######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000564 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: إبراهيم بن محمد البيهقي (المتوفى: نحو 320هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المحاسن والمساوئ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000564 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-564 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/564 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # وله الأمان من الخذلان. الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم وصلى الله على محمد النبي الأمي الهاشمي الأبطحي المكي المدني ~~الهادي المهدي السراج المضيء والقمر المنير التقي النقي وعلى أهل بيته ~~الطيبين الأخيار السادة الأطهار المقسطين الأبرار الذين خلقوا من طينة ~~واحدة وجبلوا على فطرته ودرجوا على حوزته وميزوا بحكمته وعلى منهاجه وملته ~~وفازوا بطاعته وسلم تسليما كثيرا دائما. ### | محاسن الكتب # قال الشيخ إبراهيم بن محمد البيهقي: قال مصعب بن الزبير: إن الناس ~~يتحدثون بأحسن ما يحفظون ويحفظون أحسن ما يكتبون ويكتبون أحسن ما يسمعون، ~~فإذا أخذت الأدب فخذه من أفواه الرجال فإنك لا تسمع منهم إلا مختارا. # وقال لقمان لابنه: يا بني تنافس في طلب الأدب فإنه ميراث غير مسلوب وقرين ~~غير مغلوب ونفيس حظ في الناس مطلوب. # وقال الزهري: الأدب ذكر لا يحبه إلا الذكور من الرجال ولا يبغضه إلا ~~مؤنثهم. # وقيل: إذا سمعت أدبا فاكتبه ولو في حائط، قال: وقال المنصور بن المهدي ~~للمأمون: أيحسن بمثلي طلب الأدب؟ قال: لأن تموت طالبا للأدب خير من أن تعيش ~~قانعا بالجهل. قال: فإلى متى يحسن بي ذلك؟ قال: ما حسنت بك الحياة. # وقال الزهري: ما سمعت كلاما أوجز من كلام عبد الملك بن مروان لولده حيث ~~يقول: اطلبوا معيشة لا يقدر عليها سلطان جائر. قيل ما هي؟ قال: الأدب. # وقال بزرجمهر: يا ليت شعري أي شيء أدرك من فاته الأدب أم أي شيء فات من ~~أدرك الأدب ومادته من الكتب! وقد أهدى بعض الكتاب إلى صديق له دفترا وكتب ~~له: هديتي هذه، أعزك الله، تزكو عن الإنفاق وتربو على الكد، لا تفسدها ~~العواري ولا تخلقها كثرة التقليب، وهي أنس في الليل والنهار والسفر والحضر ~~تصلح للدنيا والآخرة، تؤنس في الخلوة وتمتع في الوحدة، مسامر مساعد ومحدث ~~مطواع ونديم صديق. # وقال بعضهم: الكتب بساتين العلماء. # وقال آخر: الكتاب جليس لا مؤنة له. # وقال الفضل بن سهل للمأمون وهو بدمشق بدير ms001 مران مشرف على غوطتها: يا أمير ~~المؤمنين هل رأيت في حسنها شبيها في شيء من ملك العرب؟ يعني الغوطة. قال: ~~بلى والله، كتاب فيه أدب يجلو الأفهام ويذكي القلوب ويؤنس الأنفس أحسن ~~منها. # PageV01P001 # وقال الجاحظ: الكتاب نعم الذخر والعقدة ونعم الجليس والقعدة، ونعم النشرة ~~والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ~~ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل، الكتاب وعاء مليء ~~علما وظرف حشي ظرفا، إن شئت كان أعيا من باقل وإن شئت كان أبلغ من سحبان ~~وائل وإن شئت ضحكت من نوادره وإن شئت بكيت من مواعظه، ومن لك بواعظ مله ~~وبناسك فاتك وناطق أخرس، ومن لك بطبيب أعرابي ورومي وهندي وفارسي ويوناني ~~ونديم مولد ووصيف ممتع، ومن لك بشيء يجمع الأول والآخر والناقص والوافي ~~والشاهد والغائب والرفيع والوضيع والغث والسمين والشكل وخلافه والجنس وضده، ~~وبعد فما رأيت بستانا يحمل في ردن وروضة تنقل في حجر ينطق عن الموتى ويترجم ~~عن الأحياء غيره، ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك ولا ينطق إلا بما تهوى، ~~آمن من في الأرض وأكتم للسر من صاحب السر وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة، ~~ولا أعلم جارا أبر ولا خليطا أنصف ولا رفيقا أطوع ولا معلما أخضع ولا صاحبا ~~أظهر كفاية ولا عناية ولا أقل إملالا وإبراما ولا أبعد عن مراء ولا أترك ~~لشغب ولا أزهد في جدال ولا أكف عن قتال من كتاب، ولا أعم بيانا ولا أحسن ~~مؤاتاة ولا أعجل مكافأة ولا شجرة أطول عمرا ولا أطيب ثمرا ولا أقرب مجتنى ~~ولا أسرع إدراكا ولا أوجد في كل إبان من كتاب، ولا أعلم نتاجا في حداثة سنه ~~وقرب ميلاده ورخص ثمنه وإمكان وجوده يجمع من التدابير العجيبة والعلوم ~~الغريبة ومن آثار العقول الصحيحة ومحمود الأذهان اللطيفة ومن الحكم الرفيعة ~~والمذاهب القديمة والتجارب الحكيمة والأخبار عن القرون الماضية والبلاد ~~المتراخيةو السائرة والأمم البائدة ما يجمع من كتاب ولولا الحكم المخطوطة ~~والكتب المدونة لبطل أكثر العلم ولغلب سلطان النسلن سلطان ms002 الذكر ولما كان ~~للناس مفزع إلى موضع استذكار، ولو لم يتم ذلك لحرمنا أكثر النفع، ومن لك لا ~~يبتدئك في حال شغلك ولا في أوقات عدم نشاطك ولا يحوجك إلى التجمل والتذمم، ~~ومن لك بزائر إن شئت جعلت زيارته غبا وورده خمسا وإن شئت لزمك لزوم ظلك. # PageV01P002 # والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك والصديق الذي لا يقليك والرفيق الذي لا ~~يملك والمستميح الذي لا يؤذيك والجار الذي لا يستبطئك والصاحب الذي لا يريد ~~استخراج ما عندك بالملق ولا يعاملك بالمكر ولا يخدعك بالنفاق. والكتاب هو ~~الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك وشحذ طباعك وبسط لسانك وجود بيانك وفخم ~~ألفاظك وعمر صدرك وحباك تعظيم الأقوام ومنحك صداقة الملوك، يطيعك في الليل ~~طاعته بالنهار، وفي السفر طاعته في الحضر، وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه ~~لم يحقرك وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة وإن عزلت لم يدع طاعتك ~~وإن هبت عليك ريح أعدائك لم ينقلب عليك، ومتى كنت متعلقا به ومتصلا منه ~~بأدنى حبل لم يضرك منه وحشة الوحدة إلى جليس السوء، وإن أمثل ما يقطع به ~~الفراغ نهارهم وأصحاب الكفايات ساعة ليلهم نظرة في كتاب لا يزال لهم فيه ~~ازدياد أبدا في تجربة وعقل ومروءة وصون عرض وإصلاح دين ومال ورب صنيعة ~~وابتداء إنعام، ولو لم يكن من فضله عليك وإحسانه إليك إلا منعه لك من ~~الجلوس على بابك ونظرك إلى المارة بك مع ما في ذلك من التعرض للحقوق التي ~~تلزم ومن فضول النظر وملابسة صغار الناس ومن حضور ألفاظهم الساقطة ومعانيهم ~~الفاسدة وأحوالهم الردية وطرائقهم المذمومة وأفعالهم الخبيثة القبيحة لكان ~~في ذلك السلامة ثم الغنيمة وإحراز الأصل مع استفادة الفرع، ولو لم يكن في ~~ذلك إلا السلامة ثم الغنيمة وإحراز الأصل مع استفادة الفرع، ولو لم يكن في ~~ذلك إلا أنه يشغلك عن سخف المنى وعن اعتياد الراحة وعن اللعب وكل ما أشبهه، ~~لقد كان في ذلك على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المنة، وهو الذي يزيد في ms003 العقل ~~ويشحذه ويداويه ويهذبه وينفي الخبث عنه ويفيد العلم ويصادق بينك وبين الحجة ~~ويقودك للأخذ بالثقة ويعمر الحال ويكسب المال، وهو منبهة للمورث وكنز عند ~~الوارث غير أنه كنز لا زكاة فيه ولا حق للسلطان يخرج منه، هو كالضيعة التي ~~لا تحتاج إلى سقي ولا إسجال بإيغاز ولا إلى شرط ولا أكار، وليس عليها عشر ~~للسلطان ولا خراج، ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها وخلدت من عجيب حكمها ~~ودونت من أنواع سيرها حتى شاهدناها بها من غاب عنا وفتحنا بها كل منغلق ~~علينا فجمعنا في قليلنا كثيرهم وأدركنا ما لم ندركه إلا بهم لقد كان بخس ~~حظنا منه، وأكثر من كتبهم نفعا وأشرف منها حظا وأحسن موقعا كتب الله عز وجل ~~التي فيها الهدى والرحمة والإخبار عن كل عبرة وتعريف كل سيئة وحسنة، وما ~~زالت كتب الله جل وعلا في الألواح والصحف والمصاحف، فقال جل ذكره: " أم لم ~~ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى "، فذكر صحف موسى الموجودة وصحف ~~إبراهيم البائدة، وقال: " آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه "، وقال عز وجل: " ما ~~فرطنا في الكتاب من شيء "، وقال: " كراما كاتبين "، وقال: " وأما من أوتي ~~كتابه وراء ظهره "، وقال: " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا "، ولو ~~لم تكن تكتب أعمالهم لكانت محفوظة لا يدخل ذلك الحفظ نسيان ولكنه تعالى جده ~~علم أن نسخه أوكد وأبلغ وأهيب في الصدور فقال جل ذكره: " إنا كنا نستنسخ ما ~~كنتم تعملون "، ولو شاء الله أن يجعل البشارات بالمرسلين على الألسنة ولم ~~يودعها الكتب لفعل، ولكنه تبارك وتعالى علم أن ذلك أتم وأبلغ وأكمل وأجمع. ~~وفي قول سليمان، عليه السلام: " اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم "، وقد كان ~~عنده من يبلغ الرسالة على تمامها من عفريت وإنسي وغيرهما، فرأى الكتاب أبهى ~~وأحسن وأكرم وأفخم وأنبل من الرسالة، ولو شاء النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~أن لا يكتب إلى قيصر وكسرى والنجاشي والمقوقس وإلى بني الجلندي وإلى ~~العباهلة من حمير وإلى هوذة والملوك العظماء ms004 والسادة النجباء لفعل ولوجد ~~المبلغ المعصوم من الخطإ والزلل والتبدل، ولكنه، عليه السلام، علم أن ~~الكتاب أشبه بتلك الحالة وأليق بتلك المراتب وأبلغ في تعظيم ما حواه ~~الكتاب، وحمله إن كثر ورقه فليس مما يمل لأنه وإن كان كتابا واحدا فإنه كتب ~~كثيرة، فإن أراد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب الأول حتى يهجم على الثاني ~~ولا الثالث حتى يهجم على الرابع، فهو أبدا مستفيد ومستطرف، وبعضه يكون حاثا ~~لبعض، ولا يزال نشاطه زائدا متى خرج من أثر صار في خبر حتى يخرج من خبر إلى ~~شعر ومن الشعر إلى النوادر ومن النوادر إلى نتف وإلى مواعظ حتى يفضي به إلى # PageV01P003 # مزح وفكاهة وملح ومضاحك وخرافة. وكانوا يجعلون الكتاب نقرا في الصخور ~~ونقشا في الحجارة وحلقة مركبة في البنيان، وربما كان الكتاب هو الناتيء ~~وربما كان الكتاب هو المحفور إذا كان ذلك تاريخا لأمر جسيم أو عهدا لأمر ~~عظيم أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على ~~قبة غمدان وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى عمود مأرب وعلى ركن ~~المشقر وعلى الأبلق الفرد من تيماء وعلى باب الرهاء، يعمدون إلى المواضع ~~الرفيعة المشهورة والأماكن المذكورة ويضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور ~~وأمنعها من الدروس وأجدر أن يراها من مر ولا ينسى على مرور الدهور، وعمدوا ~~إلى الرسوم ونقوش الخواتيم فجعلوها سببا لحفظ الأموال والخزائن ولولاها ~~لدخل على الناس الضرر الكبير، ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب أكثره ~~ولبطلت معرفة التضاعيف، ونفع الحساب معلوم والخلة في موضع فقده معروفة. قال ~~الله عز وجل: " هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا ~~عدد السنين والحساب "، ولولا الكتب المدونة والأخبار المجلدة والحكم ~~المخطوطة التي تجمع الحساب وغير الحساب لبطل أكثر العلم، ولولا الكتاب لم ~~يكن يعلم أهل الرقة والموصل وبغداد وواسط ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في ~~بياض يوم حتى تكون الحادثة بالكوفة غدوة فيعلمها أهل البصرة قبل المساء، ~~وذلك مشهور في الحمام إذا ms005 أرسلت، وكانت العرب تعمد في مآثرها على الشعر ~~الموزون والكلام المقفى وكان ذلك ديوانها على أن الشعر بقية فضيلة البيان ~~على الشاعر الراغب وفضيلة الأثر على السيد المرغوب إليه، وكانت العجم تقيد ~~مآثرها بالبنيان فبنت مثل بناء أردشير وبناء إصطخر وبيضاء المدائن وشيرين ~~والمدن والحصون والقناطر والجسور، ثم إن العرب شاركت العجم في البنيان ~~وتفردت بالشعر، فلها من البنيان غمدان وكعبة نجران وقصر مأرب وقصر شعوب ~~والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان، وتصنيف الكتب أشد تقييدا للمآثر على مر ~~الأيام والدهور من البنيان لأن البنيان لا محالة يدرس وتعفو رسومه والكتاب ~~باق يقع من قرن إلى قرن فهو أبدا جديد والناظر فيه مستفيد وهو أبلغ في ~~تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير، وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر ~~والعلماء بمخارج الملل وأرباب النحل وورثة الأنبياء وأعوان الخلفاء يكتبون ~~كتب الظرفاء والملحاء وكتب الملاهي والفكاهات وكتب أصحاب المراء والخصومات ~~وكتب أصحاب العصبية وحمية الجاهلية فمنهم من يفرط في التعلم في أيام جهله ~~وخمول ذكره وحداثة سنه، ولولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب ~~العلم ونازعت إلى حب الأدب وأنفت من حال الجهل وأن تكون في غمار الحشوة ~~ويدخل عليهم الضرر والحقارة وسوء الحال بما عسى أن يكون لا يمكن الإخبار عن ~~مقداره إلا بالكلام الكثير، ولذلك قال عمر بن الخطاب: تفقهوا قبل أن ~~تسودوا. وفكاهة وملح ومضاحك وخرافة. وكانوا يجعلون الكتاب نقرا في الصخور ~~ونقشا في الحجارة وحلقة مركبة في البنيان، وربما كان الكتاب هو الناتيء ~~وربما كان الكتاب هو المحفور إذا كان ذلك تاريخا لأمر جسيم أو عهدا لأمر ~~عظيم أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على ~~قبة غمدان وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى عمود مأرب وعلى ركن ~~المشقر وعلى الأبلق الفرد من تيماء وعلى باب الرهاء، يعمدون إلى المواضع ~~الرفيعة المشهورة والأماكن المذكورة ويضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور ~~وأمنعها من الدروس وأجدر أن يراها من مر ولا ينسى ms006 على مرور الدهور، وعمدوا ~~إلى الرسوم ونقوش الخواتيم فجعلوها سببا لحفظ الأموال والخزائن ولولاها ~~لدخل على الناس الضرر الكبير، ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب أكثره ~~ولبطلت معرفة التضاعيف، ونفع الحساب معلوم والخلة في موضع فقده معروفة. قال ~~الله عز وجل: " هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا ~~عدد السنين والحساب "، ولولا الكتب المدونة والأخبار المجلدة والحكم ~~المخطوطة التي تجمع الحساب وغير الحساب لبطل أكثر العلم، ولولا الكتاب لم ~~يكن يعلم أهل الرقة والموصل وبغداد وواسط ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في ~~بياض يوم حتى تكون الحادثة بالكوفة غدوة فيعلمها أهل البصرة قبل المساء، ~~وذلك مشهور في الحمام إذا أرسلت، وكانت العرب تعمد في مآثرها على الشعر ~~الموزون والكلام المقفى وكان ذلك ديوانها على أن الشعر بقية فضيلة البيان ~~على الشاعر الراغب وفضيلة الأثر على السيد المرغوب إليه، وكانت العجم تقيد ~~مآثرها بالبنيان فبنت مثل بناء أردشير وبناء إصطخر وبيضاء المدائن وشيرين ~~والمدن والحصون والقناطر والجسور، ثم إن العرب شاركت العجم في البنيان ~~وتفردت بالشعر، فلها من البنيان غمدان وكعبة نجران وقصر مأرب وقصر شعوب ~~والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان، وتصنيف الكتب أشد تقييدا للمآثر على مر ~~الأيام والدهور من البنيان لأن البنيان لا محالة يدرس وتعفو رسومه والكتاب ~~باق يقع من قرن إلى قرن فهو أبدا جديد والناظر فيه مستفيد وهو أبلغ في ~~تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير، وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر ~~والعلماء بمخارج الملل وأرباب النحل وورثة الأنبياء وأعوان الخلفاء يكتبون ~~كتب الظرفاء والملحاء وكتب الملاهي والفكاهات وكتب أصحاب المراء والخصومات ~~وكتب أصحاب العصبية وحمية الجاهلية فمنهم من يفرط في التعلم في أيام جهله ~~وخمول ذكره وحداثة سنه، ولولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب ~~العلم ونازعت إلى حب الأدب وأنفت من حال الجهل وأن تكون في غمار الحشوة ~~ويدخل عليهم الضرر والحقارة وسوء الحال بما عسى أن يكون لا يمكن الإخبار عن ~~مقداره إلا بالكلام الكثير، ولذلك قال عمر ms007 بن الخطاب: تفقهوا قبل أن ~~تسودوا. # PageV01P004 # وقال بعض الحكماء: ذهبت المكارم إلا من الكتب. وقال الله عز وجل: " اقرأ ~~وربك الأكرم الذي علم بالقلم "، فوصف نفسه تعالى جده بأنه علم بالقلم كما ~~وصف نفسه بالكرم واعتد بذلك في نعمه العظام وأياديه الجسام ووضع القلم في ~~المكان الرفيع ونوه بذكره وأقسم به كما أقسم بما يخط به فقال: " ن والقلم ~~وما يسطرون، والقلم أرجح من اللسان لأن كتابته تقرأ بكل مكان ويظهر ما فيه ~~على كل لسان ويوجد مع كل زمان، ومناقلة اللسان وهديته لا تجاوزان مجلس ~~صاحبه ومبلغ صوته، والكتاب يخاطبك من بعيد، وقد قالوا: القلم أحد اللسانين، ~~وقالوا: كل من عرف النعمة في بيان اللسان كان أعرف لفضل النعمة في بيان ~~القلم. وقد يعتري القلم ما يعتري المؤدب عند ضربه وعقابه، فما أكثر من يعزم ~~على عشرة أسواط فيضرب مائة لأنه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع فأراه السكون ~~أن الصواب في الإقلال فلما ضرب تحرك دمه فأشاع الحرارة فيه وزاد في غضبه ~~فأراه الغضب أن الرأي في الإكثار، وكذلك صاحب القلم فما أكثر من يبتديء ~~الكتاب وهو يريد مقدار سطرين فيكتب عشرة. وقد قيل: القلم الشاهد والغائب ~~يقرأ بكل لسان وفي كل زمان. وقالوا: ظاهر عقول الرجال في اختيارها ومدون في ~~أطراف أقلامها، ومصباح الكلام حسن الاختيار. وقالوا: القلم مجهز جيوش ~~الكلام، يخدم الإرادة ولا يمل الاستزادة، ويسكت واقفا وينطق سائرا على ~~الأرض، بياضه مظلم وسواده مضيء، وقال الشاعر: # قوم إذا خافوا عداوة معشر ... سفكوا الدما بأسنة الأقلام # ولمشقة من كاتب بمداده ... أمضى وأقطع من صنيع حسام # وقال آخر أيضا: # ما السيف والسيف سيف الكمي ... بأخوف من قلم الكاتب # له غاية إن تأملتها ... ظهرت على سوءة الغائب # أداة المنية في جانبيه ... فمن مثله رهبة الراهب # سنان المنية في جانب ... وسيف المنية في جانب # ألم تر في صدره كالسنان ... وفي الردف كالمرهف القاضب # فيجري به الكف في حالة ... على هيئة الطاعن الضارب # وقال آخر أيضا ملغزا: # وأعجف رجلاه في رأسه ms008 ... يطير حثيثا على الأملس # مطاياه من تحته الإصبعان ... ولولا مطاياه لم يلمس # وقال آخر، سامحه الله: # وأعجف منشق الشباة مقلم ... موشى القرا طاوي الحشا أسود الفم # إذا هو أضحى في الدواة فأعجم ... ويضحي فصيحا في يدي غير أعجم # يناجي مناجاة أغر مرزأ ... متى ما استمع معروفه يتبسم # وقال آخر، رحمه الله: # لك القلم الذي لم يجر لؤما ... بغاية منطق فكبا بعي # ومبتسم عن القرطاس يأسو ... ويجرح وهو ذو بال رخي # فما المقداد أعضب من شباه ... ولا الصمصام سيف المذحجي # وقال وأجاد: # أحسن من غفلة الرقيب ... ولحظة الوعد من حبيب # والنغم والنقر من كعاب ... مصيبة العود والقضيب # ومن بنات الكروم راحا ... في راحتي شادن ربيب # كتب أديب إلى أديب ... طالت به مدة المغيب # فنمقت كفه سطورا ... تنمق الصبر في القلوب # تترك من سطرت إليه ... أطرب من عاشق طروب # وقال آخر: # إذا استمدت صرفت الطرف عن يدها ... خوفا عليها لما أخشى من التهم # كأنما قابل القرطاس إذ مشقت ... منها ثلاثة أقلام على قلم # وقال أشجع في جعفر البرمكي: # إذا أخذت أنامله ... تبين فضله القلما # تطأطأ كل مرتفع ... لفضل الكتب مذ نجما # يقدم ويؤخر، أراد: إذا أخذت أنامله القلم تبين فضله. وفي الخط قال: نظر ~~المأمون إلى مؤامرة بخط حسن فقال: لله در القلم كيف يحوك وشي المملكة! وقال ~~يحيى بن خالد البرمكي: الخط صورة روحها البيان ويدها السرعة وقدماها ~~التسوية وجوارحها معرفة الفصول، وقال في مثله، رحمه الله تعالى: # PageV01P005 # تقول وقد كتبت دقيق خطي: ... فديتك مم تجتنب الجليلا؟ # فقلت لها: # نحلت فصار خطي ... دقيقا مثل صاحبه نحيلا # وقال علي بن الجهم في صفة الكتب: إذا غشيني النعاس في غير وقت النوم ~~تناولت كتابا فأجد اهتزازي فيه من الفوائد والأريحية التي تعتادني وتعتريني ~~من سرور الاستنباه وعز التبيين أشد إيقاظا من نهيق الحمار وهدة الهدم، وإني ~~إذا استحسنت كتابا واستجدته رجوت فيه فائدة، فلو تراني ساعة بعد ساعة أنظر ~~كم بقي من ورقه مخافة استنفاده وانقطاع المادة من قبله، وإن كان الكتاب ~~عظيم ms009 الحجم وكان الورق كبير القدر. # وذكر له العتبي كتابا لبعض القدماء وقال: لولا طوله لنسخته، فقال: ما ~~رغبي إلا فيما زهدت عنه، وما قرأت كتابا كبيرا فأخلاني من فائدة ولا أحصي ~~كم قرأت من صغار الكتب فخرجت منها كما دخلت فيها. # قال ابن داحة: كان عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ~~رضي الله عنه، لا يجالس الناس ونزل مقبرة من المقابر وكان لا يكاد يرى إلا ~~وفي يده كتاب يقرأ فيه، فسئل عن ذلك وعن نزوله المقبرة فقال: لم أر أوعظ من ~~قبر ولا آنس من كتاب ولا أسلم من الوحدة. # وقيل لابن داحة وقد أخرج إليه كتاب أبي الشمقمق وهو في جلود كوفية ~~وورقتين طابقتين لا بخط عجيب فقال: لقد ضيع درهمه صاحب هذا الكتاب، وقال: ~~والله إن القلم ليعطيكم مثل ما تعطونه ولو استطعت أن أتودعه سويداء قلبي ~~وأجعله مخطوطا على ناظري لفعلت. # وقال بعضهم: كنت عند بعض العلماء وكنت أكتب عنه بعضا وأدع بعضا فقال لي: ~~اكتب كل ما تسمع فإن أخس ما تسمع خير من مكانه أبيض، وقيل: # أما لو أعي كل ما أسمع ... وأحفظ من ذاك ما أجمع # ولم أستفد غير ما قد جمعت ... لقيل هو العالم المقنع # ولكن نفسي إلى كل نوع ... من العلم تسمعه تجزع # فلا أنا أحفظ ما قد جمعت ... ولا أنا من جمعه أشبع # ومن لث في علمه هكذا ... ترى دهره القهقرى يرجع # إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع # وقال بعضهم: الحفظ مع الإقلال أمكن ومع الإكثار أبعد وهو للطبائع مع ~~رطوبة القضيب أقبل، ومنها قول الشاعر: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبي خاليا فتمكنا # وقيل: العلم في الصغر كالنقش في الحجر، فسمع ذلك الأحنف فقال: الكبير ~~أكثر عقلا ولكنه أكثر شغلا، وكما قال: # وإن من أدبته في الصبى ... كالعود يسقى الماء في غرسه # حتى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه # والصبي على الصبى أفهم وله آلف وإليه ms010 أنزع، وكذلك العالم على العلم ~~والجاهل على الجهل، وقال الله تبارك وتعالى: " ولو جعلناه ملكا لجعلناه ~~رجلا "، لأن الإنسان على الإنسان أفهم وطباعه بطباعه آنس، ومن التقط كتابا ~~جامعا كان له غنمه وعلى مؤلفه غرمه، وكان له نفعة وعلى صاحبه كده، ومتى ظفر ~~بمثله صاحب علم فهو وادع جام ومؤلفه متعوب مكدود وقد كفي مؤنة جمعه وتتبعه ~~وأغناه عن طول التفكير واستنفاد العمر، كان عليه أن يجعل ذلك من التوفيق ~~والتسديد إذا بالغ صاحبه في تصنيفه وأجاد في اختياره، قال أبو هفان: # إذا آنس الناس ما يجمعون ... أنست بما يجمع الدفتر # له وطري وله لذتي ... على الكأس والكأس لا تحضر # تدور على الشرب محمودة ... لها المورد الخرق والمصدر # يغنيهم ساحر المقلتين ... كشمس الضحى طرفه أحور # وريحانهم طيب أخلاقهم ... وعندهم الورد والعبهر # على أن همتنا في الحروب ... فتلك الصناعة والمتجر # قال: لما قلتها عرضتها على ابن دهقان فقال: إذا سمع بها الخليفة استغنى ~~بها عن الندماء. وأنشدنا غيره: # نعم المحدث والرفيق كتاب ... تلهو به إن خانك الأصحاب # لا مفشيا سرا إذا استودعته ... وتنال منه حكمة وصواب # وقال آخر: # نعم الجليس بعقب قعدة ضجرة ... للملك والأدباء والكتاب # PageV01P006 # ورق تضمن من خطوط أنامل ... مرعى من الأخبار والأداب # يخلو به من مل من أصحابه ... فيقال خلو وهو في الأصحاب # قال: وأنشدنا أبو الحسن علي بن هارون بن يحيى النديم، رحمه الله: # إذا ما خلوت من المؤنسين ... جعلت المحدث لي دفتري # فلم أخل من شاعر محسن ... ومن مضحك طيب مندر # ومن حكم بين أثنائها ... فوائد للناظر المفكر # وإن ضاق صدري بأسراره ... وأودعته السر لم يظهر # وإن صرح الشعر باسم الحبيب ... لما اختشيت ولم أحصر # وإن عذت من ضجرة بالهجاء ... ولو في الخليفة لم أحذر # فناديت منه كريم المغيب ... لندمانه طيب المحضر # فلست أرى مؤثرا ما حييت ... عليه نديما إلى المحشر # وقال في الذهن: # إذا ما غدت طلابة العلم ما لها ... من العلم إلا ما يخلد في الكتب # غدوت بتشمير وجد عليهم ... ومحبرتي سمعي ودفترها قلبي ms011 # وقال آخر: # يا أيها الطالب الآداب مبتدرا ... لا تسه عن حملك الألواح للأدب # فحملها أدب تحوي به أدبا ... وسوف تنقل ما فيها إلى الكتب # وليس في كل وقت ممكنا قلم ... ودفتر يا عديم المثل في الحسب # وكل ما تقدم ذكره من مناقب الكتب ووصف محاسنها فهو دون ما يستحقه كتابنا ~~هذا فقد اشتمل على محاسن الأخبار وظرائف الآثار وترجمناه بكتاب المحاسن ~~والمساوئ لأن المصلحة في ابتداء أمر الدنيا إلى انقضاء مدتها امتزاج الخير ~~بالشر والضار بالنافع والمكروه بالمحبوب، ولو كان الشر صرفا محضا لهلك ~~الخلق، ولو كان الخير محضا لسقطت المحنة وتقطعت أسباب الفكرة، ومتى بطل ~~التخيير وذهب التمييز لم يكن صبر على مكروه ولا شكر على محبوب ولا تعامل ~~ولا تنافس في درجة، وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل. ### | محاسن رسول الله ### | صلى الله عليه وسلم # PageV01P007 # وافتتحنا كتابنا هذا بذكر النبي، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه ~~الطيبين الطاهرين الأبرار الأخيار، لما رجونا فيه من الفضل والبركة واليمن ~~والتوفيق، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وإخوته من النبيين ~~وآله الطيبين أجمعين، اختار الله من خير أرومات العرب عنصرا ومن أعلى ذوائب ~~قريش فرعا من أكرم عيدان قصي مجدا تم لم يزل بلطفه لنبيه، صلى الله عليه ~~وسلم وآله، واختياره إياه بالآباء الأخائر والأمهات الطواهر حتى أخرجه في ~~خير زمان وأفضل أوان، تفرع من شجرة باسقة الندى، شامخة العلى، عربية الأصل، ~~قرشية الأهل، منافية الأعطان، هاشمية الأغصان، ثمرتها القرآن، تندى بماء ~~ينابيع العلم في رياض الحلم، لا يذوي عودها ولا تجف ثمرتها ولا يضل أهلها، ~~أصلها ثابت وفرعها نابت، فيا لها من شجرة ناضرة خضراء ناعمة غرست في جبل ~~قفر وبلد وعر محل ضرع غير ذي زرع عند بيتك المحرم وبلدك المكرم فهو، صلى ~~الله عليه وعلى آله الطيبين الأخيار، كما قال بعض الحكماء: لئن كان سليمان، ~~عليه السلام، أعطي الريح غدوها شهر ورواحها شهر لقد أعطي نبينا، صلى الله ~~عليه وسلم، البراق الذي هو ms012 أسرع من الريح، ولئن كان موسى، عليه السلام، ~~أعطي حجرا تتفجر منه اثنتا عشرة عينا لقد وضع أصابعه، عليه وعلى آله ~~السلام، في الإناء والماء ينبع من بين أصابعه حتى ارتوى أصحابه، رضي الله ~~عنهم، وما لهم من الخيل، ولقد كان رديف عمه أبي طالب بذي المجاز فقال: يا ~~ابن أخي قد عطشت، فقال: عطشت يا عم؟ قال: نعم، فثنى وركه فنزل وضرب بقدمه ~~الأرض فخرج الماء فقال: اشرب، فشرب حتى روي، ولئن كان عيسى، عليه السلام، ~~أحيا النفس بإذن الله لقد رفع، صلى الله عليه وسلم، ذراعا إلى فيه فأخبرته ~~أنها مسمومة، وكان، صلى الله عليه وسلم، يخبر بما في الضمائر وما يأكلون ~~فما يدخرون، ثم دعاؤه المستجاب الذي لا تأخير فيه، وذلك أن النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، لما لقي من قريش والعرب من شدة أذاهم له وتكذيبهم إياه ~~واستعانتهم عليه بالأموال دعا أن تجدب بلادهم وأن يدخل الفقر بيوتهم، فقال: ~~اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف! اللهم اشدد وطأتك على مضر! فأمسك الله ~~عز وجل عنهم القطر حتى مات الشجر وذهب الثمر وقلت المراعي فماتت المواشي ~~حتى اشتووا القد وأكلوا العلهز، فعند ذلك وفد حاجب بن زرارة إلى كسرى يشكو ~~إليه الجهد والأزل ويستأذنه في رعي السواد وهو حين ضمن عن قومه وأرهنه ~~قوسه، فلما أصاب مضر خاصة الجهد ونهكهم الأزل وبلغت الحجة مبلغها وانتهت ~~الموعظة منتهاها دعا بفضله، صلى الله عليه وسلم، الذي كان نداهم به فسأل ~~ربه عز وجل الخصب وإدرار الغيث فأتاهم منه ما هدم بيوتهم ومنعهم حوائجهم، ~~فكلموه في ذلك فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فأمطر الله ما حولهم ودعا، ~~صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، على المستهزئين بكتاب الله عز وجل، ~~وكانوا اثني عشر رجلا، فكفاه الله جل اسمه أمرهم، فقال: " إنا كفيناك ~~المستهزئين "، وقصة عامر بن الطفيل ودعائه عليه، وناطقه، صلى الله عليه ~~وسلم، ذئب، وأظلته غمامة، وحن إليه عود المنبر، وأطعم عسكرا من ثريدة في ~~جسم قطاة، وسقى عاما ms013 ووضأهم من ميضأة جسم صاع، ورسوخ قوائم فرس سراقة بن ~~جشعم في الأرض وإطلاقه له بعد إذ أخذ موثقه، ومريه ضرع شاة حائل فعادت ~~كالحامل، والتزاق الصخرة بيد أربد، وما أراه الله عز وجل أبا جهل حين أهوى ~~بالصخرة نحو رأس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو ساجد فظهر له فحل ~~ليلقم رأسه فرمى بالصخرة ورجع يشد إلى أصحابه قد انتقع لونه، فقالوا له: ما ~~بالك؟ فقال: رأيت فحلا لم أر مثله يريد هامتي. # PageV01P008 # وأما ما أراه الله أعداءه من الآيات فأكثر من أن يحصى، منها ما رواه وهب ~~بن منبه عن الليث بن سعد قال: أتى أربد بن ربيعة وعامر بن الطفيل إلى رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما للآخر: أنا أشغله بالكلام حتى ~~تقتله، فوقف أحدهما على النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما طال عليه انصرف ~~فقال لصاحبه: ما صنعت شيئا؟ قال: رأيت عنده شيئا ورجله في الأرض ورأسه في ~~السماء لو دنوت منه أهلكني، وأما أربد فأصابته صاعقة، وأنزل الله تعالى: " ~~له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، وأما عامر فإنه قال ~~لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: لنا أهل الوبر ولكم أهل المدر، فقال، صلى ~~الله عليه وسلم: لكم الأعنة، فقال: لأملأنها خيلا عليكم ورجلا. فلما ولى ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: اللهم اكفنيه، فأخذته غدة فقتلته. # وعن محمد بن عبد الله قال: بينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قائم ~~يصلي إذ رآه أبو جهل فقال لنفر من قريش: لأذهبن فأقتلن محمدا، فدنا منه ~~قال: ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، قائم يصلي ويقرأ: " اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق خلق الإنسان من علق "، حتى بلغ آخرها، فانصرف أبو جهل وهو يقول: ~~هذا وأبيكم وعيد شديد، فلقي أصحابه فقالوا له: ما بالك لم تقتله؟ قال: ~~والله إن بيني وبينه رجلا له كتيت ككتيت الفحل يعدني يقول: ادن ادن. # وعن عبد الله أن أعرابيا جاء بعكة من سمن ms014 فاشتراها أبو جهل فأمسك العكة ~~وأمسك الثمن، فشكاه الأعرابي إلى قريش فكلموه فأبى عليهم، فقال بعض ~~المستهزئين: يا أعرابي أتحب أن تأخذ عكتك وثمنها؟ قال: بلى، قال: أترى هذا ~~الرجل المار؟ القه فكلمه، يعني النبي، صلى الله عليه وسلم، فأتاه الأعرابي ~~وشكا إليه أمر العكة، فخرج عليه، صلى الله عليه وسلم، حتى وقف بباب أبي جهل ~~فناداه باسمه، فخرج إليه ترعد فرائصه، فقال له: أد هذا عكته وثمنها، فدخل ~~أبو جهل فدفع إلى الرجل العكة، فخرج الأعرابي إلى قريش وأخبرهم بذلك، ثم ~~خرج أبو جهل، فقالت له قريش: كلمناك أن تؤدي الأعرابي حقه فأبيت ثم جاءك ~~ابن عبد المطلب فدفعت إليه ذلك؟ فقال: إن معه لجملا فاتحا فاه ينظر ما أقول ~~فيلتقم رأسي فما وجدت بدا من إعطائه حقه. # وأما أنس الوحش به فمما حدثنا إسماعيل بن يحيى بن محمد عن سعيد بن سيف بن ~~عمر عن أبي عمير عن الأسود قال: سأل رجل هند بن أبي هالة ### | ...... # فقال: حدثينا بأعجب ما رأيت أو بلغك عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فقالت: كل أمره كان عجبا، وأعجب ما رأيت أنه كان لي ربائب وحش كنت آنس بهن ~~وآلفهن فإذا كان يومه الذي يكون فيه عندي لم يزلن قياما صواف ينظرن إليه ~~ولا يلهيهن عن النظر إليه شيء ولا ينظرن إلى غيره، فإذا شخص قائما سمون ~~إليه بأبصارهن، فإذا انطلق موليا لاحظنه النظر، فإذا غاب شخصه عنهن ضربن ~~بأذنابهن وآذانهن، وكان ذلك يعجبني. # وعن عبد الملك بن عمير أن النبي، صلى الله عليه وسلم، مر بظبية عند قانص ~~فقالت: يا رسول الله إن ضرعي قد امتلأ وتركت خشفين جائعين فخلني حتى أذهب ~~وأرويهما ثم أعود إليك فتربطني، فقال: صيد قوم وربيطتهم! قالت: يا رسول ~~الله فإني أعطيك عهد الله لأرجعن، فأخذ عليها عهد الله ثم أطلقها وأرسلها ~~فما لبثت إلا يسيرا حتى جاءت وقد فرغت ما في ضرعها، فقال: صلى الله عليه ~~وسلم: لمن هذه الظبية؟ قالوا: لفلان، فاستوهبها منه ms015 ثم خلى سبيلها وقال: لو ~~أن البهائم تعلم ما تعلمون من الموت ما أكلتم سمنا. # وأما محاسن شهادات السباع له بالنبوة فمن ذلك ما روي أن أبا سفيان بن حرب ~~وصفوان بن أمية خرجا من مكة فإذا هما بذئب يكد ظبية حتى إن نفسه كاد أن ~~يبلغ ظهر الظبية أو شبيها بذلك إذ دخل الظبي الحرم فرجع الذئب، فقال أبو ~~سفيان: ما أرض سكنها قوم أفضل من أرض أسكنها الله إيانا، أما رأيت ما صنع ~~الذئب أعجب منه حين رجع! فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بن عبد ~~المطلب بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار. فقال أبو سفيان: ~~واللات والعزى لئن ذكرت ذلك بمكة لنتركها خلوا. # PageV01P009 # وذكروا أن رافع بن عميرة بن جابر كان يرعى غنما إذ غار الذئب عليها ~~فاحتمل أعظم شاة منها فشد عليه رافع ليأخذها منه وقال: عجبا للذئب يحتمل ما ~~حمل! قال: فأقعى الذئب غير بعيد وقال: أعجب منه أنت أخذت مني رزقا رزقنيه ~~الله تعالى. فقال رافع: يا عجبا للذئب يتكلم! فقال الذئب: أعجب من ذلك ~~الخارج من تهامة يدعوكم إلى الجنة وتأبون إلا دخول النار. فأقبل الرجل إلى ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، وقد جاءه جبريل، عليه السلام، فأنبأه بما كان، ~~فقص النبي، صلى الله عليه وسلم، ما كان فآمن وصدق وقال: # رعيت الضأن أحميها بنفسي ... من اللص الخفي وكل ذيب # فلما أن رأيت الذئب يعوي ... وبشرني بأحمد من قريب # يبشرني بدين الحق حتى ... تبينت الشريعة للمنيب # رجعت له وقد شمرت ثوبي ... عن الكعبين معتمدا ركوبي # فألفيت النبي يقول قولا ... صوابا ليس بالهزل الكذوب # ألا بلغ بني عمرو بن عوف ... وأختهم جديلة أن أجيبي # دعاء المصطفى لا شك فيه ... فإنك إن تجيبي لا تخيبي # ومن محاسن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبركته ما رواه محمد بن إسحاق ~~عن سعيد بن مينا عن جابر بن عبد الله قال: عملنا مع رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، في الخندق وكانت عندي ms016 شويهة غير سمينة فقلت: والله لو صنعت هذه ~~الشاة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم. قال: فأمرت امرأتي فطحنت شيئا من ~~شعير فصنعت له منه خبزا وذبحت الشاة فشويتها، فلما أمسينا وأراد رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، الانصراف قلت: يا رسول الله إني صنعت لك شويهة وشيئا ~~من خبز الشعير وأحب أن تنصرف معي إلى منزلي، وإنما أريد أن ينصرف معي رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وحده. فلما قلت له ذلك قال: نعم، ثم أمر بصارخ ~~فصرخ: انصرفوا إلى بيت جابر. فقلت: أنا لله وإنا إليه راجعون. وأقبل رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، والناس معه، فأخرجتها إليه فسمى ثم أكل وتواردها ~~الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء قوم حتى صدر أهل الخندق عنها. # وروي عن محمد بن إسحاق أن ابنة لبشير بن سعد قالت: دعتني أمي ابنة رواحة ~~فأعطتني حفنة تمر في ثوبي وقالت: يا بنية اذهبي إلى أبيك بهذا. قالت: ~~فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأنا ألتمس أبي ~~فقال، عليه الصلاة والسلام: تعالي يا بنية، ما هذا معك؟ قلت: تمر بعثت به ~~أمي إلى أبي بشير بن سعد. فقال: هاتي به. فصببته في كفي رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط ثم دحا بالتمر عليه فتبدد ~~فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده: ناد في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء. ~~فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل هو يزداد حتى صدر أهل ~~الخندق عليه وهو يسقط من أطراف الثوب. # ومن آياته، صلى الله عليه وسلم، ما لا يعرفها إلا الخاصة وهي محاسن ~~أخلاقه وأفعاله التي لم تجتمع لبشر من قبله ولا تجتمع لأحد من بعده، وذلك ~~أنا لم نر ولم نسمع لأحد قط صبره وحلمه ووفاءه وزهده وجوده ونجدته وصدق ~~لهجته وكرم عشيرته وتواضعه وعلمه وحفظه وصمته إذا صمت ونطقه إذا نطق ولا ~~كعفوه وقلة امتنانه، ولم نجد شجاعا قط إلا وقد فر مثل عامر ms017 فر عن أخيه ~~الحكم يوم الرقم وعيينة فر عن أبيه يوم نسار وبسطام عن قومه يوم العظالى. # وكان له، صلى الله عليه وسلم، وقائع مثل أحد وحنين وغيرهما فلا يستطيع ~~منافق أن يقول هاب حربا أو خاف. # وأما زهده، صلى الله عليه وسلم، فإنه ملك من أقصى اليمن إلى شحر عمان إلى ~~أقصى الحجاز إلى عذار العراق ثم توفي، صلى الله عليه وسلم، وعليه دين ودرعه ~~مرهون في ثمن طعام أهله، لم يبن دارا ولا شيد قصرا ولا غرس نخلا ولا شق ~~نهرا ولا استنبط عينا واعتبر برديه اللذين كان يلبسهما وخاتمه. # PageV01P010 # وكان، صلى الله عليه وسلم، يأكل على الأرض ويلبس العباءة ويجالس الفقراء ~~ويمشي في الأسواق ويتوسد يده ولا يأكل متكيا ويقتص من نفسه، وكان، صلى الله ~~عليه وسلم، يقول: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأشرب كما يشرب، ولو ~~دعيت إلى ذراع لأجبت ولو أهدي إلي كراع لقبلت. ولم يأكل قط وحده ولا ضرب ~~عبده، ولم ير، عليه الصلاة والسلام، أدار رجله بين يدي أحد ولا أخذ بيده ~~أحد فانتزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسلها. # وأما كرمه، صلى الله عليه وسلم، في فتح مكة وقد قتلوا أعمامه ورجاله ~~وأولياءه وأنصاره وآذوه وأرادوا نفسه فكان يلتقي السفه بالحلم والأذى ~~بالاحتمال، وكان متى كان أكرم وعنهم أصفح كانوا ألأم وعليه ألح، والعجب ~~أنهم كانوا أحلم جيل إلا فيما بينهم وبينه فإنهم كانوا إذا ساروا إليه ~~أفحشوا عليه وأفرطوا في السفه ورموه بالفرث والدماء وألقوا على طريقه الشوك ~~وحثوا في وجهه التراب، وكان لا يتولى هذا منه إلا العظماء والأخوال ~~والأعمام والأقرب فالأقرب، فإذا كانوا كذلك كان أشد للغيظ وأثبت للحقد، ~~فلما دخل، عليه السلام، مكة قام فيهم خطيبا فحمد الله، عز وجل، وأثنى عليه ~~ثم قال: أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو ~~أرحم الراحمين. # وأما محاسن قوله الحق فإنه ذكر زيد بن صوحان فقال: زيد وما زيد، يسبقه ms018 ~~عضو منه إلى الجنة، فقطعت يده يوم نهاوند في سبيل الله ووعد أصحابه بيضاء ~~إصطخر وبيضاء المدائن وقال لعدي بن حاتم: لا يمنعك ما ترى، يعني ضعف أصحابه ~~وجهدهم، فكأنهم ببيضاء المدائن قد فتحت عليهم، وكأنهم بالظعينة تخرج من ~~الحيرة حتى تأتي مكة بغير خفير، فأبصر ذلك كله عدي وقال لعمار بن ياسر: ~~تقتلك الفئة الباغية، فكان كما قال حتى قال معاوية: إنما قتله من أخرجه. # وضلت ناقته، صلى الله عليه وسلم، فأقبل يسأل عنها فقال المنافقون: هذا ~~محمد يخبرنا عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فصعد المنبر فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: إن رجلا يقول في بيته إن محمدا يخبرنا عن خبر السماء ~~وهو لا يدري أين ناقته، ألا وإني لا أعلم إلا ما علمني ربي عز وجل وقد ~~أخبرني أنها في وادي كذا وكذا تعلق زمامها بشجرة. فبادر الناس إليها وفيهم ~~زيد بن أرقم وزيد بن اللصيت فإذا هي كذلك. # ولما استأمن أبو سفيان بن حرب إليه، عليه الصلاة والسلام، أمر عمه العباس ~~أن يأخذه إلى خيمته حتى يصبح، فلما صار في قبة العباس ندم على ما كان منه ~~وقال في نفسه: ما صنعت؟ دفعت بيدي هكذا، ألا كنت أجمع جمعا من الأحابيش ~~وكنانة وألقاه بهم فلعلي كنت أهزمه! فناداه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~من خيمته: إذا كان الله يخزيك يا أبا سفيان. فقال أبو سفيان: يا عباس ~~أدخلني على ابن أخيك. فقال له العباس: ويلك يا أبا سفيان ما آن لك ذلك. ~~فأدخله على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله قد كان في ~~النفس شيء وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله حقا. # وقوله، صلى الله عليه وسلم، لما يكون من بعده مما حدث به محمد بن عبد ~~الرحمن بن أذينة عن سلمان بن قيس عن سلمان بن عامر عن سلمان الفارسي قال: ~~قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إني رأيت على منبري هذا ms019 اثني عشر رجلا ~~من قريش يخطب كلهم رجلان من ولد حرب بن أمية وعشرة من ولد أبي العاص بن ~~أمية. ثم التفت إلى العباس وقال: هلاكهم على يدي ولدك. # وأما جماله وبهاؤه ومحاسن ولادته، صلى الله عليه وسلم، فما روي عن عثمان ~~بن أبي العاص قال: أخبرتني أمي أنها حضرت آمنة أم النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، لما ضربها المخاض، قالت: جعلت أنظر إلى النجوم تتدلى حتى قلت لتقعن ~~علي، فلما وضعته خرج منها نور أضاء له البيت والدار حتى صرت لا أرى إلا ~~نورا. قال: وسمعت آمنة تقول: لقد رأيت وهو في بطني أنه خرج مني نور أضاءت ~~له قصور الشام، ثم ولد، صلى الله عليه وسلم، فخرج معتمدا على يديه رافعا ~~رأسه إلى السماء كأنه يخطب أو يخاطب. # وروي عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أشجع الناس ~~وأحسن الناس وأجود الناس، ما مسست بيدي ديباجا ولا حريرا ولا خزا ألين من ~~كف رسول الله، صلى الله عليه وسلم. # PageV01P011 # وعن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في ليلة ~~البدر وعليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو أحسن في عيني من ~~القمر. # وعن جابر بن زيد عن أبيه قال: أتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، في مسجد ~~الخيف فناولني يده فإذا هي أطيب من المسك وأبرد من الثلج. # ومن فضله الذي أبر على جميع الخلائق ومحاسنه ما روي عن وهب بن منبه أنه ~~قال: لما خلق الله عز وجل الأرض ارتجت واضطربت فكتب في أطرافها محمد رسول ~~الله فسكنت. # وأما عقله، عليه الصلاة والسلام، فقد روي أن عقول جميع الخلائق من ~~الأولين والآخرين في جنب عقل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كرملة من بين ~~جميع رمال الدنيا. # ومن محاسنه، صلى الله عليه وسلم، الإسراء ما روي عن الحسن بن أبي الحسن ~~البصري، رحمه الله، يرفعه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إني ~~لنائم في ms020 الحجر إذ جاء جبريل، عليه السلام، فغمزني برجله فجلست فلم أر شيئا ~~ثم عدت لمضجعي، فجاءني الثانية فغمزني فجلست وأخذ بعضدي فخرج بي إلى باب ~~الصفا وإذا أنا بدابة أبيض بين الحمار والبغل له جناحان في فخذيه يضع حافره ~~منتهى طرفه، فقال لي جبريل: اركب يا محمد، فدنوت إليه لأركب فتنحى عني. ~~فقال له جبريل، عليه السلام: يا براق ما لك فوالله ما ركبك خير منه قط! ~~فركبت وخرجت ومعي صاحبي لا أفوته ولا يفوتني حتى انتهى بي إلى بيت المقدس ~~فوجدت فيه نفرا من الأنبياء قد جمعوا لي فأممتهم، ثم أتيت بإناءين من خمر ~~ولبن فتناولت اللبن وشربت منه وتركت الخمر. فقال جبريل، عليه السلام: هديت ~~وهديت أمتك وحرمت عليهم الخمر، ثم أصبحت بمكة. قال: فلما ذكر رسول الله ذلك ~~ارتد كثير ممن كان آمن به وقالوا: سبحان الله! أذهب محمد إلى الشام في ساعة ~~من الليل ثم رجع والعير تطرد شهرا مدبرة وشهرا مقبلة! فبلغ ذلك أبا بكر، ~~رضي الله عنه، فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~يا رسول الله ما يقول هؤلاء؟ يزعمون أنك حدثتهم بأنك قد أتيت الشام هذه ~~الليلة ورجعت من ليلتك! قال: قد كان ذاك. قال: يا رسول الله فصف لي المسجد. ~~فجعلت أصفه لأبي بكر، رحمه الله، وأنا أنظر إليه فكلما حدثته عن شيء قال: ~~صدقت أشهد أنك رسول الله، حتى فرغت من صفته، فقال رسول الله يومئذ: فأنت ~~الصديق يا أبا بكر. ### | محاسن المعراج # عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال: ~~أخبرنا نبي الله، صلى الله عليه وسلم، قال: بينا أنا بين اليقظان والنائم ~~عند البيت إذ سمعت قائلا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فانطلق بي فشرح ~~صدري واستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب فيه من ماء زمزم فغسل به ثم أعيد ~~مكانه وحشي إيمانا وحكمة، ثم أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل يضع حافره ~~عند أقصى ms021 طرفه فحملت عليه فانطلقنا حتى أتينا السماء الدنيا فاستفتح جبريل ~~فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ ~~قال: نعم. ففتح لنا، قالوا: مرحبا به ولنعم المجيء جاء. فأتيت على آدم ~~فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم. فسلمت عليه فقال: مرحبا بالابن ~~الصالح والنبي الصالح. وانطلقنا حتى أتينا السماء الثانية فاستفتح جبريل، ~~عليه السلام، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد ~~بعث إليه؟ قال: نعم. ففتح لنا وقالوا: مرحبا به ولنعم المجيء جاء. فأتيت ~~على يحيى وعيسى فقلت: يا جبريل من هذان؟ قال: عيسى ويحيى. قال: فسلمت ~~عليهما فقالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا ~~السماء الثالثة فكان مثل قولهم الأول، فأتيت على يوسف فسلمت عليه فقال: ~~مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الرابعة، ~~فأتيت على إدريس، عليه السلام، فسلمت عليه فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي ~~الصالح. ثم أتينا السماء الخامسة فأتيت على هارون فسلمت عليه فقال مثل ذلك. ~~ثم أتينا السماء السادسة فأتيت على موسى، عليه السلام، فقال مثل ذلك. ثم ~~أتينا السماء السابعة فأتيت على إبراهيم، عليه وعلى آله السلام، فقال: ~~مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. # PageV01P012 # ثم رفع لنا البيت المعمور فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: البيت المعمور ~~يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لا يعودون فيه. ثم رفعت لنا سدرة ~~المنتهى فإذا أربعة أنهار يخرجن من أسفلها فقلت: يا جبريل ما هذه الأنهار؟ ~~قال: أما النهران الظاهران فالنيل والفرات، وأما الباطنان فنهران في الجنة. ~~ثم أتيت بإناءين من خمر ولبن فاخترت اللبن. فقيل لي: أصبت أصاب الله بك ~~أمتك على الفطرة. وفرضت علي خمسون صلاة فأقبلت بها حتى أتيت على موسى، عليه ~~السلام، فقال: بم أمرت؟ قلت: بخمسين صلاة كل يوم، قال: أمتك لا يطيقون ذلك ~~فإني قد بلوت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك ~~جل وعز فاسأله ms022 التخفيف. قال: فرجعت إلى ربي فحط عني خمسا، فأتيت على موسى، ~~عليه السلام، فقال: بم أمرت؟ فأنبأته بما حط عني فقال مثل مقالته الأولى، ~~فما زلت بين يدي ربي جل وعز أستحط حتى رجعت إلى خمس صلوات، فأتيت على موسى، ~~عليه السلام، فقال: بم أمرت؟ فقلت: بخمس صلوات كل يوم. فقال: أمتك لا ~~يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك جل ذكره واسأله التخفيف. فقلت: لقد رجعت إلى ربي ~~تبارك وتعالى حتى استحييت، لا ولكني أرضى وأسلم. فلما جاوزت نوديت أني قد ~~خففت عن عبادي وأمضيت فريضتي وجعلت بكل حسنة عشرا أمثالها. # وانظر إلى رونق ألفاظه، عليه السلام، وصحة معانيه وموضع ذلك من القلوب مع ~~قلة تعميقه وبعده من التكلف كقوله، صلى الله عليه وسلم: زويت لي الأرض حياء ~~فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها، قوله زويت جمعت. ~~ومثله: إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة في النار، ولا يكون ~~الانزواء إلا بانحراف مع تقبض. # وقال: إن منبري هذا على ترعة من ترع الجنة، وهي الروضة تكون في المكان ~~المرتفع. # وقال: إن قريشا قالت إني صنبور، وهي النخلة تبقى منفردة ويدق أصلها، تقول ~~إنه فرد ليس له ولد فإذا مات انقطع ذكره. # وقال في أبي بكر، رضي الله عنه: ما أحد من الناس عرضت عليهم الإسلام إلا ~~كانت له كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم، أي لم ينتظر ولم يمكث، والكبوة ~~مثل الوقعة. # وقال في عمر، رحمه الله: لم أر عبقريا يفري فريه، والعبقري السيد، يقال: ~~هذا عبقري قومه أي سيدهم، ويفري فريه أي يعمل عمله. # وقال في علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه: إن لك بيتا في الجنة وإنك ذو ~~قرنيها، يريد أنه ذو طرفيها. # وقال في الحسين بن علي، رحمهما الله، حين بال عليه وهو طفل فأخذ من حجره: ~~لا تزرموا ابني، الازرام القطع، يقال للرجل يقطع بوله ازرم. # وقال في الأنصار: إنهم كرشي وعيبتي ولولا الهجرة لكنت امرأ منهم، أي من ~~الأنصار، ms023 الكرش الجماعة، والعيبة أي هم موضع سري ومنه أخذت العيبة. # وقال، صلى الله عليه وسلم: لعن الله النامصة والمتنمصة والواشرة ~~والموتشرة والواصلة والموتصلة والواشمة والموتشمة، فالنامصة التي تنتف ~~الشعر من الوجه، ومنه قيل للمنقاش المنماص، والمتنمصة التي تفعل بها ذلك، ~~والواشرة التي تشر أسنانها وذلك أنها تفلجها وتحددها حتى يكون لها أشر، ~~والأشر تحدد ورقة في أطراف الأسنان، والواصلة والموتصلة التي تصل شعرها ~~بشعر غيرها، والواشمة المرأة تغرز ظهر كفها ومعصمها بإبرة حتى تؤثر فيه ~~وتحشوه بالكحل. # وذكر أيام التشريق فقال: هي أيام أكل وشرب وبعال، يعني النكاح. وقال: ~~يحشر الناس يوم القيامة حفاة بهما، وهو البهيم الذي لا يخلط لونه لون سواه ~~من سواد كان أو غيره، يقول: ليس فيهم شيء من الأمراض والعاهات التي تكون في ~~الدنيا. # وقال في صلح الحديبية: لا إغلال ولا إسلال، الإسلال السرقة، والإغلال ~~الخيانة. # وقال: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكور، ~~الحوب إذا كان بالباء والكون إذا كان بالنون تقول يكون في حالة جميلة فيرجع ~~عنها، وإذا كانا جميعا بالراء فهو النقصان بعد الزيادة. # وقال، عليه السلام: خمروا آنيتكم وأوكوا أسقيتكم وأجيفوا الأبواب وأطفئوا ~~المصابيح واكفتوا صبيانكم فإن للشيطان انتشارا وخطفة، يعني بالليل، التخمير ~~التغطية، والإيكاء الشد، واسم الخيط الذي يشد به السقاء الوكاء، واكفتوا ~~يعني ضموهم إليكم. # PageV01P013 # وقال في دعائه: لا ينفع ذا الجد منك الجد، بفتح الجيم الغنى والحظ في ~~الرزق، ومنه قيل: لفلان في هذا الأمر جد إذا كان مرزوقا. # وقال: إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لا تموت حتى تستوفي أو تستكمل ~~رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، قوله نفث في روعي بضم الراء، النفث ~~شبيه بالنفخ، وروعي يقول في خلدي. # وقال، عليه السلام: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه ~~سحاب وظلمة أو هبوة فأكملوا العدة، هبوة يعني غبرة. # وقال، عليه السلام: إن العرش على منكب إسرافيل وإنه ليتواضع لله جل وعز ~~حتى يصير مثل الوصع، الوصع ولد العصافير. ms024 # فقال، عليه السلام، حين سئل أين كان ربنا جل جلاله قبل أن يخلق السماوات ~~والأرضين فقال: كان في عماء تحته هواء، العماء السحاب. # وقال، عليه السلام: عم الرجل صنو أبيه، يعني أن أصلهما واحد، وأصل الصنو ~~إنما هو في النخل، قال الله عز وجل: " صنوان وغير صنوان "، الصنوان ~~المجتمع، وغير الصنوان المتفرق. # وقال: من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله عز وجل وهو أجذم، أي مقطوع اليد. # وقال لرجل أتاه وقال: يا رسول الله أيدالك الرجل امرأته بمهرها؟ قال لا ~~إلا أن يكون ملفجا. فقال له أبو بكر، رضي الله عنه: بأبي وأمي أنت يا رسول ~~الله! إنما نشأت فيما بيننا ونحن قد سافرنا وأنت مقيم فنراك تكلم بكلام لا ~~نعرفه ولا نفهمه! فقال، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن الله عز وجل أدبني ~~وأحسن أدبي، وهذا الرجل كلمني بكلامه فأجبته على حسبه، قال: أيدالك الرجل ~~امرأته بمهرها؟ أي يماطلها، فقلت: لا إلا أن يكون ملفجا، أي معدما. # فكلامه، صلى الله عليه وسلم، وأخلاقه ومذاهبه تدل على أنه موافق لقول ~~الله جل وعز: " الله أعلم حيث يجعل رسالته "، وكقوله: " ولقد اخترناهم على ~~علم على العالمين ". وقال جل ذكره: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين "، فلما علم أنه قد قبل أدبه قال: " وإنك لعلى خلق عظيم "، فلما ~~استحكم له ما أحب قال: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ". ### | مساوئ من تنبى # روي أن مسيلمة بن حبيب الكذاب كتب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وذلك في آخر سنة عشر: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد ~~فإني قد شوركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن ~~قريشا قوم يعتدون. # فقدم عليه رسولان من قبل مسيلمة بهذا الكتاب. فقال: أما والله لولا أن ~~الرسل لا يقتلون لضربت أعناقكما. ثم كتب: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد ~~رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض ms025 ~~لله يورثها من عباده من يشاء والعاقبة للمتقين. قيل وأتاه الأحنف بن قيس مع ~~عمه فلما خرجا من عنده قال الأحنف لعمه: كيف رأيته؟ قال: ليس بمتنب صادق ~~ولا بكذاب حاذق. # ومنهم طليحة تنبى على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان يقول إن ~~ذا النون يأتيه، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: لقد ذكر ملكا عظيما. # PageV01P014 # فلما كان أيام الردة بعث أبو بكر، رحمة الله عليه، خالد بن الوليد إليه، ~~فلما انتهى إلى عسكره وجده قد ضربت له قبة من أدم وأصحابه حوله، فقال: ~~ليخرج إلي طليحة! فقالوا: لا تصغر نبيا هو طلحة، فخرج إليه فقال خالد: إن ~~من عهد خليفتنا أن يدعوك إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، ~~فقال: يا خالد اشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فلما سمع خالد ذلك ~~انصرف عنه وعسكره بالقرب منه على ميل، فقال عيينة بن حصن لطليحة: لا أبا ~~لك! هل أنت مرينا بعض نبوتك؟ قال: نعم. وكان قد بعث عيونا له حين سار خالد ~~من المدينة مقبلا إليهم فعرفوه خبر خالد، فقال: لئن بعثتم فارسين على فرسين ~~أغرين محجلين من بني نصر بن قعين أتوكم من القوم بعين. فهيأوا فارسين ~~فبعثوهما فخرجا يركضان فلقيا عينا لخالد مقبلا إليهم فقالا: ما خبر خالد؟ ~~أو قالا: ما وراءك؟ قال: هذا خالد بن الوليد في المسلمين قد أقبل فزادهم ~~فتنة، وقال: ألم أقل لكم؟ فلما كان في السحر نهض خالد إلى طليحة فيمن معه ~~من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما التقى الصفان تزمل طليحة في ~~كساء له ينتظر زعم الوحي، فلما طال ذاك على أصحابه وألح عليهم المسلمون ~~بالسيف، قال عيينة بن حصن: هل أتاك بعد؟ قال طليحة من تحت الكساء: لا والله ~~ما جاء بعد! فقال عيينة: تبا لك آخر الدهر! ثم جذبه جذبة جاش منها وقال: ~~قبح الله هذه من نبوة! فجلس طليحة، فقال له عيينة: ما قيل لك؟ قال: قيل ms026 لي ~~إن لك رحا كرحاه، وأمرا لا تنساه! فقال عيينة: قد علم الله عز وجل أن سيكون ~~لك أمر لا تنساه هذا كذاب ما بورك لنا ولا له فيما يطالب. ثم هرب عيينة ~~وأخوه فأدركوه وأسروه وأفلت أخوه وخرج طليحة منهزما وأسلمه شيطانه حتى قدم ~~الشام فأقام عند بني جفنة الغسانيين حتى فتح الله عز وجل أجنادين وتوفي أبو ~~بكر وأسلم طليحة إسلاما صحيحا وقال: # وإني من بعد الضلالة شاهد ... شهادة حق لست فيها بملحد # ومنهم من تنبى بعد في أيام الرشيد رجل زعم أنه نوح، فقيل له: آنت نوح ~~الذي كان أم نوح آخر؟ قال: أنا نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين ~~عاما وقد بعثت إليكم لأفي الخمسين عاما تمام الألف سنة، فأمر الرشيد بضربه ~~وصلبه، فمر به بعض المخنثين وهو مصلوب فقال: صلى الله عليك يا أبانا، ما ~~حصل في يدك من سفينتك إلا دقلها! وهو الذي يكون في وسط السفينة كجذع طويل. # ومنهم رجل تنبى في أيام المأمون فقال للحاجب: أبلغ أمير المؤمنين أن نبي ~~الله بالباب. فأذن له، فقال ثمامة: ما دليل نبوتك؟ قال: تحضر لي أمك ~~فأواقعها فتحمل من ساعتها وتأتي بغلام مثلك. فقال ثمامة: صلى الله عليك ~~أيها النبي ورحمة الله وبركاته أهون علي من إحضارك أمي ومواقعتها! ### | محاسن أبي بكر ### | رضوان الله ورحمته عليه # روي عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: دخل رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، المسجد وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله فقال: هكذا نبعث يوم ~~القيامة. # وقال، صلى الله عليه وسلم: إن الله تبارك وتعالى أيدني من أهل السماء ~~بجبريل وميكائيل ومن أهل الأرض بأبي بكر وعمر، ورآهما مقبلين فقال: هذان ~~السمع والبصر. # وروي عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أنه قال: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان ~~أهل الأرض لرجح بهم. # وروي عن عمر، رضي الله عنه، أنه قال: أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~بالصدقة ووافق ذلك مالا عندي فقلت اليوم ms027 أسبق أبا بكر إن سبقته، فجئته بنصف ~~مالي، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: النصف، ~~وجاء أبو بكر بكل ماله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ ~~قال: الله حقا ورسوله، فقلت: والله لا أسبقك إلى شيء أبدا. # وعن عمر، رضي الله عنه، أنه قال: وددت أني شعرة في صدر أبي بكر، رضي الله ~~عنه. # وعن عطاء عن أبي الدرداء أنه مشى بين يدي أبي بكر، رضي الله عنه، فقال له ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم: المشي بين يدي من هو خير منك، ما طلعت ~~الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أحد أفضل من أبي بكر. # وعن علي بن أبي طالب، رضوان الله ورحمته عليه، قال: قال النبي، صلى الله ~~عليه وسلم: يا علي هل تحب الشيخين؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: لا يجتمع ~~حبك وحبهما إلا في قلب مؤمن. # PageV01P015 # وعن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رحم الله ~~أبا بكر، زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وعتق بلالا من ماله. # وعن أنس عن أبي بكر، رضي الله عنه، قال: قلت للنبي، صلى الله عليه وسلم، ~~ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر في قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنك ~~باثنين الله جل وعز ثالثهما! وعن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: خرج ~~علينا رسول الله في مرضه الذي مات فيه وهو عاصب رأسه حتى صعد المنبر فقال: ~~إني قائم الساعة على الحوض وإن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار ~~الآخرة، فلم يفطن لها أحد إلا أبو بكر، رضي الله عنه فقال: بأبي أنت وأمي ~~بل نفديك بآبائنا وأبنائنا وأنفسنا وأموالنا! وبكى، فقال: لا تبك يا أبي ~~بكر، إن من آمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا من ~~الناس لاتخذت أبا بكر. ولكن أخي في الإسلام لا يبقى في المسجد باب إلا سد ~~إلا باب أبي ms028 بكر. فبكى أبو بكر وقال: أنا ومالي لك يا رسول الله. # وعن ابن المنكدر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: دعوا لي صاحبي ~~إني بعثت وقال الناس كلهم كذبت وقال لي صدقت، يعني أبا بكر، رضي الله عنه. # وعن محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: بعث ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل فجاء ~~وقد ظهر، فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: لست ~~أسألك عن النساء، قال: أبوها إذا تؤنس. # وعن الحسن قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يجيء يوم القيامة رجل ~~إلى باب الجنة ليس منها باب إلا وعليه ملك يهتف به هلم هلم ادخل، فقال أبو ~~بكر، رضي الله عنه: إن هذا لسعيد، قال: هو ابن أبي قحافة. # وعن سليمان بن يسار أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: في المؤمن ~~ثلاثمائة وستون خصلة من الخير إذا جاء بواحدة دخل الجنة، قال أبو بكر، رضي ~~الله عنه: بأبي أنت وأمي أفي منها شيء؟ قال: هي كلها فيك يا أبا بكر. # وعن ابن عمر، رضي الله عنه، قال: بينا النبي، صلى الله عليه وسلم، جالس ~~وعنده أبو بكر، رضي الله عنه، وعليه عباءة قد خلها في صدره بخلال إذ نزل ~~عليه جبريل، عليه السلام، فقال: يا رسول الله ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة ~~قد خلها في صدره؟ قال: أنفق ماله علي قبل الفتح، قال: فأقرئه من الله عز ~~وجل السلام وقل له يقول لك ربك تبارك وتعالى: أراض أنت عني في فقرك أم ~~ساخط؟ فقال أبو بكر: أعلى ربي أغضب! أنا عن ربي راض. # وعن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: كنت جالسا عند النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، إذ طلع أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، فقال، عليه الصلاة ~~والسلام: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ممن مضى ms029 وممن بقي ~~إلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا علي. # وعن جابر قال: كنت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول: يطلع ~~علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فطلع أبو بكر، رضي الله عنه، ثم قال ~~يطلع علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فطلع عمر، رضي الله عنه، ثم قال: ~~يطلع علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة، اللهم اجعله عليا! فطلع علي، رضي ~~الله عنه. # وعن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله ما أحسن هذه الآية! قال: ~~أيتها؟ قال قوله تبارك وتعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي "، فقال: يا أبا بكر إن الملك ~~سيقولها لك. # وقيل: إنه لما أسلم أبو قحافة لم يعلم أبو بكر، رضي الله عنه، بإسلامه ~~حتى دخل على النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا أبشرك يا أبا بكر بما ~~يسرك؟ قال: مثلك يا رسول الله من يبشر بالخير، فما هي؟ قال: أسلم أبو ~~قحافة! قال: يا رسول الله لو بشرتني بإسلام أبي طالب كان أقر لعيني فإنه ~~أقر لعينك، فبكى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى علا بكاؤه جزعا لما ~~فاته من إسلام أبي طالب وقال: رحمك الله يا أبا بكر، ثلاثا. ### | محاسن عمر بن الخطاب ### | رضوان الله ورحمته عليه # PageV01P016 # عن أبي هريرة، رحمه الله، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: بينا أنا نائم ~~إذ رأيتني على قليب وعليها دلو، فنزعت ما شاء الله ثم أخذها مني أبو بكر، ~~أو قال ابن أبي قحافة: فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله جل ~~وعز يغفر له، ثم أخذها عمر فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى ضرب الناس ~~بعطن. # وروي أن امرأة في الجاهلية تسمى عاصية أسلمت فكرهت اسمها فأتت عمر، رحمه ~~الله، فقالت: إني كرهت اسمي فسمني. فقال: أنت جميلة. فغضبت وقالت: سميتني ~~باسم الإماء! ثم أتت رسول الله، صلى الله عليه ms030 وسلم، فقالت: بأبي أنت وأمي ~~إني كرهت اسمي فسمني! فقال: أنت جميلة، فقالت: يا رسول الله إني أتيت عمر ~~سماني جميلة فغضبت. فقال: أوما علمت أن الله جل وعز عند لسان عمر ويده؟ وعن ~~سعيد بن جبير في قوله عز وجل: " وصالح المؤمنين "، قال: نزلت في عمر خاصة. # وعن علي، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رحم ~~الله عمر لقول الحق وإن كان مرا، تركه الحق ما له من صديق. # وعن سعيد بن جبير قال: إن جبريل قال للنبي، صلى الله عليه وسلم: اقرأ على ~~عمر السلام وأعلمه أن غضبه عز ورضاه حكم. # وعن عثمان بن مظعون قال: مر بنا عمر، رضي الله عنه، ونحن جلوس عند النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا غلق باب الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة ~~باب ما عاش هذا بين أظهركم أو ظهرانيكم، فقال بيمينه وشبك بين أصابعه. # وعن ابن عباس عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: جاءني جبريل، عليه ~~السلام، حين أسلم عمر، رحمه الله، فقال لي: تباشرت الملائكة بإسلام عمر ~~وعمر سراج أهل الجنة. # وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ~~بينا أنا في الجنة إذ رأيت دارا فأردت أن أدخلها فسألت لمن هي فقيل هي لعمر ~~بن الخطاب، فذكرت غيرته فرجعت، فقال عمر: يا رسول الله لست ممن يغار عليه. # وعن علي، رضي الله عنه: ما كنا نبعد أن السكينة كانت تنطق على لسان عمر. # وعن عطاء عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: " ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين "، الآية، " ثم أنشأناه خلقا آخر ~~"، فقال عمر: تبارك الله أحسن الخالقين! فقال رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم: والذي نفسي بيده لقد ختمها الله عز وجل بما قلت يا عمر. # وعن سعد بن أبي وقاص، رحمه الله، قال: استأذن عمر على رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وعنده نسوة ms031 من قريش قد علت أصواتهن فأذن له، فلما دخل ~~بادرن الحجاب، فضحك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: أضحك الله ~~سنك، بأبي أنت وأمي مم ضحكت؟ فقال: أعجب من اللواتي كن عندي لما سمعن صوتك ~~بادرن الحجاب! فقال: أنت كنت أحق أن يهبن يا رسول الله. ثم أقبل عليهن ~~وأغلظ لهن وقال: أتهبنني ولا تهبن رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ قلن: نعم ~~إنك أفظ وأغلظ. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا عمر والذي نفسي ~~بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك. ### | محاسن عثمان بن عفان ### | رضي الله عنه ورحمه # عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في حائط من ~~حيطان المدينة فجاء أبو بكر، رحمه الله، فقال: افتح له وبشره بالجنة، ثم ~~جاء عمر، رحمه الله، فقال: افتح له وبشره بالجنة، ثم جاء علي، ### | رضوان الله عليه # ، فقال: افتح له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان، رضي الله عنه، فقال: افتح ~~له وبشره بالجنة، فلما جاء عثمان، رحمه الله ورحمهم أجمعين، وقد بدت من فخذ ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ناحية فقال: افتح له وبشره بالجنة، فلما ~~جاء عثمان، رحمه الله، غطاها، فقالوا: يا رسول الله ما لك لم تغطه حين ~~جئنا؟ فقال: ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟ وعن النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، قال: إن الله جل وعز أمرني أن أزوج كريمتي عثمان بن عفان، رحمه ~~الله. ### | محاسن علي بن أبي طالب # رضوان الله عليه # عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال ~~النبي، صلى الله عليه وسلم: رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار. # PageV01P017 # وعن علي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا معشر قريش والله ~~ليبعثن الله عليكم رجلا منكم قد امتحن الله قلبه للإيمان يضرب رقابكم على ~~الدين. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. فقال ms032 عمر: أنا هو يا ~~رسول الله؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل، وأنا أخصف نعل رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم. # وعن جابر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لعلي هذا وليكم بعدي ~~إذا كانت فتنة. # وعن مصعب عن أبيه قال: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: ما لكم ~~ولعلي، من آذى عليا فقد آذاني. # وعن علي، رضي الله عنه، قال: هلك في رجلان: عدو مبغض ومحب مفرط، قال: ~~وقال ليحبني أقوام حتى يدخلهم حبي النار ويبغضني أقوام حتى يدخلهم بغضي ~~النار، هم الرافضة والناصبة. # وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا يحب عليا منافق ~~ولا يبغض عليا مؤمن. # وعن عمرو بن الأصم قال: قلت للحسن بن علي، رضوان الله عليهما: هؤلاء ~~الشيعة يزعمون أن عليا مبعوث الآن. قال: كذبوا والله ما أولئك بشيعة ولو ~~كان كما يقولون ما أنكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه. # وعن فاطمة، رضي الله عنها، قالت: دخل علي علي، رضي الله عنه، وأنا عند ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: ابشر يا أبا الحسن! أما إنك في الجنة وإن ~~قوما يزعمون أنهم يحبونك يرفضون الإسلام يمرقون منه كما يمرق السهم من ~~الرمية لهم نبز يقال لهم الرافضة فإن أدركتهم فقاتلهم فإنهم مشركون. # قال: وحدثنا رجل حضر مجلس القاسم بن المجمع وهو والي الأهواز قال: حضر ~~مجلسه رجل من بني هاشم فقال: أصلح الله الأمير! ألا أحدثك بفضيلة لأمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه؟ قال: نعم إن شئت. قال: حدثني أبي ~~قال: حضرت مجلس محمد بن عائشة بالبصرة إذ قام إليه رجل من وسط الحلقة فقال: ~~يا أبا عبد الرحمن من أفضل أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أبو ~~بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة ~~بن الجراح. فقال له: فأين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه؟ قال: يا هذا ~~تستفتي عن أصحابه أم عن نفسه؟ قال: بل ms033 عن أصحابه. قال: إن الله تبارك ~~وتعالى يقول: " قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم "، فكيف يكون أصحابه مثل نفسه؟ وعن عطاء قال: كان لعلي، رحمه الله، ~~موقف من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الجمعة إذا خرج أخذ بيده فلا ~~يخطو خطوة إلا قال: اللهم هذا علي اتبع مرضاتك فارض عنه، حتى يصعد المنبر. # وحدثنا إبراهيم بن أحمد الغضائري بإسناد يرفعه إلى أبي مالك الأشجعي رواه ~~أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: هبط علي جبريل، عليه السلام، يوم حنين ~~فقال: يا محمد إن ربك تبارك وتعالى يقرئك السلام، وقال: ادفع هذه الأترجة ~~إلى ابن عمك ووصيك علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. فدفعتها إليه فوضعتها في ~~كفه فانفلقت بنصفين فخرج منها رق أبيض مكتوب فيه بالنور: من الطالب الغالب ~~إلى علي بن أبي طالب. # PageV01P018 # أبو عثمان قاضي الري عن الأعمش عن سعيد بن جبير قال: كان عبد الله بن ~~عباس بمكة يحدث على شفير زمزم ونحن عنده، فلما قضى حديثه قام إليه رجل ~~فقال: يا ابن عباس إني امرؤ من أهل الشام من أهل حمص، إنهم يتبرأون من علي ~~بن أبي طالب، رضوان الله عليه، ويلعنونه. فقال: بل لعنهم الله في الدنيا ~~والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا، ألبعد قرابته من رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وأنه لم يكن أول ذكران العالمين إيمانا بالله ورسوله وأول من صلى ~~وركع وعمل بأعمال البر؟ قال الشامي: إنهم والله ما ينكرون قرابته وسابقته ~~غير أنهم يزعمون أنه قتل الناس. فقال ابن عباس: ثكلتهم أمهاتهم! إن عليا ~~أعرف بالله عز وجل وبرسوله وبحكمهما منهم، فلم يقتل إلا من استحق القتل. ~~قال: يا ابن عباس إن قومي جمعوا لي نفقة وأنا رسولهم إليك وأمينهم ولا يسعك ~~أن تردني بغير حاجتي، فإن القوم هالكون في أمره ففرج عنهم فرج الله عنك. ~~فقال ابن عباس: يا أخا أهل الشام إنما مثل علي في هذه الأمة في فضله وعلمه ~~كمثل العبد الصالح ms034 الذي لقيه موسى، عليه السلام، لما انتهى إلى ساحل البحر ~~فقال له: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا؟ قال العالم: إنك لن تستطيع ~~معي صبرا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا؟ قال موسى: ستجدني إن شاء الله ~~صابرا ولا أعصي لك أمرا. قال له العالم: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ~~فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا. فانطلقا حتى إذا ركبا ~~في السفينة خرقها، وكان قد خرقها لله جل وعز رضى ولأهلها صلاحا، وكان عند ~~موسى، عليه السلام، سخطا وفسادا فلم يصبر موسى وترك ما ضمن له فقال: ~~أخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئا إمرا! قال له العالم: ألم أقل لك إنك لن ~~تستطيع معي صبرا؟ قال موسى: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا. ~~فكف عنه العالم، فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله، وكان قتله لله جل وعز ~~رضى ولأبويه صلاحا، وكان عند موسى، عليه السلام، ذنبا عظيما، قال موسى ولم ~~يصبر: أقتلت نفسا زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئا نكرا! قال العالم: ألم أقل ~~لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، قد ~~بلغت من لدني عذرا. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه، وكان إقامته لله عز وجل ~~رضى وللعالمين صلاحا، فقال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا، قال: هذا فراق بيني ~~وبينك. وكان العالم أعلم بما يأتي موسى، عليه السلام، وكبر على موسى الحق ~~وعظم إذ لم يكن يعرفه هذا وهو نبي مرسل من أولي العزم ممن قد أخذ الله جل ~~وعز ميثاقه على النبوة، فكيف أنت يا أخا أهل الشام وأصحابك؟ إن عليا، رضي ~~الله عنه، لم يقتل إلا من كان يستحل قتله، وإني أخبرك أن رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، كان عند أم سلمة بنت أبي أمية إذ أقبل علي، عليه السلام، ~~يريد الدخول ms035 على النبي، صلى الله عليه وسلم، فنقر نقرا خفيا فعرف رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، نقره فقال: يا أم سلمة قومي فافتحي الباب. ~~فقالت: يا رسول الله من هذا الذي يبلغ خطره أن استقبله بمحاسني ومعاصمي؟ ~~فقال: يا أم سلمة إن طاعتي طاعة الله جل وعز، قال: " ومن يطع الرسول فقد ~~أطاع الله " قومي يا أم سلمة فإن بالباب رجلا ليس بالخرق ولا النزق ولا ~~بالعجل في أمره يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يا أم سلمة إنه إن ~~تفتحي الباب له فلن يدخل حتى يخفى عليه الوطء، فلم يدخل حتى غابت عنه وخفي ~~عليه الوطء، فلما لم يحس لها حركة دفع الباب ودخل فسلم على النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، فرد عليه السلام وقال: يا أم سلمة هل تعرفين هذا؟ قالت: نعم هذا ~~علي بن أبي طالب. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: نعم هذا علي سيط ~~لحمه بلحمي ودمه بدمي وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي يا ~~أم سلمة، هذا علي سيد مبجل مؤمل المسلمين وأمير المؤمنين وموضع سري وعلمي ~~وبابي الذي أوي إليه، وهو الوصي على أهل بيتي وعلى الأخيار من أمتي، وهو ~~أخي في الدنيا والآخرة وهو معي في السناء الأعلى، اشهدي يا أم سلمة أن عليا ~~يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. قال ابن عباس: وقتلهم لله رضى وللأمة ~~صلاح ولأهل الضلالة سخط. قال الشامي: يا ابن # PageV01P019 # عباس من الناكثون؟ قال: الذين بايعوا عليا بالمدينة ثم نكثوا فقاتلهم ~~بالبصرة أصحاب الجمل، والقاسطون معاوية وأصحابه، والمارقون أهل النهروان ~~ومن معهم. فقال الشامي: يا ابن عباس ملأت صدري نورا وحكمة وفرجت عني فرج ~~الله عنك، أشهد أن عليا، رضي الله عنه، مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. اس من ~~الناكثون؟ قال: الذين بايعوا عليا بالمدينة ثم نكثوا فقاتلهم بالبصرة أصحاب ~~الجمل، والقاسطون معاوية وأصحابه، والمارقون أهل النهروان ومن معهم. فقال ~~الشامي: يا ابن عباس ملأت صدري نورا وحكمة وفرجت عني فرج الله عنك، ms036 أشهد أن ~~عليا، رضي الله عنه، مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. # ويروى أن ابن عباس، رحمه الله، قال: عقم النساء أن يجئن بمثل علي بن أبي ~~طالب، رضي الله عنه، ما رأيت محربا يزن به لرأيته يوم صفين وعلى رأسه عمامة ~~بيضاء وكأن عينيه سراجا سليط وهو يقف على شرذمة بعد شرذمة من الناس يعظهم ~~ويحضهم ويحرضهم حتى انتهى إلي وأنا في كثف من الناس فقال: معاشر المسلمين ~~استشعروا الخشية وأكملوا اللأمة وتجلببوا بالسكينة وغضوا الأصوات والحظوا ~~الشزر وأطعنوا الوجر وصلوا السيوف بالخطى والرماح بالنبل، فإنكم بعين الله ~~ومع ابن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تقاتلون عدو الله عليكم بهذا ~~السواد الأعظم والرواق المطنب، فاضربوا ثبجه فإن الشيطان راكس في كسره ~~مفترش ذراعيه قد قدم للوثبة يدا وأخر للنكوص رجلا، فصمدا صمدا حتى ينجلي ~~لكم الحق وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم. # وعن ابن عباس أنه قال: لقد سبق لعلي، رضي الله عنه، سوابق لو أن سابقة ~~منها قسمت على الناس لوسعتهم خيرا. # وعنه قال: كان لعلي، رضي الله عنه، خصال ضوارس قواطع سطة في العشيرة وصهر ~~بالرسول وعلم بالتنزيل وفقه في التأويل وصبر عند النزال ومقاومة الأبطال، ~~وكان ألد إذا أعضل، ذا رأي إذا أشكل. # قيل: ودخل ابن عباس على معاوية فقال: يا ابن عباس صف لي عليا، قال: كأنك ~~لم تره؟ قال: بلى ولكني أحب أن أسمع منك فيه مقالا، قال: كان أمير ~~المؤمنين، رضوان الله عليه، غزير الدمعة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما ~~خشن ومن الطعام ما جشب، يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا دعوناه، وكان مع ~~تقربته إيانا وقربه منا لا نبدأه بالكلام حتى يتبسم فإذا هو تبسم فعن مثل ~~اللؤلؤ المنظوم، أما والله يا معاوية لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى ~~الليل سدوله وغارت نجومه وهو قابض على لحيته يبكي ويتململ تململ السليم وهو ~~يقول: يا دنيا إياي تغرين؟ أمثلي تشوقين؟ لا حان حينك بل زال زوالك، قد ~~طلقتك ثلاثا لا ms037 رجعة فيها، فعيشك حقير وعمرك قصير وخطرك يسير، آه آه من بعد ~~السفر ووحشة الطريق وقلة الزاد! قال: فأجهش معاوية ومن معه بالبكاء. # وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين يصف محاسن أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب ومن حضره، كرم الله وجهه، في قصيدة له: # رأوا نعمة لله ليست عليهم ... عليك وفضلا بارعا لا تنازعه # فعضوا من الغيظ الطويل أكفهم ... عليك ومن لم يرض فالله خادعه # من الدين والدنيا جميعا لك المنى ... وفوق المنى أخلاقه وطبائعه # PageV01P020 # وروي أن عدي بن حاتم دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال: يا عدي أين ~~الطرفات؟ يعني بنيه طريفا وطارفا وطرفة. قال: قتلوا يوم صفين بين يدي علي ~~بن أبي طالب، رضي الله عنه. فقال: ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدم بينك وأخر ~~بنيه! قال: بل ما أنصفت أنا عليا إذ قتل وبقيت! قال: صف لي عليا. فقال: إن ~~رأيت أن تعفيني. قال: لا أعفيك. قال: كان والله بعيد المدى وشديد القوى، ~~يقول عدلا ويحكم فضلا، تتفجر الحكمة من جوانبه والعلم من نواحيه، يستوحش من ~~الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته، وكان والله غزير الدمعة طويل ~~الفكرة، يحاسب نفسه إذا خلا ويقلب كفيه على ما مضى، يعجبه من اللباس القصير ~~ومن المعاش الخشن، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويدنينا إذا أتيناه، ~~ونحن مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته ولا نرفع أعيننا إليه ~~لعظمته، فإن تبسم فعن اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، يتحبب إلى المساكين، ~~لا يخاف القوي ظلمه ولا ييأس الضعيف من عدله، فأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل ~~في محرابه وأرخى الليل سرباله وغارت نجومه ودموعه تتحادر على لحيته وهو ~~يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه وهو يقول: يا ~~دنيا أإلي تعرضت أم إلي أقبلت؟ غري غيري، لا حان حينك، قد طلقتك ثلاثا لا ~~رجعة لي فيك، فعيشك حقير وخطرك يسير، آه من قلة الزاد وبعد السفر وقلة ~~الأنيس! قال: فوكفت عينا معاوية ينشفهما بكمه ثم قال: ms038 يرحم الله أبا الحسن! ~~كان كذا فكيف صبرك عنه؟ قال: كصبر من ذبح ولدها في حجرها فهي لا ترقأ ~~دمعتها ولا تسكن عبرتها. قال: فكيف ذكرك له؟ قال: وهل يتركني الدهر أن ~~أنساه! وهذا الخبر أتم من خبر ابن عباس، رحمه الله. ### | محاسن من أمسك عن الوقوع في أصحاب النبي ### | صلى الله عليه وسلم # قال: قدم عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان فقال له يحيى بن الحكم ~~عم عبد الملك بن مروان، قال: ما تقول في علي وعثمان؟ قال: أقول ما قال من ~~هو خير مني فيمن هو شر منهما: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت ~~العزيز الحكيم. # عصام بن يزيد قال: كنت عند حمزة حتى أتاه رجل فسأله عن أصحاب رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسألون عما كانوا يعملون. # وروي أنه كتب إسماعيل بن علي إلى الأعمش أن اكتب إلينا بمناقب علي ووجوه ~~الطعن على عثمان، رضي الله عنهما، فكتب: لو أن عليا لقي الله جل وعز بحسنات ~~أهل الدنيا لم يزد ذلك في حسناتك، ولو لقيه عثمان، رضي الله عنه، بسيئات ~~أهل الأرض لم ينقص ذلك من سيئاتك. # وعن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قال: كان إياس بن معاوية لي ~~صديقا فدخلنا على عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما، ~~وعنده جماعة من قريش يتذاكرون السلف، ففضل قوم أبا بكر وقوم عمر وآخرون ~~عليا، رضي الله عنهم أجمعين، فقال إياس: إن عليا، رحمه الله، كان يرى أنه ~~أحق الناس بالأمر، فلما بايع الناس أبا بكر ورأى أنهم قد اجتمعوا عليه وأن ~~ذلك قد أصلح العامة اشترى صلاح العامة بنقض رأي الخاصة، يعني بني هاشم، ثم ~~ولي عمر، رحمه الله، ففعل مثل ذلك به وبعثمان، رضي الله عنه، فلما قتل ~~عثمان، رحمه الله، واختلف الناس وفسدت الخاصة والعامة وجد أعوانا فقام ~~بالحق ms039 ودعا إليه. # وقيل إنه حضر مجلس عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، جماعة من أهل العلم ~~فذكروا عليا، رضي الله عنه، وعثمان وطلحة والزبير، رضي الله عنهم أجمعين، ~~وما كان بينهم فأكثروا وعمر ساكت، قال القوم: ألا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ ~~فقال: لا أقول شيئا، تلك دماء طهر الله منها كفي فلا أغمس فيها لساني. ### | مساوئ تلك الحروب ### | ومن تنقص علي بن أبي طالب رضوان الله ورحمته وبركاته عليه # PageV01P021 # أبو نعيم قال: حدثنا عبد الجبار بن العباس الهمداني عن عمار الدهني عن ~~سالم بن أبي الجعد قال: ذكر النبي، صلى الله عليه وسلم، بعض أمهات المؤمنين ~~فضحكت عائشة، ### | رضي الله عنه # ا، فقال: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت هي، ثم التفت إلى علي، رضوان ~~الله عليه، فقال: انظر يا أبا الحسن إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها. وقال ~~الزهري: لما سارت عائشة ومعها طلحة والزبير، رضي الله عنهم، في سبع مائة من ~~قريش كانت تنزل كل منزل فتسأل عنه حتى نبحتها كلاب الحوأب فقالت: ردوني، لا ~~حاجة لي في مسيري هذا، فقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهاني فقال: ~~كيف أنت يا حميراء لو قد نبحت عليك كلاب الحوأب أو أهل الحوأب في مسيرك ~~تطلبين أمرا أنت عنه بمعزل؟ فقال عبد الله بن الزبير: ليس هذا بذلك المكان ~~الذي ذكره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودار على تلك المياه حتى جمع ~~خمسين شيخا قسامة فشهدوا أنه ليس بالماء الذي تزعمه أنه نهيت عنه، فلما ~~شهدوا قبلت وسارت حتى وافت البصرة، فلما كان حرب الجمل أقبلت في هودج من ~~حديد وهي تنظر من منظر قد صير لها في هودجها، فقالت لرجل من ضبة وهو آخذ ~~بخطام جملها أو بعيرها: أين ترى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه؟ قال: ها ~~هوذا واقف رافع يده إلى السماء، فنظرت فقالت: ما أشبهه بأخيه! قال الضبي: ~~ومن أخوه؟ قالت: رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: فلا أراني ms040 أقاتل رجلا ~~هو أخو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنبذ خطام راحلتها من يده ومال ~~إليه. # وعن الحسن البصري، رحمه الله، أن الأحنف بن قيس قال لعائشة، رحمها الله، ~~يوم الجمل: يا أم المؤمنين هل عهد عليك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هذا ~~المسير؟ قالت: اللهم لا. قال: فهل وجدته في شيء من كتاب الله جل ذكره؟ ~~قالت: ما نقرأ إلا ما تقرأون. قال: فهل رأيت رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، استعان بشيء من نسائه إذا كان في قلة والمشركون في كثرة؟ قالت: اللهم ~~لا. قال الأحنف: فإذا ما هو ذنبنا؟ قال: وقال الحسن البصري: تقلدت سيفي ~~وذهبت لأنصر أم المؤمنين فلقيني الأحنف فقال: إلى أين تريد؟ فقلت: أنصر أم ~~المؤمنين. فقال: والله ما قاتلت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~المشركين فكيف تقاتل معها المؤمنين؟ قال: فرجعت إلى منزلي ووضعت سيفي. ### | مساوئ من عادى علي بن أبي طالب # رضي الله عنه # PageV01P022 # قال: ولما فرغ أمير المؤمنين، عليه السلام، من قتال أهل الجمل دخل عليه ~~عبد الله بن الكواء وقيس بن عبادة السكري فقالا: يا أمير المؤمنين أخبرنا ~~عن مسيرك هذا الذي سرت يضرب الناس بعضهم رقاب بعض أرأيا رأيته حين تفرقت ~~الأمة واختلفت الدعوة، فإن كان رأيا رأيته أجبناك في رأيك، وإن كان عهدا ~~عهده إليك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأنت الموثوق به المأمون فيما ~~حدثت عنه. فقال: والله لئن كنت أول من صدق به لا أكون أول من كذب عليه، أما ~~أن يكون عندي عهد من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيه فلا والله لو كان ~~عندي ما تركت أخا تيم وعدي على منبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولكن ~~نبينا، عليه السلام، لم يقتل قتلا ولم يمت فجاءة ولكنه مرض ليالي وأياما ~~فأتاه بلال ليؤذنه بالصلاة فيقول: ائت أبا بكر وهو يرى مكاني، فلما قبض، ~~صلى الله عليه وسلم، نظرنا في الأمر فإذا الصلاة علم الإسلام وقوام الدين ~~فرضينا ms041 لدنيانا من رضيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لديننا فولينا ~~أمورنا أبا بكر فأقام بين أظهرنا الكلمة واحدة والدين جامع، أو قال: الأمر ~~جامع لا يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد منا أحد على أحد بالشرك، وكنت آخذ ~~إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب الحدود بين يديه بسيفي وسوطي على كراهة ~~منه لها، وود أبو بكر لو أن واحدا منا يكفيه، فلما حضرت أبا بكر، رحمه ~~الله، الوفاة ظننت أنه لا يعدل عني لقرابتي من رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وسابقتي وفضلي، فظن أبو بكر أن عمر أقوى مني عليها، ولو كانت اثرة ~~لآثر بها ولده، فولى عمر على كراهة كثير من أصحابه، فكنت فيمن رضي لا فيمن ~~كره، فوالله ما خرج عمر، رحمه الله، من الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، ~~فأقام عمر، رحمه الله، بين أظهرنا الكلمة واحدة والأمر واحد لا يختلف عليه ~~منا اثنان، فكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب الحدود بين يديه ~~بسوطي وسيفي، أتبع أثره اتباع الفصيل أمه لا يعدل عن سبيل صاحبيه ولا يحيد ~~عن سنتهما، فلما حضرت عمر، رضي الله عنه، الوفاة ظننت أنه لا يعدل عني ~~لقرابتي وسابقتي وفضلي، فظن عمر أنه إن استخلف خليفة يعمل بخطيئة لحقته في ~~قبره فأخرج منها ولده وأهل بيته وجعلها شورى في ستة رهط، منهم: عبد الرحمن ~~بن عوف، فقال: هل لكم أن أدع لكم نصيبي على أن أختار لله ولرسوله؟ قلنا: ~~نعم. فأخذ ميثاقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه، وأخذنا ميثاقه على من يختار ~~لله ولرسوله، فوقع اختياره على عثمان، رضي الله عنه، فنظرت فإذا طاعتي قد ~~سبقت بيعتي وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فاتبعت عثمان وأديت إليه حقه على ~~أثرة منه وتقصير عن سنة صاحبيه، فلما قتل عثمان، رضي الله عنه، نظرت فكنت ~~أحق بها من جميع الناس. فقالا: صدقت وبررت، فأخبرنا عن طلحة والزبير بما ~~استحللت قتالهما وقد شركاك في الهجرة مع رسول الله، صلى الله عليه ms042 وسلم، ~~وفي الشورى من عمر، رحمهم الله. فقال: قد شركاني في الهجرة وفي الشورى ~~ولكنهما بايعاني بالحجاز وخلعاني بالعراق ولو فعلا ذلك بأبي بكر وعمر ~~لقاتلاهما. فقالا: صدقت وبررت وأنت أمير المؤمنين. # قال: ولما كان حرب صفين كتب أمير المؤمنين، رضوان الله عليه، إلى معاوية ~~بن أبي سفيان: ما لك يقتل الناس بيننا؟ ابرز لي فإن قتلتني استرحت مني وإن ~~قتلتك استرحت منك. فقال له عمرو بن العاص: أنصفك الرجل فابرز إليه. قال: ~~كلا يا عمرو، أردت أن أبرز له فيقتلني وتثب على الخلافة بعدي! قد علمت قريش ~~أن ابن أبي طالب سيدها وأسدها. ثم أنشأ يقول: # يا عمرو قد أسررت تهمة غادر ... برضاك لي تحت العجاج برازي # ما للملوك وللبراز وإنها ... حتف المبارز خطفة من بازي # إن التي منتك نفسك خاليا ... قتلي جزاك بما نويت الجازي # فلقد كشفت قناعها مذمومة ... ولقد لبست لها ثياب الخازي # فأجابه عمرو بن العاص: # معاوي إنني لم أجن ذنبا ... وما أنا بالذي يدعى بخازي # فما ذنبي بأن نادى علي ... وكبش القوم يدعى للبراز # فلو بارزته للقيت قرنا ... حديد الناب شهما ذا اعتزاز # أجبنا في العشيرة يا ابن هند ... وعند الباه كالتيس الحجازي # PageV01P023 # ثم كتب معاوية إلى علي، رحمه الله: أما بعد فإنا لو علمنا أن الحرب تبلغ ~~بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد ~~بقي لنا ما نرم به ما مضى ونصلح ما بقي، وقد كنت سألتك الشام على أن تلزمني ~~لك طاعة فأبيت ذلك علي وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس وإنك لا ~~ترجو من البقاء إلا ما أرجو ولا خاف من الفناء إلا ما أخاف، وقد والله رقت ~~الأجناد وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لأحد منا على أحد فضل نستذل ~~به عبدا أو نسترق به حرا. # فأجابه علي: من علي بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد فقد ~~جاءني كتابك وتذكر أنك لو علمت أن الحرب ms043 تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها ~~بعضنا على بعض، وأنا وإياك نلتمس غاية لم نبلغها بعد، فأما طلبك الشام فإني ~~لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك عنه أمس، وأما استواؤنا في الخوف والرجاء ~~فلست بأمضى على الشك مني على اليقين وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من ~~أهل العراق على الآخرة، وأما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن وليس أمية ~~كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا الطليق كالمهاجر ~~ولا المحق كالمبطل، في أيدينا فضل النبوة التي قبلنا بها العز ونفينا بها ~~الخزي. # عن الشعبي أن عمرو بن العاص دخل على معاوية وعنده ناس فلما رآه مقبلا ~~استضحك فقال: يا أمير المؤمنين أضحك الله سنك وأدام سرورك وأقر عينك، ما كل ~~ما أرى يوجب الضحك! فقال معاوية: خطر ببالي يوم صفين يوم بارزت أهل العراق ~~فحمل عليك علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فلما غشيك طرحت نفسك عن دابتك ~~وأبديت عورتك كيف حضرك ذهنك في تلك الحال، أما والله لقد واقفته هاشميا ~~منافيا ولو شاء أن يقتلك لقتلك! فقال عمرو: يا معاوية إن كان أضحكك شأني ~~فمن نفسك فاضحك، أما والله لو بدا له من صفحتك مثل الذي بدا له من صفحتي ~~لأوجع قذالك وأيتم عيالك وأنهب مالك وعزل سلطانك، غير أنك تحرزت منه ~~بالرجال في أيديها العوالي، أما إني قد رأيتك يوم دعاك إلى البراز فاحولت ~~عيناك وأزبد شدقاك وتنشر منخراك وعرق جبينك وبدا من أسفلك ما أكره ذكره. ~~فقال معاوية: حسبك حيث بلغت لم نرد كل هذا. # قال: وذكر أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: زعم ابن ~~النابغة أني تلعابة تمزاحة ذو دعابة، أعافس وأمارس، لا رأي لي في الحروب، ~~هيهات يمنع من العفاس والمراس ذكر الموت والبعث، فمن كان له قلب ففي هذا عن ~~هذا واعظ، أما وشر القول الكذب إنه ليحدث فيكذب ويعد فيخلف، فإذا كان البأس ~~فأعظم مكيدته أن يمنح القوم استه. # قال: ms044 وقال عمرو بن العاص لابنه عبد الله يوم صفين: تبين لي هل ترى علي بن ~~أبي طالب، رضي الله عنه؟ قال عبد الله: فنظرت فرأيته فقلت: يا أبت ها هو ~~ذاك على بغلة شهباء عليه قباء أبيض وقلنسوة بيضاء. قال: فاسترجع، وقال: ~~والله ما هذا بيوم ذات السلاسل ولا بيوم اليرموك ولا يوم أجنادين، وددت أن ~~بيني وبين موقفي بعد المشرقين. فنزل سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو ~~قالا: والله لئن كان صوابا إنه لعظيم مشكور، ولئن كان خطأ إنه لصغير مغفور. ~~فقلت له: يا أبت فمن يمنعك من الذي فعلا؟ فوالله ما يحول بينك وبين ذلك ~~أحد! فقال: إن يرجع الشيخ ولم يعذر إذ نزل القوم بضنك فانظر، ثم تأمل بعد ~~هذا أو ذر. # وقال بعض الشعراء في معاوية ومحاربته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: # قد سرت سير كليب في عشيرته ... لو كان فيهم غلام مثل جساس # الطاعن الطعنة النجلاء عاندها ... كطرة البرد أعيا فتقها الآسي # عبد الله بن السائب قال: جمع زياد أهل الكوفة يحرضهم على البراءة من علي، ~~كرم الله وجهه، فملأ منهم المسجد والرحبة، قال: فغفوت غفوة فإذا أنا بشيء ~~له عنق مثل عنق البعير أهدل أهدب، فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا النقاد ذو ~~الرقبة بعثت إلى صاحب القصر. فانتبهت فزعا، فما كان بأسرع إذ خرج علينا ~~خارج من القصر فقال: انصرفوا فإن الأمير في شغل عنكم اليوم، فإذا هو قد ~~فلج، فقال عبد الله في ذلك: # ما كان منتهيا عما أراد بنا ... حتى تأتى له النقاد ذو الرقبه # فأسقط الشق منه ضربة ثبتت ... لما تناول ظلما صاحب الرحبه # أراد أنه قتل في رحبة المسجد. # PageV01P024 # الأصمعي قال: سمع عامر بن عبد الله بن الزبير ابنه ينال من علي، رضي الله ~~عنه، فقال: يا بني إياك وذكر علي، رضي الله عنه، فإن بني أمية تنقصته ستين ~~عاما فما زاده الله بذلك إلا رفعة. # قال: وقال عبد الملك بن مروان للحجاج بن يوسف: جنبني ms045 دماء آل أبي طالب ~~فإني رأيت بني حرب لما قتلوا الحسين، عليه السلام، نزع الله ملكهم. ### | محاسن الحسن والحسين ### | ابني علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم # روي عن أنس بن مالك أنه قال: لم يكن في أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، أحد أشبه به من الحسن، عليه السلام، وكان قال له رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، ابني هذا سيد لعل الله جل وعز أن يصلح به بين فئتين من ~~المسلمين. وكان بينه وبين أخيه الحسين، عليه السلام، طهز واحد، وكان أسخى ~~أهل زمانه. # وذكروا أنه أتاه رجل في حاجة فقال: اذهب فاكتب حاجتك في رقعة وارفعها ~~إلينا نقضها لك. قال: فرفع إليه حاجته، فأضعفها له، فقال بعض جلسائه: ما ~~كان أعظم بركة الرقعة عليه يا ابن رسول الله. فقال: بركتها علينا أعظم حين ~~جعلنا للمعروف أهلا، أما علمت أن المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة؟ فأما ~~من أعطيته بعد مسألة فإنما أعطيته بما بذل لك من وجهه، وعسى أن يكون بات ~~ليلته متململا أرقا يميل بين اليأس والرجاء لا يعلم لما يتوجه من حاجته ~~أبكآبة الرد أم بسرور النجح فيأتيك وفرائصه ترعد وقلبه خائف يخفق، فإن قضيت ~~له حاجته فيما بذل لك من وجهه فإن ذلك أعظم مما نال من معروفك. # قيل: وكان لرجل على ابن أبي عتيق مال فتقاضاه فقال له: ائتني العشية في ~~مجلس الولاية فسلني عن بيت قريش. فوافاه الغريم في ذلك المجلس، فقال له: ~~إنا تلاحينا في بيت قريش ورضينا بك حكما، فقال: آل حرب، قال: ثم من؟ قال: ~~آل أبي العاص، والحسن بن علي، رضي الله عنه، حاضر، فشق ذلك عليه، فقال ~~الرجل: فأين بنو عبد المطلب؟ قال: لم أكن أظن أن تسألني عن غير بيت ~~الآدميين فأما إذا صرت تسألني عن بيت الملائكة وعن رسول الله رب العالمين ~~وسيد كل شهيد والطيار مع الملائكة فمن يساوي هؤلاء فخرا إلا وهو منقطع ~~دونهم. قال: فانجلى عن الحسن، عليه السلام، ms046 ثم قال: إني لأحسب أن لك حاجة. ~~قال: نعم يا ابن رسول الله، لهذا علي كذا وكذا، فاحتملها عنه ووصله بمثلها، ~~قال: وأتاه رجل آخر فقال: يا ابن رسول الله إني عصيت رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم. فقال: بئس ما صنعت، فماذا عصيته؟ قال: قال، عليه السلام: ~~شاوروهن وخالفوهن، وإني أطعت صاحبتي فاشتريت غلاما فأبق. قال له: اختر ~~واحدة من ثلاث، إن شئت ثمن الغلام. قال: بأبي أنت وأمي قف على هذه ولا ~~تجاوزها! قال: اعرض عليك الثلاث! فقال: حسبي هذه، فأمر له بثمن الغلام. # وذكروا أن رجلين أحدهما من بني هاشم والآخر من بني أمية قال هذا: قومي ~~أسمح، وقال هذا: قومي أسمح، قال: فسل أنت عشرة من قومك وأنا أسأل عشرة من ~~قومي. فانطلق بني أمية فسأل عشرة فأعطاه كل واحد منهم عشرة آلاف درهم، ~~وانطلق صاحب بني هاشم إلى الحسن بن علي، رضي الله عنه، فأمر له بمائة ~~وخمسين ألف درهم، ثم أتى الحسين، عليه السلام، فقال: هل بدأت بأحد قبلي؟ ~~قال: بدأت بالحسن، قال: ما كنت أستطيع أن أزيد على سيدي شيئا، فأعطاه مائة ~~وخمسين ألفا من الدراهم، فجاء صاحب بني أمية فحمل مائة ألف درهم من عشرة ~~أنفس، وجاء صاحب بني هاشم فحمل ثلاثمائة ألف درهم من نفسين، فغضب صاحب بني ~~أمية فردها عليهم فقبلوها، وجاء صاحب بني هاشم فردها عليهما فأبيا أن ~~يقبلاها وقالا: ما كنا نبالي أخذتها أم ألقيتها في الطريق، وكان الحسن بن ~~علي، ### | رضوان الله عليهما # ، أشبه برسول الله، صلى الله عليه وسلم، من صدره إلى قدمه، وكان أيضا أحد ~~الأجواد، دخل على أسامة بن زيد وهو يجود بنفسه ويقول: واكرباه واحزناه! ~~فقال: وما الذي أحزنك يا عم؟ قال: يا ابن رسول الله ستون ألف درهم دين علي ~~لا أجد لها قضاء. قال: هي علي. قال: فك الله رهائنك يا ابن النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، الله أعلم حيث يجعل رسالاته. ### | مساوئ قتلة الحسين بن علي # رضوان الله عليهما # PageV01P025 # حدثنا ms047 عبد الله بن أحمد بن إبراهيم عن يحيى بن معين عن الحجاج عن أبي ~~معشر قال: لما مات معاوية بن أبي سفيان وذلك في النصف من رجب سنة ستين ورد ~~خبره على أهل المدينة في أول شعبان وكان على المدينة يومئذ الوليد بن عتبة ~~بن أبي سفيان وكان غلاما حدثا يتحرج، فلما جاءه ما جاءه ضاق به صدره فأرسل ~~إلى مروان بن الحكم، وهو الذي صرف به مروان عن المدينة، وكان في مروان حدة، ~~فقال له الوليد: يا أبا عبد الملك إنه قد جاءنا اليوم شيء لم نكن نستغني ~~معه عن استشارتك. قال: وما هو؟ قال: موت أمير المؤمنين. قال: إنا لله وإنا ~~إليه راجعون، مات، رحمه الله! قال: نعم. قال: أتطيع أمري؟ قال: نعم. قال: ~~أرسل إلى الحسين بن علي وإلى عبد الله بن الزبير فإن بايعا فخل سبيلهما وإن ~~أبيا فاضرب أعناقهما، فأرسل إلى الحسين، رضوان الله عليه، وإلى عبد الله بن ~~الزبير، رحمه الله، وبدأ بالحسين، عليه السلام، فمر الحسين في المسجد فأشار ~~إليه ابن الزبير وهو قائم يصلي، فأتاه فقال للحرسي: تأخر أيها العبد. فتأخر ~~الحرسي. فقال له: يا أبا عبد الله أتدري لأي شيء دعيت؟ قال: لا. قال: مات ~~طاغيتهم فدعوك للبيعة فلا تبايع وقل له بالغداة على رؤوس الملإ. قال: فدخل ~~الحسين، عليه السلام، فقال له الوليد: يا أبا عبد الله دعوناك لخير. قال: ~~أي شيء هو؟ قال: مات أمير المؤمنين وقد عرفتم ولي عهدكم ومفزعكم وقد بايع ~~أهل الشام والناس فادخل فيما دخل فيه الناس. قال: نعم بالغداة إن شاء الله. ~~قال: لا بل الساعة. قال: ومثلي يبايع في جوف البيت! بالغداة أبايعك على ~~رؤوس الناس. قال: لا بل الساعة. قال: ما أنا بفاعل. وخرج من عنده. فأرسل ~~إلى ابن الزبير فقال: يا أبا بكر دعوناك لخير. قال: وما هو؟ قال: مات أمير ~~المؤمنين. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله عليه! قال: فيجعل ~~يردد الترحم عليه وقد نظر ابن الزبير قبل ms048 ذلك إلى مروان وهو يناجي الوليد ~~فتلا هذه الآية: " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن ~~كنتم مؤمنين "، فقال: يا أبا بكر قد عرفتم ولي عهدكم ومفزعكم وقد بايع أهل ~~الشام والناس فادخل فيما دخل فيه الناس. قال: نعم بالغداة إن شاء الله. ~~قال: لا بل الساعة قال: ومثلي يبايع في جوف البيت! أبايعك على رؤوس الملإ. ~~قال: لا بل الساعة قال: ما أنا بفاعل. فقال مروان للوليد: ما تصنع؟ أطعني ~~واضرب أعناقهما، لئن خرجا من البيت لا تراهما أبدا إلا في شر. وكان الوليد ~~متحرجا، فقال: ما كنت لأقتلهما. فقال ابن الزبير لمروان: يا ابن الزرقاء ~~أوتقدر على قتلنا؟ فقال مروان: إنه والله لو أطاعني ما خرجت ولا صاحبك من ~~البيت حتى تضرب أعناقكما. # قال: فدعا الحسين، عليه السلام، برواحله فركب يتوجه نحو مكة على المنهج ~~الأكبر وركب ابن الزبير، رحمه الله، دواب له وأخذ طريق الفرع فأتى الحسين، ~~عليه السلام، عبد الله بن مطيع وهو على بئره فنزل إليه وقال: يا أبا عبد ~~الله أين تريد؟ قال: العراق، مات معاوية وجاءني أكثر من حمل صحف. قال: لا ~~تفعل فوالله ما حفظوا أباك وكان خيرا منك، والله لئن قتلوك لا تبقى حرمة ~~بعدك إلا استحلت. # PageV01P026 # فمر الحسين، عليه السلام، حتى نزل مكة فأقام بها هو وابن الزبير، رحمه ~~الله، وقدم عمرو بن سعيد بن العاص في رمضان أميرا على المدينة وعلى الموسم ~~وعزل الوليد بن عتبة، فلما استوى على المنبر رعف فقال أعرابي: ما جاءنا ~~والله بالدم. قال: فتلقاه رجل بعمامته فقال: ما عم الناس والله. ثم قام ~~وخطب، فناولوه عصا لها شعبتان فقال: تشعب الناس والله. ثم خرج إلى مكة ~~فقدمها قبل التروية بيوم، وخرج الحسين، عليه السلام، فقيل له: خرج الحسين. ~~فقال: اركبوا كل بعير وفرس بين السماء والأرض في طلبه فاطلبوه. قال: فكان ~~الناس يتعجبون من قوله هذا، فطلبوه فلم يدركوه، فأرسل عبد الله بن جعفر ~~ابنيه عونا ومحمدا ليردا الحسين، فأبى الحسين أن ms049 يرجع وخرج بابني عبد الله ~~معه، ورجع عمرو بن سعيد إلى المدينة وبعث بجيش يقاتلون ابن الزبير، وقدم ~~الحسين، عليه السلام، مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليأخذ عليهم البيعة، وكان ~~على الكوفة حين مات معاوية النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري، فلما بلغه خبر ~~الحسين، عليه السلام، قال: لابن بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أحب ~~إلينا من ابن بنت بحدل. فبلغ ذلك يزيد فأراد أن يعزله فقال لأهل الشام: ~~أشيروا علي من استعمل على الكوفة؟ فقالوا: أترضى برأي معاوية؟ قال: نعم. ~~قالوا: فإن العهد بإمارة عبيد الله بن زياد على العراقين قد كتب في ~~الديوان، فاستعمله على الكوفة. فقدم الكوفة قبل أن يقدم الحسين، عليه ~~السلام، وقد بايع مسلم بن عقيل أكثر من ثلاثين ألفا من الرجال من أهل ~~الكوفة، فخرجوا معه يريدون عبيد الله بن زياد، فجعلوا كلما انتهوا إلى زقاق ~~انسل ناس منهم حتى بقي في شرذمة قليلة وجعل الناس يرمونه بالآجر من فوق ~~البيوت، فلما رأى ذلك دخل دار هانيء بن عروة المرادي وكان له فيهم رأي، ~~فقال له هانيء: إن لي من ابن زياد مكانا وسوف أتمارض له، فإذا جاء يعودني ~~فاضرب عنقه. فقيل لابن زياد: هانيء بن عروة شاك يقيء الدم، وكان شرب المغرة ~~فجعل يقيئها، فجاء ابن زياد يعوده، وقال: هانيء لمسلم: إذا قلت اسقوني ولو ~~كانت فيه نفسي فاضرب عنقه. فقال: اسقوني، فأبطأوا عليه، فقال: ويحكم اسقوني ~~ولو كانت فيه نفسي! قال: فخرج ابن زياد ولم يصنع الآخر شيئا، وكان أشجع ~~الناس ولكن أخذته كبوة. فقيل لابن زياد: والله إن في البيت رجلا متسلحا، ~~فأرسل ابن زياد إلى هانيء فدعاه، فقال: إني شاك. فقال: ائتوني به وإن كان ~~شاكيا. قال: فأسرجت له دبة فركب وكانت معه عصا وكان أعرج فجعل يسير قليلا ~~قليلا ثم يقف ويقول: ما لي ولابن زياد! فما زال حتى دخل عليه. فقال: يا ~~هانيء ما كانت يد زياد عندك بيضاء؟ قال: بلى. قال: فيدي؟ قال: بلى. فتناول ms050 ~~العصا التي كانت في يد هانيء فضرب بها وجهه حتى كسر جبهته ثم قدمه فضرب ~~عنقه ثم أرسل إلى مسلم بن عقيل، فخرج عليهم بسيفه فما زال يناوشهم ويقاتلهم ~~حتى جرح وأسر فعطش وقال: اسقوني ماء، ومعه رجل من آل أبي معيط ورجل من بني ~~سليم. فقال: شمر بن ذي جوشن: والله لا نسقيك إلا من البئر. وقال المعيطي: ~~والله لا نسقيه إلا من الفرات. فأتاه غلام له بإبريق من ماء وقدح قوارير ~~ومنديل فسقاه، فتمضمض فخرج الدم فما زال يمج الدم ولا يسيغ شيئا حتى قال: ~~أخره عني، فلما أصبح دعاه عبيد الله ليضرب عنقه، فقال له: دعني أوصي. فقال: ~~أوص. فنظر في وجوه الناس فقال لعمر بن سعد: ما أرى هاهنا أحدا من قريش غيرك ~~فادن مني حتى أكلمك. قال: فدنا منه. فقال له: هل لك في أن تكون سيد قريش؟ ~~قال نعم. قال: إن حسينا ومن معه وهم تسعون إنسانا بين رجل وامرأة في الطريق ~~فارددهم واكتب إليه بما أصابني. ثم أمر عبيد الله فضرب عنقه. # PageV01P027 # فقال عمر: أتدري ما قال؟ قال: اكتم على ابن عمك! قال: هو أعظم من ذاك، ~~قال: اكتم على ابن عمك! قال: هو أعظم من ذاك. قال: أي شيء هو؟ قال: أخبرني ~~أن حسينا قد أقبل ومعه تسعون إنسانا بين رجل وامرأة. فقال: أما والله لو ~~إلي أسر لرددتهم! لا والله لا يقاتلهم أحد غيرك. فبعث معه جيشا، وجاء ~~الحسين، عليه السلام، الخبر وهو بشراف فهم أن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل ~~فلقيه الجيش على خيولهم بوادي السباع، فقال بنو عقيل:أترجع وقد قتل أخونا؟ ~~فقال الحسين، عليه السلام: ما لي عن هؤلاء من صبر، يعني بني عقيل. فأصاب ~~أصحابه العطش فقالوا: يا ابن رسول الله اسقنا! فأخرج لكل فرس صحفة من ماء ~~فسقاهم بقدر ما يمسك رمق أحدهم، ثم قالوا: سر بنا، وأخذوا به على الجرف حتى ~~نزلوا كربلاء، فقال: هذا كرب وبلاء. فنزلوا وبينهم وبين الماء يسير، قال: ~~فأراد الحسين، ms051 عليه السلام، وأصحابه الماء فحالوا بينهم وبينه. فقال له شمر ~~بن ذي جوشن: لا تشربون أبدا حتى تشربون من الحميم. فقال العباس بن علي ~~للحسين، عليه السلام: يا أبا عبد الله ألسنا على الحق؟ قال: نعم. فحمل ~~عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا وأسقوا، ثم بعث عبيد الله بن زياد إلى عمر ~~بن سعد أن قاتلهم. فقال الحسين، عليه السلام: يا عمر اختر مني إحدى ثلاث: ~~تتركني أرجع كما جئت، وإن أبيت هذه فسيرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت، وإن ~~أبيت هذه فابعث بي إلى يزيد لأضع يدي في يده، وأرسل إلى ابن زياد بذلك. # فهم أن يسيره إلى يزيد، فقال له شمر بن ذي جوشن: قد أمكنك الله منه، أو ~~قال: من عدوك، وتسيره إلى الأمان إلا أن ينزل على حكمك! فأرسل إليه بذلك، ~~فقال: لا حبا ولا كرامة انزل على حكم ابن سمية. وكان مع عمر ابن سعد قريب ~~من ثلاثين رجلا من أهل الكوفة فقالوا: يعرض عليكم ابن ابنة رسول الله، عليه ~~وعلى آله السلام، ثلاث خصال لا تقبلون منها شيئا! فتحولوا مع الحسين، عليه ~~السلام، فقاتلوا حتى قتلوا وقتل الحسين، رضي الله عنه، وجميع من معه، رحمهم ~~الله، وحمل رأسه إلى عبيد الله بن زياد فوضع بين يديه على ترس فبعث به إلى ~~يزيد، فأمر بغسله وجعله في حريرة وضرب عليه خيمة ووكل به خمسين رجلا. # فقال واحد منهم: نمت وأنا مفكر في يزيد وقتله الحسين، عليه السلام، فبينا ~~أنا كذلك إذ رأيت سحابة خضراء فيها نور قد أضاءت ما بين الخافقين وسمعت ~~صهيل الخيل ومناديا ينادي: يا أحمد اهبط، فهبط رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، ومعه جماعة من الأنبياء والملائكة فدخل الخيمة وأخذ الرأس فجعل يقبله ~~ويبكي ويضمه إلى صدره، ثم التفت إلى من معه فقال: انظروا إلى ما كان من ~~أمتي في ولدي، ما بالهم لم يحفظوا فيه وصيتي ولم يعرفوا حقي؟ لا أنالهم ~~الله شفاعتي! قال: وإذا بعدة من الملائكة يقولون: يا ms052 محمد الله تبارك ~~وتعالى يقرئك السلام وقد أمرنا بأن نسمع لك ونطيع فمرنا أن نقلب البلاد ~~عليهم. فقال، صلى الله عليه وسلم: خلوا عن أمتي فإن لهم بلغة وأمدا. قالوا: ~~يا محمد إن الله جل ذكره أمرنا أن نقتل هؤلاء النفر! فقال: دونكم وما أمرتم ~~به. قال: فرأيت كل واحد منهم قد رمى كل واحد منا بحربة، فقتل القوم في ~~مضاجعهم غيري فإني صحت: يا محمد! فقال: وأنت مستيقظ؟ قلت: نعم. قال: خلوا ~~عنه يعيش فقيرا ويموت مذموما، فلما أصبحت دخلت على يزيد وهو منكسر مهموم ~~فحدثته بما رأيت فقال: امض على وجهك وتب إلى ربك. # أبو عبد الله غلام الخليل، رحمه الله، قال: حدثنا يعقوب بن سليمان قال: ~~كنت في ضيعتي فصلينا العتمة وجعلنا نتذاكر قتل الحسين، عليه السلام، فقال ~~رجل من القوم: ما أحد أعان عليه إلا أصابه بلاء قبل أن يموت، فقال شيخ كبير ~~من القوم: أنا ممن شهدها وما أصابني أمر كرهته إلى ساعتي هذه، وخبا السراج ~~فقام يصلحه فأخذته النار وخرج مبادرا إلى الفرات وألقى نفسه فيه فاشتعل ~~وصار فحمة. # قيل: ودخل سنان بن أنس على الحجاج بن يوسف فقال: أنت قتلت الحسين بن علي؟ ~~قال: نعم. فقال: أما إنكما لن تجتمعا في الجنة، فذكروا أنهم رأوه موسوسا ~~يلعب ببوله كما يلعب الصبيان. # قال: وقال محمد بن سيرين: ما رؤيت هذه الحمرة في السماء إلا بعدما قتل ~~الحسين، عليه السلام، ولم تطمث امرأة بالروم أربعة أشهر إلا أصابها وضح. ~~فكتب ملك الروم إلى ملك العرب: قتلتم نبيا أو ابن نبي. # PageV01P028 # وروي أنه لما قتل، رضي الله عنه، احمرت آفاق السماء واقتسموا ورسا كان ~~معه فصار رمادا، وكانت معه إبل فجزروها فصارت جمرة في منازلهم. ### | مساوئ الحرة # قال: ولما كان من أمر الحسين، عليه السلام، ما كان قدم عمرو بن حفص بن ~~المغيرة وكان تزوج يزيد بن معاوية ابنته وأعطاه مالا كثيرا، فلما قدم ~~المدينة جاءه محمد بن عمرو بن حزم وعبيد الله بن حنظلة وعبد ms053 الله بن مطيع ~~ابن الأسود وناس من وجوه أهل المدينة قالوا: ننشدك الله رب هذا البيت ورب ~~صاحب هذا القبر ألا أخبرتنا عن يزيد؟ فقال: إنه ليشرب الخمر وينادم القردة ~~ويفعل كذا ويصنع كذا. فقالوا: والله ما لنا بأهل الشام من طاقة ولكن ما يحل ~~لنا أن نبايع رجلا على هذه الحال. فقال محمد بن عمرو لأهله: هاتوا درعي. ثم ~~خرج فخرج أهل المدينة وخلعوا يزيد وأخرجوا عثمان بن محمد بن أبي سفيان وبني ~~أمية من المدينة، وكان عثمان والي المدينة، ثم قال محمد بن أبي جهم لأهل ~~المدينة: أطيعوا أمري اليوم واعصوني الدهر، اقتلوا سبعة عشر رجلا من بني ~~أمية لا تروا شرا أبدا. فأبى أهل المدينة أن يقتلوهم وأخذوا عليهم المواثيق ~~أن لا يرجعوا إلى المدينة مع جيش أبدا، فبعث عثمان بن محمد بن أبي سفيان ~~قميصه مشقوقا إلى يزيد وكتب إليه: واغوثاه! إن أهل المدينة أخرجوا قومي من ~~المدينة وشقوا ثوبي وارتكبوا مني. # PageV01P029 # قال أبو معشر: حدثنا رجل قال: خرج علينا يزيد بعد العتمة ومعه شمعتان، ~~شمعة عن يمينه وشمعة عن يساره، وعليه معصفرتان كأنهما قطرتا دم وإزار ورداء ~~وقد نفش جمته كأنها برس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ~~يا أهل الشام فإنه كتب إلي عثمان بن محمد بن أبي سفيان أن أهل المدينة ~~أخرجوا قومنا من المدينة، ووالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من ~~هذا. قال: وكان معاوية أوصى يزيد: إن رابك من قومك ريب أو انتقض عليك منهم ~~أحد فعليك بأعور بني مرة فاستشره، يعني مسلم بن عقبة. فلما كان تلك الليلة ~~قال: أين مسلم بن عقبة؟ فقام فقال: ها أنا ذا، قال: كن معي. فجعل يزيد يعبي ~~الجيوش، وكان ابن سنان نازلا على مسلم، فقال له: إن أمير المؤمنين قد بعثني ~~إلى المدينة ومكة. قال: استعفه. قال: فاركب فيلا أو فيلة وتكن أبا يكسوم. ~~فمرض مسلم قبل خروجه من الشام، فدخل عليه يزيد بن معاوية فقال: قد ms054 كنت ~~وجهتك لهذا البعث وأراك مدنفا؟ فقال: يا أمير المؤمنين أنشدك الله أن ~~تحرمني أجرا ساقه الله إلي، إنما هو أمر خفيف وليس علي من بأس! قال: فلم ~~يطق من الوجع أن يركب بعيرا ولا دابة، قال: فوضع على سرير وحمله الرجال على ~~أعناقهم حتى جاؤوا به مكانا يقال له البتراء، فأراد النزول به، فقال: ما ~~اسم هذا المكان؟ قيل: البتراء. قال لا تنزلوا به. فنزلوا بقهر ثم ارتحلوا ~~حتى نزلوا الحرة، فأرسل إلى أهل المدينة أن أمير المؤمنين يقرأ عليكم ~~السلام ويقول: أنتم الأصل والعشيرة فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا فإن لكم في ~~عهد الله وميثاقه عطاءين في كل سنة: عطاء في الشتاء وعطاء في الصيف، ولكم ~~عندي في عهد الله أن أجعل سعر الحنطة عندكم سعر الخبط، والخبط يومئذ سبعة ~~أصوع بدرهم. فقالوا: نخلعه كما نخلع عمائمنا ونعالنا. فقاتلهم فهزمهم وقتل ~~عبد الله بن حنظلة وابن حزم وبضعة عشر رجلا من الوجوه وتسعون رجلا من قريش ~~وبضعة وسبعون رجلا من الأنصار، وقتل من سائر الناس نحو أربعة آلاف رجل، ~~وقتل ابنان لعبد الله بن جعفر، وقتل أربعة من ولد زيد بن ثابت، وقال مسلم ~~لعبد الله بن جعفر: اخرج عن المدينة لا يقع بصري عليك. وأنهب المدينة ~~ثلاثا، فقتل الناس وضجت النساء وذهبت الأموال، فلما فرغ مسلم من القتال ~~انتقل إلى قصر ابن عامر فدعا أهل المدينة ليبايعوه، وكان ناس منهم قد ~~تحصنوا في عرصة سعيد، منهم: محمد بن أبي جهم ونفر معه، فدعاهم للبيعة، ~~فقال: تبايعون لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خوله مما أفاء الله ~~عليه بأسياف المسلمين إن شاء وهب وإن شاء أعتق وإن شاء استرق؟ فبايعه ناس ~~منهم على ذلك، وجاء عمرو بن عثمان بيزيد بن عبد الله بن زمعة، وجدته أم ~~سلمة زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان عمرو بن عثمان قال لأم سلمة: ~~أرسلي معي ابن ابنتك ولك مني عهد الله وميثاقه أن أرده إليك كما أخذته منك، ~~فجاء به إلى ms055 مسلم فجلس عمرو بن عثمان على طرف سريره، فلما تقدم يزيد بن عبد ~~الله قال: تبايع ليزيد أمير المؤمنين على أنك من خوله مما أفاء الله عليه ~~بأسياف المسلمين إن شاء وهب وإن شاء أعتق وإن شاء استرق؟ فقال: لا. أنا ~~أقرب إلى أمير المؤمنين منك. فقال: والله لا أستقيلها منك أبدا! فقال عمرو ~~بن عثمان: أنشدك الله! فإني أخذته من أم سلمة بعهد الله وميثاقه أن أرده ~~إليها، قال: فركله ورمى به من فوق السرير فقال: لو قلتها ما أقلتك. فقتل ~~يزيد بن عبد الله، ثم أتي بمحمد بن أبي جهم فقال له: أنت القائل اقتلوا ~~سبعة عشر من بني أمية لا تروا شرا أبدا؟ قال: قد قلتها ولكن لا يطاع لقصير ~~أمر، أرسل يدي من غلي وقد برئت مني الذمة. قال: لا حتى أقدمك إلى النار. ~~فضرب عنقه، ثم جاؤوه بمعقل بن سنان وكان جالسا في بيته فأتاه مائة رجل من ~~قومه فقالوا: اذهب بنا إلى الأمير حتى نبايعه. فقال: إني قد قلت له كلمة ~~وإني أتخوفه. قالوا: لا والله لا يصل إليك أبدا. فلما بلغوا الباب أدخلوا ~~معقلا وغلقوا الباب، فلما نظر إليه مسلم قال: إني أرى الشيخ قد لغب، اسقوه ~~من الثلج الذي زودنيه أمير المؤمنين. قال: فخاضوا له ثلجا بعسل فشربه. ~~وقال: أشربت؟ قال: نعم. قال: والله لا تبوله من مثانتك أبدا. أنت القائل ~~اركب فيلا أو فيلة وتكن أبا يكسوم؟ قال: أما والله لقد تخوفت ذلك منك ولكن # PageV01P030 # غلبتني عشيرتي. قال: فجعل يفزر جبة عليه من برود ويقول: أما والله يا ~~أعداء الله ما شققتها جزعا من الموت ولكني أخشى أن تسلبوا منها. فضربت ~~عنقه. عشيرتي. قال: فجعل يفزر جبة عليه من برود ويقول: أما والله يا أعداء ~~الله ما شققتها جزعا من الموت ولكني أخشى أن تسلبوا منها. فضربت عنقه. # ثم سار إلى مكة حتى إذا بلغ قفا المشلل دنف فدعا بحصين بن نمير الكندي ~~فقال: يا بردعة الحمار والله ما خلق الله ms056 أحدا هو أبغض إلي منك، ولولا أن ~~أمير المؤمنين أمرني أن أستخلفك ما استخلفتك، أتسمع؟ قال: نعم. قال: لا ~~يكون إلا الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف، لا تمكن أذنيك من قريش. # ثم مات مسلم، لا رحمه الله، فدفن بقفا المشلل، وكانت أم يزيد بن عبد الله ~~بن زمعة بأسناده فخرجت إليه فنبشته وأحرقته بالنار وأخذت أكفانه فشققتها ~~وعلقتها بالشجرة. # قال أبو معشر: أقبلت من مكة حتى إذا كنت بقفا المشلل عند قبر مسلم إذا ~~رجل من أهل الشام ممن حضر وقعة الحرة يسايرني، فقلت له: هذا قبر مسلم بن ~~عقبة. فقال: أحدثك بالعجب؟ كان مع مسلم رجل من أهل الشام يقال له أبو ~~الغراء فإذا نصف شعره أسود ونصفه أبيض، فقلت له: ما شأنك؟ قال: لما كانت ~~ليلة الحرة جئت قباء فدخلت بيتا فإذا فيه امرأة جالسة معها صبي لها وليس ~~عليها شيء إلا درع وقد ذهب بكل شيء لها، فقلت لها: هل من مال؟ قالت: لا ~~والله لقد بايعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أني لا أزني ولا أسرق ~~ولا أقتل ولدي. قال: فأخذت برجل الصبي فضربت به الحائط. فنثر دماغه، فخرجت ~~فإذا نصف رأسي أبيض ونصفه أسود كما ترى. ### | محاسن ما قيل فيهم من الأشعار # قال كعب بن زهير في الحسين بن علي، رحمة الله عليهما: # مسح النبي جبينه ... فله بياض في الخدود # وبوجهه ديباجة ... كرم النبوة والجدود # قال: وأنشد الحميري في الحسن والحسين: # أتى حسنا والحسين الرسول ... وقد برزا حجرة يلعبان # فضمهما وتفداهما ... وكانا لديه بذاك المكان # ومر وتحتهما عاتقاه ... فنعم المطية والراكبان # قال: وقال المأمون: أنصف شاعر الشيعة حيث يقول: # أنا وإياكم نموت فلا ... أفلح بعد الممات من ندما # وقال المأمون: # ومن غاو يغص علي غيظا ... إذا أدنيت أولاد الوصي # يحاول أن نور الله يطفى ... ونور الله في حصن أبي # فقلت أليس قد أوتيت علما ... وبان لك الرشيد من الغوي # وعرفت احتجاجي بالمثاني ... وبالمعقول والأثر القوي # بأية خلة وبأي معنى ... تفضل ملحدين على علي ms057 # علي أعظم الثقلين حقا ... وأفضلهم سوى حق النبي # قال غيره وأجاد: # إن اليهود بحبها لنبيها ... أمنت معرة دهرها الخوان # وذوو الصليب بحب عيسى أصبحوا ... يمشون زهوا في قرى نجران # والمؤمنون بحب آل محمد ... يرمون في الآفاق بالنيران # وقال آخر، سامحه الله: # يا لك من متجرة كاسده ... بين شياطين عتت مارده # إذا تذكرت بني أحمد ... تنافروا كالإبل الشارده # فقل لمن يلحاك في حبهم ... خانتك في مولدك الوالده # وقال دعبل، رحمه الله تعالى: # قل لابن خائنة البعول ... وابن الجوادة والبخيل # إن المذمة للوصي ... هي المذمة للرسول # أتذم أولاد النبي ... وأنت من ولد النغول # الموصلي النصراني: # عدي ونعيم لا أحاول ذكرهم ... بسوء ولكني محب لهاشم # وهل تأخذني في علي وحبه ... إذا لم أعث يوما ملامة لائم # يقولون ما بال النصارى تحبه ... وأهل التقى من معرب وأعاجم # فقلت لهم إني لأحسب حبه ... طواه إلهي في قلوب البهائم # وفي بني أمية قيل: دخل خالد بن خليفة الأقطع على أبي العباس وعنده علي بن ~~هشام بن عبد الملك فأشار إلى أبي العباس وهو يقول شعرا: # PageV01P031 # إن تعاقبهم على رقة الدي ... ن فقد كان دينهم سامريا # كان فحلا زمانهم يرمح النا ... س فأضحى الزمان منهم خصيا ### | محاسن السبق إلى الإسلام # روي عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: خرج أبو بكر، رضي الله عنه، يريد ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبل الإسلام وكان له صديقا في الجاهلية ~~فلقيه فقال: يا أبا القاسم قعدت في مجالس قومك واتهموك بالعيب لآبائها ~~وأديانها. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إني رسول الله أدعوك إلى ~~الله. فما كان إلا أن سمع أبو بكر كلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فشرح الله صدره فأسلم، فانصرف عنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما بين ~~الأخشبين أحد أكثر سرورا بإسلام أبي بكر، رضي الله عنه، منه. # ومضى أبو بكر حتى أتى طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي ~~وقاص فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، ثم عثمان بن مظعون وأبو ms058 عبيدة بن الجراح ~~وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم مع أبي ~~بكر فأسلموا. # PageV01P032 # وأما إسلام عمر، رضي الله عنه، فإن قريشا بعثت بعمر، رضي الله عنه، ليقتل ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، فخرج عمر متقلدا سيفه في أثر رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وهو يومئذ في دار في أصل الصفا، فلقيه نعيم بن عبد الله بن ~~أسيد وقد أسلم فقال: يا عمر أين أراك تريد؟ قال: أريد محمدا هذا الذي سفه ~~عقولنا وشتم آلهتنا وخالف جماعتنا لأقتلنه! قال نعيم: لبئس المشي والله ~~مشيت يا عمر! ولقد أفرطت وأردت هلكة عدي بن كعب بمعاداتك بني هاشم، أوترى ~~أنك آمن من أعمامه وبني زهرة وقد قتلت محمدا افتخارا؟ حتى ارتفعت أصواتهما. ~~فقال له عمر: والله لأظنك قد صبوت ولو أعلم ذلك منك لبدأت بك. فلما رأى ~~نعيم أنه غير منته قال: أما إن أهلك قد أسلموا وتركوك وما أنت عليه. فلما ~~سمع ذلك نغر وقال: أيهم؟ قال: ختنك وابن عمك وأختك. فانطلق إلى أخته وقد ~~كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اجتمع عليه طائفة من ذوي الفاقة من ~~أصحابه فقال لأولي السعة: يا فلان فليكن عندك فلان، فوافق ابن عم عمر وختنه ~~سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قد دفع إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~خباب بن الأرت مولى أم انمار حليف بني زهرة، وقد أنزلت سورة طه، فأقبل عمر ~~حتى انتهى إلى باب دار أخته ليتعرف ما بلغه، فإذا خباب عند أخته يدرس عليها ~~سورة طه، وإذا الشمس كورت، فلما دخل عمر أحذرته أخته وعرفت الشر في وجهه ~~وخبأت الصحيفة، وراغ خباب فدخل البيت، فقال عمر لأخته: ما هذه الهينمة؟ ~~قالت: حديث نتحدث به بيننا، فحلف أن لا يبرح حتى يتبين شأنها. فقال له ~~زوجها: إنك لا تستطيع أن تجمع الناس على هواك يا عمي إن كان الحق سواه. ~~فبطش به عمر ووطئه وطأ شديدا. فقامت أخت عمر تحجز ms059 بينهما فنفحها بيده ~~فشجها. فلما رأت الدم قالت: هل تسمع يا عمر؟ أرأيت كل شيء بلغك عني مما ~~يذكر من تركي آلهتك وكفري باللات والعزى فهو حق وأنا أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله فاتمم أمرك واقض ما أنت قاض. فلما رأى عمر ذلك ~~سقط في يده فقال لأخته: أرأيت ما كنت تدرسين آنفا؟ أعطيك موثقا لا أمحوه ~~حتى أرده إليك ولا أخونك فيه. فلما رأت أخته حرصه على الكتاب رجت أن يكون ~~ذلك لدعوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالت له: إنك نجس ولا يمسه إلا ~~المطهرون. فقام واغتسل من الجنابة وأعطاها موثقا، فاطمأنت به ودفعت إليه ~~الصحيفة، فقرأ طه حتى بلغ: " إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما ~~تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى "، وقرأ: " إذا الشمس ~~كورت "، حتى انتهى إلى قوله: " علمت نفس ما أحضرت "، فأسلم عند ذلك وقال: ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وخلع الأنداد وكفر باللات ~~والعزى، فخرج خباب وكان داخلا في البيت مكبرا وقال: ابشر بكرامة الله يا ~~عمر فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دعا أن يعز الله بك الإسلام. فقال ~~عمر: دلوني على المنزل الذي فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فقال له ~~خباب: هو في الدار التي في أصل الصفا. فأقبل عمر وقد بلغ رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، أن عمر يطلبه ليقتله ولم يبلغه إسلامه، فلما انتهى عمر إلى ~~الباب ليستفتح رآه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، متقلدا سيفه فأشفقوا ~~منه، فلما رآه حمزة وحده قال: افتحوا فإن كان الله يريد بعمر خيرا اتبع ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصدقه، وإن كان غير ذلك قتلناه بسيفه ويكون ~~قتله علينا هينا. فابتدره رجال من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوحى إليه، فسمع صوت عمر فخرج ليس عليه ~~رداء حتى أخذ بمجمع ms060 رداء عمر وقميصه وقال له: أما والله ما أراك تنتهي يا ~~عمر حتى ينزل الله جل وعز بك من الزجر ما أنزله بالوليد بن المغيرة. ثم ~~قال: اللهم اهد عمر. فضحك عمر وقال: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له وأنك محمد عبده ورسوله فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها من ~~وراء الدار والمسلمون يومئذ بضعة وأربعون رجلا وإحدى عشرة امرأة، ثم قال ~~عمر: يا رسول الله نحن بالإسلام أحق أن نبادى منا بالكفر فليظهرن دين الله ~~عز وجل بمكة. فخرج عمر وجلس في المسجد وصلى علانية وأظهر الإسلام، فلم يزل ~~الدين عزيزا منذ أسلم عمر، رضي الله عنه. # PageV01P033 # وأما إسلام عثمان فإنه روي أن عثمان بن عفان، رحمه الله، قال: دخلت على ~~جدتي بنت عبد المطلب أعودها فإني لعندها إذ جاء رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، يعودها فجعلت أنظر إليه وقد نشر من شأنه حينئذ شيئا، فأقبل علي فقال: ~~ما شأنك يا عثمان؟ فجعل لي إلى الكلام سبيلا، فقلت: أعجب منك ومن مكانك ~~فينا وفي قومك وما يقال عليك، فقال: لا إله إلا الله، فالله يعلم أني ~~اقشعررت. ثم قال: " وفي السماء رزقكم وما توعدون، فورب السماء والأرض إنه ~~لحق مثل ما أنكم تنطقون "، فقام فقمت في أثره، عليه السلام، فأسلمت. ### | مساوئ من ارتد عن الإسلام # منهم جبلة بن الأيهم الغساني، لما افتتحت الشام ونظر جبلة إلى هدي ~~المسلمين ووقارهم أحب الدخول في الإسلام فسار نحو المدينة إلى عمر بن ~~الخطاب، رحمه الله، فلما بلغ عمر قدومه قال للمهاجرين: استقبلوه وأظهروا ~~تعظيمه وتبجيله فإنه قريب العهد بالملك. فاستقبله الناس وأظهروا بره، وأقبل ~~جبلة حتى دخل على عمر، رضي الله عنه، فقرب مجلسه وأدناه ووعده من نفسه ~~خيرا، فأسلم وأقام بالمدينة حتى إذا حضر أوان الموسم حج عمر، رحمه الله، ~~وخرج معه جبلة، فبينا هو يطوف بالبيت محرما وعليه إزاران قد تردى بواحد ~~واتزر بالآخر إذ وطيء رجل طرف إزاره فانحل عنه حتى بدت ms061 عورته، فغضب ووثب ~~على الرجل فلطمه، فتعلق به الرجل وجماعة معه وانطلقوا به إلى عمر، رضي الله ~~عنه، وشهدوا عليه. فقال عمر: أقد الرجل أو استوهبه منه. فقال جبلة: وكذلك ~~هذا الدين لا يفضل فيه شريف على وضيع ولا ملك على سوقة؟ قال عمر: قال الله ~~تعالى، وقوله الحق: " إن أكرمكم عند الله أتقاكم "، إن الناس شريفهم ~~ووضيعهم في الحق سواء. فانصرف جبلة، فلما جن عليه الليل خرج في حشمه وعياله ~~حتى لحقوا بأرض الشام مرتدا عن الإسلام، فكتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح ~~فأمره أن يستتيب جبلة فإن تاب وإلا ضرب عنقه، وبلغ ذلك جبلة فخرج من أرض ~~الشام حتى دخل أرض الروم وأتى الملك فأخبره بأمره ورجوعه إلى النصرانية، ~~فسر الملك بقدومه واستخلفه على ملكه وجعله جائز الأمر في سلطانه، فأقام ~~عنده، فلما ولي معاوية بن أبي سفيان بعث رجلا من الأنصار يقال له تميم بن ~~بشر إلى قيصر ملك الروم في بعض أموره، قال تميم: فلما دخلت على قيصر أبلغته ~~الرسالة وجلست عنده فحدثني مليا ثم قال: هل لك في لقاء رجل من العرب من أهل ~~بيت الملك؟ فقلت: ومن هو؟ قال: جبلة بن الأيهم. قلت: إن لي في ذلك أملا ~~وإني لرجل من قومه، فبعث معي رجلا حتى أدخلني عليه وهو في مجلس له يغشى ~~العيون حسنه وكثرة تصاويره، مطلية حيطانه بماء الذهب والفضة، يتلألأ تلألؤا ~~وحوله نفر من بطارقة الروم، فسألني من أنا، فانتسبت له، فقال: حياك الله ~~فإننا بنو عم. ثم أمر جلساءه فخرجوا من عنده وخلا بي يسألني عن العرب ~~وأماكنها، فخبرته بجميع ما سألني عنه، فبكى حتى اخضلت لحيته الدموع ثم أنشأ ~~يقول: # تنصرت بعد الدين من عار لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر # تكنفني منها لجاج ونخوة ... فبعت بها العين الصحيحة بالعور # ويا ليت أمي لم تلدني وليتني ... ثويت أسيرا في ربيعة أو مضر # ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... ولم أنكر القول الذي قاله عمر # ويا ليت لي ms062 بالشأم أدنى معيشة ... أجالس قومي في العشيات والبكر # أدين لما دانوا به من شريعة ... وقد يجلس العير الضجور على الدبر # قال: ثم دعا بغدائه فتغدينا، فلما فرغنا خرجت علينا جاريتان في يد ~~إحداهما بربط وفي يد الأخرى مزمار فجلستا، ثم خرجت علينا جاريتان في يد ~~إحداهما جام فيه مسك مسحوق وفي يد الأخرى جام مملوء ماء ورد، ثم أقبل ~~طائران كانا شبيهين بطاؤوسين أو تدرجين فسقطا في الجام واحتملا المسك ~~بجناحيهما فرشاه علينا، وقال جبلة للمغنيتين: غنيانا، فغنتاه: # لمن الدار أقفرت بمعان ... بين أعلى اليرموك فالمسربان # ذاك مغنى لآل جفنة في الده ... ر وحق تصرف الأزمان # قد أراني هناك حقا مكينا ... عند ذي التاج مقعدي ومكاني # قال: ثم بكى حتى اخضلت دموعه لحيته، ثم قال: غنياني، فغنتاه: # PageV01P034 # لله در عصابة نادمتهم ... يوما بجلق في الزمان الأول # أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل # يسقون من هبط البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل # يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل # بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول # ثم قال لي: ما فعل ابن الفريعة؟ يعني حسان بن ثابت. قلت: حي إلا أنه كف ~~بصره. فوجد من ذلك وجدا شديدا وبكى وقال لخادم له: انطلق فأتني بأربعمائة ~~دينار، فأتاه بها، فناولنيها وقال: أوصلها إلى حسان. ثم ودعته وخرجت حتى ~~أتيت معاوية فأخبرته بجواب رسالة قيصر ثم سرت من الشام حتى أتيت المدينة ~~ولقيت حسان ودفعت إليه الدنانير، فقال: # إن ابن جفنة من بقية معشر ... لم يغذهم آباؤهم باللوم # لم ينسني بالشأم إذ هو ربها ... يوما ولا متنصرا بالروم # يعطي الجزيل فما يراه عنده ... إلا كبعض عطية المذموم # ما جئته إلا وقرب مجلسي ... ودعا بأفضل زاده المطعوم ### | محاسن المفاخرة # قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أنا سيد ولد آدم ولا فخر. # وقال يوسف، عليه السلام: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم. # قيل: وسمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رجلا ينشد: # إني امرؤ ms063 حميري حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مضر # فقال: ذلك ألأم لك وأبعد من الله ورسوله، وقال: صلى الله عليه وسلم: إذا ~~اختلف الناس فالحق مع مضر، وقال: # إذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بنصري خازم وابن خازم # عطست بأنفي شامخا وتناولت ... يداي الثريا قاعدا غير قائم # شعيب بن إبراهيم قال: حدثني سيف بن عمر عن علي بن يزيد عن عبد الله بن ~~الحارث عن المطلب بن ربيعة قال: مر العباس بنفر من قريش وهم يقولون: إنما ~~مثل محمد، صلى الله عليه وسلم، في أهله كمثل نخلة نبتت في كبا، فبلغ ذلك ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فوجد منه وخرج حتى قام فيهم خطيبا فقال: ~~أيها الناس من أنا؟ قالوا: أنت رسول الله. # قال: فأنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله عز وجل خلق خلقه ~~فجعلني من خير خلقه ثم جعل الخلق الذين أنا منهم فرقتين فجعلني من خير ~~الفرقتين ثم جعلهم شعوبا فجعلني من خيرهم شعبا ثم جعلهم بيوتا فجعلني من ~~خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم والدا، وإني مباه، قم يا عباس، فقام عن ~~يمينه، ثم قال: قم يا سعد، فقام عن يساره، ثم قال: يقرب امرؤ من الناس عما ~~مثل هذا أو خالا مثل هذا. # حدثنا سنان بن الحسن التستري قال: حدثنا إسماعيل بن مهران اليشكري قال: ~~حدثنا أحمد بن محمد عن أبان بن عثمان عن عكرمة عن ابن عباس عن علي بن أبي ~~طالب، رضي الله عنه، قال: لما أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يعرض ~~نفسه على القبائل خرج وأنا معه ومعه أبو بكر، وكان أبو بكر عالما بأنساب ~~العرب، فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب عليهم الوقار والسكينة، فتقدم أبو ~~بكر وسلم عليهم فردوا عليه السلام، فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من ربيعة. ~~فقال: أمن هامتها أم من لهازمها؟ قالوا: بل من هامتها العظمى. قال: وأي ~~هاماتها؟ قالوا: ذهل. قال: أذهل الأكبر أم ذهل الأصغر؟ قالوا: بل ذهل ms064 ~~الأكبر. قال: أمنكم عوف الذي كان يقول لا حر بوادي عوف؟ قالوا: لا. قال: ~~أفمنكم بسطام بن قيس صاحب اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم ~~جساس بن مرة حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم المزدلف صاحب ~~العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال: فأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. ~~قال: أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا. قال: فلستم ذهل الأكبر إذا أنتم ذهل ~~الأصغر، فقام إليه غلام أعرابي حسن بقل وجهه فأخذ بزمام ناقته ورسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، على ناقته يسمع مخاطبته، فقال: # لنا على من سالنا أن نسأله ... والعبء لن نعرفه أو تحمله # PageV01P035 # يا هذا إنك سألتنا أي مسألة شئت فلم نكتمك شيئا فأخبرنا ممن أنت؟ فقال ~~أبو بكر، ### | رضي الله عنه # : من قريش. قال بخ بخ أهل الشرف والرئاسة، فأخبرني من أي قريش أنت؟ قال: ~~من تميم بن مرة. قال: أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر فكان ~~يقال له مجمع؟ قال أبو بكر: لا. قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ~~ورجال مكة مسنتون عجاف؟ قال أبو بكر: لا. قال: أفمنكم شيبة الحمد الذي كان ~~وجهه قمرا يضيء ليلة الظلمة الداجية مطعم طير السماء؟ قال: لا. قال: أفمن ~~المفيضين بالناس أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا. قال: ~~أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. قال: ~~أما والله لو شئت لأخبرتك أنك لست من أشراف قريش، فاجتذب أبو بكر زمام ~~ناقته منه كهيئة المغضب، فقال الأعرابي: # صادف در السيل در يدفعه ... في هضبة ترفعه وتضعه # فتبسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال علي: فقلت: يا أبا بكر إنك لقد ~~وقعت من هذا الأعرابي على باقعة! فقال: أجل يا أبا الحسن ما من طامة إلا ~~فوقها طامة وإن البلاء موكل بالمنطق. ### | محاسن كلام الحسن بن علي # رضي الله عنه # قيل: وأتى الحسن بن علي، رضي الله عنهما، معاوية بن أبي سفيان وقد ms065 سبقه ~~ابن عباس فأمر معاوية فأنزل، فبينا معاوية مع عمرو بن العاص ومروان ابن ~~الحكم وزياد بن أبي سفيان يتحاورون في قديمهم وحديثهم ومجدهم، فقال معاوية: ~~أكثرتم الفخر فلو حضركم الحسن بن علي وعبد الله بن العباس لقصرا من أعنتكما ~~ما طال. فقال زياد: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين، ما يقومان لمروان ابن الحكم ~~في غرب منطقه ولا لنا في بواذخنا؟ فابعث إليهما في غد حتى نسمع كلامهما. ~~فقال معاوية لعمرو: ما تقول؟ قال هذا: فابعث إليهما في غد، فبعث إليهما ~~معاوية ابنه يزيد، فأتياه ودخلا عليه وبدأ معاوية فقال: إني أجلكما وأرفع ~~قدركما عن المسامرة بالليل ولا سيما أنت يا أبا محمد فإنك ابن رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، وسيد شباب أهل الجنة. فتشكرا له، فلما استويا في ~~مجلسهما وعلم عمرو أن الحدة ستقع به قال: والله لا بد أن أقول فإن قهرت ~~فسبيل ذلك وإن قهرت أكون قد ابتدأت. فقال: يا حسن إنا تفاوضنا فقلنا إن ~~رجال بني أمية أصبر عند اللقاء وأمضى في الوغى وأوفى عهدا وأكرم خيما وأمنع ~~لما وراء ظهورهم من بني عبد المطلب. ثم تكلم مروان فقال: وكيف لا تكون كذلك ~~وقد قارعناكم فغلبناكم، وحاربناكم فملكناكم، فإن شئنا عفونا وإن شئنا ~~بطشنا. ثم تكلم زياد فقال: ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله ويجحدوا ~~الخير في مظانه، نحن أهل الحملة في الحروب ولنا الفضل على سائر الناس قديما ~~وحديثا. فتكلم الحسن، رضي الله عنه، فقال: ليس من العجز أن يصمت الرجل عند ~~إيراد الحجة ولكن من الإفك أن ينطق الرجل بالخنا ويصور الباطل بصورة الحق. ~~يا عمرو أفتخارا بالكذب وجراءة على الإفك! ما زلت أعرف مثالبك الخبيثة ~~أبديها مرة وأمسك عنها أخرى فتأبى إلا انهماكا في الضلالة، أتذكر مصابيح ~~الدجى وأعلام الهدى وفرسان الطراد وحتوف الأقران وأبناء الطعان وربيع ~~الضيفان ومعدن النبوة ومهبط العلم وزعمتم أنكم أحمى لما وراء ظهوركم وقد ~~تبين ذلك يوم بدر حين نكصت الأبطال وتساورت الأقران واقتحمت الليوث واعتركت ms066 ~~المنية وقامت رحاؤها على قطبها وفرت عن نابها وطار شرار الحرب فقتلنا ~~رجالكم ومن النبي، صلى الله عليه وسلم، على ذراريكم فكنتم لعمري في هذا ~~اليوم غير مانعين لما وراء ظهوركم من بني عبد المطلب! ثم قال: وأما أنت يا ~~مروان فما أنت والإكثار في قريش وأنت طليق وأبوك طريد يتقلب من خزاية إلى ~~سوءة ولقد جيء بك إلى أمير المؤمنين، فلما رأيت الضرغام قد دميت براثنه ~~واشتبكت أنيابه كنت كما قال: # ليث إذا سمع الليوث زئيره ... بصبصن ثم قذفن بالأبعار # ويروى رمين بالأبعار. # PageV01P036 # فلما من عليك بالعفو وأرخى خناقك بعدما ضاق عليك وغصصت بريقك لا تقعد ~~معنا مقعد أهل الشكر ولكن تساوينا وتجارينا ونحن ممن لا يدركنا عار ولا ~~يلحقنا خزاية! ثم التفت إلى زياد فقال: وما أنت يا زياد وقريشا لا أعرف لك ~~فيها أديما صحيحا ولا فرعا نابتا ولا قديما ثابتا ولا منبتا كريما بل كانت ~~أمك بغيا تداولها رجال قريش وفجار العرب فلما ولدت لم تعرف لك العرب والدا ~~فادعاك هذا، يعني معاوية، بعد ممات أبيه، ما لك افتخار تكفيك سمية ويكفينا ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبي علي بن أبي طالب سيد المؤمنين الذي لم ~~يرتد على عقبيه وعمي حمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار وأنا وأخي سيدا شباب ~~أهل الجنة! ثم التفت إلى ابن عباس فقال: يا ابن العم إنما هي بغاث الطير ~~انقض عليها أجدل. فأراد ابن عباس أن يتكلم فأقسم عليه معاوية أن يكف فكف ثم ~~خرجا، فقال معاوية: أجاد عمرو الكلام لولا أن حجته دحضت وتكلم مروان لولا ~~أنه نكص. ثم التفت إلى زياد وقال: ما دعاك إلى محاورته؟ ما كنت إلا كالحجل ~~في كف البازي، فقال عمرو: ألا رميت من ورائنا؟ قال معاوية: إذا كنت شريككم ~~في الجهل، أفاخر رجلا رسول الله جده وهو سيد من مضى ومن بقي وأمه فاطمة ~~الزهراء سيدة نساء العالمين؟ ثم قال لعمرو: والله لئن سمع به أهل الشام لهي ~~السوءة السوآء. فقال عمرو: لقد ms067 أبقى عليك ولكنه طحن مروان طحن الرحى ~~بثفالها ووطئها وطء البازل القراد بمنسمه. فقال زياد: قد والله فعل ولكن ~~معاوية يأبى إلا الإغراء بيننا وبينهم، لا جرم والله لا شهدت مجلسا يكونان ~~فيه إلا كنت معهما على من فاخرهما. فخلا ابن عباس بالحسن فقبل بين عينيه ~~وقال: أفديك يا ابن عم، والله ما زال بحرك يزخر وأنت تصول حتى شفيتني من ~~أولاد البغايا. ثم إن الحسن، رضي الله عنه، غاب أياما ثم رجع حتى دخل على ~~معاوية وعنده عبد الله بن الزبير، فقال معاوية: يا أبا محمد إني أظنك تعبا ~~نصبا فأت المنزل فأرح نفسك فيه. فقام الحسن، فلما خرج قال معاوية لعبد الله ~~بن الزبير: لو افتخرت على الحسن فإنك ابن حواري رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وابن عمته ولأبيك في الإسلام نصيب وافر. فقال ابن الزبير: أنا له! ~~فرجع وهو يطلب ليلته الحجج، فلما أصبح دخل على معاوية، وجاء الحسن فحياه ~~معاوية وسأله عن مبيته فقال: خير مبيت وأكرم مستفاض. فلما استوى في مجلسه ~~قال ابن الزبير: لولا أنك خوار في الحرب غير مقدام ما سلمت لمعاوية الأمر ~~وكنت لا تحتاج إلى اختراق السهوب وقطع المفاوز تطلب معروفه وتقوم ببابه، ~~وكنت حريا أن لا تفعل ذلك وأنت ابن علي في بأسه ونجدته، فما أدري ما الذي ~~حملك على ذلك، أضعف رأي أم وهن نحيزة، فما أظن لك مخرجا من هاتين الخلتين، ~~أما والله لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أني ابن الزبير وأني لا أنكص عن ~~الأبطال، وكيف لا أكون كذلك وجدتي صفية بنت عبد المطلب وأبي الزبير حواري ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأشد الناس بأسا وأكرمهم حسبا في الجاهلية ~~وأطوعهم لرسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فالتفت إليه الحسن وقال: أما ~~والله لولا أن بني أمية تنسبني إلى العجز عن المقال لكففت عنك تهاونا، واكن ~~سأبين ذلك لك لتعلم أني لست بالعي ولا الكليل اللسان، إياي تعير وعلي تفتخر ~~ولم يكن لجدك بيت ms068 في الجاهلية ولا مكرمة فزوجته جدتي صفية بنت عبد المطلب ~~فبذخ على جميع العرب بها وشرف بمكانها، فكيف تفاخر من هو من القلادة ~~واسطتها ومن الأشراف سادتها؟ نحن أكرم أهل الأرض زندا، لنا الشرف الثاقب ~~والكرم الغالب، ثم تزعم أني سلمت الأمر لمعاوية، فكيف يكون ذلك ويحك كذلك ~~وأنا ابن أشجع العرب وقد ولدتني فاطمة سيدة نساء العالمين وخير الإماء؟ لم ~~أفعل ذلك ويحك جنبا ولا ضعفا ولكنه بايعني مثلك وهو يطلبني ببرة ويداجيني ~~المودة ولم أثق بنصرته لأنكم أهل بيت غدر، وكيف لا يكون كما أقول وقد بايع ~~أبوك أمير المؤمنين ثم نكث بيعته ونكص على عقبيه واختدع حشية من حشايا رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، ليضل بها الناس، فلما دلف نحو الأعنة ورأى بريق ~~الأسنة قتل مضيعة لا ناصر له وأتي بك أسيرا قد وطئتك الكماة بأظلافها ~~والخيل بسنابكها واعتلاك الأشتر فغصصت بريقك وأقعيت على عقبيك كالكلب إذا ~~احتوشته الليوث؟ فنحن # PageV01P037 # ويحك نور البلاد وأملاكها وبنا تفخر الأمة وإلينا تلقى مقاليد الأزمة، ~~أنصول وأنت تختدع النساء ثم تفتخر على بني الأنبياء؟ لم تزل الأقاويل منا ~~مقبولة وعليك وعلى أبيك مردودة، دخل الناس في دين جدي طائعين وكارهين ثم ~~بايعوا أمير المؤمنين، رضي الله عنه، فسار إلى أبيك وطلحة حين نكثا البيعة ~~وخدعا عرس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقتل أبوك وطلحة وأتي بك أسيرا، ~~فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي وأنا ~~سيدك وسيد أبيك، فذق وبال أمرك! فقال ابن الزبير: اعذر يا أبا محمد فإنما ~~حملني على محاورتك هذا وأحب الإغراء بيننا فهلا إذ جهلت أمسكت عني فإنكم ~~أهل بيت سجيتكم الحلم والعفو! فقال الحسن: يا معاوية انظر هل أكيع عن ~~محاورة أحد، ويحك أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي؟ انته قبل أن أسمك ~~بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق والبلدان، فقال ابن الزبير: هو لذلك أهل. ~~فقال معاوية: أما إنه قد شفى بلابل صدري منك ورمى مقتلك ms069 فصرت كالحجل في كف ~~البازي يتلاعب بك كيف أراد فلا أراك تفتخر على أحد بعدها. ويحك نور البلاد ~~وأملاكها وبنا تفخر الأمة وإلينا تلقى مقاليد الأزمة، أنصول وأنت تختدع ~~النساء ثم تفتخر على بني الأنبياء؟ لم تزل الأقاويل منا مقبولة وعليك وعلى ~~أبيك مردودة، دخل الناس في دين جدي طائعين وكارهين ثم بايعوا أمير ~~المؤمنين، رضي الله عنه، فسار إلى أبيك وطلحة حين نكثا البيعة وخدعا عرس ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقتل أبوك وطلحة وأتي بك أسيرا، فبصبصت ~~بذنبك وناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي وأنا سيدك وسيد ~~أبيك، فذق وبال أمرك! فقال ابن الزبير: اعذر يا أبا محمد فإنما حملني على ~~محاورتك هذا وأحب الإغراء بيننا فهلا إذ جهلت أمسكت عني فإنكم أهل بيت ~~سجيتكم الحلم والعفو! فقال الحسن: يا معاوية انظر هل أكيع عن محاورة أحد، ~~ويحك أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي؟ انته قبل أن أسمك بميسم تتحدث به ~~الركبان في الآفاق والبلدان، فقال ابن الزبير: هو لذلك أهل. فقال معاوية: ~~أما إنه قد شفى بلابل صدري منك ورمى مقتلك فصرت كالحجل في كف البازي يتلاعب ~~بك كيف أراد فلا أراك تفتخر على أحد بعدها. # وذكروا أن الحسن بن علي دخل على معاوية فقال متمثلا: # فيم الكلام وقد سبقت مبرزا ... سبق الجواد من المدى والمقيس # فقال معاوية: إياي تعني؟ أما والله لأنبئنك بما يعرفه قلبك ولا ينكره ~~جلساؤك، أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أجودها جودا وأكرمها جدودا وأوفاها ~~عهودا، أنا ابن من ساد قريشا ناشئا وكهلا. فقال الحسن، رضي الله عنه: أجل ~~إياك أعني، أفعلي تفتخر يا معاوية؟ أنا ابن ماء السماء وعروق الثرى وابن من ~~ساد أهل الدنيا بالحسب الثابت والشرف الفائق والقديم السابق، أنا ابن من ~~رضاه رضى الرحمن وسخطه سخط الرحمن، فهل لك أب كأبي وقديم كقديمي؟ فإن قلت ~~لا تغلب وإن قلت نعم تكذب. فقال معاوية: أقول لا تصديقا لقولك. فقال الحسن: # الحق أبلج ms070 ما تخون سبيله ... والصدق يعرفه ذوو الألباب # تخون أي ما تخون من سلكها، قال: وقال معاوية ذات يوم وعنده أشراف الناس ~~من قريش وغيرهم: أخبروني بخير الناس أبا وأما وعما وعمة وخالا وخالة وجدا ~~وجدة. فقام مالك بن العجلان فأومأ إلى الحسن فقال: ها هوذا أبوه علي بن أبي ~~طالب، رضوان الله عليهم، وأمه فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وعمه جعفر الطيار في الجنان، وعمته أم هانيء بنت أبي طالب، صلى الله عليه ~~وسلم، وخاله القاسم بن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وخالته بنت رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، زينب، وجده رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وجدته خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها. فسكت القوم ونهض الحسن، فأقبل عمرو ~~بن العاص على مالك فقال: أحب بني هاشم حملك على أن تكلمت بالباطل؟ فقال ابن ~~العجلان: ما قلت إلا حقا وما أحد من الناس يطلب مرضاة مخلوق بمعصية الخالق ~~إلا لم يعط أمنيته في دنياه وختم له بالشقاء في آخرته، بنو هاشم أنضرهم ~~عودا وأوراهم زندا، كذلك يا معاوية. قال: اللهم نعم. # PageV01P038 # قيل: واستأذن الحسن بن علي، رضي الله عنه، على معاوية وعنده عبد الله ابن ~~جعفر وعمرو بن العاص، فأذن له، فلما أقبل قال عمرو: قد جاءكم الأفه العيي ~~الذي كان بين لحييه عبلة. فقال عبد الله بن جعفر: مه فوالله لقد رمت صخرة ~~ململمة تنحط عنها السيول وتقصر دونها الوعول ولا تبلغها السهام، فإياك ~~والحسن إياك، فإنك لا تزال راتعا في لحم رجل من قريش ولقد رميت فما برح ~~سهمك وقدحت فما أورى زندك. فسمع الحسن الكلام، فلما أخذ الناس مجالسهم قال: ~~يا معاوية لا يزال عندك عبد راتعا في لحوم الناس، أما والله لو شئت ليكونن ~~بيننا ما تتفاقم فيه الأمور وتحرج منه الصدور، ثم أنشأ يقول: # أتأمر يا معاوي عبد سهم ... بشتمي والملا منا شهود # إذا أخذت مجالسها قريش ... فقد علمت قريش ما تريد # قصدت إلي تشتمني سفاها ... لضغن ما يزول ms071 وما يبيد # فما لك من أب كأبي تسامي ... به من قد تسامي أو تكيد # ولا جد كجدي يا ابن هند ... رسول الله إن ذكر الجدود # ولا أم كأمي من قريش ... إذا ما يحصل الحسب التليد # فما مثلي تهكم يا ابن هند ... ولا مثلي تجاريه العبيد # فمهلا لا تهج منا أمورا ... يشيب لها معاوية الوليد # وذكروا أن عمرو بن العاص قال لمعاوية ذات يوم: ابعث إلى الحسن بن علي ~~فمره أن يخطب على المنبر فلعله يحصر فيكون ذلك مما نعيره به، فبعث إليه ~~معاوية فأصعد المنبر وقد جمع له الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا ~~أيها الناس من عرفني فأنا الذي يعرف ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن ~~أبي طالب بن عم النبي، صلى الله عليه وسلم، أنا ابن البشير النذير السراج ~~المنير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين وسخطا على الكافرين، أنا ابن من بعث ~~إلى الجن والإنس، أنا ابن المستجاب الدعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن ~~أول من ينفض رأسه من التراب، أنا ابن أول من يقرع باب الجنة، أنا ابن من ~~قاتلت معه الملائكة ونصر بالرعب من مسيرة شهر. فافتن في هذا الكلام ولم يزل ~~حتى أظلمت الدنيا على معاوية، فقال: يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة ولست ~~هناك. فقال الحسن: إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وعمل بطاعة الله، وليس الخليفة من دان بالجور وعطل السنن واتخذ ~~الدنيا أبا وأما، ولكن ذاك ملك أصاب ملكا يمتع به قليلا وكان قد انقطع عنه ~~واستعجل لذته وبقيت عليه تبعته فكان كما قال الله جل وعز: وإن أدري لعله ~~فتنة لكم ومتاع إلى حين، ثم انصرف، فقال معاوية لعمرو: والله ما أردت إلا ~~هتكي! ما كان أهل الشام يرون أن أحدا مثلي حتى سمعوا من الحسن ما سمعوا. # PageV01P039 # قيل: وقدم الحسن بن علي، رضوان الله عليه، على معاوية، فلما دخل عليه وجد ~~عنده عمرو بن العاص ومروان بن ms072 الحكم والمغيرة بن شعبة وصناديد قومه ووجوه ~~اليمن وأهل الشام، فلما نظر إليه معاوية أقعده على سريره وأقبل عليه بوجهه ~~يريه السرور بمقدمه، فلما نظر مروان إلى ذلك حسده وكان معاوية قال لهم: لا ~~تحاوروا هذين الرجلين فلقد قلداكم العار وفضحاكم عند أهل الشام، يعني الحسن ~~بن علي، رضي الله عنهما، وعبد الله بن العباس، رضي الله عنهما، فقال مروان: ~~يا حسن لولا حلم أمير المؤمنين وما قد بنى له آباؤه الكرام من المجد ~~والعلاء ما أقعدك هذا المقعد ولقتلك وأنت له مستوجب بقودك الجماهير، فلما ~~أحسست بنا وعلمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام وصناديد بني أمية أذعنت ~~بالطاعة واحتجرت بالبيعة وبعثت تطلب الأمان، أما والله لولا ذلك لأريق دمك، ~~وعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى، فاحمد الله إذ ابتلاك بمعاوية فعفا ~~عنك بحلمه ثم صنع بك ما ترى، فنظر إليه الحسن فقال: ويحك يا مروان لقد ~~تقلدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها والمخاذلة عند مخالطتها، نحن، ~~هبلتك الهوابل، لنا الحجج البوالغ ولنا إن شكرتم عليكم النعم السوابغ، ~~ندعوكم إلى النجاة وتدعوننا إلى النار، فشتان ما بين المنزلتين، تفخر ببني ~~أمية وتزعم أنهم صبر في الحروب أسد عند اللقاء، ثكلتك أمك أولئك البهاليل ~~السادة والحماة الذادة والكرام القادة بنو عبد المطلب، أما والله لقد ~~رأيتهم وجميع من في هذا البيت ما هالتهم الأهوال ولم يحيدوا عن الأبطال ~~كالليوث الضاربة الباسلة الحنقة، فعندها وليت هاربا وأخذت أسيرا فقلدت قومك ~~العار لأنك في الحروب خوار، أيراق دمي زعمت؟ أفلا أرقت دم من وثب على عثمان ~~في الدار فذبحه كما يذبح الجمل وأنت تثغو ثغاء النعجة وتنادي بالويل ~~والثبور كالأمة اللكعاء، ألا دفعت عنه بيد أو ناضلت عنه بسهم؟ لقد ارتعدت ~~فرائصك وغشي بصرك فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربه، فأنجيتك من القتل ~~ومنعتك منه ثم تحث معاوية على قتلي، ولو رام ذلك معك لذبح كما ذبح ابن ~~عفان، أنت معه أقصر يدا وأضيق باعا وأجبن قلبا من أن ms073 تجسر على ذلك ثم تزعم ~~أني ابتليت بحلم معاوية، أما والله لهو أعرف بشأنه وأشكر لما وليناه هذا ~~الأمر فمتى بدا له فلا يغضين جفنه على القذى معك، فوالله لأثخنن أهل الشام ~~بجيش يضيق عنه فضاؤها ويستأصل فرسانها ثم لا ينفعك عند ذلك الهرب والروغان ~~ولا يرد عنك الطلب تدريجك الكلام، فنحن ممن لا يجهل آباؤنا القدماء الأكابر ~~وفروعنا السادة الأخيار، انطق إن كنت صادقا. فقال عمرو: ينطق بالخنى وتنطق ~~بالصدق. ثم أنشأ يقول: # قد يضرط العير والمكواة تأخذه ... لا يضرط العير والمكواة في النار # ذق وبال أمرك يا مروان. وأقبل عليه معاوية فقال: قد كنت نهيتك عن هذا ~~الرجل وأنت تأبى إلا انهماكا فيما لا يعنيك، اربع على نفسك فليس أبوك كأبيه ~~ولا أنت مثله، أنت ابن الطريد الشريد وهو ابن رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، الكريم، ولكن رب باحث عن حتفه وحافر عن مديته. فقال مروان: ارم من ~~دون بيضتك وقم بحجة عشيرتك. ثم قال لعمرو: طعنك أبوه فوفيت نفسك بخصييك ~~فلذلك تحذره. وقام مغضبا. فقال معاوية: لا تجار البحور فتغمرك ولا الجبال ~~فتبهرك واسترح من الاعتذار. # PageV01P040 # قيل: ولقي عمرو بن العاص الحسن بن علي، رحمه الله، في الطواف فقال: يا ~~حسن أزعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك؟ فقد رأيت الله جل وعز أقامه ~~بمعاوية فجعله راسيا بعد ميله وبينا بعد خفائه. أفرضي الله قتل عثمان أم من ~~الحق أن تدور بالبيت كما يدور الجمل بالطحين؟ عليك ثياب كغرقىء البيض وأنت ~~قاتل عثمان، والله إنه لألم للشعث وأسهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك. ~~فقال الحسن، عليه السلام: إن لأهل النار علامات يعرفون بها وهي الإلحاد ~~لأولياء الله والموالاة لأعداء الله. والله إنك لتعلم أن عليا، ### | رضي الله عنه # ، لم يتريب في الأمر ولم يشك في الله طرفة عين. وايم الله لتنتهين يا ابن ~~أم عمرو أو لأقرعن جبينك بكلام تبقى سمته عليك ما حييت! فإياك والإبراز علي ~~فإني من قد عرفت لست بضعيف الغمزة ms074 ولا بهش المشاشة ولا بمريء المأكلة، وإني ~~من قريش كأوسط القلادة، يعرف حسبي ولا أدعي لغير أبي، وقد تحاكمت فيك رجال ~~قريش فغلب عليك ألأمهم نسبا وأظهرهم لعنة، فإياك عني فإنك رجس، وإنما نحن ~~بيت الطهارة، أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيرا. # قيل: واجتمع الحسن بن علي وعمرو بن العاص فقال الحسن: قد علمت قريش ~~بأسرها أني منها في عز أرومتها لم أطبع على ضعف ولم أعكس على خسف، أعرف ~~بشبهي وأدعي لأبي. فقال عمرو: قد علمت قريش أنك من أقلها عقلا وأكثرها ~~جهلا، وأن فيك خصالا لو لم يكن فيك إلا واحدة منهن لشملك خزيها كما اشتمل ~~البياض الحالك، لعمر الله لتنتهين عما أراك تصنع أو لأكبسن لك حافة كجلد ~~العائط أرميك من خللها بأحر من وقع الأثافي أعرك منها أديمك عرك السلعة، ~~فإنك طالما ركبت صعب المنحدر ونزلت في عراض الوعر التماسا للفرقة وإرصادا ~~للفتنة ولن يزيدك الله فيها إلا فظاعة. فقال الحسن، عليه السلام: أما والله ~~لو كنت تسمو بحسبك وتعمل برأيك ما سلكت فج قصد ولا حللت رابية مجد. وايم ~~الله لو أطاعني معاوية لجعلك بمنزلة العدو الكاشح، فإنه طالما طويت على هذا ~~كشحك وأخفيته في صدرك وطمح بك الرجاء إلى الغاية القصوى التي لا يورق بها ~~غصنك ولا يخضر لها مرعاك. أما والله ليوشكن يا ابن العاص أن تقع بين لحيي ~~ضرغام من قريش قوي متمنع فروس ذي لبد يضغطك ضغط الرحى للحب لا ينجيك منه ~~الروغان إذا التقت حلقتا البطان. ### | محاسن كلام عبد الله بن العباس # رضي الله عنه # أبو المنذر عن أبيه عن الشعبي عن ابن عباس أنه دخل المسجد وقد سار الحسين ~~بن علي، رضي الله عنه، إلى العراق فإذا هو بابن الزبير في جماعة من قريش قد ~~استعلاهم بالكلام، فجاء ابن عباس حتى ضرب بيده بين عضدي ابن الزبير وقال: ~~أصبحت والله كما قال الأول: # يا لك من حمرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري # ونقري ما شئت أن تنقري ... قد ms075 رفع الفخ فماذا تحذري # خلت الحجاز من الحسين بن علي وأقبلت تهدر في جوانبها. فغضب ابن الزبير ~~وقال: والله إنك لترى أنك أحق بهذا الأمر من غيرك. فقال ابن عباس: إنما يرى ~~من كان في حال شك وأنا من ذاك على يقين. فقال: وبأي شيء تحقق عندك أنك أحق ~~بهذا الأمر مني؟ قال ابن عباس: لأنا أحق ممن يدل بحقه، وبأي شيء تحقق عندك ~~أنك أحق بها من سائر العرب إلا بنا؟ فقال ابن الزبير: تحقق عندي أني أحق ~~بها منكم لشرفي عليكم قديما وحديثا. فقال: أنت أشرف أم من قد شرفت به؟ ~~فقال: إن من شرفت به زادني شرفا إلى شرف قد كان لي قديما وحديثا. قال: ~~أفمني الزيادة أم منك؟ قال: بل منك. فتبسم ابن عباس، فقال: يا ابن عباس ~~دعني من لسانك هذا الذي تقلبه كيف شئت، والله لا تحبوننا يا بني هاشم أبدا. ~~قال ابن عباس: صدقت، نحن أهل بيت مع الله عز وجل لا نحب من أبغضه الله ~~تعالى. فقال: يا ابن عباس ما ينبغي لك أن تصفح عن كلمة واحدة؟ قال: إنما ~~أصفح عمن أقر وأما عمن هر فلا، والفضل لأهل الفضل. قال ابن الزبير: فأين ~~الفضل؟ قال: عندنا أهل البيت لا تصرفه عن أهله فتظلم ولا تضعه في غير أهله ~~فتندم. قال ابن الزبير: أفلست من أهله؟ قال: بلى إن نبذت الحسد ولزمت ~~الجدد. وانقضى حديثهما، وقام القوم فتفرقوا. # PageV01P041 # وروي عن ابن عباس أنه قال: قدمت على معاوية وقد قعد على سريره وجمع ~~أصحابه ووفود العرب عنده، فدخلت فسلمت وقعدت، فقال: من الناس يا ابن عباس؟ ~~فقلت: نحن. قال: فإذا غبتم؟ قلت: فلا أحد. قال: ترى أني قعدت هذا المقعد ~~بكم؟ قلت: نعم، فبمن قعدت؟ قال: بمن كان مثل حرب بن أمية. قلت: من أكفأ ~~عليه إناءه وأجاره بردائه. قال فغضب وقال: وار شخصك مني شهرا فقد أمرت لك ~~بصلتك وأضعفتها لك. فلما خرج ابن عباس قال لخاصته: ألا تسألوني ما الذي ~~أغضب ms076 معاوية؟ إنه لم يلتق أحد من رؤساء قريش في عقبة ولا مضيق مع قوم إلا ~~لم يتقدمه أحد حتى يجوزه، فالتقى حرب بن أمية مع رجل من بني تميم في عقبة ~~فتقدمه التميمي، فقال حرب: أنا حرب بن أمية، فلم يلتفت إليه وجازه، فقال: ~~موعدك مكة. فبقي التميمي دهرا ثم أراد دخول مكة فقال: من يجيرني من حرب بن ~~أمية؟ فقالوا: عبد المطلب. قال: عبد المطلب أجل قدرا من أن يجير على حرب، ~~فأتى ليلا دار الزبير بن عبد المطلب فدق عليه، فقال الزبير للغيداق: قد ~~جاءنا رجل إما طالب حاجة وإما طالب قرى وإما مستجير وقد أعطيناه ما أراد ~~قال: فخرج إليه الزبير، فقال التميمي: # لاقيت حربا في الثنية مقبلا ... والصبح أبلج ضوءه للساري # فدعا بصوت واكتنى ليروعني ... ودعا بدعوته يريد فخاري # فتركته كالكلب ينبح وحده ... وأتيت أهل معالم وفخار # ليثا هزبرا يستجار بقربه ... رحب المباءة مكرما للجار # ولقد حلفت بزمزم وبمكة ... والبيت ذي الأحجار والأستار # إن الزبير لمانعي من خوفه ... ما كبر الحجاج في الأمصار # فقال: تقدم فإنا لا نتقدم من نجيره. فتقدم التميمي فدخل المسجد، فرآه حرب ~~فقام إليه فلطمه، فحمل عليه الزبير بالسيف فعدا حتى دخل دار عبد المطلب ~~فقال: أجرني من الزبير، فأكفأ عليه جفنة كان هاشم يطعم فيها الناس، فبقي ~~هناك ساعة ثم قال له: اخرج. فقال: كيف أخرج وتسعة من ولدك قد احتبوا ~~بسيوفهم على الباب؟ فألقى عليه رداء كان كساه إياه سيف بن ذي يزن له طرتان ~~خضراوان، فخرج عليهم فعلموا أنه قد أجاره فتفرقوا عنه. # قال: وحضر مجلس معاوية عبد الله بن عباس وابن العاص، فأقبل عبد الله بن ~~جعفر فلما نظر إليه ابن العاص قال: قد جاءكم رجل كثير الخلوات بالتمني ~~والطربات بالتغني، محب للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، صدوف عن السنان، ~~ظاهر الطيش، لين العيش، أخاذ بالسلف، منفاق بالسرف. فقال ابن عباس: كذبت ~~والله أنت وليس كما ذكرت، ولكنه لله ذكور، ولنعمائه شكور، وعن الخنا زجور، ~~جواد كريم، سيد ms077 حليم، ماجد لهميم، إن ابتدأ أصاب، وإن سئل أجاب، غير حصر ~~ولا هياب، ولا فحاش عياب، حل من قريش في كريم النصاب، كالهزبر الضرغام، ~~الجريء المقدام، في الحسب القمقام، ليس يدعي لدعي، ولا يدني لدني، كمن ~~اختصم فيه من قريش شرارها فغلب عليه جزارها، فأصبح ألأمها حسبا وأدناها ~~منصبا، ينوء منها بالذليل ويأوي منها إلى القليل، يتذبذب بين الحيين ~~كالساقط بين الفراشين، لا المضطر إليهم عرفوه ولا الظاعن عنهم فقدوه، وليت ~~شعري بأي قدم تتعرض للرجال وبأي حسب تبارز عند النضال، أبنفسك فأنت الوغد ~~الزنيم أم بمن تنتمي إليه، فأهل السفه والطيش والدناءة في قريش، لا بشرف في ~~الجاهلية شهروا، ولا بقديم في الإسلام ذكروا، غير أنك تتكلم بغير لسانك، ~~وتنطق بغير أزكانك، والله لكان أبين للفضل وأطهر للعدوان أن ينزلك معاوية ~~منزلة البعيد السحيق، فإنه طالما سلس داؤك، وطمح بك رجاؤك إلى الغاية ~~القصوى التي لم يخضر بها رعيك ولم يورق بها غصنك. قال عبد الله بن جعفر: ~~أقسمت عليك لما أمسكت فإنك عني ناضلت ولي فاوضت. # قال ابن عباس: دعني والعبد فإنه قد كان يهدر خاليا إذ لا يجد مراميا، وقد ~~أتيح له ضيغم شرس، وللأقران مفترس، وللأرواح مختلس. فقال عمرو بن العاص: ~~دعني يا أمير المؤمنين انتصف منه فوالله ما ترك شيئا. قال ابن عباس: دعه ~~فلا يبقي المبقي إلا على نفسه، فوالله إن قلبي لشديد، وإن جوابي لعتيد، ~~وبالله الثقة، فإني كما قال نابغة بني ذبيان: # وقبلك ما قذعت وقاذعوني ... فما نزر الكلام ولا شجاني # PageV01P042 # يصد الشاعر العراف عني ... صدود البكر عن قرم هجان ### | محاسن كلام غانمة بنت غانم ### | في شرف بني هاشم وفخرهم # قيل: ولما بلغ غانمة بنت غانم سب معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم قالت ~~لأهل مكة: أيها الناس إن قريشا لم تلد من رقم ولا رقم، سادت وجادت، وملكت ~~فملكت، وفضلت ففضلت، واصطفيت فاصطفت، ليس فيها كدر عيب ولا أفن ريب، ولا ~~حشروا طاغين ولا حادوا نادمين، ولا المغضوب عليهم ولا الضالين، ms078 إن بني هاشم ~~أطول الناس باعا وأمجد الناس أصلا وأحلم الناس حلما وأكثر الناس عطاء، منا ~~عبد مناف الذي يقول فيه الشاعر: # كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمخ خالصها لعبد مناف # وولده هاشم الذي هشم الثريد لقومه، وفيه يقول الشاعر: # هشم الثريد لقومه وأجارهم ... ورجال مكة مسنتون عجاف # ثم منا عبد المطلب الذي سقينا به الغيث، وفيه يقال الشاعر: # ونحن سني المحل قام شفيعنا ... بمكة يدعو والمياه تغور # وابنه أبو طالب عظيم قريش، وفيه يقول الشاعر: # آتيته ملكا فقام بحاجتي ... وترى العليج خائبا مذموما # ومنا العباس بن عبد المطلب أردفه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأعطاه ~~ماله، وفيه يقول الشاعر: # رديف رسول الله لم أر مثله ... ولا مثله حتى القيامة يوجد # ومنا حمزة سيد الشهداء، وفيه يقول الشاعر: # أبا يعلى لك الأركان هدت ... وأنت الماجد البر الوصول # ومنا جعفر ذو الجناحين أحسن الناس حسنا وأكملهم كمالا، ليس بغدار ولا ~~ختار، بدله الله جل وعز له بكل يد له جناحا يطير به في الجنة، وفيه يقول ~~الشاعر: # هاتوا كجعفرنا الطيار أو كعلينا ... أليسا أعز الناس عند الخلائق # ومنا أبو الحسن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أفرس بني هاشم وأكرم من ~~احتفى وتنعل بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن فضائله ما قصر عنكم ~~أنباؤها، وفيه يقول الشاعر: # وهذا علي سيد الناس فاتقوا ... عليا بإسلام تقدم من قبل # ومنا الحسن بن علي، رضي الله عنه، سبط رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وسيد شباب أهل الجنة، وفيه يقول الشاعر: # ومن يك جده حقا نبيا ... فإن له الفضيلة في الأنام # ومنا الحسين بن علي، رضوان الله عليه، حمله جبريل، عليه السلام، على ~~عاتقه وكفى بذلك فخرا، وفيه يقول الشاعر: # نفى عنه عيب الآدميين ربه ... ومن مجده مجد الحسين المطهر # PageV01P043 # ثم قالت: يا معشر قريش والله ما معاوية بأمير المؤمنين ولا هو كما يزعم، ~~هو والله شانيء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إني آتية معاوية وقائلة له ~~بما يعرق منه ms079 جبينه ويكثر منه عويله. فكتب عامل معاوية إليه بذلك، فلما ~~بلغه أن غانمة قد قربت منه أمر بدار ضيافة فنظفت وألقي فيها فرش، فلما قربت ~~من المدينة استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه، فلما دخلت المدينة أتت دار ~~أخيها عمرو بن غانم فقال لها يزيد: إن أبا عبد الرحمن يأمرك أن تصيري إلى ~~دار ضيافته، وكانت لا تعرفه، فقالت: من أنت كلأك الله؟ قال: يزيد بن ~~معاوية. قالت: فلا رعاك الله يا ناقص لست بزائد، فتمعر لون يزيد، فأتى أباه ~~فأخبره، فقال: هي أسن قريش وأعظمهم. فلما قال يزيد: كم تعد لها يا أمير ~~المؤمنين؟ قال: كانت تعد على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أربعمائة عام ~~وهي من بقية الكرام. فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلم عليها، فقالت: على ~~المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان. ثم قالت: من منكم ابن العاص؟ قال ~~عمرو: ها أنا ذا. فقالت: وأنت تسب قريشا وبني هاشم وأنت أهل السب وفيك السب ~~وإليك يعود السب يا عمرو، إني والله لعارفة بعيوبك وعيوب أمك وإني أذكر لك ~~ذلك عيبا عيبا. ولدت من أمة سوداء مجنونة حمقاء تبول من قيام ويعلوها ~~اللئام، إذا لامسها الفحل كانت نطفتها أنفذ من نطفته، ركبها في يوم واحد ~~أربعون رجلا، وأما أنت فقد رأيتك غاويا غير راشد ومفسدا غير صالح، ولقد ~~رأيت فحل زوجتك على فراشك فما غرت ولا أنكرت، وأما أنت يا معاوية فما كنت ~~في خير ولا ربيت في خير فما لك ولبني هاشم، أنساء بني أمية كنسائهم أم أعطى ~~أمية ما أعطى هاشم في الجاهلية والإسلام؟ وكفى فخرا برسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم. فقال معاوية: أيتها الكبيرة أنا كاف عن بني هاشم. قالت: فإني ~~أكتب عليك عهدا، كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دعا ربه أن يستجيب لي ~~خمس دعوات فأجعل تلك الدعوات كلها فيك. فخاف معاوية وحلف لها أن لا يسب بني ~~هاشم أبدا. فهذا آخر ما كان بين معاوية وبني هاشم من المفاخرة، والله ms080 أعلم. ### | محاسن مجالس أبي العباس السفاح في المفاخرة # PageV01P044 # قيل: كان أبو العباس يطيل السهر ويعجبه الفصاحة ومنازعة الرجال، فسهر ذات ~~ليلة وعنده أناس من مضر وفهر وفيهم خالد بن صفوان بن الأهتم التميمي وناس ~~من اليمن فيهم إبراهيم بن مخرمة الكندي، فقال أبو العباس: هاتوا واقطعوا ~~ليلتنا بمحادثتكم. فبدأ إبراهيم بن مخرمة وقال: يا أمير المؤمنين إن ~~إخوالكم هم الناس وهم العرب الأول الذين دانت لهم الدنيا وكانت لهم اليد ~~العليا، ما زالوا ملوكا وأربابا، توارثوا الرئاسة كابرا عن كابر وآخرا عن ~~أول، يلبس آخرهم سرابيل أولهم، يعرفون بيت المجد ومآثر الحمد، منهم ~~النعمانات والمنذرات والقابوسات، ومنهم غسيل الملائكة، ومنهم من اهتز لموته ~~العرش، ومنهم مكلم الذئب، ومنهم من كان يأخذ كل سفينة غصبا ويحوي في كل ~~نائبة نهبا، ومنهم أصحاب التيجان وكماة الفرسان، ليس من شيء وإن عظم خطره ~~وعرف أثره من فرس رائع وسيف قاطع أو مجن واق أو درع حصين أو درة مكنونة إلا ~~وهم أربابها وأصحابها، إن حل ضيف أقروه، وإن سألهم سائل أعطوه، لا يبلغهم ~~مكاثر ولا يطاولهم مطاول ولا مفاخر، فمن مثلهم يا أمير المؤمنين؟ البيت ~~يمان والحجر يمان والركن يمان والسيف يمان. فقال أبو العباس: ما أرى مضر ~~تقول بقولك هذا وما أظن خالدا يرضى بذلك. فقال خالد: إن أذن أمير المؤمنين ~~وأمنت المواخذة تكلمت. فقال أبو العباس: تكلم ولا ترهب أحدا. فقال خالد: يا ~~أمير المؤمنين خاب المتكلم وأخطأ المتقحم إذ قال بغير علم ونطق بغير صواب، ~~أويفخر على مضر ومنها النبي، صلى الله عليه وسلم، والخلفاء من أهل بيته؟ ~~وهل أهل اليمن يا أمير المؤمنين إلا دابغ جلدا وقائد قردا وحائك بردا؟ دل ~~عليهم الهدهد وغرقهم الجرذ وملكتهم أم ولد من قوم، والله يا أمير المؤمنين ~~ما لهم ألسنة فصيحة ولا لغة صحيحة ولا حجة تدل على كتاب ولا يعرف بها صواب، ~~وإنهم منا لإحدى الخلتين إن حازوا ما قصدوا أكلوا وإن حادوا عن حكمنا ~~قتلوا. ثم التفت إلى الكندي فقال: ms081 أتفخر بأكرم الأنام وخيرها محمد، صلى ~~الله عليه وسلم، وبه افتخر من ذكرت، فالمن من الله عز وجل عليكم إن كنتم ~~أتباعه وأشياعه فمنا نبي الله المصطفى وخليفة الله المرتضى ولنا السودد ~~والعلى وفينا الحلم والحجا ولنا الشرف المقدم والركن المكرم والبيت المعظم ~~والجناب الأخضر والعدد الأكثر والعز الأكبر، ولنا البيت المعمور والمشعر ~~المشهور والسقف المرفوع وزمزم وبطحاؤها وجبالها وصحراؤها وحياضها وغياضها ~~وأحجارها وأعلامها ومنابرها وسقايتها وحجابتها وسدانة بيتها، فهل يعدلنا ~~عادل ويبلغ فخرنا قائل، ومنا أعلم الناس ابن عباس أعلم البشر الطيبة أخباره ~~الحسنة آثاره، ومنا الوصي وذو النور، ومنا الصديق والفاروق، ومنا أسد الله ~~وسيف الله، ومنا سيد الشهداء وذو الجناحين، ومنا الكماة والفرسان، ومنا ~~الفقهاء والعلماء، بنا عرف الدين ومن عندنا أتاكم اليقين، فمن زاحمنا ~~زاحمناه ومن عادانا اصطلمناه ومن فاخرنا فاخرناه ومن بدل سنتنا قتلناه. ثم ~~التفت إلى الكندي وقال: كيف علمك بلغات قومك؟ قال: أنا بها عالم. قال: ما ~~الجحمة في لغتكم؟ قال: العين. قال: فما الميزم؟ قال: السن. قال: فالشناتر؟ ~~قال: الإصبع. قال: فالصنانير؟ قال: الآذان. قال: فما القلوب؟ قال: الذئب. ~~قال: فما الزب؟ قال: اللحية. قال: أفتقرأ كتاب الله عز وجل؟ قال: نعم. قال: ~~فإن الله عز وجل يقول: " إنا أنزلناه قرآنا عربيا "، وقال: بلسان عربي ~~مبين، وقال جل ذكره: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه "، وقال عز وجل: ~~" العين بالعين "، ولم يقل الجحمة بالجحمة، وقال: " جعلوا أصابعهم في ~~آذانهم "، ولم يقل شناترهم في صنانيرهم، وقال: السن بالسن، ولم يقل الميزم ~~بالميزم، وقال: فأكله الذئب، ولم يقل القلوب، وقال: لا تأخذ بلحيتي، ولم ~~يقل بزبي، وأنا سائلك يا ابن مخرمة عن ثلاث خصال فإن أنت أقررت بها قهرت ~~وإن جحدتها كفرت وإن أنكرت قتلت. قال: وما هي؟ قال: أتعلم أن فينا نبي الله ~~المصطفى، صلى الله عليه وسلم؟ قال: اللهم نعم. قال: أتعلم أن فينا كتاب ~~الله تعالى؟ قال: اللهم نعم. قال: أفتعلم أن فينا خليفة الله المرتضى؟ قال: ~~اللهم نعم. قال: ms082 فأي شيء يعدل هذه الخصال؟ قال أبو العباس: اكفف عنه فوالله ~~ما رأيت غلبة أنكر منها، والله ما فرغت من كلامك يا أخا مضر حتى إنه سيعرج # PageV01P045 # بسريري إلى السماء. ثم أمر لخالد بمائة ألف درهم. ري إلى السماء. ثم أمر ~~لخالد بمائة ألف درهم. # وعن أبي بكر الهذلي قال: اجتمعنا عند أبي العباس أهل البصرة وأهل الكوفة ~~ولم يكن من أهل البصرة غيري وكان من أهل الكوفة الحجاج بن أرطاة والحسن بن ~~زيد وابن أبي ليلى فتذاكروا أهل الكوفة وأهل البصرة فقال ابن أبي ليلى: نحن ~~والله يا أمير المؤمنين ### | ....... # وكيف يكون لنا ذلك ولنا السند والهند وكرمان ومكران والفرض والعرض ~~والديار وسعة الأنهار؟ فقال ابن أبي ليلى: نحن أعلم منهم علما وأكثر منهم ~~فهما، يقر بذلك أهل البصرة لأهل الكوفة. قلت: هم أكثر أنبياء وأقل أتقياء ~~وأعظم كبرياء، منهم المغيرة الخبيث السريرة وبيان وأبو بيان، وتنسب فيهم ~~الأنبياء والله ما أتانا إلا نبي واحد. # قال الحسن بن زيد: أنتم أصحاب علي يوم سرنا إليه لنقتله فكف الله أيدينا ~~عنه وسار إلى الكوفة فقتلوه فأينا أعظم ذنبا؟ فقال الحجاج: والله يا أمير ~~المؤمنين لقد بلغني أن أهل البصرة كانوا يومئذ عشرين ألفا وكان أهل الكوفة ~~خمسة آلاف، فلما التقت حلقتا البطان وأخذت الرجال أقرانها شدت خيلهم في ~~صعيد واحد. فقلت: وكيف يكون ذلك وخرجت ربيعة سامعة مطيعة تعين عليا وخرج ~~الأحنف بن قيس في سعد والرباب وهم السنام الأعظم والجمهور الأكبر يعين ~~عليا؟ ولكن سل هؤلاء يا أمير المؤمنين كم كانت عدتهم يا أمير المؤمنين يوم ~~استغاثوا بنا، فلما التقينا كانوا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. فقال ~~ابن أبي ليلى: والله يا أمير المؤمنين إنا لأشرف منهم أشرافا وأكثر منهم ~~أسلافا. قلت: معاذ الله يا أمير المؤمنين! هل كان في تميم الكوفة مثل ~~الأحنف ابن قيس في تميم البصرة الذي فيه يقول الشاعر: # إذا الأبصار أبصرت ابن قيس ... ظللن مهابة منه خشوعا # وهل كان في قيس الكوفة ms083 مثل قتيبة بن مسلم في قيس البصرة الذي يقول فيه ~~الشاعر: # كل عام يحوي قتيبة نهبا ... ويزيد الأموال مالا جديدا # دوخ الصغد بالقبائل حتى ... ترك الصغد بالعراء قعودا # باهلي تعصب التاج حتى ... شبن منه مفارق كن سودا # وهل كان في أزد الكوفة مثل مهلب بن أبي صفرة في أزد البصرة الذي يقول فيه ~~الشاعر: # إذا كان المهلب من ورائي ... هدا ليلي وقر له فؤادي # ولم أخش الدنية من أناس ... ولو صالوا بقوة قوم عاد # وهل كان في بكر الكوفة مثل مالك بن مسمع في بكر البصرة الذي يقول فيه ~~الشاعر: # إذا ما خشينا من أمير ظلامة ... أمرنا أبا غسان يوما فعسكروا # وهل كان في عبد قيس الكوفة مثل الحكم بن المنذر بن الجارود في عبد قيس ~~البصرة الذي يقول فيه الشاعر: # يا حكم بن المنذر بن الجارود ... أنت الجواد بن الجواد المحمود # فضحك أبو العباس حتى ضرب برجله وقال: والله ما رأيت مثل هذه الغلبة قط! ### | محاسن الافتخار بالنبي ### | صلى الله عليه وسلم # قيل: كان علي بن عبد الله بن العباس، رضي الله عنه، عند عبد الملك بن ~~مروان إذ فاخره عبد الملك فجعل يذكر أيام بني أمية، فبينا هو كذلك إذ نادى ~~المنادي للأذان فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فقال ~~علي لعبد الملك: # تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # فقال عبد الملك: الحق في هذا أبين من أن يكابر. # علي بن محمد النديم قال: دخلت على المتوكل وعنده الرضي فقال: يا علي من ~~أشعر الناس في زماننا؟ قلت: البحتري. قال: وبعده؟ قلت: ولد مروان بن أبي ~~حفصة خدمك وعبيدك. فالتفت إلى الرضي وقال: يا ابن عم من أشعر زماننا؟ قال: ~~علي بن محمد العلوي. قال: وما تحفظ من شعره؟ قال قوله: # لقد فاخرتنا من قريش عصابة ... بمط خدود وامتداد الأصابع # فلما تنازعنا القضاء قضى لنا ... عليهم بما نهوى نداء الصوامع # يعني المساجد. قال المتوكل: وما معنى نداء الصوامع؟ ms084 قال: أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله. قال: وأبيك إنه لأشعر الناس. ### | محاسن ما قيل في ذلك من الشعر # قال علي بن محمد العلوي: # PageV01P046 # عصيت الهوى وهجرت النساء ... وكنت دواء فأصبحت داء # وما أنس لا أنس حتى الممات ... نزيب الظباء تجيب الظباء # دعيني وصبري على نائبات ... فبالصبر نلت الثرى والثواء # وإن يك دهري لوى رأسه ... فقد لقي الدهر مني التواء # ليالي أروي صدور القنا ... وأروي بهن الصدور الظماء # ونحن إذا كان شرب المدام ... شربنا على الصافنات الدماء # بلغنا السماء بأنسابنا ... ولولا السماء لجزنا السماء # فحسبك من سودد أننا ... بحسن البلاء كشفنا البلاء # يطيب الثناء لآبائنا ... وذكر علي يزين الثناء # إذا ذكر الناس كنا ملوكا ... وكانوا عبيدا وكانوا إماء # هجاني قوم ولم أهجهم ... أبى الله لي أن أقول الهجاء # وقال غيره: # وإني من القوم الذين عرفتهم ... إذا مات منهم سيد قام صاحبه # نجوم السماء كلما انقض كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه # فلا توعدني يا شريح فإنني ... كليث عرين فر عنه ثعالبه # يمشي بأوصال الرجال إذا ستا ... قد احمر من نضخ الدماء مخالبه # وقال آخر: # حلماء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه مقاول لسن # لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن # وأحسن من ذلك كله قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد أتاه أعرابي ~~فقال: بأبي أنت وأمي أكرم الناس حسبا! فقال: أحسنهم خلقا وأفضلهم تقوى، ~~فانصرف الأعرابي. فقال: ردوه، ثم قال: يا أعرابي لعلك أردت نسبا؟ قال: نعم. ~~قال: يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم ~~خليل الله فأين مثل هؤلاء الآباء في جميع الدنيا! ما كان فيها مثلهم أبدا. ~~وقال الشاعر: # ولم أر كالأسباط أبناء والد ... ولا كأبيهم والدا حين ينسب # ودخل عيينة بن حصن الفزاري على النبي، صلى الله عليه وسلم، فانتسب ثم ~~قال: أنا ابن الأشياخ الأكارم، فقال، صلى الله عليه وسلم: أنت إذا يوسف ~~صديق ms085 الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، ~~وقال، صلى الله عليه وسلم: خير البشر آدم، عليه السلام، وخير العرب محمد، ~~صلى الله عليه وسلم، وخير الفرس سلمان، وخير الروم صهيب، وخير الحبشة بلال، ~~رحمهم الله أجمعين. ### | مساوئ الافتخار # روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا تفخروا ~~بآبائكم في الجاهلية، فوالذي نفسي بيده لما يدحرج الجعل بأنفه خير من ~~آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية. # قيل: وكان الحسن البصري يقول: ابن آدم لم تفتخر وإنما خرجت من مسيل بولين ~~نطفة مشجت بأقذار؟ وقال بعضهم لرجل يتبختر: يا هذا إن أولك نطفة قذرة وآخرك ~~جيفة منتنة وأنت فيما بينهما وعاء عذرة فما هذه المشية؟ قال: وقيل لعامر بن ~~قيس: ما تقول في الإنسان؟ قال: ما أقول فيمن إن جاع ضرع وإن شبع طغى. # وروي عن ابن عباس أنه قال: يتفاضلون في الدنيا بالشرف والبيوتات ~~والإمارات والعتاق والجمال والهيئة والمنطق ويتفاضلون في الآخرة بالتقوى ~~واليقين، فأتقاهم أحسنهم يقينا وأزكاهم عملا وأرفعهم درجة أعقلهم، وقيل في ~~ذلك: # يزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظورا عليه مكاسبه # يشين الفتى في الناس قلة عقله ... وإن كرمت آباؤه ومناسبه # وقال بعض الحكماء: لا يكون الشرف بالحسب والنسب، ألا ترى أن أخوين لأب ~~وأم يكون أحدهما أشرف من الآخر؟ ولو كان ذلك من قبل النسب لما كان لأحد ~~منهم على الآخر فضل لأن نسبهما واحد ولكن ذلك من قبل الأفعال لأن الشرف ~~إنما هو فيه لا في النسب، وقال الشاعر في ذلك: # أبوك أبي والجد لا شك واحد ... ولكننا عودان آس وخروع # PageV01P047 # وبلغنا عن المدائني أنه قال: ليس السودد بالشرف وإنما ساد الأحنف بن قيس ~~بحلمه وحضين بن المنذر برأيه ومالك بن مسمع بمحبته في العامة وسويد بن ~~منجوف بعطفه على أرامل قومه، وساد المهلب بن أبي صفرة بجميع هذه الخصال. # قيل: وسمع عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وهو خليفة صوتا ولفظا بالباب ~~فقال ms086 لبعض من عنده: اخرج فانظر من كان من المهاجرين الأولين فأدخله. فخرج ~~الرسول فأدخل بلالا وصهيبا وسلمان، وكان أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو في ~~عصابة من قريش جلوسا بالباب فقال أبو سفيان: يا معشر قريش أنتم صناديد ~~العرب وأشرافها وفرسانها بالباب ويدخل حبشي وفارسي ورومي؟ فقال سهيل: يا ~~أبا سفيان أنفسكم فلوموا ولا تلوموا أمير المؤمنين، دعا القوم فأجابوا ~~ودعيتم فأبيتم وهم يوم القيامة أعظم درجات وأكثر تفضيلا. فقال أبو سفيان: ~~لا خير في مكان يكون فيه بلال شريفا. ### | مساوئ أصحاب الصناعات # قال المأمون وذكر أصحاب الصناعات: السوقة سفل والصناع أنذال والتجار ~~بخلاء والكتاب ملوك على الناس. وقال المأمون: الناس أربعة: ذو سيادة أو ~~صناعة، أو تجارة أو زراعة، فمن لم يكن منهم كان عيالا عليهم، وذكروا أن أبا ~~طالب كان يعالج العطر والبز، وكان أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، بزازا، ~~وكان عمر بن الخطاب بزازا، وكان عبد الرحمن بن عوف بزازا، وكان سعد بن أبي ~~وقاص، رحمه الله، يأبر النخل، وكان أخوه عتبة، رحمه الله، نجارا، وكان ~~العاص بن هشام أخو أبي جهل بن هشام جزارا، وكان الوليد بن المغيرة حدادا، ~~وكان عقبة بن أبي معيط خمارا، وكان عثمان بن طلحة صاحب مفتاح البيت خياطا، ~~وكان أبو سفيان بن حرب يبيع الزيت والأدم، وكان أمية بن خلف يبيع البرم، ~~وكان عبد الله بن جدعان نخاسا، وكان العاص بن وائل أبو عمرو بن العاص يعالج ~~الخيل والإبل، وكان جرير بن عمرو وقيس أبو الضحاك بن قيس ومعمر بن عثمان ~~وسيرين أبو محمد بن سيرين كلهم حدادين، وكان المسيب أبو سعيد زياتا، وكان ~~ميمون بن مهران بزازا، وكان مالك بن دينار وراقا، وكان أبو حنيفة صاحب ~~الرأي خزازا، وكان مجمع الزاهد حائكا. # قيل: واتخذ يزيد بن المهلب بستانا في داره بخراسان، فلما ولي الأمر قتيبة ~~بن مسلم جعله لإبله، فقال له مرزبان مرو: هذا كان بستانا وقد اتخذته لإبلك! ~~فقال قتيبة: كان أبي أشتربان وكان أبو يزيد بستانبان ms087 فمنهما صار ذلك كذلك. ### | محاسن النتاج # ذكروا أن جرهم من نتاج ما بين الملائكة وبنات آدم وأن الملأك من الملائكة ~~كان إذا عصى ربه في السماء أهبطه إلى الأرض في صورة رجل في طبيعته ما في ~~طبيعة بني آدم كما صنع بهاروت وماروت في خبرهما مع الزهرة حتى كان من ~~شأنهما ما كان، فعصى بعض الملائكة ربنا جل ذكره فأهبطه إلى الأرض في صورة ~~رجل فتزوج أم جرهم فولدت منه جرهم، فقال شاعرهم: # لاهم إن جرهما عبادكا ... الناس طرف وهم تلادكا # وكان ذو القرنين أمه قيرى آدمية وكان أبوه عيرى من الملائكة. وسمع عمر بن ~~الخطاب، رضي الله عنه، رجلا ينادي: يا ذا القرنين! فقال: فرغتم من أسماء ~~الأنبياء فارتقيتم إلى أسماء الملائكة! وزعموا أن التناكح والتلاقح قد يقع ~~بين الجن والإنس لقوله جل وعز: " وشاركهم في الأموال والأولاد ". ولأن ~~الجنيات إنما يعرضن لصرعى رجال الإنس على جهة العشق وطلب السفاد وكذلك رجال ~~الجن لنساء بني آدم، ومن زعم أن الصرع من المرة فقد رد قول الله عز وجل: إن ~~الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس "، ~~وقال جل ذكره: " وشاركهم في الأموال والأولاد "، وقال عز وتعالى: " لم ~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جان "، وكان عبد الله بن هلال سبط إبليس من قبل ~~أمهاته. وروى أبو زيد النحوي أن سعلاة أقامت في بني تميم حتى ولدت فيهم ~~ورأت ذات يوم برقا من شق بلاد السعالي فحنت إلى وطنها وطارت إليهم. # وقد قيل إن الواقواق من نتاج ما بين بعض النبات وبعض الحيوان. # وقد قيل إن الثعلب يسفد الهرة الوحشية فيخرج من بينهما ولد فيه مشابهة ~~منهما، قال حسان بن ثابت: # أبوك أبوك وأنت ابنه ... وبئس البني وبئس الأب # وأمك سوداء نوبية ... كأن أناملها العنظب # PageV01P048 # يبيت أبوك بها مغدفا ... كما ساور الهرة الثعلب # وقد يولد من بين الكلاب والثعالب هذه الكلاب السلوقية الماهرة بالصيد. # وقيل: إنه يخرج من بين الذئب والكلبة ولد يسمى الديسم، قال بشار: ms088 # أديسم يا ابن الذئب من نجل زارع ... أتروي هجائي سادرا غير مقصر # وزارع اسم كلب يعرف بزارع. # وزعموا أنه يخرج من بين الذئب والضبع ولد يسمى السمع كالحية لا يعرف ~~العلل ولا يموت إلا بعرض يعرض له وأنه أشد عدوا وأسرع من الريح، قال ~~الشاعر: # مسبل في الحي أحوى رفل ... فإذا يغزو فسمع أزل # ومن عجائب التركيب فوالج البخت إذا ضربت في إناث البخت لم يخرج الحوار ~~إلا قصير العنق لا ينال كلأ ولا ماء، وإذا ضربت الفوالج في العراب جاءت هذه ~~الجوامز والبخت الكريمة، ومتى ضربت فحول العراب في إناث البخت جاءت هذه ~~الإبل القبيحة المنظر. # وقد قيل في الإبل: إن فيها عرقا من سفاد الجن وإن فيها إبلا وحشية هي من ~~بقايا إبل وبار، لما أهلكهم الله جل وعز بقيت إبلهم، وإن الجمل منها ربما ~~صار إلى أعطان الإبل فضرب في ناقة فتجيء منه هذه المهرية والغسجدية التي ~~تسمى الذهبية. # وزعموا أن ببلاد الحبشة ذكر الضباع يعرض للناقة من الوحش فيسفدها فتلقح ~~بولد على خلقة الناقة والضبع، فإن كان أنثى يعرض لها الثور الوحشي فيضربها ~~فيصير الولد زرافة ويسمى بالفارسية اشتر كاوبلنك، أي خرج من بين الجمل ~~والثور والضبع، وقد جحد الناس أن يكون الزرافة الأنثى تلقح من الزرافة ~~الذكر. # وأما النعامة فإنها لا تقع إلا من ذكر النعام وإناثها. # ومن نتاج الطير ما رواه بعضهم أنه رأى طائرا له صوت حسن زعموا أنه من ~~نتاج ما بين القمري والفاختة، وقناص الطير يزعمون أن أجناسا من الطير تلتقي ~~على المياه فتسافد وأنهم لا يزالون يرون أشكالا لم يروها قط فيقدرون أنها ~~من تلاقيح تلك المختلفة. ### | مساوئ النتاج # فأما من يخرج من بين بني آدم فإنه إذا تزوج خراساني بهندية خرج من بينهما ~~الذهب الإبريز غير أنه يحتاج أن يحرس ولدهما إذا كان أنثى من زناء الهند ~~وإذا كان ذكرا من لواط رجال خراسان. # ومن خبث النتاج ابن المذكرة من النساء والمؤنث من الرجال يكون أخبث نتاجا ~~من البغل ms089 وأفسد أعراقا من السمع وأكثر عيوبا من كل خلق وأن يأخذ بأسوإ خصال ~~أبيه وأردى خصال أمه فتجتمع فيه خصال الدواهي وأعيان المساوئ، وأنه إذا خرج ~~كذلك لم ينجع فيه أدب ولم يطمع في علاجه طبيب، وقد رأينا في دور ثقيف فتى ~~اجتمعت فيه هذه الخصال فما كان في الأرض يوم إلا وهم يتحدثون عنه بشيء يصغر ~~في جنبه أكبر ذنب كان ينسب إليه، والخلاسي من الناس الذي يخرج من بين ~~الحبشي والبيضاء، والبيسري من الناس الذي يخرج من بين البيض والهند ويكون ~~من أحسن الناس وأجملهم. ### | محاسن الوفاء # قيل في المثل: هو أوفى من فكيهة، وهي امرأة من قيس بن ثعلبة كان من ~~وفائها أن السليك بن السلكة غزا بكر بن وائل فخرج جماعة من بكر فوجدوا أثر ~~قدم على الماء فقالوا: والله إن هذا لأثر قدم ترد الماء، فقعدوا له، فلما ~~وافى حملوا عليه فعدا حتى ولج قبة فكيهة فاستجار بها، فأدخلته تحت درعها، ~~فانتزعوا خمارها، ونادت إخوتها فجاؤوا عشرة فمنعوهم منها. قال: فكان السليك ~~يقول: كأني أجد خشونة استها على ظهري حين أدخلتني درعها، وقال: # لعمر أبيك والأنباء تنمي ... لنعم الجار أخت بني عوارا # من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا # فما ظلمت فكيهة حين قامت ... لنصل السيف وانتزعوا الخمارا # وقيل أيضا: هو أوفى من أم جميل، وهي من رهط أبي هريرة من دوس، وكان من ~~وفائها أن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي قتل أبا أزيهر رجلا من الأزد ~~فبلغ ذلك قومه بالسراة فوثبوا على ضرار بن الخطاب ليقتلوه فعدا حتى دخل بيت ~~أم جميل وعاذ بها، فقامت في وجوههم ونادت قومها فمنعوه لها، فلما قام عمر ~~بن الخطاب، رضي الله عنه، بالأمر ظنت أنه أخوه فأتته بالمدينة، فلما انتسبت ~~عرف القصة وقال: إني لست بأخيه إلا في الإسلام وهو غاز وقد عرفنا منتك ~~عليه، فأعطاها على أنها بنت سبيل. # PageV01P049 # ويقال: هو أوفى من السموأل بن عادياء، وكان من وفائه أن امرأ القيس بن ms090 ~~حجر الكندي لما أراد الخروج إلى قيصر ملك الروم استودع السموأل دروعا له، ~~فلما مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام فتحرز منه السموأل، فأخذ الملك ~~ابنا له ذكروا أنه كان متصيدا، فصاح به: يا سموأل هذا ابنك في يدي وقد علمت ~~أن امرأ القيس ابن عمي وأنا أحق بميراثه فإن دفعت إلي الدروع وإلا ذبحت ~~ابنك. فقال: أجلني، فأجله. فجمع أهل بيته وشاورهم، فكل أشار عليه أن يدفع ~~الدروع وأن يستنقذ ابنه، فلما أصبح أشرف فقال: ليس إلى دفع الدروع سبيل ~~فاصنع ما أنت صانع! فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه، وكان يهوديا، فانصرف ~~الملك، ووافى السموأل بالدروع الموسم فدفعها إلى ورثة امرىء القيس وقال في ~~ذلك: # وفيت بأدرع الكندي، إني ... إذا ما خان أقوام وفيت # وقالوا عنده كنز رغيب ... فلا وأبيك أغدر ما مشيت # بنى لي عاديا حصنا حصينا ... وبئرا كلما شئت استقيت # وقال الأعشى في ذلك: # كن كالسموأل إذ سار الهمام له ... في جحفل كسواد الليل جرار # خيره خطتي خسف، فقال له ... إذبح أسيرك إني مانع جاري # وقيل: هو أوفى من الحارث بن عباد، وكان من وفائه أنه أسر عدي بن ربيعة ~~ولم يعرفه، فقال: دلني على عدي. فقال: إن أنا دللتك على عدي أتؤمنني؟ قال: ~~نعم، قال: فأنا عدي. فخلاه وقال في ذلك: # لهف نفسي على عدي وقد أس ... قب للموت واحتوته اليدان # ويقال: هو أوفى من عوف بن محلم، وكان من وفائه أن مروان القرظ غزا بكر بن ~~وائل ففضوا جيشه وأسره رجل منهم وهو لا يعرفه، فأتى به أمه فقالت: إنك ~~لتختال بأسيرك كأنك جئت بمروان القرظ! فقال لها مروان: وما ترجين من مروان؟ ~~قالت: عظم فدائه. قال: وكم ترتجين من فدائه؟ قالت: مائة بعير. قال مروان: ~~ذلك لك على أن ترديني إلى خماعة بنت عوف بن محلم. قالت: ومن لي بمائة من ~~الإبل! فأخذ عودا من الأرض فقال: هذا لك بها. فمضت به إلى عوف فاستجار ~~بخماعة ابنته، فبعث عمرو بن هند ms091 أن يأتيه به، فقال: قد أجارته ابنتي وليس ~~إليه سبيل. فقال عمرو: قد آليت أن لا أعفو عنه أو يضع يده في يدي. فقال ~~عوف: يضع يده في يدك على أن تكون يدي بينهما، فأجابه عمرو إلى ذلك، فجاء ~~عوف بمروان فأدخله عليه فوضع يده في يده ووضع عوف يده بين أيديهما فعفا ~~عنه. # ويقال: إن قباذ أمر بقتل رجل من الطاعنين على المملكة، فقتل، فوقف على ~~رأسه رجل من جيرانه وصنائعه فقال: رحمك الله، إن كنت لتكرم الجار وتصبر على ~~أذاه وتؤاسي أهل الخلة وتقوم بالنائبة والعجب كيف وجد الشيطان فيك مساغا ~~حتى حملك على عصيان ملكك فخرجت من طاعته المفروضة إلى معصيته وقديما ما ~~تمكن ممن هو أشد منك قوة وأثبت عزما! فأخذ صاحب الشرطة الرجل فحبسه وأنهى ~~كلامه إلى قباذ، فوقع: يحسن إلى هذا الذي شكر إحسانا يفضل به وترفع مرتبته ~~ويزاد في عطائه. # PageV01P050 # قيل: ولما قتل كسرى النعمان بن المنذر كتب إلى إياس بن قبيصة يأمره أن ~~يبعث إليه بولد النعمان بن المنذر وتركته من المال والإبل والخيل والسلاح، ~~وكان النعمان أودع ذلك هانيء بن مسعود، فبعث إليه إياس يعلمه بما كتب به ~~كسرى، فأبى أن يسلم شيئا من تركة النعمان، فكتب إياس إلى كسرى يعلمه ذلك، ~~فآلى على نفسه ليستأصلن بكر بن وائل، فكتب إلى إياس يأمره بالمسير إليهم ~~لمحاربتهم فيمن معه من طيء وإياد وغيرهم، وكتب إلى قيس بن مسعود الشيباني ~~المعروف بذي الجدين، وكان عاملا على سفوان، يمنع العرب من دخول أطراف ~~السواد ويأمره أن يسير بمن معه من قومه فيعين إياسا على محاربة بكر بن ~~وائل، ثم عقد كسرى لقائد من قواده يسمى الهامرز في اثني عشر ألف رجل من ~~أبطال أساورته ووجهه إلى إياس لمعاونته، ثم عقد أيضا لهرمز جرابزين، وكان ~~أعظم مرازبته في مثل ذلك، وأمره أن يقفو أثر الهامرز حتى يوافي إياس بن ~~قبيصة، فسارت الجيوش إلى بكر بن وائل، وكانوا بمكان يسمى ذا قار منه إلى ~~مدينة الرسول ms092 خمس مراحل مما يلي طريق البصرة، فأقبلت الجيوش حتى أناخت على ~~بكر فأحدقت بهم، ثم إن عظماء بكر بن وائل اجتمعوا إلى هانيء بن مسعود ~~المزدلف وقالوا: إن هذه الجيوش قد أحدقت بنا من كل ناحية فما ترى؟ قال: أرى ~~أن تجعلوا حصونكم سيوفكم ورماحكم وتوطنوا أنفسكم على الموت. فقالوا: نعم ~~والله لنفعلن! ثم إن قيس بن مسعود أقبل في سواد الليل من عسكر إياس حتى أتى ~~هانيء بن مسعود فقال: يا ابن عم إنه قد حل بكم من الأمر ما قد ترون ففرق ~~خيل النعمان وسلاحه في أشداء قومك ليقووا بذلك على القتال فهي مأخوذة لا ~~محالة إن قتلوا وإن سلموا أمرتهم فردوها عليك، وعليك بالجد والصبر، وإياك ~~ثم إياك أن تخفر ذمتك في تركة النعمان حتى تقتل ويقتل معك جميع قومك! قال ~~له هانيء: أوصيت يا ابن عم محافظا فوصلتك رحم وأرجو أن لا ترى منا تقصيرا ~~ولا فتورا، فانصرف قيس ذو الجدين من عند هانيء كئيبا حزينا باكيا خائفا من ~~هلاك قومه حتى أتى عسكر إياس وكان يريه أنه مجامع له على حرب قومه خوفا أن ~~يجد عليه كسرى فيقتله، فلما أصبح هانيء بن مسعود دعا بخيل النعمان وسلاحه ~~ففرقه في أبطال قومه وأشدائهم، فركبوا تلك الخيول، وكانت ستمائة فرس ~~وستمائة درع، واستلأموا تلك الدروع، وكان ذلك في العام الذي هاجر فيه رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، واتفقت بكر بن وائل أن تجعل شعارها ~~باسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، محمد يا منصور، وذلك قبل أن يسلموا، ~~وبذلك الاسم نصروا وقهروا عدوهم، وعمد رجل من أشراف بني عجل يقال له حنظلة ~~بن سيار إلى حزم رحالات النساء فقطعها كلها، أراد بذلك أن يمنع قومه من ~~الهرب إن وقعت الهزيمة، فسمي بذلك مقطع الوضين. وإن إياس بن قبيصة أرسل إلى ~~بكر بن وائل يخيرهم خصلة من ثلاث: إما أن يسلموا تركة النعمان، وإما أن ~~يسيروا ليلا في البراري فيعتل على كسرى أنهم هربوا، فإن ms093 أبوا هاتين الخلتين ~~خرجوا إلى الحرب. فتوامروا بينهم فقالوا: إما أن نسلم خفارتنا فلا يكون ذلك ~~وإن نحن لحقنا بالفلاة أفضينا إلى بلاد تميم فيقطعون علينا ويأخذون ما معنا ~~ويأسروننا وليست لنا حيلة إلا القتال، فاختاروا القتال ووجهوا خمسمائة فارس ~~من أبطالهم عليهم يزيد بن حارثة اليشكري وأمروهم أن يكمنوا للعجم، ثم زحف ~~الفريقان بعضهم إلى بعض وتقدم الهامرز فوقف بين الصفين ونادى بالفارسية: ~~مردى آمردى. فقال يزيد بن حارثة: ما يقول؟ قال: يدعو إلى البراز رجلا لرجل. ~~فقال: وأبيكم لقد أنصف! ثم خرج إليه فاختلف بينهما ضربتان فضربه يزيد ضربة ~~بالسيف على منكبه فقد درعه حتى أفضى السيف إلى منكبه فأبانه فخر ميتا ~~الهامرز أول قتيل بين الصفين، وألقى الله عز وجل الرعب في قلوب العجم فولوا ~~منهزمين، ولحق حنظلة بن سيار العجلي بهرمز جرابزين قائد العجم فطعنه طعنة ~~خر منها ميتا، ودفع هانيء بن مسعود فرسه في طلب إياس بن قبيصة حتى لحقه ~~ومعه قيس بن مسعود ذو الجدين، فأراد هانيء قتل إياس فمنعه قيس وحال بينه ~~وبين قتله، واتبع العجم خمس مائة فارس من بني شيبان لا يلوون على شيء ~~يقتلون يومهم ذلك من أدركوا منهم حتى جنهم الليل، وبلغت هزيمة الأعاجم كسرى ~~بالمدائن، قال دغفل: فذكر هذا الحديث لرسول الله، صلى الله # PageV01P051 # عليه وسلم، فقال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا، يعني ~~باسمه، صلى الله عليه وسلم، قال: وسقط في يد كسرى واغتاظ من ذلك غيظا شديدا ~~ووقعت الولولة والعويل بالمدائن، فندب كسرى الجنود وفرق فيهم السلاح والمال ~~لمعاودة حرب بكر بن وائل، تم إن بطارقة الروم خرجوا على ملكهم قيصر فقتلوه ~~فاشتغل به عن معاودة حرب بكر بن وائل فكان هانيء بن مسعود المزدلف أحد ~~الأوفياء. ليه وسلم، فقال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي ~~نصروا، يعني باسمه، صلى الله عليه وسلم، قال: وسقط في يد كسرى واغتاظ من ~~ذلك غيظا شديدا ووقعت الولولة والعويل بالمدائن، فندب كسرى ms094 الجنود وفرق ~~فيهم السلاح والمال لمعاودة حرب بكر بن وائل، تم إن بطارقة الروم خرجوا على ~~ملكهم قيصر فقتلوه فاشتغل به عن معاودة حرب بكر بن وائل فكان هانيء بن ~~مسعود المزدلف أحد الأوفياء. # ومنهم الطائي صاحب النعمان بن المنذر، وكان من حديثه أن النعمان بن ~~المنذر ركب في يوم بؤسه، وكان له يومان يوم بؤس ويوم سعد، لم يلقه في يوم ~~بؤسه أحد إلا قتله وفي يوم سعده أحد إلا حباه وأعطاه، فاستقبله في يوم بؤسه ~~أعرابي من طيء فقال: حيا الله الملك، إن لي صبية صغارا لم أوص بهم أحدا فإن ~~يأذن لي الملك في إتيانهم وأعطيه عهد الله إني أرجع إليه إذا أوصيت بهم حتى ~~أضع يدي في يده. فرق له النعمان فقال: لا إلا أن يضمنك رجل ممن معنا فإن لم ~~تأت قتلناه، وشريك بن عمرو بن شرحبيل نديم النعمان معه، فقال الطائي: # يا شريك يا ابن عمرو ... هل من الموت محاله # يا أخا كل مضام ... يا أخا من لا أخا له # يا أخا النعمان فك ال ... يوم عن شيخ غلاله # إن شيبان قبيل ... أحسن الناس فعاله # فقال شريك: هو علي أصلح الله الملك! فمر الطائي والنعمان يقول لشريك: إن ~~صدر هذا اليوم قد ولى ولا يرجع! وشريك يقول: ليس لك علي سبيل حتى نمسي، ~~فلما أمسوا أقبل شخص والنعمان ينظر إلى شريك، فقال: ليس لك علي سبيل حتى ~~يدنو الشخص، فبينا هم كذلك إذ أقبل الطائي فقال النعمان: والله ما رأيت ~~أكرم منكما وما أدري أيكما أكرم! لا أكون والله ألأم الثلاثة، ألا إني قد ~~رفعت يوم بؤسي! وخلى سبيل الطائي، فأنشأ يقول: # ولقد دعتني للخلاف عشيرتي ... فأبيت عند تجهر الأقوال # إني امرؤ مني الوفاء خليقة ... وفعال كل مهذب بذال # فقال النعمان: ما حملك على الوفاء؟ قال: ديني. قال: وما دينك! قال: ~~النصرانية. قال: اعرضها علي! فعرضها عليه فتنصر النعمان. # PageV01P052 # ومنهم وزير ملك الصين، وكان حديثه أن شمر بن افريقيس بن أبرهة خرج في خمس ms095 ~~مائة ألف مقاتل إلى أرض الصين، فلما قارب بلادهم بلغ ذلك ملك الصين فجمع ~~وزراءه فاستشارهم، فقال رئيسهم: أيها الملك أثر في أثرا وخلني ورائي. فأمر ~~به فجدع أنفه، فقام هاربا مستقبلا لشمر، فوافاه على أربعة منازل بعد خروجه ~~من مفاوز الصين فدخل عليه وقال: إني أتيتك مستجيرا! قال شمر: ممن؟ قال: من ~~ملك الصين لأني كنت رجلا من خاصة وزرائه وإنه جمعنا لما بلغه مسيرك إليه ~~فاستشارنا فأشار القوم جميعا عليه بمحاربتك وخالفتهم في رأيهم وأشرت عليه ~~أن يعطيك الطاعة ويحمل إليك الخراج، فاتهمني وقال: قد مالأت ملك العرب، ~~وكان منه إلي ما ترى ولم آمنه مع ذلك أن يقتلني فخرجت هاربا إليك، ففرح به ~~شمر وأنزله معه في رحله وأوعده من نفسه خيرا، فلما أصبح وأراد أن يرحل قال ~~لذلك الرجل: كيف علمك بالطريق؟ قال: أنا من أعلم الناس به. قال: فكم بيننا ~~وبين الماء؟ قال: مسيرة ثلاثة أيام وأنا موردك يوم الرابع على الماء، فأمر ~~جنوده بالرحيل ونادى فيهم أن لا تحملوا من الماء إلا لثلاثة أيام، ثم سار ~~في جنوده والرجل بين يديه، فلما كان يوم الرابع انقطع بهم الماء واشتد الحر ~~فقال: لا ماء وإنما كان ذلك مكر مني لأدفعك بنفسي عن ملكي! فأمر به فضربت ~~عنقه، فعطش القوم، وقد كان المنجمون قالوا لشمر عند مولده أنه يموت بين ~~جبلي حديد، فوضع درعه تحت قدميه من شدة الرمضاء ووضع ترسا من حديد على رأسه ~~من حر الرمضاء، فذكر ما كان قيل له في ولادته وقال للقوم: تفرقوا حيث ~~أحببتم فقد أورطتكم، فهلك وجميع من كان معه. # وحكي أنه لما حمل رأس مروان بن محمد الجعدي إلى أبي العباس وهو بالكوفة ~~قعد له مجلسا عاما وجاؤوا بالرأس فوضع بين يديه فقال لمن حضره: أمنكم أحد ~~يعرف هذا الرأس؟ فقام سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة فأكب عليه وتأمله ~~طويلا ثم قال: هذا رأس أبي عبد الملك خليفتنا بالأمس، رحمه الله، وعاد إلى ~~مجلسه، فوثب أبو ms096 العباس حتى خرج من المجلس وانصرف ابن جعدة وتحدث الناس ~~بكلامه، فلامه بنوه وأهله وقالوا: عرضتنا ونفسك للبوار! فقال: اسكتوا قبحكم ~~الله! ألستم أشرتم علي بالأمس بحران بالتخلف عن مروان ففعلت ذلك غير فعل ذي ~~الوفاء والشكر وما كان ليغسل عار تلك الفعلة إلا هذه، وإنما أنا شيخ هامة ~~فإن نجوت يومي هذا من القتل مت غدا! قال: وجعل بنوه يتوقعون رسل أبي العباس ~~أن تطرقه في جوف الليل، فأصبحوا ولم يأته أحد وغدا الشيخ فإذا هو بسليمان ~~بن مجالد فلما أبصره قال: يا ابن جعدة ألا أبشرك بحسن رأي أمير المؤمنين ~~فيك؟ إنه ذكر في هذه الليلة ما كان منك. فقال: أما ما أخرج هذا الكلام من ~~الشيخ إلا الوفاء ولهو أقرب بنا قرابة وأمس بنا رحما منه بمروان إن أحسنا ~~إليه. قال: أجل. # وذكر أن المنصور أرسل إلى شيخ من أهل الشام وكان من بطانة هشام بن عبد ~~الملك بن مروان فسأله عن تدبير هشام في حروبه مع الخوارج فوصف الشيخ له ما ~~دبر، فقال: فعل، رحمه الله، كذا وصنع، رحمه الله، كذا. فقال المنصور: قم ~~عليك لعنة الله! تطأ بساطي وتترحم على عدوي؟ فقام الرجل فقال وهو مول: إن ~~نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلا غاسلي! فقال له المنصور: ارجع يا ~~شيخ، فرجع. فقال: أشهد أنك نهيض حرة وغراس شريف، ارجع إلى حديثك. فعاد ~~الشيخ في حديثه حتى إذا فرغ دعا له بمال فأخذه وقال: والله يا أمير ~~المؤمنين ما لي إليه حاجة ولقد مات عني من كنت في ذكره فما أحوجني إلى وقوف ~~على بابه أحد بعده ولولا جلالة أمير المؤمنين وإيثاري طاعته ما لبست نعمة ~~أحد بعده! فقال المنصور: إذا شئت لله أنت فلو لم يكن لقومك غيرك لكنت قد ~~أبقيت لهم مجدا مخلدا وعزا باقيا. # PageV01P053 # وعن أبي دفافة العبسي قال: حدثت المنصور بحديث العجلان بن سهل وكان دخل ~~على عبد العزيز بن القعقاع، فبينا هو جالس إذ دخل رجل متلطخ الثوب بالطين، ms097 ~~فقال عبد العزيز: ما لك؟ قال: ركب هذا الأحول، يعني هشام بن عبد الملك، ~~فنفرت ناقتي فسقطت، فانتزع العجلان سيفه فنفحه به ووثب الرجل فأخطأه السيف ~~ووقع في وسادة فقطعها وقال: يا لكع أعياك أن تسميه بأمير المؤمنين وباسمه ~~الذي سماه به أبوه أو بكنيته ونظرت إلى الذي يعاب به فسميته به، أما والله ~~لوددت أن السيف أخذ منك مآخذه! قال: فكان المنصور يستعيدني هذا الخبر كثيرا ~~ويقول: كيف صنع العجلان بن سهل؟ مع مثله يطيب الملك. # قال: وأخبرنا عطاف قال: بينا عبد الله بن طاهر مقبل من منزل عبيد الله بن ~~السري بمصر حتى إذا دنا من بابه إذا بشيخ قد قام إليه فناوله رقعة كانت معه ~~وقال: أصلح الله الأمير! نصيحة واجبة فافهمها، فأخذ الرقعة ودخل، فما هو ~~إلا أن دخل وخرج الحاجب فقال: أين صاحب الرقعة؟ فقام إليه الشيخ فأخذ بيده ~~فأدخله إلى عبد الله فقال: قد فهمت رقعتك هذه وما تنصحت به إلينا فانصفني ~~في مناظرتك. فقال الرجل: ليقل الأمير ما أحب. قال: أخبرني هل يجب شكر الناس ~~بعضهم لبعض؟ قال: نعم. قال: وبم يجب؟ قال: بإحسان المحسن وبفضل المنعم. ~~قال: صدقت، جئت إلي وأنا على هذه الحال التي ترى خاتمي بفرغانة وآخر ببرقة ~~وحكمي ونهيي وأمري جائز فيما بين هذين الطرفين وقد جمع لي من العمل ما لم ~~يجمع لأحد قط من ولاءة المشرق والمغرب والشرطة وما خرج من هذه الطبقة ولست ~~ألتفت إلا إلى نعمة هؤلاء القوم ومنتهم، لا أستفيء إلا بظلها ولا أعرف ~~غيرهم سادة ولا كبراء ولا أئمة ولا خلفاء، فأردت أن أكفر هذه النعمة وأجحد ~~هذا المعروف وأبايع رجلا ما امتحن للتقوى ولا أفاد علما للهدى ولا جرت له ~~على ملي ولا ذمي يد سالفة ولا نعمة سائرة، افترى على الله جل ذكره، ولو ~~فعلت هذا الذي دعوتني إليه كنت ترضى به في مكارم الأخلاق وشكر المنعمين ~~قال: فسكت الرجل ولم يحر جوابا، وكان دعاه إلى بيعة ابن طباطبا. وقال ~~بعضهم: ms098 إنه كان دسيس المأمون. # برون الكبير قال: وجه إلي المأمون وقد مضى من الليل الثلث فقال لي: يا ~~برون قد أكثر علينا أصحاب الأخبار في أن شيخا يرد خرابات البرامكة فيبكيهم ~~ويندبهم وينشد أبياتا من الشعر فاركب أنت وعلي بن محمد ودينار بن عبد الله ~~حتى تردوا هذه الخرابات فتصيروا من وراء جدرانها فإذا رأيتم الشيخ قد ورد ~~وبكى وأنشد فأتوني به. قال برون: فركبت مع القوم حتى وردنا الخرابات، وإذا ~~الخادم قد أتى ومعه زلية رومية وكرسي جديد، وإذا شيخ وسيم جميل له صلعة ~~وهامة فجلس يبكي ويقول: # ولما رأيت السيف قد قد جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى # بكيت على الدنيا وأيقنت أنه ... قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا # أجعفر إن تهلك فرب عظيمة ... كشفت ونعمى قد وصلت بها نعمى # فقل للذي أبدى ليحيى وجعفر ... شماتته أبشر لتأتيهم العقبى # لئن زال غصن الملك عن آل برمك ... فما زال حتى أثمر الغصن واستعلى # وما الدهر إلا دولة بعد دولة ... تبدل ذا ملك وتعقب ذا بلوى # على أنها ليست تدوم لأهلها ... ولو أنها دامت لكنتم بها أولى # بني برمك كنتم نجوما مضيئة ... بها يهتدي في ظلمة الليل من أسرى # لأيكم أبكي أللفضل ذي الندى ... أم الشيخ يحيى أم لمحبوسه موسى # أم الملك المصلوب من بعد عزة ... أم ابكي بكاء المعولات أم الثكلى # لكلكم أبكي بعين غزيرة ... وقلب قريح لا يموت ولا يحيا # PageV01P054 # قال: فتراءينا له ثم قبضنا عليه، فجزع وفزع وقال: من القوم؟ فقال برون: ~~أنا حاجب أمير المؤمنين وهذا فلان وفلان. قال: وما الذي تريدون؟ قال برون: ~~فأعلمته ما أمر به أمير المؤمنين من أخذه إلى مجلسه. قال: ذرني أوص فإني لا ~~آمنه، ثم تقدم إلى بعض العلافين في فرضة الفيل فأخذ بياضا وأوصى فيه وصية ~~خفيفة ودفعها إلى الغلام وسرنا به، فلما مثل بين يدي المأمون زبره وقال: من ~~أنت وبماذا استوجب البرامكة ما تفعله في دورهم؟ قال: يا أمير المؤمنين ~~للبرامكة عندي أياد خضرة أفتأذن لي أن أحدثك؟ ms099 فقال: سديدا. قال: أنا يا ~~أمير المؤمنين المنذر بن المغيرة من أهل دمشق كنت بها من أولاد الملوك ~~فزالت عني نعمتي كما تزول عن الرجال، فلما ركبتني الديون واحتجت إلى بيع ~~مسقط رأسي ورؤوس آبائي أشاروا علي بالخروج إلى البرامكة، فخرجت من دمشق ~~ومعي نيف وثلاثون امرأة وصبيا وصبية وليس معنا ما يباع ولا ما يرهن حتى ~~دخلت بغداد ونزلنا بباب الشام في بعض المساجد ودعوت بثويبات لي قد كنت ~~أعددتها لأستميح بها الناس وتركتهم جياعا وركبت شوارع بغداد فإذا أنا بمسجد ~~مزخرف وفيه مائة شيخ قد طبقوا طيالستهم بأحسن زي وزينة وبزة، وإذا خادمان ~~على باب المسجد، فطمعت في القوم وولجت المسجد وجلست بين أيديهم وأنا أقدم ~~وأؤخر والعرق يسيل مني لأنها لم تكن صناعتي، فأنا لكذلك إذا أنا بخادم قد ~~أقبل وقال للخادمين: ازعجا القوم، فازعج القوم وأنا معهم فأدخلونا دار يحيى ~~بن خالد ودخلت معهم، فإذا بيحيى جالسا على دكة له وسط بستان، فسلمنا وهو ~~يعدنا مائة رجل وواحدا، وبين يدي يحيى عشرة من ولده، وإذا غلام أمرد حين ~~عذر خداه قد أقبل من بعض المقاصير بين يديه مائة خادم متنطقون في وسط كل ~~خادم منطقة من ألف مثقال مع كل خادم مجمرة من ذهب ورجل من ذهب في كل مجمرة ~~قطعة من العود كهيأة الفهر قد ضم إليه مثله من العنبر السلطاني فوضعوه بين ~~يدي الغلام وجلس الغلام إلى جنب يحيى ثم قال يحيى للزبرقي القاضي: تكلم فقد ~~زوجت ابنتي عائشة من ابن عمي هذا من بيت نار النوبهار. # PageV01P055 # فخطب القاضي وشهد القاضي والنفر وأقبلوا علينا بالنثار ببنادق المسك ~~والعنبر، فالتقطت والله يا أمير المؤمنين ملء كمي ونظرت وإذا يحيى في الدكة ~~ما بين المشايخ ويحيى وولده والغلام ونحن مائة رجل واثنا عشر رجلا، فخرج ~~إلينا مائة خادم واثنا عشر خادما مع كل خادم صينية فضة عليها ألف دينار ~~شامية، فوضع بين يدي كل رجل منا صينية، فرأيت القاضي والمشايخ يصبون ~~الدنانير في أكمامهم ويجعلون الصواني ms100 تحت آباطهم ويقوم الأول فالأول حتى ~~بقيت وحدي بين يدي يحيى لا أجسر على الصينية، فغمز لي الخادم، فجسرت عليها ~~وجعلتها في كمي وأخذت الصينية وقمت وأنا أمر طول الصحن والتفت ورائي هل ~~يتبعني أحد، فإني لكذلك أطاول الالتفات ويحيى يلحظني فقال للخادم: ائتني ~~بالرجل، فرددت إليه، فأمر، فسلبت الدنانير والصينية، ثم أمرني بالجلوس ~~فجلست، فقال: ممن الرجل؟ فقصصت عليه قصتي. فقال: علي بموسى، فأتي به، فقال: ~~يا بني هذا رجل غريب فخذه إليك اخلطه بنفسك ونعمتك. فقبض علي موسى وأخذني ~~إلى بعض دوره فقصف علي يومي وليلتي، فلما أصبح دعا بأخيه العباس وقال له: ~~إن الوزير أمرني بالقصف على هذا الفتى وقد علمت تشاغلي في دار أمير ~~المؤمنين فاقبض عليه وقاصفه، فلما كان من غد تسلمني أحمد، ثم لم أزل وأيدي ~~القوم تتداولني عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني في الأموات هم أم في ~~الأحياء، فلما كان في اليوم العاشر دفعت في يدي الفضل فقصف علي، فلما كان ~~في الحادي عشر جاءني خادم مع عشرة من الخدم فقالوا: قم عافاك الله فاخرج ~~إلى عيالك بسلام. فقلت: وا ويلاه سلبت الدنانير والصينية وقد تمزقت ثيابي ~~واتسخت وأخرج على هذه الحالة! إنا لله وإنا إليه راجعون! فرفع لي الستر ~~الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس، فقبل أن رفع السابع قال لي ~~الخادم: تمن ما شئت، ورفع لي ستر عن حجرة كالشمس استقبلني منها رائحة العود ~~والند ونفحات المسك، وإذا أنا بصبياني يتقلبون في الحرير والديباج وأنا قد ~~حمل إلي ألف ألف درهم مبدرة وعشرة آلاف دينار وقبالتين بضيعتين وتلك ~~الصينية مع الدنانير والبنادق، فبقيت يا أمير المؤمنين مع البرامكة في ~~دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم من بيت نار ~~النوبهار أو رجل غريب اصطنعوني، فلما جاء القوم البلية ونزلت بهم من الرشيد ~~النازلة قصدني عمرو بن مسعدة وألزمني من الخراج في هاتين الضيعتين ما لا ~~يفي دخلهما به، فلما تحامل علي الدهر كنت أنظر إلى ms101 خرابات القوم فأندبهم. ~~فقال المأمون: علي بعمرو بن مسعدة، فلما أتي به قال له: يا عمرو أتعرف ~~الرجل؟ قال: نعم هو من بعض صنائع البرامكة. قال: كم ألزمته في ضيعته؟ قال: ~~كذا وكذا. قال: رد عليه كل ما استأديته إياه في سنيه وأوغر ضيعتيه تكونان ~~له ولعقبه من بعده، فعلا نحيب الرجل بالبكاء يرثي البرامكة، فلما طال بكاؤه ~~قال له المأمون: فمم بكاؤك وقد أحسنا إليك؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا أيضا ~~من صنائع البرامكة، أرأيتك يا أمير المؤمنين لو لم آت خرابات القوم فأبكيهم ~~وأندبهم حتى اتصل خبري بأمير المؤمنين ففعل بي ما فعل من أين كنت أصل إلى ~~ما وصلت إليه؟ قال إبراهيم بن ميمون: فلقد رأيت المأمون وقد دمعت عينه ~~واشتد حزنه على القوم وقال: صدقت لعمري هذه أيضا من صنائعهم، فعليهم فابك ~~وإياهم فاشكر! ### | مساوئ قلة الوفاء والسعاية # يقال: إن رجلا رفع رقعة إلى عمر بن الخطاب، رحمه الله، يسعى فيها ببعض ~~أصحابه، فوقع فيها: تقربت إلينا بما باعدك من الرحمن ولا ثواب لمن آثر ~~عليه. # قيل: ورفع منتصح رقعة إلى عبد الملك بن مروان، فوقع فيها: إن كنت كاذبا ~~عاقبناك، وإن كنت صادقا مقتناك، وإن استقلتنا أقلناك. فاستقاله الرجل. # قيل: وكتب صاحب بريد همذان إلى المأمون بخراسان يعلمه أن كاتب البريد ~~المعزول أخبره أن صاحبه وصاحب الخراج كانا تواطآ على إخراج مائتي ألف درهم ~~من بيت المال واقتسماها بينهما، فوقع المأمون: إنا نرى قبول السعاية شرا ~~كمن قبله وأجازه، فأنف الساعي عنك فلو كان في سعايته صادقا لقد كان في صدقه ~~لئيما إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر على أخيه. # PageV01P056 # قال: وقال المأمون لولده: يا بني نزهوا أقداركم وطهروا أحسابكم عن دنس ~~الوشاة وتمويه سعايتهم فكل جان يده في فيه وليس يشي إليكم إلا أحد الرجلين ~~ثقة وظنين، أما الثقة فقد قيل إنه لا يبلغ ولا يشين بالوشاية قدره، وأما ~~الظنين فأهل أن يتهم صدقه ويكذب ظنه ويرد باطله، وما سعى رجل برجل إلي قط ms102 ~~إلا انحط من قدره عندي ما لا يتلافاه أبدا، فلا تعطوا الوشاة أمانيهم فيمن ~~يشون بهم، فقد قال بعض الملوك لرجل سعى بآخر: لو كنت أنت أنا ما كنت صانعا ~~به؟ قال: كنت أقتله. فقال: أما إذ لم تكن أنت أنا فإني غير قاتله ومع ذلك ~~فلا تدعوا الفحص عما يلقى إليكم مما تحذرون رجوع ضرره عليكم. # عوانة قال: قام رجل إلى سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين عندي ~~نصحية. قال: وما نصيحتك هذه؟ قال: كان فلان عاملا ليزيد والوليد وعبد الملك ~~فخانهم فيما تولاه واقتطع أموالا جليلة فمر باستخرجها منه. فقال: أنت شر ~~منه وأخون حيث اطلعت على أمره وأظهرته ولولا أني أنفر أصحاب النصائح ~~لعاقبتكم ولكن اختر مني خصلة من ثلاث. قال: اعرضهن يا أمير المؤمنين. قال: ~~إن شئت فتشت عما ذكرت فإن كنت صادقا مقتناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن ~~شئت أقلناك. قال: بل تقيلني يا أمير المؤمنين. قال: قد فعلت فلا تعودن ~~بعدها إلى أن تظهر من ذي مروءة ما كتمه الله وستره. ### | محاسن الشكر # قال بعض الحكماء: صن شكرك عمن لا يستحقه واستر ماء وجهك بالقناعة. # وقال الفضل بن سهل: من أحب الازدياد من النعم فليشكر، ومن أحب المنزلة ~~عند سلطانه فليكفه، ومن أحب بقاء عزه فليسقط دالته ومكره. ومن ذلك قول رجل ~~لرجل شكره في معروف: # لقد ثبتت في القلب منك محبة ... كما ثبتت في الراحتين الأصابع # قال: واصطنع رجل رجلا فسأله يوما: أتحبني يا فلان؟ قال: نعم أحبك حبا لو ~~كان فوقك لأظلك ولو كان تحتك لأقلك. # وقال كسرى أنوشروان: المنعم أفضل من الشاكر لأنه جعل له السبيل إلى ~~الشكر. # واختصر حبيب بن أوس من هذا شيئا في مصراع واحد فقال: # لهان علينا أن نقول وتفعلا # وقال بشار: # أثني عليك ولي حال تكذبني ... فيما أقول وأستحيي من الناس # قد قلت إن أبا حفص لأكرم من ... يمشي فخاصمني في ذاك إفلاسي # ولأبي الهول في مثله: # فإني إذ مدحتك يا ابن معن ... رآني ms103 الناس في رمضان أزني # فإن أك أبت عنك بغير شيء ... فلا تفرح كذلك كان ظني # ولآخر في مثله: # لحى الله قوما أعجبتهم مدائحي ... فقالوا خفاتا في ملام وفي عتب: # أبا حازم تمدح، فقلت معذرا: ... هبوني امرأ جربت سيفي على كلب # ولبعض المحدثين: # عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمن ... لكنه يشتهي حمدا بمجان # والناس أكيس من أن يحمدوا أحدا ... حتى يروا قبله آثار إحسان # وقال آخر: # فلو كان يستغني عن الشكر سيد ... لعزة ملك أو علو مكان # لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروني أيها الثقلان # الباهلي عن أبي فروة قال: أخبرني الحلبي قال: مكتوب في التوراة: اشكر لمن ~~أنعم عليك وأنعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت ولا إقامة لها ~~إذا كفرت والشكر زيادة في النعم وأمان من الغير. # قيل وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: خمس يعاجل صاحبهن بالعقوبة: ~~البغي والغدر وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم ومعروف لا يشكر. # وفي حديث مرفوع: دعاء المنعم على المنعم عليه مستجاب. # وقيل: أنشد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الحطيئة هذا البيت وعنده كعب ~~الأحبار: # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس # فقال كعب: يا أمير المؤمنين هذا البيت الذي قال مكتوب في التوراة! قال ~~عمر: وكيف ذاك؟ قال: في التوراة مكتوب: من يصنع المعروف لا يضيع عندي، لا ~~يذهب العرف بيني وبين عبدي. # قيل: ودخل أبو مسلم صاحب الدولة على أبي العباس وأبو جعفر المنصور عنده، ~~فقال أبو العباس لأبي مسلم: يا عبد الرحمن هذا أبو جعفر عبد الله بن محمد ~~مولاك! قال: قد رأيت مجلسه يا أمير المؤمنين ولكن هذا مجلس لا يقضى فيه حق ~~غيرك. # PageV01P057 # فصل لكاتبه في مثله: ولست أقابل أياديك ولا أستديم إحسانك إلا بالشكر ~~الذي جعله الله جل وعز للنعم حارسا وللحق مؤديا وللمزيد سببا. # وقيل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: أليس قد غفر لك ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا! وفي ms104 الحديث أن رجلا قال في الصلاة ~~خلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اللهم ربنا لك الحمد حمدا زاكيا طيبا ~~مباركا فيه. فلما انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: أيكم صاحب ~~الكلمة؟ قال أحدهم: أنا يا رسول الله. فقال: لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا ~~يبتدرون أيهم يكتبها أولا، وقيل: نسيان النعمة أول درجات الكفر، ولابن ~~المقفع: # مننت على قومي فأبدوا عداوة ... فقلت لهم كفؤ العداوة والشكر # وقال آخر: # ألا في سبيل الله ود بذلته ... لمن لم يكن عندي لمعشاره أهلا # ولكن إذا فكرت فيه وجدتني ... بحسني إليه قد أفدت به عقلا # وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: لا تدع المعروف لكفر من كفره فإنه ~~يشكرك عليه أشكر الشاكرين، وقد قيل في ذلك: # يد المعروف غنم حيث كانت ... تحملها شكور أم كفور # فعند الشاكرين لها جزاء ... وعند الله ما كفر الكفور # قال بعضهم: ما أنعم الله على عبد نعمة فشكر ذلك إلا لم يحاسبه على تلك ~~النعمة، وقال بعض الحكماء: عند التراخي عن شكر المنعم تحل عظائم النقم. # قيل: وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كثيرا ما يقول لعائشة، رضي ~~الله عنها: ما فعل بيتك أو بيت اليهودي؟ فتقول: # يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى # فيقول، عليه وعلى آله السلام: قد صدق يا عائشة، إن الله جل وعز إذا أجرى ~~لرجل على يدي رجل خيرا فلم يشكره فليس لله بشاكر. # قيل وقيل لذي الرمة: لم خصصت بلال بن أبي بردة بمدحك؟ فقال: لأنه وطأ ~~مضجعي وأكرم مجلسي فحق لكثير معروفه عندي أن يستولي على شكري. # ومنهم من يقدم ترك مطالبة الشكر وينسبه إلى مكارم الأخلاق، من ذلك ما ~~قاله بزرجمهر: من انتظر بمعروفه شكرا فقد استدعى عاجل المكافأة. # وقال بعض الحكماء: كما أن الكفر يقطع مادة الإنعام فكذلك الاستطالة ~~بالصنيعة تمحق الأجر. # وقال علي بن عبيدة: من المكارم الظاهرة وسنن النفس الشريفة ترك طلب الشكر ~~على الإحسان ورفع الهمة عن طلب ms105 المكافأة واستكثار القليل من الشكر واستقلال ~~الكثير مما يبذل من نفسه. ### | مساوئ الشكر # قال بعض الحكماء: المعروف إلى الكرام يعقب خيرا والمعروف إلى اللئام يعقب ~~شرا، ومثل ذلك مثل المطر يشرب منه الصداف فيعقب لؤلؤا وتشرب منه الأفاعي ~~فتعقب سما. # وقال سفيان: وجدنا أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى اللئام. # قيل: وأثار جماعة من الأعراب ضبعا فدخلت خباء شيخ منهم. # فقالوا: اخرجها. فقال: ما كنت لأفعل وقد استجارت بي. فانصرفوا، وكانت ~~هزيلة فأحضر لها لقاحا فجعل يسقيها حتى عاشت، فنام الشيخ ذات يوم فوثبت ~~عليه فقتلته، فقال شاعرهم في ذلك: # ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير ام عامر # أعد لها لما استجارت بقربه ... غداء من البان اللقاح الغزائر # وأسمنها حتى إذا ما تملأت ... فرته بأنياب لها وأظافر # فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يجود بمعروف إلى غير شاكر # قيل: وأصاب أعرابي جرو ذئب فاحتمله إلى خبائه وقرب له شاة فلم يزل يمتص ~~من لبنها حتى سمن وكبر ثم شد على الشاة فقتلها، فقال الأعرابي: # غذتك شويهتي ونشأت عندي ... فما أدراك أن أباك ذيب # فجعت نسية وصغار قوم ... بشاتهم وأنت لهم ربيب # إذا غلبت طباع الشر فيه ... فليس لغيرها فيه نصيب # ويروى: نشأت مع السخال وأنت جرو. # ويضرب المثل بسنمار، وكان بنى للنعمان بن المنذر الخورنق فأعجبه فكره أن ~~يبني لغيره مثله فأمر به فرمي من أعلاه حتى مات، فقيل فيه: # جزتنا بنو سعد بحسن بلائنا ... جزاء سنمار ولم يك ذا ذنب # ويروى: وما كان ذا ذنب، وفي المثل: سمن كلبك يأكلك. وقال بعضهم: # PageV01P058 # وإني وقيسا كالمسمن كلبه ... فخدشه أنيابه وأظافره ### | محاسن الدهاء والحيل # ذكروا أنه لم يكن في ملوك العجم أدهى من كسرى أنوشروان، وأن الخزر كانت ~~تغير في سلطان فارس حتى تبلغ همذان والموصل، فلما ملك أنوشروان كتب إلى ~~ملكهم فخطب ابنته على أن يزوجه أيضا ابنته ويتوادعا ويتفرغا إلى سائر ~~أعدائهما، فأجابه إلى ذلك، وعمد أنوشروان إلى جارية من جواريه نفيسة فزفها ~~إلى صاحب ms106 الخزر وأهدى معها ما يشبه أن يهدى مع بنات الملوك وزف صاحب الخزر ~~إلى أنوشروان ابنته، فلما وصلت إليه قال لوزرائه: اكتبوا إلى صاحب الخزر لو ~~التقينا وأكدنا المودة بيننا، فأجابه إلى ذلك ووعده موضع الدرب، فالتقيا ~~فكانا يخلوان في لذاتهما، ثم إن أنوشروان أمر قائدا من قواده أن يختار ~~ثلاثمائة رجل من أشد أصحابه فإذا هدأت العيون أغار في ناحية من عسكر الخزر، ~~ففعل ذلك، فلما أصبح بعث إليه صاحب الخزر: ما هذا ينهب عسكري البارحة؟ ~~فأنكر ذلك وقال: لم تؤت من قبلي. فأمهله أياما ثم عاد إلى مثلها، ففعل ذلك ~~ثلاث مرات في كل ذلك يعتذر إليه أنوشروان ويسأله البحث فيبحث فلا يقف على ~~شيء، فلما طال ذلك دعا صاحب الخزر بقائد من قواده وأمره بمثل ذلك، فلما ~~أصبح بعث إليه أنوشروان: ما هذا أتستبيح عسكري البارحة؟ فأرسل إليه: ما ~~أسرع ما ضجرت، قد فعل هذا بعسكري ثلاث مرات وإنما فعل بك مرة واحدة! فبعث ~~إليه أنوشروان: إن هذا عمل قوم يريدون أن يفسدوا بيننا وعندي رأي إن قبلته. ~~فقال: وما هو؟ قال: تدعني أبني حائطا بيني وبينك وأجعل عليه بابا فلا يدخل ~~عليك إلا من تحب ولا يدخل علي إلا من أحب. فأجابه إلى ذلك وتحمل ومضى، ~~وأقام أنوشروان فأمر، فبني بالصخر والرصاص حائط عرضه ثلاثمائة ذراع حتى ~~ألحقه برؤوس الجبال وجعل عليه أبواب حديد فكان يحرسه مائة رجل بعد أن كان ~~يحتاج إلى خمسة آلاف رجل، فلما فرغ من السد وقيد الفند في البحر وأحكم ~~الأمر سر سرورا شديدا فأمر أن ينصب على الفند سريره ويفرش له عليه، ثم قام ~~فرقى إليه وأغفى عليه، فطلع طالع من البحر سد الأفق بطوله وأهوى نحو الفند، ~~فثار الأساورة إلى قسيهم، فانتبه الملك فقال: ما شأنكم؟ أمسكوا، لم يكن ~~الله جل وعز ليلهمني الشخوص عن وطني اثنتي عشرة سنة فأسد ثغرا يكون عزا ~~لرعيتنا وردءا ومرتقى لعباده ثم يسلط علي دابة من دواب البحر. فتنحى ~~الأساورة وأقبل الطالع نحو ms107 الفند، فذكر الموبذ أن الله جل وعز أنطق ذلك ~~الحيوان فقال: أيها الملك أنا ساكن من سكان هذا البحر وقد رأيت هذا الفند ~~مشدودا سبع مرات وخرابا سبع مرات، وأوحى الله جل وعز إلينا معشر سكان هذا ~~البحر أن ملكا عصره عصرك وصورته صورتك يبعثه الله جل وعز يسد هذا الثغر إلى ~~الأبد، وأنت ذلك الملك، فأحسن الله على البر معونتك. # ثم غاب عن بصره كأنما غاب في البحر أو طار في الجو، وسأل أنوشروان عند ~~فراغه من ذلك السد من ذلك البحر، فقيل: هو ثلاثمائة فرسخ في مثلها وبينه ~~وبين بيضاء الخزر مسيرة أربعة أشهر على هذا الساحل ومن بيضاء الخزر إلى ~~الفند الذي بناه أسفندياذ مسيرة شهرين. فقال أنوشروان: لا بد من الوقوف ~~عليه والنظر إليه. قالوا: أيها الملك إنه طريق لا يطمع في سلوكه لموضع فيه ~~يقال له دهان شير، يريد فم الأسد، وفيه دردور لا يكاد تسلم فيه سفينة. قال ~~أنوشروان: لا بد من ركوب هذا البحر والنظر إلى هذا السد. # PageV01P059 # فقالوا: أيها الملك اتق الله في نفسك وفيمن معك! فقال: أتوكل على الله ~~الذي خلق هذا البحر وهو جل وعز ينجينا من دردوره ولا أحسب أني أمسح ايران ~~شهر شرقه وغربه وأعرف عدد جباله وأوديته إلا بعد ركوب هذا البحر وسلوكه إلى ~~البر. فهيئت له السفن وركب معه عدة من النساك حتى لججوا في البحر ووافوا ~~ذلك الذي يعرف بدهان شير فدفعوا إلى دردور هائل فبقوا فيه متحيرين لا يرون ~~منارا يجعلونه علما لهم ولا جبلا يقيمونه أمارة لمنصرفهم، فرجعوا على الملك ~~باللوم والعيب. فقال: أخلصوا نياتكم لله جل وعز وتضرعوا إليه، ففعلوا، ونذر ~~أنوشروان إن نجاه الله جل ذكره ليصدقن بخراج سبع سنين. قال: فرفعت له جزيرة ~~تعلوها الأمواج وفوق الجزيرة أسد في عظم جبل يتشرب الماء مؤخره وينحط من ~~فيه إلى ذلك الدردور، فبينا هم كذلك إذ بعث الله جل جلاله سمكة عظيمة فطفرت ~~حتى صارت في في الأسد، فسكن الدردور ونفذت السفينة ms108 حتى وصل إلى ما أراد ثم ~~انصرف إلى دار مملكته. # حماد قال: حدثني أبي قال: قال الأعشى في مدحه إياس بن قبيصة وذكره مسيره ~~إلى الروم حيث لقيه كسرى أبرويز بساتيدما، وهو جبل يزعم أهل العلم أنه دون ~~الجبال وأنه لا بد من أن يراق عليه دم كل يوم. قال الواقدي: بل هو محيط ~~بالدنيا، وزعموا أنه ليس في الأرض يوم إلا ويسفك عليه دم، وإنما سمي ~~ساتيدما معناه سيأتي دما، فكان من خبر إياس بن قبيصة أن كسرى أبرويز كان ~~رجلا سيء الظن وأنه بعث شهربراز إلى الروم في جيش عظيم فأعطي من الظفر ما ~~لم يعط أحد كان قبله، وهو الذي أصاب خزائن الملك التي كانت تسمى كنج ~~بادآورد، أي الكنز الذي جاءت منه به الريح، وكانوا حملوها ليحرزوها، ~~فضربتها الريح في الجزر من خليج البحر فأخذها وبعث بها إلى كسرى، فحسده ~~كسرى وحذره وبعث إليه برجل تقدم إليه في قتله، وكان الذي أتاه رجل من أهل ~~أذربيجان، فلما رأى جماله وهيئته قال: لا يصلح قتل هذا في غير جرم ولا حق، ~~فأخبره بما أمره به، فأرسل شهربراز إلى قيصر: إني أريد أن ألقاك. فالتقيا، ~~فقال له: إن هذا الخبيث قد أراد قتلي وإني والله لأريدن منه مثل الذي أراد ~~مني، فاجعل لي ما أطمئن إليه وأعطيك مثل ذلك، ولئن قتلته لتجلعن لي ما أغلب ~~عليه من الكور وأجعل لك أن لا أغزوك أبدا ولا أتناول شيئا من أرضك وأن ~~أعطيك من بيوت أموال كسرى مثل ما تنفق في مسيرك هذا، فأعطاه قيصر ما سأل، ~~وسار قيصر في أربعين ألف مقاتل وخلف شهربراز في أرض الروم وقد أخذ منه ~~العهود والمواثيق، ولم يعلم كسرى بذلك حتى دنا منه قيصر، فلما بلغه ذلك علم ~~أن شهربراز علم بما كان دبره من قتله، وكانت جنوده قد تفرقت في السواد ~~وغيرها، وكان كسرى قد أبغضه أهل مملكته وملوه وعرف حاله عند الناس، فاحتال ~~بحيل الرجال واستعمل المكر والدهاء فبعث إلى قس ms109 عظيم من النصارى يثق ملك ~~الروم بقوله فقال: إني أكتب معك كتابا لطيفا في حرير وأجعله في قناة إلى ~~شهربراز وجائزتك علي ألف دينار، وقد عرف كسرى أن القس يذهب بالكتاب إلى ملك ~~الروم، فكتب إلى شهربراز: إني كتبت إليك وقد دنا قيصر مني وقد أحسن الله جل ~~وعز إلي بصنيعك ونفوذ تدبيرك وقد فرقت لهم الجيوش وأنا تاركه حتى يدنو مني ~~وأثب عليه وثبة أستأصل شأفته بها، وإذا كان ذلك اليوم وهو يوم كذا وكذا ~~فأغر أنت علي من قبلك منهم فإنك تبيدهم وتهلكهم، وأرجو أن تكون لملك قيصر ~~مصطلما. فخرج القس بالكتاب حتى لقي قيصر، وقد كانت صورت لقيصر أرض العرب ~~والعراق وصورت له النهروان بغير حين المد، فلما انتهى إليه في المد وليس ~~عليه جسر وقرأ الكتاب من يد القس وقال: هذا هو الحق، ورجع منهزما مفلولا ~~واتبعه كسرى بإياس بن قبيصة الطائي فأدركهم بساتيدما مرعوبين مفلولين من ~~غير لقاء ولا قتال، فقتلوا قتل الكلاب ونجا قيصر في خواص من أصحابه، فمدح ~~الأعشى إياس بن قبيصة وكان قد أصابه مرض فقال: # ما تعيف اليوم في الطير الروح ... من غراب البين أو تيس برح # جالسا في نفر قد أيسوا ... في مقيل القد من صحب قزح # PageV01P060 # قال ابن الأعرابي وسأله حماد عن قوله: ما تعيف القوم في الطير الروح؟ ~~فقال: تطير الأعشى من مرض إياس إلى الزجر والفأل فقال لنفسه ما تعيف منه، ~~أي ما تكره منه، وهو آخر أمره إلى السلامة، فرجع قيصر وقد اتهم شهربراز فلم ~~يزل به حتى أمكنته الفرصة منه فقتله وعامة رجاله وأفناهم. # قيل: ولما تشاغل عبد الملك بن مروان بمقاتلة مصعب بن الزبير اجتمع وجوه ~~الروم إلى ملكهم وقالوا له: قد أمكنتك الفرصة من العرب فقد تشاغل بعضهم ~~ببعض ووقع بأسهم بينهم فالرأي أن تغزوهم في بلادهم فإنك تذلهم وتنال حاجتك ~~منهم، فنهاهم عن ذلك فأبوا عليه إلا أن يفعل، فلما رأى ذلك دعا بكلبين فأرش ~~بينهما فاقتتلا قتالا شديدا ثم دعا بثعلب ms110 فخلاه بينهما، فلما رأى الكلبان ~~الثعلب تركا ما كانا فيه وأقبلا على الثعلب حتى قتلاه، فقال ملك الروم: ~~هكذا العرب تقتتل بينها فإذا رأونا وهم مجتمعون تركوا ذلك وأقبلوا علينا، ~~فعرفوا صدقه ورجعوا عما كانوا عليه. # وعن بكار بن ماهويه قال: قال كسرى أبرويز لمنجمه: كيف يكون أجلي؟ فقيل ~~له: تقتل. فقال: والله لأقتلن قاتلي! فأمر بسم فخلط في أدوية وكتب عليه: ~~هذا دواء الجماع من أخذ منه وزن كذا جامع كذا مرة، وصيره في خزانة الطب، ~~فلما قتله ابنه شيرويه فتش خزانة أبيه فمر بذلك السم فقال في نفسه: بهذا ~~كان يقوى أبي على الجماع وعلى شيرين وغيرها، فأخذ منه فمات من ساعته. # وعن الهيثم عن ابن عياش قال: كان الحجاج حسودا لا تتم له صنيعة حتى ~~يفسدها، فوجه عمارة بن تميم اللخمي إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فظفر ~~به وصنع به ما صنع ورجع إلى الحجاج بالفتح فلم ير منه ما أحب وكره منافرته، ~~وكان عاقلا رفيقا، فجعل يترفق به ويداريه ويقول: أنت أيها الأمير أشرف ~~العرب فمن شرفته شرف ومن وضعته اتضع وما ينكر لك ذلك مع رفقك ويمنك ومشورتك ~~ورأيك، وما كان هذا كله إلا بصنع الله عز وجل وتدبيرك، وليس أحد أشكر ~~لصنيعك مني، ومن ابن الأشعث وما خطره! حتى عزم الحجاج على المضي إلى عبد ~~الملك فأخرج عمارة معه، فوفد عليه وعمارة يومئذ على أهل فلسطين أمير، فلم ~~يزل يلطف بالحجاج في مسيره ويعظمه حتى قدموا على عبد الملك، فلما قامت ~~الخطباء بين يديه وأثنت على الحجاج، قام عمارة فقال: يا أمير المؤمنين سل ~~الحجاج عن طاعتي ومناصحتي وبلائي. فقال الحجاج: يا أمير المؤمنين صنع وصنع، ~~ومن بأسه ونجدته وعفافه ومكيدته كذا وكذا، هو أيمن الناس نقيبة وأعلمهم ~~بتدبير وسياسة، ولم يبق غاية في الثناء عليه. فقال عمارة: أرضيت يا أمير ~~المؤمنين؟ قال: نعم، فرضي الله عنك، حتى قالها ثلاثا في كلها يقول: قد ~~رضيت، فقال عمارة: فلا رضي الله عن الحجاج ms111 يا أمير المؤمنين ولا حفظه ولا ~~عافاه! فهو والله السيء التدبير الذي قد أفسد عليك أهل العراق وألب عليك ~~الناس، وما أتيت إلا من قلة عقله وضعف رأيه وقلة بصره بالسياسة، ولك والله ~~أمثالها إن لم تعزله! فقال الحجاج: مه يا عمارة! فقال: لا مه ولا كرامة يا ~~أمير المؤمنين، كل امرأة له طالق وكل مملوك له حر إن سار تحت راية الحجاج ~~أبدا! فقال عبد الملك: ما عندنا أوسع لك، فلما انصرف عمارة إلى منزله بعث ~~إليه الحجاج وقال: أنا أعلم أنه ما خرج هذا عنك إلا معتبة ولك عندي الغنى ~~ولك ولك. فأرسل إليه: ما كنت أظن أن عقلك على هذا. أرجع إليك بعد الذي كان ~~من طعني وقولي عند أمير المؤمنين! لا ولا كرامة لك. # PageV01P061 # وعن الهيثم بن الحسن بن عمارة قال: قدم شيخ من خزاعة أيام المختار فنزل ~~على عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، فلما رأى ما تصنع شيعة المختار به من ~~الإعظام له جعل يقول: يا عباد الله أبالمختار يصنع هذا؟ والله لقد رأيته ~~تبيع الإماء بالحجاز! فبلغ ذلك المختار فدعا به فقال: ما هذا الذي يبلغني ~~عنك؟ قال: الباطل، فأمر بضرب عنقه، فقال: لا والله لا تقدر على ذلك! قال: ~~ولم؟ قال: أما دون أن أنظر إليك وقد فتحت مدينة الدمشق حجرا حجرا وقتلت ~~المقاتلة وسبيت الذرية ثم تصلبني على شجرة على نهر! والله إني لأعرف الشجرة ~~الساعة وأعرف شاطيء ذلك النهر! قال: فالتفت المختار إلى أصحابه فقال لهم: ~~أما إن الرجل قد عرف الشجرة، فحبس حتى إذا كان الليل بعث إليه فقال: يا أخا ~~خزاعة ومزاح عند القتال! فقال: أنشدك الله أن أقتل ضياعا! قال: وما تطلب ها ~~هنا؟ قال: أربعة آلاف درهم أقضي بها ديني. قال: ادفعوها إليه وإياك أن تصبح ~~بالكوفة، فقبضها وخرج. # وعنه قال: كان سراقة البارقي من ظرفاء أهل المدينة فأسره رجل من أصحاب ~~المختار فأتى به المختار وقال: أسرت هذا، فقال: كذبت والله ما أسرني هذا ~~إنما أسرني ms112 رجل عليه ثياب بيض على فرس أبلق! فقال المختار: أما إن الرجل قد ~~عاين، يعني الملائكة، خلوا سبيله، فلما أفلت أنشأ يقول: # ألا أبلغ أبا إسحاق عني ... رأيت الدهم بلقا مصمتات # أري عيني ما لم تبصراه ... كلانا مولع بالترهات # كفرت بدينكم وجعلت نذرا ... علي قتالكم حتى الممات # وعنه قال: خرج الأخوص بن جعفر المخزومي يتغدى في دير اللج وذلك في يوم ~~شديد البرد ومعه حمزة بن بيض وسراقة البارقي، فلما كانا على ظهر الكوفة ~~وعليه الوبر والخز وعليهما أطمار قال حمزة لسراقة: أين يذهب بنا هذا في هذا ~~البرد ونحن في أطمارنا؟ قال سراقة: أن أكفكيه. فبينا هو يسير إذ لقيهم راكب ~~مقبل فحرك سراقة دابته نحوه وافقه ساعة ولحق بالأخوص، فقال: ما خبرك به ~~الراكب؟ قال: زعم أن خوارج خرجت بالقطقطانة، قال: بعيد. قال: إن الخوارج ~~تسير في ليلة ثلاثين فرسخا وأكثر، وكان الأخوص أحد الجبناء فثنى رأس دابته ~~وقال: ردوا طعامنا نتغدى في المنزل، فلما حاذى منزله قال لأصحابه: ادخلوا، ~~ومضى إلى خالد بن عبد الله القسري فقال: قد خرجت خارجة بالقطقطانة، فنادى ~~خالد في العسكر فجمعهم ووجه خيلا تركض نحو دير اللج لتعرف الخبر، فانصرفوا ~~وأعلموه أنه لا أصل للخبر، فقال للأخوص: من أعلمك هذا؟ قال: سراقة، قال: ~~وأين هو؟ قال: في منزلي، فأرسل إليه من أتاه به فقال: أنت أخبرته عن ~~الخارجة؟ قال: ما فعلت أصلح الله الأمير، فقال له الأخوص: أوتكذبني بين يدي ~~الأمير؟ قال خالد: ويحك اصدقني! قال: نعم أخرجنا في هذا البرد وقد ظاهر ~~الخز والوبر ونحن في أطمارنا هذه فأحببت أن أرده، فقال له خالد: ويحك وهذا ~~مما يتلاعب به؟! وكان سراقة ظريفا شاعرا وهو الذي يقول: # قالوا سراقة عنين فقلت لهم: ... ألله يعلم أني غير عنين # فإن ظننتم بي الشيء الذي زعموا ... فقربوني من بنت ابن يامين # وذكروا أن شبيب بن يزيد الخارجي مر بغلام مستنقع في ماء الفرات فقال له: ~~يا غلام اخرج إلي أسائلك، فعرفه الغلام، فقال: إني أخاف، ms113 أفآمن أنا إن خرجت ~~حتى ألبس ثيابي؟ قال: نعم، فخرج وقال: والله لا ألبسها اليوم، فضحك شبيب ~~وقال: خدعني ورب الكعبة! ووكل به رجلا من أصحابه يحفظه ألا يصيبه أحد من ~~أصحابه بمكروه. # قال: وكان رجل من الخوارج قال في قصيدة له: # ومنا يزيد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب # فسار البيت حتى سمعه عبد الملك بن مروان فأمر بطلب قائله، فأتي به، فلما ~~وقف بين يديه قال: أنت القائل: ومنا أمير المؤمنين شبيب؟ قال: لم أقل هكذا ~~يا أمير المؤمنين، قال: فكيف قلت؟ قال: قلت ومنا أمير المؤمنين شبيب، فضحك ~~عبد الملك وأمر بتخلية سبيله، فتخلص بحيلته وفطنته لإزالة الإعراب عن الرفع ~~إلى النصب. # PageV01P062 # وزعموا أن عمرو بن معدي كرب الزبيدي هجم في بعض غاراته على شابة جميلة ~~منفردة فأخذها، فلما أمعن بها بكت، فقال: ما يبكيك؟ قالت: أبكي لفراق بنات ~~عمي، كن مثلي في الجمال وأفضل مني، خرجت معهن فانقطعنا عن الحي، قال: وأين ~~هن؟ قالت: خلف ذلك الجبل ووددت إذ أخذتني أخذتهن، فأخذ إلى الموضع الذي ~~وصفته فما شعر بشيء حتى هجم على فارس شاك في السلاح فعرض عليه المصارعة ~~فصرعه الفارس ثم عرض عليه ضروبا من المناوشة فغلبه الفارس في كلها، فسأله ~~عمرو عن اسمه فإذا هو ربيعة بن مكدم، فاستنقذ الجارية منه. # وعن عطاء أن مخارق بن عفان ومعن بن زائدة لقيا رجلا ببلاد الشرك ومعه ~~جارية لم يريا مثلها شبابا وجمالا فصاحا بها ليخلي عنها، ومعه قوس فرمى ~~وهابا الإقدام عليه، ثم عاد ليرمي فانقطع وتره وسلم الجارية وأسند في جبل ~~كان قريبا منه، فابتدرا الجارية وفي أذنها قرط فيه درة فانتزعه بعضهما من ~~أذنها، فقالت: وما قدر هذا؟ لو رأيتما درتين معه في قلنسوته، وفي القلنسوة ~~وتر قد أعده فنسيه من الدهش! فلما سمع قول المرأة ذكر الوتر فأخرجه وعقده ~~في قوسه، فوليا ليست لهما همة إلا النجاء وخليا عن الجارية. # قيل: واستودع رجل رجلا مالا ثم طالبه به فجحده، فخاصمه إلى إياس ms114 بن ~~معاوية القاضي وقال: دفعت إليه مالا في مكان كذا وكذا، قال: فأي شيء كان في ~~ذلك الموضع؟ قال: شجرة، قال: فانطلق إلى ذلك الموضع وانظر إلى تلك الشجرة ~~فلعل الله أن يوضح لك هناك ما تبين به حقك أو لعلك دفنت مالك عند الشجرة ~~فنسيت فتذكر إذا رأيت الشجرة، فمضى، وقال إياس للمطلوب منه: اجلس حتى يرجع ~~صاحبك، فجلس وإياس يقضي وينظر إليه بين كل ساعة ثم قال: ترى صاحبك بلغ موضع ~~الشجرة؟ قال: لا، فقال: يا عدو الله أنت الخائن! قال: أقلني أقالك الله! ~~فأمر بحفظه حتى جاء خصمه فقال له: خذه بحقك فقد أقر. # قال: واستودع رجل رجلا كيسا فيه دنانير فغاب وطالت غيبته فشق المستودع ~~الكيس من أسفله وأخذ الدنانير وجعل مكانها دراهم وخيطه والخاتم على حاله، ~~فجاء الرجل بعد ست عشرة سنة فقال: مالي. وطالب به، فأعطاه الكيس بخاتمه، ~~فنظر إليه وإذا ماله دراهم، فأحضره مجلس إياس، فقال إياس للطالب: ماذا ~~تقول؟ قال: أعطيته كيسا فيه دنانير، فقال: منذ كم؟ قال: فإذا ست عشرة سنة، ~~قال: فضا الخاتم، ففضاه، فقال: انثرا ما فيه، فنثراه، فإذا هي دراهم بعضها ~~من ضرب عشر سنين وأكثر وأقل، فأقر بالدنانير وألزمه إياها حتى خرج منها. # قال: وأودع رجل رجلا من أمناء إياس مالا وحج، فلما رجع طالبه فجحده، فأتى ~~إياسا فأخبره، فقال: أتعلم أنك أخبرت غيري بذلك؟ قال: لا، قال: فهل علم أنك ~~أعلمتني؟ قال: لا، قال: أفنازعته بحضرة أحد؟ قال: لا، قال: فانصرف واكتم ~~أمرك ثم عد إلي، ودعا إياس أمينه ذلك فقال: قد حضر مال كثير وقد رأيت أن ~~أودعك إياه وأصيره عندك فارتد له موضعا وأتني بمن يحمله معك. فمضى الأمين، ~~وعاد الرجل إلى إياس فقال له: انطلق إلى صاحبك فطالبه بمالك فإن أعطاك وإلا ~~فقل إنك تعلمني، فأتاه فقال له: اعطني مالي وإلا أتيت القاضي فأعلمته، فدفع ~~إليه ماله، وصار إلى إياس فقال: قد رد مالي علي، وجاء الأمين إلى إياس في ~~موعده فانتهره وقال: ms115 اخرج عني يا خائن. # قال: وأراد معاوية أن يوجه ابنه يزيد إلى غزو الصائفة وكره يزيد ذلك ~~وأنشأ يقول: # تجنى لا تزال تعد ذنبا ... لتقطع وصل حبلك عن حبالي # فيوشك أن يريحك من أذاتي ... نزولي في المهالك وارتحالي # PageV01P063 # وخرج وخرج الناس معه، وفيمن خرج أبو أيوب الأنصاري، فلما قرب من ~~قسطنطينية اشتكى أبو أيوب فأتاه يزيد عائدا، فقال له: ما حاجتك؟ قال: أما ~~دنياكم فلا حاجة لي فيها ولكن سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: ~~يدفن بجنب قسطنطينية رجل صالح وقد رجوت أن أكونه فقدمني ما قدرت عليه، فمات ~~فلما فرغ من جهازه ووضع على سريره قدم الكتائب بين يديه، فنظر قيصر ورأى ~~أمرا عجيبا وشيئا يحمل والناس بالسلاح تحته، فأرسل إليه: ما هذا الذي نرى؟ ~~قال يزيد: هذا صاحب نبينا، صلى الله عليه وسلم، أوصى أن ندفنه إلى جنب ~~مدينتكم ونحن ننفذ وصيته أو نموت دونه، فأرسل إليه: العجب من الناس! وما ~~يذكرونه من دهاء أبيك وهو يبعثك في هذا البعث تدفن صاحب نبيك بجنب مدينتي ~~فإذا وليت عنه نبشته فطرحته للكلاب، فأرسل إليه يزيد: إني ما أردت أن أجنه ~~حتى أودع مسامعك كلامي، وكفرت بالذي أكرمت له هذا الميت، لئن تعرضت له لا ~~تركت في أرض العرب نصرانيا إلا سفكت دمه واستصفيت ماله وسبيت حرمه، فأرسل ~~إليه قيصر: كان أبوك أعرف لك مني وإني أحلف بحق المسيح، عليه السلام، لا ~~يحرسه سنة أحد غيري. # PageV01P064 # وعن بعض مشايخ المدينة قال: كانت عند عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ~~رضوان الله عليهما، جارية مغنية يقال لها عمارة، فلما وفد عبد الله على ~~معاوية خرج بها معه فزاره يزيد ذات يوم وأقام عنده، فأخرجها إليه فلما نظر ~~إليها وسمع غناءها وقعت في نفسه فأخذه عليها ما لم يملك نفسه معه وجعل ~~يمنعه من أن يبوح به مكان أبيه مع يأسه من الظفر بها، فلم يزل يكاتمه إلى ~~أن مات معاوية وأفضى إليه الأمر وتقلد الخلافة يزيد، فاستشار بعض ms116 من يثق به ~~في أمرها فقال: إن أمر عبد الله لا يرام، وأنت لا تستجيز إكراهه ولا يبيعها ~~بشيء أبدا وليس يغني في هذا الأمر إلا الحيلة، قال: اطلب لي رجلا عاقلا من ~~أهل العراق ظريفا أديبا له معرفة ودراية، فطلبوه فأتوه به، فلما دخل عليه ~~استنطقه فرأى بيانا وحلاوة وفقها، فقال له: إني دعوتك لأمر إن ظفرت به فهو ~~حظوتك آخر الدهر ويد أكافيك عليها، ثم أخبره بأمره، فقال: يا أمير المؤمنين ~~إن عبد الله بن جعفر ما يرام ما قبله إلا بالخديعة وإن يقدر على ما سألت ~~رجل فأرجو أن أكونه والقوة بالله، فأعني يا أمير المؤمنين بالمال، قال: خذ ~~ما أحببت، فأخذ واشترى من طرف الشام وثياب مصر ومتاعها للتجارة ومن الرقيق ~~والدواب وغير ذلك حاجته وشخص إلى المدينة فأناخ بعرصة عبد الله بن جعفر ~~واكترى منزلا إلى جانبه ثم توسل إليه وقال: أنا رجل من أهل العراق وقدمت ~~بتجارة فأحببت أن أكون في جوارك وكنفك إلى أن أبيع ما جئت به، فبعث عبد ~~الله إلى قهارمته وقال: أكرموا جارنا وأوسعوا عليه المنزل، فلما اطمأن ~~العراقي وسلم عليه أياما وعرفه نفسه هيأ له بغلة فارهة وثيابا من ثياب ~~العراق وألطافا وبعث بها إليه وكتب رقعة يقول فيها: يا سيدي أنا رجل تاجر ~~ونعمة الله علي سابغة وعندي احتمال وقد بعثت إليك بشيء من اللطف وهو كذا ~~ومن الثياب والعطر وبعثت إليك ببغلة خفيفة العنان وطية الظهر فاتخذها لرحلك ~~وأنا أسألك بقرابتك من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا قبلت هديتي ولم ~~توحشني بردها فإني أدين الله عز وجل بحبك وحب أهل بيتك، وإن أفضل ما في ~~سفري هذا أن أستفيد الأنس بك وأتشرف بمواصلتك، وأمر عبد الله بقبض هديته ~~وخرج إلى الصلاة، فلما رجع مر بالعراقي في منزله فقام إليه وقبل يده وسلم ~~عليه واستكثر منه، فرأى أدبا وظرفا وحلاوة وفصاحة فأعجب به وسر بنزوله ~~عليه، فجعل العراقي يبعث كل يوم بلطف إلى عبد الله وبطرف، ms117 فقال عبد الله: ~~جزى الله ضيفنا هذا خيرا فقد ملأنا شكرا وأعيانا عن مجازاته، فإنهما لكذلك ~~إذ دعاه عبد الله ودعا بعمارة وجواريه، فلما تعشيا وطاب لهما وسمع غناء ~~عمارة تعجب وجعل يزيد في عجبه إذ رأى ذلك يسر عبد الله إلى أن قال له: رأيت ~~مثل عمارة؟ قال: لا والله يا سيدي ما رأيت مثلها وما تصلح إلا لك وما ظننت ~~أنه يكون في الدنيا مثل هذه حسن وجه وحذق عمل! قال: كم تساوي عندك؟ قال: ما ~~لها ثمن إلا الخلافة، قال: تقول هذا لما ترى من رأيي فيها ولتجلب سروري! ~~قال: والله يا سيدي إني لأحب سرورك وما قلت لك إلا الجد، وبعد فإني رجل ~~تاجر أجمع الدرهم إلى الدرهم طلبا للربح ولو أعطيتها بعشرة آلاف دينار ~~لأخذتها، قال عبد الله: بعشرة آلاف دينار؟ قال: نعم، ولم يكن في ذلك الزمان ~~جارية بعشرة آلاف دينار، فقال عبد الله كالمازح: أنا أبيعكها بعشرة آلاف ~~دينار! قال: قد أخذتها، قال: هي لك، قال: قد وجب البيع، وانصرف العراقي. ~~فلما أصبح لم يشعر عبد الله إلا والمال قد وافاه، فقال عبد الله: بعث ~~العراقي بالمال؟ قالوا: نعم بعشرة آلاف دينار وقال هذه ثمن عمارة، فردها ~~إليه وقال: إنما كنت أمزح معك وما أعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها، قال: جعلت ~~فداك إن الجد والهزل في البيع سواء! قال له عبد الله: ويحك لا أعلم موضع ~~جارية تساوي ما بذلت ولو كنت بائعها من أحد لآثرتك ولكني كنت أمازحك وما ~~أبيعها بملك الدنيا لحرمتها بي وموقعها من قلبي، قال له العراقي: فإن كنت ~~مازحا فإني كنت جادا، وما اطلعت على ما نفسك، وقد ملكت الجارية وبعثت ~~بالثمن وليست تحل لك وما من أخذها بد، فمنعه إياها، فخرج العراقي وهو يقول: ~~أستحلفك في مجلس أمير المؤمنين، فلما رأى عبد الله الجد منه قال: بئس ~~الضيف! ما طرقنا طارق ولا نزل بنا ضيف أعظم بلية علينا منك، تحلفني فيقول ~~الناس اضطهده # PageV01P065 # وقهره وألجاه إلى ms118 أن استحلفه، أما والله ليعلمن أني سأبلي في هذا الأمر ~~الصبر وحسن العزائم وجميل العزاء! ثم أمر قهرمانه بقبض المال وتجهيز ~~الجارية بما يشبهها من الثياب والخدم والطيب والمركب، فجهزت بنحو من ثلاثة ~~آلاف دينار، ثم سلمها إلى قهرمانه وقال: أوصل الجارية إليه مع ما معها وقل ~~هذا لك ولك عندنا عوض مما ألطفتنا به، فقبض العراقي الجارية وخرج، فلما برز ~~من المدينة قال لها: يا عمارة إني والله ما ملكتك قط ولا أنت لي ولا مثلي ~~يشتري جارية بعشرة آلاف دينار، وما كنت لأقدم على عبد الله بن جعفر فأسلبه ~~أحب الناس إليه لنفسي ولكني دسيس من قبل أمير المؤمنين يزيد وأنت له وفي ~~طلبك بعثني فاستتري مني فإن دخلني الشيطان في أمرك أو تاقت نفسي إليك ~~فامتنعي، ثم مضى بها حتى ورد دمشق فتلقاه الناس يحملون جنازة يزيد وقد ~~استخلف ابنه معاوية، فأقام الرجل أياما ثم تلطف للدخول عليه فشرح له القصة، ~~فقال: هي لك، فارتحل العراقي وقال للجارية: إني قلت لك ما قلت حين أخرجتك ~~من المدينة لأني لم أملكك وقد صرت الآن لي وأنا أشهدك أني قد وهبتك لعبد ~~الله بن جعفر، فخرج بها حتى قدم المدينة فنزل قريبا من عبد الله، فدخل عليه ~~بعض خدمه فقال: هذا العراقي ضيفك الصانع بنا ما صنع لا حياه الله قد نزل! ~~فقال: مه أنزلوا الرجل واكرموا مثواه، فأرسل إلى عبد الله: إن أذنت، جعلت ~~فداك، لي في الدخول عليك دخلة خفيفة أشافهك فيها بحاجتي وأخرج. فأذن له، ~~فلما دخل عليه خبره بالقصة وحلف له بالمحرجات من الأيمان أنه ما رأى لها ~~وجها إلا عنده وها هي ذه، فأدخلها الدار، فلما رآها أهل الدار والحشم ~~تصايحوا ونادوا: عمارة عمارة! فلما رأت عبد الله خرت مغشيا عليها، وجعل عبد ~~الله يمسح وجهها بكمه ويقول: يا حبيبتي أحلم هذا؟ فقال له العراقي: بل ردها ~~الله إليك بوفائك وكرمك، فقال عبد الله: قد علم الله كيف كان الأمر، فالحمد ~~لله على كل ms119 حال، ثم أمر ببيع عير له بثلاثة عشر ألف دينار وأمر بها ~~للعراقي، فانصرف إلى العراق وافر العرض والمال. هره وألجاه إلى أن استحلفه، ~~أما والله ليعلمن أني سأبلي في هذا الأمر الصبر وحسن العزائم وجميل العزاء! ~~ثم أمر قهرمانه بقبض المال وتجهيز الجارية بما يشبهها من الثياب والخدم ~~والطيب والمركب، فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار، ثم سلمها إلى قهرمانه ~~وقال: أوصل الجارية إليه مع ما معها وقل هذا لك ولك عندنا عوض مما ألطفتنا ~~به، فقبض العراقي الجارية وخرج، فلما برز من المدينة قال لها: يا عمارة إني ~~والله ما ملكتك قط ولا أنت لي ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار، وما ~~كنت لأقدم على عبد الله بن جعفر فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي ولكني دسيس من ~~قبل أمير المؤمنين يزيد وأنت له وفي طلبك بعثني فاستتري مني فإن دخلني ~~الشيطان في أمرك أو تاقت نفسي إليك فامتنعي، ثم مضى بها حتى ورد دمشق ~~فتلقاه الناس يحملون جنازة يزيد وقد استخلف ابنه معاوية، فأقام الرجل أياما ~~ثم تلطف للدخول عليه فشرح له القصة، فقال: هي لك، فارتحل العراقي وقال ~~للجارية: إني قلت لك ما قلت حين أخرجتك من المدينة لأني لم أملكك وقد صرت ~~الآن لي وأنا أشهدك أني قد وهبتك لعبد الله بن جعفر، فخرج بها حتى قدم ~~المدينة فنزل قريبا من عبد الله، فدخل عليه بعض خدمه فقال: هذا العراقي ~~ضيفك الصانع بنا ما صنع لا حياه الله قد نزل! فقال: مه أنزلوا الرجل ~~واكرموا مثواه، فأرسل إلى عبد الله: إن أذنت، جعلت فداك، لي في الدخول عليك ~~دخلة خفيفة أشافهك فيها بحاجتي وأخرج. فأذن له، فلما دخل عليه خبره بالقصة ~~وحلف له بالمحرجات من الأيمان أنه ما رأى لها وجها إلا عنده وها هي ذه، ~~فأدخلها الدار، فلما رآها أهل الدار والحشم تصايحوا ونادوا: عمارة عمارة! ~~فلما رأت عبد الله خرت مغشيا عليها، وجعل عبد الله يمسح وجهها بكمه ويقول: ~~يا حبيبتي أحلم هذا؟ ms120 فقال له العراقي: بل ردها الله إليك بوفائك وكرمك، ~~فقال عبد الله: قد علم الله كيف كان الأمر، فالحمد لله على كل حال، ثم أمر ~~ببيع عير له بثلاثة عشر ألف دينار وأمر بها للعراقي، فانصرف إلى العراق ~~وافر العرض والمال. # PageV01P066 # أبو محارب قال: قال معاوية بن أبي سفيان: إن عمرو بن العاص قد احتجن عنا ~~خراج مصر، فعزله واستعمل أبا الأعور السلمي، فبلغ عمرا الخبر فدعا وردان ~~مولاه وقال له: ويحك عزلني أمير المؤمنين! قال: فمن استعمل؟ قال: أبا ~~الأعور، قال: دعني وإياه أصنع له طعاما ولا ينظر في كتابه حتى يأكل، قال: ~~نعم، فلما قدم عليه أخرج الكتاب بتسليم العمل إليه، فقال عمرو: ما تصنع ~~بالكتاب؟ لو جئتنا برسالة لقبلنا ذلك منك، فقال وردان: ضع الكتاب وكل، فقال ~~أبو الأعور لعمرو: انظر في الكتاب، قال: ما أنا بناظر فيه حتى تأكل، فوضعه ~~إلى جانبه وجعل يأكل، فاستدار وردان فاتخذه، فلما فرغ أبو الأعور من غدائه ~~طلب الكتاب فلم يجده فقال: أين كتابي؟ فقال له عمرو: أوليس جئتنا زائرا ~~لنحسن إليك؟ قال: بل استعملني أمير المؤمنين وعزلك! قال: مهلا لا يظهرن هذا ~~منك فإنه قبيح ونحن نصلك ونحسن إليك، فرضي بالصلة، وبلغ معاوية الخبر ~~فاستضحك وتعجب من فعله وأقر عمرا على عمله. # وعن الشعبي قال: كتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية، وكان خاف العزل: قد ~~كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي وسفهني سفهاء قريش وأمير المؤمنين أولى ~~بعمله. فكتب إليه معاوية: أما ما ذكرت من كبر سنك فأنت أكلت عمرك، وأما ~~اقتراب أجلك فلو أستطيع دفع الموت عن أحد دفعته عن نفسي وعن آل أبي سفيان، ~~وما ذكرت من سفهاء قريش فحلماؤها أنزلتك هذه المنزلة، وأما العمل فاصبر ~~رويدا يدرك الهيجاء حمل. فاستأذنه في القدوم عليه فأذن له، فوافاه، فقال له ~~معاوية: يا مغيرة كبرت سنك واقترب أجلك ولم يبق منك شيء وسأستبدل بك، ~~فانصرف فرأى أصحابه الكآبة في وجهه فقالوا: ما لك؟ قال: قال لي كيت وكيت، ~~قالوا ms121 له: فما تريد أن تصنع؟ قال: ستعلمون، قال: فأتى معاوية فقال له: يا ~~أمير المؤمنين إن الإنسان يغدو ويروح، ولست في زمن أبي بكر ولا عمر، فلو ~~أنك نصبت لنا إنسانا نصير إليه بعدك، كان الرأي على أني قد كنت دعوت أهل ~~العراق إلى يزيد، قال: يا أبا محمد انصرف إلى عملك واحكم هذا الأمر لابن ~~أخيك. قال: فأقبل على البريد يركض وقال: قد والله وضعت رجله في ركاب طويل ~~الركض، قال: فذاك هو الذي بعث معاوية على أخذ البيعة ليزيد. ### | مساوئ العي وضعف العقل # PageV01P067 # قال ثمامة صاحب الكلام: كان المأمون قد هم بلعن معاوية وأن يكتب بذلك ~~كتابا في الطعن عليه، قال: ففثأه عن ذلك يحيى بن أكثم وقال: يا أمير ~~المؤمنين العامة لا تحتمل هذا ولا سيما أهل خراسان ولا تأمن أن يكون لهم ~~نفرة ونبوة لا تستقال ولا يدرى ما تكون عاقبتها، والرأي أن تدع الناس على ~~ما هم عليه ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق فإن ذلك أصلح في ~~السياسة وآمن في العاقبة وأجرى في التدبير، فركن إلى قوله، فلما دخلت عليه ~~قال: يا ثمامة قد علمت ما كنا دبرناه في أمر معاوية وقد عارضنا رأي هو أصلح ~~في تدبير المملكة وأبقى ذكرا في العامة، ثم أخبرني أن يحيى بن أكثم حذره ~~وأخبره بنفور العامة عن مثل هذا الرأي، فقلت: يا أمير المؤمنين والعامة ~~عندك في هذا الموضع الذي وضعها فيه يحيى، والله لو بعثت إليها إنسانا على ~~عاتقه سواد ومعه عصا لساق إليك منها عشرة آلاف! والله يا أمير المؤمنين ما ~~رضي الله جل وعز أن سواها بالأنعام حتى جعلها أضل سبيلا، فقال تبارك ~~وتعالى: " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم ~~أضل سبيلا "، والله لقد مررت يا أمير المؤمنين منذ أيام في شارع الخلد وأنا ~~أريد الدار فإذا إنسان قد بسط كساءه وألقى عليه أدوية وهو قائم ينادي: هذا ~~الدواء للبياض في العين والغشاوة والظلمة ms122 وضعف البصر، وإن إحدى عينيه ~~لمطموسة والأخرى مؤلمة، وقد تألبوا عليه واحتفلوا إليه، فنزلت عن دابتي ~~ودخلت بين تلك الجماعة فقلت: يا هذا أرى عينيك أحوج الأعين إلى العلاج وأنت ~~تصف هذا الدواء وتخبر أنه شفاء! فما بالك يا هذا لا تستعمله؟ قال: أنا في ~~هذا الموضع منذ عشرين سنة ما رأيت شيخا قط أجهل منك ولا أحمق! قلت: وكيف ~~ذاك؟ قال: يا جاهل أتدري أين اشتكت عيني؟ قلت: لا، قال: بمصر، فأقبل علي ~~الجماعة فقالت: صدق والله أنت جاهل، وهموا بي، فقلت: والله ما علمت أن عينه ~~اشتكت بمصر! فتخلصت منهم بهذه الحجة. قال: فضحك المأمون وقال: ما لقيت من ~~الله جل ذكره من سوء الثناء وقبح الذكر أكثر، قلت: أجل. # وقيل: إنه كان رجل من المعتزلة وكان له جار يرى رأي الخوارج، وكان كثير ~~الصلاة والصيام حسن العبادة، فقال المعتزلي لرجلين من أصحابه: مرا بنا إلى ~~هذا الرجل فنكلمه لعل الله جل وعز ينقذه من الهلكة بنا ويهديه من الضلالة، ~~فأتوه وكلموه فأصغى إلى كلامهم، فلما سكتوا انتعل وقام ومعه القوم حتى وقف ~~على باب المسجد فرفع صوته بالقراءة واجتمع إليه الناس، وقعد الرجل وصاحباه، ~~فقرأ ساعة حتى أبكى الناس ثم وعظ فأحسن ثم ذكر الحجاج فقال: أحرق المصاحف ~~وهدم الكعبة وفعل وفعل فالعنوه لعنه الله! فلعنه الناس ورفعوا أصواتهم، ثم ~~قال: يا قوم وما علينا من ذنوب الحجاج ومن أن يغفر الله عز وجل له ولنا معه ~~فإنا كلنا مذنبون، لقد كان الحجاج غيورا على حرم المسلمين تاركا للغدر ~~ضابطا للسبيل عفيفا عن المال لم يتخذ ضيعة ولم يكن له مال فما علينا إن ~~نترحم عليه فإن الله عز وجل رحيم يحب الراحمين، ثم رفع يده ودعا بالمغفرة ~~للحجاج ورفع القوم أيديهم وارتفعت الأصوات بالاستغفار مليا، قال الرجل ~~المعتزلي وهو يلاحظني، فلما فرغ وانصرف ضرب بيده إلى منكبي وقال: هل رأيت ~~مثل هؤلاء القوم لعنوه واستغفروا له في ساعة واحدة، أتنهى عن دماء أمثال ~~هؤلاء؟ والله لأجاهدنهم ms123 مع كل من أعانني عليهم. ### | محاسن التيقظ # قيل: كان أردشير من أشد خلق الله فحصا وبحثا عن سرائر خاصته وعامته ~~وإذكاء للعيون عليهم وعلى الرعية، وكان يقول: إنما سمي الملك راعيا ليفحص ~~عن دفائن رعيته، ومتى غفل الملك عن تعرفه ذلك فليس له من رسم الراعي إلا ~~اسمه ومن الملك إلا ذكره، ويقال: إنه كان يصبح فيعلم كل شيء جرى في دار ~~مملكته خير أم شر ويمسي فيعلم كل شيء أصبحوا عليه، فكان متى شاء قال ~~لأرفعهم وأوضعهم: كان عندك في هذه الليلة كيت وكيت، ثم يحدثه بكل ما كان ~~فيه إلى أن أصبح، وكان بعضهم يقول: يأتيه ملك من السماء فيخبره، وما كان ~~ذلك إلا لتيقظه وكثرة تعهده لأمور رعيته. # PageV01P068 # ويقال: إن الأمم كلها، أولها وآخرها، قديمها وحديثها، لم تخف ملوكها ~~خوفها أردشير من ملوك العجم وعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، من ملوك العرب ~~والإسلام، فإن عمر، رضي الله عنه، كان علمه بمن نأى من عماله ورعيته كعلمه ~~بمن بات معه على مهاد، فلم يكن له في قطر من الأقطار ولا ناحية من النواحي ~~أمير ولا عامل إلا وله عليه عين لا يفارقه، فكان أخبار النواحي كلها عنده ~~كل صباح ومساء، حتى إن العامل كان يتوهم على أقرب الخلق إليه وأخصهم به، ~~فساس الرعية سياسة أردشير في الفحص عنها وعن أسرارها، ثم اقتفى معاوية فعله ~~وطلب أثره، فانتظم له أمره وطالت في الملك مدته. # وكذا كان زياد بن أبي سفيان يحتذي فعل معاوية كاحتذاء معاوية فعل عمر، ~~رحمه الله، في تعرف أمور رعيته وممالكه، وفي ما يحكى عنه أن رجلا كلمه في ~~حاجة له فتعرف إليه وهو يظن أنه لا يعرفه فقال: أصلح الله الأمير، أنا فلان ~~بن فلان، فتبسم زياد وقال: أتتعرف إلي وأنا أعرف منك بنفسك؟ والله إني ~~لأعرفك وأعرف أباك وأمك وجدك وجدتك وأعرف هذا البرد الذي عليك وهو لفلان! ~~فبهت الرجل وأرعد حتى كاد يغشى عليه. # وعلى هذا كان عبد الملك بن مروان والحجاج ms124 ولم يكن بعد هؤلاء الثلاثة أحد ~~في مثل هذه السياسة حتى ملك المنصور فكان أكبر الأمور عنده معرفة الرجال ~~حتى عرف العدو من الولي والموادع والمسالم من المشاغب فساس الرعية على ذلك، ~~ثم درست هذه السياسة حتى ملك الرشيد فكان أشد الملوك بحثا عن أسرار رعيته ~~وأكثرهم بها عناية وأحزمهم فيها أمرا. # وعلى هذا كان المأمون في أيامه، والدليل على أمر المأمون رسالته إلى ~~إسحاق بن إبراهيم في الفقهاء وأصحاب الحديث وهو بالشام خبر فيها عن عيب ~~واحد واحد وعن نحلته وعن أموره التي خفيت أو أكثرها على القريب والبعيد، ~~ولم يكن أحد من ذوي السلطان الأعظم أشد فحصا وبحثا عن أمور الناس حتى بلغ ~~هذا المبلغ في الاستقصاء وجعله أكبر شغله وأكثره في ليله ونهاره من إسحاق ~~بن إبراهيم. # حدثني موسى بن صالح بن شيخ قال: كلمته في امرأة من بعض أهلنا وسألته ~~النظر لها فقال: يا أبا محمد من قصة هذا المرأة ومن فعلها، قال: فوالله ما ~~زال يحدثني ويخبرني عن قصتها ويصف أحوالها حتى بهت. # وحدث أبو البرق الشاعر قال: كان يجري علي أرزاقا فدخلت عليه فقال بعد أن ~~أنشدته: كم عيالك؟ تحتاج في كل شهر من الدقيق إلى كذا ومن الحطب إلى كذا، ~~فأخبرني بشيء من أمر منزلي جهلت بعضه وعلمه كله. # وحدث بعض من كان في ناحتيه قال: رفعت إليه قصة أسأله فيها أجرا وأرزاقا، ~~فقال: كم عيالك؟ فزدت في العدد، فقال: كذبت، فبهت وقلت: يا نفس من أين علم ~~أني كذبت! فأقمت سنة أخرى لا أجسر على كلامه ثم رفعت إليه القصة، فقال: كم ~~عيالك؟ فقلت: كذا، قال: صدقت، ووقع في القصة: يجرى على عياله كذا وكذا. # PageV01P069 # ويقال: إن كسرى أبرويز كان نصب رجلا يمتحن به من فسدت عليه نيته من رعيته ~~وطعن في المملكة، فكان الرجل يظهر التأله والدعاء إلى التخلي من الدنيا ~~والرغبة في الآخرة وترك أبواب الملوك، وكان يقص على الناس ويبكيهم ويشوب ~~كلامه في خلال ذلك بذم الملك وتركه شرائع ms125 ملته وسنن سيرته ودينه الذي كان ~~عليه، وكان هذا الرجل يمتثل ما حده له أبرويز ليمتحن بذلك خاصته، وكان من ~~يسعى يخبر أبرويز بذلك، فيضحك ويقول: فلان في عقله ضعف وأنا أعلم أنه وإن ~~كان بتكلم بما يتكلم لا يقصدني بسوء ولا المملكة بما يوهنها، ويظهر ~~الاستهانة بأمره والثقة به والطمأنينة إليه، ثم توجه إليه في خلال ذلك من ~~يدعوه فيأبى أن يجيبه ويقول: لا ينبغي لمن خاف الله أن يخاف أحدا سواه، ~~فكان الطاعن على الملك والمملكة يكثر الخلوة بهذا الرجل والزيارة له والأنس ~~به، فإذا خلوا تذاكرا أمر الملك فابتدأ الناسك فطعن فيه وأعانه الخائن ~~وطابقه على ذلك وشايعه، فيقول الناسك: إياك وأن يظهر هذا الجبار على كلامك ~~فإنه لا يحتمل لك ما يحتمله لي، فحص منه دمك، فيزداد الآخر إليه استنامة ~~وبه ثقة، فإذا علم الناسك أنه قد بلغ من الطعن على الملك ما يستوجب به ~~العقوبة في الشريعة قال لمن بحضرته: إني قاعد غدا مجلسا للناس أقص عليهم ~~فاحضروه، ويقول لمن هو أشد به ثقة: احضر أنت فإنك رجل رقيق عند الذكر حسن ~~النية ساكن الريح بعيد الصوت وإن الناس إذا رأوك قد حضرت زادت نياتهم خيرا ~~وسارعوا إلى استجابتي، فيقول الرجل: إني أخاف من هذا الجبار فلا تذكره إن ~~حضرت، وكانت العلامة بينه وبين أبرويز أن أبرويز قد كان وضع عيونا يحضرون ~~متى جلس، فكان الناسك يقص على العامة ويزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة ~~والخائن حاضر، فيأخذ الناسك في ذكر الملك، فينهض الخائن، وتجيء عيون أبرويز ~~فتخبره بما كان، فإذا زال الشك عنه في أمره وجهه إلى بعض البلدان وكتب إلى ~~عامله: قد وجهت إليك برجل وهو قادم عليك بعد كتابي هذا فأظهر بره والأنس به ~~والثقة إليه والسكون إلى ناحيته فإذا اطمأنت به الدار فاقتله قتلة تحيي بها ~~بيت النار وتصل بها حرمة النوبهار، فإن من فسدت نيته بغير علة في الخاصة ~~والعامة لم يصلح بعلة، ومن فسدت نيته بعلة صلحت بخلافها. # PageV01P070 # قال: ms126 وحدثنا الوضاح بن محمد بن عبد الله قال: سمعت أبا بديل بن حبيب ~~يقول: كنا إذا خرجنا من عند أبي جعفر المنصور صرنا إلى المهدي وهو يومئذ ~~ولي عهد، ففعلنا ذلك يوما فأبرز لي المنصور يده فانكببت عليها فقبلتها، ~~فضرب يدي بيده، فعلمت أنه لم يفعل ذلك إلا لشيء في يده، فوضع في يدي كتابا ~~صغيرا تستره الكف، فلما خرجت قرأت الكتاب فإذا فيه: إذا قرأت كتابي هذا ~~فاستأذن إلى ضياعك بالري، فرجعت فاستأذنت فقلت: يا أمير المؤمنين ضياعي ~~بالري قد اختلت ولي حاجة إلى مطالعتها. فقال: لا ولا كرامة، فخرجت ثم عدت ~~إليه اليوم الثاني فكلمته، فرد علي مثل الجواب الأول، فقلت: يا أمير ~~المؤمنين إنما أردت صلاحها لأقوى بها على خدمتك، فقال: إذا شئت، فقلت: يا ~~أمير المؤمنين فلي حاجة أذكرها. قال: قلت: أحتاج إلى خلوة، فنهض القوم وبقي ~~الربيع، فقلت أحلني، قال: ومن الربيع؟ قلت نعم، فتنحى الربيع فقال: إن جدت ~~لي بدمك ومالك، فقلت: يا أمير المؤمنين وهل أنا ومالي إلا من نعمتك؟ حقنت ~~دمي ورددت علي مالي وآثرتني بصحبتك، فقال: إنه يهجس في نفسي أن المرار بن ~~جهور على خلعي وليس لي غيرك لما أعرف بينكما فاظهر إذا صرت إليه الوقيعة في ~~والتنقص لي حتى تعرف ما عنده فإذا رأيته يهم بخلعي فاكتب إلي ولا تكتبن على ~~بريد ولا مع رسول ولا يفوتني خبرك في كل يوم فقد نصبت لك فلانا القطان في ~~دار القطن فهو يوصل كتبك، قال: فمضيت حتى أتيت الري فدخلت على مرار فقال: ~~أفلت؟ قلت: نعم والحمد لله، ثم أقبلت أؤنسه بالوقيعة في المنصور حتى أظهر ~~ما كان المنصور ظن به، فكتبت إليه بذلك، فلما وصلت منه إلى ما أردت أتيت ~~ضياعي ثم رجعت إليه بعد أيام، فقال: نجاك الله من الفاجر؟ قلت: نعم، وأرجو ~~أن تقع عينه علي أبدا، فكنت أعرض به فيزيدني مما عنده، ثم قال لي: هل لك أن ~~تخرج إلى متنزه طيب؟ قلت: نعم، فخرجت أنا وهو ms127 نتساير حتى صرنا إلى موضع ~~مشرف قد بنيت له عليه قبة، فأحد النظر إلى ما هناك ثم قال: يا أبا بديل ~~أترى الفاجر يظن أني أعطيه طاعة أبدا ما عشت؟ اشهد أني قد خلعته كما خلعت ~~خفي هذا من رجلي! قال: فرجعت إلى منزلي وأنا في كل يوم أكتب بخبره، قال: ~~وقد كنت أعددت تسعة فرسان من بني يربوع ورجلا من بني أسد فواطأتهم أن نبطش ~~به وكتبت إلى المصمغان أن يأتيه في جنده إلى الموضع الذي اتفقنا عليه، قال: ~~وأخذ المرار الدواء في ذلك اليوم، وسبق إليه الأسدي بالخبر وقال: احذر فقد ~~اتخذ لك كيت وكيت، قال: فدخلت عليه فإذا هو على كرسي، فعرفت الشر في وجهه ~~والمنكر في نظره، فقال: هيه يا أبا بديل مع إكرامي لك أردت أن تقتلني؟ قال ~~فتضاحكت وقلت: بلغ من مكره أن دس إليك هذا الأسدي، لقد علمت فيك حيلته! ثم ~~حركه بطنه فقام إلى الخلاء وقال: لا ترم، فلما ولى وثبت وخرجت مسرعا، فقال ~~الحاجب: أسرعت. قلت: نعم في حاجة للأمير، وركبت فرسي فرأيت القوم قد وافوا ~~كلهم إلا الأسدي، فعلمت أنه صاحبي، فلما خرج سأل عني فأخبر بمضيي، فوجه ~~خيلا في طلبي، فمال اليربوعيون فدفعهم، ومضيت حتى صرت إلى المصمغان وكتبت ~~إلى أبي جعفر المنصور كتابا مكشوفا، فكتب: إني قد عرفت ما وصفته وقد صح ~~الأمر، ثم كتب إلى خازم بن خزيمة فصار إليه حتى أخذه. # PageV01P071 # علي بن بريهة الهاشمي قال: قال صاحب عذاب أبي جعفر: دعاني أبو جعفر ~~المنصور ذات يوم وإذا بين يديه جارية صفراء وقد دعا لها بأنواع العذاب وهو ~~يقول لها: ويلك اصدقيني فوالله ما أريد إلا الألفة ولئن صدقتني لأصلن الرحم ~~ولأتابعن البر إليه، وإذا هو يسائلها عن محمد بن عبد الله وهي تقول: ما ~~أعرف مكانه، ودعا بالدهق وأمر به فوضع عليها فلما كادت نفسها أن تتلف قال: ~~امسكوا عنها، وكره ما رأى وقال لأصحاب العذاب: ما دواء مثلها إذا صار إلى ~~مثل حالها؟ قالوا: ms128 الطيب تشمه والماء البارد يصب على وجهها وتسقى السويق، ~~فأمر لها بذلك وعالج بعضه بيده وقال لأصحاب العذاب: ألا أعلمتموني بما ~~ينالها فأكف عنها؟ قالوا: قد علمنا أنها لا تقوى على هذا ولكنا هبناك، فما ~~زالوا يردون عليها نفسها حتى أفاقت، وأعاد عليها المسألة فأبت إلا الجحود، ~~فقال لها: أتعرفين فلانة الحجامة؟ فاسود وجهها وتغيرت، فقالت: نعم يا أمير ~~المؤمنين تلك في بني سليم، قال: صدقت، هي والله أمتي ابتعتها بمالي ورزقي ~~يجري عليها في كل شهر وكسوة شتائها وصيفها، أمرتها أن تدخل منازلكم وتحجمكم ~~وتتعرف أخباركم، ثم قال: أوتعرفين فلانا البقال؟ قالت: نعم هو في بني فلان، ~~قال: هو والله مضاربي بخمسة دنانير أمرته أن يبتاع بها كل ما يحتاج إليه من ~~البيوع فأخبرني أن أمة لكم يوم كذا وكذا من شهر كذا صلاة المغرب جاءت تسأله ~~حناء وورقا، فقال لها: ما تصنيعن بهذا؟ فقالت: كان محمد بن عبد الله في بعض ~~ضياعه بناحية البقيع وهو يدخل الليلة فأردنا هذا لتتخذ منه النساء ما يحتجن ~~إليه عند دخول أزواجهن من المغيب، فأسقط في يدها وأذعنت بكل ما أراد. # قيل: وإن أبا جعفر كتب في حمل عبد الله بن الحسن وأهل بيته من المدينة ~~إلى حضرته، فلما أخرجوا كثر عليهم البكاء، فقال عبد الله: أفيقوا من البكاء ~~وأوغلوا في الدعاء، فإني أشهد الله على ما أردت من إحياء الحق وإماتة ~~الباطل، فجرى القدر بما جرى، فجدي الحسن والحسين قتلا بسم وسيف، فالحمد لله ~~الذي جعل منايانا جهادا ولم يجعلها مهادا. # وأخبرنا إبراهيم بن السندي بن شاهك وكان من العلماء بأمر الدولة قال: قال ~~لي المأمون: نبئت أنك عالم بأمر الدولة ورجال الدعوة. قلت: ذلك الذي يلزمني ~~يا أمير المؤمنين بعد الفرض أن أعرف أيام موالي ومحاسن ساداتي، قال: فهات ~~ما عندك، ثم أنشأ يحادثني ويسائلني عن أمور خفية لم تخطر ببالي قط، فكان ~~منها أن قال: ما اسم أم قحطبة بن شبيب؟ قلت: لا أعلم، قال: لبابة بنت سنان. ~~ثم ms129 قال: ما اسم أبي عون؟ قلت: لا أدري، قال: فلان. فوالله ما زال يسائلني ~~عن خفي أمر الدولة ولا يجد عندي جوابا ولا يزيدني على أن تبسم، فكلما فعل ~~ذلك زاد في عيني وضعفت عند نفسي، قال فكان آخر ما قال: أخبرك أن بعض أهلنا ~~ذات يوم رأت وهي حامل متم كأنه أتاها آت في منامها فقال لها: يولد في هذه ~~الليلة خليفة ويموت خليفة ويستخلف خليفة، فمات الهادي في تلك الليلة ~~واستخلف الرشيد وولدت أنا. # PageV01P072 # وعن إبراهيم بن السندي بن شاهك قال: لما اختار يحيى بن أكثم العشرة من ~~الفقهاء وأحضرهم مجلس المأمون لمذاكرة الفقه جعل له يوما في الجمعة يحضرون ~~مجلسه، فقال لي المأمون: يا إبراهيم احضر فلست بدون أكبرهم، فكنت أحضر، ~~وكان قد اختار من أيام الجمعة يوم الثلاثاء، قال: فحضرت يوما فلما أمسك ~~المأمون عن المسائل نهض القوم، وكان ذلك إذنه بانصرافهم، فوثبت معهم، فقال ~~بيده: مكانك يا إبراهيم، فقعدت وقام يحيى وساءه تخلفي، فقال لي ودخل ~~إبراهيم بن المهدي: هات ذكر من في عسكرنا ممن يطلب ما عندنا بالرياء، فقلت ~~ما عندي، وقال إبراهيم ما عنده، فقال: ما أرى عند أحد ما يبلغ إرادتي، ثم ~~أنشأ يحدث عن أهل عسكره حتى والله لو كان قد أقام في رحل كل رجل حولا لما ~~زاد على معرفته، وقال: إنه كان مما حفظت عنه في ثلب أصحابه أنه قال: تسبيح ~~حميد الطوسي وصلاة قحطبة وصيام النوشجاني ووضوء بشر المريسي وبناء مالك بن ~~شاهك المساجد وبكاء إبراهيم بن بريهة على المنبر وجمع الحسين بن قريش ~~القيامي وقصص مرجا وصدقة علي بن هشام وحملان إسحاق بن إبراهيم في سبيل الله ~~وصلاة أبي رجاء الضحى، فقال لي رجل من عظماء العسكر حين خرجنا من الدار: هل ~~رأيت أو سمعت قط أعلم برعيته وأشد تنقيرا من هذا؟ قلت: اللهم لا! فحدثت ~~بهذا الحديث بعض أهل الخطر، فقال: وما تصنع بهذا وقد كتب إلى إسحاق بن ~~إبراهيم في الفقهاء بمعايبهم رجلا رجلا حتى ms130 إنه أعلم بما في منازلهم منهم؟ ~~قال: وحدثنا سليمان بن علي النوفلي قال: سمعت عمرو بن مسعدة يقول: قال لنا ~~المأمون يوما من الأيام: من أنبل من تعلمون نبلا وأعفهم عفة؟ قال: فقلنا ~~وأكثرنا، فبعضنا مدحه وقرظه وقدمه على كل خليفة وإمام وعددنا ما نعرف من ~~مكارم الأخلاق، فقال: ما كمال المناقب إلا لبني هاشم غير أنا لم نردها ولا ~~أردنا خلفاءها، قال علي بن صالح: اعرف القصة في عمر بن الخطاب، رحمه الله، ~~فأشاح بوجهه وأعرض وذكر كلاما ليس من جنس هذا الكتاب فنذكره، ثم قال: ذاك ~~والله أبو العباس عبد الله بن طاهر دخل مصر وهي كالعروس الكاملة فيها ~~خراجها وبها أموالها جمة ثم خرج عنها فلو شاء الله أن يخرج عنها بعشرة آلاف ~~ألف دينار لفعل، ولقد كان لي عليه عين ترعاه، فكتب إلي أنه عرضت عليه أموال ~~لو عرضت علي أو بعضها لشرهت إليها نفسي، فما علمته خرج عن ذلك البلد إلا ~~وهو بالصفة التي قدمه فيها إلا مائة ثوب وحمارين وأربعة أفراس، فمن رأى أو ~~سمع بمثل هذا الفتى في الإسلام؟ فالحمد لله الذي جعله غرس يدي وخريج نعمتي. # PageV01P073 # وقال بشر بن الوليد: كان والله المأمون الملك حقا، ما رأيت خليفة قط كان ~~الكذب عليه أشد منه على المأمون، وكان يحتمل كل آفة تكون بالإنسان إلا ~~الكذب، قال فقال لي يوما: صف لي أبا يوسف القاضي فإني لم أره، فوصفته له، ~~فاستحسن صفته وقال: وددت أن مثل هذا بحضرتنا فنتزين به، ثم أقبل علي وقال: ~~ما في الخلافة شيء إلا وأنا أحسن أن أدبره وأبلغ منه حيث أريد وأقوى عليه ~~إلا أمر أصحابك، يعني القضاة، وما ظنك بشيء يتحرج منه علي بن هشام ويتوقى ~~سوء عاقبته ويكالب عليه الفقهاء وأهل التصنع؟ قال قلت: يا أمير المؤمنين ما ~~أدري ما تقصده فأجيب عنه! قال: لكني أدريه وأدريك ولا والله ما تجيبني عنه ~~ولا فيه بجواب مقنع، ثم قال: ولينا رجلا أشرت به قضاء الأبلة وأجرينا عليه ms131 ~~في الشهر ألف درهم وما له صناعة ولا تجارة ولا كان له مال قبل ولايتنا إياه ### | ...... # وولينا رجلا آخر قضاء دمشق وأجرينا عليه ألف درهم في الشهر أشار به إلي ~~محمد بن سماعة، فأقام بها أربعة عشر شهرا، فوجهنا من يتبع أمواله في السر ~~والعلانية ويتعرف حاله، فأخبر أنه وجد ما ظهر من ماله في هذا المقدار من ~~دابة وغلام وجارية وفرش وأثاث قيمته ثلاثة آلاف دينار، وولينا رجلا أشار به ~~إلي فلان نهاوند فأقام بها أربعة وعشرين شهرا، فوجهنا من يتبع أمواله ~~فأخبرنا أن في منزله خدما وخصيانا بقيمة ألف وخمس مائة دينار سوى نتاج قد ~~اتخذه، فهات ما عندك من الجواب! فقلت: ما عندي يا أمير المؤمنين جواب، قال: ~~ألم أعلمك؟ ثم قال: وأكبر من هذا وأطم أني فزعت إلى علي بن هشام في رجل ~~أوليه القضاء فقال: قد أصبت واحدا والله يشهد أنه سرني ورجوت أن يكون بحيث ~~أحب، قلت: فاغد به علي، قال: أفعل، ثم غدا، فقلت: أين الرجل؟ فقال: لم أجده ~~في الفقه بالموضع الذي يجب أن يتصل صاحبه بأمير المؤمنين، قال: فأنكرت عليه ~~وأظهرت الغضب، فقال: يا أمير المؤمنين إن الرجل الذي ذكرته لك بالأمس هو ~~علي بن مقاتل وكان عندي من أهل العفاف والستر، فانصرفت بالأمس على أن ~~أحضره، فوجهت إليه وأنا لا أشك أنه سيظهر الكراهية في ما أراد له أمير ~~المؤمنين وإن كان يستبطن غيرها ويستعفي كفعل من يتصنع أو يكره ذلك ~~بالحقيقة، فلما جاءني ألقيت إليه الذي أردته له فما تمالك أن وثب فقبل ~~رأسي، فعلمت أنه لا خير عنده وأنه لو كان من أهل الفضل والخير لعد الذي دعي ~~إليه إحدى المصائب، فلم أر لنفسي أن أحضره ولا أن يستعان بمثله، فقلت: جزاك ~~الله خيرا عن إمامك أحسن ما جزى امرأ عن إمامه وهم دينك ونفسك، قال بشر: ~~فبهت وانقطعت ولم أحر كلمة ### | ..... # فقال: لا ولكن إن أردت العفيف النظيف الزاكي التقي الطاهر فقاضي الري هو ~~بالحالة التي فارقته ms132 عليها والله ما غير ولا بدل، فأما قولكم في يحيى بن ~~أكثم فما ندري ما عيبه إلا أن ظاهره أنه أعف خلق الله عن الصفراء والبيضاء، ~~ميل إلينا من أموال الحشوية أربع مائة ألف دينار، فأي نفس تسخو بهذا؟ قال ~~بشر: فقلت يا أمير المؤمنين ما لك في الخلفاء شبيه إلا عمر بن الخطاب فإنه ~~كان يفحص عن عماله وعن دفين أسرار حكامه فحصا شافيا، فكان لا يخفى عليه ما ~~يفيد كل امريء وما ينفق، وكان من نأى عنه كمن دنا منه في بحثه وتنقيره، ~~فقال المأمون: إن أهم الأمور كلها أمور القضاة والحكام إذ كنا قد ألزمناهم ~~النظر في الدماء والأموال والفروج والأحكام فوددت أني أجد مائة حاكم وأني ~~أجوع يوما وأشبع يوما. # PageV01P074 # حمدون بن إسماعيل النديم قال: حضر العيد فعبى المعتصم بالله خيله تعبية ~~لم يسمع بمثلها ولم ير لأحد من ولد العباس شبيه بها، وأمر بالطريق فمسح من ~~باب قصره إلى المصلى ثم قسم ذلك على القواد وأعطى كل واحد منهم مصافه، فلما ~~كان قبل الفطر بيوم حضر القواد وأصحابهم في أجمل زي وأحسن هيأة فلزموا ~~مصافهم منذ وقت الظهر إلى أن ركب المعتصم بالله إلى المصلى، فكان الموضع ~~الذي وقع لإبراهيم بن المهدي من بعد الحرسي بحذاء مسجد الخوارزمي وإبراهيم ~~واقف وأصحابه في المصاف، فلما أصبح المعتصم أمر القواد الذين لم يرتبوا في ~~المصاف بالمصير إلى المصلى على التعبية التي حدها، ولبس ثيابه وجلس على ~~كرسي ينتظر مضي القواد، فلما انقضى أمرهم تقدم إلى الرجالة في المسير بين ~~يديه فتقدم منهم سبعة آلاف ناشب من الموالي كل ثلاثمائة منهم في زي مخالف ~~لزي الباقين وأربعة آلاف من المغاربة وأمر الشيعة فكانوا وراءه بالأعمدة ~~وعدتهم أربعة آلاف، وركبت لا أدري منزلتي أين هي ولا أعرف مرتبتي ولم أعلم ~~أين أسير من الموكب، فلما وضع رجله في الركاب واستوى على سرجه التفت إلي ~~وقال: يا حمدون كن أنت خلفي، فلزمت مؤخر دابته، فلما خرج من باب القصر ~~تلقاه ms133 القواد وأصحاب المصاف يخرج الرجل من مصافه فإذا قرب نزل وسلم عليه ~~بالخلافة فيأمره بالركوب ويمضي حتى وصل إلى إبراهيم بن المهدي فنزل وسلم ~~عليه بالخلافة فرد عليه السلام فقال: كيف أنت يا إبراهيم وكيف حالك وكيف ~~كنت في أيامك؟ اركب، فركب، فلما جاوزه التفت إلي فقال: يا حمدون! قلت: لبيك ~~يا أمير المؤمنين! قال: تذكر، قلت: أي والله يا سيدي، وأمسك، فنظرت في ما ~~قال فلم أجدني أذكر شيئا في ذلك الموضع مما يشبه ما كنا فيه، فنغص علي يومي ~~وما رأيت من حسنه وسروري بالمرتبة التي أهلني بها، وقلت: الخلفاء لا ~~يعاملون بالكذب ولا يجوز أن يسألني عند انصرافي عن هذا الأمر فلا يكون له ~~عندي جواب ولا حقيقة، وتخوفت أن ينالني منه مكروه، فلم أزل واجما في طريقي ~~إلى وقت انصرافه ثم أجمعت على مغالطته إن أمكنني وأعمل الحيلة في التخلص إن ~~يسألني، فلما استقر في مجلسه وبسط السماط وجلس القواد على مراتبهم للطعام ~~أقبلت أخدم وأختلف ليست لي همة غير ما كان قاله لي لا أغفل عن ذلك حتى ~~انقضى أمر السماط ورفع الستر ونهض أمير المؤمنين ودخل الحجرة ومضى إلى ~~المرقد، فلم ألبث أن جاء الخادم وقال لي: أجب أمير المؤمنين، فمضيت فلما ~~دخلت ضحك إلي وقال: يا حمدون رأيت؟ قلت: نعم يا سيدي قد رأيت، فالحمد لله ~~الذي بلغ بي هذا اليوم وأرانيه فما رأيت ولاسمعت لأحد من الخلفاء والملوك ~~بأجل منه ولا أبهى ولا أحسن، قال: ويحك رأيت إبراهيم بن المهدي؟ قلت: نعم ~~يا سيدي، قال: رأيت سلامه علي وردي عليه ونزوله إلي؟ قلت: نعم، فقال: إنه ~~لما كان من أمره ما كان، يعني الخلافة، قسم الطريق في يوم عيد من منزله إلى ~~المصلى كقسمتي إياه في هذا اليوم بين قواده، فوقع موضعي منه الموضع الذي ~~كان به هذا اليوم، فلما حاذاني نزلت فسلمت عليه فرد علي مثل ما رددته حرفا ~~حرفا على ما قال لي، قال: فدعوت له وانفرج عني ما كنت ms134 فيه وتخلى عني الغم ~~والكرب، ثم قال: يا حمدون إني لم آكل شيئا وأنا أنتظر أن تأكل معي فامض إلى ~~حجرة الندماء فإنك تجد إبراهيم هنالك فاجلس إليه وعابثه وضاحكه وأجر له هذا ~~الحديث وقل له إنك رأيته في ذلك اليوم فعل بي فعلي به في هذا اليوم وانظر ~~إلى وجهه وكلامه وما يكون منه فعرفنيه على حقيقته واصدقني عنه وعجل ولا ~~تحتبس، قلت: نعم يا سيدي، فمضيت وقد دفعت إلى أغلظ مما كنت فيه لعلمي بأن ~~إبراهيم لو كان من حجر لأثر فيه هذا القول وتغير وظهر منه ما يكره، وخفت أن ~~يكون يأتي بما يسفك به دمه فمضيت حتى دخلت الحجرة فجلست إلى إبراهيم وفعلت ~~ما أمرني به وأنا مبادر خوفا من خادم يلحقني أو رسول فلا يمكنني معه تحسين ~~الأمر وما يظهر لي منه، فقلت لإبراهيم: كيف رأيت يا سيدي هذا اليوم، أما ~~أعجبك حسنه وما كان من تعبية أمير المؤمنين؟ قال: بلى والله إنه أعجبني ~~فالحمد لله الذي بلغنيه وأرانيه، وأطنب في الدعاء للمعتصم، فلما أمسك قلت: ~~يا سيدي أذكرك في أيامك وقد ركبت فعبيت شبيها بهذه التعبية وقسمت الطريق ~~مثل هذه القسمة فوقع لأمير المؤمنين الموضع الذي # PageV01P075 # وقع لك واجتزت به فنزل إليك وسلم فرددت عليه كرده عليك في هذا اليوم، ~~قال: فوالله إن كان إلا أن قلت حتى اربد لونه وجف ريقه واعتقل لسانه وبقي ~~لا يتكلم بحرف مليا، ثم قال بلسان ثقيل: لكأني في ذلك الموضع في ذلك اليوم، ~~فالحمد لله للذي رأيته لأمير المؤمنين، فعل الله به وفعل، قال: فتغنمت ذلك ~~وقمت وأنا ألتفت ونهضت حتى أتيت المعتصم، فقال لي: هيه يا حمدون! فقلت: يا ~~أمير المؤمنين أتيت إبراهيم وقلت له ما أمرتني به فأظهر سرورا ودعاء وقال ~~كيت وكيت، فقال: والله قال بحياتي؟ قلت: وحياتك يا أمير المؤمنين، قال: ~~فكيف رأيت وجهه؟ فلم أدر ما أقول فقلت: يا أمير المؤمنين بالله لما تركتني ~~من وجه عمك الذي لا يتبين فيه فرح ms135 ولا حزن، فاستضحك ثم أمسك وتخلص إبراهيم، ~~ودعا بالطعام فأكلنا ثم رقد، فلما انتبه وجلس دعا بإبراهيم وسائر الندماء ~~فشرب وبر إبراهيم وألطفه. قع لك واجتزت به فنزل إليك وسلم فرددت عليه كرده ~~عليك في هذا اليوم، قال: فوالله إن كان إلا أن قلت حتى اربد لونه وجف ريقه ~~واعتقل لسانه وبقي لا يتكلم بحرف مليا، ثم قال بلسان ثقيل: لكأني في ذلك ~~الموضع في ذلك اليوم، فالحمد لله للذي رأيته لأمير المؤمنين، فعل الله به ~~وفعل، قال: فتغنمت ذلك وقمت وأنا ألتفت ونهضت حتى أتيت المعتصم، فقال لي: ~~هيه يا حمدون! فقلت: يا أمير المؤمنين أتيت إبراهيم وقلت له ما أمرتني به ~~فأظهر سرورا ودعاء وقال كيت وكيت، فقال: والله قال بحياتي؟ قلت: وحياتك يا ~~أمير المؤمنين، قال: فكيف رأيت وجهه؟ فلم أدر ما أقول فقلت: يا أمير ~~المؤمنين بالله لما تركتني من وجه عمك الذي لا يتبين فيه فرح ولا حزن، ~~فاستضحك ثم أمسك وتخلص إبراهيم، ودعا بالطعام فأكلنا ثم رقد، فلما انتبه ~~وجلس دعا بإبراهيم وسائر الندماء فشرب وبر إبراهيم وألطفه. ### | مساوئ التيقظ وتركه # قيل لبعض بني أمية: ما كان سبب زوال ملكهم؟ فقال: قلة التيقظ وشغلنا ~~بلذاتنا عن التفرغ لمهماتنا ووثقنا بكفاتنا فآثروا موافقهم علينا وظلم ~~عمالنا رعيتنا ففسدت نياتهم لنا وحمل على أهل خراجنا فقل دخلنا وبطل عطاء ~~جندنا فزالت طاعتهم لنا واستدعاهم أعداؤنا فأعانوهم علينا وقصدنا بغاتنا ~~فعجزنا عن دفعهم لقلة نصارنا، وكان أول زوال ملكنا استتار الأخبار عنا فزال ~~ملكنا عنا بنا. ### | محاسن الرسل # يقال إن ملوك العجم كانت إذا احتاجت إلى أن تختار من رعيتها من تجعله ~~رسولا تمتحنه أولا بأن توجهه إلى بعض خاصتها ثم تقدم عينا على الرسول يحضر ~~ما يؤديه من الرسالة ويكتب كلامه، فإذا رجع الرسول بالرسالة جاء العين بما ~~كتب من ألفاظه وأجوبته فقابل بها الملك ألفاظ ذلك الرسول فإن اتفقت معانيها ~~عرف بها الملك صحة عقله وصدق لهجته ثم جعله رسولا إلى عدوه وجعل عليه عينا ms136 ~~يحفظ ألفاظه ويكتبها ثم يرفعها إلى الملك فإن اتفق كلام الرسول وكلام عين ~~الملك وعلم أن رسوله قد صدقه عن عدوه ولم يزد عليه جعله رسولا إلى ملوك ~~الأمم ووثق به ثم بعد ذلك يقيم خبره مقام الحجة ويصدق قوله. # وكان أردشير يقول: كم من دم سفكه الرسول من غير حله ولا حقه وكم من جيوش ~~قد قتلت وعساكر قد انتهكت ومال قد انتهب وعهد قد نقض بجناية الرسول ~~وأكاذيبه، وكان يقول: على الملك إذا وجه رسولا إلى ملك آخر أن يردفه بآخر ~~وإن وجه رسولين أتبعهما بآخرين، وإن أمكنه أن لا يجمع بينهما في طريق ولا ~~ملاقاة وألا يتعارفا فيتفقا ويتواطآ في شيء فعل، ثم عليه إن أتاه رسول ~~بكتاب أو رسالة من ملك في خير أو شر أن لا يحدث حدثا في ذلك حتى يكتب إليه ~~مع رسول آخر ويحكي به كتابه الأول حرفا حرفا، فإن الرسول ربما خرم ما أملي ~~عليه وافتعل الكتب وحرض المرسل على المرسل إليه وأغراه به وكذب عليه، ومنها ~~قال أبو الأسود وقد سمع رجلا ينشد: # إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه # فقال: قد أساء القول، أيعلم الغيب؟ إذا لو يوصه كيف يعلم ما في نفسه؟ ألا ~~قال: # إذا أرسلت في أمر رسولا ... فأفهمه وأرسله أديبا # ولا تترك وصيته لشيء ... وإن هو كان ذا عقل أريبا # وإن ضيعت ذاك فلا تلمه ... على أن لم يكن علم الغيوبا # PageV01P076 # وقال يحيى بن خالد البرمكي: ثلاثة أشياء تدل على عقول الرجال: الهدية ~~والرسول والكتاب. ### | مساوئ الرسول # وحكي عن الإسكندر أنه وجه رسولا إلى بعض ملوك المشرق فجاءه رسوله برسالة ~~فشك في حرف منها فقال له الإسكندر: ويحك إن الملوك لا تخلو من مقوم ومسدد ~~إذا مالت بطانتها وقد جئتني برسالة صحيحة الألفاظ بينة العبارة غير أن فيها ~~حرفا ينقضها، أفعلى يقين أنت من هذا الحرف أو أنت شاك فيه؟ فقال الرسول: بل ~~على يقين، قال: فأمر الإسكندر أن تكتب ألفاظه حرفا حرفا وتعاد ms137 إلى الملك مع ~~رسول آخر فيقرأ عليه ويترجم له، فلما قرأ الكتاب على الملك فمر بذلك الحرف ~~أنكره فقال للمترجم: ضع يدي على هذا الحرف، فوضعها، فأمر أن يقطع ذلك الحرف ~~بسكين، فقطع من الكتاب، وكتب إلى الإسكندر: رأس المملكة صحة فطنة الملك وأس ~~الملك صدق لهجة رسوله إذ كان عن لسانه ينطق وإلى أذنه يؤدي، وقد قطعت ~~بسكيني ما لم يكن من كلامي إذ لم أجد إلى قطع لسان رسولك سبيلا، فلما جاء ~~الرسول بهذا إلى الإسكندر دعا الرسول الأول فقال: ما حملك على كلمة أردت ~~بها فساد ملكين؟ فأقر الرسول أن ذاك كان لتقصير رآه من الموجه إليه، قال ~~الإسكندر: فأراك سعيت لنفسك لا لنا فلما فاتك بعض ما أملت جعلت ذلك نارا في ~~الأنفس الخطيرة الرفيعة! ثم أمر بلسانه فنزع من قفاه. ### | محاسن الحجاب # يقال إن ملوك العجم كانت تأخذ أبناءها بأن يعاملوها بما تعامل به عبيدها، ~~وأن لا يدخل أحد من الولد عليها إلا عن إذنها، وأن يكون الحجاب عليهم أغلظ ~~منهم على من دونهم من بطانتها وخدمها لئلا تحملهم الدالة على تعدي ميزان ~~الحق، فإنه يقال إن يزدجرد رأى بهرام بموضع لم يكن له فقال له: مررت ~~بالحاجب؟ قال: نعم، قال: وعلم بدخولك؟ قال: نعم، قال: فاخرج إليه فاضربه ~~ثلاثين سوطا ونحه عن الستر ووكل بالحجاب أزاذمرد، ففعل بهرام ذلك وهو إذ ~~ذاك ابن ثلاث عشرة سنة، ولم يعلم الحاجب فيم غضب عليه الملك، فلما جاء ~~بهرام بعد ذلك ليدخل دفع أزاذمرد في صدره دفعة أوقذه منها وقال له: إن ~~رأيتك بهذا الموضع ضربتك ستين سوطا لجنايتك على الحاجب الأول وثلاثين لئلا ~~تطمع في الجناية علي، فبلغ ذلك يزدجرد فدعا بازاذمرد فخلع عليه ووصله. # ويقال: إن يزيد بن معاوية كان بينه وبين أبيه باب، فكان إذا أراد الدخول ~~عليه قال لبعض جواريه: انظري هل تحرك أمير المؤمنين، فجاءت الجارية حتى ~~فتحت الباب ومعاوية قاعد في حجره مصحف وبين يديه جارية تصفح عليه، فأخبرت ~~يزيد بذلك، ms138 فجاء يزيد حتى دخل على معاوية، فقال: يا بني إنما جعلت بيني ~~وبينك بابا كما بيني وبين العامة لتدخل علي وقت إذنك فهل ترى أحدا يدخل علي ~~من ذلك الباب؟ قال: لا، قال: فكذلك إذنك. # وذكروا أن موسى الهادي دخل على المهدي وهو خليفة فزبره الحاجب وقال: إياك ~~أن تعود إلى مثلها إلا بإذن أمير المؤمنين لخاصته. # وذكروا أن المأمون لما اشتد به الوجع سأل بعض بنيه الحاجب أن يدخله عليه ~~ليراه، فقال: لا والله ما لي إلى ذلك سبيل ولكن إن شئت أن تراه من حيث لا ~~يراك فاطلع عليه من ثقب في ذلك الباب، فجاء حتى اطلع عليه وتأمله وانصرف. # وحكي عن إيتاخ أنه بصر بالواثق في حياة المعتصم واقفا في موضع لم يكن له ~~أن يقرب منه ولا أن يقف به فزبره وقال: تنح فوالله لولا أني لم أتقدم إليك ~~لضربتك مائة سوط. # وكانت الأعاجم تقول: ما شيء بأضيع للملكة ولا أضيع للرعية من صعوبة ~~الحجاب، ولا شيء أهيب للرعية من سهولة الحجاب، لأن الرعية إذا وثقت من ~~الوالي بسهولة الحجاب أحجمت عن الظلم، وإذا وثقت منه بصعوبة الحجاب هجمت ~~على الظلم وركب القوي منهم الضعيف، فخير خلال السلطان سهولة الحجاب. # قال: وقال خالد بن عبد الله القسري: لا يحجب الوالي إلا لثلاث خصال: إما ~~رجل عي فهو يكره أن يعرف الناس منه ذلك، وإما رجل مشتمل على سوءة فهو يكره ~~أن يطلع الناس على ذلك فيه، وإما رجل يكره مسألة الناس إياه. # قيل: واستأذن أبو سفيان بن حرب على عثمان بن عفان، رحمه الله، فحجبه، ~~فقيل له: حجبك أمير المؤمنين، فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني. # PageV01P077 # قال: وقال الرشيد لبشر بن ميمون لما ولاه الحجبة: يا بشر صن طلاقة اسمك ~~بحسن فعلك واحجب عني من إذا قعد أطال وإذا طلب أجال فكره، ولا تستخفن بذوي ~~المروءة والحرمة فإنهم إن مدحوا تلبوا وإن ذموا أزالوا. # وذكروا عن الربيع الحاجب أن المنصور دعا محمد بن ms139 عيسى بن علي إلى الغذاء ~~فقال: يا أمير المؤمنين قد أكلت، فلما خرج أخذه الربيع وحمله على ظهر رجل ~~وضربه كما يضرب الصبيان، فظن أهل بيته أن المنصور أمره بذلك، فخرج يبكي إلى ~~أبيه، فجاء أبوه عيسى بن علي فخلع سيفه بين يدي المنصور وصاح، فقال: ما ~~أمرت بذلك ولم يفعل الربيع ذلك إلا لأمر، فلما سئل الربيع عن ذلك قال: ~~أمرته أن يتغدى معك فقال قد أكلت، وإنما دعوته لتشرفه وترفع منه ولم تدعه ~~لتشبعه، فأدبته إذ لم يؤدبه أبوه، فقال المنصور: أحسنت! قد علمت أنك لا ~~تخطيء. # قال: وقال المهدي للفضل بن الربيع حين ولاه الحجبة: إني موليك ستر وجهي ~~وكشفه فلا تجعل الستر بيني وبين الناس سبب إراقة دمائهم بعبوس وجهك في ~~وجوههم فإن لهم دالة الحرمة وحرمة الاتصال وقدم أبناء الدعوة وثن بالأولياء ~~واجعل للعامة وقتا إذا وصلوا أعجلهم ضيقه عن التلبث والتمكث، وكان أول من ~~حجبه الحسن بن عثمان ثم الفضل بن الربيع، وكان الهادي ولى حجبته الفضل بن ~~الربيع بعد الربيع وقال له: لا تحجب عني الناس فإن ذلك يزيل عني التزكية، ~~ولا تلق إلي أمرا إذا كشفته وجدته باطلا فإن ذلك يوهن الملك ويضر بالرعية. # قيل: وقال الواثق لابن أبي دؤاد: من أولى الناس بالحجبة؟ فقال: مولى شفيق ~~يصون بطلاقة وجهه من ولاه ويستعبد الناس لمولاه، فنظر إلى إيتاخ وكان واقفا ~~على رأسه فقال: قد ولاك أبو عبد الله الحجبة، فكان إيتاخ يعرف ذلك له ~~ويتقدم بين يديه إلى أن يبلغ مرتبته. # قال: وقال رجل لزياد: إن حاجبك إنما يبدأ بالإذن لمعارفه، فقال: قد أحسن، ~~المعرفة تنفع عند الكلب العقور والأسد الهصور وبين لحيي البعير الصؤول، كن ~~من معارفه، فقد قيل: التعارف نسب وقبح الله معرفة لا تنفع. # وكان ليحيى بن خالد حاجب قبل الوزارة، فلما صار إلى الوزارة رأى كأنه ~~تثاقل عن حجابته فقيل له: لو اتخذت حاجبا غيره، قال: كلا، هذا يعرف إخواني ~~القدماء، وقال الشاعر في مثله: # هش إذا نزل ms140 الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدب الخدام # وإذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام # وقال خيط القنديل في محمد بن عبد الله بن طاهر: # يا أيها الملك المحجوب آمله ... وراء بابك هم غير مشترك # وكم أقول فلا يجدي فينجدني ... ولا أرى مدنيا من قبة الملك # وقد تحصن مني في محصنة ... خلقاء خلف وشيج السمر والحسك # أصبحت كالشمس لا تخفى على أحد ... لكن مطلعها في سرة الفلك # يا ليت ريح سليمان مسخرة ... إليه تحملني أو منكبي ملك # فلست دون أناس كان سهمهم ... سهم النجيح فنالوا غاية الدرك # فإن ظلمت ولم أنصف فقد ظلمت ... بنت النبي كما قد قيل في فدك ### | مساوئ الحجبة # PageV01P078 # قال ثمامة: جلس المأمون يوما وقد حضر الناس فأمر علي بن صالح بإدخال ~~إسماعيل بن موسى فغلط وأدخل إسماعيل بن جعفر، وكان المأمون من أشد الناس له ~~بغضا فرفع يده إلى السماء فقال: اللهم ابدلني بعلي بن صالح مطيعا ناصحا ~~فإنه بصداقته لهذا آثر هواه على هواي، فلما دنا قبل يده، فقال: هات حوائجك، ~~فقال: ضيعتي بالفتنة قهرتها وغصبت عليها، فأمر بردها عليه ثم قال: اذكر ~~حاجتك، فقال: دين كثير قد لحقني في جفوة أمير المؤمنين إياي، فأمر بقضاء ~~دينه، وقال: حاجتك؟ قال: يأذن لي أمير المؤمنين في الحج؟ قال: قد أذنا لك، ~~وحاجتك أيضا؟ قال: وقف أبي كان في يدي فأخرج عني، قال: يرد عليك إن رضي ~~ورثة أبيك، ثم قال: الذي أمكننا في أمرك قد جدنا به ووقف أبيك إلى ورثته، ~~ثم قال لعلي بن صالح: يا عبد الله ما لي ولك! متى رأيتني أنشط لإسماعيل بن ~~جعفر وهو صاحبي بالأمس بالبصرة؟ قال: يا أمير المؤمنين ذهب عني إسماعيل بن ~~موسى، قال: ذهب عنك ما كان يجب عليك حفظه وحفظت ما كان يجب أن لا تحفظه، ~~فأما إذ أخطأت فلا تعلم إسماعيل بن جعفر القصة، فظن أنه عنى إسماعيل بن ~~موسى فأخبر إسماعيل بن جعفر حرفا حرفا فأذاعها إسماعيل وبلغ المأمون فقال: ~~الحمد لله الذي وهب ms141 لي هذه الأخلاق التي أحتمل عليها علي بن صالح وأبا ~~عمران الطوسي وحميد بن عبد الحميد ومنصور بن النعمان. # وحدثنا مسعود بن بشر عن ابن داحة قال: خرج إلينا يعقوب بن داود من عند ~~المهدي ونحن على بابه فقال: ما صدر هذا البيت: # ومحترس من مثله وهو حارس # فإن أمير المؤمنين سأل عنه فلم يكن عند أحد منهم جواب. فقلت: أنا أخبرك، ~~قال البردخت الشاعر، والبردخت الفارغ بالفارسية: # أقلي عليك يا اللوم يا أم مالك ... وذمي زمانا ساد فيه الفلافس # كساع إلى السلطان ليس بناصح ... ومحترس من مثله وهو حارس # الفلافس من بني نهشل بن دارم كوفي وكان على شرطة الحارث بن عبد الله بن ~~أبي ربيعة المخزومي، وقال الأشهب بن رميلة النهشلي: # يا حار يا ابن أبي ربيعة إنه ... يزني إذا اختلط الظلام ويشرب # جعل الفلافس حاجبين لبابه ... سبحان من جعل الفلافس يحجب # فدعا به الحارث وقال: قد علمت أنه كذب عليك ولكن لا حاجة لي فيك فاخرج ~~عني، وقال الشاعر في مثله: # سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى تلين قليلا # إذا لم نجد للإذن عندك موضعا ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا # وقال آخر: # سأترك بابا أنت تملك إذنه ... وإن كنت أعمى عن جميع المسالك # فلولا كنت بواب الجنان تركتها ... وحولت رجلي مسرعا نحو مالك # وكتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف: # لئن عدت بعد اليوم إني لظالم ... سأصرف وجهي حيث تبغي المكارم # متى ينجح الغادي لديك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم # وكتب رجل إلى عبد الله بن طاهر: # إذا كان الجواد له حجاب ... فما فضل الجواد على البخيل # فأجابه: # إذا كان الجواد قليل مال ... ولم يقدر تعلل بالحجاب # وكتب عبد الله بن محمد بن أبي عيينة إلى صديق له: # أتيتك زائرا لقضاء حق ... فحال الستر دونك والحجاب # ولست بساقط في قدر قوم ... وإن كرهوا كما يقع الذباب # وقال آخر: # وأحضر باب إبراهيم جهلا ... بما فيه وأرشو الحاجبين # فأخرج إن خرجت بغير شيء ... وأدخل إن ms142 دخلت بدرهمين # وقال آخر: # يدل على أنه كاتب ... سواد بأظفاره راتب # فإن كان هذا دليلا له ... فإسكافنا كاتب حاسب # حجاب شديد لأبوابه وليس لباب استه حاجب # وقال آخر: # لقلع ضرس وضنك حبس ... ونزع نفس ورد أمس # وأكل كف وضيق خف ... وفقد إلف وإلف فلس # وقود قرد ونسج برد ... ودبغ جلد بغير شمس # وشرب سم وقتل عم ... وكل غم ويوم نحس # ونفخ نار وحمل عار ... وبيع جار بربع فلس # PageV01P079 # أيسر من وقفة بباب ... يلقاك بوابه بعبس # وقال: # لما رأيتك ذاهبا ... ورأيتني أجفى ببابك # عديت رأس مطيتي ... وحجبت نفسي عن حجابك # وقال آخر: # لئن كان التشرف في الحجاب ... لقد أصبحت في الشرف اللباب # لقد عاتبت نفسي في وقوفي ... فقلت لها: وقفت بأي باب # بباب تسلب الموتى عليه ... ويستلب العراق من الكلاب؟ # منصور بن باذان: # أما وزمر ابن شيبه ... وقبح لحية عقبه # كأنما شعر قرد ... ملصق حول ذنبه # ووجهه حين يبدو ... كقبح أول شربه # لئن أطلت حجابي ... ما أنت إلا ابن قحبه # وكيف تبني المعالي ... يا نجل كلب لكلبه # وهل يكون كريما ... يا قوم حمال قربه! # وله: # يا ذا الذي قصر في مجده ... وزاد في عدة حجابه # أقسمت لا أقرب باب امريء ... يحجبني البواب عن بابه # فأدخل الله رؤيس امريء ... يحجب مثلي في است بوابه # ولأبي عبد الله مريقة في علي بن أحمد المعروف بابن الحواري شاعر وكان ~~حجبه فتعرض له وقد ركب فقال: # أسل الذي صرف الأعن ... ة بالمواكب نحو بابك # وأراك نفسك دائما ... ما لم يكن لك في حسابك # وأذل موقفي العزي ... ز علي في أقصى رجائك # ألا يطيل تجرعي ... غصص المنية من حجابك ### | محاسن الولايات # قال إبراهيم بن السندي: بعث إلي المأمون فأتيته فقال: يا إبراهيم إني ~~أريدك لأمر جليل والله ما شاورت فيه أحدا ولا أشارك بك أحد، فاتق الله ولا ~~تفضحني، فقلت: يا سيدي لو كنت شر خلق الله ما تركت موضع قادح فكيف ونيتي في ~~طاعة أمير المؤمنين نية العبد الذليل لمولاه؟ قال: قد رأيت أن أوليك ms143 خبر ما ~~وراء باب داري فانظر أن تعمل بما يجب عليك لله جل وعز ولي ولا تراقب أحدا، ~~فقلت: يا سيدي فإني أستعين بالله عز وجل على مرضاته ومرضاتك، فبعثت أصحاب ~~الأخبار في الأرباع ببغداد فرفع إلي بعضهم أن صاحب ربع الحوض أخذ امرأة ~~مسلمة مع رجل نصراني من تجار الكرخ فافتدى نفسه بألف دينار، فرفعت إليه ذلك ~~فدعا عبد الله بن طاهر فقال له: انظر في هذا الذي رفعه إلي صاحب الخبر، ~~فقرأه وقال: رفع يا أمير المؤمنين الباطل والزور وأغراه بي فعمل قوله في ~~وملأ قلبه، فبعث إلي وقال: يا إبراهيم ترفع إلي الكذب وتحملني على عمالي؟ ~~فكتبت رقعة دفعتها إلى فتح الخادم ليوصلها إليه قلت فيها: إنما يحضر ~~الأخبار في الأرباع المرأة والطفل وابن السبيل وغير ذلك، ولو كانت الأخبار ~~لاترفع إلا بشهود عدول ما صح خبرولا كتب به، ولكن مجرى الأخبار أن يحضرها ~~قوم على غير توطؤ، فإن أمرني أمير المؤمنين أن لا أكتب إليه بخبر إلا بعدول ~~وبرهان فعلت ذلك، وعلى هذا فلا يرتفع في السنة خبر واحد. فلما قرأ الرقعة ~~فكر فيها ليلته وجاءني رسوله مع طلوع الشمس، فأتيته من باب الحمام فلما ~~رآني قال: اطمأنن. وقام فصلى ركعتين أطال فيهما ثم سلم والتفت إلي وليس في ~~المجلس غيري فقال: يا إبراهيم إنما قمت للصلاة ليسكن بهرك ويقوى متنك ويفرخ ~~روعك فتمكن في قعودك، وكنت قاعدا على ركبتي، فقلت: لا أضع قدر الخلافة يا ~~سيدي ولا أجلس إلا جلوس العبد بين يدي مولاه. ثم قام فصلى ركعتين دون ~~الأوليين ثم قال: هذه رقعتك تحت رأسي قد قرأتها أربع مرات وقد صدقت في ما ~~كتبت به ولكني امرؤ أداري عمالي مداراة الخائف وبالله ما أجد إلى أن أحملهم ~~على المحجة البيضاء سبيلا، فاعمل على حسب ذلك ولن لهم تسلم منهم وفي حفظ ~~الله إذا شئت. فانصرفت فدعوت أصحاب الأخبار فتقدمت إليهم في مداراة القوم ~~والرفق بهم واللين لهم. # PageV01P080 # وعن إسحاق بن أيوب بن جعفر بن ms144 سليمان قال: دخل محمد بن واضح دار المأمون ~~وخلفه أكثر من خمسمائة راكب كلهم راغب إليه وراهب منه، وهو إذ ذاك يلي ~~أعمالا من أعمال السواد، فدعا به المأمون فقال: يا أمير المؤمنين اعفني من ~~عمل كذا وكذا فإنه لا قوة لي عليه، فقال: قد أعفيتك، واستعفى من عمل آخر ~~وهو يظن أنه لا يعفيه فأعفاه حتى خرج من كل عمل في يده في أقل من ساعة وهو ~~قائم على رجله، فخرج وما في يده شيء من عمله، فقال المأمون لسلم الحوائجي: ~~إذا خرج فانظر إلى موكبه واحص من معه، وكان المأمون قد رآه من مستشرف له ~~حين أقبل، فخرج سالم وقد استفاض الخبر بعزله عن عمله فنظر فإذا لا يتبعه ~~إلا غلام له بغاشية، فرجع إلى المأمون فأخبره، فقال: ويلهم لو تجملوا له ~~ريثما يرجع إلى بيته كما خرج منه! ثم تمثل فيهم: # ومن يجعل المعروف في غير أهله ... يلاق الذي لاقى مجير ام عامر # ثم قال: صدق رسول الله وكان للصدق أهلا حين قال: لا تنفع الصنيعة إلا عند ~~ذي حسب أو دين. # وذكروا أنه كان سبب عزل الحجاج عن الحجاز أنه وفد وفد منهم فيهم عيسى بن ~~طلحة بن عبيد الله على عبد الملك بن مروان فأثنوا على الحجاج وعيسى ساكت، ~~فلما قاموا ثبت عيسى حتى خلا له وجه عبد الملك فقام وجلس بين يديه فقال: يا ~~أمير المؤمنين من أنا؟ قال: عيسى بن طلحة بن عبيد الله، قال: فمن أنت؟ قال: ~~عبد الملك بن مروان، قال: أفجهلتنا أو تغيرت بعدنا؟ قال: وما ذاك؟ قال: ~~وليت علينا الحجاج يسير فينا بالباطل ويحملنا على أن نثني عليه بغير الحق، ~~والله لئن أعدته علينا لنعصينك، فإن قاتلتنا وغلبتنا وأسأت إلينا قطعت ~~أرحامنا، ولئن قوينا عليك لنعصينك ملكك! قال: فانصرف والزم بيتك ولا تذكرن ~~من هذا شيئا، قال: فقدم إلى منزله وأصبح الحجاج غاديا على الوفد في منازلهم ~~يجزيهم الخير، ثم أتى عيسى بن طلحة فقال: جزاك الله عن خلوتك ms145 بأمير ~~المؤمنين خيرا فقد أبدلني بكم خيرا لي منكم وأبدلكم بي غيري وولاني العراق. # وعن الوضاحي عن معمر بن وهيب قال: كان عبد الملك عندما استعفى أهل العراق ~~من الحجاج بن يوسف قال لهم: اختاروا أي هذين شئتم يعني أخاه محمد بن مروان ~~أو ابنه عبد الله مكان الحجاج، فكتب إليه الحجاج: يا أمير المؤمنين إن أهل ~~العراق استعفوا من سعيد بن العاص إلى عثمان بن عفان فأعفاهم منه فساروا ~~إليه من قابل فقتلوه، فقال عبد الملك: صدق ورب الكعبة، وكتب إلى محمد وعبد ~~الله بالسمع والطاعة له. ### | مساوئ الولايات # قال: كتب عبد الصمد بن المعذل إلى صديق له ولي النفاطات فأظهر تيها: # لعمري لقد أظهرت تيها كأنما ... توليت للفضل بن مروان منبرا # وما كنت أخشى لو وليت مكانه ... علي أبا العباس أن تتغيرا # بحفظ عيون النفط أحدثت نخوة ... فكيف به لو كان مسكا وعنبرا # دع الكبر واستبق التواضع إنه ... قبيح بوالي النفط أن يتكبرا # قال: وسئل عمار بن ياسر عن الولايات فقال: هي حلوة الرضاع مرة الفطام، ~~ولابن المعتز في مثله: # كم تائه بولاية ... وبعزله يعدو البريد # سكر الولاية طيب ... وخمارها صفع شديد # ولغيره: # لا تجزعن فكل وال يعزل ... وكما عزلت فعن قريب يعزل # إن الولاية لا تدوم لواحد ... إن كنت تنكره فأين الأول # وكذا الزمان بما يسرك تارة ... وبما يسوءك مرة يتنقل ### | محاسن بعد الهمة # قال: حدثنا أحمد بن إسحاق التستري قال: دخل أحمد بن أبي دؤاد على الواثق ~~فقال له الواثق: بالله يا أبا عبد الله إني حنثت في يمين فما كفارتها؟ ~~فقال: مائة ألف دينار، فقال ابن الزيات: والله ما سمعنا بهذا في الكفارات ~~إنما قال الله جل وعز، وتلا الآية في كفارة الأيمان، فقال: تلك كفارة مثله ~~في بعد همته وجلالة قدره أو مثل آبائه، إنما تكون كفارة اليمين على قدر ~~جلال الله من قلب الحالف بها ولا نعلم أحدا الله جل وعز في قلبه أجل من ~~أمير المؤمنين فقال الواثق: تحمل إلى أبي عبد ms146 الله يتصدق بها. # PageV01P081 # قال: ودعا يحيى بن خالد البرمكي ابنه إبراهيم يوما وكان يسمى دينار بني ~~برمك لجماله وحسنه ودعا بمؤدبه وبمن كان ضم إليه من كتابه، وأجابه، فقال: ~~ما حال ابني هذا؟ قالوا: قد بلغ من الأدب كذا وكذا ونظر في كذا وكذا قال: ~~ليس عن هذا سألت، قالوا: قد اتخذنا له من الضياع كذا وغلته كذا قال: ولا عن ~~هذا سألت إنما سألت عن بعد همته وهل اتخذتم له في أعناق الرجال مننا ~~وحببتموه إلى الناس؟ قالوا: لا قال: فبئس العشراء أنتم والأصحاب، هو والله ~~إلى هذا أحوج منه إلى ما قلتم! ثم أمر بحمل خمس مائة ألف درهم إليه ففرقت ~~على قوم لا يدري من هم. # قال: وقال المأمون لولده وعنده عمرو بن مسعدة ويحيى بن أكثم: اعتبروا في ~~علو الهمة بمن ترون من وزرائي وخاصتي، إنهم والله ما بلغوا مراتبهم عندي ~~إلابأنفسهم، إنه من تبع منكم صغار الأمور تبعه التصغير والتحقير وكان قليل ~~ما يفتقد من كبارها أكثر من كثير ما يستدرك من الصغار، فترفعوا عن دناءة ~~الهمة وتفرغوا لجلائل الأمور والتدبير واستكفوا الثقات وكونوا مثل كرام ~~السباع التي لا تشتغل بصغار الطير والوحش بل بجليلها وكبارها، واعلموا أن ~~أقدامكم إن لم تتقدم بكم فإن قائدكم لا يقدمكم ولا يغني الولي عنكم شيئا ما ~~لم تعطوه حقه، وأنشده: # نحن الذين إذا تخمط عصبة ... من معشر كنا لها أنكالا # ونرى القروم مخافة لقرومنا ... قبل اللقاء تقطر الأبوالا # نرد المنية لا نخاف ورودها ... تحت العجاجة والعيون تلالا # نعطي الجزيل فلا نمن عطاءنا ... قبل السؤال ونحمل الأثقالا # وإذا البلاد على الأنام تزلزلبت ... كنا لزلزلة البلاد جبالا # ولبعضهم في أبي دلف: # له همم لامنتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر # له راحة لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندى من البحر # ولو أن خلق الله في مسك فارس ... فبارزه كان الخلي من العمر # أبا دلف بوركت في كل وجهة ... كما بوركت في شهرها ليلة القدر # ولغيره: # لا تهدمن ms147 بنيان قوم وجدتهم ... بنوا لك بنيانا وكن أنت بانيا # وإن زهد الأقوام في طلب العلى ... فسام بكفيك الندى والمعاليا # عبد الله بن طاهر: # فتى خصه الله بالمكرمات ... فمازج منه الحيا والكرم # إذا همة قصرت عن يد ... تناول بالمجد أعلى الهمم # ولا ينكت الأرض عند السؤال ... ليثني زواره عن نعم # بدا حين أثرى لإخوانه ... ففلل عنهم شباة العدم # وذكره الحزم غب الأمور ... فبادر قبل انتقال النعم # PageV01P082 # قال: وحدثنا بعض أهل ذي الرئاستين قال: كان ذو الرئاستين يبعث بي وبأحداث ~~من أهل بيته إلى شيخ بخراسان ويقول: تعلموا منه الحكمة، فكنا نأتيه ونستفيد ~~منه الآداب، فلما كان بعد ذلك قال لنا: أنتم أدباء وقد تعلمتم الحكمة ولكم ~~نعمة فهل فيكم عاشق؟ فاستحيينا من قوله وسكتنا، فقال: اعشقوا فإن العشق ~~يطلق لسان البليد ويسخي البخيل ويشجع الجبان ويبعث على التلطف وإظهار ~~المروءة في المطعم والمشرب والملبس وغير ذلك، وانظروا أن تعشقوا أهل ~~البيوتات والشرف. قال: فخرجنا من عنده وصرنا إلى ذي الرئاستين، فسألنا عما ~~أفادنا فهبناه أن نخبره، فقال: تكلموا، فقلنا: تكلموا، فقلنا: إنه أمرنا ~~بكذا وكذا، فقال: صدق وبر، أتعلمون من أين قال لكم ذلك؟ قلنا: يخبرنا به ~~الوزير، فقال: كان لبهرام جور ابن قد رشحه للملك من بعده واعتمد عليه في ~~حياته، وكان خامل المروءة ساقط الهمة فضم إليه عدة من المؤدبين والحكماء ~~والعلماء ومن يتعلم الفروسية، فبينا بهرام في مجلسه إذ دخل عليه بعض أولئك ~~المؤدبين المضمومين إلى ابنه، فسأله عن خبر ابنه وأين بلغ من الحكمة ~~والأدب، فقال: أيها الملك قد كنت أرجو أن يتوجه أو يعي بعض ما ألفته وألقيه ~~إليه حتى حدث من أمره ما آيسني منه، قال: وما هو؟ قال: بصر بابنة فلان ~~المرزبان فهويها فهو الآن يهذي بها ليله ونهاره، فقال: الآن رجوت فلاحه، ~~اذهب فشجعه بمراسلة المرأة وخوفه بي، فذهب المؤدب فانتهى إلى ما أمره به، ~~وبعث بهرام إلى أبي الجارية ودعاه فقال له: إني مزوج ابني ابنتك فأتها ~~ومرها أن تراسل ابني وتطمعه ms148 في نفسها فإذا استحكم طمعه فيها ورجا الالتقاء ~~تجنت عليه وقالت: إني لا أصلح إلا لملك عظيم القدر بعيد الهمة حسن المودة ~~أديب النفس شجاع البطش ولست كذلك ولا هناك، ثم عرفني الكائن منك في ذلك. ~~فمضى المرزبان إلى ابنته فأعلمها بذلك وبما قاله له الملك، فراسلت الفتى ~~وأطمعته ثم قالت له ما أمرها به أبوها، فلما سمع الفتى ذلك أنف أنفا شديدا ~~وتقاصرت إليه نفسه فأقبل على تعلم الأدب والحكمة والفروسية حتى صار رأسا في ~~ذلك، فلما بلغ الغاية التي لا بعدها رفع قصته إلى أبيه يشكو تخلف حاله ~~وقصور يده عما يشتهيه، فوقع له أبوه بإزاحة علته والتوسعة عليه، ثم بعث إلى ~~المؤدب فدعاه فقال: قل لابني يرفع إلي قصة يسألني فيها إنكاحه ابنة ~~المرزبان، فقال له المؤدب ذلك فكتب قصة رفعها إلى الملك يسأله تزويجها منه ~~وأن يصل جناحه بذلك وأنها ممن تصلح لمثله، فأمر الملك بإحضار المرزبان ~~وسأله أن يزوج ابنته من ابنه ففعل، وجهزها الملك بأجل ما يكون من الجهاز ~~وقال لابنه: إذا أنت خلوت بها فلا تحدثن شيئا حتى آتيك، فلما كان ذلك الوقت ~~دخل الملك على ابنه فقال: يا بني إياك وأن تصغر شأن هذه المرأة عندك فإنها ~~من أعظم الناس منة عليك، وإن الذي كان من مراسلتها إياك فإنما كان عن أمري ~~وبإذني وتدبيري، فاعرف حقها وحق أبيها وأحسن معاشرتها وبرها، ثم خرج الملك ~~وخلا الفتى بأهله، ثم قال ذو الرئاستين: سلوا الآن الشيخ عن السبب الذي ~~حمله على ما أمركم به، قال: فسألناه فحدثنا بحديث ذي الرئاستين. ### | مساوئ سقوط الهمة # PageV01P083 # قال: وكان القاسم بن الرشيد ساقط الهمة دني النفس، وكان المأمون على أن ~~يعهد إليه ويؤكد له ما كان الرشيد جعله له من ولاية العهد، وكان لا يزال ~~يبلغه عنه ما يكره مرة في نفسه وأخرى في حشمه، قال: فرفع إليه في الخبر ~~يوما أنه قال لقوام حمامه: نوروا الناس بالمجان، ففعلوا ذلك فلم يبق محتاج ~~إلا جاء يتنور، فلما علم ms149 أنهم كثروا أخرج عليهم الأسد من باب كان يدخل منه ~~إلى الحمام فخرج الناس عراة مغمى عليهم مع ما عليهم من النورة هاربين من ~~الأسد فصاروا إلى شارع قصره وقد أشرف عليهم وهو يضحك، فحدثنا الحسن بن قريش ~~قال: دعاني المأمون وقال: يا هذا ما لي ولهذا الفتى، إلى كم أحتمل منه هذا ~~الأذى؟ قال: فقلت قومه يا أمير المؤمنين إن رأيت في ذلك صلاحا، قال: نعم، ~~فقلت: يا سيدي إنه عضو منك وأنت أولى الناس بتقويمه، قال: فجعل ينهاه ويأبى ~~لا ينتهين، فلما كثر هذا من فعله عزم على خلعه فكتب إلى هرثمة بن أعين في ~~ذلك كتابا نسخته: أما بعد فإن أمير المؤمنين يستوفق الله جل وعز في جميع ~~أموره ويستخيره فيها خاصها وعامها، لطيفها وجليلها، استخارة من يوقن أن ~~البركة وخيرة البدء والعاقبة في قضائه وما يلهمه من إرشاد وتسديد رأي ~~وإثبات صواب، وقد رأى أمير المؤمنين عندما استخار الله تبارك اسمه فيه من ~~أمر القاسم بن الرشيد فيما كان إليه من ولاية العهد خلعه عن ذلك وصرفه عنه، ~~فأظهر ذلك فيمن بحضرتك وأمر بالكتاب إلى العمال في نواحي عملك وثغورك وولاة ~~الأمصار، فقد أمل أمير المؤمنين أن يكون ذلك توفيقا من الله تبارك اسمه ~~ورشدا ألهمه إياه إذ كان به توفيقه وعليه معوله وإليه رجوعه فيما يبرم ~~ويمضي، فامتثل ما حده لك أمير المؤمنين وانته إليه واكتب بما يكون منك فيه ~~إن شاء الله. # قال: ونظر المأمون يوما إلى ابنه العباس وأخيه المعتصم، فابنه العباس ~~يتخذ المصانع ويبني الضياع والمعتصم يتخذ الرجال، فقال شعرا: # يبني الرجال وغيره يبني القرى ... شتان بين قرى وبين رجال # قلق بكثرة ماله وضياعه ... حتى يفرقه على الأبطال # وأنشد في مثله: # لما رأيتك لا تجود بنائل ... وتظن بالمعروف ظن الساقط # ورأيت همتك التي تعلو بها ... سوط الثريد وشم ريح الغائط # وإذا تكلف حاجة ضيعتها ... بتغافل عنها كأنك واسطي # لا للمكارم تشرئب بنهضة ... ولدى المكاره كالحمار الضارط # أيست نفسي من رجائك دهرها ... ونقشت ms150 شبهك صورة في حائط # وقال آخر، سامحه الله عز وجل: # إذا أنت لا ترجي لدفع ملمة ... ولا أنت في المعروف عندك مطمه # ولا أنت ذو جاه يعاش بجاهه ... ولا أنت يوم الحشر ممن يشفع # فموتك في الدنيا وعيشك واحد ... وعود خلال من نوالك أنفع # ولآخر، سامحه الله وعفا عنه: # كلما قلت ويك للكلب إخسأ ... لحظتني عيناك لحظة تهمه # أتراني أظن أنك كلب ... أنت عندي من أبعد الناس همه ### | محاسن كرم الصحبة # PageV01P084 # قال ابن طاهر: حدثوني عن عبد الله بن مالك قال: كنت أتولى الشرطة للمهدي ~~وكان يبعث إلي في ندماء الهادي ومغنيه أني أضربهم وأحبسهم صيانة له عنهم، ~~فبعث الهادي يسألني الرفق بهم والترفيه عنهم، فلا ألتفت إلى ذلك وأمضي إلى ~~ما يأمر به المهدي، فلما ولي الهادي الخلافة أيقنت بالتلف فبعث إلي يوما ~~فدخلت عليه متكفنا متحنطا، فإذا هو على كرسي والنطع والسيف بين يديه، فسلمت ~~فقال: لا سلم الله عليك! تذكر يوم بعثت إليك في أمر الحراني لما أمر أمير ~~المؤمنين، رضي الله عنه، بضربه فلم تجبني في فلان وفي فلان، وجعل يعد ~~ندماءه، ولم يلتفت إلى قولي؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، أفتأذن لي في ~~استيفاء الحجة؟ قال: نعم، قلت: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أيسرك أن ~~وليتني ما ولاني أبوك وأمرتني بأمر فبعث إلي بعض بنيك بأمر يخالف أمرك ~~فاتبعت أمره وعصيت أمرك؟ قال: لا، قلت: فكذلك أنا لك وكذا لأبيك وأخيك. ~~فاستدناني فقبلت يده وأمر بخلع فصبت علي وقال: قد وليتك ما كنت تتولاه فامض ~~راشدا. فخرجت من عنده وصرت إلى منزلي مفكرا في أمره وأمري وقلت حدث والقوم ~~الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتابه فكأني بهم حين يغلب عليه ~~الشراب وقد أزالوه عن رأيه في وحملوه في أمري ما كنت أتخوفه، قال: فإني ~~لجالس وبين يدي بنية لي والكانون بين يدي ورقاق أشطره بكامخ وأسخنه وأطعمه ~~الصبية حتى توهمت أن الدنيا قد اقتلعت بي وزلزلت لوقع حوافر الدواب وكثرة ~~الضوضاء فقلت: هاه كان ms151 والله ما ظننت! فإذا الباب قد فتح وإذا الخدم قد ~~دخلوا وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم، فلما رأيتهم وثبت عن ~~مجلسي مبادرا وقبلت يده ورجله وحافر حماره، فقال: يا أبا عبد الله إني فكرت ~~في أمرك فقلت يسبق إلى قلبك أني إذا شربت وجاءني أعداؤك أزالوا ما حسن من ~~رأيي فيك فأقلقك وأوحشك فصرت إلى منزلك لأؤنسك وأعلمك أن السخيمة قد زالت ~~عن قلبي فهات اطعمني ما كنت تأكل وافعل فيه ما كنت تفعل لتعلم أني قد تحرمت ~~بطعامك وأنست بمنزلك فيزول خوفك ووحشتك. فأدنيت إليه ذلك الرقاق والسكرجة ~~التي فيها الكامخ فأكل منها ثم قال: هاتوا الزلة التي زللتها لأبي عبد الله ~~من مجلسي، فأدخل إلي أربعمائة بغل موقرة دراهم، فقال: هذه زلتك فاستعن بها ~~على أمرك واحفظ هذه البغال عندك فلعلي أحتاج إليها لبعض أسفاري، وانصرف ~~راجعا. فأخبرني موسى بن عبد الله أن أباه أعطاه بستانه الذي كان وسط داره ~~فبنى حوله معالف لتلك البغال وكان هو يتولى القيام عليها مدة حياة الهادي. # PageV01P085 # وحدث من حضر مجلس المأمون وقد أمر بإحضار العباس صاحب الشرطة ببغداد وبين ~~يديه رجل مكبل بالحديد، فلما حضر قال: يا عباس خذ هذا إليك واستوثق منه ولا ~~يفوتنك وبكر به واحذر كل الحذر. قال العباس: فدعوت جماعة حملوه ولم يقدر ~~يتحرك فقلت في نفسي مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من ~~الاحتفاظ به ما يحب أن يكون معي إلا في بيتي، ثم سألته عن قصته وحاله من ~~أين هو، فقال: من دمشق، فقال: جزى الله دمشق وأهلها خيرا، فمن أنت من ~~أهلها؟ قال: لا تزيد أن تسألني، فقلت له: أتعرف فلانا؟ فقال: ومن أين عرفت ~~ذلك الرجل؟ فقلت: كانت لي قصة معه، فقال: ما أنا بمعرفك خبره أو تعرفني ~~قصتك، فقلت: ويحك! كنت مع بعض الولاة بها فخرج علينا أهلها حتى أراد الوالي ~~أن يدلي في زنبيل من قصر الحجاج وهرب هو وجميع أصحابه وهربت فيمن هرب، فإني ~~لفي ms152 بعض الطريق إذا جماعة يعدون خلفي، فما زلت أحاضرهم حتى مررت على هذا ~~الرجل الذي ذكرته لك وهو جالس على باب داره فقلت: أغثني أغاثك الله! فقال: ~~لا بأس عليك ادخل الدار، فدخلت، فقالت لي امرأته: ادخل الحجلة، فدخلتها، ~~وأتت الرجال خلفي فما شعرت إلا به وهم معه يقولون: هو والله عندك! فقال: ~~دونكم الدار، ففتشوها حتى لم يبق إلا البيت الذي كنت فيه، فقالوا: هاهنا، ~~فصاحت المرأة وانتهرتهم، فانصرفوا وخرج الرجل فجلس على باب داره ساعة وأنا ~~قائم في الحجلة خائفا، فقالت المرأة: اجلس لا بأس عليك، فجلست، فلم ألبث أن ~~دخل الرجل وقال: لا تخف فقد صرت إلى الأمن والدعة إن شاء الله تعالى، فقلت ~~له: جزاك الله عني خيرا! ثم ما زال يعاشرني أحسن المعاشرة وأجملها ولا يفتر ~~من القصف والأكل والشرب والفرح أربعة أشهر إلى أن سكنت الفتنة وهدأت، فقلت ~~له: أتأذن لي في الخروج لأتعرف خبر غلماني ومنزلي فلعلي أن أقف لهم على أثر ~~أو خبر، فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه، فخرجت وطلبت غلماني فلم أر لهم ~~أثرا فرجعت إليه وأعلمته الخبر وهو مع هذا لا يعرفني ولا يعرف اسمي ولا ~~مخاطبتي بغير الكنية، ثم قال لي: ما تعزم؟ فقلت: قد عزمت على الشخوص إلى ~~بغداد فإن قافلة تخرج بعد ثلاثة أيام وقد تفضلت علي هذه المدة فأسألك أن ~~تعطيني ما أنفقه في طريقي وما ألبسه، فقال: بصنع الله عز وجل، ثم قال لغلام ~~له أسود: انعل الفرس الفلاني، وتقدم إلى من في منزله بإعداد السفر، فقلت في ~~نفسي: ما أشك إلا أنه يخرج إلى ضيعة له أو ناحية من النواحي، فوقعوا يومهم ~~ذلك في تعب وكد، فلما كان يوم خروج القافلة جاءني في السحر وقال: يا أبا ~~فلان قم فإن القافلة تخرج الساعة وأكره أن تنفرد عنها، فقلت في نفسي: ما ~~أعطاني شيئا مما سألته، ثم قمت فإذا هو وامرأته يحملان إلي خفاتين مقطوعة ~~جددا ورانات وآلة السفر ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في ms153 وسطي ثم قدم البغل ~~فحمل عليه الصناديق وفوقها مفرشان ودفع إلي نسخة بما في الصناديق وفيها ~~خمسة آلاف درهم وقدم إلي الفرس الذي كان أنعله بسرجه ولجامه وقال لي: اركب ~~وهذا الغلام الأسود يخدمك ويسوس دوابك، وأقبل هو وامرأته يعتذران من ~~تقصيرهما في أمري، وركب معي فشيعني، وانصرفت إلى بغداد وأنا على مكافأته ~~ومجازاته فعاقنا عن ذلك ما نحن فيه من الشغل بالأسفار واتصالها والتنقل من ~~مكان إلى مكان. فلما سمع الرجل الحديث قال: قد أتاك الله عز وجل بمن تريد ~~مكافأته بلا مؤونة عليك، فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أنا والله ذلك الرجل! ثم قال ~~لي: ما أثبتك! فتعرف إلي وأقبل يذكرني بأشياء يتعرف بها إلي حتى أثبته ~~وعرفته فما تمالكت أن قمت إليه فقبلت رأسه وقلت له: ما الذي أصارك إلى هذا؟ ~~فقال: هاجت فتنة بدمشق مثل الفتنة التي كانت في أيامك فنسبت إلي وبعث أمير ~~المؤمنين بجيوش فأصلحوا البلد وحملت إليه وأمري عنده غليظ جدا وهو قاتلي لا ~~محالة، وقد خرجت من عند أهلي بلا وصية وقد تبعني من عبيدي من ينصرف إلى ~~منزلي بخبري وهو نازل عند فلان، فإن رأيت أن تنعم وتبعث إليه حتى يحضر ~~فأتقدم إليه بما أريد، فإذا أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة لي. قال ~~فقال العباس: بصنع الله، ثم قال: علي بحدادين، فأتوا بهم، فحل قيوده وما ~~كان عليه من أنواع الأنكال، ودعا بالحجام فأحضر وأخذ من شعره ثم قال: علي ~~بمولاه، فأنفذ في طلبه من يحضره. قال الرجل: فلما أن أخذ شعري # PageV01P086 # أدخلني الحمام فطرح علي من ثيابه ما اكتفيت به ثم حضر مولاي وقعد يبكي، ~~فقال العباس: علي بفرسي الفلاني والفرس الفلاني والبغل الفلاني، حتى عد ~~عشرا، ثم قال: علي من الصناديق والكسوة بكذا ومن صناديق الطعام بكذا، ثم ~~أمر لي ببدرة فيها عشرة آلاف درهم وكيس فيه خمسة آلاف دينار وقال لصاحب ~~شرطته: خذه واعبر به إلى جسر الأنبار، فقلت له: إن أمري غليظ وإن أنت ~~احتججت بأني ms154 هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأرد وأقتل، ~~فقال: انج بنفسك ودعني أدبر أمري، فقلت: والله لا أبرح من بغداد أو أعلم ما ~~يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت، فقال لصاحب الشرطة: إن كان الأمر ~~على هذا فليكن في موضع كذا وكذا فإن سلمت في غداة غد فسبيل المحبة وإن قتلت ~~كنت قد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه، وأنشدك الله أن تذهب من ماله شيئا ~~قيمته درهم وتخلصه حتى تخرجه من بغداد. دخلني الحمام فطرح علي من ثيابه ما ~~اكتفيت به ثم حضر مولاي وقعد يبكي، فقال العباس: علي بفرسي الفلاني والفرس ~~الفلاني والبغل الفلاني، حتى عد عشرا، ثم قال: علي من الصناديق والكسوة ~~بكذا ومن صناديق الطعام بكذا، ثم أمر لي ببدرة فيها عشرة آلاف درهم وكيس ~~فيه خمسة آلاف دينار وقال لصاحب شرطته: خذه واعبر به إلى جسر الأنبار، فقلت ~~له: إن أمري غليظ وإن أنت احتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل ~~من على بابه فأرد وأقتل، فقال: انج بنفسك ودعني أدبر أمري، فقلت: والله لا ~~أبرح من بغداد أو أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت، فقال ~~لصاحب الشرطة: إن كان الأمر على هذا فليكن في موضع كذا وكذا فإن سلمت في ~~غداة غد فسبيل المحبة وإن قتلت كنت قد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه، وأنشدك ~~الله أن تذهب من ماله شيئا قيمته درهم وتخلصه حتى تخرجه من بغداد. # قال الرجل: فأخذني صاحب الشرطة فصيرني في مكان يثق به وتفرغ العباس لنفسه ~~واغتسل وتحنط وتكفن. قال العباس: فلم أفرغ من ذلك حتى وافتني رسل المأمون ~~في السحر وقالوا: أمير المؤمنين يقول هات الرجل، فسكت وأتيت الدار وإذا ~~أمير المؤمنين جالس عليه ثيابه أمام فراشه، فقال: الرجل! فسكت، فقال: ويحك ~~الرجل! فقلت: يا أمير المؤمنين اسمع مني، فقال: أعطي الله عهدا لئن ذكرت ~~أنه هرب لأضربن عنقك! فقلت: لا والله ما هرب، فاسمع مني حديثي وحديثه ms155 ثم ~~أنت أعلم بما تفعله في أمرنا، قال: قل، فقلت: يا أمير المؤمنين كان من ~~حديثي معه كذا وكذا، وقصصت عليه القصة وعرفته أني كنت أريد مكافأته فشغلت ~~عن ذلك حتى إذا كان البارحة عرفته وعبرت به جسر الأنبار وقلت: أنا من سيدي ~~أمير المؤمنين بين أمرين، إما تصفح عني وإما قتلني وأكون قد كافيته ووقيته ~~بنفسي كما وقاني بنفسه. فلما سمع المأمون الحديث قال: ويحك! لا جزاك الله ~~خيرا عن نفسك وعنا وعن هذا الفتى الحر، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة ~~وتكافيه بعد المعرفة بهذا! لم لا عرفتني خبره فكنت أكافيه عنك؟ فقلت: يا ~~أمير المؤمنين إنه والله هاهنا قد حلف أنه لا يبرح حتى يعرف سلامتي فإن ~~احتيج إلى حضوره حضر، قال: وهذه والله منه أعظم من الأولى، فاذهب إليه الآن ~~وطيب نفسه وسكن روعه وتعبر به إلي حتى أتولى مكافأته عنك. فصرت إليه وقلت: ~~ليسكن روعك إن أمير المؤمنين قال كيت وكيت، فقال: الحمد لله الذي لا يحمد ~~على السراء والضراء غيره، ثم تهيأ للصلاة فصلى ركعتين ثم جئنا فلما مثل بين ~~يدي المأمون أدناه حتى أجلسه إلى جانبه وآنسه وحدثه حتى حضر الغداء، ثم ~~قال: الطعام، فأكل معه وخلع عليه وعرض عليه أعمال دمشق فاستعفاه، ثم قال ~~المأمون: علي بعشرة أفراس بسروجها ولجمها وعشرة بغال بجميع آلتها وبعشر بدر ~~وبعشر تخوت وعشرة مماليك بذواتهم وجميع آلتهم، فدفع ذلك إليه، وكتب إلى ~~عامله بالوصاية عليه وأوغر خراجه وكتب إلى صاحب البريد أن تنفذ كتبه وصرفه ~~إلى بلده. قال العباس: فكان إذا ورد له كتاب في خريطة يقول لي المأمون: يا ~~عباس هذا كتاب صديقك. # PageV01P087 # وحدث رجل عن جعفر العطار قال: بينما يحيى بن أكثم يماشي المأمون في بستان ~~موسى والشمس عن يمينه والمأمون في الظل وقد وضع يده على عاتق يحيى وهما ~~يتحدثان إذ رأى المأمون أن يرجع في الطريق الذي جاء منه، فلما انتهى إلى ~~الموضع الذي قصده قال يحيى: إنك جئت وعن ms156 يسارك الشمس وقد أخذت منك فكن أنت ~~الآن في منصرفك حيث كنت وأكون أنا حيث كنت أنت، فقال يحيى: والله يا أمير ~~المؤمنين لو أمكنني أن أقيك بنفسي من هول المطلع لفعلت فكيف لا أصبر على ~~أذى الشمس ساعة؟ فقال: والله لا بد من أن آخذ منها كما أخذت منك وتأخذ من ~~الظل كما أخذت منه! فصار المأمون في موضعه وصار يحيى في موضع المأمون ~~وتماشيا وأخذ بيده فوضعها على عاتقه حتى صار إلى المجلس. # وحدث رجل من آل اسوار بن ميمون عن عمه عبد الله بن اسوار قال: دخلت على ~~يحيى بن خالد البرمكي يوما فقال: اجلس، وكنت أحد كتابه فقلت: ليست معي ~~دواة، فقال: ويحك! في الأرض صاحب صناعة تفارقه آلته؟ وأغلظ لي في حرف علمت ~~أنه أراد به خطي وأراني بعض التثاقل في الكتاب ظهر لي به أنه أراد خطي على ~~الأدب لا غير، ثم دعا بدواة فكتبت بين يديه كتابا منه إلى الفضل ابنه، ورأى ~~مني بعض الضجر في ما كتبت فتوهم أن ذلك من أجل الكلمة التي كلمني بها، ~~فأراد أن يمحو عن قلبي ما توهمه علي فقال: عليك دين؟ قلت: نعم، قال: من ~~دينك؟ قلت: ثلاثمائة ألف درهم، فوقع بخطه إلى الفضل في الكتاب: # وكلكم قد نال شبعا لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه # ثم قال: إن عبد الله ذكر أن عليه دينا يخرجه منه ثلاثمائة ألف درهم فإذا ~~نظرت في كتابي هذا وقبل أن تضعه من يدك فأقسمت عليك لما حملت ذلك إلى منزله ~~من أخص مال قبلك. قال: فحملها الفضل إلي وما أعلم لها سببا إلا تلك الكلمة. # وحدث إبراهيم بن ميمون قال: حدثني جبريل بن بختيشوع قال: اشتريت ضيعة ~~فنقدت بعض الثمن وتعذر علي بعضه فدخلت على يحيى وعنده ولده وأنا أفكر فقال ~~لي: ما لي أراك مفكرا؟ فقلت: أنا في خدمتك وقد اشتريت ضيعة بسبع مائة ألف ~~درهم ونقدت بعض الثمن وتعذر علي بعضه. # فدعا بالدواة وكتب: يعطى جبريل ms157 سبع مائة ألف درهم. ثم دفع الكتاب إلى ~~ولده فوقع فيه كل واحد منهم بثلاثمائة ألف درهم، فقلت: جعلت فداك! قد أديت ~~عامة الثمن وإنما بقي علي أقله، فقال: اصرف ذلك في بعض ما ينوبك. ثم صرت ~~إلى الرشيد فقال: ما أبطأ بك؟ قلت: يا أمير المؤمنين كنت عند أبيك وإخوتك ~~ففعلوا بي كذا وكذا، قال: فما حالي أنا؟ ثم دعا بدابته فركب إلى يحيى فقال ~~له: يا أبت خبرني جبريل بما كان فما حالي من بين ولدك؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين مر له بما شئت يحمل إليه، فأمر بحمل مال إلى جبريل. # وكان إبراهيم بن جبريل على شرطة الفضل فوجهه إلى كابل فافتتحها وغنم ~~غنائم كثيرة ثم ولاه سجستان، فلما انصرف منها كان عنده من مال الخراج أربعة ~~آلاف ألف درهم، فلما قدم بغداد وبنى داره في البغويين استزار الفضل بن يحيى ~~ليريه نعمته عليه وأعد الهدايا والطرف وآنية الذهب والفضة والوصفاء ~~والوصائف والدواب والقباب والثياب وما تهيأ لمثله ووضع الأربعة الآلاف ~~الألف الدرهم في ناحية من الدار، فلما تغدى الفضل قدم إليه تلك الهدايا، ~~فأبى أن يقبل منها شيئا وقال: لم آتك لأسلبك! فقال: أيها الأمير إنها نعمتك ~~علي! قال: ولك عندنا مزيد. قال: فلم يزل يطلب إليه فأخذ من جميع ذلك سوطا ~~سجزيا، فقال: هذا من آلة الفرسان، فقال إبراهيم: أيها الأمير فهذا المال من ~~مال الخراج تأمر بقبضه؟ قال: هو لك، فأعاد عليه القول مرارا، فقال: ما لك ~~بيت يسعه، فوهب له المال بعد أن كان قد صار إليه ألف ألف درهم. # PageV01P088 # قال: ودخل قوم من حاشية المنصور وخدمه عليه فرأى منهم رجلا عليه سواد خلق ~~فقال له: يا فلان ما لي أرى سوادك منقطعا، أما تقبض رزقك؟ قال: بلى يا أمير ~~المؤمنين ولكن أبي توفي وترك دينا فبعت تركته في قضاء دينه وصرفت أكثر رزقي ~~إلى حرمته وولده من بعده، فقال: أعد علي ما قلت، فأعاده، فقال: ما أحسن ما ~~فعلت! اغد علي في غد، ms158 فغدا عليه فوجد الربيع جالسا على الكرسي، فقال: قد ~~سأل عنك أمير المؤمنين فادخل، فدخل فوجده قائما يصلي، فقضى صلاته وقال: ألم ~~آمرك أن تغدو؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما قصرت في الغدو عند نفسي، قال: خذ ~~ما تحت تلك المضربة، وإذا السراج يزهر وسرير صغير في ناحية المجلس ينام ~~عليه، فرفعت المضربة فإذا دنانير، فجعلت أحثوها في كمي ثم دعوت له هو ~~وخرجت، فبصر بصفرة دينار في ضوء السراج، فدعا لي فقال لي: انظر ما على ~~السرير، فإذا دينار فأخذته، فقال: ادن مني، فدنوت منه فعرك أذني تعريكا ~~شديدا فقال: تترك دينارا وفيه نفقة يومك؟ قال: فأخذت الدينار، ووزنت ~~الدنانير وإذا هي ألف دينار عددها تسعمائة وتسعة وتسعون دينارا في عافية ~~وأخذت واحدا بعرك الأذن. # قيل: وقال علقمة بن لبيد لابنه: يا بني إن نازعتك نفسك يوما إلى صحبة ~~الرجال لحاجتك إليهم فاصحب من إن صحبته زانك، وإن تخففت له صانك، وإذا نزلت ~~بك نازلة مانك، وإن قلت صدق قولك، وإن صلت به شدد صولك. اصحب من إذا مددت ~~يدك لفضل مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن بدت منك ثلمة سدها. اصحب من لا ~~تأتيك منه البوائق ولا تختلف عليك منه الطرائق ولا يخذلك عند الحقائق. # وقال بعض الحكماء: إذا رأيت كلبا ترك صاحبه وتبعك فارجمه بالحجارة فإنه ~~تاركك كما ترك صاحبه. # وقال آخر: اصحب من خولك نفسه وملكك خدمته وتخيرك لزمانه فقد وجب عليك حقه ~~وذمامه، وكان يقال من قبل: صلتك، فقد باعك مروءته وأذل لقدرك عزه. # وقال بعضهم: أنا أطوع لك من اليد وأذل من النعل. # وقال بعضهم: أنا أطوع لك من الرداء وأذل من الحذاء. # قيل: وقال ابن أبي دؤاد لرجل انقطع إلى محمد بن عبد الملك الزيات: ما ~~خبرك مع صاحبك؟ قال: لا يقصر في الإحسان إلي، قال: يا هذا إن لسان حالك ~~يكذب لسان مقالك. # مساوئ الصحبة قال: كان يوسف بن عمر يتولى العراقين لهشام بن عبد الملك، ~~وكان مذموما في عمله فحدث ms159 المدائني قال: وزن يوسف بن عمر درهما فنقص حبة ~~فكتب إلى دور الضرب بالعراق فضرب أهلها مائة سوط. # قيل: وخطب في مسجد الكوفة فتكلم إنسان مجنون فقال: يا أهل الكوفة ألم ~~أنهكم أن يدخل مجانينكم المسجد؟ اضربوا عنقه! فضربت عنقه. # قال: وقال لهمام بن يحيى وكان عامله: يا فاسق أخربت مهرجانقذق! قال: إني ~~لم أكن عليها إنما كنت على ماه دينار وتقول أخربت مهرجانقذق! فلم يزل يوسف ~~يعذبه حتى قتله. # قال وقال لكاتبه: ما حبسك عني؟ قال: اشتكيت ضرسي، قال: تشتكي ضرسك وتقعد ~~عن الديوان؟ ودعا له بالحجام وأمره بقلع ضرسين من أضراسه. # PageV01P089 # وعن المدائني قال: حدثني رضيع كان ليوسف بن عمر من بني عبس قال: كنت لا ~~أحجب عنه وعن حرمته فدعا ذات يوم بجوار له ثلاث ودعا بخصي أسود يقال له ~~حديج فقرب إليه واحدة فقال لها: إني أريد الشخوص أفأخلفك أم أشخصك معي؟ ~~فقالت: صحبة الأمير أحب إلي ولكني أحسب أن مقامي وتخلفي أعفى وأخف علي، ~~قال: أحببت التخلف للفجور! اضرب يا حديج، فضربها حتى أوجعها، ثم أمره أن ~~يأتيه بأخرى قد رأت ما لقيت صاحبتها، فقال لها: إني أريد الشخوص أفأخلفك أم ~~أخرجك؟ قالت: ما أعدل بصحبة الأمير شيئا بل يخرجني، قال: أحببت الجماع ما ~~تريدين أن يفوتك! اضرب يا حديج، فضربها حتى أوجعها، ثم أمر بالثالثة أن ~~يأتيه بها وقد رأت ما لقيت المقدمتان، فقال لها: أريد الخروج أفأخلفك أم ~~أشخصك؟ قالت: الأمير أعرف أي الأمرين أخف عليه، قال: اختاري لنفسك، قالت: ~~ما عندي لهذا اختيار فليختر الأمير، قال: قد فرغت أنا الآن من كل شيء ومن ~~كل عمل ولم يبق علي إلا أن أختار لك! أوجع يا حديج، فضربها حتى أوجعها. قال ~~الرجل: وكأنما يضربني من شدة غيظي عليه، فولت الجارية وتبعها الخادم، فلما ~~بعدت قالت: الخيرة والله في فراقك، ما تقر والله عين أحد بصحبتك! فلم يفهم ~~يوسف كلامها، فقال: ما تقول يا حديج؟ قال: قالت كذا وكذا، قال: يا ابن ~~الخبيثة من ms160 أمرك أن تخبرني؟ يا غلام خذ السوط من يده وأوجع به رأسه! فما ~~زال يضرب حتى اشتفيت. ### | محاسن السخاء # روي عن نافع قال: لقي يحيى بن زكرياء، عليه السلام، إبليس فقال له: ~~أخبرني بأحب الناس إليك وأبغض الناس إليك، قال: أحب الناس إلي كل مؤمن بخيل ~~وأبغض الناس إلي كل منافق سخي، قال: ولم ذاك؟ قال: لأن السخاء خلق الله ~~الأعظم فأخشى أن يطلع عليه في بعض سخائه فيغفر له. وقال، صلى الله عليه ~~وسلم: السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار، ~~والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار، ولجاهل ~~سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل، وأدوى الداء البخل. # وعن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: ما أشرقت شمس إلا وبجنبتيها ملكان ~~يناديان وإنهما ليعرفان الخلائق إلا الثقلين الجن والإنس: اللهم عجل لمنفق ~~خلفا، اللهم عجل لممسك تلفا، وملكان يناديان: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ~~فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. # وعن الشعبي قال: قالت أم البنين بنت عبد العزيز أخت عمر بن عبد العزيز: ~~لو كان البخل قميصا ما لبسته ولو كان طريقا ما سلكته، وكانت تعتق كل يوم ~~رقبة وتحمل على فرس في سبيل الله، وكانت تقول: البخل كل البخل من بخل على ~~نفسه بالجنة. # قيل: وأعتقت هند بنت المهلب في يوم واحد أربعين رقبة. # وروي عن أم ذر قالت: أرسل ابن الزبير إلى عائشة بثمانين ومائة ألف درهم ~~فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة فقسمته بين الناس حتى أمست وما عندها من جميع ~~ذلك درهم واحد، فقالت: يا جارية هلمي فطريني، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت ~~لها: يا عائشة أما استطعت مما قسمت أن تشتري لحما بدرهم؟ فقالت: لا تغضبي ~~فلو ذكرتني لفعلت، وقيل: إنها تصدقت بسبعين ألف درهم وإن درعها لمرقع. # وقال بعض الحكماء: ثواب الجود خلف ومحبة ومكافأة، وثواب البخل حرمان ~~وإتلاف ومذمة. # وقال علي بن أبي طالب، رضي الله ms161 عنه: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ~~يا علي كن شجاعا فإن الله جل وعز يحب الشجاع، يا علي كن سخيا فإن الله عز ~~وجل يحب السخاء، يا علي كن غيورا فإن الله عز وجل يحب الغيور، يا علي وإن ~~سائل سألك حاجة ليس لها بأهل فكن أنت لها أهلا. # وقال، صلى الله عليه وسلم: السخاء شجرة في الجنة، أغصانها في الدنيا من ~~أخذ منها بغصن قاده ذلك الغصن إلى الجنة. # قيل: وقال عبد العزيز بن مروان: لو لم يدخل على البخلاء في بخلهم إلا سوء ~~ظنهم بالله عز وجل لكان عظيما. # وقال، صلى الله عليه وسلم: تجافوا عن ذنب السخي فإن الله جل وعز يأخذ ~~بيده كلما عثر. # وقال بهرام جور: من أحب أن يعرف فضل الجود على سائر الأشياء فلينظر إلى ~~ما جاد الله عز وجل به من المواهب الجليلة النفيسة والنسيم والريح وما ~~وعدهم في الجنان فإنه لولا رضاه الجود لم يصطنعه لنفسه. # PageV01P090 # قال: وقال الموبذ لأبرويز: أكنتم أنتم وآباؤكم تمنون بالمعروف وتترصدون ~~عليه المكافأة؟ قال: لا، ولا نستحسن ذلك لخولنا وعبيدنا فكيف نرى ذلك ~~لأنفسنا؟ وفي كتاب ديننا: إن من أظهر معروفا خفيا ليتطاول به على المنعم ~~عليه فقد نبذ الدين وراء ظهره واستوجب أن لا يعد في الأبرار ولا يذكر في ~~الأتقياء والصالحين. # قال: وسئل الإسكندر: ما أكثر ما سررت به من ملكك؟ قال: اقتداري على ~~اصطناع الرجال والإحسان إليهم. # قال: وقال أرسطاطاليس في رسالة له إلى الإسكندر: اعلم أن الأيام تأتي على ~~كل شيء فتخلق الآثار وتميت الأفعال إلا ما رسخ في قلوب الناس وأودع قلوبهم ~~محبة بمآثره يبقى بها حسن ذكرك وكريم فعالك وشريف آثارك. # قيل: ولما قدم بزرجمهر إلى القتل قيل له: أنت في آخر وقت من أوقات الدنيا ~~وأول وقت من أوقات الآخرة فتكلم بكلام تذكر به، فقال: أي شيء أقول؟ الكلام ~~كثير ولكن إن أمكنك أن تكون حديثا حسنا فافعل. # قيل: وتنازع رجل من أبناء الأعاجم وأعرابي في الضيافة ms162 فقال الأعرابي: نحن ~~أقرى للضيف، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن أحدنا ربما لم يملك إلا بعيرا فإذا حل ~~به ضيف نحر له، قال العجمي: فنحن أحسن مذهبا في القرى منكم، قال: وما ذاك؟ ~~قال: نسمي الضيف مهمان، ومعناه أنه أكبر من في المنزل وأملكنا به. # قال بعض الحكماء: قام بالجود من قام بالمجهود. # وقيل: من لم يضن بالموجود هو الجواد. # وقال المأمون: الجود بذل الموجود، والبخل سوء الظن بالمعبود. # قيل: وشكا رجل إلى إياس بن معاوية كثرة ما يهب ويصل وينفق، فقال: إن ~~النفقة داعية إلى الرزق، وكان جالسا بين بابين فقال للرجل: اغلق هذا الباب، ~~فأغلقه، فقال: هل تدخل الريح البيت؟ قال: لا، قال: فافتحه، ففتحه، فجعلت ~~الرياح تخترق في البيت، فقال: هكذا الرزق إنك إذا غلقت الباب لم تدخل الريح ~~وكذلك إذا أمسكت لم يأتك. # قيل: ووصل المأمون محمد بن عباد المهلبي بمائة ألف دينار ففرقها على ~~إخوانه، فبلغ ذلك المأمون فقال: يا أبا عبد الله إن بيوت المال لا تقوم ~~لهذا! فقال: يا أمير المؤمنين البخل بالموجود سوء الظن بالمعبود. # وعن أمية بن يزيد الأموي قال: كنا عند عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية ~~فجاءه رجل من أهل بيته فسأله المعونة على تزويج، فقال له قولا ضعيفا فيه ~~وعد وقلة طمع، فلما قام من عنده ومضى دعا صاحب خزانته وقال: أعطه أربعمائة ~~دينار، فاستكثرناها وقلنا: كنت رددت عليه ردا ظننا أنك تعطيه شيئا قليلا ~~فإذا أنت قد أعطيته أكثر مما أمل! فقال: إني أحب أن يكون فعلي أحسن من ~~قولي. # وبحاتم يضرب المثل في السخاء، فحدثنا عن بعض رجالات طيء قال: كان حاتم ~~جوادا شاعرا، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفرا إذا قاتل غلب، وإذا غنم ~~أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقدح سبق، وإذا أسر أطلق، وكان أقسم أن لا ~~يقتل واحد أمه، ولما بلغ حاتما قول التلمس: # وأعلم علم حق غير ظن ... وتقوى الله من خير العتاد # لحفظ المال خير من بغاه ... وطوف في ms163 البلاد بغير زاد # قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير على الفساد # قال: ما له، قطع الله لسانه، حرض الناس على البخل؟ أفلا قال: # فلا الجود يفني المال قبل فنائه ... ولا البخل في مال الشحيح يزيد # فلا تلتمس رزقا بعيش مقتر ... لكل غد رزق يعود جديد # ألم تر أن الرزق غاد ورائح ... وأن الذي يعطيك غير بعيد # قيل: ولما مات حاتم خرج رجل من بني أسد يعرف بالخيبري في نفر من قومه ~~وذلك قبل أن يعلم كثير من العرب بموته فأناخوا بقبره، فقال: والله لأحلفن ~~للعرب أني نزلت بحاتم وسألته القرى فلم يفعل، وجعل يضرب برجله قبره وهو ~~يقول: # أعجل أبا سفانة قراكا ... فسوف أنبي سائلي ثناكا # فقال بعضهم: ما تنادي رمة! وباتوا مكانهم، فقام صاحب القول من نومه فزعا ~~فقال: يا قوم عليكم مطاياكم فإن حاتما أنشدني: # أبا الخيبري وأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة شتامها # أتيت بصحبك تبغي القرى ... لدى حفرة صخب هامها # تبغي لي الذم عند المبيت ... وحولك غوث وأنعامها # PageV01P091 # فإنا سنشبع أضيافنا ... ونأتي المطي فنعتامها # قيل: ونزل على حاتم ضيف ولم يحضره قرى فنحر ناقة الضيف وعشاه وغداه ثم ~~قال له: إنك أقرضتني ناقتك فغديتك بها فاحتكم علي، قال: راحلتين، قال: لك ~~عشرون أرضيت؟ قال: نعم وفوق الرضى، قال: فلك أربعون، ثم قال لمن بحضرته من ~~قومه: من أتانا بناقة فله ناقتان بعد الغارة، فأتوه بأربعين فدفعها إلى ~~ضيفه. # وحكوا عن حاتم أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة، فلما كان بأرض عنزة ~~ناداه أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الإسار، قال: ويلك والله ما أنا في ~~بلادي وما معي شيء وقد أسأت أن توهمت بي! فذهب إلى العنزيين فساومهم به ~~واشتراه منهم وقال: خلوا عنه وأنا أقيم مكانه في قيده حتى أؤدي فداه، ~~ففعلوا، فأتاهم بفدائه. # وقيل في المثل: هو أجود من كعب بن مامة، وكان من إياد، وبلغ من جوده أنه ~~خرج في ركب وفيهم رجل من أهل النمر بن قاسط في شهر ناجر، والنجر العطش، ms164 ~~فضلوا وتصافنوا ماءهم فجعل النمري يشرب نصيبه فإذا أصاب كعبا نصيبه قال: ~~اعط أخاك يصطبح، فيؤثره على نفسه، حتى أضر به العطش، فلما رأى ذلك استحث ~~راحلته وبادر حتى رفعت له أعلام الماء وقيل له: رد كعب فإنك وارد، فغلبه ~~العطش فمات ونجا رفيقه. # وقيل في المثل: هو أسمح من لافظة، وهي العنز تستدعى للحلب فتجيء إليه وهي ~~تلفظ بجرتها فرحا بالحلب، وقال الشاعر: # يداك يد خيرها يرتجى ... وأخرى لأعدائها غائظه # فأما التي خيرها يرتجى ... فأجود جودا من اللافظه # وأما التي شرها يتقى ... فنفس العدو بها فائظه # قيل: وخرج معاوية بن أبي سفيان ذات يوم فقام إليه رجل فقال: قد أملتك ~~لمهم فما عوضي من ذلك؟ قال: إبلاغك أمنيتك فتمن، قال: ألف دينار، قال: هي ~~لك ومثلها استظهارا لبقاء النعمة عليك. # وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه: يا بني إن ثيابكم على غيركم أحسن منها ~~عليكم، ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم، وكان يقول لولده: لا تتكلوا على ~~ما سبق من فعلي وافعلوا ما ينسب إلي، ثم قال متمثلا: # إنما المجد ما بنى والد الصد ... ق وأحيا فعاله المولود # ويقول: ابتداء الفضل يد موفورة والبذل بعد الطلب يد مقبوضة. # فأما صلات الخلفاء وسخاؤهم فإنه حدثنا هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى ~~الهادي قال: حدثني علي بن صالح قال: كنت يوما على رأس الهادي وأنا غلام وقد ~~جفا المظالم ثلاثة أيام عاقر العقار فيها، فدخل عليه الحراني فقال: يا أمير ~~المؤمنين إن العامة لا تقاد، أو قال: لا تنقاد لما أنت عليه، لم تنظر في ~~المظالم منذ ثلاثة أيام، فالتفت إلي فقال: يا علي ائذن للناس علي بالجفلى ~~لا بالنقرى، فخرجت من عنده وأنا أطير على وجهي لا أدري ما قال لي، فقلت: ~~أرجع فأسأله عما قال فيقول تحجبني ولا تعلم كلامي؟ ثم أدركني ذهني فبعثت ~~إلى أعرابي كان وفد علينا فسألته عن الجفلى والنقرى، فقال: الجفلى جفالة ~~الرجال والنقرى ترتيبهم، فأمرت بالستور فرفعت وبالأبواب ففتحت فدخل الناس ~~على بكرة ms165 أبيهم فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل، فلما تقوض المجلس قلت: ~~يا أمير المؤمنين كلمتني بكلام لم أعرفه فبعثت إلى أعرابي كان عندي ففسره ~~لي وفهمني فكافه عني يا أمير المؤمنين، فقال: نعم مائة ألف درهم تحمل إليه، ~~فقلت: يا أمير المؤمنين أعرابي جلف وفي عشرة آلاف درهم ما أغناه! فقال: ~~ويحك أجود وتبخل؟ # PageV01P092 # قال: وحدثنا عبد الله بن عمرو البلخي عن ابن دأب أنه كان يأكل مع الهادي ~~وينادمه وكان يدعو له بتكاء وما كان يفعل ذلك في مجلسه بغيره، وكان لذيذ ~~المفاكهة طيب المسامرة كثير النادرة جيد الشعر حسن الانتزاع، قال: فأمر له ~~ذات ليلة بثلاثين ألف دينار، فلما أصبح وجه قهرمانه إلى باب موسى وقال له: ~~الق الحاجب فقل له يوجه إلينا بهذا المال، فلقي الحاجب فأتاه برسالته فتبسم ~~وقال: هذا ليس إلي، فانطلق إلى صاحب التوقيع ليخرج إليك كتابا إلى الديوان ~~فتدبره ثم تفعل فيه كذا وكذا، فرجع إلى ابن دأب فأخبره، فقال: دعها ولاتعرض ~~لها، قال: فبينا موسى في مستشرف له إذ نظر إلى ابن دأب قد أقبل وليس معه ~~إلا غلام واحد، فقال لإبراهيم الحراني: أما ترى ابن دأب ما غير من حاله ~~شيئا وقد بررناه بالأمس لنرى أثر ذلك عليه؟ فقال إبراهيم: إن أمرني أمير ~~المؤمنين تعرضت له بشيء من أمره، قال: لا، هو أعلم بأمره، ودخل ابن دأب ~~وأخذنا في حديثه إلى أن عرض له موسى بذكر ذلك فقال: أرى ثوبك غسيلا وهذا ~~شتاء يحتاج فيه إلى الثوب الجديد اللين، فقال: يا أمير المؤمنين باعي قصير ~~عما أحتاج إليه، قال: وكيف وقد صرفنا إليك من برنا ما ظننا أن فيه صلاح ~~شأنك؟ قال: ما وصل إلي ولا قبضته، فدعا صاحب بيت مال الخاصة وقال: عجل له ~~الساعة ثلاثين ألف دينار، فأحضرت وجلعت بين يديه. # وقال الحسن بن يحيى بن عبد الخالق: حدثني محمد بن القاسم بن الربيع قال: ~~أخبرني محمد بن عمرو الرومي قال: حدثني أبي قال: جلس الهادي مجلسا خاصا ms166 ~~فدعا بإبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر وإبراهيم بن سلم بن قتيبة بن مسلم ~~والحراني فجلسوا عن يساره ومعهم خادم للهادي أسود يقال له أسلم، إذ دخل ~~صالح صاحب المصلى فقال هارون بن المهدي: ائذن له، فدخل وسلم عليه وقبل يده ~~وجلس عن يمينه بعيدا، فأطرق موسى ثم التفت إليه وقال: يا هارون كأني بك ~~تحدث نفسك بتمام الرؤيا وتؤمل ما أنت منه بعيد ودون ذلك خرط القتاد، تؤمل ~~الخلافة! قال: فبرك هارون على ركبتيه وقال: يا موسى إنك إن تجبرت وضعت، وإن ~~تواضعت رفعت، وإن ظلمت ختلت، وإني أرجو أن يفضي إلي الأمر فأنصف من ظلمت ~~وأصل من قطعت وأصير أولادك أعلى من أولادي وأزوجهم بناتي وأبلغ ما يجب من ~~حق الإمام المهدي، فقال له موسى: ذلك الظن بك يا أبا جعفر، ادن مني، فدنا ~~وقبل يده ثم ذهب يعود إلى مجلسه، فقال: لا والشيخ الجليل والملك النبيل ~~أعني أباك المنصور لا جلست إلا معي، فأجلسه في صدر المجلس معه ثم قال: يا ~~حراني احمل إلى أخي ألف ألف دينار وإذا افتتح الخراج فاحمل إليه النصف ~~واعرض عليه ما في الخزانة اخاصة وسائر الخزائن من مالنا وما أخذ من أهل بيت ~~اللعنة فيأخذ منه ما أراد، قال: ففعل ذلك، فلما قام قال لصالح: أدن دابته ~~إلى البساط، قال عمرو الرومي: وكان هارون يأنس به، قلت: يا سيدي ما الرؤيا ~~التي قال لك؟ قال المهدي: رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبا وإلى ~~هارون قضيبا أورق من قضيب موسى وأعلى منه، فأما قضيب هارون فأورق من أوله ~~إلى آخره وكان قضيب موسى دون قضيب ذلك، فدعا المهدي الحكم بن موسى العنزي ~~وهو الذي بنى أبوه واسطا للحجاج فقال له: عبر هذه الرؤيا، قال: يملكان ~~جميعا فأما موسى فتقل أيامه وأما هارون فيبلغ مدى آخر ما عاش خليفة وتكون ~~أيامه أحسن أيام وأنضرها ودهره أحسن دهر، قال: فلم يلبث إلا أياما يسيرة ~~حتى مات موسى وتولى الأمر هارون فزوج حمدونة ms167 من جعفر بن موسى وفاطمة من ~~إسماعيل ووفى بكل ما قال، فكان دهره أحسن الدهور. # حدثنا محمد بن علي بن الحسين العلوي قال: كنت عند عمر بن الفرج الرخجي في ~~اليوم الذي عقد فيه المأمون لأخيه أبي إسحاق على ثغر المغرب ولابنه العباس ~~على الشام والجزيرة ولعبد الله بن طاهر على الجند ومحاربة بابك وعند عمر ~~جماعة من الهاشميين فتذاكرنا أمر هؤلاء الثلاثة فقال عمر: فرق أمير ~~المؤمنين في هؤلاء الثلاثة ما لم يفرق مثله أحد منذ كانت الدنيا، أمر لأخيه ~~أبي إسحاق بخمس مائة ألف دينار ولابنه العباس بخمس مائة ألف دينار ولعبد ~~الله بن طاهر بخمس مائة ألف دينار، فمن سخت نفسه بمثل هذا؟ # PageV01P093 # وكان للبرامكة في هذا الشأن ما لم يكن لأحد من الناس منها، إنهم كانوا ~~يخرجون بالليل سرا ومعهم الأموال يتصدقون بها، وربما دقوا على الناس ~~أبوابهم فيدفعون إليهم الصرة فيها الثلاثة الآلاف إلى الخمسة الآلاف ~~والأكثر من ذلك والأقل، وربما طرحوا ما معهم في عتب الأبواب، فكان الناس ~~لاعتيادهم ذلك يعدون إلى العتب إذا أصبحوا يطلبون ما ألقي فيها. # ومنهم خالد بن برمك فإنه حدثنا يوسف بن سلام الزعفراني قال: حدثني أبي ~~قال: قال خالد بن برمك يوما وهو بالري وأراد الخروج إلى مجلس له وإخراج ~~دوابه إلى الخضرة ونحن قيام بين يديه: من يخرج مع هذه الدواب؟ قال أبي: ~~أنا، وليس أحد يجتريء أن يتكلم، فقال: اخرج معها، فخرجت وكنت أحسن إليها، ~~فلما رددتها حمد أثري فيها، فقلت: أيها الأمير لي حاجة، فقال: وما حاجتك؟ ~~قلت: ثلاثة آلاف درهم، قال: ثلاثة آلاف درهم؟ قلت: نعم، قال: اعطوها ثلاثة ~~آلاف درهم، وقال لي: اشترها الآن واعتقها، ثم قال: ما تريد؟ قلت: الحج أحج ~~وتحج هي أيضا، قال: اعطوه ثلاثة آلاف درهم، قلت: نحتاج إلى خادم يخدمنا، ~~قال: اعطوه ثلاثة آلاف درهم لثمن الخادم، قلت: نحتاج إلى ثمن كسوة، قال: ~~اعطوه ثلاثة آلاف درهم لكسوتهم، فلم أزل أقول وأعد شيئا شيئا حتى قلت: ~~وأحتاج إلى ms168 منزل وأحتاج إلى فرس، وهو يقول اعطوه ثلاثة آلاف درهم، حتى أخذت ~~ثلاثين ألف درهم. # قال: وحدثنا يزيد البرمكي قال: كسا خالد كل ثوب كان له حتى لم يبق عليه ~~من كسوته إلا طيلسان خلق، فاتصل خبره في كسوته بامرأته أم خالد بنت يزيد ~~وكانت بالري فبعثت إليه بكسوة من الري طيلسان مطبق لم أر مثله جودة وحسنا ~~وسعة، وكان خالد ذا بسطة في الجسم فكان يحتاج إلى أسبغ ثوب وأتمه، فوضع بين ~~يديه فنظر إليه ثم رفع رأسه إلي فقال: يا يزيد كيف ترى هذا الطيلسان؟ قلت: ~~ما رأيت مثله وإن بالأمير إليه لحاجة، قال خالد: اصنع به ماذا شئت، قلت: ~~تلبسه أيها الأمير، قال: أنا والله إلى غير هذا أحوج، قلت: وما هو؟ قال: أن ~~تقوم الساعة على شريف من أشراف الناس أو حر من أحرارهم فتتحفه به فيقوم ~~فيلبسه كل يوم عيد أو يخرج إذا خرج نحو أهله فيلبسه عند قدومه عليهم فيقول ~~هذا كسوة خالد، هذا والله أفضل وأشرف من لبسي إياه، قال: فكساه بعض عفاته. # يحيى بن خالد فإنه حدثنا علي بن الحسين الأشقر عن عبد الله بن أسوار قال: ~~كنت أخط بين يدي يحيى وكان خطي يعجبه، فبينا أنا جالس بين يديه إذ ناوله ~~رجل كتابا فثنى أعلاه وجعل يقرؤه، فدخل الفضل ابنه فسلم وجلس ثم أقبل على ~~رجل يحدثه وطرف يحيى في الكتاب الذي بيده، فقال الفضل لذلك الرجل: إني ~~لأعجب كثيرا من أمر نحن فيه! كان الرجل يصل الرجل بخمسين ألف درهم فتغنيه ~~وعشيرته فيكتفون بها ونرى ذلك في وجوههم ويتبين عليهم أثره ونحن نصل الرجل ~~بالخمس المائة الألف الدرهم والأكثر فلا نرى ذلك في وجوههم! فالتفت إليه ~~يحيى وقطع قراءة الكتاب فقال: يا أبا العباس إذا كان أمل الرجل ألف ألف ~~درهم وأعطيته خمس مائة ألف لم تقع منه موقعا وإنما يرى في وجه الرجل ما بلغ ~~به الأمل، فعجب أهل المجلس من كرمه وقوله وما زالوا يحكونه عنه. # وحدث ابن ms169 مزروع عن أبيه قال: كنت أسير في موكب يحيى بن خالد فعرض له رجل ~~من العامة ومعه كتاب فقال: أصلح الله الأمير، اختم هذا الكتاب، فبادر إليه ~~الشاكرية يزجرونه من حواشي موكبه، فقال: دعوه قبل أن لا تنتفع به، يعني ~~خاتمه، واستدناه فختمه له، وتعجب مسايروه من اغتنامه المعروف وعمله بأفعال ~~الرجال. # PageV01P094 # وحدث صالح بن سليمان قال: وذكر ليحيى وهو مجاور بمكة أن بجدة قوما يصيدون ~~السمك ويبيعونه ويشترون طعامهم به فإن لم يجدوا صيدا مكثوا أياما لا يأكلون ~~يشد الرجل على بطنه حجرا ولا يسألون الناس شيئا وربما مات أحدهم جوعا، ~~فقال: هؤلاء أعجب قوم سمعت بهم، ينبغي أن نلتمس الثواب فيهم، فبعث فحمل ~~إليه بعضهم فسأله عن حالهم فأخبره فقال: وكم أنتم؟ فذكر عدة، فقال: وكلكم ~~على هذه الطريقة؟ قال: نعم، قال: فما يغنيكم؟ قال: تحفر لنا بركة يجتمع فيه ~~ماء السماء فإن الماء يعز بالبلاد إلا على من كانت له مصنعة فيشرب منها ~~ويبيع فضلها وينتفع بثمنه، قال: فبكم يكتفي أحدكم في الشهر؟ قال: بأربعة ~~دراهم لكل رجل وللمرأة ستة دراهم، قال: فإني قد أجريت لكل رجل عشرة دراهم ~~ولكل امرأة ثمانية عشر درهما، فهل تتزوجون؟ قال: نعم، قال: فكم مهور ~~نسائكم؟ قال: أربع مائة درهم، قال: فإني آمر بإعطائكم ما أجريت عليكم لسبع ~~سنين ولمهور نسائكم عشرين ألف درهم، قال: من يدفع هذا المال إلينا؟ فأشار ~~إلى غلام أمرد معه فقال: ادفع إلى هذا المال، فدفع إليه، فقال: أتأذن أن ~~أشتري، أصلحك الله، من هذا المال تابوتا أجعله فيه؟ قال: نعم، وأمر باتخاذ ~~بركة لهم بلغت النفقة عليها عشرين ألف درهم. # وحدثنا يزيد البرمكي قال: قدم الوافدي من المدينة بأسوإ حال فصار إلى ~~يحيى وهو لا يعرفه فوضع الطويلة على رأسه، فركب يحيى وخرج فرآه جالسا على ~~باب داره في زي القضاة، فقام الواقدي وأثنى عليه ودعا له، ومر يحيى في ~~موكبه إلى دار أمير المؤمنين ثم انصرف وإذا الواقدي في مجلسه ذلك، فقام ~~إليه ودعا ms170 له وأثنى عليه، فدخل منزله وجلس الواقدي، فسأل يحيى عنه وقال: من ~~هذا الشيخ الرث الهيأة؟ فلم يعرفه أحد. فقال: ويحكم لا أشك إلا أنه شيخ ~~أصيل معه علم وفقه، ودعا بكيس فيه أربعة آلاف دينار وأمر وكيلا له أن ~~يدفعها إليه، وكان قصارى الواقدي ومناه أن يصله بألف درهم، فخرج الرسول ~~ووضع الكيس في حجره، فلما رأى عظم الكيس أقبل يدعو ليحيى ويثني عليه ثم قام ~~وانصرف إلى منزله وقد أخذته الرعدة والحرص أن يرى ما في الكيس فيعرف ~~منتهاه، فلما صار إلى حجرته استعار من بعض جيرانه ميزانا وصنجات ثم فتح ~~الكيس وإذا أربعة آلاف دينار فكاد أن يغشى عليه من السرور، فرم من حاله ~~واتخذ ثيابا سوية وعمد على أن ينصرف إلى المدينة. # فلما كان من الغد بكر على يحيى ليودعه فدخل وأنشد فرآه عالما فقيها ~~مسامرا بليغا فأعجب به، فقام ليودعه فقال: أقم عندنا ولك في كل حول هذا ~~المقدار، فأقام عنده. # PageV01P095 # وحدثنا يعقوب بن إسحاق قال: رأى رجل من الموالي ليحيى رؤيا، وكان يحيى ~~على حال الخوف والوجل من الهادي، فقص الرؤيا على أبيه، فقال: يا بني هذه ~~والله رؤيا عجيبة وأخلق به لأن الرشيد في حجره وولاية العهد له، قال: يا ~~أبت أفترى أن أخبره بها؟ قال: يا بني لا تفعل فإن السلطان غليظ عليه وهو ~~يرميه بالزندقة وأنا أشفق عليه من إتيانه لأنه لا يقبل مثل هذا في هذا ~~الوقت، فعصى الرجل أباه وأتاه، قال الرجل: فلما دخلت عليه رأيت المصحف بين ~~يديه يقرأ فيه فعجبت مما قيل فيه، فلما خف من عنده دنوت منه فقصصت عليه ~~الرؤيا، فقال: يا ابن أخي ما أحسن بالرجل أن يلتمس الرزق بالأحسن الأجمل ~~وأقبح به أن يلتمسه على هذا وربما تذكره مما يشبهه! فخرجت من عنده وقد سقط ~~وجهي، فأتيت أبي فأعلمته، فقال: بعدا لك وسحقا! قد نصحت لك فلم تقبل، ثم ~~أقبل يشتمه وتشتمه أمه وأهله ويقولون: نشهد عليك أنك من الزنادقة المعطلين! ~~قال: ثم ms171 لم يلبث أن توفي الهادي وأفضى الأمر إلى الرشيد وصار يحيى إلى ما ~~صار إليه، فبينا هو في موكبه يوما إذ بصر بي فوجه إلي ودعاني، فدخلت عليه ~~وهو على كرسي قد طرح ثوبه وجعل يمسح وجهه، فلما دنوت منه قال: أين كنت عنا؟ ~~قلت: أعزك الله، والله ما لقيت منك ما يدعو إلى إتيانك! قال: ويحك إنك ~~أتيتنا ونحن في حال كنا نتخوف الجدر أن يكون فيها من يسعى بنا والإخوان أن ~~يسعوا بنا ويحتالوا علينا، ولم يكن الرأي أن أجيبك إلا بما أجبتك، ووالله ~~ما فارقني الفكر في العناية بك والإيجاب لك والمعرفة بحقك منذ وقعت عليك ~~عيني. ثم أمر سلاما بإحضار عشرة آلاف درهم فأحضرت، وأمر بالكتاب إلى سليمان ~~بن راشد بأرمينية فدفع المال إلي وحملني وخلع علي وقال: اذهب فاصلح شأنك ~~وتعال فتسلم كتبك، وأمر لي بعشر من دواب البريد، فانصرفت إلى منزلي وتحتي ~~دابة وعلي خلعة ومعي عشرة آلاف درهم، فقال أبي: ما هذا يا بني؟ فأعلمته ~~الخبر، فما زلت وأهلي وأبي ندعو له ونشهد أنه من الصديقين والشهداء ~~والصالحين، فقلت لبعض جيراننا: ما أصنع بعشر دواب البريد؟ فقال: أكرها فإنك ~~تصيب في السكك من تقصر به دابته عن حاجته فيكتري منك، قال: فلما كان من ~~الغد عدت إليه فأخذت كتبي وجوازي، فلما صرت إلى السكة وجدت رجلا كبيرا قد ~~وجه إلى تلك الناحية ولم يكتف بما حمل عليه من الدواب، فأكريت منه ثماني ~~دواب وخرجت على دابتين، أنا على دابة وغلامي على أخرى، ولم أزل في حشم ~~المكتري حتى صرنا إلى أول العمل فإذا يحيى قد سبقني بالكتاب إلى سليمان أن ~~رجلا من حاله كيت وكيت وله عندي أياد فاخترتك له فكن عند ظني بك في أمره ~~وافعل به وافعل، قال: فوجه سليمان قائدا في جند عظيم لاستقبالي حتى إذا ~~اتصل به دنوي استقبلني في وجوه أهل البلد، فلما دنا منا بادر إلى الرجل ~~المكتري مني ولم يشك أني هو وسأله، فأعلمه المكتري أنه ms172 فلان بن فلان، فقال ~~سليمان: توهمتك فلانا! قال: لست هو لكنه ذاك، وأشار إلي، فأقبل سليمان ركضا ~~إلي وتضاءلت منه حياء لرثاثة حالي، فسألني وأعلمني أنه وجه إلي وكيله وحمل ~~معه هدايا، فقلت: ما وصل ذلك إلي، فلما نزلنا وحططنا في بعض تلك المنازل ~~إذا وكيله قد وافى بهداياه وإذا دواب وبغال موقرة وتخوت وثياب، فدخلت البلد ~~وقد حسنت حالي ووكد علي في كتابه وليس عندي إلا إطلاق العمل لك، وهاهنا ~~نشوى الكبرى ونشوى الصغرى وهما من أجل الأعمال بأرمينية ونواحيها وإن شئت ~~أن تخرج إليها فاخرج وإن شئت فهاهنا من يبذل عنهما خمس مائة ألف درهم، قلت: ~~لا والله أبقاك الله إلا الخمس المائة الألف عجلها لي فأنصرف إلى أب شيخ ~~كبير وعيال قد خلفتهم ورائي، قال سليمان: ذاك إليك، فلما خرج سليمان سألت ~~عن نشوى ونشوى قال فقيل مقاطعتهما خمس مائة ألف درهم ويصير إلى المقاطع ~~مثلها، ثم لم ألبث من الغد أن أتى رسوله بالمال فخرجت وأهديت إلى يحيى ~~هدايا كثيرة وألطافا جليلة مما كان برني به سليمان، فلما دخلت إليه تبسم لي ~~وقال: إنا لم نوجهك لننتفع بك وإنما وجهناك لتنتفع بنا وسيتصل معروفنا إليك ~~فالزمنا، فكسبت تجاهه مع ما وصل إلي منه ولم يزل يصلني به عشرين ألف ألف ~~درهم. # PageV01P096 # وحدثني أيوب بن هارون بن سليمان بن علي قال: جاء يحيى ومعه ابنه جعفر إلى ~~عبد الصمد بن علي فسلم عليه وببابه فتى من ولد عبد الله بن علي فقام إلى ~~جعفر فقبل يده، فقال له: ائتني وارفع إلي حوائجك إلى أمير المؤمنين وقد ~~أمرت لك بخمسة آلاف دينار، فقال يحيى: وقد أمرت لك بمثلها وأجريت عليك ~~ثلاثة آلاف درهم في كل شهر فابعث بمن يقبض ذلك. فلما انصرف دعاه عبد الصمد ~~فقال: لم فعلت ما فعلت؟ فقال: أنا ابن أخيك وإنما تصلني في السنة بأربعة ~~آلاف درهم، وقد أغناني هذا وأبوه في ساعة واحدة فكيف تلومني على ذلك؟ وحدث ~~يحيى بن محمد قال: لما ms173 خرج الرشيد إلى القاطول قال ليحيى: يا أبت لا تفجعني ~~بك وكن معي في هذا الوجه لآنس بك، فعمد على الشخوص معه، فقال لرجاء بن عبد ~~العزيز وكان على نفقاته: كم عند وكلائنا من المال؟ قال: سبع مائة ألف درهم، ~~قال: فاقبضها إليك، فغدا إليه فقبل يده ومنصور بن زياد عنده، فلما خرج رجاء ~~قال لمنصور: قد ظننت أن رجاء توهم أنا وهبنا له هذا المال وإنما أمرناه ~~بقبضه ليكون معنا في هذا الوجه، فقال منصور: فأنا أعلمه ذلك، قال إذن يقول: ~~فقل له يقبل يدي كما قبلت يده، فلا تقل له شيئا، وترك المال له. وكان يحيى ~~يقول: اسرف فإن الشرف في السرف. # ومنهم الفضل بن يحيى البرمكي، فإنه حدثنا محمد بن علي بن عيسى بن ماهان ~~عن محمد بن زيد أنه قال: دخلت على الفضل بن يحيى وقد خرج من الحمام بعد ~~العصر وهو يقول: أعوذ بالله من النار! فقلت: جعلت فداك! اشتر هذا الوجه ~~الحسن من النار. فدعا بخمس مائة ألف درهم وقال: اشتر بها وجهي الساعة، ~~فقلت: جعلت فداك! الوقت ضيق ولكن غدا إن شاء الله، فقال: لا والله إلا ~~الساعة، فوجهت إلى القضاة في الجانبين بثلاثمائة ألف درهم وحملت إلى أبي ~~محمد السمرقندي منها صدرا وأمرتهم عنه بتفريقه وفرقت البقية بحضرتي، فلم ~~تغب الشمس حتى فرق ذلك كله. # وحدث محمد بن الحسين بن مصعب قال: وقف الفضل بن يحيى بخراسان موقفا لم ~~يقفه أحد قط، خرج إلى الميدان ليضرب بالصوالج فأمر بدفاتر البقايا التي على ~~الناس فأحضرت وأمر الحاجب بالخروج إلى الناس وإعلامهم أنه قد وهبها لهم ثم ~~أمر بها فضربت بالنار، وكان مبلغ ذلك أكثر من عشرين ألف ألف درهم. # وحدث بعض الهاشميين عن خلف المصري قال: مررت يوما بباب يحيى بن معاذ ~~فوجدته مغلقا ولم أر بالباب أحدا، فأنكرت ذلك، فدنوت إلى الباب واستفتحت ~~ففتح لي ودخلت عليه وسألته عن حاله فذكر أنه توراى عن غرمائه، فقلت: وكم ~~لديانك عليك؟ فقال: ثلاثمائة ألف ms174 درهم، ثم مضيت إلى الفضل بن يحيى فأخبرته ~~فسكت، فلما انصرف إلى منزلي كتب إلي: إنك دللتنا على مكرمة فشكرناك على ذلك ~~وأمرنا لك بمائة ألف درهم لدلالتك وبعثنا إليك بثلاثمائة ألف درهم لتوصلها ~~إلى يحيى بن معاذ، فأوصلتها إليه فقضى دينه بها. # قيل: ودفع حمزة بن جعفر بن سليمان إلى أبي النضير الشاعر رقعة ليوصلها ~~إلى الفضل يسأله فيها الإذن في ابتياع ضيعة بفارس، وكان مبلغ ما يوزن في ~~ثمنها مائة ألف درهم، قال أبو النضير: فأخذتها منه فدفعتها إلى الفضل فنظر ~~فيها ووضعها فاغتممت لما رأيت من قلة نشاطه لها، فلما أصبحت قيل لي: خزان ~~بيت المال يطلبونك، فظننت أنه نظر لي بشيء في خاصتي، فأتيتهم فقالوا لي: ~~أحضر من يحمل المائة الألف إلى صاحب الرقعة، فحملتها إلى حمزة، قال حمزة: ~~فصرت إليه فقلت: أصلح الله الأمير! وصلت إلي صلتك ولا والله ما أدري كيف ~~أشكرك إلا بقول أبي النضير فيك: # وللناس معروف وفيهم صنائع ... ولن يجبر الأحزان إلا جدا الفضل # إذا ما العطايا لم تكن برمكية ... فتلك العطايا ما تمر وما تحلى # قال أبو النضير: فالتفت إلي الفضل فقال: يا أبا النضير جزاؤك عندي، ~~فوصلني حتى أغناني. # PageV01P097 # وحدث أحمد بن علي الشيقي وغيره ممن ينزل بنهر المهدي قال: أقبل الفضل بن ~~يحيى يوما على نهر المهدي يريد منزله بباب الشماسية، فاستقبله فتى من ~~الأبناء قد أملك ومعه جماعة كثيرة قد ركبوا معه في السواد والسيوف، وهكذا ~~كانوا يفعلون، يركبون مع الرجل عند إملاكه ويستعيرون الدواب ويسيرون خلفه ~~ويطرقون بين يديه، قال: فترجل الفتى للفضل وقبل يده ورجله، فسأله عن شأنه ~~فأخبره، فقال: كم أصدقت أهلك؟ قال: أربعة آلاف درهم، فدعا قهرمانه وقال: ~~احمل إليه الساعة أربعة آلاف درهم لصداق أهله وأربعة ألاف درهم لشراء منزل ~~ينزله وأربعة آلاف درهم لنفقة تحويل أهله وأربعة آلاف للنفقة على الوليمة ~~وأربعة آلاف درهم ليتصرف بها في معيشته، قال أحمد بن علي: فأشاروا على ~~الفتى أن يسأله أن يأمر قواده وحشمه ms175 بإتيانه، فأمرهم بذلك فأتوه وجعلوا ~~يطرحون العشرة الآلاف الدرهم والخمسة الآلاف الدرهم والأقل والأكثر في ~~مجلسه حتى اجتمع له خمسون ألف درهم سوى ما أعطاه الفضل. # وحدث أحمد بن علي قال: حدثنا رجل من جيراننا أن الفضل بن يحيى مر به في ~~يوم صائف منصرفا من المدينة يريد منزله فقال الرجل: لا والله إن في منزلي ~~قليل ولا كثير، فعطس الفضل، فقلت: يرحمك الله، وقد كان سمع يميني فأمر بعض ~~غلمانه أن يحملني معه على دابته، فلما صار بي إلى قصره أخرج إلي خمسة آلاف ~~درهم وعشرة أثواب، فانصرفت بها إلى منزلي، فقالت لي امرأتي: والله لقد خرجت ~~من عندنا وما تملك قليلا ولا كثيرا، فمن أين سرقت هذا؟ قال: فأعلمتها القصة ~~فلم تصدقني قولي واستراب الجيران بحالي وتناهى الخبر إلى السلطان فطمع في ~~وأخذني فحبسني، فقلت له: إنه كان من أمري كيت وكيت، فوقع خبري إلى الفضل ~~فأمر بإحضاري، فلما أحضرت ورآني عرفني وأمر بإطلاقي ووصلني بخمسة آلاف أخرى ~~وبعشرة أثواب وقال: تعهد بما ننفعك، فلم يزل ينفعه حتى حدث من أمرهم ما ~~حدث. # وعن أحمد بن محمد بن عبد الصمد أن رجلا كان ينزل على نهر المهدي وكانت ~~عليه نعمة فزالت فلم يقدر على شيء فمطر الناس ثلاثة أيام متتابعة فبقي في ~~منزله لا يقدر على الخروج، فأضر به ذلك وأبلغ إليه الجوع وإلى عياله، فلما ~~كان في آخر الليل جاء إلى البقال بقصعة له ليرهنها عنده على خبز، فانتهره ~~البقال وقال: ما أصنع بهذه القصعة؟ وأبى أن يعطيه عليها شيئا، قال: فعاد ~~إلى منزله مغموما لا حيلة له، فرفع يده إلى السماء وقال: اللهم سق إلي في ~~هذه الليلة عبدا من عبادك تحبه يفرج عني ما أمسيت فيه، فما شعرت إلا والباب ~~يدق علي فإذا رجل على حمار قد حف به خدم، فقال لي: كم عيالك؟ قلت: كذا ~~وكذا، فأعطاني كيسا قدرت أن فيه خمسة آلاف درهم، فقلت: الحمد لله الذي ~~استجاب دعائي وفرج عني، فقال لي: ms176 وما كان قولك ودعاؤك؟ فخبرته الخبر بصنيع ~~البقال وما دعوت الله جل وعز به، فاستحلفني أني دعوت بهذا الدعاء، فحلفت ~~له، فأمر لي بمائة ألف درهم، فسألت بعض أولئك الخدم عنه لأعلم هل يقدر على ~~ما أمر لي به أم لا، فقال: هو الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي، فسكت إلى ذلك ~~وانصرفت إلى منزلي، ومضيت إلى قهرمانه لما أصبحت فقبضت منه المال. # وحدث خلف بن عمر المصري قال: كنا عند الفضل ذات ليلة فقال: أتعرفون رجلا ~~كانت عليه نعمة فزالت عنه حتى أردها عليه؟ فقال الأشعري، وكان قاضيا: أعرف، ~~أصلحك الله، رجلا شريفا من آل خالد بن عبد الله القسري بالكوفة قد أضرت به ~~الحاجة، وسماه له، فكتب إلى عامل الكوفة: احمل إلي فلانا على البريد فقد ~~بعثت بجوازه، فلم يعلم الخالدي حتى حمله العامل على البريد ووجهه إليه، ~~فلما قدم عليه دعاه وسأله عن حاله وأمر له بمائة ألف درهم وقال: أقم بها ~~مروءتك حتى أنظر في أمرك وأدبر لك ما يصلح حالك، ثم ولاه كرمان، فصار إليها ~~وحسنت حاله، ثم إن كتاب صاحب البريد بها ورد على الفضل بن يحيى بوفاة ~~الكوفي فقال لنا: أتدرون ما قال الفارسي في مثل له؟ فذكر المثل بالفارسية ~~ثم فسره بالعربية فقال: إلى أن يدرك الحشيش قد مات الحمار، أردت بهذا الرجل ~~الغنى فمات قبل ذلك، واغتم لوفاته ولما فاته من الإحسان إليه بعد الذي قد ~~كان أعطاه وأكبسه من مرافق العمل الذي ولاه، وتقدم بحمل جميع ما خلفه إلى ~~أهله فحمل إليهم. # PageV01P098 # وحدثنا أبو طالب الجعفري قال: حدثني سليمان بن أبي جعفر أن محمد بن ~~إبراهيم الإمام ركب إلى الفضل بن يحيى يوما وكان قد ركبه دين وحمل حقة فيها ~~جوهر، فلما وصل إليه قال: قد لزمني دين أحوجني إلى احتيال ألف ألف درهم، ~~وعلمت أن التجار لا يسمحون بإخراج مثلها وإن وثقنا الرهن ولك معاملون وتجار ~~مطيعون ومعي رهن فإن رأيت أن تأمر بقبضه وحمل هذا المال إلينا فأنت ms177 أولى ~~بذلك، فقال الفضل: نعم لنا تجار يطيعوننا ويسارعون إلى أمرنا، ولكن ما هذا ~~الرهن؟ فوضع الحقة بين يديه، ففتحها حتى نظر إليها فأعجب بالجوهر الذي ~~فيها، ثم أمر بإعادتها إلى حالها وقال: ضع خاتمك عليها، فختمها، قال فقال ~~الفضل: إن نجح الحاجة أن تقيم في منزلي الذي أنا فيه، فقال: يشق علي ~~المقام، فقال: وما يشق عليك؟ إن رأيت أن تلبس من ثيابنا شيئا دعوت لك به ~~وإلا فابعث إلى منزلك لتؤتى به، فأقام عنده، ونهض الفضل فدعا وكيله وأمر أن ~~يحمل إلى منزل محمد بن إبراهيم ألف ألف درهم مبدرة ويضعها قبالة مجلسه ~~ليراها إذا دخل، ففعل الوكيل ذلك، وانصرف محمد إلى منزله مع المغرب، فلما ~~دخل وقعت عينه على المال فقال: ما هذا؟ قالوا: وجه به الفضل، قال: أحسن ~~الله جزاءه فإنه وإن كان وجه بذلك على ما رهناه فقد ظهر لنا من عنايته ما ~~قدرناه فيه، قالوا: وما الرهن؟ قال: الحقة، قالوا: قد ردها تحت خاتمك، ~~فقال: أين هي؟ فأتي بالحقة ففتحها حتى نظر إليها وفرح فرحا شديدا فعدا إلى ~~الفضل فوجده قد سبقه إلى دار أمير المؤمنين فتبعه فلم يزل واقفا ينتظره حتى ~~خرج الفضل من باب آخر فصار إلى منزله وشكر له ما كان منه وانصرف عنه، فلما ~~دخل منزله وجد فيه ألف ألف درهم سوى الأولى، فقال: ما هذا؟ قالوا: بعث به ~~الفضل، فأتاه فقال له: جعلت فداك! أما كان فيما وجهت به أمس كفاية حتى ~~أردفته بمثله؟ فقال: إنه والله طالت علي ليلتي فركبت إلى أمير المؤمنين ~~وأعلمته حالك فأمرني بالتقدير لك فقدرت مائة ألف دينار، فما زال يقول ~~ويماكسني حتى وقفت على ألف ألف فأمر لك بها فلم أنصرف إلى المنزل حتى حمل ~~المال إليك، فقال محمد: لست أجد لك شكرا أقضي به حقك غير أنه على ابن محمد ~~بن علي وعليه من الأيمان المغلظة إن وقفت بباب أحد سواك أبدا حتى ألقى الله ~~جل وعز ولا أسأل أحدا حاجة ما ms178 بقيت سواك، فكان لا يركب إلى أحد سوى الفضل ~~ولا يقف بباب أحد غيره. # PageV01P099 # ومن كرمه ما حدث به المأمون فكبر عنده واستحسنه وعجب من جوده وسعة صدره، ~~فإنه بلغنا عن عمرو بن مسعدة قال: رفعت قصة إلى المأمون منسوبة إلى محمد بن ~~عبد الله يمت فيها بحرمه ويزعم أنه من أهل النعمة والقدر وأنه مولى ليحيى ~~بن خالد وأنه كان ذا ضيعة واسعة ونعمة جليلة وأن ضياعه قبضت فيما قبض ~~للبرامكة وزالت نعمته بحلول النقمة عليهم، فدفعها المأمون إلى ابن أبي خالد ~~وأمره أن يضم الرجل إلى نفسه وأن يجري عليه ويحسن إليه، ففعل ذلك به وصاحت ~~حاله وتراجع أمره وصار نديما لابن أبي خالد لا يفارقه، فتأخر عنه ذات يوم ~~لمولود ولد له، فبعث إليه فاحتجب عنه، فغضب عليه ابن أبي خالد وأمر بحبسه ~~وتقييده وإلباسه جبة صوف، فمكث لذلك أياما، فسأله المأمون عنه، فقص عليه ~~قصته وعظم عليه جرمه وشكا ما يراه عليه من التيه والصلف والافتخار ~~بالبرامكة والسمو بآبائهم، فأمره بإحضاره، فأحضر في صوفه، فأقبل عليه ~~المأمون بالتوبيخ مصغرا لقدره مسفها لرأيه وعظم في عينه إحسان ابن أبي خالد ~~إليه مع طعن على البرامكة ووضع منهم، فأطنب في ذلك، فقال محمد: يا أمير ~~المؤمنين لقد صغرت من البرامكة غير مصغر ووضعت منهم غير موضوع وذممت منهم ~~غير مذموم، ولقد كانوا شفاء أسقاهم دهرهم وغياث إجداب عصرهم، كانوا مفزعا ~~للملهوفين وملجأ للمظلومين، وإن أذن لي أمير المؤمنين حدثته ببعض أخبارهم ~~ليستدل بذلك على صدق قولي فيهم ويقف على جميل أخلاقهم ومحمود مذاهبهم في ~~عصرهم والأفعال الشريفة والأيادي النفيسة! قال: هات، قال: ليس بإنصاف محدث ~~مقيد في جبة صوف، فأمر فأخذ قيده، فقال: يا أمير المؤمنين ألم الجبة يحول ~~بيني وبين الحديث، فأمر فخلع عليه، ثم قال: هات حديثك، قال: نعم يا أمير ~~المؤمنين، كان ولائي وانقطاعي إلى الفضل، فقال لي الفضل يوما بمحضر من أبيه ~~وأخيه جعفر: ويحك يا محمد إني أحب أن تدعوني دعوة كما يدعو ms179 الصديق صديقه ~~والخليل خليله، فقلت: جلعت فداك! شأني أصغر من ذلك ومالي يعجز عنه وباعي ~~يقصر عن ذلك وداري تضيق عنه ومنتي لا تقوم له، قال: دع عنك ذلك فلا بد منه، ~~فأعدت عليه الاستعفاء، فرأيته جادا في ذلك مقيما عليه، وسألا ذلك وأعلماه ~~قصور يدي عن بلوغ ما يجب ويشبه مثله، فقال لهما: لست بقانع منه دون أن ~~يدعوني وإياكما لا رابع معنا، فأقبل علي يحيى وقال: قد أبى أن يعفيك وإن لم ~~يكن غيرنا فأقعدنا على أثاث بيتك فلا حشمة منا واطعمنا من طبيخ أهلك فنحن ~~به راضون وعليه شاكرون، فقلت: جعلت فداك! إن كنت قد عرضت علي ذلك وأبيت إلا ~~هتكي وفضيحتي فالأقل أن تؤجلني حتى أتأهب، فقال: استأجل لنفسك، فقلت: سنة، ~~فقال: ويحك أمعنا أمان من الموت إلى سنة؟ فقال يحيى: أفرطت في الأجل، ولكني ~~أحكم بينكما بما أرجو أن لا يرده أبو العباس واقبله أنت أيضا، فقلت: احكم ~~وفقك الله للصواب وتفضل علي بالاستظهار والفسح في المدة، فقال: قد حكمت ~~بشهرين، فخرجت من عندهم وبدأت برم داري وإصلاح آلتي وشراء ما أتجمل به من ~~فرش وأثاث وغير ذلك وهو في ذلك لا يزال يذكرني ويعد الأيام علي، حتى إذا ~~كانت الجمعة التي يجب فيها الدعوة قال لي: يا محمد قد قرب الوقت ولا أحسبه ~~بقي عليك إلا الطعام، قلت: أجل يا سيدي، فأمرت باتخاذ الطعام على غاية ما ~~انبسطت به يدي ومقدرتي، وجاءني رسوله عشية اليوم الذي في صبيحته الدعوة ~~فقال لي: إلى أين بلغت وهل تأذن بالركوب؟ قلت: نعم بكر، فبكر هو ويحيى ~~وجعفر ومعهم أولادهم وفتيانهم، فلما دخلوا أقبل علي الفضل وقال: يا محمد إن ~~أول ما أبدأ به النظر إلى نعمتك كلها صغيرها وكبيرها، فقم بنا إليها حتى ~~أدور فيها وأقف عليها، فقمت معه وطاف في المجلس ثم خرج إلى الخزائن وصار ~~إلى بيوت الشراب وخرج في الاصطبلات ونظر إلى صغير نعمتي وكبيرها ثم عدل إلى ~~المطبخ فأمر بكشف القدور كلها وأبصر ms180 قدرا منها، فأقبل على أبيه وقال: هذا ~~قدرك الذي يعجبك ولست أبرح دون أن تأكل منه، ثم كره أن يأكل فيثلم علي في ~~أكله ويفسد طعامه، فدعا برغيف فغمسه في القدر وناول أباه ثم فعل ذلك بأخيه ~~ودعا بخلال، وخرج إلى الدار ووقف في صحنها مفننا طرفه في فنائها وبنائها ~~وسقوفها وأروقتها ثم أقبل علي وقال: من جيرانك؟ قلت: جعلت فداك! عن يميني ~~فلان بن فلان التاجر، وعن شمالي فلان بن فلان الكاتب، وفي ظهر # PageV01P100 # داري رجل من بني برجا كبير فهو في بنائه لا يفتر ولا يقصر، فقال لي: ~~أوتعرفه؟ قلت: لا، قال: كان ينبغي لك في قدرك ومحلك من هذه الدولة ألا ~~يجتريء أحد أن يشتري شيئا في جوارك إلا بأمرك لا سيما إذا كان ملاصقا لك ~~ولا ترضى لنفسك إلا بجار تعرفه، فقلت: لم يمنعني من ذلك إلا ما كنت فيه من ~~الشغل بهذه الدعوة المباركة، فقال لي: فأين الحائط الذي يتصل بداره؟ فأومأت ~~إليه، فقال: علي بنجار، فأتي به، فقال: افتح هاهنا بابا، فأقبل عليه أبوه ~~وقال: نشدتك الله يا بني أن لا تهجم على قوم لا تعرف لهم سببا، وأقبل عليه ~~أخوه بمثل ذلك، فامتنع دون فتح الباب، فلما رأيته قد رد أباه وأخاه أمسكت ~~عن مسألته، ففتح الباب ودخل وأدخلني معه، فدخلت دارا حار بصري فيها من ~~حسنها، كلها لؤلؤ تعشي العيون، فانتهى إلى رواق فيه مائة مملوك في قد واحد ~~وزي واحد عليهم الأقبية الديباج المنسوجة والمناطق المذهبة، فلما نظروا إلى ~~الفضل عدوا ووقفوا بين يديه وإذا شيخ بهي قد خرج من بعض تلك المجالس فقبل ~~يده فقال: مر بنا ننظر في مرافق هذه الدار، فما دخلت مجلسا من مجالسه إلا ~~وقد فرغ تخشيبه بالفرش الذي لا يحيط به الوصف، وكذلك مرافقها من الستور ~~والبسط وغير ذلك، ثم قال للشيخ: مر بنا إلى عند الدواب، فدخلنا إصطبلا فيه ~~أربعمائة رأس من الدواب والبغال وغيرها، فوجدت ذلك الاصطبل أحسن بناء من ~~داري، ثم خرج ms181 نحو دور النساء والشيخ بين يديه، فلما انتهى إلى الباب وقف ~~الشيخ ودخل الفضل وجذبني إلى نفسه وأنا معه حتى دخلت بعض تلك الدور فإذا ~~فيها مائة وصيفة كأنهن الأقمار قد أقبلن في حليهن وحللهن فوقفن بين يديه، ~~فقال: يا محمد هذه الدار أجل أم دارك؟ فقلت: يا سيدي وما أنا وما داري! هذه ~~تصلح للأمير لا غيره على تحرج مني في قولي، فقال: يا محمد هذه الدار بما ~~فيها من الدواب والرقيق والفرش والأواني لك ولك عندي زيادة، فقلت في نفسي: ~~يهب لي ملك غيره! فعلم ما في نفسي، فقال: يا محمد إني لما سألتك هذه الدعوة ~~تقدمت إلى هذا القهرمان بشراء البراح وأن يعجل الفراغ منه ومن بنائه وحولت ~~إليها ما ترى، فبارك الله لك فيها! وانصرف بي إلى عند أبيه وأخيه وحدثهما ~~بما جرى، فرأيت أخاه جعفرا قد أمعض من ذلك وتغير وجهه تغيرا عرفته، ثم أقبل ~~على أبيه يشكو الفضل ويقول: يتفرد بمثل هذه المكرمة من دوني فلو شاركني ~~فيها لكانت يدا أشكرها منه، فقال: يا أخي بقي لك منها قطبها، قال: وما هو؟ ~~قال: إن مولانا هذا لا يتهيأ له ضبط هذه الدار بما فيها إلا بدخل جليل ~~فأعطه ذلك، فقال: فرجت عني يا أخ فرج الله عنك! فدعا من وقته بصكاك لخمس ~~قريات واحتمل عني خراجها، فخرج عني وأنا أيسر أهل زماني، فهل تلومني يا ~~أمير المؤمنين على ذكرهم والقول بفضلهم؟ فقال المأمون: ذهب القوم والله ~~بالمكارم! ثم أمر لمحمد بمائة ألف درهم وتقدم إلى ابن أبي خالد برد مرتبته ~~وتصييره في جملة خواصه. ري رجل من بني برجا كبير فهو في بنائه لا يفتر ولا ~~يقصر، فقال لي: أوتعرفه؟ قلت: لا، قال: كان ينبغي لك في قدرك ومحلك من هذه ~~الدولة ألا يجتريء أحد أن يشتري شيئا في جوارك إلا بأمرك لا سيما إذا كان ~~ملاصقا لك ولا ترضى لنفسك إلا بجار تعرفه، فقلت: لم يمنعني من ذلك إلا ما ~~كنت فيه من ms182 الشغل بهذه الدعوة المباركة، فقال لي: فأين الحائط الذي يتصل ~~بداره؟ فأومأت إليه، فقال: علي بنجار، فأتي به، فقال: افتح هاهنا بابا، ~~فأقبل عليه أبوه وقال: نشدتك الله يا بني أن لا تهجم على قوم لا تعرف لهم ~~سببا، وأقبل عليه أخوه بمثل ذلك، فامتنع دون فتح الباب، فلما رأيته قد رد ~~أباه وأخاه أمسكت عن مسألته، ففتح الباب ودخل وأدخلني معه، فدخلت دارا حار ~~بصري فيها من حسنها، كلها لؤلؤ تعشي العيون، فانتهى إلى رواق فيه مائة ~~مملوك في قد واحد وزي واحد عليهم الأقبية الديباج المنسوجة والمناطق ~~المذهبة، فلما نظروا إلى الفضل عدوا ووقفوا بين يديه وإذا شيخ بهي قد خرج ~~من بعض تلك المجالس فقبل يده فقال: مر بنا ننظر في مرافق هذه الدار، فما ~~دخلت مجلسا من مجالسه إلا وقد فرغ تخشيبه بالفرش الذي لا يحيط به الوصف، ~~وكذلك مرافقها من الستور والبسط وغير ذلك، ثم قال للشيخ: مر بنا إلى عند ~~الدواب، فدخلنا إصطبلا فيه أربعمائة رأس من الدواب والبغال وغيرها، فوجدت ~~ذلك الاصطبل أحسن بناء من داري، ثم خرج نحو دور النساء والشيخ بين يديه، ~~فلما انتهى إلى الباب وقف الشيخ ودخل الفضل وجذبني إلى نفسه وأنا معه حتى ~~دخلت بعض تلك الدور فإذا فيها مائة وصيفة كأنهن الأقمار قد أقبلن في حليهن ~~وحللهن فوقفن بين يديه، فقال: يا محمد هذه الدار أجل أم دارك؟ فقلت: يا ~~سيدي وما أنا وما داري! هذه تصلح للأمير لا غيره على تحرج مني في قولي، ~~فقال: يا محمد هذه الدار بما فيها من الدواب والرقيق والفرش والأواني لك ~~ولك عندي زيادة، فقلت في نفسي: يهب لي ملك غيره! فعلم ما في نفسي، فقال: يا ~~محمد إني لما سألتك هذه الدعوة تقدمت إلى هذا القهرمان بشراء البراح وأن ~~يعجل الفراغ منه ومن بنائه وحولت إليها ما ترى، فبارك الله لك فيها! وانصرف ~~بي إلى عند أبيه وأخيه وحدثهما بما جرى، فرأيت أخاه جعفرا قد أمعض من ذلك ~~وتغير ms183 وجهه تغيرا عرفته، ثم أقبل على أبيه يشكو الفضل ويقول: يتفرد بمثل ~~هذه المكرمة من دوني فلو شاركني فيها لكانت يدا أشكرها منه، فقال: يا أخي ~~بقي لك منها قطبها، قال: وما هو؟ قال: إن مولانا هذا لا يتهيأ له ضبط هذه ~~الدار بما فيها إلا بدخل جليل فأعطه ذلك، فقال: فرجت عني يا أخ فرج الله ~~عنك! فدعا من وقته بصكاك لخمس قريات واحتمل عني خراجها، فخرج عني وأنا أيسر ~~أهل زماني، فهل تلومني يا أمير المؤمنين على ذكرهم والقول بفضلهم؟ فقال ~~المأمون: ذهب القوم والله بالمكارم! ثم أمر لمحمد بمائة ألف درهم وتقدم إلى ~~ابن أبي خالد برد مرتبته وتصييره في جملة خواصه. # PageV01P101 # وحدثنا غيره قال: اصطحب رسول للفضل ورجل كوفي في طريق خراسان فأقبل ~~الكوفي يسأل عن أفعال الفضل، فأخبره بإنهابه الأموال الجليلة في العطايا، ~~فقال له الكوفي: خبرني عن هذه الأموال التي يهبها يراها وينظر إليها؟ فقال: ~~لا، قال: فمن هناك تهون عليه. فلما وصلا إلى الموضع دعا الفضل بالرسول ~~وسأله عما رأى في طريقه وعما سمع، فأقبل يخبره حتى انتهى إلى خبر الكوفي ~~فذكر له ما قال وكان متكيا فاستوى جالسا ثم قال: يا غلام ائت صاحب بيت ~~المال فاسأله عن حاصله، فقال: هو عشرة آلاف درهم، فقال تحمل الساعة إلى دار ~~العامة وتشق عنها البدر شقا وتنثر في وسط الدار، قال: ففعل ذلك بها، ثم قال ~~للرسول: هات صاحبك الكوفي، فأتي به، وأمر الفضل بتفريق ذلك المال على زواره ~~رجلا رجلا واسما اسما على مقاديرهم وما وقع لكل رجل منهم، ثم أمر للكوفي ~~بمائة ألف درهم وقال: هذه لك لتنبيهك إياي على هذا الفعل، ومما قيل في ذلك: # كريم كريم الأمهات مهذب ... تحلب كفاه الندى وأنامله # هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله # جواد إذا ما جئت للعرف طالبا ... حباك بما تحوي عليه أنامله # ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها، فليتق الله سائله # وللبحتري في ذلك: # لو أن ms184 كفك لم تجد لمؤمل ... لكفاه عاجل وجهك المتهلل # أو أن مجدك لم يكن متقادما ... أغناك آخر سودد عن أول # علي بن يحيى النديم قال: دعاني المتوكل ذات يوم وهو مخمور قال: أنشدني ~~قول عمارة في أهل بغداد، فأنشدته: # من يشتري مني ملوك المخرم ... أبع حسنا وابني هشام بدرهم # وأعطي رجاء بعد ذاك زيادة ... وأمنح دينارا بغير تندم # وإن طلبوا مني الزيادة زدتهم ... أبا دلف والمستطيل ابن أكثم # فقال المتوكل: ويلي على ابن البوال على عقبيه يهجو شقيق دولة بني العباس! ~~قلت: يا سيدي من شقيق دولة بني العباس؟ فقال: القاسم بن عيسى فهل عندك من ~~مديحه شيء؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قول الأعرابي الذي يقول: # أبا دلف إن السماحة لم تزل ... مغللة تشكو إلى الله غلها # فبشرها ربي بميلاد قاسم ... فأرسل جبريلا إليها فحلها # ولبكر بن النطاح في أبي دلف: # بطل بصدر حسامه وسنانه ... أجلان من صدر ومن إيراد # ورث المكارم وابتناها قاسم ... بصفائح وأسنة وجياد # يا عصمة العرب التي لو لم تكن ... حيا إذا كانت بغير عماد # إن العيون إذا رأتك حدادها ... رجعت من الإجلال غير حداد # وإذا رميت الثغر منك بعزمة ... فتحت منه مواضع الأسداد # وكأن رمحك منقع في عصفر ... وكأن سيفك سل من فرصاد # لو صال من غضب أبو دلف على ... بيض السيوف لذبن في الأغماد # أذكى ونور للعداوة والهوى ... نارين نار دم ونار رماد # وقال أبو هفان: أنشدته عبد العزيز بن أبي دلف بسر من رأى فبرني ثم قال: ~~هل خلق مثله؟ قلت: لا. # ولغيره في أبي دلف: # ولو يجوز لقال الناس كلهم ... لولا أبو دلف ما أورق الشجر # قرم إذا ما حوى في كفه حجرا ... يفيض في كفه من جوده الحجر # وأنشد أيضا، رحمه الله: # خل إذا جئته يوما لتسأله ... أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا # يخفي صنائعه والله يظهرها ... إن الجميل إذا أخفيته ظهرا # وأنشد: # يداك يد غيثها مرسل ... وأخرى لأعدائها غائظه # فأما التي سيبها يرتجى ... فأجود بالمال من لافظه # وأما التي شرها يتقى ms185 ... فنفس العدو بها فائظه # آخر: # فتى عاهد الرحمان في بذل ماله ... فليس تراه الدهر إلا على العهد # فتى قصرت آماله عن فعاله ... وليس على الحر الكريم سوى الجهد # آخر: # PageV01P102 # عاد السرور إليك في الأعياد ... وسعدت من دنياك بالأسعاد # رفقا بشكر جل ما أوليته ... رفقا فقد أثقلته بأيادي # ملأ النفوس مهابة ومحبة ... بدر بدا متغمرا بسواد # ما إن أرى لك مشبها فيمن أرى ... أم الكرام قليلة الأولاد # ولآخر: # إذا ما أتاه السائلون توقدت ... عليه مصابيح الطلاقة والبشر # له في ذرى المعروف نعمى كأنها ... مواقع ماء المزن في البلد القفر ### | محاسن صلات الشعراء # قيل: دخل جرير على عبد الملك بن مروان وقد أوفده إليه الحجاج بن يوسف، ~~فدخل محمد بن الحجاج فقال: يا أمير المؤمنين هذا جرير مادحك وشاعرك، فقال: ~~بل مادح الحجاج وشاعره، فقال جرير: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ~~إنشاده مدحة فيه، قال: هات ابدأ بالحجاج، قال: بل بك يا أمير المؤمنين، ~~فقال: هات ابدأ بالحجاج، فأنشده: # صبرت النفس يا ابن عقيل ... محافظة فكيف ترى الثوابا # ولو لم ترض ربك لم ينزل ... مع النصر الملائكة الغضابا # إذا شعر الخليفة نار حرب ... رأى الحجاج أثقبها شهابا # فقال: صدقت كذاك هو، ثم قال للأخطل: قم فهات مديحا، فقام فأنشد وأجاد ~~وأبلغ، فقال: أنت شاعرنا وأنت مادحنا، قم فاركبه، فألقى النصراني ثوبه ~~وقال: خب يا ابن المراغة، فساء ذلك من حضر من مضر وقالوا: يا أمير المؤمنين ~~إن النصراني لا يركب الحنيف المسلم! فاستحيا عبد الملك وقال: دعه، قال ~~جرير: فانصرفت أخزى خلق الله، حتى إذا كان يوم الوداع دخلت لأودعه فأنشدته: # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح # فقال: بلى نحن كذلك، أعد، فأعدت وأسفر لونه وذهب ما كان في قلبه، فالتفت ~~إلى محمد بن الحجاج فقال: أترى أم حزرة يرويها مائة من الإبل؟ فقلت: نعم يا ~~أمير المؤمنين إن كانت من فرائض كلب فلم يروها فلا أرواها الله، فأمر لي ~~بمائة من الإبل. # وحدثنا المدائني عن ms186 كيسان عن الهيثم قال: حج عبد الملك بن مروان ومعه ~~الفرزدق، فبينا هو قاعد بمكة في الحجر إذ مر به علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب وعليه مطرف خز، فقال عبد الملك: من هذا يا فرزدق؟ فأنشأ يقول: # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم # هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم # إذا رأته قريش قال قائلها: ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم # يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم # ينمي إلى ذروة العز التي قعدت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم # مشتقة من رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشيم # في كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم # ينشق نور الدجى عن نور غرته ... كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم # يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم # من معشر حبهم دين وبغضهم ... كفر وقربهم منجى ومعتصم # يستدفع السوء والبلوى بحبهم ... ويسترب به الإحسان والنعم # لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا # إن عد أهل الندى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم # مقدم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كل بر ومختوم به الكلم # قال: فلما فرغ من شعره قال لهم عبد الملك: أورافضي أنت يا فرزدق؟ فقال: ~~إن كان حب أهل البيت رفضا فنعم، فحرمه عبد الملك جائزته، فتحمل عليه بأهل ~~بيته فأبى أن يعطيه، فقال له عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: ما كنت تؤمل أن ~~يعطيك؟ قال: ألف دينار في كل سنة، قال: فكم تؤمل أن تعيش؟ قال: أربعين سنة؟ ~~قال: يا غلام علي بالوكيل، فدعاه إليه، وقال: اعط الفرزدق أربعين ألف ~~دينار، فقبضها منه. # PageV01P103 # قيل: ودخل الفرزدق على سكينة بنت الحسين، فقالت له: من أشعر الناس؟ قال: ~~أنا، قالت: كذبت، أشعر منك الذي يقول: # بنفسي من تجنبه عزيز ... علي ومن زيارته لمام # ومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النيام # فقال: أما والله لئن ms187 تركتني لأسمعنك ما هو أحسن منه، فقالت: اخرجوه عني، ~~ثم عاد من الغد فقالت: من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت، أشعر منك الذي ~~يقول: # يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل # إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل # فقال: أما والله لئن تركتني لأسمعنك أحسن منه، فقالت: اخرجوه عني، ثم عاد ~~من الغد وعندها جوار كالتماثيل، فأخذت جارية منهن بقلبه، فقالت سكينة: من ~~أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت، أشعر منك الذي يقول: # إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لا يحيين قتلانا # فقال: يا بنت رسول الله إن لي حقا بإقبالي عليك من مكة ولا أزال تدعيني ~~أسمعك شعري ولا تزيديني على التكذيب مع أني لأخاف لما بي أني لا أبرح ميتا ~~ولي حاجة، قالت: فما هي؟ قال: إن أنا مت تأمرين بتكفيني في ثياب هذه، وأشار ~~إلى الجارية، فقالت: هي لك، وضمت إليها جائزة وكسوة. # وعن أبي الزناد قال: اجتمع جرير والفرزدق وكثير ونصيب في منزل سكينة بنت ~~الحسين، فخرجت جارية ومعها قرطاس وقالت: أيكم الفرزدق؟ فقال: ها أنا ذا، ~~قالت: أنت الذي يقول: # أبيت أمني النفس أن سوف نلتقي ... وهل هو مقدور لنفسي لقاؤها # فإن ألقها أو يجمع الدهر بيننا ... ففيها شفاء النفس منها وداؤها # قال: نعم، قالت: قولك أحسن من منظرك! وأنت القائل: # ودعنني بإشارة وتحية ... وتكرنني بين الديار قتيلا # لم أستطع رد الجواب عليهم ... عند الوداع وما شفين عليلا # لو كنت أملكهم إذا لم يبرحوا ... حتى أودع قلبي المخبولا # قال: نعم، قالت: أحسنت أحسن الله إليك! وأنت القائل: # هما دلتاني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره # فلما استوت رجلاي في الأرض نادتا: ... أحي فيرجى أم قتيل نحاذره # فقلت: ارفعوا الأسباب لا يشعروا بنا ... ووليت في أعجاز ليل أبادره # أحاذر بوابين قد وكلا بها ... وأحمر من ساج تبص مسامره # فأصبحت في القوم القعود وأصبحت ... مغلقة دوني عليها دساكره # قال: نعم، قالت: سوءة لك! قضيت حاجتك فأفشيت ms188 عليها وعلى نفسك، فضرب بيده ~~على جبهته وقال: نعم فسوءة لي! ثم دخلت وخرجت وقالت: أيكم جرير؟ فقال: ها ~~أنا ذا، قالت: أنت القائل: # رزقنا به الصيد الغزير ولم نكن ... كمن نبله محرومة وحبائله # فهيهات هيهات العقيق ومن به ... وهيهات حي بالعقيق نواصله # قال: نعم، قالت: أحسن الله إليك! وأنت القائل: # كأن عيون المجتلين تعرضت ... وشمسا تجلى يوم دجن سحابها # إذا ذكرت للقلب كاد لذكرها ... يطير إليها واعتراه عذابها # قال: نعم، قالت: أحسنت! وأنت القائل: # سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام # لو كان عهدك كالذي حدثتني ... لوصلت ذاك فكان غير ذمام # تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدر من متون غمام # قال: نعم، قالت: سوءة لك! جعلتها صائدة القلوب حتى إذا أناخت ببابك جعلت ~~دونها حجابا، ألا قلت: # طرقتك صائدة القلوب فمرحبا ... نفسي فداؤك فادخلي بسلام # قال: نعم فسوءة لي! ودخلت وخرجت وقالت: أيكم كثير؟ فقال: ها أنا ذا، ~~فقالت: أنت القائل: # وأعجبني يا عز مكن خلائق ... حسان إذا عد الخلائق أربع # دنوك حتى يطمع الصب في الصبا ... وقطعك أسباب الصبا حين تقطع # PageV01P104 # فوالله ما يدري كريم مطلته ... أيشتد إن قاضاك أم يتضرع # قال: نعم، قالت: أعطاك الله مناك! وأنت القائل: # هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت # فما أنا بالداعي لعزة في الورى ... ولا شامت إن نعل عزة زلت # وكنت كذي رجلين، رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت # قال: نعم، قالت: أحسن الله إليك! ثم دخلت وخرجت وقالت: أيكم نصيب؟ فقال: ~~ها أنا ذا، قالت: أنت القائل: # ولولا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسي النشأ الصغار # ألا يا ليتني قامرت عنها ... وكان يحل للناس القمار # فصارت في يدي وقمرت مالي ... وذاك الربح لو علم التجار # على الإعراض منها والتواني ... فإن وعدت فموعدها ضمار # بنفسي كل مهضوم حشاها ... إذا قهرت فليس لها انتصار # إذا ما الزل ضاعفن الحشايا ... كفاها أن يلاث بها إزار ms189 # ولو رأت الفراشة طار منها ... مع الأرواح روح مستطار # قال: نعم، قالت: والله إن إحداهن لتقوم من نومتها فما تحسن أن تتوضأ! لا ~~حاجة لنا في شعرك، ثم دخلت وخرجت وقالت: أيكم جميل؟ قلت: أنا، قالت: أنت ~~القائل: # لقد ذرفت عيني وطال سفوحها ... وأصبح من نفسي سقيما صحيحها # ألا ليتنا كنا جميعا وإن نمت ... يجاور في الموتى ضريحي ضريحها # أظل نهاري مستهاما ويلتقي ... مع الليل روحي في المنام وروحها # فهل لي في كتمان حبي راحة ... وهل تنفعني بوحة لو أبوحها # قال: نعم، قالت: بارك الله فيك! وأنت القائل: # خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي # أبيت مع الهلاك ضيفا لأهلها ... وأهلي قريب موسعون ذوو فضل # فيا رب إن تهلك بثينة لا أعش ... فواقا ولا أفرح بمالي ولا أهلي # ويا رب إن وقيت شيئا فوقها ... حتوف المنايا رب واجمع بها شملي # قال: نعم، قالت: أحسنت أحسن الله إليك! وأنت القائل: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادي القرى إني إذا لسعيد # لكل حديث عندهن بشاشة ... وكل قتيل بينهن شهيد # ويا ليت أيام الصبا كن رجعا ... ودهرا تولى يا بثين يعود # إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت ثابت ويزيد # وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به ... تناءت وقالت ذاك منك بعيد # فما ذكر الخلان إلا ذكرتها ... ولا البخل إلا قلت سوف تجود # فلا أنا مردود بما جئت طالبا ... ولا حبها فيما يبيد يبيد # يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها ويزيد # قال: نعم، قالت: لله أنت! جعلت لحديثها ملاحة وبشاشة وقتيلها شهيدا. وأنت ~~القائل: # ألا ليتني أعمى أصم تقودني ... بثينة لا يخفى علي مكانها # قال: نعم، قالت: قد رضيت من الدنيا أن تقودك بثينة وأنت أعمى أصم؟ قال: ~~نعم، ثم دخلت وخرجت ومعها مدهن فيه غالية ومنديل فيه كسوة وصرة فيها خمس ~~مائة دينار فصبت الغالية على رأس جميل حتى سالت على لحيته ودفعت إليه الصرة ~~والكسوة وأمرت لأصحابه بمائة مائة. # PageV01P105 # وقال ms190 سوار بن عبد الله: قال رؤبة بن العجاج: أرسل إلي سليمان بن علي وهو ~~بالبصرة فقال: هذا رسول الأمير أبي مسلم قدم في إشخاصك، قلت: سمعا وطاعة، ~~أرجع إلى أهلي فأصلح من شأني، قال: ليس إلى ذلك سبيل، ثم التفت إلى الحرسي ~~فقال: هذا صاحبك فشأنك، فلم أنهنه أن حملت على البريد فوافيت الأنبار مع ~~الجمعة الأخرى فأدخلت سرادقا فيه عشرة آلاف رجل في السواد واضعي أذقانهم ~~على قوابع سيوفهم لا ينظر بعضهم إلى بعض إلا شزرا ولا يكلمه إلا همسا، ثم ~~اخترق بي سرادق آخر مثل الأول على مثل حالهم، فقلت في نفسي: أحسبه تذكر علي ~~بعض قولي في بني أمية فأراد قتلي، فأيست عند ذلك من الحياة، ثم خرجت إلى ~~سرادق ثالث فإذا قبة مضروبة في وسطه فدفعت إليه فسلمت بالإمارة عليه، فقال ~~لي: أنت رؤبة ابن العجاج؟ قلت: نعم، جعلني الله فداك أيها الأمير! فقال: ~~أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدق، فحقق في نفسي ما كنت قدرت وظننت، ثم ~~قلت: بل أنشدك، جعلت فداك: # لبيك إذ دعوتني لبيكا ... تطلب حقا واجبا عليكا # فسكت حتى فرغت منها ثم أقبل علي فقال: أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمود ~~مدق، قلت بل أنشدك قولي: # ما زال يبني خندقا ويهدمه ... وعسكرا يشرعه ويهزمه # ومغنما يجمعه ويقسمه ... مروان لما غره منجمه # فأمسك حتى فرغت ثم قال: أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدق، فقلت بل ~~أنشدك: # ما زال يأتي الأمر من أقطاره ... على اليمين وعلى يساره # حتى أقر الملك في قراره ... مشمرا لا يصطلى بناره # فقال: أنشدني ويحك يرمي الجلاميد! فأنشدته: # وقاتم الأعماق خاوي المحترق ... مشتبه الأعلام لماع الخفق # فأنصت حتى انتهيت إلى قولي: # يرمي الجلاميد بجلمود مدق # فوقفت، فقال: إن أمير المؤمنين وجهني إلى خراسان وبها جبال الحديد من ~~الرجال فدمثتها حتى جعلتها دهسا فلم أجد لي مثلا إلا قولك يرمي الجلاميد ~~بجلمود مدق، أنا والله ذلك الجلمود، اذكر حاجتك، قلت: جعلت فداك، حاجتي أن ~~تردني إلى أهلي فقد خرجت من عندهم وهم ms191 على وجل، فقال: يا غلام علي ببدرة، ~~فكأنها لم تزل بين يديه، فقال: يا أبا الجحاف إنك أتيتنا والأموال مشفوهة ~~وقد أمرنا لك بشيء وهو زمر ولو أتيتنا ونحن على طمأنينة لأوطأت العرب ~~عقيبك، والدهر بيننا وبينك أطرق مستتب، ولك عودة وعلينا معول. قال رؤبة: ~~فوالله ما دريت بما أجيبه، ثم قال يرد على السير الذي جاء عليه: فما شعر بي ~~سليمان في الجمعة الثانية إلا وأنا عنده فأخبرته الخبر فقال: يا أبا الجحاف ~~هذه ديتك وربحت نفسك. # قال: وحدثني عبد الله بن عمرو بن عبيد الله قال: حدثني عبيد الله قال: ~~لما دخل مروان بن أبي حفصة على المهدي وأنشده شعره الذي يقول فيه: # أنى يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام # أجازه بسبعين ألف درهم، فقال مروان: # بسبعين ألفا راشني من حبائه ... وما نالها في الناس من شاعر قبلي # فحدثنا إدريس بن سليمان بن يحيى بن يزيد بن أبي حفصة قال: كان سبب اتصال ~~مروان بخلفاء بني العباس أن جارية يمانية أهديت إلى أبي جعفر المنصور ~~فأنشدته شعرا لمروان يمدح به السري بن عبد الله يذكر فيه وراثة العباس، ~~فسألها لمن الشعر فأخبرته، فأمر بإحضار مروان، فوافاه بالربذة حاجا فلقي ~~الربيع، والمنصور عليل العلة التي مات فيها، فقال: كن قريبا حتى ندعو بك. ~~فلم تزل العلة تشتد به حتى مات قبل أن يصل إليه مروان. # فقال له الربيع: الحق بالمهدي ولا تتخلف عنه. وانصرف مروان إلى اليمامة ~~فجعلها طريقا وعليها بشر بن المنذر واليا، فأوفده بشر فيمن أوفده وأعطى كل ~~رجل ألف درهم. فقدم مروان على المهدي وقد مدحه بأربع قصائد قوله: # صحا بعد جهد فاستراحت عواذله ... وأقصر عنه حين أقصر باطله # وقوله: # طاف الخيال وحيه بسلام ... أنى ألم وليس حين لمام # وقوله: # اعص الهوى وتعز عن سعداكا ... فلمثل حلمك عن هواك نهاكا # وقوله: # مرى العين شوق حال دون التجلد ... ففاضت بأسراب من الدمع حشدي # PageV01P106 # حشدي من الحشاد، يريد أنه يخلطها به. قال إدريس: فأعطي مروان المهدي ms192 ~~ثلاثين ألف درهم فانصرف إلى اليمامة ثم عاد في سنة أربع وستين ومائة فطلب ~~الوصول بيعقوب بن داود، فأقام نحوا من سنة، وغضب المهدي على يعقوب بن داود. ~~قال إدريس: فحدثني مروان قال: بينا أنا واقف على باب المهدي إذ خرج خالد بن ~~يزيد بن منصور فقال: يا ابن أبي حفصة ذكرك أمير المؤمنين آنفا وهو يراك ~~أشعر الناس غير أنه يقول لا حاجة لنا فيما قبلك فانصرف عن بابنا. قال: ~~فانصرفت مغموما ثم تذكرت رجلا أتحدث عنده وأتفرج به وآنس لديه، فأتيت يزيد ~~بن مزيد فشكوت إليه ما قال لي خالد بن يزيد، فقال: أدلك على رجل صدوق له ~~رقة لعله ينفعك. قلت: ومن هو؟ قال: الحسن الحاجب. فغدوت إلى الحسن فشكوت ~~إليه ما حكاه خالد من رأي أمير المؤمنين. فقال: قل في يعقوب بن داود. فقلت: ~~بأبي أنت وأمي! أنت ترجو أن يكون ذلك مفتاحا لما أنا فيه؟ قال: ذاك كما ~~أقول لك. فانصرفت وقلت: # أتاني من المهدي قول كأنما ... به احتز أنفي مدمن الضعن جادع # وقلت، وقد خفت التي لا شوى لها ... بلا حدث: إني إلى الله راجع # وما لي إلى المهدي لو كنت مذنبا ... سوى حلمه الصافي من الناس شافع # ولا هو عند السخط منه ولا الرضى ... بغير الذي يرضى به الله صانع # عليه من التقوى رداء يكنه ... وللحق نور بين عينيه ساطع # يغض له طرف العيون وطرفه ... على غيره من خشية الله خاشع # هل الباب مفض بي إليك ابن هاشم ... فعذري إن أفضى بي الباب ناصع # أتيت امرأ أطلقته من وثاقه ... وقد أنشبت في أخدعيه الجوامع # وجلى ضباب العدم عنه وراشه ... وأنهضه معروفك المتتابع # فقلت وزير ناصح قد تتابعت ... عليه بإنعام الإمام الصنائع # وما كان لي إلا إليك ذريعة ... وما ملك إلا إليه الذرائع # وإن كان مطويا على الغدر كشحه ... فلم أدر منه ما تجن الأضالع # وقل مثل ما قال ابن يعقوب يوسف ... لإخوته قولا له القلب نائع # تنفس فلا تثريب إنك آمن ... وإني لك ms193 المعروف والقدر جامع # فما الناس إلا ناظر متشوف ... إلى كل ما تسدي إلي وسامع # قال وقد قلت في قصيدة أخرى: # سيحشر يعقوب بن داود خائبا ... يلوح كتاب بين عينيه كافر # خيانته المهدي أودت بذكره ... فأمسى كمن قد غيبته المقابر # بدا منك للمهدي كالصبح ساطعا ... من الغش ما كانت تجن الضمائر # وهل لبياض الصبح إن لاح ضوءه ... فجاب الدجى من ظلمة الليل ساتر # أمنزلة فوق التي كنت نلتها ... تعاطيت، لا أفلحت مما تحاذر # قال: ثم أتيت بها الحسن بعد يومين فقال: ما صنعت؟ فأنشدتهما إياه. قال: ~~اكتبهما لي. فقلت: قد فعلت. فقال: هاتهما. فتناولهما وقال: لست واضعهما من ~~يدي حتى أضعهما في يد المهدي. ثم مضى وأتيته من الغد فقال: ما وضعتهما من ~~يدي حتى وضعتهما في يد المهدي فقرأهما فرق لك وأمر بإدخالك عليه فاحضر يوم ~~الاثنين. فحضرت فخرج علي فقال: قد علم أمير المؤمنين بمكانك وقد أحب أن ~~يجعل لك يوما يشرفك فيه ويبلغ بك. قلت: فمتى بأبي أنت وأمي؟ قال: يوم ~~الخميس. فعدت إليه يوم الخميس فإذا وجوه بني العباس يدخلون على المهدي، ~~فلما تتام المجلس دعاني فدخلت، فسلمت فرد علي السلام، فقال: إنما حبسك عن ~~الدخول انقطاعك إلى الفاسق يعقوب بن داود. فافتتحت النشيد بما قلت في يعقوب ~~فأنشدته ثم أشدته قولي فيه: طرقتك زائرة فحي خيالها. فأعجب بذلك وقال: جزاك ~~الله خيرا. فقلت: اشهدوا هذا والله الشرف، أمير المؤمنين يجزيني خيرا، ثم ~~أنشدته: أعادك من ذكر الأحبة عائد، فلما صرت إلى قولي: # أيادي بني العباس بيض سوابغ ... على كل قوم بادئات عوائد # فهم يعدلون السمك من قبة الهدى ... كما يعدل البيت الحرام القواعد # PageV01P107 # سواعد عز المسلمين وإنما ... ينوء بصولات الأكف السواعد # يزين بني ساقي الحجيج خليفة ... على وجهه نور من الحق شاهد # يكون غرارا نومه من حذاره ... على قبة الإسلام والخلق راقد # كأن أمير المؤمنين محمدا ... لرأفته بالناس للناس والد # على أنه من خالف الحق منهم ... سقته به الموت الحتوف الرواصد # أشار إلي فأمسكت. فقال: يا ms194 بني العباس هذا شاعركم المنقطع إليكم المعادي ~~فيكم فآتوا إليه ما يسره. فقلت: ينبغي إذ سمعوا كلام أمير المؤمنين وعرفوا ~~رأيه أن يصلوني من أموالهم. فقال: أنا فارض عليهم لك مالا، ففرض على موسى ~~ابنه خمسة آلاف درهم وعلى هارون خمسة آلآف ثم فرض على القوم على قدر ~~حالاتهم حتى فرض عليهم سبعة وثلاثين ألف درهم والربيع يكتب كل ما فرض على ~~كل رجل منهم. فقال أبو عبيد الله: يا أمير المؤمنين إنما نحن من أهلك ~~فأدخلنا فيما أدخلتهم فيه، فجعل عليه ألفا وعلى الربيع ألفين، فتمت أربعين ~~ألفا. فقلت: يا أمير المؤمنين من لي بهذا المال؟ قال: هذا، وأشار إلى ~~الربيع، ثم قال: إن أمير المؤمنين يعطيك من صلب ماله، فأمر لي بثلاثين ألف ~~درهم في ثلاث بدر، فجيء بهن فطرحن قريبا، فدعوت وشكرت فقال: يا ابن أبي ~~حفصة ستجيئك صلاتي وبري ويأتيك مني ما يؤديك إلى الغنى. # قلت: يا أمير المؤمنين قد رأيت من قبولك وبشرك وسرورك بما سمعت مني ما ~~سأزداد به شعرا وستسمع ويبلغك، وقلت: يا أمير المؤمنين لا يبلغ ما أعطيتني ~~لشاعر بعدي. قال: أجل. قلت: وآذني في زيارتك. قال: نعم. قلت: يا أمير ~~المؤمنين لي عدو فيك وفي أهل بيتك فإن رأى أمير المؤمنين أن يجعل لأحد علي ~~سلطان دونه. قال: لا سلطان عليك دون أمير المؤمنين. فقلت: اكتب إلي بذلك ~~كتابا. فأمر بالكتاب بذلك، فانصرفت، فلما صرت خلف الستر خرج إلي خادم ~~بمنديل فيه أربعة أثواب: ثوب وشي وثوب خز وجبة بياض محشوة وقميص، فقال: ~~ألبسوه وأعيدوه إلي، فلبست الخز والوشي على الثياب التي كانت علي وألقيت ~~القميص على أحد منكبي والجبة على المنكب الآخر. فقال لي: يا ابن أبي حفصة ~~أتدخل على أمير المؤمنين هكذا وقد مثلت بنفسك؟ فقلت: والله لو كانت كرامة ~~أمير المؤمنين أحد لما خلعت منها شيئا أطيق حمله، ثم دخلت. فلما رآني تبسم ~~ثم قال: مطرف، فأبطأوا به، فقال: المطرف! وأنا قائم، ثم قال الثالثة ~~المطرف، فلما أبطأوا ms195 انصرفت وقعدت خلف الستر، فلم ألبث أن رفع الستر وخرج ~~أمير المؤمنين على دابة، فقمت إليه، فلما رآني قال: المطرف! فما برح حتى ~~أتي به فنشر علي بين يديه، وأمر لي بعشرة من خدم الروم وقطيعة بناحية ~~السواد، فبعت القطيعة من عيسى بن موسى بعشرين ألف درهم وبرذون بسرجه ~~ولجامه. قال: فلم يزل مروان على باب المهدي حتى هلك. # وعن عبد الله بن هارون قال: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله ~~عن المغيرة قال: دخل المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي وأبو السائب والعثماني ~~ابن لؤلؤ الرطب وابن أخت الأحوص على المهدي وهو بالمدينة فقال: أنشدوني. ~~فأنشد المغيرة: # وللناس بدر في السماء يرونه ... وأنت لنا بدر على الأرض مقمر # فبالله يا بدر السماء وضوءه ... تزال تكافي عشر ما لك أضمر # وما البدر إلا دون وجهك في الدجى ... يغيب فتبدو حين غاب فتقمر # وما نظرت عيني إلى البدر ماشيا ... وأنت فتمسي في الثياب فتسحر # وأنشد ابن أخت الأحوص: # قالت كلابة: من هذا؟ فقلت لها: ... هذا الذي من أعدائه زعموا # إني امرؤ لج بي حب فأحرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم # وأنشده العثماني المخزومي: # رمى القلب من قلبي السواد فأوجعا ... وصاح فصيح بالرحيل فأسمعا # وغرد حادي البين وانشقت العصا ... فأصبحت مسلوب الفؤاد مفجعا # كفى حزنا من حادث الدهر أنني ... أرى البين لا أسطيع للبين مدفعا # وقد كنت قبل اليوم بالبين جاهلا ... فيا لك بينا ما أمر وأوجعا # وأنشده أبو السائب: # PageV01P108 # أصيخا لداعي حب ليلى فيمما ... صدور المطايا نحوها فتسمعا # خليلي إن ليلى أقامت فإنني ... مقيم وإن بانت فبينا بنا معا # وإن انثنت ليلى بربع يحوزها ... قعيدكما بالله أن تتزعزعا # فقال: والله لأغنينكم الليلة! ثم قال للمغيرة: هل لك من حاجة؟ فإنه بلغني ~~أنك بعت جاريتك في دين كان عليك. قال: والله يا أمير المؤمنين لقد فعلت ~~ذلك. قال: فلأردنها عليك، فأجاز ثلاثة منهم بعشرة آلاف دينار إلا ابن لؤلؤ ~~الرطب فإنه سار معه، فمر بدار فقال: لمن هذه الدار؟ فقال: ms196 للأحوص الذي ~~يقول: # يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل # وأراك تفعل ما هويت وبعضهم ... مدق الحديث يقول ما لا يفعل # فقال: عز علي لم تأخذ شيئا، ثم قال للربيع: اعتق ما تملك إن لم تعطه أنت ~~عشرة آلاف دينار وأنا عشرة آلاف دينار، فقبضها وخرج. # قال: ودخل ابن الخياط على المهدي فمدحه فأمر له بخمسين ألف درهم، فلما ~~قبضها فرقها بين الناس وأنشأ يقول: # لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي # فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فبددت ما عندي # فأعطاه لكل درهم دينارا. # قال: ودخل سلم بن عمرو الخاسر على المهدي فقال: # أليس أحق الناس أن يدرك الغنى ... مرجي أمير المؤمنين وسائله # لقد بسط المهدي عدلا ونائلا ... كأنهما عدل النبي ونائله # فقال: أما ما ذكرت يا سلم من الجود فوالله ما تعدل الدنيا عندي خاتمي ~~هذا، وأما العدل فإنه لا يقاس برسول الله، صلى الله عليه وسلم، أحد وإني ~~لأتحراه جهدي، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب، ثم وفد عليه في ~~السنة الثانية فأنشده: # إن الخلافة لم تكن بخلافة ... حتى استقرت في بني العباس # شدت مناكب ملكهم بخليفة ... كالدهر يخلط لينه بشماس # فأمر له بعشرين ألف درهم وعشرين ثوبا، فلما كان في العام الثالث وفد عليه ~~فأنشده: # أفنى سؤال السائلين بجوده ... ملك مواهبه تروح وتغتدي # هذا الخليفة جوده ونواله ... نفد السؤال وجوده لم ينفد # فأمر له بثلاثين ألف درهم وثلاثين ثوبا. # وعن أحمد بن بكر الباهلي قال: حدثني حاجب المهدي قال: قال لي المهدي يوما ~~نصف النهار: اخرج وانظر من بالباب. فخرجت فإذا بشيخ واقف، فقلت: ألك حاجة؟ ~~فقال: ما يمكن أن أخبر بحاجتي أحدا غير أمير المؤمنين، فتركته ودخلت على ~~المهدي، فقال لي: اخرج فانظر من بالباب، فخرجت فإذا الشيخ، فقلت: إن كان لك ~~حاجة فاذكرها. قال: لا أذكرها إلا لأمير المؤمنين. ففعل هذا مرات، فقال ~~المهدي: انظر من بالباب. فقلت: شيخ قد سألني ms197 غير دفعة عن حاجة فقال: ما ~~يمكن أن أخبر بحاجتي أحدا دون أمير المؤمنين، فقلت: أيدخل؟ قال: نعم ومره ~~بتخفيف، فخرجت وقلت له: ادخل وخفف. فدخل وسلم بالخلافة ثم قال: يا أمير ~~المؤمنين إنا قد أمرنا بالتخفيف: # فإن شئت خففنا فكنا كريشة ... متى تلقها الأنفاس في الجو تذهب # وإن شئت ثقلنا فكنا كصخرة ... متى تلقها في حومة البحر ترسب # وإن شئت سلمنا فكنا كراكب ... متى يقض حقا من سلامك يعزب # فضحك المهدي وقال: بل تكرم وتقضى حاجتك. فقضى حاجته ووصله بعشرة آلاف ~~درهم. # PageV01P109 # قال المبرد: حدثني محمد بن عامر الحنفي قال: ذكروا أن فتيانا كانوا ~~مجتمعين قد ائتلفوا في نظام واحد كلهم ابن نعمة وكلهم قد شرد عن أهله وقنع ~~بأصحابه، فذكر ذاكر منهم وقال: كنا قد اكترينا دارا شارعتها على أحد طرق ~~بغداد المعمورة بالناس فكنا لا نستكثر أن تقع مؤونتنا على واحد منا إذا ~~أمكنه ويبقى الواحد منا لا يقدر على شيء فيقوم أصحابه بأمره الدهر الأطول، ~~فكنا إذا أيسرنا أكلنا من الطعام أطيبه ولبسنا من اللباس ألينه ودعونا ~~الملهين والملهيات وكنا في أسفل الدار، وإذا عدمنا الطرب جلسنا في غرفة لنا ~~نتمتع فيها بالنظر إلى الناس، وكنا لا نخل بالنبيذ في عسر ولا يسر ولو نبيع ~~الثوب من الأثواب، فإنا لكذلك يوما إذا بفتى يستأذن علينا، فقلنا له: اصعد ~~وادخل، فإذا رجل حلو الوجه سري الهيئة تنبيء رؤيته أنه من أهل النعم. فأقبل ~~علينا فقال: إني سمعت بمجتمعكم وحسن منادمتكم وصحة ألفتكم حتى كأنكم أدرجتم ~~جميعا في قلب واحد فأحببت أن أكون واحدا منكم وأن لا تحتشموني. قال: وصادف ~~ذلك منا إقتارا من القوت وإكثارا من النبيذ. فقال لغلام معه: هات ما عندك. ~~فغبر عنا غير بعيد ثم أتى بسلة خيزران فيها طعام من جداء ودجاج وفراخ ورقاق ~~وأشنان وأخلة ومحلب فأصبنا من ذلك الطعام ثم أفضنا في شرابنا وانبسط الرجل، ~~فإذا هو أحلى خلق الله إذا حدث وأحسنهم استماعا إذا حدث وأمسكهم عن ملاحاة ~~إذا خولف، ms198 ثم أفضينا معه إلى أكرم مخالعة وأجمل معاشرة، فكنا ربما امتحناه ~~بأن ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه فيظهر لنا أنه لا يحب غيره ويرى ~~ذلك في أسارير وجهه، فكنا نغنى به عن حسن الغنى ونتمثل بكلامه ونتدارس ~~أخباره، فشغلنا بظرفه وبما عاشرنا به عن وصفه والسؤال عن تعرف اسمه ونسبه، ~~فلم يكن عندنا من أمره إلا معرفة الكنبة، فإنا سألناه عنها فأنبأنا أنه ~~يكنى أبا الفضل، فقال لنا يوما بعد اتصال الأنس: ألا أخبركم كيف عرفتكم؟ ~~قلنا له: إنا لنحب ذاك. فقال: أحببت جارية في جواركم وكانت مولاتها ذات ~~حبائب فكانت تختلف بالرسائل بينها وبين حبائبها وكنت أجلس لها في الطريق ~~ورأيت غرفتكم هذه فسألت عن خبرها فخبرت عن ائتلافكم ومساعدة بعضكم بعضا ~~فكان الدخول عندي فيما أنتم فيه آثر عندي من الظفر بالجارية. فسألناه ~~فخبرنا بمكانها. فقلنا له: فإنا نخدعها لك حتى يظفرك الله بها. قال: يا ~~إخوتي إني والله على ما ترون من شدة الشوق إليها والكلف بها وما قدرت فيها ~~حراما قط وما تقديري إلا مطاولتها ومصابرتها إلى أن يمن الله جل وعز بثروة ~~فأشتريها. فأقام معنا شهرين ونحن به على غاية الاغتباط وبقربه على غاية ~~السرور، ثم احتبس عنا فتألمنا لفراقه كل ممض ولوعة مؤلمة ولم نعرف له منزلا ~~نلتمسه فيه فيكون فقده أخف علينا، فكدر عيشنا الذي كان صافيا قد طاب لبابه، ~~وقبح ما كان قد حسن لنا بقربه وانصرام الغم بمحادثته، فكنا فيه كما قال ~~القائل: # يذكرنيهم كل خير رأيته ... وشر فما أنفك منهم على ذكر # PageV01P110 # فغاب عنا عشرين يوما لا نلتذهن، ثم نحن يوما مجتازون في الرصافة فإذا به ~~وقد طلع في موكب نبيل وزي جليل فحيث بصر بنا انحط عن دابته وانحط غلمانه ثم ~~قال: يا إخوتي ما هنأني عيش بعدكم ولست أماطلكم بحديثي وخبري حتى نبلغ ~~المسقر، ثم مال بنا إلى مسجد فقال: أعرفكم أولا نفسي، أنا العباس بن الأحنف ~~وكان من خبري أني انصرفت من عندكم إلى منزلي ms199 والمسودة قد أحاطت بي فمضي بي ~~إلى دار أمير المؤمنين فصرت إلى يحيى بن خالد فقال: ويحك يا عباس إنما ~~اخترتك من ظرفاء الشعراء لقرب مأخذك وحسن تأتيك! وإن الذي ندبتك له من ~~شأنك، وقد عرفت خطرات الخلفاء، وإني أخبرك أن ماردة هي الغالبة على أمير ~~المؤمنين وقد جرى بينهما عتب وهي بعزة دلالة المعشوق تأبى أن تعتذر وهو ~~بعزة الخلافة وشرف الملك يأبى ذلك، وقد رمت الأمر من قبلهما فأعياني وهو ~~أحرى أن تستفزه الصبابة، فقل شعرا تسهل به هذا السبيل، فقضى كلامه، ثم دعاه ~~أمير المؤمنين فصار إليه، وأعطيت قرطاسا ودواة فاعتراني الزمع ونفر عني كل ~~شيء من العروض ثم انفتح لي شيء من الأشياء والرسل ما تغبني فجاءتني أربعة ~~أبيات رضيتها وقعت صحيحة المعنى سهلة الألفاظ ملائمة لما طلب مني، فقلت ~~لأحد الرسل: أبلغ الوزير قد قلت أربعة أبيات فإن كان فيها مقنع. وفي قدر ~~ذهاب الرسول ومجيه حضرني بيتان من غير ذلك الروي، فكتبت الأربعة الأبيات في ~~صدر الرقعة وعقبت بالبيتين فكتبت: # العاشقون كلاهما متغضب ... وكلاهما متوجد متجنب # صدت مغاضبة وصد مغاضبا ... وكلاهما مما يعالج متعب # راجع أحبتك الذين هجرتهم ... إن المتيم قل ما يتجنب # إن التجنب إن تطاول منكما ... دب السلو له فعز المطلب # ثم كتبت تحت ذلك: # لا بد للعاشق من وقفة ... تكون بين الوصل والصرم # حتى إذا الهم تمادى به ... راجع من يهوى على رغم # PageV01P111 # قال: ووجهت بالكتاب فدفعه إلى الرشيد، فقال: والله ما رأيت شعرا أشبه بما ~~نحن فيه من هذا، والله لكأني قصدت به. فقال يحيى: فأنت والله المقصود به يا ~~أمير المؤمنين، هذا يقوله العباس بن الأحنف في هذه القصة. فلما قرأ البيتين ~~وأفضى إلى قولي: راجع من يهوى على رغم، استفرغ ضاحكا ثم قال: إني والله ~~أراجعها على الرغم، وقال: يا غلام نعلي، فنهض وأذهله الجذل والسرور عن أن ~~يأمر لي بشيء. فدعاني يحيى وقال: إن شعرك قد وقع بغاية الموافقة وأذهل أمير ~~المؤمنين السرور عن أن يأمر لك ms200 بشيء. قلت: لكن هذا الخبر لم يقع مني بغاية ~~الموافقة. قال: إذا أوقعه. ثم جاء إنسان فساره بشيء فنهض ونهضت لنهوضه. ~~فقال: يا عباس أمسيت أنبل الناس، أتدري ما سارني به هذا الرسول؟ قلت: لا. ~~قال: ذكر أن ماردة تقلت أمير المؤمنين لما علمت بمجيئه فقالت: كيف كان هذا ~~يا أمير المؤمنين؟ فأعطاها الشعر وقال: هذا الذي جاء بي! قالت: فمن يقوله؟ ~~قال: العباس بن الأحنف. قالت: فبكم كوفيء؟ قال: ما فعلت شيئا. قالت: إذا ~~والله لا أجلسن حتى يكافأ! فأمير المؤمنين قائم لقيامها وأنا قائم لقيامهما ~~وهما يتناظران في صلتك، فهذا كله لك. قلت: ما لي من هذا إلا الصلة! فضحك ~~وقال: هذا أحسن من شعرك. فأمر لي أمير المؤمنين بمال كثير وأمرت هي لي بمال ~~دونه وأمر لي الوزير بمال دون ما أمرت به وحملت على ما ترون من الظهر. ثم ~~قال لي الوزير: تمام اليد عندك أن لا تخرج من الدار حتى يؤثل لك بهذا ~~المال، فاشتريت لي ضياع تغل عشرين ألف درهم ودفع إلى بقية المال. فهذا هو ~~خبري الذي عاقني عنكم، فهلموا حتى أقاسمكم الضياع وأفرق بينكم المال. ~~فقلنا: هنأك الله مالك، كلنا يرجع إلى نعمة من أبيه وأهله. فأقسم وأقسمنا ~~فقال: أنتم إسوتي فيه. قلنا: أما هذا فنعم، فامضوا بنا إلى الجارية حتى ~~نشتريها. قال: فمضينا إلى صاحبتها، وكانت جارية جميلة حلوة لا تحسن شيئا ~~أكثر مما بها من الظرف، وكانت تساوي على وجهها خمسين ومائة دينار، فاستامت ~~بها صاحبتها خمس مائة دينار فأجبناها بالتعجب فحطت مائة. فقال لنا العباس: ~~يا فتيان إني أحتشم والله أن أقول بعد ما قلتم ولكن هي جارية في نفسي بها ~~يتم سروري، إن هذه الجارية أريد إيثار نفسي بها وأكره أن تنظر إلي بعين من ~~قد ماكس في ثمنها فدعوني أعطيها خمس مائة دينار. قلنا: قد حطت مائة! قال: ~~وإن فعلت. فصادفت مولاتها رجلا حرا وأخذت من الثمن ثلاثمائة وجهزتها ~~بالباقي فما زال لنا عشيرا حتى فرق بيننا ms201 وبينه الموت. # PageV01P112 # وعن المبرد قال: حدثني من اعتمد عليه أن مسلم بن الوليد كان يمدح من دون ~~الخليفة وكان يقول: إن نفسي تذوب حسرات من أنه يحوي خزائن الخلفاء من لا ~~يقاربني في أدب ولا يوازيني في نسب ولا يصلح أن يكون شعره خادما لشعري. ~~وكان إذا كسب جمع أصحابه فلم يخرج من منزله حتى يأتي على جميع ما معه، فلا ~~يزال في أكل وشرب وقصف حتى يفنى ما معه، فعرف بذلك، وكانت البرامكة ويزيد ~~بن مزيد الشيباني ومحمد بن منصور بن زياد يبرونه ويعطفون عليه ويتفقدون من ~~حاله. فخرج ذات يوم فلقي يزيد بن منصور الحميري بباب الرشيد فسلم عليه فرد ~~عليه السلام ورحب به وسأله عن شأنه فخبره وسأله أن يقربه من الخليفة وأن ~~يحتال حتى يعد في ممازحته ومن يجري عليه أرزاقه. فقال له الحميري: سأتأتى ~~لوصولك إلى أمير المؤمنين. فدخل الحميري فأصاب أمير المؤمنين لقس النفس قد ~~اشتمل عليه الفكر في سرعة تقضي أمور الدنيا وأنه لا يتشبث منها بشيء إلا ~~كان كالظل الزائل والسراب الخادع. فقال له جعفر بن يحيى: يا أمير المؤمنين ~~أفتظن أن هذا الفكر يحبس عليك الأيام ويمنعك مما لا تستمتع به؟ إنما هذا ~~الذي أنت فيه عارض عرض لك، وقد كان ملك من الملوك يقال له بهمان وكان من ~~أجل ملوك العجم وكان حكيما يقول: الهم مفسدة للنفس ومضلة للفهم ومشدهة ~~للقلب، ومن أعظم الخطإ التشاغل بما لا يمكن دفعه، وقد قالت الحكماء: ~~بالسرور يطيب العيش ومع الهم يتمنى الموت. وقال له سليمان بن أبي جعفر: يا ~~أمير المؤمنين يروى عن لقمان الحكيم أنه قال: من يملك يستأثر، ومن لا يستشر ~~يندم، والهم نصف الهرم، والفقر الموت الأكبر. قال: فكأن الرشيد نشط واندفع ~~عنه ما كان اعتراه من ذلك الفكر. فتقدم إليه الحميري وقال: يا أمير ~~المؤمنين خلفت بالباب آنفا رجلا من أخوالك الأنصار متقدما في شعره وأدبه ~~وظرفه، أنشدني قصيدة يذكر فيها أنسه ولهوه ولعبه ومحادثته إخوانه ويذكر ~~مجالس اتصلت ms202 له بأبلغ قول وأحسن وصف وأقرب رصف، يبعث والله على الصبابة ~~والفرح ويباعد عن الهم والترح، وكأنه قد وفق بيمن أمير المؤمنين وسعادة جده ~~لأن يكون مبرئا من هذه الشكوى زائدا في سرور أمير المؤمنين مستدعيا له صلة ~~رحمه والتشرف بخدمته. قال: فاستفزه السرور والقلق إلى دخوله عليه واستماع ~~قصيدته وجعل يتابع الرسل بعضهم في إثر بعض حتى دخل. وكان حلو الشمائل، فوصل ~~إليه في وقت قد كان خرج فيه من رسم الشباب وشرته ولم يكن في عداد من قد ~~اضطرب سنا، وكان ناهيك من رجل معه فهم وتجربة وتمييز ومعرف، فأمهل حتى سكن ~~ثم أذن له في الجلوس والانبساط واستدعى منه أن يزيد في الأنس، فانبرى مسلم ~~ينشد قصيدته، فجعل الرشيد يتطاول لها ويستحسن ما حكاه من وصف شراب ولهو ~~ودماثة وغزل وسهولة ألفاظ، فأمر له بمال وأمر أن يتخذ له مجلس يتحول إليه، ~~وجعل الرشيد وأصحابه يتناشدون قصيدته، فسماه يومئذ بآخر بيت من قصيدته صريع ~~الغواني، والرشيد الذي سماه بهذا الاسم، والقصيدة هي هذه: # أديرا علي الكأس لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي # فما جزعي أني أموت صبابة ... ولكن على من لا يحل لها قتلي # أحب التي صدت وقالت لتربها: ... دعيه الثريا منه أقرب من وصلي # بلى ربما وكلت عيني بنظرة ... إليها تزيد القلب خبلا على خبل # كتمت تباريح الصبابة عاذلي ... فلم يدر ما بي واسترحت من العذل # ومانحة شرابها الملك قهوة ... يهودية الأصهار مسلمة البعل # ربيبة شمس لم تهجن عروقها ... بنار ولم يجمع لها سعف النخل # بعثنا لها منا خطيبا لبضعها ... فجاء بها يمشي العرضنة في مهل # قد استودعت دنا لها فهو قائم ... بها شفقا بين الكروم على رجل # فوافى بها عذراء خل أخو ندى ... جزيل العطايا غير نكس ولا وغل # معتقة لا تشتكي دم عاصر ... حرورية في جوفها دمها يغلي # أغارت على كف المدير بكونها ... فصارت له منها أنامل كالذبل # PageV01P113 # أماتت نفوسا من حياة قريبة ... وماتت فلم تطلب بوتر ولا تبل # شققنا لها ms203 في الدن عينا فأسبلت ... كما أخضلت عين الخريدة بالكحل # كأن فنيقا بازلا شق نحره ... إذا أسفرت منها الشعاع على البزل # ودارت علينا الكأس من كف ظبية ... مبتلة حوراء كالرشإ الطفل # كأن ظباء عكفا في رياضها ... أباريقها أوجسن قعقعة النبل # وحن لنا عود فباح بسره ... فكان عليه ساق جارية عطل # تضاحكه طورا وتبكيه تارة ... خدلجة هيفاء ذات شوى عبل # إذا ما علت منا ذؤابة واحد ... تمشت به مشي المقيد في الوحل # فلا نحن متنا موتة الدهر بغتة ... ولا هي عادت بعد عل ولا نهل # سأنقاد للذات متبع الهوى ... لأمضي هما أو أصيب فتى مثلي # هل العيش إلا أن تروح مع الصبا ... وتغدو صريع الكأس والأعين النجل # قيل: وأدخل الفضل بن يحيى أبا نواس إلى عند الرشيد فقال له الرشيد: أنت ~~القائل: # عتقت في الدن حتى ... هي في رقة ديني # أحسبك زنديقا! قال: يا أمير المؤمنين قد قلت ما يشهد لي بخلاف ذلك. قال: ~~وما هو؟ قال قلت: # أية نار قدح القادح ... وأي حد بلغ المازح # لله در الشيب من واعظ ... وناصح لو قبل الناصح # فاغد فما في الحق أغلوطة ورح لما أنت له رائح # من يتق الله فذاك الذي ... سيق إليه المتجر الرابح # لا يجتلي الحوراء من خدرها ... إلا امرؤ ميزانه راجح # فاسم بعينيك إلى نسوة ... مهورهن العمل الصالح # فقال الفضل: يا سيدي إنه ليؤمن بالبعث ويحمله المجون على ذكر ما لا ~~يعتقده، ثم أنشد: # لقد دار في رسم الديار بكائي ... وقد طال تردادي بها وعنائي # كأني مريع في الديار طريدة ... أراها أمامي مرة وورائي # فلما بدا لي حان لا تهر كلابه ... علي ولا ينكرن طول ثوائي # فما رمته حتى أتى دون ما حوت ... يميني وحتى ريطتي وحذائي # وكأس كمصباح السماء شربتها ... على قبلة أو موعد بلقاء # أتت دونها الأيام حتى كأنها ... تساقط نور من فتوق سماء # ترى ضوءها من ظاهر البيت ساطعا ... عليك ولو غطيته بغطاء # تبارك من ساس الأمور بقدرة ... وفضل هارونا على الخلفاء # نراك بخير ما انطوينا على ms204 التقى ... وما ساس دنيانا أبو الأمناء # إمام يخاف الله حتى كأنما ... يؤمل رؤياه صباح مساء # أشم طوال الساعدين كأنما ... يناط نجادا سيفه بلواء # PageV01P114 # فخلع عليه الرشيد ووصله بعشرة آلاف درهم والفضل بمثلها، فنظر إلى جارية ~~تختلف كأنها لؤلؤة فقال: يا أمير المؤمنين أنا ميت في ليلتي هذه فإذا مت ~~فمر أن أدفن في بطن هذه الجارية. فقال له الرشيد: خذها لا بارك الله لك ~~فيها! قال أبو نواس: فأخذتها وانصرفت بمثل الشمس حسنا وفي منزلي غلام مثل ~~القمر، فلقيني محمد بن يسير الشاعر فقال: أتيتك مهنئا بما حباك به أمير ~~المؤمنين. فقلت: نعمة تتبعها نقمة. قال: ولم ذاك؟ فقلت: عندي غلام مثل ~~القمر وهذه مثل الشمس وإن جمعتهما أتخوف ما تعلم وإن أفردت الجارية لم آمن ~~عليها وغلامي لا بد منه. قلت: اجعلها عند بعض إخوانك إلى وقت حاجتك إليها. ~~قلت: فلعل الحارس هو المتحرس منه. قال: فصيرها عند عجوز تثق بها، قلت: لعلي ~~أسترعي الذئب! قال: ثم افترقنا، فالتقى معه أبو نواس بعد ثلاثة أيام فقال ~~له: يا محمد بن يسير ما على الأرض شر منك، شاورتك في أمر فلم تفتح علي فيه ~~شيئا فلما فارقتك ازدحم علي الرأي المصيب. قال محمد فماذا صنعت؟ قال: زوجت ~~الشمس من القمر فحصلتهما لأقضي بهما وطري! قال: كان الشيء عليك حلال فجعلته ~~حراما. قال: يا أحمق شاورتك في الحلال والحرام! إنما قلت كيف الرأي في ~~تحصيلهما! ثم أنشأ: # زوجت هذاك بهذه لكي ... أنكح ثنتين فثنتين # أنكح هذه مرة ثم ذا ... أدير رمحا بين صفين # متعت نفسي بهما لذة ... يا من رأى مطلع شمسين # وحدثنا محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان وهو أمير البصرة قال: كان بالبصرة ~~رجل من بني تميم وكان شاعرا ظريفا وكنت آنس به فأردت أن أخدعه فقلت: يا أبا ~~نزار أنت شاعر وظريف والمأمون أجود من السحاب الحافل والريح العاصف فما ~~يمنعك منه؟ قال: ما عندي ما أتحمل به. قلت: أنا أعطيك نجيبا فارها ونفقة ~~سابغة تخرج إليه ms205 وقد امتدحته فإنك إن حظيت بلقائه صرت إلى أمنيتك. قال: ~~والله أيها الأمير إني لا أظنك صادقا. قلت: أجل، فدعوت بنجيبة فارهة. فقال: ~~هذه إحدى الحسنيين فما بال الأخرى؟ فدعوت له بثلاثمائة درهم. قال: وهذه ~~الثانية، قال: أحسبك أيها الأمير قصرت في النفقة. قال: هي لك كافية إن قبضت ~~يدك عن السرف. قال: ومتى رأيت السرف في أكابر بني سعد فكيف في أصاغرها؟ ~~فأخذ النجيبة والنفقة ثم عمل أرجوزة ليست بطويلة فأنشدنيها وحذف منها ذكري. ~~فقلت له: ما صنعت شيئا. قال: وكيف ذلك؟ قلت: تأتي الخليفة وأنت وافد فلا ~~تثني على أميرك! قال: أيها الأمير أردت أن تخدعني فوجدتني خداعا. أما والله ~~ما لكرامتي حملتني وجدت لي بمالك الذي ما رامه أحد إلا جعل الله خده الأسفل ~~ولكن لأذكرك! قلت: فأنشدني ما قلت. فأنشدني، فقلت: أعنت وأجدت. فتركني وخرج ~~حتى أتى الشأم والمأمون بسلغوس، فأخبرني قال: بينا أنا غزاة قرة قد ركبت ~~نجيبتي ولبست أطماري وأنا أريد العسكر فإذا أنا بكهل على بغل فاره ما يقر ~~قراره ولا يدرك خطاه، فتلقاني مكافحة ومواجهة وقال: السلام عليكم، بكلام ~~جهوري ولسان بسيط. فقلت: وعليكم السلام. فقال: قف إن شئت. فوقفت، فتضوعت ~~منه رائحة المسك الأذفر. فقال: ممن؟ قلت: رجل من مضر. قال: ونحن من مضر، ثم ~~ماذا؟ قلت: من بني تميم. قال: وما بعدهم؟ قلت: من بني سعد. قال: هيه، فما ~~أقدمك؟ قلت: قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله أندى راحة ولا أوسع باحة ~~ولا أطول باعا ولا أمد يفاعا منه. قال: فما الذي قصدته به؟ قلت: شعر طيب ~~يلذ على أفواه الرواة ويحلو في أذن المستمعين. قال: فأنشدنيه. فمضيت وقلت: ~~يا ركيك أخبرك أني قصدت الخليفة بشعر قلته ومديح حبرته فتقول أنشدنيه؟ ~~فقال: وما الذي تأمل فيه؟ قلت: إن كان على ما ذكر لي فألف دينار. قال: أنا ~~أعطيك ألف دينار إن رأيت الشعر جيدا والكلام عذبا وأضع عنك العناء وطول ~~الترداد، متى تصل أنت إلى الخليفة؟ بينك وبينه عشرة ms206 آلاف رامح ونابل. قلت: ~~فلي عليك الله أن تفعل؟ قال: لك الله علي أن أفعل. قلت: ومعك مال؟ قال: ~~بغلي هذا خير من ألف دينار أنزل لك عن ظهره. قال: فغضبت وعارضتني مرة بني ~~سعد وخفة أحلامها وقلت: ما يساوي هذا البغل، هذا النجيب! قال: فدع عنك هذا ~~ولك الله أن أعطيك ألف دينار، فأنشدته الأرجوزة وقلت: # مأمون يا ذا المنن الشريفه ... وصاحب المرتبة المنيفه # PageV01P115 # وقائد الكتيبة الكثيفه ... هل لك في أرجوزة ظريفه # أظرف من فقه أبي حنيفه ... لا والذي أنت له خليفه # ما ظلمت في أرضنا عفيفه ... أميرنا شكته خفيفه # وما اجتبى شيئا سوى الوظيفة ... فالذئب والنعجة في سقيفه # واللص والتاجر في قطيفه # فوالله ما أتممت إنشادها حتى جاءني زهاء عشرة آلاف فارس قد سدوا الأفق ~~وهم يقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فأخذني القلق، ونظر إلي بتلك ~~الحال وشملي قد تبدد فقال: لا بأس عليك! قلت: يا أمير المؤمنين أمعذري أنت؟ ~~قال: نعم. ثم التفت إلى خادم في جانبه وقال له: أعطه ما معك، فأخرج له كيسا ~~فيه ثلاثة آلاف دينار وقال: هاك سلام عليك، فكان آخر العهد به. # حدثنا إبراهيم بن عبد السلام عن الحسين بن الضحاك قال: دخلت أنا ومحمد بن ~~عمرو الرومي دار المعتصم بالله فخرج علينا كالحا فجاء إيتاخ وقال: الملهون ~~على الباب مخارق وعلويه وفلان وفلان. فقال: اغرب، عليك وعليهم لعنة الله! ~~قال: فتبسمت إلى محمد وتبسم إلي. فقال المعتصم: مم تبسمت يا حسين؟ قلت: من ~~شيء خطر لي، قال: هاته، فأنشدته: # انف عن قلبك الحزن ... بدنو من السكن # وتمتع بكر طر ... فك في وجهه الحسن # فدعا بألفي دينار، ألف لي وألف لمحمد بن عمرو. فقلت: يا أمير المؤمنين ~~الشعر لي فما معنى ألف لمحمد؟ قال: لأنه جاء معك. وأمر الملهين بالدخول ~~فأدخلوا، فما زال ينشد الشعر، ولقد قام يريد البول فسمعته يردده. # قال أبو العيناء: أنشدني المعتصم بعقب مدح جرى لبغداد: # سقاني بعينيه كأس الهوى ... فظلت وبي منه مثل اللمم # بعيني مهاة ms207 شقيقته ... وشنب عذاب وفرع أحم # قال أبو العيناء: فتوهمت أنه يعني سر من رأى ويكني عنها بذلك الكلام، ~~فقلت: يا أمير المؤمنين قال مروان في جدك قريش: الأبلج ذو البهاء غيث ~~العفاة غد الأنواء وهم زمام الدولة الزهراء. فقال: قل يا أبا عبد الله في ~~مدح بني هاشم لك ولغيرك فلقد أصبت مقالا، فأنشدته لمروان بن أبي حفصة: # إلى ملك مثل بدر الدجى ... عظيم الفناء رفيع الدعم # قريع نزار غداة الفخار ... ولو شئت قلت جميع الأمم # له كف جود تفيد الغنى ... وكف تبيد بسيف النقم # فقال: زدني، فأنشدته: # انتجعي يا ناق ملك غالب ... قريش بطحاء أولي الأهاضب # والرأس ممدود على المناكب ... مد القباطي على المشاجب # فقال: زدني، فأنشدته: # يا قطب رجراجة الملحاء ... ومنزل البدر من السماء # والمجتدي في السنة العجفاء # فقال: حسبك يا أبا عبد الله. ثم التفت إلى جارية بين يديه فقال: عشر بدر ~~ووصيفة وفرسا ومملوكا وخمسين ثوبا الساعة، فجيء بذلك كله، فأعطاه إياه ~~وانصرف. فقال له الناس: يا أبا العيناء ما هذا؟ قال: مال الله على يد عبد ~~الله، الحمد لله والشكر لأمير المؤمنين ما دامت السماء وما حملت مقلتاي ~~الماء. # قال أحمد بن أبي طاهر: أخبرني مروان بن أبي الجنوب قال: لما استخلف ~~المتوكل بعثت إليه بقصيدة مدحت فيها ابن أبي دؤاد وفي آخرها بيتان ذكرت ~~فيهما ابن الزيات بين يدي ابن أبي دؤاد وهما: # وقيل لي الزيات لاقى حمامه ... فقلت أتاني الله بالفتح والنصر # لقد حفر الزيات بالغدر حفرة ... فألقي فيها بالخيانة والغدر # فلما صارت القصيدة في يدي ابن أبي دؤاد ذكر لك للمتوكل وأنشده البيتين، ~~فقال: احضرنيه. قال: هو باليمامة. قال: يحمل. قلت: عليه دين. قال: كم؟ قلت: ~~ستة آلاف دينار. قال: يعطاها. فأعطيت ذلك وحملت وصرت إلى سر من رأى وامتدحت ~~المتوكل بقصيدة أقول فيها: # رحل الشباب وليته لم يرحل ... والشيب حل وليته لم يحلل # فلما صرت من القصيدة إلى هذا البيت: # كانت خلافة جعفر كنبوة ... جاءت بلا طلب ولا بتبخل # وهب الإله ms208 له الخلافة مثلما ... وهب النبوة للنبي المرسل # فأمر لي بخمسين ألف درهم. # PageV01P116 # قال: وكان علي بن الجهم يقع في مروان ويثلبه حسدا لمنزلته من أمير ~~المؤمنين. فقال له المتوكل: يا علي أيكما أشعر؟ قال: أنا أشعر منه. قال: ما ~~تقول يا مروان؟ قال: إذا حققت شعرك في أمير المؤمنين لم أبال بمن زيف شعري. ~~ثم التفت مروان إلى علي فقال: يا علي أنت أشعر مني؟ قال: نعم، تشك في ذا؟ ~~قال أمير المؤمنين: بيني وبينك. قال: هو يحابيك. فقال المتوكل: هذا من عيك. ~~ثم التفت إلى حمدون النديم فقال: ذا حكم بينكما. # فقال: يا أمير المؤمنين تركتني بين لحيي الأسد! قال: لا بد أن تصدقني ~~قال: يا أمير المؤمنين أعرقهما في الشعر أشعرهما، فقال المتوكل: يا مروان ~~اهجه. قال: لا أبدأه ولكن يقول. فقال علي: قد كظني النبيذ ولست أقدر أن ~~أقول. قال مروان: لكني أقول: # إن ابن جهم في المغيب يعيبني ... ويقول لي حسنا إذا لاقاني # وإذا التقينا فاق شعري شعره ... ونزا على شيطانه شيطاني # إن ابن جهم ليس يرحم أمه ... لو كان يرحمها لما عاداني # فقال المتوكل: يا مروان بحياتي لا تقصر! فقال: # يا علي يا ابن بدر ... قلت أمي قرشيه # قلت ما ليس بحق ... فاسكتي يا نبطيه # اسكتي يا بنت جهم ... اسكتي يا حلقيه # قال: فجعل المتوكل يضرب برجله ويضحك وأمر لي بألف دينار، قال مروان: صرت ~~إلى المتوكل فقلت: # سقى الله نجدا والسلام على نجد ... ويا حبذا نجد على القرب والبعد # نظرت إلى نجد وبغداد دونها ... لعلي أرى نجدا وهيهات من نجد # ونجد بها قوم هواهم زيارتي ... ولا شيء أحلى من زيارتهم عندي # قال: فلما تممت إنشادها أمر لي بعشرين ومائة ألف درهم وخمسين ثوبا وثلاثة ~~من الظهر فرسا وبغلة وحمارا، فما برحت حتى قلت في شكره: # تخير رب الناس للناس جعفرا ... فملكه أمر العباد تخيرا # فلما صرت إلى هذا البيت: # فأمسك ندى كفيك عني ولا تزد ... فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا # قال: لا والله ms209 لا أمسك حتى أغرقك بجودي ولا تبرح أو تسأل حاجة. # قلت: يا أمير المؤمنين الضيعة التي أمرت بإقطاعي إياها من اليمامة ذكر ~~ابن المدبر أنها وقف من المعتصم. قال: فإني أقبلكها بخراج درهم. قلت: لا ~~يحسن أن يؤدي درهم. فقال ابن المدبر: فألف درهم. قلت: نعم. فأمضاها لي ثم ~~قال: ليست هذه حاجة. قلت: فضياعي التي كانت لي وحال ابن الزيات بيني ~~وبينها. فأمر بردها علي. # قال: وقال أبو يعقوب الخطابي: كنت جالسا عند معن بن زائدة وإذا عليه إزار ~~يساوي أربعة دراهم، فقال: يا أبا يعقوب هذا إزاري وقد قسمت العام في قومك ~~خاصة أربعين ألف دينار، فبينا نحن نتحدث إذ أبصر أعرابيا يحط به الآل من ~~خوخة مشرفة له على الصحراء، فقال لحاجبه: إن كان هذا يريدنا فأدخله! فدخل ~~الأعرابي وسلم وأنشأ يقول: # أصلحك الله قل ما بيدي ... فلا أطيق العيال إذ كثروا # ألح دهر رمى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا # قال: فاضطرب، وقال: أرسلوك وانتظروا! يا غلام ما فعل بغلتنا الفلانية؟ ~~قال: حاضرة. قال: كم هي؟ قال: ألف دينار. قال: اطرحها إليه. ثم قال: اذهب ~~إليهم بما معك ثم إذا احتجت فارجع. # وعن أبي يعقوب الخطابي قال: دخل أعرابي معه صبي صغير في نطع إلى معن بن ~~زائدة وقال: # سميت معنا بمعن ثم قلت له ... هذا سمي امريء في الناس محمود # أنت الجواد ومنك الجود أوله ... لا بل يمينك منها صورة الجود # فأعطاه ألف دينار. # قال: ودخل يزيد بن مزيد الشيباني أحد الأجواد مسجدا باليمن فوجد في قبلته ~~مكتوبا: # مضى معن وخلاني ببثي ... على معن بن زائدة السلام # فسأل عن قائله، فإذا هو معهم، فقال: يا غلام أمعك شيء؟ قال: نعم ألف ~~دينار. قال: فادفعها إليه. فخرج الرجل وهو يقول: رحم الله أبا الوليد وصلني ~~حيا وميتا. # وحدثنا جعفر بن منصور بن المهدي قال: حدثني أبي قال: حج المهدي فنزل ~~زبالة فدخل حسين بن مطير الأسدي عليه فقال: # أضحت يمينك من جود مصورة ... لا بل يمينك منها صورة ms210 الجود # PageV01P117 # من حسن وجهك تضحي الأرض مشرقة ... ومن بنانك يجري الماء في العود # فقال له المهدي: كذبت. قال: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: لقولك في معن ~~بن زائدة: # ألما على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا # فيا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا # فلما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا # فكنت لدار الجود يا معن عامرا ... فقد أصبحت قفرا من الجود بلقعا # أبى ذكر معن أن يميت فعاله ... وإن كان قد لاقى حماما ومصرعا # فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا # فقال: يا أمير المؤمنين إنما معن حسنة من حسناتك وفعلة من فعلاتك، فأمر ~~هل بألف دينار ثم قال: سل حاجتك. فقال: # بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو جعد أسحم # فكأنها فيه نهار مشرق ... وكأنه ليل عليها مظلم # قال: خذ بيدها، لجارية كانت على رأسه، فأولدها مطير بن الحسين بن مطير. # قال: ودخل مروان بن أبي حفصة على جعفر بن يحيى يسأله إيصاله إلى الرشيد ~~وأنه قد مدحه بقصيدة ينشدها إياه وقد كان جعفر وصله بثلاثين ألف درهم كتب ~~له بها إلى صالح الصيرفي وكانت فيها دراهم طبرية، فقال: # ثلاثون ألفا كلها طبرية ... دعا لي بها لما رأى الصك صالح # دعا بالزيوف الناقصات وإنما ... عطاء أبي الفضل الجياد الرواجح # فقلت له لما دعا بزيوفه ... أألجد هذا منك أم أنت مازح # فلما أنشده ذلك جعفرا ضحك وقال: أنشدني مرثيتك في معن بن زائدة، فأنشده: # كأن الشمس يوم أصيب معن ... من الظلماء ملبسة جدولا # وكان الناس كلهم لمعن، ... إلى أن زار حفرته، عيالا # فقال جعفر: هل أثابك على هذه المرثية أحد من ولده وأهله؟ قال: لا. قال: ~~فلو كان حيا ثم سمعها منك بكم كان يثيبك؟ قال: بأربع مائة دينار. قال: أظن ~~أنه كان لا يرضاها لك، قد أمرنا لك عن معن بأربعمائة كما ظننت وزدناك مثلها ~~لما ظنناه به فيك فاغد على الخازن ms211 لقبضها منه. # قال: ودخل أعرابي على داود بن يزيد بالسند فقال: أيها الأمير تأهب ~~لمديحي. فتأهب ثم قال: لئن أحسنت لأحسنن إليك ولئن أسأت لأردن شعرك عليك، ~~فقال: # أمنت بداود وجود يمينه ... من الحدث المخشي والبؤس والفقر # وأصبحت لا أخشى بداود نبوة ... ولا حدثانا إذ شددت به أزري # فما طلحة الطلحات ساواه في الندى ... ولا حاتم الطائي ولا خالد القسري # له حكم لقمان وصورة يوسف ... وملك سليمان وصدق أبي بكر # فتى تهرب الأموال من طل كفه ... كما يهرب الشيطان من ليلة القدر # فقال: يا أعرابي أحسنت فاحتكم وإن شئت فاردد الحكم إلي. فقال: ما عند ~~الأمير ما يسعه حكمه. فقال: أنت في هذا أشعر. وأمر هل بعشرة آلاف درهم. # قال: ودخل محمد بن الجهم على المأمون فقال: أنشدني أحسن ما سمعته في ~~المديح. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قوله: # يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود # فقال: أنشدني أخبث ما سمعته في الهجو، فقال قوله: # قبحت مناظره فحين خبرته ... حسنت مناظره لقبح المخبر # قال: فأنشدني أحسن ما سمعته في المراثي، فقال قوله: # أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر # ومثله: # على قبره بني القبور مهابة ... كما قبله كانت على ساكن القبر # قال: فأنشدني أحسن ما سمعته في الغزل، قال قوله: # حب مجد وحبيب يلعب ... وأنت ملقى بينهم معذب # فاستحسن الأبيات ثم أمر بتقليدي الصيمرة والسيروان ومهرجانقذق والدينور ~~ونهاوند، فانصرفت من عنده بولاية الجبل. ### | مساوئ منع الشعراء والبخل # قيل: كان أبو عطاء السندي بباب أمير المؤمنين أبي العباس وبنو هاشم ~~يدخلون ويخرجون، فقال: # PageV01P118 # إن الخيار من البرية هاشم ... وبنو أمية أرذل الأشرار # وبنو أمية عودهم من خزوع ... ولهاشم في المجد عود نضار # أما الدعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أمية من دعاة النار # وبهاشم زكت البلاد وأعشبت ... وبنو أمية كالسراب الجاري # فلم يؤذن له في الدخول على أبي العباس ولم يصله أحد من بني هاشم، فولى ~~وهو يقول: # يا ليت جور بني مروان عاد ms212 لنا ... وأن عدل بني العباس في النار # قال: وقال المؤمل المحاربي: شخصت إلى المهدي وهو بالري فامتدحته فأمر لي ~~بعشرين ألف درهم، فرفع الخبر إلى المنصور فبعث قائدا إلى جسر النهروان ~~يستبري القوافل، فلما وردت عليه قال: من أنت؟ قلت: أنا المؤمل أقبلت من عند ~~الأمير من الري. فقال: إياك أردت! ثم أخذ بيدي فأدخلني على المنصور وهو ~~بباب الذهب، فقال: أتيت غلاما غرا فخدعته! فقلت: بل أتيت غلاما غرا كريما ~~فخدعته فانخدع. فقال: أنشدني ما قلته فيه، فأنشدته: # هو المهدي إلا أن فيه ... مشابه صورة القمر المنير # تشابه ذا وذا فهما إذا ما ... أنارا يشكلان على البصير # فهذا في الظلام سراج ليل ... وهذا بالنهار سراج نور # ولكن فضل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسرير # وبالملك العزيز فذا أمير ... وماذا بالأمير ولا الوزير # ونقص الشهر يخمد ذا وهذا ... منير عند نقصان الشهور # فيا ابن خليفة الله المصفى ... به تعلو مفاخرة الفخور # لقد سبق الملوك أبوك حتى ... تراهم بين كاب أو أسير # وجئت وراءه تجري حثيثا ... وما بك حين تجري من فتور # فقال الناس ما هذان إلا ... كما بين الخليق إلى الجدير # فإن بلغ الصغير مدى كبير ... فقد خلق الصغير من الكبير # فقال: ما أحسن ما قلت ولكن لا يساوي ما أخذت، يا ربيع خذ منه ستة عشر ~~ألفا وخله وما سواها. قال: فحط والله الربيع ثقلي حتى أخذ مني ستة عشر ألفا ~~فما بقيت معي إلا نفيقة، فآليت على نفسي أن لا أدخل العراق وللمنصور بها ~~ولاية، فلما بلغني موت المنصور واستخلاف المهدي قدمت بغداد وقد جعل المهدي ~~على المظالم رجلا يقال له ابن ثوبان، فرفعت إليه قصة أذكر فيها خبري فعرضها ~~على المهدي، فضحك حتى استلقى وقال: هذه مظلمة أنا بها عارف، ردوا عليه ماله ~~وزيدوا له عشرين ألفا، فأخذتها وانصرفت. # قيل: ودخل عون على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين هذا جرير ~~بالباب يريد الدخول عليك. فقال عمر: ما أدري أن أحدا من أمة محمد، صلى ms213 الله ~~عليه وسلم، يحجب عني. قال: إنه يريد إذنا خاصا قال: أدخله. فخرج عون وأخذ ~~بيده فأدخله، فشكا إليه طول المقام وشدة الحال وإلحاح الزمان وجهد العيال ~~وسأله أن يأذن له في إنشاده شعرا. فقال: إن أمير المؤمنين لفي شغل عن ~~الشعر. فقال: إنها رسالة من أهل الحجاز، قال: هاتها، فقال: # قد طال قولي إذا ما كنت مجتهدا ... يا رب عاف قوام الدين والبشر # خليفة الله ثم الله يحفظه ... عند المقام وإما كان في السفر # إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر # بذ الخليفة أن كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر # ما زلت بعدك في دار تؤرقني ... قد طال في الحي إصعادي ومنحدري # أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت ... أم قد كفاني الذي نبئت من خبري # كم بالمواسم من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر # أمسى حزينا يبكي فقد والده ... كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر # إن تسه عنه فمن يرجو لفاقته ... أو تنح عنه فقد أنحيت من ضرر # أنت المبارك والمهدي سيرته ... تعصي الهوى وتقوم الليل بالسور # ما ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يعود لنا باد على حضر # PageV01P119 # هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر # الخير ما دمت حيا لا يفارقنا ... بوركت يا عمر الخيرات من عمر # فبكى عمر ثم رفع رأسه وقال: ما حاجتك يا جرير؟ قال: حاجتي ما عودتني ~~الخلفاء قبلك. قال: وما ذاك؟ قال: أربعمائة من الإبل برعاتها وتوابعها من ~~الحملان والكسى. قال له عمر: أمن المهاجرين أنت؟ قال: لا. قال: فمن ~~الأنصار؟ قال: لا. قال: فممن أنت؟ قال: من التابعين بإحسان. قال: إذا نجري ~~عليك كما نجري على مثلك. قال: فإني لا أريد ذاك. قال: فما أرى لك في بيت ~~المال غيره. قال: إنما جئت أسألك من مالك! قال: فإن لي كسوة ونفقة وأنا ~~أقاسمكهما. قال: بل أؤثرك وأحمدك يا أمير المؤمنين. فانصرف من عنده وهو ~~يقول: # وجدت رقى الشيطان لا تستفزه ... وقد ms214 كان شيطاني من الجن راقيا # ولبعض الشعراء في مثله: # إن حراما قبول مدحته ... ومنع ما يرتجى من الصفد # كما الدنانير والدراهم في ال ... صرف حرام إلا يدا بيد # وقال: أبو نجدة في مثله: # فلما أن بلوناك ... ولم نلقك بالناشط # أطعنا فيك ميمونا ... فصورناك في الحائط # إذا لم تك نفاعا ... فأنت النازح الشاحط # سواء أنت في عيني ... بجي كنت أو واسط # وروي في الحديث قال: لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا. # ويقولون: الشحيح أعذر من الظالم، وأقسم الله جل وعز بعزته لا يساكنه في ~~جنته بخيل. # وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: من فتح له باب من الخير فلينتهزه فإنه ~~لا يدري متى يغلق عليه، وقال الشاعر في ذلك: # ليس في كل ساعة وأوان ... يتهيا صنائع الإحسان # فإذا أمكنت تقدمت فيها ... حذرا من تعذر الإمكان # وسئل بعض الحكماء: من أكيس الناس في زماننا؟ فقال: ابن أبي دواد حيث يقول ~~فيه الشاعر: # بدا حين أثرى بإخوانه ... ففلل عنهم شباه العدم # وحذره الحزم صرف الزمان ... فبادر قبل انتقال النعم # فليس وإن بخل الباخلو ... ن يقرع سنا له من ندم # ولا ينكت الأرض عند السؤال ... ليمنع سواله عن نعم # ولكن ترى مشرقا وجهه ... ليرتع في ماله من عدم # وفصل لبعضهم في هذا المعنى: إن لأيام القدرة على الخير غنائم فاصطنعها ما ~~دامت راهنة لديك وأنت منها متمكن قبل أن تنقضي عنك. # وفي المثل السائر في البخل: هو أبخل من قاذر. وهو رجل من بني هلال ابن ~~عامر بلغ من بخله أنه سقى إبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل فسلح فيه وقذر ~~الحوض فسمي قاذرا، وذكروا أن بني فزارة وبني هلال تنافروا إلى أنس بن مدرك ~~وتراضوا به، فقالت بنو هلال: يا بني فزارة أكلتم جلد الحمار! فقالت بنو ~~فزارة: لم نعرفه. وكان سبب ذلك أن ثلاثة أنفار اصطحبوا، فزاري وثعلبي ~~وكلابي، فصادوا حمار وحش، فمضى الفزاري في بعض حوائجه فطبخاه وأكلاه وخبيا ~~للفزاري جلد الحمار، فلما رجع قالا له: قد خبأنا ms215 لك فكل، فأقبل يأكل ولا ~~يسيغه، فجعلا يضحكان، ففطن وأخذ السيف وقام إليهما فقال لهما: إن أكلتماه ~~وإلا قتلتكما، فامتنعا، فضرب أحدهما فأبان رأسه، وتناوله الآخر فأكل منه، ~~فقال فيهم الشاعر: # نشدتك يا فزار وأنت شيخ ... إذا خيرت تخطيء في الخيار # أصيحانية أدمت بسمن ... أحب إليك أم جلد الحمار # فقالت بنو فزارة: منكم يا بني هلال من سقى إبله فلما رويت سلح في الحوض ~~وقذره بخلا. فقضى أنس بن مدرك على الهلاليين وأخذ الفزاريون منهم مائة ~~بعير. وكانوا تراهنوا عليها، وفي بني هلال يقول الشاعر: # لقد جللت خزيا هلال بن عامر ... بني عامر طرا بسلحة قاذر # فأف لكم لا تدركوا الفخر بعدها ... بني عامر أنتم شرار المعاشر # وفي المثل: هو أبخل من نار الحباحب، وهو رجل كان في الجاهلية من بخله أنه ~~كان يسرج السراج فإذا أراد أحد أن يأخذ منه أطفأه فضرب به المثل. # PageV01P120 # ومنهم صاحب نجيح بن سليف اليربوعي، فإنه ذكر أن نجيحا خرج يوما إلى الصيد ~~فعرض له حمار وحش فاتبعه حتى دفع إلى أكمة فإذا هو برجل أعمى أسود قاعد في ~~أطمار بين يديه ذهب وفضة ودر وياقوت، فدنا منه نجيح فتناول منها بعضها، فلم ~~يستطع أن يحرك يده حتى ألقاها، فقال: يا هذا ما الذي بين يديك وكيف تستطيع ~~حمله، ألك هو أم لغيرك؟ فإني أعجب مما أرى! أجواد أنت فتجود لنا أم بخيل ~~فأعذرك؟ فقال الأعمى: كيف تطلب مال رجل قد غاب منذ سنتين وهو سعد بن خشرم ~~بن شماس؟ فأتني بسعد يعطك ما تشاء. فانطلق نجيح مسرعا قد استطير فؤاده حتى ~~وصل إلى محلته ودخل خباءه فوضع رأسه ونام لما به من الغم لا يدري من سعد، ~~فأتاه آت في منامه فقال له: يا نجيح إن سعد بن خشرم في حي محلم من ولد ذهل ~~بن شيبان، فخرج وسأل عن بني محلم ثم سأل عن خشرم فإذا هو بشيخ قاعد على باب ~~خبائه، فحياه نجيح فرد عليه. فقال له نجيح: من أنت؟ قال: ms216 خشرم بن شماس. ~~قال: وأين ابنك؟ قال: خرج في طلب نجيح بن سليف اليربوعي وذلك أن آتيا أتاه ~~في منامه فحدثه أن مالا له في نواحي بني يربوع لا يعلم له إلا نجيح، فضرب ~~نجيح بطن فرسه وهو يقول: # أيطلبني من قد عناني طلابه ... فيا ليتني ألقاك سعد بن خشرم # أتيت بني يربوع تطلبني به ... وقد جئت كي ألقاك حي المحلم # فلما دنا من محلته استقبل سعدا فقال له: أيها الراكب هل لقيت سعدا في بني ~~يربوع؟ قال: أنا سعد فهل تدل على نجيح؟ قال: أنا نجيح، وحدثه بالحديث ثم ~~قال: الدال على الخير كفاعله، وهو أول من قاله. فانطلقا حتى أتيا ذلك ~~المكان، فتوارى الرجل حين أبصرهما وترك المال فأخذه سعد كله. فقال له نجيح: ~~يا سعد قاسمني! فقال له: اطو عن مالي كشحا، وأبى أن يعطيه. فانتضى نجيح ~~سيفه فجعل يضربه حتى برد، فلما وقع قتيلا تحول الرجل الحافظ للمال سعلاة ~~فأسرع في أكل سعد وعاد المال إلى مكانه، فلما رأى نجيح ذلك ولى هاربا إلى ~~قومه. # قال: وكان أبو عميس بخيلا فكان إذا وقع الدرهم في يده نقره بإصبعه ثم ~~يقول له: كم من مدينة قد دخلتها ويد قد وقعت فيها والآن استقر بك القرار ~~واطمأنت بك الدار! ثم يرمي به في صندوقه فيكون ذلك آخر العهد به. # وقيل: ونظر سليمان بن مزاحم إلى درهم فقال: في شق لا إله إلا الله، وفي ~~شق محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما ينبغي أن يكون هذا إلا معاذة، ~~وقذفه في صندوقه. # وذكروا أنه كان بالري عامل على الخراج يقال له المسيب فأتاه شاعر فامتدحه ~~فسعل سعلة فضرط، فأنشأ الشاعر يقول: # أتيت المسيب في حاجة ... فما زال يسعل حتى ضرط # فقال غلطنا حساب الخراج ... فقلت من الضرط جاء الغلط # فولع به الصبيان، فكان كلما مر قالوا: من الضرط جاء الغلط. فما زالوا ~~يقولون ذلك حتى هرب منها من غير عزل. # وكان أبو الأسود الدئلي بخيلا وهو القائل لبنيه: ms217 لا تجاودوا الله فإنه ~~أجود وأمجد ولو شاء أن يوسع على الناس كلهم حتى لا يكون فقير لفعل. وسمع ~~رجلا يقول: من يعشي الجائع. فعشاه، ثم ذهب ليخرج فقال: هيهات تخرج فتؤذي ~~غيريمن المسلمين كما آذيتني! ووضع رجله في الأدهم حتى أصبح. # قال: وكان رجل يأتي ابن المقفع فيلح عليه ويسأله الغداء عنده فيقول: لعلك ~~تظن أني أتكلف لك شيئا! والله لا أقدم إليك إلا ما عندي. فلما أتاه إذ ليس ~~في بيته إلا كسر يابسة وملح جريش. وجاء سائل إلى الباب فقال: وسع الله ~~عليك، فلم يذهب، فقال: والله لئن خرجت إليك لأدقن ساقك. فقال ابن المقفع ~~للسائل: لو عرفت من صدق وعيده ما أعرف من صدق وعده لم تردد كلمة ولم تقم ~~طرفة ببابه. # المدائني عن خالد كيلويه قال: كنت نجارا حاذقا فذهب بي إلى المنصور فقال: ~~افتح لي بابا أنظر منه إلى المسجد وعجل الفراغ منه. قال: ففتحت الباب وعلقت ~~عليه بابا وجصصته وفرغت منه قبل الصلاة، فلما نودي بالصلاة جاء فنظر إليه ~~فأعجبه عملي وقال لي: أحسنت بارك الله عليك! وأمر لي بدرهمين. # قال: وقال المنصور للمسيب بن زهير: أحضرني بناء حاذقا الساعة. # PageV01P121 # فأحضره، فأدخله إلى بعض مجالسه وقال: ابن لي بإزائه طاقا يكون شبيها ~~بالبيت. فلم يزل يؤتى بالجص والآجر حتى بناه وجوده، ونظر إليه واستحسنه ~~فقال للمسيب: اعطه أجره. فأعطاه خمسة دراهم فاستكثرها وقال: لا أرضى بذلك، ~~فلم يزل حتى نقصه درهما، ففرح بذلك وابتهج كأنه أصاب مالا. # وحكي عن المنصور أنه لدغ فدعا مولى يقال له أسلم رقاء فأمره أن يرقيه ~~فرقاه فبريء، فأمر له برغيف، فأخذ الرغيف فثقبه وصيره في عنقه وجعل يقول: ~~رقيت مولاي فبريء فأمر لي برغيف! فبلغ المنصور ذلك فقال: لم آمرك أن تشنع ~~علي! قال: لم أشنع إنما أخبرت بما أمرت. فأمر أن يصفع ثلاثة أيام في كل يوم ~~ثلاث صفعات. # وعن الأصمعي قال: دخل أبو بكر الهجري ذات يوم على المنصور فقال: يا أمير ~~المؤمنين أتنقض علي ms218 فمي وأنتم أهل بيت بركة؟ فلو أذنت يل لقبلت رأسك لعل ~~الله يشد فمي. فقال المنصور: اختر ذلك أو الجائزة. فقال: يا أمير المؤمنين ~~أهون علي من ذهاب درهم الجائزة أن لا يبقى في فمي حاكة. # ومنه مكاتبات: كتب أرسطاطاليس إلى رجل في رجل يصله بشيء فلم يفعل فكتب ~~إليه: إن كنت أردت فلم تقدر فمعذور، وإن كنت قدرت فلم ترد فسيأتيك يوم تريد ~~فيه فلا تقدر. # قيل: وكتب إبراهيم بن سيابة إلى رجل صديق له كثير المال يستسلفه، فكتب ~~إليه: العيال كثير والدخل قليل والمال مكذوب. فكتب إليه: إن كنت كاذبا ~~فجعلك الله صادقا، وإن كنت صادقا فجعلك الله معذورا. # قال: وكتب بعضهم يصف رجلا: أما بعد فإنك كتبت تسأل عن فلان فكأنك هممت أو ~~حدثت نفسك بالقدوم عليه فلا تفعل، امتع الله بك، فإن حسن الظن به لا يقع في ~~الوهم إلا بخذلان الله، وإن الطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلا بسوء ~~التوكل على الله، وإن الرجاء لما يده لا ينبغي إلا بعد اليأس من رحمة الله، ~~إنه يرى الإقتار الذي نهى الله عنه هو التبذير الذي يعاقب الله عليه، ~~والاقتصاد الذي أمر الله عز وجل به هو الإسراف الذي يعذب الله عز وجل عليه، ~~وإن بني إسرائيل لم يستبدلوا العدس بالمن والبصل بالسلوى إلا لفضل أحلامهم ~~وقديم علم تدارسوه من آبائهم، وإن الصنيعة مرفوعة والصلة موضوعة والهمة ~~مكروهة والصدقة منحوسة والتوسع ضلالة والجود فسوق والسخاء من همزات ~~الشياطين، وإن مؤاساة الرجل أخاه من الذنوب الموبقة وإفضاله عليه من إحدى ~~الكبائر، وإن الله عز وجل لا يغفر أن يؤثر المرء في خصاصة على نفسه ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء، ومن آثر على نفسه فقد ضل ضلالا بعيدا وخسر خسرانا ~~مبينا، كأنه لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية الذين قطع الله أدبارهم ونهى ~~جل اسمه عن اتباع آثارهم، وإن الرجفة لم تأخذ أهل مدين إلا لسخاء كان فيهم، ~~وإن الريح العقيم أهلكت عادا وثمودا لتوسع كان ms219 فيهم، وهو يخشى العقاب على ~~الإنفاق ويرجو الثواب على الإقتار ويعد نفسه العقوق ويأمرها بالبخل خيفة أن ~~تمر به قوارع الدهور وأن يصيبه ما أصاب القرون الأولى، فأقم، رحمك الله، ~~بمكانك واصبر على عسرك لعل الله أن يبدلنا خيرا منه زكاة وأقرب رحما. # ومنه فن آخر، وصف أعرابي رجلا فقال له: بشر مطمع ومطل موئس، فأنت منه ~~أبدا بني اليأس والطمع، لا منع مريح ولا بذل سريح. # وقال أعرابي: أنا من فلان في أماني تهبط العصم وخلف يذكر العدم، ولست ~~بالحريص الذي إذا وعده الكذوب أعلق نفسه لديه وأتعب راحلته إليه. # وذكر أعرابي رجلا فقال: له مواعيد عواقبها المطل وثمارها الخلف ومحصولها ~~اليأس. # ويقال: سرعة اليأس أحد النجحين. # وقال بعضهم: مواعيد فلان مواعيد عرقوب، ولمع الآل، وبرق الخلب، وأماني ~~الكمون، ونار الحباحب، وصلف تحته راعدة. # ولبعض الكتاب فصل في هذا المعنى: أما بعد فإن كثرة المواعيد من غير نجح ~~عار على المطلوب، وقلتها عند الحاجة مكرمة من صاحبها، وقد رددتنا في حاجتنا ~~هذه مع كثرة مواعيدك من غير نجح لها حتى كأن قد رضينا بالتعلل بها دون ~~النجاح، كقول الأول: # لا تجعلنا ككمون بمزرعة ... إن فاته الماء أروته المواعيد # PageV01P122 # ولآخر منهم: ما رأيت مثل طيب قولك أمره سوء فعلك، ولا مثل بسط وجهك خالفه ~~ضيق تنكيدك، ولا مثل قرب مواعيدك باعدها فرط مطلك، ولا مثل أنس بديهتك أوحش ~~منه قبيح عواقبك، حتى كأن الدهر أودعك لطيف الحيلة بالمكر بأهل الخلة، ~~وكأنه زينك فيهم بالخديعة لتدرك منهم فرصة الهلكة. وقد قيل: وعد الكريم نقد ~~وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتأجيل. # وقال بعضهم: وعدتنا مواعيد عرقوب، ومطلتنا مطل نعاس الكلب، وغررتنا غرور ~~السراب، ومنيتنا أماني الكمون. # ولبعضهم: أما بعد فلا تدعني متعلقا بوعدك فالعذر الجميل أحسن من المطل ~~الطويل، فإن كنت تريد الإنعام فأنجح وإن تعذرت الحاجة فأوضح وأعلمني ذاك ~~لأصرف وجه الطلب إلى غيرك. # وذكروا أن فتى من مراد كان يختلف إلى عمرو بن العاص فقال له ذات يوم: ألك ~~امرأة؟ قال: ms220 لا. قال: أفتتزوج وعلي المهر؟ فرجع إلى أمه فأخبرها، فقالت: # إذا حدثتك النفس أنك قادر ... على ما حوت أيدي الرجال فكذب # فتزوج ثم أتى عمرو بن العاص، فاعتل عليه ولم ينجز له وعده، فشكا ذلك إلى ~~أمه، فقالت: # لا تغضبن على امريء في ماله ... وعلى كرائم مال نفسك فاغضب # ولبعض الشعراء في هذا المعنى: # أروح وأغدو نحوكم في حوائجي ... فأصبح منها غدوة كالذي أمسي # وقد كنت أرضى للصديق شفاعتي ... فقد صرت أرضى أن أشفع في نفسي # ولأبي نواس: # وعدتني وعدك حتى إذا ... أطمعتني في كنز قارون # جئت من الليل بغسالة ... تغسل ما قلت بصابون # وأنشد لأبي تمام: # يحتاج من يرتجي نوالكم ... إلى ثلاث بغير تكذيب # فكنز قارون أن يكون له ... وعمر نوح وصبر أيوب # ولآخر: # إني لأعجب من قول غررت به ... حلو يلذ إليه السمع والبصر # لو تسمع العصم في صم الجبال به ... ظلت من الراسيات العصم تنحدر # كالخمر والشهد يجري فوق ظاهره ... وما لباطنه طعم ولا حبر # وكالسراب شبيها بالغدير وإن ... تبغ السراب فلا عين ولا أثر # ولا ينبت العشب عن برق وراعدة ... غراء ليس بها سيل ولا مطر # ومما قيل من الشعر في البخل بالطعام لبعضهم: # رأيت أبا عثمان يبذل عرضه ... وخبز أبي عثمان في أكرم الحرز # يحن إلى جاراته بعد شبعه ... وجاراته غرثى تحن إلى الخبز # ولآخر: # ما كنت أحسب أن الخبز فاكهة ... حتى نزلت على عوف بن خنزير # الحابس الروث في أعفاج بغلته ... بخلا على الحب من لقط العصافير # ولغيره: # نوالك دونه خرط القتاد ... وخيرك كالثريا في البعاد # ترى الإصلاح صومك لا لنسك ... وكسرا للرغيف من الفساد # أرى عمر الرغيف يطول جدا ... لديك كأنه من قوم عاد # ولآخر: # اللؤم منك على الطعام طباع ... فعيال بيتك ما حييت جياع # وإذا يمر بباب دارك سائل ... هرت عليه نوابح وسباع # وعلى رغيفك حية مسمومة ... وعلى خوانك عقرب وشجاع # ولآخر: # يا تارك البيت على الضيف ... وهاربا منه من الخوف # ضيفك قد جاء بزاد له ... فارجع فكن ضيفا على الضيف # إذ ms221 ااشتهى الضيف طبيخ الشتا ... أتاه بالشهوة في الصيف # وإن دنا المسكين من بابه ... شد على المسكين بالسيف # ولآخر: # يكتب بالحبر على خبزه ... والله لا يأكله الجار # ويسأل الخادم من بخله ... أي رغيف فيه آثار # ويختم القدر على أهله ... ويشعب العظم بمسمار # والماء في منزله طرفة ... يشربه الناس بمقدار # ولآخر: # أرى ضيفك في الدار ... وكرب الموت يغشاه # على خبزك مكتوب ... سيكفيكهم الله # ولآخر: # لأبي نوح رغيف ... أبدا في حجر دايه # أبدا يمسحه الده ... ر بكم ووقايه # PageV01P123 # وله كاتب سر ... خط فيه بعناية # فسيكفيكهم الل ... ه إلى آخر آيه # ولآخر: # الخبز يبطي حين يدعو به ... كأنه يقدم من قاف # ويمدح الملح لأصحابه ... يقول هذا ملح سيراف # سيان أكل الخبز في داره ... وقلع عينيه بخطاف # ولآخر: # فتى لا يغار على عرسه ... ولكن يغار على خبزه # فمنه يد الجود مقبوضة ... وكف السماحة في عجزه # ولآخر: # يصونون أثوابهم في التخوت ... وأزواجهم يخترقن السكك # ينحون من رام رغفانهم ... ويدنون من رام حل النكك # ولآخر: # ولو أن الذباب تراء يوما ... عدت غرثى لصحفته تروم # لنادى في العشيرة أدركوني ... ألا أين القماقم والقروم # فيا ويل الذباب إن ادركوه ... وفي الهيجا عدوهم سليم # ولآخر: # أما الرغيف لدى الخوا ... ن فمن كريمات الحرم # ما إن يجس ولا يم ... س ولا يذاق ولا يشم # فتراه أخضر يابسا ... بالي النقوش من الهرم # ولآخر: # أتينا أبا طاهر مفطرين ... غلى رحله فرجعنا صياما # وجاء بخبز له حامض ... وقلت دعوه وموتوا كراما # وعن حذيفة بن محمد الطائي قال: قال الرشيد: لا أعرف لمولد أهجى من قول ~~أبي نواس: # وما روحتنا لتذب عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب # شرابك كالسراب إذا التقينا ... وخبزك عند منقطع التراب # ولآخر: # خان عهدي عمرو وما خنت عهده ... وجفاني وما تغيرت بعده # ليس لي ما حييت ذنب إليه ... غير أني يوما تغديت عنده # الخليل بن أحمد: # كفاه لم تخلقا للندى ... ولم يك بخلهما بدعه # فكف عن الخير مقبوضة ... كما انقبضت مائة تسعه # ولآخر: # أتيت أبا عمرو أرجي نواله ... فزاد أبو عمرو على ms222 حزني حزنا # فكنت كباغي القرن أسلم أذنه ... فآب بلا أذن ولم يستفد قرنا ### | مساوئ من استدعى الهجاء ومن هجا نفسه # قال أبو العتاهية: خرجت مع المهدي إلى الصيد فتفرق أصحابه وبقيت معه وقد ~~أقبل علينا المطر، فانتهينا إلى ملاح معه زورق فقال لنا: ادخلا من هذا ~~المطر. فدخلنا ووقعت الرعدة على المهدي من شدة البرد فقال له الملاح: هل لك ~~أن ألقي عليك جبتي؟ فقال: نعم. فألقاها عليه. فما زال يتقرقف حتى نام، ثم ~~أقبل الخدم والغلمان وألقوا عليه الخز والوشي، فلما انتبه أمر بدفع ذلك إلى ~~الملاح وقال: يا أبا العتاهية ألا هجوتني! فقلت: يا أمير المؤمنين وكيف ~~تطيب نفسي بهجائك؟ قال: فإني أسألك بالله، فقلت: # يا لابس الوشي على شيبه ... ما أقبح الأشيب في الداح # فنقر نقرة ثم قال: زدني، فقلت: # لو شئت أيضا جلت في خامة ... وفي وشاحين وأوضاح # فقال: ويلك زدني، فقلت: # كم من عظيم الشأن في نفسه ... قد بات في جبة ملاح # قيل: وشرب يزيد بن معاوية ذات يوم وعنده الأخطل فلما ثمل قال: يا أخطل ~~اهجني ولا تفحش، فأنشأ يقول: # ألا اسلم سلمت أبا خالد ... وحياك ربك بالعنقز # وروى عظامك بالخندري ... س قبل الممات ولم تعجز # أكلت الدجاج فأفنيتها ... فهل في الحنانيص من مغمز # ودينك حقا كدين الحما ... ر بل أنت أكفر من هرمز # فرفع يده ولطمه وقال: يا ابن اللخناء ما بكل هذا أمرتك! قال: ودخل أبو ~~دلامة على المنصور وعنده المهدي وعيسى بن موسى، فقال له المنصور: اهج بعض ~~من في المجلس. فقال في نفسه: من أهجو، الخليفة أم ابن أخيه؟ ما أحد أحق ~~بالهجاء مني، فقال: # ألا أبلغ لديك أبا دلامه ... فلست من الكرام ولا كرامه # جمعت دمامة وجمعت لؤما ... غذاك اللؤم تتبعه الدمامه # إذا لبس العمامة قلت قرد ... وخنزير إذا وضع العمامه # فضحك المنصور وأمر له بجائزة. # PageV01P124 # قيل: وأتى أعرابي عبد الله بن طاهر فقال: أيها الأمير اسمع مديحتي. فقال: ~~لست أنحاش له. قال: فاسمع شعري في نفسي. قال: هات، ms223 فقال: # ليس من بخلك أني ... لم أجد عندك رزقا # ذا لجدي ولشؤمي ... ولحرفي المبقى # فجزاك الله خيرا ... ثم بعدا لي وسحقا # فضحك ثم قال: تلطفت في الطلب، وأمر له بألف دينار. ### | محاسن الرجال # مدح أعرابي رجلا فقال: فتى آتاه الله الخير ناشئا فأحسن لبسه وزين نفسه. # ومدح أعرابي رجلا فقال: كان والله للأخلاء وصولا وللمال بذولا، وكان ~~الوفاء بهما عليه كفيلا، فمن فاضله كان مفضولا. # ومدح أعرابي رجلا فقال: هو أكسبهم للمعدوم وآكلهم للمأدوم وأعطاهم ~~للمحروم. # ومدح أعرابي رجلا فقال: ما زلت لأحسن ما يرجى من الإخوان منك راجيا وما ~~زلت لأكثر ما أرجو منك مصدقا. # ومدح أعرابي رجلا فقال: كان والله تعبا في طلب المكارم وغير ضال في مصالح ~~طرقها ولا متشاغل عنها بغيرها. # ومدح أعرابي رجلا فقال: لسانه أحلى من الشهد وقلبه سجن للحقد. # ومدح أعرابي رجلا فقال: ذاك صحيح النسب مستحكم الأدب، من أي أقطاره أتيته ~~قابلك بكرم فعال وحسن مقال. # ومدح أعرابي رجلا فقال: إذا أنبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع، ~~والله يعلم أني لك شاكر ولساني بثنائك ذاكر، وما يظهر الود السليم إلا من ~~القلب المستقيم. # ومدح أعرابي رجلا فقال: كان إذا نزلت به النوائب قام إليها ثم قام بها ~~ولم تقعده علات النفوس عنها. # ومدح أعرابي رجلا وفرسا فقال: كان والله طويل العذار أمين العثار، إذا ~~رأيت صاحبه عليه حسبته بازيا على مرقب معه رمح يقبض به الآجال. # ومدح أعرابي رجلا فقال: لا تراه الدهر إلا كأنه لا غنى به عنك وإن كنت ~~إليه أحوج، وإذا أذنبت غفر وكأنه المذنب، وإن احتجت إليه أحسن وكأنه ~~المسيء. # قال: وقال أعرابي لرجل: أما والله لقد كنت لجاما لأعدائك ما تفل شكيمتاه ~~إذا كبح به الجموح أقعى على رجليه. # قال: ولقي أعرابي أعرابيا فقال: كيف وجدت فلانا؟ قال: وجدته والله رزين ~~الحلم واسع العلم خصيب الجفنة، إن فاخرته لم يكذب وإن مازحته لم يحفظ. # ومدح أعرابي رجلا فقال: كان يفتح من الرأي أبوابا منسدة ويغسل من ms224 العار ~~وجوها مسودة. # ومدح أعرابي قوما فقال: أولئك غيوث جدب وليوث حرب، إن قاتلوا أبلوا وإن ~~أعطوا أغنوا. # ومدح أعرابي رجلا فقال: ذاك من شجر لا يجف ثمره وماء لا يخاف كدره. ### | مساوئ الرجال # ذم أعرابي رجلا فقال: يا نطفة الحمار ونزيع الظؤورة وشبيه الأخوال. # وذم قوما فقال: إن آل فلان قوم غدر شرابون للخمر، ثم هذا في نفسه نطفة ~~خمار في رحم صناجة. # وذم أعرابي رجلا فقال: يقطع نهاره بالمنى ويتوسد ذراع الهم إذا أمسى. # وذم أعرابي رجلا فقال: ما قنع كميا سيفا ولا قرى يوما ضيفا ولا حمدنا له ~~شتاء ولا صيفا. # وقال أعرابي لامرأته: أقام الله ناعيك وأشمت عاديك. # وذم أعرابي رجلا فقال: عليه كل يوم قسامة من فعله تشهد عليه بفسقه، ~~وشهادات الأفعال أعدل من شهادات الرجال. # وذم أعرابي رجلا فقال: تسهر زوجته جوعا إذا نام شبعا، ولا يخاف عاجل عار ~~ولا آجل نار، كالبهيمة أكلت ما جمعت ونكحت ما وجدت. # وذم أعرابي رجلا فقال: ذاك أعيا ما يكون عند الناس أبلغ ما يكون عند ~~نفسه. # ولام أعرابي رجلا فقال: تقطع أخاك لأبيك وأمك! فقال: إني لأقطع الفاسد من ~~جسدي وهو أقرب إلي من أخي وأعز فقدا منه. # وذم أعرابي قوما فقال: يا قوم لا تسكنوا إلى حلاوة ما يجري من القول على ~~ألسنة بني فلان، وأنتم ترون الدماء تسيل من أفعالهم، قد جعلوا المعاذير ~~ستورا والعلل حجبا. # وذم أعرابي رجلا فقال: إذا سأل ألحف وإذا سئل سوف، يحسد أن يفضل ويزهد أن ~~يفضل. # وذم أعرابي رجلا فقال: يكاد أن يعدي بلؤمه من تسمى باسمه. # وذم أعرابي رجلا فقال: تعدو إليه مواكب الضلالة وترجع من عنده بهلاك ~~الأنام، معدم مما يحب مثر مما يكره. # وقال أعرابي لرجل: والله ما جفانكم بعظام ولا أجسامكم بوسام ولا بدت لكم ~~نار ولا طلبتم بثار. # PageV01P125 # ورأى أعرابي رجلا ظلوما يدعو فقال: يا هذا إنما يستجاب لمظلوم أو مؤمن ~~ولست أحدا منهما، أراك تخف عليك الذنوب وتحسن عندك مقابح العيوب. # وذم ms225 أعرابي رجلا فقال: فلان لا يستحيي من الشر ولا يحب أنه أحب الخبر، ~~ولا يكون في موضع إلا حرمت فيه الصلاة، ولو قذف لؤمه على الليل طمس نجومه، ~~ولو أفلتت كلمة سوء لم تصر إلا إليه. # وسأل أعرابي رجلا فقال: لقد نزلت بواد غير ممطور وبرجل بك غير مسرور، ~~فارتحل بندم أو أقم بعدم. # وذم آخر رجلا فقال: ما كان عنده فائدة ولا عائدة ولا رأي جميل ولا إكرام ~~الدخيل. # وقيل لأعرابي: ما بلغ من سوء خلقك؟ قال: تبدو لي الحاجة إلى الجار أو ~~الصاحب في بعض الليل فأصبح غضبان عليه أقول كيف لم يعلمها؟ وذكر أنه تنافر ~~رجلان من بني أسد إلى هرم بن سنان المري في الشر وعنده الحطيئة فقال ~~أحدهما: إني بقيت زمانا وأنا أرى أني شر الناس وألأمهم حتى أتاني هذا فزعم ~~أنه شر مني، فقال هرم: أخبراني عنكما. فقال أحدهما: لم يمر بي أحد قط إلا ~~اغتبته ولا ائتمنني إلا خنته ولا سألني إلا منعته. # وقال الآخر: أما أنا فأبطر الناس في الرخاء وأجبنهم في اللقاء وأقلهم ~~حياء وأمنعهم خباء. فقال هرم: وأبيكما لقد ترددتما في الشر ولكن أخبركما ~~بمن هو شر منكما! قالا: ما ولدت ذاك النساء! قال: بلى، هذا الحطيئة هجا ~~أباه وأمه ونفسه ومن أعطاه ومن أحسن إليه، فقال لأبيه: # لحاك الله ثم لحاك حقا ... أبا ولحاك من عم وخال # فبئس الشيخ أنت على النوادي ... وبئس الشيخ أنت لدى المعالي # جمعت اللؤم لا حياك ربي ... وأبواب المخازي والضلال # وقال لأمه: # تنحي فاقعدي مني بعيدا ... أراح الله منك العالمينا # أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا # ألم أوضح لك البغضاء مني ... ولكن لا إخالك تعلمينا # وقال لنفسه: # أبت شفتاي اليوم إلا تكلما ... بشر فما أدري لمن أنا قائله # أرى لي وجها شوه الله خلقه ... فقبح من وجه وقبح حامله # وقال لمن أعطاه: # سألت فلم تبخل ولم تعط نائلا ... فسيان لا ذم عليك ولا حمد # قيل: ولما حضرت الحطيئة الوفاة قيل له: أوص. فقال: ms226 # الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه # زلت به إلى الحضيض قدمه ... والشعر لا يسطيعه من يظلمه # يريد أن يعربه فيعجمه # فقيل له: أوص للمساكين بشيء. فقال: أوصيهم بالمسألة ما عاشوا فإنها تجارة ~~لن تبور. قيل: أوص فقد حضرك أمرك. فقال: مالي للذكور من ولدي دون الإناث. ~~قيل له: إن الله عز وجل لم يأمر بهذا! قال: لكني آمر به. فقيل له: اعتق ~~غلامك يسارا الأسود. قال: هو مملوك ما دام على ظهر الأرض عبسي. قيل له: من ~~أشعر الناس؟ فقال: هذا المحجن ما أطمع في خير، وأومأ إلى لسانه ثم جعل ~~يبكي. فقيل له: ما يبكيك، أجزعا من الموت يا أبا مليكة؟ قال: لا ولكن ويل ~~للشعر من رواية السوء! ثم قال: أبلغوا الشماخ أنه أشعر غطفان على وجه ~~الأرض، وإن مت فاحملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط. وفي غير هذه ~~الرواية أنه قال: احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط لعلي أن أنجو، ~~ثم أنشأ يقول: # لكل جديد لذة غير أنني ... رأيت جديد الموت غير لذيذ # له نكهة ليست بطعم سفرجل ... ولا طعم تفاح ولا بنبيذ # ثم خرجت روحه، فلما مات قال فيه الشاعر: # لا شاعر ألأم من حطيه ... هجا بنيه وهجا المريه # من لؤمه مات على فريه # PageV01P126 # قال: وقيل لمعاوية بن أبي سفيان: من رأيت شر الناس؟ فقال: علقمة ابن وائل ~~الحضرمي، قدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأمرني أن أنطلق به إلى ~~منزل رجل من الأنصار أنزله عليه، فانطلقت معه وهو على ناقته وأنا أمشي في ~~ساعة حارة وليس علي حذاء، فقلت: احملني يا عم من هذا الحر فإنه ليس علي ~~حذاء. فقال: لست من أرداف الملوك. قلت: أنا ابن أبي سفيان، قال: قد سمعت ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول ذلك. قال فقلت: الق إلي نعليك. قال: ~~لا تقلهما قدماك، ولكن امش في ظل ناقتي وكفى لك بذلك شرفا، وإن الظل لك ~~لكثير. فما ms227 مر بي مثل ذلك اليوم. ثم أدرك سلطاني فلم أؤاخذه بذلك بل أجلسته ~~على سريري هذا وقضيت حوائجه. # ومنهم دريد بن الصمة بن غزية وكان من المعمرين قال: يا بني أوصيكم بالناس ~~شرا، لا تتبعوا لهم خيرا، كلموهم نزرا والحظوهم شزرا ولا تقبلوا لهم عذرا ~~ولا تقيلوهم عثرة، ثم أنشأ يقول: # يا رب نهب صالح حويته ... ورب غيل حسن لويته # لو كان للدهر بلى أبليته ... أو كان قرنا واحدا كفيته # اليوم يبنى لدريد بيته ### | محاسن ذكر التنعم # يضرب المثل بخريم الناعم، وهو خريم بن عمرو من بني مرة بن عوف، قيل له ~~الناعم لأنه كان يلبس الخلق في الصيف والجديد في الشتاء. وسأله الحجاج: ما ~~النعمة؟ قال: الأمن فإني رأيت الخائف لا ينتفع بنفسه ولا بعيشه. قال: زدني. ~~قال: الغنى فإني رأيت الفقير لا ينتفع بعيش. قال: زدني. قال: الصحة فإني ~~رأيت السقيم لا ينتفع بعيش. قال: زدني. قال: الشباب فإني رأيت الشيخ لا ~~ينتفع بعيش. قال: زدني. قال: لا أجد مزيدا. # قال: وقال زياد لجلسائه: من أنعم الناس عيشا؟ قالوا: أمير المؤمنين. قال: ~~هيهات فأين ما يلقى من الرعية؟ قالوا: فأنت أيها الأمير. قال: فأين ما يرد ~~علي من الثغور والخراج؟ بل أنعم الناس عيشا شاب له سداد من عيش وحظ من دين ~~وامرأة حسناء رضيها ورضيته لا يعرفنا ولا نعرفه. # قال وقال عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين ما بقي من شبابك ~~وتلذذك؟ قال: والله ما بقي شيء يصيبه الناس من الدنيا إلا وقد أصبته، أما ~~النساء فلا إرب لي فيهن ولا لهن في، وأما الطيب فقد شممته حتى ما أبالي به، ~~وأما الثياب فقد لبست من لينها وجيدها حتى ما أبالي ما ألبس، فما شيء ألذ ~~عندي من شربة باردة في يوم صائف ونظري إلى بني وبني بني يدرجون حولي، فأنت ~~يا عمرو ما بقي من لذتك؟ قال: أرض أغرسها فآكل من ثمرها وأنتفع بغلتها. ثم ~~التفت معاوية إلى وردان فقال: يا وريد ما بقي من ms228 لذتك؟ قال: صنائع كريمة ~~أعتقدها في أعناق الرجال لا يكافئوني عليها تكون لأعقابي من بعدي. فقال ~~معاوية: تبا لهذا المجلس يغلبنا عليه هذا العبد! قال: وقال قتيبة بن مسلم ~~لوكيع بن أبي سود: ما السرور؟ قال: لواء منشور وجلوس على السرير والسلام ~~عليك أيها الأمير. وقال لحضين بن المنذر: ما السرور؟ قال: امرأة حسناء في ~~دار قوراء وفرس بالفناء. # وقيل لرجل من بني قشير: ما السرور؟ قال: الأمن والعافية. قال: صدقت. وقد ~~قيل: العيش في سعة الرزق وصحة الجسم وإقبال الزمان وعز السلطان ومعاشرة ~~الإخوان. # وقيل: نعيم المتوسطين لون مشبع وكأس مترع وصديق ممتع وغنى مقنع. وقيل: ~~راحة البدن النوم، وراحة الدار أن تسكن. وقال بعضهم: ليس سرور النفس بالجدة ~~إنما سرورها بالأمل. وقيل لبعضهم: أي الأمور أمتع؟ قال: الأماني، وأنشد في ~~ذلك: # إذا تمنيت بت الليل مغتبطا ... إن المنى رأس أموال المفاليس # لولا المنى مت من هم ومن جزع ... إذا تذكرت ما في داخل الكيس # وقيل لعبد الله بن الأهتم: ما السرور؟ قال: رفع الأولياء وحط الأعداء. # وقال بعضهم: السرور توقيع نافذ وأمر جائز. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: ~~السرور إدراك الأماني. وقال آخر: السرور معانقة الأحبة والرجوع إلى ~~الكفاية. وقال بعضهم: العيش محادثة الإخوان والانتقال إلى كفاية. # PageV01P127 # وقيل لطرفة: ما السرور؟ قال: مطعم شهي ومركب وطي وملبس دفي. وقيل للأعشى: ~~ما السرور؟ فقال: صهباء صافية تمزجها غانية بصوب غادية. وقيل لملك: ما ~~السرور؟ فقال: حمى ترعاه وعدو تنعاه. وقيل لراهب: ما السرور؟ قال: الأمان ~~من الوجل إذا انقضت مدة الأجل. وقيل لبعضهم: ما السرور؟ قال: زوجة وسيمة ~~ونعمة جسيمة. وقيل لمغن: ما السرور؟ قال: مجلس يقل هذره وعود يصفو وتره ~~وعقول تفهم ما أقول. وقيل لمظلوم: ما السرور؟ قال: كفاية ووطن وسلامة وسكن. ~~وقيل لوراق: ما السرور؟ قال: جلود وأوراق وحبر براق وقلم مشاق. وقيل ~~لبعضهم: ما السرور؟ قال: بنون أغيظ بهم أعدائي ولا تقرع معهم صفائي. # وقيل: لفتاة: ما السرور؟ فقالت؟ زوج يملأ قلبي جلالا وعيني ms229 جمالا وفنائي ~~جمالا. وقيل لطفيلي: ما السرور؟ فقال: ندامى تسكن صدورهم وتغلي قدورهم ولا ~~تغلق دورهم. وقيل لقانص: ما السرور؟ فقال: قوس مأطورة وشرعة مشزورة ونبال ~~مطرورة. وقيل لمحبوس: ما السرور؟ فقال: فكاك يفجأ وإطلاق لا يرزأ. وقيل ~~للوطي: ما السرور؟ فقال: شخص ناضر ودرهم حاضر. وقيل لعاشق: ما السرور؟ ~~فقال: لقية تشفي من الفرقة واعتناق يداوي من الحرقة. # وكان يقال إنه حكي عن الحكماء أن لذة الثوب يوما ولذة المركب جمعة ولذة ~~المرأة شهرا ولذة الضيعة سنة ولذة الدار الأبد. ### | الشعر في هذا الفن # أطيب الطيبات قتل الأعادي ... واحتفال على متون الجياد # وأياد تحبو بهن كريما ... إن عند الكريم تزكو الأيادي # ورسول يأتي بوعد حبيب ... وحبيب يأتي على ميعاد # وللخليع: # أطيب الطيبات أمر ونهي ... لا يردان في الأمور الجسام # وامتطاء الخيول في كنف الأم ... ن بغير الإقدام والإحجام # وسماع الصهيل في لجب المو ... كب تحت اللواء والأعلام # الموصلي: # أطيب الطيبات طيب الزمان ... وندام المنعمات الغواني # واحتساء العقار في غرة الصب ... ح على شدو ماهرات القيان # وأمان من الهموم ومال ... ليس تفنيه نائبات الزمان ### | محاسن الفقر # روي في الحديث أن الفقير الصبور يدخل الجنة قبل الغني الشكور بأربعين ~~عاما. # وروي عن أبي الدرداء أنه قال: لأن أموت وعلي أربعة آلاف درهم أنوي قضاءها ~~أحب إلي من أن أترك مثلها حلالا. # وقال سلمان الفارسي: قد خشيت أن أكون قد تركت عهد رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، قيل: ولم ذاك؟ قال: لأنه قال من أراد أن يدخل الجنة فلا يكون ~~زاده من الدنيا إلا كزاد الراكب، وأنا قد جمعت ما ترون. فقوموا ما عنده ~~فبلغ ثمانية عشر درهما. # وكان يقال: من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فعلى ~~الدنيا العفاء. # وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه كان من دعائه: اللهم أحيني ~~مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة الفقراء، اللهم اجعل رزق آل محمد ~~كفافا. فسأل بعضهم: ما الكفاف؟ فقال: جوع يوم وشبع يوم. # وروي أن ms230 عيسى بن مريم، عليه السلام، كان لا يأوي سقف بيت، فألجأه المطر ~~ذات ليلة إلى غار، فدخله فإذا سبع قد سبقه إليه، فكأن صدره ضاق فأوحى الله ~~عز وجل إليه: يا عيسى ضاق صدرك فوعزتي لأزوجنك أربعة آلاف حوراء ولأولمن ~~عليك ألف عام. # قال: وكان الفضيل بن عياض يقول في دعائه: اللهم أجعتني وأجعت عيالي ~~وتركتنا في ظلم الليل بلا مصباح وإنما تفعل هذا بأوليائك فبأي منزلة نلت ~~هذا منك يا رب؟ ### | مساوئ الفقر # قيل: أمر الله عز وجل موسى، عليه السلام، فقال: ائت كورة كذا وكذا، فقال: ~~يا رب إني قتلت منهم نفسا وأنا خائف، فقال الله جل وعز: إني قد أمت ~~أقرباءه. فصار إليها فأول ما استقبله قرابة للمقتول. فقال: يا رب هذا أخوه! ~~قال: يا موسى إني جعلته فقيرا والفقير ميت من العقل وعند الناس ميت وعند ~~الحلال والحرام ميت والفقر الموت الأكبر. # وقيل: إنه إذا أيسر الفقير ابتلي به ثلاثة: صديقه القديم يجفوه وامرأته ~~يتزوج عليها وداره يهدمها ويبنيها. # PageV01P128 # وكان في الجاهلية رجل حسن الحال وكان بنو عمه وأخواله يختلفون إليه ~~فيعطيهم ويمونهم ويقوم بأمورهم، ثم اختل أمره فأتاهم فحرموه، فأتى أهله ~~كئيبا، فقالت له امرأته: ما حالك؟ فقال: دعيني عنك، وأنشأ يقول: # دعي عنك عذلي ما من العذل أعجب ... ولا بد حال بعد حال تقلب # وكان بنو عمي يقولون مرحبا ... فلما رأوني مقترا مات مرحب # كأن مقلا حين يغدو لحاجة ... إلى كل من يلقى من الناس مذنب # وقال بعضهم: رب مغبوط بميسرة هي داؤه ومرحوم من عدم هو شفاؤه، والدنيا ~~دول فما كان لك منها أتاك على ضعفك وما كان عليك لم تدفعه بقوتك، ومن عتب ~~على الدهر طالت معتبته. وقال الأضبط: # إرض من الدهر ما أتاك به ... من قر عينا بعيشه نفعه # قال: وسمع سفيان الثوري قوما يقولون بعضهم لبعض: كيف حالك؟ فقال: لقد ~~بلغني أن من كان قبلكم كان يكره أن يسأل أخاه عن حاله إلا من يكون مجمعا ~~على تغيير سوء حاله ms231 إذا أخبره. # قال: وقال أوس بن حارثة: خير الغنى القنوع وشر الفقر الخضوع. # قيل: ومر رجل من الأغنياء برجل من أهل العلم فتحرك له وأكرمه، فقيل له: ~~هل كانت لك إليه حاجة؟ قال: لا ولكن ذو المال مهيب، وقال: فيه الشاعر: # أرى كل ذي مال يجل لماله ... ومن ليس ذا مال يهان ويحقر # ويخذله الإخوان إن قل ماله ... وليس بمحبوب بلى هو يهجر # وأقنع بالمال القليل تكرما ... لأغنى به عما لديك وأصبر # وذكروا أن زياد بن أبي سفيان أرق ذات ليلة وهو بالبصرة فبعث إلى غيلان بن ~~خرشة الضبي وسويد بن منجوف السدوسي والأحنف بن قيس السعدي، فلما توافوا ~~إليه قال: أتدرون فيم بعثت إليكم؟ إنه كان عندي ثلاثة من دهاقين كسرى ~~يحدثون بما كانت الأكاسرة فيه من ملكها وعظيم شأنها، فتقاصر إلي ما نحن فيه ~~فبعثت إليكم لتصفوا لي ما كانت العرب فيه من البؤس وشدة الحال لنقنع بما ~~نحن فيه فإن الغنى القناعة. قال غيلان: إن اقتصرت علي دون أصحابي حدثتك. ~~قال: هات. قال: أخبرني عم لي صدوق أنه خرج في سنة أصابت العرب فيها شدة حتى ~~أكلوا القد من القحط واحمر أديم الأرض وآفاق السماء، قال: فطفت ثلاثا ما ~~أطعم فيهن شيئا إلا ما يأكل بعيري من حشرات الأرض حتى أصابني الميد فشددت ~~على بطني حجرا من الجوع، فإني لكذلك في جوف الليل إذ دفعت إلى حي عظيم ~~فسلمت. فقالوا: من هذا؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى. فقالوا: والله ما أبقت ~~لنا هذه السنة قرى ولا فضلا. فقالت امرأة كانت إلى جانب القبة: يا عبد الله ~~دونك القبة العظيمة فإن كان عند أحد خير فعندها. فأممتها فلما دفعت إليها ~~سلمت فقال لي: من هذا؟ فقلت: طارق ليل يلتمس قرى، فقال رجل منهم: يا فلان ~~هل عندك قرى؟ قال: نعم، قد أبقيت في ضرع فلانة رسلا لطارق ليل. ثم ثار ~~إليها فناداها فانبعثت وتفاجت عن مثل الظبي القنيص، فضرب زبونتها ثم حلب في ~~علبة معه حتى علتها رغوة ms232 اللبن، وكل ذلك بمرأى مني ومسمع، فلقد سمعت الغناء ~~الحذاء فما سمعت شيئا كان أحب إلى مسامعي من صوت شخبها في تلك العلبة، ثم ~~أقبل بها يريدني فلما أهويت لآخذها عثر فانكفأت العلبة وذهب ما فيها، ~~فوالله لقد فقدت الأهل والمال فما أصبت بشر كان أفزع لقلبي ولا أعظم موقعا ~~عندي من انكفاء تلك العلبة على مثل الحال التي كنت فيها، فلما رآني صاحب ~~القبة ورأى ما بي من شدة الجهد خرج حتى دخل في إبله وهو يقول: صدق أخو بني ~~قيس في قوله: # هم يطردون الفقر عن جارهم ... حتى يرى كالغصن الناضر # فأخذ ناقة كوماء فكشف عن عرقوبيها ثم قال: دونك السنام، فلما وافى الودك ~~بطني وحفوف الماء ولا عهد لي قبل ذلك بشيء منه خررت مغشيا علي، فوالله ما ~~أيقظني إلا برد السحر. فقال زياد: قطني قد اكتفيت بهذا، هذا والله غاية ~~الجهد فالحمد لله الذي من علينا بمحمد، صلى الله عليه وسلم، وهدانا إلى ~~الإسلام وجعلنا ملوكا. ثم قال: لا أب لشانئك فمن الرجل؟ فقال: عامر بن ~~الطفيل. فقال أبو علي: والله كان لها ولأمثالها. # PageV01P129 # قال وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: لقد رأيتني في الجاهلية وأخية لي ~~وإنا لنرعى ناضحا لأبوينا قد زودتنا أمنا يمنتيها من الهبيد فإذا أسخنت ~~علينا الشمس ألقيت الشملة على أختي وخرجت عريانا أسعى فنظل نرعى ذلك الناضح ~~فنرجع إلى أمنا من الليل وقد صنعت لنا لفيتة من ذلك الهبيد فنتعشى ~~فواخصباه! قال بعض جلسائه: فوالله لقد حسدته على ذلك. # قال: وسئل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عن جهد البلاء فقال: قلة المال ~~وكثرة العيال. # وكان الفضيل يقول: المال يسود غير السيد ويقوي غير الأيد. # وفي كتاب كليلة ودمنة: الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمنا وأساء به ~~الظن من كان يظن به حسنا، وإن أذنب غيره ظنوه به، وإن كان لسوء الظن ~~والتهمة موضعا حملوا على ذلك الذي يفعله غيره، وأنشد في ذلك: # إذا قل مال المرء قل ms233 صديقه ... وأومت إليه بالعيوب الأصابع # ولآخر: # إذا قل مال المرء قل حياؤه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه # وحار ولا يدري وإن كان حازما ... أقدامه خير له أم وراؤه # إذا قل مال المرء قل حياؤه ... ولا خير في وجه يقل حياؤه # وقيل لأعرابي: ما أشد الأشياء؟ قال: كبد جائعة تؤدي إلى أمعاء ضيقة. # وقيل لأعرابي: لم يقول أهل الحضر باعك الله في الأعراب؟ قال: لأنا والله ~~نعري جلده ونجيع كبده ونطيل كده. # ومما قيل فيه من الشعر: # أعظم من فاقة وجوع ... مقام حر على خضوع # فلا ترده ولا ترد ما ... أنيل بالذل والخشوع # واطلب معاشا بقدر قوت ... وأنت في منزل رفيع # لعل دهرا غدا بنحس ... يعود بالسعد في الرجوع # ولآخر: # الموت خير للفتى ... من أن يعيش بغير مال # والموت خير للكري ... م من الضراعة للرجال # ولآخر: # بخلت وليس البخل مني سجية ... ولكن رأيت الفقر شر سبيل # لموت الفتى خير من البخل للفتى ... وللبخل خير للفتى من سؤال بخيل # لعمرك ما شيء لوجهك قيمة ... فلا تلق مخلوقا بوجه ذليل # ولا تسألن من كان يسأل مرة ... فللموت خير من سؤال سؤول # ولآخر: # لاتحسبن الموت موت البلى ... فإنما الموت سؤال الرجال # كلاهما موت ولكن ذا ... أشد من هذا لذل السؤال # ولآخر في معناه: # من كان في الدنيا أخا ثروة ... فنحن من نظارة الدنيا # نرمقها من كثب هكذا ... كأننا لفظ بلا معنى # ولآخر: # قد أراح الله من غ ... م شديد وعذاب # واسترحنا من عيال ... وعبيد ودواب # وضياع ونخيل ... وحصاد وكراب # واسترحنا من وقوف ... لبني الدنيا بباب # وقنعنا وأقمنا ... وحططنا عن ركاب # حبذا الوحدة إن كا ... ن بصيرا بالحساب # ولآخر: # الحمد لله ليس لي مال ... ولالخلق علي إفضال # الخان بيتي ومشجبي بدني ... وخادمي والوكيل بقال # ولآخر: # بقيت ومركبتي البرذون حتى ... أخف الكيس إغلاء الشعير # وصرت إلى البغال فأعجزتني ... وصرت من البغال إلى الحمير # فعزتني الحمير فصرت أمشي ... أزجي الرجل تزجية الكسير # ولآخر: # أتراني أرى من الدهر يوما ... لي يوما مطية غير رجلي # وإذا كنت في جميع فقالوا ms234 ... قربوا للرحيل قربت نعلي # حيثما كنت لا أخلف رحلا ... من رآني فقد رآني ورحلي # أبو هفان: # يا مولج الليل في النهار ... صبرا على الذل والصغار # كم من حمار له حمار ... ومن جواد بلا حمار # الحمدوني: # تسامى الرجال على خيلهم ... ورجلي من بينهم حافيه # فإن كنت حاملنا ربنا ... وإلا فأرجل بني الزانية # PageV01P130 # قال: وكان أعرابي بالبصرة في بيت فكان إذا خرج استوثق على غلق بابه فيظن ~~جيرانه أن له مالا فقال: # ليس إغلاقي لبابي أن لي ... فيه ما أخشى عليه السرقا # إنما أغلقه كي لا يرى ... سوء حالي من يمر الطرقا # ليس لي فيه سوى بارية ... وبلى أغلقت لبدا خلقا # منزل داخله الفقر فلو ... دخل السارق فيه شرقا # ولآخر: # يبيت يراعي النجم من جوع بطنه ... ويصبح يلقى ضاحكا متبسما # ولآخر: # وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأحسن أخلاق الرجال التفضل # ولا عار أن زالت على المرء نعمة ... ولكن عارا أن يزول التجمل # ولآخر: # كم من فقير بعد جهد وحاجة ... هو اليوم محسود وقد كان يرحم # ولآخر: # قد يكثر المال يوما بعد قلته ... ويكتسي الغصن بعد اليبس بالورق # ولآخر: # كم من غني رأيت الفقر أدركه ... ومن فقير غنيا بعد إقلال # ولآخر: # كم من غني كان بالمال مثريا ... هو اليوم مرحوم وقد كان يحسد # ولآخر: # كم من فتى كان ذا ثروة ... رمته الحوادث حتى افتقر # ولآخر: # إذا كان جد المرء في الشيء مقبلا ... تأتت له الأشياء من كل جانب # وإن أدبرت دنياه عنه توعرت ... عليه وأعيته وجوه المطالب # وإن قل مال المرء أقصاه أهله ... وأعرض عنه كل إلف وصاحب # وكذبه الأقوام في كل منطق ... وإن كان فيه صادقا غير كاذب # ولآخر: # متى ما يرى الناس الفقير وجاره ... يقولون هذا عاجز وجليد # وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسمت وجدود # وقال عبد الأعلى القاضي: الفقير مرقته سلقة ورداؤه علقة وسمكته شلقة. # ولآخر: # من كان ذا مال كثير فلم ... يقنع فذاك الموسر المقتر # الفقر في النفس وفيها الغنى ... وفي غنى النفس الغنى الأكبر # وكتب بعضهم ms235 يستميح بعض الأغنياء: # هذا كتاب فتى أزرى الزمان به ... قد كاد تنفطر الأضلاع من هممه # شطت منازله عنه وضعضعه ... ريب الزمان فأبدى الضعف في كلمه # يذري الدموع بعين غير جامدة ... طورا بدمع ويبكي تارة بدمه # أضحى ببابك محزونا له أمل ... يرجو بجودك أن يفتك من عدمه # يا ذا المقدم في الأفعال من كرم ... أنت المداوي صريع الدهر من سقمه # ولآخر: # خلق واسع ومال قليل ... واعتداء من الزمان طويل # ما احتيال الفتى بدولة دهر ... وعليه النائبات تدول # كلما رام نهضة أقعدته ... عائلات من الزمان تعول # فيمن أثرى بعد الفقر أنشد لرجل من المحدثين: # لئن كنت قد أعطيت خزا تجره ... تبدلته من فروة وإهاب # فلا تعجبن أن تملك الناس إنني ... أرى أمة قد أدبرت لذهاب # ولآخر: # تاه على إخوانه بالغنى ... فصار لا يطرف من كبره # أعاده الله إلى حاله ... فإنه يحسن في فقره # ولآخر دعبل: # عطاياه تغدو على سابح ... وطورا على بغلة ندبه # فلو خص بالرزق بخل الكرا ... م ما نال خيطا ولا هدبه # ولكنه الرزق ممن يعي ... ش في رزقه الكلب والكلبه # ولآخر: # كنت إذ كنت عديما ... لي خلا ونديما # ثم أثريت فأعرض ... ت ولم ترع قديما # صار ما نلت من الما ... ل لنا ذنبا عظيما # هكذا يفعل بالإخ ... وان من كان كريما # ولآخر: # صحبتك إذ أنت لا تصحب ... وإذ أنت لا غيرك الموكب # وإذ أنت تفرح بالزائرين ... ونفسك نفسك تستحجب # وإذ أنت تكثر ذم الزمان ... ومشيك أضعاف ما تركب # PageV01P131 # فقلت كريم له همة ... ينال فأدرك ما أطلب # فنلت وأقصيتني جانبا ... كأني ذو عرة أجرب ### | محاسن الثقة بالله عز وجل # قيل: خطب سليمان بن عبد الملك فقال: الحمد لله الذي أنقذني من ناره ~~بخلافته. وقال الوليد بن عبد الملك: لأشفعن للحجاج بن يوسف وقرة بن شريك. ~~وقال الحجاج: يقولون مات الحجاج! فمه ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت! ~~والله ما رضي الله البقاء إلا لأهون خلقه عليه إبليس إذ قال: رب أنظرني إلى ~~يوم يبعثون. قال: فإنك من المنظرين إلى ms236 يوم الوقت المعلوم. # وقال أبو جعفر المنصور: الحمد لله الذي أجارني بخلافته وأنقذني من النار ~~بها. # وحدثنا إبراهيم بن عبد الله رفع الحديث إلى أنس بن مالك قال: دخلنا على ~~فتى من الأنصار وهو ثقيل في مرضه فلم نخرج من عنده حتى قضي عليه، وإذا عجوز ~~عند رأسه، فالتفت إليها بعض القوم وقال: استسلمي لأمر الله عز وجل واحتسبي. ~~قالت: أمات ابني؟ قال: نعم. قالت: أحق ما تقولون؟ قلنا: نعم. فمدت يدها إلى ~~السماء ثم قالت: اللهم إنك تعلم أني أسلمت لك وهاجرت إلى نبيك محمد، صلى ~~الله عليه وسلم، رجاء أن تعينني عند كل شدة! اللهم فلا تحملني هذه المصيبة ~~اليوم! فكشف ابنها الثوب الذي سجيناه به عن وجهه وما برحنا حتى طعم وطعمنا ~~معه. # وقيل: وبينا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يعرض الناس إذا هو برجل معه ~~صبي له. فقال له عمر، رضي الله عنه: ويحك ما رأيت غرابا أشبه بغراب من هذا ~~بك! فقال: يا أمير المؤمنين والله ما ولدته أمه إلا وهي ميتة. فاستوى عمر، ~~رحمه الله، جالسا وقال: ويحك حدثني! قال: خرجت في غزاة وأمه حامل به، ~~فقالت: تخرج وتدعني على هذه الحالة حاملا مثقلا؟ فقلت: أستودع الله ما في ~~بطنك. فغبت ثم قدمت وإذا بابي مغلق، فقلت: ما هذا وما فعلت فلانة؟ قالوا: ~~ماتت. فذهبت إلى قبرها وكنت عنده، فلما كان من الليل قعدت مع بني عمي أتحدث ~~وليس يسترنا من البقيع شيء، فرفعت لي نار بين القبور، فقلت لبني عمي: ما ~~هذه النار؟ فقال أحدهم: يا أبا فلان نرى على قبر فلانة كل ليلة نارا! فقلت: ~~إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كانت صوامة قوامة عفيفة، والله لأنبشن ~~قبرها ولأنظرن ما حالها. فأخذت فأسا وأتيت القبر فإذا هو مفتوح والمرأة ~~ميتة وهذا حي يدب حولها، فنادى مناد: أيها المستودع ربه وديعته خذ وديعتك، ~~أما إنك لو استودعته أمه لوجدتها! فأخذته وعاد القبر كما كان، وهو والله يا ~~أمير المؤمنين هذا. ### | مساوئ ms237 الثقة # قال: قال عيسى بن مريم، عليه السلام: يا معشر الحواريين إن ابن آدم خلق ~~في الدنيا في أربعة منازل هو في ثلاثة منها واثق بالله عز وجل وهو في ~~الرابع سيء الظن يخاف خذلان الله عز وجل إياه، فأما المنزلة الأولى فإنه ~~خلق في بطن أمه خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، ~~وظلمة المشيمة، ينزل الله جل وعز عليه رزقه في جوف ظلمة البطن، فإذا خرج من ~~ظلمة البطن وقع في اللبن لا يخطو إليه بقدم ولا ساق ولا يتناوله بيد ولا ~~ينهض بقوة ويكره عليه إكراها ويوجره إيجارا حتى ينبت عليه عظمه ودمه ولحمه، ~~فإذا ارتفع من اللبن وقع في المنزلة الثالثة في الطعام بين أبويه يكتسبان ~~عليه من حلال وحرام، فإن مات أبواه عن غير شيء عطف عليه الناس هذا يطعمه ~~وهذا يسقيه وهذا يؤويه، فإذا وقع في المنزلة الرابعة واشتد واستوى وكان ~~رجلا خشي أن لا يرزق يثب على الناس يخون أماناتهم ويسرق أمتعتهم ويكابرهم ~~على أموالهم مخافة خذلان الله عز وجل إياه. ### | محاسن طلب الرزق # بلغنا عن ابن السماك أنه قال: لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض، ~~وكن اليوم مشغولا بما أنت عنه غدا مسؤول، وإياك والفضول فإن حسابها طويل. # وقال عمرو بن عتبة: من لم يقدمه الحزم أخره العجز. # وقال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم احدث لي سفرا أحدث لك رزقا. # وفي بعض الحديث: سافروا تغنموا، وقال الكميت: # ولن يزيح هموم النفس إذ حضرت ... حاجات مثلك إلا الرحل والجمل # وقال الطائي: # وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد # فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد # PageV01P132 # وقال بعض الحكماء: لا تدع الحيلة في التماس الرزق بكل مكان فإن الكريم ~~محتال والدني عيال، وقال: # فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا # ولا ترض من عيش بدون ولا تنم ... وكيف ينام الليل من كان معسرا # وتقول العرب: كلب جوال ms238 خير من أسد رابض. وتقول أيضا: من غلى دماغه صائفا ~~غلت قدره شاتيا. # ووقع عبد الله بن طاهر: من سعى رعى، ومن لزم المنام رأى الأحلام. # وقال الكسروي: أخذ من توقيع أنوشروان بالفارسية هرك روذ خرذ هرك خسيذ خاف ~~وينذ، وأنشد: # كفى حزنا أن النوى قذفت بنا ... بعيدا وأن الرزق أعيت مذاهبه # ولو أننا إذ فرق الدهر بيننا ... غني واحد منا تمول صاحبه # ولكننا من دهرنا في مؤونة ... يكالبنا طورا وطورا نكالبه # ولآخر: # إذا المرء لم يبغ المعاش لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا # وصار على الأذنين كلا وأوشكت ... صلات ذوي القربى له أن تنكرا # ولآخر: # ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح # ليبلغ عذرا أو ينال غنيمة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح # ولآخر: # وليس الرزق عن طلب حثيث ... ولكن ألق دلوك في الدلاء # تجيء بمثلها يوما ويوما ... تجيء بحمأة وقليل ماء # ولآخر: # وقد علمت وعلم المرء ينفعه ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني # أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني # ولآخر: # لعمرك ما كل التبطل ضائر ... ولا كل شغل فيه للمرء منفعه # إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى ... عليك سواء فاغتنم لذة الدعه # وإن ضقت فاصبر يفرج الله ما ترى ... ألا كل ضيق في عواقبه سعه # ولآخر: # سهل عليك فإن الأمر مقدور ... وكل مستأنف في اللوح مسطور # يأتي القضاء بما فيه لمدته ... وكل ما لم يكن فيه فمحظور # لا تكذبن وخير القول أصدقه ... إن الحريص على الدنيا لمغرور # ولآخر: # لا يتعبنك شيء أنت تطلبه ... وقد تقدمك المقدور والقلم # ولآخر: # لا تعتبن على العباد فإنما ... يأتيك رزقك حين يؤذن فيه # ولآخر: # هي المقادير تجري في أعنتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال # يوما تريش خسيس القوم ترفعه ... دون السماء ويوما تخفض العالي # ولآخر: # اصبر على زمن جم تلونه ... فليس من شدة إلا لها فرج # تلقاه بالأمس في عمياء مظلمة ... ويصبح اليوم قد لاحت له السرج # ولآخر: # ألا رب راجي حاجة لا ينالها ms239 ... وآخر قد تقضى له وهو آيس # يجول لها هذا وتقضى لغيره ... فتأتي التي تقضى له وهو جالس # ولآخر: # أتطلب رزق الله من عند غيره ... وتصبح من خوف العواقب آمنا # وترضى بصراف وإن كان مشركا ... ضمينا ولا ترضى بربك ضامنا # كأنك لم تقنع بما في كتابه ... فأصبحت مدخول اليقين مباينا # ولآخر: # إني لأكرم نفسي أن أدنسها ... بشين عرضي وبذل الوجه للناس # والله ضامن رزقي ما حييت وما ... في ضمن ذي العرش من شك ولا باس # إني رأيت سؤال الله مكرمة ... وفي سؤال سواه أعظم الياس # قيل: ووجد في بعض خزائن ملوك العجم لوح من حجارة فيه مكتوب: كن لما لا ~~ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى، عليه السلام، خرج يقتبس نارا فنودي ~~بالنبوة. وأنشد: # ولما أن عييت بما ألاقي ... وأعيتني المسائل والقروض # ذكرت الله لا أرجو سواه ... ورب العرش ذو فرج عريض # ولآخر: # يا صاحب الغم إن الغم منقطع ... أبشر بخير كأن قد فرج الله # اليأس يقطع أحيانا بصاحبه ... لا تيأسن فإن الصانع الله # PageV01P133 # إذا ابتليت فثق بالله وارض به ... فكاشف الضر والبلوى هو الله # ولآخر: # كم رأينا من صحيح قد هوى ... وأخي سقم من السقم خرج # لا تكن إن راب أمر آيسا ... فلعند اليأس يأتيك الفرج # ولآخر: # وإذا تصبك من الحوادث نكبة ... فاصبر فكل ضبابة تتكشف ### | مساوئ طلب الرزق # لديك الجن: # احل وامرر معا ولن تارة واخ ... شن ورش أنت وانتدب للمعالي # وأغث واستغث بربك في الأز ... ل إذا جلحت صروف الليالي # لا تقف للزمان في منزل الضي ... م ولا تستكن لرقة حال # وأهن نفسك الكريمة للمو ... ت وقحم بها على الأهوال # فلعمري للموت أزين للح ... ر من الذل ضارعا للرجال # أي ماء يدور في وجهك الح ... ر إذا ما امتهنته بالسؤال # ثم لا سيما إذا عصف الده ... ر بأهل الندى وأهل النوال # غاضت المكرمات وانقرض النا ... س وبادت سحائب الإفضال # فقليل من الورى من تراه ... يرتجى أو يصون عرضا بمال # وكذاك الهلال أول ما يب ... دو نحيلا في ms240 دقة الخلخال # ثم يزداد ضوءه فتراه ... قمرا في السماء غير هلال # عاد تدميثك المضاجع للجن ... ب فعال الخريدة المكسال # وادرع يلمق اجتياب دجى اللي ... ل بطرف مضبر الأوصال # عاملي النتاج تطوى له الأر ... ض إذا ما استعد للأنقال # جرشع لاحق الأياطل كالأع ... فر ضافي السبيب غير مذال # واتخذ ظهره من الذل حصنا ... نعم حصن الكريم في الزلزال # لا أحب الفتى أراه إذا ما ... عضه الدهر جاثما في الضلال # مستكينا لذي الغنى خاشع الطر ... ف ذليل الإدبار والإقبال # أين جوب البلاد شرقا وغربا ... واعتساف السهول والأجبال # واعتراض الرقاق يوضع فيها ... بظباء النجاد والعمال # ذهب الناس فاطلب الرزق بالسي ... ف وإلا فمت شديد الهزال ### | محاسن استصلاح المال # روي عن عبد الله بن جعفر قال: بعثني علي بن أبي طالب إلى حكيم بن خزام ~~يسأله سلف ثلاثين ألف درهم، فأتيته فانطلق بي إلى منزله فوجد في الطريق ~~صوفا فأخذه ومر بقطعة كساء فأخذه فلما صار إلى منزله أعطاني طرف الصوف ~~فجعلت أفتله ويرسل حتى فتلته، ثم دعا بغرارة مخرقة فرقعها بالكساء وخاطها ~~بالخيط وصير فيها ثلاثين ألف درهم وحملت معي. # قال: وأتى قوم قيس بن سعد بن عبادة يسألونه في حمالة فصادفوه في حائط له ~~يتتبع ما يسقط من الثمر فيعزل جيده عن رديه ويجعل كل صنف منها على حدته، ~~فهموا أن يرجعوا عنه وقالوا: ما نظن عند هذا خيرا، ثم عزموا على لقائه ~~فأقاموا حتى فرغ من حائطه فكلموه فأعطاهم. فقال رجل من القوم له: لقد ~~رأيناك تصنع شيئا لا يشبه فعالك! وأخبروه فقال: إن الذي رأيتم من صنيعي ~~قضيت به حاجتكم. # عبد العزيز بن أبان عن هشام الثقفي عن رجل أتى طلحة بن عبيد الله يسأله ~~حمالة فرآه يهنأ بعيرا له فقال: يا غلام أخرج له بدرة. فقبضها ثم قال: أردت ~~أن أنصرف حين رأيتك تهنأ البعير. فقال: إنا لا نضيع الصغير ولا يتعاظمنا ~~الكبير. # وكان يقال: من أنفق ولم يحسب عطب ولم يشعر. وقيل: الإفلاس سوء التدبير. # الأصمعي قال: سمعت ms241 بعض الهالبيين يقول لبنيه: لا تشتروا الغنم فإنها مال ~~الرقة ولا تشتروا البقر فإنها مال الذلة واشتروا الإبل واقتنوها فإنها رقوء ~~الدم وصدقات الحرائر وسفن البر وفيها قضاء الحقوق، ولا تتزوجوا المميتات ~~فإنهن يضربن على رؤوسكم من كان قبلكم وتزوجوا المطلقات فإنهن أضعف نفسا ~~وإنكم تضربون على رؤوسهن من كان قبلكم. # وقال بعضهم في جمع القليل إلى القليل: # رب كبير هاجه صغير ... وفي البحور تغرق البحور # وقال آخر: # PageV01P134 # قد يلحق الصغير بالجليل ... وإنما القرم من الأفيل # وسحق النخل من الفسيل ### | محاسن الدين # قيل: قدم رجل مع إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة وهو على قضاء البصرة فأقام ~~أكثر من سنة متعطلا، فكثر عليه الدين لرجل من أهل البصرة، فتوعده أن يقدمه ~~إلى القاضي، فأتى الرجل إسماعيل فأخبره بما تخوفه من حبس الرجل إياه. فقال: ~~إذا قدمك فأقر له بحقه ثم قل أبيع داري وأقضيه، فإنه سيقول: لا دار لك، قل ~~فأبيع دابتي وضيعتي، فإنه سينكر أن يكون لك شيء. ففعل فجرى بينهما ما قاله ~~القاضي. فقال القاضي: قد أقررت أنه لا شيء له، فكيف أحبسه؟؟ فخل سبيله. # قال: وكان لرجل من التجار صاحب عينة على رجل من الجند مال فخرج عطاء ~~الجندي ولم يقض صاحبه. فأرسل إليه التاجر غلاما يلزمه وعلى الغلام كساء ~~أحمر فلزمه. فجعل الرجل يتلو: " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ". ~~والغلام يتلو: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ". فلما طال ~~ذلك على الرجل واشتد إلحاح الغلام عليه أتى صاحبه فقال: # منع الرقاد فما أغمض ساعة ... من غم تعذيب الكساء الأحمر # يتلو التي فيها الأمانة منهما ... لؤما وأتلو آية المتيسر # فضحك الرجل ووهب له ما كان عليه من دينه. ### | مساوئ الدين # قال أبو اليقظان: كان الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب الشاعر يسلف ~~الناس فإذا حل ماله ركب حمارا اسمه شارب الريح فيقف على غرمائه ويقول: # بني عمنا ردوا الدراهم إنما ... يفرق بين الناس حب الدراهم # وكان رجل من بني الدئل عسر ms242 القضاء فإذا تعلق به غرماؤه فر منهم وقال: # فلو كنت الحديد لكسروني ... ولكني أشد من الحديد # فأقرضه الفضل بن العباس، فلما كان قبل المحل جاء فبنى معلفا على باب ~~داره، وكان يقال له عقرب. فلقي كل واحد منهما من صاحبه شدة فهجاه فقال: # قد تجرت في سوقنا عقرب ... يا عجبا للعقرب التاجره # قد ضاقت العقرب واستيقنت ... ليس لها دنيا ولا آخره # فإن تعد ترجع بما ساءها ... وكانت النعل لها حاضره # كل عدو يتقى مقبلا ... وتتقى شرتها دابره # إن عدوا كيده في استه ... لغير ذي كيد ولا بادره # قال: وقدم أعرابيان غريما لهما إلى قاض، فحلف ثم قال: # ألم تعلما أني طموح عنانه ... وأني لا يقضي علي أمير # طمست الذي في الصك مني بحلفة ... سيغفرها الرحمن وهو غفور # ولآخر: # أرى الغرماء قد كثروا وضجوا ... إلى السلطان غير مقصرينا # فإن سألوا اليمين فقد ربحنا ... وإن سألوا الشهود فقد خزينا # ولآخر: # الدين حقا كاسمه دوي ... قد يخضع المرء له القوي # كم من شريف غاظه غبي ### | محاسن إصلاح البدن # قال: جمع الرشيد أربعة من الأطباء: عراقيا وروميا وهنديا وسواديا، فقال: ~~ليصف كل واحد منهم الدواء الذي لا داء فيه. فقال الرومي: الدواء الذي لا ~~داء فيه حب الرشاد الأبيض. وقال الهندي: الماء الحار. وقال العراقي: ~~الإهليلج الأسود. وكان السوادي أبصرهم فقال له: تكلم. فقال: حب الرشاد يولد ~~الرطوبة والماء الحار يرخي المعدة والإهليلج يرق المعدة. قال: فأنت ما ~~تقول؟ قال: الدواء الذي لا داء فيه أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه وتقوم ~~عنه وأنت تشتهيه. # وقال بعضهم: سألت أسقف فارس فقلت: إنا قوم نغترب ويتغير علينا المياه فصف ~~لنا ما نتعالج به. فقال: دعوا الأدوية وعليكم بالأغذية وما يخرج من الضرع ~~والنحل، وعليكم بأكل اللحم وشرب ماء الكرم ودخول الحمام ولبس الكتان. # وعن الهيثم بن عدي قال: قلت لتياذوق وكان متطبب الحجاج: أوصني بشيء أحفظه ~~عنك فإني مسافر. فقال: لا تنامن حتى تعرض نفسك على الخلاء، ولا تذوقن طعاما ~~وفي معدتك طعام، واتق ما ms243 تخرجه النعجة والنحلة، فإن اعتللت فأنا الضمين إلا ~~علة الموت. # وقال سوادة: سألت بختيشوع ما معنى البلغم؟ فقال: تفسيره بلاء وغم. # PageV01P135 # وقال بعض الفلاسفة: ينبغي للعاقل أن يتقي البرد في أول الشتاء وفي آخره. ~~فقيل له: ففي وسطه؟ قال: ذاك يتقيه العاقل والأحمق. # قيل: وأوصى بعض الحكماء ولده فقال له: إياك أن تسير شبرا من الأرض وأنت ~~حاف، ولا تذوقن نبتة ولا تشمنها حتى تعرفها، وإياك وأن تبول في شق الأرض ~~فتخرج منه عليك داهية، ولا تشرب من فم قربة ولا إداوة حتى يكون الماء ~~معينا، واحذر مرافقة المعرفة ومن لا تعرف فلا تصاحبه، وإياك والسجود على ~~بارية جديدة حتى تمسحها بكمك فرب شظية حقيرة فقأت عينا خطيرة، ولا تنظرن في ~~بئر عادية، ولا تشهدن من الحيوان الكبار ما هو في النزع، واقبل وصيتي ترشد ~~ولا تدعها فتندم. # قيل: ودخل أعرابي ذو كدنة على معاوية بن أبي سفيان فأعجبه فقال: يا ~~أعرابي مم هذا السمن؟ قال: لا آكل حتى أجوع وأستوثق من أطرافي في الشتاء ~~وأغفل غاشية الهجر. # وقال بعض الفلاسفة: اخضع للريح خضوعك للملك، وجاهد البلغم مجاهدة عدوك، ~~ودار المرة مداراتك صديقك، وأنزل دمك في السنة مرة أو مرتين، ورو مشاشتك من ~~ماء لحوم الطير، وعليك بالشراب الأصفر فإنه حليف الروح. # وذكر أبو الحسين محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل عن أحمد بن أبي ~~الأضبع وكان كاتبا لأحمد عن يحيى بن ماسويه قال: أكل الفالوذ لصاحب النبيذ ~~عندنا من شر الطب. # وقيل: ما من أحد إلا وفيه أربعة عروق: عرق الجذام وعرق البرص وعرق العمى ~~وعرق الجنون، فإذا تحرك عرق الجذام قمعه الله بالزكام فأذهبه، وإذا تحرك ~~عرق البرص سلط الله جل وعز عليه الدماميل فأذهبته، وإذا تحرك عرق الجنون ~~سلط الله عليه البلغم فقطعه، وإذا تحرك عرق العمى سلط الله عليه الرمد ~~فأذهبه. # وقد روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم: لا تكرهوا أربعا لأربع، لا تكرهوا ~~الزكام فإنه يقطع عرق الجذام، وتكرهوا السعال فإنه يقطع ms244 عرق الفالج، ولا ~~تكرهوا الرمد فإنه يقطع عرق العمى، ولا تكرهوا الدماميل فإنها تقطع عرق ~~البرص. # وروي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال: من ابتدأ غداءه بالملح أذهب الله ~~عنه سبعين نوعا من السوء، ومن أكل إحدى وعشرين زبيبة حمراء لم ير في جسده ~~شيئا يكرهه، ومن أكل سبع تمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه، واللحم ينبت ~~اللحم، والثريد طعام العرب، والسواك وقراءة القرآن يذهبان بالبلغم، والبقر ~~لحومها داء وألبانها دواء وسمنها شفاء، والسمك يذيب الجسد، والشحم يخرج ~~مثله من الداء، ولن يتداوى الناس بمثل السمن، ولن تستشفي النفساء بمثل ~~الرطب، والمرء يسعى بجده والسيف يقطع بحده، ومن أراد البقاء ولابقاء ~~فليباكر الغداء وليخفف الرداء وليقلل من غشيان النساء. وخفة الرداء قلة ~~الدين. # قيل: من بات والهندباء في جوفه بات آمنا من الدبيلة، ومن بات والفجل في ~~جوفه بات آمنا من البشم، ومن بات والكرفس في جوفه بات آمنا من وجع الأضراس، ~~ومن بات والجرجير في جوفه بات وعروق الجذام تتردد في صدره، ومن بات والكراث ~~في جوفه بات آمنا من البواسير. # وقال بعض الفلاسفة: لا ينبغي للعاقل أن يستخف بالقليل من ثلاثة أشياء، ~~بالقليل من النار والقليل من السلطان والقليل من السقم. # وقال أبو هفان: حدثني العباس بن المأمون قال: كنت عند المأمون ذات يوم ~~وعنده الموبذ فسأله: ما أنفع الأشياء؟ فقال: الاقتصاد في الطعم والشرب فإن ~~كثيره يثقل الجسم ويوهن العلم والفهم ويكدر صفاء البشرة ويفتح الأدواء ~~ويخمد نار المعدة ويمحق شرف صاحبه. فقال المأمون: لو أسلمت يا موبذ ولم ~~أستقضك كنت قد ضيعت حجة الله في أرضه. # الحسن بن علي بن زيد قال: سمعت علي بن الجعد يقول: لما قدم بختيشوع ~~الأكبر على أبي جعفر من السوس أمر له بالطعام، فلما وضع بين يديه الخوان ~~قال: الشرب. قيل له: لا يشرب على مائدة أمير المؤمنين. قال: لا آكل طعاما ~~ليس معه شراب. فأخبر أمير المؤمنين بذلك، فقال: دعوه. فلما حضر العشاء فعل ~~به مثل ذلك، ms245 فطلب الشراب، فقيل له: لا يشرب على مائدة أمير المؤمنين. فتعشى ~~وشرب ماء دجلة. فلما كان الغد نظر إلى مائه فقال: ما كنت أحسب شيئا يجري ~~مجرى الشراب فهذا ماء دجلة يجري مجرى الشراب. يريد في المنفعة أنه مثله. ### | مساوئ ما يفسد البدن # PageV01P136 # قال وقال رجل لعبد الملك بن أبجر: أشتهي أن أمرض. فقال له: كل سمكا مالحا ~~واشرب نبيذا حلوا واقعد في الشمس واستمرض الله عز وجل فإن لم تمرض فأنت ~~حمار. ### | محاسن الندامة # روي عن عائشة، رضي الله عنه، أنها دخلت على أم سلمة بعد رجوعها من وقعة ~~الجمل وقد كانت أم سلمة حلفت أن لا تكلمها أبدا من أجل مسيرها إلى محاربة ~~علي بن أبي طالب، فقالت عائشة: السلام عليك يا أم المؤمنين! فقالت: يا حائط ~~ألم أنهك؟ ألم أقل لك؟ قالت عائشة: فإني أستغفر الله وأتوب إليه. كلميني يا ~~أمر المؤمنين، قالت: يا حائط ألم أقل لك؟ ألم أنهك؟ فلم تكلمها حتى ماتت، ~~وقامت عائشة وهي تبكي وتقول: وا أسفاه على ما فرط مني. # قيل: وسئلت عائشة، رضي الله عنه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي ~~الله عنه، فقالت: وما عسيت أن أقول فيه وهو أحب الناس إلى رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم؟ لقد رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد جمع شملته على ~~علي وفاطمة والحسن والحسين وقال: هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا. قيل لها: فكيف سرت إليه؟ قالت: أنا نادمة! وكان ذلك قدرا ~~مقدورا. # وعن جميع بن عمير قال: قلت لعائشة حدثيني عن علي، رضي الله عنه، فقالت: ~~تسألني عن رجل سالت نفس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في يده وولي غسله ~~وتغميضه وإدخاله قبره، قلت: فما حملك على ما كان منك؟ فأرسلت خمارها على ~~وجهها وبكت وقالت: أمر كان قضي علي. # قال: وقال ابن المعافى لأبي مسلم صاحب الدولة: أيها الأمير لقد قمت بأمر ~~لا يقصر بك ثوابه عن الجنة في إقامة دولة بني ms246 العباس، فقال: خوفي من النار ~~والله أولى من الطمع في الجنة، إني أطفيت من أمية جمرة وألهبت من بني ~~العباس نيرانا، فإن أفرح بالإطفاء فوا حزنا من الإلهاب! وحدث أبو نملة عن ~~أبيه قال: سمعت أبا مسلم بعرفات في الموقف يقول باكيا: اللهم إني تائب إليك ~~مما لا أظن أن تغفره لي، فقلت: أيها الأمير أيعظم على الله عز وجل غفران ~~ذنب؟ فقال: إني نسجت ثوبا من الظلم لا يبلى ما دامت الدولة لبني العباس، ~~فكم من صارخ وصارخة تلعنني عند تفاقم هذا الأمر، فكيف يغفر الله عز وجل لمن ~~هذا الخلق خصماؤه؟ قيل: ولما سخط عليه المنصور ووكل به شهرام المروزي قال ~~له يوما: الويل لك من الخليفة المنصور! فقال: الويل لي من ربي، وأين يقع ~~ويل ساعة من عذاب الأبد؟ ### | مساوئ الندامة # قال: وإلى الكسعي يضرب المثل في الندامة وذلك أنه كان يرعى إبلا له بواد ~~كثير العشب، فبينا هو كذلك إذ بصر بنبعة في صخرة فأعجبته، فقال: ينبغي أن ~~تكون هذه قوسا، فجعل يتعهدها حتى إذا أدركت قطعها وجففها واتخذ منها قوسان ~~فأنشأ يقول: # يا رب وفقني لنحت قوسي ... فإنها من لذتي لنفسي # وانفع بقوسي ولدي وعرسي ... أنحتها صفراء مثل الورس # صلباء ليست كقسي النكس # ثم دهنها وخطمها بوتر ثم عمد إلى ما كان من برايتها فجعل منه خمسة أسهم ~~فجعل يقلبها في كفه ويقول: # هن وربي أسهم حسان ... يلذ للرامي بها البنان # كأنها قومها الميزان ... فأبشروا بالخصب يا صبيان # إن لم يعقني الشؤم والحرمان # ثم خرج حتى أتى موارد حمر الوحش فكمن فيها فمر قطيع منها فرمى عيرا ~~فأمخطه السهم حتى جازه وأصاب الجبل فأورى نارا فظن أنه أخطأ فقال: # أعوذ بالله العزيز الرحمان ... من نكد الجد معا والحرمان # ما لي رأيت السهم بين الصوان ... يوري شرارا مثل لون العقيان # فأخلف اليوم رجاء الصبيان # ثم مكث على حاله فمر به قطيع آخر فرمى عيرا منها فأمخطه السهم فصنع صنيع ~~الأول فقال: # لا بارك الله الرحمن في ms247 رمي القتر ... أعوذ بالرحمن من سوء القدر # أأمخط السهم لإرهاق الضرر ... أم ذاك من سوء احتيال ونظر # ثم مكث على حاله فمر به قطيع آخر فرمى عيرا منها فأمخطه السهم فقال: # ما بال سهمي يوقد الحباحبا ... قد كنت أرجو أن يكون صائبا # وأمكن العير وأبدى جانبا ... فصار رأيي فيه رأيا خائبا # ومكث مكانه فمر به قطيع آخر فرمى عيرا منها فأصرد السهم فصنع صنيع الأول ~~فقال: # PageV01P137 # أبعد خمس قد حفظت عدها ... أحمل قوسي وأريد ردها # أخزى الله لينها وشدها ... والله لا تسلم عندي بعدها # ولا أرجي ما حييت رفدها # ثم عمد إلى القوس فضرب بها حجرا فكسرها ثم بات، فلما أصبح إذا الحمر ~~مطرحة حوله واسهمه مضرجة بالدم، فندم على كسر قوسه وشد على إبهامه فقطعها، ~~وأنشأ يقول: # ندمت ندامة لو أن نفسي ... تطاوعني إذا لقطعت خمسي # تبين لي سفاه الرأي مني ... لعمر أبيك حين كسرت قوسي # وقال الفرزدق: # ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار # وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين لج به الضرار # ومنه ما قيل في خفي حنين وكان حنين إسكافا من الحيرة فساومه أعرابي بخفيه ~~واختلفا في ذلك حتى أغضبه فأراد أن يغيظ الأعرابي، فلما ارتحل أخذ حنين ~~الخفين فألقى أحدهما على الطريق وألقى الآخر في موضع آخر من طريقه، فلما مر ~~الأعرابي رأى أحدهما فقال: ما أشبه هذا بخف حنين ولو كان معه أخوه نزلت ~~فأخذته، ومضى، فلما انتهى إلى الآخر ندم على ترك الأول وأناخ راحلته فأخذه ~~ورجع إلى الأول. وقد كمن له حنين فعمد إلى راحلته فذهب بها وما عليها، ~~وأقبل الأعرابي وليس معه إلا الخفان، فقال له قومه: ما الذي أتيت به؟ قال: ~~أتيت بخفي حنين، فضربته العرب مثلا. وقال الشاعر في مثله: # لتقرعن علي السن من ندم ... إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي ### | محاسن الحنين إلى الوطن # قال الله تبارك وتعالى: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو ~~اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم "، فقرن جل ذكره الجلاء ms248 عن الوطن ~~بالقتل، وقال جل وتعالى: " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ~~ديارنا وأبنائنا "، فجعل القتال ثأرا للجلاء. وقال النبي، صلى الله عليه ~~وسلم: الخروج عن الوطن عقوبة. # وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: لولا حب الوطن لخرب بلد السوء. # وكان يقال: بحب الأوطان عمرت البلدان. # وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه كما تتروح الأرض الجدبة ببلل ~~المطر. # وقال بقراط: يداوى كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تنزع إلى غذائها. # ومما يؤكد ذلك قول أعرابي وقد مرض بالحضرة فقال له قائل: ما تشتهي؟ قال: ~~محضا رويا وضبا مشويا. # وحدث عن بعض بني هاشم قال: قلت لأعرابي: من أين أقبلت؟ قال: من هذه ~~البادية! قلت: وأين تسكن منها؟ فقال: مساقط الحمى حمى ضرية لعمر الله ما ~~نريد بها بدلا ولا نبغي عنها حولا نفحتها العذاوات وحفتها الفلوات فلا ~~يعلولج ترابها ولا يتمعر جنابها ولا يملولح ماؤها، ليس بها أذى ولا قذى ولا ~~موم، فنحن فيها بأرفه عيش وأنعم معيشة وأرغد نعمة. قلت: فما طعامكم؟ قال: ~~بخ بخ عيشنا عيش تعلل جاذبه وطعامنا أطيب طعام وأهنأه وأمرأه الفث والهبيد ~~والصليب والعنكث والعلهز والذآنين والينمة والعراجين والحسلة والضباب ~~واليرابيع والقنافذ والحيات وربتما والله أكلنا القد واشتوينا الجلد فما ~~نعلم أحدا أخصب منا عيشا ولا أرخى بالا ولا أعمر حالا، أوما سمعت قول شاعر ~~وكان والله بصيرا برقيق العيش ولذيذه؟ قلت: وما قال؟ قال قوله: # إذا ما أصبنا كل يوم مذيقة ... وخمس تميرات صغار كوانز # فنحن ملوك الناس خصبا ونعمة ... ونحن أسود الناس عند الهزاهز # وكم متمن عيشنا لا يناله ... ولو ناله أضحى به حق فائز # فالحمد لله على ما بسط من حسن الدعه ورزق من السعة وإياه نسأل تمام ~~النعمة. # وقيل لأعرابي: كيف تصنع بالبادية إذا انتصف النهار وانتعل كل شيء ظله؟ ~~فقال: وهل العيش إلا ذاك؟ يمشي أحدنا ميلا فيرفض عرقا كأنه الجمان، ثم ينصب ~~عصاه ويلقي عليها كساءه وتقبل عليه الرياح من كل جانب فكأنه في ms249 إيوان كسرى. # ذكر من اختار الوطن على الثروة - قال بعض الأدباء: عسرك في بلدك خير من ~~يسرك في غربتك. # وقيل لأعرابي: ما الغبطة؟ قال: الكفاية ولزوم الأوطان والجلوس مع ~~الإخوان. قيل: فما الذلة؟ قال: التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان. # وقال بعض الأدباء: الغربة ذلة فإن ردفتها علة وإن أعقبتها قلة فتلك نفس ~~مضمحلة. # وقالت العرب: الغربة ذلة والذلة قلة. # PageV01P138 # وقال آخر: لا تنهض عن وكرك فتنقصك الغربة وتضيمك الوحدة. # وشبهت العرب والحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ثكل أبويه فلا أم ترأم ~~له ولا أب يحدب عليه. # وكان يقال: الجالي عن مسقط رأسه كالعير الناشز عن موضعه الذي هو لكل سبع ~~فريسة ولكل كلب قنيصة ولكل رام رمية. # وكان يقال: الغريب عن وطنه ومحل رضاعه كالغرس الذي زايل أرضه وفقد شربه ~~فهو ذاو لا يثمر وذابل لا ينضر، وأنشد: # ومغترب بالمرج يبكي لشجوه ... وقد غاب عنه المسعدون على الحب # إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه ... تنفس يستشفي برائحة الركب # ولآخر: # إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي ... وأضحى فؤادي نهبة للهماهم # حنينا إلى أرض بها اخضر شاربي ... وحلت بها عني عقود التمائم # وألطف قوم بالفتى أهل أرضه ... وأرعاهم للمرء حق التقادم # ولآخر: # أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيام بنجد دونها الطرف يقصر # وما نظري من نحو نجد بنافعي ... أجل لا ولكني على ذاك أنظر # أفي كل يوم نظرة ثم عبرة ... لعينيك يجري ماؤها يتحدر # متى يستريح القلب؟ إما مجاور ... حزين وإما نازح يتذكر # الطائي: # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل ### | مساوئ من كره الوطن # قال بعض الفلاسفة: اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تكسبوا مالا غنمتم ~~عقلا كثيرا. # وقال آخر: لا يألف الوطن إلا ضيق العطن. # وقيل لآخر: ما أصبرك على الغربة! فقال: انست بالنوائب حتى ما أعرف غيرها ~~وغذيت بالمكاره فما أجد ضيرها. # ومدح أعرابي رجلا فقال: خرجته الغربة ودربته التجربة وضرسته النوائب. ms250 # وقال آخر: ما حن أحد إلى بلد لا جمع فيه شمله إلا لوصمة في عقله ولا تنزع ~~نفسه إلى بلد قل به رفده إلا لاستيلاء الموق عليه. # وقيل لآخر: ما العيش؟ فقال: دوران البلدان ولقاء الإخوان ومغازلة القيان ~~واستماع الأغاني والنغمات من الزير والمثاني. # وقد قيل: من صبر على الغربة أمن من الكربة، وأفضل العدة الصبر على الشدة. ~~وقالوا: لا توحشنك الغربة إذا أنست بالكفاية، ولا تجزع لفراق الأهل مع لقاء ~~اليسار. # وقيل الفقير في الأهل مصروم والغني في الغربة موصول. # وقيل: أوحش قومك ما كان في إيحاشهم انسك واهجر وطنك ما نبت عنه نفسك. # وقريء على باب خان بطرسوس: # ما من غريب وإن أبدى تجلده ... إلا تذكر عند الغربة الوطنا # الطائي: # لا يمنعنك خفض العيش تطلبه ... نزاع شوق إلى أهل وأوطان # تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران # ولآخر: # نبت بك الدار فسر آمنا ... فللفتى حيث انتهى دار # وروي عن كعب بن مالك أنه وصف وحشة المدينة لغيبة النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: تنكرت البلاد فما هي بالبلاد التي نعرف، وتنكر الناس فما هم ~~بالناس الذين نعرف. وفي معناه قال الشاعر: # فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعرف # وأنشد: # لا تقنعن ومطلب لك ممكن ... فإذا تضايقت المطالب فاقنع # وقال آخر: # كم المقام وكم تعتادك العلل ... ما ضاقت الأرض في الدنيا ولا السبل # إن كنت تعلم أن الأرض واسعة ... فيها لغيرك مرتاد ومرتحل # فارحل فإن بلاد الله ما خلقت ... إلا ليسلك منها السهل والجبل # الله قد عود الحسنى فما برحت ... عندي له نعم تثري وتتصل # إن صاق بي بلد هيا له عوضا ... وإن نأى منزل بي كان لي بدل # وإن تغير لي عن وده رجل ... أصفى المودة لي من بعده رجل # لم يقطع الله لي من صاحب أملا ... إلا تجدد لي من بعده أمل # لا تمتهن أبدا خديك من طمع ... فما لوجهك نور حين يبتذل # PageV01P139 # وابغ المكاسب من أزكى مطالبها ... من حيث ms251 تحمل حتى ينفد الأجل # ولآخر: # إذا ما أطال المرء مكثا ببلدة ... تقعبه من بعد حدته نكس # ولو أن هذي الشمس دام طلوعها ... أو البدر لم يحبب ولا حبت الشمس # فجل طالبا للرزق في الأرض واغترب ... ففي كل أرض للفتى الأكل واللبس # ولآخر: # وإذا الديار تنكرت عن أهلها ... فدع الديار وأسرع التحويلا # ليس المقام عليك حتما واجبا ... في بلدة تدع العزيز ذليلا # ولآخر: # إذا خفت من دار هوانا فإنما ... ينجيك من دار الهوان اجتنابها # ولآخر: # اصبر على حدث الزمان فإنما ... فرج الحوادث مثل حل عقال # وإذا رأيت من ابن عمك جفوة ... فاشدد يديك بعاجل الترحال # إن المقام على الهوان مذلة ... والعجز آفة حيلة المحتال # وقد قيل: في حب الوطن: أحق البلدان بنزعك إليه بلد امصك حلب رضاعه. # وقيل: احفظ بلدا أرشحك غذاؤه، وارع حمى أكنك فناؤه. # وقيل: لا تشكون بلدا فيه قبائلك ولا أرضا فيها قوابلك. # وقيل: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى أوطانها مشتاقة وإلى مولدها ~~تواقة. # قيل: ولما خرج الرشيد إلى خراسان وصار بعقبة همذان أنشأ يقول: # حتى متى أنا في حل وترحال ... وطول هم بإدبار وإقبال # ونازح الدار لا ينفك مغتربا ... عن الأحبة لا يدرون ما حالي # في مشرق الأرض طورا ثم مغربها ... لا يخطر الموت من حرصي على بالي # ولو قنعت أتاني الرزق في دعة ... إن القنوع الغنى لا كثرة المال # وذكروا أن أبا دلف لما ولي الشام طال مقامه فحن إلى وطنه فكتب لى يزيد بن ~~مخش: # أيزيد طالت غربة ومقام ... وبكا فأسعده البكاء حمام # أيزيد هل من مطمع في أوبة ... لمتيم طالت به الأيام # لعب الفراق بنومه فأفاته ... طيب الكرى فدموعه تسجام # ما نام عنه وإن رقدتم شوقه ... والشوق يسري والعيون نيام # والشوق ألزمه البكاء فنفسه ... حرى وأذبل جسمه التهمام # يا طائفا أهدى السلام إلى فتى ... تهدي إلي سلامك الأحلام # أنى وكيف ينام صب هائم ... أفضت إليه بسره الأقلام # يا جانب الأهواز جادك وابل ... وسقاك من ديم الربيع رهام # كم فيك من شجن ومأنس ms252 وحشة ... ومحبب تشفى به الأسقام # فلئن أحلكما الزمان ببلدة من دونها القفرات والآكام # وشواهق تزع السحاب شوامخ ... ليست وإن دأب المطي ترام # .. . . أرى الأيام تجمع بيننا ... والدهر فيه مسرة وغرام # أيزيد ساعدك الزمان وخاننا ... والدهر ليس لحالتيه دوام # تمسي ضجيع خريدة ومضاجعي ... عضب حديد الشفرتين حسام # وتجر أذيال النعيم مرفلا ... وأظل يكسوني الشحوب قتام # متسربلا حلق الحديد يحفني ... لجب يضيق به الفضاء لهام # من كل أشعث في الحديد مقنع ... ذرب الحسام كأنه ضرغام # والحرب حرفتنا وليست حرفة ... إلا لمن هو في الوغى مقدام # نعري السيوف فلا تزال عرية ... حتى تكون جفونهن الهام # ما للزمان اعتاقنا من بينكم ... فجرت علينا للزمان سهام # يا ليته إذ لم يدم إحسانه ... أن لا يكون لما أساء دوام # فبلغ شعره المأمون فقال: حن القاسم بن عيسى إلى وطنه، فأمره بالانصراف. # قال الأصمعي: قدم سعيد بن صمصم على الحسن بن سهل فأنشده القصيدة يصف فيها ~~حنينه إلى سوء حاله بالبادية ويستميحه: # سقيا لحي باللوى عهدتهم ... منذ زمان ثم هذا ربعهم # عهدتهم والعيش فيه غرة ... ولم يناو الحدثان شعبهم # PageV01P140 # ولم يبينوا لنوى قذافة ... تقطع حبلي من وصال حبلهم # فليت شعري هل لهم من مطلب ... أو أجدن ذات يوم بدلهم # أو يعذرن بالبكاء إن بكى ... صب معنى مستحق إثرهم # مكلف بالشوق لا ينساهم ... يمنحهم ودا ويرعى عهدهم # وينذر النذور إن رآهم ... وعاد يوما عيشه وعيشهم # ولا رب العرش لا يلقاهم ... ولا يعود عيده وعيدهم # وكيف يلقاهم كبير سنه ... وقد مضى الدهر وطاح نجمهم # هيهات عد النفس عن ذكراهم ... واقصد لنحو آخرين غيرهم # هذا وقد رأيتني فلم ألم ... رأيي إذا لام الرجال رأيهم # أدعو ابن سهل حسنا ومجده ... حين تعيا بعيالي أمرهم # أظل أدعو باسمه ودونه ... قوم كثير رغبة تركتهم # تخيرا إخترته عليهم ... ولا بهم بأس ولا ذممتهم # ناموا فلما أن رأيت نومهم ... عني تحملت فما أيقظتهم # يا ابن كرام كابرا عن كابر ... زانوك زينا باقيا وزنتهم # كانوا هم الأشراف سادوا كلهم ... ما في جميع العالمين مثلهم # بنوا جميع ms253 المجد فيما قد مضى ... وأنت تبنيه كذاك بعدهم # في شرف مؤيد أركانه ... لم يبنه بان سواهم قبلهم # فيا ابن سهل وابن آباء له ... كانوا مناجيب قديما فضلهم # والله ما تصبح بين معشر ... إلا وأنت شمسهم وبدرهم # والناس آخاذ وماء ناقع ... وغدر تجري وأنت بحرهم # والناس أجناس كما قد مثلوا ... وفيهم الخير وأنت خيرهم # حاشا أمير المؤمنين إنه ... خليفة الله وأنت صهرهم # إليك أشكو صبية وأمهم ... لا يشبعون وأبوهم مثلهم # قد أكلوا الوحش فلم يشبعهم ... وشربوا الماء فطال شربهم # وامتذقوا المذاق فيا دنياهم ... والمضغ إن نالوه فهو حسهم # لا يعرفون الخير إلا ذكره ... والدهر هيهات فليس عندهم # وما رأوا فاكهة في عيصها ... ولا رأوها وهي تهوي نحوهم # وما لهم من كاسب علمته ... على جديد الأرض غير جحشهم # وجحشهم قد بات منهوي القرى ... ومثل أعواد الشكاعى كلبهم # كأنني فيهم وإن وليتهم ... كانوا موالي وكنت عبدهم # مجتهدا بالنصر لا آلوهم ... أدعو لهم يا رب سلم أمرهم # وتارة أقول مما قد أرى ... يا رب باعدهم وباعد دارهم # يأوون بالليل إذا ما أحرجوا ... وهي إلى ذرى اللهيم وهي قدرهم # بها يطوفون إذا ما اجرنثموا ... وهي أبوهم عندهم وأمهم # زغب الرؤوس قرعت هاماتهم ... من البلاء وأسمأد سمعهم # بل لو تراهم لعلمت أنهم ... قوم مساغيب قليل نومهم # وكالسعالي في مسوكها. .. ... فلو يعضون لذكى سمهم # قد جرسوا الدهر وقد بلاهم ... هذا وهذا دأبه ودأبهم # ولا يعيشون بعيش سابغ ... ولا يموتون وذاك قصرهم # وقد رجونا يا ابن سهل نائلا ... منك يرم فقرهم وبؤسهم # فإنما أنت حيا أمثالهم ... فجد لهم بنائل لا تنسهم # وأسد نعماك إليهم واتخذ ... حمدا وشكرا كل ذاك عندهم # هذا وأنت قد حرمت حظهم ... فلا تجودن لخلق بعدهم # PageV01P141 # فقال له الحسن: سل ما شئت وتمن ما أحببت، فلو خرجت إليك من ملكي كله ما ~~كافأتك. فقال: تشتري لي غنيمات وتردني إلى البادية. فقال: نحن إلى مكان ~~تصفه بهذه الصفة. قال: الوطن الوطن. فاشترى له ألف شاة وأعطاه عشرين ألف ~~درهم ورده إلى وطنه. # ومما قيل فيمن كره ms254 الغربة قال ابن أبي السرج: قرأت على حائط خان ~~بالأهواز: # إن الغريب ولو يكون ببلدة ... يجبى إليه خراجها لغريب # وأقل ما يلقى الغريب من الأذى ... أن يستذل وقوله مكذوب # قال: وقرأت على حائط خان بعسكر مكرم من الأهواز: # إن الغريب إذا ينادي موجعا ... عند الشدائد كان غير مجاب # فإذا نظرت إلى الغريب فكن به ... متراحما لتباعد الأحباب # قال: وقرأت على حائط خان ببغداد في الجانب الغربي: # غريب الدار ليس له صديق ... جميع سؤاله كيف الطريق # تعلق بالسؤال بكل شيء ... كما يتعلق الرجل الغريق # فلا تجزع فكل فتى ستأتي ... على حالاته سعة وضيق # قال: ووجدت على باب مكتوبا: # عليك سلام الله يا خير منزل ... رحلنا وخلفناك غير ذميم # فإن تكن الأيام فرقن بيننا ... فما أحد من ريبها بسليم # وأنشد: # أقمنا مكرهين بها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا # وما حب البلاد بنا ولكن ... أمر العيش فرقة من هوينا # ولآخر: # أقمت بأرضكم بالكره مني ... فلما طاب لي فيها المقيل # وأوطنت البلاد وحن قلبي ... بغزلان بها أزف الرحيل # ولآخر: # وإن اغتراب المرء من غير فاقة ... ولا حاجة يسمو لها لعجيب # فحسب الفتى بخسا وإن أدرك الغنى ... ونال ثراء أن يقال غريب # ولآخر: # أي سرور لعيش مغترب ... فرد وحيد نأى عن الوطن # لا تطمع النفس في هواه ولا ... يكحل عينا بمنظر حسن # ولآخر: # سل الله الإياب من المغيب ... فكم قد رد مثلك من غريب # وسل الحزن عنك بحسن ظن ... ولا تيأس من الفرج القريب # ولآخر: # تصبر ولا تعجل وقيت من الردى ... لعل إياب الظاعنين قريب # فقلت وفي قلبي جوى لفراقها ... ألا لا تعزيني فلست أجيب # أعاذل حبي للغريب سجية ... وكل غريب للغريب حبيب # لئن قلت لم أجزع من البين إن مضوا ... لطيتهم إني إذا لكذوب # بلى غبرات الشوق أضرمت الحشا ... ففاضت لها من مقلتي غروب # ولآخر: # إذا اغترب الكريم رأى أمورا ... محجلة يشيب لها الوليد # قال أبو الحسين محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل: أنشد أبو العباس أحمد ~~بن يحيى ثعلب: # ما كنت أحسب ms255 أن يكو ... ن كذا تفرقنا سريعا # بخل الزمان علي أن ... نبقى كما كنا جميعا # فأحلني في بلدة ... وأحلك البلد الشسيعا # قد كنت أنتظر الوصا ... ل فصرت أنتظر الرجوعا # ولآخر: # إلفان كانا لهذا الحب قد خلقا ... داما عليه فتم الوصل واتفقا # كنا كغصنين في عود فغالهما ... ريب الزمان وصرف الدهر فافترقا # فاصفر عودهما من بعد خضرته ... وأسقط البين من عوديهما الورقا # ولآخر: # أتظعن والذي تهوى مقيم ... لعمرك إن ذا خطب عظيم # إذا ما كنت للحدثان عونا ... عليك وللفراق فمن تلوم # ولآخر: # لقد شفني أني أدور ببلدة ... أخلاي منها نازحون بعيد # أقلب طرفي في البلاد فلا أرى ... وجوه أخلاي الذين أريد # ولآخر: # قف بالمنازل وقفة المشتاق ... واسفح بها من دمعك المهراق # لا تبخلن على الديار بأدمع ... يجرين بين محاجر ومآقي # تلك الديار كما عهدت عميرة ... لكنها صفر من الطراق # PageV01P142 # لم يبقها أمد تقادم عهده ... فالدمع ينطق والرسوم بواقي # لهفي على زمن مضت أيامه ... والعيش غض مورق الأوراق # أيامنا ما كانت إلا خلسة ... كسف الهلال عراه وجه محاق # أو نظرة من خائف لم ينجه ... خوف الحذار وشدة الإشفاق # وكذاك أيام السرور قصيرة ... لكن أيام البلاء بواقي # كيف اللقاء وقد تطاوحت النوى ... شتان بين مشائم وعراق # يا ليت شعري كيف عهد أحبتي ... لما أظلهم وشيك فراقي # ظني بهم حسن وكيف بأوبة ... تروي غليل متيم مشتاق # ومنها نجديات: # ألا هل أرى حورا تبرقعن بالحمى ... وهل أجتني بالعين من خدهم وردا # لعلي أرى نجدا ومن حل بالحمى ... فأحسب من نجد على كبدي بردا # خليلي قد داويت عقلا سلبته ... بشحط النوى والبعد من قربهم عمدا # فلم أر بعد الدار يشفي من الجوى ... ولا القرب أيضا من ديارهم أجدى # بلى إن في النأي التقطع والأسى ... وحب سليمى القلب من بينهم أودى # ولآخر: # نسيم الخزامى والرياح التي جرت ... بليل على نجد تذكرني نجدا # أتاني نسيم السدر طيبا من الحمى ... فذكرني نجدا وقطعني وجدا # ولآخر: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بصحراء من نجران ذات ثرى مندي # وهل أردن الدهر ms256 حصن مجاشع ... وقد ضربته نفحة من صبا نجد # ولآخر: # أقول لصاحبي والعيس تخدي ... بنا بين المنيفة والضمار # تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار # ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضه غب القطار # شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار # وأما ليلهن فخير ليل ... وأنضر ما يكون من النهار # قال: وقال الفتح بن خاقان: ورد علي أعرابي من البادية نجدي فصيح فبات ~~ليلة عندي على سطح مشرف على بستان، فسمع فيه صوت الدواليب فقال: ما أشبه ~~هذا إلا بحنين الإبل، وأنشدني: # بكرت تحن وما بها وجدي ... وأحن من شوق إلى نجد # فدموعها تحيا الرياض بها ... ودموع عيني أحرقت خدي ### | محاسن الدعاء للمسافر # بأيمن طالع وأسر طائر، لا كبا بك مركب ولا أشت بك مذهب ولا تعذر عليك ~~مطلب، سهل الله لك السير ويسر لك القصد وطوى البعد بمسرة الظفر وكرامة ~~المذخر بأيمن طائر وأسعد جد على الطائر الميمون والكوكب السعد. # وفي رسالة للبحتري: إلى حيث تتقاصر أيدي الحوادث عنك وتتقاعس نوائب ~~الأيام دونك. # فصل: وخصصت بسهولة المطلب ونجاح المنقلب، كان الله لك في سفرك خفيرا وفي ~~حضرك ظهيرا. # آخر: بسعي نجيح وأوب سريع وسريح. # آخر: قصر الله محله وهدى رحله وسر بأوبته أهله ولا زال آمنا مقيما ~~وظاعنا. # آخر: بأسعد جد وأنجح مطلب وأسر منقلب وأكرم بدأة وأحمد عاقبة. # فصل: فاشخص مصحوبا بالسلامة والكلاءة، آئبا بالنجح والغبطة، محوطا فيما ~~تطالعه بالعناية والشفقة في ودائع الله وضمانه وكنفه وجواره وستره وأمانه ~~وحفظه وذماره. # وقال رجل للنبي، صلى الله عليه وسلم: إني أريد سفرا. فقال: في حفظ الله ~~وكنفه، زودك الله التقوى ووجهك إلى الخير حيث كنت. # كتب أبو العيناء: استخلف الله فيك واستخلفه منك. # لابن أبي السرح: # في كنف الله وفي ستره ... من ليس يخلو القلب من ذكره # وأنشد الآخر: # فارحل أبا بشر بأيمن طائر ... وعلى السعادة والسلامة فانزل ### | مساوئ الدعاء للمسافر # بالبارح الأشأم والسانح الأعضب والصرد الأنكد للسفر الأبعد، لا استمرت ~~مطيته واستتبت أمنيته، ولا تراخت ms257 منيته بنحس مستمر وعيش مر، لا قرى إن ~~استضاف ولا أمن إن خاف. # PageV01P143 # ويقال: إن عليا لما اتصل به مسير معاوية قال: لا أرشد الله قائده ولا ~~أسعد رائده ولا أصاب غيثا ولا سار إلا ريثا ولا وافق إلا ليثا، أبعده الله ~~وأسحقه وأوقد نارا على أثره، لا حط الله رحله ولا كشف محله ولا بشر به ~~أهله، لا زكا له مطلب ولا رحب له فيه مذهب، لا سقاه الله غماما ولا يسر له ~~مراما، لا فرج الله همه ولا سرى غمه، ولا حل عقده ولا أورى زنده، جعله الله ~~سفر الفراق وعصا الشقاق، وأنشد: # بأنكد طائر وبشر قال ... لأبعد غاية وأخس حال # بحد السند حيث يكون مني ... كما بين الجنوب إلى الشمال # غريبا تمتطي قدميك دهرا ... على خوف تحن إلى العيال # الباهلي: # إذا استقلت بك الركاب ... فحيث لا درت السحاب # وحيث لا يبتغى فلاح ... وحيث لا يرتجى إياب # ابن أبي السرح: # فسر بالنحوس إلى بلدة ... تعمر فيها ولا ترزق # ولا تمرع الأرض من نهرها ... ولا يثمر الشجر المورق # تغيض البحار بها مرة ... ويكدي السحاب بها المغدق # الباهلي: # أدنى خطاك الهند والصين ... وكل نحس بك مقرون # بحيث لا يأنس مستأنس ... وحيث لا يفرج محزون # تهوي بك الأرض إلى بلدة ... ليس بها ماء ولا طين ### | محاسن الرؤيا # حدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد قال: كان المأمون يبطل الرؤيا ~~ويقول: ليست بشيء ولو كانت على الحقيقة كنا نراها ولا يسقط منها شيء، فلما ~~رأينا إنما يصح منها الحرف والحرفان من الكثير علمنا أنها باطل وأن أكثرها ~~لا يصح، وكان بعث بابنه العباس إلى بلاد الروم فأبطأ عليه خبره فصلى ذات ~~يوم الصبح وخفق وانتبه ودعا بدابته وركب وقال: أحدثكم بأعجوبة، رأيت الساعة ~~كأن شيخا أبيض الرأس واللحية عليه فروة وكساؤه في عنقه ومعه عصا وفي يده ~~كتاب فدنا مني وقد ركبت فقلت: من أنت؟ فقال: رسول العباس بالسلامة، وناولني ~~كتابه. فقال المعتصم: أرجو أن يخفق الله رؤيا أمير المؤمنين ويسره ms258 بسلامته. ~~قال: ثم نهض فوالله ما هو إلا أن خرج فسار قليلا إلا وبصر بشيخ قد أقبل ~~نحوه في تلك الحال، فقال المأمون: هذا والله الذي رأيته في منامي وهذه ~~صفته. قال: فدنا منه الرجل فنحاه خدمه وصاحوا به. فقال: دعوه. فجاء الشيخ، ~~فقال له: من أنت؟ قال: رسول العباس وهذا كتابه. قال: فبهتنا وطال منه ~~تعجبنا. فقلت: يا أمير المؤمنين أتبطل الرؤيا بعد هذه؟ قال: لا. # وحدثنا علي بن محمد قال: حدثني أبي عن محمد بن عبد الله قال: رأيت فيما ~~يرى النائم في آخر سلطان بني أمية كأني دخلت مسجد رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فرفعت رأسي ونظرت إلى الكتاب الذي فوق المحراب فإذا فيه ما أمر به ~~أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، فإذا قائل يقول: يمحي هذا الكتاب ويكتب ~~مكانه اسم رجل من بني هاشم يقال له محمد. فقلت: فأنا محمد، فابن من؟ قال: ~~ابن علي. قلت: فأنا ابن علي، فابن من؟ قال: ابن عبد الله. قلت: فأنا ابن ~~عبد الله، فابن من؟ قال: ابن عباس. فلو لم أكن بلغت العباس ما شككت أني ~~صاحب الأمر، فتحدثت بهذه الرؤيا في ذلك الدهر ولا نعرف نحن المهدي فتحدث ~~الناس بها حتى ولي المهدي فدخل مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرفع ~~رأسه فإذا اسم الوليد، وإني لأرى اسم الوليد في مسجد رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، إلى اليوم، فدعا بكرسي فألقي له في صحن المسجد، فقال: ما أنا ~~ببارح حتى يمحى ويكتب اسمي مكانه. # فأمر بأن يحضر العمال والسلاليم وما يحتاج إليه لذلك، فلم يبرح حتى غير ~~وكتب اسمه. # قال: ورأى رجل أبا دلف فيما يراه النائم فقال: ما حالك؟ فقال: # فلو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي # ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيء # قال: ورأى رجل الحجاج بن يوسف فيما يراه النائم فقال له: ما حالك؟ فقال: ~~ما أنت وذاك لا أم لك! فقال: سفيه في الدنيا ms259 سفيه في الآخرة! # PageV01P144 # وعن إسحاق بن إسماعيل بن علي قال: حدثني عمي عيسى بن علي قال: دخلت على ~~المنصور فقال: يا أبا العباس أتذكر رؤياي بالشراة؟ قلت: يا أمير المؤمنين ~~أي الرؤيا؟ قال: مثلك ينساها؟ كان يجب أن تكتبها بقلم من ذهب في رق وتوصي ~~بها بنيك وبني بنيك! قلت: فأخبرني بها يا أمير المؤمنين! قال: رأيت كأني ~~بمكة إذ فتح باب الكعبة فخرج رجل فقال: عبد الله بن محمد. فقمت وقام أخي. ~~فقال الرجل: ابن الحارثية. فدخل أخي فأبطأ هنيهة ثم خرج وفي يده لواء فخطا ~~خطى خمسا ثم سقط اللواء من يده. ثم خرج الرجل بعينه فقال: عبد الله، فقمت ~~وقام عمي عبد الله بن علي وصعد الدرجة فزحمته ببعض أركاني فسبقت فإذا بأبي ~~وإذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فقال لي الرجل: ابدأ برسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، فسلمت عليه فدعا بلواء فعقده لي ثم قال: هاك فيك وفي ولدك ~~حتى تقتلوا به الرجال. فخطوت خطى لو شئت أن أخبركم بها لأخبرتكم. # وحدثنا محمد بن يونس قال: أخبرني منصور بن أبي مزاحم عن طيفور مولى أبي ~~جعفر قال: قال المنصور: رأيت في السنة التي ولي فيها هشام بن عبد الملك ~~كأني راكب حمار أسود وعليه حمل تبن عظيم، وكان بالموصل رجل يعبر الرؤيا، ~~وحججت تلك السنة فرأيته بمنى وقصصت عليه الرؤيا. فقال: أخبرني لمن هذه ~~الرؤيا. فقلت: لرجل من أفناء الناس. قال: ما قلت الحق، اصدقني وأصدقك! ~~فقلت: لرجل من بني هاشم. قال: الآن جئت بالحق، إن صدقت الرؤيا صار صاحبها ~~خليفة. قال: فانسلكت كالهارب خوفا أن يظهر من قولي وقوله شيء. قال: فبينا ~~الربيع ذات يوم قد دخل فقال: يا أمير المؤمنين رجل بالباب معبر يستأذن. ~~قال: أدخله. فأدخله فلما رآه تبسم وقال: هذا صاحبي. فدنا منه وقبل يده. ~~فقال: أتذكر رؤياي؟ قال: نعم، وهي التي حملتني إليك. قال: كيف كنت تأولتها؟ ~~قال: قلت راكب حمار أسود والحمار جد الرجل وسواده سودد، قلت وكان ms260 على ~~الحمار تبن فقلت الحنطة والشعير يخرجان من التبن وقعد عليه ومن صار مالكه ~~فقد ملك الأقوات فهذا رجل يملك الناس. قال: لله أبوك ما أحسن ما عبرت وأسرع ~~ما صححت! وأمر له بصلة وقال: أقم عندنا وحول عيالك فإنا نأمر لك بأرزاق ~~تسعك وإياهم. ففعل ذلك. # وبلغنا عن مزاحم مولى فاطمة قالت: كنت مع عمر بن عبد العزيز وهو نائم ~~فانتبه وقال: يا فاطمة لقد رأيت رؤيا ما رأيت أحسن منها. قلت: حدثني بها يا ~~أمير المؤمنين. قال: حتى أصبح. قال: فجاء المنادي فناداه بالصلاة فقام فصلى ~~بالناس الفجر ثم رجع إلى مجلسه. فأتيته فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني ~~بالرؤيا. فقال: رأيت كأني في أرض خضراء لم أر أرضا أحسن منها، ورأيت في تلك ~~الأرض قصور زبرجد ورأيت جميع الخلائق حول ذلك القصر، فبينا أنا كذلك إذ ~~نادى مناد من القصر: أين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ فقام النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، فدخل القصر، فقلت: سبحان الله! إنا في ملإ فيهم رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، ولم أسلم عليه! فلم ألبث إلا قليلا حتى خرج المنادي ~~فنادى: أين أبو بكر الصديق؟ فقام أبو بكر، رحمه الله، فدخل، فما لبثت إلا ~~قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن الخطاب؟ فقام عمر فدخل، فقلت: ~~سبحان الله! إنا في جمع فيهم أبي ولم أسلم عليه! فما لبث إلا قليلا حتى خرج ~~المنادي فنادى: أين عثمان بن عفان؟ فقام عثمان، رحمه الله، فدخل، فما لبثت ~~إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين علي بن أبي طالب؟ فقام علي فدخل، فما ~~لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن عبد العزيز؟ فقمت فدخلت ~~فرأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، قاعدا ورأيت أبا بكر عن يمينه وعمر عن ~~يساره وعثمان وعليا بين يديه، فقلت: أين أقعد؟ لا أقعد إلا إلى جنب أبي، ~~قال: فقعدت عند عمر بن الخطاب، فرأيت فيما بين النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~وأبي بكر ms261 شابا حسن الوجه، فقلت: يا أبة من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، ~~عليه السلام. قال: فما لبثت إلا قليلا حتى سمعت مناديا ينادي: يا عمر بن ~~عبد العزيز اثبت على ما أنت عليه. قال: ثم قمت فخرجت فلم ألبث إلا قليلا ~~حتى خرج علي عثمان وهو يقول: الحمد لله الذي نصرني. ثم لم ألبث إلا قليلا ~~حتى خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: الحمد لله الذي غفر لي! ### | مساوئ الرؤيا # PageV01P145 # روي عن عمر بن حبيب القاضي أن رجلا كان بالبصرة وكانت له امرأة وله منها ~~ابنان فمات وترك لهم شاة، فرأت المرأة في النوم كأن أحد ابنيها يقول: يا ~~أمه أما ترين هذا الجدي قد أفنى علينا لبن هذه الشاة وليس بد من أن أقوم ~~فأذبحه! فقالت: لا تفعل يا بني. قال: لا بد من أذبحه. فقام فذبحه وسمطه ~~وشواه وأخرجه من التنور فقعد هو وأخوه يأكلان، فكلمه أخوه بشيء، فأخذ ~~السكين فشق بطنه، فانتبهت فزعة وإذا ابنها يقول: يا أمه أما ترين هذا الجدي ~~قد أفنى علينا لبن هذه الشاة أقوم فأذبحه؟ فقالت: لا تفعل يا بني. فجعلت ~~تتعجب من تصديق الرؤيا فأخذت بيد أخيه فدخلت بيتا وأغلقت الباب من داخل، ~~فبينا هي مفكرة مغتمة إذ غقت فرأت النبي، صلى الله عليه وسلم، في النوم، ~~فقال: ما شأنك؟ فخبرته الخبر. فنادى: يا رؤيا! فإذا الحائط قد انصدع وخرجت ~~امرأة جميلة بارعة الجمال. فقال لها النبي، صلى الله عليه وسلم: ما أردت ~~إلى هذه المسكينة؟ قالت: لا والذي بعثك بالحق نبيا ما أتيتها في منامها! ~~فنادى: يا أضغاث أحلام! فخرجت امرأة دونها. فقال: ما أردت إلى هذه ~~المسكينة؟ قالت: رأيتهم بخير فحسدتهم فأردت أن أغمهم. فقال، صلى الله عليه ~~وسلم: ليس عليك بأس. فانتبهت وأكلت مع ابنيها ولم يزالوا بخير. ### | محاسن الازكان # قال: نظر إياس بن معاوية إلى نسوة قد فزعن من بعير فأشار إليهن فقال: هذه ~~بكر وهذه حامل وهذه مرضع. فقام إليهن رجل فسألهن ms262 فكن كما قال. فقيل له: كيف ~~علمته؟ قال: رأيتهن لما فزعن وضعت كل واحدة منهن يدها على أهم المواضع ~~إليها، فوضعت الحامل يدها على بطنها، ووضعت المرضع يدها على ثديها، ووضعت ~~البكر يدها على قبلها. # قال: ونظر إياس يوما إلى رجل متأبط شيئا فقال: معه سكر وقد ولد له غلام. ~~فاتبعه الرجل فسأله فإذا هو كما قال. فقيل له في ذلك، فقال: رأيت الذباب قد ~~أطافت به فقلت معه حلاوة وهو سكر، ورأيته نشيطا فقلت ولد له غلام. ### | مساوئ الازكان # قال: واستقبل إياس رجلا فقال: خذوه فإنه سرق وسيأتي من يطلبه. فأخذوه فلم ~~يتجاوز ساعة حتى جاء قوم يطلبونه فأخذوه فقيل له في ذلك، فقال: رأيته يرعد ~~ويعدو مدلها متغير اللون يكثر الالتفات فزكنت فيه هذا وأنه لص. # قال: ورأى رجلا على عاتقه جرة عسل فقال: فيها سم أو حية. فنظروا فإذا ~~حية، فسئل عن ذلك فقال: رأيت الذباب تحوم حوله ولا تسقط عليه فعلمت أنه حية ~~أو سم. ### | محاسن الفأل والزجر # حدثنا الحسن بن وهب قال: حدثني صالح بن علي بن عطية قال: كان المنصور ~~ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم ونذر دمه فيها وأجله ثلاثة أيام. ~~فقال خالد ليحيى ابنه: إني قد طولبت بما ليس عندي وإنما يراد بذلك دمي ~~فانصرف إلى حرمتك وأهلك فما كنت فاعلا بعد موتي فافعله، ثم قال: يا بني ولا ~~يمنعنك ذلك من أن تلقى إخواننا فتعلمهم حالنا. قال يحيى: فأتيت إخوان والدي ~~فمنهم من جبهني بالرد ثم بعث إلي بمال جليل، ومنهم من لم يأذن لي وبعث بمال ~~في أثري لكيلا يخبر به المنصور. قال: فدخلت على عمارة بن حمزة وهو مقابل ~~بوجهه إلى الحائط فسلمت فرد ردا ضعيفا. قال يحيى: فضاقت بي الأرض، ثم كلمته ~~فيما كنت أتيته فيه. فقال: إن أمكننا شيء فسيأتيك. # فانصرفت عنه وصرت إلى أبي فأعلمته ذلك وقلت: أراك تثق من عمارة بما لا ~~يوثق به. فوالله إني لفي ذلك الحديث إذ طلع علينا رسول ms263 عمارة بمائة ألف ~~درهم ورسول صاحب المصلى بمائة ألف درهم ورسول مبارك التركي بمائتي ألف ~~درهم. فجمعنا في يومين ألفي ألف درهم وسبع مائة ألف درهم وبقيت ثلاثمائة ~~ألف درهم، فتعذر ذلك. قال يحيى: فوالله إني لمار بالجسر مهموما مغموما إذ ~~وثب إلي زاجر فقال: فرخ الطير قف أخبرك! فطويته ولم ألتفت إليه، فلحقني ~~وتعلق بي. فقلت: ويحك اذهب عني فإني مشغول عنك! فقال: أنت والله مهموم ~~ووالله ليفرجن همك وتمن باللواء غدا في هذا الموضع بين يديك. فأقبلت أعجب ~~من قوله. فقال لي: إن كان ذلك فلي عليك خمسة آلاف درهم! قلت: نعم. ولو قال ~~خمسين ألف درهم لقلت نعم لبعد ذلك عني. # PageV01P146 # ثم مضيت فوالله ما انصرفت حتى ورد على المنصور الخبر بانتقاض أمر الموصل ~~وانتشار الأكراد بها. فقال المنصور: ويحكم من لها! وكان المسيب بن زهير عند ~~المنصور وكان صديقا لخالد فقال: عندي والله من يكفيكه وأنا أعلم أنك ~~ستلقاني بما أكره ولكني لا أدع على حال نصحك، فقال المنصور: قل فلست أرد ~~عليك. قال: يا أمير المؤمنين ما ترميها بمثل خالد. فقال المنصور: ويحك ~~وتراه يصلح لنا بعد ما أتيناه إليه؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين وأنا زعيمه ~~بذلك والضامن عليه. فتبسم المنصور وقال: صدقت والله ما لها غيره، فليحضر ~~غدا. فأحضر فصفح له عن الثلاث المائة الألف الدرهم الباقية عليه وعقد له. # قال يحيى: فنمر والله بالزاجر واللواء بين يدي، فلما رآني قال: أنا ها ~~هنا أنتظرك منذ غدوة! قال: فتبسمت إليه فقال: امض. فمضى معي ودفعت إليه ~~الخمسة الآلاف الدرهم. ### | مساوئ الفأل # قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: حضرت مجلس المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين ~~ألا أحدثك عن الفضل بن يحيى؟ قال: بلى. فقلت: دخلت دار الرشيد وإذا الفضل ~~بن يحيى وإسماعيل بن صبيح وعبد الملك بن صالح في بعض تلك الأروقة يتحدثون، ~~فلما بصر بي الفضل أومأ إلي وقال: يا إسحاق انتظرناك منذ الغداة لتساعد على ~~ما نحن فيه من المذاكرة! فقلت: يا سيدي ms264 أنا السكيت إذا أجريت الجياد وفاز ~~السابق والمصلي. فقال: هيهات عندها مدحت نفسك ولما تكذب. # فلما فرغ عبد الملك من حديثه قال الفضل: إن لقس حديثا سمعته من الخليل بن ~~أحمد فهل عند واحد منكم له ذكر؟ فسكت القوم. فقلت: يا سيدي ما نعرف له ~~حديثا إلا حديث خطبته بعكاظ. قال: ذاك شيء قد فهمته العامة واختبرته ~~الخاصة. ثم أطرق ساعة. فقلنا: إن رأيت أن تحدثنا. فقال: حدثني الخليل بن ~~أحمد أن قيصر ملك الروم بعث إلى قس بن ساعدة أسقف نجران وكان حكيما طبيبا ~~بليغا في منطقه، فلما دخل عليه ومثل بين يديه حمد الله وأثنى عليه، فأمره ~~بالجلوس فجلس، فرحب به وأدنى مجلسه وقال: ما زلت مشتاقا إليك معما أحببت من ~~مناظرتك في الطب. فكان أول ما سأله عن الشراب لعجبه به، فقال: أي الأشربة ~~أفضل عاقبة في البدن؟ قال: ما صفا في العين واشتد على اللسان وطابت رائحته ~~في الأنف من شراب الكرم. قال: فما تقول في مطبوخه؟ قال: مرعى ولا كالسعدان. ~~قال: فما تقول في نبيذ الزبيب؟ قال: ميت أحيي وفيه بعض المتعة وما يكاد ~~يقوى شيء بعد الموت. قال: فما تقول في نبيذ العسل؟ قال: نعم شراب الشيخ ~~للابردة والمعدة الفاسدة. قال: فما تقول في أنبذة التمر؟ قال: أوساخ يطيب ~~مذاقها في اللهوات وتسوء عاقبتها في البدن وتولد الأرواح في البطن لرقتها. ~~قال: فمن أي شيء يكون الثمل الذي يذهب الغم ويطيب النفس؟ قال: زعموا أن ~~العقل تصعده سورة الشراب إلى الدماغ الذي هو أصله بقوة الروح الذي جعل فيه، ~~فإذا صعدت السورة إلى الدماغ الذي هو أصله فاحتوت عليه حتى تغشاه حجب العقل ~~عن منافعه فاحتجب البصر بغير عمى والسمع بغير صمم واللسان بغير خرس، ~~والدليل على ذلك أن السكران لا يرى في نومه شيئا ولا تصيبه جنابة فلا يزال ~~العقل كذلك محتجبا حتى تفكه الطبيعة من إسار السكر إما بقوة فيعجل وإما ~~بضعف فيبطيء. قال: فمن أي شيء الخمار من بعد صحو السكران؟ ms265 قال: من إعياء ~~الطبيعة عن مجاهدة السورة في افتكاك العقل وتخلصه حتى يردها النوم إلى هدوء ~~وما أشبهه. قال: الصرف أفضل أم الممزوج؟ قال: الصرف سلطان جائر والجائر ~~مستفسد مذموم والممزوج سلطان عادل والعادل مستصلح محمود. قال: فصف لي ~~الأطعمة. قال: الأطعمة كثيرة مختلفة وجملة ما آمرك به الإمساك عن غاية ~~الإكثار فإن ذلك من أفضل ما بلوناه من الأدوية ورأس ما نأمر به من الحمية. # PageV01P147 # قال له: عمن حملت الحكمة؟ قال: عن عدة من الفلاسفة. قال: فما أفضل ~~الحكمة؟ قال: معرفة المرء بقدره. قال: فما تقول في الحلم؟ قال: حلم الإنسان ~~ماء وجهه. قال: فما تقول في المال وفضله؟ قال: أفضل المال ما أعطي منه ~~الحق. قال: فما أفضل العطية؟ قال: أن يعطى قبل السؤال. قال: فأخبرني عما ~~بلوت من الزمان وتصرفه ورأيت من أخلاق أهله. قال: بلونا الزمان فوجدناه ~~صاحبا ولا يعتب من عاتبه، ووجدنا الإنسان صورة من صور الحيوان يتفاضلون ~~بالعقول، ووجدنا الأحساب ليست بالآباء والأمهات ولكنها هي أخلاق محمودة، ~~وفي ذلك يقول، أو قال أقول: # لقد حلبت الزمان أشطره ... ثم محضت الصريح من حلب # فلم أر الفضل والمعال في ... قول الفتى إنني من العرب # حتى نرى ساميا إلى خلق ... يذود محموده عن النسب # ما ينفع المرء في فكاهته ... من عقل جد مضى وعقل أب # ما المرء إلا ابن نفسه فبها ... يعرف عند التحصيل للنوب # حتى إذ المرء غال مهجته ... ألفيته تربة من الترب # ووجدنا أبلغ العظات النظر إلى محل الأموات، وأحمد البلاغة الصمت، ووجدنا ~~لأهل الحزم حذارا شديدا وبذلك نجو من المكروه، والكرم حسن الاصطبار، والعز ~~سرعة الانتصار، والتجربة طول الاعتبار، قال: خبرني هل نظرت في النجوم؟ قال: ~~ما نظرت فيها إلا فيما أردت به الهداية ولم أنظر فيما أردت به الكهانة، وقد ~~قلت في النجوم: # علم النجوم على العقول وبال ... وطلاب شيء لا ينال ضلال # ماذا طلابك علم شيء أغلقت ... من دونه الأفلاك ليس ينال # هيهات ما أحد بغامض قدره ... يدري كم الأرزاق والآجال # إلا ms266 الذي فوق السماء مكانه ... فلوجهه الإكرام والإجلال # قال: فهل نظرت في زجر الطير؟ قال: نحن معاشر العرب مولعون بزجر الطير. ~~قال: فما أعجب ما رأيته منه؟ قال: شخصت أنا وصاحب لي من العرب إلى بعض ~~الملوك فألفيناه يريد غزو قوم كانوا على دين النصرانية فخرج حتى إذا كان ~~على فراسخ من مدينته أمر بضرب فساطيطه وأروقته لتتوافى إليه جنوده وضرب به ~~فسطاط على شاطيء نهر وأمر بخباء فضرب لي ولصاحبي، فبينا نحن كذلك إذ أقبل ~~طائران أسود وأبيض وأنا وصاحبي نرمقها حتى إذا كانا رأسه رفرفا وشرشرا ثم ~~غابا ثم رجعا أيضا حتى إذا كانا قريبا منه طوياه ثم أقبلا نحونا فوقفا ثم ~~رتعا. فقال صاحبي: ما رأيت كاليوم طائرين أعجب منهما فأيهما أنت مختار؟ ~~فقلت: الأسود. قال: الأبيض أعجبهما إلي، فما تأولتهما؟ قلت: الليل والنهار ~~يطويان هذا الرجل في سفره فيموت، وتأولت اختيارك الأبيض أنك تنصرف بيد ~~بيضاء مخفقة من المال. فإذا هو قد غضب. فلما جن الليل بعث إلينا الملك ~~لنسمر عنده فإذا صاحبي قد أخبره بالخبر، فسألني فأخبرته وصدقته. فغضب وقال: ~~هذه حمية منك لأهل دينك. فقلت: أما أنا فقد صدقتك. فأمر بحبسي ومضى لوجهه، ~~فلم يتجاوز إلا قليلا حتى مات، فأوصى لي بعشرين ناقة وقال: قاتل الله قسا! ~~لقد محضني النصيحة. فانصرفت من سفري ذلك بعدة من الإبل وانصرف صاحبي مخفقا ~~من المال. # قال الملك: وما رأيت أيضا من الزجر أعجب؟ قلت: رأيت مرة عند الملك الهمام ~~أبي قابوس وقد خرج عليه خارج من مضر يريد ملكه وقد حشد له فبعث إلى بعض ~~عماله في توجيه أربعمائة فارس ووجهني مع الرسول وأمرنا بالشد على أيديهم في ~~جمع الخيل والرجال، وكان الرسول شاعرا، فبينا نحن نسير إذ سنحت لنا ظباء ~~أعنز فيها تيس يقدمها، وكان أبو قابوس يواعد للقائه في يوم كذا وكذا، فنحن ~~نقول إن كان الملك قد خرج في يوم كذا فهو اليوم في موضع كذا وقد أقبلنا ~~ونحن نقود جيشا عرمرما، فأنشأ الرسول يقول: ms267 # ألا ليت شعري ما تقول السوانح ... أغاد أبو قابوس أم هو رائح # قال: فنظرت إلى التيس عند فراغه من هذا البيت قد دخل في مكنسه حتى توارى ~~فيه، فدخلني من ذلك ما لم أقدر على أن أمسك نفسي حتى استرجعت. # PageV01P148 # فقال لي رفيقي: ما لك؟ قلت: إن صدق الزجر فصاحبك قد ثوى في التراب والتحف ~~عليه أطباق الثرى. قال: كيف ذلك؟ قلت: وافق فراغك من البيت دخول التيس في ~~مكنسه. فأعرض عني فلما أصبحت في اليوم الذي واعدنا للقائه لم يواف ولم يكن ~~بأوشك من أن أتانا الخبر بهلاكه وقعود ابنه، فأكرمه قيصر وأحسن جائزته. # قلنا: أيد الله الوزير! لقد بلغت باستحقاق ولقد حزت قصبة الرهان في كل ~~منقبة. فتبسم وقال: عز الشريف أدبه. وإذا رسول الرشيد قد وافاه فنهض نحوه ~~وتصدع المجلس وانصرفنا. فلما مضى من الليل بعضه إذ أنا بطارق قد طرقني وبين ~~يديه غلمان على أعناقهم البدر وإذا رسول الفضل وقد حمل إلي مائة ألف درهم ~~وقال: الوزير يقرأ عليك السلام ويقول: ضجرت باستماع الحديث وأوجبت علي بذلك ~~منة وهذه صلة وتحة في جنب قدرك عندي فخذها ولا تعتد بها. فقلت: سبحان الله ~~الذي خلق هذا الرجل وجبله على كرم بذ به من مضى ومن غبر! وإذا هو قد وجه ~~إلى أصحابي الذين كانوا معي بمثل الذي وجه به إلي، فغدوت إليه وأردت أن ~~أشكره فقال: والله لئن ذهبت تكشف ما ستر الله لأجفونك! فكأنما ألقمني بذلك ~~حجرا، فاحتبسني عنده فطعمت وشربت ورحت وقد حملني على عدة أفراس بسروج مذهبة ~~ولجم مذهبة ووجه معي بعشرة تخوت ثياب وعشر بدر. قال فقال المأمون: ويحك يا ~~إسحاق! ثواب حديثك ضعف ما أمر لك به الفضل وقد أمرت لك بمائة ألف درهم. ~~فقبضت ذلك وانصرفت. # قال: وكان محمد بن حازم قال قصيدته التي يقول فيها: # فيا شامتا مهلا فكم من شماتة ... تكون لها العقبى لقاصمة الظهر # فاعتل محمد ولم يكن يرثه إلا أخوه وكان بسر من رأى، فوجهت إليه جاريته ms268 ~~تعلمه بشدة علته، فقدم أخوه ومحمد لمآبه فأدخل الجارية بيتا في الدار ~~ووطئها قبل وفاة أخيه. فلما مات حمل المال والأثاث والجارية إلى منزله بسر ~~من رأى وأخذ في الشراب، فانصرف ليلة ثملا فأراد المبيت على سطح الدار فمنع ~~من ذلك فامتنع، فلما صار في أعلى الدرجة سقط وانقصف ظهره فجعلنا نتذاكر شعر ~~أخيه. # قيل: ووفدت عزة كثير على عبد الملك بن مروان، فلما دخلت سلمت فرد عليها ~~السلام ورحب بها وقال: ما أقدمك يا عزة؟ قالت: شدة الزمان وكثرة الألوان ~~واحتباس القطر وقلة المطر. قال: هل تروين لكثير: # وقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير # قالت: لا أروي له هذا، ولكني أروي له قوله: # كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت # فقال: ما كنت لتصيري إلى حاجة أو تهبي نفسك لي فأزوجك منه. # قالت: الأمر إليك يا أمير المؤمنين، ما كنت لأزهد في هذا الشرف الباقي لي ~~ما دامت الدنيا أن يكون أمير المؤمنين وليي. فعظم بذلك قدرها عنده وأمر لها ~~بمال وكتب إلى كثير وهو بالكوفة: أم اركب البريد وعجل فإني مزوجك عزة. ~~فأتاه الكتاب وهو مضنى من الشوق إليها فرحل فأقبل نحوها، فلما كان في بعض ~~الطريق إذا هو بغراب على شجرة بانة وإذا هو ينتف ريشه ويطايره، وكان شديد ~~الطيرة، فلما رآه تطير وهم بالانصراف ثم غلبه شوقه فمضى وهو مكروب لما رأى، ~~حتى أتى ماء لبني نهد، فإذا هو برجل يسقي إبله فنزل عن راحلته واستظل بشجرة ~~هناك فأبصر النهدي، فأتاه وسأله عن اسمه ونسبه فانتسب، فرحب به، فأخبره عما ~~رأى في طريقه، فقال: أما الغراب فغربة، وأنا البانة فبين، وأما نتف ريشه ~~ففرقة. فاستطير لذلك، ومضى حتى دنا من دمشق فإذا بجنازة فاستعبر وقال: أسأل ~~الله خير ما هو كائن! فسأل عن الميت فإذا هي عزة، فخر مغشيا عليه، فعرف وصب ~~عليه الماء فكان مجهوده أن بلغ القبر، فلما دفنت انكب على القبر وهو ms269 يقول: # سراج الدجى ضمر الحشى منتهى المنى ... كشمس الضحى نوامة حين تصبح # إذا ما مشت بين البيوت تخزلت ... ومالت كما مال النزيف المرنح # تعلقت عزا وهي رؤد شبابها ... علاقة حب كاد بالقلب يرجح # أقول ونضوي واقف عند رمسها ... عليك سلام الله والعين تسفح # فهلا فداك الموت من أنت دونه ... ومن هو أسوأ منك ذلا وأقبح # على أم بكر رحمة وتحية ... لها منك والنائي يود وينصح # PageV01P149 # منعمة لو يدرج الذر بينها ... وبين حواشي بردها كاد يجرح # وما نظرت عيني إلى ذي بشاشة ... من الناس إلا أنت في العين أملح # ثم بكى حتى غشي عليه، فأفاق وهو يقول: # ما أعيف النهدي لا در رده ... وأزجره للطير لا طار طائره # رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ... ينتف أعلى ريشه ويطايره # فقال غراب اغتراب من النوى ... وبانة بين من حبيب تعاشره # ثم لم يزل باكيا حتى أدركه الموت ولم ير ضاحكا بعدها، وقيل فيه من الشعر: # تنادى الطائران ببين سلمى ... على غصنين من غرب وبان # فكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغتراب غير داني # أخذه أبو الشيص فقال: # أشاقك والليل ملقي الجران ... غراب ينوح على غصن بان # أحص الجناح شديد الصياح ... يبكي بعينين ما تدمعان # وفي نعبات الغراب اغتراب ... وفي البان بين بعيد التداني # ولآخر: # أقول يوم تلاقينا وقد سجعت ... حمامتان على غصنين من بان # الآن أعلم أن الغصن لي غصص ... والبان بين قريب عاجل داني # فقمت تخفضني أرض وترفعني ... حتى وثبت وهذا السير إزكاني # ولآخر: # أقول وقد صاح ابن دأية غدوة ... بوشك النوى لا أخطأتك الشوابك # أفي كل يوم رائعي منك روعة ... ببينونة الأحباب عرسك فارك # فلا بضت في خضراء ما عشت بيضة ... وضاقت برحبيها عليك المسالك ### | محاسن الشعر في هذا الفن # لبعضهم: # وقالوا عقاب قلت عقبى لهم من النوى ... دنت بعد شحط منهم ونزوح # وقالوا حمام قلت حم لقاؤها ... وعادت لنا ريح الوصال تفوح # وقالوا دم دامت مودة بيننا ... وطلح فنيلت والمطي طلوح # وقالوا تغنى هدهد فوق أيكة ... فقلت هدى تغدو بنا ms270 وتروح # وحكي عن النعمان بن المنذر أنه خرج يتصيد ومعه عدي بن زيد فمر بآرام، وهي ~~القبور، فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: لا. قال: ~~إنها تقول: # أيها الركب المخبو ... ن على الأرض تمرون # فكما كنتم فكنا ... وكما نحن تكونون # قال: أعد. فأعاد، فرجع كئيبا وترك صيده. قال: ثم خرج معه خرجة أخرى فوقف ~~على آرام بظهر الكوفة، فقال: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: ~~لا. قال: فإنها تقول: # رب ركب قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال # ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال # فانصرف وترك صيده. # عبد الله بن مسلم قال: حدثت عن معاوية أنه سأل عبيد بن شرية الجرهمي عن ~~أعجب شيء رآه فقال: نزلت بحي من قضاعة في الجاهلية فأخرجوا جنازة لرجل من ~~بني عذرة فخرجت معهم حتى إذا واروه تنحيت جانبا وعيناي تذرفان ثم تمثلت ~~بأبيات من شعر كنت رويتها قبل ذلك الزمان: # استقدر الله خيرا وارضين به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير # وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير # يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور # حتى كأن لم يكن إلا تذكره ... والدهر أيتما حال دهارير # قال: وإلى جانبي رجل يسمع ما أقول، فقال: أتدري من قائل هذه الأبيات؟ ~~قلت: لا والله. قال: والذي يحلف به أنه لصاحب هذا القبر وهذا ذو قرابته أسر ~~الناس بموته وأنت الغريب تبكي عليه! فعجبت مما ذكره في شعره والذي صار إليه ~~من قوله كأنه نظر إلى نفسه بعد موته. # قال: ولما بعث أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، خالد بن الوليد إلى أهل ~~الردة انتهى إلى حي من تغلب فأغار عليهم وقتلهم، وكان رجل منهم جالسا على ~~شراب له وهو يغني بهذه الأبيات: # ألا عللاني قبل جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريب وما ندري # PageV01P150 # فوقف عليه رجل من أصحاب خالد فضرب عنقه وإذا رأسه في الجفنة التي كان ~~يشرب منها، ولذلك ms271 قيل: # إن البلاء موكل بالمنطق # وحدثنا الحسين بن الضحاك قال: شهدت الواثق وكان قاعدا في مجلس كان أول ~~مجلس قعده فكان أول ما تغنى من الغناء في ذلك المجلس صوت إبراهيم بن المهدي ~~فغنت به شارية جارية إبراهيم: # ما درى الحاملون يوم استقلوا ... نعشة للثواء أم للقاء # فلتقل فيك باكيات كما شئ ... ن صباحا وعند كل مساء # قال: فبكى والله وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه، ثم اندفع ~~بعض المغنين فغنى: # ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل # قال: فازداد والله في البكاء، ثم قال: أسمعت كاليوم قط تعزية بأب ونعي ~~نفس؟ ثم ارفض ذلك المجلس. # وحدثنا ابن المكي عن أبيه قال: قال محمد الأمين في آخر أيامه: يا مكي ~~والله أحب أن أقعد يوما قبل أن يحال بيننا وبين ما نريد. فقلت: يا أمير ~~المؤمنين افعل ذلك، فقال: اغد علي في غد. قال: فانصرفت وغدا علي رسوله في ~~السحر فجئت إليه وهو في صحن داره وعليه جبة وشي مذهبة تأتلق وعمامة مثلها ~~ما رأيت لأحد قط مثل ذلك وتحته كرسي من ذهب مرصع بالجوهر. # فدعا بكرسي فجلست عليه عن يساره. ثم قال لخادم على رأسه: ادع لي فلانة ~~وفلانة، حتى عد أربع جوار ما منهن جارية إلا وأنا أعرف حذقها وجودة غنائها. ~~فخرجن وجلسن عن يمينه. ثم قال: يا غلام علي برطل، فأتي برطل وقدح بلور مكلل ~~بالجوهر. فالتفت إلى التي تليه فقال لها: غني، فضربت ضربا حسنا وتغنت بشعر ~~الوليد بن عقبة بن أبي معيط: # هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما قتلت كسرى بليل مرازبه # بني هاشم ردوا سلاح أخيكم ... ولا تنهبوه لا تحل مناهبه # قال: فرمى بالقدح في وسط الدار ثم قال: لعنك الله! ما هذا؟ قالت: لا ~~والله يا سيدي ما جاء على لساني غير هذا. ثم التفت إلى الغلام فقال: اسقني. ~~فأتاه بقدح مثل الأول. وقال للأخرى: غني. فغنت ما قيل في كليب وائل: # كليب لعمري كان أكثر ناصرا ms272 ... وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم # فرمى بالقدح في صحن الدار وكسره ثم قال: يا غلام علي برطل. وقال للثالثة: ~~غني، فغنت: # أتقتل عمرا لا أبا لك شاردا ... وتزعم بعد القتل أنك هارب # فلو كنت بالأقطار ما فت ضربتي ... وكيف تفوت الحين والدم طالب # قال: فرماها بالقدح وقال: يا غلام علي برطل. وقال للرابعة: غني. فغنت: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر # بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العوائر # قال: فالتفت إلي وقال: قد سمعت هذا أمر يريده الله جل وعز. قال: فما مضت ~~أيام حتى رأيت رأسه بين شرفتين من شرف قصره. ### | محاسن ترك التطير # روي عن عكرمة قال: كنا جلوسا عند ابن العباس وابن عمر فمر طائر يصيح، ~~فقال رجل من القوم: خير! فقال ابن العباس: لا خير ولا شر، وأنشد في مثله: # ما فرق الأحباب بع ... د الله إلا الإبل # والناس يلحون غرا ... ب البين لما جهلوا # وما على ظهر غرا ... ب البين تطوى الرحل # ولا إذا صاح غرا ... ب في الديار احتملوا # وما غراب البين إ ... لا ناقة أو جمل # ولآخر: # أترحل عمن أنت صب بمثله ... وتلحى غراب البين إنك ذو ظلم # أقم فغراب البين غير مفرق ... ولا نازل إلا على أفضل الحكم # ولآخر: # غلط الذين رأيتهم بجهالة ... يلحون كلهم غرابا ينعق # ما الذنب إلا للجمال فإنها ... مما يشتت جمعهم ويفرق # إن الغراب بيمنه يدني النوى ... وتشتت الشمل الجميع الأينق ### | محاسن المواعظ # PageV01P151 # قال: وحكي عن الأوزاعي قال: بعث إلي المنصور فقال: لم تبطيء عنا؟ قلت: ~~وما تريد منا؟ قال: لآخذ عنكم وأقتبس منكم. فقلت له: مهلا فإن عروة بن رويم ~~أخبرني أن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، قال: من جاءته موعظة من ربه ~~فقبلها شكر الله له ذلك، ومن جاءته فلم يقبلها كانت حجة عليه يوم القيامة، ~~مهلا فإن مثلك لا ينبغي له أن ينام. إنما جعلت الأنبياء رعاة لعلمهم ~~بالرعية يجبرون الكسير ويسمنون الهزيلة ويردون الضالة فكيف ms273 من يسفك دماء ~~المسلمين ويأخذ أموالهم! أعيذك بالله أن تقول إن قرابتك من رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، تدعوك إلى الجنة، إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كانت ~~في يده جريدة يستاك بها فضرب بها قرن أعرابي فنزل عليه جبريل، عليه السلام، ~~فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى لم يبعثك جبارا مؤيسا مقنطا تكسر قرون ~~أمتك، ألق الجريدة عن يدك، فدعا الأعرابي إلى القصاص من نفسه فكيف بمن يسفك ~~دماء المسلمين؟ إن الله عز وجل أوحى إلى من هو خير منك إلى داود، عليه ~~السلام: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق. وأوحى ~~إليه: يا داود إذا أتاك الخصمان فلا يكونن لأحدهما على صاحبه الفضل فأمحوك ~~من ديوان نبوتي. # اعلم أن ثوبا من ثياب أهل النار لو علق بين السماء والأرض لمات أهل الأرض ~~من نتن ريحه، فكيف بمن تقمصه؟ ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبال ~~الدنيا لذابت كما يذوب الرصاص حتى تنتهي إلى الأرض السابعة، فكيف بمن ~~تقلدها؟ قال: ودخل عمرو بن عبيد على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين إن ~~الله عز وجل يقفك ويسائلك عن مثقال ذرة من الخير والشر، وإن الأمة خصماؤك ~~يوم القيامة، وإن الله جل وعز لا يرضى منك إلا ما ترضاه لنفسك، ألا وإنك لا ~~ترضى لنفسك إلا بأن يعدل عليك وإن الله جل وعز لا يرضى منك إلا بأن تعدل ~~على الرعية، يا أمير المؤمنين، إن وراء بابك نيرانا تتأجج من الجور، والله ~~ما يحكم وراء بابك بكتاب ولا بسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، قال: فبكى ~~المنصور. فقال سليمان بن مجالد وهو واقف على رأس المنصور: يا عمرو قد شققت ~~على أمير المؤمنين! فقال عمرو: يا أمير المؤمنين من هذا؟ قال: أخوك سليمان ~~بن مجالد. قال عمرو: ويلك يا سليمان! إن أمير المؤمنين يموت وإن كل ما تراه ~~ينفد وإنك جيفة غدا بالفناء لا ينفعك إلا عمل صالح قدمته، ولقرب هذا الجدار ms274 ~~أنفع لأمير المؤمنين من قربك إذ كنت تطوي عنه النصيحة وتنهى من ينصحه، يا ~~أمير المؤمنين إن هؤلاء اتخذوك سلما إلى شهواتهم. قال المنصور: فأصنع ماذا؟ ~~ادع لي أصحابك أولهم! قال: ادعهم أنت بعمل صالح تحدثه ومر بهذا الخناق ~~فليرفع عن أعناق الناس واستعمل في اليوم الواحد عمالا كلما رابك منهم ريب ~~أو أنكرت على رجل عزلته ووليت غيره، فوالله لئن لم تقبل منهم إلا العدل ~~ليتقربن به إليك من لا نية له فيه. # وحدث محمد بن عبد الله قال: قال المنصور لجعفر بن حنظلة البهراني: عظني. ~~قال فقلت: يا أمير المؤمنين أدركت عمر بن عبد العزيز سنتين لم يتخذ مالا ~~ولم ينشيء عينا ولم يستخرج أرضا ولم يضع لبنة على لبنة ولا أحصي كم من ولده ~~تحمل الحمالات وحمل على الخيل، وولي هشام بن عبد الملك ثماني عشرة سنة ما ~~منها سنة إلا وهو ينشيء فيها عيونا ويتخذ فيها أموالا ويقطع لولده القطائع، ~~ولا أعرف اليوم من ولده رجلا يشبع. فقال: والله لقد وعظت وأحسنت. قال جعفر: ~~ففرحت أن نجعت عظتي في أمير المؤمنين. قال: فأطرق ساعة ثم قال: يا غلام ادع ~~لي سليمان بن مجالد. فدعاه فقال: يا سليمان علق أصحاب قيليا بأرجلهم حتى ~~يؤدوا ما عليهم. وكان قد جعلها لصالح ابنه، فعلمت أن عظتي لم تنفع قليلا ~~ولا كثيرا. # PageV01P152 # وحدث محمد بن عبد الله الخراساني قال: حدثني المفضل الضبي قال: سمعت ~~المسيب بن زهير يقول: بينا المنصور يطوف بالبيت وأنا قدامه إذا رجل مستلم ~~الركن فقلت له: تنح فقد جاء أمير المؤمنين، كرتين أو ثلاثا، فلم يبرح حتى ~~رمقه المنصور وسمعه وهو يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور الجور والبغي ~~والفساد في الأرض وما يحول بين المرء وقلبه من الطمع. فلما سمعه قال لي: يا ~~مسيب علي بالرجل. فقلت له: أما إذ قد ابتليت بك فأجب. قال: حتى أتم طوافي. ~~فلما أتم طوافه قلت له: أجب الآن فقد فرغت من طوافك، قال: حتى أصلي ركعتين. ~~قلت: نعم ms275 فصل. فصلى ركعتين ثم أدخلته على المنصور، فلما رآه قال: السلام ~~عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! قال: وعليك السلام، ما هذا ~~الكلام الذي سمعتك تلفظ به آنفا عند الركن؟ قال: أوسمعته يا أمير المؤمنين؟ ~~قال: نعم. قال: هو ذاك، ألست بان عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ألست ~~الخليفة ما بقيت غاية إلا وقد بلغتها، أتطمع أن تنال ما عند الله جل وعز ~~بما أنت فيه؟ قال: وفيما أنا؟ قال: أخبرك بما لا تقدر أن تدفعه. قال: وما ~~هو؟ قال: عمدت إلى الطين فأوقدت عليه فصيرت منه الآجر قم عمدت إلى الرمل ~~وأوقدت عليه فصيرت منه الجص وصيرت بعضه فوق بعض فبنيت لك منها الحصون ~~المشيدة والقصور العالية ثم غلقت عليها أبواب الحديد فاحتجبت عن الناس ~~أجمعين ثم أقعدت على الأبواب أقواما عبدوك من دون الله. # فلما قال له ذلك استوى جالسا ثم قال: أنا! قال: نعم أنت، أما سمعت الله ~~جل ذكره يقول: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ما صلوا لهم ولا ~~صاموا ولكنهم أمروهم فأطاعوهم في كل ما أرادوا ولم يخالفوهم، فكانت تلك ~~ربوبتهم؟ ثم اتخذت بطانة يسيرة وقلت لا يدخل علي فلان وفلان، فرفع أولئك ~~إليك من أمور المسلمين ما هان عليهم وخف عليك، فإذا جاء المظلوم إلى الباب ~~لم يصل إليك فصار إلى بعض من يصل إليك فقال ارفع قصتي هذه إلى أمير ~~المؤمنين، قال: نعم، فدفعها إليه فإذا هو يتظلم من بعض من يصل إليك، فأرسل ~~إليه الظالم الذي ظلم صاحب القصة: والله لئن رفعت قصة فلان إلى أمير ~~المؤمنين لأرفعن قصة فلان الذي ظلمته في كذا وكذا، فأمسك القصة ولم يرفعها، ~~فعند ذلك اقتطعت حقوق الناس دونك وأنت محصور في قصرك تظن أنك في شيء أو على ~~شيء والناس وراء بابك يقتلون ويؤكلون. # والله لقد دفعت إلى جزيرة من جزائر البحر وإذا ملك تلك البلاد مشرك وصنمه ~~في كمه وتسمى البلاد الصين فرأيته ذات يوم وهو يبكي في مجلسه، ms276 فقام إليه ~~وجوه مملكته فقالوا: ما يبكيك أدام الله ملكك وأعزك أيها الملك، أليس قد ~~مكن الله لك، أليس قد مهد الله لك؟ قال: أبكي الصمم قد اعتراني أخاف أن لا ~~أسمع صوت مظلوم وصارخ بالباب، ألا وقد آليت عليكم أن لا يركب منكم الفيل ~~ولا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم حتى أعرفه. قال: فلقد والله رأيته يركب ~~بالغداة والعشي يتصفح الوجوه هل يرى مظلوما فينصفه، فهذا لا يعرف الله جل ~~وعز ولا يريد بذلك رفعة عند الله جل وعز ولا زلفى لديه ولا رجاء ثواب ولا ~~مخافة عقاب ولكن شفقة على ملكه وخوفا من أن ينتشر عليه أمره فيخاف أن يذهب ~~ملكه، وهو مشرك يفعل هذا ويتفقده من نفسه ورعيته، وأنت ابن عم رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، وكنت أولى بهذا الفعل من ذلك المشرك! قال: صدقت قد ~~عرفت الذي قلت وفهمت ما وصفت والأمر على ما ذكرت، ولكن كيف أصنع وقد بليت ~~بأمر الأمة ودعوت الفقهاء فلانا وفلانا على أن أستعين بهم على ما أنا فيه ~~فهربوا مني؟ قال: إنهم لم يهربوا منك ولكن لم يعلموا أنك تريدهم للعمل ~~بالحق وكان العمل معك ومعونتك أوجب عليهم من الصلاة والصيام والحج والنوافل ~~ولكنهم هربوا خوفا على أبدانهم من عذاب الله وذلك أنهم تخوفوا أن تحملهم ~~على مثل رأيك. قال المنصور: فهذا عمي عيسى بن علي الضامن علي أنك إن تأتيني ~~بهم أطلقت أيديهم في إنصاف الناس ولا أخالف أمرهم. فقال الرجل: أكذا يا ~~عيسى أنت الضامن على ما قال الخليفة؟ قال: نعم. قال: الله، حتى قالها ~~ثلاثا. قال: وأقيمت الصلاة فافترقنا، فلما صلينا طلب الرجل فلم يوجد فكانوا ~~يرون أنه الخضر، عليه السلام، أو ملك أرسل إليه. # PageV01P153 # وحكي عن الحجاج قال: حججت فنزلت ضرية فإذا أعرابي قد كور عمامته على رأسه ~~وتنكب قوسه وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنما ~~الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر فخذوا من ممركم لمقركم ولا تهتكوا أستاركم ~~عند ms277 من يعلم أسراركم، أما بعد فإنه لم يستقبل أحد يوما من عمره إلا بفراق ~~آخر من أجله، فاستصلحوا لأنفسكم ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه وراقبوا من ~~ترجعون إليه، فإنه لا قوي أقوى من خالق ولا ضعيف أضعف من مخلوق ولا مهرب من ~~الله إلا إليه، وكيف يهرب من يتقلب في يدي طالبه، وإنما توفون أجوركم يوم ~~القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا ~~متاع الغرور. # وقال بعض الأعراب: إن الموت ليقحم على الشيب تقحم الشيب على الشباب، ومن ~~عرف الدنيا لم يفرح فيها برخاء ولم يحزن فيها على بلوى، ولا طالب أغشم من ~~الموت، ومن عطف عليه الليل والنهار أردياه، ومن وكل به الموت أفناه. # وقال أعرابي: كيف تفرح بعمر تنقصه الساعات وسلامة بدن معرض للآفات؟ ولقد ~~عجبت من المؤمن يفر من الموت وهو سبيله إلى الثواب، ولا أرى أحدا إلا ~~سيدركه الموت وهو منه آبق. # وقال عتيق بن عبد الله بن عامر بن الزبير: كنت عند سليمان بن عبد الملك ~~فدخل عليه عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين بالباب أعرابي له حزم ~~ودين ولسان. فقال: يؤذن له. فلما دخل قال له سليمان: تكلم. قال: يا أمير ~~المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله إن كرهته فإن وراءه ما تحب. قال: يا ~~أعرابي إنا لنحتمل عمن لا ينصح وأنت الناصح جيبا والمأمون غيبا. فقال: أما ~~إذ أمنت بادرة غضبك فإني سأطلق من لساني ما خرست عنه الألسن تأدية لحق الله ~~جل ذكره، وحق إمامتك يا أمير المؤمنين إنه قد تكنفك قوم قد أساؤوا الاختيار ~~لأنفسهم فابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوا ~~الله فيك، حرب للآخرة سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله جل وعز ~~فإنهم لا يألون للأمانة تضييعا وللأمة خسفا وعسفا، وأنت مسؤول محاسب على ما ~~اجترحت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبنا بائع آخرته بدنيا ~~غيره! فقال سليمان: يا أعرابي إن لسانك ms278 لأقطع من سيفك! قال: أجل يا أمير ~~المؤمنين هو لك لا عليك. فقال له: هل لك حاجة في ذات نفسك؟ قال: لا حاجة لي ~~في شيء خاص دون عام. # PageV01P154 # وعن أبي بكر الهذلي قال: بعث عمر بن هبيرة إلى الحسن البصري وابن سيرين ~~والشعبي فقدموا عليه وهو بواسط، وكان رجلا يحب حسن السيرة ويسمع من ~~الفقهاء، فلما دخلوا عليه ألطفهم وأمر لهم بنزل وحسن ضيافة، فأقاموا على ~~بابه شهرا، فغدا عليهم حسن بن هبيرة ذات يوم فقال: إن الأمير داخل عليكم، ~~فجاء يتوكأ على عكاز له حتى دخل فسلم ثم قال: إن يزيد بن عبد الملك عبد من ~~عبيد الله أخذ عهودهم وأعطاهم عهده كي يسمعوا له ويطيعوا، وإنه يأتيني منه ~~كتب أعرف في تنفيذها الهلكة فإن أطعته عصيت الله، فماذا تأمرون؟ فقال ~~الحسن: يا ابن سيرين أجب الأمير. فسكت. فقال للشعبي: أجب الأمير. فتكلم ~~بكلام هيبة، فقال: يا أبا سعيد ما تقول؟ فقال: أما إذ سألتني فإنه يحق علي ~~أن أجيبك: إن الله جل وعز مانعك من يزيد ولن يمنعك يزيد من الله، وإنه يوشك ~~أن ينزل بك ملك من السماء فيستنزلك من سريرك وسعة قصورك إلى باحة دارك ثم ~~يخرجك من باحة دارك إلى ضيق قبرك ثم لا يوسع عليك إلا عملك. يا ابن هبيرة ~~إني أنهاك عن الله جل وعز، فإنما جعل الله جل وعز السلطان ناصرا لعباده ~~ودينه فلا تركبوا عباد الله سلطان الله فتذلوهم فإنه لا طاعة لمخلوق في ~~معصية الخالق. يا ابن هبيرة لا تأمنن أن ينظر الله جل وعز إليك عند أقبح ما ~~تعمل في طاعته نظرة مقت فيغلق عنك باب الرحمة. يا ابن هبيرة إني قد أدركت ~~أناسا من صدور هذه الأمة كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله ~~عليكم، وكانوا لحسناتهم أن لا تقبل أخوف منكم لسيئاتكم أن لا تغفر، وكانوا ~~لثواب الآخرة أبصر منكم لمتاع الدنيا بأعينكم، وكانوا على الدنيا وهي عليهم ~~مقبلة أشد إدبارا من إقبالكم ms279 عليها وهي عنكم مدبرة. يا عمر إني أخوفك مقاما ~~خوفك الله جل وعز من نفسه فقال: ذلك أن خاف مقامي وخاف وعيدي. يا عمر إن ~~تكن مع الله على يزيد يكفك الله بائقته، وإن تكن مع يزيد الله على الله ~~يكلك الله إليه. قال: فبكى ابن هبيرة وقام في عبرته وانصرف وأرسل إليهم من ~~الغد بجوائزهم وأعطى الحسن أربعة آلاف درهم وابن سيرين والشعبي ألفين ~~ألفين. فخرج الشعبي إلى المسجد وقال: من قدر منكم أن يؤثر الله جل وعز على ~~خلقه فليفعل، فإن ابن هبيرة أرسل إلي وإلى الحسن وابن سيرين فسألنا عن أمر. ~~والله ما علم الحسن شيئا جهلته ولا علمت شيئا جهله ابن سيرين ولكنا أردنا ~~وجه ابن هبيرة فأقصانا الله جل وعز وقصر بنا، وأراد الحسن وجه الله فحباه ~~تبارك اسمه وزاده. # وعن المدائني عن علي بن حرب قال: قال الشعبي: جمعنا عمر بن هبيرة بواسط ~~وفينا الحسن البصري فقال: أنا ولي هذه الرعية وربما كان مني الشيء الذي لا ~~أرضاه وأمور ترد علي من أمير المؤمنين أكره إمضاءها وإنفاذها. فقال الشعبي: ~~لا عليك أيها الأمير، إنما الوالي والد يخطيء ويصيب، وما يرد عليك من رأي ~~أمير المؤمنين فإن استطعت أن ترده فاردده وإلا فلا ضير عليك. فقال: ما تقول ~~يا أبا سعيد؟ فقال الحسن: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من استرعاه ~~الله جل وعز رعية فلم يحط من ورائها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة، وأما ~~رأي أمير المؤمنين فإذا ورد عليك فاعرضه على كتاب الله وإن وافقه فأمضه وإن ~~خالفه فاردده، فإن الله جل وعز يمنعك من يزيد ولن يمنعك يزيد من الله. ثم ~~أقبل الحسن على الشعبي فقال: ويلك يا شعبي! يقول الناس إن الشعبي فقيه أهل ~~الكوفة فدخل على جبار من الجبابرة فيزين له المعصية! فقال: والله يا أبا ~~سعيد لقد قلت وأنا أعلم ما فيه! قال: ذلك أوكد للحجة عليك وأبعد لك من ~~العذر. # قيل: ووجد في كتب بزرجمهر صحيفة فيها: ms280 إن حاجة الله جل وعز إلى عباده أن ~~يعرفوه، فمن عرفه لم يعصه طرفة عين. كيف البقاء بعد الفناء؟ كيف يأسى المرء ~~على ما فاته والموت يطلبه؟ فقال كسرى: لم يكن من حق عليه أن يقتل وأنا نادم ~~على ذلك. # قيل: وحضرت الوفاة رجلا من حكماء فارس فقيل له: كيف حالك؟ فقال: كيف يكون ~~حال من يريد سفرا بعيدا بغير زاد ويقدم على ملك عادل بغير حجة ويسكن قبرا ~~موحشا بغير أنيس؟! ### | مساوئ المواعظ # PageV01P155 # قال: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جزع عليه عمر جزعا شديدا، ~~فقال ذات يوم لمن حضره: هل من منشد شعرا أتعزى به أو واعظ يخفف عني فأتعزى ~~وأتسلى؟ فقال رجل من أهل الشام: يا أمير المؤمنين كل خليل مفارق خليله بأن ~~يموت أو بأن يذهب إلى مكان. فتبسم عمر، رحمه الله، ثم قال: ويحك! مصيبتي ~~فيك زادتني مصيبة. قيل: وأصيب الحجاج بمصيبة وعنده رسول عبد الملك بن مروان ~~فقال: ليت أني وجدت إنسانا يخفف عني مصيبتي! فقال رجل ممن حضر: أقول؟ قال: ~~قل. فقال: كل إنسان يفارق صاحبه يموت أو يصلب أو يقع من فوق البيت أو يقع ~~البيت عليه أو يسقط في بئر أو يغشى عليه أو يكون شيء لا يعرفه. فضحك الحجاج ~~وقال: مصيبتي في أمير المؤمنين أعظم حيث وجه بمثلك رسولا! ### | محاسن ما قيل في المراثي # قال أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي: أحسن مناطق الشعر المراثي والبكاء ~~على الشيب، وكان بنو مروان لا يقبلون الشاعر إلا أن يكون راوية للمراثي، ~~ويقولون: إن فيها ذكر معالي الأمور. # وقيل لأبي عبيدة: ما أجود الشعر؟ فقال: النمط الأوسط، يعني المراثي. # قال: وسألت أعرابيا: ما أجود الشعر عندكم؟ قال: ما رثينا به آباءنا ~~وأولادنا، وذلك أنا نقولها وأكبادنا تحترق. # قيل: وقال المأمون لبعض جلسائه: ما أحسن ما قيل في المراثي؟ فقال قوله: # فتى لم تكذب موته نادباته ... بما قلن فيه لا ولا المادح المطري # فتى لم يزل مذ شد عقد إزاره ... مشيد ms281 المعالي أو مقيما على ثغر # قال الأصمعي: قدم علينا أعرابي فأقام عندنا أياما ثم رجع إلى البادية ~~فسأل عن إخوانه وأترابه فأخبر أن الدهر أبادهم وأفناهم فبكى وأنشأ يقول: # ألا يا موت لم منك بدا ... أتيت فما تحيد ولا تحابي # كأنك قد هجمت على مشيي ... كما هجم المشيب على شبابي # قال أبو العيناء: ابن أبي طاهر أشعر الناس في بيتيه حيث يقول: # اذهبا بي إن لم يكن لكما عق ... ر إلى ترب قبره فاعقراني # وانصحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان # وقال في مثله: # إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت ... حميمك فاعلم أنها ستعود # وإن امرأ ينجو من النار بعدما ... تزود من أعمالها لسعيد # عبد الرحمن بن عيسى بن حماد الهمذاني في حمولة كاتب أحمد بن عبد العزيز: # حسنت لفقدك كثرة الأحزان ... بل هان بعدك نائب الحدثان # ما كان حقك أن تصير إلى البلى ... وأعيش لولا قسوة الإنسان # ولآخر: # إذا ما الدهر جر على أناس ... كلاكله أناخ بآخرينا # فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا # ولعبدة بن الطبيب في قيس بن عاصم: # عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما # سلام امريء وليته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلما # فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما # البسامي يرثي عبيد الله بن سليمان بن وهب: # قد انقضى العيش ومات الكمال ... وقال صرف الدهر أين الرجال # هذا أبو القاسم في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال # وله فيه: # لست مستسقيا لقبرك غيثا ... كيف يظما وقد تضمن بحرا # أنت أولى بأن تعزى من النا ... س فقد مات بعدك الناس طرا # ولأبي الحسين بن أبي البغل: # بعدت ديارك غير أني موجع ... والهم مني في الحشا متداني # فاذهب فقد عمرت بشخصك حفرة ... فضلت على متشامخ البنيان # ولئن صبرت فما صبرت تسليا ... لكن ذلك غاية الولهان ### | مساوئ ما قيل في المراثي # القاسم بن عبيد الله عند موته: # لا تأمنن الدهر إني أمنته ... فلم ms282 يبق لي حالا ولم يرع لي حقا # قتلت صناديد الرجال فلم أدع ... عدوا ولم أترك على ظهرها خلقا # وأفنيت دار الملك من كل بارع ... فشتتهم غربا وشدرتهم شرقا # PageV01P156 # فلما بلغت النجم عزا ورفعة ... وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا # رماني الردى سهما فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي ميتا ألقى # ولم يغن عني ما جمعت ولم أجد ... لدى قابض الأرواح في فعله رفقا # ولبعضهم في القاسم بن عبيد الله: # خرجت من الدنيا ذميما إلى القبر ... فلا أحد يأسى ولا عبرة تجري # وترت رسول الله في أهل بيته ... فكيف رأيت الله طالب بالوتر # الجاحظ قال: مررت بقبرين مكتوب على أحدهما: أنا ابن سافك الدماء، وعلى ~~الآخر: أنا ابن ساجن الريح، فسألت عنهما فقيل: كان أحدهما حجاما والآخر ~~حدادا. # قال الكسروي: مررت بناووس في الري فإذا عليه مكتوب: # وما نار بمحرقة جوادا ... وإن كان كان الجواد من المجوس # ورأيت على ناووس ذكر أنه ناووس مهيار بن مهفيروز: # أيا ميتا قد كان في أهل دينه ... مكان سنان الرمح لما تقدما # لقد كنت أرجو الدهر أن يسعف النوى ... وأرجو المنايا أن توافيك مسلما # فإن بخست آمالنا فيك ضلة ... سعادة جد ما أجل وأعظما ### | محاسن ما قيل في الشيب # قال: دخل منصور النميري على الرشيد فأنشده: # ما كنت أوفي شبابي كنه عزته ... حتى مضى فإذا الدنيا له تبع # فبكى الرشيد وقال: يا نميري لا خير في دنيا لا يخطر فيها بحلاوة الشباب ~~ويستمتع بأيامه، وأنشد: # ولو ان الشيب رزء حل بي ... وقت ما استحققت شيبا لم أبل # بل أتاني والصبا يرمقني ... مثل ما يأتي الكبير المكتهل # وأنشد: # حسرت عني القناع ظلوم ... وتولت ودمعها مسجوم # أنكرت ما رأت برأسي فقالت ... أمشيب أم لؤلؤ منظوم # قلت شيب وليس عيبا، فأنت ... أنة يستثيرها المهموم # واكتست لون مرطها ثم قالت ... هكذا من توسدته الهموم # إن أمرا جنى عليك مشيب ال ... رأس في جمعه لأمر عظيم # شد ما أنكرت تصرف دهر ... لم يداوم وأي شيء يدوم # لابن المعتز: # لما ms283 رأت شيبا يلوح بعارضي ... صدت صدود مغاضب متحمل # نظرت إلي بعين من لم يعدل ... لما تمكن طرفها من مقتلي # ما زلت أطلب وصلها بتذلل ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي # ولابن المعتز أيضا في الشيب: # قالت وقد راعها مشيبي ... كنت ابن عم فصرت عما # واستهزأت بي فقلت أيضا ... قد كنت بنتا فصرت أما # كفي ولا تكثري ملامي ... ولا تزيدي العليل سقما # من شاب أبصر الغواني ... بعين من قد عمي وصما # لو قيل لي اختر عمى وشيبا ... أيهما شئت قلت أعمى # ولآخر: # رأت طالعا للشيب أغفلت أمره ... ولم تتعهده أكف الخواضب # فقالت: أشيبا ماأرى؟ قلت: شامة ... فقالت: لقد شامتك بين الحبائب # ولآخر: # شكوت من الشيب حتى ضجرت ... فدب إلى عارضي واشتعل # وسود وجهي فسودته ... فعلت به مثل ما قد فعل # ولآخر: # إذا راقهن خدين الشباب ... عطفن كما تعطف الوالده # وإن هن عاين ذا شيبة ... فيا لك من مقل زاهده # فويح الشباب وويح المشيب ... عدوان دارهما واحده # لابن المعتز: # صرحت بالجفاء أم حباب ... حين باشرتها ببعض الخطاب # قلت: لم ذا وقد رأيتك حينا ... لا تملين عشرتي وعتابي؟ # قالت الشيب قد أتاك فأقصر ... عن عتابي فلست من أصحابي # فتعللت بالخضاب لأحظى ... عندها ساعة بلون الخضاب # فرأته فأعرضت ثم قالت: ... ستر سوء على خراب يباب # ولابن المعتز أيضا: # رفعت طرفها إلي عبوسا ... واستثارت من المآقي الرسيما # PageV01P157 # ورأتني أسرج العاج بالعا ... ج فظلت تستحسن الأبنوسا # ليس شيبي إذا تأملت شيبا ... إنما الشيب ما أشاب النفوسا # وله: # ضحكت إذ رأت مشيبي قد لا ... ح وقالت قد فضض الأبنوس # قلت: إن الشباب في لباق ... بعد، قالت: هذا شباب لبيس # قال: استقبل يونس النحوي عدوا له وهو يتهادى في مشيه ويقارب خطوه. فقال: ~~يا يونس بلغت ما أرى! فقال: هذا الذي كنت آمله فقد بلغته فلا بلغته! ~~فاستحسن ابن الزيات قوله فجعله شعرا وقال: # وعائب عابني بشيب ... لم يعد لما ألم وقته # فقلت إذ عابني بشيب: ... يا عائب الشيب لا بلغته # ولغيره: # إن المسيب رداء الحلم والأدب ... كما الشباب ms284 رداء الجهل واللعب # تعجبت إذ رأت شيبي فقلت لها ... لا تعجبي من يطل عمر به يشب # فينا لكن وإن شيب بدا أرب ... وليس فيكن بعد الشيب من أرب # شيب الرجال لهم عز ومكرمة ... وشيبكن لكن الذل فاكتئبي # ولآخر: # الشيب في رأس الفتى حلم به ... والشيب في رأس الفتاة قبيح # والخال في خد الفتى عيب به ... والخال في خد الفتاة مليح ### | محاسن الورع # محمد بن الحسين عن أبي همام وكان يخدم ضيغما قال: كنت معه في طريق مكة، ~~فلما صرنا في الرمل نظر إلى ما تلقى الإبل من شدة الحر فبكى. # فقلت له: لو دعوت الله أن يمطر علينا كان أخف على هذه الإبل. قال: فنظر ~~إلى السماء وقال: إن شاء ربي فعل. فوالله ما كان إلا أن تكلم حتى نشأت ~~سحابة وهطلت. # وعن عطاء أن أبا مسلم الخولاني خرج إلى السوق بدرهم يشتري لأهله دقيقا ~~فعرض له سائل فأعطاه بعضه ثم عرض له آخر فأعطاه الباقي وأتى إلى النجارين ~~فملأ مزوده من نشارة الخشب وأتى به منزله وخرج هاربا من أهله، فأخذت المرأة ~~المزود فإذا دقيق حوارى فعجنته وخبزت. فلما جاء قال: من أين هذا؟ قالت: ~~الدقيق الذي جئت به. # وعن أبي عبد الله القرشي عن رجل قال: دخلت بئر زمزم فإذا أنا بشخص ينزع ~~الدلو مما يلي الركن، فلما شرب أرسل الدلو فأخذته فشربت فضلته فإذا هو سويق ~~لوز لم أر سويق اللوز أطيب منه، فلما كانت القابلة في ذلك الوقت دخل الرجل ~~وقد أسبل ثوبه على وجهه ونزع الدلو وشرب وأرسل الدلو، فأخذته وشربت فضلته ~~فإذا هو ماء مضروب بالعسل لم أشرب شيئا قط أطيب منه، فأردت أن آخذ طرف ثوبه ~~فأنظر من هو ففاتني، فلما كان في السنة الثالثة قعدت قبالة زمزم فلما كان ~~في ذلك الوقت جاء الرجل وقد أسبل ثوبه على وجهه فدخل فأخذت طرف ثوبه، فلما ~~شرب من الدلو وأرسلها قلت: يا هذا أسألك برب هذه البنية من أنت؟ قال: تكتم ~~علي حتى أموت؟ ms285 قلت: نعم. قال: أنا سفيان، وهو الثوري، فتناولت فضلته فإذا ~~هو ماء مضروب بالسكر الطبرزد لم أر قط أطيب منه، فكانت تلك الشربة تكفيني ~~إذا شربتها إلى مثلها من الوقت لا أجد جوعا ولا عطشا. # وقال الأصمعي: رأيت أعرابيا يكدح جبينه بالأرض يريد أن يجعل سجادة فقلت: ~~ما تصنع؟ قال: إني وجدتها نعم الأثر في وجه الرجل الصالح. # ومما قيل من الشعر من هذا الفن منهم بشار حيث يقول: # كيف يبكي لمحبس في طلول ... من سيقضي ليوم حبس طويل # إن في البعث والحساب لشغلا ... عن وقوف برسم دار محيل # ولمحمد بن بشير: # ويل لمن لم يرحم الله ... ومن تكون النار مثواه # يا حسرتا في كل يوم أتى ... يذكرني الموت وأنساه # كأنه قد قيل في مجلس ... قد كنت أتيه وأغشاه # صار البشيري إلى ربه ... يرحمنا الله وإياه # ولجرير: # إن الشقي الذي في النار منزله ... والفوز فوز الذي ينجو من النار # يا رب قد أسرفت نفسي وقد علمت ... علما يقينا لقد أحصيت أثاري # فاغفر ذنوبا إلهي قد أحطت بها ... رب العباد وزحزحني عن النار # ولذي الرمة بيت: # إن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا # ولآخر: # PageV01P158 # أستغفر الله مما يعلم الله ... إن الشقي لمن لم يرحم الله # هبه تجاوز لي عن كل سيئة ... وا سوءتاه من حيائي يوم ألقاه # ولإسماعيل بن القاسم: # تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع # ولآخر: # أيا عجبا كيف يعصي الإل ... ه أم كيف يجحده الجاحد # وفي كل شيء له قدرة ... تدل على أنه واحد # ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد # ولأبي نواس الحسن بن هانيء: # سبحان من خلق الخل ... ق من ضعيف مهين # يسوقهم من قرار ... إلى قرار مكين # يحور خلقا فخلقا ... في الحجب دون العيون # حتى بدت حركات ... مخلوقة من سكون # ولآخر: # أخي ما بال قلبك ليس ينقى ... كأنك لا تظن الموت حقا # ألا يا ابن الذين مضوا ms286 وبادوا ... أما والله ما ذهبوا لتبقى # وما لك غير تقوى الله زاد ... إذا جعلت إلى اللهوات ترقى # ولآخر: # يا قلب مهلا وكن على حذر ... فقد لعمري أمرت بالحذر # ما لك بالترهات مشتغلا ... أفي يديك الأمان من سقر # ولآخر: # إن كنت توقن بالقيا ... مة واجترأت إلى الخطيه # فلقد هلكت وإن جحد ... ت فذاك أعظم للبليه # ولآخر: # وأفنية الملوك محجبات ... وباب الله مبذول الفناء # فمن أرجو سواه لكشف ضر ... وبلوى حين أجهد في الدعاء # وشكوائي إلى ملك عظيم ... جليل لا يصم عن الدعاء ### | مساوئ من لم يتورع # ابن أبي العرجاء قال: أراد موسى بن داود بن علي بن عبد الله بن العباس ~~الخروج إلى الحج فدعا بأبي دلامة فقال له: تهيأ حتى تخرج معنا، وأعطاه عشرة ~~آلاف درهم وقال: خلف لعيالك ما يكفيهم. وإنما أراد موسى أن يأنس به في ~~طريقه ويحدثه بنوادره وملحه ويسامره بالليل والنهار وينشده الأشعار. وكان ~~أبو دلامة يفي بذلك كله مع ظرف كان فيه ولطف، وكان من ابراز الملوك. فلما ~~حضر خروج موسى هرب إلى السواد بالكوفة فجعل يشرب من خمرها ويتمتع في ~~نزهتها، وقد سأل عنه موسى فقيل له: استتر، فطلبه تحت كل حجر فلم يقدر عليه ~~فخاف أن يفوته الحج فلما أيس منه قال: اتركوه إلى نار الله وحر سقره، وخرج، ~~فلما شارف القادسية نظر إلى أبي دلامة قد خرج من قرية يريد أخرى، فبصروا به ~~وأتوه به. فقال: قيدوه وألقوه في المحمل، ففعل به ذلك، وأنشأ يقول: # يا معشر الناس قولوا أجمعين معا ... صلى الإله على موسى بن داود # أما أبوك فعين الجود تعرفه ... وأنت أشبه خلق الله بالجود # نبئت أن طريق الحج معطشة ... من الطلاء وما شربي بتصريد # والله ما بي من خير فتطلبه ... في المسلمين ولا ديني بمحمود # كأن ديباجتي خديه من ذهب ... إذا تكسر في أثوابه السود # إني أعوذ بداود وتربته ... من أن أحج بكره يا ابن داود # فقال موسى: ألقوه من المحمل عليه لعنة الله ودعوه يذهب إلى سقر الله! ms287 ~~فألقي عن المحمل ومضى موسى لوجهه. فما زال أبو دلامة بالسواد يشرب من خمرها ~~ويتمتع في نزهتها حتى أتلف العشرة الآلاف الدرهم مع إخوانه وندمائه، وانصرف ~~موسى فدخل عليه أبو دلامة يهنئه، فلما بصر به قال: يا محارف أتدري ما فاتك؟ ~~فقال: والله يا سيدي ما فاتني ليل ولا نهار، يعني اللهو والقصف، ثم أنشده ~~مديحا له فيه، فاستحسنه وأمر له بجائزة. # قيل: وكان جندي بقزوين يصلي في بعض المساجد فافتقده المؤذن أياما فقرع ~~عليه الباب فخرج إليه. فقال له المؤذن: أبو من؟ قال: أبو الجحيم. قال: بس ~~رد يا هذا الباب. # قال وقيل للقيني: ما أيسر ذنبك؟ قال: ليلة الدير. قيل: وما ليلة الدير؟ ~~قال: نزلت بديرانية فأكلت عندها طفيشلا بلحم خنزير وشربت خمرها وسرقت ~~كساءها وخرجت. ### | ما قيل فيه من الشعر # قال بشار: # PageV01P159 # وإنني في الصلاة أحضرها ... ضحكة أهل الصلاة إن شهدوا # أقعد في سجدة إذا ركعوا ... وأرفع الرأس إن هم سجدوا # أسجد والقوم راكعون معا ... وأسرع الوثب إن هم قعدوا # فلست أدري إذا إمامهم ... سلم كم كان ذلك العدد # ولآخر: # نعم الفتى لو كان يعرف ربه ... ويقيم وقت صلاته حماد # عدلت مشافره الدنان وأنفه ... مثل القدوم يسنه الحداد # وابيض من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد # ولآخر: # إن قرأ العاديات في رجب ... فليس يأتي بها إلى رجب # بل هو لا يستطيع في سنة ... يختم تبت يدا أبي لهب ### | محاسن صفة الدنيا # قال علي بن أبي طالب: الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ~~ودار غنى لمن تزود منها، مسجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر ~~أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد آذنت ~~ببينها ونادت بفراقها ونعت نفسها فشوقت بسرورها إلى السرور ببلائها إلى ~~البلاء تخويفا وتحذيرا وترغيبا وترهيبا، فأيها الذام للدنيا والمتعلل ~~بتغريرها متى غرتك، أبمصارع آبائك في البلى أم بمضاجع أمهاتك في الثرى؟ كم ~~عللت بكفيك وكم مرضت بيديك تبتغي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء وتلتمس ms288 ~~لهم الدواء لم ينفعهم تطلبك ذلك ولم يشفهم دواؤك! مثلت لك الدنيا مصرعك ~~ومضجعك حيث لا ينفعك بكاؤك ولا يغني عنك أحباؤك، ثم وقف على أهل القبور ~~فقال: يا أهل الثروة والعز إن الأزواج بعدكم قد نكحت والأموال قد قسمت ~~والدور قد سكنت، فهذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه ~~فقال: أما والله لو أذن لهم لقالوا: إن خير الزاد التقوى. # وفي خبر أن عليا وقف على المقابر ثم قال: اعتبروا بأهل الديار التي طبق ~~بالخراب فناؤها وشيد في التراب بناؤها، فمحلها مقترب وساكنها مغترب، لا ~~يتزاورون تزاور الإخوان ولا يتواصلون تواصل الجيران، قد طحنهم بكلكله البلى ~~وأكلتهم الجنادل والثرى. ثم قال: إن الأزواج بعدكم قد نكحت، إلى آخر الخبر. ### | مساوئ صفة الدنيا # قال الحسن البصري: بينا أنا أطوف بالبيت إذا أنا بعجوز متعبدة، فقلت: من ~~أنت؟ فقالت: من بنات ملوك غسان. قلت: فمن أين طعامك؟ قالت: إذا كان آخر ~~النهار في كل يوم تجيئني امرأة متزينة فتضع بين يدي كوزا من ماء ورغيفين. ~~قلت لها: أتعرفين المرأة؟ قالت: اللهم لا. قلت: هذه الدنيا خدمت ربك جل وعز ~~فبعث إليك بالدنيا فخدمتك على رغم أنفها. # وزعموا أن زياد ابن أبيه مر بالحيرة فنظر إلى دير هناك فقال لحاجبه: ما ~~هذا؟ قال: دير حرقة بنت النعمان بن المنذر. فقال: ميلوا بنا إليها نسمع ~~كلامها. فجاءت إلى وراء الباب فكلمها الخادم فقال لها: كلمي الأمير. # فقالت: أوجز أم أطيل؟ قال: بل أوجزي. قالت: كنا أهل بيت طلعت الشمس وما ~~على الأرض أعز منا فما عابت تلك الشمس حتى رحمنا عدونا. # قال: فأمر لها بأوساق من شعير. فقالت: أطعمتك يد شبعى جاعت ولا أطعمتك يد ~~جوعى شبعت. فسر زياد بكلامها وقال لشاعر: قيد هذا الكلام لا يدرس. فقال: # سل الخير أهل الخير قدما ولا تسل ... فتى ذاق طعم الخير منذ قريب # وفي مثل هذا قول أعرابي وقد دعا لرجل بره: مستك يد أصابت فقرا بعد غنى ~~ولا مستك ms289 يد أصابت غنى بعد فقر. # ويقال: إن فروة بن إياس بن قبيصة انتهى إلى دير حرقة بنت النعمان فألفاها ~~وهي تبكي. فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما من دار امتلأت سرورا إلا امتلأت ~~ثبورا، ثم قالت: # فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتقسم # وقالت: # فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... وأف لعيش لا يزال يهضم # قال: وقالت حرقة بنت النعمان لسعد بن أبي وقاص: لا جعل الله لك إلى لئيم ~~حاجة وعقد لك المنن في أعناق الكرام، ولا أزال بك عن كريم نعمة، ولا أزالها ~~بغيرك إلا جعلها السبب لردها عليه. # PageV01P160 # قال وقال عبد الملك بن مروان لسلمة بن زيد الفهمي: أي الزمان أدركت أفضل ~~وأي الملوك؟ فقال: أما الملوك فلم أر إلا ذاما أو حامدا، وأما الزمان فيضع ~~قوما ويرفع آخرين وكلهم يذم زمانه لأنه يبلي جديدهم ويطوي أعمارهم ويهرم ~~صغيرهم وكل ما فيه منقطع إلا الأمل. قال: فأخبرني عن فهم. قال: هم كما قال ~~الشاعر: # درج الليل والنهار على فه ... م بن عمرو فأصبحوا كالرميم # وخلت دارهم فأضحت يبابا ... بعد عز وثروة ونعيم # وكذاك الزمان يذهب بالنا ... س وتبقى ديارهم كالرسوم # قال: فمن يقول منكم: # رأيت الناس مذ خلقوا وكانوا ... يحبون الغني من الرجال # وإن كان الغني أقل خيرا ... بخيلا بالقليل من النوال # فما أدري علام وفيم هذا ... وماذا يرتجون من البخال # أللدنيا فليس هناك دنيا ... ولا يرجى لحادثة الليالي # قال: أنا وقد كتمتها. # قال: ولما دخل علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، المدائن نظر إلى إيوان ~~كسرى فأنشده بعض من حضره قول الأسود بن يعفر: # ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد # أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد # نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يسيل من أطواد # أرض تخيرها لطيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أم دؤاد # جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد # فأرى النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد # فقال علي، ms290 رضي الله عنه: أبلغ من ذلك قول الله جل وعز: " كم تركوا من ~~جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما ~~آخرين ". # وقال عبد الملك ببن المعتز: أهل الدنيا كصورة في صحيفة كلما نشر بعضها ~~طوي بعضها. وقال: أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام. # وقال بعضهم: طلاق الدنيا مهر الجنة. # وذكر أعرابي الدنيا فقال: هي جمة المصائب رنقة المشارب لا تمتعك الدهر ~~بصاحب. # وقال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على الله جل وعز أنه لا يعصى إلا فيها ~~ولا ينال ما عنده إلا بتركها. # وقيل: إذا أقبلت الدنيا على امريء أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه ~~سلبته محاسن نفسه. ### | ما قيل فيه من الشعر # قال الأصمعي: ووجد في قبة لسليمان بن داود، عليه السلام، مكتوب: # ومن يحمد الدنيا لشيء يناله ... فسوف لعمري عن قليل يلومها # إذا أدبرت كانت على الناس حسرة ... وإن أقبلت كانت كثيرا همومها # وكان إبراهيم بن أدهم ينشد: # نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع # وقال أبو العتاهية: # يا من ترفع بالدنيا وزينتها ... ليس الترفع رفع الطين بالطين # إذا أردت شريف القوم كلهم ... فانظر إلى ملك في زي مسكين # ولآخر: # هب الدنيا تساق إليك عفوا ... أليس مصير ذاك الزوال # فما ترجو بشيء ليس يبقى ... وشيكا ما تغيره الليالي # محمود الوراق: # هي الدنيا فلا يغررك منها ... مخايل تستفز ذوي العقول # أقل قليلها يكفيك منها ... ولكن ليس تقنع بالقليل # تشيد وتبتني في كل يوم ... وأنت على التجهز والرحيل # ومن هذا الذي يبقي عليها ... مضاربه بمدرجة السيول # ولآخر: # أيا دنيا حسرت لنا قناعا ... وكان جمال وجهك في النقاب # ديار طال ما حجبت وعزت ... فأصبح إذنها سهل الحجاب # وقد كانت لها الأيام ذلت ... فقد قرنت بأيام صعاب # كأن العيش فيها كان ظلا ... يقلبه الزمان إلى ذهاب # ولآخر: # دنيا تداولها العباد ذميمة ... شيبت بأكره من نقيع الحنظل # وثبات دنيا لا تزال ملمة ... منها فجائع مثل وقع الجندل # ولآخر بيت: # PageV01P161 # حتى متى أنت في دنياك ms291 مشتغل ... وعامل الله بالرحمان مشغول # أبو نواس: # دع الحرص على الدنيا ... وفي العيش فلا تطمع # ولا تجمع من المال ... فما تدري لمن تجمع # ولا تدري أفي أرض ... ك أم في غيرها تصرع # قال: وقال الأصمعي قال أبو عمرو بن العلاء: بينا أنا أدور في بعض البوادي ~~إذا أنا بصوت: # وإن امرأ دنياه أكثر همه ... لممتسك منها بحبل غرور # قال: فنقشته على خاتمي. # قال: وسمع يحيى بن خالد البرمكي بيت العدوي في صفة الدنيا حيث يقول: # حتوفها رصد وعيشها نكد ... وشربها رنق وملكها دول # فقال: لقد انتظم في هذا البيت صفة الدنيا. # قيل: وسمع المأمون بيت أبي نواس: # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق # فقال: لو سئلت الدنيا عن نفسها لما وصفت كما وصفها به أبو نواس. # وقال أبو حازم: الدنيا طالبة ومطلوبة وطالب الدنيا يطلبه الموت حتى يخرجه ~~منها وطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى توفيه رزقه. # قال: وقيل للحسن البصري: ما تقول في الدنيا؟ فقال: ما عسى أن أقول؟ ~~حلالها حساب وحرامها عذاب. فقيل: ما سمعنا كلاما أوجز من هذا! قال: بلى ~~كلام عمر بن عبد العزيز، كتب إليه عدي بن أرطاة وهو على حمص أن مدينة حمص ~~قد تهدمت واحتاجت إلى إصلاح حيطانها، فكتب إليه: حصنها بالعدل ونق طرفها من ~~الظلم. ### | محاسن معرفة الأوائل # حدثنا زيد بن أخزم قال: حدثنا عبد الصمد عن سعيد عن المغيرة قال: سمعت ~~سماك بن سلمة يقول: أول من خط بالقلم إدريس، عليه السلام. وهو أول من خاط ~~الثياب ولبسها وكانوا من قبله يلبسون الجلود. وأول قرية بنيت في الأرض قرية ~~تسمى ثمانين ابتناها نوح، عليه السلام. وأول من عمل الصابون سليمان بن ~~داود، عليه السلام. وأول من باع فيمن يزيد حلسا وقدحا رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم. وأول من اتخذ القراطيس يوسف، عليه السلام. وأول من خبز له ~~الرقاق نمرود بن كنعان لعنه الله وأول من حكم في الخنثى عامر بن الظرب ~~العدواني. وأول من خضب بالسواد ms292 عبد المطلب بن هاشم. وأول من سن الدية من ~~الإبل أبو سيارة العدواني وأقره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في ~~الإسلام. وأول من خلع نعله لدخول الكعبة الوليد بن المغيرة فخلع الناس ~~نعالهم في الإسلام. وهو أول من قضى بالقسامة في الجاهلية فأقرها رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، في الإسلام. وهو أول من حرم الخمر على نفسه في ~~الجاهلية فأقرها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الإسلام. وهو أول من ~~قطع في السرقة في الجاهلية فقطع رسول الله في الإسلام. وأول من سلم عليه ~~بالإمرة المغيرة بن شعبة. وأول من أرخ الكتب وختم على الطين عمر بن الخطاب، ~~رضي الله عنه. وأول من كتب بالعربية مرامر بن مروة من أهل الأنبار فانتشر ~~من الأنبار في الناس. وأول من مشت الرجال معه وهو راكب الأشعث بن قيس. وأول ~~من اتخذ المقصورة في المسجد معاوية بن أبي سفيان وذلك أنه بصر كلبا على ~~منبره. وأول من لبس الخفاف وثياب الكتان زياد بن أبي سفيان، وأول من لبس ~~الطيلسان جبير بن مطعم. # وأول من لبس الخز الطاروني عبد الله بن عامر فقال الناس: لبس الأمير جلد ~~دب. وأول من نقش على الدراهم عبد الملك بن مروان وأول من سمي عبد الملك. ~~وأول من ابتنى مدينة في الإسلام الحجاج بن يوسف بنى مدينة واسط، وهو أول من ~~قعد على سرير في حرب وأول من اتخذ المحامل، فقال فيه حميد الأرقط: # أخزى الإله عاجلا وآجلا # أول عبد عمل المحاملا # عبد ثقيف ذاك أزلا آزلا # وهو أول من علق له الخيش ونقل له الثلج. وأول من أطعم على ألف مائدة على ~~كل مائدة عشرة رجال وأجاز بألف ألف درهم ولبس الدراريع السود المختار بن ~~أبي عبيد. وأول من حذا النعال جذيمة الأبرش، وهو أول من وضع المنجنيق ورفعت ~~له الشموع ونادم الفرقدين. وأول من حدا رجل من مضر. وأول رأس حمل من بلد ~~إلى بلد رأس عمرو بن الحمق الخزاعي. وأول من عمل ms293 له النعش زينب بنت جحش ~~زوجة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال عمر بن الخطاب: نعم خباء ~~الظعينة! # PageV01P162 # وأول من قطع نهر بلخ سعيد بن عثمان بن عفان. وأول من ضرب بسيفه باب ~~قسطنطينية وأذن في بلاد الروم عبد الله بن طليب من بني عامر بن صعصعة وكان ~~مع مسلمة بن عبد الملك فأراد قيصر قتله فقال: والله لئن قتلتني لا تبقى ~~بيعة في بلدان الإسلام إلا هدمت! فكف عنه. # وأول من جمع جمعة مصعب بن عمير جمعهم بالمدينة وكانوا اثني عشر رجلا. # وروى أبو هلال عن أبي حمزة قال: أول من رأينا بالبصرة يتوضأ بالماء عبيد ~~الله بن أبي بكرة فقلنا: انظروا إلى هذا الشيخ يلوط استه، أي يستنجي ~~بالماء. وأول مولود ولد في الإسلام عبد الله بن الزبير. وأول من رشا في ~~الإسلام المغيرة بن شعبة. وأول رام رمى في الإسلام سعد بن أبي وقاص. وأول ~~قاض قضى أبو قرة الكندي. وأول من اتخذ الجمازات أم جعفر. ### | مساوئ الأوائل # أول من اتخذ الود رجل يقال له لمك ولد له على كبر سنه ابن فأصيب به واشتد ~~وجده عليه فعمد إلى عود واتخذ كهيأة الصبي شبه صدر العود بالفخذ وإبريقه ~~بالقدم والملاوي بالأصابع والأوتار بالعروق ثم ضرب به، وكانت له ابنة يقال ~~لها ملاهي، وهي أول من اتخذت المعازف والطبول. وأول من عمل الطنابير قوم ~~لوط كانوا يستميلون بها الغلمان المرد. وأما الزمر وشبهه فللرعاء والأكراد. ~~وكان أول من غنى من العرب جذيمة بن سعد الخزاعي وذلك بعد جرادتي عاد، وكان ~~من أحسن الناس صوتا فسمي المصطلق فغنى بالركبانية، ويقال إن أول من غنى ~~باليمن رجل من حمير يقال له عنبس: وأول من غنى بالحرمين طويس. وأول امرأة ~~قطعت يدها في الإسلام في السرق بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم قطعها ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتها. ومن ~~الرجال الخيار بن عدي بن نوفل. ### | محاسن الدلائل # روي عن النبي، ms294 صلى الله عليه وسلم، أنه قال لعلي بن أبي طالب، رضي الله ~~عنه: إن المؤمن إذا أتت عليه ستون سنة أحبه أهل السماء والأرض، وإذا أتت ~~عليه سبعون سنة كتبت حسناته ومحيت سيئاته، وإذا أتت عليه ثمانون سنة غفر له ~~ما تقدم من ذنبه، وإذا أتت عليه تسعون سنة شفع في أهل بيته وأهله، وإذا أتت ~~عليه مائة سنة كتب اسمه عند الله عز وجل أسير الله في أرضه. # وقال عمرو بن العاص: يتغير الغلام لسبع، ويحتلم لأربع عشرة سنة، ويتم ~~خلقه لإحدى وعشرين، ويجتمع عقله لثمان وعشرين، وما بعد ذلك فتجارب. # وقال وهشابور: يستحب من الربيع الزهرة، ومن الخريف الخصب، ومن الغريب ~~الانقباض، ومن القاريء البيان، ومن الغلام الكياسة، ومن الجارية الملاحة. ### | ومنه باب آخر # قيل: إذا جارت الولاة قحطت السماء، وإذا منعت الزكاة هلكت الماشية، وإذا ~~ظهر الربا ظهر الفقر والمسكنة، وإذا خفرت الذمة أديل العدو. # وعن ابن عباس قال: إذا رأيتم السيوف قد أعريت والدماء قد أريقت فاعلموا ~~أن حكم الله جل وعز قد ضيع وانتقم من بعضهم ببعض، وإذا رأيتم الرثاء قد فشا ~~فاعلموا أن الربا قد فشا، وإذا منعتم القطر فاعلموا أن الناس قد منعوا ما ~~عندهم من الزكاة فمنع الله جل وعز ما عنده. ### | محاسن المشورة # كان يقال: إذا استحار الرجل ربه واستشار نصيحة وأجهد رأيه فقد قضى ما ~~عليه ويقضي الله جل وعز في أمره ما يحب. # وقال آخر: حسن المشورة من المشير قضاء لحق النعمة. # وقيل: إذا استشرت فانصح وإذا تركت فاصفح. # وقال آخر: من وعظ أخاه سرا زانه ومن وعظه علانية شانه. # وقال آخر: الاعتصام بالمشورة نجاة. # وقال آخر: نصف عقلك مع أخيك فاستشره. # وقال آخر: إذا أراد الله بعبد هلاكا أهلكه برأيه. # وقال آخر: إن المشورة تقوم اعوجاج الرأي. وقال: إياك ومشورة النساء فإن ~~رأيهن إلى الإفن وعزمهن إلى الوهن. # وروي عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: كان بين العباس بن عبد المطلب ~~وعلي بن أبي طالب، رضي ms295 الله عنه، مباعدة فلقيت عليا، رحمه الله، فقلت له: ~~إن كان لك في النظر إلى عمك حاجة فأته وما أراك تلقاه. # PageV01P163 # فوجم لها ثم قال: تقدمني. فتقدمته فأذن له فاعتنق كل واحد منهما صاحبه ~~وأقبل علي على يده ورجله يقبلهما ويقول: يا عم ارض عني رضي الله عنك! قال: ~~قد رضيت عنك، ثم قال: يا ابن أخي قد كنت أشرت عليك بأشياء فلم تقبل مني ~~فرأيت في عاقبتها ما كرهت وها أنا أشير عليك برأي آخر فإن قبلته وإلا نالك ~~ما نالك. فقال: وما الذي كنت أشرت به يا عم؟ قال: أشرت عليك لما قبض رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، أن تسأله فإن كان الأمر فينا أعطاناه وإن كان في ~~غيرنا أوصى بنا. فقلت: إن منعناه لم يعطنا أحد بعده. فمضت تلك، فلما قبض ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أتانا سفيان بن حرب تلك الساعة فدعوناك إلى ~~أن نبايعك فقلت: ابسط يدك حتى نبايعك، فإنا إن بايعناك لم يختلف عليك منافي ~~وإن بايعك بنو عبد مناف لم يختلف عليك قرشي وإن بايعتك لم يختلف قريش لم ~~يختلف عليك أحد من العرب. فقلت: في جهاز رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~شغل وليس علي فوت. فلم نلبث أن سمعنا التكبير من سقيفة بني ساعدة فقلت: ما ~~هذا يا عم؟ فقلت: هذا ما دعوناك إليه فأبيته! قلت: سبحان الله ويكون هذا! ~~قلت وهل رد مثل هذا؟ ثم أشرت عليك حين طعن عمر، رحمه الله، أن لا تدخل نفسك ~~في الشورى فإنك إن اعتزلتهم قدموك وإن ساويتهم تقدموك. فدخلت معهم فكان ما ~~رأيت. وها أنا أقول لك الآن: أرى هذا الرجل، يعني عثمان بن عفان، رحمه ~~الله، يأخذ في أمور ولكأني بالعرب قد سارت إليه حتى ينحر كما ينحر الجزور، ~~والله لئن كان ذاك وأنت بالمدينة ليرمينك الناس بدمه ولئن فعلوا لا تنال من ~~هذا الأمر شيئا إلا بشر لا خير معه. # قال ابن عباس: فلما قتل عثمان، رضي الله عنه، ms296 خرج علي وهو على بغلة رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم. وأنا عن يمينه وابن القاريء عن يساره، وكان من ~~أمر طلحة والزبير ما كان، وقتل طلحة عشية ذلك اليوم وأنا أرى الكراهية في ~~وجه علي، رضي الله عنه. فقال: أما والله لقد كنت أكره أن أرى قريشا صرعى ~~تحت بطون الكواكب، ولكن نظرت إلى ما بين الدفتين فلم أر يسعني إلا قتالهم ~~أو الكفر، ولئن كان قال هؤلاء ما سمعت في طلحة لقد كان كما قال أخو جعفى: # فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر # ورحم الله عمي فكأنما يطلع إلى الغيب من ستر رقيق، صدق والله ما نلت من ~~هذا الأمر شيئا إلا بعد شر لا خير معه. # قال: وقال ابن عباس لعلي، رضي الله عنه: اجعلني السفير بينك وبين معاوية ~~في الحكمين فوالله لأفتلن له حبلا لا ينقطع وسطه ولا ينتشر طرفاه. # قال علي، رحمه الله: لست من كيدك وكيد معاوية في شيء، والله لا أعطيه إلا ~~السيف حتى يدخل في الحق. قال ابن عباس: وهو والله لا يعطيك إلا السيف حتى ~~يغلب بباطله حقك. قال علي، رضي الله عنه: وكيف ذاك؟ قال: لأنك تطاع اليوم ~~وتعصى غدا وإنه يطاع فلا يعصى. # فلما انتشر على علي، رضي الله عنه، أصحابه وابن عباس بالبصرة قال: لله ~~ابن عباس إنه لينظر إلى الغيب من ستر دقيق. # ومثله خبر عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حين قال لأصحابه: دلوني على رجل ~~أستعمله على أمر قد أهمني. قالوا: فلان. قال. لا حاجة لنا فيه. # قالوا: فمن تريد؟ قال: أريد رجلا إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه ~~أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم. قالوا: ما نعرف هذه الصفة إلا ~~في الربيع بن زياد الحارثي. قال: صدقتم. فولاه. # ومنه خبر صاحب الأمين، فإنه حكي أنه كان بمدينة السلام شيخ من الكتاب مسن ~~قد اعتزل لأمور وكان يوصف بجودة الرأي، فدعاه محمد الأمين وشاوره في ms297 أمر ~~أخيه المأمون وما ينبغي أن يعامله حتى يقع في يده. فقال: إن استعجلت لم ~~تنتفع بفعل ولا رأي، وإن تمهلت وقبلت مشورتي تمكنت من أخيك وذاك أنك تدعو ~~بحجاج خراسان إذا قدموا مدينة السلام وتجلس مجلسا حافلا وتقول لهم: إن أخي ~~كتب إلي يحمدكم ويذكر سمعكم وطاعتكم وجميل مذاهبكم، وتجزيهم الخير ثم تقول: ~~قد أسقطت عنكم خراج سنة، وأخوك في بلد رجال بلا مال وليس له في نقض قولك ~~حيلة وسيناله من ذلك خلل شديد حتى ينتقض أكثر أمره، ثم تفعل مثل ذلك في ~~السنة المقبلة وترفع عنهم خراج سنتين، فإن لم يأتوك بأخيك في وثاق وكنت حيا ~~فاضرب عنقي. # PageV01P164 # فلم يقبل الأمين ذلك للأمر المقدور والقضاء السابق وعجل إلى خلع المأمون ~~في عقد الأمر لابنه حتى كان ما كان. وليس يبلغ شيء في الملك والدولة خاصة ~~مبلغ الرأي لأن الرأي لا يحتاج إلى السلاح والسلاح يحتاج أهله إلى الرأي ~~وإلا كانت عدتهم عليهم ضررا إذا لم يصيبوا في استعمالها وجه الرأي. ### | مساوئ من يستشير # قال بعض أهل العلم: لو لم يكن في المشورة إلا الاستحقار من صاحبها لك ~~وظهور فقرك إليه لوجب اطراح ما تفيده المشورة وإلقاء ما تكسبه الإنسان، وما ~~استشرت أحدا قط إلا كبر عندي وتصاغرت له ودخلته العزة ودخلتني الذلة، فإياك ~~والمشورة وإن ضاقت بك المذاهب واختلفت عليك المسالك وأداك الاستبهام إلى ~~الخطإ الفادح، فإن صاحبها أبدا مستذل مستضعف، وعليك بالاستبداد فإن صاحبها ~~أبدا جليل في العيون مهيب في الصدور، ولن تزال كذلك ما استغنت عن العقول، ~~فإذا افتقرت إليها حقرتك العيون ورجفت بك أركانك وتضعضع شأنك وفسد تدبيرك ~~واستحقرك الصغير واستخف بك الكبير وعرفت بالحاجة إليهم، وقد قيل: نعم ~~المستشار العلم ونعم الوزير العقل. # وممن اقتصر على رأيه دون المشاورة أبو جعفر المنصور، فإنه لما حدث من أمر ~~إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن ما حدث أمسك المنصور عن المشاورة ~~واستبد برأيه وأقبل على السهر والخلوة ولم يذكر أمرهما لأحد من أهله، وكان ms298 ~~تحته مصلى قد تفزز لحمته وسداه وكان جلوسه ومبيته عليه فلم يغيره، وعليه ~~جبة خز دكناء قد درن جيبها فلم يغيرها حتى ظفر، وكان يقول في تلك الحال: ~~إياك والمشورة فإن عثرتها لا تستقال وزلتها لا تستدرك، فكم قد رأيت من نصيح ~~عاد نصحه غشا! ومنهم الرشيد فإنه حكي عنه أنه بعث ذات ليلة إلى جعفر بن ~~يحيى: إني قد سهرت فوجه إلي بعض سمارك. فوجه إليه بسمير له كوفي، فسامره ~~ليلته، فلما أن رجع سأله جعفر عن خبره. فقال: سامرته ليلتي كلها فأنشدته ~~فما رأيته استحلى إلا بيتين من شعر أنشدتهما إياه فإنه أولع بهما وما زال ~~يأمرني بتكريرهما عليه حتى حفظهما. فقال جعفر: وما هما؟ قال: # ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد # واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد # فقال له جعفر: أهلكني والله وأهلكت نفسك! قال: وكيف ذاك؟ قال: إنه كان لا ~~غنى به عني وعن مشورتي ولم يكرر البيتين إلا وقد عزم على ترك مشاورتي ~~والاستبداد بالرأي. فقتله بعد حول. وقال الشاعر في مثله: # بديهته وفكرته سواء ... إذا ما نابه الخطب الكبير # وأحزم ما يكون الدهر رأيا ... إذا عمي المشاور والمشير # وصدر فيه للهمم اتساع ... إذا ضاقت بما فيه الصدور # ومنهم الشعبي، فإنه ذكر أنه كان صديقا لابن أبي مسلم كاتب الحجاج وأنه ~~لما قدم به على الحجاج لعنه، فقال له: أشر علي. فقال: ما أدري بما أشير ~~ولكن اعتذر بما قدرت عليه. وأشار عليه بذلك جميع أصحابه. قال الشعبي: فلما ~~دخلت خالفت مشورتهم ورأيت والله غير الذي قالوا، فسلمت عليه بالإمرة ثم ~~قلت: أصلح الله الأمير! إن الناس قد أمروني أن أعتذر بغير ما يعلم الله أنه ~~الحق، وأيم الله لا أقول في مقامي هذا إلا الحق! قد جهدنا وحرضنا فما كنا ~~بالأقوياء الفجرة ولا بالأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا، ~~فإن سطوت فبذنوبنا وإن عفوت فبحلمك والجحة لك علينا. # فقال الحجاج: أنت والله أحب إلينا قولا ممن يدخل ms299 علينا وسيفه يقطر من ~~دمائنا ويقول: والله ما فعلت وما شهدت، أنت آمن يا شعبي! فقلت: أيها الأمير ~~اكتحلت والله بعدك بالسهر واستحلست الخوف وقطعت صالح الإخوان ولم أجد من ~~الأمير خلقا. فقال: صدقت فانصرف. فانصرفت. ### | محاسن كتمان السر # قال: كان المنصور يقول: الملوك تحتمل كل شيء من أصحابهم إلا ثلاثا: إفشاء ~~السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك. وكان يقول: سرك من دمك فانظر من ~~تملكه. وكان يقول: سرك لا يطلع عليه غيرك. إن من أنفذ البصائر كتمان السر ~~حتى يبرم المبروم. # وقيل لأبي مسلم صاحب الدولة: بأي شيء أدركت هذا الأمر؟ فقال: ارتديت ~~بالكتمان واتزرت بالحزم وحالفت الصبر وساعدت المقادير فأدركت ظني وحزت حد ~~بغيتي، وأنشد: # PageV01P165 # أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه الملوك بني مروان إذ حشدوا # مازلت أسعى عليهم في ديارهم ... والقوم في غفلة بالشأم قد رقدوا # حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومة لم ينمها قبلهم أحد # ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد # قال: وقال عبد الملك بن مروان للشعبي، لما دخل عليه: جنبني خصالا أربعا: ~~لا تطريني في وجهي، ولا تجرين علي كذبة، ولا تغتابن عندي أحدا، ولا تفشين ~~لي سرا. # وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن ~~كل ذي نعمة محسود. وأنشد المنقري في ذلك: # النجم أقرب من سر إذا اشتملت ... مني على السر أضلاع وأحشاء # وقال غيره: # ونفسك فاحفظها ولا تفش للورى ... من السر ما يطوي عليه ضميرها # فما يحفظ المكتوم من سر أهله ... إذا عقد الأسرار ضاع كبيرها # من القوم إلا ذو عفاف يعينه ... على ذاك منه صدق نفس وخيرها # قال وقال معاوية بن أبي سفيان: أعنت على علي، رضي الله عنه، في أربع ~~خصال: كان رجلا ظهرة علنة أي لم يكتم سرا، وكنت كتوما لأمري، وكان لا يسعى ~~حتى يفاجئه الأمر مفاجأة، وكنت أبادر إلى ذلك، وكان في أخبث جند وأشدهم ~~خلافا، وكنت في أطوع جند وأقلهم خلافا، وكنت أحب إلى قريش منه ms300 فقلت ما شئت ~~من جامع إلي ومفرق عنه. # وكان يقال لكاتم سره: من كتمانه إحدى خصلتين وفضيلتين الظفر بحاجته ~~والسلامة من شره. من أحسن فليحمد الله وله المنة عليه، ومن أساء فليستغفر ~~الله جل وعز وله الحجة عليه. # وقال بعضهم: كتمانك سرك يعقبك السلامة وإفشاؤك سرك يعقبك التبعة، والصبر ~~على كتمان السر أيسر من الندم على إفشائه. # وقال بعضهم: ما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما في يده اللصوص فيخفيه ثم ~~يمكن عدوه من نفسه بإفشاء سره إليه وإظهار ما في قلبه له أو أن يظهره على ~~سر أخيه، ومن عجز عن تقويم أمره فلا يلومن من لا يستقيم له. # وكان معاوية يقول: ما أفشيت سري إلى أحد إلا أعقبني طول الندم وشدة ~~الأسف، ولا أودعته جوانح صدري فخطمته بين أضلاعي إلا كسبني ذلك مجدا وذكرا ~~وسناء ورفعة. فقيل له: ولا ابن العاص؟ فقال: ولا ابن العاص. وكان يقول: ما ~~كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك. # وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: من كتم سره كانت الخيرة في يده، ومن عرض ~~نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، وضع أمر أخيك على أحسنه ولا تظنن ~~بكلمة خرجت منه سوءا إذا كنت واجدا لها في الخير مذهبا، وما كافأت من عصى ~~الله فيك بأكثر من أن تطيع الله جل ذكره فيه، وعليك بإخوان الصدق فإنهم ~~زينة عند الرخاء وعصمة عند البلاء. وحدث إبراهيم بن عيسى قال: ذاكرت ~~المنصور ذات يوم أمر أبي مسلم وصونه لذلك السر حتى فعل ما فعله. فقال: # تقسمني أمران لم أقتحمهما ... بحرص ولم تعركهما لي الكراكر # وما ساور الأحشاء مثل دفينة ... من الهم ردتها إليك المقادر # وقد علمت أفناء عدنان أنني ... لدى ما عرا مقدامة متجاسر # وقال غيره: # صن السر بالكتمان يرضك غبه ... فقد يظهر السر المضيع فيندم # ولا تفشين سرا إلى غير أهله ... فيظهر خرق السر من حيث يكتم # وما زلت في الكتمان حتى كأنني ... برجع جواب السائلي عنك أعجم # لأسلم من قول ms301 الوشاة وتسلمي ... سلمت وهل حي على الناس يسلم؟ # ولآخر: # أمني تخاف انتشار الحديث ... وحظي في ستره أوفر # ولو لم أصنه لبقيا عليك ... نظرت لنفسي كما تنظر # ولآخر: # لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي نموم لسري مذيع # فلولا الدموع كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع # ولآخر: # إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فسرك عند الناس أفشى وأضيع # أبو نواس: # لا تفش أسرارك للناس ... وداو أحزانك بالكاس # فإن إبليس على ما به ... أرأف بالناس من الناس # PageV01P166 # وقال المبرد: أحسن ما سمعت في حفظ السر ما روي لأمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب، رضي الله عنه: # فلا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا # فإني رأيت بغاة الرجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا # قال العتبي: # ولي صاحب سري المكتم عنده ... مخاريق نيران بليل تحرق # عطفت على أسراره فكسوتها ... ثيابا من الكتمان ما تتخرق # فمن تكن الأسرار تطفو بصدره ... فأسرار نفسي بالأحاديث تغرق # فلا تودعن الدهر سرك جاهلا ... فإنك إن أودعته منه أحمق # وحسبك في سر الأحاديث واعظا ... من القول ما قال الأديب الموفق # إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق # ولآخر: # ولربما اكتتم الوقور فصرحت ... حركاته عن كتمانه # ولربما رزق الفتى بسكوته ... ولربما حرم الفتى ببيانه # ولآخر: # لا يكتم السر إلا كل ذي خطر ... والسر عند كرام الناس مكتوم # والسر عندي في بيت له علق ... قد ضاع مفتاحه والباب مردوم # قال: ودخل أبو العتاهية على المهدي وقد ذاع شعره في عتبة فقال: ما أحسنت ~~في حبك ولا أجملت في إذاعة سرك. فقال أبو العتاهية: # من كان يزعم أن سيكتم حبه ... أو يستطيع الستر فهو كذوب # إذا بدا سر اللبيب فإنه ... يبد إلا والفتى مغلوب # الحب أغلب للرجال بقهره ... من أن يرى للسر فيه نصيب # إني لأحسد ذا هوى مستحفظا ... لم تتهمه أعين وقلوب # فاستحسن المهدي شعره وقال: قد عذرناك في إذاعة سرك ووصلناك على حسن عذرك ~~على أن كتمان ذلك أحسن من إذاعته. # وقال المهلب بن أبي ms302 صفرة: ما ضاقت صدور الرجال عن شيء كما ضاقت عن السر. # وقال زياد: لكل مستشير ثقة ولكل سر مستودع، وإن الناس قد أبدعت بهم ~~خصلتان: إذاعة السر وترك النصيحة، وليس موضع السر إلا أحد رجلين: رجل آخري ~~يرجو ثواب الله، ورجل دنيوي له شرف في نفسه وعقل يصون به حسه، وهما معدومان ~~في هذا الدهر. ### | محاسن حفظ اللسان # قال أكثم بن صيفي: مقتل الرجل بين فكيه، يعني لسانه. وقال الشاعر: # رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثا مغارا # ومنه قول أكثم: رب قول أشد من صول. وقوله: لكل ساقطة لاقطة. الساقطة من ~~الكلام لها لاقطة من الناس. # وقال المهلب لبنيه: اتقوا زلة اللسان فإني وجدت الرجل تعثر قدمه فيقوم من ~~عثرته ويزل لسانه فيكون فيه هلاكه. # وقال يونس بن عبيد: ليست خلة من خلال الخير تكون في الرجل هي أحرى أن ~~تكون جامعة لأنواع الخير كلها من حفظ اللسان. # وقال قسامة بن زهير: يا معشر الناس إن كلامكم أعثر من صمتكم فاستعينوا ~~على الكلام بالصمت وعلى الصواب بالفكر. # وقال الجاحظ: جرى بين شهرام المروزي وبين أبي مسلم كلام، فما زال أبو ~~مسلم يقاوله إلى أن قال شهرام: يا لقيط! فصمت أبو مسلم، وندم شهرام، فما ~~زال مقبلا عليه معتذرا وخاضعا متنصلا. فلما رأى ذلك أبو مسلم قال: لسان سبق ~~ووهم أخطأ وإنما الغضب شيطان وما جرأك غيري بطول احتمالي فإن كنت متعمدا ~~للذنب فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوبا فالعذر سبقك، وقد غفرنا لك على كل ~~حال. فقال شهرام: أيها الأمير عفو مثلك لا يكون غرورا. قال: أجل. قال: فإن ~~عظم ذنبي لا يدع قلبي أن يسكن. ولج في الاعتذار. فقال لأبو مسلم: يا عجبا! ~~كنت تسيء وأنا أحسن فإذا أحسنت أسيء. # وشتم رجل المهلب فلم يجبه. فقيل له: حلمت عنه؟ فقال: لم أعرف مساويه ~~فكرهت أن أبهته بما ليس فيه. # سلمة بن القاسم عن الزبير قال: حملت إلى المتوكل فأدخلت عليه فقال: يا ~~عبد الله الزم أبا عبد ms303 الله، يعني المعتز، حتى تعلمه من فقه المدنيين. ~~فأدخلت إلى حجرة فإذا أنا بالمعتز قد أتى في رجله نعل من ذهب، فعثر حتى ~~دميت رجله، فأتي بإبريق من ذهب وطست من ذهب وجعل يغسل ذلك الدم وهو يقول: # يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرجل # وعثرته من فيه ترمي برأسه ... وعثرته في الرجل تبرا على مهل # PageV01P167 # فقلت في نفسي: ضممت إلى من أريد أن أتعلم منه. # وكان يقال: ينبغي للعاقل أن يحفظ لسانه كما يحفظ موضع قدمه، وقيل: من لم ~~يحفظ لسانه فقد سلطه على هلاكه. وقال الشاعر: # عليك حفظ اللسان مجتهدا ... فإن جل الهلاك في زلله # ولآخر: # وجرح السيف تدمله فيبرا ... وجرح الدهر ما جرح اللسان # جراحات الطعان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان # ولآخر: # وجرح اللسان كجرح اليد # ولآخر: # وجرح السيف يأسوه المداوي ... وجرح القول طول الدهر دامي ### | مساوئ جناية اللسان # أحمد بن إبراهيم الهاشمي قال: لما عفا أبو العباس السفاح عن سليمان بن ~~هشام بن عبد الملك وعن ابنيه قربهم وأدناهم وبسطهم حتى كانوا يسمرون عنده ~~بالليل، وكان سليمان إذا دخل ثنيت له وسادة وكذلك لابنيه وربما طرحت لهم ~~نمارق ونصبت لهم كراسي، فإنهم عنده ذات ليلة أو ذات يوم إذ دخل إليه أبو ~~غسان الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين بالباب رجل متلثم أناخ راحلته وقال: ~~استأذن لي على أمير المؤمنين. فقلت: ضع عنك ثياب سفرك. # فقال: لا أحط رحلي ولا أسفر عمتي حتى أنظر إلى وجه أمير المؤمنين. فقال ~~أبو العباس: فهل سألته من هو؟ قال: قد فعلت فذكر أنه سديف مولاك. فقال: ~~سديف سديف! ائذن له فدخل رجل أحم طويل يتثنى عليه ممطر حر ومعه محجن يتوكأ ~~عليه، فلما نظر إلى أبي العباس سفر عن وجهه ثم سلم ودنا وقبل يده ثم انصرف ~~إلى خلفه. فقام مقام مثله وأنشده: # أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العباس # لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس # ولقد ساءني وساء سوائي ms304 ... قربهم من نمارق وكراسي # أنزلوها بحيث أنزلها الل ... ه بدار الهوان والإتعاس # واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس # والقتيل الذي بحران أمسى ... ثاويا بين غربة وتناسي # نعم شبل الهراش مولاك لولا ... آود من حبائل الإفلاس # فقام سليمان بن هشام فقال: يا أمير المؤمنين إن مولاك هذا مثل بين يديك ~~يبعثك على قتلي وقتل ابني ويحدوك على طلب ثأرك منا، وقد بلغني أنك تريد ~~اغتيالي. فقال أبو العباس: والله ما كان عزمي أن أقتلك ولا أن أسيء بك ولا ~~أطالبك بشيء مما طالبت به أهل بيتك، فأما إذ وقع في خلدك إني أغتالك فيا ~~جاهل من يحول بين وبينك وبين قتلك حتى أغتالك؟ ثم أمر بقتله وقتل ابنيه. # فقال سليمان لقاتله أبي الجهم: إنك قد أمرت بأمر لا بد لك من إنفاذه ~~وحاجتي إليك أن تقدم ابني حتى أحتسبهما، ففعل. # وخرج سديف وقد وصله العباس بخمسة آلاف دينار وهو يقول: قد قرت العينان ~~واشتفت النفس فلله الحمد والشكر! وحكي عن شيرويه بن أبرويز أن رجلا من ~~الرعية وقف له يوما وقد خرج من الميدان فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز ~~على يدك وملكك ما كنت أحق به منه وأراح آل ساسان من جبريته وعتوه وبخله ~~ونكده، فإنه كان يأخذ بالإحنة، ويقتل بالظن، ويخيف البري، ويعمل بالهوى. # فقال شيرويه لبعض حجابه: احمله إلي. فحمل. فقال له: كم كانت أرزاقك في ~~حياة أبرويز؟ قال: كنت في كفاية العيش. قال: فكم رزقك بما سمعت اليوم؟ قال: ~~ما زيد في رزقي شيء. قال: فهل وترك أبرويز فانتصرت منه بما سمعت من كلامك؟ ~~قال: لا. قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه ولم يقطع عنك مادة رزقك ولا وترك في ~~نفسك، وما للعامة والوقوع في الملوك وهم رعية؟ وأمر أن ينزع لسانه من قفاه، ~~وقال: حق ما يقال: الخرس خير من البيان بما لا يجب. وقال بعض الشعراء في ~~مثله: # يا ليت أني لا أموت بغصتي ... حتى أرى رجلا يقول فيصدق # احفظ لسانك لا تقول فتبتلى ms305 ... إن البلاء موكل بالمنطق # ولآخر: # لعمرك ما شيء علمت مكانه ... أحق بسجن من لسان مذلل # على فيك مما ليس يعنيك قوله ... بقفل شديد حيث ما كنت فاقفل # ولآخر: # إذا الأمر أعيا اليوم فانظر به غدا ... لعل عسيرا في غد يتيسر # ولا تعد قولا من لسانك لم يرض ... مواقعه من قبل ذاك التفكر # PageV01P168 # ولا تصر من حبل امريء في رضى امريء ... فيتصلا يوما وحبلك أبتر ### | محاسن الصدق # قال بعض الحكماء: عليك بالصدق فما السيف القاطع في كف الرجل الشجاع بأعز ~~من الصدق، والصدق عز وإن كان فيه ما تكره، والكذب ذل وإن كان فيه ما تحب، ~~ومن عرف بالكذب اتهم في الصدق. # وقيل: الصدق ميزان الله الذي يدور عليه العدل، والكذب مكيال الشيطان الذي ~~يدور عليه الجور. # وقال ابن السماك: ما أحسبني أؤجر على ترك الكذب لأني أتركه أنفة. # وقال الشعبي: عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك فإنه ينفعك، واجتنب الكذب حيث ~~ترى أنه ينفعك فإنه يضرك. # وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا يصلح ~~الكذب إلا في ثلاث: كذب الرجل لأهله ليرضيها، وإصلاح بين الناس، وكذب في ~~حرب. # وقال بعض الحكماء: الصدق عز والكذب خضوع. # وقال آخر: لو لم يترك العاقل الكذب إلا مروءة لقد كان حقيقا بذلك فكيف ~~وفيه المأثم والعار! ومن المعروفين بالصدق أبو ذر الغفاري، قال النبي، صلى ~~الله عليه وسلم: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على أصدق ذي لهجة من أبي ~~ذر. # ومنهم العباس بن عبد المطلب، حدثنا الحكم بن عيسى عن الأعمش عن الشعبي ~~قال: اطلع العباس على النبي، صلى الله عليه وسلم، وعنده جبريل، عليه ~~السلام، فقال له جبريل، عليه السلام: هذا عمك العباس؟ قال: نعم. قال: إن ~~الله جل وعز يأمرك أن تقرأ عليه السلام، وتعلمه أن اسمه عبد الله الصادق ~~وأن له شفاعة يوم القيامة. فأخبره، صلى الله عليه وسلم، بذلك، فتبسم ~~العباس. فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: إن شئت أخبرتك مما ms306 تبسمت وإن ~~شئت أن تقول فقل. قال: بل تعلمني يا رسول الله. قال: لأنك لم تحلف يمينا في ~~جاهلية ولا إسلام برة ولا فاجرة ولم تقل لسائل لا. قال: والذي بعثك بالحق ~~ما تبسمت إلا لذلك. # ومنهم علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال يوم النهروان لأصحابه: شدوا ~~عليهم فوالله لا يقتلون عشرة ولا ينجو منهم عشرة. # فشدوا عليهم فوالله ما قتل من أصحابه تمام عشرة ولا نجا منهم تمام عشرة. # ثم قال: اطلبوا ذا الثدية. فطلبوه فقالوا: لم نجده. فقال: والله ما كذبت ~~قط ولا كذبت، والله لقد أخبرني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه يقتل مع ~~شر جيل يقتلهم خير جيل. ثم دعا ببغلة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فركبها فسار حتى وقفت على قليب فيه قتلى فقال: اقلبوا القتلى واطلبوه ~~بينهم. فإذا هو سابع سبعة، فلما أخرجه قال: الله أكبر! لولا أن تنكلوا ~~فتتركوا العمل لأخبرتكم بما جعل الله جل وعز لمن قتلهم على لسان نبيه، صلى ~~الله عليه وسلم. # ومن الأخبار في مثله قيل: دخل هشام بن عروة على المنصور فقال له: يا أبا ~~المنذر أتذكر حيث دخلت عليك أنا وأخي مع أبي الخلائف وأنت تشرب سويقا بقصبة ~~يراع فلما خرجنا من عندك قال أبي: استوصوا بالشيخ خيرا واعرفوا حقه فلا ~~يزال في قومكم بقية ما بقي؟ قال: ما أثبت ذاك يا أمير المؤمنين. فلامه بعض ~~أهله وقالوا: يذكرك أمير المؤمنين ما يمت به إليك وتقول له لا أذكره؟ فقال: ~~لم أذكره ولم يعودني الله في الصدق إلا خيرا. # قال: قدم زياد على معاوية، فلما طال بهم المجلس حدثه زياد بحديث، فقال له ~~معاوية: كذبت. فقال: مهلا يا أمير المؤمنين فوالله ما حللت للكلام حبوة إلا ~~على بيعة الصدق ولم أكذب، وحياة الكذب عندي موت المروءة، فاستحياه معاوية ~~وقال: يغفر الله لك يا أخي، فكأني أرى بك حرب بن أمية في جميل شيمه وكرم ~~أخلاقه. # قال: وكان الفضلبن الربيع يخاطب الرشيد فقال له ms307 الرشيد: كذبت. فقال: يا ~~أمير المؤمنين وجه الكذب لا يقابل وجهك ولسانه لا يقابل جوابك. ### | محاسن الكذب # روي عن المغيرة بن إبراهيم قال: لم يرخص لأحد في الكذب إلا للحجاج بن ~~علاط، فإنه لما فتحت خيبر قال لرسول الله: إن لي عند امرأة من قريش وديعة ~~فإن أذن لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن أكذب كذبة فلعلي أن أستل ~~وديعتي. قال: فرخص له. فقدم مكة فأخبرهم أنه ترك رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، أسيرا في أيديهم يأتمرون فيه، قائل يقول يقتل وقائل يقول لا بل يبعث ~~إلى قومه فيكون ذلك منة. # PageV01P169 # فجعل المشركون يتباشرون بذلك ويوئسون العباس عم النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، منه والعباس يريهم التجلد. وأخذ الرجل وديعته، فاستقبله العباس فقال: ~~ويحك ما الذي أخبرت به؟! فأعمله السبب ثم أخبره أن رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، قد فتح خيبر واستنكح صفية بنت حيي بن أخطب وقتل أباها وزوجها، ~~وقال له: اكتم علي اليوم وغدا حتى أمضي، ففعل ذلك. فلما مضى أخبرهم العباس ~~بالذي أخبره فكبتوا. # وروي أن رجلا أتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إتي ~~أستسر بخلال أربع: الزناء والسرق وشرب الخمر والكذب، فأيهن أحببت تركته لك ~~سرا. فقال: دع الكذب. فمضى الرجل فهم بالزناء فقال: يسألني رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، فإن جحدت نقضت ما جعلته له وإن أقررت حددت، فلم يزن، ثم هم ~~بالسرقة وبشرب الخمر ففكر في مثل ذلك فرجع إلى رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فقال له، عليه السلام: تركتهن أجمع. # ومن ملح الكذب قيل: إنه كان بين يحيى بن خالد البرمكي وبين عبد الله بن ~~مالك الخزاعي عداوة وتحاسد وكان كل واحد منهما ينتظر لصاحبه الدوائر، فلما ~~ولي عبد الله بن مالك أذربيجان وأرمينية ضاق برجل من الدهاقين بالعراق ~~الأمر وتعذرت عليه المطالب فحمل نفسه على أن افتعل على لسان يحيى بن خالد ~~إلى عبد الله بن مالك بالوصاة به وأكد بمعاونته ms308 كل التأكيد، ولم يعلم ما ~~بينهما من التباعد، فشخص من مدينة السلام إلى أذربيجان وصار إلى باب عبد ~~الله بن مالك بالكتاب، فأوصله الحاجب، فقال له عبد الله: أدخل صاحب هذا ~~الكتاب. فأدخله. فقال له عبد الله: إن كتابك هذا مفتعل ولكنك قد تجشمت هذه ~~الشقة البعيدة ولسنا نخيبك. فقال الرجل: أما كتابي فليس بمفتعل وإن كنت ~~إنما تقصده بهذه التهمة لتصرفه فالله جل وعز حسبي وعليه أتوكل. فقال عبد ~~الله: أفترى أن تحبس في دار وتزاح علتك إلى أن أكتب وأستطلع الرأي وأعرف ~~نبأ هذا الكتاب فإن كان مزورا عاقبتك وإن كان صحيحا خيرتك بين الصلات ~~والولايات فأيها اخترت سوغتكه؟ قال: نعم. فأمر عبد الله بحبسه وإزاحة علته ~~وكتب إلى وكيله بالعراق: إن رجلا يسمى فلان بن فلان أورد علي كتابا من أبي ~~علي يحيى بن خالد البرمكي فتعرف لي أمر هذا الكتاب واكتب إلي بالحال فيه. # فصار الوكيل بكتاب عبد الله إلى يحيى بن خالد فقرأه عليه، فدعا بالدواة ~~وكتب إليه بخطه: فلان من أخص من يليني وأوجبهم حقا وقد أخبرني صاحبك بشكك ~~في أمره فأزل، جعلت فداك، الشك وليكن صرفه إلي معجلا بما يشبهك. # فلما خرج الوكيل قال يحيى لأصحابه: ما تقولون في رجل افتعل علي كتابا إلى ~~عبد الله بن مالك وصل به من مدينة السلام إلى أذربيجان؟ فقالوا جميعا: نرى ~~أن تفضحه وتكشف ستره وتعلن أمره ليرتدع به غيره ويصير نكالا وأحدوثة ~~للعالمين. قال: لا والله، وهذا رأيكم؟ قالوا: نعم. فقال: قبح الله هذا من ~~رأي فما أقله وأنذله! ويحكم هذا رجل ضاق به الرزق فأمل في خيرا ووثق بي ~~وشخص إلى أذربيجان مع بعد شقتها وصعوبة طريقها أتشيرون علي أن أحرمه ما ~~أمله في حتى يسيء ظنه بي وقد عرفتم قدر عبد الله وحاله عند أمير المؤمنين ~~وأني لم أكن أحتال لهذه المنزلة إلا بالخطير من المال، أفتريدون أن أرد ~~الأمر بيني وبينه بعد الألفة الواقعة إلى الحشمة؟ هذا والله النكد طول ~~الأبد وغاية ms309 الضعف ونهاية أسباب الانتكاس! ثم أخبرهم بما كتب به إلى عبد ~~الله فتعجبوا من كرمه واحتماله الكذب. # وورد الكتاب بخطه على عبد الله فدعا بالرجل وقد سقط في يده لاعتراض سوء ~~الظن بقلبه، فلما دخل عليه قال. هذا كتاب أخي قد ورد علي بصحة أمرك وسألني ~~تعجيل صرفك إليه. فدعا له بمائتي ألف درهم وبما يتبعها من الدواب والبغال ~~والجواري والغلمان والخلع وسائر الآلة ثم أصدره. فلما حضر باب يحيى بن خالد ~~أدخل ذلك أجمع إليه وعرضه عليه، فأمر له يحيى بمثل ذلك وأثبته في خاصته. # PageV01P170 # قيل: وكان رجال من أهل المدينة من فقيه وراوية وشاعر يأتون بغداد فيرجعون ~~بحظوة وحال حسنة، فاجتمع عدة منهم يوما فقالوا لصديق لهم لم يكن عنده شيء ~~من الآداب: لو أتيت العراق فلعلك كنت تصيب شيئا. فقال: أنتم أصحاب آداب ~~تلتمسون بها! قالوا: نحن نحتال لك، فجهزوه وقدم بغداد وطلب الاتصال بعلي بن ~~يقطين بن موسى وشكا إليه الحاجة! فقال: ما عندك من الأدب؟ قال: ليس عندي من ~~الآداب شيء غير أني أكذب الكذبة فأخيل إلى من سمعها أني صادق. وكان ظريفا ~~مليحا، فأعجب به وعرض عليه مالا فأبى أن يقبله وقال: لست أريد منك إلا أن ~~تسهل إذني وتدني مجلسي. قال: ذاك لك. فكان من أقرب الناس إليه مجلسا حتى ~~عرف بذلك. # وكان المهدي غضب على رجل من القواد حتى استصفى ماله فكان يختلف إلى علي ~~بن يقطين رجاء أن يكلم له المهدي، وكان يرى قرب المدني منه ومكانه، فأتى ~~المدني القائد عشاء وقال له: ما البشرى؟ فقال: لك البشرى وحكمك، قال: قد ~~أرسلني إليك علي بن يقطين وهو يقرئك السلام ويقول: قد كلمت أمير المؤمنين ~~في أمرك ورضي عنك وأمر برد مالك وضياعك ويأمرك بالغدو عليه لتغدو معه إلى ~~أمير المؤمنين متشكرا، فدعا له الرجل بألف دينار وثياب وكسوة وحملان ودفعها ~~إليه، وغدا على علي مع جماعة من وجوه العسكر متشكرا. فقال له علي: وما ذاك؟ ~~فقال: أخبرني أبو فلان، وهو إلى ms310 جنبه، بكلامك لأمير المؤمنين في أمري ورضاه ~~عني! فالتفت إلى المدني فقال: ما هذا؟ فقال: أصلحك الله! هذا بعض ذلك ~~المتاع نشرناه. فضحك علي وقال: علي بدابتي، فركب إلى المهدي وحدثه بالحديث ~~فضحك المهدي وقال لعلي: فإنا قد رضينا عن الرجل ورددنا عليه ماله فأجر على ~~المدني رزقا واسعا واستوص به خيرا. فأجرى عليه ووصله، وكان يعرف بكذاب ~~الخليفة. # قال: وكتب عبد الملك بن مروان إلى عمر بن محمد صاحب البلقاء أن اخطب علي ~~الشقراء بنت شبيب بن عوانة الطائية وهو يومئذ في بادية له ومعه عدة من ~~أصحابه. فأرسل إليه عمر: إن أمير المؤمنين كتب إلي أن أخطب عليه الشقراء ~~ابنتك فاحضر فارسل إليه. فقال: ما لنا إليكم حاجة، فإن كانت لأمير المؤمنين ~~إلينا حاجة فليأت أو يرسل رسولا. فقال عمر: سيروا بنا إليه. فسار في جماعة ~~من وجوه البلقاء. قال: فدفعنا إلى أعرابي بفناء خيمته فسلمنا فرد السلام، ~~وتكلم عمر فقال الأعرابي: أرسول أمير المؤمنين أنت؟ قال: نعم، قال: فإنا قد ~~زوجناه على صداق نسائنا مائة من الإبل وما يتبعها من الثياب والخدم. فقلت: ~~نعم. ثم جاءنا بثلاث جفان من كسور خبز ولبن فأكلنا ثم انصرفنا، فكتبت إلى ~~عبد الملك بن مروان فأرسل إليه بمائة من الإبل وعشرة آلاف درهم وما يتبع ~~ذلك من الطيب والخدم والأثاث. فجهزها ثم حملها إلى عبد الملك وما معها من ~~ذلك شيء إلا البعير الذي ركبته ومعها نسوة من بنات عمها. فلما وافت عبد ~~الملك أمر فأدخلت إلى دار فأقامت أياما ثم إن عبد الملك بنى بها فكان كثيرا ~~ما يقول: ما رأيت مثل هذه الأعرابية ظرفا وخلقا ومنطقا. # فاشتد ذلك على عاتكة بنت يزيد بن معاوية فأرسلت إلى روح بن زنباع، وكان ~~من أخص الناس بعبد الملك، فقالت: يا أبا زرعة قد علمت رأي أمير المؤمنين ~~معاوية كان فيك ورأي يزيد من بعده وأن أمير المؤمنين قد أعجبه أمر هذه ~~الأعرابية وغلبت على قلبه فشأنك في إفساد ذلك عنده. قال: نعم ms311 ونعمة عين. ثم ~~خلا بعبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين كيف ترى الأعرابية؟ قال: قد جمعت ما ~~جمع النساء الحاضرة والبادية. قال: يا أمير المؤمنين إنك من الأعرابية كما ~~قال الأول: # وإذا تسرك من تميم خلة ... فلما يسوءك من تميم أكثر # فقال له: لا تقل ذلك، قال: كأنك بها قد حالت إلى غير ما هي عليه. # فكثر ذلك منه. ثم إن عبد الملك دخل عليها فقال: يا شقراء أعلمت أن روحا ~~قال لي كذا وكذا؟ قالت: ولم ذاك وحال عشيرتي وعشيرته كما تعلم؟ قال: هو علي ~~ما قلت لك وإن أحببت أسمعتك ذلك منه! فقالت: قد أحببت. # PageV01P171 # فأمرها أن تجلس خلف الستر وأرسل إلى روح، فلما دخل عليه قال: هيه يا أبا ~~زرعة والله لقد وقع كلامك مني موقعا! قال: نعم يا أمير المؤمنين إن ~~الأعرابية تنتكث كانتكاث الحبل ثم لا تدري ما أنت عليه منها. فعجلت ورفعت ~~الستر وقالت: أنت فلا حياك الله ولا وصل رحمك قد كان يبلغني هذا عنك فما ~~كنت أصدق! فوثب روح وقال: يا هذه إن هذا أرسل إلي فأعلمني أنك خلف الستر ~~وعزم علي أن أتكلم بهذا فلم أجد بدا من أبر عزيمته، وأما أنت فلا يسوءك ~~الله! قالت: صدق والله ابن عمي وأنت الذي حملته على ما قال. فقال عبد ~~الملك: ويلك يا شقراء ألا تقبلي منه! قالت: هو عندي أصدق منك. وجعل روح ~~يقول وهو مول: هو والله الحق كما أقول. فخرج ووقع الكلام بينهما. # وقال خالد بن صفوان: دخلت على أبي العباس وهو خالي المجلس فقلت: يا أمير ~~المؤمنين إن رأيت أن تأمر بحفظ الستر لألقي إليك شيئا أنصحك به أو قال فيه. ~~فأمر بذلك. فقلت: يا أمير المؤمنين فكرت في هذا الأمر الذي ساقه الله إليك ~~ومن به عليك فرأيتك أبعد الناس من لذاته وأتعب الخلق فيه؟ قال: وكيف ذاك يا ~~خالد؟ قلت: باقتصارك من الدنيا على امرأة واحدة وتركك البيضاء المشتهاة ~~لبياضها والخضرة التي تراد لخضرتها والسمينة المشتهاة لوطائها ms312 وذكرت ~~الرشيقة الرخيمة والجعدة السبطة، فقال: يا خالد هذا أمر ما مر بسمعي! ~~فاستأذن في الانصراف فأذن له. # وخرجت إليه أم سلمة وهو ينكت بالقلم على دواة بين يديه، فقالت: يا أمير ~~المؤمنين أراك مفكرا، أنتقض عليك عدو؟ قال: كلا ولكن كلام ألقاه إلي خالد ~~بن صفوان فيه نصيحتي. وشرح ذلك لها. قالت: فما قلت لابن الزانية؟ قال: ~~ينصحني وتشتمينه! فقامت عنه وبعثت إلى مائة من مواليها فقالت: لهذا اليوم ~~اتخذتكم وأعددتكم! امضوا إلى خالد بن صفوان فحيث وجدتم خالدا فاهووا إلى ~~أعضائه عضوا عضوا فرضوها. فطلبت ومررت بقوم أحدثهم إذ أقبل القوم فدخلت في ~~جملتهم ولجأت إلى دار ووقعت البغلة فرضوها بالأعمدة وبقيت لا تظلني سماء ~~ولا تقلني أرض. # فإني جالس ذات يوم إذ هجم علي قوم فقالوا: أجب أمير المؤمنين. فقمت ولا ~~أملك من نفسي شيئا حتى دخلت عليه وهو في ذلك المجلس وأنا أسمع حركة من وراء ~~الستر فقلت أم سلمة والله. فقال: يا خالد من أين ترى؟ قلت: كنت في غلة لي. ~~ثم قال: الكلام الذي كنت ألقيته إلي في بعض الأيام أعده علي. قلت: نعم يا ~~أمير المؤمنين، إن العرب اشتقت اسم الضر من اسم الضرتين، وإن الضرائر شر ~~الذخائر، والإماء آفة المنازل، ولم يجمع رجل بين امرأتين إلا كان بين ~~جمرتين تحرقه واحدة بنارها وتلحقها أخرى بشرارها. قال: ليس هذا هو! قلت: ~~بلى. قال: ففكر. قلت: نعم يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الثلاث إذا اجتمعن ~~كن كالأثافي المحرقة، وأن الأربع يتغايرن فلا يصبرن ويتعالين فلا يهوين، ~~وإن أعطين لم يرضين. قال: لا والله ما هو هذا. قلت: يا أمير المؤمنين ~~وأخبرتك أن الأربع هم ونصب وضجر وصخب إنما صاحبهن بين حاجة تطلب وبلية ~~تترقب، إن خلا بواحدة منهن خاف شر الباقيات، وإن آثرها كن له أعدى من ~~الحيات، وأخبرتك أن الجواري رجال لا خصى لهن وخرق لا حياة معهن. قال: لا ~~والله ما هو هذا! قلت: بلى إن بني مخزوم ريحانة العرب وكنانة بيت ms313 قريش، ~~وعندك ريحانة الرياحين وسيدة نساء العالمين، وحدثتني أنك تهم بالتزوج فقلت ~~لك هيهات تضرب في حديد بارد ليس ذلك بكائن آخر الزمان المعاين! قال: ويلك ~~أتستعمل الكذب؟ قلت: فمع السيوف لعب! قال: فاذهب فإنك أكذب العرب، قلت: ~~فأيهما أصلح، أكذب أم تقتلني أم سلمة؟ فاستلقى ضاحكا وقال: اخرج قبحك الله! ~~وارتفع الضحك من وراء الستر وانصرفت إلى منزلي فإذا خادم لأم سلمة ومعه خمس ~~بدر وخمسة تخوت وقال: الزم ما سمعناه منك. # PageV01P172 # قال الأصمعي: قال الخليل بن سهل: يا أبا سعيد أعلمت أن طول رمح رستم كان ~~سبعين ذراعا من حديد مصمت في غلظ الراقود؟ قال: فقلت ها هنا أعرابي له ~~معرفة فاذهب بنا إليه نحدثه بهذا. فذهبت به إلى الأعرابي فقال له ذلك فقال ~~الأعرابي: قد سمعنا بهذا وقد بلغنا أن رستم هذا واسفنديار أتيا لقمان بن ~~عاد بالبادية فوجداه نائما ورأسه في حجر أمه فقالت لهما: ما شأنكما؟ فقالا: ~~بلغنا شدة هذا الرجل فأتيناه، فانتبه فزعا من كلامهما فنفخهما فألقاهما إلى ~~أصفهان فقبورهما اليوم بها. فقال الخليل: قبحك الله ما أكذبك! فقال: يا ابن ~~أخي ما بيننا شيء إلا وهو دون الراقود. # قيل: وقدم بعض العمال من عمل فدعا قوما إلى طعامه وجعل يحدثهم بالكذب ~~فقال بعضهم: نحن كما قال الله عز وجل: سماعون للكذب أكالون للسحت. ### | وممن ذم الكذب # قيل: إنه وجد في كتب الهند: ليس لكذوب مروءة ولا لضجور رياسة ولا لملول ~~وفاء ولا لبخيل صديق. # وقال قتيبة بن مسلم لبنيه: لا تطلبوا الحوائج من كذوب فإنه يقربها وإن ~~كانت بعيدة ويبعدها وإن كانت قريبة، ولا من رجل قد جعل المسألة مأكلة فإنه ~~يقدم حاجته قبلها ويجعل حاجتك وقاية لها، ولا من أحمق فإنه يريد نفعك ~~فيضرك. # وقيل: أمران لا ينفكان من كذب: كثرة المواعيد وشدة الاعتذار. # وقال: كفاك موبخا على الكذب علمك بأنك كاذب. # وقال رجل لأبي حنيفة: ما كذبت قط. فقال: أما هذه فواحدة. # وفي المثل: هو أكذب من أسير السند، وذلك أنه ms314 يؤخذ الخسيس منهم فيزعم أنه ~~ابن الملك. ويقال: هو أكذب من الشيخ الغريب، وذلك أنه يتزوج في الغربة وهو ~~ابن سبعين سنة فيظن أنه ابن أربعين سنة. وقيل: هو أكذب من مسيلمة. # ومما قيل في ذلك من الشعر: # حسب الكذوب من البل ... ية بعض ما يحكى عليه # ما إن سمعت بكذبة ... من غيره نسبت إليه # ولآخر: # لقد أخلفتني وحلفت حتى ... إخالك قد كذبت وإن صدقتا # ألا لا تحلفن على يمين ... فأكذب ما تكون إذا حلفتا # ولآخر: # كلام أبي خلف كله ... نداء الفواخت جاء الرطب # وليس وإن كن يشبهنه ... يقاربنه أبدا في الكذب # ولآخر: # قد كنت أنجز دهرا ما وعدت إلى ... أن أتلف الوعد ما جمعت من نشب # فإن أكن صرت في وعدي أخا كذب ... فنصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب ### | محاسن فضل المنطق # سئل بعض الحكماء عن المنطق والصمت فقال: إنك تمدح الصمت بالمنطق ولا تمدح ~~المنطق بالصمت وما عبر عن شيء فهو أفضل منه. # وسئل آخر عنها فقال: أخزى الله المساكنة فما أفسدها للسان وأجلبها للعي ~~والحصر، والله للمماراة في استخراج حق أسرع في هدم العي من النار في يابس ~~العرفج. فقيل له: قد عرفت ما في المماراة من الذم. فقال: إن ما فيها أقل ~~ضررا من السكتة التي تورث عللا وتولد أدواء أيسرها العي. # وقال بعض الحكماء: اللسان عضو فإن مرنته مرن وإن تركته حزن. ### | محاسن الصمت # الهيثم بن عدي قال بعض الحكماء: تكلم أربعة من الملوك بأربع كلمات رميت ~~عن قوس واحدة فقال كسرى: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قد قلت. ~~وقال ملك الهند: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني وإن كنت أملكها. وقال قيصر: لا ~~أندم على ما لم أقل وقد أندم على ما قد قلت. وقال ملك الصين: عاقبة ما قد ~~جرى به القول أشد من الندم على ترك القول. # وقال بعضهم: من حصافة الإنسان أن يكون الاستماع أحب إليه من المنطق إذا ~~وجد من يكفيه، فإنه لن يعدم في الاستماع ms315 والصمت سلامة وزيادة في العلم. # وقال بعض الحكماء: من قدر أن يقول فيحسن قادر أن يصمت فيحسن، وليس كل من ~~صمت فأحسن قادر أن يقول فيحسن. # وقال أبو عبيد الله كاتب المهدي: كن على التماس الحظ بالسكوت أحرص منك ~~على التماسه بالكلام. # وكان يقال: من سكت فسلم كان كمن قال فغنم. # وقال علي بن عبيدة: الصمت أمان من تحريف اللفظ وعصمة من زيغ المنطق ~~وسلامة من فضول القول. # وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن الله جل وعز يكره الانبعاق في ~~الكلام، فرحم الله امرأ أوجز في كلامه واقتصر على حاجته. # PageV01P173 # قيل: وكلم رجل سقراط بكلام أطاله فقال: أنساني أول كلامك طول عهده وفارق ~~آخره فهمي بتفاوته. قيل: ولما قدم ليقتل بكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: ~~تقتل ظلما. قال: وكنت تحبين أن أقتل حقا! قيل: ودخل رجل على معاوية ومعه ~~ابن له يتوكأ عليه فقال: من هذا الغلام معك؟ قال: ابن لي يتيم. قال: حق لمن ~~كنت أباه أن يكون يتيما. ### | محاسن الكلام في الحكمة # اصبر محتسبا مأجورا وإلا صبرت مضطرا مأزورا. # المصيبة بالصبر أعظم المصيبتين إن بقيت لم يبق الهم. # إذا حضر الأجل افتضح الأمل. الأمل يتخطى الأجل. # من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة. # لا يستبطأ الدعاء بالإجابة وقد سدت طريقه بالذنوب. # واجد لا يكتفي وطالب لا يجد. # الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له بخيل بما لا يملكه. # شكرك نعمة سالفة يقتضي لك نعمة مستأنفة. # من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم. # لولا من يقبل الجور لم يكن من يجور. # من مدحك بما ليس فيك فحقيق بأن يذمك بما ليس فيك. # من تكلف ما لا يعنيه فاته ما يعنيه. # من أحس بضعف حيلته عن الاكتساب بخل. # عالم معاند خير من جاهل منصف. # أطع من هو أكبر منك ولو بليلة. # حافظ على الصديق ولو في حريق. # أعظم المصائب انقطاع الرجاء. # إذا كفيت فاكتف. # الليل أخفى للويل. # عين عرفت فذرفت. # لم يفت من لم ms316 يمت. # أصدع الفراق بين الرفاق. ### | محاسن البلاغة # يقال في المثل: هو أبلغ من قس، وكان من حكماء العرب، وهو أول من كتب من ~~فلان إلى فلان، وأقر بالبعث من غير نبي، وأول من قال البينة على المدعي ~~واليمين على المدعى عليه. وقال فيه الأعشى: # وأبلغ من قس وأجرا من الذي ... بذي الغيل من خفان أصبح خادرا # قال: وسئل أرسطاطاليس عن البلاغة فقال: أن تجعل في المعنى الكثير كلاما ~~قليلا وفي القليل كلاما كثيرا. # ووصف آخر بلاغة رجل فقال: كيف قادهم الله بأزمة أنوفهم إلى مصارع حتوفهم. # وقال اليوناني: البلاغة تصحيح الأقسام واختيار الكلام. # وقال الرومي: البلاغة حسن الاقتصاد عند البديهة والاقلال عند الإطالة. # وقال الهندي: البلاغة وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة. # وقال الفارسي: البلاغة أن تعرف الفصل من الوصل. # وقال إبراهيم الإمام: يكفي من حظ البلاغة أن يؤتى السامع من سوء إفهام ~~الناطق ولا يؤتى الناطق من سوء إفهام السامع. # وسئل آخر عن البلاغة فقال: أن تجعل بينك وبين الإكثار مسورة للاختصار. # وقال أحنف: البلاغة الوقوف عند الكفاية وبلوغ الحاجة بالاقتصاد. # وقال معاوية لصحار العبدي: ما البلاغة؟ فقال: أن تجيب فلا تبطيء وتقول ~~فلا تخطيء. # وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: أن لا تبطيء ولا تخطيء. # وقيل: البليغ من أغناك عن التفسير. # وقال خالد بن صفوان: ليست البلاغة بخفة اللسان ولا كثرة الهذيان ولكنها ~~إصابة المعنى والقصد للحجة. ### | محاسن الأدب # قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: كفى بالأدب شرفا أنه يدعيه من لا ~~يحسنه ويفرح إذا نسب نسب إليه، وكفى بالجهل خمولا أنه يتبرأ منه وينفيه عن ~~نفسه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه. فأخذ بعض المولدين معنى قوله فقال: # ويكفي خمولا بالجهالة أنني ... أراع متى أنسب إليها وأغضب # وقال، رحمة الله عليه: قيمة مل امريء ما يحسن. فرواه بعض المحدثين شعرا ~~فقال: # قال علي بن أبي طالب ... وهو اللبيب الفطن المتقن # كل امريء قيمته عندنا ... وعند أهل العلم ما يحسن # وأنشد أبو الحسن بن طباطبا العلوي ms317 لنفسه: # حسود مريض القلب يخفي أنينه ... ويضحي كئيب البال عندي حزينه # يلوم على أن رحت في العلم راغبا ... وأجمع من عند الرواة فنونه # فأعرف أبكار الكلام وعونها ... وأحفظ مما أستفيد عيونه # ويزعم أن العلم لا يجلب الغنى ... ويحسن بالجهل الذميم ظنونه # فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمة كل الناس ما يحسنونه # وقيل: الأدب حياة القلب ولا مثيبة أعظم من الجهل. وأنشدنا الكسروي: # عي الشريف يزين منصبه ... وترى الوضيع يزينه أدبه # PageV01P174 # قال: وسمع بعض الحكماء رجلا يقول: إني غريب. فقال: الغريب من لا أدب له. # وكان يقال: من قعد به حسبه نهض به أدبه. # وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: العلم خير من المال لأن العلم يحرسك ~~وأنت تحرس المال، والمال يبيده الإنفاق، والعلم يزكو على الإنفاق، والعلم ~~حاكم والمال محكوم عليه. # وقيل لبزرجمهر: الأدب أفضل أم المال؟ قال: بل الأدب. قيل له: فما بال ~~الأدباء بباب الأغنياء ولا نرى الأغنياء بباب الأدباء؟ فقال: لعلم الأدباء ~~بمقدار فضل المال وجهل الأغنياء بمقدار الأدب. # وقال بعض الحكماء: إن كان الرزق لا بد مطلوبا بسبب فأفضل أسبابه ما افتتح ~~بالأدب، ونظرنا فلم نره اجتمع لشيء من أصناف الصناعات كما اجتمع للكتبة ~~لأنها لا تكمل لأحد حتى يبتدئها برياضة نفسه في الأدب فينفذ في الخط ~~والبلاغة في الكتب والفصاحة في المنطق والبصر بصواب الكلام من خطابه والعلم ~~بالشريعة وأحكامها والمعرفة بالسياسة والتدبير. ### | المناظرات في الأدب # حدثنا أبو ناظرة البصري عن المازني قال: بينا أنا قاعد في المسجد إذا ~~صاحب بريد قد دخل وهو يسأل عني ويقول: أيكم المازني؟ فأشار الناس إلي، ~~فقال: أجب، قلت: من ومن أجيب؟ قال: الخليفة، فذعرت منه وكنت رجلا فاطميا ~~فظننت أن اسمي رفع فيهم فقلت: أصلحك الله! تأذن لي أن أدخل منزلي فأودع ~~أهلي وأتأهب لسفري؟ فقال: افعل. فعلمت أنه لو كان شرا لما أذن لي فسكنت إلى ~~قوله ودخلت المنزل فودعتهم وخرجت إليه، فحملني على دابة من دواب البريد حتى ~~وافى بي باب الواثق، فما كان ms318 إلا قليلا حتى أذن لي فدخلت إلى بهو وإذا رجل ~~قاعد وعلى رأسه سبعون وصيفا. فذهبت أسلم عليه بالخلافة. فقيل لي: هذا بغا. ~~ثم تقدمت إلى بهو آخر فإذا رجل قاعد على كرسي وبين يديه سبعون وصيفا. فذهبت ~~أسلم عليه بالخلافة فقيل: هذا وصيف. حتى دفعت إلى الستر فما زال يقول: اذهب ~~ادن ادن، حتى حاذاني بسريره، ثم قال: ما اسمك؟ قلت: بكر بن محمد. قال: ممن ~~سمعتها؟ يعني اللغة. قلت: من مزاحم العقيلي، فقال حدثني. فلم أدر بما أحدثه ~~وقلت: لعل حديثي على البديهة يعجبه، قلت: يا أمير المؤمنين قال رؤبة بن ~~العجاج: # لا تعلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا # فكأنه فطن لما أردت فقال: أجل أتدري لم دعوناك؟ قلت: لا. قال: وقع بيني ~~وبين جارية لي شجار في بيت أردت لها إعرابه فامنتعت علي وقالت: سل المازني. ~~قلت: فأسمعني يا أمير المؤمنين. قال: نعم. وأومأ إلى خادم بين يديه فضرب ~~ستارة كادت عيني تلتمع من كثرة ذهبها ثم سمعت وراءها نقرا لولا جلالة أمير ~~المؤمنين لرقصت عليه، ثم غنت: # أظليم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم # فقال: كيف ما سمعت؟ قلت: صواب. قال: فقد أخطأنا إذا، قلت: وكيف؟ قال أمير ~~المؤمنين قلت: # أظليم إن مصابكم رجل ... أهدى السلام تحية ظلم # فقلت: وأصاب أمير المؤمنين. قال: فكاد يقوم إلي فرحا، ثم أدخل رأسه في ~~الستارة فأومأ إلي الخادم في الخروج فخرجت فناولني صرة فيها خمسمائة دينار ~~وحملت على البريد حتى رددت إلى منزلي بالبصرة. والشعر لأبي دهبل الجمحي ~~يقول فيه: # عقم النساء فلا يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقم # فلا يلدن شبيهه أجود. # وحدثنا علي بن يزيد عن إسحاق بن المسيب بن زهير قال: حدثني المفضل قال: ~~كنت يوما عند الصراة ببغداد وكنت في الصحابة فأتاني رسول المهدي فقال لي: ~~أجب. فخفت أن يكون ساع سعى بي، فدخلت منزلي ولبست ثيابي وهممت أن أخبر أهلي ~~ثم قلت: لم أعجل لهم الهم؟ إن كان خير سيأتيهم وإن ms319 كان غير ذلك فلا أكون ~~عجلته لهم. فمضيت حتى دخلت عليه وأنا مرعوب فسلمت عليه ورد السلام، وإذا ~~عنده الفضل بن الربيع وعلي بن يقطين وغيرهما، فقال: إن هؤلاء زعموا أنك ~~أعلم الناس بالشعر فأخبرني ما أشعر بيت قالته العرب؟ فوقعت في شيء لم أدر ~~كيف هو فجهدت والله أن أنشده بيتا من شعر فما قدرت عليه. فقال لي: ما لك لا ~~تتكلم؟ فجرى على لساني ذكر الخنساء فقلت: لقد أحسنت الخنساء في قولها: # وإن صخرا لمولانا وسيدنا ... وإن صخرا إذا نشتوا لنحار # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # PageV01P175 # قال: فاستبشر بذلك، وسر سرورا شديدا، ثم قال: أنت والله أعلم الناس وقد ~~قلت هذا لهؤلاء فأبوا علي. فقال القوم: كان أمير المؤمنين أولى بالصواب. ~~فقال لي: يا مفضل أسهرتني البارحة أبيات حسين بن مطير الأسدي. قلت: وأي ~~أبياته؟ قال قوله: # وقد تغدر الدنيا فيضحي غنيها ... فقيرا ويغنى بعد بؤس فقيرها # وكم قد رأينا من تغير عيشة ... وأخرى صفا بعد اكدرار غديرها # قلت: مثل هذه فليسهرك يا أمير المؤمنين زادك الله توفيقا وتسديدا! قال: ~~حدثني يا مفضل. قلت: أي الأحاديث تحب؟ قال: أحاديث الأعراب. # فما زلت أحدثه حتى بلغت الشمس منه، ثم قال: ما لك، قلت: يا سيدي ما تسأل ~~عن رجل مأخوذ بعشرة آلاف درهم ليست عنده! قال: عليك عشرة آلاف درهم؟ قلت: ~~نعم. فقال: يا ربيع احمل إليه عشرة آلاف درهم لقضاء دينه وعشرة آلاف درهم ~~يبني بها داره وعشرة آلاف ينفقها على عياله، فرجعت ومعي ثلاثون ألف درهم. # وقال النضر بن شميل: دخلت على المأمون بمرو وهو في بهو له في يوم صائف ~~وعلي قميص مرقوع فقال: يا نضر تدخل على أمير المؤمنين في خلقان ثيابك؟ ~~فقلت: يا أمير المؤمنين حر مرو وأنا شيخ كبير لا أحتمل الحر ولا البرد. ثم ~~أنشدته: # لو يشترى الشباب لاشتريته ... شبابي النضر الذي أبليته # بكل ما لي ثم ما استغليته # ثم أجرينا الحديث فقال: يا نضر أي النساء ms320 أحب إليك؟ قلت: البيضاء الفرعاء ~~المديدة، فقال: حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: ~~قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها ~~كان له فيها سداد من عوز. قلت: صدق هشيم. حدثني عوف عن الحسن عن علي بن أبي ~~طالب، كرم الله وجهه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إذا تزوج ~~الرجل المرأة لدينها كان له فيها سداد من عوز. قال: يا نضر والسداد خطأ؟ ~~قلت: خطأ يا أمير المؤمنين! قال: وما يدريك؟ قلت: السداد بالفتح القصد في ~~الدين وفي السبيل، والسداد البلغة، وكل شيء سددت به شيئا فهو سداد. قال: ~~أتعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان، رحمه الله، ~~حيث يقول: # أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر # فاستوى جالسا وقال: قبح الله من لا أدب له! ثم أقبل علي فقال: أخبرني ~~بأخلب بيت قالته العرب، قلت: قول ابن بيض في الحكم بن مروان: # تقول لي والعيون هاجعة ... أقم علينا يوما فلم أقم # متى يقل صاحب السرادق ه ... ذا ابن بيض بالباب يبتسم # قد كنت أسلمت فيك مقتبلا ... فهات أدخل وأعطني سلمي # قال: لقد أحسن وأجاد، فأخبرني بأنصف بيت قالته العرب، قال: قول أبي ~~عروبة: # إني وإن كان ابن عمي واغدا ... لمداهن من خلفه وورائه # ومفيده نصري وإن كان امرأ ... متباعدا من أرضه وسمائه # فأكون والي سره وأصونه ... حتى يحين علي وقت أدائه # وإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قربت جلتنا إلى جربائه # وإذا دعا باسمي ليركب مركبا ... صعبا ركبت له على سيسائه # وإذا رأيت عليه بردا ناضرا ... لم يلفني متمنيا لردائه # فقال: لقد أحسن وأجاد، فأخبرني عن أعز بيت قالته العرب. قلت: قول راعي ~~الإبل: # أطلب ما يطلب الكريم من ال ... رزق لنفسي وأجمل الطلبا # وأحلب الثرة الصفي ولا ... أطلب في غير خلفها حلبا # إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في صنيعه رغبا # والنذل لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئا إلا إذا ms321 رهبا # مثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن مشيا إلا إذا ضربا # PageV01P176 # فقال: والله لقد أحسن وأجاد. ودعا بالدواة فما أدري ما يكتب ثم قال: يا ~~نضر كيف تقول من الإتراب؟ قلت: أقول اترب القرطاس والقرطاس متروب. قال: فلم ~~كسرت الألف؟ قلت: لأنها ألف وصل تسقط في التصغير. قلت: فكيف تقول من الطين؟ ~~قلت: طن الكتاب والكتاب مطين. قال: هذه أحسن من الأولى. ثم دفع ما كتب إلى ~~خادم ووجهه معي إلى ذي الرياستين الحسن بن سهل، فقال لي ذو الرياستين: ما ~~الذي جرى بينك وبين أمير المؤمنين؟ فقد أمر لك بخمسين ألف درهم. فقصصت عليه ~~القصة. فقال ويحك لحنت أمير المؤمنين. قلت: معاذ الله بل لحنت هشيما لأنه ~~كان لحانة، فوقع لي أيضا من عنده بثلاثين ألف درهم فانصرفت بثمانين ألف ~~درهم في حرف واحد سداد وسداد. # قال أبو سعيد الضرير: سمعت ابن الأعرابي يقول: بعث إلي المأمون فصرت إليه ~~وإذا هو مع يحيى بن أكثم يطوفان في حديقة، فلما نظر إلي ولاني ظهره فجلست ~~فلما أقبل قمت قائما فأسر إلى يحيى بشيء ما فهمت كله إلا ما قال: ما أحسن ~~أدبه! وقد أقبل إلى مجلسه ثم التفت إلي فقال: يا محمد بن زياد من أشعر ~~العرب في وصف الخمر؟ فقلت: الذي يقول: # تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطق # فقال: أحسن الناس قولا في صفة الخمر الذي يقول: # فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم # فعلت في البيت إذ مزجت ... مثل فعل الصبح في الظلم # فاهتدى ساري الظلام بها ... كاهتداء السفر بالعلم # قلت: فائدة أمير المؤمنين. ثم قال: ما معنى قول هند: # نحن بنات طارق ... نمشي على نمارق # إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق # فراق غير وامق # ففكرت في نسبها ونسب أبيها فلم أجد طارقا فقلت: ما أعرف طارقا يا أمير ~~المؤمنين. فقال: إنما قالت إنها في العلو والشرف بمنزلة الطارق وهو النجم، ~~من قول الله، عز وجل، والسماء والطارق، قلت: فائدة يا أمير المؤمنين ms322 ثانية. ~~ثم التفت إلى يحيى بن أكثم فقال: أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبئه. فلم أدر ~~ما قال وقمت لأخرج. فلما نظر إلي وقد قمت رمى إلي بعنبرة كانت في يده بعتها ~~بخمسة آلاف درهم، قال: فرجعت إلى كتبي فنظرت فيها لأعرف ما قال فوقعت على ~~هذه الأبيات لبعض الأعراب: # كأنما بنت أبي المحيريه ... قاعدة في إتبها لؤيليه # قد فاقت البؤبؤ والبؤيبيه # فعملت أنه عنى السيد وابن السيد. # قال أبو عبد الله الأسواري: دخلت على المأمون في حديقة له وفي يده مقراص ~~ذهب وهو يقرص به ما طال من أوراق تلك الروضة ويقوم ما بدا من أغصانها، ~~فسلمت وقلت: يا أمير المؤمنين، جعلت فداك، إنك لمستهتر بهذه الحديقة حتى ~~إنك لا تأمن عليها أحدا. قال: نعم يا أسواري فهل يحضرك في ذلك شيء؟ قلت: ~~نعم، وأنشدته: # أوائل رسل للربيع تقدمت ... على طيب وجه الأرض خير قدوم # فراقت لها بعد الممات حدائق ... كواس وكانت مثل ظهر أديم # إذا اقتصها طرف البصير بلحظة ... توهمها مفروشة برقوم # كأن اخضرار الزهر والروض طالع ... عليه سماء زينت بنجوم # تردت بظل دائم فتضاحكت ... كضحك بروق في بكاء غيوم # وأوردها فحل السحاب عرائسا ... ضعاف القوى من مرضع وفطيم # إذا برزت منهن بكر حسبتها ... تراك وإن أضحت بعين سقيم # كمثل نشاوى الراح يلثم ذاك ذا ... أو الريح جادت بينها بنسيم # تخال وقوع الطل فيهن أدمعا ... رنت بعيون غير ذات سجوم # قال: أحسنت يا أسواري، يا غلام اسقنا على هذا. ثم جلس على كرسي مغشى ~~بالحرير وإذا غلام قد أقبل يهتز كأنه القضيب المائل حين اخضر شاربه وبدا ~~عذاره وفي يده كأس وإبريق فصب في الكأس من الإبريق ثم مزجه وناوله إياه، ~~فأخذه في يده ساعة وجعل ينظر إلى الغلام ما يرد بصره عنه، ثم قال: يا ~~أسواري هل يحضرك في صفة مثل هذا شيء؟ قلت: نعم يا سيدي، وأنشدته: # ثجاج مزن شج كأس رحيق ... ريق المهفهف فيه أعذب ريق # PageV01P177 # أذرى لخوف البين حر مدامع ... في در خد فيه ms323 ذوب عقيق # هو في تناهي صدق حسن فائق ... في حسن صورة يوسف الصديق # قامت على رجل به الدنيا لنا ... إن قام بالمنديل والإبريق # فرأى على قلبي لواحظ طرفه ... وتلا كتاب الحب بالتحقيق # إن دام ذا في حسنه أبدا لنا ... سمي فقيه العصر بالزنديق # قال: فقال المأمون: أحسنت ويحك فمن صاحب هذه الأبيات؟ قلت: فلان يا أمير ~~المؤمنين. فقال: أشعر والله منه في هذا المعنى شيخ الشعراء أبو نواس حيث ~~يقول: # كفي فلست لعاذل بمطيق ... بلغ الهوى بي غاية التحقيق # قطع الهوى فرط الشباب بباطل ... أيدي الزمان وألسن التصديق # وجداول موصولة بجداول ... من صوب غادية ولمع بروق # تكسو مدامعه الرياض عرائسا ... من نرجس متكاثف وشقيق # باكرتها قبل الصباح بسحرة ... قبل ابتكار مجرة العيوق # من كف أحور ذي عذار أخضر ... يسبي القلوب بقده الممشوق # فكأن ما في الكأس من إبريقه ... نار تسلل من فم الإبريق # وكأنها والماء يأخذ جسمها ... در ينثر فوق أرض عقيق # وتضوع مسكا في الزجاجة أذفرا ... ذوب الشباب معصفرا بخلوق # قمر عليه من البدائع حلة ... يسقيك كأس هوى وكأس رحيق # ما طاب عيش فتى يطيب بغيرها ... لا سيما إن شجها بالريق # يغنيك عن ورد الرياض وزهرها ... منه تورد خده المعشوق # قال فقلت: يا أمير المؤمنين قد حضرني في هذا المعنى شيء فإن رأى أمير ~~المؤمنين أن يأذن لي في إنشاده؟ قال: هات. فقلت: # جسم مركبه في العين إنسي ... وفي اللطافة والأجناس عدني # ما يعرف الطرف من أعراض جوهره ... إلا الذي يخبر الفكر القياسي # وكل من غاص في إدراك صورته ... فإنما نطقه في ذاك وهمي # حاز المحاسن والأنوار أجمعها ... فالحسن من حسنه في الخلق جزئي # إذا العيون تراءته تراهقها ... من حسن صورته اللحظ الظلامي # ما دب في فطن الأوهام من حسن ... إلا وكان له الحظ الخصوصي # كأن جبهته من تحت طرته ... بدر يتوجه الليل البهيمي # كأن عينيه خرطا جزعتي يمن ... من كل حافاتها سهم صيابي # كأن صدغيه قافا كاتب مشقا ... من فوق ياقوتة والخد وردي # كأنما الثغر منه في تبسمه ms324 ... در تفلق عنه البحر لجي # كأنما الردف منه إذ يميس به ... موج يكفكفه الريح الجنوبي # لو مس أجبال ماهان لفجرها ... بالماء يسعده الطل الغمامي # أو لامس الماء لانسابت أنامله ... كالثلج حل به الودق السخامي # جنسي نور على كنهي جوهرة ... من روح قدس أو الأنوار بري # يسقي بجوهرة في جوف جوهرة ... من نور جوهرة واللون جنسي # ماء وماء وفي ماء يديرهما ... ماء خلافهما والطيب تيهي # قد جل عن طيب أهل الأرض عنبره ... ومسكه فهو الطيب السماوي # إذا رأته عيون الخلق أحسرها ... نورا ولاحظها الحسن الهوائي # كادت محاسنه من لطف رقته ... تصير عيبا وما للعيب كيفي # سبحان خالقه ماذا أراد به ... لولاه لم يكن الفعل السريري # إذا أدار علينا الكأس جمشه ... من ود أسرارنا ود حقيقي # مصور طرفت عين الزمان به ... واكتنه من جناح الخفض علوي # PageV01P178 # قال: فتبسم المأمون وقال: أحسنت والله يا أسواري، فلمن هذا ويحك؟ قلت: ~~لعبدك النظام. فقال: أحسن فيما وصف وأحسنت في تعبيرك عنه. ثم سقاني وأمر لي ~~بخمسين ألف درهم وأمر للنظام بمثلها. # أحمد بن القاسم قال: كنت أنا وعبد الله بن طاهر عند المأمون وهو مستلق ~~على قفاه فقال لعبد الله: يا أبا العباس من أشعر الناس في زماننا؟ فقال: ~~أمير المؤمنين أعرف بهذا مني. قال: على حال. قال الذي يقول: # أيا قبر معن كنت أول حفرة ... من الأرض خطت للمكارم أجمعا # قال أحمد: فقلت أشعرهم الذي يقول: # أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم # فقال المأمون: أين أنتما عن قول أبي نواس: # يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم أنم # قال: وقال المأمون لعبد الله بن طاهر في الحلبة وقد ارتفعت أصوات العامة: ~~يا أبا العباس سكن العامة. قال عبد الله: فوثتب أنا ومن معي فارتفع من ~~أصواتنا وضجيجنا أكثر مما كان، فقال لي: أتدل بالرياسة ولا بصر لك ~~بالسياسة، هكذا تسكن العامة؟ هلا ناديت الأقربين لينادي الأقربون الأبعدين! ~~قال: فوالله ما ميزت بين تأديبه وبين نغرانه. # قال: وقال الحسن ms325 بن الفضل بن الربيع: خرج علينا المهدي متنكرا ومعه ~~الربيع والمسيب بن زهير يطوف في الأسواق إذ نظر إلى أعرابي ينشد فقال ~~الربيع: أخبرني عن أرق بيت قالته العرب، قال: بيت امريء القيس بن حجر: # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل # فقال المهدي: بيت قد داسته العامة وفيه غلط. ثم قال للمسيب: هات ما عندك. ~~فقال: # ومما شجاني أنها يوم أعرضت ... تولت وماء العين في الجفن حائر # فلما أعادت من بعيد بنظرة ... إلي التفاتا أسلمتها المحاجر # وسلمتها أيضا. فقال: وإن هذا قريب من ذاك. وخلفهم شاب من أهل المدينة له ~~أدب وظرف وقدم متظلما فطال مقامه على باب المهدي، فلما سمع ذلك منهم حمله ~~ظرف الأدب على أن أدخل نفسه بينهم واتصل بهم وقال: أتأذنون أن أخوض معكم ~~فيما أنتم فيه؟ قالوا: ماذا؟ قال قال الأحوص: # إذا قلت إني مشتف بلقائها ... فحم التلاقي بيننا زادني وجدا # فقال المهدي: أحسنت يا فتى، فمن أنت؟ قال: أنا رجل من أهل المدينة. قال: ~~وما أقدمك العراق؟ قال: مظلمة لي أنا مقيم عليها بباب الخليفة منذ كذا وكذا ~~وقد أضر بي ذلك. فقال للربيع: عليك بالرجل. فأخذه معه وسامره أياما ثم أمر ~~برد مظلمته وقضى حوائجه وأمر له بصلة عشرة آلاف درهم. # قال النضر بن شميل: حدثني الفراء عن الكسائي قال: دعاني الرشيد ذات يوم ~~وما عنده إلا حاشيته فقال: يا علي أتحب أن ترى محمدا وعبد الله؟ قلت: ما ~~أشوقني إليهما يا أمير المؤمنين وأسر إلي معاينة نعمة الله جل وعز على أمير ~~المؤمنين فيهما وبهما، فأمر بإحضارهما، فأقبلا كأنهما كوكبا أفق يزينهما ~~هديهما ووقارهما، قد غضا أبصارهما وقاربا خطوهما، حتى وقفا بباب المجلس ~~فسلما بالخلافة ثم قالا: تمم الله على أمير المؤمنين نعمه وشفعها بشكره ~~وجعل ما قلده من هذا الأمر أحمد عاقبة ما يؤول إليه أمر حمدا اختصه به ~~وأخلصه له بالبقاء وكثره لديه بالنماء ولا كدر عليه منه ما صفا ولا خالط ~~مسروره الردى، فقد صرت ms326 للمسلمين ثقة ومستراحا إليك يفزعون في أمورهم ~~ويقصدون في حوائجهم، فأمرهما بالدنو وصير محمدا عن يمينه وعبد الله عن ~~يساره ثم التفت إلي فقال: يا علي ما زلت ساهرا مفكرا في معاني أبيات قد ~~خفيت علي. قلت: إن رأي أمير المؤمنين أن ينشدنيها؟ فأنشدني: # قد قلت قولا للغراب إذ حجل ... عليك بالقود المسانيف الأول # تغد ما شئت على غير عجل # فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، إن العير إذا فصلت من خيبر وعليها التمر يقع ~~الغراب على آخر العير فيطردها السواق، يقول هذا: تقدم إلى أوائل العير فكل ~~على غير عجل، والقود الطوال الأعناق، والمسانيف المقدمة. ثم أنشدني: # لعمري لئن عشرت من خشية الردى ... نهاق الحمار إنني لجهول # PageV01P179 # قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان الرجل من العرب إذا دخل خيبر أكب على ~~أربع وعشر تعشير الحمار، وهو أن ينهق عشر نهقات متتابعات، يفعل ذلك ليدفع ~~عن نفسه حمى خيبر. ثم أنشدني في قول الآخر: # أجاعل أنت بيقورا مضرمة ... ذريعة لك بين الله والمطر # قلت: نعم، كانت العرب إذا أبطأ المطر تشد العشر والسلع، وهما ضربان من ~~النبت، في أذناب البقر وألهبوا فيه النار وشردوا بالبقر تفاؤلا بالبرق ~~والمطر، ثم أنشدني: # لعمرك ما لام الفتى مثل نفسه ... إذا كانت الأحياء تعدى ثيابها # وآذن بالتصفيق من ساء ظنه ... فلم يدر من أي اليدين جوابها # قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان الرجل إذا ضل في المفازة قلب ثيابه وصاح ~~كأنه يوميء إلى إنسان ويشتد شدة ويصفق بيديه فيهتدي الطريق. ثم أنشدني: # قوداء تملك رحلها ... مثل اليتيم من الأرانب # قلت: نعم، يقول: هذه ناقة مثل اليتيم من الاكام، واليتيم الواحد من كل ~~شيء، والأرانب الاكام. ثم أنشدني لآخر أيضا: # إلى الله أشكو هجمة هجرية ... تعاورها مر السنين العوابر # فعادت رذايا تحمل الطبن بعدما ... تكون قرى للمعتفين المفاقر # قلت: هذا رجل في بستانه نخيل أتى عليها الدهر فجفت فقطعها وصيرها أجذاعا ~~وسقف بها البيوت، فقال: هذه الأجذاع كانت تحمل الرطب، فأكل وأطعم الأضياف ~~فجفت فقطعتها وسقف ms327 بها البيوت فهي تحمل الطين، يعني ما فوقها من اللبن ~~والتراب وغير ذلك. ثم أنشدني لرجل آخر: # وسرب ملاح قد رأيت وجوههم ... إناث أدانيه ذكور أواخره # يعني الأضراس، ثم أنشدني لآخر: # فإني إذا كالثور يضرب جنبه ... إذا لم يعف شربا وعافت صواحبه # قلت: نعم، كانت العرب إذا أودت البقر الماء فشربت الثيران وأبت البقر ~~ضربت الثيران حتى تشرب البقر، وهو كما قال: كالثور يضرب لما عافت البقر. ثم ~~أنشدني: # ومنحدر من رأس برقاء حطه ... مخافة بين أو حبيب مزايل # قلت: نعم، يعني الدموع، والبرقاء العين لأن فيها سوادا وبياضا، حطه ~~أسأله، حبيب محبوب، مزايل مفارق. قال فوثب الرشيد فجذبني إلى صدره وقال: ~~لله در أهل الأدب! ثم دعا بجارية فقال لها: احملي إلى منزل الكسائي خمس بدر ~~على أعناق خمسة أعبد يلزمون خدمته، ثم قال: استنشدهما، يعني ابنيه، فأنشدني ~~محمد الأمين: # وإني لعف الفقر مشترك الغنى ... وتارك شكل لا يوافقه شكلي # وشكلي شكل لا يقوم بمثله ... من الناس إلا كل ذي نيقة مثلي # ولي نيقة في المجد والبذل لم يكن ... تأنقها فيما مضى أحد قبلي # وأجعل مالي دون عرضي جنة ... لنفسي وأستغني بما كان من فضلي # وأنشدني عبد الله المأمون: # بكرت تلومك مطلع الفجر ... ولقد تلوم بغير ما تدري # ما إن ملكت مصيبة نزلت ... إذ لا يحكم طائعا أمري # ملك الملوك علي مقتدر ... يعطي إذا ما شاء من يسر # فلرب مغتبط بمرزئة ... ومفجع بنوائب الدهر # ومكاشح لي قد مددت له ... نحرا بلا ضرع ولا غمر # حتى يقول لنفسه لهفا: ... في أي مذهب غاية أجري # وترى قناتي حين يغمزها ... غمز الثقاف بطيئة الكسر # فقال: يا علي فكيف تراهما؟ فقلت: # أرى قمري أفق وفرعي بشامة ... يزينهما عرق كريم ومحتد # يسدان آفاق السماء بشيمة ... يؤيدها حزم وعضب مهند # سليلي أمير المؤمنين وحائزي ... مواريث ما أبقى النبي محمد # PageV01P180 # ثم قلت: يا أمير المؤمنين زرع زكا أصله وطاب مغرسه وتمكنت عروقه وعذبت ~~مشاربه، غذاهما ملك أعز نافذ الأمر واسع العلم عظيم الحلم والقدر، علاهما ~~فعليا، ms328 وحكمهما فتحاكما، وعلمهما فتعلما، فهما يطولان بطوله ويستضيئان ~~بنوره وينطقان بلسانه، ويتقلبان في سعادته، فما رأيت أحدا من أبناء الخلفاء ~~أذرب منهما لسانا، ولا أعذب كلاما، ولا أحسن ألفاظا، ولا أشد اقتدارا على ~~تأدية ما حفظا ورويا، فاسأل الله أن يزيدهما بالإيمان تأييدا وعزا، ويمتع ~~أمير المؤمنين بهما ويمتعهما بدوام قدرته وسلطانه ما بقي ليل وأضاء نهار. # فضمهما إلى صدره وجمع يديه عليهما فلم يبسطهما حتى رأيت دموعه تتحادر على ~~صدره رقة وإشفاقا، ثم أمرهما بالخروج. # قال: ثم أقبل علينا وقال: كأنكم بهما وقد نجم القضاء ونزلت مقادير السماء ~~وبلغ الكتاب أجله وانتهى الأمر إلى وقته المحدود وحينه المسطور الذي لا ~~يدفعه دافع ولا يمنع منه مانع، وقد تشتت أمرهما وافترقت كلمتهما وظهر ~~تعاديهما وانقطعت الرقة بينهما حتى تسفك الدماء وتكثر القتلى وتهتك ستور ~~النساء وتمنى كثير من الأحياء أنهم بمنزلة الموتى. قلت: يا أمير المؤمنين ~~أوكائن ذلك؟ قال: نعم. قلت: لأمر رأيته أو رؤيا أريته أو لشيء تبين لك في ~~أصل مولدهما أم لأثر وقع لأمير المؤمنين في أمرهما؟ قال: بل أثر واجب صحيح ~~حملته العلماء عن الأوصياء وحملته الأوصياء عن الأنبياء، عليهم السلام. # قال: وحدث الأصمعي أنه دخل ذات يوم على أمير المؤمنين الرشيد وكان لا ~~يحجب عنه وكان في فرد رجليه خف وفي الأخرى جورب لعلة كان يجدها، فسامره ~~ساعة ثم نهض ليخرج فقال له الرشيد: يا أصمعي ماذا تشتهي أن يتخذ لك ليتقدم ~~فيه وتتغدى معنا؟ فقال: أشتهي رقاقا وجوزلا شخصا. فلم يعرف الرشيد ما قاله ~~الأصمعي وكره أن يسأله عنه فتقدم إلى الطباخ أن يتبعه ويسأله من تلقاء نفسه ~~ويوهمه أنه تقدم إليه فيه فلم يعرفه، فقال له: الرقاق معروف والجوزل الفرخ ~~السمين. فمضى الطباخ وعرف الرشيد ذلك وأصلح للأصمعي ما طلبه وعاد فتغدى مع ~~الرشيد. فلما أكل أمر بأن يحمل معه عشرون ألف درهم. # وحدث الأصمعي قال: دخلت ذات يوم على الرشيد فقال لي: اكتب يا أصمعي ولو ~~على تكتك أو طرف ثوبك: # كن ms329 موسرا إن شئت أو معسرا ... لا بد في الدنيا من الهم # وكلما زادك في نعمة ... زاد الذي زادك في الغم # قال: فكتبت البيتين. # قال وقال الأصمعي: بينا أنا ذات يوم قد خرجت في الهاجرة والجو يلتهب ~~ويتوقد حرا إذ أبصرت جارية سوادء قد خرجت من دار المأمون ومعها جرة فضة ~~تستقي فيها ماء وهي تردد هذا البيت بحلاوة لفظ وذرابة لسان: # حر وجد وحر هجر وحر ... أي عيش يكون من ذا أمر # قال فقلت لها: يا جارية ما شأنك؟ فقالت: إني من دار أمير المؤمنين ~~المأمون وأنا أحب عبدا له أسود وإنه قد هجرني ولا أحسن أن أخرج سري إلى ~~أحد. # قال: فمضيت واستأذنت على المأمون، وإذا هو نائم فأذن لي، وقد كان أمر أن ~~لا أحجب عنه على أي حال كان. فدخلت عليه وهو في مرقده فقال: ما جاء بك يا ~~أصمعي في هذا الوقت؟ قلت: يا أمير المؤمنين تهب لي جاريتك السوداء وعبدك ~~الأسود فلانا؟ فقال: قد فعلت ذلك وهما لك افعل بهما ما شئت. فخرجت من عنده ~~وأحضرتهما وجمعت من أهل الدار من حضر وأعتقتهما وزوجت الجارية من العبد ثم ~~عدت إلى المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين إني فعلت كيت وكيت وإني أريد الآن ~~ما أجهزهما به. فأمر لكل واحد منهما بعشرة آلاف درهم وأمر لي بمثل ذلك ~~وخرجت من عنده وعاد هو إلى نومه. # وحدثنا عبد الله بن سلام قال: لما ولد العباس بن الفضل دخل الناس على ~~الفضل بن يحيى يهنئونه به وفيهم أبو النضير، فوقف بين يديه وهو يقول: # ويفرح بالمولود من آل برمك ... بغاة الندى والسيف والرمح والنصل # وتنبسط الآمال فيه لفضله ... .. . . . . . . . # فأرتج عليه فوقف لا يمكنه أن يجيزه. فقال له الفضل: يا أبا النضير تمم، ~~قال: أعز الله الأمير. قال: ويحك فقل: # .. . . . . . . . . . ... ولا سيما إن كان من ولد الفضل # قال: هذا والله، أصلح الله الأمير، طلبته فلم أقدر عليه وتعللت بغيره. # PageV01P181 # قال: وقيل لأبي العيناء: ما بال العمى قد صار في صغاركم ms330 وكباركم حتى إنه ~~يلحق الطفل منكم؟ فقال: نعم الطينة الملعونة والدعوة المشؤومة، وذلك أنه ~~سلم بعض الخلفاء رجلا من آل أبي طالب إلى جدنا الأكبر فقتله ودعا عليه ~~فلحقتنا دعوته فما تراه فهو من تلك الدعوة. # واجتاز أبو العيناء ذات يوم فسمع غناء لم يعجبه فسأل أبو العيناء عن صاحب ~~الغناء فلما قيل له إنه أبو الحمار قال: صدق الله إن أنكر الأصوات لصوت ~~الحمير. وكان عما لمحمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل. # قيل: ولما صدر المعتصم بالله عن بلاد الروم وصار بناحية الرقة قال لعمرو ~~بن مسعدة: يا عمرو أشرت علي بالرخجي فوليته الأهواز فقد قعد في سلة الدنيا ~~يأكلها خضما وقضما. فقلت: يا أمير المؤمنين فأنا أوجه إليه رسولا يبعث إليك ~~بالأموال ولو على أجنحة الطير. قال: كلا ولكن اشخص إليه بنفسك كما أشرت به. ~~قال: ففكرت في أن أنزل عن الوزارة وأصير مستحثا على عامل. فقلت: يا أمير ~~المؤمنين أن أقع إليه. قال: فضع يدك على رأسي أنك لا تقيم ببغداد إلا يوما ~~واحدا حتى تلحق به، فوضعت يدي على رأسه وحلفت له، وانحدرت إلى بغداد فسلمت ~~على أهلي وإخواني وأخذت زلالا فعلقت عليه الخيش وبسط لي فيه الطبري وملأته ~~بالثلج وسرنا. # فلما صرنا بين دير العاقول ودير هزقل إذا أنا برجل على الشط يصيح: يا ~~ملاح رجل منقطع أريد دير العاقول فاحملني يأجرك الله! فقلت: احملوه. فقال: ~~يا مولاي هذا رجل من هؤلاء الشحاذين يؤذيك ويقذر عليك زلالك. فقلت: احمله ~~ويلك! فقرب إليه الزلال فحمله في مؤخره. وحضر الغداء فتحوبت أن لا أدعوه ~~فقلت له: هلم. فقام حتى جاء فأكل أكل جائع نهم إلا أنه كان نظيف الأكل، ~~فلما فرغ من الغداء أردت منه ما تفعله العامة بالخاصة أن يقوم فيغسل يده ~~ناحية فلم يفعل. فغمزه الغلام وسائر الغلمان فلم يقم. فتناومت عليه فلم ~~يقم. فقلت له: ما صناعتك؟ قال: حائك، جعلت فداك. فقلت: هذا أنا فعلته ~~بنفسي. فقال لي: وأنت فما صناعتك؟ فقلت: ms331 كاتب. فقال: الكتاب خمسة، فأيهم ~~أنت؟ فأورد علي شيئا عجبت منه. # فقلت: عدهم. قال: كاتب رسائل يجب أن يعرف الوصول والفصول والترغيب ~~والترهيب والجوابات. قلت: نعم. قال: وكاتب خراج يجب أن يعرف المساحة ~~والذراع والأشول والتقسيط، قلت: نعم. قال: وكاتب قاض يجب أن يعرف الحلال ~~والحرام والتأويل والتنزيل والمحكم والمتشابه والمقالات والاختلافات. قلت: ~~نعم. قال: وكاتب جند يجب أن يعرف الحلي والشيات. # قلت: نعم. قال: وكاتب شرطة يجب أن يعرف الشجاج والجرحات. فأيهم أنت؟ قلت: ~~كاتب رسائل. # قال: فصديق لك تكاتبه في المحبوب والمكروه تزوجت أمه كيف تكتب إليه تهنئة ~~أو تعزية؟ قلت: هو والله إلى التعزية أقرب. قال: فكيف تعزيه؟ قلت: لا أجد ~~إلى ذلك سبيلا. قال: فلست بكاتب رسائل! قلت: أنا كاتب خراج. قال: فولاك ~~أمير المؤمنين بلدة وأمرك بالنفوذ فخرجت إلى عملك فبثثت عمالك في العمل ~~فجاء إليك قوم يتظلمون من عامل زاد عليهم في المساحة فخرجت معهم فوقفوا على ~~قراح كأنه قاتل فيئا كيف تمسحه؟ قلت: اضرب وسطه في طرفيه. قال: تتثنى عليك ~~القطوع. قلت: فكيف أمسحه؟ قال: لست بكاتب خراج! قلت: أنا كاتب قاض. قال: ~~فإن رجلا خلف حرة حاملا وسرية حاملا فولدتا في ليلة واحدة الحرة جارية ~~والسرية غلاما، فلما علمت الحرة بذلك حملتها الغيرة على أن وضعت الجارية في ~~مهد السرية وأخذت الابن، فقالت السرية من الغد: الابن لي، فتحاكمتا في ذلك ~~إلى القاضي وأنت حاضر فقال لك: اقض بينهما، بم كنت تقضي؟ قلت: لا علم لي ~~بذلك. قال: لست بكاتب قاض! قلت: أنا كاتب جند. قال: الله أكبر! تقدم إليك ~~رجلان من أهل عملك أو من أهل عسكرك أسماؤهما واحد يقال لهذا أحمد ولهذا ~~أحمد، هذا مشقوق الشفة من فوق وهذا من أسفل، كيف تحليهما؟ قلت: أكتب أحمد ~~الأعلم وأحمد الأعلم. قال: إذا يأخذ هذا عطاء هذا وهذا عطاء هذا. قلت: فكيف ~~أصنع؟ قال: لست بكاتب جند! قلت: أنا كاتب شرطة. قال: تقدم عليك رجلان قد شج ~~الآخر موضحة وشج الآخر مأمومة ms332 كم بينهما من الإبل؟ قلت: لا أدري. قال: لست ~~بكاتب شرطة! # PageV01P182 # فقلت: فسر ما قلت. قال: أما الرجل الذي تزوجت أمه فتكتب إليه أن الأقدار ~~تجري بخلاف محاب المخلوقين، وستر في عافية خير من شانئة في أهلها، والله ~~يختار للعباد، فخار الله لك في قبضها إليه، فإن القبور أكرم الأكفاء. # وأما القراح فتمسح اعوجاجه ثم تنظر مبلغ الطرفين فتضرب بعضه في بعض فإذا ~~استوى في يدك عقده رجعت إلى المستوي فضربته فيه حتى يخرج سواء. # وأما الحرة والسرية فيوزن لبنهما فأيهما كانت أحد لبنا فالابن لها. # وأما الجند فتكتب هذا أدحم الأعلم وهذا أحمد الأفلج. # وأما الشجة ففي المأمومة ثلاثة وثلاثون من الإبل وفي الموضحة خمسة من ~~الإبل فترد عليه ما بين ذلك. # قلت: ألست تزعم أنك حائك؟ قال: أنا حائك كلام قعد بي الدهر فخرجت أريد ~~بعض القرابة فصادفته قد صرف عن العمل فبقيت على هذه الحالة. # قال: فدعوت المزين فنظفه ودعوت له بثلاث خلع وصرت به إلى الرخجي وكلمته ~~في أمره فوهب له خمسين ألف درهم وحمله على ثلاثة من الظهر ورجعت إلى أمير ~~المؤمنين بالأموال، فقال: يا عمرو ما رأيت في طريقك؟ فأخبرته بقصة الرجل. ~~فأطال التعجب منه وقال: ما فعل؟ قلت: يصير إلي في كل يوم. قال: لما يصلح من ~~الأعمال؟ قلت: للهندسة. قال: فوله. قال عمرو: فنظرت إليه بعد ذلك وهو يركب ~~في موكب عظيم. # البيهقي قال البحتري: كنت قاعدا مع المتوكل إذ مرت سحابة فقال قل فيها. ~~فقلت: # اذت ارتجاع بحنين الرعد ... جرورة الذيل صدوق الوعد # مسفوحة الدمع بغير وجد ... لها نسيم كنسيم الورد # ورنة مثل رنين الأسدولمع برقكسيوف الهند # جاءت به ريح الصبا من نجد ... فانتثرت مثل انتثار العقد # فأضحت الأرض بعيش رغد ... كأنما غدرانها في الوهد # يلعبن من حبابها بالنرد # ثم أنشدته لمروان بن أبي حفصة: # لما سمعت ببيعة لمحمد ... شفت النفوس وأذهبت أحزانها # بايعت مغتبطا ولو لم تنبسط ... كفي لبيعته قطعت بنانها # حتى انتهيت إلى قوله: # رجحت زبيدة والنساء شوائل ... والله ms333 أرجح بالتقى ميزانها # فصاح بي صيحة فقال: كذبت وألمت يا عربدة! قل: رجحت قبيحة. ثم قال: ~~أنشدني. فأنشدته للطائي: # لست لربع عفا ولا قدمه ... ولست من كاتب ولا قلمه # فإن من يفخر الملوك به ... ويستعير الكريم من كرمه # ألحقني بالملوك معتصم ... بالله والمسلمون في عصمه # خلقت من طين مباركة ... فالبر من خيمه ومن شيمه # مازال إحسانه ونعمته ... علي حتى غرقت في نعمه # فأسأل الله فضل نعمته ... والأمن من بأسه ومن نقمه # فلما سمعها ارتاح وقال: أحسنت والله وما جزاؤك إلا أن أقطعك من موضعك إلى ~~حيث تبلغ أمنيتك، فسل تعط. قال: ففكرت ساعة ثم قلت: تعطيني فترا في فتر من ~~قلبك. فقال: أحسنت أحسنت! أنت والله في هذا أشعر من الطائي في شعره. ثم ~~قال: أنشدني. فأنشدته للحسين بن الضحاك: # كم لك لما احتمل القطين ... من زفرة يتبعها الأنين # وعبرة تحدرها الشوؤن ... إني ببغداد لمستكين # حظ الغريب الشوق والشجون ... يا لائمي لكل يوم هون # إليك عني إنني مفتون ... الشعر مني كاسد ودون # وحان من تحريكه تسكين ... قد ركبت أربابها الديون # بضاعة أكسدها المأمون ... إمام عدل للتقى أمين # قال: أحسنت يا أبا عبادة فماذا فعل به المأمون بعد إذ هجاه؟ قلت: أعيذك ~~بالله من أن يجسر على هجاء المأمون. قال: فمن القائل فيه: # ولا فرح المأمون بالملك بعده ... ولا زال في الدنيا طريدا مشردا # قلت: يا أمير المؤمنين دعاه الموق والحين إلى هذا. قال: لا بأس فإنه قد ~~تلا في هذا الكلام قوله: # رأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه والله أعلم بالعبد # قال فقلت: يا أمير المؤمنين أثقلت ظهري بالفوائد، فقال: إنا نأخذ ونعطي ~~ونأتي بما يحيي المهج. ### | مساوئ من ذم الأدب # PageV01P183 # قال بعضهم: كثرة الأدب في غير طاعة الله قائدة الذنوب. وقال: ما أحد زيد ~~في عقله إلا انتقص من رزقه. وأنشد في ذلك: # ثنتان من أدوات العلم قد ثنتا ... عنان شأوي عما رمت من هممي # أما الدواة فأضنى حبها بدني ... وقلم المال مني حرفة القلم # والعلم يعلم أني ms334 حين أندبه ... لدفع نائبة خلو من العصم # ولآخر، وقيل إنه للخليل بن أحمد: # ما ازددت في أدبي حرفا أسر به ... إلا تبينت حرفا تحته شوم # إن المقدم في حذق بصنعته ... أنى توجه فيها فهو محروم ### | مساوئ اللحن # قال يونس بن حبيب النحوي: أول من أسس العربية وفتح بابها ونهج سبيلها أبو ~~الأسود الدئلي واسمه ظالم بن عمرو. فقال له الحجاج: أتسمعني ألحن على ~~المنبر؟ قال: كلا، الأمير أفصح العرب. قال: أقسمت عليك! قال: حرفا واحدا ~~تلحن فيه. فقال: وما هو؟ قال: في القرآن. قال: ذاك أشنع له، فما هو؟ قال: ~~تقول لو كان آباؤكم وأبناؤكم، حتى تبلغ: أحب إليكم من الله ورسوله، تقرأها ~~بالرفع. قال فقال له: لا جرم لا تسمع لي لحنا أبدا. فنفاه إلى خراسان ~~وعليها يزيد بن المهلب. فكتب يزيد إلى الحجاج: إنا لقينا العدو وفعلنا ~~وصنعنا واضطررناهم إلى عرعرة الجبل، فقال الحجاج: ما لابن المهلب ولهذا ~~الكلام؟ فقيل: ظالم بن عمرو هناك. قال: فذاك إذا. # قال وقال المأمون وقد سمع من بعض ولده كلاما أسرع فيه اللحن إلى لسانه: ~~ما على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم بها أوده ويزين مشهده ويتملك مجلس ~~سلطانه بظاهر بيانه ويقل حجج خصمه بسكنات حكمته، أويسر أحدكم أن يكون لسانه ~~كلسان عبده وأمته ولا يزال أسير كلمته؟ قاتل الله القائل حيث يقول: # ألم تر مفتاح الفؤاد لسانه ... إذا هو أبدى ما يقول من الفم # وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... ولم يبق إلا صورة اللحم والدم # وفي الحديث المرفوع: رحم الله عبدا أصلح لسانه. # قيل: وكتب غسان بن رفيع إلى أبي عثمان بكر بن محمد المازني النحوي: # تفكرت في النحو حتى مللت ... وأتعبت نفسي به والبدن # وأتعبت بكرا وأصحابه ... بطول المسائل في كل فن # فكنت بظاهره عالما ... وكنت بباطنه ذا فطن # خلا أن بابا عليه العفا ... ء للفاء يا ليته لم يكن # وللواو باب إلى جنبه ... من المقت أحسبه قد لعن ms335 # إذا قلت هاتوا لماذا يقا ... ل لست بآتيك أو تأتين # أجيبوا لما قيل هذا كذا ... على النصب قالوا لإضمار أن # قال: وكان الوليد بن عبد الملك لحانة فدخل عليه أعرابي فقال: من ختنك؟ ~~قال: رجل من الحي لا أعرف اسمه. فقال عمر بن عبد العزيز: إن أمير المؤمنين ~~يقول: من ختنك؟ فقال: ها هوذا بالباب. فقال الوليد لعمر: ما هذا؟ فقال: ~~النحو الذي كنت أخبرك عنه. فقال: لاجرم لا أصلي بالناس حتى أتعلمه. # وسمع إعرابي رجلا يقول: أشهد أن محمد رسول الله. فقال: يفعل ماذا؟ قال ~~وقال مولى لزياد: أيها الأمير أخذوا لنا همار وهش. فقال له: ما تقول ويحك؟ ~~فقال: أخذوا لنا أيرا " يريد عيرا ". فقال زياد: الأول خير. # قال: وجاء رجل إلى زياد فقال: إن أبينا هلك وإن أخينا غصبنا على ميراثنا ~~من أبانا. فقال زياد: ما ضيعت من نفسك أكثر مما ضيعت من ميراثك، فلا رحم ~~الله أباك حيث ترك ولدا مثلك. # قال: وعزم رجل من أهل الشام على لقاء المأمون فاستشار رجلا من أصحابه ~~فقال: على أي جهة أصلح أن ألقى أمير المؤمنين؟ قال: على الفصاحة، قال: ليس ~~عندي منها شيء وإني لألحن في كلامي كثيرا. قال: فعليك بالرفع فإنه أكثر ما ~~يستعمل. فدخل على المأمون فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله ~~وبركاته، فقال: يا غلام اصفع، فصفع. قال: بسم الله، فقال: ويلك من صبك على ~~الرفع؟ قال: وكيف لا أرفع من رفع الله! فضحك وقضى حاجته. # PageV01P184 # قال: واختصم رجلان إلى عمر بن عبد العزيز فجعلا يلحنان فقال الحاجب: قما ~~فقد أوذيتما أمير المؤمنين. فقال عمر: أنت والله أشد أذاء إلي منهما. # وعن أبي داود قال: أرسل المعتصم إلى أشناس فطلب منه كلب صيد فوجه به إليه ~~فرده وهو يعرج. فكتب إليه أشناس بشعر قاله: # الكلب أخذت جيد مكسور رجل جبت # رد جيد كما كلب كنت أخذت # فكتب إليه المعتصم: # الكلب كان يعرج يوم الذي به بعثت # لو كان جاء مخبرا خبر رجل كلب ms336 أنت # قال: وقال بشر المريسي وكان كثير اللحن: قضى لكم الأمراء على أحسن الوجوه ~~وأهنؤها. فقال القاسم التمار: هذا على قوله: # إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها # فكان احتجاج القاسم أطيب من لحن بشر. # قال: وكان زياد النبطي شديد اللكنة وكان نحويا فدعا غلامه ثلاثا فلما ~~أجابه قال: فمن لدن دأوتك فقلت لي إلى أن جيتني ما كنت تصنأ، يريد دعوتك ~~وتصنع. # قال: ومر ماسرجويه الطبيب بمعاذ بن سعيد فقال: يا ماسرجويه إني أجد في ~~حلقي بححا، قال: هو من عمل بلغم، فلما جاوزه قال: تراني لا أحسن أن أقول ~~بلغم، ولكنه قال بالعربية فأجبته بخلافه. # وقال ثمامة: بكر أحمد بن أبي خالد يوما يعرض القصص على المأمون فمر بقصة ~~فلان اليزيدي وكان جائعا فصحف وقال: فلان الثريدي، فضحك المأمون وقال: يا ~~غلام ثريدة ضخمة لأبي العباس فإنه أصبح جائعا. فخجل أحمد وقال: ما أما ~~بجائع يا سيدي ولكن صاحب القصة أحمق وضع على نسبته ثلاث نقطات كأثافي ~~القدر، قال: دع هذا فالجوع اضطرك إلى ذكر الثريد والقدر. فجاؤوه بصحفة ~~عظيمة كثيرة العراق والودك فاحتشم أحمد. فقال المأمون: بحياتي عليك إلا ~~عدلت نحوها، فوضع القصص ومال إلى الثريد فأكل حتى انتهى، فلما فرغ دعا بطشت ~~فغسل يده ورجع إلى القصص فمر بقصة فلان الحمصي فقال: فلان الخبيصي. فضحك ~~المأمون وقال: يا غلام هات جاما فيه خبيص فإن طعام أبي العباس كان مثبورا. ~~فجعل أحمد وقال: يا أمير المؤمنين صاحب هذه القصة أحمق فتح الميم فصارت ~~كأنها ثنتان. قال: دع عنك هذا فلولا حمقه وحمق صاحبه مت جوعا. فجاؤوه بجام ~~فيه خبيص، فأتى عليه وغسل يده وعاد إلى القصص فما أسقط بحرف حتى فرغ. # حدثنا العباس بن جرير قال: كان للمهدي خصي كان معجبا فضم إليه معلما ~~نحويا يعلمه القرآن وكان الخصي عجميا لا يفصح فقال في هل أتى: يوما عبوسا ~~كمتريرا. وقال في الجن: نكعد منها مكاعد للسمع، فقال النحوي: # ولثقل الجبال أهون مما ... كلفوني من الخصي ms337 نجاح # نفر النحو حين مر بلحيي ... ه فألفيته شديد الجماح # قال في هل أتى فأوجع قلبي ... كمتريرا وكده بالصياح # وقال رجل من الصالحين: لئن أعربنا في كلامنا حتى ما نلحن لقد لحنا في ~~أعمالنا حتى ما نعرب. وأنشد في مثله: # أما تراني وأثوابي مقاربة ... ليست بخز ولا من خز كتان # فإن في المجد هماتي وفي لغتي ... علوية ولسان غير لحان ### | محاسن الشعراء # قال الخليل بن أحمد: الشعراء أمراء الكلام يجوز لهم شق المنطق وإطلاق ~~المعنى ومد المقصور وقصر الممدود. # وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة: افتتح الشعر بامريء القيس وختم بابن ~~هرمة. # وقال أبو عبيدة: الشعراء في الجاهلية من أهل البادية أهل نجد، منهم: امرؤ ~~القيس، والنابغة، وزهير، ودريد بن الصمة، ومنهم كثير في الإسلام، فهؤلاء ~~الشعراء الفحول الذين مدحوا وفخروا وذموا ووصفوا الخيل والمطر والديار ~~وأهلها، وأشعر أهل المدن أهل يثرب وأهل الطائف وعبد القيس، وليس في بني ~~حنيفة شاعر، وأشعر الشعراء ثلاثة: امرؤ القيس، والنابغة، وزهير ثم الأعشى. ~~وأشعر الفرسان ثلاثة: عنترة بن شداد، ودريد بن الصمة، وعمرو بن معدي كرب، ~~وأشعر الشعراء المقلين ثلاثة: المتلمس، والمسيب بن علس، وحصين بن حمام ~~المري، وأشعر العرب واحدة طويلة جمعت جودة مع طول ثلاثة: طرفة بن العبد في ~~قوله: # لخولة أطلال ببرقة ثهمد # والحارث بن حلزة في قوله: # آذنتنا ببينها أسماء # وعمرو بن كلثوم في قوله: # ألا هبي بصحنك فاصبحينا # وأشعر أهل زماننا ثلاثة: جرير، والفرزدق، والأخطل. # PageV01P185 # قيل: وسئل الأخطل: أيكم أشعر؟ فقال: أفخرنا الفرزدق، وأمدحنا وأوصفنا ~~للخمر أنا، وأسهبنا وأنسبنا وأسبنا جرير، وأرجز الرجاز في الإسلام وقبله ~~العجاج، فإنه فتح أبواب الرجز واستوقف ووصف الديار وأهلها ووصف الخيل ~~والمطر ومدح وذم، فذهب في الرجز مذهب امريء القيس في القصد وهو أرجز ~~الرجاز، وقد قيل أرجز الرجاز ثلاثة: العجاج، وابنه رؤبة، وحميد الأرقط، ~~وقال بعضهم: أبو النجم العجلي، وأجود الأراجيز قول رؤبة: # وقاتم الأعماق خاوي المخترق # وقول أبي النجم: # الحمد لله الوهوب المجزل # قيل وقال مسلمة بن عبد الملك لخالد ms338 بن صفوان: صف لنا جريرا والفرزدق ~~والأخطل. فقال: أصلح الله الأمير! أما أعظمهم فخرا وأبعدهم ذكرا وأحسنهم ~~غزلا وأحلاهم معاني وعللا، الطامي إذا زخر والحامي إذا زأر والسامي إذا ~~نظر، الذي إن أهدر قال وإن خطر صال وإن طلب نال، الفصيح اللسان السباق في ~~الرهان فالفرزدق. وأما أهتكهم سترا وأغزرهم بحرا وأرقهم شعرا، والأغر ~~الأبلق الذي إن طلب لم يسبق وإن طلب لم يلحق، الواصف للفرسان الناعت ~~للأظعان بحلاوة وبيان فجرير، وأما أحسنهم نعتا وأقلهم فوتا وأمدحهم بيتا، ~~الذي إن هجا وضع وإن مدح رفع وإن حاز أفظع، البعيد المتان الماضي الجنان ~~الممداح للسلطان فالأخطل. وكلهم، أصلح الله الأمير، طويل النجاد رفيع ~~العماد ذكي الفؤاد. # قال: فصف لنا الشعراء العشرة، فقال: قصتهم مفسرة، أما أحسنهم نسيبا ~~وتشبيبا وأشدهم تأليبا فامرؤ القيس. وأما أفحلهم مقالا وأنبلهم رجالا ~~وأكرمهم فعالا فزهير. وأما أرجحهم كلاما وأنبلهم مقاما وأشرفهم أياما فأوس ~~بن حجر. وأما أفصحهم لسانا وأثبتهم بنيانا وأشدهم إذعانا فالنابغة، وأما ~~أطردهم للصيد وأجحشهم في الكيد وأدرجهم في القيد فعدي بن زيد. # وأما أوصفهم للسلاح وأنعتهم للقداح والحرب ذات الكفاح فابن مقبل. وأما ~~أوصفهم للسيئين وأكسبهم للمئين وأمدحهم أجمعين فالحطيئة. وأما أهجاهم ~~للرجال وأبذهم في المقال وأضربهم للأمثال فطرفة. وأما أعفهم عن الكاس ~~وأحضهم على الباس وأصدقهم عند الناس فسلامة بن جندل. # قال: وقال العتابي في ذكر أبي نواس: لو أدرك الخبيث الجاهلية ما فضل عليه ~~أحد. # وقال أبو عمرو بن العلاء: أشعر الناس في صفة الخمر ثلاثة: الأعشى والأخطل ~~وأبو نواس. # وقال إبراهيم النظام: كأنما كشف لأبي نواس عن معاني الشعر فاختار أحسنها. # وقال أبو عبيدة: أبو نواس للمحدثين كامريء القيس للأوائل هو فتح لهم هذه ~~الفطن ودلهم على المعاني. ### | وفي مدح الشعراء # قال: لما قال حسان بن ثابت للحارث بن عوف المري وهو مشرك: # وأمانة المري حيث لقيته ... مثل الزجاجة صدعها لم يجبر # قال الحارث للنبي، صلى الله عليه وسلم: يا محمد أجرني من شعر حسان فوالله ~~لو مزج به البحر ms339 لمزجه. # قال: وكان كعب بن مالك ينشد رسول الله، صلى الله عليه وسلم: # قضينا من تهامة كل ريب ... وخيبر ثم أجممنا السيوفا # نخبرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن دوسا أو ثقيفا # فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لهو أسرع فيهم من السهم في غلس ~~الظلام. # قال: ولما أنشد عبد الله بن رواحة رسول الله، صلى الله عليه وسلم: # فثبت الله ما أتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصرا # أقبل عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، متبسما ثم قال: وإياك فثبت ~~الله، وهو الذي يقول يوم مؤتة: # أقسمت يا نفس لتنزلنه ... طائعة أو لتكرهنه # ما لي أراك تكرهين الجنه # قال: وحدا رجل برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: # تالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا # فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا # والمشركون قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا # فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من يقولها؟ قال: أبي. قال يرحمه ~~الله. ### | مساوئ الشعراء # قيل: ليس أحد من الناس آكل للسحت وأنطق بالكذب ولا أوضع ولا أطمع ولا أقل ~~نفسا ولا أدنى همة من شاعر. ولذلك قال أبو سعد المخزومي: # الكلب والشاعر في حالة ... يا ليت أني لم أكن شاعرا # PageV01P186 # هل هو إلا باسط كفه ... يستطعم الوارد والصادرا # قال: ولما قال الهذيل الأشجعي في عبد الملك بن مروان: # إذا ذات دل كلمته بحاجة ... فهم بأن تقضى تنحنح أو سعل # قال عبد الملك: أخزاه الله! فلربما جاءتني السعلة والنحنحة وأنا وحدي في ~~المتوضأ فأذكر قوله فأردها. # قال: ولما قال الشاعر في شهر بن حوشب: # لقد باع شهر دينه بخريطة ... فمن يأمن القراء بعدك يا شهر # فحلف لا يمس خريطة حتى مات. # وقال كعب بن جعيل: مكثت دهرا أهجو الناس ولا أهجى حتى انبرى لي غلام من ~~تغلب فقال: # تسميت كعبا بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل # وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل # فما رفعت رأسي حتى الساعة. ### | ذكر من كره الشعر ms340 # قال إسحاق بن سليمان الهاشمي. دخلت على المنصور يوما والإيوان قد غص ~~بأهله، فقال: بلغني أنك تقول الشعر. قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ~~فأنشدني شيئا منه. فأنشدته قصيدة طويلة فيها مدح له. فلما فرغت قال: يا بني ~~مالك وللمديح إياك وإياه واحذر الهجاء فإنهما لا يشبهانك وعليك من الشعر ~~بالبيتين والثلاثة تقول ذلك تطربا وتذكر فيه فضلا وتحببا. # قال: وقال معاوية بن أبي سفيان لعبد الرحمن بن الحكم: يا ابن أخي إنك قد ~~لهجت بالشعر فإياك والتشبيب فتهجن به كريما والهجاء فتثير به لئيما، وإياك ~~والمدح فإنه كسب الخسيس، ولكن افخر بمآثر قومك وقل من الأمثال ما تزين به ~~نفسك وتؤدب به غيرك، فإن لم تجد بدا من المديح فقل كما قال الأول: # أحللت رحلي في بني ثعل ... إن الكريم للكريم محل # قيل: وسئل رجل عن الشعر فقال: أسرى مروءة الدني وأدنى مروءة السري. ### | في ذم الشعر # قال الأصمعي: أنشد رجل بشارا العقيلي بيت الطرماح: # فما للنوى لا بارك الله في النوى ... وهم لنا منها كهم المباين # فقال: إن هذا البيت لو وثبت عليه الشاة لأكلته، يعني إعادته النوى في ~~البيت مرتين، فقلت: صدق بشار، إعادة الأسماء في بيت أكثر من مرة عي. # قال: وكتب محمد بن أبي عون إلى محمد بن عبد الله بن طاهر: # قد بعثنا بزهرة البستان ... بكر ما قد أتى من الريحان # ياسمينا ونرجسا قد بعثنا ... وبعثنا بسوسن البستان # فقرأهما محمد وقال: ثلاث مرات قد. وكتب إليه: # عون دق الإله من فيك أدنا ... ه وأقصاه يا عيي اللسان # حشو بيتيك فيه قد وقد ... قدك الله بالحسام اليماني ### | ومنه مضاحيك الشعر # قيل: دخل رجل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين إني هجوت الروافض. # قال: هات، فقال: # شمسا ورغما وزيتونا ومظلمة ... من أن ينالوا من الشيخين طغيانا # فقال: فسر. قال: يا أمير المؤمنين أنت في مائة ألف أنت في مائة ألف لا ~~تفهم هذا أفأفهمه وأنا وحدي! فضحك وأمر له بصلة. # الحمدوني قال: أتاني رجل فقال: قلت ms341 شعرا أحب أن أعرضه عليك، فقلت: هات. ~~فقال: # إن لي حبا شديدا ... ليس ينحيه الفرار # فقلت: نعم هو شعر. فقال: # إن من أفلت منه ... لابس ثوب المخازي # فقلت: ذاك راء وهذا زاي! قال: لا تنقطه. فقلت: فهبني لم أنقطه ذاك مرفوع ~~وهذا مخفوض! قال: يا أحمق أنا أقول لا تنقطه وأنت تعجمه. # قال: وجاء رجل إلى حاجب إبراهيم بن إسماعيل عامل المدينة فقال: أدخلني ~~عليه فإني قد مدحته ولك نصف ما يصلني منه. فقال: أنشدني ما قلت فيه. فقال: ~~لا أفعل. قال: لا أدخلك. قال: فإني أنشدك. قال: هات. قال قلت: # كاد الأمير على تكرمه ... أن لا يكون لأمه بظر # فقال الحاجب: يا عاض بظر أمه كان يعطيك ستمائة سوط لي منها ثلاثمائة! امض ~~إلى حرق الله وناره. ### | محاسن المخاطبات # قال: ذكروا أن ابن القرية دخل على عبد الملك بن مروان، فبينا هو عنده إذ ~~دخل بنو عبد الملك عليه، فقال: من هؤلاء الفتية يا أمير المؤمنين؟ قال: ولد ~~أمير المؤمنين. قال: بارك الله لك فيهم كما بورك لأبيك فيك وبارك لهم فيك ~~كما بورك لك في أبيك. فحشا فاه درا. # PageV01P187 # قال: وقال عمارة بن حمزة لأبي العباس وقد أمر له بجوهر نفيس: وصلك الله ~~يا أمير المؤمنين وبرك، فوالله لئن أردنا شكرك على إنعامك ليقصرن شكرنا عن ~~نعمتك كما قصر الله بنا عن منزلتك. # قال: ودخل شبيب بن شيبة على المهدي فقال: يا أمير المؤمنين إن الله جل ~~وعز حيث قسم الدنيا لم يرض لك إلا بأرفعها وأشرفها فلا ترض لنفسك من الآخرة ~~إلا بمثل ما رضي لك من الدنيا، وأوصيك يا أمير المؤمنين بتقوى الله فإنها ~~عليكم نزلت ومنكم قبلت وإليكم ترد. # قال: وقال إبراهيم الموصلي للهادي وقد غناه صوتا أعجبه: إن من كان محله ~~من الانبساط وتقارب الندام محلي جرأه البسط على الطلب وبعثته المنادمة على ~~الرجاء، وقد نصب لي أمير المؤمنين لقربي منه مشارع الرغبة وحثني مكان حالي ~~عنده على الكروع في النهل من يده. فقال ms342 له: سل حاجتك شفاها فإني جاعل فعلي ~~إجابتك إليه حاضرا. فسأله قيمة خمس مائة ألف درهم فأعطاه ألف ألف درهم. # قيل: ودخل إسحاق بن إبراهيم الموصلي على الرشيد فقال: كيف حالك؟ فقال: # سوامي سوام المكثرين تجملا ... ومالي كما قد تعلمين قليل # وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك شيء ما إليه سبيل # وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل # أرى الناس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلا له في العالمين خليل # فقال الرشيد: هذا والله الشعر الذي صحت معانيه وقويت أركانه ولذ على ~~أفواه القائلين وأسماع السامعين، يا غلام احمل إليه خمسين ألف درهم. قال ~~إسحاق: كيف أقبل صلتك يا أمير المؤمنين وقد مدحت شعري بأكثر مما مدحتك؟ قال ~~الأصمعي: فعلمت أنه أصيد للدرهم مني. # قال: وقال المأمون لإبراهيم بن المهدي: شاورت في أمرك فأشاروا علي بقتلك. ~~فقال: أما أن يكونوا نصحوك فيما جرت به السياسة وحكمت به الرياسة فقد فعلوا ~~ولكنك تأبى أن تستجلب النصر إلا من حيث عودك الله، فإن عاقبت فلك نظير وإن ~~عفوت فليس لك نظير، وإن جرمي يا أمير المؤمنين أعظم من أن أنطق فيه بعذر ~~وعفو أمير المؤمنين أجل من أن يفي به شكر. فقال المأمون: مات الحقد عند هذا ~~العذر. فاستعبر إبراهيم وبكى، فقال له المأمون: ما لك؟ قال: الندم إذ كان ~~ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام علي. # وحدثني سعيد بن مسلم قال: قال المأمون لإبراهيم بن المهدي بعد المؤانسة ~~وإخراج ما كان في قلبه عليه: يا عم ما الذي حملك على منازعة من جرى قدر ~~الله عز وجل له بتمام أمره وإصلاح شأنه؟ قال: طلب صلاح حالي يا أمير ~~المؤمنين وتوفر ما تتسع به يدي على خاصتي وعامتي. قال: فقدر ما شئت وهو لك ~~مشاهرة. قال: إذا تجدني بحيث تحب ويجري حكمك علي وفي كما يجري في أحد ~~عبيدك. وقد قلت في ذلك: # أرى الحر عبدا للذي سيب كفه ... شراه بما قد غاظه غاية الحمد # على أن ملك الحر ms343 أسنى ذريعة ... إلى المجد من مال يصان ومن عبد # وإن خص بيع ملك حر بنعمة ... إذا قوبلت بالشكر قارنها المجد # فقال: لئن كان ذلك كذلك إني لأهل أن أرفعك بمواد نعمتي عليك عن أن يقال ~~هذا فيك أو تمتهنك عين أحد بذلة. # قال: ودخل المأمون ذات يوم إلى الديوان فنظر إلى غلام جميل على أذنه قلم ~~فقال: من أنت يا غلام؟ قال: يا أمير المؤمنين الناشيء في دولتك والمتقلب في ~~نعمتك والمؤمل لخدمتك الحسن بن رجاء. فقال المأمون: بالإحسان في البديهة ~~تتفاضل العقول. يرفع عن مراتب الديوان إلى مراتب الخاصة ويعطى مائة ألف ~~درهم معونة له. ففعل به ذلك. # قال: ودخل يزيد بن جرير على المأمون وكان وجد عليه فقال: أيزيد؟ قال: نعم ~~يا أمير المؤمنين غذي نعمتك وخريج صنيعتك وغرس يدك الذي لم يشركك فيه مصطنع ~~ولم يسبقك إلى تخريجه أحد، ولم أزل يا أمير المؤمنين بعفوك بعد سخطك راجيا ~~وببصيرة رأيك في الانفراد بردي إلى ما عودتني واثقا حتى أقامني الله جل وعز ~~هذا المقام الذي فيه إدراكي أملي ونيلي محبتي، فإن رأى أمير المؤمنين أن ~~يشهرني برضاه كما شهرني بسخطه فعل إن شاء الله! فقال: قد رضي عنك أمير ~~المؤمنين. # قال: ووصف يحيى بن خالد الفضل بن سهل وهو غلام على المجوسية للرشيد وذكر ~~أدبه وحسن مذهبه وجودة معرفته فعمل على ضمه إلى المأمون. # PageV01P188 # فقال يوما ليحيى: أدخل إلي هذا الغلام المجوسي حتى أنظر إليه، ففعل يحيى ~~ذلك، فلما مثل بين يديه وقف وتحير وأراد الكلام فأرتج عليه وأدركته كبوة، ~~فنظر الرشيد إلى يحيى نظر منكر لما كان تقدم من تفريطه إياه، فانبعث الفضل ~~فقال: يا أمير المؤمنين إن من أبين الدلالة على فراهة المملوك شدة إفراط ~~هيبته لسيده. فقال له الرشيد: أحسنت والله! لئن كان سكوتك لتقول هذا إنه ~~لحسن وإن كان هذا شيء أدركك عند انقطاعك إنه لأحسن وأحسن. ثم جعل لا يسأله ~~عن شيء إلا رآه مقدما فيه مبرزا. فضمه المأمون في ذلك اليوم. ms344 # وقال الفضل بن سهل للمأمون وقد سأله حاجة لبعض أهل بيوتات دهاقين سمرقند ~~ووعد تعجيل إنفاذها فتأخر ذلك عليه: يا أمير المؤمنين هب لوعدك تذكرا من ~~نفسك وهنيء سائلك حلاوة نعمتك واجعل ميلك إلى ذلك في الكرم حاثا على اصطفاء ~~شكر الطالبين لتشهد القلوب بحقائق الكرم والألسن بنهاية الجود. فقال: قد ~~جعلت إليك إجابة سؤالي عني بما ترى فيهم وأخذتك بالتقصير فيما يلزم لهم من ~~غير استثمار ولا معاودة في إخراج الصكاك من أخضر المال متناولا. قال: إذا ~~لأتحدى معرفتي بما يجب لأمير المؤمنين الهنأ بما يديم له حسن الثناء، ومن ~~دعائهم طول البقاء. # قال: وقال الفضل بن سهل للمأمون: يا أمير المؤمنين اجعل نعمتك صائنة لماء ~~وجوه خدمتك عن إراقته في غضاضة السؤال. فقال المأمون: والله لا كان ذلك إلا ~~كذلك. # قال: ودخل العتابي على المأمون فقال: يا أبا كلثوم خبرت بوفاتك فغمتني ثم ~~جاءتني وفادتك فسرتني. فقال: يا أمير المؤمنين كيف أمدحك أو بماذا أصفك ولا ~~دين إلا بك ولا دنيا إلا معك! فقال: سلني عما بدا لك. قال: يداك بالعطية ~~أطلق من لساني بالمسألة. # قال: وتكلم المأمون يوما فأحسن فقال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين ~~جعلني الله فداك! إن خضنا في الطب فأنت جالينوس في معرفته، أو في النجم ~~فأنت هرمس في حسابه، أو في الفقه فأنت علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في ~~علمه، وإن ذكر السخاء كنت حاتما في جوده، أو الصدق فأنت أبو ذر في صدق ~~لهجته، أو الكرم فأنت كعب بن مامة في إيثاره على نفسه، أو الوفاء فأنت ~~السموأل بن عاديا في وفائه. فاستحسن قوله وتهلل وجهه. # قال: وقال إبراهيم بن المهدي للمأمون: يا أمير المؤمنين ليس للعافي بعد ~~القدرة عليه ذنب، وليس للمعاقب بعد الملك عذر. قال: صدقت فما حاجتك؟ قال: ~~فلان. قال: هو لك. # قال: وقال الواثق يوما لأحمد بن أبي دؤاد وقد تضجر بكثرة حوائجه: قد ~~أخليت بيوت الأموال بطلباتك للائذين بك والمتوصلين إليك! فقال: يا أمير ms345 ~~المؤمنين نتائج شكرها متصل بك وذخائر أجرها مكتوب لك وما لي من ذلك إلا عشق ~~الألسن لخلود المدح فيك. فقال: يا أبا عبد الله والله لا منعتك ما يزيد في ~~عشقك وتقوى به منتك إذ كانا لنا دونك. وأمر فأخرج له ثلاثون ألف دينار ~~يفرقها في الزوار. # قال: وقدم أبو وجزة السلمي على المهلب بن أبي صفرة فقال: أصلح الله ~~الأمير! إني قطعت إليك الدهناء وضربت إليك أكباد الإبل من يثرب. فقال: هل ~~أتيتنا بوسيلة أو قرابة أو عشرة؟ قال: لا ولكني رأيتك لحاجتي أهلا فإن قمت ~~بها فأهل ذلك أنت وإن يحل دونها حائل لم أذمم يومك ولم أيأس من غدك. فقال ~~المهلب: يعطى ما في بيت المال. فوجد فيه مائة ألف درهم فدفعت إليه، فأنشأ ~~يقول: # يا من على الجود صاغ الله راحته ... فليس يحسن غير البذل والجود # عمت عطاياك من بالشرق قاطبة ... وأنت والجود منحوتان من عود # قال: ودخل الكوثر بن زفر على يزيد بن المهلب فقال: أصلحك الله! أنت أعظم ~~قدرا من أن يستعان عليك ويستعان بك، لست تفعل من المعروف شيئا إلا وهو أصغر ~~منك، وليس من العجب أن تفعل ولكن العجب أن لا تفعل. قال: سل حاجتك. قال: ~~تحملت عن قومي عشر ديات وقد نهكتني. قال: قد أمرنا لك بها وأضعفناها ~~بمثلها. فقال الكوثر: إن ما سألتك هو بوجهي لمقبول منك، وأما ما بدأتني به ~~فلا حاجة لي فيه. قال: ولم وقد كفيتك ذل السؤال؟ قال: لأني رأيت الذي أخذته ~~مني بمسألتي إياك أكثر مما نالني من معروفك فكرهت الفضل على نفسي. قال ~~يزيد: فأنا أسألك بحقك علي فيما أملتني له من إنزالك إلي إلا قبلتها. ~~فقبلها. ### | مساوئ المخاطبات # PageV01P189 # قيل: دخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب فقال له: إني أكلت من لحوم ~~هذه الجوازيء فطسئت طسأة فأصابني وجع ما بين الوابلة إلى دأية العنق ولم ~~يزل يربو وينمو حتى خالط الخلب والشراسيف فهل عندك دواء؟ قال: نعم خذ خرفقا ~~وسلفقا فرقرقه واغسله بماء ms346 روث واشربه. قال: لا أدري ما تقول! قال: ولا أنا ~~أدري ما تقول. # وقال له آخر: إني أجد معمعة في بطني وقرقرة، فقال له: أما المعمعة فلا ~~أعرفها، وأما القرقرة فهو ضراط لم ينضج. # قيل: وأتى رجل إلى الهيثم بن عريان بغريم له وقد مطله في حق له فقال: ~~أصلح الله الأمير! إن لي على هذا حقا قد غلبني عليه. فقال له الآخر: أصلحك ~~الله! إن هذا باعني عنجدا وقد استنسأته حولا وشرطت أن أعطيه مياومة فهو لا ~~يلقاني في لقم إلا اقتضاني. فقال له الهيثم: أمن بني شيبة أنت؟ قال: لا. ~~قال: فمن بني هاشم؟ قال: لا. قال: فمن أكفائهم من العرب؟ قال: لا. قال: ~~ويلي عليك انزع ثيابه يا حرسي! فلما أرادوا أن ينزعوا ثيابه قال: أصلحك ~~الله! إن إزاري مرعبل. فقال: دعوه فلو ترك الغريب في موضع لتركه في هذا ~~الموضع. # قال: ومر أبو علقمة ببعض الطرق فهاجت به مرة فوثب عليه قوم وأقبلوا يعضون ~~إبهامه ويؤذنون في أذنه. فأفلت من أيديهم وقال: ما لكم تتكأكؤون علي كما ~~تتكأكؤون على ذي جنة؟ افرنقعوا عني! فقال رجل منهم: دعوه فإن شيطانه هندي ~~يتكلم بالهندية. # وقال مرة لحجام يحجمه: اشدد قصب الملازم وارهف ظبة المشارط وخفف الوضع ~~وعجل النزع، وليكن شرطك وخزا ومصك نهزا، ولا تكرهن أبيا ولا ترددن أتيا. ~~فوضع الحجام محاجمه في جونته ومضى. ### | محاسم المكاتبات # قال: وقال كعب العبسي لعروة بن الزبير: قد أذنبت ذنبا إلى الوليد بن عبد ~~الملك وليس يزيل غضبه شيء فاكتب إليه. فكتب: لو لم يكن لكعب من قديم حرمته ~~ما يغفر له عظيم جريرته لوجب أن لا تحرمه التفيؤ بظل عفوك الذي تأمله ~~القلوب، ولا تعلق به الذنوب وقد استشفع بي إليك فوثقت له منك بعفو لا يخلطه ~~سخط، فحقق أمله في وصدق ثقتي بك مغتنما للشكر مبتدئا بالنعمة. فكتب إليه ~~الوليد: قد شكرت رغبته إليك وعفوت عنه لمعوله عليك، وله عندي الذي تحب إن ~~لم تقطع كتبك عني في أمثاله ms347 وفي سائر أمورك. # قال: وكتب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى بعض إخوانه: أما ~~بعد فقد عاقني الشك عن عزيمة الرأي، ابتدأتني بلطف من غير خبرة ثم أعقبتني ~~جفاء من غير ذنب طمعني أولك في إخائك وأيسني آخرك من وفائك، فلا أنا في غير ~~الرجاء مجمع لك اطراحا ولا في غدو انتظار منك على ثقة، فسبحان من لو شاء ~~كشف بإيضاح الرأي فيك ما أقمنا على ائتلاف وافترقنا على اختلاف. # قال: وسخط مسلمة بن عبد الملك على العريان بن الهيثم فعزله عن شرطة ~~الكوفة فشكا ذلك إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب إليه: فإن من حفظ نعم الله ~~رعاية حق ذوي الأسنان، ومن إظهار شكر الموهوب له صفح القادر عن الذنوب، ومن ~~تمام السودد حفظ الودائع واستتمام الصنائع، وقد كنت أودعت العريان نعمة من ~~نعمك فسلبتها عجلة سخطك، وما أنصفته إذ غصبته على أن وليته ثم عزلته ~~وخليته، وأنا شفيعه فأحب أن تجعل له من قلبك نصيبا ولا تخرجه من حسن رأيك ~~فيضيع ما أودعته ويتوى ما أفدته. فعفا عنه. # قال: وغضب سليمان بن عبد الملك على أبي عبيدة مولاه فشكا إلى سعيد بن ~~المسيب ذلك، فكتب إليه: أما بعد فإن أمير المؤمنين في الموضع الذي يرتفع ~~قدره عن أن تعصيه رعيته وفي عفو أمير المؤمنين سعة للمسلمين. فرضي عنه. # قال: وطلب العتابي من رجل حاجة فقضى له بعضها وماطله ببعض. فكتب إليه: ~~أما بعد فقد تركتني منتظرا لرفدك وصاحب الحاجة محتاج إلى نعم هنيئة أو لا ~~مريحة، والعذر الجميل أحسن من المطل الطويل، وقد كتبت: # بسطت لساني ثم أوثقت نصفه ... فنصف لساني بامتداحك مطلق # فإن أنت لم تنجز عداتي تركتني ... وباقي لسان الشكر باليأس موثق # قال: ولما بنى المهدي بريطة ابنة أبي العباس كتب إليه يحيى بن سعيد بن ~~قيس الأنصاري: أدام الله لك جميل عاداته عندك وأوتر ما يجري به القدر لك ~~ولا زالت يد الله تحوطك في المحبوب وتدرأ عنك المكروه، وهنئت بهذه ms348 النعمة ~~ومليتها أمنا من زوالها بطول البقاء والمدة. فقالت له ريطة: ما لهذا الكلام ~~ثمن! # PageV01P190 # فقال: وكيف ونحن أطلقنا بإحساننا إليه وإنعامنا عليه لسانه فينا وسنزيده ~~من الثواب لثنائه علينا. # قال: وأمر الرشيد جعفر بن يحيى أن يعزل أخاه الفضل بن يحيى عن الخاتم ~~ويقبضه إليه قبضا لطيفا، فكتب إلى أخيه: قد رأى أمير المؤمنين أن تنقل خاتم ~~خلافته عن يمينك إلى شمالك، فكتب إليه الفضل: ما انتقلت عني نعمة صارت إليك ~~ولا خصتك دوني. # أحمد بن يوسف الكاتب قال: أمرني المأمون أن أكتب إلى الآفاق في الاستكثار ~~من المصابيح في المساجد، فلم أدر كيف أكتب لأنه شيء لم أسبق إليه فأسلك ~~طريقته ومعناه، فأتاني آت في منامي وقال لي: اكتب: فإن فيها أنسا ~~للمجتهدين، واضاء للسائلين، ونفيا لتكامن الريب، وتنزيها لبيوت الله عز وجل ~~عن وحشة الظلم. فكتب بذلك. # قال: وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون في رجل من بني ضبة يستشفع إليه في ~~زيادة في منزلته وجعل كتابته تعريضا: أما بعد فقد استشفع بي فلان يا أمير ~~المؤمنين لتطولك في إلحاقه بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون، فأعلمته أن ~~أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته ~~والسلام. فكتب إليه المأمون: قد عرفنا توطئتك له وتعريضك لنفسك وأجبناك ~~إليهما ووافقناك عليهما. # وحدثنا عبد الله بن ميمون قال: تأخر الجاري من الرزق لإبراهيم بن إسحاق ~~الموصلي عنه في أيام المأمون فكتب إليه: يا أمير المؤمنين ما فوق جودك في ~~العاجلة مرتقى لآمالنا ولا إلى غير دولتك متطلع لقلوبنا فلم تتأخر الإفادات ~~عنا ويعسر نيل المحبوب علينا. فقال المأمون: ما سمعت في التصريح والإشارة ~~بالطلب أحسن من هذا، وأمر بإخراج فائته وبجائزة ثلاثمائة ألف درهم. # قال: وأولم المأمون على بعض ولده فكتب إليه إبراهيم بن المهدي: لولا ~~البضاعة تقصر عن الهمة لأتعبت السابقين إلى البر وخفت صحيفتها وليس لي فيها ~~ذكر فبعثت بالمبتدإ به ليمنه وبركته والمختوم به لنظافته وطيبه جراب ملح ~~وجراب أشنان. # وكتب إبراهيم بن ms349 المهدي إلى صديق له بعث إليه بهدية: لو كانت التحفة على ~~حسب ما يوجبه حقك بنا أداء حقك ولكنه على ما يخرج من حد الحشمة ويوجب ~~الأنس، وقد بعثت إليك بكذا. # وحدثنا أبو الودغ قال: أول كتاب ورد على المأمون بالخلافة كتاب الحارث بن ~~سباع الخراساني، فإنه كتب إليه: قد أظلنا أمير المؤمنين بخلافته تحت جناح ~~الطمأنينة وبلغنا بها مدى الأمنية، فأدام الله له من كرامته ما يتطأمن له ~~أقاصي وأداني رعيته وجعله أعز خليفة وجعلنا أسمع وأطوع رعيته. فقال المأمون ~~للفضل بن سهل: أتعرف ما قيمة هذا الكلام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ~~وما هي؟ قال: تلقيك به بالسرور. فأعجبه قوله واستحسنه. # قال: وكتب عبد الله بن طاهر إلى المأمون من خراسان: بعدت داري عن أمير ~~المؤمنين وعن ظل جناحه وعن خدمته وإن كنت حيث تصرفت لا أتفيأ إلا به وقد ~~اشتد شوقي إلى النظر إلى رؤيته المباركة والتزين بحضور مجلسه وتلقيح عقلي ~~بحسن رأيه، فلا شيء عندي آثر من قربه، وإن كنت في سعة من عيش وهبه الله جل ~~ذكره لي به، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في المصير إلى دار السلام ~~لأحدث عهدا بالنعم علي وأتهنأ بالنعمة التي أقرها لدي فعل. فأجابه المأمون: ~~قربك إلي يا أبا العباس حبيب وأنا إليك مشتاق وإنما بعدت دارك عن أمير ~~المؤمنين بالنظر لك والتخير لحسن العاقبة، فالزم مكانك واتبع قول الشاعر: # رأيت دنو الدار ليس بنافعي ... إذا كان ما بين القلوب بعيدا # PageV01P191 # وحدثنا خصيف بن الحارث عن أبي رجاء قال: قدم مع المأمون رجل من دهاقين ~~الشاش وعظمائهم على عدة سلفت من المأمون له من توليته بلدا وأن يضم إليه ~~مملكته، فطال على الرجل انتظار خروج المأمون وأمره له بذلك، فقصد عمرو بن ~~مسعدة وسأله إنفاذ رقعة إلى المأمون من ناحيته. فقال عمرو: اكتب ما شئت ~~فإني أوصله. قال: فتول ذلك عني يكن لك علي نعمتان. فكتب عمرو: إن رأى أمير ~~المؤمنين أن يفك أسر عبده من ms350 ربقة المطل بقضاء حاجته أو يأذن له في ~~الانصراف إلى بلده فعل إن شاء الله تعالى. فلما قرأ المأمون الرقعة دعا ~~عمرا فجعل يعجبه من حسن لفظها وإيجاز المراد فيها. قال عمرو: فما نتيجتها ~~يا أمير المؤمنين؟ قال: الكتاب له في هذا في الوقت بما سأل لئلا يتأخر فضل ~~استحساننا كلامه وبجائزة مائة ألف درهم صلة عن دناءة المطل وسماجة الإغفال. ~~ففعل عمرو ذلك. # وحدثنا إسماعيل بن أبي شاكر قال: لما أصاب أهل مكة سنة ثمان ومائتين ~~السيل الذي شارف الحجر ومات تحت هدمه خلق كثير كتب عبد الله بن الحسن ~~العلوي وهو والي الحرمين إلى المأمون: يا أمير المؤمنين إن أهل حرم الله ~~وجيران بيته وألاف مسجده وعمرة بلاده قد استجاروا بفيء معروفك من سيل ~~تراكمت أحداثه في هدم البنيان وقتل الرجال والنسوان واجتياح الأموال وجرف ~~الأمتعة والأثقال، حتى ما ترك طارفا ولا تالدا يرجع إليهما في مطعم وملبس، ~~قد شغلهم طلب الغذاء عن الاستراحة إلى البكاء على الأمهات والأولاد والآباء ~~والأجداد، فأجرهم يا أمير المؤمنين بعطفك عليهم وإحسانك إليهم تجد الله ~~مكافئك عنهم ومثيبك عز الشكر لك منهم. قال:: فوجه إلهيم المأمون بالأموال ~~الكثيرة. وكتب إلى عبد الله: أما بعد فقد وصلت شكيتك لأهل حرم مكة إلى أمير ~~المؤمنين فتلافاهم الله بفضل رحمته وأنجدهم بسيب نعمته وهو متبع ما أسلفه ~~إليهم بما يخلفه عليهم عاجلا وآجلا إن أذن الله جل وعز في تثبيت عزمه على ~~صحة نيته فيهم. قال: فكان كتابه هذا أسر إلى أهل مكة من الأموال التي ~~أنفذها إليهم. # قال أحمد بن يوسف: دخلت على المأمون يوما ومعه كتاب يعجب به كتبه إليه ~~عمرو بن مسعدة، فالتفت إلي وقال: أحسبك مفكرا فيما رأيت. قلت: نعم، وقى ~~الله أمير المؤمنين المكروه. قال: إنه ليس بمكروه ولكني قرأت كلاما نظير ~~الخبر خبرني به الرشيد، سمعته يقول: البلاغة التقرب من معنى البغية ~~والتباعد من حشو الكلام ودلالة بالقليل على الكثير، فلم أتوهم أن هذا ~~الكلام يسبك على هذه الصيغة ms351 حتى قرأت هذا الكتاب، والله لأقضين حق هذا ~~الكلام، وكان الكتاب استعطافا على الجند فيه كتابي إلى أمير المؤمنين ومن ~~قبلي من أجناده وقواده في الطاعة والموالاة والانقياد على أحسن ما تكون ~~عليه طاعة جند، وقد تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم. قال: فأمر بإعطائهم ~~لثمانية أشهر. # قال: ولما بعث طاهر بن الحسين برأس محمد الأمين كتب إليه: آتى الله أمير ~~المؤمنين من شكره ما يزيد به في نعمته عليه وأياديه لديه، فقد كان من قدر ~~الله جل وعز في إعانة أمير المؤمنين على الظفر بحقه وسلامة الأولياء ووفاة ~~محمد بن الرشيد ما لا دافع له من القضاء في الخلق والاستبداد بالأمر لنفوذ ~~مشيئته فيما أحب من إعزاز وإجلال وموت وحياة، فليهنيء أمير المؤمنين فوائد ~~تطول الله عليه وليعزه عن أخيه الرضى بما يؤول إليه أهل الأرض والسماء من ~~الانقراض والفناء. فكان المأمون يقول: والله لسروري بتعزيته أوقع بقلبي من ~~تهنئته. # قال: وكتب إليه الفضل بن سهل: أما بعد فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير ~~المؤمنين في النسب واللحمة فقد فرق الكتاب بينه وبينه في الولاية والحرمة ~~لقول الله جل وعز فيما اقتص علينا من نبإ نوح حيث يقول: إنه ليس من أهلك ~~إنه عمل غير صالح، ولا صلة لأحد في معصية الله ولا قطيعة فيما كانت القطيعة ~~في ذات الله. وكتبت إلى أمير المؤمنين: وقد قتل الله جل وعز المخلوع ورداه ~~رداء نكثه وعجل لأمير المؤمنين ما كان ينتظر من وعده، فالحمد لله الذي رد ~~إلى أمير المؤمنين معلوم حقه، وكبت المكايد له في خفر عهده ونقض عقده حتى ~~رد بذلك أعلام الدين إلى سبيلها بعد دروسها والسلام. # PageV01P192 # قال: وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر: أما بعد فإن المأمون أحله الله ~~دار كرامته رآك لأكثر الذي أنت له فيه أهلا وقد جمع الله لك إلى حسن رأيه ~~كان فيك جميل رأيي لما محضته من حسن الطاعة وكرم الوفاء وشكر الإحسان، وقد ~~اتصلت الأخبار بأنك في كفاية من أولياء أمير المؤمنين ms352 وأموال خراسان وفي ~~منعة من خاصتك وعامتك عن أن ينالك عدوك أو أحد ممن يخالفك بسوء، فاكتب بشرح ~~ذلك إلى أمير المؤمنين ليعرفه إن شاء الله. فلما وصل كتابه قال عبد الملك ~~لكاتبه إسماعيل بن حماد: ما تقول في هذا الكتاب؟ قال: كتاب تعريض بأنك خارج ~~من طاعته مالك أمر نفسك دونه. قال: فأجبه عنه. فكتب إليه: أما بعد يا أمير ~~المؤمنين فإن حزب الله وإن قلوا وأنصار المؤمنين وإن ضعفوا فهم الغالبون، ~~وما أنا بشيء في ملاقاة عدو أوثق مني بعز دولة أمير المؤمنين، فأما الأيدي ~~فقليلة والأموال فنزرة وفي الله وفي أمير المؤمنين أعظم الغنى. فقبل عذره ~~وحسن موقع كتابه منه. # قال: وكتب أحمد بن إسرائيل إلى الواثق، وقد عزله عن ديوان الخراج وأمر ~~بتقييده ليصحح حساباته: يا أمير المؤمنين بم يستحق الإذلال من أنت بعد الله ~~ورسوله موئل عزه وإليك مفزع أمله، ولم تزل نفسه راجية لابتداء إحسانك إليه ~~وتتابع نعمك لديه، وعينه طامحة إلى تطولك عليه ورفعك منه والزيادة في ~~الضيعة إليه، فهب له يا أمير المؤمنين ما يزينك واعف عما لا يشينك، فما به ~~عنك معدل ولا على غيرك معول. فأمر بإطلاقه. # قال: وكتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد يستعفيه من العمل: ~~شكري لك على ما أريد الخروج منه شكر من نال الدخول فيه. # وكتب علي بن هشام إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي: ما أدري كيف أصنع، أغيب ~~فأشتاق وألتقي فلا أشتفي ثم يحدث لي اللقاء نوعا من الحرقة للوعة الفرقة. # وكتب معقل إلى أبي دلف: فلان جميل الحال عند كرام الرجال وأنت إن لم ~~ترتبطه بفضلك عليه غلبك فضل غيرك عليه. # وكتب رجل إلى أخ له: أما بعد فقد بان لنا من فضل الله جل وعز ما لا نحصيه ~~لكثرة ما نعصيه وما ندري ما نشكر أجميل ما نشر أم قبيح ما ستر أم عظيم ما ~~أبلى أم كثير ما عفا، غير أنه يلزمنا في الأمور شكره ويجب علينا حمده، ms353 ~~فاستزد الله من حسن بلائه بشكرك إياه على حسن آلائه. # وكتب رجل إلى أخ له: أوصيك بتقوى الله الذي ابتدأك بإحسانه وأتم عليك ~~نعمه بأفضاله وصبر عليك مع اقتداره ولا يغررك إمهاله فإنه ربما كان ~~استدراجا، عافانا الله وإياك من الاغترار بالامهال فإنه ربما كان استدراجا، ~~عافانا الله وإياك من الاغترار بالامهال والاستدراج بالإحسان. # قال: وكتب أبو هاشم الحراني إلى بعض الأمراء: عوضي من أمل الأمير متأخر، ~~والصبر على الحرمان متعذر. # وكتب رجل إلى محمد بن عبد الله: إن من النعمة على المثني عليك أن يخاف ~~الإفراط ولا يأمن التقصير ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب ولاينتهي من المدح ~~إلى غاية إلا وجد في فضلك عونا على تجاوزها، ومن سعادة جدك أن الداعي لك لا ~~يعدم كثرة المادحين ومساعدة من النية على ظاهر القول. # وكتب رجل إلى أبي عبد الله بن يحيى: رأيتني فيما أتعاطاه من مدحك كالمخبر ~~عن ضوء النهار الباهر والقمر المضيء الزاهر الذي لا يخفى على ناظر، وأيقنت ~~أني حيث أنتهي من القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن إثناء ~~عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك. # قال: وكتب المهلب بن أبي صفرة إلى عبد الملك بن مروان لما هزم الشراة: ~~أما بعد فإنا لقينا المارقة ببلاد الأهواز وكانت للناس جولة ثم ثاب أهل ~~الدين والمروءة ونصرنا الله جل وعز عليهم ونزل القضاء بأمر جاوزت النعمة ~~فيه الأمل فصاروا ردية رماحنا وضرائب سيوفنا وقتل رئيسهم في جماعة من ~~حماتهم وذوي النيات منهم وجلا الباقون عن عسكرهم، وأرجو أن يكون آخر هذه ~~النعمة كأولها تماما وكمالا، والسلام. # وكتب المهلب إلى الحجاج في فتح الأزارقة: الحمد لله الكافي بالإسلام ما ~~وراءه الذي لا تنقطع مواد نعمته حتى ينقطع من خلقه مواد الشكر، وإنا كنا ~~أعطينا من الله جل وعز على عدونا حالين يسرنا منهم أكثر مما يسوءنا ويسوءهم ~~منا أكثر مما يسرهم، فلم يزل الله جل وعز يزيدنا وينقصهم ويعزنا ويخذلهم ~~حتى بلغ ms354 الكتاب أجله وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. # PageV01P193 # أخبرنا ابن أبي السرح أن الحجاج أغزى جيشا فظفروا وأن صاحب جيشه كتب ~~إليه: الحمد لله الذي جعل لأوليائه أمام نصره موعدا قوى به قلوبهم وقدم إلى ~~أعدائه بين يدي خذلانه إياهم وعيدا أرعب به مفاصلهم وزعزع معه قلوبهم. # فلما بلغ هذا الموضع طوى ما كان نشره من الكتاب ولم يقرأ ما بعده ثم ~~التفت إلى الرسول فقال: غيرنا هذا الكلام المبتدأ به، إن العدو ولى من غير ~~حرب! فقال: صدق الأمير صدق الله ظنه وأصاب أصاب الله رأيه. # قال: وكتب مروان بن محمد إلى عبد الله بن علي يوصيه بحرمة، فكتب إليه عبد ~~الله: يا مائق إن الحق لنا في دمك والحق علينا في حرمك. # وكتب علي، رضوان الله عليه، إلى زياد ابن أبيه: لئن بلغتني عنك خيانة ~~لأشدن عليك شدة أدعك فيها قليل الوفر ثقيل الظهر. # قال: وكتب رجل إلى أبي مسلم حين خرج: أحسن الله لك الصحبة وعصمك بالتقوى ~~وألهمك التوفيق، إن الأرض لله يورثها من عباده من يشاء والعاقبة للمتقين، ~~فسر فيها راغبا إلى الله ورسوله والرضى من هذه الأمة بالكتاب والسنة. # واعلم أن التقوى أس ما تبني عليه أمرك، فإن ضعف الأساس تداعى البنيان ~~ودخل الأعداء من كل مكان، فتألف الأعلام من الرجال وسرواتهم وتصفح عقولهم ~~ومروءاتهم، فكلما ارتضيت رجلا ففره عن عزائم رأيه واصرف نظرك إلى تصرف ~~حاله، وإن وجدته على خلاف ما أنت عليه فلا تعجل بإلقاء أمرك إليه فتدخل ~~الوحشة منك والنفور عنك، لكن اقرعه بالحجة في رفق وسقه إلى شرك المحجة في ~~لين حتى يتكشف لك ثوب الظلمة عن النور وتظهر لك وجوه الأمور، فإنه سيكثر ~~أعوانك على الحق ويسهل لك منهاج الطرق. فإذا كثرت العدة من أصحابك وأمكنتك ~~الشدة على أعدائك فحارب الفئة الباغية والأئمة الطاغية الذين أباحوا حمى ~~المسلمين وأجروا عليهم أحكام الفاسقين وقادوهم بجرائر المهن واستذلوهم في ~~البر والبحر. # واعلم أن من عرف الله جل وعز لم ms355 ير لأهل البغي جماعة ولا لأئمة الضلالة ~~طاعة. وكلما غلبت على بلدة فامسك عن القتل وأظهر في أهله العدل لتسكن إليك ~~النفوس ويثوب نحوك الناس وينتشر فعلك في الخاصة والعامة فتستدعي أهواءها ~~وتستميل آراءها وتهش إليك من الآفاق نفوس عرانين الكرم ومصابيح الظلم من ~~ذوي الأحساب الكريمة والبيوت القديمة التي شرفها الإسلام وزينها الإيمان ~~لتزرع بذلك لك المحبة في قلوب العباد ويكونوا لك دواعي في نواحي البلاد. ~~تمم الله لك أمرك وأعلى كعبك. # قال: ولما استقامت المملكة لأبرويز وانقضى ما بينه وبين بهرام جوبين أمر ~~أن تكتب تلك الحروب والوقائع إلى منتهاها ففعلت الكتبة ذلك وعرضته على ~~أبرويز فلم يرض صدره. فقال غلام من أولاد الكتاب: إن أمر الملك كتبت صدره. ~~فقال: شأنك. # فتناول القلم وكتب: إن الدهر لم يخل في تارات عقبه وتصرفه ووجوه تنقله في ~~حالات من العجائب ولم تنصرم فيه فنونها على طول مداه ولم يزل في تقلب عصريه ~~وصفحات أزمنته وطبقات أحايينه تحدث فيه جلائل الأمور وغرائب الأنباء وتنجم ~~فيه قرون وتعقب فيه أعقاب بعد أسلاف وتعفو آثار، وله في تلونه تصريف أنباء ~~معجبة وأحاديث فيها معتبر وعظة ومختبر، ومن أعاجيب ذلك أمر بهرام بن بهرام ~~ولقبه جوبين، فعرضه على أبرويز فأعجبه ذلك وأمر برفع درجته وتقديمه ~~وتعظيمه. ### | مساوئ المكاتبات # قال الجاحظ: كتب ابن المراكبي إلى بعض ملوك بغداد: جعلت فداك برحمته. # وقرأت على عنوان كتاب لأبي الحسين السمري: للموت أنا قبله. وقرأت أيضا ~~على عنوان كتاب: إلى ذاك الذي كتب إلي. # وكتب بعضهم إلى ابن له عليل: يا بني اكتب إلي بما تشتهي. فكتب إليه: ~~أشتهي قلنسوة. فكتب إليه: إنما سألتك أن تخبرني بما تشتهي من الغداء. # فكتب إليه: أشتهي دهن خل وزيت. فكتب إليه: أنزل الله عليك الموت فإنك ~~ثقيل! قال: ونقش بشر بن عبد الله على خاتمه: بشر بن عبد الله بالرحمن لا ~~يشرك. فقال أبوه: هذا والله أقبح من الشرك! ### | محاسن الخطب # قال: خطب خالد بن صفوان خطبة نكاح فقال: الحمد لله ms356 جامعا للحمد كله وصلى ~~الله على محمد وآله. أما بعد فقد قلتم ما سمعنا وبذلتم فقبلنا وخطبتم ~~فأنكحنا فبارك الله لنا ولكم. # PageV01P194 # قال: وخطب محمد بن الوليد بن عتبة إلى عمر بن عبد العزيز أخته فزوجه وخطب ~~فقال: الحمد لله ذي العزة والكبرياء، وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء، ~~وقد زوجتك على ما في كتاب الله جل وعز: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. # وخطب عبد الله بن جعفر فقال: الحمد لله الذي ليس من دونه احتراز ولا ~~لذاهب عنه مجاز، السميع المنيع ذي الجلال الرفيع، وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له في سلطانه ولا سمي له في برهانه، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، صلى الله عليه وسلم. أما بعد فإن لكل شيء سببا مضت به الأقدار ~~وأحصيت فيه الآثار على وقوع أقضيته وحلول مدته، والصهر نسب شابك يجمع ~~المختلف ويقرب المؤتلف، وفلان بن فلان قد بذل لكم الموجود ووعدكم الوفاء ~~المحمود فأجيبوه إلى ما رغب فيه تحمدوا العاقبة وتذخروا الأجر للآخرة. # وخطب أبو عبيدة خطبة نكاح بالبصرة وحضره أعرابي فقال: الحمد لله أكثر مما ~~حمدتم، وربنا أعظم مما وصفتم، ندع الفصول ونتبع الأصول كفعل ذوي العقول، ~~وقد سمعنا مقالتكم وشفعنا خاطبكم وقبلنا ما بذلتم، والسلام عليكم. # وخطب أعرابي إلى قوم فقال: الحمد لله ولي الأنعام وصلى الله على محمد خير ~~الأنام وعلى آله وسلم. أما بعد فإني إليكم معشر الأكفاء خاطب، وفي سبب ~~الألفة بيننا وبينكم راغب، ولكم علي فيمن خطبت أحسن ما يجب للصاحب على ~~الصاحب، فأجيبوني جواب من يرى نفسه لرغبتي محلا ولما دعتني الطلبة إليه ~~أهلا. فأجابه أعرابي آخر: أما بعد فقد توسلت بحرمة وذكرت حقا وأملت مرجوا، ~~فحبلك موصول، وعرضك مقبول، وقد أنكحنا وسلمنا والحمد لله على ذلك. # قال: وكان الحسن البصري يقول في خطبة النكاح بعد حمد الله والثناء عليه: ~~أما بعد فإن الله عز وجل جمع بهذا النكاح الأرحام المنقطعة والأنساب ~~المتفرقة وجعل ذلك في سنة من دينه ومنهاج واضح ms357 من أمره، وقد تزوج فلان بن ~~فلان بفلانة ابنة فلان وبذل لها من الصداق كذا وكذا، فاستخيروا الله وردوا ~~خيرا. # قال: وحضر المأمون إملاكا فسأله بعض من حضر أن يخطب فقال: الحمد لله ~~والمصطفى رسول الله، عليه وعلى آله السلام، وخير ما عمل به كتاب الله، قال ~~الله جل وعز: " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن ~~يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم "، ولو لم يكن النكاح آية ~~منزلة وسنة متبعة إلا لما جعل لله جل اسمه في ذلك من تأليف البعيد وإدناء ~~الغريب لسارع إليه العاقل المصيب وبادر إليه المختار اللبيب، وفلان من قد ~~عرفتموه في نسب لم تجهلوه يخطب إليكم فتاتكم فلانة ويبذل لها من الصداق ~~كذا، فشفعوا شافعنا وأنكحوا خاطبكم وقولوا خيرا تحمدوا عليه وتؤجروا، أقول ~~قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. ### | مساوئ الخطب # قيل: واستعمل الوليد بن عبد الملك أعرابيا على بعض مدن الشام، فلما صعد ~~المنبر قال: الحمد لله، أحمده وأستعينه، من يهد الله فليس بضال ومن يضلل ~~فأبعده الله. أما بعد فوالله لقد ذكر لي أنكم تأتون الأندرين فتشربون من ~~خمورها، وما الذي عرضكم أخزاكم الله لما يشين أعراضكم؟ فإن كنتم لا بد ~~فاعلين فليشرب الرجل قعبا أو قعبين أو ثلاثة إن كان طيبا. ولقد بلغني أنكم ~~تأتون بالليل النساء اللواتي قد غاب أزواجهن، وإني أعطي الله عهدا أني لا ~~أجد رجلا يأتي امرأة ليلا إلا قطعت ظهره بالسياط، فإذا قدم عليهن أزواجهن ~~فأتوهن حلالا، وأيما رجل أصاب في بيته رجلا فليأخذ سلبه. فقال له كاتبه: ~~أيهما يأخذ سلب صاحبه أيها الأمير؟ فقال: أيهما غلب. فكانت المرأة تقول ~~لزوجها: قد أحل لنا الأمير الزناء. # وحكي عن جحا أن أباه قال له: دع ما أنت عليه من الجنون والمجون والخلاعة ~~وترزن حتى أخطب لك بعض بنات أهل الثروة والشرف. فقال: نعم يا أبتاه، فتزين ~~وتبخر وصار إلى مجمع الناس فقعد وهو صامت وقد حضر أشراف الناس وعظماؤهم، ~~فقال له أبوه: تكلم ms358 يا بني، فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه وأشرك به حي ~~على الصلاة حي على الفلاح. فقال أبوه: يا بني لا تقم الصلاة فإني على غير ~~وضوء. ### | محاسن الأمثال # آتيه في البردين، يعني قبل أن يشتد الحر وبعدما يسكن، والمعنى فيه أيضا: ~~بالغداة والعشي، قال الشاعر: # يسرن الليل والبردين حتى ... إذا أظهرن رفعن الظلالا # PageV01P195 # وقولهم: همك في الأحمرين، يعنون اللحم والخمر. # وقولهم: إنه لطويل النجادين، يريدون كماله وتمامه في جسمه. # وقولهم: إنه لغمز الرداء، أي كثير المعروف. وأنشد الأصمعي: # غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... غلقت بضحكته رقاب المال # وقولهم: إنه لسبط البنان، إذا كان شجاعا سخيا. # وقولهم: شديد الجفن، إذا كان صبورا على السهر. # وقولهم: إنه لطيب الحجزة، إذا كان عفيفا، قال النابغة: # رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب # وقولهم: إنه لطاهر الثياب، أي ليس في قلبه غش، وقد روي في تفسير قول الله ~~جل وعز: وثيابك فطهر، أي طهر قلبك. وأنشد: # ثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم بيض المشافر غران # يعنون بثيابهم قلوبهم. # وقولهم: إنه لطيب الأثواب، أي طاهر الأخلاق. قال بعض الأنصار: # ومواعظ من ربنا تهدي لنا ... بلسان أزهر طيب الأثواب # وقولهم: تحسبها حمقاء وهي بأحسن، يضرب مثلا لمن يظن به الجهل فإذا ~~اختبرته وجدته عاقلا. # وقولهم: من أجدب انتجع، أي من احتاج طلب. ويقال: إن صعصعة ابن صوحان كان ~~يأكل مع معاوية فجعل معاوية يأكل من دجاجة بين يديه، فمد صعصعة يده فجذب ~~الدجاجة، فقال له معاوية: انتجعت! فقال: من أجدب انتجع. # وقولهم: من لي بالسانح بعد البارح، يضرب مثلا لرجل يسيء إليه إنسان فيقال ~~له: احتمل فإنه سيحسن فيما بعد. وأصل ذلك أن رجلا مرت به ظباء بارحة فتطير ~~منها فقيل له: لا تتطير فإنها سوف تسنح لك، فقال: من لي بالسانح بعد ~~البارح! وذلك أن العرب كانت إذا خرجت فمرت بها ظباء عن يمينها قالت: يمن ~~وبركة، فإذا مرت عن يسارها تشاءمت بها وقالت: هذا يوم نحس. والسانح ما جاء ~~عن يمينك. والبارح ما ms359 جاء عن يسارك. والقعيد ما جاء من ورائك. والناطح ما ~~استقبلك. ### | مساوئ الأمثال # قولهم: ذهب منه الأطيبان، يعنون الشباب والطعم. وقالوا: هو الأكل ~~والنكاح. # وقولهم: نعوذ بالله من الأمرين، يعنون الفقر والهرم. # ويقال: وقيت شر الأجوفين، يعنون البطن والفرج. # وقولهم: أماطله العصرين، يعنون الغداة والعشي. وقال الشاعر: # أماطله العصرين حتى يملني ... ويرضى بنصف الدين والأنف راغم # وقولهم: أفناه الملوان، يعنون الدهر ومقاساة الغم. # وقولهم: أبلاه الجديدان، يعنون الليل والنهار. وقال الشاعر: # إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا ينقصان ولكن ينقص الناس # وقولهم: فلان قصير يد سرباله، أي أنه قليل المعروف. وأنشد الأصمعي: # لا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... قصير يد السربال مثل أبان # وقولهم: إنه لجعد البنان، وهو بخيل. # وقولهم: الحمى أضرعتني لك وإليك، يقول: الحاجة أذلتني إليك ولك. # وقولهم: من مدحنا فليقصد، يقول: من مدحنا فليقل الحق فإن المادح بالباطل ~~غير ممتدح. # وقولهم: إنك تشج وتأسو، أي إنك تصلح وتفسد. وتأسو تداوي. # قال الشاعر: # يد تشج وأخرى منك تأسوني # وقولهم: سكت ألفا ونطق خلفا، يضرب مثلا للرجل العي الذي يسكته العي عن ~~الكلام. والخلف من الكلام الذي يشين صاحبه مثل خلف السوء، يقال: فلان خلف ~~من أبيه إذا كان صالحا، فإذا كان رديئا قيل خلف، قال لبيد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب # وقولهم: شر الرأي الدبري، يروى ذلك لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي ~~الله عنه، وهو أن يعرف الرجل وجه نجاح حاجته بعد فوت الحاجة. # وقولهم: أحشك وتروثني، أي أوليك خيرا وتوليني شرا. والأصل في ذلك أن رجلا ~~كان يحتش لفرسه وفرسه بقربه فراث على رأسه، فقال له: أحشك وتروثني! وقولهم: ~~إن الخبيث عينه فراره، أي يتبين الخبث في الخبيث من غير اختبار. # وقد قيل: إن الجواد عينه فراره، أي يتبين فيه الجودة من غير اختبار. ~~يقال: فرس جواد بين الجودة. # ونظر أعرابي إلى صياد فقال: # إن الخبيث عينه فراره ... في فمه شفرته وناره # ممشاه ممشى الكلب وازدجاره ... أطلس يخفي شخصه غباره ms360 # PageV01P196 # ويقال: إن رجلا ضاف امرأة بالبادية وللمرأة ابنة فقالت لها: يا أمه لا ~~تضيفيه فإن الخبيث عينه فراره، فلما أظلم الليل راود المرأة عن نفسها، ~~وكانت عفيفة، فقالت لأمها: لولا حق الضيافة لانقلبت محروبا، فاستحيا الرجل ~~فولى وهو يقول: # تقول أم عامر للغمر قل ... فإن تقل فعندنا ماء وظل # ولبن تنهل منه وتعل ... أما الذي سألتنا فلا يحل # وقولهم: # خلا لك الجو فبيضي واصفري ... ونقري ما شئت أن تنقري # قد رفع الفخ فماذا تحذري # قيل: كان طرفة بن العبد البكري مع عمه وهو صغير في بعض أسفارهما فنزلا ~~على ماء فنصب طرفة فخه للقنابر وقعد لها وهن يحذرن الفخ وينفرن مما حوله، ~~فقال: # قاتلكن الله من قنابر ... منتبذات في الفلا نوافر # وأخذ فخه ورجع إلى عمه. فلما تحملوا أقبلت القنابر تلتقط ما كان ألقاه ~~لهن من الحب، فالتفت فرآهن فقال: # يا لك من حمرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري # ونقري ما شئت أن تنقري # وقولهم: لو ترك القطا لنام، كانت حذام بنت الريان ملك معد وإن رجلا من ~~حمير سار إلى أبيها في حمير، فلقيهم الريان في أحياء ربيعة فالتقوا في أرض ~~تدعى المرامة فاقتتلوا يومين وليلتين ثم رجع الحميري إلى عسكره وهرب الريان ~~وسار يومه وليلته، فلما أصبح الحميري ورأى عسكر الريان سار في طلبه، وجعلوا ~~يمرون ويثيرون القطا وجعلت القطا تمر على عسكر الريان، فانتبهت ابنته فقالت ~~لقومها: # ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا ليلا لناما # فارتحلوا واعتصموا برؤوس الجبال ورجع القوم، ففي ذلك يقول حميد: # إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام ### | محاسن الجواب # قيل: دخل رجل على كسرى أبرويز فشكا عاملا له غصبه على ضيعة له. # قال كسرى: منذ كم هي في يدك؟ قال: منذ أربعين سنة. فقال: أنت تأكلها منذ ~~أربعين سنة ما عليك أن يأكل منها عاملي سنة! فقال: ما كان على الملك أن ~~يأكل بهرام جوبين الملك سنة واحدة! فقال: ادفعوا في قفاه واخرجوه. فأخرج، ~~فأمكنته التفاتة فقال: ms361 دخلت بمظلمة وخرجت بثنتين. فقال كسرى: ردوه، وأمر ~~برد ضيعته وجعله في خاصته. # ويقال: إن سعيد بن مرة الكندي حين أتى معاوية قال له: أنت سعيد؟ فقال: ~~أمير المؤمنين سعيد وأنا ابن مرة. # قيل: ودخل السيد بن أنس الأزدي على المأمون فقال: أنت السيد؟ فقال: أنت ~~السيد يا أمير المؤمنين وأنا ابن أنس. # وقيل للعباس بن عبد المطلب: أنت أكبر أم رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال: هو، عليه السلام، أكبر مني وولدت قبله. وقيل: إنه قال وأنا أسن منه. # قيل: وقال الحجاج للمهلب: أنا أطول أم أنت؟ فقال: الأمير أطول وأنا أبسط ~~قامة. # قال: ووقف المهدي على امرأة من بني ثعل فقال لها: ممن العجوز؟ قالت: من ~~طيء. قال: ما منع طيئا أن يكون فيها آخر مثل حاتم؟ فقالت: الذي منع العرب ~~أن يكون فيها آخر مثلك. فأعجب بقولها ووصلها. # قال: وقدم وفد من العراق على عمر بن عبد العزيز، فنظر عمر إلى شاب فيهم ~~يريد الكلام، فقال عمر: أولو الأسنان أولى. فقال الفتى: يا أمير المؤمنين ~~إن الأمر ليس بالسن ولو كان كذلك لكان في المسلمين من هو أسن منك، فقال: ~~صدقت، تكلم. قال: يا أمير المؤمنين إنا لم نأتك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة ~~فقدمت علينا في بلادنا، وأما الرهبة فقد آمننا الله بعدلك من جورك. قال: ~~فما أنتم؟ قال: وفد الشكر. قال: لله أنت ما أحسن منطقك! وقيل: إنه لما ~~استوسق أمر العراق لعبد الله بن الزبير وجه مصعب إليه وفدا، فلما قدم عليه ~~الوفد قال: وددت أن لي بكل خمسة منكم رجلا منهم. فقال رجل من أهل الشام: بل ~~وددت أن لي بكل عشرة منكم رجلا منهم. فقال رجل من أهل العراق: يا أمير ~~المؤمنين علقناك وعلقت بأهل الشام وعلق أهل الشام آل مروان، فما أعرف لنا ~~ولك مثلا إلا قول الأعشى: # علقتها عرضا وعلقت رجلا ... غيري وعلق أخرى غيرها الرجل # فما وجدنا جوابا أحسن من هذا. # PageV01P197 # وقيل: إنه عزم الفضل بن الربيع على ms362 تطهير بعض ولده فأتى الرشيد فقال: يا ~~سيدي قد عزم عبدك على تطهير ولده خدمك فإن رأى أمير المؤمنين أن يزين عبده ~~بنفسه ويصل نعمته هذه بنعمته المتقدمة ويتم سروره فعل متفضلا على عبده ~~متمننا بذلك. فقال: نعم. فغدا إليه وقد أصلح جميع ما يحتاج إليه ووضعت ~~الموائد وقعد الناس يأكلون وأقبل الرشيد يدور في داره، فرأى صبيا صغيرا أول ~~ما نطق فقال: يا صبي أيما أحسن داركم هذه أم دار أمير المؤمنين؟ فقال: ~~دارنا هذه أحسن ما دام أمير المؤمنين فيها فإذا صار أمير المؤمنين إلى داره ~~فداره أحسن. فضحك منه الرشيد وتعجب من نجابته ووهب له عشر قريات ومائة ألف ~~درهم. # وقال مسلمة بن عبد الملك: ما شيء يؤتاه العبد بعد الإيمان بالله أحب إلي ~~من جواب حاضر، فإن الجواب إذا تعقب لم يك شيئا. وأنشد في مثله في مالك بن ~~أنس صاحب الفقه: # يأبى الجواب فما يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان # هذا التقي وعز سلطان التقى ... فهو المطاع وليس ذا سلطان ### | مساوئ الجواب # قيل: إنه اجتمع عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الزبرقان بن بدر ~~وعمرو بن الأهتم، فذكر عمرو الزبرقان فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ~~إنه لمطاع في أدانيه شديد العارضة جواد الكف مانع لما وراء ظهره. فقال ~~الزبرقان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله إنه ليعرف مني أكثر من هذا ~~ولكنه يحسدني. فقال عمرو: والله يا نبي الله إنه لزمر المروءة ضيق العطن ~~لئيم العم أحمق الخال، والله ما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى ولكني ~~رضيت فقلت بأحسن ما أعلم وسخطت فقلت بأسوإ ما أعلم. فقال رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم: إن من البيان لسحرا. # وذكروا أن الوليد بن عقبة قال لعقيل بن أبي طالب: غلبك أبو تراب على ~~الثروة والعدد. فقال له: نعم وسبقني وإياك إلى الجنة. فقال الوليد: أما ~~والله إن شدقيك لمتوضمتان من دم عثمان. فقال عقيل: ما لك ولقريش وإنما أنت ~~فيهم كمنيح الميسر. ms363 فقال الوليد: والله إني لأرى لو أن أهل الأرض اشتركوا ~~في قتله لوردوا صعودا. فقال له عقيل: كلا ما ترغب له عن صحبة أبيك. # قال: وقال المنصور لقواده: صدق القائل أجع كلبك يتبعك. فقال أبو العباس ~~الطوسي: يا أمير المؤمنين أخاف أن يلوح له رجل برغيف فيتبعه ويدعك. # قال: وقال رجل من قريش لخالد بن صفوان: ما اسمك؟ قال: خالد بن صفوان بن ~~الأهتم. قال: إن اسمك لكذب ما أنت بخالد، وإن أباك لصفوان وهو حجر، وإن جدك ~~لأهتم والصحيح خير من الأهتم. فقال له خالد: من أي قريش أنت؟ قال: من بني ~~عبد الدار من هاشم. قال: لقد هشمتك هاشم، وأمتك أمية، وجمحت بك جمح، وخزمتك ~~مخزوم، وأقصتك قصي فجعلتك عبدها وعبد دارها تفتح إذا دخلوا وتغلق إذا ~~خرجوا. # قيل: ومر الفرزدق بالمربد فرأى خلف بن خليفة الشاعر، فقال للفرزدق: يا ~~أبا فراس من القائل: # هو القين وابن القين لا قين مثله ... لقطع المساحي أو لقد الأداهم # فقال الفرزدق: الذي يقول: # هو اللص وابن اللص لا لص مثله ... لقطع جدار أو لطر دراهم # قيل: ودخل أبو العتاهية على المأمون حين قدم العراق فأنشده شعرا يمدحه ~~به، فأمر له بمال جزيل وأقبل عليه يحدثه إذ ذكر أبو العتاهية القدرية، ~~فقال: يا أمير المؤمنين ما في الأرض فئة أجهل ولا أضعف حجة من هذه العصابة. ~~فقال المأمون: أنت رجل شاعر وأنت بصناعتك أعلم فلا تتخطها إلى غيرها فلست ~~تعرف الكلام. فقال: إن جمع أمير المؤمنين بيني وبين رجل منهم وقف على ما ~~عندي من الكلام. قال ثمامة: فوجه إلي رسولا، فلما دخلت قال: يا ثمامة زعم ~~هذا أنه لا حجة لك ولا لأصحابك! قلت: فليسل عما بدا له. # فقال المأمون: سله يا إسماعيل. قال: أقطعه يا أمير المؤمنين بحرف واحد. # PageV01P198 # قال: شأنك. فأخرج أبو العتاهية يده من كمه وحركها وقال: يا ثمامة من حرك ~~يدي هذه؟ قلت: حركها من أمه زانية. قال: فضحك المأمون حتى فحص برجله وتمرغ ~~على فراشه وقال: ms364 زعمت أنك تقطعه بكلمة واحدة! فقال أبو العتاهية: شتمني يا ~~أمير المؤمنين. قلت: ناقضت يا عاض بظر أمه! قال: فعاد المأمون في الضحك حتى ~~خفت عليه من ضحكه وشدة ما ذهب له، ثم قلت: يا جاهل تحرك يدك وتقول من ~~حركها! فإن كنت أنت المحرك لها فهو قولي وإن تكن الأخرى فما شتمتك! فقال ~~المأمون: يا إسماعيل عندك زيادة في الكلام؟ فإن الجواب قد مضى فيما سألت. ~~فما نطق بحرف حتى انصرف. ### | محاسن المسايرة # قال: فيما يحكى عن أنوشروان أنه بينا هو في مسيرة له كان لا يسايره أحد ~~من الخلق مبتدئا وأهل المراتب على مراتبهم، فإن التفت يمينا دنا منه صاحب ~~الحرس وإن التفت شمالا دنا منه الموبذ فأمره بإحضار من أراد مسايرته. ~~فالتفت في مسيره هذا يمينه فدنا منه صاحب الحرس فقال: فلان. فأحضره. فقال: ~~عرفت حديث أردشير حين واقع ملك الخزر؟ وكان الرجل قد سمع من أنوشروان هذا ~~الحديث مرة فاستعجم عليه وأوهمه أنه لا يعرفه، فحدثه أنوشراون هذا بالحديث ~~وأصغى إليه الرجل بجوارحه كلها، وكان مسيرهما على شاطيء نهر، وترك الرجل ~~النظر إلى موطيء قوائم دابته لإقباله على حديث أنوشروان، فزلت إحدى رجلي ~~دابته فمالت بالرجل إلى النهر فوقع في الماء ونفرت دابته فابتدرها حاشية ~~الملك وغلمانه حتى أزالوها عن الرجل وجذبوه من تحتها وحملوه على أيديهم، ~~فاغتم لذلك أنوشروان ونزل عن دابته وبسط له هناك وأقام حتى تغدى موضعه ذلك ~~ودعا للرجل بثياب من خاص كسوته وألقيت عليه وأكل معه. # وقال: كيف أغفلت النظر إلى موطيء حافر دابتك؟ قال: أيها الملك إن الله جل ~~وعز إذا أنعم على عبد بنعمة قابله بمحنة، وإنه جل ذكره أنعم علي نعمتين ~~عظيمتين منهما إقبال الملك علي بوجهه من بين هذا السواد الأعظم، والأخرى ~~هذه الفائدة وإقبال هذا الجيش الذي حدث فيه عن أردشير، حتى لو رحلت من حيث ~~تطلع الشمس إلى حيث تغرب فيه كنت رابحا، فلما اجتمعت علي هاتان النعمتان ~~الجليلتان في وقت واحد قابلتهما هذه المحنة، ms365 ولولا أساورة الملك وخدمه كنت ~~بعرض هلكة، ولو غرقت حتى أذهب عن جديد الأرض كان الملك قد أبقى لي ذكرا ~~مخلدا باقيا ما بقي الضياء والظلام. فسر بذلك أنوشروان وقال: ما ظننتك بهذه ~~المنزلة! فحشا فمه جوهرا ودرا ثمينا واستبطنه حتى غلب على أكثر أمره. # وحكي عن يزيد بن شجرة الرهاوي أنه بينا هو يسير مع معاوية ومعاوية يحدثه ~~عن خزاعة ويومها وبني مخزوم وقريش، وكل هذا قبل الهجرة وكان يوم إشراف ~~الفريقين على الهلكة حتى جاءهم أبو سفيان فارتفع ببعيره على رايته ثم أومأ ~~بكمه إلى الفريقين فانصرفوا، فبينا معاوية يحدث يزيد بن شجرة بهذا الحديث ~~إذ صك وجه يزيد حجر عائر فأدماه وجعلت الدماء تسيل من وجهه على ثوبه ما ~~يمسحه. فقال له معاوية: لله أنت! أما ترى ما نزل بك؟ قال: وما ذاك يا أمير ~~المؤمنين؟ قال: هذا دم وجهك يسيل على ثوبك! فقال: أعتق ما أملك إن لم يكن ~~حديث أمير المؤمنين ألهاني حتى غمر فكري وغطى على قلبي فما شعرت بشيء حتى ~~نبهني له أمير المؤمنين. فقال له معاوية: لقد ظلمك من جعلك في ألف من ~~العطاء وأخرجك عن عطاء أبناء المهاجرين وحماة أهل صفين. وأمر له بمائة ألف ~~درهم وزاد في عطائه ألف درهم وجعله بين ثوبه وجلده. # وحكي عن أبي بكر الهذلي أنه كان يساير أبا العباس السفاح إذ تحدث أبو ~~العباس بحديث من أحاديث الفرس فعصفت الريح فرمت طستا من سطح إلى طريق أبي ~~العباس فارتاع من معه ولم يتحرك أبو بكر لذلك ولم تزل عينه مطابقة لعين أبي ~~العباس. فقال له: ما أعجب شأنك يا هذا! لم ترع مما راعنا؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين إن الله جل وعز يقول: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وإنما ~~للمرء قلب واحد، فلما غمر السرور قلبي بفائدة أمير المؤمنين لم يكن لحادث ~~فيه مجال، وإن الله جل وعز إذا تفرد بكرامة أحد وأحب أن يبقي له ذكرها جعل ~~ذلك على لسان نبيه ms366 أو خليفته، وهذه كرامة خصصت بها مال إليها ذهني وشغل بها ~~فكري، فلو انقلبت الخضراء على الغبراء ما أحسست بها. فقال أبو العباس: لئن ~~بقيت لك لأرفعن منك ما لا تطيف به السباع ولا تنحط عليه العقبان. # PageV01P199 # وحكي عن قباذ أنه ركب ذات يوم والموبذ يسايره إذ راث دابة الموبذ وفطن ~~قباذ لذلك فغم ذلك الموبذ، فقال له قباذ في أول كلام مر: ما أول ما يستدل ~~به على سخف الرجل؟ قال: أن يعلف دابته في الليلة التي يركب الملك في ~~صبيحتها. فضحك قباذ وقال له: لله أنت ما أحسن ما ضمنت كلامك بفعل دابتك! ~~وبحق ما قدمتك الملوك وجعلت أحكامهم في يدك! ووقف ودعا له بدابة من خاص ~~مراكبه وقال: تحول من هذا الجاني عليك إلى ظهر هذا الطائع لك. وحكي عن ~~معاوية بن أبي سفيان أنه بينا هو يسير وشرحبيل بن السمط يسايره إذ راث دابة ~~شرحبيل وساءه ذلك. فقال معاوية: يا أبا يزيد إنه كان يقال إن الهامة إذا ~~عظمت دلت على وفور الدماغ وصحة العقل. قال: نعم يا أمير المؤمنين إلا هامتي ~~فإنها عظيمة وعقلي ضعيف ناقص، فتبسم معاوية وقال: كيف ذاك لله أنت؟ قال: ~~لإعلافي دابتي مكوكين من شعير. فتبسم معاوية وحمله على دابة من مراكبه. # ويقال: إن سعيد بن سلم بينا هو يساير موسى الهادي وعبد الله بن مالك ~~أمامه والحربة بيده فكانت الريح تسفي التراب الذي تثيره دابة عبد الله في ~~وجه موسى وعبد الله في خلال ذلك يلحظ موضع مسير موسى فيطلب أن يحاذيه فإذا ~~حاذاه ناله من ذلك التراب ما يؤذيه حتى إذا كثر ذلك من عبد الله قال موسى ~~لسعيد: أما ترى ما لقينا من هذا الخائن في مسيرنا هذا؟ فقال له سعيد: والله ~~يا أمير المؤمنين ما قصر في الاجتهاد ولكنه حرم حظ التوفيق. ### | مساوئ المسايرة # ذكر عن عبد الله بن الحسن أنه بينا هو يساير أبا العباس السفاح بظهر ~~مدينة الأنبار وهو ينظر إلى بناء قد بناه إذ ms367 قال أبو العباس: هات ما عندك ~~يا أبا محمد. وهو يستطعمه الحديث بالأنس منه. فأنشده: # ألم تر حوشبا أمسى يبني ... بناء نفعه لبني بقيله # يرجي أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كل ليله # فتبسم أبو العباس وقال: لو علمنا لاشترطنا حق المسايرة. فقال عبد الله: ~~يا أمير المؤمنين بوادر الخواطر وأعقال المشايخ. قال: صدقت خذ في غير هذا. # وذكر عن المدائني قال: بينا عيسى بن موسى يساير أبا مسلم في منصرفه عن ~~أبي جعفر في اليوم الذي قتل فيه إذ أنشد: # سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت ... وما حل في أكناف عاد وجرهم # ومن كان أسنى منك عزا ومفخرا ... وأنهض بالجيش اللهام العرمرم # فقال أبو مسلم: هذا مع الأمان الذي أعطيت. فقال عيسى: عتق ما يملك إن كان ~~هذا لشيء من أمرك وما هو إلا خاطر. قال: فبئس والله الخاطر! ### | محاسن المسامرة # قال الكسائي: دخلت على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مال كثير ~~قد شق عنه البدر شقا وأمر بتفريقه في خدم الخاصة وبيده درهم تلوح كتابته ~~وهو يتأمله، وكان كثيرا ما يحدثني، فقال: هل علمت من أول من سن هذه الكتابة ~~في الذهب والفضة؟ قلت: يا سيدي هذا عبد الملك بن مروان. قال: فما كان السبب ~~في ذلك؟ قلت: لا علم لي غير أنه أول من أحدث هذه الكتابة. # فقال: سأخبرك، كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانيا على دين ~~الملك ملك الروم، وكانت تطرز بالرومية وكان طرازها أبا وبنا وروحا قديشا. ~~فلم يزل كذلك صدر الإسلام كله يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك ~~فتنبه عليه وكان فطنا، فبينا هو ذات يوم إذ مر به قرطاس فنظر إلى طرازه ~~فأمر أن يترجم بالعربية ففعل ذلك فأنكره وقال: ما أغلظ هذا في أمر الدين ~~والإسلام أن يكون طراز القراطيس وهي تحمل في الأواني والثياب وهما تعملان ~~بمصر وغير ذلك مما يطرز من ستور وغيرها من عمل هذا البلد على سعته وكثرة ms368 ~~ماله وأهله تخرج منه هذه القراطيس فتدور في الآفاق والبلاد وقد طرزت بشرك ~~مثبت عليها! فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز بن مروان، وكان عامله بمصر، ~~بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك وأن ~~يأخذ صناع القراطيس بتطريزها بصورة التوحيد: وشهد الله أنه لا إله إلا هو. ~~وهذا طراز القراطيس خاصة إلى هذا الوقت لم ينقص ولم يزد ولم يتغير. وكتب ~~إلى عمال الآفاق جميعا بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز ~~الروم ومعاقبة من وجد عنده بعد هذا النهي شيء منها بالضرب الوجيع والحبس ~~الطويل. # PageV01P200 # فلما أثبتت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد وحمل إلى بلاد الروم منها ~~انتشر خبرها ووصل إلى ملكهم فترجم له ذلك الطراز فأنكره وغلظ عليه فاستشاط ~~غضبا وكتب إلى عبد الملك: إن عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم ~~ولم يزل يطرز بطراز الروم إلى أن أبطلته، فإن كان من تقدمك من الخلفاء قد ~~أصاب فقد أخطأت، وإن كنت قد أصبت فقد أخطأوا، فاختر من هاتين الخلتين ~~أيتهما شئت وأحببت، وقد بعثت إليك بهدية تشبه محلك وأحببت أن تجعل رد ذلك ~~الطراز إلى ما كان عليه في جميع ما كان يطرز من أصناف الأعلاق حاجة أشكرك ~~عليها وتأمر بقبض الهدية. وكانت عظيمة القدر. # فلما قرأ عبد الملك كتابه رد الرسول وأعلمه أن لا جواب له ولم يقبل ~~الهدية. فانصرف بها إلى صاحبه، فلما وافاه أضعف الهدية ورد الرسول إلى عبد ~~الملك وقال: إني ظننتك استقللت الهدية فلم تقبلها ولم تجبني عن كتابي ~~فأضعفت لك الهدية وأنا أرغب إليك في مثل ما رغبت فيه من رد هذا الطراز إلى ~~ما كان عليه أولا. فقرأ عبد الملك الكتاب ولم يجبه ورد الهدية. فكتب إليه ~~ملك الروم يقتضي أجوبة كتبه ويقول: إنك قد استخففت بجوابي وهديتي ولم ~~تسعفني بحاجتي فتوهمتك استقللت الهدية فأضعفتها فجريت على سبيلك الأول وقد ~~أضعفتها ثالثة، وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه أو ms369 ~~لآمرن بنقش الدنانير والدراهم، فإنك تعلم أنه لا ينقش شيء منها إلا ما ينقش ~~في بلادي. ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الإسلام. # فينقش عليها من شتم نبيك ما إذا قرأته ارفض جبينك له عرقا، فأحب أن تقبل ~~هديتي وترد الطراز إلى ما كان عليه وتجعل ذلك هدية بررتني بها ونبقى على ~~الحال بيني وبينك. # فلما قرأ عبد الملك الكتاب غلظ عليه وضاقت به الأرض وقال: احسبني أشأم ~~مولود ولد في الإسلام لأني جنيت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من شتم ~~هذا الكافر ما يبقى غابر الدهر ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب. إذ كانت ~~المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم. # وجمع أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأيا يعمل به. فقال له ~~روح بن زنباع: إنك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه. ~~فقال: ويحك من؟ قال: الباقر من أهل بيت النبي، صلى الله عليه وسلم! قال: ~~صدقت ولكنه أرتج علي الرأي فيه. # فكتب إلى عامله بالمدينة: أن أشخص إلي محمد بن علي بن الحسين مكرما ومتعه ~~بمائتي ألف درهم لجهازه وبثلاثمائة ألف درهم لنفقته وأزح علته في جهازه ~~وجهاز من يخرج معه من أصحابه واحتبس الرسول قبله إلى موافاته علي. فلما ~~وافى أخبره الخبر فقال له علي: لا يعظمن هذا عليك، فإنه ليس بشيء من جهتين: ~~إحداهما أن الله جل وعز لم يكن ليطلق ما يهددك به صاحب الروم في رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، والأخرى وجود الحيلة فيه. قال: وما هي؟ قال: تدعو في ~~هذه الساعة بصناع يضربون بين يديك سككا للدراهم والدنانير وتجعل النقش ~~عليها سورة التوحيد وذكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أحدهما في وجه ~~الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ~~ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة التي يضرب فيها تلك الدراهم والدنانير، ~~وتعمد إلى وزن ثلاثين درهما عددا من الثلاثة الأصناف التي العشرة منها عشرة ~~مثاقيل وعشرة منها وزن ms370 ستة مثاقيل وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل فتكون ~~أوزانها جميعا واحدا وعشرين مثقالا فتجزئها من الثلاثين فتصير العدة من ~~الجميع وزن سبعة مثاقيل، وتصب سنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا ~~نقصان فتضرب الدراهم على وزن عشرة والدنانير على وزن سبعة مثاقيل. # وكانت الدراهم في ذلك الوقت إنما هي الكسروية التي يقال لها اليوم ~~البغلية لأن رأس البغل ضربها لعمر بن الخطاب، رحمه الله، بسكة كسروية في ~~الإسلام مكتوب عليها صورة الملك وتحت الكرسي مكتوب بالفارسية: نوش خر، أي ~~كل هنئيا. وكان وزن الدرهم منها قبل الإسلام مثقالا. والدراهم التي كان وزن ~~العشرة منها وزن ستة مثاقيل والعشرة وزن خمسة مثاقيل هي السميرية الخفاف ~~والثقال، ونقشها نقش فارس. # PageV01P201 # ففعل عبد الملك ذلك. وأمره محمد بن علي بن الحسين أن يكتب السكك في جميع ~~بلدان الإسلام وأن يتقدم إلى الناس في التعامل بها وأن يتهددوا بقتل من ~~يتعامل بغير هذه السكك من الدراهم والدنانير وغيرها وأن تبطل وترد إلى موضع ~~العمل حتى تعاد على السكك الإسلامية. ففعل عبد الملك ذلك ورد رسول ملك ~~الروم إليه يعلمه بذلك ويقول: إن الله جل وعز مانعك مما قدرت أن تفعله، وقد ~~تقدمت إلى عمالي في أقطار الأرض بكذا وكذا وبإبطال السكك والطراز الرومية. # فقيل لملك الروم: افعل ما كنت تهددت به ملك العرب. فقال: إنما أردت أن ~~أغيظه بما كتبت به إليه لأني كنت قادرا عليه والمال وغيره برسوم الروم، ~~فأما الآن فلا أفعل لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام. وامتنع من الذي قال ~~وثبت ما أشار به محمد بن علي بن الحسين إلى اليوم. # قال: ثم رمى الدرهم إلى بعض الخدم وقال: علي بالخازن. فأقبل الخازن. ~~فقال: ائتني بالجبل. فأتاه بحق فيه خاتم ياقوت يتقد كأنه مصباح، فقال ~~للخادم: ضع لنا هذا على هذا الدرهم الذي معك وليكن على مقدار إصبعي. ثم ~~قال: أتعرف هذا الخاتم؟ فقلت: لا يا سيدي. # قال: إن ملك الترك كان غزا في زمن أبي مسلم سمرقند ms371 وعليها عامل له يقال ~~له صبيح بن إسماعيل ومع ملك الترك قائد لملك الصين كان جليلا عنده عظيم ~~القدر بمنزلة ولي العهد أمده به لصهر كان بينهما في سبعين ألف رجل، وإن ~~صبيح بن إسماعيل ظفر بعسكر التركي وهزمه وغنم عامة ما فيه وأسر رجاله كافة ~~وأسر القائد الصيني فيمن أسر فكان هذا الخاتم في إصبعه فأخذه منه وبعث به ~~إلى أبي مسلم فبعث به أبو مسلم إلى أبي العباس فأعجب به إعجابا شديدا ودعا ~~له من يبصره من الجوهريين والمقومين وسألهم عن قيمته فلم يحسنوا أن يقوموه، ~~فلم يزل مرفوعا في خزانته إلى أن مات، فلما أخرج ما كان في خزانته من ~~الجواهر والذخائر لتباع أخرج هذا الخاتم فنودي عليه وطلبه المنصور وعيسى ~~ابن موسى وتزايدا عليه فبلغ به المنصور أربعين ألف دينار وحرص على شرائه ~~واشتدت عليه مزايدة عيسى إياه فيه، فلما رأى عيسى أن ذلك قد أغاظه أمسك عن ~~مزايدته فاشتراه المنصور بأربعين أفل دينار، فما ظنك بشيء يشتريه المنصور ~~بهذه الجملة في ذلك الزمان وكان الدرهم أعز من الدينار في زماننا؟ فلم يزل ~~في خزانته إلى أن ولي المهدي فأخرجه ووهبه لي من دون أخي الهادي، وذلك أنه ~~جعل ولايه العهد له فأرضاني عن ولاية العهد بهذا الخاتم وبأشياء أخر، فلما ~~ولي الهادي طلب مني الخاتم فمنعته ولج فيه لجاجا شديدا وبعث إلي سعيد ابن ~~سلم الباهلي يدعوني فعلمت لماذا يدعوني فأخذت هذا الخاتم وأخرجته من إصبعي، ~~فلما توسطت الجسر قلت لسعيد: انظر إلى هذا الخاتم، ثم رميت به في دجلة. ~~ومضى سعيد إلى الدار فأخبر الهادي بما كان مني. فبعث بالغواصين إلى الموضع ~~الذي ألقيت فيه الخاتم فطلبوه أشد طلب فلم يقدروا عليه. فلما صار الأمر ~~إلينا بعثنا بالغواصين فأخرجوه فها هوذا عندي. ثم قال: يا علي أتعبناك بذكر ~~هذه الأموال وقد عوضناك لإصغائك إلينا بخمسين ألف درهم. فحملت بين يدي. # وحكي بعد ذلك أن هذا الخاتم صار إلى المأمون فوهبه لبوران ابنة الحسن بن ms372 ~~سهل ذي الرياستين ثم صار إلى المعتصم ثم إلى المعتز والمستعين فنقشه ~~المستعين ثم صار كل خليفة ينقش عليه اسمه حتى نقصت قيمته، وهو الآن عند ~~الخليفة المقتدر بالله. ### | مساوئ المسامرة # PageV01P202 # علي بن محمد بن سليمان الهاشمي قال: حدثني أبي عن سليمان بن عبد الله ~~قال: وفدت على أبي العباس، فكان يدعوني في كل ليلة مقامي عنده ويعقب بين ~~أصحابه وأهل الأقدار والأدب ومن يحضر بابه فيسامرونه، فإذا كانت الليلة ~~التي يحضره فيها سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة المخزومي وجدته أم هانيء ~~بنت أبي طالب، وكانت قد كبرت سنه وشهد عامة سلطان بني أمية، وكانت السن قد ~~أرعشته، فقال له: يا سعيد حدث عن بني أمية فإنك لا تزال تحدث عنهم وعن ~~جوهرهم. فقال: يا أمير المؤمنين حضرت الجمعة ونحن مع الوليد بن يزيد فمضينا ~~نريد الجمعة فإذا سرادق قد ضمت إليه سرادقات ومدت الحجر في جنبتيه ووضع ~~المنبر وأخذ الناس يتطوعون وينتظرون الفريضة، فلما زالت الشمس أذن المؤذن ~~فأذنه بالصلاة، فإذا أصوات الملاهي والمعازف والمزامير مقبلة من مضربه ~~نحونا، فما راعنا إلا به على هذا الذي يسميه اللعابون الداربازي عليه غلالة ~~وإزار مصبوغان بالزعفران لا يواريان عورته متشح بإزار وهو متخلق في فمه ~~مزمار حتى أشرف علينا وهو يقول: طوط طوط. وحكاه الشيخ برعشته، فضحك أبو ~~العباس حتى استلقى على فراشه وضرب مرافقه برجليه. ### | محاسن الإغضاء # حكي عن بهرام جور أنه خرج يوما لطلب الصيد فاحتمله فرسه حتى دفع إلى راع ~~تحت شجرة وهو حاقن. فقال للراعي: احفظ علي عنان فرسي حتى أريق ماء. فأخذ ~~بركابه حتى نزل وقبض على عنان الفرس، وكان عنانه ملبسا ذهبا، فوجد الراعي ~~غفلة من بهرام فأخرج من خفه سكينا فقطع به أطراف اللجام، فرفع بهرام رأسه ~~فنظر إليه فاستحيا ورمى بطرفه إلى الأرض وأطال الاستبراء ليأخذ الراعي ~~حاجته من اللجام، وجعل الراعي يفرح بإبطائه عنه حتى إذا ظن أنه قد فرغ وأخذ ~~من اللجام حاجته قال: يا راعي قدم إلي فرسي ms373 فإنه سقط في عيني شيء. وغمض ~~عينه لئلا يوهمه أنه يتفقد حلية اللجام، فقرب الراعي منه فرسه فركبه. فلما ~~ولى قال له الراعي: أيها العظيم كيف آخذ إلى موضع كذا وكذا مكانا بعيدا؟ ~~قال بهرام: وما سؤالك عن هذا الموضع؟ قال: هناك منزلي وما وطئت هذه الناحية ~~قط غير يومي هذا ولا أراني أعود إليه أبدا. فضحك بهرام وفطن لما أراده ~~الراعي وقال: أنا رجل مسافر وأنا أحق بأن لا أعود إلى ما ها هنا أبدا. ثم ~~مضى، فلما نزل عن فرسه قال لصاحب مراكبه: إن معاليق اللجام وهبتها لسائل مر ~~بي فلا تتهم أحدا. # وحكي عن أنوشروان أنه قعد في يوم نيروز أو مهرجان ووضعت الموائد ودخل ~~وجوه الناس وكسرى بحيث يراهم ولا يرونه. فلما فرغ الناس من الطعام وجاؤوا ~~بالشراب في آنية الفضة وجامات الذهب فشرب الأساورة وأهل الطبقة العالية في ~~آنية الذهب. فلما انصرف الناس ورفعت الموائد أخذ بعض أولئك القوم جام ذهب ~~فأخفاه في قبائه وأنوشروان يلحظه فصرف وجهه عنه، وافتقد صاحب الشراب الجام ~~فصاح: لا يخرجن أحد من الدار حتى يفتش! فقال كسرى: لا يعرضن لأحد. وانصرف ~~الناس. فقال صاحب الشرب: إنا قد فقدنا بعض آنية الذهب. فقال الملك: صدقت، ~~أخذها من لا يردها ورآها من لا يخبرك بها. # وحكي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قعد للناس في يوم عيد ووضعت الموائد ~~وبدر الدراهم للجوائز والصلات. فجاء رجل من الجماعة فقعد على كيس فيه ~~دنانير والناس يأكلون. فصاح به الخدم: تنح فليس لك هذا الموضع! فسمع معاوية ~~وقال: دعوا الرجل يقعد حيث أحب. وأخذ الكيس وقام فلم يجسر أحد أن يدنو منه. ~~فقال الخدم: أصلح الله الأمير! إنه قد نقص من المال كيس فيه دنانير! فقال: ~~أنا صاحبه وهو محسوب علي لكم. # وأحسن من هذا ما فعله جعفر بن سليمان بن علي وقد عثر برجل أخذ درة رائعة ~~ثمينة من بين يديه فطلب بعد أيام فلم يوجد فباعها الرجل ببغداد، وقد كانت ~~وصفت لأصحاب ms374 الجوهر فأخذ وحمل إلى جعفر، فلما رآه وبصر به استحيا منه وقال: ~~ألم تكن طلبت هذه الدرة مني فوهبتها؟ قال: نعم. فقال: لا تعرضوا له. فباعها ~~الرجل بألوف الدنانير. ### | مساوئ الإغضاء # قال: بعث زياد إلى رجال من بني تميم وجمع العرفاء فقال: أخبروني بصلحاء ~~كل ناحية. فأخبروه. فاختار منهم رجالا فضمنهم الطريق وحد لكل واحد منهم ~~حدا، فكان يقول: لو ضاع بيني وبين خراسان شيء لعلمت من أخذه. وكان يدفن ~~النباش حيا وينزع أضلاع اللصوص. # PageV01P203 # قيل: وقال عبد الملك للحجاج: كيف تسير في الناس؟ قال: أنظر إلى عجوز ~~أدركت زيادا فأسألها عن سيرته ثم أعمل بها. قال عوف الأعرابي: فأخذ والله ~~بسيء أخلاقه وترك أحسنها. # قال: واختصم إلى زياد رجلان فقال أحدهما: أصلح الله الأمير! هذا يدل علي ~~بخاصة زعم أنها له منك. فقال: صدق وسأخبرك، إن كان الحق لك عليه قضيت عليه ~~وقضيت عنه، وإن كان الحق له عليك أخذتك به أخذا عنيفا. ### | محاسن التأني # قال بعض الحكماء: التؤدة يمن وفي اليمن النجح. وأنشد في ذلك القطامي: # قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل # وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: من حرم الرفق فقد حرم الخير. # ولأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: # اصبر على مضض الإدلاج بالسحر ... وفي الرواح على الحاجات والبكر # لا تضجرن ولا يعجزك مطلبها ... فالنجح يتلف بين العجز والضجر # إني وجدت، وفي الأيام تجربة، ... للصبر عاقبة محمودة الأثر # وقل من جد في أمر يحاوله ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر # وقال النبي، صلى الله عليه وسلم، لعائشة، رضي الله عنها: عليك بالرفق فإن ~~الرفق لا يخالط شيئا إلا زانه ولا يفارق شيئا إلا شانه، وخلق الله جل وعز ~~السموات والأرض في ستة أيام ولو شاء جل وعز قال لها كوني فكانت، وفي المثل: ~~رب عجلة تهب ريثا، يقول: رب عجلة يراد بها صلاح الأمر فتفسده حتى لا يصلح ~~إلا بعد مدة طويلة، فكأنها كانت ريثا. وهذا قريب من قول بزرجمهر: إن ms375 شرا من ~~التواني الاجتهاد في غير حينه. وأنشدنا ابن حمزة: # الخرق شؤم والأناة سعادة ... فاستأن حلمك في أمورك تسلم # وكان يقال: إن من الحزم الأناة والتثبيت فإن العجلة لا تزال تورث أهلها ~~حسرة وندامة. وأنشد: # الرفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا ### | مساوئ العجلة والحدة # قيل: سأل المأمون أحمد بن أبي خالد عن أخلاق أبي عباد ثابت الكاتب فقال: ~~هو يا أمير المؤمنين أحد من سيف سعيد بن العاص وأنزق من مجنون البكرات، ~~قال: ما أتبين ذلك فيه. قال: لموضع الخلافة وعلى ذاك فإن حركته تحرك. فأراد ~~المأمون أن يمتحنه فدخل عليه فعرض ما معه من الحوائج فأمره أن يوقع فيها ثم ~~خرج. فلما صار بالباب قال: ردوه. فرجع. فقال: افعل في الأهوازيين ما قلت لك ~~ولا تعرض فيه رقعة. قال: نعم. ثم خرج. فلما صار بالباب قال: ردوه. فأتاه ~~الرسول فقال: ارجع. فرجع. فقال: قل لعمرو بن مسعدة أخر أمر أبي دلف حتى ~~آمرك بما أريد. ثم خرج. فلما صار بالباب قال: ردوه. فأتاه الرسول فقال: ~~ارجع. فتناول الدواة وقال: الساعة والله أضرب بها وجهك القبيح يا ابن ~~الخبيثة! قال الغلام: ما ذنبي؟ قال: ينبغي أن تقول قد ذهب إلى النار. ورجع ~~فقال: ارفع في غد فيما تعرض قصة الهاشميين. قال: نعم. ثم قال: والله لا ~~أرجع بعدها! فضحك المأمون حتى أمسك بطنه وقال: انطلق راشدا. # قال: وقعد المأمون ذات يوم وأبو عباد يكتب بين يديه إذ دخلت شعرة بين سني ~~القلم فأهوى لإخراجها بأسنانه ثم كتب فإذا هي على حالها، فأهوى إليها ثانية ~~فقطع طرفها وبقي أصلها ثم كتب فإذا هي قد أعمت حروفه، فأخذ القلم فاتكى ~~عليه بأسنانه وكسره وقال: لعنك الله ولعن من يراك ولعن من أنت له! فضحك ~~المأمون وقال: بحق قيل فيك ما قيل. ### | محاسن المكافأة # قال بعض الحكماء: لا يكونن سلاحك على عدوك أن تكثر سبه وشتمه فإنك إنما ~~تخبر عن خبره فيك وعجزك عنه، ولكن عامله بالكظم وساتره بالحيلة، فإن ms376 أقدمت ~~أقدمت مع الفرصة وإن غلبت على الظفر لم تغلب على ستر العجز. # وقيل: الأدب الصبر على كظم الغيظ حتى تملك الفرصة. # PageV01P204 # وقال أبو عمرو بن العلاء: لما قدم عبد الملك المدينة خطب فقال: يا أهل ~~المدينة إنا والله ما نحبكم ما ذكرنا ما فعلتم بنا ولا تحبونا ما ذكرتم ما ~~فعلنا بكم! وإنما مثلنا ومثلكم كمثل حية كانت في جحر إلى جنبها خباء رجل ~~فوثبت عليه فلسعته فقتلته فجاء أخو المقتول يطلب بثأر فقالت له الحية: لا ~~تقتلني حتى أؤدي إليك دية أخيك. ففارقها على ذلك وعاهدها فكانت تؤدي إليه ~~في كل يومين مالا، فلما استوفى أكثر الدية قال: والله لو قتلتها كنت قد ~~أدركت ثأري وأخذت الدية. فعمل فأسا وحددها، فلما خرجت إليه أهوى إليها ~~بالفأس فأخطأها ورجعت إلى جحرها فأسقط في يده. فقالت: والله ما الثأر أدركت ~~ولا الدية استوفيت! فقال: تعالي أعاقدك أن لا ينداك مني مكروه حتى أستوفي ~~منك الدية. فقالت: أما ما رأيت قبر أخيك تجاهك وذكرت أنا الضربة فلن أثق بك ~~ولن تثق بي. ثم أنشده: # ألا هل لنا مولى يحب صلاحنا ... فيعذرنا من مرة المتناصره # وأنشد في مثله: # ظلمت الناس فاعترفوا بظلمي ... فتبت فأزمعوا أن يظلموني # فلست بصابر إلا قليلا ... فإن لم ينتهوا راجعت ديني # ولآخر: # إياك من ظلم الكريم فإنه ... مر مذاقته كطعم العلقم # إن الكريم إذا رآك ظلمته ... ذكر الظلامة بعد نوم النوم # فجفا الفراش وبات يطلب ثأره ... أنفا وإن أغضى ولم يتكلم ### | محاسن الشدة # ذكروا أن جندب بن العنبر كان شديد البأس وأن عوانة بن زيد عيره يوما ~~فقال: # هل يسود الفتى إذا قبح الوج ... ه وأمسى تراه غير عتيد # وإذا ما تكلم القوم يوما ... في الندى قال قولا غير سديد # وكان جندب فيه دمامة مع إمساك غير أنه كان ليثا في الحرب، فأجابه: # ليس زين الفتى الجمال ولكن ... زينه الضرب بالحسام التليد # وكان جندب عائفا فقال: والله لا تموت حتى تنصر عليك ظعينة. وإن عوانة خرج ~~يوما يتصيد ms377 على فرسه ومعه قوسه فسار غير قليل إذ عرضت له جارية قد حملت ~~وطبا من لبن فهم بها فدنا فقال: تمكنيني طائعة أو تقهرين؟ فقالت: لا ~~إحداهما. فنزل إليها فأخذت ساعديه بإحدى يديها فما زالت تعصرهما حتى ~~تركتهما وما يستطيع أن يحركهما ثم كتفته بوتر قوسه وشدت حبل الفرس في جيده ~~ثم قالت: خذ بنا نحو محلة جندب. فمر يقود الفرس في جيده حبل. فلما قارب ~~الحي بصر بجندب مقبلا فناداه: أيها المرؤ الكريم انصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما! فذهب مثلا، فأطلقه. # ومنهم كليب بن شؤبوب الأزدي كان أخبث أهل زمانه في قطع الطريق وحده، وكان ~~كثير الغارة على طيء، فدعا حارثة بن لأم الطائي رجلا من قومه يقال له عبرم، ~~وكان شجاعا، فقال له: أما تستطيع أن تكفينا هذا؟ قال: نعم. فأرسل العيون ~~حتى علم مكانه فانطلق إليه حتى وجده نائما في ظل أراكة وفرسه مشدود عنده، ~~فنزل عبرم ورجل معه فمشيا حتى أخذ كل واحد منهما بإحدى يديه، فانتبه ونزع ~~يده اليمنى فقبض على حلق صاحب اليسرى وهو عبرم فما زال يخنقه حتى قتله. وقد ~~كان أعد قوما فلحقوه وهم عشرة فوجدوه قتيلا، وأخذوا كليبا فكتفوه وساقوه، ~~وأنشأ خوذة بن عبرم يرثي أباه ويقول: # إلى الله أشكو أن أؤوب وقد ثوى ... قتيلا وأودى سيد القوم عبرم # فمات ضياعا هكذا بيد امريء ... لئيم فلو أدمي لما كنت أثلم # ولكن ثوى لم يكلم السيف جيده ... ولا ناله رمح ولم يرق الدم # فأنت ابن شؤبوب فيا لهفتا له ... وما جز من أظفاره منك أكرم # سأسقيك قبل الموت كأسا مزاجها ... ذعاف من السم النقيع وعلقم # فأجابه كليب: # أخوذة إن تفخر وتزعم بأنني ... لئيم ويأبى لي قتالي عبرم # فأقسم بالبيت المحرم من منى ... وبر يميني صادقا حين أقسم # لضب بقفر من قفار وضبعة ... خموع ويربوع الفلا منك أكرم # ألا عجبا من فخر هذا وأمه ... سوادية والجد علج مكدم # أتوعدني بالمنكرات وإنني ... صبور على ما ناب جلد مصمم # PageV01P205 # واعلم أني ميت لا محالة ... فلا ms378 جزعا إن كنت ذلك تعلم # فأراد خوذة قتله فمنعه أصحابه حتى يذهبوا به إلى حارثة. فلما انتهوا إليه ~~قال له حارثة: يا كليب أنت أسير. فقال: من ير يوما ير به! فذهبت مثلا. ~~فدفعه إلى خوذة فخنقه حتى مات. # ومنهم هدبة بن خشرم قتل ابن عم له يسمى زيادة بن زيد فحبس ليقاد به، فلم ~~يزل محبوسا حتى شب ابن المقتول فدخل عليه السجن وهو يلاعب صاحبا له ~~بالشطرنج فقيل له: قم إلى القتل! فقال: حتى أفرغ من لعبتي. فلما فرغ خرج ~~وجعل يهرول. فقيل له: ما بالك تأتي الموت هكذا؟ فقال: لا آتيه إلا شدا. ~~فلقيه عبد الرحمن بن حسان فقال: أنشدني. فأنشده: # ألا عللاني قبل نوح النوائح ... وقبل اطلاع النفس بين الجوانح # وقبل غد يا لهف نفسي على غد ... إذا راح أصحابي ولست برائح # إذا راح أصحابي وخلفت ثاويا ... بداوية بين المتان الضحاضح # قال: ثم أقعد ليقاد فنظر إلى أبويه فقال: # أبلياني اليوم صبرا منكما ... إن حزنا منكما باد لشر # لا أرى ذا الموت يبقي أحدا ... إن بعد الموت دار المستقر # ثم نظر إلى امرأته فقال لها: # لا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... أغم القفا والوجه ليس بأنزعا # وكوني حبيسا أو لأروع ماجد ... إذا ضن أغساس الرجال تبرعا # فمالت زوجته إلى جزار فأخذت مديته فقطعت بها أنفها وجاءته مجدوعة فقالت: ~~أتخاف أن يكون بعد هذا نكاح؟ فرسف في قيوده وقال: الآن طاب الموت. فلما قدم ~~ليقاد بابن عمه وأخذ ابن زيادة السيف فضوعفت له الدية حتى بلغت مائة ألف ~~درهم، فخافت أم الغلام أن يقبل ابنها الدية ولا يقتله فقالت: أعطي الله ~~عهدا لئن لم تقتله لأتزوجنه فيكون قد قتل أباك ونكح أمك! فقتله. # قال: ولما واقع طلحة والزبير عثمان بن حنيف عامل علي بن أبي طالب، رضي ~~الله عنه، على البصرة خرج حكيم بن جبلة العبدي فشد عليه رجل من أصحاب طلحة ~~فقطع رجله، فزحف إلى رجله حتى أخذها ورمى بها قاطعها فقتله، ويقول: يا رجل ~~لا ms379 تراعي، فإن معي ذراعي. ثم حبا إلى المقتول فاتكأ عليه. فقيل له: يا حكيم ~~من ضربك؟ فقال: وسادتي. # وعن معاذ بن الجموح قال: سمعت الناس يوم بدر يقولون: أبو الحكم لا يخلصن ~~إليه. يريدون أبا جهل. فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكنني ~~حملت عليه فضربته ضربة أطننت قدمه بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت ~~إلا بالنواة تطيح من تحت مرضحة النوى. قال: وضربني عكرمة بن أبي جهل على ~~عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي فأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة ~~يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها حتى ~~طرحتها. # قيل: ولما حمل رأس محمد بن عبد الله بن الحسن إلى المنصور من مدينة ~~الرسول، عليه وعلى آله السلام، قال لمطير بن عبد الله: أما تشهد أن محمدا ~~بايعني؟ قال: أشهد بالله لقد أخبرتني أن محمدا خير بني هاشم وأنك بايعت له. ~~قال: يا ابن الزانية أنا قلت؟ قال: الزانية ولدتك. قال: يا ابن الزانية ~~الفاعلة أتدري ما تقول؟ قال: التي تعني خير من أمك. فأمر به فوتد في عينيه ~~فما نطق. # قيل: وقدم أعرابي على عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يستحمله فقال: خذ ~~بعيرا من إبل الصدقة. فنظر إلى بعير منها فتعلق بذنبه ونازعه البعير فاقتلع ~~ذنبه. فقال عمر: هل رأيت أشد منك؟ قال: نعم، خرجت بامرأة من أهلي أريد بها ~~زوجها فنزلت منزلا أهله خلوف، فدنوت من الحوض فإذا رجل قد أقبل ومعه ذود له ~~فصرف ذوده إلى الحوض وأقبل نحو المرأة ولا أدري ما يريد، فلما قرب منها ~~ساورها فنادتني فلما انتهيت إليه كان قد خالطها فجئت أدفعه فأخذ رأسي فوضعه ~~بين ذراعه وجنبه فما استطعت أن أتحرك حتى قضى ما أراد، ثم قام فاضطجع ~~وقالت: نعم الفحل هذا لو كانت لنا منه سخلة. فأمهلت حتى امتلأ نوما ثم قمت ~~إليه فضربت ساقه بالسيف فأطننتها، فوثب فهربت وغلبه الدم فرماني بساقه ~~فأخطأني وأصاب بعيري فقتله. فقال عمر: ms380 فما فعلت المرأة؟ فقال: هذا حديث ~~الرجل. فكرر عليه مرارا كل هذا يقول هذا حديث الرجل. # PageV01P206 # عمر بن شبة النميري أبو زيد قال: كان علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن ~~علي بن أبي طالب، رضوان الله عليهم أجمعين، من آل الأفطس وكان يلقب ~~بالجزري، فتزوج رقية بنت عمرو العثمانية وكانت تحت المهدي، فبلغ ذلك الهادي ~~فأرسل إليه فحمله وقال: أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين! فقال: ما ~~حرم الله عز وجل على خلق إلا نساء جدي، صلى الله عليه وسلم، فأما غيرهن فلا ~~ولا كرامة. فشجه بمخصرة كانت في يده وأمر بضربه خمس مائة سوط وأراد على أن ~~يطلقها فلم يفعل، فحمل من بين يديه في نطع فألقي ناحية، وكان في يده خاتم ~~سري فرآه بعض الخدم وقد غشي عليه فأهوى إلى الخاتم، فقبض على يد الخادم ~~فدقها، فصاح: الموت دق يدي! فسمعه الهادي فدعاه فرأى ما به فاستشاط فقال: ~~تفعل هذا بخادمي مع استخفافك بي وقولك لي؟ قال: قل له وسله ومره أن يضع يده ~~مرة على رأسك ليصدقن. ففعل ذلك موسى فصدقه الخادم. فقال: أحسن والله! أنا ~~أشهد أنه ابن عمي، لو لم يفعل ذلك لانتفيت منه. وأمر بإطلاقه ووصله بمائة ~~ألف درهم. # قيل: وخطب علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقال: تقول قريش جزع ابن أبي ~~طالب من الموت، والله لعلي آنس بالموت من الطفل بثدي أمه. قيل: ولما كان في ~~حرب صفين والناس في أشد ما يكون من الحرب قال علي: رضوان الله عليه: ألا ~~ماء فأشتريه؟ فأتاه شاب من بني هاشم بشربة من عسل، فتناوله وقال: يا فتى ~~عسلك هذا طائفي. قال: سبحان الله! في هذا الوقت تعرف الطائفي من غيره! ~~فقال: إنه لم يملأ صدر ابن عمك شيء قط. # وحكي عنه، رضوان الله عليه، أنه قال: ما أبالي وقعت في الموت أو وقع ~~الموت علي. # حدثنا الوضاحي عن معمر بن وهيب قال: قال عبد الملك بن مروان عند موته ~~للوليد وهو ms381 يبكي عند رأسه: ما هذا البكاء وحنين النساء ثكلتك أمك! ألا ~~تتأهب للخلافة بشدة سطوتك وقلة رحمتك لناقض بيعتك وتجريد سيفك للمبدي ذات ~~طويته؟ فقال له قبيصة بن ذؤيب: ليس هذا أمر الله جل وعز. فقال: ما كنت لآمر ~~بغيره. ثم قال: # بنو الحرب لا نعيا بشيء نريده ... ولسنا على ما أحدث الدهر نجزع # جلاد على ريب الزمان فلن ترى ... على هالك عينا لنا الدهر تدمع # وأنشدنا غيره في مثله: # وإنا لقوم ما تفيض دموعنا ... على هالك منا وإن قصم الظهرا # ولسنا كمن يبكي أخاه بعبرة ... فيعصرها من جفن مقلته عصرا # ولكننا نشفي الفؤاد بغارة ... تلهب من قطري جوانبه جمرا # ولآخر في مثله: # سقيا ورعيا وإيمانا ومغفرة ... للباكيات علينا يوم نرتحل # يبكي علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل # ولآخر في نحوه: # إذا استلب الخوف الرجال قلوبها ... صبرنا على الموت النفوس الغواليا # حذار الأحاديث التي غب يومها ... عقدن بأعناق الرجال المخازيا # ولآخر في مثله: # مقتلون وقتالون ميتتهم ... كما تقتل أسد الغاب في الأجم # والقتل عادتهم والقتل مكرمة ... ولا يموتون من داء ولا هرم # وبالوجوه جراح ما تشينهم ... وما بهم طعنة في ظهر منهزم # ولآخر في مثله: # سدكت أنامله بقائم سيفه ... وبنشر فائدة وذروة منبر # ما إن يزال إذا الرماح شجرنه ... متسربلا سربال طيب العنصر # يلقى الرماح بصدره وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر # أوما إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحر # وللمأمون: # نحن الذين إذا تخمط عصبة ... من معشر كنا لها أنكالا # وترى القروم مخافة لقرومنا ... قبل اللقاء تقطر الأبوالا # نرد المنية لا نخاف ورودها ... تحت العجاجة والعيون تلالا # نعطي الجزيل فلا نمن عطاءنا ... قبل السؤال ونحمل الأثقالا # وإذا البلاد على العباد تزلزلت ... كنا لزلزلة البلاد جبالا ### | مساوئ الجبن # PageV01P207 # قيل في المثل: هو أجبن من هجرس، وهو القرد، وذلك أنه لا ينام إلا في يده ~~حجر مخافة أن يأكله الذئب. وحدثنا رجل بمكة قال: إذا كان الليل رأيت القرود ~~تجتمع في موضع واحد ثم تبيت مستطيلة ms382 واحدا في إثر واحد في يد كل واحد منها ~~حجر لئلا ترقد فيأتيها الذئب فيأكلها، فإن نام واحد وسقط الحجر من يده فزعت ~~فتحول الآخر فصار قدامها فلا تزال كذلك طول الليل فتصبح وقد صارت من الموضع ~~الذي باتت فيه على ثلاثة أميال وأقل وأكثر جبنا. # وقيل أيضا: هو أجبن من صافر، وهو طائر يتعلق برجليه وينكس رأسه ثم يصفر ~~ليلته كلها خوفا من أن ينام فيؤخذ. ويقال أيضا: إن الصافر هو الذي يصفر ~~لريبة. وذكروا أن رجلا كان يأتي امرأة وهي جالسة مع بنيها وزوجها فيصفر لها ~~فتقوم وتخرج عجزها من وراء الباب وهي تحدث ولدها فتقضي حاجتها وحاجته ~~وينصرف. فعلم بذلك بعض بنيها فغاب عنها يومها ثم جاء في ذلك الوقت وصفر ~~ومعه مسمار محمى، فلما جاءت لعادتها كواها به، فجاء الرجل بعد ذلك فصفر ~~فقالت: قد قلينا صفيركم، فضربه الكميت مثلا في قوله: # أرجو لكم أن تكونوا في مودتكم ... كلبا كورهاء تقلي كل صفار # لما أجابت صفيرا كان يألفها ... من قابس شيط الوجعاء بالنار # وقيل أيضا: هو أجبن من المنزوف ضرطا، وكان من جبنه أن نسوة من العرب لم ~~يكن لهن رجل فتزوجت واحدة منهن برجل كان ينام إلى الضحى فإذا أتينه بصبوحه ~~قلن له: قم فاصطبح، فيقول: لو لعادية تنبهنني، فقلن: هذه نواصي الخيل. فجعل ~~يقول: الخيل الخيل! ويضرط حتى مات، فضرب به المثل. # قيل: وخرج رهم بن خشرم الهلالي ومعه أهله وماله يريد النقلة من بلد إلى ~~بلد، فلقيه قوم من بني تغلب فدهش ورعب رعبا شديدا فقال: يا بني تغلب شأنكم ~~المال وخلوا عن الظعينة. فقالوا: رضينا إن ألقيت الرمح. فرجع إليه عقله ~~وقال: أومعي رمح! وحمل عليهم فقتل منهم رجلا ثم صرع آخر وأنشأ يقول: # ردا على آخرها الأتاليا ... إن لها بالمشرفي حاذيا # ذكرتني الطعن وكنت ناسيا # فانهزم الباقون ونجا هو بالمال والظعينة ومر نحو وطنه سالما. # قيل: وكان في بني ليث رجل جبان فخرج رهطه وبلغ ذلك ناسا من بني سليم ~~كانوا ms383 أعداءهم فلم يشعر الرجل إلا بخيل قد أحاطت بهم فذهب يفر فلم يجد مفرا ~~ووجدهم قد أخذوا عليه كل وجه، فلما رأى ذلك جلس ثم أبرز كنانته وأخذ قوسه ~~وقال: # ما علتي وأنا جلد عابل ... والقوس من نبع لها بلابل # يرن فيها وتر عنابل ... إن لا أقاتلكم فأمي هابل # أكل يوم أنا عنكم ناكل ... لا أطعن القوم ولا أقاتل # الموت حق والحياة باطل # فقاتلهم فانهزموا فصار بعد ذلك أشجع قومه. # قيل: وخرج أبو دلامة مع روح بن حاتم إلى بعض الحروب، فلما التقى الجمعان ~~قال أبو دلامة لروح: أصلح الله الأمير! لو أن تحتي فرسا من خيلك وفي وسطي ~~ألف دينار لأشجيت أعداءك نجدة وإقداما. فقال روح: ادفعوا إليه ذلك. فدفع ~~إليه فلما أخذه أنشأ يقول: # إني أعوذ بروح أن يقدمني ... إلى القتال فيشقى بي بنو أسد # إن المهلب حب الموت أورثكم ... ولم أرث نجدة في الموت من أحد # فأجابه روح: # هون عليك فلن أريدك في الوغى ... لتطاعن وتنازل وضراب # كن آخرا في القوم تنظر واقفا ... فإن انهزمت مشيت في الهراب # فأجابه أبو دلامة: # هذي السيوف رأيتها مشهورة ... فتركتها ومضيت في الهراب # ماذا تقول لما يجيء ولا يرى ... من بادرات الموت من نشاب # فضحك روح فأعفاه وانصرف. # PageV01P208 # وحدثني أبو مالك عبد الله بن محمد قال: لما توفي أبو العباس السفاح دخل ~~أبو دلامة على أبي جعفر المنصور والناس عنده يعزونه فقال: يا أمير المؤمنين ~~كان أبو العباس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوبا وهو مريض فلم أقبضها. ~~فقال المنصور للخازن: ادفعها إليه وسيره إلى هذا الطاغية، يعني عبد الله بن ~~علي. فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن أخرج معهم فإني ~~والله مشؤوم! فقال: لعله يغلب شؤمك فاخرج مع العسكر. فقال: والله ما أحب لك ~~يا أمير المؤمنين أن تجرب ذلك فإني لا أدري على أي الفريقين يكون. # فقال أبو جعفر: دعني من هذا ما نريد غير المسير. فقال: يا أمير المؤمنين ~~والله لأصدقنك، إني شهدت تسعة ms384 عساكر كلها هزمت فأنا أعيذك بالله أن تكون ~~العاشر. فاستفرغ أبو جعفر ضحكا وأمره أن يتخلف. # قال: وقيل لجبان: انهزمت فغضب عليك الأمير. فقال: يغضب علي الأمير وأنا ~~حي أحب إلي من يرضى عني وأنا ميت. # قال: وقيل لبعض المجان: ما لك لا تغزو؟ فقال: والله إني لأبغض الموت على ~~فراشي فكيف أمر إليه ركضا! قال: وقال الحجاج لحميد الأرقط وقد أنشده قصيدة ~~يصف فيها الحرب: يا حميد هل قاتلت قط؟ قال: لا أيها الأمير إلا في النوم. ~~قال: وكيف كان وقعتك؟ قال: انتبهت وأنا منهزم. # وقال عمرو بن بحر الجاحظ: سمعت بلالا يحكي عن أصحابه أن رئيسهم كان يسمى ~~ابريقياء وأنهم خرجوا في سفر فإذا بعشرة نفر من اللصوص قد تعرضوا لهم، قال: ~~وكان أشد أصحابنا والمنظور إليه منا فتى يقال له دومني بطل شديد لا يهوله ~~شيء مطاعن مسابق، فحمل على رجل منهم فعطف عليه الرجل فقطع أنف دومني ونزع ~~خصييه وكسر أسنانه فرجع منهزما، فغاظني ذلك فوثبت وأخذت كسائي وطويته ~~بطاقين ولففته على يدي وأخذت عصاي وأخذ آخر ملحفة والدته فلفها على ذراعيه ~~وأخذ آخر طبقا كبيرا من أطباق الفاكهة فستر به وجهه وخرجنا وتقدم رئيسنا ~~ابريقياء وقد لف على يده قطيفة وهو يقول: # إن تنكروني فأنا ابن كلب # فقال له بعض اللصوص: ما ننكر ذلك عليك. فشد عليه ابريقياء بأسفل دن كان ~~معه فلم يحك فيه، فأخذ اللص أسفل الدن فرمى به ابريقياء فهشم وجهه وكسر ~~أسنانه، وتنحى ابريقياء وأقبل منا آخر يسمى لقوة وأنشأ يقول: # إن عصاي فاعلموا مقيره ... أضرب بها وجه اللصوص الكفره # ثم شد على واحد منهم فضرب مفرق رأسه فلم يحك فيه واستلب العصا منه وطلاه ~~بها طليا فإذا هو قد خلع منكبه وكسر أضلاعه وبقي لا يحلي ولا يمر. ثم أقبل ~~فتى من أصحابنا وفي يده مجرفة وهو يقول: # أنا ابن الكهل في يدي مجرفه ... والله لو كان بكفي مغرفه # وهي لعمري قد كستني ملحفه ... والدتي كريمة منظفه # قتلتكم فكيف عندي ms385 مجرفه # فضرب بالمجرفة واحدا من اللصوص فأخطأه وعطف عليه اللص فأخذها من يده ثم ~~ضربه بها ضربة فدار سبع مرات وسقط وقد غشي عليه. فلما رأيت ذلك عدت إلى ~~الطعان وأنا أقول: # أنا فلان سيد الفتيان ... أنا ابن حمران فتى الميدان # أحلف بالله وبالفرقان ... لأضربن القوم بالمميان # ضرب غلام ماجد كشحان ... والعجز منسوب إلى الجبان # فأشد على واحد منهم فأضرب كفيه، فوثب قبل أن تصل إليه الضربة فضربني فهشم ~~أنفي وكسر أسناني وخررت مغشيا علي ثم فتحت عيني فلم أر منهم أحدا ولا أدري ~~كيف أخذوا، فالحمد لله على الظفر. ### | ما قيل في ذلك من الشعر # ما أحسن الضربة في وجهه ... إن لم تكن رمحة برذون # ولآخر: # ويحسبها الشجاع قراع سيف ... ويحسبها الجبان قراع ثور # ولآخر: جبان اللقاء وعند الخوا - ن أمضى وأشجع من رستم # فلو كنت تفعل ذا في الحروب ... أغرت على الترك والديلم # كاتب الحسن بن زيد: # ظلت تشجعني ضلا بتضليل ... وللشجاعة خطب غير مجهول # هاتي شجاعا بغير القتل مصرعه ... أوجدك ألف جبان غير مقتول # الحرب توسع من يصلى بها حربا ... يتم البنين وإثكال المثاكيل # واسم الوغى اشتق من غوغاء تبصرها ... يغدون للموت كالطير الأبابيل # PageV01P209 # والله لو أن جبريلا تكفل لي ... بالنصر ما خاطرت نفسي بجبريل # هل غير أن يعذلوني أنني فشل ... فكل هذا نعم فاغروا بتعذيلي # إن أعتذر من فراري في الوغى أبدا ... فكان ذلك عذرا غير مقبول # اسمع أخبرك عن بأسي بذي سلم ... خلاف بأس المساعير البهاليل # لما بدت منهم نحوي عشوزنة ... تشرع الموت في عرضي وفي طولي # فقلت: ويحكم لا تذهبوا جلدي ... رمحي كسير وسيفي غير مسلول # لما اتقيتهم طورا بذات يد ... وانصعت أطوي الفر ميلا إلى ميل # الله خلصني منهم وفلسفتي ... حتى تخلصت مخضوب السراويل # ولآخر: # أضحت تشجعني هند وقد علمت ... أن الشجاعة مقرون بها العطب # لا والذي حجت الأنصار كعبته ... ما يشتهي الموت عندي من له أرب # للحرب قوم أضل الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى حوماتها وثبوا # ولست منهم ولا أهوى فعالهم ... لا ms386 القتل يعجبني منهم ولا السلب # قطرب النحوي: # ما لي وما لك قد كلفتني شططا ... حمل السلاح وقول الدارعين قف # أمن رجال المنايا خلتني رجلا ... يمسي ويصبح مشتاقا إلى التلف # تمشي المنون إلى غيري فأكرهها ... فكيف أمشي إليها عاري الكتف # هل خلت أن سواد الليل غيرني ... وأن قلبي في جنبي أبي دلف ### | محاسن النظر في المظالم # قال: دخل رجل في جماعة من الناس على سليمان بن عبد الملك وهو جالس للعامة ~~فقال: يا سليمان أذكرك يوم الأذان. قال: فارتاع لما دعاه باسمه وقال: ويحك ~~وما يوم الأذان؟ قال: قول الله جل ذكره: " فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله ~~على الظالمين ". فبكى سليمان وقال له: ما حاجتك؟ فقال: أنا جار في ضيعتك ~~الفلانية وقد ظلمني وكيلك فأضر ذلك بي وبعيالي. قال: قد وهبت لك الضيعة. ~~وكتب إلى وكيله بتسليمها إليه. # قيل: وقدم رجل من حلوان مصر على عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، فقال: يا ~~أمير المؤمنين إن والدك ولي بلادنا فكتب إلى عبد الملك يخبره أن حلوان ~~صافية وهي أرض خراج فأقطعها إياه فورثتها أنت وإخوتك فاتق الله ولا تظلمنا ~~كما ظلمنا أبوك فإنه كان شيخا ضعيف الخرج وأنت رجل مخرج. # فقال عمر: إن كان أبي كما ذكرت فهو أبي لا أبوك، نازعني منازعة جميلة ولا ~~تشتم عرضي فإن لي فيها شركاء إخوة وأخوات لا يرضون أن أقضي فيها بغير قضاء ~~قاض، أقوم معك إلى القاضي فإن قضى لي اصطبرت وإن قضى لك سلمت. قال: إن قمت ~~معي إلى القاضي فقد أنصفتني. فقاما جميعا إلى القاضي فقعدا بين يديه، فتكلم ~~عمر بحجته وتكلم الرجل، فقضى القاضي للرجل. فقال عمر: إن عبد العزيز قد ~~أنفق عليها ألف ألف درهم. فقال القاضي: قد أكلتم من غلتها بقدر ذلك. فقال ~~عمر: وهل القضاء إلا هذا؟ لو قضيت لي وما وليت لي عملا أبدا. فخرج إلى ~~الرجل من حقه. # قال: ودخل نفر من القراء وفيهم رجل ذكر ظلامة له على عمر فقال: يا أمير ~~المؤمنين ms387 اذكر مقامي هذا فإنه مقام لا يشغل الله جل وعز عنه كثرة من تخاصم ~~إليه من الخلائق يوم تلقاه بلا ثقة من العمل ولا براءة من الذنوب. # فقال عمر: ويحك اردد كلامك! فرده عليه، فجعل يبكي وينتحب حتى إذا أفاق ~~قال: ما حاجتك؟ قال: عاملك على أذربيجان ظلمني وأخذ من مالي عشرة آلاف ~~درهم، فكتب برد ذلك عليه وبعزل عامله وقال: انظروا هل اخلولق له من ثوب أو ~~تقطع له من حذاء. فحسب ذلك فبلغ عشرين دينارا فأمر بدفعها إليه. # قال: وبينا عمر، رحمه الله، يسير على بغلته إذ جاء رجل فتعلق بلجامها ~~فقال: أتيتك بعيد الدار مظلوما! قال له: من أين أنت؟ قال: من حضرموت أرضي ~~وأرض آبائي أخذها الوليد وسليمان فأكلاها. فنزل عمر عن بغلته يبكي حتى جلس ~~على الأرض ثم قال: من يعلم ذلك؟ قال: أهل البلد قاطبة. # PageV01P210 # قال: يكفيني من ذلك شاهدا عدل، اكتبوا له إلى بلاده إن أقام شاهدي عدل أن ~~الأرض له ولآبائه فادفعوها إليه. فلما ولى الرجل قال: انظروا هل هلكت له ~~راحلة أم نفد له زاد أو تخرق له من حذاء. فحسبوا ذلك فبلغ ثلاثين دينارا ~~فأتي بها فعدت في يده. # قال ابن عياش: وخرج عمر ذات يوم من منزله على بغلة له وعليه قميص وملاءة ~~إذ جاء رجل على راحلة حتى أناخها وسأل عن عمر فقيل له: قد خرج وهو راجع ~~الآن. فأقبل عمر ومعه رجل يسايره، فقيل للرجل: هذا أمير المؤمنين. فقام ~~فشكا إليه عدي بن أرطاة في أرض له، فقال عمر: قاتله الله! أما والله ما ~~غرنا إلا بعمامته السوداء، أما إني قد كتبت إليه فضلا عن وصيتي إن من أتاك ~~ببينة على حق له فسلمه إليه، ثم قد عناك إلي. فكتب إلى عدي برد أرضه وقال ~~للرجل: كم أنفقت؟ قال: تسألني عن نفقتي وقد رددت علي أرضا هي خير من مائة ~~ألف درهم! قال: إنما ردها عليك حقك، أخبرني كم أنفقت؟ قال: ما أدري. قال: ~~احرزوه، فإذا هو ms388 ستون درهما، فأمر له بها من بيت المال، فلما ولى صاح به ~~فرجع فقال: وهذه خمسة دراهم من مالي فكل بها لحما حتى تبلغ. # الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت قال: أخبرني دهقان السيلحين قال: كان لسعيد ~~بن مالك إلى جنبي ضيعة وكان رجلا حديدا فأتيته فقلت له: أعدني على نفسك. ~~فأمر بي فوجئت في عنقي، فقلت: لأرحلن إلى عمر. فدخلت على امرأتي فأعلمتها ~~ذلك فقالت: إني أخاف أن لا تصنع شيئا ويجتريء عليك. فقلت: إني أكره أن تحدث ~~العجم بأني قلت شيئا لم أفعله. قال: فخرجت حتى قدمت المدينة فسألت عن عمر، ~~رحمه الله، فدللت عليه وأرشدت إليه. # فلما أتيت منزله دخلت فإذا عمر، رضي الله عنه، جالس على عباءة، فرفع رأسه ~~إلي وقال: كأنك لست من أهل الملة. فقلت: أنا رجل من أهل الذمة. قال: فما ~~حاجتك؟ قلت: لسعيد بن مالك ضيعة إلى جانبي وإني أتيته أستعديه على نفسه ~~فأمر بي فوجئت في عنقي فقلت لأرحلن إلى عمر. فقال: يا يرفا ائتني بالدواة ~~والمكتب. فأتاه بجراب، فأدخل يده وأخرج صحيفة فكتب فيها، ثم أخرج سيرا ~~يشدها به فلم يقدر عليه فتناول خيطا من العباءة التي تحته وقد تنشرت ~~جوانبها فشدها به، فأردت أن لا آخذها ثم تناولتها متثاقلا، فكأنه عرف ما في ~~نفسي فقال: ائته فإن كفاك وإلا فأقم واكتب إلي. قال: فخرجت حتى قدمت على ~~أهلي فقالوا: ما صنعت؟ قلت: أتيت رجلا لم يقدر على سير يشد به صحيفته حتى ~~تناول خيطا من عباءة كانت تحته قد تفززت وتنشرت جوانبها فشدها به. قالوا: ~~وما عليك من ذلك إن نفذ أمره؟ قال: فأتيت سعيدا فناولته الكتاب، فلما قرأه ~~أرعدت فرائصه حتى سقط الكتاب من يده وقال: ويلك ما صنعت؟ اذهب فالأرض لك. ~~فقلت: لا أقبلها. فقال: لا والله لا أخذتها أبدا. # قال: وكان نسخة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحمن. من عبد الله عمر أمير ~~المؤمنين إلى سعيد بن مالك. سلام عليك. أما بعد فإن مهرزاد دهقان السيلحين ~~ذكر ms389 أن له ضيعة إلى جانبك وأنه أتاك يستعديك على نفسك فأمرت به فوجئت عنقه ~~فإذا جاءك كتابي هذا فأرضه من حقه وإلا فأقبل إلي راحلا، والسلام. # قيل: ولما ولي المأمون الخلافة عرضت عليه سيرة أبي بكر، رحمه الله، وفي ~~آخرها: وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها. # فقال: أمير المؤمنين لا يطيق ذلك. ثم عرضت عليه سيرة عمر، رضي الله عنه، ~~وفي آخرها: وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها فقال: أمير ~~المؤمنين لا يطيق هذا. ثم عرضت عليه سيرة عثمان، رحمه الله، وفي آخرها: ~~وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها. فقال: أمير المؤمنين لا ~~يطيق هذا. ثم عرضت عليه سيرة علي، رضي الله عنه. وفي آخرها: وكان يأخذ ~~الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها. فقال: أمير المؤمنين لا يطيق هذا. ثم ~~عرضت عليه سيرة معاوية بن أبي سفيان وفي آخرها: وكان يأخذ الأموال من ~~وجوهها ويضعها كيف شاء. فقال: إن كان فهذا. # PageV01P211 # وأخبرنا بعض أصحابنا قال: شهدت المأمون يوما وقد خرج من باب البستان ~~ببغداد فصاح به رجل بصري: يا أمير المؤمنين إني تزوجت بامرأة من آل زياد ~~وإن أبا الرازي فرق بيننا وقال هي امرأة من قريش. قال: فأمر عمرو بن مسعدة ~~فكتب إلى أبي الرازي: إنه قد بلغ أمير المؤمنين ما كان من الزيادية وخلعك ~~إياها إذ كانت من قريش، فمتى تحاكمت إليك العرب لا أم لك في أنسابها، ومتى ~~وكلتك قريش يا ابن اللخناء بأن تلصق بها من ليس منها؟ فخل بين الرجل ~~وامرأته، فلئن كان زياد من قريش إنه لابن سمية بغي عاهرة لا يفتخر بقرابتها ~~ولا يتطاول بولادتها، ولئن كان ابن عبيد لقد باء بأمر عظيم إذ ادعى إلى غير ~~أبيه لحظ تعجله وملك قهره. # وحدثنا غيره قال: شهدت المأمون يوما وقد ركب بالشماسية وخلف ظهره أحمد بن ~~هشام، فصاح به رجل من أهل فارس: الله الله يا أمير المؤمنين! فإن أحمد بن ~~هشام ظلمني واعتدى علي! فقال: كن بالباب ms390 حتى أرجع فأنظر في أمرك. # فلما مضى التفت إلى أحمد بن هشام فقال: ما يؤمنك منا أن نوقفك وصاحبك هذا ~~على رؤوس هذه الجماعة وتقعد مع خصمك حيث يقعد ثم يكون محقا وتكون مبطلا! ~~فكيف إن كنت في صفته وكان في صفتك؟ فوجه إليه من يحوله عن بابنا إلى رحلك ~~وأنصفه من نفسك وأعطه ما أنفق في طريقه إلينا، ولا تجعل لنا ذريعة إلى ~~لائمتك، فوالله لو ظلمت العباس ابني كان أهون علي من ظلمك ضعيفا لا يجدني ~~في كل وقت ولا يخلو له وجهي، ولا سيما من كان يتجشم السفر البعيد ويكابد حر ~~الهواجر وطول المسافة. قال: فوجه إليه أحمد بن هشام فحوله إلى مضربه وكتب ~~إلى عامله برد ما أخذ منه، ووصل الرجل بأربعة آلاف درهم. # قال: وتنازع رجلان بباب الجسر أحدهما من العظماء والآخر من السوقة فقنعه ~~الرجل فصاح السوقي: وا عمراه ذهب الإسلام! فأخذ الرجل وكتب بخبره إلى ~~المأمون، فدعاه وقال له: ما كانت حالك؟ فأخبره. وأحضر خصمه وقال له: لم ~~قنعت هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذا رجل معاملي وكان سيء المعاملة وكنت ~~صبورا على ذلك منه، فلما كان في هذا اليوم مررت بباب الجسر فأخذ بلجام ~~دابتي وقال: لا أفارقك حتى تخرج إلي حقي. فقلت له: إني أبادر إلى باب إسحاق ~~بن إبراهيم. فقال: والله لو جاء إسحاق ومن ولى إسحاق ما فارقتك. فما صبرت ~~حين عرض بالخلافة أن قنعته فصاح: وا عمراه ذهب الإسلام منذ ذهب عمر. فقال ~~للرجل: ما تقول؟ قال: كذب علي وقال الباطل. فقال الرجل: لي جماعة يشهدون ~~على مقالته يا أمير المؤمنين، فإن أذنت لي أحضرتهم. قال المأمون للرجل: من ~~أين أنت؟ قال: من أهل فامية. فقال: أما إن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ~~كان يقول: من كان جاره نبطيا واحتاج إلى ثمنه فليبعه. فإن كنت إنما طلبت ~~سيرته فهذا حكمه في أهل فامية. ثم أمر له بألف درهم وأمر صاحبه أن ينصفه. # وحدثنا أبو الفضل الهاشمي عن ms391 قحطبة بن حميد بن قحطبة قال: قعد المأمون ~~للمظالم ذات يوم فلم يزل قاعدا إلى أن قلنا قد فاتته الصلاة، فكان آخر من ~~دعي امرأة فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فنظر ~~المأمون إلى يحيى بن أكثم فقال: وعليك السلام، تكلمي يا أمة الله. فقالت: # يا خير منتصف يهدى به الرشد ... ويا إماما به قد أشرق البلد # أشكو إليك عقيد الملك أرملة ... عدا عليها فلا تقوى به الأسد # فابتز مني ضياعي واستبد بها ... ففارق العيش مني الأهل والولد # فقال المأمون: # في دون ما قلت عيل الصبر والجلد ... وقد تقطع مني القلب والكبد # هذا أوان صلاة الظهر فانصرفي ... وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد # والمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا ... ننصفك فيه وإلا المجلس الأحد # PageV01P212 # قال: فانصرفت فلما كان يوم الأحد جلس فكان أول من دعا به المرأة، فسلمت ~~فرد المأمون عليها السلام وقال: أين الخصم، رحمك الله؟ قالت: هو واقف على ~~رأسك وقد حيل بيني وبينه. وأومأت إلى العباس ابنه. فقال: يا أحمد بن أبي ~~خالد خذ بيده فأقعده معها. قال: ففعل ذلك. فجعلت تعلو على العباس بصوتها ~~وتقول: ظلمتني واعتديت علي وأخذت ضيعتي. فقال لها أحمد: ما هذا الصياح؟ إنك ~~بين يدي أمير المؤمنين تناظرين الأمير! فقال المأمون: دعها يا أحمد فإن ~~الحق أنطقها والباطل أخرسه. فلم يزالا يتناظران حتى حكم المأمون لها برد ~~ضيعتها ثم قال: يا أحمد اردد عليها ما جباه العباس من ضيعتها وادفع إليها ~~عشرة آلاف درهم ترم بها ما أراه من سوء حالها واكتب إلى والينا وقاضينا ~~بإرفاقها والنظر في أمرها وأوغر لها خراج ضيعتها بالشيء الطفيف وليكن ذلك ~~في يومنا هذا. فما برحت حتى قضيت حوائجها وخرجت. # وعن الحسن بن سهل قال: جلس المأمون ذات يوم للمظالم وإذا هو برجل قد مثل ~~بين يديه وفي يده رقعة فيها سطران: بسم الله الرحمن الرحيم. مظلمة من أمير ~~المؤمنين أطال الله بقاءه. فقال: أمظلمة مني! قال: أفأخاطب بالخلافة سواك؟ ~~قال له: وما ms392 ظلامتك هذه؟ قال: ثلاثون ألف دينار. قال: وما وجهها؟ قال: إن ~~سعيدا وكيلك اشترى مني جوهرا بثلاثين ألف دينار وحمله إلى منزلك ولم يوفر ~~علي المال. قال: فإذا اشترى سعيد منك الجوهر تشكو الظلامة مني! قال: نعم ~~إذا كانت الوكالة قد صحت له منك. قال: إن كلامك هذا يحتمل ثلاث جهات: أما ~~أول ذلك فلعل سعيدا قد اشترى هذا الجوهر منك كما زعمت وحمله إلينا وأخذ ~~المال من بيت المال ولم يوفره عليك، أو لعله قد وفره وادعيت باطلا، أو ~~اشتراه لنفسه. أما في العاجل فلا يلزمني لك حق ولا أعرف لك ظلامة. # فقال الرجلك إن الله جل وعز قد أهلك لموضع رفيع واختصك بنسب جعلك أولى ~~الخلق معه بالانصاف فإنك مناسب لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، واسترعاك ~~على خلقه فهلا تحملني على كتاب الله جل وعز وسنة ابن عمك رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وسنة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في رسالته إلى أبي موسى ~~الأشعري وهي التي اتخذتموها صدور أحكامكم ووصية لقضاتكم إذ يقول: البينة ~~على من ادعى واليمين على من أنكر. # قال المأمون: فإنك والله قد عدمت البينة فما يجب لك إلا حلفة ولئن حلفتها ~~لأنا صادق إذ كنت لا أعرف لك حقا يلزمني. # قال: فإذا أدعوك إلى الحاكم الذي نصبته لرعيتك. قال: نعم، يا غلام علي ~~بيحيى بن أكثم. فإذا هو قد مثل بين يديه. فقال: يا يحيى! قال: لبيك يا أمير ~~المؤمنين! قال: اقض بيننا. قال: في حكم وقضية! قال: نعم. قال: لا أفعل. ~~قال: ولم؟ قال: لأن أمير المؤمنين لم يجعل داره مجلس قضائي. قال: قد فعلت. ~~قال: فإني أبدأ بالعامة أولا ليصبح المجلس للقضاء. قال: افعل. # ففتح الباب وقعد في ناحية من الدار وأذن للعامة ونادى المنادي وأخذ ~~الرقاع ودعا بالناس ثم دعا الرجل المتظلم فقال له يحيى: ما تقول؟ قال: أقول ~~أن تدعو بخصمي أمير المؤمنين المأمون. فنادى المنادي فإذا المأمون قد خرج ~~في رداء وقميص وسراويل قد أرسلها ms393 على عقبيها في نعل رقيق ومعه غلام يحمل ~~مصلى حتى وقف على يحيى وهو جالس. فقال له: اجلس. فطرح المصلى ليقعد عليه. ~~فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين لا تأخذ على خصمك شرف المجلس. فطرح له مصلى ~~آخر فجلس عليه. وقال له يحيى: ما تقول؟ فقال: لي على هذا ثلاثون ألف دينار. ~~قال: ومن هذا؟ قال: أمير المؤمنين المأمون بالله. قال له يحيى: يا أمير ~~المؤمنين قد سمعت ما يقول؟ قال: سله ما وجهها. فأعاد خبر الوكيل. فقال ~~المأمون: ما أعرف له حقا. فأقبل على الرجل فقال: قد سمعت، ألك بينة؟ قال: ~~لا. قال: فما تريد؟ قال: ما يوجبه الحكم لمن عدم البينة. قال المأمون: ويحك ~~قد لججت في اليمين! قال: يا أمير المؤمنين أتحلف؟ قال: إي والله ولا أوطيء ~~نفسي العشوة في إعطاء رجل ما لا يجب له ظلما. فقال: قل والله. فاستحلفه ~~غموسا. # PageV01P213 # ثم وثب يحيى عند فراغ المأمون من يمينه فقام على رجليه. فقال له المأمون: ~~ما أقامك؟ فقال: إني كنت في حق الله جل وعز حتى أخذته منك وليس الآن من حقك ~~أن أتصدر عليك. وقبض على الرجل لئلا يخرج. فقال المأمون: ارفقوا به. ثم ~~قال: يا غلام أحضرني ما ادعى من المال. فلما أحضر قال: خذه إليك والله ما ~~كنت أحلف على فجرة ثم اسمح لك فأفسد ديني ودنياي، والله يعلم ما دفعت إليك ~~هذا المال إلا خوفا من هذه الرعية لعلها ترى أن تناولتك من وجه القدرة وأني ~~منعتك واجبك بالاستطالة عليك وإنها لتعلم الآن ما كنت أسمح لك باليمين. ~~فقال: يا أمير المؤمنين أفأحاط في المال حتى أصل إلى حيث آمن عليه؟ قال: إي ~~والله ولو بالتغزغز وأسبيجاب. فأخرج الرجل مع المال وبذرق به إلى أن بلغ ~~مأمنه ### | ومنه روايات # وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إن الرجل إذا ظلم فلم ينتصر ~~ولم يجد من ينصره فرفع طرفه إلى السماء ودعا قال الله، جل وعز: لبيك عبدي ~~أنصرك عاجلا وآجلا. ms394 # وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في قولهم: انصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما، قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه. # قال: وقال الفضيل بن عياض: بكى ابني فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي على ~~من ظلمني وأخذ مالي ارحمه غدا إذا وقف بين يدي الله عز وجل وسأله فلا تكون ~~له حجة. # قال: وقال الحسن البصري: يا أيها المصدق على السائل ترحمه ارحم أولا من ~~ظلمت. # وروي عن عبد الله بن سلام أنه قال: قرأت في بعض الكتب قال تبارك وتعالى: ~~إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني. # وقال خالد:إياكم ومجانيق الضعفاء، يريد الدعاء. ### | ومنه توقيعات # قال: وقع المأمون في كتاب متظلم من أحمد بن هشام: اكفني أمر هذا الرجل ~~وإلا كفيته أمرك. ووقع في رقعة رجل من العامة تظلم من علي بن هشام: يا أبا ~~الحسن الشريف من يظلم من فوقه ويظلمه من دونه فاعلمني أي الرجلين أنت. # وقال عمرو بن مسعدة: كتبت إلى عامل دستبى كتابا أطلته فأخذه المأمون من ~~يدي وكتب: قد كثر شاكوك فإما عدلت وإما اعتزلت. # ووقع في رقعة رجل تظلم من الرستمي: ليس من البر أن تكون آنيتك ذهبا ~~وقدورك فضة وجارك يطوي وغريمك يعوي. # قال: ووقع هشام بن عبد الملك في رقعة متظلم من العامة: أتاك الغوث إن كنت ~~صادقا وحل بك النكال إن كنت كاذبا، فتأخر أو تقدم. # قال: ورفع رجل إلى المنصور قصة يتظلم فيها من عامل فارس فوقع له: إن آثرت ~~العدل صحبتك السلامة. # ووقع لقوم متظلمين شكوا سيرة واليهم: كما تكونون يولى عليكم. # ووقع يحيى بن خالد لمتظلم من بعض الولاة: أنصف من وليت أمره وإلا أنصفهم ~~من ولي أمرك. # ووقع بعضهم إلى صاحب مظالم: ما أراني سالما من المآثم بتوليتي إياك ~~المظالم. يا رديء المختبر اعتزل غير محمود الأثر. # قيل: وقال رجل للمعتصم: يا أمير المؤمنين ظلمني من وافق اسمه فعله. فقال ~~المعتصم لبغا: سله ممن يتظلم فإني أراه يتظلم من ظلوم. فسأله فقال: من ms395 ~~ظلوم. فتبسم المعتصم وقال لابن أبي دؤاد: ما أبعد الرجل في قوله، قل لها ~~بحياتي أنصفيه. # قال: وأخبرنا إبراهيم بن محمد قال: كنا مع المتوكل في بعض متنزهاته فوقف ~~على تل كله حصى قد غسله المطر فاستحسنه فنزل فصلى وسبح ثم قال في دعائه: ~~اللهم إنك خلقتني ولم أك شيئا ثم صيرتني فوق هذا الخلق وأنت قادر أن تزيل ~~هذا كله فارزقني العدل والنصفة وألق في قلبي لهم الرأفة والرحمة. ثم بكى ~~وأخذ كفا من ذلك الحصى فجعله على رأسه وجعل يقلب خده ووجهه على الأرض ثم ~~قام فركب. ### | مساوئ أخذ الجار بالجار # قال: قال الحجاج بن يوسف: لآخذن السمي بالسمي والولي بالولي والجار ~~بالجار، وقد لعن الناس قائل هذا البيتك # أرى أخذ البري بغير جرم ... تجنب ما يحاذره السقيم # وقال الحارث بن عباد في هذا المعنى: # لم أكن من جناتها علم الل ... ه وإني بحرها اليوم صالي # وقيل: # لعل له عذرا وأنت تلوم # وأنشد في مثله النابغة: # فحملتني ذنب امريء وتركته ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع # PageV01P214 # وكانوا إذا أصاب إبلهم العر كووا السليم ليذهب العر عن السقيم فأسقموا ~~الصحيح من غير أن يبرأ السقيم. وكانوا إذا أوردوا البقر الماء فلم تشرب ~~ضربوا الثور ليقتحم الماء فتتبعه البقر، فقال الشاعر في ذلك: # هجوني إذ هجرت جبال سلمى ... كضرب الثور للبقر الظماء # وقال غيره: # كما ضرب اليعسوب إن عاف باقر ... وما ذنبه إن عافت الماء باقر # وقال غيره: # إذا عركت عجل بنا ذنب طيء ... عركنا بتيم اللات ذنب بني عجل # وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: # وإن امرأ يمسي ويصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد # قيل: وأتي عبد الصمد بن علي بأناس من الشطار فأمر بضربهم وحلق رؤوسهم ~~ولحاهم. ففعل بهم ذلك، وكان فيهم رجل سناط فقيل له: إن هذا ليست له لحية ~~فهل تزيده في الضرب؟ قال: لا ولكن احلقوا لحية هذا الشرطي مكانه. ### | محاسن السطوة # قيل: وبلغ من عدل هرمز بن كسرى أنوشروان أنه ركب ms396 ذات يوم إلى ساباط ~~المدائن متنزها وكان ممره على كروم وبساتين وأن رجلا من أساورته اطلع على ~~كرم فرأى فيه حصرما غضا فأمر غلامه فنزل إليه وأخذ من عناقيد، وقال له: ~~انطلق به إلى المنزل ليطبخ مرقة حصرمية. فأقبل حافظ ذلك الكرم فتعلق ~~بالغلام وصاح حتى بلغ ذلك صاحبه ففزع وتخوف عقوبة الملك فدفع منطقته إلى ~~حافظ ذلك الكرم، وكانت محلاة بالذهب مرصعة بالجوهر، فافتدى بها نفسه من ~~عقوبة الملك ورأى أن لحافظ ذلك الكرم عليه الفضل. # وبلغ من عدله أيضا أن ابنه أبرويز وقع مركب من مراكبه في بعض مسيرته في ~~زرع على طريقه فأفسده فأقبل صاحب الزرع إلى ذلك المركب فأخذه وصار إلى ~~الموكل بالنظر في مظالم الرعية فرفع أمره إلى الملك، فأمر الملك بالفرس أن ~~تجدع أذناه ويقطع ذنبه ويغرم صاحبه كسرى أبرويز مقدار مائة ضعف مما أفسد من ~~ذلك الزرع. فخرج الموكل بذلك من عند الملك لينفذ أمر الملك في فرس ابنه، ~~فتحمل عليه ابنه بنفر من عظماء المرازبة وسألوه أن يصفح عما أمر به الملك ~~على أن يغرم كسرى لصاحب الزرع ألفي ضعف ما أفسد المركب من زرعه. فلم يجبهم ~~الموكل إلى ذلك وأخذ الفرس فجدع أذنيه وقطع ذنبه وغرم كسرة مائة ضعف ما ~~أفسد المركب من زرع الرجل ورده عليه. # وحكي عن بهرام جوبين أن رجلا من خاصته في مسيره إلى ملك الترك أخذ من ~~امرأة أكار سبذ تبن، فشكت ذلك إلى بهرام. فأمر الرجل فضربت عنقه ودفع سلبه ~~إلى المرأة بدلا من تبنها. # قيل: وبلغ من عدل كسرى أنوشروان أنه اتخذ وصيفتين وأمر أن تقوم واحدة عن ~~يمينه وتقوم الأخرى عن شماله بأيديهما قضيبان من ذهب وهو جالس لينظر في ~~أمور الناس. فكان إذا كاد أن تسهو حركتاه بالقضيب وقالتا له والرعية ~~يسمعون: أيها الملك انتبه أنت مخلوق لا خالق، أنت عبد لا مولى، أنت فان لا ~~باق، ليس بينك وبين الله جل وعز قرابة فانظر لنفسك وانصف الناس. فمضى على ~~هذا حتى ms397 أتاه اليقين. # وقال أردشير: تعطيل الحدود تضرية للمجرمين، ويوم العدل على الظالم أمر من ~~يوم الظالم على المظلوم. # المدائني قال: مر رجل من الدهاقين أيام زياد بحمار قد حمل عليه خمر، ~~فأخذه الحرس وقالوا: ألم تعلم أن الأمير قد نهى عن إدخال الخمر إلى مصر؟ ~~قال: بلى، وهذا الخمر للأمير. # فلما بلغ زيادا ذلك قال: هذا رجل احتال للوصول إلي. فدعا به وقال: ما ~~أمرك؟ قال: لي أرض عند نهر المرأة فيها نخل، فأرسل ابن المرأة غلمانه ~~ليصرموا بعض النخل فقلت لهم خذوا حاجتكم منها ولا تفسدوا، فأخذوا ما أرادوا ~~وأتوه فأخبروه مقالتي، فأرسل إلي وضربني وعقر نخلي. # فأرسل زياد معه رجلا وقال له: انطلق به فإذا كنت قريبا من الأرض التي ~~يذكر فسل من لقيت من رجل وامرأة عما يقول فإن اجتمعوا على مقالة واحدة ~~ورأيت النخل قد عقر فخذ الذي أمر بقطعها فأجله ثلاث ساعات، فإن أتاك بقيمة ~~النخل لكل نخلة ألف درهم فخل سبيله، وإن مضت الثلاث الساعات ولم يأتك بذلك ~~فاضرب عنقه وأتني برأسه. ومضى الرسول فسأل فكان الأمر كما حكاه، فأغرم قاطع ~~النخل أربعين ألف درهم وحمل المال إلى زياد، فقال: لو أتيتني برأسه كان أحب ~~إلي. ودفع المال إلى صاحب النخل. ### | محاسن العفو # PageV01P215 # قيل: أخذ مصعب بن الزبير رجلا من أصحاب المختار بن أبي عبيد فأمر بضرب ~~عنقه فقال: أيها الأمير ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه ~~الحسنة فأتعلق بأطرافك وأقول: يا رب سل مصعبا فيم قتلني. فقال: اطلقوه. ~~فقال: أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من عمري في خفض. فقال: اعطوه مائة ألف ~~درهم. قال: بأبي أنت وأمي أشهدك أن لابن قيس الرقيات منها النصف لقوله: # إنما مصعب شهاب من الل ... ه تجلت عن وجهه الظلماء # فضحك مصعب وقال: لقد تلطفت وإن فيك لموضعا للصنيعة! وأمر له بالمائة ~~الألف ولابن قيس بخمسين ألف درهم. # وذكر عن أبي العباس السفاح أنه غضب على رجل فذكره في ليلة من الليالي ~~فقال ms398 له بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين إن فلانا لو رآه أعدى خلق الله له ~~لرحمه وأنغض قلبه له. قال: ولم ذلك؟ قال: بغضب أمير المؤمنين عليه. قال: ما ~~له من الذنب ما تبلغ به العقوبة هذا المبلغ! قال: من عليه يا أمير المؤمنين ~~برضاك. قال: ما هذا وقت ذاك. قال: يا أمير المؤمنين إنك لما صغرت ذنبه طمعت ~~له في رضاك. فقال: إنه من لم يكن بين غضبه ورضاه فرجة لم يحسن أن يغضب ولا ~~يرضى، وعلى هذا أخلاق الملوك. # قيل: وحضر صالح المري مجلس المنصور وعنده نفر من أهل بيته وقد ولي سعيد ~~بن دعلج أحداث البصرة فدعا بنفر من أهل الجنايات ليعاقبهم، فلما أتي بهم ~~تحرك صالح ليقوم فقال له رجل ممن حضر: أين تقوم؟ والله ما أحتاج إلى جلوسك ~~عنده إلا الساعة. فقال: صدقت. وقال: يا أمير المؤمنين إن الله جل وعز يقول ~~في كتابه: " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ". فبكى ~~المنصور حتى اخضلت لحيته بالدموع وأمر بتخليتهم. # قيل: وأتي المنصور بجان فأمر فيه بعقوبة غليظة. فقال له العباس بن محمد: ~~يا أمير المؤمنين إنك غضبت لله جل ذكره فلا تغضب له بأكثر مما غضب لنفسه، ~~وقد تبين لك ما يجب على مثله من الحد. فأمر بإطلاقه. # قال: وحدثنا المدائني قال: كان سهل بن سعد القشيري خرج مع محمد وإبراهيم ~~ابني عبد الله بن الحسن على المنصور، فقال المنصور: هذا كان عندنا من ~~الفقهاء والعلماء فكيف خرج علينا؟ ثم قال له المنصور: والله لأقتلنك قتلة ~~ما قتلتها أحدا! فقال: يا أمير المؤمنين أن تحنث في يمينك هذه خير لك عند ~~الله من أن تبرها، واعلم يا أمير المؤمنين أنك إن قتلتني قتلت أربعة آلاف ~~حديث سمعتها من الضحاك بن مزاحم عن جدك عبد الله بن العباس عن رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، لا يرويها أحد غيري. # قال: فوضع يده على خده وقال: هات. قال: حدثني الضحاك بن مزاحم عن جدك عبد ~~الله بن ms399 العباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: عمل الجنة حزن ~~بربوة وعمل النار سهل بسهوة، والسعيد من وقي شر الفتن، ومن ابتلي فصبر فيا ~~لها ثم يا لها، وما امتلأ عبد غيظا فكظمه إلا ملأه الله إيمانا. قال: هات. ~~قال: حدثني الضحاك بن مزاحم عن جدك عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله: ~~شرف المؤمن قيامه بالليل وعزلته عن الناس. فأمره بالجلوس ثم قال: هل من أحد ~~يضمنك على أن تلزمنا فتسمر عندنا؟ وأقام معه. # وقيل: إنه سخط المهدي على بعض القحاطبة فقال: لا أراه إلا والسيف مسلول ~~والنطع منشور. فأتي به وقد سل السيف ونشر النطع فبكى فقال: ألك مثل حركتك ~~وتبكي؟ فقال: ما بكيت جزعا من الموت ولكن بكيت أن ألقى الله وأنت ساخط علي. ~~فقال المهدي: يا غلام ادرج النطع واغمد السيف: # إن الكريم إذا خادعته انخدعا # قيل: وعاتب المهدي شبيب بن شيبة في شيء بلغه عنه. فاعتذر إليه وقال: ~~والله لو كان لي ذنب لأقررت ولكن عفو أمير المؤمنين أسرع إلي من براءتي. # وقال موسى بن عبد الله: أتي موسى برجل فجعل يقرره بذنوبه ويتهدده، فقال ~~الرجل: يا أمير المؤمنين اعتذاري مما تقرعني به رد عليك وإقراري يوجب لي ~~ذنبا ولكني أقول: # إن كنت ترجو في العقوبة رحمة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر # فأمر بإطلاقه. # PageV01P216 # وقال العباس بن قيس: أتي الهادي برجل أراد أن يضرب عنقه فقال: يا عدو ~~الله ائتمناك فخنت واستنجدناك فلم تنجدنا، وأعطيناك فلم تشكرنا! فقال ~~الرجل: يا أمير المؤمنين إن كلامي وحجتي رد عليك وفي أكثر مما قال أمير ~~المؤمنين، وعفوه وإحسانه يأتيان على ذلك. فكأنما كان نارا صب عليها الماء، ~~فخلى سبيله. # وحكي عن الرشيد في عبد الله بن مالك الخزاعي حين غضب عليه فأمر أهله ~~وحشمه وجميع قراباته أن يتجنبوا كلامه ومعاملته ومعاطاته حتى أثر ذلك في ~~بدنه وتحاماه أقرب الناس إليه من ولد وأهل فلم يدن منه أحد ولم يطف به. # فجاءه محمد بن إبراهيم ms400 الهاشمي وكان أحد أودائه، في جوف الليل، فقال له: ~~إن لك عندي يدا ما أنساها ومعروفا ما أكفره وقد علمت ما تقدم به أمير ~~المؤمنين في أمرك وها أنا بين يديك ونصب عينيك فمرني بأمرك فوالله لأجعلن ~~نفسي وقاية لك. فقال له عبد الله خيرا وأثنى عليه وأخبره بعذره فيما وجد ~~عليه الرشيد. # فلما دخل عليه قال له: أين كنت في هذه الليلة؟ قال: عبدك يا أمير ~~المؤمنين عبد الله بن مالك كنت عنده وهو يحلف بطلاق نسائه وعتق مماليكه ~~وصدقة ماله مع عشرين بدنة يهديها إلى بيت الله الحرام حافيا راجلا إن كان ~~ما بلغ أمير المؤمنين سمعه الله جل وعز من عبد الله ولا اطلع عليه ولا هم ~~به أو أظهره. قال: فأطرق الرشيد مليا مفكرا ومحمد يلحظه ووجهه يشرق مرة ~~ويسفر أخرى وكان قد حال لونه حين دخل عليه، ثم رفع رأسه فقال: أحسبه صادقا ~~يا محمد فمره بالرواح إلى الباب. قال: وأكون معه؟ قال: نعم. فانصرف محمد ~~إلى عبد الله فبشره وأمره بالركوب رواحا. فدخلا جميعا، فلما أبصر عبد الله ~~بالرشيد انحرف نحو القبلة وخر ساجدا ثم رفع رأسه، فاستدناه الرشيد فدنا ~~وعيناه تهملان فأكب عليه وقبل بساطه ورجليه وموطيء قدميه ثم طلب أن يأذن له ~~في الاعتذار. فقال: ما بك حاجة إلى أن تعتذر إذ قد عرفت عذرك. # قال: فكان عبد الله يرى بعد ذلك إذا دخل على الرشيد بعض الانقباض، فشكا ~~ذلك إلى محمد، فقال محمد: يا أمير المؤمنين إن عبدك عبد الله يشكو أثرا ~~باقيا من تلك النبوة التي كانت من أمير المؤمنين ويسأل الزيادة في بسطه. ~~فقال الرشيد: إنا معشر الملوك إذا غضبنا على أحد من بطانتنا ثم رضينا عنه ~~بقي لتلك الغضبة أثر لا يخرجه ليل ولا نهار. # قيل: ومدح شاعر أبا حاتم كاتب الديوان فلم يصله بشيء فأنشأ يقول: # لتنصفني يا أبا حاتم ... أو لأصيرن إلى حاكم # أول ما أتلفت من ماله ... خمسين ألفا في شرى هاشم # خمسين ألفا وضحا ms401 كلها ... من مال هذا الملك النائم # فاحتفظها صاحب الخبر ورفعها إلى الرشيد فقال: صدق، لولا أني نائم ما كانت ~~أموري تجري على هذا السبيل: وأمر بإخراج الجرائد من الدار إليه. فأول ما ~~وجد على منصور بن زياد عشرة آلاف ألف درهم. # فحدث صالح صاحب المصلى قال: دعاني الرشيد وهو على كرسي فقال: اذهب الساعة ~~فخذ منصور بن زياد بالخروج من عشرة آلاف ألف درهم فإن لم يوردها بينك وبين ~~المغرب فاضرب عنقه وجئني برأسه وأنا نفي من المهدي لئن أنت دافعت عنه ~~لأضربن عنقك. قلت: يا سيدي فإن أعطاني بعضها ووقت لي في بعضها وقتا؟ قال: ~~لا. فخرجت فأعلمته الخبر فأسقط في يده وقال: ما أراد إلا قتلي لأنه يعلم أن ~~مقدار مالي لا يبلغ ما به طالبني، ولكن تأذن لي أن أدخل بيتي فأودع أهلي؟ ~~فأذنت له فدخل ودخلت معه وبقيت واقفا فبعث إلى أمهات أولاده وبناته ونسائه ~~أن اخرجن إلي كما كنتن تخرجن عند موتي فإن هذا آخر أيامي ولا ستر لكن بعدي. ~~فخرجن إليه مشققات الجيوب مخمشات الوجوه بصراخ شديد. فبكى إليهن وبكين إليه ~~وبكيت معهن ثم ودعهن وخرج وهن في أثره واضعات التراب على رؤوسهن، ثم قال: ~~يا أبا مقاتل لو أذنت لي في المصير إلى أبي علي يحيى بن خالد البرمكي فكنت ~~أوصيه بولدي وأهلي؟ فقلت: امض. # PageV01P217 # وصرنا إليه وقد نزل في ساعته وهو على كرسي يغسل يده، فلما توسطنا الدار ~~جعل منصور يبكي ويمشي إليه حتى دنا منه وهو يسأله عن الحال فيمنعه البكاء ~~من إخباره، فأقصصت عليه قصته فقال: ارجع إلى أمير المؤمنين وسله أن يهبه ~~لي. قلت: ما لي إلى ذلك سبيل ولا يراني إلا والمال معي أو رأس منصور كما ~~أمرني. فقال لخادم له: ائت فلانة فسلها كم لنا عندها من المال. فانصرف وذكر ~~أن عندها خمسة آلاف ألف درهم. فقال لي: احملها وابلغ أمير المؤمنين رسالتي ~~في باقيها. فأعلمته أن لا سبيل إلى حمل بعضها دون بعض. فأطرق ثم رفع ms402 رأسه ~~ثم قال: يا غلام ائت دنانير فقل لها تبعث إلي بالجوهر الذي وهبه لها أمير ~~المؤمنين. فبعثت إليه بحق فقال: هذا جوهر ابتعناه لأمير المؤمنين بمائتي ~~ألف دينار وهو عارف به وقد جعلته له بمائة ألف دينار وهو ألفا ألف درهم، ~~واحمل إليه هذه السبعة الآلاف الألف والرسالة. فأبيت. # فوجه إلى الفضل ابنه: إنك كنت أعلمتني أنك على ابتياع ضيعة نفيسة وقد ~~أصبتها ولا يوجد مثلها في كل وقت وابتياعها فرصة فاحمل إلي مالها. فعاد ~~الرسول ومعه ألفا ألف درهم. ووجه إلى جعفر ابنه أن يوجه إليه بألف ألف ~~درهم. فأنفذ إليه صكا أو صكاكا إلى الجهبذ بها. فقبضت المال ووافيت الرشيد ~~قبل المغرب وهو منتصب على حالته ينتظر رجوعي إليه. فأخبرته الخبر فلما ~~انتهيت إلى خبر الحقة قال: صدق وقد ظننت أنه لا ينجيه غيرهم، احمل هذا ~~المال أجمع إلى أبي علي واردده عليه وأعلمه أني قد قبلت ذلك عن منصور ~~ورددته عليه. ففعلت ذلك. # ولقيني بعد ذلك يحيى منصرفا من الدار ومنصور معه يسايره ويضاحكه والناس ~~خلفه فقلت: والله لأنصحن هذا الشيخ الكريم. فدخلت معه ودخل منصور ودعا ~~بغدائه، فلما نهض منصور قلت: يا أبا علي إني والله ما رجعت معك إلا لنصحك ~~وقد رأيت مكان هذا الرجل منك وكنا حين حملت المال أنهضته معي فوالله ما قطع ~~نصف الصحن من الدار حتى تمثل بهذا البيت: # فما بقيا علي تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال # فعارض أكرم فعلك بألأم خصلة فيه فدعاني الامتعاض من ذلك إلى إخبارك، فإني ~~من تعلم في مودتك وطاعتك. فأكب على الأرض ساعة ثم رفع رأسه فقال: اعذره فقد ~~كان عقله عزب عنه في ذلك الوقت. قال: فكان عذره له أحسن من إحيائه إياه. # قيل: وأمر الرشيد يحيى بن خالد بحبس رجل جنى جناية. فحبسه يحيى وسأله عنه ~~الرشيد فقيل: هو كثير الصلاة والدعاء. فقال للموكل به: اعرض عليه أن يكلمني ~~ويسألني إطلاقه. فقال له ذلك الموكل به فقال: قل لأمير المؤمنين إن كل ms403 يوم ~~يمضي من نعمتك ينقص من محنتي والأمر قريب والموعد الصراط والحكم الله. فخر ~~الرشيد ساجدا مغشيا عليه وأمر بإطلاقه. # قيل: وأتي الرشيد برجل قد وجب عليه الحد فأمر أن يضرب فضرب. فقال: يا ~~أمير المؤمنين قتلتني! قال: الحق قتلك. قال: ارحمني! قال: لست بأرحم لك ممن ~~أوجب عليك الحد. ثم أمر بإطلاقه. # قال: وقال الرشيد للجهجاه: أزنديق أنت؟ فقال: كيف أنا زنديق وقد قرأت ~~القرآن وفرضت الفرائض وفرقت بين الحجة والشبهة؟ قال: والله لأضربنك حتى ~~تقر! قال: هذا خلاف ما أمر الله جل وعز به، أمر أن يضرب الناس حتى يقروا ~~بالإيمان وأنت تضربني حتى أقر بالكفر! فالتفت الجهجاه إلى أبي يوسف القاضي ~~فقال له: افته لا يهلك في دينه. # قال: وبلغ الرشيد أن عبد الملك بن صالح دعا إلى نفسه فأمر بحبسه ثم دعاه ~~ذات يوم فقال: أكفرا للنعمة وإظهارا للغدر؟ قال: كلا يا أمير المؤمنين ~~ولكنه مقالة كاشح واحتيال حاسد. قال: هذا قمامة كاتبك يذكر صحة ذلك. قال: ~~أسمعنيه يا أمير المؤمنين! قال: اخرج يا قمامة. وكان من وراء الستر. فخرج ~~فقال له: لقد انطويت عليه وواطيت من خالفه. # قال: يا أمير المؤمنين كيف لا يكذب علي من خلفي من يبهتني في وجهي مع ~~نعمتي عليه وإحساني إليه؟ قال: فهذا عبد الرحمن ابنك! فقال: هو بين مأمور ~~وعاق، فإن كان مأمورا فلا ذنب له، وإن كان عاقا فأقل عقوبته الشهادة بالزور ~~علي. قال: فما الحكم؟ قال: أولى الناس بصفحك عنه من لا شفيع له إليك إلا ~~حلمك. فقال الرشيد: # أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد # PageV01P218 # والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع وإلى عارضها قد لمع وكأني بالوعيد ~~قد أورى نارا فأقلع عن براجم بلا معاصم ورؤوس بلا غلاصم، مهلا مهلا بني ~~هاشم فبي سهل الله الوعر وصفى الكدر وألقت الأمور أزمتها. # نذار من حلول داهية خبوط باليد لبوط بالرجل. فقال عبد الملك: أفذا أتكلم ~~أم توأما؟ قال: بل توأما. فقال: يا أمير المؤمنين ms404 اتق الله فيما ولاك، ~~وراقبه فيما استرعاك، ولا تجعل الشكر بموضع الكفر، ولا الثواب بمحل العقاب، ~~والله الله في رحمك أن تقطعها بعد أن وصلتها بظن يؤثم ثم تقول باغ ينهس ~~اللحم وولغ في الدم، فقد جمعت القلوب على محبتك وذللت الرجال لطاعتك وكنت ~~كما قال أخو كلاب لبيد بن ربيعة: # ومقام ضيق فرجته ... بلساني وبياني وجدل # لو يقوم الفيل أو فياله ... زل عن مثلي مقامي وزجل # فوثب الرشيد من مجلسه واعتنقه وجعل يقبل ما بين عينيه ويسترجع ويعتذر ثم ~~خلع عليه حلل الرضى وتنفس الصعداء وقال: والله لقد دعوته وإني لأرى موضع ~~السيف من قفاه وها أنا ذا نادم على ما كان مني، والله جل وعز يتجاوز بقدرته ~~عن ذلك. # قال: وظفر المأمون برجل كان يطلبه، فلما دخل عليه قال: يا عدو الله أنت ~~الذي تفسد في الأرض بغير حق، يا غلام خذه إليك واسقه كأس الموت. # فقال: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تستبقيني حتى أؤيدك بمال؟ قال: ليس ~~إلى ذلك سبيل. قال: يا أمير المؤمنين فدعني أصل ركعتين أختم بهما عملي. ~~قال: ليس إلى ذلك سبيل. قال: فدعني أنشد أبياتا. قال: هات. فقال: # زعموا بأن الصقر صادف مرة ... عصفور بر ساقه المقدور # فتكلم العصفور تحت جناحه ... والصقر منقض عليه يطير # ما كنت خاميزا لمثلك لقمة ... ولئن شويت فإنني لحقير # فتهاون الصقر المدل بصيده ... كرما وأفلت ذلك العصفور # فقال المأمون: أحسنت! ما جرى ذلك على لسانك إلا لبقية بقيت من عمرك. ~~فأطلقه وخلع عليه ووصله. # قال: وقال عبد الله صاحب المأمون: دخلت على المأمون فإذا نطع مبسوط ورجل ~~فوقه على رأسه رجل مسلول سيفه. فلما نظر إلي المأمون قال: يا عبد الله شأنك ~~والرجل. فحسرت عن ذراعي وقمت فوق رأسه واخترطت سيفي، فسلط على المأمون ~~النعاس فجعل يخفق برأسه ويقول: أستخير الله. فلما كان عند المساء قال لي: ~~شأنك والرجل احفظه. فطرحت حمائل سيفي في عنقه وأردفته خلفي وذهبت به إلى ~~منزلي ثم عدت اليوم الثاني إلى المأمون ms405 ففعل كفعله أمس. فلما كان اليوم ~~الثالث قال لي المأمون: خل عن الرجل واعطه عشرة آلاف درهم. فأردفته خلفي ~~ولم أجعل حمائل السيف في عنقه. فقال لي: ما لك لم تلق حمائل السيف في عنقي؟ ~~قلت: إنه قد عفي عنك. قال: فخل عني إذا. قلت: أمرني أن أعطيك عشرة آلاف ~~درهم. قال: لا حاجة لي فيها، خل عني. قال: إذا أمرنا بأمر انتهينا إليه. ثم ~~قلت له: كنت تهمهم في قفاي إذا أنا أردفتك بشيء فما كنت تقول؟ قال: كنت ~~أقول: اللهم أنت كل يوم في شأن لا يشغلك شأن عن شأن فاجعلني من شأنك حتى ~~تنقل ما في قلب هذا الرجل من الغضب إلى الرضى ومن الغلظة إلى اللين والرقة ~~يا أرحم الراحمين. # وعن إبراهيم بن المهدي أنه بينا هو في مجلس المأمون إذ تكلم بكلام أسقط ~~فيه وكان كلامه يحتمل أمرين. فقام وعلم أنه قد أخطأ فقال: إن رأى سيدي أن ~~يأذن لي في الكلام. قال: قل. قال: نساؤه طوالق وماله صدقة وعبيده أحرار وكل ~~نذر وضعه الله جل وعز بين عباده ففي عنقه دون الخلق حتى يفي به إن كان ما ~~تكلم به إلا لجهة كذا وكذا وتأويل كذا وكذا. قال: فتبسم المأمون وقال: ~~اجلس، إني والله ما ذهبت حيث ظننت وما كنت لأعفو عن الكل وآخذ بالجزء، ~~ولولا أني في مجلس يرق عن الإغضاء على أكثر الحالات ثم بلغ مني رجل ما يبلغ ~~من عبده ما وجد عندي إلا الصفح والعفو، وما أحسبني أؤجر عليه إذ كان لا ~~يؤثر في وإنما الأجر بقسط الألم وميزان المضض. # وعن بعضهم أن واليا أتي برجل قد جنى جناية فأمر بضربه، فلما مد قال: بحق ~~رأس أمك إلا عفوت عني! فأبى. فقال: بحق عينيها! قال: اضرب. قال: بحق خديها ~~ونحرها! قال: اضرب. قال: بحق ثدييها! قال: اضرب. قال: بحق سرتها! قال: دعوه ~~لا ينحدر إلى أسفل. ### | مساوئ تعدي السلطان # PageV01P219 # قال: قال جميل بن بصبهري: إياك أن تصحب السلطان بالجرأة عليه ms406 والتقصير في ~~المعرفة بقدره والتهاون بأمره، ولتكن صحبتك له بالحذر وشدة التوقي كما تصحب ~~الأسد الضاري والفيل المغتلم والأفعى القاتلة، ولا تصحب الصديق إلا ~~بالتواضع ولين الجانب، واصحب العدو بالحجة فيما بينك وبينه والإعذار عليه، ~~واصحب العامة بالبر والبشر الحسن. وقد قيل: سبع غشوم خير من وال ظلوم. # وحدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: أتي الوليد بن عبد الملك برجل من ~~الخوارج وعنده عمر بن عبد العزيز وخالد بن الريان فقال له الوليد: ما تقول ~~في أبي بكر؟ قال: صاحب نبي الله في الغار وثاني اثنين رحمه الله وغفر له. ~~قال: فما تقول: في عمر؟ قال: هو الفاروق رحمه الله وغفر له. قال: فما تقول ~~في عثمان؟ قال: كان سنيات من خلافته ملازما للعدل. قال: فما تقول في مروان ~~بن الحكم؟ قال: لعن الله ذاك. قال: فما تقول في عبد الملك؟ قال: ذلك ابن ~~ذاك لعن الله ذاك. قال: فما تقول في؟ قال: بني ذينك وأنت شر الثلاثة. فقال: ~~يا عمر ما تقول فيما تسمع؟ قال: يا أمير المؤمنين ما أحد أعلم بهذا منك ~~وأنت أعلى به عينا. فألح عليه والله لتقولن، فقال: أما إذا أبيت يا أمير ~~المؤمنين إلا أن أقول فسب إياه كما سب إياك وأن تعفو أقرب للتقوى. قال: ليس ~~إلا هذا. قال: لا يا أمير المؤمنين إلا أن تدخلك جبرية، فأما الحق فليس إلا ~~هذا. # فالتفت إلى خالد بن الريان وهو قائم على رأسه ثم قام وهو غضبان. فقال ~~خالد: والله يا عمر لقد نظر إلي أمير المؤمنين نظرة ظننت أنه سيأمرني بضرب ~~عنقك. قال: ولو أمرك كنت تفعل؟ قال: إي والله. قال: أما إنه كان يكون شرا ~~لكما وخيرا لي. # ثم سكت عنه وبقي ذلك في قلبه، فلما قام الوليد من مجلسه دخل على امرأته ~~أم البنين بنت عبد العزيز وهي أخت عمر فقال: أخوك الحروري والله لأقتلنه. # فمكث أياما وعمر في منزله لا يحضر الباب ولا يلتمس المعذرة، فأتاه رسول ~~الوليد وقت القائلة فدعاه، ms407 فلما دخل من باب القصر عدل به إلى بيت فأدخل فيه ~~وطين عليه الباب. فرجع صاحب دابته إلى أهله فأخبرهم فأخبروا أخته بذلك ~~فبحثت عن خبره فلم تجد أحدا يخبرها بخبره وذلك يوم الثالث. فقيل لها: إن ~~فلانا الخصي يعلم علمه. فأرسلت إليه فأعلمها بموضعه. فدخلت على الوليد ~~فناشدته الله والرحم وقبلت يده. فقال: قد وهبته لك إن أدركته حيا قال. ~~ففتحوا عنه الباب فوجدوه قد انثنى عنقه فحملوه إلى منزله وعالجوه. # فلما توفي الوليد وكان سليمان بعده فهلك وتولى عمر الخلافة جاء خالد بن ~~الريان في اليوم الذي استخلف فيه عمر، رحمه الله، متقلدا سيفه، فقال له ~~عمر: يا خالد انطلق بسيفك هذا فضعه في بيتك واقعد فيه فإنه لا حاجة لنا ~~فيك، أنت رجل إذا أمرت بشيء فعلته لا تنظر لدينك. فلما ولى خالد نظر عمر في ~~قفاه فقال: اللهم يا رب إني قد وضعته لك فلا ترفعه أبدا. فما لبث إلا جمعة ~~حتى ضربه الفالج فقتله. # قال: ولما قالت التغلبية للجحاف بن حكيم في وقعة البشر: فض الله عمادك، ~~وأطال سهادك، وسلبك حياتك، فوالله لئن قتلت إلا نساء كالدمى أو أسافلهن دمي ~~وأعاليهن ثدي. فقال لمن حوله: لولا أن يلد منها حكيم لخليت سبيلها. فبلغ ~~ذلك الحسن البصري فقال: إنما الجحاف جذوة من نار جهنم. # قيل: ولما بنى زياد البيضاء بالبصرة أمر أصحابه أن يسمعوا من أفواه ~~الناس، فأتي برجل قيل إنه تلا: " أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع ~~لعلكم تخلدون ". فقال: ما دعاك إلى هذا؟ قال: آية من كتاب الله عز وجل ~~حضرت. قال: والله لأعلمن فيك الآية الثانية: " وإذا بطشتم بطشتم جبارين ". ~~فأمر فبني عليه ركن من أركان القصر. # PageV01P220 # قيل: إن الحجاج لما أتى المدينة أرسل إلى حسن بن حسن فقال: هات سيف رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، ودرعه. فقال: لا أفعل. قال: فجاء الحجاج بالسيف ~~والسوط والعصا فقال: والله لأضربنك بهذه العصا حتى أكسرها! ثم قال: لأضربنك ~~بهذا السوط حتى أقطعه، ثم ms408 لأضربنك بهذا السيف حتى تبرد أو تأتيني بهما! ~~فقال الناس: يا أبا محمد لا تتعرضن لهذا الجبار. قال: فجاء الحسن بسيف رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، ودرعه فوضعهما بين يدي الحجاج. فأرسل الحجاج إلى ~~رجل من آل أبي رافع فقال له: هل تعرف سيف رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ ~~فخلطه بين أسيافه ثم قال: أخرجه، فأخرجه. ثم جاء بالدرع فنظر إليها فقال: ~~هناك علامة كانت على الفضل بن العباس يوم اليرموك فطعن بحربة فخرقت الدرع. ~~فرفعناها فوجدنا الدرع على ما قال. فقال الحجاج للحسن: أما والله لو لم ~~تجئني به وجئت بغيره لضربت به رأسك. # وذكروا أن الحجاج قال يوما لحاجبه: اعسس الليلة بنفسك فمن وجدته فجئني ~~به، فلما أصبح أتاه بثلاثة نفر، فقال الحجاج لواحد منهم: ما كان سبب خروجك ~~بالليل وقد نادى مناد ألا يخرج أحد ليلا؟ فقال: أصلح الله الأمير! كنت ~~سكران فغلبني السكر فخرجت ولا أعقل. ففكر الحجاج ساعة ثم قال: سكران غلبه ~~سكره خلوا عنه لا تعودن. وقال للآخر: فأنت ما كان سببك؟ قال: أصلح الله ~~الأمير! كنت مع قوم في مجلس يشربون فوقعت بينهم عربدة فخفت على نفسي فخرجت. ~~ففكر الحجاج في نفسه ثم قال: رجل أحب المسالمة خلوا عنه. ثم قال للآخر: ما ~~كان سبب خروجك؟ قال: لي والدة عجوز وأنا رجل حمال فرجعت إلى بيتي فقالت ~~والدتي: ما ذقت اليوم طعاما، فخرجت ألتمس لها ذلك فأخذني عسس الأمير. ففكر ~~ساعة ثم قال: يا غلام اضرب عنقه. فإذا رأسه بين رجليه. ### | محاسن الحلم # حكي عن أنوشروان أن وفودا وردوا عليه من قبل الملوك فأتوه واستأذنوا، ~~فأمر رجلا من بطانته أن يأتيه بتاجه. فأقبل الرجل بالتاج فارتعشت يده وسقط ~~التاج من يده فانكسر وذلك بعين كسرى. فغض طرفه لئلا يرعبه. فتناول الرجل ~~التاج وقال له كسرى: لا بأس عليك! انطلق إلى الحاجب ومره أن يصرف الوفود في ~~هذا اليوم. # وحكي عنه أيضا أنه دعا كاتبه وعرض عليه كتابا ورد عليه من قبل ms409 أصبهبذ ~~خراسان فيه أخبار من أخبار الترك فجعل يؤامره فيها وإن رهطا من خاصته قاموا ~~خلف سريره فتسمعوا عليه فعطس واحد منهم فالتفت كسرى ونظر إليهم وقال: لا ~~ينبغي أن تسمعوا سر الملك، وقد صفحت عنكم فلا تعودوا لمثل ذلك. # قال: وقال رجل من قريش: ما أظن معاوية أغضبه شيء قط. فقال بعضهم: إن ذكرت ~~أمه غضب. فقال مالك بن أسماء المنى القرشي: أنا أغضبه إن جعلتم لي جعلا. ~~ففعلوا. فأتاه في الموسم فقال له: يا أمير المؤمنين إن عينيك لتشبهان عيني ~~أمك. قال: نعم كانتا عينين طال ما أعجبتا أبا سفيان. ثم دعا مولاه شقران ~~فقال له: اعدد لأسماء المنى دية ابنها فإني قد قتلته وهو لا يدري. فرجع ~~وأخذ الجعل. فقيل له: إن أتيت عمرو بن الزبير فقل له مثل ما قلت لمعاوية ~~أعطيناك كذا وكذا. فأتاه فقال له ذلك فأمر بضربه حتى مات. فبلغ معاوية ~~فقال: أنا والله قتلته. وبعث إلى أمه بديته وأنشأ يقول: # ألا قل لأسماء المنى أم مالك ... فإني لعمر الله أهلكت مالكا # قيل: وجاء رجل إلى الأحنف بن قيس فلطم وجهه فقال: بسم الله يا ابن أخي ما ~~دعاك إلى هذا؟ قال: آليت أن ألطم سيد العرب من بني تميم. قال: فبر يمينك ~~فما أنا بسيدها، سيدها حارثة بن قدامة! فذهب الرجل فلطم حارثة فقام إليه ~~حارثة بالسيف فقطع يمينه. فبلغ ذلك الأحنف فقال: أنا والله قطعتها. # وعن إسحاق بن إسماعيل قال: حدثني أبي أنه كان يتغدى مع يحيى بن خالد ~~البرمكي يوما إذ طلب أرزة اشتهاها فأمر الطباخ باتخاذها بدهن النارجيل فغلط ~~الطباخ وجعل مكان الدهن نفطا وأتاه بها. فلما وضع يده فيها قال: ارفع. ولم ~~يقل شيئا سوى ذلك. # PageV01P221 # وحكى جعفر ابن أخت أبي العباس قال: دخلت على المأمون ويداه معلقتان من ~~شيء رطب أكله قد مسته النار وهو يصيح: يا غلام. وكلهم يسمع صوته فما منهم ~~أحد يجيبه. فخرجت إليهم وأنا أفور غضبا فإذا بعضهم يلعب بالشطرنج وبعضهم ~~بالكعاب وبعضهم ms410 يهارش الديوك. فقلت: يا بني الفواعل أما تسمعون أمير ~~المؤمنين يدعوكم؟ فقال واحد: حتى أقيس هذا الكعب. وقال الآخر: قد بقيت على ~~ضربه. وقال آخر: امض فإني أتبعك. فما علمت ما أخاطبهم به من الحنق عليهم، ~~فإذا المأمون قد صوت بي وأنا أقذف أمهاتهم. فأتيته وهو يضحك. فقال: ارفق ~~بهم فإنهم بشر مثلك. فقلت: تقول هذا وأنت معلق اليد؟ فقال: وهذا معاشرتك ~~خدمك؟ فقلت: والله لو فعل بي هذا ولدي من دون خدمي لقتلته! قال: هذه أخلاق ~~السوقة وأخلاقنا أخلاق الملوك. فقلت: لا والله ما هذه أخلاق الملوك ولا ~~أخلاق الأنبياء عليهم السلام. # وقال ثمامة بن أشرس: والله إني لفي مجلس المأمون وعنده عمرو بن مسعدة ~~وأبو عباد والعباسي ومحمد بن أبي محمد اليزيدي إذ دخل علي بن صالح فقال: ~~محمد بن الفضل بن سليمان الطوسي بالباب. قال: يدخل. فدخل وسلم وفي يده كتاب ~~فأشار به إلى المأمون. فقال المأمون: اذكر ما فيه. فقال: يا أمير المؤمنين ~~جعلني الله فداك سر من أسرار الخليفة لا يحتمل إذاعته! قال: وإن كان ذلك ~~فاذكره. قال: يا أمير المؤمنين لست فاعلا! قال: يا هذا ما بحضرتنا من نكتمه ~~أسرارنا فأبد ما عندك. فأعاد محمد بن الفضل مثل قوله الأول والثاني. فقال ~~المأمون إني لأعلم ما في كتابك! قال: هذه كهانة! قال: فنزل المأمون عن فرشه ~~ورفع سترا كان في ظهر مجلسه ودخل وأشار إلينا وقال: لا تبرحوا. فجاء علي بن ~~صالح فأخذ بيد الطوسي وقال: قم فأنت أشأم من البسوس. فأقعده خلف حائط بقرب ~~المجلس لكي إن خرج لا يراه وإن دعاه أحضره. قال: فجعل كل واحد منا يرجف ~~بجنس من المكروه وكلنا خائفون عليه، فواحد يقول: يأخذ الساعة أمواله ~~وينفيه. وآخر يقول: يضرب عنقه. قال: فأبطأ علينا المأمون ثم خرج ووجهه مسفر ~~ضاحكة سنه، فقال: سمعتم ما كلمني به هذا الخائن، إنه والله لما بلغ مني ~~كلامه لم أجد بدا ولا دواء إلا ملاعبة الجواري والنساء ليزول عني ما قد ~~تداخلني، وقد ms411 أسمعني ما أكره بضع عشرة مرة واحتملته. ### | مساوئ من سخط عليه وحبس # في الحديث المرفوع قال: شكا يوسف، عليه السلام، إلى ربه جل وعز طول الحبس ~~وأوحى الله تبارك وتعالى إليه: أنت حبست نفسك حيث قلت رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه، ولو قلت العافية أحب إلي عوفيت. # قال: وكتب يوسف على باب السجن: هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة ~~الأعداء وتجربة الأصدقاء. ودعا لأهل الحبس بدعوتين هما معروفتان فيهم إلى ~~اليوم: اللهم اعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار. فكل الناس ~~يرحمونهم والأخبار من كل جهة عندهم. # قال: ولما خرج جعفر الأحمري من الحبس وأدخل على المهدي في الحديد قال له: ~~يا فاسق أزلك الشيطان وأغواك، وفي غمرة الجهل أرداك، وعن الهدى بعد البصيرة ~~أعماك، حتى تركت الطريقة ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة، كيف رأيت الله ~~كشف أمرك وأعلن فسقك وأظهر ما كنت تخفي من سقم سريرتك وخبث نيتك فأوردك حوض ~~منيتك وذلك بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد! قال جعفر: لا والذي لم ~~يزل بعباده خبيرا، وبعث محمدا، عليه وعلى آله السلام، بالحق بشيرا، طهر ~~أهله من دنس الريب تطهيرا، ووقفني بيد يديك أسيرا، وجعلك علينا سلطانا ~~أميرا، ما خنت الإسلام نقيرا، ولا أضللت الهدى منذ كنت بصيرا، فلا تقدم علي ~~بالشبهة تقديرا، بسعي ساع سوف يجزي بسعيه سعيرا. # فقال المهدي: ما يغني عنك وسواسك، فما تهذي من أم رأسك، قد تناهت إلي ~~أخبارك، وأداها من كان يقفو آثارك، ويعرف أسرارك، ومن بايعك من أعوانك ~~الذين وازروك على ضلالك، فأقلل، لا أم لك، تشجعك، فقد حل قضاؤك، وحان ~~حصادك. # فقال جعفر: إن تقتلني تقتل مني علما فلا تجعل لي على ظهرك وزرا فأصير لك ~~يوم القيامة خصما، وأنت تعلم أنك لا تجيء بقتلي عدلا ولاتنال به فضلا، فاتق ~~الذي خلقك وأمر عباده ملكك وبالعدل فيهم أمرك، ولا تحكم علي بحكم عن الهدى ~~مائل، فإنك للدنيا مفارق وعنها راحل، وكل ما أنت فيه فمضمحل ms412 زائل. # PageV01P222 # قال له المهدي: تطالبني وأنت المطلوب، وبباطلك تغلب حقي وأنت المغلوب، ~~الآن ظهر فسادك، وبلغ غرسك، ودبت عقاربك، اللهم إلا أن تقر بذنبك وتعترف ~~بجرمك وتتوب إلى ربك وتحقن بالإنابة دمك، فإن فعلت ذلك أمهلنا أمرك وأطلنا ~~حبسك وإلا فاحتسب نفسك ولا تلم إلا جهلك. # قال جعفر: ما لي ذنب فأستغفر ولا جرم فأعترف ولا لي بك قوة فأنتصر، وأنت ~~على ظلمي مقتدر، فإن كنت تعلم أن ما بعد الموت مصدر ولا للعباد بعد البلى ~~محشر ولا للظالم موعد يخاف منه ويحذر فاعمل من هذا ما شئت واستكثر. # قال المهدي: لا والذي بمكة بيته الحرام، وحوله الشعث العاكفون قيام، ما ~~أخشى في إقامة الأحكام عليك وعلى أشباهك إثما ولا زورا، فاستسلم للقتل ودع ~~الكلام، فإنه إذا عقر الأساس تداعى النظام، وإذا انكسرت القوس تعطلت ~~السهام، وأنت فطال ما أعنت على إطفاء النور بريح الظلام. # قال جعفر: اعف فإنك كريم جواد سامح، ولا تقبل في قول العدو الكاشح، فإني ~~من الإسلام على الطريق الواضح، رفيق على أهله ولهم ناصح، أبر العالمين بفهم ~~راجح، فلا تقدم علي بقول كلب نابح، فقتلك إياي عمل غير صالح. # قال المهدي: مذهبك واعتقادك تزعم أن الآخرة بعد فراق الساهرة، وأن الناس ~~كانوا أعلاما زاهرة، وأشجارا ناضرة، وزروعا غاضرة، تلبث يسيرا ثم تعود ~~هشيما، وإن من مات لا يعود كما أن ضوء المصباح إذا طفيء لا يرجع. # قال جعفر: لا والذي يخلق ويبيد، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، ما قلت ~~ذلك وهو له شهيد، وإني أخلص له التوحيد والتفريد والمشية والتحديد، وأشهد ~~أنه الغفور الودود، يعلم منقلب العبيد. # قال المهدي: إن كنت تحب خلاص نفسك ورقبتك فأحضرني كتاب زندقتك الذي ~~بالجهل ألفته وبالباطل زينته وبالضلال زخرفته، سميته أس الحكمة وبستان ~~الفلسفة، زعمته مستخرجا من ديوان الإلهام منظما بحسن الكلام، عنفت فيه ~~الإسلام وأضللت فيه الأنام. # فقال جعفر: لا والذي خلق الظلمات والنور، ودبر الأمور وهو قادر على أن ~~يبعث من في القبور، ما هذا إلا ms413 إفك مجترح وزور، وإن ديني لظاهر منير تقديمي ~~ذرية من هو مع الله جل وعز في كل فرض لازم أمام النبيين في البيت المعمور، ~~فاتق الذي خلقك وأمر عبادك قلدك يعلم خفيات الأمور. # قال المهدي: وأصفح لك عن هذا فما حجتك في كتابك الذي أضل أهل الشقاق ~~والنفاق ومن منهم في الأندية والأسواق يقرأونه ويتدارسونه في الآفاق، أما ~~بعد أعلمكم أن الله جل وعز عدل لا يوالي الظالمين ولا يرضى فعال الجاهلين، ~~وأنه ليس لله بولي من رضي بأحكام الجائرين، فسيحوا في الأرض حيث لا تنالكم ~~أيدي المعتدين، فإن بني العباس طغاة كفرة، أولياؤهم فسقة وأعوانهم ظلمة، ~~دولتهم شر الدول، عجل الله بوارهم وهدم منارهم والعاقبة للمتقين. # قال جعفر: هذا والله بهتان عظيم جدا قذفني به قاذف عمدا وأنت تعلم أني ما ~~خالفت لكم أمرا ولا غبت منكم أحدا، فاقبل المعذرة وأقل العثرة وتغمد الهفوة ~~واغتفر الزلة فإنك راع مسؤول. # قال المهدي: أولم أبلغ أنك في الغوغاء تحثهم على شق العصا ومخالفة الأمر ~~وتحيدهم عن طاعة الخلفاء، فأي داهية أدهى منك؟ قال جعفر: ما بلغت حقا ولقد ~~طوى النصيحة من أودع قلبك بهتانا وإفكا فلا تقبل في قول من ظلم واعتدى ~~وبفسادي إليك سعى، فإن الله جل وعز سائله يوم يود الظالم يا ليته لم يكن ~~أميرا، ولا كان المضل له وزيرا. # قال المهدي: إنك لجاهل أن تقيم اعوجاجك بكثرة احتجاجك، هيهات لا يكدر ~~صفوتي مزاجك، وقد قيل: من ظفر بحية لا يأمن لسعها ثم لم يشدخ رأسها كانت ~~سبب حتفه، ولعمري إن من يكون له عدو مثلك يرقب غرته وينتظر فورته ولا يطلق ~~يده بقتله لعاجز. # قال جعفر: وما بلغ الله بقدر النملة ونكاية النحلة وإنما يكتفي مثلي من ~~مثلك بلحظة، فالكرماء رحماء بررة، والقسوة في اللئام الشررة. قال المهدي: ~~من تنته أيامه لاحت في الظلام أعلامه وأسرع به أن يذوق حمامه، يا غلام سيفا ~~قاطعا وضاربا حاذقا! قال جعفر: إن كنت تؤمن بالمعاد وتتقي من الحشر يوم ~~التناد، ms414 يوم يجمع الله فيه العباد، تعلم أن طالب ثأري لك بالمرصاد، ومن لم ~~يكن له في الموت خير فلا خير له في الحياة، إن قدمتني أمامك فأنا قاعد لك ~~على الجادة التي ليس عنها مرحل الحاكم يومئذ غيرك. # PageV01P223 # قال: فسكت المهدي طويلا ثم التفت إلى أصحابه فقال: كيف أقدم على قتل رجل ~~لا يخاف مكيدتي ولا يرعبه سلطاني ولا يتقي سطوتي وأعواني، يناصبني كلامي ~~ويفسخ احتجاجي، كيف ولو كنا بين يدي من لا يخاف جوره ولا يتقى ميله وحيفه ~~كان لسانه أمضى وقلبه أجرى وخصمه أذل! خلوا سبيله. فمضى. # وحكي عن عدي بن زيد أنه كان ترجمانا بين كسرى وبين العرب وأنه أشار على ~~كسرى بتولية النعمان بن المنذر الملك، وكان له عبد يعرف بعدي بن قيس فوشى ~~إلى النعمان بعدي بن زيد وذكر أنه كان السبب في تمليكه، فسجنه النعمان وسخط ~~عليه وتغير له وحبسه. فكتب عدي بن زيد إلى النعمان يستعطفه: # أبا منذر جازيتني الود سخطة ... فماذا جزاء المجرم المتبغض # وإن جزاء الحر منك كرامة ... وليس بنصح فيك بالمتعرض # فلم يحفل النعمان بقوله. فقال يذكر حبسه: # إن للدهر صولة فاحذرنها ... لا تبيتن قد أمنت الدهورا # قد يبيت الفتى صحيحا فيردى ... ولقد بات آمنا مسرورا # إنما الدهر لين ونطوح ... يترك العظم واهنا مكسورا # فسل الناس أين آل قبيس ... طحطح الدهر قبلهم سابورا # خطفته منية فتردى ... وهو في ذاك يأمل التعميرا # ولقد عاش ذا جنود وتاج ... ترهب الأسد صوله والزئيرا # وبنو الأصفر الكرام ملوك ال ... روم لم يبق منهم مذكورا # ثم إن عديا كتب إلى صاحب له مقيم بباب كسرى يقال له أبي: # فأبلغ أبيا على نأيه ... وهل ينفع المرء ما قد علم # بأن أخاك شقيق الفؤاد ... يكاد لنأيك أن يخترم # لدى ملك موثق بالحدي ... د إما بحق وإما ظلم # فلا تلفين كثير الرق ... د بل اصرم الرأي ثم اعتزم # فلما قرأ هذه الأبيات دخل على كسرى فأخبره بما كان من النعمان إلى عدي، ~~فغضب كسرى وبعث برجل من مرازبته ms415 إلى النعمان أن يطلق عديا ويبعث به إليه. ~~فأقبل الرسول حتى دخل إلى النعمان وأدى إليه رسالة كسرى. # فقال: نعم أنا أطلقه. ودس إلى عدي من قتله ثم قال للرسول: ادخل السجن حتى ~~تخرجه. فلما دخل إليه وجده ميتا، فرجع إلى النعمان وقال له: عجلت عليه ~~وقتلته وأنا مخبر كسرى بذلك. فوصله بألف دينار وسأله تحسين أمره عند كسرى. ~~فانصرف الرسول فأخبر كسرى بموته. # وكان لعدي ابن يقال له زيد، فخاف النعمان على نفسه فهرب من الحيرة حتى ~~أتى المدائن فدخل على كسرى وتعرف له فقربه وبره. فقال لكسرى ذات يوم: أيها ~~الملك إن لعبدك النعمان ابنة يقال لها حرقة وأختا تسمى سعدى وابنة عم تسمى ~~لباب وليس في جميع الأقاليم أحسن منهن. فكتب كسرى إلى النعمان أن احمل إلي ~~ابنتك حرقة وأختك سعدى وابنة عمك لباب على يدي خادم له. فقال زيد: أيها ~~الملك ابعث بي مع الخصي. فقال: اخرج على اسم الله وعجل علي بالنسوة. فخرجا ~~حتى قدما الحيرة فدخلا على النعمان ودفعا إليه الكتاب. فلما قرأه قال: أما ~~في عين السواد وفارس ما يغني الملك عن العربيات السود الأبدان الحمش ~~السيقان؟ فقال الخادم لزيد: ما يقول النعمان؟ قال: يقول: ما في بقر فارس ~~والسواد ما يغني الملك عن العربيات؟ فخرج الخادم حتى أتى كسرى فأخبره بما ~~سمعه من النعمان وقال: أيها الملك إن الكلب الذي بعثت بي إليه قد سمن وتعدى ~~طوره. فوقع ذلك في قلب كسرى وغضب على النعمان ودعا إياس بن قبيصة الكناني ~~وولاه مكان النعمان فأمره أن يكبل النعمان بالحديد ويبعث به إليه، فبلغ ذلك ~~النعمان فاستودع أهله وولده وخزائنه وسلاحه وابنته حرقة وخيله عند هانيء بن ~~مسعود المزدلف ثم خرج حتى أتى المدائن فلقي زيد بن عدي فقال له: يا ابن ~~اللخناء لئن بقيت لك لألحقنك بأبيك! فقال له زيد: أما والله بنيت لك عند ~~الملك بنية لا تصلح بعدها أبدا. ثم دخل على كسرى ودخل زيد بعده. فقال زيد: ~~أيها الملك إن ms416 هذا العبد إذا جلس على سريره ووضع التاج على رأسه ودعا ~~بشرابه لم يظن أن لك عليه سلطانا. فأمر كسرى بالنعمان أن يلقى بين أرجل ~~الفيلة، ففعل به ذلك فداسته الفيله وقتلته، وهيج ذلك حرب ذي قار. # PageV01P224 # وحدث الهيثم بن الخليل الشيعي، وكان موكلا بحبس البرامكة من قبل هرثمة بن ~~أعين، قال: أتى مسرور الخادم الحبس يوما ومعه خدم في يد بعضهم منديل ملفوف ~~على شيء، فأمرني بإخراج الفضل بن يحيى، فأخرجته. فقال: إن أمير المؤمنين ~~يقول لك اصدقني وإلا فقد أمرت مسرورا أن يضربك مائتي سوط. فنكس رأسه ساعة. ~~فقال له مسرور: يا أبا العباس الرأي لك أن لا تؤثر مالك على مهجتك فإني لا ~~آمن إن نفذت ما أمرني به أن آتي عليك، ومع هذا فإن صرت إلى رضى أمير ~~المؤمنين فإن المال يأتيك كما أتاك وإن يك غير ذلك فما حاجتك إلى المال؟ ~~فرفع رأسه وقال: والله يا أبا هاشم ما كذبت أمير المؤمنين ولا كذبتك، لو ~~كانت الدنيا لي ثم خيرت بين الخروج منها وبين أن أقرع بمقرعة بسببها لاخترت ~~الخروج منها، وأمير المؤمنين يعلم وأنت تعلم أني كنت أصون عرضي بمالي فكيف ~~أصون الآن نفسي بمالي! فإن كنت أمرت بشيء فامض له. # فأمرنا بالمنديل فنفض وسقط منه سياط بثمارها، فضربه مائتي سوط، وتولى ~~ضربه الخدم فضربوه أشد ضرب ولم يحسنوا أن يضربوه فضربته الحمرة وخيف عليه. ~~فقيل له: هاهنا فتى كان في الحبس هو بصير هذا. فأتيته فسألته فقال: لعلك ~~تعالج الفضل بن يحيى فقد بلغنا خبره. قلت: نعم. قال: فامض بي إليه. قلت: ~~وتجسر على ذلك؟ قال: نعم والله لو قطعت. فجئت به فلما رآه قال: ليس بشيء، ~~ضرب خمسين سوطا! قلنا: بل ضرب مائتين! قال: هذا أثر خمسين، وأحتاج أن أنيمه ~~على بارية وأدوس صدره. فجزع الفضل من ذلك وأبى أن يفعل، فخوفناه تلف نفسه ~~وناشدناه حتى فعل، فأخذ بيده بعض من حضر وأخذت بيده الأخرى ثم جررناه على ~~البارية فإذا عليها صورته ms417 من لحم ظهره. فقال: لا بد لي من أن أعيده. ~~فأعاده. ثم اختلف إليه، فبينا هو ينظر إليه يوما إذ خر ساجدا فقلت: ما لك؟ ~~قال: برأ أبو العباس بإذن الله. فدنوت فأراني في ظهره لحما ناتئا كهيئة ~~الدعاميص الحمر ثم قال: أتحفظ قولي إنه أثر خمسين سوطا؟ لو ضرب ألف سوط ما ~~كان أثرها بأشد من ذلك، ولكني قلت ما قلت لتقوى نفسه فيعينني على علاجه. ~~وخرج. # وسألني الفضل أن ألقى بعض إخوانه وأعلمه أنه يحتاج إلى عشرة آلاف درهم. ~~فأتيت بعض إخوانه وأعلمته أنه يحتاج إلى عشرة آلاف درهم. فسألني أن أحملها ~~إليه وأمرني بدفعها إلى الرجل الذي عالجه. فلما مضيت بها إليه وجدته غائبا ~~عن منزله ورأيت بابه مغلقا فملت إلى مسجد هناك منتظرا له حتى عاد فقمت إليه ~~ودخلت منزله فإذا بيت فيه حصيران ومسورتان وطنبور وثلاث دساتيج وقناني ~~وأقداح. فقال: ما حاجتك؟ فأقبلت أعتذر إليه وأذكر حاله ثم أعلمته ما وجهني ~~له. فنخر نخرة حتى أفزعني ثم قال: عشرة آلاف! فجهدت الجهد كله به أن يقبلها ~~فأبى، فعدت إلى الفضل فأعلمته. فقال: إنه استقلها والله! قلت: لا أظن. قال: ~~بلى وإلا فما معنى قوله عشرة آلاف درهم! ولكن تعود إلى صاحبنا وتسأله عشرة ~~آلاف أخرى وتحملها إليه. # فحملتها إلى الرجل فنخر نخرة أشد من نخرته الأولى ثم قال: أنا أعالج فتى ~~من الأبناء بكراء، أنا طبيب! والله والله لو كانت عشرة آلاف دينار ما ~~قبلتها. فخرجت من عنده وسألت عن معيشته فقيل: له برج يصعد إليه في كل يوم ~~فيبيع فراخه وصيده ويعتكف على ما تراه. فرجعت إلى الفضل وأخبرته فتعجب ثم ~~قال: أخبرني بأعجب ما رأيته منا وأحسنه. فاندفعت أحدثه. فلما رأى إطنابي ~~قال: بالله أينا أحسن أفعالا نحن أم هذا الفتى؟ فإذا هو يستقبح أفعالهم مع ~~فعله ويستصغرها. # قال: ودخل ابن الزيات على الأفشين وهو محبوس مكبل بالحديد فقال: # اصبر لها صبر أقوام نفوسهم ... لا تستريح إلى عقل ولا قود # فقال الأفشين: من ms418 صحب الزمان رأى الكرامة والهوان. ثم قال: # لم ينج من خيرها أو شرها أحد ... فاذكر شآبيبها إن كنت من أحد # خاضت بك المنية الحمقاء غمرتها ... فتلك أمواجها ترميك بالزبد # PageV01P225 # الشعر الأول والثاني لأبي سعد المخزومي. قال حمدون بن إسماعيل: بعث ~~الأفشين إلى المعتصم من الحبس أن يا أمير المؤمنين مثلي ومثلك مثل رجل ربى ~~عجلا له حتى أسمنه وكبر وحسنت حاله وكان له أصحاب اشتهوا أن يأكلوا من لحمه ~~فعرضوا له بذبح العجل فلم يجبهم إلى ذلك، فاتفقوا جميعا على أن قالوا له ~~ذات يوم: ويحك لم تر هذا الأسد وقد كبر؟ والسبع إذا كبر رجع إلى جنسه. فقال ~~لهم: هذا عجل! فقالوا: هذا سبع سل من شئت عنه، وقد تقدموا إلى جميع من ~~يعرفه أنه إن سألهم عنه قالوا هو سبع. فأمر بالعجل فذبح. ولكني أنا ذلك ~~العجل كيف أقدر أن أكون أسدا؟ الله الله في أمري فقد وجب حقي وأنت سيدي ~~ومولاي! فلم يلتفت المعتصم إلى رسالته، وغلظ عليه الأمر حتى قيل إنه قد ~~مات، فقال المعتصم: أروه ابنه. فأخرجوه مكبلا بالحديد فطرحوه بين يديه، ~~فلما رآه نتف لحيته ودعا بالويل والثبور ثم ردوه إلى منزل إيتاخ، وكان يطعم ~~في كل يوم رغيفا حتى مات فأخرجوه وصلبوه على باب العامة ثم أحرق ورمي به في ~~دجلة. # قيل: وكان العجيف بن عنبسة ممن خرج مع العباس بن المأمون على المعتصم ~~وسعى في الخلاف عليه، قال: فحدثنا أبو طالب قال: كنت مع محمد بن الفضل ~~الجرجرائي فالتفت إلى رجل عنده فقال: حدث أبا طالب بما حدثتني به. فأقبل ~~علي الرجل يحدثني. فسألت عنه فقيل: هو عمر بن عمرو القرقارة الكاتب. # قال: كنت أتقلد ضياع عجيف بناحية كسكر فرفع علي أني خربت ضياعه فكتب في ~~حملي، فأدخلت عليه في داره التي بسر من رأى وهو يطوف على الضياع وعلى رأسه ~~برطلة خوص، فلما نظر إلي قال: أخربت ضياعي وأخذت أموالي والله لأقتلنك! ~~ودعا بالسياط، فبلت فرقا منه، فكأني أنظر إلى البول ms419 يأخذ في سراويلي يمينا ~~وشمالا، وأومأت إلى الكاتب فالتفت الكاتب إلى عجيف فقال: أيها الأمير أنت ~~مشغول القلب بما يحتاج أن تأمر به وتشرف عليه وهذا في أيدينا فإن كان ما ~~رفع عليه حقا فالأمير من وراء ذلك وإن كان باطلا لم تأثم فيه. فقال: الحبس. ~~فلبثت في الحبس أياما فوجه إلي كاتب عجيف فأتيته، فقال لي: طاب لك المكان. ~~ما معك؟ فبررته بشيء فأطلقني. فقلت لغلامي: قد نالنا من الحبس والغرم ما ~~نالنا، وصديقي فلان بن فلان صاحب الديوان أحتاج أن ألقاه لعل الله عز وجل ~~أن يسهل عملا. # فشخص فيه. فأتيت صديقي ذلك فقال لي: أنت في الحياة! هاهنا عمل في ديار ~~ربيعة أقلدكه. # فتقلدته وخرجت أنا وغلامي فما زلت أسير حتى أتيت باعيناثا، فغمزني البول ~~في السحر وهي مقمرة فنزلت عن دابتي وجلست وأنا أبول فقلت لغلامي: ويحك ~~لكأني أبول في ثيابي فاطلب لي ماء. فقال: الناس نيام. فلم أزل واقفا حتى ~~خرج بعض أوائل الأنباط فطلب الغلام منه ماء فجاء به فجعل هو والغلام يصبان ~~علي الماء وأنا أغسل ثيابي. فقال لي النبطي: وأين بلت؟ قلت: هاهنا. قال: ~~هذا نطع عجيف! قلت: عجيف! قال: نعم. قلت: ما يعمل عجيف هاهنا؟ قال: أوما ~~بلغك أن أمير المؤمنين بعث إليه بشربة فأقامته ثلاثمائة مجلس فمات فلف في ~~نطع وها هوذا؟ فصبرت حتى أصبحت فنظرت إلى النطع فقلت: لا إله إلا الله! ~~بينا أنا بالأمس بين يديه أبول من فرقه حتى جئت فبلت عليه. # قيل: وسخط المعتصم على الفضل بن مروان فأمر بحبسه وتقييده واستئدائه ألف ~~ألف دينار وستمائة ألف دينار ورفعت فيه القصص، فأقبل أحمد بن عمار يقرأها ~~فوقعت في يده قصة في نصف طومار فإذا فيها شعر، فتوقف عن قراءتها. فقال: ما ~~توقفك؟ قال: إنه شعر. قال: هاته. فإذا فيها: # لا تعجبن فما بالدهر من عجب ... ولا من الله من حصن ولاهرب # يا فضل لا تجزعن مما ابتليت به ... من خاصم الدهر أجثاه على الركب # كم من ms420 كريم نشا في بيت مكرمة ... أتاك مختنقا بالهم والكرب # أوليته منك إذلالا ومنقصة ... فخاب منك ومن ذي العرش لم يخب # وكم وثبت على قوم ذوي سرف ... فما تلعثمت عن زور وعن كذب # خنت الإمام وهذا الخلق قاطبة ... وجرت حتى أتى المقدور في الكتب # جمعت شتى وقد أديتها جملا ... لأنت أخسر من حمالة الحطب # PageV01P226 # فقال المعتصم: ليدع صاحب القصة. فدعي فلم يجب. فقال: والله لو جاءني ~~لدفعت إليه الفضل لينفذ فيه أمره. # وقال بعضهم: رأيت على حائط دار الفضل بن مروان مكتوبا: # تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فمثلك كان الفضل والفضل والفضل # ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم التنكيل والحبس والقتل # وإنك قد أصبحت في الناس لعنة ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل # قيل: وكان الواثق غضب على جعفر المتوكل أخيه لبعض أموره فأراد أن يقومه ~~فوكل به عمر بن فرج، فأتى جعفر إلى محمد بن عبد الملك الزيات مستغيثا به ~~ليكلم أخاه، فدخل عليه فمكث مليا واقفا بين يديه لا يكلمه ثم أشار إليه أن ~~يقعد، فقعد، فلما فرغ من نظره في الكتب التفت إليه شبيها بالمتهدد له فقال: ~~ما جاء بك؟ قال: جئت لتسأل أمير المؤمنين الرضى عني. فقال لمن حوله: انظروا ~~إلى هذا يغضب أخاه ثم يسألني أن أسترضيه! اذهب فإنك إذا أصلحت رضي عنك. ~~فقام جعفر كئيبا حزينا لما لقيه به من قبح اللقاء، فخرج من عنده. # وكتب محمد بن عبد الملك إلى الواثق حين خرج جعفر من عنده: يا أمير ~~المؤمنين أتاني جعفر بن المعتصم يسأل أن أسأل أمير المؤمنين الرضى عنه في ~~زي المخنثين له شعر. فكتب إليه الواثق: ابعث إليه فأحضره ومر من يحز شعره ~~ويضرب به وجهه. # فحدث عن المتوكل قال: لما أتاني رسوله لبست سوادا لي جديدا وأتيته رجاء ~~أن يكون قد أتاه الرضى عني، فلما دخلت عليه قال: يا غلام علي بحجام. فدعي، ~~فقال: خذ شعر هذا، فأخذه على السواد الجديد ولم يأتني بمنديل، فأخذ عليه ~~شعري وضرب به وجهي. فما ms421 دخلني شيء من الجزع مثل ما دخلني في ذلك اليوم. ~~قال: فلما ولي جعفر الخلافة بعث إلى محمد بن عبد الملك فدعاه. فركب حتى أتى ~~دار إيتاخ فأخذ سيفه وقلنسوته ودراعته فدفع إلى غلمانه وانصرفوا وهم لا ~~يشكون أنه مقيم عند إيتاخ. ثم سوهر ومنع النوم وسئل عن شيء يعذب به فدل على ~~تنور من خشب فيه مسامير قيام. فحدثت عن أحمد بن أبي دؤاد أنه قال: هو أول ~~من أمر بعمل التنور فابتلي به لصحة المثل: كما تدين تدان، وإن شئت: من ير ~~يوما ير به، وإن شئت: من حفر حفرة هوى فيها، فعذب في التنور. # فحدث الموكل بعذابه فقال: كنت أخرج وأقفل عليه الباب فيمد يديه إلى ~~السماء جميعا حتى يدق موضع كتفيه ثم يدخل التنور ويجلس وفي التنور مسامير ~~حديد وفي وسطه خشبة معترضة يجلس المعذب عليها إذا أراد أن يستريح. قال ~~المعذب له: فخاتلته يوما وأريته أني قد أقفلت عليه ثم مكث قليلا ودفعت ~~الباب فإذا هو قاعد، فقلت: أراك تعمل هذا! فكنت إذا خرجت شددت خناقه، فما ~~مكث بعد ذلك إلا أياما حتى مات. فوجد على حائط البيت الذي كان فيه من قبل ~~التنور: # لعب البلى بمعالمي ورسومي ... ودفنت حيا تحت ردم غموم # وشكوت غمي حين ضقت ومن شكا ... كربا يضيق به فغير ملوم # لزم البلى جسمي وأوهن قوتي ... إن البلى لموكل بلزوم # أبنيتي قلي بكاءك واصبري ... فإذا سمعت بهالك مغموم # فانعي أباك إلى نسائه واقعدي ... في مأتم يبكي العيون وقومي # قولي له يا غائبا لا ترتجى ... حتى القيامة مخبرا بقدومي # يا عين كنت وما أكلفك البكا ... حتى ابتليت فإن صبرت فدومي # وقال في التنور الذي عذب فيه: # هيض عظمي الغداة إذ صرت فيه ... إن عظمي قد كان غير مهيض # ولقد كنت أنطق الشعر دهرا ... ثم حال الجريض دون القريض # وله أيضا وهو يعذب في التنور، وقيل إنه آخر ما قاله: # تمكنت من نفسي فأزمعت قتلها ... وأنت رخي البال والنفس تذهب # كعصفورة في كف طفل ms422 يسومها ... ورود حياض الموت والطفل يلعب # فلا الطفل يدري ما يسوم بكفه ... وفي كفه عصفورة تتضرب # قال: وكان إسماعيل بن القاسم في حبس الرشيد فكتب إليه بسوء حاله. فكتب في ~~رقعته: ليس عليك بأس. فكتب إليه: # أرقت وطار عن عيني النعاس ... ونام السامرون ولم يؤاسوا # PageV01P227 # أمين الله أمنك خير أمن ... عليك من التقى فيه لباس # تساس من السماء بكل بر ... وأنت به تسوس كما تساس # كأن الخلق ركب فيه روح ... له جسد وأنت عليه راس # أمين الله إن الحبس بأس ... وقد أرسلت ليس عليك باس # فأمر بإطلاقه وصلته. # قيل: إنه لما غضب المتوكل على سليمان والحسن ابني وهب قال الحسن: # أقول والليل ممدود سرادقه ... وقد مضى الثلث منه أو قد انتصفا # يا رب ألهم أمير المؤمنين رضى ... عن خادمين له قد شارفا التلفا # لئن يكونا أساءا في الذي سلفا ... فلن يسيئا بإذن الله مؤتنفا # فرضي عنهما وأمر بإطلاقهما. # قال الكسروي: وقع كسرى بن هرمز إلى بعض المحتبسين: من صبر على النازلة ~~كمن لم تنزل به، ومن طول له في الحبل كان فيه عطبه، ومن أكل بلا مقدر تلفت ~~نفسه. # ووقع بعضهم لمحبوس سأل الإطلاق: أنت إلى الاستيثاق أحوج منك إلى الإطلاق. ~~وأنشد في هذا المعنى: # ألا أحد يدعو لأهل محلة ... مقيمين في الدنيا وقد فقدوا الدنيا # كأنهم لم يعرفوا غير دارهم ... ولم يعرفوا غير الشدائد والبلوى # وقال أعرابي: # ولما دخلت السجن كبر أهله ... وقالوا أبو ليلى الغداة حزين # وفي الباب مكتوب على صفحاته ... بأنك تنزو ساعة وتلين # ولابن المعتز: # تعلمت في السجن نسج التكك ... وكنت امرأ قبل حبسي ملك # وقيدت بعد ركوب الجياد ... وما ذاك إلا بدور الفلك # ألم تبصر الطير في جوه ... يكاد يلامس ذات الحبك # إذا أبصرته خطوب الزما ... ن أوقعنه في حبال الشرك # فهاذاك من حالق قد يصاد ... ومن قعر بحر يصاد السمك # ووجدنا في أرض البيت الذي قتل فيه بخطه: # يا نفس صبرا لعل الخير عقباك ... خانتك من بعد طول الأمن دنياك # مرت بنا سحرا طير ms423 فقلت لها ... طوباك يا ليتني إياك طوباك # قال: وكتب يحيى بن خالد البرمكي إلى الرشيد: من الحبس لأمير المؤمنين ~~وخلف المهديين وخليفة رب العالمين، من عبد أسلمته عيوبه وأوبقته ذنوبه ~~وخذله شقيقه ورفضه صديقه وزال به الزمان ونزل به الحدثان وحل به الضيق بعد ~~السعة والشقاء بعد السعادة وعالج البؤس بعد الدعة ولبس البلاء بعد الرخاء ~~وافترش السخط بعد الرضى واكتحل السهود وفقد الهجود، ساعته شهر وليلته دهر، ~~قد عاين الموت وشارف الفوت، جزعا يا أمير المؤمنين قدمني الله قبلك من ~~موجدتك وأسفا على ما حرمته من قربك لا على شيء من المواهب، لأن الأهل ~~والمال إنما كانا لك وعارية في يدي منك، والعارية لا بد مردودة، فأما ما ~~اقتصصته من ولدي فبذنبه وعاقبته بجرمه وجريرته على نفسه فإنما كان عبدا من ~~عبيدك لا أخاف عليك الخطأ في أمره ولا أن تكون تجاوزت به فوق ما كان أهله ~~ولا كان مع ذلك بقاؤه أحب إلي من موافقتك، فتذكر يا أمير المؤمنين، جعلني ~~الله فداك وحجب عني فقدك، كبر سني وضعف قوتي وارحم شيبتي وهب لي رضاك عني ~~ولتمل إلي بغفران ذنبي، فمن مثلي يا أمير المؤمنين الزلل ومن مثلك الإقالة، ~~ولست أعتذر إليك إلا بما تحب الإقرار به حتى ترضى، فإذا رضيت رجوت أن يظهر ~~لك من أمري وبراءة ساحتي ما لا يتعاظمك معه ما مننت به من رأفتك بي وعفوك ~~عني ورحمتك لي، زاد الله في عمرك يا أمير المؤمنين وقدمني للموت قبلك. وكتب ~~في أسفله: # قل للخليفة ذي الصنا ... ئع والعطايا الفاشيه # وابن الخلائف من قري ... ش والملوك الهاديه # ملك الملوك وخير من ... ساس الأمور الماضيه # إن البرامكة الذي ... ن رموا لديك بداهيه # عمتهم لك سخظة ... لم تبق منهم باقيه # فكأنهم مما بهم ... أعجاز نخل خاويه # صفر الوجوه عليهم ... خلع المذلة باديه # متفرقين مشتتي ... ن بكل أرض قاصيه # PageV01P228 # بعد الإمارة والوزا ... رة والأمور الساميه # ومنازل كانوا بها ... فوق المنازل عاليه # وتحرم برضاع أو ... في مرضع لك فاديه # فاليوم ms424 قد رموا لدي ... ك بما يشيب الناصيه # أضحوا وجل مناهم ... منك الرضى والعافيه # فإذا رضيت فإن أن ... فسهم بحكمك راضيه # فاليوم قد سلب الزما ... ن كرامتي وبهائيه # واليوم قد ألقى الزما ... ن جرانه بفنائيه # ورمى سواد مقلتي ... فأصاب حين رمانيه # يا من يود لي الردى ... يكفيك ويحك ما بيه # يكفيك ما أبصرت من ... ذلي وذل مكانيه # يكفيك أني مستبا ... ح معشري ونسائيه # ورزئت مالي كله ... وفدى الخليفه ماليه # إن كان لا يرضيك إ ... لا أن أذوق حماميه # فلقد رأيت الموت من ... قبل الممات علانيه # وفجعت أعظم فجعة ... وفنيت قبل فنائيه # ولبست أثواب الذلي ... ل ولم تكن بلباسيه # وعطبت في سخط الإما ... م على رفيع بنائيه # فانظر بعينك هل ترى ... إلا قصورا خاليه # وذخائرا مقسومة ... قسمن قبل مماتيه # وحرائرا من بين صا ... رخة علي وباكيه # ونوادبا يندبنني ... تحت الدجى بكنائيه # يابا علي البرمك ... ي فما أجيب الداعيه # وبكاؤهن وقد سمع ... ت مقلقل أحشائيه # أخليفة الله الرضى ... لا تشتمن أعدائيه # اذكر عهودك لي وما أعطيتني بوفائيه # اذكر مقاساتي الأمو ... ر وخدمتي وعنائيه # ارحم جعلت لك الفدا ... كبري وشدة حاليه # ارحم أخاك الفضل وال ... باقين من أولاديه # فلقد دعوك وقد دعو ... تك إن سمعت دعائيه # أخليفة الرحمان إ ... نك لو رأيت بناتيه # وبكاء فاطمة الكئي ... بة والمدامع جاريه # ومقالها بترجع ... وا شقوتا وشقائيه # من لي ولا من لي وقد ... فصم الزمان قناتيه # وعدمت صفو معيشتي ... وتغيرت حالاتيه # من لي وقد غضب الزما ... ن على جميع رجاليه # أودى الزمان بجوره ... بساستي وحماتيه # يا عطفة الملك الرضى ... عودي علينا ثانيه # فوقع الرشيد في رقعته: ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها ~~رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون. وقد قلت: # يا آل برمك إنما ... كنتم ملوكا عاديه # فطغيتم وبغيتم ... وكفرتم نعمائيه # هذا عقوبة من عصى ... من فوقه وعصانيه # كنتم كشيء قد مضى ... أحلام نوم ساريه # وتمثل بقول مهلهل: # بات ليلي بالأنعمين طويلا ... أرقب النجم ساهرا ms425 أن يزولا # أزجر العين أن تبكي الطلولا ... إن في الصدر من كليب غليلا # إن في الصدر غلة لن تقضى ... ما دعا في الغضون داع هديلا # لم يطيقوا أن ينزلوا فنزلنا ... وأخو الحرب من أطاق النزولا # PageV01P229 # قال أبو أحمد بن القاسم بن واضح، رحمه الله: كان محمد بن الواثق وهو ~~المهتدي بالله قبل الخلافة يكثر عند المعتز بالله الجلوس والخلافة يومئذ ~~بسر من رأى فيرجع المعتز إلى قول محمد في أموره وما يمضيه ويبرمه، وكان ~~كثير المعارضة لأم المعتز فيما تأمر به وتنهى، فلم تزل بالمعتز إلى أن أمر ~~بإحداره إلى مدينة السلام على كره منه، فلما أمر بذلك كان وزيره أحمد بن ~~إسرائيل منحرفا عن محمد بن الواثق وأحب أن يخرجه مع حرمه نهارا ليسوءه ويضع ~~منه، فسأل محمد بن الواثق القاسم بن واضح لحال كانت بينهما وزلفة كانت له ~~عنده متقدمة أن يدخل مع صاحبه المعروف بالطوسي ويسأله أن يخرجه وحرمه ليلا، ~~ففعل وكلم أحمد بن إسرائيل ورققه ولاطفه، فغضب أحمد واحتد، وكان غير حافظ ~~للسانه قليل الفكر في العواقب متهورا، فأطلق لسانه بكلام بشع قبيح وقال: من ~~هو ومن بناته وحرمه الكذا الكذا حتى لا يخرجون نهارا! فقال القاسم: ليت أن ~~رجلي انكسرت ولم أحضر هذا المجلس. وقام معه الطوسي رسول محمد بن الواثق وما ~~زال يسأله أن لا يرد خبر المجلس ولا يحكي الكلام الذي بدر من أحمد بن ~~إسرائيل، فوعده وخالفه لما فارقه ولم يصبر حتى مضى فحكاه لمحمد بن الواثق، ~~وأحدر محمد مع حرمه نهارا إلى مدينة السلام، فوقر ذلك في نفس محمد وحقده ~~على أحمد بن إسرائيل. فلم يمض إلا القليل حتى قعد محمد بن الواثق في ~~الخلافة بعد قتل المعتز. # وكان رجلا تقيا متألها يؤثر العدل والإنصاف ويتحرج ويحب إظهار السنن ~~الحسنة وإقامة الدين على شرائعه المستويه وأعلامه القديمة من الخلفاء الذين ~~عدلوا، إلا أن أيامه قصرت وكان الأتراك قد غلبوا على الخلافة لكثرة ~~معارضتهم للخلفاء وإضعافهم أيديهم وإنهائهم أمرهم. # فأمر لما ولي ms426 الخلافة بالقبض على أحمد بن إسرائيل وأبي نوح الكاتب والحسن ~~بن مخلد. وكانت عليهم تدور دولة المعتز من قبله. ورسم أن يضرب أحمد بن ~~إسرائيل بباب العامة ألف سوط فإن مات وإلا زيد ضربا حتى يتلف، وذلك لما كان ~~منه من القول الذي كان سبب تلفه. فراسل أحمد القاسم بن واضح في أن يشفع له ~~إلى المهتدي، ففعل وكتب إليه رقعة وصلت مع خادم له اسمه مستطرف، فوقع ~~المهتدي: هذا رجل لنا في جنبه حدود أنت شاهد ببعضها ولا سبيل إلى الصفح ~~عنه. وكان ذلك تذكيرا له بأمر المجلس وقول أحمد ما قاله فيه وفي حرمه. وضرب ~~أحمد إلى أن تلف. ثم كلم المهتدي في أمر أبي نوح الكاتب والحسن بن مخلد ~~فقال: لأبي نوح حرمة وهي أن أمه كانت تهدي إلينا كامخا كالناطف المعقود ~~وزيتونا كأمثال البيض فاطلقوا عنه، وأما الحسن بن مخلد فقد بلونا منه نصحا ~~وميلا فردوه إلى منزلته. وتخلصا جميعا وعادا في الأمر. # وكان المهتدي فصيحا شجاعا فطنا عارفا بالتدبير لو أمهل ولم تعجل الأتراك ~~إلى قتله. وكان خرج يوما في هيج لهم وبيده العقرب سيف عمر بن الخطاب، رضي ~~الله عنه، وحمل على الأتراك ووسط منهم جماعة قدهم وقطعهم. وكان إذا جلس ~~للمظالم أمر بأن توضع كوانين الفحم في الأروقة والمنازل عند تحرك البرد، ~~فإذا دخل المتظلم أمر بأن يدفيء ويجلس ليسكن ويثوب إليه عقله ويتذكر حجته ~~ثم يدنيه ويسمع منه، ويقول: كيف يدلي المتظلم بحجته إذا لم يفعل به هذا وقد ~~تداخلته رهبة الخلافة وألم البرد؟ وكان الغالب على أمر الخلافة في أيامه ~~وصيف الكبير وداره معروفة بمدينة السلام في مربعة الخرسي إلى اليوم. ### | محاسن الحبس # لعلي بن الجهم: # قالت حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد # أوما رأيت الليث يحمي غيله ... كبرا وأوباش السباع تردد # والنار في أحجارها مخبوءة ... لا تصطلي إن لم تثرها الأزند # والبدر يدركه السرار فتنجلي ... أيامه وكأنه متجدد # والزاعبية لا يقيم كعوبها ... إلا الثقاف وجذوة تتوقد # غير ms427 الليالي بادئات عود ... والمال عارية يفاد وينفد # ولكل حال معقب ولربما ... أجلى لك المكروه عما تحمد # لا يؤيسنك من تفرج كربة ... خطب أتاك به الزمان الأنكد # كم من عليل قد تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعود # PageV01P230 # صبرا فإن اليوم يتبعه غد ... ويد الخليفة لا تطاولها يد # والحبس ما لم تغشه لدنية ... تزري فنعم المنزل المتورد # لو لم يكن في الحبس إلا أنه ... لا يستذلك بالحجاب الأعبد # بيت يجدد للكريم كرامة ... ويزار فيه ولا يزور ويحمد # يا أحمد بن أبي دؤاد إنما ... تدعى لكل عظيمة يا أحمد # أبلغ أمير المؤمنين ودونه ... خوض العدى ومخاوف لا تنفد # أنتم بنو عم النبي محمد ... أولى بما شرع النبي محمد # ما كان من حسن فأنتم أهله ... طابت مغارسكم وطاب المحتد # أمن السوية يا ابن عم محمد ... خصم تقربه وآخر تبعد # إن الذين سعوا إليك بباطل ... أعداء نعمتك التي لا تجحد # شهدوا وغبنا عنهم فتحكموا ... فينا وليس لغائب من يشهد # لو يجمع الخصماء عندك مجلس ... يوما لبان لك الطريق الأقصد # والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد # قال: فعارضه عاصم بن محمد الكاتب لما حبسه أحمد بن عبد العزيز بتغير ~~حمولة له فقال: # قالت حبست فقلت خطب أنكد ... أنحى علي به الزمان المرصد # لو كنت حرا كان سربي مطلقا ... ما كنت أؤخذ عنوة وأقيد # أو كنت كالسيف المهند لم أكن ... وقت الشديدة والكريهة أغمد # أو كنت كالليث الهصور لما رعت ... في الذئاب وجذوتي تتوقد # من قال إن الحبس بيت كرامة ... فمكاشر في قوله متجلد # ما الحبس إلا بيت كل مهانة ... ومذلة ومكاره ما تنفد # إن زارني فيه العدو فشامت ... يبدي التوجع تارة ويفند # أو زارني فيه الصديق فموجع ... يذري الدموع بزفرة تتردد # يكفيك أن الحبس بيت لا ترى ... أحدا عليه من الخلائق يحسد # عشنا بخير برهة فكبا بنا ... ريب الزمان وصرفه المتردد # قصرت خطاي وما كبرت وإنما ... قصرت لأني في الحديد مصفد # في مطبق فيه النهار مشاكل ... لليل والظلمات فيه سرمد # تمضي الليالي لا ms428 أذوق لرقدة ... طعما فكيف حياة من لا يرقد # فتقول لي عيني إلى كم أسهرت ... ويقول لي قلبي إلى كم أكمد # وغذاي بعد الصوم ماء مفرد ... كم عيش من يغذوه ماء مفرد # وإذا نهضت إلى الصلاة تهجرا ... جذبت قيودي ركبتي فأسجد # فإلى متى هذا الشقاء مؤكد ... وإلى متى هذا البلاء مجدد # يا رب فارحم غربتي وتلافني ... إني غريب مفرد متلدد # ما لي مجير غير سيدي الذي ... ما زال يكفلني فنعم السيد # غذيت حشاشة مهجتي بنوافل ... من سيبه وصنائع لا تجحد # عشرين حولا عشت تحت جناحه ... عيش الملوك وحالتي تتزيد # إن حدت عن قصد المحجة قال لي ... مهلا فذاك هو الطريق الأقصد # فيردني بترفق نحو التي ... فيها السلامة والسبيل الأرشد # فبعدت عنه مجبرا متكرها ... الله يعلم ما أقول ويشهد # وخلا العدو بموضعي من قلبه ... فحشاه جمرا ناره ما تخمد # هبني أسأت فلم حقدت إساءتي ... ماإن عهدتك مذ صحبتك تحقد # بل كنت تغتفر الذنوب تكرما ... وتظل تعفو دائما وتغمد # فاغفر لعبدك ذنبه متطولا ... فالحقد منك سجية لا تعهد # واذكر خصائص حرمتي ومقاومي ... أيام كنت جميع أمري تحمد # يا أحمد بن محمد يا ذا الندى ... دم لي على ما كنت لي يا أحمد # لا تشمتن بي العدو وخلني ... ببياض وجهك إن وجهي أسود # ولغيره: # PageV01P231 # إلى الله فيما نابنا الشكوى ... في يده كشف الضرورة والبلوى # خرجنا من الدنيا ونحن من اهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى # إذا دخل السجان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا # ونفرح بالرؤيا فجل حديثنا ... إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا # فإن حسنت كانت بطيا مجيئها ... وإن قبحت لم تنتظر وأتت عجلى ### | محاسن بر الآباء # حكي عن ميمون بن مهران أنه قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز فوجدته يكتب ~~إلى ابنه عبد الملك: أما بعد فإن أحق من وعى عني وفهم قولي أنت، وإن الله، ~~وله الحمد، قد أحسن إلينا في لطيف أمرنا وجليله، وعلى الله جل وعز تمام ~~النعمة، فاذكر يا بني فضل الله عليك وعلى ms429 أبيك فإنك إن استطعت أن تصدق ذلك ~~كله بعمل تعمله وصلاة أو صوم أو صدقة قبل ذلك منك، وإياك والعزة والعظمة ~~والكبرياء فإنه من عمل الشيطان وهو عدو مضل مبين، وإن النفس لأمارة بالسوء ~~إلا ما رحم ربي، إن ربي لغفور رحيم. واعلم أن الشباب إلا ما وقى الله ودفع ~~عون على أمور كثيرة من السوء، وفيه لعمري معونة كثيرة على الخير لمن رزقه ~~الله، فاحذر شبابك وإياك أن تعلم في قلبك زهوا أو كبرا فإنه ما لم يكن من ~~ذلك كان خيرا، واحفظ لسانك ونفسك حفظا ترجو فيه رحمة الله جل وعز ومغفرته، ~~واذكر صغر أمرك وحقارة شأنك ولا تبغ في ما أعجبك من نفسك وفيما عسيت أن ~~تفرط فيه مما ليس معه غير الفكرة في أمرك وأمره، وليس كتابي هذا لأن يكون ~~بلغني عنك إلا خيرا، غير أنه قد بلغني عنك شيء من بعض إعجابك بنفسك، ولو ~~بلغني أن ذلك خرج عنك إلى أمر كرهته لبلغك عني أمر يشتد عليك كراهته وعرفت ~~مع ذلك أن الشباب والحرص والنعمة يحمل ذلك كله على أمر شديد إلا ما وقى ~~الله ودفع، فكن يا بني على حذر، فإن الشيطان قل ما يصيب فرصته بمن احترس ~~منه بدعاء الله جل اسمه والتواضع له، وأكثر تحريك لسانك في ليلك ونهارك ~~بذكر الله فإن أحسن ما وصلت به حديثا حسنا ذكر الله جل اسمه، وأحسن ما قطعت ~~به حديثا سيئا ذكر الله تبارك وتعالى، وأعن على نفسك بخير. نسأل الله لنا ~~ولك حسن التوفيق والسلام. # قال ميمون: ثم قال لي عمر: إن ابني عبد الملك قد زين في عيني وأنا متهم ~~لنفسي فيه وأخاف أن يكون هواي فيه قد غلب على علمي به وأدركني ما يدرك ~~الوالد من الإشفاق على ولده فأته واسبره ثم ائتني بعلمه ثم انظر هل ترى منه ~~ما يشاكل النخوة فإنه غلام حدث ولا آمن عليه الشيطان. # قال ميمون: فخرجت إلى عبد الملك حتى قدمت عليه فاستأذنت ودخلت، فإذا غلام ms430 ~~ابن ست عشرة سنة جالس على حشية بيضاء أحسن الناس تواضعا وإذا مرافق بيض ~~وبساط شعر. فرحب بي ثم قال: قد سمعت أبي يذكر منك ما أنت أهله وإني أرجو أن ~~ينفع الله بك وقد حسبت أن يكون قد غرني من نفسي حسن رأي والدي في وما بلغت ~~من الفضل كل ما يذكر، وقد حذرت أن يكون الهوى قد غلبه على علمه فأكون أحد ~~آفاته. قال ميمون: فعجبت من اتفاقهما فقلت له: أعلمني من أين معيشتك؟ قال: ~~من عطاي ومن غلة زراعة اشتريت عن ظهر يد ممن ورثها عن أبيه فوهبها لي ~~فأغناني بها عن فيء المسلمين. قال: فقلت: فما طعامك؟ فقال: ليلة لحم وليلة ~~عدس وزيت وليلة خل وزيت وفي هذا بلاغ. قال فقلت له: أفما تعجبك نفسك؟ فقال: ~~قد كان في بعض ما كان فلما وعظني أبي في كتابه بصرني نفسي وما صغر من شأني ~~وحقر من قدري فنفعني الله جل وعز بذلك فجزاه الله من والد خيرا. فقعدت ساعة ~~أحدثه وأتسمع من منطقه فلم أر فتى كان أجمل وجها ولا أكمل عقلا ولا أحسن ~~أدبا على صغر سنه وقلة تجربته منه. # PageV01P232 # قال ميمون: فلما كان آخر ذلك أتاه غلام فقال: أصلحك الله قد فرغنا. قال: ~~فسكت. فقلت: ما هذا الذي فرغ منه؟ قال: الحمام أخلاه لي. قال فقلت: لقد كنت ~~وقعت مني كل موقع حتى سمعت هذا. قال: فاسترجع وذعر وقال: وما ذاك يا عم، ~~يرحمك الله؟ قلت: الحمام لك؟ قال: لا. قلت: فما دعاك إلى أن تطرد عنه ~~غاشيته كأنك تريد بذلك الكبر فتكسر على صاحب الحمام غلته ويرجع من أتاه ~~خائبا؟ قال: أما صاحب الحمام فإني أرضيه وأعطيه غلة يومه. قال قلت: هذه ~~نفقة سرف خالطها الكبر، وما يمنعك أن تدخل الحمام مع الناس وإنما أنت ~~كأحدهم؟ قال: يمنعني من ذاك أن أرى عورة مسلم ورعاع من الناس يدخلون بغير ~~أزر فأكره رؤية عوراتهم وأكره أن أجبرهم على أزر فيضعون ذلك مني على حد هذا ms431 ~~السلطان الذي خلصنا الله منه كفافا، فعظني رحمك الله عظة أنتفع بها واجعل ~~لي مخرجا من هذا الأمر. فقلت له: ادخله ليلا فإذا رجع الناس إلى رحالهم خلا ~~لك الحمام. قال: لا جرم لا أدخله نهارا أبدا ولولا شدة برد بلادنا هذه ما ~~دخلته أبدا، فأقسمت عليك لتطوين هذا الخبر عن أبي فإني أكره أن يظل علي ~~ساخطا ولعل الأجل يحول دون الرضى منه. # قال: فأردت أن أسبر عقله فقلت: إن سألني هل رأيت منه شيئا تأمرني أن ~~أكذبه؟ قال: لا معاذ الله ولكن قل رأيت شيئا ففطمته عنه وسارع إلى ما أردت ~~من الرجوع، فإنه لا يسألك عن التفسير لأن الله جل وعز قد أعاذه من بحث ما ~~ستر. قال ميمون: فلم أر والدا قط ولا ولدا قط، رحمة الله وبركاته عليهم، ~~مثلهما. # وذكروا أن ضرار بن عمرو الضبي ولد له ثلاثة عشر ابنا كلهم بلغ ورأس ~~فاحتمل ذات يوم. فلما رأى بنيه رجالا معهم أهاليهم وأولادهم سره ما رأى من ~~هيأتهم ثم ذكر نفسه وعلم أنهم لم يبلغوا ذلك حتى أسن هو ورق وضعف فقال: من ~~سره بنوه ساءته نفسه. فذهبت مثلا. # قيل: ودخل الأمين على أبيه الرشيد وقد عرضت له وصيفة جميلة فلم يزل محمد ~~ينظر إليها وفطن له أبوه فقال: يا محمد ما ترى في هذه الوصيفة؟ قال: ما أرى ~~بأسا. قال: فهل لك فيها؟ قال: أمير المؤمنين أحق بها مني. قال: فقد آثرك ~~على نفسه فخذها. فأخذها. فقال الرشيد: # ولي ولد لم أعصه مذ ولدته ... ولا شك في بري به مذ ترعرعا # تخيرته للملك قبل فطامه ... وأقطعته الدنيا فطيما ومرضعا # فلا الملك يخلو باعه من محمد ... ولا هو منه بل هما هكذا معا # فنهض محمد ومعه الجارية فأتبعه طرفه فلما غاب قال: # وإنما أودلانا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض # وحكي عن بعض الأعراب أنه كان يرقص ولده ويقول: # كأنما ريح الولد ... ريح الخزامى بالبلد # أهكذا كل ولد ... أم لم يلد قبلي أحد ### | محاسن تأديب الولد ms432 # قيل: نظر ابن عباس، رحمه الله، إلى بعض ولده نائما بالغداة فركله برجله ~~ثم قال: قم لا أنام الله عينك! أتنام في وقت يقسم الله جل وعز فيه الأرزاق؟ ~~أوما علمت أنها النومة التي قالت العرب فيها مكسلة ومانعة للحوائج؟ وقد ~~قيل: النوم على ثلاثة أوجه: خرق وحمق وخلق، فأما الخرق فنوم الضحى شغل عن ~~أمر الدنيا والآخرة، والحمق النوم بين العصر والمغرب فإنه لا ينامها إلا ~~أحمق أو عليل أو سكران، وأما الخلق فنوم الهاجرة الذي أمر به رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، فإنه قال: قيلوا فإن الشيطان لا يقيل. وقيل: إن نوم ~~الغداة يمحق الرزق ويورث الصفار والكسل والبخر. # وذكروا عن عبد الملك بن مروان أنه مات بعض ولده فجاءه الوليد ابنه وهو ~~صغير فعزاه فقال: يا بني لمصيبتي فيك أعظم وأفدح من مصيبتي بأخيك، ومتى ~~رأيت ابنا عزى أباه! فقال: يا أمير المؤمنين أمي أمرتني بذلك. قال: يا بني ~~أهون علي وهو لعمري من مشورة النساء. ### | مساوئ جفاء الآباء # قال: فقال رجل لابنه: يا ابن الزانية! فقال: الزانية لا ينكحها إلا زان ~~أو مشرك. # وقال آخر لابنه: يا ابن الزانية! قال: لا تفعل، لقد كنت أحفظ لأهلك من ~~أبيك لأهله. # قال: وقال أعرابي لابنه: # وأمك قد رويتها فشفيتها ... على حاجة مني وعينك تنظر # فأجابه: # وجدي قد روى عجوزا فبلها ... فما كنت ترعاه وما كنت تشكر # PageV01P233 # وقيل لأعرابي وقد تزوج بعدما كبر وأسن: لم تأخرت عن التزوج؟ قال: أبادر ~~ابني باليتم قبل أن يسبقني بالعقوق. # قال: وقال رجل لأبيه: يا أبتا إن عظيم حقك لا يبطل صغير حقي، ولا أقول ~~إني وإياك بالسواء، ولكن الله جل وعز لا يحب الاعتداء. ### | محاسن بر الأبناء بالآباء والأمهات # عن طاؤوس عن أبيه قال: كان رجل له أربعة بنين فمرض فقال أحدهم: إما أن ~~تمرضوه وليس لكم من ميراثه شيء وإما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شيء. ~~قالوا: بل تمرضه وليس لك من ميراثه شيء. فمرضه حتى مات ولم يأخذ ms433 من ميراثه ~~شيئا. # قال: فأتي في النوم فقيل له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه مائة دينار. ~~فقال: أفيها بركة؟ قالوا: لا. فلما أصبح ذكر لك لامرأته فقالت: خذها فإن من ~~بركتها أن نكتسي منها ونعيش بها. فلما أمسى أتي في النوم فقيل له: ائت مكان ~~كذا وكذا فخذ منه عشرة دنانير. فقال: أفيها بركة؟ قالوا: لا. فلما أصبح ذكر ~~لك لامرأته فقالت له مثل ذلك، فأبى أن يأخذها. فأتي في الليلة الثالثة فقيل ~~له: ائت مكان كذا وكذا وخذ منه دينارا. فقال: أفيه بركة؟ قالوا: نعم. قال: ~~فذهب فأخذ الدينار ثم خرج به إلى السوق فإذا هو برجل يحمل حوتين. فقال: بكم ~~هما؟ قال: بدينار. فأخذهما منه وانطلق بهما إلى بيته، فلما شقهما وجد في ~~بطن كل واحد منهما درة لم ير الناس مثلها، فبعث الملك يطلب درة يشتريها فلم ~~توجد إلا عنده فباعها بثلاثين وقرا ذهبا. فلما رآها الملك قال: ما تصلح هذه ~~إلا بأخت فاطلبوا أختها ولو أضعفتم الثمن. فجاؤوه وقالوا: أعندك أختها ~~ونعطيك ضعف ما أعطيناك؟ قال: نعم. فأعطاهم الثانية بضعف ما باع به الأولى. # قال: وذكر المأمون بر الأبناء بالآباء فقال: لم أر أحدا أبر من الفضل بن ~~يحيى، فإنه بلغ من بره بأبيه أنهما حيث حبسا كان الفضل يسخن ليحيى الماء ~~لوضوئه لأنه كان يتوضأ بالماء السخن، فمنعهم السجان ذات ليلة من إدخال ~~الحطب والليل بارد فقام الفضل حين أخذ يحيى مضجعه إلى قمقم كان يسخن فيه ~~الماء فملأه من الجب ثم جاء به إلى القنديل فأدناه منه فلم يزل قائما ~~والقمقم في يده حتى أصبح وقد سخن الماء، فأدناه من أبيه. # قال: ولما وجه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الجيش إلى اليرموك قام إليه ~~أمية بن الأسكر الكناني فقال: يا أمير المؤمنين هذا اليوم من أيامي لولا ~~كبر سني. فقام إليه ابنه كلاب، وكان عابدا زاهدا، فقال: لكني يا أمير ~~المؤمنين أبيع الله نفسي وأبيع دنياي بآخرتي. فتعلق به أبوه وكان في ms434 ظل نخل ~~له وقال: لا تدع أباك وأمك شيخين ضعيفين ربياك صغيرا حتى إذا احتاجا إليك ~~تركتهما! فقال: نعم أتركهما لما هو خير لي. فخرج غازيا بعد أن أرضى أباه، ~~فأبطأ وكان أبوه في ظل نخل له، وإذا حمامة تدعو فرخها، فرآها الشيخ فبكى، ~~فرأته العجوز فبكت، وأنشأ يقول: # لمن شيخان قد نشدا كلابا ... كتاب الله إن ذكر الكتابا # أناديه ويعرض لي حنين ... فلا وأبي كلاب ما أصابا # تركت أباك مرعشة يداه ... وأمك ما تسيغ لها شرابا # فإن أباك حين تركت شيخ ... يطارد أينقا شزبا جذابا # إذا رتعن إرقالا سراعا ... أثرن بكل رابية ترابا # طويلا شوقه يبكيك فردا ... على حزن ولا يرجو الإيابا # إذا غنت حمامة بطن وج ... على بيضاتها ذكرا كلابا # فبلغت هذه الأبيات عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فأرسل إلى كلاب فوافاه ~~فقال: إنه بلغني أن أباك وجد لفراقك وجدا شديدا فبماذا كنت تبره؟ قال: كنت ~~أبره بكل شيء حتى أني كنت أحلب له ناقة فإذا حلبتها عرف حلبي. فأرسل عمر، ~~رحمه الله، إلى الناقة فجيء بها من حيث لا يعلم الشيخ فقال له: احلبها. ~~فقام إليها وغسل ضرعها ثم حلبها في إناء. فأرسل عمر، رحمه الله، بالإناء ~~إلى أبيه فلما أتي به بكى ثم قال: إني أجد في هذا اللبن ريح كلاب. فقال له ~~نسوة كن عنده: قد كبرت وخرفت وذهب عقلك، كلاب بظهر الكوفة وأنت تزعم أنك ~~تجد ريحه! فأنشأ يقول: # أعاذل قد عذلت بغير علم ... وهل تدري العواذل ما ألاقي # سأستعدي على الفاروق ربا ... له حج الحجيج على اتساق # PageV01P234 # إن الفاروق لم يردد كلابا ... إلى شيخين ما لهما تواقي # فقال له عمر: اذهب إلى أبيك فقد وضعنا عنك الغزو وأجرينا ك العطاء. قال: ~~وتغنت الركبان بشعر أبيه. فبلغه فأنشأ يقول: # لعمرك ما تركت أبا كلاب ... كبير السن مكتئبا مصابا # وأما لا يزال لها حنين ... تنادي بعد رقدتها كلابا # لكسب المال أو طلب المعالي ... ولكني رجوت به الثوابا # وكان كلاب من خيار المسلمين، وقتل مع ms435 علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، ~~بصفين وعاش أبوه أمية دهرا طويلا حتى خرف، فمر به غلام له كان يرعى غنمه ~~وأمية جالس يحثو على رأسه التراب فوقف ينظر إليه، فلما أفاق بصر بالغلام ~~فقال: # أصبحت لهوا لراعي الضأن أعجبه ... ماذا يريبك مني راعي الضان # انعق بضأنك في أرض بمخضرة ... من الأباطح واحسبها بجلدان # انعق بضأنك إني قد فقدتهم ... بيض الوجوه بني عمي وإخواني # قال: وحدثني من سمع أعرابيا حاملا أمه في الطواف وهو يقول: # إني لها مطية لا أذعر ... إذا الركاب نفرت لا أنفر # ما حملت وأرضعتني أكثر ... الله ربي ذو الجلال أكبر # ثم التفت إلى ابن عباس، رحمه الله، فقال له: أتراني قضيت حقها؟ فقال: لا ~~والله ولا طلقة من طلقاتها. # قال: ونحر أعرابي جزورا فقال لامرأته: أطعمي أمي منه. فقالت: أيها ~~أطعمها؟ فقال: قطعي لها الورك. قالت: ظوهرت بشحمة وبطنت بلحمة، لا لعمر ~~الله! قال: فاقطعي لها الكتف. قالت: الحاملة الشحم من كل مكان، لا لعمر ~~الله! قال: فما تقطعين لها؟ قالت: اللحى ظوهرت بجلدة وبطنت بعظم. قال: ~~فتزوديها إلى أهلك. وخلى سبيلها. # وروي أن الحسن بن علي، رضوان الله عليه، كان يمتنع من مؤاكلة أمه، صلوات ~~الله عليها، فسئل عن ذلك وهو ابن ست سنين. فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى لقمة ~~تقع عينها عليها فأكون قد عققتها. ### | مساوئ عقوق البنين # الأصمعي قال: حدثني رجل من الأعراب قال: خرجت من الحي أطلب أعق الناس ~~وأبر الناس فكنت أطوف بالأحياء حتى انتهيت إلى شيخ في عنقه حبل يستقي بدلو ~~لا تطيقه الإبل في الهاجرة والحر الشديد وخلفه شاب في يده رشاء من قد ملوى ~~يضربه به قد شق ظهره بذلك الحبل. فقلت: أما تتقي الله في هذا الشيخ الضعيف؟ ~~أما يكفيه ما هو فيه من مد هذا الحبل حتى تضربه؟ قال: إنه مع هذا أبي. قلت: ~~فلا جزاك الله خيرا! قال: اسكت فهكذا كان يصنع هو بأبيه وكذا كان يصنع أبيه ~~بجده. فقلت: هذا أعق الناس. ms436 ثم جلت أيضا حتى انتهيت إلى شاب في عنقه زبيل ~~فيه شيخ كأنه فرخ فيضعه بين يديه في كل ساعة فيزقه كما يزق الفرخ. فقلت له: ~~ما هذا؟ فقال: أبي وقد خرف فأنا أكفله. قلت: فهذا أبر العرب. فرجعت وقد ~~رأيت أعقهم وأبرهم. # قيل: وكانت لخيزران في خلافة موسى الهادي كثيرا ما تكلمه في الحوائج فكان ~~يجيبها إلى كل ما تسأل، حتى مضت لذلك أربعة أشهر من خلافته فاجتمع الناس ~~إليها وطمعوا فيما قبلها فكانت المواكب تغدو إلى بابها وتروح، قال: فكلمته ~~يوما في أمر فاعتل بعلة، فقالت: لا بد من إجابتي. قال: لا أفعل. قالت: فإني ~~قد تضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك. قال: فغضب وقال: ويلي عليه ابن ~~الفاعلة قد علمت أنه صاحبها والله لا قضيتها له! قالت: إذا والله لا أسألك ~~حاجة أبدا. فقال: إذا والله لا أبالي. وحمي وغضب ثم قال: مكانك حتى تستوعبي ~~كلامي والله وإلا فأنا نفي من قرابتي من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي وخاصتي وخدمي لأضربن عنقه ولأقبضن ~~ماله فمن شاء فليلزم ذلك، ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كل ~~يوم؟ أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك؟ إياك ثم إياك أن تفتحي ~~بابك لملي ولا ذمي! فانصرفت ما تعقل ما تطأ فلم تنطق عنده بحلوة ولا بمرة ~~بعد ذلك. # PageV01P235 # قال يحيى بن الحسن: وحدثني أبي قال: سمعت خالصة تقول للعباس ابن الفضل بن ~~الربيع: بعث موسى الهادي إلى أمه الخيزران بأرزة فقال: اشتهيتها فأكلتها ~~فكلي منها. قالت خالصة: فقلت: امسكي حتى ننظر فإني أخاف أن يكون فيها شيء. ~~فأرسل إليها بعد ذلك: كيف رأيت الأرزة؟ قالت: وجدتها طيبة. فقال: لم لم ~~تأكلي منها؟ والله لو أكلت لقد كنت استرحت منك، فما أفلح خليفة له أم! قيل: ~~وضرب إبراهيم بن بهنك العكي ابنه فذهب الابن فوشى بأبيه إلى الرشيد وذكر ~~أنه يريد اغتياله، فدفعه الرشيد إلى ms437 ابنه، فقيده وحبسه في بيت ودعا بأمهات ~~أولاده فجعل يشرب معهن ليغيظ أباه، فاستبطأ الرشيد فدعا به وقال له: إن ~~كذبت على أبيك استرضيناه لك وإن كنت صدقت فلست أرى أفعالك تشاكل أفعال ~~الصادقين. فلما انصرف من عنده دخل على أبيه بالسيف فضربه حتى قتله. ولذلك ~~قيل: شر المرزئة سوؤ الخلف. # قال: ولما خلع شيرويه بن كسرى أباه وهم بقتله قال لعظيم من عظماء ~~مرازبته: ادخل على أبينا فاقتله. فانطلق المرزبان حتى دخل على كسرى فأخبره ~~بما أمر به ابنه. فقال له كسرى: انصرف فلست بصاحبي. فانصرف المرزبان إلى ~~شيرويه فأخبره بمقالة كسرى. فوجه رجلا آخر فلما دخل قال له مثل مقالته ~~للأول، فانصرف ولم يصنع شيئا واعتل على شيرويه بأنه لم يطب نفسا بقتله. # فالتفت شيرويه إلى فتى يسمى هرمز بن مردانشاه وكان أبوه يقال له فاذوسبان ~~بابل وخطرنية، وقد كان كسرى سأل المنجمين قبل ذلك بعامين عن ميتته فأخبروه ~~أنها على يدي رجل يكون عظيم بابل. فلما سمع ذلك وقعت تهمته على مردانشاه ~~فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه. فلما قدم تجنى عليه ثم أمر بقطع يمينه، ~~فقطعت، فتناولها بيده الأخرى ووضعها في حجره وجعل يبكي وينتحب. فسمع كسرى ~~ذلك فرحمه ورق له فأرسل إليه أنه قد ندم على ما كان منه وأمره أن يسأله ~~حاجة تكون له عوضا من ذهاب يده. فأرسل إليه مردانشاه إن وثق لي بالأيمان ~~المحرجة، ففعل كسرى ذلك وعاهده أن يجيبه إلى جميع ما سأل. فأرسل إليه أن ~~حاجتي أن تأمر بقتلي فلا خير في الحياة بعد يميني. فأمر كسرى به فضربت ~~عنقه. فلما دخل دخل ابنه هرمز على كسرى قال له: من أنت؟ قال: أنا ابن ~~مردانشاه فاذوسبان بابل. فقال: أنت لعمري صاحبي كنت قتلت أباك ظلما فدونك ~~وما أمرت به. وكان معه طبرزين، فضرب به كسرى على عضده فلم يحك فيه لأن كسرى ~~كان في عضده خرزة لا يعمل الحديد فيه من أجلها، فضرب الشاب بيده إلى عضده ~~وقطع تلك الخرزة ثم ms438 ضربه بالطبرزين حتى مات، وانصرف إلى شيرويه فأخبره، ~~فأمر بقتله، ثم هلك شيرويه بعد قتل أبيه بثمانية أشهر. # وقد قالت الحكماء: ومن جرب من الأوائل أن الرجل إذا قتل أباه وأخاه لم ~~يمتع بعدهما إلا أربعة أشهر أو ما هو فوق ذلك بيسير وربما سلط عليه السهر ~~فلا يزال كذلك إلى أن يتلف. # قال: وقيل للمأمون: إن بني علي بن صالح مجان سفهاء. فقال المأمون: يا علي ~~أحضر ولدك الأكابر والأصاغر فإني أريد أن أرتبهم وأرشحهم للأمر الذي يصلحون ~~له. فانصرف علي فأخبر ولده بذلك وأمرهم بالركوب. فاستعدوا وتزينوا بأحسن ~~هيأة واستأذن لهم فدخلوا وسلموا. فقال لهم المأمون: تركتم الأدب واطرحتموه ~~وآثرتم المجون والسفه، هذا وأبوكم أحد الفقهاء والعلماء يستضاء برأيه ويحمد ~~مذهبه. فأقبل على علي فقال: أما على ذلك فما الذنب إلا لك إذ تركتهم ~~يتتابعون في المجون وتركوا ما كان أولى بك وبهم أن تأخذهم به. فقال علي: ~~ولا سيما يا سيدي هذا الكبير فإنه باقعة لا والله ما لي بهم قوة ولا يد ~~وهذا الكبير أفسدهم وهتكهم وزين لهم سوؤ أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا ~~يهتدون. فأطرق الأكبر ما يترمرم بحرف. فقال المأمون: تكلم. قال: يا سيدي ~~بلساني كله أو كما يتكلم الذليل بين يدي مولاه حتى يترك حجته ويسكت عن ~~إيضاح جوابه مهابة لسيده؟ قال: تكلم بما عندك. فقال: يا أمير المؤمنين هل ~~حمدت رأي أبينا وحمدت مذهبه وعلمه؟ قال: نعم. # PageV01P236 # قال: فأعتق ما يملك وطلق ما يطأ طلاق الحرج والسنة وصدق بما حوى وعليه ~~ثلاثون حجة مع ثلاثين نذرا يبلغ به الكعبة إن لم يكن أبوه على طلب سكر ~~طبرزد فلم يوجد في خزانته ولم يكن وقتا يوجد فيه سكر ولا يقدر على ابتياع ~~شيء منه. فقال: فيم يصلح للخزانة التي ليس فيها سكر؟ ثم قال: الحمد لله رب ~~العالمين ولا أقول إنا لله وإنا إليه راجعون وإن كانت المصيبة لأن ذلك إنما ~~يقال عند المصائب في الأنفس ولكني أحمده على السراء والضراء والشدة ms439 والرخاء ~~كما حمده الشاكرون وأنا أرجو أن أكون منهم. ثم أقبل على الخازن فقال: ادع ~~الوكيل. فدعاه. فقال: ما منعك إذ فني السكر أن يشترى لنا سكر؟ قال: لم ~~يعلمني الخازن. فقال للخازن: لم لم تعلمه؟ قال: كنت على أن أعلمه. قال: ما ~~ههنا شيء هو أبلغ في عقوبتكما من أن أقوم على إحدى رجلي وأن لا أضع الأخرى ~~ولا أراوح بينهما حتى تحضروني ألف من سكر طبرزد ليس بمضرس ولا وسخ ولا لين ~~المكسر ولا بمحدث الصنعة ولا معوج القالب. ثم وثب فقال: يوفون بالنذر ~~ويخافون يوما كان شره مستطيرا، والله والله لا أزال قائما حتى أوفي بنذري. ~~قال: فتبادر غلمانه ومواليه وبعض أولاده وعجائزه نحو السوق فواحد ينبه ~~حارسا وآخر يرمي كلبا وآخر يفتج دربا وآخر يوقظ نائما وآخر يدعو بائعا ~~والغلمان والجواري والجيران والسوقة والحراس في مثل صيحة يوم القيامة، ثم ~~قال: يا قوم أما لي من أهلي مساعد؟ أين البنات العواتق والأبكار؟ أين ~~اللواتي كنت أغذوهن بطيب الطعام ولين اللباس يسرحن فيما ادعين من خفض العيش ~~وغضارة الزهر؟ أين أمهات الأولاد اللواتي اعتقدن العقد النفيسة وملكن ~~الرغائب بعد الحال الخسيسة؟ أين الأولاد الذكور الذين لهم نسعى ونحفد ونقوم ~~ونقعد ولهم نروح ونغدو؟ فبادرت إليه بناته وأمهاتهن، فقامت واحدة منهن على ~~ساق فقال: أحسنتن أحسن الله جزاءكن، لمثل هذا أردتكن. ولاحظ الكبرى من ~~بناته وآخر من بنيه وهما يراوحان بين أقدامهما، فقال: يا فلانة تراوحين ولا ~~أراوح، صدق الله جل وعز وبلغ رسوله، عليه وعلى آله السلام، حيث يقول: " إن ~~من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم "، حذرني ربي جل وتعالى منكم. # ثم قال: علي بن صالح ليس في خزانته سكر طبرزد وجائزته من أمير المؤمنين ~~ألف ألف درهم وضيعته بالنهروان تغل ثلاثمائة ألف درهم وضيعته بالكوفة ~~المعروفة بالمغيرة من أنبل ضيعة ما ملك مثلها أحد بسطوح الدسكرة ولولا أن ~~سعيدا السعدي، أراح الله منه، قطع شربها وعور مجاري مياهها حتى اندفنت ~~أنهارها وقلت عمارتها إضرارا بنا وتعديا ms440 علينا ما كان لأحد مثلها وعلى أن ~~أكرتها ومزارعيها من أخابث خلق الله، والله والله لو أمكنهم أن يقطعوا ~~الحاصل وحاصل الحاصل ما أعطونا من ذلك شيئا، ومن أخبرك أن الضيعة لرب ~~الضيعة فقل له كذبت لا أم لك، الضيعة ثلاث أثلاث: فثلث للسلطان وثلث للوكيل ~~وثلث للأكار، وإنما يأتي رب الضيعة صبابة كصبابة الإناء ومخة كمخة عرقوب، ~~يجني الأكار وقت الدياس فيمر بهم الأبرمذ هذا يذبح له وهذا يخبز له وهذا ~~يسقيه النبيذ، وما نبيذهم إلا العكر الأسود ووضر الدنس وماء الأكشوت، قبح ~~الله ذلك شربا ما أنغله للجوف وأضره بالأعلاق النفيسة، ثم يأتي وقت الكيل ~~فمن بين رقام، رقم الله جلبابه وأعد له الهوان، ومن بين كيال، جعل الله له ~~الويل لقوله جل وعز: ويل للمطففين ما يبالي أحد منهم على ما يقدم، لقد سمعت ~~أمير المؤمنين يسأل قضاته وكلهم بالحضرة: هل عدلتم كيالا قط؟ فكلهم يقول: ~~لا، فإن أطعموا الجداء الرضع ونقي الخبز من دستميسان ووهبت لهم الدراهم ظفر ~~الأكار بحاجته، فويل يومئذ لقبة السلطان ماذا يحمل إليها من القشب والقصل ~~والمدر والزوان ويحشى فيها التبن. # PageV01P237 # ثم قال: يا قوم لم أطنبت في ذكر هؤلاء وما الذي هاج هذا في هذه الساعة ~~حتى خضت فيه؟ أما كفاني أني قائم على رجلي على أحد جناحي؟ قالوا: هذا للسكر ~~الذي ليس في خزانتك منه شيء. قال: أجل والله إذا كان وكيلي مشتغلا بزوجته ~~وبناته ومصالح حالهن متى يفرغ للنظر في مصالح خزانتي؟ والله والله لقد حدثت ~~أنه حلى بناته بألوف دنانير وقال لزوجته اخرجي إلى الأعياد وادخلي الأعراس ~~وسلي عن الرجال المذكورين واطلبي المراضع المعروفة والأنساب المرضية لبناتك ~~وأخرجيهن في الجمعات يتصفحن محاسن الغرات ويخترن أولي الأنساب، أولم يرو عن ~~الثقات أنهم كرهوا خروج الأبكار في الجمعات التي فرض الله جل وعز فيهن ~~السعي إلى ذكره؟ فنبع قوم من هؤلاء المبتدعة خارجة خرجت ومارقة مرقت ورافضة ~~رفضت الدين وأهل الدين فتركوا ما فرض الله جل وعز عليهم، فقاتلهم الله ms441 أنى ~~يؤفكون، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وقد روينا عن النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، من غير وجه ولا اثنين انه خطب الناس فقال في خطبته: إن ~~الله جل وعز قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا من عامي هذا ~~إلى يوم القيامة، فمن تركها استخفافا بها وجحودا بها فلا جمع الله شمله ولا ~~بارك له في أهله ولا حج له ولا جهاد حتى يتوب إلى الله جل وعز، فمن تاب تاب ~~الله عليه. # ثم قال: يا قوم ما الذي حركنا على هذه الفضيلة في جوف هذه الليلة؟ قيل: ~~السكر الطبرزد. قال: أجل والله فما أحضرتموني ألف من سكر إلى هذه الغاية! ~~أيا نصح أيا فتح أيا صبح أيا نجح تبادروا مولاكم فإنه قد نصب وتعب من طول ~~القيام! والله لأحسب الثريا مقابلة سمت رأسي، ذهب والله الليل وجاء الويل، ~~ويلكم أدركوني فإني أريغ نومة ولا بد لي من البكور نحو الدار. فبادرت حرمه ~~الخاصة فحثوا الباعة وانبهوا السوقة وأخذوا ما عندهم على غير سوم وجاؤوا ~~به. فقال: ما هذا؟ قالوا: ما أمرت به. قال: فهل أخذتموه على الصفة التي ~~وصفت لكم؟ قالوا: نعم. قال: فهل ورثتموه واستوجبتموه؟ قالوا: لا. قال: يا ~~أعداء الله أردتم أن تفسدوا ديني! لا والله لا يطمع مني في هضيمة، لا والله ~~لا تزال هذه حالي حتى تأخذوه بيعا صحيحا، لا شرط فيه ولا خيار ولا مثنوية ~~ولا على حد تلجئة، هيهات يأبى الله جل وعز ذاك علي. قال: فرجعوا وساوموا ~~الباعة وقطعوا ثمنه وأخبروه. فقال: يوزن بحضرتي. فأتوه بالقبان. فقال: من ~~يزن منكم؟ قال: من أمرته. قال: زن يا نصح فقد دنا الصبح وأرجح فإن النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، اشترى فقال للوزان: زن وأرجح، والله لو لم يكن في ~~الرجحان إلا تحلة القسم لكان في ذلك ما يدعو العلماء والفقهاء في دين الله ~~جل وعز إلى العمل به. فجعل الغلام يزن ويرجح وهو يقول: ويلك عجل فداك أهلك ms442 ~~قد دنا الصبح أوه خرجت نفسي أو كادت! فلما استوى الوزن خر مغشيا عليه ما ~~يدري أرضا توسد أو وسادا، وكذلك كانت حال من كان في مثل حاله. فهذه يا أمير ~~المؤمنين حال من أحمدت علمه وفهمه ورأيه. # فقال المأمون: قاتلك الله ما أعجب أمرك! على كل حال والله لئن كنت ولدت ~~هذا عن أبيك في مقامك ما في الأرض نظير ولا في السماء شبيه، وإن كنت حكيت ~~عنه عيانا ووعيت فلقد أجدت الحكاية وأحسنت العبارة وما لأبيك في الدنيا ~~شبيه، وإنك لتغمر مساويك بمحاسنك فلا تذكرن شيئا من هذا بعد هذا المجلس فإن ~~عيبه فينا أقدح منه في أبيك. قال: فذهب علي ليتكلم، فقال المأمون: لا تبضن ~~لسانك بحرف واحد. ثم أمر بنيه بالانصراف. ### | محاسن البنات # قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: نعم الولد البنات مطلقات مجهزات ~~مؤنسات مباركات مفليات فاليات مندبات نادبات. # قال: ودخل عبد الله بن الزبير على معاوية بن أبي سفيان وبنية له تمرغ على ~~صدره فقال: أمطها عنك يا أمير المؤمنين فإنهن يقرين الأعداء ويورثن ~~البعداء. فقال معاوية: مهلا يا ابن الزبير فما مرض المرضى ولا ندب الموتى ~~ولا بر الأحياء كهن. فقال ابن الزبير: قد تركتهن آثر عندي من الأبناء. # وحكي أنه قال: والله لقد دخلت يوما وما أحد أبغض إلي منهن وإني أخرج وما ~~أحد أحب إلي منهن. # PageV01P238 # وروي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ما من أحد أمتي ولدت له ~~جارية فلم يتسخط ما خلق الله جل وعز إلا هبط ملك من السماء بجناحين أخضرين ~~موشحين بالدر والياقوت في سلم من در ويزف من درجة إلى درجة حتى يأتيه ~~بالبركة فيضع يده على رأسها وجناحه على جسدها ثم يقول: بسم الله وبالله ~~محمد رسول الله ربي وربك الله نعم الخالق الله ضعيفة خرجت من ضعيف المنفق ~~عليها معان إلى يوم القيامة. # وقال ابن المقفع لرجل ولدت له جارية: بارك الله لك في الابنة المستفادة ~~وجعلها لكم زينا وأجرى ms443 لكم عليها خيرا، فلا تكرهنهن فإنهن الأمهات والأخوات ~~والعمات والخالات ومنهن الباقيات الصالحات، ورب غلام ساء أهله بعد مسرتهم، ~~ورب جارية فرحت أهلها بعد مساءتهم، وأنشد في ذلك: # سخطت بنية عما قليل ... تسر بها عيون الناظرات # فبارك في فطيمة رب موسى ... وأنبتها نبات الصالحات # وزادك عاجلا أخرى سواها ... لسخطك إذ سخطت على البنات # قال: وكان لرجل امرأتان في دار واحدة فولدت إحداهما غلاما والأخرى جارية ~~فكانت أم الغلام تقول: # عافاني اليوم من الجواري ... من كل سوداء كشن بالي # لا تدفع الضيم عن العيال # وقالت أم الجارية: # وما علي أن تكون جاريه ... تحفظ بيتي وترد العاريه # تمشط رأسي وتكون الفاليه ... وتحمل الفاضل من خماريه # حتى إذا بلغت ثمانيه ... وزينت بنقبة يمانيه # زوجتها مروان أو معاويه ... أزواج صدق بمهور غاليه ### | محاسن بر البنات # عوانة قال: بلغنا أن شيخا من أصحاب معاوية كان يكاتب علي بن أبي طالب، ~~رضوان الله عليه، وقد كان طعن في السن، فبلغ معاوية خبره، فدعاه فقال: أيها ~~الشيخ إنك لتكاتب عليا، رضي الله عنه، ولولا سنك لقتلتك فلا تفعل ولا تعد. ~~فوقع كتاب له بعد ذلك إلى علي، رحمه الله، في يدي معاوية فدعاه وقال: أتعرف ~~هذا الكتاب؟ قال: نعم، كتب فأجبته، فأمر معاوية بقتله. فانتهى الخبر إلى ~~ابنة له صغيرة، فجاءت حتى قامت بين يدي معاوية وأنشأت تقول: # معاوي لا تقتل أبا كان مشفقا ... علينا فنبقى إن فقدناه شردا # وتوتم أولاد صغار بقتله ... وإن تعف عنه كنت بالعفو أسعدا # معاوي هبه اليوم لله وحده ... وللباكيات الصارخات تلددا # معاوي منك العلم والحلم والتقى ... وكنت قديما يا ابن حرب مسددا # فعجب معاوية وأصحابه منها ودمعت عيناه ووهبه لها. # قيل: وكان المأمون وجد على قائد من قواده فاستصفى ضياعه وداره وأنهب ~~دوابه وماله، وكان شيخا فانيا ولم يكن له من الولد إلا بنية صغيرة، فأجمع ~~أن يضرب في الأرض ويطلب من فضل الله جل وعز ويخلف بنيته. فبكت الابنة وقبضت ~~على أبيها وقالت: اقنع بما آتاك الله واصبر على محن ms444 الزمان ونوائب الدهر ~~والزم الوطن وارحم وحدتي وضعفي وقلة حيلتي أو اذبحني فلا أبتلى بفراقك. ~~فبكى الشيخ وقال: # تقول ابنتي لما أردت وداعها ... وقد حضرتني نية ورحيل: # لعل المنايا في رحالك تنبري ... لنفسك ختلا أو تغولك غول # فتتركني أدعى اليتيمة بعدما ... تبين وعزي بعد ذاك ذليل # أفي طلب الدنيا وربك بالذي ... تسير له راع عليك كفيل # أليس ضعيف القوم يأتيه رزقه ... يساق إليه والبلاد محول # ويحرم جمع المال من قد يرومه ... يكد عليه رحله وحلول # فلو كنت في طود على رأس هضبة ... لها نجف فيه الوعول تقيل # مضعدة لا يستطاع ارتقاؤها ... ولا لنزول يستطاع سبيل # إذا لأتاك الرزق يحدوه سائق ... حثيث ويهديه إليك دليل # قال: فنمى الخبر إلى المأمون، فدعا بالشيخ فاستنشده شعره فأنشده، فرق له ~~وأمر برد جميع ما أخذ منه وأعاده إلى مرتبته وزاده من عنايته. # PageV01P239 # قال: وعاش يزيد بن زبيبة الشيباني دهرا طويلا حتى لحق زمن الحجاج وسعى مع ~~ابن الأشعث، فظفر به الحجاج وورد عليه كتاب عبد الملك بن مروان يأمره ~~بقتله. فلما دعا به قال له: أيها الأمير اتق الله بسبع عشرة نسوة أو تسع ~~عشرة نسوة ليس لهن قيم غيري! قال: أحضرهن. فلما أحضرهن سألهن الحجاج عن ~~شأنهن فما منهن امرأة إلا وهي تقول: اقتلني ودعه. فقامت بنية له صغيرة فبكت ~~بكاء حارا موجعا محرقا وأنشأت تقول: # أحجاج إما أن تجود بنعمة ... علينا وإما أن تقتلنا معا # أحجاج كم تفجع به إن قتلته ... ثلاثا وعشرا واثنتين وأربعا # فمن رجل دان يقوم مقامه ... علينا فمهلا لا تزدنا تضعضعا # فرحمه الحجاج وكتب إلى عبد الملك يسأله العفو عنه، فأجابه إلى ذلك، ~~وأطلقه. ### | مساوئ من كره البنات # قيل: وبشر الأحنف بجارية فبكى. فقيل له: ما يبكيك؟ قال: لم لا أبكي وهي ~~عورة، وبكاؤها عبرة، وهديتها سرقة، ونصرتها البكاء، ومهنأها لغيري! ومما ~~قيل فيها من الشعر: # لولا البنية لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالي حندس الظلم # وزادني رغبة في العيش معرفتي ... ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرحم ms445 # تهوى بقاي وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزال على الحرم # مخافة الفقر يوما أن يلم بها ... فيكشف الدهر عن لحم على وضم # إذا تذكرت بنتي حين تندبني ... فاضت لرحمة بنتي عبرتي بدم # ولآخر: # أحب بنيتي ووددت أني ... دفنت بنيتي في جوف لحد # وما لي بغضها غرضا ولكن ... مخافة ميتتي فتضيع بعدي # مخافة أن تصير إلى ليئم ... فيفضح والدي ويشين جدي # فليت الله أكرمها بقبر ... وإن كانت أعز الناس عندي # فتستر عورتي وتكون أجرا ... إذا قدمتها وكتمت وجدي # وتتبع بعد ذاك بأم صدق ... فتؤنس بنتها وأعيش وحدي # ولآخر: # فكل أبي بنت يرجي ببعلها ... ثلاثة أصهار إذا عدد الصهر # فزوج يراعيها وحدن يصونها ... وقبر يواريها وخيرهم القبر ### | مساوئ البنات # ذكروا أن الضيزن الغساني ملك الحيرة سار إليه سابور ذو الأكتاف، فتحصن ~~الضيزن وحاصره شهرا، وأن مليكة بنت الضيزن نظرت من ناحية السور إلى سابور ~~فهويته وأرسلت إليه: إني قد هويتك وسأدلك على فتح هذه المدينة. فقال: افعلي ~~وأنا لك وبين يديك. فأسكرت حفاظ السور وفتحت الأبواب، فدخل سابور فقتل من ~~قدر عليه وأخذ أباها أسيرا. فلما أصبح سابور أمر فأدخل إليه الضيزن وهو ~~قاعد على سرير من ذهب والجارية إلى جنبه، فلما رآها ضرب بيده ورجله وغشي ~~عليه، وقال لها حين أفاق: ما لك سود الله وجهك كما سودت وجهي وسلطه عليك؟ ~~فأمر به سابور فضربت عنقه وغنم هو وأصحابه غنائم كثيرة وانصرف إلى دار ملكه ~~وأمر للجارية بمقصورة فبنيت لها فأسكنها فيها وأعجب بها إعجابا شديدا، ~~فمكثت عنده حولا ثم إنه دعاها ذات ليلة فباتت معه على فراش حشوه ريش فقلقت ~~قلقا شديدا. فقال لها: ما لك يا حبيبتي؟ قالت: إن في الفراش شيئا خشنا قد ~~أقلقني. ففتش الفراش فوجد تحت الريش ورقة آس وإذا هي قد أثرت في جنبها ~~بمقدار الورقة لرطوبة جسدها ولين بشرتها. فقال لها: ما الذي كان أبوك يغذوك ~~به؟ قالت: بالمخ ولباب الدرمك، وهو الحوارى، بالسكر الطبرزد. فقال: والله ~~لأكافينك! فأمر بها فشدت ضفائرها إلى أذناب ms446 فرسين فركضا فتقطعت. ### | محاسن الإخوان # قال بعض الحكماء: ليس للعقلاء تنعم إلا بمودات الإخوان. # وقال آخر: الازدياد من الإخوان زيادة في الآجال وتوفير لحسن الحال. # وقال المأمون: الإخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة ~~كالدواء يحتاج إليه أحيانا، وطبقة كالداء الذي لا يحتاج إليه. # وقيل: أبعد الناس سفرا من كان سفره في ابتغاء صالح. # وكان يقال: أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان. وأنشد: # لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكن إخوان الثقات الذخائر # PageV01P240 # وقيل: صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الشر، كالريح إذا مرت ~~على النتن حملت نتنا، وإذا مرت على الطيب حملت طيبا. # وقال شيخ من الأعراب: عاشروا الناس معاشرة إن عشتم حنوا إليكم وإن متم ~~بكوا عليكم. وقيل في ذلك: # قد يمكث الناس حينا ليس بينهم ... ود فيزرعه التسليم واللطف # يسلي الشقيقين طول النأي بينهما ... وتلتقي شعب شتى فتأتلف # وقال آخر: # كم إخوة لك لم يلدك أبوهم ... وكأنما آباؤهم ولدوكا # وأقارب لو أبصروك معلقا ... بنياط قلبك ما رؤوا رحموكا # وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، لابنه الحسن، صلوات الله عليه: ابذل ~~لصديقك كل المودة ولا تطمئن إليه كل الطمأنينة، وأعطه كل المؤاساة ولا تفض ~~إليه بكل الأسرار. # وقال العباس بن جرير: المودة تعاطف القلوب وائتلاف الأرواح وأنس النفوس ~~ووحشة الأشخاص عند تنائي اللقاء وظهور السرور بكثرة التزاور، وعلى حسب ~~مشاكلة الجواهر يكون الاتفاق في الخصال. # وكتب بعض الكتاب: إن فلانا أولاني جميلا من البشر مقرونا بلطيف من الخطاب ~~في بسط وجه ولين كنف، فلما كشفه الامتحان بيسير الحاجة كان كالتابوت المطلي ~~بالذهب المملوء بالعذرة، أعجبك حسنه ما دام مطبقا فلما فتح آذاك نتنه، فلا ~~أبعد الله غيره. # وقال بعضهم: من لم يؤاخ من الإخوان إلا من لا عيب فيه قل صديقه، ومن لم ~~يرض من صديقه إلا بإيثاره إياه على نفسه دام سخطه، ومن جانب على غير ذنب ~~إخوانه كثر عدوه. ### | مساوئ الإخوان # أنشد لبعضهم: # والله لو كرهت كفي منادمتي ... لقلت للكف بيني ms447 إذ كرهتيني # ولآخر: # فإني لو تخالفني شمالي ... خلافك ما وصلت بها يميني # إذا لقطعتها فلقلت بيني ... كذلك أجتوي من يجتويني # ولآخر: # من لم يردك فلا ترده ... هبه كمن لم تستفده # باعد أخاك إذا نأى ... وإذا دنا شبرا فزده # قال: وسمعها الكسروي فقال: # في سعة الأرض وفي عرضها ... مستبدل بالأهل والجار # فمن دنا منا فأهلا به ... ومن تولى فإلى النار # ولآخر: # وقائل كيف تهاجرتما ... فقلت قولا فيه إنصاف # لم يك من شكلي فتاركته ... والناس أشكال وألاف # ولآخر: # تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك إن الرأي عنك لعازب # وليس أخي من ودني رأي عينه ... ولكن أخي من ودني وهو غائب # وقد قالت الحكماء الأوائل: نعوذ بالله من بوائق الثقات ومن الاغترار ~~بظاهر المودات. وأنشد الآخر: # إن اختياريك على خبرة ... أعجب شيء مر في العالم # وأنشد لآخر: # إن اختياريك لا عن خبرة سلفت ... إلا الرجاء ومما يخطيء النظر # كالمستغيث ببطن السيل يحسبه ... جزرا يبادره إذ بله المطر # وأنشد لآخر: # إذا كنت في قوم فقارن سراتهم ... فإنك منسوب إلى من تقارن # وبيت عدي بن زيد في هذا المعنى مختار قديم: # عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فإن القرين بالمقارن يقتدي # ولآخر في هذا المعنى: # مشي البري مع المقارف تهمة ... ويرى البري مع السقيم فيلصخ # ولآخر في هذا المعنى: # إذا اعتذر الصديق إليك يوما ... من التقصير عذر أخ مقر # فصنه عن جوابك واغض عنه ... فإن العفو شمية كل حر # ولبعض الكتاب: # وصاحب كان لي وكنت له ... أشفق من والد على ولد # وكان لي مؤنسا وكنت له ... ليست بنا حاجة إلى أحد # كنا كساق تمشي بها قدم ... أو كذراع نيطت إلى عضد # حتى إذا أمكن الحوادث من ... حظي وحل الزمان من عقدي # ازور عني وكان ينظر من ... عيني ويرمي عن ساعدي ويدي # حتى إذا استرفدت يدي يده ... كنت كمسترفد يد الأسد ### | محاسن الخصيان # PageV01P241 # من مناقب الخصيان أن الخصي لا يصلع ومتى خصي قبل الإنبات لم ينبت، وإذا ~~خصي بعد استحكام الشعر في مواضع الشعر تساقط كله ms448 إلا شعر الرأس والحاجبين ~~وأشفار العينين، وإنما يعرض لما يتولد من فضول البدن، ولم ير خصي قط مخنثا ~~ولا سمعنا به ولا ندري كيف ذلك ولا نعرف المانع منه ما هو، وقد كان ينبغي ~~أن يكون ذلك فيهم خلقة ويشمل جماعتهم لشبههم بالنساء وقربهم من الصبيان، ~~وقد رأينا غير واحد من الأعراب مخنثا ورأينا عدة مجانين مخنثين وأخبرني من ~~رأى كرديا مخنثا. # ومن فضائل الخصي أن المرأة تميل إليه لأن أمره أستر وعاقبته أسلم وتحرص ~~عليه لأنه ممنوع عنها وترغب في السلامة من الولد. والخصي إذا تنسك غزا ولزم ~~الثغور وبادر بماله إلى طرسوس. وقيل فيهم: # ونساء لمطمئن مقيم ... ورجال إن كانت الأسفار # وقد يرى الخصي وكأن السيوف تلمع في لونه وكأنه مرآة صينية وجمارة أو قضيب ~~فضة قد مسه ذهب وكأن في وجنتيه الورد، ويعرض له صبر على طول الركوب والقوة ~~على كثرة الركض حتى يجاوز في ذلك رجال الأتراك وفرسان الخوارج، وهم أطول ~~الناس أعمارا، وما ذلك فيما أرى إلا لعدم النكاح وقلة استنزاح النطف، ولذلك ~~يقال: إن البغل أطول أعمارا من سائر الدواب والعصفور أقلها أعمارا، وما ذلك ~~إلا لكثرة سفادة العصفور وقلة نزو البغال. ولو أن أخوين أحدهما توأم أخيه ~~خصي أحدهما لخرج الخصي منهما أجود خدمة وأفطن لأبواب المعاطاة وأذكى عقلا ~~عند المخاطبة من أخيه الذي ولد معه في وقت واحد. ### | مساوئ الخصيان # قيل: كل ذي ريح منتنة وكل ذي ذفر وصنان كريه المشم كالتيس وما أشبهه فإنه ~~متى خصي نقص نتنه وذهب صنانه غير الإنسان فإن الخصي يعود أنتن ما كان ~~وصنانه أحد، ويعتري الخصيان خبث العرق حتى توجد لأجسادهم رائحة لا تكون ~~لغيرهم، وكل شيء من الحيوان يخصى فإن عظمه يدق ويسترخي لحمه ويتبرأ من عظمه ~~ويعود رخصا رطبا بعد أن كان عضلا صلبا، والإنسان إذا خصي طال عظمه وعرض ~~ويعرض له طول القدم واعوجاج الأصابع ويعرض له سرعة التغير والتبدل ~~والانقلاب من حد الرطوبة والبضاضة وملاسة الجلد وصفاء اللون ورقته والتقبض ~~إلى ms449 الهزال وسوء الحال، ويعرض للخصيان سرعة الرضى والغضب وحب النميمة وضيق ~~الصدر لما أودع من سر، وما أكثر ما يعرض للخصيان البول في الفراش ولا سيما ~~إذا بات أحدهم ممتلئا من النبيذ، ويعرض لهم حب الشراب والإفراط في شهوته، ~~ويعرض لهم سرعة الدمعة والعبث واللعب بالطير والفخ وما أشبه ذلك وجاء من ~~أخلاق الصبيان، ويعرض لهم الشره عند الطعام والبخل عليه. # والخصي تسخن معدته وتلين جلدته وتنحدر شعرته ويتسع دبره. والخاصي ربما ~~عمد إلى الصبي ليخصيه فتتقلص إحدى خصيتيه وتصير البيضة في موضع لا يمكنه ~~ردها إلى مكانها فيقطع ما ظهر له ويبقى ذا بيضة واحدة فهو حينئذ لا امرأة ~~ولارجل ولا خصي وتخرج لحيته فلا يدعه الناس في دورهم فلا يكون مع الخصيان ~~مقربا ولا مع الفحول مستخدما، وقد فاته غشيان النساء ولذة النسل والتمتع ~~بشم الأولاد. # على أن في الخصيان شرها شديدا وميلا عجيبا إلى النساء، من ذلك ما حكي عن ~~أبي المبارك الخصي ومسامحته في حفظ النساء فقال: والله إني ربما أسمع نغمة ~~المرأة فأظن أن كبدي قد ذابت وأن عقلي قد اختلس، وربما نزا فؤادي عند ضحك ~~إحداهن حتى أظن أنه قد خرج من فمي فكيف ألوم عليه غيري؟ قال: وكان الجماز ~~يتعشق جارية لآل جعفر يقال لها طغيان، وكان لهم خصي يسمى سنانا يحفظها وكان ~~يتعشق الجارية أيضا، وحال بينها وبين الجماز ومنعها من الدنو منه. فقال ~~الجماز: # ما للمقيت سنان ... وللظباء الملاح # أليس زان خصي ... غاز بغير سلاح # قيل: ودخل معاوية بن أبي سفيان على امرأته ميسون بنت بحدل وهي أم ابنه ~~يزيد ومعه خصي فاستترت منه. فقال: لم تتسرين عنه وإنما هو بمنزلة المرأة؟ ~~فقالت: كأنك ترى أن مثلتك به تحلل له ما حرم الله عليه مني. # PageV01P242 # قيل: وكان إسحاق بن مسلم العقيلي جالسا عند المنصور فمر خادم وضيء الوجه ~~فقال: يا أمير المؤمنين أي ولدك هذا؟ قال: ما هو لي بولد. قال: فأي إخوة ~~أمير المؤمنين هذا؟ قال: ما هو لي بأخ. ms450 قال: فمن هو؟ قال: فلان الخادم. ~~قال: يا أمير المؤمنين فبكم شمة هذا وضمته أحب إليها من شمتك وضمتك! قال: ~~فتداخل المنصور من ذلك أمر عظيم حتى تغير وجهه وأمر بمنع الخدم من دخول دار ~~النساء. ### | محاسن العبيد # قال: مر عبيد الله بن معمر بحبشي يأكل تمرا وبين يديه كلب، فلما وضع في ~~فمه لقمة رمى إلى الكلب بلقمة وتمرة. فقال له عبيد الله: هذا الكلب لك؟ ~~قال: لا. قال: فكيف صرت تطعمه وأنت تأكل؟ قال: إني لأستحيي ذا عينين أن ~~ينظر إلي وأنا آكل فلا أطعمه. قال له عبيد الله: أأنت حر أم عبد؟ قال: عبد ~~لبني غاضرة. فأتاهم فقال: لمن الحبشي؟ قال صاحبه: لي. فقال: بعه مني. قال: ~~هو لك. قال: لا والله إلا أن تأخذ ثمنه أو غلاما يكون محله. فاشتراه ثم ~~قال: أشهدكم أنه حر لوجه الله جل وعز. # قيل: ومر عبد الله بن عمر براع مملوك يرعى غنما فقال له: بعني شاة من هذه ~~الغنم. فقال: إنها ليست لي. فقال: أين العدل؟ فقال: فأين الله جل وعز؟ ~~فاشتراه ابن عمر وأعتقه. فقال: اللهم قد رزقني العتق الأصغر فارزقني العتق ~~الأكبر، أو قال: فلا تحرمني العتق الأكبر. # قال: وكان لكثير عزة عبد راع يتولى بيع غنمه فباع عزة وهو لا يعرفها شيئا ~~من غنمه، فقال يوما وهو يتقاضاها: # قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها # فقالت له امرأة: أتعرف عزة؟ قال: لا. قالت: فهذه والله عزة، فقال: لا ~~والله لا آخذ منها شيئا أبدا! ورجع إلى كثير فأخبره فأعتقه لما فعل. ### | مساوئ العبيد # وعن حميد الطويل: كان رجل له غلام فباعه وقال للمشتري: إني أبرأ إليك من ~~كل عيب به إلا عيبا واحدا. قال: وما هو؟ قال: النميمة. قال: أنت بريء منه ~~فإني لا أقبل قوله. قال: فما لبثت إلا قليلا حتى أتى السيد السيد وقال: إن ~~امرأتم بغي وهي تريد أن تقتلك وتتزوج غيرك. قال: وما يدريك؟ قال: قد عرفت ~~ذلك، فتناوم ms451 عليها فإنه سيظهر لك ما أقول. # وأتى المرأة فقال: إن زوجك يريد أن يخلعك ويتزوج غيرك فهل لك أن أرقيك ~~فيرجع إليك حبه؟ قالت: نعم ولك كذا وكذا. قال: ائتني بثلاث شعرات من تحت ~~حنكه. فلما دنت منه لتتناول الشعر قام إليها بالسيف ولم يشك فيما قاله ~~الغلام فقتلها، وجاء إخوة المرأة فقتلوا الزوج فذهبا جميعا بسوء صنيع ~~عبدهما وقبولهما نميمته. # ومما قيل فيهم من الشعر: # وإذا ما جهلت ود صديق ... فاختبر ما جهلت بالغلمان # إن وجه الغلام يخبر عما ... في ضمير المولى من الكتمان # قال: وكتب الطائي إلى بعض إخوانه يسأله نبيذا، فأمر له بذلك ومنعه ~~الغلام. فقال: # أبا جعفر وأصول الفتى ... تدل عليه بأغصانه # أليس قبيح بأن امرأ ... رجاك لصالح أزمانه # فتأمر أنت بإعطائه ... ويأمر فتح بحرمانه # ولست أحب الشريف الظريف ... يكون غلاما لغلمانه ### | مساوئ سوء معاملات الموالي لعبيدهم # قال: وقال أبو العباس الموصلي: كان لي جار فسمعت من داره استغاثة ~~مضروبين، فلما سألت عن الخبر قيل: إنه فقد دجاجة. فكتبت أبياتا في رقعة ~~وشددتها في رجل دجاجة وألقيتها في داره وضمنتها: # يا ذا الذي من أجل فروجة ... أظهر للعالم أخلاقه # ألقى على الغلمان من أجلها ... بالضرب والتعذيب أرواقه # رفقا قليلا بعقوباتهم ... فإنهم لم يعقروا الناقه # PageV01P243 # قيل: وقدم أعرابي مصرا من الأمصار فدخل سوق النخاسين ليبتاع جارية فصادف ~~جارية قد أقيمت لتباع يبرأ فيها من الإباق والسرقة والسكر والفجور وقد ~~تحاماها الناس فاشتراها وأبرأهم من عيوبها، فقال له رجل: يا عبد الله لقد ~~اشتريت بمالك ما لم يكن غيرك يأخذه بلا ثمن! فقال: إنا لسنا نكره من مثلها ~~ما تكرهون، أما الإباق فوالله إن أدنى ماء من مياهنا لعلى مسيرة خمس ولربما ~~سرى الرجل الهادي من حيث ينزل فيصبح بحيث يرى فأنى لها بالإباق؟ وأما السرق ~~فما عسى أن تسرق شاة أو بعيرا أو قتبا أو حلسا. وأما السكر فوالله ما نقدر ~~على ريها من الماء فكيف تصيب شرابا؟ وأما الفجور فإن لنا زنوجا يخدموننا ~~فما نكره أن ms452 يقع عليها بعضهم فننتفع بولدها. ثم عمد إلى ثوبين مصبوغين كانا ~~عليها فانتزعهما منها وقال: مولاتك أحق بهما. وألبسها مدرعة. فبكت الجارية ~~وقالت: قد كانت مولاتي تدعو علي وتقول: باعك الله في الأعراب. فقال: لأنا ~~نجيع كبده ونعري جلده ونطيل كده. ### | محاسن مطالبة المعلمين بالتعليم # قال: كان الرشيد جعفر محمدا الأمين في حجر الفضل بن يحيى وعبد الله ~~المأمون في حجر جعفر بن يحيى. فقال الفضل بن يحيى لهيثم بن بشير الواسطي: ~~ليكن أكثر ما تأخذ به ولي العهد تعظيم الدماء، فإني أحب أن يشرب الله قلبه ~~الهيبة لها والعفاف عن سفكها. ثم إن الرشيد أرسل إلى الأحمر النحوي فلما ~~دخل عليه قال: يا أحمر أن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه ~~وصير يدك عليه مبسوطة ومقالتك فيه مصدقة وطاعتك عليه واجبة، فكن له بحيث ~~وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن وعلمه الآثار والأخبار والسنن وروه ~~الأشعار وبصره مواقع الكلام ومره بالرزانة في مجلس والاقتصاد في نظره ~~وسمعه، فلا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيده إياها وكلمة ~~نافعة يعيها ويحفظها من غير أن تخرق به فتميت ذهنه وتمله، ولا تمعن في ~~مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه بالتقريب والملاينة، فإن أبى فالشدة. # قال الأحمر: فكنت كثيرا ما أشدد عليه في التأديب وأمنعه الساعات التي ~~يتفرغ فيها للهو واللعب. فشكا ذلك إلى خالصة فأتتني برسالة من أم جعفر تعزم ~~علي بالكف عنه وأن أجعل له وقتا أجمه فيه لتوديع بدنه. فقلت: الأمير قد عظم ~~قدره وبعد صوته، وموقعه من أمير المؤمنين ومكانه من ولايه العهد لا يحتملان ~~التقصير ولا يقبل منه الخطل ولا يرضى منه بالزلل في المنطق والجهل بشرائع ~~الدين والعمى عن الأمور التي فيها قوام السلطان وإحكام السياسة. # قالت: صدقت غير أنها والدة لا تملك نفسها ولا تقدر على كف إشفاقها وحذرها ~~ومع حذرها أمر إن شئت حدثتك به. فقلت: وما ذاك؟ قات: حدثتني السيدة أنها ~~رأت في الليلة التي حملت فيها به كأن ثلاث ms453 نسوة دخلن عليها فقعدت منهن ~~ثنتان واحدة عن يمينها وواحدة عن يسارها، فأمرت إحدى الثلاث يدها على بطنها ~~ثم قالت: ملك ربحل عظيم البذل ثقيل الحمل سريع الأمر. وقالت الثانية: ملك ~~قصير العمر سليم الصدر متهتك الستر. وقالت الثالثة: ملك قصاف عظيم الإتلاف ~~يسير الخلاف قليل الإنصاف. فانتبهت وأنا فزعة فلم أحس لهن أثرا حتى كانت ~~الليلة التي وضعته فيها أتينني في الخلق الذي رأيتهن فقعدن عند رأسه واطلعن ~~جميعا في وجهه ثم قالت واحدة منهن: شجرة نضرة وريحانة جنية وروضة زاهره ~~وعين غدقة، قليل لبثها عجل ذهابها. وقالت الثانية: سفيه غارم وطالب للمغارم ~~جسور على المخاصم. وقالت الثالثة: احفروا قبره وشقوا لحده وقربوا أكفانه ~~وأعدوا جهازه فإن موته خير له من حياته. قالت: فبقيت متحيرة وبعثت إلى ~~المنجمين والمعبرين ومن يزجر الطير فكل يبشرني بطول عمره ويعدني بقاءه ~~وسعادته وقلبي يأبى إلا الحذر عليه والتهمة لما رأيت في منامي. # وبكت خالصة وقالت: يا أحمر وهل يدفع الإشفاق والحذر والاحتراق واقع القدر ~~أو يقدر أحد على أن يدفع عن أحبائه الأجل؟ قلت: صدقت إن القضاء لا يدفعه ~~شيء. ثم كان من أمره ما كان. # PageV01P244 # ثم اتخذ الرشيد قطربا النحوي على الأمين، وكان حماد عجرد يتعشق الأمين ~~ويطمع فيه أن يتخذه عليه مؤدبا فلم يتهيأ له ذلك لتهتكه وقبيح ذكره في ~~الناس، وقد كان رام ذلك فلم يجب إليه، فلما سمع أن قطربا قد استوى أمره ~~وأجيب إلى ذلك لستره وعفافه أخذ حمادا المقيم والمقعد حسدا على ما ناله ~~قطرب من ذلك وبلغه من المنزلة الرفيعة والدرجة السنية، فأخذ رقعة وكتب فيها ~~أبياتا ودفعها إلى بعض الخدم الذين يقومون على رأس الرشيد وجعل له على ذلك ~~جعلا وسأله أن يودع الرقعة دواة أمير المؤمنين. ففعل فما كان بأسرع من أن ~~دعا الرشيد بالدواة فإذا فيها رقعة فيها هذه الأبيات: # قل للإمام جزاك الله مغفرة ... لا يجمع الدهر بين السخل والذيب # السخل غر وهم الذئب غفلته ... والذئب يعلم ما بالسخل من طيب ms454 # فلما قرأ الرشيد الرقعة قال: انظروا أن لا يكون هذا المعلم لوطيا انفوه ~~من الدار. فأخرجوه عن تأديب الأمين واتخذ عليه حمادا، وجعل عليه ثمانين من ~~الرقباء. # قال: ولما وسم قطرب بهذه السمة القبيحة خاف أن يلحقه بعض ما يكره فهرب ~~إلى الكرج وتوسل إلى أبي دلف ومعقل ببراعة الأدب، فلما عرفا غزارة فنه ~~ووقفا على معرفته اصطفياه لأنفسهما وأحلاه محلا رفيعا وقدماه على جميع أهل ~~الأدب وأرغدا له في العطية، فلما رأى قطرب برهما به وإلطافهما به رغب في ~~المقام بالكرج وأثرى وكثر ماله. # فيقال: إن أصل هذه الآداب التي وقعت بالكرج إلى أبي دلف ومعقل من علم ~~قطرب وتصنيفه الكتب. وإن المأمون سأل أبا دلف: من خلفت بالجبل منسوبا إلى ~~الأدب؟ قال: ما خلفت غير قطرب. فقال المأمون: صدقت، إن لقطرب لمحلا من هذا ~~الشأن. # وعن أبي محمد اليزيدي قال: كنت أؤدب المأمون وهو في حجر سعيد الجوهري، ~~فأتيته يوما وهو داخل فوجهت إليه بعض غلمانه يعلمه بموضعي فأبطأ علي ثم ~~وجهت إليه آخر فأبطأ، فقلت لسعيد: إن هذا الفتى ربما تأخر وتشاغل بالبطالة. ~~قال: أجل ومع هذا إذا تأخر تعرم على خدمه ولقوا منه أذى فقومه بالأدب. فلما ~~خرج أمرت بحمله وضربته تسع درر، قال: فإنه ليدلك عينه من أثر البكاء إذ ~~أقبل جعفر بن يحيى فاستأذن وأخذ منديلا فمسح عينيه وجمع ثيابه وقام إلى ~~فراشه وقعد عليه متربعا ثم قال: يدخل. فدخل وقمت عن المجلس وخفت أن يشكوني ~~إليه فألقى منه ما أكره. قال: فأقبل عليه بوجهه وحديثه حتى أضحكه وضحك. ~~فلما هم بالحركة دعا بدابته وأمر غلمانه فسعوا بين يديه ثم سأل عني فجئت ~~فقال: خذ ما بقي من حزني. فقلت: أيها الأمير لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر ~~ولو فعلت ذلك لتنكر لي. قال: إنا لله، أتراني يا أبا محمد كنت أطمع الرشيد ~~في هذه فكيف جعفرا أطلعه على أني أحتاج إلى أدب؟ يغفر الله لك، خذ في أمرك ~~فقد خطر ببالك ما لا ms455 تراه أبدا ولو عدت في كل يوم مرة. # وكان لسعيد الجوهري غلام قد لز بالمأمون في الكتاب فكان إذا احتاج ~~المأمون إلى محو لوحه بادر إليه فأخذ اللوح من يده فمحاه وغلب على غلمان ~~المأمون ومسحه وجاء به فوضعه على المنديل في حجره، فلما سار المأمون إلى ~~خراسان وكان من أخيه ما كان خرج إليه غلام سعيد فوقف بالباب حتى جاء أبو ~~محمد اليزيدي فلما رآه عرفه فدخل فأخبر المأمون. فقال له مستبشرا بقدومه: ~~لك البشرى! ثم أذن له فدخل عليه فضحك إليه حين رآه ثم قال: أتذكر وأنت ~~تبادر إلى محو لوحي؟ قال: نعم يا سيدي. فوصله بخمس مائة ألف درهم. ثم اتخذ ~~الرشيد الحسن اللؤلؤي بعد أبي محمد اليزيدي على المأمون، فبينا هو يطارحه ~~شيئا من الفقه إذ نعس المأمون. فقال له اللؤلؤي: نمت أيها الأمير! فقال ~~المأمون: سوقي ورب الكعبة! خذوا بيده. فبلغ الرشيد ما صنع فقال متمثلا: # وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل ### | محاسن المعلمين # قال: شهد رجل عند سوار القاضي فقال: ما صناعتك؟ قال معلم. قال: فإنا لا ~~نجيز شهادتك. قال: ولم؟ قال: أنك تأخذ على التعليم أجرا. قال: وأنت تأخذ ~~على القضاء بين المسلمين أجرا. قال: أكرهت عليه. قال: فهبك أكرهت على ~~القضاء فمن أكرهك على أخذك الأجر والرزق على الله؟ فقال:هلم شهادتك، ~~فأجازها. # PageV01P245 # قال: وكان لشريح القاضي ابن يكثر البطالة فنظر إليه شريح يوما وهو يهارش ~~بكلب له فكتب رقعة إلى معلمه وفيها هذه الأبيات: # ترك الصلاة لأكلب يسعى بها ... طلب الهراش مع الغواة الرجس # فإذا أتاك فغطه بملامة ... وعظته موعظة الرفيق الأكيس # فإذا هممت بضربه فبدرة ... وإذا ضربت بها ثلاثا فاحبس # وليحملن مني إليك صحيفة ... نكراء مثل صحيفة المتلمس # اعلم بأنك ما أتيت فنفسه ... مع ما يجرعني أعز الأنفس # فضربه المعلم عشرا عشرا. فقال له شريح: لم ثنيت عليه الضرب؟ فقال: العشر ~~الأولى للبطالة والثانية للبلادة حيث لا يدري ما يحمل. ### | مساوئ المعلمين # قيل: كان معلم يصلي بالناس ms456 في شهر رمضان وكان يقف على ما لا يوقف عليه، ~~فقرأ: واتبعوا ما تتلو الش، ثم قال: الله أكبر، فركع ثم قام في الثانية. ~~فقلت: ما تراه يصنع؟ فلما قال: ولا الضالين، فقال: ياطين على ملك سليمان. # قال: وسمعت معلما يقرأ بالناس في شهر رمضان: وإذ قال لقمان لابنه وهو ~~يعظه يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا وأكيد كيدا فمهل ~~الكافرين أمهلهم رويدا. # وقال بعضهم: الله جل وعز أعان على عرامة الصبيان برقاعة المعلمين. # وقال فيهم بعض الشعراء: # وهل يستفيد العقل من كان دهره ... يروح على أنثى ويغدو على طفل # وقال آخر: # إذا كنت وراقا فأنت محارف ... وحسبك نوكى أن تكون معلما ### | محاسن السؤال # قال الجاحظ: سمعت شيخا من المكدين وقد التقى مع شاب منهم قريب العهد ~~بالصناعة فسأله الشيخ عن حاله فقال: بعن الله الكدية ولعن أصحابها من صناعة ~~ما أخسها وأقلها، إنها ما علمت تخلق الوجه وتضع من الرجال، وهل رأيت مكديا ~~أفلح؟ قال: فرأيت الشيخ قد غضب والتفت إليه فقال: يا هذا أقلل الكلام فقد ~~أكثرت، مثلك لا يفلح لأنك محروم ولم تستحكم بعد وإن للكدية رجالا فما لك ~~ولهذا الكلام! ثم التفت فقال: اسمعوا بالله يجيئنا كل نبطي قرنان وكل حائك ~~صفعان وكل ضراط كشحان يتكلم سبعا في ثمان إذا لم يصب أحدهم يوما شيئا ثلب ~~الصناعة ووقع فيها، أوما علمت أن الكدية صناعة شريفة وهي محببة لذيذة ~~صاحبها في نعيم لا ينفد فهو على بريد الدنيا ومساحة الأرض وخليفة ذي ~~القرنين الذي بلغ المشرق والمغرب حيث ما حل لا يخاف البؤس، يسير حيث شاء، ~~يأخذ أطايب كل بلدة؟ فهو أيام النرسيان والهيرون بالكوفة، ووقت الشبوط وقصب ~~السكر بالبصرة، ووقت البرني والأزاذ والرازقي والرمان المرمر ببغداد، وأيام ~~التين والجوز الرطب بحلوان، ووقت اللوز الرطب والسختيان والطبرزد بالجبل، ~~يأكل طيبات الأرض، فهو رخي البال حسن الحال لا يغتم لأهل ولا مال ولا دار ~~ولا عقار، حيث ما حل فعلفه طبلي، أما والله لقد ms457 رأيتني وقد دخلت بعض بلدان ~~الجبل ووقفت في مسجدها الأعظم وعلي فوطة قد ائتزرت بها وتعممت بحبل من ليف ~~وبيدي عكازة من خشب الدفلى وقد اجتمع إلي عالم من الناس كأني الحجاج بن ~~يوسف على منبره وأنا أقول: يا قوم رجل من أهل الشام ثم من بلد يقال له ~~المصيصة من أبناء الغزاة والمرابطين في سبيل الله من أبناء الركاضة وحرسة ~~الإسلام، غزوت مع والدي أربع عشرة غزوة سبعا في البحر وسبعا في البر، وغزوت ~~مع الأرمني، قولوا رحم الله أبا الحسن، ومع عمر بن عبيد الله، قولوا رحم ~~الله أبا حفص، وغزوت مع البطال بن الحسين والرنرداق بن مدرك وحمدان بن أبي ~~قطيفة، وآخر من غزوت معه يازمان الخادم، ودخلت قسطنطينية وصليت في مسجد ~~مسلمة بن عبد الملك، من سمع باسمي فقد سمع ومن لم يسمع فأنا أعرفه نفسي، ~~أنا ابن الغزيل بن الركان المصيصي المعروف المشهور في جميع الثغور والضارب ~~بالسيف والطاعن بالرمح، سد من أسداد الإسلام نازل الملك على باب طرسوس فقتل ~~الذراري وسبى النساء، وأخذ لنا ابنان وحملا إلى بلاد الروم فخرجت هاربا على ~~وجهي ومعي كتب من التجار فقطع علي وقد استجرت بالله ثم بكم فإن رأيتم أن ~~تردوا ركنا من أركان الإسلام إلى وطنه وبلده! # PageV01P246 # فوالله ما أتممت الكلام حتى انهالت علي الدراهم من كل جانب وانصرفت ومعي ~~أكثر من مائة درهم. فوثب إليه الشاب وقبل رأسه وقال: أنت والله معلم الخير ~~فجزاك الله عن إخوانك خيرا. ### | أصناف المكدين وأفعالهم # منهم المكي وهو الذي يأتيك وعليه سراويل واسع دبيقي أو نرسي وفيه تكة ~~أرمنية قد شدها إلى عنقه فيأتي المسجد فيقول: أنا من مدينة مصر ابن فلان ~~التاجر وجهني أبي إلى مرو في تجارة ومعي متاع بعشرة آلاف درهم فقطع علي ~~الطريق وتركت على هذه الحال ولست أحسن صناعة ولا معي بضاعة وأنا ابن نعمة ~~وقد بقيت ابن حاجة. ومنهم السحري الذي يبكر إلى المساجد من قبل أن يؤذن ~~المؤذن. والشجوي الذي كان يؤثر ms458 في يده اليمنى ورجليه حتى يري الناس أنه كان ~~مقيدا مغلولا ويأخذ بيده تكة فينسجها يوهمك أنه من الخلدية وقد حبس في ~~المطبق خمسين سنة. ومنهم الذرارحي الذي يأخذ الذراريح فيشدها في موضع من ~~جسده من أول الليل ويبيت عليه ليلته حتى يتيقظ فيخرج بالغداة عريانا وقد ~~تنفط ذلك الموضع وصار فيه القيح الأصفر ويصب على ظهره قليل رماد فيوهم ~~الناس أنه محترق. ومنهم الحاجور وهو الذي يأخذ الحلقوم مع الرئة فيدخل ~~الحلقوم في دبره ويشرح الرئة على فخذه تشريحا رقيقا ويذر عليه دم الأخوين. ~~ومنهم الخاقاني الذي يحتال في وجهه حتى يجعله مثل وجه خاقان ملك الترك ~~ويسوده بالصبر والمداد ويوهمك أنه ورم. ومنهم السكوت الذي يوهمك أنه لا ~~يحسن أن يتكلم. ومنهم الكان وهو الذي يواضع القاص من أول الليل على أنه ~~يعطيه النصف أو الثلث فيتركه حتى إذا فرغ من الأخذ لنفسه اندفع هو فتكلم. # ومنهم المفلفل، الرفيقان يترافقان فإذا دخلا مدينة قصدا أنبل مسجد فيها ~~فيقوم أحدهما في أول الصف فإذا سلم الإمام صاح الذي في آخر الصف بالذي في ~~أول الصف: يا فلان قل لهم. فيقول الآخر: قل لهم أنت أنا أيش. فيقول: قل ~~ويحك ولا تستح. فلا يزالان كذلك وقد علقا قلوب الناس ينتظرون ما يكون ~~منهما، فإذا علما أنهما قد علقا القلوب تكلما بحوائجهما وقالا: نحن شريكان ~~وكان معنا أحمال بز كنا حملناها من فسطاط مصر نريد العراق فقطع علينا وقد ~~بقينا على هذه الحال لا نحسن أن نسأل وليست هذه صناعتنا. فيوهمان الناس ~~أنهما قد ماتا من الحياء. # ومنهم زكيم الحبشة الذي يأتيك وعليه دراعة صوف مضربة مشقوقة من خلف وقدام ~~وعليه خف ثغري بلا سراويل يتشبه بالغزاة. ومنهم زكيم المرحومة المكافيف ~~يجتمعون خمسة وستة وأقل وأكثر وقائدهم يبصر أدنى شيء عينه مثل الخفاش يقال ~~له الاسطيل فهو يدعو وهم يؤمنون. ومنهم الكاغاني الذي يتجنن أو يتصارع ~~ويزبد حتى لا يشك أحد في جنونه وأنه لا دواء له لشدة ما ينزل به. ms459 ومنهم ~~القرسي وهو الذي يعصب ساقيه أو ذراعيه عصبا شديدا ويبيت على ذلك ليلة فإذا ~~تورم واحتقن فيه الدم مسحه بشيء من صابون ودم الأخوين وقطر عليه من سمن ~~البقر وأطبق عليه خرقة ثم كشف بعضه فلا يشك من رآه أنه آكلة نعوذ بالله ~~منها. ومنهم المشعب الذي يحتال للصبي حين يولد بأن يزمنه أو يعميه ليسأل به ~~الناس، وربما جاءت أمه أو يجيء أبوه فيتولى ذلك فإما أن يكسبا به أو يكرباه ~~فإن كان عندهما ثقة وإلا أقام بالأولاد والأجرة كفيلا. ومنهم الفيلور وهو ~~الذي يحتال لخصيتيه حتى يريك أنه آدر وربما أراك أن بهما شرطا أو جرحا، ~~وربما أراك ذلك في دبره، وتفعل المرأة ذلك بفرجها. ومنهم الكاخان الغلام ~~المكدي إذا واجر وعليه مسحة من جمال وعمل العملين جميعا. والعواء الذي يسأل ~~بين المغرب والعشاء ويطرب في صوته. ومنهم الاسطيل وهو المتعامي الذي إن شاء ~~أراك أنه أعمى وإن شاء أراك أنه ممن نزل في عينه الماء وإن شاء أراك أنه لا ~~يبصر. ومنهم المزيدي وهو الذي يدور ومعه دريهمات يقول: هذه دريهمات قد جمعت ~~لي في ثمن قطيفة فزيدوني فيها ورحمكم الله. ومنهم المستعرض الذي يعارضك وهو ~~ذو هيأة في ثياب صالحة يريك أنه يستحيي من المسألة ويخاف أن يراه معرفة ~~فيعرض لك اعتراضا ويكلمك خفتا. ومنهم المطين وهو الذي يطين نفسه من قرنه ~~إلى قدمه ويأخذ البلاذر يريك أنه يأكل البلاذر. ### | ومن نوادرهم # PageV01P247 # قيل: إنه أتى سائل دارا يسأل منها فأشرفت عليه امرأة من الغرفة فقال لها: ~~يا أمة الله الله أن تصدقي علي بشيء! قالت: أي شيء تريد؟ قال: درهما. قالت: ~~ليس. قال: فدانقا. قالت: ليس. قال: ففلسا. قالت: ليس. قال: فكسوة. قالت: ~~ليس. قال: فكفا من دقيق. قالت: ليس. قال: فزيت، حتى عد كل شيء يكون في ~~البيوت وهي تقول: ليس. فقال لها: يا زانية فما يجلسك؟ مري تصدقي معي. # قال الأصمعي: وقفت على سائل بالمربد وهو يقول: # قد رهنت القصاع من شهوة الخبز ms460 # فقلت له: أتممه. فقال: أتممه أنت. فقلت: فمن لي بمن يفك القصاعا فقال: ~~اضمم إليه بيتا. فقلت: # ما رهنت القصاع يا قوم حتى ... خفت والله أن أموت ضياعا # فقال: أنت والله أحوج إلى المسألة وأحق بها مني. # ولأبي فرون الأعرابي السائل: # وصبية مثل صغار الذر ... سود الوجوه كسواد القدر # كلهم ملتزق بصدري ... حتى إذا لاح عمود الفجر # ولاحت الشمس خرجت أسري ... أسبقهم إلى أصول الجدر # ألا فتى يحمل عني إصري ... هذا جميع قصتي وأمري # فاسمع مقالي وتوق شري ... فأنت أنت بغيتي وذخري # كنيت نفسي كنية في شعري ... أنا أبو الفقر وأم الفقر # قال: قال الأصمعي: رأيت سائلا وقد تعلق بأستار الكعبة من بني تميم وهو ~~يقول: # أيا رب رب الناس والمن والهدى ... أما لي في هذا الأنام قسيم # أما تستحي مني وقد قمت عاريا ... أناجيك يا ربي وأنت كريم # أترزق أبناء العلوج وقد عصوا ... وتترك قرما من قروم تميم # قال: ورأيت رجلا آخر من الأعراب وقد تعلق بأستار الكعبة وهو يقول: # يا رب إني سائل كما ترى ... مشتمل شميلتي كما ترى # وشيختي جالسة فيما ترى ... والبطن مني جائع كما ترى # فما ترى يا ربنا فيما ترى # قال: وأتى سائل من الأعراب إلى بني عبد العزيز بن مروان فقال: أتت علينا ~~سنون لم تبق زرعا حصيدا ولا مالا تليدا إلااجتاحته بزوبره وأصله وأنتم أئمة ~~أملي وقصد ثقتي. فلم يعطوه شيئا، فقال: # بنو عبد العزيز إذا أرادوا ... سماحا لم يلق بهم السماح # لهم عن كل مكرمة حجاب ... فقد تركوا المكارم واستراحوا # قال: ومر سائل منهم برجل يكنى أبا الغمر ضخم عريض وكان بوابا لبعض الملوك ~~فقال له: أعن المسكين الضعيف الفقير المحتاج. فقال: ما ألحف جائعكم وأكثر ~~سائلكم، أراحنا الله منكم! فقال السائل: اسكت فوالله لو فرق قوت جسمك في ~~عشرة أجسام منا لكفانا طعامك ليوم شهرا، وإنك لنبيه الضرطة لو ذري بها بيدر ~~لكفته الريح، عظيم السلحة لو ضربت لبناء لكفت سورا. # قال: وقال أعرابي وهو يسأل: رحم الله من أعطى ms461 من فضل وآثر من قلة وواسى ~~من كفاف. # قيل: ودخل رجل منهم على هشام بن عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير ~~المؤمنين أتتنا سنون ثلاث، فأما الأولى فأذابت الشحم، وأما الثانية فأغضت ~~اللحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وعندك أموال فإن كانت لله جل وعز فبثها ~~في عباد الله، وإن كانت لهم ففيم تحبسها عنهم؟ وإن كانت لك فتصدق علينا إن ~~الله يجزي المتصدقين. # قال: ودخل أزهر السمان على المنصور فشكا إليه الحاجة وسوء الحال، فأمر له ~~بألف درهم وقال: يا أزهر لا تأتنا في حاجة أبدا. قال: أفعل يا أمير ~~المؤمنين. فلما كان بعد قليل عاد فقال له: يا أزهر ما حاجتك؟ قال: جئت ~~لأدعو لأمير المؤمنين. قال: بل أتيتنا لمثل ما أتيت. فأمر له بألف درهم ~~وقال: يا أزهر لا تأتنا ثالثة فلا حاجة لنا في دعائك. قال: نعم، ثم لم يلبث ~~أن عاد، فقال: يا أزهر ما جاء بك؟ قال: دعاء كنت سمعته منك أحب أن آخذه ~~عنك. فقال: لا تردده فإنه غير مستجاب وقد دعوت به الله جل وعز أن يريحني من ~~خلقتك فلم يفعل. # وممن سأل الخلفاء أيضا ربيعة بن ربيعة، ذكروا أنه دخل على معاوية بن أبي ~~سفيان فقال: يا أمير المؤمنين زوجني بعض بناتك. فقال: قد شغلناهن بأكفائهن. ~~قال: فولني شرطة البصرة. قال: قد وليتها من كفانا. قال: فهب لي قطيفة. قال: ~~أما هذا فنعم. # PageV01P248 # ومنهم أبو دلامة دخل على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين تأمر لي بكلب ~~صيد؟ قال: أعطوه. قال: كلب بلا صقر؟ قال: أعطوه صقرا. قال: كلب وصقر بلا ~~بازبان؟ قال: أعطوه غلاما بازبانا. قال: فلا بد لهم من دار! قال: أعطوه ~~دارا. قال: فمن أي شيء يعيشون؟ قال: قد أقطعتك أربع مائة جريب منها مائتا ~~جريب عامر ومائتان غامر. قال: وما الغامر؟ قال: الخراب. قال: فأنا أقطعتك ~~أربعة آلاف جريب بالدهناء غامرة. قال: فقد جعلتها كلها عامرة فهل بقي لك ~~شيء؟ قال: نعم تدعني أقبل يدك. قال: ليس إلى ms462 ذلك سبيل. فقال: ما منعتني ~~شيئا أهون على عيالي من هذا. # قال: وبعث المنصور إلى زياد بن عبد الله مالا وأمره أن يفرقه في القواعد ~~والأيتام والعميان، فدخل إليه أبو حمزة الرقي فقال: أصلح الله أمير ~~المؤمنين! قد بلغني الكبر فاكتبني في القاعدين. قال: يغفر الله لك إنما ~~القواعد النساء اللواتي قعدن عن الأزواج. قال: فاكتبني في العميان فإن الله ~~جل ذكره يقول: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، ~~وأنا أشهد أن قلبي أعمى، واكتب ولدي في الأيتام فإن من كنت أباه فهو يتيم. ~~قال: اكتبوه في العميان واكتبوا ولده في الأيتام. # قال وقالت أعرابية لحاتم بن عبد الله الطائي: أتيتك من بلاد نائية شاسعة ~~تخفضني خافضة وترفعني رافعة لملمات من الأمور نزلن بي فبرين عظمي وأذهبن ~~لحمي فرتكنني بالجريض قد ضاق بي البلد العريض، لم يتركن لي سبدا ولم يبقين ~~لي لبدا، غاب الوالد وهلك الرافد، وأنا امرأة من هوازن أقبلت في أفناء من ~~العرب أسأل عن المرجو نائله والمحمود سائله والمأمون جانبه، فقيل لي أنت ~~فاصنع بي إحدى ثلاث: إما أن تحسن صفدي، أو تقيم أودي، أو تردني إلى بلدي. ~~فقال: أجمعهن لك وحبا. ففعل بها ذلك كله. # قال: وجاءت أعرابية تسأل فقالت: يا قوم طرائد زمان وفرائس نازلة ولحمان ~~وضم، نبذتنا الرجال وأنشزتنا الحال وأطمعنا السؤال، فهل من مكتسب للأجر أو ~~راغب في الذخر؟ وسأل أعرابي فقال: سنة جردت وحال جهدت وأيد خمدت فرحم الله ~~من رحم وأقرض من لا يظلم. # وسأل أعرابي فقال: أين الوجوه الواضحات الصباح، والعقول الراجحات الصحاح، ~~والصدور الرحاب السماح، والمكارم الثمينة الرباح؟ وسأل أعرابي فقال: رحم ~~الله امرأ لم يمج أذنه كلامي وقدم لمعاذة من سوء مقامي، فإن البلاد مجدبة ~~والحال مسغبة والحياء زاجر ينهى عن كلامكم والفقر عاذر يدعو إلى إخباركم ~~فرحم الله امرأ واسى بمير أو دعا بخير. فقال رجل: ممن يا أعرابي؟ فقال: أخ ~~في كتاب الله وجار في بلاد الله وطالب خير من رزق ms463 الله. # وسأل آخر فقال: نقص الكيل وعجفت الخيل وقل النيل فهل من رحيم أجره لله ~~فإنه غنى عن الله لقوله جل وعز: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا "، لم ~~يستقرض ربنا جل وعز من عدم ولكن ليبلو ويختبر. # وسأل آخر فقال: إني رجل من مدينة رسول الله، عليه وعلى آله السلام، مشيت ~~حتى انتعلت الدم، فرحم الله من حملني على نعلين فكأنما حملني على ناقتين، ~~فلا قليل من الأجر ولا غنى من الله جل وعز. وقيل لسائل أعرابي: أين منزلك؟ ~~قال: ما لي منزل إنما أشتمل الليل إذا عسعس وأظهر بالنهار إذا تنفس. ### | مساوئ الثقلاء # قال بختيشوع للمأمون: لا تجالس الثقلاء فإنا نجد في كتب الطب أن مجالسة ~~الثقيل حمى الروح. # وقال بعضهم: سخنة العين النظر بها إلى الثقلاء. # قال: ونقش رجل على خاتمه: أبرمت فقم. فكان إذا جلس إليه الثقيل ناوله ~~إياه. # قيل: ودخل أبو حنيفة على الأعمش يوما فأطال جلوسه فقال: لعلي قد ثقلت ~~عليك؟ قال: وإني لأستثقلك وأنت في منزلك فكيف وأنت عندي! قيل: واجتمع أصحاب ~~الحديث عند شريك بن عبد الله، فتبرم بهم وأضجروه فصاح بهم وفرقهم فلم ~~يبرحوا. فقال بعضهم: أنا أطردهم عنك. قال: نعم، وانطرد معهم. # قيل: وأتى رجل ابن المقفع في حاجة فلم يصل إليه وكان مستثقلا له فكتب ~~بيتا في رقعة وأرسل به إليه: # هل لذي حاجة إليك سبيل ... وقليل تلبثي لا كثير # فوقع إليه: # أنت يا صاحب الكتاب ثقيل ... وقليل من الثقيل كثير # فأجابه الرجل: # قد بدأت الجواب منك بفحش ... أنت بالفحش والبذاء جدير # فضحك وقضى حاجته. # PageV01P249 # قال: وكتب أعرابي إلى حماد الراوية المعروف بعجرد، وكان حماد يسثقله: # إن لي حاجة فرأيك فيها ... لك نفسي الفدا من الأوصاب # وهي ليست مما يبلغها غي ... ري ولا أستطيعها في كتاب # غير أني أقولها حين ألقا ... ك رويدا أسرها باكتئاب # فكتب إليه: اكتب بالحاجة يا ثقيل. فكتب: # إني عاشق لجبتك الدك ... ناء عشقا قد حال دون الشراب # فاكسنيها فدتك نفسي وأهلي ... أتمزى بها ms464 على أصحابي # ولك الله والأمانة إني ... أجعلنها عمري أمير ثيابي # وقد قيل: إذا علم الثقيل أنه ثقيل فليس بثقيل. # ومما قيل فيهم من الشعر: # سألتك بالله إلا صدقت ... وعلمي بأنك لا تصدق # أتبغض نفسك من بغضها ... وإلا فأنت إذا أحمق # ولآخر: # قل للبغيض أخي البغي ... ض ابن البغيض ابن البغيضه # أنت الذي حملتك أ ... مك بين فاحشة وحيضه # ضاقت على الثقلين من ... بغضائك الأرض العريضه # ودعت ملائكة السما ... ء عليك دعوى مستفيضه # ولآخر: # يا من تبرمت الدنيا بطلعته ... كما تبرمت الأجفان بالسهد # يمشي على الأرض مجتازا فأحسبه ... من بغض طلعته يمشي على كبدي # ولآخر: # شخصك في مقلة النديم ... أثقل من رعية النجوم # يا رائحا روحة علينا ... أثقل من سبة اللئيم # إني لأرجو بما أقاسي ... منك خلاصا من الجحيم # ولآخر: # يا مفرعا في قالب البغض ... بغضك يشكوك إلى بغض # كأنما تمشي على ناظري ... إذا تخطأت على الأرض # ولآخر: # يا من له حركات ... على النفوس ثقيله # وليس يعرف معنى ... قصيرة من طويله # أورثني بجلوسي ... إليك حمى مليله # فاصفع لنفسك عني ... فإن كفي عليله # ولآخر: # أيا من أعرض الرب ... عن العالم من بغضه # ومن عاذ مليك المو ... ت بالرحمن من قبضه # ويا من بغضه يشه ... د بالبغض على بغضه ### | مساوئ الحمقى # قيل في المثل: هو أحمق من عجل، هو عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن ~~وائل، وذلك أنه قيل له: ما سميت فرسك؟ ففقأ عينه وقال: الأعور، أو قال: ~~سميته أعور. وقال الشاعر فيه وفي قومه: # رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وأي امريء في الناس أحمق من عجل # أليس أبوهم عار عين جواده ... فصارت به الأمثال تضرب في الجهل # ويقال: هو أحمق من هبنقة، وبلغ من حمقه أنه ضل له بعير فجعل ينادي: من ~~وجد البعير فهو له. فقيل له: فلم تنشده؟ قال: وأين حلاوة الوجدان! واختصمت ~~إليه بنو الطفاوة وبنو راسب في رجل ادعى هؤلاء وهؤلاء، فقالت الطفاوة: هذا ~~من عرافتنا. وقالت بنو راسب: هذا من عرافتنا. ثم ms465 قالوا: قد رضينا بأول طالع ~~علينا. فطلع عليهم هبنقة، فلما رأوه قالوا: إنا لله! من طلع علينا؟ فلما ~~دنوا قصوا عليه قصتهم فقال هبنقة: الحكم في هذا بين، يذهب به إلى نهر ~~البصرة فيلقى فيه فإن كان راسبيا رسب وإن كان طفاويا طفا. فقال الرجل: لا ~~أريد أن أكون من أحد هذين الحيين ولا حاجة لي في الديوان. # وكان هينقة يرعى غنم أهله فيرعى السمان في العشب وينحي المهازيل عنه. ~~فقيل له: ويحك ما تصنع؟ فقال: أصلح ما أصلح الله وأفسد ما أفسد الله. أو ~~قال: لا أفسد ما أصلح ولا أصلح ما أفسد الله. وقال الشاعر: # عش بجد فلن يضرك نوك ... إنما عيش من ترى بالجدود # عش بجد وكن هبنقة العي ... سي نوكا أو شيبة بن الوليد # رب ذي إربة مقل من الما ... ل وذي عنجهية مجدود # وكان شيبة من عقلاء العرب. # PageV01P250 # وقيل أيضا: هو أحمق من دغة، وهي مارية بنت مغنج تزوجت في بني العنبر وهي ~~صغيرة، فلما أصابها المخاض ظنت أنها تريد الخلاء فخرجت تبرز فصاح الولد ~~فجاءت منصرفة فقالت: يا أمه هل يفتح الجعر فاه؟ قالت: نعم يدعو أباه. فسبت ~~بنو العنبر بذاك فقالوا لهم بنو الجعراء. # وقيل أيضا: هو أحمق من الممهورة إحدى خدمتيها، وهي امرأة أخذها رجل ليفجر ~~بها فقالت: لا أمكنك من نفسي حتى تمهرني. فقال: قد مهرتك إحدى خدمتيك، وهما ~~خلخالاها، فرضيت ومكنته من نفسها. # وقيل: هو أحمق من جهيزة، وهي عرس الذئب لأنها تدع ولدها وترضع ولد الضبع. ~~وقال الكميت: # كما خامرت في حضنها أم عامر ... لذي الحبل حتى عال أوس عيالها # أوس هو الذئب. # وقيل: هو أحمق من نعامة، لأنها تدع الحضن على بيضتها وتحضن بيض نعامة ~~أخرى، وقال ابن هرمة: # فإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زنادا شحاحا # كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا # وقيل: هو أحمق من باقل، وكان اشترى عنزا بأحد عشر درهما، فقالوا له: بكم ~~اشتريت العنز؟ ففتح كفيه وفرق أصابعه وأخرج لسانا، يريد أحد ms466 عشر درهما، ~~فعيروه بذلك. وقيل: إن الذي اشتراه ظبي، فلما فتح أصابعه أفلت الظبي. ~~وقالوا في باقل: # يلومون في حمقه باقلا ... كأن الحماقة لم تخلق # ولا تكثروا العذل في عيه ... فللعي أجمل بالأموق # خروج اللسان وفتح البنان ... أحب إلينا من المنطق # قيل: وقدم وفد من العراق على سليمان بن عبد الملك فقضوا حوائجهم ~~وانصرفوا. فقال رجل منهم: بلغني أن أمير المؤمنين يبرز للعامة فأنا أقيم ~~بعدكم يوما أو يومين فلعلي أن أراه وأسمع كلامه ثم أتبعكم. فلما كان في ~~الغد برز سليمان للناس وجلس على سريره وأذن للعامة فدخلوا وفيهم العراقي. ~~فجلس في سماط سليمان إلى جنب رجل أحمق من أهل الشأم. فقال له الأحمق: ممن ~~الرجل؟ قال: أنا من أهل العراق. وقال: فعل الله بك وفعل، وجعل يشتمه ويذكر ~~أباه وعرضه، وقال: مثلك يقعد في سماط أمير المؤمنين! والعراقي يناشده الله ~~ويسأله أن يكف عنه فيأبى، إلى أن قال سليمان: أيكم يخبرني من الذي يقول: # أنخن القرون فعقلنها ... كعطف العسيب عراجين ميلا # ويفسر لنا قوله فله جارية برحالتها؟ والشامي مقبل على العراقي لا يفتر عن ~~شتمه ويقول: يا جاسوس. فقال له: كف عني فإني أنفعك. قال: وهل معك خير؟ قال: ~~نعم، قم فقل لأمير المؤمنين أنا أعرف من قال هذا وأفسره، فإذا قال: من ~~قاله؟ فقل: امرؤ القيس، فإذا قال: ما عنى به؟ فقل: البطيخ. فقال الشامي: يا ~~أمير المؤمنين أنا أعرف من قال هذا وأفسره. فقال: هات. قال: امرؤ القيس. ~~فتبسم سليمان وقال: فما عنى به؟ قال: البطيخ. فضحك سليمان حتى استلقى على ~~فراشه ثم قال: ويحك عمن أخذت هذا العلم؟ فقال: عن هذا العراقي. فأشار ~~سليمان إلى العراقي فأقبل إليه، فقال له: من أنت؟ قال: رجل من أهل العراق ~~كنت قدمت مع فلان وفلان فقضوا حوائجهم وانصرفوا فأقمت أرقب جلوس أمير ~~المؤمنين فقعدت إلى هذا الشامي فلم يدع سبا ولا شتما إلا استقبلني به. فقلت ~~له كف عني فإني أنفعك، قل لأمير المؤمنين كذا وكذا، فكان منه ms467 ما قد سمعته. ~~فضحك وقال: أتعرف أنت من قاله؟ قلت: كثير عزة. قال: وما عنى به؟ قلت: قرون ~~الرأس، والعسيب الخادم، والعراجين قد اختلفوا فيه فقال بعضهم عناقيد الكرم ~~وقال بعضهم عراجين النخل. فأمر له بجائزة سنية وقال له: الحق بأصحابك. # PageV01P251 # وحكي عن أبي عباد الكاتب أنه قال: كنت يوما عند المأمون فدعا بالغداء ~~وكان يستنزل من قام من مجلسه عند ذكر الطعام ويقول: هذا من أخلاق اللئام، ~~فقدموا إليه بطيخا على أطباق جدد فجعل يقور بيده ويذوق البطيخة فإذا حمد ~~حلاوتها قال: ادفع هذه بسكينتها إلى فلان. فقال لي وقد دفع إلي بطيخة كانت ~~أحلى من الشهد المذاب: يا أبا عباد بم تستدل على حمق الرجل؟ قلت: يا أمير ~~المؤمنين أما عند الله فعلامات كثيرة وأما عندي فإذا رأيت الرجل يحب ~~الشاهلوج ويبغض البطيخ علمت أنه أحمق. قال: وهل تعرف صاحب هذه الصفة؟ قلت: ~~نعم يا أمير المؤمنين الرستمي أحد من هذه صفته. قال: فدخل الرستمي على أمير ~~المؤمنين، فقال له المأمون: ما تقول في البطيخ الرمشي؟ قال: يا أمير ~~المؤمنين يفسد المعدة ويلطخها ويرقها، يرخي العصب ويرفع البخار إلى الرأس. ~~قال: لم أسألك عن فعله إنما سألتك أشهي هو؟ قال: لا. قال: فما تقول في ~~الشاهلوج؟ قال: سماه كسرى سيد أجناسه. قال: فالتفت المأمون إلي وقال: الرجل ~~الذي كنا في حديثه أمس من تلامذة كسرى في الحمق. # قال: ودخل أبو طالب صاحب الطعام على المأمون وكان أحمق فقال: كان أبوك يا ~~أبا خيرا لنا منك وأنت يا أبا ليس تعدنا ولا تبعث إلينا ونحن يا أبا تجارك ~~وجيرانك. قال: فجعل المأمون لا يزيده على التبسم. # قال: وقال مروان بن الحكم لرجل: إني أظنك أحمق. فقال: ظن أو يقين؟ قال: ~~بل ظن. فقال: أحمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنه. # ومما قيل فيهم من الشعر: # يا ثابت العقل كم عاينت ذا حمق ... الرزق أغرى به من لازم الجرب # وإنني واجد في الناس واحدة ... الرزق أروغ شيء عن ذوي الأدب ms468 # وخصلة ليس فيها من يخالفني ... الرزق والنوك مقرونان في سبب # ولآخر: # أرى زمنا نوكاه أسعد أهله ... على أنه يشقى به كل عاقل # سعى فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكب الأعالي بارتفاع الأسافل # ولآخر: # رأيت الدهر بالأحرار يكبو ... ويرفع رتبة القوم اللئام # كأن الدهر موتور حقود ... يطالب ثأره عند الكرام # ولآخر: # كم من قوي قوي في تقلبه ... مهذب اللب عنه الرزق منحرف # ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط ... كأنه من خليج البحر يغترف ### | محاسن مضاحيك وألقاب # قال: كان اسم الأقيشر المغيرة بن الأسود وكان يغضب إذا دعي بالأقيشر، فمر ~~ذات يوم بقوم من بني عبس فقال بعضهم: يا أقيشر. فنظر إليه طويلا وهو مغضب ~~ثم قال: # أتدعوني الأقيشر ذاك إسمي ... وأدعوك ابن مطفئة السراج # تناجي خدنها بالليل سرا ... ورب الناس يعلم من تناجي # فسمي ذلك الرجل ابن مطفئة السراج وبذلك يعرف ولده إلى اليوم. # قال: وكان المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل عامل الحجاج على الكوفة، وكان ~~يلقب أبا صفية، فاستعدت امرأة على زوجها، فأتاه صاحب العدوى عند المساء ~~فأعلمه. فقال: نعم أغدو معها. فبات الرجل يقول لامرأته: لو قد أتيت الأمير ~~لقلت أبا صفية إنها تفعل كذا وكذا، فيأمر من يوجعك ضربا، وجعل يكرر عليها ~~بأبي صفية فحفظت الكنية وظنت أنها كنيته، فلما تقدمت إليه قالت: أصلحك الله ~~أبا صفية. فقال لها: أبو عبد الله عافاك الله. فأعادت. فقال لها: أبو عبد ~~الله فأعادت. فقال: يا فاسقة أظنك ظالمة! خذ بيدها الخبيثة. وحكم للزوج ~~عليها. # قال: وولى يوسف بن عمر رجلا من بني سليم يلقب بأبي العاج، وكان يغضب منه، ~~فقدم إليه رجل خصما له فقال: يا أبا العاج. فقال: أبو محمد يا ابن البظراء. ~~فقال: أتقول هذا لأمي وقد حجت! قال: لا يمنعها ما قلت من الحج. ### | فن منه في الطمع # قيل لأشعب: أي شيء بلغ من طمعك؟ قال: ناديت بصبيان ولعوا بي فقلت لهم ~~لأنحيهم عن نفسي: إن في دار بني فلان عرسا وهناك نثار. فولوا عني مبادرين ~~وجعلت ms469 أشتد معهم طمعا في النثار. # PageV01P252 # قال: وكان في دار بعض جيرانه عرس فتجوع ولزم منزله طمعا في أن يدعى. فلما ~~تعالى النهار وجاع ولم يدع قال: قبح الله هذا الخبز! وقام إلى طعام له ~~فقدمه وجعل يأكل. فسمع وقع الباب فقال: من هذا؟ قال: من دار العروس. قال: ~~اصبر فديتك! ودخل الخلاء فرمى بجميع ما كان أكله وغسل فمه وخرج إليه فقال: ~~تقول لك مولاتي أعيرونا الهاون ساعة. فقال: مر فأمك وأم مولاتك زانية يا ~~ابن الفاعلة! ### | فن منه آخر # مر ضرير على رجل بصير فقال: أين الطريق؟ فقال البصير: خذ يمنة. فأخذ يمنة ~~فسقط في بئر. فقال البصير: إنا لله! غلطت، أردت أن أقول يسرة فقلت يمنة. ~~فقال الضرير من أسفل البئر: ويحك أهذا من الغلط الذي يستقال! قال: وقيل ~~للعلاء بن عبد الكريم: بكم اكتريت الدار؟ فقال: بدينارين وطعامهما. قالوا: ~~ويلك وما طعامهما؟ فقال: صاحب الدار يأكل معي كلما أكلت. # قال: وسمع أعرابي إماما يقرأ: إنا أرسلنا نوحا إلى قومه، فأرتج عليه فجعل ~~يردد الآية. فقال: يا هذا إن لم يذهب نوح فأرسل غيره. # قال: وشرب أعرابي وعلى يساره ابن له فسقاه. فقال له جليسه: السنة أن تسقي ~~من على يمينك. قال: قد علمت ولكنه أحب إلي من السنة. # قال: وقيل لابن رواح الطفيلي: كيف ابنك هذا؟ قال: ليس في الدنيا شيء ~~مثله، سمع نادبة خلف جنازة وهي تقول: واسيداه! يذهب بك إلى بيت ليس فيه ماء ~~ولا طعام ولا فراش ولا وطاء، ولا غطاء ولا سراج ولا ضياء! فقال: يا ابه ~~يذهبون به إلى بيتنا. # وقال بعضهم: جاء جماعة من أصحاب مزيد إليه فقالوا: قم بنا نتنزه فإنه يوم ~~طيب. فقال: هو يوم أربعاء. قالوا: فإن فيه ولد يونس بن متى، عليه السلام. ~~فقال: بأبي وأمي، صلى الله عليه، لا جرم أنه التقمه الحوت. قالوا: نصر فيه ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قال: أجل ولكن بعد إذ زاغت الأبصار وبلغت ~~القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون. # وكان ms470 الحارث بن قيس الفزاري شيخا أعمى وكان له ابن شيعي وابنة حرورية ~~وامرأة ترى رأي المعتزلة، وكانوا جلوسا معه، فقال بيده عليهم وجسهم ثم قال: ~~إن الله جل وعز يحشرني وإياكم يوم القيامة طرائق قددا. # وقال الجاحظ: قيل لرجل طويل اللحية: ما لك لا تأخذ من لحيتك؟ قال: لأصون ~~بها عرضي، فإن الناس يقولون: انظر إلى لحيته كأنها طارة، وخلق الله هذه ~~اللحية، ولحيته كأنها جوالق، ولا بارك الله في هذه اللحية، فما لي أعرض ~~لشيء يصون عرضي؟ وحدث رجل من عامر بن لؤي قال: كان صبي منا ترك له أبوه ~~غنما وعبيدا فخرج يوما فنظر إلى جارية في خبائها فهويها ومال إلى أمها ~~وسألها أن تزوجها منه فقالت: حتى أسأل عن أخلاقك. فسأل عن أكرم الناس إليها ~~فدل على شيخ كان معروفا بحسن المحضر، فأتاه وسلم علي. وقال: ما جاء بك؟ ~~فأخبره. فقال: لا عليك فإن العجوز غير خارجة من رأيي فامض إلى منزلك وأقم ~~يوما أو يومين ومر بغنمك أن تساق وناد في أهلك: أما من أراد أن يحلب ~~فليأتنا، ودعني والأمر. فشاع الخبر فخرجت العجوز مع من خرج والشيخ مع القوم ~~فنظر إلى الشاب وقد كانت العجوز أخبرته بشأنه فقال: هو هو! فقالت: نعم. ~~قال: لقد حرمت حظك. قالت: إني أريد أن أسأل عن أخلاقه. قال: أنا ربيته. ~~قالت: فكيف لسانه؟ قال: خطيب أهله والمتكلم عنهم. قالت: فكيف سماحته؟ قال: ~~ثمال في قومه وربيعهم. قالت: فكيف شجاعته؟ قال: حامي قومه والدافع عنهم. ~~قال: فطلع الفتى، فقال: أما ترين ما أحسن ما أقبل ما انحنى ولا انثنى؟ فلما ~~قرب سلم، فقال: ما أحسن ما سلم ما حار ولا ثار! ثم استوى جالسا، فقال: ما ~~أحسن ما جلس ما ركع ولا عجر. قالت: أجل. فذهب يتحرك فضرط، فقال الشيخ: ما ~~أحسن والله ما ضرط! ما أطنها ولا أغنها ولا نفخها ولا ترترها. فنهض الفتى ~~خجلا، فقال الشيخ: ما أحسن والله ما نهض ما انختل ولا انفتل! قالت العجوز: ~~أجل ms471 والله فصح به ورده فوالله لزوجناه ولو خريء. ### | محاسن المزاح # PageV01P253 # قيل: أهدى نعيمان الأنصاري إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جرة عسل ~~وكانت فيه دعابة وكان اشتراها من أعرابي بدينار وأتى بالأعرابي إلى باب ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال له: خذ الثمن من هاهنا. فلما قسمها ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين نسائه، قال له الأعرابي: أعطني يا رسول ~~الله ثمن العسل. فقال، عليه السلام: هذه إحدى هنات نعيمان. وسأله: لم فعلت؟ ~~فقال: أردت أن أبرك يا رسول الله ولم يكن معي شيء. فتبسم رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وأعطى الأعرابي حقه. # وعن الهيثم قال: قدم تميم الداري من الشام وكان تاجرا فأتاه نعيمان وقال ~~له: هل لك في غلام تاجر له فضل ودين؟ قال: وكيف لي به؟ قال: إنه إن علم ~~ببيعنا إياه لم تنتفع به ولكن انطلق معي حتى أريكه فإنه عندنا بمنزلة ~~الولد. قال: فأدخله المسجد وأراه سويبط بن عبد العزى. فنظر إليه تميم ~~فأعجبه فقال: بكم؟ قال: بمائة دينار. قال: هي لك. فأخذ منه المائة الدينار. ~~فلما حضر شخوصه أتى نعيمان فقال: الغلام. فمضى معه إلى المسجد وقال: دونك ~~الغلام. فجاء تميم وسويبط يصلي فصلى إلى جانبه ركعتين ثم قال له: خفف. فخفف ~~وقال له: ما حاجتك؟ قال: قد باعك أهلك مني. قال: وأي أهلي؟ فارتفع الكلام ~~بينهما حتى خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: ما شأنكم؟ قال تميم: ~~يا رسول الله باعنيه أهله. فقال، صلى الله عليه وسلم: إني لأظن أن نعيمان ~~صاحبه، علي به. فلما جاء قال له: ويحك ما هذه؟ قال: بأبي أنت وأمي يا رسول ~~الله! تزوجت امرأة ولم يكن عندي نفقة ولا صداق أدفعه إليها ولم أجد إلا ما ~~رأيت. فتبسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال لتميم: هي لك عندنا. # وذكروا أن نعيمان مر ذات يوم بمخرمة بن نوفل الزهري الضرير في المسجد، ~~فقال له مخرمة: خذ بيدي حتى أبول. فأخذ بيده ms472 حتى إذا كان في أقصى المسجد ~~قال له: اجلس. فجلس يبول. فصاح به الناس: يا أبا المسور إنك في المسجد! ~~قال: ومن قادني؟ قالوا: نعيمان. قال: والله لأضربنه بعصاي هذه إن وجدته. ~~فأتاه نعيمان وقال له: يا أبا المسور هل لك في نعيمان؟ قال: نعم. قال: فأخذ ~~بيده حتى أوقفه على عثمان بن عفان وهو خليفة وتنحى عنه، فعلاه بعصاته ضربا. ~~فصاح به الناس: ضربت أمير المؤمنين! قال: ومن قادني؟ قالوا: نعيمان. قال: ~~لا جرم لا تعرضت له أبدا. ### | مزاح الشعراء # قيل: دخل أبو دلامة على المهدي فسلم ثم قعد وأرخى عينيه بالبكاء. فقال ~~له: ما لك؟ قال: ماتت أم دلامة. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ودخلت له ~~رقة لما رأى من جزعه، فقال له: أعظم الله أجرك يا أبا دلامة! وأمر أن يعطى ~~ألف درهم وقال له: استعن بها في مصيبتك. فأخذها ودعا له وانصرف. فلما دخل ~~إلى منزله قال لأم دلامة: اذهبي فاستأذني على الخيزران فإذا دخلت عليها ~~فتباكي وقولي مات أبو دلامة. فمضت واستأذنت على الخيزران، فأذنت لها، فلما ~~اطمأنت أرسلت عينها بالبكاء، فقالت لها: ما لك؟ فقالت: مات أبو دلامة. ~~فقالت: إنا لله عظم الله أجرك! وتوجعت لها ثم أمرت لها بألفي درهم، فدعت ~~لها وانصرفت. فلم يلبث المهدي أن دخل على الخيزران، فقالت: يا سيدي أما ~~علمت أن أبا دلامة مات؟ قال: لا يا حبيبتي إنما هي امرأته أم دلامة. قالت: ~~لا والله إلا أبو دلامة. فقال: خرج من عندي الساعة آنفا. فقالت: خرجت من ~~عندي الساعة. وأخبرته بخبرها وبكائها. فضحك وتعجب من حيلهما. # قال: وكان أبو نواس ولعا بأبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي، فكتب على ~~أسطوانة في مسجد بمقدار قامة وبسطة: # صلى الإله على لوط وشيعته ... أبا عبيدة قل بالله آمينا # فأنت عندي بلا شك بقيتهم ... منذ احتلمت وجازوت الثمانينا # فقال لكيسان: ويحك أما رأيت هذا الفاجر وما صنع؟ قم بنا نحكه لئلا يراه ~~الناس. فبرك أبو عبيدة وركبه كيسان ليحكه. فلما ms473 ثقل عليه قال له: أوجز. ~~فقال له كيسان: قد بقي لوط. فقال: عجل حكه فهو المعنى وعليه تدور فضيحتي. ~~PageV01P254 ms474