فقال متمثلا : وهل ينبت الخطي إلا وشيجه . ~~. . وتغرس إلا في منابتها النخل # | محاسن المعلمين # قال : شهد رجل عند سوار القاضي فقال : ما صناعتك ؟ قال معلم . قال : فإنا ~~لا نجيز شهادتك . قال : ولم ؟ قال : أنك تأخذ على التعليم أجرا . قال : ~~وأنت تأخذ على القضاء بين المسلمين أجرا . قال : أكرهت عليه . قال : فهبك ~~أكرهت على القضاء فمن أكرهك على أخذك الأجر والرزق على الله ؟ فقال : هلم ~~شهادتك ، فأجازها . قال : وكان لشريح القاضي ابن يكثر البطالة فنظر إليه ~~شريح يوما وهو يهارش بكلب له فكتب رقعة إلى معلمه وفيها هذه الأبيات : ترك ~~الصلاة لأكلب يسعى بها . . . طلب الهراش مع الغواة الرجس فإذا أتاك فغطه ~~بملامة . . . وعظته موعظة الرفيق الأكيس فإذا هممت بضربه فبدرة . . . وإذا ~~ضربت بها ثلاثا فاحبس وليحملن مني إليك صحيفة . . . نكراء مثل صحيفة ~~المتلمس اعلم بأنك ما أتيت فنفسه . . . مع ما يجرعني أعز الأنفس فضربه ~~المعلم عشرا عشرا . فقال له شريح : لم ثنيت عليه الضرب ؟ فقال : العشر ~~الأولى للبطالة والثانية ms456 للبلادة حيث لا يدري ما يحمل . # | مساوئ المعلمين # قيل : كان معلم يصلي بالناس في شهر رمضان وكان يقف على ما لا يوقف عليه ، ~~فقرأ : واتبعوا ما تتلو الش ، ثم قال : الله أكبر ، فركع ثم قام في الثانية ~~. فقلت : ما تراه يصنع ؟ فلما قال : ولا الضالين ، فقال : ياطين على ملك ~~سليمان . PageV01P420 قال : وسمعت معلما يقرأ بالناس في شهر رمضان : وإذ ~~قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا ~~وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا . وقال بعضهم : الله جل وعز أعان ~~على عرامة الصبيان برقاعة المعلمين . وقال فيهم بعض الشعراء : وهل يستفيد ~~العقل من كان دهره . . . يروح على أنثى ويغدو على طفل وقال آخر : إذا كنت ~~وراقا فأنت محارف . . . وحسبك نوكى أن تكون معلما # | محاسن السؤال # قال الجاحظ : سمعت شيخا من المكدين وقد التقى مع شاب منهم قريب العهد ~~بالصناعة فسأله الشيخ عن حاله فقال : بعن الله الكدية ولعن أصحابها من ~~صناعة ما أخسها وأقلها ، إنها ما علمت تخلق الوجه وتضع من الرجال ، وهل ~~رأيت مكديا أفلح ؟ قال : فرأيت الشيخ قد غضب والتفت إليه فقال : يا هذا ~~أقلل الكلام فقد أكثرت ، مثلك لا يفلح لأنك محروم ولم تستحكم بعد وإن ~~للكدية رجالا فما لك ولهذا الكلام ! ثم التفت فقال : اسمعوا بالله يجيئنا ~~كل نبطي قرنان وكل حائك صفعان وكل ضراط كشحان يتكلم سبعا في ثمان إذا لم ~~يصب أحدهم يوما شيئا ثلب الصناعة ووقع فيها ، أوما علمت أن الكدية صناعة ~~شريفة وهي محببة لذيذة صاحبها في نعيم لا ينفد فهو على بريد الدنيا ومساحة ~~الأرض وخليفة ذي القرنين الذي بلغ المشرق والمغرب حيث ما حل لا يخاف البؤس ~~، يسير حيث شاء ، يأخذ أطايب كل بلدة ؟ فهو أيام النرسيان والهيرون بالكوفة ~~، ووقت الشبوط وقصب السكر بالبصرة ، ووقت البرني والأزاذ والرازقي والرمان ~~المرمر ببغداد ، وأيام التين والجوز الرطب بحلوان ، ووقت اللوز الرطب ~~والسختيان والطبرزد بالجبل ، يأكل طيبات الأرض ، فهو رخي البال حسن الحال ~~لا يغتم لأهل ولا ms457 مال ولا دار ولا عقار ، حيث ما حل فعلفه طبلي ، أما والله ~~لقد رأيتني وقد دخلت بعض بلدان الجبل ووقفت في مسجدها الأعظم وعلي فوطة قد ~~ائتزرت بها وتعممت بحبل من ليف وبيدي عكازة من خشب الدفلى وقد اجتمع إلي ~~عالم من الناس كأني الحجاج بن يوسف على منبره وأنا أقول : يا قوم رجل من ~~أهل الشام ثم PageV01P421 من بلد يقال له المصيصة من أبناء الغزاة ~~والمرابطين في سبيل الله من أبناء الركاضة وحرسة الإسلام ، غزوت مع والدي ~~أربع عشرة غزوة سبعا في البحر وسبعا في البر ، وغزوت مع الأرمني ، قولوا ~~رحم الله أبا الحسن ، ومع عمر بن عبيد الله ، قولوا رحم الله أبا حفص ، ~~وغزوت مع البطال بن الحسين والرنرداق بن مدرك وحمدان بن أبي قطيفة ، وآخر ~~من غزوت معه يازمان الخادم ، ودخلت قسطنطينية وصليت في مسجد مسلمة بن عبد ~~الملك ، من سمع باسمي فقد سمع ومن لم يسمع فأنا أعرفه نفسي ، أنا ابن ~~الغزيل بن الركان المصيصي المعروف المشهور في جميع الثغور والضارب بالسيف ~~والطاعن بالرمح ، سد من أسداد الإسلام نازل الملك على باب طرسوس فقتل ~~الذراري وسبى النساء ، وأخذ لنا ابنان وحملا إلى بلاد الروم فخرجت هاربا ~~على وجهي ومعي كتب من التجار فقطع علي وقد استجرت بالله ثم بكم فإن رأيتم ~~أن تردوا ركنا من أركان الإسلام إلى وطنه وبلده ! فوالله ما أتممت الكلام ~~حتى انهالت علي الدراهم من كل جانب وانصرفت ومعي أكثر من مائة درهم . فوثب ~~إليه الشاب وقبل رأسه وقال : أنت والله معلم الخير فجزاك الله عن إخوانك ~~خيرا . # | أصناف المكدين وأفعالهم # منهم المكي وهو الذي يأتيك وعليه سراويل واسع دبيقي أو نرسي وفيه تكة ~~أرمنية قد شدها إلى عنقه فيأتي المسجد فيقول : أنا من مدينة مصر ابن فلان ~~التاجر وجهني أبي إلى مرو في تجارة ومعي متاع بعشرة آلاف درهم فقطع علي ~~الطريق وتركت على هذه الحال ولست أحسن صناعة ولا معي بضاعة وأنا ابن نعمة ~~وقد بقيت ابن حاجة . ومنهم السحري ms458 الذي يبكر إلى المساجد من قبل أن يؤذن ~~المؤذن . والشجوي الذي كان يؤثر في يده اليمنى ورجليه حتى يري الناس أنه ~~كان مقيدا مغلولا ويأخذ بيده تكة فينسجها يوهمك أنه من الخلدية وقد حبس في ~~المطبق خمسين سنة . ومنهم الذرارحي الذي يأخذ الذراريح فيشدها في موضع من ~~جسده من أول الليل ويبيت عليه ليلته حتى يتيقظ فيخرج بالغداة عريانا وقد ~~تنفط ذلك الموضع وصار فيه القيح الأصفر ويصب على ظهره قليل رماد فيوهم ~~الناس أنه محترق . ومنهم الحاجور وهو الذي يأخذ الحلقوم مع الرئة فيدخل ~~الحلقوم في دبره ويشرح الرئة على فخذه تشريحا رقيقا ويذر عليه دم الأخوين . ~~ومنهم الخاقاني الذي يحتال في وجهه حتى يجعله مثل وجه خاقان PageV01P422 ~~ملك الترك ويسوده بالصبر والمداد ويوهمك أنه ورم . ومنهم السكوت الذي يوهمك ~~أنه لا يحسن أن يتكلم . ومنهم الكان وهو الذي يواضع القاص من أول الليل على ~~أنه يعطيه النصف أو الثلث فيتركه حتى إذا فرغ من الأخذ لنفسه اندفع هو ~~فتكلم . ومنهم المفلفل ، الرفيقان يترافقان فإذا دخلا مدينة قصدا أنبل مسجد ~~فيها فيقوم أحدهما في أول الصف فإذا سلم الإمام صاح الذي في آخر الصف بالذي ~~في أول الصف : يا فلان قل لهم . فيقول الآخر : قل لهم أنت أنا أيش . فيقول ~~: قل ويحك ولا تستح . فلا يزالان كذلك وقد علقا قلوب الناس ينتظرون ما يكون ~~منهما ، فإذا علما أنهما قد علقا القلوب تكلما بحوائجهما وقالا : نحن ~~شريكان وكان معنا أحمال بز كنا حملناها من فسطاط مصر نريد العراق فقطع ~~علينا وقد بقينا على هذه الحال لا نحسن أن نسأل وليست هذه صناعتنا . ~~فيوهمان الناس أنهما قد ماتا من الحياء . ومنهم زكيم الحبشة الذي يأتيك ~~وعليه دراعة صوف مضربة مشقوقة من خلف وقدام وعليه خف ثغري بلا سراويل يتشبه ~~بالغزاة . ومنهم زكيم المرحومة المكافيف يجتمعون خمسة وستة وأقل وأكثر ~~وقائدهم يبصر أدنى شيء عينه مثل الخفاش يقال له الاسطيل فهو يدعو وهم ~~يؤمنون . ومنهم الكاغاني الذي يتجنن أو يتصارع ويزبد حتى ms459 لا يشك أحد في ~~جنونه وأنه لا دواء له لشدة ما ينزل به . ومنهم القرسي وهو الذي يعصب ساقيه ~~أو ذراعيه عصبا شديدا ويبيت على ذلك ليلة فإذا تورم واحتقن فيه الدم مسحه ~~بشيء من صابون ودم الأخوين وقطر عليه من سمن البقر وأطبق عليه خرقة ثم كشف ~~بعضه فلا يشك من رآه أنه آكلة نعوذ بالله منها . ومنهم المشعب الذي يحتال ~~للصبي حين يولد بأن يزمنه أو يعميه ليسأل به الناس ، وربما جاءت أمه أو ~~يجيء أبوه فيتولى ذلك فإما أن يكسبا به أو يكرباه فإن كان عندهما ثقة وإلا ~~أقام بالأولاد والأجرة كفيلا . ومنهم الفيلور وهو الذي يحتال لخصيتيه حتى ~~يريك أنه آدر وربما أراك أن بهما شرطا أو جرحا ، وربما أراك ذلك في دبره ، ~~وتفعل المرأة ذلك بفرجها . ومنهم الكاخان الغلام المكدي إذا واجر وعليه ~~مسحة من جمال وعمل العملين جميعا . والعواء الذي يسأل بين المغرب والعشاء ~~ويطرب في صوته . ومنهم الاسطيل وهو المتعامي الذي إن شاء أراك أنه أعمى وإن ~~شاء أراك أنه ممن نزل في عينه الماء وإن شاء أراك أنه لا يبصر . ومنهم ~~المزيدي وهو الذي يدور ومعه دريهمات يقول : هذه دريهمات قد جمعت لي في ثمن ~~قطيفة فزيدوني فيها ورحمكم الله . ومنهم المستعرض الذي يعارضك وهو ذو هيأة ~~في ثياب صالحة يريك أنه يستحيي من المسألة ويخاف أن يراه معرفة فيعرض لك ~~اعتراضا ويكلمك خفتا . ومنهم المطين وهو الذي يطين نفسه من قرنه إلى قدمه ~~ويأخذ البلاذر يريك أنه يأكل البلاذر . PageV01P423 # | ومن نوادرهم # قيل : إنه أتى سائل دارا يسأل منها فأشرفت عليه امرأة من الغرفة فقال لها ~~: يا أمة الله الله أن تصدقي علي بشيء ! قالت : أي شيء تريد ؟ قال : درهما ~~. قالت : ليس . قال : فدانقا . قالت : ليس . قال : ففلسا . قالت : ليس . ~~قال : فكسوة . قالت : ليس . قال : فكفا من دقيق . قالت : ليس . قال : فزيت ~~، حتى عد كل شيء يكون في البيوت وهي تقول : ليس . فقال لها : يا زانية فما ~~يجلسك ؟ مري تصدقي معي . قال ms460 الأصمعي : وقفت على سائل بالمربد وهو يقول : ~~قد رهنت القصاع من شهوة الخبز فقلت له : أتممه . فقال : أتممه أنت . فقلت : ~~فمن لي بمن يفك القصاعا فقال : اضمم إليه بيتا . فقلت : ما رهنت القصاع يا ~~قوم حتى . . . خفت والله أن أموت ضياعا فقال : أنت والله أحوج إلى المسألة ~~وأحق بها مني . ولأبي فرون الأعرابي السائل : وصبية مثل صغار الذر . . . ~~سود الوجوه كسواد القدر كلهم ملتزق بصدري . . . حتى إذا لاح عمود الفجر ~~ولاحت الشمس خرجت أسري . . . أسبقهم إلى أصول الجدر ألا فتى يحمل عني إصري ~~. . . هذا جميع قصتي وأمري فاسمع مقالي وتوق شري . . . فأنت أنت بغيتي ~~وذخري كنيت نفسي كنية في شعري . . . أنا أبو الفقر وأم الفقر قال : قال ~~الأصمعي : رأيت سائلا وقد تعلق بأستار الكعبة من بني تميم وهو يقول : أيا ~~رب رب الناس والمن والهدى . . . أما لي في هذا الأنام قسيم أما تستحي مني ~~وقد قمت عاريا . . . أناجيك يا ربي وأنت كريم أترزق أبناء العلوج وقد عصوا ~~. . . وتترك قرما من قروم تميم قال : ورأيت رجلا آخر من الأعراب وقد تعلق ~~بأستار الكعبة وهو يقول : يا رب إني سائل كما ترى . . . مشتمل شميلتي كما ~~ترى PageV01P424 وشيختي جالسة فيما ترى . . . والبطن مني جائع كما ترى فما ~~ترى يا ربنا فيما ترى قال : وأتى سائل من الأعراب إلى بني عبد العزيز بن ~~مروان فقال : أتت علينا سنون لم تبق زرعا حصيدا ولا مالا تليدا إلااجتاحته ~~بزوبره وأصله وأنتم أئمة أملي وقصد ثقتي . فلم يعطوه شيئا ، فقال : بنو عبد ~~العزيز إذا أرادوا . . . سماحا لم يلق بهم السماح لهم عن كل مكرمة حجاب . . ~~. فقد تركوا المكارم واستراحوا قال : ومر سائل منهم برجل يكنى أبا الغمر ~~ضخم عريض وكان بوابا لبعض الملوك فقال له : أعن المسكين الضعيف الفقير ~~المحتاج . فقال : ما ألحف جائعكم وأكثر سائلكم ، أراحنا الله منكم ! فقال ~~السائل : اسكت فوالله لو فرق قوت جسمك في عشرة أجسام منا لكفانا طعامك ليوم ~~شهرا ، وإنك لنبيه الضرطة لو ذري بها بيدر لكفته الريح ، عظيم السلحة لو ms461 ~~ضربت لبناء لكفت سورا . قال : وقال أعرابي وهو يسأل : رحم الله من أعطى من ~~فضل وآثر من قلة وواسى من كفاف . قيل : ودخل رجل منهم على هشام بن عبد ~~الملك بن مروان فقال : يا أمير المؤمنين أتتنا سنون ثلاث ، فأما الأولى ~~فأذابت الشحم ، وأما الثانية فأغضت اللحم ، وأما الثالثة فهاضت العظم ، ~~وعندك أموال فإن كانت لله جل وعز فبثها في عباد الله ، وإن كانت لهم ففيم ~~تحبسها عنهم ؟ وإن كانت لك فتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين . قال : ~~ودخل أزهر السمان على المنصور فشكا إليه الحاجة وسوء الحال ، فأمر له بألف ~~درهم وقال : يا أزهر لا تأتنا في حاجة أبدا . قال : أفعل يا أمير المؤمنين ~~. فلما كان بعد قليل عاد فقال له : يا أزهر ما حاجتك ؟ قال : جئت لأدعو ~~لأمير المؤمنين . قال : بل أتيتنا لمثل ما أتيت . فأمر له بألف درهم وقال : ~~يا أزهر لا تأتنا ثالثة فلا حاجة لنا في دعائك . قال : نعم ، ثم لم يلبث أن ~~عاد ، فقال : يا أزهر ما جاء بك ؟ قال : دعاء كنت سمعته منك أحب أن آخذه ~~عنك . فقال : لا تردده فإنه غير مستجاب وقد دعوت به الله جل وعز أن يريحني ~~من خلقتك فلم يفعل . وممن سأل الخلفاء أيضا ربيعة بن ربيعة ، ذكروا أنه دخل ~~على معاوية بن أبي سفيان فقال : يا أمير المؤمنين زوجني بعض بناتك . فقال : ~~قد شغلناهن بأكفائهن . قال : فولني شرطة البصرة . قال : قد وليتها من كفانا ~~. قال : فهب لي قطيفة . قال : أما هذا فنعم . PageV01P425 ومنهم أبو دلامة ~~دخل على المنصور فقال : يا أمير المؤمنين تأمر لي بكلب صيد ؟ قال : أعطوه . ~~قال : كلب بلا صقر ؟ قال : أعطوه صقرا . قال : كلب وصقر بلا بازبان ؟ قال : ~~أعطوه غلاما بازبانا . قال : فلا بد لهم من دار ! قال : أعطوه دارا . قال : ~~فمن أي شيء يعيشون ؟ قال : قد أقطعتك أربع مائة جريب منها مائتا جريب عامر ~~ومائتان غامر . قال : وما الغامر ؟ قال : الخراب . قال : فأنا أقطعتك أربعة ~~آلاف جريب بالدهناء غامرة . قال : فقد جعلتها كلها ms462 عامرة فهل بقي لك شيء ؟ ~~قال : نعم تدعني أقبل يدك . قال : ليس إلى ذلك سبيل . فقال : ما منعتني ~~شيئا أهون على عيالي من هذا . قال : وبعث المنصور إلى زياد بن عبد الله ~~مالا وأمره أن يفرقه في القواعد والأيتام والعميان ، فدخل إليه أبو حمزة ~~الرقي فقال : أصلح الله أمير المؤمنين ! قد بلغني الكبر فاكتبني في ~~القاعدين . قال : يغفر الله لك إنما القواعد النساء اللواتي قعدن عن ~~الأزواج . قال : فاكتبني في العميان فإن الله جل ذكره يقول : فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ، وأنا أشهد أن قلبي أعمى ، واكتب ~~ولدي في الأيتام فإن من كنت أباه فهو يتيم . قال : اكتبوه في العميان ~~واكتبوا ولده في الأيتام . قال وقالت أعرابية لحاتم بن عبد الله الطائي : ~~أتيتك من بلاد نائية شاسعة تخفضني خافضة وترفعني رافعة لملمات من الأمور ~~نزلن بي فبرين عظمي وأذهبن لحمي فرتكنني بالجريض قد ضاق بي البلد العريض ، ~~لم يتركن لي سبدا ولم يبقين لي لبدا ، غاب الوالد وهلك الرافد ، وأنا امرأة ~~من هوازن أقبلت في أفناء من العرب أسأل عن المرجو نائله والمحمود سائله ~~والمأمون جانبه ، فقيل لي أنت فاصنع بي إحدى ثلاث : إما أن تحسن صفدي ، أو ~~تقيم أودي ، أو تردني إلى بلدي . فقال : أجمعهن لك وحبا . ففعل بها ذلك كله ~~. قال : وجاءت أعرابية تسأل فقالت : يا قوم طرائد زمان وفرائس نازلة ولحمان ~~وضم ، نبذتنا الرجال وأنشزتنا الحال وأطمعنا السؤال ، فهل من مكتسب للأجر ~~أو راغب في الذخر ؟ وسأل أعرابي فقال : سنة جردت وحال جهدت وأيد خمدت فرحم ~~الله من رحم وأقرض من لا يظلم . وسأل أعرابي فقال : أين الوجوه الواضحات ~~الصباح ، والعقول الراجحات الصحاح ، والصدور الرحاب السماح ، والمكارم ~~الثمينة الرباح ؟ PageV01P426 وسأل أعرابي فقال : رحم الله امرأ لم يمج ~~أذنه كلامي وقدم لمعاذة من سوء مقامي ، فإن البلاد مجدبة والحال مسغبة ~~والحياء زاجر ينهى عن كلامكم والفقر عاذر يدعو إلى إخباركم فرحم الله امرأ ~~واسى بمير أو دعا بخير . فقال رجل : ممن يا أعرابي ms463 ؟ فقال : أخ في كتاب ~~الله وجار في بلاد الله وطالب خير من رزق الله . وسأل آخر فقال : نقص الكيل ~~وعجفت الخيل وقل النيل فهل من رحيم أجره لله فإنه غنى عن الله لقوله جل وعز ~~: ' من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ' ، لم يستقرض ربنا جل وعز من عدم ولكن ~~ليبلو ويختبر . وسأل آخر فقال : إني رجل من مدينة رسول الله ، عليه وعلى ~~آله السلام ، مشيت حتى انتعلت الدم ، فرحم الله من حملني على نعلين فكأنما ~~حملني على ناقتين ، فلا قليل من الأجر ولا غنى من الله جل وعز . وقيل لسائل ~~أعرابي : أين منزلك ؟ قال : ما لي منزل إنما أشتمل الليل إذا عسعس وأظهر ~~بالنهار إذا تنفس . # | مساوئ الثقلاء # قال بختيشوع للمأمون : لا تجالس الثقلاء فإنا نجد في كتب الطب أن مجالسة ~~الثقيل حمى الروح . وقال بعضهم : سخنة العين النظر بها إلى الثقلاء . قال : ~~ونقش رجل على خاتمه : أبرمت فقم . فكان إذا جلس إليه الثقيل ناوله إياه . ~~قيل : ودخل أبو حنيفة على الأعمش يوما فأطال جلوسه فقال : لعلي قد ثقلت ~~عليك ؟ قال : وإني لأستثقلك وأنت في منزلك فكيف وأنت عندي ! قيل : واجتمع ~~أصحاب الحديث عند شريك بن عبد الله ، فتبرم بهم وأضجروه فصاح بهم وفرقهم ~~فلم يبرحوا . فقال بعضهم : أنا أطردهم عنك . قال : نعم ، وانطرد معهم . قيل ~~: وأتى رجل ابن المقفع في حاجة فلم يصل إليه وكان مستثقلا له فكتب بيتا في ~~رقعة وأرسل به إليه : هل لذي حاجة إليك سبيل . . . وقليل تلبثي لا كثير ~~فوقع إليه : أنت يا صاحب الكتاب ثقيل . . . وقليل من الثقيل كثير ~~PageV01P427 فأجابه الرجل : قد بدأت الجواب منك بفحش . . . أنت بالفحش ~~والبذاء جدير فضحك وقضى حاجته . قال : وكتب أعرابي إلى حماد الراوية ~~المعروف بعجرد ، وكان حماد يسثقله : إن لي حاجة فرأيك فيها . . . لك نفسي ~~الفدا من الأوصاب وهي ليست مما يبلغها غي . . . ري ولا أستطيعها في كتاب ~~غير أني أقولها حين ألقا . . . ك رويدا أسرها باكتئاب فكتب إليه : اكتب ~~بالحاجة يا ثقيل . فكتب : إني عاشق لجبتك ms464 الدك . . . ناء عشقا قد حال دون ~~الشراب فاكسنيها فدتك نفسي وأهلي . . . أتمزى بها على أصحابي ولك الله ~~والأمانة إني . . . أجعلنها عمري أمير ثيابي وقد قيل : إذا علم الثقيل أنه ~~ثقيل فليس بثقيل . ومما قيل فيهم من الشعر : سألتك بالله إلا صدقت . . . ~~وعلمي بأنك لا تصدق أتبغض نفسك من بغضها . . . وإلا فأنت إذا أحمق ولآخر : ~~قل للبغيض أخي البغي . . . ض ابن البغيض ابن البغيضه أنت الذي حملتك أ . . ~~. مك بين فاحشة وحيضه ضاقت على الثقلين من . . . بغضائك الأرض العريضه ودعت ~~ملائكة السما . . . ء عليك دعوى مستفيضه ولآخر : يا من تبرمت الدنيا بطلعته ~~. . . كما تبرمت الأجفان بالسهد يمشي على الأرض مجتازا فأحسبه . . . من بغض ~~طلعته يمشي على كبدي ولآخر : شخصك في مقلة النديم . . . أثقل من رعية ~~النجوم يا رائحا روحة علينا . . . أثقل من سبة اللئيم إني لأرجو بما أقاسي ~~. . . منك خلاصا من الجحيم PageV01P428 ولآخر : يا مفزعا في قالب البغض . . ~~. بغضك يشكوك إلى بغض كأنما تمشي على ناظري . . . إذا تخطأت على الأرض ~~ولآخر : يا من له حركات . . . على النفوس ثقيله وليس يعرف معنى . . . قصيرة ~~من طويله أورثني بجلوسي . . . إليك حمى مليله فاصفع لنفسك عني . . . فإن ~~كفي عليله ولآخر : أيا من أعرض الرب . . . عن العالم من بغضه ومن عاذ مليك ~~المو . . . ت بالرحمن من قبضه ويا من بغضه يشه . . . د بالبغض على بغضه # | مساوئ الحمقى # قيل في المثل : هو أحمق من عجل ، هو عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن ~~وائل ، وذلك أنه قيل له : ما سميت فرسك ؟ ففقأ عينه وقال : الأعور ، أو قال ~~: سميته أعور . وقال الشاعر فيه وفي قومه : رمتني بنو عجل بداء أبيهم . . . ~~وأي امريء في الناس أحمق من عجل أليس أبوهم عار عين جواده . . . فصارت به ~~الأمثال تضرب في الجهل ويقال : هو أحمق من هبنقة ، وبلغ من حمقه أنه ضل له ~~بعير فجعل ينادي : من وجد البعير فهو له . فقيل له : فلم تنشده ؟ قال : ~~وأين حلاوة الوجدان ! واختصمت إليه بنو الطفاوة وبنو راسب في رجل ادعى ~~هؤلاء ms465 وهؤلاء ، فقالت الطفاوة : هذا من عرافتنا . وقالت بنو راسب : هذا من ~~عرافتنا . ثم قالوا : قد رضينا بأول طالع علينا . فطلع عليهم هبنقة ، فلما ~~رأوه قالوا : إنا لله ! من طلع علينا ؟ فلما دنوا قصوا عليه قصتهم فقال ~~هبنقة : الحكم في هذا بين ، يذهب به إلى نهر البصرة فيلقى فيه فإن كان ~~راسبيا رسب وإن كان طفاويا طفا . فقال الرجل : لا أريد أن أكون من أحد هذين ~~الحيين ولا حاجة لي في الديوان . وكان هينقة يرعى غنم أهله فيرعى السمان في ~~العشب وينحي المهازيل عنه . فقيل له : PageV01P429 ويحك ما تصنع ؟ فقال : ~~أصلح ما أصلح الله وأفسد ما أفسد الله . أو قال : لا أفسد ما أصلح ولا أصلح ~~ما أفسد الله . وقال الشاعر : عش بجد فلن يضرك نوك . . . إنما عيش من ترى ~~بالجدود عش بجد وكن هبنقة العي . . . سي نوكا أو شيبة بن الوليد رب ذي إربة ~~مقل من الما . . . ل وذي عنجهية مجدود وكان شيبة من عقلاء العرب . وقيل ~~أيضا : هو أحمق من دغة ، وهي مارية بنت مغنج تزوجت في بني العنبر وهي صغيرة ~~، فلما أصابها المخاض ظنت أنها تريد الخلاء فخرجت تبرز فصاح الولد فجاءت ~~منصرفة فقالت : يا أمه هل يفتح الجعر فاه ؟ قالت : نعم يدعو أباه . فسبت ~~بنو العنبر بذاك فقالوا لهم بنو الجعراء . وقيل أيضا : هو أحمق من الممهورة ~~إحدى خدمتيها ، وهي امرأة أخذها رجل ليفجر بها فقالت : لا أمكنك من نفسي ~~حتى تمهرني . فقال : قد مهرتك إحدى خدمتيك ، وهما خلخالاها ، فرضيت ومكنته ~~من نفسها . وقيل : هو أحمق من جهيزة ، وهي عرس الذئب لأنها تدع ولدها وترضع ~~ولد الضبع . وقال الكميت : كما خامرت في حضنها أم عامر . . . لذي الحبل حتى ~~عال أوس عيالها أوس هو الذئب . وقيل : هو أحمق من نعامة ، لأنها تدع الحضن ~~على بيضتها وتحضن بيض نعامة أخرى ، وقال ابن هرمة : فإني وتركي ندى ~~الأكرمين . . . وقدحي بكفي زنادا شحاحا كتاركة بيضها بالعراء . . . وملبسة ~~بيض أخرى جناحا وقيل : هو أحمق من باقل ، وكان اشترى عنزا بأحد عشر درهما ms466 ، ~~فقالوا له : بكم اشتريت العنز ؟ ففتح كفيه وفرق أصابعه وأخرج لسانا ، يريد ~~أحد عشر درهما ، فعيروه بذلك . وقيل : إن الذي اشتراه ظبي ، فلما فتح ~~أصابعه أفلت الظبي . وقالوا في باقل : يلومون في حمقه باقلا . . . كأن ~~الحماقة لم تخلق ولا تكثروا العذل في عيه . . . فللعي أجمل بالأموق خروج ~~اللسان وفتح البنان . . . أحب إلينا من المنطق PageV01P430 قيل : وقدم وفد ~~من العراق على سليمان بن عبد الملك فقضوا حوائجهم وانصرفوا . فقال رجل منهم ~~: بلغني أن أمير المؤمنين يبرز للعامة فأنا أقيم بعدكم يوما أو يومين فلعلي ~~أن أراه وأسمع كلامه ثم أتبعكم . فلما كان في الغد برز سليمان للناس وجلس ~~على سريره وأذن للعامة فدخلوا وفيهم العراقي . فجلس في سماط سليمان إلى جنب ~~رجل أحمق من أهل الشأم . فقال له الأحمق : ممن الرجل ؟ قال : أنا من أهل ~~العراق . وقال : فعل الله بك وفعل ، وجعل يشتمه ويذكر أباه وعرضه ، وقال : ~~مثلك يقعد في سماط أمير المؤمنين ! والعراقي يناشده الله ويسأله أن يكف عنه ~~فيأبى ، إلى أن قال سليمان : أيكم يخبرني من الذي يقول : أنخن القرون ~~فعقلنها . . . كعطف العسيب عراجين ميلا ويفسر لنا قوله فله جارية برحالتها ~~؟ والشامي مقبل على العراقي لا يفتر عن شتمه ويقول : يا جاسوس . فقال له : ~~كف عني فإني أنفعك . قال : وهل معك خير ؟ قال : نعم ، قم فقل لأمير ~~المؤمنين أنا أعرف من قال هذا وأفسره ، فإذا قال : من قاله ؟ فقل : امرؤ ~~القيس ، فإذا قال : ما عنى به ؟ فقل : البطيخ . فقال الشامي : يا أمير ~~المؤمنين أنا أعرف من قال هذا وأفسره . فقال : هات . قال : امرؤ القيس . ~~فتبسم سليمان وقال : فما عنى به ؟ قال : البطيخ . فضحك سليمان حتى استلقى ~~على فراشه ثم قال : ويحك عمن أخذت هذا العلم ؟ فقال : عن هذا العراقي . ~~فأشار سليمان إلى العراقي فأقبل إليه ، فقال له : من أنت ؟ قال : رجل من ~~أهل العراق كنت قدمت مع فلان وفلان فقضوا حوائجهم وانصرفوا فأقمت أرقب جلوس ~~أمير المؤمنين فقعدت إلى هذا الشامي فلم يدع سبا ولا شتما إلا استقبلني به ms467 ~~. فقلت له كف عني فإني أنفعك ، قل لأمير المؤمنين كذا وكذا ، فكان منه ما ~~قد سمعته . فضحك وقال : أتعرف أنت من قاله ؟ قلت : كثير عزة . قال : وما ~~عنى به ؟ قلت : قرون الرأس ، والعسيب الخادم ، والعراجين قد اختلفوا فيه ~~فقال بعضهم عناقيد الكرم وقال بعضهم عراجين النخل . فأمر له بجائزة سنية ~~وقال له : الحق بأصحابك . وحكي عن أبي عباد الكاتب أنه قال : كنت يوما عند ~~المأمون فدعا بالغداء وكان يستنزل من قام من مجلسه عند ذكر الطعام ويقول : ~~هذا من أخلاق اللئام ، فقدموا إليه بطيخا على أطباق جدد فجعل يقور بيده ~~ويذوق البطيخة فإذا حمد حلاوتها قال : ادفع هذه بسكينتها إلى فلان . فقال ~~لي وقد دفع إلي بطيخة كانت أحلى من الشهد المذاب : يا أبا عباد بم تستدل ~~على PageV01P431 حمق الرجل ؟ قلت : يا أمير المؤمنين أما عند الله فعلامات ~~كثيرة وأما عندي فإذا رأيت الرجل يحب الشاهلوج ويبغض البطيخ علمت أنه أحمق ~~. قال : وهل تعرف صاحب هذه الصفة ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين الرستمي أحد ~~من هذه صفته . قال : فدخل الرستمي على أمير المؤمنين ، فقال له المأمون : ~~ما تقول في البطيخ الرمشي ؟ قال : يا أمير المؤمنين يفسد المعدة ويلطخها ~~ويرقها ، يرخي العصب ويرفع البخار إلى الرأس . قال : لم أسألك عن فعله إنما ~~سألتك أشهي هو ؟ قال : لا . قال : فما تقول في الشاهلوج ؟ قال : سماه كسرى ~~سيد أجناسه . قال : فالتفت المأمون إلي وقال : الرجل الذي كنا في حديثه أمس ~~من تلامذة كسرى في الحمق . قال : ودخل أبو طالب صاحب الطعام على المأمون ~~وكان أحمق فقال : كان أبوك يا أبا خيرا لنا منك وأنت يا أبا ليس تعدنا ولا ~~تبعث إلينا ونحن يا أبا تجارك وجيرانك . قال : فجعل المأمون لا يزيده على ~~التبسم . قال : وقال مروان بن الحكم لرجل : إني أظنك أحمق . فقال : ظن أو ~~يقين ؟ قال : بل ظن . فقال : أحمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنه . ومما قيل ~~فيهم من الشعر : يا ثابت العقل كم عاينت ذا حمق . . . الرزق أغرى به من ms468 ~~لازم الجرب وإنني واجد في الناس واحدة . . . الرزق أروغ شيء عن ذوي الأدب ~~وخصلة ليس فيها من يخالفني . . . الرزق والنوك مقرونان في سبب ولآخر : أرى ~~زمنا نوكاه أسعد أهله . . . على أنه يشقى به كل عاقل سعى فوقه رجلاه والرأس ~~تحته . . . فكب الأعالي بارتفاع الأسافل ولآخر : رأيت الدهر بالأحرار يكبو ~~. . . ويرفع رتبة القوم اللئام كأن الدهر موتور حقود . . . يطالب ثأره عند ~~الكرام ولآخر : كم من قوي قوي في تقلبه . . . مهذب اللب عنه الرزق منحرف ~~ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط . . . كأنه من خليج البحر يغترف PageV01P432 # | محاسن مضاحيك وألقاب # | قال : كان اسم الأقيشر المغيرة بن الأسود وكان يغضب إذا دعي بالأقيشر ، ~~فمر ذات يوم بقوم من بني عبس فقال بعضهم : يا أقيشر . فنظر إليه طويلا وهو ~~مغضب ثم قال : أتدعوني الأقيشر ذاك إسمي . . . وأدعوك ابن مطفئة السراج ~~تناجي خدنها بالليل سرا . . . ورب الناس يعلم من تناجي فسمي ذلك الرجل ابن ~~مطفئة السراج وبذلك يعرف ولده إلى اليوم . قال : وكان المغيرة بن عبد الله ~~بن أبي عقيل عامل الحجاج على الكوفة ، وكان يلقب أبا صفية ، فاستعدت امرأة ~~على زوجها ، فأتاه صاحب العدوى عند المساء فأعلمه . فقال : نعم أغدو معها . ~~فبات الرجل يقول لامرأته : لو قد أتيت الأمير لقلت أبا صفية إنها تفعل كذا ~~وكذا ، فيأمر من يوجعك ضربا ، وجعل يكرر عليها بأبي صفية فحفظت الكنية وظنت ~~أنها كنيته ، فلما تقدمت إليه قالت : أصلحك الله أبا صفية . فقال لها : أبو ~~عبد الله عافاك الله . فأعادت . فقال لها : أبو عبد الله فأعادت . فقال : ~~يا فاسقة أظنك ظالمة ! خذ بيدها الخبيثة . وحكم للزوج عليها . قال : وولى ~~يوسف بن عمر رجلا من بني سليم يلقب بأبي العاج ، وكان يغضب منه ، فقدم إليه ~~رجل خصما له فقال : يا أبا العاج . فقال : أبو محمد يا ابن البظراء . فقال ~~: أتقول هذا لأمي وقد حجت ! قال : لا يمنعها ما قلت من الحج . # | فن منه في الطمع # قيل لأشعب : أي شيء بلغ من طمعك ؟ قال : ناديت بصبيان ولعوا بي فقلت لهم ~~لأنحيهم عن ms469 نفسي : إن في دار بني فلان عرسا وهناك نثار . فولوا عني مبادرين ~~وجعلت أشتد معهم طمعا في النثار . قال : وكان في دار بعض جيرانه عرس فتجوع ~~ولزم منزله طمعا في أن يدعى . فلما تعالى النهار وجاع ولم يدع قال : قبح ~~الله هذا الخبز ! وقام إلى طعام له فقدمه وجعل يأكل . فسمع وقع الباب فقال ~~: من هذا ؟ قال : من دار العروس . قال : اصبر فديتك ! ودخل الخلاء فرمى ~~PageV01P433 بجميع ما كان أكله وغسل فمه وخرج إليه فقال : تقول لك مولاتي ~~أعيرونا الهاون ساعة . فقال : مر فأمك وأم مولاتك زانية يا ابن الفاعلة ! # | فن منه آخر # مر ضرير على رجل بصير فقال : أين الطريق ؟ فقال البصير : خذ يمنة . فأخذ ~~يمنة فسقط في بئر . فقال البصير : إنا لله ! غلطت ، أردت أن أقول يسرة فقلت ~~يمنة . فقال الضرير من أسفل البئر : ويحك أهذا من الغلط الذي يستقال ! قال ~~: وقيل للعلاء بن عبد الكريم : بكم اكتريت الدار ؟ فقال : بدينارين ~~وطعامهما . قالوا : ويلك وما طعامهما ؟ فقال : صاحب الدار يأكل معي كلما ~~أكلت . قال : وسمع أعرابي إماما يقرأ : إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ، فأرتج ~~عليه فجعل يردد الآية . فقال : يا هذا إن لم يذهب نوح فأرسل غيره . قال : ~~وشرب أعرابي وعلى يساره ابن له فسقاه . فقال له جليسه : السنة أن تسقي من ~~على يمينك . قال : قد علمت ولكنه أحب إلي من السنة . قال : وقيل لابن رواح ~~الطفيلي : كيف ابنك هذا ؟ قال : ليس في الدنيا شيء مثله ، سمع نادبة خلف ~~جنازة وهي تقول : واسيداه ! يذهب بك إلى بيت ليس فيه ماء ولا طعام ولا فراش ~~ولا وطاء ، ولا غطاء ولا سراج ولا ضياء ! فقال : يا ابه يذهبون به إلى ~~بيتنا . وقال بعضهم : جاء جماعة من أصحاب مزيد إليه فقالوا : قم بنا نتنزه ~~فإنه يوم طيب . فقال : هو يوم أربعاء . قالوا : فإن فيه ولد يونس بن متى ، ~~عليه السلام . فقال : بأبي وأمي ، صلى الله عليه ، لا جرم أنه التقمه الحوت ~~. قالوا : نصر فيه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قال ms470 : أجل ولكن بعد إذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون . وكان الحارث بن ~~قيس الفزاري شيخا أعمى وكان له ابن شيعي وابنة حرورية وامرأة ترى رأي ~~المعتزلة ، وكانوا جلوسا معه ، فقال بيده عليهم وجسهم ثم قال : إن الله جل ~~وعز يحشرني وإياكم يوم القيامة طرائق قددا . وقال الجاحظ : قيل لرجل طويل ~~اللحية : ما لك لا تأخذ من لحيتك ؟ قال : لأصون بها PageV01P434 عرضي ، فإن ~~الناس يقولون : انظر إلى لحيته كأنها طارة ، وخلق الله هذه اللحية ، ولحيته ~~كأنها جوالق ، ولا بارك الله في هذه اللحية ، فما لي أعرض لشيء يصون عرضي ؟ ~~وحدث رجل من عامر بن لؤي قال : كان صبي منا ترك له أبوه غنما وعبيدا فخرج ~~يوما فنظر إلى جارية في خبائها فهويها ومال إلى أمها وسألها أن تزوجها منه ~~فقالت : حتى أسأل عن أخلاقك . فسأل عن أكرم الناس إليها فدل على شيخ كان ~~معروفا بحسن المحضر ، فأتاه وسلم علي . وقال : ما جاء بك ؟ فأخبره . فقال : ~~لا عليك فإن العجوز غير خارجة من رأيي فامض إلى منزلك وأقم يوما أو يومين ~~ومر بغنمك أن تساق وناد في أهلك : أما من أراد أن يحلب فليأتنا ، ودعني ~~والأمر . فشاع الخبر فخرجت العجوز مع من خرج والشيخ مع القوم فنظر إلى ~~الشاب وقد كانت العجوز أخبرته بشأنه فقال : هو هو ! فقالت : نعم . قال : ~~لقد حرمت حظك . قالت : إني أريد أن أسأل عن أخلاقه . قال : أنا ربيته . ~~قالت : فكيف لسانه ؟ قال : خطيب أهله والمتكلم عنهم . قالت : فكيف سماحته ؟ ~~قال : ثمال في قومه وربيعهم . قالت : فكيف شجاعته ؟ قال : حامي قومه ~~والدافع عنهم . قال : فطلع الفتى ، فقال : أما ترين ما أحسن ما أقبل ما ~~انحنى ولا انثنى ؟ فلما قرب سلم ، فقال : ما أحسن ما سلم ما حار ولا ثار ! ~~ثم استوى جالسا ، فقال : ما أحسن ما جلس ما ركع ولا عجر . قالت : أجل . ~~فذهب يتحرك فضرط ، فقال الشيخ : ما أحسن والله ما ضرط ! ما أطنها ولا أغنها ~~ولا نفخها ولا ترترها . فنهض الفتى خجلا ، فقال ms471 الشيخ : ما أحسن والله ما ~~نهض ما انختل ولا انفتل ! قالت العجوز : أجل والله فصح به ورده فوالله ~~لزوجناه ولو خريء . # | محاسن المزاح # قيل : أهدى نعيمان الأنصاري إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، جرة ~~عسل وكانت فيه دعابة وكان اشتراها من أعرابي بدينار وأتى بالأعرابي إلى باب ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وقال له : خذ الثمن من هاهنا . فلما ~~قسمها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بين نسائه ، قال له الأعرابي : ~~أعطني يا رسول الله ثمن العسل . فقال ، عليه السلام : هذه إحدى هنات نعيمان ~~. وسأله : لم فعلت ؟ فقال : أردت أن أبرك يا رسول الله ولم يكن معي شيء . ~~فتبسم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأعطى الأعرابي حقه . وعن الهيثم ~~قال : قدم تميم الداري من الشام وكان تاجرا فأتاه نعيمان وقال له : هل لك ~~PageV01P435 في غلام تاجر له فضل ودين ؟ قال : وكيف لي به ؟ قال : إنه إن ~~علم ببيعنا إياه لم تنتفع به ولكن انطلق معي حتى أريكه فإنه عندنا بمنزلة ~~الولد . قال : فأدخله المسجد وأراه سويبط بن عبد العزى . فنظر إليه تميم ~~فأعجبه فقال : بكم ؟ قال : بمائة دينار . قال : هي لك . فأخذ منه المائة ~~الدينار . فلما حضر شخوصه أتى نعيمان فقال : الغلام . فمضى معه إلى المسجد ~~وقال : دونك الغلام . فجاء تميم وسويبط يصلي فصلى إلى جانبه ركعتين ثم قال ~~له : خفف . فخفف وقال له : ما حاجتك ؟ قال : قد باعك أهلك مني . قال : وأي ~~أهلي ؟ فارتفع الكلام بينهما حتى خرج رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ~~وقال : ما شأنكم ؟ قال تميم : يا رسول الله باعنيه أهله . فقال ، صلى الله ~~عليه وسلم : إني لأظن أن نعيمان صاحبه ، علي به . فلما جاء قال له : ويحك ~~ما هذه ؟ قال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! تزوجت امرأة ولم يكن عندي ~~نفقة ولا صداق أدفعه إليها ولم أجد إلا ما رأيت . فتبسم رسول الله ، صلى ~~الله عليه وسلم ، وقال لتميم : هي لك عندنا . وذكروا أن نعيمان مر ذات يوم ~~بمخرمة بن نوفل ms472 الزهري الضرير في المسجد ، فقال له مخرمة : خذ بيدي حتى ~~أبول . فأخذ بيده حتى إذا كان في أقصى المسجد قال له : اجلس . فجلس يبول . ~~فصاح به الناس : يا أبا المسور إنك في المسجد ! قال : ومن قادني ؟ قالوا : ~~نعيمان . قال : والله لأضربنه بعصاي هذه إن وجدته . فأتاه نعيمان وقال له : ~~يا أبا المسور هل لك في نعيمان ؟ قال : نعم . قال : فأخذ بيده حتى أوقفه ~~على عثمان بن عفان وهو خليفة وتنحى عنه ، فعلاه بعصاته ضربا . فصاح به ~~الناس : ضربت أمير المؤمنين ! قال : ومن قادني ؟ قالوا : نعيمان . قال : لا ~~جرم لا تعرضت له أبدا . # | مزاح الشعراء # قيل : دخل أبو دلامة على المهدي فسلم ثم قعد وأرخى عينيه بالبكاء . فقال ~~له : ما لك ؟ قال : ماتت أم دلامة . فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ! ~~ودخلت له رقة لما رأى من جزعه ، فقال له : أعظم الله أجرك يا أبا دلامة ! ~~وأمر أن يعطى ألف درهم وقال له : استعن بها في مصيبتك . فأخذها ودعا له ~~وانصرف . فلما دخل إلى منزله قال لأم دلامة : اذهبي فاستأذني على الخيزران ~~فإذا دخلت عليها فتباكي وقولي مات أبو دلامة . فمضت واستأذنت على الخيزران ~~، PageV01P436 فأذنت لها ، فلما اطمأنت أرسلت عينها بالبكاء ، فقالت لها : ~~ما لك ؟ فقالت : مات أبو دلامة . فقالت : إنا لله عظم الله أجرك ! وتوجعت ~~لها ثم أمرت لها بألفي درهم ، فدعت لها وانصرفت . فلم يلبث المهدي أن دخل ~~على الخيزران ، فقالت : يا سيدي أما علمت أن أبا دلامة مات ؟ قال : لا يا ~~حبيبتي إنما هي امرأته أم دلامة . قالت : لا والله إلا أبو دلامة . فقال : ~~خرج من عندي الساعة آنفا . فقالت : خرجت من عندي الساعة . وأخبرته بخبرها ~~وبكائها . فضحك وتعجب من حيلهما . قال : وكان أبو نواس ولعا بأبي عبيدة ~~معمر بن المثنى التيمي ، فكتب على أسطوانة في مسجد بمقدار قامة وبسطة : صلى ~~الإله على لوط وشيعته . . . أبا عبيدة قل بالله آمينا فأنت عندي بلا شك ~~بقيتهم . . . منذ احتلمت وجازوت الثمانينا فقال لكيسان : ويحك أما رأيت هذا ~~الفاجر وما صنع ms473 ؟ قم بنا نحكه لئلا يراه الناس . فبرك أبو عبيدة وركبه ~~كيسان ليحكه . فلما ثقل عليه قال له : أوجز . فقال له كيسان : قد بقي لوط . ~~فقال : عجل حكه فهو المعنى وعليه تدور فضيحتي . | PageV01P437 ms474