######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004668 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الإسرائيلي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 320 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الأغذية والأدوية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: طب #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004668 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4668_الأغذية-والأدوية-الإسرائيلي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الدكتور محمد الصباح #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1412 - 1992 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # .. PageV00P010 # بسم الله الرحمن الرحيم الباب الأول في السبب الذي دعا الأوائل إلى ~~الكلام في طبائع الأغذية قال إسحاق بن سليمان: إن السبب الذي دعا الأوائل ~~إلى الكلام في طبائع الأغذية هو انهم لما عنوا بالبحث عن الصحة وأسبابها، ~~والأمور الداعية إلى حفظها، وجدوا الأبدان مضطرة إلى أمرين: # أحدهما: إعطاؤها من الغذاء ما يصلحها مما به قوتها وقوامها، ولحاجتها إلى ~~رد ما يتحلل منها بوقود الحرارة الغريزية من باطنها وحرارة الهواء من ~~ظاهرها. ولذلك احتاجت إلى إعطائها ما تقتضيه القوة الطبيعية الشهوانية، ~~المركبة فيها من الأغذية الموافقة لها. # والآخر: نفى ما يجتمع في الأبدان من قسم الغذاء المخالف لمزاجها، إذ لا ~~سبيل إلى وجود نظير ما يتحلل من جوهر الأبدان بعينه في الأغذية الموجودة، ~~فيفسد ويتحلل لامتناع ذلك في الطبع، إذ ليس جميع أجزاء الغذاء مشاكلة لجوهر ~~البدن من قبل ان منه قسما هو جوهر الغذاء وهو المستحيل دما المتشبه ~~بالأعضاء التي به تغذيتها، وقسما هو ثفل الغذاء وأرضيته وهو الذي تنفيه ~~الطبيعة عن الأبدان لاستغنائها عنه في تغذية الأبدان. # ولما كان ذلك كذلك، ورأينا طبائع الناس في الحرارة والبرودة والرطوبة ~~واليبوسة، وتركيبها في القوة والضعف والكثافة والسخافة (1) غير متكافئة ولا ~~متساوية لان منها ما المستولي عليه الدم الخالص النقي. ومنها ما الغالب على ~~مزاجه المرتان (2) أو البلغم. ومنها المتكاثف المسام المستحصف الجلد # PageV00P011 # العسير التحلل. ومنها المتخلخل المسام السريع التحلل. ومنها ما ببعض ~~أعضائه آفة، احتجنا إلى الوقوف على طبائع الأغذية واختلاف حالاتها في ~~تنقلها ليكون ما يعطاه (١) كل صنف من الناس حسب ما يوافقه منها إما مشاكلا ~~وملائما لمن كان مزاجه معتدلا، وإما مخالفا أو مضادا لمن كان مزاجه قد زال ~~عن الاعتدال إذ كان غرض الطب وتمام عمله تثبيت المزاج الطبيعي على حالاته ~~بما لاءمه وشاكله، ورد المزاج الحائد عن الاعتدال إلى الحالة الطبيعية بما ~~خالفه ونقص منه. # مثال ذلك: أنا نجعل ما يستعمله من كان الغالب على مزاجه الدم الخالص ~~النقي أغذية معتدلة في كميتها وكيفيتها جميعا ليكون ms001 الخلف المتولد عنها ~~نظير ما يتحلل من الأبدان في طبائعها وجواهرها. ونجعل ما يستعمله من كان ~~الغالب على مزاجه خلط من الأخلاط الأخرى مثل إحدى المرتين أو البلغم أغذية ~~مخالفة لمزاجه وطبيعته لينقله من الزائد عليه إلى الناقص عنه ويرده إلى ~~التوسط والاعتدال. مثال ذلك: أنا متى رأينا في الغالب على مزاجه المرار ~~الأصفر، جعلنا ما يستعمله من الغذاء ما يبرد مزاجه ويرطبه. ومتى رأينا من ~~الغالب على مزاجه البلغم، جعلنا ما يستعمله من الغذاء ما يسخن مزاجه ~~ويجففه. ومتى رأينا من الغالب على مزاجه المرة السوداء، جعلنا ما يستعمله ~~من الغذاء ما يسخن مزاجه ويرطبه. الا أنه يجب أن تكون كمية كيفية الغذاء ~~الوارد على البدن، على حسب مقدار كمية كيفية مزاج البدن في صد كيفية الغذاء ~~إلى أي كيفية كانت لا أزيد ولا أنقص. # مثال ذلك: انه متى كان مزاج البدن حائدا عند الاعتدال إلى الحرارة مقدار ~~درجة، أن يكون الغذاء المستعمل حائدا عن الاعتدال إلى البرودة مقدار درجة. ~~ومتى كان البدن حائدا عن الاعتدال إلى اليبوسة مقدار درجتين، أن يكون ~~الغذاء المستعمل حائدا عن الاعتدال إلى الرطوبة مقدار درجتين. وعلى هذا ~~الوزن والقياس يجب أن ينقل كل مزاج حائد عن الاعتدال إلى حاشية ما، أي ~~حاشية كانت، حتى يرد إلى التوسط والاعتدال. فقد بان من قوة كلامنا أن بين ~~كل مزاجين متضادين مزاج معتدل، كما أن بين كل نوعين من الأغذية، متضادين، ~~نوعا متوسطا، والموافق من كل غذاء لمن كان مزاجه معتدلا لا يذم منه شئ ~~<و> ما كان من الأغذية كذلك، أعني ما كان معتدلا لا يذم منه شئ. وأما ~~ما كان مزاجه رديئا حائدا عن الاعتدال، كان ذلك له من جبلته وأول أمره، أو ~~لعارض عرض له، فليس الموافق له من الغذاء ما كان معتدلا، ولا ما كان مشاكلا ~~لمزاجه، بل ما كان مخالفا لمزاجه وطبعه، إذ كان محتاجا إلى أن ينقل من ~~الحالة التي هو عليها إلى حالة هي أفضل وأعدل. # ونقل كل مزاج ms002 فإنما يكون بما خالفه ونافره. فإذا المعتدل ينتظم بمعنيين: ~~أحدهما طبيعي عامي، والاخر عرضي خاصي. والعامي: هو الجاري على مجرى الطباع ~~المتوسط بين كل حاشيتين متضادتين # PageV00P012 # توسطا معتدلا مثل السخونة اللذيذة المتوسطة بين الحرارة والبرودة ~~والليانة (1) المتوسطة بين الصلابة والرخاوة. # وأما الخاصي: فهو ما كان معتدلا بالإضافة إلى كل مزاج حائد عن الاعتدال، ~~فصار معتدلا بإضافته إليه، ورده إلى التوسط والاعتدال. # مثال ذلك: أن الانسان متى كان صفراويا قد غلب على مزاجه الحرارة ~~واليبوسة، كان المعتدل من الأغذية عنده، والأفضل في صلاح حاله ما كان منها ~~باردا رطبا ليقمع ببرده ورطوبته حدة حرارة مزاجه العرضية ويرطب يبسه ويرده ~~إلى التوسط والاعتدال. فقد بان ان المعتدل يقال على معنيين: إما معتدل ~~موافق ومشاكل لمن كان مزاجه صحيحا لملائمته له وزيادته فيه، وإما منافرا ~~ومخالفا لمن كان مزاجه حائدا عن الاعتدال لمضادته له ونقله إياه إلى التوسط ~~والاعتدال. # وعلى هذا الوزن والمثال يجرى القياس في الأسنان (1) والأزمان والبلدان ~~والمهن والعادات، لأنه لا يشك أحد من الطبيعيين أن المعتدل من الأغذية عند ~~الشبان غير المعتدل عند المشايخ. والمعتدل في زمان الربيع غير المعتدل في ~~زمان الخريف. والمعتدل في الصيف غير المعتدل في الشتاء. والمعتدل في ~~البلدان الشمالية غير المعتدل في البلدان الجنوبية. والمعتدل عند أهل ~~الرياضة والتعب غير المعتدل عند أهل الدعة والسكون، إذ كان أهل التعب ~~والرياضة يحتاجون من الغذاء ما كان أغلظ وأعسر انهضاما وأبطأ انحلالا من ~~الأعضاء. وأهل الدعة والسكون يحتاجون من الغذاء إلى ما كان لطيفا سريع ~~الانهضام سهل التحلل من الأعضاء. # وأما تدبير الأبدان على حسب استحصافها وتخلخلها على هذا المثال، وذلك أنه ~~متى كان البدن متخلخلا سريع التحلل للبخارات جعلنا ما يستعمله صاحبه من ~~الغذاء ما كان كثيرا في كميته، غليظا لزجا في كيفيته، ليملأ المسام بكثرته ~~ويشدها بغلظه ويعسر انحلاله منها لان الغذاء إذا كان قليلا رقيقا، مع سعة ~~المسام وتخلخلها، لم يؤمن عليه ان يتحلل أكثره ويخرج من المسام بسرعة ويعدم ~~الأعضاء كثيرا من الغذاء. ms003 وإذا كان الغذاء كثيرا غليظا ملا المسام وسدها ~~وعسر انحلاله منها، ولم تحتج منه الا ما كانت الطبيعة محتاجة إلى اخراجه. # ومتى كان البدن كثيفا مستحصفا مانعا للبخارات من التحلل والخروج، جعلنا ~~ما يستعمله صاحبه من الغذاء قليلا في كميته رقيقا سائلا في كيفيته، لان ~~الغذاء إذا كان كثيرا غليظا مع ضيق المسام وكثافتها، اجتمع في البدن من ~~بقايا الانهضام الثالث الكائن في الأعضاء مقدار لا يؤمن معه حدوث علل مزمنة ~~وبخاصة أوجاع العصب والمفاصل. وإذا كان الغذاء رقيقا سيالا سهل خروجه من ~~المسام الضيقة بسرعة ولم يبق منه في البدن الا مقدار حاجة الطبيعة إليه في ~~تغذية الأعضاء، وسلم البدن من أذيته. # PageV00P013 # فقد بان أن الغرض الذي قصدت به الأوائل الكلام على طبائع الأغذية، هو ان ~~يكون الخلف المتولد عنها نظير ما يتحلل من جواهر الأبدان المغتذية بها. ~~ولذلك وجب ألا نقتصر في معرفة ما يجلب الصحة ويديمها، بالوقوف على طبائع ~~الأغذية فقط دون الوقوف على معرفة طبائع الأبدان المغتذية بها، لان من وقف ~~على معرفة طبائع الأغذية، ولو بلغ (1) في معرفته بها الغاية القصوى، ولم ~~يقف مع ذلك على طبائع الأبدان المغتذية بها، لم تتم له المعرفة بما يحفظ ~~الصحة على الأصحاء، ولا بما يكسبها المرضى، من قبل ان الأبدان تختلف كثيرا ~~في مزاجاتها وتركيبها، وبحسب اختلافها يجب اختلاف أغذيتها. ولذلك لزمتنا ~~الحاجة إلى الوقوف على اختلاف الأبدان والاشراف على ما كان منها متخلخلا ~~واسع المسام، أو متكاثفا ضيق المسام، والنظر في مزاج البدن كله، وحال كل ~~واحد من أعضائه هل هو على مزاجه الذي يجب ان يكون عليه أم لا، لأنا نجد ~~كثيرا من الناس مزاج بدنه أسخن من المقدار الذي يجب، ومزاج معدته أبرد. # وربما كان الامر بخلاف ذلك وضده، حتى يكون البدن أبرد والمعدة أسخن. ~~وكذلك الحال في سائر الأعضاء. وقصد الأوائل في جميع الطرق التي يحفظون بها ~~الصحة على الأصحاء ويكسبونها المرضى قصدا سواء خلا استعمال الأغذية فان ~~قصدهم فيها خلاف قصدهم في غيرها ms004 من قبل ان قصدهم في جلب الصحة بالأدوية ~~وغيرها هو مقابلة بالضد بالضد من اسخان أو تبريد أو استفراغ أو احتقان. ~~وأما الأغذية فليس كذلك لان قصدهم فيها بدءا ان يكون الغذاء ملائما ومشاكلا ~~لمن كان مزاجه معتدلا، أو مخالفا ومضادا لمن كان مزاجه حائدا عن الاعتدال. # ثم يقصدون، بعد ذلك، إلى أن يبلغ الطعام من الهضم والاستمراء (2) في ~~المعدة والكبد جميعا أفضل مراتبه. ثم يكون ما ينفذ منه إلى جميع البدن سهل ~~النفوذ والجولان، موافقا لمزاج الأعضاء، سريع الانقلاب إليها، قريب الشبه ~~بها مشاكلا (3) في طبيعتها ومزاجها، من قبل ان كل موافق وملائم يغذو وينمي ~~وكل مخالف ومنافر مفسد مؤذ. ولذلك صار كل غذاء مخالف لطبيعة بدن أي حيوان ~~كان، فأما أن لا يأكله أصلا، وأما ان يأكله عند الفقر إليه من غير استلذاذ ~~منه له. ولهذه الجهة اختص أكثر الحيوان بغذاء دون غذاء غيره من الحيوان على ~~قدر طبيعته ومزاجه. # ولجالينوس (4) في هذا فصل قال فيه: # ان كل غذاء من الأغذية لأي حيوان كان، أو نبات كان، فبينه وبين ذلك ~~الحيوان أو النبات الذي يغتذي به في خاصة طبيعته وملاءمة ومشاكلة. مثل ~~الماء العذب المشاكل لطبيعة الأشجار والنبات وألقت (5) # PageV00P014 # والشعير المشاكل للخيل والحمير. واللحم النئ المشاكل للسباع. والخبز ~~المحكم الصنعة، واللحم المدبر بالطبخ المشاكل لمزاج الانسان. ولهذه الجهة ~~صار الخربق (1) غذاء للسلوى (2). والشوكران (3) غذاء للزرازير (4)، ~~والكرسنة غذاء للبقر من غير أن يضر الخربق بالسلوى، ولا الشوكران ~~بالزرازير، على عظم ضررهما بالانسان. ومن قبل ذلك أيضا صار الافراد من ~~الناس يستمرئون من الأطعمة ما لا يستمرئها أكثر الناس اما لخصوصية طبع فيما ~~بين الغذاء والمغتذي، واما لعارض في المعدة يعين على جودة الهضم ~~والاستمراء، لا لجودة الغذاء في نفسه. كما أنه قد يعرض كثيرا ان يفسد الهضم ~~والاستمراء لا لرداءة (5) الغذاء في نفسه، ولا لمخالفته لمزاج المغتذي، لكن ~~لأسباب اتفاقية سنذكرها عن قرب في موضعها الأخص بها إن شاء الله تعالى. # PageV00P015 # الباب الثاني في وجود السبيل إلى الوقوف إلى ms005 طبائع الأغذية قال إسحاق بن ~~سليمان: أجمع الأوائل على أن الوقوف على طبائع الأغذية يكون بطريقين: # أحدهما التجربة، والآخر (1) القياس. وذلك أنه لا يشك أحد في التجربة أنها ~~قد تدل على سرعة الانهضام وإبطائه، وجودة الغذاء ورداءته، وملاءمته لمزاج ~~بدن المغتذي أو مخالفته له، وموافقته للمعدة أو إضراره بها، وتليينه ~~للطبيعة أو حبسه لها. إلا أن الامر وإن كان كذلك، فليس يجب أن تكون التجربة ~~معراة من القياس، لان كثيرا ما يدخل أهلها الشبه والالتباس حتى يقودهم ذلك ~~إلى الحيرة والشكوك، من قبل أن الأغذية قد يختلف فعلها وانفعالها في ~~الأبدان لثلاثة أوجه: إما لاختلاف طبائع البشر ومزاجاتهم (2). وإما لاختلاف ~~كيفية الغذاء في طبيعته وبسطه وتركيبه. وإما لاختلاف استعماله وضرره ~~واتخاذه. وذلك أنا كثيرا ما نشاهد الواحد من الأغذية محمودا في قوم ومذموما ~~في غيرهم، ومطلقا للبطن في قوم وحابسا لها في غيرهم. ومن أجل ذلك قال رجل ~~من المبرزين المشهورين بمعرفة الطبيعيات يقال له أرسسطراطس، قال قولا صدق ~~به جميع من سمعه، ووافقه أيضا عليه جالينوس، وهو أن قال أن بعض الناس ~~يستمرئون لحم البقر وما شاكله من الأغذية الغليظة البطيئة الانهضام أكثر من ~~استمرائهم لحم الدراج والفراريج ومحمود السمك. وأن الغسل موافق لقوم محمود ~~عندهم يقولون: أنه مطلق للبطن مهيج للأمراض. وأن العدس والكرنب لا يحبسان ~~الطبيعة في كل الناس، بل يفعلان (3) ضد ذلك وعكسه في كثير من الناس. # ومن قبل ذلك وجب ألا يطلق القول في شئ من الأغذية بأنه ضار أو نافع، أو ~~حابس للبطن، أو مطلق له، وموافق للمعدة أو مؤذ لها دون الفحص عن ثلاثة ~~وجوه: أحدها، معرفة طبائع أبدان المستعملين للأغذية وتركيبها وأمزجتها. ~~والثاني، معرفة اختلاف الأغذية في طبائعها وبسطها وتركيبها. # أعني ببسطها ما كان منها له قوى مختلفة مركبة. والثالث، كيفية انتقال ~~الغذاء واستحالته في الأبدان. # PageV00P016 # أعني بذلك سرعة انهضامه وبطئه وجودة غذائه ورداءته وملاءمته لمزاج بدن ~~المغتذى به، أو مخالفته له، لأنا متى فعلنا ذلك، ووقفنا على حقيقة ما ~~شرطنا، اتضح ms006 لنا لم صار الغذاء الواحد موافقا لبعض الناس، ومخالفا لغيرهم، ~~ومسهلا للبطن في قوم وحابسا لها في خلافهم. ولم صار العسل سببا للصحة في ~~قوم، وعلة للمرض في قوم. # وأنا مبتدئ ببيان ذلك. وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب. # * * * القول في طبائع الأبدان أما طبائع الأبدان فمختلفة (1) لثلاثة ~~وجوه: أحدها: من خلقتها وتركيبها. والثاني: من طبائعها وأمزجتها. والثالث: ~~لحال تعرض للمعدة في بعض الأوقات خارجة عن المجرى الطبيعي. # فأما اختلاف الأبدان في تركيبها فيكون على ضربين: وذلك أنه لا بد لكل بدن ~~من أبدان البشر من أن يبرز، من فم المرارة التي فيه، مجرى ينشعب شعبتين: ~~إحداهما: أعظم من الأخرى، وأعظم الشعبتين بالطبع من شأنها في أكثر الناس ان ~~تصير إلى المعاء وتقذف فيه بأكثر المرار المنحدر عن المرارة لتقطع ما يصل ~~إلى المعاء من ثفل الغذاء. ويهيج المعاء إلى دفع ما يجتمع فيها من الأثفال. # وأصغر الشعبتين يصير إلى فم المعدة ويقذف فيه من المرارة مقدارا معتدلا ~~ليعين إلى هضم الغذاء ويجلو ما يجتمع في المعدة من الرطوبات الغليظة، وربما ~~انعكس ذلك في بعض الناس حتى تكون أصغر الشعبتين هي التي تنحدر إلى المعاء ~~فيكون الناس (2) ينصب إليه من المرارة مقدارا أقل حتى يضعف فعله هناك. ~~ويغلب على الموضع البلغم ويغلظ فيه، ويغلب لون البلغم على لون البراز ويبعد ~~انحدار الأثفال بسرعة، ويخالف خروجها في أوقاتها الطبيعية، ويعرض لمن كانت ~~هذه الحالة، في أكثر الحالات، القولنج العارض من البلغم الغليظ، ويكثر في ~~أمعائهم الدود وحب القرع والحيات الطوال. # ويصير أعظم الشعبتين إلى فم المعدة ويقذف فيه من المرار مقدارا أكثر حتى ~~يعرض كثيرا، لمن كانت هذه حاله، فساد ما يتناول من الطعام اللطيف السريع ~~الانهضام، ويحسن استمراؤه لما يأخذ من الطعام الغليظ يقاوم فعل المرار ~~الكثير لثقله وبعد انقياده من غير أن يستحيل أو يتشكل بشئ من المرار حتى ~~تتمكن منه الحرارة الغريزية وتحتوي عليه وتستكمل فعلها فيه، فيجود هضمه ~~ويحسن استمراؤه. # PageV00P017 # فأما الطعام اللطيف فإنه، لخفته ms007 وسرعة انقياده، لا يمكنه مقاومة الكثير ~~من المرار لكنه يستحيل ويتشيط (١) بسرعة، وينتقل إلى طبيعة المرة حتى يصير ~~هو وهي شيئا واحدا، فيتوهم من كانت هذه حاله أن مزاجه ممرور وإن كان مزاج ~~بدنه، على الحقيقة، مرطوبا لأنه قد يمكن أن يكون مزاج البدن مرطوبا ~~بلغمانيا، وما يجتمع في معدة صاحبه من المرار مقدارا أكثر، وذلك لسعة ~~الشعبة التي تصير إلى المعدة من المرارة وعظمها. ولذلك، قد يمكن أن يكون ~~مزاج البدن ممرورا قوى الحرارة، وما يجتمع في معدة صاحبه من المرار مقدارا ~~أقل <و> (2) وذلك لضيق الشعبة التي تصير إلى المعدة من المرارة ~~وصغرها، من قبل أن حرارة المزاج إنما تكون من كثرة الجزء المري المخالط ~~للدم الجوال معه إلى جميع البدن. وكثرة اجتماع المرار في المعدة إنما تكون ~~من سعة الشعبة المتصلة بها من المرارة. فربما كانت هذه الشعبة واسعة والدم ~~المري المخالط للدم الجوال معه في جميع البدن قليلا، فيكون ما ينصب من ~~المرار إلى المعدة مقدارا أكثر، ومزاج البدن في نفسه قليل المرار. # وربما كان الجزء المري المخالط للدم كثيرا والشعبة المتصلة بالمعدة من ~~المرارة ضيقة فيكون ما ينصب إلى المعدة من المرار مقدارا أقل ومزاج البدن ~~في طبعه محرورا لكثرة الجزء المري المخالط للدم. # وأما اختلاف الأبدان بحسب طبائعها وأمزجتها فيكون أيضا على ضربين: وذلك ~~أن من الناس من الحرارة على مزاجه أغلب إما طبعا منذ أول مرة، وإما عرضا ~~حالا حادثا. ومنهم من البرودة على مزاجه أغلب إما طبعا أيضا، وإما عرضا. ~~فمن كانت الحرارة على مزاجه أغلب كان متى ورد إلى معدته طعام لطيف رفعته ~~الحرارة لخفته إلى أعلى المعدة، وبقي هناك طافيا عواما في الجزء العصباني ~~من المعدة البعيد من موضع الطبخ إذ موضع الطبخ من المعدة إنما هو الجزء ~~اللحمي الأسفل منها المجاور لحرارة الكبد والمرارة، فإذا لبث الطعام في ~~أعلى المعدة زمانا حمي بقوة الغليان والبخار المتصاعد إليه واستحال وتشيط، ~~وانتقل من جنس المرار وأحدث في فم المعدة لذعا وألما، ms008 وولد عطشا قويا وجشاء ~~دخانيا. # ومتى ورد معدة من كانت هذه حاله طعام غليظ ثقيل بطئ الانهضام، قاوم ~~الحرارة بغلظه وهبط سفلا بثقله، واستقر في موضع الطبخ من المعدة، وتمكنت ~~الحرارة منه واحتوت عليه وقوي فعلها فيه، وجاد طبخه وكمل انهضامه. # وأما من كانت البرودة أغلب على مزاجه، فان الطعام إذا ورد إلى معدته لحقه ~~ضربان من الفساد، وذلك أنه إما أن يزلق بلزوجة البلغم ورطوبته وينحدر إلى ~~المعي قبل كمال نضجه ولا يلبث فيها إلا يسيرا، وإن وافى منها شيئا من ~~الفضول الغليظة البلغمانية تفجج هناك وغلظ وعسر انحداره، # PageV00P018 # واستحال إلى فساد، وأحدث أمغاصا ونفخا وقراقر. وإما أن يتفجج في المعدة ~~لضعف الحرارة عن طبخه، فيستحيل إلى الحموضة والعفونة ويحدث نفخا وقراقر ~~وجشاء حامضا عفنا. فإن كانت العفونة أغلب على الجشاء دلت على أن الفضل ~~سوداوي (1)، وإن كانت الحموضة أغلب دلت على أن الفضل بلغماني. وقد يختلف ~~ذلك في الناس على حسب اختلاف صنوف البلغم، لان أصناف البلغم على ضروب خمسة: # وذلك أن منه نوعا يعرف بالتفه أي لا طعم له. وهذا النوع هو الطبيعي ~~ومسكنه العروق لكنه جوال مع الدم في جميع البدن، من قبل أنه دم لم يكمل ~~نضجه فيعذب، ولذلك صارت الطبيعة تستعمله في تغذية البدن عند حاجتها إليه ~~عند نقصان الدم ومنفعته للبدن أن به تكون سهولة الازدراد وحركات المفاصل، ~~وجولان الغذاء إلى جميع البدن، وخروج ما يخرج من فضول البدن. # ومنه نوع ثان: يميل إلى العذوبة قليلا قريب من طبيعة الدم، دال على حرارة ~~قد قويت على البلغم الطبيعي فزادت في هضمه، ونقلته إلى العذوبة. # ومنه نوع ثالث: مائل إلى الملوحة والبورقية قريب من طبيعة المرة الصفراء، ~~دال على حرارة قوية، قد أفرطت على رطوبة البلغم، وأسخنتها وصيرتها بورقية. ~~ولذلك صار هذا النوع من البلغم زائدا في شهوة الماء، وناقصا من شهوة ~~الغذاء. # ومنه نوع رابع: مائل إلى الحموضة قريب من طبيعة المرة السوداء، دال على ~~برودة زائدة قد غلبت على البلغم ومنعت من ms009 كمال نضجه، ونقلته إلى الحموضة. ~~ولذلك صار هذا الضرب من البلغم ناقصا من شهوة الماء، وزائدا في شهوة ~~الغذاء. # ومنه نوع خامس: يعرف بالزجاجي لأنه شبيه بالزجاج الأبيض المذاب نستغني عن ~~ذكره في هذا الموضع لأنه لا يغذو البدن أصلا، ولا يستحيل كاستحالة سائر ~~صنوف البلغم، ولا يجول في البدن، ولا ينقاد لفعل الطبيعة، وذلك لغلظه وقوة ~~برده. # وكذلك المرة قد تتصنف على ضروب: # وذلك أن منها نوعا يعرف بالأشقر، لأنه لونه متوسط بين الصفرة والحمرة. ~~وهو النوع الطبيعي المتولد في أبدان الأصحاء ومسكنه ليس المرارة لان ~~الطبيعة تستبشعه لمرارته (2) وحدته فحصرته في موضع ولم ترسل منه مع الدم ~~إلا مقدار حاجتها إليه في تقوية القوة الجاذبية في كل واحد من الأعضاء، كما ~~بشعت المرة السوداء لشدة حموضتها وقوة بردها ويبسها، فحصرتها في الطحال ولم ~~ترسل منها مع # PageV00P019 # الدم إلا مقدار حاجة الطباع إليه في تقوية القوة الماسكة في كل واحد من ~~الأعضاء. # ومنه نوع ثان خارج عن الطبيعي ومسكنه المعدة، وهو أربعة (1) ضروب: أحدها: ~~المعروف بالمحي لان لونه شبيه بلون مح البيض. والثاني: يعرف بالأصفر لان ~~لونه شبيه بلون الزعفران الأصفر. # والثالث: يعرف بالكراثي لان لونه شبيه بلون الكراث. والرابع: يعرف ~~بالزنجاري لان لونه صديدي على لون صدأ النحاس المتزنجر. # فالمحي والأصفر من هذه الأربعة أقل حرارة ويبسا من النوع الطبيعي، لان ~~تولدهما عن رطوبة خالطت النوع الطبيعي المنصب إلى المعدة دائما فغيرت لونه ~~من الشقرة إلى الصفرة. إلا أن الزعفران أقوى حرارة وأكثر (2) يبسا من المحي ~~قليلا لان زيادة صبغه دالة على أن الرطوبة التي خالطته كان فيها قلة ورقة. ~~ولذلك صار أقوى صبغا وأرق قواما من المحي كثيرا. # فأما الكراثي والزنجاري فهما أشد حرارة ويبسا من النوع الطبيعي كثيرا. ~~والزنجاري (3) أشد احتراقا وفسادا، ولهذه الجهة صار أقتل وأوجى (4) وأقرب ~~من الهلاك. # وأما فساد الغذاء لسبب حال يحدث للمعدة خارجة عن الحال الطبيعي، فينقسم ~~قسمين: # أحدهما: أنه ربما اتفق أن يكون في المعدة طعام قد تقدم وتوسط النضج، ms010 ثم ~~تناول صاحبه بعده طعاما ثانيا، إما ألطف من الطعام الأول، أو مساويا له، ~~فإذا انهضم الطعام الأول وانحدر انحدارا معه الطعام الثاني ضرورة، وهو على ~~غاية من الفجاجة، فإذا صار إلى الكبد على فجاجته وغلظه، أرسلته الكبد إلى ~~الأعضاء وهو على حال من الفساد لا يؤمن معها أن يحدث عنها مع طول الأيام ~~الاستسقاء المعروف بالحمى. ولذلك وجب ألا يتناول الانسان شيئا من الغذاء ~~إلا على نقاء من معدته وخلوها من الغذاء وغيره. # والثاني (5): أنه ربما اتفق أن يقدم الانسان أمام طعامه غذاء غليظا بطئ ~~الانهضام، ثم يستتم طعامه بغذاء لطيف سريع الانهضام، فإذا انهضم الطعام ~~اللطيف لخفته وسرعة انقياده، وحاول الخروج منعه الطعام الغليظ عن الانحدار. ~~فإذا لبث هناك زمانا طويلا انتقل إلى الدخانية وحبس المرار ممن كان مزاج ~~معدته محرورا. وإما إلى الحموضة والعفونة ممن كان مزاج معدته باردا. ولذلك ~~صار من الواجب أن يقدم الانسان أمام طعامه دائما طعاما لطيفا سريع ~~الانحدار، ويستتم غذاءه بما كان أغلظ وأبطأ # PageV00P020 # انحدارا، ليكون متى انهضم الطعام اللطيف وحاول الخروج، لم يعوقه عائق عن ~~الانحدار. # فإن عارضنا معترض وقال: فما أنكرت أن يكون متى تناول الانسان طعاما ~~لطيفا، ثم أتبعه بطعام غليظ، أن الطعام اللطيف متى انحدر (1) وهم بالخروج، ~~أحدر معه الطعام الغليظ ضرورة كما شرطت في أعلى كلامي (2). أن المعدة متى ~~يقدم فيها طعام قد توسط الهضم، وتناول صاحبه طعاما ثانيا، إن الطعام الأول ~~متى انهضم وحاول الخروج، انحدر معه الطعام الثاني ضرورة. # قلنا له: قابلت بالمحال من قبل أنا إنما شرطنا هذا الشرط متى كان الطعام ~~الثاني ألطف من الطعام الأول أو مساو له في اللطافة لأنه متى كان كذلك ~~وانهضم الطعام الأول، أمكن (3) الطعام الثاني، للطافته وليانته وسرعة ~~انقياده، أن ينزلق وينحدر مع الطعام الأول ضرورة. فأما الطعام الغليظ فإنه ~~إذا أخذ بعد الطعام اللطيف، فانهضم الطعام اللطيف بسرعة، وحاول الخروج، ~~مانع الطعام الغليظ القوة الدافعة لغلظه، وبعد انقياده، ولم ينقاد لفعلها، ~~وامتنع من الانحدار والخروج إلى ms011 أن ينهضم ويكمل نضجه ويكتسب ليانة ورخاوة ~~تزلقه وتعين القوة الدافعة على دفعه. # وأما اختلاف الأغذية على حسب طبائعها وذواتها (4) فينقسم قسمة أولية على ~~ضربين: وذلك أن منها بسيط ومنها مركب. أعني بالبسيط ما كانت قوته قوة واحدة ~~مفردة وهو ما كان قوة جرمه وقوة رطوبته المستخرجة منه بالطبخ قوة واحدة. ~~وأعنى بالمركب ما كان له قوتان متضادتان (5)، وهو ما كان قوة جرمه مخالفة ~~لقوة جوهره ورطوبته فما كان منها قوته بسيطة مفردة كان طعم جرمه مشاكلا ~~لطعم جوهره ورطوبته المستخرجة منه بالطبخ وهو على ثمانية اقسام، أحدها: ~~الحلو. والثاني: الدسم. والثالث: المالح. # والرابع: المر. والخامس: الحريف (1). والسادس: الحامض. والسابع: العفص. ~~والثامن: التفه. # فأما الحلو، فإنه متى كان خالص الحلاوة، ولم تشبه حرافة (6) ولا لزوجة ~~كان ألذ الطعوم عند الطبيعة لقربه من طعم الدم وطبيعته، ولأنه يجلو ويغسل ~~وينفى عن الحساسية ما يؤذيها ويلين البطن تليينا معتدلا من غير استكراه ~~للطبيعة، ولا عنف عليها. ولذلك صار فعله في سرعة الانهضام والانحدار عن ~~المعدة والمعاء فعلا معتدلا بطبيعته وذاته. وأما نفوذه في العروق فليس هو ~~له في طبعه لكن بالعرض، لان ذلك إنما يكون عن فاعل خارج عنه، لا عن فاعل من ~~ذاته. وذلك أن الأعضاء لو لم تشتاق إليه لاستلذاذها به بعذوبته، وتجذبه ~~إليها قهرا، لكان من حكمه وطبعه ان يهيج المعاء إلى دفعه وإخراجه # PageV00P021 # منها بسرعة لما فيه من قوة الجلاء والغسل. ولما كانت الأعضاء تجذبه إليها ~~دائما صار ما يصل إلى البدن من غذائه أكثر مما يصل من سائر الطعام، فإن كان ~~مع ذلك ملززا (1) مكتنزا، كان بتقويته للأعضاء أكثر، لطول لبثه فيها وبعد ~~انحلالها منها. وإن كان فيه مع حلاوته لزوجة، مثل التمور، كان انحداره عن ~~المعدة أسرع ونفوذه في العروق أعسر من قبل أن معه، مع جلائه وغسله قوة ~~تزلقه وتحدره بسرعة. # وأما ما نفذ منه في العروق، فإن انهضامه يعسر جدا ويطول لبثه في العروق، ~~وذلك لغلظه ولزوجته، وبهذا صار كثيرا ما يولد سددا في ms012 الكبد والطحال، ~~ويستحيل بسرعة إلى العفونة والفساد ويولد حميات مزمنة. # والفالوذجات داخلة في هذا الجنس أيضا لما فيها من الغلظ واللزوجة ~~المكتسبة من الحنطة والزيت، لان أغلظ ما تكون الحنطة إذا عملت بالزيت، ~~ولذلك صارت الزلابية شر ما يؤكل من الحنطة. # فأما ما كان في طبيعته يابسا مثل عسل النحل، فإن فيه قوة حارة مكتسبة من ~~طبيعة الحيوان الذي يتولد منه. ولذلك صار يغسل غسلا قويا، وينقي الرطوبات ~~الغليظة اللزجة. ولهذا صار إذا وافى قوة البطن مستعدة لدفع التفل من أسفل ~~ومقصرة عن تنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، أعان القوة الدافعة على انحدار التفل، ~~وصار سببا قويا لاطلاق البطن. فإذا وافى قوة البطن متهيئة لتنفيذ الغذاء ~~إلى الأعضاء، ومقصرة عن إحدار التفل إلى أسفل، فتح أفواه العروق بحدته وطرق ~~(2) للغذاء وأعان على تنفيذه وكشف رطوبة التفل، وجفف أكثرها ومنعه من ~~الانحدار وصار سببا لحبس البطن. ولذلك اختلف فعل العسل في الناس وصار في ~~بعضهم مطلقا للبطن، حافظا للصحة، وفى بعضهم حابسا للبطن مهيجا للأمراض. # وأما ما كان من الأغذية دسما مثل اللوز وما شاكله، فمن خاصيته أنه يطفو ~~بدءا على الطعام كالدهن. فإذا اختلط بالطعام بقوة الغليان غلظه ومنعه من ~~سرعة الانهضام حتى إذا أخذ الطعام في الانهضام، لين خمل (3) المعدة بدهنيته ~~وأزلق الطعام وأحدره بسرعة. فإذا صار إلى العروق وانتفخ فيها وربا، منع من ~~شهوة الطعام. # وأما ما كان من الأغذية مالحا فإن له قوة قطاعة تلذع المعاء وتؤذيها ~~وتهيجها إلى دفع ما فيها بسرعة. ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن ما كان ~~من الأغذية حلوا وبورقيا فمن خاصيته قلة النفوذ في العروق وسرعة الانحدار ~~من المعاء. إلا أن البورقي أخص بذلك وأقوى فعلا لجهتين: إحداهما أنه، ~~لملوحته وتقطيعه، يلذع المعاء ويؤذيها ويهيجها إلى دفعه بسرعة. والثانية ~~أنه، لبشاعته وقلة استلذاذ الأعضاء به، لا يجذب إليها منه إلا اليسير جدا، ~~فيبقى أكثره في المعاء ويثقلها ويوهنها فتهتاج إلى دفعه ضرورة من غير لبث ~~كثير. وأما الحلو فليس كذلك لان ms013 الأعضاء تستلذه وتجذب إليها منه مقدارا ~~أكثر، # PageV00P022 # فيقل ما يجتمع منه في المعاء ويخف حمله عليها، فلا تهتاج إلى دفعه بسرعة. ~~ولذلك قال جالينوس: # إن الحلاوة تقلل التفل، والملوحة تكثره. أراد أن الغذاء المالح يجتمع منه ~~في المعاء مقدار كثير لقلة ما ينفذ منه في العروق إلى الأعضاء. # وأما ما كان من الأغذية مرا، فإن قوته وفعله شبيه بقوة المالح وفعله. إلا ~~أنه أقل إضرارا بالمعدة كثيرا لغلبة القبض على مزاجه. # وأما ما كان من الأغذية حريفا، فإن له لا محالة قوة قطاعة جديدة مشاكلة ~~لقوة الأغذية المسهلة. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن ما كان من الأغذية حريفا أو بورقيا ~~ففيه قوة قطاعة يفعل بها فعل الأدوية المسهلة ويحدر البطن باستكراه للطبيعة ~~وعنف عليها. ولذلك صار سبيله في الأبدان سبيل الدواء لا سبيل الغذاء. إلا ~~أن الحريف أخص بذلك وأقوى فعلا لان قوته أحد كثيرا. # فأما ما كان الأغذية حامضا فإن له قوة تقطع وتلطف من غير إسخان للبدن. ~~إلا أن فعله يكون على ضربين: وذلك أنه إن وافى في المعدة والمعاء رطوبات ~~غليظة قطعها ولطفها وأحدرها. وإن وافى البطن يابسا قليل الرطوبة، كان ~~بتجفيف التفل وحبس البطن أولا وإليه أسبق، لان ذلك من خاصته وطبعه. وإنما ~~يفعل متى كانت حموضيته ساذجة بسيطة، إلا أن يخالطها شئ من اللزوجة مثل ~~التمر هندي والإجاص، فتكون معينة على إطلاق البطن دائما. # فأما ما كان من الأغذية عفصا، فإن فيه قوة قابضة تدبغ وتجفف وتغلظ ~~الرطوبة. ولذلك صار لمن احتاج إلى التدبير الملطف مذموما، لان من خاصيته أن ~~يدبغ المعدة ويقويها ويحبس البطن بالطبع دائما. وإن كان قد تهيأ فيه إطلاق ~~البطن بالعرض. وذلك أنه إذا أخذ قبل الطعام، تمكن من فم المعدة الأسفل وشده ~~وقواه، ومنع الاسهال منعا قويا. فإذا أخذ بعد الطعام بقي طافيا في أعلى ~~المعدة وعصره كما يعصر الشئ بالمعصار، وأحدر ما في المعدة بسرعة وصار سببا ~~لاسهال البطن، وبخاصة متى وافى جرم المعدة ضعيفا عن حبس ms014 الغذاء، وكان ما ~~تقدم من الأغذية من الأشياء الملطفة مثل الحلبة المنبتة وسائر البقول ~~المسلوقة المتخذة بالمري والزيت، لان هذه الأغذية إذا تقدمت وأخذ بعدها شئ ~~قابض انحدرت بسرعة وأعانت على الاسهال. # ولجالينوس في هذا قصة أخبر بها عن رجل خطيب كان يزعم أنه إذا أخذ الأشياء ~~القابضة مثل الكمثرى والتفاح والسفرجل، أسهلته إسهالا قويا. فقال جالينوس: ~~إني لما سمعت هذا الرجل الشاعر يقول أنه إذا أكل الأشياء القابضة أسهلته، ~~فكرت في ذلك وأخمدت الفحص الذي يقع بالتجربة، ودنوت بالحكمة إلى تجربة أخرى ~~من هذا الرجل وسألته أن يصير غذاءه عندي يوما واحدا لأقف على الوقت الذي ~~يأكل فيه الطعام القابض، ومقدار ما كان يأكل منه، وسألته أن يجري غذاءه على ~~عادته في سالف أيامه ولا يغير من تدبيره شيئا. ففعل ذلك، ودخل الحمام بدءا ~~ثم خرج وشرب ماء باردا فأقل منه. ثم أكل حلبة منبتة وفجلا وأشباه ذلك مما ~~عاده الناس إذا أكلوه قبل طعامهم، لانت طبائعهم، ثم شرب بعد PageV00P023 # ذلك شرابا حلوا، ثم أكل ملوخية مسلوقة بمري وزيت وشئ من خمر، ثم تناول ~~بعد ذلك دجاجا وفراخا ولحم خنزير، ثم شرب بعد ذلك شربة أو شربتين من شراب، ~~ثم لبث قليلا وتناول تفاحا قابضا مخشنا وكمثرى كذلك. ثم تمشى قليلا، فاختلف ~~اختلافا ذريعا، وأخذ يتعجب ويهزأ بالمتطببين. # فلما رأيت ذلك سألته أن يصير غذاءه عندي يوما (1) آخر، فأجابني إلى ذلك ~~وهو مسرور. فلما كان الغد (2) دخل الحمام كعادته وخرج، فقدمت إليه تفاحا ~~قابضا مخشنا وكمثرى كذلك، وسألته أن يتناول منهما ففعل ذلك، ثم أخذ سائر ~~طعامه بعد ذلك أولا فأولا. فلما صنع ذلك لم يكن من فعل التفاح والكمثرى به، ~~بأن لم يسهلاه فقط لكن عقلا بطنه حتى لم يتحرك أصلا، فتعجب من ذلك وسألني ~~عن السبب فيه، فأعلمته أنه لما كان يأخذ الأغذية الخشنة القابضة بعد ~~الأغذية التي تسهل وترخي المعدة، كان ذلك سبب إسهال بطنه، فلما أخذ الأشياء ~~القابضة الخشنة قبل الأشياء التي تسهل وترخي المعدة ms015 لم يسهله شئ. # وذكر أيضا أنه خبره بخبر شاب من أصحابه كان شرب قبل ذلك بأيام سقمونيا ~~(3) يسهله، فأقام خمس (4) ساعات من النهار لم يسهله، فجعل يشكو معدته ~~وانتفاخ بطنه. وشق ذلك عليه واشتد به جدا، وأضر به إضرارا قويا، وأخذ ~~يستغيث حتى أمرته يأكل تفاحا حامضا قابضا وكمثرى كذلك ورمانا. فساعة تناول ~~ذلك جاءه إسهال كثير واستراح مما كان فيه. فأحضر الشاب حتى خبره بذلك، ثم ~~قلت له كذلك يصيبك أنت أيضا إذا أكلت بعد طعامك غذاءا يقبض. والسبب في ذلك ~~ضعف معدتك عن مسك الطعام، فإذا عصر أعلاها أدنى شئ حلب كل ما فيها. فقال ~~عند ذلك: قد صدقت، إن معدتي على هذه الحال من الضعف، وإنما أكل الأغذية ~~القابضة بعد طعامي هذا، إذ أهاجت معدتي للقئ، وكدت أن أقئ لأني إذا أكلت ~~بعد طعامي أشياء ترخي مثل الخبازي والمري والزيت، أخذني القئ من ساعتي. ~~فقلت له: قد أحسنت في القول، لان الأشياء التي ترخي تقلب ما في المعدة، ~~والتي تقبض تقوي المعدة وتشدها. ولهذا صار كثيرا ما نأمر من قد اجتمع في ~~معدته مرار أصفر كثير، أن يأكل أشياء حامضة مقبضة ليقطع ذلك الفضل ويحدره ~~إلى أسفل. # وأما ما كان من الأغذية تفها لا طعم له مثل القرع وما شاكله، فان نفوذه ~~في العروق يكون أسرع، إلا أنه في حبس البطن وإطلاقه متوسط بين ذلك، من قبل ~~أن ليس فيه من الحرافة ولا الملوحة ولا غير ذلك من الطعوم المحدرة ما يكون ~~بها مطلقا، ولا له من العفوصة أيضا ما يكون بها قابضا، ولذلك صار متى وافى ~~قوة البطن مستعدة لتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، سال مع الغذاء فانماع (5) إلى ~~جميع # PageV00P024 # البدن للينه وسرعة انقياده. ومتى وافى البطن متهيئة لاحدار التفل من ~~أسفل، أزلق التفل وأحدره بسرعة، وأعان على إطلاق البطن. وإن وافى قوة البطن ~~مقصرة عن تنفيذ الغذاء، وعن إحدار التفل جميعا، طفا وعام واستحال إلى فساد، ~~وولد نفخا وقراقر. وهذه خاصة التفه وفعله. ومتى كان طعمه ms016 بسيطا لم يشبه طعم ~~التفاهة. ومن أجل ذلك صار القرع مضرا بأصحاب القولنج (1)، فإن تركب وصار مع ~~ذلك لزجا مثل القطف والخبازي والملوخية، صارت له قوة مزلقة مرخية للمعدة. ~~ولذلك صارت هذه الأغذية أسرع خروجا وانحدارا من غيرها مما ليس سبيله سبيلها ~~لما فيها من فضل الرطوبة واللزوجة، ولا سيما متى مشى المتناول لها، بعد ~~أخذه لها، مشيا رقيقا على أشياء تنخفض وتطأ من تحت قدميه، لان انحدارها ~~وخروجها مع الحركة أسرع منه مع الاضطجاع والسكون، وجودة انهضامها مع ~~الاضطجاع والسكون أكثر منه مع الحركة والمشي. # ومما هو داخل في هذا الجنس أيضا، الشراب الحلو والتوت والإجاص والمشمش ~~والخوخ، إذا كانت حلوة، والبطيخ لما فيها من فضل الرطوبة واللزوجة. إلا أن ~~البطيخ دونها كلها لخاصتين: خاصة تجمعه وإياها، وخاصة ينفرد بها دون غيره. ~~فأما ما يجمعه وإياها فسرعة الانحدار والخروج. وأما التي يختص بها دون غيره ~~فإدرار البول لما فيه من الجلاء اليسير لصدق عذوبته وسلامتها من الحرافة ~~والمرارة. ولذلك صار منقيا للأوساخ من الجلد إذا اغتسل به. إلا أن جميع هذه ~~الأغذية وما شاكلها مما لا طعم له بين ولا رائحة ظاهرة، أو مما له عذوبة ~~ولزوجة متوسطة بين ما يحبس ويطلق على ما بينا في القرع آنفا من قبل أنها ~~متى وافت قوة البطن مستعدة لتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، سالت وانماعت مع ~~الغذاء إلى جميع البدن. ومتى وافت قوة البطن متهيئة لاحدار الثفل، زلقت مع ~~الثفل، وأعانت على إطلاق البطن. ومتى وافت القوة مقصرة عن الفعلين جميعا، ~~وضعفت عن تنفيذ الغذاء وإحدار الثفل، طفت وعامت واستحالت إلى العفونة وحبس ~~السموم. وإنما ينبغي أن نستعمل هذه الأغذية في إطلاق البطن متى كان الفضل ~~رقيقا والثفل لينا. وأما متى كان الفضل غليظا والثفل شديدا فالحموضة أولى ~~بذلك منها. وليست الحموضة أيضا فقط، لكن الحرافة والملوحة والمرارة تستعمل ~~في مثل ذلك. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن فعل الحموضة في تلطيف الفضول قريب من ~~فعل الحرافة. والفرق بينهما أن الحرافة ms017 تلطف وتسخن المزاج إسخانا قويا، ~~والحموضة تلطف وتبرد تبريدا بينا. ولذلك وجب أن تستعمل الأشياء الحريفة متى ~~كان الفضل مائلا إلى البرودة والغلظ. وتستعمل الأشياء الحامضة متى كان ~~الفضل مائلا إلى الحرارة والكثافة. فأما ما كان من الأغذية قد خالطت حلاوته ~~شيئا من الحموضة وصيرته مرا، فإن فعله أيضا متوسط بين ما يطلق ويحبس، إلا ~~أن أخص هذه الطعوم بالرياح والنفخ والمنع من جودة الهضم التفاهة لغلبة ~~الرطوبة المائية عليها ومن بعدها العذوبة. وأما المرارة فتبعد عن ذلك لقلة ~~رطوبتها وتوسطها الرطوبة واليبوسة. # PageV00P025 # وأما ما كان من الأغذية مركبا من قوتين متضادتين حتى تكون قوة جرمه ~~مخالفة لقوة مائيته ورطوبته، مثل أن تكون قوة جرمه أرضية فائضة، وقوة جوهره ~~ورطوبته حديدة ملطفة كالعدس والكرنب من النبات، والطيهوج والقنابز من ~~الطير، لان قوة جرم كل واحد منها فائضة بطيئة الانهضام، وقوة مائيته حديدة ~~ملطفة سريعة الانهضام، ولذلك صار متى تناول الانسان جرم أحدها مع مرقته ~~ورطوبته، طلبت الرطوبة الانحدار والخروج لحدتها، ومنعتها قوة الجرم عن ذلك ~~لشدة قبضها، وحدث بينهما مجاذبة ومحاربة ومصارعة حتى تتولد عن ذلك أمغاص ~~ورياح نافخة، لغليان الرطوبة المحتقنة، فلا يزال ذلك دائما حتى يتفق لاحد ~~الضدين الخروج فتبطل عاديته وأذيته. فإن اتفق أن تكون قوة البطن مستعدة ~~للانحدار، قوي فعل الرطوبة على فعل الجرم وانحدرت بسرعة بمعونة قوة البطن ~~لها، لأنه متى صار شيئان شيئا واحدا وكانت الأسباب متكافئة، فالغلبة ~~للشيئين دون الواحد ضرورة، وكذلك إن اتفق أن تكون قوة البطن متهيئة لحبس ~~الطبيعة، قوي فعل الجرم على فعل الرطوبة، وعاقها عن الانحدار، ودامت ~~الأمغاص والرياح حتى يتهيأ انحدار أحد الضدين. فلهذه الجهة، صار العدس ~~هابطا حابسا للبطن في قوم، ومطلقا لها في غيرهم لأنه متى تناوله من كانت ~~طبيعته قريبة القوة من الانحدار، قوي فعل الرطوبة، وأعان على إطلاق البطن. ~~ومتى تناوله من كانت طبيعته بعيدة القوة من الانحدار، قوي فعل الجرم وأعان ~~على حبس البطن، وولد رياحا ونفخا وقراقر مؤذية من غليان الرطوبة المحتقنة. ms018 # ومن قبل ذلك، وجب على من أراد استعمال شئ من هذه الأغذية أن يبتدئ بسلقه ~~ويرمي بمائه الذي سلقه به لتزول عنه حدة رطوبته ويلطف جرمه، ويظهر له تدبير ~~محمود في حبس البطن. ومن أحب أن يكون فعله في ذلك أقوى وتدبيره أحمد، ~~فيسلقه مرتين أو ثلاثا ويرمي بالمياه التي يسلقه بها، ثم يستعمله كيف أحب. ~~فقد بان السبب الذي له صار العدس والكرنب يطلقان البطن في بعض الناس، ~~ويحبسانها في غيرهم. # وأما السبب الذي له صار العسل محمودا عند قوم يذكرون أنه ملين للبطن حافظ ~~للصحة، ومذموما (1) عند قوم يزعمون أنه حابس للبطن مهيج للأمراض. فإن ذلك ~~يكون من قبل ملاءمته لمزاج بدن المستعمل له، أو مخالفته له لان من شأن كل ~~غذاء أن يزيد فيما شاكل مزاجه، ويقوي فعله، وينقص مما خالف مزاجه، ويضعف ~~فعله. والعسل في طبيعته حار يابس فهو إذا زائد في الحرارة واليبوسة ومقو ~~لفعلهما، وناقص من الرطوبة والبرودة ومزيل لفعلهما. والمرة الصفراء فهي ~~حارة يابسة، فالعسل إذا زائد فيها ومقو لفعلها. ولذلك، صار متى تناول العسل ~~من كان ممرورا قد غلب على مزاجه الحرارة واليبوسة، زاد في حرارته وصار ~~هيولي للمرة الصفراء حتى يصير هو وهي شيئا واحدا ويصير سببا قويا لتجفيف ~~الثفل وحبس البطن، إلا أن يوافي في المعاء بعض الانجراد (2) فيلذعها بحدته ~~ويسحجها (3) ويصير شيئا عرضيا للاسهال الكائن من قروح الأمعاء. # PageV00P026 # ومتى تناوله من كان بلغمانيا قد غلب على مزاجه البرودة والرطوبة، أسخن ~~مزاجه وخفف رطوبته الفضلية ورد مزاجه إلى التوسط والاعتدال، وصار سببا قويا ~~لجلب الصحة واستدامتها، وبخاصة إذا وافى في المعدة رطوبات فضلية، لأنه ~~يجلوها ويغسل المعدة والمعاء ويهيجها لدفع ما فيها من أثفال الأغذية، ويعين ~~القوة على إطلاق البطن. # ولجالينوس في هذا فصل يذكر فيه أنه أتاه رجل يشكو فم معدته، فعلم مما وصف ~~له أنه قد اجتمع في معدته بلغم. فأمره أن يسلق كراثا وسلقا ويأكلهما بخردل. ~~فلما فعل ذلك، قطع ذلك الطعام ذلك البلغم بحدته وأحدر منه ms019 ثفلا كثيرا، وسكن ~~عن الرجل جميع ما كان يعرض له في فم معدته. ثم اتفق بعد ذلك أن الرجل أتخم ~~من طعام حريف، وأحس في معدته بلذع، فأكل السلق مع الخردل يرجو الانتفاع ~~بهما، فزاد فيما كان عرض له من الحرافة واللذع، فدل بذلك على أن الأشياء ~~تزيد فيما شاكلها وتقويه، وتنقص ما ضادها وتضعفه. والله أعلم بحقائق ~~الأمور. PageV00P027 # الباب الثالث في اختيار الأغذية بالقياس قال إسحاق بن سليمان: وإذ قد ~~أتينا على الشروط التي نتوصل بها إلى معرفة قوى الأغذية بالتجربة، فقد بقي ~~أن نخبر بالوجه الذي يختبر به بالقياس، إذ ليس بالتجربة وحدها يجب أن نلتمس ~~الوصول إلى ما قصدنا إليه، فأقول: إن الأغذية تختبر بالقياس من ثلاثة وجوه: ~~أحدها: من طعومها ومذاقاتها، والثاني: من روائحها، والثالث: من تركيبها ~~وجوهريتها أعني بتركيبها مكانها في السخافة والكثافة، والخفة والرزانة. ~~وأعني بجوهريتها مكان الكيموس (1) المتولد عنها من اللزوجة والرقة والغلظ ~~واللطافة وسرعة الانهضام وبطئه. # PageV00P028 # الوجه الأول من الباب الثالث في معرفة الأغذية من طعومها ومذاقاتها فأما ~~طعوم الأغذية فإنها تنقسم قسمة أولية على ضربين: لان منها ما يفعل في حاسة ~~الذوق ويؤثر فيها، ومنها ما لا يفعل بالحاسة شيئا ولا يؤثر فيها. وما لا ~~يفعل فهو الملقب بالتفه. وهو على ضربين: # إما جسما مركبا مثل بياض البيض وما شاكله، وإما جسما بسيطا مثل الماء ~~وسائر العناصر. فإن كان جسما مركبا كان دليلا على تكافؤ القوتين الفاعلتين ~~فيه. أعني بالقوتين الفاعلتين: الحرارة والبرودة. # ولذلك صار توسط الحرارة والبرودة توسطا بينا، أو أميل إلى البرودة قليلا. ~~وأما الكيفيتان المنفعلتان (1)، أعني الرطوبة واليبوسة فتختلفان فيه على ~~حسب غلظ رطوبته الجوهرية ولطافتها وتوسطها الغلظ واللطافة من قبل أن جوهر ~~الرطوبة متى كان أرضيا غليظا، كان الشئ في طبيعته يابسا مجففا، ونسب إلى ~~البرودة واليبوسة مثل التوتياء والشادنة والاسفيداج (2) وما شاكل ذلك. ومتى ~~كان جوهر الرطوبة لطيفا هوائيا، صار الشئ دهنا دسما ونسب إلى التوسط بين ~~الكيفيات الأربع مثل الزيت العذب المعروف بالانفاق. # ومتى كان ms020 جوهر الرطوبة متوسطا بين اللطافة والغلظ، صار الشئ متوسطا بين ~~ما يشد ويرخي، ونسب إلى البرودة والرطوبة، مثل بياض البيض والجبن الطري. # وقد يختلف هذا الصنف فيما وصفناه به على حسب انحراف الرطوبة وميلها إلى ~~إحدى الحاشيتين دون الأخرى، لأنها متى كانت مائلة إلى الحاشية الأولى قريبة ~~من الغلظ، صار الشئ لزجا مغريا مثل الكمثرى والنشاستج. ومتى كانت مائلة إلى ~~الحاشية الأخرى قريبة من اللطافة، صار الشئ ملينا مثل الشمع المذاب والسمين ~~من اللحم. # فأما إن كان ما لا يفعل في حاسة الذوق جسما بسيطا، لم يكن له أن يؤثر في ~~حاسة الذوق شيئا، لأنه بسيط والحاسة مركبة. والبسيط لا يفعل في المركب فعل ~~المركب في المركب، من قبل أن كل فاعل طبيعي ليس له أن يفعل إلا فيما كان ~~مثله بالقوة ليخرجه إلى الفعل. ولا ينفعل أيضا إلا بما # PageV00P029 # كان مثله كذلك، أعني ألا يقبل إلا ما كان فيه بالقوة، وطعم البسيط، فغير ~~ممكن ان يكون في المركب لا بالقوة ولا بالفعل. ولذلك لا يقبله ولا يستحيل ~~إليه كاستحالته إلى المركب مثله، لمشاكلته في التركيب. # ولذلك صار البزر قطونا (1) أكثر تبريدا لأبداننا وأقطع للعطش من الماء، ~~وإن كان الماء في طبيعته أشد بردا من البزر قطونا إذ كان خالص البرودة لأنه ~~بسيط. ومن قبل ذلك اجتمعت الفلاسفة على أن العناصر لا تغذو البدن أصلا ولا ~~تتشبه بشئ من الأعضاء إلا بتوسط للنبات والدم، لان العناصر لقربها من ~~النبات تتشكل به وتنتقل إليه، والنبات لقربه من (2) الدم يتشكل به وينتقل ~~إليه، والدم لقربه من أعضاء الحيوان يتشكل بها وينتقل إليها، لان به قوتها ~~وقوامها. فقد بان أن أبعد الأشياء من غذاء الحيوان العناصر أنفسها إذ كانت ~~بسيطة لا طعوم لها. ولذلك قبلت كل الطعوم وظهرت فيها كما يقبل ما لا لون له ~~جميع الألوان ويظهر فيه لان ما له لون فلونه يغلب عليه ويمنعه من قبول غيره ~~من الألوان ولذلك صارت الرطوبة الجليدية التي بها يكون البصر من العين لا ms021 ~~لون لها، وصار اللسان لا طعم له لأنه لو كان له طعم لما قبل الطعوم ولا ~~تشكل بشئ منها لان طعمه كان يغلب على حسه ويمنعه من قبول غيره من الطعوم ~~إلا على المكابرة والغلبة. والدليل على ذلك أنا نجد من قد غلب على حاسة ~~الذوق منه المرار، كثير ما يذوقه قريبا من المرارة. وكذلك من قد غلب على ~~حاسة لسانه البلغم المالح، يجد كل ما يتطعمه قريبا من الملوحة. ولذلك صار ~~الماء يقبل جميع الطعوم والألوان ويشكل بها من غير أن يكسبها طعما ولا ~~لونا، بل يزيل ألوانها وطعومها إذا غلب عليها من قبل أنه يحل كل ما مازجه ~~ويبسطه فيبسط قوته ضرورة ويتفرق ويضعف فعلها عند تفريق أجزائها. فمن البين ~~أن الماء يخفي طعم ما له طعم، ولون ما له لون من غير أن يكسبه لونا ولا ~~طعما. والدليل على ذلك أنا إذا مزجناه بشئ له حلاوة نقص من حلاوته وذهب ~~بلذاذته، وإذا مزجناه بشئ فيه بشاعة، إما مالح وإما حامض وإما حريف، نقص من ~~بشاعته وأزال أكثرها عنه فأكسبه حالا يستلذ بها لان قوتها تضعف وتصير إلى ~~حال لا تنافرها الطباع كل المنافرة. # فقد بان أن العناصر لا طعوم لها عند حاسة الذوق، لأنها بسائط والحاسة ~~مركبة. وأما ما يفعل في حاسة الذوق، فينقسم بدءا على قسمين: وذلك أن منه ما ~~يحدث في الحاسة لذة، ومنه ما يحدث فيها أذى. وما يحدث فيها لذة فيفعل ذلك ~~بقوة فيه ملينة تغسل وتجلو وتنفي عن الحاسة ما يؤذيها من الأشياء الغليظة ~~التي قد أجمدها البرد كالذي نشاهده في الحلاوة من التنقية والغسل والتليين ~~لخشونة اللسان، وبعد الحلاوة في ذلك الدسومة. ولذلك، صارت حاسة الذوق تستلذ ~~الحلاوة وتسكن إليها كسكون حاسة اللمس للفتورة المعتدلة المشاكلة لحرارة ~~مزاج الانسان. ومزاج بدن الانسان حار رطب باعتدال. وكل ما أحدث في حاسة ~~اللمس أو حاسة الذوق لذة فهو حار رطب باعتدال. فالحلاوة إذا # PageV00P030 # حارة رطبة باعتدال. وأما ما يحدث في الحاسة أذى فإنه ms022 يفعل ذلك بقوة مؤذية ~~مؤلمة للحاسة مفرقة للاتصال. وذلك يكون إما بإفراط جمع، وإما بإفراط تفريق، ~~لان الجمع المجاوز للاعتدال يجمع أجزاء اللسان ويضغط بعضها ببعض، فيتفرق ~~اتصالها وارتباطها. # ولذلك قال جالينوس أن اليبوسة متى كانت في الدرجة الرابعة فعلت فعل ~~الحرافة. وأما إفراط التفريق فيكون بقوة قطاعة تحل الرباطات وتفرقها. وهي ~~على ضربين: إما أن تفرق وتسخن المزاج مثل الحرافة والمرارة والملوحة، وإما ~~أن تفعل ذلك من غير إسخان مثل الحموضة. وإنما اختلفت طعوم الأغذية من قبل ~~تغيير مزاجاتها، واختلاف تأثير القوتين الفاعلتين في القوتين المنفعلتين. ~~أعني بالقوتين الفاعلتين: الحرارة والبرودة، وأعنى بالقوتين المنفعلتين: ~~الرطوبة واليبوسة. وذلك أن الحرارة إذا فعلت في الرطوبة واليبوسة، أحدثت ~~ضروبا من الطعوم، والدليل على ذلك أنا نجد أصل كل طعم من عنصرين: أحدهما: ~~رطب مائي، والاخر: يابس أرضى، كالذي نشاهده من الثمار في ابتداء لونها لأنا ~~نجدها إما رطبة مائية مثل القثاء والبطيخ وما شاكل ذلك، وإما يابسة أرضية ~~مثل البلوط والرمان والتفاح والخوخ وما شاكل ذلك، حتى إذا تمادى بها الزمان ~~وقبلت جوهر الأرض ورطوبة الماء ولطافة الهواء وطبختها الحرارة الغريزية من ~~باطنها وحرارة الهواء من ظاهرها، انتعشت ونمت ولانت أرضيتها وانعقدت ~~رطوبتها وانتقلت إلى طعوم شتى على طبيعة النبات التي هي منه، ومقدار حرارته ~~من برودته وكيفية رطوبته الجوهرية في الغلظ واللطافة والتوسط بين ذلك. # ولذلك، صار انتقال الثمار على ضروب لان منها ما ينتقل من العفوصة إلى ~~الحلاوة بلا توسط طعم ثالث مثل التمر وما شاكله. ومنها ما لا ينتقل إلا ~~بتوسط طعم ثالث مثل العنب فإنه لا ينتقل من العفوصة إلى الحلاوة إلا بتوسط ~~الحموضة لأنه ينتقل بدءا إلى الحموضة ثم إلى الحلاوة. وما كان انتقاله بلا ~~وسيط كان على ضربين: إما أن تثبت صلابة جرمه على حالتها وينتقل جوهره إلى ~~الحلاوة مثل الشاهبلوط (1) وما شاكله، وإما أن تتغير صلابة جرمه وتلين مع ~~تغير جوهره وطعمه مثل الكمثرى والرمان، والسبب في ذلك: أن العفوصة لما كانت ~~في طبيعتها أرضية ms023 باردة يابسة، وجب أن يكون انتقالها على ما هي عليه بما ~~ضاد مزاجها وخالفه، والمضاد لمزاجها في الحرارة والرطوبة. إلا أن ذلك ربما ~~كان عن قوة فعل الحرارة فقط، أو عن كثرة، وربما كان عن زيادة الرطوبة ~~وكثرتها، وربما كان عن قوة فعل الحرارة فقط، أو عن كثرة الرطوبة معا. وليس ~~معنى قولي عن قوة فعل الحرارة فقط، أو عن كثرة الرطوبة فقط هو أنه قد يمكن ~~في شئ من الثمار الانتقال عن العفوصة إلى طعم آخر بغير رطوبة تغذوه وحرارة ~~تطبخ غذاءه، إلا أنى لما رأيت الحرارة في بعض النبات ضعيفة جدا مثل الخشخاش ~~والبزر قطونا وما شاكلهما، وفى بعضه قوية جدا مثل الفلفل والثوم وما ~~شاكلهما، وفى بعضه معتدلة مثل العنب والتين وما شاكلهما بسبب انتقال ما كان ~~من الثمر ضعيف الحرارة إلى كثرة الرطوبة فقط، وما كان منه قوي الحرارة بسبب ~~انتقاله # PageV00P031 # إلى قوة فعل الحرارة فقط، وما كان منه معتدل الحرارة لسبب انتقاله إلى ~~قوة فعل الحرارة وكثرة الرطوبة معا. وكذلك فعلت الرطوبة أيضا. وذلك أنى لما ~~رأيتها في بعض النبات غزيرة مثل القثاء والبطيخ، وفى بعضه قليلة جدا مثل ~~البلوط والشاهبلوط، وفى بعضه معتدلة مثل التفاح والسفرجل بسبب انتقال ما ~~كان منه غزير الرطوبة جدا إلى كثرة الرطوبة فقط، ولسبب انتقال ما كان منه ~~معتدل الرطوبة إلى قوة فعل الحرارة وكثرة الرطوبة معا. # وإذ قد بينا ذلك فنقول: إنه متى كان انتقال الثمرة عن عفوصتها لقوة فعل ~~الحرارة فقط ثبتت صلابة جرمه على حالها لقلة رطوبته، وانتقل جوهر الرطوبة ~~إلى العذوبة لفعل الحرارة فيها مثل الشاهبلوط وما شاكله، ومتى كان انتقاله ~~عن عفوصتها الكثيرة الرطوبة وزيادتها تولد عن ذلك ثلاثة ضروب من الطعوم: ~~أحدها: العفوصة، والثاني: القبوضة، والثالث: الحموضة. وذلك أن الرطوبة ~~المغذية للثمار تختلف في جوهريتها على ثلاثة ضروب لان منها ما تكون أرضية ~~غليظة، ومنها ما تكون لطيفة إما رقيقة مائية وإما خفيفة هوائية، ومنها ما ~~تكون لزجة متوسطة بين اللطافة والغلظ فما ms024 كان من الثمر رطوبته غليظة أرضية ~~ثبتت صلابة جرمه وعفوصة طعمه على حالتها ولم تنتقل إلا انتقال النمو فقط ~~مثل العفص والفوفل (1) وما شاكلهما. وما كان منه رطوبته لزجة متوسطة بين ~~اللطافة والغلظ لان جرمه قليلا وتغيرت بعض عفوصته وصار قابضا مثل البلوط ~~وما شاكله. وما كان منه رطوبته لطيفة، انقاد لفعل الطبيعة ولان واسترخى ~~وانتقل إلى الحموضة، إلا أنه يكون على ضربين: إما أن تكون رطوبته مع ~~لطافتها مائية سيالة فتؤثر بها العفوصة وتكسبها قبضا يسيرا، فتصير لذلك ~~حابسة للبطن مثل التفاح والسفرجل وما شاكل ذلك. وإما أن تكون رطوبته لطيفة ~~هوائية لدنة فتقهر العفوصة بلطافة حرارتها ولدونتها وتكسب الثمرة لزوجة ~~وحدة يسيرة، فتصير لذلك معينة على إطلاق البطن دائما مثل التمر هندي ~~والإجاص وما شاكلهما. # ولذلك صارت الحموضة ألطف وأغوص في المسام من قبل أن الأشياء الحامضة ~~رطوبتها مياعة سيالة تنفذ في المسام بسرعة. وبهذا صار فعلها في باطن ~~الأجساد كفعلها في ظاهرها. وأما الأشياء القابضة فرطوبتها لزجة غليظة قريبة ~~من الأرضية تجفو عن المسام وتمتنع من النفوذ فيها. ولذلك صار فعلها في ظاهر ~~الأبدان أكثر من فعلها في باطنها. وكما أن الأشياء الحامضة ألطف من العفصة ~~وأكثر نفوذا في المسام لان رطوبتها متوسطة بين اللطافة والغلظ، ورطوبة ~~العفصة مخصوصة بالأرضية والغلظ منفردة بهما. ولذلك صار فعل الأشياء العفصة ~~لا يتجاوز ظاهر البدن ولا ينفذ في مسامه أصلا، وإن كان انتقال الثمرة عن ~~عفوصتها لقوة فعل الحرارة وكثرة الرطوبة معا يولد عن ذلك خمسة ضروب من ~~الطعوم: # أحدها: الحلاوة، والثاني: الدسومة، والثالث: الملوحة، والرابع: المرارة، ~~والخامس: الحرافة. # والسبب في ذلك اختلافها في قوة الحرارة وضعفها أو توسطها واعتدالها وكثرة ~~الرطوبة وقلتها وغلظها # PageV00P032 # ولطافتها وتوسطها بين القلة والكثرة واللطافة والغلظ. وذلك أن الحرارة ~~متى كانت في غاية الاعتدال والتوسط، وكانت الرطوبة أيضا كذلك أعني في غاية ~~التوسط بين القلة والكثرة، كمل طبخ الثمرة وجاد هضمها وانتقلت إلى الحلاوة ~~إلا أن انتقالها يكون على ضربين: إما أن يكون ذلك بتوسط ms025 طعم ثالث، وإما أن ~~يكون بلا وسيط. والسبب في ذلك أن جوهر الرطوبة متى كان لزجا غليظا أسرع ~~انعقاد الثمرة وانتقلت إلى الحلاوة دفعة بغير وسيط كانتقال التمر والتين ~~والموز وغير ذلك. # ومتى كان جوهر الرطوبة رقيقا سيالا لطيفا بعد انعقادها وامتنع وانتقلت ~~الثمرة بدءا إلى الحموضة حتى إذا كمل انعقادها بدوام فعل الحرارة فيها ~~انتقلت إلى الحلاوة مثل العنب والمشمش وما شاكلهما. # ولذلك صار التمر والتين والموز أكثر لزوجة وغلظا من العنب وما شاكله. وقد ~~يستدل على ذلك من الشاهد لأنا نجد جميع الرطوبات العذبة التي تطبخ في الشمس ~~إذا كانت رقيقة سيالة قليلة الغلظ واللزوجة بعد انعقادها وانتقلت إلى ~~الحموضة، وإذا كانت غليظة لزجة انعقدت بسرعة وقويت حلاوتها. # فإن جاوزت الحرارة حد الاعتدال وصارت كأنها في آخر الدرجة الثانية وكان ~~جوهر الرطوبة لطيفا لدنا هوائيا، انتقلت الثمرة إلى الدهنية والدسومة مثل ~~اللوز وجوز الهند وما شاكلهما. وإن كانت الحرارة بهذا الوزن والمقدار وكانت ~~الرطوبة يسيرة متوسطة بين اللطافة والغلظ، انتقلت الثمرة إلى الملوحة. ~~ولذلك، صار كل مالح حارا يابسا أرضيا في الدرجة الثالثة، وكانت الرطوبة ~~يسيرة غليظة أرضية انتقلت الثمرة إلى المرارة. ولذلك، صار كل مر حارا يابسا ~~أرضيا في الدرجة الثالثة، فإن جاوزت الحرارة هذا الحد أيضا وصارت إلى ~~الدرجة الرابعة وكانت الرطوبة مع ذلك في غاية من اللطافة انتقلت الثمرة إلى ~~الحرارة وصارت نارية محرقة. ولذلك، صار كل حريف حارا يابسا في الدرجة ~~الرابعة. # فقد بان من قوة كلامنا أن الملوحة والمرارة أكثر حرارة من الحلاوة ~~الدسومة (1)، وأن الحرافة أكثر الطعوم حرارة ويبوسة. وقد يستدل على ذلك من ~~جهتين: إحداهما من فعلها، والأخرى من انفعالها: أما من فعلها فلانا نجد ~~الحلاوة تجلو جلاء معتدلا من غير استكراه للطبيعة ولا تفريق للاتصال ويدل ~~على ذلك استلذاذ الحاسة لها وسكونها عندها. وأما الملوحة والمرارة والحرافة ~~فليس هي كذلك لأنها تجلو جلاء غير معتدل بعنف على الطبيعة، ويدل على ذلك ~~استكراه الطبيعة لها ونفور الحاسة منها لتفريقها لاتصالها. والحرافة، ms026 فيما ~~ذكرنا، أقوى فعلا وأسرع تأثيرا لان حرارتها نارية مشاكلة لحرارة النار. # وأما الملوحة فلان حرارتها في آخر الدرجة الثانية صار فعلها أضعف، ونفور ~~الحاسة منها أقل. وأما المرارة فلان حرارتها في الدرجة الثالثة توسط فعلها ~~بين فعل الحرافة وفعل الملوحة لأنها أقوى من الملوحة وأضعف من الحرافة. ~~ولذلك صار نفور الحاسة منها أكثر من نفورها من الملوحة وأقل من نفورها من ~~الحرافة. # PageV00P033 # وأما من انفعالها فبما نجده من فعل النار في العسل وغيره من الأشياء ~~الحلوة، لأنا نجد العسل إذا طبخ بالنار وقوي فعل النار فيه وجاوز المقدار، ~~قلت رطوبته وتغيرت حلاوته واكتسب ملوحة. فإذا زاد فعل النار فيه تأثيرا ~~وقارب الافراط، ازداد جفافا وانتقل إلى المرارة، فإذا أفرط فعل النار فيه ~~حتى تفنى أكثر رطوبته الجوهرية وتقارب العدم، صار حريفا. # وجميع القول: أن ما كان من الطعوم حريفا أو مرا أو مالحا كان مزاجه حارا، ~~وما كان منها عفصا أو قابضا أو حامضا كان مزاجه باردا، وما كان حلوا أو ~~دسما أو تفها كان مزاجه معتدلا. وما كان من الطعوم جوهره لطيفا كان إما ~~دسما وإما حريفا وإما حامضا. وما كان منها جوهره غليظا كان إما حلوا وإما ~~عفصا وإما مرا. وما كان منها جوهره معتدلا متوسطا بين اللطافة والغلظ كان ~~إما قابضا وإما مالحا وإما تفها (1). فإذا تركبت أصناف لطافة الجوهر وغلظه ~~واعتداله مع أصناف حرارة المزاج وبرودته، تولد من ذلك تسعة ضروب من ~~التركيب، ويكون منها تسعة ضروب من الطعام: أحدها: الحلاوة، وهي من تركيب ~~مزاج حار مع جوهر غليظ. والثاني: الدسومة، وهي من تركيب مزاج حار مع جوهر ~~لطيف. # والثالث: التفاهة، وهي من تركيب مزاج معتدل مع جوهر معتدل. والرابع: ~~الحموضة، وهي من تركيب مزاج بارد مع جوهر لطيف تشوبه أرضية. والخامس: ~~القبوضة، وهي من تركيب مزاج بارد مع جوهر معتدل. والسادس: العفوصة، وهي من ~~تركيب مزاج بارد مع جوهر غليظ. والسابع: الحرافة، وهي من تركيب مزاج حار مع ~~جوهر لطيف. والثامن: الملوحة، وهي من ms027 تركيب مزاج حار مع جوهر معتدل. # والتاسع: المرارة، وهي من تركيب مزاج حار مع جوهر غليظ. # ومتى سمعتني أقول في شئ من الأشياء: أنه حار أو بارد أو رطب أو يابس أو ~~لطيف أو غليظ، فإنما ذلك بإضافته إلى المزاج المعتدل لان الأوائل لما نظروا ~~إلى جميع الطعوم وجدوها لا تخلو من أن تكون إما لذيذة عند الحاسة، وإما غير ~~لذيذة. فما كان منها لذيذا علموا أنه في غاية الاعتدال والتوسط لأنه مشاكل ~~لمزاج بدن الانسان. ولذلك لم تنافره الحاسة وتكرهه مثل الماء المعتدل ~~الفتورة اللذيذ عند حاسة اللمس. وما انحرف عن ذلك قليلا وأثر في الحاسة ~~تأثيرا ما مثل الماء القوي الفتورة، علموا أنه قد خالف بدن الانسان مخالفة ~~يسيرة ونسبوه إلى الدرجة الأولى من الحرارة. وما زاد انحرافه على ذلك قليلا ~~وصار مثل الماء الحار القوى الحرارة، نسبوه إلى الدرجة الثانية من الحرارة، ~~وما زاد انحرافه على ذلك أيضا حتى ينافر الحاسة ولا تدانيه إلا كرها نسبوه ~~إلى الدرجة الثالثة من الحرارة. وما زاد على ذلك وصار محرقا ومفرقا للاتصال ~~بسرعة مفسدا للمزاج، نسبوه إلى الدرجة الرابعة. وكذلك فعلوا في البرودة ~~والرطوبة واليبوسة. # ولما لم يجد الأوائل مرتبة يترقون إليها بعد الاحراق وتفرق الاتصال، ~~وقفوا هناك وصيروا الدرج # PageV00P034 # أربعا. ولما لم يجدوا بين هذه الدرج الأربع أيضا إلا مراتب تخفى عن الحس ~~وتلطف عند الفعل، لم يمكن أن يوقعوا عليها اسما وصيروا لكل درجة ثلاث ~~مراتب: أول وآخر ووسط. وقالوا أول الدرجة ووسطها وآخرها. فقد بان مما قدمنا ~~إيضاحه ان اللذيذ من الطعوم هو الملائم لمزاج بدن الانسان مثل الحلاوة، أو ~~قريب من الملاءمة مثل الدسومة، وبعدها التفاهة. وذلك أن الدسومة مجاورة لحد ~~الاعتدال إلى الحرارة قليلا، ولذلك صارت (1) حرارتها في آخر الدرجة ~~الثانية. وأما التفاهة فناقصة عن حد الاعتدال إلى البرودة قليلا، ولذلك ~~صارت قريبة من البرودة في الدرجة الأولى. # فأما الطعوم غير اللذيذة (2) فهي البشعة المخالفة لمزاج بدن الانسان وهي ~~على ضربين: إما مخالفة بإفراط جمعها ms028 مثل العفوصة وبعدها القبوضة، وإما ~~مخالفة بإفراط تفريقها وهي على ضربين: إما مفرقة للاتصال من غير إسخان ~~للبدن مثل الحموضة، وإما مفرقة ومسخنة مثل الحرافة وبعدها المرارة وبعدها ~~الملوحة. فقد بان واتضح أن الحلاوة والدسومة تحت جنس واحد من الحرارة ~~والرطوبة. إلا أن الفرق بينهما أن رطوبة الحلاوة لزجة غليظة قريبة من ~~التوسط بين الغلظ واللطافة مشاكلة لرطوبة بدن الانسان ورطوبة الدسومة لدنة ~~لطيفة مشاكلة لرطوبة الهواء. ولذلك صارت الدسومة أخص الطعوم بتغذية الحرارة ~~الغريزية. ويستدل على ذلك من الشاهد لأنا نجد الزيت والدسم أخص الأشياء ~~بتغذية النار خارجا لان رطوبة الزيت والشحم مشاكلة لرطوبة الهواء، والهواء ~~أقرب العناصر من طبيعة النار لما بينهما من المجانسة والمشاركة بالفاعل ~~الأكبر أعني الحرارة. # وأما الملوحة والمرارة والحرافة فإنها تحت جنس واحد من الحرارة واليبوسة ~~إلا أن الفرق بينها (3) أن رطوبة الحرافة لطيفة نارية، ورطوبة الملوحة ~~متوسطة بين اللطافة والغلظ قريبة من الأرضية، ورطوبة المرارة غليظة أرضية ~~فيها قبض. فلذلك صارت أقل إضرارا بالمعدة من الملوحة والحرافة. فأما ~~العفوصة والقبوضة والحموضة فإنها تحت جنس واحد من البرودة واليبوسة إلا أن ~~الفرق بينها (4) أن رطوبة العفوصة يسيرة جدا غليظة أرضية ورطوبة القبوضة ~~أغزر وأقرب إلى التوسط والاعتدال، ورطوبة الحموضة أكثر غزارة وألطف إلا ~~أنها على ضربين لان منها رقيقة مائية مثل رطوبة الرمان الحامض وحماض ~~الأترج، ومنها لزجة لدنة هوائية مثل رطوبة التمر الهندي والإجاص. # فأما التفاهة فإنها، وإن وافقت العفوصة والحموضة في جنس واحد من البرودة، ~~فإن بينهما فرقان بين من قبل أن الحموضة والقبوضة تدلان على اليبوسة دائما، ~~والتفاهة تدل على الرطوبة دائما، وذلك لان طعمها قريب من طعم الماء والماء ~~بارد رطب فهي إذا باردة رطبة، ولذلك صار كل بارد رطب إما تفها وإما مائلا ~~(4) إلى العذوبة قليلا متوسطا بين التفاهة والحلاوة. فإذا الطعوم البسائط ~~ثمانية لا أقل ولا أكثر. أحدها: الحلاوة، والثاني: الدسومة، والثالث: ~~الملوحة، والرابع: المرارة، والخامس: الحرافة، # PageV00P035 # والسادس: الحموضة، والسابع: العفوصة، والثامن: القبوضة. # وقد أخرج قوم القبوضة من ms029 هذه الأصول وصيروا التفاهة عوضا منها. وكانت ~~حجتهم في ذلك أن قالوا إنا وجدنا القبوضة من جنس العفوصة لا فرق بينهما إلا ~~في القوة والضعف فقط. فإن وجب للقبوضة أن تعد من الطعوم، وهي من نوع ~~العفوصة، وجب أيضا من ذلك للعذوبة أن تعد من أصول الطعوم وإن كانت من نوع ~~الحلاوة فقد دلت البراهين على أن الحلاوة دالة على توسط واعتدال في الحرارة ~~والرطوبة. ولذلك شبهها الأوائل بطبيعة الماء الفاتر المشاكل لمزاج بدن ~~الانسان. ومن قبل ذلك صارت على سبيل الغذاء تغذو غذاء كثيرا، وعلى سبيل ~~الدواء تذيب الفضول الغليظة وتنفيها عن الحاسة وتعدل فيما بين الأشياء ~~المختلفة لأنها تلين الاجزاء الصلبة برطوبتها، وتصلب الاجزاء الرخوة بلطف ~~حرارتها، ولذلك لم تتأذى بها الحاسة فتنافرها الطباع ولهذه الجهة اختصت ~~بتغذية بدن الانسان دون غيرها من الطعوم وبخاصة متى كان جرمها ملززا (١). # ومن أجل ذلك قال جالينوس: إن كل ما يغذو فلا بد من أن يكون فيه من ~~الحلاوة مقدار ما، قل ذلك أم كثر، على حسب قربه من الغذاء أو بعده منه، وكل ~~ما لا يغذو فبعيد من الحلاوة ثم يختص بعد ذلك بخواص شتى، من قبل أن المشاكل ~~من جميع (٢) الأشياء أبدا واحد (٣) والمنافر كثير. مثال ذلك: أن الحلاوة لا ~~يشاكلها إلا ما كان قريبا من طعمها، وتنافرها طعوم شتى مثل الملوحة ~~والمرارة والحرافة والحموضة وغير ذلك. ولذلك صار غذاء الطعوم المخالفة ~~للحلاوة تقل وتكثر على حسب قرب كل واحد منها من الحلاوة وبعده منها لان ~~الحلاوة الخالصة لما كانت أكثر الطعوم غذاء مما بعد منها. فإذا <كان> ~~ذلك كذلك، فقد بان أن الصادق المرارة لا يغذو أصلا، والمتوسط بين المرارة ~~والحلاوة يغذو غذاء متوسطا بين القلة والكثرة، ويقل ويكثر على حسب قربه من ~~الحلاوة وبعده منها. وكذلك الحكم في كل ما خالف الحلاوة من الطعوم إذ لا ~~يمكن أن يكون في شئ من الطعوم المخالفة للحلاوة غذاء البتة إلا أن يتركب مع ~~شئ من الحلاوة. # ولجالينوس فصل في ms030 هذا قال فيه: إن كل ما كان مرا أو مالحا أو حريفا أو ~~قابضا، فما يصل إلى البدن من غذائه يسير جدا، وما لا طعم له فما يصل إلى ~~البدن من غذائه أكثر لأنه أقرب إلى العذوبة، وأخص الطعوم بالغذاء الحلاوة ~~ولا سيما إذا كان الجرم الحامل لهذا ملززا لأنه أكثر ثباتا في الأعضاء ~~وأبعد انحلالا منها. ولعل ظانا يظن بجالينوس أنه لما قال: أنه ما كان من ~~الأغذية حريفا أو مالحا أو مرا فما يصل إلى البدن من غذائه يسير جدا، أنه ~~قد صير لها مقدارا من الغذاء. وهذا ظن خطأ من قبل أنه لم يتكلم عليها ههنا ~~وهي بسائط، وإنما تكلم عليها وهي مركبة أراد أن ما كان ظاهره كذلك وعذوبته ~~PageV00P036 # خفية، فإن غذاءه على حسب ما فيه من يسير العذوبة لأنا قدمنا البراهين على ~~فساد غذاء كل طعم ليس له عذوبة، وأبعد الأشياء من الغذاء الأسطقسات لأنها ~~بسائط كما بينا فيما سلف. فقد بان أن جميع الطعوم المخالفة للحلاوة لا تغذو ~~إلا على قدر ما فيها من يسير الحلاوة. # فأما ما كان منها منافرا للحلاوة، فإنه لا يغذو أصلا وذلك لبشاعته ~~ومنافرته لمزاج بدن الانسان، ولذلك احتالت الأوائل في (1) تركيب الطعوم ~~بعضها ببعض وأدخلت على كل واحد منها ما يزيل عنه بشاعته ويكسبه طعما ~~نستلذه. ولهذه الجهة قال جالينوس أنه ليس يعجب أن يكون طعامان كل واحد ~~منهما في نفسه بشع غير لذيذ ولا مأكول، فإذا امتزجا واختلطا بضرب من ضروب ~~الاختلاط، حدث بينهما طعم لذيذ. وقال أيضا: وليس بمنكر أن يكون طعام هو في ~~نفسه غير لذيذ فإذا خالطه شئ آخر هو في نفسه غير طعام البتة، اكتسب حالا ~~يستلذ بها مثل القرع فإنه مغث (2) غير لذيذ فإذا خالطه المري والفلفل وما ~~شاكل ذلك مما ليس بطعام أصلا، استفاد حالا صار بها لذيذا. فقد يستدل على ~~ذلك من الشاهد لأنا نجد الماء المحرق المفرط الحرارة والماء البارد ~~المتناهي في البرودة كل واحد منهما منافرا للطبيعة مؤذ ms031 للحاسة، فإذا امتزجا ~~تولد عنهما حرارة لذيذة مشاكلة لطبيعة الحاسة. فإن عارضنا معارض وقال كيف ~~قال جالينوس: أن كل طعام مخالف للحلاوة لا يغذو أصلا وهو يقول: أن القرع ~~والسلق وسائر البقول المسلوقة المخالفة للحلاوة إذا خالطها المري والفلفل ~~والخل وسائر ما شاكل ذلك، صارت طعاما لذيذا، قلنا له: إن جالينوس لما قال ~~أن الطعوم المخالفة للحلاوة لا تغذو لم يمنع أن يتركب منها طعم لذيذ لأنه ~~إنما قال لا تغذو وإن صارت إلى حال تستلذ، لان الغذاء ليس هو ما كان لذيذا ~~عند الحاسة فقط، بل إنما هو ما قبلته الأعضاء وهضمته ونقلته إلى طبيعة ~~المغتذي وشبهته به، والطعم هو ما أثر في حاسة الذوق تأثيرا لذيذا، كان ذلك ~~التأثير، لو بشعا، لذيذا. والبقول المسلوقة فلم تكتسب من المري والفلفل ~~غذاء بل إنما اكتسبت (3) حالا يستلذ بها. # فأما الغذاء فإنما هو لها بما فيها من يسير الحلاوة وإن لطفت تلك الحلاوة ~~وخفيت عن الحس، ففيما أتينا به وقدمنا ذكره أبنا عن الحلاوة أنها ألذ ~~الطعوم وأقربها من مزاج المغتذى بها لمشاكلتها لمزاج بدن الانسان بالطبع ~~لان الطعوم كما بينا على ضربين: إما مؤثرة في حاسة الذوق، وإما غير غير ~~مؤثرة. فغير المؤثرة (4) هي التفهة التي لا طعم لها، والمؤثرة تنقسم ثلاثة ~~أقسام: إما منافرة لحاسة الذوق بإفراط تفريقها المشاكلة في فعلها للماء ~~المفرط الحرارة عند حاسة اللمس مثل الحرافة والمرارة والملوحة المفسدة ~~للحاسة بإفراط تقطيعها وتفريقها. وإما مؤذية للحاسة بإفراط جمعها المشاكلة ~~في فعلها للماء المفرط البرودة عند حاسة اللمس مثل العفوصة المؤلمة لحاسة ~~الذوق بإفراط جمعها. وإما لذيذة عند الحاسة باعتدالها وتليينها ونفيها عن ~~الحاسة الفضول المؤذية لها المشاكلة للماء الفاتر اللذيذ الفتورة عند # PageV00P037 # حاسة اللمس مثل الحلاوة وبعدها الدسومة. إلا أن الحلاوة تنقسم أربعة ~~اقسام: # وذلك أن منها الحلاوة الخالصة المحضة وهي التي قد تكافأت فيها القوى ~~الأربع وتوسطت الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة مثل حلاوة السكر الطبرزذ ~~(1). # ومنها حلاوة مشوبة بلزوجة وغلظ مثل حلاوة التمر والفالوذجات. # ومنها ms032 حلاوة مشوبة بتفاهة وهي التي قد زال جوهر رطوبتها عن الغلظ إلى ~~الاعتدال، وعن القلة إلى الكثرة، فقلت حرارتها وضعفت حلاوتها مثل حلاوة ~~الرمان. ولذلك صار هذا الضرب أقل حرارة وأكثر رطوبة من الحلاوة الخالصة. # ومنها حلاوة مشوبة بحرافة وهي التي قد زال جوهر رطوبتها عن الغلظ إلى ~~اللطافة، وعن الكثرة إلى القلة والجفاء فاكتسبت الحلاوة جوهرا (2) وحدة، ~~مثل حلاوة عسل (3) النحل. ولهذه الجهة صار هذا الضرب من الحلاوة أقوى جلاء ~~(4) وأقل رطوبة من غيره كثيرا. # فإذا الحلاوة المحضة المعراة من الحرافة واللزوجة هي الدلالة على التوسط ~~والاعتدال كأنها شبيهة بمزاج بدن الانسان حار، رطب باعتدال في الدرجة ~~الثانية. ولذلك صارت الأعضاء تستلذها وتقبل منها أكثر من مقدار القوة على ~~هضمه حتى أنه كثيرا ما يتبقى منها في أفواه العروق الدقاق، المتشعبة من ~~العرق الأعظم، التي في حدب الكبد المعروف بالأجوف، والعروق التي في باطنها، ~~الذي يسميه الأطباء البواب، حتى تلتقي أطرافها بقايا تزدحم هناك وتتضاغط ~~يتولد منها في تلك المواضع سدد وغلظ، ولا سيما متى وافت في تلك المواضع حسا ~~متقدما وكان معها لزوجة وغلظ، مثل حلاوة التمر والفالوذجات لان الفالوذجات ~~تكتسب لزوجة وغلظا من الحنطة والزيت. وما كان من الحلاوة معه لزوجة كان ~~إضراره بالكبد والطحال أعظم كثيرا وذلك لجهتين: إحداهما: أن الشدة المتولدة ~~عنها أغلظ وأعسر برءا. والثانية: أنها بسرعة استحالتها وعفونتها، صارت ~~زائدة في النفخ والقراقر مهيجة لنوائب الحميات بسرعة الاستحالة إلى ~~الدخانية وحبس المرار بالطبع، وبالعرض إلى العفونة والسدد. # ولذلك قال جالينوس: أنه متى كان في الكبد والطحال غلظ (5)، كان الضرر ~~الداخل عليهما من الحلاوة عظيما (6) جدا، طعاما كانت الحلاوة أو شرابا، ~~وخاصة متى كان قد تقدم في هذه الأعضاء غلظا وجشاء أو كان في أفواه عروقها ~~الضيقة سدة. وقد يستدل على ذلك من عسل النحل لأنا نجده على ما فيه من ~~الحرافة والقوة على الجلاء والتلطيف مضرا بمن كانت هذه حاله لان الاكثار ~~منه زائد في سدة الكبد والطحال إلا أن تقمع قوة حلاوته ms033 بما يكسرها مما فيه ~~قوة على التقطيع والتلطيف مثل الخل # PageV00P038 # الثقيف (1) وما شاكله. ولذلك صار الاسكنجبين (2) من أخص الأشياء وأبلغها ~~منفعة في علاج الغلظ الكائن في جداول الكبد وعروق الطحال لأنه معين على ~~تفتيح السدد العارضة فيها. ولذلك قال جالينوس: ومن فضيلة الاسكنجبين أنه مع ~~ما ليس فيه من البشاعة والكراهة ما في أكثر الأشياء الملطفة، فإنه غير مضر ~~بالمعدة بل ليس له بها اضرار أصلا إلا بمن قد أفرط على مزاج معدته اليبس. ~~ولذلك صار من أبلغ الأشياء في التدبير الملطف، فان كان معمولا بخل العنصلان ~~(3)، فاق سائر الأدوية الملطفة فضلا عن الأغذية. ومن قبل ذلك صار من الأفضل ~~ألا يستعمل في علاج سدد الطحال خاصة من الاسكنجبين إلا ما كان معمولا بخل ~~العنصلان، من قبل أن الطحال أكثر قبولا لمضرة الأشياء الحلوة من الكبد وذلك ~~لجهتين: إحداهما: أن عروق الطحال أضيق، وفعل الطبيعة فيه أضعف من فعلها في ~~الكبد، لان الكبد مسكنها ومنها ينبوعها. فلما اجتمع للطحال، مع ضيق مجاريه، ~~ضعف فعل الطبيعة فيه، وجب أن تكون الحلاوة أشد إضرارا به منها بالكبد. ~~والثانية: أن الطحال لما كان يجذب إليه عكر الدم دائما بالطبع، كان ذلك ~~عونا على غلظ السدة المتولدة فيه. ولذلك احتاج في العلاج له إلى إسكنجبين ~~العنصل لما فيه العنصلان من زيادة القوة على تقطيع الفضول اللزجة الغليظة. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: وإني لأشير على من أراد تلطيف فضول غليظة ~~قد اجتمعت في بدنه ألا يعدل عن خل العنصلان وشرابه. واستشهد على ذلك بأسباب ~~جرت على يديه بالتجربة، فقال: وإني لأعرف قوما لا يحصى عددهم صاروا إلى ~~العافية والسلامة واستقامت لهم الصحة وخلصوا من أوجاع المفاصل باستعمالهم ~~خل العنصلان وشرابه. إلا أنه ينبغي لمن أراد بلوغ غايته في ذلك بسرعة أن ~~يجمع مع خل العنصلان حسن الرياضة وجودة التدبير في الأغذية الموافقة ~~الملائمة للمغتذي، وتقدير أوقات استعمالها، ولا يهمل ذلك فيجمع الضار مع ~~النافع، ويطول تعبه قبل بلوغ غايته ومراده. # فأما الحلاوة المنسوبة ms034 إلى العذوبة، فلما كان الأغلب على رطوبتها ~~الجوهرية الكثرة والرقة، صارت أقل حرارة وأكثر رطوبة من الحلاوة المحضة. ~~ولذلك نقصت حلاوتها وتوسطت بين طعم التفاهة والحلاوة وقربت من طعم الماء. ~~والدليل على ذلك أنا نجد جميع الرطوبات الحلوة إذا خالطها الماء نقصت ~~حلاوتها، وكلما غلب الماء عليها ازدادت حلاوتها نقصانا حتى حين (4) تقرب من ~~طعم الماء. # ومن قبل ذلك صار ثمر الأشجار القصار القريبة من الأرض أقل حلاوة وأكثر ~~مائية من ثمر الأشجار الشامخة البعيدة من الأرض، من قبل أن الرطوبة المغذية ~~للثمار المتصاعدة إليها من أرحام الأرض تصل إلى ما قرب من الثمر من الأرض ~~قبل كمال نضجها وانعقادها، ذلك لقرب المسافة بين الأرض والثمر. # PageV00P039 # وأما ثمر الأشجار الشامخة، فإن الرطوبة المتصاعدة إليها من الأرض لا تصل ~~إليها إلا بعد كمال نضجها وقربها من الانعقاد والحلاوة، وذلك لبعد المسافة ~~بين الأرض وبينها. # ففيما أتينا به دليل على أن العذوبة أقل حرارة وأزيد رطوبة من الحلاوة ~~المحضة. ولذلك صارت دونها في اللذاذة والفعل، وصار غذاؤها أقل، وانحلالها ~~من الأعضاء أسرع. ومن قبل ذلك صارت السدد المتولدة عنها أسهل انحلالا وأقرب ~~بزوا (1) من السدد المتولدة عن الحلاوة المحضة. فإن اتفق أن يكون جرمها مع ~~ذلك ملززا صلبا مثل الكمثرى، صارت مغرية لأنها تكون من جنس الأعضاء لاجتماع ~~الصلابة والعذوبة فيها. وأما الحلاوة المنسوبة إلى الحرافة، فلما كان ~~الأغلب على رطوبتها القلة والحدة، وجب أن تكون حرارتها أكثر من حرارة ~~الحلاوة المحضة، ورطوبتها أقل كثيرا، ولذلك نسبت إلى الحرارة واليبس في آخر ~~الدرجة الثالثة، إلا أنها لقرب حرارتها من التوسط والاعتدال، صار فيها قوة ~~تجلو وتغسل وتلطف وتنفي الفضول عن المعدة، وتنقي ما فيها من الرطوبات ~~الغليظة العفنة، وليبسها وقربها من الحرافة صار لها قوة تلذع المعاء ~~وتهيجها إلى دفع ما فيها من ثفل الغذاء. ولذلك صار انحدارها مع الثفل أخص ~~بها من التطريق (2) للغذاء، وصارت السدد المتولدة عن الحلاوة المحضة أقل ~~كثيرا. # وأما الدسومة فتدل على حرارة وليانة في آخر الدرجة ms035 الثانية، ولذلك صارت ~~قريبة من الحلاوة في اللذاذة والجلاء والتحليل، لان فيها شيئا (3) من ~~لطافة، إلا أن رطوبتها أغلظ كثيرا. ولذلك ثقلت على الحاسة وعسر نفوذها في ~~المسام وامتنع انهضامها وبعد انحلالها من الأعضاء، ذلك لدسمها ولزوجتها ~~وغلظ رطوبتها. ولهذه العلة صارت كثيرا ما تسد المسام وتحقن البخارات في ~~باطن العروق والمواضع الخالية (4) من البدن دائما حتى تغلي البخارات هناك ~~وتحدث ألما ولذعا. وما يصل إلى البدن من غذاء الدسومة قليل جدا من قبل أن ~~اليسير منها إذا وصل إلى الأعضاء انتفخ فيها وربا وطال لبثه فيها، وقام ~~اليسير من غذائها مقام الغذاء الكثير من غيرها. ولذلك صارت زائدة في غلظ ~~الكبد والطحال، وصارت السدة المتولدة عنها عسيرة أكثر وجدا. # وللفاضل أبقراط في هذا قول قال فيه: إن الطعام الحلو والدسم يشبعان ~~سريعا. أما الدسم فلجهتين: إحداهما: أنه للزوجته ودهنيته يطفو على الطعام ~~بدءا ويعوم عليه، ثم يختلط به ويغلظه ويمنعه من الهضم. فإذا بدأ في ~~الانهضام لين خمل المعدة وأزلق الطعام قبل تمام هضمه (5). والثانية: # أن الذي يصل منه إلى العروق والأعضاء أيضا ينتفخ فيها ويربو حتى يملأها ~~ويسدها وتضطر القوة الجاذبة للغذاء إلى السكون وتصير سببا قويا لقطع شهوة ~~الطعام. # PageV00P040 # وأما الحلو فلان الأعضاء لالتذاذها به تجذب إليها منه مقدارا أكبر حتى ~~تملأ عروقها وجداولها وتستغني عن استفادة غذاء ثان (1) بسرعة. وأما المرارة ~~فتدل على حرارة في الدرجة الثالثة ويبوسة في الدرجة الثانية، من قبل أن ~~الغالب على رطوبتها الأرضية والغلظ. ولهذا صار فيها قبض بين إلا أنها، لقوة ~~حرارتها، صار لها قوة قطاعة مخففة للرطوبات ملطفة للفضول الغليظة الكائنة ~~في الجداول والعروق. # ومن قبل ذلك صارت معينة على إدرار الطمث منقية لظاهر الجسد من الأوساخ ~~والفضول إذا طليت عليه من خارج والذي ينال البدن من غذائها يسير (2) جدا ~~لبعدها من العذوبة والحلاوة، إلا أنها تنهض الشهوة للغذاء وذلك لجهتين: ~~إحداهما: أنها بقوتها القطاعة تفتح أفواه العروق وتلطف الأغذية أو تخفف ~~أكثرها. والثانية: أنها بما فيها من قوة ms036 القبض تجمع أجزاء الغذاء حتى يصير ~~جسمه أقل ومواضعه أصغر، فتخلو أكثر العروق من الغذاء، وتهتاج القوة إلى جذب ~~ما يملأها ضرورة. # وأما الحرافة فتدل على حرارة في الدرجة الرابعة، ويبوسة في آخر (3) ~~الدرجة الثالثة أو في أول الرابعة. ولذلك صار لها قوة مشاكلة لقوة النار في ~~الاحراق. ولهذه الجهة صارت أكالة قطاعة ملطفة تلطيفا أكثر من سائر الطعوم. ~~ومن قبل ذلك صارت من الأشياء الملطفة للطبيعة المنهضمة لشهوة الطعام لأنها ~~بتقطيعها وتلطيفها تنقي أفواه العروق وتفتحها وتجفف أكثر رطوبة الغذاء حتى ~~يكون ما يصير إلى الأعضاء من غذائه يسيرا (4). ولذلك صارت (5) نسبتها إلى ~~الدواء أقرب من نسبتها إلى الغذاء. # وأما الملوحة فتدل على حرارة ويبوسة في آخر الدرجة الثانية، إلا أن ~~رطوبتها متوسطة بين اللطافة والغلظ قريبة من الأرضية. ولذلك صار لها قوة ~~لذاعة تغسل وتلين خشونة البدن وتذيب الرطوبات بدءا وتحللها ثم تجففها ~~أخيرا. ولذلك صارت تجفف اللحم الرخو وتصلبه. # وأما الحموضة فتدل على برودة ويبوسة في الدرجة الثالثة. إلا أن في ~~رطوبتها الجوهرية رقة ولطافة مع أرضية يسيرة. ولذلك صارت تغوض (6) وتقطع ~~الفضول وتنبه الشهوة للغذاء، وذلك لثلاث جهات: # إحداها: أنها ببردها وقبضها، تجمع جسم الطعام ويصير مقداره أقل مما كان ~~عليه فيخلو أكثر العروق منه عند لبثه في المعدة فتنبه (7) القوة الجاذبة ~~للغذاء إلى ملء ما خلا من العروق. والثانية: أنها لما كانت مشاكلة للفضل ~~(8) السوداوي الولد لشهوة الغذاء في طبيعته وطعمه، صارت زائدة فيه ومقوية ~~لفعله. # والثالثة: أنها بتقطيعها وتلطيفها، تلطف الغذاء وتجفف أكثر رطوبته فيقل ~~مقداره في العروق ويخلو أكثرها منه، فتنبه القوة الجاذبة إلى أن تملأ ما ~~خلا منها ومن خاصتها أنها متى وافت في المعدة فضولا غليظة قطعتها وأحدرتها ~~بسرعة، ومتى وافت المعدة قليلة الرطوبة خالية من الفضول، صار التجفيف # PageV00P041 # وحبس البطن أولى بها وأخص. # وأما التفاهة فلما كان طعمها قريبا من طعم الماء لم يمكن أن يكون للغذاء ~~المتولد عنها كيفية بينة ولا فعل ظاهر أكثر من ترطيب المعدة وتسكين العطش ms037 ~~فقط. ولذلك صارت أسرع انهضاما وأقل غذاء من العذوبة. وأما مقدار غذائها من ~~اللطافة والغلظ، وبسرعة الانحدار وبطئه والتوسط بين ذلك، فعلى مقدار كثافة ~~الجرم الحامل لها وسخافته ولينه من صلابته ولزوجته ورقته. ولذلك صار الغذاء ~~المتولد عن القرع والغذاء المتولد عن الكمأة (1) أغلظ من الغذاء المتولد عن ~~القطف لكثافة جرم الكمأة وغلظه، ولين القطف ورطوبته، وتوسط جرم القرع ~~بينهما جميعا. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن كل طعام تفه لا طعم له كان ذلك له من ~~طبعه مثل الكمأة أو مكتسبا من الصنعة والعمل مثل الترمس العذب، فقد يعرض له ~~من سرعة الانهضام وبطئه والتوسط بين ذلك على حسب اختلاف جرمه في الصلابة ~~والليانة الغلظ واللطافة واللزوجة والهشاشة، لأنه متى كان لطيفا لزجا مثل ~~القطف كان انهضامه أسرع وانحداره أبعد، ومتى كان متوسطا بين اللطافة والغلظ ~~مثل القرع والكمأة لم تظهر له حال بينة في سرعة الانهضام وبطئه، لأنه يكون ~~متوسطا بين السرعة والابطاء، ويختلف في ذلك على قدر قربه من إحدى الحاشيتين ~~وبعده منها. ولذلك صار القرع أسرع انهضاما من الكمأة لقربه من لطافة القطف، ~~والكمأة أبعد انهضاما لقربها من غلظ الترمس. # وأما العفوصة، فإن رطوبتها لما كانت خالصة الأرضية وجب أن يكون بردها ~~ويبسها في آخر الدرجة الثالثة قريبة من الرابعة. ولذلك صار غذاؤها يسيرا ~~(2) جافا قحلا. ولهذه الجهة صارت مغلظة للفضول مذمومة في التدبير الملطف، ~~إلا أنها منبهة لشهوة الغذاء، من قبل أنها، بشدة قبضها تجمع أجزاء الغذاء ~~جمعا كثيرا حتى يقل مقداره ويخلو أكثر العروق منه، وتفتقر القوة الجاذبة ~~للغذاء إلى طلب ما تملأ به خلاءها، ولأن من خاصة العفوصة التقوية والتجفيف، ~~ولذلك صارت متى وافت المعدة خالية من الغذاء تمكنت من فمها الأسفل وقوته ~~وشدته ومنعت من الاسهال منعا قويا، ومتى وافت المعدة ممتلئة من الغذاء لطفت ~~بغلظها على الطعام وجمعت أعلى المعدة جمعا قويا وعصرته كما يعصر الشئ ~~بالمعصار، وأحدرت ما فيها بسرعة وصارت سببا عرضيا لاطلاق البطن، وبخاصة متى ~~وافت جرم ms038 المعدة في نفسه رخوا ضعيفا عن حبس ما يقدم من الغذاء سريع القبول ~~لتأثير القبوضة، أو كان ما يقدم من الأغذية من الأشياء الملينة للطبيعة. # ولهذه الجهة، قال جالينوس: إن العفوصة تنبه الشهوة للغذاء من قبل أنها في ~~الابتداء تعصر أعلى المعدة وتحدر ما فيها فتخلو من الغذاء وتفتقر إلى ما ~~يملأها. فإذا انحدرت وصارت إلى العروق جمعت ما فيها من رطوبة الغذاء وصيرت ~~مقداره أقل مما كان عليه حتى تخلو أكثر العروق من الغذاء # PageV00P042 # وتفتقر إلى ما يملأها. # وللفاضل أبقراط في هذا فصل قال فيه: إن المرارة والحرافة والحموضة ~~والعفوصة تنبه الشهوة للغذاء. أما المرارة والحرافة، فلأنهما تفتحان أفواه ~~العروق وتلطفان الغذاء وتجففان كثيرا منه فتخلو العروق وتفتقر إلى ما ~~يملأها. فأما العفوصة فلأنها تجمع الغذاء وتصغر مقدار جسمه فيخلو أكثر ~~المعدة والعروق منه وتفتقر إلى ما يملأها. وأما الحموضة، فللجهتين جميعا. ~~وأما القبوضة، فإن فعلها وانفعالها مشاكل (1) لفعل العفوصة وانفعالها، إلا ~~أنها ألطف قليلا لان رطوبتها الجوهرية متوسطة بين اللطافة والغلظ. ولذلك ~~صارت أغوص وأنفذ في المسام. وأما العفوصة فلان رطوبتها أرضية عسير نفوذها ~~من المسام، وصار فعلها لا يتجاوز ظاهر الأبدان أصلا، والله تعالى أعلم. # PageV00P043 # الوجه الثاني من الباب الثالث في معرفة الأغذية من روائحها أما روائح ~~الأغذية فقد اختلفت الأوائل فيها على ضروب لان منهم من قال أن لها دلائل ~~تساوي دلائل الطعوم، ومنهم من قال أن لها دلائل إلا أنها ضعيفة لا يوثق ~~بمثلها. # فأما الذين أوجبوا لها دلائل فقالوا: إنا وجدنا البخارات تؤثر في حاسة ~~الشم كتأثير الطعوم في حاسة الذوق، لأنا لم نجد فعل الحرافة والحموضة في ~~حاسة الشم بدون فعلها في حاسة الذوق، فكان في ذلك دليل على أن للروائح من ~~الدلائل مثلما للطعوم من الدلائل. # فقال لهم من خالفهم في ذلك ورد عليهم، أن الأصل الذي عليه قستم هذا ~~القياس فاسد، والمقدمات التي قدمتموها لاستخراج النتيجة غير صحيحة، لأنكم ~~أجزتم علة في غير معلولها، وصيرتم الدليل عليها بغير أثرها. وذلك أنكم ms039 ~~جعلتم دليلكم على دلالة حاسة الشم على طبائع الأغذية فعل الحرافة والحموضة ~~في الحاسة من التلذيع والتقطيع، فقدمتم مقدمة خارجة عن وجه القياس، لان ~~التقطيع والتلذيع ليسا بمحسوسات للشم فيدلان عليه. بل إنما هما محسوسات ~~للمس لان لكل حاسة محسوسات تختص بها لا تجاوزها إلى غيرها، مثل الألوان ~~والاشكال التي هي محسوسات البصر، والأصوات والنغم التي هي محسوسات للسمع، ~~والروائح والبخارات التي هي محسوسات للشم، والتقطيع والتلذيع والحرارة ~~والبرودة التي هي محسوسات للمس. وكل واحدة من هذه الحواس تنفرد بعضو واحد ~~لا يتجاوزه إلى غيره خلا حاسة اللمس فإنها تشمل الأعضاء الآلية. ولهذا ما ~~صارت العين تحس الألوان والاشكال بطبعها وجوهريتها، وتحس بالتلذيع والتقطيع ~~بما فيها من قوة اللمس بالعصب الذي فيها، فليس من حيث ما حست الألوان ~~والاشكال أحست التلذيع لأنها حست الألوان والاشكال بقوتها البصرية ~~الروحانية، وأحست التقطيع والتلذيع بما فيها من العصب الحاس. والدليل على ~~ذلك أنا نجدها تحس بألم الدواء إذا جعل فيها. وهي بطبائعها وجواهرها، وتحس ~~غير محسوس (1) مغمضة لا تبصر شيئا. وكذلك اللسان والاذن والخياشيم، فإنما ~~تحس محسوساتها المخصوصة بها بطبائعها # PageV00P044 # وجواهرها، وتحس غير محسوساتها مثل الحرارة والبرودة والتلذيع والتقطيع ~~بما فيها من قوة اللمس وحس العصب. فقد بان أن الخياشيم، وإن أحست بتلذيع ~~الحرافة والحموضة، فإنها لا تدرك ذلك بجوهرية الشم، بل إنما تدركه بما فيها ~~من حس اللمس. # ففي هذا دليل على فساد ما أصلتموه وبطلان ما قدمتموه إذ طلبتم علة من غير ~~أثرها وأجريتموها في غير معلولها. # وأما الذين قالوا أن لها دلائل إلا أنها غير موثوق بها، فإنهم قالوا إن ~~الروائح، وإن كانت تدل على شئ من طبائع الأغذية، كانت (1) دلالتها ليست ~~كدلالة الطعوم، من قبل أن اللسان قد تأتيه من الدماغ، من بين جميع الحواس، ~~ست عصبات يقوى بها على إدراك محسوساته على الحقيقة. ولذلك صار لحاسة الذوق ~~مع تمييزها للطعوم، أن تميز أيضا بين المشاكل والمخالف، والموافق والمنافر. # فأما حاسة الشم، فليست كذلك من قبل أنه ليس يأتيها ms040 من الدماغ إلا عصبة ~~واحدة، والذي يأتيها من ذلك أيضا ليس بالكثير. ولذلك، لم تصل إلى إدراك ~~محسوساتها على الحقيقة، بل إنما أدركت منها أجناسها فقط. أعني بأجناسها ~~حواسها وأطرافها التي هي الطيب والمنتن. وأما ما بين ذلك من الوسائط ~~والأنواع، فإنها لم تفرق بينها ولا ميزتها على الحقيقة. ولذلك، لم يوقع ~~الفعل عليها اسما، لان الحاسة، لجفائها وغلظها، لم تؤدى إلى الفعل حقيقة ~~محسوساتها. ولذلك اضطر إلى أن يسمي أطراف الروائح وحواشيها التي أدركنا ~~باسمها مشتقة من أسماء الطعوم فقال طيب وكريه. # وأما الوسائط التي بينها، فإنه لم يوقع عليها اسما لكنه نسبها إلى ~~حواملها فقال رائحة المسك ورائحة العنبر وغير ذلك. ومن قبل ذلك أيضا لم ~~تميز الحاسة الروائح المركبة من جواهر مختلفة كما ميزت حاسة البصر (2) ~~الألوان المركبة من أصباغ مختلفة بل إنما أدركت ما كان جوهره بسيطا مفردا. # والسبب في ذلك أن حاسة الشم في نفس بطون الدماغ بعيدة عن الخياشيم وموضع ~~المشم، والدليل على ذلك أن إنسانا لو أخذ شيئا له رائحة قوية، ثم قربه من ~~خياشيمه وألصقه بها، لما اشتم له رائحة دون أن يتنفس الهواء ويستنشقه ~~ويجذبه إليه حتى يصل بخاره إلى الدماغ. ولذلك لم يمكن أن يصل إلى حاسة الشم ~~من الشئ المشموم إلا بخاره المتحلل منه في الهواء فقط، لا الشئ في نفسه، من ~~قبل أن الهواء إذا أحاط بالبخار وقبله (1) إليه نقله إلى الدماغ بالاستنشاق ~~وأوصل قوته إلى الروح النفساني الذي في الدماغ. فإن كان المشموم بسيطا من ~~جوهر واحد وكان مع ذلك ذكيا قبله الروح النفساني بالموافقة والمشاكلة. وإن ~~كان كريها قبله بالانفعال له على سبيل الغلبة والقهر له، كانفعال الماء ~~البارد للنار، وذلك مقاس من الشاهد لان إنسانا لو أخذ فتيلتين مشتعلتين ~~وأطفأ (2) إحداهما وترك حمرة النار # PageV00P045 # وقوتها فيها، ثم صرها دون الفتيلة المشتعلة مقدار عرض إصبع أو إصبعين، ~~لنظر إلى النار في الفتيلة المشتعلة العليا تنعكس راجعة إلى أسفل لتتصل ~~بحمرة الفتيلة المطفأة وتتمكن منها وتشتعل فيها. ms041 فإن هو إذا أطفأ الفتيلة ~~المشتعلة لم تطلها النار ولم تتصل بها ولم تؤثر فيها دون أن تدخل في وسط ~~النار حتى تحتوي عليها وتفعل فيها فعل الضد في الضد. وكلما ازدادت الفتيلة ~~المطفأة بردا قبل دخولها في نار الفتيلة المشتعلة كان أبعد لانفعالها. # فقد بان واتضح أن حاسة الشم تدرك الشئ الذكي بالموافقة والمشاركة، وتدرك ~~الكريه بالانفعال. ولذلك صارت جميع الروائح إذا كانت مركبة من جواهر مختلفة ~~لم يصل إلى الروح النفساني الذي في بطن الدماغ إلا أحد جواهره التي هو مركب ~~منها وبخاصة متى كان مركبا من جوهر ذكى موافق للروح النفساني وجوهر كريه ~~مخالف له لان الجوهر الموافق تصل قوته إلى الحاسة قبل وصول قوة الجوهر ~~المخالف وذلك لجهتين: # إحداهما: أن الجوهر الذكي دليل على أن الحرارة الغريزية قد قويت على ~~تلطيفه ونفت عنه فضوله وغلظه وصار لطيفا سريع التحلل مع البخار. ولذلك وصل ~~إلى الروح النفساني بسرعة. وأما الجوهر المخالف الكريه، فهو دليل على ضعف ~~فعل الطبيعة فيه وتركها لفضوله الغليظة الجامدة راكدة. # ولذلك ثقل وعسر انحلاله مع البخار. ولهذا لم يصل إلى الروح النفساني منه ~~إلا ما لا مقدار له عند الحس بعد مدة طويلة. # والثانية: أن الروح النفساني لما كان في نفسه لطيفا روحانيا وكان في نفس ~~بطون الدماغ بعيدا من مواضع الشم، لم يمكن أن يصل إليه من الشئ المشموم إلا ~~روحانيته فقط دون جسمانيته. ولذلك لا يقبل من الشئ إلا ما شاكل جوهره ~~وطبيعته إذ كان قبوله قبول موافقة ومشاكلة على ما بينا، إلا أن يكون الجوهر ~~المخالف أقوى فعلا وأظهر تأثيرا فيقبله لقهره له وغلبته عليه. # وأما حاسة الذوق، فليست (1) كذلك من قبل أنها تباشر المحسوس نفسه ~~بجوهريته وجسمانيته وجميع جواهره المخالف منها والموافق قبل أن يتصل ذلك ~~بالروح النفساني والذي في بطون الدماغ، فيفعل كل جوهر منها في الحاسة ~~بخاصته وطبعه، ولذلك صار كثيرا ما يخفى الجوهر الموافق عند الجوهر المخالف ~~لان الحاسة التي في نفس اللسان، وإن قبلت الشئ ms042 الموافق بسرعة، فإنها قبل أن ~~توصل قوته إلى الروح النفساني الذي في نفس بطون الدماغ ما قد أثر فيها ~~الجوهر المخالف وفعل فيها فعلا لا يمكن معه أن يظهر فعل الجوهر الموافق ~~مفردا. ومن قبل ذلك صارت الأشياء المركبة من جواهر مختلفة تظهر عند حاسة ~~الشم بخلافها عند حاسة الذوق، لان حاسة الشم إنما يصل إليها من المشموم ~~بخاره المتحلل منه في الهواء فقط. ولذلك، لا يمكن أن يصل إليها منه إلا ~~ألطف ما فيه # PageV00P046 # وأسرع تحللا مع البخار وبخاصة متى كان الجوهر المتحلل مع البخار موافقا ~~للروح النفساني، لان الروح الموافقة له تستلذه وتستطيبه وتسكن له. # وأما حاسة الذوق، فإنها لما كانت بلقاء جرم المحسوس بجواهره المختلفة، ~~قوي فعل المخالف منها على الموافق لان الحاسة تسكن عند الجوهر (1) الموافق ~~وتهدأ عن الحركة لاستلذاذها ومشاكلته لها، وتقلق وتضطرب عند الجوهر المخالف ~~وتكثر حركتها لما بينهما من المنافرة. والدليل على ذلك: أنا نجد الورد ~~لذيذا عند حاسة الشم، كريها عند حاسة الذوق، من قبل أن الذي يتحلل منه مع ~~البخار بسرعة ويصل إلى حاسة الشم لطيفة ومحمودة. وأما جوهره الغليظ الكريه ~~العفص، فلقوة أرضيته، يعسر تحلله مع البخار جدا. ولذلك لا يتحلل منه إلا ما ~~لا مقدار له عند الحاسة. ومن قبل ذلك يخفى ولا يظهر إلا بالقرب من فناء ~~الجوهر اللطيف. # وللفيلسوف (2) في كتابه المعروف بكتاب (النفس) في هذا فصل قال فيه: إن ~~الشم ليس هو كسائر الحواس، من قبل أن كل حاسة من الحواس تدرك اللذيذ من ~~محسوساتها والكريه والوسائط التي بين اللذيذ والكريه جميعا، كالبصر فإنه ~~يدرك البياض والسواد وما بينهما من الألوان. والذوق يدرك الحلو والمر وما ~~بينهما من الطعوم. وأما الشم فليس كذلك لأنه إنما يدرك الرائحة الطيبة ~~والكريهة فقط، ولا يدرك ما بينهما من الوسائط. ولذلك لم يفصل بين رائحة ~~المر والمسك، والصبر والعنبر إلا أن نعلم أن بعضها طيب وبعضها كريه، ولا ~~نعلم فصولها الغاشمة لها المميزة لبعضها من بعض، لان الحاسة لما ضعفت ms043 عن ~~إدراكها لم تدل على كيفياتها، ولما لم تدل على كيفياتها (3) لم تقف على ~~صفتها، ولما لم تقف على صفتها، لم يقف (4) العقل على تسميتها فاشتق لها ~~اسما من الطعوم وقال: طيب وكريه. وقد نستدل على ذلك من الحيوان الذي لا ~~أشفار (5) له تنطبق على عينيه ويريح الروح الحيواني البصري حتى يجتمع ~~ويقوى، ولذلك لا يبصر جيدا لدوام انفتاح عينيه وخسائها (6) لكثرة ما يتحلل ~~من الروح الحيواني منها بدوام ملاقاة نور الشمس له واستغراقه لنورها (7). ~~وهذا موجود في دواب البحر لأنها خاسئة الأعين، من قبل أن ليس لها أشفار ~~تطبقها على أعينها فتريح الروح الحيواني ليقوى ويخرج على زاوية حادة ~~صنوبرية. # وكذلك حاسة الشم لا تميز الروائح على الحقيقة لخسائها وغلظها وبعدها من ~~موضع الشم. فإن قال قائل: فإذا كان الشم إنما يدرك محسوساته بالاستنشاق ~~فكيف صار ما لا مناخر له من الحيوان يشتم؟ # قلنا له: إن المجاري التي يشتم بها الحيوان الذي لا مناخر له ليس عليها ~~مانع يمنع من وصول الهواء # PageV00P047 # الحامل للرائحة إلى الروح النفساني الذي في بطون الدماغ، ولذلك يشتم من ~~غير استنشاق. وأما الحيوان ذوات المناخر ففي أعلى مناخرها حجاب يمنع الهواء ~~من النفوذ إلا بالاستنشاق ليدفع ذلك الحجاب ويصل الهواء الحامل للرائحة إلى ~~الروح النفساني الذي في بطون الدماغ. وكذلك ما كان من الحيوان على عينه ~~أجفان تنطبق عليها لا يبصر حتى يفتح عينيه ويرفع الأجفان المنطبقة عليها. ~~وأما ما كان من الحيوان لا جفن له، فإنه لا يحتاج إلى ذلك لان عينيه ~~مفتوحتان دائما. ولذلك يكل روحه النفساني ويضعفها ويخلق لدوام تعبه ولا ~~يميز من الألوان إلا أطرافها وحواشيها فقط، أعني البياض والسواد ويخسأ عن ~~تمييز ما لطف من الألوان وقرب بعضها من بعض. # فإن قال قائل: فإذا كان الروح النفساني الذي في أعين من لا أشفار له من ~~الحيوان يخلق ويجفو بدوام حركتها وكثرة تعبها، فلم لا كانت الروح النفساني ~~الذي بها يكون الشم في الحيوان الذي ليس على مجرى الشم منه ms044 غطاء يخلق ويكل ~~لدوام حركته وتعبه، وقلة راحته؟. # قلنا: إن المعارضة فاسدة من قبل أن الشعاع البصري يبرز من الحدقة وينفذ ~~في الهواء حتى يصل إلى محسوساته ويدركها، ولذلك يكل ويخلق ويخسأ. وأما ~~الروح الذي يكون به الشم فليست كذلك، لان محسوساتها تصل إليها إلى مواضعها ~~في بطون الدماغ ولذلك لا تتعب ولا تكل وتخلق ولا يلحقها (1) ما يلحق الشعاع ~~البصري من الكل. # وإذا صرنا إلى هذا الموضع من كلامنا واتضح الخلاف بين حاسة الشم وحاسة ~~الذوق في إدراكهما لمحسوساتهما ودلالتهما عليهما، فنحن أحق بأن نصف أنواع ~~البخارات ونخبر بقواها وأفعالها. # فأقول: إن البخار ينقسم في جنسه ثلاثة أقسام: أحدها: بخار ساكن لا حركة ~~له ولا رائحة. والثاني: # بخار سريع الحركة شديد الرائحة قوى التأثير في الهواء. والثالث: بخار ~~متوسط بين الحاشيتين لأنه، وإن كان متحركا مؤثرا في الهواء ذا رائحة، فإن ~~فعله في ذلك قريب من الاعتدال. # وما كان من البخار ساكنا لا حركة له ولا رائحة البتة، كان دليلا على جوهر ~~أرضى غليظ ثقيل عسير التحلل في الهواء بعيد الانطباع فيه. وما كان كذلك لم ~~يوقف منه على حالة معلومة في حرارة وبرودة، إلا أنه وإن لم ينبئ عن نفسه في ~~طبيعته وذاته، فإن في ضعف حركته وقلة تأثيره في الهواء، ما دل على غلظه ~~وبرده. ولذلك لم يتحلل منه من البخار ما يؤثر في الهواء تأثيرا ما. وأما ما ~~كان منه سريع الحركة قوي الرائحة شديد التأثير في الهواء، فإنه دليل على أن ~~جوهره جوهر لطيف غواص سريع النفوذ في المسام، قوي الحرارة. وذلك لان كل ~~بخار سريع الحركة شديد التأثير في الهواء، فهو دليل على قوة حرارة فيه تحلل ~~البخارات وتلطفها. وهذا الضرب من البخار ينقسم قسمين: لان منه ما هو، مع ~~قوته وكثرة تأثيره في الهواء، لطيف معتدل المزاج موافق للروح النفساني. ~~ومنه ما هو مختلف المزاج غير # PageV00P048 # موافق للروح النفساني. وما كان منه غير موافق للروح النفساني كان دليلا ~~على كثرة فضوله وفساده وخروجه ms045 عن الحال الطبيعية ومنافرته لمزاج بدن ~~الانسان. ويستدل على ذلك من بشاعته وكراهة رائحته وفساد جوهره في نفسه، إما ~~لحرارة خارجة عن الطباع المعتدل، وإما لرطوبة عفنة. فإن كان فساده لحرارة ~~خارجة عن الطبع المعتدل صار منتنا لان من شأن الحرارة إذا كانت كذلك ان ~~تحدث في رطوبات الشئ غليانا وتنتن فضوله من غير أن تنقي منها شيئا، فيتولد ~~عن ذلك بخارات غليظة منتنة كريهة الرائحة عند الحاسة. # وما كان هذا سبيله، كان غذاؤه مذموما جدا كثير الفساد، مولدا للعفونات ~~المفسدة للمعدة المتبخرة إلى الرأس. وقد يستدل على أن الحرارة الخارجة عن ~~الطباع تفعل مثل ذلك ما نشاهده من الحيوان إذا عدم حرارته الغريزية، وسكن ~~تحريكها له، ونفيها للفضول عنه. وإن كان فساده عن رطوبة عفنة صار سهكا ~~زهيما وكان غذاؤه أيضا مذموما. # كما قال جالينوس: إن ما كان من الأغذية زهيما أو سهكا أو كريه الرائحة أو ~~الطعم، فغذاؤه ردئ مذموم، إلا أن الامر، وإن كان كذلك، فغذاؤه أقل رداءة من ~~غذاء الأشياء المنتنة كثيرا. وقد يستدل على ذلك من السمك لأنا نجده ما دام ~~طريا وحرارته الغريزية باقية فيه، فهو ذميم من غير نتن. فإذا زال عنه قوة ~~فعل الحرارة الغريزية صار منتنا، وغذاؤه إذا كان ذميما أفضل من غذائه إذا ~~كان منتنا. وإن كان البخار موافقا للروح النفساني كان دليلا على اعتدال ~~جوهره وقوة فعل الحرارة فيه، وتصفيتها لأثفالها ونفيها لجميع الفضول ~~الفاسدة عنه، ويستدل على ذلك من ذكاء رائحته وعطريته واستلذاذ الروح ~~النفساني به. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن ما كانت له رائحة ذكية، أو تطعمت فيه ~~عطرية، فجوهره لا محالة جوهر لطيف قوى الحرارة. إلا أن حرارته دون حرارة ~~البشع الكريه الرائحة، ودون ما كانت له حرافة يلذع بها جميع ما يلقاه ويسخن ~~إسخانا بينا. ولذلك صارت الحاسة تسكن عنده وتميل إليه وتقلق عند الكريه ~~الرائحة وتضطرب لاستبشاعها له ونفورها منه. فإن كان في الذكي الرائحة مع ~~لذاذته فضل يبس قليل كان أعطر ms046 له وإذكاء لرائحته وأكثر موافقة للروح ~~النفساني من غيره. وذلك لجهتين: إحداهما: # أن ما كان رطبا غليظا، غلظت رطوبته البخار ومنعنه من الوصول إلى الدماغ ~~بسرعة. والثانية: أن الروح النفساني في طبيعته يابس، ولذلك صار الكافور، مع ~~قوة برده، ذكي الرائحة جدا، وذلك لقلة رطوبته وغلبة اليبس على مزاجه. # وأما ما كان من النوع الثالث المتوسط بين الحاشيتين، فإنه وإن كانت حركته ~~ضعيفة وتأثيره قليلا، فإنه دليل على توسطه اللطافة والغلظ. وهو على ضربين: ~~إما أن يكون جوهره كثير الفضول فيكون بشعا كريها عند الحاسة دالا على فساد ~~جوهره وضعف فعل الحرارة الغريزية فيه، إلا أنه لا محالة حار وإن كانت ~~الحرارة فيه ضعيفة. ويستدل على ضعف حركته من قلة تأثيره في الهواء. وإما أن ~~يكون PageV00P049 # جوهره معتدلا قليل الفضول موافقا للروح النفساني فيكون ذكيا لذيذا دالا ~~على اعتدال في نفسه وقوة فعل الحرارة الغريزية فيه وتلطيفها له ونفيها ~~لفضوله إلا أنه يكون على ضربين: إما أن يكون مزاجه باردا ضعيف التأثير في ~~الهواء مثل البنفسج والصندل (1) الأحمر وما شاكلهما. وإما معتدلا مثل ~~الخيريين (2) وما شاكلهما. # فإن عارضنا معترض وقال: ما السبب الذي له صار الذكي الرائحة من هذا النوع ~~باردا، والكريه الرائحة حارا، وقد اتفقا جميعا في ضعف الحركة وقلة ~~الرائحة؟. # قلنا: من قبل أن البشاعة لا تكون دائما إلا عن حرارة خارجة عن الطباع ~~تثير فضول الشئ من غير أن تنقي منها شيئا. وإما عن رطوبة عفنة. ومن أي ~~النوعين كان، فقد امتنع أن يكون باردا لان البرودة لا تحدث مع الغليان ~~والتثوير، بل مع قلة الحركة وكثرة السكون. # وجماع القول: أن الروائح تنقسم في جنسها على قسمين: إما ساكنة عديمة ~~الحركة حتى لا تظهر لها رائحة البتة فتدل على جوهر غليظ أرضى منيع الانحلال ~~في الهواء، فلا ينبئ من ذاته على شئ من طبيعته لا لحرارة ولا لبرودة. وإما ~~متحركة ظاهرة التأثير والفعل، فتكون على ضربين: إما ضعيفة الحركة قريبة من ~~التوسط والاعتدال فتدل على جوهر كذلك، ms047 أعني جوهرا متوسطا معتدلا. وإما قوية ~~الحركة والتأثير فتدل على قوة الحرارة وشدتها إلا أنها على ضربين: إما ~~لذيذة ذكية الرائحة فتدل على اعتدال جوهر الشئ ومزاجه وموافقته لمزاج الروح ~~النفساني. وإما بشعة كريهة فتكون على ضربين: إما منتنة فتدل على ضعف ~~الحرارة الغريزية وقوة الحرارة الغريبة، وإما زهمة (3) فتدل على غليان ~~رطوبة عفنة. # فإن قال قائل: وكيف يمكن أن يكون في نوع من أنواع الأشجار حرارة غريبة ~~دائمة، وكل شئ فيه حرارة غريبة فله بطبعه حرارة جوهرية، والجوهر أسبق من ~~العرض. وإذا كان كذلك وجب أن يكون لكل ما كان منتنا حرارة جوهرية يكون بها ~~ذكيا حتى إذا زالت عنه حرارة الجوهرية فسد وصار منتنا كالذي نشاهده من ~~الحيوان لأنا نجده عند اعتدال مزاجه وقوة حرارته الغريزية، يكون ذكيا غير ~~منتن. وإذا فارقته حرارته الغريزية فسد وصار منتنا. # قلنا له: قد كنا قدمنا في ابتداء كلامنا في هذا الكتاب أن الاعتدال يكون ~~على ضربين: إما طبيعيا عاميا مثل الاعتدال الواقف بين حاشيتي النقيض، وإما ~~اعتدالا خاصيا خارجا عن الطباع، وهو ما اختص به شئ دون شئ فكان به معتدلا ~~وله صالحا. وإن كان في الطباع مذموما فاسدا مذموما مثل الفلفل # PageV00P050 # والزنجبيل والعاقر قرحا وما شاكل ذلك مما هذا سبيله، وإن كان في ذاته ~~حائدا عن الاعتدال لافراط حره ويبسه، فإنه معتدل محمود عند من كان مزاجه ~~بلغمانيا لموافقته له وإصلاحه لشأنه. وكذلك حرارة ما كان منتنا، لأنها وان ~~كانت خارجة عن الطباع المعتدل، فإنها فيما هي فيه إذ بها صلاحه وثبات ذاته، ~~لان بها ما كان كذلك. ففيما أتينا به من الدلائل كفاية على أن الروائح لا ~~تدل على طبائع الأشياء إلا دلائل جنسية عامية تنبئ عن أطراف الأشياء ~~وحواشيها فقط. ولذلك لم تتميز الوسائط التي بين الحواشي والأطراف ولم توصل ~~حقيقتها إلى الفعل فتوقع عليها اسما. # فإن عارضنا معترض بالألوان وقال: ما بال الألوان لا تدل على طبائع ~~الأشياء، وحاسة البصر ألطف الحواس وأوصلها إلى محسوساتها على الحقيقة. ms048 ~~والدليل على ذلك: أنا نجدها تميز حواشي الألوان وما بينها من الوسائط وتوصل ~~حقيقتها إلى الفعل. ولذلك أوقع عليها الفعل اسما. # قلنا له: إن حاسة البصر، وإن كانت ألطف الحواس وأكثرها إدراكا لمحسوساتها ~~على الحقيقة، فإن من خاصيتها ألا تدرك من الأشياء إلا ألوانها وأشكالها ~~فقط، والألوان والاشكال فأعراض غريبة في الأشياء تزول عن حواملها من غير ~~فسادها لأنها غير جوهرية ولا طبيعية. وما كان كذلك فغير ممكن فيه الدلالة ~~على طبيعة ما هو فيه. والدليل على ذلك أنا نجد الشئ الواحد بألوان مختلفة ~~وأشكال متغيرة، ولا يزيله اختلافه ذلك عن طبيعته وذاته مثل الورد فإنا نجده ~~أبيض وأحمر وهو في طبيعته بارد يابس. # وكذلك الخيري نجده بألوان مختلفة لا تحصى، وهو في طبيعته واحدي الطبع. ~~وكذلك الحكم في الاشكال فإنا نجد الشئ الواحد يتشكل بأشكال كثيرة، وهو ~~واحدى الطبع مثل العنب، فإنا نجده مدورا ومستطيلا وصنوبريا، وهو في طبيعته ~~حار رطب. فقد بان أن الألوان والاشكال أعراض غريبة فيما هي فيه. ولذلك ~~ارتفع عنها الانباء عن طبيعة ما هي فيه. # وأما الطعوم فليست كذلك لأنها وإن كانت أعراضا، فإن كل واحد منها حافظ ~~لطبيعة ما هو فيه، مقوم لنوعيته وذاته لحفظ الحرارة لطبيعة النار، والبرودة ~~لطبيعة الماء، والرطوبة لطبيعة الهواء، واليبوسة لطبيعة الأرض على ما بينا ~~وأوضحنا في كتابنا في الأسطقسات (1). ومما يدل على ذلك أنا لا نجد طعما ~~واحدا لشيئين مختلفي (2) الطباع، ولا طبيعة واحدة لطعمين مختلفين. مثال ~~ذلك: أنا لا نجد الحلاوة موجودة في حار وبارد، ولا برودة موجودة في عفص ~~ومالح. وكذلك القياس جار في كل الطعوم على سبيل واحد. فإن قال قائل: فكيف ~~أوجبت للطعوم الدلائل على طبائع ما هي فيه، ونحن نجد الحلاوة في الرمان ~~والعسل وهما مختلفي الطباع، لان العسل في طبيعته حار يابس في الدرجة ~~الثانية والرمان حار في الدرجة الأولى رطب في الثانية. # قلنا له: غاب عنك ما ذهبنا إليه لان في قوة كلامنا ما ظننت بنا أنا ~~أوجبنا للطعوم تقويم ms049 ذات # PageV00P051 # المطبوعات وليس الامر كذلك، بل إنما أوجبنا لها تقويم ذات الطباع في ~~المطبوعات، لان الحلاوة البسيطة دالة أبدا دائما على حرارة ورطوبة باعتدال ~~في أي ما كانت من المطبوعات، وإنما اختلفت الأشياء الحلوة بما شاب الحلاوة ~~من الطعوم المخالفة لها مثل العسل فإنه إنما خالف الرمان بما فيه من ~~الحرافة واليبوسة، وما في الرمان من التفاهة والرطوبة. ولذلك قلت حلاوة ~~الرمان وصار عذبا وضعفت حرارته وصار معتدلا رطبا. PageV00P052 # الوجه الثالث من الباب الثالث في الوقوف على معرفة الأغذية من أجرامها ~~وجواهرها أما أجرام الأغذية فتختلف على ثلاثة ضروب: لان منها الرطب اللين ~~الشديد الرخاوة مثل البطيخ والتوت وما شاكلهما. ومنها القحل الجاف الشديد ~~الصلابة مثل الجاورس (1) وبعده العدس. ومنها المتوسط بين هاتين الحاشيتين ~~مثل الخبز المحكم الصنعة واللحم الكامل النضج. # فما كان منها لينا رخوا كان انهضامه أسرع، وانقلابه إلى الدم أسهل، وقربه ~~من التشبه بالأعضاء أسلس، إلا أنه أسرع الأغذية استحالة إلى الفساد، وأقلها ~~لبثا في الأعضاء. ولذلك صارت لا تفيد الأعضاء من القوة إلا اليسير جدا، لان ~~ما كان من الأغذية ألطف، فما يصل إلى الأعضاء من غذائه أقل وأضعف. وما كان ~~من الأغذية أصلب كان انهضامه أعسر، وانقلابه إلى الدم أبعد، وقربه من ~~التشبه بالأعضاء أمنع. ولذلك صار لا يغذو البدن إلا من بعد أن تقهره الطباع ~~وتقوى عليه، ذلك لغلظه وقربه من الأرضية، وبعد انقياده للانفعال. إلا أن ~~الطباع متى قويت عليه وجاد (2) هضمه في المعدة والكبد جميعا، ولد دما غليظا ~~وغذا غذاء كثيرا. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: كل طعام صلب فمن قبل أنه أغلظ فكأنه أقرب ~~إلى الأرضية. # ولذلك صار متى قويت الطباع عليه كان ما ينال البدن من غذائه أكثر وأغلظ ~~مما يناله مما هو أرطب لان جوهره باق (3)، وإن كانت خاصة ما كان من الطعوم ~~كذلك أن يكون عسير الانهضام والاستمراء بعيد الانقلاب إلى الدم. # وله فصل آخر قال فيه: إن الطعام الصلب، مع بعد انهضامه، يولد دما غليظا ~~جدا. ms050 وجوهر الطعام الذي هو أرطب وألين أرق وألطف كثيرا من قبل أن كل ما ~~ينفذ من جوهر كل غذاء إلى جميع البدن فغير بعيد من طبيعة الغذاء الذي هو ~~منه لان من حق الطباع ألا تولد من كل شئ إلا ما كان سببها # PageV00P053 # بجوهره وطبيعته. ولذلك لم يمكن أن يتولد من العدس ولحم البقر غذاء مائي ~~رقيق ولو تلقى من الانهضام نهاية الاحكام واستمرأها صاحبهما أيضا غاية ~~الاستمراء. ولذلك يتهيأ أن يتولد من البطيخ والسمك غذاء أرضى غليظ. وهذه ~~الخاصة هي ملاك الامر (1) في معرفة ما يتولد من الأغذية الغليظة منها ~~واللطيفة. فإن اجتمع في الغذاء الغليظ أن يكون مع غلظه، لزجا لازوقا (2) أو ~~عذبا لذيذا كان مغذيا، وكان في جميع ما وصفناه من كثرة الغذاء وبعد ~~الانحلال من الأعضاء وتقويته لها أكثر، من قبل أن جوهره قريب من جوهر ~~الأعضاء ويختبر ذلك من لذاذته. ولذلك قال جالينوس: إن ما كان من الأغذية له ~~جرم صلب ولم يكن فيه حرافة ولا قبض ولا طعم بين غير العذوبة، ففيه قوة ~~مغرية ملينة لخشونة الأعضاء لان جوهر العذوبة قريب من جنس جوهر الأعضاء، ~~فإن جمع الغذاء مع غلظه، جفافا وقحلا كان مذموما وكان فيما وصفناه من كثرة ~~الغذاء وغير ذلك أقل كثيرا. ولذلك قال جالينوس: ونذم من الغذاء ما كان قحلا ~~جافا قد عدم اللزوجة والدسومة لان جوهره مخالف لجوهر الأعضاء. فأما ما كان ~~من الأغذية متوسطا بين الصلابة والليانة فهو أحمد وأفضل لأنه في سرعة ~~انهضامه وجودة استمرائه وقربه من القوة إلى التشبه بالأعضاء على حسب موضعه ~~من التوسط والاعتدال. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن بين كل نوعين متضادين من الأغذية نوعا ~~متوسطا، وكلما توسط بين حاشيتين ما، أي حاشيتين كانتا، فهو أفضل وأعدل مما ~~كان إلى إحدى الحاشيتين أميل. # ولذلك صار الغذاء المتوسط بين الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، ~~واللطافة والغلظ، والصلابة والليانة، أعدل الأغذية وأفضلها غذاء وأقربها من ~~الدم. فإن اتفق له مع ذلك، أن يكون لذيذا، كان ms051 أسرع لانهضامه، وأفضل في حفظ ~~الصحة على الأصحاء، وردها إلى المرضى. وإن كان غير لذيذ عافته الطباع وصار ~~أعسر انهضاما وأردأ للمعدة لأنها لا تحتوي عليه لكراهته ولا تجيد هضمه ~~لبشاعته. # فإن اتفق له مع عدم اللذاذة، أن يكون خفيفا عواما، طفا وعام وهيج الغثاء ~~والقئ. وإن كان رزينا ثقيلا هبط بسرعة وانحدر وخرج قبل تمام نضجه، وذلك أن ~~المعدة تتشوق دائما إلى المبادرة لدفع ما يؤذيها من أي الموضعين أمكنها: ~~إما من فوق بالقئ، وإما من أسفل بالاسهال على حسب طبيعة المؤذى لها في خفته ~~وثقله. # ولجالينوس في هذا المعنى فصل قال فيه: إن كل طعامين متساويين في القوة ~~والطبع وجميع حالاتهما خلا اللذاذة، فألذهما أوفقهما للمعدة وأسرعهما ~~انهضاما. وهذه الخاصة تعم سائر الأطعمة اللذيذة وغير اللذيذة، لان ما كان ~~بالإضافة إلى غيره أقل بشاعة وكراهة، كان أوفق للمعدة وأسرع انهضاما، وما ~~كان بالإضافة إلى غيره أقل لذاذة، كان أردأ للمعدة وأعسر انهضاما وأبعد من ~~الاستمراء. # وله فصل آخر قال فيه: إن كل طعامين متساويي القوة في حفظ الصحة على ~~الأصحاء، وردها # PageV00P054 # إلى المرضى، فألذهما عند المتناول لهما أوفقهما وأسرعهما انهضاما. # وأما اختلاف الأغذية من قبل جواهرها وغذائها المتولد عنها فيكون على ~~ثلاثة ضروب: وذلك منها اللطيف، ومنها الغليظ، ومنها المتوسط بين هاتين ~~الحالتين. # فأما اللطيف فينتظم من اسمه ثلاثة معان (1). إما لطيف في قواه وإن كان ~~الجوهر المتولد عنه مذموما مثل اللوف والشلجم وما شاكلهما. وإما اللطيف في ~~انفعاله وسرعة انقياده لفعل الطبيعة وإن كان جوهره المتولد عنه أيضا ليس ~~بصالح مثل القطف والقرع والبقلة اليمانية. وإما اللطيف في انفعاله وجودة ~~جوهره معا مثل خبز الحنطة المحكم الصنعة ولحم الدراج والفراريج، فإن هذه ~~الأغذية، مع سرعة انهضامها وانقيادها لفعل الطبيعة، تولد دما محمودا وتغذو ~~غذاء فاضلا. ولهذه الجهة صار هذا الضرب من الأغذية من أوفق الأغذية وأبلغها ~~في حفظ الصحة على الأصحاء وردها إلى المرضى. إلا أنه لما كان انحلالها من ~~الأعضاء أسرع من انحلال غيرها من الأغذية ms052 الغليظة مثل لحم العجول والخنازير ~~والضأن، كان ما تستفيده الأعضاء منها من القوة دون ما تستفيده من الأغذية ~~الغليظة. # ولهذا ما قال جالينوس: إن التدبير اللطيف، وإن كان من أوفق الأشياء في ~~حفظ الصحة على الأصحاء وبقائها عليهم، فإنه لا يكسب الأعضاء قوة قوية ولا ~~خصبا بينا. ولذلك صار متى استعمل لحم الدراج والفراريج من كان كثير التعب ~~دائم الحركة تحلل من أعضائه بسرعة وأكسبها ذبولا. فأما الأغذية اللطيفة في ~~فعلها وتأثيرها فهي الملطفة للفضول المدقعة (2) للأثفال وهي على ضربين: إما ~~أن تفعل بقوة محرقة وإما بغير إحراق. وما يفعل بالاحراق فيستدل عليه إما من ~~رائحته، وإما من طعمه، وإما منهما جميعا لان الانسان يجد له، إما في رائحته ~~وإما في طعمه وإما فيهما جميعا، حرارة وتلذيعا شديدا مثل اللوف والشلجم ~~وسائر الأغذية الحريفة القطاعة، فإن هذا الضرب من الأغذية، وإن كان معه قوة ~~على تلطيف الفضول وتفتيح سدد الكبد والطحال وتنقية الصدر والرئة من ~~الرطوبات الغليظة اللزجة، فإنه قد يتخطى هذا الفعل ويتجاوزه إلى احراق الدم ~~وفساده. ولذلك صار لا يحتمله إلا من كان بدنه مملوءا رطوبات لزجة وفضولا ~~غليظة. # ولهذا ما قال جالينوس: إنه إنما ينتفع بالأغذية الحريفة من قد اجتمع في ~~بدنه فضل بلغماني لزج قريب من الزجاجي. ولذلك وجب أن يتوقى دائما ويحذر ~~الالحاح عليها لما فيها من قوة الاحراق للدم ولا تستعمل إلا بعد سلقها ~~بالماء حتى تقارب النضج، ويرمى بذلك الماء عنها، وتطبخ بماء ثان (3) فتزول ~~عنها أكثر حرافتها ويضعف فعلها، ويكون مع ذلك، المقدر لاستعمالها رجل ذو ~~فطنة بصير بمقادير أوقات استعمالها من المزاج والسن والزمان ليجري الامر ~~فيها على نهاية من التجرد لأنه إن أغفل ذلك لم يؤمن أن تخرج من حد الغذاء ~~وتولد ضروبا من الفساد، من قبل أنها في ابتداء أمرها تسخن # PageV00P055 # الدم وتذيبه وترقه وتصيره مائيا حتى يقل غذاؤه للأعضاء وينهكها ويحل ~~قوتها. ثم يحمى الدم بعد ذلك حميا مفرطا حتى يصير أكثره مرة صفراء. فإذا ~~أدمن استعمالها أفنت ms053 لطيف الدم ورقيقه، وجففت غليظه وأحرقته وصيرت أكثره ~~سوداويا حريفا. وإن وافت في الكلى فضولا غليظة لزجة أحرقتها وحجرتها وولدت ~~منها حجارة وحصى. # ولهذه الأسباب، صار استعمال الطبيعة لهذا الضرب من الأغذية يسيرا (1) ~~جدا، لأنها تسلك عندها مسلك الدواء لا مسلك الغذاء، وأكثر ضررها بمن كان ~~مزاجه محرورا وبخاصة متى كان شابا. # فأما اللطيفة من غير إحراق فأربعة ضروب: أحدها: الأشياء الحلوة، والثاني: ~~العطرية (2) الذكية الرائحة، والثالث: الحامضة، والرابع: المالحة. # فأما الحلوة فمن شأنها أن تجلو وتغسل وتحلل وتلطف وتنفي عن الحاسة ما ~~يؤذيها، إلا أنها تختلف في الاسخان والتبريد والتجفيف والترطيب على حسب ~~موضع كل واحد منها من الحلاوة ومقداره من الرطوبة واليبوسة. ولذلك صار عسل ~~النحل، لقوة حلاوته وقربه من اليبس، يسخن ويجفف. # والشعير، لضعف حلاوته وقربه من الرطوبة يبرد ويرطب. وكذلك يمضي القياس في ~~التين والرمان وغير ذلك من الأغذية الحلوة. # وأما الذكية الرائحة فتكون على ضربين: إما عطرية وإما خمرية. فأما (3) ~~العطرية، فإنها تنشف الرطوبات وتفتح سدد الكبد والطحال وتقوى المعدة وتطرق ~~الغذاء وتنبه الشهوة من قبل أنها، بنشفها لرطوبات الغذاء، تقل مقداره وتخلي ~~أكثر العروق منه، فتضطر القوة إلى ملء ما خلا منها إلا أن الأخص بها تقوية ~~المعدة بذكاء رائحتها وعطريتها. ولذلك قال جالينوس: الأشياء العطرية تقوي ~~المعدة تقوية حسنة، والكريهة تقطعها وتهتك قوتها. # وأما الخمرية فمن شأنها أن تغسل وتجلو وتنقي وتقوي المعدة وتعين على قوة ~~الهضم وتشجع القلب وتنبه الحرارة الغريزية وتزيد في قوتها كالذي نشاهده من ~~فعل الخمرة البيضاء والشراب الأحمر الريحاني. ولذلك اختارت الأوائل، بعقب ~~إخراج الدم، الاكثار من الشراب والاقلال من الطعام، من قبل أن الدم مركب ~~الحرارة الغريزية، فإذا خرج من البدن جزء منه فلا بد لطائفة من الحرارة ~~الغريزية من الخروج معه ضرورة. ولذلك يضعف فعلها في باطن البدن، وتفتقر إلى ~~ما يزيد في جوهرها وقوتها. # ولهذا ما صار الأفضل أن نقل من الغذاء ونكثر من الشراب، لان الشراب يقوي ~~الحرارة وينميها، والطعام يكد القوة وينهكها. # فأما ms054 الأشياء الحامضة، فمن شأنها أن تقطع وتلطف وتبرد المزاج كالذي ~~نشاهده من فعل الرمان # PageV00P056 # الحامض وحماض الأترج. ولذلك صارت الحموضة موافقة لمن كان مزاجه محرورا. # وأما الأشياء المالحة فمن شأنها أن تذيب وتحلل وتقطع وتلطف وتسخن المزاج، ~~ولذلك صارت منافعها ومضارها قريبة من منافع الأشياء الحريفة ومضارها، إلا ~~أنها لا تفعل ذلك إلا عند الافراط منها فقط. ومن قبل ذلك صار فعلها في ~~تنقية المعدة وغسل المعاء وتليين البطن، ألطف وأعدل من فعل الأشياء ~~الحريفة، ذلك لقرب حرارتها ويبوستها من التوسط والاعتدال. ولذلك صار ما ~~يستعمل من الأغذية بالمري والخل أكثر (1) تنقية وتلطيفا من الأغذية التي ~~تستعمل بالخل والزيت، لان المري يعين على تلطيف الفضول، وأما الزيت، فمع ما ~~أن ليس فيه قوة على تلطيف الفضول، ففيه قوة تبطل فعل الأشياء الملطفة وتوهن ~~قوتها بلزوجته ودهنيته. # وأما اللطيفة في انفعالها، فهي السريعة الانقياد لفعل الطبيعة في ~~انهضامها وسرعة جولانها في البدن، وانقلابها إلى الدم مثل الاسفاناخ والقطف ~~والخبازى، إلا أن الدم المتولد عنها رقيق مائي دون الدم المحمود. ولذلك، ~~صار غذاؤها يسيرا جدا قليل اللبث في الأعضاء سريع الانحلال فيها (2)، قليل ~~التقوية لها. ولذلك قال جالينوس: إن كل غذاء لطيف جدا فما يصل إلى البدن من ~~غذائه يسير جدا، سريع الانفشاش من الأعضاء، ولهذه الجهة صار الادمان عليه ~~مما ينهك الأعضاء ويحد قوتها. وقد ظن قوم أن هذا الضرب من الغذاء ينسب إلى ~~اللطافة في فعله أيضا، من قبل أن الدم المتولد عنه إذا وافى دما غليظا، ~~أرقه وصيره ألطف مما كان عليه، وهذا ظن فاسد لأنه لو وجب للأغذية المائية ~~الرقيقة الدم أن تنسب إلى اللطافة في فعلها لان الدم المتولد عنها يرق الدم ~~الغليظ ويلطفه، وجب أيضا للأغذية الغليظة المولدة للدم الغليظ أن تنسب إلى ~~اللطافة في فعلها، لان الدم المتولد عنها إذا وافى دما دقيقا مائيا، غلظه ~~وعدله ولو أمكن ذلك لوجب أن تكون الأغذية اللطيفة في انفعالها، والغليظة في ~~انفعالها تفعل فعلا واحدا. وهذا من أبين ms055 الخطأ، لان هذا إنما يقع من كل ~~واحد منها على سبيل الممازجة والاختلاط، لا على سبيل الفعل والتأثير. # فإذ ذلك كذلك، فنقول: إن الأغذية الغليظة أيضا تقتضي في اسمها ثلاثة معان ~~(3): # إما غليظة في فعلها وإن كان الدم المتولد عنها ليس بالغليظ. # وإما غليظة في انفعالها وإن كان الدم المتولد عنها ليس بالمذموم. # وإما غليظة في جوهريتها وغذائها المتولد عنها. # فأما الغليظة في فعلها وإن كان الدم المتولد عنها ليس بالغليظ، فتنقسم ~~ثلاثة أقسام: إما باردة # PageV00P057 # مخدرة، تجمد الحرارة الغريزية، وتعوق عن الهضم مثل الثلج والخشخاش ~~والقثاء والخيار وما شاكل ذلك. وإما عفصة قابضة تنشف رطوبة الغذاء وتغلظه، ~~وتمنع انقياده إلى الفعل مثل البلح والجمار (1) والطلع وما شاكل ذلك. وإما ~~دسمة تطفو على الطعام وتعوم عليه ثم تختلط به وتغلظه وتمنع من هضمه لفرط ~~لزوجتها مثل الشحوم وما شاكلها. # وأما الغليظة في انفعالها فتكون على ضربين: إما قحلة جافة بطيئة الانهضام ~~مثل الجاورس وغيره، وإما لزجة بعيدة الانقياد لفعل الطبيعة مثل الخبز ~~الفطير والرضيع من الضأن والسمك الطري. فإن هذا الضرب من الأغذية عسير (2) ~~الانهضام جدا وذلك للزوجته وغلظه، إلا أنه إذا انهضم واستحكم نضجه في ~~المعدة والكبد جميعا، كان الغذاء المتولد عنه محمودا لتقوية الأعضاء فقط، ~~لأنه بطئ الانحلال منها. ولذلك وجب ألا يجتنب (3) دائما لأنه غير ضار بمن ~~كانت أحشاؤه قوية، ولمن كان كثير التعب دائم الحركة. فأما سائر الناس ممن ~~كان قليل التعب، أو من كانت (4) أحشاؤه، مثل معدته وكبده، ضعيفة بالطبع أو ~~بالعرض، فينبغي أن يتوقى هذه الأغذية لأنه لا يكاد أن يسلم منها، من قبل ~~أنها بلزوجتها تولد سددا في عروق الماساريقا ومجاري الكلى إذ كان هذان ~~العضوان (5) ضيقي المجاري بالطبع. ولهذا صار كثيرا ما يحدث فيها من هذه ~~الأغذية ضروب من العلل، وذلك أنه كثيرا ما تجتمع منها في الكلى فضول غليظة ~~لزجة يمكن أن توافي مزاج الكلى قوي الحرارة فتتحجر كما يتخزف الطير المبلول ~~بحرارة النار. وكثيرا ما يتولد عن الاكثار منها في ms056 عروق الماساريقا وفى ~~جداول الكبد سدد غليظة كثيرة. # والفرق بين النوعين: أن ما كان منها في عروق الماساريقا منع من نفوذ ~~الغذاء إلى الكبد حتى يعرض من ذلك الاسهال الكشكي الدال على أن مصاية ~~الغذاء قد انحدرت مع الثفل بصورتها ولم تصل إلى الكبد. وما كان منها في ~~جداول الكبد ولد ثفلا في الكبد وربما اجتمع من هذه الأغذية في هذه المواضع ~~أخلاط نية غير منطبخة لا يؤمن معها أن تعفن ويحدث عنها ورما قويا من قبل أن ~~كل خلط ني يتولد في البدن، فلا بد له من أحد أمرين: إما أن تقوى عليه ~~الحرارة الغريزية وتطبخه وتحيله دما فيتولد عنه غذاء لزج غير محمود إلا في ~~تقوية الأعضاء فقط. وإما أن تضعف الحرارة عن هضمه، فيطول لبثه هناك وتحمي ~~حرارة البدن وتغلي وتعفن وتستحيل إلى الفساد. # وقد يستدل على ذلك من الشاهد لأنا نجد جميع الرطوبات الغليظة إذا طال ~~لبثها في المواضع الحارة، غليت وانقلبت إلى عفن، ومن قبل ذلك، تلطفت ~~الأوائل بالأدوية المنسوبة إلى حفظ الصحة، أعني الأدوية المطلقة للفضول ~~المفتحة لمجاري الكبد المنقية لجداولها مثل الإسكنجبين وبخاصة # PageV00P058 # إسكنجبين العنصلان وسائر الجوارشنات المقطعة لما يجتمع في عروق ~~الماساريقا وجداول (١) الكبد والطحال ومجاري الكلى من الأخلاط اللزجة ~~الغليظة وتزيل ما يتولد في الأبدان من فضول هذه الأغذية وأمثالها. غير أنه ~~قد يجب على من اضطر إلى استعمال هذه الأدوية أن يحسن تقديرها، ولا بد من ~~استعمالها، لكن يجرى الامر فيها على المقدار القصد إذ كان لا يؤمن، مع ~~الادمان عليها، إحدى ثلاث خلال: # إما أن تحل رطوبة الدم ممن كان (٢) الغالب على مزاجه البلغم وترقه وتصيره ~~مائيا ثم تنشف رطوبته بعد ذلك رويدا رويدا حتى يفنى أكثرها ويغلظ الدم ~~وتصيره سوداويا. # وإما أن تحمي بدن من كان مزاجه صفراويا حميا شديدا حتى تحل رطوبة أعضائه ~~وتكسبها ذبولا. # وإما أن توافي في الكلى أثفالا غليظة فتجففها وتحجرها عن قرب. # وأما الأغذية الغليظة في جوهرها، فالغذاء المتولد عنها فيكون على ثلاثة ms057 ~~ضروب: وذلك أن منها ما يولد دما سوداويا غليظا مثل لحم الظباء والأيايل ~~وكبير البقر، ومنها ما يولد غذاءا قحلا جافا مثل الغذاء المتولد عن الجاورس ~~وبعده العدس، ومنها ما يولد دما لزجا لعابيا مثل الدم المتولد عن الفطر ~~والفطير من الخبز. # فما كان منها يولد دما سوداويا كان مذموما في بقاء الصحة على الأصحاء ~~وردها إلى المرضى، من قبل أن عسر الانهضام متعب للطبيعة بعيد التشبه ~~بالأعضاء. والغذاء المتولد عنه فردي الانهضام فاسد (٣) لأنه يولد دما ~~محترقا مذموما، إلا أنه إذا استحال وتشبه بالأعضاء غذى غذاء كثيرا قويا ~~بعيد الانحلال من الأعضاء، ولذلك <كان> (4) مذموما لمن كان كثير ~~الدعة والسكون قليل الحركة والتعب، من قبل أن الحرارة من كانت هذه حاله ~~يسيرة خامدة تضعف عن هضم ما غلظ من الغذاء وبعدت استحالته. # ولذلك، وجب أن يتوقاه من كانت هذه سبيله دائما، أعني من كان كثير الدعة ~~والسكون. إلا أنه لما كانت اختيارات الناس تختلف وكان أكثرهم يرغب في خصب ~~بدنه وشدة أعصابه مع صحة لا يوثق بها، على صحة يوثق بها، مع قضف (5) بدنه ~~وهزاله وضعف أعضائه، وجب على من رغب في مثل هذه الحال واضطره الامر إلى ~~استعمال الأطعمة الغليظة الكثيرة الغذاء العسيرة الانحلال من الأعضاء، أن ~~يقصر في استعمالها ولا يتخذها إلا في الوقت الذي يحس فيه من بدنه بنقصان ~~إما من لحمه وإما من قوته وإما منهما جميعا. ولا تستعمل، مع ذلك أيضا عن ~~إصلاح أمر نفسه بما يستحكم القول فيه في الباب (6) # PageV00P059 # العشرين عند ذكرنا التدبير اللطيف المحمود إبقاء للصحة ودوامها. # وأما ما (1) كان من الأغذية قحلا جافا، فإنه مذموم من جهة أخرى لأنه مع ~~بعد انهضامه يولد غذاء مائلا إلى اليبس، ولذلك صار أكثر ما يستعمل على سبيل ~~الدواء لا على سبيل الغذاء، وإن كان أقل رداءة من النوع الأول كثيرا لان ~~الدم المتولد عنه أقل فسادا، لعدمه اللزوجة والغلظ لان ما كان من الغذاء ~~لزجا فإنه، وإن كان يغذو غذاء كثيرا، فإن الغذاء ms058 المتولد عنه يقرب من ~~البلغم الغليظ اللزج. # فإن سأل سائل عن الغلظ واللزوجة وقال: هل بينهما فرقان في أن كل واحد ~~منهما في نفسه غليظ؟ قلنا له: لعمري إن بينهما فرقانا بينا (2) من قبل أنه، ~~وإن كان قد تعمهما جميعا صعوبة الانهضام وبعد الاستمراء، فقد يختص كل واحد ~~منهما بخاصة يمتاز بها من صاحبه، من قبل أن الغليظ ربما ولد دما يقرب من ~~اليبس سريع التشبه بالأعضاء لقربه من الانعقاد والجفاف. واللزج، وإن كان ~~غليظا، فإن الدم المتولد عنه بلغمانيا عسير التشبه بالأعضاء لبعده من ~~الانعقاد بسرعة. # فالغلظ إذا أعم من اللزوجة لان كل لزج غليظ، وليس كل غليظ لزجا (3)، فإن ~~عارضنا وقال: # ولم خالفت بينهما، وجالينوس قد ساوى بين الدم المتولد منهما في الغلظ حيث ~~قال: ومن الطعوم ما ليس بلزج ويولد دما غليظا مثل الجاورس، ومنه ما ليس ~~بغليظ ويولد دما غليظا مثل الفطر، فدل، بمساواته بين الدم المتولد من ~~الجاورس والفطر، على أن الغليظ هو اللزج واللزج هو الغليظ، وإن كان من ~~الغليظ ما ليس بلزج ومن اللزج ما ليس بغليظ. # قلنا له: لو أنصفت عقلك وأجلت فكرك في الأصول المنطقية لأشرفت على أن ~~جالينوس، وإن كان ساوى بين الدم المتولد عن الغليظ واللزج في اسم الغلظ، ~~فإنه لم يساو (4) بينهما في جوهرية الغلظ ولا في الهيولى الحامل له، من قبل ~~أن الطعام اللزج إذا نسب إلى الغلظ فإنما نسب إليه لغلظ رطوبته ولزوجته ~~وبعدها من الاستحالة والتشبه بالأعضاء. والغليظ فإنما ينسب إلى الغلظ لقحله ~~وجفافه وصلابة جرمه وبعده من الانقياد لفعل الطبيعة وإن كان أسرع إلى ~~التشبه بالأعضاء لما بينها وبينه من مجانسة اليبس. # فمن البين إذا أن اللزج إنما يحمل الغلظ في رطوبته وجوهرية غذائه، ~~والغليظ فإنما يحمل ذلك في جسمه لا في جوهرية غذائه، والهيولي الحامل ~~للغليظ في اللزج غير الهيولى الحامل له في الغلظ. # فالغلظ إذا أعم من اللزوجة، لان كل لزج غليظ الجوهر وليس كل غليظ لزج لان ~~الغليظ إنما كان غليظا ms059 لقحله وجفافه وصلابة جسمه، لا لغلظ جوهره ورطوبته. # PageV00P060 # الباب الرابع القول في الثمار الثمار تنقسم في جنسها على قسمين: لان منها ~~ما هو أرضى مكتنز صلب يجف ويبقى بعد مفارقته لنباته زمانا طويلا مثل الحنطة ~~والشعير وما شاكلهما من أنواع النبات. وهذه الأنواع هي الملقبة بالحبوب. ~~ومنها ما هو لين رخو لا يبقى بعد مفارقته لنباته إلا يسيرا حتى يفسد مثل ~~البطيخ والمشمش والتوت وما شاكل ذلك. وهذه الأنواع هي المخصوصة باسم ~~الفاكهة. # فما كان من الثمار لينا رطبا قليل اللبث بعد مفارقته لنباته كان ما ينال ~~البدن من غذائه يسيرا جدا لأنه لا يلبث في الأعضاء إلا قليلا حتى ينحل ~~ويخرج إما بالبول وإما بالعرق وإما بغيرهما. ولذلك صار انحداره عن المعدة ~~والبطن أسرع من النوع الأول المعروف بالحب، ولا سيما متى كان فيه قوة جلاء ~~أو طعما بورقيا. وما كان كذلك كان أردأ مما لا طعم له لان ما لا طعم له ~~فرطوبته أرق، وما كانت رطوبته أرق كان أسرع نفوذا في العروق وجولانا في ~~البدن. # وما كان معه جلاء أو طعم بورقي فرطوبته أغلظ ونفوذه في العروق أبعد لأنه ~~يلذع الأمعاء ويهيجها إلى إحداره قبل نفوذه في العروق، وإن كانت الفواكه في ~~جملتها رديئة الغذاء لأنها سريعة الاستحالة إلى الفساد مهيجة للنفخ ~~والقراقر، وبخاصة متى بعد انهضامها. ولذلك لا ينتفع بها إلا عند التعب ~~والسير في طريق بعيدة وفى حر شديد لأنها عند ذلك تبل الأبدان وترطبها ~~وتبردها أيضا تبريدا معتدلا متى بردت قبل استعمالها بالماء الشديد البرد ~~لان الترطيب منها ينفع في كل حال لغلبة الرطوبة على مزاجها. # وأما التبريد فليس هو فيها كذلك لان ليس في قوة بردها الخلاص من الحر ~~القوي إلا أن تكسبها بردا من الخارج يقاوم حرارة المعدة والكبد. # وأما ما كان من الثمر أرضيا مكتنزا يجف على نباته ويبقى زمانا طويلا بعد ~~مفارقته لنباته فإنه يكون على ضربين، لان منه ما يكون بعد طريا لم يتم ~~جفافه وصلابته مثل الباقلاء الطري ms060 والحمص الكذلك. ومنه ما قد انتهى في ~~جفافه وصلابته وهو بعد في نباته. فما كان منه طريا كان أسرع انهضاما ~~PageV00P061 # وانحدارا كأنه في سرعة انهضامه وانحداره متوسط بين سرعة انهضام الفاكهة ~~الرطبة، وبين انهضام الحبوب الكاملة الجفاف وأقرب إلى سرعة انهضام الفاكهة ~~قليلا، ذلك لما فيه من بقايا رطوبة الماء. # ولذلك صار مولدا للفضول الكثيرة في المعدة والمعاء عسير الانحلال من ~~المعدة مهيجا للنفخ والقراقر، ولا سيما متى بعد انهضامه وبعد انحلاله. ~~والاكثار منه مولد للدود وحب القرع الحيات الطوال. وإن تم استمراؤه في ~~المعدة جيدا لم يفد الأعضاء قوة حسنة، ولم يولد دما فاضلا، لكنه يولد دما ~~بلغمانيا لزجا. # فأما ما كان من الثمر قد كمل جفافه وصلابته فإنه أفضل وأحمد كثيرا، لان ~~الطبيعة قد كفت مؤونة التعب في إصلاحه وهو بعد على نباته فأكملت نضجه ~~وجفافه وأزالت رطوبته وغلظه. ولذلك صار أسرع استحالة إلى الدم وأقرب إلى ~~التشبه بالأعضاء وإن كانت الرياح غير مواتية (1) له بالطبع إلا أن تزال عنه ~~بالصنعة والعمل، إما بإحكام عجن ما يعجن وتخميره وخبزه، أو بسلق ما يحتاج ~~إلى أن يسلق منه أو بشيه. وسنبين ذلك بيانا شافيا في موضعه الأخص به في ~~الباب التاسع عشر إن شاء الله تعالى بتوفيقه وتيسيره. # PageV00P062 # الباب الخامس في السبب الذي له صار ثمر النبات أسخن وألطف من النبات نفسه ~~قال المؤلف لهذا الكتاب: أجمع الأوائل من الطبيعيين على أن كل ثمر إنما ~~يتولد من ألطف ما يصل إلى النبات من جوهر غذائه. وكان دليلهم على ذلك من ~~أوضح الأدلة وأوثقها برهانا، لأنهم قالوا إنا وجدنا كل نور يقع في الأرض ~~فلا بد له من أن يجذب إليه من جوهرية الأرض ورطوبة الماء ما يشاكل مزاجه ~~مما به غذاؤه وكونه. حتى إذا انبل وانتفخ انشق مما يلي الأرض منه وبرزت منه ~~عروق تقوم له مقام الفم للحيوان، فيجذب بها من الأرض المادة التي منها ~~غذاؤه وبها قوامه. حتى إذا قوي ونما، جذبت حرارة الشمس من ألطف ما ms061 يصل إلى ~~النبات من الغذاء شيئا إلى فوق ورفعت له رأسا بارزا من الأرض. فإذا قويت ~~حرارة الشمس وتمكنت منه جيدا قوى على نشف الرطوبة المغذية له وجذبها إليه ~~وفيها شئ من جوهر الأرض ولطافة الهواء. فإذا كثرت الرطوبة وغزرت، انطبخت ~~بالحرارة الغريزية من باطنه وحرارة الهواء من ظاهره، وارتفع له عود وتفرعت ~~أغصانه وأورقت. وكلما ازداد فعل الحرارة فيه تأثيرا قويت الفروع وصلبت ~~واتسعت مجاريها وتنفست ونورت ثم أزهرت وأثمرت كما ينتج الطفل إذا صار غلاما ~~في وقت احتلامه عند قوة أعضائه واتساع منافسها واستحكام الزرع فيها بتمام ~~قوة فعل الطبيعة بقدرة بارئها عز وجل. فإذا كملت الثمرة ونمت بلطيف ما يصل ~~إليها من الغذاء، انطبخ غذاؤها وانتقل من الأرضية والعفوصة إلى طعوم شتى ~~على حسب طبيعة النبات الذي الثمرة منه كما بينا آنفا حيث قلنا: # إن ما كان من النبات حرارته حائدة عن الاعتدال قليلا كأنها منحرفة إلى ~~البرودة يسيرا، وكانت رطوبته لطيفة مائية، كان انتقال ثمره من العفوصة إلى ~~التفاهة وطعم الماء. فإن كانت الحرارة بهذا الوزن والقياس، وكانت الرطوبة ~~لزجة متوسطة بين اللطافة والغلظ، كان انتقال الثمرة إلى العذوبة قليلا. # فإن ازدادت الحرارة قليلا وقويت وصارت في غاية التوسط والاعتدال كأنها في ~~الدرجة الثانية من الحرارة، وكانت الرطوبة أيضا متوسطة بين الغلظ واللطافة، ~~كان انتقال الثمرة إلى الحلاوة. PageV00P063 # فإن جاوزت الحرارة هذا الحد قليلا وصارت كأنها في آخر الدرجة الثانية، ~~وكانت الرطوبة لطيفة هوائية لدنة، كان انتقال الثمرة إلى الدهنية والدسومة. # فإن جاوزت الحرارة هذا الحد قليلا، وكانت الرطوبة يسيرة متوسطة بين ~~اللطافة والغلظ إلا أنها قريبة من الأرضية قليلا، تشنجت رطوبة الثمرة ~~وانتقلت إلى الملوحة والبورقية. # فإن جاوزت الحرارة هذا الحد وصارت إلى الدرجة الثالثة وكانت الرطوبة ~~يسيرة غليظة أرضية، كان انتقال الثمرة إلى المرارة. # فإن جاوزت الحرارة هذا الحد أيضا وصارت محرقة نارية كأنها في الدرجة ~~الرابعة وكانت الرطوبة في غاية اللطافة واليبس، كان انتقال الثمرة إلى ~~الحدة والحرافة. # وإن كانت البرودة على النبات ms062 أغلب، وكانت برودته في الدرجة الأولى وكانت ~~الرطوبة متوسطة بين اللطافة والغلظ فيها شئ من لزوجة، كان انتقال الثمرة ~~إلى العذوبة وتوسطت بين الحلاوة والتفاهة، فإن جاوزت البرودة هذا الحد ~~أيضا، وصارت في وسط الدرجة الثانية وكانت الرطوبة غزيرة رقيقة مائية فيها ~~شئ من الأرضية، كان انتقال الثمرة إلى الحموضة. # فإن جاوزت البرودة هذا الحد وصارت إلى آخر الدرجة الثانية وكانت الرطوبة ~~يسيرة متوسطة بين اللطافة والغلظ، كان انتقال الثمرة إلى القبوضة. # فإن جاوزت البرودة هذا الحد وصارت في آخر الدرجة الثالثة وكانت الرطوبة ~~يسيرة غليظة أرضية، ثبتت الثمرة على أرضيتها وعفوصتها، وقربت من طعم ~~النبات، وعدمت الطعوم المخالفة للعفوصة أصلا. ولذلك صار قصب السكر وغيره من ~~الأشياء القوية الحلاوة لا تنبت في البلدان القوية البرد الكثيرة الثلوج، ~~لان الحلاوة تحتاج إلى حرارة قوية في الدرجة الثانية تطبخ غذاءها وتعقده. # فقد بان واتضح أن قوة كل ثمرة من الثمار قريبة من قوة نباتها، إلا أنها ~~أسخن وألطف (1) قليلا. # ولذلك صارت ألطف من النبات. ويستدل على لطافتها من لطافة غذائها، لأنها ~~إنما تغتذي من ألطف ما يصل إلى النبات من الغذاء. وأما حرارتها وجفافها ~~فصارا لها لبعدها من رطوبة الأرض المغذية لها، وتمكن حرارة الشمس منها. ~~ولذلك صار كل بزر أعون على تلطيف الفضول وتحليلها من نباته الذي هو منه. # ويستدل على ذلك من بزر الخشخاش لأنا نجده أقل بردا من نباته. ولذلك صار ~~إذا أكل لم يوجد له من قوة الفعل في إخدار البدن وكثرة النوم ما يوجد ~~للنبات نفسه. ولهذا ما صار اللبن المستخرج من نباته المسمى أفيون أقوى فعلا ~~في إخدار البدن وجلب النوم من بزره وحبه. وكذلك الحال في # PageV00P064 # الخس وغيره من النبات. # وأما ما يغرس من القضبان، فإن العود إذا غرس في الأرض سالت منه رطوبات ~~وانحدرت واتصلت بالأرض، وتكون منها عروق تقوم لها مقام الفم للحيوان تجذب ~~بها الرطوبات المغذية له من الأرض حتى إذا كثرت الرطوبات في القصب وانطبخت ~~بالحرارة الغريزية من باطنه، وحرارة ms063 الهواء من ظاهره، انتفخ القضيب وتنفس ~~واتسعت مجاريه ومنافسه وورق ثم نور (1) وأثمر. فما كان من الأشجار بطئ ~~الادراك مثل الزيتون والشمشاذ (2) والأبنوس، كان أكثر بقاء على الأرض لان ~~ارتفاع نباته إنما يكون عن رطوبة أرضية غليظة مندمجة مكتنزة الاجزاء بطيئة ~~الانحلال والانفشاش، ولذلك صار الأبنوس ينبت في الماء ويبقى زمانا من غير ~~أن يفسد. وما كان من الأشجار أسرع نباتا وإدراكا مثل التفاح والمشمش والخوخ ~~كان أقل بقاء على الأرض، لان ارتفاع نباته إنما يكون عن رطوبة لطيفة سخيفة ~~الاجزاء سريعة الانحلال والانفشاش. # فإن سأل سائل وقال: ما السبب الذي له صار انعقاد بعض الثمر يكون صلبا، ~~وبعضه لينا رخوا، وبعضه متوسطا بين هاتين المرتبتين؟ قلنا له: ذلك لان ~~الرطوبة المغذية للثمر تكون على ضروب على ما بينا مرارا، لان منها رطوبة ~~أرضية غليظة، ومنها رقيقة مائية، ومنها خفيفة هوائية، ومنها لزجة متوسطة ~~بين اللطافة والغلظ. # فما كان من الثمر الأرضية غالبة على رطوبته، كان انعقاده صلبا يابسا ~~شبيها بانعقاد العظم في الحيوان مثل المقل (3) وما شاكله. # فإن خالطت الأرضية مائية وكانت المائية أغزر قليلا، كان انعقاد الثمرة ~~معتدلا شبيها بانعقاد اللحم في الحيوان، مثل التفاح والمشمش وما شاكلهما. # فإن ازدادت الأرضية قلة والمائية كثرة، كان انعقاد الثمار أكثر ليانة، ~~شبيها بانعقاد الشحم في الحيوان، مثل التين وما شاكله. # فإن ازدادت الأرضية، أيضا، قلة وكانت الرطوبة رقيقة مائية فيها شئ من ~~لطافة ولزوجة، اجتمعت الثمرة وصارت كأنها رطوبة مجتمعة مثل التوت وما ~~شاكله. # وإن كان انعقاد الثمرة عن رطوبة لزجة متوسطة بين اللطافة والغلظ، بعيدة ~~من الأرضية، سالت الثمرة وطالت وصارت كأنها كلها رطوبة سيالة منعقدة، مثل ~~الموز وما شاكله. ولذلك صار الموز # PageV00P065 # مستطيلا، لان من شأن الرطوبة المتوسطة للغلظ، السيلان والهبوط لأنه متى ~~اجتمع في الرطوبة، مع اللزوجة، هوائية لطيفة منعتها (1) لطافة الهواء وخفته ~~من السيلان والهبوط، وتحركت إلى جميع جهاتها حركة متساوية، وصارت مستديرة ~~مثل البطيخ المدور وما شاكله. # فإن قال قائل: ما بال العفص صار مستديرا ms064 والبلوط مستطيلا، وقد شملت ~~رطوبتهما الأرضية والقبض، قلنا له: من قبل أن رطوبة العفص خالصة الأرضية ~~والغلظ. ولذلك اجتمعت أجزاؤها واكتنزت وقرب بعضها من بعض، فاستدارت. وأما ~~البلوط، فإن رطوبته متوسطة بين اللطافة والغلظ ويستدل على ذلك مما فيه من ~~يسير العذوبة، ولذلك سالت رطوبته وطال. # PageV00P066 # الباب السادس لم صار لبعض الثمر نوى ولبعضه قشر قال المؤلف لهذا الكتاب: ~~قد بان من قوة كلامنا مرارا أن غذاء الأشجار وسائر النبات من العناصر ~~الأربعة، لان الرطوبة المغذية لها لا تنفك من جوهر أرضى ثقيل، وجوهر مائي ~~سيال، وجوهر هوائي خفيف، وجوهر ناري لطيف. وهذه الجواهر ربما تساوت في ~~الرطوبة المغذية لبعض الثمار، وربما اختلفت في بعضها. # فإذا كان الغالب على الثمرة الجوهر الأرضي الغليظ ووافى رطوبته رقيقة ~~مائية، غاص بثقله، في باطن الرطوبة، وانعقد هناك وكان منه نوى الثمرة. ولما ~~كان كل غذاء لا بد له من جوهر دسم روحاني يكون فيه ليولد النبات، غاص ذلك ~~الدسم مع الجزء الأرضي إذ كان مكانه ومركزه، وسكن في باطن النواة كما يغوص ~~المخ ويسكن في عظم الحيوان. ولذلك صار كل نبات لثمره نوى، فتولده يكون من ~~نواة لان الجوهر الدسم الروحاني الذي في باطن النوى يقوم للنبات مقام ~~النطفة في الحيوان. # فهذا سبب النوى في الثمرة، وتولد النبات والشجر من النوى. # فأما ما ليس له من الثمر <نوى> (1)، فإن السبب فيه الجزء الأرضي ~~الذي فيه الرطوبة المغذية للثمرة إذا خالطه شئ من الجزء الهوائي اللطيف، ~~صيره خفيفا عواما. فإذا وافى رطوبة لزجة غليظة، منعه غلظ الرطوبة من الغوص ~~في باطنها، وعام بما فيه من الجزء الهوائي الخفيف، وصار إلى أعلاها وانبسط ~~في ظاهرها وجف بحرارة الشمس، وصار قشر الثمرة، وانتشر الجزء الدسم الروحاني ~~الذي منه يكون تولد النبات في جملة الثمرة، لما عدم الجزء الأرضي الذي هو ~~مسكنه ومركبه. ولذلك صار كل نبات يكون لثمره نوى، فمن ثمره يكون نباته. وكل ~~نبات لا يكون لثمره نوى، يكون له قشر يحفظ الجزء الدسم الروحاني ms065 في باطن ~~الثمرة، فمن الثمرة نفسها يكون نباته. وما لم يكن لثمره نوى ولا قشر يحفظ ~~الجزء الدسم الروحاني في باطنه، فمن أصله وقضبانه يكون نباته، وإن كان ما ~~له ثمر من الأشجار قد يتولد أيضا من أصله وأغصانه، وذلك أن أغصانه وأصله ~~غير معراة من الجزء الدسم الروحاني، لان # PageV00P067 # به نباتها ودوامها ونموها، ولولا ذلك لجفت وقحلت وماتت بعد سقوط ثمرها ~~عنها. # فإن قال قائل: لم صار من الأشجار ما يتساقط ورقه، ومنه ما لا يتساقط له ~~ورق. ومن الورق ما يكون مستديرا، ومنه ما يكون مستطيلا. ومن الورق ما ~~يتشقق، ومنه ما لا يتشقق؟. # قلنا له: أما السبب الذي له يتناثر ورق الشجر، فهو عدمانها الغذاء لان ~~البرد إذا اشتد في زمان الشتاء وغلب على ظاهر الأشجار، بطنت الحرارة ~~وانسجنت في عروقها هربا من ضدها. فإذا اشتدت الحرارة المنسجنة في العروق، ~~جذبت العروق إليها رطوبات الأغصان والأطراف إلى أسفل لتقوى بها على تسكين ~~حدة تلك الحرارة المنسجنة فيها، لكيلا تحرقها. فإذا عدمت الأغصان والأطراف ~~أكثر الرطوبات، تناثر الورق لعدمانه الغذاء. # فإن قال: هذا هو السبب العامي في تناثر ورق الشجر في الجملة، وليس هو ~~السبب الخاصي الذي له صار ورق بعض الأشجار يتناثر دون بعض. قلنا له: أما ~~السبب الخاصي لذلك فيكون لجهتين: # إحداهما: أن من الأشجار ما تكون قوة عروقه وأصوله قوية جدا على جذب ~~الرطوبات من الأرض دائما بالطبع. وفى أصله وعروقه، مع ذلك أيضا، من التخلخل ~~ما يحوي رطوبات كثيرة مثل النخل وما شاكله، فتستغني بما يصير إليها من تلك ~~الرطوبات في تبريد الحرارة المنسجنة فيها، عن جذب رطوبة الغذاء من الأغصان ~~والأطراف، فيجد الورق من الغذاء ما يحفظه ويقويه ويمنعه من الانتثار. ومن ~~الأشجار ما قوة عروقه وأصله ضعيفة جدا عن جذب الرطوبات من الأرض، ولا يكون ~~لأصولها وعروقها مع ذلك أيضا، من التخلخل ما يحوي رطوبة كثيرة، فتفتقر ~~ضرورة إلى جذب رطوبات الغذاء من الأغصان والأطراف دائما، ويعدم الورق ~~الغذاء ويجف ويتناثر. # والجهة ms066 الثانية (1): ما كنا قدمنا ذكره آنفا، أن من الأشجار ما يكون ~~نباته وارتفاعه عن رطوبة لطيفة سخيفة الاجزاء سريعة الانحلال مثل التفاح ~~والرمان وما شاكلهما. ومنها ما يكون نباته وارتفاعه عن رطوبة أرضية غليظة ~~مندمجة الاجزاء مكتنزة عسيرة الانحلال، فما كان نباته وارتفاعه عن رطوبة ~~لطيفة سخيفة سريعة الانحلال، فإن القوة الجاذبة التي في عروق الأشجار إذا ~~جذبتها إليها من الأغصان، انقادت لفعلها بسخافتها وهبطت سفالا رويدا رويدا ~~حتى تخلو الأغصان منها، وتعدم الأوراق الغذاء وتتناثر. ولذلك صار ما كانت ~~هذه سبيله من الأشجار قليل البقاء على الأرض جدا. وما كان من الأشجار نباته ~~وارتفاعه عن رطوبة أرضية غليظة مندمجة الاجزاء مكتنزة، فإن القوة الجاذبة ~~التي في عروق الشجر إذا جذبتها مانعتها، لغلظها، ولم تنقاد لفعلها ولم يهبط ~~منها إلى عروق الأشجار إلا ما كان منها خفيفا سريع الانقياد، وبقى أكثرها ~~في الأغصان. وكان من ذلك غذاء الورق ولم يتناثر. ولهذا الجهة، صار ما كانت ~~هذه سبيله من الأشجار كثير البقاء على الأرض جدا، مثل الزيتون والأبنوس وما ~~شاكلهما. وقد # PageV00P068 # يستدل على ذلك من الشاهد، وذلك إن إنسانا لو أخذ خرقة واحدة وشقها بنصفين ~~وبل النصف الواحد بماء لطيف رقيق، وبل الاخر بماء غليظ الاجزاء مثل ماء ~~الدجلة وما شاكله، ثم نشرهما جميعا في الشمس، لوجد الخرقة المبلولة بالماء ~~اللطيف تجف بسرعة للطافة مائها وخفته. ووجد الخرقة المبلولة بالماء الغليظ ~~تقاوم حرارة الشمس زمانا ولا تجف إلا بعد مدة بعيدة. # ففي هذا بيان على أن الرطوبة المغذية للأشجار إذا كانت رقيقة خفيفة ~~مائية، انقادت لفعل القوة الجاذبة وانحدرت بسرعة وهبطت إلى عروق الأشجار ~~وخلت الأغصان منها. وإذا كانت غليظة أرضية مندمجة الاجزاء، مانعت القوة ~~الجاذبة ولم ترسل معها إلا ألطف ما فيها وأسرعه انقيادا. # وأما السبب الذي له صار بعض ورق الأشجار مستديرا، وبعضه مستطيلا هو ~~اختلاف عنصر الورق وتغيير الرطوبات المغذية له، وذلك أن العنصر ربما كان ~~خفيفا لطيفا، وربما كان غليظا ثقيلا. # والرطوبة ربما كانت رقيقة سيالة، وربما ms067 كانت خفيفة هوائية. # فإذا كان تولد الورق عن عنصر خفيف ورطوبة سيالة مياعة، تحرك العنصر، ~~للطافته، صعدا وسالت الرطوبة، لرقتها، سفلا وامتد الورق وطال. # وإذا كان تولده عن عنصر غليظ ورطوبة لطيفة، ثقلت حركة العنصر ولم يرق ~~صعدا، وانتشرت الرطوبة، للطافتها وخفتها، وانبسط الورق واستدار. # وأما السبب الذي له تشقق بعض ورق الأشجار دون بعض، فإن سبب ذلك اليبس ~~والرطوبة، لان ما غلب عليه من الورق اليبس تشقق بحرارة الشمس وتفرقت ~~أجزاؤه. وما كان من الورق الرطوبة عليه أغلب، قاومت الرطوبة حرارة الشمس ~~وجمعت أجزاء الورق، ووصلت بعضها ببعض وثبت الورق بحاله ولم يتشقق. ~~PageV00P069 # الباب السابع في امتحان الحبوب والبزور والوقوف على معرفة الجيد منها ~~والردئ الحبوب تمتحن من جهتين: إحداهما من صورتها وجوهريتها، والأخرى من ~~انفعالها وانتقالها عند الصنعة والعمل. # فأما امتحانها من صورتها وجوهريتها، فيكون على ثلاثة ضروب. وذلك أن من ~~الحبوب ما يكون مكتنزا ملززا رزينا كثير الجوهر والدقيق، قليل القشر ~~والنخالة. ومنه ما يكون جسمه عظيما رخوا سخيفا متخلخلا حسن الظاهر قليل ~~الدقيق كثير النخالة. ومنها ما يكون جسمه متوسطا بين هاتين الحالتين. # فما كان منها مكتنزا ملززا رزينا كثير الدقيق قليل النخالة، كان دليلا ~~على أن فعل الحرارة الغريزية قد جاوزت في طبخه المقدار الطبيعي، وأفنت ~~رطوبته العرضية، وعملت في رطوبته الجوهرية وصلبتها وصيرتها غليظة علكة. ~~ولذلك صار الغذاء المتولد من هذا النوع كثيرا قويا عسير الانحلال من ~~الأعضاء. ولهذا ما صار فعله في شدة الأعضاء وقوتها أفضل منه في بقاء الصحة ~~وثباتها، من قبل أن شدة الأعضاء تحتاج من الغذاء إلى ما كان غليظا علكا، ~~بطئ الانحلال من الأعضاء. وبقاء الصحة وثباتها يحتاج من الغذاء إلى ما كان ~~سخيفا (1) سريع الانقياد لفعل الطبيعة عند حاجتها إلى تحليلها. # وأما ما كان من الحبوب قد جاوز المقدار الطبيعي في عظمه، وكان سخيفا ~~خفيفا قليل الدقيق كثير النخالة فإنه دليل على رطوبة فضلية لم تستكمل ~~الحرارة الغريزية انضاجها وتلطيفها. ولذلك صار هذا النوع أكثر رطوبة ~~ولزوجة، وأغلظ ms068 من النوع الأول كثيرا لان الطبيعة لم تستكمل فعلها فيه. ~~ولهذا وجب أن يتوقى كثيرا ولا يستعمل ما دام حديثا ولكن يخزن في مواضع جافة ~~قليلة الرطوبة حتى يمضي عليها من الزمان ما يمكن أن تزول عنه رطوبته ~~الفضلية وتفعل فيه حرارة الهواء ما كانت الحرارة الغريزية تحتاج أن تفعله ~~فيه وهو بعد على نباته. والمقدار الكافي لمثل هذا هو إلى أن تجف وتصلب ~~وتكتنز # PageV00P070 # ويعتدل صموده ويكتسب في لونه صفرة معتدلة. ومقدار الزمان الذي يمكن أن ~~يتم فيه مثل هذا من الستة أشهر إلى تمام السنة. # ولرجل من أهل أثينا (1) يقال له أثينساوس في مثل هذا قول صدقه فيه جميع ~~الأوائل ووافقه عليه جالينوس: أن ما كان من الحبوب حديثا دون ستة أشهر ~~فغذاؤه غليظ عسير الانهضام، إلا أنه إذا انهضم ولد غذاء كثيرا بطئ الانحلال ~~من الأعضاء. وما كان كذلك كان غذاؤه لقوة الأعضاء وصلابتها أفضل منه لبقاء ~~الصحة ودوامها. وما عتق من الحبوب بعد ألا تعفن، فهو أقل غذاء وأسرع ~~انهضاما وأسهل انحلالا من الأعضاء، وما كان كذلك كان لبقاء الصحة وثباتها ~~أفضل منه لقوة الأعضاء وشدتها. وأما ما بقى من الحبوب زمانا طويلا حتى تنحل ~~بعض رطوبته الجوهرية، فإن جوهره يكون أيبس من المقدار الذي يحتاج إليه، ~~ويكون لذلك رديئا مذموما. فإن جاوز هذا الحد حتى يقحل ويجف ويخالف طعمه ~~الطبيعي ورائحته الغريزية، دل على فناء أكثر رطوبته الجوهرية، وصار أردأ من ~~الحديث. ولو كان الحديث في غاية الانتفاخ واللزوجة والغلظ، إلا أنه، وإن ~~صار إلى هذه الحال أيضا، فليس هو بمذموم لكل الناس، لكنه قد يكون محمودا ~~للأبدان المرطوبة المحتاجة إلى التجفيف. فأما إن طال به الزمان وتناهى في ~~القدم حتى تفنى رطوبته الجوهرية بأسرها وتتغير رائحته وطعمه وينتثر منه، ~~عند كسره، شئ رقيق ترابي شبيه بالغبار، فإنه عند ذلك يكون رديئا لكل الناس ~~كافة وللحيوان أجمع. # ولذلك قال جالينوس: أن ما كان من الحبوب ردئ الطعم كريه الرائحة، فهو في ~~غاية الرداءة وذلك لجهتين: ms069 إحداهما: أن الطبيعة تعافه وتتخلى عن تدبيره ~~لبشاعة طعمه وكراهته، فيعسر هضمه ويفسد استمراؤه. والثانية: أن الدم ~~المتولد عنه دما قحلا جافا رديئا لأنه سوداوي سمي ذلك لفناء رطوبته ~~الجوهرية المغذية وخروجه عن حد الاعتدال إلى الترابية السمنة المكتسبة من ~~العفونة. # ولذلك قال جالينوس: أن ما أمكن أن يخزن من الحبوب زمانا طويلا ويبقى ~~بحالته ولا يتغير، فهو أحمد للأبدان وأفضل. وما كان الفساد إليه أسرع فهو ~~أردأ للأبدان وأفسد. # وأما الضرب الثالث المتوسط بين الحاشيتين أعني بين ما كان من الحب صلبا ~~مكتنزا، وبين ما كان منه رخوا سخيفا، فإنه في فعله وانفعاله على غاية ~~الاعتدال والتوسط بين اللطافة الغلظ وسرعة الانهضام وإبطائه وثباته في ~~الأعضاء وسهولة انحلاله منها. ولهذه الجهة صار محمودا فاضلا في بقاء الصحة ~~وقوة الأعضاء معا. من قبل أن ليس فيه من سرعة الانقياد والانفعال ما ينحل ~~وينفش سريعا قبل تمام فعل الطبيعة فيه، ولا له أيضا من بعد الانهضام وعسره ~~ما يستكد الطبيعة وينهكها. ولذلك صار أحمد أنواع الحبوب وأفضلها كثيرا. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: أن ما كان من الحبوب في طبيعته عظيما أو ~~صغيرا، إلا أنه # PageV00P071 # ملززا رزين ممتنع المكسر، جوهره ودقيقه أكثر من قشره ونخالته، فهو أكثر ~~غذاء وأفضل لقوة الأعضاء وشدتها لأنه عسير الانهضام والانحدار بعيد ~~الانحلال من الأعضاء. وما كان منه سخيفا رخوا خفيفا قليل الجوهر والدقيق ~~كثير القشر والنخالة، كان أقل غذاء، إلا أنه أفضل لبقاء الصحة على الأصحاء ~~لأنه أسرع انهضاما وانحدارا وأسهل انحلالا من الأعضاء. وما كان متوسطا بين ~~هاتين الحالتين كان أفضلهما وأحمدهما لبقاء الصحة وشدة الأعضاء معه. # وأما امتحان الحبوب والبزور من أفعالها، فعلى هذا المثال وذلك أنك متى ~~أردت أن تمتحن شيئا من الحبوب أو البزور أو غير ذلك من الأشياء اليابسة مثل ~~الإجاص وغيره، فانقع ما كان يحتاج إلى الانقاع بالماء، وأسلق منه ما كان ~~يحتاج إلى السلق، واشو (1) منه ما كان يحتاج إلى الشئ. فما انتفخ منه كثيرا ~~بسرعة وربا ms070 وزالت صلابته ويبسه كان أفضل وأحمد مما تفعل به ذلك ويبقى على ~~حالته الأولى من الصلابة واليبس، لان سرعة استحالته تدل على أن الحرارة ~~الغريزية قد أتعبت فعلها في انضاجه وهو على نباته، ونفت عنه رطوبته الفضلية ~~الغليظة اللزجة. ولذلك تخلخل جسمه ولطف ونفيت قوة النار والماء إلى باطنه، ~~ووصلت إلى عمقه وأرخته بسرعة. وما كانت هذه حاله وجب أن يكون استمراؤه أيضا ~~في المعدة والكبد أسرع، وانتقاله إلى الدم وتشبهه بالأعضاء أسهل. وليس إنما ~~فضله فيما ذكرنا فقط، لكن في جودة الغذاء المتولد عنه أيضا، من قبل أن ما ~~كان من الأغذية انهضامه أسرع كان الدم المتولد عنه أحمد وأفضل. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: وليس شئ أبلغ في توليد الدم المحمود مما ~~قد تم انهضامه في المعدة وجاد، لان ما جاد انهضامه في المعدة كان أحرى بأن ~~يجود استمراؤه في الكبد، وإذا جاد استمراؤه في الكبد وجب أن يجود هضمه ~~الثالث الكائن في الأعضاء. أعني بذلك تشبه الغذاء بالمغتذي الذي من أجله ~~كان الطبخان الأولان اللذان (2) في المعدة والكبد جميعا، من قبل أن الشئ ~~إذا كمل نضجه وتهيأ قبل وصوله إلى الأعضاء، كان أسهل في التشبه بالأعضاء ما ~~لم يكمل نضجه بعد ولم يتهيأ لقبول الانفعال، لان المعدة إذا أعدت فأصلحت ~~الكبد، سهل على الكبد إصلاح ما تريد إصلاحه، وهضم ما تحتاج إلى هضمه. وإذا ~~أصلحت الكبد وأعدت للأعضاء، سهل على الأعضاء إحالته ونقلته إلى جوهرها ~~وذاتها. # وعلى هذا الوزن والقياس يجب أن يكون كل ما أعد وأصلح خارجا من البدن ~~بالصنعة والعمل، أعني بالطبخ والخبز والشي وغيره من الصنعة، سهل على ~~الأضراس طحنه وعلى المعدة انضاجه وهضمه. وذلك مقاس من فعل الطبيعة لأنا ~~نجدها كثيرا ما تهيئ الأشياء وتصلحها وتغني عن الحيلة # PageV00P072 # والصنعة فيها، مثل إصلاحها اللبن في الثدي وجميع الفواكه الكاملة النضج ~~على نباتها وأشجارها. # وأما ما بقي من الحبوب على حالته الأولى من الصلابة واليبس بعد سلقه ~~وإنقاعه أو شيه، فهو دليل على بقايا ms071 رطوبة فضلية غليظة لزجة فيها قد ضعفت ~~الطبيعة عن إنضاجها وتلطيفها. ولذلك صار جوهرها جوهرا غليظا أرضيا شبيها ~~بجوهر الفطير البارد والجلود غير المدبوغة (1). ولهذه الجهة لم تنفذ قوة ~~النار والماء إلى باطنه فترخيه وتلينه. وما كان كذلك كان غير محمود لأنه لا ~~يكاد أن يستكمل دما إلا بقوة شديدة، حتى أنه كثيرا ما يستحيل إلى الفساد ~~قبل تمام نضجه وإحكام فعل الطبيعة فيه، لأنه ينتقل بسرعة إلى البلغم الغليظ ~~المسمى الخام، ويصير سببا لأمراض كثيرة مختلفة. ولذلك صار متى استعمله من ~~كان ضعيف البدن لم يكد أن يتم هضمه في معدته ولا استحالته إلى الدم في ~~كبده. # ولجالينوس فيما يطبخ من الحبوب أو يقلى أو يشوى قول (2) قال فيه: إذا ~~أردت أن تطبخ شيئا من الحبوب مثل شعير أو حنطة فسد الوصل الذي بين القدر ~~والغطاء بعجين أو بغيره واطبخه بنار لينة من غير أن تحركه حتى يتهرأ ويبلغ ~~النهاية، فإذا بلغ النهاية فحركه وأنضجه جيدا ولا تحركه قبل أن ينتهى نضجه، ~~فتنسحق أطرافه وتحترق قبل (3) كمال نضجه. وقال أيضا: وكل حب يقلى أو يشوى ~~فرياحه ونفخه تزول عنه إلا أن استمراءه يعسر ولبثه يطول والمتولد عنه يكون ~~أغلظ كثيرا. # فإن قال قائل: ما بال جالينوس قال في هذا الفصل أن كل ما يقلى من الحبوب ~~أو يشوى فانهضامه يعسر ولبثه يطول. وقال في فصل غيره: أن كل ما يشوى من ~~الحبوب أو يقلى وينتفخ انتفاخا كبيرا، فإن رياحه تزول عنه ويجود استمراؤه ~~في المعدة والكبد جميعا. # قلنا: إن جالينوس إنما أضاف ما يقلى من الحبوب أو يشوى فيربو وينتفخ في ~~هذا الفصل، إلى ما يسلق أو يطبخ فقال: إن ما يقلى من الحبوب أو يشوى ويربو ~~فإنه، وإن كانت رياحه ونفخه قد زالت عنه، فهو، بالإضافة إلى ما يسلق أو ~~يطبخ، أبعد انهضاما وأعسر استحالة. فأما في الفصل الآخر فإنه إنما أضاف ذلك ~~إلى ما يقلى ويشوى من الحبوب فلا يربو ولا ينتفخ، فقال: إن كل ما يربو ms072 ~~وينتفخ عند الصنعة، فهو أسرع انهضاما مما لا يربو ولا ينتفخ، لأنه قد يمكن ~~أن يضاف شئ واحد إلى شيئين مختلفين، فتختلف إضافته تلقاء اختلافها، ولا ~~يختلف هو في ذاته من الانسان الواحد، فإنه قد يضاف إلى أبيه فيكون ابنا، ~~ويضاف إلى ابنه فيكون أبا. وليس لما كان بإضافته إلى أبيه صار ابنا، وجب أن ~~يكون بإضافته إلى أبيه يكون أبا، لان هذا من أبين المحال. # ولذلك لا يلزم (1) إذا أضفنا ما يقلى من الحبوب أو يشوى ويربو إلى ما ~~يطبخ ويسلق فوجدناه عسر الانهضام بطئ الاستحالة، أن يكون إذا أضفناه أيضا ~~إلى ما يقلى ويشوى ولا يربو ولا ينتفخ، أن يكون عسير الانهضام بطئ ~~الاستحالة لان هذا من أبين المحال. # PageV00P073 # الباب الثامن قشر الحبوب ودقيقها أما قشر الحبوب فإنه بالإضافة إلى ~~جوهرها ودقيقها عسير الانهضام جدا، مولدا للأمغاص والنفخ، ذلك لقلة رطوبته ~~وغلبة الأرضية واليبس على مزاجه. ولذلك صار غذاؤه غير محمود إلا أنه يختلف ~~على ضروب. وذلك أن منه ما هو في طبيعته مشاكلا لطبيعة دقيقه وجوهره، مثل ~~قشر الحنطة والشعير، ومنه ما هو مخالف لطبيعة جوهره ودقيقه، مثل قشور العدس ~~يطلق البطن بحدته، وجرم العدس يحبس البطن بيبسه وقبضه. وقشور الباقلاء تحبس ~~البطن بقبضها، والباقلاء يطلق البطن بجلائه (1) وعذوبته. فما كان من القشر ~~مشاكلا لطبيعة دقيقه وجوهره كان أحمد وأفضل كثيرا. وما كان منه مخالفا ~~لطبيعة دقيقه كان أذم وأردأ لأنه مخصوص بتولد الأمغاص والنفخ لما يحدث بينه ~~وبين جوهره ودقيقه من المصارعة والمجاذبة، إذ كان أحدهما يطلب الانحدار ~~والخروج والآخر يمنع من الانحدار ويحبس البطن. # وأما الدقيق فهو في جملته على ضربين: لان منه ما هو في طبيعته غليظا ~~لازوقا. ومنه ما ليس كذلك لكنه يكتسب من الصنعة والعمل، من قبل أن كل دقيق ~~نبالغ في عجنه، ولو كان من أبعد الأشياء من (2) اللزوجة مثل الجاورس فلا بد ~~له، إذا بولغ في عجنه، من أن يصير لزجا منتنا ولا سيما إذا عجن برطوبة ~~غليظة مثل رطوبة ms073 ماء النخالة وغيره. # فأما الدقيق الذي هو بطبعه لزج علك (3) فيغذو غذاء كثيرا ويولد دما لزجا. ~~وأما الدقيق الذي يكتسب اللزوجة من الصنعة والعمل فيغذو غذاء أقل ويولد دما ~~قحلا جافا. وأما ما كان من الدقيق قد استقصى عجنه ونقي من نخالته وقشوره ~~فهو أجود تغييرا في المعدة، وأسرع نفوذا في العروق وجولانا في البدن، وأكثر ~~تغذية للأعضاء من غيره من الدقيق من قبل أن كله يتشبه بالأعضاء لأنه جوهره ~~جوهر محض، إلا أنه بطئ الانحدار عن المعاء من قبل أنه، لسرعة نفوذه في ~~العروق، لا يبقى منه في المعاء # PageV00P074 # من الكثرة مقدار ما يثقلها ويؤذيها ويهيجها إلى دفعه بسرعة. وما كان من ~~الدقيق لم يستقصن طحنه ولم ينقى من نخالته، فكلما نراه خارجا لا ينحل في ~~الماء، كذلك حاله في المعدة لأنه لا يبتل بسرعة لكنه يبقى صحيحا غير منهضم ~~ولا ممتاز من نخالته، وكذلك صار عسير الانهضام بطئ النفوذ في العروق جدا ~~لأنه يجفو عن أفواه عروق الكبد المتصلة بالمعدة والمعاء. ولهذه الجهة صار ~~سريع الانحدار جدا لجهتين: أحدهما أنه لتعذر انهضامه وبعد نفوذه في العروق، ~~يبقى منه في المعاء من الكثرة ما يثقلها ويؤذيها ويهيجها إلى دفعه بسرعة. ~~والثانية: لما في النخالة من قوة الجلاء والغسل المهيج للمعاء لدفع ما فيها ~~بسرعة. PageV00P075 # الباب التاسع في الفاكهة الفاكهة تنقسم قسمة جنسية على قسمين: لان منها ~~البري ومنها البستاني. وكل واحد من النوعين ينقسم قسمين لان منه ما قد ~~استكمل نضجه وطاب على شجره، ومنه ما هو بعد فج غليظ لم يستكمل نضجه في شجره ~~ولم يطب. فأردأ الفاكهة وأذمها غذاء ما لم يستكمل نضجه على شجره، ويطب، ~~وبخاصة ما كان منها بريا لان الفجاجة تكسبه يبوسة وغلظا. # ولذلك قال جالينوس: إن ما كان من الفواكه فجا غير نضيج فهو أردأ وأذم ~~وبخاصة ما كان بريا. # وما كان لينا نضيجا فهو أحمد وأفضل وبخاصة ما كان بستانيا. فقد بان من ~~قوة كلامه، أن أحمد الفواكه ما كان نضيجا بستانيا، ms074 وكان ما يحويه من القشر ~~رقيقا رطبا لان ما كان قشره كذلك كان دليلا على أن رطوبته الجوهرية أرق ~~وألطف. وما كانت رطوبته أرق وألطف كان أسرع نفوذا في العروق وأسهل انقيادا ~~لفعل الطبيعة. ولهذا صار التين أفضل الفواكه التي يحويها قشر وأحمدها غذاء، ~~وبعده العنب. ولذلك قال جالينوس: أن ما لان قشره من الفواكه كان أفضل، وما ~~صلب قشره كان أردأ. ولهذه الجهة صار ما طاب على شجره وكمل نضجه كان أحمد ~~مما لم يكمل نضجه ولم يطب على شجره، لان ما كمل وطاب كان أسرع انحدارا وأخص ~~بتليين البطن وبخاصة متى كان بستانيا. وما كان فجا غير نضيج كان أبطأ ~~انحدارا وأخص بحبس البطن وبخاصة متى كان بريا، وإن كان غذاء الفواكه في ~~جملتها يسيرا جدا مذموما غير محمود. # أما قلته، فللينه ورخاوته وسرعة انحلاله من الأعضاء وقلة ثباته فيها، ~~وأما رداءته وفساده، فلاستحالته إلى العفونة والفساد بسرعة. ولجالينوس في ~~هذا فصل قال فيه: إن الفواكه في جملتها تغذو غذاء يسير رديئا، من قبل أنها ~~إذا انهضمت ولدت دما رديئا سريع العفونة والفساد. ولهذه الجهة صارت نافخة ~~مولدة للفضول الغليظة العسيرة الانحلال من المعدة والمعاء وبخاصة متى بعد ~~انهضامها لأنها إذا لم تنهضم بلغ من استحالتها أن تنتقل إلى كيفية رديئة ~~تقارب كيفية السموم لقربها من القوة إلى الفساد، ولا سيما إذا أخذت بعد ~~الطعام. وما كان من الفواكه له قشر غليظ يابس صلب فهو أردأ مما كان قشره ~~PageV00P076 # لينا رطبا لان غلظ قشره وصلابته يدل على جوهر غليظ (1) أرضى بطئ في ~~المعدة عسير الانهضام سريع الاستحالة إلى الدخانية في من كان مزاج معدته ~~مريا يابسا وتجويفها خاليا من الطعام، أو إلى العفونة والبشم في من كان ~~مزاج معدته مرطوبا وتجويفها مملوءا طعاما، من قبل أن كل ما كان من الفواكه ~~ليس له قشر غليظ أرضى فليس يخلو من دهنية ودسومة بالطبع. والدهنية فأخص ~~الأشياء بالانتقال إلى الدخانية وحبس المرار، والى العفونة وحبس البشم ~~للأسباب التي قدمنا ذكرها. ms075 # ولذلك قال جالينوس: إن ما كان من الفواكه قشره صلبا جافا فهو أردأ غذاء، ~~إلا الافراد منها، مثل اللوز والجوز والبندق وما شاكلها، وأردأها ما كان ~~شجره بريا لأنه أيبس وأعسر انهضاما وأكثر حدة وأقربها من التشبه بالسمائم ~~(2)، لما فيه من زيادة الحرافة المكتسبة من حرارة هوائه وحدته وبخاصة متى ~~لم ينضج في شجره نضوجا كاملا لان الغلظ والفساد يلحقه من جميع جهاته والله ~~عز وجل أعلم. # PageV00P077 # الباب العاشر الفواكه وسائر الأطعمة والأشربة التي تبرد بالماء البارد ~~الشديد البرد أو بالثلج قال المؤلف لهذا الكتاب: ينبغي أن يحذر الفواكه ~~كلها وسائر الطعوم البردية الغذاء المولدة للدم الرقيق، جميع الناس في كل ~~وقت وعلى كل حال إلا في وقت التعب والسفر في الحر الشديد عند الحاجة إلى ما ~~يعدل يبس البدن كله، ويبرد حرارته. فإنه عند ذلك قد يصلح استعمال الفواكه ~~الرطبة مثل التوت والإجاص والعنب والتين والخوخ والقثاء والخيار والبطيخ ~~وسائر الأطعمة والأشربة الباردة المتخذة اللبن، إلا أنه لا يجب أن تستعمل ~~دون أن تكتسب برودة من خارج بغسلها بالماء البارد مرات عددا وتنقع فيه أيضا ~~حينا لتكتسب بذلك بردا يقاوم حرارة البدن في ذلك الوقت، إذ ليس في قوة ~~تبريدها ما يقاوم حرارة الكبد والمعدة في مثل هذه الحال، فضلا عن غيرهما من ~~الأعضاء، على أن المعدة والكبد أول عضوين يلقاهما الغذاء من البدن. ولذلك ~~احتاجت إلى أن تكتسب بردا إما بالماء الشديد البرد وإما بالثلج. # وأما الترطيب فإنه يقع من قبل هذه الأطعمة في كل وقت وعلى كل حال، إذ ذلك ~~من طبيعتها وذاتها لغلبة الرطوبة المائية عليها. إلا أنه يجب أن يكون تبريد ~~كل واحد من الناس لها على حسب عادته ومزاجه، لان من اعتاد استعمال الثلج ~~احتاج إلى أن يبرد طعامه بالثلج، ومن كان معتادا لشرب الماء البارد السائل ~~من العيون أو الماء المبرد في هواء بارد، فليس به حاجة إلى استعمال الثلج، ~~لكنه يقتصر على تبريد طعامه وشرابه بالماء الشديد البرد السائل من العيون، ~~والماء ms076 المبرد في الهواء البارد. ويحذر استعمال الثلج من لم تجر عادته عليه ~~فإنه، وإن لم يتبين منه في أبدان الشباب على المكان من المضرة ما يحسون به ~~بسرعة، فإن مضرته قد تجتمع رويدا رويدا من غير أن يشعروا (1) بها، وتتزيد ~~في أبدانهم قليلا قليلا حتى إذا جاوزوا شرخ (2) الشباب وصاروا إلى سن ~~الكهول، وقعوا في أمراض يعسر برؤها ولا يبرأون منها أصلا، إما من علل ~~الأحشاء، وإما من علل المفاصل، وإما من علل العصب لان الثلج إنما ينال من ~~أبدان الناس أضعف أعضائها بالطبع وأقربها حسا. # PageV00P078 # الباب الحادي عشر في البقول أما البقول فتنقسم في جنسها على قسمين: وذلك ~~أن منها البري النابت في المواضع العالية المشرفة القوية اليبس، ومنها ~~البستاني النابت في المواضع الرطبة الكثيرة الري الغريزية المياه. وما كان ~~منها بستانيا كان غذاؤه أفضل وانهضامه أسرع، ونفوذه في العروق أسهل، إلا ~~أنه أبعد من التشبه بالأعضاء لان الغذاء السريع التشبه بالأعضاء يحتاج إلى ~~فضل تليين ليسهل انعقاده بسرعة. # وأما ما كان بريا فإنه بالإضافة إلى البستاني أيبس وأجف كثيرا، ولذلك صار ~~انهضامه أعسر ونفوذه في العروق أبعد وغذاؤه أردأ، إلا أنه إذا تم انهضامه ~~في المعدة والكبد جميعا كان إلى التشبه بالأعضاء أقرب لما فيه من فضل اليبس ~~وسرعة القبول للانعقاد. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن البقول البرية رديئة الغذاء لأنها أشد ~~يبسا وحرافة. ولذلك قال الفاضل أبقراط: إن ما كان من النبات والحيوان في ~~المواضع الحارة الجافة كان غذاؤه قحلا جافا بعيد الانهضام عسير النفوذ في ~~العروق، إلا أنه أقرب إلى التشبه بالأعضاء لما بينهما من مجانسة اليبس. # وما كان في المواضع اللينة الكثيرة الري كان أسرع انهضاما وأسهل في ~~النفوذ في العروق، إلا أنه أبعد من التشبه بالأعضاء لما في الرطوبة ~~الغريزية من بعد الانعقاد بسرعة بالطبع. وأما الدم المتولد من النوعين ~~جميعا فرقيق مائي قليل البقاء في الأعضاء سريع الانحلال منها. ولذلك صار ~~غذاؤه يسيرا مذموما. وقد يعم النوعين جميعا كثرة النفخ والقراقر ms077 وبخاصة إذا ~~بعد انحدارهما. # ولجالينوس في البقل فصل قال فيه: وليس يصل إلى البدن من غذاء البقل إلا ~~أقل ذلك. وأفضل البقل في توليد الدم المحمود الخس لأنه يولد دما يقرب من ~~الدم الغريزي. ومن بعده في ذلك الملوخية وبعدها القطف والبقلة اليمانية ~~والرجلة والحماض. وله فصل آخر في البقل قال فيه: إن ما كان من البقل في ~~طبيعته أصلب، فإذا طبخ لان وصار أسرع انهضاما. وما كان في طبيعته هشا فإذا ~~طبخ صلب وصار كالسيور وعسر انهضامه كالذي يعرض للكراث إذا طبخ. PageV00P079 # وقد ينقسم البقل قسمة ثالثة (1) على قسمين: وذلك أن منه ما جل جوهره ~~ومحمود غذائه في ما كان بارزا من الأرض، أعني الورق والقضبان مثل الخس ~~والهندباء والكرنب وما شاكل ذلك مما كان أصله الغائر في الأرض ليس بقوي. ~~ومنه ما جل جوهره ومحمود غذائه في أصله الغائر في الأرض مثل الجزر والفجل ~~والقلقاس والشلجم وما شاكل ذلك. # والسبب في ذلك أن الطبيعة ربما كان أكثر قصدها في بعض النبات تغذية ~~قضبانه وقلوبه، فتصرف أكثر عنايتها إليها ويقوى فعلها فيها فتستلب القضبان ~~والقلوب بطبعها جوهر الغذاء ومحموده، ولا يبقى للأصل من الغذاء إلا أيسر ~~ذلك مما كأنه عندها نفاية الغذاء مما لم يكمل نضجه وهضمه. وما كانت هذه ~~حاله من النبات كان قضبانه أطول وقلوبه أعظم وثمرته أغزر. وربما كان قصد ~~الطبيعة تغذية الأصل وتربيته، فتصرف أكثر عنايتها إليه ويقوى فعلها فيه ~~فيحتوي الأصل بطبعه على جوهر الغذاء ومحموده، وتقذف بما فضل من غذائه مما ~~كأنه عندها نفاية الغذاء إلى الورق والقلوب، كالذي نشاهده من فعل الطبيعة ~~في الحيوان لأنا نجدها دائما تقذف بفضل غذاء الأعضاء إلى ظاهر البدن وتولد ~~منه أشياء ليست باضطرارية مثل العرق والصوف والشعر والريش وفلوس السمك (2) ~~وغير ذلك. ولذلك، صار غذاء ما كان من السمك له فلوس أفضل وأحمد مما كان لا ~~فلوس له لان نفاية غذائه يتصرف إلى فلوسه، ويبقى غذاؤه خالصا. ومن قبل ذلك ~~صار أصل هذا النوع من النبات ms078 دائم العظم في كل زمان حتى في الشتاء فضلا على ~~غيره من الأزمنة. # وأما قضبانه وورقه فإنها لا تكاد أن تنبت ولا تنمو، إلا في زمان الربيع ~~في الوقت الذي تثور فيه جميع الأشجار. ولهذا ما صار كل نبات يكون في أصله ~~غذاء للناس لا يكاد ان يكون في بزره غذاء. # وكل نبات يكون في بزره غذاء لا يكاد أن يتغذى بأصله. ولذلك قال جالينوس ~~أنه لا يؤكل أصل كل نبات كما لا يؤكل نبات كل أصل. ولرجل من الأوائل يقال ~~له ميثنساوس من أهل أثينيا في هذا فصل قال فيه: إن كل نبات يؤكل منه أصله ~~فبزره لا يكاد أن يؤكل، وكل نبات يؤكل منه بزره فأصله لا يكاد أن يؤكل. ومن ~~أجل ذلك وجب أن يمتحن كل واحد من أجزاء النبات على الانفراد بالذوق والشم ~~ليقف على مزاجه ويعرف المحمود منه للاكل من غير المحمود مثال ذلك: أنا متى ~~وجدنا شيئا حريفا علمنا، لما بينا آنفا من فعل الحرارة حيث قلنا: أن من ~~شأنها أن ترق دم من كان بلغمانيا وتصيره مائيا. وتحرق دم من كان صفراويا ~~وتصيره سوداويا حريفا، وتحجر فضول الكلى والمثانة وتولد منها حجارة وحصى. # ومتى وجدنا شيئا تفها لا طعم له، علمنا أيضا أنه مذموم من جهة أخرى لأنه ~~يولد خلطا بلغمانيا ويرخي المعدة ويغثي. ومتى وجدنا شيئا لزجا، وقفنا على ~~غلظه وبعد انهضامه. فإذ ذلك كذلك، فقد بان أن كل نبات حريف فمذموم الغذاء ~~ردئ. وأردأ ما فيه أصله لان الأصل من كل نبات أحر وأيبس وأعسر # PageV00P080 # انهضاما (1) من الورق، إلا أنه قد يختلف في كثرة فساده ونقصانه على حسب ~~عظمه من صغره، ولينه من صلابته لان من النبات ما يكون بعد في الزيادة ~~والنمو، ومنه ما قد تم وانتهى في زيادته إلا أنه بعد طريا لينا، ومنه ما قد ~~عصا وصلب وقارب الجفاف. # فما كان منه بعد في النمو، فلغلبة المائية عليه، صارت قوته أضعف وفعله ~~أنقص. ولذلك بعد من الأشياء الملطفة ms079 إلا أنه، وإن كان كذلك، فإن أفضل ما ~~فيه ورقه لان الورق من كل نبات أقل حرافة وجفافا من الأصل بالطبع. وما كان ~~منه قد انتهى في النمو أو تم، إلا أنه بعد طري رخص، فإنه لنقصان رطوبته عن ~~النوع الأول قليلا وزيادة يبسه، تزيد قوته ويقوى فعلها، ويزول عن حد ما ~~يلطف إلى حد ما يسخن ويجفف. ولذلك وجب ألا يستعمل أصل هذا النوع أصلا إلا ~~عند الضرورة والحاجة إليه على سبيل الدواء في تلطيف فضول غليظة في البدن ~~ولا يتخذ أيضا إلا بعد أن يسلق بماء وشئ من خل وتكسر حدة حرافته بالزيت ~~وغيره من الادهان الملينة. # وأما ما عصى وصلب وقارب الجفاف، فقد زال عن حد الغذاء وحد الدواء لأنه قد ~~انتقل من حد ما يسخن إلى حد ما يحرق ويفرق الاتصال. ولذلك وجب ألا يقرب لا ~~أصله ولا ورقه، من قبل أنه لما كان قد انتهى في النمو وتم، إلا أنه بعد طري ~~رخص أقوى فعلا وأظهر تأثيرا مما كان بعد مما قد انتهى في النمو، لنقصان ~~رطوبته عنه، وجب أن يكون ما قد عصى وصلب وقارب الجفاف أقوى فعلا وأظهر ~~تأثيرا مما قد انتهى في النمو، إلا أنه بعد طري رخص، ومن قبل ذلك صار ~~مذموما جدا معدودا من الأشياء المحرقة. # فأما ما كان من النبات تفها لا طعم له، فإنه دال على غلبة الرطوبة على ~~مزاجه. ولذلك صار أردأ ما فيه ورقه لغلبة الرطوبة على الورق بالطبع. ولهذا ~~صار مرخيا للمعدة مهيجا للغثي والقئ مولدا للرطوبات البلغمانية. ومن قبل ~~ذلك وجب ان نتوقى الاكثار منه حتى ينبغي أن نتوقى الاكثار من ورق السلق ~~فضلا عما سواه، على بعد السلق من توليد البلغم لما فيه من البورقية ~~اليسيرة. ولهذا وجب أن نلتمس الحيلة في إصلاح ما كانت هذه حاله بأن يكسب ~~طعما نستلذ به ويطيب بالخل والمري والأبازير لقوته النشافة كيلا يكون كريها ~~فيغثي. # وقد ينقسم أصل هذا الضرب من النبات على ضربين: وذلك أن ms080 منه ما ينبت في ~~أراض يابسة جافة قليلة المياه مثل الكمأة وما شاكله. ومنه ما ينبت في أراض ~~لينة رخوة كثيرة الرطوبة والعفونة مثل الفطر وما شاكله. فما كان منه نابتا ~~في أراض جافة قليلة الرطوبة كان أفضل وأحمد وأقل غائلة وأبعد من الفساد مما ~~كان نابتا في أرض لينة رخوة كثيرة الرطوبة والعفونة. ولذلك صارت الكمأة ~~أفضل وأقل غائلة وأبعد من الدم والفساد من الفطر كثيرا، لان الكمأة نباتها ~~في أراض جافة يابسة وتغتذي بماء # PageV00P081 # المطر، والفطر فأكثر نباته في أراض رخوة لينة ويغتذي بماء مستنقع كثير ~~العفونة. # ولذلك قال جالينوس: إن كل نبات لا نتبين في طعمه حرافة ولا تلذيع ولا طعم ~~غير ذلك سوى التفاهة فهو ردئ بالطبع وأردأها كلها الفطر لرداءة أرضه، وفساد ~~رطوبته المغذية له، وعفونتها. ومن أجل ذلك صار خبيثا جدا وبخاصة متى كان ~~نباته بالقرب من شجر الزيتون لان أعظم ضرره أن يحدث اختناقا للزوجته وعفونة ~~رطوبته، والزيتون فيكسبه حدة وغلظا ولدونة وبعد انحلال. فإذا استفاد ذلك ~~منع ما فيه من اللزوجة والغلظ عسر انحلال الخناق الحادث عنه واحتد، وصار في ~~عداد الأمراض الحادة جدا، أو إلى أمر يؤدي صاحبه إلى الهلاك. PageV00P082 # الباب الثاني عشر القول في الحيوان الحيوان ينقسم قسمة أولية على ثلاثة ~~ضروب، لان منه أرضى وهوائي ومائي. وذلك أنه لا يشك أحد من الطبيعيين أن ~~العناصر التي يتولد منها جميع الحيوان والنبات أربعة، أعني النار والهواء ~~والماء والأرض. وأن منها عنصرين خفيفين يتحركان صعدا وهما النار والهواء، ~~وعنصرين ثقيلين يتحركان سفلا وهما الأرض والماء. وأن لكل واحد من هذه ~~الأربعة غايتين: غاية علوا، وغاية سفلا وحالة متوسطة بين هاتين الغايتين. ~~وأن المرتبة العليا من العنصرين الخفيفين ألطف وأفضل وأسرع حركة إلى العلو، ~~والمرتبة السفلى دونها في الفضل واللطافة لأنها أثقل وأبطأ حركة، والمرتبة ~~المتوسطة آخذة من الحاشيتين بقسطها. # وأما العنصران الثقيلان (1) فإن المرتبة العليا من كل واحد منهما، وإن ~~كانت أخف وألطف، فإنها أبطأ حركة إلى غايتها وتمامها، لان غايتها ms081 وتمامها ~~الوصول إلى المركز، ولطافتها وخفتها تمنعانها من الهبوط بسرعة. ولذلك نسبت ~~إلى الثقل والغلظ لأنها أبطأ حركة. وأما المرتبة السفلى منها، فإنها وإن ~~كانت أغلظ وأثقل، فإن حركتها إلى غايتها وتمامها أسرع لأنها بثقلها تهبط ~~بسرعة وتصل إلى تمامها وغايتها من قرب. ولذلك ما قيل أنها أفضل من المرتبة ~~العليا وألطف لأنها أسرع وصولا إلى موضعها بالطبع. ولهذا ما صارت المرتبة ~~العليا من العنصرين الثقيلين دون المرتبة السفلى في الفضل والشرف. # وأما المرتبة المتوسطة بين هاتين الغايتين، فآخذة (2) أيضا من الحاشيتين ~~بقسطها. فإذا امتزجت هذه الاجزاء والمراتب بعضها ببعض واختلط الفاضل ~~بالخسيس، والثقيل بالخفيف، والحار بالبارد، والرطب باليابس، حدث بينها هذه ~~الألوان واختلفت المكونات على حسب مقادير الاجزاء الممتزجة في اعتدالها ~~وزيادة بعضها على بعض، ونقصان بعضها عن بعض. فما كان منها مركبا من مواد قد ~~غلب عليها العنصران الثقيلان (3) يكون منها المكونات اللازمة لمكانها من ~~الأرض مثل الأشجار والنبات. وما كان منها مركبا من مواد قد غلب عليها ~~العنصران الخفيفان (3) يكون منها الأجرام المتحركة حركة مكانية، # PageV00P083 # مثل الحيوان المشاء المتنقل من مكان إلى مكان. وما كان مركبا من مواد قد ~~تساوى فيها العنصران الخفيفان (1) والعنصران الثقيلان (1) معا، يكون منها ~~الأجرام البطيئة الحركة مثل الأصداف وما شاكلها. # ولذلك صار في الأصداف مشاكلة لما كان له حس وما ليس له حس، لأنه قد يقع ~~في الحيوان من الاختلاف في الثقل والخفة على حسب موضع كل واحد منها من ~~المرتبة العليا والمرتبة السفلى من العنصرين الخفيفين والعنصرين الثقيلين. # وذلك أن ما كان من الحيوان مركبا من مواد قد غلب عليها المرتبة العليا من ~~العنصرين الخفيفين، خف ولطف وصار طيارا لازما للهواء. # وما كان منها مركبا من مواد قد غلب عليها المرتبة السفلى من العنصرين ~~الخفيفين، تحرك حركة خفيفة وصار دبابا. # وما كان مركبا من مواد قد غلب عليها المرتبة الوسطى من العنصرين ~~الخفيفين، توسطت حركته وصار مشاء. # وما كان من الحيوان مركبا من مواد قد غلب عليها المرتبة السفلى من ~~العنصرين ms082 الخفيفين والمرتبة العليا في العنصرين الثقيلين، لزم البحور ~~والأنهار وكان مأواه الماء، ذلك لغلبة رطوبة الماء على مزاجه، لان كل حيوان ~~مشتاق إلى عنصره وأصله الذي تكون منه. ولذلك صار كل حيوان مزاجه قريبا من ~~نبت من النبات أو حيوان من الحيوانات كان غذاؤه وقوامه من ذلك النبات أو ~~الحيوان المشاكل لمزاجه. وكل حيوان منافر لمزاج نبت من النبات أو حيوان من ~~الحيوان، كان ذلك الحيوان عدوه وقاتله. # فإن قال قائل: وكيف أمكن أن يكون مزاج حيوان من الحيوان مشاكلا لمزاج نبت ~~من النبات والحيوان عندك مركب من مواد قد غلب عليها العنصران الخفيفان (1)، ~~والنبات مركب من مواد قد غلب عليها العنصران الثقيلان (1). # قلنا له: إن في معارضتك الجواب على ما ذكرت لأنك لم تقل أنا قلنا: أن ~~الحيوان مركب من العنصرين الخفيفين فقط، بل إنما قلنا: أنا قلنا أن الحيوان ~~مركب من مواد قد غلب عليها العنصران الخفيفان (1)، وليس في قولنا: أن ~~الحيوان مركب من مواد قد غلب عليها العنصران الخفيفان (1) ما سلبنا المواد ~~العنصرين الثقيلين (2)، لأنا إنما نسبناها إلى الأغلب عليها، لأنه لو أمكن ~~أن تكون المواد التي تركب منها الحيوان معراة من العنصرين الثقيلين، لعدم ~~الحيوان العظام المركبة من مواد قد غلبت عليها الأرضية والرطوبات المركبة ~~من مواد قد غلبت عليها المائية. ولعدم أيضا القوة الماسكة التي هي باردة ~~يابسة مشاكلة لطبيعة الأرض، وكذلك القوة الدافعة التي هي باردة رطبة مشاكلة ~~لطبيعة الماء. # PageV00P084 # فقد بان إنما نسبنا المواد إلى الأغلب عليها، وإن كانت غير خارجة من ~~الكل. ففيما أتينا به إثبات على أن من الحيوان ما هو مشاكل لمزاج نبت من ~~النبات، ومنافر لمزاج حيوان من الحيوان. # ولذلك صار من الحيوان والنبات ما هو غذاء للانسان، ومنه ما هو قاتل له، ~~ومنها ما هو مؤذ غير قاتل. # ومن قبل ذلك أجمعت الأوائل على أن الحيوان في جنسه ينقسم قسمين، لان منه ~~ما هو غذاء للانسان، ومنه ما ليس بغذاء. وما ليس بغذاء فينقسم قسمين: ~~أحدهما: منافر لمزاج ms083 بدن الانسان ومضاد له، إما بإفراط حره مثل الحيات ~~والأفاعي والذراريح (1)، وإما بإفراط برده مثل العقارب والرتيلاء. والآخر: # مخالف لمزاج بدن الانسان من غير مضادة ولا منافرة مثل القنافذ والثعالب ~~والأرانب وما شاكل ذلك مما غذاؤه فاسد مذموم وليس بقاتل. ويستدل على ذلك من ~~زفورة لحمها وقربه من النتن. # وكذلك قال جالينوس: أي حيوان كان لحمه زفرا أو منتنا فهو بعيد من مزاج ~~بدن الانسان، وأي حيوان لم يكن في لحمه زفورة ولا نتن ولا رائحة مؤذية، ليس ~~مزاجه ببعيد من مزاج بدن الانسان. فقد بان واتضح أن اللحمان ما هو غذاء ~~للانسان لمشاكلته لمزاجه وقربه من طباعه مثل الجدي والضأن وما شاكل ذلك. ~~ومنها ما هو قاتل (1) له لمنافرته لمزاجه، ومضادته لطباعه مثل الحيات ~~والأفاعي والعقارب. ومنها ما هو بمنزلة الدواء لمخالفته لمزاجه لأنه يسخن ~~ويبرد أكثر من المقدار الطبيعي من غير إفراط ولا منافرة للطباع مثل القنافذ ~~والثعالب والأرانب. # فأما الحيوان المغذي للانسان فينقسم قسمة جنسية على قسمين، لان منه البري ~~ومنه الأهلي. # فأما البري فهو أسخن وأيبس كثيرا إلا أنه يختص بأربع خواص، يحمد منها من ~~جهة، ويذم من أخرى، أحدها: أنه لحرارة هوائه الذي يأوي فيه، وغلبة اليبس ~~على مزاجه، استحر (3) وجف ورق دمه ولطف. # والثانية: أنه لعوزه الماء والنبات دائما قل أكله وشربه، ولذلك قل شحمه ~~ونقصت فضول بدنه. والثالثة: # أنه لجفاف غذائه وغلبة اليبس عليه، صلب لحمه وقلت زهومته (4) وزفورته، ~~ويستدل على ذلك أنه يبقى بعد ذبحه زمانا من غير أن يفسد ولا يتغير. ~~والرابعة: أنه لدوام تعبه وكثرة حركته، تخلخل جسمه وفنيت أكثر رطوبته ~~الجوهرية وصار لحمه وغذاؤه قحلا جافا بعيدا (5) من اللذاذة عسير النفوذ في ~~العروق. ولهذه الخواص اللازمة له صار غذاؤه محمودا من جهة ومذموما من جهة. # فأما الجهة التي يحمد منها فلشيئين: أحدهما: أنه إذا انهضم في المعدة ~~والكبد جميعا كان الغذاء المتولد عنه قليل الفضول سريع التشبه بالأعضاء ~~بعيد الانحلال منها. أما قلة فضوله، فلقلة شحمه وكثرة ما يتحلل ms084 من رطوبات ~~بدنه بدوام حركته وكثرة تعبه. وأما سرعة تشبهه بالأعضاء وبعد انحلاله منها، ~~فلقلة رطوبته وصلابة لحمه. # PageV00P085 # ولذلك قال الفاضل أبقراط: ما كان من الحيوان والنبات في مواضع حارة ~~يابسة، كان أسخن وألطف وأسرع إلى التشبه بالأعضاء إلا أنه عسير النفوذ في ~~العروق والجولان في البدن لان سرعة نفوذه في العروق تحتاج إلى رطوبة يسيل ~~بها وينماع. وما كان من الحيوان في مواضع رطبة، كان أرطب وأسرع نفوذا في ~~العروق، إلا أنه عسير التشبه بالأعضاء قريب الانحلال منها لان سرعة التشبه ~~بالأعضاء تحتاج إلى يبوسة يسهل بها انعقاده وانقلابه إلى الصلابة بسرعة. # وأما الوجه الذي يذم منه فإنه لقحل لحمه وجفافه، صار عسير الانهضام بعيد ~~النفوذ في العروق، يولد غذاء جافا قليل الرطوبة. ولذلك صار أقل لذاذة من ~~الحيوان الأهلي كثيرا. ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن جميع الحيوان ~~البري مقصر عن الحيوان الحضري في اللذاذة وكثرة الغذاء ما خلا الماعز فقط، ~~فإنه متى كان بريا كان ألذ طعما وأكثر غذاء وأفضل لأنه في دوام حركته وكثرة ~~تعبه يرق دمه ويتخلخل بدنه وتتفتح مسامه وتتحلل منها الرطوبات التي هي علة ~~لزهومته وزفورته، ويكتسب بذلك عذوبة ولذاذة لا توجد في الحضري من الماعز. # وللفاضل أبقراط في هذا فصل قال فيه: إن لحم الماعز ليس بالمحمود لا في ~~كثرة الغذاء ولا في جودة الهضم وبخاصة متى كان من حيوان كبير، من قبل أن ~~الدم المتولد عنه أسخن وأخف من المعتدل إلا أن يكون الحيوان خصيا أو رضيعا ~~أو بريا، لان الخصي تقل حرافته ويلين لحمه ويرطب ويستفيد عذوبة ولذاذة. ~~وأما الرضيع فإنه يكتسب من اللبن حرارة جوهرية ورطوبة محمودة معتدلة (1) ~~ويعتدل بها يبس مزاجه ويكتسب بها عذوبة ولذاذة ويجود هضمه ويصير موافقا لمن ~~كان مزاجه حارا (2) يابسا. وأما البري (3)، فلقوة حركته ودوام تعبه ولطافة ~~هوائه، يرق دمه ويلطف وتتخلخل مسام بدنه وتتحلل منها رطوبته الموجبة ~~للعفونة والفساد وتزول عنه زهومته وزفورته ويصير عذبا لذيذا سريع الانهضام. ~~وزعم الفاضل أبقراط أن ms085 هذه الخاصة لازمة للماعز دون غيره من الحيوان، لان ~~جميع الحيوان الحضري ألذ طعما وأكثر غذاء وأفضل وأحمد من الحيوان البري ما ~~خلا الماعز فإنه واقع بعكس ذلك وضده. # وأما الحيوان الأهلي، فإنه أقل حرارة وأكثر رطوبة من الحيوان البري. ~~ولذلك صار أحمد كثيرا إلا أنه يختص بأربع خواص. أحدها: أنه، لضعف حرارة ~~هوائه الذي يأوي فيه وكثرة رطوبته لما يظله من حرارة الشمس من السقوف ~~والأشجار وغير ذلك، قلت حرارة مزاجه وزادت رطوبته وكثرت لزوجته وغلظ لحمه ~~وبعد انقياده لفعل الطبيعة وعسر انهضامه (4) في المعدة والكبد جميعا. وذلك ~~أن ليس في قوة هوائه الذي يأوي فيه من الأشجار ما يرق دمه ويلطفه. ولذلك ~~ثبت على لزوجته وغلظه. # PageV00P086 # والثانية: أنه، لقلة حركته ودوام سكوته، ضاقت مسام بدنه وقل ما يتحلل ~~منها من الرطوبات الغليظة. ولذلك استرخى لحمه ولان ورطب وسهل نفوذ الغذاء ~~المتولد عنه في العروق بسرعة. # والثالثة: أنه، لكثرة أكله وشربه لامكان المزارع والمراعى والمياه له في ~~كل وقت وزمان، غزر شحمه وكثرت فضول بدنه. # والرابعة: أنه، لرطوبة غذائه وكثرة مائيته، لان لحمه واسترخى، ويستدل على ~~ذلك من الشاهد لأنه لا يبقى بعد ذبحه إلا اليسير من الوقت حتى يتغير ويفسد. # ولهذه الخواص اللازمة له، صار غذاؤه محمودا من جهة ومذموما من جهة. أما ~~الجهة التي يحمد لها، فلانه إذا انهضم في المعدة والكبد جميعا، كان غذاؤه ~~كثيرا لذيذا سريع النفوذ في العروق والجولان في البدن. وأما الجهة التي يذم ~~منها، فإنه لكثرة رطوبته ولزوجته صار كثير الفضول بطئ الانهضام في المعدة ~~والكبد جميعا عسير التشبه بالأعضاء، عسير الانحلال منها. أما بعد تشبهه ~~بالأعضاء فلكثرة رطوبته إذ كان من شأن الرطوبة البعد من الانقلاب إلى ~~الصلابة بسرعة، من قبل أن الطبيعة تحتاج في نشف الكثير من الرطوبة إلى مدة ~~أطول من المدة التي تحتاج فيها إلى نشف القليل من الرطوبة. وأما قلة بقائه ~~في الأعضاء فلرخاوة رطوبته وسرعة انحلالها. # ولذلك نسبت الأوائل الحيوان الأهلي إلى قلة الغذاء بالعرض، والحيوان ms086 ~~البري إلى كثرة الغذاء بالعرض أيضا، من قبل أن الحيوان الأهلي، وإن كان ~~أكثر غذاء بالطبع، فإن غذاءه (1) لما كان سريع الانحلال من الأعضاء صارت ~~الأعضاء تخلو منه بسرعة وتحتاج إلى غذاء مستأنف، فيقوم ذلك مقام قلة ~~الغذاء. وأما الحيوان البري فإنه، وإن كان أقل غذاء بالطبع، فإن غذاءه (1) ~~لما كان بطئ الانحلال من الأعضاء لصلابته وبعد انقياده، طال لبثه في ~~الأعضاء واستغنت عن غذاء مستأنف بسرعة، فقام ذلك لها مقام كثرة الغذاء. ~~ولذلك صار الحيوان البري أفضل لشدة الأعضاء وقوتها، والحيوان الأهلي أفضل ~~لبقاء الصحة واستدامتها. إلا أنه ينقسم ثلاثة اقسام، وذلك أن منه ما مراعاة ~~في المواضع الرطبة الكثيرة المياه، ومنه ما مرعاه في الجبال والمواضع ~~الجافة القليلة الري، ومنه ما يعلف ويسمن في المنازل والدور. # فما كان مرعاه في المواضع الرطبة الكثيرة المياه، كان في جميع ما وصفناه ~~به من كثرة الغذاء وعسر الانهضام في المعدة والكبد جميعا وسرعة نفوذه في ~~العروق وبعد تشبهه بالأعضاء وقلة لبثه فيها أكثر وبه أليق كأنه بذلك أوحد ~~وأخص للأسباب التي قدمنا ذكرها. # وأما ما كان مرعاه في الجبال والمواضع القليلة المياه والري، فإنه في ~~جميع حالاته متوسط (2) # PageV00P087 # بين الحيوان البري والحيوان المائي، ولذلك صار في كثرة غذائه وقلته، ~~وسرعة انهضامه وبطئه، وتشبهه بالأعضاء وثباته فيها، على حال توسط واعتدال. ~~ومن قبل ذلك صار لحمه أفضل اللحمان وأعدلها وأوفقها لبقاء الصحة ودوامها، ~~وشدة الأعضاء وقوتها معا. # وأما ما يعلف ويسمن في المنازل والدور، فإن لحمه أكثر اللحمان لزوجة ~~وغلظا، ذلك لكثرة رطوبة هوائه وقلة حركته ودوام سكوته وكثرة أكله وشربه ~~وفساد غذائه وغلظه. ولذلك صار أكثر اللحمان لزوجة وفضولا وفسادا، وأعسر ~~انهضاما في المعدة والكبد جميعا، إلا أنه إذا قويت الطباع عليه وانهضم في ~~المعدة والكبد غذى غذاء كثيرا قويا عسير الانحلال من الأعضاء لكثرة غلظه ~~ولزوجته. # ولذلك قال الفاضل أبقراط: أنه لا يجب أن يقتصر على معرفة طبيعة شئ من ~~الحيوان وكمية غذائه وكيفية استمرائه من نوعيته فقط دون الفحص ms087 عن موضعه ~~ومرعاه وكيفية هوائه في الرطوبة واليبوسة ومقدار حركته وسكوته. PageV00P088 # الباب الثالث عشر في السبب الذي له اختلفت اللحمان في جودة غذائها ~~ورداءته وسرعة انهضامه وبطئه أما اختلاف غذاء الحيوان في جودته ورداءته ~~وسرعة انهضامه وبطئه، فيكون لوجوه ستة: # أحدها: مزاج الحيوان في نفسه وطبيعته. والثاني: مقدار سنه ومقدار مدة ~~زمانه. والثالث: طبيعة غذائه ومرعاه. والرابع: سمنه وهزاله. والخامس: الوقت ~~الحاضر من أزمان السنة. والسادس: صنعته وعمله. # وقبل أن نبتدئ بالفحص عن كل واحد من هذه الأبواب وننبئ عن خاصته ورسمه، ~~فيجب أن نقدم القول بالفرق بين الذكر والأنثى من الحيوان وما ليس بذكر ولا ~~أنثى أعني الخصي. فأقول: إنه لا يشك أحد من الطبيعيين أن الذكر من كل حيوان ~~أسخن وأجف وأقل رطوبة ولزوجة وألطف غذاء من الأنثى، والأنثى بعكس ذلك. ~~ولهذه الجهة صار اللحم من كل ذكر ألطف وأسرع انهضاما وأفضل غذاء من الأنثى ~~خلا الأنثى من الماعز فإنها أفضل من الذكر وأحمد بالطبع، من قبل أن الماعز ~~في طبيعته يابس والذكر من كل حيوان كذلك. فإذا اجتمع في الماعز اليبس من ~~الثلاث جهات، أعني يبس مزاجه ويبس نوعيته ويبس أنه ذكر، صار لحمه ليفيا ~~شبيها بلحم الهرم من كل حيوان. وأما الأنثى فإنها، لما كانت في طبيعتها ~~أرطب وألين لحما، اعتدل يبس مزاجها النوعي بمزاجها الخاصي وصار لحمها أفضل ~~وأسرع انهضاما، إلا أن يكون الذكر من الماعز رضيعا، فلا يقال أنه مذموم، ~~ذلك لاكتسابه الرطوبة المحمودة من اللبن. غير أن الأنثى في الجملة إذا ساوت ~~الذكر في السن والرضاع، كانت أفضل لا محالة، من قبل أن الرطوبة التي ~~اكتسبها الذكر من اللبن فصار بها فاضلا، قد اكتسبتها الأنثى أيضا من اللبن ~~وازدادت بها فضلا عن فضلها. # فإن عارضنا معترض بالبقر وقال: فلم لا كانت الأنثى من البقر أيضا أفضل من ~~الذكر، والبقر في طبيعته أشد يبسا من الماعز؟. # قلنا له: من قبل أن لحم البقر أغلظ وأعسر انهضاما وأبعد من الانقياد لفعل ~~الطبيعة، والأنثى من كل ms088 حيوان كذلك. فإذا كان البقر أنثى، اجتمع له الغلظ ~~وعسر الانهضام من الجهتين، وصار لحمه PageV00P089 # مذموما. والذكر لما كان من كل حيوان، بالإضافة إلى نوعه أسرع انهضاما ~~لزيادة حرارته بالطبع، صار أفضل من الأنثى في سرعة الانهضام. فأما في جودة ~~الغذاء فليس هو بأفضل منها، من قبل أن رطوبة الأنثى مما يعدل يبس مزاجها ~~النوعي ويحسن غذاءها. ومن أجل ذلك صار الذكر من البقر إذا كان رضيعا أفضل ~~غذاء وأحمد مما كان منه غير رضيع. ذلك لما يكتسبه من الرطوبة المحمودة من ~~اللبن فيعتدل بها مزاجه ويرطب. # وأما الخصي من كل حيوان، فهو في مزاجه متوسط بين مزاج الأنثى ومزاج الذكر ~~من نوعه الذي هو منه. ولذلك صار في فعله وانفعاله على حالة متوسطة بين فعل ~~الذكر وانفعاله، وفعل الأنثى وانفعالها، من قبل أنه وإن كان في أصل ميلاده ~~ذكرا، فقد زال عنه عضو شريف وأصل قوي لجوهر الحرارة الغريزية. ولذلك نقصت ~~حرارته وزالت عن مقدار حركة الذكر قليلا. ولهذه الجهة صار مزاجه متوسطا بين ~~مزاج الذكر ومزاج الأنثى وفعله كذلك لأنه أقل إسخانا للأبدان من الذكر، ~~وأكثر في ذلك (1) من الأنثى. وكذلك هو أيضا أبطأ انهضاما من الذكر وأسرع في ~~ذلك من الأنثى. وبهذا الوزن والقياس صار الدم المتولد عنه أفضل من دم ~~الأنثى وأقل فضلا من دم الذكر، وصار غذاؤه كذلك، إلا في الماعز فقط فإن ~~غذاء الخصي منه أفضل من غذاء الذكر وأقل فضلا من غذاء الأنثى. # وإذ أتينا على ما أردنا شرحه من الفرق بين طبيعة الذكر والأنثى من كل ~~حيوان، وطبيعة ما ليس بذكر ولا أنثى، فلنرجع إلى ما كنا وعدنا به من ~~الاخبار عن الوجوه التي منها اختلف غذاء الحيوان في جودته ورداءته وسرعة ~~انهضامه وإبطائه، ونجعل ابتداء كلامنا في المزاج إذ كان أسبق في الطبع ~~وأولى بالتقدم على غيره. # PageV00P090 # في اختلاف غذاء الحيوان من قبل مزاجاتها وطبائعها أما مزاج الحيوان ~~فيختلف على ثلاثة ضروب: وذلك أن منه ما هو في طبيعته معتدل في ms089 رطوبته ويبسه ~~إلا أنه يكون على ضربين، إما باردا مثل الرضيع من الماعز، وإما حارا مثل ~~الفتي من الضأن. ومنه ما الغالب على مزاجه اليبوسة إلا أنه أيضا على ضربين، ~~إما حار مثل الهرم من الضأن، وإما بارد مثل الفتي من الماعز. ومنه ما ~~الغالب على مزاجه الرطوبة، إلا أنه أيضا يكون على ضربين (1) فما كان من ~~الحيوان في طبيعته متوسطا بين الرطوبة واليبوسة، كان في سرعة انهضامه وجودة ~~غذائه أفضل وأسرع وأسبق من غيره كثيرا، ولا سيما متى كان فتيا لا هرما ولا ~~رضيعا لأنه إن كان هرما اكتسب يبسا وجفافا وزال عن الاعتدال، وصار لحمه ~~ليفيا. وإن كان رضيعا اكتسب رطوبة ولزوجة زال بها مزاجه عن الاعتدال وعسر ~~انهضامه وولد بلغما غليظا إلا أن يكون الحيوان في طبيعته جافا يابسا مثل ~~الماعز والبقر، فيكون قربه من اللبن يكسبه رطوبة محمودة يعتدل بها يبس ~~مزاجه من قبل أن كل حيوان يغلب على مزاجه اليبس فهو مطبوع على الفساد، إلا ~~أن يكون في الرضاع أو قريب من الرضاع، فيكسبه اللبن رطوبة يعتدل بها مزاجه. # ولذلك صار الرضيع من الماعز، وبعده البقر، أحمد وأفضل مما كان فتيا أو ~~هرما، لان الحيوان إذا كان في مزاجه جافا، وكان مع ذلك فتيا، اجتمع له ~~اليبس من الجهتين جميعا، وولد دما غليظا سوداويا. إلا أنه إذا كان من ~~الحيوان أبرد مثل الماعز والبقر، كان فساده أقل. ومتى كان من حيوان أسخن ~~كان فساده أكثر من قبل أن اليبوسة متى كان معها حرارة، أحرقت وجففت وأسرعت ~~إلى الفساد. ومتى كانت حرارتها أضعف بالإضافة إلى غيرها وأميل إلى البرودة، ~~كان إحراقها أقل وتجفيفها أضعف وبعدت من الفساد قليلا. # وأما الحيوان الذي هو في طبيعته رطب، فإن لحمه يكون رخوا لينا سريع ~~الانحدار عن المعدة والمعاء. ولذلك صار من خاصته توليد الخلط البلغماني ~~اللزج، إلا أنه متى كان من حيوان أسخن مثل # PageV00P091 # الفتي من الضأن، كان أفضل مما كان من حيوان أبرد مثل غيره، لان هذا ~~الأخير ms090 أقل الحيوان حرارة وأكثرها رطوبة. ولذلك نسبته الأوائل إلى برودة ~~الزيت الانفاق، ولهذه الجهة صار غليظا بطئ الانهضام عسير النفوذ في العروق ~~من قبل أن كثرة الرطوبة تحتاج إلى حرارة تعين على هضمها وتطرق لها، وإلا ~~تفججت وعسر انهضامها. # وأما اختلاف غذاء الحيوان من قبل سنه فيكون على أربعة ضروب: لان منه ~~الصغير جدا مثل الرضيع القريب العهد بالولادة، ومنه الفتي البعيد من ~~الولادة إلا أنه بعد في النشوء أعني الحولي، ومنه الفتي الذي قد انتهى في ~~النمو، ومنه الهرم الطاعن في السن. # فأما السن الأول: أعني الرضيع، فلحمه أرطب وألين، ولذلك صار مخصوصا بزلق ~~المعدة وإطلاق البطن وتوليد الدم البلغماني الكثير الفضول، إلا أن يكون من ~~حيوان أيبس بالطبع مثل البقر وبعده الماعز، فإن رطوبة سنه وقربه من اللبن ~~يعدل يبس مزاجه النوعي، فيقل فساده ويحسن غذاؤه ويصير فاضلا محمودا كما ~~بينا مرارا حيث قلنا أن الرضيع من الماعز والبقر أحمد اللحمان وأفضلها غذاء ~~لان الغذاء المتولد عنها في غاية الجودة وحسن الاستمراء، وبخاصة متى كان ~~رضاعها من لبن محمود، فما يتولد عنه من الغذاء أحمد وأفضل. # ولمثينساوس الأثيني في هذا قول قال فيه: إن الجداء والعجول متى كان ~~رضاعها من لبن أجود، كان لحمها أفضل لأنه يكون أنعم وألذ، من قبل أن قوة ~~اللبن باقية فيه بعد، ولذلك صار كلما طال شرب الحيوان اللبن، كان لحمه أعذب ~~وغذاؤه أفضل وأجود وانهضامه أسرع. غير أن الجداء فيما ذكرنا، أخص وأوجد (1) ~~وإليه أسبق. ولذلك صار دمه ألطف وغذاؤه لجميع الناس أوفق، وبخاصة للناقهين ~~(2) من الأمراض. فأما لحم العجول فيختلف عن ذلك قليلا، لان الدم المتولد ~~عنها أغلظ مما نحتاج إليه، من قبل أن البقر في طبيعته أغلظ لحما وأبعد ~~انهضاما. ولهذه الجهة صار لحم العجول، وإن كان في ذاته محمودا، غير موافق ~~للناقهين من الأمراض لان أعضاءهم تضعف عن هضم شئ فيه غلظ. وإن كان الحيوان ~~الرضيع من حيوان هو أرطب بالطبع، كان مذموما جدا لان الرطوبة قد اجتمعت له ms091 ~~من جهتين: من سنه ومن طبيعته. ولذلك اكتسب لزوجة وغلظا وصار عسير الانهضام ~~فاسد الغذاء، لأنه يولد فيمن كان مزاجه مرطوبا رطوبة بلغمانية لزجة، وفيمن ~~كان مزاجه يابسا، بخارات قوية قريبة من الدخانية. # ولذلك صار صغار ذوات اللحم البارد وبعدها الرضيع من الضأن مذمومة الغذاء ~~جدا، وإن كانت الأولى أخص بذلك كثيرا، من قبل قلة حرارتها بالطبع، وغلبة ~~اللزوجة على رطوبتها. ولهذا وجب أن تتوقى وتحذر دائما. ولذلك قال مثنيساوس ~~الأثيني: أن بارد اللحم لا خير في غذائه إذا كان (3) رضيعا. # وللفاضل أبقراط في هذا النوع من اللحم قول (4) قال فيه: إنه أعسر انهضاما ~~وأغلظ من لحم الفتي منه. من # PageV00P092 # قبل أن هذا اللحم في طبيعته ضيق العروق جدا، قليل الدم، كثير الشحم، فإذا ~~كان صغيرا كان البلغم على مزاجه أغلب. ولذلك وجب أن لا يقربه أحد إلا عند ~~الاضطرار، بعد أن يكون مزاجه محرورا جافا حسن القوة جدا. ولم يقنع بهذا ~~القول، حتى قال: ويكون مع ذلك كثير التعب دائم الرياضة. # وأما السن الثاني من الحيوان، أعني الحولي الكائن بعد في النمو، فإنه أقل ~~رطوبة ولزوجة مما كان في الرضاع، ذلك لبعده من رطوبة الرحم واللبن جميعا. ~~ولذلك صار أصلب لحما وأقل فضولا وأعدل غذاء. من ذلك صار أسرع انهضاما وأبعد ~~انحلالا من الأعضاء وبخاصة متى كان من حيوان أرطب بالطبع مثل الضأن، لان ~~الغذاء المتولد عنه يكون معتدلا متوسطا بين الرطوبة واليبس، من قبل أن ~~رطوبة مزاجه تعتدل بتنشؤ سنه. لذلك صار موافقا لمن لم يكن شابا ولا قوي ~~البدن ولا كثير التعب. # ولمثنيساوس في هذا قول قال فيه: إن أوفق ما كان لحم الضأن من بعد انقطاع ~~اللبن من ولادة حيوانه وقت إدراكه وطلبه النزو (1). فإن كان هذا السن من ~~الحيوان أيبس بالطبع كان لحمه أغلظ وأعسر انهضاما لما فيه من زيادة اليبس ~~قليلا. ولذلك صار النامي من البقر، وبعده الماعز، أقرب إلى الذم منه إلى ~~الحمد. # وأما السن الثالث، أعني الفتي، فإن اليبس أغلب على مزاجه ms092 كثيرا، ولذلك ~~صار لحمه أصلب وأغلظ وأعسر انهضاما، إلا أنه إذا انهضم في المعدة والكبد ~~جميعا، كان الغذاء المتولد عنه كثيرا، قويا، قليل الفضول جدا، بعيد ~~الانحلال من الأعضاء، ذلك لقلة رطوبته وبعده من اللزوجة. ولذلك صار، متى ~~كان من حيوان أرطب بالطبع، غذاء من استمرأه من الشباب وأصحاب الرياضة ~~والتعب غذاء كثيرا قويا بعيد الانحلال من الأعضاء جدا. ولذلك صار لحم الفتي ~~من الضأن، على غلظ رطوبته، متى انهضم كان أبعد انحلالا من الأعضاء وصار، ~~لقوة الأعضاء وشدتها، أفضل منه في حفظ الصحة ودوامها. وإن كان من حيوان ~~أيبس بالطبع، كان غذاؤه مذموما جدا لاجتماع اليبس فيه من الجهتين جميعا: من ~~سنه ومن مزاجه النوعي. ولذلك صار الفتي من الماعز والبقر مذموما جدا، لأنه ~~أصلب لحما وأعسر انهضاما. وإذا انهضم ولد دما غليظا سوداويا. # وأما السن الرابع، أعني الهرم، فإنه من كل حيوان مذموم جدا لا يجب ~~استعماله دائما. وذلك لجهتين: إحداهما: ضعف حرارته الغريزية بالطبع وقربها ~~من الانطفاء، والثانية: أن لحمه أكثر اللحمان يبسا وجفافا، ذلك لقرب رطوبته ~~الغريزية من الفناء. ولهذا صار لحمه جافا عصبيا. ولذلك صار أبعد الأسنان ~~(2) من الاستحالة والانهضام حتى لا يكاد أن يقبل النضج أصلا. ومن قبل ذلك ~~صار دمه مذموم الغذاء جدا، وبخاصة متى كان من حيوان في طبيعته جافا يابسا ~~مثل البقر وبعده الماعز، لان الذم يلحقهما # PageV00P093 # من جهتين: من يبس مزاجهما ومن يبس سنهما. ولذلك قال جالينوس: إن ما كان ~~من الحيوان جافا بالطبع مثل البقر وبعده الماعز، فما دام صغيرا فلحمه أجود ~~وغذاؤه أحمد واستمراؤه أسرع، لان فضل رطوبة سنه يعدل يبس مزاجه، وكل حيوان ~~أرطب مزاجا مثل الضأن وغيره. وكلما استكمل كان أفضل في استمرائه وغذائه ~~جميعا لان رطوبة مزاجه يعدل يبس سنه. # وله في مثل ذلك قول آخر قال فيه: إن ما يكون من الحيوان أسن، فأعضاؤه أجف ~~وأصلب وأبطأ انهضاما. وما كان فتيا، فأعضاؤه ألين وأرطب وأسرع انهضاما إلا ~~أن يكون رضيعا، فيكون بلغمانيا وبخاصة متى ms093 كان من حيوان أرطب بالطبع. # وله قول آخر قال فيه: إن جميع الحيوان الطائر والماشي ما دام في النشوء، ~~فلحمه أفضل من لحم ما قد ولى وقارب النقصان. وما كان متوسطا بين ذلك كان في ~~جودة غذائه ورداءته متوسطا بين الحاشيتين وآخذا من كل واحد بقسطها على حسب ~~قربه من كل واحد منهما وبعده منهما. PageV00P094 # في اختلاف غذاء الحيوان على حسب المراعي قد تقدم من قولنا أن من الحيوان ~~بري وحضري. وأن دم الحيوان البري أرق وأحد وألطف، إلا أنه أيبس وأجف وأقل ~~غذاء لما بينا من كثرة حركته وحرارة هوائه الذي يأوي فيه، بدوام وقوع الشمس ~~عليه، واتساع مسامه وكثرة ما يتحلل من رطوبات بدنه وفضوله، وقلة أكله ~~وشربه، ولطافة غذائه. وأن دم الحضري على خلاف ذلك لأنه أرطب وأغلظ وأكثر ~~لزوجة وأغذى. ذلك لقلة حرارة هوائه الذي يأوي فيه وضعف حركته، ودوام سكونه، ~~وكثرة أكله وشربه، وضيق مسامه لغلظ غذائه، الا انه ينقسم على ثلاثة أقسام: ~~وذلك أن منه ما يرعى الحشيش الجل العظيم المقدار كالبقر وما شاكلها. ومنه ~~ما يرعى الحشيش الغض القليل المقدار كالضأن وما شاكلها. ومنه ما يرعى أطراف ~~أغصان الأشجار كالماعز وأمثاله. # وما كان منه يرعى الحشيش الجل العظيم المقدار، فأردأ حالاته وقلة لحمه ~~وفساد غذائه يكون في الشتاء وأول الربيع إلى وسطه، لأنه في ذلك الوقت يكون ~~مهزولا مذموم الغذاء لقلة امكان الحشيش الجل في مثل ذلك الزمان. فإذا امتد ~~به الزمان قليلا، وأمكن الحشيش وعظم وسهل وجوده، يخصب بدن هذا النوع من ~~الحيوان ويرطب لحمه ويعذب، وصار ما يتولد منه من الغذاء ألذ وأحمد. ولذلك ~~قال جالينوس: # ان كل حيوان يجد من الغذاء الموافق لمزاجه ما يشبعه، فلحمه ألذ وأحمد. ~~وما لا يجد الغذاء الموافق لمزاجه ما يشبعه، فلحمه أبشع وأردأ. # وما كان من الحيوان يرتعي الحشيش الغض الصغير المقدار، فان أحسن حالاته ~~تكون في أول الربيع ووسطه في الوقت الذي تزهو فيه الأرض وتنور الأعشاب ~~والنبات، وذلك لامكان وجود الحشيش الغض ms094 الطري في مثل هذا الوقت من الزمان. ~~وما كانت هذه حاله من الحيوان ففي ذلك الوقت يكون جسمه أعبل (١) ولحمه أعذب ~~وغذاؤه أحمد. # فأما ما كان <من> (2) الحيوان يرتعي أطراف أغصان الأشجار في هذين ~~الوقتين يكون أرطب وألين وأمكن وجودا. # PageV00P095 # وللفاضل أبقراط، في غذاء المواشي، قول قال فيه: ان ما كان من الحيوان ~~يرعى في المزارع والغياض، فهو أخف وألطف مما يعلف في المنازل والدور. من ~~قبل انه متواتر الحركة دائم التعب ويستنشق أيضا هواء لطيفا جافا، فيقل لذلك ~~أكثر رطوبته الفضلية، وتزول فضول بدنه ويعتدل مزاجه. وكذلك ما كان يرعى ~~الحشيش الغض والعشب اللطيف، فهو أفضل مما كان يرعى النبات الرطب. وما كان ~~يرعى ورق الأغصان الرطبة، فهو أفضل وألطف مما كان يعتلف الثمر نفسه. وما قل ~~أكله وشربه فهو ألطف وأفضل مما كثر أكله وشربه. # وأما اختلاف غذاء الحيوان على حسب سمنه وهزاله فيكون على ثلاثة ضروب. ~~وذلك أن من الحيوان السمين جدا، ومنه الغث البين الهزال، ومنه المتوسط بين ~~هاتين الحالتين. وما كان منه مجاوزا (1) للمقدار في الشمس، كان مذموم ~~الغذاء جدا إذا كان من خاصة الشحم على ما بينا مرارا، الاضرار بالمعدة ~~والهضم جميعا لأنه يطفو على الطعام بدءا ويربو وينتفخ ويشبع سرعة. فإذا ~~اختلط بالطعام غلظه بلزوجته ومنع من هضمه حتى إذا اخذ في الهضم لين خمل ~~المعدة وأكسبه لزوجة وسلاسة حتى يصير ذلك سببا لضعف القوة الماسكة وشدة ~~القوة الدافعة، ولذلك صار كثيرا ما يحدث عنه إما زلق المعدة والمعاء فيمن ~~كان مزاج معدته مرطوبا، وإما بخارات دخانية من جنس المرار فيمن كان مزاج ~~معدته محرورا، من قبل ان الحرارة تشتعل في الدسم باطنا كاشتعال النار في ~~الشحم والزيت ظاهرا. ولذلك تلطفت الأوائل في اصلاحه بالصنعة والعمل وأشارت ~~باتخاذه مشويا بملح كثير ونار جمر قوية لتنشف النار أكثر رطوبته المذمومة ~~وتذهب بعاديته لتقارب الاعتدال، ومنعت من مسح ظاهره بشئ من الزيت خوفا ان ~~يسد الزيت مسام جلده، ويحقن الرطوبات المذمومة في باطنه، ويمنع من ms095 انفشاشها ~~وخروجها. وأمرت أيضا من ذلك الا يستعمل من الحيوان السمين الا لحمه الأحمر ~~فقط لان اللحم الأحمر المعرى من الشحم، وان كان من حيوان سمين، فهو أحمد ~~وأفضل من اللحم المخالط للشحم، ولو كان من حيوان غير سمين، وذلك لجهتين: ~~إحداهما: أن اللحم الأحمر المعرى من الشحم، وإن كان في نفسه دسما من حيوان ~~سمين، فليس فيه من غلظ الشحم ما يلصق بالمعدة ويكسبها لزوجة وسلاسة ويستحيل ~~فيها ويفسد، من قبل أن الرطوبة التي فيه رقيقة سيالة سريعة الانهضام في ~~غاية الاعتدال والصحة. ولذلك صار فيها من كثرة الغذاء وقوته وبعد انحلاله ~~من الأعضاء ما يفيد البدن قوة حسنة. # والثانية: لما فيه من لطيف الدسم المخالط للحم يفيد الدم دهنية ودسما ~~لتغذية الحرارة الغريزية ونمائها، إذ كان غذاء الحرارة الغريزية انما هو من ~~لطيف الدسم الكائن في الدم، لان الدسم هيولى للحرارة وعنصرها بالطبع وهو ~~أحد الأسباب الذي وجب به الا يغذى (2) المرضى بشئ من اللحمان ولا غيرها من ~~الأشياء الدسمة، كيلا تجد الحرارة العرضية المولدة للحمى مادة تغتذي بها ~~وتشتغل فيها، فيكون # PageV00P096 # ذلك أوكد الأسباب في زيادة الحمى وقوتها وبعد انحلالها. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: كما أن الزيت والدهن هيولى للنار خارجا، ~~كذلك الشحم والدسم هيولى للحرارة باطنا. # وأما الحيوان الغث المجاوز للمقدار في الهزال، فان لحمه عصبي ليفي (1) ~~قليل الدم والرطوبة، يسير الغذاء جدا. الا أنه لقلة لزوجته، صار أسرع ~~انهضاما وأسهل نفوذا في العروق وأكثر جولانا في البدن من لحم الحيوان ~~السمين، الا انه أبعد من ازلاق المعدة والمعاء، ومنع الاسهال، وأقل أسخانا ~~للبطن، وأبعد من الانقلاب إلى الدخانية وجنس المرار. فأما بعد إزلاقه ~~للمعدة وقلة اسهاله للبطن، فان ذلك لجهتين: أحداهما: أن ليس فيه من الرطوبة ~~واللزوجة ما يلين خمل المعدة ويزلقها لان اليبس عليه أغلب. ولذلك أمرت ~~الأوائل وخاصة روفس. ألا يتخذ اللحم غير الشحم الا مسلوقا أو مطبوخا ليكتسب ~~من الماء رطوبة يعتدل بها يبس مزاجه. والثانية انه لسرعة انفاذه في ms096 العروق ~~لا يبقى منه في المعاء ما يثقلها ويؤذيها ويهيج القوة إلى دفعه بسرعة. وأما ~~قلة إسخانه للبطن وبعد استحالته إلى الدخانية وجنس المرار، فلعدمه الدسم ~~الذي هو غذاء الحرارة ووقودها. # وأما ما كان من الحيوان متوسطا بين الغث والسمين، فإنه في مزاجه وفعله ~~وانفعاله متوسط (1) بين مزاج السمين وفعله، ومزاج المهزول وفعله، لأنه يقوم ~~مقام اللحم الأحمر المعرى من الشحم الكائن من حيوان سمين. ولذلك صار أعدل ~~اللحمان وأفضلها وأحسنها غذاء وأجودها انهضاما من قبل ان ليس فيه من كثرة ~~الشحم ما يلهب الحرارة ويشعلها ويخرجها من حد الاعتدال إلى حد الافراط، أو ~~يلين خمل المعدة ويزلقها ويهيجها إلى دفع الغذاء قبل تمام هضمه، ولا هو ~~أيضا من الهزال وقلة الشحم على حال يوجب ان يكون لحمه ليفيا قليل الدم ~~والغذاء. # ولهذه الجهة، شبهته الأوائل باللحم الأحمر السمين المعرى من الشحم، ومن ~~قبل ذلك وجب على من أراد استعماله ألا يجعل فيه من الملح ما يجفف رطوبته ~~ولا يمكن النار منه تمكنا معه أن تفنى أكثر رطوبته ودهنيته، لكن من الصواب ~~أن يمسح ظاهره بالزيت والملح ويشوي شيئا معتدلا على نار جمر لينة ليسد ~~الزيت مسام جلده ويحقن رطوبته الجوهرية في باطنه ليكتسب بذلك عذوبة ولذاذة ~~واعتدالا أو يصير تحته اناء مملوء (2) ماء ليمنع بخاره ورطوبته قوة النار ~~من التمكن فيه فيفنى أكثر رطوبته الجوهرية. وعلى هذا المثال يجب أن يفعل ~~باللحم الأحمر المعرى من الشحم الكائن من حيوان سمين، وباللحم المهزول أيضا ~~وان كان اللحم المهزول أخص بذلك لغلبة الجفاف عليه وحاجته إلى اكتساب رطوبة ~~يعتدل بها مزاجه. # ولفولوطوس في هذا فصل قال فيه: ان لحم الحيوان المعتدل السمن أفضل وأجود ~~من لحم # PageV00P097 # الحيوان المفرط السمن ومن الذي لا سمن له البتة. وما كان من الحيوان ~~يغتذي بأغذية سريعة الانهضام، كان أفضل مما يغتذي بخلاف ذلك. وما كان من ~~الحيوان في طبيعته رطبا، فذكره أحمد من أنثاه، والمستكمل أيضا خير مما لم ~~يستكمل بعد. وما كان من الحيوان ms097 في طبيعته يابسا، فأنثاه أحمد من ذكره، ~~وغير المستكمل منه خير مما قد استكمل. # فأما اختلاف غذاء الحيوان على حسب أوقات السنة، فقد بينا فيما تقدم ان من ~~الحيوان ما الغالب على مزاجه الحرارة واليبوسة مثل الجزور (1) وما شاكله، ~~ومنه ما الغالب على مزاجه الحرارة والرطوبة مثل الضأن وما شاكله، ومنه ما ~~الغالب على مزاجه البرودة والرطوبة كما ذكرنا، ومنه ما الغالب على مزاجه ~~البرودة واليبوسة مثل البقر والماعز، ومنه ما هو في غاية الاعتدال مثل ~~الجداء الرضع والرضيع من البقر والحولي من الضأن. فما كان منه حارا يابسا ~~كان مذموم الغذاء جدا، الا ان أصلح ما يكون في الشتاء. وما كان منه حارا ~~رطبا فأحمد ما يكون في الربيع وبعده الخريف. وما كان منه باردا يابسا كان ~~مذموم الغذاء أيضا، الا ان احمد ما يكون في النصف الأول من الصيف، لان في ~~الهواء بعدا من الرطوبة ما يحتمل من يبس مزاجه. وما كان منه باردا رطبا، ~~فأحمد ما يكون في وسط الصيف وأردأ ما يكون في الشتاء، وحاله في الربيع ~~والخريف قريب (2) من ذلك. وما كان منه معتدل المزاج، فأحمد ما يكون في ~~الربيع وبعده الصيف. # وللفاضل أبقراط في هذا فصل قال فيه: إن لحم الحيوان البارد في الربيع ~~والشتاء والخريف فليس بالمحمود. وأحمد ما يكون في الصيف. وأما الماعز في ~~الشتاء فردئ جدا، وحاله في الربيع والخريف قريب (1) من ذلك، وأحمده ما يكون ~~في الصيف. وأما الضأن، فأحمد ما يكون في الربيع وفى سوى ذلك من الأزمنة ~~مذموم. وأما البقر فهو في النصف الآخر من الربيع والنصف الأول من الصيف ~~محمود، وفى خلاف ذلك مذموم. # PageV00P098 # الباب الرابع عشر في كيفية استعمال اللحمان بالصنعة فأما (1) اختلاف غذاء ~~اللحمان على حسب الصنعة والعمل فيكون على ثلاثة ضروب: وذلك أن من اللحمان ~~ما يتخذ مشويا، ومنها ما يتخذ مطجنا (2)، ومنها ما يتخذ مسلوقا بالماء ~~والملح، ومنها ما يتخذ مطبوخا بالخل والأبازير (3) وغير ذلك. # فما كان منها مشويا أو مطبوخا كان أكثر ms098 اللحمان غلظا وأبعدها انهضاما ~~وأقوى يبسا وتجفيفا للأبدان، ذلك لقلة ما يبقى فيه من رطوبة اللحم، لتمكن ~~النار منه ومباشرتها له، وقوة فعلها فيه. ولهذه الجهة صار ما ينال البدن من ~~غذائه أقل واصلب. ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: يجب على من أراد أن يشوى ~~لحما ورطوبته التي فيه مذمومة مثل رطوبة اللحم الكثير الشحم، ان يكثر ملحه ~~ويطيل لبثه على النار لتقل رطوبته ويفنى أكثرها. ومن أراد أن يشوى لحما ~~ورطوبته التي فيه محمودة مثل رطوبة الحيوان المتوسط السمن أو رطوبة اللحم ~~الأحمر من حيوان سمين، فلا يمكن النار منه تمكنا يتهيأ معه أن ينشف أكثر ~~رطوبته، لكن يمسحه بالزيت لتحتقن الرطوبة في باطنه وتمتنع من الخروج، وينزع ~~من النار وأكبر رطوبته بعد فيه. ومن قبل ذلك صار الأفضل الا يتخذ اللحم ~~المخالط للشحم الا مشويا بملح كثير ونار جمر قوية لا لهب فيها ليزول أكثر ~~رطوبته رويدا رويدا ويقارب الاعتدال كيلا يزلق من المعدة والمعاء، وينحدر ~~عنها بسرعة قبل نفوذه في العروق، ويوافي حرارة المعدة زائدة وقوتها الماسكة ~~قوية، فيطول لبثه فيها ويستحيل إلى الدخانية وجنس المرار. # فأما المسلوق بالماء والملح، فان الماء يكسبه رطوبة يصير بها أرطب وأكثر ~~وأسرع انهضاما وانحدارا وأسهل نفوذا في العروق وجولانا في البدن. ومن قبل ~~ذلك أشارت الأوائل الا يتخذ اللحم # PageV00P099 # المهزول الا مسلوقا يستفيد رطوبة من الماء يعتدل بها مزاجه إذ كان في ~~طبيعته ليفيا عصبيا. # وأما المطبوخ فهو في طبيعته متوسط بين ما يرطب ويجفف لان الماء وان أكسبه ~~رطوبة، فان الأبازير بعيدة من اليبس والجفاف ما يعدل رطوبته المكتسبة من ~~الماء. ولذلك صار الأفضل ألا يطبخ من اللحمان الا ما كان متوسط السمن، ولحم ~~أحمر سمين معرى من الشحم لتدوم رطوبته واعتداله من غير أن ينقص من رطوبته ~~شيئا ولا يزيد فيها الا انه قد يقع بين ألوان الطبخ اختلاف كثير على حسب ما ~~يدخلها من الأبازير وغير ذلك مما قد يمكن ان يثبت اللحم على حالته وطبيعته ms099 ~~أو يزول إلى أحد الحاشيتين دون الأخرى، لان من الألوان ما يلقب بالاسفيذباج ~~الساذجة وهو المتخذ بالماء والملح والزيت والكزبرة الرطبة والبصل والكمون، ~~ومنها ما يتخذ بالخل والمري والسذاب والأبازير الحريفة، ومنها ما يتخذ ~~بالخل والسكر وماء التفاح الحلو والماورد والكزبرة اليابسة، ومنها ما يتخذ ~~بالحصرم وحماض الأترج (1) وماء الرمان الحامض. # فما كان منها متخذا بالماء والملح والزيت وما عددنا من الأبازير، كان ~~قريبا من المسلوق في رطوبته ولينه، وما كان منها مطيبا بالخل والمري ~~والسذاب والأبازير الحريفة، كان قريبا من المطجن في حرارته وتجفيفه، وما ~~توسط بين هذين اللونين كان أقرب إلى التوسط والاعتدال الا ان أعدلها ~~وأبعدها من الحاشيتين جميعا اللون المعروف بالزيرباج المتخذ بالخل والسكر ~~والكزبرة اليابسة وماء التفاح العذب والماورد، وكذلك اللون المعذب بماء ~~الرمان وماء التفاح والعنب، ذلك لتوسط هذين اللونين واعتدالهما في الحرارة ~~والبرودة والرطوبة واليبوسة. وأما المطيب بماء الحصرم وحماض الأترج والرمان ~~الحامض، فهو أكثر أنواع الطبخ تبريدا وتخفيفا وتقوية للمعدة، ولذلك صار ~~نافعا للاسهال المري الكائن من ضعف القوة الماسكة في المعدة والكبد جميعا. # وأما المتخذ بالخل والمري والسذاب والأبازير، فهو أكثر أنواع الطبخ حرارة ~~ويبسا، إلا أنه دون المطجن المطيب بالأبازير الحريفة في الحرارة والتجفيف ~~كثيرا. ولهذه الأسباب وجب أن يتخذ كل نوع من أنواع الحيوان بلون ما، إما ~~مشاكلا لطبيعته ومزاجه وسمنه وهزاله، وإما مشاكلا لطبيعة المغتذى به. # فأما اتخاذه على حسب طبيعة الحيوان ومزاجه وسمنه وهزاله، فقد كنا بينا ~~ذلك آنفا حيث قلنا: إن من الحيوان ما هو في طبيعته رطب اللحم ومثل الرضيع ~~من الضأن. ومنه ما هو في طبيعته حار مثل الجزور وبعده الفتي من الضأن. ومنه ~~ما هو في طبيعته بارد اللحم مثل الماعز وبعده البقر. # ومنه ما هو في طبيعته معتدل مثل الجداء الرضع وبعده العجول. فما كان منها ~~في طبيعته يابسا، وبخاصة إن كان مع ذلك مهزولا ليفيا، كان الأفضل أن يتخذ ~~بماء وملح وأسفيذباجة ساذجة، ليكتسب من الماء رطوبة يعتدل بها يبس مزاجه ms100 أو ~~جفاف هزاله. وما كان منها في طبيعته رطبا كان من الواجب أن # PageV00P100 # يتخذ مشويا أو مطجنا أو مطيبا بالأبازير الحارة الحريفة ليكتسب بذلك يبسا ~~وجفافا. فان كان مع ذلك سمينا، وجب أن يتخذ مشويا بنار لينة قوية وملح ~~كثير. وما كان في طبيعته حارا وجب أن يتخذ بالحصرم والرمان الحامض وحماض ~~الأترج وقضبان الرجلة الا ان تكون طبيعة المستعمل له يابسة (١) فيتخذه ~~بالخل وماء القرع والقثاء والخيار وقلوب الخس ليكتسب بردا يعدل به حرارته. ~~وما كان منه في طبيعته باردا وجب ان يتخذ بماء النعناع والكرفس والسذاب ~~والبر والأبازير الحارة والشراب الريحاني. وما كان منه في طبيعته معتدلا ~~كان الأفضل ان يتخذ بما يثبت مزاجه على حالته ولا يكسبه حالا يميل إلى أحد ~~الكيفيات دون الأخرى، وهو ان يتخذ اما زيرباج مطيبة بالخل والسكر وماء ~~التفاح العذب والماورد والكزبرة الرطبة واليابسة وبشئ من بصل والزعفران ~~والكمون واليسير الحقير من الفلفل. وإما معذبة بماء الرمان الحلو والتفاح ~~العذب الذكي الرائحة وشئ من ما ورد. وإما سكباجة ساذجة معراة من الثوم ~~ومعذبة بماء الرمان الحلو أو بسكر طبرزد. # وأما اتخاذ اللحمان على حسب مزاج المستعمل لها وطبيعته، فإنه ان كان مزاج ~~المستعمل لها محرورا كان الأفضل أن يستعمل منها ما كان <في> طبيعته ~~باردا مثل اللون المتخذ بالخل وماء الرمان الحلو أو التفاح العذب الذكي ~~الرائحة والماورد، الا أن يكون في طبيعته لينا، فيتخذه بماء الحصرم وحماض ~~الأترج والرمان الحامض. وإن كان مزاج المستعمل له باردا وجب أن يتخذ منه ما ~~كان في طبيعته حارا مثل اللون المطيب بالخل والمري والشراب والسذاب والكرفس ~~والنعناع وورق الأترج والزنجبيل والدار فلفل، الا ان يكون مع ذلك إسهال، ~~فيتخذه إما مشويا، وإما مطجنا بشراب مرواح أو شراب عسل. وإن كان مزاج ~~المستعمل له معتدلا، كان الأفضل أن يستعمل منه ما كان في طبيعته متوسطا مثل ~~اللون المعروف بالزيرباج أو السكباج السليمة من الثوم المعتدلة بماء الرمان ~~الحلو أو بالسكر طبرزد. # فقد بان من قوة ms101 كلامنا أن من اللحمان ما يحتاج أن يكسب بالصنعة والعمل، ~~إما حرارة وإما برودة، وإما رطوبة وإما يبوسة. ومنها ما يحتاج أن يحفظ على ~~طبيعته التي هو عليها ولا يغير تغييرا يكسبه إلا لذاذة فقط. ولذلك وجب ألا ~~يقاس بين جنسين مختلفين من الحيوان في نوعين من الطبخ متباينين، فيقال: ~~أنهما أحمد وأنهما أذم، لأنه قد يمكن أن يتساويا جميعا (2) في الحمد والذم، ~~من قبل أنه قد يتهيأ في كل واحد منهما أن يكون في النوع الذي قصد به الطبخ، ~~محمودا أو مذموما. مثال ذلك: أن إنسانا لو قاس بين ضأن مشوي وماعز مسلوق ~~لوجدهما جميعا قد اتفقا في الحمد وجودة الصنعة، لان الضأن لكثرة رطوبته، ~~يحمد أن يكون مشويا، والماعز لزيادة يبسه، يحمد أن يكون مسلوقا. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إنه لا ينبغي أن يقاس بين لحم حيوان مشوي ~~من جنس، وحيوان مطبوخ من جنس آخر. كما لا يجب أن يقاس بين حيوان مخصب من ~~جنس وحيوان مهزول من # PageV00P101 # جنس <آخر> لان ذلك لا ينقاس ولا يقوم ببرهان لان القياس انما يجب ~~ان يكون بين جنسين من الحيوان مختلفين إذا كانا على مقدار واحد من السمن ~~والهزال، وفى نوع واحد من أنواع الطبيخ، ليعلم أيهما أفضل في تلك الحال من ~~السمن والهزال، وأيهما أحمد في ذلك النوع. مثال ذلك: أن انسانا لو قاس بين ~~ضأن وماعز سمينين، لوجد الماعز أفضل لان رطوبة الشحم تعدل يبس مزاج الماعز ~~النوعي وترطب لحمه وتصيره محمودا، وتزيد في رطوبة الضأن وتكسبه لزوجة وغلظا ~~وتصيره مذموما. وكذلك لو قاس بين ضأن وماعز مشويين، لوجد الضأن أفضل لان ~~يبس النار يجفف أكثر رطوبة الضأن الفضلية ويعدل مزاجه ويصيره محمودا ويزيد ~~في يبس الماعز ويصيره قحلا جافا مذموم الغذاء. وعلى هذا الوزن والقياس يجب ~~ان يقاس بين نوعين من الطبيخ في جنس واحد من الحيوان ليعلم أي النوعين من ~~الطبيخ أفضل لذلك الحيوان. وذلك لو أن إنسانا لو قاس بين ضأن مشوي وضأن ~~مطبوخ، ms102 لوجد المشوي أفضل للسبب الذي قدمنا ذكره مرارا، ولو قاس بين ماعز ~~مشوي ومطبوخ لوجد المطبوخ أفضل. PageV00P102 # الباب الخامس عشر في اختلاف أعضاء الحيوان وما يختص به كل واحد منها دون ~~غيره من جودة الغذاء ورداءته وسرعة الاستمراء وإبطائه أما أعضاء الحيوان ~~فإن بعضها يخالف بعضا لوجوده ثلاثة: أحدها: من تركيبها، والثاني: من حركتها ~~وسكونها، والثالث: من مواضعها وأماكنها. # فأما تركيب الأعضاء فيكون على ثلاثة ضروب: وذلك أن منها ما تركيبه يابس ~~عصبي مثل الجلود والكروش والمعاء والأعصاب والغضاريف (1). ومنها ما تركيبه ~~لين رخو مثل الشحم والمخ والدماغ والنخاع. ومنها ما تركيبه معتدل متوسط بين ~~الصلابة والليانة مثل لحم العضل وسائر اللحمان المعرى من الشحم وبخاصة متى ~~كانت من حيوان معتدل في السمن. فما كان من الأعضاء تركيبه يابسا عصبيا، كان ~~الغالب على مزاجه البرودة واليبوسة. ولذلك صار أعسر انهضاما وأكثر أتعابا ~~للمعدة وأبعد من الاستحالة إلى الدم، لان ما كان من الغذاء في طبيعته يابسا ~~قليل الدم والرطوبة، احتاج قبل استحكام نضجه وانتقاله إلى الدم، إلى مدة ~~أطول. ولذلك صار ما يتولد منه من الغذاء يسيرا لان مقدار له (2) عند الطباع ~~وبخاصة متى كان من حيوان مهزول أو حيوان هرم أو حيوان يابس المزاج بالطبع ~~مثل البقر والماعز. # واما ما كان من حيوان فتي، أو حيوان صغير، أو حيوان سمين، أو أرطب مزاجا ~~بالطبع مثل الضأن، فإنه إذا انهضم غذى غذاء كثيرا طويل اللبث في الأعضاء، ~~بعيد الانحلال منها. من قبل أن يبس مزاج الأعضاء يعتدل برطوبة مزاج الحيوان ~~أو برطوبة الشحم إن كان الحيوان سمينا. ولذلك صارت الأعضاء الصلبة العصبية ~~من الضأن أكثر تغذية وتقوية للأعضاء منها إذا كانت من حيوان آخر. # وأما ما كان من الأعضاء تركيبه لينا رخوا، فان الغالب على مزاجه الحرارة ~~والرطوبة، أو الرطوبة # PageV00P103 # فيه أزيد من الحرارة كثيرا، كانت رطوبته مجاورة للمقدار المعتدل الا انه ~~ينقسم ثلاثة اقسام: وذلك أن منه ما هو سيال مياع مثل دسم اللحم الأحمر ~~الكائن من حيوان سمين، ms103 أعني الدهنية الموجودة في تخلخل اللحم السمين. ومنه ~~الغليظ الجامد المحرم على بني إسرائيل في التوراة، مثل شحم الثرب (١) ~~والكلى. ومنه السمين المتوسط بين هاتين المرتبتين مثل الشحم الرطب اللين ~~المخالط للحم والعظم، أعني شحم الأضلاع والأكتاف والخواصر وغير ذلك (٢) مما ~~أحلته التوراة لبني إسرائيل. # وأما الضربان (٣) الأول والثالث منها (٤): أعني الدسم والسمين، فان ~~سيلانهما وانمياعهما يدلان على أن الغذاء المتولد عنهما متوسط بين الرقة ~~والغلظ. وأما الضرب الثاني: أعني الشحم الغليظ الجامد، فان جموده وغلظه ~~يدلان على أن الغذاء المتولد عنه غليظ لزج لان الشحم في طبيعته أغلظ من ~~الدسم والسمين كثيرا. ولذلك قال جالينوس: ان الشحم على ضربين: لان منه ما ~~هو لين رخو وهو الذي إذا ذاب بحرارة النار وبرد بقي بمنزلة الزيت العتيق ~~الذي قد غلظ قليلا لقدمه. ومنه ما هو غليظ جامد وهو الذي إذا ذاب بحرارة ~~النار وبرد، جمد بسرعة وغلظ، وهذا النوع من (٥) خاصة يكون على ضربين: وذلك ~~أن منه ما هو من حيوان مائي مثل السمك. ومنه ما هو من حيوان ارضى مثل ~~المواشي. # فما كان منه من حيوان مائي ذاب سريعا ولم يجمد سريعا. وما كان منه من ~~حيوان ارضى، فإنه لا يكاد أن يذوب سريعا لكنه يجمد بسرعة. ولذلك صار شحم ~~الحيوان المائي أكثر من دسمه، ودسم الحيوان الأرضي أكثر من شحمه. وقد يستدل ~~على ذلك من جهتين: إحداهما: حسا والأخرى (٦) قياسا. أما من الحس فلانا إذا ~~لمسنا لحم الحيوان الأرضي اكتسبت (٧) يدنا منه دسما زيتيا ودهنية ظاهرة. ~~وإذا تطاعمناه وجدنا له عذوبة ودسومة. وأما الحيوان المائي فليس كذلك لأنا ~~إذا لمسناه لم تعلق بأيدينا منه الدهنية الا اليسير جدا، إذا كان سمينا، ~~وإذا تطاعمناه لم نجد من العذوبة والدسومة ما نجده للحيوان الأرضي. # ولذلك صار الانسان يقدر ان يأكل من الحيوان المائي ما لا يقدر <أن> ~~يأكله من الحيوان الأرضي، من قبل ان عذوبة الحيوان الأرضي وكثرة دسمه تشبع ~~بسرعة. # وأما من القياس فلان الحيوان المائي أكثر رطوبة بالطبع، ms104 والرطوبة إذا ~~كثرت في الحيوان فضل أكثرها من غذاء الأعضاء واحتاجت الأعضاء إلى أن تقذف ~~ما فضل من غذائها وترسله عنها إلى باطن البدن وعمقه، لأنه مغيض للفضول، ~~فإذا صار هناك وكثر، انطبخ طبخا ثانيا وغلظ وجمد وصار شحما. # وأما الحيوان الأرضي، فليس كذلك لان رطوبته بالإضافة إلى رطوبة الحيوان ~~المائي أقل كثيرا، وإذا قلت الرطوبة في الحيوان نقصت عن غذاء الأعضاء، ~~واحتاجت الأعضاء إلى أن تسلبها إليها دائما # PageV00P104 # لحاجتها إلى الغذاء، وإذا استلبتها إليها انتشرت في اللحم وذابت بحرارة ~~اللحم الغريزية وصارت دسما سيالا سمينا. ولذلك صار كل حيوان في طبيعته رطبا ~~أكثر شحما وأقل دسما. ولهذه الجهة صار الشحم في بعض الحيوانات أكثر وأغزر ~~لزيادة الرطوبة على مزاجها بالطبع. والدسم في البقر أكثر وأغزر لغلبة ~~اليبوسة على مزاجه بالطبع. # فقد بان مما ذكرنا أن الدسم أسخن وألين من الشحم، ذلك لما فيه من زيادة ~~الحرارة الغريزية المكتسبة من حرارة اللحم المجاورة له. وأما الشحم فإنه ~~أبرد وأغلظ وأقل رطوبة من الدسم كثيرا، ذلك لبعده من حرارة اللحم ورطوبته ~~وإن كانا جميعا في الجملة، أعني الشحم والدسم، قليلي الغذاء مذمومين. ولذلك ~~وجب ألا يستعمل على سبيل الغذاء، لكن لتطييب اللحم فقط، من قبل أن كل واحد ~~منهما في ابتداء امره، يربو في المعدة ويملأ جرمها ويشبع بسرعة ويفسد ما ~~يوافي في المعدة من الطعام، لأنه بدهنيته يطفو على الطعام ويعود عليه. فإذا ~~اختلط به أكسبه لزوجة وغلظا ومنعه من الانهضام، ولبث في المعدة زمانا حتى ~~تستغنى به عن استئناف غذاء ثان (1). فإذا صار الطعام إلى الهضم كان من ~~خاصته أنه يلين خشونة المعدة ويزلق ما فيها ويجذبه بسرعة، ويحول بين لطيف ~~الطعام وبين النفوذ في عروق الماساريقا التي ينفذ فيها لطيف الغذاء ومصايته ~~إلى الكبد، ولا يصل إلى الأعضاء من غذائه الا مقدار يسير مذموم لأنه يولد ~~سددا وينقلب إلى الخام الغليظ أو إلى البلغم الرقيق بسرعة على حسب طبيعته ~~في ذاته لأنه ان كان غليظا جامدا (2) مثل شحم ms105 الكلى والثرب، كان ما يتولد ~~منه بالخام الغليظ أشبه، أو إليه أقرب. فان كان دهنيا سيالا مثل الدسم ~~الكائن في تخلخل اللحم، كان ما يتولد عنه بالبلغم الرقيق أشبه واليه أقرب. # ولروفس في هذا فصل قال فيه: إن الأعضاء لا تنال من الشحم والدسم من ~~الغذاء حسب ما يمليان المعدة ويشبعان. أراد بذلك أن الشبع يقع منهما أكثر ~~من تغذيتهما للأعضاء، لان كل واحد منهما يربو في المعدة ويملأ جرمها ويشبع ~~بسرعة. فإذا أخذ في الهضم، انحدر عن المعدة والمعاء قبل نفوذه في العروق. ~~ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن ما كان من الأعضاء السمن فيه أكثر، ~~فالشبع من يقع أزيد وانحداره أسرع. وما كان من الأعضاء السمن فيه أقل، ~~فالشبع منه يقع أهضم وانحداره عن المعدة أبعد (3). # PageV00P105 # في الوجه الذي له اختلف الشحم في غذائه وفعله الشحم في جملته يسخن ويرطب، ~~الا انه يختلف في القوة والضعف لأسباب خمسة: أحدها: # جنس الحيوان الذي هو منه. والثاني: طبيعة الحيوان ومزاجه. والثالث: سن ~~الحيوان ومقدار زمانه. # والرابع: طراء (1) الشحم في نفسه أو قدمه. والخامس: ما تحدث فيه الصنعة ~~والعمل. # فأما اختلافه من جنس الحيوان الذي هو منه فيكون على ضروب: وذلك أن منه ما ~~يكون من حيوان ذكر. ومنه ما يكون من حيوان أنثى. ومنه ما يكون من حيوان قد ~~أخصي فخرج عن طبيعة الذكر والأنثى. # فما كان منه من حيوان ذكر، كان أسخن وأجف. وما كان منه من حيوان أنثى كان ~~بالإضافة إلى ما كان منه من حيوان ذكر، أقل حرارة وأرطب. وما كان منه من ~~حيوان خصي كان متوسطا بين ترطيب الأنثى وتجفيف الذكر. ولجالينوس في هذا فصل ~~قال فيه: إن شحم الأنثى من كل حيوان أرطب وأقل إسخانا. وشحم الفحل أسخن من ~~شحم الخصي وأكثر تجفيفا. وأما اختلاف الشحم من قبل طبيعة الحيوان الذي هو ~~منه، ومزاجه، فيكون على ستة ضروب، لان كل شحم فهو بمزاج حيوانه الذي هو ~~منه. ولذلك صار متى كان من حيوان أسخن، ms106 كان إسخانه أكثر. ومتى كان من حيوان ~~أبرد، كان إسخانه أقل. ومتى كان من حيوان أعدل، كان حاله في الاسخان ~~والتبريد حالا متوسطة. وكذلك القياس فيما يرطب ويجفف، أعني أنه متى كان من ~~حيوان أرطب، كان ترطيبه للأبدان أكثر. ومتى كان من حيوان أيبس، كان ترطيبه ~~للأبدان أقل. ومتى كان من حيوان قد توسط الرطوبة واليبوسة، كان فعله أيضا ~~متوسطا بين ما يرطب ويجفف. ولهذه الجهة صار شحم الحيوان البارد أكثر ترطيبا ~~للأبدان من غير أن يظهر منه إسخان بين، شحم الأسد أكثر الشحوم تسخينا ~~وأقلها ترطيبا، لان البارد في طبيعته، أرطب الحيوان وأعدلها حرارة، كأنه في ~~حرارته قريب من الاعتدال ومن المزاج المعتدل أو شبيه بالزيت العذب في ~~حرارته فقط. # PageV00P106 # وأما في الرطوبة واليبوسة، فإن بينهما فرقان من قبل أن الزيت في طبيعته ~~يابس، وشحم الحيوان البارد في طبيعته رطب. ولذلك صار دسمه سيالا مياعا ~~وشحمه نافعا من الزحير (١) واللذع الشديد العارض في المعاء، لأنه بلطافته ~~وسيلانه وانمياعه، ينفذ في مسام الأعضاء حتى يصير إلى باطنها بسرعة ويسكن ~~ألمها ويمنع من أذية الفضول اللذاعة لها، وإن كانت هذه الخاصة قد توجد في ~~شحم الإوز أيضا لكثرة رطوبته ولطافته. وأما الأسد فهو في طبيعته أسخن ~~الحيوان وأيبس مزاجا. ولذلك صار شحمه أكثر فشا وتحليلا من سائر الشحوم. ~~ولهذا صار نافعا من التواء العصب وانعقاده، ومن الأورام الجاسئة (٢) ~~المزمنة. وأما شحم البقر فمتوسط بين شحم الأسد وغيره. # وأما شحم الماعز فهو، وإن كان أقل حرارة من شحم البقر، فإنه أسخن وأجف من ~~شحم غيره كثيرا، من قبل أن الماعز، وإن كان بالإضافة إلى أكثر الحيوان ~~المشاء باردا، فإنه بالإضافة إلى المزاج المعتدل أسخن وأيبس كثيرا، والدليل ~~على يبسه جموده بعد إذابته بسرعة، صار نافعا من قروح المعاء إذا احتقن به ~~لا يجمد على الأعضاء ويلحمها بسرعة. ومن خاصته إذا طبخ شحم الحولي منه بكشك ~~الشعير وشرب، نفع من قروح الرئة والمعاء. وكذلك يفعل في كل علة تحتاج إلى ~~التغرية، إذا استعمل ms107 مع الأحساء والتدبير الموافق للعلة. # وأما شحم الضأن فإنه، وإن كان أسخن من شحم الماعز وغيره جميعا، فهو متوسط ~~بينهما في الرطوبة واليبوسة، لأنه أجف من الشحم البارد وأرطب من شحم ~~الماعز. ولذلك صار، إذا احتقن به، كان (٣) أكثر نفعا وأقوى تأثيرا من شحم ~~الأول في العلل الرديئة الكائنة في المعاء المعروف بالقولون <لا> ~~لأنه أجف من هذا الشحم وأكثر تسكينا للذع، لكن لان دسم هذا لا يجمد بسرعة ~~لكثرة سيلانه، وانمياعه، ودسم الضأن يجمد بسرعة لاعتدال رطوبته، وإن كان في ~~سرعة جموده مقصرا عن شحم الماعز كثيرا لزيادة رطوبته على شحم الماعز ~~بالطبع. # ولجالينوس في الشحوم قول قال فيه: إن شحم الأسد أسخن وأيبس من شحم الكلب. ~~وشحم الكلب أيبس من شحم البقر. وشحم البقر أيبس من شحم الغنم. وشحم الغنم ~~أيبس من شحم الضأن. # وشحم الضأن أيبس من شحم غيره. # وأما اختلاف الشحوم من قبل سن الحيوان، فيكون على أربعة ضروب: وذلك أن من ~~الحيوان الصغير جدا الكائن بعد في (4) الرضاع. ومنه الحولي القريب العهد ~~بالرضاع. ومنه الفتي البعيد العهد # PageV00P107 # بالرضاع. ومنه الهرم الطاعن في السن. # فما كان من الشحم من حيوان رضيع أو حيوان حولي قريب العهد باللبن، كان ~~أعدل حرارة وأزيد رطوبة. وما كان من حيوان فتي، كان أكثر حرارة وأقل رطوبة. ~~وما كان من حيوان هرم، كان أبرد وأيبس كثيرا. وما كان من حيوان ذكر، كان ~~أسخن وأيبس مما كان من حيوان أنثى. # وأما اختلاف الشحم من قبل طراه وقدمه، فيكون على ضربين: وذلك أن منه ~~الطري القريب العهد بالخروج من الحيوان. ومنه العتيق البعيد العهد ~~بالحيوان. فما كان منه طريا، كان أقل إسخانا وأكثر ترطيبا. وما كان منه ~~عتيقا، كان أكثر إسخانا وأقل ترطيبا. وكلما ازداد بعدا من الحيوان وعتق، ~~كان أكثر لاسخانه وأقل لترطيبه من قبل أن حرارة الهواء كلما تمكنت منه نشفت ~~رطوبته وأكسبته حرارة وجفافا. # ولذلك قال جالينوس: إن الشحم العتيق أقوى حرارة وأقل رطوبة. ولذلك صار ~~أكثر تحليلا من الحديث ms108 جدا. وقول لذيوسقريدس قال فيه: إن كل شحم أو ثرب ~~يطول زمانه ويعتق، فإن رطوبته تقل وحرارته تزيد، وذلك مقاس في الجبن والعسل ~~والخل لأنا نجدها كلما تعتقت وتباعدت أزمانها، قويت حرارتها وصارت لذاعة ~~قوية على تحليل الأورام الصلبة البطيئة الانحلال والانفشاش. # وأما اختلاف الشحم على حسب ما يلحقه من الصنعة والعمل، فيكون على ضربين: ~~وذلك أنه متى استعمل ساذجا من غير أن يخالطه غيره، كانت قوته بسيطة ساذجة ~~تفعل على حسب طبيعة الحيوان الذي هو منه وقوته ومزاجه وسنه. ومتى أضيف إلى ~~غيره، تركبت قوته وتوسطت بين طبيعة الحيوان الذي ذلك الشحم منه، وبين طبيعة ~~ما يخالطه ويمازجه. ولذلك صار الشحم المملح أكثر إسخانا وتجفيفا مما لم ~~يخالطه الملح، لان الملح يكسبه حرارة وجفافا. # في مخ العظام وأما مخ العظام، فإنه أعذب وأحلى من الشحم والدسم جميعا، ~~لأنه متوسط بين طبيعة الشحم وغلظه، وطبيعة الدسم ولطافته. ولذلك صار أرطب ~~جسما وأنعم من الشحم وأغلظ قواما وأكثف جسما من الدسم. ولهذه الجهة صار ~~فعله أيضا متوسطا بين فعل الشحم وفعل الدسم. # في الدماغ أما الدماغ، فإنه وإن كان في طبيعته حارا رطبا لأنه من جنس ~~الشحم والمخ، فقد وقع له أن كان بالعرض باردا، ذلك لكثرة ما يصل إليه ~~ويناله من برد الهواء المطيف بالرأس لقلة ما على عظم الرأس PageV00P108 # من اللحم والشحم. ولهذا ما ظن قوم أن الدماغ بارد (1) بالطبع، فأقاموه في ~~طبيعته ومزاجه مقام البلغم الغليظ اللزج. وصيروا دليلهم على ذلك من جهتين: ~~إحداهما: من فعله، والأخرى: من انفعاله. فإنهم قالوا: لما وجدنا الدماغ ~~بطيئا في المعدة، عسير الانهضام، مفسدا (2) لشهوة الغذاء، علمنا أن البرد ~~أغلب على مزاجه، واستشهدوا على ذلك بكلام لجالينوس ظنوا أنه مطابق لقولهم ~~موافق لدعواتهم، لان جالينوس قال: إذا أردت أن تهيج القئ، فأطعم الدماغ بعد ~~الطعام بوقت كثير، ولذلك وجب أن لا يستعمله من كانت شهوته ناقصة مقصرة. # وأما ما استدلوا به على برودة الدماغ من فعله، فإنهم قالوا: لما وجدنا ~~الدماغ ينبوع ms109 الحس والحركة، اتضح أنه في طبيعته بارد رطب، لأنه لو كان حارا ~~على دوام حركته لالتهب واحترق وفسدت جوهريته، وهلك الحيوان من قرب. # فأفسدنا عليهم بهذه الدعاوي من جهتين ببرهانين: أحدهما: صناعية، والآخر ~~(3) قياسية. # فأما من الصناعية، فإنا قلنا لهم: إن الدماغ، وإن كان رطبا في المعدة ~~وبعيد الانهضام مفسدا لشهوة الطعام، فإن ذلك ليس من برده، لكن من رطوبته ~~ولزوجته وتوسطه بين طبيعة الشحم والدسم. ولو وجب في الدماغ أن يكون باردا ~~لبعد انهضامه وإبطائه في المعدة وإفساده لشهوة الغذاء، لوجب في الشحم أيضا ~~أضعاف ذلك ضرورة. إذ كان أخص ببعد الانهضام والابطاء في المعدة وإفساد ~~الشهوة من الدماغ كثيرا لأسباب قد قدمنا ذكرها مرارا. # وأما ما استشهدوا به من قول جالينوس حيث يقول أنه متى أردت أن تهيج القئ، ~~فأطعم الدماغ بعد الطعام بوقت كثير، فإنهم لو فحصوا عن هذا القول فحصا ~~شافيا، لعلموا أن جالينوس لم يلزم الدماغ هذه الخاصة لبرده، لكن لرطوبته ~~ولزوجته، إذ الرطوبة أخص بما ذكرنا من أمر البرودة، لان من شأن البرودة ~~الجمع والحصر والتقوية والتنبيه لشهوة الطعام، لمجانستها للشهوة بالطبع. ~~ولذلك صار الماء زائدا في شهوة الطعام والحامض ناقصا منها. وأما الرطوبة ~~واللزوجة فمن شأنهما أن تختلطا (4) بالغذاء وتحدثا (5) فيه غلظا وتمنعا من ~~هضمه. فإن اتفق فيها، مع ذلك، أدنى حرارة ودهنية، عاما وعوما الطعام معهما ~~وهيجاه إلى الخروج من فوق. وإن كان معهما أدنى برودة، ثقل جرمهما وهبط سفلا ~~وأزلق الطعام وهيجه إلى الخروج من أسفل بسرعة. وقد يستدل على ذلك من الماء ~~والهواء لان الماء لما كان مع رطوبته باردا، ثقل وهبط سفلا. والهواء لما ~~كان مع رطوبته حارا، خف وعام وترقى صعدا. # وأما ما رددنا به عليهم من القياس، فمن قول الفيلسوف (6)، لان الفيلسوف ~~قال في كتابه المعروف بكتاب (طبائع الحيوان) قولا هذا معناه: إن الدماغ لما ~~كان ينبوع الحس والحركة، والحس # PageV00P109 # والحركة فلا يكونان إلا بقوة من الحرارة الغريزية، لم يمكن أن يكون ~~الدماغ باردا لان البرودة من ms110 شأنها أن تحصر الرطوبات وتغلظها وتخدر الحس ~~وتمنع من الحركة وتفسدها. وقال في موضع آخر: أن الدماغ لو كان باردا، لعدم ~~الانسان الفكر والذكر والفحص والتمييز لامتناع وجود ذلك مع ضعف الحرارة ~~ونقصانها. وقد يستدل على ذلك من الشاهد، لأنا نجد من قد غلب على مزاج دماغه ~~البرد، بعيد الفكر دائما، قليل الذكر، فاسد التمييز. # فقد بان من قول الفيلسوف أن الدماغ حار رطب باعتدال، إلا أن الطبيعة ~~احتالت وأكسبته برودة عرضية تمنع من التهابه كيلا يحترق بدوام حركته وجولان ~~فكره، فجففت ما غلى، فجف الدماغ من الشحم واللحم، بل صيرته معرى من ذلك ~~ليصل إلى الدماغ من لطيف الهواء الخارج ما يسكن حره العرضي المكتسب من ~~الحركة، ويمنع من التهابه، كما احتالت للقلب بالرئة والتنفس، ليصل إليه من ~~لطيف الهواء ما ينفي من البخارات الغليظة الحارة عنه ويرده إلى اعتداله ~~وطبيعته كيلا تختنق الحرارة الغريزية وتطفأ. # في النخاع أعني مخ الفقار. فأما النخاع فمتصل بالدماغ. ولذلك ما قيل أنه ~~من جوهر الدماغ، إلا أنه أصلب كثيرا وبخاصة طرفه الأسفل من الصلب القريب من ~~الذنب، لأنه كلما بعد من الدماغ قلت رطوبته وازداد صلابة. ولذلك لا يغثي ~~كما يغثي الدماغ ومخ العظام والدسم، لأنه أقوى رطوبة ودسما منها كثيرا. إلا ~~أنه إذا استحكم انهضامه نال البدن من غذائه غذاء ليس باليسير. # وأما الأعضاء المتوسطة بين الليانة والصلابة، أعني العضل واللحم الأحمر ~~المعرى من الشحم، فإنها في غاية الاعتدال والتوسط بين الكيفيات الأربع. ~~ولذلك صارت أعدل الأعضاء وأسرعها انهضاما وأسهلها نفوذا في العروق وأفضلها ~~في تقوية البدن، إلا أنها تنقسم قسمين: وذلك أن منها الخالص الصحيح مثل ~~البشتمازق ووسط العضل، ومنها الشبيه باللحم مثل الضرع والخصي والنغانغ ~~والحنجرة والحلبلوب الذي إلى جانب القلب والرقبة. # فما كان منها خالص اللحم، كان الأغلب على مزاجه الجوهر الدمي، لأنه دم ~~منطبخ منعقد منسوج بأعصاب دقاق وشيريانات (1) وعروق تخفى عن الحس للطافتها. ~~ولذلك صارت أكثر الأعضاء دما وأعدلها غذاء وأبعدها من اللزوجة والغلظ. وقد ~~يستدل ms111 على ذلك من جهتين: # إحداهما: أن ليس فيها (2) من الرطوبة واللزوجة ما يطفو على الطعام ويربو ~~في المعدة ويشبع بسرعة عن غير حقيقة كما يفعل الشحم والدسم، لكنها تهبط ~~سفلا وتستقر في موضع الطبخ من المعدة # PageV00P110 # حتى تتمكن الحرارة الغريزية منها، فيكمل نضجها ويجود هضمها. ولذلك لا ~~يتعذر على الانسان أن يتناول منها المقدار الزائد على شبعه قليلا. # والثانية: أن ليس فيها من الدهنية ما يزلق المعدة والمعاء وينحدر عنها ~~قبل نفوذها في العروق. # لكنها، للطافة غذائها وخفة حملها على الطبيعة، تلبث في المعدة والمعاء ~~مدة يمكن فيها أن تجذب قوة الكبد منها مقدار حاجة الطبيعة إليه على الكمال. ~~ولهذه الجهة، صارت أسرع الأعضاء انهضاما وأسهلها نفوذا في العروق، وأوصلها ~~إلى أقطار الأبدان، وأقربها استحالة إلى الدم المعتدل، وأكثرها تشبها ~~بالأعضاء. ومن قبل ذلك صارت موافقة لحفظ الصحة وقوة الأعضاء معا. # وأما الشبيه باللحم، فهو أقل دما وأرخى جسما من اللحم الخالص الصحيح من ~~قبل أن دمه قد انطبخ طبخا ثانيا، واكتسب هشاشة ولذاذة. ولذلك صار في طبيعته ~~وذاته متوسطا بين جوهر اللحم وجوهر الشحم، فهو لذلك أقل دما من اللحم وأكثر ~~منه رطوبة ولزوجة، وأكثر دما من الشحم وأقل منه رطوبة ولزوجة. ولهذا صار ~~لونه متوسطا بين لون الشحم ولون اللحم، وأقرب إلى لون الشحم قليلا. # ومن قبل ذلك، صار بالإضافة إلى الشحم، ألطف وأعدل، وأسرع انهضاما. ~~وبالإضافة إلى اللحم، أغلظ وأكثر لزوجة وأبعد انهضاما. ومن أجل ذلك صار ~~الغذاء المتولد عنه أيضا متوسطا بين غذاء اللحم وغذاء الشحم، لأنه بالإضافة ~~إلى الشحم، أكثر غذاء وأسرع انهضاما، إلا أنه ينقسم قسمين: وذلك أن منه ~~شيئا أعدته الطبيعة لتوليد رطوبات فيها لتمام النسل مثل الضرع للبن، والخصي ~~للمني. ومنه شئ أعدته لتوليد رطوبات ترطب بها ما حولها من الأعضاء بالطبع ~~مثل النغانغ واللحم الرخو الذي في أصل اللسان، والذي بالقرب من الوريد ~~المعروف بالحلبلوب، وغدد المعاء المسماة الدوارة، لان هذه المواضع لما كانت ~~قليلة اللحم احتاجت الطبيعة إلى إعداد أعضاء ms112 بالقرب منها لتعد لها فيها ~~الرطوبات التي بها تغذيتها وتربيتها. # * * * وأما اختلاف الأعضاء من قبل حركاتها وسكونها بدءا على ضربين: وذلك ~~أن من الأعضاء ما هو دائم السكون مثل البطن وما يليه. ومنها ما هو دائم ~~الحركة، وهو على ضربين: إما أن تكون حركته طبيعية وإما عرضية. فأما ~~الطبيعية فهي التي يحركها العضو بذاته ونفسه، لا من أجل عضو آخر غيره، مثل ~~حركة الشفتين والأذنين والقوائم. وأما العرضية فهي التي يتحرك بها العضو ~~بمشاركته عضوا آخر غيره، لا من أجل نفسه، مثل حركة اللحم المجاور للرقبة ~~وعظم الصلب وصندوق الصدر، فإن اللحم المجاور للرقبة والصلب يتحرك بحركة خرز ~~الرقبة وخرز الصلب والأضلاع والمجاور لصندوق الصدر يتحرك بحركة الصوت ~~والتنفس معا. # فقد بان من قوة كلامنا: أن من الأعضاء ما هو دائم السكون مثل البطن وما ~~يحويه. ومنها ما هو دائم الحركة لذاته وعينه مثل الشفتين والأذنين ~~والأكارع. ومنها ما هو متوسط بين الحركة والسكون وهو PageV00P111 # الذي، وإن كان متحركا، فإنما حركته لغيره لا لذاته مثل لحم الصدر والرقبة ~~والصلب. # فما كان دائم الحركة لذاته وعينه، كان ألطف غذاء وأعذب وأسرع انهضاما ~~ونفوذا في العروق، وأقرب إلى الانقلاب إلى الدم مما شاكله في مزاجه وخالفه ~~في دوام الحركة، من قبل أن الحركة من شأنها أن تقوي الحرارة وترق الأثفال ~~وتلطفها وتنقي أكثرها من البدن. # وما كان من الأعضاء دائم السكون، كان أغلظ غذاء وأعسر انهضاما وأبعد من ~~النفوذ في العروق وأبطأ في الانقلاب إلى الدم مما وافقه في مزاجه وتركيبه، ~~وخالفه في سكونه وقلة حركته، من قبل أن السكون يفعل ضد الحركة دائما، لأنه ~~يجمد الحرارة الغريزية ويرطب الأبدان ويغلظ الأثفال ويمنع من تحليلها. ~~ولذلك صار البطن وما يليه أغلظ لحما وأكثر شحما وأقل عذوبة من لحم الصلب ~~والرقبة والصدر، من قبل أن حركة الصلب والرقبة ترض ما يجاورها من اللحم، ~~وترق أثفاله، وتنقي فضوله، وتخرجه من مسام البدن دائما. ولذلك قل ما على ~~هذه الأعضاء من الشحم وتجرد لحمها وعذب ms113 وجاد هضمه. وأما البطن، فلدوام ~~سكونه، انحصرت الرطوبات في باطنه، وغلظت وانطبخت طبخا ثانيا وصارت شحما. ~~ولذلك كثر شحمه وقلت عذوبة (1) لحمه وزالت لذاذته وعسر انهضامه. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن كل لحم لازوق بعظم فهو أمرأ وأعذب مما ~~بعد من العظام، لان العظام ترض ما جاورها من اللحم وتخلخل جسمه وتنفي ~~فضوله، وتكسبه عذوبة ولذاذة بإتعابها له دائما. # وأما اختلاف غذاء الأعضاء بحسب مواضعها من البدن، فإن ذلك ينقسم قسمة ~~أولية على ضربين: لان من الأعضاء ما يلي ظاهر البدن وسطحه، ومنها ما يلي ~~باطن البدن وعمقه. وما يلي سطح البدن فينقسم قسمة ثانية على ضربين: لان ~~منها ما هو مجاور للعظم مثل عظم الصلب والرقبة، ومنها غير مجاور لعظم مثل ~~السرة وسائر ظاهر البطن (2). فأما المجاور للعظم فينقسم خمسة أقسام: لان ~~منها ما يلي الصدر ومقدم ما يلي مؤخر البدن وعجزه مثل الأعضاء المتوسطة بين ~~أسفل الكبد والذنب. # ومنها (3) المتوسطة بين هاتين المرتبتين. ومنها ما يلي الجانب الأيسر مثل ~~الأعضاء المجاورة للطحال. # ومنها ما يلي الجانب الأيمن مثل الأعضاء المجاورة للكبد والمرار (4). # فما كان منها يلي ظهر البدن وسطحه، كان أفضل مما يلي باطن البدن وعمقه، ~~لان ما يلي ظاهر البدن لقربه من مسام البدن، تتحلل فضوله دائما وتخرج ~~بالبخارات والعرق، فتقل فضوله ويعذب لحمه ويلين. وما يلي باطن البدن، ~~فلبعده من مسام البدن ومنافسه، تحتقن البخارات فيه ويكثر فضوله ورطوباته ~~ويغلظ. ولذلك ما يلي الجانب الأيمن أفضل مما يلي الجانب الأيسر، لان ما يلي ~~الجانب PageV00P112 # الأيمن مجاور لينبوع القوى الطبيعية وحرارة الكبد والمرار، فتلطف فضوله ~~وتتحلل دائما. وما يلي الجانب الأيسر فمجاور للطحال، وغلظ المرار السوداء ~~وبردها، فتغلظ فضوله وتمتنع من التحلل. # ولذلك ما يلي مقدم البدن وصندوق الصدر أفضل مما يلي مؤخر البدن وعجزه، ~~وذلك لجهات ثلاث: # إحداها: أن ما يلي مقدم البدن يغتذي بدم قد وصل إلى القلب وانهضم فيه ~~وبعد انهضامه في الكبد انهضاما ثانيا، من قبل أن أعضاء الصدر إنما تغتذي ms114 ~~بفضلة غذاء القلب، والقلب فليس يقبل من الكبد إلا أفضل الدم وأحمده. فإذا ~~وصل إليه، هضمه ثانية وأخذ غذاءه من أحمد ما فيه مما شاكل جوهره وطبيعته، ~~ودفع فضله ذلك إلى أعضاء الصدر ومقدم البدن. ولذلك صار غذاء الصدر وما يليه ~~أفضل وأحمد من غذاء غيرها من الأعضاء. # والثانية: أن صندوق الصدر دائم الحركة بالتنفس والصوت جميعا. ولذلك تنحل ~~فضوله ويرطب لحمه ويعذب ويحسن انهضامه. # والثالثة: أن صندوق الصدر ما كان يحوي القلب، والقلب ينبوع الحرارة ~~الغريزية، والحرارة الغريزية ممرها بصندوق الصدر دائما في صعودها من القلب ~~إلى الرأس. ولذلك لطف غذاؤه وقلت فضوله وعذب لحمه واستفاد لذاذة ولطافة ~~ليست (1) هي لغيره من اللحمان. # وأما ما يلي مؤخر البدن فهو، بالإضافة إلى ما يلي مقدم البدن، مذموم من ~~جهتين: إحداهما: # أنه إنما يغتذي بدم لم يصل إلى القلب ولم يتم هضمه فيهضم (2) فيه ثانية. ~~والأخرى: بعده من ينبوع الحرارة الغريزية وضعف فعلها فيه. ولذلك غلظ لحمه ~~وعسر انهضامه وقلت عذوبته ولذاذته. # وأما ما كان من الأعضاء متوسطا (3) بين هاتين المرتبتين، فحاله أيضا في ~~جودة غذائه ورداءته وسرعة انهضامه وإبطائه، حال متوسطة. إلا أن قربها من ~~طبيعة الأعضاء التي تلي مؤخر البدن أكثر من قربها من طبيعة الأعضاء التي ~~تلي مقدم البدن، من قبل أنها وإن كانت قريبة من ينبوع الحرارة الغريزية ~~ومجاورة له، فإن الدم الذي تغتذي به دم لم يصل إلى القلب، ولم تنهضم فيه ~~ثانية، ولا هي أيضا في طريق الحرارة الغريزية الصاعدة من القلب إلى الدماغ ~~فتلطف فضولها وترق وتخرج بمرور الحرارة الغريزية بها. PageV00P113 # الباب السادس عشر في الطير أما الطير فهو في جملته، بالإضافة إلى لحم ~~المواشي، أقل غذاء كثيرا لأنه ألطف وأسرع انهضاما، وأقل لبثا في الأعضاء، ~~وإن كان قد يختلف في جودة غذائه ورداءته لوجوه أربعة: أحدها: # مزاج الحيوان الذي هو منه وسنه (1). والثاني: لطافته من غلظه. والثالث: ~~خصبه من هزاله. والرابع: # اختلاف أعضائه في تركيبها ومواضعها. وذلك أن الطير يختلف في مزاجه ~~وطبيعته ms115 على خمسة ضروب: # لان منه المعتدل المزاج القريب من التوسط والاعتدال، مثل الدجاج وبعدها ~~الديوك. ومنه ما الغالب على مزاجه البرودة، إلا أنه مائل إلى اللطافة ~~والاعتدال كثيرا، مثل الدراج والفراريج. وإنما نسبنا هذا الضرب من الطير ~~إلى التوسط والاعتدال، مع ضعف حرارته وقلتها من قبل أن اللحمان في الجملة ~~حارة بالطبع. فلما كان كذلك، صار ما كان منها ضعيف الحرارة منحرفا إلى ~~البرودة قليلا، وكان مع ذلك لطيفا سريع الانهضام، نسب إلى التوسط ~~والاعتدال، إذ كان بذلك أخص من غيره من الطير. # ومن الطير ما الغالب على مزاجه الحرارة واليبوسة والفساد لبعده من ~~الاعتدال مثل العصافير ودونها في ذلك القنابر (2) والفتي من الحمام. ومنه ~~ما الغالب على مزاجه اليبوسة مثل الشفنين (3) والورشان والفواخت (4)، ~~وبعدها الحجل والطيهوج (5) والقطا. ومنه ما الغالب على مزاجه الرطوبة مثل ~~البط والنعام وبعدها فراخ الحمام. فما كان منها ضعيف الحرارة مائلا إلى ~~البرودة قليلا، قريبا من التوسط والاعتدال مثل الدراج والفراريج، كان أسرع ~~انهضاما وأسهل نفوذا في العروق، وأقرب من الاستحالة إلى الدم، وبخاصة متى ~~كانت قليلة الشحم معتدلة السمن، لأنها متى لم تكن مفرطة السمن كانت مقوية ~~للمعدة، مولدة للدم المحمود، موافقة لجميع الأسنان والمزاجات، إلا أنها، ~~للطافتها وسرعة # PageV00P114 # انحلالها، يقل لبثها في الأعضاء. ولذلك صارت لا تفيد الأعضاء قوة حسنة. ~~ولهذا ما صار فعلها في بقاء الصحة ودوامها، أفضل من فعلها في قوة الأعضاء ~~وشدتها. وأحمد ما يكون هذا الضرب من الطير، حين يبتدئ بالصياح لان في ذلك ~~الوقت تقوى حرارتها الغريزية، وتقل فضول بدنها، وبخاصة متى كانت ذكرانا. ~~ومن خاصتها أنها إذا استعملت زيرباج (١) سكنت اللهب العارض في المعدة. # ولديسقريدس فيها قول قال فيه: إن الدراج والفراريج إذا استعملت أسفيذباج، ~~أسهلت البطن وعدلت المزاج. # قال إسحاق بن سليمان: لعمري متى استعملت أسفيذباج كانت أفضل في المعونة ~~على إطلاق البطن، وأما في تسكين الحرارة واعتدال المزاج، فالزيرباج أخص ~~بذلك كثيرا. وأما الدجاج، فلأنها أقل رطوبة وأكثر يبوسة من الفراريج ~~بالطبع، صار فعلها مخالفا ms116 لفعل الفراريج، لان الفراريج من شأنها أن تلين ~~البطن، والدجاج من شأنها <أن> تجمع الثفل وتعقل البطن. وأما الديوك، ~~فإن حرارتها أشد وأقوى من حرارة الدجاج والفراريج، اكتسب لحمها ملوحة لطيفة ~~قوي بها على الانحدار بسرعة وبخاصة متى كان من ديوك هرمة قد طعنت في السن، ~~لان الهرم من كل حيوان أرخى لحما وألين بالطبع. فإذا اجتمع للديوك رخاوة ~~لحم الهرم ولينه مع ملوحة لطيفة، قربت من الأشياء المعينة على إطلاق البطن. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن الديوك الهرمة الطاعنة في السن متى ~~استعملت بالملح والشبت (2) والكمون وورق اللبلاب وأصل الكراث النبطي وورقه ~~ولب القرطم (3)، أحدرت فضولا بلغمانية ونفعت من القولنج ووجع المعدة ~~العارضين من الرياح الغليظة والرطوبات البلغمانية وسكنت الربو والرعشة ووجع ~~المفاصل. # فإن عارضنا معترض وقال: فلم لا كانت هذه الخاصة للفتى من الديوك؟ وهو ~~أكثر حرارة بالطبع، وما كانت حرارته أكثر كانت ملوحته أقوى. # قلنا له: إن ذلك امتنع من الفتي من الديوك لجهتين: إحداهما: أن حرارته ~~أقوى وملوحته أشد. # فلما اشتدت ملوحته، خففت الثفل أكثر من المقدار، ومنعت من الانحدار. ~~والثانية: أن لحمه أصلب وأبطأ انهضاما. فلما اجتمع فيه تخفيف الملوحة وعسر ~~انهضامه، زالت عنه الخاصة التي كانت له. وأما الهرم، فلما كانت ملوحته ألطف ~~ولحمه ألين وأرخى، سهل انهضامه وانحدر بسرعة وبخاصة متى صير له مع علفه ~~التين المدقوق واللبن. فإن ذلك مما يسهل انحداره عن المعدة والمعاء ويجيد ~~هضمه ويكسبه لذاذة وطيب طعم. # ولجالينوس في هذا، مثل ذلك، فصل قال فيه: أما الديوك الهرمة، فلان ~~ملوحتها لطيفة غير # PageV00P115 # مجففة ولا ميبسة، وفى لحمها من الرخاوة واللين ما يعين على سرعة انهضامها ~~وانحدارها، كان ذلك أعظم الأسباب على معونتها على إطلاق البطن، وبخاصة إذا ~~كان في علفها التين اليابس المدقوق. وقال في فصل آخر: أنه قد يخلط في علف ~~الديوك والإوز التين اليابس المدقوق، فيكسبها ذلك لذاذة وطيب طعم. وليس ~~إنما يفعل بها هذا الفعل فقط، لكنه قد يفيدها مع ذلك سرعة انحدار ms117 وجودة ~~استمراء. # وأما ما كان من الطير الغالب على مزاجه الحرارة واليبوسة فليس يجب ~~الادمان عليه أصلا وبخاصة العصافير منها والجراد، لان من خاصتها في ابتداء ~~أمرها أن تحمى المزاج وتنتقل إلى الدخانية وحبس المرار ثم تنشف بعد ذلك ~~رطوبة الدم رويدا رويدا وتحرقه وتصيره حريفا سوداويا، وإن كان الجراد أخص ~~بالفساد من العصافير جدا. ومع ما أن العصافير أقل ضررا من الجراد كثيرا، ~~فقد يجب أن نحذر منها ما كان مهزولا وبخاصة متى كان بريا، كيلا يجفف الثفل ~~وبخاصة حرارته ويبسها، ويحبس الطبيعة فتتضاعف بليتها. ولذلك وجب أن لا نقرب ~~منها إلا ما كان مسمنا في المنازل والبيوت لتقل حركته ويلطف هواؤه ويستفيد ~~من ذلك رطوبة وبرودة ويقمع بهما حدة حرارته ويزول عنه أكثر يبسه وجفافه، ~~ويكتسب لحمه رطوبة وليانة. وأما القنابر فلأنها ألطف وأقل حرارة ويبوسة من ~~العصافير كثيرا، صارت إذا طبخت أسفيذباج ساذج كانت مرقتها خاصة على طريق ~~الدواء نافعة من القولنج العارض من البلغم. ولذلك وجب لأصحاب هذه العلة أن ~~يستعملوا (1) مرقتها مفردة دون لحمها. فإن دعتهم الشهوة إلى شئ من لحمها، ~~فليستعملوه (2) مع كثير من مرقته ويحذروه (3) مفردا لان من شأنه تجفيف ~~الثفل وحبس البطن (4). # وأما ما كان من الطير الغالب على مزاجه اليبوسة، ولم يكن فيه حرارة قوية ~~مثل الفتي من الشفنين والفتي من الديوك والفواخت والورشان والدراج والحجل ~~والطواويس والطيهوج والقطا، وجميع ما يأوي في الآجام، فإن لحمه عصبي صلب ~~(5) بطئ الانهضام حابس للبطن، إلا إذا انهضم، نال البدن منه غذاء صالحا ~~معتدل المزاج بعيد الانحلال من الأعضاء. ولذلك وجب أن تستعمل الحيلة فيما ~~يلين لحمه ويعين على سرعة انهضامه، وذلك لشيئين: أحدهما: ألا يستعمل منه ما ~~جاوز السنة ويحمل على نار جمر ويصير عليه أبدا حتى يسترخي لحمه ويلين ~~ويرطب. والسبب الثاني: أن لا يستعمل منه ما كان قريبا من الذبح، ولكن بعد ~~ذبحه بيوم وليلة لتتمكن منه حرارة الهواء بزوال حرارته الغريزية فيحدث في ~~رطوبة لحمه غليانا وذوبانا ويتحلل منها مقدار ms118 ما يرخى لحمه ويلينه. وقد ~~يستدل على ذلك من الشاهد، وذلك أن اللحم إذا لبث بعد ذبح الحيوان يوما ~~واحدا من أيام الصيف، لان وظهر لنا استرخاؤه حسا. # ولذلك صار هذا النوع من الصنعة أحمد لسرعة الانهضام فقط، لا لجودة الدم ~~المتولد عنه، لان دمه في # PageV00P116 # الجملة قد تغير واستحال استحالة ما، لبعده من الحرارة الغريزية وفعل ~~الحرارة العرضية فيه. والدليل على ذلك أنا نجد اللحم إذا لبث زمانا كثيرا، ~~ظهرت استحالته للحس، ونتنت رائحته. ومن البين أن الزمان الكثير إذا فعل فيه ~~من الاستحالة والتغيير مثل هذا الفعل، فإن الزمان القليل يفعل فيه بقسطه. # ولذلك، صار غذاء ما كانت هذه سبيله من اللحمان أذم وأردأ مما كان طريا. ~~وأما النوع الأول، أعني ما كان طريا وقد أنضج بنار جمر حتى لان لحمه وترطب، ~~فإن غذاءه (1) أحمد وأفضل وأكثر تقوية للأعضاء وألبث فيها وأبعد انحلالا ~~منها. ذلك لطراء دمه وذكائه وقربه من الحرارة الغريزية. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن ما كان من الحيوان والنبات أرطب مما ~~ينبغي، أو لم يبلغ ما يحتاج إليه من النضج، فإنه إذا بقي زمانا لان منه ما ~~كان صلبا، ويبس ما كان منه رطبا، ونضج ما كان منه غير نضيج، وصارت كلها ~~أسرع انهضاما وخروجا. وإذا كانت لينة أو معتدلة في الرطوبة أو جافة أو ~~نضيجة، فإن ما كان منها لينا يصلب، وما كان منها معتدلا في الرطوبة أو ~~جافا، أفرط عليها اليبس وصارت كلها أسرع انهضاما وخروجا. وما كان منها ~~نضيجا، فإنه يعفن. # فإن عارضنا معترض وقال: ما بال جالينوس حكم على اللحم الصلب، أنه إذا قام ~~زمانا تحللت رطوبته بحرارة الهواء وذابت واكتسبت ليانة ورخاوة، ولم لم يحكم ~~بمثل ذلك على اللحم الرخو أيضا؟ # ويقول: إن اللحم اللين إذا قام زمانا تحللت منه رطوبة بحرارة الهواء ~~وذابت وزادته رخاوة على رخاوته. # قلنا له: إن جالينوس إنما تكلم في هذا الفصل بكلام عامي شامل للحيوان ~~والنبات جميعا. # فتكلم بدءا في اللحمان وقال: ms119 إن ما كان من اللحمان صلبا فإنه، إذا بقى ~~زمانا، تحللت من بدنه رطوبة بحرارة الهواء وذابت، ولان لحمه واسترخى. ثم ~~تكلم بعد ذلك في النبات فقال: إن ما كان من الثمر رخوا لينا سخيفا منحلا ~~متخلخلا، فإنه إذا بقي زمانا جف واكتنز وصلب وصار معتدلا. وما كان منه علكا ~~صلبا جافا مكتنزا، فإنه، إذا بقي زمانا، زالت علوكته واكتنازه وجفافه، ولان ~~واعتدل. والدليل على ذلك أنا نجده، إذا طال به الزمان وجاوز المقدار، فنيت ~~أكثر رطوبته الجوهرية واستأس (2) رويدا رويدا حتى يصير ترابيا. # فقد بان واتضح أنه لا يجب أن يؤكل من اللحمان ما كان في طبيعته صلبا ~~يابسا مثل لحم الفتي من الشفنين والفتي من الديوك والفواخت والورشان ~~والدراج والحجل والطواويس والطيهوج والقطا وجميع ما يأوي الآجام (3) إلا ~~بعد ذبحه بيوم ليلين لحمه ويسترخي فيجود هضمه. وأحمد ما في هذا النوع من ~~الطير القطا، لأنه أقلها يبسا وجفافا وأرخاها لحما وأعدلها غذاء. # وأما ما كان من الطير الغالب على مزاجه الرطوبة مثل البط وبعدها فراخ ~~الحمام والنعام، فإن # PageV00P117 # لحمها أغلظ غذاء وأكثر فضولا وأعسر انهضاما وأردأها كلها النعام، لأنها ~~أغلظ غذاء وأكثر إتعابا للمعدة جدا. ولذلك صار لحمها غير موافق للمعدة ~~لاتعابه لها واستكداره إياها لبعد انهضامه. ولهذا صار من الأفضل ألا يستعمل ~~من النعام إلا أجنحتها ورقابها فقط، لان الأجنحة من كل طير أرخى لحما وأسرع ~~انهضاما، لان دوام حركتها ترخى لحمها وترضه فيسرع انهضامه ويجود. وأما البط ~~فهو ألطف وأقل فضولا وأرطب لحما وألذ طعما من النعام كثيرا وبخاصة ما كان ~~منها بريا، أو كان قد جعل في علفه التين اليابس المدقوق، لان ذلك مما يزيد ~~في لذاذته وكثرة غذائه وسرعة انهضامه وجودة استمرائه في العروق. وأفضل ما ~~في البط أيضا أجنحته، وأذم ما في البط النوع المسمى الخشيشار لأنه أغلظها ~~وأكثرها رطوبة. # وللفاضل أبقراط في هذا فصل قال فيه: إن جميع الطير أخف لحما وأقل رطوبة ~~من المواشي. # وأجف الطير وأقله رطوبة الفواخت، وبعدها في ms120 ذلك الحجل، وبعد الحجل ~~الدراج. وأرطب لحوم الطير الحضري لحم الإوز، وأرطب لحوم الآجام لحم ~~الخشيشار. وأما فراخ الحمام، فإنها ألطف وأسرع انهضاما وأقل فضولا من البط ~~كثيرا، ذلك لنقصان رطوبتها عن رطوبة البط ورخاوة لحمها، إلا أنها لزيادة ~~حرارتها، صارت أكثر إحراقا للدم وبخاصة متى كانت برية لأنها أزيد حرارة ~~وأقل رطوبة. # ولذلك صارت أسرع استحالة إلى الاحتراق وجنس المرار. # ولهذا نهت الأوائل عن استعمالها إلا بما يبرد مزاجها، ويقمع حدة مزاجها ~~وحرارتها، لتقل أذيتها، فأمرت بأن لا تتخذ إلا حضرمية (1)، أو بوارد مطيبة ~~بماء رمانين (2) وحماض الأترج وماء حصرم ولب الخيار والقثاء وقضبان الرجلة ~~وقلوب الخس والهندباء والكزبرة الرطبة واليابسة والأمير باريس (3). # وأما النواهض من الحمام، فهي أقل فضولا من الفراخ وألطف كثيرا من قبل ~~أنها أقل رطوبة وأيبس. # وأما اختلاف غذاء الطير من قبل سنه، فإن ما كان من الطير أيبس مزاجا، فإن ~~صغيره أفضل وبخاصة متى كان مزاجه حارا، وما كان مزاجه أرطب، فإن كبيره منه ~~أفضل، وبخاصة متى كان مزاجه باردا. # وأما اختلاف غذاء الطير على حسب لطافته وغلظه، فيكون على أربعة ضروب: ~~وذلك أن من الطير اللطيف جدا في النهاية كأنه في الدرجة الرابعة من ~~اللطافة، مثل التدرج والشحرور. ومنه ما هو دون ذلك بدرجة كأنه في الدرجة ~~الثالثة من اللطافة، مثل الدراج والحجل والطيهوج والفراريج والفراخ ~~والعصافير. ومنه ما هو دون ذلك أيضا بدرجة، في الدرجة الثانية من اللطافة، ~~مثل الشفنين والفواخت # PageV00P118 # والورشان والقنابر والسلوى والبط. ومنه ما هو دون ذلك أجمع كأنه في ~~الدرجة الأولى من اللطافة، مثل الطواويس والكركي. فما كان من الطير في ~~المرتبة العليا والدرجة الرابعة من اللطافة، كان أسرع الطير انهضاما وألطفه ~~غذاء وأقربه من التحليل من الأعضاء، ولذلك صار أقلها غذاء. وما كان منه في ~~المرتبة السفلى والدرجة الأولى من اللطافة، كان أغلظ الطير وأقله لطافة ~~وأعسره انهضاما وأبعده من الانحلال من الأعضاء، إلا أنه أكثرها غذاء. وما ~~كان متوسطا بين هاتين الحاشيتين كأنه في الدرجة الثانية ms121 أو الثالثة من ~~اللطافة كان أيضا متوسطا في لطافته وغلظه وسرعة انهضامه وإبطائه. إلا أن ما ~~كان منها في الدرجة الثالثة ألطف وأسرع انهضاما وأقل غذاء مما كان منها في ~~الثانية، بقرب ما كان منها في الدرجة الثالثة من المرتبة العليا والدرجة ~~الرابعة، وقرب ما كان منها في الدرجة الثانية من المرتبة السفلى والدرجة ~~الأولى من اللطافة. وأذمها كلها السلوى لأنها غير صالحة في الانهضام وفى ~~الغذاء. # فإن عارضنا معترض وقال: ما بال جالينوس ساوى بين مرتبة العصافير ~~والفراريج في الغذاء وجعل القنابر أغذي من الفراريج؟ والعيان يبطل ذلك، لان ~~الفراريج أعبل وأكثر لحما وأرطب، وما كان كذلك كان غذاؤه أكثر. # قلنا له: إن جالينوس لم يذكر في هذا الباب كثرة الغذاء وقلته الكائن ~~بالطبع، بل إنما ذكر كثرة الغذاء وقلته الكائن بالعرض، لأنه إنما قصد في ~~هذا الباب الكلام على مراتب اللطافة والغلظ وسرعة الانهضام وإبطائه. ~~فأعلمنا بما هو من الطير لطيف سريع الانهضام قريب الانحلال من الأعضاء، ~~وبما هو بطئ غليظ الانهضام بعيد الانحلال من الأعضاء. فلما أعلمنا بذلك، ~~وقفنا على ما كان لطيفا سريع الانحلال من الأعضاء، فإنه وإن كان كثير ~~الغذاء بطيئه، فإنه قليل الغذاء بالعرض، لأنه إذا انحل من الأعضاء بسرعة ~~خلت الأعضاء منه وافتقرت إلى غذاء ثان، فقام عندها مقام القليل الغذاء. وما ~~كان غليظا بطئ الانحلال من الأعضاء، فإنه وأن كان قليل الغذاء بطبعه، فقد ~~يتفق له أن يكون كثير الغذاء بالعرض، لأنه لبعد انحلاله من الأعضاء وطول ~~لبثه فيها، تستغنى الأعضاء عن غذاء مستأنف، فيقوم ذلك مقام الكثير الغذاء. ~~ولذلك، صارت الكراكي والطواويس أكثر غذاء من البط، وإن كان من الواجب أن ~~يكون البط أعني لكثرة دمه وزيادة رطوبته وقلة دم الكراكي والطواويس ونقصان ~~رطوبتها إذ كان لحمها ليفيا عصبيا شبيها بلحم الأجنحة من كل طير. فلذلك ~~صارت في طبيعتها أقل غذاء، وإن كان قد يتهيأ فيها أن تكون أكثر غذاء ~~بالعرض، لغلظها وبعد انحلالها من الأعضاء. # فإن عارضنا وقال: لا، فلم ms122 ساويت لحم الكراكي والطواويس بلحم الأجنحة من ~~كل طير على غلظ لحم الكراكي والطواويس، وبعد انهضامه؟ وجالينوس يقول: إن ~~ألطف ما في الطير من الأعضاء وأسرعه انهضاما أجنحتها وأعناقها!. # قلنا له: إن اللطافة في الأعضاء تكون على ضربين: إما طبيعية، مثل لطافة ~~لحم العضل، وإما عرضية مكتسبة، مثل لطافة اللحم المجاور للعظم. فلطافة ~~الأجنحة والأعناق إنما هي عرضية لا طبيعية، PageV00P119 # لان الأجنحة في نفسها عصبية صلبة ليفية اللحم، لان الطبيعة احتاجت أن ~~تكون كذلك، لتثبت على دوام الحركة وصعوبتها. غير أنها لدوام حركتها وتعبها ~~دائما، استرخى لحمها ولان واكتسبت لطافة ولذاذة وسرعة انهضام. فهي بالإضافة ~~إلى ذاتها، قريبة من طبيعة لحم الكراكي والطواويس في غلظه وبعد انهضامه. ~~وبالإضافة إلى دوام تعبها وحركتها، قريبة من طبيعة أطراف العضل في لطافتها ~~وسرعة انهضامها. # وأما اختلاف غذاء الطير من قبل سمنه وهزاله، فإن ما كان من الطير أرطب ~~مزاجا في طبيعته وذاته، كان مهزوله أحمد من سمينه، لان يبس الهزال يزيل عنه ~~أكثر رطوبته ويعدل مزاجه، وزيادة الشحم تزيد في رطوبته وغلظه وبخاصة متى ~~كان هرما أو صغيرا جدا. وما كان من الطير أيبس مزاجا بالطبع، كان سمينه ~~أفضل من مهزوله وبخاصة متى كان فتيا، لان رطوبة الشحم تزيل عنه أكثر يبسه ~~وتصلح مزاجه. # وقد يختلف الطير في سمنه وجودة غذائه على حسب أزمان السنة، وذلك أن من ~~الطير ما يسمن ويجود غذاؤه في الشتاء وبعده الربيع، مثل التدرج والشحرور ~~والفواخت. ومنه ما يسمن ويجود غذاؤه في الخريف وبعده الصيف، مثل الدراج ~~والطير المسمى أسود الرأس والسمان والشفنين. # وأما اختلاف غذاء الطير على حسب اختلاف أعضائه، فيكون على وجوه ثلاثة: ~~أحدها: من تركيبها وتأليفها. والثاني: من حركتها وسكونها. والثالث: من ~~مواضعها وأماكنها. وأما تركيب الأعضاء فقد بينا أنها تكون على ثلاثة ضروب، ~~لان منها عصبي مثل الجلد والمعاء، ومنها لين رخو مثل الشحم والدماغ، ومنها ~~معتدل مثل العضل واللحم الأحمر المعرى من الشحم. فما كان منها عصبيا كان ~~قليل الغذاء بطئ الانهضام وبخاصة ms123 متى كان من حيوان مهزول أو حيوان يابس ~~بالطبع، مثل الشفنين والحجل والورشان. وما كان من حيوان مخصب سمين أو حيوان ~~رطب المزاج بالطبع مثل البط والفراخ الحمام، فإنه إذا انهضم غذى غذاء كثيرا ~~عسير الانحلال من الأعضاء. # فأما ما كان من الأعضاء تركيبه لينا رخوا مثل الشحم والدماغ، فإن الغالب ~~على مزاجه الحرارة والرطوبة، إلا أن رطوبته أغلب قليلا وبخاصة متى كان من ~~حيوان أرطب بالطبع. ولذلك صار قليل الغذاء مذموما للأسباب التي بيناها فيه ~~عند كلامنا في ذكر شحوم الحيوان المشاء. وقد يختلف شحم الطير على حسب ~~اختلاف مزاج الحيوان الذي هو منه، وسنه، وطراء الشحم وقدمه، وذلك أن ما كان ~~من حيوان أسخن، كان مزاجه أحر وأكثر تحليلا للأورام. وما كان من حيوان ~~أبرد، كانت (1) حرارته أقل وكان في ذاته أعدل. وما كان منه من حيوان أيبس ~~بالطبع، كان أقل ترطيبا وتليينا. وما كان من حيوان أرطب، كان أكثر ترطيبا ~~وتليينا وتسكينا للحدة العارضة في الأعضاء. ولذلك صار شحم الإوز نافعا من # PageV00P120 # اللذع العارض في المعدة والمعاء إذا احتقن به. # وما كان منه من حيوان أصغر سنا، كان أرطب. وما كان من حيوان أكبر سنا، ~~كان أيبس. وما كان منه طريا قريب العهد بالحيوان، كانت حرارته أقل وترطيبه ~~أكثر. وما كان منه عتيقا بعيد العهد بالحيوان، كان إسخانه أكثر، وترطيبه ~~أقل. # وأما اختلاف غذاء الطير على حسب اختلاف أعضائه فيكون على ضروب: وذلك أن ~~من أعضاء الطير ما هو دائم الحركة لطبيعته وذاته، مثل الأجنحة وبعدها ~~الأعناق والأرجل. ومنها الدائمة السكون العديمة الحركة، مثل البطن وما ~~يحويه. ومنها المتوسط الحركة، وهي التي وإن كانت متحركة، فحركتها لغيرها لا ~~لذاتها، مثل اللحم المجاور للأكتاف وعظم الصلب والأضلاع. ومنها القريب من ~~ينبوع الحرارة الغريزية، مثل الصدر وما جاوره. ومنها البعيد من ينبوع ~~الحرارة الغريزية، مثل الاعجاز والأفخاذ. # وما كان منها دائم الحركة لذاته وعينه، مثل الأجنحة والأعناق والأرجل، ~~كان ألين الأعضاء وأسرعها انهضاما وألذها طعما لما بيناه مرارا من ms124 فعل ~~الحركة في الأعضاء. وألذ الأجنحة وأفضلها غذاء أجنحة الدجاج وبعدها أجنحة ~~الإوز. وأما ما سوى ذلك من الطير، فإن أجنحتها، وإن كانت لطيفة الغذاء، ~~فإنها لا تكاد أن تؤكل، لا تقوت البدن أصلا. وأما اللحم المجاور للأكتاف ~~والصلب والأضلاع، فإن ما يجاوره من العظام المحركة له، ترض لحمه وتكسره ~~وترخيه وتنفي فضوله وتفيده لذة وطيب طعم وحسن غذاء. # وأما الصدر، فإن لحمه وإن كان فاضلا لقربه من ينبوع الحرارة الغريزية، ~~فإن لذاذته قليلة لأنه ليفي (1) قليل الدسم من قبل أن الحرارة الغريزية ~~لقربها منه، تفني أكثر دسمه (1) في غذائها، ولذلك يقل دسمه ولذاذته. # فإن عارضنا معترض وقال: لم صار لحم الأضلاع وما يلي أصول الأجنحة أيضا ~~ليفيا قليل الدسم واللذاذة وقربه من الحرارة الغريزية لقرب لحم الصدر ~~منها؟. # قلنا له: إن لحم عظام الأضلاع وأصول الأجنحة، فالذي عليها من اللحم يسير ~~جدا، وفيها من التجويف ما يحوي من الدسم ما يفي بغذاء الحرارة الغريزية ~~وبترطيب اللحم وتدسيمه. وأما عظم الصدر فرقيق صفائحي ليس له تجويف أصلا ولا ~~يحوي من الدسم شيئا. وإذا لم تجد الحرارة الغريزية فيه من الدسم ما يفي ~~بغذائها، رجعت إلى دسم اللحم الذي عليه، فأخذته بغذائها وبقي اللحم ليفيا ~~قليل الدسم واللذاذة، إلا أنه في جودة غذائه، محمود جدا لمجاورته الحرارة ~~الغريزية وتلطيفها له وإنقائها الفضول عنه. # PageV00P121 # وأما العجز، فهو أكثر دسما وألذ طعما، وذلك لجهتين: إحداهما: أنه لبعده ~~من الحرارة الغريزية وقلة ما تأخذه من دسمه، يبقى دسما لذيذا. والثانية: أن ~~في عظامه من التخلخل والتجويف ما يحوي دسما كثيرا يفي بغذاء الحرارة ~~الغريزية وترطيب اللحم ولذاذته. ولذلك صار الشحم يكثر فيه طبعا دائما. # وأما الأفخاذ، فقد اجتمع لها لذاذة الطعم وجودة الغذاء وسرعة الانهضام من ~~جهتين: إحداهما: # دوام حركتها واتساع تجويف عظامها وما تحويه من كثرة الشحم. والثانية: أن ~~لحمها عضلي (1) منسوج بعصب دقيق. وأفضل اللحمان لحم العضل وبخاصة أطرافها ~~لدوام تعبها واجتماع العصب اللطيف فيها. # وأما الدماغ، وإن كان بالإضافة إلى دماغ ms125 المواشي، قليل المقدار جدا، فإنه ~~ألذ طعما وأفضل غذاء وأبعد من الفساد كثيرا، من قبل أنه أقل رطوبة وأصلب، ~~وبخاصة متى كان من حيوان بري. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن ما كان من الطير يأوي الجبال، فإن ~~دماغه أفضل، وكذلك سائر أعضائه. # وأما الخصي، فإنه أيضا بالإضافة إلى خصى المواشي، أفضل كثيرا لأنه أحمد ~~غذاء وأسرع انهضاما وبخاصة متى كان من حيوان مسمن بالتين اليابس واللبن، ~~لأنه عند ذلك يولد دما كثيرا، غير أن ليس له أثر بين في إطلاق البطن ولا ~~حبسها. وأفضلها كلها خصى الديوك، لان الديوك في مزاجها أعدل حرارة وأقرب من ~~التوسط والاعتدال في الرطوبة واليبوسة. وهي أيضا أكثر سفادا، فهي لكثرة ~~سفادها تكثر حركة الخصي منها، وتعبه، ويقل فضوله ويلطف. ولاعتدال حرارتها، ~~توسطت الرطوبة واليبوسة، وكثر غذاؤها وأعانت على زيادة المني. # وأما القوانص، فإن قشرها الداخلي (2) لا يؤكل أصلا، إلا أنه إذا جفف وسحق ~~وشرب، نفع من وجع المعدة العارض من الحرارة واليبوسة، وقوى المثانة، ومنع ~~من درور البول، وبخاصة متى كان من قوانص الدجاج والديوك، لأنها أخص بذلك من ~~جميع الطير لاعتدال مزاجها وفضل تقويتها. وأما لحم القوانص، فبطئ الانهضام ~~قليلا، إلا أنه إذا انهضم غذى غذاء كثيرا محمودا. ومن القوانص ما هو لذيذ ~~(3) جدا، مثل قوانص الإوز وبعدها قوانص الدجاج، وبخاصة إذ خلط في علفها ~~التين اليابس المدقوق وعجن باللبن الحليب. # وأما الكبود، فهي من كل حيوان مذمومة جدا، لأنها غليظة بطيئة الانهضام. ~~وأفضل الكبود كبود الدجاج والإوز، لأنها غير عسيرة الانحدار، وكذلك حالها ~~في الانهضام أيضا. # PageV00P122 # وأما المعاء، فأكثرها لا يؤكل لأنها لا تقوت البدن أصلا. ولذلك لا يستعمل ~~منها إلا ما كان من الدجاج والإوز فقط، لأنها أرطب وأكثر غذاء، ذلك لكثرة ~~غذائها وقلة حركتها، وبخاصة متى كانت مسمنة بالدقيق والتين واللبن. ~~ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن معاء الديوك والبط المسمنة بالدقيق ~~والتين واللبن مشاكلة لمعاء الخنزير إذا علف التين قبل أن يذبح. وبعض الناس ~~يمدحون معاء ms126 النعام، غير أنه بالإضافة إلى غيره من الأطعمة قليل الاستمراء ~~جدا. ولجالينوس فصل في معاء النعام قال فيه: # إن بعض الناس يمدحون بطن النعام باطلا، ويزعمون أنه يمرئ وأنه دواء نافع ~~(1) لجميع الناس. # وأما ألسنة الطير ومناقيرها، فلا حاجة بنا إلى ذكرها لمعرفة العوام بها. # PageV00P123 # الباب السابع عشر فيما يتولد من الحيوان والطير من البيض واللبن القول في ~~البيض أما البيض فينقسم في جنسه قسمة أولية على ثمانية ضروب: وذلك أن منه ~~ما يكون من حيوان أصح جسما وأعدل مزاجا. ومنه ما يكون من حيوان أسقم جسما ~~وأفسد مزاجا. ومنه ما يكون من حيوان أعبل وأسمن. ومنه ما يكون من حيوان ~~أهزل وأعجف. ومنه ما يكون من حيوان له ذكر. ومنه ما يكون من حيوان ليس له ~~ذكر. ومنه ما يكون من حيوان فتي. ومنه ما يكون من حيوان هرم. # فما كان منه من حيوان أصح وأعدل، كان أفضل وأحمد، لان الدم المتولد عنه ~~محمود فاضل (1). ولذلك ما كان منه من حيوان أخصب وأكثر شحما، كان أفضل ذلك، ~~لان الغذاء المتولد عنه أكثر وألذ. وكذلك ما كان من حيوان له ذكر، كان ~~أفضل، لان الحرارة الغريزية فيما كان له ذكر أقوى منها فيما كان لا ذكر له. ~~وكذلك ما كان من حيوان فتي كان أفضل، لان الحرارة الغريزية فيه أقوى وأثبت. # وأما مزاج البيض، فهو في جملته، قريب من التوسط والاعتدال، كأنه مائل إلى ~~مزاج بدن الانسان. غير أن بياضه على الانفراد يقرب من البرد قليلا، كأنه ~~بالإضافة إلى المح، بارد في الدرجة الأولى. ويستدل على ذلك من عذوبته ~~وتفاهة طعمه وقربه من طعم الماء. ولذلك صارت زهومته أكثر وإغذاؤه أقل وأغلظ ~~وانهضامه أعسر، وبخاصة متى كان من حيوان هرم أو حيوان ليس له ذكر. # وأما صفرة البيض، فهي على الانفراد تقرب من التوسط والاعتدال، أو أميل ~~إلى الحرارة قليلا، كأنها بالإضافة إلى البياض، صارت أقل عذوبة وأبعد من ~~الزفورة والزهومة، وألطف غذاء وأسرع انهضاما، وبخاصة متى كانت من حيوان ms127 فتي ~~أو حيوان له ذكر، لأنها متى كانت من حيوان كذلك، كان تقويتها للأعضاء أكثر ~~وانحلالها منها أبعد، وإن كانت هذه الخاصة لازمة لجملة البيض من قبل أنها ~~مادة # PageV00P124 # وغذاء للحيوان المشاء المناسب في طبيعته للحيوان الطيار. ولذلك شبهه ~~الفاضل أبقراط بالمني واللبن جميعا اللذين (١) هما مادة وغذاء للحيوان ~~المشاء المناسب في طبيعته للحيوان الطيار. ولذلك قال: إن البيض لما كان ~~مادة وغذاء للحيوان الطيار المناسب لمزاج بدن الانسان، كان من الواجب أن ~~يكون الغذاء المتولد عنه كثيرا قويا. أما كثرته، فلان جوهره يستحيل دما ~~ويتشبه بجوهر المغتذى به بسرعة، وذلك لمناسبته مزاج بدن الانسان وقربه منه. ~~وأما تقويته للأعضاء، فإن الحرارة الغريزية كلما ازدادت فيه فعلا وتأثيرا، ~~ازداد هو أيضا قوة صلابة. وذلك مقاس من الشاهد، لأنا نجده خارجا كلما ازداد ~~فعل الناس فيه تأثيرا، ازداد صلابة وجفافا. ففي هذا دليل واضح على أن كلما ~~ازداد فعل الحرارة الغريزية فيه باطنا، ازداد صلابة ويبسا، فهو إذا بعيد ~~الانحلال من الأعضاء، زائد (٢) في قوتها، إلا أنه يختلف في جودة غذائه ~~ورداءته وسرعة انهضامه وإبطائه لأسباب خمسة: أحدها: جنس الحيوان الذي يتولد ~~منه وجوهريته. والثاني: سن الحيوان ومدة زمانه. والثالث: خصب بدنه وهزاله. ~~والرابع: طراء البيض وقربه من الخروج من الحيوان، أو قدمه وبعده من ~~الحيوان. والخامس: صنعة البيض وعمله الذي يتخذ به. # فأما اختلاف البيض من قبل جنس الحيوان الذي هو منه وجوهره فيكون على ~~ضروب: وذلك أنه متى كان من حيوان ألطف طبعا وأعدل مزاجا وأحمد غذاء، مثل ~~الدراج والدجاج، كان غذاؤه أفضل وانهضامه أسرع وزهومته أقل، وبخاصة متى كان ~~من حيوان فتي أو حيوان له ذكر. إلا أن انحلال ما كان من هذا الجنس من ~~الحيوان من الأعضاء أسرع. ولذلك صار غذاؤه لبقاء الصحة وثباتها أفضل منه في ~~قوة الأعضاء وشدتها. وما كان منه من حيوان أغلظ طبعا وأفسد مزاجا وأردأ ~~غذاء، مثل النعام ودونه في ذلك الإوز، كان غذاؤه أذم وانهضامه أعسر وزهومته ~~أكثر، وبخاصة متى كان ms128 من حيوان هرم أو حيوان ليس له ذكر إلا <أن> ~~انحلال ما كان منه من هذا الجنس من الحيوان من الأعضاء أبعد. ولذلك صار ~~غذاؤه لقوة الأعضاء وشدتها أفضل منه في بقاء الصحة وثباتها. # وأما اختلاف البيض من قبل سن الحيوان، فيكون على ثلاثة ضروب: وذلك أن منه ~~ما يكون من حيوان صغير. ومنه ما يكون من حيوان هرم. ومنه ما يكون من حيوان ~~فتي. وألطف البيض ما كان من حيوان صغير، وأغلظه ما كان من حيوان هرم، لان ~~ما كان من حيوان صغير، كان أسرع انهضاما وأقل زهومة وأحمد غذاء، وبخاصة متى ~~كان من حيوان له ذكر. وما كان من حيوان هرم، كان أعسر انهضاما وأكثر زهومة ~~وأردأ غذاء، وبخاصة متى كان من حيوان ليس له ذكر. ذلك لضعف حرارته الغريزية ~~وقلة رطوبته الجوهرية. وأعدل البيض وأكثره توسطا بين اللطافة والغلظ، ما ~~كان من حيوان فتي، لأنه أخذ من كل واحد من الحاشيتين بقسطه. ولذلك صار ألطف ~~من بيض الحيوان الهرم، وأغلظ من <بيض> الحيوان الصغير. من قبل أنه ~~وإن كانت حرارته الغريزية على غاية ما تكون من القوة، فإن رطوبته # PageV00P125 # الجوهرية أقل من رطوبة الحيوان الصغير كثيرا. ولذلك صار فعله في بقاء ~~الصحة وثباتها، وقوة الأعضاء وشدتها فعلا متكافئا. # وعلى هذا الوزن والقياس يقال: أن البيض متى كان من حيوان أعبل وأكثر شحما ~~أو حيوان له ذكر، كان أفضل وأحمد مما كان من حيوان أهزل وأقل شحما، أو ~~حيوان ليس له ذكر من قبل أن الحرارة الغريزية، فيما كان من الحيوان أسمن، ~~أقوى، ورطوبته الطبيعية أكثر. والحيوان المهزول بخلاف ذلك وضده، لان حرارته ~~الغريزية أضعف، ورطوبته الطبيعية أقل. وكذلك الحرارة الغريزية فيما كان من ~~الحيوان له ذكر، أقوى، وفيما كان من الحيوان ليس له ذكر، أضعف. # وعلى مثال ذلك أيضا، يقال في البيض: أنه متى كان طريا قريب العهد ~~بالحيوان، كان أفضل وأبعد من الزهومة. ومتى كان عتيقا بعيد العهد بالحيوان، ~~كان أردأ وأخص بالزهومة. من قبل أن ms129 بعده من الحيوان يدل على ضعف حرارته ~~الغريزية. وضعف حرارته الغريزية يوجب كثرة فضوله وزفورته. # ولجالينوس في مثل ذلك فصل قال فيه: أن بيص الدجاج، وبعده بيض الدراج، ~~أحمد البيض وأعدله في فضل غذائه وجودة استمرائه، وبخاصة إن كان من حيوان له ~~ذكر، وكان مع ذلك غذاء الحيوان لطيفا نقيا. وبيض الفتي من الحيوان أفضل من ~~بيض الهرم، وبيض ما كان له ذكر أفضل مما ليس له ذكر. # وبيض ما كان من الحيوان سمينا أفضل مما كان مهزولا. والبيض القريب العهد ~~بالحيوان أفضل من البعيد العهد بالحيوان. # وأما اختلاف البيض من قبل صنعته وعمله، فيكون على أربعة ضروب: وذلك من ~~البيض ما يتخذ مشويا. ومنه ما يتخذ مسلوقا. ومنه ما يتخذ مطبوخا. فأما ~~المشوي فهو في الجملة أغلظ من المسلوق وأعسر انهضاما، ذلك لتمكن حرارة ~~النار من جسمه ونشفها لأكثر رطوبته الجوهرية. ولذلك صار بالإضافة إلى ~~المسلوق أكثر تجفيفا وأقل تسكينا لحدة الحرارة، إلا أنه ينقسم قسمين: لان ~~منه ما يدفن في الرماد الحار ويشوى بقشره. ومنه ما يفقس على طابق ويحمل على ~~النار حتى يشتوي. فما كان منه مفقوسا على طابق كان أذم وأردأ لان حرارة ~~الطابق تباشر بعض أجزائه وتفني رطوبتها وتجففها وتخرجها من حد الغذاء قبل ~~أن يستتم فعلها في سائر أجزائه. # وأما ما كان منه مدفونا في الرماد، فهو بالإضافة إلى ما تقدم ذكره، أفضل ~~لان النار لا تباشر بعض أجزائه مباشرة تمكن معها أن تجفف رطوبته وتخرجه من ~~حد ما يغتذى به قبل أن يستتم فعلها في كل أجزائه. إلا أنه أيضا يكون على ~~ضربين: لان منه ما يدفن كله في الرماد حتى يشتوي. ومنه ما يحمل على الجمر. ~~فما كان منه مدفونا في رماد، كان أذم لان حرارة النار تكتنفه من جميع ~~نواحيه وتمنع بخاره من التحلل، فتجتمع فيه بخارات مذمومة. وما كان محمولا ~~على جمر، فإن البخارات تتحلل من الاجزاء البعيدة من النار. # وأما المسلوق بالماء، فهو في جملته ألطف وأفضل من المشوي، ms130 من قبل أن ~~رطوبة الماء تحول PageV00P126 # بين النار وبين نشف رطوبته الجوهرية. ولذلك صار أقل تجفيفا وأكثر تسكينا ~~لحدة الحرارة، إلا أنه أيضا يكون على ضربين: وذلك أن منه ما يسلق بقشره. ~~ومنه ما يفقس في الماء الحار حتى ينسلق. فما كان منه مسلوقا بقشره كان أذم ~~لان القشر يحقن في باطنه بخارات غليظة ويمنعها من التحلل. ولذلك صار كثيرا ~~ما يحدث من الاكثار منه رياح نافخة وثفل في المعدة وسائر البطن. وأما ~~المفقوس في حرارة الماء، فإن حرارة الماء بلطافتها تغوص في باطنه وتلطف ~~غلظه وتزيل أكثر زهومته وزفورته. ولذلك صار هذا النوع من صنعة البيض أفضل ~~وأحمد كثيرا، إلا أنه متى استعمل محه فقط كان تجفيفه أكثر وتغذيته أقل. ~~ومتى استعمل مع بياضه، كان تغذيته أكثر وتجفيفه أقل. # وقد ينقسم كل واحد من أنواع المشوي والمسلوق على ضروب ثلاثة: وذلك أن منه ~~ما يبالغ في إنضاجه حتى ينعقد ويصلب. وهذا الضرب منه هو المسمى المشوي أو ~~المسلوق على الحقيقة. ومنه ما لا تفعل النار فيه إلا إسخانه فقط وأزيد ~~قليلا. وهذا الضرب منه هو المسمى الحسو (1). ومنه المعتدل النضج وهو ~~المتوسط بين الصلابة والرخاوة. وهذا الضرب منه هو المعروف بالنيمبرشت. فما ~~كان من البيض انعقاده شديدا، كان تجفيفه أكثر وانحداره عن المعدة أبعد، ~~ونفوذه في العروق أعسر، إلا أن انحلاله من الأعضاء يكون أبعد. ولذلك صار ~~ثقيلا في المعدة والمعاء، ولا تقتات الأعضاء منه إلا قوتا يسيرا غليظا، ~~وبخاصة متى كان مشويا، إلا أنه إذا انهضم في الأعضاء قواها قوة بينة. وما ~~كان من البيض انعقاده يسيرا كان تجفيفه أقل وانهضامه أسرع ونفوذه في العروق ~~أسهل وتليينه للصدر أكثر، إلا أن تقويته للأعضاء يكون أقل، ذلك للطافته ~~وسرعة انحلاله منها. وما كان من البيض انعقاده معتدلا متوسطا بين الرخاوة ~~والصلابة، كان في فعله وانفعاله أيضا متوسطا بين ما كان انعقاده شديدا، وما ~~كان انعقاده يسيرا. ولذلك صار أعدل وأفضل وألذ عند الطباع، من أجل أنه ~~بالإضافة إلى ما ms131 كان انعقاده يسيرا، أقل زهومة وزفورة وألذ عند الطبيعة، ~~لان قوة فعل النار فيه قد لطفته وأزالت أكثر زهومته. ولذلك صار بالإضافة ~~إلى ما كان انعقاده شديدا ألطف وأفضل وأسرع انهضاما وأسهل نفوذا في العروق ~~وأقرب إلى الانقلاب إلى الدم، وبخاصة متى كان مفقوسا في الماء الحار. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن ما كان من البيض شديد الانعقاد، كان ~~مذموما لأنه أثقل في المعدة وأعسر انهضاما وأبطأ نفوذا في العروق. وما ينال ~~البدن من غذائه فغليظ، إلا أنه قوي بعيد الانحلال من الأعضاء. ولذلك صار ~~متى انهضم قوى الأعضاء قوة بينة. # وأما البيض النيمبرشت المتوسط الانعقاد، ففيه رقة ولطافة يسرع بها ~~انحداره عن المعدة ويسهل نفوذه في العروق وجولانه في البدن. ولذلك صار أحمد ~~وأفضل في سرعة الانهضام والنفوذ في العروق وأقرب من الانقلاب إلى الدم ~~والتشبه بالأعضاء، ذلك لسرعة انقياده لفعل الطبيعة وبخاصة متى كان مفقوسا ~~في الماء، لأنه متى كان كذلك، عدم أكثر زهومته وزفورته. ومن خاصته أنه ملين ~~لخشونة # PageV00P127 # الأعضاء، ولذلك صار نافعا من خشونة الحنجرة والمرئ والصدر، مسكنا (1) ~~لحدة النوازل المنحدرة من الرأس إلى الرئة وملينا (2) للقروح العارضة فيها ~~وفى سائر الأعضاء، وبخاصة قروح المعدة والمثانة والمعاء، لأنه يلصق ~~بأجرامها ويصير عليها بمنزلة الشحم المذاف (3) بالدهن إذا مسح على الجلد من ~~خارج. ولذلك صارت له تغرية بينة. # وزعم بعض الأوائل، أنه لولا ما فيه من يسير الزهومة، لقام مقام حسو ~~الشعير. ودون هذا الضرب من البيض في الفضل والجودة وجودة الغذاء النوع ~~الملقب بالحسو الذي لم تفعل النار فيه إلا إسخانه فقط وأزيد قليلا، لان ~~زفورته وزهومته فيه كثيرة (4)، إلا أنه ليس بأقل فعل منه في سرعة الانهضام ~~والنفوذ في العروق، ولا هو أيضا بدونه في تليين المعدة والصدر والرئة وسائر ~~الأعضاء، ولا هو أيضا بأقل منه في تسكين حدة الفضول الحادة اللذاعة، إلا ~~أنه لزيادة زهومته وزفورته، عافته الطباع، وصار غذاؤه أذم كثيرا. # فقد بان واتضح أن أثقل البيض وأعسره انهضاما وأكثره غذاء، ms132 ما كثر انعقاده ~~وصلابته. وأغلظ من ذلك، المدفون في الرماد الحار، أعني المشوي. وألطف البيض ~~وأسرعه انهضاما، المسلوق بالماء وبخاصة متى كان مفقوسا فيه. ومتى أردت أن ~~تسلق بيضا، بقشره ولا ينعقد، فامزج الماء الذي تسلقه به بشئ من خل، وأدم ~~تحريكه فإن انعقاده يبعد ويكتسب فعلا (5) في تسكين الأخلاط اللذاعة، إلا أن ~~فعله في تليين خشونة الصدر وسائر الأعضاء، يزول لما يكسبه من فيض الخل ~~وتقطيعه. # وأما المقلي بالزيت، فهو أردأ البيض وأذمه غذاء، من قبل أنه لا يلبث في ~~المعدة إلا يسيرا حتى يستحيل إلى الدخانية والفساد. ويفسد بفساده ما يوافيه ~~في المعدة من الطعام ويحدث ثفلا وتخما. وأردأ التخم وأخبثها ما كان حدوثه ~~عن البيض، وبخاصة متى كان مقليا. # وأما المطبوخ من البيض، فهو في جودة غذائه ورداءته متوسط بين المشوي وبين ~~المفقوس في الماء الحار، لان المفقوس في الماء الحار يرمى بالماء الذي يسلق ~~فيه، فتزول عنه زهومته. والمطبوخ فزهومته باقية في مرقه مع ما يكسبه أيضا ~~من غلظ الأبازير التي تلقى فيه. # ولجالينوس في صنعة البيض فصل قال فيه: أن ما يدفن من البيض في الرماد ~~الحار، فهو أغلظ وأعسر انهضاما وأبعد انحدارا عن المعدة من المسلوق بالماء. ~~وما طجن بالزيت ولد كيموسا رديئا وغذى غذاء غليظ وأحدث بشما (6) وأضر ~~بالبدن إضرارا بينا. وأحمد البيض ما سلق بالماء وغطيت القدر حتى # PageV00P128 # ينضج نصف نضوجه إلى أن يصير نيمبرشت، لان ما لم يكمل نضجه من البيض كان ~~أسرع انهضاما وأكثر غذاء وأقرب من توليد الدم الفاضل المحمود. وما كمل ~~نضوجه وصلب، انتقل إلى طبيعة المشوي بالنار والمدفون في الرماد الحار. وما ~~صار إلى هذه الحال، فيجب ألا يؤكل إلا بما يعين على هضمه مثل المري والزيت ~~والشراب القوي. PageV00P129 # القول في اللبن أما اللبن فينقسم بدءا (1) قسمة جنسية على ثلاثة ضروب: ~~لان منه الحلو القريب العهد بالخروج من الضرع وهو المسمى بالحليب على ~~الحقيقة. ومنه القوي الحموضة البعيد العهد بالخروج من الضرع وهو المعروف ~~بالدوغ (2). ومنه المتوسط ms133 بين هاتين المرتبتين وهو المعروف بالماست (3)، ~~وبعض الناس يلقبه بالرائب. فأما الحلو (4)، فهو في جملته منحرف عن المزاج ~~المعتدل البرودة (5) إلى الحرارة قليلا، كأن حرارته متوسطة في الدرجة ~~الأولى أو في الدرجة الثانية. ويستدل على ذلك من عذوبته وقربه من طعم الدم ~~وانتقاله إليه بسرعة. ولذلك صار أقل رطوبة من السمك كثيرا، وأبعد من توليد ~~البلغم. ولهذا ما صار أفضل غذاء وأقرب من التشبه باللحم وسائر الأعضاء، إلا ~~أنه مركب من جواهر مختلفة لها قوى متضادة بعضها ملطف جلاء، وبعضها مغلظ ~~مشدد، وبعضها ملين مرخ. وذلك أن فيه مائية حادة ملطفة، وجبنية باردة مغلظة ~~ميبسة، وسمنية ملينة مرخية. فهو بجوهره المائي الحريف، صارت له لطافة يلطف ~~بها الفضول ويغسل الأحشاء ويلذع المعاء ويهيج القوة على دفع ما فيها بسرعة. # ولذلك صار مطلقا (6) للبطن. # ولهذه الجهة صارت مائية اللبن من أوفق الأشياء لمن احتاج أن ينقص بدنه ~~بما ليس فيه حدة قوية، مثل من كان في عمق بدنه أو ظاهر جلده فضول (7) عفنة ~~فاسدة أو فضول حادة كالفضول السوداوية المتولدة عن احتراق الدم والمرة ~~الصفراء، والفضول الحادثة عن البلغم العفن مثل البثور التي ينقشر لها ~~الجلد. وإنما اختلفت أفعال مائية اللبن لاختلاف مزاج الحيوان الذي يتولد ~~منه، لان ما كان منها من حيوان أسخن، مثل اللقاح (8)، كان فعله في البثور ~~التي ينفش منها الجلد، وفى تفتيح سدد الكبد والطحال، وتلطيف الرطوبات ~~الغليظة المتولدة في جداول الكبد والعروق، أخص وأولى. ولذلك صار # PageV00P130 # لبن اللقاح أخص الأشياء بالنفع من الاستسقاء العارض من سدد الكبد والطحال ~~لكثرة مائيته وحدتها. # وما كان منها من حيوان أعدل أو أميل إلى البرودة قليلا، كان فعله في ~~الفضول السوداوية المتولدة عن احتراق الدم والمرة الصفراء، أوجب وأوكد. ~~ولذلك صار ماء الجبن المتخذ من لبن الماعز نافعا من الجرب والهق والكلف ~~ونزول الماء في العين إذا استعمل في كل علة بما يوافقها من التدبير ~~والعلاج. # ومن قبل ذلك، صار إذا احتقن به، غسل المعاء ونقاها من الأوساخ الرديئة ~~الفاسدة، ms134 ونظف قروحها من المدة (1) العفنة. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: متى رأيت قروحا فاسدة مملوءة مدة، فاغسلها ~~بماء الجبن، إما بالشرب متى كانت القروح في أعلى البدن، مثل الصدر وما ~~يليه، وإما بالحقنة متى كانت القروح في أسفل البدن، مثل المعاء وما يليها. ~~ولهذه الجهة، صار كل لبن مائيته أكثر، فهو أسلم الألبان وأقلها غائلة وإن ~~أدمن استعماله، لأنه يبعد من تولد الدم الغليظ كثيرا. ولذلك قال جالينوس: ~~أن ما كان من الألبان رقيقا مائيا شبيها بلبن الأتن (2) والخيل، فهو غير ~~مولد للدم الغليظ. ولهذا ما صارت هذه الألبان غير مضرة بأصحاب التدبير ~~الملطف. وما كان من الألبان جبنيته أكثر من مائيته، مثل لبن البقر والنعاج، ~~فأنه يولد دما غليظا وإن كان لبن البقر بذلك أخص لقلة مائيته بالطبع. وما ~~كان من الألبان معتدلا في جواهره الثلاثة، مثل لبن النساء وبعده لبن ~~الماعز، فإنه يولد دما معتدلا فاضلا. ولذلك اختارت الأوائل اتخاذ ماء الجبن ~~من لبن الماعز خاصة. # وقد يختلف ماء الجبن في تأثيره وفعله على حسب الشئ الذي يستخرج به، لان ~~منه ما يستخرج بالاسكنجبين. ومنه ما يستخرج بلب القرطم. ومنه ما يستخرج ~~بالماء البارد أو بالرماد الحار. # ومنه ما يستخرج بماء التمر هندي. # فما كان منه مستخرجا بالاسكنجبين، أفاده الاسكنجبين زيادة في التلطيف ~~والتنقية يقوى بها على تفتيح سدد الكبد والطحال وتنقية الجلد من البثور ~~والقوباء (3) الكائنة عن الدم المحترق، والنفع من نزول الماء في العين. وما ~~استخرج بلب القرطم، اكتسب من لب القرطم حرارة وحدة يقوى بها على تنقية ~~البلغم العفن، والنفع من الحميات البلغمانية المتطاولة، وتنقية ظاهر البدن ~~من البثور المتولدة عن البلغم المالح. وما استخرج منه بالماء البارد أكسبه ~~الماء رطوبة وبرودة يقوى بها على تسكين حرارة المعدة والتهابها، وقطع العطش ~~المتولد عن حدة المرة الصفراء. وكذلك ما استخرج بماء التمر هندي يفعل مثل ~~هذه الأفاعيل، إلا أنه يكون أشد تقطيعا للفضول وإطلاق البطن وتنقية المعدة ~~والمعاء لما يكتسبه من قوة التمر هندي. وأما ms135 ما يحمل من اللبن على الرماد ~~الحار حتى يغلى ويجمد ويتجبن، ويستخرج ماؤه منه # PageV00P131 # ويستعمل، فإنه قريب من ماء الجبن المستخرج بالماء البارد، إلا أنه أكثر ~~تلطيفا وتجفيفا وأقل تسكينا للعطش كثيرا. وأما جوهر الزبد، فهو في طبيعته ~~حار لين كثير اللزوجة واللدونة، كأنه في مزاجه شبيه (1) بمزاج بدن الانسان ~~أو أقرب إلى مزاج الزيت العتيق في حرارته فقط، لا في يبسه، لأنه في اليبس ~~مخالف له كثيرا، لان الزيت في طبيعته يابس (2) وبخاصة متى كان عتيقا. ~~والزبد في طبيعته لين (3) وبخاصة متى كان حديثا. ولذلك صار الاكثار منه ~~يرخي المعدة ويلين البطن. # ولهذا نسبته الأوائل إلى طبيعة الشحم المذاف بالدهن، وذكروا أنه متى أخذه ~~من كان محتاجا إلى أن ينفث من صدره ورئته شيئا عند الأورام المتولدة فيها ~~أو في الغشاء المستبطن للأضلع، أعان على ذلك ونفع منفعة بينة لان من خاصته ~~أيضا إنضاج الرطوبات وتحليلها. إلا أنه متى استعمل وحده، كانت (4) معونته ~~على الانضاج أكثر، وعلى النفث أقل. ومتى استعمل مع العسل أو السكر، كانت ~~معونته على الانضاج أقل، وعلى النفث أكثر. ومتى طبخ الزبد ونزع ما فيه من ~~يسير مائية اللبن وصار سمنا، كانت لزوجته ودهنيته أكثر، وقوي على تحليل ~~الأورام الخاسئة ولين خشونة الأعضاء. وقد يستدل على ذلك من تليينه البشرة ~~إذا مسح على الجلد من خارج. ولهذا السبب بعينه، صار مضرا بالمعدة اضرارا ~~بينا لأنه يلين خشونتها ويذهب بخاصتها التي بها تقوى على هضم الطعام وبخاصة ~~متى كان مزاج صاحبها بلغمانيا. # وأما جوهر الجبن، فهو بالإضافة إلى سائر جواهر اللبن، بارد، يابس، غليظ ~~الخلط، عسير الانهضام، بعيد الانحدار عن المعدة. ولذلك صار بحبس الطبيعة ~~أولى منه بتليينها. فإذا استحكم نضجه في المعدة، كان الخلط المتولد عنه ~~غليظا عسير الانهضام في الكبد. ولذلك صار الاكثار منه غير مأمون ولا موثوق ~~به، لأنه من أخص الأشياء بتوليد السدد والغلظ العارض في جداول الكبد وعروق ~~الطحال ومجاري الكلى ولا سيما متى وافى هذه المواضع مستعدة لقبول ذلك منه، ms136 ~~مثل أن تكون عروقها ومجاريها ضيقة بالطبع، لأنها متى كانت كذلك، كانت ~~متهيأة لقبول السدد ضرورة، وبخاصة متى استعمل بالعسل، لان العسل يكسبه ~~لذاذة تميل إليها الأعضاء وتقبله وتجذب إليها منه أكثر من مقدار القوة على ~~هضمه. فإن وافى مع ذلك حرارة الكلى مجاوزة للمقدار المعتدل، إما من طبيعتها ~~وإما لعارض عرض لها، تخزف فيها وتولد منه حجارة وحصى. # فقد بان واتضح أن اللبن في جملته محمود (5) من جهة، ومذموم (5) من جهة. ~~فأما الجهة التي يحمد فيها، فتكون على ضربين: أحدهما: أنه إذا جاد انهضامه ~~في المعدة والكبد، غسل المعاء بما فيه من لطافة المائية وحدتها، ونقى ~~فضولها، ودفع بسمنيته السم القاتل، ولين الأعضاء، وذهب بخشونة # PageV00P132 # العين إذا اكتحل به، وحلل أورامها، ونفع بجبنيته من قروح الصدر والرئة ~~والحلقوم وقروح الكلى والمثانة والمعاء، وسكن لذع الأخلاط الحريفة المتولدة ~~في المعاء، لأنه يلتف بالاحشاء ويحول بين الاخلاط وبين التمكن منها. ولذلك ~~صار متى استعمل مع بعض الأدوية القابضة، كان دواء فاضلا نافعا من الزحير ~~(1) واختلاف الأغراس وبخاصة متى شوي بالحجارة المدورة الملساء المحماة حتى ~~تذهب مائيته وحدته. وأفضل من الحجارة لمثل ذلك، قطع الحديد الفولاذ المدورة ~~التي لها مقابض تمسك بها. وإن ألقي على اللبن مثله ماء عذب (2) وألقيت فيه ~~القطع الحديد المحماة دائما حتى يذهب ما ألقي عليه من الماء، كان أفضل لأنه ~~ليس يكره من ماء اللبن مائيته فقط، لكنه قد يكره منه أيضا حدته التي بها ~~يطلق البطن. وإن ردد الماء عليه مرارا وشوي في كل مرة حتى يذهب ما ألقي ~~عليه من الماء، كان أكثر لزوال حدته وحرافته وصار أفضل وأحمد، لما يقصد به ~~من علاج الاسهال والزحير، وتقوية المعاء وتسكين لذع الأخلاط الحادة. # والجهة الثانية التي لها يحمد اللبن، أنه لما كان مادة وغذاء للحيوان ~~المشاء، وجب أن يكون أعدل الأغذية وأقربها من الانقلاب إلى الدم وأسرعها ~~تشبها باللحم وسائر الأعضاء إذا استعمل على ما ينبغي أعني على نقاء من ~~المعدة واعتدال من المزاج، وفى وقته ms137 الطبيعي. أريد بالوقت الطبيعي، الزمان ~~الذي هو في غاية من الاعتدال القريب في مزاجه من طبيعة اللبن، مثل زمان ~~الربيع الطبيعي إذ كان أعدل الأزمنة وأكثرها توسطا للكيفيات الأربع. # وقد بين ذلك جالينوس وفرق بين مزاج الربيع الطبيعي ومزاج الربيع غير ~~الطبيعي في كتابه المعروف بكتاب (المزاج). فإذا استعمل اللبن على غير نقاء ~~من المعدة، أو على غير اعتدال من مزاج بدن المستعمل له، أو في زمان غير ~~معتدل، تغير بسرعة وانتقل إلى الدخانية وجنس المرار فيمن كان مزاجه محرورا، ~~وإما إلى الحموضة وجنس العفونة فيمن كان مزاجه باردا. وكثيرا ما يعرض ذلك ~~إما دائما وإما الحين بعد الحين، لأنه إن كان، إنما يعرض من قبل أن جوهر ~~المعدة أو مزاج البدن بأسره قد تغير وحاد عن الاعتدال، لزم اللبن التغيير ~~والاستحالة دائما. وإن كان إنما يعرض ذلك لما يوافيه في جرم (3) المعدة من ~~أغذية قد تقدمته، أو فضل مري أو بلغماني كان، إنما يقع تغييره واستحالته ~~عند موافاته تجويف جرم المعدة ممتلئا إما من غذاء متقدم، وإما من فضول ~~رديئة. # ومن قبل ذلك قال جالينوس: إن اللبن، وإن كان في جوهره ومزاجه محمودا ~~فاضلا للطافته وسرعة استحالته وانقياده للانفعال، فإن كثيرا ما يعرض له من ~~اختلاف حالات المعدة أن يتجبن فيها، وينتقل إلى الدخانية وجنس المرار ~~أحيانا، أو يلزمه ذلك دائما، أو يحمض وينتقل إلى جنس البلغم العفن أحيانا، ~~أو يلزمه ذلك دائما. وذلك يكون على اختلاف الأسباب الفاعلة لهذين العرضين ~~من قبل # PageV00P133 # أن الحموضة إنما تحدث دائما عن نقصان الحرارة وغلبة الرطوبة والدخانية ~~فتحدث عن قوة الحرارة ونقصان الرطوبة. وإنما اجتمع في اللبن الانقلاب إلى ~~هذين العرضين على اختلاف أسبابهما وتضادهما من قبل ما بيناه آنفا، وقلنا: ~~إن اللبن مركب من جوهر مائي حريف وجوهر جبني غليظ وجوهر سمني لطيف. فهو ~~للطافة سمنيته وقربها من جوهر النار، يستحيل بسرعة إلى الدخانية وجنس ~~المرار إذ كان السمن بالطبع مادة وغذاء للحرارة دائما، ولغلظ جبنيته وقربها ~~من ترابية الأرض، استحال ms138 إلى الحموضة وجنس العفن. ولذلك وجب إلا يستعمله ~~إلا من كان مزاج بدنه معتدلا وتجويف معدته خاليا نقيا من الأغذية والمواد ~~المرية والبلغمانية، لأنه متى سلم من هذه الأسباب وانهضم على ما ينبغي، غذى ~~غذاء كثيرا وولد دما محمودا وأفاد ظاهر البدن ليانة ونضارة. # ولروفس في شرب اللبن قول قال فيه: وينبغي لشارب اللبن أن يصير شربه له ~~على الريق وهو حار حين يحلب بحرارته التي بها يخرج من الضرع من غير أن ~~يتقدمه غذاء غيره، ويمتنع بعد شربه من كل ما يؤكل ويشرب إلى أن يتم هضمه ~~حسنا، وينحدر عن المعدة، لأنه إن خالطه في المعدة شئ، أي شئ كان، استحال ~~وفسد بسرعة. وينبغي لشاربه أن يحذر التعب وإفراط الحركة، لان الحركة متى ~~وافت من القوة الماشلة (1) التي في المعدة أدنى ضعف، أزعجت اللبن وأحدرته ~~بسرعة قبل تمام هضمه. وإن وافت القوة قوية وتعذر انحدار (2) اللبن من ~~المعدة، حمي بقوة الحركة واستحال، إما إلى الدخانية وجنس المرار فيمن كان ~~مزاج (3) معدته حارا، أو إلى (4) الحموضة والعفونة فيمن كان مزاج معدته ~~باردا. ولا ينبغي أيضا أن يتخلف عن المشي جملة كيلا يطفو اللبن بلطافته ~~ويعوم في المعدة ويبعد عن موضع النضج. ولكن يتمشى قليلا برفق على أشياء ~~وطيئة تنخفض تحت رجليه لينحدر اللبن إلى قعر المعدة الذي هو موضع الطبخ، ~~وتتمكن الحرارة الغريزية من هضمه على ما ينبغي. فإذا انحدر عن المعدة، ~~تناوله ثانية وامتثل في التدبير الفعل الأول من الحركة اليسيرة برفق. فإذا ~~انحدر أيضا عن المعدة، تناوله ثالثة وامتثل في التدبير الرسم الأول ~~والثاني، لان اللبن في ابتداء أمره يسهل البطن إسهالا نافعا بما فيه من ~~الجوهر المائي اللطيف. فإذا ضعفت قوة فعل الجوهر المائي، فعل بجوهره الجبني ~~ومنع الاسهال وأخذ في تربية البدن وزيادة اللحم من ذي قبل. ذلك لان اللبن ~~إذا انهضم انهضاما تاما كاملا، ولد دما صحيحا محمودا لذيذا عند الطباع. # والمختار من اللبن ما اجتمعت فيه خصال أربع: إحداهن: من لونه. والثانية: ~~من رائحته. ms139 # والثالثة: من قوامه. والرابعة: من طعمه. # فأما ما له من لونه، فهو أن يكون أبيض صافيا نقيا سليما من الصفرة ~~والحمرة والكمودة. وأما رائحته، فيجب أن تكون ذكية سليمة من العفونة ~~والزفورة. وأما قوامه، فيجب أن يكون معتدلا متوسطا # PageV00P134 # بين الرقة والغلظ، إذا نقط المرء منه على ظفره أو على مرآة، بقيت أجزاؤه ~~مجتمعة غير سيالة ولا مياعة، بل يكون لها قاعدة مسطوحة وأعلى محدودب. وأما ~~طعمه، فيجب أن يكون عذبا لذيذا سليما من المرارة والملوحة والحموضة. # وأفضل الألبان في طبيعته وجوهريته ولطافته، لبن النساء. وبعده في ذلك، ~~وإن كان غير قريب منه، لبن الأتن. وأدسم الألبان وأكثرها غذاء، لبن البقر. ~~وبعده لبن الضأن. وأكثر الألبان جبنية، لبن الضأن. وبعده لبن البقر. وأكثر ~~الألبان مائية، بين سائر الحيوانات لبن اللقاح. وبعد لبن اللقاح، لبن الخيل ~~والأتن. وأعدل الألبان وأكثرها توسطا بين الجواهر الثلاثة، لبن النساء. ~~وبعده لبن الماعز. # والسبب في ذلك أن كل لبن من الألبان ينصرف إلى طبيعة الحيوان الذي هو ~~منه، ومزاجه. فما كان منه من حيوان أغلظ، كان غليظا. وما كان منه من حيوان ~~ألطف، كان لطيفا. ولذلك، صار لبن البقر أغلظ الألبان وأذمها، وأكثرها غذاء ~~وأقواها تبريدا للأبدان وأشدها تقوية للأعضاء. ولبن اللقاح أرق الألبان ~~وأقلها دسما (1) وأيسرها غذاء (1) وأكثرها إسخانا (1) للأبدان وتفتيحا (1) ~~للسدد، من قبل أن النوق في طبيعتها قوية الحرارة جدا. فحرارة مزاجها تستعمل ~~أكثر دهنية دمها في غذائها. وإذا قل ما في الدم من الدسم، قل ذلك أيضا في ~~اللبن، لان اللبن إنما هو دم منطبخ طبخا ثانيا. ولذلك صار في لبن النوق ~~ملوحة وحرافة يقوى بها على تلطيف الأثفال وتقطيع غلظها. # وأما لبن البقر، فهو بعكس ذلك وضده، لأنه لما لم يكن في حرارة مزاج البقر ~~من القوة ما يحتاج أن يستعمل دسم اللبن في غذائها، صار أكثر الألبان سمنا ~~وزبدا وأزيدها غذاء. # ورقة لبن اللقاح وكثرة مائيته، إنما صارت له لكثرة حرارته الغريزية ~~واستعمالها أكثر دسم لبنه في غذائه. فإن قال: ms140 وكيف صار لبن الضأن أكثر ~~جبنية من لبن البقر، ولبن البقر أغلظ وأدسم وأكثر غذاء؟ # قلنا له: لان لبن الضأن لما كان أسخن وأقوى حرارة بالطبع، احتاجت حرارته ~~إلى غذاء أكثر، وأفنت دسم اللبن في غذائها. ولذلك نقصت سمنيته، وقل غذاؤه، ~~وكثرت جبنيته. وأما لبن البقر، فإنه لما كان أقل حرارة بالطبع، اكتفت ~~حرارته الغريزية بالقليل من الغذاء، ولم يأخذ من دسم اللبن إلا اليسير. # ولذلك زادت سمنيته على جبنيته وكثر غذاؤه، من قبل أن جوهر الدسم أخص ~~بتغذية الأبدان من جوهر الخبز، لأنه أكثر حرارة ورطوبة، وأقرب من طبيعة ~~الدم وأسرع إلى الانقلاب إليه. وقد أجمع الأوائل، ووافقهم على ذلك العيان، ~~بأنه لا شئ أكثر تغذية للأبدان مما كان سريع الانقلاب إلى الدم. # فإن عارضنا معترض بالشحم وقال: فلم لا كان الشحم أسرع انقلابا إلى الدم، ~~وأكثر تغذية للأبدان من اللبن، إذ كان أخص بالدهنية وأوحد بالدسم من سائر ~~الأغذية؟. # PageV00P135 # قلنا له: إن الشحم، وإن كان أوحديا بالدهنية والدسم، فإن ليس فيه جوهر ~~مائي لطيف يلطفه ويسيله (1) ويعين على سرعة انقياده وانهضامه وجولانه في ~~البدن. ولذلك غلظ وعسر انهضامه وانقياده لفعل الطباع وبعد انقلابه إلى ~~الدم. وأما اللبن، فلما كان فيه جوهر مائي سيال ملطف للفضول يسير حرافته، ~~زال عنه أكثر غلظه ولطف وسهل انهضامه وانقلابه إلى الدم وغذى غذاء حسنا. ~~وقد يستدل على ذلك من الجبن والسمن، فإنا نجدهما إذا فارقتهما مائية اللبن ~~ورطوبته السيالة اللطيفة، عسر انهضامهما، وبعد انقلابهما إلى الدم، وقل ~~غذاؤهما. ولذلك صار الأفضل لمن أراد شرب اللبن، لزيادة اللحم، أن يشربه ~~بجملة جواهره الثلاثة، أعني بمائيته وزبدته وجبنيته من غير أن يزيل منها ~~شيئا، ويقصد من الألبان لبن البقر، وبعده لبن الضأن والماعز. ومن أراد شرب ~~اللبن لتسكين الحرارة وتبريد المزاج وتطرية الكبد، فليزل (1) عنه زبده ~~وسمنه ويشرب منه مائيته وجبنيته، ويقصد من الألبان لبن البقر فقط. ومن أراد ~~أن يشرب اللبن لتلطيف الفضول وتنفيثها، فليزل (2) عنه زبده وجبنيته ويشرب ~~منه مائيته فقط، ويقصد ms141 من الألبان لبن اللقاح لمن كان مزاجه باردا، ولبن ~~الماعز لمن كان مزاجه محرورا. # وكذلك، إن الألبان تنقسم في لطافتها وغلظها على خمسة ضروب: لان من اللبن ~~اللطيف جدا. # ومنه ما هو دون اللطيف قليلا. ومنه الغليظ جدا. ومنه ما هو دون الغليظ. ~~ومنه المعتدل المتوسط بين اللطافة والغلظ على الحقيقة، لان بعده من ~~الحاشيتين جميعا بعدا متساويا ولطافة اللبن تنتظم بمعنيين: # أحدهما: من طبيعته وجوهريته، والآخر: من فعله وتأثيره. فأما اللطيف من ~~طبيعته وجوهره فهو المشاكل لبدن الانسان بالطبع، مثل ألبان النساء، وبعدها ~~ألبان الماعز. ولذلك صارت ألبان النساء أعدل الألبان وأحمدها وأغذاها وأكثر ~~نفعا من السمائم القاتلة وأوجاع الحجاب وقروح الرئة والكلى والمثانة، ~~وبخاصة إذا امتص من الضرع مصا من غير أن يحلب، فيباشره الهواء ويزيل عنه ~~بعض حرارته الغريزية، فيغلظ ويتغير. # وأما اللطيف من فعله وتأثيره، فهو ما قلت جبنيته وزبديته وكثرت مائيته ~~وحدته الملطفة للفضول، مثل لبن اللقاح. وقد يستدل على ذلك من ملوحة طعمه، ~~ولذلك صار أقل الألبان غذاء وأكثرها تلطيفا للفضول، ومن قبل ذلك صار أكثر ~~الألبان تفتيحا لسدة الكبد والطحال وأخصها بالنفع من الاستسقاء العارض من ~~فساد مزاج (3) الكبد والطحال الكائن من البرودة والرطوبة. وحكى بعض ~~المتطببين (4) في كتبه أنه نافع من فساد مزاج الكبد والطحال العارض من ~~الحرارة. وزعم أن ذلك صار فيه لفضل رطوبته # PageV00P136 # ومائيته، ولعمري لولا ما فيه من الحدة والملوحة، لأمكن أن يكون ذلك. وقد ~~امتحناه عدة مرار، فلم نجد له فيما ذكر أثرا محمودا. # واللبن الغليظ جدا، فهو ما كان في طبيعته على نهاية البعد من المعتدل، ~~مثل لبن البقر، لأنه أقل الألبان مائية وأكثرها زبدية وجبنية، خلا لبن ~~الضأن فإنه أكثر في الجبنية فقط على ما بينا. ويستدل على كثرة جبنية لبن ~~الضأن من كثرة زهومته، كما قال جالينوس: وفى لبن الضأن زهومة ليس في لبن ~~البقر مثلها. ولذلك صار أميل إلى البلغم. وله قول في لبن البقر قال فيه: إن ~~لبن البقر أقل الألبان مائية وحدة، ms142 وأكثرها غذاء وتربية للحم، وموافقة ~~للمعدة، وتقوية للأعضاء، وتسكينا (٣) للحرارة، وبخاصة حرارة الكبد والمعدة. ~~ومن خاصته، إنه إذا نزع زبده وشرب، برد المزاج وسكن لذع الأخلاط الحريفة ~~وقوى الحرارة الغريزية وعدلها وزاد في اللحم زيادة بينة ومنع الاسهال المري ~~ونفع من الزحير الصفراوي وقروح الأمعاء والمثانة والأرحام. وأفضل ما استعمل ~~لهذا الشأن، إذا نزع زبده وألقي عليه مثله ماء عذب وطبخ حتى يذهب الماء ~~ويبقى اللبن، لان الماء يزيل عنه أكثر حدة مائيته وحرافتها ويكسبه برودة ~~ورطوبة يقوى بها على تسكين الحرارة وتربية اللحم. وإذا ردد الماء عليه ~~مرارا، وطبخ في كل مرة حتى يذهب الماء الذي ألقي عليه، كان ما يزول عنه من ~~الحدة أكثر، وزاد ذلك في تبريده للأبدان وترطيبه لها. فإن لم يلق عليه ماء ~~ولم يطبخ، لكن ألقي فيه فخارة محماة أو قطع الحديد الفولاذ المحماة، ورددت ~~فيه مرات كثيرة حتى تذهب مائيته الطبيعية، قل تبريده وترطيبه، وقوى فعله في ~~قطع الاسهال والزحير وتقوية الأعضاء. # وأما اللبن المعتدل المتوسط بين اللطافة والغلظ، فهو الذي قد تساوت فيه ~~الجواهر الثلاثة، أعني جوهره المائي والجبني والسمني، مثل لبن الماعز، فإنه ~~قد تكافأت فيه جواهره الثلاثة، ولذلك صار بعد لبن النساء أعدل الألبان ~~وأخفها على المعدة. ومن قبل ذلك صار متى طبخ حتى يذهب منه النصف، وشرب بسكر ~~طبرزد، نفع من قروح الرئة والكلى والمثانة. فإن نزع زبده وألقي عليه ماء ~~وشوي بالحجارة المحماة أو بقطع الحديد المحماة حتى يذهب الماء ويبقى اللبن، ~~نفع من إسهال الأغراس وقروح الأمعاء. وأكثر ما يشرب منه رطل. وينبغي ~~للمستعمل له أن يحذر أن يتجبن في معدته، لأنه إن تجبن لم يؤمن عليه أن يحدث ~~ثقلا في المعدة، وبخارا يترقى صعدا، ويتولد عنه اختناق شديد وضيق نفس. فمتى ~~تجبن، فيجب أن يقطع شربه، ويشرب من العسل أوقية، أو أوقية ونصف مع شئ من ~~ملح هندي. # وأما اللبن الذي هو دون اللطيف، فهو المتوسط بين اللطيف جدا والمعتدل على ~~الحقيقة مثل <لبن> الأتن، وبعده ms143 لبن الخيل، فإنها متوسطة بين لبن ~~اللقاح ولبن الماعز، من قبل أنها أقل مائية وحدة # PageV00P137 # من لبن اللقاح وأكثر في ذلك من لبن الماعز، وإن كان بين لبن الخيل ولبن ~~الأتن فرقانا بينا، من قبل أن لبن الخيل أسخن وأقرب من طبيعة لبن اللقاح، ~~ولبن الأتن أعدل وأقرب من طبيعة لبن الماعز. ولذلك صار لبن الأتن ألذ طعما ~~وأعذب من لبن الخيل واللقاح جميعا. ومن خاصته أنه للطافته وقلة جبنيته، صار ~~إذا شرب وهو حار وقت يحلب، لم يتجبن في المعدة كما يتجبن لبن الماعز كثيرا، ~~وإن ألقي عليه شئ من عسل وشئ من ملح، لم يتجبن أصلا، حليبا كان أو غير ~~حليب. ولذلك صار ألطف من لبن الماعز وأقرب من لبن النساء في اللطافة فقط، ~~لا في الاعتدال، من قبل أن لبن الماعز أخير غذاء وأقرب من لبن النساء في ~~الاعتدال والتوسط. ولهذا السبب صار لبن الأتن مطلقا للبطن، ملينا لجميع ~~الأعضاء العصبية إذا كان سبب خشونتها الحرارة واليبس. ومن قبل ذلك صار ~~مخصوصا بتسكين البهر (1) والربو والسعال العارض من النوازل الحريفة، ولا ~~سيما إذا شرب من الضرع إن لم تعافه النفس. وهو مع ذلك نافع من قروح الصدر ~~والكلى والمثانة. # فقد بان، مما قدمنا إيضاحه، أن أعدل الألبان وألطفها مزاجا وأحمدها غذاء، ~~ألبان النساء، وبعدها في اللطافة ألبان الأتن. وأما في الاعتدال وجودة ~~الغذاء، فألبان الماعز بعد ألبان النساء. ذلك لاعتدالها وتكافؤ الجواهر ~~الثلاثة فيها. وأما لبن الخيل، فلقربه من لبن اللقاح في اللطافة، صار فيه ~~تلطيفا في فعله، يقوى به على تفتيح أوراد الأرحام وإدرار الطمث متى كان سبب ~~انقطاع الطمث الحرارة واليبوسة. وهذه الخاصة لازمة له دون غيره من الألبان. # وأما اللبن الذي هو غليظ قليلا، فهو المتوسط بين الغليظ جدا وبين المعتدل ~~على الحقيقة، مثل ألبان الضأن المتوسط بين لبن البقر ولبن الماعز، لأنه أقل ~~مائية وأكثر جبنية وسمنية من لبن الماعز، وأقل سمنية وأكثر مائية وجبنية من ~~لبن البقر. ولذلك صار أكثر غذاء من ms144 لبن الماعز، وأعون على حبس البطن، وأقوى ~~فعلا في الاسهال وقروح الرئة والكلى والمثانة، وأظهر تأثيرا في الزحير ~~واختلاف الدم والأغراس، إلا أنه دون لبن البقر في كثرة الغذاء وحبس البطن ~~كثيرا، لما فيه من زيادة المائية على لبن البقر. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن لبن البقر أقوى الألبان على حبس البطن، ~~وبخاصة متى نزع زبده وشوي بالحجارة المحماة أو بقطع الحديد المحماة. ودونه ~~في ذلك لبن النعاج. # وقد يقع في الألبان اختلاف كبير من وجوه أربعة: أحدها: مزاج الحيوان الذي ~~هو منه. والثاني: # غذاء الحيوان ومرعاه. والثالث: اختلاف أوقات السنة. والرابع: طراء اللبن ~~وقدمه. # فأما اختلافه من قبل مزاج الحيوان الذي هو منه، فيكون على ضروب ثلاثة: ~~لأنه متى كان من حيوان أعدل مزاجا وأخصب لحما، كان أفضل لأنه يولد دما ~~محمودا وبخاصة متى شرب من الضرع أو # PageV00P138 # حين يحلب قبل أن يغيره الهواء. ومتى كان من حيوان أردأ مزاجا وأسقم بدنا ~~وأهزل لحما، كان أذم وأفسد غذاء، لأنه يولد دما مذموما فاسدا، وبخاصة متى ~~كان شربه بعد خروجه من الضرع بمدة أطول. # وأما اختلاف اللبن من غذاء الحيوان ومرعاه، فيكون أيضا على ضروب: وذلك أن ~~من الحيوان ما يرعى الحشيش الغض الطري. ومنه ما يرتعي الحشيش اليابس وأغصان ~~الأشجار الرطبة. ومنه ما يرتعي الحشيش العفص القابض، مثل القرظ (1) والبلوط ~~وقشور أصول شجر السماق. ومنه ما يرتعي الأدوية المسهلة، مثل السقمونيا (2) ~~وبعض اليتوعات (3) وأصل النبات المعروف بقثاء الحمار وما شاكل ذلك. # فما كان منه يرتعي الحشيش الغض الطري، كان لبنه أرق وأكثر مائية وأعون ~~على تليين البطن وأردأ للمعدة. وما كان منه يرتعي الحشيش الجل (4) وأغصان ~~الأشجار الرطبة، كان لبنه أعدل وأقل مائية وأبعد من تليين البطن وأوفق ~~للمعدة. ولذلك صار لبن الماعز أوفق للمعدة من غيره من الألبان، لان أكثر ما ~~يرتعي الماعز الحشيش وأغصان الأشجار الرطبة. وإذ ذلك كذلك، فمن البين أن كل ~~لبن يرتعي حيوانه أغصان الأشجار القابضة أو أوراقها، فإنه مقو للمعدة حابس ms145 ~~للبطن. وكل لبن يرتعي حيوانه ورق الأشجار المسهلة، فإنه مضر بالمعدة، لذاع، ~~بعضها مطلق للبطن. ولذلك وجب أن لا يستعمل من اللبن إلا ما كان غذاء حيوانه ~~محمودا، كيلا يستحيل إلى الفساد بسرعة، من قبل أن اللبن إذا كان في ذاته ~~رديئا واستحال في المعدة إلى الفساد، لم يفسد هو فقط، لكن يفسد بفساده كل ~~ما وافاه في المعدة من الأخلاط المحمودة، ويضر بالبدن (5) إضرارا بينا ~~قويا. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن اللبن الردئ ليس أن ما يفسد هو فقط، ~~لكنه يفسد معه كل كيموس حسن. وذكر أنه وقف على ذلك من صبي كان له طير ~~ترضعه، فماتت طيره تلك وأرضعته طير أخرى كان لبنها رديئا جدا، من قبل أن ~~غذاءها كان مذموما، لأنها كانت تغتذي عشب البرية لجوع عرض لبلدتها في زمان ~~الربيع. فامتلأ الصبي قروحا، فاستدل على ذلك من اللبن الذي كان الصبي ~~يشربه. إنه نظر إلى جميع من كان يغتذي بذلك العشب الذي كانت الطير تغتذي ~~به، قد امتلأت أبدانهم قروحا فاسدة. ولذلك صار ما يرتعي الماعز ورق القرظ ~~والبلوط وأغصان شجر السماق، فيصير لبنها مقويا للمعدة حابسا للبطن. وكثيرا ~~ما يرتعي شجر السقمونيا واليتوع فيصير لبنها مضرا بالمعدة مطلقا للبطن. # PageV00P139 # وأما اختلاف اللبن على حسب أوقات السنة، فيكون على ضروب، من قبل أن اللبن ~~في أول الربيع، يكون أكثر ذلك أرق وأشبه بالماء. وفى آخر الربيع وأول ~~الصيف، يكون أعدل وأفضل غذاء. # وفى سائر الصيف وأول الخريف يكون أثخن وأغلظ وأقل مائية. والسبب في ذلك: ~~أن اللبن في أول الربيع يكون أكثر ذلك قريبا من وضع الحيوان جملة. وكل لبن ~~يقرب من وضع الحيوان جملة، فهو أرق وأكثر مائية لاجتماع الرطوبات في أبدان ~~الحيوان في مدة زمان الحمل، لانطباق الرحم وامتناع التحلل منه. وإذا اجتمعت ~~الرطوبات في أبدان الحيوان في زمان الحمل، وجب أن يكون اللبن بالقرب من وضع ~~الحيوان جملة أكثر مائية بالطبع، وأضر بالمعدة، لأنه يرخيها ويفسدها ويهيج ~~القئ والغثاء ويلين خشونتها ms146 ويزلقها ويطلق البطن. فإذا مضى أربعون يوما ~~وتوسط الربيع، أو صار إلى آخره، ودخل الصيف، فنيت تلك الرطوبات الفضلية من ~~أبدان الحيوان واعتدل اللبن وانقاد للانفعال، وقويت الحرارة الغريزية على ~~هضمه في الضرع وصار محمود الغذاء مربيا للأبدان. وإذا تمادى به الزمان وصار ~~إلى آخر الصيف وأول الخريف، قوي حر الهواء على الأبدان ونشف بعض رطوباتها ~~الجوهرية، وازدادت رطوبة اللبن قلة، وغلظ، وزال عن الاعتدال وصار مذموما ~~غليظا بطئ الانهضام، حابسا للبطن لقلة مائيته وكثرة جبنيته. # ولذلك صار هذا النوع من اللبن كثيرا ما يتجبن في المعدة، ويحدث أمراضا ~~خبيثة، لان اللبن المتجبن في المعدة مع إضراره بها، يولد بخارات تترقى ~~صعدا، ويكون سببا وكيدا للاختناق وضيق النفس والصداع. فإن زاد الزمان به ~~تماديا، وصار إلى الخريف وآخره، ازدادت رطوبته الجوهرية قلة، وصار في طبيعة ~~اللبأ (1). ثم لا تزال رطوبته تتحلل رويدا رويدا حتى تقارب الفناء ويغلظ ~~(2) ويجفو عن الانمياع والسيلان وينقطع أصلا. # ولهرمس في مثل هذا فصل قال فيه: إن أرطب ما يكون اللبن عند وضع الحيوان ~~جملة، ثم تنقص رطوبته قليلا قليلا حتى تقارب الفناء، فيغلظ ويصير في طبع ~~اللبأ. # فإن عارضنا معترض باللبأ وقال: فلم صار اللبأ أغلظ الألبان وأقلها رطوبة، ~~وهو أقربها من وضع الحيوان جملة، وقد شرطت في ابتداء كلامك أن أرطب الألبان ~~ما كان قريبا من وضع الحيوان جملة!. # قلنا له: إن اللبأ يطول لبثه في الضرع ويقيم مدة يتهيأ معها فناء رطوبته ~~الفضلية وأكثر رطوبته الجوهرية حتى يجاوز المقدار في الغلظ. ولو توهمنا أن ~~اللبأ يخرج من الضرع وقتا يصير إليه أو بعده بيوم، لما أمكن أن نجده إلا ~~أرق الألبان وأكثرها مائية. ولكن لطول لبثه في الضرع، يقوى فعل الحرارة ~~الغريزية فيه باطنا، وحرارة الهواء ظاهرا، وتقل رطوبته حتى تقارب الفناء، ~~ويصير أغلظ الألبان وأثقلها. # ولذلك صار إذا حمل على رماد حار أو طبخ في قدر داخل قدر، فنيت رطوبته ~~بسرعة وصار جبنيا. وإذا # PageV00P140 # خلط معه لبن آخر وشوي أو سلق، أجمد ms147 ما يخالطه من اللبن وعمل فيه أكثر من ~~عمل الإنفحة (1)، لان الإنفحة إذا أجمدت اللبن، ميزت مائيته من جبنيته، ولا ~~يصير منه مشا (2). # وأما اختلاف اللبن على حسب قرب خروجه من الضرع أو بعده منه، فيكون على ~~ثلاثة ضروب، لأنه قد تقدم من قولنا إن مدة اللبن تنقسم ثلاثة أقسام: لان ~~منه القريب العهد بالخروج من الضرع وهو المعروف بالحليب. ومنه البعيد العهد ~~بالخروج من الضرع وهو المعروف بالدوغ. ومنه المتوسط بين هاتين الحاشيتين ~~وهو المعروف بالماست، أعني الرائب. # فأما الحليب القريب العهد من الخروج من الضرع، فهو أقوى الألبان حرارة ~~وأكثرها توسطا واعتدالا في الكيفيات الأربع، لأنه بعد قريب (3) من طبيعة ~~الحيوان الذي هو منه. ولذلك صار بالإضافة إلى غيره من الألبان، أفضل وأحمد ~~غذاء وأكثر تربية للحم إذا استعمل على ما ينبغي من خلاء المعدة من الغذاء، ~~ونقائها من الفضول مع اعتدال مزاج المستعمل له، إذا لم يؤخذ منه إلا ~~المقدار القصد (4)، لان الاكثار منه يحدث أحد أمرين: إما أن يتجبن في ~~المعدة ويؤلمها ويضر بها، ويحدث بخارات تكون سببا للاختناق وضيق النفس ~~والبهر (5). وإما ألا يتجبن، لكنه يستحيل إلى الحموضة ويضر بالجنبين وسائر ~~البطن. والسبب في ذلك: اختلاف حالات المعدة وموضعها من الحرارة والبرودة، ~~والرطوبة واليبوسة، لان المعدة متى كانت قوية الحرارة ملتهبة، إما من طبعها ~~وإما لعارض عرض لها، أجمد اللبن فيها وتشيط، واستحال إلى الدخانية وجنس ~~المرار وأضر بفم المعدة، والصدر، ومجاري النفس، والرأس، إلا أن يوافي مزاج ~~الرأس معتدلا وجرمه صحيحا قويا، فلا يقبل من تلك البخارات شيئا، فيسلم من ~~أذيتها، وتلحق الاضرار المعدة ومجاري النفس فقط، لان كثيرا ما يكون مزاج ~~الرأس معتدلا، ومزاج المعدة حائدا عن الاعتدال، إما إلى الحرارة وإما إلى ~~البرودة، أو يكون مزاج الرأس حائدا عن الاعتدال، ومزاج المعدة والصدر ~~ومجاري التنفس بخلاف ذلك وضده. # ومتى كانت المعدة باردة إما من طبيعتها وإما لعارض عرض لها، ضعفت عن طبخ ~~اللبن وهضمه على ما يجب، برد واستحال إلى الحموضة والعفونة، ms148 وولد رياحا ~~نافخة وقراقر وانزماما، وأضر بالجنبين وسائر البطن. فمن أراد أن يزيل ذلك ~~عن اللبن، فليكن استعماله مطبوخا ببعض الأشياء الغليظة التي تحتاج قبل ~~نضجها إلى نار أكثر، مثل الحنطة والسميذ والأرز والجاورس، ليطول فعل النار ~~فيه خارجا، ويزول عنه أكثر رياحه ونفخه. وإن كان من الواجب أن يتوقى ~~الاكثار منه مع هذه الأغذية أيضا، لأنها تكسبه لزوجة وغلظا وتعينه على ~~توليد السدد في الكبد والطحال وأحدث الحجارة في الكلى # PageV00P141 # والمثانة، ولا سيما إذا كان معه شئ من عسل أو غيره من الحلاوة، لان ~~الأعضاء تستلذ حلاوته وتقبل منه أكثر من مقدار القوة على هضمه. # وأما اللبن البعيد العهد بالخروج من الضرع، المعروف بالدوغ، فقد خرج من ~~طبيعة اللبن الحلو جملة، ومال إلى البرودة واليبوسة. وإذا صار اللبن مثل ~~هذه الحال، بعد عن قبول الاستمرار في المعدة المعتدلة المزاج، فضلا عن ~~المعدة الباردة. وأما المعدة الحارة المزاج، فقد يوافقها متى أخذ منه بقدر ~~على سبيل الدواء ولم يكثر منه، لان الاكثار منه يغذو غذاء غليظا مذموما، ~~ويولد في الكلى والمثانة رملا وحصى، لان كل طعام غليظ هذه سبيله وبخاصة إذا ~~أخذ على غير نقاء من المعدة، إلا أنه لا يتجبن في المعدة كما يتجبن اللبن ~~الحلو، لأنه قد عدم الكيفيتين القاتلتين لذلك، أعني الحرارة والرطوبة. وإذا ~~عدم اللبن الحرارة والرطوبة لم يقبل الانعقاد أصلا. # وأما اللبن الرائب المعروف بالماست، فهو في فعله وانفعاله متوسط بين ~~طبيعة اللبن الحلو وطبيعة اللبن الحامض، لما فيه من بقايا عذوبة اللبن ~~الحلو. فإذا نزع زبده، كان أفضل لغذائه وقوي على تسكين الحرارة وبخاصة إذا ~~كان من لبن البقر، لغلبة البرد على مزاج البقر بالطبع. # وأما اللبأ، فلغلظه وعدم المائية أصلا، صار أعسر انهضاما وأبعد من ~~الانحدار عن المعدة، وأكثر الألبان تولدا للدم المذموم والاخلاط الغليظة. ~~ولذلك صار يتخم بسرعة ولا سيما إذا لم يكن معه لا عسل ولا غيره من الأشياء ~~الحلوة التي معها جلاء وغسل، إلا أنه إذا صار إلى المعاء، أثقلها ms149 بغلظه ~~وهيج القوة الدافعة إلى إحداره بسرعة، وأسهل البطن، وصار سببا عرضيا لزلق ~~الأمعاء ولتوليد العلة المعروفة بالهيضة. وما عقد من اللبأ في قدر منزلة في ~~جوف ماء حار، كان ألطف له وأرطب. وما عقد على نار أو رماد حار، كان أغلظ ~~وأثقل. PageV00P142 # في الإنفحة وأما الإنفحة، فيابسة حريفة بطيئة الانهضام عسيرة الانحدار ~~محرقة للدم بحرافتها وحدتها. # في الجبن وأما الجبن، فمركب من قوى ثلاثة: إحداها: قوة اللبن، والثانية: ~~قوة الإنفحة، والثالثة: قوة الملح. واللبن على ما بينا وأوضحنا، مركب من ~~جواهر ثلاثة: جوهر الجبن، وجوهر السمن، وجوهر الرطوبة. ولذلك انقسم الجبن ~~على ثلاثة أقسام: أحدها: الطري الكثير المائية. والثاني: العتيق الكثير ~~الجبنية القليل المائية، لان قوة الإنفحة قد غلبت عليه بحدتها وحرافتها ~~وإفراط يبسها وجففت أكثر رطوبته وأفنتها، وإن كانت الإنفحة غير مفارقة ~~للجبن في كل حال، فإن قوتها في الجبن الطري يخفى لكثرة مائيته ورطوبته. ~~والثالث: الجبن اليابس الحديث المتوسط بين رطوبة الطري ويبس العتيق. # ولذلك صار هذا النوع معتدلا في جواهره الثلاثة. # وإذ أتينا على أقسام الجبن وبيناها وأوضحناها، فقد بقي أن نخبر بخاصة كل ~~واحد منها، وفعله وجوهريته، وطبعه. ونبتدئ من ذلك بالطري منه. # فأقول: إن الجبن الطري يولد خلطا ليس بالردئ، لأنه في لطافة غذائه وسرعة ~~انهضامه، متوسط بين لطافة اللبن الحليب والجبن اليابس الحديث، لما فيه من ~~بقايا عذوبة اللبن الحليب ومائيته. # ولذلك صار أسرع انهضاما وانحدارا، وأحمد غذاء، وأعون على تليين البطن من ~~الجبن الحديث والعتيق جميعا، وبخاصة متى لم يكن فيه ملح مقدار ما يزيل عنه ~~عذوبة اللبن وحلاوته. # وللفاضل أبقراط في هذا فصل قال فيه: إن كل جبن لا يكون فيه طعم غير ~~العذوبة، فهو أحمد وأفضل مما قد غلب على طعمه الملوحة والحرافة، لان ~~الملوحة متى كانت قوية أفادت الجبن يبوسة وجفافا وإضرارا بالمعدة، ومنعته ~~من ترطيب البدن وزيادة في اللحم. ومتى لم يكن في الجبن ملح أصلا، كان أكثر ~~لغذائه، وأسرع لانحداره، وأقوى على ترطيب الأبدان وزيادة اللحم، من ms150 غير ~~إضرار بالمعدة إلا أن يستحيل إلى الدخانية أو إلى الحموضة، فيضر بالمعدة ~~إضرارا بينا، لأنه كثيرا ما PageV00P143 # يستحيل إلى الدخانية متى وافى مزاج المعدة محرورا، أو وافى فيها رطوبة ~~فضلية. ومتى كان في الجبن من الملح مقدار لا يغير عذوبة اللبن، كان أقل ~~لاضراره بالمعدة، لأنه بعيد من الاستحالة إلى الحموضة خاصة. ولذلك صار ~~غذاؤه أفضل، وانهضامه أحمد. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن الجبن متى كان لذيذا معرى من كل طعم ~~خلا العذوبة، كان أفضل من قبل أن اللذاذة من كل غذاء أفضل من البشاعة ~~والكراهة، وألذ الطعوم عند الطباع العذوبة. وما كان من الجبن فيه من الملح ~~مقدار لا يغير عذوبته، كان أفضل مما لم يكن فيه ملح أصلا، ومما كان ملحه ~~كثيرا، لأنه إذا لم يكن فيه ملح أصلا، لم يؤمن عليه الاستحالة إلى الحموضة. # وإذا كان فيه ملح أكثر، أكسبه ذلك يبوسة وجفافا وتلذيعا لعصب المعدة، ~~وإحراقا للدم، ومنعه من الزيادة في اللحم. وأما الملح القليل إذا لم يكن ~~فيه من القوة ما يغير عذوبة اللبن ولذاذته، فإنه يفيد الجبن لطافة، ويمنع ~~من استحالته إلى الحموضة ويعينه على سرعة الانهضام وجودة الاستمراء. وقد ~~يعرض للجبن الرطب من الاختلاف على حسب ما يصحبه من مائية اللبن حتى يكون ~~غذاؤه أكثر وأقل، وخروجه أسرع وأبطأ، لان ما صحبه من مائية اللبن أكثر، كان ~~(1) غذاؤه أقل، وانحداره أسرع، ولا سيما متى كان معه شئ من عسل وما صحبه من ~~مائية اللبن أقل، كان غذاؤه أكثر وانحداره أعسر ولا سيما إذا لم يؤخذ معه ~~شئ من عسل. # وأما الجبن العتيق، فإن فيه حدة وحرافة وجفافا. ولذلك صار غذاؤه أغلظ ~~وأفسد، وانهضامه أعسر، وانحداره أبعد، من قبل أن مائية اللبن بكمالها قد ~~زالت عنه وغلب عليه حرافة الإنفحة ويبسها وجفافها، واكتسب حدة وحرافة، وخرج ~~عن طبيعة ما يلطف، وصار في عداد ما يحرق. ولذلك صار لا ينال فضول البدن منه ~~من التلطيف ما ينالها من الأشياء الملطفة، بل قد ms151 يفيدها مضرة من جهتين: # إحداهما: أنه لفساد غذائه وغلظه، يزيد في غلظ الأحشاء وفسادها. والثانية: ~~أنه لما فيه من الحرافة المكتسبة من الإنفحة، صارت مضرته تقاوم كل منفعة ~~تصل إلى فضول البدن من غيره، وتنافرها حتى تزيلها وتدفعها، لان من خاصته ~~أنه إذا وافى في البدن فضولا غليظة، كان من أعون الأشياء على توليد الحجارة ~~في الكلى والمثانة، إذ كان من شأن الحجارة إنما تتولد دائما من اجتماع ~~أخلاط غليظة مع حرارة محرقة. وقد اجتمع في الجبن العتيق هاتان الحلتان ~~اللتان (2) هما أوكد الأسباب في توليد الحجارة. # فكيف إذا وافى أخلاطا غليظة قد تقدمته. # ولذلك وجب أن يحذر من الجبن ما كانت هذه حالته، لم يكن صالحا بجودة ~~الغذاء ولا بسرعة الانهضام، ولا للنفوذ في العروق، ولا لتوليد الدم ~~المحمود. ولم يكن له أيضا منفعة في تليين البطن، ولا في إدرار البول، لأنه ~~لما فيه من يبس الإنفحة وحرافتها، صار كثيرا ما ينشف الرطوبات ويجفف ~~الأثفال ويحبس البطن ويمنع من إدرار البول. # PageV00P144 # والثانية: أنه لما فيه من الحدة والحرافة المكتسبة من الإنفحة، صار سريع ~~الاستحالة إلى الاحتراق. ولذلك صار يشيط فضول البدن ويزيدها فسادا، ويمنع ~~فعل الأشياء الملطفة فيها. # وأما الجبن اليابس الحديث المتوسط بين الجبن الرطب والعتيق، فيغذو غذاء ~~كثيرا قويا. أما كثرته، فلان أغلظ ما في البدن يصير جبنا. وأما قوته، فمن ~~قبل أن الحرارة تصلبه بسرعة. وكلما ازداد فعل الحرارة فيه تأثيرا، ازداد هو ~~صلابة وشدة. إلا أن غذاءه قد يختلف في جودته وزكاته على حسب اعتداله وتوسطه ~~بين الجبن الرطب والعتيق، وانحرافه إلى إحدى الحاشيتين أكثر من الأخرى. فإن ~~كان بعده من التوسط إلى الجبن العتيق أكثر، كان غلظه أزيد وحسبه للطبيعة ~~أقوى واستحالته إلى الدخانية أسرع، متى كان مزاج المستعمل له حارا، أو إلى ~~الحموضة متى كان مزاج المستعمل له باردا. فإن كان بعده عن التوسط والاعتدال ~~إلى الجبن الرطب أكثر، كان غذاؤه أزيد وانحداره أسرع وبعده عن الفساد أكثر. # وللفاضل أبقراط في هذا فصل ms152 قال فيه: إن الجبن يختلف في صلابته وليانته ~~على ثلاثة ضروب: لان منه الصلب المتين المعلك. ومنه ما قد بلغ من جفافه ما ~~عدم اتصال أجزائه وصار سريع التفتت. ومنه ما هو بعد مجتمع الاجزاء، إلا أنه ~~قد صار فيه من الجفاف ما صيره قحلا متخلخلا اسفنجيا. وأردأ أنواع الجبن ~~وأذمها، ما عدم اتصال أجزائه إلى أن صار سريع التفتت، لان ذلك دليل على ~~فناء دسمه ورطوبته الجوهرية. ودونه في الرداءة ما كان صلبا علكا منتنا، ~~لأنه دليل على كره لزوجته وغزارته وبعد انهضامه. وأحمد الأجبان وأفضلها ما ~~كانت أجزاؤه مجتمعة، إلا أنها متخلخلة رفخة أسفنجية، وبخاصة إذا كان حديثا، ~~لان ذلك دليل على لطافة أجزائه وقلة لزوجته وعلوكته وسرعة انهضامه. # ولديسقريدس في مثل ذلك قول قال فيه: إن الجبن الحديث يلين البطن، والعتيق ~~حابس للبطن ولا سيما إذا سلق سلقة وعصر ماؤه وشوي بعد ذلك. وقول جالينوس ~~فيه: إن ما لان من الجبن ورق، كان أفضل وأسرع انهضاما. وما صلب منه وثخن ~~(1)، كان أذم وأبعد انهضاما. وأقوى ما يستدل به على سرعة انهضام الجبن ~~وإبطائه، وأوضحه دلالة على ذلك الجشاء، لان ما كان من الجبن ينقص طعمه من ~~الجشاء رويدا رويدا ويزول بسرعة، كان أحمد، لأنه دليل على سرعة انهضامه ~~وانحداره عن المعدة. وما كان منه عسير التحلل من الجشاء بعيد الزوال منه، ~~كان أردأ وأذم، لأنه دليل على غلظه وبعد انهضامه وعسر انحداره عن المعدة. ~~ولذلك صار الجبن العتيق منيع الانحلال من الحشا لغلظه وبعد انحداره. # PageV00P145 # الباب الثامن عشر القول في السمك السمك في جملته يغذو غذاء يسير البقاء ~~في الأعضاء، سريع الانحلال منها، لان الدم المتولد عنه بالإضافة إلى الدم ~~المتولد عن المواشي، أرق كثيرا وأقرب من طبيعة البلغم. وإنما قلنا أرق ~~بالإضافة إلى دم المواشي لنفصله من الرقيق من القول المطلق، من قبل أن ~~الرقة والغلظ واللطافة والثخن وما شاكل ذلك، إذا قيلت بالقول المطلق، فإنما ~~يقصد بها زوالها عن المزاج المعتدل. # ولجالينوس في هذا قول ms153 قال فيه: إذا سمعتني أقول أرق وألطف وأثخن وأغلظ ~~وأسرع انهضاما وأبطأ انهضاما بالقول المطلق، فإني إنما أقول ذلك بالإضافة ~~إلى المزاج المعتدل. # ولذلك قلنا في الدم المتولد عن السمك، أنه أرق بالإضافة إلى الدم المتولد ~~عن المواشي، ليزيله عن الرقة بالقول المطلق من قبل أن للدم حاشيتين وواسطة. ~~لان من الغليظ جدا الشبيه بغلظ القار (1)، مثل الدم المتولد عن الإبل ~~والايايل والظباء والتيوس والكبير من البقر. ومنه الرقيق المائي، مثل الدم ~~المتولد عن البقل وكثير من الفاكهة. ومنه المتوسط بين هاتين المرتبتين، مثل ~~الدم المتولد عن الخبز المحكم الصنعة ولحم الدراج والفراريج والجداء الرضع، ~~وإن كان بين كل حاشية من هذه الحواشي وبين الواسطة مرتبة أخرى، أعني أن بين ~~البقر المتوسط على الحقيقة وبين الدم الغليظ مرتبة أخرى، مثل الدم المتولد ~~عن الضأن والعجول الرضع. وكذلك بين الدم المعتدل على الحقيقة وبين الدم ~~الرقيق مرتبة أخرى، مثل الدم المتولد عن السمك اللجي (2) والسمك الرضراضي ~~(2) لان الدم المتولد عن هذين النوعين من السمك وإن كان قريبا من الاعتدال، ~~فإنه لا محالة مائل إلى الرقة والبياض قليلا لغلبة البرد والرطوبة عن مزاج ~~السمك بالطبع، وإن كان السمك في جنسه ينقسم على أقسام شتى: لان منه ما يأوي ~~الماء العذب ويسمى النهري. ومنه ما يأوي الماء المالح ويسمى البحري. ما ~~يأوي الماء المالح فكثير ما ينتقل إلى الماء العذب لاستلذاذه له، لعذوبته ~~ولذاذته. وما يأوي الماء العذب # PageV00P146 # فقليل ما ينتقل إلى الماء المالح لزعوقته (1) وبشاعته وقلة استلذاذه له. ~~ولذلك صار لا ينتقل إليه منه إلا ما كان قريبا من فم البحر، لأنه يمتد مع ~~الماء المنصب إلى البحر من الأنهار لشدة جريه ويدخل إلى البحر ضرورة. # والذي يمتاز به السمك البحري من النهري الزفورة والشوك، من قبل أن زفورة ~~السمك البحري أنقص، وشوكه أقل وأغلظ، وزفورة السمك النهري أكثر وشوكه أرق ~~وأغزر. فمتى وجدنا في البحر سمكا زفورته أكثر وشوكه أرق وأغزر، علمنا أنه ~~نهري انتقل إلى البحر، ومتى وجدنا في النهري ms154 سمكا زفورته أنقص وشوكه أقل ~~وأغلظ، علمنا أنه بحري انتقل إلى النهري. والفرق بين النوعين في طبائعهما ~~ومزاجاتهما: أن البحري بإضافته إلى النهري، أسخن وأقل رطوبة ولزوجة، لان ~~ملوحة الماء الذي يأوي فيه تسخنه وتقطع رطوبته وغلظه. ولذلك قل شحمه ونقصت ~~عذوبته، وصار ما ينال البدن من غذائه أقل، وإن كان أحمد وألذ طعما وأسرع ~~انهضاما ونفوذا في العروق وأقرب من الانقلاب إلى الدم وأسهل انحلالا من ~~الأعضاء، إلا أنه بطئ الانحدار عن المعدة والمعاء. # والسبب في لذاذة طعمه، قلة ما فيه من الشحم والعذوبة والسهوكة (2). ~~والسبب في قلة غذائه سرعة انحلاله من الأعضاء وخلائها منه بسرعة وفقرها إلى ~~غذاء غيره من قرب. والسبب في بعد انحداره عن المعدة والمعاء، يكون من ~~جهتين: إحداهما: أن ليس فيه من الرطوبة واللزوجة ما يزلقه ويحدره بسرعة. ~~والثانية: أن ليس فيه من الغلظ ما يمنع نفوذه في العروق بسهولة فيكثر في ~~المعدة ويثقلها ويهيجها إلى دفعه بسرعة. # وأما السمك النهري، فمخالف للسمك البحري في فعله وانفعاله كثيرا لأنه في ~~طبيعته ومزاجه بإضافته إلى السمك البحري، أبرد وأرطب، لان ماء الأنهار بارد ~~رطب (3) ويستدل على ذلك من تفاهته. # ولذلك صار السمك المتولد فيه أكثر عذوبة وغلظا (4)، ذلك لكثرة شحمه ~~ولزوجته. ولهذه الجهة صار ما ينال البدن من غذائه أكثر، إلا أنه أردأ وأعظم ~~انهضاما وأقل لذاذة ونفوذا في العروق وأبعد من الانحلال من الأعضاء، وإن ~~كان أسرع انحدارا عن المعدة والمعاء. والسبب في فساد غذائه، كثرة لزوجته ~~وغلظه وعسر انهضامه. والسبب في قلة لذاذته، سهوكته وكثرة شحمه وظهور ~~عذوبته. والسبب في كثرة غذائه، بعد انحلاله من الأعضاء وطول لبثه فيها ~~وغناها عن طلب غذاء غيره مستأنف من قرب، لان ذلك يقوم لها مقام الكثير من ~~الغذاء. وأما سرعة انحداره عن المعدة والمعاء، فلجهتين: إحداهما: أنه لكثرة ~~رطوبته ولزوجته، يلين خمل المعدة ويزلق وينحدر بسرعة. والثانية: أنه لغلظه ~~وعسر نفوذه في العروق، يجتمع منه في المعاء ما يثقلها ويهيج القوة إلى ~~إخراجه بسرعة. # PageV00P147 # ولجالينوس في ms155 هذا فصل قال فيه: إن جميع السمك النهري والأجامي (1)، وإن ~~كان لحمه رخصا سمينا، فإنه يفسد بسرعة ويضر بالمعدة ويولد خلطا نيا. ولروفس ~~فيه قول قال فيه أيضا: إن الجنس الواحد من السمك إذا كان منه بحريا ومنه ~~نهريا، فالبحري منه أقل سهوكة وزفورة وأسرع انهضاما وأفضل غذاء وأقرب من ~~الانقلاب إلى الدم وأسهل انحلالا من الأعضاء، إلا أنه أبطأ انحدارا عن ~~المعدة والمعاء. وقد يقع في كل واحد من نوعي السمك اختلاف كثير لوجوه شتى. ~~وذلك أن البحري ينقسم قسمة أولية على ضربين: لان منه ما يأوي لجج البحر ~~ووسطه. ومنه ما يطلب شط البحر وأطرافه. وما يأوي منه وسط البحر ولججه يكون ~~على ضربين: لان منه ما يأوي المواضع الصلبة الصخرية الكثيرة الحجارة ويسمى ~~السمك البحري (2) ومنه ما يطلب المواضع اللينة الرخوة الكثيرة الطين والرمل ~~ويسمى السمك اللجي. والذي يأوي شط البحر وأطرافه يسمى الشطي وهو على ثلاثة ~~ضروب: # لان منه ما يطلب المواضع الصافية الماء، النقية من الكدر والوسخ البعيدة ~~من مصب الأنهار. ومنه ما يطلب المواضع القريبة من مصب الأنهار الكثيرة ~~الكدر والوسخ، لان الأنهار تصب إليها وسخ مزابل المدن وماء الحمامات ومبال ~~الكنان، ما يقذر ماءها ويفسده. ومنه ما يطلب المواضع المتوسطة بين هذين ~~الحدين فيأخذ من الحاشيتين بقسطه. # وكذلك السمك الذي يأوي الماء العذب ينقسم قسمة أولية على ضربين: لان منه ~~ما يأوي الأنهار ويسمى النهري. ومنه ما يأوي البرك والبحيرات ويسمى ~~البحيري. والذي يأوي منه الأنهار يكون على ضربين: لان منه ما يأوي الأنهار ~~القوية المد، السريعة الجري، الكثيرة الأمواج البعيدة من المدن، الصافية ~~الماء، النقية من الأوساخ والكدر. ومنه ما يأوي أنهارا لطافا ضعيفة المد، ~~بطيئة الجري، قليلة الأمواج، قريبة من المدن، كثيرة الأوساخ والكدر، لكثرة ~~ما ينصب إليها من وسخ المزابل ومياه الحمامات ومبال الكنان. والذي يأوي ~~البحيرات يكون على ضربين: لان منه ما يأوي بحيرات تنصب إليها الأنهار ~~دائما، وينصب ماؤها إلى البحر، فينغسل ماؤها في كل وقت بما ينصب ms156 إليها من ~~الأنهار، ويخرج منها إلى البحر. ومنه ما يأوي الآجام والبحيرات المنقطعة عن ~~البحور الكثيرة الطين والحمأة. # وإذ أتينا على ما أردنا شرحه من انقسام أجناس السمك إلى أنواعها، فقد بقي ~~بأن نأتي بخاص كل واحد منها على الانفراد، وتوضيح فعله وانفعاله. فنقول: ~~إنا قد كنا بينا أن السمك البحري في الجملة أفضل غذاء وأحمد، في جودة ~~الاستمراء، من السمك النهري. من قبل أن ملوحة مائه (3) تقطع رطوباته وتلطف ~~فضوله وغلظه، وتذهب بلزوجته وبخاصة متى كان صخريا، وكان مع ذلك قريبا من ~~القرار، لأنه بدوام ممره بالصخر ومصادمته له دائما، يسترخي لحمه ويلين ويقل ~~شحمه ولزوجته وسهوكته. ولذلك صار في هذين المعنيين، أعني رخاوة اللحم وقلة ~~اللزوجة والشحم، أسبق من سائر # PageV00P148 # السمك. ومن قبل ذلك، صار بإضافته إلى غيره من السمك، ألذ طعما وأبعد من ~~الاستحالة إلى الفساد. # ولهذا السبب صيرت الفلاسفة بينه وبين مزاج بدن الانسان ملاءمة ومشاكلة، ~~من قبل أن الانسان الصحيح الحواس لا يلتذ إلا بما لاءم مزاجه. ولهذا صار ~~الدم المتولد عنه أعدل، لأنه لا بالغليظ الكدر، ولا بالدقيق المائي. إلا ~~أنه أقرب من اللطيف المائي قليلا، من قبل أن الدم المعتدل، وإن كان قابلا ~~لهذا الاسم لخروجه عن الحاشيتين المذمومتين، فإن له مراتب لازمته، من قبل ~~أن منه البعيد من الحاشيتين بعدا متساويا، وهو المعتدل على الحقيقة. ومنه ~~المتوسط بين الطرفين، إلا أنه أميل إلى أحدهما (1) دون الآخر قليلا. فالدم ~~المتولد عن السمك الصخري وإن كان معتدلا، فإنه أميل إلى الرقة بالطبع. ~~ولذلك صار أسرع انحلالا من الأعضاء. ومن قبل ذلك، صار غذاؤه بحفظ الصحة ~~وبقائها، أفضل منه لتقوية الأعضاء وتصليبها. # وأما السمك اللجي، فهو في طبيعته قريب من السمك الصخري، لان ماءهما واحد ~~في ملوحته وصفائه ونفاذه. ولذلك لا يكاد أن يوجد بينهما فرقان إلا في كثرة ~~شحم اللجي وصلابة لحمه فقط، وقلة شحم الصخري ورخاوته، لان السمك الصخري ~~أرخى لحما وأقل شحما وألذ طعما. أما رخاوة لحمه وقلة شحمه، فلصلابة أرضه ~~وخشونتها ms157 ومصادمته للصخر. وأما لذاذته، فلقلة سهوكته ولزوجته. وأما السمك ~~اللجي فهو أصلب لحما وأكثر شحما وأقل لذاذة، أما صلابة لحمه وكثرة شحمه ~~ولزوجته، فلرخاوة أرضه وقلة تعبه. وأما قلة لذاذته، فلسهوكته وعذوبة شحمه ~~ولزوجته. ولذلك صار الدم المتولد عنه، وإن كان معتدلا، فإنه بالإضافة إلى ~~الدم المتولد عن السمك الصخري، أميل إلى الغلظ وأقرب من قوام الدم المتولد ~~عن الدراج والحجل والفراريج في القوام فقط، لا في جودة الغذاء وفضله، من ~~قبل أن المتولد عن السمك أبدا مائل إلى البلغم بالطبع، والدم المتولد عن ~~الدراج والحجل والفراريج مائل إلى المزاج المعتدل بالطبع. ويستدل على ذلك ~~من طبيعة السمك وميله إلى البرودة والرطوبة. ومن قبل ذلك، صار غذاء السمك ~~اللجي أكثر وأبعد انحلالا من الأعضاء، من قبل أن كل طعام الصلابة عليه ~~أغلب، فهو إلى الأرضية أميل. وما كان كذلك، كان غذاؤه أكثر وانحلاله من ~~الأعضاء أبعد، ولا سيما متى كان، مع صلابته، معتدلا ملائما لطبيعة المغتذي ~~به. # وأما السمك الشطي، فيوجد فيه اختلاف كثير على حسب اختلاف المواضع التي ~~يأويها ويصاد منها، لان ما كان منه يأوي المواضع الصافية الماء، النقية من ~~الكدر والأوساخ، البعيدة من مصب الأنهار، كان في طبيعته قريبا من السمك ~~اللجي، إلا أنه أرخى لحما وأسرع انهضاما. وذلك لقربه من الشط والقرار وكثرة ~~الأمواج هناك دائما، لان الشط من البحر أبدا أشد حركة وأكثر أمواجا (2). ~~وما كان منه يأوي مياها (3) كدرة وسخة قريبة من مصب الأنهار، كان أكثر سمك ~~البحر لزوجة وغلظا وأبعد من # PageV00P149 # الانهضام، لأنه في طبيعته وغذائه قريب من طبيعة سمك الأنهار وغذائه، إذ ~~كان أكثر غذائه مما ينصب إليه من الأنهار من الأوساخ ومزابل المدن (1). ~~ولذلك صار سمك بحر الخزر (2) أذم الأسماك وأقلها جودة لان ماءه ليس بالنقي، ~~من قبل أن الأنهار تصب إليه دائما وتحمل إليه أوساخ المدن ومزابلها ومياه ~~الحمامات وغيرها مما يكدره ويفسد ماءه. وما كان منه يأوي المواضع المتوسطة ~~بين هذين الموضعين، كان في فعله وانفعاله وجودة غذائه ورداءته ms158 متوسطا بين ~~هاتين الحالتين، لأنه أخذ من كل واحد منهما بقسطه. # وأما سمك الأنهار، فإن ما كان منه يأوي الأنهار العظام، القوية المد، ~~الكثيرة الأمواج، الصافية الماء، النقية من الكدر والوسخ، لبعدها من المدن، ~~فإنها بالإضافة إلى سمك سائر الأنهار الأخرى، أفضل وأحمد غذاء، لان صفاء ~~الماء الذي يأوي فيه، ونقائه وقلة وسخه يزيل عنه سهوكته وزهومته. وقوة حركة ~~الماء وكثرة أمواجه ترخي لحم السمك وتذهب بغلظه وبخاصة متى كان الماء جاريا ~~على حجارة وحصى، لان الحجارة تكسر لحم السمك وترخيه وتصيره قريبا من السمك ~~الشطي النقي الماء إلا في اللزوجة فقط، لان السمك الشطي أقل لزوجة لملوحة ~~مائه. وما كان من السمك يأوي أنهارا لطافا ضعيفة المد، قليلة الأمواج، ~~قريبة من المدن تنصب إليها مياه الحمامات ومبال الكنان وأوساخ المزابل، كان ~~أسمن وأعذب وأكثر لزوجة وغلظا. ولذلك صار لحمه لعابيا بطئ الانهضام قليل ~~اللذاذة بعيدا (3) من الغذاء المحمود جدا، من قبل أن ضعف حركة مائه وقلة ~~أمواجه يكثف جسمه ويفيده لزوجة وغلظا. # وما يغتذي به مما يصل إليه من أوساخ المدن يكسبه سهوكة وزهومة. وتدل على ~~ذلك استحالته إلى الفساد بسرعة بعد خروجه من الماء. ولذلك صار كثيرا ما ~~يجتمع منه في أبدان المدمنين عليه فضول كثيرة رديئة بلغمانية. # وأما سمك البحيرات، فهو أكثر لزوجة وسهوكة من سمك الأنهار الجارية، من ~~قبل أن ماء البحيرات أقل حركة وأكثر طينا وحمأة. ولذلك صار سمكها أكثر ~~عذوبة وأدسم وأقل لذاذة لكثرة سهوكته وزفورته. ولهذه الجهة، صار غذاؤه ~~رديئا (4)، وانهضامه أعسر، وانتقاله إلى الفساد أسرع. إلا أن ما كان منه من ~~بحيرات تنصب إليها مياه (5) الأنهار، ويخرج ماؤها إلى البحر دائما، كان ~~أحمد كثيرا لان ماءها ينغسل كل يوم دائما ويقل وسخه بما ينصب إليه من ~~الأنهار، ويخرج إلى البحر. # وأما سمك الآجام، فهو أردأ الأسماك كلها وأغلظها وأذمها وأكثرها سهوكة ~~وزفورة وأسرعها انقلابا إلى الفساد وأعسرها انهضاما، لأنه يأوي في مياه ~~مستنقعة كثيرة الطين والحمأة. ولذلك وجب أن # PageV00P150 # يتوقى كثيرا ولا ms159 يقرب أصلا. # وقال واضع هذا الكتاب: ولقد شاهدت سمكا من هذا الجنس في ماء كان مستنقعا ~~(1) في بركة مبنية يكون طولها ثلاث مائة ذراع في عرض مائتين أو أكثر قليلا، ~~فأقام الماء فيها منتقعا (2) ثلاث سنين، إلا أنه يسقى منه في كل وقت، ويصب ~~إليه ماء جديد، الحين بعد الحين، في كل ثلاثة أشهر أو أربعة مرة من عين ~~كانت قد أجريت إليه. وكثر في تلك البركة الطين والحمأة والضفادع. فلما كان ~~بعد ثلاث سنين أو أربعة، خرج ماؤها كله منها، ووجد فيها سمك لم يكن أحد ~~يقدر يمسكه بيده، لأنه كان يزلق من اليد لكثرة لزوجته ولعابيته. ولم يكن ~~يلبث أيضا إلا ساعة حتى يموت. فلما شقوا عنه وجدوا لحمه لعابيا فاسدا شديد ~~السهوكة والزفورة لا لذاذة له ولا طعم. وكان شحم جوفه لينا رخوا غير جامد، ~~ولونه رماديا، سهكا. # * * * وأما ما يتولد من السمك في الماء العذب وينتقل إلى المالح، أو ~~يتولد في المالح وينتقل إلى الماء العذب، فإنه في طبيعته متوسط (3) بين ~~طبيعة السمك الشطي وسمك الأنهار، إلا أنه يكون على ضربين: أحدهما: يكون ~~تولده في الأنهار العظام القوية المد، الكثيرة الأمواج، النقية الماء، ~~البعيدة من المدن، وينتقل (4). أو يكون تولده في الماء المالح وينتقل إلى ~~أنهار عظام قوية المد والأمواج، بعيدة من المدن. والثاني: يكون تولده في ~~أنهار لطاف قليلة المد، كريهة الماء، قريبة من المدن، وينتقل إلى الماء ~~المالح. أو تولده في الماء المالح، وانتقل إلى أنهار عظام (5) نقية الماء، ~~كان غذاؤه أفضل وأحمد مما كان تولده في أنهار لطاف وانتقل إلى الماء ~~المالح، أو كان تولده في الماء المالح وانتقل إلى أنهار لطاف، وإن كان ما ~~يتولد في الماء المالح وينتقل إلى الماء العذب، أفضل مما كان تولده في ~~الماء العذب وينتقل إلى الماء المالح، لان ما كان تولده في الماء المالح ~~وانتقل إلى الماء العذب، كان أقل لزوجة وسهوكة، وأقرب من طبيعة السمك ~~الشطي، لان ابتداء كونه من الماء المالح، والماء المالح مجفف ms160 للرطوبات ~~بالطبع. وأما ما كان تولده في الماء العذب وانتقل إلى الماء المالح، فإنه ~~أغلظ وأكثر لزوجة لان ابتداء كونه من الماء العذب، والماء العذب مرخ مرطب. # فقد بان مما قدمنا إيضاحه أن أقل الأسماك لزوجة ورطوبة السمك البحري ~~وبخاصة متى كان صخريا، وكان قريبا من القرار. وبعده في الفضل، السمك اللجي ~~والسمك الشطي الذي يأوي إلى الماء الصافي النقي البعيد من مصب الأنهار. ~~ودون البحري في الفضل، سمك الأنهار العظام الكثيرة # PageV00P151 # الأمواج، النقية، البعيدة من المدن. ودون ذلك في الفضل سمك الأنهار ~~اللطاف الضعيفة المد، القريبة من المدن. وأردأ الأسماك وأكثرها لزوجة وغلظا ~~وأفسدها غذاء سمك البحيرات والآجام. # ولهذه الأسباب والخواص، وقع بين أجناس السمك اختلاف كثير في جودة الغذاء ~~ورداءته من أحد (1) عشر وجها: # أحدها: اختلاف أجناس السمك في ذاته. # والثاني: طبيعة الماء الذي يأوي إليه. # والثالث: قوام الماء وموضعه من الصفاء والكدورة. # والرابع: قوة مد الماء ودوام حركته وكثرة أمواجه. # والخامس: مقدار رياضة السمك وتعبه. # والسادس: طبيعة الرياح الهابة عليه وما يصل إليه مما تحمله الرياح معها. # والسابع: غذاء السمك ومرعاه. # والثامن: مقدار سنه ومدته. # والتاسع: اختلاف أزمان السنة. # والعاشر: أعضاء السمك. # والحادي عشر: صنعة السمك وعمله. # فأما اختلاف السمك في جنسه، فيكون على ضربين: لان منه ما يكون لحمه لينا ~~رخوا. ومنه ما لحمه صلبا غليظا. والذي لحمه رخو (2) يكون على ضربين: لان ~~منه ما يجتمع فيه، مع رخاوة لحمه، كثرة اللزوجة والغلظ، مثل السمك الشطي ~~القريب من مصب الأنهار، والسمك الجافي الغليظ القشر. # ومنه ما يجتمع له، مع رخاوة لحمه، قلة اللزوجة والغلظ، مثل السمك الصخري، ~~والسمك الصغير الرقيق القشر. وما كان لحمه صلبا كان أيضا على ضربين: لان ~~منه ما يجتمع مع فيه صلابة لحمه، كثرة اللزوجة والغلظ، مثل سمك القريبة (3) ~~من المدن، وسمك البحيرات والآجام. ومنه ما يجتمع له مع صلابة لحمه، قلة ~~اللزوجة والسهوكة، مثل السمك اللجي والسمك الشطي الذي يأوي الماء الصافي ~~النقي البعيد من مصب الأنهار. وأفضلها غذاء وأعدلها لكل ms161 مزاج وأسرعها ~~انهضاما ما كان لحمه رخوا قليل اللزوجة والغلظ، بريئا من الزهومة والزفورة، ~~مثل السمك الصخري واللجي، لان الدم المتولد عنهما قريب من المعتدل، إلا أنه ~~مائل إلى المائية قليلا. # ولذلك صار كثير الموافقة لمن قلت حركته وكثر سكونه، ولمن كان بدنه ضعيفا ~~مثل أبدان المشايخ والناقهين من الأمراض، ولمن رغب في حفظ صحته على قوة ~~أعضائه، لأنه ليس شئ أبلغ في # PageV00P152 # حفظ الصحة من جودة الدم. وكذلك في الشبع منه لمن كان محتاجا إلى التدبير ~~الملطف. # وأما ما كان لحمه رخوا وفيه مع ذلك لزوجة وغلظ، مثل السمك الشطي القريب ~~من مصب الأنهار، فهو أدسم وأعذب، وأكثر غذاء، إلا أنه أذم وأقل لذاذة وأعسر ~~انهضاما وأقرب من تولد الدم المذموم. ولذلك لا يجب أن يطلق إلا لمن لا يقدر ~~على ما هو أصلح بعد أن يستعمله بالخردل وما شاكله. # وأما ما كان في لحمه صلابة، فإنه متى ما كان قليل اللزوجة، مثل سمك ~~الأنهار العظام القوية المد، الكثيرة الأمواج، كأن بإضافته إلى النوع ~~الأول، أعني السمك الصخري، أذم وأردأ لأنه أغلظ وأعسر انهضاما وأبعد ~~انحلالا من الأعضاء وأكثر غذاء، إلا أنه بالإضافة إلى النوع الثاني من ~~السمك الشطي، أفضل لأنه أقل لزوجة منه. ولذلك صار الدم المتولد عنه قريبا ~~من الدم الذي عن السمك اللجي وأغلظ قليلا لعذوبة مائه ورطوبته. ولهذه الجهة ~~صار موافقا لمن دام تعبه وكثرت رياضته، وكانت حرارته الغريزية قوية، ولمن ~~كانت (1) رغبته في تقوية الأعضاء وشدتها أكثر من رغبته في حفظ الصحة ~~وبقائها. # وأما ما كان فيه مع صلابة لحمه غلظ ولزوجة مع زهومة وسهوكة، مثل السمك ~~البحري، فإنه أكثر الأسماك غذاء، وأعذبها طعما، إلا أنه أقل لذاذة وأعسر ~~انهضاما. أما قلة لذاذته، فلسهوكته. وأما بعد انهضامه، فلان الغلظ فيه قد ~~شمله من جهتين: إحداهما: صلابة لحمه، والثانية: لزوجته وسمنه. # وأما اختلاف السمك من طبيعة الماء الذي يأوي إليه، فيكون على ضروب: لأنه ~~قد تقدم من قولنا أن السمك الذي يأوي الماء المالح، فهو ms162 أقل لزوجة وسهوكة، ~~وأبعد من الفساد، وأسرع انهضاما وأقل إضرارا بالمعدة. ولذلك صار أفضل غذاء، ~~لان ماءه الذي يأوي فيه أسخن وأقل رطوبة بالطبع وأكثر تلطيفا للفضول. وما ~~كان منه يأوي الماء العذب، كان أكثر لزوجة وسهوكة، وأقرب من الانقلاب إلى ~~الفساد، وأعسر انهضاما، وأكثر إضرارا بالمعدة، ولذلك صار غذاؤه أذم وأردأ، ~~لان ماءه الذي يأوي فيه أبرد وأكثر رطوبة بالطبع، وأبعد من تلطيف الفضول. ~~ولذلك قال جالينوس: أن جميع سمك الأنهار والآجام، وإن كان لحمه رخصا، فإنه ~~أغلظ وأضر بالمعدة وأسرع انقلابا إلى الفساد. # وأما اختلاف السمك من قبل قوام الماء الذي يكون فيه، فإن ما كان منه يأوي ~~ماء صافيا نقيا، كان أفضل وأبعد من الفساد، ولا سيما متى كان جاريا على ~~حجارة أو حصى أو كان ماء مالحا، لأنه أقل سهوكة وزفورة. وما كان من السمك ~~يأوي ماء كدرا، كان أردأ وأفسد وبخاصة متى كان ساكنا كثير الطين والحمأة، ~~لأنه أكثر زفورة وسهوكة. # وأما اختلاف السمك على حسب مقدار مائه الذي يأوي فيه، وكثرة أمواجه ~~وقلتها، فقد بينا مرارا أن ما يأوي أنهارا قوية الحركة كثيرة الأمواج شديدة ~~المد، كان أفضل مما كان بخلاف ذلك، لان شدة الحركة تفيد السمك رخاوة في ~~جسمه وقلة في فضوله. وضعف الحركة تفيد السمك غلظا، وتزيد في فضوله. ولذلك ~~صار كل سمك تهب على مائه الرياح دائما، أفضل غذاء وأرخص لحما من السمك الذي # PageV00P153 # لا تهب عليه الرياح أصلا، لان كثرة الرياح زائدة في شدة حركة الماء وكثرة ~~أمواجه. فإن كانت المياه، مع ذلك، في مواضع مستقبلة الشمال، كان ذلك زائدا ~~في فضلها، لان ريح الشمال يابسة بالطبع، وما تحمله معها من الأشياء، فذكية ~~الرائحة لذيذة. وذكاؤها مزيل عن السمك أكثر سهوكته وزهومته. وكل سمك يأوي ~~مياه مستورة من مهب الرياح، فهو أردأ وأذم لان قلة الرياح تمنع حركة الماء ~~وتديم سكونه وركودته. # وكذلك كل سمك يأوي مياه عليها ريح الجنوب، فهو مذموم لان الجنوب، على ~~مذهب المتطببين، رطبة بالطبع، وما ms163 تحمله معها أيضا من الأشياء، فكريهة ~~بشعة. وكراهتها تفيد السمك زفورة وسهوكة. # وأما اختلاف السمك من رياضته، فإن ما كان منه دائم الحركة كثير التعب، ~~كان أفضل مما كان بخلاف ذلك، لان زيادة الحركة ودوام الرياضة، تخلخل جسمه ~~وترخي لحمه وتلطفه وتذهب بلزوجته وغلظه. # وأما اختلاف السمك من قبل مرعاه وما يغتذي به، فإن ما كان منه يرتعي ~~حشيشا طريا وأصولا رطبة محمودة، أو حيوانا جثته نقية، كان أفضل لان غذاءه ~~يكون أخف ولحمه ألذ وبخاصة متى كان يأوي مياه صافية نقية سليمة من الوسخ ~~والحمأة. وما كان منه يرتعي حشيشا كريها وأصولا مذمومة أو حبوبا عتيقة ~~فاسدة، كان رديئا مذموما. فإن لحمه يكون أغلظ وسهوكته وزهومته أكثر، ولا ~~سيما متى كان يأوي مياه كدرة وسخة كثيرة الطين والحمأة. # وأما اختلاف السمك من قبل سنه ومقدار مدته، فإن ما كان منه متوسطا بين ~~الصغير والكبير، كان أفضل وأحمد من الصغير والكبير جميعا، لان الصغير وإن ~~كان محمودا من جهة، فهو مذموم من جهة أخرى. وأما الكبير، فإنه مذموم من ~~الجهة التي يحمد منها الصغير، ومحمود من الجهة التي يذم منها الصغير. وذلك ~~أن الصغير (1) يحمد لقلة غلظه ولزوجته وسرعة انهضامه وبعد إضراره بالمعدة، ~~فإنه يذم لسرعة استحالته وانتقاله إلى العفونة والفساد. وأما الكبير، فإنه ~~وإن كان يذم لغلظه وكثرة لزوجته وسرعة إضراره بالمعدة، فإنه يحمد لبعد ~~استحالته وانقلابه إلى الفساد بسرعة. ولذلك صار المتوسط السن من السمك أفضل ~~كثيرا لبعده من الحاشيتين جميعا، وأخذه (2) من كل واحد منهما الأفضل، لأنه ~~يأخذ من الصغير بعض ليانته ورخاوة لحمه فيلطف لذلك، ويسهل انهضامه ويقل ~~إضراره بالمعدة. ويأخذ من الكبير بعض جفافه وغلظه، فتبعد استحالته إلى ~~الفساد من قرب، إلا أنه يكون على ثلاثة ضروب: لان منه ما يكون من سمك هو في ~~جنسه أصلب لحما. ومنه ما يكون من سمك هو في جنسه أرخى لحما. # ومنه ما يكون من سمك هو في جنسه متوسطا بين الرخاوة والصلابة. # PageV00P154 # فما كان منه من سمك ms164 هو في جنسه أصلب لحما، كان ما قرب منه الصغر أفضل، ~~لان رطوبة سنه تعدل صلابة لحمه. وما كان منه من سمك هو في جنسه أرخى لحما، ~~كان ما جاوز السن المعتدل إلى الكبر قليلا، أفضل لان غلظ سنه يعدل رخاوة ~~لحمه. وما كان منه من سمك هو في جنسه متوسطا بين الرخاوة والصلابة، كان ~~توسط سنه أعدل وأحمد على ما بينا آنفا. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن ما كان من السمك صغيرا، كان أرخى لحما ~~وأسرع انهضاما وأقل إضرارا بالمعدة، إلا أنه أسرع استحالة إلى الفساد. وما ~~كان من السمك كبيرا، كان أغلظ لحما وأعسر انهضاما وأضر بالمعدة، إلا أنه لا ~~يستحيل إلى الفساد بسرعة. وما كان من السمك متوسطا بين هاتين المرتبتين، ~~كان أحمد لبعده من الحاشيتين، وأخذه من كل واحدة منهما الأفضل. ولذلك صار ~~أفضل السمك وأوفقه للغذاء ما كان متوسطا بين الصلابة والرخاوة، وبخاصة متى ~~كان من حيوان أحمد في جنسه، مثل السمك الصخري. وأما إن كان من حيوان في ~~جنسه أصلب لحما، فإن ما قرب منه من الصغر، أفضل. وما كان من حيوان في جنسه ~~أرخى لحما وأرطب، فإن ما جاوز الحد الأول إلى الكبر قليلا، أحمد. # وأما اختلاف غذاء السمك من قبل اختلاف أزمان السنة، فيستدل عليه من سمن ~~السمك وهزاله. وذلك أن أعدل السمك وأفضله غذاء، ما كان متوسط السمن. لان ما ~~كان منه سمينا جدا، كان في جوهره وخاصته ليفيا، غليظا، لزجا، عسير ~~الانهضام، مرخ للمعدة، مفسدا (1) لها، مضرا (1) بعصبها، مولدا (1) للبلغم ~~الغليظ اللزج المعروف بالخام. وما كان منه مهزولا جدا، كان جسمه صلبا ~~ليفيا، بعيد الانهضام، مذموم الغذاء. فالحالتان جميعا إذا مذمومتان. ولذلك ~~صار الأفضل أن يكون متوسطا بين الحاشيتين، ليزول عنه ما في كل واحد منهما ~~من الفساد. وأعدل ما يكون من السمك في توسطه السمن عند ابتداء تولد البيض ~~فيه، لان منه ما يسمن ويكثر شحمه عند امتلائه من البيض، ويهزل إذا عدم ~~البيض، مثل السمك المعروف ms165 بفاداوس. ومنه ما يسمن ويكثر شحمه إذا نقص بيضه، ~~ويهزل إذا امتلأ من البيض، مثل السمك المعروف بالقيفال. والنوعان (2) جميعا ~~فأحمد أوقاتهما عند ابتداء تولد البيض فيهما، لان ما كان يسمن عند امتلائه ~~من البيض، ويهزل عند عدمه البيض، فهو في حال امتلائه من البيض مذموم لكثرة ~~شحمه. وفى حال عدمه البيض غير محمود لكثرة هزاله. وكذلك ما كان يسمن إذا ~~عدم البيض مذموم لكثرة هزاله، وفى حال عدمه البيض غير محمود لكثرة شحمه. # فإذا فسدت الحالتان جميعا لم يبق إلا وقت ابتداء تولد البيض، ووقت ابتداء ~~نقصانه. والحال في ابتداء تولد البيض أفضل من الحال في ابتداء نقصانه، لان ~~الحرارة الغريزية عند ابتداء تولد البيض أعدل وأقوى، والطبيعة أبسط وأشد ~~تنقصا لأنها مسدية السبب الأعظم في تولد الحيوان ومناسلته. ولذلك # PageV00P155 # قال بعض الأوائل: أن من السمك ما يعتدل شحمه ويجود لحمه في الربيع، لان ~~في ذلك الوقت يبتدئ تولد البيض، وكذلك الحال في الشتاء وفى الصيف. # وأما اختلاف غذاء السمك على حسب اختلاف أعضائه فيكون على ضروب: وذلك أن ~~من أعضاء السمك أكثر شحما بالطبع، مثل السرة والأذنين والعينين. ومنها ما ~~هي أقل شحما بالطبع، مثل الجنبين وما جاوز عظم الصلب. ومنها ما هي أكثر ~~لزوجة بالطبع، مثل الذنب وعظم الصلب والأجنحة. # ومنها ما هي أقل حركة، مثل السرة، وبعدها الأضلاع. # فما كان من أعضاء السمك أكثر شحما مثل السرة، كان غذاؤه أذم لان كثرة ~~شحمه تفيده لزوجة وسهوكة، وتعينه على إزلاق المعدة والمعاء والانحدار منها ~~بسرعة، وتعسر نفوذه في العروق وجولانه في البدن، وتمنع من جودة انهضامه في ~~الكبد وتحيله إلى الفساد بسرعة، وبخاصة متى كان من حيوان سمين لان ما كان ~~من الأعضاء أكثر شحما بالطبع، وكان حيوانه مهزولا، كان أقل أضرارا، لان ~~شحمه الطبيعي يقل ويعتدل بهزال حيوانه. # وما كان من الأعضاء أقل شحما بالطبع، مثل الجنبين وما جاوز عظم الصلب، ~~كان أبعد انحدارا عن المعدة والمعاء لقلة لزوجته. إلا أن انهضامه يكون ~~أسرع، واستحالته إلى ms166 الفساد أبعد، وغذاءه أحمد وبخاصة متى كان من حيوان ~~سمين، لان من خاصة السمك أن يزئ (1) شحمه في جوفه ويجمعه فيه، فيقل ما على ~~الجنبين وما جاوز عظم الصلب من الشحم. فإذا كانت تلك المواضع من حيوان ~~أسمن، كانت أرطب وأدسم وأعدل. ومتى كانت من حيوان أهزل، كانت أصلب وأغلظ ~~وأبعد انهضاما. # وما كان من أعضاء السمك أكثر حركة، مثل الذنب وعظم الصلب والأجنحة، كان ~~أرخى لحما وأقل شحما وأسرع انهضاما وأحمد غذاء وبخاصة متى كانت من حيوان ~~أسمن. وما كان منها أقل حركة مثل السرة، وبعدها الأضلاع، أو كان أكثر ~~لزوجة، مثل الرأس، كان أغلظ وأعسر انهضاما وأفسد غذاء. # ولذلك قال جالينوس: إن لحم السرة والرأس من كل سمك، مذموم جدا لأنه يطفو ~~في المعدة ويعوم لكثرة دسمه ولزوجته، ولذلك يعسر انهضامه جدا. فإذا هبط (2) ~~واستقر في قعر (2) المعدة وأزلقته وانحدر بسرعة (3). ولذلك صار كثيرا ما ~~يحدث عنه العلة المعروفة بزلق الأمعاء. # وأما لحم الذنب والأجنحة وما يحوطه بعظم الصلب من الرأس إلى الذنب، ~~وبخاصة ما قرب من القفا (4)، فإنه أرخص لحما وأسرع انهضاما وأحمد غذاء. ذلك ~~لكثرة حركته ودوام تعبه لان العظام ترض # PageV00P156 # ما يليها من اللحم وتفيده ليانة ورخاوة ولذاذة وجودة غذاء، وتزيل عنه ~~صلابته ولزوجته. وأما ما يلي الجنبين والأضلاع، فإن لحمه بإضافته إلى لحم ~~الذنب والأجنحة أصلب قليلا لأنه أقل منه حركة، وبإضافته إلى لحم السرة أرخى ~~وأقل لزوجة لأنه أقل منه شحما ودسما. ولذلك صار بإضافته إلى لحم السرة ألذ ~~طعما وأسرع انهضاما وأحمد غذاء. # وأما اختلاف غذاء السمك من الصنعة والعمل، فقد ينقسم بدءا على قسمين: لان ~~من السمك ما يتخذ طريا، ومنه ما يتخذ مالحا. وما يتخذ منه طريا، فيستعمل ~~على ضربين: إما (1) على حسب طبيعة السمك في نفسه، وإما على حسب طبيعة ~~المستعمل له. فأما استعماله على حسب طبيعة السمك في نفسه، فيكون على ضروب: ~~وذلك أن من السمك ما يكون لينا رخوا قليل الغلظ واللزوجة، مثل السمك ~~الصخري. ومنه ما ms167 يكون فيه، مع رخاوة لحمه، لزوجة ولعابية، مثل السمك الشطي ~~وسمك الأنهار العظام الكثيرة الأمواج النقية الماء. ومنه ما يكون لحمه صلبا ~~كثيفا قليل اللزوجة، مثل السمك اللجي. ومنه ما يكون فيه، مع صلابة لحمه، ~~لزوجة ولعابية، مثل سمك الأنهار الصغار والبرك والبحيرات. فما كان منه لينا ~~رخوا قليل اللزوجة، فقد استغنى عن شئ يطيب به ويصلح لحمه. ولذلك صار من ~~الأفضل أن يتخذ أسفيذباجة ساذجة بماء وملح وشبت وشئ من كراث ويسير من الزيت ~~والفلفل. # وزعم جالينوس أن هذا اللون هو أعدل ألوان السمك وأسرعها انهضاما وأقلها ~~إضرارا بالمعدة. # ولذلك وجب ألا يتخذ السمك أكثر ذلك (2) إلا بهذا اللون، وبخاصة للناقهين ~~من الأمراض، إلا أن تدعو الحاجة إلى غيره، مثل أن يكون في السمك، مع رخاوة ~~لحمه، لزوجة ولعابية، فيحتاج إلى ما يلطفه ويفني أكثر رطوبته فيتخذ إما ~~مشويا وإما مقليا بالزيت، لان النار والزيت الحار ينشفان رطوبته ويلطفان ~~لزوجته وغلظه. وإن كانا جميعا، أعني المشوي والمقلي، يحتاجان (3) إلى الزيت ~~والمري ليسرع انحدارهما وخروجهما. إلا أنه يجب أن يكون الزيت في المقلي ~~أقل، لان من خاصة المقلي بالزيت أن يرخي المعدة ويفسدها. ولذلك وجب أن يطيب ~~بالشراب الريحاني الكثير العطرية. فإن عرض منه للمعدة شئ من استرخاء ~~وغثيان، فليشرب عليه الاسكنجبين العنصلاني، ولا يتخذه بعد ذلك إلا بالخل ~~والمري والشراب، لان ذلك يسرع انحداره ويمنع من إرخائه للمعدة. فإن كان ~~السمك صلبا قليل اللزوجة، احتاج إلى ما يلين لحمه ويرخيه. ويستعمل أسفيذباج ~~بالمري والشراب القوي. وإن كان، مع صلابة لحمه، لزجا لعابيا واحتاج إلى ما ~~يرخي لحمه ويقطع لزوجته وغلظه، فيدفن في رماد حار حتى تذهب سهوكته وزفورته، ~~ويطيب بالخل والخردل والفوذنج الجبلي والزنجبيل والفلفل. # ولديوجانس قول في طبيخ السمك قال فيه: إذا أردت أن تطبخ سمكا فاطبخ مرقته ~~بدءا بالأبازير # PageV00P157 # وما يحتاج إليه حتى تنضج غاية النضج، ثم الق فيها (1) السمك وهي حارة ~~تغلي، فإن ذلك مما يطيب طعمه ويكسبه لذاذة، ويصير الدم المتولد عنه أحمد. # وأما استعمال ms168 السمك على حسب طبائع المستعملين له، فيكون على ضروب: لان من ~~الناس من يكون مزاجه معتدلا. ومنهم من يكون مزاجه حائدا عن الاعتدال، إما ~~إلى الحرارة، وإما إلى البرودة، وإما إلى الرطوبة، وإما إلى اليبوسة. فمتى ~~كان مزاج المستعمل له معتدلا، كان أفضل ما يتخذه مشويا أو مقليا بالزيت ~~والمري والشراب، وإن كان المشوي أفضل كثيرا من المقلي. وإن كان مزاج ~~المستعمل له حائدا عن الاعتدال، وجب أن يقابل من الأبازير بضد الكيفية التي ~~غلبت على مزاجه. مثال ذلك، إن كان الغالب على مزاج المستعمل له الحرارة، ~~كان من الأفضل له أن يستعمل إما سكباجا (1) ساذجة، وإما مسلوقا (2) مطيبا ~~(2) بالخل وشئ من مري. فإن كان مزاج المستعمل له باردا اتخذه مطيبا بالشراب ~~القوي والخردل والزنجبيل والفودنج الجبلي والفلفل. وإن كان مزاجه مرطوبا، ~~اتخذه مشويا مطيبا بالخردل والخل الحاذق والمري والشراب القوي والصعتر ~~والفودنج والزنجبيل والفلفل. وإن كان مزاجه يابسا، استعمله أسفيذباج بماء ~~وملح وشبت. # * * * في ما يملح من السمك وغيره كل ما يحفظ ويبقى زمانا طويلا، فلا يخلو ~~ذلك من أن يكون بالعسل، وإما بالشراب، وإما بالخل، وإما بالملح. وما يحفظ ~~بالعسل، فإن العسل يفيده حرارة وجفافا. وما يحفظ بالشراب، فإن الشراب يفيده ~~من الحرارة واليبس أكثر مما يفيده من العسل. وما يحفظ بالخل، فإن الخل ~~يفيده عوض الحرارة برودة. وما يحفظ بالملح، فإن الملح يفيده من الحرارة ~~مثلما يفيده الشراب، ومن اليبس أكثر مما يفيده الخل. إلا أنه لا يفعل في ~~حبس البطن ما يفعله المحفوظ بالخل، لكنه يطلق إطلاقا بينا. ولا ينقلب أيضا ~~إلى الليانة والرخاوة دائما، لكنه ربما انقلب إلى أن يصير أصلب مما كان، ~~لان الملح يفعل في الأشياء على حسب قبولها وانفعالها في ذواتها، لا على حسب ~~طبيعته في ذاته، كالذي نشاهده من فعل النار في الأشياء، لأنا نجدها تذيب ~~الرصاص وتحرق الطين. والسبب في ذلك أن الأجرام لما كانت مختلفة في اليبس ~~والرطوبة، والغلظ واللزوجة، وكان الملح مركبا من قوى مختلفة بعضها حار محلل ms169 ~~ملطف، وبعضها يابس مجفف مصلب، وجب أن يختلف فعله في الأجرام على حسب ~~انفعالها في ذواتها، لا على حسب فعله في ذاته، لأنه يفعل في الأشياء فعل ~~النار فيها. وذلك أن النار في طبيعتها حارة يابسة، والحرارة فيها أسبق ~~وأقوى لأنها الفاعل الأكبر. # PageV00P158 # وقد يستدل على ذلك من الشاهد، لان العامة دون الخاصة، يعلمون أن النار ~~حارة لظهور حرارتها للحس، ولا يعلمون أنها يابسة لخفاء يبسها عنهم. ~~فالحرارة فيها أقوى فعلا وأسبق تأثيرا، لأنا نجدها إذا قابلت الأشياء ~~ولاقتها، أسخنتها بدءا وأحمتها وأذابت رطوباتها وحللتها، ثم تفعل بعد ذلك ~~فيها يبسها وتجففها. فالحرارة إذا في النار أسبق وأقوى فعلا من اليبوسة. ~~وعلى هذا المثال، نجد فعل الملح في الأشياء أيضا، لأنا نجده يحلل ويذيب ما ~~كان فيه من رطوبة سيالة، ويكثف ويصلب ما كان قليل الرطوبة. فمن البين إذا، ~~أن الملح إذا وافى جرما رخوا ألفى فيه رطوبة غزيرة رقيقة سيالة، حلل تلك ~~الرطوبة وأذابها وزاد في رخاوة الجسم وليانته، وكلما كانت الرطوبة أرق، كان ~~أكثر لرخاوة الجسم وليانته. وإذا وافى جرما قليل الفضول ليس فيه رطوبة ~~غريزية فيفعل فيها، احتوى على ما فيه من يسير الرطوبة، وجففها بسرعة وزاد ~~في صلابة الجسم وصيره قحلا شبيها بالجلود المدبوغة، وأخرجه من حد ما يغتذي ~~به. وإذا وافى جرما صلبا، إلا أن فيه رطوبة غريزية، أذاب تلك الرطوبة ~~وحللها وسيلها وأكسب الجرم ليانة واعتدالا. وإذا وافى جرما رخوا قليل ~~الرطوبة، حلل ما فيه من الرطوبة اليسيرة وجففها وأكسب الجرم صلابة ~~واعتدالا. # فقد بان واتضح أن كل حيوان تجتمع فيه الحاشيتان المتلاومتان (1)، أعني ~~بالحاشيتين المتلاومتين إما رخاوة الجسم وكثرة الرطوبة، مثل الصغير من ~~الضأن، وإما صلابة الجسم وكثرة اليبوسة، مثل الفتي من البقر، فإنه مذموم ~~للتمليح. وكل جسم تجتمع فيه الحاشيتان المتضادتان: إما رخاوة الجسم وقلة ~~الرطوبة، مثل الرضع من الماعز، وإما صلابة الجسم وكثرة الرطوبة، مثل الفتي ~~من الضأن، فإنه محمود للتمليح، لان الجسم إذا كان لينا رخوا غزير الرطوبة ~~وواقعه الملح، ms170 حلل رطوبته وسيلها. وإذا تحللت الرطوبة وسالت وتهافتت، ازداد ~~الجسم رخاوة وليانة، وصار مذموم الغذاء، إلا أنه قد صار في طبيعة البلغم ~~المالح المحرق لاكتسابه البورقية من الملح. ولذلك صار الغذاء المتولد عنه ~~حارا محرقا للدم. ولهذه الجهة لحقه الدم من جهتين: إحداهما (2): أنه بحدته ~~وحرافته صار محرقا (3) للدم ومشيطا (3) له. والثانية: أنه لرخاوة جسمه ~~وليانته، صار عسير الانعقاد، بعيد التشبه بالأعضاء وبخاصة متى كان (4) ~~الغالب على رطوبته الرقة والسيلان. # وإذا اجتمع في الجسم الصلابة وقلة الرطوبة، صار إذا واقعه الملح، ولم يجد ~~فيه رطوبة زائدة يفعل فيها، رجع إلى رطوبته الجوهرية واحتوى عليها وأفناها، ~~وزاد جسمه صلابة وصيره قحلا جافا خارجا عن حد ما يغتذى به. وأما الجسم الذي ~~قد اجتمع فيه مع الرخاوة، قلة الرطوبة، فإن الملح إذا واقعه ولم يجد فيه ~~رطوبة غزيرة يفعل فيها، رجع إلى ما فيه من يسير الرطوبة وجفف أكثرها، وأكسب ~~الجسم صلابة واعتدالا. # وكذلك الجسم الذي قد اجتمعت فيه صلابة الجسم وكثرة الرطوبة، فإن الملح ~~إذا واقعه ووافى رطوبته غزيرة، حللها وأذابها وسيلها وجفف ما أمكنه منها. ~~فإذا عجز عن تحفيف الكل لكثرته عليه، بقيت منه بقية أعانت # PageV00P159 # على ترطيب الجسم وتليين صلابته، ورجع إلى التوسط والاعتدال. # فقد بان مما قدمنا إيضاحه: أن الصغير من الضأن مذموم التمليح. والفتي ~~والهرم محمود للتمليح. والفتي والهرم من البقر والماعز مذمومان للتمليح. ~~والصغير محمود للتمليح، من قبل أن الصغير من كل حيوان، بإضافته إلى الفتي ~~والهرم من نوعه، أرخى لحما وألين جسما. فإذا كان من حيوان أرطب بالطبع مثل ~~الضأن، وواقعه الملح، تحللت رطوبته بلطافة الملح، وضعفت قوة الملح عن ~~تجفيفها لكثرتها فزادت في رخاوة الجسم وليانته وفساده، لأنه يكتسب من الملح ~~حرافة وحدة، ويولد غذاء محرقا للدم بعيدا من التشبه بالأعضاء. وأما الهرم ~~من كل حيوان، فإنه أجف وأقحل. فإذا كان من حيوان أرطب بالطبع، مثل الضأن، ~~وواقعه الملح كان في رطوبته الطبيعية من الكثرة ما لا يفني الملح إلا ~~بعضها، وتبقى منها بقية ms171 تفي (1) بترطيب جسم الحيوان وتعديل صلابته. وإذا ~~كان من حيوان أيبس بالطبع، مثل البقر والماعز، وواقعه الملح، فنيت رطوبته ~~بسرعة لقلتها، وازداد جسمه قحلا وجفافا، وخرج من حد ما يغتذى به. وأما ~~الفتي من كل حيوان، فإنه أصلب لحما وأقل رطوبة من الصغير الكثير الرطوبة، ~~كثيرا. فإذا كان من حيوان أرطب بالطبع، مثل الضأن، فإن الملح إذا واقعه، ~~ضعفت قوته على تجفيف جل رطوبته الطبيعية لكثرتها، وسالت وذابت ورطبت صلابة ~~الجسم وردته إلى الاعتدال. وإذا كان من حيوان أيبس بالطبع، مثل البقر ~~والماعز، وواقعه الملح ولم يواف (2) فيه (3) رطوبة زائدة يفعل فيها، احتوى ~~على الجسم وجففه وزاده صلابة على ما كان عليه، وخرج من حد الغذاء. وإن كان ~~الفتي من البقر والماعز أفضل للتمليح من الهرم كثيرا، لأنه أعبل جسما وأرطب ~~لحما بالإضافة إلى الهرم قليلا، من قبل أن صلابة جسم الفتي إنما هي (4) ~~لشدة أعضائه وقوة حرارته الغريزية وزيادتها على حرارة الهرم. وصلابة جسم ~~الهرم فإنما تكون لقحله وجفاف جسمه وقلة رطوبته الجوهرية وقربها من الفناء. ~~ولذلك صار أذم كثيرا وأردأ. # فإن قال قائل: فما الذي صير الهرم من كل حيوان أقحل جسما وأقل رطوبة ~~بالطبع، والشاهد ينبئ بخلاف ذلك؟ من قبل أنا نجد المشايخ الطاعنين في السن ~~أرخى لحما وألين جلودا وأكثر رطوبة. ويستدل على ذلك من كثرة لعابهم ودموع ~~أعينهم ورطوبة خياشيمهم وسيلانها دائما. # قلنا له: أما (5) ما ذكرته في المشايخ الطاعنين في السن، وإن كان ظاهرا ~~مشاهدا، فإن ذلك ليس هو لهم من طبعهم. لكن لعرض فيهم مكتسب من ضعف حرارتهم ~~الغريزية وعجزها عن هضم غذائهم وتحليل فضول أبدانهم وإخراجها من مسام البدن ~~الدقاق. وبخاصة فضله الانهضام الثالث الكائن في الأعضاء. # ولذلك غلبت الرطوبات على أبدانهم ولانت أعضاؤهم واسترخت جلودهم وكثر ~~لعابهم ودموع أعينهم، وغزرت رطوبة خياشيمهم. والسبب في ذلك: أن حرارة ~~أدمغتهم الغريزية لما ضعفت عن تلطيف ما يتبقى # PageV00P160 # على الدماغ من فضلة غذائه، بقيت الفضلة منحصرة في حجب الدماغ وكثرت ~~هنالك، وضعفت القوة الدافعة ms172 عن دفعها إلى الواضع البعيدة من الدماغ، وذابت ~~وسالت وخرجت من أقرب المواضع إلى الدماغ مثل العينين والخياشيم. # ولجالينوس فيما يصلح للتمليح من الحيوان قول، قال فيه: إن ما كان من ~~الحيوان ليس بصلب ولا سمين، فإنه إن ملح ولد غذاء فاضلا. أراد بقوله: (ليس ~~بصلب) ألا يكون قحلا جافا، مثل الهرم من كل حيوان. وأراد بقوله: (ولا سمين) ~~أحد معنيين: أحدهما: ألا يكون مثل الصغير من الضأن في إفراط رطوبته ورخاوة ~~لحمه. والثاني: أن لا يكون سمينا جدا، لان الشحم في طبعه غليظ لزج (1)، ~~فإذا واقعه الملح اكتسب حدة وحرافة وأضر بالمعدة إضرارا بينا. فإذا صار إلى ~~العروق، غلظ الدم وأحرقه وأفسده. وكذلك الامر ينقاس في السمك، لان ما كان ~~من السمك قد اجتمعت له رخاوة الجسم وإفراط رطوبة المزاج، أو صلابة الجسم ~~وجفاف المزاج، كان مذموما للتمليح، للأسباب التي قدمنا ذكرها. وما كان جسمه ~~صلبا ورطوبة مزاجه غزيرة (2)، أو جسمه رخوا ورطوبة مزاجه يسيرة، كان أفضل ~~للتمليح. # وأما جالينوس، فزعم أن ما كان من السمك جسمه رخوا فهو مذموم للتمليح أصلا ~~كانت رطوبته غزيرة أو يسيرة. إلا أنه في الجملة متى كانت رطوبة مزاجه أقل، ~~كان أفضل قليلا لان الرطوبة إذا كانت غزيرة مع الجسم الرخو، ضعفت قوة الملح ~~عن نشفها، وكان ما تبقى منها زائدا في رخاوة الجسم وفساده، وصار مذموم ~~الغذاء. # وأما الرطوبة اليسيرة، فإن الملح وإن لم يفنها (3) بأسرها فإن الذي يبقى ~~منها غير زائد في رخاوة الجسم لقلته. وإذ ذلك كذلك، فمن الأفضل ألا يملح من ~~السمك إلا ما كان جسمه صلبا. ولا يملح أيضا إلا وهو بعد طري متحرك في صلابة ~~جسمه وقوة حرارته الغريزية، لان صلابة جسمه تعتدل بما يصل إليها من يسير ~~الرطوبة، ويصلح غذاؤه، والله عز وجل أعلم. # PageV00P161 # الباب التاسع عشر في إصلاح الأغذية ونقلها من الطعوم الكريهة المذمومة ~~والروائح البشعة الفاسدة والأجسام الصلبة الخاسئة إلى طعوم لذيذة محمودة ~~وروائح ذكية مقبولة وأجرام لينة معتدلة تصلح للغذاء فأقول: إن الأغذية ms173 تكون ~~على ضربين: لان منها ما قد أصلحته الطبيعة وأتقنت عمله وأحكمت نضجه على ~~نباته، وأخرجته إلى الحالة التي يجب أن يكون عليها، وأغنت عن الحيلة ~~والتدبير في إصلاحه، مثل عملها في اللبن والفواكه التامة الكاملة النضج. ~~ومنها ما لم يستتم عملها فيه، فبقي على حالة يحتاج فيها إلى إصلاحه بالصنعة ~~والعمل، لينتقل من الطعوم والروائح التي تعافها الطباع وتشنأها (1) ~~وتنافرها، إلى طعوم وروائح لذيذة عند الطباع، ومن الأجرام الصلبة المستكدة ~~للطباع إلى أجرام سهلة سريعة الانقياد لفعل الطباع. # ولذلك قال جالينوس: ومن الواجب أن لا يكون لشئ من الطعوم رائحة كريهة ~~مفسدة للمعدة مبخرة إلى الرأس مضرة بالدماغ، ولا طعم قوي لذاع مضر بعصب ~~المعدة مؤذ لحاستها ولا جرم صلب مستكد للمعدة ومتعب لها. ولهذه الجهة، صار ~~من الأفضل أن نستعمل الحيلة في إصلاح ما رأيناه من الأغذية له رائحة كريهة ~~أو طعم قوي أو جرم صلب، لنزيل عنه ذلك بأحكم ما يكون من الصنعة والعلاج. ~~وذلك يكون بخمس خصال: إما بالنار وحدها، وإما بالماء وحده، وإما بهما ~~جميعا، وإما بالملح، وإما بالخل والزيت والأبازير. # واليسير من الأغذية يكتفي بالنار وحدها لان النار إنما تستعمل لثلاثة ~~وجوه: إما لما يحتاج إليه أن PageV00P162 # ينقل من الرقة إلى الغلظ، مثل البيض المشوي واللبأ المعقود. وإما لما ~~يحتاج إليه لان ينقل من الغلظ والمتانة إلى الليانة واللطافة، مثل اللحم ~~المشوي وما شاكله. وإما لما يحتاج أن ينقل من العلوكة والصلابة إلى الهشاشة ~~والرخاوة، مثل الحبوب التي تشوى وتقلى لتزول عنها رياحها وصلابتها ~~وعلوكتها، وتكتسب رخاوة وهشاشة، وإن كان ذلك مما يفيدها، بعد انحدارها، ~~معونة على حبس البطن، لان النار تنشف رطوبتها ودسمها وتخلخل جسمها، فتقوى ~~بذلك على نشف رطوبة المعدة وتشد فاها الأسفل. # والنار تكون على ضربين: لان منها النار التي يخبز فيها ويشوى، ومنها ~~النار التي يسلق بها ويطبخ. فأما نار الخبز والشي، فالأفضل فيها أن تكون ~~لينة هادئة قد سكن لهيبها، واعتدلت حرارتها، كيلا تتمكن من ظاهر ما يخبز ~~فيها ms174 أو يشوى فتفني رطوبته وتصيره قحلا جافا غليظا قبل كمال نضج باطنه. فإن ~~كانت رطوبة ما يشوى غير محمودة، كان الأفضل أن نطيل لبثه في النار حتى تفني ~~أكثر رطوبته وتقارب الجفاف. وأما نار الطبخ، فيجب أن تكون بالإضافة إلى نار ~~الخبز، أشد حرارة وأقوى. # وذلك لما في الطبخ من رطوبة الماء المقاومة ليبس النار وجفافها، وإن كان ~~من الواجب أن لا تكون كثيرة اللهب جدا، لكن تكون قريبا من نار الجمر، لان ~~نار الجمر أفضل النيران المستعملة، من قبل أن قوة فعلها تنفذ في جميع أجزاء ~~الشئ المطبوخ نفوذا متساويا، لان انبعاث الحرارة من كل أجزائها انبعاث يقرب ~~بعضه من بعض. ولذلك صار فعلها ينفذ في جميع أجزاء الشئ المطبوخ نفوذا ~~متساويا. # فيفعل في كل واحد منها فعله في الآخر. # وأما غيرها من النيران، مثل النار التي لها شعاع ولهب، فليس انبعاث قوتها ~~من جميع أجزائها، انبعاثا متساويا، لان من شأن اللهيب <أن> يصعد ~~صنوبري الشكل، فيلقى بعض أجزاء الاناء بقوة أكثر مما يلقى بها غيره، ويفعل ~~فيه أكثر من فعله في غيره. وإذا كان كذلك، لم يمكن أن يكون نضج الكل نضجا ~~واحدا متساويا. # وأما الماء، فاحتيج إليه في إصلاح الأغذية لجهتين: إما لما كان يابسا ~~يحتاج أن يلين ويرطب، مثل الباقلاء المنبت وغيره من الحبوب. وأما لما كان ~~له طعم قوي يحتاج أن ينقع في الماء حتى يزول عنه ذلك الطعم، مثل الترمس وما ~~شاكله. # وأما الملح، فاحتيج إليه لأربع خصال: إما لما كان لزجا غليظا يحتاج إلى ~~ما يقطع لزوجته وغلظه ويعدله، مثل السمك وغيره. وإما لما كان تفها لا طعم ~~له يحتاج إلى ما يكسبه طعما نستلذه، مثل القرع وغيره. وإما لما كان مفرط ~~الرطوبة يحتاج إلى ما ينشف رطوبته ويجففها ويفني أكثرها. وإما لما كان له ~~زفورة وسهوكة يحتاج إلى ما يزيل ذلك عنه. ولذلك احتجنا في إصلاح اللحمان ~~السمينة الكثيرة الدسم والرطوبة إلى ملح أكثر. # وأما الخل، فاحتيج إليه لخلتين: إما لما كان ms175 مغثيا مفسدا للمعدة، فيكسبه ~~الخل تقوية وطعما PageV00P163 # يستلذ به. وإما لما كان محتاجا إلى تلطيف من غير إسخان، مثل ما يفعل بحسو ~~(1) الشعير إذا خلط معه يسير من خل ليزيد في تلطيفه من غير أن يفيده حرارة. # وأما الزيت، فاحتيج إليه لثلاثة وجوه: إما لاصلاح الغذاء وتطييبه. وإما ~~لما قد أفرط عليه القحل والجفاف، فيكسبه ليانة وسلاسة، مثل العدس والجاورس. ~~وإما لما فيه من حدة وحرافة وتلذيع، فيفيده لزوجة يسكن بها ما فيه من الحدة ~~والتلذيع، ويمنع من أذيته. # وأما الأبازير، فاحتيج إليه لثلاثة وجوه: إما لاصلاح أغذية باردة عسيرة ~~النفوذ في العروق بالطبع، تحتاج إلى ما يلطف غلظها ويطرق (2) نفوذها في ~~العروق وجولانها في البدن. وإما لما كان تفها كثير الرطوبة مغثيا يحتاج إلى ~~ما يفني أكثر رطوبته ويفيده لذاذة. وإما لما كان بشعا كريه الرائحة يحتاج ~~إلى ما يغير كراهة رائحته. وإن كان من الواجب أن نحذر الاكثار من الأبازير، ~~وألا نستعمل منها إلا ما غير طعما رديئا ورائحة كريهة، لان الاكثار منها ~~يجفف رطوبة الغذاء ويغلظه ويمنع من انهضامه. وأما الأبازير الرطبة، فيجب أن ~~لا يستعمل منها إلا ماءها فقط، لان أجرام جميع الأبازير غليظة عسيرة ~~الانهضام. # وإذ أتينا على جملة الوجوه التي نصل بها إلى إصلاح طعوم الأغذية وروائحها ~~وتعديل أجرامها، فقد بقي أن يستتم هذا الباب بذكر الطعوم والروائح والأجرام ~~التي تحتاج أن تنقل مما هي عليه إلى غيره، ونخبر بما يصلح كل واحد منها على ~~الانفراد. ونبدأ من ذلك بذكر الطعوم إذ كانت أقوى فعلا وأكثر تأثيرا فأقول: ~~إن الطعوم المؤذية ستة: أحدها: التفاهة. والثاني: الحموضة. والثالث: ~~الملوحة. # والرابع: العفوصة. والخامس: المرارة. والسادس: الحرافة. # فمتى كان الغذاء تفها لا طعم له ولا لذاذة، كان الأفضل في إصلاحه أن يكسب ~~طعما يستلذ به، بالخل والملح والأبازير والأشياء الموافقة. ومتى كان حامضا، ~~اكتفينا في إصلاحه بالملح. وكذلك إذا كان مالحا، كان إصلاحه بالحموضة، لان ~~هذين الطعمين كأنهما ضدان كل واحد منهما يغير فعل صاحبه، إلا أن ms176 تكون كيفية ~~أحدهما قوية جدا فلا يمكن معها مقابلتها من ضدها بمقدار قوتها، وإلا حدث ~~بينهما كيفية لا تحتملها الحاسة لقوتها. ولذلك صار الأفضل أن تكسر حدة ما ~~كان منها طعمه قويا، بالماء ثم يقابل من ضده بما يعدله ويكسبه لذاذة. # فإن قال قائل: فإذا كان الماء يكسر حدة كل واحد من هذين الطعمين ويعدله، ~~فلم لا اكتفينا في إصلاحها بالماء وحده واستغنينا عن مقابلته بضده؟. # قلنا له: إن الماء لا طعم له، فلو ذهبنا أن نقتصر في إصلاح ما نريد ~~إصلاحه من هذين الطعمين # PageV00P164 # بالماء وحده كل طعم ما يمازجه من الماء، وزال عنه كيفيته وخاصته التي ~~تراد منه ولم يفده لذاذة، وهذان الطعام فليسا كذلك، لان كل واحد منهما، وإن ~~غير فعل صاحبه، فإنه يكسبه لذاذة مركبة من طعميهما من غير أن يزيل عنه ~~كيفيته التي هي له أصلا، إلا أن تغلب عليه، فيخفي كيفيته ويسترها. # ومتى كان الغذاء عفصا، كان الأفضل في إصلاحه أن ينقع في الماء العذب حتى ~~يلين، ويسلق بماء ثان (١) فإن احتجنا إلى <أن> نبقي بعض عفوصته فيه، ~~لم نمعن في إنضاجه حتى يهترئ. وإن أردنا أن نزيل عنه أكثر عفوصته، بالغنا ~~في إنضاجه لان كل ما يطبخ فليس تبقى فيه قوته على حالتها، لكنها تقل وتضعف ~~بانتقالها إلى الماء. وكلما بولغ في إنضاجه، كان ما يذهب من قوته إلى الماء ~~أكثر. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن جميع ما يطبخ، فقوته تخرج إلى الماء. ~~فإذا طال لبثه على النار، ذهبت قوته أصلا، ولا سيما متى نقل من ماء إلى ~~ماء. وإنما يصير المرق مالحا لما يطبخ فيه من الأشياء المالحة، لان النار ~~ترفع لطيفة بالبخار، فيتشنج غليظه ويصير بورقيا. # ومتى كان الغذاء مرا وكان مما يحتاج أن يسلق، سلقناه بالماء القراح ~~وطيبناه، بعد إخراجه من الماء، بالخل والملح والأبازير. وإن كان مما لا ~~يسلق، مثل زيتون الماء، نقعناه في الماء والملح بدءا حتى تزول بعض مرارته، ~~ثم نقلناه إلى الماء والملح والخل. ms177 فإن كان فيه مع حرارته، دهنية وليانة، ~~مثل زيتون الزيت، اكتفينا في إصلاحه بالملح لأنه يحتاج إلى ما ينشف رطوبته ~~ويصلب جسمه ليبقى ولا يزنخ ويفسد. # ومتى كان الغذاء حريفا وكانت حرافته ساذجة لم تشبها مرارة ولا عفوصة، مثل ~~البصل وقضبان الخردل الطري، كان الأفضل في إصلاحه أن ينقع في الماء والملح. ~~وإن جعل فيه شئ من خل، كان لا بأس به، وإن كان مع حرافته مرارة أو عفوصة، ~~فيسلق بماء وخل ممزوجين، لان الأوفق في إصلاح المرارة المحضة والعفوصة ~~الكذلك، سلقها بالماء القراح. فإذا تركب أحدهما مع حرافة، وجب أن يخلط ~~بالماء الذي يسلق به الخل، ويتخذ بعد ذلك بالزيت أو غيره من الادهان، ~~ليكتسب بذلك لزوجة تكسر حدتها وحرافتها، وتسلم الحاسة من أذيتها. ولجالينوس ~~في هذا فصل قال فيه: ومن الواجب أن لا نستعمل الأشياء الحريفة ولا الأشياء ~~القحلة الجافة إلا بالزيت أو بغيره مما يقوم مقامه من الأشياء الدسمة، لان ~~اللدونة تكسب الأشياء الحريفة سلاسة وليانة، وتكسر حدة حرافتها، وتمنع من ~~أذيتها، وتفيد الأغذية القحلة الجافة لزوجة ورطوبة. ولسقلس (2) في هذا فصل ~~قال فيه: إن ملاك الامر (3) في إصلاح الأغذية، تنقيتها، بدءا مما خالف ~~جنسها مما لا يمكن أكله، مثل الدوسر (4) من الشعير، والزوان # PageV00P165 # والحبة السوداء من الحنطة، وبخاصة الحبة السوداء لأنها أردأ من الزوان. ~~وكذلك الحبة السوداء المستديرة الموجودة في العدس، فإنها لا يصلح أكلها، ~~ولذلك وجب أن نستقصي تنقية الحبوب جدا، ثم تنفض من التراب والغبار وتغسل ~~ليزول عنها ما يلزق بظاهرها مما لا ينتفع به. فإن بقي فيها بعد ذلك طعم قوي ~~(1) لا يصلح للاكل مثل حرافة قوية أو مرارة أو ملوحة أو حموضة أو عفوصة أو ~~تفاهة، أزلنا ذلك عنها بالانقاع في الماء أو بالسلق. # فما كان منها الغالب عليه العفوصة، سلقناه بالماء العذب القراح وشئ من ~~ملح. وما كان منها الغالب عليه الملوحة، أنقعناه في الماء العذب. وما كان ~~منها الغالب عليه التفاهة، طيبناه بالخل والملح والزيت أو بالمري والزيت ~~فقط. وما ms178 كان منها الغالب عليه المرارة، وكان مما يسلق، سلقناه بالماء ~~العذب وشئ من ملح، وإن كان مما لا يسلق، أنقعناه في الماء والملح. فإن كان ~~فيه مع مرارته، ليانة في جسمه ودهنية، كان إصلاحه في الملح فقط. وما كان ~~منها الغالب عليه الحرافة، جعلنا في الماء الذي يسلق به خل، واستعملناه بعد ~~ذلك بالزيت أو بغيره من الادهان والأشياء الدسمة، لتقمع حرافته وتسلم ~~المعدة والمعاء من أذيته. إلا أنه يجب أن يكون الدهن المستعمل مع كل غذاء ~~على حسب طبيعة المستعمل له، وطبيعة السبب الذي يقصد الدهن له، لان الدسم ~~والدهنية يحتاج إليهما في الغذاء لسببين جنسيين: أحدهما: تطييب الغذاء ~~وإصلاحه، وتليين خشونة أو صلابة إن كانتا فيه، أو قمع حدة أو حرافة إن ~~كانتا له. والسبب الآخر: لعلل شتى يحتاج فيها إلى الاهان، مثل تفتيح السدد ~~وتسهيل البول، أو لتليين الثفل وإخراجه أو لحبس البطن وقطع الاسهال، أو ~~لجلب النوم. # فمن أراد استعمال الزيت أو الدهن لتطييب الغذاء وإصلاح خشونة فيه أو ~~صلابة، أو لقمع حدته وحرافته، كان أفضل الادهان لمثل ذلك ما لم يكن له ~~رائحة شديدة وطعم قوي، مثل الزيت المعروف بالانفاق المستخرج من الزيتون ~~الأخضر بالماء الحار، أو دهن اللوز ودهن السيرج المعروف بدهن الخل (2)، لان ~~هذه الادهان من شأنها أن تفيد الطعام لذاذة وليانة. ومن أراده لتفتيح سدد ~~أو لسعال، فيقصد دهن اللوز الحلو، لان معه لدونة يلين بها الصدر، وعذوبة ~~يجلو لها ويفتح المجاري ويغسلها. # ومن أراده لادرار البول، فيأخذ حب البطيخ والقثاء فيقشرهما ويسحقهما ~~ويستعملهما عوضا من الزيت. # ومن أراده لتليين البطن وإخراج الثفل، فيأخذ لب القرطم ويدقه ويمرسه في ~~ماء حار، ويصفيه ويستعمله. ومن أراده لتقوية المعدة وحبس البطن، فيأخذ ~~اللوز الحلو المقشر من قشره الاعلى، ويحمصه بقشره الداخل ويسحقه ويستعمله. ~~أو يأخذ ورق ورد أحمر منقى من أقماعه، فينقعه في زيت أنفاق وهو حار، ويذره ~~فيه يوما وليلة، ويصفيه ويستعمله. ومن أراده لجلب النوم، فيأخذ بزر الخشخاش ~~ويسحقه ويستعمله. ومن أراده ms179 للامرين جميعا، أعني لجلب النوم وقطع الاسهال، ~~فيخلط بزر الخشخاش ببعض الادهان الحابسة للبطن. # PageV00P166 # ومتى كان قصدنا في إصلاح الغذاء لصلابة جرمه، كان الأفضل في إصلاحه إن ~~كان مما يسلق، أن ينقع في ماء عذب ثم يسلق. وأن كان مما لا يسلق، فيشوى ~~بالنار أو يلقى من غير زيت لان النار تخلخل جسمه وتفرق أجزاءه وتكسبه رخاوة ~~وهشاشة، إلا أن ذلك مما يعينه على نشف رطوبة المعدة وحبس البطن. وإن كان ~~قصدنا في إصلاح الغذاء لفساد رائحته، كان الأفضل أن يسلق بالماء ويصفى من ~~مائه الذي سلق به وقت نزوله عن النار وهو بعد يغلي، ولا نذره يلبث في الماء ~~فيرجع إلى كيفيته المذمومة التي خرجت عنه إلى الماء وطيبه بعد إخراجه من ~~الماء بالخل والمري والزيت والأبازير الموافقة. وإن كان مما يطبخ، فاطبخه ~~بماء ثان (1) غير الماء (2) الذي سلقته به، وطيبه بالأبازير المحمودة. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن كل مطبوخ تؤكل مرقته معه، فيترك في ~~مرقته إلى وقت الحاجة إليه. وكل مطبوخ لا تؤكل مرقته معه لفسادها، فينزع من ~~مرقته وهو بعد ما حاد يغلي حتى ينزل عن النار، كيلا يطول لبثه في المرقة ~~ويرجع إلى كيفيته التي زالت عنه إلى المرقة. وإذا طبخت شيئا يحتاج إلى ~~أبازير فيجب أن يتوقى الاكثار منها، ولا يستعمل منها إلا ما غير طعما رديئا ~~ورائحة كريهة وبخاصة الأبازير اليابسة لان الاكثار منها ينشف رطوبة الطعام ~~ويفججه ويغلظه ويمنع من انهضامه. ولذلك وجب أن ينعم سحقها ولا يلقى منها ~~إلا المقدار القصد من أول الطبخ لينضج نضجا كاملا، ويضعف قوتها ويلطف. # وأما الأبازير الرطبة، فمن الواجب ألا يستعمل منها إلا ماؤها فقط، من قبل ~~أن جرم الأبازير غليظة عسيرة الانهضام. فإن أردت أن تطبخ شيئا مرتين، فأعد ~~له ماء حارا قبل أن ينزع عنه ماؤه الأول، وألق عليه الماء الثاني بسرعة وهو ~~بعد حار، كما ينزع عنه ماؤه الأول، كيلا يناله الهواء البارد ويصلبه لأنك ~~إن تركته حتى يبرد أو صببت ms180 عليه الماء الثاني بعد أن يبرد، صلب وعسر نضجه، ~~وامتنع من أن يتهرأ، ولو بالغت في طبخه كل المبالغة. وإن كان المطبوخ شيئا ~~من الحبوب، فيلقى عليه من الماء مقدار كفايته على حسب طبيعته واحتماله، مثل ~~أن يلقى على الشعير للكيل الواحد خمس عشرة (3) مرة ماء، وعلى العدس ~~والجاورس للواحد عشر مرات، فإذا غلي وارتفعت رغوته نزعتها بمغرفة مثقبة، ثم ~~تغطى القدر بغطاء ويطين الوصل بعجين ويطبخ بنار لينة حتى يقارب النضج، ثم ~~يحرك إلى أن يكمل نضجه. واحذر أن تحركه قبل أن ينضج فتخرج منه لزوجة تغري ~~ظاهره وتكثفه وتمنع الماء من الوصول إلى باطنه أو تنسحق من أطرافه وأركانه ~~شظايا بالتحريك، فتحترق تلك الشظايا قبل تمام نضج الحب. وإن طبخت لحما في ~~الصيف، فاجعل طبيخك له بماء كثير ونار جمر لا لهب لها كيما يطول لبث فعل ~~النار فيه فتذهب أكثر زهومته وتلطف غلظه. ولا يغطى القدر أصلا كيلا يحتقن ~~البخار فيها ويزيد في زهومتها. وتلقى فيها من الأبازير مقدار ما يغير زهومة ~~اللحم، فإن أزهم ما يكون اللحم في الصيف والأزمان الحارة لغليان رطوبته # PageV00P167 # بسرعة بحرارة الهواء، وتلقى الأبازير في القدر من أول الطبيخ لينضج نضجا ~~كاملا، وإلا فججت الغذاء ومنعت من هضمه على ما بينا مرارا. # وإن طبخت لحما من حيوان له زهومة، فالأفضل ألا تكسر من عظامه، إلا ما لا ~~بد من كسره، لان الفساد يسرع إلى مخ العظام كثيرا لاحتقانه في باطن العظام ~~وكثرة دهنيته. فإذا خالط المرق منه شئ غلبت زهومته عليه فأفسدته. وإن قدرت ~~أن تنزع العظام أو تنزع مخاخها، كان أفضل. ثم تغسل اللحم بالماء وتمرغه في ~~ملح قريب من الجريش قد خلط معه شئ (1) من الحاشا (2) ويسير من فوذنج ويصير ~~على شئ متخلخل ساعة حتى يمصل ماؤه الذي فيه زفورته، ثم يغسل بالماء العذب ~~مرات حتى يزول طعم الملح الذي يغسل به، ثم يغلى بالماء العذب حتى ترتفع ~~رغوته وتنزع بمغرفة مثقبة حتى يتنظف ماؤه ويصفو، ثم تغير ذلك الماء ms181 وتطبخه ~~بماء ثان (3) أي لون أحببت. فإن كان الحيوان قليل الزهومة، فلا تبالي إن ~~كسرت عظامه، ولكن اغسله بالماء وملحه بالملح والحاشا والفودنج على ما وصفت، ~~ثم اغسله حتى يعذب ماؤه واغسله وانزع رغوته واطبخه من غير أن تبدل ماءه. ~~فإن كان الحيوان بريا، فالأفضل ألا يطبخ (4) إلا بعد أن يذبح بيوم لتذوب ~~رطوبته بسخونة الهواء ويرطب لحمه ولا يرخي جسمه ويفيده ليانة تقرب من ليانة ~~الحيوان الأهلي، لان العفونة لا تكاد تسرع إلى الحيوان البري، لقلة رطوبة ~~غذائه وجفاف هوائه ودوام حركته وكثرة تعبه. # وأما الحيوان الأهلي، فلما كان في جميع أحواله مخالفا للحيوان البري ~~لرطوبة هوائه وإمكان غذائه وقلة حركته ودوام سكونه، وجب أن يكون تدبيره ~~مخالفا لتدبيره أيضا. غير أن الامر، وإن كان كذلك، فمن الواجب أن يكون ~~التدبير أيضا ملائما لجنس الحيوان وطبيعته ومزاجه، لأنا قد بينا مرارا أن ~~من الحيوان ما هو في طبيعته لين رطب مثل الرضيع من الضأن وما هو في طبيعته ~~رخص قليل الرطوبة مثل الجدي والفراريج وفراخ الشفانين (5). ومنه ما هو في ~~طبيعته صلب جاف قليل الرطوبة مثل البقر والظباء والديوك العتيقة والطواويس ~~والفواخت والحجل وكبير الشفنين (6) والدراج والفتي من الحمام (2). ومنه ما ~~هو في طبيعته زهيم سريع الانتقال إلى الفساد، مثل الكبير من الماعز وبخاصة ~~الذكران منه. فما كان في طبيعته لينا كثير الرطوبة، مثل الجدي الرضيع ~~والفراريج والتدرج وفراخ الشفانين، أو زهيما، مثل الكبير من الماعز، كان ~~الأفضل أن يطبخ وقت أن يذبح إلا ما كان في طبيعته لينا رخوا كثير الرطوبة ~~أو رخصا قليل الرطوبة، استغني عن الحيلة فيما يلين لحمه ويرخيه أكثر من ~~طبخه أو شيه فقط. # وما كان في طبيعته زهما، كان من شأنه إذا لبث قليلا (7) بعد أن يذبح أسرع ~~إليه الفساد، وتغيرت # PageV00P168 # رائحته وانتقل إلى حاجة لا تصلح للغذاء. وما كان في طبيعته جافا صلبا، ~~مثل البقر والظباء والطواويس والفواخت وسائر ما عددنا ذكره من هذا الجنس، ~~فالأصلح ألا يطبخ إلا بعد ذبحه بيوم ms182 لتذوب رطوبة لحمه بحرارة الهواء ويكتسب ~~ليانة ورخاوة. # وأما السمك، فيجب أن يطبخ ويشوى وهو بعد طري يتحرك، لأنه لرخاوة لحمه ~~ولينه وكثرة رطوبته، لا يحتمل أن يلبث إلا أن يملح. ومما يعين على تليين ~~صلابة اللحمان وسرعة نضجها أن يحرك الحيوان قبل ذبحه حركة قوية. والدليل ~~على ذلك أنا نجد ما تتصيده الكلاب والبزاة وغيرها من الحيوان الصياد أرخى ~~لحما وأرخص مما لم يصده حيوان. وكذلك ما يطرد من الحيوان ويلجأ إلى الحركة ~~القوية قبل ذبحه، يكون أرخى وأرخص مما لم يلجأ إلى ذلك. ومما يستعن به ~~الطباخون على إنضاج اللحم، الشمع والبورق وقضبان التين الطري ولبنه، والخل ~~أيضا فقد يفعل قريبا من ذلك. ومما يكسب اللحم لطافة وحسن استمراء ليستمرئه ~~من كان في استمرائه ضعف من المشايخ والناقهين من الأمراض، أن يرفع اللحم ~~وينقع في ماء وشئ من ملح ويسير من حاشا، وفوذنج جبلي ساعة، ثم يعلق حتى ~~يمصل ماؤه ويغسل بالماء العذب وينظف ويطبخ بعد ذلك، أو يقطع على المقدار ~~الذي يصلح ويغسل بالماء ويمرغ في ملح قريب من الجريش وشئ من حاشا وفوذنج ~~جبلي ويترك ساعة على شئ متخلخل ليمصل ماؤه ويغسل بالماء مرات حتى يزول طعم ~~الملح منه ويعذب ويطبخ. وكذلك يجب أن نفعل بالسمك أيضا لان الملح يقطع ~~رطوبته ويلطف لزوجته وغلظه. ولهذه الجهة احتجنا في إصلاح اللحمان السمان ~~الكثيرة الدم والرطوبة إلى كثير من الملح. # كما قال جالينوس: إن ما كان من اللحمان سمينا رطبا كثير الدم فيجب أن ~~يكثر ملحه ويشوى بنار قوية لا لهب لها. وما كان من اللحمان مهزولا قليل ~~الدم والرطوبة، فليمسح مسحا يسيرا ويشوى بنار لينة ويجعل تحته إناء مملوء ~~ماء عذبا، ليرتفع بخاره إليه ويكسبه رطوبة. PageV00P169 # الباب العشرون (1) فيما يحتاج إلى استعماله في تدبير الصحة قال إسحاق بن ~~سليمان: قد يحتاج في تدبير الصحة إلى أربعة وجوه: # أحدها: استعمال التدبير اللطيف في أوقاته ولأهله من أهل الدعة والسكون، ~~والتحرز منه في غير أوقاته. # والثاني: استعمال التدبير الغليظ ms183 في أوقاته ولأهله من أهل الرياضة ~~والتعب، والتحرز منه في غير أوقاته ولغير أهله. # والثالث: استعمال الغذاء في أوقاته على الوجوه التي يجب استعماله عليها ~~على ترتيب ونظام، والتحرز من استعماله على خلاف ذلك وضده. # والرابع: التحرز من الأغذية المولدة للفضول المفسدة المولدة للتخم وشدة ~~الكبد والطحال، واستقبالها بما يضادها ويزيل ضررها من الأدوية والأغذية. # وإذ صرنا إلى هذا الموضع من كلامنا في هذا الباب، وأتينا على أجناس ~~الوجوه التي يجب استعمالها في تدبير الصحة على الجملة من غير تفصيل ولا ~~تحديد، فنحن أحق بأن نقسم كل واحد منها إلى أنواعه وأشخاصه، ليكون أبين ~~وأوضح لطالبه، وبالله التوفيق. # فأقول: إن التدبير اللطيف ينتظم من ثلاثة معاني: # أحدها: الأغذية اللطيفة في انفعالها وجوهريتها معا، أعني بانفعالها (2) ~~سرعة انهضامها، وانتقالها إلى الدم. وأعني بجوهريتها الدم المتولد عنها، ~~مثل الدم المتولد عن الخبز المحكم الصنعة ولحم الدراج والفراريج والجدي ~~الرضع السمك الرضراضي. # والثاني: الأغذية اللطيفة في انفعالها فقط، وإن كان الدم المتولد عنها ~~ليس بالمحمود، مثل القطف # PageV00P170 # والاسفاناخ وغير ذلك من البقول السريعة الانهضام والانقلاب إلى الدم، وإن ~~كان الدم المتولد عنها رقيقا مائيا (1) سريع الانحلال من الأعضاء. # والثالث: الأغذية اللطيفة في فعلها، وإن كانت مذمومة في جوهريتها، أعني ~~وإن كان لها فعل محمود في تلطيف الفضول وتفتيح السدد، فإن الدم المتولد ~~عنها حار حريف غير محمود الغذاء، مثل الأغذية العطرية والمالحة والمرة ~~والحريفة. أعني بالعطرية الخمور المصرفة، وأعني بالحريفة الفجل والخردل ~~والشلجم واللوف (2) وما شاكل ذلك. # وكذلك التدبير الغليظ ينتظم من ثلاثة معاني: # أحدها: الأغذية الغليظة في انفعالها وجوهريتها معا. أعني بغلظها في ~~انفعالها، عسر انهضامها وبعد انتقالها إلى الدم. وأعني بغلظها في جوهريتها، ~~غلظ الدم المتولد عنها، مثل الدم المتولد عن الجزور ولحم الظباء والايايل ~~والكثير من البقر. # والثاني: الأغذية الغليظة في انفعالها (3) فقط، وإن كان جوهرها محمودا، ~~مثل لحم الضأن والهرائس والخبز الذي لم تحكم صنعته، لان هذه وإن كانت غليظة ~~بعيدة الانهضام للزوجتها وزيادة رطوبتها، فإن الدم المتولد عنها ms184 غير مذموم. # والثالث: الأغذية الغليظة في فعلها وانفعالها، مثل الأغذية التي (4) قد ~~اجتمع لها الغلظ من الجهتين جميعا من فعلها وانفعالها. أما من انفعالها، ~~فلعسر انهضامها وبعد انقلابها إلى الدم. وأما من فعلها، فلأنها تغلظ ما ~~توافي من الفضول وتجمدها وتفجج الطعام وتمنع من نضجه. إلا أنها تكون على ~~ثلاثة ضروب: لأنها لا تخلو من أن تكون إما مفججة أو محدرة، مثل القثاء ~~والخيار والخس وما شاكل ذلك. وإما دسمة ملزجة، مثل الشحوم وما شاكلها. وإما ~~عفصة مجففة، مثل البلوط وما شاكله. # فمتى سمعتنا نقول في هذا المعنى، التدبير اللطيف مطلقا، فإنما نريد به ~~الغذاء اللطيف الانفعال المحمود الجوهر. ومتى سمعتنا نقول ذلك مضافا، فإنما ~~نريد به الغذاء الملطف للفضول، وإن كان الدم المتولد عنه غير محمود، لان ~~الضرورة تدعونا إلى ذكره لحاجتنا إليه في تفتيح السدد وتلطيف الفضول. # ومتى سمعتنا نقول في هذا المعني التدبير الغليظ مضافا (5) كان أو مطلقا، ~~فإنما نريد به الغذاء المولد للدم المحمود. وإن كان غليظا بطئ الانهضام من ~~قبل أن الغرض المقصود في هذا المعنى هو تدبير الصحة، # PageV00P171 # والسبب الأعظم في تدبير الصحة، الأغذية المولدة للكيموس المحمود لطيفة ~~كانت أو غليظة، كما قال جالينوس: وينبغي أن نحذر من كل طعام ما كان مذموم ~~الجوهر مطلقا ملطفا كان أو مغلظا، لان الأغذية المولدة للكيموس المذموم، ~~إنما هي سبب لتولد الأمراض، لا لتولد الصحة. # فمن البين أنا غير محتاجين من التدبير الغليظ في تدبير الصحة إلا إلى هذا ~~النوع فقط، لحاجتنا إليه في تدبير أهل الرياضة والحركة القوية والتعب ~~الدائم، لأنا لا نقدر <أن> نقاوم فعلهم إلا بما كان من لغذاء عسير ~~الانهضام بطئ الانحلال، ليطول لبثه في أعضائهم، ولا ينحل منها بسرعة، ~~فيلحقها الذبول والسلال (1). # ولذلك قال جالينوس: وأما الأطعمة التي غذاؤها غليظ بطئ الانهضام وليست ~~برديئة الجوهر، فلا يجب أن يتجنبها كل الناس، لان من كانت حركته كثيرة ~~وتعبه دائما وبنيته صحيحة، يعني بذلك صحة كبده ومعدته، فليس تضره الادهان ~~عليها، إذا كانت محمودة ms185 الكيموس. # وإذ أتينا على ما نريد تقديمه، وقسمنا التدبير اللطيف والغليظ قسمة ~~جنسية، فلنستتم المعنى بذكر فعل كل واحد من أنواعها بخاصته التي ينفرد بها ~~دون غيره. ونبدأ من ذلك بالتدبير اللطيف، إذ كانت الحاجة إليه أسبق. ~~PageV00P172 # في التدبير اللطيف المطلق أعني الأغذية السريعة الانهضام المحمودة ~~الكيموس أما التدبير اللطيف بالقول المطلق، فإنه وأن كان لا (١) يفيد ~~الأبدان من الخصب ولا يكسبها من القوة ما يكسبها التدبير الغليظ، أعني ~~الأغذية اللزجة المحمودة الجوهر، فإنه من أبلغ الأشياء في حفظ الصحة على ~~الأصحاء، ذلك لسرعة انهضامه وسهولة انحلاله من الأعضاء، وجودة الدم المتولد ~~منه، ومع ما له من حفظ الصحة على الأصحاء، فقد يتجاوز ذلك إلى شفاء المرضى ~~ورد الصحة عليهم، لأنا نجده كثيرا <ما> يدفع الأمراض المزمنة، فضلا ~~عن الأمراض الحادة، حتى أنه كثيرا ما يستغنى به المرضى في شفاء أمراضهم عن ~~الأدوية وغير ذلك. # ولذلك صار الأفضل في أكثر الأمراض أن يجهد المتطبب نفسه في بلوغ الغاية ~~التي يقصد إليها من شفاء الأمراض بالتدبير اللطيف فقط، ويتوقى استعمال ~~الأدوية إلا في الندرة عند الاضطرار إليها وبعد الامكان. ولبعض الأوائل في ~~التدبير اللطيف فصل قال فيه: إن من أخذ نفسه بالحمية واستعمال التدبير ~~اللطيف، كان قادرا على تبريد حرارة بدنه، وترطيب يبسه العارض من الحر القوي ~~والتعب الشديد. # وذلك أنه يدخل بدءا إلى حمام عذب معتدل الهواء والماء، ولا يطيل لبثه ~~فيه، ويشرب بعد خروجه من الحمام شرابا ممزوجا مزاجا معتدلا، ويتناول منه ~~حتى يروى، ثم يقذف بكل ما شربه ويستريح ساعة ويتناول البقلة المعروفة بالخس ~~لان في هذه البقلة تبريدا وتطفئة وترطيبا من غير غائلة (2)، ثم يتناول بعد ~~ذلك حسو الشعير المحكم الصنعة مطبوخا (3) بيسير من خل، ويأخذ بعد انهضام ~~الحسو من معدته أجنحة الفراريج والإوز مع قوانصها، وأكارع قد أحكم نضجها ~~وطيبت بالخل ويسير من المري أو أمخاخ بيض طري من حيوان فتي سمين معمول ~~نيمبرشت، وسماه جالينوس المرتعش لأنه لوقته يتموج. ويتناول من البقل ما كان ~~غذاء ms186 محمودا غير مذموم، مثل الملوخية والسرمج (4) والبقلة اليمانية، ويشرب ~~بعد ذلك # PageV00P173 # شرابا ممزوجا، مزاجا معتدلا، بماء شديد البرد. وقول لجالينوس في هذا: ~~وأما أنا فإني كنت أكتفي في مثل هذه الأوقات بحسو الشعير المحكم الصنعة. ~~إلا أني كنت أصير مقدار كيفية الطعام والشراب في كل واحد من الناس على حسب ~~عادته. لان من كان عادته استعمال الثلج، احتاج إلى أن يبرد شرابه بالثلج، ~~ومن كان عادته شرب الماء السائل من العيون والماء المبرد في الهواء، فليس ~~به حاجة إلى استعمال الثلج لكنه متى تعب في حمة الصيف وحس بحرارة قوية، سكن ~~قليلا حتى يهدأ من تعبه، ثم اقتصر على شرب الماء البارد السائل من العيون، ~~أو ماء قد برد من الليل في هواء بارد، وجعل بالغداة في مزملة لتحفظ برده. ~~ويحذر استعمال الثلج إن لم يكن قد جرت عادته به لان الثلج، ون لم يتبين منه ~~في أبدان الشباب من الضرر ما يحسون به بسرعة، فإن مضرته تجتمع رويدا رويدا ~~وتزيد من غير أن يشعروا (1) بها، حتى إذا جاوزوا (2) سن الشباب وصاروا إلى ~~سن الكهول، وقعوا في أمراض يعسر برءها ولا يبرأون منها أصلا، إما من علل ~~الأحشاء، وإما من علل المفاصل والعصب، لان الثلج إنما يفعل في كل واحد من ~~الناس في أضعف أعصابه وأقربها حسا. # * * * وأما التدبير الملطف الذي نفع بالأغذية اللطيفة في فعلها وإن كان ~~جوهرها ليس بالمحمود، فينتفع به كثيرا من كان في بدنه فضول نية كثيرة ~~اللزوجة والغلظ لمن كان به سدة في كبده أو جشاء في طحاله. ولذلك قال ~~جالينوس: قد يفتح (3) التدبير اللطيف سدد الكبد ويحلل جشاء الطحال ويصغر ~~مقداره ويرده إلى الحالة الطبيعية. وقال في موضع آخر: إني لأعرف قوما ممن ~~كان يعرض لهم الربو كثيرا، فلما استعملوا التدبير الملطف، بلغ من انتفاعهم ~~به أن سكن عنهم حتى لم يجدوا (4) منه شيئا، ولم يعرض لهم منه بعد ذلك إلا ~~الشئ اليسير في الندرة. وقال في فصل آخر قال فيه: وإني لأعرف قوما ms187 كثيرا ~~كان بهم وجع الكلى والمفاصل، من غير أن يتولد في مفاصلهم حجارة، فخرج بعضهم ~~من العلة خروجا تاما، وخف عنهم وعن بعضهم كثير من العلة بالتدبير الملطف، ~~أراد بالأغذية الملطفة للفضول، مثل الاسكنجبين والفجل وما شاكل ذلك. # وأما الصرع، فإنه متى كان يسيرا وتودر، فإنه، بالحمية والتدبير اللطيف من ~~ابتداء الامر، برأ برأ كاملا. وإن كان قد طال به واستصعب أمره، فإن التدبير ~~الملطف، وإن لم يبرئه، فقد ينتفع به منفعة ليست باليسيرة. وإن كان من ~~الواجب على من أراد حفظ صحته، أن لا يكثر الالحاح على هذا النوع من التدبير ~~الملطف، أعني الأغذية الحريفة والمالحة والمرة، وإن كانت ملطفة للفضول، ولا ~~سيما متى كان الغالب مزاج المستعمل لها المرار، لأنه لا (5) ينتفع بهذا ~~التدبير إلا من قد اجتمع في بدنه فضول # PageV00P174 # بلغمانية. فأما الممرورون (1)، فإنهم يستضرون به جدا لأنه يرق دمهم بدءا ~~ثم ينشف رطوبته رويدا رويدا حتى يحرقه ويصيره سوداويا حريفا. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: وينبغي أن يكون المقدار لاستعمال الأغذية ~~الحريفة وغيرها من الأغذية الملطفة للفضول، مطيب قد وقف على مقادير ~~استعمالها وفى أوقاتها ولأهلها، لأنه لا يؤمن على من أفرط منها أن يفسد دمه ~~ويحترق. # PageV00P175 # القول في التدبير الغليظ أعني الأغذية اللزجة البطيئة الانهضام، المحمودة ~~الكيموس فأما التدبير الغليظ، فإنه وإن كان لا يفيد البدن صحة يوثق بها، ~~فقد يكسبه خصبا كبيرا مع قوة بينة ظاهرة. ذلك لطول لبثه في الأعضاء وبعد ~~انحلاله منها. ولذلك لا يحتمله من الناس إلا أهل الرياضة القوية والتعب ~~الشديد، ليقاوم كثرة حركتهم وقوة تعبهم، ولا يذوب وينحل من أعضائهم بسرعة، ~~فتذبل ويعرض لهم سلال. ولما كان أكثر الناس يرغبون في خصب أبدانهم وقوة ~~أعضائهم مع صحة لا يوثق بها، على صحة يوثق (1) بها مع قصف (2) أبدانهم ~~ونقصان قوة أعضائهم، وجب على من كانت هذه سبيله، واضطره الامر إلى استعمال ~~الأغذية الغليظة البطيئة الانهضام، ألا يشغله شاغل عن إصلاح تدبيره والقيام ~~على نفسه بالرياضة المحمودة في كل يوم ms188 قبل أوقات غذائه، لأنه إن استعمل ذلك ~~دائما ولم يغبه ولزم اليوم في أوقاته، أمكنه استعمال الأغذية اللزجية ~~البطيئة الانهضام ولا سيما متى كانت بنية أحشائه، أعني معدته وكبده، قوية ~~وكان ممن إذا ألح على مثل هذه الأغذية، لم يحس في جنبه الأيمن بثقل ولا ~~بشدة. # ومن الواجب أن يكون تقدير الغذاء في غلظه ولطافته، وكثرته وقلته، على حسب ~~مقدار الرياضة والتعب في دوامهما (3) وكثرتهما أو قلتهما وتقصيرهما، من قبل ~~أن من كان تعبه دائما ورياضته كثيرة، مثل الصريعين (4) وأمثالهم، احتمل من ~~الأغذية ما كان في نهاية اللزوجة والغلظ. ومن كانت حركته مقصرة ورياضته ~~قليلة لم يحتمل من الأغذية إلا ما كان قليل الغلظ واللزوجة. ومن كانت حركته ~~معتدلة ورياضته متوسطة، احتمل من الأغذية ما كان متوسطا بين الغلظ واللطافة ~~والكثرة والقلة. ومن لم يقدر على # PageV00P176 # الرياضة دائما إما لان سنه لا يحتمل، أو لان عادته لم تجر عليها، وجب ألا ~~يستعمل من الأغذية الغليظة اللزجة شيئا إلا في الندرة وعند الاضطرار بعد ~~ركوب قوي أو مشي يقوم له مقام الرياضة، لان السكون قبل الغذاء من أبعد ~~الأسباب الموجبة لحفظ الصحة، وبخاصة مع استعمال الأغذية اللزجة. ولذلك وجب ~~على من كانت له أسباب تعوقه عن الرياضة، وتحول بينه وبين الحركة والركوب في ~~كل يوم، دائما قبل وقت غذائه، أن يستعمل الاستقصاء في تدبيره، ويقصد ~~الأغذية اللطيفة في انفعالها وحسن جوهرها، ويتوقى ما كان من الأغذية غليظا ~~لزجا، ويحذره جدا، ولا يكتفي بذلك أيضا دون أن يستعمل تنقية بدنه وإفراغ ~~فضوله في الأوقات المحمودة مع استعمال الأدوية المعينة على الهضم، الحافظة ~~للصحة في كل حين، مثل إدمان شرب الاسكنجبين، وبخاصة الاسكنجبين العنصلاني، ~~لمن كانت رطوبة بدنه غليظة لزجة مع استعمال الجوارشنات المنقية لرطوبات ~~المعدة، المفتحة لسدة الكبد والطحال، لأنه إن أغفل ذلك وأهمله، وألح على ~~الأغذية الغليظة، لم يلبث دون أن يقع في بعض الأمراض المزمنة المتولدة عن ~~الامتلاء. # وعكس هذا التدبير وضده، يلزم من كان تعبه كثيرا ورياضته دائمة، إذا ms189 ألح ~~على الأغذية اللطيفة السريعة الانحلال، مثل البقول وماء الشعير، وما شاكل ~~ذلك، إلا من كانت هذه سبيله من استعمال الأغذية اللطيفة السريعة الانفعال، ~~لم يلبث أن يضعف وتنحل قوته وينقص لحمه ويصير إلى الذبول والسلال. ولأن ~~كثيرا من الناس من هو من الشغل في طول دهره على حاله لا يقدر معها على ~~رياضة بدنه على ما ينبغي، ولا أخذ غذائه في أوقاته، ولا على نقاء من معدته، ~~ولا على حسب مزاجه، لزم ضرورة لمن كانت هذه حاله ألا يستمرئ طعامه استمراء ~~صحيحا، ولم يستمر غذاؤه على ما يجب، لم يمكن أن تدوم له صحة ما لم يتعاهد ~~نفسه باستفراغ فضول بدنه بالاسهال والفصد (1)، ولزوم شرب الاسكنجبين واتخاذ ~~الجوارشنات المنقية لرطوبات المعدة، المفتحة للسدد. # ولما كانت الحركة قبل الطعام من أوفق الأشياء وأقواها على إدامة الصحة، ~~كانت الحركة بعد الطعام من أقوى الأشياء على إزالة الصحة عن الأصحاء، من ~~قبل أنها تحمي الطعام الذي قد تقدمها وتثوره وتزعجه وتحدره عن المعدة بسرعة ~~قبل تمام هضمه. فإذا صار الغذاء إلى الكبد وهو على غاية الغلظ والفجاجة، ~~اجتمع منه في عروق الكبد وجداولها فضول غليظة نية موجبة لأمراض شتى وعلل ~~مختلفة عسيرة الانحلال إلا أن توافي الحرارة الغريزية التي في الكبد ~~والعروق قوية جدا، فتهضمه وتحيله دما، وإن كان الدم المتولد عنه أيضا ليس ~~بالمحمود لأنه من جنس الخام الغليظ. ولذلك صار كثيرا ما يتولد عنه التخم ~~وأوجاع المفاصل. ولذلك وجب ألا يستعمل الانسان من الحركة بعد الطعام إلا ~~مقدار ما يحدر الطعام، ويمكنه من قعر المعدة فقط، ولا يمشي أيضا إلا على ~~أشياء لينة تطمئن تحت رجليه وتنخفض مثل المخاد المحشوة بالقطن وما شاكله. # PageV00P177 # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: وينبغي أن يحذر التعب بعد الطعام كما يحذر ~~السكون قبل الطعام، لان التعب يستفرغ رطوبة اللحم دائما بما يتخلل من البدن ~~بالبخار والعرق. وإذا قلت رطوبة اللحم، افتقر إلى الغذاء واستلب الدم من ~~العروق. فإذا نقص الدم من العروق، استلب الغذاء ms190 من المعدة قبل تمام هضمه ~~واستكمال نضجه. ولذلك يقع أصحاب هذا الشأن في أمراض يهلكون منها قبل ~~الشيخوخة. # وله (1) في الأغذية التي لا يستمرئها إلا الافراد من الناس، فصل قال فيه، ~~نحتاج إلى ذكره ههنا لما فيه من المنفعة في حفظ الصحة. قال: وكثير من الناس ~~مغترون بصحة معدتهم واحتمالها لما يرد عليها من الأطعمة الغليظة العسيرة ~~الانهضام مثل القثاء والخيار وما شاكلهما، ويلحون عليها ويكثرون الاكثار ~~منها. وآخرون ممن ليست هذه حالهم يغبطونهم على ذلك ويغترون بصحة أبدانهم ~~قبل حلول الآفة بهم، إذا رأوهم يأكلون ما لا يقدر أحد على أكله، ويستمرئون ~~ما لا يستمرئه غيرهم، ولا يعلمون أن كثيرا ما يقعون وهم لا يشعرون، في ~~أمراض صعبة يهلكون منها وشيكا، لان لا بد لمن كانت هذه حاله من أن تجتمع في ~~عروقه، على طول الأيام، فضول باردة غليظة تعسر استحالتها وانتقالها إلى ~~الدم حتى يعرض له من أدنى سبب، ما يعين على عفونة (2) تلك الأخلاط. ويكون ~~ذلك سببا قويا لحدوث حميات رديئة خبيثة، أو تنقص حرارة كبده الغريزية، ~~وتضعف قوتها الهاضمة ويتبع ذلك الاستسقاء ولا تنحل منه بتة. # PageV00P178 # في تقدير الغذاء على حسب أوقات السنة قال إسحاق بن سليمان: أجمع الأوائل ~~على أنه لا ينبغي أن نقتصر في تدبير الغذاء، وما نتناول منه في كميته ~~وكيفيته، على الوقوف على مزاجات الأبدان فقط، دون البحث والنظر عن أوقات ~~السنة، ومزاج الهواء الحاضر، لان من الواجب أن نحذر في الخريف دائما كل ~~طعام مجفف مناسب للمرة السوداء، ونتجنب ذلك في الشتاء، من قبل أن مشاكلة ~~هذا النوع من الأغذية لمزاج الخريف بالكيفيتين جميعا، أعني بالبرودة ~~واليبوسة، ولمزاج الشتاء بكيفية واحدة، أعني بالبرودة فقط، ولذلك صار ~~إضرارها في الخريف أكثر من إضرارها في الشتاء بيسير لا بالكثير. من قبل أن ~~الكيفية التي يشاكل بها الشتاء هي الكيفية الفاعلة. والكيفية الفاعلة أقوى ~~فعلا وأسرع تأثيرا من الكيفية المنفعلة. وأما الصيف، فإنا نأمر فيه ~~بالأغذية المبردة المرطبة ونمنع فيها في الشتاء لمخالفتها لمزاج ms191 الصيف ~~بالطبع، ومشاكلتها لمزاج الشتاء. # وأما الربيع، ففيه نظر لأنه ربما كان طبيعيا معتدلا لا تعلو منه كيفية ~~على كيفية. وربما كان حائدا عن الاعتدال قليلا إلى إحدى (1) الكيفيات، إما ~~إلى الحرارة، وإما إلى البرودة، وإما إلى الرطوبة، وإما إلى اليبوسة. فإذا ~~كان طبيعيا معتدلا لا تعلو منه كيفية على كيفية، قابلناه من الأغذية بما ~~لاءم مزاجه وشاكله وقواه، مثل الأغذية المعتدلة المزاج، البعيدة من الأطراف ~~بعدا متساويا، مثل الجدي الرضع والعجول الكذلك. ومنه ما يوصف بالتوسط ~~لشيئين، إما لأنه متوسط بين الحواشي والأطراف، وإن كان إلى أحدهما أميل ~~قليلا، مثل لحم الضأن، المائل إلى الحرارة قليلا، وإن كان معتدلا، وكشك ~~الشعير ولباب الخبز المغسول بالماء مرات، المائلين (2) إلى البرودة قليلا، ~~وإن كانا معتدلين. وإما لأنه مركب من شيئين مضادين في القوة، وقابل من كل ~~واحد منهما بقسطه، فهو معتدل بالإضافة إلى كل واحد منهما على الانفراد، مثل ~~الغذاء المركب من الشعير المطبوخ بالعدس، لأنه متوسط بين رخاوة الشعير ~~وليانته، وقحل العدس وصلابته. وكذلك الغذاء المتولد من العدس المطبوخ ~~بالسلق، فإنه معتدل محمود لتوسطه بين برودة العدس ويبسه، وحرارة السلق ~~وتليينه. # PageV00P179 # وإن كان مزاج الربيع حائدا عن الاعتدال إلى إحدى (1) الكيفيات، قابلناه ~~بضد الكيفية التي مال إليها، لبرده، إلى التوسط والاعتدال. مثال ذلك: أنه ~~إذا كان ميلانه إلى الحرارة قليلا، قابلناه بأغذية معتدلة مائلة إلى ~~البرودة قليلا، مثل لحم الدراج والحجل والفراريج والسمك الرضراضي وكشك ~~الشعير ولباب الخبز المغسول بالماء مرات (2). وإن كان انحرافه إلى البرودة ~~قليلا، قابلناه بأغذية معتدلة مائلة إلى الحرارة قليلا، مثل الحولي من ~~الضأن وما شاكله. وإن كان انحرافه إلى الرطوبة قليلا، قابلناه بما يجفف ~~الرطوبات وطيبنا الطعام بالمري والفلفل والزنجبيل والفوذنج وما شاكل ذلك. ~~وإن كان انحرافه إلى اليبوسة قليلا، قابلناه بما يرطب ويلين بمثل الرضيع من ~~الضأن والبقول المرطبة. # PageV00P180 # في ترتيب الأغذية وتقديم بعضها على بعض أجمع الأوائل على أن ما كان من ~~الأغذية سريع الانحدار سهل النفوذ في العروق، تقدم قبل كل طعام. ms192 وما كان ~~منها بطئ الانحدار عسير النفوذ في العروق، يصير آخر الطعام، لان الطعام ~~اللطيف السريع الانهضام إذا أخذ في آخر الطعام وتم هضمه وطلب الانحدار، ~~عاقه الطعام الغليظ الذي تقدمه، ومنعه عن الانحدار. وإذا لم ينحدر بعد ~~انهضامه، بقي طافيا عواما وحمي بحرارة بخار الطعام الغليظ الذي تحته وغلي ~~واستحال وفسد بسرعة. وإذا أخذ قبل الطعام وانهضم، لم يعقه عائق عن ~~الانحدار. # وكذلك، ما كان من الأغذية ملينا للبطن، يقدم قبل الطعام. وما كان حابسا ~~للبطن، يصير آخر الطعام. # وما كان من الأغذية لينا، يقدم قبل الطعام الصلب، لان ما لان من الطعام، ~~كان أسرع انهضاما. فإذا أخذ بعد طعام صلب وانهضم، عاقه الطعام الصلب من ~~الانحدار. وما كان من الأغذية ردئ الجوهر، يقدم قبل الطعام المحمود الجوهر، ~~لان الطعام المذموم الردئ الجوهر إذا أخذ آخر الطعام، أبطأ في المعدة، ~~واستحال بسرعة وفسد، وأفسد بفساده ما تقدمه من الطعام. # وما كان من الطعام ليس بالمحمود الجوهر، إلا أنه برئ من الرطوبة ~~واللزوجة، فليس ينبغي أن يؤخذ قبل الطعام ولا بعده، لكن في وسط الطعام. ~~وكذلك ما لم يكن غذاؤه بالردئ، ولم يكن فيه قوة تجلو ولا تسهل، فليس يجب أن ~~يؤخذ قبل الطعام ولا بعده، لكن في وسطه. # وما كان من الأغذية غير مطلق للبطن ولا حابس له، وإن كان غذاؤه ليس ~~بالردئ، وبخاصة متى كان فيه قوة من جلي، مثل اللوز، فمن الأفضل إذا كان ~~البطن يابسا أن يقدم قبل الطعام، وإذا كان البطن لينا أمكن أن يؤخذ قبل ~~الطعام وبعده. # تم الجزء الأول من كتاب الأغذية تأليف إسحاق بن سليمان الإسرائيلي ~~المنطقي PageV00P181 # .. PageV00P182 # كتاب الأغذية والأدوية تأليف إسحاق بن سليمان المعروف بالإسرائيلي ~~المتوفى سنة 320 ه‍ الجزء الثاني مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر ~~PageV00P183 # بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال ~~إسحاق بن سليمان: (وإذ قد) (1) أتينا في الجزء الأول من كتابنا هذا على ما ~~أردنا إيداعه (2) من الدلائل العامية الداخلة على أجناس ms193 الطعوم وأنواعها، ~~فقد بقي أن يستتم الكلام بالقول على كل واحد من أشخاص الأغذية على ~~الانفراد. ونخص هذا الجزء منه بالقول في الحبوب والفواكه. ونجعل ابتداء ~~كلامنا في الحنطة، إذ كانت العلة العنصرية (3) للغذاء. وليس قولنا في ~~الحنطة أنها علة عنصرية للغذاء (2) قولا يوجب لها دون غيرها من الحبوب ولا ~~لسلب غيرها (2) ما وصفناها به، لكنا خصصناها بذلك لأنها أغذي الحبوب ~~وأعدلها مزاجا، وأقربها من مزاج بدن الانسان، والله تعالى أعلم. # PageV00P184 # القول في الحنطة قال إسحاق: إن الغذاء لما كان يختلف في جوهريته إلى ~~الجودة والرداءة، وفى كميته إلى (1) القلة والكثرة، وفى كيفيته إلى الحرارة ~~والبرودة، والرطوبة واليبوسة، والصلابة والليانة، والكثافة والسخافة، وجب ~~(2) أن تختلف الحنطة أيضا كذلك، إذ كانت أخص الطعوم بتغذية بدن الانسان على ~~ما بينا وأوضحنا من مشاكلتها لمزاج الانسان بالطبع. ولهذا ما أجمع الحكماء ~~عليه، وأبرزهم في ذلك وأخصهم به فيثاغورس على أن (4) الحنطة تختلف في ~~جوهرية غذائها وكميته وكيفيته لوجوه خمسة: # أحدها: من جنسها. والثاني: من تربتها وأرضها التي تنبت فيها. والثالث ~~(5): من طبيعة بلدتها. # والرابع: من طبيعة الهواء الحاضر في مدة نباتها. والخامس من مدة لبثها ~~ومقدار زمانها وقربها من الحصاد، أو بعدها منه. # فأما اختلاف الحنطة من جنسها، فيكون على ضربين: لان منها ما هو مكتنز ~~ملزز (1)، شديد الصلابة، ثقيل الوزن، منيع المكسر، ظاهره شمعي صاف (2)، ~~وباطنه أبيض يلي الزرقة، مستوي السطح صقيل براق يكاد البصر ينفذه لصفائه ~~واستواء سطحه. ومنها ما هو رخو سخيف متخلخل خفيف الوزن سريع المكسر، باطنه ~~خالص البياض خشن السطح، مفرق الاجزاء، أنور للبصر مانع للنور من (3) النفوذ ~~فيها. # فما كان منها مكتنزا صلبا، شمعي اللون، ثقيل الوزن، منيع المكسر، أزرق ~~الداخل، كان دقيقه # PageV00P185 # ولبابه أكثر ونخالته وقشوره أقل. وما كان منه كذلك، كان لعمل دقيق السميذ ~~أفضل منه لعمل دقيق الخشكار (4)، وكان غذاؤه أكثر، وانحداره عن المعدة ~~أعسر، وانحلاله من الأعضاء أبعد. وذلك لبعد انقياده لفعل الطبيعة للزوجته ~~وعلوكته. ولهذا السبب صار غذاؤه لتقوية الأعضاء وشدتها، أفضل ms194 منه لحفظ ~~الصحة وثباتها، من قبل أن قوة الأعضاء تحتاج من الأغذية إلى ما كان لبثه ~~فيها أطول، وانحلاله منها أعسر، وانقياده للانفعال عند حاجة الطبيعة إلى ~~تحليله أبعد. وحفظ الصحة وثباتها يحتاج من الغذاء إلى ما كان لبثه في ~~الأعضاء أقل، وانحلاله منها أسهل، وانقياده للانفعال عند حاجة الطبيعة إلى ~~تحليله أسرع. # وما كان من الحنطة سخيفا متخلخلا خفيف الوزن، سريع المكسر، أبيض الداخل، ~~كانت نخالته وقشوره أكثر، ولبابه ودقيقه أقل. وما كان كذلك، كان لعمل دقيق ~~الخشكار أفضل منه لعمل دقيق السميذ، وكان غذاؤه للأبدان أقل، وانحداره عن ~~المعدة أسرع، وانحلاله من الأعضاء أسهل. وذلك لسرعة انقياده لفعل الطبيعة ~~لسخافته ورخاوته، ومن قبل ذلك صار فعله في حفظ الصحة وبقائها أكثر منه في ~~تقوية الأعضاء وشدتها، للأسباب التي قدمنا ذكرها من سرعة انقياده، لرخاوته ~~وكثرة نخالته وقلة لزوجته وعلوكته. # وأما اختلاف الحنطة بسبب تربتها وأرضها التي تنبت فيها، فيكون على ثلاثة ~~ضروب: وذلك أن من الأراضي ما هي عذبة علكة كثيرة الدسم والغذاء. ومنها ما ~~هي قحلة جافة قليلة الدسم والغذاء، إما من طبيعتها وجوهريتها، وإما لعارض ~~عرض لها من دغل (1) كان فيها وأحرق بالنار، فجففت النار رطوبتها، وأفنت ~~أكثر دسمها وعذوبتها، وأكسبتها قحلا وجفافا. ومنها ما قد كانت من طبيعتها ~~قحلة جافة، وأحرق دغل كان فيها بالنار، فازدادت بفعل النار فيها قحلا ~~وجفافا، واكتسبت بورقية وصارت في حد السباخ، وخرجت من حد ما ينتفع به أصلا. ~~فما كان من الحنطة نباته في أرض دسمة عذبة كثيرة الغذاء، كان أسمن وأدسم ~~وأشد اكتنازا وتلززا، وأثقل وزنا لأنها تغتذي بغذاء كثير الدسم والعذوبة. ~~وما كان من الحنطة كذلك، كان لبابه وجوهره أكثر، وقشره ونخالته أقل. وما ~~كان من الحنطة نباته في أرض قحلة جافة قليلة الدسم والعذوبة، وكان ذلك لها ~~من جوهريتها أو لعارض عرض لها من دغل كان فيها، فاحترق بالنار وكانت أقل ~~سمنا وأسخف جسما وأخف وزنا إذا كانت لا تكتسب من الغذاء إلا اليسير لقحل ~~أرضها ms195 وقلة دسمها. وأما الأرض التي هي في طبيعتها جافة قحلة ثم أحرقت ~~بالنار لدغل كان فيها وازدادت بفعل النار فيها، قحلا وجفافا، فإنها لا تكاد ~~أن تنبت شيئا. فإذا أنبتت كان ما ينبت فيها رقيقا يابسا كمونيا (1) يعرف ~~بالزوان لا لباب له ولا غذاء أصلا. لكنه خارج عن طبيعة الغذاء داخل في ~~طبيعة الأدوية السمية. ولذلك صار بالأبدان مضرا جدا. # PageV00P186 # وأما اختلاف الحنطة من قبل طبيعة بلدتها، فيكون على أربعة ضروب: لان من ~~البلدان ما هي في طبيعتها حارة يابسة جنوبية. ومنها ما هي في طبيعتها حارة ~~رطبة شرقية. ومنها ما هي في طبيعتها باردة يابسة شمالية. ومنها ما هي في ~~طبيعتها باردة رطبة غربية. فما كان من البلدان في طبيعته حارا يابسا ~~جنوبيا، كانت رطوبة حنطته المغذية لها قليلة يسيرة وحرارتها الغريزية ناقصة ~~ضعيفة، من قبل أن حرارة هواء البلد تنشف رطوبة الحنطة الجوهرية وتفني ~~أكثرها وتخلخل جسمها وتفتح مسامه وتحلل بعضها حرارتها الغريزية منها، ~~فتنتقص الحرارة الغريزية في باطنها، وتضعف عن هضم ما تحصل من غذائها، وتصير ~~الحنطة لذلك قحلة جافة صلبة قليلة الغذاء عسيرة الانهضام. وما كان من ~~البلدان في طبيعته حارا رطبا شرقيا، كان غذاء حنطته الذي يغتذى بها كثير ~~الرطوبة، لرطوبة هواء بلدتها. وما كان من الحنطة كذلك، ضعفت حرارته ~~الجوهرية عن هضم غذائه لكثرة الغذاء عليها، ونشفت حرارة الهواء بقوتها أكثر ~~رطوبة الحنطة الجوهرية، وصارت لذلك سخيفة خفيفة قليلة الجوهر واللباب. وما ~~كان من البلدان في طبيعته باردا رطبا، كان كثير الطل (١) والندى، وكانت ~~كثرة طله ونداه زائدة (٢) في الرطوبة المغذية للحنطة مع برد الهواء، استرخت ~~الحنطة ولانت ووصل برد الهواء إلى عمقها، وأخمد حرارتها الغريزية، وأضعفها ~~عن هضم ما حصل منها من الغذاء وعجزت حرارة الهواء عن كشف شئ من رطوبتها ~~لقوة بردها. وصار ذلك سببا وكيدا (٣) لسخافة الحنطة ورخاوتها وكثرة قشورها ~~ونخالتها وقلة جوهرها ولبابها. # وما كان من البلدان في طبيعته باردا يابسا جافا، كان كثير الثلج والجليد، ~~غليظ الهواء. وإذا غلظ ms196 الهواء عسر نفوذه في رطوبته وفى جسم الحنطة لغلظها، ~~وقل ما يصل إليها من الغذاء <و> استحصف ظاهر جسمها بقوة برد الهواء ~~ويبسه وانحصرت الحرارة الغريزية في باطن الحنطة، وقويت على طبخ غذائها على ~~ما ينبغي وخفته عليها. وصار ذلك سببا قويا لاكتناز الحنطة ورزانتها وكثرة ~~جوهرها ولبابها وقلة قشورها ونخالتها وحسن غذائها وجودة انهضامها. # وأما اختلاف الحنطة من قبل طبيعة الزمان الحاضر في مدة نباتها، فيكون على ~~ضروب: لان من الأزمنة ما يكون معتدلا شبيها بمزاج الربيع الطبيعي في اعتدال ~~حرارته ورطوبته. ومنها ما يكون في ابتداء أمره معتدلا ثم يتغير وينتقل إلى ~~فساد. فإن كان الزمان معتدلا، كانت الحنطة فيه على غاية الكمال والسمن ~~وكثرة الجوهر واللباب، وإن كان الزمان حائدا عن الاعتدال، لم تستكمل الحنطة ~~ولم تتم، وصار غذاؤها مذموما، ويستدل على ما يخلفها من الفساد وما يلحقها ~~من اختلاف هواء بلدتها. # وربما كانت الحنطة قد استكملت وتمت لاعتدال زمانها في الابتداء، ثم رشت ~~السماء بعد أن يكون الزمان قد سخن، فلانت الحنطة لذلك، وتمكن حر الهواء ~~منها وغاص في باطنها وجففت رطوبتها الجوهرية فتحشفت وضمرت بما نالها من ~~السموم. ولذلك يعرض لها إذا هبت عليها ريح عاصف حارة يابسة في وقت # PageV00P187 # القول في الحنطة الرطبة والحنطة المسلوقة بالماء أما الحنطة الرطبة ~~المعروفة بالستول، فإنها إذا أكلت، كان الغذاء المتولد عنها يسيرا نيا ~~بلغمانيا كثير النفخ والقراقر مضرا (1) بالجنبين سريع القبول للعفونة. ~~والدليل على ذلك، ما يتولد منه في البطن من الدود وحب القرع، فإن هي حمصت ~~أو شويت بالنار حتى يزول عنها أكثر رطوبتها الفضلية اللينة، ازداد غذاؤها، ~~ولطفت وقلت رياحها، وارتفعت عنها العفونة، وقويت على حبس البطن، إلا أن ~~انهضامها يكون عسيرا. # وأما الحنطة المسلوقة، فثقيلة جدا كثيرة النفخ والقراقر عسيرة الانهضام ~~والانحدار (2)، في غاية الغلظ واللزوجة، ولا سيما إذا كانت الحنطة علكة في ~~جنسها رزينة مكتنزة كثيرة اللباب قليلة النخالة، إلا أنها إذا انهضمت وجاد ~~استمراؤها، غذت البدن غذاء كثيرا قويا بعيد الانحلال من ms197 الأعضاء زائدا في ~~شدتها. ومن أجل ذلك وجب ألا يستعملها إلا الفلاحون وأمثالهم من أهل التعب ~~والرياضة. # ولجالينوس من هذه الحنطة المسلوقة خبر قال فيه: إني لم أكن أظن أنه ~~يستغنى بالحنطة المسلوقة عن الطعام ولا أنها تقع موقع الغذاء، ولا كنت أحسب ~~أنه يستقيم لاحد أن يستعملها عوضا من الخبز، حتى خرجت في بعض الأيام أنا ~~وفتيان من أترابي، فوجدت علوجا (3) يحتاجون إلى العشاء ولم يكن معهم خبز، ~~فأخذوا حنطة وسلقوها بالماء وجعلوا معها ملحا وطلبوا إلي وإلى من كان معي ~~لنأكل معهم، فأكلنا وأكثرنا منها، لأنا كنا جياعا حسرى (4) شاخصين من تعب. ~~فلما كان بعد قليل، حسسنا في # PageV00P188 # بطوننا بثقل شديد كأن فيها حجارة، فأقمنا إلى الغد ولا نستمره معدنا، ~~ومكثنا نهارنا أجمع لا نشتهي طعاما، ولا نقدر نذوق شيئا، وانتفخت بطوننا، ~~واعترانا صداع وظلمة في العين، ولم تسهل بطوننا ولا انحدر من الحنطة شئ. # فلما رأيت ذلك، علمت أن هذه علامة كل طعام غليظ عسير الانهضام بعيد ~~الانحلال. فسألت العلوج هل عرض لهم مثل الذي عرض لنا، فذكروا مثل ذلك ~~وزعموا أنهم أكلوا هذه الحنطة مرارا، ووجدوا ذلك في كل مرة يأكلونها. ~~فتيقنت أنه طعام غليظ بطئ الانهضام عسير الانحلال. فلما وقفت على ذلك فكرت ~~في دقيق الحنطة، فعلمت أنه متى استعمل من غير أن تحكم صنعته، كان ثقيلا بطئ ~~الانحدار عسير الانهضام. # ولذلك وجب أن لا يستعمل إلا بعد إحكام عجنه بخمير معتدل، وملح بقدر، ~~ويخمر تخميرا جيدا محكما، ثم يعجن ثانية ويعرك عركا جيدا، ويقرص ويصبر عليه ~~حتى يعود إلى الاختمار ثانية، ويخبز في تنور معتدل في الحرارة لتغوص قوة ~~النار إلى باطنه وتلطف غلظه وتخلخل جسمه وتكمل إنضاجه، لأنه إذا كان كذلك ~~جاد هضمه في المعدة وولد غذاء فاضلا محمودا سريع الانحدار والانهضام، وإن ~~كان ما لم يبالغ في عجنه وتخميره أكثر غذاء مما قدمنا ذكره، لبعد انحلاله ~~من الأعضاء، إلا أنه أغلظ وأبعد انهضاما وأعسر نفوذا في العروق. # ولجالينوس في هذا فصل قال ms198 فيه: إن ما لم يعجن من الخبز بخمير صالح وملح، ~~ويبالغ في عجنه وتخميره، كان أكثر غذاء مما قد عجن عجنا بليغا على غاية ~~الاحكام من الصنعة، إلا أنه أعسر انهضاما وأبطأ انحدارا. وما مضغ من الحنطة ~~وأكل، كان أكثر غذاء، إلا أنه في غاية الغلظ وبعد الانهضام والانحدار وكثرة ~~النفخ والقراقر، وتوليد الدود وحب القرع في البطن. وأما الدهن المستخرج من ~~الحنطة، فمخصوص بالنفع من القوباء إذا طلي عليها بعد أن تحك حتى تدمى بشئ ~~خشن قبل أن يطلى عليها الدهن. PageV00P189 # القول في الخبز وأما الخبز، فقد كنا بينا فيه آنفا أنه في طبيعته أسخن من ~~الحنطة التي يعمل منها. إلا أنه قد يختلف في جودة غذائه ورداءته من أربعة ~~وجوه: أحدها: من عنصره وهيولاه، أعني بذلك دقيقه. # والثاني: من صنعته وعمله. والثالث: من ناره التي يخبز فيها. والرابع: من ~~وجوه استعماله. # فأما الدقيق، فيختلف من ثلاثة أوجه: أحدها: من جوهره: والثاني: من طحنه. ~~والثالث: من مقدار مدته وبعده من الطحن أو قربه به. فأما جوهره الدقيق، ~~فينقسم في جنسه على قسمين متضادين: # لان منه العلك الكثير الجوهر واللباب، القليل القشر والنخالة. ومنه الرخو ~~الخفيف القليل الجوهر واللباب، الكثير القشر والنخالة. فما كان منه علكا ~~كثير الجوهر واللباب، كان غذاؤه أكثر وانحداره عن المعدة أبعد وانهضامه ~~أعسر. فأما كثرة غذائه، فلجهتين: إحداهما: أن الأعضاء تقبل <منه> ~~مقدارا أكثر لكثرة جوهره ولبابه. والثانية: بعد انحلاله من الأعضاء وطول ~~لبثه فيها لعلوكته ومتانته. وأما بعد انحداره عن المعاء فلجهتين: إحداهما: ~~أن الأعضاء لما كانت تقبل منه مقدارا أكثر، صار ما يبقى منه في المعاء لا ~~يثقلها ويمنعها عن حمله وإمساكه. ولذلك لا ترسله عنها بسرعة. والثانية: ~~لقلة ما فيه من القشر والنخالة، لم يكن معه من الجلاء ما يزعج المعاء ~~ويهيجها إلى دفعه وإخراجه عنها. # ولروفس في هذا فصل قال فيه: إن الخبز كلما كان نقيا، كان غذاؤه أكثر ~~وانحداره أعسر وانهضامه أبعد. وكلما كان نخاليا، كان غذاؤه أقل وانحداره ~~أسرع ms199 وانهضامه أسهل. وما كان من الدقيق خفيفا رخوا قليل الجوهر واللباب، ~~كثير القشر والنخالة، كان غذاؤه أقل وانحداره عن المعدة أقرب وانهضامه ~~أسرع. فأما قلة غذائه، فلجهتين: إحداهما: قلة ما يصل إلى الأعضاء من جوهره ~~لكثرة نخالته وقشوره. والثانية: قلة لبثه في الأعضاء لسرعة انحلاله منها ~~لسخافته وخفته وقلة علوكته. وأمل سهولة انحداره من المعاء، فلأضداد الجهتين ~~اللتين ذكرناهما. والنوع الأول: أعني أنه لما كانت الأعضاء لا تقبل من ~~غذائه إلا اليسير، كان ما يجتمع منه في المعاء مقدارا أكثر. ولذلك يثقلها ~~ويمنعها من حبسه وإمساكه، فترسله عنها بسرعة. ولما كان فيه من القشرة ~~والنخالة مقدارا أكثر، كان فيه من قوة الجلاء ما PageV00P190 # يزعج المعاء ويهيجها إلى إخراجه بسرعة. وكل واحد من هذين النوعين من ~~الدقيق قد يعرض له اختلاف كثير من وجوه أربعة: وذلك أن منه ما تنزع نخالته ~~ودقيقه، ويبقى جوهره ولبابه، وهو المعروف بدقيق السميذ. ومنه ما لا ينزع ~~منه إلا نخالته فقط، ويبقى دقيقه ولبابه، وهو المعروف بالحواري (١). # ومنه ما لا ينزع منه شئ أصلا، وهو المعروف بخبز الخشكار والأوائل تسميه ~~الدقيق الحنطي أي حنطة خاصة محضة لم يميز من أجزائها شئ. ومنه ما قد نزع ~~لبابه الذي هو السميذ فقط، وبقيت نخالته ودقيقه، وهو المعروف بالدقيق ~~النخالي لغلبة النخالة عليه. # وأما النوعان (٢) الأول والرابع: أعني السميذ والنخالي، فهما في غاية ~~التضاد والمنافية، من قبل أن السميذي أكثر أنواع الدقيق جوهرا، وغذاؤه ~~أبعدها انحدارا وانهضاما. والنخالي بخلاف ذلك وضده، لأنه أقل أنواع الدقيق ~~جوهرا وأسرعها انحدارا وانهضاما. وأما النوعان (٢) الثاني والثالث: أعني ~~الحوارى والحنطي، فمتوسطان بين النوعين الأولين اللذين قدمنا ذكرهما. إلا ~~أن الحوارى أقرب إلى السميذ لقلة نخالته وكثرة لبابه، والخشكار أقرب إلى ~~النخالي لكثرة نخالته وقلة لبابه. # وأما اختلاف الدقيق من قبل طحنه، فيكون على ضربين: وذلك أن منه ما يبالغ ~~في طحنه، ويستقصى <في> تنقيته من نخالته. ومنه ما لا يبالغ في طحنه ~~ولا في تنقية نخالته. فأما الأول منها: فإن أجزاءه كلها ms200 تصير كشئ واحد. ~~ولذلك صار تغييره في المعدة أسهل ونفوذه في العروق أسرع وتغذيته للأعضاء ~~أكثر وانحلاله منها أبعد. إلا أنه لسرعة نفوذه في العروق، صار ما يبقى منه ~~في المعاء مقدارا أقل، ولذلك يبطئ في انحداره منها. وأما الثاني: فإن في ~~أجزائه اختلاف كثير لان بعضه يكون خاسئا صلبا لم ينطحن على ما ينبغي، وبعضه ~~خشنا لم يبالغ في طحنه الغاية القصوى، وبعضه لينا ناعما قد بولغ في طحنه ~~الغاية القصوى، فهو لما في بعض أجزائه من الصلابة والجفاء، يعسر انحلاله ~~وتغييره في المعدة، لأنه يحتاج إلى مدة يلبث فيها قبل <أن> تبتل ~~أجزاؤه الصلبة وتلين. # ويستدل على ذلك من الشاهد، لأنا متى أنقعناه في الماء خارجا، لم تنحل ~~أجزاؤه الصلبة غاية الانحلال، لكنها تبقى متحببة. ومن قبل ذلك صار عسير ~~النفوذ في العروق المسماة ماساريقا. ولهذه الجهة قل ما يصل إلى الأعضاء من ~~جوهر غذائه، وصار ما يجتمع منه في المعاء أكثر، ولذلك يثقلها ويؤذيها ~~ويهيجها إلى إخراجه بسرعة. # وأما اختلاف الدقيق من مدته وزمانه، فيكون على ثلاثة ضروب: وذلك أن منه ~~القريب العهد بالطحن، ومنه البعيد العهد، ومنه المتوسط بين ذلك. فما كان ~~منه قريب العهد بالطحن، كان أكثر إسخانا للأبدان وأعون على حبس البطن، لان ~~فيه نارية مكتسبة من حركة الحجر، بها يسخن المعدة ويجفف رطوبة الثفل ويمنعه ~~من الانحدار بسرعة. وما كان منه بعيد العهد بالطحن، كان أقل إسخانا # PageV00P191 # للأبدان وأسرع انحدارا من المعدة والمعاء، من قبل أن القوة النارية ~~<التي> كان بها يسخن ويجفف، قد خلقت (1) وضعفت لبعد عهده بحركة ~~الحجر. وما كان منه متوسطا بين هاتين المرتبتين، كان أخذ (2) من الحاشيتين ~~بقسطه، إلا أنه كلما قصرت مدته وقربت من وقت الطحن، كان أكثر لاسخانه ~~وتجفيفه، وأبعد لانحداره. وكلما طالت مدته وبعدت من وقت الطحن، كان أقل ~~لاسخانه وتجفيفه وأسرع لانحداره. # وأما اختلاف الخبز من قبل صنعته، فيكون على ضربين: أحدهما: من مقدار ~~الخبز وشكله وإحكام صنعته وإتقان (3) عمله. فأما مقدار الخبز فيكون على ms201 ~~ثلاثة ضروب: لان منه ما يكون عظيما ثخينا، ومنه ما يكون لطيفا رقيقا، ومنه ~~ما يكون متوسطا بين هذين الحدين. # فما كان منه عظيما ثخينا، كان لبابه أكثر وأرطب، وقشره أرق وأصلب، من قبل ~~أنه يحتاج إلى أن يلبث في النار مدة أطول قبل تمام نضجه لثخنه وعظم مقداره. ~~ولذلك تتمكن النار من ظاهره وقشره لمباشرتها له وتجفف رطوبته ويصير لبه ~~قريبا من طبيعة القمح المقلو قبل أن يستبين فعلها في باطنه ولبابه. وما كان ~~من الخبز كذلك كان قشره قليل الغذاء عسير الانحدار والانهضام، مجففا لرطوبة ~~الثفل حابسا للبطن، من قبل أنه يحتاج إلى رطوبة تبله وتلينه، فيفتقر إلى ~~رطوبة المعدة ورطوبة الغذاء جميعا، وينشفها ويجففها فيجف لذلك الثفل ويمتنع ~~من الانحدار بسرعة، ويصير ذلك سببا وكيدا لحبس الطبيعة. ولهذه الأسباب قلت ~~رياحه ونفحه وصار إذا انهضم وصل إلى الأعضاء وطال لبثه وبعد انحلاله منها، ~~وكان زائدا في قوتها وشدتها. وأما لباب هذا الضرب من الخبز، فهو في الجملة ~~غليظ كثير الرطوبة، إلا أنه يكون على ضربين: وذلك أن منه ما لم تتمكن النار ~~منه، ولم تفعل في جملة أجزائه فعلا متساويا، لكنها أنضجت بعضها وبقي بعضها ~~نيا في غاية الغلظ والفجاجة. فصار لذلك غذاؤه مذموما مولدا للبلغم اللزج. ~~ومنه ما تمكنت النار منه وعملت في جملة أجزائه وأنضجتها، غير أنها لم تتمكن ~~منها تمكنا يتهيأ معه تلطيف لزوجته وغلظه، فصار بالإضافة إلى ما لم تفعل في ~~أجزائه فعلا متساويا، أكثر غذاء وأسرع انهضاما وأعون على تليين البطن ~~وبخاصة متى كان الدقيق الذي عمل منه الخبز نخاليا، وأكل الخبز وهو حار عند ~~خروجه من التنور. # وما كان من الخبز رقيقا صغيرا، فغير محتاج إلى أن يلبث في النار إلى أن ~~يجف قشره قبل تمام نضجه، لان النار تصل إلى جميع أجزائه وتفعل فيها من قرب ~~وتنشف رطوبة اللباب ولزوجته. ولذلك صار اللباب من هذا الضرب من الخبز أقل ~~وأجف، وقشره أثخن وألين، لان النار قد تمكنت من باطنه وفعلت ms202 فيه كفعلها في ~~ظاهره من تجفيف رطوبته وتلطيف لزوجته. ولذلك قلت فضوله، وصار غذاؤه أقل ~~وانحداره أبعد، ومعونته على حبس البطن أزيد، ولا سيما إذا كان باردا قد مضى ~~له يوم أو يومان أو أكثر من ذلك. # PageV00P192 # وللفاضل أبقراط في هذا فصل قال فيه: إن ما كان من الخبز أثخن وأعظم قدرا، ~~كان لبابه أكثر وغذاؤه أزيد وانحداره عن المعدة أبعد، ومعونته على تليين ~~البطن أقرب. وما كان من الخبز أرق وأصغر، كان لبابه أقل وغذاؤه أيسر ~~وانحداره عن المعدة أسرع ومعونته على حبس البطن أسهل. # وما كان من الخبز متوسطا بين هاتين الخلتين، كان أخذ من الحاشيتين بقسطه، ~~وصار على غاية التوسط والاعتدال، وإن كان ذلك قد يزيد فيه وينقص على حسب ~~قربه من إحدى (١) الحاشيتين دون الأخرى، أو توسطه بينهما على الحقيقة. # وأما صنعة الخبز، فتكون على أربعة ضروب: لان منه ما تحكم صنعته وعمله ~~ويجعل فيه من الخمير والملح مقدار الواجب، ويبالغ في عجنه وعركه وتخميره، ~~ويخبز بنار لينة معتدلة، ويفعل فيها بتمهل حتى ينضج تاما كاملا. ومنه ما لا ~~يجعل فيه من الخمير والملح إلا أيسر <من> ذلك، ويقصر في عجنه وعركه ~~وتخميره، ولا ينضج أيضا نضجا كاملا. ومنه ما قد جعل فيه من الخمير والملح ~~ما يجاوز المقدار في الكثرة. ومنه الفطير المحض الذي لا يجعل فيه من الخمير ~~والملح شئ (٢) أصلا. # فما كان منه معتدل (٣) الخمير والملح، وقد أحكم صنعته في عجنه وعركه ~~وتخميره وحسن إنضاجه بنار معتدلة قد بعدت حرارتها في كل أجزائه بالسواء، ~~كان انهضامه في المعدة على غاية ما يكون من الجودة. وما كان ما يتولد منه ~~في البدن من أوفق الأشياء للأفعال التي بها يتم الاغتذاء. وما كان كذلك كان ~~محمودا جدا موافقا لأصحاب الدعة والسكون من المتملكين، ولمن قد ضعف ~~استمراؤه من المشايخ والناقهين من الأمراض، من قبل أن الصنعة خارجا قد كفت ~~الطبيعة مؤونة التعب فيه باطنا. وأما أهل الرياضة والتعب، فهو قليل ~~الموافقة لهم (٤)، للطافته وسرعة انحلاله ms203 من أعضائهم. ولذلك صار متى أدمن ~~عليه أحد منهم، انحلت قواه وضعفت أعضاؤه ونقص لحمه من قرب، من <قبل> ~~أن التعب وإدمان الحركة يحمي الأعضاء ويذيب ما فيها من الرطوبة المغذية ~~لها، ويحللها بالبخار والعرق. فإذا كان الغذاء لطيفا انحل بسرعة وخلت ~~الأعضاء منه وضعفت ونقصت قواها ولحمها. وإذا كان الغذاء منيعا غليظا، قاوم ~~الحرارة المتولدة عن الحركة ولم ينقاد (5) لها ولم ينحل بسرعة. ولذلك احتاج ~~أهل هذا الشأن إلى ما كان من الغذاء أغلظ وأصلب وأبعد انحلالا من الأعضاء، ~~وإلا قطعته الحرارة وأذابته وأفنته قبل أن تستتم الأعضاء حاجتها منه. # وما كان من الخبز قليل الخمير والملح، ولم يبالغ في عجنه وتخميره وإنضاجه ~~غاية الاحكام، وكان فيه من اللزوجة والغلظ ما يقارب لزوجة الحنطة المسلوقة ~~وغلظها، وإن كان دونها في ذلك قليلا لما قد داخله من يسير الخمير والملح ~~والتخمير. ولذلك صارت رياحه أقل ونفخه أيسر. إلا أنه لقربه من # PageV00P193 # المشاكلة للحنطة المسلوقة في اللزوجة والغلظ قليلا، صار انهضامه أعسر من ~~انهضام الخبز المحكم الصنعة وانحداره أبطأ وانحلاله من الأعضاء أبعد ولبثه ~~فيها أطول. ولذلك صار أكثر موافقة لأصحاب الرياضة والتعب لقوة هضمهم وزيادة ~~حرارتهم. وأما أصحاب الدعة والسكون من المتملكين ومن قد ضعف هضمه من ~~المشايخ والناقهين من الأمراض، فإنه غير موافق لهم، من قبل أن حرارة من هذه ~~حاله، تضعف عن هضم ما غلظ من الطعام وبعد انهضامه. وإن استعمل أحد ممن هذه ~~حاله شيئا من الخبز القليل الخمير والتخمير وأدمن عليه، لم يأمن أن يتولد ~~في بدنه مع طول الأيام، خلط ني قريب من البلغم اللزج المعروف بالخام. # وما كان من الخبز قد أكثر فيه من الخمير والملح ما جاوز المقدار، فإنه لا ~~يغذو البدن ولا يقوته أصلا، من قبل أن قوة الملح إذا أفرطت، جففت رطوبة ~~الغذاء وصيرته قحلا. ومن البين أن الهضم لا يتم إلا باجتماع الحرارة ~~والرطوبة على ما بينا مرارا. # ولجالينوس في هذا قول قال فيه: ومن الناس من يجعل في الخبز ms204 من الملح ~~والخمير أكثر مما ينبغي، هربا من سدة يحدثها به في المجاري والمنافذ، لان ~~الملح من شأنه أن يلطف الغليظ ويفيد الخبز يبوسة وجفافا. والخمير يفيد ~~الخبز انتفاخا وخفة ويذهب بثقله ورزانته. والدليل على انتفاخه (1) أن ~~الانسان إذا أكثر ماءه في وقت عجنه، ثم أدخله النار، ظهرت فيه نفاخات ~~كثيرة. والدليل على خفته أن الانسان إذا وزنه بعد خبزه له وجده أخف من ~~الخبز الذي هو أقل خميرا منه. وكذلك صار قليل الغذاء جدا. # وأما ما كان من الخبز لم يجعل فيه خمير أصلا، ولم يوفى حقه من الملح، ولم ~~تحكم صنعته في تخميره وإنضاجه، فإنه أقل أنواع الخبز غذاء وأسرعها انهضاما ~~وأخصها بتوليد السدد والرياح. وذلك لان فيه من الغلظ واللزوجة ما ليس ~~باليسير. ولذلك صار غذاؤه قريبا من غذاء الحنطة الطرية الرطبة اللينة التي ~~لم تجف على نباتها، وإن كان ما سخن من الحنطة الرطبة قليلا، لاكتسابه ~~الحرارة من النار، إلا أنه لقربه من الحنطة الرطبة، صار مولدا للخلط الغليظ ~~البارد المعروف بالخام، وإن كان البلغم أيضا باردا نيا، فإن بينهما فرقانا ~~من قبل أن البلغم ليس بغليظ لان فيه رطوبة طبيعية تشمله وترخيه. # وأما الخلط المعروف بالخام، فإن غلظه شبيه بغلظ الرسوب الذي يرسب في ~~البول الشبيه بالمدة (2)، إلا أن بينه وبين المدة فرقانا (3) أيضا، لان ~~المدة أكثر لزوجة وأنتن رائحة. فأما ما قدمنا ذكره في الفطير الخالص، صار ~~غير موافق لاحد من الناس، وإن كان كثير (4) من الحصادين والفلاحين قد # PageV00P194 # يأكلونه فيستمرئونه. وسبب استمرائهم له يكون من ثلاثة أوجه: أحدها: ما ~~يعرض لهم من ثقل النوم وكثرته لكثرة التعب وتفتح أعضائهم. وإذا كان النوم ~~أثقل وأطول، كان الانهضام أقوى وأبلغ. والثاني: # ما جرت به عادتهم من استعمال هذا النوع من الغذاء، مع قلة ما يتناولون ~~منه. والثالث: قوة تخليل أبدانهم وكثرة ما يبرز منها بالبخار والعرق، لدوام ~~تعبهم نهارهم أجمع. ولذلك يحتملون من الغذاء ما هو أغلظ وأبعد انهضاما، لان ~~غذاءهم لو كان لطيفا مع ms205 دوام تعبهم، لتخلل من أعضائهم بسرعة، ووجب من ذلك ~~أحد الامرين: إما أن تذب أعضاؤهم (١) وتنحل، وإما أن تفتقر إلى أن تستلب ~~الدم من العروق، وتضطر العروق إلى أن تسلب رطوبة الطعام من معاء ~~الماساريقا، إلى أن تحجم المعدة وتسلب الغذاء منها قبل إحكام نضجه. وربما ~~كان كذلك قبل <أن> يبتدئ فيه النضج أصلا، وبخاصة متى كان تعبهم بعد ~~أخذهم للطعام، <فإنهم> يقعون بأخذه في أمراض صعبة يهلكون منها قبل ~~الشيخوخة. # ولهذا السبب احتاجت أعضاؤهم إلى أغذية غليظة لزجة عسيرة الانهضام، بعيدة ~~الانحلال من أعضائهم، لطول لبثها فيها، وتقوى لمقاومة التعب القوي. والله ~~تعالى أعلم. # PageV00P195 # القول في الخمير أما الخمير، فإن قوته لطيفة لان فيه حرارة يسيرة. وذلك ~~أنه مركب من قوى مثل أن (١) فيه برودة لحموضته، وحرارة من قبل عفونته، مع ~~ما فيه من الحرارة <و> المكتسبة من الدقيق والملح. ولذلك صارت له ~~لطافة يجذب بها من عموم البدن، وينضج الأورام من غير تلذيع ولا أذى. وإذا ~~عجن بالزيت والملح، وحمل على الدماميل أنضجها وفتح أفواهها. # PageV00P196 # في النار التي يخبز فيها الخبز أما النار التي يخبز فيها الخبز، فتختلف ~~من جهتين: إحداهما: من ذاتها، والأخرى: من الأدوات التي تستعمل فيها. # فأما اختلافها من ذاتها فيكون على ثلاثة ضروب: وذلك أن منها ما يكون ~~عظيما قويا جدا. ومنها ما يكون ضعيفا لينا. ومنها ما يكون متوسطا بين ذلك. ~~فما كان منها عظيما قويا، كان من شأنه أن يجفف ظاهر الخبز ويصلبه عند ~~مباشرته له حتى تقارب به الاحتراق، ويبقى باطن الخبز نيا غير نضيج لامتناع ~~وصول النار إلى باطنه بسرعة، لصلابة القشر وكثافته. ولذلك تجتمع في الخبز ~~خلتان مذمومتان: # إحداهما: صلابة القشر وبعد انحلاله وذوبانه وخروجه عن حد ما يغتذى به ~~لقربه إلى الاحتراق. # والثانية: لزوجة اللباب وغلظه وبعد انهضامه. فهو للجهتين جميعا عسير ~~الانهضام جدا، بطئ النفوذ في العروق، يولد خلطا مختلفا لأنه لصلابة ظاهره ~~وقربه من الاحتراق يولد دما جافا قحلا، ويعين على حبس البطن، وللزوجة لبابه ~~يولد ms206 خلطا نيا من جنس الخام، ويعين على إطلاق البطن. # وأما النار الضعيفة فإنها بقلتها وضعف فعلها، تعجز عن النفوذ في باطن ~~الخبز، فلا يمكن فيها أن تنضجه نضجا كاملا إلا بعد مدة طويلة. فإذا خرج من ~~النار قبل تمام نضجه، كان لزجا لازوقا لا يصلح إلا لمن كان قوي الاستمراء ~~كثير الرياضة دائم الحركة. فإن صبر عليه حتى ينضج، كان يابسا جافا بطئ ~~الانهضام حابسا للبطن إلا أن يدق وينقع في الماء وقتا طويلا، ثم يغسل ~~بالماء مرات حتى يعتدل ويلطف. # وأما النار المتوسطة بين هذين الحدين، فإنها لاعتدال حرارتها، تغوص في ~~باطن الخبز وتنفذ في أجزائه نفوذا مساويا وتنضجه على مهل نضجا كاملا. وما ~~كان كذلك، كان غذاؤه أحمد وانهضامه أسرع ونفوذه في العروق أسهل وأحكم. ~~ولذلك صار موافقا لمن قلت رياضته وكثر سكونه من المتملكين ومن ضعف هضمه من ~~المشايخ والناقهين من الأمراض. PageV00P197 # وأما الأدوات (1) التي تستعمل فيها النار فتكون على ثلاثة ضروب: أحدها: ~~التنور، والثاني: # الفرن، والثالث: الطابق (2). فأما نار التنور فتكون على ضربين: لان منها ~~ما يفعل بالمباشرة، ومنها ما يفعل بغير مباشرة. فأما الذي يفعل بغير ~~مباشرة، فمثل نار التنور الذي يوقد وقودا جيدا، وتترك فيه قدور فخار لطاف ~~حتى تحمى ثم تشال من التنور ويجعل فيها الخبز وترد إلى التنور حتى ينضج ~~الخبز حسنا. # وما كان كذلك، كان أفضل الخبز وأحمده وأعدله غذاء وأسرعه انهضاما، لان ~~النار قد نفذت في جميع أجزائه نفوذا متساويا، وفعلت فيها فعلا معتدلا محكما ~~ولطفت لزوجة الخبز وغلظه، لأنها لم تباشره فيفعل في ظاهره أكثر من فعلها في ~~باطنه. لكنها فعلت من بعد قليلا قليلا وأنضجته نضجا كاملا. وإن كان العجين ~~مع ذلك معتدل الخمير والملح محكم الصنعة في عجنه وعركه وتخميره، وكان مع ~~ذلك لينا رخوا وخبز على مثال ما وصفنا في قدور في جوف تنور، كان ألطف وأفضل ~~لغذائه وأسرع لانهضامه، لان النار تلطف اللبث في إنضاجه للينه ورخاوته ~~وزيادة رطوبته، فتبالغ في تلطيف غلظه ولزوجته وتخليل ms207 رياحه ونفحه. # وإن جعل عوض الماء الذي يعجن به العجين، ماء قد مرس فيه دقيق وصفي، كان ~~أكثره لغذائه وأسرع لنفوذه في العروق. وأما كثرة غذائه فلما يفيده من ~~الدقيق ويزيد فيه من جوهر الحنطة الذي انحل من الدقيق في الماء الذي مرس ~~فيه، وذلك أن الذي يخالطه الماء من الدقيق إذا مرس فيه، أفضل ما في الدقيق ~~وأكثره جوهرا وغذاء. وأما نفوذه في العروق، فلما يكتسب من ماء الدقيق من ~~العذوبة واللذاذة وكثرة الجلي. وذلك أن الذي يخالط الماء من الدقيق أيضا ~~أعذب ما فيه وأكثره لذاذة وجلاء. فلعذوبته ولذاذته تقبله الأعضاء وتجذبه ~~إليها بسرعة، ولجلائه يسرع نفوذه في العروق. # وإن جعل فيه عوض ماء الدقيق ماء نخال ممروس في ماء حار مصفى، أفاد ذلك ~~جلاء وتنقية لما في الصدر والرئة من الرطوبة اللزجة، ونقي المعدة والمعاء، ~~وأعان على سرعة الانحدار وتليين البطن. # وذلك لما في النخال من قوة الجلاء لزيادة سخونته. # وأما ما تفعل من النيران من المباشرة، فنار التنور الذي يلزق الخبز في ~~باطنه. فإن النار تباشر الخبز وتفعل في ظاهره من قرب، وتجففه قبل أن تتمكن ~~من باطنه، وتلطف لزوجته وغلظه. ولذلك صار هذا النوع الأول في اللطافة ~~والغذاء وسرعة الانهضام، وذلك أن بينهما من المخالفة ما ليس باليسير ~~لجهتين: إحداهما: أن النار لما كانت تفعل في هذا النوع بالمباشرة، لم يطل ~~اللبث في فعلها فيه، فيمكن أن تتمكن من تلطيف غلظه ولزوجته وتخليل رياحه ~~ونفخه كتمكنها في النوع الأول من قرب بسرعة، وفعلها في النوع الأول من بعد ~~بتمهل. والجهة الثانية: أنه لما كانت النار تباشر العجين وتفعل فيه من قرب، ~~صار فعلها في ظاهره أكثر من فعلها في باطنه، لان مباشرتها لظاهره أسبق، ~~وفعلها فيه # PageV00P198 # أشد. وإن لم يمكن ذلك بالكثير لضعف نار التنور ولبثها. ولذلك صار غذاء ~~القشر من هذا الخبز مخالفا لغذاء اللب، وإن كان ذلك لا يظهر حسا لعلة ما ~~بينهما من المباعدة. # وأما نار الفرن، فتكون أيضا على ضربين: لان ms208 منها ما يكون من ظاهره ~~الفرني، ومنها ما يكون من باطنه. فأما ما يكون منها ظاهر الفرن، فمثل نار ~~الأفران التي بمصر المعروفة بالطابون، فإن الخبز يكون من باطن الطابون، ~~والنار من ظاهره يطيف بها ويحتوي عليها. وما كان من النار كذلك، كان خبزه ~~قريبا من الخبز الذي يخبز في قدور داخل التنور، إلا أن ذلك أفضل لان التنور ~~أفتح وأفسح، والطابون أضيق وأعم وأحقن للبخار. # وأما النار التي في باطن الفرن، فإن خبزها قريب من الخبز الذي يلصق في ~~التنور، إلا أنه دونه في الفضل وجودة الغذاء أكثر، وذلك لعظم نار الفرن ~~وقوة تأثيرها. ولذلك صار فعلها في ظاهر الخبز أكثر من فعل نار التنور ~~كثيرا. والدليل على ذلك ما نشاهده من حمرة قشر خبز الفرن ورقته واكتنازه ~~وليانة لبه ورطوبته، وما يظهر من سخافة قشر خبز التنور وثخنه وليانته وجفاف ~~لبه وقلة رطوبته. فقد دلت الشواهد على أن خبز التنور أفضل وأغذى وأحمد غذاء ~~وأسرع انهضاما، لان رطوبة لباب خبز الفرن تدل على لزوجته وغلظه، واكتناز ~~قشره يدل على صلابته وبعد انحلاله. # وأما الخبز المعمول على الطابق، فإنه أردأ من خبز الفرن كثيرا، من قبل أن ~~حرارة النار إنما تباشر سطحه الذي على الطابق فقط. فالحرارة إذا إنما تصل ~~إليه من جهة واحدة والهواء يحيط به من الجهة الأخرى. فالنار إنما تفعل فيه ~~من الجهة التي تباشره منها، والجهة الأخرى فإن النار لا تصل إليها وصولا ~~يتهيأ معه تلطيف غلظها ولزوجتها، ولا تخليل رياحها ونفخها، ولا تستكمل ~~إنضاجها أصلا. # ولذلك صار هذا الضرب من الخبز مذموما جدا كثير اللزوجة والغلظ، قليل ~~الغذاء بطئ الانهضام مولدا (1) للرطوبات النية والرياح الغليظة. ولهذا صار ~~كثيرا ما يحدث على طول الأيام انزمام (2) في الجنبين ونفخ في البطن وثقل في ~~سائر الأعضاء وبخاصة في أبدان المترفين وكثيري (3) الدعة والسكون. # وأردأ من ذلك الخبز الذي يخبز على الجمر والرماد المعروف بالملة، لان ~~الضرر فيه بين جدا من جهتين: إحداهما: أن النار تباشر ظاهره من ms209 كل جهة ~~مباشرة قوية من أقرب قرب من غير حاجز ولا وسط. فهي لذلك تجفف رطوبة ظاهره ~~بسرعة في أقرب وقت، وتكثفه وتصلبه قبل أن تفعل في باطنه إلا فعلا يسيرا ~~نزرا (4) فتحتقن بخارات اللباب في باطنه وتبقى على غاية الغلظ واللزوجة ~~وكثرة الرياح والنفخ. والثانية: ما يخالط الخبز من رماد الجمر وترابه لان ~~الجمر لما كان مباشرا للخبز من غير حاجز # PageV00P199 # ولا وسط، لم يكن بد مما يخالطه من رماده مقدار ليس باليسير ولا سيما متى ~~كان الجمر رخوا سريع الاحتراق لأنه إذا كان كذلك، كانت رماديته أكثر وما ~~يخلو الخبز منه على حسب ذلك. فظاهر الخبز إذا، لما يكتسبه من حدة الرماد ~~وإفراط يبسه، يصير له قوة لذاعة مضرة بفم المعدة لما يحدث فيه من القبض ~~والجفاف والتشنج، ولما في لبابه من الغلظ واللزوجة وكثرة الرياح والنفخ، ~~يحدث عنه في البدن دائما رطوبات نية غليظة من جنس الخام ورياح نافخة وثقل ~~في سائر الأعضاء وغشاوة على البصر. ولهذا صار (1) أردأ الخبز وأضره ~~للأبدان. # وأما اختلاف الخبز من قبل استعماله، فيكون على أربعة ضروب: وذلك أن من ~~الخبز ما يستعمل حارا عند خروجه من المخبز. ومنه ما يستعمل باردا إلا أنه ~~ليومه. ومنه ما يستعمل بعد يبسه وجفافه. # فما استعمل منه حارا كما يخرج من المخبز، كان أكثر غذاء وأسرع انهضاما ~~ونفوذا في العروق. # وذلك للينه وسرعة انحلاله، إلا أنه بعيد الانحدار عن المعدة والمعاء ~~بالعرض لا بالطبع. أما بعد انحداره عن المعدة، فلانه يطفو ويعوم ولا يهبط ~~ويستقر في قعر المعدة بسرعة لخفته. وأما بعد انحداره عن المعاء، فلانه ~~لسرعة نفوذه لا يبقى منه في المعاء مقدار ما يثقلها ويهيجها إلى إخراجه ~~بسرعة. وإنما نسبنا بعد انحداره إلى العرض، لان من شأنه في طبيعته أن يلين ~~الثفل ويرطبه ويعين على انحداره. # فأما ما يستعمل من الخبز ليومه قبل أن يتمكن البرد منه وينفذ إلى باطنه، ~~فهو أقل غذاء وأسرع انهضاما، وأبعد انحدارا وخروجا من قبل أن ظاهر الخبز ms210 ~~إذا برد وتكاثفت مسامه وبطأت الحرارة في عمقه، فلا بد من أن تنحل من باطنه ~~بخارات تتحرك نحو سطح الخبز صغارا، فإذا انتهت إلى سطح الخبز ووافقت مسامه ~~متكاثفة منسدة، حال ذلك بينهما وبين الخروج وانعكست راجعة إلى داخل. فإذا ~~رجعت وافت بخارا آخر قد تخلل وتحرك صعدا نحو سطح الخبز وتراجعت معه، حتى ~~إذا صارت نحو سطح الخبز أيضا، حال بينهما وبين الخروج تكاثف المسام ~~وانسدادها، وتراجعت إلى داخل منعكسة ووافت بخارا آخر متصاعدا، فتصاعدت معه ~~أيضا، وكان حكمها حكم الأول، فلا يزال ذلك البخار يتردد مرة إلى داخل إذا ~~منعها تكاثف مسام السطح من الخروج، ومرة إلى خارج إذا وافت بخارا متصاعدا ~~يردها حتى يحدث عن تلك الحركات الدائمة لزوجة وغلظ ورياح نافخة وفضول ~~كثيرة، ذلك لاصطكاك البخارات بعضها ببعض وصعودها وهبوطها. فإذا حدث مثل ذلك ~~في الخبز عسر انهضامه جدا من جهتين: إحداهما: أنه لغلظه ولزوجته لا يبتل ~~بسرعة لان الماء لا ينفذه ولا يداخله. والثانية: # إنه لرياحه النافخة يمنع جرم المعدة من ملامسته والاحتواء عليه. ولذلك ~~ثقل غذاؤه وانفسد. # وأما ما مضى له يوم أو يومان، وشمل البرد ظاهره وباطنه، فإن الغذاء ~~المتولد عنه محمود # PageV00P200 # فاضل (1) بالإضافة إلى الخبز الحار أقل وألطف وأسرع انحلالا وأبعد نفوذا ~~في العروق. فأما سرعة انحداره عن المعاء، فإن ذلك إنما يقع له بالعرض من ~~قبل أن نفوذه في العروق لما كان أبعد، كان ما يجتمع منه في المعاء مقدارا ~~أكثر فيشقى ويضطرها إلى تخليته بسرعة، وقد يستعمل لباب هذا النوع من الخبز ~~على ضربين: وذلك أن من الناس من يستخرجه من قشره ويتركه حتى ينشف الهواء ~~أكثر رطوبته الفضلية، ويفركه وينزله من المنخل الشغر ويغسله بالماء مرات ~~حتى يصفو اللباب ويبلغ غاية انتفاخه وتزول عند لزوجته وغلظه ورياحه ~~النافخة، ويشربه بما أحب من الأشربة أو بسكر طبرزد (2)، ومنهم من يحله في ~~الماء ويشربه من غير إنقاع ولا غسل. والضرب الأول منهما أقل غذاء وأفضل لان ~~الدم المتولد عنه دم محمود ms211 مبرد (3) للأبدان مرطب لها بعيد من توليد السدد، ~~من قبل أن رياحه ولزوجته قد زالت عنه في إنقاعه وغسله، واكتسب رطوبة ~~وبرودة، وانتقل من ثقل الأرضية وغلظها إلى لطافة الهوائية وخفتها. # والدليل على ذلك: أن يطفو ويعوم في الماء ولا يرسب،، وبخاسة متى كان من ~~حنطة رخوة لم تستقصى نخالتها. # ولذلك أجمعت الأوائل على أن كل غذاء يتخذ من الحنطة يفيد البدن سخونة خلا ~~اللباب الجاف المغسول بالماء مرات، فإنه يفيد البدن برودة ورطوبة. ولذلك ~~صير جالينوس قوته قريبة من قوة النشاستج (4). # قال إسحاق: إن جالينوس إنما صير قوة هذا اللباب قريبة (5) من قوة ~~النشاستج في التبريد فقط، لا في الغلظ واللطافة لان بينهما في ذلك فرقا ~~بينا، من قبل أن اللباب في طبيعته لطيف رطب (6) سريع الانهضام. والنشاستج ~~في طبيعته جاف لازوق (7) بطئ الانهضام. وأما اللباب المستعمل من غير إنقاع ~~ولا غسل، فإن فيه نفخا وقراقر وتوليد.. # (8) إلا أن ذلك فيه أقل منه في الخبز الذي يشتمل عليه البرد على ظاهره ~~وباطنه، لان ذلك أغلظ وأعسر انهضاما وأكثر رياحا ونفخا. # وأما الخبز اليابس الجاف، فإن فيه هشاشة وسخافة لعدمه الرطوبة أصلا. ~~ولذلك صار منشفا لرطوبات المعدة وقتا طويلا قبل أن ينحل ويعمل فيه الهضم. ~~ولهذا أيضا صار مولدا للعطش مجففا لرطوبة الثفل، حابسا للبطن، وذلك لجهتين: ~~إحداهما: كثرة ما يحتاج من الرطوبة ليبتل بها، والثانية: # PageV00P201 # نشفه لرطوبة المعدة إلا أن يحتال له من خارج بحيلة يكتسب بها رطوبة ~~وليانة مثل أن ينقع في الماء وقتا طويلا حتى يبتل جيدا ويغسل بالماء مرات ~~كثيرة، فيكفي الطبيعة مؤونة التعب فيه باطنا، ويجود هضمه ويولد غذاء ~~محمودا. # وقد يختلف الخبز في طبيعته وغذائه على حسب ما يداخله ويخلط معه من ~~الأبازير وغيرها. # وذلك أن من الخبز ما ينثر عليه السمسم، ومنه ما ينثر عليه الكمون ~~والرازيانج والانيسون (1). ومنه ما ينثر عليه الشونيز (2)، ومنه ما ينثر ~~عليه الخشخاش. فما ينثر عليه السمسم، كان عسير الانهضام للزوجة السمسم ~~ودهنيته إلا أنه إذا انهضم كان ms212 غذاؤه كثيرا. وما نثر عليه الكمون جفف ~~تجفيفا باعتدال وقوة، ومنع من النفخ والقراقر وخلل الرياح. وكذلك يفعل ~~الرازيانج والانيسون، غير أن الرازيانج والانيسون أذكى رائحة وأعطر وأطيب ~~طعما وألذ. ولذلك صارت الطبيعة تقبل منهما ما لا تقبله من غيرهما. ولهذه ~~الجهة صار فعلهما أقوى وأظهر تأثيرا وأكثر تخليلا للرياح وإخراجها بالجشاء، ~~وأما الخبز الذي ينثر عليه الشونيز، فإنه يجفف تجفيفا قويا ويفني الرطوبات. ~~والخبز الذي ينثر عليه الخشخاش يجلب النوم ويزيد في اللبن ولا سيما إذا كان ~~معه بزر رازيانج. # PageV00P202 # فيما يعين على هضم الطعام الغليظ البطئ الانهضام ومما يعين على هضم ~~الأغذية الغليظة اللزجة، أن يتعب صاحبها قبل استعمالها تعبا معتدلا، ثم ~~يغسل بدنه بعد ذلك من وسخ العرق بماء بارد إن كان الزمان صيفا أو قريبا من ~~مزاج الصيف، أو بماء حار إن كان الزمان شتاء أو قريبا من مزاج الشتاء، ثم ~~يستريح قليلا قليلا ويتناول من الغذاء بقدر، ويتحرك برفق حركة يسيرة على ~~أشياء لينة تنخفض من تحت قدميه ويبطئان لينحدر الطعام إلى قعر المعدة، ولا ~~يتحرك على أشياء يابسة صلبة، فينزع الطعام ويهيجه إلى الخروج من المعدة قبل ~~تمام هضمه، ثم ينام على جانبه الأيسر ليسخن بالنوم عليه وتعتدل حرارته مع ~~حرارة الجانب الأيمن، لجاجة الجانب الأيسر إلى ذلك لضعف حرارته بالطبع، ~~لمجاورته الطحال الذي هو مسكن المرة السوداء. # وأما الجانب الأيمن، فلمجاورته للكبد والمرارة، صار أسخن بالطبع. ولذلك ~~استغنى عن اكتساب حرارة بحيلة أو بتدبير. فإن كان الأسهل عليه الاستلقاء ~~على الظهر فلا بأس لان الحرارة عند النوم على الظهر تنتشر في الجانبين ~~جميعا، وإن كان النوم على الجانب الأيسر أفضل، من قبل أن الحرارة وإن كانت ~~عند النوم على الظهر تنتشر في الجانبين جميعا، فإنها تكون في الجانب الأيمن ~~أقوى لزيادة حرارته على الجانب الأيسر بالطبع. PageV00P203 # القول فيما يتخذ من الحنطة بعد الخبز قد يتخذ من الحنطة ضروب كثيرة نغتذي ~~بها مثل الهريسة والقطايف والأخبطة وما شاكل ذلك مما لا يجب إغفاله وترك ms213 ~~الكلام فيه والإبانة (1) عنه. وأنا أذكر من ذلك قولا كليا دالا على فعلها ~~وانفعالها في الجملة، قبل الكلام في كل واحد منها على الانفراد. # فأقول: إن جميع هذه الأغذية التي قدمنا ذكرها وما شاكلها، فإنها في ~~الجملة تولد خلطا غليظا لزجا بطئ الانهضام مولدا (2) للسدد في مجاري الغذاء ~~وجداول الكبد مغلظا للطحال وبخاصة متى وافى الطحال في نفسه ضعيفا، ومولدا ~~(2) للحصى والحجارة في الكلى ولا سيما إذا وافى في الكلى حرارة عرضية زائدة ~~خارجة عن الطباع، واتفق أن تكون مجاري الكلى ضيقة بالطبع. فإن لم تستعمل ~~شيئا من هذه الأغذية بالغسل، صارت قوته مركبة مختلفة، لما في الغسل من قوة ~~الجلي والتلطيف لكل ما لقي. # ولهذه الجهة صار كل ما زيد في غسل هذه الأطعمة وأحكم إنضاجها، كان أقل ~~لابطائها وأسرع لانحدارها، وولدت دما متوسطا بين الغلظ واللطافة، وقل ~~إضرارها للكبد والطحال إذا وافتهما صحيحتين لا سدد فيهما. فأما إن وافت سدة ~~فيهما قد تقدمت، أو كان فيهما حبسا، لم يكن إضرارها بهما دون إضرارها إذا ~~كانت بغير غسل. بل ربما كانت مضرتها إذا كانت معها الغسل أكثر كثيرا، لان ~~الأعضاء لالتذاذها بالغسل، تقبل منها أكثر من مقدار القوة على هضمه، فيكون ~~ذلك سببا لعظم البلية وأعظم لضررها إذا اتخذت من دقيق علك لازوق كثير (3) ~~اللزوجة فليل النخالة لأنه (4) يلزق بأفواه العروق الدقائق ويسدها، ويمنع ~~من نفوذ الغذاء فيها. # وإذا صار إلى مثل هذه الحال، لم يكن بد من أن يحس الانسان في العضو الذي ~~نالته الآفة # PageV00P204 # بثقل يعسر برءه، ويفتقر إلى معونة الأدوية الملطفة للفضول المفتحة للسدد ~~والأغذية. ولذلك وكثير ما يعرض من هذه الأغذية التي قدمنا ذكرها الأوجاع ~~التي تعرض للرجلين واليدين المعروفة بالنقرس (1) إذا كانت اليدان والرجلان ~~ضعيفة بالطبع سريعة القبول للمواد المنصبة إليها. # وإذا أتينا على فعل هذه الأغذية وانفعالها في الجملة، فلنذكر الآن ما ~~يختص كل واحد منها وينفرد به دون غيره. ونصير ابتداء كلامنا في القول في ~~الهريسة إذ كانت أغذاها وأكثرها ملاءمة للطباع، ms214 وبالله تعالى توفيقنا. # PageV00P205 # القول في الهريسة أما الهريسة فإنها في طبيعتها غليظة بطيئة الانهضام. ~~فإذا انهضمت ولدت دما يقرب من الرطوبة واللزوجة، وغذت غذاء كثيرا لأنها ~~معمولة من نوعين فاضلين ملائمين لطبيعة الانسان وهما: الحنطة واللحم. ولذلك ~~صارت أفضل ما يستعمل من الحنطة بعد الخبز المحكم الصنعة. ولهذه الجهة صارت ~~موافقة لمن نقص لحمه ونحف بدنه وجف، واحتاج إلى زيادة في لحمه بعد أن يكون ~~سليما من الحمى، وإن كانت غير ضارة بالناقهين من الأمراض إذا كان هضمهم ~~قويا ومعدهم نقية من الفضول. # وكذلك أصحاب الحميات المتطاولة، فإنها غير ضارة بهم إذا أخذوا منها بقدر، ~~ولم يكن بهم عفونة ولا برد. فإن كان بهم عفونة أو برد كانت من أضر الأشياء ~~بهم. # ومن أفضل ما يستعان به على تلطيف غلظها وسرعة انحدارها وسرعة انهضامها، ~~اتخاذها من حنطة بيضاء خفيفة رخوة قليلة اللباب مع صدور الدجاج والفراريج ~~ولحومها وأجنحتها وأجنحة الإوز بعد أن ينعم طبخها ويطاول لبثها على النار، ~~وتشاط دائما وتحرك الحين بعد الحين بعود شبت (1)، ويلقى زيتها وملحها في ~~أول طبخها، وتؤكل بالمري والفلفل والدارصيني (2) وشئ من زنجبيل. فإن ألقي ~~فيها شئ من عسل، أزال عنها أكثر لزوجتها وأحدث فيها سرعة انهضام وزاد في ~~جليها وقل إضرارها بالكبد والطحال، إلا أن يكون قد تقدم فيهما سدة قبل ذلك. ~~وإن كان ذلك، لم يكن إضرار الهريسة بالعسل دون إضرارها بغير عسل. وإن أمكن ~~تزبيب الحنطة وهي طرية في سنبلها بالفوذنج النهري والنعنع، كان أقل لغلظها ~~وأسرع لانهضامها. وقد ينبغي أن نحذر استعمالها بشئ من السمن أو اللبن، فإن ~~ذلك مما يزيد في غلظها ولزوجتها وبعد انهضامها وبخاصة السمن لعدمه مائية ~~اللبن التي في الزبد. # PageV00P206 # القول في الإطرية أما الإطرية فغليظة لزجة بطيئة الانهضام والانحدار، ~~تعقل البطن وتسد مجاري الكبد وتغلظ الطحال الضعيف، وتولد الحجارة في الكلى ~~والمثانة لأنها معمولة من عجين فطير، وكل عجين لا يكون فيه خمير ولا ملح ~~ولا يخمر تخميرا محكما (١) ويخبز في نار معتدلة، فليس سريع ms215 الانهضام، إلا ~~أنها إذا انهضمت وصارت إلى الدم، غذت غذاء كثيرا لغلظ الدم المتولد منها، ~~ولزوجته. وإذا طبخت اكتسبت رطوبة من الماء وصار مزاجها حارا رطبا، إلا أن ~~رطوبتها أكثر من حرارتها. ولذلك صارت (٢) ملينة للصدر نافعة من السعال ~~وأوجاع الرئة المتولدة عن الحرارة واليبوسة. وإذا طبخت مع الرجلة والبقلة ~~اليمانية أو القطف والقرع، نفعت من نفث الدم. وقد يستعملها الأصحاء كثيرا ~~بدهن اللوز أو بالزيت الانفاق والملح والفلفل ولحوم الدجاج، فيكون انهضامها ~~وانحدارها أسرع منها إذا اتخذت باللحم وحده، لان جميع ما ذكرنا زائد (٣) في ~~انحدارها. وينبغي لآكلها، إذا سلم من السعال ونفث الدم، <أن> يتناول ~~بعقبها النعنع والصعتر والفوذنج ويشرب عليها نبيذا مصرفا (4) أو عسلا ~~مطبوخا بالأفاوي العطرية، أو يأكل زنجبيلا مربى. # PageV00P207 # القول في السميذ والجشيش المطبوخين أما السميذ والجشيش (1) فإنهما إذا ~~طبخا باللبن، ولدا (2) دما محمودا حسنا كثير التغذية من غير إضرار، إلا أن ~~يدمن استعمالهما، فيولدا سدة في الكبد وغلظا في الطحال وحجارة في الكلى ~~والمثانة، ولا سيما متى وافت مزاج الكلى حارا، إما بالطبع وإما بالعرض، من ~~قبل أن كل مزاج حار إذا وافى رطوبة لزجة، فلا بد للحرارة مما تطبخ اللزوجة ~~وتحجرها، وبخاصة متى كانت مجاري الكلى ضيقة بالطبع، لان الغذاء اللزج يبطئ ~~فيها لغلظه ويولد سددا. ولذلك تتمكن الحرارة منه وتحجره. ومما ينتفع به هي ~~(3) النخالة إلى مثل هذه الحال مخالفة لمزاج الحار أصلا. وينبغي أن نعلم أن ~~هذه الأطعمة، أعني السميذ والجشيش حسنة الغذاء جدا، تولد دما محمودا إلا أن ~~يدمن استعمالها. # PageV00P208 # القول في الأخبصة وغيرها مما يتخذ من الدقيق والعسل والزيت أو غيره من ~~الادهان أما جميع الأخبصة وسائر ما يتخذ من الدقيق والعسل والدهن، فعسيرة ~~الانهضام جدا، بعيدة الانحدار، سريعة الاستحالة إلى الفساد في المعدة، تولد ~~دما غليظا وسددا في مجاري الكبد وغلظا في الطحال وحجارة في الكلى والمثانة. ~~فأما بعد انحدارها وعسر انهضامها، فلان الدقيق والزيت إذا اجتمعا كانا ~~عسيري الانهضام بالطبع، لان الدقيق في نفسه غليظ علك (1)، فإذا ms216 مازجته ~~الدهنية واللزوجية، وعملت حرارة النار فيه، ازداد غلظا وعسر انهضامه جدا. # وأما العسل فإنه، وإن كان سريع الانحدار لجلائه وتنقيته، فإنه (2) إذا ~~طبخ زال عنه أكثر ذلك لما يكتسبه من النار من الجفاف والغلظ. ولذلك وجب أن ~~تتغير أفعال هذه الطعوم بحسب اختلاف طبيعتها، من قبل أنها إذا طبخت طبخا ~~بليغا حتى ينضج الدقيق نضجا تاما يلطف غلظه وتزول عنه أكثر علوكته، فسد ~~الزيت والعسل، وزال عن العسل لطافته وجلاؤه، وإن لم يبالغ في الطبخ بقي ~~الدقيق نيا كثير العلوكة واللزوجة. وأعظم هذه الأطعمة ضررا ما يتخذ منها ~~بدقيق قوي (3) اللزوجة قليل النخالة لأنه أعون على توليد السدد لالتزاقه ~~بأفواه العروق الدقاق. ولذلك صارت هذه الأطعمة من أخص الأشياء بالاضرار ~~للكبد والطحال والكلى. وأما الصدر والرئة فغير مضرة بهما. # PageV00P209 # القول في القطايف أما القطايف فكثيرة اللزوجة جدا مضرة بالكبد والطحال ~~والكلى، لأنها تولد في عروقها سددا، وتسد المنافس التي ينفذ منها الغذاء من ~~المعاء إلى الكبد. فإذا انهضمت ولدت غذاء بلغمانيا من جنس الخام، إلا أنها ~~إذا استعملت بالعسل، دفع بعض ضررها لجلائه وتلطيفه. PageV00P210 # القول في الزلابية أما الزلابية فنوعان: أحدهما يسمى باليونانية ليارابا، ~~والآخر هو المسمى بالزلابية على الحقيقة، ومزاجهما جميعا بطيئا الانهضام، ~~مضران بالكبد والطحال والكلى إضرارا قويا، وذلك لجهتين: # إحداهما: غلظ الزيت ولزوجته وبخاصة إذا كان مقلوا. والثانية: لزوجة ~~الدقيق وعلوكته وبخاصة إذا قلي في الزيت لأنه يزداد غلظا، ويصير بمنزلة ~~الجلود التي قد نالها الماء. ولذلك صار مولدا في بطون المدمنين عليه بلغما ~~غليظا منعقدا ويسد أفواه العروق والمنافذ التي ينفذ فيها الغذاء إلى الكبد ~~حتى أنه كثيرا ما يعرض من ذلك في المعاء أمراض يعسر برؤها جدا، بل لا تزول ~~ولا تتحرك حين يضطر أصحابها إلى النفوذ بالأدوية الملطفة للفضول والأغذية ~~والأشربة الكذلك. ومن أفضل ما استعين به على تلطيف غلظها، اتخاذها من حنطة ~~بيضاء رخوة خفيفة الوزن كثيرة النخالة قليلة اللباب. وتستعمل بالعسل لان ~~العسل يلطف ما يلقاه من الفضول. فإذا استعمل الزلابية ms217 بالعسل، تولد بينهما ~~قوة مركبة من لطافة العسل وغلظ الدقيق والزيت، وقل إضرارها بالكبد والطحال ~~والكلى، إلا أن يكون قد تقدم في هذه الأعضاء سدة أو غلظ قبل ذلك، لأنه إن ~~كان قد نفذ من ذلك، لم يكن إضرار الزلابية مع العسل، بدون (1) إضرارها إذا ~~أخذت بغير عسل، بل يكون إضرارها بالعسل أكثر كثيرا. من قبل أن حاسة الأعضاء ~~تستلذها لعذوبة العسل وتجتذب منها مقدارا أكثر من لطافة فعل العسل في ~~تلطيفه وقوة الطبيعة على هضمه. وذلك أن فعل العسل في تلطيفه وقوة غلظ ~~الأغذية مع غير الزلابية أقوى وأكثر منه مع الزلابية، لما يخالطه من غلظ ~~الدقيق المقلو بالزيت. وأردأ ما يستعمل من الدقيق المقلو بالزيت على ما ~~بينا وأوضحنا. # PageV00P211 # القول في النشاستج أما النشاستج (1) فهو في طبيعته بارد يابس. والدليل ~~على برودته حموضته اليسيرة التي فيه. # والدليل على يبسه هشاشة جرمه وسخافته وسرعة تفتيته. إلا أنه غليظ بطئ ~~الانحدار على المعدة والمعاء، قليل الاستمراء. فإذا انهضم ولد دما ليس ~~بالردئ. والغذاء المتولد عنه لزج لازوق. ولذلك صار ملينا للمواضع الخشنة من ~~الصدر والرئة مغر لما فيهما من السحوج (2) وملينا (3) للطبيعة تليينا ~~معتدلا، وإن كان دون الحنطة المهروسة المطبوخة، لان الحنطة المطبوخة أكثر ~~تليينا للطبيعة وأغذى للبدن. وما ينال البدن من غذاء النشاستج بالإضافة إلى ~~غذاء الحنطة يسير جدا حتى أنه أقل غذاء من اللباب المغسول بالماء، وذلك ~~لجهتين: إحداهما: أن ليس في النشاستج من اللذاذة ما في الخبز المغسول، ~~والأخرى (4): أن اللباب أكثر رطوبة بالطبع، ولما يكتسب من رطوبة الماء، وإن ~~كان النشاستج أيضا إذا طبخ بالماء أكسبه الماء رطوبته. # وقد يتخذ النشاستج على ضروب من الصنعة فيحدث له أفاعيل كثيرة لصنوف من ~~العلل. وذلك أن منه ما يتخذ مفردا مطبوخا بالسكر واللوز المقشر من قشرته، ~~ومنه ما يتخذ مع العدس، ومنه ما يتخذ مع السميذ. وأما المستعمل منه مفردا ~~مطبوخا بالسكر واللوز، فهو المعروف النافع من السعال اليابس والرطوبات ~~الرقيقة المائية المنحدرة من الرأس إلى الصدر والرئة، ms218 وذلك لجهتين: ~~إحداهما: أنه بلزوجته يغلظ الرطوبة المنحدرة من الرأس حتى يمكن الهواء أن ~~يحملها ويخرجها بالنفث بسهولة، والثانية (5): # أن يغري منافس الصدر والرئة ومسامها حتى يلزق الرطوبة ويتبرأ منها ويحرق ~~الهواء وينحدر منه إن كانت رقيقة سيالة، أو يعوم على الهواء، أو يخرج ~~بالنفث بسرعة، إن كان قد اكتسب من غلظ النشاستج ما # PageV00P212 # يمكن الهواء أن يحملها ويخرجها بالنفث. # ومن الواجب على من أراد استعمال هذا الحسو المعروف بالحريرة أن يثبت في ~~طبخه، ويحذر استعماله قبل تمام نضجه ولا سيما إذا كان معمولا من حنطة زرقاء ~~رزينة صلبة كثيرة اللباب قليلة القشر والنخالة، لأنه كثيرا ما يغر صانعه ~~حتى يتوهم أنه قد نضج وهو بعد لم يستكمل نضجه، فيصير للمستعمل له مضرة بينة ~~جدا، من قبل أنه إذا لم يكمل هضمه خارجا ويلطف، لم يقبل الهضم في المعدة ~~باطنا لغلظه وكثرة لزوجته. فمن أراد إحكام عمله وإتقان صنعته وإزالة غلظه، ~~فليلقي (1) على كل أوقية منه أربعين أوقية ماء عذب ويذيبه فيه حسنا، ويصفيه ~~ويحمله على نار لينة، ويطبخه حتى يصير بمنزلة الشمع المذاب، ثم يلقي فيه ~~شيئا (2) من ملح مسحوق ويحركه حتى يذوب الملح ويصفيه ويستعمل بلوز مقشر من ~~قشره وسكر. فإذا كان قصد المستعمل التبريد أكثر من الجلي، جعل السكر الذي ~~يستعمله معه سكر طبرزد. وإن كان قصده للجلي أكثر، جعل السكر سكرا سليمانيا ~~أو فانيدا أو عسلا منزوع الرغوة. فإن احتاج أن يلقي فيه شيئا من زيت أو ~~غيره من الادهان الموافقة لمزاج المستعمل له، وللغل (3) التي يقصد تبريدها، ~~لم يضر ذلك ولم يمتنع من سرعة نضجه. إلا أنه يجب أن يلقي فيه من أول طبخه ~~لينضج مع نضجه كاملا. # وأما ما يتخذ بالعدس فنافع من الاسهال المري وسحوج الأمعاء ونفث الدم إذا ~~عمل هذا المثال: يؤخذ من العدس المقشر من قشره جزء واحد ويغسل بالماء مرات ~~ويعرك (4) في الماء كل مرة عركا بليغا حتى يزول عنه وسخه وتبيض رغوته ويقل ~~زبده، ثم يصير في قدر نظيفة ms219 ويلقى عليه عشرة أمثال ماء عذب، ويجعل على نار ~~جمر لينة. ويؤخذ من النشاستج جزء يسير ويلقى عليه مثل وزنه أربعين مرة ماء ~~عذب ويداف (5) فيه جيدا ويصفى ويحمل بماء حار ويلقى على النشاستج، ويطبخ ~~الجميع حتى يصير بمنزلة الشمع المداف، ثم يلقى عليهما شئ من ملح مسحوق ~~ويحرك حتى يذوب الملح ويصفى. ويستعمل في نفث الدم والاسهال المري وسحوج ~~المعاء وقروحها. وأما ما يستعمل منه مع السميذ، فيغذو غذاء حسنا، ويزيد في ~~اللحم ويلين الأعضاء ويولد دما مركبا من قوتين ممتزجتين، حرارة السميذ ~~وبرودة النشاستج. إلا أنه يجب على كل من كان في كبده أو طحاله أو كلاه سدة ~~أو دمل أن يتوقى الاكثار منه، لأنه مخصوص بالزيادة في ذلك لغلظ السميذ ~~ولزوجة النشاستج. # ولذلك صار كثيرا ما يورث المدمنين عليه دملا في الكلى وحصى في المثانة ~~وبخاصة إذا وافى حرارة الكلى زائدة، إما طبعا من البنية وإما عرضا مكتسبا. ~~وقد ينفع النشاستج أيضا من سيلان المواد المنحل إلى العينين، ومن القروح ~~العارضة فيها إذا خلط مع أدوية العين النافعة في مثل ذلك. # PageV00P213 # القول في الشيلم وهو الزوان الشيلم: هو قمح مضروب ينبت بين القمح في ~~السنين الجدبة الفاسدة الهواء القليلة المطر. # ولذلك صارت له قوة حارة سمية تقرب من الأدوية الحادة الحريفة. ولذلك صار ~~يهوس (1) ويسكر ويفعل فعل أصول السوس، وإن كان فعله في ذلك أقوى لان ليس ~~فيه لطافة أصل السوس. فإذا استعمل على سبيل الدواء، خلط معه سويق (2) ومر ~~وكندر (3) وزعفران، وتبخر به النساء لفتح أرحامهن وجلب الحبل. # وإذا طبخ بكبريت في غير محرق ولا مطبوخ، وعجن بخل، نفع من القوابن (4) ~~الرديئة والبرص. وإذا استخرج دهنه وطلي على القوابن، كان فعله أقوى من فعل ~~دهن الحنطة السليمة التامة. وإذا طبخ بشراب وزبل حمام وبزر كتان، حلل ~~الأورام والخنازير (5) - وفى نسخة أخرى بدل زبل الحمام زبل الحمار - وإذا ~~طبخ مع قشر الفجل وحمل على القروح الخبيثة نقى عفونتها. # PageV00P214 # القول في الخندروس وهو الذي يعمل منه سويق السلت ms220 قال جالينوس في تفسيره ~~لكتاب (أفيديميا) (1): أن الخندروس هو شعير رومي. وقال في كتاب (العقاقير ~~البسيطة): أنه حب مزاجه شبيه (4) بمزاج الحنطة. وغذاؤه شبيه (2) بغذائها في ~~الجودة، إلا أنه أشد لزوجة منها. ولذلك صار غذاؤه أكثر، وتغريته للصدر ~~أزيد، ومقاومته لحموضة الخل وملوحة ماء البحر وما شاكلهما من الأشياء ~~المجففة تجفيفا قويا وإبطاله لفعلها، أقوى وأشد. # PageV00P215 # القول في الشعير أما الشعير فبارد يابس في الدرجة الأولى، له لطافة ~~وتخليل مع جلاء يسير، إلا أنه يجفف تجفيفا أكثر من تجفيف الباقلي بيسير. ~~ولذلك صار غذاؤه أحمد من غذاء الباقلي في خلة واحدة لأنه معرى من توليد ~~النفخ إذا أحكم صنعته وإنضاجه. والباقلى فليس كذلك لأنه لزيادة رطوبته، صار ~~توليده للنفخ خاصة فيه غير مفارقة (2) له ولا زائلة عنه كيف كان طبخه وعلى ~~أي وجه كان استعماله، لان جوهره أغلظ من جوهر الشعير وأكثر رطوبة. ولذلك ~~صار غذاؤه أكثر من غذاء الشعير بالعرض لا بالطبع، من قبل أنه لغلظه وبعد ~~انحلاله من الأعضاء، يقوم لها مقام الكثير من الغذاء. # والشعير، فجوهره وغذاؤه، وإن كان أكثر من جوهر الباقلي وغذائه، فإنه ~~للطافته (2) وسرعة انحلاله من الأعضاء، يقوم لها مقام اليسير من الغذاء، ~~لان الأعضاء تخلو منه بسرعة لقلة لبثه فيها، فيفتقر إلى غذاء غيره من قرب. ~~ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن الغذاء المتولد من الشعير دون الغذاء ~~المتولد عن الحنطة والأرز. وأما روفس فقال: إن الحنطة والشعير أغذي الحبوب ~~وأحمدها دما، إلا أن الحنطة أغذي من الشعير وأقوى وأبعد انهضاما، والشعير ~~أقل غذاء وألطف وأسرع انهضاما لقلة لزوجته وعلوكته وكثرة نخالته وقشوره. # ولعل ظانا يظن أن بين القولين اختلاف في المعنى، كما بينهما اختلاف في ~~القول. والامر ليس كذلك، لان غرضهما جميعا واحد، واتفاقهما على معنى واحد. ~~غير أن جالينوس تكلم من حيث ما هو لها بالعرض، وروفس من حيث ما هو لها ~~بالجوهر والطبع. وذلك أنا إذا أضفنا غذاء الأرز والشعير إلى ما هو لهما ~~بالعرض، وجدنا الأرز أكثر غذاء ms221 لغلظه وطول لبثه في الأعضاء وبعد انحلاله ~~منها، ولطافة الشعير وسرعة انهضامه وقلة لبثه في الأعضاء وقرب انحلاله ~~منها. وذلك أن في الشعير قوة يجلو بها، ويلطف ويخلل. ويستدل على ذلك من ~~عذوبته وقلة لزوجته وكثرة قشره ونخالته. وقد بينا مرارا أن # PageV00P216 # النخال أسخن بالطبع وأكثر تخليلا وأقوى جلاء، والدقيق أقل إسخانا (1) ~~وأكثر غذاء، ذلك لجفاف النخال واستحصافه ولزوجة الدقيق وعلوكته. ولهذا صار ~~الشعير إذا طبخ بقشره كان أكثر جلاء وإطلاقا للبطن وأقل تبريدا وتغذية. ~~وإذا طبخ بغير قشره، كان أكثر تبريدا وتغذية وأقل جلاء وإطلاقا للبطن ~~ولجالينوس في الشعير والباقلى (2) قول قال فيهما على سبيل الدواء: إن ~~الشعير والباقلى لما كانا قليلي الانحراف عن المزاج المعتدل، صار أكثر ~~الناس يستعملهما (3) في أشياء كثيرة على سبيل الدواء، كاستعمال الشمع ~~والدهن، من قبل أن الأغذية التي سبيلها سبيل الشعير والباقلي تخلط كثيرا مع ~~الأغذية كما يخلط الشمع والدهن في المراهم والضمادات. # وقد ينقسم الشعير في جوهره وغذائه على ثلاثة ضروب، من قبل أن أنواعه ~~ثلاثة: لان منه نوع مكتنز رزين أسمر حسن السطح، إذا قشرته وجدت له كثافة ~~وتلززا (4) دالا على كثرة لبابه وجوهره وقلة قشره ونخالته وبعد انهضامه. ~~ويدل على ذلك بعد انتفاخه في الماء إذا طبخ. ومنه نوع آخر أبيض ممتلئ خفيف ~~أملس السطح ممتد القشر، إذا قشرته رأيت فيه تخلخلا وسخافة تدل على قلة ~~لبابه ولزوجته وكثرة نخالته وسرعة انهضامه. ويدل على ذلك أيضا سرعة انتفاخه ~~في الماء إذا طبخ فيه. ومنه نوع ثالث دقيق ضامر، له سطح حسن منسنج قليل ~~البياض جدا، دال على أنه لم يستكمل نضجه على نباته. ولذلك شبهه الأوائل ~~بالزوان من القمح. ولهذه الخصلة صار مذموما جدا لا يصلح لشئ من التغذية. ~~ويدل على ذلك أنه لا يفتقع (5) في الماء إذا طبخ ولا يزيد أصلا. # والأول من هذه الأنواع أفضل لعمل الخبز، لان فيما يداخله من الخمير ~~والملح، وما يلحقه من إحكام الصنعة في عجنه وعركه وتخميره وإنضاجه بنار ~~معتدلة، ما يزيل عنه ms222 أكثر لزوجته وغلظه ويكسبه جودة غذاء وسرعة انهضام. ~~وأما النوع الثاني الأبيض السمين الأملس السطح الممتد القشر، فإنه أفضل ~~لعمل الحسو وأحمد، لأنه لسخافته وتخلخله، يداخله الماء بسرعة ويربو وينتفخ ~~فيه إذا طبخ، فتزول عنه لزوجته وغلظه. ولذلك قال الفاضل أبقراط: إن أفضل ~~الشعير لعمل الكشك، ما كان أبيض ممتد، أملس السطح، ممتد القشر سخيف الجسم ~~كثير التخلخل ذكي الرائحة، متوسط بين القديم والحديث، لان الحديث فيه رطوبة ~~فضلية زائدة في لزوجته مانعة من انتفاخه وانحلاله في الماء إذا طبخ به، لان ~~الماء لا يداخله لغلظه ورطوبته الجوهرية، وصيره قحلا جافا عسير الانتفاخ ~~والانحلال في الماء إذا طبخ به، لان الماء لا يداخله لاستحصافه وكثافته. # ولذلك صار أفضل الشعير ما له مدة صالحة في موضع جاف غير ندي لينشف الهواء ~~رطوبته الفضلية ويجففها ويتخلخل جسمه وتقل لزوجته، ولا يكون للحسو المتخذ ~~منه لزوجة يعسر بها انهضامه # PageV00P217 # ويقل جلاؤه وتخليله. وقد يستعمل (1) الشعير على ضروب من الصنعة، فتختلف ~~قواه وأفعاله في البدن حتى أنه ربما برد الأبدان ورطبها، وربما أسخنها ~~وجففها، وربما لم يكن له تأثير بين في ترطيب الأبدان وتبريدها. فأما ما ~~يتخذ من الشعير لترطيب الأبدان وتبريدها بالحسو المتخذ منه، وذلك أن (2) ~~الشعير إذا قشر من قشره وطبخ بماء كثير وصفي وشرب، اكتسب من الماء رطوبة ~~يرطب بها الأبدان ويبردها ويقطع العارض لها. # وأما ما يجفف الأبدان من الشعير، والسويق المتخذ منه، (ف‍) لان السويق ~~المتخذ منه، من الشعير يكتسب من النار يبوسة وجفافا، ويجفف تجفيفا قويا، ~~إلا أن ينقع في ماء حار ساعة ويغسل بالماء البارد مرات عداد حتى يربو ~~وينتفخ غاية الانتفاخ، وليشرب بماء كثير ليكتسب من الماء برودة ورطوبة يزول ~~بها أكثر تجفيفه المكتسب من الماء، ويقوى على تسكين الحرارة وقطع العطش. # وأما ما لا يجفف من الشعير ولا يرطب، والخبز المستعمل منه، فإنه ليس له ~~فعل في ترطيب الأبدان ولا تجفيفها، من قبل أن الصنعة لم تكسبه رطوبة ولا ~~أفادته يبوسة، لان الرطوبة التي كان ms223 اكتسبها من الماء الذي عجن به، قد ~~أزالتها عنه قوة فعل النار. فهو إذا غير مرطب للأبدان ولا مجفف لها. # وقد يستعمل حسو الشعير على ضربين: لان منه ما يستعمل للاصحاء. ومنه ما ~~يستعمل للمرضى. والذي يستعمل منه للاصحاء، فعلى هذا المثال: يؤخذ الشعير ~~فينقع في ماء عذب وقتا يسيرا، ثم ينحى من الماء ويصير في هاون حجر ويجعل ~~معه شئ خشن، إما ملح وإما غيره ويدق حتى ينفش (3) قشره عنه، ويجفف وينشف ~~بحالته ويؤخذ مقدار الحاجة ويغسل بالماء العذب مرات كثيرة حتى يتنظف ويصير ~~في قدر برام (4) ويلقى عليه من الماء لكل كيل منه خمسة (4) عشر كيلا، ويغطى ~~القدر بغطاء ويطين الوصل الذي بين الغطاء وبين القدر بعجين أو بغيره، ويطبخ ~~حتى يصير إلى غاية انتفاخه، ويأخذ في الانحلال والذوبان، وينحى عنه الغطاء ~~ويحرك بعود من شبت حتى ينحل الشعير ويصير هو والماء شيئا واحدا، ولا يحرك ~~قبل أن يلين ويسترخي ويقارب النضج كيلا تتكسر أطرافه الدقاق ويحترق قبل ~~تمام نضجه ويصبر عليه إلى أن يذهب منه أربعة أخماسه ويبقى الخمس، ثم يلقى ~~فيه شئ من ملح مسحوق، ويحرك حتى يذوب الملح وينزل عن النار ويصفى ويشرب. # فإن قصد المستعمل له تغذيته للبدن فقط، فيلقي معه في الابتداء أصل الكراث ~~أو عود شبت ويطبخها معه. وإن كان قصده مع تغذية البدن تطفئة الحرارة ~~وتسكينها، القي فيه شئ من خل. وإن كان قصده الزيادة في لبن النساء ألقي فيه ~~شئ من بزر الرازيانج. وإن كان مزاج المستعمل له محرورا، # PageV00P218 # جعل مع بزر الرازيانج شيئا من بزر الخشخاش الأبيض. ومن (1) أدمن استعمال ~~ذلك من الناس، لم يضره ذلك في توليد الدم المحمود، ولم يكن مقصرا عن غذاء ~~الخبز في الجودة. وأما الماء المتخذ من حسو الشعير للمرضى، فإنه يختلف على ~~ضروب: لان كل واحد من المرضى يستعمله على حسب حاجته إليه، وذلك أن من ~~احتاجه لقطع العطش وتسكين حرارة الكبد والتهابها، كان من الأفضل (2) أن ~~يتخذه سلاجا (3) على هذا المثال: يؤخذ ms224 من الشعير المقشر من قشره جزء ويغسل ~~بالماء مرات وينظف ويلقى عليه من الماء، إذا ألقي في القدر، الكيل الواحد ~~عشرة أمثاله ويغطى القدر أو يطين الوصل بعجين. وتؤخذ قدر أخرى ويلقى فيها ~~من الماء، مثل الماء الذي في القدر الأولى ويحمل الجميع على النار. وتكون ~~النار التي تحت القدر التي فيها الشعير أقوى، والنار التي تحت القدر الأخرى ~~ألين، ليسخن الماء فقط ويطبخ الشعير حتى يبلغ غاية إنضاجه ويقارب النضج، ~~وينحى الغطاء عنه وتنظف رغوته ويلقى عليه الماء الذي في القدر الأخرى قليلا ~~قليلا، مرة بعد مرة، ويطبخ حتى لا يبقى من الماءين إلا الخمس، ثم يلقى فيه ~~شئ من ملح مسحوق ويحرك حتى يذوب الملح وينزل عن النار ويصفى ويشرب. # فإن كان المستعمل له يحتاج، مع تسكينه للحرارة وقطعه العطش، أن تكون له ~~قوة على جلاء ما في المعدة أكثر، وإدراره للبول أغزر، وإطلاقه للبطن أزيد، ~~فيستعمله بقشره على هذا المثال: يؤخذ الشعير بقشره ويغسل ويعرك في جوف ~~الماء عركا كثيرا حتى تنكسر أطرافه، ويغسل بالماء مرات ويصير في قدر ويلقى ~~عليه عشرة أمثاله ماء، ويغطى بغطاء ويطين الوصل بعجين ويحمل على النار حتى ~~يقارب الغليان، ويغلى غليتين أو ثلاثا، وينحى ذلك الماء عنه، ويلقى عليه ~~مثل كل كيل الماء الأول، ماء حار ويغطى بغطاء ويطين الوصل بعجين ويحمل على ~~النار ويصير بالقرب منه مثلي كل الماء الذي على الشعير ماء حار في قدر ~~أخرى، ويطبخ الشعير حتى يتفطر ويتشقق، وينحى الغطاء عنه ويلقى عليه من ~~الماء الذي في القدر الأخرى قليلا قليلا حتى لا يبقى من الماءين إلا السدس، ~~ثم يلقى فيه شئ من ملح مسحوق ويحرك حتى يذوب الملح وينزل عن النار ويصفى ~~ويشرب. # فإن كان المستعمل له محتاجا إلى إطلاق بطنه، وكره استعماله بقشره، لما في ~~القشر من فضل الحرارة وزيادة اليبس، فليأخذ من حسو الشعير السلاج المحكم ~~الصنعة على ما وصفنا مقدار نصف رطل ويحل فيه، وهو حار الترنجبين (4) الأبيض ~~والبنفسج المربى، من كل ms225 واحد أوقية ويمرس ويصفى ويشرب. فإن أراد أن يكون ~~إطلاقه للبطن أقوى، فيطبخ مع الشعير ورق البنفسج اليابس قدر # PageV00P219 # أوقية، ويصفيه ويحل فيه من الترنجبين الأبيض أوقية، ويصفى ويشرب. فإن ~~أراده لأوجاع الصدر والسعال حل فيه بنفسج مربى وشربه. فإن أحب أن يكون ~~تليينه للصدر أقوى، طبخ معه سبستان (1) وعناب وحب سفرجل مقشر مسحوق، وحل ~~فيه بنفسجا (2) مربى وشربه. فإن أراده لتنقية الفضول الغليظة من صدور ~~المسلولين، طبخ معه سرطان بحري قد نقى كل ما في جوفه ورمى برأسه ورجليه، ~~ويطف (3) جيدا مع الشعير حتى ينضج ثم يصفى ويشرب بعسل أو سكر على حسب مزاج ~~المستعمل له. وإن أراده لتفتيح سدد الكبد والطحال، طبخ معه قشور أصل ~~الرازيانج وقشور أصول الكرفس وشربه بالسكنجبين، وتوقى العسل والسكر كيلا ~~تستلذه حاسة الكبد فتجذب إليها أكثر من مقدار الطاقة على هضمه، فتبقى منه ~~بقية في أفواه العروق الدقاق، فيكون ذلك سببا قويا لتوليد السدد وللزيادة ~~فيها إن كان قد تقدم حدوثها قبل ذلك. وإن أراده لحبس البطن فيقشره من قشره ~~ويجففه وينشف نخالته ثم يحمصه جيدا حتى يحمر ويطحنه برحى اليد وينخله ويأخذ ~~سميذه وجشيشه ويلقي عليه لكل كيل خمسة عشر كيلا ماء ويطبخ على مثال ما ~~وصفنا من عمل حسو الشعير الساذج ويصفى ويشرب. # وقال ديسقوريدوس في حسو الشعير: إنه مدر للبول، جلاء لما في المعدة من ~~الفضول الغليظة، إلا أن نفخا (4) يسيرة، بها صار مضرا للمعدة. والدليل على ~~جلائه، أنه إذا شربه من كان في معدته فضل بلغماني ثم تقيأ بعده، جلا ذلك ~~البلغم وأخرجه بالقئ. وإن أخذ دقيق الشعير وعجن بالماء وحمل على ظاهر البدن ~~أو طلي به الكلف، غسل ظاهر البدن من الأوساخ ونقى الكلف. ففي هذا دليل على ~~أن كشك الشعير، وإن كان في منظره لزجا، فإنه في نفسه غير لازوق ولا ممسك، ~~ولكنه مغر فيه جلاء وتنقية للأوساخ ويليين الأورام الحارة. وإذا خلط دقيق ~~الشعير بشئ من سفرجل مدقوق وعجنا بخل، وعمل منهما ضماد، كان نافعا من ms226 ~~الأورام الحادة العارضة من النقرس. وإذا خلط بإكليل الملك (5) وبزر خشخاش، ~~سكن أوجاع الجنب. وإذا طبخ مع التين، حلل الأورام البلغمانية. وإذا خلط ~~ببزر كتان وحلبة وشئ من سذاب (6) وعمل منه ضماد، نفع من النفخ العارضة في ~~المعاء. وإذا استعمل مع ورق الآس والشراب والكمثرى البري وثمر العليق، وعمل ~~منه ضماد، عقل البطن (7). وإذا طبخ بخل ثقيف، وحمل على الجرب المتقرح، أبرأ ~~منه - وفي نسخة أخرى: إذا حمل على البرص -. # PageV00P220 # في سويق الشعير أما سويق الشعير، فليس له من الفضيلة في توليد الدم ~~المحمود وحفظ الصحة ما لكشك الشعير، لان غذاءه يسير جدا مجفف، وإن كان قد ~~يمكن أن يغذو من (1) كان قارا ساكنا لا تعب له ولا رياضة لان رطوبة بدن ~~الانسان الذي هذه حاله، تعدل جفاف الشعير. وأما أهل التعب والرياضة ومن كان ~~بدنه جافا قليل الرطوبة، فإنه مقصر عن تغذيتهم كثيرا. والفرق بين غذاء سويق ~~الشعير وبين غذاء خبز الشعير، كالفرق بين غذاء خبز الشعير وبين غذاء خبز ~~الحنطة، لان نقصان سويق الشعير عن غذاء خبز الشعير، كنقصان غذاء خبز الشعير ~~عن غذاء خبز الحنطة. والسبب في نقصان سويق الشعير عن غذاء خبز الشعير... # (2) في كيفيته جافا وهو أيضا مع ذلك قليل الدقيق كثير النخالة، والنخال ~~في ذاته يابس جاف. وإذا قلي الشعير، ازداد جوهره يبسا وجفافا، وفنيت أكثر ~~رطوبته وقلت (1) تغذيته للبدن، لان الرطوبة أولى بتغذية البدن من اليبوسة. ~~والسبب في نقصان غذاء خبز الشعير عن غذاء خبز الحنطة، أن الحنطة في ذاتها ~~أرطب وأكثر لزوجة وعلوكة، والشعير في ذاته أجف وأميل إلى اليبس. ولذلك صار ~~غذاؤه بالإضافة إلى غذاء القمح أقل كثيرا. # وأفضل الشعير لعمل السويق ما كان حديثا، لان في الحديث رطوبة فضلية. فإذا ~~قلي اشتغلت النار بالعمل فيها لسيلانها وانقيادها لفعل النار، وبقيت ~~الرطوبة الجوهرية بحالها لانعقادها لفعل النار. # وأما الشعير القديم، فإن رطوبته الفضلية قد زالت عنه بدوام فعل الهواء ~~فيه. فإذا قلي ولم تجد النار رطوبة فضلية تشتغل بها عن الرطوبة ms227 الجوهرية، ~~لم تجد بدا من أن تفعل في الرطوبة الجوهرية وتفني أكثرها وتصيره قحلا جافا ~~خارجا عن حد ما يغتذى به. ولذلك وجب ألا يتخذ السويق إلا من شعير # PageV00P221 # حديث، ويقلى قليا كيما تبقى رطوبته الجوهرية فيه، وتكون رائحته رائحة ~~ذكية طيبة. # وقد يستعمل سويق الشعير على ضروب من صنعته، فتظهر منه أفاعيل مختلفة وذلك ~~أن منه ما يستعمل وحده ساذجا ومنه ما يستعمل مع غيره. وما يستعمل وحده (1) ~~يستعمل على ثلاثة ضروب: وذلك أن منه ما يحل بالماء ويشرب من غير أن ينقع ~~ولا يغسل. وما كان على هذا المثال، كان غذاؤه أكثر، وانهضامه وانحداره ~~أعسر، وتوليده للرياح والنفخ أزيد، وإسخانه للأبدان أقوى، وتجفيفه للرطوبات ~~وعقله للبطن أكثر. ومنه ما ينقع في الماء ساعة ثم يغسل بالماء مرات حتى ~~يصير إلى غاية انتفاخه وتزول عنه أكثر رياحه ونفخه، ويبتل جرمه ويلين ~~ويكتسب من الماء برودة ورطوبة يقوى بها على تسكين الحرارة وقطع العطش وسرعة ~~الانحدار وتليين الطبيعة. إلا أن غذاءه يقل كثيرا لكثرة ما يتحلل من جوهره ~~في الماء الذي يغسل به (2). ومنه ما يغسل بالماء مرات حتى يبلغ غاية ~~انتفاخه ثم ينقع وقتا طويلا ويصفى ويشرب الماء الذي يصفى عنه، فيكون تبريده ~~للأبدان أقوى وتسكينه للعطش أكثر وانحداره أسرع وتليينه للبطن أزيد، إلا أن ~~غذاءه يكون قليلا نزرا. وقد يستعمل الناس السويق في الصيف كثيرا على هذا ~~المثال الذي قدمنا ذكره لأربع ساعات من النار أو خمس، يقصدون به تسكين ~~الحرارة وقطع العطش. # وأما ما يتخذ من السويق مع غيره، فيكون على ضربين: لان منه ما يتخذ ~~مطبوخا، ومنه ما يتخذ غير مطبوخ بماء (3) ويسير من لبن حليب وخشخاش أبيض ~~محمص، ويشرب (4) لسحوج الأمعاء الحادثة عن حدة المرة الصفراء، لأنه يسكن ~~حدة الفضل الداعي لكثرة القيام (5)، ويجلب النوم. إلا أنه يجب أن يتوقى ~~الاكثار منه وبخاصة إذا كان المستعمل له ضعيفا لأنه زائد في الضعف وسقوط ~~القوة، مانع من درور البول. # وأما ما يتخذ غير مطبوخ، فيستعمل على ms228 ثلاثة ضروب: لان منه ما يؤخذ بالعسل ~~أو بالسكر، ومنه ما يشرب بالشراب، ومنه ما يشرب باللبن، ومنه (6) ما يشرب ~~بالعسل، فإن العسل يفيده حرارة وإسخانا ويزيد في جلائه وإطلاقه للبطن ويزيل ~~عنه رياحه ونفخه، إلا أنه يقل غذاؤه. وما يتخذ بالسكر، فإنه يفعل فعل العسل ~~في جودة الجلاء وإطلاق البطن وقلة الرياح والنفخ، إلا أنه دونه في الاسخان ~~وقلة الغذاء. وأما الذي يشرب بالشراب، فإنه يكتسب خمرية وعطرية تعينه على ~~نشف رطوبات المعدة وتقوية جرمها وجرم المعاء ويقطع الاسهال الكائن عن ضعف ~~القوة الهاضمة في المعدة والكبد جميعا. وأما ما # PageV00P222 # يشرب باللبن، فإنه ما يفعل أفاعيل مختلفة على حسب طبيعة اللبن المستعمل ~~معه، لان اللبن متى كان من ماعز، كان إطلاقه للبطن أعدل وتغذيته للبدن ~~أحمد. وإن كان اللبن من البقر، كان تبريده للبدن أكثر وإطلاقه أقل. وإن كان ~~اللبن من نعاج كانت (1) تغذيته للبدن أزيد وإطلاقه للبطن أكثر. وإن كان ~~اللبن لبن لقاح، كان إسخانه للبدن أكثر وإطلاقه للبطن أزيد. # وأما خبز الشعير، فقد كنا بينا فيه: أن غذاءه أقل من غذاء خبز الحنطة لان ~~لزوجته وغلظه أقل من لزوجة الحنطة وعلوكتها. ولهذا صار أسرع انهضاما وأسهل ~~انحدارا عن المعدة والمعاء. وإن كان ذلك قد يختلف فيه على حسب اختلاف جوهر ~~الشعير، لان ما كان منه (2) يتخذ من شعير مكتنز خشن السطح ثقيل الوزن، ومنه ~~ما يتخذ من شعير أبيض ممتلئ خفيف الوزن أملس السطح ممتد القشر. # فالذي كان منه متخذا من شعير مكتنز خشن السطح ثقيل الوزن، كان غذاؤه أكثر ~~وانهضامه أبطأ، ذلك لفضل لزوجته على غيره من الشعير. وما كان متخذا من شعير ~~أبيض ممتلئ خفيف الوزن أملس ممتد القشر، كان غذاؤه أقل انهضامه أسرع، ذلك ~~لخفته وقلة لزوجته. # وقد يتخذ من الشعير شراب، كما يتخذ للفقاع (3) إلا أنه يولد خلطا رديئا ~~مصدعا للرأس، مضرا بالأعضاء وحجب (4) الدماغ والكلى. وكذلك الفقاع يفعل هذه ~~الأفاعيل، إلا أنه مدر للبول. وإذا أنقع العاج في الفقاع، سهل عمل العاج ms229 ~~وصنعته. # PageV00P223 # القول في الأرز قال جالينوس: إن أكثر الناس يستعملون الأرز لقطع الاسهال، ~~وليس فعله ذلك بقوي، لكنه ضعيف لان الذي فيه من القبض يسير جدا. وأكثر ذلك ~~في قشره الأحمر الذي يلي جسمه. ولذلك صار الأرز الأحمر أشد قبضا وأحبس ~~للبطن من الأبيض. والأرز في طبيعته ومزاجه حار في الدرجة الأولى، يابس في ~~الثانية. ويستدل على حرارته من جهتين: إحداهما: من طبعه، والأخرى: من ~~تأثيره وفعله. # فأما الاستدلال على الحرارة بالطبع... (1) ولذلك صار يجلو جلاء حسنا. ~~ويستدل على جلائه بتنقيته لظاهر البدن إذا طلي عليه من خارج. وأما ~~الاستدلال على حرارته من تأثيره (ف‍) لأنا نجده دائما يحمي الأبدان ~~للمحرورين ويلهبها. والغذاء المتولد عنه ليس بحسن الجوهر، إلا أنه بإضافته ~~إلى غذاء الذرة والجاورس، كان أكثر تغذية، وإن كان بإضافته إلى الحنطة أقل ~~تغذية. وأما الشعير فإنه بإضافته إلى الأرز بالطبع أقل تغذية لكثرة جوهر ~~الشعير ولبابه. وبإضافته إليه بالعرض أكثر تغذية، ذلك لغلظه وبعد انحلاله ~~من الأعضاء، ولطافة الشعير وسرعة انحلاله. # فأما يبس الأرز، فيستدل عليه من جهتين: إحداهما: من فعله، والأخرى: من ~~انفعاله. فأما من فعله، فإنا نجده دائما موافقا للجراحات وفى الهواء الرطب ~~والبلدان الكذلك. وأما من انفعاله، فإنا نجده عسير الانهضام في المعدة بعيد ~~الاستمراء والنفوذ في العروق من غير لزوجة ولا علوكة. وقد يستعمل على ضروب ~~من الصنعة، فيفعل أفاعيل مختلفة، وذلك أن منه ما يطحن ويطبخ كما يطبخ ~~النشاستج ويستعمل، فيغذو غذاء صالحا. إلا أنه دون غذاء النشاستج لأنه أقل ~~لذاذة. ولذلك صار استمراؤه استمراء النشاستج. ومنه ما يطبخ وهو صحيح حتى ~~يتهرأ ويصير بمنزلة الكشك ويستعمل لمن كان صحيح البدن ممن يجد لذعا في ~~معدته وسائر أمعائه، ولمن كان به إسهال من فضول كثيرة الغالب عليها المرار ~~بعد أن يكون صاحبه سليما من الحمى. فإن أراد مريد أن يزيل عنه تعفن يبسه ~~ويعدل # PageV00P224 # غذاءه ويكثره، فلينتقعه في ماء نخال السميذ يوما وليلة، أو في لبن حليب، ~~ثم يطبخه بشئ من دهن اللوز ms230 الحلو ويستعمله بشئ من سكر طبرزد، فإن ذلك مما ~~يقل يبسه ويزيل بعض عقله للبطن، ويحسن غذاؤه ويجوده ويفيده زيادة في المني. ~~فإن كره أحد اتخاذه باللبن وأراد أن يزيد في إطلاقه للبطن، فليصير عوضا من ~~اللبن ماء لب القرطم المطبوخ. # ومن خاصة الأرز أن ماءه يدبغ (1) المعدة ويجلو جلاء حسنا. والدليل على ~~ذلك، أنا نجده ينقي الجلد من الأوساخ إذا أغتسل به. وإذا طبخ بماء النخال ~~باللبن على ما وصفنا، زاد في المني زيادة بينة. # PageV00P225 # القول في الجاورس والدخن أما الجاورس فبارد في الدرجة الأولى، يابس في ~~آخر الدرجة الثانية، أو قريب من الثالثة. # ويستدل على يبسه من خفته وتجويف جسمه وقحله. وذلك أن ليس فيه لدونة ولا ~~لزوجة ولا دسم يجمع بجسمه، إلا أن فيه لطافة يسيرة. وإذا تناوله الانسان ~~على سبيل الغذاء، كان غذاؤه أقل من سائر الحبوب التي يتخذ منها الخبز، لان ~~الدم المتولد عنه قليل جاف (1) غير محمود، إلا أنه ليبسه، صار مقويا للمعدة ~~ولسائر الأعضاء. ولذلك صار حابسا للبطن. وزعم ديسقوريدوس أنه يدر البول. ~~وإذا قلي وحمل على البطن وهو حار، نفع من المغص. ولما ذكرنا من قلة غذائه ~~وكثرة قحله وجفافه، وجب أن لا يستعمله من كان محتاجا إلى أن يزيد في بدنه ~~دما محمودا. ولا يستعمله أيضا إلا من كان محتاجا إلى أن يبرد معدته، ويجفف ~~رطوبتها، ويقويها. # وأما الدخن ففي (2) منظره شبيه (3) بالجاورس وقوته شبيهة بقوته، إلا أنه ~~أقل غذاء منه وأكثر تجفيفا. ولذلك صار الجاورس في جميع أحواله أفضل لأنه ~~ألذ طعما وألين جسما وأقل في عسر الانهضام من الدخن، والدخن أقل منه غذاء، ~~وأكثر جفافا وقحلا. ولذلك صار أقل لذاذة وأعسر انهضاما من الجاورس. إلا أن ~~فعله في حبس البطن أقوى كثيرا. وقد يتخذ كل واحد منهما على ضروب من الصنعة ~~فيختلف فعله وغذاؤه، وإن كان الجاورس أفضل في كل حال. وذلك أن منه ما يخلط ~~معه دسم أو زيت، ومنه ما يطبخ باللبن الحليب، ومنه ما يطبخ بماء ms231 نخالة ~~السميذ ودهن اللوز. وأفضل ما يستعمل بالدسم والزيت لان ذلك مما يزيل عنه ~~قحله ويفيده لذاذة وحسن غذاء وسرعة انحدار، إلا أنه يبطل خاصيته وفعله في ~~حبس البطن لما يكسبه من الزلق والليانة. وأما ما يطبخ في اللبن الحليب أو ~~بماء # PageV00P226 # النخال ودهن اللوز، فهو في صنعته أيضا أفضل وأحمد مما يطبخ بالماء وحده. ~~إلا أن ما يطبخ بماء النخال ودهن اللوز أكثر جلاء وأسرع انحدارا وأطول لبثا ~~في الأعضاء. وما يطبخ باللبن فهو ألذ طعما وأفضل غذاء وأحمد، وإن كانا ~~جميعا يولدان دما محمودا ويزيلان فعله في حبس البطن. # وأما ما يطبخ منهما بالماء الساذج، فيكون على ضربين: لان منه ما يطبخ ~~صحيحا بعد أن يقشر من قشره، ومنه ما يطبخ ماؤه الذي يمرس فيه دقيقه فقط. ~~فأما ما يطبخ منه صحيحا، فإنه يقشر من قشره ويغسل (1) ويلقى على الكيل ~~الواحد خمسة عشر كيلا ماء عذب، وهذا تقدير ديوجانس للماء الذي يصب عليه، ثم ~~يطبخ حتى يصير هو والماء شيئا واحدا (2)، ويطيب بيسير ملح ويستعمل. وما كان ~~كذلك، كان غليظا عسير الانهضام جدا بعيد القبول للتمشية والاستحالة، حتى ~~أنه كثيرا ما يثقل على الحاسة من غير أن يتغير تغيرا حسيا. وما كانت هذه ~~حاله، وجب أن تكون له قوة على حبس البطن، لأنه (3) يثقل المعدة ويتعبها ~~ويمنعها تخليته من غير أن ينضج ولا ينهضم. وإذا انحدر إلى المعاء أذاها ~~وهيجها إلى دفعه وإخراجه بسرعة، وزالت عنه خاصة في حبس البطن. # وأما الذي يطبخ منه ماؤه الذي يمرس فيه دقيقه فقط، فهو أن يؤخذ الجاورس ~~أو الدخن فيقشر من قشره ويطحن طحنا بليغا ناعما، ثم يؤخذ منه جزء، ويلقى ~~عليه عشرة أمثاله ماء حار ويغلى ويحرك جيدا ويترك حتى يتمكن مرسه ويمرس ~~ويصفى ويحمل ماؤه على النار ويحرك دائما حتى ينضج ويصير إلى السدس ويلقى ~~عليه يسير من ملح محمص مسحوق، ويحرك حتى يذوب الملح، وينزل عن النار ويصفى ~~ويشرب. وما كان كذلك، كان ألطف كثيرا وأسرع انهضاما وأقوى ms232 على حبس البطن، ~~ذلك لخفته على القوة واحتمالها له، إلا أن غذاءه يكون أقل كثيرا. # PageV00P227 # القول في الباقلي الباقلي في طبيعته مائل إلى البرودة، إلا أن أنواعه غير ~~متفقة في الرطوبة واليبوسة، لان منها ما الغالب عليه الرطوبة، ومنها ما ~~الغالب عليه اليبوسة. وذلك أن أنواعه تكون على ضربين: لان منها ما هو رطب ~~طري لم يستكمل نضجه حسنا على نباته. ومنها اليابس المستحكم النضج والجفاف ~~على نباته. # فما لم يستكمل نضجه على نباته، فهو بارد في وسط الدرجة الأولى، رطب في ~~آخرها، من قبل أن فيه رطوبة فضلية غليظة لم يكمل انهضامها وانعقادها، ولم ~~تتشبه بجوهرية الباقلي. ولذلك صار غذاء هذا النوع من الباقلي أقل وأميل إلى ~~الرطوبة الغليظة السريعة الانحدار العسيرة الانهضام. والسبب في قلة غذائه ~~أن أكثر جوهره يستحيل فضولا لغلظ رطوبته وفجاجتها، وبعدها من جوهرية ~~الغذاء. وأما سرعة انحداره عن المعدة، فلما فيه من كثرة الرطوبة الفضلية ~~وقوة الجلاء. ويستدل على جلائه من عذوبته، وإن كان ذلك فيه أقل من اليابس. ~~ومن خاصيته أنه يولد في كل البدن فضولا غليظة مائلة إلى الرطوبة النافخة ~~الاسفنجية، ويحدث رياحا نافخة في أعلى البطن. ولذلك صار إضراره بالمعدة ~~بينا قويا. # وأما ما قد استحكم نضجه وجفافه على نباته، فإنه بارد في أول الدرجة ~~الأولى، يابس في وسطها، له جوهر قريب من الدم المحمود، لان الدم المتولد ~~عنه غير مذموم. وغذاؤه أكثر من غذاء الشعير بالعرض لا بالطبع، وذلك لجهتين: ~~إحداهما: غلظ جوهره وبعد انحلاله من الأعضاء، ولطافة جوهر الشعير وسرعة ~~انحلاله من الأعضاء. والثانية: أنه لكثرة رياحه وغلظها، ينفخ اللحم ويزيد ~~في سعة موضعه، ويفعل فيه فعل الخمير في العجين. وذلك أن جسمه سخيف متخلخل ~~الوزن، ولذلك لا يمكن أن يتولد عنه لحم كثير كثيف ملزز كما يتولد من الحنطة ~~واللحمان وبخاصة لحم الخنزير والخراف. لكنه يولد لحما منفوشا منفوخا، ولهذه ~~الجهة صار كثيرا ما يتولد عنه في أعلى البطن رياح غليظة نافخة يترقى منها ~~دائما بخارات متصاعدة إلى ms233 الرأس تضر بالدماغ، ويولد أحلاما رديئة فاسدة. # ولما كانت هذه الأفعال فيه طبعا، لم يمكن إزالتها عنه ولو عولج بأصناف ~~العلاج وطبخ غاية الطبخ. ولذلك قال جالينوس: أن الباقلي لو طبخ غاية الطبخ، ~~لم تذهب عنه رياحه ونفخه كما يذهب PageV00P228 # نفخ الشعير عنه إذا طبخ، لان الشعير للطافة جوهره إذا أحكم طبخه، زالت ~~عنه نفخه ورياحه جملة. # والباقلى فلغلظ (1) جوهره، صار لو عولج بأصناف العلاج، لم تزل عنه رياحه ~~ونفخه إلا أنها تقل وتكثر على حسب ما يلحقه من الصنعة. وسنبين ذلك في ~~استكمالنا هذا الباب إن شاء الله ويستدل على غلظ رياح الباقلي وبعد انحلاله ~~مما يعرض لآكله من التمدد والازدحام وانتفاخ الجنبين عند استعماله، وإن كان ~~المستعمل له صحيحا. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن من يفقد حاله حتى يقف على ما يعرض له ~~من اختلاف الحال عند تناول الأطعمة الغليظة، وقف على أنه، عند أكله ~~الباقلي، في بدنه كله تمددا يدله على أن ريحا (2) غليظة نافخة تهدد الأعضاء ~~ولا سيما فيمن لم يعتد أكله، أو من أكله وهو غير محكم الصنعة. # وله فيه قول آخر: إن الباقلي على سبيل الغذاء أشد نفخا وأعسر انهضاما، ~~وعلى سبيل الدواء معين على نفث الرطوبات من الصدر والرئة، لان فيه من ~~الجلاء شبيه بما في الشعير. ولذلك صار غير مولد للسدد ولا يبطئ في انحداره ~~عن المعدة وسائر البطن، كما تبطئ الأطعمة الغليظة الفاعلة الجلاء، مثل ~~الجشيش والسميذ وما شاكلهما. ويستدل على جلائه من جهتين: إحداهما: عذوبته ~~وقربه من الحلاوة. # والثانية: معونته على نفث الرطوبات من الصدر والرئة وتنقيته لظاهر البدن ~~إذا طلي عليه من خارج وتليينه للبشرة. ولذلك صار نافعا من الكلف محللا طلى ~~(3) أورام الثديين والأنثيين (4). وكثير (5) ممن يحب الزينة يكثر الاغتسال ~~به دائما لينقي بشرته ويحسن لونها. وكل هذه الفضائل فإنها هي في جوهره ~~ولبابه المميز من قشره. وأما قشره، فبعيد من ذلك جدا لان قوته قابضة ليس ~~فيها شئ من الجلاء. ولذلك صار كثير (4) من الناس ms234 يطحنون الباقلي بقشره ~~بالخل ويطعمونه لمن كان به إسهال عن ضعف القوة الماسكة التي في المعاء. # والمختار من الباقلي ما كان عظيما أبيض حديثا غير عتيق ولا مأكول (6). ~~وقد يتخذ الباقلي على ضروب من الصنعة، فتحدث له في غذائه أفاعيل مختلفة. ~~وذلك أن منه ما يتخذ مطبوخا، ومنه ما يستعمل مسلوقا، ومنه ما يشوى مدفونا ~~في جوف جمر، ومنه ما يقلى على مقلى أو على طابق (7). # فأفضل الباقلي وأحمده ما كان مطبوخا لان الماء الذي يطبخ فيه يفيده رطوبة ~~ويلطف غلظه ويزيل عنه أكثر رياحه ونفخه ويسرع انهضامه وانحداره، ولا سيما ~~إذا سلق بالماء ورمي بمائه الذي سلق فيه، وطبخ بماء ثان، لان أكثر رياحه ~~يزول في الماء الأول، وإن كان ذلك ناقصا من لذاذته وطيب طعمه. # وقد يستعمل هذا الضرب أيضا على جهتين: لان منه ما يطبخ بقشره، ومنه ما ~~يطبخ بغير قشره. فغليظ (8) # PageV00P229 # بطئ الانهضام عسير الانحدار كثير الرياح والنفخ، لان عفوصة قشره وقوة ~~قبضه تمنعه من الانحدار بسرعة. وإذا تعذر انحداره ولبث وقتا طويلا كثرت ~~رياحه ونفخه ضرورة. # وأما ما يطبخ بغير قشره، فيستعمل على ضربين: لان منه ما يطبخ صحيحا، ومنه ~~ما يطبخ مطحونا. والذي يطبخ مطحونا يتخذ على ضربين: لان منه ما يستعمل وحده ~~ساذجا، ومنه ما يستعمل مع الشعير. والذي يتخذ وحده فعلى هذا المثال: يؤخذ ~~<من> الباقلي كيل ويلقى عليه من الماء عشرة أمثاله ويطبخ بنار لينة ~~حتى يكمل نضجه، ثم يطيب بشئ من ملح ويستعمل. وما كان كذلك، كان قليل النفخ ~~سريع الانهضام. فإن استعمل على سبيل الحسو، وكان معه ما يسخن مثل الدار ~~فلفل والزنجبيل والزيت أو دهن اللوز، كان زائدا في المني والباه (1) جميعا، ~~لان الزيادة في الباه تحتاج إلى ما اجتمعت فيه ثلاث خصال: أحدها: ما كان ~~غذاؤه كثيرا حسنا زائد الرطوبة. والثانية: ما كانت رياحه غير نافخة. ~~والثالثة: ما كانت حرارته قوية لان الغذاء الحسن الكثير الرطوبة زائد في ~~المني، وكثرة الرياح والنفخ زائدة (2) في الانعاظ لان الرياح ms235 تدخل في جداول ~~القضيب وينفخها ويورمها وتصلب القضيب، وزيادة الحرارة منه الحراة الغريزية ~~(3)، ويزيد في الشهوة. وفى الباقلي خلتان من هذه الثلاث خلال: # أحدها: حسن الغذاء وزيادته، ورطوبته. والأخرى: كثرة النفخ والرياح. وإنما ~~يعوزه الحرارة فقط. فإذا خلط معه الزنجبيل والفلفل وما شاكلهما من الأشياء ~~المقوية للحرارة، أفاده ذلك حرارة وكملت فيه الخلال الثلاث (4)، وصار دواء ~~جامعا معينا على الجماع. # وأما ما يطبخ من الباقلي ومن الشعير، فيستعمل على هذا المثال: يؤخذ من ~~دقيق الباقلي جزء ويقلى عليه عشرة أمثاله ماء ويسلق سلقة جيدة. ويؤخذ من ~~جشيش الشعير جزء ويلقى عليه مثله خمس عشرة (5) مرة ويغطى ويطين الوصل الذي ~~بين الغطاء والقدر بعجين، ويطبخ حتى يلين. وينزع الغطاء عن القدر ويلقى ~~عليه دقيق الباقلي المسلوق بعد أن يصفى ماؤه عنه وهو حار قبل أن يبرد، ~~ويطبخها جميعا حتى ينضجا نضجا كاملا وتلقى في القدر حبات ملح مسحوق ويحرك ~~حتى يذوب الملح ويستعمل. وما كان كذلك، كان غذاؤه أفضل ومزاجه أعدل ~~وانهضامه أسرع ورياحه ونفخه أقل. # وأما ما يطبخ صحيحا من غير أن يطحن، فيتخذ على ضربين: أحدهما: يؤخذ من ~~الباقلي المقشر جزء ويلقى عليه من الماء إثنا عشر جزءا، ويطبخ حتى يقارب ~~النضج، وتلقى فيه حبات ملح ويطبخ حتى يصير بمنزلة العسل الثخين (6). ومن ~~الناس من يلقي على كل جزء عشرين جزءا ماء. وما # PageV00P230 # استعمل كذلك كان قريبا من الباقلي المطحون المطبوخ، إلا أنه أفضل لأنه ~~أقل رياحا منه، لزيادة فعل النار فيه ولا سيما إذا استعمل بالفوذنج والصعتر ~~والكمون. والثاني: يؤخذ من الباقلي المقشر جزء وينقع في ماء عذب إنقاعا ~~بليغا، وينحى عنه ذلك الماء ويلقى عليه من الماء مثليه خمس عشرة (1) مرة ~~ويطبخ حتى ينتفخ غاية انتفاخه وينحى ذلك الماء عنه أيضا ويلقى عليه ماء حار ~~قد أعد له قبل أن يهراق (2) الماء عنه ويلقى عليه بسرعة قبل أن يناله ~~الهواء فيغلظه ويمنع من نضجه، ويطبخ مع حبات من ملح مسلوق، ويحرك دائما حتى ~~ينطحن ويذوب ويصير هو ms236 والماء شيئا (3) واحدا. وما كان على هذه الصنعة، كان ~~أقل أنواع الباقلي رياحا ونفخا وأسرعها انهضاما لان كثرة رياحه ونفخه قد ~~زالت عنه في الماء الأول والثاني، إلا أنه يعدم لذة الباقلي المطبوخ طبخة ~~واحدة. # وأما المسلوق من الباقلي، فإنه ينقع بدءا في ماء عذب ثم ينحى ذلك الماء ~~عنه ويرش عليه في كل يوم ماء جديد ويغطى بثياب مبلولة بالماء أياما حتى ~~ينبت (4) وينتفخ غاية انتفاخه، ثم يسلق ويؤكل على ضروب شتى: لان منه ما ~~يؤكل بقشره، ومنه ما يؤكل بغير قشره. وما يؤكل بقشره، فأغلظ وأبعد انهضاما ~~وأكثر رياحا ونفخا وقراقر. وذلك لما في القشر من الغلظ والصلابة وكثرة ~~القبض وبعد الانهضام. وما يؤكل منه بغير قشره، فهو ألطف وأسرع انهضاما ~~وأحمد غذاء إلا أنه يستعمل على ضروب: لان منه ما يؤكل بالماء الذي يسلق به ~~مع شئ من ملح وصعتر وكمون، ويؤكل بخل وكرويا وملح وصعتر وزيت أنفاق. ومنه ~~ما يلقى عليه مري وصعتر وزيت أنفاق وكرويا وسذاب، إلا أنه وإن كان لا يخلو ~~من رياح نافخة، فإن أخذ ما يتخذ منه لاصلاح غذائه، أن يستعمل بمائه الذي ~~سلق به بعد أن يهراق الماء الأول الذي يسلق فيه بدءا، ويسلق بماء ثان (5) ~~بشئ من ملح وصعتر وكرويا وسذاب وكمون وزيت أنفاق، لان ذلك مما يصلح غذاءه ~~ويزيد في سرعة انهضامه. # وأما ما يؤكل منه بالخل والزيت والصعتر والكرويا، فإنه أغلظ وأبعد ~~انهضاما، إلا أنه أكثر تطفئة وتبريدا وتقوية للمعدة. وأما ما يؤكل منه ~~بالمري والزيت والكرويا والسذاب، فأسرع انهضاما وانحدارا، إلا أنه يعطش ~~ويولد دما فيه حدة. وأما ما يشوى من الباقلي، فإنه وإن كان في ذاته غليظا ~~بطئ الانحدار، فإنه ألطف وأسرع انهضاما (6) من المقلي على الطابق لان النار ~~تباشر جسمه وتلطف غلظه وتفيده هشاشة ورخاوة وتعينه على حبس البطن، لأنه ~~يحتاج إلى رطوبة كثيرة يبتل بها قبل أن ينهضم (7). # PageV00P231 # ولذلك <فهو> ينشف رطوبة المعدة ويجففها. وأما المقلي على الطابق. ~~فإنه أبعد انحدارا من المشوي وأعسر ms237 انهضاما، إلا أنه أقل رياحا ونفخا ~~وبخاصة إذا تقدم في إنقاعه بالماء ساعة قبل أن يقلى، لان النار تفعل في ~~رطوبته المكتسبة من الماء لتفنيها رويدا رويدا لبعدها من جرمه وقلة ~~مباشرتها له، فتقل لذلك رياحه ونفخه. ولهذا السبب، لبثها فيه، ولبعدها منه، ~~صلبت جرمه وغلظته، فبعد انهضامه وعسر انحداره. فإن ألقي <فيه> بعد ~~كمال نضجه شئ من ماء وملح وكمون وقليل من فلفل وزنجبيل وصعتر وفوذنج، زاد ~~ذلك في قلة رياحه ونفخه، وأكسبه سرعة انهضام وانحدار. # وديسقوريدوس يقول في الباقلي: إن الباقلي الحديث أردأ للمعدة من الباقلي ~~العتيق، لان الحديث أكثر نفخا ورياحا. وإذا خلط بدقيق الحلبة وعمل منه ~~ضماد، حلل الأورام العارضة في أصل الاذن وما يعرض تحت العين من كمود لون ~~الموضع. وإذا خلط بالورد والكندر (1) وبياض البيض (2)، نفع من نتو (3) ~~الحدقة. وإذا قشر ومضغ وجعل منه ضماد على الجبين منع من سيلان الفضول إلى ~~العين. # وإذا طبخ بشراب وحمل على الأنثيين، حلل أورامها. وإذا ضمد بدقيقه على ~~عانة (4) الصبيان، أبطأ احتلامهم. وإذا دق قشره وضمدت (5) به المواضع التي ~~ينبت فيها الشعر، خرج ما ينبت فيها من الشعر رقيقا ضعيفا. وإذا شقت الباقلي ~~بنصفين وحملت أنصافها على المواضع التي علق عليها العلق، قطعت الدم المنبعث ~~منها. وإذا حمل دقيق الباقلي وحده أو مع سويق على أورام الثديين التي قد ~~تعقد فيها اللبن، حلل أورامها ومنع درور اللبن وقطعه. وإذا خلط دقيق ~~الباقلي بسويق وشئ من شب (6) وزيت عتيق وحمل على الخنازير، حللها. والماء ~~الذي يطبخ به الباقلي بقشره يصبغ الصوف. # PageV00P232 # القول في العدس العدس في الجملة بارد في الدرجة الأولى، يابس في الدرجة ~~الثانية. والغالب على جرمه القحل وعدم اللدونة واللزوجة أصلا. إلا أنا إذا ~~بحثنا عن تفصيله، وجدناه مركبا من قوتين متضادتين: # إحداهما: في قشره، والأخرى: في جوهر جرمه، لان في قشره حرافة يسيرة بها ~~يهيج البطن للانطلاق وفى (2) جوهر جرمه قوة قابضة مقوية للمعدة مانعة ~~للاسهال المري. ولذلك صار الانسان إذا طبخه بقشره وصفاه وأخذ ms238 ماءه (2) ~~وطيبه بمري أو ملح وزيت عذب وشربه، أطلق طبيعته لما في ذلك الماء من الحدة ~~المكتسبة من قشر العدس. وإذا طبخه ونحى عنه ماءه (2) الأول وطبخه بماء ثان ~~(3) قل (4) إسهاله للبطن، لان حرافة القشر قد زالت عنه في الماء الأول. وإن ~~قشره من قشره قبل أن يطبخه، وسلقه سلقة جيدة ونحى ذلك الماء عنه، ثم طبخه ~~بماء ثان (3) صار ألطف وأسرع انهضاما وأقوى على قطع الاسهال المري من قبل ~~أن حدة القشر قد زالت عنه بزوال القشر، وانفرد بقوته القابضة. # وأما الغذاء المتولد عن العدس بالجملة، فغذاء غليظ عسير الانهضام بطئ ~~الانحدار، يولد دما يقرب من المرة السوداء وبخاصة إذا طبخ بقشره. ولذلك صار ~~يملا دماغ المدمن عليه بخارات غليظة من جنس السوداء ويصدع ويحدث أحلاما ~~رديئة، ويملأ المعدة والمعاء رياحا نافخة، ويولد سوداء وتمددا وانحصارا في ~~الطبيعة، للمصارعة التي تقع بين قشره وبين جوهر جرمه لما بينهما من التضاد. # ولهذا صار من أخص الحبوب بالاضرار بالمعدة والرئة والحجاب الفاصل وحجب ~~الدماغ وسائر الأعصاب والحجب وبخاصة حجب العين لأنه يجفف رطوباتها بقحله ~~وجفافه، ويحيدها عن الاعتدال، # PageV00P233 # ويحدث في البصر الصحيح، فضلا عن العليل، ضعفا إلا أن يكون في العين آفة ~~من رطوبة فضلية، فيكون تجفيفه لتلك الرطوبات نافعا، ولما فيه من فضل ~~التجفيف، صار حابسا للبول والطمث جميعا ولا سيما إذا كان بغير قشره، لان ~~جوهر جرمه أشد قبضا وتبريدا. فهو لقوة برده وتجفيفه، يبرد دم الطمث ويجمعه ~~ويغلظه ويعسر سلوكه في عروق الرحم ومجاريها حتى يبطئ فيها. # والمطبوخ من العدس بقشره مضر بمن كان مزاجه يابسا، ومهيج للعلل ~~السوداوية، مثل البهق الأسود، والقوابي، والسرطانات، وداء الفيل (1)، وداء ~~الأسد، وإن كان قد ينتفع به من كان مزاجه مرطوبا. ولذلك صار المقشور منه ~~نافعا لمن كان به استسقاء (2). # وأما ما كان بقشره، فهو من أضر الأشياء لمن كانت هذه حاله لما يتولد منه ~~من الرياح والنفخ والانزمام والاضرار بالعصب. وأفضل العدس ما كان حديثا لم ~~يمض عليه من الزمان ما ms239 يفني رطوبته الجوهرية ويزيد في قحله وجفافه، ويكون ~~مع ذلك أيضا عريضا ممتلئ الداخل إذا أنقع في الماء وقتا لم يسود الماء الذي ~~ينقع فيه. وإذا طبخ صار نضجه سريعا، لان ما كان نضجه خارجا سريعا، كان ~~انهضامه باطنا سريعا. وما كان نضجه خارجا بطيئا، كان انهضامه باطنا بطيئا. ~~وقد يستعمل العدس على سبيل الدواء والغذاء جميعا. # فأما استعماله على سبيل الدواء فيكون لثلاثة وجوه: إما لتقوية القوة ~~الماسكة التي في المعدة وقطع الاسهال المري، وإما لتقوية المعدة وإسخانها، ~~وإما لتليين البطن. فمن أراده (3) لتقوية القوة (4) الماسكة وقطع الاسهال، ~~فليقشره من قشرته ويسلقه سلقة وينحي ماءه عنه ويلقي عليه ماء حار ويطبخه ~~ثانية بشئ من خل، أو ماء حصرم أو ماء رمان حامض، وقضبان الرجلة والبقلة ~~المعروفة بلسان الحمل والسفرجل والكمثرى والتفاح المز والزعرور، فإن ذلك ~~كله مما يعين على تقوية القوة الماسكة، ونفع الاسهال المري. ومن الواجب أن ~~يلقى الخل عليه في الوقت الذي يلقى عليه الماء الثاني، حتى ينطبخ الخل معه ~~نضجا كاملا، وتنقمع قوته اللذاعة، لأنه إن لم ينضج نضجا كاملا، لذع المعدة ~~والمعاء بحدته ويفتحها لدفع ما فيها وزاد في الاسهال. # ومن أراده لتقوية المعدة وإسخانها، فيجعل بدل الخل شراب ريحاني عفص. ومن ~~أراده (1) لتليين البطن، فيطبخ معه سلقا وقطفا وقرعا أو خبازي أو البقلة ~~المعروفة بالملوخية. # وأما على سبيل الغذاء فيكون على ضروب: منه ما يتخذ ساذجا باللحم الطري، ~~ومنه ما يتخذ # PageV00P234 # بالشعير، ومنه ما يتخذ بقضبان السلق، ومنه ما يتخذ باللحم المكسود (1). ~~فأما ما يطبخ ساذجا باللحم فعلى هذا المثال: يؤخذ اللحم فينظف ويصير في قدر ~~ويلقى عليه من الماء غمره مرتين. ويؤخذ العدس ويغسل ويلقى عليه من الماء ~~العذب عشرة أمثاله. وتحمل القدر على النار، ويجعل عليها غطاء. فإذا غلى ~~الماء الذي فيه اللحم وارتفعت رغوته، نزعتها بمغرفة مثقبة حتى يتنطف (2) ~~الماء ويصفو ويلقى عليه بعد ذلك كسبرة رطبة وبصل وأعواد شبت وأصل كراث ~~مقطع. فإذا ربا العدس وانتفخ غاية انتفاخه وقارب النضج، ms240 نحيت ذلك عنه ~~وغسلته بماء حار وألقيته على اللحم بسرعة قبل أن يناله برد الهواء فيصلبه ~~ويمنعه من النضج، ويطبخ حتى يقارب النضج، ويطيب بكسبرة يابسة وخل وشئ من ~~فلفل وكمون وفوذنج ونعنع وصعتر، فإن ذلك مما يزيل عنه أكثر رياحه ونفخه ~~ويسهل انحداره، وربما عذب بشئ من السكر فيزيد ذلك في ضرره، لان الحلاوة مع ~~الأغذية الغليظة تولد سددا وغلظا في الكبد لان الأعضاء تستلذ العذوبة وتجذب ~~منها مقدارا أكثر، فإذا كان معها طعام غليظ تعذر انهضامه وعسر نفوذه في ~~العروق ولبث في أفواه العروق زمانا، وولد سددا وغلظا. وربما طبخ بغير خل، ~~فيكون ذلك أيضا زائدا (3) في ضرره، لان الخل يقطع غلظه ويعين على انهضامه. # وأما ما يطبخ من العدس بالشعير، فإنه أعدل مزاجا وأقل ضررا لان ليانة ~~الشعير وسرعة انهضامه يزيل عن العدس أكثر قحله وجفافه، فيتولد بينهما غذاء ~~عجيب محمود يسميه الأوائل كشك العدس، إلا أنه لا ينبغي أن يكون مقدار ~~الشعير والعدس مقدارا واحدا، لان الشعير من شأنه أن يربو وينتفخ ويذوب ~~وينحل في الماء. ولذلك يقوم المقدار القليل منه مقام الكثير من العدس. ~~ولهذا ما وجب أن يكون مقدار الشعير نصف مقدار العدس، ويعمل على هذا المثال: ~~يؤخذ من الشعير المقشر المنسوف من القشر والنخال جزء فيغسل بالماء وينظف ~~ويلقى عليه مثل كيله عشرون مرة ماء، ويغطى القدر بغطاء، ويطين الوصل بعجين ~~أو بغيره، ويحمل على نار جمر. ثم يؤخذ من العدس المقشر جزء ويغسل وينظف ~~ويلقى عليه عشرة أمثاله ماء، ويغطى القدر ويحمل على النار. فإذا قارب النضج ~~وربا وانتفخ الشعير غاية انتفاخه، نزعت رغوته ونحي نفاؤه (4) عنه وغسل بماء ~~حار وألقي العدس على الشعير بسرعة قبل أن يناله برد الهواء ويطبخان حتى ~~يصيرا جميعا والماء شيئا واحدا، ثم يلقى عليهما شئ من ملح مسحوق ويحرك حتى ~~يذوب الملح وينزل عن النار ويستعمل. وربما جعل فيه، في وقت ما يلقى العدس ~~على الشعير، صعتر وفوذنج جبلي وبستاني ونعنع وفلفل وكمون وزيت انفاق ودهن ms241 ~~لوز، فيكون ذلك زائدا في سرعة انهضامه، ومانعا من غلظه وضرره. وأما ~~المياسير (5) وأهل النعم، فكثيرا ما يجعلون فيه عسلا # PageV00P235 # وغيره من الحلاوة، وليس ذلك بالمحمود ولا بالطائل (1)، لان ذلك يعينه على ~~توليد السدد والغلظ في الكبد والطحال. فإن كان قد تقدم فيهما جشأ (2)، كان ~~ذلك زائدا فيه. وقد يفعل مثل ذلك أيضا إذا خلط معه.. # (3). # وأما ما يتخذ من العدس بالسلق، فيلحقه الاعتدال من وجه آخر، لأنه يتولد ~~بينهما قوة تعين على إطلاق البطن لان الغذاء المتولد منهما مركب من قوتين: ~~من ملوحة السلق، وقبوضة العدس. فهما مركبان أسرع من العدس انهضاما ~~وانحدارا، وإن كانا أقل من السلق، مفردا، انحدارا. إلا أن استعمال العدس مع ~~الشعير أفضل كثيرا، للفضل الذي لغذاء الشعير على غذاء السلق، لان فضل ~~الشعير مع العدس هو توليد الدم المحمود والغذاء الفاضل وتليين صلابة العدس ~~وقحله. وفضل السلق مع العدس إنما هو معونته على تليين البطن فقط. وأما ~~الغذاء المتولد بينهما، فليس بالمحمود لأنه يقرب من المرة السوداء. # فإن عارضنا معترض بقشر العدس، وقال: فإذا كانت (4) فضيلة السلق مع العدس ~~إنما هي (5) لتليين البطن فقط، فلم كانت هذه الفضيلة لقشر العدس مع العدس ~~أيضا؟ لما في قشر العدس من المعونة على إطلاق البطن. قلنا له: إن هذا ~~الكلام يفسد من جهتين: إحداهما: أن قشر العدس له جرم كثيف صلب قحل عسير ~~الانهضام بعيد من الغذاء، لا غذاء له أصلا. ولذلك صار زائدا في غلظ العدس ~~وبعد انهضامه. ولهذه الجهة صار العدس إذا أخذ بقشره، حدث بينهما مصارعة ~~ومجاذبة حتى يعرض من ذلك أمغاص ورياح نافخة مؤلمة مؤذية. وجرم السلق فلطيف ~~ملين جلاء سريع الانهضام والانحدار، يغذو غذاء يقرب من الرطوبة. ولذلك صار ~~العدس معه غير مذموم. والثانية: أن قشر العدس إنما يعين الاطلاق لحدة فيه ~~وحرافة، والسلق يفعل ذلك بإذابة وتلطيف وإزلاق. ولذلك صار أفضل من قشر ~~العدس كثيرا. # وأما ما يتخذ من العدس باللحم المكسود، فمذموم جدا بين الفساد لان اللحم ~~المكسود في نفسه ms242 غليظ بطئ الانهضام قليل الرطوبة محرق للدم، بقوة ملوحته، ~~مولد للفضل الحاد السوداوي. # والعدس فقد اكتفى بفساده من غيره، بل هو محتاج إلى ما يلطفه ويفيده ليانة ~~واعتدالا. واللحم المكسود فيفيده رداءة وفسادا (6) لغلظه وعسر انهضامه ~~وإحراقه للدم وإضراره بالمعدة، لاتعابه (7) لها بغلظه وتلذيعه لها بحدته ~~وحرافته. ولذلك صار من أضر شئ يستعمل مع العدس، ولا سيما إذا كان العدس ~~بقشره. # PageV00P236 # فإن أراد مريد استعماله باللحم المكسود مع كشك الشعير، كان أقل لضرره ~~وأصلح لغذائه. # وأما اللحم القريب العهد بالتمليح، فلا بأس أن يستعمل مع اللون المعروف ~~بكشك العدس المتخذ من العدس والشعير جميعا على ما بينا آنفا. ومن أفضل ما ~~عولج به لدفع ضرره، أن ينحى عنه قشره ويسلق سلقة جيدة ويرمى بمائه الذي ~~يسلق به، ويطبخ بماء ثان (1) ويطيب بالخل والحبق الجبلي والصعتر والنعنع ~~والفلفل والكمون والزيت الانفاق، أو دهن اللوز، أو دهن خل. وقال ديسقوريدوس ~~في العدس: أنه إذا خلط مع إكليل الملك وسفرجل ودهن ورد وحمل على العين، حلل ~~أورامها الحادة. # وإذا (2) حمل على أورام المعدة، فعل مثل ذلك. وإذا خلط مع قشر الرمان ~~والورد اليابس وطبخ مع عسل، نفخ من قروح المعدة وأورامها العظام، ونفع من ~~تنفط (3) البدن والحمرة والشقاق العارض من البرد. وإذا طبخ بماء البحر، نفع ~~من الثدي الوارم من تعقد اللبن. # PageV00P237 # في العدس الذي يكون على وجه الماء المعروف بالطحلب هو أبرد من العدس ~~كثيرا، إلا أنه رطب في برودة، ورطوبته في الدرجة الثانية. ولذلك صار نافعا ~~من الحمرة والأورام والنقرس الحار إذا ضمد به وحده، أو مع سويق الشعير. ~~وإذا حمل على قيلة (1) الصبيان أصغرها. # في الحبة المعروفة بالمبقية زعم جالينوس في كتابه (في العقاقير البسيطة): ~~أن هذه الحبة لها قوة قابضة كقوة العدس، وتؤكل كما يؤكل العدس، إلا أنها ~~أعسر انهضاما وأقوى تجفيفا. # PageV00P238 # القول في الماش الماش بارد في الدرجة الأولى، متوسط بين اليبوسة ~~والرطوبة، وإن كان إلى اليبس أميل قليلا، وفى قشره قبض وعفوصة. والمقشر منه ~~يولد خلطا فاضلا، ms243 وليس هو بنافخ ولا مولد للرياح مثل الباقلي، إلا أن غذاءه ~~أقل من غذاء الباقلي وأبعد انحدارا لأنه أقل رطوبة. ولجالينوس فيهما فصل ~~قاله: إن الماش في طبيعته مشاكل لطبيعة الباقلي إلا في خلتين: إحداهما: أنه ~~لا ينفخ مثل الباقلي، والثانية (1): أنه لا يولد رياحا كما تولد الباقلي. ~~وأحمد الأوقات التي يستعمل فيه الماش، زمان الصيف، وفى المزاجات الحادة ~~والأوجاع الكذلك. ومن خاصته أنه إذا ضمدت (2) به الأعضاء المرضوضة، جبرها ~~وسكن آلامها وبخاصة إذا عجن بمطبوخ. # وقد يتخذ على ضروب من الصنعة، فينفع من علل شتى. وذلك أن من أراد ~~استعماله للنوازل والسعال وأوجاع الصدر، اتخذ منه حسوا كما يتخذ من ~~الباقلي. ومن أراد استعماله لأصحاب حميات الدم والمرة الصفراء، طبخه مع ~~الشعير المقشر المرضوض، أو القطف أو البقلة اليمانية، وأضلاع الخس. # ومن أراده لقطع الاسهال سلقه ونحى عنه ماءه الذي سلق به، وطبخه بماء ثان ~~(3) مع بقلة الحماض وقضبان الرجلة وماء الرمان الحامض وماء السماق والزيت ~~الانفاق، أو دهن اللوز المستخرج من اللوز المحمص بقشره الداخل. وإن حمص ~~اللوز بقشره الداخل، وأنقع في ماء السفرجل أو ماء الرمان الحامض أو ماء ~~الحصرم، وجفف واستخرج دهنه بعد ذلك، كان أقوى لفعله في حبس البطن لان اللوز ~~إذا لم يفعل به ذلك ولم يحمص، أطلق البطن. ومن أراد استعماله للزيادة في ~~إطلاق البطن، طبخه بماء القرطم ودهن اللوز الحلو. # PageV00P239 # القول في الحمص هذا الجنس من الحبوب يغذو غذاء كثيرا ويلين البطن ويدر ~~البول والطمث، إلا أنه يولد رياحا ونفخا. ولذلك صار زائدا في المني ومقو ~~(1) للانعاظ. إلا أنه ينقسم قسمة أولية على ضربين: لان منه الأخضر الطري ~~الذي لم يستكمل انعقاده وجفافه على نباته (2). وأما الطري الأخضر، فأنت ~~قادر على أن تميز حاله من حال الباقلي الطري إذا أضفت يابسه إلى يابس من ~~الباقلي، لان إضافة الباقلي الطري إلى اليابس منه، كإضافة الحمص الطري إلى ~~اليابس منه. وأما ما قد تم انعقاده وكمل جفافه على نباته، فيكون على ضربين: ~~لان منه ms244 الأبيض، ومنه الأسود. والأبيض منه حار في الدرجة الأولى، رطب في ~~وسطها، كأن رطوبته قريبة من الاعتدال. ولذلك صار غذاؤه أكثر من غذاء ~~الباقلي، وإن كان ليس بالجيد لأنه عسير الانهضام مولد للرياح والنفخ كثيرا، ~~حتى أنه كثيرا ما ينفخ الجوف ويزيد سعة موضعه، ويفعل فيه فعل الخل في الطين ~~اليابس، أو الخمير في العجين. ومن قبل ذلك، صار يحسن لون المدمن عليه، لان ~~اللحم إذا ربا وانتفخ، امتدت البشرة ورقت وصفت في لونها وحسنت. ولهذا أيضا ~~صار معينا على الجماع، زائدا في الانعاظ، من قبل أن الجماع يحتاج في تمامه ~~إلى ثلاثة أشياء هي مجتمعة في الحمص: أحدها: طعام يكون فيه من زيادة ~~الحرارة واعتدالها ما يقوي الحرارة الغريزية وينبه الشهوة للجماع. والثاني: ~~غذاء فيه من كثرة الغذاء ورطوبته ما يرطب البدن ويزيد في المني. والثالث: ~~فيه من الرياح والنفخ ما يملا أوراد القضيب وعروقه وينفخه ويقوي غضبته (3) ~~ويصلبه. وكل ذلك موجود في الحمص لان فيه حرارة معتدلة متوسطة في الدرجة ~~الأولى، ورطوبة زائدة كثيرة الغذاء والترطيب ورياح نافخة قوية معينة على ~~الانعاظ. # ولجالينوس في رياح الحمص قول قال فيه: إن رياح الحمص ونفخه ليس بدون رياح ~~الباقلي ونفخه، غير أن غذاء الحمص أكثر، وجلاؤه أقوى، لان فيه قوة قطاعة ~~ملطفة. ولذلك صار مدرا للبول والطمث منقيا للكبد والطحال والكلى، مفتحا ~~لسددها، مفتتا (3) للحصى، مخرجا (4) للدود وحب القرع من # PageV00P240 # البطن. إلا أنه إذا وافى في الكلى والمثانة عقرا أضر بها. ولذلك وجب أن ~~لا يؤكل قبل الطعام ولا بعده، لكن في وسطه، لأنه إن قدم قبل الطعام، انحدر ~~بسرعة قبل تمام هضمه لما فيه من قوة الجلاء والتلطيف وقام عند الطبيعة مقام ~~الغذاء. وإن أخذ بعد الطعام، اختلط بالطعام ومنعه أن يطفو وأن ينحدر بسرعة ~~وانهضم رويدا رويدا وفعل فعل الدواء والغذاء جميعا. # وللفاضل أبقراط في الحمص قول قال فيه: إن في الحمص جوهرين مختلفين إذا ~~طبخ فارقاه، وصار إلى الذي يطبخ به: أحدهما: حلو، والآخر: مالح. فهو ~~لحلاوته ms245 يجلو وينقي ويغذو غذاء حسنا، ويزيد في اللبن والمني جميعا، ويطلق ~~البطن ويحلل الأورام إذا حمل عليها وبخاصة أورام المذاكير (1) وأصول ~~الآذان. وبجوهره المالح يقطع الفضول ويلطفها ويدر البول والطمث جميعا، ~~ويطلق (2) وينفع من اليرقان والاستسقاء، وينقص المواد المولدة لهما بالبول، ~~وينفع من الحكة العارضة في البدن والرأس إذا اغتسل بمائه، وينقي القوابي ~~إذا لطخ عليها. وزعم جالينوس أن فيه مرارة يسيرة بها صار يفتح السدد ويدر ~~الطمث ويسهل خروج الجنين من البطن وينفض الدود وحب القرع من الجوف، وينفع ~~من اليرقان العارض من سدد الكبد والمرارة ويفتت الحصى، إلا أنه مضر بقروح ~~الكلى والمثانة. # وأما الأسود منه، فهو أكثر حرارة وأقل رطوبة من الأبيض. ولذلك صارت ~~مرارته أظهر على حلاوته، وصار فعله في تفتيح سدد الكبد والطحال وتفتيت ~~الحصى وإخراج الدود وحب القرع من الجوف وإسقاط الأجنة، والنفع من الاستسقاء ~~واليرقان العارض من السدد في الكبد والمرارة أقوى وأظهر، ولا سيما إذا طبخ ~~معه كرفس وفجل وقطر على مائه الذي يشرب منه دهن اللوز. وأما في زيادة المني ~~واللبن وتحسين اللون وإدرار البول، فالأبيض أخص بذلك وأفضل لعذوبته ولذته ~~وكثرة غذائه، ولا سيما إذا غسل وأنقع في ماء من الليل إلى الصبح، وطبخ ~~بمائه الذي أنقع فيه لتخرج عذوبة جوهره في مائه وشرب على الريق. # ولديسقيريدس في الحمص البستاني قول قال فيه: إنه على ضربين: لان منه صنفا ~~يسمى أورنياس (3)، وصنفا يسمى فوفوس (4). وكلاهما إذا سقي طبيخهما مع شحم ~~ليناقوطس (5)، نفع من اليرقان والحبن (6) بإخراجهما للفضول بالبول. ~~والمعروف بأورنياس خاصة إذا طبخ دقيقه بماء وعسل، وعمل منه # PageV00P241 # ضماد، نفع من ورم الأنثيين والقوابي وقروح الرأس الرطبة والجرب والقروح ~~الخبيثة. وزعم أن قوما من الناس يقولون أنه يبرء من الثواليل الصلبة إذا ~~أخذ من الحمص حبه ووضع كل واحدة على ثالول في أول الشهر، ثم يجمع ذلك الحمص ~~ويشد في خرقة، ويرمى بها إلى خلف. # ومن الحمص نوع آخر بري ورقه يشبه ورق الحمص البستاني وثمرته مخالفة ~~لثمرته، له مرارة ms246 في طعمه، وحدة في رائحته. ولذلك صار فعله في جميع ما ~~يفعله الحمص البستاني أقوى وبخاصة في إسقاط الأجنة وقتل الدود وحب القرع ~~وإخراجها من البطن. PageV00P242 # القول في اللوبيا أما اللوبيا (1) فحار في وسط الدرجة الثانية، رطب في ~~آخرها. والدليل على فضل رطوبته أن كثيرا منه لا يمكن أن يجفف ولا يخزن، ~~وإنما يؤكل طريا رطبا. والذي يمكن أن يجفف أيضا، إن يستقصى تجفيفه، لا يمكن ~~أن يبقى الشتاء كله من غير أن يعفن أو يتآكل. ولذلك قال جالينوس: إن ~~اللوبيا لا يمكن أن تخزن كما تخزن سائر الحبوب بالطبع. ولذلك لا يمكن أن ~~يحبس إلا أن يبالغ في تجفيفه الغاية القصوى، كما كان بعض الأوائل يفعل ~~ليمكث عنده الشتاء كله. ولما فيه من كثرة الرطوبة، صار غذاؤه أكثر وأميل ~~إلى البلغم الغليظ. فهو لذلك يولد أخلاطا غليظة ورياحا نافخة وبخارات تملأ ~~الرأس وتحدث أحلاما رديئة فاسدة، وإن كانت رياحه دون رياح الباقلي كثيرا، ~~كأنها قريبة من رياح الماش، إلا أنه أسرع انحدارا من الماش، غير أن الدم ~~المتولد عنه أقل جودة من الدم المتولد من الماش لأنه أغلظ وأقرب إلى ~~البلغم. ولذلك صار محتاجا إلى ما يلطفه ويقطع غلظه، مثل المري والفلفل ~~والكمون وما شاكل ذلك. إلا أنه ينقسم قسمة جنسية على ضربين: لان منه أبيض، ~~ومنه أحمر. وكل واحد منهما فقد يكون رطبا ويكون يابسا. # والأبيض منه أقل حرارة وأكثر رطوبة. ولذلك صار أغلظ وأبطأ انهضاما، وأقرب ~~من توليد الدم البلغماني الغليظ. ومما يستعمل (2) به على دفع ضرره وسرعة ~~انهضامه أن يسلق ويقشر من قشره ويؤكل بمري وزيت وكمون وفلفل، ليكون المري ~~عوضا من الملح. وأما المري فيؤكل، مقشرا من قشره، بخردل وملح وصعتر وفلفل، ~~ويشرب عليه نبيذ صرف، فإن ذلك يعين على هضمه، ويقطع غلظه. وقد يربى هذا ~~النوع بالخل فتقل رطوبته وحرارته، إلا أن انهضامه وانحداره يقصر عما كان ~~عليه، لما يكتسبه من حرارة الخل. # PageV00P243 # وأما الأحمر، فهو أكثر حرارة وأقل رطوبة من الأبيض. ولذلك صار ms247 أحمد وألطف ~~وأخص بمنافع غير منافع الأبيض، لأنه يدر البول والطمث جميعا. فمن أراد ~~استعماله لادرار الطمث، فليأخذ من مائه المطبوخ به ثلاث أواق (1) ويلقي ~~عليه من دهن الناردين خمسة دراهم (2)، ومن القنة نصف درهم أو نصف مثقال ~~ويخلط جيدا ويشرب فاترا، إن شاء الله. # PageV00P244 # في الكرسنة أما الكرسنة فمقدارها في الحرارة واليبوسة حسب مقدارها من ~~المرارة. إلا أن اليبس عليها أغلب، حتى كأن يبسها في الدرجة الثانية ~~وحرارتها في الدرجة الأولى. ولذلك صارت تجلو وتقطع بلطافة وتفتح السدد. ~~وإذا أخذ منها ما كان سمينا أبيض وقشر برحى اليد، ثم سحق وعمل من دقيقه ~~حسو، أطلق البطن وأدر البول والطمث جميعا، وحسن اللون ولين البشرة، إلا أن ~~الاكثار منه والادمان عليه يولد الدم، وربما أحدث زعافا. فإن غسل بالماء ~~مرات كثيرة حتى يطفو ويبقى الماء صافيا ليس فيه شئ من التغيير، وجفف وعمل ~~منه نشاستج كما يعمل من الحنطة والشعير وسائر الحبوب، زال عنه أكثر حدته، ~~وسلم الانسان من أذيته وثبتت منافعه. وإذا طبخ دقيق الكرسنة مع الحشيشة ~~المسماة اليثانوطيس ونوع من الكندر، نفع من الاستسقاء واليرقان العارض من ~~سدد الكبد والمرارة. وإذا عجن بشراب وعمل منه ضماد، نفع من عضة الكلب، وإذا ~~عجن بعسل وطلي على الكلف، أبرأه. وإذا عمل على القروح الخبيثة والأورام ~~الصلبة، حللها. وماء طبخ الكرسنة إذا صب على الحكة والجرب العارضين من ~~البرد، نفع من ذلك. # وإذا عمل منه سويق وعجن بعسل، وأخذ منه كل يوم مقدار جوزة، كان موافقا ~~للمهازيل (1)، وصفته: يؤخذ منه ما كان سمينا أبيض فينقع في الماء وقتا ~~طويلا، ثم ينحى ذلك الماء عنه، ويترك حتى يتشرب ماء من غير أن يجف، ثم يغلى ~~حتى ينشق القشر ويتبرأ من جرمه، ويطحن وتنشف قشوره، وينعم سحقه، ويستعمل ~~على ما وصفته. # PageV00P245 # في الترمس أما الترمس فجوهره صلب أرضي، إلا أنه حار في الدرجة الثالثة، ~~يابس في آخرها. وقد يستدل على أرضيته من كثافة جسمه، وعلى حرارته ويبسه من ~~قوة مرارته. ولذلك صار دقيقه ms248 إذا عجن بعسل ولعق وشرب عليه خل متل (1) الدود ~~وحب القرع وأخرجه من البطن. وإذا أنقع في الماء حتى يلين وأكل بمرارته، فعل ~~مثل ذلك أيضا. وماؤه الذي يطبخ به إذا شرب مع سذاب وفلفل، فعل مثل ذلك أيضا ~~ونقى الأحشاء تنقية حسنة ونفع المطحولين (2). وإذا طبخ وغسلت (3) بمائه ~~القروح الخبيثة الوسخة، نقاها. وإذا غسل به الجلد، نقى الأوساخ وذهب ~~بالآثار الظاهرة في الجلد والبهق، ونفع من ترهل البدن والحكة. وإذا أخذ ~~دقيقه وأنقع في ماء مطر أياما وطبخ في مائه الذي أنقع فيه حتى يتهرأ، وحمل ~~على الكلف الأسود، أبرأه ونقى الوجه. وإذا خلط بتمر وعسل، واحتملته المرأة، ~~أدر الطمث وأحدر الجنين. وإذا طبخ بخل وحمل على الخنازير، حللها. # وزعم ديسقوريدوس أن الترمس إذا طبخ مع أصل نبات يدعى خامالاون وهو ~~المازريون الأسود، وغسل بمائه الغنم الجربة وهو حار، أبرأها من الجرب. وأصل ~~شجرة الترمس إذا طبخ بالماء وشرب، أنزل البول. وماء الترمس العذب الذي قد ~~أزيلت عنه مرارته بالصنعة، فإنه غليظ أرضي بطئ الانهضام والانحدار، عسير ~~النفوذ في العروق، ويولد خلطا غليظا نيا من جنس الخام. ولذلك لم يكن له ~~معونة على إطلاق البطن، والأطعمة التي لها جلاء، ولا على حبس البطن ~~كالأطعمة القابضة المقوية، لكنه غليظ كثيف صلب فيه شئ من القوة اللاصقة. ~~ولذلك صار غذاؤه كثيرا أقرب من العدس وأفضل، لان العدس أكثر قحلا وجفافا. ~~وإذا أخذ بعد أن يعذب وتزول عنه مرارته ودق نعما، وشرب بخل، أزال الغثيان ~~ونفع من ذهاب شهوة الطعام. وإذا أكل وفيه مرارة، كان أسرع لانهضامه ~~وانحداره عن المعدة وقتل الدود وحب القرع الكائن في المعاء. وماؤه الذي ~~ينقع فيه ويعذب به إذا غسلت به الحيطان والأسرة التي يتولد فيها البق، ~~قتلته وذهبت به. وزعم بعض الأوائل أن دقيق الترمس إذا حمل على المواضع التي ~~ينتف منها الشعر، بعد نتف الشعر منها، منع الشعر من النبات. # PageV00P246 # في الحلبة الحلبة تكون على ضروب: لان منها الورق الأخضر الذي لم يبرز ~~بعد، ومنها ms249 ما ينبت في المنازل والدور، ومنها الحب اليابس الذي قد استكمل ~~جفافه على نباته. فأما الحب الجاف اليابس، فحار في الدرجة الثانية، يابس في ~~الدرجة الأولى، له لزوجة وإزلاق وقوة على الجلاء والتنقية. والدليل على ~~جلائه، قوة حرارته. ولذلك صار دقيقه إذا عجن بعسل يسير، هيج المعاء، بقوة ~~مرارته، إلى دفع ما فيها من الأخلاط اللزجة، وحلل الرياح الغليظة. إلا أن ~~العسل الذي يعجن به، يجب أن يكون يسيرا وإلا أفاد لذعا وإسخانا، وأحمى ~~الكبد وألهبها. وإذا طبخ وشرب ماؤه بعسل، كان ألطف ونقى المعاء من الفضول ~~العفنة والاتفال المنتنة، وطيب رائحة الثفل، ونفع من عفن المعاء والزحير ~~(1) العارض من البلغم الغليظ اللزج المرتبك في المعاء اللاصق بالمبعر (2). ~~وإذا طبخ مع التين والتمر وصفي ماؤه وخلط معه عسل، وطبخ ثانية حتى يصير ~~بمنزلة الناطف اللين، وتناوله على الريق من كان به وجع مزمن في صدره وسعال ~~متقادم من بلغم لزج ورياح غليظة، نفع ذلك ونقى الصدر من الرطوبات الغليظة ~~الفاسدة. # وإذا طبخ وشرب ماؤه مع خمسة دراهم فوه (3) معجونة بعسل، فتح سدد الأرحام ~~ونقاها من الفضول الغليظة، وحلل أورامها وأنزل الطمث. وإذا حملت الحلبة على ~~الأورام، حللت منها ما كان قليل الحرارة، وهيجت ما كان كثير الحرارة. ومن ~~خاصتها: أنها إذا شربت، طيبت رائحة البدن والثفل، وأنتنت البول والعرق ~~جميعا وغيرت النكهة. # ولديسقوريدوس فيها فصل قال فيه: إن دقيق الحلبة إذا خلط بنطرون (4) وخل، ~~وضمد به الطحال، حلل حشاه. وإذا خلط بماء قراطن، أي شراب العسل، وطبخ وتضمد ~~به، كان ملينا محللا. # وإذا جلس النساء في طبيخ الحلبة، نفع من أوجاع الأرحام وأورامها ~~وانضمامها. وإذا خلط دقيق الحلبة بشحم لوز وتحملته المرأة، لين صلابة الرحم ~~وفتح انضمامها. وإذا طبخت الحلبة بماء وعصرت، وغسل الرأس بعصارتها، نفعت ~~الشعر ونقت الرأس من النخالة والقروح الرطبة. وإذا شرب ماؤها، نفعت من ~~المغص العارض من الرياح وأزلقت المعاء. وقد يتخذ من الحلبة دهن يجعد الشعر. # PageV00P247 # صفة عمل دهن الحلبة يؤخذ من الحلبة تسعة أرطال، ms250 ومن الزيت خمسة أرطال، ~~ومن قصب الذريرة (١) رطل، ومن السعد (٢) رطلان - وفى نسخة أخرى: من السعد ~~رطل - ينقع ذلك في الزيت سبعة أيام، ويحرك كل يوم ثلاث مرات، ويعصر ويرفع. ~~ومن الناس من يجعل بدل قصب الذريرة قردمانا (٣) وبدل السعد قشر عود البلسان ~~(٤) الأخضر الذي يلي العود. ومن الناس من ينقع <هذه> الأدوية بدءا ~~بالزيت الأخضر، ثم يصفيه، وينقع الحلبة بعد ذلك فيه. ولهذا الدهن قوة قوية ~~ملينة للأورام، محللة للأوجاع، وبخاصة أوجاع الأرحام وأورامها. ويعمل منه ~~حقنة لرحم المرأة التي قد عسر ولادها، إذا خف الولد لافراط خروج الرطوبات ~~من الرحم. وينفع من أورام المقعدة والزحير إذا احتقن به. وقد يحتقن به ~~للمغص. # وقد يخلط بأدوية الكلف ويدهن <به> الرأس فيجلو النخالة والأتربة ~~منه، وينقي القروح الرطبة. وإذا خلط بالشمع، نفع من الشقاق العارض من ~~البرد. وأجوده ما كان حديثا لم يغلب عليه ريح الحلبة كثيرا، وفى طعمه حلاوة ~~مع مرارة. # وأما الحلبة المنبتة في الدور والمنازل، فهي أقل حرارة من الحب اليابس ~~كثيرا وأزيد، لما تكتسبه من رطوبة الماء. إلا أن الدم المتولد عنها ليس ~~بالمحمود. وإذا أكلت وحدها بغير مري ولا خل، أفسدت المعدة وغيرت النكهة ~~وولدت غثيانا وصداعا. وإذا أكلت على الريق بالخل، قل إضرارها بالمعدة ولم ~~تغثي، وأعانت على إطلاق البطن، ولم تضر بالرأس كإضرارها إذا أكلت وحدها. ~~وإذا أكلت مع الخبز على سبيل الادم، كانت (5) معونتها على تليين البطن أقل ~~وإضرارها بالرأس أيسر وأسهل. # وإن أكلت مع الخبز بالمري والخل على سبيل الادم أيضا، كان إضرارها أقل من ~~إضرارها إذا أكلت مع الخبز وحده من غير مري ولا خل. # وأما فعلها في تغيير النكهة، ونتن البول والعرق (6)، فهو دون ما يفعله ~~الحب اليابس لشدة رائحة الحب وقوة فعله. # وأما الورق الأخضر، فإن فعله قريب من فعل الحلبة المنبتة في المنازل ~~والدور، إلا أنه في ذلك كثير الرطوبة وسيلانه وسرعة انحداره (7). وزعم ~~جالينوس أن من خاصة هذا الورق أنه إذا أكل بالخل، نفع المعدة الضعيفة. ms251 ~~والله أعلم. # PageV00P248 # القول في السمسم السمسم فيه من الجوهر اللزج الدهني ما ليس باليسير. ~~ولذلك صار أكثر الحبوب دهنية ولزوجة. # إلا أن حرارته في الدرجة الأولى، ورطوبته في الدرجة الثانية. وهو على ~~ضربين: لان منه الأبيض المقشر، ومنه الأحمر الذي لم يقشر (1). ولذلك صار ~~أغلظ وأعسر انهضاما وأبعد انحدارا، لأنه لدهنيته، يطفو ويعوم في أعلى ~~المعدة، فيطول لبثه فيها ويبعد انحداره منها. ولذلك صار مضرا بها لأنه ~~يكسبها لزوجة ورخاوة ويلين خملها (2) ويضعف فعل القوة الماسكة والهاضمة ~~جميعا، وينتقل إلى الدخانية وجنس المرار بسرعة، ويحدث عطشا، ويحثر (3) ~~البصر، ويولد غذاء دسما. ومن قبل ذلك لم يمكن أن يكون فيه قوة على حبس ~~البطن أصلا، وعلى تقوية شئ من أعضاء البدن. ودهنه أضعف في ذلك منه، لأنه لا ~~يلبث في الأعضاء ويتمكن منها تمكن الجرم فيها. # ومن خاصيته: أنه يغثي ويفسد النكهة ويغيرها وبخاصة إذا تبقى منه شئ بين ~~الأسنان. فإذا أكل بالعسل، كان أقل لضرره، وإذا طبخ دهنه بماء الآس والزيت ~~الانفاق، كان محمودا لتصليب شعر الرأس إذا دهن به. وإذا استخرج من سمسم ~~مقلو وأخذ منه مقدار أوقيتين مع أوقيتين من نقيع الصبر (4) وأوقيتين ماء ~~نقيع الزبيب المنقى من عجمه، وشرب على الريق، نفع من خشونة سطح البدن ومن ~~الحكة العارضة في جميع البدن من الدم الحار والبلغم المالح. وإن جعل مع هذا ~~الدواء من الفانيد (5) خمسة دراهم، كان أحمد له وأجود. والمقلي من السمسم ~~أقل ضررا لأنه أقل لزوجة وألطف. # وأما الذي بقشره، فهو أسرع انحدارا وخروجا، لأنه أضعف فعلا في جميع ما ~~ذكرنا. والسبب في سرعة انحداره، ما في قشره من النخالة وقلة اللزوجة. وإذا ~~عدمها أصلا، فهو لجفافه يداخل أجرام # PageV00P249 # السمسم خارجا، ويخلخلها ويفرق اتصالها حتى تنفذها الحرارة الغريزية ~~باطنا، ويقوى على هضمها ويحدرها بسرعة. والمقشر من السمسم أبعد انحدارا ~~وأكثر تسمينا للأبدان لغلظ جرمه وكثرة دهنية جوهره. إلا أنه أسرع استحالة ~~إلى الدخانية وجنس المرار. إلا أنه أقل تسمينا للأبدان لجفاف قشره (1). # ومن خاصة ورق ms252 السمسم أنه إذا غسل به الرأس، أكسب الشعر طولا وليانة، ونقى ~~الأتربة العارضة في الرأس واللحية. وشاهدت العوام يأخذون الماء الذي ينقع ~~فيه السمسم، فيسقونه لمن تعذر عليه الطمث من النساء، فيدره (2) وللحبالى ~~فيسقط الأجنة. ويقال: أن حبه نافع من جميع السمائم، وليس ذلك بمنكر، لأنه ~~بدهنيته، يسد المجاري ويمنع السم من الوصول إلى القلب، ويكسب القلب أيضا ~~لزوجة تحول بين السم وبين التمكن من القلب. وأما ديسقوريدوس، فإنه لم يفرق ~~بين دهن السمسم ودهن الجوز وجعلهما جميعا مقام دهن ألبان (3). وجالينوس لم ~~يساعده على ذلك. # PageV00P250 # القول في الخشخاش الخشخاش نوعان: أحدهما: الزنفي المعروف بالبستاني لأنه ~~مزروع في البساتين والمزارع، والآخر: بري. والبستاني ينقسم قسمين: لان منه ~~ما رمانه <أميل> إلى الطول وبزره أبيض، ومنه ما رمانه مستدير وبزره ~~أسود، وهو الخشخاش الذي يستخرج الأفيون من لبنه. وكثيرا ما يكون في الخشخاش ~~الأبيض خشخاش أحمر، غير أن الخشخاش الأبيض ألطفها وأحمدها وأفضلها غذاء، ~~ذلك لقلة برده وجفافه، من قبل أن برودته في الدرجة الأولى وينتهي إلى أول ~~الثانية، ويبسه في وسط الدرجة الثانية. ولذلك صار كثير من الناس من ينثره ~~على وجه الخبز ويأكله. # وزعم ديسقوريدوس أن من الناس من يصنع منه خبزا ويأكله في حال الصحة، وإذا ~~كان الغذاء المتولد عنه يسيرا (1) جدا عسير الانهضام. والسبب في قلة غذائه، ~~قحله وجفافه وقلة رطوبته بالطبع. # والسبب في بعد انهضامه، غلظ الكيموس المتولد عنه لفجاجته وضعف حرارته. ~~ومن خاصيته: أن الاكثار منه يخدر الحاسة ويجلب النوم المعتدل. وإذا طبخ ~~بالماء العذب وحمل على الرأس، فعل شبيها (2) بذلك أيضا. وإذا أخذ منه لعوقا ~~أو شرابا، كان نافعا من السعال العارض من الرطوبات الحادة الرقيقة السيالة ~~المنحدرة من الرأس إلى الصدر والرئة. وقد ينفع أيضا من الاسهال المري ~~المزمن، إلا أن فعله في ذلك أضعف من فعله في السعال، فإن خلط معه ~~هيوفقسطيداس (3) وشئ من ماميثا (4)، قوى فعله في حبس البطن. وأما طبيخه، ~~فضعيف الفعل في ذلك جدا حتى أنه ربما أعان على ms253 تليين البطن، من قبل أن في ~~هذا النوع من الخشخاش، مع جوهره الحابس للطبيعة، جوهرا ملينا (5) للبطن. ~~فإذا طبخ بالماء فارقه الجوهر الملين للبطن وخالطه الماء، وزالت (6) عنه ~~معونته على الاطلاق للبطن. ولذلك صار # PageV00P251 # جوهر الخشخاش، أعني جرمه، موافقا لمن كان محتاجا إلى تليين البطن. # فإن عارضنا معارض وقال: فلم لا أعطيت جوهره الملين للبطن، وقلت: أنه إذا ~~طبخ بالماء فارقه جوهره الحابس للطبيعة، وخالطه الماء وصار معينا على حبس ~~الطبيعة؟. # قلنا له: إن الجوهر الحابس للطبيعة ضعيف فيه جدا، من قبل أن يبسه في ~~الدرجة الثانية، والماء فمضاد ليبسه بإفراط رطوبته. فإذا خالط الماء ~~الخشخاش، غلب على يبسه وحله ومنع من فعله، لان رطوبته أقوى. وأما جوهره ~~الملين للطبيعة، فإن رطوبة الماء معينة له ومقوية لفعله. ولذلك ربا أثرها ~~في المعاء، وصار الماء معينا على تليين الطبيعة. # وأما الخشخاش الأحمر، فإن برده أقوى من برد الخشخاش الأبيض ويبسه أكثر، ~~لان برده في أول الدرجة الثانية، ويبسه في آخرها أو في أول الدرجة الثالثة. ~~ولذلك صار فعله في جميع ما ذكرنا من فعل الخشخاش الأبيض، أقوى وأظهر. # وأما الخشخاش الأسود، فإن قوة برده ورمانه وورقه داخلة في جنس الدواء ~~أكثر من دخولها في جنس الغذاء، لان برودته في أول الدرجة الرابعة، ويبسها ~~في وسطها. ولذلك صار فعله في جميع ما قدمنا ذكره من فعل الخشخاش الأبيض ~~والأحمر، أشد وأقوى وبخاصة في إخدار الحس وحبس البطن، وذلك لزيادة برده ~~وقبضه ولا سيما إذا كان الشراب المتخذ منه مطبوخا بماء المطر، لما في المطر ~~زيادة للقبض لقوة فعل الشمس فيه. ولذلك وجب أن يحذر الاكثار منه، لان ~~الاكثار منه يولد من السبات ما يستغرق الحرارة الغريزية ويطفئ نورها. ولهذه ~~الجهة صار مخصوصا بالاضرار بمن ضعفت حرارته الغريزية وغلب على مزاج قلبه ~~حرارة عرضية، مثل أصحاب حمى الدق (1) وغيرهم، وبمن قد اختلط عليه عقله، لان ~~من غلب على مزاج قلبه الحرارة العرضية لا يؤمن عليه أن تقاوم حرارته ~~العرضية برد الخشخاش وتدفعه عن ms254 نفسها فتنعطف ببرده على الحرارة الغريزية ~~وتطفئها لضعفها عن مقاومته. # ومن اختلط عليه عقله، فرطوبة دماغه الغريزية قد خفت وقاومت الفناء، ~~وحرارة دماغه قد صارت إلى غاية الضعف. وإذا كان ذلك كذلك، لم يؤمن على ~~الخشخاش أن يخدر حس الدماغ ويخمد نور الحرارة الغريزية ويهلك الانسان من ~~قرب. وأما عصارة هذا النوع من الخشخاش ولبنه الذي يسيل منه فإن تبريدهما ~~أقوى من تبريد البزر كثيرا، لان جوهر الخشخاش فيهما خالص محض (2). # ولذلك وجب أن يكون اليسير من فعلهما يقوم مقام الكثير من فعل البرد، وإن ~~كان - لبن الخشخاش أخص بذلك من العصار كثيرا، لان الجوهر فيه أوحد غير مشوب ~~بغيره، والجوهر في # PageV00P252 # العصارة مشوب برطوبة مائية. ولذلك صار متى أخذ الانسان من لبن الخشخاش ~~المعروف بالأفيون مقدار حبة الكرسنة، أخدر الحاسة ومنعها من الحس بالأوجاع، ~~وسكن الآلام، وفعل في السعال والاسهال أضعاف فعل البزر وجلب نوما قويا شديد ~~الاستغراق، وبخاصة متى زيد في مقدار ما يؤخذ منه، فإن عمل منه فتيلة ~~واحتملت من أسفل، جلبت نوما معتدلا. وإن أخذ منه شئ يسير وخلط بدهن الورد ~~ومسح على الجبين والأصداغ، سكن الصداع الصفراوي المحض السليم من النوازل ~~والرطوبات. وإن خلط بدهن لوز وشئ من زعفران، وعمل منه لطوخا، أسكن أوجاع ~~النقرس الحار المري، وإن شرب منه المقدار الكثير، استغرق نور الحرارة ~~الغريزية وأخمدها من قرب. ولذلك صار قاتلا لمن ضعفت حرارته الغريزية، وغلب ~~على مزاجه حرارة عرضية، ولمن قد أخلط عقله عليه، على ما بينا (1) آنفا. # وقد يغش بضروب من الغش، لان من الناس من يغشه بعصارة الخس البري، ومنهم ~~من يغشه بعصارة شياف ماميثا، ومنهم من يغشه بالصمغ العربي. والذي يغش ~~بعصارة الخس البري، فإن لمسه يكون خشنا ورائحته ضعيفة. والذي يغش بعصارة ~~الشياف ماميثا، فإنه إذا أديف (2) في الماء، صارت له رائحة كرائحة الزعفران ~~- وفى نسخة أخرى أن الذي يغش بعصارة الشياف يصير له لون كلون الزعفران -. ~~والذي يغش بالصمغ يكون لونه صافيا براقا ضعيف القوة جدا. ومن الناس ms255 من يبلغ ~~به الحنث إلى أن يغشه بالشحم، وقد يقلى على خرقة جديدة إلى أن يلين لونه ~~إلى الحمرة الياقوتية، ويدخل في إكحال العين. وحكى دياغورس عن سلسطراطس أنه ~~لم يكن يرى استعماله في أدوية العين والاذن، لأنه كان عنده يضعف البصر ~~ويثقل السمع ويشتت. وكان أندريا أوس يزعم: أن لبن الخشخاش لولا أنه يغش، ~~لكان يعمي من اكتحل به. # وأما قشر الخشخاش، فإنه إذا طبخ وحمل على الرأس منه مقدار معتدل، جلب ~~نوما معتدلا. # وإذا أكثرت منه، أحدث سباتا. # وأما الخشخاش البري، فهو أشد كراهة من الخشخاش البستاني جدا، وأقوى فعلا، ~~ولذلك صار لا يمكن الانسان أن يستعمله وحده فيسلم من أذيته، لأنه ينوم ~~تنويما قويا ويفسد الحاسة. وهو على ضربين: لان منه نوع يعرف بالمسن، لان ~~زهره ينتثر ويتساقط بسرعة، ورمانه إلى الاستدارة ما هو، وحبه أغزر وأسمن. ~~ومنه نوع آخر يعرف بالذائب، لان لبنه يذوب ويسيل ويجري منحدرا إلى أسفل. ~~ولذلك صار رمانه إلى الطول ما هو، وحبه أهزل وأكثر سلالا. أما طول رمانه، ~~فلسيلان رطوبته إلى أسفل، ولذلك صار حبه هزيلا من قبل أن رطوبته المغذية ~~لما كانت دائمة الهبوط إلى الأغصان، قل غذاؤه وكثر سيلانه. وأما بزره فيبلغ ~~من قوته أن يخدر خدرا شديدا ويميت الحس ويفسده، ولذلك صار الحذاق من # PageV00P253 # المتطببين يقيمونه مقام الأفيون المستخرج من لبن الخشخاش الأسود، ولا ~~يستعملونه إلا مع أدوية تكسر قوة برده. # وأجمع جالينوس وديسقوريدوس جميعا: أن من الخشخاش البري نوعين آخرين: ~~أحدهما يعرف بالمقرن، والآخر يعرف بالزبدي. فأما المقرن فاشتق له هذا الاسم ~~من ثمرته، لان ثمرته معقفة قليلا شبيهة بقرن الثور. ومن الناس من يسميه ~~الخشخاش البحري لان أكثر ذلك ينبت على شاطئ البحر، وأقله ينبت في المواضع ~~الصلبة، وله زهرة صفراء وورق أبيض يعلوه زغب. ومثلت الأوائل صورة ورقه ~~بصورة ورق الشياف ماميثا وورقه الخشخاش البري. وزعم جالينوس: أن قوة هذه ~~النبات قوة تجلو وتنقي وتقطع، ولذلك صار أصله إذا طبخ بالماء حتى ينتصف ~~الماء وشرب ms256 طبيخه، نفع من علل الكبد. وأما ورقه وزهرته فنافعان من الجراحات ~~الوسخة، لأنهما يذيبان اللحم الفاسد الذي فيها وينقيانها. وليس إنما يفعلان ~~ذلك فقط، لكنهما يقطعان من الجراحة القشر المحروق الذي يعلوهما. وقال ~~ديسقوريدوس في أصل هذا: أنه إذا طبخ بالماء حتى ينتصف ويشرب طبيخه، كان مع ~~ما له من المنفعة لأوجاع الكبد، نافعا أيضا للذين يبولون بولا غليظا، ولمن ~~يخرج في بوله خيوط رقاق شبيهة بغزل العنكبوت، ولأصحاب عرق النسا. # وأما بزره فإنه إن شرب منه مقدار أكسوبافن (١)، أسهل البطن إسهالا رقيقا. ~~وزعم قوم أن أكسوبافن ثمانية عشر قيراطا، وقوم زعموا أنه إثنا عشر درهما. ~~وأما زهره وورقه فإنهما إذا أتخذ منهما ضماد، نفع من حيث القروح وفسادها. ~~وزعم ديسقيريدس <أن> من الناس من غلط وظن أن أشياف ماميثا، إنما ~~يستخرج من هذا النبات. وإنما غلط من ظن هذا الظن، لتشابه ورق هذا النبات ~~بورق الشياف ماميثا. قال إسحاق بن سليمان: لبعد هذا النبات من الشياف ~~ماميثا، وقربه من الخشخاش وجها. وقد جمعه والشياف ماميثا تشابه الورق، ~~والفعل المخالف لفعل الخشخاش والمنافرة لها بينهما من التضاد، لان من خاصية ~~فعل الخشخاش إخدار الحس وتغليظ الفضول وتجميدها والمنع من تخليلها، ومن ~~خاصة هذا النبات الجلاء والتنقية والتخليل. وهذا الفعل أقرب من فعل الشياف ~~ماميثا وأبعد من فعل الخشخاش. # وأما الخشخاش البري (2)، فاشتق له هذا الاسم من لونه من قبل أن نباته ~~وورقه وثمرته شبيهة بالزبد (3)، فاشتق هذا الاسم له من لونه، وله أصل رقيق ~~وورق صغير جدا. فاستكمال ثمره يكون في زمان القيظ أعني الصيف. في ذلك الوقت ~~يجنى ويجفف ويرفع. ومن فعله أنه ينقي المعدة بالقئ. # ولذلك صار نافعا للمصروعين. # PageV00P254 # قال إسحاق: هذه الصفة والفعل فعل الجلهنج (1) وأظنه هو هو. وزعم ~~ديسقيريدس أن نباتا ينبت في زرع الحنطة وفى الأراضي الحزونة (2) له ورق ~~شبيه بورق السذاب وأغصان صغار قوية شبيهة بقوة اللبن المعمول من صمغ ~~الخشخاش. # PageV00P255 # في الشهدانج وهو القنب الشهدانج (1) يسخن إسخانا قويا في وسط الدرجة ~~الثانية، ويجفف ms257 في آخرها. ولذلك صار يولد كيموسا جافا مذموما بطئ الانهضام. ~~ويدل على يبسه أن الاكثار منه يجفف المني ويضر بالمعدة ويولد صداعا، وذلك ~~لجتين: إحداهما: انه كثيرا ما يتولد منه بخارات لذاعة تتراقى إلى الرأس. ~~والثانية: أن الدم المتولد منه ردئ مذموم (2) إلا بفضل حرارته صار ملطفا ~~مدرا للبول محللا للرياح. وأما دهنه فنافع من وجع الاذنين العارض من البرد ~~والرطوبة ومفتح لسددهما، وهذه خاصته. والمقلي منه أقل ضررا، ومما يدفع ضرره ~~أيضا شرب السكنجبين السكري بعده. وورقه إذا دق وغسل به الرأس، نقى الأتربة ~~من أصول الشعر. # في حب الزلم أما حب الزلم (3) فينبت في أرض سبيردون (4) وهو حار في ~~الدرجة الثانية، رطب في الدرجة الأولى. وله مذاق طيب، ولذلك صار زائدا في ~~المني ومقويا للجماع. # PageV00P256 # في الفنجنكشت معنى الفنجنكشت: خمس ورقات، لان (بنج) بلسان الفارسي: خمسة. ~~وكشت: ورق. # وكذلك الفنطافلن (1): خمس ورقات، لان فنطا: خمسة. وفلن: ورق. وأما ~~الفنجنكشت فيسمونه في الشام شجرة إبراهيم، وهي شجرة لاحقة بالأشجار العظام، ~~وأغصانها عسيرة الرض، وورقها شبيه (2) بورق الزيتون إلا أنه أرطب وأنعم ~~مشاكل لورق القنب في شكله وكيفيته ومخرجه من قضيبه. وذلك أن الأغصان لهذا ~~النبات قضبان دقاق تخرج على رأس كل قضيب منها خمس ورقات مخرجها من نقطة ~~واحدة، أي من موضع واحد، ثم تفترق وتصير على كل شكل أصابع، لان الورقة ~~الوسطى منها أطول ما فيها. والورقتان اللتان عن جنبي الورقة الوسطى أقصر ~~قليلا. والورقتان الطرفانيتان أقصر من الجميع. # ولون زهر هذا النبات كلون الفرفير (3) وثمره لطيف مدور أملس شبيه بحصرم ~~الفلفل وأصغر منه قليلا. # وزهر هذا النبات وثمره وورقه مسخنة ملطفة قابضة. وإسخانها وتلطيفها في ~~الدرجة الثانية، ويبسها وتجفيفها دون ذلك قليلا. # والغذاء المتولد عن الثمرة يسير مجفف مذموم. وإذا شربت هذه الثمرة على ~~سبيل الدواء، نفعت من نهش الهوام، وورقه إذا ضمد أو افترش، نفع من ذلك ~~أيضا. وإذا دخنت المواضع بها، طردت الهوام منها. وطبيخ ثمره وورقه إذا جلس ~~فيه، نفع من وجع الأرحام وأورامها. ms258 وثمره إذا شرب، نفع من وجع الطحال. وإذا ~~شرب ثمره مع الفوذنج أو تدخن به أو تحملته المرأة، أدر الطمث. وإذا خلط بخل ~~وزيت عذب وصب على الرأس، نفع من الداء الذي يقال له ليثرغس، أي النسيان، ~~ومن الداء الذي يقال له قرانيطس، أي السبات وذهاب العقل. وإذا خلط بزيت ~~وورق الكرم، لين حشا الأنثيين وغلظ الطحال. وإذا دق ثمره وعجن بالماء وضمد ~~به، نفع من الوجع العارض من شقاق (4) المقعدة. وإذا # PageV00P257 # خلط مع الورق، نفع من التواء العصب. # ولما في هذا النبات من التلطيف والقبض، صار مدرا للبول ومفتحا لسدد الكبد ~~والطحال، لان كلما اجتمع فيه مع قوة التلطيف شئ من قبض، قوى الأعضاء بدءا ~~بقبضه ثم تخلل وألطف ما فيها من الفضول، وإذا تحللت الفضول من الأعضاء ~~ووافت من الأعضاء قوة على دفعها، نفتها عن نفسها وصار ذلك سببا لتفتيح ~~السدد. وإذا حمضت هذه الثمرة، حبست البطن ونفعت من الاسهال المعدي. وقد ~~يسمى هذا النبات باليونانية (أغلس) ومعناه المطهر، لان من خاصته إفساد ~~المني وإبطال شهوة الجماع، ومكسر لقوة الانعاظ، لأنه بتلطيفه يحلل ويمنع من ~~تولد الرياح، وإذا قلت الرياح النافخة للقضيب، قل الانعاظ ضرورة. وزعم قوم ~~أن قطعه لشهوة الجماع إنما هو لافراط يبسه وتجفيفه. وهذا قول لا يقوم به ~~برهان لأنه لو كان ذلك كذلك، لكان بزر السذاب أخص بهذا المعنى منه، لأنه ~~أشد يبسا وأكثر تجفيفا، فلما امتنع ذلك وفسد وتبين أن قطعه للجماع إنما هو ~~لخاصة فيه تدق وتلطف عن العبارة عنها باللسان. # ولذلك لم يوقع العقل عليها اسما. ويدل على ذلك: أنه ليس إنما يقطع ~~بالشرب، لكنه قد يفعل ذلك إذا افترش ونيم عليه. ولذلك صارت (1) المتزهدات ~~من النساء يفترشنه في الهياكل لتقمع عنهن شهوة المباضعة. # ويحكي (2) جالينوس عن قوم من أهل أثينيا: أنهم في أيام أعيادهم العظام ~~يفترشون هذا النبات وينامون عليه ليقطع عنهم شهوة الجماع والمباضعة، ولهذا ~~سمي (أغلس) لأنها لطف ومشتقة في لسان اليونانيين بالشام من الطهارة. وأما ~~الفنطافلن، فزعم ms259 ديسقيريدس أنه نوع بري. وقد بينا في أول هذا الباب أن معنى ~~فنطافلن هو خمس ورقات. وذلك أنه نبات له قضبان دقاق طول كل واحد منها نحو ~~من شبر وأزيد وهي نائمة. وعلى رأس كل قضيب منها خمس ورقات مخرجها من طرف ~~القضيب. وتنتشر بعد ذلك كالأجنحة. وقليل ما يوجد فيها أكثر من خمس ورقات أو ~~أقل. وورقها شبيه بورق النعنع، إلا أنه أنعم وألين كثيرا. ولأطراف الورق من ~~كل جانب تشريف كتشريف المنشار. ولزهر هذا النبات لون مائل إلى النبات والى ~~الصفرة، وأكثر نباته في الأماكن الرطبة بالقرب من الأنهار وأصله أحمر اللون ~~مائل إلى الكمودة والسواد قليلا. وهو أغلظ من أصل الحريق الأسود وقريب من ~~أصل الجزر بالقرب من نباته. # ومنافع هذا النبات كثيرة: منها: أن أصله إذا طبخ بالماء حتى رجع إلى ~~النصف وتمضمض به ومسك في الفم قليلا، سكن وجع الفم وضربان الأسنان، ومنع ~~القروح الخبيثة من أن تنتشر وتسعى في البدن. وإذا تغرغر بمائه، نفع من ~~خشونة الحلق. وإذا شرب، نفع من الاسهال وقروح الأمعاء ووجع المفاصل وعرق ~~النسا. وإذا دق دقا ناعما وطبخ بالخل ولطخ على العلة المعروفة بالنملة، ~~منعها من أن تنتشر وتسعى في البدن. وإذا تضمد به، حلل الأورام الصلبة. ~~ويفور الشريان إذا عرض بعقب # PageV00P258 # الفصد (1). وقد يبرئ الجرب وينفع من الحمرة والداحس (2). وإذا تضمد بورقه ~~مع الملح والعسل، فعل مثل ذلك أيضا. وقد ينفع أيضا من البواسير الكامنة في ~~المقعدة. وعصارة أصله، إذا كان طريا، نافعة من وجع الكبد والرئة، ومن ~~الأدوية القتالة. وورقه إذا شرب مع السذاب المعروف بأدرومالي أو بشراب ~~ممزوج بماء، نفع من الحمى البلغمانية التي تأخذ ثمانية عشر ساعة وتترك ست ~~ساعات، ومن حمى أنمطريطاوس أي شطر الغب، ومن حمى الربع. ومقدار ما يشرب منه ~~في الحمى البلغمانية ورق قضيب واحد وفى حمى أنمطريطاوس ورق ثلاثة (3) ~~قضبان، وفى حمى الربع ورق (4) أربعة قضبان. # وعصارة الورق إذا شرب منها عدة أيام كل يوم ثلاث ثولوسات أحدر اليرقان. ~~وقد ms260 ينفع ضماده من قبله. # وإذا شرب الورق ثلاثين يوما، نفع من الصرع. وقد يفترش هذا النبات في ~~الهياكل للتطهير كما يفترش الفنجنكشت. # PageV00P259 # في بزر الكتان أما بزر الكتان فحار في الدرجة الأولى، متوسط بين اليبس ~~والرطوبة، يغذو غذاء يسيرا، عسير الانهضام، مولد للنفخ. ولو كان مقلوا. ~~ولذلك صار على سبيل الغذاء مضرا بالمعدة، وعلى سبيل الدواء مدرا للبول. ~~وإذا كان مقلوا، كان أكثر لدرورية البول وحبسه للبطن. وإذا كان غير مقلو، ~~كان دروره للبول أضعف ولم يحمد فعله في تليين البطن. وإذا أكل بالعسل، مع ~~إضراره بالمعدة، أعان (1) على نفث الرطوبات البلغمانية، ونفع من السعال ~~العارض من البرد والرطوبة. وإذا أتخذ منه شئ صالح مع عسل وشئ من فلفل، هيج ~~الشهوة للجماع وأعان على الباه. وإذا احتقن بطبيخه مع شئ من دهن ورد، نفع ~~من اللذع العارض في المعاء والأرحام. وإذا جلس النساء في ماء طبيخه، نفع من ~~الأورام العارضة في الأرحام، وقام مقام طبيخ الحلبة. # وإذا عجن بماء وشئ من زيت، حلل الأورام الباطنة والظاهرة. وإذا طبخ بشراب ~~وحمل على النملة والقروح المعروفة بالشهدية، نقى أوساخها وأبرأها. وإذا أخذ ~~منه جزء ومن الخزف جزء وعجن بعسل، وضمدت به الأظفار، نفع من الشقاق العارض ~~فيها. فإذا خلط بسويق ورماد وعمل منه ضماد، قلع الثواليل. وإذا أخلط بشئ من ~~موم (2) وعسل، نفع من البياض العارض في الأظافير (3). وإذ خلط مع التين ~~والنطرون (4)، نقى الكلف وقلع البثر اللبني. # في حب القلقل القلقل (5) في طبيعته حار رطب، يولد خلطا ليس بالردئ، ولا ~~هو مولد للصداع، إلا أنه زائد في المني ولا سيما إذا خلط مع السمسم وعجن ~~بعسل أو فانيد. فإذا قلي، كان أحمد لغذائه وأقل لرطوبته. وإن لم يقلى وأكثر ~~منه، أرض المعدة وأحدث هيضة (6). وهذه خاصة فيه. # PageV00P260 # في حب القرطم وهو وريقة العصفر القرطم يسخن إسخانا قويا، ويجفف في الدرجة ~~الثانية. ولذلك صار ما ينال البدن من غذائه يسيرا نزرا. إلا أنه يعين على ~~إطلاق البطن بحدته وحرافته. ولذلك صار مضرا ms261 بالمعدة. وإذا دق بزره ومرس في ~~ماء حار وصفي وأخذ ماؤه وخلط بشراب العسل أو بمرق بعض الطير، وبخاصة ~~الدجاج، أسهل بلغما غليظا لزجا. وقد يعمل منه ناطف مخلوط باللوز المقشر من ~~قشرته وأنيسون وعسل وشئ من نطرون، فيطلق البطن. # وهذه صفة عمل الناطف: يؤخذ من لب القرطم الأبيض المقشر قسط، ومن اللوز ~~الحلو المقشر ثلاث قواثوشات (1)، ومن الانيسون درهمان (2)، ومن النطرون ~~درهمان (2)، ومن شحم التين اليابس شحم ثلاثين تينة. تدق الأدوية وتنخل ~~ويطبخ التين بعسل مقدار الكفاية، وتعجن به الأدوية. والشربة منه مقدار أربع ~~جوزات. وإذا أخذ لباب حب القرطم وعجن بماء حار أو بعسل وماء حار، وغسل به ~~الرأس والبدن، نفع من الدواب المتولدة فيه عن مرض متقدم أو غير ذلك. وإذا ~~غسل به الوجه، نقى أوساخه ولين خشونته. وماء القرطم يجمد اللبن ويجبنه مثل ~~الأنفخة. وزهر القرطم الذي يعمل منه العصفر المعروف عند أهل مصر بالمريق ~~رطب في الدرجة الأولى ملطف للكيموسات الغليظة. وإذا دق وعجن بخل ثقيف (3) ~~وحمل على القوابي، أنقاها. # وأما القرطم البري، فشوكه شبيه بشوك القرطم البستاني، إلا أنه أطول ورقا ~~كثيرا، وورقه في طرف القضيب، وساق (4) والنساء يستعملون القضيب مكان ~~المغزل. على رأس القضيب جمة مدورة مشوكة، وزهره أصفر وأصله دقيق لا ينتفع ~~به. وإذا سحق ورقه وجمته وثمرته وشرب سحيقها بشراب وفلفل، نفع من لسع ~~العقرب. ومن الناس من يزعم أنه إذا أمسكها الملسوع بيده، لم يحس بالألم، ~~فإذا ألقاها رجع الألم إليها. والله أعلم. # تم الكتاب في الحبوب. # PageV00P261 # باب في الفواكه القول في التين أما التين فهو أحمد الفواكه وأكثرها غذاء ~~وإن كانت كلها لا تنفك من توليد الخلط الغليظ لرطوبتها. والتين في الجملة ~~حار يابس ودرجاته في الحرارة واليبوسة تختلف على حسب اختلافه في ذاته، لأنه ~~في ذاته يختلف على ضروب: لان منه البري، ومنه البستاني. والبستاني على ~~ضربين: لان منه الرطب، ومنه اليابس. والرطب على ضربين: لان منه الفج الذي ~~لم يستكمل نضجه بعد. ومنه التام النضيج الكامل النضج. ms262 فما كان منه نيا فجا ~~بعيدا من النضج، كان في طبيعته أبرد وأغلظ، لغلبة الأرضية على جسمه. إلا أن ~~فيه رطوبة لبنية تفيده حدة وجفافا في آخر الدرجة الثانية. فللجهتين جميعا ~~هو مذموم أعني الجهتين: حدة رطوبته اللبنية وحرافتها، وغلظ جسمه وغلبة ~~الأرضية عليه. # وللفاضل أبقراط فصل قال فيه: إن التين كلما كان أبعد من النضج، كان أبرد ~~وأغلظ، إلا أن في رطوبته اللبنية حدة وحرافة وجفافا (1). وكلما كان أنضج ~~كان أسخن وأقل يبوسة. ومن فعل التين الفج على سبيل الدواء، أنه إذا طبخ ~~وعمل منه ضماد، لين العقد والخنازير وحللها. وإذا طبخ وخلط معه نطرون وعجن ~~بخل، أبرأ القروح الرطبة التي في الرأس. وإذا خلط بعسل، نفع من عضة الكلب ~~والقروح التي تسيل منها رطوبة عسلية لزجة. فإذا خلط مع ورق الخشخاش البري، ~~أخرج العظام المتكسرة في الجراح. وإذا خلط بموم، حلل الدماميل. وإذا دق وهو ~~ني وحمل على النملة المعروفة بالنملة، أبرأها. # وأما التين الطري الكامل النضج، فهو أقل حرارة وجفافا من التين اليابس، ~~كأن حرارته في وسط الدرجة الأولى، ويبسه ورطوبته متساويان، وهو مركب من ~~ثلاثة أجزاء: أحدها: القشر، والثاني: # الحب، والثالث: اللحم. فأما حبه فإنه لا يبتل ولا ينحل أصلا لأنه في ~~صلابته شبيه بالرمل والحصى ولذلك لا ينال البدن منه شيئا من الغذاء. وأما ~~قشره فهو في غلظه شبيه بالجلود العصبية من الحيوان، ولذلك صار عسير ~~الانهضام جدا. ومن أجل ذلك، كان من الواجب ألا يؤكل التين الرطب بقشره. # PageV00P262 # وأما لحمه فأكثر غذاء من لحم التين اليابس وأعون على إطلاق البطن. وإذا ~~أسهل، كان إسهاله هين الانقطاع، إلا أنه ردئ للمعدة حار. وزعم ديسقوريدوس ~~أنه يقطع العطش ويسكن الحرارة ويجلب العرق. # قال إسحاق بن سليمان: ما أعرف له شيئا يقطع به إلا أن يكون لأنه يملا ~~العروق رطوبة. وإذا امتلأت العروق رطوبة، استغنت عما يرطبها. فهو لهذا يقطع ~~العطش المتولد عن جفاف الأعضاء. وأما إحداثه العرق، فلانه ينقي الفضول إلى ~~سطح البدن بتلطيف. ولذلك صار ms263 كثيرا ما يحدث الحصف (1). # وأما التين اليابس فحرارته في أول الدرجة الثانية، وهي في وسط الدرجة ~~الأولى يبسة (2). ولذلك صار يسخن ويعطش ويستحيل إلى المرار. والغذاء ~~المتولد عنه غير مستحصف ولا رخو، بل متوسط بين ذلك. إلا أنه أغذي الفواكه ~~وأقلها نفخا، وإن كان لا ينفك من الفساد، ومن قبل أنه متى وافى في المعدة ~~لطخا وفضولا، عسر انهضامه فيها، وبعد انحداره عنها وأبطأ في جولانه وانحصر ~~في عمق البدن وولد رياحا ونفخا، وانتقل إلى دم فاسد مذموم، وأحدث في سطح ~~البدن قملا وصئبانا، ذلك على حسب مقدار رطوبته في الرقة والغلظ، لأنه إن ~~كان طريا رطبا كانت رطوبته أرق وقل لبثه في مسام البدن مدة يمكن معها أن ~~تستكمل عفونتها ويتولد منها حيوان. وإذا كان التين يابسا كانت رطوبته أغلظ ~~وأكثر لزوجة وأطول لبثا في مسام البدن. ولذلك يتولد عنها القمل والصئبان، ~~لأنها لطول لبثها في مسام البدن تستكمل عفونتها وتنفذ وتصير حيوانا. ومتى ~~وافى المعدة خالية من الغذاء نقية من الفضول، جاد انهضامه فيها وبعد منها ~~بسرعة، ولطف غذاؤه، وأسرع في جولانه وفى خروجه من مسام البدن وانحداره من ~~الكلى، وولد دما محمودا ولطف رطوبات البدن العفنة ونقاها إلى سطح البدن. ~~وإن تعذر خروج الرطوبات العفنة من مسام البدن لغلظها، لبثت هناك زمانا ~~واستكملت عفونتها وولدت قملا وصئبانا. # ولذلك صار التين محمودا من جهة، مذموما من جهة. فأما الجهة التي يحمد ~~فيها، فلانه أقل مضرة من سائر الفواكه لما فيه من القوة الملطفة الكثيرة ~~الجلاء المنقية. ولذلك صار مطلقا للبطن مدرا للبول منقيا للصدر والرئة ~~والكلى والمثانة من الرطوبات الغليظة، حتى أنه يحدر مع البول شيئا شبيها ~~بالرمل. ويوافق من به ربو، ومن تغير لونه من مرض مزمن وللمصروعين ~~والمحبونين (3). وأما الكبد والطحال، فإنا لم نجد للتين وحده فيهما سدة ~~وجسا (4) زاد فيهما، لحلاوته، فأضر بالكبد والطحال إلا أن يخلط معه بعض ~~الأدوية التي لها تقطيع وتلطيف، فيكتسب بذلك منفعة في سدد الكبد والطحال ~~ليست باليسيرة. # وأما الجهة ms264 التي يذم فيها، فهي أنه إذا بعد انحداره عن المعدة سريعا، غلظ ~~غذاؤه وولد دما # PageV00P263 # مذموما وأحدث في سطح البدن قملا وصئبانا. ولجالينوس في التين اليابس قول ~~(1) قال فيه: إن إنسانا إن قال في التين اليابس قولين متضادين زعم فيه أنه ~~يولد دما محمودا أو دما مذموما، لما أكذبه العيان لأنا ربما رأيناه حافظا ~~للصحة، وربما رأيناه جالبا للمرض. ومنها خاصة التين اليابس أن يولد في سطح ~~البدن قملا وصئبانا لغلظ رطوبته وبعد انحلاله وطول لبثه في مسام سطح البدن. ~~ومن خاصة التين الطري أن يولد في سطح البدن حصفا لرقة رطوبته وسرعة ~~انحلالها وقلة لبثها في مسام سطح البدن. والسبب الذي صار له هذه الخاصة في ~~التين: أن فيه قوة يجلو بها ويلطف الفضول وينقيها إلى سطح البدن. وإن كان ~~في الرطوبة غلظ، لبثت هناك زمانا وتعفنت وولدت قملا وصئبانا. وإن كان في ~~الرطوبة رقة، أحدثت حصفا ولم تلبث مدة يمكن فيها أن تعفن وتولد حيوانا. # ومما يدفع ضرر التين ويعين على تفتيحه للسدد في الكبد والطحال وتنقية ~~الأخلاط، استعماله على خلاء المعدة من الطعام ونقائها من الفضول بالفوذنج ~~والحاشا والزوفا وشئ من فلفل وزنجبيل وخل ثقيف ومري، لأنه إذا استعمل كذلك ~~كان نافعا للأصحاء فضلا عن المرضى. وإن كره استعماله بشئ مما ذكرنا ولم ~~ينساغ له، فليتناول بعده سكنجبينا (2) سكريا (3) إن كان محرورا أو سكنجبينا ~~(2) عسليا (2) إن كان بلغمانيا. ومن كان في طحاله جسا أو سدة، فأفضل ما ~~استعمل بعقبه سكنجبين العنصلان. ومما يعين التين على كثرة الغذاء وتوليد ~~الدم المحمود، استعماله مع اللوز. # وأما فعل التين على سبيل الدواء، فإنه إذا طبخ مع شئ من زوفا وشرب، نقى ~~فضول الصدر والرئة ونفع من الأوجاع المتقادمة فيها، ومن السعال المزمن. ~~وإذا تغرغر بطبيخه، حلل الأورام الحادثة في قصبة الرئة وفى العضل الذي عن ~~جنبتي اللسان أعني اللوزتين. وإذا وطبخ بشراب واحتقن به، نفع من المغص ~~العارض من الرطوبات الغليظة. وإذا طبخ بجشيش الشعير أو بالحلبة وعمل منه ~~ضماد ms265 (3)، حلل الأورام. وإذا طبخ وحمل مدقوقا على الأورام التي في أصول ~~الآذان، حللها. وإذا أحرق وخلط بموم وزيت، نفع من الشقاق العارض من البرد. ~~وإذا دق وخلط بخردل مسحوق بماء وجعل في الآذان، نقى درنها ونفع من الحكة ~~العارضة فيها. # وأما لبن التين، فإنه إذا خلط مع سويق وعمل منه لطوخ، نفع من القوابي ~~والبهق والكلف والجرب المتقرح وغير المتقرح. فإذا طبخ بشحم ووضع حول ~~الثواليل، قلعها. وإذا عجن بصفرة بيض وتحملته المرأة، نقى الرحم وأدر ~~الطمث. وإذا شرب بلوز مسحوق، أسهل البطن ولين صلابة الرحم، وإذا قطر منه ~~على لسعة العقرب أو غير العقرب أو عضة الكلب، نفع من ذلك. وإذا جعل في صوفة ~~وصير في الموضع من الضرس، سكن وجعه. ومن خاصة لبن التين أنه يجمد اللبن ~~ويفعل فيه فعل # PageV00P264 # الإنفحة (1) ويذيب (2) اللبن الجامد ويفعل فيه فعل الخل ويقرح الأبدان ~~ويفتح أفواه العروق. # وأما شجرة التين نفسها، فلها مزاج حار لطيف، حتى أن الانسان إذا أخذ من ~~أغصانها في الوقت الذي يجرى فيها اللبن ويبدأ الورق يظهر، فدقها وعصر ماءها ~~(3)، وجففه في الظل واستعمله فيما ذكرنا من فعل اللبن، لوجده يفعل فعل ~~اللبن وإن كان أضعف منه كثيرا لان هذه العصارة إنما تفعل بما فيها من قوة ~~اللبن. ولذلك صار الماء الذي تطبخ به الأغصان والورق، يجلو ويلذع بقوة. ~~وليس هذا فعله فقط، لكنه يقرح أيضا ويفتح أفواه العروق وينفع من العلة ~~المعروفة بالنملة. # وأما التين البري فإن ثمرته وورقه وأصله ولبنه تفعل فعل التين البستاني، ~~إلا أنها أقوى كثيرا وأسرع تأثيرا. # PageV00P265 # في الشجرة المعروفة بالجميز ويسمى التين الأحمق الجميز شجرة عظيمة شبيهة ~~بشجر التين العظام، ولها لبن كثير، ويثمر في السنة ثلاث (١) مرات أو أربع، ~~وثمرتها شبيهة بالتين الصغير المعروف بالشاهنجير (٢). وقال ديسقيريدس شبيهة ~~بالتين البري لبزرها الذي في جوف ثمرتها من العظم والصلابة ما لبزر التين. ~~وليس لثمرها حرافة ولا حدة، لكن لها عذوبة يسيرة مع رطوبة شبيهة برطوبة ~~التوت في اللزوجة. ولذلك صيرها قوم من ms266 المتطببين متوسطة بين التوت ~~<والتين> (3) ونسبوها إلى الحرارة والرطوبة في وسط الدرجة الأولى. ~~وثمرتها في خروجها مخالفة لخروج الثمار، لأنها ليس إنما تخرج من القضبان ~~فقط كخروج سائر الثمار، لكنها تخرج من جميع الأغصان وأصول الورق وأصل ~~الشجرة في نفسها. وليس تنضج ثمرتها نضجا كاملا دون أن يشرط رأسها ويخنق ~~ويقلع منه مقدار دون الترمسة، ويدهن الشرط بزيت. وكثيرا ما يرتفق (4) ~~بثمرتها في السنين الجدبة لوجودها في كل وقت إذ كانت تثمر في السنة مرات. # وحكى جالينوس عن قوم ذكروا أن هذه الشجرة كانت في الابتداء بفارس، وكان ~~فيها مرارة، وكان (5) من أكلها يموت حتى أنهم أقاموها مقام السم (6) القاتل ~~من قرب. ثم إن قوما نقلوها إلى الإسكندرية فخرج منها ثمرة يتغذى بها كما ~~يتغذى بالتين والتفاح والكمثرى (7). وأما نحن فإنا شاهدنا من # PageV00P266 # ثمرة هذه الشجرة شيئا من الحمرة والعظم ما ليس للتين وشاهدنا منه آنفا ما ~~لونه عسلي إلى السواد ما هو، ومقداره مقدار التين الصغير المعروف ~~بالشاهنجير، إلا أنه في جملته أقل حلاوة من التين وأعسر انهضاما وانحدارا ~~وأبعد نفوذا في العروق للزوجته وغلظه. ولذلك صار ثقيلا في المعدة جدا، ~~مؤذيا لها. # وأما أهل مصر فيشربون بعقبه الماء البارد دائما، ويزعمون أن الماء البارد ~~يعومه في المعدة ويخفف ثقله عليها. وإذا طبخت ثمرة هذه الشجرة بالماء وكررت ~~في ذلك الماء مرات، ينزع في كل وقت مرة ويصير في الماء بدلها شئ طري حتى ~~يظهر طعمها وقوتها في الماء، ثم طبخ ذلك الماء بسكر طبرزد، نفع لمن كان ~~محرورا، أو بعسل لمن كان بلغمانيا، كان نافعا من السعال المتقادم والنوازل ~~المنحدرة من الرأس إلى الصدر والرئة. وإذا طبخت وحملت على الأورام الصلبة، ~~حللتها (1). ومتى وضعت غير مطبوخة، قلعت الخيلان (2) والتوثة وبخاصة إذا ~~كانت فجة غير نضيجة. وأما لبن هذه الشجرة، فإن له قوة محللة للأورام مانعة ~~من حسا الطحال. وإذا شرب من لبنها أو حمل على موضع لسع الهوام، نفع من ذلك، ~~وعلى الجراحات ألصقها وجففها. # PageV00P267 # في العنب أما ms267 العنب فينقسم قسمة جنسية على ضربين: وذلك أن منه الغض ~~الحامض المعروف بالحصرم، ومنه الكامل النضج الصادق الحلاوة وهو العنب على ~~الحقيقة. فأما الحصرم فبارد في الدرجة الثانية، يابس في الثالثة، له ثلاثة ~~أجزاء مركب منها: أحدها: الحب، والثاني: القشر، والثالث: # الرطوبة. فأما الحب فيابس له كثافة وصلابة، ولذلك صار أشد يبسا من القشر ~~وأغلظ وأعسر انهضاما وأبعد من الاستحالة والتغيير، بل لا استحالة له ولا ~~تغيير أصلا، لكنه ينحدر عن المعدة والمعاء بصورته وشكله من غير أن ينحل شئ ~~من أجزائه. إلا أنه إذا سحق جيدا وشرب، قوى المعدة بعفوصته وقبضه وقطع ~~الاسهال المري، وبخاصة إذا كان محمصا. وأما القشر فغليظ عصبي، ولهذا صار لا ~~يستحيل أيضا ولا ينحل ولا يغذو البدن أصلا. وأما الرطوبة فلقبضها وعفوصتها، ~~عسر انهضامها، إلا أنها مقوية للمعدة والكبد جميعا، مسكنة للحرارة، قاطعة ~~للعطش، قامعة لحدة المرة، نافعة من القئ المري (1) والاسهال العارض في ~~الكبد والمعدة عن ضعف القوة الماسكة. وإذا اكتحل بها، قوت الحدقة وقطعت ~~الرطوبات الغليظة التي في المأقتين (2). # ولديسقيريدس في عصارة الحصرم قول قال فيه: إن عصارة الحصرم إذا استخرجت ~~قبل طلوع نجم الكلب وجعلت في إناء نحاس مغطى بثوب وصيرت في الشمس نهارا، ~~ورفعت من الندى ليلا كيلا ينالها برد الهواء ويمنعها من الانعقاد، وصبر ~~عليها حتى تغلظ وتصير كالعسل، كانت موافقة للعضل الذي عن جانبي الحلق ~~المعروفة باللوزتين واللهاة واللثة الرخوة، التي تسيل منها الفضول، والقلاع ~~(3) والآذان التي يسيل منها القيح. وإذا احتقن بها، نفعت من قروح المعاء ~~ومن سيلان الرطوبة المزمنة من الرحم. ويشرب أيضا لنفث الدم العارض قريبا ~~(4) من انفتاق بعض العروق التي للصدر من غير سعال. # PageV00P268 # وينبغي أن تستعمل ممزوجة بالماء حتى ترق وتقل حدتها. وقد تعطي مثل ذلك ~~إذا طبخت بعسل النحل أو بالسكر طبرزد. ومن الناس من يطبخ هذه العصارة ساذجة ~~ويتخذ منها شرابا. # * * * وأما العنب فهو شبيه بالتين في قلة رداءة الدم المتولد عنه، وفى ~~فضله على سائر الفواكه في كثرة الغذاء، وفى ms268 أن اللحم المتولد عنه غير ملزز ~~ولا مكتنز كاكتناز اللحم المتولد عن الخبز، لكنه منفوخ رهل، ولذلك صار ~~المدمن عليه إذا ترك استعماله وأمسك عن أكله، ضمر بدنه بسرعة. وإن كان ~~العنب أقل غذاء من التين كثيرا أو أسرع انحلالا من الأعضاء، إلا أنه له ~~أربعة أجزاء هو منها مركب: أحدها: # القشر، والثاني: الحب، والثالث: اللحم، والرابع: الرطوبة التي يكون منها ~~اللحم. # فأما الحب فبارد يابس قابض قريب من حب الحصرم في غلظه وصلابته. ولذلك صار ~~ينحدر من المعدة وينفذ في المعاء من غير أن يحدث في شئ من أجزائه كسر ولا ~~تغيير محسوس، إلا أن فيه حرارة يسيرة بها امتاز من حب الحصرم وصارت له قوة ~~تهيج المعاء إلى دفعه بسرعة. ولذلك صار يسرع الانحدار والخروج قبل أن ~~ينطحن. ولجالينوس في حب العنب والتين قول قال فيه: إن حب هاتين الثمرتين لا ~~تبتل في المعدة ولا تنحل أصلا، لكنه ينحدر ويخرج بهيئته وصورته. # وأما قشر العنب فهو في طبيعته بارد يابس عصبي شبيه بقشر التين في عسر ~~انهضامه وانحداره وامتناع استحالته، ولذلك لم يكن منه غذاء للبدن. ~~ولجالينوس في قشر العنب والتين قول قال فيه: إن قشر هاتين الثمرتين ~~متشابهين وهو لهما شبيه بالجلود للحيوان. وما أقل تغيره في البدن. ولذلك ~~صار العنب إذا أخذ بقشره وحبه، عسر انهضامه وانحداره وكثرت رياحه ونفخه، ~~وولد كيموسا بعيدا من الاستحالة إلى الدم، لأنه إذا لم ينهضم في المعدة ~~جيدا، كان ما يصل منه إلى الكبد والعروق غليظا نيا غير منطبخ ولا ينهضم. ~~وإذا كان كذلك ثقل على المعدة هضمه وأضر بها مضرة بينة. ولذلك قال جالينوس: ~~إن أحمد حالات العنب إذا جاد انهضامه في المعدة وانحدر عنها بسرعة لأنه أن ~~أبطأ قليلا واحتبس فيها، كان له من صعوبة المضرة وقوتها ما ليس للتين ~~النضيج إذا احتبس من قبل أن التين في الجملة أسرع انحدارا من العنب لفضل ما ~~فيه من قوة الجلاء. ولهذا صارت مضرته أقل. ومن قبل ذلك كان من ms269 الأفضل أن ~~يتوقى أخذ العنب بحبه وقشره، لكن يمص مصا ويرمى بثفله ولا سيما إذا كان حبه ~~كبيرا وقشره غليظا ولحمه غليظا. # وأما لحم العنب فحار لين قريب من الاستحالة سريع التشبه بالدم، يغذو غذاء ~~محمودا، ولجالينوس في العنب والتين فصل قال فيه: ومن فضيلة هاتين الثمرتين ~~على سائر الفواكه أنهما ليسا بصعبي الكيموس ولا عسري الاستحالة ولا سيما ~~إذا كانتا قد نضجتا على أشجارهما نضجا كاملا. وجعل دليله على ذلك من نواطير ~~الكرم لأنهم في الشهرين اللذين ينطرون فيهما الكرم، ليس أكثر غذائهم إلا ~~التين والعنب، وزعم قوم أنهم لا يردون من الغذاء غيرهما، وأن ذلك لا يكسبهم ~~مضرة، ولا ينكرون من PageV00P269 # أحوالهم شيئا إلا سرعة الهزال إذا هم تركوا أكلها. وذلك أن اللحم المتولد ~~عنهما منفوخ سريع الذوبان، لأنه غير ملزز ولا كثيف مثل اللحم المتولد عن ~~الخبز لكنه رخو منفوش (١) لا صبر له ولا بقاء، ولذلك ينحل ويذوب بسرعة ~~ويلحق أصحابه الهزال من كثب، وإن كان التين أبعد انحلالا من الأعضاء قليلا. # ولذلك لا يسرع الهزال إلى أهله بعد تركهم التغذية كما يسرع إلى من كان ~~مستعملا للعنب ثم تركه. # وقد يستعمل العنب على ضروب فتختلف قواه وأفعاله وغذاؤه وذلك: أن منه ما ~~يؤكل وهو بعد طري حين يقطف من كرمه. ومنه ما يعلق بعد حتى ينشف الهواء أكثر ~~رطوبته الفضلية. ومنه ما يكبس في السلال أياما. ومنه ما يحصل في جرار فخار ~~وتغطى رؤوسها ويسد الوصل بزفت ويدفن في ثجير (٢) العنب. و <منه> ما ~~يدفن في ثجيره من غير جرار. ومنه ما يصير في إناء ويلقى عليه الطلاء (3) ~~وعصير العنب الحلو. # فأما ما يؤكل منه حين يقطف من كرمه، فإنه متى وافى المعدة نقية من الفضول ~~خالية من الغذاء، قوته على الطبخ، وحسن انهضامه ولطف غذاؤه وأعان على إطلاق ~~البطن وانحل عن الأعضاء بسرعة. وإذا وافى المعدة مملوءة فضولا أو غذاء أو ~~ضعيفة عن الهضم ولبث فيها قليلا، ولد نفخا وقراقر (2) وبخارات مصدعة مؤذية ~~وأضر بالمعدة ms270 إضرارا بينا وكان الغذاء المتولد عنه مذموما. # وأما ما يكبس في السلال، فإن رطوبته تسخن وتغلي وتكسبه بخارات غليظة ~~تترقى إلى الرأس وتحدث فيه صداعا. فلذلك صار مولدا للرياح والنفخ، غليظ ~~الغذاء، عسير الانحلال من الأعضاء. # وأما ما يصير في الجرار والفخار وتغطى رؤوسها ويطين الوصل بزفت ويدفن في ~~ثجير العنب، فإن الفخار ينشف أكثر رطوبته الفضلية، إلا أنها أيضا تسخن ~~وتحمى ويكتسب بخارا وغلظا. فهو لقلة رطوبته يقوي المعدة وينبه الشهوة ~~للطعام فيمن كانت شهوته مقصرة (4). ولما يكتسبه من البخار الغليظ، يعسر ~~انحداره من المعدة ويبعد من التدبير الملطف. فإذا أكثر منه ولد نفخا وقراقر ~~(5) وصار مصدعا مؤذيا. # وأما ما يدفن في ثجير العنب من غير حاجز يحجز بينهما، فهو شبيه بما يرفع ~~في الجرار، إلا أن فيه تقوية للمعدة ومعونة على حبس البطن والنفع من نفث ~~الدم. ذلك لما يكسبه من عفوصة الحب والقشر، غير أن الاكثار منه مضر (6) ~~بالمثانة والرأس لأنه يولد صداعا، عسير الانحلال لما يتولد من البخارات إذا ~~حمي يكبس بعضه على بعض. ولذلك صار ما يعلق تعليقا حتى ينشف الهواء أكثر ~~رطوبته من غير أن يكسبه بخارا ولا غلظا، أسرع انهضاما من سائر العنب وأحمده ~~غذاء وأعدل وأشد موافقة # PageV00P270 # للتدبير الملطف وأبعد من مولد الصداع والنفخ، لان الهواء قد نشف أكثر ~~رطوبته الفضلية لأنه لم يخزن ولا كبس بعضه على بعض حتى يحمى وتتولد منه ~~بخارات غليظة. وأما فعله في حبس البطن أو تليينه، فإنه غير مطلق ولا حابس ~~لان ليس فيه من قوة العفوصة ما يحبس البطن، ولا من زيادة الرطوبة ما يطلق. # ولذلك صار غير مقو للشهوة ولا مضعف لها لان ليس فيه من القبض ما يقويها، ~~ولا من فضل الرطوبة ما يفسدها. # وأما ما يصير من الطلاء، وفى عصير العنب الحلو، فإنه أغلظ وأكثر غذاء ~~وأقل موافقة للمعدة وأبعد من التدبير الملطف وأكثر رياحا ونفخا لما يكتسبه ~~من الرطوبات الفضلية الغليظة. فأما رطوبة العنب المعراة من اللحم، فغذاؤه ~~غذاء حسنا، إلا ms271 أنه أقل من غذاء اللحم الغث وأسرع انحدارا. ذلك لسيلان ~~الرطوبة وغلبة المائية عليها وبعدها من الغلظ واللزوجة، ولذلك صار العنب ~~الذي لحمه وشحمه أكثر من مائيته ورطوبته وبخاصة متى كان قشره أغلظ وحبه ~~أكبر وأعظم. والعنب الذي رطوبته ومائيته أكثر من لحمه وشحمه مثل العنب ~~الحديث الانعقاد، أقل غذاء وأسرع انهضاما وانحدارا وبخاصة متى كان قشره أرق ~~وحبه أقل وأصغر. ولذلك قال جالينوس: أن أسلم أصناف العنب وأقلها غائلة ما ~~كان نضيجا جسيما ولحمه قليلا ماؤه غزيرا وقشره رقيقا وحبه قليلا صغيرا، ~~وعلق بعد قطافه مدة، وأكل بمقدار ورمي حبه وقشره. # وقد تستخرج رطوبة العنب على ضربين: وذلك أن منه ما يكبس بعضه على بعض حتى ~~يضغط بعضه بعضا (1) وتسيل مائيته ورطوبته المعروفة (2) بالسلافة (3) من غير ~~أن يعتمد عليه معتمد ويعصره. ومنه ما يعصر بالدوس والدهق (4) حتى يخرج لحمه ~~مع رطوبته. فأما الأول منها المعروف بالسلافة، فإن رطوبته خالصة محصنة لم ~~يشبها من عفوصة الحب والقشر، ولا غلظ اللحم. ولذلك هو أرق وألطف وأسرع ~~انحدارا وانهضاما وأسهل نفوذا في العروق وأعون على إطلاق البطن، إلا أن ~~غذاءها أقل وانحلالها من الأعضاء أسرع. وإن أبطأت في المعدة قليلا وبعدت ~~بانهضامها، ولدت نفخا ورياحا. وأما النوع الثاني المستخرج بالدوس والدهق، ~~فإن لحمه وشحمه وبعض قوة حبه وقشره يخرج منه. ولذلك صار أغلظ وأكثر غذاء ~~وأعسر انهضاما وأبعد نفوذا في العروق. ولهذه الجهة صار كثيرا ما يتبقى منه ~~بقايا في أفواه العروق وتولد فيها سدة. إلا أنه لما يكتسبه من عفوصة الحب، ~~صار فيه شئ من تقوية المعدة. # وقد يختلف العنب من وجوه غير ما قدمنا ذكره، ذلك أنه يختلف من قبل طعمه ~~ومن قبل لونه ومن قبل لطافته وغلظه. أما اختلافه من قبل طعمه، فيكون على ~~ضروب: وذلك أن منه الشديد الحلاوة، العسلي الطعم. ومنه الرقيق المائي ~~القريب من المز. ومنه المتوسط بين ذلك، الخمري الطعم. فما كان منه حلوا ~~عسليا، كان أقواها حرارة وأشدها تولدا للعطش وأغلظها وأكثرها لحما وغذاء ms272 # PageV00P271 # وأعسرها (1) انهضاما وأبعدها انحدارا وأعونها على تليين البطن، وأخص ~~أنواع العنب بتوليد النفخ والقراقر وسد الكبد والطحال، ذلك لطول لبثه في ~~العروق وعسر نفوذه فيها لغلظه وقلة (2) حلاوته. # وما كان منه رقيقا مائيا قريبا من المز، كان أقلها وألطفها غذاء وأعدلها ~~مزاجا وأسرعها انهضاما، ولذلك صار مقويا (3) للمعدة منقيا (4) لها من المرة ~~الصفراء مسكنا للعطش، موافقا لمن اعتدل مزاجه ورطوبته. وأما ما كان طعمه ~~خمريا متوسطا بين لطافة المزازة وغلظ الحلاوة، فإنه بالإضافة إلى المز أكثر ~~غذاء وأغلظ وأبعد انهضاما وأقل تسكينا للعطش، وبالإضافة إلى الحلو أقل غذاء ~~وألطف وأسرع انهضاما وأسهل نفوذا في العروق وأبعد من توليد السدد والرياح. # فأما اختلاف العنب من قبل لونه يكون على أربعة ضروب: لان منه الأبيض ~~الصافي، الكثير المائية، القليل اللحم، الرقيق القشر، الصغير الحب. ومنه ~~الأسود الغليظ اللحم والقشر القليل المائية العظيم الحب. ومنه الأصفر ~~والأحمر المتوسطان بين غلظ الأسود ولطافة الأبيض. فما كان من العنب أبيض ~~صافيا (4)، كان أرق وألطف وأسرع انهضاما ونفوذا في العروق وأعون على درور ~~البول، إلا أنه أقل غذاء وأسرع انهضاما من الأعضاء. وما كان منه أسود غليظا ~~(4)، كان أشدها عفوصة وأكثرها تقوية للمعدة وأعسرها انهضاما وأبعدها من ~~درور البول، إلا أنه إذا انهضم كان غذاؤه أكثر. وما كان منه أحمر وأصفر كان ~~متوسطا بين غلظ الأسود ولطافة الأبيض إلا أنهما أميل إلى الأبيض منهما إلى ~~الأسود، وأقربهما من الأبيض والأسود، ولذلك صار ألطف وأسرع انهضاما (5). # PageV00P272 # القول في الزبيب إن نسبة الزبيب إلى العنب كنسبة التين اليابس إلى التين ~~الطري، إلا أنه ألطف جسما وأقل حلاوة من التين. فللطافته في جسمه وقلة ~~حلاوته، صار انفعاله أكثر من فعله، وصار انقلابه إلى المرار أسرع من انقلاب ~~التين إلا أنه متى لم ينقلب إلى المرار، كان أوفق للمعدة كثيرا. ذلك لخفته ~~عليها وقلة إتعابه لها. وقد يختلف في طبيعته وغذائه وفعله على حسب اختلاف ~~طعمه ومقدار جسمه. فأما طعمه فيختلف على ثلاثة ضروب: لان منه الحلو الصادق ~~الحلاوة. ومنه ms273 ما فيه مرارة. ومنه ما فيه قبض وخشونة. وما كان كذلك فهو ~~مركب من قوتين: قوة تنضج وتحلل تحليلا معتدلا وقوة تقبض وتقوي. # والسبب في تقويته طبيعة حبه لان لحمه وإن كان حارا رطبا محللا، فإن حبه ~~بارد يابس مقبض. # وما كان من الزبيب حلوا كان أكثر حرارة ورطوبة وبخاصة متى كان أسود، ~~ولذلك صار متوسطا بين ما يرخي ويشد، لأنه يرخي المعدة ولا يشدها، ولا يطلق ~~البطن ولا يحبسه. ولذلك صار له تعديل لما يصادف في المعدة من الأخلاط ~~الرديئة متى كانت يسيرة. ومن فعله تسكين اللذع الذي في المعدة وبخاصة إذا ~~كان لحيما رقيق القشر صغير الحب. وما كان كذلك كان نافعا لأوجاع الصدر ~~والرئة ملينا للسعال جلاء لما في الكلى والمثانة إلا أنه غير موافق للكبد ~~والطحال إذا كان فيهما جسأ (1) أو غلظ. وما كان من الزبيب مائلا إلى ~~المرارة قليلا كان أقل غذاء وأمسك إلى البرودة وقلة الرطوبة وخاصة متى كان ~~أبيض. ولذلك صار مقويا للمعدة حابسا للطبيعة مسكنا للحر. وأكثر منه في هذا ~~ما كان عفصا، لأنه أقل أنواع الزبيب رطوبة وأكثرها يبوسة، ولذلك صار أكثر ~~تقوية للمعدة وأعون على حبس البطن ولا سيما إذا كان لحمه قليلا وحبه كثيرا. # وقد يستعمل الزبيب على ضروب فتختلف أفعاله وغذاؤه، ولذلك أن منه ما يؤكل ~~بعجمه، ومنه ما يؤكل بغير عجمه، وهو أكثر موافقة للسعال وعلل الصدر والرئة ~~وأوجاع الكلى والمثانة وأعون على # PageV00P273 # إطلاق البطن وبخاصة إذا كان طعمه حلوا وجسمه لحما وقشره رقيقا قليلا (1) ~~صغيرا، إلا أنه قليل الموافقة للكبد والطحال إذا كان فيهما جسأ وغلظ. وما ~~يؤكل من الزبيب بعجمه فهو أكثر تقوية للمعدة والكبد، نافع لعقر (2) المعاء ~~وبخاصة إذا كان مرا أو عفصا، وكان لحمه قليلا وحبه كثيرا. والزبيب إذا كان ~~مطبوخا كان أشد تجفيفا وأقل ترطيبا وبخاصة إذا كان معه عسل. ونقيع الزبيب ~~أقل تجفيفا وأكثر ترطيبا ولا سيما إذا كان معمولا بالسكر أو بالعسل. # PageV00P274 # في شجرة الكرم في ذاتها قال ديسقوريدوس: عصارة ms274 ورق الكرم إذا شربت، نفعت ~~من قروح المعاء والذين يتقيأون الدم، والذين يشكون معدهم، وللحوامل من ~~النساء. وخيوط الكرم الدقاق إذا أنقعت في الماء وشربت، فعلت مثل ذلك. وقد ~~يتخذ من زهرة الكرم دهن يقوم مقام دهن الورد، وهو أن تؤخذ الزهرة فتذبل ~~وتجعل في زيت أنفاق يومين، ثم تعصر وترفع وتستعمل. وأجود ما تكون إذا سعطت ~~(1) منه رائحة زهرة (2) الكرم. # وقلوب الكرم الرطبة إذا مضغت وشرب ماؤها، نفعت من القئ العارض من المرة ~~الصفراء والاسهال الكذلك. وإذا دق ورق الكرم وخيوطه وعمل منها ضماد (3)، ~~كان نافعا من الصداع الصفراوي. وإذا خلط معها سويق الشعير وعمل منها ضماد ~~على المعدة، سكن الالتهاب العارض فيها ونفع من الورم العارض لها. وصمغة ~~الكرم الشبيهة بالصمغ الجامدة على القضبان إذا شربت مع شراب، أخرجت الحصى. ~~وإذا عمل منها لطوخ، أبرأت القوابي والجرب المتقرح وغير المتقرح. وإذا أردت ~~أن تلطخ بها القوابي، فاغسل الموضع قبل ذلك بنطرون. وإذا مسح بها منابت ~~الشعر مع الزيت دائما، حلقت الشعر ومنعت من نباته. وقضبان الكرم الطرية إذا ~~أحرقت (4) بسكين، رشح منها الدمع كما يرشح العرق. وهذه الدمعة هي المسماة ~~الصمغة وهي التي إذا لطخت على الثواليل أذهبت بها. ورماد قضبان الكرم ورماد ~~ثجير العنب إذا عمل منه ضماد مع الخل، نفع من المقعدة (5) التي قد قلع منها ~~البواسير النابتة ومن التواء العصب. وقد ينفع من نهشة الأفعى. وإذا عمل منه ~~ضماد بدهن ورد وخل وسذاب، نفع من الورم العارض للطحال. # PageV00P275 # ولديسقيريدوس في زهرة الكرم البري قول قال فيه: إنها تؤخذ وهي مزهرة ~~وترفع في إناء من خزف وتجفف في الظل. ولها قوة قابضة إذا شربت، قوت المعدة ~~وعقلت البطن وقطعت نفث الدم وأدرت البول لعقلها البطن. وإذا خلطت بخل ودهن ~~الورد وحملت على الرأس، سكنت الصداع. وإذا تمضمض بمائها رطبة ويابسة، قوت ~~اللثة ونفعت الأسنان. وفى كتاب آخر بدل زهرة الكرم ثمرة الكرم وهي غضة كما ~~تزهر. وزعم ديسقيريدس أنه يعمل من زهرة الكرم دهن، وهو يقوم ms275 مقام دهن ~~الورد. # وصفته: أن تؤخذ زهرة الكرم وتذبل قليلا وتنقع في زيت أنفاق ويحرك زهره ~~جيدا ويترك فيه ثلاثة أيام بلياليها ويعصر ويصفى ويصير في قوارير وتحرز (1) ~~وتستعمل عند الحاجة إليها. # PageV00P276 # في التوت التوت يكون على ضربين: لان منه ما هو بعد نئ فج شديد الحموضة، ~~ومنه ما قد نضج وكمل وصار حلوا أو مزا. فما كان فيه بعد فجاجة وحموضة فهو ~~في طبيعته بارد يابس، وله قوة قابضة مقوية للمعدة والمعاء جالية للطبيعة. ~~ولذلك صارت هذه الثمرة إذا جففت، كان منها دواء قوي لحبس البطن حبسا شديدا ~~حتى أنه يصلح لقروح الأمعاء ولجميع العلل التي من جنس التحلب. وكثير من ~~الناس من يسحقها ويخلطها مع الأطعمة كما يخلط السماق. وإن أحب ~~<إنسان> أن يشربها مع الماء ومع بعض الأشربة، شربها. ومن خاصة هذه ~~الثمرة أنها فيها (١) ولا سيما إذا طبخت بعقيد العنب أو بشئ من سكر. وما ~~كان من التوت كامل النضج قد غلبت عليه الحلاوة، نسبت حلاوته إلى الحرارة ~~واللزوجة والرطوبة، وإن كانت نسبته إلى البرودة أثبت لان رطوبته أكثر من ~~حرارته وأظهر. ولذلك صار سريع الانحدار عن المعدة ملينا للبطن مدرا (٢) ~~للبول إلا أنه متى وافى في المعدة غذاء قد تقدمه (٣) أو فضولا قد سبقته، ~~عاقها ذلك عن الانحدار بسرعة، وطال لبثه في المعدة ولحقه الفساد من قرب ~~وأضر بالمعدة والرأس. وإن لم يعقه عائق عن الانحدار من المعدة، انهضم بسرعة ~~وغذى غذاء يسيرا رطبا من غير تبريد للمعدة ولا تسكين لحرارتها. # ولذلك صار من الواجب ألا يؤخذ إلا على خلاء من المعدة من الغذاء ونقاء من ~~الفضول وبخاصة الفضول الرطبة لأنه إن وافى في المعدة فضولا رطبة، كان ~~الفساد الذي ينتقل إليه فسادا لا يوصل إلى وصفه شبيها بما يتولد من القرع ~~والبطيخ إذا لم ينهضم على ما ينبغي. إلا أن قوته غير مهيجة للقئ كتهييج ~~البطيخ ولا مضرة بالمعدة كإضراره أيضا، لان البطيخ أكثر إرخاء لعصب المعدة. ~~والتوت إذا انهضم على ما ينبغي ولم ms276 يعقه عائق عن الانحدار، طرق (٤) لما ~~تبعه من الطعام وسهل انحداره وأطلق البطن وأدر البول فكان أصلح لآكله، لأنه ~~على مثل هذه الحال لا يفسد، وإن كان غذاؤه <أقل> (5) فإن لم يفسد ~~يسيرا، كان سريع الانحلال من الأعضاء، إلا أنه يرطب لا محالة من غير تبريد ~~لان التبريد ليس هو من طبعه لحلاوته، إلا أن يبرد بالماء الشديد البرد أو ~~بالثلج، فيستفيد برودة من الماء # PageV00P277 # يقوى بها على تسكين الحرارة، وإن كان ذلك زائدا في تفجيجه وبعد انحداره، ~~إلا أن يكون المستعمل له قد تحشفت (1) معدته وغلبت عليها الحرارة واليبوسة، ~~فيعين ذلك على هضمه ويصير محمودا مسكنا لحرارة الكبد من قبل أن المعدة إذا ~~صارت إلى مثل هذه الحال من الحرارة واليبوسة، لم يكن بد للكبد من أن يناله ~~بعض ذلك. وإذا أخذ التوت على الريق مبردا بالماء أو بالثلج، قطع العطش وسكن ~~الالتهاب ولا سيما إذا كان في التوت بعض المرارة. # ولجالينوس في التوت فصل بديع قال فيه: إن في التوت الحلو قوة مسهلة ~~مشاكلة لقوة الأدوية المسهلة، إلا أنها ضعيفة ولم يوضح السبب في ذلك. وليس ~~بمنكر أن تكون مثل هذه القوة في التوت النضيج على ما في شجره من الخواص ~~العجيبة، لأنا نجد في لحاء (2) هذه الشجرة وأغصانها وورقها مرارة وحدة يجلو ~~بها ويقطع ويقتل الدود العريض، المعروف بحب القرع، ويخرجه من البطن. وإذا ~~دق ورقها وحمل على السرة، فعل مثل ذلك. وإذا دقت عروقها وطبخت وشرب ماؤها، ~~لين البطن وأخرج الدود وحب القرع. وإذا دق قشرها وورقها وطبخا، وتمضمض ~~بمائها وأمسك في الفم ساعة، نفع من وجع الأسنان. وإذا طبخا بطلاء واتخذ ~~منهما غرغرة، نفعت من البلة المنحدرة إلى اللهاة واللوزتين. # وإذا طبخ ورقها مع ورق الكرم وورق التين اليابس بماء المطر، سود الشعر. ~~وإذا شرب من عصارة الورق قدر أوقية ونصف، نفع من نهش الرتيلاء. وإن حفر ~~الانسان عن أصل هذه الشجرة وشرط شرطان، وترك ليلة، وجد في الشرط بالغداة ~~رطوبة جامدة تنفع من وجع ms277 الأسنان، وتسهل البطن. وإذا سحق أصل هذه الشجرة ~~وجعل في خل ثقيف وصير في الشمس أربعة عشر يوما وجفف وسحق وحمل على الأضراس ~~المأكولة، قلعها كلها. ومما يدفع ضرر التوت أن يغسل قبل أكله بالماء مرات، ~~ولا يؤكل إلا على الريق على خلاء من المعدة ونقاء من الفضول منها، لأنه إذا ~~استعمل على هذه المثال، اكتسب من الماء برودة ليسكن بها الحرارة ويغذو، ~~وبعدا من الفساد لنقاء المعدة وقوتها على هضمه، وأمن صاحبه إضراره بالمعدة ~~والرأس. # ولديسقيريدس في التوت النضيج قول قال فيه: إن عصارته إذا طبخت في إناء من ~~نحاس ووضعت في الشمس أياما حتى تنعقد، كان أشد لقبضها. وإن خلط معها يسير ~~من عسل، كانت صالحة للورم العارض للعضل الذي على جنبي الحنك وأصل اللسان. ~~وإن صير فيها شب (3) يماني ويسير من عفص وزعفران وثمر الطرفاء (4) وأصول ~~السوسن المعروف بالايرسا (5) وكندر وسعد، كان أقوى لفعلها. # ولك أن تزيد في هذه العقاقير وتنقص على ما تراه من مزاج المتعالج بها، ~~لأنا قد وجدنا بعض المتطببين قد أزال هذه الايرسا والسعد والكندر، وصير بدل ~~العسل سكر طبرزد. # PageV00P278 # في الإجاص الإجاص في الجملة يغذو غذاء يسيرا جدا لأنه على ضربين: لان منه ~~الأبيض المعروف بالشاهلوج، ومنه الأسود المعروف بالإجاص على الحقيقة. فأما ~~الشاهالوج فبطئ الانهضام ردئ للمعدة قليل الاسهال للبطن، ذلك لغلظ جسمه ~~وقلة رطوبته وبعد انحداره. ولذلك وجب ألا يقرب منه إلا ما كان عظيما في ~~غاية النضج والكمال. وأما الإجاص الحقيقي فينقسم قسمة أولية على ضربين: لان ~~منه البستاني، ومنه البري. والبستاني على ثلاثة ضروب: لان منه الأسود ~~الكامل النضج والعذوبة. ومنه ما هو بعد أخضر في غاية الفجاجة والعفوصة. ~~ومنه ما هو أحمر اللون متوسط النضج قد غلب على طعمه الحموضة لتوسطه بين ~~الحلاوة والعفوصة. وبين كل نوعين من هذه الأنواع نوع آخر متوسط، لان بين ~~الأسود (1) الكامل النضج والحلاوة، وبين الأحمر الحامض المتوسط (2) النضج، ~~نوع آخر خمري اللون (3) في طعمه مرارة. وبين الأخضر الصلب وبين الأحمر ~~الحامض ms278 المتوسط النضج نوع آخر مائل إلى البياض والتورد قليلا، في طعمه قبض ~~مع شئ من تفاهة، لان رطوبته أرق وألطف من رطوبة العفص وأغلظ من رطوبة ~~الحامض. # فما كان أسود كامل النضج والحلاوة، كان أقلها بردا وأكثرها رطوبة، لان ~~برودته في أول الدرجة الأولى، ورطوبته في آخرها. وما كان كذلك، كان من شأنه ~~أنه يرطب المعدة ويرخيها ويطلق البطن ويحدر مرة صفراء وبخاصة متى كان جسمه ~~عظيما رخوا، إلا أن الاكثار منه مضر (4) بالمعدة للزوجته ورخاوته. وما كان ~~منه أرضيا عفصا في غاية الصلابة والفجاجة، كان مذموما للغذاء والدواء ~~جميعا، وأشد إضرارا بالمعدة من قبل أنه غير لذيذ ولا فيه تغذية للبدن أصلا، ~~ولا هو مطلق للبطن لكنه غليظ عسير الانهضام بطئ الانحدار، ثقيل في المعدة ~~كثير الأتعاب لها. إلا أن الفائض منه المائل إلى # PageV00P279 # التفاهة أصلح قليلا وأقل إضرارا بالمعدة لما فيه من زيادة الليانة وقلة ~~اليبوسة. ولذلك صار مقويا للمعدة. # وما كان أحمر خمريا، كان أكثر تبريدا وأقل رطوبة لان برودته في وسط ~~الدرجة الثانية، ورطوبته في أولها. ولذلك صار أفضل لمن احتاج إلى تبريد ~~المعدة وتقويتها، إلا أن تليينه للبطن أقل. والأفضل من الإجاص ما كان لحيما ~~رقيق القشر، في طبيعته مرارة مع يسير من قبض. وينبغي لآكله أن يقدمه قبل ~~طعامه بساعة لأنه إذا وافى المعدة خالية من الطعام، أطفأ الحرارة وسكنها، ~~وأسهل مرة صفراء. وأما المبلغمون فينبغي أن يتناولوا (1) بعقبه نبيذ العسل ~~ليجلو ما يتولد في المعدة من رطوبته. وإذا طبخ الإجاص وصفي ماؤه وشرب بسكر ~~أو بعسل، كان أقوى لاطلاق البطن ولا سيما إذا لبث الانسان بعد شربه له وقتا ~~طويلا لم يتناول غذاء. # وأما ديسقيريدس فذكر في الإجاص الشامي وبخاصة الدمشقي أنه إذا أكل، حبس ~~البطن. وأنكر جالينوس ذلك وقال: ما أدرى كيف قال ديسقوريدوس هذا في الإجاص ~~الدمشقي ونحن نجده يطلق البطن. وما أحسب أن ديسقيريدس قال هذا القول مطلقا، ~~لكنه قاله بالإضافة إلى غيره من الإجاص وبخاصة إذا أضيف إلى الإجاص ms279 المجلوب ~~من أرمينية الداخلة، لان الإجاص الدمشقي أقل الإجاص إطلاقا للطبيعة لغلبة ~~القبض عليه. والإجاص المجلوب من أرمينية الداخلة أكثر الإجاص إطلاقا ~~للطبيعة لأنه أشد جلاء وأقل قبضا. # وأما أنا، فإني شاهدت بمصر إجاص يجلب من فارس صغير الحب مدور، حسن ~~السواد، حلو الطعم، إذا أكله الانسان أحدره، لكل حبة مجلس. # ولجالينوس في الأشجار قول قال فيه: وفى الجملة، إن كل الأشجار والأصول ~~التي يوجد القبض في قضبانها وورقها ظاهرا بينا، فإنها إذا طبخت وتغرغر ~~بمائها، كانت نافعة من ورم اللهاة واللوزتين والنغانغ (2) قاطعة لسيلان ~~المواد المتحلبة إليها. ولذلك صار ورق الإجاص وبخاصة الدمشقي منه إذا طبخ ~~بشراب وتغرغر بمائه، نفع من سيلان المواد إلى اللهاة واللوزتين واللثة. # * * * # PageV00P280 # في الإجاص البري وأما ثمرة الإجاص البري الصغير، فيقبض قبضا بينا ويحبس ~~البطن. وإذا طبخ بطلاء، صار طعمه أطيب، وإمساكه للطبيعة أشد. وزعم قوم أن ~~صمغه إذا شرب بشراب، فتت الحصى. وإذا عجن بخل وطلي على الثواليل التي تكون ~~في الصبيان، أبرأها. وإذا كان هذا الصمغ يفعل مثل هذا الفعل فبين أنه قطاع ~~ملين. # في المشمش هذه الثمرة تعرف عند اليونانيين بالتفاح الأرمني، كما يعرف ~~الخوخ بالتفاح الفارسي. وزعم جالينوس: أن الاسم الذي كان يسمي به ثمره بدءا ~~قرمعمير، وصاروا يسمونه البرفمونا. وهو في طبيعته بارد رطب في وسط الدرجة ~~الثانية، ورطوبته ولحمه سريعا الاستحالة إلى الفساد في المعدة يولدان بلغما ~~غليظا لزجا نيا في جداول الكبد والعروق، ويحدثان (1) جميعا حميات متطاولة ~~لان غلظ الرطوبة يمنعها من الانبساط في العروق. ولذلك صار المشمش رديئا في ~~جميع حالاته. ولهذا ما وجب أن يقدم قبل الطعام، ولا يؤخذ إلا على نقاء من ~~المعدة من الطعام ونقاء من الفضول، لأنه بعد الطعام يعوم ويطفو في أعلى ~~المعدة، ويستحيل إلى الحموضة والعفونة بسرعة. ومما يدفع ضرره أن يؤخذ على ~~ما ذكرنا، ويستف بعده أنيسون ومصطكى من كل واحد وزن مثقال (2) ويشرب عليه ~~ميبة (3) أو نبيذ عسل أو نبيذ زبيب بعسل، والدهن المستخرج من حب المشمش ~~طراد ms280 للرياح نافع من رياح البواسير إذا مسحت به المقعدة. # PageV00P281 # القول في الخوخ الخوخ بارد رطب في أول الدرجة الثانية وهو في أكثر حالاته ~~موافق للمشمش في جهات، ومخالف له في جهات. أما مخالفته له، فلانه ألذ طعما ~~وأوفق للمعدة من قبل أنه لا يفسد في المعدة ولا يحمض فيها كالمشمش. وأما ~~موافقته فلانه يشركه في توليد البلغم الغليظ اللزج في جداول الكبد والعروق، ~~وفى سرعة استحالته وفساده في المعدة، إلا أنه دون المشمش في ذلك كثيرا لغلظ ~~جسمه وقلة رخاوته. ومما يدفع به ضرره أن يؤخذ على خلاء من المعدة من الطعام ~~ونقاء من الفضول، ويشرب بعده نبيذ صرف. إلا أنه ينقسم قسمين: لان منه نوعا ~~كبير المقدار أبيض اللون مزغب ويسمى المشعر، وربما كان في بعض أجزائه تورد ~~قليل. ومنه نوع آخر لطيف المقدار أملس السطح أحمر اللون، وربما كان في بعض ~~أجزائه صفرة، وأهل مصر يسمونه بالخوخ الزهري. # والأول منهما: الأبيض المزغب الغالب عليه في طعمه الحلاوة مع مرارة ~~يسيرة، لأنه أكثر رطوبة ولزوجة. ولذلك صار في جميع ما ذكرنا من سرعة فساده ~~في المعدة وانتقاله من البلغم الغليظ أسبق وأكثر. ومن خاصة هذا النوع من ~~الخوخ أنك إذا شققته بسكين وتركته ساعة شممت منه رائحة زهكة كريهة. وفى هذا ~~دليل على سرعة استحالته إلى العفونة. وأما النوع الثاني المعروف بالزهري، ~~فهو أذكى رائحة وأعطر وألذ طعما وأقرب من المرارة وأبعد من الحلاوة وأقل ~~رطوبة. ولذلك صار أشد تطفئة للمرار وأقل إضرارا بالمعدة لأنه أبعد من ~~الاستحالة إلى الفساد. # واليابس من الخوخ أغلظ وأبعد انهضاما. وأما ورق هذه الشجرة وفقاحها ~~وقضبانها، فإن فيه مرارة بينة، ولذلك صار ورقها إذا دق وعصر ماؤه وشرب، ~~أسهل الدود والحيات والعقارب وحب القرع من البطن. ويفعل ذلك أيضا إذا حمل ~~على السرة من خارج. وإذا دق ورقه ودلك به بعقب النورة في الحمام، قلع ~~رائحتها. وإذا عصر ماؤه في الاذن، قتل الديدان المتولدة (2) فيها. وهو ~~تعالى أعلم. # PageV00P282 # القول في التفاح والسفرجل والكمثرى ms281 والرمان هذه الثمار في جملتها تنقسم ~~قسمة جنسية على ضربين: لان منها ما قد تم نضجه على نباته وكمل. ومنها ما هو ~~بعد ني فج غليظ صلب خشبي. فما كان منها صلبا خشبيا كان مذموم الغذاء جدا لا ~~غذاء له أصلا مع إضراره بالمعدة لأتعابه لها لشدة قبضه وعصره لجرمها وجمعه ~~له. ولذلك يحدث عنه ألما مؤذيا. وإذا انحدر عن المعدة، لم يسهل سلوكه في ~~العروق ولا نفوذه فيها لغلظ الخلط المتولد عنه وجسأه وخشونته. ولهذا السبب ~~يطول لبثه في المعدة حتى يهيج مرة ونفخا. والاكثار منه يولد حميات طويلة ~~بعيدة الانحلال جدا. ومن قبل ذلك وجب أن يحذر استعماله والقرب منه أصلا. ~~وكذلك جميع الفواكه التي لم يستكمل نضجها على نباتها وشجرها. # وأما ما كان قد تم نضجه وانتهى وكمل، فيكون على ضروب: لان منه ما يكون ~~عفصا، ومنه ما يكون حلوا، ومنه ما يكون تفها لا طعم له ولا مذاق. فما كان ~~منه عفصا، كان جوهره (1) باردا يابسا أرضيا موافقا لمن كان قد أفرط على ~~مزاج معدته الحرارة والرطوبة، لأنه لشدة قبضه يعصر جرم المعدة ويحدر كثيرا ~~من رطوباتها إلى أسفل، وينشف ما تبقى منها ويقوي المعدة والمعاء، إلا أنه ~~في نفسه غليظ عسير الانهضام بعيد من النفوذ في العروق ومولد للنفخ مضر ~~بالأعصاب لشدة قبضه وجمعه. وأكثر هذا الفعل يكون في جرمه وذلك منسوبا إلى ~~الحدة بالعرض، لأنه بقوة جمعه يضم أجزاء العصب ويفرق اتصالها بما جاوزها ~~مما لم تصل قوته إليه، ويقوم مقام الحار الحريف المفرق للاتصال. فأما ~~رطوبته فإنها على الانفراد أحمد كثيرا، إلا أنها ألطف وأخف على المعدة. ~~ولذلك صارت مقوية للمعدة والمعاء نافعة من نفث الدم قاطعة للاسهال المري ~~والقئ الكذلك. ولذلك وجب أن تمص رطوبة هذا النوع من هذه الثمار ويرمى بثفله ~~أو بتلطيف له بما يزيل عنه غلظه وتليين خشونته، ويعين على هضمه ليستفيد # PageV00P283 # منه رطوبة وليانة، ويعلق على بخار ماء حار يغلي حتى ينضج ويلين أو ينقى ~~من حبه ويجعل ms282 موضع الحب عسل أو سكر على حسب مزاج المستعمل له، ويطبق ~~النصفان (1) كل واحد على الآخر، ويلبس عجينا من خارج، ويدفن في دقاق جمر أو ~~يدلى في تنور، أو يدخل في فرن حتى ينضج العجين ويقارب الاحتراق، ويستعمل ~~وقد داخل جسمه العسل أو السكر. فإن ذلك مما يفيده رخاوة وليانة ولذاذة عند ~~الطباع، ويعين على هضمه ويمنع من إضراره بالعصب، إلا أن فعله في قطع ~~الاسهال يضعف ويصير موافقا لمن كان في صدره علة. # وما كان منه قابضا كان فيه، مع الجوهر الأرضي اليابس، جوهر عذب مائي. ~~ويستدل على ذلك من قلة عفوصته. ولذلك صار برده أكثر من يبسه لان رطوبته قد ~~دقت ولطفت وصار جسمه أرخى وألين. # ولهذه الجهة صار موافقا لمن غلب على معدته رطوبة غير مفرطة، لان قوته ~~تضعف عن مقاومة الكثير من الرطوبة من قبل أن يبسه وجفافه دون يبس العفص ~~وجفافه كثيرا. ولهذه العلة صار فعله في تقوية المعدة وسائر البطن، وحبسه ~~الاسهال والقئ ألين وألطف كثيرا. وذلك فعله في تقوية الشهوة والمعونة على ~~الهضم لأنه يفعل بغير عنف ولا استكراه للطبيعة ولا إضرار بالحاسة. ولذلك ~~السبب فضله جالينوس على (1) فعل المسلوق والمشوي من العفص ولهذه الجهة ~~استغنى عن الحيلة فيما يلطفه ويرخى جسمه لأنه لو سلق أو شوي، لزال عنه قبضه ~~لضعفه وبطلت خاصته ومنفعته، ولخرج من حد الدواء وصار إلى حد الغذاء. # وما كان منه حامضا كان الأغلب على مزاجه الجوهر المائي مع أرضية يسيرة. ~~ولذلك صار برده أكثر ويبسه أعدل وألطف من يبوسة العفص لقرب لطافة الهواء في ~~الخفة. ولهذا صار مولدا (3) للخلط البارد اللطيف الغواص، وصار فعله مركبا ~~لأنه بقبضه وتقويته يقوي المعدة وسائر البطن، ويقطع الاسهال المري والقئ ~~الكذلك. وببرده وللطافة رطوبته، يقطع العطش ويقمع حدة الصفراء. ولحموضته، ~~ينفع من الخفقان المري الحار، ويفعل في الفضول الغليظة الكائنة في المعدة ~~متى كانت غير باردة، وفي (4) الكيموسات الحلوة متى كانت حلاوتها خالصة لم ~~يشبها حرافة ولا حدة. والسبب في فعله في ms283 الأشياء الغليظة، أنه بتلذيعه ~~يقطعها ويحدرها ويلين الثفل. والسبب في فعله في الأشياء الحلوة، أنه ~~بلطافته يلطفها ويطرق لها ويرسلها إلى جميع البدن. وقد يصلح أن يستعمل هذا ~~النوع من هذه الثمار قبل الطعام وبعده خلا الكمثرى، فإن ديسقيريدس جرد فيه ~~قولا قاله فيه: إن الكمثرى إذا أخذ على الريق، كان ضارا. # PageV00P284 # وسأبين السبب في ذلك والعلة الموجبة له في موضوعه الأخص به عند ذكرنا ~~الكمثرى على الانفراد. وأما السفرجل والتفاح والرمان، فإن استعمالها قبل ~~الطعام وهي عفصة أو قابضة أو حامضة مما يقوي جرم المعدة والمعاء، ويمنع ~~الاسهال المري، وينفع من عقر المعاء. واستعمالها بعد الطعام مما يقوي فم ~~المعدة ويجمعه ويدفع الطعام من أعلى المعدة إلى أسفله، ويقمع البخارات ~~المتصاعدة، ويمنعها من الترقي إلى الرأس ويمنع القئ المري، إلا أنه يجب أن ~~يتوقى جرم العفص منها خاصة. # وتستعمل رطوبته ومائيته فقط لما بينا من غلظه وإضراره بعصب المعدة. # وما كان من هذه الثمار حلوا، كان الغالب على مزاجه الجوهر المائي القريب ~~من الاعتدال، المنحرف إلى الحرارة قليلا. ولذلك صار قليل التبريد جدا ضعيف ~~التقوية للمعدة. ولهذه الجهة صار غير موافق لمن كانت معدته حارة أو كان ~~فيها شئ من استرخاء، ومضرا (1) بمن كان به إسهال أو قئ. # وما كان منها تفها لا طعم له مائيا، كان مذموما في جميع حالاته، لان ~~الغالب على مزاجه البرودة والرطوبة. ورطوبته أكثر من برودته لغلبة المائية ~~عليه ومشاكلته لطعم الماء. ولذلك صار لا خير فيه من جهتين، من قبل أنه لا ~~لذاذة له ينسب بها إلى الغذاء، ولا منفعة فيه ينسب بها إلى الدواء لأنه ليس ~~فيه عفوصة يقوي بها المعدة ويمنع الاسهال، ولا له حموضة يقمع بها حدة ~~الصفراء ويقطع القئ المري، ولا له حلاوة يغذو بها، لكنه يولد خلطا بلغمانيا ~~ورطوبات نية مذمومة. # وإذ أتينا على التفاح والسفرجل والكمثرى والرمان في الجملة، فلنأت الآن ~~بما يخص كل واحد منها على الانفراد. # PageV00P285 # القول في التفاح لما كان ثمر هذه الشجرة غير ms284 متفق في طبيعته وجوهريته لان ~~منه العفص الأرضي الخالص اليبس، ومنه القابض المركب من جوهر أرضي وجوهر عذب ~~مائي، ومنه الخالص اللطيف المركب من جوهر مائي مع أرضية يسيرة، ومنه الحلو ~~المعتدل الجوهرية المتوسط بين الكيفيات الأربع، ومنه التفه المائي، وجب أن ~~يكون ورقها وأغصانها ولحاؤها أيضا كذلك. ولذلك قال جالينوس: أن ليس طبيعة ~~شجرة التفاح كله طبيعة واحدة، كما أن ليس طبيعة ثمرته التي هي التفاح طبيعة ~~واحدة، لان من التفاح ما هو عفص خشبي، ومنه ما هو قابض قليل العفوصة، ومنه ~~ما هو حامض، ومنه ما هو حلو، ومنه ما هو تفه لا طعم له. # والعفص والقابض أبردها وأغلظها وأبعدها انهضاما، إلا أنهما أشد تقوية ~~للمعدة وأقطع للاسهال. والقابض منهما ألطف وأرق لغلبة الجوهر المائي عليه. ~~فلذلك صار استعماله بجرمه غير ضار لمن أراد الزيادة في تقوية معدته وقطع ~~الاسهال والقئ جميعا لان مقامه، إذا كان قابضا، مقام المشوي والمسلوق من ~~التفاح العفص. وأما الحامض فالغالب عليه البرودة واللطافة مع أرضية يسيرة. ~~ولذلك صار يبسه أقل من يبس القابض، ولضعف يبسه صار لطيفا غواصا قامعا لحدة ~~المرة الصفراء، نافعا من الخفقان، مسكنا للعطش، مقويا للمعدة، منبها لشهوة ~~الطعام، حابسا للبطن، مانعا للقئ وبخاصة إذا أخذ على الريق أو على نقاء من ~~المعدة لأنه إذا أخذ بعد الطعام، منعه الطعام الذي تقدمه من الرسوب في قعر ~~المعدة ومواضع الطبخ وبقي طافيا عواما، وعصر أعلى المعدة وأحدر ما فيها إلى ~~أسفل وصار سببا لاطلاق البطن، وإن كان العفص والقابض أقوى في هذا الفعل من ~~الحامض كثيرا. وأما الخاصية التي هي للحامض دون العفص والقابض، وهي أنه متى ~~وافى في المعدة فضولا غليظة ليست بباردة، قطعها بحموضته ولطافته، وأحدرها ~~ولين الثقل. ومتى وافى كيموسا حلوا لم يشبه حرافة ولا غلظ، ألطفه وطرق له ~~السبيل إلى جميع البدن. # وقد يفضل سويقه وشرابه الساذج في تقوية المعدة وقطع العطش والقئ والاسهال ~~المري، PageV00P286 # والنفع من الخفقان وقمع حدة الصفراء، قريبا من فعل مائه إذا ms285 شرب أو إذا ~~أكل جرمه طريا ولا سيما إذا كان شرابه مركبا من ماء التفاح المز وماء ~~الرمان الحامض، وكان طريا لم يعتق فتغير، لان ماء التفاح خاصة قليل البقاء ~~لان ليس فيه من الصبر ما لماء السفرجل، ذلك لان فيه رطوبة رقيقة مائية ~~تغيره وتنقله إلى الحموضة بسرعة. ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن جميع ~~التفاح فيه رطوبة فضلية كثيرة باردة، ويدل على ذلك أن ليس فيه شئ من تبقي ~~عصارته إذا رفعت كما تبقى عصارة السفرجل، لكنها تفسد وتحمض عن قرب، إلا أن ~~تطبخ مع السكر أو العسل. # وأما الحلو، فإنه لما كان معتدلا في الكيفيات الأربع، صار قليل الاضرار ~~بمن كانت معدته باردة. وأما حبسه للبطن أو إطلاقه له، فليس فيهما فعل ظاهر ~~ولا أثر بين. # وأما المز من التفاح، فان جوهره لما كان ممتزجا من طبيعة الحامض والحلو، ~~صار فعله أيضا مركبا متوسطا بين فعل الحامض وفعل الحلو ولذلك صار فعله في ~~تقوية المعدة وقطع القئ والاسهال غير بين ولا ظاهر، لأنه مركب من طبيعة ~~الحامض والحلو. والحامض وإن كان حابسا (1) للبطن، فإن الحلو ملين له. وأما ~~فعله في تسكين العطش وقمع حدة الصفراء، فقريب من فعل الحامض. وأما نفعه من ~~الخفقان، فبين واضح للخمرية التي في طعمه. # وأما ما لا طعم له من التفاح، فإنه لما كان الأغلب على مزاجه الرطوبة ~~المائية، لم يكن له لذاذة ولا منفعة. ولذلك صار مغثيا غير نافع للمعدة ولا ~~قاطع للاسهال. # وأما ورق التفاح وعصارته ولحاؤه، فإنه ما كان منها من شجر ثمره قابضا أو ~~حامضا، كان نافعا في تقوية المعدة عند استرخائها وفى إدمال الجراحات، وفى ~~منع ما يتحلل وينصب إلى المواضع الوارمة. # عند (2) حدوث المدة فيها. # PageV00P287 # القول في السفرجل وأما السفرجل فينقسم قسمة جنسية على ضربين: لان منه ~~النضيج الكامل النضج، ومنه النئ الفج الخشبي. فما كان منه فجا خشبيا كان ~~مذموما جدا لأنه غليظ أرضى عسير الانهضام يولد خلطا خشنا جاسئا لا يغذو ~~البدن أصلا. ms286 ولذلك وجب أن يحذر وإن كان في جنسه كريما. وأما النضيج وهو ~~بالقول المطلق بارد في آخر الدرجة الأولى، يابس في وسط الثانية. ولذلك صارت ~~عفوصته وقبضه أكثر من عفوصة التفاح وقبضه. ومن قبل ذلك صار نافعا من نفث ~~الدم قاطعا للاسهال من المعدة مقو لها وإن طال لبثه فيها. إلا أن الاستكثار ~~منه يتخم ولا سيما إذا أخذ بعد طعام وكان الطعام مع ذلك حلوا ولزجا. # ولهذه الأسباب صار في بعض أحواله موافقا للتفاح، وفى بعضها مخالفا له، ~~فأما موافقته له، ففي طبيعته ومزاجه واختلاف أنواعه وطعومه، وذلك أن منه ~~أيضا العفص، ومنه القابض، ومنه الحامض، ومنه المز، ومنه الحلو، ومنه التفه. ~~والعفص من أنواعه أكثر أرضية وأغلظ وأعسر انهضاما وأشد عصرا للأعضاء ولا ~~سيما الأعضاء العصبانية. ولذلك صار جسمه مذموما منسوبا إلى الحدة والخرافة ~~بالعرض، لأنه بإفراط جمعه يفرق الاتصال كما يفرقه الشئ الحار الحريف. ومن ~~خاصته أنه إذا أدمن استعماله على الريق، ورث القولنج وجمع العصب. ولهذا صار ~~أكله على الريق مذموما جدا متى كان أكله على سبيل الدواء والغذاء ~~<لا> على سبيل الحاجة إلى الدواء. وأما رطوبته فإنها على الانفراد ~~ألطف وأخف على المعدة كثيرا. ولذلك صار فعلها في تقوية المعدة (1) ودرور ~~البول وقطع الاسهال والقئ ونفث الدم، ألطف وأفضل كثيرا وأظهر منفعة. ولذلك ~~وجب أن يمص ويرمى ثفله ويحتال له بما يلطف جسمه ويلين خشونته ويعين على ~~هضمه، مثل سلقه بالماء وتعليقه على بخار ماء حار يغلي حتى ينضج، أو يشق ~~وينزع حبه ويصير في موضعه عسل أو سكر ويطبق النصفان (2) ويلبسان عجينا، ~~ويشوى إما في دقاق جمر وإما في تنور وإما في فرن، أو يربى بالعسل الطبرزد ~~لمن كان # PageV00P288 # محرورا، أو بالعسل لمن كان مرطوبا. # وأما القابض من السفرجل فهو في طبيعته وفعله قريب من طبيعة العفص وفعله، ~~إلا أنه ألطف وأعدل كثيرا، إلا أن رطوبته أرق وأغزر وغلظه أقل. ولذلك قل ~~إضراره بالمعدة واستغنى عن التماس الحيلة فيما يلطفه ويلين جسمه ويعين على ms287 ~~هضمه. ولهذا أقامه جالينوس مقام المشوي والمسلوق من السفرجل العفص. وأما ~~الحامض فإن الغالب عليه الرقة واللطافة، وإن كان فيه بعض الأرضية والقبض ~~قليلا. ولذلك صار غواصا ملطفا مسكنا للعطش قامعا لحدة المرة الصفراء نافعا ~~من الخفقان والقئ والاسهال المري مدرا للبول مقو لشهوة الطعام لمشاكلته ~~للقوة الشهوانية في طبعها وطعمها. ومن خاصته أن شمه يمنع القئ، ومصه على ~~النبيذ يمنع بخار النبيذ من الترقي إلى الرأس، إلا أنه يسهل البطن بعصره. ~~ولذلك صار الاكثار منه على النبيذ مذموما لأنه يضم (1) أعلى المعدة ويحدر ~~ما فيها ويخرجه قبل تمام هضمه. # وأما الحلو فمزاجه متوسط (2) مائل إلى الحرارة قليلا. ولذلك لم يكن له ~~فعل ظاهر في تسكين الحرارة وقطع العطش. وأما المز، فمتوسط بين طبيعة الحامض ~~وطبيعة الحلو. ولذلك لم يكن له في إطلاق البطن، ولا في حبسه، أمرا بينا، ~~إلا أنه مدر للبول. والفرق بين الحامض والمز كالفرق بين العفص والقابض. ~~وأما التافه الذي لا طعم له، فقد أغنانا عن إعادة القول فيه هاهنا ما تقدم ~~من ذكرنا له عند كلامنا في هذه الثمار على الجملة، لأنا قد أعلمنا هناك أنه ~~مذموم من كل جهة، إذ كان لا لذاذة فيه ولا منفعة. # وأما مخالفة السفرجل للتفاح، فخاصتين يختص بهما السفرجل دون التفاح: ~~إحداهما: أنه مع ما فيه من القبض، مدر للبول وبخاصة إذا كان قابضا أو حامضا ~~أو عفصا مدبرا. أعني بالمدبر المسلوق والمعلق على بخار ماء يغلي، أو المشوي ~~أو المربى بالعسل. وإن كان في التفاح أيضا بعض ذلك، إلا أنه غير مخصوص به ~~كاختصاص السفرجل به. والثانية: أنه لا يفسد المعدة ولا يستحيل فيها ~~كاستحالة التفاح، لان في التفاح رطوبة فضلية نية غير نضيجة، بها تسرع ~~استحالته، وبخاصة الحلو منه والتفه وإن كان أخص بذلك كثيرا. # ولروفس في هذا فصل قال فيه: إن السفرجل لا يكاد أن يفسد في المعدة في حال ~~المرض فضلا عن حال الصحة. وقد يستدل على ذلك من شرابه الساذج، لأنا نجده ~~يخزن فيبقى ms288 وقتا مديدا من غير أن يستحيل ولا يحمض كما يحمض التفاح. ففي هذا ~~دليل على أن في التفاح رطوبة فضلية نية غير نضيجة تغيره وتنقله إلى الحموضة ~~بسرعة. # PageV00P289 # وحكى جالينوس أنه أصلح رب سفرجل ساذج وصيره في إناء ضيق الرأس، وكان يطلى ~~على رأس الاناء في كل وقت عسلا، وخزنه فمكث عنده سنين ولم يتغير. وكذلك ~~ينبغي أن يفعل بكل شراب يحتاج أن يحفظ زمانا مديدا. وقد يختلف فعل السفرجل ~~على حسب اختلاف أوقات استعماله، وذلك أنه إذا أخذ والمعدة خالية من الغذاء ~~نقية من الفضول، تمكن من جرمها وقواه ودبغه دبغا، وفعل فيه ما له أن يفعل ~~بطبعه من تقوية المعدة وقطع الاسهال والقئ، ونفع من نفث الدم، وأدر البول. ~~وإذا أخذ والمعدة مملوءة طعاما، طفا وعام وتمكن من فم المعدة وقواه وعصر ~~أعلا المعدة ودفع الطعام إلى أسفل وأحدره بسرعة. وكانت منفعته في قطع القئ ~~أكثر منها إذا أخذ قبل الطعام، لأنه يقوي فم المعدة ويدفع ما فيه من الفضل ~~إلى أسفل. ولهذا صارت الأشياء من شأنها أن تحبس البطن وهي على الامتلاء، ~~لان المعدة إذا بعد عليها إخراج الفضل من أسفل وعاقها عن ذلك عائق، دفعته ~~إلى فوق. ولذلك وجب على من أراد استعمال السفرجل لتقوية المعدة وحبس البطن ~~أن يتناوله على الريق والمعدة خالية. # لتقوية (1) المعدة وحبس البطن إلى أسفل، فيتناوله بعد الطعام ولا يكثر ~~منه، فإن الاكثار منه بعد الطعام يبشم (2)، لأنه إذا خالط الطعام منعه، ~~ببرده ويبسه، من أن ينهضم بسرعة. # فإن قال قائل: فلم لا كان ذلك في التفاح أيضا؟ قلنا له: لان في التفاح ~~رطوبة فضلية نية غير نضيجة، بها ينقاد إلى الانفعال ويتهوى بسرعة. ومن خاصة ~~السفرجل أنه مع ما فيه من القبض، يدر البول وبخاصة العفص منه والقابض ~~والحامض. وأما شراب السفرجل فيكون على ضربين: لان منه ما يتخذ ساذجا، ومنه ~~ما يتخذ بالعسل أو بالسكر. والساذج منه أبرد وأكثر قبضا وأشد تقوية للمعدة ~~وقطع الاسهال، لان قوته شبيهة بقوة ms289 الزعرور، إلا أنه ليس فيه لذاذة ~~الزعرور. وأما المعمول منه بالعسل فهو أقل بردا وأضعف فعلا في تقوية المعدة ~~وقطع الاسهال، إلا أنه أنفع لمن كان في صدره علة. وأما المعمول بالسكر وهو ~~أكثر بردا من المعمول بالعسل، وإن كان فعله في تقوية المعدة وقطع الاسهال ~~والقئ أضعف من فعل الساذج كثيرا. والمربى بالعسل من السفرجل مدر للبول. ~~والعسل الذي يربى به يستفيد من السفرجل قوة يعقل بها البطن. وشحم السفرجل ~~إذا خلط مع الضمادات النافعة من الاسهال والقئ، ولالتهاب المعدة والورم ~~الحار العارض للثدي وجسأ الطحال، زاد في منفعتها زيادة بينة. وزهر شجرة ~~السفرجل يستعمل يابسا ورطبا في الضمادات المحتاجة للقبض والتقوية وللأورام ~~العارضة. وإذا شرب بشراب، قطع نفث الدم ونفع من الاسهال والقئ ومنع درور ~~الطمث المفرط. # ولديسقيريدس دهن يعمله من السفرجل سماه السفرجلي يقوم مقام الأشياء ~~القابضة. وصفته: # يؤخذ من الزيت الانفاق أربعة وعشرون رطلا وهو ستة أقساط (3) ومن الماء ~~العذب عشرة أقساط. يجمع # PageV00P290 # الجميع ويلقى فيه من قشور الجفري (1) ثلاث أواق، وينقع فيه يوما وليلة، ~~ثم يطبخ حتى ينضج جيدا، ثم يصفى الدهن ويصير في إناء واسع الفم، ويغطى الفم ~~ببارية (2) أو حصير متخلخل، ويجعل على البارية أو الحصير سفرجل ويغطى الكل ~~بثياب ويترك أياما كثيرة حتى يأخذ الدهن قوة السفرجل، ثم يدق السفرجل وينقع ~~في ذلك الزيت يومين وليلة، ويعصر ويرفع في قوارير ويخزن، وتحقن به الأرحام ~~من القروح العارضة فيها، والذكر من حرقة البول. وإذا دهن به، حقن العرق ~~ومنعه من الخروج. وإذا مسح الرأس به، نفع من الأبرية والنخالة. وإذا لطخ ~~على الشقاق العارض من البرد، وعلى النملة والقروح الجربة، نفع من ذلك. وإذا ~~أمسك في الفم، نفع اللثة المسترخية. وأجود ما كان ريحه شبيها بريح السفرجل. ~~وزعم ديسقوريدوس أن أفضل السفرجل ما كان صغيرا مدورا ذكي الرائحة. # PageV00P291 # القول في الكمثرى أما الكمثرى فورق شجره وأطرافه قابضة. وأما ثمرته ~~ففيها، مع قبضها، حلاوة مائية إلا أنها تنقسم قسمة أولية على ضربين: لان ~~منها ms290 الأهلي ومنها البري. والأهلي ينقسم قسمين: لان منه النئ الفج، ومنه ~~النضيج. والفج منه غليظ صلب خشبي لا منفعة فيه ولا لذاذة. وأما النضيج وهو ~~في جملته بارد في الدرجة الأولى، يابس في الثانية لان يبسه أكثر من برده. ~~وما يتولد منه في البدن، فأفضل مما يتولد من السفرجل والتفاح، لان الكيموس ~~المتولد عنه أعدل وأحد، إلا أنه يختلف في فعله وانفعاله على حسب اختلاف ~~طعومه ومزاجه. وذلك أن منه العفص الأرضي الغليظ. ومنه القابض المركب من ~~جوهر أرضي وجوهر مائي. ومنه المز المركب من جوهر لطيف وهوائي، وأرضيته ~~يسيرة. ومنه الحلو المعتدل في مزاجه المائل إلى الحرارة قليلا. ومنه التافه ~~المائي. # فأما العفص فهو أقلها غذاء وأقطعها للاسهال المري والقئ الكذلك، وأشدها ~~تقوية للمعدة والمعاء، إلا أنه لافراط خشونته وغلظ جسمه وبعد انقياده، صار ~~مضرا بعصب المعدة جدا. ولذلك وجب أن يتلطف له بما يرخي جسمه ويزيل غلظه ~~ويلين خشونته بمثل سلقه بالماء وتعليقه على بخار ماء حار يغلي حتى ينضج، ~~ويلبس عجينا (1) ويشوى أو يربى بعسل طبرزد أو عسل نحل على حسب مزاج ~~المستعمل له. وزعم ديسقيريدوس أن الكمثرى على الريق مضر (2) بآكله ولم يخبر ~~بالسبب ولا أتى بالعلة الموجبة له، ولا أي كمثرى يفعل هذا. # فأقول: إنه ينبغي أن ديسقيريدس إنما ذم الكمثرى على أنه إذا أخذ على سبيل ~~الدواء والغذاء لا على سبيل الحاجة والدواء، وبخاصة إذا كان عفصا أو قابضا، ~~وإن كان العفص أخص بذلك لان من خاصته أن الاكثار منه يورث القولنج. فإذا ~~أخذ على خلاء من المعدة وبخاصة على الريق، تمكن من جرم المعدة والمعاء، ~~وقام فعله فيهما، وإن لم يكن كثيرا، فعل الاكثار منه ولم يؤمن على صاحبه مع # PageV00P292 # الادمان عليه أن يورثه قولنجا يعسر انحلاله. وأما على سبيل الدواء، فإن ~~استعماله على الريق أفضل لا محالة لان استعماله بعد الطعام يطلق البطن، ~~وزائد في ضعف المعدة لأنه بإفراط قبضه، يجمع أعلى المعدة ويقهر القوة ~~الماسكة التي في أسفلها. # وأما القابض فلانه ms291 مركب من جوهر أرضى وجوهر مائي، صار ألطف وأعدل وأكثر ~~غذاء لان رطوبته أرق وأزيد، وجسمه ألين. ولذلك صار إضراره بالمعدة أقل، ~~واستغنى عما يلطفه ويلينه ويعين على هضمه لأنه يقوم مقام العفص المدبر. # وأما المز، فلغلبة الحموضة عليه صار أرق وألطف وأخف على المعدة وأقمع ~~لحدة الصفراء وأكثر تسكينا للعطش. ولذلك صار أحمد في قطع القئ. وأما قطع ~~الاسهال، فإن فعله فيه أضعف من فعل العفص والقابض جميعا. # فإن قال قائل: فلم صار الحامض أحمد في تسكين العطش من العفص، والعفص أبرد ~~منه والأبرد أولى بقطع العطش من غيره! قلنا له: إن العطش لا ينفك من جوه ~~ثلاثة: لأنه لا يخلو من أن يكون إما عن جفاف في أعضاء بعيدة عن المعدة قد ~~لزمتها حرارة نارية، وإما عن حرارة قوية في نفس المعدة، وإما عن بلغم مالح ~~بورقي. فمن أي الجهات كان العطش، فالحامض أفعل منه وأفضل لان رطوبته لطيفة ~~هوائية لذيذة عند الحاسة، ولا سيما إذا كانت مائلة إلى المرار، فإن كان ~~العطش عن حرارة في أعضاء نائية عن المعدة، كان في لطافة رطوبة الحامض ما ~~نفع ويفتح ويطرق وينفذ في باطن العروق، ويصل إلى الأعضاء المحتاجة إلى ~~التبريد ويقمع حدة حرارتها ويبردها عن غير تجفيف. وإن كان العطش عن حرارة ~~في جرم المعدة، سالت رطوبة الحامض برقتها ولطافتها، وحالت في المعدة ومازجت ~~البخار وقمعت حدته وسكنت حره. وإن كان العطش عن بلغم مالح، مازجته الرطوبة ~~أيضا وحللته وأذابته وكسرت حدة ملوحته وأفسدت خاصتها وفعلها، إذ كانت ~~الحموضة تقوم للملوحة مقام الضد للضد، يفعل كل واحد منهما في خاصته ويزيل ~~خاصته ويفسد فعله كما بينا وأوضحنا في المقالة الأولى من كتابنا هذا. # والشئ العفص فليس كذلك لان رطوبته أغلظ وأعسر انهضاما وأبعد من النفوذ في ~~العروق والوصول إلى الأعضاء النائية عن المعدة لغلبة الأرضية المحضة عليها. ~~ولذلك صار إذا كان العطش عن حرارة في الأعضاء النائية عن المعدة، وامتنعت ~~الرطوبة عن السلوك في العروق لغلظها وأرضيتها، لم تصل ms292 إلى موضع الحرارة، ~~ولم تفعل فيها لبعدها منها وثبت العطش ولم يسكن. وإن كان العطش عن حرارة في ~~المعدة، خففت العفوصة البخار ومنعت من تحليله، وكان ذلك زائدا في اجتماعه ~~واكتنازه وقوة فعله. وإن كان العطش عن بلغم مالح، جمعت العفوصة أجزاء ~~البلغم ومنعت من انحلاله، وصار ذلك سببا لشدة قوته وزيادة فعله. # فإن قال قائل: فلم لا قلت على ما شرطته بدءا: لان العفوصة إذا وافت في ~~المعدة بلغما PageV00P293 # مالحا، عصرت أعلى المعدة وأحدرته سفلا، وكان ذلك مثبتا لتنقية المعدة منه ~~وقطع العطش المتولد عنه! قلنا له: إن العفوصة إنما تكون سببا لاطلاق البطن ~~متى كانت المعدة مملوءة طعاما يعوقها عن الانحدار إلى قعر المعدة، لأنها ~~تبقى طافية في أعلى المعدة وتعصره، وتحدر ما في المعدة ضرورة. # وإذا كانت المعدة خالية من الطعام ولم يعقها عائق عن الهبوط، انحدرت سفلا ~~وجالت في المعدة واختلطت بما يوافيه في تحليل المعدة وحملها من الرطوبات، ~~وجمعتها وغلظتها وزادت في قوتها. # وبذلك صارت زائدة في قوة البلغم المالح صرورة. # وأما الحلو من الكمثرى، فالغالب عليه المزاج المعتدل لأنه أقل أنواع ~~الكمثرى برودة. ولذلك صار يسخن ويلين الثفل ويصلح لمن كان الغالب على مزاج ~~معدته البرودة واليبوسة. ومن خاصية الكمثرى: أنه إذا طبخ مع الفطر، أزال ~~ضرره وبخاصة الكمثرى البري، لأنه أقوى في ذلك كثيرا، لان قوته أكثر قبضا ~~وأشد تقوية للأعضاء. والكمثرى البستاني ورماد خشب الكمثرى قوي المنفعة لمن ~~عرض له خنق من أكل الفطر. # وأما التفه من الكمثرى فمذموم جدا إذ كان لا لذاذة له ولا طعم بين. ولذلك ~~صار مغث مرخ للمعدة مفسدا لها (1). # PageV00P294 # القول في الرمان أما الرمان فهو إلى الدواء أقرب منه إلى الغذاء، لان ~~الغذاء المتولد عنه، وإن كان محمودا فاضلا، فإنه يسير جدا لا مقدار له عند ~~الطباع. ذلك لرقته ولطافته وسرعة انحلاله. ولذلك صار غذاؤه أقل من غذاء ~~التفاح كثيرا، لان له أربعة أجزاء هو مركب منها كلها قابضة: أحدها: قشره، ~~والثاني: # شحمه، والثالث: رطوبته، والرابع: ms293 حبه. وأكثرها قبضا حبه، وأما مائيته فهي ~~في الجملة بالقول المطلق باردة إلا أنها (1) تختلف في يبسها ورطوبتها وقوة ~~بردها وقربها من الغذاء وبعدها منه على حسب طعم التفاح والسفرجل والكمثرى، ~~لان منه العفص، ومنه القابض، ومنه الحامض، ومنه المز، ومنه الحلو ومنه ~~التفه. ولذلك قوامها يختلف على ضروب: لان منها الرقيق الكثير المائية، ~~ومنها الغليظ القليل المائية، ومنها المتوسط بين ذلك. فما كان منها عفصا أو ~~قابضا لم يكد أن يستعمل على سبيل الغذاء أصلا، لأنه لا ينساغ للحاسة ولا ~~تغلبه لخشونته وعفوصته وجفافه وقلة لذاذته. ولذلك صار هذا النوع من الرمان ~~إذا قشر أعلاه بسكين ودق شحمه وحبه وعصر ماؤه وشرب بشراب أو ببعض الأشربة ~~الملينة، عصر أعلى المعدة وأحدر ما فيها من الرطوبات العفنة وبخاصة ~~الرطوبات المرية (2) لأنه يفعل فيها فعل الإهليلج (3) الأصفر والعفص الطري. ~~ثم يقوي المعدة من ذلك ويدفعها من غير أن يضر بعضها لان عفوصته لطيفة تفعل ~~رويدا رويدا من غير عنف على الحاسة. ولهذه الجهة صار نافعا من الحميات ~~المتطاولة المتولدة عن عفونة الأخلاط ومن الحكة والجرب المتولد عن عفونة ~~البلغم المالح. # وأما الحامض فإنه وإن كان أقل غذاء من التفاح والسفرجل والكمثرى، فإنه ~~للطافة رطوبته ورقتها وقربها من قوام الماء، صار ألذ طعما (4) وألطف وأعدل ~~غذاء لأنه أغزر مائية وأرطب وأخف على # PageV00P295 # الحاسة. ذلك لقلة أرضيته ورقة رطوبته ولطافتها وسرعة انقيادها. ولذلك صار ~~فعله ألطف وأفضل في أشياء كثيرة لأنه، وإن كان فعله مشاركا لفعل غيره في ~~قمع الصفراء وتسكين العطش وقطع الاسهال والقئ، فإنه قد يختص بتلطيف الفضول ~~وإدرار البول وتطفئة حرارة الكبد وتقوية الأعضاء وتسكين التهابها وبخاصة فم ~~المعدة والكبد والقلب. ولذلك صار أكثر نفعا من الخفقان الصفراوي (١) ودفع ~~الآلام العارضة للقلب وفم المعدة، ذلك لتقويته لها ودفع الفضول عنهما. # وللفاضل أبقراط في هذا فصل في المقالة الثانية من كتاب الافيديميا (٢)، ~~ذكر عن امرأة كان يعرض لها وجع الفؤاد الأصغر الذي عند الفلاسفة فم المعدة، ~~وأنها كانت تجد فيه لذعا ms294 دائما عن فضل حاد مستكن في طبقات المعدة، فلم يسكن ~~عنها إلا بأخذ سويق الشعير بماء الرمان الحامض، والسبب في ذلك أن السويق ~~(٣) معه نشف الرطوبات الفضلية، وأما الرمان الحامض <ف‍> معه قمع لحدة ~~الفضل وتقوية المعدة ومعونتها على دفع الفضل عنها. ومن منافع ماء الرمان ~~الحامض أنه إذا اكتحل به، نفع من اليرقان وأزال صفرة العين، وهذه أحد ~~خواصه. ومن منافعه أيضا: أنه إذا استخرج ماؤه بشحمه وطبخ (4) مع عسل حتى ~~يصير كقوام المرهم واكتحل به، قلع الظفر من العين ونقاها من الرطوبات ~~الغليظة. وإذا وضع في الانف، قطع اللحم الزائد فيها. وإذا لطخ على اللثة ~~نفع الاكلة العارضة لها. # وأما الرمان الحلو فرطوبته أغلظ وأميل إلى الحرارة. ولذلك صار غذاؤه أكثر ~~من غذاء الحامض وأسرع انحدارا منه. ولهذه الجهة صار كثيرا ما يسخن المعدة ~~ويستحيل إلى المرار الأصفر بسرعة. ومن قبل ذلك صار غير موافق للمحرورين ~~وبخاصة المحمومين، وإن كان معينا على الاطلاق للبطن وملينا لخشونة الصدر ~~ومسكنا للسعال، ولا سيما إذا كان مشوبا بدهن (5) بنفسج على هذه الصفة: يؤخذ ~~الرمان ويقور من رأس كل رمانة مثال درهم يكون سعته مقدار عرض إصبعين، ويصب ~~عليه من دهن البنفسج مقدار ما يملا تخلخل الرمانة، ويحمل على دقاق جمر نقي ~~حتى يغلي ويتشرب الدهن، ويزاد عليه دهن آخر حتى إذا شربه، يزاد عليه دهن ~~آخر غيره أيضا حتى يروى دهنا ويمتنع من أن يشرب شيئا، ثم ينزل عن النار ~~ويفرك ويمص حبه ويرمى بثفله لان ذلك مما يفيده معونة على تليين الصدر ~~ويكسبه من القوة على إدرار البول ما لم يكن فيه قبل ذلك. فإذا تركب ماء ~~الرمان الحلو وماء الرمان الحامض، تولد منهما دواء ملين (6) للبطن محدر ~~للمرة الصفراء مسكن للحرارة نافع من الحميات الحادة. فإن كان (7) استخراج # PageV00P296 # مائها بشحمهما، اكتسب الدواء المركب منهما تقوية للمعدة وزاد في إطلاق ~~البطن وقوى على إحدار الرطوبات المرية العفنة، واختص بالنفع من حميات الغب ~~(١) المتطاولة مثل حمى المطريطاوس الخالصة، من قبل أن ms295 شحم الرمان وإن كان ~~باردا يابسا قابضا، فإن لرطوبته لطافة ورقة وحدة يسيرة بها يلذع البطن ~~ويهيجه إلى إخراج ما فيه بسرعة. ولذلك صار ماء الرمان المستخرج بشحمه إذا ~~شرب، قيأ وأسهل مرة صفراء وأخرج الدود وحب القرع من البطن. # وأما ماء الرمان المز في طبيعته وفعله <ف‍> متوسط بين طبيعة الحامض ~~والحلو، إلا أنه أميل إلى لطافة الحامض قليلا لرقة رطوبته ولطافتها، ولا ~~سيما إذا كانت مرارته ظاهرة قوية. ولذلك صار فعله في تسكين حرارة المعدة ~~والكبد وقطع العطش والزيادة في درور البول، قريبا من فعل الحامض للذاذته ~~عند الحاسة وقبولها له بشهوة، لخفتها عليها. وأما قطع القئ وحبس الاسهال، ~~فليس له فيهما أثر بين لأنه غير حابس للطبيعة، وتغذيته تمنع من حبسها. # فإن قال قائل: فلم لا كان ذلك أيضا في الماء المركب من الرمان الحامض ~~والرمان الحلو حتى يكون الماء الممتزج منهما غير حابس للطبيعة ولا مطلق ~~لها! قلنا له: إن الحلاوة في الماء المركب من رمان حامض ورمان حلو صادقة ~~خالصة، لان نضجها وانعقادها قد كمل على شجرها. وإذا كانت الحلاوة صادقة ~~كاملة، كانت (2) حلاوتها أكثر وغسلها وتحليلها أزيد. فإذا جلت الحلاوة ~~وغسلت وحللت، وقطعت الحموضة وطرقت، وتولد من ذلك دواء ملين (3). وأما ~~المزازة، فإن الحلاوة فيها لطيفة مائية ضعيفة الفعل قريبة من التفاهة، فإذا ~~مازجت الحموضة، جلتها وفعلت فيها فعل الماء العذب في الخل، وتولدت بينهما ~~كيفية زائدة في التبريد غير حابسة ولا مطلقة. # وأما الرمان التفه فغير مجد (4) لا على سبيل الغذاء ولا على سبيل الدواء، ~~من قبل أن ليس فيه لذاذة ولا طعم، لحماقته (5) على سبيل الغذاء، ولا فيه ~~تقوية للمعدة ولا تقوية على حبس البطن وقطع القئ، فيكون محمودا على سبيل ~~الدواء. لكنه مغث مرخ للمعدة مفجج للطعام مانع من الانهضام. ولذلك صار ~~مخصوصا بتوليد النفخ والقراقر. وأما حب الرمان الحامض اليابس، فهو في ~~طبيعته نافع من الاسهال المري والقئ الكذلك، ومسكن لحدة المرة الصفراء ~~والالتهاب العارض في المعدة. والسويق المتخذ من ms296 حب الرمان أفعل في ذلك ~~كثيرا لما يكتسبه من زيادة اليبس في التحميض وبخاصة إذا كان ساذجا بغير ~~سكر. وأنفع ما يكون في الصيف وسائر الأزمنة الحارة ولا سيما إذا شرب بماء ~~رمان مز. وأما قشر الرمان فبارد يابس أرضي، إذا احتقن بمائه المطبوخ مع ~~الأرز والشعير المقشر المحمص، نفع من # PageV00P297 # الاسهال وسحوج (1) الأمعاء. وإذا تمضمض بمائه، قوى اللثة. وإذا استنجي ~~(2) بمائه، قوى المقعدة وقطع الدم المنبعث من أفواه البواسير والدم المنبعث ~~من أرحام النساء. وأما قشر أصل الرمان، فمن خاصيته: أنه إذا طبخ بشراب ~~وشرب، أخرج الحباب (3) والدود وحب القرع من البطن. # ولجالينوس في الرمان فصل قال فيه: إن منفعة كل نوع من الرمان على حسب ~~الطعم الأغلب عليه. وحب الرمان أشد قبضا وتجفيفا من عصارته، وقشر الرمان ~~أكثر في الامرين جميعا من حبه. # والجلنار (4) الذي يتساقط من شجر الرمان عند انعقاده الذي هو زهرة ~~الرمان، أكثر في ذلك من القشور وأقوى فعلا. وأما الجلنار على الحقيقة، وهو ~~زهرة الرمان البري، فهو (5) غليظ أرضي قوي القبض. # ولذلك صارت قوته تبرد وتجفف تبريدا وتجفيفا ليس باليسير. ومن قبل ذلك صار ~~نافعا من نفث الدم وقرحة المعاء، مقويا للبطن، نافعا للمواد المنجلبة ~~إليها، الخارجة مع الاسهال، والمواد المنجلبة إلى الأرحام، الخارجة مع ~~النزف. # PageV00P298 # القول في الزعرور والنبق أما الزعرور والنبق (1)، فإنهما إذا كانا رطبين ~~كانا باردين في الدرجة الأولى. وأشدهما يبسا الزعرور، وألذهما طعما النبق. ~~وفيهما قبض يسير قوي على تقوية المعدة ودبغها وقطع الاسهال (2) المري والقئ ~~الكذلك. وأما البول، فإنهما يدرانه. وليس الاكثار منهما بطائل كالاكثار من ~~التين والعنب، لأنهما بالدواء أشبه منهما بالغذاء. ومن قبل أن غذاءهما يسير ~~جدا غليظ، وأكلهما على الريق أفضل لدبغهما المعدة وقلة إضرارهما بعصبها. ~~وإذا جففا كان يبسهما أكثر، ولذلك صار النبق إذا كان يابسا كان عقله للبطن ~~أكثر من عقله لها إذا كان رطبا، إلا أن يكون القبض غالبا على الرطب منه ~~وظاهرا فيه. # وأما السويق المتخذ من النبق، يفعل في الاسهال ما ms297 يفعله النبق اليابس. ~~ولجالينوس في النبق قول قال فيه: ومما يدل على لطافة هذه الثمرة وتجفيفها، ~~أن طبيخ نشارة خشبها تشد أصول الشعر حتى لا يتناثر، وينفع من نزف النساء ~~بالماء (3)، وربما طبخت بالشراب على حسب الحاجة إلى ذلك، وليس إنما تستعمل ~~هذه النشارة في الحقن فقط، لكنها قد تشرب أيضا. ففي هذا دليل ليس بصغير على ~~أن فيها قبض يسير مع تجفيف معتدل. وقوله في الزعرور: أن ثمرته تقبض قبضا ~~شديدا وتحبس البطن حبسا قويا، في قضبانه وورقه عفوصة ليست باليسيرة. # PageV00P299 # القول في الغبيراء الغبيراء (١) بارد في وسط الدرجة الأولى، يابس في ~~الدرجة الثانية. في طعمه قبض، لكنه أقل قبضا من الزعرور كثيرا. ولذلك صار ~~أقل حبسا للبطن، إلا أنه ألذ طعما. والسويق المتخذ منه يفعل <كذلك> ~~أيضا ما لم يكن فيه سكر. وإذا شرب مع سويق السماق، كان فعله في قبض البطن ~~وقطع القئ وتسكين العطش ودبغ المعدة وتطفئة المرة الصفراء أكثر وأقوى. # في المقل المكي المقل المكي (2) طبيعته طبيعة الغبيراء وفعله فعلها، إلا ~~أن السويق المتخذ منه أكثر وأشد قبضا. # ولذلك صار عقله للبطن أقوى. # PageV00P300 # في القراسيا وأما ثمرة القراسيا (1) فإنها وإن كانت منسوبة على الجملة ~~إلى القبض والبرودة، فإن القبض غير متساو في جملتها، لأنها تختلف فيه ~~اختلاف طعومها في القبوضة والحموضة والحلاوة. وذلك أن منها القابض، ومنها ~~الحامض، ومنها الحلو لان ما تم نضجه منها وكمل على شجره كان حلوا. وما لم ~~يكمل نضجه عرض له ما يعرض للتوت، وكان إما مالحا أو حامضا وأن كان التوت ~~مخالفا له من وجهه، لان ما كان من التوت غير كامل النضج كانت الحموضة عليه ~~أغلب من القبض دائما. وثمرة القراسيا فليست كذلك في كل حالاتها قد تكون ~~حامضة، وقد تكون قابضة. والحلو من هذه الثمرة أسهل انحدارا عن المعدة، إلا ~~أن منفعته لها يسيرة، إلا أنه إذا أخذ طريا، كان تليينه للبطن ظاهرا، وإذا ~~أخذ يابسا لم يظهر له فعل في حبس البطن في يبسه. # وأما القابض، ms298 فهو (2) ضد ذلك وعكسه، لأنه أبعد انحدارا وأكثر نفعا للمعدة ~~بتقويته لها. ولذلك صار إذا أخذ يابسا، حبس البطن. وإذا أخذ رطبا، لم يظهر ~~له فعل في حبس البطن ولا تليينه. وأما الحامض فزعم فيه جالينوس أنه نافع ~~للمعدة المملوءة فضولا بلغمانية، وذكر أن السبب في ذلك: أن هذه الثمرة إذا ~~كانت حامضة، كانت مركبة من جوهر حامض قطاع وجوهر قابض مقو. فإذا وافت في ~~المعدة فضولا بلغمانية، قطعتها بحموضتها وجمعت جرم المعدة بقبضها ودفعت تلك ~~الفضول وأحدرتها. # وهذا قول إن سلم لجالينوس، فإنما يسلم على سبيل التصديق لقوله، لا على ~~أنه أقام بذلك برهانا طبيعيا (2)، لان ما ادعاه في القراسيا الحامض لو كان ~~واجبا، لكان في التفاح الحامض والسفرجل كذلك. وواجب وألزم إذا كانت الحموضة ~~والعفوصة فيهما أقوى منهما في القراسيا. # وأما صمغ هذه الشجرة ففيه القوة الخاصية التي هي موجودة في جميع الأدوية ~~اللزجة التي لا لذع لها. ولذلك صار نافعا من خشونة قصبة الرئة والحلق. وذكر ~~ديسقوريدس عن هذه الصمغة أنها إذا شربت بشراب، نفعت أصحاب الحصى. فإن كان ~~هذا الفضل فيها فلا محالة أنها ملطفة جدا. # PageV00P301 # في ثمرة الأترج المعروفة عند اليونانيين بالتفاح المائي أما الأترج (1) ~~فمركب من قوى أربع: أحدها: قشره، والثانية: في لحمه، والثالثة: في لبه، ~~والرابعة: في حبه الذي هو بزره. فأما قشره ففيه من الحدة ما ليس باليسير. ~~ولذلك صار تجفيفه في الدرجة الثانية. ويستدل على ذلك من عطريته وذكاء ~~رائحته وحرافته اليسيرة. فقد تبين ذلك فيه عند الذوق والشم جميعا. إلا أن ~~في جسمه صلابة واستحصافا (2). فلصلابته صار إذا أخذ اليسير منه على سبيل ~~الدواء، قوى فعل المعدة وأعان على الهضم وطيب النكهة ونفع من الأدوية ~~المسمومة. وإذا جفف وصير بين الثياب، لم يقربها السوس. إلا أنه لكثافته ~~وصلابة جسمه وبعد انفعاله صار هضمه للغذاء يسيرا. # وقال ديسقوريدوس: أنه إذا شرب بشراب، كانت له قوة تضاد قوة (3) الأدوية ~~القتالة. وزعم أن أكثر من كان يأكله في زمانهم، النساء الحوامل إذا غلب ms299 على ~~معدهن (4) الشهوات الرديئة. وأما لحم الأترج الذي بلا قشره فبارد رطب في ~~الدرجة الأولى، وبرده أقوى من رطوبته. وفى جسمه كثافة وغلظ، وهو لبرده، صار ~~فيه قوة مبردة لحرارة المعدة. ولغلظه وكثافته، صار بطئ الانهضام والانحدار، ~~مولدا (5) للأخلاط الغليظة الباردة، لان غذاءه غليظ عسير الانهضام. ولذلك ~~صار من الموجب أن يقدم قبل كل # PageV00P302 # طعام، ولا يؤكل إلا على خلاء من المعدة لينهضم بسرعة وينحدر عن المعدة من ~~قرب، لأنه إن أخذ في وسط الطعام أو بعده، ولد حمى غليظة بطيئة الانحلال. ~~وأكثر الناس يأكلونه بعسل النحل أو بعسل الطبرزد، ليكتسب بذلك عذوبة وطيب ~~طعم، ويسرع انحداره وانهضامه. # وأما ماء الأترج فرقيق مائي ليس فيه شئ من الغذاء، لان رطوبته لطيفة ليس ~~فيها من الجسمانية شئ أصلا، كأنها بالإضافة إلى غيرها من الرطوبات البسيطة ~~عند المركب، إلا أنها تكون على ضربين: # لان منها (1) ما هو تفه مائي مائل إلى العذوبة اليسيرة قليلا، ومنها ~~الحامض القطاع. فما كان منها تفها كان باردا (2) رطبا في الدرجة الثانية، ~~إلا أن برودته أكثر من رطوبته. ولذلك صار مسكنا لحدة الحرارة قاطعا للعطش. ~~وما كان منها حامضا كان باردا يابسا في الدرجة الثالثة، له قوة تلطف وتقطع ~~وتبرد وتطفئ حرارة الكبد، وتقوي المعدة وتزيد في شهوة الطعام، وتقمع حدة ~~المرة الصفراء، وتزيل الغم العارض منها، وتسكن العطش وتقطع الاسهال المري ~~والقئ الكذلك، وتنفع من القوباء والكلف إذا طليت عليهما، وإن كانت بالنفع ~~من القوباء أخص. ويستدل على ذلك من فعلها في الحبر إذا وقع على الثياب، ~~لأنها إذا طليت عليه، قلعته. # وأما حب الأترج الذي هو بزره، فحار يابس في الدرجة الثانية، ويستدل على ~~ذلك من مرارته الخالصة، ولذلك صار لا يصلح للغذاء أصلا، إلا أنه على سبيل ~~الدواء يسهل البطن ويحلل الأورام ويطيب النكهة، ويقوي اللثة بفضل مرارته، ~~وينفع من السموم إذا شرب بشراب. # وأما ورق هذه الشجرة ففيه عطرية وذكاء رائحة مع حرافة بينة. ولذلك صارت ~~قوته مجففة ملطفة. # تنفع مما ينفع منه ms300 قشر الثمرة. # PageV00P303 # في اللبخ (١) زعم قوم في هذه الشجرة <أنها> ابتداءا كانت في بلد ~~فارس، فلما نقلت إلى ديار مصر، صارت تؤكل ولا تضر. ولثمرتها قبض بين به ~~صارت مقوية للمعدة، مانعة من الاسهال، قاطعة للدم إذا جففت وسحقت وحملت على ~~المواضع التي يسيل منها الدم. وورق هذه الشجرة أيضا يفعل مثل ذلك. وأما ~~النوى الذي في جوف ثمرتها، فزعم أهل مصر أنه إذا أكل، أحدث صمما. # PageV00P304 # في الجمار والجفري وثمر النخل أما الجمار (1) فهو على ضربين: لان منه ~~الرخص القريب من قلب النخلة، ومنه الغليظ الخشبي القريب من الأرض. وما كان ~~منه رخصا لينا قريبا (2) من قلب النخلة، كان برده أكثر من يبسه، وكان برده ~~في آخر الدرجة الأولى، ويبسه في وسطها من قبل أنه مركب من جوهر أرضي وجوهر ~~مائي. ولذلك صار بإضافته إلى الغليظ الخشبي أسرع انحدارا وألطف غذاء وإن ~~كان غذاؤه في ذاته يسيرا عسير الانهضام، إلا أنه مسكن لحدة الدم الحريف، ~~قامع للمرة الصفراء حابس للبطن. وما كان منه غليظا خشبيا كان يبسه أكثر من ~~برده، وكان يبسه في الدرجة الثانية، وبرده في الدرجة الأولى من قبل أن ~~الأرضية عليه أغلب كثيرا. ولذلك صار أعسر انهضاما وانحدارا وأغلظ غذاء ~~وأقوى في حبس البطن. # وأما الجفري (2) فقريب من طبيعة الجمار، إلا أنه أشد قبضا لان يبسه في ~~الدرجة الثانية. ولذلك صار أبطأ انحدارا عن المعدة وأكثر حبسا للبطن حتى أن ~~الاكثار منه يورث القولنج، ويحدث وجعا في المعدة. ومن قبل ذلك وجب أن يحتال ~~له بما يلطفه ويعين على سرعة انهضامه مثل استعماله بالدجاج المسمن والجدي ~~الرضيع ويشرب بعده نبيذ عتيق مصرف، أو يشوى أو يسلق، أو يؤكل بالخردل أو ~~بخل مطيب بفلفل كراويا وصعتر وكرفس ونعنع وزيت أنفاق. وأما قشر الجفري ~~فيجفف تجفيفا أكثر من جميع ما وصفنا في الجفري لأنه أشد يبسا وأقل رطوبة بل ~~لا رطوبة فيه أصلا، ولذلك صار إذا أخذ ماؤه وخلط معه شئ من كافور ودهن ~~واستعط به، قطع الزعاف. ms301 وإذا خلط بالأدوية المقوية للمعدة والكبد، زاد في ~~فعلها كثيرا. وكذلك يفعل إذا خلط بالضمادات المقوية للمفاصل. ولديسقوريدوس ~~دهن (4) صنعه من قشر الجفري، وهو الطلع، يقوم مقام دهن الورد، وهذه صفته: ~~يؤخذ من قشر الجفري # PageV00P305 # جزء، فيدق دقا جيدا ويلقى عليه من الزيت الانفاق مثل وزنه، وينقع فيه ~~ثلاثة أيام وثلاث ليال، ويعصر ويرفع ويستعمل عند الحاجة. # * * * في البلح أما البلح فبارد يابس (1) في وسط الدرجة الثانية، فيه قوة ~~قابضة بها يدبغ اللثة ويقوي المعدة والمعاء ويمنع الاسهال. إلا أن غذاءه ~~يسير ضعيف (2) عسير الانهضام، مضر بالمعدة والرئة لخشونته. # فإذا تم طبخه وصار بسرا (3) واكتسب حلاوة، صار حارا في الدرجة الأولى، ~~يابسا في الثانية. ويستدل على حرارته من حلاوته، وعلى يبسه من عفوصته ودبغه ~~للمعدة. وإن كانت عفوصته أقل من عفوصة البلح. ولذلك صار فعله في تقوية ~~المعدة واللثة وحبسه للاسهال دون فعل البلح، لان قبضه أقل، وانهضامه أسرع ~~وإن كان مولدا (4) للرياح والقراقر والنفخ ولا سيما إذا شرب بعقبه الماء. ~~والمختار منه ما كان له هشاشة وحلاوة مثل البسر المعروف بالعراق بالجيسوان ~~(5) والسكر، والمعروف بمصر بالبيضة والبرني (6)، لان ما كان من البسر كذلك ~~لم يكن أن يبطئ في المعدة. # في الرطب أما الرطب (7) فحار في أول الدرجة الثانية، رطب في وسط الدرجة ~~الأولى. يغذو غذاء أكثر من غذاء البسر للزوجته وحلاوته. ولذلك صار عظيم ~~المضرة لأنه يملا البدن فضولا ويصدع الرأس ويفسد اللثة والأسنان، ويولد ~~رياحا نافخة، ويحدث في الكبد بدءا سددا ثم من بعد ذلك يحدثها في الطحال. # والاكثار منه يولد حميات عفنة متطاولة، وبردا لا يكاد البدن يسخن منه إلا ~~بمشقة. والمختار منه المعروف بالهيرون (8)، وبعده ما كان أصفر وقلت حلاوته ~~لأنه ألطف وأقل حرارة ولزوجة. والمذموم منه ما كان أسود واشتدت حلاوته، ~~لأنه أغلظ وأكثر حلاوة ولزوجة. ومما يدفع ضرره أن يشرب بعده ماء الرمان ~~المز والاسكنجبين، ويتمضمض بعد ذلك بنبيذ صرف. # PageV00P306 # القول في التمر أما التمر فحار غليظ عسير الانهضام بطئ الانحدار، إلا أنه ~~أسرع ms302 انهضاما من التين وأدر للبول، حتى أن الالحاح عليه يشحم المثانة ويولد ~~سددا في الكبد والطحال ويزيد في جسأهما وغلظهما، ويضر بالأسنان واللثة، ~~ويحدث في فم المعدة ألما، غير أن فعله يختلف في القلة والكثرة على حسب ~~اختلاف أنواعه، لأنه في جنسه يختلف على ثلاثة ضروب: وذلك أن منه ما يكون ~~تولده في البلدان القوية الحرارة، ومنه ما يكون في البلدان القوية البرودة، ~~ومنه ما يكون في البلدان المعتدلة. # فما كان منه في البلدان القوية الحرارة، بلغ من النضج الغاية القصوى ~~وجاوز حد الاعتدال وصار أحر التمور وأشدها حلاوة وأكثرها ليانة ولزوجة ~~وأقلها عفوصة. ولذلك صار أكثرها غذاء وأسرعها انهضاما وأطلقها للبطن، إلا ~~أنه أكثرها توليدا للنفخ وأخصها بسدد الكبد والطحال وأسرعها انقلابا إلى ~~المرة والعفونة وأضرها بالأسنان والرأس وفم المعدة. وما كان منه في البلدان ~~القوية البرودة لم يبلغ من النضج كماله، وبقي يابسا جافا قوي العفوصة، ~~ولذلك صار أكثرها يبوسة وأقلها غذاء وأعسرها انهضاما وانحدارا وأشدها تقوية ~~للمعدة وحبسا للبطن. وما كان منه في البلدان المعتدلة الهواء، بلغ من النضج ~~كماله وإن لم يصر إلى حالة يحتمل فيها أن يخزن فيبقى، ولذلك اضطر أهل بلدته ~~إلى أن يأكلوه وهو بعد طري، ثم يجف فتفنى رطوبته الفضلية. ولهذه الجهة صارت ~~أبدانهم تمتلئ بأخلاط نية تعرض لهم من حميات متطاولة وبرد لا يكاد البدن ~~يسخن منه إلا بمشقة، وتعظم أطحلتهم وتغلظ وتفسد مجاري كبودهم. # وفى الجملة، إن ما كان من التمور متولدا في البلدان القليلة الحر فإنها ~~لا تنضج ولا تعذب وأكثرها يولد (1) خلطا نيا سادا. ولذلك وجب على من أراد ~~استعمالها أن يختار منها ما كان قليل الرطوبة خفيف الوزن، فيه عفوصة بينة ~~ظاهرة كالقسب (2) وما شاكله لان ما كان كذلك كان دابغا للمعدة حابسا للبطن، ~~إلا أنه من الواجب أن يمص ويرمى بثفله، ويشرب بعقبه أسكنجبين سكري أو ماء ~~رمانين ويتمضمض بعده بنبيذ صرف. # PageV00P307 # في الموز وقصب السكر أما الموز فحار في وسط الدرجة الأولى، رطب في آخرها، ms303 ~~ملين للبطن، نافع من الخشونة العارضة في الصدر والرئة، ويغذو غذاء كثيرا ~~غليظا. ويستدل على ذلك: أن الاكثار منه يولد ثقلا في المعدة ويسد جداول ~~الكبد وعروق الطحال، وهذه خاصته. ولذلك وجب على من كان مزاجه باردا أن يشرب ~~بعده اسكنجبينا عسليا أو يأكل زنجبيلا مربى. ومن كان مزاجه محرورا فاحتماله ~~للاكثار منه يكون قليلا لان حرارة مزاجه تعين على هضمه. فإن هو وجد منه ~~ثقلا في معدته فليشرب بعده اسكنجبينا (1) سكريا. # * * * القول في قصب السكر وأما قصب السكر فهو في طبيعته ومزاجه قريب من ~~طبيعة الموز ومزاجه، إلا أن الاكثار منه لبدن الانسان (2) لأنه أكثر حلاوة ~~من الموز. ولذلك صار مدرا (3) للبول لما فيه من قوة التنقية للكلى والمثانة ~~وهذه خاصيته. ومن منافعه: أنه يسهل البطن ويلين خشونة الصدر والرئة وينقي ~~الرطوبات اللطيفة المتولدة فيها، إلا أنه يولد نفخا ولا سيما إذا أخذ بعد ~~الطعام. وإذا أخذ مشويا كان أكثر منفعة للصدر والرئة، وأقل لرياحه. وإذا مص ~~الانسان منه شيئا صالحا وشرب بعقبه ماء حارا وتهوع (4)، نقى المعدة من ~~الرطوبات الغليظة وبخاصة إذا جعل في الماء الحار شيئا من ملح. ولذلك صار ~~أصحاب الحميات العفنة يستعملونه على هذه الحال وينتفعون به. # PageV00P308 # في السكر أما السكر فهو في جملته حار في آخر الدرجة الأولى، رطب في ~~وسطها، له قوة تجلو وتلطف وتحلل وتلين البطن من غير لذع ولا عنف على ~~الطبيعة. ولذلك صار مواقفا للمعدة لأنه يجلو ما فيها وينقيها إلا أن يكون ~~الغالب على المعدة المرار، فيكون مضرا بها لاستحالته إلى المرار وانتقاله ~~إليه وتقويته له. وذلك أن قوته مخالفة للحموضة، والحموضة من شأنها أن تسكن ~~المرار. والحلاوة إذا كانت مخالفة للحموضة، فمن شأنها أن تهيج المرار. وقد ~~يختلف السكر في غذائه وفعله بحسب اختلاف أنواعه. وذلك أن السكر على أنواع: ~~لان منه المعروف بالطبرزد، ومنه المعروف بالسليماني، ومنه المعروف بالفانيد ~~(1)، ومنه المعروف بالنبات، ومنه سكر العشر (2) المجلوب من الحجاز الشبيه ~~بقطع الملح. # والمعروف منه بالطبرزد أقلها حرارة ورطوبة ms304 لان حرارته ورطوبته في وسط ~~الدرجة الأولى. # ولذلك صار أقلها تليينا للطبيعة وأبعدها من الانتقال إلى المرار. والسكر ~~السليماني شبيه (3) بالفانيد لأنهما جميعا أزيد حرارة وأكثر رطوبة. ولذلك ~~صار أطلق للبطن وأسرع استحالة إلى المرار. وأما النبات فيختلف على حسب ~~اختلاف الشئ الذي ينبت منه، لأنه إن كان نباته من سكر قد طبخ بماء ورد، كان ~~أبرد وأجف وأقل إطلاقا (4) للبطن. وإن كان نباته من سكر قد طبخ بماء ورد ~~البنفسج، كان ألين وأطلق. # وإن كان نباته من سكر قد طبخ بماء المطر، كان أعدل وأكثر توسطا بين ما ~~يطلق وبين ما يحبس. وأما السكر المجلوب من بلد الحجاز المعروف بسكر العشر، ~~فهو أقل أنواع السكر حلاوة وأكثرها يبوسة. # ولذلك صار له فعل محمود في أوجاع الكلى والمثانة وجلاء البصر والنفع من ~~البياض العارض للعين إذا اكتحل به. وإذا شرب مع لبن اللقاح، نفع من ~~الاستسقاء. ولبن العشر إذا شرب مع لبن اللقاح، فعل مثل ذلك وكان أقوى فعلا ~~وأظهر تأثيرا إلا أن فيه خطرا لمن كان مزاجه محرورا. والفرق بين حلاوة ~~السكر وحلاوة العسل، أن حلاوة العسل معها إسخان وتجفيف، وحلاوة السكر معها ~~تليين وترطيب. # ولذلك صار السكر أقل عطشا وأبعد من الاضرار بالمعدة. # PageV00P309 # القول في الترنجبين والمن أما الترنجبين وهو طل (1) يسقط على الأشجار، ~~وفيه حرارة يسيرة في الدرجة الأولى، وله لطافة مكتسبة من النبات الذي يسقط ~~عليه، يلين البطن بها تليينا يسيرا. وتدل على الحرافة عن المزاج المعتدل ~~إلى الحرارة اليسيرة، عذوبته. فلذلك صار ملينا (2) للصدر. # وأما المن فهو أقوى حرارة لان حرارته في وسط الدرجة الأولى، ورطوبته ~~معتدلة. ولذلك صار نافعا للصدر. # PageV00P310 # القول في العسل العسل حار يابس في الدرجة الثانية، له حدة وحرافة ~~اكتسبهما من طبيعة النحل، بهما يجلو ويقطع ويجذب الرطوبات من عمق الأبدان ~~وينقيها من المسام ويغسل أوساخ العروق والأوراد (1) ويجلوها. ولذلك صار ~~موافقا للأبدان الباردة الرطبة، كان ذلك لها من مزاجها، أو من السن، أو ~~لحال عارضة لأنه ينتقل في مثل هذه ms305 الأبدان إلى الدم بسرعة ويغذوها غذاء ~~صالحا، إلا أنه يسير (2) للطافته وسرعة انحلاله من الأعضاء. وأما الأبدان ~~الحارة، فإنه غير موافق لها وبخاصة إذا كانت مع حرارتها يابسة المزاج لأنه ~~يلهبها ويستحيل فيها إلى المرار قبل انتقاله إلى الدم. فإذا انتقل، ولد دما ~~حادا حريفا خارجا من تغذية أبدانهم، بل لا يغذوها أصلا، ولذلك صار من أوفق ~~الأشياء للمشايخ لأنه يلطف رطوباتهم ويقطعها ويلذع المعاء بحدته ويهيجها ~~إلى دفع ما فيها بسرعة. فأما الشبان، فإن إضراره بهم بين (3) لأنه مجفف ~~رطوباتهم ويلهبها ويحبس طبائعهم ويهيج فيهم الغثي والقئ. # وقد يختلف العسل على حسب اختلاف أنواعه ووجوه استعماله. وأما اختلافه في ~~أنواعه، فيكون على ضربين: أحدهما: من زمانه، والآخر: من مرعى النحل وغذائه. ~~واختلافه من زمانه يكون على ضروب: لان منه الربيعي، ومنه الخريفي، ومنه ~~الشتوي، فأحمدها وأصلحها الربيعي وبعده الخريفي، وأردأها الشتوي لأنه أغلظ، ~~وإذا غلظ ضعفت قوته. وأما اختلافه من قبل مرعى النحل وغذائه، فيكون على ~~ضروب: لان منه ما يكون من نحل يرتعي نوار اللوز وما شاكله. ومنه ما يكون من ~~نحل يرتعي الفودنج والصعتر والنمام (4) وما شاكل ذلك. ومنه ما يكون من نحل ~~يرتعي الافسنتين والشيح (5) # PageV00P311 # والقيصوم (1) والأقحوان والحندقوقي (2) وما شاكل ذلك. # فما كان منه من نحل يرتعي نوار اللوز وأمثاله، كان أعدل وألذ وأقل حرافة ~~وألين. ولذلك صار إضراره بالمعدة والصدر أقل، ومنفعته، إذا تغرغر به لأوجاع ~~الحلق واللوزتين والخناق، أكثر (3). وإذا نزعت رغوته وعمل منه لعوق أو شرب ~~فاترا (4) مع شئ من دهن لوز، فعل مثل ذلك أيضا ونفع من الخناق العارض من ~~أكل الفطر القتال. وإذا شرب وهو حار مع دهن الورد، نفع من السعال وأدر ~~البول وأطلق البطن. وإذا طبخ مع شبت رطب وطلي على القوابي، نقاها. وإذا عجن ~~بدقيق الباقلي وطلي على الكلف، نقاه. # وأما ما كان منه من نحل يرتعي الفودنج والصعتر، فإنه أسخن وأجف كثيرا. ~~فلذلك صار أكثر موافقة لأصحاب الفالج واللقوة (5) ولتنقية الرطوبات العفنة ~~والمدة (6) الوسخة من القروح وبخاصة ms306 قروح الآذان، ولا سيما إذا خلط مع ملح ~~مسحوق من الملح الذي يحتفر (7) عليه ويخرج من معدنه، لا الملح الطائر فوق ~~الأرض، هذا إذا طلي به الرأس، قتل القمل والصئبان ونقى أصول الشعر من ~~الرطوبات الفاسدة، ونفع من داء الثعلب (8). وإذا أخذ مثل اللعوق، ونفع من ~~عضة الكلب. وإذا طلي به الذكر بعقب الخروج من الحمام (9) بعد أن يمرس الذكر ~~مرسا جيدا، وأدمن ذلك شهرا كاملا، زاد في طول الذكر وبخاصة إذا خلط معه ~~عاقر قرحا وسنبل وبورق (10) وجندبادستر (11) أو مسك بدل الجندبادستر. # وما كان من نحل يرتعي الأفسنتين والشيح والقيصوم والحندقوقي، فإنه (12) ~~أكثر الاعسال حلاوة وتنقية وتفتيحا (13) للسدد وبخاصة سدد المعدة والكبد ~~والطحال. ولذلك صار مخصوصا بنفع الاستسقاء إذا شرب مع لبن اللقاح. وإذا ~~نزعت رغوته وأخذ مثل اللعوق، نفع من عضة الكلب ومن لدغ الدواب الخبيثة، ومن ~~شرب لبن الخشخاش الأسود ولبن العشر. وإذا طلي على الرأس فعل في قتل القمل ~~والصئبان وتنقية أصول الشعر ما يفعله العسل الصعتري. وكذلك يفعل في الزيادة ~~في الذكر إذا طلي به على ما وصفنا بعقب الخروج من الحمام (9). # PageV00P312 # وأما اختلاف العسل بحسب وجوه استعماله، فيكون على ضروب: لان منه ما ~~يستعمل نيئا على وجهه. ومنه ما يلقى عليه ماء كثير ويطبخ وتنزع رغوته دائما ~~حتى يصير له قوام العسل ويستعمل. ومنه ما يطبخ بغير ماء إلا أن رغوته تنزع ~~وتنطف وتستقصى (1). ومنه ما يطبخ ولا يبالغ في طبخه ولا يحكم إنضاجه ولا ~~تنزع رغوته. ومنه ما لا يطبخ إلا يسيرا ولا تنزع رغوته. # فأما ما كان يستعمل على وجهه، فمن شأنه أن يولد رياحا ويزيد في خشونة ~~الصدر بحدته ويهيج القئ والاسهال. وأما ما يطبخ بالماء وتستقصى رغوته، فإنه ~~يكتسب من الماء لطافة وليانة تزول بهما حدته وحرافته. ولذلك يقل جلاؤه ~~وإطلاقه للبطن ولا ينفخ أصلا ولا يهيج القئ، ذلك لأنه ينفذ إلى جميع البدن ~~بسرعة ويلين خشونة الصدر ويدر البول ويغذو غذاء كثيرا. وأما ما يطبخ بغير ~~ماء، إلا أن ms307 رغوته تستقصى، فإن حدته أيضا تقل ويزول أكثرها ويصير قريبا مما ~~يطبخ بالماء، إلا أن إدراره للبول يكون أقل. وأما ما لم يكن يحكم نضجه ~~وتنزع رغوته، فإنه يولد في المعدة والمعاء رياحا نافخة. وما لم يطبخ إلا ~~طبخا يسيرا، هو شبيه بما لم يطبخ أصلا، إلا أنه ينحدر قبل تمام هضمه. # PageV00P313 # القول في الناطف أما الناطف (1) فما كان منه ساذجا لم يخالطه شئ، فقوته ~~قوة العسل المستعمل منه المحكم الصنعة. وما كان منه مركبا مع سمسم أو صنوبر ~~أو شاهدانج أو غير ذلك، فإن قوته أيضا مركبة وغذاءه أكثر. # * * * القول في الموم أما الموم (2) فإنه يسخن ويلين في الدرجة الثانية. ~~وأسخنه وأحره ما كان يلي الحمرة وكان غليظا دسما نقيا من الوسخ، له رائحة ~~طيبة شبيهة برائحة العسل. وبعده ما كان أبيض بالطبع غير مطبوخ وكان علكا ~~دسما. ومن فعله أنه يلين ويحلل وينضج إنضاجا ضعيفا، ويمنع من تعقد اللبن في ~~الثدي. وقد يتخذ منه حب صغار مثل الجاورس، ويشرب منه عشر حبات مع بعض ~~الأحساء، فينفع من قروح المعاء ومن خاصته: أنه شبيه بالعطر لسائر المراهم ~~والضمادات المبردة والمسخنة. # PageV00P314 # القول في وسخ كوائر النخل ما كان لونه يلي الحمرة، وكانت رائحته طيبة ~~شبيهة برائحة الأسطرك (1) المعروف بلبن الرمان من غير أن يكون مفرط اللين، ~~لكن يمتد كما يمتد المصطكى من طبعه. إنه حار يابس في الدرجة الثانية. # ومن فعله أنه يسخن إسخانا قويا، ويجذب من العمق ويخرج السلى (2) من باطن ~~اللحم (3). وإذا تبخر به، نفع من السعال. وإذا لطخ به القوابي، أبرأها ~~وإنما يؤخذ من أفواه الكوائر (4) من مداخل النحل ومخارجها. وطبيعته طبيعة ~~الموم. # PageV00P315 # القول في اللوز الحلو واللوز المر والمتوسط بين ذلك أما اللوز الحلو فحار ~~لين في وسط الدرجة الأولى. وزعم جالينوس أن فيه مرارة يسيرة تخفى عن الحس ~~لعذوبته، وقال: ومما يدل على ذلك ما نجده إذا عتق وقلت عذوبته، ظهرت فيه ~~مرارته (1) ظهورا بينا. ولذلك صار في جميع حالاته على سبيل الغذاء شبيها ~~بالجوز، ms308 إلا أن غذاءه أقل وأغلظ وأعسر انهضاما وأبعد انحدارا للبطن، ذلك ~~لصلابة جرمه وقلة دسمه ودهنيته. ولذلك صار جوهره ألطف وأبعد من الاستحالة ~~إلى المرار وأقل إضرارا بالمعدة. وأما على سبيل الدواء، ففعله يقرب من فعل ~~اللوز المر في تنقية الصدر والرئة وتفتيح سدد الكبد وتنقية الكلى وإدرار ~~البول، إلا أنه أضعف كثيرا على حسب نقصان مرارته عن اللوز. ولذلك صار اللوز ~~المر يستعمل على سبيل الدواء كاستعمال الصبر. # واللوز الحلو يستعمل على سبيل الغذاء لا على سبيل الدواء. وكثيرا ما ~~يستعمل دهنه دون جرمه لأنه ألطف، وجرمه أغلظ وأعسر انحدارا. فإن هو قشر من ~~قشره الداخل، وأكل مع عسل أو سكر، كان أسرع لانحداره. وأما اللوز الطري فهو ~~أفضل وأسرع انحدارا للمائية الغالبة عليه وبخاصة إذا قشر من قشره الداخل، ~~ولذلك صار اللوز اليابس إذا قشر من قشرته، وأنقع في ماء حار ليلة اكتسب ~~رطوبة وصار قريبا من اللوز الطري. وإذا أكل اللوز الطري قبل أن ينعقد جيدا ~~بقشره الاعلى، قوى اللثة وسكن حرارتها وأصلح بلة (2) المعدة. وإنما لزمته ~~هذه الخاصة لما في قشره من الحموضة والعفوصة. وأفضل اللوز ما كان رطبا لقلة ~~دهنيته ولزوجته. # وأما اللوز المر فحار في آخر الدرجة الثانية. له قوة ملطفة غواصة منقية، ~~مفتحة للسدد، مذيبة للكيموسات الغليظة اللزجة. ولذلك صارت منفعته للصدر ~~والرئة من الرطوبات البلغمانية اللزجة مفتحة # PageV00P316 # لسدد الكبد والطحال محللة للرياح الغليظة الكائنة في معاء القولون مدرة ~~للبول منقية للكلى والأرحام مفتحة لسددها، حتى أنه إذا قشر من قشرته ودقته ~~المرأة واستعملت منه فتيلة، أدر الطمث. وإذا أكل نقى الرطوبات العفنة وسكن ~~الآلام والأوجاع وجلب النوم وأدر البول. وإذا شرب مع نشاستج الحنطة والنعنع ~~قطع نفث الدم. وإذا شرب بشراب وصمغ البطم، نفع من ورم الرئة ونقى الكلى ~~وفتح سدد الكبد والطحال. وإذا استعمل بالميبختج (1)، نفع من عسر البول وفتت ~~الحصى. وإذا لعق منه مقدار جوزة بعسل ولعق، نفع من وجع الكلى والكبد ~~والسعال، والنفخ العارضة في المعاء المعروف بالقولون. # وزعم ms309 قوم أنه إذا أكل على النبيذ، منع السكر. وإذا أكلته الثعالب، قتلها. # وأما صمغ هذه الشجرة فيقبض ويسخن. وإذا شرب، نفع من نفث الدم. وإذا عجن ~~وطلي على القوابي، نقاها وقلعها. وإذا شرب بشراب ممزوج، نفع من السعال ~~المتقادم. وإذا شرب بالطلاء، نفع من به حصى. ولشجرة هذا اللوز نفسها قوة ~~شبيهة بقوة اللوز. ولذلك صار أصلها إذا طبخ ودق دقا ناعما حتى ينسحق، وطلي ~~به على الكلف، نقاه. وأما اللوز القليل المرارة، فهو في جميع حالاته متوسط ~~بين اللوز الحلو واللوز المر، لأنه أقل غذاء من اللوز الحلو وأكثر تنقية ~~للرطوبات وتفتيح السدد، وأكثر غذاء من المر وأقل تنقية للرطوبات وتفتيح ~~السدد. # PageV00P317 # القول في الجوز والجلوز المعروف بالبندق والجوز الهندي المعروف بالرانج ~~ويسمى النارجيل أما الجوز فينقسم قسمة أولية على ضربين: لان منه الرطب ~~الأخضر، ومنه اليابس الجاف. فما كان منه رطبا كان أقل حرارة وجفافا مما كان ~~يابسا لان فيه رطوبة فضلية لم تستكمل نضجها. ولذلك نسب إلى اليبوسة قليلا، ~~لان الرطوبة التي فيه غير طبيعية. ولسبب ما فيه من الرطوبة الفضلية لم يكن ~~له قبض بين ولا دسومة ظاهرة ولا لزوجة. ولذلك قل إضراره بالمعدة واللهوات ~~والحنك، لأنه صار كما لا طعم له ولا حرافة فيه يسيرة يخفى أكثرها عن الحس ~~بها، صار له جلاء وتليين البطن اليابس، وبهذا صار أوفق للمعدة. وإذا أكل ~~على الريق بالمري والخل، كان تليينه للبطن أكثر، لان تفهه يقل ويضعف كثيرا. ~~وإذا أكل مع السذاب الطري، لم يصل إلى آكله من الأدوية القتالة كثير ضرر. # وأما الجوز اليابس فيكون على ضروب: لان منه اليابس الحديث القريب العهد ~~بشجره. ومنه العتيق البعيد العهد بشجره. ومنه القديم المتوسط الزمان. فما ~~كان منه حديثا قريب العهد بالشجر، كان فيه من بقايا رطوبته الرطب (1) بقية ~~ما. ولذلك صار جوهره ألين ودهنيته أقل، إلا أن فيه يسيرا من القبض. فإذا ~~تمادى به الزمان وقاربت رطوبته الفضلية الفناء، زال عنه القبض لغلبة ~~الدهنية عليه وأسرعت (2) إليه الاستحالة ms310 إلى المرار. فإذا عتق وفنيت رطوبته ~~بأسرها وصار جوهره دسما بمنزلة الزيت العتيق الزنخ، خرج من عسر الانهضام ~~(1) من ردئ للمعدة سريع الاستحالة إلى المرار، ضارا بمن كان به سعال من ~~حرارة. # وإذا أضفت جملته إلى جملة البندق، وجدت البندق أكثر غذاء لكثافة جسمه ~~وتلززه وقلة دسمه # PageV00P318 # ودهنيته، ووجدت الجوز أقل غذاء لسخافة جسمه ورخاوته وكثرة دهنيته ولزوجته ~~المضرة بخمل المعدة بالطبع، إلا أن يوافي مزاج المعدة معتدلا أو مائلا إلى ~~البرد قليلا، فيقاوم بردها حرارة الجوز فيكون سببا زائدا في غذائه وسرعة ~~انهضامه. وأما المعدة الحارة المزاج، فإنه يلهبها بسرعة وينتقل إلى ~~الدخانية وجنس المرار ويضر بالمعدة ويولد صداعا في الرأس وحيرة في البصر. # ومما يدفع ضرره، أن يقشر من قشره وينقع في ماء حار ليكتسب رطوبة من الماء ~~تقل بها حرافته، ويصير في مذهب الجوز الرطب. وأما على سبيل الدواء، فإنه ~~إذا أكثر من أكله، أخرج حب القرع من البطن بوعائه الذي هو فيه. وإذا أكل ~~على الريق غبا، سهل خروج القئ. وإذا أخذ مع التين اليابس قبل أن تؤخذ ~~الأدوية القتالة، كان بادزهر (1) لها ودفع أذيتها. وإذا أخذ بعد الأدوية ~~القتالة، فعل قريبا من ذلك أيضا. وإذا عمل منه ضماد بعسل وشئ من ملح وبصل، ~~نفع من عضة الكلب وعضة الانسان. وإذا عمل منه ضماد مع شئ من عسل ويسير من ~~سذاب، حلل أورام البدن العارضة من البلغم والمرة السوداء. وإذا سحق بقشره ~~وحمل على السرة، حلل الأورام من البطن. # وأما قشر أصل هذه الشجرة وورقها، فإن فيهما قبضا. ولذلك صار إذا شرب منه ~~وزن مثقال، نفع من تقطير البول. وإذا شرب مع كلى بغل، منع الحبل. وإذا شربت ~~المرأة منه بعد طهرها، فعل (2) ذلك أيضا. وإذا عصر القشر وهو طري كما يعصر ~~ثمر العليق وطبخت عصارته مع عسل، كان منها دواء نافعا جدا مع الفم ~~والحنجرة. وثمر الجوز الصغير الذي يوجد في وقت نبات الورق إذا دق وخلط بعسل ~~واكتحل به، نفع من غشاوة البصر. وإذا ms311 أحرق الجوز وعجن بشراب وطلي على رؤوس ~~الصبيان، حسن شعورهم وأنبت الشعر في داء الثعلب. وداخل الجوز إذا أحرق وسحق ~~وخلط بشراب واحتملته المرأة، منع الطمث. وأما داخل الجوز العتيق، فإنه إذا ~~مضغ وحمل على الأورام الخبيثة والبواسير العارضة في مآق العين وداء الثعلب، ~~نفع من ذلك أجمع. وقد يستخرج من الجوز العتيق دهن إذا دق وعصر، فينفع من ~~مثل ذلك ومن سائر الأورام البلغمانية والجراحات الواقعة بالعصب. ويقال أنه ~~إذا قطع شجر الجوز وهو صغير وغرس في مسافات مزبلة ويقال في أرض سبخة (3) ~~مالحة، أنبت فطرا يؤكل السنة كلها. وزعم ديسقوريدوس عن الجوز الرومي: أن ~~ثمره إذا دق وشرب بخل، نفع المصروعين - وفى نسخة أخرى نفع من اختلاط العقل ~~- ويقال: أن الذي يسيل من صمغته إذا وقع في البئر الذي يقال له أنريدانوس ~~يجمد في النهر ويكون منه الكارباء (4) وهو صمغة لها لون كلون الذهب. وإذا ~~فركتها وألقيتها على النار، # PageV00P319 # فاحت لها رائحة عطرية طيبة. فإذا شربت، منعت من سيلان الرطوبة إلى المعدة ~~والمعاء. # وأما الجوز البري فقوة ورده حارة في الدرجة الثالثة. وأما التجفيف ~~والترطيب فبعدهما منه عن الدرجة المعتدلة بعد يسير وهو إلى اليبس أميل ~~قليلا. ولذلك صارت اللطافة أولى به من الغلظ. وأما ورق هذه الشجرة فيفعل ~~كما يفعله زهرها، إلا أن الزهر أضعف وأوهن. وأما صمغها، فزعم جالينوس أنه ~~الكارباء وهو أسخن من الزهر وأقوى فعلا. وأما بزرها فهو ألطف من صمغها ~~وأكثر تجفيفا. وهو في هذا الباب أكثر من زهرها، إلا أنه ليس بكثير الحرارة. # * * * في البندق وأما البندق فهو أبرد من الجوز وأكثر قبضا، لان جوهره ~~جوهر أرضى بارد. ولذلك صار جرمه كثيفا مكتنزا ملززا قليل الدهن جدا. ولهذا ~~صار غذاؤه أكثر من غذاء الجوز وأبقى في الأعضاء، لأنه بعيد الانحلال ~~والانهضام. ومن قبل ذلك صار أضر بالمعدة وأكثر توليدا للنفخ والقراقر من ~~الجوز. وأكثر نفخه يكون في أسفل الجوف وبخاصة إذا أخذ بقشره الداخل لان في ~~قشره الداخل قبض قوي يعقل البطن. ms312 وإذا قشر من قشره الباطن، كان أسرع ~~انهضاما وانحدارا ولم يكن بالمذموم لصاحب السعال، لكن يكون محمودا نافعا من ~~السعال المزمن إذا سحق وشرب بماء وعسل. وإذا قلي وأكل مع شئ من فلفل، أنضج ~~النوازل الرطبة. وإذا أكل قبل الطعام مع شئ من سذاب لم تضر آكله الأدوية ~~القتالة. # وإذا تقشر وخلط بشحم عتيق أو شحم دب ولطخ على داء الثعلب، أنبت الشعر ~~فيه. # وزعم ديسقوريدوس عن قوم كانوا يقولون أن البندق المحرق إذا سحق وعجن بزيت ~~وطلي منه رؤوس الصبيان، سود شعورهم. وإذا اكتحل به، سود الحدقة (١). ووجدنا ~~في نسخة أخرى أنه إذا طلي به يافوخات الصبيان، سود حدقتهم (٢) * * * وأما ~~الجوز الهندي المعروف بالرانج، فإنه حار في وسط الدرجة الثانية، رطب في وسط ~~الأولى. # ويستدل على رطوبته من سرعة عفونته وكثرة دهنيته. ولذلك صار بطئ الانهضام ~~ثقيلا في المعدة مفسدا لها، إلا أنه ينقسم ثلاثة أقسام: لان منه ما هو حديث ~~أبيض عذب قليل الدهنية والدسومة. وأردأها وأضرها وأفسدها للمعدة ما كان ~~عتيقا قد فنيت رطوبته وعذوبته، وصار جوهره دسما كله. وما كان متوسطا بين ~~ذلك، كان حاله أيضا كذلك. ومما يدفع إضراره بالمعدة ويعين على إحداره، ألا ~~يستعمل إلا ما كان حديثا بعد أن يقشر من قشره الأحمر الداخل <و> من ~~قشره الاعلى الخشبي ويؤكل على # PageV00P320 # الريق بعسل النحل إن كان المستعمل له بلغمانيا، أو سكر طبرزد وفانيد إن ~~كان المستعمل له ممرورا (1)، ويمص بعده الرمان المز، وإن كان من الأفضل ~~للمحرورين أن يجتنبوه أصلا. # وأما العتيق من الرانج فإنه إذا أكل، أخرج الدود وحب القرع من البطن، ~~وهذه خاصته. وأما دهنه المستخرج منه، فنافع من الرطوبة العارضة في الظهر ~~والوركين. وإذا مسحت (2) به المقعدة، نفع من البواسير العارضة من البلغم ~~ومن المرة السوداء. وإذا شرب مع دهن الخوخ ودهن المشمش، كان أقوى لفعله. ~~والطري منه خاصة زائد في المني. # PageV00P321 # في الفستق هذه الشجرة أكثر ما تكون في بلاد الشام، وثمرها المعروف ~~بالفستق وهو لطيف الجوهر، يغذو غذاء ms313 حسنا، منه شئ كأنه إلى (١) المرارة ~~أميل مع عذوبة وقبض يسير. ولذلك صار حارا يابسا في وسط الدرجة الثانية. ~~ويستدل على ذلك من عطريته الظاهرة ومرارته الخفية. <و> لما فيه من ~~القبض اليسير صار مقويا للكبد، ولما فيه من المرارة والعطرية صار مفتحا ~~للسدد العارضة في جداول الكبد منقيا للخلط المتمكن في عروقها، نافعا من علل ~~الصدر والرئة. وإذا شرب مسحوقا بشراب، نفع من لسع الهوام. فلذلك قشره ~~الاعلى الذي فيه عطرية فإنه إذا طبخ وشرب طبيخه بشراب صلب، نفع من لسع ~~الهوام. ومن خاصيته أنه نافع من أوجاع الكبد لمرارته وعطريته وعفوصته. ~~ودهنه أيضا نافع من وجع الكبد الحادث من الرطوبة. # وأما جالينوس فذكر أنه ما وجد له في المعدة كثير منفعة ولا كثير مضرة، ~~وقال: ما وجدت سبيلا إلى القول في الفستق أنه نافع للمعدة ولا ضار لها، ولا ~~وجدت له أيضا فعلا في إطلاق البطن ولا في حبسه. والاقلال منه للمحرورين ~~أنفع. وينبغي لآكله أن يقشره من قشره وينقعه في الماء الحار مدة ثم ~~يستعمله. فإن قلي، صار أدبغ للمعدة وأنفع لها. # PageV00P322 # القول في الصنوبر الصنوبر في جملته حار في الدرجة الثانية، يابس في ~~أولها. إلا أنه يكون على ضربين: لان منه الصنوبر الذكر الصغير الحب، ~~المعروف عند أهل الشام بقضم قريش، ومنه الأنثى الكبير الحب، المعروف بحب ~~الملوك. فأما المعروف بقضم قريش فهو أشد حرارة ويبسا وكأن حرارته في أول ~~الدرجة الثالثة. ويستدل على ذلك من تركيبه، لأنه مركب من حرافة وعفوصة ~~ومرارة. والحرافة عليه أغلب. # ولذلك صار بالدواء أشبه منه بالغذاء، إلا أنه إذا أنقع في الماء الحار ~~وقتا طويلا وأكل، غذى غذاء محمودا وكان نافعا من نفث الصدر والرئة. وإن كان ~~هذا الفعل شاملا له ولأمثاله من الثمار التي قد غلب عليها الحرافة والقبض ~~لان الماء الحار يكسبها رطوبة وليانة ويزيل عنها حرافتها وقبضها. ومن خاصة ~~هذه الثمرة تنقية الصدر والرئة والنفع من السعال العارض من الرطوبات ~~العفنة. وإذا شرب مع بزر القثاء والميبختج ms314 (1)، سكن حرقة الكلى والمثانة ~~وأدر البول. # وأما لحاء هذه الشجرة ففيه من قوة القبض ما يبلغ منه الغاية في حبس البطن ~~وشفاء السحوج الظاهرة والنفع من حرق النار وإحراق الماء الحار إذا سحق وخلط ~~بدهن ورد وطلي عليها. وأما ورقها، فلانه أرطب من اللحاء، صارت فيه قوة تدمل ~~(2) مواضع الضرب من غير أذى ولا عنف على الحاسة. # وأما الدود الموجود في عود هذه الشجرة فقوته شبيهة بقوة الشجرة، إلا أنه ~~ألطف وأغوص. # وأما الصنوبر المعروف بحب الملوك، فمركب من مرارة وحرافة ورطوبة. ولذلك ~~صار على سبيل الغذاء يغذو غذاء قويا غليظا عسير الانهضام. وأما على سبيل ~~الدواء، فمن شأنه أن يغري ويملس خشونة الأعضاء وبخاصة إذا أنقع في الماء ~~حتى ينسلخ عنه جميع ما فيه من الحدة والحرافة لان الذي يبقى فيه بعد إنقاعه ~~في الماء في غاية البعد من التلذيع والتوسط بين الكيفية الحارة والكيفية ~~الباردة # PageV00P323 # ممزوجا من جوهر مائي وجوهر أرضى. وأما الجوهر الهوائي فهو فيه قليل جدا، ~~ومن خاصته تجفيف الرطوبات الفاسدة وتقوية الأعضاء التي قد عرض لها استرخاء ~~من الرطوبة. ولذلك صار نافعا لمن به مدة مجتمعة في صدره، ولمن كان محتاجا ~~إلى إصعاد شئ محتقن (1) في رئته أو في صدره، وقذفه بالسعال. وإذا شرب بعقيد ~~العنب، غسل الكلى والمثانة وجلى ما فيها من المدة والاخلاط وسهل خروج البول ~~والحصى. وإذا أنقع في الماء حتى تذهب حرافته وشرب بعصارة الرجلة، سكن لذع ~~المعدة وأفاد البدن الضعيف قوة. وإذا أخذت هذه الثمرة وهي رطبة بغلافها ~~التي تكون فيه ورضت بطرائها (2) وطبخت بالماء وشرب من طبيخها أربع أواق ~~ونصف، نفع من السعال وقرح الرئة ومما يدفع مضرتها ويصلح غذاءها ويعدله أن ~~تقشر في ماء وقتا طويلا حتى تزول حرافتها وتؤكل مع سكر طبرزد أو فانيد ويمص ~~بعقبها الرمان المز. وإن كان المستعمل لها بلغمانيا، فليأخذها مع العسل ~~والتين ويشرب بعدها نبيذا (3) مصرفا وأسكنجبينا عسليا. # وأما لحاء هذه الشجرة وورقها، فذكر جالينوس أن قوتها وإن كانت شبيهة بقوة ~~لحاء ms315 غيرها من أشجار الصنوبر وورقها، فإن فعلها أقوى. ولذلك لا يمكن فيها ~~أن يفعل في واحدة من الخلال التي ذكرناها في لحاء شجر الصنوبر الصغير فعلا ~~حسنا لان فعلها يجاوز المقدار المعتدل لما فيها من زيادة القوة اللذاعة ~~المؤذية. وإذا أحرق لحاء هذه الشجرة بالنار وبخاصة اللحاء الذي تشد به رؤوس ~~آنية الشراب، كان رماده كثير التجفيف نافعا في علاج دوسنطريا. والدخان إلي ~~يتصاعد من هذه اللحاء عند إحراقه، نافع للأجفان التي يتناثر شعرها، ولمأق ~~العين الذي قد يسلح واحترق وصارت الدمعة تجري منه دائما. # ومن الصنوبر جنس آخر يعرف بالشربين، حرارته ويبسه في الدرجة الثالثة ومنه ~~يخرج الدهن المعروف بالقطران. وزعم جالينوس أن لثمر هذه الشجرة قوة معتدلة ~~حتى أنه يمكن أن يؤكل. إلا أن الاكثار منه يسخن البدن إسخانا قويا ويولد في ~~المعدة لذعا وفى الرأس صداعا. وهذه الشجرة تكون على ضربين: إحداهما: عظيمة ~~القدر لها ثمرة شبيهة بثمرة الأرز، والأخرى: صغيرة مشوكة وثمرتها شبيهة ~~بثمر العرعر وأعظم قليلا، على عظم حب الآس المستدير، ومزاجهما جميعا حار ~~يابس في الدرجة الثالثة وهي رديئة للمعدة جدا، وتسخن إسخانا قويا، إلا أنها ~~نافعة من السعال المزمن الغليظ ومن تقطير البول وشدح (4) العضل. وإذا شربت ~~مسحوقة مع الفلفل، أدرت الطمث وأنزلت الولد. وإذا شربت (5) بالخمر، نفعت من ~~شرب الأرنب البحري - وفى نسخة أخرى من عضة الأرنب البحري - وإذا # PageV00P324 # عجنت بشحم أيل أو مخه - وفى نسخة أخرى أو دماغه - ومسح بها الجسد، لم ~~يقربه شئ من الهوام. # وقد يستعمل في أخلاط المعجونات. # وأما الدهن الذي يخرج من هذه الشجرة المعروف بالقطران، فقد يظن به أن ~~إسخانه في الدرجة الرابعة لان إسخانه قوي جدا، إلا أن معه لطافة، ومن شأنه ~~أن يعفن اللحم الرخو بسرعة من غير أن يضر بالأعضاء الأصلية الصلبة. وهذا ~~الفعل موجود في سائر الأشياء التي حرارتها في الدرجة الرابعة إذا كان معها ~~لطافة، وإن كان بعضها مخالفا لبعض في كثرة الفعل وقلته فقط على حسب مقدار ~~كل واحد من ms316 اللطافة. والقطران أضعفهما فعلا لأنه ألطفها. ولذلك صارت كلها ~~تفسد اللحم (١) الميتة، والقطران يجففها ويحفظها من العفونة بفعل لطافته ~~وينقيها من الرطوبات الفضلية من غير أن ينكأ الأعضاء الأصلية ولا يؤثر فيها ~~شيئا، ولا يفعل في اللحم الصلب أيضا ما يفعله في اللحوم المنتنة إلا بعد ~~مدة طويلة. # وإذا كان القطران على ما وصفنا به، فليس بعجب أن يقتل الدود والصئبان وحب ~~القرع والحيات المتولدة في البطن. ولذلك صار منقيا للقمل والصئبان، ونافعا ~~من الحكة المتقادمة وللجرب المتعفن في الناس والدواب جميعا. وإذا قطر منه ~~في الاذن بخل، قتل الدود التي فيها وسكن الطنين والدوي. وإذا خلط بماء طبيخ ~~الزوفا، فعل مثل ذلك أيضا. وإذا احتملته المرأة من أسفل، قتل الأجنة ~~الاحياء وأخرج المشيمة الميتة، كما من شأنه أن يفسد النطفة إذا مسح به ~~الذكر في وقت الجماع. ولذلك صار من أبلغ الأدوية في منع الحبل حتى يصير من ~~يستعمله على ما وصفنا عقيما. # وأما ديسقوريدوس فقال: إن في القطران قوة أكالة تقطع أبدان الاحياء وتحفظ ~~أبدان الموتى. # ولذلك سماه قوم حياة الموتى. وقال قوم يدبغ أبدان الاحياء. ومن فعله أنه ~~يقطع الثياب والجلود بإفراط تجفيفه وحره. وقد يصلح في إكحال العين لحدة ~~البصر وجلاء البياض والآثار المتولدة عن اندمال قروح العين. وإذا قطر منه ~~في الضرس المأكول، فعل من ذلك. وإذا لطخ على الحلق، منع من الخناق ووجع ~~اللوزتين العارض من البلغم. وإذا تحسي مع البيض المشوي نيمبرشت، نفع من ~~الخناق وبحة الصوت. وإذا استنشق في زمان الوباء، قطع تلك العفونات الوبئة ~~ونقى الأبدان منها ونفع من الوباء. # وإذا عمل منه ضماد بملح، نفع من نهشة الحية المقرنة (٢). وإذا شرب ~~بالطلاء، نفع من الأرنب البحري. وإذا ألعق منه أو لطخ على داء الفيل، نفع ~~منه. وإذا تحسي منه مقدار أوقية ونصف، نقى قروح الرئة. وإذا احتقن به، قتل ~~الدود الغليظ منه والدقيق وأحدر الجنين. # وأجود القطران ما كان ثخينا صافيا قويا كريه الرائحة. إذا قطر منه على ~~شئ، ثبتت ms317 قطرته بحالها ولم تنتشر وتتبدد. وأدسم ما في القطران هو الحر ~~الدهن الخالص الذي يجتمع في الصوف إذا علق به حين يطبخ. وما تبقى في الاناء ~~فهو غليظ، وكدره بمنزلة <ثفل> الزيت عند الزيت. وهذا # PageV00P325 # الجزء، وبسبب أنه غليظ، صار يفتح ويهيج القروح وتورمها. وأما الجزء الآخر ~~الدهني المتصاعد في الصوف فقوته ساكنة لينة. ويبلغ من لين قوته وسكونها أن ~~الأغبياء من الناس يعملون بالتجارب أنه يبرئ جرب المواشي ويدمل جراحاتها ~~العارضة لها في وقت جز صوفها، ويقتل قردانها. والقطران المستخرج من الشربين ~~أقوى وأفعل من القطران المستخرج من السرو كثيرا. وأما دخان القطران فإنه ~~إذا اكتحل به، قطع العفونات ونقاها وأزال الرطوبات الفضلية من العين، وزاد ~~في حدة البصر، ونفع من الحكة والسلاق (1) والاحتراق وقوى شعر الأشفار (2) ~~وطوله. # القول في الراتينج وهو صمغ الصنوبر الراتينج يدخل في المراهم المنبتة ~~للحم، المنقية للفساد. ويستخرج منه دخان، كما يستخرج من الكندر، ينفع من ~~تسلخ المأقين والأشفار المتساقطة. # * * * القول في البطم وهو الحبة الخضراء أما شجرة البطم فإن في لحائها ~~وورقها قبض بين وإسخان قوي، كأن إسخانها وتجفيفها في الدرجة الثانية. وأما ~~ثمرتها فهي إذا كانت طرية، كان إسخانها وتجفيفها في الدرجة الثانية، فإذا ~~يبست وجفت، صار إسخانها وتجفيفها في الدرجة الثالثة، وإن كان الاسخان فيها ~~أقوى كأنه في آخر الدرجة الثانية وأيبس في وسطها. ويستدل على قوة حرارتها ~~أن الانسان إذا مضغها، علم بحرارتها من ساعته. # ولذلك صارت مضرة بالمحرورين نافعة من البلغم اللزج وأوجاع الطحال ~~المتولدة عن البرودة، معينة على إدرار البول. والدهن المستخرج من حبها ~~الكثير نافع من الفالج واللقوة إذا دهن به. ومن خاصتها الاضرار بالمعدة ~~لأنها تبشم وتشبع بسرعة. ولذلك صار الانسان إذا أخذ منها في يوم وزن درهمين ~~مدقوقا وشربه على الريق وأدمن ذلك، بطلت شهوته للطعام. ولذلك ثمرة هذه ~~الشجرة المعروفة بالشام بقاتل أبيه، فإنها مضرة بالمعدة مصدعة للرأس مفسدة ~~لشهوة الطعام، لأنها أيضا تبشم وتشبع بسرعة. # وزعم ديسقوريدوس أن منافع شجرة البطم في جملتها ms318 كمنافع شجرة المصطكى في ~~جملتها، وصمغها مثل صمغها، إلا أن صمغ هذه في الاسخان واليبس أقوى قليلا. ~~وقوة صمغ المصطكى قريبة منه وبعده قوة صمغ الأرز، وبعد صمغ الأرز الصنوبر. ~~ومن منافع صمغ البطم على سبيل الدواء أنه مدر # PageV00P326 # للبول معين على الهضم ملين للبطن. وإذا عمل منه لعوق وحده أو بعسل، نفع ~~من السعال المتقادم ونقى فضول الصدر والرئة وأخرجها بالنفث. وإذا خلط مع ~~ماء حبق النهر والخل، وطلي به البدن، غاص إلى العمق وجذب البلة من باطن ~~البدن ونفع من الحكة المتقادمة. وإذا ديف بعسل ودهن وقطر في الاذن، نقى ~~المدة وجفف البلة. # ولجالينوس في جميع أنواع العلك قول قال فيه: إن أنواع العلك كلها تسخن ~~وتجفف، وإنما يخالف بعضها بعضا بما في كل واحد منها من الحرافة والقبض من ~~القلة والكثرة. ولذلك صار بعضها أكثر لطافة وبعضها أقل لطافة، وبعضها أشد ~~قبضا وبعضها لا قبض فيه أصلا. وأفضلها كلها وأولاها بالتقدم، المصطكى ~~الأبيض المعروف بعلك الروم لأنه مع لطافته سليم من الحدة أصلا، ومعه قبض ~~يسير معتدل. ولذلك صار نافعا من ضعف المعدة والكبد محللا لأورامها لأنه بما ~~فيه من يسير القبض صار مقويا، وبما فيه من فضل اللطافة وقلة الحدة صار ~~محللا. # وبعد المصطكى في الجودة علك البطم وإن كان ليس فيه قبض معروف مثل قبض ~~المصطكى، فإن فيه مرارة بينة. ولهذا صار أكثر تحليلا من المصطكى لأنه ~~بمرارته يغوص إلى عمق البدن ويجذب منه أكثر من سائر أنواع العلك. وأما ~~العلك المستخرج من الصنوبر الكبير، فهو أشد حدة وحرافة من علك البطم، لان ~~علك البطم للطافته ولينه يغوص وينفذ ويصل (1) إلى عمق البدن. وأما علك ~~الصنوبر الصغير وعلك الشجرة المعروفة باللاطي فمتوسطان بين الامرين جميعا، ~~لأنهما وإن كانا أحد من علك البطم، فإن فيهما قبضا شديدا (2). وأما صمغ ~~السرو فإن له حدة وحرافة وهو دونها كلها في المنفعة والفعل. # PageV00P327 # القول في الضرو وهو البطم البري أما الضرو فمنافعه كلها كمنافع البطم، ~~إلا أنه أقوى فعلا. ms319 ومن خاصة دهنه طرد الرياح البلغمانية. # * * * في العرعر أما العرعر فحار يابس في الدرجة الثانية إلا أنه على ~~ضربين: لان منه نوعا كبيرا (1) له ثمرة كطعم الباقلي، ومنه نوع صغير له ~~ثمرة كطعم البندق في جميع ثمرها، مستدير أحمر، طيب الرائحة، في طعمه حلاوة ~~وشئ من مرارة مع حرافة يسيرة، إلا أن معه عفوصة بينة قوية. ولذلك صار لما ~~فيه من العفوصة نافعا للمعدة، ولما فيه من المرارة والحرافة والحلاوة صار ~~منقيا للصدر والرئة والكبد والكلى. # وبهذا السبب صار مدرا للبول نافعا من النفخ والأمغاص وضرب الهوام. وأما ~~حبسه للبطن وإطلاقه له، فإنا لم نر له في ذلك فعلا بينا ولا تأثيرا ظاهرا. # PageV00P328 # في ثمر العوسج أما ثمرة العوسج فعلى ضربين: لان منه نوعا (1) كبير الحب ~~نضيجا (1) يسمى عنب العوسج، ومنه نوع آخر صغير الحب فج غير نضيج يسمى ثمر ~~العوسج. والبرودة واليبوسة تشملهما جميعا، إلا أن العنب أقل يبسا من الثمر ~~كثيرا، وإن كان أكثر في ذلك من التوت الحامض. ولذلك صار أقوى على حبس البطن ~~من التوت، إلا أنه يفسد في المعدة، ولثقله صار يورث المدمن عليه ألما شديدا ~~في عصب المعدة بالدماغ. وما كان عتيقا كان أشد يبسا وأكثر إضرارا بعصب ~~المعدة من الطري، لما في الطري من فضل رطوبة الماء. ومما يدفع ضرره أن يغسل ~~بالماء بدءا ويرمى بمائه الذي يغسل به، وينقع في ماء ثان ساعة قبل أن يؤكل ~~ليكتسب لطافة ورطوبة يسيرة من الماء ويعتدل قليلا ويقرب من الطري. # وقال جالينوس: أن العلوج (1) كانوا يأكلونه ولا يغذوهم إلا غذاء يسيرا ~~جافا. فأما ثمر العوسج، فهو أشد يبسا من عنب العوسج كثيرا لغلبة الأرضية ~~عليه، ولذلك صار أشد حبسا للبطن وأثقل في المعدة وأكثر إضرارا بعصبها، ~~وتوليدا للصداع في وسط الرأس. وأغصان هذا النبات إذا طبخت مع الورق، صبغت ~~الشعر. وإذا شرب طبيخها، عقل البطن وقطع سيلان الرطوبات المزمنة من الرحم ~~ونفع من نهش الدابة التي يقال لها قرسطيس. وإذا مضغ الورق، شد اللثة وأبرأ ms320 ~~القلاع. وإذا عمل منه ضماد، نفع النملة أن تسعى في البدن، ونفع من قروح ~~الرأس الرطبة، والبواسير النابتة في المقعدة (3)، والبواسير التي يسيل منها ~~الدم، وقوى المقعدة الضعيفة، ومنع من سيلان المواد إليها. وإذا جففت عصارة ~~الورق والأغصان في الشمس، كان فعلها أقوى من فعل الورق. وزهر هذه الثمرة ~~إذا شرب بشراب، عقل البطن. وزعم بعض الأوائل أن في هذا النبات، مع قبضه، ~~قوة ملطفة، بها يفتت الحصى. # PageV00P329 # في ثمرة الساج المسمى عرواء أما ثمر (١) الساج فله رائحة ذكية حادة مع ~~لذاذة طعمه. ولذلك صار جدا حريفا، إلا أن معه شيئا من قبض. ويستدل على ~~حرارته من طيبة طعمه وذكاء رائحته، لان كل شئ ذكي الرائحة من جنس البخور، ~~فهو حار مدخن. ومن أجل ذلك صار متى أخذ من فضل قليل، ملا عروق الرأس بخارا ~~وأسخنه وهيج صداعا شديدا. فإن اقتصر منه على المقدار المعتدل، كان له قوة ~~ملطفة للفضول الغليظة اللزجة منقية لجداول الكبد والكلى مانعة من درور ~~البول، إلا أنه عسير الانهضام، يقتل <الدود> (2) في المعدة مضر بها ~~لأنه يحدث فيها ألما ومغصا. فإذا أزيلت (3) عنه عفوصته وحرافته، قل إضراره ~~بالمعدة، وصار غذاؤه يسيرا جدا. ولهذا السبب وجب أن لا يؤكل حتى ينقع في ~~الماء ساعة ليكتسب من الماء رطوبة وليانة يقل بها ضرره. وهذا مذهب كل ~~الثمار التي قد اجتمع فيها القبض والحلاوة. # القول في السرو وهو الأرز أما السرو فقوة قضبانه وورقه وجوزه مجففة من ~~غير حدة ولا حرافة شديدة، لان الذي يوجد من طعم هذه الشجرة من الحدة ~~والحرافة يسير (4). والأغلب على طعمها العفوصة والمرارة، عفوصتها أقوى من ~~مرارتها كثيرا والذي فيها من الحرارة والحرافة مقدار ما يتدرق (5) ~~وعفوصتها، ويوصلها إلى عمق البدن من غير إسخان ولا تلذيع. ولذلك صارت ~~مخصوصة بإفناء ما كان محتقنا في عمق الأبدان من الرطوبات العفنة الرهلة ~~وإزالتها عنها إزالة تجمع فيها بعد الأبدان من الداء وقربها من العافية ~~معا. وفى هذا دليل على لطافتها وقلة حدتها وضعف حرافتها لأنه ms321 لو كان فيها ~~حدة قوية وحرافة شديدة لكانت، مع ما تفني من الرطوبات المحتقنة في الأعضاء، ~~تجذب إلى المواضع أيضا (6) بحدتها وحرافتها رطوبات غريبة غير ما أفنت، ولا ~~توصل منها إلى الغاية فيه بسرعة، لان هذا رسم الأدوية التي حدتها وحرافتها ~~قوية. # ولهذا السبب صار السرو نافعا لأصحاب الفتق لأنه يجفف الأعضاء التي قد ~~أرختها الرطوبة. # ويكسبها قوة وصلابة لأنه يفني الرطوبة الفاعلة الاسترخاء من غير أن يجذب ~~إلى الأعضاء رطوبة غيرها. # PageV00P330 # وزعم (1) جالينوس أنه شاهد قوما يستعملون السرو في مداواة الحمرة (2) ~~مخلوطا إما بالشعير وإما بخل ممزوج مزجا (3) معتدلا. # وأما جوز السرو الذي هو ثمره، فإن له رائحة تقرب من رائحة الأفاويه إلا ~~أنه في صورته ولونه شبيه (3) بحب العرعر، لأنه أيضا مستدير (4) يضرب إلى ~~الحمرة. والفرق بينهما ما في ثمرة السرو من زيادة العفوصة واليبس والصلابة. ~~وأما دهنه في طبيعته وفعله، فمذهب ثمر الساج لحرافته وقبضه، إلا أنه أصلب ~~وأكثف جسما وأشد يبسا من ثمر الساج. ولذلك صار الاكثار منه يولد في المعدة ~~لذعا ومغصا لأنه غليظ الجلد جدا. ولهذه الجهة صار بالدواء أشكل منه بالغذاء ~~لان البدن لا يغتذى به دون أن ينقع في الماء ليفيده الماء رطوبة وليانة ~~ويزيل عنه صلابته وأكثر عفوصته، فيغذو البدن غذاء يسيرا. وقد يشركه في ذلك ~~كل غذاء عفص أو حريف بعيد من الحلاوة. ومن فعله على سبيل الدواء أن جوزه ~~إذا دق وهو رطب وشرب بخمر، نفع من نفث الدم وقرحة الأمعاء والبطن الذي تسيل ~~إليه الفضول، وعسر النفس الذي يحتاج إلى الانتصاب. وماء طبيخه يفعل مثل ذلك ~~أيضا. وإذا دق وهو رطب وخلط بنبيذ وعمل منه ضماد، لين الصلابة وأبرأ اللحم ~~النابت في الانف. وإذا طبخ بالخل وخلط بترمس مدقوق، قلع الآثار البيض التي ~~في الأظفار. وإذا عمل منه ضماد بماء الآس، نفع من الفتق والأدرة (5). # وورق السرو يفعل فعل جوز السرو. وإذا سحق الورق وشرب بطلاء مع يسير من مر ~~أحمر، قوى المثانة ومنع انصباب الفضول إليها ونفع ms322 من عسر البول. ~~ولديسقوريدوس في السرو قول قال فيه: وقد يظن بالسرو أنه إذا دخنت (6) ~~بأغصانه وورقه المنازل، طرد الهوام. وإذا دق الورق وخلط بخل وطلي به الشعر، ~~سوده. وإذا خلط بموم وزيت عذب وحمل على المعدة، قواها وشدها. # وأما صمغ السرو فإنه إذا استعط به، نقى الرطوبات من الدماغ لان قوته ~~شبيهة بقوة صمغ السذاب وصمغ الصنوبر المعروف بالراتينج، إلا أنه أضعف ~~قليلا، فلذلك صار القطران الذي يخرج من شجره أضعف من القطران الذي يخرج من ~~الجنس من الصنوبر المعروف بالشربين. # PageV00P331 # في الأبهل الأبهل (1) صنفان لان منه ما له ورق يشبه ورق الطرفاء، ومنه ما ~~ورقه يشبه ورق السرو. وشجرته مستديرة تذهب في العرض كما تذهب في الطول. ~~وشوكها أكثر من شوك غيرها من الأبهل، ورائحتها غير كريهة لكنها لذيذة حتى ~~أن من الناس من يستعملها عوض البخور. وحكى ديسقوريدوس عن بعض الأوائل مثل ~~ذلك. وكلا الصنفين جميعا إذا شربا، أسهلا البطن وقتلا الدود وحب القرع ~~وأسقطا الأجنة الحية وأخرجا الأجنة الميتة. وإذا تحملت المرأة شيئا منهما ~~أو تدخنت به، فعل مثل ذلك. وإذا حمل منها شئ على القروح الخبيثة، منعها أن ~~تسعى في البدن. وإذا عمل منه ضماد، نقى سواد الجلد وأوساخه العارضة من فضول ~~الأبدان الخشكريشة المتولدة عن القرحة المعروفة بالحمرة. وإذا شق وحمل على ~~القروح الوسخة، نقاها. وقد يدخل في أخلاط الادهان المسخنة. # PageV00P332 # في الطرفاء أما الطرفاء فنوعان: أحدهما: البري المعروف بالطرفاء على ~~الحقيقة، والآخر: البستاني يعرف بالأثل. وأما البري فشجرته معروفة مشهورة ~~تنبت على المياه القائمة والأراضي الندية، وأكثر ذلك في السباخ. وارتفاعها ~~من الأرض شبيه بارتفاع الأشنة أو الشجرة المعروفة بشجرة مريم عليها السلام، ~~وأعظم قليلا. ولهذا ثمرته مستطيلة شبيهة بالدهن في لونه وقوامه. # وأما الطرفاء البستاني المعروف بالأثل فيكون بمصر والشام كثيرا (1). ~~وارتفاعه من الأرض كارتفاع شجرة القاقيا التي بمصر المعروفة بالسنط (2)، ~~وورقها شبيه بورق الطرفاء البري، وثمرتها على عظم العفص وهي المعروفة بحب ~~الأثل ويسمى الجزمازج (3). وقوة هذا النبات في طبعه وسائر ms323 أحواله كقوة شجرة ~~الطرفاء البري في طبعه وسائر أحواله. وفيها جميعا قوة تجلو وتفتح وتنقي من ~~غير تجفيف بين. # وإن كان القبض فيهما ليس باليسير ولا بالمنكتم، إلا أن ذلك في ثمرتها ~~أكثر، وفى اللحاء قريب من ذلك. # ولجالينوس في الطرفاء قول قال فيه: إن قوة الطرفاء قوة تجلو وتفتح وتنقي ~~من غير أن تجفف تجفيفا ظاهرا، وإن كان القبض فيها ليس باليسير ولا بالخفي، ~~إلا أن قوة التلطيف في ورقها وأصلها وقضبانها أكثر، إلا أن القبض على ~~ثمرتها أغلب. ولذلك صار إذا طبخ الأصل والقضبان بشراب أو بخل ثقيف وشرب ~~طبيخها، كانت منفعتها في تحليل جسأ الطحال الغليظ ليست باليسيرة، بل قوية ~~جدا. وإذا دقت وشربت أو طبخت بالماء وأنقعت مدقوقة في ماء حار من الليل إلى ~~الصبح وشرب ماؤها، نفعت من الصفاء واليرقان ولسع الرتيلاء. وإذا تدخن بها، ~~نفعت من الاسترخاء العارض في الوجه المعروف باللقوة. وإذا تدخنت المرأة ~~بها، دفعت انحدار الطمث من غير وقته. وإذا تحملت المرأة رماد خشبها، # PageV00P333 # فعلت مثل ذلك. وإذا تمضمض الانسان بمائها، قوى اللثة ونفع من وجع الأسنان ~~والأضراس. وإذا اغتسل بمائها، نقى سطح البدن من القمل والصئبان. # وأما ثمرة هذا النبات فقد بينا أن القبض فيها ليس باليسير حتى كأن قبضها ~~يقرب من قبض العفص الأخضر، وإن كان بينهما فرق (1) بين من قبل أن العفص أشد ~~قبضا لان عفوصته ساذجة بسيطة لا يصحبها فيه غيرها ولا يشركها سواها من ~~الطعوم. وعفوصة ثمر الطرفاء قد يخالطها جوهر لطيف غير موجود في العفص، ولا ~~هو أيضا في ثمر الطرفاء باليسير. ولذلك صار الأغلب عليه الجلاء والتنقية ~~وصارت له حرارة في الدرجة الأولى، وإن كان يبسه في الثانية. ومما يدل على ~~قوة يبس ثمرة الطرفاء البري والبستاني جميعا، أن الانسان قد يمكنه أن ~~يستعمل كل واحد منهما مكان العفص إذا أعدم العفص. # وأما اللحاء من هذه الشجرة، فإن قوته قريبة من قوة الثمرة في العفوصة، ~~وإن كانت فيه أضعف قليلا لان التحليل فيه أقوى، ms324 ولما فيه من قوة العفوصة ~~أيضا، صار رماده يجفف تجفيفا ليس باليسير. # ومن منافع ثمر الطرفاء البري والبستاني أنه إذا طبخ أو أنقع في ماء حار ~~من الليل إلى الصبح وشرب ماؤه، نفع من الصفار واليرقان ولسع الرتيلاء. وإذا ~~أخذ ماؤه المتخذ على ما وصفنا من دقه وإنقاعه في الماء الحار إلى الليل ~~وسقي الصبيان، قيأهم ونقى معدهم من الرطوبات الغليظة المنعقدة، ونفع من ~~الجرب الرطب المتعفن وحسن ألوانهم وصار سببا للزيادة في لحومهم. ورأيت ~~كثيرا من المتطببين إذا أرادوا أن يزيدوا في لحم الجواري القضاف (2) ~~النحيفات الأبدان يسقونهن (3). بدءا نقيع ثمر الطرفاء البستاني المعروف بحب ~~الأثل ثلاثة أيام أو سبعة متوالية ثم يتبعون ذلك بالأقراص المبردة المركبة ~~المستعملة في زيادة لحم المسلولين سبعة أيام ثم يلزمونهن (4) شرب مخيض لبن ~~البقر ويعطونهن بدءا بالكثيراء (5) المسحوق وأياما بالكعك المعمول من دقيق ~~السميذ المحكم الصنعة، فيزيد ذلك في لحمومهن زيادة حسنة، ويحسن ألوانهن ~~ويطريها ويفيدها نضارة ورونقا. # ومن منافعه أيضا على سبيل الدواء: أنه إذا شربه من كان في معدته رطوبات ~~فاسدة، نقاها وقوى المعدة. وإذا شربه من كانت معدته نقية، قوى المعدة ونفع ~~من الاسهال المزمن العارض من الرطوبة وقطع نزف الدم ودرور الطمث ومنع من ~~سيلان الرطوبات إلى الأرحام. وإذا جلست المرأة في مائه المطبوخ به، فعل مثل ~~ذلك أيضا. وقد يتخذ منه شراب بسكر طبرزد، فيفعل في تحليل جسأ الطحال # PageV00P334 # ويسكن آلامه فعلا بينا. وإنما عمل هذا الشراب بعسل لمن كان مزاجه باردا. # وأما ورق هذا النبات فقد بينا أيضا أن قوته قريبة من قوة الأصل والأغصان، ~~وإن كان دونها قليلا لغلبة المائية عليه وعلى الورق من كل نبات بالطبع، إلا ~~أنه إذا طبخ بشراب الخل وشرب، أذبل الطحال. وإذا عمل منه ضماد بخل وحمل على ~~الطحال من خارج، قواه وحلل أوجاعه. وإذا تمضمض بمائه المطبوخ به، قوى اللثة ~~ونفع من وجع الأسنان. وإذا جلست المرأة في مائه، جفف رطوبات الأرحام ومنع ~~درور الطمث في غير وقته. وإذا تحملت ms325 المرأة رماده، فعل مثل ذلك. وقد يصب ~~ماؤه على أبدان الذين يتولد فيهم القمل والصئبان، فينتفعون به. # وجماع القول في جميع الأشجار البرية كلها، مثل البطم والشاهدانج وقاتل ~~أبيه وثمر العلجيق والضرو والسرو والطرفاء وغير ذلك، أن غذاءها كلها يسير ~~جدا وهو مع ذلك أيضا مذموم وأكثرها يضر المعدة وبخاصة البطم إلا أن فيها، ~~على سبيل الدواء، منافع شتى، لان منها ما فيه قوة ملطفة منقية محللة ~~للفضول، مذيبة للأثفال، معينة على الهضم. ومنها ما فيه قوة دابغة مقوية ~~للأعضاء وخافضة لها. PageV00P335 # في حب الآس وأما حب الآس (1) فإن الغالب على مزاجه البرودة واليبوسة، وإن ~~كان مركبا من قوى مختلفة لان فيه قبوضة قوية ومرارة يسيرة وحلاوة لطيفة. ~~فلما فيه من الحلاوة واللطافة، صار نافعا من السعال العارض من الحرارة من ~~غير إضرار بالصدر ولا بالرئة. ولعفوصته صار قاطعا لنفث الدم، مانعا للاسهال ~~المري، مقو للمعدة والمثانة والأمعاء. ولاجتماع القبض والعذوبة فيه معا، ~~صار مدرا للبول مسكنا للعارض من اللذع في المثانة والأسود من ثمر (2) هذه ~~الشجرة أفضل من الأبيض. وعصارة هذه الشجرة يفعل فعل هذه الثمرة نفسها. وإذا ~~شرب بشراب، نفع من عضة الرتيلاء ومن لسع العقارب. وكذلك الثمرة إذا دقت ~~وشربت بطلاء أو بشراب، نفعت من ذلك أيضا. وإذا عمل منها ضماد، نفع من أوجاع ~~المفاصل ورخاوتها. وكذلك يفعل بخاره الحار إذا طبخ من زلق الأرحام. وأما ~~طبيخه إذا جلس فيه، كان موافقا خروج الرحم، والنساء اللواتي تسيل من ~~أرحامهن رطوبات مزمنة. وماؤه إذا غسل به الشعر خضبه وقواه ومنعه من ~~الانتثار وشد أصله، ونفع من الإبرية والقروح الرطبة. # ولما لم يكن ورق هذه الشجرة وأغصانها وثمرها وعصارتها في القبض كثير ~~اختلاف، وجب أن يكون ماء الورق المدقوق المعصور يفعل مثل فعل الحب أيضا. ~~وإذا دق الورق وسحق وصب عليه زيت إنفاق أو دهن ورد وخمر وضمد به، كان نافعا ~~للمواضع التي تسيل إليها الفضول. وإذا عصر ماء الثمرة وخلط معه دقيق الشعير ~~وحمل على العين، قواها وسكن ms326 آلامها والحدة العارضة فيها وحلل أورامها. وإذا ~~طبخت بماء السلق، نقت الإبرية التي في الرأس. وإذا دقت وعجنت بماء الباقلي، ~~نقت الكلف من الوجه. وإذا جفف الورق ودق ونخل وضمد به على الآباط والأفخاذ ~~الندية، قطع نداوتها ومنع عرقها. # وإذا أحرق وأخذ رماده وخلط بشمع ودهن ورد، نفع من حرق النار. وعقد هذه ~~الشجرة والثبل الموجود في جوف خشبها وأغصانها، فتدقه دقا ناعما وتعجنه ~~بشراب وتتخذ منه أقراصا (3) وتجففها في الظل وتخزنها وتستعملها عند الحاجة ~~في المراهم المقوية للأعضاء وفى الضمادات الحابسة للاسهال والقاطعة للدم. # وأما رب الآس فليس يعتصر من الحب فقط، لكن من الورق أيضا. وجميع ذلك ~~فقوته قابضة مانعة للاسهال، إلا أن يعمل من الحب، فغير مضر بالصدر ولا ~~بالرئة لقوة عذوبته. # PageV00P336 # في العناب أما العناب فحار رطب في وسط الدرجة الأولى يغذو غذاء يسيرا ~~عسير الانهضام، ردئ للمعدة والدم المتولد عنه بلغمانيا، إلا أنه إذا كان ~~غضا عفصا، سكن حدة الدم. وإذا كان نضيجا، لين الصدر والرئة. وزعم جالينوس ~~أنه ما رأى للعناب في حفظ الصحة على الأصحاء ولا في ردها على المرضى كثير ~~عمل. # * * * في الخرنوب الشامي الخرنوب الشامي فيه حلاوة يسيرة وقبض بين، إلا ~~أن جسمه غليظ خشبي عسير الانهضام. وفي هذه الثمرة شئ شبيه بما في ثمر ~~القراسيا، وذلك أنها ما دامت غضة طرية، فهي بإطلاق البطن أحرى، وبإضرارها ~~بالمعدة أشد. فإذا جفت ويبست، قل ضررها بالمعدة وحبست البطن وأدرت البول، ~~لان في رطوبتها حدة يسيرة تزول بزوال (1) الرطوبة، ويبقى جوهرها الأرضي ~~الذي من شأنه التجفيف. وما ري منه بعصير العنب، كان الجلاء فيه للبطن أقل، ~~وإدراره للبول أكثر. وأعظم بليته أنه لا يسرع الانحدار والخروج عن المعدة، ~~وقول لجالينوس قال فيه: وددت أن الخروب لا يحمل إلينا من بلد الشام، لان ~~بليته عندنا أعظم منها هناك، لأنه هناك ما دام طريا رطبا، فهو مطلق للبطن. ~~فإذا يبس تحللت رطوبته وزالت حدته وبقي جوهره الأرضي القابض المجفف. # قال إسحاق: أراد بذلك أنه إذا ms327 كان في بلد الشام وكان طريا رطبا مطلقا ~~للبطن وكانت (2) بليته أقل، فإذا جف وصار يابسا للطبيعة، جلب إلينا وقد ~~صارت بليته أعظم. # PageV00P337 # في خروب الينبوت أما الينبوت (1) فبارد في الدرجة الأولى، يابس في الدرجة ~~الثانية يدر الطمث ويخرج الأجنة وينفع من اليرقان ويقتل الهوام والبق. وإذا ~~طبخ ورش بمائه البيت، قتل البراغيث. # في البلوط والشاهبلوط المعروف بالقسطل أما البلوط فبارد في الدرجة ~~الأولى، يابس في الثانية. ولذلك صار غليظا بطئ الانهضام، حابسا للبطن مدرا ~~(2) للبول. إلا أنه يغذو غذاء كثيرا يقارب غذاء كثير من الحبوب، غير أنه ~~ثقيل بعيد الانحدار عن المعدة، مولد للصداع بحقنه البخار في المعدة. ~~والغشاء المستبطن (3) بقشر الثمرة المعروف بجفت البلوط أشد قبضا من البلوط. ~~ولذلك صار نافعا من نفث الدم والنزف العارض للنساء، وحابسا للبطن. # والماء الذي يطبخ فيه جفت البلوط، والذي يطبخ فيه البلوط نفسه، نافع من ~~قرحة الأمعاء ومن ذوات السموم من الهوام. وقد يعمل من البلوط فزرجة يحتملها ~~النساء لسيلان الرطوبات المزمنة. وذكر ديسقوريدوس وجالينوس: أن من البلوط ~~نوعين آخرين يسمى أحدهما: فرتلس (4) والآخر: قيفس (5)، فعلهما ومنافعهما ~~كفعل البلوط ومنافعه. والمعروف منها بفرتلس إذا قشر أصل شجره وطبخ بالماء ~~جيدا حتى يلين ويحمل على الشعر، الليل كله، بعد أن يغسل الشعر بطين قيموليا ~~(6)، صبغ الشعر وصيره أسود. # وأما الشاهبلوط فحار في وسط الدرجة الأولى يابس في الثانية. ويستدل على ~~حرارته من عذوبته، ويستدل على ضعف حرارته من عذوبته، ويستدل على ضعف حرارته ~~بقوة يبسه وعفوصته. # ولذلك صار ألطف وأفضل. ومن قبل ذلك صار بإضافته إلى غيره من أصناف ~~البلوط، أسرع انهضاما وأكثر غذاء وأقل ضررا بأصحاب السعال وأقل حبسا للبطن ~~وأضعف في إدرار البول. والدم المتولد عنه أيضا فليس بدون الدم من ثمر ~~الأشجار البرية. ولا ينال البدن من غذاء ثمر الأشجار البرية ما ينال منه، ~~إلا أن الاكثار منه يولد نفخا في الجوف وصداعا في الرأس. ذلك لبعد انهضامه ~~وحقنه للبخار في # PageV00P338 # المعدة. فإن أراد مريد دفع ضرره ومعونته على ms328 حبس البطن من غير إضرار، ~~فيحمصه ليحلل جسمه ويخفف مونته على المعدة. ومن أراده لتليين الصدر وإدرار ~~البول، فينقعه في ماء حار أو يطينه رطب مبلول، ليكتسب من الماء رطوبة يلين ~~بها جسمه ويعتدل مزاجه ويولد خلطا محمودا ويغذو غذاء حسنا. # فإن كان المستعمل له محرورا فيتخذه بالسكر الطبرزد. وإن كان بلغمانيا ~~فيستعمل بعسل النحل منزوع الرغوة. # وله على سبيل الدواء أفعال محمودة لأنه يقطع الغثيان والقئ وينفع المعاء ~~الصائم. وإذا أكثر منه أخرج الدود وحب القرع من الجوف وإذا سحق وخلط بشئ من ~~ملح وبصل وعجن بعسل وحمل على عضة الكلب وعضة الانسان، نفع من ذلك. وإذا عجن ~~بطلاء وعمل منه فررجة واحتملتها المرأة، قطع الطمث. وإذا ضمد به الثديان ~~الوارمان (1) مع دقيق الشعير، قواهما وحلل أورامهما. وإذا عجن بعسل وشراب ~~وحمل على الوثى (2)، قوى المواضع وسكن الوجع. وإذا قشر الشاهبلوط فإنه إذا ~~أحرق وسحق وعجن بطلاء وحمل على رؤوس الصبيان، حسن شعورهم وأنبتها ونفع من ~~داء الثعلب. وقشره الرقيق الذي يكون فيما بين القشر الغليظ وبين جسم ~~الشاهبلوط أشد قبضا من الشاهبلوط. ولذلك يفعل جميع ما يفعله الشاهبلوط. ~~وزعم ديسقوريدوس: أن الشاهبلوط نافع من الدواء القتال المعروف بأفيماري ~~(3). # PageV00P339 # القول في الزيتون أما الزيتون فينقسم قسمة أولية على ضربين: لان منه ~~البستاني، ومنه البري. والبستاني ينقسم ثلاثة أقسام لأنه له قوة في تولده ~~ثلاث مراتب: أحدها: مرتبته إذا كان أخضر (1) عفصا لم يكمل نضجه بعد ولم يتم ~~انعقاده ودهنيته. والثانية: مرتبته إذا صار أسود كامل النضج قد تم انعقاد ~~رطوبته وصارت كلها زيتا ودسما. والثالثة: مرتبته الأسود الكامل النضج وهو ~~المعروف عند ديسقوريدوس بالياقوتي. وأما الغض الأخضر الذي لم يكمل نضجه بعد ~~ولم يتم انعقاده ودهنيته، فإنه يكون على ضربين: أحدهما: # يعرف بزيتون الماء على الحقيقة، لأنه لا يعقد زيتا ولا دهنا. وإن عقد كان ~~ما ينعقد منه يسيرا (2) لا يمكن استخراجه منه لرقة رطوبته وضعف انعقادها ~~وقلة دسمها ودهنيتها مثل الزيتون الأبيض المصري. # والآخر يسمى زيتون الماء على ms329 المجاز، لأنه منه ما يستخرج زيت الماء ~~والزيت الانفاق. وأما زيتون الماء على الحقيقة، فإن الأرضية غالبة عليه. ~~ويدل على ذلك زيادة قبضه وعدمه الدهنية والدسم. وما كان كذلك كان انحرافه ~~عن الحرارة والرطوبة إلى البرودة واليبوسة بحسب ما فيه من القبض. ولذلك صار ~~أكثر أنواع الزيتون تقوية للمعدة وحبسا للبطن وأقلها غذاء وأبعدها انهضاما. ~~والسبب في بعد انهضامه ضعف حرارته وكثافة جسمه وصلابته. وقد يربى بالماء ~~والملح أو بالملح والخل ويستعمل. فما ربي منه بالماء والملح، أفاده ذلك ~~حرافة وجفافا وصار محرقا للدم مضرا (3) بعصب المعدة بطئ الانهضام لقحله ~~وغلظه، إلا أنه سريع الانحدار لتلذيعه. وما ربي منه بالخل، أفاده ذلك لطافة ~~وبرودة وصار نافعا لحدة الصفراء ومنبها للشهوة قليل اللبث في المعدة لان ~~الخل يقطع غلظه ويسهل انحداره وبخاصة إذا أكل في وسط الطعام لان اختلاطه مع ~~الطعام مما يفرق أجزاءه ويمكن الطبخ من جملته. # وأما الزيتون الغض الأخضر الكائن من زيتون الزيت فمشاكل لزيتون الماء في ~~قوته وطبيعته وفعله # PageV00P340 # وانفعاله، غير أنه أكثر منه غذاء وأسرع انهضاما وأقل تقوية للمعدة لما ~~فيه من الدهنية والزيتية، وإن كان أقل أنواع زيتون الزيت دسما وأكثرها قبضا ~~وأميلها إلى البرودة واليبوسة. ولذلك صار بإضافته إلى زيتون الماء على ~~الحقيقة، أكثر غذاء وأسرع انهضاما وأقل تقوية للمعدة وأميل إلى الحرارة ~~قليلا، لأنه أكثر منه زيتا ودسما وأقل قبضا. وبإضافته إلى سائر أنواع زيتون ~~الزيت، أقل غذاء وأبعد انحدارا وأكثر تقوية للمعدة وأميل إلى البرودة، لأنه ~~أقلها زيتا ودسما وأكثر قبضا. وقد يربى أيضا بالماء والملح أو بالملح ~~والخل، فيكون حكمه حكم زيتون الماء على الحقيقة إذا ربي كذلك، إلا أنه ألطف ~~وأسرع انحدارا لأنه لفضل دهنيته، صار أسلس وأخف على المعدة، وإن كان أقل ~~منه تقوية لها. # * * * القول في الزيتون الأسود النضيج أما الزيتون الأسود الكامل النضج، ~~فهو حار باعتدال. وزعم ديسقوريدوس: أن فيه يسيرا (1) من يبس. وأما جالينوس ~~فوصفه بالترطيب. وليس ببعيد أن يكون كذلك لما فيه من الدهنية والعذوبة ms330 وقلة ~~الحرافة. ولذلك صار غذاؤه كثيرا غليظا لزجا مرخيا للمعدة بعيد الانهضام ~~سريع الانحدار. والسبب في بعد انهضامه أن الدهنية تعومه وتمنعه (2) من ~~الهبوط إلى موضع الطبخ من المعدة. والسبب في سرعة انحداره: أنه يزلق المعدة ~~وينحدر منها قبل تمام هضمه. ولذلك بعد انهضامه وقرب من الاستحالة إلى ~~المرار، وصار بإضافته إلى الزيتون الأخضر الغض مذموما لان الخلط المتولد ~~عنه كريه الطباع وبخاصة إذا ربي بالملح لان (3) الملح زائد في حره وإفساده ~~الدم وسرعة انحداره عن المعدة بتلذيعه لها. وما عظم من هذا الجنس من ~~الزيتون كان أعظم ضررا مما صغر منه، لان الجوهر الدهني فيما عظم منه أكثر، ~~ولذلك صار إذا أكل مع المري أحدث من الانطلاق ما يدعو إلى العلة المعروفة ~~بالهيضة (4) إلى زلق الأمعاء إذا أحدثها كان ما يأتي معها من التهوع أطول ~~وأدوق. وما يعرض من الاسهال يأتي رويدا رويدا في مرات كثيرة لان الدهنية ~~تعومه وترقيه صعدا وتخرجه بالقئ أكثر. # وأما الزيتون الأحمر المعروف عند ديسقوريدوس بالياقوتي فإن قوته أقرب من ~~قوة الزيتون الأسود الكامل النضج، وغذاؤه قريب من غذائه، إلا أنه أقل رداءة ~~منه لأنه أقل دسما وأكثر قبضا. ولذلك صار فيه بعض التقوية للمعدة. وأما ~~الكيموس المتولد من كل واحد منهما، فإنه مشاكل لما يتولد منه في لونه، أعني ~~أن المتولد عن الزيتون الأحمر أشقر. وقال جالينوس: على لون صفرة البيض ~~المشبعة المائلة إلى الشقرة. وقول لجالينوس آخر قال فيهما: إن الزيتون ~~الحديث الذي يقرب إلى الحمرة يعقل # PageV00P341 # البطن ويشد المعدة. والأسود النضيج سريع الاستحالة إلى الفساد، مرخ ~~للمعدة، ملين للبطن. وله قول آخر، قال في غذاء الزيتون: وأما غذاء الزيتون ~~فليس قوة التلطيف ظاهرة فيه لا محالة. ولذلك صار كأنه متوسط (1) بين ما ~~يلطف وما لا يلطف. ولهذه الجهة لم أقدر على حمده في هذا الباب ولا على ذمه ~~فيه. # ومن فعل الزيتون على سبيل الدواء أنه إذا سحق وحمل على حرق النار أو على ~~حرق الماء الحار، منعه من التنفط (2). وإذا ms331 حمل على الرأس، نقى الأبرية ~~ونفع من القروح الخبيثة. وأما مح الزيتون الموجود في جوف نواه، فإنه إذا ~~ديف بشحم ودقيق وعمل منه ضماد، قلع البياض العارض للأظفار. # * * * في ورق الزيتون وزهره وأغصانه الرطبة وأما ورق الزيتون وزهره ~~وأغصانه الرطبة، فإن فيها من القبض ما ليس في ثمر الزيتون. ولذلك صار ~~انحرافها عن الحرارة إلى البرودة بحسب ما فيها من القبض. فإن كانت الحرارة ~~غير مفارقة لها، لما فيها من المرارة (3). وإذا أحرق ورق الزيتون وزهره على ~~ما أنا واصفه، واستعمل في علاج العين عوضا من التوتياء، لم تكن منفعته ~~للعين بدون منفعة التوتياء. وهذه صفة إحراقه: يؤخذ من الورق والزهر مقدار ~~الحاجة ويصير في قدر من طين ويطبق على فم القدر غطاء، ويطين الوصل بطين ~~الحكمة، ويصير في أتون حتى تستوي كلها في الأتون ويصير خزفا ثم يستعمل. # وقوة ورق الزيتون البري وزهره كقوة ورق الزيتون البستاني وزهره، إلا أن ~~قوة ورق الزيتون البري وزهره أشد وأقوى فعلا وأقل مواقعة للعين لأنه أخشن ~~وأثقل على العين. وقوة ورق الزيتون البستاني وزهره أضعف وأسهل فعلا وأكثر ~~موافقة للعين، لأنه ألين وأسلس وأخف على العين. وأما الرطوبة السائلة من ~~خشب الزيتون الرطب إذا ألهب بالنار، فإنها إذا حملت على القوابي، قلعتها. ~~وإذا حملت على الرأس، نقت الأبرية ونفعت من الجرب العارض فيه. # * * * في صمغ الزيتون أما صمغ الزيتون فيكون على ضربين: لان منه ما يكون ~~من قطرات صغار لذاعة اللسان، ومنه ما يكون من قطرات عظام شبيهة بالصمغ ~~الأملس، غير لذاعة للسان. وهذا النوع منه ردئ لا ينتفع به. # PageV00P342 # والأول منهما: اللذاع للسان أحمد وأفضل. ومن منافعه: أنه مدر للبور ~~والطمث، مخرج للأجنة. وإذا اكتحل به، نفع من الغشاوة العارضة للعين ونقى ~~وسخ القروح المتولدة في الحجاب القرني (1). وإذا وضع على الأسنان المأكولة ~~(2)، سكن وجعها. وإذا حمل على الجرب المتقرح وعلى القوابي، نقاها وقلعها. # * * * في الزيتون البري وأما الزيتون البري فإن ورقه وزهره وأغصانه ~~الرطبة أشد قبضا مما كان من الزيتون ms332 البستاني، لان شجره في طبيعته أشد ~~حرارة وجفافا لغلبة اليبس على هوائه بالطبع. ومن منافعه على سبيل الدواء، ~~أن ورقه إذا مضغ، قوى اللثة ونفع من القلاع والبثور العارضة في الفم. وإذا ~~دق وعمل منه ضماد، منع النملة من أن تسعى في البدن ونفع من القروح والأبرية ~~الخبيثة. وقال ديسقوريدوس: وينفع من الداحس والشرى والحمرة العارضة من الدم ~~الغليظ. وإذا عجن، نقى القروح الوسخة وقلع ما عليها من الخشكريشة. وإذا خلط ~~مع دقيق الشعير وعمل منه ضماد، نفع من الاسهال العارض من زلق الأمعاء. # وعصارته وطبيخه يفعلان مثل ذلك في جميع ما ذكرنا. وإذا تحملت المرأة ~~عصارته، قطع نزف الدم ومنع سيلان الرطوبات إلى الأرحام. وإذا قطرت عصارته ~~في الآذان المتقيحة، نقتها من المدة وأبرأت القروح العارضة فيها. وإذا حملت ~~هذه العصارة على العين التي فيها نتو (3)، ردت نتوها وقطعت سيلان الرطوبات ~~المزمنة عنها. ولهذا السبب أدخلتها الأوائل في أخلاط الشيافات النافعة من ~~السيلان والاحتراق العارضين للأجفان. واستخراج هذه الرطوبة بأن يؤخذ ورق ~~الزيتون البري الطري فيدق ويرش عليه في وقت دقه شراب أو ماء ويعصر ويجفف ~~ويخزن ويستعمل. وما استخرج من هذه العصارة بالشراب، كان أفضل مما يستخرج ~~منها بالماء وأصلح للخزن. وإذا أحرق الورق والزهر من هذا النبات على ما ~~وصفنا من إحراق الزيتون البستاني وزهره، كان فعله في العين أقوى من فعل ~~رماد ورق الزيتون البستاني وزهره، إلا أنه أضعف على العين لأنه أخشن وأكثر ~~تجفيفا. # * * * في صمغ الزيتون البري وأما صمغ الزيتون البري، فزعم ديسقوريدوس أن ~~فيه تشابها من السقمونيا في طبيعته، ومن # PageV00P343 # الياقوت الأحمر في لونه. وهو على ضربين: لان منه الصغير القطرات اللذاع ~~اللسان، ومنه العظيم القطرات الأملس غير اللذاع للسان، وهذا النوع منهما ~~ردئ لا ينتفع به. وأما الأول اللذاع فهو في جميع ما ذكرنا من فعل الزيتون ~~البستاني أقوى وأخص كثيرا وأظهر تأثيرا. والله أعلم. # القول في الزيت الزيت على الحقيقة هو المستخرج من الزيتون، وما سوى ذلك ~~مما يستخرج من غير ms333 الزيتون فإنما يقال له أدهان، وينسب كل واحد منها إلى ~~النبات الذي هو منه، كما اشتق للزيت اسم من الزيتون المستحق لاسم الزيت على ~~الحقيقة يكون على ضربين: لان منه الطري الحديث القريب العهد بالخروج من ~~الثمرة (1). وأما الطري منه القريب العهد بالخروج من الثمرة، فما كان منه ~~من زيتون غض أخضر لم يكمل نضجه ولم يدرك، وهو المعروف عند اليونانيين ~~بالزيت الانفاق، لان هذا الاسم يوناني على ما زعم ديسقوريدوس. وما كان منه ~~مغسولا مستخرجا بالماء الحار يسمى زيت الماء والزيت المغسول. وأفضل الزيت ~~ما كان ذكي الرائحة لذيذ الطعم سليما من اللذع والحرافة، ويكون قبضه ظاهرا ~~بينا لان بحسب ما فيه من القبض مقداره من البرودة واليبوسة. وما كان له ~~مقدار من القبض كان أفضل للمعدة لتقويته لها. ولذلك أقامت الأوائل هذا ~~النوع من الزيت مقام دهن الورد في علل الاسهال. # وإذا تمضمض به ومسك في اللثة، قوى الأسنان. وقد يستعمل كثيرا في أدهان ~~الطيب. # وما كان من الزيت الحديث الطري مستخرجا من زيتون أسود قد أدرك واستحكم ~~نضجه، فإنه رطب ويسخن إسخانا معتدلا ويرخي المعدة ويطلق البطن وينقلب إلى ~~المرار الأشقر بسرعة. فإن خلط مع هذا النوع من الزيتون أعقابه الرطبة ~~الطرية ودقوها معه وعصروا ماءها، كان الزيت المستخرج منها قريبا من الزيت ~~الانفاق بهذا الفعل فقط دون أن يمتحن منه ثانية ويداف وينظر. فإن كان فيه ~~مقدار من القبض علمنا أن فيه من البرودة واليبوسة بحسب ما فيه من القبض. ~~فإن وجدنا العذوبة غالبة عليه من غير قبض أصلا، علمنا أنه بعد حار باعتدال. ~~وإن وجدنا الحرافة فيه ظاهرة، علمنا أن فيه من الحرارة واليبوسة مقدار ما ~~فيه من الحرافة. وإن وجدنا فيه لطافة هوائية، علمنا أنه فائق قد لزمته ~~فضيلة الزيت المحمود الواجبة له، وعلامة لطافته (2) أن يكون صافيا نقيا جيد ~~المستنشق. وإذا أخذ منه اليسير وحمل على موضع من البدن، امتد على الموضع ~~وانبسط من غير أن ينقطع وينشفه الجلد ويبتلعه بسرعة. # وأما الزيت ms334 العتيق البعيد العهد بالخروج من الثمر، فإنه متى كان من زيت ~~إنفاق أو زيت الماء، فما دام قبضه قائما فيه ولازما له، فقوته مجففة حتى ~~إذا زال عنه القبض، صار حكمه حكم الزيت الحلو # PageV00P344 # المستخرج من الزيتون الأسود النضيج في إسخانه وتحليله، وخرج من حد ما ~~يغتذى به ودخل في حد الدواء. ومن منافع الزيت العتيق على سبيل الدواء أنه ~~إذا اكتحل به، أحد البصر. فمن لم يحضره زيت عتيق واحتاج إلى ما يقوم مقامه ~~من الزيت، فليأخذ من أجود زيت يقدر عليه ويصيره في إناء ويطبخه حتى يصير ~~على مثال العسل. فإنه إذا صار كذلك صارت قوته قوة الزيت العتيق. ومن أراد ~~أن يبيض الزيت، فليأخذ مائة رطل من زيت حديث مائل إلى البياض لم يمض عليه ~~أكثر من حول (1) وأحد وأقل من ذلك، ويصيره (2) في إناء خزف جديد واسع الفم ~~ويجعله في الشمس ويضربه بيده ضربا جيدا ويرفع ضربه إلى أعلى الزيت لتقوى ~~حركته وتشتد حميته ويعله (3) ويرغو. فإذا كان في اليوم الثاني (4)، فيأخذ ~~من الحلبة المنقاة ثلاثة وخمسين درهما وينقعها في ماء حار يلين. فإن لانت ~~يلقها على الزيت قبل أن يفنى ماؤها، ويلق فيه مع ذلك من أدسم ما يكون من ~~خشب التنوب (5) المقطع قطعا صغارا مثل ورق الحلبة، وزعم ديسقوريدوس عن هذا ~~الخشب أنه ضرب من الصنوبر، ثم يضرب الزيت في كل يوم نصف النهار ضربا جيدا ~~ويديم ذلك سبعة أيام. وإذا رأيته في اليوم الثامن قد استحكم نضجه واستفاد ~~بياضا وراق وصفا، فاغرفه بصدفة رويدا رويدا وصيره في إناء جديد قد غسل، ~~وفرش فيه من إكليل الملك والسوسن الاسمانجوني (6) من كل واحد اثني عشر ~~أوقية - وفى نسخة أخرى اثني عشر درهما - ويشد رأسه ويرفع، وإن لم يستحكم ~~نضجه ويستفيد بياضا في هذه المدة، فدعه في الشمس وأدمن ضربه حتى يستحكم ~~نضجه ويصدق بياضه. # ولديسقوريدوس فيه قول قال فيه: إن جميع أنواع الزيت مسخنة ملينة للبشرة، ~~باسطة (7) الأعضاء للحركة، مانعة للعرق من الخروج من مسام ms335 البدن إذا مسح ~~بها الجلد، دافعة للبرد من الوصول إلى الأبدان بسرعة، مضعفة لقوة الأدوية ~~القتالة بلزوجتها، ومعينة على تليين البطن. وإذا شرب من الزيت تسع أواق مع ~~مثله ماء الشعير أو ماء حار، أسهل البطن. وإذا طبخ بشراب وشرب منه تسع أواق ~~وهو حار، نفع من المغص العارض من الفضول الغليظة وأخرج الدود وحب القرع من ~~البطن. وإذا احتقن به، نفع من القولنج العارض من (8) ورم المعاء من السدة ~~المتولدة عن الرجيع اليابس. # * * * # PageV00P345 # في عكر الزيت وأما عكر الزيت فيكون على ضربين: لان منه الحديث، ومنه ~~العتيق المتقادم. والعتيق أسخن وأقوى فعلا وأفضل للعلاج وأحمد لأنه أشد ~~عفوصة. وإذا طبخ العتيق في إناء من نحاس قبرسي حتى يصير بمنزلة العسل، صار ~~قابضا وصلح لما يصلح له الحضض ويفعل عليه (1) بأنه إذا طبخ بشراب أو بشراب ~~العسل وحمل على الأسنان الوجعة، يسكن وجعها. وإذا طبخ بماء الحصرم إلى أن ~~يصير كالعسل وحمل على الأسنان المأكولة، قلعها وسهل قلعها إن كانت معيبة. ~~وإذا خلط في العين المبقية، قوى فعلها وزاد في تأثيرها. وإذا عمل منه ضماد، ~~نفع المقعدة المتقرحة والرحم المنفرج والفرج الكذلك، أعني بالفرج فم الرحم. ~~وإذا خلط بخاماميلن (2) أي البابونج وعجن بماء الترمس ولطخ به المواشي، قلع ~~جربها بإذن الله عز وجل. # تم الجزء الثاني من كتاب الأغذية # PageV00P346 # كتاب الأغذية والأدوية تأليف إسحاق بن سليمان المعروف بالإسرائيلي ~~المتوفى سنة 320 ه الجزء الثالث مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر PageV00P347 # .. PageV00P348 # القول في البطيخ أما القول في البطيخ فينقسم قسمة جنسية على أربعة ضروب: ~~لان منه البطيخ الريفي وهو المعروف عند العامة بالبطيخ على الحقيقة. ومنه ~~البطيخ الفلسطيني المعروف بالماهوني. ومنه البطيخ الرمسي اللطيف المليون ~~(1) المطرق المعروف بالدستنبويه، والعامة يظنون أنه نوع من اللفاح (2). # فأما الريفي فيكون على ضربين: لان منه المستطيل المعروف عند الأوائل ~~بسيلانا، ومنه المستدير المعروف عند الأوائل بقلمونيا. والنوعان جميعا ~~باردان رطبان إلا أن رطوبتهما أزيد من برودتهما في وسط الدرجة الثانية، ~~ورطوبتهما في آخرهما. والفرق بين النوعين ms336 أن رطوبة المستدير أغلظ وأكثر، ~~لزوجة، ولذلك طفت وعامت وتحركت عرضا وصار البطيخ مستديرا. # ورطوبة المستطيل أرق وأقرب إلى المائية، ولذلك سالت وهبطت وتحركت سفلا، ~~وطار البطيخ مستطيلا. وقد يستدل على ذلك من عذوبة المستدير وتفاهة ~~المستطيل، لان العذوبة دالة على الغلظ واللزوجة، والتفاهة دالة على المائية ~~والرقة. ولذلك صار المستطيل أقل غائلة وأبعد من الجلي والتنقية، والمستدير ~~أكثر غائلة وأقوى على الجلي والتنقية وأدر للبول وأخص بغسل الكلى والمثانة ~~وتنقية الرمل والحصى اللطيف المتولد فيهما، ذلك لزيادة عذوبته وقوة جلائه. ~~وقد يستدل على جلي البطيخ في الجملة من تنقيته لسطح البدن إذا اغتسل به. ~~وقد يعمهما أيضا سرعة الاستحالة إلى الفساد والانتقال إلى ما صادفا في ~~المعدة من المرة أو من البلغم كاستحالة السمك واللبن إلى مثل ذلك للطافتهما ~~وخفة حركتهما وسرعة انقيادهما للانفعال. ولذلك صار البطيخ الريفي في الجملة ~~مضرا بالمعدة مرخيا لعصبها مفسدا لما يخالطه فيها من طعام أو غيره، وبخاصة ~~إذا كان ما يخالطه رطبا أو حلوا. ومن خاصته أنه يزلق الغذاء ويحدره قبل ~~تمام هضمه ويحدث في المعاء رياحا نافخة وقراقر (1) ويهيج الاسهال المعروف ~~بالهيضة. فإن لم يتبعه صاحبه بما # PageV00P349 # يسخن ويلطف ويقطع وينقي رطوبات المعدة، هيج القئ والغثي، ولذلك صار ~~الأفضل ألا يؤكل إلا على خلاء المعدة من الطعام ونقائها من الفضول ولا ~~يتناول بعده شئ من الطعام إلى أن يتم هضمه وينحدر عن المعدة بكماله. فإنه ~~متى فعل به ذلك وانهضم حسنا، جاد استمراؤه ولم يكن الخلط المتولد عنه ~~بالردئ، وإن كان في طبيعته بلغمانيا رطبا. وإن لم يكمل هضمه ولد خلطا باردا ~~مذموما سميا وهيج أنواع الحميات الصعبة وبخاصة فيمن كان مزاجه ممرورا ~~بالطبع أو محرورا بالعرض. وذلك لسرعة استحالته وانتقاله إلى المرار بالطبع. ~~ومما يعين على هضمه يدفع ضرره عمن كان محرورا أن يتناول بعده سكنجبينا ~~سكريا أو رازيانج ومصطكى. ومن كان بلغمانيا فيأخذ بعده سكنجبينا عسليا أو ~~زنجبيلا (1) مربى أو زنجبيلا يابسا (2)، وزن مثقال مع كندر أو بعض ~~الجوارشنات المجففة ms337 مثل الكموني وما شاكله، ويشرب بعقب ذلك شرابا صرفا. # وأما بزر البطيخ وأصله فهما أقل برودة ورطوبة من لحم البطيخ وشحمه. وإذا ~~جففا زالت عنهما رطوبتهما جملة، وصارا يابسين في آخر الدرجة الأولى. ومن ~~قبل ذلك صار أكثر تنقية وجلاء من لحم البطيخ كثيرا، وصار فعل بزر البطيخ في ~~درور البول وتنقية الكلى والمثانة من الرمل والحصى اللطيف العارض فيهما ~~أقوى من فعل البطيخ نفسه. غير أن فعله فيما يتولد في الكلى أقرب وأبلغ ~~تأثيرا من قبل أن الكلى لحمية وما يتولد فيهما من الرمل ألين وأسرع قبولا ~~لفعل الأشياء اللطيفة الضعيفة الفعل. والمثانة فليست كذلك لأنها عصبية صلبة ~~وما يتولد فيها من الرمل والحصى فحجري صلب. ولذلك صار لا يكاد أن يفعل ~~فيهما إلا ما كان فعله من الأدوية قويا سريع التأثير. # وفى قشر البطيخ يبس به صار صالحا لجلي الآنية. # وإذا استعمل عوض الأشنان (1) نقى الزهومة وذهب برائحة الفم. وزعم ~~ديسقويدوس أنه قد يؤخذ بزر البطيخ فيقشر ويدق ويعجن بشحم البطيخ وشئ من ~~دقيق الحنطة ويقرص ويجفف في الظل ويستعمل في اللطوخات والغسولات التي تجلو ~~أوساخ الوجه وتنقي سطح البدن. فأما أصل البطيخ فإنه إذا جفف وسحق وشرب منه ~~وزن درخمين بشراب العسل أو بسكنجبين، هيج القئ. وإذا عمل منه ضماد بعسل، ~~نفع من القروح المعروفة بالشهدية، فأما قشر البطيخ الطري فإنه إذا تدلك به ~~في الحمام، نقى البشرة ونفع من الحصف (1). وإذا طبخ البطيخ الفلسطيني ~~المعروف بالدلاع فهو أقل أنواع البطيخ رطوبة وأكثرها برودة. ولذلك صار أغلظ ~~وأبطأ استحالة وأبعد من الانقلاب إلى الفساد. ومن قبل ذلك صار موافقا لمن ~~كان في معدته حرارة أو كان محموما لأنه بغلظه وبعد إنضاجه، يقاوم حرارة ~~الحمى ويقمع حدتها # PageV00P350 # ويسكن لهيبها وأما البطيخ الكائن بمرو المعروف بالماموني، فله حمرة في ~~لونه وحلاوة غالبة على طعمه. ولذلك صار مفسدا للثة مغيرا لرائحتها لكثرة ~~حلاوته. وإن قال قائل أنه حار، لم يخطئ. وأما البطيخ الرمسي المعروف ~~بالدستنبويه فهو في طبيعته ومزاجه متوسط ms338 (1) بين طبيعة البطيخ الريفي وأقل ~~رطوبة وأرق من الدلاع وأزيد رطوبة. ومن قبل ذلك صار الكيموس المتولد عنه ~~ليس ومن خاصته أن رائحته مسكنة للحرارة جالبة للنوم. ولذلك ظنت العامة أنه ~~نوع من اللفاح. ولما كانت العامة قد ظنت به هذا أظن، رأينا أن نضيف إلى ~~ذكره ذكر اللفاح ونلحقه به. # PageV00P351 # القول في اللفاح أما شجرة اللفاح فتعرف باليبروج. وهي شجرة منتشرة على ~~الأرض من قبل أن ليس لها ساق يرفعها صعدا. وهي على ضربين: لان منها ما يعرف ~~بالذكر، ومنها ما يعرف بالأنثى. وإنما سمي الذكر منها ذكرا لان أصله واحد ~~مفرد أبيض الظاهر والباطن وورقه عريض أملس شبيه بورق السلق وليانته، ولفاحه ~~أكبر لان مقداره ضعف مقدار لفاح الأنثى ولونه زعفراني ورائحته طيبة، إلا أن ~~طعمه بشع كريه غير لذيذ. وأما الأنثى فإن لها أصلين أو ثلاثة يتصل بعضها ~~ببعض، ويلتف بعضها على بعض، وظاهرها يلي السواد وباطنها أبيض وورقها يسمى ~~الخس لأنه شبيه بورق الخس إلا أنه أصغر وأرق قليلا ورائحته زهمة كريهة، ~~وثمرته شبيهة بالغبيراء، وفى جوفها حب شبيه بحب الكمثرى، فإذا أكلته ~~الرعاة، عرض لهم منه سبات يسير يدل على أن البرودة القوية على هذا النبات ~~أغلب، كأن برودته في الدرجة الثالثة إلا أن فيه مع البرودة رطوبة يسيرة. ~~ومن خاصته أنه إذا أكل أو اشتم، عرض لصاحبه منه سبات وكذلك يعرض من عصارته. ~~فإن أكثر منه أو من عصارته، أحدث العلة المعروفة بالسكتة. # وأما حبه الموجود في جوف لفاحه فإنه إذا شرب، نقى الأرحام. وإذا خلط ~~بكبريت لم تمسه النار واحتملته المرأة، قطع نزف الدم عنها. وقد يتخذ من ~~اللفاح شراب ينتفع به في دفع السهر (1)، وتسكين الآلام، وإبطال حس من احتاج ~~أن يكوى بالنار أو يقطع منه عضو من أعضائه حتى لا يحس بالألم ولا يشعر بما ~~يفعل به. واستخراج عصارة هذا اللفاح يكون بأن يدق ويعصر ويصير ما يخرج من ~~عصارته في الشمس حتى يثخن ويصير في إناء من غفار (2) ويخزن، وقال ms339 ~~ديسقيريدس: في إناء من خزف. # وأما لحاء أصل شجرة اللفاح فقوي البرد والتجفيف جدا، والأصل المستبطن ~~للحاء أضعف فعلا من # PageV00P352 # اللحاء. # وقد يستخرج من اللحاء إذا كان رطبا عصارة. كما تستخرج من ثمرة اللفاح ~~فيكون فعلها كما وصفنا من فعل عصارة الثمرة وأقوى كثيرا. ومن خاصة هذا ~~الدواء، أن من شرب منه مقدار ستة قراريط (1)، قيأه بلغما ومرارا وفعل فيه ~~فعل الخربق إذا شرب، فإن أكثر منه قتل. وقد يدخل في هذا الدواء في الفرزجات ~~(2) الملينة للبطن. وإذا عمل منه وحده فتيلة واستعملت من أسفل، جلبت النوم. # وإذا تحملت المرأة منه مقدار قيراط (3) ونصف، أدر الطمث وأخرج الأجنة. ~~وقد يؤخذ لحاء أصل هذا النبات ويشد في خيط ويجفف في الظل، ويستعمل عند ~~الحاجة إليه. # ومن الناس من يأخذ أصل هذه الشجرة فيطبخه بشراب حتى يذهب منه الثلث ويصفى ~~ويرفع ويستعمل عند الحاجة إليه، فينفع من السهر ويسكن الآلام ويخدر حس من ~~كان محتاجا إلى أن يكوى بالنار حتى لا يحس بالألم. وإذا أخذ أصل هذه الشجرة ~~مدقوقا وعجن بعسل أو بزيت، نفع من لسع الهوام. # وإذا خلط بسويق وعجن بماء، سكن أوجاع المفاصل. وزعم ديسقوريدوس أنه إذا ~~عجن بماء وعمل منه ضماد، حلل الخنازير (4). # قال واضع هذا الكتاب: وأما أنا، فلم أقف على السبب الذي له صار أصل ~~اليبروج يفعل هذا الفعل، وهو على ما هو عليه من البرودة وإخدار الحس. وقد ~~يستخرج من هذا الأصل دمعه، فيفعل قريبا من فعل هذه العصارة، إلا أن فعل هذه ~~العصارة أقوى والوجه في استخراج هذه الدمعة أن تثقب في أصل هذه الشجرة ثقبا ~~واسعا مستديرا، كأنه قور تقويرا، ثم جمع ما يسيل منه من الرطوبة ويصير في ~~الشمس حتى يثخن. # وأما ورق هذه الشجرة فإنه إذا أخذ طريا ودق وخلط بسويق وعجن بماء وعمل ~~منه ضماد (5)، نفع من الأورام الحارة العارضة للعين. وقد يجفف هذا الورق ~~ويدق ويستعمل كما يستعمل الطري، إلا أن فعله يكون أضعف. ورأيت قوما من ~~الصيادلة يسمون أصل ms340 هذه الشجرة اللعبة (6) ويستعملونه في تسمين النساء، ~~لأنهم كانوا يأخذونه ويطبخونه بالماء طبخا جيدا ويصفونه ويسلقونه في خابية ~~الحنطة، ويعلفون تلك الحنطة الدجاجة حتى تصير في غاية من الشحم ثم يطعمون ~~الدجاج للنساء المهازيل، فيكسبن (7) # PageV00P353 # بذلك شحما يجاوز مقدار الوصف، ورأيت كثيرا ممن كان يستعمل هذا، يعرض له ~~تلهب شديد وشرى (1) حتى أني كثيرا ما (2) كنت أرى جلودهم تتفطر. # وزعم ديسقيريدس عن قوم كانوا يقولون أن من اليبروح نوعا ثالثا ينبت في ~~المغائر والمواضع الظليلة ويذكرون أن له ورقا يشبه ورق اليبروح المعروف ~~بالذكر، إلا أنه أصغر قليلا وورقه قليل الخضرة نابت حول الأصل، لان ليس له ~~ساق مرتفعة من الأرض، وأصله أبيض طوله في الأرض أكثر من شبر، وغلظه كغلظ ~~الابهام. وكانوا يزعمون أن أصل هذا النبات إذا أكل بالخبز أو بالسويق أو ~~ببعض الطبائخ، أحدث سباتا من غير أن تتغير حال المرء التي كان عليها قبل أن ~~يشربه، ولا يحدث إلا بطلان الحس فقط. # ويقيم بتلك الحال ثلاث ساعات أو أربع (3). # PageV00P354 # في القثاء أما أصل القثاء فيقتضي نوعين: أحدهما القثاء الريفي، والآخر ~~البري. فأما الريفي فبارد رطب في الدرجة الثانية وجرمه غليظ مكتنز بعيد ~~الانهضام بطئ الانحلال والانحدار عن المعدة مؤذ لها ومضر بعصبها لاتعابه ~~لها بغلظه، ومفجج لما يوافيه فيها من الغذاء بقوة برده وصلابة جرمه. ولهذه ~~الأسباب صار مقصرا عن منفعة الفواكه الموافقة للمعدة، وإن كان إضراره ~~بالمعدة دون إضرار البطيخ كثيرا، من قبل أن إضراره بالمعدة إنما هو لاتعابه ~~لها بغلظ جرمه واكتنازه وبعد انهضامه. وإضرار البطيخ بها لارخائه لعصبها ~~وإفساده لها بفضل رطوبته. ولذلك صار القثاء لا يهيج من القئ والغثي ولا ~~يولد من الرياح والنفخ والقراقر ما يولد البطيخ في درور البول وإطلاق البطن ~~وتوليد الدم المحمود لان الدم المتولد عن البطيخ ألطف وأقل غلظا وأقرب إلى ~~البلغم الغليظ الشبيه بالزجاجي. # وللفاضل أبقراط فيهما قول قال فيه: إن القثاء أغلظ من البطيخ وأثقل وأعسر ~~انهضاما وأبعد من درور البول وإطلاق البطن. والبطيخ أرق ms341 وأخف وأسرع انهضاما ~~وأدر للبول وأطلق للبطن من القثاء إلا أنه أكثر رياحا ونفخا وقراقر. وزعم ~~ديسقيريدس في القثاء أن رائحته تنفع من الغثي، وأن جوهره أبعد من الاستحالة ~~إلى الفساد وأنفع للمعدة ولأوجاع المتانة. قال إسحاق: وأحسب أن ديسقيريدس ~~إنما نسبه إلى ذلك بإضافته إلى البطيخ، وإلا فإتعابه للمعدة وإضراره بعصبها ~~أوضح من أن ينكتم أو يتستر. ويدل على ذلك طول لبث طعمه ورائحته في الحشاء، ~~وبعد انقطاعها منه. # أما حب القثاء فإنه إذا جفف صار يابسا في وسط الدرجة الأولى. وكان ذلك ~~زائدا في جلائه وغسله للكلى والمثانة ودرور البول. ولذلك صار إذا شرب مع ~~ألبان النساء، نفع من قروح المثانة ونقاها. وأما ورق القثاء فإنه إذا عمل ~~منه ضماد مع عقيد العنب المعروف بالميبختج، نفع من عضة الكلب الكلب. وإذا ~~اغتسل به، نفع من الشرى. وأما أصل القثاء فإنه إذا شرب منه وزن مثقال بماء ~~العسل، هيج القئ وقيأ مرة صفراء. ومن أراد أن يتقيأ به بعد الطعام، فليكتف ~~منه بوزن ستة قراريط. PageV00P355 # في القثاء البري المعروف بقثاء الحمار أما القثاء البري (1) فخارج عن ~~طبيعة ما يتغذى به أصلا، لأنه من طبيعة الأدوية الجبلية القوية ومن آياته ~~أنه يقطع الكيموسات ويجلو المعدة. وإذا شرب من عصارة أصله مقدار خمسة ~~قراريط، أسهل بلغما ومرة سوداء من غير أن يضر ببدن الشارب، وبخاصة إذا كان ~~به استسقاء. ولذلك إذا شرب من لحاء أصله وزن قيراطين مسحوقا، فعل مثل ذلك ~~ونفع من الاستسقاء. وإذا أخذ أصله وسحق وألقي عليه شراب مصري ويرفع أياما ~~وأسقي منه أصحاب الاستسقاء ثلاث بواطيل في كل ثلاثة أيام مرة، انتفعوا به ~~جدا، وبخاصة إذا ألزموا أنفسهم إلى أن يضمر الورم ضمورا قويا. # وعصارة القثاء نفسه أقوى من عصارة الورق والأصل جميعا. وذكر ديسقيريدس ~~دواء يعمل من عصارة هذا القثاء يعرف بالأطيريون ويستعمل عند الحاجة إلى ~~القئ والاسهال. والشربة التامة منه ثلاثة قراريط ونصف، يكون ربع درهم. وأما ~~الصبيان فلا يعطون منه إلا اليسير، لان الكثير ms342 منه يقتلهم. # وصفة هذا الدواء هو أن يؤخذ القثاء وهو طري حين يندى من موضعه وينزل ليلة ~~واحدة، ثم تؤخذ إجانة (2) ويقلب عليها منخل وينصب على المنخل سكين حاد ~~ويكون قفا السكين إلى المنخل وجانبها الحاد إلى فوق. ويؤخذ واحدة واحدة من ~~القثاء، وتمر بها على فم السكين حتى ينقطع بنصفين ويعصر ما فيها من الرطوبة ~~على المنخل عصرا جيدا، ويعزل مع التفل ثم يلقى على ما اجتمع من الثفل ماء ~~عذب. ومن الناس من يجعل ماء البحر ويغسل جيدا ويعصر ويصفى بمنخل على الماء ~~الأول المستخرج من القثاء ويحرك الجميع حتى يختلط ويغطى بثوب حتى يرسب غلظه ~~وثفله ويعوم رقيقه ومائيته. ثم تنحى مائيته عنه، فإن # PageV00P356 # بقي منه شئ يعوم على وجه غليظه وثفله، تنشفه بصوفة البحر المعروفة بإسفنج ~~البحر، وأهل الحجاز يسمونه الغيم (1) ثم يلقى غليظه وثفله في صلاية (2) من ~~حجر ويسحق عليه كل يوم دائما حتى يمكن تقريضه ويقرص ويجفف في الظل. فما كان ~~له كدورة وخشونة ورزانة، كان رديئا مذموما غير محمود. # وأجوده ما كان قليل الخضرة مائلا إلى البياض قليلا، شبيها بلون العنبر، ~~ويكون مع ذلك أملس خفيفا مفرط المرار. وإذا أدني من السراج، كان سهل ~~الاحتراق. وما عتق منه وجاوز السنتين إلى العشرة، كان أقوى، من أراد ~~استعماله للقئ والاسهال. والشربة منه ثلاثة قراريط ونصف، يكون ربع درهم. ~~وأما الصبيان فلا يعطون منه إلا اليسير، لان الكثير منه يقتلهم. ومن خاصة ~~هذه العصارة إخراج الفضول البلغمانية والسوداء بالاسهال والقئ جميعا. ~~والاسهال منها نافع من رداءة التنفس. فمن أراد استعمالها لاحدار البطن، ~~فيخلط مع الشربة منها من الملح ضعفها، ومن الأثمد (3) مقدار ما يغير لونها ~~تغييرا صالحا، ويعمل منه حبا على مثال الكرسنة، ويشربه بماء حار. ومن أراد ~~استعمالها للقئ، فيدفها بماء ويلطخها على المواضع التي تلي اللسان والحنك ~~بريشة. فإن كان القئ يعسر على صاحبها، فيدفها بزيت أو بدهن سوسن ويلطخها ~~على المواضع التي تلي اللسان والحنك، ولا ينام عليها. فإن أشرف القئ على ms343 ~~صاحبها، فيشرب شرابا ممزوجا بزيت، فإن سكن القئ وإلا فيشرب سويق شعير بماء ~~بارد أو بماء ممزوج بخل ويتناول من الفاكهة ما يقوي المعدة. ومن فعل هذه ~~العصارة أيضا أنه إذا استعط بها مع اللبن، نفعت من اليرقان الأسود. وإذا ~~تحنك بها مع زيت عتيق أو عسل أو مع مرارة ثور، نفعت من الخناق منفعة قوية. ~~وإذا تحملتها الامرأة، أدر الطمث وطرحت الأجنة. # ومن الناس من يغش الردئ من هذه العصارة بعصارة القثاء الريفي وشئ من ~~النشاستج ليشابهها بعصارة الخالصة (4) في بياضها وخفتها. وأما أصل هذا ~~النبات وأغصانه، فإنها إذا طبخت وتمضمض بمائها، نفعت من وجع الأسنان العارض ~~من الرطوبة والرياح الغليظة. وإذا استعملت يابسة مسحوقة، نقت البهق ~~والأوساخ العارضة في الوجه والآثار السود العارضة من اندمال القروح ونفعت ~~من القوابي والجرب المتقرح. # PageV00P357 # في الخيار وأما الخيار، فهو أبرد وأغلظ وأثقل من القثاء الريفي لان ~~برودته في آخر الدرجة الثانية، وبرودة القثاء في وسطها. ولذلك صار الخيار ~~أشد تطفئة وتبريدا. ومن قبل ذلك صار فعله في توليد البلغم الغليظ والاضرار ~~بعصب المعدة وتفجج الغذاء أكثر من فعل القثاء، لأنه أثقل وأبعد انهضاما ~~وأكثر إتعابا للمعدة. # وإذا عسر انهضامه وبعدت استحالته، تولد عند الخلط الغليظ البارد السمي، ~~لان سائر الفواكه إذا عسر انهضامها وبعدت استحالتها، تعفنت وولدت خلطا ~~رديئا مذموما شبيها بكيفية الأدوية المسمومة. وأسبقها إلى ذلك وأخصها به ~~الخيار، لأنه أعسر انهضاما بالطبع. والمختار منه ما كان جسمه صغيرا وحبه ~~رقيقا غزيرا متكافئا. وأفضل ما يؤكل منه لبه فقط لأنه أسرع انهضاما وأسهل ~~انحدارا. PageV00P358 # في القرع وأما القرع فبارد رطب في الدرجة الثانية، يغذو غذاء بلغمانيا. ~~ولذلك صار محمودا لمن كان مزاجه حارا، ومذموما لمن كان مزاجه باردا. إلا أن ~~صلاحه لمن كان مزاجه صفراويا أكثر لمن كان مزاجه (1) دمويا. من قبل أن ~~رطوبته تولد بلة في المعدة بها يرطب المزاج ويقطع العطش. وعلى هذا الوزن ~~والقياس يكون إضراره بمن كان مزاجه بلغمانيا أكثر من إضراره بمن كان مزاجه ~~سوداويا. ms344 والأفضل لمن كان مزاجه محرورا وبخاصة من كان دمويا، أن يطبخوه مع ~~السفرجل ويطيبوه بماء الرمان المز وماء الحصرم وماء حماض الأترج ودهن اللوز ~~أو الزيت الانفاق. ومن كان مزاجه باردا فالأفضل أن يسلقه بالماء والملح، ~~ويرمى ماؤه ويستعمله بالخردل والفلفل والسذاب والكرفس والنعنع لان استعماله ~~بمثل هذه الأبازير الحارة يفيده قوة تولد الخلط الحار المسكن. واستعماله ~~بالسفرجل وماء الحصرم وماء الرمان الحامض وحماض الأترج يفيده قوة على تسكين ~~الحرارة والالتهاب وتقوية المعدة. # ومن منافعه (2) على سبيل الدواء، أنه إذا لطخ بعجين وشوي في الفرن أو في ~~التنور، واستخرج ماؤه وشرب ببعض الأشربة المطفئة، سكن حرارة الحمى الملتهبة ~~وقطع العطش (3)، وغذى غذاء حسنا. وإذا شرب بخيار شنبر وترنجبين وبنفسج ~~مربى، أحدر صفراء محضة. وإذا طبخ القرع بجملته وشرب ماؤه بشئ من عسل وشئ من ~~نطرون (4)، أحدر بلغما ومرة معا. وإذا أخذ ودق وعمل منه ضماد على يافوخ ~~الصبيان، نفع من الأورام الحارة العارضة في أدمغتهم، لأنه يسكن لهيبها ~~ويقمع حدتها. وإذا عصرت جرادته (5) وخلط ماؤها بدهن ورد وقطر منه في الاذن، ~~نفعت الأورام الحارة التي فيها. وإذا استعط بمائه مع دهن الورد، نفع من ~~أوجاع الفم واللسان المتولدة من حرارة. ومن خاصته الاضرار بأصحاب علل ~~القولنج لأنه لقلة إزلاقه وتليينه للتفل، يطفو في أعلى البطن ويستحيل بسرعة ~~ويفعل فعل حسو الشعير في أصحاب القولنج من الفساد. # PageV00P359 # الباب في البقول في الخس فأما الخس فيكون على ضربين: لان منه الريفي ومنه ~~البري. فأما الريفي فإنه وإن كان الغالب على مزاجه البرودة والرطوبة، فإن ~~برودته ليست في الغاية لأنه لو كان في الغاية على ما في الخس من الخاصية في ~~إخدار الحس، لما أمكن أكله، ولخرج من حد ما يغتذى به إلى حد الأدوية ~~السمية، ولا سيما ما كان منه في آخر زمانه وقد عصا وتولدت فيه اللبنية ~~المعروفة بالأفيون. ولذلك صيرت الأوائل برودته في الدرجة الثانية ومثلتها ~~ببرودة ماء الغدران، لان ماء الغدران أقل برودة من ماء الأنهار والخلجان ~~لتمكن حرارة ms345 الشمس في ماء الغدران ووصولها إلى عمقه لقلته ومخالطة بخار ~~الأرض له لقربه منها ومجاورته للحمأة فيها. # ولما كان الخس في برودته ورطوبته في غاية التوسط والاعتدال، صار الدم ~~المتولد عنه أفضل وأحمد من الدم المتولد عن سائر البقول، لان سائر البقول ~~تولد دما يسيرا مذموما لكثرة رطوبتها. والخس يولد دما ليس باليسير ولا ~~بالردئ وإن لم يكن في الغاية من الجودة، لأنه في الجملة مائل إلى الرطوبة ~~وإن كان هذا لا يحطه عن مرتبة ما هو محمود الغذاء، إذ لم ننسبه إلى الرداءة ~~إلا من هنا فقط، أعني من جهة رطوبته. # ومن قبل ذلك صار أكله بحاله التي يقلع بها من الأرض أفضل من أكله بعد ~~غسله بالماء، لان الماء يزيد في رطوبته ويقوى إضراره بالمعدة. وكذلك يفعل ~~الماء بسائر البقول إذا غسلت به، لأنه زائد في رطوبتهما وفسادهما. إلا أن ~~الخس في الجملة سريع الانهضام مدر للبول دابغ للمعدة لتسكينه للذع العارض ~~فيها من حدة المرة وحرافتها. ولذلك صار مسكنا للعطش مطفئا لحدة الدم ~~والتهابه متى لم يكن التهابه من شرب الشراب، لان التهاب الدم العارض عن شرب ~~الشراب، الخس زائد فيه بالعرض لا بالطبع لأنه يفجج الشراب ويمنع من كمال ~~هضمه. وإذا تفجج الشراب ولم ينهضم، زاد في غليان الدم وفورانه. ولذلك صار ~~أخذ الخس بعد شرب الشراب، أو بين شرابين، مذموما. وإذا استعمل على غير ~~الشراب ولا امتلاء PageV00P360 # من المعدة، فعل بطبعه وسكن الالتهاب والحرارة وجلب نوما محمودا وأزال ~~الصداع الصفراوي والدموي. # وإذا عمل منه ضماد (1) وحمل على الجبين والأصداغ، فعل مثل ذلك أيضا. # والمسلوق من الخس، والمطبوخ منه أيضا أفضل من الني لان النار تضعف قوة ~~لبنه المعروفة بالأفيون، وإن كان المسلوق أسبق بالفضل، لان قوة لبنه ~~بجملتها تزول عنه في الماء الذي يسلق به ويرمى. ولذلك صار ما كان من الخس ~~في أول نباته أو قريب من ذلك أفضل مما قد عصا وغلظ وتولد فيه اللبن، لان ما ~~كان منه قريبا من أول نباته ms346 قبل أن يتولد فيه اللبن، كان أنفع للمعدة وأقوى ~~على الزيادة في المني واللبن جميعا. والسبب في منفعته للمعدة تسكينه لحرها ~~والتهابها بفضل رطوبته الطبيعية واعتدال برودته. والسبب في زيادته في المني ~~واللبن، زيادة غذائه على سائر البقول وتوليده الدم المحمود، إلا أن ليس له ~~في إطلاق البطن ولا في حبسها تأثير بين، كأنه متوسط (2) بين ذلك، من قبل أن ~~ليس فيه من الملوحة ولا الحرافة ولا الجلاء ما يقوى به على إطلاق البطن ولا ~~له أيضا من القبض والعفوصة ما يقوى به على حبس البطن. فإذا عصى وتولد فيه ~~اللبن، قلت رطوبته واستفاد مرارة يقوى بها على تفتيح السدد والنفع من ذوات ~~السموم. غير أن الدم المتولد عنه وهو بهذه الحال مذموم جدا قريب من الدم ~~المتولد عن الخس البري المعروف بالمزورية. ولذلك صار الاكثار منه إذا كان ~~كذلك رديئا لأنه يولد ظلاما في البصر ويفسد النطفة. # أما إظلامه للبصر فلانه يخدر الحس ويطفئ نور القوة الباصرة بالافيونية ~~التي فيه. وبهذه القوة أيضا صار مفسدا للمني لأنه يطفئ حرارته الغريزية ~~ويخمدها. ومن قبل ذلك صار بزر الخس إذا شرب، قطع المني ونفع من كثرة ~~الاحتلام. وأما ورق الخس فإنه إذا عمل منه ضماد، نفع من الحمرة وجميع ~~الأورام الحارة إذا كانت حرارتها ضعيفة، لان برودة الخس لضعفها لا تفي ~~بتبريد الحرارة إذا كانت (3) حرارة قوية. # PageV00P361 # في الخس البري المعروف بالمروية أما الخس البري فهو في شكله وصورته شبيه ~~بالخس الريفي إلا أن ساقه أكبر وورقه أرق وأخشن وخضرته أقل لقلة رطوبته ~~بالطبع. ويدل على ذلك كثرة مرارته ويبس عفوصته. ولذلك انحرفت برودته عن ~~برودة الخس البستاني إلى الحرارة قليلا، وصار كأنه متوسط بين الدرجة الأولى ~~من البرودة والدرجة الأولى من الحرارة، وصارت منافعه كمنافع الغافت (1). ~~وأما لبنه فإن فيه شبها يسيرا من قوة لبن الخشخاش الأسود، إلا أنه أضعف ~~فعلا منه كثيرا لانحرافه عن البرودة قليلا، ولما بينهما من الاشتباه في ~~الرائحة واللون واليسير من القوة، صار من الناس ms347 من يغش لبن الخشخاش الأسود ~~به. # ولديسقيريدس في لبن الخس البري قول قال فيه: إنه إذا شرب منه وزن نصف ~~درهم بماء الخس الريفي الممزوج بالخل، أسهل كيموسا نيا. وإذا ديف بلبن أم ~~جارية وقطر في العين، نفع من القروح العارضة فيها. # قال إسحاق: قد يمكن أن يفعل لبن هذا الخشخاش مثل هذا متى كان الفضل سليما ~~من الحرارة والحدة بعد أن تكون المادة قد أخذت في النقصان وقاربت الفناء. ~~وأما متى كان في الفضل شئ من الحدة وكانت المادة بعد في الزيادة والصعود، ~~فإن الخس من أضر الأشياء بها، لأنه يحقن البخارات ويمنع من تحليلها. وإذا ~~ازدحمت البخارات في باطن العين وحميت هناك، أحرقت الحجاب العيني وأحرقت ~~الحجاب القرني ضرورة. ومن خاصة لبن الخس البري أنه إذا شرب، جلب النوم ونفع ~~من لسع العقارب والرتيلاء. وقد يقال أنه يدر الطمث بمرارته اليسيرة ~~وتفتيحه، إلا أن ذلك ليس بوثيق فيه لاخدار الحس. # وأما بزر الخس البري فيفعل في إفساد المني وقطع الاحتلام والمنع من شهوة ~~الجماع ما يفعله بزر الخس البستاني. وماؤه يفعل مثل ذلك أيضا إلا أن فعله ~~أضعف. # PageV00P362 # في الهندباء أما الهندباء فهو على ضربين: لان منه الريفي، ومنه البري ~~المعروف بالطرخشقوق (1). فأما الريفي فمؤلف من قوى مختلفة لأنه مركب من ~~مرارة وعفوصة وتفاهة، إلا أنه على ضربين: لان منه الشتوي ومنه الصيفي. فأما ~~الشتوي فإن التفاهة على طعمه أغلب، لأنه أقل مرارة وعفوصة لفضل برد الزمان ~~ورطوبته. ولذلك صار ورقه أنعم وأرطب وأعرض وأشبه بورق الخس الريفي، إلا أنه ~~دون الخس في اللذاذة، لان فيه خشونة ومرارة يسيرة. ولذلك صارت برودته في ~~آخر الدرجة الأولى أو في أول الثانية. # وأما الرطوبة فإن قوما وصفوه بها ونسبوه إليها لاكتسابه ذلك في الماء. ~~وأما عند البحث والامتحان، فإن الذي يظهر منه أنه إلى اليبس أميل لمرارته ~~وعفوصته. # ومن فعله على سبيل الدواء أنه إذا عمل منه ضماد (2) على المعدة، قواها ~~ونفع من الخفقان الصفراوي. وأما الصيفي فإن في مرارة ms348 طعمه وخشونة ورقه ~~دلالة بينة على أن برودته أقل ويبسه أكثر، كأن برودته في أول الدرجة الأولى ~~ويبسه في وسطها. ولذلك صار الدم المتولد عنه أذم وأردأ من الدم المتولد عن ~~الشتوي. ولجالينوس في هذا فصل (3) قال فيه: إن ما كان من الهندباء والخس ~~أشد مرارة وأكثر خشونة، فإنه على سبيل الغذاء أذم لان الدم المتولد عنه أقل ~~جودة. وأما على سبيل الدواء فإنه أفضل لأنه أكثر تقوية وأشد تفتيحا للسدد، ~~وبخاصة سدد الكبد. فإذا سلق هذا النوع من الهندباء وأكل بالمري والزيت كان ~~أقل لضرره. وإذا أكل بعد سلقه بالخل، كان أكثر لتقويته للمعدة وحبسه للبطن. ~~وإذا عصر ماؤه وأغلي ونزعت (4) رغوته وشرب بسكنجبين، فتح السدد ونقى ~~الرطوبات العفنة ونفع من الحميات المتطاولة. # PageV00P363 # وأما الهندباء البري المعروف بالطرخشقوق فبارد في أول الدرجة الأولى، ~~يابس في آخرها، أو في أول الثانية. ولذلك صار فيه قبض يقوى به على تقوية ~~المعدة ودبغها. ومن خاصته أنه إذا أكل أو شرب ماؤه، نفع من لسع العقارب. ~~وإذا عمل منه ضماد (2) وحمل على موضع اللسعة فعل مثل ذلك أيضا. وأما أصل ~~هذا النبات فإنه إذا شرب، نفع من لسع الأفاعي. وإذا سحق بالمر (1) وألطخ ~~على فتيلة كتان وتحملته المرأة، أدر الطمث. وإذا غرز أصل هذا النبات بإبرة، ~~خرج على الإبرة رطوبة يلصق بها الشعر النابت في أشفار العين. وقد يستخرج من ~~أغصان هذا النبات صمغة في صورة المصطكى ويلصق بها شعر العين أيضا. وقد يدق ~~أصل هذه الشجرة ويعجن بعسل ويقرص ويرفع ويؤخذ منه القرص بعد القرص ويذاب ~~بماء ونطرون ويطلى على البهق فإنه ينقيه. # PageV00P364 # في الكرفس الكرفس نوعان: لان منه الريفي، ومنه البري. والريفي على ضربين: ~~لان منه النابت بالمربى، ومنه ما ليس بمربى ويعرف بالبستاني. فأما المربى ~~النابت على المياه فهو أقل حرارة ويبسا من البستاني لاكتسابه ذلك من الماء. ~~ولذلك صار أسرع انهضاما وأقل إضرارا بالمعدة وأبعد من حبس البطن وأوفق ~~للمحرورين. ومن منافعه على سبيل الدواء أنه إذا عمل منه ms349 ضماد (1) مع لباب ~~الخبز وحمل على المعدة، سكن الالتهاب العارض لها. وإذا عمل على الثديين ~~والعينين، نفع من الأورام الحارة العارضة فيها. # ولديسقيريدس في مثل هذا قول قال فيه: وأما النبات المسمى أوسالس يعني ~~الكرفس النابت على الماء فهو أعظم نباتا وأنعم جسما وأوسع ورقا وأرطب وألذ ~~طعما من الكرفس البستاني. ولذلك صار تجفيفه للرطوبات أقل وحبسه للبطن أضعف، ~~وذلك لقلة حرافة طعمه وزيادة رطوبة جسمه، إلا أن قوته قريبة من قوة الكرفس ~~البستاني، فإن في قوة مرارته وظهور حرافته ما دل على أن حرارته في أول ~~الدرجة الثالثة، ويبسه في وسطها. ولذلك صارت رائحته تفوق روائح البقول ~~المشاكلة له، وصار أكله نيا ومطبوخا مفتحا للسدد ومدرا للبول وحابسا للبطن. ~~ومن خاصته أنه بتفتيحه يطرق للفضول ويجذب إلى المعدة والرأس والأرحام ~~رطوبات حادة فضلية. ولذلك صار مضرا بأصحاب الايليسما وبالأجنة ويجذب التي ~~في الأرحام، من قبل أن الفضول إذا انحدرت إلى الأرحام، اختلطت بغذاء الجنين ~~وولدت في بدنه رطوبات حاده عفنة من جنس الطواعين. # ولجالينوس في الكرفس قول (2) قال فيه: إن المرأة الحاملة (3) إذا أدمنت ~~في وقت حملها على أكل الكرفس، تولد في بدن الجنين بعد خروجه من الرحم بثور ~~رديئة وقروح عفنة. وقال روفس: وليس # PageV00P365 # ينبغي أن يمدح الكرفس على سبيل الغذاء لأنه يبعد من تنقية المعدة لكثرة ~~ما يجذب إليها من الرطوبات الرديئة. ولهذه الجهة صار مغثيا مهيجا للقئ غير ~~محمود في المعونة على الهضم. فإذا جاد هضمه، حبس البطن وفعل بزره في درور ~~البول وفى جميع ما ذكرنا، أقوى من فعل ورقه كثيرا. وفعل أصله أقوى من فعل ~~بزره. وللفاضل أبقراط في الكرفس فصل قال فيه: وأما ورق الكرفس فإن معونته ~~على درور البول أكثر من معونته على إطلاق البطن. وأصله وعروقه أكثر إطلاقا ~~للبطن من ورقه لان أصله يفعل على سبيل الدواء وورقه على ما فيه من الحرافة ~~والتلطيف بعيد الانهضام والانحدار لجذبه الرطوبات إلى المعدة. # ولذلك وجب أن لا يقدم أكله، لان أكله بعد الطعام ms350 أوفق كثيرا. وإذا أكل ~~الكرفس مع الخس، أكسبه ذلك جودة واعتدالا ولذاذة وصيره قريبا من الكرفس ~~المربى لما في الخس من البرودة والرطوبة وليانة الطعم، لان طعمه غير قوي. ~~وما كان من الأغذية غير قوي الطعم فإنه إذا أكل مع غذاء له حرافة مثل ~~الكرفس والجرجير والباذروج (1) الحريف، تولد بينهما طعم لذيذ معتدل. # وقال ديسقيريدس إن الكرفس إذا طبخ بأصله وشرب ماؤه، نفع من نهش الهوام، ~~ومن شرب الأدوية القتالة وشرب المرداسنج (2)، حلل (3) الرياح والنفخ وهيج ~~القئ وعقل البطن. وبزر الكرفس أدر للبول وأحبس للبطن من ورقه. وقد ينتفع به ~~في أخلاط الأدوية المسكنة (4) للأوجاع وأدوية السعال والأدوية (5) المانعة ~~لضرر ذوات السموم. ومن خاصة بزر الكرفس الاضرار بمن به صرع. وزعم بعض ~~الأوائل أن الكرفس الريفي والجبلي جميعا مضران بكل مسموم لأنهما يطرقان ~~للسم ويوصلانه (6) إلى القلب بسرعة. قال إسحاق: برهان هذا ظاهر في الكرفس ~~وبين من فعله وبخاصة إذا تقدم الكرفس قبل الدواء المسموم، أو كان بعده ~~بيسير لان الكرفس يفتح المجاري ويطرق للسم ويوصله إلى القلب بسرعة، إلا أنه ~~إذا أخذ بعد أن تضعف قوة السم وتخلق (7)، كان له قوة تنشفه وتنقيه وتدفع ~~ضرره. # * * * في الكرفس البري وأما الكرفس البري فحرارته ويبسه في آخر الدرجة ~~الثالثة لان قوته قطاعة مدرة للبول والطمث، محللة للرياح والنفخ. وأنفع ما ~~فيه بزره لان قوة قضبانه وورقه وإن كانت قريبة من قوة بزره، فإنها # PageV00P366 # أضعف كثيرا، ويستدل على ذلك من حرافة البزر، وقوة مرارته. ولذلك صار ~~البزر نافعا من الاستسقاء وأدوار الحميات العفنة وأوجاع الكلى والمثانة، ~~لأنه يفتح مسام الجلد ويخلخل المجاري ويلطف الفضول ويخرجها بالبول والعرق ~~جميعا. وإذا تحملته المرأة أدر الطمث وأخرج المشيمة وأسقط الأجنة. وإذا ~~شرب، نقى من الأضلاع والصدر الكيموسات الرديئة الغليظة، وحلل رياح القولنج ~~وفتح سدد الكبد والأرحام وحلل أورامها بدرور البول والطمث. # وقال بعض الأوائل أنه إذا طلي على برص الأظافير والجرب والبهق الأبيض، ~~نقاه. وإذا حمل على الثواليل، قلعها. وإذا حمل على داء الثعلب، أنبت ms351 الشعر ~~فيه. وهذا الفعل كله بثمرته لأنها أقوى من الأصل والورق. وأما الأصل فإنه ~~إذا جفف وسحق واشتم، هيج العطاس لشدة يبسه. وقول ديسقيريدس في الكرفس البري ~~قال فيه: إن الكرفس البري على ضروب: لان منه نوع يسمى أورسالس أي الكرفس ~~الجبلي لأنه ينبت في الجبال وله ساق طوله نحو من شبر يخرج من أصل دقيق. ~~وعلى الساق أغصان صغار ورؤوس مثل رؤوس الفربيون (1)، وقال قوم مثل رؤوس ~~الكزبرة، إلا أنها أدق قليلا وفيها ثمرة مستطيلة شبيهة بالكمون. وقوة هذه ~~الثمرة إذا شربت بالشراب، أدرت الطمث ونفعت من وجع الجنبين وحللت رياح ~~المعدة والمعاء ونفعت من الأمغاص العارضة من الرياح الغليظة. # ومنه نوع ثان يسمى لتولين (2)، ومعناه الكرفس الصخري، لأنه ينبع في ~~الأماكن الصخرية وسماه قوم المقدونس (3)، لأنه ينبت في بلدة يقال لها ~~ماقدونيا، وهو شبيه بالنانخواه (4)، إلا أنه أشد حرافة وأذكى رائحة لان فيه ~~عطرية، غير أن قوته أضعف من قوة النوع الأول المسمى أوداساليس (5). وإذا ~~شرب بشراب العسل، أدر البول والطمث ونفع من أوجاع الجنبين وأوجاع الكلى ~~والمثانة والأمغاص العارضة من الرياح الغليظة، وحلل رياح المعدة وسائر ~~البطن، وبخاصة رياح المعاء المعروف بالقولون (6). # ومنه نوع ثالث يسمى أقوسالس (7) ومعناه الكرفس العظيم، لان نباته أعظم من ~~نبات الكرفس البستاني وورقه أوسع من ورقه. وفى لون ورقه مع الخضرة حمرة ~~يسيرة، وله حبة على رأسه، فإذا تفتحت، ظهر منها زهر وبزر أسود مستطيل ~~الشكل، مركز، مصمت، له طعم حريف ورائحة عطرية. # وأصل هذا النبات أبيض طيب الرائحة والطعم، وأكثر نباته في المواضع ~~المظللة بالأشجار وعند السواقي والآجام. وقد يستعمل أكله كما يستعمل أكل ~~الكرفس البستاني. ويؤكل أصله وقضبانه وورقه نية # PageV00P367 # ومطبوخه، وربما طبخ مع السمك والخل، وقد يتخذونه بالملح أيضا ويؤكل (1). ~~وبزر هذا النبات يسمى فطراساليون. وإذا شرب بشراب العسل، أسخن المبرودين ~~وأدر الطمث ونفع من تقطير البول. وإذا عمل منه ضماد أو لطوخ، فعل مثل ذلك ~~أيضا. وأصله يفعل ما يفعله بزره إلا أنه أضعف قليلا. # ومنه نوع رابع ms352 يسمى أسمرنتون (2) ومعناه المر، لان رائحته شبيهة برائحة ~~المر وينبت كثيرا في الجبل الذي يقال له أماتس وله ساق شبيه بساق الكرفس. ~~وما يلي الأرض من الورق منحن، إلى خارج. وفى الورق رطوبة يسيرة تدبق باليد. ~~والنبات في نفسه صلب له رائحة طيبة معها حدة يسيرة، وفى طعم ورقه بشاعة ~~شبيهة بطعم الأدوية، ولونه إلى الصفرة ما هو، وعلى ساقه إكليل شبيه (3) ~~بإكليل الشبت، وبزره مستدير شبيه ببزر الكرنب (4)، ولونه أسود وطعمه حريف ~~ورائحته كرائحة المر سواء. وأما أصله فلين كثيرا، وعلى الأصل قشر خارجه ~~أسود وداخله أصفر إلى البياض ما هو. وأكثر نباته في المواضع الصخرية وعلى ~~التلول. وقوة ثمره وأصله وفرعه قوة مسخنة. وقد يتخذ ورقه بالملح ويؤكل ~~بالخل، فيعقل البطن. # وإذا شرب أصله، نفع من نهش الهوام وأبرأ عسر التنفس الذي يحتاج معه إلى ~~الانتصاب، ونفع من عسر البول. وإذا تضمد به في ابتداء الأورام البلغمانية ~~والأورام الصلبة، حللها وبددها. وإذا دق وتحملته المرأة، أسقط الأجنة. # وأما بزره فيدر الطمث ويخرج المشيمة وينفع من وجع الكلى والمثانة وأوجاع ~~الطحال. ومن خاصته أنه إذا شرب، حلل النفخ العارض في المعدة، وهيج الجشاء ~~وجلب العرق. وبهذا صار نافعا من الاستسقاء ومن أدوار الحميات المتطاولة. # وذكر ديسقيريدس نوعا خامسا من الكرفس يسمى سمير (5). وزعم أن بعض الناس ~~سماه قرة العين. وأما جالينوس فسماه جرجير الماء، وزعم أن عظمه كعظم الكرفس ~~المربى، وساقه قائم وله أغصان تعلوها رطوبة لزجة تدبق باليد، وورق مستدير ~~أكبر من ورق النمام البستاني، وهو أملس شديد الخضرة قريب من خضرة الجرجير، ~~ولذلك نسبه جالينوس إلى الجرجير. وفى رائحته وطعمه عطرية دالة على إسخانه، ~~ولذلك قال جالينوس وبحسب رائحة هذا النبات وطعمه من العطرية، كذلك قوته في ~~الاسخان. ومن قبل ذلك صار ملطفا (6) للفضول مدرا (6) للبول مفتتا (6) للحصى ~~المتولدة في الكلى، محدرا (6) لدم الطمث مسقطا (6) للأجنة. وزعم ديسقيريدس ~~أنه إن أكل، نفع من قرح الأمعاء. # PageV00P368 # في النانخواه أما النانخواه فمن الناس من سماه (كومثين أيثونيغون) (1) ~~ومعناه كمون ms353 حبشي، ومنهم من سماه (كومتين باسليقون) ومعناه كمون ملوكي، إلا ~~أنها في طبعها وصورتها كطبع الكمون وصورته، من قبل أنها أصغر حبا وأصلب ~~جسما وأكثر اكتنازا وأشد إسخانا وتجفيفا من الكمون، لأنها في طبيعتها ~~وشكلها قريبة من طبيعة بزر الكرفس وشكله، لان حرارتها ويبسها في الدرجة ~~الثالثة، وحرارة بزر الكرفس ويبسه كذلك. # وأما الكمون فإن حرارته ويبسه في الدرجة الثانية، وقد يستدل على ذلك من ~~قوة حرافة النانخواه ومرارتها. ولذلك صارت إذا شربت بالشراب نفعت من نهش ~~الهوام وأدرت الطمث ونفعت من عسر البول العارض من الرطوبات الغليظة. # ولذلك صارت الأوائل تخلطها في الأدوية المضادة للفضل الموجب لعسر البول. ~~وإذا خلطت بالأدوية النافعة من البهق والبرص، قوت فعلها وزادت في تأثيرها. ~~وإذا تدخنت بها النساء مع الراتينج، نقت الأرحام. وإذ أكلت بعسل، قتلت ~~الدود وحب القرع وحللت الرياح ونفعت من الأمغاص العارضة من الرطوبات ~~الغليظة وأذابت الحصى ونقت والكبد والأوردة (2) والكلى والأرحام بدرورها ~~للبول والطمث. وإذا عمل منها ضماد (3)، قلعت كمنة (4) الدم العارضة تحت ~~العين. فإن أكثر الانسان من شربها أو تلطخ بمائها، غيرت لون البدن وأفادته ~~صفارا. # PageV00P369 # في الجرجير أما الجرجير فيسخن إسخانا قويا ويرطب باعتدال لان حرارته في ~~الدرجة الثانية ورطوبته في الأولى. # ومن شأنه إذا أكل وحده، ولد صداعا ورياحا نافخة. ومن قبل ذلك صار زائدا ~~في الباه (1) ومقويا للانعاظ. أما زيادته في المني والباه فلفضل حرارته ~~ورطوبته. وأما تقويته للانعاظ فلكثرة رياحه ونفخه. # إلا أنه لما كان أكله (2) وحده مولدا للصداع، وجب أن يجتنبه من كان مزاجه ~~صفراويا أو دمويا (3)، ولا يأكله إلا مع الخس والهندباء والبقلة الحمقاء، ~~وإلا لم يؤمن عليه أن يحمي الأبدان بحرارته ويفسد الهضم ويعين على حبس ~~البطن ويجفف رطوبته ويحقن (4) المني ويمنع من شهوة الجماع. وأما من كان ~~مزاجه باردا، فإنه إذا أخذه وحده، أعان على الهضم ولين البطن وزاد في المني ~~والباه وقوى الانعاظ للأسباب التي قدمنا ذكرها، أعني حرارته ورطوبته وكثرة ~~رياحه ونفخه. # وزعم ديسقيريدس في الجرجير أنه مدر ms354 للبول. وأنكر ذلك أبقراط، وقال: إن ~~الجرجير يطلق ولا يدر البول. وليس بمنكر أن يكون القول كما قال أبقراط، إذ ~~كان ليس معه تفتيح ولا تطريق. # وأما بزر الجرجير فغير مولد للنفخ، لان ليس معه رطوبة. ولذلك صار إذا ~~استعمل في الطبيخ، في عداد الأبازير، فعل في الزيادة في الباه بفضل حرارته، ~~من غير أن يزيد في المني ولا يعين على الانعاظ. # ذلك لقلة رطوبته وضعف رياحه ونفخه. وإذا طلي بزر الجرجير على الكلف، ~~نقاه. وقد يؤخذ بزر الجرجير فيدق ويعجن بلبن ويقرص أقراصا ويجفف ويخزن ~~ويستعمل عند الحاجة إليه. وقد يفعل بالجرجير # PageV00P370 # أيضا مثل ذلك ويخزن. # وزعم ديسقيريدس أن من الجرجير نوعا (1) آخر ينبت غربي بلاد الخوز. وزعم ~~بعض الأوائل أن من الجرجير نوعا (1) يعرف بجرجير الماء وحرارته في الدرجة ~~الأولى وقوية محللة مفتحة مدرة للبول والطمث مفتتة للحصى. ويستعمل بزره ~~عوضا (2) من الخردل لأنه أقوى حرافة وأشد تفتيحا من الجرجير البستاني. ~~ولذلك صارت له قوة مدرة للبول. # PageV00P371 # في الكراث أما الكراث فيكون على ثلاثة ضروب: لان منه الريفي وهو الكراث ~~على الحقيقة، ومنه الشامي المعروف بالقفلوط، ومنه البري. فأما الريفي فحار ~~في وسط الدرجة الثالثة يابس في آخرها. ولذلك صار فيه زيادة قبض يقوى به على ~~قطع الرعاف (1)، إلا أنه على سبيل الغذاء مذموم ردئ جدا، مولد للرياح ~~والنفخ، مضر بالمعدة بتلذيعه لعصبها لحرافته وحدته. ومن خاصته اللازمة له ~~أنه يولد بخارات مظلمة من جنس السوداء تترقى إلى الرأس، ويحدث في البصر ~~ظلاما ويولد أحلاما رديئة مفزعة. ولذلك صار الاقلال منه لكل مزاج أحمد. ومن ~~كان مزاجه ممرورا أو كان به هوس (2)، أو كان في رأسه (3) شدة، فمن الواجب ~~أن يحذره أصلا. كما أنه يجب على من كان بدنه جافا أن يحذر أكل الثوم ويتوقى ~~أكل البصل أيضا، لان البصل وإن كان في طبيعته رطبا، فإن رطوبته غير مرطبة ~~لخفتها ورقتها وسرعة انحلالها وخروجها بالبول والعرق جميعا. ومما يمنع ضرر ~~الكراث أن يؤكل بعده الهندباء والخس والبقلة الحمقاء، ms355 لان ذلك مما يزيل بعض ~~حرارته ويقمع حدتها. وأفضل من ذلك أن يسلق بالماء العذب سلقا جيدا ويغسل ~~بعد ذلك مرات، ويؤكل بالخس والهندباء لان ذلك مما يزيل عنه حدته وحرافته ~~وتلذيعه، ويصيره زائدا في الباه للرطوبة التي يكتسبها من الماء الذي سلق ~~به. # ومن منافعه على سبيل الدواء أنه إذا أكل، نقى قصبة الرئة من الرطوبات ~~الغليظة وفتح سدد الكبد وسكن الجشاء الحامض. وإذا خلطت عصارته بخل ودقاق ~~الكندر ودهن ورد واستعط بها، قطعت الرعاف ممن كان مزاجه باردا أو معتدلا. ~~وإذا قطر من هذا الدواء على هذا التركيب في الاذن، سكن أوجاعها من البرد ~~والرطوبة، وإذا دق جرم الكراث وعمل منه ضماد على موضع البواسير، نفع من ~~أورامها العارضة من الرطوبة. # PageV00P372 # وأما أصل الكراث فمن خاصته أنه إذا طبخ اسفيذباجا بدهن القرطم أو بدهن ~~لوز أو دهن سيرج، هيج شهوة الجماع وأطلق البطن ونفع من القولنج العارض من ~~الرطوبة الغليظة والبلغم اللزج. وأما بزر الكراث فإنه أقوى فعلا من ورقه ~~وساقه كثيرا، إلا أنه أشد يبسا. ولذلك صار إذا شرب منه وزن درخمين مع مثله ~~حب الآس، قطع الدم المنبعث من الصدر، إلا أنه مضر بالحلق. وإذا قلي وشرب مع ~~حرف (1) مقلي، نفع من البواسير وعقل البطن وحلل الرياح العارضة في الأمعاء. # وأما الكراث الشامي المعروف بالقفلوط فحرارته ويبسه أقل من حرارة الكراث ~~الريفي ويبسه، لان حرارته في أول الدرجة الثالثة، ويبسه في آخر الدرجة ~~الثانية. ولذلك صار ملينا للبطن مدرا للبول والطمث، وإن كان غذاؤه أيضا ~~مذموما لان جوهره جوهر غليظ بطئ الانهضام مهيج للرياح والنفخ، مضر بالمعدة ~~والكلى المتقرحة والمثانة الكذلك، ومولد للبخارات المظلمة للبصر المولدة ~~للأحلام الرديئة المفزعة، غير أن الكراث الريفي أخص بذلك منه لأنه أشد ~~حرافة واحترافا وأقرب من توليد البخارات السوداوية. # وإذا أكل الشامي نيا، كان أكثر لغذائه وأشد لاضراره بالكلى والمثانة. ~~وإذا سلق بالماء العذب وغسل بالماء مرات، كان أقل لغذائه وأضعف لاضراره ~~بالكلى والمثانة. وإذا طيب بعد سلقه وغسله بالخل ms356 والمري والزيت والكمون، ~~أسخن المعدة والكلى وزاد في المني وحرك الباه. وإذا طبخ مع حسو الشعير، نقى ~~الصدر والرئة من الرطوبات الغليظة. وإذا دق جرمه وعمل منه ضماد وحمل على ~~الرحم، نفع من انضمامه وصلابته. وورقه إذا طبخ بماء البحر وبماء ملح وجلست ~~المرأة في مائه، فعل مثل ذلك أيضا، لان من خاصة ورقه النفع من غلظ الأرحام ~~وجشائها. وبزره أقوى فعلا من ورقه. وإذا شرب البزر أو تدخن به، نفع من رياح ~~البواسير. # ومن خاصة القفلوط في نفسه الاضرار بالحلق والأسنان وبالكلى المتقرحة ~~والمثانة الكذلك، وإن كان الكراث الريفي أسبق بذلك منه لقوة حرافته ~~وتلذيعه. # * * * في الكراث البري وأما الكراث البري فقوته متوسطة بين قوة الكراث ~~الريفي وقوة الثوم، لأنه أشد حرافة وأكثر جفافا من الكراث الريفي. وهذا ~~الحكم لازم لكل ما ينبت في الصخر والجبال على ما ينبت في البساتين والآجام. ~~ولذلك قال جالينوس: ولو أن أحدا (2) توهم أن شيئا متوسطا بين قوة الكراث ~~وقوة الثوم، # PageV00P373 # لوجد الكراث البري أخص بذلك من غيره. ويدل على ذلك قوة إحراقه، لأنه إذا ~~حمل على البدن من خارج، نفطه وقرحه. وما كانت هذه حاله، كان إسخانه في آخر ~~الدرجات. ولذلك صار هذا النوع من الكراث أشد إضرارا من غيره لان قوته ~~قطاعة، ومن قبل ذلك، صار فعله في تلطيف الفضول الغليظة وتفتيح السدد ودرور ~~البول والطمث أقوى كثيرا، وبخاصة إن كان احتباس البول والطمث عن أخلاط ~~غليظة لزجة. ولذلك صار عصير ورقه إذا شرب أو عمل منه صوفة، أدر الطمث ~~بسرعة. وقال ديسقيريدس عن نبات يقال له هالفراتس أنه أسخن وأردأ للعدة وأدر ~~للبول من الكراث، وقد يدر الطمث أيضا. وإذا أكل وافق نهش الهوام. ~~PageV00P374 # في الباذروج أما الباذروج (1) فحار في الدرجة الثانية، يابس في الأولى، ~~إلا أن فيه رطوبة فضلية مكتسبة من الماء، بها صار عسير الانهضام مولدا (2) ~~للرياح والنفخ سريع الاستحالة إلى العفونة والفساد. ويدل على ذلك الشاهد ~~لأنا نجده خارجا إذا مضغ ووضع في الشمس، تولد منه العلق. ms357 وزعم ديسقيريدس أن ~~قوما كانوا يمتنعون من أكله كثيرا لما كانوا يرون من انتقاله إلى الفساد ~~خارجا. ومن خاصته إذا أكل، ترقت منه بخارات إلى الرأس وغلظت الروح البصري، ~~وولدت في البصر ظلا وظلاما، وهذه خاصته اللازمة له. # إلا أنه إذا اكتحل بمائه المنزوع الرغوة، جفف الرطوبات السائلة، وجلا ~~ظلمة البصر العارضة من الرطوبة. وإذا عجن بالشراب المجلوب من جزيرة قبرس ~~وعمل منه ضماد على العين، سكن أوجاعها. # وإذا استعط بمائه بشئ من كافور ودهن الورد، قطع الرعاف العارض للمحرورين، ~~وإذا استعط بمائه أيضا مع شئ من كمون، قطع الرعاف ممن كان مزاجه باردا. # وإذا أكل على سبيل الدواء، أدر البول واللبن ونقى رطوبة الرئة والصدر. ~~وإذا عمل منه وحده ضماد (3)، نفع من لسعة العقرب والتنين البحري. وحكى ~~ديسقيريدس عن بلدة يقال لها لبيون (4) أن أهلها كانوا يزعمون أن من أكل ~~باذروجا ثم لسعته عقرب، لم يألم للسعتها. وإذا عمل من الباذزوج ضماد (3) مع ~~السويق المعروف بشقبرن وعجن بخل ودهن ورد، حلل الأورام الحارة. وأما فعله ~~في حبس البطن وإطلاقه لها، فقد اختلفت الأوائل في ذلك لان منهم من قال أنه ~~مطلق للبطن، وأما أبقراط فقال فيه أنه حابس للبطن. # ولعل ظانا يظن أن بين القولين مناقضة، وليس الامر كذلك (5)، من قبل أن ~~الفاضل أبقراط # PageV00P375 # تكلم فيه من جهة ما هو له بالطبع، لان فيه قوة مجففة غريزية لغلبة اليبس ~~على مزاجه بالطبع. وغيره تكلم فيه من جهة ما هو له بالعرض، من قبل أن فيه ~~رطوبة عرضية ملينة لما فيه من الرطوبة الفضلية المكتسبة من الماء. فإذا ~~مازجت رطوبته العرضية حرارته الطبيعية، ولا سيما حرارة الحريف منه، تولد ~~عنهما قوة ملطفة ملينة. وبهذه الجهة صار متى وافى قوة البطن متهيئة لحبس ما ~~فيها، فعل يبسه الطبيعي وأعان على حبس البطن. ومتى وافى قوة البطن متهيئة ~~للاطلاق، فعل برطوبته الفضلية وأعان على الاطلاق. وأما يابسه فمجفف لا ~~محالة. # وأما بزر الباذروج إذا شرب، وافق أصحاب المرة السوداء ونفع من عسر ms358 البول ~~وحلل الرياح والنفخ. وإذا دق واستنشق، قطع الرعاف والعطاس. وذكر قوم من ~~الأوائل أنه إذا استنشق، هيج عطاسا كثيرا. إلا أنهم زعموا أنه ينبغي ~~للانسان إذا تعطس به، أن يغمض به (1) في وقت العطاس تغميضا شديدا. وورقه ~~اليابس يفعل فعل البزر، إلا أنه أضعف فعلا من البزر. وقد يعمل من الباذروج ~~دهن يقوم مقام دهن المرزنجوش (2) إلا أنه دونه قليلا. وزعم ديسقيريدس أنه ~~ينوم. وصفته أن يؤخذ الزيت المعفص - على ما أنا واصفه، وهو الذي يعمل به ~~دهن الحناء (3) - واحد وعشرون رطلا، ومن ورق الباذروج الطري أو زهرة عشرة ~~أرطال وثلثا رطل، وينقع ذلك في الزيت يومين وليلتين، ويعصر في جبيات (4) ~~خوص ويخزن، ثم يلقى عليه الثفل زيت ثان مثل الأول ويترك فيه يومين وليلتين ~~ويعصر. ويسمى هذا الزيت الدهن الثاني (5). وإن أحببت أن تردد (6) في الدهن ~~الأول الباذروج مرات كثيرة، المعفص زيت إنفاق (7)، فيكون أضعف من الذي يعمل ~~بالزيت المعفص. # صفة عمل المعفص: يؤخذ من الزيت الانفاق تسعة أرطال وخمسة أواق، ومن الماء ~~مثل نصف الزيت، ومن الدارشيشغان خمسة أرطال ونصف، ومن قصب الذريرة ستة ~~أرطال ونصف، ومن المر الأحمر رطل ومن القردمانا (8) ثلاثة أرطال وتسعة أواق ~~يدق كل واحد منهما على الانفراد. ويؤخذ الدارشيشغان ويبل بثلثي الماء ~~المقدر المعزول ويلقى عليه الزيت ويطبخ جيدا. ثم يؤخذ المر وينقع في خمر ~~عتيق عطر الرائحة، ويلقى عليه بعد أن يذوب ويدق الذريرة وينخل، ويعجن ~~الجميع جيدا. ثم يصفى الزيت من الدارشيشغان ويلقى على المر وقصب الذريرة ~~المعجونين بالخمر ويغلى عليه جيدا. ويؤخذ القردمانا ويعجن بباقي الماء ~~المعزول ويلقى على الدواء ويطبخ حتى يذهب الماء ويترك حتى يبرد ويصفى. # فهذا هو الزيت المعفص الذي يعمل به دهن الحناء. # PageV00P376 # في الطرخون أما الطرخون (1) فحار يابس في الدرجة الثالثة يجفف الرطوبات، ~~نشاف للبلل، إلا أن فيه دهنية يسيرة بها صار لدنا عسير الانهضام بطئ ~~الانحدار. ولذلك وجب أن يختار منه ما كان طريا غضا قريبا من ابتداء النبات، ~~لان ذلك أقل لدهنيته ms359 ولدونته (2)، ويؤكل مع الكرفس، لان الكرفس يدفع ضرره ~~ويسهل انحداره ويجيد انهضامه. # PageV00P377 # في الرازيانج الرازيانج على ضربين: لان منه البري، ومنه البستاني. فأما ~~البستاني فإنه ما دام طريا أخضر (1) فحرارته في وسط الدرجة الثانية. ويبسه ~~في وسط الدرجة الأولى، لان فيه رطوبة فضلية مكتسبة من الماء. ولذلك صار بطئ ~~الانهضام مذموم الغذاء. ومن فعله على سبيل الدواء إذا دق واستخرج ماؤه وغلي ~~ونزعت (2) رغوته وشرب بشراب العسل وبالسكنجبين، نفع من الحميات المتطاولة ~~ذات الأدوار وأدر البول. وإذا أخذ ماؤه وجفف في الشمس وخلط بالاكحال، زاد ~~في حدة البصر ونفع من نزول الماء في العين. # وأما حبه الجاف فحار في الدرجة الثانية وأول الثالثة، يابس في الأولى. ~~ومن خاصيته أنه زائد في اللبن بتفتيحه للسدد وجمعه للرطوبات لقلة يبسه، لان ~~تجفيفه لو كان قويا لكان فشاشا (3) للرطوبات، نافعا لزيادة اللبن. ومن فعله ~~على سبيل الدواء أنه مفتح لسدد الكبد والمثانة، مذيب للحصى، مدر للطمث، ~~نافع من الحميات المتطاولة المتقادمة. وإذا شرب بالماء البارد، سكن الغثيان ~~العارض من الرطوبة. وإذا عمل منه ضماد بعسل، نفع من عضة الكلب الكلب. وزعم ~~بعض الأوائل أنه يدفع مضرة الافراسيون عن الكلى والمثانة إذا خلط معه أو ~~شرب قبله أو بعده. # وزعم ديسقوريدوس أن الرازيانج النابت في بلدة المغرب يقال له ايبيرتا ~~(4)، يخرج منه رطوبة شبيهة بالصمغ يفعل في إكحال العين فعلا أقوى من فعل ~~ماء الرازيانج المدقوق المعصور. وأما الرازيانج البري # PageV00P378 # فمن الناس من يسميه الرازيانج الجبلي، وله حب شبيه بحب القاقلى، وأصله ~~طيب الرائحة. وإذا شرب، نفع من تقطير البول وفتت الحصى وأدر البول والطمث. ~~وإذا تحملته المرأة، فعل في درور الطمث مثل ذلك. وإذا شرب أصله مع بزره، ~~عقلا الطبيعة ونفعا من اليرقان ومن نهش الهوام. وإذا شرب طبيخ الورق، أدر ~~البول إلا أنه في ذلك دون فعل البستاني، لان يبسه أقوى. # وزعم جالينوس وديسقيريدس جميعا أن من الرازيانج نوعا (1) آخر له ورق صغير ~~دقيق إلى الطول ما هو، يسمى مالاثرن (2)، وبزره مستدير ms360 شبيه بحب الكرسنة ~~فيه عرض قليل، وله رائحة طيبة، وطعم حريف، وقوته تشبه قوة الرازيانج البري ~~إلا أن فعله أضعف قليلا. # PageV00P379 # في الانيسون ويعرف بالحلبة الحلوة أنفع ما في الانيسون (1) بزره. وقوته ~~حارة يابسة في الدرجة الثالثة لان فيه حرافة ومرارة تقربانه من قوة الأدوية ~~المعجونة، ولذلك صار مذيبا للفضول محللا للرياح والنفخ مسكنا للأوجاع، ~~نافعا من سدد الكبد والطحال، زائدا (2) في اللبن، مهيجا (2) لشهوة الجماع، ~~مدرا (2) للبول والطمث والعرق. ولهذه الجهة صار حابسا للبطن نافعا من سيلان ~~الرطوبات إلى البطن والأرحام ومن ذوات السموم ومن الأدوية والهوام. وإذا ~~استنشق دخانه، سكن الصداع العارض من الرطوبة وحلل الزكام. وإذا سحق وطبخ ~~بدهن الورد وقطر في الاذن، نفع من الانصداع العارض في باطنها من صدمة أو ~~سقطة عرضت لصاحبه. # ومن خاصته أنه يجذب بالطمث دما يلي البياض. وأجوده ما كان حديثا جليل ~~الحب قوي الرائحة. وزعم ديسقيريدس أن أفضل الانيسون ما كان نابتا في جزيرة ~~الاقريطي وبعده المصري. # PageV00P380 # في الحندقوقي الحندقوقي نوعان: لان منه الريفي، ومنه البري. فأما الريفي ~~فمعتدل المزاج لان حرارته ويبسه في الدرجة الثانية. غير أن الخلط المتولد ~~عنه غليظ عكر مضر بالمحرورين يكسبهم (1) صداعا ويورثهم أوجاعا في الحلق، ~~وهذه خاصية. ومما يدفع ضرره أن يؤكل مع الخس والهندباء والكزبرة الرطبة. ~~ومن فعله على سبيل الدواء أنه مدر للبول والطمث نافع من الاستسقاء وأوجاع ~~الأضلاع والأرحام العارضة من البلغم اللزج، ومحمود في أوجاع المعدة ~~المتولدة عن البرد، محلل لرياحها، نافع من نهش الهوام. وإذا استعط بمائه، ~~نفع من الجنون. ومن يعمل منه كامخا، فينفع كمنافعه. # وحكى ديسقيريدس عن الحندقوقي المصري أن بزره يعمل منه خبزا. وأما نحن فما ~~شاهدنا ذلك (2). وأما الحندقوقي البري فأكثر نباته في بلاد النوبة، وبزره ~~حار يابس في آخر الدرجة الثانية، وفيه قوة تجلو. وذكر ديسقيريدس بقلة تسمى ~~مديعى. وزعم اصطفن (3) أن معنى مديعى الرطبة. وذكر أن هذه البقلة في ابتداء ~~نباتها تشبه الحندقوقي النابت في المروج مشاكلة لأغصانه وورقه، إلا أن لها ~~بزر ms361 له عظم كعظم العدس مقوس مثل القرن يستعمل كثيرا في الأشياء التي يطيب ~~بها الملح. ونباته تعلف به المواشي. وإذا تضمد به وهو رطب، سكن آلام ~~الأعضاء. # PageV00P381 # في النعنع أما النعنع فثلاثة (1) ضروب: لان منه ضرب يعرف بالنعنع على ~~الحقيقة يزرع في البساتين، وضرب يعرف بسيسنبر، وضرب يعرف بالنمام، وأهل ~~المغرب يسمونه المينتة. فأما النعنع على الحقيقة فهو ألطف وأقل حرارة من ~~الفوتنج (2) النهري، لان حرارة الفوتنج ويبسه في الدرجة الثانية، لان له ~~قوة قابضة مع رائحة عطرية ذكية. ولذلك صار مقويا للمعدة ومطيبا لها يعين ~~على قوة الهضم، مسكنا للغثي العارض من الرطوبة. وإذا شرب ورقه مع ماء ~~النمام، نفع من الفواق (3) العارض من البرد. وإذا شرب مع ماء الرمان المز ~~وحماض الأترج، نفع من الفواق الصفراوي وسكن الغثي والهيضة. وإذا أخذ ماؤه ~~الطري وماء قضبان قلوب الكرم ومرس فيهما شئ من خمير حامض وصفي وجعل فيه شئ ~~من سك (4) وقليل سكر مسحوق وشرب، فعل مثل ذلك أيضا وإذا دلك بورقه اللسان، ~~لين خشونته. وإذا عمل منه ضماد، نفع من عضة الكلب الكلب. وإذا مسح ماؤه على ~~الجبين والأصداغ، نفع من الصداع العارض من البرد والرياح البلغمانية. وإذا ~~حمل منه على الثدي الوارم من لبن تعقد فيه، أذاب اللبن وحلل الورم. وإذا ~~وضع منه طاقات (5) في اللبن الحليب، منعه أن يتجبن. وإذا تحملته المرأة من ~~وقت الجماع، أذاب النطفة ومنع الحبل، وإن كان في ذاته إذا أكل، قوى آلات ~~الجماع بعطريته وذكاء رائحته وزاد في المني برطوبته الفضلية المكتسبة من ~~الماء. وقد يكون في النعنع نوع آخر بري أعظم نباتا من السيسنبر قليلا على ~~ورقه زغب وفى رائحته زهومة. ولذلك صار أقل صلاحا في حال الصحة من البستاني. ~~وزعم قوم أن السيسنبر هو النمام البري. # PageV00P382 # في السيسنبر زعم ديسقيريدس أن السيسنبر يظهر في ابتداء أمره مستدير ~~الورق. فإذا نما وكبر، صار له تشريف مثل تشريف الجرجير. واشتق له قوم اسم ~~من اسم الحرف لان طعمه مشاكل لطعمه. وإذا كان ms362 رطبا، كان إسخانه وتجفيفه في ~~الدرجة الثانية. ولذلك صار لطيف الفعل جدا، نافعا (1) من المغص والفواق ~~العارضين من البرد والرطوبة، وبخاصة إذا شرب بشراب ريحاني. وإذا عمل منه ~~لطوخ، نقى الكلف بإذن الله. # في النمام ويسميه أهل الغرب المينتة النمام نوعان: لان منه الريفي، ومنه ~~البري. فأما الريفي فيسمى باليونانية أرقلس (2) وهو اسم مشتق من الدبيب، ~~لان عروقه تدب وتسعى في الأرض. وأي شئ منه ماس موضعا من الأرض، ضرب فيه ~~عروقا. وما ينبت منه في السياجات، كان أعظم نباتا وأنمى كثيرا ورائحته ~~شبيهة برائحة المرزنجوش. وفعله كفعل المرزنجوش، إلا أن المرزنجوش في علل ~~القوة أقوى كثيرا. # وأما البري فإنه لا يدب ولا يسعى في الأرض، لكنه ثابت قائم، وله أغصان ~~رقاق تصلح لرقتها، لفتل القناديل. وهي مملوءة ورقا (3) يشبه ورق السذاب إلى ~~الرقة ما هي، إلا أنها أطول وأصلب. وفى زهر النبات حرافة وطيب رائحة، وهو ~~أقوى وأسخن وأصلب في أعمال الطب من البستاني. ولذلك صار إذا شرب أو تضمد ~~به، أدر الطمث والبول ونفع من المغص ومن ضرب الهوام. وإذا عمل منه ضماد، ~~نفع من رض العضل وأورام الكبد. وإذا طبخ بخل وخلط معه شئ من دهن ورد وحمل ~~على الرأس، حلل البخارات المترقية إليه ونفع من الصداع العارض منها. وإذا ~~شرب منه أربع درخميات بخل، سكن القئ - وفي نسخة أخرى: سكن القئ الدمي -. # وذكر ديسقيريدس أن من النمام نوعا (4) آخر ينبت في الأراضي المبورة، وهو ~~شبيه بالنعنع إلا أنه أعرض ورقا وأطيب رائحة، وقوته مسخنة، وإذا شرب بشراب، ~~نفع من تقطير البول وفتت الحصى وسكن المغص والقئ وقطع الفواق العارض من ~~البرد والرطوبة. وإذا عمل منه ضماد نفع من لسع الزنابير والنحل. وإذا حمل ~~على الجبين والأصداغ، نفع من الصداع العارض من الرياح الغليظة. # PageV00P383 # في الجعدة فأما الجعدة (1) فنوعان: لان منه الريفي، ومنه الجبلي. فأما ~~الجبلي فله ساق طوله نحو من شبر وقصبته مملوءة بزرا وفى طرفها رأس صغير إلى ~~الاستدارة ما هو. ورائحته قوية، فيها شئ ms363 من عطرية. # وهذا النوع منه هو المستعمل في أخلاط المعجونات لان فيه من المرارة ~~والحدة ما ليس في النوع الآخر. # ولذلك صار تجفيفه في الدرجة الثالثة وإسخانه في الدرجة الثانية. ومن قبل ~~ذلك صار ملطفا للأخلاط الغليظة، مفتحا للسدد والأعضاء الباطنة، نافعا من ~~الاستسقاء ومن اليرقان العارض من سدد الكبد والمرارة والطحال، مدرا (1) ~~للطمث والبول. وإذا شرب بخل، نفع من أورام الطحال. وإذا طبخ وشرب، قتل ~~الدود وحب القرع وأخرجه من البطن ونفع من نهش الهوام وبخاصة العقارب. وإذا ~~افترش أو تدخن به، طرد الهوام أيضا. # وأما النوع الثاني المعروف بالريفي، فهو أعظم نباتا وأضعف رائحة من النوع ~~الأول. ولذلك صار فعله في جميع ما ذكرنا أضعف كثيرا، وذكر ديسقيريدس عن ~~النوعين جميعا أنهما مصدعان مضران بالمعدة، إلا أنهما مطلقان للبطن. # PageV00P384 # في الفوذنج أما الفوذنج فثلاثة أجناس: لان منه جنس مشهور عند العامة يعرف ~~بالضيا، وهو الفوذنج على الحقيقة. ومنه جنس يعرف بدقطمين ويسمجى أرطمسيتا ~~وهو مشكطرامشير (١). ومنه جنس يعرف بفاليجن (٢). فأما الفوذنج الحقيقي فهو ~~ثلاثة (٣) ضروب: لان منه الفوذنج النهري، ومنه الفوذنج البري، ومنه الفوذنج ~~الجبلي المسمى فلميتا (٤). فأما النهري فإن أهل مصر يسمونه حبق التمساح من ~~قبل أنه إنما ينبت دائما على شط النهر، وأنهارهم فلا تخلوا من التماسيح. ~~وأما أهل الشام فيسمونه حبق القناة وريحان القناة لأنه ينبت دائما على ~~السواقي التي يجري فيها الماء. # والجبلي من هذا النبات ورقه يشبه ورق الباذروج أو أطول قليلا إلا أنه أقل ~~خضرة منه كأنه يلي الغبرة قليلا وينبت في الخشونة والجبال، وأغصانه وقضبانه ~~مزواة وزهره فرفيري ورائحته ذكية قوية الحرافة جدا. # وأما الفوذنج البري، فهو شبيه بفالجن (٥) في الرائحة والطعم، إلا أن ورقه ~~أكبر منه قليلا وأصغر من ورق الفوذنج النهري والجبلي، وقوته أضعف من قوة ~~الفوذنج الجبلي. وأما الفوذنج النهري فيشبه النعناع الذي ليس ببستاني، إلا ~~أنه أطول منه ورقا وساقه وأغصانه أطول من ساق النوعين الآخرين وأغصانهما، ~~ورائحته وطعمه ألذ وأعطر إلا أن قوته أضعف. # ومن البين ms364 أن عروق هذه الأصناف لا ينتفع بها في شئ من علاج الطب أصلا. ~~فأما <ورقه> (6) فحار ملطف يحذو اللسان حذوا (7) قويا، ومن قبل ذلك ~~نسبه الأوائل إلى الحرارة واليبوسة. وقد يستدل على ذلك من التجربة، لان في ~~التجربة فائدة دليل على أنه مسخن لذاع محرق، لأنا نجده إذا سحق وحمل # PageV00P385 # على ظاهر البدن، أسخنه بدءا ثم لذعه وسلخه بإحراقه له. ولذلك صارت قوته ~~عظيمة التلطيف جدا، حتى أنه إذا شرب، نفع منه نهش الهوام. وإذا تقدم ~~الانسان بشربه وشربه قبل أن يناله شئ من السمائم بشراب ريحاني، لم يفعل فيه ~~السم شيئا. وإذا افترش أو تبخر به، طرد الهوام. وإذا ضمد به موضع اللسعة، ~~فعل مثل ما تفعله النار، لأنه يجذب السم والرطوبات من عمق البدن إلى ظاهره ~~بلطافة وسهولة. # وزعم ديسقيريدس أنه ينفع من الجذام لأنه (1) من طريق أن فيه تلطيف وتحليل ~~للأخلاط التي فيها بعض الرقة واللطافة فقط، لكن لان فيه مع ذلك أيضا تقطيع ~~شديد للأخلاط الغليظة المولدة لهذا الداء. # ومن قبل ذلك صار ورق هذا النبات يجلو الآثار السود إذا طلي عليها ويذهب ~~باللون الحائل الذي تحت العين. وأفضل ما استعمل لهذا الشأن، إذا طبخ ~~بالشراب وضمد به الموضع وبخاصة إذا كان طريا، لأنه إذا جف ويبس، صارت له ~~قوة قطاعة تحرق بسرعة وسهولة من قرب. وذلك أن مرارة هذا النبات وإن كانت ~~يسيرة، فإنها تفعل ما يفعل غيرها من المرارات القوية، ومن قبل أن معها ~~حرافة وجوهرا لطيفا (2) ومن هذه الجهة صار عصير هذا النبات إذا شرب أو ~~احتقن به، قتل الدود الصغار والحيات الكبار وبخاصة إذا شرب بعسل وشئ من ~~ملح. وإذا قطر من عصيره في الاذن، قتل الدود المتولد فيها. ومثل ذلك يفعل ~~في كل جراحة تتعفن ويتولد فيها الدود. وبهذا السبب صار يقتل الأجنة ويطرحها ~~وليس إنما (3) يفعل ذلك إذا شرب فقط، ولكنه يفعله أيضا إذا تحملته الامرأة ~~لان قوته قوة قطاعة لمكان حرافته ومرارته، وإن كان مقويا للمعدة معينا على ~~الهضم، ms365 مفتحا للسدد مدرا للبول، نافعا من ضيق النفس لجلائه وتنقيته ~~للرطوبات الغليظة من الصدر والرئة. وإذا أكل ورقه مع التين، نفع من ~~الاستسقاء ومن اليرقان السوداوي الكائن عن صفراء غليظة من جنس السوداء. ومن ~~خاصته تحليل نفخ الباقلي وطرد رياحه. ولذلك صار إذا طبخ مع الباقلي والعدس، ~~أزال رياحهما ونفخهما. # والجبلي أقوى فعلا من النهري والبري جميعا، وبخاصة من لذع الهوام، إلا أن ~~النهري أخص بإفساد المني لأنه يذيبه ويسيله ويمنع من الانعاظ، وذلك لجهتين: ~~إحداهما تحليله للرياح النافخة للقضيب، والثانية إضعافه لآلات المني ~~بتجفيفه لرطوباتها. ولهاتين الجهتين صار يعقر (4) الرجال، ويفعل قريبا من ~~ذلك في النساء. ويتجاوز ذلك إلى الدواب لما فيه من القوة على تجفيف المني. # والبري من هذا النبات مطلق للبطن، نافع للأرحام. والجبلي منه مقو لشهوة ~~الجماع مدر للبول والطمث، مانع للقئ العارض من الرطوبة، مسكن لها من قرب، ~~طراد للرياح، نافع من الاستسقاء ومن اليرقان العارض من سدد الطحال، محدر ~~للمرة السوداء ومخرج لها مع الثفل. وزعم ديسقيريدس أنه مخصوص بالنفع من لذع ~~العقارب # PageV00P386 # في مشكفاطمير وهو مشكطرامشيغ (1) وزعم قوم أنه البليجاسف (2) وقال قوم أن ~~البليجاسف هو القيصوم. وأما المشكطرامشير فهو نبات إذا أكلته الغنم، حلبت ~~دما. وسماه قوم غاليجون أغريا أي الفوذنج البري ويعلوه زئبر (3) شبيه ~~بالصوف ليس له زهر ولا ثمر، وفى طعمه حرافة قوية ولطافة أكثر من لطافة ~~الفوذنج البري. وأما في سائر حالاته وسائر أفعاله ومنافعه، فإنه شبيه به. ~~وزعم ديسقيريدس أن أفعاله شبيهة (4) بأفعال الفاليجون الأهلي وفعل صغير ~~العدس، إلا أنه أقوى منهما فعلا وأسرع تأثيرا. ومن خاصته تنقية الأرحام ~~وإخراج ما فيها من الرطوبات الغليظة السوداوية، ولذلك صار إذا شرب، طرح ~~الأجنة الميتة، وإن كان ليس إنما يفعل ذلك بالشراب فقط، لكنه قد يفعله أيضا ~~إذا تحملته المرأة أو تدخنت به. # وحكى ديسقيريدس عن قوم كانوا يزعمون أن الماعز ببلاد أقريطي كانت إذا ~~رميت بالنشاب ورعت هذا النبات، تساقط النشاب عنها. ومنه نوع آخر يعرف ~~بالباعست، وسماه قوم قشردودقطمين، ms366 ومعناه دقطمين كذب، وهو شبيه بدقطمين ~~الحقيقي إلا أنه في جميع أحواله أضعف منه فعلا. ومنه نوع ثالث له ورق شبيه ~~بورق السيسنبر ورائحته شبيهة برائحته، إلا أن أغصانه أكبر، وعلى أطرافها ~~زهر شبيه بزهر النمام البستاني - وفى نسخة أخرى شبيه بزهر السبرة (5)، وهو ~~في أفعاله وأحواله مشاكل لافعال دقطمين وأحواله، إلا أن فعله أضعف قليلا. ~~وقد يقع في أخلاط المراهم النافعة من نهش الهوام. والله أعلم. # PageV00P387 # في الغاليجن وهو ضرب من الفوذنج ويقال هو الذي يسمى بالرومية البلير أما ~~الغاليجن فزعم بعض الأوائل أنه نبات ينبت في الصحارى، ونباته طاقة على ~~طاقة، وورقه مستدير شبيه بورق الصعتر ورائحته، وله حرارة ملطفة منضجة. وإذا ~~شرب، أدر الطمث وأخرج المشيمة وطرح الأجنة، وإذا شرب بالماء والعسل، نقى ~~فضول الصدر والرئة. وإذا شرب بالخل الممزوج بالماء، سكن الغثيان ونفع من ~~الحرقة العارضة في المعدة من الرطوبات الحامضة والفضول السوداوية، وأسهل ~~فضولا كذلك. وإذا شرب بالشراب، نفع من نهش الهوام. وإذا أخذ الرطب منه وغمس ~~في الخل وقرب من الانف، نفع من الغشي العارض من الامتلاء. وإذا أحرق اليابس ~~منه وحمل على اللثة الرطبة المسترخية، نشف رطوباتها وقواها وشدها. وإذا ~~استعمل في القيروطي (١)، نفع من الثواليل التي يقال لها نيتوا (٢). وإذا ~~عمل منه ضماد بالملح، نفع المطحولين. وإذا استحم بمائه المطبوخ به، سكن ~~الحكة العارضة في سطح البدن من الرطوبات المتعفنة. وإذا جلس النساء في ~~طبيخه، نفع من رياح الأرحام وحلل الصلابة العارضة فيها. وزعم ديسقيريدس أن ~~قوما كانوا يسمون هذا النبات ثيجن واشتقوا له هذا الاسم من ثغاء الغنم لان ~~الغنم إذا رعته <كثر> ثغاؤها. # PageV00P388 # في الصعتر أما الصعتر (1) فحار يابس في الدرجة الثالثة ولا سيما البري ~~منه، وقوته ألطف من قوة الحاشا. # ولذلك صار محللا للنفخ والقراقر العارضة في المعدة والأمعاء المتولدة عن ~~الرطوبات الغليظة والأطعمة البعيدة الانهضام. ولهذه الجهة صار نافعا من ~~الثقل العارض للمعدة من غلظ الأغذية وثقلها لأنه يحدر مع البراز ثفلا ~~غليظا، ويحلل رياح المعدة والمعاء ونفخها، ms367 ويدر البول والطمث، ويحسن اللون، ~~ويحد البصر ويزيل الظلام العارض من الرطوبات الغليظة. ولذلك صار إذا أكل مع ~~الباذروج منع من إضرار الباذروج بالبصر. وإذا أكل بالتين، هيج العرق، ونفع ~~من أوجاع الحلق العارضة من الرطوبة. وإذا شرب منه يابسا بعسل وماء حار قدر ~~نصف رطل، أسهل مرة سوداء وأخرج الحيات وحب القرع. وإذا خلط ماء يطلى ويمسح ~~به في الحمام، نفع من اليرقان والجرب. وإذا استعط بمائه مع دهن، استفرغ ~~الرأس ونقاه. # وإذا قطر ماؤه في الاذنين مع لبن امرأة، سكن وجعها. وإذا عمل منه (2) ~~ضماد مع الحنطة المبروشة، نفع من وجع الأورام العارضة من برد ورطوبة. ~~والبري في جميع ما ذكرنا أقوى فعلا من البستاني، والجبلي أقوى من البري، ~~وزعم الفاضل أبقراط أن الصعتر شبيه بالفوذنج الجبلي في فعله وأحواله. # PageV00P389 # في الحاشا أما الحاشا (1) فيسخن إسخانا قويا شبيها بإسخان الصعتر، لان ~~حرارته ويبسه في الدرجة الثالثة ولذلك صارت قوته مدرة للبول والطمث، مخرجة ~~للأجنة. وإذا استعمل طبيخه، نفع من الربو وعسر النفس. وإذا عجن بعسل ولعق، ~~نقى الصدر والرئة، وإذا شرب بالماء والخل، أسهل فضلا غليظا بلغمانيا وأخرج ~~الدود الطوال وحسن اللون. وإذا خلط بالطعام وأكل، نفع من ظلام البصر العارض ~~من الرطوبات الغليظة، وأحدر مع البراز فضولا سوداوية. وفعله في جميع ما ~~ذكرنا أقوى من فعل الصعتر. # في الافيثمون أما ألافيثمون فنوع من الصعتر، وأهل الشام يسمونه الصعتيرة. ~~وقوته كقوة الحاشا، إلا أنه أقوى فعلا في كل شئ من الحاشا لان إسخانه ~~وتجفيفه في آخر الدرجة الثالثة. ولذلك صار يحدث عطشا وجفافا في الفم. وإن ~~أراد مريد أخذه، فلا يستقصي (2) دقة ويلته (3) بدهن اللوز الحلو. والمختار ~~منه ما كان أحمر رزينا مجلوبا من أقريطيا ومن بيت المقدس. # PageV00P390 # في الزوفا الزوفا نوعان: لان منه البستاني، ومنه الجبلي. والجبلي أسخن ~~وأقوى من البستاني كثيرا، وإن كانت (1) قوتهما جميعا تسخن وتجفف في الدرجة ~~الثالثة. ولذلك صار (2) فيهما تلطيف قوي. وإذا طبخا بالتين والشراب والعسل، ~~كان طبيخهما نافعا من أورام الرئة ms368 والربو وعسر النفس، وسكن السعال العارض ~~من النوازل المنحدرة إلى الصدر والرئة. وإذا شرب طبيخهما بالسكنجبين، أسهل ~~كيموسا غليظا. وإذا أكل بالتين الرطب، أحدر الطبيعة. وإذا شرب بشراب أياما ~~متتابعة، نفع من الاستسقاء ومن نهش الهوام. فإن خلط مع ذلك إيرسا (3) أو ~~قرطمانا، كان أقوى لاسهالهما، وإذا لعقا (4) بالعسل، قتلا (5) الدود الذي ~~في البطن وحسنا (5) اللون. وإذا طبخا مع التين وتغرغر بطبيخهما وعجنا بطلاء ~~وعمل منهما ضماد (6)، حللا الأورام ورم (7) الطحال. وإذا طبخا بماء وحملا ~~على العين. نفع من نزول الماء في العين. وإذا طبخا بخل وتمضمض بمائهما، ~~نفعا من وجع الأسنان. وإذا كبت (8) الاذن على بخار طبيخهما، حلل الريح ~~العارض فيها. وإذ عمل منهما ضماد معجون بماء حار، حللا الدم الميت الكائن ~~تحت الجلد. # PageV00P391 # في الزوفرا الزوفرا (1) حار يابس في الدرجة الثالثة. وخاصته تحليل ما في ~~الأمعاء من الرياح الغليظة وتنقية الكبد والأوراد من الفضول الغليظة بدروره ~~البول والطمث، والنفع من الأمغاص والسعال المتقادم بجلائه وغسله وتنقيته ~~للصدر والرئة. وزعم ديسقيريدس أنه زائد في الباه. # في لسان الثور ويسمى أنبلس أما لسان الثور فزعم قوم أنه ورق المرو البري. ~~وقال ديسقيريدس إنها شجرة لها ورق مع الأرض في صفحه خشونة شبيهة (2) بخشونة ~~لسان الثور الحيواني. وإنما اشتق له هذا الاسم لشبهه بلسان الثور في شكله ~~وخشونته ولونه. وذلك أن لونه مسني مائل إلى السواد قليلا. وأما مزاجه فحار ~~رطب في الدرجة الأولى. ومن خاصته إذا ألقي في الشراب، أحدث لشاربه سرورا. ~~ولذلك أدخلته الأوائل في أدوية الخفقان لأنه مفرح للقلب ومقو له. وإذا طبخ ~~بالماء وشرب طبيخه بشئ من عسل أو سكر، نفع من خشونة الحنجرة وخشونة قصبة ~~الرئة. # PageV00P392 # في لسان الحمل ويسمى أنفلس ولسان الحمل صنفان: أحدهما صغير إلا أن ورقه ~~أدق وأصغر وأقل خشونة من ورق الكبير، وعوده مزوى (1) قليل الارتفاع من ~~الأرض جدا. وله زهر أصفر. وأما الكبير فهو أخشن وأعرض ورقا. وساقه أكثر ~~ارتفاعا من الأرض، لان طوله نحو من ذرع، وشكله مزوى، وأصله رخو ms369 له غلظ كغلظ ~~الإصبع، وعليه زغب أبيض وعلى ساقه من وسطه إلى أعلاه بزر رقيق. وأكثر ما ~~ينبت في الآجام والساحات والمواضع الرطبة. وأعظمهما منفعة الكبير، وإن كانا ~~جميعا مركبين من قوة مائية باردة وقوة مجففة أرضية قابضة. ولذا صار بردهما ~~وتجفيفهما في الدرجة الثالثة لان يبسهما غير لذاع، وبردهما يضعف عن حد ما ~~يجذب. وأصلهما وبزرهما قريبان في القوة، إلا أنهما أيبس من الورق وأقل ~~برودة. والبزر ألطف من الأصل، والأصل أغلظ من البزر. وإذا جف الورق، صارت ~~قوته ألطف وأقل رطوبة، لان الجزء المائي الذي كان فيه وهو رطب قد زال عنه. # ولما كان كل غذاء أو دواء يجتمع فيه التجفيف والقبض اللطيف مانعا لسيلان ~~الدم نافعا من القروح الخبيثة والمواد المتحلبة، كان هذا النبات أيضا قاطعا ~~لسيلان الدم مانعا لانبعاثه من الصدر ونافعا من قروح الرئة والمعاء مسكنا ~~للالتهاب العارض فيها. وإذا طبخ أصل هذا النبات وتمضمض به، نفع من وجع ~~الأسنان. والماء المستخرج منه وهو طري يفعل مثل ذلك أيضا. وأما في علاج ~~الكبد والكلى، فإن الورق والأصل يستعملان جميعا. والأفضل في ذلك ثمرته لان ~~فيها قوة تجلو. وعسى أن تكون هذه القوة موجودة في النبات أيضا ما دام طريا ~~إلا أن فعله لا يظهر لان الرطوبة الفضلية الغالبة عليه تخفي فعله وتستره. # PageV00P393 # في البلسان وأما البلسان فيسخن ويجفف في الدرجة الثانية، لان فيه حرافة ~~يسيرة مع عطرية ذكية لذيذة بها صار في دهنه منافع كثيرة يصل بها إلى أقاصي ~~البدن، ويوصل معه ما يخالطه من الأدوية، ويلطف الفضول وينضجها. وقد ظن به ~~قوم لما رأوا من عطريته وذكاء رائحته ويسير حرافته أن فيه من الاسخان مقدار ~~أكبر، فأنكر جالينوس ذلك على من قاله وخطأه، وقال أن إسخان البلسان لو كان ~~أقوى مما هو عليه، لكان الاحراق أولى به، من التلطيف. # وأقوى ما في البلسان دهنه، وبعده حبه، وبعد حبه قشره الأخضر الذي يلي ~~العود ويحيط به ويخالطه وبخاصة إذا أخرج من الدهن لان لطافة الدهن ms370 التي ~~كانت، قد زالت عنه. ويدل على ذلك ضعف رائحته. ومن منافع دهن البلسان أنه ~~مدر للبول، نافع من عسر النفس لتلطيفه للفضول وإنضاجه للاثفال. وإذا شرب ~~باللبن، نفع من نهش الهوام ومن شرب السم المسمى أبونيطس (1). وإذا طلي على ~~البياض العارض في البدن، غيره ونقاه. وإذا اكتحل به، نفع من ظلام البصر ومن ~~نزول الماء الأسود في العين. وإذا مسح به الظهر، نفع من النافض (2) وأبطل ~~فعلها. وإذا مسحت (3) به القروح الوسخة، نقى وسخها. وإذا تحملته المرأة مع ~~شئ من شمع ودهن ورد، أخرج الجنين والمشيمة. وإذ تبخرته النساء، أعان على ~~الحبل الممنوع من الرطوبة والرياح الغليظة، لأنه نشاف وبخاصة رطوبات ~~الأرحام. # وكثيرا ما يستعمل في الأدوية التي تحلل الاعياء، وقد يستعمله العطارون ~~كثيرا في الطيب لعطريته وذكاء رائحته. # وأما حب البلسان فنافع من نهش الهوام ومن السدد وعسر النفس الذي لا يمكن ~~منه التنفس إلا بعد # PageV00P394 # الانتصاب، وقد ينفع أيضا في رياح الأرحام وعسر البول والأمغاص العارضة من ~~الرياح الغليظة. وإذا طبخ وجلس النساء في مائه، فتح أفواه الأرحام وجذب ~~منها رطوبة غزيرة. وأما عود البلسان فإنه ما دام طريا رطبا، فقوته كقوة حب ~~البلسان، ولذلك صار إذا طبخ وشرب ماؤه، أدر البول ونفع من سوء الهضم ومن ~~تشنج العصب ونهش الهوام. وأما ورق البلسان فإن عصيره إذا شرب، نفع من العلق ~~الذي في الحلق ومن الصداع العارض من الرطوبات الغليظة. وإذا دق قشر قضبانه ~~وعجن بخل وطلي على الثواليل، قلعها. # والمختار من دهن البلسان ما كان حديثا له رائحة قوية ذكية سليمة من ~~الشوائب والاعراض، أعني ألا يكون فيه شئ من رائحة الحموضة ولا الزنخ. ويكون ~~مع هذا لينا قابضا سريع الانحلال يلذع اللسان لذعا يسيرا. والمختار من الحب ~~ما كان كثيرا رزينا ممتلئا أشقر اللون يحذو اللسان ويلذعه يسيرا. # وإذا مضغ، فاحت منه رائحة دهن البلسان. والمختار من العود ما كان حديثا ~~رقيقا أحمر القشر الاعلى له رائحة قريبة من رائحة دهن البلسان. وقد يغش ~~الدهن ms371 بضروب من الغش لان منه ما يغش بدهن الحبة الخضراء المعروفة بالبطم. ~~ومنه ما يغش بدهن الحناء. ومنه ما يغش بدهن المصطكى أو بدهن السوسن أو (1) ~~بالعسل والشمع. # والخالص منه إذا قطر منه على اللبن، أجمده. وإذا قطر على الماء، انحل ~~بسرعة، وصار قوامه قوام اللبن. والمغشوش منه إذا قطر على الماء، بقي طافيا ~~عواما وتقطعت أجزاؤه على وجه الماء، وصار بمنزلة الكواكب المتفرقة. وقد ظن ~~قوم أن الخالص منه إذا قطر على الماء، غاص بدءا وهبط سفلا وصار إلى قعر ~~الماء، ثم ارتفع وطفا وصار عواما من غير أن يخالط أصلا. وهذا ظن خطأ. وأما ~~الحب فإنه يغش بحب يؤتى به من بلدة يقال لها نطراثيرن، والفرق بينهما أن ~~الحب المجلوب من هذه البلدة، حب صغير فارغ ضعيف القوة، له طعم كطعم الفلفل. ~~وحب البلسان الحقيقي كبير رزين ممتلئ يحذو اللسان ويلذعه لذعا يسيرا، وتفوح ~~منه رائحة دهن البلسان. # PageV00P395 # في حي العالم معنى حي العالم الحي أبدا. وإنما سمي هذا الاسم لأنه طري ~~أبدا لا يطرح ورقه في وقت من الأوقات، إلا أنه على ضربين: لان منه كبير، ~~ومنه صغير. فأما الكبير فله قضبان طولها نحو من ذراع أو أكبر قليلا، وغلظها ~~غلظ الابهام، وورقها شبيه بأطراف الألسن. وإذا كان هذا النبات غضا، كانت ~~رطوبته تدبق باليد. ومن اليونانيين من سماه نيثلس، ومعنى هذا الاسم عين ~~البقرة لان أصله ومنبته حوالي القضبان كأنه شكل عين حيوان. وما كان منه من ~~الورق في أسفل النبات، كان مستلقيا على الأرض وما كان منه في أعلى النبات، ~~كان قائما بعضه على بعض، وقوته مبردة في الدرجة الثالثة مع تجفيف يسير. ~~ولذلك صار نافعا من الاسهال المري وقروح الأمعاء. وإذا خلطت عصارته بدهن ~~بنفسج أو بدهن ورد، كانت نافعة من الصداع الصفراوي. وإذا شربت بشراب، أخرجت ~~الدود المستطيل من البطن وطرحت الجنين. وإذا تحملتها المرأة، نفعت من سيلان ~~الرطوبات إلى الأرحام - وفى نسخة حرى: وقطعت الطمث، وقال ديسقيريدس: وطرحت ~~الجنين -. وإذا اكتحل بعصارتها، ms372 نفعت من وجع العين. وإذا حملت على الأورام ~~الحادة أو الحمرة، سكنت حرارتها ونفعت من حرق النار. # وأما حي العالم الصغير فينبت في السباخات والخنادق والمواضع الظليلة، وله ~~قضبان صغار تخرج من أصل واحد. وهي مملوءة ورقا صغارا (1) إلى الطول ما هو، ~~كأنه ورق الباقلي في أطرافها حدة، ولها رطوبة تدبق باليد. وفى وسط هذا ~~النبات قضيب طوله نحو من شبر، وعليه إكليل له زهر أصفر رقيق - وفى نسخة ~~أخرى: زهر أبيض رقيق - وقوة زهره مثل قوة النوع الأول، وفعله مثل فعله. ~~وذكر ديسقيريدس نوعا ثالثا من حي العالم زعم أن له ورقا مبسوطا مسطوحا (2) ~~شبيها بورق البقلة الحمقاء، إذا عمل منه ضماد مع شحم عتيق حلل الأورام. # PageV00P396 # في سطراطليطلس أي الفارس على الماء زعم ديسقيريدس أن هذه البقلة ورق يظهر ~~على وجه الماء شبيه بورق حي العالم إلا أنه أكبر قليلا، وقوته قوة مبردة. ~~وإذ شربت، قطعت نزف الدم. وإذا تضمد بها مع الخل، نفعت من الحمرة وسائر ~~الأورام الصفراوية المزمنة. ومما هو داخل في هذا الجنس من النبات، بقلة ~~تدعى عصا الراعي، وتسمى بالسريانية (مرعاتا) ومعناه راعي الغنم. لان (عاتا) ~~باللسان السرياني: الغنم. وتسمى بالفارسية النرسبادارو، وهو السبطباط. هذه ~~البقلة فيها قبض والأغلب عليها الجوهر المائي، ولذلك صارت باردة في الدرجة ~~الثانية وفى أول الثالثة. ولهذه الجهة، صارت نافعة من الالتهاب العارض في ~~المعدة إذا حملت عليها من خارج. وإذا شربت، نفعت من النزف العارض للنساء، ~~ومن انبعاث الدم حيث كان، لأنها تردع المواد المنصبة وتمنعها من الانصباب ~~لما فيها من القبض والتبريد. ولذلك صارت نافعة من الأورام المعروفة بالحمرة ~~والقروح المتورمة. وإذا حملت على العين الهائجة من الدم، سكنت آلامها. وإذ ~~عصر ماؤها واحتقن به مع شئ من دهن ورد، نفع من قروح الأمعاء وذهب بالمغص ~~الحادث من نكاية (2) الأدوية. وإذا استعط بمائها مع كافور، قطع الرعاف ~~الكائن مع الحرارة. # والذكر من هذا النبات أقوى في جميع ما ذكرنا من الأنثى. وزعم ديسقيريدس ~~أن هذا النبات مدر ms373 للبول، ولم يوضح أي عسر بول هذا النبات نافع منه. فأقول: ~~إن هذا النبات إنما ينفع من هذه العلة إذا كانت من أحد شيئين: إما من حدة ~~الصفراء وتجفيفها، وإما من ورم حار يعرض لعمق المثانة. # PageV00P397 # في البقلة الحمقاء المعروفة بالرجلة ويسمونها، أهل الغرب، البردلافش (1) ~~البقلة الحمقاء باردة في الدرجة الثالثة، رطبة في الدرجة الثانية، لان في ~~قضبانها قبض يسير. فلما في ورقها من البرودة والرطوبة، صارت نافعة من ~~الالتهاب والتلذيع العارض للمعدة والأرحام والكلى والمثانة ومسكنة لحرارة ~~الحميات، وقامعة لحدتها. ولما في قضبانها من القبض اليسير، صارت مقوية ~~للمعدة والأمعاء، نافعة من القروح العارضة فيها وفى المثانة، قاطعة لنفث ~~الدم. وماؤها في جملتها إذا شرب، أخرج حب القرع من البطن. وإذا عمل منه ~~ضماد وحمل على الجبين والأصداغ، نفع من الصدع الصفراوي، وسكن التهاب الدم. ~~وإذا خلط ماؤها بدهن ورد وصب على الرأس، نفع من الصداع العارض من حرارة ~~الشمس ووهج السموم. وإذا خلط ماؤها بشراب وغسل به الرأس، نفع من البثرة ~~العارضة فيه. وإذا أكلت قضبانها، ذهبت بالاسهال المري وسحج الأمعاء. وإذ ~~مضغت البقلة بجملتها نفعت من الضرس لأنها تملس الأسنان وتملأ خشونتها التي ~~عرضت لها من ملاقاة الأشياء الحامضة والطعومات الخشنة. وإذ عمل منه ضماد، ~~نفعت من البواسير التي يسيل منها الدم. # PageV00P398 # في البقلة الرومية التي تسمى القطف وتسمى السرمق (1) هذه البقلة معروفة ~~مشهورة إلا أنها على ضربين: لان منها بري، ومنها بستاني. والبستاني منه ~~يبرد في الدرجة الأولى، ويرطب في الثانية. وليس في رطوباتهما قبض ولا هي ~~أيضا بأرضية غليظة كرطوبة الملوخية، لكنها رقيقة مائية. ولذلك صار نفوذها ~~في البدن أسرع كثيرا، إلا أن فيها شيئا (2) من لزوجة الملوخية مع شئ من ~~تحليل. # وأما البري فهو أقل تبريدا وأكثر تحليلا. ولذلك صار أضعف فعلا في تبريد ~~الأورام المعروفة بالحمرة، إلا أنه أوفق للكهول وأنفع في منتهى الأورام ~~الحادة ووقت صلابتها لحاجتها في ذلك الوقت إلى ما كان تحليله أقوى وتبريده ~~أضعف. وأما البستاني فهو أوفق للشبان ms374 وأنفع في ابتداء الأورام الحارة ~~لحاجتها في ابتدائها إلى ما كان تبريده أكثر وتحليله أقل. وأما بزر القطف ~~ففيه قوة تجلو وتنقي. ولذلك صار نافعا من اليرقان العارض من سدد الكبد. وإذ ~~شرب منه وزن درهمين بعسل وماء حار، قيأ مرة صفراء. # في الاسفاناخ أما الاسفاناخ فبارد رطب في آخر الدرجة الأولى ملين ~~للطبيعة، نافع من الأوجاع الحادثة من المرة الصفراء. وهو في فعله وطبيعته ~~قريب من القطف والبقلة اليمانية، إلا أنه أفضل للمعدة من القطف # PageV00P399 # في البقلة اليمانية ويسميها أهل الغرب أبليدش (1) البقلة اليمانية باردة ~~رطبة في الدرجة الثانية مولدة للخلط المحمود، ملينة للبطن على مذهب الغذاء ~~لا على مذهب الدواء. ولذلك صارت نافعة للمحرورين لأنها مسكنة للعطش ملينة ~~للسعال العارض من الحرارة. وأفضل ما تؤكل بماء الرمان الحلو ودهن اللوز ~~والكسفرة (2) اليابسة والرطبة. وخاصتها قطع العطش الصفراوي. # في البقلة اليهودية وهي البليدش أما البقلة اليهودية ففيها من الحرارة ما ~~يفوق الاعتدال أو مساو له، ومن اليبوسة اللطيفة مقدار ليس باليسير ولذلك ~~صارت حرارتها في أول الدرجة الثانية، ويبسها في الأولى، ولهذا صارت لطيفة ~~سريعة الانحدار مولدة للخلط المحمود. # PageV00P400 # في الخبازى الخبازى على ضربين: أحدهما بستاني وهو المعروف عند أهل الشام ~~بالملوخية، والآخر بري وهو الخبازى على الحقيقة. والملوخية أفضل للغذاء من ~~الخبازى الحقيقي وإن كانا جميعا رديئين للمعدة لفضل لزوجتهما ولعابيتهما ~~وبخاصة المعدة المرطوبة لأنهما يرخيانها (1) ويملسان خشونة خملها، من قبل ~~أن فيهما من الرطوبة واللزوجة ما ليس باليسير وإن كانا أبعد من البرودة من ~~الخس. ويستدل على ذلك من تأثيرهما، وذلك لو أن إنسانا اتخذ ضمادا من الخس ~~وضمادا من الخبازى وحمل كل واحد منهما على الورم المعروف بالحمرة، لوجد ~~الخس يبرد تبريدا بينا، والخبازى يسخن إسخانا يسيرا لذيذا عند الحاسة، إلا ~~أنه لفضل رطوبة الخبازى والملوخية، صارا سريعي الانحدار عن المعدة قويين ~~على إطلاق البطن. # وأما انهضامهما فمتوسط بين السرعة والابطاء، وبخاصة قضبانهما البارزة ~~المعراة من الورق. وإذا تعذر انحدارهما ولم يطلقا البطن، ولدا (2) رياحا ~~ونفخا. ms375 ومن قبل ذلك احتاجا إلى ما يقطع غلظهما ولزوجتهما ويعين على ~~انحدارهما مثل المري والفلفل وما شاكل ذلك، لأنهما إذا انهضما نال البدن من ~~غذائهما أكثر من غذاء غيرهما من البقول، وزادا في اللبن من قبل أن الدم ~~المتولد عنهما وإن كان مائلا إلى البلغم، فإنه ليس بالغليظ ولا باللزج. ومن ~~فعلهما على سبيل الدواء، أنهما إذا أكلا أدرا البول، وإذا دق ورقهما وخلط ~~بدهن ورد، نفع من حرق النار وأذبل البواسير. وإذا عمل من ورقهما ضماد (3)، ~~كان نافعا من لسع الزنابير والنحل. وإذا دق الورق وخلط بزيت وتمسح به ~~الانسان ثم لسعته الزنابير والنحل، لم تحك (4) اللسعة فيه. وإذا طبخ الورق ~~مع الأصل وشرب طبيخهما، نفع من لسع الرتيلاء ومن شرب الأدوية القتالة، ~~وبخاصة إذا تقيأ الانسان بعد شربه لطبيخهما وأدمن ذلك مرارا إلى أن يسكن ~~الوجع. # PageV00P401 # ومن خاصة قضبانها المعراة من الورق، النفع من علل الكلى والمثانة. ~~وبزرهما على ذلك أقوى فعلا، وأظهر تأثيرا إلا أن البزر أقل رطوبة. وفضل ~~البزر على القضبان والأصل بحسب فضل يبسه عليهما. ولذلك صار البزر أخص ~~بالنفع من أوجاع الكلى والمثانة. وإذا طبخ البزر بالشراب وشئ من حندقوقي ~~وشرب، سكن أوجاعهما أيضا. والبري في جميع ما ذكرنا أقوى فعلا من البستاني، ~~خلا جودة الغذاء فإن البستاني أصلح وأحمد. ورأيت نوعا ثالثا من الخبازى ~~يسمونه بمصر ملوخية السودان، ويعرف بالعراق بالشوشندبيا، وقوته، وفعله، ~~متوسطة بين قوة الملوخية والخبازى لأنه أقل غذاء من الملوخية وأكثر غذاء من ~~الخبازى والله أعلم. PageV00P402 # في الخطمية أما الخطمية فهي صنف من أصناف الخبازى. وله ورق مستدير على ~~شكل ورق القرع، إلا أنه أصغر كثيرا. فإذا علا وارتفع من الأرض، تشققت أطراف ~~الورق، وصار له تشريف كأنه قريب من ورق الخبازى، ولونه على لون ورق القرع. ~~لان خضرته أقل من خضرة ورق الخبازى، من قبل أن له زئبر يعلوه، يلي البياض ~~قليلا شبيه بزئبر ورق القرع، طول ساقه من الأرض مقدار ذراعين أو ثلاثة ~~أذرع، ويعلوه من نصف القضيب ms376 إلى أعلاه ورد مستدير على شكل ورد السوسن. ~~ويمتاز من ورق السوسن بأنه مسفوح. وهو غير متشقق ولا منقسم الاجزاء وأكثره ~~يكون أحمر اللون إلا أن حمرته متوسطة بين حمرة الورد وحمرة شقائق النعمان ~~قرمزية. وكثير ما يكون منه ورد أبيض على بياض ورد السوسن الأبيض. # وفى ورق هذا النبات وورده وأصله وقضبانه لزوجة نتبين منها إذا دقت وضربت ~~بالماء، إلا أنها في الورد والورق كثيرا. وأهل العراق يغسلون رؤوسهم بطحين ~~الورد الأبيض من هذا النبات في الحمامات. # وباطن أصل هذا النبات أبيض، وخارجه أغبر، وقوة ورقه ترخي وتحلل وتمنع من ~~حدوث الأورام الدمية وتسكن أوجاع ما يتولد منها وتنضج المواد. والأصل ~~والبزر يفعلان مثل ذلك أيضا إلا أنها ألطف وأكثر تجفيفا وأشد تحليلا وأقوى ~~جلاء. ومن قبل ذلك صار هذا النبات نافعا من أورام الثديين وأورام المقعدة ~~وتهشم الرأس، وتمدد الأعصاب والأورام الاسفنجية العارضة في جفون العينين ~~لأنه يحلل وينضج ويدمل. # وأما بزره فيفتت الحصا التي في الكلى. وإذا دق البزر وعجن بخل وزيت وطلي ~~على البدن، نفع من مضرة ذوات السموم من الهوام. وإذا شرب طبيخه بخل ممزوج ~~بماء أو شراب، نفع من لسع النحل ومن لسع ما لطف جرمه من ذوات السموم، ومن ~~نفث الدم وقرح الأمعاء. وأصل هذا النبات إذا سحق PageV00P403 # وخلط بماء وصير في برد الهواء من أول (1) الليل إلى الصبح، أجمد الماء. ~~وماء طبيخه إذا شرب، نفع من نفث الدم وقروح الأمعاء واستطلاق البطن، لان ~~فيه قوة قابضة. وإذا شرب طبيخه بشراب، نقى الفضول الغليظة من الكلى وفتت ~~الحصا ونفع من عسر البول والارتعاش وشدخ العضل. وإذ خلط بشراب ودق وخلط ~~بشحم إوز وصمغ البطم وتحملته المرأة، نفع من الأورام العارضة للأرحام وحلل ~~انضمام الرحم. وطبيخه وحده يفعل مثل ذلك أيضا، لأنه يحلل وينضج وينقي ~~الفضول ويحلل الأورام. # في القنابرى أما القنابرى (2) فحار يابس في الدرجة الثالثة، يغذو غذاء ~~يسيرا (3) ليس بردئ الكيموس ويغسل وينقي. فإذا أكل بملح، فتق شهوة الطعام ~~(4)، ونقى ما في ms377 الصدر والرئة من الكيموسات الغليظة وفتح سدد الكبد ~~والطحال. وإذا أدمن أكله، ولد كيموسا حريفا. وإذا استعط به، نقى الدماغ من ~~الكيموسات الغليظة. وزعم جالينوس أنه ما امتحن هذه البقلة ولا وقف على شئ ~~من طبعها. # في القاقلى القاقلى حارة يابسة في آخر الدرجة الأولى. وخاصتها تطييب ~~الجشاء، وهي جيدة الكيموس، إلا أن لها إبطاء في المعدة. والله أعلم. # PageV00P404 # في الحماض وهي البقلة الخراسانية أما البقلة الخراسانية فهي نوع من ~~الحماض لان الحماض على ضربين: أحدهما تفه لا طعم له، وورقه شبيه بورق ~~الهندباء البري، أو بورق لسان الحمل الكبير، والآخر في طعمه حموضة، وورقه ~~شبيه بورق الكرنب اللطيف، وهذا النوع هو المسمى البقلة الخراسانية. # وأما الأول منها الذي لا طعم له، الشبيه بورق الهندباء البري، ففيه قوة ~~تحلل تحليلا يسيرا لأنه مشاكل للسلق في قوته وتفاهته، إلا أن السلق ألذ ~~طعما لان في طعمه ملوحة يسيرة. ولذلك صار أكثر إسخانا وإن كان في هذه ~~البقلة أيضا رطوبة مسخنة ملزجة مطلقة للبطن، لأنا نجدها إذا طبخت من غير أن ~~تطجن (1)، أطلقت البطن وأحدرت ما فيه بسرعة، ونقت من سحج الأمعاء إذا كان ~~الثفل يابسا لازلاقها للثفل وتغريتها. فإذا طبخت بدهن ورد أو بزيت انفاق، ~~زالت عنها رطوبتها ولزوجتها وصارت حابسة للبطن ولا سيما إذا طيبت بماء رمان ~~حامض وحماض الأترج أو بماء البرباريس (2) وماء السماق. # وأما النوع الحامض المعروف بالبقلة الخراسانية، فإنه بارد يابس في وسط ~~الدرجة الثالثة حابس للبطن مسكن لحدة الصفراء، مولد لشهوة الطعام إن كان ~~سبب فسادها الحرارة. ولذلك صار نافعا للمحرورين ضارا بالمبلغمين. وذكر ~~جالينوس في بزر النوعين جميعا أن فيه قوة قابضة مانعة للاسهال نافعة من ~~قروح الأمعاء، إلا أن بزر الحامض منها أقوى فعلا وأظهر تأثيرا. # وأما ديسقيريدس، فإنه صير أنواع الحماض أربعة، وذكر أن أحدها بستاني عريض ~~شبيه بورق # PageV00P405 # السلق. والثاني ينبت في الآجام وساقه صلب محدد الأطراف. والثالث بري صغير ~~المقدار قمي (1) ناعم الورق وصورته صورة لسان الحمل الكبير. والرابع جبلي ~~له ms378 ورق شبيه بورق الحماض البري، وساقه صلب محدد الأطراف وليس له عظم وثمره ~~أحمر حامض فيه حرافة يسيرة. وزعم في البستاني منها الشبيه بورق السلق، أنه ~~إذا طبخ وشرب طبيخه، لين البطن. وإذا عمل منه ضماد بدهن ورد وشئ من زعفران، ~~حلل الأورام المعروفة بالشهدية. وذكر في الثلاثة الأخرى، أعني البري ~~والجبلي والنابت في الآجام أنها نافعة من الغثيان والاسهال المزمن وقروح ~~الأمعاء ولسع العقارب، حتى أنه قال: وإذا تقدم الانسان وشرب منها شيئا ثم ~~لسعته عقرب، لم تحك اللسعة فيه. وإذا طبخ أصلها بخل ومطبوخ (2) وعمل منه ~~لطوخ، نفع من الجرب المتقرح والقوابي والتقشير العارض في الأظفار بعد أن ~~يدلك الموضع قبل استعماله بنطرون وخل في الشمس. وإذا طبخ أصلها بماء واغتسل ~~بها في الحمام، نفع من الحكة العارضة في البدن. وإذا طبخ بشراب وشرب، نفع ~~من اليرقان المتقادم وفتت الحصا المتولد في المثانة وأدر البول والطمث، ~~ونفع من لسع العقارب. # وإذا طبخ بخل وعمل منه ضماد، حلل وجسأ (3) الطحال ولين ورمه. وإذا طبخ ~~بشراب وتمضمض به، نفع من وجع الأسنان. وإذا سحق وتحملته المرأة، قطع سيلان ~~الرطوبة من الرحم. وإذا طبخ بشراب وحمل على الخنازير (4)، حللها. وكذلك ~~يفعل في الأورام التي في الآذان. # PageV00P406 # في السلق السلق نوعان: أحدهما مسني اللون شديد الخضرة مائل إلى السواد ~~قليلا. والآخر فستقي اللون قليل الخضرة مائل إلى الصفرة قليلا. والصنفان ~~جميعا حاران في الدرجة الأولى، مولدان غذاء مذموما ويضران بالمعدة وبخاصة ~~المائل منها إلى الصفرة قليلا، لان فيه رطوبة بورقية لذاعة من لزوجة فيها ~~يسيرة. وإذا قستها إلى رطوبة الخبازى والخس وجدتها ألطف وأقل لزوجة وأكثر ~~جلاء، ووجدت رطوبة الخبازى أغلظ وأكثر لزوجة وأقل جلاء، والخس متوسط ~~بينهما. ولذلك صار هذا الصنف من السلق، أعني القليل الخضرة المائل إلى ~~الصفرة، من التلطيف وتفتيح سدد الكبد والطحال والاطلاق للبطن أقوى فعلا ~~وأكثر منفعة. وإذا سلق وطيب بالخل والمري والكراويا والزيت الانفاق أو دهن ~~اللوز، كان انهضامه أسرع وانحداره أقرب وأسهل وغذى غذاء يسيرا ms379 وأطلق البطن ~~ونفع من سدد الكبد المتولدة عن الأخلاط الغليظة. وإذا سلق ورمي ماؤه وطجن ~~بالزيت الانفاق، زالت عنه رطوبته البورقية التي كان بها مطلقا، وصار حابسا ~~للبطن. ولذلك قال الفاضل أبقراط: إن ماء السلق مطلق للبطن وجرمه حابس لها. ~~وأما عصارة السلق، فإنه إذا استعط بها، نقت الدماغ ونفعت من وجع الاذنين. ~~وإذا دق الورق وضمد به البهق بعد أن يغسل الموضع بنطرون، نقاه. وإذا جرد ~~داء الثعلب وحمل عليه ورق السلق مدقوقا، أنبت الشعر فيه وطبيخ ورقه نافع من ~~البثور وحرق النار. وأما أصل هذا الصنف من السلق، أعني القليل الخضرة ~~المائل إلى الصفرة، فإنه أغلظ وأبطأ انهضاما وأكثر توليدا للنفخ والقراقر، ~~وذلك لزيادة رطوبته على الصنف الآخر. وإذا سلق ورمي ماؤه وعجن بزيت أنفاق، ~~كان أبعد لانحداره عن المعدة. وإذا سلق ورمي ماؤه من غير أن يطجن وطيب ~~بالخل والمري والكراويا والفلفل والزيت، كان أسرع لانحداره وغذى غذاء يسيرا ~~وفتح سدد الكبد والطحال المتولدة عن الأخلاط الغليظة. وكذلك يفعل إذا طيب ~~بالخردل والفلفل والصعتر إن كان صاحبه بلغمانيا، وبالخل وحده إن كان صاحبه ~~صفراويا. ومن خاصة أصل هذا النوع من السلق أن عصارته إذا غسل بها الرأس، ~~نقت الأبرية والصئبان وطولت الشعر. وإذا PageV00P407 # أخذ أصل السلق طريا ومسح بخرقة من الطين والتراب ودق وعصر ماؤه واستعط ~~منه بنصف مسعط (1)، نفع من وجع الأسنان والأضراس ومنع من معاودة الوجع. ~~وإذا استعط بمائه مع مرارة الكركي (2)، نفع اللقوة بإذن الله تعالى. وأما ~~السلق الشديد الخضرة المائل إلى السواد، فزعم ديسقيريدس أن فيه قوة قابضة ~~بها يحبس البطن، وأن هذه القوة في أصله أقوى منها في ورقه. ولذلك صار أكثر ~~حبسا للبطن من غيره. # PageV00P408 # في الكرنب الكرنب في جملته حار يابس في الدرجة الأولى، يولد دما عكرا ~~سوداويا كريه الرائحة جدا، إلا أنه على ضربين: لان منه الكرنب النبطي ~~الشبيه بالسلق الصغير القلوب جدا، وهو الكرنب على الحقيقة. # ومنه البستاني المعروف بالقنبيط، وأهل مصر يسمونه الاسفراخ وله قلوب عظام ~~كثيرة ms380 البزر ثابتة في وسط الورق. # فأما الكرنب الحقيقي فهو ثلاثة (1) ضروب: لان منه البستاني، ومنه البري، ~~ومنه البحري. # والبستاني أيضا على ضربين: لان منه الشتوي، ومنه الصيفي. والصيفي أخص ~~بإحراق الدم وتوليد المرة الصفراء المحترقة القريبة من السوداء، لأنه أشد ~~حرافة وحدة. ولذلك صار أكثر جلاء وتنقية وأخص بالنفع في البرص والنملة إذا ~~طلي عليها. وما الشتوي فغير ظاهر الحدة والحرافة إلا أن في مائيته قوة تبلغ ~~بها إلى إطلاق البطن ودرور البول. وأما جرمه فالتجفيف عليه أغلب. ولذلك صار ~~حابسا للبطن. ولهذه الجهة صار إذا سلق ورمي ماؤه وطبخ بماء ثان، كان حابسا ~~للبطن، ولا (2) سيما إذا طجن بعد سلقه. # وإذا شرب ماؤه الذي سلق به، أطلق البطن. وإن أردت أن تصير الجرم ملينا، ~~فأعد ذلك إلى جانب القدر الذي تسلقه فيها مري وزيت. فإذا سلقته، فاستلبه من ~~مائه الذي سلقته فيه قبل أن يتهرأ وألقه في المري والزيت بحرارته التي خرج ~~بها من القدر واستعمله. فإن أردته أن يحبس البطن فاسلقه سلقا معتدلا، وصب ~~عنه ماءه الذي سلقته به والق عليه ماء ثانيا حارا (3) يغلي واسلقه به ثانية ~~حتى يتهرأ. فإن أردت أن تقل غائلة الكرنب، فاطبخه بعد أن تلقي عنه ماءه ~~الذي سلقته به بدجاج سمين أو بلحم حمل حولي مجزع (4) من حيوان سمين وطيبه ~~بالجوز والكزبرة والفلفل والكمون والثوم. وما كان من قضبان الكرنب نابتا ~~بالقرب من الأصل، كان أدر للبول وأحمد للمعدة. # PageV00P409 # ومن منافعه على سبيل الدواء أن أكله نافع من الارتعاش ومن ضعف البصر ~~العارض من الرطوبات الغليظة، إلا أنه يحدث في البصر الصحيح ظلاما، لأنه ~~يجفف بعض رطوبته الغريزية، ويفعل في البصر فعل العدس إذا لم يواف رطوبة ~~فضلية يفعل فيها إلا أن يكون في رطوبة العين الطبيعية من الزيادة ما يقابل ~~فعله فلا يتبين أثره فيها وإن كان بين ما يتولد من الكرنب وبين ما يتولد من ~~العدس فرق بين، من قبل أن ما يتولد من العدس أغلظ وأكثف وأبعد انحلالا ~~وأقرب ms381 من السوداء. وذلك لصلابة جرم العدس واكتنازه وكثافته، وذلك لجفافه ~~وعدمه الرطوبة التي كانت فيه وهو طري أخضر. وما يتولد من الكرنب أرق وأسرع ~~انحلالا من قبل أن الكرنب بقلة من البقول، والبقول فرطبة لينة سريعة ~~الانحلال والانفشاش لما فيها من الرطوبة الفضلية المكتسبة من الماء. # ومن فعل الكرنب على سبيل الدواء أن عصارته إذا خلطت بشراب وشربت، نفعت من ~~لسعة الأفعى. وإذا أكل نيئا بالخل، نفع من غلظ الطحال. وإذا أكلت مرقته ~~المعروفة بالكرنبية، أطلقت البطن وأدرت البول. ومن خاصة الكرنب أن أكله ~~نيئا قبل الشراب، يمنع من كثرة السكر وسرعته، لأنه يغلظ البخار ويمنعه من ~~الترقي إلى الرأس بسرعة. ولذلك صار أكله بعد الخمار محللا للخمار. ومن خاصة ~~بزر الكرنب إذا تحملت المرأة منه وزن درهمين مدقوقا بعقب المباضعة، أفسد ~~المني وأخرجه من الرحم. # وإذا شرب، قتل الدود وحب القرع فأخرجه من البطن ولا سيما إذا شرب بعده ~~شيح (1) أرمني غير مطبوخ وإن كان ماء الترمس وبزر الكرنب المصري أخص بذلك ~~وأوجدته (2) من طريق أنه أكثر جفافا وأشد مرارة حتى أنه لمرارته يكاد أن لا ~~يؤكل. وبزر الكرنب البري يفعل مثل ذلك أيضا. وكذلك يفعل في سائر العلل ~~المحتاجة إلى اليسير من الجلاء. # وأما قضبان الكرنب فإنها إذا أحرقت، صار رمادها يجفف تجفيفا قويا حتى أن ~~قوته تكون محرقة. # فإذا خلط هذا الرماد بشحم عتيق واستعمل، نفع من أوجاع الجنبين العتيقة ~~وحللها. وزهر الكرنب إذا عمل منها فزرجة واحتملتها المرأة بعد الحبل، قتل ~~الجنين. # PageV00P410 # في الكرنب البري أما الكرنب البري فأكثر ما ينبت في سواحل البحر وفى ~~المواضع العالية، وهو شبيه بالبستاني، إلا أنه أقل خضرة منه وأميل إلى ~~البياض وأكثر زغبا. ومزاجه أحر وأيبس من البستاني لان سائر البقول البرية ~~أقوى في هاتين الكيفيتين لا محالة. ولذلك صار إذا أكل أو شرب، لم يسلم آكله ~~من أذيته لكثرة بعده من مزاج بدن الانسان. ويدل على ذلك كثرة مرارته ~~وحرافته، لان الكرنب البستاني وإن كان فيه مرارة وحرافة، ms382 فإن ذلك في البري ~~أشد وأقوى. ولذلك صار جلاؤه وتحليله أكثر. وإذا شرب، كان فعله في قتل ~~الديدان التي في البدن أسرع. فإن طبخت قلوبه بماء الرمان الحامض، لم تكن ~~رديئة الطعم. وإن عمل من ورقه ضماد، حلل الأورام البلغمانية. # في الكرنب البحري وأما الكرنب البحري فبعيد الشبه من الكرنب البستاني وله ~~ورق شبيه بورق الزراوند المدحرج. # وأصل ورقه الذي به متصل الورق بالقضبان، أحمر، وله لبن ليس بالكثير وطعمه ~~مائل إلى الملوحة مع يسير من مرارة. وإذا أكل، أسهل البطن وفعل في قتل ~~الدود وحب القرع أكثر من فعل الكرنب البستاني. PageV00P411 # في الكرنب البستاني المعروف بالقنبيط وأما القنبيط فهو أغلظ وأبطأ في ~~المعدة، ولذلك صار أحمد ما فيه ورقه الرقيق الغض النابت حول القلب، أعني ~~بالقلب جماره الذي في وسطه، لان ذلك الورق أقل ضررا من الجمار لغلبة ~~المائية عليه، وقلة حرافته وإن كان اجتناب الكرنب كله على الجملة أحمد، ~~لتوليده الدم العكر الغليظ. وأفضل استعماله أن يسلق بماء وملح وإهراق الماء ~~الذي يسلق به عنه، ويطبخ بعد ذلك بالدجاج السمين واللحم المجزع من حيوان ~~سمين مع دهن لوز أو زيت انفاق ويطيب بالكسفرة اليابسة والفلفل والكمون ~~والجوز. والاكثار منه يضعف البصر القليل الرطوبة. ومن خاصة بزره أنه يفسد ~~المني إذا تحملته المرأة بعد الطهر من الطمث. وإذا شرب قبل الشراب، منع من ~~كثرة السكر. وإذا شربه المخمور، حلل خماره. PageV00P412 # في الشلجم البري المعروف بالبونيارس ويسمى راواين الشلجم (1) البري شجرة ~~كثيرة الأغصان طولها نحو من ذراع ليس لها أصل كأصل الشلجم البستاني، وعرض ~~ورقها كعرض الابهام وأعرض قليلا، وله ثمر في غلف يسمى البونيارس، إذا تفتحت ~~تلك الغلف، ظهر في جوفها غلف أخر، وفى جوف الغلف الثانية بزر صغير أسود إذا ~~كسر كان داخله أبيض وحرارته في الدرجة الثانية ومنافعه كثيرة. وخاصته واحدة ~~لا يتجاوزها وهو النافع من الأدوية القاتلة. وقد يستعمل كثيرا في الغمر (2) ~~وفى سائر الأدوية المنقية للبشرة مثل الأدوية المستعملة بدقيق الترمس ودقيق ~~الباقلي والكرسنة وما ms383 شاكل ذلك. وذكر منه ديسقوريدوس صنفا (3) آخر من ~~الشلجم (4) صغير المقدار إذا أكل أصله مطبوخا، ولد نفخا وغذى غذاء أقل من ~~غذاء الشلجم البستاني. وإذا تقدم الانسان بشرب بزره قبل الأدوية القتالة، ~~أبطل فعلها، ولذلك استعمله الأوائل في المعجونات والترياقات النافعة من مثل ~~ذلك. وزعم أيضا أن هذا الصنف من الشلجم قد يستعمل بالماء والملح ويؤكل. # PageV00P413 # في الفجل الفجل أيضا على ضربين: لان منه البري، ومنه البستاني. فاما ~~البستاني فيسخن في الدرجة الثالثة ويجفف في الدرجة الثانية ويغذو غذاء أقل ~~من غذاء الشلجم وحرافته. وإن كان غذاؤه مع ذلك غليظا بطئ الانهضام مضرا (1) ~~بالمعدة وغير موافق للعينين والأسنان والحلق ولجميع أوجاع الأرحام. # وأما على مذهب الدواء، فإنه ملطف منق مصف للحواس غاسل للكلى والمثانة من ~~الفضول الغليظة العارضة فيها، مدر للبول، مذيب للحصى. وإذا أكل مطبوخا على ~~سبيل الدواء، نفع من السعال العارض من الرطوبة. وإذا أكل نيئا ولد مغصا ~~ورياحا غليظة، وكان غير محمود للمعدة. وقد يستدل على كثرة رياحه وغلظه من ~~الجشاء المتولد عنه وقوة نتنه وبخاصة إن أكل قبل الطعام لأنه إذا قدم قبل ~~الطعام، ثور (1) الطعام برياحه، وقلبه قلبا ورقاه صعدا ومنعه من التسفل ~~والهبوط إلى قعر المعدة وموضع الطبخ فتعذر لذلك نضجه وقل انهضامه وبعد ~~انحداره وكثرت رياحه وجشاؤه وهيج القئ لأنه بتثويره يضطر الطباع إلى أن ~~تصرف فعلها إلى فوق وبخاصة فيمن كانت معدته مولدة للرياح بالطبع. وإذا أكل ~~بعد الطعام، قل ما يترقى من رياحه وجشائه إلى فوق وهبط سفلا ولين البطن، من ~~قبل أنه بثقله وكثرة رياحه يزحم الطعام ويدفعه إلى قعر المعدة ويعين على ~~هضمه ويحدره بسرعة. وإذا انحدر الطعام عن المعدة بسرعة، قل الجشاء ولانت ~~البطن وسهل نفوذ الغذاء في العروق وقوي الهضم الثاني الكائن في الكبد. وهذه ~~أفضل منافع الفجل إذا أكل في آخر الطعام، وبخاصة فيمن كانت طبيعته سريعة ~~الإجابة ومعدته بعيدة من تولد الرياح بالطبع. ولذلك وجب على من أراد ~~استعماله لجودة الهضم الأول والثاني، ولتليين البطن ms384 أن يصيره في آخر ~~الطعام. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: وإنني لاسمع قوما من الأطباء، وأرى كثيرا ~~من الناس يذكرون # PageV00P414 # من أمر الفجل قولا عجيبا لأنهم يزعمون أنهم إذا أكلوه نيا بعد الطعام، ~~انتفعوا به في حسن الاستمراء، ويزعمون أنهم امتحنوا ذلك مرارا بطول التجربة ~~فوجدوه صحيحا. ثم أنكر ذلك في موضع آخر وقال: # ما علمت أن أحدا امتثل هذا الفعل إلا وجد ضرره. ولعل ظانا يظن أن بين ~~قوله هذا وبين قوله الأول تناقض، فنعرفه بطلان ذلك من قبل أن حكمه في ~~الابتداء إنما كان في المعدة الصحيحة القوية الهضم، البعيدة من تولد الرياح ~~بالطبع، وحكمه في هذا الموضع إنما هو في من كان هضمه ضعيفا ومعدته كثيرة ~~التولد للرياح دائما بالطبع، وطعامه أبدا طافيا إلى فم المعدة لان من كانت ~~هذه حاله وتناول الفجل في آخر طعامه، من قبل أن الطعام إذا صار إلى معدة ~~مولدة للرياح بالطبع، حملته الرياح عند ابتداء الطبخ فطفا وصار إلى أعلى ~~المعدة. فإذا وافى الفجل هناك اختلط به وصار حكمه حكم الطعام الذي يوجد بعد ~~أكل الفجل. # وأما القضبان التي (1) تخرج في قلوب الفجل في زمان الربيع المعروفة ~~باللجلاج فإنها إذا أكلت مسلوقة بماء كافح (2) وملح وزيت انفاق، كان غذاؤها ~~أكثر من غذاء الفجل الذي يؤكل نيا لان حرافتها تزول عنها في الماء الذي ~~يسلق به وإن كان غذاؤها أيضا يسيرا جدا بالطبع، وشرب ماء الفجل ألطف من ~~الفجل وأعون على جودة الهضم، لان جرم الفجل لغلظه وبعد انهضامه، يطول لبثه ~~في المعدة. وإذا طال لبثه هناك، تعفن وعفن ما يصادفه فيها من الطعام. ومن ~~قبل ذلك صار ورق الفجل ألطف من الفجل وأحمد غذاء لأنه أكثر مائية وأقل ~~حرافة وأسرع انهضاما لما فيه من الرطوبة الفضلية المكتسبة من الماء. # ومن منافع الفجل على سبيل الدواء أنه إذا أكل، نفع من الخناق العارض من ~~أكل الفطر القتال وإذا شرب ماؤه، أدر الطمث. وإذا خلط ماؤه بدقيق الشيلم ~~وطلي على داء الثعلب، ms385 أنبت الشعر فيه. # وإذا طلي على النمش وعلى الخضرة العارضة في الوجه، نقاها ونفع من البثور ~~اللبنية. وإذا عمل منه ضماد، نفع من لسعة العقرب والأفعى. وإذا عجن بعسل ~~وحمل على القروح الخبيثة، نقى وسخها. وإذا حمل على الكمودة الكائنة تحت ~~العين، أزالها. والمختار من الفجل ما كثر مائيته ورق جسمه وقل مقداره ولم ~~يعظم. ومن خاصة الفجل النفع من اليرقان العارض عن سدد الطحال وغلظه، إذا ~~شرب ماؤه بالسكنجبين. وإذا عمل منه ضماد على الطحال، فتح سدده وحلل غلظه. # وأما لحاء أصل الفجل فإنه ضار بأصحاب وجع المفاصل لحدته وحرافته إلا أنه ~~إذا شرب بسكنجبين، كان أكثر تسهيلا للقئ وأوفق لأصحاب الاستسقاء من الورق ~~والأصل جميعا، لأنه أشد حرافة وأكثر تلطيفا. ولذلك صار مرقا للبلغم ومذيبا ~~له، وإن كان الورق والأصل يفعلان ذلك، فإن فعلهما دون فعل اللحاء كثيرا. # PageV00P415 # فأما بزر الفجل فإنه إذا شرب بالخل، هيج القئ وأدر البول وحلل جسأ ~~الطحال. وإذا شرب بسكنجبين عسلي، نقى الكبد من الرطوبات الغليظة وقوى الهضم ~~الثاني الكائن في الكبد. وإذا طبخ بسكنجبين وتغرغر به وهو حار، نفع من ~~الخناق العارض من الرطوبات الغليظة. وإذا شرب بشراب، نفع من نهش الحية التي ~~تدعى فرسطس. وإذا دق وخلط بمثل ربعه كندس (1) وعجن بخل ثقيف، وطلي على ~~البهق في الحمام، نقاه وغسل الجلد. # في الفجل البري وأما الفجل البري فأهل رومية يسمونه أومودامين (2). وورقه ~~شبيه بورق الخردل البري، وله أصل دقيق طويل، وطعمه إلى الحرافة ما هو. ~~ولذلك صار مسخنا ملهبا مدرا للبول. وربما طبخ أصله وورقه وأكل. # PageV00P416 # في الهليون ويسمى بالغرب الاسفزاج الهليون حار رطب في الدرجة الأولى، إلا ~~أنه على ضروب: لان منه البستاني، ومنه البري، ومنه الصخري. فأما البستاني ~~فهو أعدلها وأكثرها لأنه ذا انهضم واستحكم نضجه، كان غذاؤه أكثر من غذاء ~~سائر البقول. ولذلك صار زائدا في المني. وهو مع ذلك موافق للمعدة ومدر ~~للبول. # وأما البري فهو أكثر يبسا وجفافا من البستاني. وأما الصخري فهو أقلها ~~كلها رطوبة. ms386 ولذلك صار أقواها جلاء من غير إسخان بين ولا تبريد ظاهر إلا ~~أنه لفرط جلائه، صار مفتحا لسدد الكبد والكلى ومدرا للبول ونافعا من ~~اليرقان العارض ومن سدد الكبد ومحللا لأوجاع الكبد والعارضة من الرطوبة. ~~وأصله إذا طبخ وشرب ماؤه، فعل جميع ما ذكرناه في جرم الهليون. وبزره أيضا ~~يفعل مثل ذلك. وإذا طبخ أصل الهليون وبزره بالشراب وشرب طبيخهما، نفعا من ~~نهش الرتيلاء. وإذا سلق الهليون سلقة حقيقية وأكل، لين البطن ونفع من أوجاع ~~الظهر العارضة من الرياح البلغمانية وحلل أوجاع القولنج بتليينه للبطن. ~~وإذا تمضمض بطبيخه، نفع من وجع الأسنان. وزعم بعض المحدثين أنه زائد في ~~الباه، ولم يذكر ذلك جالينوس ولا ديسقيريدس. # وأنا أقول: إنه، وإن فعل ذلك فإنما يفعله بزيادة في المني لكثرة غذائه، ~~لا لأنه يزيد في الانعاظ، لان الزيادة في الانعاظ يحتاج إلى كثرة الرياح، ~~والهليون معرى من ذلك. والبستاني من الهليون أخص بالزيادة في المني من ~~البري والصخري، لأنه أرطب وأكثر غذاء. وزعم ديسقيريدس أن الكلاب إذا شربت ~~طبيخ الهليون، قتلها. وزعم قوم أن قرون الكباش إذا قطعت وطمرت في طين عذب، ~~أنبتت هليونا بإذن الله. PageV00P417 # في الجزر الجزر في الجملة حار في وسط الدرجة الثانية، رطب في وسط الدرجة ~~الأولى، وهو على ضربين: # لان منه الريفي، ومنه البري. والريفي أقل حرارة من البري. وقد يؤكل نيا ~~أو مطبوخا، إلا أنه غليظ بطئ الانهضام، يغذو غذاء أقل من غذاء الشلجم، وفيه ~~حرافة يسيرة بها صار ملطفا للفضول مدرا للبول والطمث جميعا. وفى أصله قوة ~~نافخة بها يهيج الانعاظ، وإذا أكثر منه وأدمن على أكله، ولد دما فيه تعفن ~~الرداءة. ومما يدفع ضرره أنه يسلق سلقتين ويرمى ماؤه الذي يسلق به، ويطبخ ~~بعد ذلك باللحم والكسبرة الرطبة والبصل والزيت الانفاق ويطيب بالخل العذب ~~اللين والفلفل والكراويا. وإن لم يكن الخل لينا عذبا فتكسر حدته بالماء ~~ويعذب بشئ من السكر. # وأما البري فهو نبات له ورق شبيه بورق الشاهترج، إلا أنه أعرض منه قليلا ~~وطعمه ms387 إلى المرارة ما هو وساقه مستو له خشونة، وعلى رأسه إكليل شبيه بإكليل ~~الشبت وزهر أبيض، وفى وسط الزهر منه شئ شبيه بشكل الفطر ولونه فرفيري (1). ~~وأصل هذا النبات على غلظ الإصبع وطوله نحو من ذراع أو ذراعين وله رائحة ~~طيبة. ومن هذا النبات تستخرج القنه. وبزره يعرف بالدوقوا. وإذا شرب، نفع من ~~الشوصة (2) البلغمانية ومن الاستسقاء ونهش الهوام، وأدر البول والطمث وفتح ~~سدد الكبد ونقى أوراد الأرحام وأعان على الحبل. وذا تحملته المرأة، أدر ~~الطمث أيضا. وإذا شرب طبيخه، نقى الصدر بالنفث وحلل ما في المعاء من المواد ~~الغليظة ونفع من الأمغاص. وإذا خلط معه بزر الكرفس، قوى فعله. # وأما أصله فإنه يحرك قوة الجماع ويدر البول. وإذا تحملته المرأة، أخرج ~~الجنين. وورقه إذا دق وعجن بعسل ووضع على القروح العفنة، نقاها. والريفي من ~~الجزر يفعل مثلما يفعله البري، غير أنه أضعف فعلا في جميع ما وصفنا خلا ~~المعونة على الجماع، فإن الريفي أقوى على ذلك، لان رياحه أكثر وغذاؤه أزيد. ~~وزعم ديسقوريدوس أن في بعض البلدان جزر له رائحة طيبة وفيه ما في الأصول ~~كلها من بعد الانهضام إلا أنه مدر للبول. والاكثار منه يولد دما غير محمود. ~~والله أعلم. # PageV00P418 # في الريباس الريباس بارد يابس في الدرجة الثانية، ويدل على ذلك حموضته ~~وقبضه. وحموضته غير مضرسة للينها. ولقبضه صار مقويا للمعدة ودابغا لها ~~وقاطعا للعطش والاسهال والقئ. # القول في البقول البرية أما البقول البرية فإنها وإن لم تصلح لتغذية ~~الأبدان، إلا أن فيها منافع كثيرة على سبيل الدواء، وبخاصة عنب الثعلب ~~واللبلاب والأفسنتين وما شاكل ذلك. ولهذه الجهة، رأينا (1) أن نذكرها في ~~كتابنا هذا لحاجتنا إليها في المعونة على هضم الأغذية وتلطيف غلظها وتفتيح ~~السدد المتولدة عنها. ولا قوة إلا بالله عز اسمه. # في عنب الثعلب أما عنب الثعلب فهو على ضربين: لان منه نوعا يزرع في ~~البساتين ويؤكل، ونوعا (2) آخر لا يؤكل أصلا. فأما البستاني فإن أعظم نباته ~~دون عظم نبات البري، إلا أن أغصانه أكثر وورقه ms388 أكبر من ورق الباذروج، وأشد ~~خضرة كأنه مسني (3) اللون وله ثمر مستدير يكون في (4) ابتدائه أخضر وأسود، ~~وإذا نضج صار أحمر. وأكثر الناس يعرفونه ويستعملونه في العلل المحتاجة إلى ~~التبريد والقبض، لأنه في طبيعته (5) يابس في الدرجة الثانية، وأكله غير ضار ~~إلا أنه مانع للاحتلام. وإذا أكل مسلوقا، كان نافعا من الأورام الحارة ~~العارضة للكبد ولسائر الأعضاء الباطنة، وإن كان من الواجب أن لا يقصد ~~العلاج به في ابتداء حدوث الأورام، لان الأورام في ابتدائها تحتاج إلى ~~تقويته أكثر من تلطيفه، مثل الحشيشة المعروفة بلسان الحمل، والمعروف ~~بالبرسياندار وهي عصا الراعي، ويعرف بالشام بالشبطباط (6). وأما عنب الثعلب # PageV00P419 # فليس كذلك لان تلطيفه أكثر من تقويته. ولذلك وجب ألا يستعمل إلا في أواخر ~~العلل. ويدل على ذلك أنه متى أتخذ منه ضماد وحمل على الأورام الحارة في آخر ~~تولدها، سكن لهبها وحللها. وإذا (1) عمل من ورقه ضماد على المعدة، سكن ~~حرارتها. وإذا خلط مع السويق المعروف بالسبقون، نفع من الحمرة ومن النملة. ~~وإذا عصر ماؤه وخلط باسفيداج الرصاص ومرداسنج (2) ودهن ورد، فعل مثل ذلك. ~~وإذا دق الورق مع شئ من ملح، نفع من الأورام العارضة في أصل الآذان. وإذا ~~ضمدت (3) به رؤوس الصبيان مرات، ساعة بعد ساعة، حلل الأورام العارضة في ~~أدمغتهم. وإذا قطر من مائه في الآذن، سكن وجعها. وإذا تحملت المرأة من مائه ~~في صوفة، منع من سيلان الرطوبات إلى الأرحام وقطع دم الطمث. # وإذا ديف في مائه المنزوع الرغوة شيافات العين وصير عوضا من الماء العذب ~~وبياض البيض، دفع سيلان الرطوبات الحادة إلى العين. # PageV00P420 # في النوع البري الذي لا يؤكل أصلا وأما عنب الثعلب البري فهو ثلاثة (1) ~~ضروب: لان منه نوعا (2) يعرف بالكاكنج (3)، والعامة تسميه عنب الذئب. ومنه ~~نوع ثان يدخل في جنس ما يجلب النوم من النبات. ومنه نوع ثالث يحدث عنه ~~جنون. فأما الأول المعروف بالكاكنج فورقه شبيه بورق عنب الثعلب، إلا أنه ~~أوسع وأكثر استدارة وأقل خضرة، لان لونه مائل إلى لون ورق القرع وورق ~~الخطمية، ms389 وارتفاع قضبانه من الأرض أكثر من ارتفاع عنب الثعلب البستاني. ~~وإذا طالت قضبانه، مالت إلى أسفل. وله ثمر أحمر مستدير داخل غلف شبيه ~~بالمثانة. وزعم جالينوس عن اليونانيين أنهم كانوا يستعملون منه أكاليل على ~~رؤوسهم، وقوة ورقه مشاكلة لقوة ورق عنب الثعلب البستاني، غير أن ورق عنب ~~الثعلب البستاني يؤكل وورق هذا لا يؤكل، إلا أنه على سبيل الدواء مدر للبول ~~منق لليرقان مستفرغ للمواد المولدة له بالبول. ولذلك صارت الأوائل تدخله في ~~أدوية كثيرة تصلح في علاج الكبد والكلى والمثانة. وقد تستخرج عصارته وتجفف ~~وتخزن وتستعمل في جميع ما ذكرنا. # وأما النوع الثاني الجالب للنوم فلحاء أصله إذا شرب منه وزن مثقال ~~بالشراب، جلب النوم. # ولذلك صار في أكثر خصاله قريبا من الأفيون، إلا أنه أضعف فعلا منه كثيرا ~~لان برودته في الدرجة الثانية، وبرودة الأفيون في الدرجة الرابعة. وإذا أخذ ~~منه بزره بقدر ما كانت له قوة على درور البول. # فإن أخذ منه اثنتا عشرة (4) حبة عددا، أحدث لشاربه شبيها (5) بالجنون، ~~والتبس عليه عقله، واعتقل لسانه. وعلاج ذلك أنه يقيأ صاحبه ويطلق بطنه ~~بالحقن ويسقى الشراب المجلوب من غلوطون ويسقى الأفسنتين بالشراب أيضا، ~~ويشرب لبن الأتن والبقر والغنم حليبا أو سخنا. # PageV00P421 # وأما النوع الثالث المخصوص بتوليد الجنون فليس ينتفع به شئ من العلاج إذا ~~شرب أصلا، من قبل أنه إذا أخذ منه أربعة مثاقيل، قتل. وإذا أخذ من هذا ~~الدواء مثقال واحد، أحدث لآخذه جنونا وسكوتا والتباس العقل وانقطاع الكلام. ~~وإن اقتصر منه على وزن مثقال فإنه وإن لم يؤذ (1)، لم ينتفع به أصلا. وأما ~~استعماله من خارج، فإنه إذا عمل منه ضماد (2)، أبرأ القروح الرديئة. وأنفع ~~ما يستعمل مه لحاء أصله لان تبريده في وسط الدرجة الثانية، وتجفيفه في ~~آخرها أو في أول الثالثة. # PageV00P422 # في اللبلاب اللبلاب يقال على ضربين: لان منه شئ يعرف باللبلاب على ~~الحقيقة، وله قضبان طوال تتعلق بكل ما قرب منها من ثياب أو غيره. وأكثر ~~نباته في السباخات وأمرجة الكروم، وله ورق ms390 مستطيل شبيه بورق الخلاف، إلا ~~أنه أقصر منه. وأسفل الورقة منه مما يلي القضيب مركن ولكل ركن منها ذؤابة ~~شائلة مقدار طول الظفر وله ثمر أسود شبيه بورق الكراث مركن بثلاثة أركان، ~~وهو في غلف. # وجملة النبات يكون على ضربين: لان منه ما يكون رطبا طريا، ومنه ما يكون ~~يابسا جافا. فما كان منه يابسا جافا، كان فيه جوهر قابض أرضي، وجوهر لطيف ~~حريف. وما كان منه رطبا، كان فيه مع جوهره القابض الأرضي وجوهره اللطيف ~~الحريف، وجوهر رطب مائي مكتسب من الماء. فإذا جف، فارقه ذلك الجوهر المائي، ~~ونقى بجوهره القابض وجوهره الملطف فقط. ولذلك صارت له قوة مفتحة للسدد ~~وبخاصة سدد الكبد. وأما عصارة الطري منه فإنها إن استعملت نيئة غير مطبوخة، ~~كان إطلاقها للبطن أكثر وتفتيحها للسدد أقل، ونفعت منه حميات العفن ذات ~~الأدوار وبخاصة الحمى المعروفة بامقتمارنيوس. فإذا طبخت هذه العصارة ونزعت ~~رغوتها وخضرتها وأرضيتها، صار إطلاقها للبطن أقل وتفتيحها للسدد أكثر. وإذا ~~طبخ ورق هذا النبات بخل أو استخرجت عصارتها بالدق والعصر، وخلطت وعمل منها ~~ضماد، سكنت وجع الطحال وفتحت سدده وحللت أوراقه. وإذا دق الورق وخلط ~~بالقيروطي المعمول من الشمع الأبيض المغسول ودهن ورد، نفع من حرق النار ومن ~~التنفط العارض من الماء الحار. # وإذا خلط ماؤه بدهن ورد وقطر في الاذن، سكن أوجاعها المزمنة العارضة ~~فيها. وإذا استعط بمائه، نفع من نتن الخياشيم ونقى أوساخها. # وزهر هذا النبات ونواره أقوى فعلا من ورقه. ولذلك صار إذا سحق وخلط ~~بقيروطي كانت منفعته في حرق النار والتنفط العارض من الماء الحار أقوى فعلا ~~من منفعة الورق وثمرته إذا أكلت وهي غضة، عقلت البطن. وأما لبن هذا النبات ~~السائل منه إذا قطع غصن من أغصانه، فإن له قوة تحرق إحراقا PageV00P423 # خفيا. ولذلك صار في ماء هذا النبات إذا شرب من غير أن يغلى، قوة (1) على ~~إطلاق البطن. وإذا غلي ونزعت رغوته، زال عنه إطلاقه للبطن وأعان على تفتيح ~~السدد. وإذا غسل به الرأس من غير أن ms391 يغلى، قتل القمل والصئبان ونقى الشعر. # ومن (2) اللبلاب جنس آخر أغلظ ساقا وأعظم ورقا من النوع الأول له قوة ~~حادة تقوم مقام اليتوعات. ولذلك صار خبيثا خطرا لا يجب استعماله في ~~العلاجات بالشراب أصلا. # PageV00P424 # في العليق وأما العليق فإن ورقه مشاكل لورق الورد في خضرته وشكله ~~وخشونته. وله ثمر شبيه بثمر التوت في صورته. وفى ابتدائه تكون قوته مجففة ~~ظاهرة القبض جدا، ثم ينتقل إلى الحموضة. فإذا نضجت، مالت إلى الحلاوة. وقوة ~~أصل هذا النبات وأغصانه وزهره وورقه وثمرته قوة واحدة قابضة مجففة لا خلاف ~~بينهما إلا في القوة والضعف فقط. والسبب في ذلك قلة المائية وكثرتها في ~~بعضها دون بعض. وذلك أنه لما كان الأغلب على الورق والأطراف الرطوبة ~~المائية لطرائها وقربها من النبات، صار القبض فيها أقل لأنها مركبة من جوهر ~~مائي وجوهر أرضي. ولذلك صارت إذا مضغت، نفعت من القلاع وسائر القروح ~~العارضة للفم. # وأما ثمرته إذا كانت نضجة، كانت حارة باعتدال لأنها مائلة إلى الحلاوة ~~قليلا. ولهذه الجهة صارت تؤكل وتستلذ وإذا كانت غير نضيجة، كان الجوهر ~~البارد الأرضي عليها أغلب، لان العفوصة والحموضة أظهر فيها وأقوى. ومن قبل ~~ذلك صارت تجفف تجفيفا قويا وإن كان النضيج منها وغير النضيج مجففا منشفا ~~للرطوبات. فإذا يبست كان تجفيفها أكثر. # وأما دهن هذا النبات فإن قوته كقوة ثمرته بعينها. ولذلك صار نافعا من ~~الاسهال العارض من ضعف المعدة وقرح المعاء. وأما أصل هذا النبات فإن فيه مع ~~قوته القابضة من الجوهر اللطيف مقدارا ليس باليسير. ولذلك صار مفتتا للحصى ~~العارضة (1) في الكلى. وزعم ديسقيريدس أن شجرة العليق إذا طبخت (2) بورقها ~~صبغت الشعر. وإذا شربت، عقلت البطن ونفعت من سيلان الرطوبات المزمنة إلى ~~الأرحام، ومن نهشة الاقرطسس (3). وإذا دق ورقها وعمل منه ضماد على المعدة، ~~قواها ومنع من سيلان الرطوبات إليها. # وإذا مضغ، شد اللثة ونفع من القلاع. وإذا عمل منه ضماد على العين، نفع من ~~النتوء العارض # PageV00P425 # لها. وإذا حمل على البواسير، أذبل ورمها وبخاصة البواسير التي يسيل ms392 منها ~~الدم. وإذا حمل على الرأس، أبرأ القروح الرطبة العارضة فيه. وإذا حمل على ~~العلة المعروفة بالنملة، منعها أن تسعى في البدن. # وعصارة الورق والأغصان إذا جففت في الشمس، كان فعلها أقوى من فعل الورق. ~~وإذا نضجت ثمرة هذا النبات نضجا كاملا، كانت عصارته نافعة من أوجاع الفم. ~~وإذا أكلت وهي غضة قبل أن يكمل نضجها، عقلت البطن وزهرها أيضا يفعل مثل ذلك ~~وينبغي أن يحذر من هذا الثمر زغبها وزئبرها (1) الذي يعلوها، لأنه مضر ~~بالعروق وبخاصة عروق الرئة. وذكر جالينوس نوعا ثانيا من العليق يعرف بعليق ~~الكلب، وزعم أن قوته قوة القبض وفى ورقه قبض يسير. وما كان كذلك فمنفعته ~~معلومة بينة إلا أنه يحذر منها ما كان لثمره زغب شبيه بالقطن لأنه ينكئ ~~قصبة الرئة وينهكها (2). # PageV00P426 # في الشاهترج لما كان في الشاهترج طعمان مختلفان، مرارة وقبوضة، وجب أن ~~يكون في مزاجه حرارة وبرودة معا، ومع الطعمين جميعا وجب له التجفيف، وبخاصة ~~والقبض عليه أغلب في الدرجة الثالثة، وحرارته في الدرجة الأولى، ولأن القبض ~~على مزاجه أغلب صار مقويا للمعدة دابغا لها وللثة جميعا، منبها لشهوة ~~الطعام. وليبس مرارته صار مفتحا لسدد الكبد ومدرا للبول ومحدرا (1) للمرة ~~المحترقة ومصفيا للدم. وقد يؤكل نيا ومسلوقا مطيبا بالمري والزيت، ومن ~~الناس من يطيبه بالخل والزيت والسذاب. فإذا أكل بالخل كانت (2) تقويته ~~للمعدة أكثر ومعونته على شهوة الطعام أقوى وإطلاقه للبطن أقل. وإذا أكل ~~بالمري، كانت (3) تقويته للمعدة أقل وإطلاقه للبطن أكثر. وإذا شربت (2) ~~عصارة الرطب منه نية غير مطبوخة، أحدرت الاحتراقات المرية ونقت عفونة الدم ~~ووسخه، ونفعت من الحكة والجرب العارضين من الدم العفن والصفراء المحترقة ~~والبلغم المتعفن. وهذه خاصة عصارة الرطب منه. وإذا أكل مع الكبر (3) المربى ~~بالخل، سكن الغثي وقطع القئ العارض من البلغم. والمختار منه ما كان حديثا ~~أخضر ظاهر المرارة. # في الغافت الغافت (4) حار في الدرجة الأولى، يابس في الثانية، له لطافة ~~وتنقية بهما صار نافعا من أوجاع الكبد ومحللا لجسئها ومفتحا للسدد العارضة ~~فيها ونافعا من ms393 الحميات المتقادمة وبخاصة الحمى المعروفة بالربع وحميات ~~الصبيان. وعصارته في جميع ما ذكرنا أقوى فعلا من نباته. وزعم بعض الأوائل ~~أن فيه قوة على تحليل جسأ الطحال. وأما جالينوس... # (5) فعله كذلك بالكبد فقط. # PageV00P427 # في الأفسنتين الأفسنتين في الجملة حار ويابس، إلا أنه يختلف في ذلك في ~~القلة والكثرة، والقوة والضعف على حسب اختلاف نوعه، وذلك أن منه نوع مشهور ~~معروف بالأفسنتين على الحقيقة. ومنه نوع يسمى ساريقون وهو الشيح. ومنه نوع ~~يسمى ساطوليقن اشتق له هذا الاسم من بلدته التي ينبت فيها. فأما الأفسنتين ~~على الحقيقة فهو أقلها حرارة ودونها في اللطافة، لان الغالب على طعمه القبض ~~مع شئ من مرارة ويسير من حرافة. والغالب على طعم الاثنين الباقيين المرارة ~~والحرافة مع ملوحة بينة. ولذلك صارت حرارة الأفسنتين على الحقيقة في الدرجة ~~الأولى، ويبسه في الدرجة الثالثة لان فيه من القبض أكثر مما فيه من المرارة ~~والحرافة. ولهذه الجهة صار مقويا للمعدة ودابغا لها. وليسير حرافته ~~ومرارته، صار له جلاء معتدل به يحدر ما في المعدة من الخلط المري ويخرجه ~~بالاسهال وينقي ما في العروق من الفضول المرية ويحدرها بالبول. وإذا أخذ ~~وفي المعدة أو الصدر والرئة بلغم محتقن أو رطوبات نية، لم ينتفع به في شئ ~~منها أصلا، لان القبض عليه أغلب. # وإذا تقدم الانسان بشربه قبل شرب النبيذ، أدر البول ومنع من سرعة السكر ~~ودفع الخمار. وإذا شرب مع سياليوس (1) أو مع السنبل (2) الأقليطي، نفع من ~~أوجاع المعدة والأمعاء العارضة من النفخ والرياح الغليظة. وإذا شرب من مائه ~~المستخرج بالدق والعصر، أو من مائه المطبوخ به عدة أيام متوالية، نفع من ~~عدم الشهوة للطعام ومن اليرقان العارض من سدد الكبد والمرارة. وإذا شرب ~~بالخل، نفع من الخناق العارض من أكل الفطر. وإذا شرب بالشراب، نفع من سم ~~الدواء المعروف بالكسينا، ومن سم الحيوان المسمى ميغالي (3) ومن سم التنين ~~البحري. وإذا عجن بعسل وتحنك به، نفع من ورم العضل الذي (4) على جنبتي ~~اللسان. وإذا ديف بعسل ولطخ على الآثار ms394 البنفسجية الحادثة في العين، نقاها ~~وأزال # PageV00P428 # غشاوة العين. وإذا جعل منه على هذا المثال الذي وصفنا في الاذن التي يسيل ~~منها رطوبات، جففها ونقاها ونفع من الطنين والدوي. وإذا دق وقطر ماؤه وخلط ~~بمرارة عنز وقطر في الاذن، نفع من الدوي والصفير وقوى السمع. وإذا كبت ~~الاذن على بخار طبيخه، نفع من وجعها. وإذا عجن بالميبختج (1) وعمل منه ضماد ~~وحمل على العين، نفع من وجعها وسكن ضربانها (2). وإذا سحق وعجن بموم ودهن ~~الحناء وعمل منه ضماد على المعدة والكبد والخواصر، حلل أوجاعها المزمنة. ~~وإذا عجن بموم ودهن ورد وحمل على المعدة، قواها وسكن أوجاعها وآلامها. وإذا ~~عجن بالتين والنطرون ودقيق الشيلم وحمل على الطحال وسائر البطن، نفع ~~المطحولين وأصحاب الاستسقاء. وإذا عجن بعسل وتحملته المرأة، أدر الطمث. # وفعل عصارته في جميع ما ذكرنا كأنه مشاكل لفعل الأفسنتين أو أقوى قليلا. ~~إلا أن الأوائل لم تكن تستعملها لأنهم كانوا يزعمون فيها أنها كثيرا ما تغش ~~بعكر الزيت لان كثيرا (3) من الناس من يأخذ عكر الزيت بطبخه حتى ينعقد ويغش ~~عصارة الأفسنتين. وزعم بعض الأوائل أن الأفسنتين إذا نثر في الصناديق التي ~~فيها الثياب، حفظ الثياب من السوس. وإذا سحق وديف بزيت ومسح به البدن، منع ~~البق أن يقربه. وإذا ديف في مائه المداد وكتب به، منع الفأر من قرض الكتب ~~والقرب منها. وقد يعمل منه شراب ويستعمل في جميع ما وصفنا متى لم يكن ثم ~~حمى قوية وقال فيه ديسقيريدس قولا لا أدري على أي سبيل قاله، وذلك أنه زعم ~~أن من الناس من يستعمل هذا الشراب ويظن أنه يورثه صحة، وفى هذا دليل على ~~إنكاره لما ظنوه به. # وقد ينقسم هذا النوع من الأفسنتين على ضربين: لان منه الرومي، ومنه ~~البحري. والرومي أشد مرارة وأقوى على تفتيح سدد العروق وغيرها، وأفضل في ~~تلطيفه الأثفال ودرور البول والطمث. والبحري أشد قبضا وأعون على تقوية ~~المعدة والكبد جميعا. وقد يميز بينهما بأن البحري أصغر ورقا وأقل ارتفاعا ~~من الأرض وأقل كراهة وأذكى ms395 رائحة. والرومي أعظم ورقا وأطول ساقا وأبشع ~~رائحة وأكثر كراهة. وزعم جالينوس أن أفضل هذا النوع من الأفسنتين ما كان ~~نباته في بلدة يقال لها نيطس. # وأما النوع المعروف بساريقون (4) أي الشيح، فإن بعض الأوائل كان يسميه ~~أفسنتين بحري وقوته متوسطة بين قوة الأفسنتين على الحقيقة وبين قوة ~~القيصوم، لأنه أكثر إسخانا من الأفسنتين وأقل في ذلك من القيصوم، من قبل أن ~~الأغلب على طعمه، على ما بينا، الملوحة والمرارة مع شئ من حدة. ولذلك صارت ~~حرارته في الدرجة الثانية ويبسه في الثالثة. وأما القبض فهو معرى منه وإن ~~كان فيه منه شئ فيسير جدا غير ظاهر للحس. ولهذا صار مضرا بالمعدة مؤذيا لها ~~من قبل أن كل ملوحة معراة من القبض والتقوية، فمن شأنها الاضرار بالمعدة. ~~وإذا كان القبض معها، قل إضرارها بالمعدة. وكلما القبض عليها. # PageV00P429 # أغلب كانت منفعتها للمعدة أكثر، لان كل طعمين يمزجا في شئ من الأشياء، ~~فإن الحكم لأكثرهما مقدارا. # ومن منافع الشيح على سبيل الدواء، فإن فيه لطافة وتحليل بهما يدر البول ~~والطمث ويفتح سدد الأرحام ويخرج المشيمة والجنين. وإذا تدخنت المرأة به، ~~طرحت (2) الولد. وإذا طبخ بشراب وشرب، نفع من السموم القاتلة. ودخنته (3) ~~تطرد الهوام. وإذا عمل منه ضماد على لسعة العقرب، نفع من سمها. ورماده إذا ~~خلط بدهن اللوز أو بزيت عتيق وطلي به داء الثعلب أنبت الشعر فيه. وثمرته ~~إذا طبخت وشرب طبيخها، نفعت من عسر البول والنفس والخناق وامتناع الطمث ومن ~~وجع عرق النساء والأرمني أسخن وأقوى فعلا. وزعم قوم أنه يخرج الدم مع ~~البول. # ومن خاصة الشيح في الجملة قتل الدود المتولد في البطن. ولذلك صار إذا طبخ ~~وشرب ماؤه بعسل، أخرج الدود والحيات من البطن. وإذا طبخ مع الأرز أو العدس ~~وشرب بعسل، فعل مثل ذلك أيضا. # وإذا عمل منه ضماد على البطن، فعل قريبا من ذلك. وإذا اعتلفته الغنم، ~~سمنها وأصلح لبنها. # فأما النوع الثالث من الأفسنتين المعروف بأسطونيقن، فقد بينا أن هذا ~~الاسم اشتق له من بلدته ms396 التي ينبت فيها لان اسمها ساطونيا. وقال قوم ~~سندونيون وصورته شبيهة (4) بصورة الأفسنتين، إلا أنه أقل بزرا منه. وقوته ~~وفعله مثل قوة الشيح وفعله. ومما هو داخل في هذا الجنس من النبات: القيصوم. # أما القيصوم فسماه قوم البلنجاشف (5) وجوهره جوهر أرضي غليظ، إلا أن قوة ~~حرارته قد ألطفته كثيرا حتى صار يسخن ويجفف في الدرجة الثالثة لان الانسان ~~إذا فكر في طعمه وأضافه إلى طعم الأفسنتين، تبين له ذلك لأنه يجد مقدار ~~القبض في الأفسنتين مقدارا ليس باليسير. ويجده في القيصوم يسيرا لا مقدار ~~له لأنه مخفى عن الحس جدا، حتى أن الطباع لا تشعر به لان المرارة والحدة قد ~~غلبت عليه وأخفت غيرها من الطعوم. ولذلك صار إضراره بالمعدة كإضرار الشيح ~~بها. ومما يدل على قوة حرارته أنك لو أخذت قلوبه وزهره وورقه، فجردتها من ~~قضبانها وسحقتها ثم نثرتها على جراحة طرية نقية من الوسخ، لوجدتها ساعة أن ~~تباشر الجراحة تلذعها وتهيجها وتهيجها يدل (6) على منافرة الطباع لها، لقوة ~~فعلها وصعوبته. # ومما يدل أيضا (7) أن الانسان إذا سحق منه شيئا وأنقعه في زيت وصب ذلك ~~الزيت على الرأس أو على المعدة، لوجده يسخن إسخانا قويا. وإذا مسح ذلك ~~الزيت على بدن أصحاب النافض العارض في # PageV00P430 # الحميات الدائرة في وقت ابتداء النافض أو قبل وقتها، خفت النافض وقل ~~تأثيرها حتى لا يشعر صاحبها بها. وإذا شرب طبيخه، كان فعله في قتل الدود ~~التي في البطن أكثر من فعل الأفسنتين ومساويا لفعل الشيح. وفى هذا دليل ~~واضح على أن في القيصوم لطافة ليست باليسيرة لتلطيف الحرارة له على ما ~~بينا. # ولذلك صار مفتتا للحصى التي (1) في الكلى ونافعا من لسع العقارب ~~والرتيلاء. وإذا شم منه أكثر من المقدار، صرع. وإذا عمل منه ضماد، نفع من ~~أوجاع الأرحام ومن الأورام البلغمانية، وبخاصة أورام الأرحام. وإذا سحق ~~وطبخ مع دقيق الشعير، حلل الأورام الجاسئة (2). # وجميع ما ذكرنا موجود في ورقه وزهره وقلوبه. وأما قضبانه فخشبية لا منفعة ~~فيها أصلا. وأما رماد القيصوم فيلذع ms397 الجراحات لذعا كثيرا، لان قوته في ~~الحرارة واليبوسة أكثر من قوة رماد أصول الشبت المحرقة، ورماد القرع اليابس ~~المحرق. ولذلك صار نافعا من داء الثعلب ومسرعا لنبات شعر اللحية العسيرة ~~الخروج إذا طلي على الموضع ببعض الادهان الملطفة مثل دهن الخروج ودهن الفجل ~~والزيت العتيق - وفي نسخة أخرى الزيت المجلوب من سيقونيا - لأنه يفتح مسام ~~البدن ويوسعها بلطافته وتلذيعه. # وإذا خلط بالدهن المتخذ من الإذخر والزيت، فعل مثل ذلك أيضا. ومن وقف على ~~هذا من فعله، كان قادرا أن يستعمله في جميع العلل التي من هذا الجنس. # في شجرة مريم أما شجرة مريم (3) فحارة يابسة في الدرجة الثالثة إذا اشتمت ~~نفعت من الزكام العارض من البرودة والرطوبة. وإذا اكتحل بها مع العسل، نفعت ~~من الماء الكائن في العين بإذن الله تعالى. # PageV00P431 # في الكشوت الكشوت مركب من مرارة وعفوصة. والأغلب عليه العفوصة. ولذلك ~~صارت حرارته في الدرجة الأولى، ويبسه في الدرجة الثانية. ولما فيه من ~~المرارة ويسير الحرارة، صار ملطفا مفتحا لسدد الكبد والطحال وكيس المرارة ~~ومنقيا للعروض والأوراد من الفضول الغليظة المرية. ومن ذلك صار نافعا من ~~اليرقان العارض من سدد الكبد والمرارة. وإذا شرب بسكنجبين، نفع من الحميات ~~المتقادمة وبخاصة حميات الصبيان. وإذا شربت عصارة الرطب منه بسكنجبين، نفع ~~من اليرقان وأدر البول. ولعفوصته وأرضيته صار دابغا للمعدة ومقويا لها ~~وللكبد جميعا، إلا أن الاكثار منه يثقل المعدة بقوة قبضه. وخاصته تنقية ~~العروق والأوراد من الفضول المرية والنفع من الحميات المتطاولة وبخاصة ~~حميات الصبيان. # فإن قال قائل: فإذا كان الكشوت يثقل المعدة لقوة قبضه، وقبضه في الدرجة ~~الثانية، فلم لا كان الأفسنتين أشد إثقالا للمعدة، لان قبضه في الدرجة ~~الثالثة، قلنا له: لان في الأفسنتين حدة تزعجه وتحدره عن المعدة قبل أن يحس ~~بثقله، ولذلك سلمت منه. PageV00P432 # في الشوكة البيضاء المعروفة بالباذاورد أصل هذه الشوكة بارد في الدرجة ~~الأولى ويقبض ويجفف تجفيفا معتدلا. ولذلك صار نافعا من استطلاق البطن قاطعا ~~لنفث الدم. وإذا عمل منه ضماد، قوى الأعضاء على ms398 دفع المواد المنصبة إليها، ~~وبدد الأورام الرخوة. وإذا تمضمض بمائه، نفع من وجع الأسنان وقوى اللثة. ~~وأما بزر هذه الشوكة فإن فيه قوة مسخنة ملطفة، وبها صار محللا منقيا نافعا ~~لأصحاب التشنج والكزاز وأصحاب الحميات المتقادمة المتولدة عن الرطوبة. # في الشكاع وأما الشكاع (1) فقوته كقوة الباذاورد، إلا أن يبسه وتجفيفه ~~أقوى. ولذلك صار نافعا من وجع اللهاة ومن النزف العارض للنساء، والأورام ~~الحارة الحادثة في المقعدة، ومن جميع العلل التي ينفع فيها الباذارود. وأما ~~أصله فيدمل القروح لان فيه قوة دابغة باعتدال. # PageV00P433 # في الشوهج (1) وهو المعروف بالحسك أما الحسك فمركب من جوهر رطب يسير ~~الرطوبة وجوهر يابس ليس بيسير اليبوسة. ومن الجهتين جميعا صار باردا، إلا ~~أنه يختلف على حسب اختلاف أنواعه، لأنه يكون على ضربين: أحدهما بري ينبت في ~~البر والخرابات، والأرضية غالبة على جوهره، وله ورق شبيه بورق البقلة ~~الحمقاء إلا أنه أرق قليلا وله قضبان طوال منبسطة على الأرض، فيها عند ~~الورق شوك ملزز صلب. # والصنف الآخر تغلب عليه رطوبة ضعيفة مكتسبة من الماء لان نباته على ~~الأنهار. ولذلك صار ورقه عريضا وشوكه خفيا وقضبانه طوال مرتفعة من الأرض. ~~وطرفا ساقه الاعلى أغلظ من طرف ساقه الأسفل وعليه شئ نابت مجتمع رقيق على ~~رقة الشعر شبيه بشعر السنبلة. وثمره صلب مثل صلابة ثمرة الصنف الأول. ~~وكلاهما يبردان ويقبضان ويمنعان من حدوث الأورام الحارة، بتقويتهما للأعضاء ~~على دفع المواد عنها. ولذلك صارا (2) صالحين لكل موضع تنصب إليه المواد. ~~وإذا خلط أحدهما بعسل، أبرأ القلاع والعفونات العارضة في الفم، ونفع من ~~الأورام العارضة في أصل اللسان والحلق. وقد يستخرج من هذا النبات عصارة ~~وتستعمل في إكحال العين. وثمرة الصنف البري خاصة إذا شربت (3) رطبة، نفعت ~~(3) من الحصى المتولد في الكلى والمثانة. وزعم ديسقيريدس أنها مفتتة للحصى. ~~وزعم بعض الأوائل في هذا النبات أن له قوة تذهب بغوائل الأدوية المذمومة، ~~وأن ماء طبيخه إذا رش في البيوت، قتل البراغيث. # PageV00P434 # في الشوكة المصرية المعروفة عند أهل مصر بالسنط وورقها يعرف بالقرظ ms399 ~~وثمرتها تعرف بخروب القرظ، وبها يدبغ (1) أهل مصر الجلود، وعصارتها تعرف ~~بالقاقيا (2)، وأهل مصر يعرفونها برب القرظ. والشجرة في جملتها عظيمة لها ~~شوك غزير كثير صلب شديد البياض. وطول الشوكة مقدار عقد أو أقل قليلا، ولها ~~زهر أبيض. وثمرها بخروب (3) القبط مدور مسطوح مشاكل لحب الترمس الصغير، وهو ~~في داخل غلف على حكاية حب الخروب الكائن في غلف الخروب. # وهذا الثمر يكون على ضربين: لان منه ما يكون نيا فجا غير كامل النضج. ~~ومنه ما قد كمل نضجه وصار في غاية النضج. فما كان منه نيا فجا، كان حابسا ~~للبطن لفرط قبضه وعفوصته، لان الأرضية عليه أغلب. وما كان منه كامل النضج، ~~كان ملينا للطبيعة لان فيه حلاوة ورطوبة. فإذا يبس وجف وزالت عنه رطوبته ~~وعذوبته، رجع إلى أرضيته ويبسه، وصار حابسا للبطن. وعصارة هذه الثمرة ~~المعروفة بالقاقيا إذا كانت من ثمرة قد استحكم طبخها وكمل (4) نضجها ~~وعذوبتها كان لونه أشد سوادا وأكثر إشراقا، ولم تكن حابسة للبطن لان فيها ~~عذوبة تمنعها من ذلك. # وأما ديسقيريدس فيزعم أن عذوبتها تلك تخرجها إلى تليين البطن. وإذا كانت ~~هذه العصارة من رطوبة نية غير كاملة النضج، كان لونها ياقوتيا يلي الحمرة ~~قليلا، وكان حبسها للبطن أقوى، لان الأرضية والعفوصة عليها أغلب. والمختار ~~من القاقيا ما كان كذلك وكان، بإضافته إلى غيره من القاقيا، أطيب # PageV00P435 # رائحة. واستخراج هذه العصارة يكون بأن تؤخذ الثمرة وتدق ويستخرج ماؤها ~~بالدهق (1) ويجفف في الظل، وقال قوم: في الشمس. # وإذا سحقت هذه العصارة وغسلت بالماء العذب مرات، أفادها ذلك برودة، وضعف ~~قبضها وقل لذعها، وصلحت في أدوية العين. وإذا أخذت وهي جافة يابسة من غير ~~أن تغسل وصيرت في قدر من طين وجعلت في الأتون حتى تحترق، فعلت مثل ذلك ~~أيضا. ولجالينوس في هذه العصارة قول قال فيه: # وإني لأحدس في هذه العصارة أن أجزاءها غير متساوية لان جوهرها جوهر بارد ~~أرضي يخالطه شئ من الجوهر المائي مع أجزاء لطيفة مائلة إلى الحرارة. فإذ ~~غسلت، فارقتها هذه الاجزاء ms400 اللطيفة الحارة لأنها تقذف في الماء الذي غسلت ~~به. ولذلك صارت إذا غسلت، صار تبريدها في الدرجة الثانية، وتجفيفها في أول ~~الثانية. وإذا لم تغسل، كان تبريدها في الدرجة الأولى، وتجفيفها في آخر ~~الدرجة الثالثة. ومما يدل على ذلك أن إنسانا لو أخذ منها شيئا ومسحه على ~~عضو صحيح، لوجدها تجففه وتمدده على المكان من غير أن تحدث فيه من البرد إلا ~~مقدارا ليس بالكثير. # فقد بان مما قدمنا إيضاحه أن هذه الشجرة قابضة جدا وثمرتها الغض منه ~~وأغصانها أيضا كذلك. # ومن قبل ذلك صارت عصارتها نافعة (2) من سيلان الرطوبات المزمنة إلى ~~الأرحام ومن النتوء العارض فيها وفى المقعدة. وإذا شربت أو احتقن بها، عقلت ~~البطن. وأما ورق هذه الشجرة، فإنه ما دام أخضر طريا، فإن ماءه ملين للبطن، ~~لان فيه حلاوة ورطوبة. وأما يابسا (3) فحابس للبطن لعدمه الرطوبة المكتسبة ~~من الماء. ولذلك يصار الطري منه إذا دق واستخرج ماؤه وشرب منه مقدار نصف ~~رطل بشئ من سكر، لين البطن وأحدر ما في المعدة من الرطوبات المرية ونفع من ~~الجرب العارض من الرطوبات المتعفنة وبخاصة إذا أدمن أخذه أسبوعا. وأما ~~الصمغ المستخرج من هذه الشجرة فهو المعروف بالصمغ العربي. والمختار منه ما ~~كان شكله دوديا ولونه أبيض وأحمر صافيا صقيلا براقا ومستشفا يكاد البصر أن ~~ينفذه لصفائه ومشاكلته لصفاء الزاج (4) المذاب. وبعده ما كان أبيض أو أحمر ~~صافيا نقيا، وإن لم ينفذه البصر. وأذم أنواعه ما كان شبيها بالراتينج، أعني ~~صمغ الصنوبر. وقوة هذا الصمغ قابضة مقوية مغرية ملينة لخشونة الصدر والرئة، ~~قامعة لحدة الأدوية إذا خلط معها. # ورأيت صمغا يجلب من بلد الحجاز من شجرة تعرف هناك بأم غيلان يزعمون أنه ~~الصمغ العربي على الحقيقة. وهو صمغ مكتنز مدور مكسره أحمر براق يكاد البصر ~~أن ينفذه لصفائه ونقائه، إلا أن غروته (2) أكثر من قبضه. ولذلك صار أكثر ~~موافقة في تليين خشونة الصدر والرئة وخشونة العين من الصمغ # PageV00P436 # المستخرج من شجرة القاقيا. والصمغ المستخرج من شجرة القاقيا أوفق في ~~تقوية ms401 المعدة والمعاء لان قبضه أقوى. وإذا حمصا جميعا، حبسا البطن ونفعا من ~~سحوج الأمعاء. وزعم ديسقيريدس أن شجرة القاقيا تنبت في بلدة يقال لها ~~(قبادوقا) وبلدة يقال لها (نيطس). وذكر عن شجرة أخرى يستخرج منها قاقيا ~~تشبه القاقيا المصرية (1) غير أن شجرتها أصغر ولها فم (2) ولها أيضا شوك ~~كأنه السلى وورقها شبيه بورق السذاب ويبرز منها في الخريف بزر في غلف ~~مزودجة في كل غلاف ثلاثة أقسام أو أربعة، وبزرها أصغر من العدس، وقبضها ~~كقبض القاقيا إلا أن فعلها أضعف قليلا. # PageV00P437 # في الأنجرة المعروفة بالقريض وأهل مصر يسمونها الحريق (1) أما الأنجرة ~~فتسخن وتجفف باعتدال في آخر الدرجة الثانية. ولذلك صارت قوتها تلطف وتحلل ~~وتجلو وتحرك. ومن قبل ذلك صارت إذا شرب منها وزن درهمين، أطلقت الطبيعة ~~باعتدال، وأحدرت بلغما. وليس فعلها لذلك بأنها تفعل فعل الأدوية المسهلة ~~القطاعة (2)، لكن لما فيها من الجلاء والتحليل والتلطيف للطافة حرارتها ~~وبعدها من الاحراق. وقد يدل على ذلك بما يظهر من تنميتها للصدر والرئة من ~~الأخلاط الغليظة من غير تلذيع. غير أنها عند ابتداء انهضامها تولد في ~~المعدة رياحا نافخة لا من جهة طبعها لان من طبيعتها التحليل والتلطيف، لكن ~~لبعد انهضامها. # ولذلك قال جالينوس أن الأنجرة غير نافعة بالفعل، لكنها نافعة بالقوة. ~~أراد بذلك أنها لبعد انهضامها لا يظهر تأثيرها من قرب لأنها تحتاج أن تلبث ~~حتى تفعل ويكمل هضمها قبل أن يظهر فعلها. # ولبعد انهضامها صارت مولدة للرياح والنفخ. ولرياحها العرضية ونفخها، صارت ~~مولدة للرياح معينة على الانعاظ زائدة في الجماع، وبخاصة إذا استعملت مع ~~البصل والبيض لان ذلك يفيدها زيادة في الغذاء، وزيادة الغذاء زائدة في ~~المني. ومن خاصتها إسهال البلغم. وورق الأنجرة أقل حرارة من بزر الأنجرة ~~لان حرارته في أول الدرجة الثانية أو في وسطها. وإذا طبخ كما يطبخ الكرنب ~~وأكل، أسهل البطن. وإذا حمل على الأورام الصلبة التي في أصل الاذن، حللها. # PageV00P438 # في الحرف المعروف بحب الرشاد وأهل الحجاز يسمونه الثفاء أما الحرف فيكون ~~على ضربين: لان منه ms402 الأحمر، ومنه الأبيض المسمى ثاكسيفيس (1). وأجود الأحمر ~~ما كان بابليا. ولقوة أنواعه قوة مسخنة محرقة كإحراق الخردل. ولذلك صار ~~شبيها به في أكثر أسبابه وأموره أو في كلها. ويدل على ذلك لذعه المعدة ~~وإفساده لها وإضراره بعصبها، إلا أن فيه قوة ملطفة قطاعة مطلقة للبطن بها ~~صار مخرجا للدود وحب القرع من البطن، محللا (2) لأورام الطحال، منقيا (1) ~~للقوابي والجرب المتقرح. والاكثار منه يحدر رطوبات بلغمانية نية من المثانة ~~والأرحام حتى أن كثيرا ما يحدث تقطير البول، ويقتل الأجنة. وإذا عمل منه ~~ضماد بعسل وحمل على الطحال، فعل فيه ما يفعله إذا شرب. وإذا حمل على القروح ~~العفنة، نقاها. وإذا طبخ في الأحساء، نقى الصدر والرئة من الأخلاط الغليظة، ~~ونفع من الربو والبهق لتنقيته الفضول بقوة. وإذا شرب نفع من نهش الهوام ~~ولسعها. وإذا دخن به موضع (3)، طرد الهوام منه. وإذا غسل بمائه الرأس، نقاه ~~من الأوساخ والرطوبات اللزجة ونفع من تساقط الشعر. وإذا خلط بسويق وعجن بخل ~~وحمل على الأورام، حللها. وإذا حمل على وجع الورك المعروف بعرق النسا، سكن ~~وجعه العارض من البلغم. وإذا عمل منه ضماد بماء وملح، أنضج الأورام القليلة ~~الحرارة وبخاصة الدمامل. وإذا حمص وشرب ببعض الأشربة الحابسة للبطن، منع ~~الاسهال العارض من الرطوبة ونفع من الزحير وسحوج الأمعاء السفلى العارضة من ~~البرد. ولذلك استعمله المتطببون محمصا في سفوف المقلياثا (4). وأما ورق ~~الحرف فإنه إذا كان يابسا، كانت قوته قوة الحرف إلا أنه # PageV00P439 # دونه قليلا، وإذا كان طريا، كان سبب رطوبته التي فيه المكتسبة من الماء ~~أقل تلذيعا من البزر كثيرا. # ولذلك أمكن أن يستعمل مع الطعام على سبيل الادم. # * * * في الحرف الأبيض المسمى ثالسفيس وأما الحرف الأبيض فأفضله أيضا ما ~~كان بابليا. وهو نبات له ورق منبسط على الأرض مسرف الأطراف، وله قلب طويل ~~دقيق طوله قريب من شبرين (1) يخرج منه شعب كثيرة، وعلى القلب كله ثمر واسع ~~وفيه بزر أصغر من بزر الحرف، إلا أن شكله مدور على شكل الخلهتح (2) وأكثر ~~بياضا (3) منه إلا ms403 أنه ليس بساطع البياض بل كأنه يلي إلى الصفرة وزهره إلى ~~البياض ما هو. وينبت كثيرا في الطرق والسياجات وعلى الحيطان والسطوح. ولذلك ~~يسميه (4) أهل بيت المقدس حرف السطوح لأنه ينبت على سطوحهم كثيرا. # وفى هذا النبات رطوبة لزجة، ولبزره حرافة وإسخان وتقطيع وتلطيف. وإذا ~~احتقن به، أسهل دما. وإذا شرب، أدر الطمث وقتل الأجنة وفجر الدبيلات (5) ~~الباطنة. وزعم ديسقيريدس أنه إذا شرب منه وزن أكسوثافن، أخرج مرة صفراء ~~بالاسهال والقئ. قال واضع الكتاب: وما أعلم بأي شئ يفعل ذلك، وهو على ما هو ~~عليه من الحرارة والحدة، إلا أن يكون يفعل ذلك بخاصية فيه كالسقمونية. # وأما الاكسوثافن فإنا وجدناه في بعض النسخ ثمانية عشر قيراطا، وفى بعضها ~~أوقيتين وربع، وفى بعضها أوقية وربع، وفى بعضها ثمانية عشر مثقالا. وحكى ~~ديسقيريدس عن فراطس أنه كان يقول: أن من الحرف صنفا آخر يسميه بعض الناس ~~خردلا فارسيا، وهو نبات عريض الورق كبير الأصل يقع في أخلاط الحقن النافعة ~~من عرق النساء. # PageV00P440 # في السعد أما السعد، فإن الذي ينتفع به منه أصله فقط، وقوته قوة مسخنة ~~مجففة لأنه مركب من مرارة وعفوصة مع حرافة يسيرة وعطرية ظاهرة. فلمرارته ~~وحرافته، صار مقطعا للبول، مجففا للرطوبات، مدرا (1) للطمث والبول، وبخاصة ~~بول المستسقين وأصحاب الحصى لأنه يحلل الحصى ويفتته. ولقبضه وعطريته صار ~~مقويا للمعدة، نافعا من القروح العسرة الاندمال لفضل رطوبة فيه. وذلك ~~لتجفيفه ونشفه الرطوبات. ولذلك صار نافعا من قروح الفم واللثة. والمختار ~~منه ما كان كثيفا مكتنزا رزينا ذكي الرائحة، وحدته ظاهرة مثل السعد ~~الطرسوسي والدمشقي، والذي يؤتى به من جزيرة يقال لها قويارس (1)، لان ما ~~كان كذلك، كان مسخنا قويا على تفتيح أفواه العروق، سريعا (2) في درور الطمث ~~والبول وتفتيت الحصى. وإذا عمل منه ضماد، نفع من برد الأرحام وانضمام ~~أفواهها. وإذا شرب، نفع من سم العقارب غير أن الاكثار منه والادمان عليه ~~يجفف الدم ويفني رطوبته حتى أنه لا يؤمن على صاحبه أن يؤول أمره إلى ~~الجذام. # PageV00P441 # في القلقاس أما القلقاس ms404 فهو أصل نبات ينبت أكثر ذلك في أرض مصر، له ورق ~~مستدير واسع على شكل الترمس، يكون قطر دائرة الورقة شبر ونصف أو أوسع من ~~ذلك. ولكل ورقة من ورقه قضيب مفرد على غلظ الإصبع وطوله شبران أو ثلاثة. ~~ونبات القضيب من الأصل الذي في الأرض، لان ليس لهذا النبات ساق ولا ثمر، ~~والموضع الذي يتصل به القضيب من الورقة منخفض قليلا على حكاية ورق القرع ~~إلا أن ورق القرع كثير لعلوه وهو أسخف وأضيق وأقل خضرة، وورق القلقاس أوسع ~~وأنعم وأشد خضرة وأقرب من ورق الموز في خضرته ورقة جسمه وليانته ورونقه ~~ونضارته. # وأما أصله فشكله شكل شبه بشكل الأترج إلا أن ظاهره يلي الحمرة قريب من ~~ظاهر النارجيل المعروف بجوز الهند وداخله أبيض كثيف مكتنز مشاكل للموز ~~الأخضر وفى طعمه قبض يسير مع حرافة قوية تدل على حرارته ويبسه. فإذا سلق ~~بالماء، زالت حرافته جملة واكتسب، مع ما فيه من القبض اليسير، لزوجة مغرية ~~كانت فيه بالقوة، إلا أن حرافته كانت تقيها وتسترها. ولذلك صار غذاؤه غليظا ~~بطئ الانهضام ثقيلا في المعدة لكثافة جسمه ولزوجته، إلا أنه لما فيه من ~~القبض والعفوصة، صارت فيه قوة مقوية للمعدة معينة على حبس البطن إذا أخذ ~~منه مقدار لا يثقل المعدة فتخليه ضرورة لثقله وبعد انهضامه. ولما فيه من ~~اللزوجة والتقوية صار نافعا من سحوج المعاء. وقشره أقوى على حبس البطن من ~~لحمه، لان القبض فيه أقوى وعليه أغلب. # وزعم ديسقيريدس أن لهذا النبات زهر على لون الورد. فإذا عقد، عقد شيئا ~~شبيها بالحراب كأنه تفاحة الماء، وفيه باقلى صغير أصغر من الباقلي اليوناني ~~يعلو موضعه المواضع التي ليس فيها باقلى. فمن أراد أن يزرعه، فإنما يأخذ ~~ذلك الباقلي ويصيره في كيل طبق ويلقيها في الماء فينبت. وأما نحن فما ~~شاهدنا (1) له زهرا، بل شاهدنا هذا الباقلي الذي ذكر لاصقا بالأصل من جميع ~~نواحيه في جوف الأرض، # PageV00P442 # لان ليس لهذا النبات ساق أصلا على ما بينا. ورأينا أصل هذا النبات أخزن ms405 ~~في المنازل وجاء وقت نباته، تفرع من الباقلي اللاصق به فروعا وأنبتت من غير ~~أن يظهر لها زهر ولا ثمر لكن لون الباقلي ونفسها كلون زهر الورد، لأنها حين ~~تبزر وتأخذ في النبات، تخرج ما يبزر منها حسن البياض يعلوه تورد قليل. # وزعم ديسقيريدس عن هذا الأصل أيضا أنه قد يؤكل طريا ويابسا. وزعم أنه قد ~~يعمل منه دقيق يشرب. وإذا شرب دقيقه مثل السويق أو عمل منه حسو، كان مقويا ~~للمعدة، نافعا من الاسهال المري وسحوج المعاء. وأما نحن فما وجدنا له جفافا ~~يمكن أن يكون منه سويقا، ولا رأيناه السنة كلها إلا رطبا مثل بصل النرجس ~~وبصل الزعفران وما شاكل ذلك. وزعم أن الشئ الأخضر الذي في وسطه الذي طعمه ~~مر إذا سحق وخلط بدهن وقطر في الاذن، سكن وجعها. وما شاهدنا نحن في وسطه ~~هذا الشئ الذي قاله ديسقيريدس ولا وجدناه السنة كلها إلا كالموز الأخضر. ~~PageV00P443 # في الكنجر الكنجر (1) الفاوية (2) والكنجر البري هو الحرشف. أما الكنجر ~~فالغالب عليه الحرارة واليبوسة، إلا أن حرارته أكثر من يبسه لان حرارته في ~~آخر الدرجة الثانية أو داخلة في الدرجة الثالثة، ويبسه في وسط الدرجة ~~الثانية. وجرمه غليظ كثيف بطئ الانهضام يولد دما يقرب من المرة السوداء ~~الحريفة. ومن خاصة جوهره أنه إذا طبخ بشراب وشرب طبيخه، عقل البطن وأحدر ~~بولا كثيرا منتنا. ولذلك صار يذهب بنتن رائحة الإبطين ونتن سائر البدن لأنه ~~يخرج مع العرق من البدن ما كان من هذا الجنس من الأخلاط. وهذا الفعل منه ~~يقع لجملة جوهره بخاصته لا بكيفياته أعني لا بحرارته ويبوسته، لان من الحار ~~اليابس ما لا يفعل ذلك. وزعم ديسقيريدس أن المحموم إذا شرب ماءه، عقل (3) ~~بطنه. وقد يستخرج من هذا النبات صمغة إذا شرب منها وزن مثقال بشراب العسل، ~~هيجت القئ. وزعم بعض المحدثين أن هذا النبات يفعل في زيادة المني ما يفعله ~~الهليون. # في الباذنجان حار يابس في آخر الدرجة الثانية، ويدل على ذلك مرارته ~~وحرافته وتلذيعه اللسان والشفتين. ولما كان ms406 الأغلب على الدم المتولد عنه ~~الحدة والحرافة، صار قابلا للاحتراق بسرعة. ولذلك يستحيل من قرب وينتقل إلى ~~المرة السوداء الحريفة. وهذه خاصته اللازمة له. ومن قبل ذلك صار مفسدا للون ~~مسودا # PageV00P444 # للبشرة ومولدا للكلف ومورثا (1) للداء المعروف بالسرطان والداء المعروف ~~بداء الفيل والأورام الجاسئة الصلبة وللسدد. وأحمد ما يتخذ منه أن يشقق ~~ويحشى جوفه ملحا ويترك طويلا في جوف الماء ماء حار ثم يصب عنه ذلك الماء ~~ويعاد إلى ماء ثان، ويفعل ذلك به مرات حتى يصفو ماؤه ويذهب أكثر سواده ثم ~~يسلق وينزع من مائه الذي يسلق به ويغسل ويطبخ بلحم الجدي والدجاج والحملان. ~~فإذا أراد مريد استعماله بغير لحم، طيبه بعد سلقه وغسله بخل ومري ودهن لوز ~~ودهن سيرج، واستعمله. وأحمد الباذنجان ما كان صغيرا حديثا مما قد زرع في ~~سنته تلك، وكان قليل المرارة أو سليما منها أصلا إن أمن ذلك. وأحمد ما يؤكل ~~لبه المقشر من قشره ويمص بعده الرمان المز أو يشرب ماء الرمانين. # PageV00P445 # في الكمأة ولما كانت الكمأة تقبل كل الطعوم المخالطة لها، دل ذلك على أنه ~~لا طعم لها، كما أن كل ما قبل الألوان لا لون له. ولما كانت الكمأة كذلك، ~~وجب أن تكون طبيعتها طبيعة القرع في الرطوبة غير أنها أكثر بردا وأقل ~~رطوبة، لان الغالب على جوهرها الأرضية مع يسير من لطافة. ويدل على لطافتها ~~خفة جسمها وقلة رزانتها، لان قلة الرزانة دليل على اللطافة وقلة الرطوبة. ~~ومن قبل ذلك صار الدم المتولد عنها أغلظ من المعتدل قليلا، إلا أنه ليس ~~بالردئ، وإن كان الاكثار منها يولد سددا. ولذلك وجب أن تستعمل الحيلة فيما ~~يلطف غلظها ويعين على هضمها. والوصول إلى ذلك أن لا تستعمل دون أن تقشر ~~وتثقب بخلال ليصل الماء والطبخ إلى باطنها. وتسلق بالماء والملح وشئ من ~~سذاب سلقا بليغا، ثم ينحى عنها الماء الذي سلقت به وتطيب بالمري والزيت ~~والصعتر والفلفل، أو تؤكل بملح وصعتر وفلفل ويشرب عليها نبيذ صرف أو ممزوج ~~(1) على حسب مزاج المستعمل ms407 لها، لأنه إن عاقها عائق عن الانهضام في المعدة ~~تولد عنها دم يقرب من البلغم الغليظ اللزج، وأورثت المدمن عليها وجعا (2) ~~في المعدة والأمعاء. وأكثر ذلك يؤول أمر صاحبها إلى القولنج أو السكتة. ~~وهذه خاصتها إذا بعد انهضامها ولم يقبل النضج. وكذلك وجب على من كان مزاجه ~~باردا أن (3) يستعمل بعقبها الزنجبيل اليابس والمربى وجوارشن الكمون ~~وجوارشن الثلاث فلافل وترياق الفاروق (4) وما شاكل ذلك. # وأما اليابسة منها فهي أغلظ وأبطأ انهضاما في المعدة، ولذلك صار الأفضل ~~أن تنقع في الماء يوما وليلة أو تدفن في طين عذب مبلول لتكتسب من ذلك رطوبة ~~فيسهل بها انهضامها وتقل غائلتها. وزعم # PageV00P446 # الكندي (1) أن من الكمأة شيئا ينبت في المواضع التي ينبت فيها الفطر ~~الردئ. وما كان منها كذلك، كان أكثر بردا ورطوبة ومخصوصا بتولد البلغم ~~الكثير الغليظ، ومهيجا لعسر البول والقولنج والسكتة والفالج والذبحة ~~القاتلة لاكتسابه ذلك من مجاورته الفطر، لما في الفطر من الخاصية في إحداث ~~الذبح. وإذا أكلت نية، قتلت. # علاج ذلك أن يشرب ماء طبيخ عود الشبث مع سمن البقر أو دهن الخل، ويشرب ~~أيضا من رماد عود الكرم مثقالان (2) يذاب بسكنجبين وماء حار، ويشرب ويتقيأ ~~جيدا حتى يخرج غلظ الكمأة من جوفه. # PageV00P447 # في الفطر أما الفطر فبارد رطب في الدرجة الثالثة، ويدل على ذلك ليانة ~~جسمه ورخاوته وتفاهة طعمه وقبوله للطعوم كلها بالسواء، إلا أنه على ضربين: ~~لان منه ما يكون قتالا، ومنه ما ليس بقتال. والذي ليس بقتال فإنه، وإن كان ~~أقل خطرا، فإن فيه رطوبة غليظة لزجة بعيدة الانحلال والانقياد لفعل الطبع، ~~بها صار مذموما أيضا قريبا (1) من الخضرة، لان الخلط المتولد عنه إذا نضج ~~وكمل انهضامه، كان أغلظ من الخلط المتولد عن الكمأة التي لم يستحكم هضمها، ~~لأنه أغلظ وأكثر لزوجة وأبعد من قبول الاستمراء. # ومن قبل ذلك صار اجتنابه في الجملة أفضل. والأصلح لمن أراد استعماله ~~واحتمال ضرره أن يسلقه بماء قد جعل فيه كمثرى طري أو يابس وفودنج جبلي أو ~~بري، ويرمى بمائه الذي ms408 سلقه به، ويطبخه بماء ثان ويطيبه ببعض الأبازير ~~الحارة الحريفة الملطفة للغلظ مثل الفودنج والصعتر والفلفل والزنجبيل، ~~ويشرب بعده نبيذا صرفا أو مصرفا (2) أو سكنجبينا ساذجا أو سكنجبينا عنصليا ~~على حسب طبيعة المستعمل (3) لذلك في حرارة مزاجه وجفافه، أو برودته ~~ورطوبته. ومن كان مزاجه باردا فلا بأس أن يستعمل، بعد أكله، الزنجبيل ~~المربى وجوارشن الكمون وجوارشن الفلافل وترياق الفاروق، وإن كان من الواجب ~~أن يتوقى الاكثار منه أصلا. # وأحده قبل استحكام نضجه على ما وصفنا يولد أحد أمرين (4): إما أن يلين ~~خمل المعدة بلزوجته وإزلاقه ويحدث العلة المعروفة بالهيضة، فيكون أسلم له ~~وأبعد من أذيته. وإما أن يبطئ انهضامه ويعسر انحداره، فيثقل على المعدة ~~ويضغط فمها المعروف بالفؤاد الأصغر، فيحدث غشيا وعسر نفس وعرقا باردا. وإذا ~~صار المرء إلى مثل هذا فبكد ما يبرأ إلا أن يستعمل القئ بالأشياء الملطفة ~~للفضول الغليظة # PageV00P448 # مثل النطرون والفودنج الجبلي والزوفا والاسكنجبين الساذج والماء الحار. ~~وإذا كان المزاج باردا رطبا، فيكون الاسكنجبين عنصلانيا لان ذلك ربما قيأ ~~فطرا قد استحال وصار خلطا بلغميا باردا شديد الغلظ وخلص صاحبه، وربما لم ~~يتقيأ وهلك وإن أخذ من الفطر مقدارا يسيرا على ما وصفنا من التدبير وإحكام ~~النضج ثم جاد هضمه في المعدة حسنا، غذى غذاء كثيرا وإن كان بطيئا مما ينحل ~~لغلظه ولزوجته. # ولذلك صار أكثر ما يخرج مع البراز صحيحا. # فأما الفطر القتال فإن فعله وتأثيره يكون على ضروب: لأنه منه ما يقتل ~~بإفراط برودته ورطوبته إذا صار إلى الدرجة الرابعة من البرودة والرطوبة. ~~ومنه ما يقتل بإفراط لزوجته وسده للمسام ومنعه من التحليل. ومنه ما يقتل ~~بكيفية فيه اكتسبها من المواضع التي ينبت فيها مثل ما ينبت منه بالمجاورة ~~لحديد صدئ أو لخرق قد تعفنت فأفادته كيفية مذمومة سريعة القبول للعفونة ~~والفساد. ومنه ما ينبت بالقرب من أجحرة بعض الهوام فيستفيد منها كيفية ~~سمية. ومنه ما ينبت بالقرب من أشجار لها خاصية مزيد في لزوجته وغلظه مثل ~~أشجار الزيتون وما شاكلها من الأشجار الدهنية ms409 الدسمة العديمة التقطيع ~~والتلطيف. # وقد يستدل على معرفة الفطر المذموم الخبيث من جهتين: إحداهما ما تجده على ~~وجهه من الرطوبة الغليظة اللزجة. والثانية أنك إذا قطعته ووضعته في موضع، ~~تعفن وفسد بسرعة. ومما يدفع ضرره أكل الكمثرى وشرب النطرون بالدهن، أو بشرب ~~الرما بالخل والملح، أو يلعق خرء الديوك والدجاج معجونا بعسل وخل، أو بشرب ~~طبيخ الفودنج والزوفا والصعتر. # * * * في الفوشية والجبلجان والشيح هذه في جملتها باردة رطبة في الدرجة ~~الأولى، وهي جنس من الفطر إلا أنها إذا انهضمت (1) لم يكن كيموسها بالمذموم ~~كالفطر. ومن الفوشية ببلد الشام شئ كثير، إلا أن الخراساني أكثر منه وأجود ~~غذاء. # PageV00P449 # في الفقار (١) المعروف بالكبر ويسمى الآصف (٢) أما اسم هذا النبات فيضم ~~ثلاثة أشياء: أصل الفقار، وورقه، وثمرته. وهي في جملتها تتفق في مزاج واحد ~~ودرجة واحدة من الحرارة واليبوسة، أعني الدرجة الثانية، لأنها مركبة من ~~طعوم ثلاثة: من مرارة وحرافة وعفوصة. والمرارة والحرافة عليها أغلب، ~~والعفوصة فيها أقل وأخفى. ولذلك صارت محللة قطاعة منقية (٣) للرطوبات ~~الزائدة في المعدة، مفتحة لسدد الكبد محللة لجسأ الطحال وغلظه، مدرة للبول ~~والطمث. # ولما قدمناه من فعلها، صار أكثر استعمالنا لها على مذهب الدواء، لا على ~~مذهب الغذاء، لان الغذاء المتولد عنها مذموم غير محمود من قبل أنها ما دامت ~~طرية وفيها بعد الرطوبة المكتسبة من الماء، فالدم المتولد عنها حار مؤذ ~~لحدة الرطوبة العرضية التي فيها وحرافتها ورقتها. فإذا صلبت وعصت وزالت (٤) ~~عنها الرطوبة العرضية ورجعت إلى طبيعتها ومزاجها، صارت (٤) أشد لحرافتها، ~~واختصت بتوليد المرار الأسود الحريف لان جوهرها قد يبس وصار من طبيعة الخشب ~~في اليبس من غير أن تزول عنه حرافته وحدته. # ولهذه الأسباب القوية، صارت مذمومة رديئة لعصب المعدة لتلذيعها له ~~بحرافتها، ولأن ما فيها من يسير القبض لا يفي بقوة حرافتها ومرارتها. # ولهذه الجهة صار من الواجب أن لا تؤكل دون أن تسلق بالماء العذب سلقا ~~بليغا، ويرمى بمائها الذي سلقت به ليزول عنها أكثر حدتها وحرافتها وتظهر ~~عفوصتها، ثم تؤكل بالخل أو ms410 بالمري والزيت والسذاب، أو تؤكل إما مطبوخة ~~ومقلية. وكيف <ما> أكلت فيجب أن لا تعرى من الكسبرة لأنها # PageV00P450 # مخصوصة بدفع ضررها. وقد يتخذ ورقها وقضبانها بالخل أو بالملح وتؤكل. وما ~~كان منها متخذا بالخل، كان دابغا للمعدة ومقويا لها ومنبها لشهوة الطعام، ~~إلا أنه معطش لا لحرافته، لكن ليبسه وتجفيفه. وما كان منها متخذا بالملح، ~~كان أقل لغذائه وأقوى على إحراقه الدم، والزيادة في العطش، والاضرار ~~بالمعدة، وإفساد شهوة الطعام، وإطلاق البطن، وتوليد المرار الأسود الحريف، ~~وذلك لحدته وحرافته وإفراط يبسه. ولذلك وجب ألا يؤكل إلا بعد أن يغسل من ~~ملحه جيدا حتى يعذب ويؤكل بالخل والزيت والانفاق، وإما الكسبرة الرطبة ~~المنزوعة (١) الرغوة. وأحرى <أن> يؤكل مطبوخا فهو أنفع للمعدة وأحسن ~~غذاء مما يؤكل مملحا، لان رطوبة الماء وليانة دسم اللحم تزيلان ضرر حرافته ~~وحدته، ولا سيما إذا سلق بدءا وأخرج عن مائه الذي سلق به وطبخ بماء ثان. # وأقوى ما في هذا النبات على سبيل الدواء، اللحاء الذي على الأصل، وبعده ~~الثمر والحب، وبعدهما الورق والزهر. ومن قبل قوة اللحاء الذي على الأصل، ~~صار من أنفع الأدوية لجسأ الطحال وتحليل غلظه، وبخاصة إذا دق وشرب بخل وعسل ~~ممزوجين أو بخل وحده أو بالسكنجبين وما شاكله، لأنه يقطع الأخلاط الغليظة ~~اللزجة ويخرجها بالبول والغائط. وكثيرا ما يخرج مع الغلظ شيئا دميا من جنس ~~الاحتراق، فيكون ذلك سببا وكيدا لتحليل جسأ الطحال وتسكين أوجاعه وتخفيف ~~أمره من قرب. # وربما كان ذلك على المكان، ولذلك صار قويا على درور الطمث. وإذا شرب بعسل ~~وماء حار، نفع من أوجاع النقرس والوهن العارض للأوراك من انصباب المواد ~~الغليظة إليها. وإذا طبخ بشراب وتغرغر به أو مضغ مضغا، حلل بلغما كثيرا ~~وأخرجه بالبصاق ونفع من الهتك لرأس العضلة الخارجة من وسط الدماغ. وإذا طبخ ~~بشراب أو بخل وتمضمض به، نفع من وجع الأسنان. وإذا مضغ أيضا، فعل مثل ذلك. ~~وإذا أخذ وهو طري ومضغ بالسن الوجع، سكن ألمه. وإذا سحق وهو يابس وعجن بخل ~~ثقيف ms411 وحمل على البهق، نقاه. # وثمر هذا النبات يفعل قريبا مما يفعله لحاء الأصل. والورق يفعل قريبا مما ~~يفعله الثمر. وإذا شرب من ثمره كل يوم وزن درهمين أدمن على ذلك ثلاثين ~~يوما، حلل ورم الطحال بالبول والنجو (2)، وأخرج مع الاسهال فضولا (3) دمية ~~من جنس الاحترق. وإذا خلط مع الكندر وعجن بخل وحمل على الطحال، حلل ورمه ~~وأضمره. وإذا أخذت (4) قضبانه وورقه ودقت واستعملت وحدها أو مع الأدوية ~~المحللة، حللت الخنازير وغلظ الأورام الصلبة، لان فيها قوة مما ذكرناه في ~~اللحاء والثمر من الجلاء والتقطيع. # PageV00P451 # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: وإني لاعلم أني في بعض الأوقات حللت صلابة ~~داء الخنازير (١) في أيام يسيرة بورق الكبر فقط. وربما خلطت معه في بعض ~~الأوقات بعض الأشياء التي يمكن فيها أن تكسر حدة حرافته إذا كان الورم ~~ملتهبا. وإذا كان في الورق من القوة ما يفعل هذا الفعل فليس بعجب أن تكون ~~عصارته تقتل الدود الذي في البطن والدود الذي في الاذنين، وبخاصة ورق الكبر ~~النابت في البلدان القوية الحرارة بالطبع مثل الكبر النابت (٢) على بحر ~~القلزم لأنه حريف جدا منفط للفم واللثة، حتى أنه كثيرا ما (٣) تتغير منه ~~الأسنان. ولذلك صار هذا الجنس من الكبر لا يصلح في شئ من الطعوم أصلا. # ومن قبل ذلك أجمعت الأوائل أن زيادة حدة الكبر ونقصانها واختلاف أفعالها ~~في القوة والضعف على حسب المواضع التي ينبت فيها، وذلك أن منه ما ينبت في ~~البلدان الباردة الرطبة مثل البلدان الكثيرة المروج والآجام وما شاكل ذلك ~~ومنه ما ينبت في البلدان الحارة اليابسة مثل البلدان الجبلية والمواضع ~~الصخرية. # فما كان منه نابتا في الجبال والمواضع الصخرية اليابسة، كان أشد حرافة ~~وأقرب من الدواء وأبعد من الغذاء وأسرع انقلابا إلى المرار وأخص بالاضرار ~~بالمعدة، إلا أنه أوفق لتفتيح السدد وتقطيع الفضول الغليظة. # وما كان منه نابتا في المروج والآجام والمواضع الباردة الرطبة كان أقل ~~حرافة وأقرب من الغذاء إلا أنه <أخص> بتوليد الرياح والنفخ وأضعف في ~~تفتيح السدد وتنقية ms412 الفضول الغليظة. ولهذه (4) الجهة صار الأفضل أن يجتنب ~~هذا النوع من كان قصده تنقية الفضول وتلطيفها. # PageV00P452 # في البصل والثوم والكراث أما البصل والثوم فأكثر ما يؤكل منهما أصولهما، ~~وقل ما يؤكل منهما أوراقهما وقضبانهما إلا أن تكون طرية رطبة. وقوة الثلاثة ~~الأنواع، أعني البصل والثوم والكراث، قوية شديدة الحدة والحرافة من قبل ~~أنها مركبة من جوهر حاد حريف يخالطه جوهر غليظ أرضي وجوهر رطب مائي وجوهر ~~لطيف هوائي، وقد تمتاز هذه الجواهر بعضها من بعض عند ذوقها وعصرها واستخراج ~~مائيتها ورطوبتها، لأنا نجد الجوهر الرطب المائي والجوهر اللطيف الهوائي ~~يميزان ويخرجان في الرطوبة ويبقى في الثفل الذي هو الجوهر الغليظ الأرضي ~~فيه حرافة وحدة. وبيان ذلك أن إنسانا لو أخذ أحدها فدقه وعصره وتركه وقتا ~~حتى يرسب كدره ثم روقه وصفاه لوجد الثفل غليظا أرضيا شديد الحدة والحرافة، ~~ووجد الرطوبة مائية سيالة فيها حرارة لطيفة هوائية، إلا أن بين كل واحد من ~~هذه الأنواع الثلاثة، أعني البصل والثوم والكراث وبين الآخر، فرقا بينا من ~~قبل أن البصل يسخن في أول الدرجة الرابعة ويرطب في وسط الدرجة الثالثة. ~~والثوم يسخن ويجفف في الرابعة. والكراث يسخن في الدرجة الثالثة ويجفف في ~~الثانية. ولذلك صار البصل إذا استعمل بجملة أجزائه، ولد في المعدة، بفضل ~~حدته وزيادة رطوبته، أخلاطا رديئة مذمومة معطشة مهيجة للغثي والرياح ~~النافخة مورثة لخبث النفس والصداع والهوس لكثرة ما يترقى من بخاره الردئ ~~المذموم إلى الرأس. ومن قبل ذلك صار الاكثار منه مهيجا لاختلاط العقل وفساد ~~الذهن، ومولدا لأحلام رديئة الماناخوليا (1)، وبخاصة إذا استعمل بعقب ~~الأمراض. وإذا أخذ منه بقدر على سبيل الدواء في أوقاته وبحسب الحاجة إليه، ~~كان منه دواء مسخنا ملطفا للفضول الغليظة، ومقطعا للأخلاط اللزجة، ومفتحا ~~لأفواه العروق، ومدرا (2) للبول والطمث، ومسكنا للجشاء الحامض، ومفتقا ~~لشهوة الطعام، ومخلخلا لسطح البدن، ومحللا للبخارات منه، وجالبا للعرق، ~~وملطفا للبطن، وزائدا في المني # PageV00P453 # بزيادة رطوبته، ومقويا للانعاظ بكثرة رياحه، ومنبها لشهوة الجماع بقوة ~~حرارته. إلا أن ما يتولد منه من ms413 الغذاء ردئ جدا، وإن كان لا غذاء له إذا ~~كان نيا، فإذا سلق بالماء مرتين أو ثلاث، ورمي ماؤه الذي سلق به، زال عنه ~~أكثر حرافته وبقي فيه بقية من التلطيف، وغذى غذاء يسيرا ليس بالردئ، وصار ~~دروره للبول أكثر. وإذا اكتحل بمائه مع العسل، جلا غشاوة البصر العارضة من ~~الرطوبة الغليظة وزاد في حدة النظر ونفع من نزول الماء في العين. وإذا خلط ~~بمثله من التوتياء المسحوقة، سكن حدة العين. وإذا تحنك به، نفع من الخناق ~~العارض من الرطوبة. وإذا استعط (1) بمائه، نقى الرطوبة الغليظة من الدماغ. ~~وإذا عمل من مائه ضماد مع ملح وسذاب وعسل، نفع من عضة الكلب الكلب. وإذا ~~خلط ماؤه بخل وطلي على البهق والكلف في الشمس، نفع منها. وإذا خلط بملح ~~ووضع على الثآليل (2) التي يقال لها أبثير، قلعها. وإذا دلك جرمه على داء ~~الثعلب، كان تهييجه لخروج الشعر أسرع من تهييج زبد البحر له إذا طلي على ~~الموضع. وإذا قطر من مائه في الاذن، نفع من الثقل والطنين العارضين للسمع، ~~ونقى المدة من الاذن، ونفع من الماء إذا وقع فيها. # وإذا قشر البصل وأخذ قلبه. غمس في زيت وتحمله الانسان في المقعدة، فتح ~~أفواه عروق البواسير وأبرز الدم منها. وما كان من البصل حرافته أقل ورطوبته ~~أغزر كان توليده (3) للرياح أكثر. وما كان منه حرافته أشد ورطوبته أقل مثل ~~البصل المعروف بالطرخبيان، كان توليده للرياح أضعف. والبصل المستطيل أقل ~~حرافة من المستدير لأنه أغزر رطوبة، ولذلك سال واستطال. والأبيض من البصل ~~أقل حرافة من الأحمر. والرطب أقل حرافة من اليابس لما فيه من الرطوبة ~~المكتسبة من الماء. والمطبوخ أقل حرافة من الني. والمتخذ بالملح والخل أقل ~~حرافة من الني أيضا، وإن كان المطبوخ أفضل من المتخذ بالخل والملح كثيرا، ~~ولا سيما إذا سلق ورمي ماؤه وطبخ بماء ثان. # والبصل العسقلاني أكثر نفخا ورياحا لأنه أكثر رطوبة وأقل حرافة، ولذلك ~~صار مطلقا للبطن مولدا للدود في المعاء. ولهذه الجهة صار غير محمود لمن عرض ms414 ~~له شئ من الغثي. ومن أراد أن يدفع ضرر البصل الني، فليسلقه بالخل مرات، ~~ويأكله بالجوز المشوي والجبن المقلي بالزيت. وأكل الجبن المشوي يزيل رائحة ~~البصل. وإذا قلي الجبن بالزيت والسمن ومضغ مع جبن مشوي كان أفعل له في ذهاب ~~رائحة البصل الني في الاسفار والمواضع المختلفة المياه لدفع ضرر المياه. # ومن البصل نوع يسمى بالفارسية طرخيان يزعمون أنه بصل ملقح بثوم، ولذلك ~~صار له حرافة الثوم ويبسه ورطوبة البصل وليانته. ومن قبل ذلك صار أقل أنواع ~~البصل رياحا وأقواها على تقطيع الرطوبات الغليظة اللزجة وأنفع من سم ~~العقارب والحيات. # * * * # PageV00P454 # في البصل البري المعروف بالعنصلان ويسمى الأشقيل، ويسمى أيضا بصل الفأر، ~~لان الفأر إذا أكلته قتلها، لا لأنه يقتل الفأر. أما العنصلان (1) فهو على ~~ضربين: لان منه الأبيض، ومنه الأحمر. والأبيض منها أخص بالنفع من الاستسقاء ~~لان فيه قوة حادة محرقة مقطعة تقطيعا بليغا من غير إسخان قوي لان إسخانه في ~~الدرجة الثانية. ولذلك صار ملطفا ملينا للبطن مدرا (2) للبول منقيا لما في ~~الصدر والرئة من الرطوبات الغليظة اللزجة. ولهذه الجهة صار نافعا من البهق ~~والربو والتحشرج والسعال العارض من الرطوبة الغليظة اللزجة، ومن الاستسقاء ~~واليرقان الكائن عن السدد المتولدة عن المواد الغليظة وإن كان من الواجب أن ~~يحذره من كان في صدره ورئته أو في معائه شئ من قرح لأنه يلذعها بحدته ~~ويؤذيها. ويدل على ذلك أنه إذا دلك به ظاهر البدن أحدث في الجلد حكة شديدة ~~وورمه، وبخاصة إذا فعل به ذلك في الحمام. ولذلك صار متى أكل أحدث غثيا ~~وقيئا شديدين بتلذيعه لعصب المعدة. وإذا أكثر منه، قتل. وعلاجه أن يقيأ ~~صاحبه ويطعم السفرجل وحب الآس والكمثرى، ويسقى عصير العوسج، ويدهن البدن ~~بالبان. ومن خاصته أنه يقتل الفأر. # وقد يستعمل على ضروب من الصنعة. فتختلف أفعاله على حسب اختلاف صنعته. ~~وذلك أن منه ما يدق ويعصر ماؤه، ومنه ما يقطع ويجفف ويستعمل، ومنه ما يشوى ~~أو يسلق ويستعمل. فأما عصيره فإنه إذا خلط مع مثل وزنه مرة ms415 أو مرتين عسلا ~~منزوع الرغوة، وطبخ وعمل منه لعوق، نفع من الربو والبهر (3) والتحشرج ~~العارض من الرطوبات الغليظة اللزجة. وإذا دق وعمل منه مرهم بزيت انفاق ~~وراتينج، نفع من شقاق الرجلين، وإذا طبخ بخل وعمل منه ضماد، نفع من لسع ~~الأفاعي. # وأما الشتوي فإنه يدخل في كثير من المعجونات المنقية للأخلاط الغليظة مثل ~~اللوغاذيا وما شاكله. # ويدخل أيضا في الأشربة المنقية الموافقة لاصلاح المعدة مثل السكنجبين ~~وغيره، وإذا أخذ منه مشويا مجففا وزن ثلاثة أوتولوسات ودق وعجن بعسل وعمل ~~منه لعوق، كان صالحا للذين يشكون معدهم ويذكرون أن طعامهم يطفو منها، وأسهل ~~بلغما غليظا لزجا وأعان على درور البول، ونفع من المغص والربو والتحشرج ومن ~~اليرقان العارضة من سدد الكبد المتولدة عن الرطوبات الغليظة. وإذا أكل ~~مسلوقا، فعل # PageV00P455 # مثل ذلك أيضا. وإذا شوي ودق وحمل على الثآليل (١) التي يقال لها ~~(أفروخودش) (٢) وعلى الشقاق العارض من البرد كان (٣) نافعا <منهما>. # وبزره إذا دق وجعل في تينة يابسة وخلط بالعسل وأكل، لين البطن. وإذا علق ~~الأشقيل على دكان، كان بادزهرا (4) للهوام. والمجفف منه من غير أن يشوى ~~يستعمل بالخل والشراب والزيت. # والمختار من الأشقيل ما كان لونه مائلا إلى البياض، ومقداره معتدل متوسط ~~بين اللطافة والعظم. ونباته في المواضع الجافة الصلبة القليلة الرطوبة ~~السليمة من العفونة. وينبغي أن يحذر منه البصلة الواحدة المنفردة النابتة ~~في أرض وحدها. ولا يستعمل منه إلا ما كان حوله بصل كثير من جنسه نابتا، لان ~~المفردة منه خبيثة قاتلة. # * * * في كيفية شي الأشقيل ينبغي لمن أراد أن يشوي الأشقيل أن يأخذ ~~البصلة ويقشر قشرها الاعلى اليابس ويقطع الأصل وينقيه، ويلطخها عجينا أو ~~طينا حرا (5) عذبا، إما أحمر وإما أسود، ويكون ثخن العجين والطين عليه ثخن ~~الإصبع، ويدخلها في فرن أو يتركها في تنور قد وقد بجمر من الليل إلى الصبح، ~~ويذرها حتى يشتوي العجين ويكمل نضجه ويحمر لونه، ثم يخرجها من النار ويذرها ~~حتى تبرد، ويقشر العجين عنها وينظر إليها فان رآها قد نضجت حسنا وتفسخت ~~وأكمل ms416 النار فعله (6) في باطنها، وإلا فليلطخها ثانية ويفعل بها كفعله في ~~المرة الأولى من إدخالها الفرن أو التنور إلى أن يشتوي عجينها. ويديم ذلك ~~مرات إلى أن يكمل نضجها، ثم يفرق طبقاتها بعضها من بعض، وتجفف في الظل في ~~مهب الرياح الشمالية أو الشرقية، ولا تقرب قبل كمال نضجها، لأنها إذا لم ~~تنضج كان فيها حدة مضرة بالمعدة والبطن مهيجة للقئ الكثير. # وأما كيفية تجفيفها من غير أن تشوى، فهو أن تفرق طبقاتها وتقطع على ~~النصف، وتنضم في خيط كتان، ويفرق بين القطعة والقطعة، كيلا يتصل بعضها ببعض ~~ولا يمس بعضها بعضا، وتعلق في الظل في مهب الرياح حتى تجف. وقد يربى الخل ~~بالعنصلان ويقدم في السكارج (7) على الموائد مع البزماوردات وغيرها. ويعمل ~~من هذا الخل أيضا سكنجبين معسل ويستعمل في تنقية المعدة من الرطوبات ~~الغليظة اللزجة وتنبيه الشهوة. # PageV00P456 # صفة تربية الخل بالعنصلان أما تربية الخل بالعنصلان، فعلى ما أصفه لك. ~~تؤخذ قلوب بصل العنصلان مع قشوره الرطبة القريبة من القلوب فتقطع على النصف ~~والثلث، وتنظم في خيوط خيرخام أو خيوط كتان. وتؤخذ إجانة (1) غضار (2) أو ~~خزف مقير (3)، ويربط في وسطها من خارج شبيه بزنار ويملأ ثلثاها خل خمر ~~ثقيف. وتؤخذ الخيوط التي فيها العنصلان منظوما، فتعلق على وجه الخل، وتربط ~~أطراف الخيوط بالزنار الذي في وسط الإجانة من خارج طرف الخيط الواحد من ~~جانب الإجانة الواحدة، والطرف الآخر الذي بحذائه حتى يبقى عنصلان، فإنه ~~مسطوح على وجه الخل من غير أن يمس الخل، ثم يركب على وجه الإجانة غطاء مقبب ~~قليلا من غضار أو خزف مقير بزفت، ويطين الوصل (4) بطين الحكمة كيلا يتشقق، ~~ويصير في الشمس أربعين يوما من شهر تموز وآب. ثم يروق في قوارير زجاج ويخزن ~~ويستعمل عند الحاجة. # وأما ديسقوريدوس فقال أن عمل خل العنصلان على هذا المثال: يؤخذ عنصلان ~~أبيض فيقطع ويشك في خيط ويفرق بين القطع حتى لا يماس بعضها بعضا، ويجفف في ~~الظل في مهب الرياح الشرقية الشمالية أربعين يوما. ثم يؤخذ منه ms417 منا (5) ~~ويلقى عليه اثنا عشر قسطا خل ثقيف. وقال في موضوع آخر خمسة أقساط خل، ويغطى ~~الاناء ويطين الوصل ويصير في الشمس ستين يوما ثم يعصر ويرمى بتفله، ويستعمل ~~الخل. ومنهم من كان يأخذ العنصلان فيقطعه ويلقيه في الخل من غير أن يجففه، ~~ويدعه في الخل ستة أشهر ثم يعصره ويصفيه ويستعمله. ويكون ما يلقى من المن ~~من العنصلان في الخل مقدار نصف ما قدرناه في الباب الأول. وهذا الضرب من خل ~~العنصلان يستعمل على سبيل الدواء لا سبيل الغذاء. وإذا تحسي منه، صلب الحلق ~~وجسى جسمه وصفى الصوت وقواه، ونفع من ضعف المعدة وسوء الهضم والسدد واختناق ~~الرحم. وقد يقوي البصر. وإذا قطر في الاذن، نفع من الصمم. وإذا تمضمض به، ~~شد اللثة المسترخية وأذهب نتن الفم وطيبه. وقد يستعمل من العنصلان شراب، ~~أنا ذاكره عند ذكرى الشراب، إن شاء الله تعالى. # PageV00P457 # في الثوم الثوم على ثلاثة (1) ضروب: لان منه الريفي المستعمل في الطبيخ، ~~ومنه المسمى باليونانية (سقردوقراس) أي الثوم الكراثي، ومنه الثوم البري ~~المعروف ب‍ (أسقرديون) (2). وزعم ديسقوريدوس أنه يسمى ثوم الحية. فأما ~~الثوم الريفي فالغذاء المتولد منه يسير جدا، مضر بالمحرورين، نافع لمن كان ~~مزاجه بلغمانيا لان حرارته ويبسه في وسط الدرجة الرابعة ولذلك صار له قوة ~~قطاعة معطشة، مجففة للمني، مفتحة للسدد، محللة للرياح الغليظة. فإذا أخذه ~~من كان مزاجه باردا رطبا، أعان على درور البول وأطلق البطن. وإذا أخذه من ~~كان مزاجه يابسا، فعل عكس ذلك وضده. ولذلك وجب على من أراد استعماله ممن ~~كان خائفا من حرارته أن يقشره من قشره ويسلقه بالماء العذب ويسير من ملح، ~~ثم يقليه بدهن لوز أو دهن شيرج ويستعمله بعد ذلك كيف أراد وبأي شئ أحب. ~~ويمص بعد أكله رمانا مزا وتفاحا كذلك أو حماض الأترج. ومما يقطع رائحته من ~~الفم أن يمص بعقبه ورق الينبوت (3) الأخضر ويتمضمض بعد ذلك بشراب ريحاني. # ومن منافعه على سبيل الدواء أنه إذا أكل، نفع من عضة الكلب الكلب. وإذا ~~أكل، كان ms418 أعظم منفعة من نهش الأفاعي والحيات وبخاصة الحية التي يقال لها ~~(أميرس) (4) وهي حية إذا لسعت عرض للملسوع منها سيلان الدم من موضع اللسعة ~~لان الثوم يقوم في نهش الهوام وفى جميع الأوجاع الباردة مقام الترياق. ~~ولذلك إذا دق وعمل منه ضماد، وحده أو بشراب، وحمل على نهش الحيات ولسع ~~العقارب، نفع منها. وإذا دققت الثوم وخلطته بجندبادستر (5) وعجنت الجميع ~~بزيت # PageV00P458 # عتيق وعملت منه ضمادا (1) على لسعة العقرب، جذب السم إلى خارج البدن ~~وأبطل فعله. # وإذا شرب بطبيخ الفودنج الجبلي، قتل القمل والصئبان المتولدة في سطح ~~البدن. وإذا أكل نيا أو مشويا أو مطبوخا، نفع من السعال المتقادم من ~~الرطوبة، وصفى اللون المتغير من الفضول الباردة. وإذا أحرق وعجن بعسل وعمل ~~منه لطوخ، أبرأ الشبيه بلون الدم الميت العارض تحت العين. وإذا عمل كذلك ~~وزيد فيه دهن ألبان، أبرأ داء الثعلب وأنبت الشعر فيه. وإذا دق من غير أن ~~يحرق، وعجن بخل وعسل، نفع من داء الثعلب والبهق والقوابي والبثور اللبنية ~~وقروح الرأس الرطبة والجرب المتقرح والإبرية التي في الرأس. وإذا طبخ ورقه ~~من ساقه بماء وجلست المرأة في مائه، أدر الطمث وطرح المشيمة. وقد يفعل ذلك ~~أيضا إذا تدخن به. وإذا استف من حبه مدقوقا وزن درهمين وشرب عليه ماء ~~السبستان (2) المطبوخ، أخرج الدود وحب القرع من البطون. وإذا شرب بسكنجبين، ~~نفع من جسأ الطحال. وإذا طبخ مع ورق الصنوبر والكندر وأمسك ماؤه في الفم، ~~نفع من وجع الأسنان العارض من الرطوبة والبرودة. وإذا دق وخلط مع ورق التين ~~والكمون وعمل منه ضماد، نفع من عضة ابن عرس. وزعم ديسقوريدوس عن خلط يسمى ~~طوطرن (3)، تعاونه أطباء النصارى وأطباء الفرس، من الثوم والزيتون الأسود، ~~أنه إذا أكل، أدر البول وفتح أفواه العروق ونفع المحبونين، بإذن الله. # * * * في الثوم المعروف بسقردوقراسطن أي الثوم الكراثي هذا الثوم يشبه ~~نباته نبات الثوم الشامي، وفى طعمه شبه طعم الثوم وطعم الكراث جميعا، وبهذا ~~سمي الكراثي. ولذلك صار له قوة مركبة تفعل فعل الثوم والكراث، ms419 إلا أن فعله ~~أضعف من فعل الثوم الحقيقي. وكثيرا ما يطبخ فيعذب ويؤكل كما يؤكل الكراث ~~الشامي. # في الثوم البري الذي يسمى أسقرديون ويعرف أيضا بثوم الحية. هذا الصنف من ~~الثوم أحد وأقوى من الثوم البستاني، لان رسم جميع الأشياء البرية أن تكون ~~أقوى من البستاني في الحرارة واليبوسة لعدمها الماء وجفاف الجو عليها. وهذا # PageV00P459 # الثوم مركب من طعوم متفننة لان فيه مرارة وحرافة وقبض. فالحرافة وحدته ~~(1) سمي ثوما (2) بريا (3)، وإن كان فيه بعض رائحة الثوم، وله قضبان مربعة ~~عليها (4) زهر أحمر قان. وقوته مسخنة منقية للأعضاء الباطنة مدرة للبول ~~والطمث. وإذا دق وهو طري وشرب أو طبخ وهو يابس وشرب ماؤه، نفع من نهش ~~الهوام ومن سم الأدوية القتالة. وإذا شرب منه وزن مثقالين بشراب العسل، نفع ~~اللذع العارض في المعدة ومن قرحة الأمعاء ومن عسر البول العارض من الرطوبات ~~الغليظة اللزجة الزجاجية، ونقى الصدر من الكيموسات الغليظة القيحية. وإذا ~~خلط وهو يابس مع حرف وعسل وراتينج وعمل منه لعوق، كان صالحا للسعال المزمن ~~وشدخ العضل. فإذا خلط بقيروطي، سكن الأورام المزمنة العارضة فيما دون ~~الشراشيف. وإذا تحملته المرأة، أدر الطمث. وإذا شربت (5) عصارته نفعت من ~~جميع ما ذكرنا من الأوجاع. وأقوى ما يكون منه المجلوب من بلدة يقال لها ~~نيطس، ومن الجزيرة التي يقال لها اقريطي. # PageV00P460 # في الرني وآذرقنطين وهو اللوف الذكر ويعرف بشجرة الجنس (١) وأما اللوف ~~فتختلف قواه وأفعاله على حسب اختلافه واختلاف المواضع التي (٢) ينبت فيها. ~~وذلك أن في جنسه ما يكون على ضربين: لان منه نوعا (٣) يسمى باليونانية ~~أآرني ونوعا (٣) دراقنطين. فأما أآرني فله ورق شبيه بورق أدرقنطين، إلا أنه ~~أصغر منه. وله ساق طوله نحو من شبر وأزيد قليلا، ولونه فرفيري، وشكله شكل ~~دستيج (٤) الهاون وعليه ثمرة زعفرانية اللون وأصله أبيض. وهو في حرارته ~~ويبسه دون حرارة أدراقنطين ويبسه، كأن إسخانه وتجفيفه في الدرجة الأولى، ~~ولذلك استغنينا في إصلاحه بطبخه مرة واحدة فقط، لأنه ألين وأقل حرارة. ~~ولذلك صار غذاؤه أصلح من غذاء ادراقنطين، ms420 إلا <أنه> من الأفضل بل من ~~الواجب أن يرمى بمائه الذي يسلق به ويطيب بالخل والمري والخردل والزيت، ~~لأنه وإن كان في طبيعته قطاعا ملطفا، فإن جرمه غليظ (5) كغلظ جرم (6) ~~الشلجم فيحتاج لذلك إلى ما يعين على هضمه بسرعة. # والمحمود من هذا النبات أصله، لأنه أقل حرافة من ورقه وثمره. وقد يستعمل ~~ورقه للاكل على أنحاء شتى. وقد يجفف أيضا ويطبخ ويؤكل. وإذا أكل طريا، قطع ~~الأخلاط تقطيعا بليغا، ونقى ما في الصدر والرئة من الرطوبات اللزجة. وأما ~~أصله فزعم فيه قوم أنه زائد في الجماع مدر للبول. # وأما النوع الثاني المعروف بأدراقنطين، فهو (7) أشد حرافة وأقوى مرارة من ~~النوع الذي قدمنا ذكره، # PageV00P461 # ولذلك صار إسخانه وتجفيفه في الدرجة الثانية، غير أن فيه شيئا من القبض. ~~ومن البين أن القبض إذا كان مع هاتين الكيفيتين، أعني الحرافة والبرودة، ~~دفع بعض أضرارها بالمعدة. ولما في هذا النبات من الحرافة والمرارة صار ~~مفتحا لسدد الكبد والطحال ملطفا للأخلاط الغليظة اللزجة. وعصارته تنفع من ~~البياض العارض في العين المتولد عن آثار القروح. وإذا طليت على آثار داء ~~الثعلب، نفعت منه وأنبتت الشعر فيه. # والأفضل في استعماله على سبيل الغذاء أن يسلق مرتين ويرمى بمائه الذي ~~يسلق به لتزول عنه حرافته، ويطيب بعد ذلك بالخل والمري والخردل والزيت ~~ليعين ذلك على تلطيف غلظ جرمه. وبزر هذا النبات أقوى من ورقه وأصله. ولذلك ~~صار أصله إذا دق وخلط بخل وطلي على البهق، نفع وذهب به. # وإذا طبخ بشراب وطلي على الشقاق العارض من البرد، أزاله. وعصارة ثمرته ~~إذا غمس فيها صوف وأدخل في الانف، نفع من الأورام المتولدة في المنخرين ~~المعروفة عند المتطببين بالكثيرة الأرجل، أعني الأورام الساعية المعروفة ~~عند أصحاب الجراحات بالبواسير. PageV00P462 # في الخنثى أما الخنثى فإن أهل الغرب يسمونه البرواق. ومن أصله يعمل ~~الشراس، وله مرارة تقرب من مرارة العنصلان بها صار يجلو ويحلل ويفتح السدد ~~ويدر البول والطمث ويسهل القئ، وينفع من نهش الهوام ومن اليرقان العارض من ~~سدد الكبد المتولدة عن ms421 الرطوبة. ولذلك صار قوم من الأطباء، كرمهم الله ~~تعالى وأدام نفعهم، يطعمون قضبان هذا النبات لأصحاب اليرقان، ويرون ذلك ~~أقوى ما عالجوهم به. وإذا شرب منه وزن ثلاث درخمات نفع من نهش الهوام. وإذا ~~شرب ورقه وزهره بشراب، نفع من لسع العقارب ومن سم الحيوان المعروف ~~<أم> أربع (1) وأربعين وإذا عمل من ورقه وأصله وزهره ضماد بشراب وحمل ~~على موضع النهشة أو اللسعة، فعل ذلك أيضا. وإذا طبخ بدردي الخمر وضمدت (2) ~~به القروح الوسخة، نقى وسخها. وإذا حمل على الأورام المتولدة من الرطوبة ~~وبخاصة أورام الثديين والأنثيين، حللها. # وإذا دق أصله وعصر ماؤه وخلط بشراب حلو عتيق وشئ من مر وزعفران وطبخ، كان ~~منه دواء نافعا من الرطوبة العارضة للعين ومن السلاق (3) والاحتراق العارض ~~للأجفان. وإذ أحرق الأصل وحمل رماده على داء الثعلب، أنبت الشعر فيه. وإذا ~~أخذ ماؤه وخلط بكندر ومر وعسل وشراب وفتر (4) وقطر في الاذن، نقى المدة ~~منها. وإذا قطر ماؤه في الاذن المخالفة للضرس الوجع، سكن ضربانه (5). وإذا ~~حفر الأصل وجوف وجعل في تجويفه زيت وحمل على رماد حار حتى يغلي جيدا ودهن ~~به الشقاق العارض من البرد أو طلي على حرق النار، نفع من ذلك نفعا بينا. ~~وإذا دلك البهق والقوابي بخرقة خشنة في الشمس ثم لطخ عليها ماء الأصل ~~المدقوق المعصور، نقاهما. وإن خلط معه شئ من كبريت، كان أقوى لفعله. # PageV00P463 # وإن أحرق الأصل بالنار، كان أشد لاسخانه وتجفيفه، وأقوى لتحليله وتلطيفه، ~~ونفع من داء الثعلب إذا حمل رماده عليه. # وإن عولج كما يعالج الترمس حتى يعذب وتزول عنه مرارته، ضعف فعله على سبيل ~~الدواء، وصار غذاؤه أصلح. وشاهدت رجلا بالإسكندرية ممن كان يجمع العقاقير ~~ويدعي معرفتها، يزعم أن أصل الخنثى هو الكندس، لأنه شبيه بعود الكندس، وذلك ~~أن طوله في الأرض مقدار نصف شبر في غلظ الابهام، وفيه بصل كثير لطيف معلق ~~به، فإذا نزع ذلك البصل منه صارت صورته صورة عود الكندس. # وأما أنا فإني أخذت هذا الأصل وجففته وامتحنته في تهييج ms422 العطاس، فما وجدت ~~له في ذلك فعلا ولا تأثيرا ولا رأيت له حرافة الكندس، فسألت ذلك الرجل عن ~~السبب في هذا، فذكر أن هذه خاصة خنثى المغرب، إنه لا يعطس ولا يخرج منه ~~شراس. PageV00P464 # في بصل الزيز ويسمى البلبوس وأهل أفريقية يعرفونه بالنطف أما بصل الزيز ~~فيكون على ضربين: لان منه نوعا يجلب القئ ونوعا لا يجلب القي. والذي لا يقئ ~~فإنه، وإن كان ألطف كثيرا، فإن فيه مرارة وحرافة وقبضا ليس باليسير. فلقبضه ~~صار مقويا للمعدة، ولمرارته صار غير ضار بمن احتاج إلى أن يقذف من رئته ~~وصدره شيئا، لان جرمه وإن كان غليظا، فإن في قوة مرارته ما يفي بغلظه. وزعم ~~ديسقيريدس أن الأحمر منه أفضل للمعدة لتقويته لها بما فيه من القبض وقلة ~~المرارة، إلا أنه أغلظ وأبعد انهضاما (1). والذي مرارته شبيهة بمرارة ~~العنصلان أقل تقوية للمعدة لقوة مرارته وضعف قبضه إلا أنه ألطف وأعون على ~~الانهضام. وإذا استعمل، أعان على شهوة الطعام وولد نفخا ورياحا وأمغاصا، ~~ولذلك وجب أن يتوقى الاكثار منه، ويقتصر منه على البصلتين أو الثلاث، لان ~~الاكثار منه مذموم جدا لفساد جوهره ورداءته. فإن سلق بالماء مرتين أو ثلاث ~~ورمي ماؤه الذي سلق به حتى تزول عنه مرارته التي بها كان ملطفا، ضعف فعله ~~في تسهيل ما يخرج من الصدر والرئة بالنفث وصار ما ينال البدن من غذائه أكثر ~~وأحمد، غير أن الدم المتولد عنه أغلظ من المعتدل وأكثر لزوجة، ولذلك صار ~~غذاؤه كثيرا زائدا في اللحم لأنه ينفخ اللحم بكثرة رياحه وينفشه. ومن قبل ~~ذلك صار زائدا في الانعاظ ومقويا لشهوة الجماع. والسبب في زيادته في ~~الانعاظ رياحه النافخة للقضيب، وفى تقويته لشهوة الجماع زيادة حرارته ~~وإغزاره المني بكثرة غذائه. # وحكى جالينوس عن قوم امتحنوا ذلك بإلحاحهم عليه فأدركوه حسا، لأنهم كانوا ~~يجدون المني يكثر # PageV00P465 # في أبدانهم ويقوي شهوتهم على الجماع عند إدمانهم عليه. ومن الأفضل أن ~~يقتصر في طبيخ هذا البصل على طبخة واحدة أو طبختين أكثره، لأنه قليل ~~الاحتمال للطبخ ms423 الكثير. وإذا طبخ فيطيب بالخل والمري والزيت، فإن ذلك مما ~~يزيد في طيبه وزيادة غذائه وسرعة انهضامه، وإن كان من الأفضل أن يتوقى ~~الاكثار منه لان ذلك مضر بالعصب. # ومن منافعه على سبيل الدواء أنه إذا سلق وأخذ بالخل، كان نافعا من وهن ~~العظم، غير أنه مضر بأطرافها، لان أطرافها عصبية، وهو مضر (1) بالعصب على ~~ما بين آنفا. وإذا خلط مع الدواء المعروف بقونيون وطلي على الكلف في الشمس ~~وعلى الآثار السود العارضة من اندمال القروح، نقاها. وإذا شوي في رماد حار ~~وخلط مع رؤوس سمك صغير مالح، المعروف بالصير المحرق، نفع من القروح العارضة ~~في الذقن. وإذا خلط بصفرة البيض وعمل منه ضماد، نفع من الثآليل (2) ونقى ~~كمنة الدم العارضة تحت العين. وإذا خلط بالسكنجبين، قلع البثور اللبنية من ~~الوجه. وإذا خلط بنطرون مشوي، نقى الإبرية والنخالة من الرأس، ونفع من ~~القروح الرطبة العارضة هناك. وإذا عمل منه ضماد بعسل، نفع من عضة الكلب ~~الكلب ومن الترهل العارض للمستسقين. وإذا عمل منه وحده ضماد، كان نافعا من ~~التواء العصب ووهن العضل والرض العارض في اللحم، وأخرج السلى من عمق البدن. # * * * في الزيز المقي وأما الزيز المقئ فإن أصله مشاكل لأصل الزيز ~~المأكول، إلا أن ورقه أرق وأطول كثيرا. ومزاجه أسخن وأيبس. ومن خاصته إذا ~~أكل أو طبخ هيئ القئ. # * * * في العاقر قرحا أكثر ما يستعمل من العاقر قرحا أصله فقط. وقوته قوة ~~محرقة في الدرجة الرابعة. وتدل على ذلك مذاقته، لأنه عند الذوق يحذي (3) ~~اللسان حذيا كثيرا قويا جدا، ويجلب بلغما غزيرا، ويسكن وجع الأسنان العارض ~~من البرد والرطوبة. وإذا طبخ بخل وتمضمض به، فعل مثل ذلك أيضا. وإذا سحق ~~وخلط بزيت ومسح به الظهر والبطن قبل أدوار الحمى ذوات النوائب، نفع من ~~النافض (4) العارض فيها. # وإذا مسح به البدن كله، نفع من الكزاز ومن فساد الحس وبطلان الحركة ~~العارض من غلبة البرد على الأعضاء والله أعلم. # PageV00P466 # باب الأبازير القول في الكسبرة أما الكسبرة (1) فتكون على ضربين: لان ~~منها ms424 بستاني، ومنها (2) بري. والبستاني منها مركب من قوى مختلفة يضاد بعضها ~~بعضا. ويدل على ذلك اختلاف طعومها، لان الأغلب على طبعها المرارة مع يسير ~~من قبض. وأما الرطوبة منها فإن فيها مع مرارتها وقبضها، من الرطوبة المائية ~~المكتسبة من الماء مقدارا ليس باليسير، إلا أنها رطوبة فاترة من أجل ~~مرارتها. ولذلك نسبها الفاضل أبقراط إلى الاسخان. ويسير قبضها أوجب حبس ~~البطن لأنه قال أن الكزبرة الرطبة حارة حابسة للبطن مسكنة للجشاء الحامض. ~~وإذا أكلت بعد الطعام، جلبت النوم. # وأما ديسقيريدس فنسبها إلى البرودة، وذكر أنها محللة للخنازير. وأنكر ~~جالينوس أن يكون شيئا محللا للخنازير باردا، على ما في الخنازير من الجسأ ~~والغلظ. وما كان كذلك، فحالته إلى ما يلطف أكثر. # وقول آخر (3) لجالينوس قال فيه: وما أقف على السبب الذي من أجله نسب ~~ديسقيريدس الكسبرة إلى البرودة، والمرارة على طعمها أغلب. ومن البين أن ~~المرارة دالة على حرارة ملطفة أرضية. # ومن فعل الكسبرة على سبيل الغذاء أنها عسرة الانهضام، مانعة من سرعة ~~النضج، فإن أكلت بماء الرمانين أو بماء الرمان الحلو وشئ من خل، أكسبها ذلك ~~برودة وقواها على قمع حدة المرة الصفراء وتسكين اللهيب العارض في المعدة. # وأما على سبيل الدواء، فإن ماءها إذا عمل منه لطوخ مع عسل وزيت، نفع من ~~الشرى (4) العارض # PageV00P467 # من الدم الغليظ. وإذا خلط ماؤها باسفيداج الرصاص وخل ودهن ورد أو مرداسنج ~~(1) وخل ودهن ورد، وطلي على الأورام الحارة، سكن حرارتها. وإذا خلط بلباب ~~خبز وسويق أو دقيق العدس، نفع من الحمرة العارضة من المرة الغليظة، ووافق ~~ديسقيريدس جالينوس على أن هذا الفعل من الكسبرة لا يكون إلا في آخر العلل ~~بعد سكون حدة الفضل ولهيبه، لان العلل الحارة في ابتدائها تحتاج إلى ما ~~يبرده (2) ويقويه أكثر، وتحليله وتلطيفه أقل، وفى منتهاها تحتاج إلى ما ~~يحلله (2) ويلطفه أكثر، وتبريده وتقويته أقل. والكسبرة فتحليلها وتلطيفها ~~أكثر، فهي إذا في منتهى العلل أفضل. # وزعم الكندي، في كتاب له وضعه في السمائم، أنه إذا شرب من عصارة ms425 الكسبرة ~~أربع أواق، ظهرت رائحتها في الجسد كله، وأحدثت بحوحة في الصوت واختلاط في ~~العقل حتى يصير صاحبها كالسكران المجهر باللفظ القبيح. وعلاج ذلك أن يقيأ ~~صاحبها بالعسل وماء الشبت والبورق والملح والزيت، ويسقى أيضا الأفسنتين مع ~~الشراب، ويتحسى صفرة البيض مع شئ من ملح قليل، ويطعم البيض بالفلفل ~~والدارصيني والزيت، ويحسى أيضا مرق الدجاج ومرق الإوز. # وأما حب الكسبرة اليابسة فيجفف في الدرجة الثانية. ولذلك إذا سحق وعمل ~~منه ذرور (3) على المواضع التي ينبعث منها الدم، قطع سيلانه. وإذا شرب منه ~~اليسير مع الميبختج، أخرج الدود الطوال من البطن. ورأيتهم مجمعين على ~~زيادته في المني، ولم أقف على السبب في ذلك على قلة غذائه وقوة تجفيفه. ~~فإذا حمص، عقل الطبيعة. وإذا أنقع، قبل أن يحمص، في ماء حصرم أو ماء رمان ~~حامض أو ماء حماض الأترج، يوما (4) وليلة وجفف في الظل، وحمص بعد ذلك، كان ~~أقوى لحبسه البطن وقطعه الاسهال المري. وإذا شرب منه، وهو ني غير محمص ولا ~~مدبر، مقدار كبير (5)، ولد سددا وخبث نفس وأفسد العقل. ولذلك وجب أن يحذر ~~الاكثار منه والادمان عليه ألن ذلك ربما قتل. # * * * في الكسبرة البرية وأما الكسبرة البرية فرائحتها شبيهة (6) برائحة ~~الكسبرة البستانية، إلا أن صورتها مخالفة لصورتها. # وإذا شرب من مائها، ظهرت رائحتها في البدن كله، وعرض لصاحبها بحوحة في ~~صوته واختلاط في عقله # PageV00P468 # وبرد في أطرافه. وعلاج ذلك أن يسقى صاحبها طبيخ الشبت بدهن خل أو بزيت، ~~أو يسقى زيتا بماء حار أو زيتا بطلاء العنب وماء حار. ويلزم ذلك مرتين أو ~~ثلاث ويكون الغذاء شعيرا مطبوخا (1) بعصافير أو عصافير أسفيذباجة أو دجاج ~~مسمن أو ما شاكل ذلك من الأغذية السريعة الانهضام. ويكون شرابه شرابا ~~مصرفا، فإن سكنت العلة، وإلا فيسقى المطبوخ الصرف بلبن البقر أو طبيخ ~~الأفسنتين بالطلاء. # * * * في الكسبرة المعروفة بالبرشياوشان وتسمى أيضا شعر الجبار وشعر ~~الغول (2) وإنما سميت بهذا الاسم لان قضبانها دقاق على دقة الشعر وسواده، ~~وورقها شبيه بورقة الكسبرة البستانية، إلا أن تشقيقها إلى ms426 الطول قليلا ~~ولمسها (3) ألين وأنعم، مخالفة لرائحة الكسبرة وطعمها، وليس لها زهر ولا ~~ثمر ولا ساق قائم، لان قضبانها تخرج من الأصل نفسه. وأصلها لا ينتفع به، ~~وليس يتبين فيها حرارة ظاهرة ولا برودة كذلك. ولذلك نسبتها الأوائل إلى ~~الدرجة المتوسطة بين هاتين الكيفيتين، لأنهم وجدوها في ابتداء فعلها تلطف ~~وتحلل ثم تجفف بعد ذلك تجفيفا معتدلا. ومن قبل ذلك صارت معينة على تنقية ~~الأخلاط الغليظة اللزجة المتولدة في الصدر والرئة، ونافعة من الربو والبهر ~~(4) ومن اليرقان وأوجاع الطحال وعسر البول، ولحبس البطن وتنقية الحمى. وإذا ~~شربت، نفعت من نهش الهوام والحيات ومنعت من سيلان الفضول إلى البطن، وقطعت ~~(5) دم المرأة النفساء. وإذا عمل منها طلاء على داء الثعلب، أنبتت الشعر ~~فيه. وإذا خلطت بلاذن (6) وزوفا وشراب ودهن آس ودهن السوسن وعمل منها ضماد ~~على الشعر، لينه وحفظه ومنع من تساقطه. وطبيخها إذا خلط بشراب وماء رمان ~~وغسل به الرأس، فعل مثل ذلك أيضا. وإذا خلط طبيخها برماد وغسل به الرأس، ~~نقاه من الإبرية وجفف القروح الرطبة التي في الرأس. وإذ حمل على الخنازير، ~~حللها. وإذا خلط بعلف الديوك والسمان، قواها على الهراش. # وزعم ديسقيريدس أن الرعاة كانت تصير هذا النبات بالليل في حظائر الغنم ~~لمعرفتهم بمنفعته في دفع الأسقام من الغنم. وزعم الكندي، في كتابه الذي في ~~السمائم، أن الاكثار من هذه الكسبرة يولد التباسا # PageV00P469 # في العقول وبردا في الأطراف وانقطاعا في الصوت ويظهر رائحتها في البدن ~~كله. وإذا عض شاربها أحدا، عرض له مثل هذه الاعراض أيضا. # علاج ذلك أن يقيأ بدءا بزيت وماء حار، ثم يسقى طبيخ الشبت مع الدهن مرتين ~~أو ثلاث (1)، ويسقى الأفسنتين مع الشراب أو الأفسنتين المطبوخ بالطلاء (2) ~~وسمن البقر الصرف، والغذاء عصافير اسفيذباج أو عصافير مطبوخة بالشعير. # PageV00P470 # في السذاب أما السذاب (1) فنوعان: لان منه البري، ومنه البستاني. والبري ~~أحر وأيبس كثيرا من البستاني، لان حرارته ويبسه في الدرجة الرابعة، وحرارة ~~البستاني ويبسه في الدرجة الثالثة. وتدل على ذلك قوة حرارة (2) البري ~~وحدته، وإن ms427 كان ليس إنما يحس الذائق له منه بحرافة فقط، لكنه يحس منه أيضا ~~بحرافة قوية. والبستاني منه غير ردئ الاستمراء، لان قوته قطاعة بلطافة ~~مستفرغة للأخلاط الغليظة اللزجة بالبول، ومحللة للرياح والنفخ وملطفة ~~للأثفال، ومنشفة للرطوبات. ولهذه الجهة صار هذا النوع من السذاب من أوفق ~~الأشياء للمعاء السفلى، لأنه يحلل رياحها ونفخها ويلطف ما يوافيه من ~~الرطوبات الغليظة اللزجة فيها. # وإذا طبخ مع الشبت وشرب طبيخه، سكن الأمغاص العارضة من الرياح الغليظة ~~والرطوبات اللزجة. # وإذا طبخ بالزيت واحتقن به، حلل النفخ المرتكبة في معاء القولن والمعاء ~~المستدير. وإذا شرب مطبوخا بالزيت أخرج الدود وحب القرع من البطن. وإذا طبخ ~~بالشراب حتى ينتصف وشرب طبيخه نفع من الاستسقاء، وبخاصة الاستسقاء اللحمي. ~~وإذا سحق وعجن بعسل وألطخ على المواضع التي بين المعدة وبين فم الرحم، نفع ~~من اختناق الأرحام. وإذ أكل وحده، أحد بصر المرطوبين وأدر البول والطمث ~~وجفف الثفل وعقل البطن. وإذا أكل مع الجوز والتين، أبطل فعل الأدوية ~~المسمومة ونفع من ضرر الهوام. والنابت منه بالقرب من شجر التين أوفق للمعدة ~~(3) للطعام. وإذا مضغ بعد أكل الثوم والبصل، أخفى رائحتهما وسترهما. وإذا ~~خلط بعصارة الرازيانج والعسل واكتحل به، نفع من كلالة البصر ومن ابتداء ~~نزول الماء في العين. وإذا خلطت عصارته بالشب اليماني والعسل وعمل منه ~~لطوخ، نفع من القوابي ونقاها. وإذا خلطت عصارته بنطرون وحملت على القوابي ~~والثآليل (4) والبهق الأسود، أبرأها. # PageV00P471 # وأما بزر السذاب فإنه إذا شرب بشراب، نفع من الأدوية القتالة. وإذا شرب ~~بعسل وسكنجبين، نفع من الفواق العارض من البرد والرطوبة. وإذا سحق وجعل في ~~الانف، قطع الرعاف. وأما صمغ السذاب فحرارته في الدرجة الثالثة ويبسه في ~~الثانية. ومن منافعه أنه طراد للرياح، محلل للرطوبات البلغمانية الكائنة في ~~الدماغ. وإذا استعط به مع ما يلائمه من الأدوية النافعة <نفع> من مثل ~~ذلك. # والسذاب البري في جميع ما ذكرنا أفعل وأقوى كثيرا لأنه أحد وأيبس. ولذلك ~~صار الاكثار منه يقتل. ومما يستدل به على ذلك أن الانسان الذي ms428 يجمعه من ~~شجره بعد ظهور نواره وزهره، يتشرى بدنه ويظهر في سطحه حمرة وحكة وورم حار ~~ملتهب. ولذلك لا يتقدم أحد على جمعه إلا بعد أن يدهن وجهه وسائر بدنه بدهن ~~بنفسج. # وزعم ديسقيريدس أن عصارة السذاب البري إذا رشت على الدجاج، لم يقربها ~~الناموس (1). وزعم اصطفن أن الناموس (1) هو الدلق. وزعم ديسقيريدس عن سذاب ~~ينبت في بلدة يقال لها قادونيا على نهر يعرف بالفيموس أنه إذ أكل، قتل. ~~وذكر عن الموضع الذي ينبت فيه ذلك السذاب أنه جبل الأفعى. # PageV00P472 # في الكمون الكمون ينقسم قسمة أولية على ضربين: لان منه البستاني، ومنه ~~البري. والبستاني على ضربين: # لان منه ما هو طيب الطعم مثل الكمون الكرماني المعروف عند أبقراط ~~باللوسطيقون أي الملوكي، وبعده البصري، وبعدهما جميعا سائر الكمون. وأفضل ~~ما يستعمل من هذا النبات بزره، وقوته مسخنة في الدرجة الثالثة، مجففة في ~~الثانية، لان فيه قوة يابسة بها يقطع سيلان الدم ويجفف رطوبات المعدة ~~الفضلية. وبحرارته يحلل الرياح والنفخ. وإذا طبخ بالزيت واحتقن به، نفع من ~~الأمغاص العارضة من الرياح الغليظة النافخة. وإذا تضمد به من خارج مع دقيق ~~الشعير، فعل قريبا من ذلك. وإذا شرب بخل ممزوج بماء، نفع من عسر النفس الذي ~~يحتاج معه إلى الانتصاب، وقطع سيلان الرطوبات المزمنة ومنعها من الانصباب ~~إلى الأرحام. وإذا تحملته المرأة بزيت عتيق، قطع (١) الطمث. وإذا سحق ~~واستنشق، قطع الرعاف. وإذا شرب بشراب، نفع من نهش الهوام. ومن خاصته التي ~~هي له دون غيره، أنه إذ أديم شربه أو أديم الغسل بمائه المطبوخ به، غير لون ~~البدن وأفاد الوجه صفارا. # وأما البري فقد ذكره ديسقيريدس أن له ساقا دقيقا (١) طوله نحو من شبر ~~عليه أربع ورقات دقاق متشققة مثل ورق الساهترج. وعلى طرف القضيب رؤوس صغار ~~مستديرة ناعمة مقدار خمسة أو ستة. # وفيها ثمر صغير، وللثمر غشاء يحيط به كإحاطة الثمر ببزره. وبزره أشد ~~حرافة من الكمون البستاني. # وإذا شرب بالماء، نفع من الأمغاص والنفخ. وإذا شرب بالخل، نفع من الفواق ~~<العارض> ms429 من البرد والرطوبة. وإذا شرب بشراب، نقى البلة العارضة في ~~المعدة ونفع من ذوات السموم من الهوام. وإذا مضغ وعجن بزيت وعسل وعمل منه ~~ضماد، نفع من ورم الأنثيين من الرطوبة، وذكر ديسقيريدس نوعا ثالثا من ~~الكمون ليس ببستاني. وزعم أنه شبيه بالبستاني يخرج من جانبيه غلف صغار ~~عالية شبيهة بالقرون # PageV00P473 # المقوسة فيها بزر شبيه بالشونيز إذا شرب نفع من نهش الهوام منفعة عظيمة، ~~ويمنع تقطير البول وأزال.. (1) العارضة من الحصى، والذين يبولون بولا غليظا ~~متعقدا. وزعم أن الأفضل أن يشرب بعده بزر الكرفس. وأما النوع المعروف عند ~~أبقراط باللوسطيقون، فزعم ديسقيريدس فيه أن له ساقا صغيرا دقيقا شبيها بساق ~~(2) الشبت ذا عقد، وورقه شبيه بورق إكليل الملك. والورق الذي في أعلى الساق ~~أرق وهو طيب الرائحة. وعلى طرف الساق إكليل فيه ثمر أسود مصمت (3) مستطيل ~~على طول بزر الرازيانج الدقيق وأدق منه، وفيه حرافة وعطرية. وقوة هذا ~~النبات وأصله مسخنة هاضمة للطعام نافعة من أوجاع الجوف والأورام البلغمانية ~~والرياح النافخة وبخاصة نفخ المعدة ولسع الهوام، ويدر البول والطمث جميعا. # وإذا تحملته المرأة، فعل مثل ذلك أيضا. وبزره حريف طيب جدا. ولذلك ~~نستعمله في الطبيخ عوضا من الفلفل. # * * * في الكمون الأسود المعروف بالشونيز أما الشونيز فيسخن ويجفف في ~~الدرجة الثالثة، وله قوة غواصة ملطفة مجففة بها صار يحلل الرياح النافخة في ~~الغاية والنهاية. وهذا مما يدل على أن إحكام نضجه وإفادته لطافة قوية غير ~~ضعيفة. ويدل على ذلك ما فيه من قوة المرارة. وقد بين ذلك جالينوس في كتاب ~~العقاقير حيث قال أن الجوهر الأرضي إذا بلغ الغاية القصوى من اللطافة، صار ~~مرا. وإذا كان الشونيز بهذه الحال وفى هذه المرتبة، فليس يمكن أن يكون ~~قاتلا للدود الذي في البطن أيضا، لا إذا شرب فقط، لكن إذا حمل على البطن من ~~خارج، لان كل ممر فغير ممتنع منه هذا الفعل، وإن كان لا يفعل ما يفعله ~~الشونيز في خلاف ذلك من قطع العلة التي يتقشر معها الجلد إذ حمل على ms430 البدن ~~من خارج، وقلع الثآليل المتعلقة به والثآليل المنكسة والخيلان إذا عجن ببول ~~عتيق وحمل عليها. وإذا شرب الشونيز مع النطرون، سكن من عسر النفس العارض من ~~الرطوبات الغليظة اللزجة. وإذا أدمن شربه وحده مع الماء والعسل، أدر البول ~~والطمث وفتت الحصى، وإذا طبخ بخل وتمضمض به، نفع من وجع الأسنان العارض من ~~الرطوبات المتعفنة. وإذا حمص وسحق وصير في خرقة وأدمن شمه، نفع من الزكام ~~العارض من البرودة والرطوبة الغليظة. وإذا استعط به نقى الرطوبات النية ~~المولدة للفالج والكزاز. وإذا شرب منه مقدر درخمين، نفع من نهش الرتيلاء. ~~وحكى قوم من الأوائل، ووافقهم على ذلك الكندي، أن الاكثار منه يقتل. وزعم ~~الكندي أن علاجه كعلاج من أكل الفطر. # PageV00P474 # في الشبت وأما الشبت فيتخذ على ضربين: لان منه ما يستعمل طريا، ومنه ما ~~يستعمل يابسا. فما كان منه طريا، كان الامر فيه بينا أنه أقل حرارة وأزيد ~~رطوبة من اليابس، للرطوبة المائية التي هي فيه بعد باقية. # ولذلك <كان> إنضاجه أسرع وجلبه للنوم أكثر، وذلك لتحليله للرطوبات ~~ونقيه للتعب (1)، وإن كان التحليل قلما يكون من قبل أن التحليل لا يتم إلا ~~بحرارة معتدلة ورطوبة جوهرية محمودة، ورطوبة الشبت الطري عرضية فضلية ~~مكتسبة من الماء. واتفق جالينوس وديسقيريدس جميعا أن الأوائل كانت تتخذ منه ~~أكاليل على رؤوسهم في وقت شربهم النبيذ. # وأما اليابس من الشبت فحرارته في آخر الدرجة الثانية تمتد إلى الثالثة، ~~ويبسه في وسط الدرجة الثانية. وإذا طبخت قضبانه وبزره بالزيت، صار في الزيت ~~قوة محللة مفتحة للسدد منقية (2) للتعب مستجلبة للنوم منضجة للأورام ~~الرخوة، لان الزيت إذا طبخ، صار في عداد الأدوية المحللة المفتحة المنضجة. ~~وإذا كان أسخن من الأدوية الكذلك قليلا. # وأما بزر الشبت فإنه إذا شرب، أدر اللبن والبول ونقى البطن ونفع من ~~الأمغاص العارضة من الامتلاء وهذه خاصته. وإذا أحرق، صار إسخانه وتجفيفه في ~~الدرجة الثالثة ونفع من القروح المتقادمة العارضة في طرف الذكر لأنه يجففها ~~ويدملها بإذن الله. # PageV00P475 # في الكرويا الكرويا على ضربين: لان ms431 منه الريفي المعروف بالكرويا على ~~الحقيقة، ويقال له القرنباذ. ومنه الكرويا البري المعروف بالقرطمانا، ويقال ~~له القرنقار. وأما الكرويا الحقيقي فيسخن ويجفف في الدرجة الثالثة، لان فيه ~~حرافة لطيفة معتدلة، بها صار نافعا للمعدة المرطوبة، لان بلطافته يعين على ~~الهضم، ويطرد الرياح، ويحلل النفخ، ويدر البول، ويخرج الدود وحب القرع من ~~البطن وهذه بخاصيته. ولما بينا فيه من هذه الأفاعيل المحمودة، صارت الأوائل ~~تستعمله في المعجونات التي من شأنها تقوية الهضم. # وليس هذا الفعل في بزره فقط، لكن في جملة نباته. ولذلك صار أصله يطبخ مثل ~~الجزر ويؤكل. وزعم بعض أطباء زماننا مثل يوحنا بن ماسويه وغيره أن حرارته ~~أقل من حرارة الكمون، إلا أنه أقوى على الهضم. وما أدري ما السبب الذي به ~~أوجب فيه ذلك، وهو أشد حرافة كثيرا، وقد أجمع الأوائل على أن حرارته في ~~الدرجة الثالثة وحرارة الكمون في الثانية. # * * * PageV00P476 # في الكرويا البري المعروف بالقرطمانا والقرنقار أما القرطمانا فقوته قوة ~~تسخن إسخانا قويا، وإن كان دون الحرف في الاسخان. ويدل على ذلك ضعف حرافته ~~وذكاء رائحته ولذاذة طعمه وقبول الحاسة له. ومن البين أنه بحسب نقصان ~~حرافته وزيادة لذاذته وقبول الطباع له، كذلك نقصان حرارته وحدته بإضافته ~~إلى حرارة الحرف وحدته، إلا أن فيه حرارة يسيرة، بها صار قاتلا للدود وحب ~~القرع، ونافعا من السعال المتقادم ومن استرخاء العصب ورض العضل، ومحللا ~~للأمغاص العارضة من الرطوبة. وإذا شرب بخمر أو بطلاء، نفع من أوجاع الكلى ~~ومن عسر النفس ولسع العقارب. وقال ديسقيريدس: ومن لسع سائر الهوام. وإذا ~~شرب منه وزن درخمين مع قشور أصول الغار.. (1)، فتت الحصى. وإذا تدخنت به ~~المرأة الحامل، طرح الجنين وأسقطه. وإذا خلط بخل خمر ثقيف وطلي على الجرب ~~والقوابي والسعفة المترطبة التي في الرأس، نقاها وأبرأها. # PageV00P477 # في الفلفل والدار فلفل أما الفلفل فهو نبات ينبت بأرض الهند، له أصل شبيه ~~بالقسط وقضيب مستطيل مدمج أجرد ليس له ورق ويسمى وهو بهذه الحال الدارفلفل، ~~ثم يخرج في تجويفه وتخلخله حب صغير مثل ms432 حب الجاورس. # فإذا استحكم نضجه وتفرقت أجزاء القضيب، وصار كعنقود في جوفه حب مستدير ~~وهو الفلفل. فمنه ما نجني وهو بعد غض حصرمي غير كامل النضج. وأكثره لا يجنى ~~إلا بعد كمال نضجه وإدراكه. فما جني منه وهو بعد حصرم غير كامل النضج كان ~~لونه أبيض وسطحه أملس، وشكله مدحرج مستدير، وتعرفه العامة بالفلفل الأبيض. ~~وأما الفلاسفة من المتطببين فتعرفه بحصرم الفلفل. وما جني منه بعد كمال ~~نضجه، كان لونه أسود وسطحه خشن متكرج فيه تدريج وهو الفلفل المشهور ~~المستعمل في الطعام. # والأبيض من هذين الصنفين هو أقلهما حرارة وحرافة وأكثرهما هضما، وذلك ~~لفجاجته وغلبة الأرضية عليه. ولذلك صار ألين مذاقا وأشد تقوية للأعضاء. # ولهذه الجهة اختارته الأوائل في ما كان من الأدوية التلطيف والتقطيع فيه ~~أكثر، لان الأبيض يسخن في أول الدرجة الرابعة، ويجفف في آخرها والأسود يسخن ~~في وسط الدرجة الرابعة ويجفف في أولها. # ومما يستدل به على نقصان حرافة الأبيض عن حرافة الأسود، ليانة مذاقه ~~وسهولته على حاسة الذوق. وأما جالينوس فذكر، في كتاب العقاقير البسيطة، أن ~~الفلفل أشد حرافة وأقوى حرارة من الأسود. وما أحسب أن هذا إلا غلط من ~~الناقلين أو تصحيف من الوراقين. وأما جالينوس فقد علمنا أن جميع الثمار في ~~أول ابتداء كونها وقبل كمال نضجها، فالأرضية والقبض أغلب عليها. فإذا تم ~~نضجها وكمل، زال ذلك القبض عنها، وانتقلت إلى ما هو لها بالطبع من حرارة أو ~~مرارة أو حرافة أو غير ذلك. والقبض فغير مشكوك فيه أنه دليل على الأرضية ~~وضعف الحرارة فيما كان في طبعه حارا، وعلى الأرضية وزيادة البرودة فيما كان ~~من طبعه باردا. وإذا كان كذلك وكان الفلفل الأبيض غضا غير كامل النضج فلا ~~محالة أن الأرضية وضعف الحرارة عليه أغلب، وإلا فالامر بخلاف ذلك وضده، ~~أعني أن ما كان من الثمار PageV00P478 # الغضاضة والفجاجة عليه أغلب، والحرارة فيه أزيد وأشد منها فيه إذا نضج. ~~والقائل بمثل هذا القول يوجب في الحصرم زيادة الحرارة على العنب والزبيب ~~وفي البلح زيادة ms433 الحرارة على الرطب، وبرودة الحصرم والبلح فظاهرة بينة غير ~~مشكوك فيها. فالحصرم إذا أسخن من العنب والزبيب وأبرد منهما. وكذلك البلح ~~أسخن من الرطب والتمر وأبرد منهما، وهذا خلف لا يمكن. # وإذ كنا قد وجدنا لجالينوس أيضا كلاما (1) ذكره في الفصل الذي تكلم فيه ~~على الفلفل يناقض القول الأول، يدل على أن هذا الكلام ليس هو عن رأيه ولا ~~عن مذهبه. وذلك أنه قال في آخر هذا الفصل: # وإن الفلفل الأسود قد نضج وصار كأنه قد احترق احتراقا مفرطا وبلغ من ~~اليبس كذلك، ولا كلام أبين من هذا ولا أوضح، لأنه بإفراده الفلفل الأسود ~~دون الأبيض بإفراط الاحتراق ما دل على أنه أشد حرارة وحرافة. ومما يدل على ~~قوة هذا الكلام أيضا قول قاله ديسقيريدس فيهما وذلك أنه قال: إن الفلفل ~~الأسود أشد حرافة وأقوى حرارة. والأبيض ألين حرارة وأشد قبضا لأنه يعد غضا ~~(1) غير كامل النضج. والمختار من الفلفل الأسود ما كان حديثا رزينا ممتلئا ~~حسن السواد سليما من الكسر نقيا من الاجزاء النخالية التي تصحب الفلفل ~~العتيق دائما. # ومن منافعهما جميعا على سبيل الغذاء، أنهما إذا استعملا في الطبيخ ~~والصباغات، فتقا شهوة الطعام وأعانا على جودة الهضم، لان قوتهما قوة قطاعة ~~محللة. ومن منافعهما على سبيل الدواء أنهما إذا استعملا في الأشربة ~~والمعجونات، نفعا من السعال المتقادم العارض من الرطوبات الغليظة، ونقيا ما ~~كان في المعدة والصدر والرئة من البلغم اللزج وحللا الرياح والأمغاص ~~المتولدة في البطن وأدر البول. وإذا استعملا في الاكحال، نفعا من الكيموس ~~الغليظ المولد لظلام البصر. وإذا تغرغر بهما، أحدرا (3) من الرأس بلة ~~بيضاء. وإذا تحملت المرأة شيئا منهما بعد الجماع، منع الحبل. وإذا شرب ~~منهما شئ (4)، نفع من شرب المرتك (5) ومن الحميات ذوات الأدوار. وإذا مضغ ~~أحدهما مع الزبيب الجبلي المعروف بحب الرأس، قطع البلغم ونفع من أوجاع الفم ~~المتولدة عن البلغم اللزج. وإذا شرب [منهما] أو مسح بهما من خارج مع الدهن، ~~نفع من النافض. وإذا قلي أحدهما وخلط بنطرون وعجنا بخل ms434 ثقيف وعمل منهما ~~طلاء على البهق، نقاه. وقد ظن قوم بالزنجبيل أنه أصل شجرة الفلفل، ولم يكن ~~ظنهم ذلك بصادق، من قبل أن أصل الفلفل شبيه بالقسط البحري، وهو أيضا يسخن ~~ويلذع لذعا قويا ويجذب الرطوبات من بعد. وإذا طبخ بشراب وعمل منه ضماد على ~~الطحال، حلل غلظه وأذبل ورمه العارض من الرطوبة الغليظة. وإذا مضغ مع ~~الزبيب، قطع البلغم، إلا أن فعله في ذلك دون فعل الفلفل لان حرافته أضعف من ~~حرارة الفلفل. # PageV00P479 # وزعم ديسقيريدس أنه قد يوجد في الفلفل الأسود حب فارغ خفيف حشف (1) يسمى ~~برشما (2). # وذكر فيه أنه مذموم جدا. وذكر أيضا نوعا ثالثا من الفلفل أرزن رماديا. ~~وزعم اصطفن أن معنى هذا الاسم فلفل الماء، لان نباته أكثر ذلك على المياه ~~القائمة والمياه الجارية جريا ضعيفا. وله ساق ذو عقد وأغصان، وورق شبيه ورق ~~النعنع أو أكبر منه قليلا لأنه أنعم وأقل خضرة من النعنع وله ثمر لطيف نابت ~~في قضبان لطاف. ومخرج الورق من أصل الورق. وبعضه مجتمع مع بعض كالعناقيد. ~~ولطعمه حرافة كحرافة الفلفل. وقد يجفف ويخلط مع الأبازير عوضا من الفلفل ~~فينوب عنه. # وقال جالينوس في هذا النوع من الفلفل أن إسخانه دون إسخان الفلفل على ~~الحقيقة. ومن منافعه على سبيل الدواء أنه إذا خلط طريا وعمل منه لطوخ على ~~النمش والكلف والآثار العارضة تحت العين من كمنة الدم، غسلها ونقاها. وإن ~~عمل من ورقه وثمره ضماد، حلل الأورام الجاسئة والأورام البلغمانية ~~المتطاولة. # ومن الفلفل نوع آخر يعرف بفلفل هومة، ويسمى بالفارسية أسفيدمرد مخصوص ~~بالدواء دون الغذاء، صورته وشكله ولونه وحرارته ويبسه في الدرجة الثالثة ~~وهو نافع من أوجاع القولنج والنقرس وسائر الأوجاع المتولدة (3) عن البرودة. # * * * # PageV00P480 # في الدار فلفل أما الدارفلفل فحرافته دون حرافة الفلفل كثيرا، إلا أن ~~حرارته في الدرجة الثالثة. وأما الرطوبة فليس هو بمنسلخ منها لان فيه رطوبة ~~نية فضلية، بها صار رطبا في الدرجة الأولى. ولذلك صار لا يفعل في حاسة ~~الذوق مع المباشرة كما يفعل الفلفل، لان الرطوبة ms435 تغلظه وتمنعه من النفوذ في ~~المسام بسرعة. ومن أجل ذلك لم يمكن أن يخرج فيه من القوة إلى الفعل إلا عن ~~بعد (1). ويدل ذلك على أن الذائق له لا يجد له في الابتداء لذعا دون أن ~~يلبث على اللسان مدة يمكن فيها وصوله إلى الحاسة، إلا أن حرارته بعد ظهورها ~~وخروجها إلى الفعل تلبث في اللسان مدة ليست باليسيرة، لان رطوبته تحفظ ~~الحرارة وتمنعها من التلاشي والانطفاء بسرعة، لأنها تقوم للحرارة مقام ~~الغذاء للمغتذي. وذلك مقاس من الشاهد لأنا نجد أن (2) النار خارجا لا تتشبث ~~بالحطب الرطب سريعا ولا تشتعل فيه إلا بعد مدة. فإذ اشتعلت، لبثت زمانا ~~أطول لمقاومة رطوبة الحطب لها ومنعها إياها من إحراق الحطب بسرعة. وأما ~~الحطب اليابس فليس كذلك لأنا نجده تشتعل النار فيه في أسرع مدة وأقرب وقت، ~~ثم لا تلبث إلا قليلا حتى تتلاشى وتصير رمادا وتنطفئ النار من قرب لأنها لم ~~تجد في الحطب رطوبة تقاومها وتحفظ الحطب من سرعة الاحتراق والتلاشي، ولذلك ~~صار في الدارفلفل قوة تلبث في المعجونات والترياقات وتحفظها من الفساد ~~بسرعة. # ومما يدل على رطوبة الدارفلفل أيضا ما نجده من ليانة طعمه وسهولته على ~~الحاسة لضعف حرافته وقلة تلذيعه وبعده من النفوذ في المسام بسرعة. ولذلك ~~صار أكثر معونة على الهضم والتقوية على الجماع وطرد الرياح من المعدة ~~والأمعاء. ومما يدل على أن رطوبة الدارفلفل نية فضلية، سرعة تآكله وقبوله ~~للسوس. ومن البين أن التآكل والسوس لا يعرضان لما كانت رطوبته طبيعية ~~مشاكلة لجوهريته، ولا لما كان يبسه خالصا محضا، بل إنما يعرضان لما كانت ~~رطوبته نية غير منهضمة لأنها خارجة عن الطباع. # * * * # PageV00P481 # في الزنجبيل أما الزنجبيل فهو أصل نبات ينبت في بلاد الهند <ويجلب> ~~إلينا. والذي ينتفع به من هذا النبات أصله فقط، وإسخانه في الدرجة الثالثة. ~~وفيه أيضا رطوبة فضلية غير منهضمة. ولذلك صار لا يظهر تأثيره في الحاسة مع ~~الحاسة المباشرة لغلظ رطوبته المانعة له من النفوذ في المسام بسرعة. وقد ~~يدل على ذلك ما ms436 بيناه في الدارفلفل من سرعة تآكله وقبوله السوس. وقد بينا ~~أن التآكل والسوس لا يعرضان في ما كانت (١) رطوبته طبيعية مشاكلة لجوهرية ~~الشئ الذي (٢) بقي فيه، ولما كان يبسه خالصا محضا، بل إنما يعرضان لما كانت ~~رطوبته فضلية خارجة عن الطباع قابلة للتعفن والفساد. ولذلك صار من الناس من ~~يتخذ الزنجبيل بالملح والماء أو بالعسل ويخزنه ليبقى على كيانه زمانا ~~طويلا. # فقد بان مما قدمنا إيضاحه أن في الزنجبيل رطوبة فضلية غير نضيجة مخالفة ~~لطباعه وجوهريته. # ولذلك لم يكن خروج ما فيه من القوة إلى الفعل مع المباشرة أيضا بسرعة على ~~ما بينا من تأثير النار في الحطب اليابس والحطب الرطب بسرعة استعمالها في ~~الحطب اليابس وقلة بقائها فيه، لتلاشي الحطب اليابس بسرعة لجفافه وعدمه ~~الرطوبة، وبعد اشتعالها في الحطب الرطب وطول لبثها فيه لمقاومته لها وصبره ~~عليها بفضل رطوبته. ومن قبل ذلك صار فعل الزنجبيل والدارفلفل ومنفعتهما ~~مخالفة لفعل الفلفل ومنفعته، من قبل أن الفلفل يسخن مع المباشرة وينفذ فعله ~~في البدن كله دفعة. والزنجبيل والدارفلفل يسخنان رويدا رويدا بإبطاء ~~ويفعلان في بعض الأعضاء دون بعض، لان فعلهما لا ينفذ في البدن كله دفعة. # ولذلك صرنا متى أردنا أن نسخن البدن كله بسرعة، استعملنا <ما> يفعل ~~مع المباشرة وينفذ فعله في البدن كله دفعة مثل الفلفل الأسود والفلفل ~~الأبيض. ومتى أردنا أن نسخن بعض الأعضاء دون # PageV00P482 # بعض، وبخاصة الأعضاء القريبة من المعدة والكبد، استعملنا ما لا يفعل مع ~~المباشرة ولا ينفذ فعله في البدن كله دفعة، وإذا الفعل منه ثبت زمانا أطول ~~مثل الزنجبيل والدارفلفل وما شاكله. # ومن منافع الزنجبيل على سبيل الدواء أنه يصلح المعدة لتحليله لرياحها ~~ونسفه لرطوبتها ومعونته على الهضم. ومن منافعه أيضا أنه يلين الطبيعة ~~تليينا خفيفا ويفتح سدد الكبد العارضة من الرطوبة، ويقوي الشهوة للجماع ~~بفضل حرارته ويسير رطوبته. وإذا اكتحل به، قوى الحدقة ومنع من الظلام ~~العارض من الرطوبة. # وجماع القول في الزنجبيل أن قوته وفعله كقوة الدارفلفل وفعله. ومن خاصيته ~~أن يلين ms437 البطن تليينا خفيفا. # * * * في الزنجبيل البستاني المعروف بالراسن ويسمى أيضا الزنجبيل الشامي ~~أما الراسن فإن الذي ينتفع منه أيضا (1) أصله فقط. وقوته وفعله كقوة ~~الزنجبيل والدارفلفل وفعلهما لان حرارته في الدرجة الثالثة، وفيه أيضا ~~رطوبة فضلية غير منهضمة، بها صار رطبا في الدرجة الأولى وامتنع ظهور فعله ~~مع المباشرة لان غلظ رطوبته يدفعه من النفوذ في الحواس بسرعة. فإذا ظهرت ~~قوته وخرجت إلى الفعل، لبثت في الحاسة زمانا طويلا على ما بينا وأوضحنا في ~~الزنجبيل والدارفلفل. ومن شأنه في سبيل الغذاء بعد الانهضام والابطاء في ~~المعدة. فإذا ربي بالطلاء، صار جيدا للمعدة. وتربيته بالطلاء على هذا ~~المثال: تؤخذ أصول الراسن فتجفف قليلا ثم تنقع في ماء بارد عذب ثلاثة أيام، ~~وتنزع عن الماء وتنزل حتى ينشف ماؤه وتصير في غضارة، ويلقى عليها من الطلاء ~~ما يغمرها وتفضل قليلا وترفع وتستعمل في وقت الحاجة. # ومن شأن الراسن على سبيل الدواء المعونة على نفث الأثفال الغليظة اللزجة ~~من الصدر والرئة وجلاء الأخلاط الكذلك المتولدة في الكبد والنفع من عرق ~~النساء ووجع الأوراد. وإذا عمل منه لعوق بعسل، نفع من السعال المتقادم ~~العارض من الرطوبة، وحلل عسر النفس الذي يحتاج معه إلى الانتصاب وطرد ~~الرياح والنفخ العارضة في سائر البطن، ونفع من نهش الهوام وشدخ الأعضاء ~~وانخلاعها العارض من الرطوبة. وإذا شرب طبيخه، أدر البول. وزعم ديسقيريدس ~~عن قول فراطس أن بمصر صنفا ثانيا من # PageV00P483 # الراسن، وهو عشبة تنبت في المواضع القريبة من النيل، لها أغصان طولها نحو ~~من ذراع منبسطة على الأرض كانبساط النمام وورقها يشبه ورق العدس أو أطول ~~قليلا، ولها أصول صفر صغار غلظها كغلظ الخنصر، وأسفلها أدق من أعلاها. فإذا ~~شرب منه أصل واحد، نفع من نهش الهوام. # في الدارصيني الدارصيني على ضروب: لان منه الدارصيني على الحقيقة ~~المعروفة بدارصيني الصين، ومنه الدارصيني المعروف عند العامة بالدارصيني ~~على الحقيقة وعند الخاصة بالدارصيني الصيف (1) ومنه المعروف بقرفة القرنفل. ~~فأما القرفة على الحقيقة، فتكون على ضربين: لان منها ما جسمه غليظ ms438 ثخين ~~سخيف متخلخل باطنه أحمر مائل إلى الخلوقية قليلا وظاهره حسن أحمر اللون يلي ~~البياض قليلا على لون قشر السليخة. ورائحته ذكية عطرة خمرة (2) قريبة من ~~رائحة السليخة الخمرة (2)، وفى طعمها حدة (3) وحرافة مع عذوبة يسيرة بينة ~~وقبض يسير ظاهر. ومنها ما هو خشبي ضعيف الحرافة الغالب على طبعه القبض ~~والخشونة. # وأما قرفة القرنفل فجسمها رقيق قليل اللحم صلب مكتنز، ليس فيه شئ من ~~التخلخل أصلا. # ولونه يلي السواد قليلا، وباطنه أصفى من ظاهره كأنه أقل سوادا وأميل إلى ~~الحمرة قليلا. والغالب على رائحة هذا النوع من القرفة رائحة القرنفل مع شئ ~~من رائحة القرطمانا ويسير خفي من رائحة السذاب. # والغالب على طعمها القبض مع شئ من الحرافة والمرارة ويسير من الملوحة، ~~إلا أن المرارة أغلب عليه، وفيه أقوى. وقوة هذه القرفة وفعلها كقوة القرنفل ~~وفعله، إلا أن القرنفل أقوى قليلا، لان الحرافة والحدة فيه أكثر وعليه ~~أغلب. # وأما الدارصيني الدور (4)، فجسمه يقرب من جسم القرفة على الحقيقة في خفته ~~وتخلخله وحمرة لونه، إلا أن حمرته أقوى ولونه أشرق وجسمه أرق وأصلب. ~~وأعواده ملتفة دقاق مقصبة شبيهة بأنابيب قصب السباخ، إلا أنها مشقوقة طولا ~~غير ملتحمة ولا متصلة، ورائحته وطعمه فمشاكل لرائحة القرفة على الحقيقة ~~وطعمها في ذكائها وعطريتها وحدتها وحرافتها، إلا أن الدارصيني أقوى حرافة ~~وأقل عذوبة وأكثر عفوصة. # PageV00P484 # وأما الدارصيني على الحقيقة فجسمه أشحم وأثخن وأكثر تخلخلا من جسم القرفة ~~على الحقيقة، كأن لحمه يكون على ثخن الخنصر مع دهنية فيه تظهر عند مضغه ~~ودقه. وأما لونه فمتوسط بين حمرة القرفة على الحقيقة وسواد قرفة الفرنفل، ~~إلا أنه إلى القرفة (1) أميل كثيرا وبها أشبه، لان حمرته أقوى من سواده ~~وأظهر. وأما لون سطحه فيقرب من لون سطح السليخة الحمراء. وأما طعمه فإن أول ~~ما يبدر للحاسة منه الحرافة مع يسير من قبض، ثم يتبع عذوبة ثم مرارة ~~زعفرانية مع دهنية خفية فيها شئ من طعم دهن النيلوفر. وأما رائحته فمشاكلة ~~لرائحة القرفة على الحقيقة. فإذا مضغته وشممته، ظهر ms439 لك منه شئ من رائحة ~~الزعفران مع يسير من رائحة النيلوفر. # وقوة الدارصيني في الجملة في غاية اللطافة لا لأنه في الغاية من الحرارة ~~لان حرارته في الدرجة الثالثة، لكن وجب له ذلك من عطريته وذكاء رائحته. ~~وليس في شئ من الأدوية المشاكلة للدارصيني في طبيعته ومزاجه ما يجفف ~~تجفيفه، وليس ذلك منه أيضا بإفراط يبسه لان يبسه في الدرجة الثالثة، لكن ~~للطافة جوهره وطيب طعمه وقبول الأعضاء له بطول لبثه فيها. وكذلك صار مطيبا ~~للمعدة ومقويا لها ومنشفا لرطوبتها ومفتحا لسددها ومدرا للبول والطمث ~~جميعا، إلا أنه يسقط الأجنة متى شرب أو تحملته المرأة مع شئ من مر أحمر. # ومن منافعه أيضا أن شربه نافع من نهش الهوام، ومن شرب الأدوية القتالة، ~~ومن السعال العارض من الرطوبة الغليظة، ومن النوازل المنحدرة من الرأس إلى ~~الصدر والرئة، ومن وجع الكلى وعسر البول، ومن الاستسقاء الزقي والطبلي. ~~وإذا اكتحل به، جلا البصر الذي سبب ضعفه الرطوبة. وقد يفعل مثل ذلك أيضا ~~إذا أكل أو شرب. وإذا عمل منه لطوخ، نقى الكلف ونفع من البثور اللبنية ~~العارضة في الوجه. ومن الأوائل من كان يسحقه ويعجنه بشراب ويجففه ويخزنه. # ودارصيني الصين في جميع ما ذكرنا ألطف وأحمد فعلا وأظهر تأثيرا من ~~الدارصيني الضعيف. وأما القرفة على الحقيقة فمن خاصته أنه إذا شرب منه وزن ~~درهمين بماء بارد، على الريق، منع نزف الدم المنبعث من بواسير المقعدة، ~~وبخاصة القرفة الخشبية منه، لغلبة القبض والعفوصة عليها، وإن كان أكثر ~~فعلها كذلك، إنما هو بخاصة فيها لا لطبعها فقط. # PageV00P485 # في القرنفل وأما القرنفل (1) فحار يابس في الدرجة الثانية. ومن فعله أنه ~~مشجع للقلب لعطرية وذكاء رائحته، ومقو للمعدة والكبد وسائر الأعضاء، ومنق ~~للعلل العارضة فيها، ومعين على الهضم، طراد للرياح المتولدة عن فضول الغذاء ~~في المعدة وفى سائر البطن. ومقو للثة ومطيب للنكهة. # * * * في القاقلة القاقلة في جملتها حارة في الدرجة الأولى، يابسة في ~~الثانية. وهي صنفان: لان منها (2) ما هو حب كبير (3) له أقماع وقشر ms440 وهي ~~القاقلة على الحقيقة. ومنها ما هو حب صغير ليس له أقماع ولا قشر ويعرف ~~بالهال، ويسمى أيضا الشيشنير (4). والعامة يعرفونه بالقاقلة على الحقيقة، ~~فهي أقل حرارة وأكثر قبضا وإذكاء رائحة وألذ عند الطباع. ولذلك صارت مقوية ~~للمعدة معينة على الهضم نافعة من الغثي والقئ مطلقة (5) من قبل أنها إذا ~~شربت مع الطباشير والورد بماء الرمان المز أو ماء حماض الأترج، نفعت من ~~القئ الصفراوي. وإذا شربت (6) مع المصطكى والعود التي بماء النعناع والنضوح ~~أو الميبة الممسك، نفعت من القئ العارض من الرطوبة، وبخاصة إذا شربت بقشرها ~~وأقماعها، لان قشرها وأقماعها أشد قبضا من جسمها وأكثر تقوية للمعدة. # وأما التي ليس لها أقماع ولا قشر فحارة يابسة باعتدال. ولذلك صارت أرق ~~وألطف وأعون على تقوية المعدة وجودة الهضم وأقوى على نشف (7) رطوبات الحلق ~~والصدر والمعدة. إلا أن القاقلة على الحقيقة أكثر فعلا في قطع القئ وتقوية ~~المعدة لما في قشرها وأقماعها من القبض. # PageV00P486 # في السنبل أما السنبل فعلى ضروب: لان منه الهندي المستعمل في الطيب، وهو ~~السنبل على الحقيقة. ومنه لرومي المعروف بالسنبل الأقليطي. ومنه البري. ~~ومنه الجبلي. والهندي أفضلها وأشرفها لأنه أعطرها وأذكاها رائحة وأقواها ~~فعلا وأسرعها تأثيرا. وهو مركب من جوهر حار ليس بالقوي وجوهر قابض ليس ~~بالضعيف. ولذلك صارت حرارته في الدرجة الأولى ويبسه في الدرجة الثانية. ~~ولهذه الجهة صار مجففا بتقويته المعدة والكبد جميعا ومخصوصا بالنفع من ~~أوجاعها إذا شرب وعمل منه ضماد عليهما. وذلك لنشفه للرطوبات ومعونته على ~~درور البول والطمث وأما قوته على تفتيح سدد الكبد والمعدة، فإن ذلك منه ليس ~~باليسير. ولذلك صار طبيخه إذا شرب، نقى الكلى والأرحام وأدر البول والطمث ~~ونفع من اليرقان العارض من سدد الكبد والمرارة وجفف المواد المجتمعة في ~~الرأس المتحلبة إلى المعدة والصدر والرئة، وسكن التلذيع العارض للمعدة ~~والأمعاء وطرد رياحهما.. (1) وأزال الترهل العارض للبدن، وإذا شرب مع ~~الميبختج، هيج الجماع وقواه لأنه مشجع للقلب لعطريته واعتدال حرارته، ومقو ~~لآلات الجماع بقبضه وزائد في المني لان فيه ms441 مع قبضه لدونة يسيرة. وإذا شرب ~~بشراب، نفع من لسع الحيات والعقارب. وإذا شرب بالعسل، قتل الدود وحب القرع ~~وأعان على إخراجه من البطن. وإذا تدخنت (1) به النساء، فتح سدد الأرحام ~~وأدر الطمث. وإذا طلي على الكلف، نقاه. وإذا اكتحل به، نشف رطوبات العين ~~الفضلية المالحة ومنع من انتشار الأشفار. # والمختار منه ما كان حديثا حصفا سريع الانفراك، أصل سنبله وافرا وأما ~~طعمه فيميل إلى المرارة قليلا. وإذا مضغ، لبثت رائحته في الفم وقتا طويلا. ~~وأما السنبل الرومي المعروف بالأقليطي فله أصل أحمر أشد حمرة من أصل العاقر ~~قرحا قليلا وسطحه أملس وقال قوم أنه المو ولم يصح ذلك. وسنبله أجعد قصير ~~الزغب جدا. وقال قوم أنه الفو، ولم يثبت ذلك. يكون في ابتداء أمره أصفر ~~اللون أو فستقيا. # PageV00P487 # فإذا كمل نضجه صار لونه أسود يلي الشقرة قليلا، قريبا من لون السنبل ~~الهندي وحرارته أقوى من حرارة السنبل الهندي إلا أن يبسه أقل. وزعم جالينوس ~~أن قوته من جنس قوة السنبل الهندي، إلا أنه أضعف فعلا منه في جميع ما ~~ذكرناه من العلاج، إلا في درور البول فقط، فإن الرومي في ذلك أقوى. ومما ~~يدل على زيادة قوة الهندي على الرومي زيادة عطريته وذكاء رائحته والتذاذ ~~الطباع به وإن كانت (1) منفعة السنبل الرومي للمعدة أيضا ليست باليسيرة، ~~إلا أنها دون منفعة الهندي. # والمختار من الرومي ما كان حديثا ذكي الرائحة له أصل كبير ممتلئ بطئ ~~الانفراك. ومن خاصته أنه إذا شرب بطبيخ الأفسنتين، حلل رياح المعدة والكبد ~~والطحال، ونفع من اليرقان العارض من سدد الكبد والمرارة. وإذا شرب بخل، حلل ~~أورام الطحال من نهش الهوام، ومن أوجاع الكلى والمثانة، وأدر البول والطمث. ~~وإذا دق وشرب، نقى الصدر والرئة والمثانة، والأرحام بدروره البول والطمث. # وماء طبيخه يفعل مثل ذلك. ومن خاصة أصل هذا السنبل أن الاكثار منه يصدع. # وأما السنبل البري فزعم قوم أنه الأسارون وقوته قوة مسخنة لذاعة للسان ~~شبيهة بقوة الأقارون المعروف بالوج وأقوى منه قليلا. ولذلك صار مدرا ms442 للبول ~~والطمث، منقيا للكبد وأوراد الأرحام بدروره كذلك. وإذا شرب منه أربعة ~~مثاقيل بماء العسل أسهل كإسهال الحربق الأبيض ونفع من الاستسقاء وعرق ~~النساء وأوجاع المفاصل والأوراك. # وأما السبل الجبلي فإن قوته وفعله كقوة السنبل البري وفعله، وأما ~~ديسقيريدس فإنه قسم السنبل قسمة أولية على ضربين: أحدهما الهندي، والآخر ~~الرومي. وقسم الهندي أيضا على ضربين وقال أن منه نوعا يعرف بالهندي على ~~الحقيقة، اشتق له هذا الاسم من بلد الهند. ومنه نوع يعرف بالسوري، اشتق هذا ~~الاسم من بلدة يقال لها سوريا يسكنها القبط والسريانيون. وليس إنما نسب ~~الهندي إلى بلد الهند، والسوري إلى بلد سوريا على أن هذين (1) البلدين ينبت ~~فيهما سنبل، لكن لان الجبل الذي ينبت فيه هذا السنبل متوسط بين هذين (2) ~~البلدين لان جهة منه تلي بلد الهند، وجهة أخرى تلي بلد سوريا. فما كان من ~~السنبل نابتا من الجهة التي تلي الهند سمي هنديا، ومن كان نابتا من الجهة ~~التي تلي بلد سوريا يسمى سوريا. ووصف المختار من السوري فجميع ما وصفنا به ~~المختار من الهندي من قربه من بنيانه الذي يخرج منه، وخفته وسرعة انفراكه ~~ووفارة أصله وصغر سنبله وشقرة لونه ومرارته التي في طعمه وتجفيفه اللسان ~~وذكاء رائحته وعطريته وقربه من رائحة السعد وثبات رائحته في الفم إذا مضغ ~~وقتا طويلا. # وأما المعروف بالهندي فقسمه أيضا على ضربين وقال: إن منه نوعا أدخل في ~~الجبلي الذي ينبت فيه وهو مشاكل للسوري في جميع أحواله من صورته وكيفياته ~~وطبعه وقوته وفعله. ومنه نوع يقال له # PageV00P488 # (غيفتطس) (1)، اشتق له هذا الاسم من نهر يجري إلى جانب هذا الجبل يقال له ~~(غيقس) (2). وخروج هذا السنبل من أصل واحد، وهو أعظم سنبلا من السوري ومن ~~الهندي على الحقيقة، لان جمام سنبله وافر ملتف بعضه على بعض ورائحته زهمة ~~زفرة لزفورة الموضع الذي ينبت فيه. وكذلك صارت قوته أضعف من قوة الهندي ~~والسوري جميعا. ومنفعته أقل كثيرا. # وأما السنبل الرومي فقال قوم وزعم (3) أيضا أنه يكون بسوريا، وشجرته ~~صغيرة ms443 تقلع ويعمل منها جرم يملا الكف، ولها ورق طويل لونه إلى الشقرة ما ~~هو، وزهرها أصفر له رائحة طيبة. ومنفعة هذا السنبل للمعدة ظاهرة لان قوته ~~قريبة من قوة السنبل السوري والهندي، إلا أنه أدر للبول منهما. وأفضل ما ~~يستعمل من هذا النبات أصله وساقه. فإن أراد أحد أن يوعيه (4) ويرفعه، نقاه ~~من ورقه، وأخذ الأصل والساق فدقهما دقا جيدا وعجنهما بشراب وعمل منهما ~~أقراصا (5) وحفضهما (6) وحفظهما في إناء من غضار (7) أو زجاج واستوثق من ~~غطائه جيدا. وقال ديسقيريدس: يخزن في إناء من خزف. # وذكر ديسقيريدس نوعا آخر من السنبل لم يجب أن يهمل ذكره لان الحاجة تدعو ~~إلى التحرز منه والتحذير من استعماله لان قوته قوة البيش (8) القتال. وسماه ~~ديسقيريدس ناردين سقارقرطي (9) وهو أشد بياضا من جميع ما قدمنا ذكره من ~~السنبل ورائحته رائحة البيش. ولذلك وجب أن يرفض ويحذر استعماله أصلا. وذكر ~~بعض الأوائل نباتا يعرف بالموله، زعم أن قوته كقوة السنبل إلا أنه أشد حرا ~~(10) وأقل قبضا. # PageV00P489 # في الساذج أما الساذج فقوم زعموا أنه ورق السنبل الهندي. وأوهم ذلك تشابه ~~رائحتهما. وأنكر جالينوس ذلك وزعم أن (1) تشابه الروائح لا يوجب توحد (2) ~~الجواهر، لأنا نجد أشياء كثيرة تشبه رائحة السنبل وليست بسنبل مثل الأسارون ~~والسعد والوج وما شاكل ذلك. وأما ديسقيريدس فزعم أن الساذج نبات ينبت في ~~بلد الهند في مواضع فيها مياه مستنقعة، وهو ورق يظهر على وجه الماء بمنزلة ~~عدس (3) الماء المعروف بالطحلب، وليس له عود ولا أصل والذي يجمعه يشكه، على ~~المكان، في خيوط كتان ويجففه ويخزنه. # وقال أن ذلك الماء الذي ينبت فيه هذا الساذج يجف في الصيف. وإذا جف، ~~أحرقت الأرض التي (4) كان عليها ذلك الماء بحطب يشتعل فيها. فإن لم يفعل ~~ذلك بالأرض في كل سنة، لم ينبت على الماء شئ من هذا الورق. # وأجود الساذج ما كان حديثا صحيح الورق ولونه متوسط بين البياض والسواد ~~إلى الغبرة ما هو، وله رائحة ساطعة فيها رائحة الناردين الهندي دائم الطيب ~~والذكاء، إذا وضع ms444 على اللسان طيب النكهة. وإذا جعل في صناديق الثياب، طيب ~~رائحة الثياب وحفظها من التآكل، وما كان منه كذلك، كان نافعا للمعدة لأنه ~~يقويها ويحلل نفخها ويدر البول. وإذا عمل منه طلاء على العين، حلل أورامها. # والمذموم من الساذج ما كان مسترخيا منفشا رائحته كرائحة الشئ المتكرج ~~(5). وما كان كذلك كان رديئا لا ينتفع به في شئ من علاج الطب أصلا. وأما ~~جالينوس فتكلم في منافع الساذج بكلام وخبر جملي وقال إن قوته كقوة السنبل، ~~وأمسك. ومما يذهب عند ديسقيريدس مذهب السنبل والساذج: # الدارشيشغان. # PageV00P490 # في الدارشيشغان أما الدارشيشغان فشجرة ذات غلظ. وتعد، لغلظها، في عداد ~~الأشجار الخشبية. ويستعملها العطارون في تعفيص الادهان. والجيد منه ما كان ~~رزينا كثيفا. وإذا قشر كان لونه أحمر مائلا إلى لون الدم والى الفرفيرية ~~(1) ما هو. وله رائحة طيبة، وفى طعمه شئ من مرارة. وقوته مسخنة مع قبض. ~~وإذا شرب طبيخه، عقل البطن وقوى العصب وقطع نفث الدم، ونفع من عسر البول ~~بتقويته للمثانة. وإذا تمضمض بطبيخه، نفع من القلاع. وإذا استعط بمائه، نفع ~~وذهب بنتن الانف. وزعم ديسقيريدس أن منه نوعا (2) آخر خشبيا (2) لا رائحة ~~له ولا عطرية. ولذلك صار دون النوع الأول في المنفعة والفعل كثيرا. # PageV00P491 # في الزعفران أما الزعفران (1) فقال بعض الأوائل وذكر فيه أنه حار يابس في ~~الدرجة الثانية. وأنكر جالينوس ذلك على من قاله. وزعم أن حرارته في آخر ~~الدرجة الأولى، ويبسه في وسطها. وصير دليله على ذلك قوة قبضه، وقال: إن كل ~~قابض فالبرودة والأرضية عليه أغلب. ولكن لما كان الأغلب على الزعفران ~~الكيفية الحارة لما فيه من العطرية والمرارة، وجب أن يكون في جملة جوهره ~~مسخنا مجففا في الدرجة الأولى. ولذلك صار فيه بعض الانضاج، من قبل أن كل ما ~~كان من الأدوية إسخانه ضعيفا، وفيه مع ذلك شئ من القبض، فإن قوته قوة تغري ~~وتلحج (2). ومن البين أن كل ما يغري ويلحج فإسخانه ليس بالقوي، فهو من ~~الأدوية المنضجة. وما كان كذلك، كان محللا للأورام مفتحا لسدد ms445 الكبد ~~والعروق، نافعا من عسر النفس، مقويا للأعضاء الضعيفة لما فيه من القبض. ~~وإذا تحملته المرأة أو خلط مع ضمادات الأرحام، نفع من أوجاع الأرحام. وإذا ~~شرب طبيخه مع أصله، أدر البول وهيج الشهوة للجماع. وزعم بعض الأوائل أنه ~~إذا خلط مع المراهم وجعل منه في المقعدة، هيج الجماع، غير أن الاكثار من ~~شربه، والادمان عليه مذموم (3)، لان فيه كيفية تملأ الدماغ والعصب وتضر ~~بهما إضرارا بينا. # ومن قبل ذلك صار مفسدا لشهوة الطعام وذلك لجهتين: إحداهما أنه لاضراره ~~بالعصب يفسد حس المعدة الذي به يميز الشهوة للغذاء. والثانية أنه يضعف حس ~~المعدة بالحموضة التي تأتي إليها من الطحال لتنبيه الشهوة للغذاء. ولذلك ~~قصدت الأوائل الزعفران في ترياق الفاروق وما شاكله من الترياقات، لأنها ~~أرادت أن تضعف حس المعدة عن قبول السم عن الأدوية المسمومة، وإن كان دابغا ~~للمعدة ومقويا لها ولسائر أعضاء البدن الضعيفة لما فيه من قوة القبض. ولهذه ~~الجهة صار إذا حمل منه على العين أو اكتحل به # PageV00P492 # مع لبن أم جارية، قوى الحدقة ومنع من سيلان المواد إليها. وقد ينتفع به ~~أيضا إذا أدخل في الضمادات والفرزجات المتخذة لأوجاع الأرحام والمعدة. ومن ~~خاصته أنه يحسن لون البشرة إذا أخذ منه بقسط. وأما ديسقيريدس فزعم فيه أنه ~~متى شرب منه وزن ثلاثة مثاقيل جملة، قتل. وأظن بديسقيريدس أنه قصد بذلك من ~~كان دماغه ضعيفا بالطبع أو بالعارض، لأنه ليس ببعيد أن يفعل ذلك بمن كان ~~دماغه ضعيفا، على قوة إضراره بالدماغ والعصب جميعا وإفساده للحس. ~~PageV00P493 # في المصطكى أما المصطكى فهو صمغ شجرة مركبة من جوهر أرضي ضعيف الحرارة، ~~وجوهر مائي قليل البرودة. ولذلك صار حالها في الاسخان والتبريد الحال ~~المعتدلة المتوسطة بين الكيفيتين الفاعلتين، أعني الحرارة والبرودة، كأن ~~حرارتها في وسط الدرجة الثانية، وأما قبضها وجفافها فهو في آخر الدرجة ~~الثانية ينتهي إلى أول الثالثة. وقبضها في جميع أجزائها متساوية، أعني ~~بجميع أجزائها: أغصانها وورقها وثمرها ولحاء أصلها. ولذلك صار إذا طبخ لحاء ~~أصلها وورقها بالماء طبيخا ms446 جيدا وصفي الماء وعقد ثانيا حتى يثخن ويصير ~~بمنزلة العسل وشرب، نفع من نفث الدم والاسهال العارض من الرطوبة وضعف ~~المعدة وقروح المعاء، ومن نزف دم النساء وظهور الرحم والسرم (1) إلى خارج. # وفى الجملة، قد يمكن أن يستعمل هذا الدواء عوضا من الاقاقيا وعصارة ~~الطراثيث (2) إذا كان مزاج المستعمل له معتدل الحرارة غير قويها. وأما صمغ ~~هذه الشجرة المعروف بالمصطكى فينقسم على قسمين: # لان منه الأبيض الصافي المعروف بعلك الروم ويسمى أيضا الكنه. ومنه الأحمر ~~(3) المعروف بالمصطكى النبطي. والأبيض منها مركب من كيفيتين متضادتين: ~~كيفية قابضة وكيفية محللة. ولذلك صار نافعا للكبد والصدر والمعدة والأمعاء ~~لأنه مقو لها ومحلل لرطوباتها ورياحها ومخرج لها بالجشاء، ومسكن للأمغاص ~~العارضة من الرطوبة، ومحلل للأورام العارضة لفم المعدة والكبد والأمعاء، ~~قاطع لنفث الدم، ومسكن للسعال المتقادم العارض من الرطوبة، ومحسن للبشرة ~~إذا طلي عليها. ولذلك يستعمل في الغمر (4) المتخذة لجلاء البشرة، وفى ~~السنونات المستعملة لجلاء الأسنان وتقوية اللثة، ويطيب النكهة. وإذا مضغ، # PageV00P494 # فعل مثل ذلك أيضا. # والمختار منه ما كان أبيض صافيا ذكي الرائحة عطريا رزينا جافا. فإذا ~~فركته وجدته سهل الانفراك. وأما الأحمر المعروف بالمصطكى النبطي فتجفيفه ~~دون تجفيف الأبيض، لان القبض فيه أقل. # ولذلك صار أنفع لمن كان محتاجا إلى التحليل أكثر من قبل <أنه> صار ~~محللا للأورام الصلبة المتولدة في باطن الأبدان وظاهرها. # وأما دهن المصطكى فأكثر ما يتخذ من المصطكى الأبيض وليس يكاد أن يتخذ من ~~المصطكى الأحمر ولا الأسود وقوته كقوة المصطكى. وله منفعة في أوجاع ~~الأرحام. وإذا خلط مع الضمادات واللطوخات، نفع من أوجاع الأمعاء ونقى ~~البشرة وصفى اللون ونفع من الحصف (1) الممد الذي في الوجه. وصفة عمله أن ~~يؤخذ من الزيت الانفاق ثمانية أرطال ومن المصطكى رطلان. يجمع ذلك ويصير على ~~نار لينة فاترة من غير أن يصيبه شئ من الدخان ويترك حتى يذوب حسنا ويرفع في ~~إناء زجاج ويستعمل. وإن كان بدل الزيت دهن لوز، كان أفضل. وقد يغش المصطكى ~~الأحمر بالكندر وصمغ الصنوبر. # PageV00P495 # في السليخة ms447 السليخة على ضروب: لان منه الأحمر اللون الياقوتي الشبيه بلون ~~(1) أحمر قاتم وله أنابيب غلاظ وقشر ثخين مبرأ من الجرم، وسطح القشر أملس، ~~ورائحته عطرية خمرة (2) وفى طعمه حرافة لذيذة تحذي اللسان حذيا (3) لذيذا ~~مع قبض بين يجمع اللسان ويضمه. ومنها صنف ثان يلي السواد قليلا كأنه فرفيري ~~اللون له رائحة كرائحة الورد. ومنها صنف ثالث له قشر رقيق لاصق بجرمه، له ~~رائحة كريهة غير ذكية. ومنها صنف رابع خشن أجرب له رائحة كرائحة الكراث. ~~ومنها أصناف أخر نستغني عن ذكرها (4) وإطالة الكلام فيها (4) لأنها (4) ~~معراة (4) عن المنافع جملة، وإن كان هذان النوعان (5) أيضا، أعني الكراثي ~~والكريه الرائحة، لا منفعة فيهما (6) أصلا لا في الطب ولا في شئ من العطر، ~~لان المختار من السليخة الياقوتي اللون، العطر الرائحة الذي في طعمه حرافة ~~مع قبض بين. وبعده في الفضل الفرفيري اللون المشاكل لرائحة الورد. وما سوى ~~ذلك من أنواع السليخة فمرذول لا منفعة فيه. وأما قوة السليخة فمسخنة مجففة ~~في الدرجة الثالثة، وفيها تقوية بينة لقبضها وتجفيفها مع لطافة قوية ~~لحرافتها وعطريتها وخمريتها. # فلما فيها من القبض، صارت مقوية للمعدة وللكبد والأرحام وسائر الأعضاء ~~الشريفة ولذلك صارت إذا جلست (7) النساء في طبيخها، قوت الأرحام ونفعت من ~~اتساعها. وإذا تدخنت (7) النساء بها، فعلت مثل ذلك. ولما فيها من اللطافة ~~والحرافة العطرية، صارت ملطفة للفضول مفتحة للسدد، محللة لما في الأبدان من ~~الرياح والرطوبات الغليظة، ومن قبل ذلك صارت إذا شربت، أدرت البول والطمث ~~واستفرغت من الدم مقدار الكفاية، إذا كان سبب احتباسه كثرة الفضول الغليظة ~~والسدد القوية. وإذا # PageV00P496 # تدخنت بها، نفعت من أوجاع الأرحام وفتحت سددها. وإذا خلطت بأدوية العين، ~~قوت الحدقة وحللت الفضول الغليظة، وزادت في حدة البصر. وإذا عجنت بعسل ~~وحملت على البثور اللبنية، فلقتها. وإذا حملت على الأورام الجاسئة حللتها. ~~وإذا شرب (1) طبيخها، طردت الرياح الغليظة التي في المعدة وسائر البطن. ~~وقال ديسقيريدس: وإذا عدمت السليخة، جعل مكانها من الدارصيني ضعف وزنها. # PageV00P497 # في الكاشم أما الكاشم فإن قوة بزره ms448 وورقه وأغصانه حارة يابسة في الدرجة ~~الثالثة. ولذلك صارت له قوة معينة على الهضم وتحليل النفخ والقراقر وتفتيح ~~سدد الكبد ودرور البول والطمث جميعا. ومن خاصته تحليل النفخ والقراقر ~~العارضة في المعدة. ومما هو داخل في هذا الجنس من النبات السساليوس. وزعم ~~قوم أنه الانجدان الرومي. # * * * في السساليوس أما السساليوس فقوة ثمره وورقه وأصله قوة تسخن وتجفف ~~في الثانية. والاسخان في ثمره أقوى. # ومن قبل ذلك صار معينا على الهضم ومدرا للبول، ونافعا من التقطير العارض ~~من البرودة ومن الأوجاع العارضة من (1) اختناق الأرحام، لأنه يدر الطمث ~~درورا قويا، ويتجاوز ذلك إلى إسقاط الأجنة وتسهيل الولادة لجميع الحيوان ~~وتحليل عسر النفس الذي يحتاج معه إلى الانتصاب، وتسكين السعال العارض من ~~الرطوبة وتنقية الصدر والرئة والكبد والأوراد والأرحام. والسبب في تنقية ~~الصدر والرئة أنه من الأدوية المخصوصة بتنقية آلات التنفس. وأما تنقية ~~الكبد والأوراد، فبدروره للبول. وأما تنقية الأرحام، فبدروره الطمث بقوة. ~~وزعم ديسقيريدس أن في هذا النبات لطافة عجيبة ينتفع بها للصرع. وأما ثمر ~~هذا النبات فإنه إذا شرب بشراب، أعان على الهضم وحلل الرياح والأمغاص، ونفع ~~من حمى أفتالوس الثانية في كل خمسة أيام المتولدة عن البلغم اللزج. وإذا ~~شرب بفلفل وشراب، نفع من البرد العارض في الأشفار. وزعم ديسقيريدس أنه قد ~~تسقى منه الإناث من المعز ومن سائر المواشي ليكثر نتاجها. # PageV00P498 # في الأنجذان أما الأنجذان فورقه شبيه بورق السساليوس في الصورة، إلا أنه ~~أوسع قليلا. وأما السرخسي منه، فإنه أميل إلى السواد قليلا، وبزره مسطوح ~~وقضبانه وجميع أجزائه، أعني بأجزائه: بزره وورقه وقضبانه وأصله، تسخن وتجفف ~~في الدرجة الثالثة. وجوهر الأنجذان جوهر هوائي نافع من عسر الانهضام، مولد ~~للجشاء، مجفف للرطوبات، مذيب للحم، مضر بالمثانة. فإذا خلط بالملح أو في ~~أخلاط الصباغات، طيب طعمه، إلا أنه ينتن الثفل، وهذه خاصته اللازمة له. ~~وإذا شرب، كان بادزهرا للأدوية القتالة. # وإذا حمل على الأبدان من خارج، كان فعله خفيا جدا. ولذلك صار إذا خلط ~~بالقيروطي المعمول بدهن السوسن أو بدهن ms449 الحناء، نفع من عرق النساء. وإذا ~~عمل منه لطوخ بزيت، نفع من كمنة الدم العارضة تحت العين. وصمغ هذه الشجرة ~~أقوى فعلا وأظهر تأثيرا في جميع أجزائها. # وزعم ديسقيريدس أن صمغ هذا النبات الحلتيت، وأنه يستخرج من أصل هذا ~~النبات وساقه، لأنهما إذا شرطا، خرج منهما رطوبة غليظة لزجة هو الحلتيت. ~~وصير دليله على ذلك من رائحة الأنجذان السرخسي وطعمه المشاكلان لرائحة ~~الحلتيت وطعمه، إذ لا فرق بينهما في ذلك إلا في القوة والضعف فقط، لان ~~الصمغ من كل نبات أقوى من النبات. والمختار من هذه الصمغة ما كان أحمر ~~صافيا شبيها بالمر الأحمر قوي الرائحة جدا مشاكلا لرائحة الأنجذان السرخسي، ~~وأقوى كثيرا سليما من رائحة الكراث إذا أذبته وذاب، صار لونه بسرعة يلي إلى ~~البياض قليلا. والمذموم منها ما كان في رائحته شئ من رائحة الكراث، وكان ~~طعمه كريها. وإذا أذبته، كان عسر الذوبان. وإذا ذاب، صار لونه يلي السواد ~~بعيدا من البياض. # وزعم قوم، عن أصل هذا النبات، أنه المحروث المعروف بعود الدقة، وصيروا ~~دليلهم (1) على ذلك قول قاله ديسقوريدوس لأنه قال: وإنه إذا خلط أصل ~~الأنجذان بالملح، طيب طعمه. وزعموا أنهم لم يجدوا أصلا من الأصول يطيب به ~~الملح إلا المحروت. وقول لديسقيريدس آخر في أصل الأنجذان، فإنه إذا طبخ بخل ~~وقشر رمان وحمل على البواسير النابتة في المعدة، حللها. وإذا خلط بقيروطي، ~~حلل الخنازير. # PageV00P499 # في الحلتيت الحلتيت لبن من ألبان الأشجار. وألبان الأشجار كثيرة لان كل ~~شجرة من الأشجار، ونبت من النبات إذا قطع منه قضيب من قضبانه، سالت منه ~~رطوبة لا محالة. فإن كانت تلك الرطوبة غليظة، سميت لبنا. وأكثر ألبان ~~الأشجار حرارة (1) الجاوشير والقنة والحلتيت، لأنها مسخنة مجففة في الدرجة ~~الثالثة. وقال قوم أن تجفيفها في الدرجة الثانية وأقلها أضرارا بالأبدان ~~الحلتيت. ولذلك أمكن من كان مزاجه باردا أن يدوم على استعماله في غذائه. ~~والذين يستعملونه في غذائهم من المرطوبين، يحسن ألوانهم ويشرقها. # ومن فعله على سبيل الغذاء أنه بعيد الانهضام مفسد للمعدة ومضر ms450 بها. ومن ~~منافعه على سبيل الدواء أنه مفتح للسدد، طراد للرياح، نافع من السمائم. ~~وإذا شرب مع البيض المشوي نيمبرشت، نفع من السعال البلغماني. وإذا صير في ~~الأحساء وشرب، نفع من الشوصة نفعا بينا وحلل جسأ الطحال وفتح سدده. وإذا ~~أخذ مع التين اليابس، نفع من الكزاز ومن وجع الجنب والاستسقاء واليرقان (2) ~~العارض من الفضول الغليظة اللزجة. وإذا شرب بماء حار وعقيد العنب، نفع من ~~حمى الربع العارضة من احتراق البلغم ونقى العفونات المتولدة في أبدان ~~أصحابها. وإذا عجن بشمع وابتلعه من كان به فالج مع انتصاب الرقبة أو ~~ميلانها إلى خلف، انتفع به. وإذا شرب بسكنجبين، نفع من جمود اللبن في ~~المعدة والثدي. وإذا شرب مع فلفل، أدر الطمث الذي سبب احتباسه الأخلاط ~~اللزجة. وإذا جعل في جوف حبة عنب وأخذ، نفع من ذلق المعدة والمعاء العارض ~~من الرطوبة. وإذا ديف في ماء حار وشرب، نفع من خشونة الحلق المتقادمة ومن ~~الخوانيق ودقق اللهاة وصفى الصوت الأبح الذي عرضت بحوحته دفعة. # وإذا شرب أو تمسح به، نفع من ضرر الحيوانات ذوات السموم. وإذا ديف بزيت ~~وتمسح به، نفع من لدغ العقارب والكزاز. وإذا وضع على القرحة العارضة من عضة ~~الكلب الكلب، دفع ضررها. وإذا # PageV00P500 # شرب أو وضع على المواضع التي قد دخلتها (1) السهام المسمومة، أبطل سمها ~~وأخرج أوجه السهام من اللحم، وإذا تغرغر به مع خل، قلع العلق المتعلق في ~~الحلق. # وإذا خلط بزنجار وقلقنت وعجن بماء الرمانين المستخرج بشحم الرمانين وعمل ~~منه لطوخ على القوابي الرطبة، نقاها. وإذا خلط بعسل واكتحل به. جلا البصر ~~ونفع من ابتداء نزول الماء في العين. # وإذا وضع على تآكل الأسنان، سكن وجعها. وإذا خلط بكندر وطلي على خرقة ~~وحمل على الأسنان، فعل مثل ذلك أيضا. وإذا طبخ بخل مع الزوفا والتين وتمضمض ~~به، فعل مثل ذلك أيضا ونفع من الريح العارضة في الفم المعروفة بريح ~~الباخديام. وإذا شرطت الأورام الميتة اللون ووضع على موضع الشرط إما وحده ~~أو إما (2) مع شراب ونطرون، ms451 حللها وأبرأها. وإذا خلط بقيروطي وشحم التين ~~اليابس وحمل على الثآليل والقوابي والغدد والبواسير الظاهرة، أزالها وذهب ~~بها. وإذا طلي على داء الثعلب العارض من البلغم اللزج، أنبت الشعر فيها. # وحكى ديسقيريدس عن قوم كانوا يزعمون عن أهل السند (3) أنهم كان لا يسلم ~~لهم زرع دون أن يأخذوا الحلتيت ويصرونه في خرق من غلائل كتان ويعلقونها على ~~أفواه أنهارهم عند سرب (4) المياه ليفيدوا الماء عند ممره كيفية يقتل بها ~~ما يتولد في أراضيهم من الدود والفأر وكلاب الماء وما شاكل ذلك. وزعم عن ~~أهل أرمينية أنهم إذا أخذهم نشاب مسموم، وضعه على موضع النشاب وسلم من ~~سمها. وقد يستخرج من ورق نبات الحلتيت رطوبة تفعل فعل الحلتيت، إلا أن ~~فعلها أضعف كثيرا. وإذا شربت هذه الرطوبة بسكنجبين، نفعت من أوجاع قصبة ~~الرئة وبخاصة بحوحة الصوت. وقد يؤكل ورق هذا النبات مع الخس والخل عوضا من ~~الجرجير، والله أعلم. # * * * في المحروت المحروت دون الحلتيت في القوة وأضر بالمعدة وأعسر ~~انهضاما. # * * * # PageV00P501 # في الاشترغاز الاشترغاز (1) أحر من الأنجذان وأكثر جفافا وأبعد انهضاما ~~وأبطأ في المعدة. ولذلك وجب أن لا يستعمل منه إلا خله الذي يربى به وأنقع ~~فيه. وإن كان في خله أيضا قوة لذاعة للمعدة مولدة للغثي والقئ بإفراط ~~تلذيعه. # PageV00P502 # في الخردل الخردل حار يابس في وسط الدرجة الرابعة. ومن خاصته تحليل ~~رطوبات الرأس والمعدة وتجفيف اللسان، والنفع من حمى الربع المتقادمة ~~المتولدة عن احتراق البلغم، ومن أوجاع الطحال العارضة من الرطوبات الغليظة. ~~وإذا مضغ أو تغرغر به، نقى رطوبات الدماغ الفضلية وحلل الورم البلغماني ~~العارض في جنبتي أصل اللسان ونفع من الخشونة العارضة في قصبة الرئة. وإذا ~~دق وقرب من المنخرين واستنشق، هيج العطاس وأنبه (1) المصروعين والنساء ~~اللواتي قد عرض لهن (2) اختناق من وجع الأرحام. وإذا أكل مع السلق المسلوق، ~~نقى المعاء من البلغم المرتبك فيه. وإذا خلط مع التين المدقوق وعمل منه ~~ضماد، نفع من عرق النساء وبخاصة إذا لزم الموضع حتى يحمار (3) الجلد. وكذلك ~~يفعل إذا حمل على ورم ms452 الطحال. وإذا خلط بعسل أو موم وشحم وزيت مذاب على ~~النار وعمل منه لطوخ، نقى بشرة الوجه وذهب بكمنة الدم العارضة تحت العين. ~~وإذا خلط بخل وطلي على الجرب المتقرح والقوابي الرطبة الوسخة، نقى وسخها ~~وأزالها. وإذا خلط بالتين المدقوق ووضع في الاذن، نفع من الدوي وثقل السمع. ~~وإذا دق وضرب بماء وخلط بعسل واكتحل به، أزال غشاوة العين وخشونة الأجفان. ~~وقد تستخرج عصارة بزر الخردل الطري وتجفف في الشمس وتستعمل في جميع ما ~~ذكرنا فتكون ألطف وأسرع فعلا. # والمختار من الخردل ما كان سمينا لحيما غير قحل ولا مفرط اليبس، لكن يكون ~~فيه نداوة يسيرة. # وإذا دق، كان داخله أصفر يلي البياض، لان ذلك دليل على نداوته. وينبغي ~~للمستعمل له، على سبيل الادمان، [أن] يستعمله في الماء العذب من الليل إلى ~~الصبح، وينحي ذلك الماء عنه ويغسله بالماء مرات ويجففه في الشمس ثم يغسله ~~مرات ويجففه ثم يدقه ويجمعه ويقشره ويصيره شبيها بقرص ويجعله في # PageV00P503 # غضارة ويغسله بماء صاف عذب حتى يزول عنه كل ما خالطه من الرماد بتنظيف ~~حسن، ثم يصير في هاون حجر ويلقى عليه ماء عذب ويضرب ضربا جيدا حتى تخرج ~~رغوته وزبده، ويصفى بمنخل شعير صفيق (1)، فإن أحب أن يعذبه، عذبه بلوز حلو ~~مقشر من قشرته مسحوق، أو لباب خبز منخول مغسول، أو زبيب منقى من عجمه ~~مدقوق، يأخذ ما أحب من ذلك ويصب عليه من الخل مقدار الحاجة والكفاية ويمرسه ~~مرسا جيدا ويصفيه بمنخل شعير ويخلطه بالخردل المصفى، وربما أخلط معه دهن ~~لوز وماء رمان حلو. # PageV00P504 # في السماق السماق هو ثمرة شجرة تنبت في الصخر على الجبال، طولها نحو من ~~ذراع وورقها مشرف الأطراف على هيئة المنشار وثمرها شبيه بالعناقيد، له لون ~~أحمر على حمرة الدم. وعظم الحبة منه كعظم حبة البطم، إلا أن حبه أعرض قليلا ~~حتى كأنه قريب من شكل العدس البصري. والمستعمل من هذا الحب قشره، لان داخله ~~صلب على صلابة حب الأنجرة أو أصلب قليلا. وطعم قشر هذا الحب شديد ms453 الحموضة ~~وفيه قبض بين (١) يقرب من العفوصة. ولذلك صار تبريده في الدرجة الثانية، ~~وتجفيفه في الدرجة الثالثة. ولما فيه من قوة التجفيف صار الدباغون يستعملون ~~نوعا منه في تجفيف وتقبيض <الجلود>، ويسمون ذلك النوع سماق الدباغين. # ومن منافعه أنه مقو للمعدة، منبه لشهوة الطعام، مسكن لحرارة الكبد، نافع ~~من الاسهال المري والقئ الكذلك، قاطع لسيلان الدم من حيث انبعث. وإذا اكتحل ~~بمائه الذي ينقع فيه، نفع من السلاق (2) العارض (3) والاحتراق وقطع الحكة ~~العارضة للعين. وإذا تمضمض بمائه الذي يطبخ به، دبغ اللثة وقواها وقطع الدم ~~المنبعث منها، وإذا سحق وعجن بعسل أو بجلاب ودلك به اللسان، جلا خشونته ~~ولينه. وإذا تحملته المرأة بعسل، منع من سيلان الرطوبات من الرحم. وإذا عمل ~~منه طلاء بعسل، قطع من ورم البواسير. وإذا أنقع ثمره في ماء ثلاثة أيام ~~وصفي (4) وطبخ ماؤه حتى يثخن، كان فعله ألطف وأفضل من فعل الثمر نفسه. وقد ~~تستخرج من هذا النبات صمغة إذا وضعت على الأسنان المأكولة، سكنت وجعها. # PageV00P505 # ولورق هذا النبات أيضا قوة قابضة تفعل فعل القاقيا وأقوى قليلا. وطبيخ ~~ورقه الطري إذا شرب نفع من قروح الأمعاء. وإذا احتقن به أو جلس فيه، فعل ~~مثل ذلك أيضا. وإذا دق ورقه وحمل على القروح، جفف مدتها (1). وإذا طلي على ~~النفاطات (2)، جففها. وإذا طلي بمائه الشعر، سوده. وإذا قطر منه في الاذن، ~~قطع سيلان المدة منها. وإذا طبخ ورقه اليابس وصفي وعقد ماؤه حتى يثخن ويصير ~~بمنزلة العسل، فعل فعل الحضض، وإذا طبخت (3) قضبان هذه الثمرة بالماء حتى ~~تنعقد، كان فعلها أقوى من فعل الثمرة. وإذا عمل من الورق ضماد بماء، منع ~~حدوث الأورام على مواضع الضرب وعلى قحف (4) الرأس. # PageV00P506 # في الخل الخل يبرد تبريدا معتدلا، ويجفف تجفيفا قويا، لان يبسه أقوى من ~~يبس ودمه (1). والسبب في ضعف تبريده أنه مركب من طبيعتين مختلفتين من برودة ~~ضعيفة وجبت له من حموضته، وحرارة عرضية استفادها من الغليان والتعفن. وذلك ~~أن هيولي (2) كل خل في ابتدائه يكون حلوا، فإذا نضج ms454 بحرارة الشمس، غلى ولم ~~يكن في حلاوته من القوة ما يثبت ويحفظ نفسها، تعفنت الرطوبة الحاملة لها ~~واستحالت إلى الحموضة واستفادت حرارة عرضية من الغليان والتعفن، ولذلك صار ~~تبريد الخل في الدرجة الأولى، وتجفيفه في الدرجة الثالثة. فلضعف برودته صار ~~فعله ينفذ في الأبدان بسرعة ويصل إلى ما بعد وناء من الأعضاء، ويفعل فيها ~~فعله في الأعضاء القريبة، لان لطافة حرارته العرضية التي حطته عن درجة ~~الحموضة في البرودة تطرق له وتغوصه وتنفذه إلى الأعضاء البعيدة، وغيره من ~~الرطوبات الحامضة مثل الحصرم وماء الرمان الحامض ومثل الأترج وما شاكل ذلك. ~~ففعله فيما قرب من الأعضاء أكثر من فعله فيما بعد منها لان حموضته ساذجة ~~بسيطة ليس معها حرارة عرضية تلطفها وتطرق لها وتنفذها إلى ما بعد وناء من ~~الأعضاء. # ولجالينوس في هذا المعنى قول قال فيه: إذا أردت أن تبرد حرارة في المعدة ~~وما قرب منها، فاقصد ماء الرمان الحامض وماء الحصرم وحماض الأترج وما شاكل ~~ذلك، لأنها أبطأ في المعدة وأكثر لبثا لان برودتها برودة ساذجة بسيطة ليس ~~معها ماء يطرق لها وينفذها إلى المواضع البعيدة بسرعة. وإذا أردت أن تبرد ~~حرارة في أعضاء بعيدة عن المعدة، فاقصد الخل، لان الخل معه ما يطرق له ~~ويوصله إلى ما بعد من الأعضاء بسرعة. ولذلك صار فيه تحليل وتلطيف وتقوية ~~بينة. فلتحليله وتلطيفه صار إذا شرب وهو حار، نفع من عسر النفس الذي يحتاج ~~معه إلى الانتصاب وحلل الدم واللبن الجامدين في المعدة ودفع # PageV00P507 # مضرة الأدوية القتالة وبخاصة مضرة الأفيون والفربيون المعروف بالشوكران ~~وسكن السعال المتقادم العارض من الرطوبة وهيج السعال الخبيث، وبخاصة السعال ~~اليابس. وإذا شرب، نفع من الاختناق العارض من أكل الفطر وقلع العلق المتعلق ~~في الحلق. وإذا خلط مع ملح، كان فعله في الاختناق أقوى من فعله فيه إذا كان ~~مفردا. وإذا تغرغر به، قطع سيلان الفضول الغليظة إلى الحلق، ونفع من ~~الخناق، واسترخاء اللهاة وتورمها، وقلع العلق أيضا. وإذا خلط مع الأدوية ~~النافعة من الجرب المتقرح والقروح ms455 الخبيثة والقوابي والعلة المعروفة ~~بالنملة، قطع المادة ونقاها، وقوى فعل الأدوية كثيرا. وبخاره المتصاعد (1) ~~منه إذا طبخ نافع من ثفل السمع ومن الدوي العارض في الاذن وإذا قطر في ~~الاذن، قتل الدود المتولد فيها. وإذا عجن بعسل وطلي على الآثار العارضة دون ~~العين من اجتماع الدم تحت الجلد، نقاها. وإذا خلط بشئ من كبريت وحمل على ~~النقرس البلغماني وهو فاتر، سكن وجعه. # ولما في الخل من قوة القبض، صار دابغا للمعدة ومقويا لها. فإذا طبخ مع ~~الطعام، منع، بتقويته المعدة، من انصباب المواد إليها، ونبه الشهوة للطعام. ~~وإذا حمل على المواضع التي ينبعث منها الدم، قطع انبعاثه. وإذا جلس فيه، ~~قوى الرحم الوارم والسرم (2) الكذلك أورامها (3) وردهما إلى مواضعهما. # وإذا تمضمض به، قوى اللثة. وإذا خلط بدهن ورد وغمس فيه صوف غير مغسول أو ~~اسفنج البحر وحمل على الرأس، سكن الصداع العارض من حرارة الشمس ووهج ~~السموم. وإذا مسح به الجبين والأصداغ مضربا بدهن ورد، سكن الصداع الصفراوي. ~~وإذا حمل على الجراحات في ابتداء حدوثها، قوى المواضع ومنع من تورمها بإذن ~~الله. # PageV00P508 # في المري المري حار في الدرجة الأولى يابس في الثانية له قوة تجلو وتغسل ~~ما في الصدر والرئة والمعدة والأمعاء من الرطوبات الغليظة، ويطيب الأطعمة ~~ويعين على إطلاق البطن، وينفع من وجع الأوراك وعرق النساء إذا أكل أو احتقن ~~به. وهذه خاصية فيه لأنه بلطافة حدته يجذب الفضول والاخلاط المؤذية الحاصلة ~~في الأوراك ويخرجها من المعاء. وإذا غسلت (١) به القروح الخبيثة، نقاها ~~ومنعها من أن تسعى. ولذلك صار إذا احتقن به نفع من قروح المعاء المتعفنة ~~لأنه يغسلها وينقيها من المدة والدرن وسائر الأوساخ ويكويها، ويجففها ~~ويصيرها قابلة للالتحام إذا احتقن بعقب خروج المدة.... # (٢) الملحمة. والمري المتخذ من السمك أقل حرارة وأضعف يبسا من المري ~~المتخذ بالشعير، لان السمك أبرد وأرطب بالطبع. والمتخذ من السمك أو اللحم ~~نافع (٣) من عضة الكلب الكلب. # في السمك المالح المعروف بالمانون أما السمك المعروف بالمانون <ف> ~~يفعل في غسل الجراحات المتعفنة ووجع ms456 الأوراك وعرق النساء إذا احتقن به، ما ~~يفعله المري، لأنه يغسل وينقي ويكوي الجراحات ويجففها. وزعم جالينوس أن ~~قوما من الأطباء كانوا يستعملون من المانون ماء الجري المملوح وماء ~~السميكات الصغار المعروفة بالصحناة. وزعم أنه يخص مانون الصحناة بعلاج ~~القروح المتعفنة الحادثة في الفم. ويعني بالمانون ماء السمك لان (نونا) ~~باللسان السرياني السمك. # PageV00P509 # في الملح الملح يسخن إسخانا معتدلا ويجفف تجفيفا قويا، لأنه مركب من ~~كيفيتين مختلفتين: كيفية تجلو وتقطع، وكيفية تجمع وتقبض. والكيفيتان ~~كلتاهما مجففتان، ولذلك صار تجفيفه في الدرجة الثالثة، وإسخانه في الثانية، ~~إلا أنه على ضربين: لان منه المعدني المحتفر من المعادن، ومنه البحيري ~~المتولد في البحيرات والنقائع المعروفة بالسباخ إذا جف ماؤها في الصيف، لان ~~ماءها (١) إذا جف بحرارة الشمس فكأنه يحترق ويصير ملحا. وما خرج من المعادن ~~أفضل مما خرج من غير المعادن. وقوم يزعمون في الذي يخرج من المعادن أنه ~~الاندراني والجبلي. وأفضل ما في المعدني ما كان غير متحجر، وكان لونه أبيض ~~صافيا وجسمه كثيفا متشققا وأجزاؤه متساوية وعروقه أيضا كذلك. وأفضل ما في ~~البحري الأبيض المتساوي الاجزاء. # وزعم ديسقيريدس أن المعدني أقوى فعلا من البحري. وأما جالينوس فساوى ~~بينهما في الفعل. # واتفقا جميعا على أن من خاصية الملح أنه في ابتداء أمره يحلل ويجلو ويذيب ~~الرطوبات الغليظة ويسيلها وينشفها بعد ذلك، ويفني أكثرها، ثم يجمع الأبدان ~~بما هو خالص فيها من الرطوبة الجوهرية ويصلبها ويمنعها من عفونتها وفسادها. # ومن خاصة الملح على سبيل الغذاء إصلاح الطعوم التفهة التي لا طعم لها. ~~ومن منافعه على سبيل الدواء أنه إذا حمل على القروح الخبيثة، نقى فسادها ~~وحديدها ومنعها من الانتشار. وإذا عمل منه لطوخ بالزوفا والخل منع النملة ~~والحمرة من أن تسعى. وإذا خلط بدهن الورد والخل أو بالزيت والخل ومسح به ~~البدن بالقرب من النار أو الحمام وصير المر عليه حتى يحمى <و> يعرق، ~~سكن الحكة العارضة في سطح البدن من الرطوبات العفنة ونفع من القوابي والجرب ~~المتقرح وغير المتقرح. وإذا خلط بالزيت ms457 ومسحت (2) # PageV00P510 # به الأعضاء، ذهب بالاعياء العارض لها من التعب. وإذا خلط بالدقيق والعسل، ~~نفع من التواء العصب. وإذا عمل منه ضماد مع سويق الشعير المحرق، نفع من ~~القلاع (١) واسترخاء اللثة. وإذا خلط بعسل وتحنك به، سكن وجع النغانغ ~~واللهاة. وإذا خلط بالعسل والخل والزيت وتحنك به، نفع من الخناق. وإذا شرب ~~بسكنجبين، دفع مضرة الأفيون والفطر القتال. وإذا عمل منه ضماد مع بزر ~~الكتان، نفع من لسع العقارب. وإذا عمل منه ضماد... # (٢) الزوفا والعسل، نفع من نهش الأفعى الذكر. وإذا عمل منه ضماد مع زفت ~~وقطران وعسل، نفع من نهش الحية التي يقال لها فارسطس وهي فارة (٣) لها ~~قرنان (٤). وإذا عمل منه ضماد بخل وعسل، دفع مضرة الحيوان المعروف ~~<بأم> أربع وأربعين ومن لسع الزنابير. وإذا اكتحل به، قلع اللحم ~~الزائد في العين ومحق الظفرة (5). وإذا ما خلط بخل وقطر في الاذن، سكن ~~وجعها. وإذا خلط بخمير وفوذنج جبلي، سكن الأورام البلغمانية ونفع من نهشة ~~السباع. # وإذا خلط بزيت وحمل على خرق، منعه ان يتنفط. وإذا عمل منه ضماد مع شحم ~~عجل، نفع من البثور المعروفة بالشهدية. وإذا أحرق، صار تجفيفه أكثر. # * * * صفة إحراقه يؤخذ الملح ويصير في إناء فخار ويغطى ويطين الوصل بطين ~~الحكمة ويدفن في جمر ويترك حتى يحترق ويبرد ويستعمل. ومن الناس من يأخذ ~~ملحا (6) ويصيره في عجين ويدفنه في الجمر حتى يحترق العجين. # وقد يمكن أن يحترق الملح على ما أنا واصفه أيضا. يؤخذ الملح ويغسل بالماء ~~غسلة ويترك حتى يجف جيدا ويصير في قدر فخار ويغطى بغطاء ويطين الوصل، ويحمل ~~القدر على نار جمر ويترك حتى يسكن طيران الملح وحركته أيضا ويبرد ويستعمل. # وذكر جالينوس شيئا يقال له غبارة الملح، وقال أنه ألطف من الملح كثيرا، ~~ولذلك صار تحليله وتلطيفه أكثر لا أن جمعه لما يبقى من جوهر الجسم. وأما ~~الملح النفطي فهو أحر وأيبس من الملح الأندراني. # ومن فعله أنه يجلو ويحلل ويذهب بالأكال العارض في اللحم، ويقطع اللحم ~~الزائد في الأجفان ويذهب بالظفرة، ms458 وينفع من الحكة ويدر البول وينفع من ~~الاستسقاء إذا حمل على البطن من خارج وينقي العفونة ويقطع غلظ الأخلاط. # PageV00P511 # في زهرة الملح أما زهرة الملح فزعم ديسقيريدس أنها تتكون في مواضع المياه ~~القائمة الباقية من ماء السيل إذا نضب عن الأرض. والمختار من هذه الزهرة ما ~~كان لونه زعفرانيا، وفى رائحته شئ من رائحة السمك. وربما كان أكثر زهومة من ~~مري السمك. والمذموم من هذه الزهرة ما كانت لها أجزاء متعقدة ملتئمة بعضها ~~إلى بعض. ومن دلائل المختار منه أن يذوب وينماع بالزيت وحده. والمذموم منه ~~لا يذوب بالزيت، لكنه يحتاج إلى ما يذيبه ويحلله. وقوة هذه الزهرة قوة تلذع ~~لذعا مفرطا، وزعم ديسقيريدس أن قوتها في الحدة مثل قوة الملح، ولذلك صارت ~~قوتها تنقي القروح الخبيثة وتمنع انتشار القروح التي من شأنها الانتشار، ~~وتجفف الرطوبة السائلة من الاذن، وتنفع من القروح والحكة العارضة في ~~المذاكير، وتجلو غشاوة البصر والآثار العارضة في العين من اندمال القروح. ~~وقد تخلط في المراهم وتستعمل لتجفيف الرطوبات. وزعم ديسقيريدس أن المختار ~~من هذه الزهرة يجعل في الادهان الطبية مثل دهن الورد وغيره ليصفيها. # ولما كان البورق (1) داخلا في هذا الجنس، رأينا أن نجري ذكره بعقب الملح، ~~ولا نخلي كتابنا هذا منه. # PageV00P512 # في البورق أما البورق فهو على ضربين: لان منه البورق على الحقيقة، وسماه ~~جالينوس البورق الإفريقي والبورق الزبدي، ولعل هذا خطأ من الوراقين. وأما ~~أهل مصر فيعرفونه بالنطرون. ومنه نوع سماه جالينوس زبد البورق وهو البورق ~~الأرمني. فأما البورق الريفي (1) فجامد مجتمع صلب. والمختار منه يعلو لونه ~~تورد قليل، وغير المختار منه رمادي اللون ترابي، فيه تجفة قليلة. وأما زبد ~~البورق فمنظره منظر دقيق الحنطة لأنه خفيف منطحن. والفرق بين هذين أيضا ~~وبين الملح، أن الملح قوته مركبة لان فيه، مع حرارته، كيفية قابضة يقوي بها ~~الأبدان ويجففها ويصلبها. والبورق الريفي فقوته ساذجة بسيطة، لأنها من ~~حرارة مفردة ليس معها قبض ولا تجفيف. ولذلك صار أشد تحليلا وأقوى غسلا ~~وتنقية من الملح. # ومن ms459 قبل ذلك يغتسلون به في الحمامات لتحليله وجلائه وغسله الوسخ. وليس ~~إنما يغسل الوسخ فقط، لكنه يشفي الحكة العارضة في سطح البدن، وبخاصة إذا ~~خلط بالخل، لأنه يحلل الرطوبات الصديدية المولدة للحكة ويقطعها وينقيها. ~~ولما فيه من هذه القوة، صار المتطببون يدخلونه في الأدوية المحللة المنقية ~~للعفونة. # وإذا سحق وذر على الشعر، أرقه وأماته (2). أما ازدراده (3) فإنه لا يجب ~~أن يطلق إلا عند الضرورة، لأنه مخصوص بتلذيع عصب المعدة والاضرار به وإحداث ~~القئ والغثي جميعا. وزعم جالينوس عن إنسان من القرويين أنه كان يستعمل هذا ~~البورق في كل وقت في مداواة الاختناق من الفطر فينجح به. وأما زبد البورق ~~فإن قوته متوسطة بين قوة البورق الريفي وبين قوة الملح، لان فيه شيئا من ~~قبض، إلا أن الطلاء عليه أغلب. فإذا أحرق، صار... # (4) لان النار ملطفة ومفيدة جفافا وقوة على التجفيف والتحليل. وإذا ورد ~~البدن منه شئ، كان فعله في تقطيع الأخلاط الغليظة اللزجة وتلطيفها أكثر من ~~فعل الملح كثيرا. والمحرق منه وغير المحرق نافعان من الاختناق العارض من ~~أكل الفطر. والله أعلم. # PageV00P513 # .. PageV00P514 # كتاب الأغذية والأدوية تأليف إسحاق بن سليمان المعروف بالإسرائيلي ~~المتوفى سنة 320 ه‍ الجزء الرابع مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر ~~PageV00P515 # .. PageV00P516 # المقالة الرابعة القول في الحيوان المشاء والطيار والسابح قال إسحاق: وإذ ~~كنا قد أتينا في المقالة الأولى من كتابنا هذا على القول في طبائع الحيوان ~~ومزاجاتها وأغذيتها ومنافعها ومضارها بالقول المطلق، وأقمنا على ذلك ~~الدلائل الواضحة، فقد بقي أن يستمر الكلام في هذه المقالة بما هو أليق بها ~~ومشاكل لما قصدنا إليه فيها من الاخبار عن كل واحد من أشخاص الحيوان على ~~الانفراد ليكون ذلك أبين وأقرب من عقول المتعلمين. # وقبل أن نبتدئ بذلك فيجب أن نأتي بنتف مما قدمنا ذكره في المقالة الأولى ~~مما يحتاج إلى تقدمه أمام كلامنا هذا، فأقول: إن جميع ما في العالم من نبات ~~وحيوان لا يخلو من أن يكون إما مضادا أو منافرا لطبيعة بدن الانسان ~~وجوهريته، فيكون قاتلا له مثل الحيات ms460 من الحيوان والبيش من النبات. وإما أن ~~يكون ملائما ومشاكلا لطبيعة بدن الانسان ومزاجه، فيكون مغذيا له ومربيا ~~لجسمه مثل لحم الحملان من الحيوان والحنطة من النبات. وإما أن يكون مخالفا ~~لطبيعة بدن الانسان ومزاجه من غير مضادة ولا منافرة، فيكون خارجا عن طبيعة ~~ما يغذو ويقتل جميعا، وداخلا في حد الأدوية مثل المسك والصبر وما شاكل ذلك، ~~وإن كانت هذه الواسطة قد تكون على ضربين آخرين على حسب انحرافها وميلانها ~~إلى أحد الجانبين دون الآخر (1)، لأنه إن كان انحرافها عن الوسطى إلى ~~الحاشية المشاكلة لطبيعة بدن الانسان ومزاجه، كان فيها تغذية ودواء معا مثل ~~لحم القنفذ والأرنب من الحيوان، والكرسنة والترمس من النبات. وإن كان ~~انحرافها عن الوسطى إلى الحاشية المنافرة لطبيعة بدن الانسان ومزاجه، كان ~~فيها أدوية خبيثة مثل الحنظل والسقمونيا والخربق والبلاذر وما شاكل ذلك. # ولما كان قصدنا في كتابنا هذا الكلام في الأغذية فقط، وجب أن نقتصر على ~~ما فيه غذاء لبدن # PageV00P517 # الانسان أو غذاء ودواء، ونهمل ذكر ما سوى ذلك إذا (1) كان خارجا عن معنى ~~ما قصدناه. وبالله توفيقنا وعليه توكلنا. فأقول: إن الحيوان المغذي ينقسم ~~قسمة جنسية على ضربين: لان منه البري، ومنه الأهلي. # فالبري من الحيوان، بإضافته إلى الأهلي من جنسه، أسخن وأيبس وأسرع ~~انهضاما، إلا أنه أفسد غذاء، وذلك لدوام حركته وتعبه واستنشاقه السموم ~~دائما، لغلبة الحرارة واليبوسة على هوائه بدوام وقوع حر الشمس عليه. ولذلك ~~صار غذاؤه أقل وجوهره أذم، إلا أن يكون ماعزا، فإن البري من الماعز أفضل ~~لان زيادة حرارة البري على الأهلي تعدل برد الماعز الطبيعي وتفيده حرارة. ~~وكثرة حركة الحيوان البري وتعبه يذهبان (2) بزفورة الماعز ويعينان (2) على ~~جودة انهضامه. # وأما الأهلي من كل حيوان فهو، بإضافته إلى البري من جنسه، أعدل حرارة ~~وأقل يبوسة، وذلك لقلة حركته ودوام سكونه واستنشاقه الهواء اللطيف دائما ~~لاعتدال هوائه الذي يأوي فيه لقلة وقوع حر الشمس عليه. ولذلك صار غذاؤه ~~أكثر وجوهره أحمد، إلا أنه أغلظ وأبعد انهضاما وأبطأ انحدارا. # وكل ms461 واحد من الحيوان البري والأهلي يكون على ثلاثة ضروب: لأنه لا يخلو من ~~أن يكون إما ذكرا أو أنثى وإما خصيا خارجا عن طبيعة الذكر والأنثى لأنه ~~أقرب من طبيعة الأنثى في الرطوبة وطبيعة الصغير القريب العهد بالميلاد في ~~الحرارة. والذكر من كل حيوان أقوى حرارة وأقل رطوبة وأسرع انهضاما وأحمد ~~غذاء. والأنثى من كل حيوان أضعف حرارة وأكثر رطوبة وأبعد انهضاما وأردأ ~~غذاء خلا الأنثى من الماعز فإنها أفضل غذاء من الذكر منه، من قبل أن الماعز ~~في طبيعته جاف يابس (3)، إذا كان ذكرا زاده قحلا وجفافا وأفاده غلظا وبعد ~~انهضام وفساد غذاء. وأما الخصي من الحيوان فإنه، وإن كان قريبا من طبيعة ~~الأنثى في الرطوبة، فإنه مخالف لها في الحرارة لان حرارته متوسطة بين حرارة ~~الذكر والأنثى، ولذلك صارت (4) حرارته مشاكلة لحرارة الصغير القريب العهد ~~بالميلاد، لان القريب العهد بالميلاد أعدل حرارة من الفتي وأقوى حرارة من ~~الأنثى. فالخصي من الحيوان إذا أقل حرارة من الذكر وأكثر حرارة من الأنثى ~~لان حرارته أقوى بالطبع، لأنه كان ذكرا. ولذلك صار أسرع انهضاما من الأنثى ~~وأحمد غذاء. وكل واحد من الأنثى والذكر لا يخلو إما أن يكون رضيعا وإما ~~هرما وإما حوليا قريب العهد بالميلاد، وإما فتيا مستكمل السن بعيد العهد ~~بالميلاد. # والرضيع من كل حيوان أقوى حرارة بالطبع وأرطب مزاجا وأرخى لحما لغلبة ~~الدم على مزاجه الطبيعي (5). فإذا كان كذلك وكان من حيوان هو في جنسه أرطب ~~بالطبع، مثل الضأن والخنازير، اجتمعت له الرطوبة من الجهتين جميعا من السن ~~والمزاج وصار لزجا بعيد الانهضام سريع الانحدار عن المعدة # PageV00P518 # بطئ الانحلال من الأعضاء مذموم الغذاء، مولدا (١) للبلغم اللزج الفاسد ~~وخاصة متى لم يكن ذكرا. وإن كان من حيوان هو في جنسه أيبس بالطبع مثل ~~الماعز والبقر، عدل جفاف مزاجه برطوبة سنه، وصار لطيفا سريع الانهضام محمود ~~الغذاء وبخاصة متى كان ذكرا، إلا أن يكون ماعزا فتكون الأنثى منه أفضل على ~~ما بينا آنفا. ولذلك صار الرضيع من الماعز والبقر أحمد ms462 من الضأن. # وأما الفتي من كل حيوان فحرارته الغريزية أقوى بالكيف لا بالطبع، ولحمه ~~أكثر جفافا ويبسا لبعده من الميلاد وغلبة الحرارة واليبوسة على مزاجه ~~بالطبع. ولذلك صار متى كان من حيوان هو في جنسه يابسا جافا مثل الماعز ~~والبقر، اجتمع له اليبس والجفاف من السن والمزاج جميعا، وصار صلبا بعيد ~~الانهضام بطئ الانحلال مذموم الغذاء. ومتى كان من حيوان هو في جنسه أرطب ~~بالطبع مثل الضأن والفتي منه اعتدلت رطوبة مزاجه لجفاف سنه وصار لطيفا سريع ~~الانهضام قريب الانحلال محمود الغذاء. ولذلك صار الضأن أحمد من البقر، ~~والماعز أذم. # وأما الحولي من كل حيوان فهو متوسط بين رطوبة الرضيع ويبس الفتي. ~~<و> الحولي من كل جنس من الحيوان أحمد لتوسطه الرطوبة واليبوسة، إلا ~~أنه متى كان من حيوان أقوى حرارة بالطبع، كان أفضل لان قوة حرارته معينة ~~على سرعة انهضامه وحسن غذائه. ومن قبل ذلك صار الحولي من الضأن أحمد من ~~الحولي من الماعز والبقر جميعا، لان حرارته الغريزية أقوى وأظهر. # وأما الهرم من كل حيوان، فإن لحمه يابس جاف صلب ليفي، لان حرارته ~~الغريزية قد خلقت، ورطوبته الغريزية قد قاربت الفناء، واستفاد لضعف قوته ~~الهاضمة رطوبة غريبة نية غير منهضمة ولا مغذية. # ولذلك صار عسر الانهضام بطئ الانحلال من الأعضاء مذموم الغذاء مولدا ~~للبلغم الغليظ، إلا أنه متى كان من حيوان أحر مزاجا بالطبع، كانت (2) ~~رداءته أقل. ومتى كان من حيوان أقل حرارة بالطبع، كانت رداءته أكثر. ولذلك ~~صار الهرم من الضأن أقل رداءة من الماعز. والبقر أكثر رداءة. # فقد بان من قوة كلامنا أن الدم المتولد عن التيوس والإناث من الماعز وعن ~~الخراف الرضع والنعاج ردئ جدا، لان السبب في رداءة كل واحد منها غير السبب ~~في رداءة الآخر، من قبل أن السبب الموجب لرداءة التيوس والإناث من الماعز ~~هو إفراط يبسها، وصلابة لحمها، وعسر انهضامها، وحدة الدم المتولد عنها، وإن ~~كان الدم المتولد عن التيوس أردأ من الدم المتولد عن إناث الماعز كثيرا لما ~~بيناه وأوضحناه ms463 مرارا. والسبب الموجب لرداءة الخراف والنعاج كثرة رطوبة ~~لحمها ولزوجته وسرعة انحداره عن الحدة قبل تمام هضمه وتوليده للفضول ~~البلغمانية، وإن كان أولاها بذلك وأقربها إليه الحملان وبعدها النعاج، ~~لاجتماع الرطوبة في الحملان من الجهتين جميعا: من السن والمزاج. # PageV00P519 # وأما الفتي من الضأن فإنه، وإن كان منسوبا إلى ذلك، فإن يبس سنه قد عدل ~~رطوبة مزاجه وصيره أحمد وأجود انهضاما وأفضل غذاء. غير أن الفحول الرضع ~~والقريبة العهد بالميلاد من البقر مما هو بعد في النشوء أفضل، وما خصي من ~~البقر كان أفضل لأنه ألذ طعما وأرخى لحما وأسرع انهضاما وأحمد غذاء لقلة ~~يبسه وقربه من طبيعة القريب العهد بالميلاد، وبحسب فضل غلظ لحم البقر ~~والماعز وجفافه على لحم الضأن وكذلك فضل لزوجة لحم الضأن ولعابيته على لحم ~~البقر والماعز. ولذلك صار الفتي من الضأن أحمد من البقر، والماعز أذم، وإن ~~كان البقر أخص بذلك لفضل غلظه على الماعز. # ولهذه الجهة، صار الجدي الرضيع أوفق لكل المزاجات وللناقهين من الأمراض. ~~وأما العجول الرضع فأوفق للأصحاء فقط، لأنها أغلظ مما يحتاج إليه الناقهون ~~(1) من الأمراض. وعلى هذا الوزن والقياس صار الصغير من الماعز والبقر أحمد ~~من الضأن. # وأما الهرم من كل حيوان فمذموم لنقصان حرارته الغريزية وقلة رطوبته ~~الجوهرية، إلا أنه من الضأن أفضل،.. # (2) حرارة الضأن ورطوبته الجوهرية على غيره من الحيوان بالطبع. # وإذا أتينا على ما أردنا تقديمه في هذا الموضع من اختلاف غذاء الحيوان في ~~الجملة بالقول المطلق، فليستمر القول بذكر كل واحد من الحيوان على ~~الانفراد. ولا قوة إلا بالله. # PageV00P520 # القول في الضأن أما لحم الضأن فإن حرارته، إذا نسبت إلى حرارة لحم البقر ~~والماعز كانت أقوى وأسخن. # ورطوبته إذا نسبت إلى الماعز والبقر كانت أكثر. # والسبب في رداءة لحم الماعز والبقر هو أنه لما كانا في الغاية من الغلظ ~~وبعد الانهضام، وكانت حرارة أهل الدعة على ما هي عليه من القلة والنقصان، ~~وجب أن يضعف عن هضم ما غلظ من اللحمان وبعد انهضامه، إلا أن يكون الحيوان ms464 ~~في سنه رضيعا، فيخف عليه هضمه بلطف فيه، وسرعة انقياده. وأما لحم الضأن ~~فلانه، بإضافته إلى لحم البقر والماعز أحر وأرطب، وجب أن يكون لطيفا سريع ~~الانهضام حسن الاستمراء، إلا أنه بإضافته إلى لحم الماعز والبقر أسرع ~~انحدارا وأطلق للبطن. PageV00P521 # من قبل أن ليس معه من لزوجة لحم غيره ما يمنع من سرعة انهضامه، ولا معه ~~من رطوبته أيضا ما يزلقه ويحدره قبل تمام هضمه، إلا أن غذاءه يختلف في ~~جودته ورداءته وسرعة انهضامه وإبطائه على حسب اختلاف سنه ومزاجه. أما من ~~اختلاف سنه، فإن منه الرضيع، ومنه الحولي الذي هو بعد في النمو القريب ~~العهد بالميلاد، ومنه الهرم الطاعن في السن. # فما كان منه رضيعا، كان في رطوبته ولزوجته قريبا من لحم الحيوان البارد، ~~لاكتسابه ذلك من الجهتين: إحداهما: من بطن أمه في حال حملها به لقربه من ~~ذلك، والأخرى: من رطوبة اللبن الذي يغتذي به. ولذلك صار أذم وأعسر انهضاما ~~لاجتماع الرطوبة فيه من الجهتين جميعا، أعني من جهة السن ومن جهة المزاج. ~~ومن قبل ذلك صار مزلقا للمعدة منحدرا قبل تمام هضمه، ولا سيما متى وافى ~~المعدة زائدة الرطوبة بالطبع ضعيفة عن تمام الهضم. ومن خاصته: أنه مولد ~~للفضول الغليظة اللزجة. # ولهذه الجهة ذم جالينوس الضأن، الخراف، والنعاج، لان الدم المتولد عنها ~~أرطب من المعتدل، وأحرى بأن يولد الفضول البلغمية الكبيرة، وأخصها بذلك ~~الخراف وبعدها النعاج، إلا أن يكون مزاج المستعمل لها جافا ومعدته يابسة ~~بالطبع. وأما الفتي من الضأن فإن رطوبته ولزوجته أقل (1) لغلبة الجفاف على ~~هذا السن بالطبع. # ولذلك صار لحم الفتي من الضأن أفضل من لحم الخراف والنعاج لأنه أعدل ~~رطوبة. ولاعتدال رطوبته صار إذا انهضم ولد دما محمودا وغذاء كثيرا حسنا ~~قويا بعيدا من البلغم، وإن كان الدم المتولد عنه دون الدم المتولد عن ~~الفحول الرضع، ودون دم ما كان من البقر بعد النشوء قريب العهد بالميلاد. # وأحمد ما كان الفتي من الضأن إذا أخصي لأنه أعدل حرارة ورطوبة وألذ طعما ~~وأعذب لحما، ms465 إلا أن يطعن في السن ويقارب الهرم فيصير مذموما جدا، ويكون ما ~~لم يخص أفضل منه، من قبل أن حرارة الهرم من كل حيوان، بإضافته إلى جنسه، ~~أضعف بالطبع. وإذا كان خصيا، اجتمع له ضعف الحرارة من جهتين: من جهة أنه ~~هرم، ومن جهة أنه مخصي (2)، وخرج من حيز الغذاء. # وأما الحولي من الضأن والقريب العهد بالميلاد، فإن مزاجه متوسط بين رطوبة ~~الخروف وجفاف الفتي. ولذلك صار أحمد أنواع الضأن وأسرعها انهضاما وأقربها ~~من تولد الدم المحمود وأخصها بالنفع للشبان ومن كان مزاجه حارا يابسا ~~وبخاصة في البلدان الحارة والأزمنة الكذلك. # وأما الهرم من الضأن فأردأ أنواع الضأن وأفسدها لحما وأذمها مزاجا، من ~~قبل أن الهرم من كل حيوان بإضافته إلى جنسه الذي هو منه أقل حرارة وأيبس ~~مزاجا. ولذلك صار لحمه ليفيا جافا قحلا لا لذاذة له ولا غذاء، إلا أنه إذا ~~كان من حيوان أسخن وأرطب بالطبع مثل الضأن، كان أفضل وإن كان في # PageV00P522 # ذاته مذموما، وبخاصة متى كان من حيوان أقل حرارة وأكثر يبوسة. # ومن منافع الضأن على سبيل الدواء أن مرارته إذا تحنك بها، نفعت من الخناق ~~العارض من النوازل وسقوط اللهاة. وإذا تمسح بها، نفعت من الشقاق والقروح ~~العارضة في المقعدة. وإذا خلطت بلبن امرأة ولبن عنز وقطرت في الاذن، نفعت ~~من السلخ والاحتراق العارضان فيها وجففت المدة (1) السائلة منها. وإذا خلطت ~~بماء الكراث وقطرت في الاذن، نفعت من الطنين العارض فيها. وإذا خلطت بعسل، ~~نفعت من القروح الخبيثة ونفعت من تقرح جلدة الأنثيين (2). وإذا خلطت بنطرون ~~وغسل بها الرأس، نقت الإبرية من الشعر. ومرارة الثور في جميع ما ذكرنا أقوى ~~لغلبة اليبس على مزاجها بالطبع. وأما بعر الضأن فإنه إذا عجن بعسل وعمل منه ~~ضماد، أبرأ الثآليل اللبنية واللحم الزائد المعروف بالتوث (3) ونقى النملة. ~~وإذا خلط بموم ودهن ورد، نفع من حرق النار. وأما شحم الضأن، فزعم ديسقوريدس ~~أنه إذا طلي على داء الثعلب، أنبت الشعر فيه. # قال واضع هذا الكتاب: وما أدري كيف ms466 تفعل الأشياء اللزجة المسددة لمسام ~~الجلد هذا الفعل فيما يحتاج إلى الجلي والتنقية والتفتيح!. # PageV00P523 # القول في لحم الماعز أما لحم الماعز فإنه، بالإضافة إلى لحم الضأن، أبرد ~~وأحد كثيرا، وإن كان في الدم المتولد عنه يسير من الحرافة والحدة، من قبل ~~أنه (١) وإن كان، بإضافته إلى لحم الضأن، بارد، فإنه بإضافته إلى المزاج ~~المعتدل، أسخن وأيبس لا سيما إذا كان فتيا. ولذلك صار أبعد أن يتعفن. وإذا ~~أخصي، كان أفضل لان حدته تزول ويبسه يقل، ويستفيد رطوبة ويصير بها ألذ ~~وأعذب وأسرع انهضاما. وقد يختلف غذاؤه أيضا في جودته ورداءته وسرعة انهضامه ~~وإبطائه على حسب اختلافه في سنه ومزاجه. وذلك أن منه الرضيع، ومنه الفتي ~~البعيد العهد بالميلاد، ومنه الهرم. فما كان منه رضيعا، كان أرطبها وألذها ~~طعما وأحمدها وألطفها دما وأسرعها انهضاما، لان اللبن يفيده رطوبة طبيعية، ~~ومزاجه في اعتدال حرارته ورطوبته من غير أن تكون فيه استحالة اللبن قريبة ~~من طبيعة اللبن، لان جرمه أغلظ وأبعد انقيادا وأقوى على مقاومة الحرارة ~~ومناضلتها. ولذلك صار مخصوصا بالنفع لمن كان مزاجه حارا يابسا وللناقهين من ~~الأمراض. وإذا <كان> ذلك كذلك، فمن البين أنه كلما ازداد شربه اللبن، ~~كان أفضل له. # وما كان من الماعز في النشوء قريب العهد بالميلاد، كان غذاؤه أيضا لطيفا، ~~ودمه محمودا، وإن كان دون الرضيع في اللطافة وجودة الدم كثيرا، لان الرضيع ~~أفضل دما لفضل رطوبته وقوة حرارته المكتسبان من حرارة اللبن ورطوبته. # وأما الفتي من الماعز فغليظ بطئ الانهضام مذموم الغذاء لان الدم المتولد ~~عنه سوداوي فيه حدة وحرافة وبخاصة إذا كان تيسا. ولهذه الجهة ذم جالينوس ~~لحم التيوس والفتيان من الماعز لغلبة المرارة السوداء أو الحرارة على ~~مزاجها (2) بالطبع، وإن كان ذلك بالتيوس أخص لان الأنثى من كل حيوان أرطب ~~وأقل حدة. وإذا كانت من حيوان أيبس بالطبع، كانت أفضل لان يبسها يكون أقل. ~~ولذلك صارت (3) # PageV00P524 # الإناث والخصيان من الماعز أفضل لأنها أرطب لحما وألذ طعما وأحد دما. # فإن قال قائل: فلم لا، قلت: ms467 إن الخصي من الماعز أذم، لان الماعز في ~~طبيعته أقل حرارة، وإذا كان خصيا، ازدادت حرارته نقصانا، ودمه فسادا! قلنا ~~له: قد بينا في ابتداء كلامنا أن في الماعز حرافة وحدة زائدة على المزاج ~~المعتدل، وبخاصة إذا كان فتيا. فإذا أخصي استفاد رطوبة زالت بها حدته ~~وجفافه وصار قريبا من المزاج المعتدل، إلا أن يعتق ويقارب الهرم فيصير ~~مذموما جدا، لان حرارته تزداد ضعفا ونقصانا وتزول عنه رطوبته التي بها ~~اعتدل مزاجه، لغلبة الجفاف والقحل على مزاج الهرم بالطبع. # ومن منافع الماعز على سبيل الدواء: أن زيادة كبده إذا نثر عليها شئ من ~~دار فلفل مسحوق وشويت على نار جمر واكتحل برطوبتها السائلة (١) منها، نفعت ~~من الغشاء. وقال قوم: ومن أكل كبد الماعز مشويا، فعل قريبا من ذلك. وإذا ~~طبخ الكبد بماء وملح وفتح صاحب الغشاء عينيه وأكب وجهه على بخار ذلك الماء، ~~فعل مثل ذلك أيضا، وكان أقوى فعلا. وحكى ديسقوريدس عن قوم كانوا يقولون عن ~~كبد الماعز: أنه إذا أكل، نفع من الصرع، وبخاصة كبد التيس. وأما شحم الماعز ~~فإنه أشد قبضا من شحم البقر وشحم الأسد فضلا عن الشحوم كلها. ولذلك صار إذا ~~أذيب واحتقن به مع ماء الشعير المحمص المطبوخ أو ماء السويق المطبوخ أو ماء ~~الكعك والسماق المطبوخين، نفع من سحوج المعاء. # وإذا أذيب مع الموم واحتقن به، نفع من ذلك أيضا. وإذا طبخ مع الشعير ~~المقشر وتحسي نفع من قروح الرئة. وإذا تحسي المرق الذي يطبخ فيه شحم ~~الماعز، نفع من ذلك. ومن شرب (٢). # وشحم التيوس أشد تحليلا من شحم الماعز الصغير. ولذلك إذا دق وعجن ببعر ~~الغنم وشئ من زعفران وحمل على النقرس، حلل وجعه. وإذا اكتحل بمرارة الماعز ~~الوحشي، نفعت من غشاوة البصر. # ومرارة التيوس الأهلية تفعل مثل ذلك أيضا. وإذا عمل من مرارة التيوس ~~ضماد، حلل اللحم النابت المعروف بالتوث. وإذا لطخت العلة المعروفة بداء ~~الفيل، زالت الزيادات الظاهرة في الورم. فأما دم الجدي فيستعمل في بعض ~~المعجونات النافعة من قروح ms468 المعاء. ودم التيس إذا استعمل مقليا بزيت الماء ~~(٣)، فعل مثل <ذلك> أيضا وقطع الاسهال المري. وكذلك تفعل الأرانب ~~والأيايل. وإذا شرب دم الماعز بشراب، نفع من النشاب المسموم. وإذا حمل على ~~الأورام، حللها. # وأما بعر الماعز، وخاصة الجبلي، فإن فيه حرافة وتحليلا وتنقية وإنضاجا. ~~ولذلك صار إذا شرب، نفع من اليرقان المزمن العارض من سدد الكبد. وإذا شرب ~~مع بعض الأدوية المدرة للبول والطمث، أعان على ذلك وقواها وأحدر الأجنة. ~~وإذا حمل على الأورام الصلبة وهو خارج حين يخرج # PageV00P525 # من الحيوان، أنضجها. واليابس منه إذا دق وخلط بكندر وتحملت به المرأة، ~~قطع سيلان الدم المزمن من الرحم. وإذا عجن بخل وعمل منه ضماد، قطع سيلان ~~الدم حيث كان. وإذا أحرق وعجن بخل وإسكنجبين، أنبت الشعر في داء الثعلب. ~~وإذا خلط بشحم عتيق وعمل منه ضماد، نفع من نهش الهوام. وإذا لطخ على القرحة ~~المعروفة بالنملة، أبرأها. وزعم ديسقوريدس: أنه قد يكوى به عرق النساء، على ~~ما أصف، فيسكن الوجع، ويقال: الكي. # تؤخذ صوفة فتغمس في زيت وتشرب جيدا وتصير على الموضع المعين الذي في أصل ~~الابهام والزند، ثم تؤخذ بعرة جافة وتلهب بالنار وتحمل على الصوفة وتترك ~~حتى تخمد نارها وتنحى، وتجدد بعرة أخرى بدلها. ويديم ذلك إلى أن يصل حس ~~الألم بالعضد، فإن الوجع يسكن. وقال ديسقوريدس: # إلى أن يصل الحس بالفخذ. وما أحسب أن ديسقوريدس أمر أن تحمى الصوفة ~~المغموسة بالزيت إلا على الموضع العميق الذي خلف الكعب، وإلا فمن المحال أن ~~تحرق أصل الابهام من اليد فيصل الحس إلى الفخذ. وسمى ديسقوريدس هذا الصنف ~~من الكي: الكي البعري (1) - وفي نسخة أخرى الكي العنزي - وأما أبوال الغنم ~~(2) فإنها إذا شربت في كل يوم وهي حارة مع سنبل هندي وأدمن ذلك، حللت الحبن ~~(3) اللحمي من قبل أن يتمكن، وأحدرته بالبول والاسهال. وإذا قطر منها في ~~الاذن، سكنت وجعها. وأظلاف الماعز إذا أحرقت وسحقت وعمل منها ضماد بخل ~~ثقيف، نفعت من داء الثعلب. وقرن الماعز إذا أحرق واستيك (4) به، نقى ms469 ~~الأسنان وقوى اللثة. # PageV00P526 # القول في لحم البقر أما لحم البقر فإنه إذا قيس إلى لحم الضأن (1) ~~وغيرها، كان يبسه ظاهرا وجفافه بينا، لان يبسه أكثر من يبس الماعز بالطبع. ~~ولذلك صار الدم المتولد عنه غليظا عكرا أسود سوداويا. ولهذه الجهة كثر ~~غذاؤه وبعد انهضامه وعسر انحلاله، وصار حابسا للبطن. ومن فعله أنه متى وافى ~~مزاج المستعمل له سوداويا، ولد غلظا في الطحال، وأورث الحمى المعروفة ~~بالربع، وأفسد مزاج البدن كله بدءا ثم آل بصاحبه إلى الاستسقاء اللحمي. ~~وكثيرا ما يعرض للمدمنين عليه من مزاجه سوداوي، الجرب السمج القبيح ~~والقوابي والداء المعروف بداء الفيل والسرطانات والجذام والعلة التي يقشر ~~الجلد منها، إلا أن غذاءه يختلف في جودته ورداءته وسرعة انهضامه وإبطائه ~~على حسب اختلاف سنه، وذلك أن منه الرضيع، ومنه ما هو بعد في النشوء قريب ~~العهد بالميلاد واللبن، ومنه الفتي المعتدل البعيد العهد بالميلاد، ومنه ~~الهرم الطاعن في السن. # فما كان رضيعا كان غذاؤه محمودا وانهضامه حسنا لان جوهره أزيد حرارة ~~وأكثر رطوبة. ولذلك صار الغذاء المتولد عنه خارجا عن طبع المرة السوداء، ~~داخلا في طبيعة الدم لقربه من الميلاد واكتسابه الحرارة والرطوبة من اللبن. ~~ولهذه الجهة صار محمودا سريع الانهضام محدرا للمرة الصفراء من المعدة، ~~وبخاصة متى وافى مزاج المستعمل له محرورا والناقهين من الأمراض فإنه، وإن ~~كان غير ضار بهم لاعتدال مزاجهم، فإن غذاءه يثقل عليهم لأنه أغلظ من قوة ~~احتمالهم على هضمه. # وما كان منه بعد (2) في النشوء قريب العهد بالميلاد والرضاع، فإنه أقل ~~رطوبة من الرضيع وأبعد منه انهضاما وانحدارا من المعدة، وأقوى على حبس ~~البطن، إلا أن الدم المتولد عنه غير مذموم لقوة حرارته الغريزية وليانة ~~لحمه ورخاوته لقربه بعد من الميلاد واللبن. ولذلك صار إذا طبخ بالخل وتحست # PageV00P527 # مرقته، قوت المعدة والأمعاء ونفعت من الاسهال المري العارض من المعدة، ~~فإن كانت المعدة قوية على الهضم، فلا بأس بأن يؤكل من لحمه. # وما كان من البقر فتيا بعيد العهد بالميلاد، زالت حرارته ورطوبته ~~المكتسبتان من ms470 اللبن والميلاد، وغلظ لحمه وعسر انهضامه وانحلاله عن المعدة ~~وبعد انحلاله من الأعضاء، واختص بتوليد الأخلاط السوداوية الغليظة، لا سيما ~~إذا كان مزاج المستعمل له متهيئا (1) لقبول ذلك. # وما كان من البقر هرما كان لا خير فيه أصلا لاجتماع الجفاف والقحل وضعف ~~الحرارة فيه من السن والمزاج جميعا. ولذلك صار لحمه ليفيا متعبا للطباع ~~بعيد الانهضام لا لذاذة فيه ولا تغذية. وأحمد ما يؤكل لحم البقر إذا أخذ ~~منه ما كان من حيوان هو بعد في النشوء وطبخ بالخل والسذاب والنعنع والكرفس ~~وورق الأترج والكسفرة والزعفران، وعدل بشئ من سكر. ومن كان مزاجه مرطوبا. ~~فلا بأس أن يجعل مع ما ذكرنا من الأبازير، الفلفل والثوم والمري وشئ من ~~كاشم يسير وشئ من بورق ويعذبه بالسكنجبين عوضا من السكر. وإن طبخ معه شئ من ~~قشور البطيخ، أعان على انحداره من المعدة. # ومن منافع لحم البقر على سبيل الدواء: أن مرارة الثور إذا تحنك بها، نفعت ~~من الخناق العارض من سقوط اللهاة. وإذا مسحت (2) بها المقعدة، نفعت من ~~الشقاق والقروح العارضة فيها. وإذا خلطت (2) بلبن امرأة (2)، نفعت من ~~الاحتراق (3) والتشنج العارض فيها، وجففت المدة السائلة. وإذا خلطت (2) ~~بعسل، نقت القروح الخبيثة، وسكنت أوجاعها ونفعت من سلخ جلدة الأنثيين. وإذا ~~خلطت بنطرون وعسل ودلك بها الرأس، نفعت من الإبرية العارضة في الرأس والشعر ~~ومنعت من عودتها. # وأما دم الثور فإنه إذا ضمدت (4) به الجراحات وهو حار، أنضجها. وإذا عجن ~~وهو حار وخلط بسويق وعمل منه ضماد، لين الأورام الجاسئة. وأما إنفحة (5) ~~البقر فإنها إذا شربت بشراب، نفعت من السم المعروف بأفوسطون. وإذا شربت ~~إنفحة العجول والجواميس، نفعت من الدم الجامد في المعدة، لان حكم كل إنفحة ~~إذابة كل جامد وتجميد كل ذائب. # وأما أخثاء (6) البقر فإنه إذا بخرت (7) به البيوت، طرد البق الطيار ~~المعروف عند أهل مصر بالبعوض. وإذا تدخنت به المرأة، أصلح حال الرحم ~~الناتئ. وأخثاء البقر الإناث إذا حمل بحرارته التي يخرج بها من الحيوان على ~~الأورام الحارة العارضة للجراحات، سكنها ms471 أو حللها. وإذا أخذه الانسان # PageV00P528 # ولفه بورق وحمله على رماد حار ثم نحى الورق عنه وحمله على عرق النساء ~~بحرارته، نفع نفعا بينا. # وإذا عجن وعمل منه ضماد، حلل الخنازير (1). # فأما أبوال البقر فإنها إذا خلطت مع مر (2) أحمر مسحوق وقطرت في الاذن، ~~سكنت أوجاعها المتولدة فيها من الرياح والرطوبة. وأما كعب البقر فزعم قوم ~~عن ديسقوريدس أنه قال: إن كعب البقر إذا سحق وشرب بعسل، قتل الدود الذي في ~~البطن. وإذا شرب بسكنجبين حلل أورام الطحال. وإذا أحرق بالنار، شد اللثة ~~المتحركة. وزعموا أنه يهيج الجماع. وذكر أيضا عن عظام أفخاذ البقر أنها إذا ~~أحرقت وشربت، نفعت من نزف الدم وسيلان الطمث، وأن جرادة قرن الثور إذا شربت ~~بالماء، نفعت من نزف الدم أيضا. # PageV00P529 # القول في لحم الأيايل وأما لحوم الأيل فإن رداءة الدم المتولد عنه ليس ~~بدون رداءة الدم المتولد عن لحم البقر، لان غذاءه أيضا غليظ سوداوي بطئ ~~الانخدار، مفسد للدم. ومن منافعه على سبيل الدواء: أن شحمه إذا تمسح به، ~~طرد الهوام. وشحم الفيل يفعل ذلك أيضا. ودم الأيل إذا قلي بزيت واحتقن به، ~~نفع من قروح المعاء وقطع الاسهال المتقادم. وإذا شرب بشراب، نفع من النشاب ~~المسموم. وأما إنفحة الأيل فإن المرأة إذا تحملتها بعد الطمث بثلاثة أيام ~~متوالية، منعت الحبل. وقضيب الأيل إذا جفف وسحق وشرب، نفع من لسع الأفاعي. ~~وقرنه إذا تبخر به، نفع من الهوام وطردها. وإذا طبخ بخل وتمضمض به، سكن وجع ~~الأسنان وقوى اللثة. # وإذا أحرق وغسل كما يغسل الاقليميا وشرب منه مثقالان (1) ونصف، قطع نزف ~~الدم الكائن بعقب عفونة وينفع من قروح المعاء ومن الاسهال المزمن ووجع ~~المثانة والاسهال المتقادم وقطع الرطوبات النافعة من مثل ذلك. وزعم ~~ديسقوريدوس: أن الشربة منه ملعقتان والملعقة مثقالان. وإذا أحرق أيضا وخلط ~~في إكحال العين، نفع من القروح العارضة فيها وقطع المواد المنصبة إليها. ~~وإذا عمل منه سنون (2)، نقى الأسنان وشد اللثة، وصفة إحراقه أن يؤخذ القرن ~~فيقطع صغارا ويصير في قدر فخار ms472 ويطين رأسها ويصير في أتون ليلة إلى الصبح ~~حتى يبيض ويغسل كما يغسل الاقليميا ويرفع ويستعمل عند الحاجة إليه. # PageV00P530 # القول في لحوم الأرانب أما لحم الأرنب فيولد دما جافا زائد الغلظ، إلا ~~أنه أحد من الدم المتولد عن الفتي من البقر والتيوس، وقال جالينوس عن الدم ~~المتولد عن الفتي من الضأن. ولذلك صار موافقا لمن احتاج إلى التدبير ~~المجفف، وغير موافق لمن احتاج إلى التدبير الملطف. # ومن منافعه على سبيل الدواء: أن لحمه إذا طحن أو غمر في تنور أو فرن، نفع ~~من قروح الأمعاء. ودمه إذا طلي على الكلف والبهق والبثور اللبنية، نقاها. ~~وإذا شرب، نفع من النشاب المسموم. وإذا قلي بزيت واحتقن به، نفع من قروح ~~المعاء وقطع الاسهال المزمن. وأما رأس الأرنب فإنه إذا شوي وأكل دماغه، نفع ~~من الارتعاش العارض بعقيب الأمراض. وإذا طبخ الأرنب وأكل دماغه ولطخت (١) ~~به لثة الأطفال، سكن الوجع العارض من نبات الأسنان وسهل خروجها. وفعله في ~~ذلك كفعل السمن والزبد وغير ذلك مما هو موافق من أوجاع الأسنان، لا على ~~سبيل الخاصية. وإذا أحرق رأس الأرنب وسحق وعجن بشحم أو بخل، نفع من داء ~~الثعلب. وأما إنفحة الأرنب فزعم ديسقوريدس أن المرأة إذا شربتها بعد طهرها ~~بثلاثة أيام متوالية، منعت من الحبل. # قال واضع هذا الكتاب: وهذا قول لم يجمع عليه ولا معه برهان ثابت. وزعم ~~أيضا: أن المصروع إذا شربها نفعته. وشربها أيضا نافع من (٢) قروح الأمعاء ~~ومن الاسهال المزمن، وينفع النساء اللواتي تسيل من أرحامهن الرطوبات سيلانا ~~مزمنا. وإذا شرب منها درهم بشراب، كان بادزهر (٣) الأشياء القتالة وبخاصة ~~الدم الجامد في المعدة، واللبن المتجمد فيها، وينفع من نهش الأفاعي. وزعم ~~أيضا: # أن شربها ينفع <من> نفث الدم. وقد أنكر جالينوس ذلك فقال: ومن ~~المحال أن تكون الأشياء الحارة تفعل فعل الأشياء القابضة. وإذا أحرق الأرنب ~~صحيحا كما هو، كان رماده نافعا من الحصى المتولد في الكلى. وذكر ديسقوريدس ~~عن حيوان بحري يسمى باسم الأرنب، وهو يشبه الصغير من الحيوان ms473 المسمى كربيس. ~~وزعم أنه إذا عمل منه ضماد إما وحده أو مع القريص (4)، حلق الرأس. # PageV00P531 # القول في القنفذ أما القنفذ فقوته قوة تحلل تحليلا قويا وتجفف تجفيفا ~~شديدا، وهو على ضربين: لان منه البري، ومنه البحري. فالبحري منه أطيب طعما ~~وأنفع للمعدة وأقوى على تليين البطن ودرور البول. # وإذا أحرق جلده بالنار، كان لرماده قوة تجلو وتحلل وتنقي القروح الوسخة، ~~وتفني اللحم الزائد الشبيه بالتوث (1). وإذا خلط رماده بزفت رطب وحمل على ~~داء الثعلب، أنبت الشعر فيه. وإذا كان غير محروق وخلط بالأدوية النافعة من ~~ذلك، قوى فعلها. # وأما البري فإن لحمه إذا جفف وشرب بالاسكنجبين نفع من الاستسقاء اللحمي، ~~ومن ابتداء كل حبن، ومن التشنج والفالج وأوجاع الكلى، ومن سيلان المواد إلى ~~الأحشاء. وكبده إذا جفف في شمس على خزف جديد وشرب ينفع كما ينفع اللحم، ~~بإذن الله. # PageV00P532 # القول في لحم الحمير والخيل والبغال والجمال أما لحم الحمير فيولد دما ~~غليظا بطئ الانهضام، وبخاصة لحم الهرم منها، لأنه يولد دما رديئا خبيثا ~~مفسدا للمعدة مولدا (1) للغثي والقئ. إلا أن الوحشي منها إذا كان صغيرا ~~سمينا، كان لحمه قريبا من لحم الأيل في غلظه وبعد انهضامه وفساد دمه ~~المتولد عنه. وما ربي من حمر الوحش في الدور، فهو أحمد من البري وبخاصة ~~الجحاش منها. وأما لحم الأهلية فإنه (2) في غاية الرداءة وبعد الانهضام ~~والاضرار بالمعدة، ويولد الغثي وبخاصة الهرم منها، لان الدم المتولد عنه ~~أذم وأردأ وأخص بالاضرار بالمعدة، وإن كان لحم الحمير في الجملة ألطف من ~~لحم الخيل، ولحم الخيل ألطف من لحم الجمال، ولحم الجمال ألطف من لحم ~~البغال. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: إن شأن أهل أثينا كانوا يختارون لحم ~~الحمير الوحشية على الأهلية. وأهل وينينه يختارون الحضرية ويزعمون أنها ~~أفضل من الخيل، والخيل أفضل من البغال بكثير. والصغير من الحمير أفضل. ومن ~~منافع الحمير على سبيل الدواء: أن خاصة لحمها النفع من وجع الظهر العارض من ~~الرياح الغليظة البلغمانية. وإذا طلي على الكلف، نقاه. وإذا ms474 حمل على الجراح ~~والخراجات، صير لون اندمال الجراح شبيها بلون الجلد الطبيعي. وزعم ~~ديسقوريدس عن كبد الحمار: # أنه إذا شوي وأكل على الريق في كل يوم وأدمن ذلك، نفعت المصروعين، وكذلك ~~تفعل حوافرها إذا أحرقت وشرب منها وزن مثقالين ونصف في كل يوم. وإن عمل من ~~حوافرها المحرقة ضماد بزيت، حلل الخنازير ونفع من السعال العارض من البرد. ~~وإذا سحقت وعمل منها ذرور وصير على القروح العارضة في اليدين والرجلين، نفع ~~منها. وأبوال الحمير إذا شربت، نفعت من وجع الكلى العارض من الرطوبة ~~الغليظة. وسرقين (3) الحمير إذا أخذ محرقا (4) أو غير محرق، وعمل منه ضماد، ~~قطع سيلان الدم. وأما سرقين الحمير الوحشية إذا أخذ يابسا وشرب بشراب، قطع ~~ونفع من لسع العقارب منفعة عظيمة. # * * * # PageV00P533 # القول في منافع الخيل على سبيل الدواء إنفحة الرماك (1) نافعة من قروح ~~الأمعاء والاسهال المزمن. وإذا شربت هذه الإنفحة بخل ثقيف، نفعت من جمود ~~اللبن في المعدة. وسرجينها إذا أخذ محرقا أو غير محرق وعجن بخل وعمل منه ~~ضماد، قطع سيلان الدم. وإذا اشتم الطري منه، قطع الرعاف. وزعم ديسقوريدس عن ~~الزوائد البيض المعراة من الشعر والجلد النابتة دون العرقوبين قريبا من ~~الرجلين جميعا. وخلف الأسارع أنها إذا جففت وسحقت وشربت بخل ثقيف، نفعت من ~~الصرع. وحكى ديسقوريدس عن قوم كانوا يزعمون أن عرق الخيل إذا شرب، نفع من ~~الصرع ومن نهش الهوام كله. ولم يوافقه جالينوس على هذا القول. # وزعم أيضا عن فرس الماء أن خصاه إذا جففت وشرب منها، نفعت من نهش الهوام. # وأما لحم الجمال فهو، لغلظه، بطئ الانهضام مولد للمرة السوداء الحادة، ~~لان من خاصته إحراق الدم وإفساده. وأما لحم البغال فأذم اللحمان وأردأها ~~وأفسدها. # PageV00P534 # القول في لحم الدب والثعالب والكلاب أما لحم الدب فمخاطي لزج عسر ~~الانهضام، سريع الانحدار عن المعدة، مذموم الغذاء جدا. # ومن منافعه على سبيل الدواء: أن شحمه إذا طلي على داء الثعلب، أنبت الشعر ~~فيه. وإذا خلط مع الجعدة المحرقة وحمل على اللحية، أسرع نباتها. وإذا حمل ms475 ~~على الرأس، طول الشعر. ومرارته إذا لعقت، نفعت من الصرع. وقد تنفع أيضا من ~~جميع ما ينتفع به <من> مرارة البقر، إلا أن فعلها أضعف. # وكذلك لحم الثعلب مخاطي لزج عسير الانهضام، سريع الانحدار مذموم الغذاء، ~~إلا أنه في زمان الخريف إذا سمن حيوانه، كان أصلح قليلا. ومن منافعه على ~~سبيل الدواء: أن رئته إذا جففت وشربت، نفعت من الربو والبهر. وشحمه إذا ذيب ~~وقطر في الاذن، سكن وجعها. وإذا طبخ الثعلب بجملته بزيت، كان زيته نافعا من ~~وجع المفاصل. وزعم ديسقوريدس عن الأوائل أنهم كانوا يصيرون زيت الثعلب في ~~إبزن (١) ويتركون العليل فيه ويأمرون العليل أن يطيل اللبث في ذلك الماء. ~~وذكر أنهم كانوا يقولون أنهم إذا فعلوا ذلك وكانت العلة <فيه> حديثا، ~~زالت عنه وذهبت. وإن كانت العلة قد تقادمت ومضت لها مدة، خفت ولانت وقلت. # وأما كبد الذئب فذكر جالينوس أنه ألقاها مرارا في الدواء المتخذ بالغافت ~~(2) لوجع الكبد، ولكنه لم يقف على قوة الدواء هل تزيد إذا صير في الدواء ~~هذا الكبد أم لا. # وأما الكلاب فهي أكثر حرارة من فحولة (3) البقر وأقل حرارة من الأسد. ~~وخرء الكلب يطلق البطن لان لحمها مخاطي سريع الانحدار. وزعم قوم أن كبد ~~الكلب إذا أكل مشويا، نفع من التقرع (4) # PageV00P535 # من الألم العارض من عضة الكلب الكلب، وزعم جالينوس أنه شاهد قوما كانوا ~~قد وثقوا بمنفعة كبد الكلب لمثل هذه العلة فشربوه وحده ثقة منهم به، ~~فماتوا، وقوما شربوه مع الأدوية النافعة لمثل ذلك مما قد جربناها نحن، ~~فانتفعوا به وعاشوا. فأما ناب الكلب الكلب فإنه إذا جعل في جلد على العضد، ~~لم يخف صاحبه من الكلاب الكلبة. ودم الكلب إذا شرب، نفع من عضة الكلاب ومن ~~سم النشاب. وخرء الكلاب إذا أخذ بعد طلوع الشعرى (1) اليمانية وجفف وشرب، ~~عقل البطن وبخاصة خرء الكلاب البيض التي تآكل العظام، إذا جفف وسحق وتغرغر ~~به، نفع من ورم اللوزتين الذي قد نضج وقرب انفجاره لأنه يفجره بسرعة. ~~واختلف الناس في قوله (الأبيض)، ms476 لان قوما أضافوا البياض إلى الكلب نفسه، ~~وقوما أضافوه (2) إلى خرء الكلاب. وقالوا: أن بياض خرء الكلب الذي هو منه ~~لا يغتذي إلا بالعظام ولا بأس أن يكون الكلب في نفسه أبيض، وما يخرج منه ~~أيضا كذلك، لان بياض الكلب دليل على قلة احترق مزاجه، وبياض ما يخرج منه ~~دليل على أن أكله العظام. # وزعم ديسقوريدس أن لبن الكلبة إذا شرب، كان بادزهرا (3) للأدوية القتالة. ~~وزعم قوم أن لبن الكلبة الذي يخرج منها في أول بطن تلد إذا حمل على الموضع ~~الذي ينبت فيه الشعر من جفن العين أو غيره، منع من نبات الشعر فيه. وقالوا: ~~أنه إذا (4) طلي على عانة الصبيان، منع من نبات الشعر فيها إلا أنه أنكر ~~جالينوس ذلك وكذب أيضا قول من قال أن لبن الكلبة إذا شرب أخرج الأجنة. # PageV00P536 # القول في لحوم السباع <أما لحوم السباع> فإنها أسخن من لحوم ~~الكلاب، إلا أنها غليظة ثقيلة بعيدة الانهضام جدا مولدة للأمغاص. # * * * القول في لحم اليربوع والفأر أما لحم اليربوع (1) فيغذو غذاء كثيرا ~~ويلين البطن. وأما لحم الفأر فإنه إذا أكل مشويا، جفف اللعاب السائل من ~~أفواه الصبيان. وإذا شق الفأر ووضع على لسعة العقرب، سكن ألمها. وإذا وضع ~~على الثآليل، قلعها. # PageV00P537 # في اختلاف غذاء الحيوان أيضا على حسب اختلاف أعضائه (1) قد كنا بينا في ~~المقالة الأولى من كتابنا هذا: أن أعضاء الحيوان تختلف من جهات: إما من ~~تركيبها، وإما من مزاجاتها، وإما من مواضعها، وإما من حركاتها وسكونها. # فأما اختلافها في تركيبها فيكون على ثلاثة (2) ضروب: لان منها الكثير ~~الشحم القريب من مغيض (3) الأثفال والرطوبات مثل البطن وما يحويه. ومنها ~~القليل الشحم البعيد من مغيض الأثفال والرطوبات مثل الصلب والرقبة والأفخاذ ~~وما شاكل ذلك. ومنها المتوسط بين هاتين المرتبتين مثل الأجناب والخواصر وما ~~شاكلها. # فما كان منها أكثر شحما كان أبعد انهضاما وأسرع انحدارا وأطلق للبطن ~~وأردأ للمعدة وأفسد غذاء وأقرب من تولد البلغم اللزج، لا سيما إذا كان من ~~حيوان أرطب بالطبع مثل الضأن، لان ms477 ما كان من حيوان كذلك، كان أغلظ وأكثر ~~لزوجة وأذم غذاء. وما كان من الأعضاء أقل شحما، كان ألطف وأقل لزوجة وأسرع ~~انهضاما وأصلح للمعدة وأحمد غذاء وأقرب من تولد الدم المحمود ولا سيما إذا ~~كان من حيوان أعدل مزاجا وأخصب لحما وأكثر دسما، لأنه ما كان من حيوان ~~كذلك، كان أفضل وأكثر غذاء. وما كان من الأعضاء متوسطا بين هاتين ~~المرتبتين، كان أحد من كل واحد منهما بقسطه على حسب قربه من كل واحد منهما ~~وبعده منها أو توسطه بينهما توسطا متكافئا. # وأما اختلاف غذاء الأعضاء من قبل طبيعتها ومزاجها فيكون على ضروب: لان ~~منها ما هو أيبس # PageV00P538 # بالطبع مثل العصب والجلد والكرش وجرم الأمعاء والأرحام. ومنها ما هو أرطب ~~بالطبع مثل الدماغ والنخاع والمخ والشحم. ومنها ما هو متوسط بين ذلك مثل ~~اللحم الأحمر المعرى من الشحم، أعني لحم المشمارخ ولحم الرقبة والأفخاذ ~~والرقبة (1) وما شابه ذلك. فما كان من الأعضاء أصلب بالطبع مثل الجلد ~~والكرش وجرم المعاء والأرحام كان أبرد مزاجا وأعسر انهضاما وأبعد انحدارا ~~وأقل جوهرا ولا سيما إذا كان من حيوان أيبس بالطبع مزاجا مثل البقر ~~والماعز. ولذلك صار هذا الجنس من الأعضاء، وإن أجيد مضغه واستحكم نضجه في ~~المعدة وقويت الطباع على هضمه في الكبد، لم يمكن أن يتولد منه دم خالص غير ~~مذموم، لان الخلط المتولد عنه أميل إلى البرودة والغلظ. ولذلك يحتاج إلى ~~زمان أطول ومدة أبعد تصل استحالته واستحكام نضجه وانتقاله إلى الدم. ومن ~~قبل ذلك صار غذاؤه أقل من غذاء اللحم كثيرا وأبعد من الجودة. وإن كان العصب ~~والجلد أفضل من الكرش ومن جرم المعاء والأرحام كثيرا، إلا أن الكروش ~~والمعاء والأرحام مغائض للفضول والأثفال بالطبع، والجلد والعصب أبعد من ذلك ~~كثيرا. وأفضل الجلود جلد الرضيع من كل حيوان لغلبة الرطوبة على جوهره وقوة ~~الحرارة الغريزية فيه لقربه من الميلاد جميعا. وما جاوز الرضاع قلت رطوبته ~~وغلظ جلده واستحصف وبعد انهضامه. وما كان من الأعضاء أرطب بالطبع مثل ~~الدماغ والنخاع ms478 والشحم كان لزجا ليفيا ملطخا للمعدة ملينا لحمها مفسدا لها، ~~مفججا لما نضجته من الغذاء فيها، مانعا له من جودة الهضم لان من خاصته ~~البعد من الانهضام وسرعة الانحدار لا سيما إذا كان من حيوان أرطب بالطبع ~~مثل الضأن، لان ما كان منه من حيوان كذلك، كانت رطوبته أزيد ولزوجته أكثر ~~وإفساده للمعدة أقرب. # وما كان من الأعضاء متوسطا بين الرطوبة واليبوسة، والصلابة والرخاوة، مثل ~~اللحم الأحمر المعرى من الشحم، كان مزاجه أعدل وطعمه ألذ وانهضامه أسرع ~~وغذاؤه أحمد، لا سيما إذا كان من حيوان أعدل مزاجا (2) وأوسط شحما وسمنا ~~مثل الجدي الرضيع والعجول الكذلك والثنيان (3) من الضأن، لان ما كان منه من ~~حيوان كذلك، كان ألذ وأدسم وأسرع انهضاما وأكثر جوهرا وأفضل غذاء، وإن كان ~~قد توسطت بين هذه المرتبة الوسطى وبين كل واحدة من الحاشيتين مراتب أخر ~~آخذة من أي حاشية مالت إليها ومن الواسطة بين اللحم والشحم، أعني بذلك العص ~~(4) والضرع والخصي والخلوب (5) الذي في أصل الرقبة بالقرب من الترقوتين ~~والعص من الجانبين جميعا والذي بالقرب من أصل الصلب من الجانبين جميعا، ~~واللحم الرخو الذي في أصل اللسان، والنغانغ، فإن هذا اللحم متوسط بين الشحم ~~واللحم وكذلك صار أرخى من اللحم وألين، وأصلب من الشحم وأعضل. ويدل على ذلك ~~توسط لونه # PageV00P539 # بين بياض الشحم وحمرة اللحم، وتوسط جسمه بين صلابة اللحم وليانة الشحم. ~~ولهذه الجهة صار طعمه ألذ وجسمه أرخى وأهش وأسرع تفتيتا تحت اللسان منفوشا. ~~ففي هذا دليل واضح على أنه، بإضافته إلى اللحم، أقل دما وأصلب جسما. ومن ~~قبل ذلك صار إذا استحكم هضمه، كان الغذاء المتولد عنه أقرب من غذاء اللحم ~~المختلط بالشحم، لأنه أدخل في غذاء اللحم الأحمر، وألين كثيرا. # وإذا لم يستحكم نضجه، كان الغذاء المتولد عنه أقرب من غذاء الشحم، وولد ~~إما بلغما رقيقا، وإما غليظا من جنس الخام. والسبب في ذلك: اختلاف ما يتولد ~~عن هذا اللحم الرخو واختلافه في نفسه في غلظه وصلابته ولطافته ولينه، وذلك ~~أن ما كان ms479 منه ألين جسما وألطف جوهرا مثل الضرع والخصي والخلوب الذي في أصل ~~الرقبة، ولد بلغما رقيقا سائلا. وما كان منه أعبل (1) جسما وأغلظ طبعا مثل ~~اللحم الرخو الذي في ما بين الأسنان والنغانغ، ولد فضلا غليظا حاميا. # والسبب في اختلاف طبعه وجسمه حاجة الطباع إلى ذلك فيما أعدت له كل نوع. ~~ولذلك صنعته على ثلاث: أحدها: أعدته لتوليد رطوبات احتاجت إليها في تولد ~~الحيوان وتغذيته وتربيته مثل الخصي للمني، والضرع للبن. وصنف آخر أعدته ~~لتوليد رطوبات تبل بها المواضع التي أعدتها لها لتسهيل حركتها عند الحاجة ~~إليها، مثل اللحم الرخو الذي في أصل الأسنان والنغانغ. والصنف الثالث أعدته ~~لتملأ به ما بين العروق وتحشو تلك المواضع بها لتشد العروق به وتستقر عليه ~~وتقوى مثل اللحم الذي بين عروق الماساريقا والتي بين الكبد والمعاء الصائم ~~والحلبوب الذي عن جنبي أصل القلب، والذي عن جنبي أصل الرقبة ليسد الأوداج ~~والأوردة. ومن خاصة الحلبوب الذي في أصل الرقبة ان يكون في من صغر سنه من ~~الحيوان أصغر سنا وأصلب لحما. وكلما ازداد الحيوان كبرا، ازدادت رطوبة هذا ~~اللحم قلة وجسمه صلابة وصغرا. ويعم هذا الجنس كله لذاذة الطعم وهشاشة الجسم ~~وسرعة التفتت (2) تحت اللسان، خلا الضرع فإنه إذا أعدم حرارة اللبن ~~ورطوبته، غلبت عليه البرودة واليبوسة وقلت هشاشته ولذاذته وبعد انهضامه ~~وولد دما غليظا للعصبية التي فيه بالطبع. وإذا تولد فيه اللبن استفاد من ~~رطوبة اللبن وحلاوته لذاذة يتبينها آكله في طعمه، واكتسب اعتدالا في مزاجه ~~وسرعة في انهضامه وجودة في غذائه، وبخاصة متى كان من حيوان أصح جسما وأخصب ~~لحما، لان ما كان منه من حيوان كذلك، كان أعذب طعما وأكثر غذاء وأفضل ~~جوهرا. # والمختار من صفته واستعماله أن يسلق بماء وملح وقضبان شبت وصعتر وفوذنج ~~ونعنع ثم ينشف ماؤه بمنديل ويطلى بزيت وبن يسير ويشوى ويؤكل بالملح والصعتر ~~والفوذنج والأفاويه لينحدر عن المعدة بسرعة. # وأما الخصي فإنها أعسر انهضاما من الضرع وبخاصة جلده لأنه أكثر عصبانية، ~~وفيه مع ذلك # PageV00P540 # زهومة بها ms480 صار الدم المتولد عنه غليظا مذموما. وأحمده ما كان من حيوان ~~أصغر سنا وأخصب لحما، لان ما كان من حيوان كذلك، كان أقل لزهومته، وإن كان ~~ليست الخصي من كل حيوان أفضل منه من الديوك، وبخاصة ما كان منها صغيرا حين ~~يبتدئ في الصياح. ويدل على فضل خصى الديوك على غيره من الحيوان، لذاذة طعمه ~~وقلة رطوبته وسرعة انهضامه. وذلك دليل على جودة الدم المتولد عنه. # والسبب في ذلك اعتدال حرارة حيوانه وقلة رطوبته ولزوجته وكثرة برده، لان ~~كثرة الحركة الطبيعية مما يلطف فضول الخصي وينقيها عنه بسرعة، لا سيما إذا ~~كان من ديوك سمينة قد ابتدأت في الصياح. # فأما خصى الثيران والكباش والتيوس فشديدة الزهومة، كريهة الرائحة، بعيدة ~~الانهضام مذمومة الجوهر. فإذا انهضمت، كان غذاؤها كثيرا لأنه غير محمود ~~لفساد جوهره. فإن اعترض علينا (1) في خصى الديوك بخصي العصافير وقال: فإذا ~~كانت (2) خصى الديوك إنما فضلت لقلة رطوبة الديوك بالطبع وكثرة بردها، فلم ~~لا كانت (2) خصى العصافير أفضل لأنها أقل رطوبة وأكثر بردا، قلنا له: عارضت ~~بمحال من قبل أن الديوك أعدل الطير مزاجا، والعصافير أحر الطير بعد الجراد ~~مزاجا وأمرها نفسا. فإذا كان بردها زادها ذلك (3) حرارة وجفافا وخرجت عن ~~الاعتدال وفارقت طباع الانسان وصار غذاؤها مذموما إلا على سبيل الدواء لمن ~~أفرط على مزاجه البرودة والرطوبة. # فأما اختلاف أعضاء الحيوان من قبل مواضعها فيكون على ضروب: لان من ~~أعضائها ما هو قريب من سطح البدن مجاور (4) للعظام مثل لحم القلب والرقبة ~~والأضلاع والأكتاف وما شاكل ذلك. ومنها ما هو بعيد من سطح البدن معرى من ~~العظام مثل البطن وما يحوي من الأحشاء. ومنها ما هو قريب من الدماغ مجاور ~~لينبوع الحياة ومعدن الحرارة الغريزية مثل الأعضاء المتوسطة بين القلب وبين ~~الرأس. ومنها ما هو قريب من العجز بعيد من ينبوع الحرارة الغريزية مثل ~~الذنب والأفخاذ والأكارع. ومنها ما هو في الجانب الأيسر قريب من الطحال ~~بعيد من ينبوع القوى الطبيعية. ومنها المتوسط بين هاتين المرتبتين مثل ~~الأعضاء ms481 المتوسطة بين الكبد والأفخاذ. # فما كان من الأعضاء قريبا من سطح البدن مجاورا للعظام، كان أرخى لحما ~~وأقل شحما وألذ طعما وأسرع انهضاما وأحمد غذاء، وذلك لجهتين: إحداهما: ما ~~يتحلل من فضولها ويخرج من مسام البدن بالبخار والعرق، ولقربها منها. ~~والثانية: أن العظام المجاورة لها ترض لحمها وترخي جسمها وتفيدها لذاذة ~~وسرعة انهضام. وما كان من الأعضاء بعيدا من سطح البدن معرى من العظام، كان ~~أغلظ لحما وأكثر شحما وأعسر انهضاما وأقل لذاذة وأذم غذاء وأخص بالفضول، ~~وذلك لجهتين: إحداهما: # قربها من مغيض الأثفال والرطوبات وبعدها من المسام الظاهرة التي من شأنها ~~أن تتحلل منها فضلة الانهضام الثالث الكائن في الأعضاء. والثانية: بعدها من ~~العظام التي من شأنها أن ترض اللحم # PageV00P541 # وترخي الشحم وتفيده لذاذة وسرعة انهضام. ولذلك صار الكرش والأمعاء وما ~~يليها أغلظ جسما وأردأ غذاء لاحتقان الفضول في باطنها بالطبع، لأنها مغيض ~~الأثفال ومستقرها. # وما كان من الأعضاء متوسطا بين القلب والدماغ مجاورا لينبوع الحياة ومعدن ~~الحرارة الغريزية، كان ألذ طعما وأسرع انهضاما وأحمد غذاء، وذلك لجهتين: ~~إحداهما: أنها تغتذي بدم قد انهضم من الكبد بدءا وفى القلب ثانية على ما ~~بينا وأوضحنا في المقالة الأولى من كتابنا هذا. والجهة الثانية: أن الحرارة ~~الغريزية لمجاورتها لها تلطف فضولها دائما وتهضمها وتنقيها. وما كان من ~~الأعضاء قريبا من العجز بعيدا من ينبوع الحرارة الغريزية، كان أغلظ طبعا ~~وأبعد انهضاما وأقل لذاذة وأذم غذاء، وذلك لجهتين: إحداهما: بعده من معدن ~~الحرارة الغريزية وينبوع الحياة. والثانية: أنها تغذى بدم لم يصل إلى القلب ~~ولم ينهضم فيه ثانية. # وما كان من الأعضاء متوسطا بين هاتين المرتبتين، كان أجدى من كل واحدة من ~~الحاشيتين بقسمة قياسية، وصار بذلك ألطف مما قرب من عجز البدن وأسرع ~~انهضاما وأحمد غذاء وأغلظ مما توسط بين القلب والرأس وأبعد انهضاما وأذم ~~غذاء، من قبل أنه وإن كان بالقرب من ينبوع الحرارة الغريزية ومعدنها، فإن ~~الدم الذي يغتذي به لم يصل إلى القلب ولم تهضمه الحرارة الغريزية ثانية. ms482 ~~وما كان من الأعضاء في الجانب الأيمن، كان أفضل مما كان في الجانب الأيسر، ~~من قبل أن ما كان في الجانب الأيمن فهو مجاور للكبد، وما جاور الكبد كان ~~أكثر اتساعا في الدم المحمود، وذلك أن الكبد ينبوع القوى الطبيعية ومغيضها ~~ومعدنها وفعل القوى فيما قرب من ينبوعها ومعدنها أقوى من فعلها فيما بعد من ~~ذلك ونأى. # وأما اختلاف غذاء (1) الحيوان من قبل حركتها وسكونها فيكون على ضروب: من ~~قبل أن ما كان من الأعضاء أكثر حركة كانت رطوبته أقل وفضوله أيسر ولحمه ~~أرخى وانهضامه أسرع، لان الحركة ترض الأعضاء وتحميها وتلطف الفضول وتفني ~~أكثرها، وأكثر الأعضاء حركة العضل. ولذلك صارت أقل فضولا وأسرع انهضاما ~~وألذ طعما وأحمد غذاء. وما كان من الأعضاء أقل حركة، كان بعكس ذلك وضده، ~~لان السكون يحصر الرطوبات في باطن الأعضاء ويجمع الفضول فيها ويمنع من ~~تحليلها. # ويستدل على ذلك من الشاهد، لأنا نجد الخيل وغيرها من الحيوان إذا تحركت ~~وركضت، حميت أبدانها وذابت فضولها ورطوبتها وتحللت وخرجت بالبخار والعرق. ~~وإذا سكنت وامتنعت من الحركة، انحصرت الرطوبات في باطنها ولم تظهر. # وإذ أتينا على ما أردنا إيضاحه من اختلاف أعضاء الحيوان على الجملة ~~بالقول المطلق، فنحن أحفى بأن نجود الكلام في كل واحد منها على الانفراد، ~~ونأتي بخاصته التي هي له دون غيره لان ذلك أظهر للحس وأقرب من أذهان ~~المتعلمين. ولا حول ولا قوة إلا بالله. # PageV00P542 # القول في أطراف الحيوان أعني الأكارع والشفاه والاذان أما أطراف الحيوان ~~<ف‍> قليلة الشحم واللحم، بعيدة الانهضام بالطبع، لأنها من جوهر ~~العصب والجلد. ولكن لما كانت حركتها دائمة غير منقطعة، صارت أرخى لحما ~~وأسرع انهضاما بالعرض، لأنها لدوام حركتها وتواترها، صارت أسرع انهضاما مما ~~شاكلها من الأعضاء العصبية القليلة الحركة. ولما كان شأن جوهر العصب، إذا ~~انهضم، أن يصير لزجا لازوقا مزلقا، كانت الأطراف أيضا، إذا انهضمت، صارت ~~لزجة لزوقة مزلقة للمعدة سريعة الانحدار عنها وعن الأمعاء. ولذلك أيضا صار ~~لا يصل إلى البدن من غذائها إلا اليسير، ms483 لان غذاءها لا يلبث في المعاء ~~الدقاق حتى تحصل حاجتها. # ولهذا السبب نسبت إلى قلة الغذاء، إلا أن الغذاء المتولد عنها، وأن كان ~~يسيرا لزجا، فإنه ليس بالغليظ ولا بالكثيف. ويستدل على ذلك من الشاهد، لأنا ~~نجدها خارجا إذا طبخت، انتفخت انتفاخا كثيرا وربت واتسعت طولا وعرضا. وفى ~~هذا دليل واضح على خفتها ولطافة جوهرها، وإن كان غذاؤها يسيرا. # ومن منافع الأكارع على سبيل الدواء: أنها ملينة لخشونة الصدر والرئة، ~~نافعة من السعال الجاف العارض من اليبوسة ومن القروح والسحوج العارضة في ~~المثانة. وإذا أكلها من كان به إسهال من سحج في المعاء، غرت السحج بلزوجتها ~~وغرويتها وصارت سببا لحبس البطن بالعرض لا بالطبع، لان من طبعها الازلاق ~~والانحدار بسرعة. وأفضل أطراف الحيوان وأسرعها انهضاما الأكارع لدوام تعبها ~~وتواتر حركتها. واليدان (1) من الأكارع أفضل من الرجلين لان تعبها أكثر، ~~وحركتها أدوم، ولحمها أكثر، وهي من ينبوع الحرارة الغريزية أقرب. وباطن ~~الأكارع أفضل من ظاهرها، لان حركتها فيما يلي الباطن أقوى وأعنف كثيرا. # PageV00P543 # وبعد الأكارع في الفضل من أطراف الحيوان الشفاه، وإن كانت أغلظ من ~~الخراطيم بالطبع لفضل لزوجتها، إلا أنها أفضل غذاء لرخاوة لحمها المكتسبة ~~من دوام الحركة وكثرة تعبها. وأما الآذان <ف‍> قليلة اللحم جدا، ~~بطيئة الانهضام، ولأنها مركبة من غضاريف وجلود فقط. والغضاريف فمن شأنها ~~إذا كانت من حيوان رضيع واستقصي نضجها بالصفة خارجا، وجاد هضمها في المعدة ~~باطنا، وإن كان بعيد ما ينهضم، فإن غذاءها، بعد انهضامها، يسير جدا لأنها ~~معراة من اللحم. وكذلك الحكم في الجلود أيضا لكثافتها وصلابتها وقلة ~~رطوبتها بالطبع. ومن قبل ذلك صار الأفضل ألا تؤكل الآذان إلا بأصولها، وإلا ~~لم تكد تنهضم ولم يكن فيها غذاء. # فقد بان ووضح أن الأكارع أفضل أطراف الحيوان وأكثرها غذاء، وبعدها ~~الشفاه. وبعد الشفاه الآذان. وأفضل ما تتخذ به الأكارع كشك الشعير، لان ~~الشعير يفيدها رخاوة ويصيرها رخصة، وهي تفيد الشعير ليانة وجودة وحسن غذاء. ~~PageV00P544 # القول في الدماغ المعروف ومخ الفقار المعروف بالنخاع ومخ العظام والشحم ms484 ~~والسمين أما الدماغ فقد كنا بينا في المقالة الأولى من كتابنا هذا اختلاف ~~أقاويل الناس ودعوى من ادعى أنه بارد رطب، وما أقام الفيلسوف (1) عليه في ~~كتابه المعروف بكتاب الحيوان من البراهين الواضحة على أنه حار بالطبع وبارد ~~بالعرض. ونحن أغنياء عن تكرير الكلام في هذا الموضع وإعادة القول فيه إذ ~~غرضنا في هذه المقالة والمقالة التي قبلها الاختصار والايجاز المطابق للقول ~~الخبري. فأقول: إن الدماغ وإن كان قد ثبت من قول الفيلسوف بالبراهين ~~الواضحة أنه حار بالطبع، وأن برودته التي هي فيه بالعرض قد أفادته من ~~الرطوبة ما صار بذلك لزجا زهيما مغثيا ملطخا للمعدة، مفسدا لشهوة الطعام، ~~بعيدا (1) من الانهضام والانحدار سريع (3) الاستحالة إلى الفساد وبخاصة إذا ~~أخذ في آخر الطعام أو بعد الطعام، يطفو ويعوم ويهيج القئ والغثي. ولذلك قال ~~جالينوس: وإذا أردت أن تهيج القئ فأطعم الدماغ في آخر الطعام مع زيت كثير. ~~ولهذه الجهة وجب أن لا يقربه أحد في آخر الطعام ولا بعد الطعام وبخاصة متى ~~كان في معدة المستعمل له رطوبة زائدة، أو كانت شهوته مقصرة، لأنه من أوكد ~~الأسباب على فساد شهوة من هذه حاله وأبطأ لها لفضل لزوجته وزهومته، إلا أنه ~~متى استعمله من كانت شهوته قوية ومعدته خالية من الطعام بعيدة من الفساد ~~وجاد هضمه فيها وحسن استمراؤه في الكبد، غذى غذاء كثيرا، إلا أنه لين زهم ~~خامي. ومما يدفع ضرره أن يؤكل مشويا مطيبا بالخل والملح والصعتر والفوذنج ~~الجبلي والنعنع اليابس والزنجبيل والفلفل والدار صيني ويشرب بعده نبيذ صرف ~~أو مصرف. وإن كان الخل خل عنصلان كان أفضل وأغنى عن كثير من الأبازير وربما ~~جعل بدل الملح مري. # * * * # PageV00P545 # في مخ فقار الظهر المعروف بالنخاع أما النخاع فإنه إذا قيس بمخ العظام ~~كان باردا رطبا لأنه من جنس الدماغ وهو متصل به، إلا أنه أصلب من الدماغ ~~وأيبس وأقل دسما وبخاصة ما بعد منه من الدماغ، كان أقل لرطوبته ودسمه، ~~وأزيد لصلابته ويدل على ذلك قلة تولده للغثي والقئ. ومن ms485 قبل ذلك صار الغذاء ~~المتولد عنه أغلظ من الغذاء المتولد من الدماغ وأكثر لأنه إذا استحكم هضمه، ~~لم يكن غذاؤه باليسير. وأما مخ العظام فإنه أدسم من الدماغ كثيرا وأعذب ~~وأكثر لذاذة وأنعم، إلا أنه ملطخ للمعدة مفسد للشهوة ملين للطبيعة بفضل ~~لزوجته ودهنيته. وإذا انهضم، ولد غذاء كثيرا، وإن كان الاكثار منه مغثيا. # ومن منافعه على سبيل الدواء: أنه يحلل الأورام الجاسئة، ويلين الجلود ~~الخشنة. وأجودها لمثل ذلك مخ الأيل وبعده مخاخ العجول. فأما مخاخ الثيران ~~والكباش فإنها أشد حرافة. ومخاخ الأطراف أكثر تليينا من غيرها لرطوبتها ~~وقربها من السمين وذلك لكثرة حركة الأطراف. # * * * في السمين والشحم أعني بالسمين الشحم البين المخالط للحم والعظام، ~~مثل شحم الأضلاع والأجناب وما شاكل مما أحلته التوراة لبني إسرائيل. وأعني ~~بالشحم الجامد الغليظ المبرأ من اللحم والعظم المحرم على بني إسرائيل في ~~التوراة مثل شحم الثرب (1) وشحم الكلى. والفرق بينهما أن السمين أرطب وأسرع ~~ذوبانا وانحلالا وأبعد جمودا وانعقادا. ولذلك شبهه الأوائل بالزيت المتقادم ~~الذي قد نشف الهواء أكثر رطوبته وغلظ قوامه. وأما الشحم فأقل رطوبة وأكثر ~~جفافا وأغلظ من السمين كثيرا. ولذلك صار لا يذوب بسرعة وإذا ذوب وبرد لم ~~يلبث إلا يسيرا حتى يجمد ويرجع إلى حالته التي كان عليها. وإذا أكل أحدهما، ~~لين آلات الغذاء وأرخاها وبخاصة المعدة لأنه يلين خملها ويذهب بخاصتها ~~وقوتها على (2) طحن الطعام. وإذا أكل أحدهما مع الطعام، طفا عليه وأفاده ~~لزوجة وغلظا (3) وأفسده ومنع من هضمه وأشبع بسرعة، لا سيما إذا كان ما أخذه ~~معه من الطعام حلوا لان الحلاوة زائدة في فساده لسرعة غليانها وقبولها ~~للفساد. # ولروفس في هذا قول قال فيه: إن ما كان من الأعضاء السمين عليه أغلب وفيه ~~أكثر، لم يقبل البدن من غذائه حسب ما يشبع، وان كان الشحم أخص بذلك من ~~السمين كثيرا، لان لزوجته أغلظ # PageV00P546 # وانحلاله أبعد وانهضامه أعسر، وانتقاله إلى الفساد أقرب. ولذلك وجب أن لا ~~يستعمل منه إلا السمين ليطيب ما كان من اللحم هزيلا قليل ms486 الدسم واللذاذة. ~~ولا يستعمل منه إلا السمين للتغذية أصلا، لان غذاءه مذموم مولد للسدد ~~والفضول البلغمانية، وان كان بين البلغم والمتولد عن السمين والبلغم ~~المتولد عن الشحم فرق كبير لان المتولد عن السمين أرق وألطف وأسرع انحلالا ~~وأسهل على الطباع، والمتولد عن الشحم أغلظ وأسهل انحلالا وأثقل على الطباع. # ومن منافعهما (1) على سبيل الدواء: في إسخان الأبدان وترطيبها وتليينها، ~~إلا أن فعلهما (1) يختلف في القوة والضعف، في الكثرة والقلة على حسب مزاج ~~الحيوان الذي هما منه في حرارته ورطوبته. أو برودته ويبوسته، لان ما كان ~~منهما (1) من حيوان أسخن مزاجا كان أكثر إسخانا، وما كان من حيوان أبرد ~~مزاجا كان أقل إسخانا، وما كان منهما من حيوان أرطب مزاجا كان أكثر تليينا، ~~وما كان من حيوان أيبس مزاجا كان أقل تليينا. # يقاس الشحم أيضا من قبل يبس الحيوان الذي هو منه، لان ما كان منه أصغر ~~سنا أو حيوان هو بعد في النشوء، كان أقل إسخانا وأبعد للترطيب وأقرب من ~~طبيعة السمين. وما كان منه من حيوان هرم من كل حيوان (2)، لان البرودة ~~والجفاف والقحل أغلب على مزاج الهرم من كل حيوان بإضافته إلى غيره من ~~الانسان مما هو داخل في جنسه. وكذلك يجب أن يقاس أيضا من قبل جنس الحيوان ~~الذي هو منه، لان ما كان منه من حيوان ذكر كان أسخن وأقل تليينا وأكثر ~~تحليلا. وما كان من حيوان قد أخصي، كان متوسطا وأحد من الحاشيتين بقسطه على ~~ما بينا وأوضحنا مرارا. وما كان منه من حيوان أنثى، كان أقل إسخانا وأكثر ~~ترطيبا وأبعد من التحليل. وقد يختلف فعل الشحم أيضا من قبل صنعته ومدة ~~زمانه، لان ما استعمل منه ساذجا بغير ملح، كان أعدل إسخانا وأكثر ترطيبا. ~~وما استعمل منه بعد أن يملح، كان أكثر إسخانا وأقل ترطيبا أقرب من التجفيف. ~~وما كان من الشحم طريا قريب العهد بالخروج من الحيوان، كان أعدل إسخانا ~~وأكثر ترطيبا، لان حرارة الهواء ينشف أكثر رطوبته ويفيده حرارة وجفافا. # PageV00P547 # القول في ms487 العين أما العين فمركبة من جواهر مختلفة غير متشابهة لان منها ~~عضل وسمين وأغشية بينها رطوبات شتى. فهي بما فيها من السمين تنسب إلى ~~الحرارة والرطوبة. وبما فيها من العضل والأغشية تنسب إلى البرودة واليبوسة. ~~ولذلك صارت (1) متى كانت من حيوان أسمن، كانت إلى المرارة أميل لكثرة الجزء ~~السمين فيها. ومتى كانت من حيوان أهزل، كانت إلى البرودة أميل لقلة الجزء ~~السمين فيها. والذي يؤكل من العين ما فيها من العضل والسمين. والعضل وإن ~~كان أسرع استمراء من جميع ما يؤكل من الحيوان وأجود غذاء، فإن في السمين ~~الذي معه ثقل وبعد انهضام لغلظه ولزوجته. ولذلك صار في غذاء العين ثقل وبعد ~~انهضام لغلظه ورداءة للمعدة. ولهذه الجهة صار الأفضل أن تتخذ بالخل والمري ~~والصعتر والفوذنج والكرفس والدار فلفل والزنجبيل. # * * * القول في الانف الانف بارد يابس لأنه غضروف. ولذلك صار عسر ~~الانهضام يسير الغذاء. وأفضل ما يؤكل بالخل الثقيف والخردل والمري ~~والكراويا والفلفل والزنجبيل. # القول في اللسان اللسان وإن كان قريبا من العضل، فإن جوهره متوسط بين ~~جوهر العضل وجوهر اللحم الرخو. # ولذلك صار أرخى جسما وأقل دما وأكثر رطوبة من العضل. ولهذه الجهة صار إذا ~~أكل وحده، كان # PageV00P548 # الغذاء المتولد عنه متوسطا بين الغذاء المتولد عن اللحم الرخو (1) وإذا ~~أكل مع العضل المتصل به، كان غذاؤه أحمد وأسرع انهضاما. وإذا أكل مع اللحم ~~الرخو المولد اللعاب في الفم، واللحم الرخو الذي في النغانغ والحنجرة كان ~~غذاؤه أغلظ وأبعد انهضاما لرخاوة لحم النغانغ وغلظه وبعد انهضامه. وأفضل ما ~~يؤكل بالخل والملح والصعتر والدار فلفل والفودنج. وإن يصير بذلك الملح ~~أقوى، لم يكن بذلك بأس. # وأما الحنجرة فباردة يابسة للغضروفية التي فيها. ولذلك صار غذاؤها يسيرا ~~(2) بعيد الانهضام. # وأفضل ما تؤكل بالأفاويه الحارة. # في القلب جوهر القلب جوهر صلب عضلي عسر الانهضام، بطئ الانحدار، إلا أنه ~~إذا استحكم هضمه، نال البدن منه غذاء كثيرا ليس بالردئ. # في الرئة الرئة سريعة الانهضام والانحدار حسب سخافة جسمها ورخاوتها. ~~ولذلك صار غذاؤها أقل من ms488 غذاء سائر الأعضاء وأميل إلى البلغم. # * * * # PageV00P549 # القول في الكبد الكبد من كل حيوان أغلظ وأعسر انهضاما، إلا أن الدم ~~المتولد منه ليس بالردئ. والغذاء المتولد عنه أكثر من غذاء اللحم المعرى من ~~الشحم، إلا أنه دونه في الجودة. وأفضل الأكباد في اللذاذة وسائر الحالات ~~المحمودة أكباد الحيوانات المسمنة بالتين اليابس، وبخاصة إذا كان من حيوان ~~رضيع أو من حيوان هو بعد في النشوء. وأكباد الدجاج أفضل وأحمد وأكثر توليدا ~~للدم المحمود، ولا سيما إذا كان يعتلف منها الدقيق المعجون باللبن الحليب ~~والتين المدقوق. وزعم ديسقوريدس عن كبود التيوس أنها إذا أكلت مشوية، أظهرت ~~الصرع فيمن كان به صرع. # * * * PageV00P550 # القول في الطحال وأما الطحال فغير محمود الغذاء، لان الدم المتولد عنه ~~فاسد سوداوي، وهو مع ذلك عسر الانهضام، بطئ الانحدار، إلا أن فيه يسير من ~~قبض لغلبة السوداء على مزاجه. ولذلك صار إذا أكل مشويا، قوى اللثة وشدها. # * * * القول في الكلى أما الكلى فمذومة غير محمودة، وذلك لجهتين: ~~إحداهما: فساد جوهرها لما فيها من بقايا كيفية البول وحدته وحرافته وفساد ~~جوهره. والثانية: غلظ جرمها وكثافته وصلابته وعسر انهضامه وبعد انحداره. ~~ولذلك صار الدم المتولد عنها غليظا مذموما. # * * * PageV00P551 # القول في اللبن قد كنا بينا في المقالة الأولى من كتابنا هذا أن اللبن في ~~طبيعته ومزاجه منحرف عن المزاج المعتدل إلى الحرارة والرطوبة قليلا، كأن ~~حرارته ورطوبته في الدرجة الأولى. ولذلك صار أقل رطوبة من السمك، وأبعد من ~~تولد البلغم لأنه قريب من طبيعة الدم، إذ ليس هو شئ غير دم قد انطبخ في ~~الضرع طبخا ثانيا واستفاد من جوهره الضرع بياضا. وتدل على ذلك عذوبته ~~وحلاوته ولذاذته. فإن عارضنا معترض وقال: إذا كان اللبن عندك إنما صار حارا ~~رطبا لأنه دم قد انطبخ ثانيا، فلم لا أوجب مثل ذلك أيضا للأعصاب والعظام ~~وسائر، الأعضاء المنسوبة إلى البرودة، وقلت أنها حارة رطبة، لان مادتها (1) ~~وغذاءها المقوم لذاتها ليس هو شئ غير دم قد انطبخ فيها طبخا ويشكل لها. # قلنا: إن المعارضة غير لازمة ms489 من قبل أن الدم وإن نسب في طبيعته ومزاجه ~~إلى الحرارة والرطوبة، فإنه عين من الأعيان، وسائر الكيفيات كلها موجودة ~~فيه، وإن نسب إلى الأغلب عليه منها مثل الانسان الشاب المنسوب إلى المرة ~~الصفراء، وإن كانت سائر الأخلاطات موجودة فيه. وكذلك الصبي المنسوب إلى ~~الدم، والشيخ إلى البلغم. وأعضاء البدن فأعيان قائمة بأنفسها بطبائع مختلفة ~~ومزاجات متغيرة يقبل كل واحد منها من الدم ما يشاكل طبيعته وذاته مثل ~~الطحال القابل لعكر الدم وغلظه، وأقربه من المرة الصفراء واللبن فليس ذلك ~~لأنه ليس هو عين قائمة بنفسها خارجة عن الدم يقبل منه ما شاكل طبيعتها ~~ومزاجها، بل هو الدم نفسه انطبخ في الضرع طبخا ثانيا واستفاد من جوهرية ~~الضرع بياضا. # فحكمه حكم الدم لان الطباع أعدته لتغذية الحيوان كما أعدت الدم لمثل ذلك، ~~إلا أنه يختلف في جوهريته وغذائه ولطافته وسرعة انهضامه وإبطائه لوجوه ~~أربعة: أحدها: اختلاف مزاج الحيوان الذي هو منه. والثاني: لما يلحقه من ~~الاختلاف في فصول السنة لتغير الهواء وانقلابه في كل زمان منها. # والثالث: كيفية المرعى الذي يرتعيه. والرابع: من كمية مدة اللبن في قصرها ~~وطولها وقرب خروج اللبن من الضرع وبعده منه. # PageV00P552 # فأما اختلاف اللبن لاختلاف كيفيته في ذاته فيكون على ثلاثة ضروب: لان منه ~~اللطيف جدا، ومنه الغليظ جدا، ومنه المتوسط بين هاتين المرتبتين، وإن كان ~~قد يتوسط بين كل واحدة من الحاشيتين وبين الواسطة وسائط أخر. والسبب في ~~غلظه ولطافته أن كل لبن فمركب من جواهر ثلاثة: جوهر رقيق مائي فيه يسير من ~~لطافة النارية وحدتها، وجوهر غليظ جبني الغالب عليه الأرضية، وجوهر دسم ~~لطيف الغالب عليه الهوائية (١). فلما فيه من الحرارة اللطيفة والحدة ~~اليسيرة، صار له قوة على تلطيف الأثفال وترقيق الأخلاط وتنقية الأوساخ. ~~ولذلك صار معينا على إطلاق البطن وتفتيح سدد الكبد. وأما الجوهر الجبني، ~~فلأرضيته وغلظه صار مائلا إلى البرودة واليبوسة قليلا، إلا أنه طري فهو إلى ~~الرطوبة (٢) أميل للمائية التي فيه بعد باقية من مائية اللبن. فإذا جف ~~وزالت عنه ms490 رطوبة اللبن، رجع إلى طبيعته وذاته وصار جافا يابسا. ولذلك صار ~~جوهره غليظا وانحداره رطبا وحبسه للبطن قويا. ولهذه الجهة صار مولدا ~~للأخلاط الغليظة اللزجة الموجبة لتولد سدد الكبد والطحال وحجارة الكلى. ~~وأما الجوهر اليسير فللطافة هوائيته صار حارا (٣) رطبا ملينا باعتدال، ~~مشاكلا لمزاج البدن من الانسان في حرارته ورطوبته جميعا <و> ولمزاج ~~الرئة في حرارته فقط لا في يبسه، لان <مزاج> الرئة في طبيعته يابس ~~مجفف، والسمن ملين مرخ. # وإذا كان كذلك، كان من البين أن ألطف الألبان وأرقها قواما وأسرعها ~~انحدارا، وأطلقها للبطن ما كثرت مائيته وقلت جبنيته مثل لبن النوق. وأغلظ ~~الألبان وأعسرها انحدارا وأبعدها من إطلاق البطن ما كثرت جبنيته وقلت ~~مائيته مثل لبن الجواميس، وبعده لبن البقر. وأعدل الألبان وأحسنها استمراء ~~مثل لبن النساء، وبعده لبن الماعز. وقد يتوسط بين لبن الماعز وبين ~~<لبن> البقر مرتبة أخرى مثل لبن الضأن، لأنه أغلظ من لبن الماعز ~~وأكثر جبنية وأرق من لبن البقر وأكثر مائية. ويستدل على كثرة جبنية لبن ~~الضأن وزيادتها جبنية على لبن البقر من زهومة لبن الضأن وزفورته وذكاء ~~رائحة لبن البقر وقلة زفورته. # فإن قال قائل: وما السبب الذي صار لبن الضأن ألطف من لبن البقر وأرق، وهو ~~أكثر جبنية. # ولبن البقر أكثر سمنية. والسمنية ألطف من الجبنية كثيرا، قلنا له: من قبل ~~أن مائية اللبن من الضأن أكثر وحرارته أقوى لغلبة الحرارة والرطوبة على ~~مزاج حيوانه بالطبع، ومائية لبن البقر وحرارته أضعف لغلبة البرد واليبوسة ~~على حيوانه بالطبع. ولذلك قد يتوسط بين مرتبة لبن الماعز وبين مرتبة ~~<لبن> اللقاح مرتبة أخرى مثل مرتبة لبن الخيل والأتن، لأنها أكثر ~~مائية من لبن اللقاح، وأكثر في ذلك من لبن الماعز، إلا أن <لبن> ~~الخيل أقرب من لبن اللقاح، لأنه أكثر مائية، ولبن الأتن أقرب من لبن الماعز ~~لأنه أقل مائية. ولذلك صار لبن الخيل لا يتجبن في المعدة أصلا لقربه من لبن ~~اللقاح. وأما لبن الأتن فربما # PageV00P553 # تجبن لقربه من لبن الماعز، إلا أن ms491 يؤخذ وهو حار كما يخرج من الضرع. فإن ~~ألقي فيه عسل وشئ من ملح لم يتجبن، وصار عونا على إطلاق البطن. وأما لبن ~~الماعز فليس يؤمن عليه أن يتجبن ويحدث ثقلا واختناقا إلا أن يخلط معه عسل ~~وشئ من ملح. # ولجالينوس في مثل هذا قول قال فيه: رأيت كثيرا ممن يشرب لبن الماعز وحده ~~ساذجا بغير عسل ولا ملح فيتجبن في معدهم، وعرض لهم من ذلك ثقل واختناق. ~~أراد ثقلا في معدهم واختناقا في حلوقهم. وذكر هذا القول قول قاله أيضا: وما ~~أعجب ما يصيب من يتجبن لبن الماعز في معدته عن الثقل والاختناق. واما لبن ~~البقر وبعده الضأن، فكثيرا ما يتجبن في المعدة لغلظه وكثرة جبنيته، فقد بان ~~مما قدمنا إيضاحه أن كل لبن مائيته أكثر وجبنيته أقل مثل لبن اللقاح وبعده ~~لبن الخيل وبعدهما لبن الأتن فهو أكثر الألبان أمنا وأقلها غائلة وأطلقها ~~للبطن وأبعدها من تولد الفضول، من قبل أن الجوهر المائي لما فيه من يسير ~~الحدة ولطف الفعل، صار مخصوصا بتلطيف الفضول وترقيق الأثفال وإخراجها من ~~البدن، ومن قبل ذلك صار المتطببون يستعملون سقي ماء اللبن كثيرا لمن احتاج ~~إلى نفض بدنه وتنقية معدنه من الفضول المزمنة اللذاعة، ويحقنون به من احتاج ~~إلى غسل معائه السفلي وتنقيتها من مثل ذلك أيضا. # وأما الجوهر السمني فللطافته ومشاكلته لطبيعة الهواء لخفته، صار عواما ~~طافيا على ما يصحبه من الطعام كما يعوم الزيت على الماء. ولذلك يغلظ الطعام ~~بلزوجته ويمنع من سرعة انهضامه حتى إذا أخذ الطعام في الطبخ وتوسط النضج، ~~أزلقه بلزوجته وأحدره عن المعدة قبل كمال هضمه. ومن فعله على سبيل الدواء ~~أنه يرخي وينضج ويلين. ولذلك صار مخصوصا بتليين الأورام الجاسئة وتحليلها. # وأما الجوهر الجبني، فلمشاكلته لطبيعة الأرض في غلظها وجفافها، صار ثقيلا ~~في المعدة، عسر الانهضام، بطئ الانحدار، حابسا للبطن، مولدا للنفخ والفضول ~~الغليظة الموجبة لسدد الكبد وجسأ الطحال وحجارة الكلى، وبخاصة إذا وافى ~~الكبد متهيئة لقبول ذلك مثل أن تكون عروق الكبد التي ينفذ ms492 فيها الغذاء من ~~باطن الكبد إلى خارجها، ضيقة بالطبع ومجاري الكلى أيضا كذلك، وبخاصة متى ~~كانت حرارة الكلى زائدة على القدر الطبيعي. فإن خالط الجوهر الجبني، مع ~~مخالطة الجوهر السمني له، قوة جافة ومكتسبة من الصنعة، صار دواء نافعا من ~~قروح الصدر والرئة والمثانة. وتدل على مخالطة هذه القوة الثانية العين، أنه ~~متى أخذ حليب (1) وسوي بالحجارة المدورة المحماة حتى تفنى رطوبته المائية، ~~صار مجففا. وأفضل من الحجارة لمثل ذلك قطع الحديد الفولاذ المدورة التي لها ~~مقابض منها، إذا حميت وطفئت في اللبن مرارا، لان في الحديد قوة مجففة مقوية ~~للأعضاء يفيدها اللبن إذا شوي به. # ولكن لما كان كل لبن يتخذ على هذا المثال سريع التجبن في المعدة لقلة ~~رطوبته، وجب أن يحتال له بما يفيده رطوبة ورقة ولطافة تمنعه من التجبن وهو ~~أن يلقى عليه، بعد أن تفنى رطوبته بالطبخ والشي، # PageV00P554 # ماء عذب فاتر (١) ليرق ويلطف ويبعد من التجبن. وليس من العجب أن تزول ~~رطوبة اللبن الطبيعية بالطبخ أو بالشئ ثم ترد عوضها ماء عذبا، إذ كان في ~~إزالة رطوبة اللبن إزالة ما فيها من الحدة اليسيرة التي بها يطلق البطن، ~~ونحن أغنياء عن إطلاق البطن في قروح الصدر والرئة، لأنا لا نأمن حدة الفضل ~~المولد لهذه العلة إذا أطلقنا البطن أن ينقلها الفضل بحدته إلى الأمعاء ~~فيحرقها ويهتكها. # وأما اختلاف اللبن بحسب اختلاف أزمان السنة وما يلحقه منها فيكون على ~~ضروب: لأنه ينصرف في كل فصل من الفصول على حسب طبيعة الفصل وجوهريته في ~~اعتداله وانحرافه عن الاعتدال إلى كيفية من الكيفيات ومزاج من الأمزجة. ~~ولذلك صار لبن الربيع أفضل ألبان فصول السنة وأعدلها وأحسنها جوهرا وغذاء، ~~وذلك لجهتين: إحداهما: طبيعة الفصل في ذاته، لأنه أعدل فصول السنة وأشدها ~~تجفيفا بالاعتدال والتوسط والكيفيات الأربع. والأخرى: لطبيعة اللبن في ~~ذاته، من قبل أن كل لبن في وقت وضع الحيوان حمله، يكون أرق وأكثر مائية ~~وأبعد من كمال النضج، ذلك لاجتماع الرطوبات الفضلية في أبدان الحيوان ~~وانحصارها فيها طول ms493 مدة الحمل. فإذا جاوز وضع الحيوان حمله أربعين يوما، ~~وتوسط زمان الربيع، فنيت تلك الرطوبات الفضلية من بدن الحيوان، وزالت ~~الرطوبة المذمومة من اللبن وبقيت فيه الرطوبة الجوهرية بكمالها واعتدل وصار ~~ألطف وأحمد جوهرا، وأقل غائلة وأبعد من الاستحالة والفساد، وصار حمله على ~~المعدة أخف، وانهضامه أسرع وبخاصة إذا شرب على نقاء من المعدة من الفضول ~~وخلائها من الغذاء. فإذا تمادى باللبن الزمان وصار إلى الخريف، فنيت أكثر ~~الرطوبة الجوهرية وقلت مائيته وكثرت جبنيته وصار أغلظ وأبعد انحدارا وأثقل ~~على المعدة وأكثر توليدا للرياح وأسرع استحالة إلى الفساد. # وأما لبن الصيف فبين هاتين المرتبتين لتوسط مدة وضع الحيوان حمله في ~~القرب منها والبعد عنها. وأما لبن الشتاء فقل ما يكون للحيوان فيه لبن: فان ~~تهيأ ذلك وأمكن، كان مذموما جدا لأنه قد تناهى في الغلظ لفناء رطوبته ~~الجوهرية كلها (٢). # وأما اختلاف اللبن بحسب مرعى الحيوان الذي يرتعيه فيكون على ضروب: لان ~~لبن ما كان من الحيوان الذي يرتعي الحشيش الرطب الغض الاخضرار، أرق وألطف ~~وأكثر مائية وأسرع انحدارا وأقل رياحا من لبن ما كان من الحيوان الذي يرتعي ~~الحشيش اليابس والحبوب الجافة. ولبن ما كان من الحيوان الذي يرتعي أطراف ~~الأشجار القابضة أكثر موافقة للمعدة وسائر البطن من لبن ما كان من الحيوان ~~<الذي> يرتعي النبات المسهل والحشيش المطلق. ولذلك صار لبن الماعز ~~أكثر موافقة للمعدة من غيره من الألبان، لان أكثر ما يرتعي الماعز أغصان ~~الأشجار القابضة مثل شجر المصطكى والبلوط والخرنوب والقرظ والبطم والزيتون ~~وما شاكل ذلك، إلا أنه ربما ارتعى شجر السقمونيا والخربق # PageV00P555 # واليتوع، فصار لبنه مذموما فاسدا رديئا للمعدة ومضرا بعصبها. # وقد حقق ذلك ديسقوريدس في قول قاله فيه، زعم أنه شاهد ماعزا يرعى ورق ~~الخربق الأبيض كان يعرض له منه أول ما يرتعيه القئ. ويعرض لشارب لبنه ~~استرخاء في معدته وغثي شديد. # فأما اختلاف اللبن بحسب مدة زمانه وقصرها، وقربه من الخروج من الضرع ~~وبعده من ذلك، فيكون على ثلاثة ضروب: لان منه الحديث القريب ms494 العهد بالخروج ~~من الضرع وهو الحلو المعروف بالحليب. ومنه العتيق البعيد العهد بالخروج من ~~الضرع وهو الحامض المعروف بالدوغ (1). ومنه المتوسط بين ذلك وهو الرائب ~~المعروف بالماست. # لان ذلك مما ينقي الفضول ويغسل اللثة. وأما إضراره بالرأس فلما يرتقي ~~إليه من غذائه إذا استحال في المعدة وفسد وغلظ فيها وتجبن. وأما إضراره ~~بالمعدة فإنه إذا كثر فيها وبعد انهضامه، استحال إما إلى الدخانية وجنس ~~المرار فيمن كان مزاج معدته محرورا جافا، وإما إلى الحموضة وجنس العفونة ~~فيمن كان مزاج معدته باردا مرطوبا من قبل أن الحموضة إنما تتولد عن نقصان ~~الحرارة، وزيادة الرطوبة الدخانية تتولد عن قوة الحرارة، وقلة الرطوبة. ~~ولذلك قال جالينوس: إن اللبن الحليب، وإن كان أفضل الألبان وأحمدها، فقد ~~يعرض من اختلاف حالاته في المعدة: إما أن يحمض فيها أحيانا أو دائما أو ~~يستحيل إلى الدخانية وجنس المرار أحيانا أو دائما. والسبب في كون ذلك ~~أحيانا أو دائما أن استحالته في المعدة لا تخلو من جهتين: إما لتغيير مزاج ~~المعدة في ذاتها في الخلقة والبنية، وإما لما يصادفه في تجويفها من فضول أو ~~أغذية موجبة لفساده. فإن كان ذلك عن تغير مزاج المعدة في ذاتها من البنية، ~~كانت استحالة اللبن فيها دائما لدوام تغير مزاجها وثباته. وإن كان ذلك لما ~~صادفه في تجويفها من الفضول أو الأغذية الموجبة لفساده (2). وإنما أمكن في ~~اللبن قبول هذين العرضين على تضاد ما فيه من الجبنية والسمنية، لان الجبنية ~~لبرودتها وغلظها وبعد انهضامها تستحيل كثيرا إلى الحموضة والعفونة، وبخاصة ~~متى وافت (3) في المعدة فضولا بلغمانية وأغذية رطبة قابلة للعفونة. وأما ~~السمنية، فللطافتها وقربها من طبيعة الهواء بالكيفيتين جميعا، أعني الحرارة ~~والرطوبة، ومن طبيعة النار بالكيفية الفاعلة، أعني الحرارة، أمكن استحالتها ~~إلى الدخانية وجنس المرار وبخاصة فيمن وافت (2) في معدته فضولا مرية أو ~~أغذية حارة قابلة للاحتراق. # ولذلك وجب أن لا يستعمل اللبن إلا على نقاء المعدة من الفضول وخلائها من ~~الغذاء بعد أن يكون اللبن أيضا من حيوان صحيح حسن المزاج ms495 معتدل الشحم، لان ~~اللبن إذا كان من حيوان هزيل أو # PageV00P556 # حيوان فاسد المزاج سقيم البدن، كان مذموما جدا، كما أن دمه مذموم أيضا. ~~ومتى كان من حيوان صحيح المزاج حسن اللحم متوسط (١) الشحم، كان محمودا كثير ~~الغذاء، مولدا (٢) للدم المحمود، ملينا (٣) للطبيعة، نافعا (٣) من علل ~~الصدر والرئة والكلى والمثانة وبخاصة متى نزعت عنه مائيته، بالطبخ أو ~~بالشئ، وألقي فيه عوضا من مائيته ماء حار عذب. وإن كان الادمان عليه نافعا ~~للمعدة والبطن وبخاصة المعدة التي يسرع إليها التنفخ لفضل رطوبتها ونقصان ~~حرارتها لان اللبن في معد كثير من الناس ينحل ويولد رياحا ونفخا، والقليل ~~من الناس لا يعرض لهم ذلك. وليس يكاد يسلم من ذلك إلا من كانت حرارته ~~الغريزية أقوى بالطبع ورطوبته أقل. فإن خلط مع اللبن الحليب بعض الأغذية ~~المحمودة الغذاء مما فيه بعض الغلظ وبعض الانهضام قليلا مثل الأرز ~~والجاوشير والنشاستج والسميذ ودقيق الحنطة وطبخ طبخا بليغا حتى ينضج ما معه ~~من الغذاء غاية النضج، زالت عنه رياحه ونفخه. غير أن الحرارة تكون أبعد ~~والغذاء المتولد عنه أكثر معونة على تولد سدد الكبد وجسأ الطحال وحجارة ~~الكلى. وكذلك اللبن المتخذ بالعسل والسكر فإنه، وإن كان موافقا لعلل (٤) ~~الصدر والرئة، فإنه (٥) زائد في سدد الكبد وجسأ الطحال ومقو (٦) لجميع ~~العلل التي تحتاج إلى التدبير الملطف. # وما كان من اللبن رقيقا كثير المائية، مثل لبن اللقاح ولبن الخيل والأتن، ~~فإنه خاصة دون سائر الألبان برئ من تولد الدم الغليظ. ولذلك صار غير مضر ~~لمن احتاج إلى التدبير الملطف. وإذا طبخ اللبن وحده حتى تذهب مائيته ويصير ~~إلى النصف، غذى غذاء كثيرا ولم يطلق البطن. وإن شوي بالحجارة أو بالقطع ~~الحديد الفولاد على ما بينا حتى تذهب مائيته ويصير إلى النصف مما لا يطلق ~~البطن معينا على حبسها. ومما يدفع ضرر اللبن ويذهب بغائلته <أن> لا ~~يتناوله إلا من كانت حرارته الغريزية أقوى بالطبع، ومزاج معدته مائلا إلى ~~اليبوسة بعد ألا يستعمل أيضا إلا على نقاء المعدة من الفضول وخلائها ms496 من ~~الطعام، ويؤكل بالزيت والكرفس والسذاب والنعنع وورق الأترج واليسير من ~~الشونيز. # PageV00P557 # القول في اللبن الحامض المعروف بالدوغ أما اللبن الحامض المعروف بالدوغ ~~فبارد يابس بطئ الانهضام، بعيد الانحدار، ثقيل في المعدة مولد للخلط ~~المذموم المعروف بالخام، مضر بالأسنان واللثة الزائلة عن الاعتدال إلى ~~البرودة إما طبعا وإما عرضا. وكثيرا ما يولد الضرس (1) فيمن كانت هذه حاله. ~~وأما متى كانت الأسنان واللثة باقية بحال سلامة، فإنه غير مضر بها. ~~ولجالينوس في مثل هذا قول قال فيه: إن اللبن إذا خرج من الضرع فيحسب طول ~~مدته وبعده بالخروج من الضرع، كذلك نقصان جودة غذائه وكثرة فساده. ولذلك ~~صار من الأفضل أن اللبن من الضرع من قبل أن يصل إليه الهواء فيغيره. وإذا ~~نزعت (2) عن اللبن الحامض سمنيته ومائيته، ازداد بردا وغلظا وبعد انقياده ~~ولم ينتقل إلى الدخانية أصلا، ولو وافى (3) المعدة على الغاية القصوى من ~~الالتهاب والحرارة، لان القوة الحادة التي كانت في اللبن من مائيته وسمنيته ~~قد زالت عنه وبقيت جبنيته أيضا على طبيعتها الأولى التي كانت عليها، بل قد ~~ازدادت برودة لانتقال لبنها إلى الحموضة. ولذلك صار الخلط المتولد عن اللبن ~~الذي هو كذلك باردا (4) غليظا (4)، بعيد الانهضام، بطئ الانحدار، مولدا (4) ~~للخام الموجب الفساد للكبد وجسأ الطحال وحجارة الكلى. فإن وافى هذا النوع ~~من اللبن مزاج المعدة باردا، إما طبعا وإما عرضا، استحال قبل أن يجود هضمه. ~~وإن وافى مزاج المعدة معتدلا، كان هضمه أسهل قليلا. وإن وافى مزاج المعدة ~~أسخن بالطبع من المقدار الذي يجب كان، مع ما أنه لا يضر بالمعدة، فقد نفعها ~~وتصلح غليه، ويعينها على احتمال اللبن ولو برد بالثلج. # PageV00P558 # القول في اللبن السليم والدلالة عليه أما اللبن السليم فهو الجاري على ~~مجرى الطباع المشاكلة لمزاج حيوانه الذي هو منه بعد أن يكون الحيوان صحيح ~~المزاج، حسن اللحم، معتدل الشحم، سليما من الهزال والاسقام وسائر الآفات. # وقد يستدل على اللبن الذي هو كذلك من بياض لونه واعتدال قوامه واجتماع ~~أجزائه وذكاء رائحته وحلاوة طعمه وسلامة ms497 مزاجه من الحموضة والملوحة ~~والمرارة. أريد ببياض (1) لونه أن يكون مع بياضه صافيا نقيا من الصفرة ~~والخضرة والكمودة. وأريد باعتدال قوامه أن يكون متوسطا بين الرقة والثخن ~~حتى إذا قطر منه على ظفر أو مرآة صقيلة، كان مجتمعا رجراجا غير جامد، ولا ~~سائل ولا منقطع. وأريد باجتماع أجزائه أن تكون أجزاؤه كلها بقوام واحد ولا ~~يكون بعضها رقيقا مائيا، وبعضها ثخينا جامدا. # وأريد بذكاء رائحته أن يكون معرى من الزفورة والنتن والكراهة أصلا. وإن ~~كان من الواجب أن لا تكون له رائحة بينة، وإن كانت فيجب أن تكون يسيرة ~~لذيذة ذكية، لان ما كان من الألبان كذلك، دل على تولده من دم صحيح سليم من ~~الاعراض والشوائب، وأريد بأنه لا يولد إلا دما كذلك. وإذا كان كذلك، كان ~~دليلا على أن منفعته في دفع ضرر المواد اللذاعة للأعصاب ليست باليسيرة. ~~وهذا المعنى، وإن كان قد يعم الماء واللبن جميعا، فإن بينهما في ذلك فرقا ~~بينا من قبل أن اللبن لعذوبته ولزوجته التي هي له من قبل جبنيته وسمنيته، ~~يلحج (1) بالأعضاء ويدبق بها ويصير عليها (3) بمنزلة الغراء على الخشب، ~~ويمنع المواد مماستها والاتصال بها، ويسكن اللذع العارض فيها من تبخير ~~المواد الحادة اللذاعة، ويفعل في الأعضاء فعل بياض البيض والمرهم المعروف ~~بالقيروطي المتخذ من الشمع الأبيض المغسول. ودهن الورد والماء فمعرى من ذلك ~~لعدمه اللزوجة والعذوبة. وليس إنما يفوق اللبن الماء بهذه الحال فقط، لكنه ~~قد يفوقه أيضا بما فيه من الجلاء والغسل والتنقية لما فيه من رطوبة المائية ~~الحادة التي من شأنها غسل الفضول وجلائها وتنقيتها. ولكنه لما كان كل لبن ~~من شأنه الاستحالة والتغير، وبخاصة في الهواء الحار، لم يؤمن عليه أن تنحل ~~(4) حواسه وقواه التي وصفناه به، إذ لم يوجد عند خروجه من الضرع بحرارته ~~التي يخرج بها من الحيوان. # PageV00P559 # وأفضل الألبان وأعدلها مزاجا وأسرعها انهضاما وأقربها من توليد الدم ~~المحمود، ألبان النساء الفتيات المعتدلات المزاج القويات الحرارة الغريزية ~~بالطبع. ولذلك صار من أنفع الألبان للذع العارض في ms498 المعدة وقروح الرئة ~~والمعاء، وشرب الأرنب البحري، ومنه الدواء المعروف بقاتل الذئب، وشرب ~~الذراريح (1). وقد ينفع أيضا من الطرفة التي تعرض للعين إذا قطر فيها. وبعد ~~ألبان النساء لمثل ذلك ألبان الحيوانات القريبة من المزاج المعتدل بالطبع ~~التي ليست ببعيدة من مزاج بدن الانسان. والوقوف على مثل ذلك سهل من رائحة ~~لحم الحيوان، لان كل حيوان مزاجه بعيد من مزاج بدن الانسان مثل الأسد ~~والكلب والثعلب والذئب والأرنب والدب والسنور وما شاكل ذلك، فلحمه زهم جدا ~~كريه الرائحة منافر للطباع. وكل حيوان ليس مزاجه ببعيد من مزاج الانسان مثل ~~الضأن والماعز والبقر والظبي وما شاكل ذلك، فلحمه غير زهم ولا منافر ~~للطباع. ولذلك صار الانسان يستعمل ألبان هذه الحيوانات لأنه قد عرفها ~~وقاربت الطباع إلى قبولها. # وقد نتخذ من بعضها جبنا وزبدا وسمنا مثل الضأن والماعز والبقر. فأما ~~الخيل والأتن والنوق فليس يمكن أن يكون منها جبن ولا سمن، لان ألبانها ~~رقيقة مملوءة رطوبة غزيرة المائية جدا، ولذلك لا تقبل الجمود والانعقاد، ~~وإن كان ديسقوريدس حكى عن لبن الخيل: أنه يتخذ منه جبن يسمى الأقاقي، وذكر ~~أنه زهم جدا تعافه النفوس ولا تقبله الطباع، إنما اشتق له هذا الاسم من اسم ~~منفحة الخيل، لأنها تسمى أقاقي. # والسبب الذي له صار بعض الألبان يتجبن وبعضها لا يتجبن ما قدمنا ذكره في ~~تركيب اللبن من جواهر ثلاثة: جوهر مائي فيه حدة، وجوهر جبني الغالب عليه ~~الأرضية، وجوهر دسم الغالب عليه الهوائية. فأما الجوهر المائي، فلسيلانه ~~وحدته، صار لا يقبل الانعقاد لان من شأنه أن يذيب ويغسل ويحلل. وما كان ~~كذلك لم يمكن انعقاده أصلا. وأما الجوهر الجبني، فلغلظ أرضيته، صار قابلا ~~للانعقاد والذوبان في حال دون حال، لأنه عند ملاقاته البرد والجليد والثلوج ~~يجمد وينعقد. وعند مباشرته الحر والسموم يذوب وينحل. ومن قبل ذلك صار كل ~~لبن مائيته أكثر وجبنيته وسمنيته أقل لا يمكن أن يكون منه جبن لبعد المائية ~~من الانعقاد بالطبع، وبخاصة إذا كان فيه مع ذلك حدة وحرافة. # وكل ms499 لبن جبنيته وسمنيته أكثر ورطوبته ومائيته أقل، يمكن أن يتجبن وينعقد ~~لقرب الجبنية والسمنية من الانعقاد بالطبع، إلا أن ما كان منها سمنيته أزيد ~~وجبنيته أنقص، كان الجبن المتخذ منه ألذ طعما وأكثر دسما وأسخف جسما. وذلك ~~لغلبة الجزء الهوائي عليه بالطبع. وما كان منه جبنيته أكثر وسمنيته أقل، ~~كان الجبن المتخذ منه أكثر اكتنازا (2) وأصلب جسما وأقل دسما وأبعد من ~~اللذاذة، وذلك لغلبة الجزء الأرضي عليه بالطبع. ولذلك صار الجبن المتخذ من ~~الضأن ألذ وأدسم من الجبن المتخذ من البقر # PageV00P560 # وبعده الماعز، لان الجزء السمني في الضأن أكثر وعليه أغلب. # وقد بان مما قدمنا إيضاحه أن أغلظ الألبان وأبعده انهضاما وانحدارا ~~وأثقلها على المعدة وأقلها إطلاقا للبطن ألبان البقر، إلا أنها أكثر ~~الألبان غذاء لأنها أكثر جبنية وسمنية خلا لبن الضأن فإنه (١) أكثر جبنية ~~منه. ويدل على ذلك زهومة لبن الضأن وذكاء رائحة لبن البقر. والسبب في غلظه ~~وبعد انهضامه وثقله على المعدة أنه أقل الألبان مائية ورطوبة، من قبل أنه ~~أكثر الحيوان المشاء يبسا وجفافا. ولذلك صار لبنه نافعا من الاسهال المري ~~والزحير الصفراوي ومن الاسهال العارض من عقر (٢) الأمعاء وبخاصة إذا أشوي ~~بالقطع الحديد الفولاذ ونزع ما فيه من يسير المائية. # فإن قال قائل: فما السبب الذي أوجب للبن البقر النفع من الاسهال ولبن ~~الضأن أكثر جبنية منه! # قلنا له: إن لبن الضأن، وإن كان أكثر جبنية من لبن البقر، فإن في مائيته ~~من الكثرة والحدة ما يخفي فعل الجبنية ويستره. ولذلك صار إذا شوي بقطع ~~الحديد الفولاذ حتى تزول عنه مائيته وحدته، أمكن فيه أن تصير له قوة حابسة ~~قاطعة للاسهال، وإن كان ذلك فيه أضعف منه في لبن البقر والماعز، لان قوة ~~حيوانه الطبيعية وزيادة رطوبته الغريزية تعوقانه عن مرتبة لبن البقر في ~~ذلك، لغلبة اليبس وضعف الحرارة في لبن البقر بالطبع. وقد يستعمل لبن البقر ~~على ضروب من الصنعة فتختلف أفعاله ومنافعه على حسب اختلاف صنعته. وذلك أن ~~<من> أراد استعماله لقطع الاسهال المري ms500 ومن عقر الأمعاء وتسكين ~~الزحير الصفراوي، إذا أخذه وهو حليب وشواه بالحصى المدور المصمت أو بالقطع ~~الحديد الفولاذ على ما وصفنا مرارا، وشربه بعد ذلك (3) النساء. # فان قال قائل: وكيف صار لبن الأتن ألطف الألبان فعلا ولبن اللقاح والخيل ~~أكثر مائية، وأخص باللطافة من الجبنية والسمنية؟ قلنا له: إن الشئ ينسب إلى ~~اللطافة لجهتين: إما لقوة فعله وناريته في تلطيف الأثفال وتنقية الفضول، ~~وإن كان الجوهر المتولد عنه غير محمود مثل الفلفل والزنجبيل وما شاكل ذلك. ~~ولبن اللقاح، وإن كان ألطف فعلا بحدته وقوة (4) تلطيفه، فإن لبن الأتن ألطف ~~جوهرا لاعتداله وقربه (5) من لطافة لبن النساء (6). ولذلك قال ديسقوريدس: ~~إن لبن الأتن لا يكاد أن يتجبن لقربه من طبيعة لبن النساء ومشاكلته له في ~~اللطافة، وبخاصة إذا شرب بحرارته التي يخرج منها من الضرع. # وأفضل من ذلك أن يشرب من الضرع إن لم تعافه النفس، فإن عافته النفس، شرب ~~كما يخرج من الضرع بشئ من سكر طبرزد. # PageV00P561 # القول في شرب اللبن ينبغي لشارب اللبن أن يتناوله بسخونته التي يخرج بها ~~من الضرع، فإن أمكنه أن يمتصه من الضرع مصا كان أفضل، لان الهواء إذا مسه ~~ذهب غليه وأضعف حرارته، وغلظه بعض الغلظ، ومنع من سرعة انهضامه. وإذا ~~تناوله فيجب أن يمتنع من كل ما يؤكل ويشرب إلى أن يكمل انهضامه في المعدة ~~حسنا، وينحدر عنها بكماله من قبل أن كل ما خالطه في المعدة من شئ، أي شئ ~~كان، من طعام أو شراب أو غير ذلك، فسد وأفسد كل ما يخلطه مما أخذ قبله أو ~~بعده. ثم يحذر غاية الحذر من أن يتعب بعقب شربه له، لان التعب يحمي اللبن ~~في المعدة ويفيده حرارة غريبة ويعومه ويغليه ويمنعه من أن يستقر في المعدة ~~ويصل إلى موضع النضج. وإذا حمي وعام، حدثت فيه استحالة وحمض بسرعة. ولا ~~يستعمل السكون أيضا جملة، فيمتنع من الهبوط إلى قعر المعدة وموضع النضج، ~~ولكن يتمشى بعقب أخذه له قليلا برفق، ثم يسكن قليلا من غير ms501 أن ينام، لان ~~النوم يمنع الاسهال، فإنه متى امتثل (١) هذا التدبير، هبط اللبن بيسير ~~الحركة واستقر في قعر المعدة وموضع النضج (٢) من غير أن يستفيد حرارة عرضية ~~تعومه وتحدث فيه غليانا وحموضة. وإذا سلم من ذلك انهضم بسرعة من قرب. وإذا ~~دام التعب وأفرط، انحدر اللبن عن المعدة بفجاجة وغلظ وولد رياحا نافخة ~~وسددا وغلظا. ولذلك صار من الأفضل أن يتمشى شاربه له (٣) قليلا برفق، ومرة ~~بسكون من غير أن ينام، لان النوم يمنع إسهاله للبطن. فإذا امتثل شاربه هذا ~~التدبير، هبط اللبن إلى قعر المعدة وموضع النضج بيسير الحركة لأنه لم يستفد ~~حرارة عرضية تعومه. وإذا سلم من ذلك وصار إلى موضع الطبخ من المعدة، ~~<و> انهضم بسرعة انهضاما محكما فليتناوله ثانية ويمتثل ما قدمنا ذكره ~~في التدبير في المرة الأولى والثانية. # والسبب في شربه ثلاث مرات أو أكثر في اليوم الواحد أن اللبن في ابتداء ما ~~يؤخذ، يسهل # PageV00P562 # إسهالا معتدلا نافعا ويجذب ما يصادفه في المعدة والمعاء الدقيق وعروق ~~الماساريقا من غير أن ينيل البدن شيئا كثيرا. فإذا نقى المعدة والمعاء ~~الدقاق وعروق الماساريقا جذبته العروق ونفذ فيها بسرعة ولم يعقه شئ عن سرعة ~~الانهضام في الكبد والجولان في البدن وانقطع فعله في الاسهال وغذى غذاء ~~حسنا فاضلا محمودا. ولذلك صار ما دام إسهاله دائما، كان الاكثار منه غير ~~مكروه ولا مذموم، لان فيه معونة على الاسهال وتنقية للأوعية وتطريقا للسبل. ~~فإذا انقطع فعله في الاسهال وأخذ في تغذية البدن وتربيته، وجب (1) ألا يؤخذ ~~(2) إلا بحسب الطاقة ومقدار القوة على هضمه. ويمسك الشارب له عن شربه وهو ~~بعد مشته له لكيلا يثقل المعدة بكثرته ويهبط القوة الهاضمة ويعوقها عن هضمه ~~ويبقى بفجاجته وغلظه، وتقبله الأعضاء وهو بتلك الحال ويولد فيها ترهلا ~~وتورما من قبل أن الأعضاء إذا عدمت الغذاء، افتقرت إلى ما لم يكمل نضجه ولم ~~يتم هضمه. فإذا صار إليها وهو ني غير منهضم، شبيه (3) ولم يعد بالكثرة وبقي ~~فيها منحصرا وغلى وصار بخارا نافخا ورهل اللحم ms502 وورمه. # ومن أراد شرب اللبن لقطع الاسهال المري أو لضعف المعاء المعروف بالصائم ~~أو لانصباب شئ من ذوبان البدن إلى البطن في العلة المعروفة بالسل أو غيرها، ~~فليقصد منه لبن البقر وبعده لبن الماعز ويطبخه بنار ضعيفة لينة لا لهب لها ~~ولا دخان، ويديم تحريكه رويدا رويدا بقضيب أملس بري من أطرافه إلى وسطه ~~كأنه يجمعه جمعا ويجره من نواحي القدر إلى وسطها. فإن فاض منه إلى حافة ~~القدر شئ فليبادر ويمسحه بإسفنج البحر ويغرف بصوفة البحر بعد أن يغمس بماء ~~عذب ويعصر جيدا كيلا يرجع إلى ما قد فار وارتفع من اللبن إلى حافة القدر ~~ويشربها شئ من اللبن فيحترق ويفسد بفساده اللبن. ويديم طبخه وتحريكه على ما ~~وصفنا إلى أن يغلظ معتدلا مستويا شاملا لجملة اللبن في استوائه واعتداله ~~وتزداد حلاوته على حلاوته الطبيعية التي كانت بها قبل الطبخ. # PageV00P563 # القول في اللبأ والزبد والجبن فأما اللبأ (١) فهو أغلظ من اللبن وأعسر ~~انهضاما وأبعد انحدارا، وذلك لعدمه مائية اللبن ورطوبة الجوهرية، من قبل ~~أنه يمكث في الضرع أياما قرب وضع الحيوان حمله قبل (٢) أن يحلب فينشف ~~حرارته الهواء ورطوبته الجوهرية ومائيته. ويستدل على غلظه وبعد انهضامه ~~بسرعة ما يولده <في> المعدة من البشم (3) والتخم لا سيما إذا أخذ ~~بغير عسل ولا غيره من الحلاوة المعينة على انحداره بجلائها وتنقيتها. # ولذلك صار أكثر تولدا للدم والاخلاط الغليظة من اللبن كثيرا. فإذا انحدر ~~عن المعدة وصار إلى المعاء، أثقلها بغلظه وبعد انقياده وتهبط القوة وجلت عن ~~تدبيره وانحدر بسرعة وأسهل البطن إسهالا نيا فجا. # وكثيرا ما يولد العلة المعروفة بزلق المعاء والعلة المعروفة بالهيضة (4). # وما عقد من اللبأ في قدر في جوف قدر مملوءة ماء، كان ألطف مما عقد على ~~نار أو على رماد حار، لان الماء الذي في القدر الخارجة عنه يفيده رطوبة ~~وليانة وسرعة انهضام، وإن كان بعد الانهضام مخصوصا به بالطبع. # القول في الزبد (5) وأما الزبد فقد بينا في المقالة (6) الأولى في كتابنا ~~أنه مساو (7) لطبيعة الشحم والسمن، ms503 أعني بالشحم المجاور للعظام واللحم. ~~ولذلك صار إذا استعمله من كان محتاجا إلى أن ينفث من رئته وصدره شيئا عند ~~الأورام المتولدة في الرئة أو في الحجاب المعروف بديافرغما (8)، أعان على ~~ذلك وأنضج # PageV00P564 # الرطوبات ونفع منفعة بينة قوية. وإذا طلي على لثة الأطفال عند خروج ~~أسنانهم، سكن الألم العارض فيها وسهل خروج الأسنان بسرعة بتليينه وترطيبه ~~لها. وقد يفعل الدماغ والنخاع مثل ذلك أيضا، غير أن الدماغ يحتاج أن يخلط ~~معه شئ من ملح كيلا يغثي. # وإذا طبخ الزبد وزال ما فيه من بقايا رطوبة اللبن وصار سمنا، صار (1) فعل ~~دهنيته ولزوجته أظهر وأقوى على تحليل الأورام الجاسئة وتليين خشونة ~~الأعضاء. ولذلك صار مضرا بالمعدة لأنه يلين خشونتها ويفسد خاصتها التي يقوى ~~بها على هضم الغذاء، إلا أنه نافع من القلاع العارض لأفواه الصبيان. وأما ~~سمن البقر والماعز، فإنه إذا شرب مع العسل، نفع من شرب السم القاتل ومن لدغ ~~الحيات والعقارب. # القول في الإنفحة كل إنفحة فيها الحرارة الغريزية وحرارة عرضية مكتسبة من ~~العفونة المتولدة من حركة الحيوان التي هي منه كاكتساب الثلج الحرارة من ~~الهواء، تتولد منه فيه العفونة والدود. ولذلك صار للإنفحة قوة محللة ملطفة ~~مجففة. وإنفحة الأرنب خاصة فيها قوة بها تقطع دم الطمث وتنفع من نفث الدم. ~~وإذا شرب منها بالعسل والطلاء والخل حللت اللبن المتجبن في المعدة، وإذابة ~~الدم الجامد في البطن. وإذا شرب منها وزن قيراط بطلاء مطبوخ، نفعت من لدغ ~~الحيات والعقارب وسائر الهوام. وأما إنفحة الخيل فنافعة من الاسهال المزمن ~~والعلة المعروفة بدسنطاريا. وأما إنفحة الحمير والظباء والجدي، فإنها إذا ~~شربت بخل، نفعت من الجبن. # القول في الجبن الجبن في جملته مذموم جدا لأنه ثقيل في المعدة بطئ ~~الانهضام مخصوص بتوليد القولنج وحجارة الكلى، وإن كان ذلك قد اختلف فيه. ~~ويعقل ويلين بحسب اختلاف أنواعه وأجناس حيوانه الذي يكون منها. واختلافه في ~~أطراف القدم والتوسط بين ذلك وذلك أنه يختلف بدءا على ثلاثة ضروب: لان منه ~~الرطب الطري الذي يؤكل ليومه ms504 أو قريبا من ذلك، ومنه العتيق اليابس، ومنه ~~المتوسط بين ذلك. # فأما الرطب منه فهو أقل أنواع الجبن حرارة وأبعدها من الحدة وأقواها من ~~البرودة والرطوبة في الدرجة الأولى، وذلك لما فيه من بقايا رطوبة اللبن ~~ومائيته. وما كان من الجبن كذلك وكان بغير ملح، كان وسطا بين غذاء اللبن ~~والجبن. ولذلك صار غذاؤه أكثر من غذاء غيره من الحيوان وأزيد في اللحم # PageV00P565 # وأكثر تليينا للبطن من غير إضرار المعدة، وإن كان فيه ملح، كان غذاؤه أقل ~~وزيادته للحم أنقص وأضعف وأضر بالمعدة والأمعاء جميعا، وإن كان يلحقه أيضا ~~من كثرة الغذاء وقلته وسرعة الانهضام وإبطائه يخرج ما يتناول معه من مائية ~~اللبن ورطوبته في الكثرة والقلة، من قبل أن المائية كلما كانت فيه أكثر، ~~كان غذاؤه أقل وانهضامه أسرع، وإطلاقه للبطن أزيد وبخاصة متى أكل بالعسل. ~~وكلما كانت المائية فيه أقل، كان غذاؤه أكثر وانهضامه أبعد وانحداره أعسر ~~وإطلاقه للبطن أقل، وبخاصة متى أكل بغير عسل ولا حلاوة. # وإذا تقادم الجبن وعتق وصلب، بدت فيه قوة الملح وحرافة الإنفحة وحدتها، ~~وصار في عداد الأشياء الحريفة، واستحال في المعدة إلى الدخانية، وجنس ~~المرار يكون لجهتين: إحداهما: ظهور دسمه ودهنيته وغلبتهما عليه لفناء بقايا ~~رطوبة اللبن ومائيته منه. والثانية: لما فيه من الحدة المستفادة من حرافة ~~الإنفحة وحدتها. والسبب في حبسه للبطن تجفيفه المكتسب من يبس الإنفحة وجفاف ~~الملح. # ولذلك صار إذا خلط بالأشياء الحريفة المطلقة للفضول، لم يستفد منها ~~صلاحا، لان الذي يصل إليه منها من الزيادة في حدته وحرافته يستغرق ما ~~يستفيده منها من المنفعة والتلطيف، ويصير بها أعون على توليد الحجارة في ~~الكلى، لان أعظم أسباب تولد الحجارة في الكلى اجتماع أخلاط غليظة في حرارة ~~زائدة ملتهبة. وهاتان القوتان موجودتان في العتيق وبخاصة إذا خلط بأشياء ~~حريفة. ولذلك وجب أن يحذر ما كان من الجبن شديد الحال من الجفاف والحدة، ~~لان ما كان كذلك لم يصلح للاطلاق ولا لجودة الغذاء ولا لتوليد الدم ~~المحمود، وإن كان غذاؤه كثيرا. ms505 أما كثرة غذائه فلان أقوى ما في اللبن يصير ~~جبنا. وأما قوته فلان حرارة البدن كلما ازدادت فعلا، ازداد هو صلابة ~~وجفافا. # وأما الجبن المتوسط بين الجبن الرطب وبين الجبن العتيق فبحسب توسطه ~~بينهما. لذلك توسط غذاؤه وانهضامه، وإن كان ذلك قد يزيد وينقص على حسب ~~انحرافه عن التوسط والاعتدال إلى إحدى الحاشيتين دون الأخرى، لان ما كان ~~انحرافه إلى حاشية الجبن الرطب أكثر، كان غذاؤه أحمد وانهضامه أسرع. وما ~~كان انحرافه إلى حاشية الجبن العتيق أكثر، كان غذاؤه أذم وأفسد وانهضامه ~~أبعد وأعسر. # وقد يتضح ذلك ويشهد له الوقوف عليه من كيفية جسم الجبن وطعمه والجشاء ~~الذي يتولد عنه بعقب أكله. وأما معرفة ذلك من قبل جرم الجبن، فلان ما لان ~~منه وقلت رطوبته وتحلل جسمه وكان رخوا منفوخا إسفنجيا، كان أفضل وأحمد مما ~~كان كثيفا مكتنزا ملززا. وما كان منه متينا غليظا، وكان قد بلغ من اقتران ~~حرارته إلى أن صار خيسا خشفا (1) سريع التفتيت، كان أردأ وأذم. وما كان ~~متوسطا بين هاتين الحاشيتين، أعني بين المتانة والعلوكة وبين فرق اتصاله ~~(2)، صار أفضل وأحمد. وأما معرفة ذلك فمن طعم الجبن. فإن لم يكن فيه طعم ~~الجبنية والإنفحة ظاهرا بينا قويا، وكانت الحلاوة والعذوبة عليه أغلب # PageV00P566 # وفيه أبين، كان أفضل مما كانت جبنيته أقوى وإنفحته أظهر. وكذلك (١) ما ~~كانت ملوحته أقل وأخفى، كان أفضل مما كانت ملوحته أكثر وأعلن. وأما معرفة ~~ذلك من قبل الجشاء <ف‍> ما زال طعمه من الجشاء بسرعة، كان أفضل مما ~~بقي طعمه في الجشاء مدة أطول لان في طول لبث طعمه في الجشاء دليل واضح على ~~غلظ جسمه وبعد انهضامه وعسر انحداره وفساد جوهره. # وقد يجبن الجبن بضروب من المجبنات فتختلف قواه وأفعاله بحسب ما يجبن به. ~~فالأكثر منه يجبن بالإنفحة. ومنه ما يجبن بلب القرطم المسحوق. ومنه ما يجبن ~~بالاسكنجبين. ومنه ما يجبن بماء التمر هندي مطبوخ. ومنه ما يجبن بماء ~~الحصرم وبماء الرمان الحامض أو بماء حماض الأترج. ومنه ما يجبن ببرودة ms506 ~~الماء المبرد وهو أن يغلى اللبن فإذا فار أنزلت فيه قارورة مملوءة ماء قد ~~برد فحركت فيه قليلا. # فما كان منه مجبنا بالإنفحة فقد تقدم القول بما فيه مقنع. وما كان منه ~~مجبنا بلب القرطم، كان أفضل لمن رطب مزاجه وكان بلغمانيا. وما كان منه ~~مجبنا بالاسكنجبين، كان أبعد من توليد السدد وحجارة الكلى وكان أقل أضرارا ~~بأصحاب البهق والتنفس العارض من الرطوبة الغليظة وبخاصة إذا كان الخل الذي ~~عمل منه الاسكنجبين خلا (2) عنصلانيا. وما كان منه مجبنا بماء التمر هندي ~~المطبوخ كان أقل ضررا بالمحرورين وأسرع انحدارا عن المعدة. وما كان مجبنا ~~بماء الحصرم أو بماء الرمان الحامض أو ماء حماض الأترج، كان أغلظ وأبعد ~~انحدارا، إلا أنه أفضل في قطع الاسهال الصفراوي. وما كان مجبنا ببرودة ~~الماء البارد، كان أفضل غذاء وأحمد جوهرا، لا سيما إذا كان طريا ليومه، ~~لأنه يقوم مقام اللبن المطبوخ بالماء الذي ذهبت منه مائيته وبقيت جبنيته ~~وسمنيته. # PageV00P567 # القول في المرارة قال إسحاق: من عادة الأوائل، إذا قالوا المرة مطلقا، أن ~~يعنوا بها المرة الصفراء، وهو بين عند الخاص والعام أنها أحر الأخلاط وأقوى ~~تجفيفا، إلا أنه قد يختلف في ذلك ويلحقها الضعف والقوة، والزيادة والنقصان ~~بحسب طبيعة الحيوان الذي هي منه ومزاجه. فما كان منها من حيوان أضعف حرارة، ~~كان أقل حدة وحرارة وأضعف يبسا. وأما البرودة والرطوبة فإنهما (1) لا ~~تضافان إلى المرة ولا تنسبان (2) إليها أصلا، لان من الممتنع وجود مرة ~~باردة أو رطبة. وقد يستدل على اختلاف المرة من كل حيوان من لونها ومزاج ~~حيوانها. وذلك أن لونها يكون على ضروب: لان منه الأحمر، ومنه الأصفر، ومنه ~~الزعفراني، ومنه الاسمانجوني (3)، ومنه الباذنجاني. # فما كان منها أحمر دل على اعتدال مزاج حيوانه وتكافؤ الأخلاط فيه، وقوة ~~حرارته الغريزية بالطبع. وما كان منها أصفر دل على غلبة الرطوبة على مزاج ~~حيوانه، إما لضعف (4) الغريزية ونقصانها، وإما لكثرة الدعة والسكون، وإما ~~لكثرة الشبع والري، لان ذلك مما يفيد الأبدان رطوبات فضلية إذا خالطت المرة ms507 ~~أكسبتها بياضا، ولذلك صار لون المرة من الإناث والخصيان من كل حيوان، وفي ~~القريبي العهد بالولادة، أعني الأطفال أقل حمرة وأميل إلى الصفرة لغلبة ~~الرطوبة على مزاج من كان كذلك بالطبع. وما كان من المرة أسمانجونيا دل على ~~حرارة قوية إما من حدة المزاج، وإما لدوام الرياضة والتعب، وإما لادمان ~~الصوم وكثرة العطش، لان ذلك مما يفيد الأبدان حرارة وجفافا ويحمي المرة ~~الحمراء ويجاوز بحرارتها المقدار (5) الطبيعي، ومن قبل ذلك صار الأغلب على ~~لون مرة الفحل والفتي من الحيوان الاسمانجونية لغلبة الحرارة على مزاج من ~~كان كذلك بالطبع. وما كان من المرة زنجاريا أو # PageV00P568 # محيا دل على إفراط الحرارة والتهابها لغلبة الاحتراق والجفاف على مزاج من ~~كان هذا لون مرته بالطبع. # وكذلك صار لون مرة العقبان والبزاة يلنجيا (1) أو أسود (2) لغلبة ~~الاحتراق والجفاف على مزاج هذا الحيوان بالطبع. # ولما كان ذلك كذلك، كان من الأفضل ألا يستعمل أحد شيئا من المرارات في شئ ~~من الأدوية دون أن يفتقد لون المرة بدءا ليقف على مزاج حيوانها وطبعه، ~~ويميز حدة المرة من لينها ليستعمل كل جنس منها في كل واحد من الأدوية على ~~حسب طبيعة المستعمل للدواء وذكاء حسه وجفاف مزاجه وغلظ جنسه ورطوبة مزاجه، ~~لان ذكاء الحس وجفاف المزاج يمنعان من احتمال حدة الأدوية وقوة لذعها، ~~وكذلك ما كان من العلل الغالب عليه الحرارة والجفاف وقلة الوسخ والصديد، ~~كان احتماله لحدة الأدوية وقوة لذعها أقل كثيرا. وما كان من العلل الغالب ~~عليه ضعف الحرارة وكثرة الصديد والوسخ، كان احتماله لحدة الأدوية وقوة ~~لذعها أكثر كثيرا. # وقد يستدل على ذلك من جهتين: إما من فعل المرة الواحدة في أبدان مختلفة، ~~وإما بتأثير مرات مختلفة (3) في بدن واحد، وذلك أنا كثيرا ما نجد فعل المرة ~~الواحدة في بعض الأبدان أشد وأقوى لذكاء حس البدن وقلة رطوبته ونقي جراحاته ~~من الصديد والوسخ، وفى بعض الأبدان أسهل وأضعف لغلظ حس البدن وزيادة رطوبته ~~وكثرة صديد جراحاته ووسخها. ولذلك قد نجد البدن الواحد يحس من قوة ms508 فعل ~~المرة الاسمانجونية وشدة لذعها وألمها ما لا يحسه من فعل المرة الصفراء، ~~ولا قريب منه لقوة حدة المرة الاسمانجونية وضعف قوة المرة الصفراء ~~وسهولتها. ولجالينوس في مثل هذا قول حكاه عن الأوائل زعم أنهم كانوا ~~يستعملون في بعض الأدوية مرارة الثور والفحل، وفى بعضها مرارة الثور الخصي. # والامر في هذا بين واضح لان كل ذكر يخصى، تضعف حرارته وينتقل مزاجه إلى ~~مزاج الأنثى، ومزاج القريب العهد بالولادة. ومن البين أن مزاج الأنثى من كل ~~حيوان ومزاج القريب العهد بالميلاد يفارق مزاج كل ذكر وكل فتي من جنسه في ~~ضعف الحرارة وكثرة الرطوبة، لان حرارة الفتي من كل حيوان أشد وأكثر نارية، ~~لأنها أقوى بالكيف لغلبة المرة الصفراء على مزاج الفتي بالطبع. فأما القريب ~~العهد بالميلاد فإن حرارته، وأن كانت أقوى ما تكون بالطبع، فإنها (4) أضعف ~~من حرارة الفتي وألين كثيرا، وذلك لغلبة الدم على مزاج القريب العهد ~~بالميلاد بالطبع، والدم أضعف حرارة وألين من المرة الصفراء بالطبع. # PageV00P569 # وقول آخر حكاه عن نفسه قال فيه: وإني لما رأيت لون المرة في أكثر الفحولة ~~من الثيران أسمانجونيا، لم ألق في الدواء الذي احتاج ان أخلط به مرارة ~~الثور المرة التي في لونها أسمانجونية، حتى أخذت مرارة ثور آخر معتدلة ~~اللون مائلة إلى الحمرة، واستعملتها في الدواء لأني وقفت على أن سبب ~~أسمانجونية تلك المرة لم يكن إلا لان الثور الذي أخذت منه كان قد أتعب تعبا ~~شديدا واستكد كدا عنيفا واستوثق من وثاقه في وقت قوده حتى غضب غضبا مفرطا ~~وقلق واستحر مزاجه والتهب، ولم أبعد أيضا أن يكون قد جاع جوعا كثيرا وعطش ~~عطشا شديدا. ولذلك امتنعت أن أستعمل مرارته في الدواء الذي أردت أن أركبه. ~~ولذلك مثلت الأوائل المرة بالبول، لان البول إذا كان مزاج البدن معتدلا، ~~كان صبغه أيضا كذلك. ومتى عطش الانسان أو صام أو تعب تعبا شديدا قويا أو ~~غضب غضبا شديدا، أسخن البدن وقوى صبغ البول وصار أشقر. ومتى أكثر الانسان ~~من الطعام والشراب وأدمن ms509 الدعة والسكون، انحصرت الرطوبات في باطن بدنه وقلت ~~حرارته وضعف طبخ البول وخرج أبيض لا صبغ له. وكذلك ألوان المرة تختلف على ~~حسب اختلاف الحيوان، لأنها تكون فيمن يديم الجوع والعطش ويكثر الرياضة ~~والتعب، شديدة (١) الاسمانجونية اللون. وفيمن هو بخلاف ذلك وعكسه، قليلة ~~الصبغ مائلة إلى الصفراء. # وإذ ذلك كذلك فقد بان واتضح انه متى ألقيت (٢) في دوام الأدوية قوية ~~الصبغ أسمانجونية اللون وزنجارية، أفادت ذلك الدواء حرارة وتلذيعا. ومتى ~~ألقيت (٢) فيه مرارة قليلة الصبغ مائلة إلى الصفرة، صار ذلك الدواء بها ~~مقصرا عن المزاج المعتدل ونقص من حرارته بحسب انحراف لون المرة الحمراء. ~~<و> صرنا متى أردنا أن نستعمل شيئا من المرارات لتفتيح عروق المعدة ~~لنستفرغ منها دما قد احتقن فيها، قصدنا من المرارات أحدها وأقواها صبغا، ~~ذلك لغلظ حس الموضع لانصباب الرطوبات وسائر المرار إليه بالطبع. ومتى أردنا ~~استعمال شئ من المرارات في... # (3) ألطفها وأقلها صبغا وألينها فعلا، ذلك لذكاء حس السمع وغلبة التليين ~~عليه والجفاف بالطبع، وإن كان من الأفضل ألا تستعمل المرارة في مثل هذا ~~العضو وحدها دون أن يخلط معها ما يلينها ويسهلها على الحاسة كيلا تنكأها ~~وتهتكها. # ولمثل ذلك صرنا إذا أردنا أن نستعمل شيئا من المرارات لحدة الفهم، قصدنا ~~مرارات الطير والحجل والدجاج لان مرارات الطير، وإن كانت أسخن وأيبس من ~~مرارات المواشي، فإن في مرارة الحجل والدجاج من ضعف الحرارة وقلة التلذيع ~~ما قد صارت بذلك أعدل من مرارات الطير وألطفها. ويستدل على ضعف حرارة الحجل ~~والدجاج من ثقل حركتها وضعف طيرانها. وقد (4) ينبغي أيضا ألا تستعمل # PageV00P570 # مرارة الحجل والدجاج في علاج العين دون أن يخلط معها ما يزيد في لطافتها ~~قليلا مثل ماء الرازيانج والعسل وما شاكلهما، ويكون ماء الرازيانج أكثر ~~لأنه ألين على الحاسة. # وأما مرارة الفحول من البقر فتسخن إسخانا أزيد من كل ما قدمنا ذكره من ~~مرارات المواشي، إلا أنها أضعف إسخانا من مرارة الضبع، ومرارة الضبع أضعف ~~إسخانا من مرارة العقرب البحري ومن مرارة السمكة المسماة بالبوقريش ms510 (1). ~~ومن وقف على فعل هذه الأصناف من المرارات، وقف على ما يحتاج من العلل إلى ~~التجفيف، ومن يحتاج منها إلى التجفيف أقل، أمكنه أن يتخطى هذه المرارات ~~ويتجاوزها إلى غيرها من المرارات ويختار منها أوفقها لما يحتاج إليه إذا ~~تفقد ألوانها ووقف على مزاج الحيوان الذي هو منه. ولا قوة إلا بالله عليه ~~توكلنا. # PageV00P571 # القول في الطير الطير في الجملة أقل رطوبة وأبعد من اللزوجة وألطف طبعا ~~وأجف لحما وأسرع انهضاما من جميع المواشي، إلا أنه أقل غذاء. والبري من ~~الطير أقل (١) رطوبة من الحضري وأرخص لحما وأسرع انهضاما. والسبب في ذلك ~~(٢) تخلخل وسخافة (٣) لدوام حركته وكثرة تعبه ولطافة هوائه وجفافه. وإذا ~~كان ذلك كذلك، كان الحضري على خلاف ذلك وعكسه، أعني أنه أكثر رطوبة وأزيد ~~غذاء وأبعد من الانهضام لقلة حركته ودوام سكونه وغلظه وزيادة رطوبته. وكذلك ~~صار كل جنس من الطير إذا كان منه حضري وبري. فالحضري أكثر غذاء وأحمد وأكثر ~~جوهرا، وذلك لاعتدال رطوبته وقلة جفافه، إلا أنه أبطأ انهضاما. والمسمن من ~~الطير الحضري في الرعي أفضل من المسمن في البيوت وأسرع انهضاما، وذلك لكثرة ~~حركة المسمن في الرعي ودوام تعبه وأخذه من الغذاء بحسب ما تدعو إليه الطباع ~~ومقدار حاجتها إليه، لقلة إمكان وجوده للغذاء وقلة حركة (٤) المسمن في ~~البيوت ودوام سكونه وأخذه من الغذاء ما يجاوز المقدار لامكان وجوده للغذاء ~~دائما. # وألطف أجناس الطير الدجاج والطهيوج وفراخ الحجل والفراريج، وبعدها الحجل ~~والقطا والدراج المتوسط السمن المعروف بالمصدر. ومما هو داخل في ذلك التدرج ~~والشحرور إذا كانا في غاية السمن، إلا <أن> بين هذه الأجناس فرقانا ~~ظاهرا في حبس البطن، إلا أن القطا أفضلها لحما وأحمدها جوهرا. وأقل الطير ~~رطوبة الشفنين والورشان والفواخت، وإن كان الشفنين أخص بذلك وأوحد به، لأنه ~~أكثر يبسا وجفافا. ولذلك وجب ألا يؤكل إلا بعد ذبحه بيوم لان ذلك مما يرخي ~~لحمه ويزيل عنه أكثر صلابته ويصيره رخصا. وإذا صار كذلك، كان غذاؤه محمودا ~~غير مذموم لأنه يولد دما صالحا متوسطا ms511 بين اللطافة والغلظ. # PageV00P572 # وذكر ديسقوريدس عن الشفنين البحري (1) أن له في ذنبه حمة (2) منقطعة إلى ~~خلف، أعني إلى منبت القشر. وأن هذه الحمة إذا أخذت ووضعت على الأسنان ~~الوجعة، فتتتها وأسقطتها (3). وأعضل الطير وأكثرها صلابة وأقربها (4) من ~~العصب وأكثرها (4) شبها بالليف وأفسدها (4) غذاء الكركي والطواويس. ولذلك ~~صارت أعسر انهضاما وأبعد انحدارا، إلا أن الكركي أخص بصلابة اللحم وبعد ~~الانهضام لأنها أعضل وأصلب. والطواويس أفسد غذاء لأنها أكثر زهومة، ولذلك ~~صار الأفضل ألا تؤكل في الصيف إلا بعد ذبحها بيوم، وفي الشتاء بعد ذبحها ~~بيومين أو ثلاثة، ليلين لحمها ويسترخي. # وأطيب (5) الطير طعما الإوز والبط المعروف بالخشنكار والنعام وفراخ ~~الحمام المسمنة في البيوت. ولذلك صارت كلها، خلا فراخ الحمام، أخص بالغلظ ~~وبعد الانهضام وبخاصة ما كان منها يأوي الآجام والمواضع العفنة. ويدل على ~~ذلك كثرة زهومتها وزفورتها، ولذلك صارت غير موافقة للمعدة لأنها تثقلها ~~وتفسدها بفضل رطوبتها وزهومتها. وأما أجنحتها فليست بدون أجنحة الطير في ~~الفضل وسرعة الانهضام وقلة الفساد، وذلك لدوام حركتها وتواتر تعبها. ولذلك ~~صار أحمد ما يؤكل منها أجنحتها ورقابها، لان الرقاب من كل طير محمودة ~~الغذاء لدوام حركتها وقلة شحمها وبعدها من الزفورة بالطبع. # وأما ما يأوي من الطير الغياض والآجام.. # (6) وأفضل طير الآجام البط المعروف بالخشينكار. # وقد يتوسط بين رطوبة لحم البط وغلظ الكركي لحم الطهيوج. وأحر الطير مزاجا ~~وأكثرها جفافا وأحرقها للدم وأفسدها غذاء لحم الجراد وبعده لحم العصافير، ~~إلا أن لحم الجراد أخص بذلك وأوحد كثيرا وأيبس وأسرع إفسادا للدم وإحراقا ~~له، وأبعد من تغذية الأعضاء والتشبه بها لمنافرة الطباع لها لاختصاصها ~~بتولد المرة السوداء الحريفة، إلا أن من خاصتها على سبيل الدواء أنه إذا ~~تبخر به، منع عسر البول العارض من الرطوبات الغليظة. وفعله ذلك في النساء ~~والخصيان أكثر من فعله في الفحولة والشباب لكثرة احتمال النساء والخصيان ~~لاحراقه وتجفيفه. ولديسقوريدس في الجراد العظيم الذي ليس له جناح، المعروف ~~بالجوجول، قول قال فيه، أنه إذا أخذ طريا من غير أن يملح ولا يطبخ ms512 وسحق ~~وشرب بشراب، نفع من لسع العقارب منفعة عظيمة. # وذكر ديسقوريدس عن طير قريب من الجراد يأوي شجر الزيتون يصيح أكثر زمانه، ~~وصياحه # PageV00P573 # صرير، وأهل الشام يسمونه الزبد، زعم فيه أنه إذا شوي وأكل، نفع من وجع ~~المثانة. وأما العصافير فإن حرارتها وتجفيفها دون حرارة الجراد وتجفيفه ~~كثيرا. وتدل على ذلك زيادة لحمها على لحم الجراد وفضل رطوبتها، بإضافتها ~~إليه. ولذلك صارت العصافير أقرب إلى الترطيب وأبعد من الاحتراق. # والمحمود من العصافير ما كان بريا سمينا. وينبغي أن يحذر منها الهزيل جدا ~~والمسمن في الدور، لان الهزيل أيبس وأكثر جفافا للدم، وأقوى على تنشيف ~~الثفل، وأشد حبسا للبطن. والمسمن في الدور أكثر فضولا لكثرة غذائه وعدمه ~~الطيران وقلة حركته. # ومن منافع العصافير على سبيل الدواء أن أدمغة السمان منها إذا أكلت مع ~~بصل وشئ من زنجبيل، زادت في مني من كان مزاجه باردا (1) وبخاصة إن كان ~~بلغمانيا وقوي الشهوة على الجماع. # وأما من كان مزاجه حارا، وبخاصة إن كان صفراويا، فإنه يجففه ويحرق منيه ~~من قرب. # PageV00P574 # القول في الفراريج والدجاج والديوك أما الفراريج فإنها أسرع الطير الحضري ~~انهضاما وأحمده غذاء وأفضله جوهرا وأكثره تولدا للدم المحمود وتقوية للشهوة ~~وأقربه من الموافقة لجميع المزاجات ولكل الناس. وما طبخ منها زيرباج كان ~~أصلح لتعديل المزاج وتسكين حرارة المعدة. وما طبخ منها اللون الساذج ~~المعروف بالاسفيذباج، كان أوفق لتليين البطن وإحدار المرة الصفراء. وما طبخ ~~منها بحصرم أو بماء رمان حامض أو بماء حماض الأترج أو بماء سماق، كان مقويا ~~للمعدة وقاطعا للاسهال المري. وما عمل منها خررباج (1)، وشق بحرارته وشمه ~~الناقهون (2) من الأمراض ممن لا يقدر على شئ من الغذاء، أغذته رائحته غذاء ~~محمودا وقوت شهوته للغذاء. وأحمد ما كانت الفراريج حين تبتدئ الصياح وبخاصة ~~الذكران منها، السمان المعتدلة السمن. وأما الدجاج فإنها أكثر رطوبة من ~~الفراريج كثيرا ولذلك صارت أغلظ وأبعد انهضاما، إلا أنها أكثر غذاء. فإذا ~~طبخت اللون الساذج المعروف بالاسفيذباج، اكتسبت رطوبة واعتدلت وقوت المعدة، ~~وقال ديسقوريدس: وسكنت حرارتها. ms513 وإذا طبخت زيرباج، كانت أكثر تسخينا لحرارة ~~المعدة. # وإذا استعملت حروباج وقويت الطباع على هضمها حسنا وجاد هضمها في المعدة، ~~غذت غذاء قويا وحبست البطن حبسا قويا وبخاصة إذا أخذت بماء الحصرم أو بماء ~~رمان حامض أو بماء حماض الأترج وشئ من طلع. # وأما الديوك فإن الفتي منها أغلظ وأقل رطوبة وأبعد انهضاما من الدجاج. ~~وأما الهرم فإنه ألين جسما وأرخى لحما من الفتي كثيرا وإن كان فيه بعد ~~انهضام وبطء انحدار، إلا أنه إذا ألقي عليه خمسة عشر رطلا ماء وأكثر ملحه ~~وطبخ حتى يتهرأ وترك في مرقته ليلة وأسخن بالغداة وشربت مرقته، أطلقت البطن ~~ونفعت من القولنج، من قبل أن في لحمه بورقية فتحل في مرقته وتفيدها تقطيعا ~~وتلذيعا وبخاصة إذا طبخ مع لباب قرطم وشبت وكمون وأصل الكراث النبطي وورقه ~~إن كان في مزاج العليل احتمال # PageV00P575 # لذلك. وإذا أخذ الديك الهرم فشق جوفه وأخرج ما فيه وجعل مكان ما أخرج منه ~~لب القرطم وبسفايج (1) وكرنب بحري من الكرنب الذي له ورق طويل وقضبان حمر ~~وفى طعمه ملوحة، ثم طبخ الكل بخمسة عشر رطلا ماء حتى يتهرأ وشربت مرقته، ~~أسهلت إسهالا بلغمانيا وفضولا غليظة سوداوية، وحللت رياح المعدة وسكنت ~~أوجاعها ونفعت من الارتعاش وأوجاع المفاصل والربو العارض من الرطوبات ~~الغليظة ومن الحميات المتطاولة وذوات الأدوار. # ومن منافع الدجاج والديوك على سبيل الدواء: أن دمها إذا ضمد به الدماغ ~~والجبين والأصداغ، نفع من الدم المنبعث من حجب الدماغ. وأدمغة الدجاج خاصة ~~إذا شربت، نفعت من مثل ذلك ومن نهش الهوام. وإذا شقت الدجاجة وحملت ~~بحرارتها الغريزية على نهش الهوام وبدلت مرارا، نفعت من ذلك أيضا. وشحم ~~الدجاج إذا أخذ طريا بغير ملح وعمل منه ضماد، نفع من أوجاع الأرحام وحلل ~~أورامها. وإذا ملح وعتق وصار متقادما مالحا جفت رطوبته لحدة الملح وحرارته ~~واستفاد يبسا وتلذيعا وأضر بالأرحام. وشحم الإوز يفعل مثل ذلك أيضا. وإذا ~~شرب زبل الدجاج بالسكنجبين أو بالخل، نفع من الفطر القتال. وإذا شرب بعسل ~~وماء حار ms514 أو بشراب وماء حار، نفع من القولنج. وإذا عمل منه أيضا لطوخ بعسل، ~~نقى الخشكريشة المجتمعة على النار الفارسي. وإذا أخذت الديوك وأحرقت بريشها ~~وأخذ منها الحجاب الذي داخل القانصة الحاوي للطعام، وجففت وشربت بشراب، ~~نفعت من وجع المعدة. # وإذا شربت ببعض الأدوية القابضة ممزوجة بماء، نفعت من درور البول ومن ~~خروجه بغير إرادة صاحبه إذا خلط معها جفت البلوط وجلنار (2) وسعد مقشور وشئ ~~من كندر. # PageV00P576 # القول في الفراخ والحمام أما الفراخ ففيها، مع حرارتها، رطوبة فضلية بها ~~صار فيها بعض الغلظ، ويدل على رطوبة الفراخ ثقل حركتها وعدمها الطيران. ~~فإذا صارت نواهض (1)، زالت رطوبتها الفضلية وخفت حركتها وصارت أخف لحما ~~وأحمد غذاء وأوفق لأصحاب البلغم وأضر بالمحرورين. ولذلك وجب أن يجتنبها من ~~كان محرورا. فأما من كان معتدلا وأحب أن يأكلها، فليتخذها مصوصا وجردماكا ~~بماء رمان أو بماء حصرم أو بماء حماض الأترج ولب الخيار والقثاء وقضبان ~~الرجلة والكسفرة الرطبة والخس والهندباء. # وأما الفتي من الحمام، وما جاوز الفتي، فحار يابس بطئ الانهضام محرق للدم ~~مذموم الغذاء. # PageV00P577 # القول في القنابر أما القنابر فمعروفة مشهورة بقنازعها (1) التي على ~~رؤوسها. ويدل على أن القنابر هي التي على رؤوسها قنازع، قول قاله جالينوس ~~حكى فيه عن أويسريس (2) أنه كان يقول: أن القنبرة أول طائر (2) كان، وأن ~~أباها مات فلم تجد له أرضا تدفنه فيها، فبقي بحالته ميتا خمسة أيام. فلما ~~ضاقت بها الحيل دفنته على رأسها، وأن نافيطس الشاعر كان مضرب هذا المثل، ~~ويقول: أن القنابر على رؤوسها مقابر. # قال وضع هذا الكتاب: أن هذا لم يكن من أوسيريس ولا من نافيطس الشاعر، على ~~أن القنابر ولا أرض (4) لان من الممتنع كون حيوان بلا مستقر ولا جدار (4)، ~~لكنهم أن يبنوا (4) عن هذا الحيوان ويميزوه بمثل طريف بديع. # ومن طبيعة القنابر أنها أقل حرارة ويبسا من العصافير كثيرا. ومن خاصتها: ~~أنها إذا طبخت اللون الساذج المعروف أسفيذباج، كانت مرقتها ملينة للبطن. ~~وإذا أدمن أخذها مرارا كثيرة، نفعت من القولنج. وأما لحمها فاختلف الأوائل ms515 ~~فيه لان منهم من قال: أنه حابس للبطن. وأما ديسقوريدس فسلبه ذلك لأنه قال ~~(5): وإذا كانت مشوية أطلقت البطن. وأما جالينوس فلم يثبت ذلك ولم يفرده ~~به، لأنه قال: وأما لحم القنابر فإنه يلين البطن ولكن ينبغي أن يؤخذ مع ~~مرقته (6). وأما أهل زماننا فإني رأيتهم لا يختلفون في أن مرقة القنابر ~~تطلق البطن، ولحمها يحبس البطن. وأما أنا فما رأيت للحم القنابر في تليين ~~البطن وحبسه أثرا بينا. وأحسب أن جالينوس إنما شرط أن يؤكل مع المرقة لهذا ~~السبب، لأنه لو علم أنه حابس للبطن لما أطلق القول فيه بأنه ملين. ولو علم ~~أنه ملين لاستغنى بذكره عن ذكر المرقة. # والله أعلم. # PageV00P578 # القول في أعضاء الطير قال جالينوس أن نسبة أحشاء الطير إلى لحمه كنسبة ~~أحشاء المواشي إلى لحمها. والقوانص من كل طير غليظة عسرة الانهضام غليظة ~~الغذاء، إلا أنها إذا انهضمت غذت غذاء كثيرا قويا بطئ الانحلال من الأعضاء. ~~وأفضل القوانص قوانص الإوز، لأنها أرطب وأرخى لحما وألذ طعما. وذلك لفضل ~~رطوبة جوانها بالطبع. وبعد قوانص الإوز في الفضل قوانص الدجاج. وكذلك كبود ~~الطير فإنه ألذها طعما وأكثرها غذاء وأحمدها جوهرا وأسرعها انحدارا ~~وانهضاما كبود الإوز وبعدها كبود الدجاج وبخاصة ما كان من الإوز والدجاج ~~سمينا بغذاء معجون باللبن الحليب وماء التين المطبوخ. # فأما الأجنحة فإنها من كل طير، بالإضافة إلى حيوانها التي هي فيه، أسرع ~~انهضاما وأحمد غذاء، وذلك لتواتر حركتها وتواتر تعبها. ومن البين أن كل ما ~~كثرت حركته ودام تعبه، تحلل جسمه ولان لحمه وقلت فضوله، وكل ما قلت حركته ~~ولم يتحرك أصلا، كثرت رطوبته وغلظ جسمه وانحسرت فضوله وعسر انهضامه وبعد ~~استمراؤه. وأفضل الأجنحة أجنحة الفتي المسمن من كل طير، لان الأجنحة متى ~~كانت من طير فتي، كانت الحرارة الغريزية فيها أقوى، ومتى كانت من طير سمين، ~~كانت أرطب وألذ وأسرع انهضاما وأكثر غذاء. وأردأ الأجنحة أجنحة الطيور ~~الهرمة الهزيلة، لان ما كان من طير كذلك، كان أعضل وأيبس وأبعد انهضاما ~~وأقل غذاء. وأما ms516 أجنحة الصغير فإنها، وإن كانت محمودة الغذاء لاعتدال ~~حرارتها وسرعة انهضامها وجودة الجوهر المتولد عنها، فإنها يسيرة الغذاء ~~سريعة الانحلال من الأعضاء. # وأما الرقاب فإنها من كل طير محمودة الغذاء لدوام حركتها وترضيض خرز عظام ~~العنق للحمها. # وأفضلها رقاب الإوز والدجاج المسمنة بالغذاء المعجون باللبن الحليب وماء ~~التين المطبوخ. وأما الخصي من كل طائر، بإضافته إلى الخصي من المواشي، أحمد ~~كثيرا. وأفضلها خصى الديوك الكثيرة سفادها (1)، وبخاصة إذا كانت من ديوك ~~مسمنة باللبن الحليب وماء التين المطبوخ. فإن عارضنا معارض # PageV00P579 # بالعصافير وقال: فإذا كانت (1) الخصي من الديوك إنما صارت (1) أفضل من ~~خصى غيرها (1) من الطير لكثرة سفادها (1)، فلم لا كانت (1) الخصي من ~~العصافير أفضل لأنها أكثر سفادا! قلنا له: إن العصافير أحر الطير بعد ~~الجراد وأكثر يبسا وجفافا وإحراقا للدم. وما كان من الحيوان كذلك فكلما كثر ~~سفاده ازداد مزاجه حرارة واحتراقا، وبدنه يبسا وجفافا، وصار غذاؤه أذم ~~وأردأ. # وأما الدماغ فإنه من الطير كله أحمد من المواشي، لان الطير كله أحمد من ~~المواشي، لان الطير أقل رطوبة وأبعد من اللزوجة. فبحسب قلة رطوبته وجفاف ~~مزاجه على المواشي، كذلك نقصان رطوبة دماغه على رطوبة دماغ المواشي، وبخاصة ~~الطير الذي يأوي البراري والمواضع الجافة القليلة الرطوبة. # ومن البين انه إذا قلت رطوبة الدماغ، قلت لزوجته وصار أسرع انهضاما وأحمد ~~غذاء. وأفضل الأدمغة أدمغة الفراريج والحجل، وبعدها أدمغة الدجاج والديوك. # PageV00P580 # القول في البيض أما البيض فنسبته إلى بدن الحيوان كنسبة المني والدم إلى ~~الحيوان المشاء، لان المني والدم لما كانا مادة وغذاء لتوليد الحيوان ~~الطيار المشاكل لطبيعة بدن الانسان لان البيض إذا كان من حيوان له ذكر جمع ~~فيه المني والغذاء جميعا، وذلك لان نفوذه في بدن الانسان أسرع وتغذيته أعدل ~~وأكثر، وانحلاله من الأعضاء أبعد وتقويته أزيد. والسبب في سرعة نفوذه في ~~الأبدان لطافة جوهره وليانة جسمه واعتدال رطوبته. والسبب في تقويته للأعضاء ~~أن الحراة الغريزية كلما ازدادت فيه فعلا، ازداد هو صلابة وقوة. # وذلك يقاس من الشاهد لأنه نجده خارجا ms517 كلما ازداد فعل النار فيه تأثيرا، ~~ازداد هو صلابة وشدة. # والسبب في كثرة غذائه أن جوهره كله يستحيل ويتشبه بالأعضاء المشاكلة مزاج ~~(1) بدن الانسان بالطبع لأنه قريب من التوسط والاعتدال وبخاصة المح منه ~~لاعتدال حرارته ورطوبته، إلا أنه إذا شوي، اكتسب من النار حرارة وجفافا ~~وصار أكثر تجفيفا وأكثر تسكينا للحرارة. وإذا سلق بالماء استفاد رطوبة من ~~الماء وصار أقل تجفيفا وأكثر تسكينا للحرارة. وأما بياض البيض فينحرف عن ~~الاعتدال والتوسط إلى البرودة قليلا، ولذلك صار غليظا زهيما بطئ الانهضام ~~بعيد الانحلال مذموم الغذاء. # وقد يختلف البيض في جودة غذائه ورداءته وسرعة انهضامه وإبطائه لوجوه ~~أربعة: أحدها: # لطبيعة الحيوان الذي هو منه وسنه. والثاني: مقدار مدة البيض وما مضى له ~~من الزمان بعد خروجه من الحيوان. والثالث كيفية صنعته وعمله. والرابع: ~~مقدار نضجه في كثرته وقلته، وقوته وضعفه. فأما مثال ذلك من طبيعة الحيوان ~~الذي هو منه وسنه، فيكون على ضروب: لان ما كان منه من حيوان أعدل مزاجا ~~وأعبل (2) لحما وأطرى سنا وبخاصة إذا كان من حيوان له ذكر، كان أفضل وأحمد ~~مما كان من حيوان أفسد مزاجا وأهزل لحما وأكبر سنا وبخاصة إذا كان من حيوان ~~ليس له ذكر. ولذلك صار بيض الدجاج والدراج والتدرج أفضل البيض وأحمد غذاء، ~~لان حيوانه أعدل الطير مزاجا وأكثر شحما لكثرة سكونه # PageV00P581 # وقلة طيرانه، وبخاصة إذا كانت فتية ولها ذكورة، لان ما كان من البيض كذلك ~~من حيوان فتي له ذكر، كان أقوى لحرارته الغريزية، وأسرع لانهضامه، وأقل ~~لزهومته. # وفى دون ما تقدم ذكره من البيض في الفضل بيض الإوز، إلا أنه أغلظ وأبعد ~~انهضاما وانحدارا وأثقل على المعدة وأبطأ نفوذا في العروق، إلا أنه، إذا ~~قويت الطباع عليه وجاد هضمه في المعدة والكبد، كان غذاؤه أكثر وأقوى مما ~~تقدم ذكره. وبعد بيض الإوز في الفضل بيض النعام، إلا أنه أثقلها وأبعدها ~~انهضاما وانحدارا وأكثرها زهومة وزفورة. وأكثر البيض فضولا بيض الطواويس ~~لكثرة فضول حيوانه بالطبع. وأكثر البيض إسخانا وتجفيفا وإحراقا للدم ms518 بيض ~~العصافير، لان الحمام وإن كان في طبيعته حارا يابسا فإنه، بإضافته إلى ~~العصافير أقل حرارة وأزيد رطوبة وأفضل غذاء. # وأما اختلاف البيض بحسب مدة زمانه وما مضى له من بعد خروجه من حيوانه ~~فيكون على ضروب: لان منه الطري القريب العهد بالخروج من الحيوان، ومنه ~~العتيق البعيد العهد بالخروج من الحيوان، ومنه المتوسط بين ذلك. فما كان ~~طريا قريب العهد، كان أفضل وأحمد غذاء وأجود جوهرا وأسرع انهضاما، لان ~~حرارته الغريزية أقوى وزهومته أقل ولذاذته أكثر. وكلما كان أبعد عهدا ~~بالخروج كان أذم وأفسد غذاء وأردأ جوهرا وأبعد انهضاما، لان حرارته ~~الغريزية أضعف وزهومته أكثر ولذاذته أقل. # وهذا السبب هو أعظم الأسباب التي يلحق البيض فيها الفساد. ولذلك قال ~~جالينوس: إن البيض ليس يكاد يلحقه الفساد، إلا أن يعتق وتزول عنه حرارته ~~الغريزية فيحدث فيه غليان وتعفن ويزيده عفونة ويفيده زهومة وزفورة. وهذا شئ ~~قد يمكن للانسان التحرز منه لأنه قادر على ألا يستعمل من البيض إلا ما كان ~~طريا ليومه. وأما اللبن فليس كذلك لان الفساد يلحقه من جهات لان كثيرا ما ~~يتعفن ويفسد متى لم يسمن الحيوان الذي هو منه على ما ينبغي، أو كان الحيوان ~~يأكل أغذية فاسدة، أو جاع الحيوان جوعا شديدا، أو عطش عطشا قويا كالذي نجده ~~يعرض في ألبان النساء إذا أسأن في تدبيرهن وخلطن في أغذيتهن أو أدمن الصوم. # فإن عارضنا معترض وقال: فإذا كان البيض لا يلحقه الفساد إلا من هذه الجهة ~~الواحدة، فلم صار بيض الدجاج والدراج أفضل البيض، وبيض الفتي أفضل من بيض ~~الهرم، وبيض ما له ذكر أفضل من بيض ما ليس له ذكر! قلنا: إن المعارضة فاسدة ~~من قبل أنك قابلت بيض الحيوان الواحد (1) من جنس واحد وجوهر واحد، وان ~~اختلفت (2) أحواله، ببيض حيوانات شتى مختلفة الطباع والجواهر والأجناس. وقد ~~كنا بينا أن كل بيض مشاكل لجوهر حيوانه الذي هو منه، محمودا (3) كان ذلك ~~الحيوان أو مذموما (3). ولذلك صار البيض من كل واحد من الحيوان مخالفا لبيض ms519 ~~ما خالفه في جنسه وجوهره من # PageV00P582 # حيوان آخر. وأما البيض الكائن في حيوان واحد في جنس واحد وجوهر واحد، فإن ~~التغير لا يلحقه في جودة جوهره، ورداءته، بل إنما يلحقه ذلك في كثرة غذائه ~~وقلته. وليس كل ما كان كثير الغذاء وجب أن يكون محمود الجوهر لأنا قد نجد ~~القليل الغذاء محمودا ومذموما (1)، مثل القطا والعصافير، لان القطا قليلة ~~الغذاء محمودة ومذمومة مثل الرضع من البقر والأيل، لان الرضع من البقر كثير ~~الغذاء محمود الجوهر، والرضع من الأيل كثير الغذاء مذموم الجوهر. فقد اتفقا ~~جميعا في كثرة الغذاء واختلفا في جودة الجوهر ورداءته. وكذلك قد نجد طعامين ~~أحدهما أسهل انهضاما وأسرع نفوذا في العروق وجواهرهما متفقة (2)، إما في ~~الحمد وإما في الذم مثل البيض النيمبرشت والبيض المنعقد فإنا نجدهما متفقين ~~في الجوهر وأحدهما أسرع انهضاما لرطوبة جسمه وليانته، والآخر أبعد انهضاما ~~لصلابة جسمه. # ولذلك صار نضج البيض يختلف في كثرته وقلته على ثلاثة (3) ضروب: لان منه ~~ما يبلغ من نضجه ما جاوز الاعتدال واشتد انعقاده وصلب وهو المسمى المنعقد. ~~ومنه ما لا يبلغ إلى نضجه إلا أن يسخن وتجول حرارية النار في جسمه، وهو ~~المسمى المتحسى. ومنه ما صار في نضجه إلى الحال المتوسط والاعتدال وهو ~~المعروف بالفارسية نيمبرشت. فأما المنعقد فهو أغلظها وأعسرها (4) انهضاما ~~وأثقلها على المعدة وأبعدها انحلالا من الأعضاء، من قبل أن النار قد جاوزت ~~في نضجها خارجا عن المقدار المعتدل وأخرجته إلى غاية الجمود والانعقاد، ولم ~~يبق له حال ينتقل إليها باطنا إلا الصلابة والجفاف وبعد الانحلال. ولذلك ~~صار أكثرها غذاء. # وأما النيمبرشت فهو أعدلها وأسرعها انهضاما وأفضلها، وذلك لتوسط النضج ~~على الحقيقة لولا أن فيه بقايا من زهومة البيض الطبيعية، إذ كان في طبيعته ~~مشاكلا لطبيعة الدم والمني على ما بينا وأوضحنا. ولذلك وجب أن يتوقى ~~الاكثار منه والادمان عليه، ولا يستعمل إلا على نقاء المعدة من الفضول ~~وخلائها من الغذاء، وإذا كان هذا لازما للنيمبرشت على كمال نضجه وجودة ~~انهضامه، فهي في غيره ما ms520 لم يستكمل نضجه أوجب وأوجد. ولذلك صار المتحسى من ~~البيض، على سرعة انحداره ونفوذه في العروق، يصير نيمبرشت ويؤكل بالملح ~~والكمون. فإن كان مزاج صاحبه بلغمانيا، زاد فيه فلفلا وصعترا وزنجبيلا. وقد ~~يعمل على وجه آخر أيضا فيكون انهضامه أسرع وجوهره أحمد وغذاؤه أكثر وهو أن ~~يؤخذ البيض فيصير في إناء نظيف ويلقى فيه شئ من شراب ريحاني عذب وشئ من زيت ~~عذب وشئ من ملح عذب مسحوق ويضرب جيدا ويصير في قدر برام ويجعل في طنجير (5) ~~مملوء ماء ويوقد تحت الطنجير بنار لينة، جمر لا دخان (6) لها، حتى ينعقد ~~الذي في القدر نصف انعقاده ويؤكل بما قدمنا ذكره من الأبازير. # PageV00P583 # وأما المقلى بالزيت فهو أغلظ البيض وأذمه جوهرا وأخصه إلى الاستحالة ~~بالدخانية وجنس المرار وأثقله على المعدة وأبعده انهضاما. ولذلك صار مولدا ~~للبشم والتخم لأنه إذا استحال وفسد، فسد بفساده ما يصحبه من الغذاء ومنع من ~~جودة الهضم. وأما المطبوخ بالماء والزيت والبصل والأبازير فسريع الانهضام ~~والانحدار كثير الغذاء محمود الجوهر زائد في المني معين على الباه، لا سيما ~~إذا قلي (١) بشراب ريحاني عذب. لكن من الواجب أن يطبخ البصل والزيت والملح ~~والأبازير بدوا طبخا بليغا حتى ينضج نضجا تاما كاملا، ويضرب البيض بشئ من ~~شراب حتى يختلط ثم يلقى في القدر ويحرك جيدا وينزل عن النار ويصير عليه إلى ~~أن ينضج البيض وينعقد نصف انعقاده ويؤكل. وعلى هذا المثال يجب أن يفعل ~~بالبيض المفقوس على الاسفيذباجات وهو أن تطبخ القدر حتى يكمل نضجها ثم يفقس ~~البيض في غضارة ويضرب جيدا حتى يختلط ويلقى في القدر ويحرك جيدا وينزل عن ~~النار ويترك حتى ينعقد البيض نصف انعقاده ويستعمل. وأما المفقوس على ~~المتقبلات (٢) فيجب أن يفقس في القدر بعد كمال نضجها وهو صحيح من غير أن ~~يحرك القدر وينزل عن النار ويترك حتى ينعقد البيض نصف انعقاده ويستعمل، ولا ~~يجاوز به هذا المقدار المنعقد. # ومن منافع البيض على سبيل الدواء: أنه إذا سلق بخل على نار جمر لا دخان ~~لها ms521 وأكل، قوى المعدة والأمعاء وجفف المواد المنصبة إليها. وإذا سلق بماء ~~الحصرم أو بماء الرمان الحامض أو حماض الأترج أو ما شاكل ذلك، كان أشد ~~تسكينا للحرارة وتقوية للمعدة والأمعاء، وأقوى على قطع المادة المنصبة ~~إليها وأنفع من الاسهال المري والاسهال العارض من ضعف الكبد. وإذا سلق بماء ~~السماق والزعرور والمقل المكي والغبيراء، كان فعله في تقوية المعدة ~~والأمعاء وقطع الاسهال أقوى كثيرا وأفعل في الاسهال المتقادم العارض من زلق ~~الأمعاء. <وكذلك> أن يسلق بماء قد طبخ فيه طراثيث (3) وبلوط وشاهبلوط ~~وزبيب منزوع العجم وشئ من ورد الرمان وقشره. # ومن منافعه أيضا على سبيل الدواء: أنه إذا عمل منه بجملته ضماد بدهن ورد ~~وحمل منه على الأورام العارضة في أجفان الأعين وأورام الثديين وأصول ~~الآذان، بل المواضع وحلل أورامها. وأما مح البيض على الانفراد، فإنه لما ~~كان حارا لينا، صار التحليل فيه أقوى. ولذلك صار إذا عمل فيه ضماد بدهن ~~بنفسج، لين الأورام الحارة وأسرع نضجها وحلل ما لم يجتمع فيها. وإذا عمل ~~منه ضماد بدهن الورد، حلل أورام الأجفان وسكن ألمها. وإذا خلط بمرهم قيروطي ~~المعمول من الشمع المغسول بالماء البارد ودهن ورد، قوي فعله في تسكين ~~الحرارة وحلل الأورام الحارة. فإن كانت الأورام تحتاج إلى التقوية أكثر، ~~جعلت مح البيض مشويا. وإن كانت تحتاج إلى التحليل أقل، جعلت مح البيض نيا. ~~وإذا عمل من مح البيض ضماد بدهن ورد ويسير من زعفران وشئ من مر، حلل ~~الأورام المتولدة من الدم # PageV00P584 # الغليظ. وأما بياض البيض على الانفراد، فلما كان مبردا ملينا من غير لذع ~~أصلا، وجب أن يستعمل في العلل المحتاجة إلى التدبير والتليين من غير لذع. ~~ولذلك صار نافعا من خشونة العين وأوجاعها إذا قطر منه فيها. ولكن لما كان ~~مع تبريده وتليينه غرويا لازوقا، وجب ألا يستعمل في علل العين، إلا ما كان ~~منها في الأجفان والحجاب الملتحم الذي تكون فيه الدماء. ويحذر غاية الحذر ~~استعماله في العلل المتولدة عن المرار الحارة اللذاعة المحتقنة في طبقات ~~العين ms522 وحجبها الباطنة، لأنه يسد مسام العين الظاهرة بتغريته، ويحقن ~~البخارات في باطنها، ويمنع من تحللها. وإذا انحصرت البخارات هناك وازدحمت، ~~غليت الرطوبات واتسعت وطلبت موضعا أوسع من موضعها فتوقا وقروحا. وذلك يقاس ~~من البخار المحتقن في أرحام الأرض، لان الطبيعيين والمهندسين قد أجمعوا على ~~أن الهواء الظاهر.. (1) ومنعها من التحليل، تكاثفت هناك وازدحمت وحميت ~~واتسعت وطلبت موضعا أكبر من موضعها، فإذا لم تجد موضعا تتسع فيه ومساما ~~تتنفس فيها، رفعت الأرض وهدتها وزلزلتها وشقتها لتخرج منها. ومن منافع بياض ~~البيض أيضا: أنه إذا خلط بدهن الورد وطلي على التنفط العارض من حرق النار ~~والما الحار، نفع نفعا بينا. وإذا حمل على جراحات العانة وشقاق المقعدة، ~~بردها وسكن أوجاعها. # PageV00P585 # القول في السمك قد كنا تكلمنا في السمك في المقالة الأولى من كتابنا هذا ~~كلاما جمليا، وأتينا على اختلاف أنواعه وأصنافه وجودة تغذيته من رداءته، ~~وسرعة انهضامه من إبطائه، والمحمود منها من المذموم، والأفضل من الأخس. ~~وأنا ذاكر في هذا الموضع جملة من ذلك لتكون تذكرة لمن نظر في مقالتنا هذه، ~~ومما يستغنى به عن النظر في المقالة الأولى إلا في الندرة، وعند الحاجة إلى ~~إقامة البرهان على ما يقصد إليه من ذلك. ولا قوة إلا بالله تعالى. # فأقول: أما طبيعة السمك في الجملة فباردة رطبة مولدة للبلغم، موافقة لمن ~~كان مزاجه محرورا وجسمه جافا، لا سيما في زمان الصيف وفى البلدان الحارة، ~~ومذمومة (١) فيمن كان مزاجه باردا وجسمه لحميا عبلا، ولا سيما متى كان ~~بعصبه بعض الاسترخاء، لا سيما في الشتاء وفى البلدان الباردة، لان من خاصته ~~ترطيب الأبدان وتبريدها. ولذلك صار زائدا في جماع من كان محرورا صفراويا. ~~وقد يختلف السمك على ضروب، لأنه ينقسم قسمة أولية على ثلاثة أنواع. وذلك أن ~~منه النهري وهو لا يتولد إلا في الأنهار العذبة فقط. ومنه ما يتولد في ~~الماءين جميعا (٢). فأما الذي يتولد في البحر <فمنه> ما يصعد إلى ~~الأنهار العذبة لاستلذاذه لعذوبة مائها. ومنه ما يكره ذلك وينفر منه. فأما ~~الذي ms523 يتولد في الماء العذب فكله يكره الماء المالح وينفر منه، ولذلك صار لا ~~ينحدر منه إلى البحر إلا ما أخذته قوة جري الماء المنصب إلى البحر. وأما ما ~~يتولد من الماءين جميعا فإن ما يتولد منه في البحر يصعد إلى الأنهار ويصاد ~~منها كثيرا. والقليل ما يتولد منه في البحر وبين ما يتولد منه في الأنهار، ~~لان الذي يتولد في البحر فشوكه أقل وأغلظ وأصلب لجفاف مائه الذي يأوي ~~ويتولد فيه بالطبع. والذي يتولد في الأنهار فشوكه أدق وأكثر وألين، وذلك ~~لليانة مائه ورخاوته بالطبع. والسبب في كثرة شوكه: أن الطبيعة احتاجت إلى ~~أن تنسجه شوكا كثيرا كيلا يسترخي لرخاوة جسمه ورطوبة لحمه. # PageV00P586 # فإن قال قائل: فلم صيرت شوكه أغلظ ليقوى على حمله وإمساكه؟ قلنا له: إن ~~رطوبة مائه ورخاوته بالطبع منعت من ذلك. ولذلك افتقرت الطباع إلى كثرة ~~الشوك لينوب لها عن غلظه. # وأما السمك البحري فينقسم على ضربين: لان منه ما يعرف باللجي لان تولده ~~في لجج البحار ووسطها (١). ومنه ما يعرف بالشطي لان تولده في شط البحر ~~وأطرافه. واللجي على ضربين: لان منه ما يتولد في الطين والمواضع اللينة ~~الرخوة ويسمى اللجي على الحقيقة (٢). والشطي على ضربين: لان منه ما يتولد ~~في الطين والحمأة ويأوي المواضع الرخوة والقريبة من مصب الأنهار ويسمى ~~الشطي على الحقيقة. ومنه ما يتولد في الرمل والحصى ويأوي المواضع الصلبة ~~البعيدة من مصب الأنهار ويسمى الصخري على المجاز. وإنما قلنا فيه الصخري ~~على المجاز لأنه، وإن كان يتولد في الرمل والحصى والمواضع الصلبة، فإن ماءه ~~الذي يأوي فيه ليس هو على نهاية الصخري على الحقيقة، ولا على صفائه لقربه ~~من شط البحر وطرفه. فتبين مما قلنا: أن السمك البحري له سهوكة وزهومة، ~~وأبعده من الغلظ وأسرعه انهضاما وأقربه من تولد الدم المحمود القريب من ~~المشاكلة من مزاج دم الانسان المرطوب، السمك البحري على الحقيقة، إلا أنه ~~أبعد انحدارا عن المعدة والأمعاء لقلة لزوجته وبعده من اللعابية. ويدل على ~~ذلك قلة شحمه ولذاذة طعمه ms524 وعذوبته وبعده من الحلاوة والسهوكة. ولذلك صار ~~أكثر ملاءمة لمزاج المغتذي به، لان كل لذيذ ملائم، وكل مخالف للذاذة فبعده ~~عن الملاءمة بحسب انحرافه عن اللذاذة. ولذلك صار هذا النوع من السمك ألطف ~~أنواع السمك وأرخاها لحما وأسرعها انهضاما وأفضلها لحفظ الصحة. وذلك لسرعة ~~انحلاله من الأعضاء لقلة لزوجته واعتدال الدم المتولد عنه وتوسطه بين الرقة ~~والغلظ، أعني أنه لا بالرقيق المائي ولا الغليظ الأرضي، وإن كان أميل إلى ~~الرقة قليلا لغلبة الرطوبة على جملة السمك بالطبع. # فإن عارضنا معترض <وقال>: فلم نسبته إلى التوسط والاعتدال وأنت ~~تزعم أن الرطوبة أغلب عليه بالطبع؟ قلنا له: إن الاعتدال يضم في اسمه ثلاث ~~مراتب: إما مرتبته المتوسطة على الاعتدال والحقيقة مثل الدم المتولد عن ~~الخبز المحكم الصنعة، وإما مرتبة التوسط والاعتدال مع الانحراف والرقة ~~قليلا مثل مرتبة الدم المتولد عن السمك على الحقيقة، وإما مرتبة التوسط ~~والاعتدال مع انحرافه إلى الغلظ قليلا مثل مرتبة الدم المتولد عن العجول ~~الرضع والحولي من الضأن. وإن كان قد يقع بين مرتبة التوسط والاعتدال على ~~الحقيقة وبين هاتين الحاشيتين وسائط أيضا مثل مرتبة الدم المتولد عن الدراج ~~والفراريج، ومرتبة الدم المتولد عن العجول الرضع، لأنه وإن كان الدم ~~المتولد عن الجدي الرضع أغلظ # PageV00P587 # من الدم المتولد عن الدراج والفراريج، فإنه أرقه وألطف من الدم المتولد ~~عن العجول. ولذلك صار لحم الرضيع أوفق للناقهين من الأمراض، ولحم العجول ~~الرضع والحولي من الضأن لغلظه <أبعد> (1) عن احتمال الناقهين من ~~الأمراض على هضمه، وذلك لغلظ لحم البقر بالطبع ورطوبة لحم الضأن ولزوجته. # وأما السمك اللجي على الحقيقة فمشاكل للسمك الصخري على المجاز في لطافته ~~وقلة لزوجته وجودة الدم المتولد عنه. ولا فرق بينهما إلا في صلابة اللحم ~~وسرعة الانهضام وإبطائه، من قبل أن السمك الصخري على المجاز أرخى لحما ~~وأسرع انهضاما لصلابة المواضع التي يأوي فيها ومقاومته للحجارة دائما. ~~والسمك اللجي على الحقيقة أصلب لحما وأبطأ انهضاما لرخاوة المواضع التي ~~يأوي فيها وكثرة طينها ولثقها (2)، وإن كانا جميعا، بإضافتهما ms525 إلى السمك، ~~أقل لذاذة وأكثر حلاوة وأغلظ، إلا أن الأسباب الموجبة لذلك فيهما تختلف من ~~قبل أن الموجب لذلك في الصخري على المجاز هو (3) غلظ مائه الذي يأوي فيه ~~وكدورته ووسخه لقربه من فم البحر ومصب الأنهار. والموجب في ذلك للسمك اللجي ~~رخاوة أرضه وكثرة لثقها (4). ولذلك صار هذا النوع أكثر شحما وأزيد غذاء من ~~قبل أن الغلظ والصلابة أغلب، فهو إلى الأرضية أميل. وما كان (5) إلى ~~الأرضية أميل، كان انحلاله من الأعضاء أبعد. وإذا بعد انحلاله من الأعضاء، ~~طال لبثه فيها واستغنت الأعضاء عن طلب غذاء مستأنف (6) لان ذلك يقوم لها ~~مقام الغذاء. ولذلك شبهت الأوائل الدم المتولد عن هذا النوع من السمك، أعني ~~السمك اللجي على الحقيقة، بالدم المتولد عن لحم الدراج والفراريج. ولعل ~~ظانا يظن أن الأوائل إنما شبهت الدم المتولد عن السمك اللجي بدم الدراج ~~والفراريج في جودة جوهره وحسن غذائه لمعرفة فساده، ذلك من قبل أن الدم ~~المتولد عن لحم الدراج والفراريج هو الدم الغريزي المحمود في كل أحواله ~~الموافق لكل مزاج دم الانسان الطبيعي في اعتدال حرارته ورطوبته. والدم ~~المتولد عن السمك فالرطوبة عليه أغلب والسهوكة والزهومة به أخص، وإن قل ذلك ~~وكثر في بعض أنواعه دون بعض للأسباب التي بيناها. # فإن قال قائل: فلم صار السمك اللجي في مرتبة لحم الدراج والفراريج؟ وما ~~السبب الموجب لذلك؟ ومرتبة الدراج والفراريج هي مرتبة التوسط والاعتدال على ~~الحقيقة، ولم يوجب ذلك في السمك الصخري على الحقيقة! قلنا له: قد تبين من ~~قولنا أنا لم نصير السمك اللجي في مرتبة التوسط # PageV00P588 # والاعتدال على الحقيقة، بل نسبنا السمك اللجي إليها على سبيل الاستعارة ~~والمجاز على جودة الجوهر وحسن الغذاء. وأما السمك الشطي، فقد يقع فيه ~~الاختلاف أيضا من قبل طبيعة المواضع التي يأوي فيها، لان منه ما يأوي ~~المواضع الرملية الحسنة الصافية الماء القليلة الكدر والأوساخ لبعدها من ~~مصب الأنهار قليلا. ومنه (1) ما يأوي المواضع اللينة الرخوة الكثيرة الطين ~~والحمأة لقربها من مصب الأنهار وكثرة ما يصل إليها ms526 من مياه الأنهار ومن ~~أوساخ المدن ومزابلها. ومنه (1) ما يأوي المواضع المتوسطة بين ذلك. وما كان ~~منه (1) يأوي المواضع الحسنة الرملية الصافية الماء القليلة الكدر ~~والأوساخ، لبعدها من مصب الأنهار قليلا، كان أفضل مما يأوي المواضع الرخوة ~~الكثيرة الطين والحمأة القريبة من مصب الأنهار من قبل أن ما يصل إليها، من ~~أوساخ المدن ومزابلها، يفسد ماء السمك وغذاءه ويكسبه سهوكة (2) وزهومة وغلظ ~~ولزوجة. # وما كان من السمك يأوي المواضع المتوسطة بين هاتين الحاشيتين كان أجدى من ~~كل واحد منهما بقسطه على حسب توسطه بينهما على الحقيقة، وانحرافه إلى ~~إحداهما دون الأخرى. وأما السمك الذي يصعد من البحر إلى الأنهار ويصير ~~فيها، فقد يلحقه من الاختلاف على حسب اختلاف المواضع التي يأوي فيها، وإن ~~كان في الجملة أكثر لزوجة وغلظا من السمك الذي لا يصعد أصلا بإضافة كل نوع ~~منها مما يصعد من الأنهار إلى نوعه الذي لا يصعد ولا يفارق البحر، أعني ~~بذلك اللجي إلى اللجي (3) والشطي إلى اللجي، ففي ما أتينا به من طبيعة ~~السمك البحري واختلاف أنواعه وأصنافه كفاية ولا قوة إلا بالله. # * * * القول في السمك النهري وأما السمك النهري فهو في جملته أغلظ وأكثر ~~لزوجة وأبعد انهضاما وأسرع انحدارا عن المعدة وأكثر غذاء من السمك البحري، ~~وذلك لرطوبة مائه ورخاوته وعذوبته، إلا أنه ينقسم قسمة أولية على قسمين: ~~لان منه ما يتولد في الأنهار ويأوي فيها ويسمى النهري على الحقيقة. ومنه ما ~~يتولد في البحيرات والآجام ويأوي فيها ويسمى البحري. # والنهري أيضا يكون على ضربين: لان منه الرضراضي المتولد في الأنهار ~~العظام الصافية الشديدة المد، الجارية على الرمل والحصى الرضراضية، النقية ~~من الأوساخ والكدر لبعدها من المدن ومن أوساخها ومزابلها. ومنه (4) ما ~~يتولد في الأنهار اللطاف الضعيفة المد، الجارية على الطين والحمأة # PageV00P589 # لقربها من المدن وأوساخها ولما ينصب إليها من المدن من مبلات الكنان ~~وقنوات الحمامات. # وأما السمك البحري فيكون على ثلاثة ضروب: لان منه ما يأوي إلى البحيرات ~~القريبة من مصب الأنهار من جهة، وطرف البحر ms527 من جهة، والأنهار تنصب إليها ~~دائما وهي تنصب إلى البحر. ومنه ما يأوي إلى البحيرات المنقطعة عن البحر ~~ولا يتفرغ منها شئ إلى البحر، وإن كانت المنقطعة عن البحر والأنهار جميعا، ~~فإنها لا ينصب إليها منها شئ وهي لا يتفرع منها شئ إلى البحر أصلا. فأفضل ~~سمك الماء العذب وأقله لزوجة وسهوكة وأبعده من العذوبة وأقله شحما وألذه ~~طعما وألينه لحما وأسرعه انهضاما، السمك الرضراضي المتولد في الأنهار ~~العظام القوية المد، الجارية على الحجارة والحصى الرضراضي، الصافية الماء، ~~البريئة من الأوساخ وأوساخ المدن ومزابلها لبعدها منها. وذلك أن قوة جري ~~الماء ومصادمة الماء للسمك دائما وللحصى يكسر لحم السمك ويرخيه ويزيل عنه ~~أكثر لزوجته وغلظه، لا سيما إذا كان في ماء ضحضاح (1) قريب من الأرض، لان ~~السمك إذا كان قريبا من الأرض، كان أكثر لمصادمته للحصى، وصفاء الماء ~~ونقائه من الأوساخ، أوساخ المدن ومزابلها، يزيل عنه أكثر حلاوته ويذهب ~~بأكثر سهوكته وزهومته ويصيره قريبا من السمك اللجي على الحقيقة والصخري على ~~المجاز، وإن كانت رطوبته أزيد قليلا بالطبع لعذوبة مائه ورطوبته. ولذلك صار ~~أعذب وأحلى وأطيب طعما من السمك البحري في الجملة. # وأما السمك المتولد في الأنهار الصغار القليلة المد الجارية على الطين ~~والحمأة الكثيرة الأوساخ والكدر، لقربها من المدن ومن أوساخها ومزابلها ~~وانصباب قنوات الحمامات ومبلات الكنان إليها، فإنها في الجملة أكثر لزوجة ~~وسهوكة وأغلظ لحما وأبعد انهضاما وأكثر حلاوة وأقل لذاذة وأردأ غذاء، لان ~~قلة حركة الماء ولين جريه يحصر الرطوبات الغليظة في بدن السمك ويمنع من ~~تحليلها، ويغلظ لحمه. # ووسخ الماء وكدورته وفساده لما يداخله في أوساخ المدن ومزابلها وقنوات ~~حماماتها ومبلات كنانها يفيده سهوكة وزهومة وسرعة استحالة إلى الفساد. # وأما السمك البحيري فهو أذم الأسماك وأردأها وأكثرها سهوكة وزهومة ~~وأغلظها لحما وأبعدها انهضاما وأكثرها حلاوة وأبعدها من اللذاذة. وأذم ما ~~في البحيرات وأبعده من المشاكلة للغذاء وأكثره (2) لزوجة وسهوكة وغلظا ~~وأسرعه (3) انقلابا إلى الفساد، سمك الآجام المنقطعة عن البحر والأنهار لان ~~ماءها أبدا راكد (4)، دائم السكون، ms528 عديم الحركة، كثير العفونة والطين ~~والحمأة، من قبل أن الأنهار لا تصب إليها شيئا فيبلو ماءها في كل وقت، ~~ويتجدد ويرق ويلطف وهي لا يتفرع منها شئ في البحر فيغسل ماءها ويزول عنه ~~بعض وسخه ونتنه، وأكثره مما يخرج منها. ومما يدل على ذلك سرعة فساد سمكها # PageV00P590 # عند خروجه من الماء، لأنه لا يلبث إلا قليلا حتى يفسد ويعفن وينتن، لان ~~كثرة لزوجته ولعابيته تسد مسام النفس فيه بسرعة فتختنق حرارته الغريزية في ~~باطنه في أسرع مدة ويطفو على المكان. وقد أخبرت، في المقالة الأولى من ~~كتابي هذا، بشئ من مثل هذا النوع من السمك شاهدته عيانا، وذلك أني شاهدت ~~بالغرب بحيرة مستعملها تكون مساحتها مائتي ذراع في مائتين وخمسين، فكان ~~الماء يخلي فيها في كل عشرة أيام أو عشرين يوما أو أكثر من ذلك، ولم يكن ~~يخرج منها شئ إلى موضع، لان مشربها الذي أعد لها للمفرغ كان مسدودا، ولكن ~~كانوا يسقون منها بالدلاء. فأقامت بذلك خمس سنين أو أكثر حتى كثرت الحمأة ~~فيها ونبت فيها الحشيش، وتولدت فيها ضفادع كثيرة كبار عظيمة. فلما أرادوا ~~أن ينقوها، فتحوا ذلك المشرب، فخرج ذلك الماء وبقي الحشيش والحمأة ~~والضفادع، ووجدوا فيها سمكا كبيرا سمينا إذا مسه الانسان زلق من يده حتى لا ~~يقدر الانسان أن يمسكه. وإذا أخرج من الماء الذي فيه الحمأة، مات من ساعته. ~~وشاهدت من طبخ منه شيئا فلم يقدر على أكله، للعابيته ولزوجته وسهوكته. # ودون هذا السمك في الفساد وبعد الانهضام ورداءة الغذاء سمك البحيرات ~~المنقطعة عن البحر فقط، لان هذه البحيرات، وإن كان لا يخرج منها شئ ء إلى ~~البحر فيغسل ماؤها بما يخرج منها، فإن ما ينصب إليها من الأنهار دائما يلطف ~~ماءها قليلا ويرقه ويطريه ويغير بعض زهومته وسهوكته. وإن كان ذلك ليس مما ~~يزيل عن السمك فساد غذائه وبعد انهضامه جملة، لكن ينقص قليلا. # وأما سمك البحيرات القريبة من الأنهار والبحر جميعا، فهو أقل لزوجة وأبعد ~~من الغلظ وأرق من سمك الأنهار اللطاف ms529 القريبة من المدن، لان ماءه الذي يأوي ~~إليه يرق ويلطف بما ينصب إليه من الأنهار، وينغسل بما يخرج منه إلى البحر ~~إذا كان بين هذين المائين ماء الأنهار اللطاف فرق بين لقوة حركة ماء ~~الأنهار وشدة مده. ولذلك صار سمك الأنهار اللطاف أقل لزوجة وسهوكة وأسرع ~~انهضاما من سمك البحيرات القريبة من الأنهار والبحر جميعا. # وللفاضل أبقراط في السمك قول قال فيه: إن ما كان من سمك البحر يأوي ~~المواضع اللينة الكثيرة الطهر فهو أسمن وأسرع انحدارا، إلا أنه أعسر ~~انهضاما. وما يأوي من سمك الأنهار القليلة الحركة القريبة من المدن أو ~~البحيرات المتصلة بالبحر والأنهار، كان أعسر انهضاما من الأول وأسرع ~~انحدارا وأكثر شحما لان أقل السمك رطوبة وأبعده من اللزوجة ما كان بحريا ~~وبعده سمك الأنهار العظام الشديدة المد، البعيدة من المدن. وأكثر السمك ~~رطوبة ولزوجة وسهوكة سمك البحيرات المنقطعة عن البحر فقط، وبعده سمك ~~البحيرات المتصلة بالبحر والأنهار، وسمك الأنهار اللطاف الضعيفة المد ~~القريبة من المدن، وإن كان هذا السمك أفضل من سمك البحيرات في الجملة. وإذ ~~ذلك كذلك، فمن البين أنه بحسب نقصان سمك الأنهار عن سمك البحر في اللذاذة ~~وحسن الاستمراء وجودة الجوهر، كذلك نقصان سمك البحر عن سمك الأنهار في مثل ~~ذلك أيضا. وبعكس ذلك يقال: أنه بحسب PageV00P591 # نقصان (1) سمك البحيرات في حلاوة الطعم وسرعة الانحدار أو عسر الانهضام ~~وقلة اللذاذة ورداءة الغذاء، كذلك يكون نقصان سمك البحر عن سمك الأنهار في ~~مثل ذلك أيضا. ومن قبل أن ما كان من السمك أسمن داخلا، وأسرع انحدارا، فهو ~~أقل لذاذة وأعسر انهضاما وأفسد غذاء. وما كان من السمك أغذي شحما وأقل ~~حلاوة وأبعد انحدارا فهو ألذ وأسرع انهضاما وأحمد غذاء. # ولروفس في مثل ذلك قول قال فيه: ان الجنس الواحد من السمك إذا كان منه ~~بحري ومنه نهري، فإن البحري منه أقل شحما وألذ طعما وأسرع انهضاما وأحسن ~~جوهرا. والنهري أحلى طعما وأكثر شحما وأبعد انهضاما وأسرع انحدارا وأقل ~~لذاذة وأردأ جوهرا. # وقد يقع في ms530 غذاء السمك اختلاف كثير من وجوه أخر: أحدها: من جنسه وتركيبه، ~~والثاني: من مرعاه، والثالث: من طبيعة الرياح الهابة عليه واختلافها في ~~كثرتها وقلتها وشدتها وضعفها (2)، والرابع: # من طبيعة ما تحمله الرياح معها، والخامس: من صنعة السمك وعمله والوجوه ~~التي يتخذ بها. فأما اختلافه من قبل جنسه وتركيبه فيكون على ضروب من قبل أن ~~منه جنسا له قشر وفلوس (3). ومنه ما ليس له قشر ولا فلوس. ومن الذي له فلوس ~~ما فلوسه أغلظ وأصلب، ومنه ما فلوسه أرق وألين. فما كان من السمك له فلوس ~~فهو في الجملة أفضل مما ليس له فلوس، وذلك لجهتين: إحداهما: أن الفلوس دالة ~~على قلة رطوبته ومائيته. ولذلك صارت سهوكته أقل من سهوكة ما ليس عليه قشر ~~كثير. والثانية: أن الفلوس دالة على قلة فضول السمك لان الطباع تحتاج أن ~~تلطف فضلة الانهضام الثالث في الحيوان المشاء والطائر في تغذية الشعر ~~والصوف والريش وما شاكل ذلك. وما كان من السمك فلوسه أغلظ وأصلب، كان أفضل ~~مما كان أرق وألين، لان في غلظ الفلوس دلالة على قلة الرطوبة بالطبع، وفي ~~رقتها دلالة على كثرة الرطوبة بالطبع. ولذلك صارت فلوس السمك البحري أغلظ ~~وأمتن، وفلوس السمك النهري أرق وألين. ولمثل ذلك صارت فلوس الظهر من كل ~~حيوان أغلظ وأمتن وفلوس ما يلي البطن أرق وألين، من قبل أن الصلب أيبس وأقل ~~رطوبة وشحما، والبطن أشحم وأكثر رطوبة ولزوجة. # * * * وأما اختلاف السمك من قبل مرعاه الذي يرتعيه. فإن ما كان منه يرتعي ~~حشيشا طريا ناضرا أو أصولا رطبة أو حيوانا محمودا فهو أفضل غذاء وأسرع ~~انهضاما وأحسن جوهرا وألذ طعما. وما كان يرتعي حشيشا جافا أو حيوانا غير ~~محمود (4) أو أصولا قد علت عليها الحمأة، كان أذم وأبعد انهضاما وأفسد ~~جوهرا وأقل لذاذة. وما كان يغتذي الحمأة والطين، كان أفسد جوهرا وأبعد ~~انهضاما وأقل لذاذة وأسرع انحدارا. # PageV00P592 # وأما اختلاف السمك من قبل اختلاف الرياح الهابة عليه في طبيعتها أو ~~كثرتها أو قلتها أو قوتها أو ضعفها، فإن ms531 ما كان منه يأوي أنهارا تهب عليه ~~منها الريح الشرقية الشمالية، فهو ألطف وأفضل مما يأوي أنهارا تهب عليها ~~ريح الغرب والجنوب، لان ريح المشرق والشمال أيبس وأقل رطوبة وأقوى على ~~تحليل البخارات المتصاعدة من الأرض، وإن كانت ريح المشرق في مثل ذلك أقوى ~~وأفضل، لأنها أحر بالطبع، وريح الجنوب والمغرب أرطب وأغلظ وأحقن للبخارات ~~المتصاعدة من الأرض وأمنع من تحليلها، وإن كانت ريح المغرب أخص بذلك من ~~الجنوب، لأنها أبرد. # وما كان من السمك يأوي أنهارا تهب عليها الرياح دائما، كان أفضل مما كان ~~في أنهار مستورة من مهب الرياح لان الرياح تحرك الماء وتكثر أمواجه وتزيد ~~في اضطرابه ومصادمة أجزائه بعضها بعضا، وتتعب السمك وترض لحمه وترخيه وتفني ~~أكثر لزوجته ورطوبته، لا سيما إذا كانت الرياح شديدة قوية. # وعدم الرياح يفعل ضد ذلك وخلافه. # وأما اختلاف السمك من قبل ما تحمله الرياح معها جافا (1) نقيا ذكيا، كان ~~أحمد مما كان رطبا وسخا كريها زفرا أو منتنا، لان الأول منها فرق (2) ~~البخارات ويحصرها ويغلظ الهواء ويفيده كدورة ونتنا. # وأما اختلاف السمك من قبل صنعته وعمله والوجوه التي يتخذ بها فيكون على ~~ضروب: لان منه ما يتخذ مشويا، ومنه ما يتخذ مقلوا بالزيت، ومنه ما يتخذ ~~مطبوخا إما اللون الساذج المعروف بالاسفيذباج وإما بالسكباج، ومنه ما يتخذ ~~مسلوقا (3) مطيبا بالخل والملح والأبازير. ومن الناس من يجعل بدل الملح مري ~~سمك. فما اتخذ منه مشويا أو مقلوا، كان أقل لزوجة ورطوبة وأبعد من إطلاق ~~البطن، إلا أنه أعسر انهضاما وأبعد انحدارا وأثقل على المعدة، وإن كان ~~المشوي أحمد جوهرا لما يستفيده المقلو من غلظ الزيت ولزوجته، إلا أن ذلك ~~أسرع انحدارا وأسهل انهضاما. والأفضل في المشوي أن يشوى على حطب الكرم ~~والبلوط وقضبان الرمان ويؤكل بالمري والزيت ليسهل انهضامه وانحداره وما طبخ ~~من السمك أسفيذباج كان أسرع لانهضامه وانحداره، وأهون على إطلاقه للبطن ~~وبخاصة ما طبخ منه بماء وملح وشئ من زيت وشبث وكراث، وربما جعل فيه شئ من ~~شراب ريحاني، ms532 وما طبخ منه سكباج كان أكثر لتبريده وأقل لترطيبه وإطلاقه ~~البطن، وأبعد لانهضامه وانحداره. وما سلق منه كان أغذي وأحسن غذاء، لان ~~أكثر لزوجته ولعابيته تزول عنه في الماء الذي يسلق به، وبخاصة إذا أكل وهو ~~حار بزيت مغسول ومري ونعنع وكرفس وسذاب وصعتر وكراويا وفلفل وزنجبيل. # وأفضل أجناس السمك النوع المعروف بالشبوط والمعروف بالبني (4) والمعروف ~~عند أهل مصر # PageV00P593 # بالبلطي وفراخ اللوطس (١) وأحمد ما يؤكل <من> السمك صغيره، لان ~~رطوبته أقل وأرق، ولزوجته أقل، ولحمه ألين وأرخى، وانهضامه أسرع وانحداره ~~أسهل وبخاصة متى كان صخريا أو رضراضيا، وكان من الجنس الذي له فلوس. # وأما البوري والأبرميس (2) فزعم كسزمقراطيس (3) أنهما رديئان للمعدة لان ~~الفساد يسرع إليهما كثيرا. ولذلك صار انحدارهما أسرع وإطلاقهما للبطن أزيد. ~~وزعم ديسقوريدوس وجالينوس في الجري (4)، المعروف عند أهل مصر بالسلور أنه ~~كثير اللزوجة والسهوكة جدا. ولذلك صار مخصوصا بتوليد البلغم الغليظ اللزج، ~~ومن قبل ذلك صار إذا أكل طريا غذى غذاء فاسدا مذموما غير محمود وأورث ~~المدمنين عليه الأمراض الكثيرة لكثرة رطوبته ولزوجته. ونفار (5) الطباع منه ~~كثيرة لسهوكته وزهومته، إلا أنه إذا أكل مالحا بالخل، نقى قصبة الرئة وصفى ~~الصوت، لأنه بزيادة رطوبته يلين ويرخي، وبقوة ملوحته يقطع الفضول (6) ~~ويبعثها بالنفث. وقال ديسقوريدس فيه: أنه إذا (7) عمل منه ضماد وحمل (8) ~~على المواضع التي يدخلها السلاء (9) والنشاب، اجتذبها وأخرجها من اللحم. # قال واضع هذا الكتاب: أحسب أن ديسقوريدس لم يقل هذا لان في السلور قوة ~~جاذبة ولا يمكن ذلك لرطوبته ولزوجته، لكن لأنه يرخي اللحم ويلينه حتى يسهل ~~على الطبيعة إخراج ما فيها بسرعة. وحكى قوم عن ديسقوريدس أنه قال: إن ~~النساء إذا أكلن السلور، هيج بهن (10) الشبق المفرط المنسوب إلى الغلمة. ~~وأما نحن فما قرأناه له ولا علمناه من قوله. # PageV00P594 # القول في السرطانات والأربيان والحلزون والأصداف الصغار المعروفة عند أهل ~~مصر بالحطبيس (3) وما شاكل ذلك من حيوان البحر التي لها خزف أو جلد خزفي ~~قال جالينوس: وقد يعم هذه الحيوانات كلها الملوحة والمعونة على إطلاق البطن ~~بقوة ms533 تلذيعها وتقطيعها. ولذلك صارت مفسدة للمعدة، مضرة بعصبها، إلا أنها ~~تختلف في ذلك بحسب اختلاف ملوحتها في قوتها وضعفها، من قبل أن منها الرقيق ~~القشر القليل القبول للملوحة الدالة، لقلتها، على ضعف تلذيعه وتقطيعه مثل ~~الحلزون والأصداف المعروفة بالطنيش، وأن كان السرطان النهري داخلا في هذا ~~الجنس لضعف ملوحته واعتدال تجفيفه. فما كان منها ملوحته أكثر وتلذيعه أقوى، ~~كان لحمه أرخص وانهضامه أسرع، وغذاؤه أقل، وإطلاقه للبطن أزيد، وإضراره ~~بالمعدة أشد، وبخاصة إذا أكل بالمري والملح. # وما كانت ملوحته أقل، كان لحمه أغلظ وأعضل وانهضامه أبعد وغذاؤه وإطلاقه ~~للبطن أضعف وإضراره بالمعدة أقل. ولذلك كانت الأوائل تطعم هذا الجنس من ~~الحيوان لمن كان الفساد يسرع إلى الطعام في معدته عن رطوبات باردة قد رسخت ~~في طبقات المعدة وخملها أو لفضول تنجلب إليها من غيرها، إما من الكبد وإما ~~من غيره، إلا أن كل واحد من هذه الأنواع قد يختص بخاصة يفعلها على سبيل ~~الدواء مثل السرطانات النهرية فإنها مخصوصة بالنفع من عضة الكلب الكلب من ~~قبل أنها لما كانت أقل ملوحة من السرطانات البحرية وألذ طعما وأقل تجفيفا ~~وأعدل غذاء وأبعد من الاضرار بالمعدة، صارت بلطافة ملوحتها وقلة تجفيفها ~~تقئ السم برفق رويدا رويدا من غير أن تجفف من رطوبة البدن الجوهرية شيئا. # PageV00P595 # وإذا أخذ من رمادها وزن ثلاثة دراهم مع مثقال ونصف جنطيانا (١) وشرب ~~بشراب ريحاني، نفع من عضة الكلب الكلب. وزاد جالينوس في هذا الدواء الكندر ~~ربع مثقال ونصف عشر مثقال، يكون ذلك دانقين (٢) ونصف وكسر من حبة. وذكر ~~جالينوس أن السرطانات تحرق على ضروب وأفضل إحراقها أن تؤخذ حية فتجعل في ~~كوز من نحاس أحمر وتصير في قدر أو تنور حتى تصير رمادا. ويكون ذلك في زمان ~~الصيف عند طلوع الشعرى اليمانية والشمس في الأسد، والقمر في الحمل في ~~ثمانية عشر يوما من آب. وحكى عن رجل من الأوائل يقال له أكسيرين (٣) أنه ~~كان يتخذ رماد السرطانات عنده دائما ويعالج به وحده من عضة الكلب الكلب، ~~وكان ms534 يصير الشربة منه في ابتداء العلة ملعقة واحدة يذرها (٤) على الماء ~~ويسقيها للمنهوش. فإذا لم يتفق له أن يشفى <من> هذا الدواء في ابتداء ~~العلة، ورأى أنه قد مضى له أياما، أسقى ملعقتين. # وزعم أنه ما كان يقصد من السرطانات إلا النهرية لقلة تجفيفها ولطافة ~~فعلها. وإذا اعترض عليه واحد وقال له: ولم لا تستعمل رماد السرطانات ~~البحرية؟ قال: لان ليس معها من المضادة لسم الكلب الكلب ما مع السرطانات ~~النهرية، لان سم الكلب الكلب في غاية اليبس والتجفيف (5)، ولذلك صار ~~المنهوش وهو بتلك الحال يعطش والسرطانات البحرية فقوية التجفيف جدا ~~لاكتسابها ذلك من ملوحة ماء البحر. ولذلك صار بينها وبين السم الكلبي ~~مجانسة ومشاكلة. فهي لذلك زائدة بالسم لتقومها بفعله، والسرطانات النهرية ~~ليست كذلك لان الذي معها من اليبس لا يفنى إلا بفناء السم فقط من غير أن ~~تفعل في رطوبة البدن الجوهرية شيئا. # وحكي عنه أيضا أنه كان إذا اعترض عليه بكل ما في الأنهار، وقيل له: لم لا ~~كان ما في الأنهار من الحيوان يفعل مثل ذلك في عضة الكلب الكلب؟ قال: لان ~~ليس في طبيعته شئ منها إذا أحرق بالنار أن يصير فيه من التجفيف والتلطيف ما ~~يصير في السرطانات إذا أحرقت. ولذلك صار أخص بذلك من غيره من حيوانات ~~الأنهار. # وإذا طبخ السرطان النهري كانت مرقته ملطفة للبطن مدرة للبول نافعة من ~~قروح الرئة. ومما يختص به السرطان النهري والبحري جميعا، وإن كان البحري ~~أقوى فعلا في ذلك، أنه إذا دق وهو ني وشرب بلبن الأتن، نفع من نهش الرتيلاء ~~ولذع العقارب. وإذا دق مع الباذروج وقرب من العقرب، قتلها. وإذا طبخ، كانت ~~مرقته نافعة من نهش الأرنب البحري. وإذا دق وخلط رماده بعسل، نفع من شقاق ~~اليدين والرجلين العارض من البرد ومن الشقاق العارض في المقعدة. # * * * # PageV00P596 # القول في الأربيان ويسمى الربيثا وأهل مصر يسمونه القريدس أما الأربيان ~~فإنه إذا كان طريا كان، بإضافته إلى السمك، حارا رطبا. وإذا كان مالحا، كان ~~يابسا مجففا للمعدة ms535 من غير إضرار بها، وبخاصة إذا أكل بالصعتر والسذاب ~~الطري والكرفس والزيت المغسول وشئ من شونيز وشرب عليه شراب مصرف (1). وأحمد ~~ما يؤكل إذا أنقع إنقاعا كثيرا وقلي بدهن اللوز أو بدهن سيرج أو الزيت ~~الانفاق. # * * * # PageV00P597 # القول في الماء والثلج والفقاع أما الماء فأجمع الطبيعيون أنه مركب ~~تركيبا أوليا من طبيعتين بسيطتين وهما: البرودة والرطوبة. # ولذلك لم يمكن أن يكون مغذيا لأبداننا ولا زائدا فيها إلا أن يتركب مع ~~غيره من الأغذية المركب تركيبا ثانيا من العناصر الأربعة التي هي النار ~~والهواء والماء والأرض (1). وذلك أن الماء لما كان باردا رطبا لطبيعته ~~وذاته، لا لإضافته إلى غيره، لم يمكن أن يكون فيه تغذية لما كان في مزاجه ~~حرارة ويبوسة لمضادته لكل حار يابس، ومنافرته له بالطبع. وإذا كان ذلك كذلك ~~لم يمكن أن يفعل فيه إلا فعل الضد في الضد. والأضداد غير زائدة بعضها في ~~بعض، ولا مقرب بعضها لبعض، لان كل واحد منها منافر (1) لصاحبه ومفسد (2) له ~~وينفسد منه كمنافرة الماء للنار، والبياض للسواد، وفعل كل واحد منهما في ~~صاحبه وانفعاله منه. # ولما كان ذلك كذلك، بان واتضح أن الماء غير مغذ لأبداننا ولا زائد فيها. ~~ومما يدل على ذلك أيضا أن الماء بسيط وأبداننا مركبة. والبسيط لا يفعل في ~~المركب فعل المركب في المركب، ذلك لمشاكلة المركب للمركب مثله، ومخالفة ~~البسيط له بالطبع. والمخالف غير مغذ لما خالفه ولا زائد فيه، لان التغذية ~~إنما هي تشبه المغذي بالمغتذي لمشاكلة الغذاء له بالقوة. والماء فغير مشاكل ~~لما في أبداننا من الحرارة واليبوسة لا بالقوة ولا بالفعل. فهو إذا غير مغذ ~~لهما ولا زائد فيهما. # فإن عارضنا معترض وقال: فإذا كان الماء على ما ذكرت، فما حاجة الطباع ~~إليه وهو غير مغذ للأبدان ولا زائد فيها (3) ولا مقو لها؟ قلنا له: أما ~~الحاجة إليه فلجهتين: إحداهما: أنه مركب للغذاء وحامل له إلى جميع البدن ~~لأنه برقته وسيلانه وانمياعه يرق الغذاء ويسيله ويسهل نفوذه في العروق ~~وجولانه في البدن. والثانية: أنه ms536 ببرودته ورطوبته يقاوم الحرارة العرضية ~~ويقمع حدتها ويمنع أذيتها # PageV00P598 # ويقطع العطش المتولد عنها بمضادته لها، ويمنع حدة البخارات المكتنفة ~~للقلب، ويشجع الطبيعة ويقويها على الفعل. إلا أنه متى وافى الحرارة الغريبة ~~من القوة أكثر من مقاومته لها وتأثيره فيها، انفعل لها وفعلت فيه فعل النار ~~في الماء خارجا وتفعله إلى ذاتها وجوهرها لخفته ولطافته، والتهب وصار زائدا ~~في فعلها ومقويا لها، إلا أن ينقل بعض الأشياء المركبة تركيبا ثانيا مثل ~~لعاب بزرقطونا أو لباب الخبز المحكم الصنعة المغسول بالماء مرات، أو الكعك ~~المحكم الصنعة المغسول كذلك، ليغلظ ويثقل ويبعد انفعاله، وتضعف الحرارة عن ~~مقاومته لبعده (١) وبعد انقياده لتأثيرها. فعند ذلك يقهرها ويفعل فيها ~~بطبعه وبرودته ورطوبته، ويسكن لهبها، ويبطل فعلها، ويقطع العطش المتولد ~~عنها. # والمختار من الماء ما صحبته حالتان (٢) محمودتان: إحداهما: من طبيعته ~~وهيئته، والأخرى: من ينبوعه ومجراه. فأما الحال التي يجب أن تكون له من ~~طبيعته وهيئته فهو أن يكون صافيا نقيا من الأوساخ والديدان وسائر الهوام ~~سليما من العفونات والأقذار، من غير أن يكون له لون ظاهر أو طعم بين أو ~~رائحة مدركة، لان الألوان والطعوم والروائح تدل على تركيب الكيفيات الأربع ~~من فعل الطباع وتأثيرها. والماء فبسيط مركب تركيبا أوليا من كيفيتين ~~مفردتين بسيطتين. فإن ظهر فيه شئ يدل على التركيب الثاني. # دل على مخالطة (٣) غيره له. ولذلك لم يمكن أن يكون له لون ولا طعم ولا ~~رائحة. فإن يكن له لون فلمخالطة غيره له. فيجب أيضا أن يكون صافيا نقيا ~~دالا على لطافة الهوائية وغلبتها عليه، وأن يكن له طعم، فيجب أن يكون عذبا ~~لذيذا خفيفا على حاسة الذوق، وأن يكن له رائحة، فيجب أن تكون ذكية معراة من ~~النتن والحمأة وسائر الكيفيات الدالة على عفونته وفساده وخروجه عن كيانه، ~~لان ما كان من (٤) المياه كذلك، كان لذيذا عند الطباع سريع النفوذ في ~~العروق، والتنفيذ من المعدن، والجولان في البدن بعيدا من تولد النفخ ~~والقراقر. # وأما الحال التي يجب أن تكون له من ينبوعه وابتداء ms537 خروجه، فهو أن يكون ~~ينبوعه وابتداء خروجه قبالة المشرق ومجراه نحو الشمال لتهب عليه ريح المشرق ~~والشمال (٥) دائما، وتكون جريته سريعة قوية، سريعة المد على حصى رضراضي، أو ~~رمل صاف نقي من التراب والوسخ، أو على طين حر عذب إما أحمر أو أسود، لان ~~الماء الذي هذه حاله يكون لطيفا خفيفا سريع الحركة والانقلاب من البرودة ~~إلى الحرارة إذا طبخ بالنار، ومن الحرارة إلى البرودة إذا برد في الهواء ~~البارد اللطيف، لان في سرعة حركته وانتقاله من كيفية إلى كيفية ما دل على ~~خفته ولطافته. # وأخف المياه وألطفها وأعدلها وأعذبها ماء المطر الحديث القريب العهد ~~بالنزول من العلو <وبعده> (6) الجاري على الحجارة والرمل والحصى، ~~وبعده الجاري على الطين الحر العذب، النقي # PageV00P599 # من الأوساخ والأقذار والجفن الكائن في صهاريج عتيقة مغسولة في كل زمان من ~~الطين والحمأة، تهب عليها أكثر ذلك ريح الشرق والشمال لان الماء الذي هو ~~كذلك أقل المياه رطوبة وأسلمها من العفونة وأبعدها من الاضرار بالمعدة لان ~~فيه شيئا من قبض وتقوية. وبعد ماء المطر في الفضل ماء الأنهار العظام ~~البعيدة من المدن الجارية على الحصى والرمل الصافي النقي أو الطين الحر ~~العذب الأحمر أو الأسود، وإن كان ما يجري على الحصى والحجارة أفضل مما يجري ~~على الرمل لان الحجارة والحصى يكسر الماء ويلطفه وينقي غلظه. وما يجري على ~~الرمل النقي أفضل من ماء المطر العتيق الذي قد تقادم في صهاريجه، لان حركة ~~الماء وجريه يلطفه ويرقه وينقي بعض غلظه، واحتقان الماء في الصهاريج يفيده ~~من بخار الأرض بخارات مذمومة. وبعد ماء الأنهار العظام في الجودة ماء ~~العيون المستقبلة للمشرق أو الشمال المنصبة من مواضع عالية على الحجارة ~~والحصى، وأن كان ما يستقبل المشرق من العيون أفضل مما يستقبل منها الشمال، ~~لان جهة المشرق على مذهب بقراط وجالينوس حارة يابسة، والشمس تشرق عليها كل ~~غداة دائما بالطبع وتلطف هواءها وتنقي بخاراتها وغلظها في أقرب وقت (1) من ~~النهار. # * * * # PageV00P600 # القول في كيفية امتحان المياه والوقوف على لطيفها من غليظها وخفيفها ms538 من ~~ثقيلها فيكون على ما أصف، والله الهادي بجوده وسعة رحمته. وهو أن يؤخذ ثوب ~~كتان ناعم ثم يشق بنصفين ثم ينزلان في ماءين مختلفتين، ويفرك كل واحد منهما ~~في مائه الذي هو فيه عركا جيدا، ويعصران ويجففان في موضع واحد وهواء واحد ~~ووقت واحد. فإن ما جف قبل صاحبه فماؤه ألطف وأخف. ومن أفضل ما يصفى به ~~الماء للمحرورين الطين الأرمني والطين الرومي والطين الجزري المعروف ~~بالقيموليا والطباشير. فأما المرطوبون (1) فيصفى لهم بماء اللوز المر ونوى ~~المشمش والشبت الأبيض المنبوت وقطع خشب الساج أو في حرارة الشمس الصيفية. ~~وأما المعتدلو المزاج فيصفى لهم بماء اللوز الحلو وسويق الحنطة والآجر ~~الأحمر المسحوق المعمول من الطين الحر العذب. وإذا شرب الماء الشديد ~~البرودة والمياه الكدرة الرديئة بالشراب الأبيض الخمري القابض، دفع ضررها، ~~وذلك أن المياه الكدرة الفاسدة الطعم إذا شربت استحالت في المعدة بسرعة ~~وفسدت وأفسدت جوهر المعدة وأضعفت قواها، وإذا ضعفت قوى المعدة، تحللت إليها ~~من البدن كله فضول مرية كما ينجلب إلى معد المدمنين على الصوم إذا حميت ~~معدهم وضعفت قواها لعدمها الغذاء. فإذا خرجت هذه المياه بالشراب الأبيض ~~الخمري القابض، أطلقتها وهضمتها ومنعت من استحالتها وحلت قوة ما لعله قد ~~يجلب إلى المعدة من الأخلاط وكسرها كما يحل الماء العذب قوة الشراب الصرف ~~ويكسر حدته. # وليس إنما فضيلة هذا النوع من الشراب في هذا الموضع تحليل الفضول فقط، ~~لكن لأنه بعقب ذلك يقوي فم المعدة بقبضه ويعينها على دفع ما يؤذيها إلى ~~أسفل ويخرجه مع الثقل. فأما الماء الشديد البرد فإنه كثيرا ما يضر عصب ~~الصدر والمعدة والأمعاء وسائر العصب بقوة برده، ويحدث في البطن كله وجعا، ~~ويولد ضيقا في الصدر وآلات التنفس وانقباضا في عروق الصدر وخدرا في العصب ~~كله وتشنجا وفالجا. فإذا مزج بالشراب اعتدلت برودته بلطف حرارة الشراب، ~~وزال عنه إضراره بالعصب. ولذلك وجب على كل من كان مرطوبا، إما من الطبع، ~~وإما من السن، وإما لحال عرضت له، أن يمتنع من شرب الماء البارد ms539 أصلا ولا ~~يقربه إذا أمكن ذلك. فإن هو اضطر إلى شربه، فلا يقدم عليه إلا بعد طبخه في ~~قدر جديدة لم تستعمل قبل ذلك أو قدر فخار كذلك، إلى أن يذهب منه الثلث أو ~~النصف ثم يطيب بمصطكى # PageV00P601 # مسحوق ويلقى فيه قبل نزوله عن النار بساعة ليذوب في الماء حسنا ويختلط ~~به. وينبغي أن يحذر من الماء إذا كانت البورقية فيه أظهر، وعليه أغلب لان ~~من شأن الملوحة أن تحمي الأبدان وتنشف الرطوبات وتجفف البطون بالعرض لا ~~بالطبع، من قبل أنها، وإن كانت <في> ابتداء فعلها تذيب الفضول وتقطع ~~(1) الأخلاط وتلذع (2) الأمعاء وتطلق البطن، فإنها في المنتهى تجفف رطوبات ~~الثفل وتمنع من انحداره فيصير ذلك سببا لحبسها للبطن. # القول في الثلج أما الثلج فهو في طبيعته أبرد وأقل رطوبة من الماء كثيرا، ~~من قبل أنه ليس غير ما أفرط عليه برد الجو فأجمده وغلظه وأخفى رطوبته. ~~ولهذه الجهة صار اليبس به أخص من الرطوبة، وصار أغلظ وأثقل على المعدة وأضر ~~بعصبها وسائر الأعضاء جملة. ومن قبل ذلك صار مانعا من جودة الهضم مضرا (3) ~~بالأسنان لقربها من طبيعة العصب. وأوكد الأسباب فيه الاضرار بالمسنين (4) ~~إضرارا عاجلا من كثب لقلة احتمال عصبهم لبرده لضعف حرارتهم الغريزية ~~بالطبع. ولذلك صار مضرا لمعدهم وصدورهم وسائر بطونهم إضرارا شديدا، ومولدا ~~(5) فيهم ضيق النفس والفالج والتشنج. فأما الاحداث والشبان فإن إضراره بهم ~~ليس بعاجل لمقاومة حرارتهم الغريزية لبرده بقوتها، وإن كان الاكثار منه ~~والادمان عليه مؤذيا لهم، لأنه يحدث في عصبهم عللا يموتون وهي بهم. ومن ~~الأفضل للمدمنين عليه من الشبان والاحداث لزوم دخول (6) الحمام والتمرخ (7) ~~فيها بعد التعرق الكثير بدهن السوسن والنرجس ودهن الأترج والمزرنجوش (8)، ~~ويشربون الشراب العتيق الريحاني. فأما.. (9) فلا حيلة لهم في دفع ضرره عنهم ~~إذا أدمنوا عليه. # وأما المبرد بالثلج فألطف وأقل غلظا من الثلج نفسه وأبعد من الاضرار ~~بالمعدة والعصب لأنه، بإضافته إلى الثلج، أقل برودة وأبعد من اليبوسة. ~~ولذلك صار ألطف وأسرع انحدارا وجولانا في البدن وأقل إضرارا بالمعدة (10). ~~وأفضل ms540 من الماء المبرد بالثلج، لان الماء المبرد في الهواء البارد اللطيف ~~أبعد من الاضرار بالعصب كثيرا، بل لا ضرر فيه أصلا. # ولما كان ماء البحر وسائر المياه المالحة قد تستعمل في مصالح الأبدان ~~كثيرا في الحمامات وغيرها إذا عدم الماء العذب، رأينا ألا نخلي كتابنا هذا ~~من ذكرها ولا نعريه منها، وأن نضيف ذكرها إلى ذكر الماء العذب لما بينهما ~~من المجانسة في الجوهر، وإن اختلفت في الكيف. # * * * # PageV00P602 # القول في ماء البحر وغيره من المياه المالحة أما ماء البحر فقوي الملوحة ~~جدا شديد التقطيع والتلذيع. ولذلك صار مضرا (1)، ملينا للبطن، محدرا للبلغم ~~الغليظ اللزج. وربما شرب وحده لمثل ذلك. وربما شرب بالاسكنجبين ممزوج (2) ~~للاسهال. ويصلح منه مرق الدجاج المسمن ليكسر حدة تلذيعه الطبيعية، ويمنع من ~~إضراره بالعصب المعدية والأمعاء لما يفيده ذلك من.. # (3) بدسمه، وإن كان الفاضل أبقراط قد أنكر قول من قال في الماء المالح ~~أنه مطلق للبطن بالقول المطلق. وذلك أنه وإن كان مطلقا للبطن من جهة، فإنه ~~حابس لها من جهة أخرى، من قبل أنه وإن كان في ابتداء فعله يلطف الفضول ~~بطبعه ويلذع الأمعاء ويطلق إطلاقا لينا، فإنه إذا جفف الرطوبات وأفنى ~~اللعابيات ولم يجد هيولي يفعل فيه، نشف رطوبة الثفل وجففه ومنعه من ~~الانحدار. وصار ذلك سببا وكيدا لحبسه للبطن وإضراره بالعصب. ولذلك أشارت ~~الأوائل بشرب دسم الدجاج المسمن بعقب الخروج من الاسهال منه، ليمنعوا من ~~الافراط بتجفيفه وإضراره بالعصب. # ومن منافعه على سبيل الدواء: أنه إذا استعمل من خارج وإذا صب على ~~الأبدان، غاص في مسام البدن وحلل الفضول وجذبها إلى سطح البدن وظاهره، ونفع ~~من لسع العقارب ونهش الرتيلاء والأفاعي والحيوان الذي يعرض عن نهشه ~~الارتعاش لجذبه السم إلى خارج وبخاره الذي يتصاعد منه. وإذا طبخ، كان نافعا ~~(4) من الصداع البلغماني وثقل السمع. وإذا عمل منه ضماد، حلل الأورام ~~البلغمانية. وذكر # PageV00P603 # ديسقوريدس في ماء البحر أنه إذا أخذ ساذجا محضا طريا لم يشبه غيره من ~~المياه وخزن، ذهبت زهومته. # وزعم أن من الناس ms541 من يطبخه قبل أن يخزنه. وأما الماء المخلوط بالملح ~~فيفعل فعل ماء البحر في جلائه وتقطيعه وتجفيفه. ولذلك صار إذا احتقن به، ~~نفع من عرق النساء العارض من الرطوبات الغليظة، وغسل القروح العارضة في ~~الأمعاء السفلى بتنقيته لها من الأوساخ والدرن. وقد يصب على الأعضاء من ~~خارج عوضا من ماء البحر إذا لم يقدر على ماء البحر. PageV00P604 # القول في الفقاع أما الفقاع (1) فيعمل على ضروب: لان منه ما يتخذ من دقيق ~~الشعير المنبت والنعنع والسذاب والطرخون وورق الأترج والفلفل. ومنه ما يتخذ ~~بالخبز المحكم الصنعة وماء دقيق الحنطة المنبتة أو ماء دقيق الشعير المنبت. ~~فما اتخذ منه بماء الشعير المنبت والنعنع والسذاب والطرخون وورق الأترج ~~والفلفل كان حارا يابسا كثير التعفن مفسدا للمعدة مولدا (2) للنفخ والقراقر ~~مضرا (2) بعصب الدماغ والحجب التي فوق الدماغ، لأنه يملأها بخارات غليظة ~~حارة تفيده الانحلال. وربما أحدث بحدته وعفونته إسهالا، وربما أحدث ~~للمدمنين عليه عللا في المثانة وحرقة في البول. # وأما المتخذ بالخبز المحكم الصنعة والكرفس وماء دقيق الحنطة المنبتة وماء ~~دقيق الشعير المنبت، فإنه أقل إضرارا وأوفق للمحرورين. فمن أحب من المعتدلي ~~المزاج أن يزيل عنه نفخه ورياحه وقراقره ويفيده حرارة معتدلة وتقوية ~~للمعدة، فليجعل فيه بعض الأفاويه العطرية المطيبة للمعدة المقوية لها ~~بعطريتها ونشفها لرطوبتها مثل السنبل والمصطكى والدارصيني والدارفلفل والسك ~~(3) الممسك وشئ من قاقلة ويسير من بسباسة (4)، ويكون جملة ما يؤخذ من ذلك ~~لكل عشرين كوزا وزن مثقال أو درهمين، فإن أراد أن يفيده لذاذة فيصير في كل ~~كوز منه عودين طرخون وورقتين أترج ويسيرا من السذاب والنعنع. # PageV00P605 # القول في الشراب أما الشراب فيغذو غذاء حسنا محمودا ويعين على صحة ~~الأبدان ويقويها. وذلك أنه إذا أخذ على ما ينبغي وكيف ينبغي وما احتملته ~~الطباع، قوى الهضم وأعان على نضجه وكماله وجودته. وليس إنما يقوي الهضم ~~الأول الكائن في المعدة فقط، لكنه قد يفعل مثل ذلك في الهضم الثاني الكائن ~~في الكبد وفى الهضم الثالث الكائن في كل الأعضاء، لان من الممتنع أن ms542 يشك ~~أحد من الطبيعيين في أن الغذاء ينفذ في جميع البدن وينهضم في كل الأعضاء ~~وينتقل إليها ويتشبه بها ويزيد فيها ويقويها. ولولا ذلك لما نمت الأعضاء، ~~ولا انبسطت، ولا قويت بعد ضعف، ولا سمنت بعد هزال. وقد يستدل على ذلك أيضا ~~من الحس لأنا نجد الكروم إذا سقيت بالماء الا قليلا حتى يصل الماء إلى ~~العنب ويجول فيه. ويرى ذلك حسا ثم ينهضم بعد ذلك ويتشبه بالعنب ويزيد فيه ~~ويعظم بعد صغر، ويعذب بعد حموضة. وإذ ذلك كذلك، فمن البين أنه إذا انهضم في ~~الأعضاء وتشبه الغذاء بالمغتذي وزاد فيه وقواه، أن ذلك من أوكد الأسباب ~~وأوفق الدلائل على وجود الصحة وبقائها وصحة القوة ودوامها. # وقد أجمع الطبيعيون على أن قوة الهضم وجودة الاستمراء لا تكون الا بقوة ~~الحرارة الغريزية. # وليس شئ أرفد للحرارة الغريزية ولا أعضد لها من الشراب. ذلك لاختصاصه ~~بالطبيعة ولملاءمته لحرارة بدن الانسان ومشاكلته لمزاج الدم الطبيعي وسرعة ~~انقلابه إليه. وقد يستدل على ذلك بالتجربة والمحنة الطبيعية. وذلك أن ~~إنسانا لو قصد رجلين متكافئين في القوة والسن والمزاج والعادة فغذاهما ~~بغذاء واحد في وقت واحد وهواء واحد، ثم أمر أحدهما بشرب الشراب واقتصر ~~الاخر على شرب الماء لوجد بينهما في جودة الهضم وقوة الحرارة الغريزية بونا ~~بعيدا، لأنه كان يجد ذلك في شارب الشراب أقوى وأفضل، وفي شارب الماء أضعف ~~وأخس. ولذلك قال روفس: وإذا فكر الانسان في فضل الرجال على النساء وجد ذلك ~~لفضل قوة الشراب على الماء. # وليس انما فضيلة الشراب في تقوية الحرارة وجودة الهضم فقط، لكن فيه مع ~~ذلك منفعة عظيمة في تصفية الدم الكدر وتلطيفه وتنقية العروق والأوراد من ~~الأوساخ والأثفال الرديئة، من قبل أنه إذا اتخذ PageV00P606 # على ما ينبغي وكيف ينبغي وما احتملته الطباع، عضد الحرارة الغريزية وزاد ~~في القوى الطبيعية زيادة محمودة، وأعان على الهضم وتلطيف الفضول والاخلاط، ~~وغسل القنوات والمجاري والعروق وبخاصة عروق الكبد من الأثفال والأوساخ، ~~وفتح سدد الكبد وأزال البخارات المظلمة المهيجة للهموم والأحزان عن ms543 القلب، ~~وقوى الأعضاء، وأجرى عموم الدم في البدن كله، وصبغ به ظاهر البدن وباطنه، ~~وأظهر في الوجه رونقا (١) وبهجة وأفاد اللون نضارة وحسنا. وذلك لتوليده ~~الدم النير النقي الخالص المحمود. # وليس ما ذكرناه في فضيلة الشراب ومنافعه وآثاره المحمودة شيئا يخص ~~الأبدان فقط، لكن قد تعم الأبدان والنفوس معا، من قبل انه وان كان شقيق ~~الدم وحليف الطبيعة وأليفها وعشيق النفس وريحانتها وترياقها الأعظم، لأنا ~~نجده دائما ينسيها الأحزان والهموم بما يفيدها من السرور والفرح والطرب ~~ويبرز لها من المحاسن ويظهر لها من اللطائف التي كانت عنها مستورة، ويحدث ~~لها نشاطا في الافعال والأعمال من غير أن يجد لذلك تعبا ولا نصبا ولا ~~إعياء. ومن البين ان الحركة والحس بالتعب للنفس (٢) لا للطباع، من قبل ان ~~الطبيعة انما لها إصلاح الأدوات التي بها الحس والحركة. وأما الحس والحركة ~~فللنفس لا للطباع. وقد يستدل على ذلك من النبات والأشجار لأنا نجدها مطبوعة ~~قائمة للنمو والحس الطبيعي للغذاء فقط اللذين هما للطبيعة دون النفس. # فقد بان مما قدمنا أنه موافق لكل الناس في كل الأسنان (٣) والأزمان ~~والأبدان إذا أخذ بحسب القوة والعادة والاحتمال. وتدل على ذلك المشاهدة، ~~لأنا نجد الأطفال والصبيان يحتملون منه مقدارا ما، والاحداث والشبان ~~يحتملون منه مقدارا أكثر. وأما المشايخ فإنه وان كان أقوى الأسباب معونة ~~على صحتهم وسلامة أبدانهم، فحاجتهم إلى ما يشجع ويعضد حرارتهم الغريزية ~~ويقويها ويسخن رطوبة أبدانهم الفضلية <أكثر> فإن احتمالهم أقل من ~~احتمال الشبان كثيرا، وذلك لضعف أدمغتهم ورخاوة عصبهم. فمن البين إذا ان ~~فعل الشراب في الشيوخ مخالف (٤) لفعله في الشبان والأطفال، من قبل أن فعله ~~في الشيوخ فعل الدواء في الداء <لمخالفته> لأمزجتهم (٥) ومباينته ~~لطباعهم. وفعله في الشبان فعل الغذاء للمغتذي لملاءمته لأمزجتهم (٥) ~~ومشاكلته لحرارتهم ومعونته لها وزيادته في جوهرها. # وأما الأطفال والصبيان فان فعله فيهم فعل الغذاء للمغتذي، والدواء في ~~الداء معا. والسبب في ذلك أن حرارة الصبيان وان كانت أقوى بالجوهر، فإنها ~~لم تبلغ نهايتها في القوة لافراط رطوبة أبدانهم ms544 لغلبة الدم على مزاجهم ~~بالطبع. والشراب من جهة يعضد حرارتهم الغريزية <و> يقويها وينميها ~~ويفعل فيها فعل الغذاء في المغتذي لمشاكلته لها بالطبع. ومن جهة أخرى ينشف ~~رطوبة أبدانهم الفضلية رويدا رويدا ويفشها (6) لمخالفته لها. ففعله فعل ~~الدواء في الداء. # PageV00P607 # فإن قال قائل: فلم لا كان الصبيان أكثر احتمالا للشراب من الشبان وفعله ~~فيهم فعل الغذاء والدواء معا، وفى الشبان فعل الغذاء فقط؟ فقلنا له: إن ~~الصبيان أرق أعصابا وأضعف أدمغة، فلذلك قل احتمالهم له وضعفوا عن الكثير ~~منه. ولذا السبب بعينه صار الشبان أكثر احتمالا للشراب من المشايخ، لان ~~المشايخ أرخى أعصابا وأضعف أدمغة. فقد بان واتضح ان الشراب لكل الناس محمود ~~(1) إذا استعمله كل واحد منهم بحسب الطاقة والعادة والاحتمال. وعلى هذا ~~المثال يجري القياس في منفعته في الأزمان المختلفة والأمصار المتباينة إذا ~~استعمل في كل زمان من الأزمنة وبلد من البلدان بحسب طبيعة كل واحد منها ~~ومزاجه. ويستدل على ذلك من آثاره وفعله لأنا لا نجده في زمان من الأزمنة ~~ولا في بلد من البلدان محمودا مطلقا، ولا في غيرها مذموما مطلقا. ولا نجد ~~أحدا من الطبيعيين يمدحه في زمان من الأزمنة وبلدة من البلدان ويذمه في ~~غيرها، ولا يبيحه في الشتاء والبلدان الباردة، ويحذر منه في الصيف والبلدان ~~الحارة، ولا يطلقه في الربيع والبلدان الرطبة، ويمنع منه في الخريف ~~والبلدان الجافة الا على سبيل التقليل والتكثير والزيادة والنقصان وكثرة ~~المزاج وقلته، وذلك أنه وان كان الكثير منه المصرف الجبلي موافقا في الشتاء ~~والبلدان الباردة، فان القليل منه البعلي الكثير المزاج موافقا في الصيف ~~وفي البلدان الحارة لأنه يبرد الأبدان ويرطبها بما يصلحه من الماء بكثرة ~~مزاجه ويمنع حرارة الهواء من الاسخان للأعضاء وتجفيفها بإيصاله الماء ~~بتلطيف حرارته وسرعة نفوذه إلى جملة البدن دفعة. # ولذلك شبهت الأوائل فعل الشراب بفعل ترياق الفاروق، كما شبهت ترياق ~~الفاروق بفعل الطبيعة، وذلك لأنهم وجدوا الترياق يفعل في المتضادات من ~~السمائم لأنه يفعل في السم الحار كما يفعل في السم البارد. ms545 وكذلك وجدوا ~~الشراب يفعل الشئ وضده، لأنه يسخن الأبدان الباردة ويبرد الأبدان الحارة ~~ويرطب الأبدان الجافة ويجفف الأبدان الرطبة، الا أن إسخانه وتجفيفه بالطبع ~~وترطيبه وتبريده بالعرض، لان بلطافته وسرعة نفوذه يوصل الماء الذي يمزج به ~~إلى الأعضاء المحتاجة إلى التبريد والترطيب فيبردها به ويرطبها. ولذلك صار ~~كثيرا ما يبلغ من منفعته لقطع العطش ما لا يبلغه الماء البارد المبرد ~~وبخاصة إذا كان سبب العطش الحرارة والجفاف على الأعضاء البعيدة من المعدة، ~~لأنه بسرعة نفوذه وجولانه يغوص الماء ويوصله إلى الأعضاء الجافة بسرعة، الا ~~ان فعله في جميع ما ذكرناه يزيد وينقص ويقوى ويضعف بحسب اختلاف أجناسه ~~وصنوفه. وذلك أنه ينقسم قسمة أولية على ثلاثة ضروب: لان منه الحديث لسنته ~~أو لبعض أخرى، ومنه العتيق المتقادم الذي قد جاوز الأربع سنين إلى السبعة ~~أو أكثر من ذلك، ومنه المعتدل الزمان المتوسط بين السنتين والأربع. # فما كان منه حديثا لسنته أو لبعض أخرى، كان في طبيعته مائلا إلى البرودة ~~والرطوبة، لان حرارته ويبسه في الدرجة الأولى. وما كان بهذه الحال من ضعف ~~الحرارة وقلة اليبوسة والقرب من البرودة والرطوبة، كان أكثر الأشربة غذاء ~~وأخصها بتوليد الأخلاط الرديئة والأحلام الفاسدة والرياح # PageV00P608 # النافخة المضرة بالمعدة والحجاب وسائر البطن والسدد المانعة لدرور البول. ~~ولذلك قال جالينوس: أن ما كان من الأشربة حديثا لم ينفذ الغذاء ولم يوصله ~~ولم يدر البول. ولذلك وجب على من طبعه حار غليظ ومزاجه مرطوب أن يتوقاه ~~جهده أو يتجنبه أصلا لبعد انهضامه (1) وعسر نفوذه في العروق وجولانه في ~~البدن وانقلابه إلى الدم. وكذلك كان غير محمود الجوهر ولا صالح الغذاء، ~~لأنه ببعد انهضامه يلبثه في المعدة زمانا ويطفو في أعلاها ويعوم كما يعوم ~~الماء. فان أخذ منه فضلا قليلا، أسرعت إليه الحموضة وتفجج وفجج الغذاء ومنع ~~من كمال نضجه، وأحدث بشما وتخما وجشاء حامضا وتمددا في الجنبين وسائر البطن ~~وبخاصة ما كان غليظا أسود (2) قريب العهد بالعصير. ولذلك قال جالينوس: وليس ~~ينتفع بشئ من الشراب الحديث الا بما كان ms546 رقيقا مائيا بعيد العهد بالعصير، ~~لان ما كان كذلك كان، بإضافته إلى الغليظ من جنسه، أسرع انحدارا وأحمد غذاء ~~وأعون على تليين البطن. # وما تقادم من الشراب وعتق وجاوز السبع سنين واستفاد مرارة، كان في غاية ~~الحدة والحرافة، لان إسخانه وتجفيفه في الدرجة الثالثة من قبل أن رطوبته ~~الجوهرية قد قلت وقاربت الفناء وغلب على مزاجه اليبس والجفاف. وما كان من ~~الشراب كذلك، كان غذاؤه يسيرا وترقيه إلى الرأس سريعا وفرغه للذهن شديدا، ~~وذلك لقوة تلذيعه وإحراقه وبخاصة إذا اخذ منه مقدار كثير قليل (3) المزاج. ~~ومن قبل ذلك صار من الأفضل أن يحذره ولا يقربه من كان عصبه ضعيفا وحسه ~~ذكيا، لأنه يفيد من كان كذلك ضررا لا يستقل، الا ان يكون في بدن صاحبه من ~~الرطوبة ما يقاوم حدته ويكسر حرافته وتلذيعه فيفعل فيها فعل الدواء في ~~الداء. # ولذلك قال جالينوس: من أوفق الأشربة لمن كان قد اجتمعت (4) في عروقه ~~أخلاط غليظة نية قليلة الحرارة، الشراب الحديث المتقادم. وأما الشراب ~~المعتدل الزمان المتوسط بين القديم والحديث، فهو في اعتداله وحسن استمرائه ~~وجودة جوهره بحسب توسطه وبعده من الحاشيتين المذمومتين، لان إسخانه وتجفيفه ~~في الدرجة الثانية. ولذلك صار الأفضل أن يختار من الشراب ما كان كذلك، ~~ويحذر ما كان قد بلغ من قدمه وعتقه إلى أن صار إلى حالة قد زالت (5) عنه ~~فيها لذاذته وغلبت عليه المرارة والحرافة. وكذلك وجب أن يتجنب منه ما كان ~~له من الطراء وق. ب من المدة ما لم يكمل هضمه فيها ويسكن غليانه وتثويره ~~وتمتار (6) حرارته، وترسب أرضيته وترابيته، وتظهر هوائيته وتعوم، وتبقى ~~مائيته صافية نقية من الأوساخ والأثفال، لان الأول منهما، أعني المتقادم، ~~يسخن إسخانا يجاوز حد الاعتدال # PageV00P609 # ويضر بحجب الدماغ ويفرغ الذهن فرغا مؤذيا لقوة حدته وحرافته وإفراط ~~تجفيفه. وأما الثاني الحديث فلما فيه من فضل الرطوبة وضعف الحرارة وبقايا ~~الغليان والتثوير، صار كثير توليد الأحلام الفاسدة المذعرة والاخلاط ~~الرديئة والرياح النافخة المضرة بالمعدة المانعة درور البول. # ولجالينوس في قوة الشراب الحديث ms547 والمتقادم والمتوسط من ذلك قول قال فيه: ~~ينبغي أن نفهم عن هذه الجملة في الشراب، وإن اختلفت أجناسه، ونعلم أن ~~الحديث منه والمتوسط بين العصر والخمر، وان كان حارا (1)، فان حرارته لا ~~تتجاوز الدرجة الأولى، والذي قد بلغ في القدم النهاية وجاوز السبع سنين إلى ~~الأربع والخمس (2) فحرارته في الدرجة الثالثة. وكلما ضعفت حرارة الشراب قل ~~يبسه وزادت رطوبته. وكلما قويت حرارته كثر يبسه ونقصت رطوبته. # وقد تختلف أصناف الخمور المخمورة اختلافات أخر من وجوه خمسة: أحدها: من ~~ألوانها، والثانية: من طعومها، والثالثة: من روائحها، والرابعة: من ~~مواضعها، والخامسة: من قوامها. ولما كان الكلام على هذه الفضول، وهي من ~~البسائط المفردة، غير الكلام عليها وهي مركبة، وكان البسيط أسبق من المركب ~~بالطبع، رأينا أن نقدم الكلام عليها وهي بسائط، قبل الكلام عليها وهي ~~مركبة، ليكون ذلك أوضح وأزيد في الدلائل. ولا قوة الا بالله. # * * * في ما يلحق الشراب من الاختلاف من قبل ألوانه أما ألوان الشراب ~~فتنقسم قسمة أولية على أربعة ضروب: اثنان منها بسيطان وهما: الأسود ~~والأبيض، واثنان مركبان (3) من هذين البسيطين وهما: الأحمر القاني والأصفر ~~الذهبي، وإن كان قد توسط من هذه الوسائط وهذه الأطراف وسائط أخرى مثل ~~الأشقر والمورد المتوسطين (4) بين الأحمر والأبيض، والخوصي (5) والأبيض ~~الخمري المتوسطين بين الأصفر الذهبي وبين الأبيض على الحقيقة. وتدل على ذلك ~~التجربة والحس من قبل أنا نجد الشراب إذا كان من عنب أبيض يكون في ابتداء ~~أمره أبيض (6) خالصا محضا لغلبة المائية عليه وقلة الطبخ فيه وضعف حرارته ~~الغريزية. فإذا تقادم وجاوز السنة وتوسط طبخه وقويت حرارته قليلا، قلت ~~رطوبته واستفاد لونا أبيض (6) خمريا. فإذا ازداد تقادما جاوز # PageV00P610 # السنتين، ازدادت حرارته قوة ورطوبته قلة، وصبغه زيادة وصار خوصيا. فإذا ~~عتق وجاوز الأربع سنين وتم هضمه، كملت حرارته وقوي صبغه وصار أصفر (١) ~~زعفرانيا وان كان الشراب من عنب أحمر، كان في ابتداء أمره قريبا من البياض ~~لغلبة المائية عليه وضعف طبخه ونقصان حرارته. فإذا تقادم قليلا وجاوز السنة ~~وتوسط طبخه، قلت رطوبته ms548 وقويت حرارته واستفاد لونا وصار (٢) موردا. فإذا ~~ازداد تقادما وجاوز السنتين وتم طبخه، ازدادت حرارته قوة ورطوبته قلة وصبغه ~~زيادة وصار أشقر. وان كان الشراب من عنب اسود، كان في ابتداء أمره كمد ~~اللون حالك السواد لغلبة الأرضية عليه وضعف طبخه ونقصان حرارته. فإذا تقادم ~~قليلا وجاوز السنة، قويت حرارته وتوسط طبخه وامتازت أجزاؤه وطلبت (٣) ~~ترابيته السفلى بالطبع، واستفاد رقة وصفا متوسطا (٤) بين الأحمر والأسود. ~~وإذا ازداد تقادما وجاوز السنتين، ازدادت حرارته (٥) وكمل هضمه ورسبت ~~أرضيته وترابيته ورق لونه وصفا وصار أحمر (٦). # ففي هذا دليل واضح على أن الشراب الأبيض والأسود أقل ألوان الشراب حرارة ~~وأميلها إلى البرودة، وان كان الأبيض أخص بالرطوبة من الأسود للطافة ~~<الأبيض> وغلبة المائية عليه، وغلظ الأسود وغلبة الأرضية عليه. وقد ~~يستدل على ذلك من عفوصة الأسود وقوة قبضه وتفاهة الأبيض وقربه من طعم ~~الماء. ولذلك قال جالينوس: وليس يكاد يوجد شراب غليظ قابض الا الأسود أو ~~<ما هو> قريب من السواد، ولا شراب (٧) رقيق مائي الا الأبيض أو ~~<ما هو> قريب من الأبيض. ولهذه الجهة صار الأبيض ألطف وأرق وأقل ~~احتمالا للمزاج، وأخف على الحاسة وأسرع انهضاما وانحدارا ونفوذا في العروق ~~ودرورا (8) للبول، الا انه أقل غذاء، ذلك لخفة حركته وسرعة انحلاله من ~~الأعضاء وقلة لبثه فيها. ومن قبل ذلك صار ترقيه إلى الرأس أسرع وسكره أقل ~~وانحلال خماره أقرب وأسهل. وأما الأسود فحاله بخلاف ذلك وعكسه، لأنه أغلظ ~~وأعسر انهضاما وأبعد سلوكا في العروق وأمنع من درور البول وأكثر غذاء لثقل ~~حركته وطول لبثه في الأعضاء وبعد انحلاله منها. ولذلك صار ترقيه إلى الرأس ~~أعسر. # فإذا ترقى، كان سكره أكثر وانحلال خماره أبعد. # وأما الوسائط التي بين هذين اللونين فلبعدهما من الحاشيتين، أعني من ~~مائية الأبيض وأرضية الأسود، صارت حرارتها أقوى وأزيد، لأنها مكونة من ~~السواد والبياض والحرارة الفاعلة منهما والمركبة لهما، الا أنها تختلف في ~~ذلك وتضعف وتقوى على حسب قرب كل واحد منهما من الوسط وبعده من # PageV00P611 # الحاشيتين وبعده من الوسائط، ms549 من قبل ان <ما> كان منهما متوسطا (1) ~~على الحقيقة وما بعد من الحاشيتين، كان أقوى حرارة وأسرع تأثيرا. وما بعد ~~من الوسط وقرب من الحاشيتين كان أضعف حرارة وأبطأ تأثيرا. ولذلك صار الشراب ~~الأصفر من العنب الأحمر، والأصفر الذهبي من العنب الأبيض أقوى حرارة وأسرع ~~تأثيرا، لان حرارتهما في الدرجة الثالثة، وذلك لبعدهما من الحواشي والأطراف ~~وتوسطهما الهيأتين على الحقيقة. وأما الأحمر فيتلو الأسود في ثقل الحركة ~~وبعد الانهضام والانحدار وبعد التأثير، وذلك لمشاكلته للأسود في لونه وغلظ ~~قوامه وقوة قبضه. ومن قبل ذلك صار غذاؤه بعد الأسود كثيرا، وانحلال خماره ~~بطيئا. # وأما المورد من العنب الأحمر، والخوصي من العنب الأبيض، فيتلو الأبيض في ~~خفة الحركة، وسرعة الانهضام والانحدار والنفوذ في العروق، والقوة على درور ~~البول، ذلك لقربهما من المشاكلة للأبيض في لونه ورقة قوامه وليانة طعمه. ~~ولهذه الجهة صار غذاؤهما متوسطا غذاء الأشقر والأصفر، وبين غذاء الأبيض على ~~الحقيقة، وذلك لما فيهما من زيادة الصبغ وقوة الحرارة واللطافة وسرعة ~~الحركة على اللون الأبيض. ومن قبل ذلك صار ترقيهما إلى الرأس، بإضافتهما ~~إلى الأبيض على الحقيقة أسرع، وفرغهما للذهن أقوى، وسكرهما وانحلال خمارهما ~~أبعد. وبإضافتهما إلى الأشقر والأصفر بخلاف ذلك وعكسه، لان ترقيهما إلى ~~الرأس يكون أبعد وفرغهما للذهن أقل وأخف وسكرهما أسهل وانحلال خمارهما ~~أقرب. # وأما الأبيض الخمري فمتوسط (2) بين الخوصي والأبيض المائي، من قبل أن ~~الشراب الخالص المائية لا فرق بينه وبين الماء الا بما يوجد فيه من يسير ~~القبض. ويدل على ذلك مشاكلته للماء في لونه ورقة قوامه وتفاهة طعمه وقلة ~~احتماله للمزاج لعدمه الحلاوة والصلابة والعفوصة إذ لا فرق بينه وبين الماء ~~الا بيسير قبضه. # وأما الذهبي الخوصي فألذ الخمور البيض طعما وأذكاها رائحة وأولاها بأن ~~يكون خمريا على الحقيقة، لقوة طعمه وذكاء رائحته. ولذلك صار أسرعها نفوذا ~~في العروق وأقواها على تنقية الصدر والرئة بالنفث. وأما الأبيض الخمري ~~فمتوسط بين اللون المائي الخالص البياض وبين اللون الخوصي لأنه لم يبلغ بعد ~~أن يكون خوصيا. ولذلك ms550 قال جالينوس: وبحسب زيادة الشراب الخمري على الشراب ~~الخوصي في البياض، كذلك نقصانه عنه في القوة والتقطيع والتنقية. وإذا كان ~~ذلك كذلك كان من البين أنه بحسب نقصانه عن الشراب الأبيض المائي في البياض، ~~كذلك زيادته عليه في القوة والتقطيع والتنقية. ولذلك صار أبعد الخمور خطرا ~~فيمن كانت به حمى الخمر المائي في الغاية، وذلك لسرعة خروجه بالبول والعرق ~~والبخار وبخاصة إذا كان تفها مشاكلا لطعم الماء. ولهذه الجهة اختار عليه ~~أبقراط، في نفث ما يحتاج إليه ان ينفث من الصدر بالبصاق، الشراب الأبيض ~~الخمري، وإن كان # PageV00P612 # الشراب الأبيض في ذلك دون الشراب الحلو كثيرا، لان الشراب الحلو أنفع في ~~اطلاق البطن ونفث البصاق من الصدر، الا انه غير موافق لادرار البول، لان ~~أغلظ وأبطأ نفوذا في العروق وأبعد من تفتيح السدد. والشراب الأبيض الخمري ~~أكثر تفتيحا للسدد وأسرع نفوذا في العروق ووصولا إلى المثانة. ولذلك صار ~~أنفع من الأمراض المحتاجة إلى إدرار البول. # وأما الأصفر والأشقر فلبعدهما من الحواشي والأطراف وتوسطهما الهيأتين على ~~الحقيقة، صارا أكثر الأشربة حرارة، وأقراها فعلا، وألطفها تأثيرا، وأجفها ~~حركة، وأسرعها ترق إلى الرأس، وأشدها فرغا للذهن، لأنهما يمليان الرأس ~~بخارات لذاعة ويسكر بسرعة في أقرب وقت، الا ان انحلال خمارها سهل (١). فان ~~عارضنا معترض فقال: وما السبب الموجب للشراب الأصفر والأشقر أن يكونا ألطف ~~الأشربة وأخفها حركة وأسرعها تأثيرا؟ والشراب الأبيض أرق مائية، ومن البين ~~أن الرقة وكثرة المائية أخص باللطافة وخفة الحركة وسرعة الانهضام من غيرها! ~~قلنا له: قد بينا في غير موضع في كتابنا هذا أن اللطافة على ضروب: لان منها ~~لطافة منسوبة إلى سرعة الفعل وقوة التأثير مثل الفلفل والزنجبيل والدارصيني ~~بقوة فعلها في تلطيف الأخلاط وتنقية الأثفال. ومنها لطافة منسوبة إلى سرعة ~~الانفعال وسهولة الانهضام مثل لطافة السمك الرضراضي والبيض النيمبرشت في ~~سرعة انفعالهما. ومنها لطافة في الجوهر وحسن الغذاء مثل لطافة الخبز المحكم ~~الصنعة ولحم الدراج والفراريج <في سرعة فعلهما> (2) وتوليدهما للدم ~~الفاضل المحمود. وإذ ذلك كذلك فمن البين ms551 أن الشراب الأبيض وان كان لطيفا ~~لرقته وسرعة انهضامه وانحداره وانحلاله، فان الشراب الأشقر والأصفر لطيفان ~~في قوة فعلهما وحسن تأثيرهما في تلطيف الأثفال والاخلاط وتنقية الدم ~~وتصفيته. وسأبين ذلك عند كلامي عليهما. # وأما ما يلحق الشراب من الاختلاف بحسب طعومها فيكون على ضروب، لان طعوم ~~الشراب تنقسم قسمة أولية على أربعة ضروب: لان منها الحلو، ومنها القابض، ~~ومنها التفه الذي لا طعم له، ومنها الصلب الشديد الطعم القوي الرائحة، وان ~~كان قد يتوسط بين هذه الطعوم طعوم أخر تلطف عن (3) العبارة عنها باللفظ ~~لأنها (4) مركبة غير بسيطة من طعم واحد فينالها الحس فيوقع العقل عليها ~~اسما. فما كان من الخمور حلوا، كان إسخانه في الدرجة الثانية وتجفيفه في ~~الدرجة الأولى أو منحرفا إلى الرطوبة قليلا. ولذلك صار غليظا مذموما في ~~جميع حالاته الا في حالة واحدة كأنه فريد فيها دون غيره من الخمور، وهي ~~إطلاقه للبطن لسبب الموجود في كل حلو من الجلاء والغسل والتنقية. فان عاقه ~~عن ذلك عائق وعسر انحداره وخروجه، حمي وغلى أو ربا وطفا في أعلى المعدة ~~واستحال إلى المرار وولد عطشا ورياحا نافخة مضرة بأعلى البطن والخواصر، ~~وأحدث سددا في الكبد والطحال وحجارة في الكلى، # PageV00P613 # وبخاصة فيمن كان كبده وطحاله وكلاه بها آفة متقدمة أو ضعف حاضر أو كان ~~جوفه متهيئا لقبول الرياح والنفخ لزيادة رطوبتها وضعف القوة الهاضمة فيها. # ولذلك وجب على من كان مزاجه غليظا مرطوبا ان يحذر الاقدام عليه، لان من ~~كان مزاجه كذلك، لا يأمن فيه، من إدمانه عليه، حدوث الاستسقاء اللحمي. ~~والسبب في ذلك: أنه لغلظه وحلاوته يملي العروق دما غليظا ويشبع بغلظه ويغلظ ~~البخارات ويمنع من تحليلها ويحدث في تخلخل النجو وسائر الأعضاء رياحا ~~بخارية رطبة. وعن مثل هذه الرياح يكون النفخ والسدد فقط، لكن يولد رياحا ~~نافخة وسددا في الكبد والطحال وسائر الأعضاء خلا الرئة، فإنه مفتح لسددها. ~~والسبب في توليده السدد في الكبد وتفتيحه لسدد الرئة أن نفوذه في الكبد ~~يبتدئ في عروق عظام واسعة مثل ms552 العرق الأعظم المعروف بالنواب. فإذا انهضم ~~هناك صار إلى عروقها الدقاق والضيقة التي في جانب الكبد المقعر وجانبها ~~المسنم. فإذا نفذ فيها لم تنفذ معه الأثفال لغلظها وضيق المجاري بها، ولبث ~~هناك زمانا وولدت سددا وانزماما (1) تحتاج إلى ما يقطع الفضول ويلطفها ~~ويطرق الأثفال ويسهل نفوذها وخروجها. # ولا شئ أخص بذلك من الأشياء الحامضة القطاعة الملطفة، ولذلك الاسكنجبين ~~أفضل الأشياء لمن كانت هذه حاله، وبخاصة الاسكنجبين الساذج المتخذ بخل ~~العنصلان، الا ان يكون في مزاج صاحبه من الحرارة ما يمنع من استعمال خل ~~العنصلان، فيقتصر على الخل الساذج فقط. # وأما نفوذه في الرئة فليس كذلك، لأنه انما ينفذ بدءا في عروق دقاق ومجاري ~~ضيقة. فإذا انهضم فيها ولطف صار إلى قصبة واسعة ونفذ فيها، ونفذ معه في ~~ممره وسلوكه ما كان معه من الأخلاط الغليظة لسعة مجاريها، وخرجت بالنفث ~~والبصاق. ولذلك صار الشراب الحلو مخصوصا (2) بتسهيل النفث وتنقية الرئة ~~وتفتيح سددها الا فيمن كان هذا الشراب يحدث به عطشا، فإنه غير معين على نفث ~~من كان كذلك، لأنه يزيد في حرارة مزاجه ويحدث حمى. وإذا صارت حرارة مزاج ~~صاحب هذه الحالة من القوة، جففت رطوبة البصاق وغلظته وصيرته بمنزلة الطين ~~الراسخ ولجج في قنوات الرئة ولصق وصار عليها بمنزلة الغذاء والدبق وعسر ~~خروجه بالنفث واحتاج إلى ما يلينه ويرطبه ترطيبا معتدلا، ثم إلى ما يلطف ~~ويقطع ويطرق للنفث ويسهل خروجه، والا لم يؤمن أن يهيج من السعال ما يفتق ~~عروق الصدر ويشقها ولذلك صار من الأفضل، لمن كانت هذه حاله، أن يقدم بدءا ~~حسو الشعير المحكم الصنعة، ويشرب باللوز المقشر من قشرته والسكر الطبرزد ثم ~~يتبعه بالاسكنجبين السكري الساذج. # وقد يستدل على الشراب الحلو من ثلاثة وجوه: إما من طعمه، وإما من لونه، ~~وإما من قوامه. # فأما طعمه فالامر فيه بين لوقوعه تحت الحسن. ولذلك لا يدخله شك في ذاته ~~لفساد يعرض للحاسة، إما # PageV00P614 # لغلبة المرار عليها وإما لغلبة الملوحة. وأما اللون والقوام والأخص به ~~منهما السواد والغلظ وما قارب ms553 ذلك <ف‍> على قدر تحققه بالحلاوة أو ~~انحرافه عنها أو نقصانها فيه. # ولذلك قال جالينوس: وليس يكاد يوجد شراب خالص الحلاوة الا غليظ أسود. ~~وبحسب نقصان سواده وغلظه. وكذلك نقصان حلاوته وظهور الخمرية عليه. فان كان ~~لونه قليل السواد مائلا (1) إلى الحمرة والصفاء، واستعمل على ما ينبغي وما ~~احتملته الطباع كان أوفق الأغذية للناقهين من الأمراض المحتاجين إلى ~~الغذاء، وأبدانهم تضعف عن احتمال الطعام وهي الأبدان التي قال فيها أبقراط ~~وهو أميل (2) أن نملي الأبدان شرابا ولا نمليها طعاما. # ولجالينوس في مثل هذا قول قال فيه: وليس ينبغي أن يمنع من كان محتاجا إلى ~~الغذاء اللطيف شرب الشراب الحلو وان كان أحمر (3) صافيا صقيلا، لان الدم ~~المتولد عن ذلك الشراب محمود فاضل لتوسطه بين الغلظ واللطافة الخارجة عن حد ~~الاعتدال إلى الرقة وان كان من الواجب ان يحذره غاية الحذر من كانت كبده ~~وطحاله وكلاه غير سليمة من الآفاق والسدد، وبطنه مهيأة لتولد الرياح والنفخ ~~وبخاصة إذا كان قوامه غليظا وحلاوته خالصة غير (4) ظاهرة، لأنا قد بينا ان ~~الشراب الحلو في الجملة يولد في الكبد والطحال سددا أو أوراما في الكلى ~~وحجارة ورملا، وفي البطن والشرسيف (5) رياحا نافخا مضرة بأعلى البطن دون ~~أسفله. # والسبب في إضراره هذه الرياح بأعلى البطن دون أسفله أنها بطيئة التحلل ~~والانحدار لغلظها وبعد انفعالها، ولذلك تثبت في ما بين الشراسيف زمانا ~~طويلا وتحدث في أعلى البطن انزماما (6) وتوجعا، فإذا قويت الطباع على ~~هضمها، تحللت قبل أن تصير إلى أسفل البطن، وسلمت المعاء السفلى من أذيتها. ~~ففيما أتينا به دليل واضح على أن الشراب الخالص الحلاوة أغلظ الأشربة ~~وأثقلها حركة وأبعدها انهضاما ونفوذا في العروق بعد الشراب القابض لان ~~الحلاوة أسخن وأبعد من التجفيف وألذ عند لطباع، والعفوصة أخشن وأكثر أرضية ~~وغلظا وأبطأ انهضاما وانحدارا وأعسر نفوذا في العروق. ولذلك صار الشراب ~~القابض مانعا لدرور العرق وسائر الاستفراغات. ومن قبل ذلك صار جوهره مذموما ~~بعيدا من تولد الدم المحمود، إلا أنه مقو للمعدة وسائر البطن. ولهذه ms554 الجهة ~~صار حابسا للاسهال العارض من ضعف المعدة واسترخائها، وإن كان سبب ذلك ~~الحرارة وكان ما ينحدر في الاسهال من جنس الخراط (7). # PageV00P615 # ولذلك قال جالينوس: وليس يكاد يوجد شراب قابض محمود الجوهر، وإن كان ~~مقويا للمعدة والأمعاء، إذا كان سبب ضعفهما الحرارة وذلك لتقويته وضعف ~~حرارته. وأما ما سوى ذلك فهو مذموم جدا لأنه بقوة قبضه وغلظ جوهره وكثرة ~~أرضيته صار غليظا بعيد الانهضام ومغلظا لما يوافيه في المعدة من الغذاء ~~ومفججا له ومعسرا لانهضامه وانحداره والنفوذ في العروق ومانعا لادرار البول ~~والاسهال جميعا. ومن قبل ذلك صار الجوهر المتولد عنه مذموما مصدعا للرأس ~~مقويا للسكر مبعدا لانحلال الخمار بسرعة، وبخاصة إذا كان لونه أسود (١) ~~وقوامه غليظا ومزاجه قليلا. # وأما ديسقوريدس فزعم في الشراب القابض أنه مدر للبول. وما أعرف السبب ~~الموجب في ذلك، إلا أن يكون قبضه ضعيفا لطيفا ولونه أبيض وقوامه رقيقا (٢) ~~ومزاجه كثيرا (٣)، فيتهيأ فيه مع تقويته للمعدة أن يكون سريع الانهضام ~~والنفوذ في العروق. وإذا كان كذلك لم يكن ببعيد من المعونة على درور البول ~~والتنبيه لشهوة الطعام وتوليد الدم المحمود وجلب النوم، وذلك لتقويته ~~للدماغ وقلة إضراره به. ولذلك قال جالينوس: إن الشراب القابض، وإن كان ~~قوامه رقيقا وكان مزاجه كثيرا، كان إضراره بالصدر والرأس، ومن كان محتاجا ~~نفض بدنه <بالبول> (4) أقل وانتفاع الأمعاء به أضعف. وإذا كان غليظا ~~ومزاجه قليلا، كان انتفاع الأمعاء به كثيرا وإضراره بالصدر والرأس ومن كان ~~محتاجا إلى نفض بدنه بالبول، أشد. إلا أنه قاطع للعرق العارض من خور القوة ~~وضعفها الموجب للغشي. # وأما الشراب التفه الذي لا طعم له، فإن نقصان قوته عن الشراب القابض بحسب ~~فضل قوته على الماء لأنه متوسط بين كيفية الماء وطبيعة الشراب القابض. ~~ولذلك صار فعله مشاكلا لفعل الشراب الأبيض المعتدل القبض الكثير المزاج. ~~ومن قبل ذلك، صار غذاؤه قليلا ولبثه في المعدة يسيرا وانحداره عن المعدة ~~ونفوذه في العروق ودروره للبول سريعا ولذعه للدماغ ضعيفا وسكره قليلا ~~وانحلال خماره قليلا سهلا، إلا أن ms555 جوهره مذموم لان الدم المتولد عنه رقيق ~~مائي. # وأما الشراب الصلب القوي الطعم فهو أسخن الأشربة وألطفها فعلا وأقواها ~~تأثيرا وأكثرها لذعا للدماغ وفرغا للذهن، لأنه بقوة حرارته وخفة حركته ~~يترقى إلى الرأس بسرعة ويحدث في أخلاط البدن غليانا ويرفعها، ويكون سببا ~~(5) أوكد من السبب الأول في إضراره بالدماغ. وبحسب إضراره بالدماغ كذلك ~~يكون إضراره بالذهن، لان القوة المتفكرة المتميزة مسكنها هذا العضو. ولذلك ~~صار السكر من هذا النوع أسرع وأقوى، إلا أن انحلال خماره أسهل وأقرب لان ~~خفة حركته وسرعة انتقاله منها لطول لبثه في الدماغ لا سيما إذا كان مزاجه ~~كثيرا أو المقدار الذي يؤخذ منه مقدارا معتدلا على حسب السن # PageV00P616 # والمزاج والعادة والاحتمال ومزاج الهواء الحاضر. ولذلك صار من الأفضل أن ~~يحذره من كان مزاجه محرورا بالطبع أو محرورا (1) بالعرض إلا بالمزاج الكثير ~~الرقيق ليكسر قوته ويزيل عنه أكثر حدته وصلابته ويفيده لذاذة وسهولة وخفة ~~على الطباع ليقلبه إليها ويجد به شهوة والتذاذا، إلا أنه إذا كان كذلك كان ~~أحمد جوهرا وأفضل غذاء، لأنه يلطف الأخلاط وينقي القنوات وسائر المجاري ~~والعروق من الأثفال والأوساخ، ويصفي الدم ويصيره قرمزيا فرفيريا. وأما ~~المشايخ ومن قد قرب مزاجه من الكهولة فلان في أبدانهم من الرطوبة ما يقاوم ~~حدة هذا النوع من الشراب، صار أنفع الأشربة لهم وإن صرفوه قليلا، لأنه يفعل ~~فيهم فعل الأدوية في الأدواء، من قبل أنه يقوي حرارتهم ويفني أكثر رطوبة ~~أبدانهم الفضلية، ولذلك صار هذا الشراب من أوفق الأشربة لمن قد اجتمعت (2) ~~في عروقه أخلاط غليظة نيئة قليلة الحرارة. # وأما ما يلحق الشراب من الاختلاف بحسب قوامه فيكون على أربعة ضروب: لان ~~منه المائي الرقيق، ومنه الغليظ الأرضي، ومنه المتوسط بين ذلك، ومنه الكائن ~~بين الواسطة وبين كل واحد من الحاشيتين والطرفين. فما كان منه رقيقا مائيا، ~~كان أكثر ذلك أبيض (3) صافيا. ولذلك صار ألطف طبعا وأخف في العروق وأدر ~~للبول وأقل نكاءة (4) في الرأس وفرغا للذهن، لأنه في طبيعته قريب من طبيعة ~~الماء لقربه من ms556 المشاكلة له في صفائه ولونه وقوامه. ويدلك طعمه لأنه إذا ~~أضفته إلى الماء وجدته كأنه قد قبل يسيرا من القبض والتقوية. وما كان من ~~الخمور كذلك، كانت قوته قريبة من قوة الماء. ولذلك صار أفضل لأصحاب الحميات ~~لأنه لا يسخن إسخانا بينا ولا يفرغ الذهن أصلا ولا يؤثر في الدماغ الضعيف، ~~أو العصب الذي هو كذلك، تأثيرا ظاهرا. وإذا كان ممزوجا كان ضرره للأبدان ~~أكثر وقطعه للعطش أكثر. # وما كان من الشراب غليظا أرضيا، كان أكثر ذلك أسود. ولذلك صار فعله بضد ~~الشراب الأبيض الرقيق وعكسه، لأنه من أغلظ الأشربة وأثقلها على المعدة ~~وأعسرها انهضاما ونفوذا في العروق وأقلها درورا (5) للبول وأبعدها من ~~الترقي إلى الرأس، ذلك لثقل حركته وغلظ بخاره المتولد عنه. ولهذه الجهة صار ~~لا يسكر بسرعة. فإذا أسكر، كان سكره ثقيلا وانحلاله بعيدا بطيئا. ولذلك قال ~~جالينوس أن طبيعة الشراب الغليظ دالة على ثقل حركته وبعد انفعاله وغلظ ~~جوهره وكثرة غذائه. وطبيعة الشراب الرقيق دالة على خفة حركته وسهولة ~~انفعاله ولطافة جوهره وقلة غذائه. # PageV00P617 # وأما الشراب المعتدل القوام المتوسط بين الرقة والغلظ توسطا خفيفا، فإن ~~مقداره من اللطافة والغلظ، وخفة الحركة وثقلها، وسرعة الانهضام وإبطائه، ~~وكثرة الغذاء وقلته بحسب مقداره من الرقة والغلظ. ولذلك صار أصلحها انهضاما ~~وأعدلها انفعالا وأحسنها جوهرا وأفضلها غذاء. # وما كان من الشراب منحرفا عن التوسط على الحقيقة إلى إحدى الحاشيتين دون ~~الأخرى، كان أجدى من الحاشية التي مال إليها بقسطه وحسب انحرافه. # * * * وأما اختلاف الشراب بحسب روائحه فيكون على أربعة ضروب: لان منه ما ~~يكون مرواحا ذكيا خمريا تفاحيا خفيف الحركة سريع الوصول إلى حاسة الشم التي ~~في بطون الدماغ. ومنه ما لا رائحة له أصلا لغلظه وثقل حركته. ومنه ما ~~رائحته متوسطة بين اللطافة والغلظ، والخفة والثقل، والسرعة والابطاء. ومنه ~~ما رائحته بشعة كريهة مفسدة للحاسة التي في بطون الدماغ. # فما كان من الشراب مرواحا ذكيا عطريا خفيف الحركة سريع الوصول إلى حاسة ~~الشم التي في بطون الدماغ، كان دليلا على ms557 لطافته وحسن جوهره واعتدال مزاجه ~~واتقان فعل الطباع في تمام نضجه وكمال هضمه ونفي البخارات الغليظة عنه. وما ~~كان من الخمور كذلك، كان أكثر إسخانا وأكثر توليدا للدم المعتدل المحمود ~~الخالص النقي من الأوساخ والأثفال. ولذلك صار مشجعا للقلب، مقويا للذهن، ~~مفرحا للنفس، مولدا (1) للسرور والطرب، مزيلا للهموم والأحزان، لأنه ~~بتصفيته لدم القلب وتنقيته له من الأوساخ والأثفال، ينقي عن القلب البخارات ~~الغليظة المظلمة المكدرة لنور الحرارة الغريزية المفسدة لضيائها. ولذلك صار ~~موافقا لكل الأسنان (2) والمزاجات إذا اتخذ على ما ينبغي وكيف ينبغي وما ~~احتملته الطباع. # وللفاضل أبقراط في هذا النوع من الشراب قول قال فيه: إن الشراب إذا كان ~~مرواحا ذكيا عطريا، كان ألطف جوهرا وأقل حركة وأسرع انهضاما ونفوذا في ~~العروق وأكثر غذاء، لأنه دليل على أن الطباع قد أتقنت صنعته وأكملت هضمه ~~ونفت عنه بخاره وغلظه، وجعلته لطيفا غواصا، خفيف الحركة، سريع النفوذ. ~~ولذلك صار مدرا للبول، سريع الترقي إلى الرأس. وبهذا صار سكره أسرع وانحلال ~~خماره أقرب. # وما كان من الخمور لا رائحة له أصلا، كان دليلا على غلظ بخاره وثقل حركته ~~وبعد انهضامه وفساد جوهره. وما كان كذلك كان مذموم الغذاء، قليل المنفعة ~~على سبيل الدواء، بل لا منفعة فيه أصلا لأنه غير منق للأوساخ والأثفال، ولا ~~مصف للدم. وما كان هذه حاله، كان غير مشجع للقلب ولا مقو للذهن ولا مفرح ~~للنفس ولا مولد للسرور والطرب، لأنه زائد في المواد الغليظة والبخارات ~~المظلمة # PageV00P618 # المكدرة لنور الحياة والحرارة الغريزية المفسدة لضيائها المولدة للهموم ~~والأحزان، غير أنه لثقل حركته وبعد انفعاله، صار لا يترقى إلى الرأس بسرعة، ~~ولا يسكر من قرب. وإذا أسكر، كان انحلال خماره أعسر. # وأما ما كان من الشراب رائحته متوسطة بين اللطافة والغلظ، والخفة والثقل، ~~والسرعة والابطاء، كان في فعله وانفعاله أجدى من الحاشيتين بقسطه بقدر يقدر ~~توسطه بينهما وانحرافه إلى إحدى الحاشيتين دون الأخرى. # وما كان من الشراب له رائحة كريهة مفسدة للحاسة منافرة للطباع، كان ~~مذموما (1) جدا ردئ الكيموس، فاسد ms558 الجوهر، وبحسب رداءة الكيموسية وفساد ~~جوهره ومنافرة الطباع له، كذلك نكاءته للدماغ وإضراره للحس والعصب وحجب ~~الدماغ، لأنه يولد دما مذموما فاسدا تعافه الطباع وتأباه، ولا سيما إذا كان ~~مع ذلك قابضا ثقيل الحركة، لان انهضامه يكون أعسر وانحداره أبعد. ولذلك قال ~~جالينوس: وينبغي أن نتجنب من الشراب ما كانت رائحته بشعة كريهة، لا سيما ~~إذا كان قابضا، لأنه أبعد لانهضامه وأفسد للدم المتولد عنه. # * * * في ما يلحق الشراب من الاختلاف بحسب قوته وضعفه أما قوة الشراب ~~فتنقسم قسمة أولية على ثلاثة (2) ضروب: لان منه القوي جدا، ومنه الضعيف ~~جدا، ومنه المتوسط بين ذلك، وإن كان قد يقع بين الواسطة من ذلك وبين ~~الحاشيتين وسائط أخر تدق العبارة عنها باللفظ. فما كان من الشراب قويا ~~صلبا، كان إسخانه أكثر وترقيه إلى الرأس أسرع وفرغه للذهن أقوى وأشد، لأنه ~~يملا الرأس بخارات حارة لذاعة. ولذلك سماه أبقراط الخمر الخميري (3). وما ~~كان منه ضعيفا، كان فعله بخلاف فعل الأول وعكسه. ولذلك سماه أبقراط الخمر ~~المائي. ولهذه الجهة صرنا إذا وجدنا الشئ إذا تقوى به الشراب المائي في ~~شراب (4) من الأشربة قويا، سمينا ذلك الشراب خمريا. وإذا وجدناه في شراب من ~~الأشربة ضعيفا، سميناه مائيا لقربه من المشاكلة لقوة الماء في طعمه ولونه ~~وقوامه وضعف إسخانه. وما كان من الأشربة متوسطا بين الحاشيتين جميعا، كان ~~أجدى من كل # PageV00P619 # واحدة منهما بقسطه على حسب توسطه بينهما على الحقيقة وانحرافه إلى ~~إحداهما دون الأخرى. # وإذ أتينا على ما أردنا إيضاحه من الأصول التي يختلف فيها الشراب، وهي ~~بسائط مفردات، فقد بقي أن يستمر القول عليها وهي مركبة وممتزجة، إذ من ~~الممتنع وجود شراب بلون من الألوان معرى من الطعم والرائحة والقوام، ولا ~~وجوده بطعم من الطعوم وهو معرى من الرائحة واللون والقوام، ولا برائحة ~~وقوام معرى من اللون والطعم. # ويصير ابتداء كلامنا بالشراب الأبيض والأسود لأنهما الحاشيتان والطرفان ~~(1)، وما سوى ذلك من الألوان فمركب منهما. # * * * في الشراب الأبيض أما الشراب الأبيض فالأخص منه ضعف الحرارة ms559 وتفاهة ~~الطعم وقلة الاحتمال للمزاج، وقلما يكون حلوا أو عفصا أو غليظا. فما كان ~~رقيقا ضعيف الحرارة تفه الطعم، قليل الاحتمال للمزاج، كان أقل الأشربة ~~حرارة وأسرعها انهضاما وانحدارا وجولانا في البدن ونفاذا في العروق وأقلها ~~لبثا في الأعضاء. ولذلك صار أضعفها غذاء وأكثرها تمكينا للحرارة والعطش ~~وأدرهما للبول. وما كان منه (2) قابضا، كان قوامه، لا محالة، غليظا. ولذلك ~~قال جالينوس: وليس يكاد أن يوجد شراب أبيض قابض إلا غليظا. وما كان كذلك، ~~كان أزيد لغذائه وأفسد لجوهره وأعسر لانهضامه وانحداره وأمنع من درور البول ~~وأبعد من الترقي إلى الرأس وأعون على حبس البطن، إلا أن ذلك فيه قليل لقربه ~~من لون الماء وخفته. والأخص به تقوية المعدة والدماغ والنفع من شرب المياه ~~الرديئة الفاسدة السنخية (3) الملحية ودفع الضرر الحادث من شرب الماء القوي ~~البرودة والثلوج، من قبل أن المياه الرديئة إذا شربت استحالت، على ما بينا، ~~وأفسدت جوهر المعدة وأضعفت قوى المعدة وجلبت إليها من البدن كل فضول مرية، ~~كما تنجلب إلى معد المدمنين على الصوم إذا حميت معدهم وضعفت قواها لعوزها ~~الغذاء. فإذا صارت تلك الفضول إلى المعدة، ترقت بخاراتها إلى الدماغ وولدت ~~صداعا. فإذا مزجت بالشراب الأبيض القابض، ألطفها وأهضمها وكسر حدتها ~~بلطافته كما يكسر الماء العذب حدة الشراب الصرف، ثم يقوي المعدة بقبضه ~~وعفوصته ويعينها على دفع مع يؤذيها إلى أسفل. وأما الماء القوي البرودة، ~~فإنه إذا شرب مفردا كان إضراره عظيما، لأنه كثيرا ما يضر بعصب المعدة ~~والصدر ويحدث ضيقا في التنفس وانفتاقا في عروق الصدر، وكثيرا ما يحدث خدرا ~~وكزازا وتشنجا وفالجا. فإذا خالط الشراب، كسر قوة # PageV00P620 # برده وأفاده حرارة لطيفة، إلا أن يكون بدن المستعمل له قوي الحرارة جدا، ~~فيكون الماء البارد له أوفق من الشراب لمقاومة حرارة مزاجه ولبرودة الماء. # ولجالينوس في هذا قول قال فيه: ومن كان مزاج بدنه حارا بالطبع أو من ~~السن، فالماء البارد له أوفق من الشراب. فإن احتاج في حال من الأحوال إلى ~~شرب الشراب، فليقصد منه ms560 ما كان أبيض (1) صافيا رقيقا معه شئ صالح من القبض. ~~ففي هذا دليل على فضيلة الشراب على الماء إذا كان مصلحا لفساده ودافعا ~~لأذيته وداثرا لغوائله وأدوائه. وما كان من الشراب مع بياضه حلوا، كان في ~~سرعة انهضامه وانحداره متوسطا بين الشراب الأبيض الرقيق المائي وبين الشراب ~~الأبيض القابض. ولذلك صار أكثر تغذية للبدن وأطلق للبطن، إلا أنه أضر ~~بالمعدة لتوليده الرياح والنفخ، وإن كان ذلك فيه قليلا لضعف حلاوته ورقة ~~قوامه، لان الحلاوة لا تكاد تأتلف مع الشراب الأبيض الرقيق، وإن أمكن ذلك ~~لم تكد تكون إلا يسيرة ضعيفة. # * * * في الشراب الأسود أما الشراب الأسود فالأخص به غلظ القوام وثقل ~~الحركة. ولذلك صار أعسر انهضاما وأبطأ انحدارا وأبعد من الترقي إلى الرأس ~~وأكثر غذاء لأنه يملا العروق دما غليظا بعيد الانحلال من الأعضاء. # ولجالينوس في ذلك قول قال فيه: وإني لأعرف قوما كانوا يتعاطون الصراع ~~دائما ويتغذون بهذا النوع من الشراب ويقتصرون عليه يريدون به خصب أبدانهم ~~فكانت أعضاؤهم تنال (2) منه من الغذاء ما يقرب من غذاء لحم الضأن. ولذلك ~~صار من الأفضل للشبان أن يشربوه قبل الطعام. وأما المشايخ فهو غير موافق ~~لهم لا قبل الطعام ولا بعده، ولا في حال من الأحوال، لأنه لضعف حرارتهم ~~الغريزية، صار إذا أدمنوا عليه ولد فيهم سددا وحجارة في الكلى، إلا أن يكون ~~على ضروب، لان أكثره يكون حلوا، وكثيرا ما يكون قابضا. وربما كان قابضا ~~حلوا معا. وليس يكاد يكون صلبا بل لا يكون أصلا. # ولجالينوس في هذا فصل قال فيه: وليس لما كان كل الشراب خالص الحلاوة لا ~~محالة أسود، وجب أن يكون كل شراب أسود لا محالة حلوا، لأنا قد نجد من ~~الشراب الأسود ما يكون حلوا. ومنه ما يكون قابضا. ومنه ما يكون حلوا قابضا ~~معا. فما كان منه حلوا، كان أزيد لحرارته وأكثر لغذائه وأسرع لانحداره ~~وأعون على إطلاق البطن وحبس البول وأخص بتوليد الرياح والنفخ والقراقر. وما ~~كان منه # PageV00P621 # عفصا، كان أضعف لحرارته وأقل لغذائه ms561 وأعسر لانحداره وانهضامه وأعون على ~~حبسه للبطن والبول جميعا، لأنه لغلظه وعفوصته يلبث في أعلى البطن زمانا ~~طويلا. فإذا طال لبثه هناك، استحال إلى الحموضة بسرعة وهيج القئ والصداع ~~وأضر بالرأس والعصب، وذلك لغلظ بخاره وثقل حركته وبعده من الترقي إلى ~~الرأس. ولذلك صار سكره أبعد وانحلال خماره أبطأ. # ولجالينوس في الشراب الأسود قول قال فيه: وأما الشراب الذي يضرب إلى ~~السواد، فليس له من الحرارة ولا من الاضرار بالرأس والعصب ما للأصفر ~~والأشقر ولا يتولد عنه من الحمى ما يتولد عنهما. وما كان من الشراب الأسود ~~مركبا من الطعمين، أعني من الحلاوة والعفوصة، كان أغلظ وأبعد انهضاما وأفسد ~~جوهرا وأذم غذاء وأكثر توليدا للرياح والنفخ وحجارة الكلى وسدد الكبد ~~والطحال وأشد تهييجا للقئ والصداع والاضرار بالرأس والعصب. # * * * وأما الشراب الأحمر فهو في طعمه مائل إلى الحلاوة والعفوصة ~~والصلابة، إلا أن العذوبة به أخص. وفى قوامه مائل (1) إلى الرقة والغلظ ~~والاعتدال، والاعتدال به أخص. وفى رائحته مائل (1) للثقل والخفة والتوسط ~~بين ذلك، والتوسط الذي له من ذلك لتوسطه بين لطافة الأشقر وغلظ الأسود. ~~ولذلك صار أعدل الأشربة غذاء وأسرعها انقلابا إلى الدم إذا كان عذبا معتدل ~~القوام مائلا إلى الغلظ قليلا، لان ما كان من الشراب كذلك لم يحتج إلى ~~الطبخ إلا اليسير حتى يكمل هضمه وينقلب إلى الدم بسرعة، ذلك لقربه من ~~المشاكلة له في لونه وقوامه وعذوبته. # وبعد هذا الشراب في سرعة الانقلاب إلى الدم، الشراب الأسود الحلو، إلا أن ~~الدم المتولد عنه أفسد كثيرا لغلظه وكدره وانحرافه إلى المرة السوداء. ~~وبعدهما في سرعة الانقلاب إلى الدم، الشراب الأحمر الرقيق، لان رقة قوامه ~~تحتاج إلى مدة أطول في طبخه ليغلظ ويصير دما، إلا أن الدم المتولد عنه أرق ~~وألطف وأحمد كثيرا. ولذلك قال جالينوس: وأما الشراب النير الصافي الناصع ~~الحمرة فإنه لما كان في منظره متوسطا بين الأبيض اللطيف المورد وبين الصافي ~~الغليظ الحلو، وجب أن يكون في جوهره وفعله وانفعاله متوسطا بين جوهرهما ~~وفعليهما وانفعالهما. ولذلك صار ms562 لا يغلظ الأخلاط كما يغلظها الشراب الأسود، ~~ولا يرققها ويسيلها ويحدرها بالبول كما يفعل الشراب الأبيض اللطيف. ولما ~~كان أكثر هذا النوع من الشراب لا يكون إلا ذكيا خمريا عطريا، وجب أن يكون ~~بخاره خفيفا لطيفا سريع الترقي إلى الرأس. ولذلك وجب أن يحذره من كان دماغه ~~عليلا لسرعة إضراره به وأذيته له. # وأما الشراب الأحمر الحلو، فإن أصحاب علل الصدر والرئة المزمنة ينتفعون ~~به كثيرا، لا سيما من احتاج منهم إلى أن ينقي صدره ورئته بالنفث وبخاصة إذا ~~كان في البصاق من اليبس واللزوجة ما # PageV00P622 # يجاوز الحد المعتدل، لان ما كان من البصاق كذلك، كان محتاجا في تسهيل ~~خروجه بالنفث إلى ما يسخن ويرطب ويلين تليينا معتدلا، ثم إلى ما يلطف ويحلل ~~ويجلو وينقي وإلا لم يؤمن على البصاق أن يمانع القوة الدافعة بيبسه ولزوجته ~~ولا ينقاد إلى فعلها بسرعة ويهيج سعالا عنيفا شديدا ويفتق عروق الصدر ~~ويشقها. ولذلك صار الشراب الأحمر الحلو إذا خلط ببعض الأدوية المنقية ~~المطلقة، كان نافعا من هذه العلل. # وأما الشراب المورد من العنب الأحمر، والخوصي من العنب الأصفر، فمتوسط ~~(١) بين الشراب الأشقر والأصفر، وبين الشراب الأبيض الرقيق. ولذلك صار، ~~بإضافته إلى الشراب الأبيض الرقيق، أكثر غذاء وأسرع انقلابا إلى الدم، وإن ~~كان المورد أخص بالانقلاب إلى الدم من الخوصي لما فيه من بقايا الخمرة. ~~ولما كان هذان النوعان من الشراب لا يكونان نيرين أحمرين عطريين، صارا ~~سريعي الترقي إلى الرأس، لأنهما (٢) غير مضرين بحجب الدماغ للطافتهما وسرعة ~~انحلالهما وقربهما من لطافة الشراب الأبيض الرقيق. ولذلك صار سكرهما سريعا ~~وانحلال خمارهما قريبا. # وأما الشرابان (٣) الأصفر والأشقر فلما كان الأغلب على مزاجهما، إذا كانا ~~حديثين، الحرارة في الدرجة الثانية، وإذا كانا عتيقين كان الأغلب عليهما ~~الحرارة في الدرجة الثالثة، وعلى طعمهما الصلابة والشدة، وعلى قوامهما ~~اللطافة وخفة الحركة، وعلى رائحتهما الذكاء والعطرية والخمرية، صارا إذا ما ~~شرب (٤) أحدهما، يترقى إلى الرأس بسرعة ويملأ الدماغ بخارات حارة لذاعة، ~~ويسكن من قرب ويضر بحجب الدماغ وسائر العصب. ms563 ولذلك صارا إذا تناول أحدهما ~~من كان مزاجه ممرورا إما بالطبع والبنية، وإما لحال عرضت له، ومن كان كثير ~~الهم والتعب أو يقلل من غذائه، لم تكن مضرته له باليسيرة، لأنه يسخن من ~~كانت هذه حاله ويحدث به حمى ويهيج به صداعا لاضراره بالدماغ وسائر العصب، ~~وبخاصة إذا كان الزمان صيفا والهواء حارا والبلدة أيضا كذلك. وإن كان ليس ~~إنما يفعل هذا الفعل <ب‍> من كانت هذه حاله من الممرورين والمغمومين ~~والكثيري (5) التعب والقليلي (6) الغذاء، لأنه يولد فيهم دما رديئا مذموما، ~~لكن لأنه يسخنهم ويجففهم تجفيفا قويا وهم إلى التبريد والترطيب أحوج، وإن ~~كان ربما نفع هذان النوعان من الشراب الدماغ وسكنا الصداع العارض من انصباب ~~الأخلاط الغليظة إلى المعدة، لأنهما يلطفان (7) تلك الأخلاط ويقطعانها (7) ~~ويحدرانها (7) بسرعة. ولذلك صار متى تناول أحدهما من # PageV00P623 # كان مزاجه باردا رطبا إما من البنية، وإما لحال عرضت له، أو من كان من ~~أهل الدعة والسكون أو من قد اجتمع في بدنه أخلاط كثيرة غليظة نيئة، وبخاصة ~~في زمان الشتاء والهواء البارد والبلد الكذلك، كانت منفعته له بينة ظاهرة ~~من قرب لأنه يلطف الأثفال ويقطع الرطوبات وينقي العروق والقنوات من.. (1) ~~ويستفرغها بالبول والعرق. ولذلك وجب ألا يمتنع منها من كان محتاجا إلى ~~التدبير الملطف. ولجالينوس في الأشربة فصل قال فيه: من أوفق الأشربة لمن ~~كان في عروقه أخلاط غليظة حارة الشراب الأبيض اللطيف أو الشراب الأبيض ~~الخمري، وبعدهما الشراب المورد والشراب الخوصي المعتدل الزمان. فإن كانت ~~الأخلاط مع غلظها باردة فأوفق الأشربة لصاحبها الشراب الأصفر الحاد العتيق. ~~قال إسحاق: # والأشقر الكذلك. وإن كانت الأخلاط، مع غلظها، لا حارة ولا باردة فأوفق ~~الأشربة لصاحبها ما لم يكن فيه واحدة من هاتين الخلتين، أعني ما لم يكن ~~أبيض (2) رقيقا ولا أصفر (2) عتيقا بل متوسطا (3) بين ذلك مثل الشراب ~~الأصفر المعتدل والأشقر الذي هو كذلك والشراب المورد العتيق الخوصي الكذلك. ~~ومن فضيلة الشراب ومنافعه: أنه إذا أخذت منه باقتصاد وتوسط واعتدال، زاد في ~~الدم المحمود لمشاكلته له في ms564 طبيعته ولونه وقوامه، وطيب طعم المأكل ~~والمشرب، ونبه الشهوة للغذاء والباه جميعا بتقويته الروح الحيواني والروح ~~النفساني والقوى الطبيعية، لأنه يقوي المعدة على جذب الغذاء وإمساكه وهضمه ~~ودبغه، بعطريته، وتنقيته الرطوبات الفاسدة المذمومة بحدته ولطافته، ويسوي ~~تأليف البدن وتقويته، وينسي الأحزان والهموم ويدفع الكريه المذموم من أعراض ~~الدنيا ويجلب الجيد المألوف من محبوبها، ويجعل الجلف (4) الجافي للوفاء ~~عطوفا، والقاسي الغليظ لينا شفيقا ويظهر من محاسن النفس أشرفها وأفضلها مثل ~~الكرم والجود والسماحة والسخاء والتصافي والمحابة ويعين الهمة والشجاعة ~~والحلم والبلاغة، ويجعل الفدم (5) الصموت محجاجا (6)، والبليد الثقيل جريئا ~~خفيفا. ويدل على ذلك ويشهد به قول قاله روفس، حكاه عن اليونانيين والفرس، ~~زعم فيه أن الفرس كانوا يستعملون الشراب دائما في وقت المشاورة والمفاوضة ~~في الرأي والتدبير، فيجدونه مذكيا لعقولهم ومقويا لأذهانهم ومسنحا (7) لهم ~~المحمود من الرأي والصواب من التدبير. # فأما اليونانيون (8) فزعم أنهم كانوا يستعملونه عند إنشادهم الاشعار ~~واستعمالهم الملاهي وضربهم بالعيدان فيجدونه يحد أذهانهم ويذكي عقولهم ~~ويخرج ما في قلوبهم ورؤيتهم من القوة إلى الفعل. # ولذلك صار من الأفضل أن يحذر منه من (9) تغلب على العقل ومسكنه ويسلبه ~~لبه ويخرج إلى السكر، # PageV00P624 # لان السكر منه يوجب أن يطفئ نور النفس الانسية، وغلبة النفس البهيمية، ~~وإظهار القبيح والفواحش وعدم العقل والحبوة (١) والمروءة جملة. ومن أجل ذلك ~~صار السكر محرما على كل ملة، ومذموما عند كل أمة، لأنه يمحو محاسن الوجه ~~ويطفئ نور العقل ويفسد الفكر والرؤية، ويزيل الذهن ويبطل الحس ويصير المميز ~~الفاحص ثبالا (٢) لا حس <له> ولا حركة، وكسفينة بغير ملاح ولا مدبر، ~~وجيش بلا قائد ولا سائق، ولا إمام له ولا مهدي. وأما أهل اللوم والطيش فإنه ~~يخرجهم إلى المرار <و> كثرة الكلام والمهارشة والتنقل في أماكن ~~الجلساء، ثم يفتح قردية وطاووسية وسبعية، ثم يغريهم بذكر المفاخر والتغالب ~~والتراوس (3) وفتل الشارب وعضة الشفة وبحرق الثياب. # ومن قبل ذلك وجب على كل ذي عقل، وبخاصة من كان ملكا يحتاج إلى تدبير ~~مملكته وحاكما يحكم بين قومه بالعدل والانصاف، ألا يتناول ms565 منه إلا مقدار ~~الاحتمال والطاقة والعادة المحمودة، لأنه إن جاوز ذلك أخذ منه ما يغم قلبه ~~ويكشف نور عقله ويحجب حسه المنبعث من دماغه، ويمنعه عن الانتشار في جملة ~~بدنه كما يحجب السحاب نور الشمس عن الانتشار في العالم، ويستر نور الحواس، ~~وأظلمت واسترقت الأعضاء، ولم يملك الانسان من عقله ولسانه شيئا، وأثيرت منه ~~الألفاظ المذمومة القبيحة. ولم يكن ذلك راجعا على الشراب بل على الذي تجاوز ~~فيه قدر احتماله، وما أنهته طاعة وزخرف به عادته المحمودة، لان الشراب ليس ~~إنما يفعل ذلك لذاته وجوهريته، وإنما يكثر به ويتجاوز به مقدار احتمال ~~المستعمل. وليس كل ما أضر كثيره، كان قليله مذموما، لأنه لو وجب ذلك لكان ~~القصد المعتدل من الغذاء والماء رديئا مذموما لما ينال الأبدان من الضرر ~~والتلف عند الاكثار منهما، ولكان اللطيف من الهواء غير محمود، لأنه إذا ~~تكاثر على المسام وتكاثف، خنق الحرارة الغريزية وأطفأ نورها. # وقد نجد الفرح أيضا إذا أفرط وبخاصة إذا جاء دفعة، أمات فجأة. # ومن منافع الشراب على سبيل الدواء، مع ما قدمنا فيه من تفتيح سدد الكبد ~~والطحال، وتنقيته مجاريهما ولسائر عروق البدن من الأوساخ والاخلاط الغليظة ~~والأثفال الرديئة، وتحليله للبخارات المظلمة المهيجة للهموم والأحزان، ~~وتشجيعه للقلب وتوليده للسرور والطرب وطيب النفس، وقدحه للعقل، أن شربه ~~نافع من العلة المعروفة بالجوع الكلبي والشهوة الكلبية. وذلك لجهتين: ~~إحداهما: # بإسخانه المعدة وتنقيته للفضل المتعفن المولد للجوع الكلبي. والثانية: ~~أنه يملا العروق ويغنيها عن طلب شئ تمتلئ به. # وللأشربة قوى مختلفة، فأفضلها وأشرفها وألطفها وأسرعها انقلابا، ماء ~~الكرم الساذج البسيط وبخاصة ما قد أتى عليه ثلاثة أحوال وكان متوسطا بين ~~الصفرة والحمرة، ورائحته ذكية، وطعمه # PageV00P625 # لذيذ عذب، ومطعمه سهل بيسير عفوصة. وبعده في ذلك المطبوخ من غير الكرم، ~~لأنه في أحواله يقرب من ماء الكرم الساذج، ويختلف كاختلافه في اللون ~~والرائحة والطعم، إلا أنه أسخن وأيبس وأغلظ لاكتسابه الحرارة والجفاف وغلظ ~~الرطوبة من النار والطبخ. ولذلك صار أغلظ وأكثر غذاء وأبعد انهضاما وأبطأ ~~نفوذا في ms566 العروق وأشد سكرا وأطول خمارا وأضر بالدماغ والعصب، وبخاصة إذا ~~كان فيه شئ من عسل. والشراب المتخذ من الجنسين مثل شراب أهل حمص فردئ للعصب ~~والدماغ والمثانة، إلا لأهل حمص وما شاكلها لرطوبتها بالطبع. وما كان من ~~الشراب شبيها بالعقيدة المعروفة بالميبختج، فغليظ بطئ الانهضام، كثير ~~التوليد للرياح والنفخ والقراقر لحلاوته وبعد انهضامه، إلا أنه إذا انهضم ~~غذى غذاء كثيرا، ونفع من علل الصدر والرئة ومنه القرح العارض في الكلى ~~والمثانة لجلائه وتنقيته للحلاوة التي فيه. PageV00P626 # القول في ما يزيد في الشراب ويقل من السكر ينبغي لمن أحب الاكثار من ~~الشراب أن يقل غذاءه ولا يملئ عروقه فتضيق عن احتمال الكثير من الشراب. فإن ~~كان ممن لا يقنعه القليل من الطعام فالأجود له ألا يصير طعامه في مرة ~~واحدة، لان ذلك مما يضطره إلى الاكثار من الطعام، لكن يصير طعامه في مرتين ~~ويقتصر في المرة الأولى على القليل المعتدل، ويصير تمام طعامه عشاء ولا ~~يكثر من الشراب بعد عشائه، لان الطعام بين شرابين غير محمود. ولذلك وجب ألا ~~يستعمل مثل ذلك إلا من كان اتقى بقوة معدته ودماغه وصحة كبده وسائر أعضائه، ~~لان استعمال ذلك مع ضعف بعض الأعضاء، وبخاصة المعدة والكبد لا يؤمن معه ~~حدوث الاستسقاء، وإن كان ذلك مع ضعف المعدة فقط. تولد عنه الاستسقاء الطبلي ~~وإن كان مع ضعف الكبد فقط تولد منه الاستسقاء الرقي، وإن كان الضعف شاملا ~~لكل الأعضاء أو لأكثرها تولد عن ذلك الاستسقاء اللحمي الشامل للبدن كله. ~~ولذلك صار هذا النوع أخبثها وأقلها (1) لأنه دليل على أن الضعف قد شمل جملة ~~أعضاء البدن أو أكثرها. والأجود لمن كان صفراويا من أصحاب النبيذ أن يصير ~~طعامه الدراج والفراريج المتخذة خردناج المنقعة في ماء الحصرم وماء حماض ~~الأترج والمصوص المتخذة بهذه المياه أو الحصرميات المتخذة بقضبان الرجلة ~~وماء الحصرم وحماض الأترج. فإن كان في الطبيعة امتناع (2)، فليتخذ الدراج ~~والفراريج زيرباج أو بماء التمر الهندي وماء الإجاص. فإن اضطروا إلى شئ من ~~النقل، فليستعملوا الرمان المز ms567 وحماض الأترج ومص السفرجل والزعرور والتفاح ~~المز وما شاكل ذلك. والأجود لمن كان بلغمانيا أن يصير طعامه الشواء ~~والطباهجات والقلايا والكرنب المطبوخ باللحم الحولي المجزع المعرى من الشحم ~~والكرنب المسلوق المتخذ بالمري والزيت الانفاق، لان الكرنب وإن كان غذاؤه ~~مذموما سوداويا فمن خاصيته أن يغلظ بخار النبيذ ويثقله ويمنعه من الترقي ~~إلى # PageV00P627 # الرأس بسرعة ويزيد في احتمال الشرب. ولذلك صار كله محللا للخمار لأنه ~~يقطع من بقايا النبيذ الحاصل في المعدة من الترقي إلى الرأس. والأفضل لمن ~~كان هذا مزاجه ألا يقرب النقل. فإن اضطر إليه فليستعمل منه الأشياء المجففة ~~الناشفة للرطوبات مثل اللوز المر والحمص المقلو وما شاكل ذلك. # فأما اللوز الحلو والجوز وجوز السرو والبطم الأهلي والبطم البري المعروف ~~بالكبر فمذموم جدا أخذها، لأنها مصدعة مؤذية لثقلها في المعدة بدهنيتها ~~ولزوجتها. وأما القثاء والخيار والباقلى الطري والخس فأردأ ما يستعمل على ~~النبيذ، لان القثاء والخيار يغلظان النبيذ ويفججانه ويمنعان (1) من هضمه ~~لقوة بردهما وغلظ جرمهما وبعد انهضامهما. ويدل على ذلك ظهور طعمهما ~~ورائحتهما في الجشاء، وبعد انحلالهما. وأما الباقلي الطري فإنه لكثرة رياحه ~~والنفخ واختصاصه بتوليد الأحلام الرديئة يمنع النبيذ من الهبوط إلى موضع ~~الطبخ من المعدة. ويمنع من هضمه وترقيته إلى الرأس ويضر بالدماغ. وأما الخس ~~فإنه يخدر الحس ويضعف فعل الحرارة الغريزية ويفسد الهضم لما فيه من ~~الأفيونية. وقد ظن قوم بالبصل أنه مانع من سرعة السكر وزائد في شرب النبيذ ~~لدروره البول ولم يفكروا في تبخيره الرأس وتوليده للصداع والأحلام الرديئة ~~بالطبع. إلا أنه إذا جعل معه اليسير في الطبخ على سبيل الأبازير، ربما فعل ~~ذلك لدروره البول. وأما الرياحين فأفضل ما يستعمل منها للشباب والمحروري ~~(2) المزاج ما كان مقويا للدماغ مسكنا لحدته وحرافته مثل الورد والبنفسج ~~والنسرين والخلاف (3) والآس الطري والشاهسفرم (4) المطري بالماء العذب في ~~كل وقت، ومن العطر الصندل والورد المنقى من أقماعه وبرده بالماء ورد كل ~~وقت، ويتوقون الكافور لان يبسه يسد المسام ويمنع من تحليل البخار. وأما ~~السيسنبر والنرجس والياسمين وما ms568 شاكل ذلك فمذمومة على النبيذ غير صالحة ~~لأنها تقوي البخار وتحمي البدن والرأس وفى ذلك الوقت من أحوج الأشياء إلى ~~ما يبرد ويسكن الحرارة ويقمع حدة البخار. ولذلك صار العطر مذموما (5) على ~~النبيذ إلا الصندل والورد فقط، لان كل العطر خلا هذين النوعين مقو للبخار ~~مولد للصداع وبخاصة فيمن كان مزاجه صفراويا. فأما من كان مزاجه بلغمانيا ~~فاستعمال هذه الأشياء وما شاكلها لمثل مزاجه غير مذموم ولا مكروه. ومن كان ~~محرورا أو صفراويا، فيجب أن يكون شربه للنبيذ، على أنهار عذبة صافية نقية ~~وعيون جارية أو دواليب تستقي ماء عذبا صافيا نقيا في بساتين ناضرة مفروشة ~~بالرياحين الذكية العطرية وسماع مطرب يذكي العقول ويقويها ويطيب النفس ~~ويبسطها ويلهيها عن الفكر في غيره، مع وجوه مقبولة قد أتقنت الطبيعة صنعتها ~~وأكملت حسنها وجمالها وأظهرت النفس فيها نورها وبهاءها وملاحتها مع أخلاق ~~رطبة وقلوب صافية نقية سليمة من الخب (6) والدغل. # PageV00P628 # ولما كان من الناس من يستعمل هذا المثل ويقول: عالج الخمار بالخمر ويتبع ~~سكر الأول بسكر الأخير، وجب أن يحذر من ذلك ويعرف ما فيه من العاقبة ~~المذمومة القريبة من الخطر، من قبل أن هذا الفعل وإن كان الكثير من الناس ~~قد يستعملونه ويسكنون إليه ويحمدون أثره لصحة أبدانهم وسلامة أدمغتهم، فإن ~~ذلك لا يزيل الخطأ والخطر من فعلهم، لان النبيذ إذا شرب بعقب سكر متقدم ~~وخمار حاضر ودماغ مملوء بخارات لم يؤمن بدءا إضراره بحجب الدماغ ثم بالقلب ~~وسائر الأعضاء إلا أن يثق المستعمل لذلك بقلة فضول بدنه وصحة أعضائها ~~وقوتها، فيستعمل منه اليسير على سبيل الدواء والتحلل بلطيف حرارته غلظ ذلك ~~البخار المولد للخمار ويلطفه ويعين على تحليله ثم ليمنع منه غاية الامتناع، ~~وإلا لم يؤمن عليه أن يصادف في الدماغ وسائر العصب فضل رطوبة فيولد العلة ~~المعروفة بالسكتة، والعلة المعروفة بالفالج، أو يوافي في العصب ضعفا وجفافا ~~فيولد كزازا وتشنجا، أو يصادف في البدن فضل دم قليل مع ضعف في آلات الحلق ~~والصدر والحجاب، فيحدث ذبحا واختناقا أو يوافي ms569 في القلب أدنى ضعف فيضعف عن ~~حمله فيحدث عن ذلك خفقانا وغشيا شديدا وخطرا عظيما. فمن عرض له وجع في ~~فؤاده من شرب النبيذ، فالأفضل أن يتهوع (١) ويشرب بعد ذلك لعاب البزرقطونا ~~المستخرج بالماء ورد أو بماء القثاء. ومن كظه (٢) النبيذ فليتقيأ ويشرب ~~شراب الأفسنتين وماء باردا أو ينقع الأفسنتين بشراب الورد أو أفسنتينا ~~مدقوقا مدوفا بشراب ورد وماء بارد، لان من خاصة الأفسنتين <أن> يحلل ~~خمار المرطوبين. ولذلك صار متى شرب قبل النبيذ أو في يوم الخمار، نفع منفعة ~~بينة. وأقطع الأشياء للخمار ممن كان محرورا شرب ماء الرمانين ولعاب ~~البزرقطونا وحماض الأترج وماء الحصرم، وشم دهن الورد والبنفسج والنيلوفر، ~~ويحمل هذه الادهان على الجبين والأصداغ مضروبة بخل خمر بعقب غواص (3) لطيف ~~عطر الرائحة، والصندل وماء البقلة الحمقاء مع الخل. وبعض هذه الادهان يفعل ~~مثل ذلك أيضا واستجلاب النوم محمود لمثل ذلك. وأما من كان مرطوبا، فالأفضل ~~لقطع خماره شرب الأفسنتين ودخول الحمام والتعرق فيها واستجلاب النوم ما ~~أمكن، والامتناع من كل مأكول ومشروب إلى أن ينحل الخمار جملة وتتنفط ~~الطباع، ويهش للغذاء بشهوة صادقة ونشاط قوي. والله الهادي للمصالح بكرمه ~~وسعة جوده. # نجزت المقالة الرابعة، وبتمامها تم الكتاب والحمد لله الملك الوهاب. # * * * # PageV00P629 ms570