######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008178 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري (المتوفى: 324هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 324 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الإبانة عن أصول الديانة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008178 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8178 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8178 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. فوقية حسين محمود #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1397 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الأنصار - القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # وهو حسبي ونعم الوكيل # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # قال الشيخ الإمام العالم أبو الحسن علي بن إسماعيل بن علي بن أبي بشر ~~الأشعري البصري رحمه الله: ### | 1- # الحمد لله الواحد الأحد، العزيز الماجد، المتفرد بالتوحيد، والمنفرد ~~بالتمجيد، الذي لا تبلغه صفات العبيد، ليس له مثل ولا نديد، وهو المبدئ ~~المعيد، الفعال لما يريد، جل عن اتخاذ الصواحب والأولاد، وتقدس عن ملابسة ~~الأجناس والأرجاس، ليست له عثرة تقال، ولا حد يضرب له مثال، لم يزل # PageV01P001 # بصفاته أولا قديرا، ولا يزال عالما خبيرا، استوفى الأشياء علمه، ونفذت ~~فيها إرادته، فلم تعزب عليه خفيات الأمور، ولم تغيره سوالف صروف الدهور، ~~ولم يلحقه في خلق شيء مما خلق كلال ولا تعب، ولا مسه لغوب ولا نصب، خلق ~~الأشياء بقدرته، ودبرها بمشيئته، وقهرها بجبروته، وذللها بعزته، فذل لعظمته ~~المتكبرون، واستكان لعز ربوبيته المتعظمون، وانقطع دون الرسوخ في علمه ~~العالمون، وذلت له الرقاب، وحارت في ملكوته فطن ذوى الألباب، وقامت بكلمته ~~السماوات السبع، واستقرت الأرض المهاد، وثبتت الجبال الرواسي، وجرت الرياح ~~اللواقح، وسار في جو السماء السحاب، وقامت على حدودها البحار، وهو الله ~~الواحد القهار. ### | 2- # فنحمده كما حمد نفسه، وكما هو أهله ومستحقه، وكما حمده الحامدون من جميع ~~خلقه، ونستعينه استعانة من فوض الأمر # PageV01P008 # إليه، وأقر أنه لا منجى ولا ملجأ إلا إليه، ونستغفره استغفار مقر بذنبه، ~~معترف بخطيئته. # ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارا بوحدانيته، وإخلاصا ~~لربوبيته، وأنه العالم بما تظن الضمائر، وتنطوي عليه السرائر، وما تخفيه ~~النفوس، وما تجن البحار، وما تواريه الأسراب، (وما تفيض الأرحام وما تزداد، ~~وكل شيء عنده بمقدار) ، لا توارى عنه كلمة، ولا تغيب عنه غائبة، (وما تسقط ~~من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين) من الآية (59) . # ويعلم ما يعمل العاملون وما ينقلب إليه المنقلبون. ### | 3 - # ونستهديه بالهدى، ونسأله التوفيق لمجانبة الردى. ### | 4 - # ونشهد أن محمدا صلى ms01 الله عليه وسلم عبده ورسوله، ونبيه وأمينه وصفيه، ~~أرسله إلى خلقه بالنور الساطع، والسراج اللامع، والحجج الظاهرة، والبراهين ~~والآيات الباهرة، والأعاجيب القاهرة، فبلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وجاهد في ~~الله حق جهاده، حتى تمت كلمة الله عز وجل، وظهر أمره، وانقاد الناس إلى ~~الحق خاضعين، حتى أتاه اليقين، لا وانيا ولا مقصرا، # PageV01P009 # فصلوات الله عليه من قائد إلى هدى مبين، وعلى أهل بيته الطيبين، وعلى ~~أصحابه المنتخبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين. # عرفنا الله به الشرائع والأحكام، والحلال والحرام، وبين لنا به شريعة ~~الإسلام، حتى انجلت عنا طخياء الظلام، وانحسرت عنا به الشبهات، وانكشفت عنا ~~به الغيابات، وظهرت لنا به البينات. # وجاءنا ب (كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من ~~حكيم حميد) من الآية (41 -42) # جمع فيه علم الأولين والآخرين، وأكمل به الفرائض والدين، فهو صراط الله ~~المستقيم، وحبل الله المتين، فمن تمسك به نجا، ومن خالفه ضل وغوى، وفي ~~الجهل تردى، وحثنا الله في كتابه على التمسك بسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال عز وجل: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) من ~~الآية (7) ، # PageV01P010 # وقال عز وجل: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم) من الآية (63) ، وقال تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى ~~الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) من الآية (83) ، وقال تعالى: (يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول) من الآية (59) ، يقول: إلى كتاب الله وسنة ~~رسوله: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) ، وقال تعالى: (قل ما يكون ~~لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلي) من الآية (15) ، # PageV01P011 # وقال: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا) من الآية (51) فأمرهم أن يسمعوا قوله، ويطيعوا أمره، ~~ويحذروا مخالفته، وقال: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) من الآية (92) ~~فأمرهم بطاعة رسوله كما أمرهم ms02 بطاعته، ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه كما ~~أمرهم بالعمل بكتابه. ### | 5 - # فنبذ كثير ممن غلبت عليهم شقوته، واستحوذ عليهم الشيطان سنن نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم وراء ظهورهم، ومالوا إلى أسلاف لهم قلدوهم دينهم، ودانوا ~~بديانتهم، وأبطلوا سنن نبي الله عليه الصلاة والسلام، ودفعوها وأنكروها ~~وجحدوها افتراء منهم على الله، (قد ضلوا وما كانوا مهتدين) من الآية (14) . # أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة، تغر ~~أهلها وتخدع سكانها، # PageV01P012 # قال الله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ~~فاختلط به نبات الأرض) الآية من الآية (45) . # من كان فيها في حيرة أعقبته بعدها عبرة، ومن أعطته من سرائها بطنا أعقبته ~~من ضرائها ظهرا، غرارة غرور ما فيها، فانية فان ما فيها، كما بقوله تعالى: ~~(كل من عليها فان) (26) ، فاعملوا رحمكم الله للحياة الدائمة، ولخلود ~~الأبد، فإن الدنيا تنقضي على أهلها، وتبقى الأعمال قلائد في رقاب أهلها. # واعلموا أنكم ميتون، ثم إنكم من بعد موتكم إلى ربكم راجعون، (ليجزي الذين ~~أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) من الآية (31) . # فكونوا بطاعة ربكم عاملين، وعما نهاكم منتهين. # PageV01P013 ### | فصل في قول أهل الزيغ والبدع: # أما بعد: فإن كثيرا من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم ~~أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم ~~تأويلا لم ينزل به الله سلطانا، ولا أوضح به برهانا، ولا نقلوه عن رسول رب ~~العالمين، ولا عن السلف المتقدمين. # وخالفوا روايات الصحابة رضي الله عنهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في ~~رؤية الله عز وجل بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات، ~~وتواترت بها الآثار وتتابعت بها الأخبار. # PageV01P014 # وأنكروا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمذنبين، ودفعوا الروايات ~~في ذلك عن السلف المتقدمين. # وجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك ~~الصحابة والتابعون رضي الله عنهم أجمعين. # ودانوا بخلق القرآن نظيرا لقول إخوانهم من المشركين؛ الذين قالوا: (إن ms03 ~~هذا إلا قول البشر) (25) . # وأثبتوا أن العباد يخلقون الشر، نظيرا لقول المجوس الذين أثبتوا خالقين: # أحدهما الخير، والآخر يخلق الشر. # وزعمت القدرية أن الله تعالى يخلق الخير، والشيطان يخلق الشر. # وزعموا أن الله تعالى يشاء ما لا يكون، ويكون مالا يشاء، خلافا لما أجمع ~~عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وردا لقول الله ~~تعالى # PageV01P015 # : (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) من الآية (30) # فأخبر تعالى أنا لا نشاء شيئا إلا وقد شاء الله أن نشاءه. # ولقوله: (ولو شاء الله ما اقتتلوا) من الآية (253) ، ولقوله تعالى: (ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها) من الآية (13) ، ولقوله تعالى: (فعال لما يريد) ~~من الآية (107) ، ولقوله تعالى مخبرا عن نبيه شعيب صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء ~~علما) من الآية (89) . # ولهذا سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة؛ لأنهم دانوا ~~بديانة المجوس، وضاهوا أقاويلهم. # وزعموا أن للخير والشر خالقين، كما زعمت المجوس ذلك، وأنه يكون من الشرور ~~ما لا يشاء الله كما قالت المجوس. # وأنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم من دون الله عز # PageV01P016 # وجل، ردا لقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل لا أملك لنفسي ~~نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله) (188) ، وإعراضا عن القرآن، وعما أجمع عليه ~~أهل الإسلام. # وزعموا أنهم منفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم، فأثبتوا لأنفسهم ~~الغنى عن الله عز وجل، ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله عز وجل ~~بالقدرة عليه، كما أثبت المجوس لعنهم الله للشيطان من القدرة على الشر ما ~~لم يثبتوا لله عز وجل، فكانوا مجوس هذه الأمة؛ إذ دانوا بديانة المجوس، ~~وتمسكوا بأقاويلهم ومالوا إلى أضاليلهم. # وقنطوا الناس من رحمة الله، وآيسوهم من روحه، وحكموا على العصاة بالنار ~~والخلود فيها، خلافا لقول الله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) من ~~الآية (48) . # وزعموا أن من دخل النار لا يخرج ms04 منها، خلافا لما جاءت به الرواية عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن ~~امتحشوا فيها # PageV01P017 # وصاروا حمما) . # ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله عز وجل: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام) (27) # وأنكروا أن له يدان مع قوله سبحانه: (لما خلقت بيدي) من الآية (75) . # وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله سبحانه: (تجري بأعيننا) من الآية (14) ~~، وقوله: (ولتصنع على عيني) (39) . # وأنكروا أن يكون له سبحانه علم مع قوله: (أنزله بعلمه) من الآية (166) . # وأنكروا أن يكون له قوة مع قوله سبحانه: (ذو القوة المتين) من الآية (58) ~~. # ونفوا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن الله # PageV01P018 # عز وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا) وغير ذلك مما رواه الثقات عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وكذلك جميع أهل البدع من الجهمية والمرجئة والحرورية، أهل الزيغ فيما ~~ابتدعوا وخالفوا الكتاب والسنة، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه رضى الله عنهم أجمعين، وأجمعت عليه الأمة كفعل المعتزلة والقدرية ~~وأنا ذاكر ذلك بابا بابا، وشيئا شيئا إن شاء الله تعالى وبه المعونة. # PageV01P019 ### | فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة: # فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية ~~والرافعة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها ~~تدينون. # قيل له: # قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا عز ~~وجل، وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما روى عن السادة الصحابة ~~والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله ~~أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ~~ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي # PageV01P020 # أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع ~~المبتدعين، وزيع الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، ~~وجليل معظم، وكبير مفهم. # وجملة قولنا: أنا نقر بالله ms05 وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند ~~الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نرد من ذلك ~~شيئا، وأن الله عز وجل إله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ~~ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق. # وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في ~~القبور. # وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي ~~أراده، استواء منزها عن الممارسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا ~~يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو ~~فوق العرش، وفوق كل شيء، إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش ~~والسماء، بل هو رفيع الدرجات عن العرش، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى، وهو ~~مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل ~~شيء شهيد. # PageV01P021 # وأن له سبحانه وجها بلا كيف، كما قال: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام) (27) . # وأن له سبحانه يدين بلا كيف، كما قال سبحانه: (خلقت بيدي) من الآية (75) ~~، وكما قال: (بل يداه مبسوطتان) من الآية (64) . # وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: (تجري بأعيننا) من الآية ~~(14) . # وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا. # وأن لله علما كما قال: (أنزله بعلمه) من الآية (166) ، وكما قال: (وما ~~تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من الآية (11) . # ونثبت لله السمع والبصر، ولا ننفى ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية ~~والخوارج. # PageV01P022 # ونثبت أن لله قوة، كما قال: (أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم ~~قوة) من الآية (15) . # ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأنه سبحانه لم يخلق شيئا إلا وقد قال له ~~كن، كما قال: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (40) . # وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير أو شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء ~~تكون بمشيئة الله عز ms06 وجل، وأن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله، ~~ولا يستغني عن الله، ولا يقدر على الخروج من علم الله عز وجل. # وأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدرة، كما قال ~~سبحانه: (والله خلقكم وما تعملون) (96) ، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا ~~شيئا، وهم يخلقون، # PageV01P023 # كما قال: (هل من خالق غير الله) من الآية (3) ، وكما قال: (لا يخلقون ~~شيئا وهم يخلقون) من الآية (20 /16) ، وكما قال سبحانه: (أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق) (17 /16) ، وكما قال: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) (35 /52) ~~، وهذا في كتاب الله كثير. # وأن الله وفق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم، ونظر لهم، وأصلحهم وهداهم، وأضل ~~الكافرين ولم يهدهم، ولم يلطف بهم بالإيمان، كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ~~ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين. # وإن الله يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف بهم حتى # PageV01P024 # يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين، كما علم وخذلهم وطبع على ~~قلوبهم. # وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره، وإنا نؤمن بقضاء الله وقدره، خيره ~~وشره، حلوه ومره، ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن ما أصابنا لم يكن ~~ليخطئنا، # وأن العباد لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا بإذن الله، كما قال عز ~~وجل: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله) (188 /7) . # ونلجئ أمورنا إلى الله، ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه سبحانه ~~وتعالى. # ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر. # وندين بأن الله يرى في الآخرة بالأبصار، كما يرى القمر ليلة البدر، يراه ~~المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ونقول: إن الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنة، كما قال # PageV01P025 # سبحانه: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) (15 /83) ، وإن موسى صلى الله ~~عليه وسلم سأل الله عز وجل الرؤية في الدنيا، وأن الله تعالى تجلى للجبل ~~فجعله دكا، فأعلم بذلك موسى أنه ms07 لا يراه في الدنيا. # وندين بأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه ما لم يستحله، كالزنا ~~والسرقة وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج، وزعمت أنهم كافرون. # ونقول: إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنا والسرقة وما أشبهها ~~مستحلا لها، غير معتقد لتحريمها كان كافرا. # ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانا. # وندين الله عز وجل بأنه يقلب القلوب بين أصبعين من أصابعه، وأنه سبحانه ~~يضع السماوات على أصبع، والأرضين على # PageV01P026 # أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تكييف. # وندين بأن لا ننزل أحدا من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ولا ~~نارا، إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ونرجو الجنة ~~للمذنبين، ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين، أجارنا الله منها بشفاعة ~~سيدنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ونقول: إن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، تصديقا لما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض، وأن الميزان حق، والصراط حق، والبعث بعد ~~الموت حق، وأن الله عز وجل يوقف العباد في الموقف، ويحاسب المؤمنين. # وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم التي رواها الثقات عدل عن عدل، حتى تنتهي إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # PageV01P027 # وندين بحب السلف الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، ونثني عليهم بما أثنى الله به عليهم، ونتولاهم أجمعين. # ونقول: إن الإمام الفاضل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ~~الصديق رضى الله عنه، وأن الله سبحانه وتعالى أعز به الدين، وأظهره على ~~المرتدين، وقدمه المسلمون بالإمامة، كما قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للصلاة، وسموه بأجمعهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه، ثم عثمان ms08 بن عفان رضى الله عنه، وأن الذين قتلوه ~~قتلوه ظلما وعدوانا، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلافتهم خلافة النبوة # PageV01P028 # ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، ~~ونتولى سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونكف عما شجر بينهم. # وندين بأن الأئمة الأربعة خلفاء راشدون، مهديون فضلاء، لا يوازنهم في ~~الفضل غيرهم. # ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل عن النزول إلى سماء الدنيا، ~~وأن الرب عز وجل يقول: (هل من سائل، هل من مستغفر) ، وسائر ما نقلوه ~~وأثبتوه خلافا لما قاله أهل الزيغ والتضليل. # ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا عز وجل، وسنة نبينا صلى الله عليه ~~وسلم، وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله # PageV01P029 # ما لم يأذن لنا، ولا نقول على الله مالا نعلم. # ونقول: إن الله عز وجل يجيء يوم القيامة، كما قال سبحانه: (وجاء ربك ~~والملك صفا صفا) (22 /89) . # وأن الله مقرب من عباده كيف شاء بلا كيف، كما قال تعالى: (ونحن أقرب إليه ~~من حبل الوريد) من الآية (16 /50) ، وكما قال سبحانه: (ثم دنا فتدلى فكان ~~قاب قوسين أو أدنى) (8 - 9 / 53) . # ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد، وسائر الصلوات والجماعات خلف كل بر ~~وفاجر، كما روى أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهم كان يصلي خلف الحجاج. # PageV01P030 # وأن المسح على الخفين سنة في الحضر والسفر، خلافا لقول من أنكر ذلك. # ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى ~~الخروج عليهم إذا ظهر منهم ترك الاستقامة. # وندين بإنكار الخروج بالسيف، وترك القتال في الفتنة، ونقر بخروج الدجال ~~-أعاذنا الله من فتنته - كما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # ونؤمن بعذاب القبر، ومنكر ونكير عليهما الصلاة والسلام، ومساءلتهما ~~المدفونين في القبور. # ونصدق بحديث المعراج، وتصحيح كثير من الرؤيا في المنام، ونقر أن لذلك ~~تفسيرا. # ونرى الصدقة ms09 على موتى المسلمين، والدعاء لهم، ونؤمن بأن الله ينفعهم ~~بذلك. # ونصدق بأن في الدنيا سحرة وسحرا، وأن السحر كائن موجود في الدنيا. # PageV01P031 # وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة، برهم وفاجرهم، وتوارثهم. # ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات وقتل فبأجله مات وقتل. # وأن الأرزاق من قبل الله سبحانه، يرزقها عباده حلالا وحراما، وأن الشيطان ~~يوسوس الإنسان، ويشككه ويخبطه، خلافا للمعتزلة والجهمية، كما قال تعالى: ~~(الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) ~~من الآية (275 /2) ، وكما قال: (من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور ~~الناس من الجنة والناس) (4 - 6 /114) . # PageV01P032 # ونقول: إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله تعالى بآيات يظهرها عليهم. # وقولنا في أطفال المشركين أن الله تعالى يؤجج لهم في الآخرة نارا، ثم ~~يقول لهم اقتحموها، كما جاءت بذلك الرواية. # وندين الله عز وجل بأنه يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، وما ~~كان وما يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وبطاعة الأئمة ونصيحة ~~المسلمين. # ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة، ومجانبة أهل الأهواء. # وسنحتج لما ذكرناه من قولنا، وما بقى منه مما لم نذكره بابا بابا، وشيئا ~~شيئا إن شاء الله عز وجل. # PageV01P034 ### | الباب الأول الكلام في إثبات رؤية الله سبحانه بالأبصار في الآخرة # قال الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة) (22 /75) يعني مشرقة، (إلى ربها ~~ناظرة) (23 /75) يعني رائية، وليس يخلو النظر من وجوه نحن ذاكروها: # إما أن يكون الله سبحانه عنى نظر الاعتبار، كقوله تعالى: (أفلا ينظرون ~~إلى الإبل كيف خلقت) (17 /88) . # أو يكون عنى نظر الانتظار، كقوله تعالى: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) من ~~الآية (49 /36) # أو يكون عنى نظر التعطف، كقوله تعالى # PageV01P035 # : (ولا ينظر إليهم يوم القيامة) من الآية (77 /3) . # أو يكون عنى نظر الرؤية. # فلا يجوز أن يكون الله عز وجل عنى نظر التفكير والاعتبار؛ لأن الآخرة ~~ليست بدار اعتبار. # ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار؛ لأن النظر إذا ms10 ذكر مع ذكر الوجه ~~فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، كما إذا ذكر أهل اللسان نظر القلب ~~فقالوا: " انظر في هذا الأمر بقلبك "، لم يكن معناه نظر العينين، وكذلك إذا ~~ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار؛ الذي يكون للقلب، وأيضا فإن ~~نظر الانتظار لا يكون في الجنة؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، وأهل الجنة ~~في ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم. # وإذا كان هذا هكذا لم يجز أن يكونوا منتظرين؛ لأنهم كلما خطر ببالهم شيء ~~أتوا به مع خطوره ببالهم، # PageV01P036 # وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز أن يكون الله عز وجل أراد نظر التعطف؛ لأن ~~الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم. # وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر، وهو أن معنى ~~قوله: (إلى ربها ناظرة) أنها رائية ترى ربها عز وجل. # ومما يبطل قول المعتزلة: أن الله عز وجل أراد بقوله: (إلى ربها ناظرة) ~~نظر الانتظار، أنه قال: (إلى ربها ناظرة) ونظر الانتظار لا يكون مقرونا ~~بقوله: (إلى) ؛ لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار " إلى "، ~~ألا ترى أن الله تعالى لما قال: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) من الآية (49 ~~/36) لم يقل " إلى "؛ إذ كان معناه الانتظار. # وقال عز وجل مخبرا عن بلقيس: # PageV01P037 # (فناظرة بم يرجع المرسلون) من الآية (35 /27) ، فلما أرادت الانتظار لم ~~تقل " إلى ". # وقال امرؤ القيس: # فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب # فلما أراد الانتظار لم يقل " إلى "، فلما قال سبحانه # PageV01P038 # : (إلى ربها ناظرة) (23 /75) علمنا أنه لم يرد الانتظار، وإنما أراد نظر ~~الرؤية. # ولما قرن الله عز وجل النظر بذكر الوجه؛ أراد نظر العينين اللتين في ~~الوجه، كما قال: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) (144 ~~/2) ، فذكر الوجه، وإنما أراد تقلب عينيه نحو السماء ينظر نزول الملك عليه، ~~يصرف الله تعالى له عن قبلة بيت المقدس إلى القبلة. # فإن قيل: لم قلتم: ms11 إن قوله تعالى: (إلى ربها ناظرة) إنما أراد إلى ثواب ~~ربها ناظرة؟ # PageV01P039 # قيل له: ثواب الله غيره، والله سبحانه وتعالى قال: (إلى ربها ناظرة) (23 ~~/75) ولم يقل: إلى غيره ناظرة. # والقرآن العزيز على ظاهره، وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة، وإلا ~~فهو على ظاهره. # ألا ترى أن الله عز وجل لما قال: صلوا لي واعبدوني، لم يجز أن يقول قائل: ~~إنه أراد غيره، ويزيل الكلام عن ظاهره؛ فلذلك لما قال: (إلى ربها ناظرة) لم ~~يجز لنا أن نزيل القرآن عن ظاهره بغير حجة. # ثم يقال للمعتزلة: إن جاز لكم أن تزعموا أن قول الله تعالى: (إلى ربها ~~ناظرة) إنما أراد به أنها إلى غيره ناظرة، فلم لا جاز لغيركم أن يقول: إن ~~قول الله سبحانه وتعالى # PageV01P040 # : (لا تدركه الأبصار) (103 /6) أراد بها لا تدرك غيره، ولم يرد أنها لا ~~تدركه؟ وهذا مما لا يقدرون على الفرق فيه. # ودليل آخر: ومما يدل على أن الله تعالى يرى بالأبصار قول موسى صلى الله ~~عليه وسلم: (رب أرني أنظر إليك) من الآية (143 /7) ولا يجوز أن يكون موسى ~~صلوات الله عليه وسلامه - وقد ألبسه الله جلباب النبيين، وعصمه بما عصم به ~~المرسلين - قد سأل ربه ما يستحيل عليه، فإذا لم يجز ذلك على موسى صلى الله ~~عليه وسلم علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلا، وأن الرؤية جائزة على ربنا ~~تعالى. # ولو كانت الرؤية مستحيلة على ربنا تعالى كما زعمت المعتزلة، ولم يعلم ذلك ~~موسى صلى الله عليه وسلم وعلموه هم لكانوا على # PageV01P041 # قولهم أعلم بالله من موسى صلى الله عليه وسلم، وهذا مما لا يدعيه مسلم. # فإن قال قائل: ألستم تعلمون حكم الله في الظهار اليوم، ولم يكن نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك قبل أن ينزل؟ # قيل له: لم يكن يعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم ذلك قبل أن يلزم الله ~~العباد حكم الظهار، فلما ألزمهم الحكم به أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم ~~قبلهم، ثم أعلم ms12 نبي الله صلى الله عليه وسلم عباد الله ذلك، ولم يأت عليه ~~وقت لزمه حكمه فلم يعلم صلى الله عليه وسلم، وأنتم زعمتم أن موسى صلى الله ~~عليه وسلم وقت لزمه علمه وعلمتموه أنتم الآن لزمكم بجهلكم # PageV01P042 # أنكم بما لزمكم العلم به الآن أعلم من موسى صلى الله عليه وسلم بما لزمه ~~العلم به، وهذا خروج عن دين المسلمين. # ودليل آخر: مما يدل على جواز رؤية الله تعالى بالأبصار قوله تعالى لموسى ~~صلى الله عليه وسلم: (فإن استقر مكانه فسوف تراني) من الآية (143 /7) # فلما كان الله تعالى قادرا على أن يجعل الجبل مستقرا؛ كان قادرا على ~~الأمر الذي لو فعله لرآه موسى صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أن الله ~~تعالى قادر أن يري عباده نفسه، وأنه جائز رؤيته. # فإن قال قائل: فلم لا قلتم إن قول الله تعالى: (فإن استقر مكانه فسوف ~~تراني) من الآية (143 /7) تبعيد للرؤية؟ # PageV01P043 # قيل له: لو أراد الله عز وجل تبعيد الرؤية لقرن الكلام بما يستحيل وقوعه، ~~ولم يقرنه بما يجوز وقوعه، فلما قرنه باستقرار الجبل وذلك أمر مقدور لله ~~سبحانه وتعالى دل ذلك على أنه جائز أن يرى الله تعالى. # ألا ترى أن الخنساء لما أرادت تبعيد صلحها لمن كان حربا لأخيها قرنت ~~الكلام بأمر مستحيل فقالت: # PageV01P044 # ولا أصالح قوما كنت حربهم حتى تعود بياضا حلكة القارى # والله تعالى إنما خاطب العرب بلغتها، وما نجده مفهوما في كلامها ومعقولا ~~في خطابها. # فلما قرن الرؤية بأمر مقدور جائز علمنا أن رؤية الله بالأبصار جائزة غير ~~مستحيلة. # دليل آخر: قال الله عز وجل: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) (16 /10) ، قال ~~أهل التأويل: النظر إلى الله عز وجل، ولم ينعم الله تعالى على أهل الجنة ~~بأفضل من نظرهم إليه ورؤيتهم له. # وقال تعالى: (ولدينا مزيد) من الآية (35 /50) قيل: النظر إلى الله عز ~~وجل. # وقال تعالى: (تحيتهم يوم يلقونه سلام) من الآية (44 /33) ، # PageV01P045 # وإذا لقيه المؤمنون رأوه. # وقال تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) ms13 (15 /83) فحجبهم عن ~~رؤيته، ولا يحجب عنها المؤمنين. # PageV01P046 ### | فصل # فإن قال قائل: فما معنى قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) من الآية (103 ~~/6) ؟ # قيل له: يحتمل أن يكون لا تدركه في الدنيا، وتدركه في الآخرة؛ لأن رؤية ~~الله تعالى أفضل اللذات، وأفضل اللذات تكون في أفضل الدارين. # ويحتمل أن يكون الله تعالى أراد بقوله: (لا تدركه الأبصار) من الآية (103 ~~/6) يعني: لا تدركه أبصار الكافرين المكذبين، وذلك أن كتاب الله يصدق بعضه ~~بعضا، فلما قال في آية: إن الوجوه تنظر إليه يوم القيامة، وقال في آية ~~أخرى: إن الأبصار لا تدركه، علمنا أنه إنما أراد أبصار الكافرين لا تدركه. # PageV01P047 ### | ### | مسألة # والجواب عنها: # فإن قال قائل: قد استكبر الله تعالى سؤال السائلين له أن يرى بالأبصار، ~~فقال: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء، فقد سألوا موسى ~~أكبر من ذلك فقالوا: أرنا الله جهرة) من الآية (153 /4) # فيقال لهم: إن بني إسرائيل سألوا رؤية الله عز وجل على طريق الإنكار ~~لنبوة موسى صلى الله عليه وسلم، وترك الإيمان به حتى يروا الله؛ لأنهم ~~قالوا: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) فلما سألوه الرؤية على طريق ترك ~~الإيمان بموسى صلى الله عليه وسلم حتى يريهم الله نفسه؛ استعظم الله سؤالهم ~~من غير أن تكون الرؤية مستحيلة عليهم، كما استعظم سؤال أهل الكتاب أن ينزل ~~عليهم كتابا من السماء من غير أن يكون ذلك مستحيلا، ولكن لأنهم أبوا أن ~~يؤمنوا بنبي الله حتى ينزل عليهم من السماء كتابا. # دليل آخر # PageV01P048 # ومما يدل على إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار رواية الجماعات من الجهات ~~المختلفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ترون ربكم كما ترون ~~القمر ليلة البدر، لا تضارون في رؤيته) والرؤية إذا أطلقت إطلاقا ومثلت ~~برؤية العيان لم يكن معناها إلا رؤية العيان، ورويت الرواية عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من طرق مختلفة عديدة، عدة رواتها أكثر من عدة خبر ~~الرجم، ومن عدة من روى أن ms14 النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا وصية لوارث) ، ~~ومن عدة رواة المسح على الخفين، ومن عدة رواة قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها) ، وإذا كان الرجم وما ذكرناه ~~سننا عند المعتزلة كانت الرؤية # PageV01P049 # أولى أن تكون سنة؛ لكثرة رواتها ونقلتها، كذا يرويها خلف عن سلف. # والحديث (أنى أراه) لا حجة فيه؛ لأنه عندما سأل سائل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن رؤية الله عز وجل في الدنيا، وقال له: هل رأيت ربك؟ # فقال: (نور أنى أراه) ؟ لأن العين لا تدرك في الدنيا الأنوار المخلوقة ~~على حقائقها؛ لأن الإنسان لو حدق ينظر إلى عين الشمس فأدام النظر إلى عينها ~~لذهب أكثر نور بصره، فإذا كان الله سبحانه حكم في الدنيا بأن لا تقوم العين ~~بالنظر إلى عين الشمس فأحرى أن لا يثبت البصر للنظر إلى الله تعالى في ~~الدنيا، إلا أن يقويه الله تعالى، فرؤية الله تعالى في الدنيا قد اختلف ~~فيها. # PageV01P050 # وقد روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل تراه ~~العيون في الآخرة، وما روى عن أحد منهم أن الله تعالى لا تراه العيون في ~~الآخرة، فلما كانوا على هذا مجتمعين، وبه قائلين، وإن كانوا في رؤيته تعالى ~~في الدنيا مختلفين، ثبتت في الآخرة إجماعا، وإن كانت في الدنيا مختلفا ~~فيها. # ونحن إنما قصدنا إلى إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، على أن هذه ~~الرواية على المعتزلة لا لهم؛ لأنهم ينكرون أن الله نور في الحقيقة. # فإذا احتجوا بخبر هم له تاركون وعنه منحرفون، كانوا محجوجين. # دليل آخر: # ومما يدل على رؤية الله تعالى بالأبصار؛ أنه ليس موجود إلا وجائز أن ~~بريناه الله عز وجل، وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم، فلما # PageV01P051 # كان الله عز وجل موجودا مثبتا، كان غير مستحيل أن يرينا نفسه عز وجل، ~~وإنما أراد من نفى رؤية الله عز وجل بالأبصار التعطيل، فلما لم يمكنهم أن ~~يظهروا التعطيل صراحا أظهروا ما ms15 يؤول بهم إلى التعطيل والجحود، تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا. # دليل آخر: # ومما يدل على رؤية الله سبحانه بالأبصار أن الله تعالى يرى الأشياء، وإذا ~~كان للأشياء رائيا فلا يرى الأشياء من لا يرى نفسه، وإذا كان لنفسه رائيا ~~فجائز أن يرينا نفسه، وذلك أن من لم يعلم نفسه لا يعلم الأشياء، فلما كان ~~الله تعالى عالما بالأشياء كان عالما بنفسه، فكذلك من لا يرى نفسه لا يرى ~~الأشياء، ولما كان الله عز وجل رائيا للأشياء كان رائيا لنفسه، وإذا كان ~~رائيا لها فجائز أن يرينا نفسه، كما أنه لما كان عالما بنفسه جاز أن ~~يعلمناها، وقد قال تعالى: (إنني معكما أسمع وأرى) من الآية (46 /20) ، ~~فأخبر أنه يسمع كلا منهما ويراهما، ومن زعم أن الله عز وجل لا يجوز أن يرى ~~بالأبصار يلزمه أن لا يجوز أن يكون الله عز وجل رائيا ولا عالما ولا قادرا؛ ~~لأن العالم والقادر الرائي جائز أن يرى. ### | مسألة: # فإن قال قائل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ترون ربكم) يعني تعلمون ~~ربكم اضطرارا. # قيل له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه هذا على سبيل البشارة، ~~فقال: (فكيف بكم إذا رأيتم الله سبحانه) ، ولا يجوز أن يبشرهم بأمر يشركهم ~~فيه مع الكفار، على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # PageV01P053 # : (ترون ربكم) وليس يعني رؤية دون رؤية، بل ذلك عام في رؤية العين ورؤية ~~القلب. # دليل آخر: # إن المسلمين اتفقوا على أن الجنة فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا ~~خطر على قلب بشر من العيش السليم، والنعيم المقيم، وليس نعيم في الجنة أفضل ~~من رؤية الله تعالى بالأبصار. # وأكثر من عبد الله تعالى عبده للنظر إلى وجهه الكريم - أرانا الله إياه ~~بفضله - فإذا لم يكن بعد رؤية الله عز وجل أفضل من رؤية نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، وكانت رؤية نبي الله أفضل لذات الجنة كانت رؤية الله عز وجل أفضل من ~~رؤية نبيه صلى الله عليه وسلم. # وإذا ms16 كان ذلك كذلك لم يحرم الله أنبياءه المرسلين، وملائكته # PageV01P054 # المقربين، وجماعة المؤمنين، والصديقين النظر إلى وجهه الكريم، وذلك أن ~~الرؤية لا تؤثر في المرئي؛ لأن رؤية الرائي تقوم به، فإذا كان هذا هكذا، ~~وكانت الرؤية غير مؤثرة في المرئي لم توجب تشبيها ولا انقلابا عن حقيقة، ~~ولم يستحل على الله عز وجل أن يري عباده المؤمنين نفسه في جنانه. ### | ### | مسألة # في الرؤية: # احتجت المعتزلة في أن الله عز وجل لا يرى بالأبصار بقوله تعالى: (لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) من الآية (103 /6) ، قالوا: فلما عطف الله ~~عز وجل بقوله: (وهو يدرك الأبصار) على قوله (لا تدركه الأبصار) ، وكان ~~قوله: (وهو يدرك الأبصار) على العموم أنه يدركها في الدنيا والآخرة، وأنه ~~يراها في الدنيا والآخرة، كان قوله # PageV01P055 # : (لا تدركه الأبصار) دليلا على أنه لا تراه الأبصار في الدنيا والآخرة، ~~وكان في العموم كقوله: (وهو يدرك الأبصار) ؛ لأن أحد الكلامين معطوف على ~~الآخر. # قيل لهم: فيجب إذا كان عموم القولين واحدا، وكانت الأبصار أبصار العيون ~~وأبصار القلوب؛ لأن الله تعالى قال: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور) (46 /22) ، وقال: (أولي الأيدي والأبصار) (45 /38) ~~أي فهي بالأبصار، فأراد أبصار القلوب وهي التي يفضل بها المؤمنون الكافرين، ~~ويقول أهل اللغة: فلان بصير بصناعته، يريدون بصر العلم، ويقولون: قد أبصرته ~~بقلبي، كما يقولون قد أبصرته بعيني، فإذا كان البصر بصر العين # PageV01P056 # وبصر القلب ثم أوجبوا علينا أن يكون قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) في ~~العموم كقوله: (وهو يدرك الأبصار) ؛ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر، وجب ~~عليهم بحجتهم أن الله تعالى لا يدرك بأبصار العيون ولا بأبصار القلوب؛ لأن ~~قوله: (لا تدركه الأبصار) في العموم كقوله: (وهو يدرك الأبصار) وإذا لم يكن ~~عندهم هكذا فقد وجب أن يكون قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) أخص من قوله: ~~(وهو يدرك الأبصار) وانتقض احتجاجهم. # وقيل لهم: إنكم زعمتم أنه لو كان قوله: (لا تدركه الأبصار) خاصا في وقت ~~دون وقت لكان قوله: (وهو ms17 يدرك الأبصار) خاصا في وقت دون وقت # PageV01P057 # ، وكان قوله: (ليس كمثله شيء) من الآية (11 /42) ، وقوله: (لا تأخذه سنة ~~ولا نوم) من الآية (255 /2) ، وقوله: (لا يظلم الناس شيئا) من الآية (44 ~~/10) في وقت دون وقت، فإن جعلتم قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) من الآية ~~(103 /6) خاصا رجع احتجاجكم عليكم، وقيل لكم: إذا كان قوله: (لا تدركه ~~الأبصار) خاصا ولم يجب خصوص هذه الآيات فلم أنكرتم أن يكون قوله عز وجل: ~~(لا تدركه الأبصار) إنما أراد في الدنيا دون الآخرة؟ وكما أن قوله: (لا ~~تدركه الأبصار) أراد بعض الأبصار دون بعض، ولا يوجب ذلك تخصيص هذه الآيات ~~التي عارضتمونا بها. # PageV01P058 # فإن قالوا: قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) يوجب أن لا يدرك بها في ~~الدنيا والآخرة، وليس ينفي ذلك أن نراه بقلوبنا، ونبصره بها، ولا ندركه ~~بها. # قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون لا تدركه بإبصار العيون لا يوجب إذا لم ~~ندركه بها أن لا نراه، فرؤيتنا له بالعيون وإبصارنا له بها ليس بإدراك له ~~بها، كما أن إبصارنا له بالقلوب ورؤيتنا له بها ليس بإدراك له بها. # فإن قالوا: رؤية البصر هي إدراك البصر. # قيل لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: إن رؤية القلب وإبصاره هو إدراكه ~~وإحاطته، فإذا كان علم القلب بالله عز وجل وإبصار القلب له رؤيته إياه ليس ~~بإحاطة ولا إدراك فما أنكرتم أن يكون رؤية العيون وإبصارها لله عز وجل ليس ~~بإحاطة ولا إدراك. ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: إذا كان قول الله سبحانه: (لا تدركه الأبصار) في العموم # PageV01P059 # كقوله: (وهو يدرك الأبصار) ؛ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر، فخبرونا ~~أليس الأبصار والعيون لا تدركه رؤية ولا لمسا ولا ذوقا ولا على وجه من ~~الوجوه؟ # فمن قولهم: نعم، فيقال لهم: أخبرونا عن قوله تعالى: (وهو يدرك الأبصار) # أتزعمون أنه يدركها لمسا وذوقا بأن يلمسها؟ فمن قولهم: لا. # فيقال لهم: فقد انتقض قولكم: إن قوله: (وهو يدرك الأبصار) في العموم ~~كقوله: (لا تدركه الأبصار) . ### | ### | مسألة: # # إذا ms18 قال قائل منهم: إن البصر في الحقيقة هو بصر العين لا بصر القلب. قيل ~~له: # PageV01P060 # ولم زعمت هذا وقد سمى أهل اللغة بصر القلب بصرا، كما سموا بصر العين ~~بصرا، وإن جاز لك ما قلته جاز لغيركم أن يزعم أن البصر في الحقيقة هو بصر ~~القلب دون العين، وإذا لم نجز هذا فقد وجب أن البصر بصر العين وبصر القلب. ### | مسألة: # ويقال لهم: حدثونا عن قول الله عز وجل: (وهو يدرك الأبصار) ما معناه؟ # فإن قالوا: معنى (يدرك الأبصار) أنه يعلمها. # قيل لهم: وإذا كان أحد الكلامين معطوفا على الآخر، وكان قوله تعالى: (وهو ~~يدرك الأبصار) معناه يعلمها، فقد وجب أن يكون قوله تعالى: (لا تدركه ~~الأبصار) لا تعلمه، وهذا نفي للعلم لا لرؤية الأبصار. # فإن قالوا: معنى قوله تعالى: (وهو يدرك الأبصار) أنه يراها رؤية ليس ~~معناها العلم. قيل لهم # PageV01P061 # : فالأبصار التي في العيون يجوز أن ترى؟ # فإن قالوا: نعم، نقضوا قولهم: إنا لا نرى بالبصر إلا من جنس ما نرى ~~الساعة، فإن جاز أن يرى الله وكل ما ليس من جنس المرئيات وهو الإبصار الذي ~~في العين، فلم لا يجوز أن يرى نفسه وإن لم يكن من جنس المرئيات؟ ولم لا ~~يجوز أن يرينا نفسه وإن لم يكن من جنس المرئيات؟ # ويقال لهم: حدثونا إذا رأينا شيئا فبصرنا يراه أو إنما يراه الرائي دون ~~البصر؟ # فمن قولهم: إنه محال أن يرى البصر الذي في العين. # فيقال لهم: الآية تنفي أن تراه الأبصار، ولا تنفي أن يراه المبصرون. # وإنما قال الله: (لا تدركه الأبصار) فهذا يدل على أن المبصرين لا يرونه ~~على ظاهر الآية الشريفة. # PageV01P062 ### | الباب الثاني الكلام في أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق # إن سأل سائل عن الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. # قيل له الدليل على ذلك قوله تعالى: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض ~~بأمره) من الآية (25 /30) وأمر الله كلامه، فلما أمرهما بالقيام فقامتا لا ~~يهويان؟ كان قيامهما بأمره. # وقال عز ms19 وجل: (ألا له الخلق والأمر) من الآية (54 /7) ، فالخلق جميع ما ~~خلق داخل فيه؛ لأن الكلام إذا كان لفظه عاما فحقيقته أنه عام، ولا يجوز لنا ~~أن نزيل الكلام عن حقيقته بغير حجة ولا برهان، فلما قال # PageV01P063 # : (ألا له الخلق) كان هذا في جميع الخلق، ولما قال: (والأمر) ذكر أمرا ~~غير جميع الخلق، فدل ما وصفنا على أن أمر الله غير مخلوق. # فإن قال قائل: أليس قد قال الله تعالى في كتابه: (من كان عدوا لله ~~وملائكته ورسله وجبريل) من الآية (98 /2) . # قيل له: نحن نخص القرآن بالإجماع وبالدليل، فلما ذكر الله عز وجل نفسه ~~وملائكته ولم يدخل في ذكر الملائكة جبريل وميكائيل وإن كانا من الملائكة، ~~ثم ذكرهما بعد ذلك كأنه قال: الملائكة إلا جبريل وميكائيل، ثم ذكرهم بعد ~~ذكر الملائكة فقال: وجبريل وميكائيل. # ولما قال: (ألا له الخلق والأمر) من الآية (54 /7) ، ولم يخص قوله الخلق ~~دليل، كان قوله ألا له الخلق في جميع # PageV01P064 # الخلق، ثم قال بعد ذكره الخلق " والأمر " فأبان الأمر من الخلق، وأمر ~~الله كلامه، وهذا يوجب أن كلام الله غير مخلوق. # وقال سبحانه: (لله الأمر من قبل ومن بعد) من الآية (4 /30) يعني من قبل ~~أن يخلق الخلق ومن بعد ذلك، وهذا يوجب أن الأمر غير مخلوق. # دليل آخر: # ومما يدل من كتاب الله على أن كلامه غير مخلوق؛ قوله سبحانه: (إنما قولنا ~~لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (40 /16) فلو كان القرآن مخلوقا لوجب ~~أن يكون مقولا له: (كن فيكون) . # ولو كان الله عز وجل قائلا للقول: " كن " لكان للقول قولا، وهذا يوجب أحد ~~أمرين: # إما أن يؤول الأمر إلى أن قوله تعالى غير مخلوق. # أو يكون كل قول واقع بقول لا إلى غاية، وذلك محال، وإذا استحال ذلك صح ~~وثبت أن لله عز وجل قولا غير مخلوق. # PageV01P065 # سؤال: # فإن قال قائل: معنى قول الله: (أن يقول له كن فيكون) إنما يكون فيكون. # قيل: الظاهر أن يقول له، ولا يجوز أن ms20 يكون قول الله للأشياء كلها كوني هو ~~الأشياء؛ لأن هذا يوجب أن تكون الأشياء كلها كلاما لله عز وجل، ومن قال ذلك ~~أعظم الفرية؛ لأنه يلزمه أن يكون كل شيء في العالم من إنسان وفرس وحمار ~~وغير ذلك كلام الله، وفي هذا ما فيه. # فلما استحال ذلك؛ صح أن قول الله للأشياء كوني غيرها، وإذا كان غير ~~المخلوقات فقد خرج كلام الله عز وجل عن أن يكون مخلوقا، ويلزم من يثبت كلام ~~الله مخلوقا أن يثبت الله غير متكلم ولا قائل، وذلك فاسد، كما يفسد أن يكون ~~علم الله مخلوقا، وأن يكون الله غير عالم. # فلما كان الله عز وجل لم يزل عالما؛ إذ لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف ~~العلم موصوفا، استحال أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفا؛ لأن خلاف الكلام ~~الذي لا يكون معه كلام سكوت أو آفة، كما أن خلاف العلم الذي لا يكون معه ~~علم جهل أو شك أو آفة، ويستحيل أن يوصف ربنا # PageV01P066 # جل وعلا بخلاف العلم. # وكذلك يستحيل أن يوصف بخلاف الكلام من السكوت والآفات، فوجب لذلك أن يكون ~~لم يزل متكلما، كما وجب أن يكون لم يزل عالما. # دليل آخر: # وقال الله تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن ~~تنفد كلمات ربي) من الآية (109 /18) ، فلو كانت البحار مدادا للكتبة لنفدت ~~البحار وتكسرت الأقلام ولم يلحق الفناء كلمات ربي، كما لا يلحق الفناء علم ~~الله تعالى، ومن فني كلامه لحقته الآفات وجرى عليه السكوت، فلما لم يجز ذلك ~~على ربنا سبحانه صح أنه لم يزل متكلما؛ لأنه لو لم يكن متكلما وجب السكوت ~~والآفات، تعالى ربنا عن قول الجهمية علوا كبيرا. # PageV01P067 ### | فصل # وزعمت الجهمية - كما زعمت النصارى - أن كلمة الله تعالى حواها بطن مريم ~~رضي الله عنها، وزادت الجهمية عليهم فزعمت أن كلام الله مخلوق حل في شجرة، ~~وكانت الشجرة حاوية له؛ فلزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمة، ووجب ~~عليهم أن مخلوقا من المخلوقين كلم ms21 موسى صلى الله عليه وسلم، وأن الشجرة ~~قالت: يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني. # فلو كان كلام الله مخلوقا في شجرة لكان المخلوق قال: يا موسى إنني أنا ~~الله لا إله إلا أنا فاعبدني، وقد قال تعالى: (ولكن حق القول مني لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس # PageV01P068 # أجمعين) (13 /32) وكلام الله من الله تعالى، فلا يجوز أن يكون كلامه الذي ~~هو منه مخلوقا في شجرة مخلوقة، كما لا يجوز أن يكون علمه الذي هو منه ~~مخلوقا في غيره، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ### | مسألة: # ويقال لهم: كما لا يجوز أن يخلق الله إرادته في بعض المخلوقات، كذلك لا ~~يجوز أن يخلق كلامه في بعض المخلوقات، ولو كانت إرادة الله مخلوقة في بعض ~~المخلوقات لكان ذلك المخلوق هو المريد بها، وذلك يستحيل، وكذلك يستحيل أن ~~يخلق الله كلامه في مخلوق؛ لأن هذا يوجب أن ذلك المخلوق متكلم به، ويستحيل ~~أن يكون كلام الله كلاما للمخلوق. # دليل آخر: # ومما يبطل قولهم إن الله قال مخبرا عن المشركين أنهم قالوا: (إن هذا إلا ~~قول البشر) (25 /74) يعني القرآن # PageV01P069 # فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولا للبشر، وهذا ما أنكره الله على ~~المشركين. # وأيضا فلو لم يكن الله متكلما حتى خلق الخلق ثم تكلم بعد ذلك لكانت ~~الأشياء قد كانت لا عن أمره ولا عن قوله، ولم يكن قائلا لها كوني. # وهذا رد للقرآن، والخروج عما عليه جمهور أهل الإسلام. # PageV01P070 ### | فصل # واعلموا - رحمكم الله - أن قول الجهمية: " إن كلام الله مخلوق "، يلزمهم ~~به أن يكون الله تعالى لم يزل كالأصنام التي لا تنطق ولا تتكلم، لو كان لم ~~يزل غير متكلم؛ لأن الله تعالى يخبر عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه ~~قال لقومه لما قالوا له: (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم) من الآية (62 ~~/21) (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) (63 /21) ، فاحتج ~~عليهم بأن الأصنام إذا لم تكن ناطقة متكلمة لم تكن آلهة، وأن الإله ms22 لا يكون ~~غير ناطق ولا متكلم، فلما كانت الأصنام التي لا يستحيل أن يحييها الله ~~وينطقها لا تكون آلهة فكيف يجوز أن يكون من يستحيل عليه الكلام في قدمه ~~إلها؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # PageV01P071 # وإذا لم يجز أن يكون الله سبحانه وتعالى في قدمه بمرتبة دون مرتبة ~~الأصنام التي لا تنطق؛ فقد وجب أن يكون الله لم يزل متكلما. # دليل آخر: # وقد قال الله تعالى مخبرا عن نفسه أنه يقول: (لمن الملك اليوم) من الآية ~~(16 /40) وجاءت الرواية أنه يقول هذا القول ولا يرد عليه أحد شيئا، فيقول: ~~(لله الواحد القهار) من الآية (16 /40) ، فإذا كان الله قائلا مع فناء ~~الأشياء؛ إذ لا إنسان ولا ملك ولا حي ولا جان ولا شجر ولا مدر، فقد صح أن ~~كلام الله خارج عن الخلق؛ لأنه يوجد ولا شيء من المخلوقات موجود. # دليل آخر: # وقد قال الله تعالى: (وكلم الله موسى تكليما) (164 /40) ، والتكليم هو ~~المشافهة بالكلام، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالا في غيره، مخلوقا في ~~شيء سواه، كما لا يجوز ذلك في العلم. # PageV01P072 # دليل آخر: # وقال الله تعالى: (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له ~~كفوا أحد) سورة الإخلاص ورقمها (112) ، فكيف يكون القرآن مخلوقا وأسماء ~~الله في القرآن؟ هذا يوجب أن تكون أسماء الله مخلوقة، ولو كانت أسماؤه ~~مخلوقة لكانت وحدانيته مخلوقة، وكذلك علمه وقدرته. تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا. # دليل آخر: # وقد قال الله تعالى: (تبارك اسم ربك) من الآية (78 /55) ولا يقال لمخلوق ~~" تبارك " فدل هذا على أن أسماء الله غير مخلوقة، وقال: (ويبقى وجه ربك) من ~~الآية (27 /55) # PageV01P073 # فكما لا يجوز أن يكون وجه ربنا مخلوقا، فكذلك لا يجوز أن تكون أسماؤه ~~مخلوقة. # دليل آخر: # وقد قال الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ~~قائما بالقسط) من الآية (18 /3) ولا بد أن يكون شهد بهذه الشهادة، وسمعها ~~من نفسه؛ لأنه إن كان سمعها ms23 من مخلوق فليست شهادة له، وإذا كانت شهادة له ~~وقد شهد بها فلا يخلو أن يكون شهد بها قبل كون المخلوقات؛ أو بعد كون ~~المخلوقات. # فإن كان شهد بها بعد كون المخلوقات؛ فلم يسبق شهادته لنفسه بآلهية الخلق، ~~وكيف يكون ذلك كذلك؟ وهذا يوجب أن التوحيد لم يكن يشهد به شاهد قبل الخلق، ~~ولو استحالت الشهادة بالوحدانية قبل كون الخلق لاستحال إثبات التوحيد ~~ووجوده، وأن يكون واحدا قبل الخلق؛ لأن ما يستحيل الشهادة عليه فمستحيل. # وإن كانت شهادته لنفسه قبل الخلق بالتوحيد فقد بطل أن يكون كلام الله ~~تعالى مخلوقا؛ لأن كلام الله شهادته. # PageV01P074 # دليل آخر: # ومما يدل عليه بطلان قول الجهمية، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق: أن ~~أسماء الله من القرآن، وقد قال الله سبحانه: (سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق ~~فسوى) (1 - 2 /87) ولا يجوز أن يكون (اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى) ~~مخلوقا، كما لا يجوز أن يكون (جد ربنا) من الآية (3 /72) مخلوقا، قال الله ~~تعالى في سورة الجن: (وإنه تعالى جد ربنا) من الآية (3 /72) ، وكما لا يجوز ~~أن تكون عظمته مخلوقة كذلك لا يجوز أن يكون كلامه مخلوقا. # دليل آخر: # وقد قال الله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) من الآية (51 /42) فلو كان كلام ~~الله لا يوجد إلا مخلوقا في شيء مخلوق؛ لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنى؛ ~~لأن الكلام قد سمعه جميع الخلق ووجدوه - بزعم الجهمية - مخلوقا في غير الله # PageV01P075 # تعالى، وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين. # ويجب عليهم إذا زعموا أن كلام الله لموسى خلقه في شجرة؛ أن يكون من سمع ~~كلام الله عز وجل من ملك أو من نبي أتى به من عند الله أفضل مرتبة من سماع ~~الكلام من موسى؛ لأنهم سمعوه من نبي ولم يسمعه موسى من الله عز وجل، وإنما ~~سمعه من شجرة، وأن يزعموا أن اليهودي إذا سمع ms24 كلام الله من النبي عليه ~~الصلاة والسلام أفضل مرتبة في هذا المعنى من موسى صلى الله عليه وسلم؛ لأن ~~اليهودي سمعه من نبي من أنبياء الله، وموسى سمعه مخلوقا في شجرة، ولو كان ~~مخلوقا في شجرة لم يكن مكلما لموسى من وراء حجاب؛ لأن من حضر الشجرة من ~~الجن والإنس قد سمعوا الكلام من ذلك المكان، وكان سبيل موسى وغيره في ذلك ~~سواء في أنه ليس كلام الله له من وراء حجاب. ### | ### | مسألة: # # ثم يقال لهم: إذا زعمتم أن معنى أن الله عز وجل كلم موسى أنه خلق # PageV01P076 # كلاما كلمه به في الشجرة وقد خلق الله عندكم في الذراع كلاما؛ لأن الذراع ~~قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا تأكلني فإني مسمومة، فيلزمكم أن ذلك ~~الكلام الذي سمعه النبي صلى الله عليه وسلم كلام الله تعالى، فإن استحال أن ~~يكون الله تكلم بذلك الكلام المخلوق فما أنكرتم من أنه يستحيل أن يخلق الله ~~عز وجل كلامه في شجرة؛ لأن الكلام المخلوق لا يكون كلاما لله، فإن كان كلام ~~الله وكان معنى أن الله تكلم عندكم أنه خلق الكلام؛ فيلزمكم أن يكون الله ~~متكلما بالكلام الذي خلقه في الذراع، فإن أجابوا إلى ذلك؛ قيل لهم: فالله ~~تعالى على قولكم هو القائل لا تأكلني فإني مسمومة. تعالى الله عن قولكم ~~وافترائكم عليه علوا كبيرا. # وإن قالوا: لا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في ذراع # PageV01P077 # قيل لهم: وكذلك لا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في شجرة. ### | ### | ### | مسألة: # # ثم يسألون عن الكلام الذي أنطق الله تعالى به الذئب لما أخبر عن نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # فيقال لهم: إذا كان الله عز وجل يتكلم بكلام خلقه في غيره، فما أنكرتم أن ~~يكون الكلام الذي سمعه من الذئب كلاما لله، ويكون إعجازه يدل على أنه كلام ~~الله، وفي هذا ما يجب عليهم أن الذئب لم يتكلم به، وأنه كلام الله تعالى؛ ~~لأن كون الكلام من الذئب معجز، كما أن ms25 كونه من الشجرة معجز، فإن كان الذئب ~~متكلما بذلك الكلام المنقول فما أنكرتم أن الشجرة متكلمة بالكلام إن كان ~~خلق في الشجرة، وأن يكون المخلوق فيه قال: (يا موسى إني أنا الله) . تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا. # مسألة: # ثم يقال لهم: إذا كان كلام الله عز وجل مخلوقا في غيره عندكم # PageV01P078 # فما يؤمنكم أن يكون كل كلام تسمعونه مخلوقا في شيء، وهو حق أن يكون كلاما ~~لله سبحانه؟ # فإن قالوا: لا تكون الشجرة متكلمة؛ لأن المتكلم لا يكون إلا حيا. # قيل لهم: ولا يجوز خلق الكلام في شجرة؛ لأن من خلق الكلام فيه لا يكون ~~إلا حيا، فإن جاز أن يخلق الكلام فيما ليس بحي فلم لا يجوز أن يتكلم من ليس ~~بحي. ويقال لهم: لم لا قلتم إنه يقول من ليس بحي، لأن الله عز وجل أخبر أن ~~السماوات والأرض: (قالتا أتينا طائعين) من الآية (11 /41) . ### | ### | مسألة: # # ثم يقال لهم: أليس قد قال الله عز وجل لإبليس: (وإن عليك لعنتي إلى يوم ~~الدين) (78 /38) ؟ فلا بد من نعم. # قيل لهم: فإذا كان كلام الله مخلوقا وكانت المخلوقات فانيات؛ فيلزمكم إذا ~~أفنى الله عز وجل الأشياء أن تكون اللعنة على إبليس # PageV01P079 # قد فنيت، فيكون إبليس غير ملعون، وهذا ترك دين المسلمين، ورد لقوله ~~تعالى: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) (78 /38) ، وإذا كانت اللعنة باقية ~~على إبليس إلى يوم الدين؛ وهو يوم الجزاء، وهو يوم القيامة؛ لأن الله تعالى ~~قال (مالك يوم الدين) (4 /1) يعني يوم الجزاء، ثم هي أبدا في النار واللعنة ~~كلام الله وهو قوله (عليك لعنتي) فقد وجب أن يكون الله عز وجل لا يجوز عليه ~~الفناء، وأنه غير مخلوق؛ لأن المخلوقات يجوز عليها العدم، فإذا لم يجز ذلك ~~على كلام الله عز وجل فهو غير مخلوق. ### | ### | مسألة: # # ثم يقال لهم: إذا كان غضب الله غير مخلوق، وكذلك رضاه وسخطه، فلم لا قلتم ~~إن كلامه غير مخلوق؟ ومن زعم أن غضب الله # PageV01P080 # مخلوق لزمه ms26 أن غضب الله وسخطه على الكافرين يفنى، وأن رضاه عن الملائكة ~~والنبيين يفنى، حتى لا يكون راضيا عن أوليائه ولا ساخطا عن أعدائه، وهذا هو ~~الخروج عن الإسلام. ### | مسألة: # ويقال: خبرونا عن قول الله تعالى: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون) (40 /16) # أتزعمون أن قوله للشيء " كن " مخلوق مرادا لله؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: ~~فما أنكرتم أن يكون كلام الله الذي هو القرآن غير مخلوق، كما زعمتم أن قول ~~الله للشيء " كن " غير مخلوق. # وإن زعموا أن قول الله للشيء " كن " مخلوق. # قيل لهم: فإذا زعمتم أنه مخلوق مراد فقد قال الله عز وجل # PageV01P081 # : (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (40 /16) ؛ فيلزمكم ~~أن قوله تعالى للشيء (كن) قد قال له: (كن) . # وفي هذا ما يجب أحد أمرين: # إما أن يكون قول الله لغيره كن غير مخلوق، أو يكون لكل قول لا إلى غاية ~~وذلك محال. # فإن قالوا: إن لله قولا غير مخلوق. # قيل لهم: فما أنكرتم أن تكون إرادة الله للإيمان غير مخلوقة. # ثم يقال لهم ما العلة التي إنما قلتم إن قول الله للشيء (كن) غير مخلوق. # فإن قالوا: لأن القول لا يقال له (كن) فيقال لهم القرآن غير مخلوق؛ لأنه ~~قول الله، والله لا يقول لقوله (كن) . ### | ### | مسألة # على الجهمية: # ويقال لهم: أليس لم يزل الله عالما بأوليائه وأعدائه # PageV01P082 # فلا بد من نعم. # قيل لهم: فهل تقولون إنه لم يزل مريدا للتفرقة بين أوليائه وأعدائه؟ # فإن قالوا نعم، قيل لهم: فإذا كانت إرادة الله لم تزل فهي غير مخلوقة، ~~وإذا كانت إرادته غير مخلوقة فلم لا قلتم إن كلامه غير مخلوق؟ # فإن قالوا: لا نقول لم يزل مريدا للتفرقة بين أوليائه وأعدائه، زعموا أن ~~الله لا يريد التفرقة بين أوليائه وأعدائه، ونسبوه سبحانه إلى النقص. تعالى ~~عن قول القدرية علوا كبيرا. ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: إن الشيء المخلوق إما أن يكون بدنا من الأبدان، شخصا من ~~الأشخاص؛ أو يكون ms27 نعتا من نعوت الأشخاص. # فلا يجوز أن يكون كلام الله شخصا؛ لأن الأشخاص يجوز عليها الأكل والشرب ~~والنكاح، ولا يجوز ذلك على كلام الله تعالى. # ولا يجوز أن يكون كلام الله نعتا لشخص مخلوق؛ لأن النعوت لا تبقى طرفة ~~عين؛ لأنها لا تحتمل البقاء، وهذا يوجب أن يكون كلام الله قد فني ومضى. # PageV01P083 # فلما لم يجز أن يكون شخصا ولا نعتا لشخص لم يجز أن يكون مخلوقا، على أن ~~الأشخاص يجوز أن تموت. # فمن يثبت كلام الله شخصا مخلوقا لزمه أن يجوز الموت على كلام الله عز ~~وجل، وذلك ما لا يجوز. # وأيضا فلا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في شخص مخلوق، كما لا يجوز أن ~~يكون نعتا لشخص مخلوق، ولو كان مخلوقا في شخص، وكلام الإنسان مفعولا فيه، ~~كما لا يمكن التفريق بين كلام الله وكلام الخلق إذا كانا مخلوقين في شخص ~~مخلوق، كما لا يجوز أن يكون علمه مخلوقا في شخص مخلوق. ### | مسألة: # ويقال لهم أيضا: لو كان كلام الله مخلوقا لكان جسما أو نعتا لجسم، ولو ~~كان جسما لجاز أن يكون متكلما، والله قادر على قلبهما، وفي هذا ما يلزمهم، ~~ويجب عليهم أن يجوزوا أن يقلب الله القرآن إنسانا أو جنيا # PageV01P084 # أو شيطانا. تعالى الله عز وجل أن يكون كلامه كذلك. # ولو كان نعتا لجسم كالنعوت؛ فالله قادر على أن يجعلها أجساما، لكان يجد ~~على الجهمية أن يجوزوا أن يجعل الله القرآن جسما متجسدا، يأكل ويشرب، وأن ~~يجعله إنسانا ويميته، وهذا ما لا يجوز على كلام الله، تعالى عن ذلك. # PageV01P086 ### | الباب الثالث في ذكر الرواية في القرآن # قال أبو بكر: أتيت أنا والعباس بن عبد العظيم العنبري أبا عبد الله أحمد ~~بن حنبل، فسأل العباس أبا عبد الله - رحمه الله، ورضي عنه - فقال له: قوم ~~ههنا قد حدثوا يقولون: القرآن لا مخلوق ولا غير مخلوق. # فقال: هؤلاء أضر من الجهمية على الناس، ويلكم فإن لم تقولوا ليس بمخلوق ~~فقولوا مخلوق. # قال أبو عبد الله: هؤلاء قوم ms28 سوء. # فقال العباس: ما تقول يا أبا عبد الله؟ # فقال: الذي أعتقد وأذهب إليه ولا أشك فيه أن القرآن غير مخلوق. # PageV01P087 # ثم قال: سبحان الله ومن يشك في هذا؟ ! # ثم تكلم أبو عبد الله مستعظما للشك في ذلك، فقال: سبحان الله أفي هذا شك؟ ~~! قال الله تبارك وتعالى: (ألا له الخلق والأمر) من الآية (54 /7) وقال: ~~(الرحمن علم القرآن خلق الإنسان) (1 - 3 /55) ففرق بين الإنسان وبين ~~القرآن، فقال: " علم " " خلق " فجعل يعيدها " علم " " خلق " أي فرق بينهما. # قال أبو عبد الله: والقرآن علم الله، ألا تراه يقول: (علم القرآن) ~~والقرآن فيه أسماء الله عز وجل، أي شيء يقولون؟ ألا يقولون: إن أسماء الله ~~غير مخلوقة، لم يزل الله قديرا عليما عزيزا حكيما سميعا بصيرا، لسنا نشك أن ~~أسماء الله عز وجل غير مخلوقة، لسنا نشك أن علم الله عز وجل غير مخلوق، ~~فالقرآن من علم الله وفيه أسماء الله، فلا نشك أنه غير مخلوق، وهو كلام ~~الله عز وجل، ولم يزل به متكلما، ثم # PageV01P088 # قال: وأي كفر من هذا؟ وأي كفر أشر من هذا؟ # إذا زعموا أن القرآن مخلوق فقد زعموا أن أسماء الله مخلوقة، وأن علم الله ~~مخلوق، ولكن الناس يتهاونون بهذا ويقولون، إنما يقولون القرآن مخلوق ~~ويتهاونون به ويظنون أنه هين، ولا يدرون ما فيه وهو الكفر، وأنا أكره أن ~~أبوح بهذا لكل أحد، وهم يسألون وأنا أكره الكلام في هذا، فبلغني أنهم يدعون ~~أني أمسك. # فقلت له: فمن قال القرآن مخلوق ولا يقول إن أسماء الله مخلوقة ولا علمه ~~لم يزد على هذا، أقول: هو كافر؟ # فقال: هكذا هو عندنا. # ثم قال أبو عبد الله: نحن نحتاج أن نشك في هذا القرآن عندنا فيه أسماء ~~الله وهو من علم الله، فمن قال: إنه مخلوق فهو عندنا كافر. # فجعلت أردد عليه، فقال لي العباس - وهو يسمع - سبحان الله أما يكفيك دون ~~هذا. # فقال أبو عبد الله: بلى. # وذكر الحسين بن عبد الأول، قال: سمعت وكيعا يقول: من ms29 قال: القرآن مخلوق ~~فهو مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. # PageV01P089 # وذكر محمد بن الصباح البزار، قال: حدثنا علي بن الحسين بن شعبان، قال: ~~سمعت ابن المبارك يقول: إنا نستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا ~~نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. # قال محمد: نقول: نخاف أن نكفر ولا نعلم. # وذكر هارون بن إسحاق الهمداني عن أبي نعيم، عن سليمان بن عيسى القاري، عن ~~سفيان الثوري رضي الله عنه قال: قال لي حماد بن أبي سليمان: أبلغ أبا حنيفة ~~المشرك أنى منه بريء؟ # قال سليمان: ثم قال سفيان؛ لأنه كان يقول القرآن مخلوق. وحاشى الإمام ~~الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه من هذا القول، بل هو زور وباطل، فإن أبا ~~حنيفة من أفضل أهل السنة. # وذكر سفيان بن وكيع قال: سمعت عمر بن حماد بن أبي سليمان قال: أخبرني أبي ~~قال: الكلام الذي استتاب فيه ابن أبي ليلى أبا حنيفة هو قوله: القرآن ~~مخلوق، قال: فتاب منه وطاف به في الخلق، قال أبى: فقلت له كيف صرت إلى هذا، ~~قال: خفت والله أن يقدم علي فأعطيته التقية. # PageV01P090 # وذكر هارون بن إسحاق قال: سمعت إسماعيل بن أبي الحكم يذكر عن عمر بن عبيد ~~الطنافسي إن حماد - يعني ابن أبي سليمان - بعث إلى أبي حنيفة: أني بريء مما ~~تقول، إلا أن تتوب، وكان عنده ابن أبي عقبة، قال: فقال: أخبرني جارك أن أبا ~~حنيفة دعاه إلى ما استتيب منه بعد ما استتيب. # وهذا كذب محض على أبي حنيفة رضي الله عنه. # وذكر عن أبي يوسف قال: ناظرت أبا حنيفة رضي الله عنه شهرين حتى رجع عن ~~خلق القرآن. # وقال سليمان بن حرب: القرآن غير مخلوق، وأخذته من كتاب الله تعالى، قال ~~الله تعالى: (لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم) من الآية (77 /3) ، وكلام ~~الله ونظره واحد، يعني غير مخلوق. # وذكر الحسين بن عبد الأول، قال: حدثنا محمد بن الحسن ابن أبي يزيد ~~الهمذاني عن عمرو بن قيس، عن أبي قيس المديني، عن عطية، عن ms30 أبي سعيد الخدري ~~قال: قال # PageV01P091 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فضل كلام الله عز وجل على سائر الكلام ~~كفضل الله على خلقه) ، فهذا يثبت أن القرآن كلام الله عز وجل، وما كان ~~كلاما لله عز وجل لم يكن خلقا لله، وقد بين الله أن القرآن كلامه بقوله عز ~~وجل: (حتى يسمع كلام الله) من الآية (6 /9) ، ودل على ذلك في مواضع من ~~كتابه العزيز، وقد قال الله تعالى مخبرا أن الله كلم موسى تكليما. # وروى وكيع عن الأعمش عن خيثمة، عن عدى بن حاتم، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) # ومما يدل أن الله عز وجل متكلم، وأن له كلاما ما رواه # PageV01P092 # عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة عن الأشعب الحداني عن شهر ين حوشب قال: (فضل ~~كلام الله عز وجل على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) # وروى يعلى بن المنهال السعدي، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، قال: ~~ثنا الجراح بن الضحاك الكندي، عن علقمة بن مرثل، عن أبي عبد الرحمن السلمي، ~~عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه) ، وقال: (إن فضل القرآن على سائر الكلام ~~كفضل الله على خلقه) ، # PageV01P093 # وذلك أنه منه. # وروى سعيد بن داود، قال: حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة قوله تعالى: ~~(ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله) الآية، من الآية (27 /31) . # وذكر هارون بن معروف قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن أساف، عن ~~فروة بن نوفل وقال: كنت جارا لخباب بن الأرت، فقال لي: يا هذا تقرب إلى ~~الله عز وجل بما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه. # وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (قرآنا عربيا غير ذي ~~عوج) من الآية (28 ms31 /39) ، # PageV01P094 # قال: غير مخلوق. # وروى الليث بن يحيى، قال: حدثني إبراهيم بن أبي الأشعث، قال: سمعت مؤمل ~~ابن إسماعيل يحدث عن الثوري، قال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر. # وصحت الرواية عن جعفر بن محمد أن القرآن لا خالق ولا مخلوق. # وروي ذلك عن عمه زيد بن علي، وعن جده علي بن الحسين رضي الله عنهم ~~أجمعين. # ومن قال: إن القرآن غير مخلوق، وإن من قال بخلقه كافر من العلماء، وحملة ~~الآثار، ونقلة الأخبار، وهم لا يحصون كثرة، ومنهم: حماد، والثوري وعبد ~~العزيز بن أبي سلمة، ومالك بن أنس رضي الله عنه، والشافعي رضي الله عنه ~~وأصحابه، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، ومالك رضي الله عنهم، والليث بن سعد ~~رضي الله عنه، وسفيان بن عيينة، وهشام، وعيسى بن يونس، وجعفر # PageV01P095 # ابن غياث، وسعيد بن عامر، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو بكر بن عياش، ووكيع، ~~وأبو عاصم النبيل، ويعلى بن عبيد، ومحمد بن يوسف، وبشر ابن الفضل، وعبد ~~الله بن داود، وسلام بن أبي مطيع، وابن المبارك، وعلي بن عاصم، وأحمد بن ~~يونس، وأبو نعيم، وقبيصة بن عقبة، وسليمان بن داود، وأبو عبيد القاسم بن ~~سلام، ويزيد بن هارون، وغيرهم. # ولو تتبعنا ذكر من يقول بذلك لطال الكلام، وفيما ذكرنا من ذلك مقنع، ~~والحمد لله رب العالمين. # وقد احتججنا لصحة قولنا: إن القرآن غير مخلوق من كتاب الله عز وجل، وما ~~تضمنه من البرهان، وأوضحه من البيان، ولم نجد أحدا ممن تحمل عنه الآثار، ~~وتنقل عنه الأخبار، ويأتم به المؤتمون من أهل العلم يقول بخلق القرآن، ~~وإنما قال ذلك رعاع الناس، وجهال من جهالهم، لا موقع لهم. # والحجاج الذي قدمناه في ذلك يأتي على كثير من قولهم، ودفع باطلهم، والحمد ~~لله على قوة الحق حمدا كثيرا. # PageV01P096 ### | الباب الرابع الكلام على من توقف في القرآن وقال لا أقول إنه مخلوق ولا أنه غير مخلوق # جواب: # يقال لهم: لم زعمتم ذلك وقلتموه؟ # فإن قالوا: قلنا ذلك؛ لأن الله لم يقل في كتابه إنه ms32 مخلوق، ولا قاله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجمع المسلمون عليه، ولم يقل في كتابه إنه ~~غير مخلوق، ولا قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجمع عليه ~~المسلمون، فتوقفنا لذلك، ولم نقل إنه مخلوق، ولا إنه غير مخلوق. # PageV01P097 # يقال لهم: فهل قال الله تعالى لكم في كتابه توقفوا فيه ولا تقولوا إنه ~~غير مخلوق، وقال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم توقفوا عن أن تقولوا إنه ~~غير مخلوق، وهل أجمع المسلمون على التوقف عن القول إنه غير مخلوق؟ # فإن قالوا: نعم، فقد بهتوا. # وإن قالوا: لا، قيل لهم: فلا تقفوا عن أن تقولوا غير مخلوق بمثل الحجة ~~التي بها ألزمتم أنفسكم التوقف. # ثم يقال لهم: ولم أبيتم أن يكون في كتاب الله ما يدل على أن القرآن غير ~~مخلوق؟ فإن قالوا: لم نجده، قيل لهم: ولم زعمتم أنكم إذا لم تجدوه في ~~القرآن فليس بموجود # PageV01P098 # فيه؟ ثم إنا نوجدهم ذلك، ونتلو عليهم الآيات التي احتججنا بها في كتابنا ~~هذا، واستدللنا بها على أن القرآن غير مخلوق، كقوله تعالى: (ألا له الخلق ~~والأمر) من الآية (54 /7) ، وكقوله: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون) من الآية (40 /16) ، وكقوله: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي) من الآية (109 /18) ، وسائر ما ~~احتججنا في ذلك من آي القرآن. # ويقال لهم: يلزمكم أن تتوقفوا في كل ما اختلف الناس فيه، ولا تقدموا في ~~ذلك على قول، فإن جاز لكم أن تقولوا ببعض تأويل المسلمين إذا دل على صحتها ~~دليل فلم لا قلتم إن القرآن غير مخلوق بالحجج التي ذكرناها في كتابنا هذا ~~قبل هذا الموضع؟ # PageV01P099 ### | ### | مسألة: # # فإن قال قائل: حدثونا، أتقولون: إن كلام الله في اللوح المحفوظ. # قيل له: كذلك نقول؛ لأن الله تعالى قال: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) ~~(21 - 22 /85) ، فالقرآن في اللوح المحفوظ. # وهو في صدور الذين أوتوا العلم، قال الله تعالى: ms33 (بل هو آيات بينات في ~~صدور الذين أوتوا العلم) من الآية (49 /29) . # وهو متلو بالألسنة، قال الله تبارك وتعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) ~~(16 /75) . # والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، محفوظ في صدورنا في الحقيقة، متلو ~~بألسنتنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة، كما قال تعالى # PageV01P100 # : (فأجره حتى يسمع كلام الله) من الآية (6 /9) . ### | ### | مسألة: # # فإن قال قائل: حدثونا عن اللفظ بالقرآن كيف تقولون فيه؟ # قيل له: القرآن يقرأ في الحقيقة، ويتلى، ولا يجوز أن يقال يلفظ به؛ لأن ~~القائل لا يجوز له أن يقول إن كلام الله ملفوظ به؛ لأن العرب إذا قال ~~قائلهم لفظت باللقمة من فمي فمعناه رميت بها، وكلام الله تعالى لا يقال ~~يلفظ به، وإنما يقال يقرأ، ويتلى، ويكتب، ويحفظ. # وإنما قال قوم لفظنا بالقرآن ليثبتوا أنه مخلوق، ويزينوا بدعتهم، وقولهم ~~بخلقه، ويدلسوا كفرهم على من لم يقف على معناهم، فلما وقفنا على معناهم ~~أنكرنا قولهم، وكذا لا يجوز أن يقال إن شيئا من القرآن مخلوق؛ لأن القرآن ~~بكماله غير مخلوق. # PageV01P101 ### | ### | مسألة: # # إن قال قائل: أليس قد قال الله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ~~إلا استمعوه وهم يلعبون) من الآية (2 /21) ؟ # قيل له: الذكر الذي عناه الله عز وجل ليس هو القرآن، بل هو كلام الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ووعظه إياهم. # وقد قال الله تعالى لنبيه: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) (55 /51) ، ~~وقد قال الله تعالى: (ذكرا رسولا) نهاية آية (10) وبداية آية (11 /65) فسمى ~~الرسول ذكرا، والرسول محدث. # وأيضا فإن الله تعالى قال # PageV01P102 # : (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) من الآية (2 ~~/21) يخبر أنه لا يأتيهم ذكر محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، ولم يقل لا ~~يأتيهم ذكر إلا كان محدثا، وإذا لم يقل هذا لم يوجب أن يكون القرآن محدثا. # ولو قال قائل: ما يأتيهم رجل من التميميين يدعوهم إلى الحق إلا أعرضوا ~~عنه، لم يوجب هذا القول أنه لا يأتيهم رجل ms34 إلا كان تميميا، فكذلك الحكم ~~فيما سألونا عنه. ### | ### | مسألة: # # فإن سألونا عن قول الله تعالى: (قرآنا عربيا) من الآية (2 /12) . # قيل لهم: الله عز وجل أنزل وليس بمخلوق. # فإن قالوا: فقد قال الله تعالى # PageV01P103 # : (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) من الآية (25 /57) والحديد مخلوق. # قيل لهم: الحديد جسم موات، وليس يجب إذا كان القرآن منزلا أن يكون جسما ~~مواتا، فكذلك لا يجب إذا كان القرآن منزلا أن يكون مخلوقا، وإن كان الحديد ~~مخلوقا. ### | مسألة: # ويقال لهم: قد أمرنا الله تعالى أن نستعيذ به وهو غير مخلوق، وأمر أن ~~نستعيذ بكلمات الله التامات، وإذا لم نؤمر أن نستعيذ بمخلوق من المخلوقات، ~~وأمرنا أن نستعيذ بكلام الله، فقد وجب أن كلام الله غير مخلوق. # PageV01P104 ### | الباب الخامس ذكر الاستواء على العرش # إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ # قيل له: نقول: إن الله عز وجل يستوي على عرشه استواء يليق به من غير طول ~~استقرار، كما قال: (الرحمن على العرش استوى) (5 /20) ، وقد قال تعالى: ~~(إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) من الآية (10 /35) ، وقال ~~تعالى: (بل رفعه الله إليه) من الآية (158 /4) ، # PageV01P105 # وقال تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه) من الآية (5 ~~/32) ، وقال تعالى حاكيا عن فرعون لعنه الله: (يا هامان ابن لي صرحا لعلي ~~أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا) من ~~الآيتين (36 - 37 /40) ، كذب موسى عليه السلام في قوله: إن الله سبحانه فوق ~~السماوات. # وقال تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) من الآية (16 /67) # فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: (أأمنتم من في ~~السماء) من الآية (14 /67) ... لأنه مستو على العرش # PageV01P106 # الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات، وليس إذا ~~قال: (أأمنتم من في السماء) من الآية (16 /67) يعني جميع السماوات، وإنما ~~أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى الله تعالى ذكر السماوات، فقال ~~تعالى: (وجعل القمر فيهن ms35 نورا) من الآية (16 /7) ، ولم يرد أن القمر يملأهن ~~جميعا، وأنه فيهن جميعا، ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو ~~السماء؛ لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن ~~الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا ~~دعوا إلى الأرض 1 # PageV01P107 ### | فصل # وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قول الله تعالى: ~~(الرحمن على العرش استوى) (5 /20) أنه استولى وملك وقهر، وأن الله تعالى في ~~كل مكان، وجحدوا أن يكون الله عز وجل مستو على عرشه، كما قال أهل الحق، ~~وذهبوا في الاستواء إلى القدرة. # ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله ~~تعالى قادر على كل شيء والأرض لله سبحانه # PageV01P108 # قادر عليها، وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويا على ~~العرش بمعنى الاستيلاء، وهو تعالى مستو على الأشياء كلها لكان مستويا على ~~العرش، وعلى الأرض، وعلى السماء، وعلى الحشوش، والأقدار؛ لأنه قادر على ~~الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادرا على الأشياء كلها لم يجز عند أحد من ~~المسلمين أن يقول إن الله تعالى مستو على الحشوش والأخلية، تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام ~~في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء ~~كلها. # وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله تعالى في كل مكان، فلزمهم أنه ~~في بطن مريم وفي الحشوش والأخلية، وهذا خلاف الدين. تعالى الله عن قولهم ~~علوا كبيرا. ### | مسألة: # ويقال لهم: إذا لم يكن مستويا على العرش بمعنى يختص العرش # PageV01P109 # دون غيره، كما قال ذلك أهل العلم، ونقله الأخبار، وحملة الآثار، وكان ~~الله عز وجل في كل مكان فهو تحت الأرض التي السماء فوقها، وإذا كان تحت ~~الأرض والأرض فوقه، والسماء فوق الأرض وفي هذا ما يلزمكم أن تقولوا إن الله ~~تحت التحت، والأشياء فوقه، وأنه فوق الفوق والأشياء تحته، ms36 وفي هذا ما يجب ~~أنه تحت ما هو فوقه، وفوق ما هو تحته، وهذا هو المحال المتناقض، تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا. # دليل آخر: # ومما يؤكد أن الله عز وجل مستو على عرشه دون الأشياء كلها، ما نقله أهل ~~الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # روى عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا # PageV01P110 # عمرو بن دينار، عن نافع، عن جبير، عن أبيه رضي الله عنهم أجمعين، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى السماء ~~الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر) ~~. # روى عبيد الله بن بكر قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن كثير، ~~عن أبي جعفر، أنه سمع أبا حفص يحدث أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بقى ثلث الليل ينزل الله تبارك ~~وتعالى فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستكشف الضر ~~فأكشفه عنه؟ من ذا الذي يسترزقني فأرزقه؟ حتى ينفجر الفجر) . # PageV01P111 # وروى عبد الله بن بكر السهمي، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله عن يحيى بن ~~كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، قال: ثنا عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه ~~قال: فكنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كفا بالكديد - أو قال ~~بقديد - حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إذا مضى ثلث الليل - أو قال ثلثا ~~الليل - نزل الله عز وجل إلى السماء، فيقول: من ذا الذي يدعوني أستجيب له؟ ~~من ذا الذي يستغفرني أغفر له؟ من ذا الذي يسألني أعطيه؟ حتى ينفجر الفجر) ~~نزولا يليق بذاته من غير حركة وانتقال، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # دليل آخر: # قال الله تعالى # PageV01P112 # : (يخافون ربهم من فوقهم) من الآية (50 /16) ، وقال تعالى: (تعرج ~~الملائكة والروح إليه) من الآية (4 /70) ، وقال تعالى: (ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان) من الآية ms37 (11 /41) ، وقال تعالى: (ثم استوى على العرش ~~الرحمن فاسأل به خبيرا) من الآية (59 /25) ، وقال تعالى: (ثم استوى على ~~العرش مالكم من ولي ولا شفيع) (4 /32) ، فكل ذلك يدل على أنه تعالى في ~~السماء مستو على عرشه، والسماء بإجماع الناس ليست الأرض، فدل على أنه تعالى ~~منفرد بوحدانيته، مستو على عرشه استواء منزها عن الحلول والاتحاد. # PageV01P113 # دليل آخر: # قال الله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا) (22 /89) ، وقال تعالى: (هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة) من الآية (210 /2) ~~، وقال: (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما ~~كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى) (8 - 13 /53) ~~إلى قوله: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) (18 /53) ، وقال تعالى لعيسى ابن ~~مريم عليه السلام: (إني متوفيك ورافعك إلي) ، وقال تعالى: (وما قتلوه يقينا ~~بل رفعه الله إليه) من الآية (158 /4) ، # PageV01P114 # وأجمعت الأمة على أن الله سبحانه رفع عيسى صلى الله عليه وسلم إلى ~~السماء، ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر ~~النازل بهم يقولون جميعا: يا ساكن السماء، ومن حلفهم جميعا: لا والذي احتجب ~~بسبع سماوات. # دليل آخر: # قال الله عز وجل: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ~~أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) من الآية (51 /42) ، وقد خصت الآية ~~الشريفة البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر، ولو كانت الآية عامة للبشر ~~وغيرهم، كان أبعد من الشبهة، وإدخال الشك على من يسمع الآية أن يقول: ما ~~كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحيا # PageV01P115 # ، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا، فيرتفع الشك والحيرة من أن يقول: ما ~~كان لجنس من الأجناس أن أكلمه إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو أرسل رسولا، ~~وننزل أجناسا لم يعمهم بالآية فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم. # دليل آخر: # قال الله تعالى: ms38 (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) من الآية (62 /6) ، ~~وقال: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) من الآية (30 /6) ، وقال: (ولو ترى إذ ~~المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم) (12 /32) ، وقال عز وجل: (وعرضوا على ربك ~~صفا) من الآية (48 /18) ، كل ذلك يدل على أنه تعالى ليس في خلقه، ولا خلقه ~~فيه، وأنه مستو # PageV01P116 # على عرشه سبحانه، بلا كيف ولا استقرار، تعالى الله عما يقول الظالمون ~~والجاحدون علوا كبيرا، فلم يثبتوا له في وصفهم حقيقة، ولا أوجبوا له بذكرهم ~~إياه وحدانية؛ إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أوصافهم تدل على ~~النفي، يريدون بذلك التنزيه، ونفي التشبيه على زعمهم، فنعوذ بالله من تنزيه ~~يوجب النفي والتعطيل. # دليل آخر: # قال الله تعالى (الله نور السماوات والأرض) من الآية (35 /24) فسمى نفسه ~~نورا، والنور عند الأمة لا يخلو من أن يكون أحد معنيين # PageV01P117 # إما أن يكون نورا يسمع، أو نورا يرى. # فمن زعم أن الله يسمع ولا يرى فقد أخطأ في نفيه رؤية ربه، وتكذيبه ~~بكتابه، وقول نبيه صلى الله عليه وسلم. # وروت العلماء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (تفكروا في ~~خلق الله ولا تفكروا في الله عز وجل، فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام، ~~والله عز وجل فوق ذلك) . # دليل آخر: # وروت العلماء رحمهم الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العبد ~~لا تزول قدماه من بين يدي الله عز وجل حتى يسأله عن عمله) . # وروت العلماء أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة # PageV01P118 # سوداء فقال: يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة، فهل يجوز عتقها؟ # فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت: في السماء، قال فمن ~~أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعتقها فإنها ~~مؤمنة. # وهذا يدل على أن الله تعالى على عرشه فوق السماء فوقية لا تزيده قربا من ~~العرش. # PageV01P119 ### | الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين # قال ms39 الله تبارك وتعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) من الآية (88 /28) ، وقال ~~تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (27 /55) ، فأخبر أن له سبحانه ~~وجها لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك. # وقال تعالى: (تجرى بأعيننا) من الآية (14 /54) ، وقال تعالى: (واصنع ~~الفلك بأعيننا ووحينا) من الآية (37 /11) ، # PageV01P120 # فأخبر تعالى أن له وجها وعينا ولا تكيف ولا تحد. # وقال تعالى: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) من الآية (48 /52) ، وقال ~~تعالى: (ولتصنع على عيني) من الآية (39 /20) ، وقال تعالى: (وكان الله ~~سميعا بصيرا) من الآية (134 /4) ، وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة ~~والسلام: (إنني معكما أسمع وأرى) من الآية (46 /20) فأخبر تعالى عن سمعه ~~وبصره ورؤيته. # PageV01P121 ### | ### | فصل # # ونفى الجهمية أن يكون لله تعالى وجه كما قال، وأبطلوا أن يكون له سمع ~~وبصر وعين، ووافقوا النصارى؛ لأن النصارى لم تثبت الله سميعا بصيرا إلا على ~~معنى أنه عالم، وكذلك قالت الجهمية، ففي حقيقة قولهم أنهم قالوا: نقول إن ~~الله عالم، ولا نقول سميع بصير، على غير معنى عالم، وذلك قول النصارى. # PageV01P122 ### | ### | فصل # # قالت الجهمية: إن الله لا علم له، ولا قدرة، ولا سمع له، ولا بصر، وإنما ~~قصدوا إلى تعطيل التوحيد، والتكذيب بأسماء الله تعالى، فأعطوا ذلك له لفظا، ~~ولم يحصلوا قولهم في المعنى، ولولا أنهم خافوا السيف؛ لأفصحوا بأن الله غير ~~سميع ولا بصير ولا عالم، ولكن خوف السيف منعهم من إظهار زندقتهم. # PageV01P123 ### | فصل # وزعم شيخ منهم نحس مقدم فيهم أن علم الله هو الله، وأن الله سبحانه علم، ~~فنفى العلم من حيث أوهم أنه يثبته، حتى ألزم أن يقول: يا علم اغفر لي؛ إذ ~~كان علم الله عنده هو الله، وكان الله - على قياسه الفاسد - علما وقدرة. ~~تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. # قال الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رحمه الله ورضى عنه: بالله ~~نستهدي، وإياه نستكفي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو ~~المستعان أما بعد: ### | ### | مسألة: # # فمن سألنا فقال: أتقولون إن لله سبحانه ms40 وجها؟ # قيل له: نقول ذلك، خلافا لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك # PageV01P124 # قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (27 /55) . ### | ### | مسألة: # # قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟ # قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم) من ~~الآية (10 /48) ، وقوله تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (75 /38) . # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده ~~فاستخرج منه ذريته) ، # PageV01P125 # فثبتت اليد بلا كيف. # وجاء في الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن الله تعالى خلق ~~آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده) ، ~~أي بيد قدرته سبحانه. # وقال تعالى: (بل يداه مبسوطتان) من الآية (64 /5) . # وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كلتا يديه يمين) . # وقال تعالى: (لأخذنا منه باليمين) من الآية (45 /69) . # وليس يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت ~~كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها ~~وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل ~~اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، # PageV01P126 # ويعني النعمة؛ بطل أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) النعمة، وذلك أنه لا ~~يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافعنا عن ~~استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى ~~النعمة؛ إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، ~~فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من ~~قبلها؛ لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: (بيدي) نعمتي فليس المسلمون على ~~ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى # PageV01P127 # اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ~~ثالث سألناه عنه، ولن يجد له سبيلا. ### | ### | مسألة: # # ويقال لأهل ms41 البدع: ولم زعمتم أن معنى قوله: (بيدي) نعمتي أزعمتم ذلك ~~إجماعا أو لغة؟ # فلا يجدون ذلك إجماعا ولا في اللغة. # وإن قالوا: قلنا ذلك من القياس. # قيل لهم: ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: (بيدي) لا يكون معناه ~~إلا نعمتي؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا مع أنا رأينا ~~الله عز وجل قد قال في كتابه العزيز، الناطق على لسان نبيه الصادق # PageV01P128 # : (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) من الآية (4 /14) ، وقال تعالى: ~~(لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) من الآية (103 /16) ، ~~وقال تعالى: (إنا جعلناه قرآنا عربيا) من الآية (3 /4) ، وقال تعالى: (أفلا ~~يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله) من الآية (82 /4) ، ولو كان ~~القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره، ولا أن نعرف معانيه إذا ~~سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه، وإنما يعرفه العرب إذا ~~سمعوه على أنهم إنما علموه؛ لأنه بلسانهم نزل، وليس في لسانهم ما ادعوه. ### | مسألة: # وقد اعتل معتل بقول الله تعالى # PageV01P129 # : (والسماء بنيناها بأيد) من الآية (47 /51) قالوا: الأيد القوة، فوجب أن ~~يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) بقدرتي، قيل لهم: هذا التأويل فاسد من وجوه: # أحدها: أن الأيد ليس جمع لليد؛ لأن جمع يد أيدي، وجمع اليد التي هي نعمة ~~أيادي، وإنما قال تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (75 /38) ، فبطل بذلك أن ~~يكون معنى قوله: (بيدي) معنى قوله: (بنيناها بأيد) . # وأيضا فلو كان أراد القوة لكان معنى ذلك بقدرتي، وهذا ناقض لقول مخالفنا، ~~وكاسر لمذهبهم؛ لأنهم لا يثبتون قدرة واحدة، فكيف يثبتون قدرتين. # PageV01P130 # وأيضا فلو كان الله تعالى عنى بقوله: (لما خلقت بيدي) القدرة لم يكن لآدم ~~صلى الله عليه وسلم على إبليس مزية في ذلك، والله تعالى أراد أن يرى فضل ~~آدم صلى الله عليه وسلم عليه؛ إذ خلقه بيديه دونه، ولو كان خالقا لإبليس ~~بيده كما خلق آدم صلى الله عليه وسلم بيده لم ms42 يكن لتفضيله عليه بذلك وجه، ~~وكان إبليس يقول محتجا على ربه: فقد خلقتني بيديك كما خلقت آدم صلى الله ~~عليه وسلم بهما، فلما أراد الله تعالى تفضيله عليه بذلك، وقال الله تعالى ~~موبخا له على استكباره على آدم صلى الله عليه وسلم أن يسجد له: (ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت؟) (75 /38) ، دل على أنه ليس معنى الآية ~~القدرة؛ إذ كان الله تعالى خلق الأشياء جميعا بقدرته، وإنما أراد إثبات ~~يدين، ولم يشارك إبليس آدم صلى الله عليه وسلم في أن خلق بهما. # PageV01P132 ### | فصل # وليس يخلو قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) أن يكون معنى ذلك إثبات يدين ~~نعمتين، أو يكون معنى ذلك إثبات يدين جارحتين. تعالى الله عن ذلك، أو يكون ~~معنى ذلك إثبات يدين قدرتين، أو يكون معنى ذلك إثبات يدين ليستا نعمتين ولا ~~جارحتين ولا قدرتين لا توصفان إلا كما وصف الله تعالى، فلا يجوز أن يكون ~~معنى ذلك نعمتين؛ لأنه لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول القائل: عملت بيدي ~~وهو نعمتي. # ولا يجوز عندنا ولا عند خصومنا أن نعني جارحتين، ولا يجوز عند خصومنا أن ~~يعني قدرتين. # PageV01P133 # وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع؛ وهو أن معنى قوله تعالى: ~~(بيدي) إثبات يدين ليستا جارحتين، ولا قدرتين، ولا نعمتين لا يوصفان إلا ~~بأن يقال: إنهما يدان ليستا كالأيدي، خارجتان عن سائر الوجوه الثلاثة التي ~~سلفت. ### | ### | مسألة: # # وأيضا فلو كان معنى قوله تعالى: (بيدي) نعمتي لكان لا فضيلة لآدم صلى ~~الله عليه وسلم على إبليس في ذلك على مذاهب مخالفينا؛ لأن الله تعالى قد ~~ابتدأ إبليس على قولهم، كما ابتدأ آدم صلى الله عليه وسلم، وليس تخلو ~~النعمتان أن يكونا هما بدن آدم صلى الله عليه وسلم، أو يكونا عرضين خلقا في ~~بدن آدم عليه الصلاة والسلام، فلو # PageV01P134 # كان عنى بدن آدم عليه السلام فلأبدان عند مخالفينا من المعتزلة جنس واحد، ~~وإذا كانت الأبدان عندهم جنسا واحدا فقد حصل في جسد إبليس على مذاهبهم من ms43 ~~النعمة ما حصل في جسد آدم صلى الله عليه وسلم، وكذلك إن عنى عرضين فليس من ~~عرض فعله في بدن آدم صلى الله عليه وسلم من لون، أو حياة، أو قوة، أو غير ~~ذلك إلا وقد فعل من جنسه عندهم في بدن إبليس، وهذا يوجب أنه لا فضيلة لآدم ~~صلى الله عليه وسلم على إبليس في ذلك، والله تعالى إنما احتج على إبليس ~~بذلك ليريه أن لآدم صلى الله عليه وسلم في ذلك الفضيلة، فدل ما قلناه على ~~أن الله عز وجل لما قال: (خلقت بيدي) لم يعن نعمتي # PageV01P135 ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله تعالى عنى بقوله: (بيدي) يدين ليستا ~~نعمتين؟ # فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة. # قيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟ وإن ~~رجعونا إلى شاهدنا، أو إلى ما نجده فيما بيننا من الخلق فقالوا: اليد إذا ~~لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة. # قيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله تعالى فكذلك لم نجد حيا ~~من الخلق إلا جسما لحما ودما فاقضوا بذلك على الله - تعالى عن ذلك - وإلا ~~كنتم لقولكم تاركين ولاعتلالكم ناقضين. # وإن أثبتم حيا لا كالأحياء منا فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر ~~الله تعالى عنهما يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين، ولا كالأيدي؟ # PageV01P136 # وكذلك يقال لهم: لم تجدوا مدبرا حكيما إلا إنسانا ثم أثبتم أن للدنيا ~~مدبرا حكيما ليس كالإنسان، وخالفتم الشاهد ونقضتم اعتلالكم فلا تمنعوا من ~~إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين من أجل أن ذلك خلاف الشاهد. ### | ### | مسألة: # # فإن قالوا إذا أثبتم لله عز وجل يدين لقوله تعالى: (لما خلقت بيدي) فلم ~~لا أثبتم له أيدي لقوله تعالى: (مما عملت أيدينا) من الآية (71 /36) ؟ # قيل لهم: قد أجمعوا على بطلان قول من أثبت لله أيدي، فلما أجمعوا على ~~بطلان قول من قال ذلك؛ وجب أن يكون الله تعالى ms44 # PageV01P137 # ذكر أيدي ورجع إلى إثبات يدين؛ لأن الدليل عنده دل على صحة الإجماع، وإذا ~~كان الإجماع صحيحا وجب أن يرجع من قوله أيدي إلى يدين؛ لأن القرآن على ~~ظاهره، ولا يزول عن ظاهره إلا بحجة، فوجدنا حجة أزلنا بها ذكر الأيدي عن ~~الظاهر إلى ظاهر آخر، ووجب أن يكون الظاهر الآخر على حقيقته لا يزول عنها ~~إلا بحجة. ### | ### | مسألة: # # فإن قال قائل: إذا ذكر الله عز وجل الأيدي وأراد يدين، فما أنكرتم أن ~~يذكر الأيدي ويريد يدا واحدة؟ # قيل له: ذكر تعالى أيدي وأراد يدين؛ لأنهم أجمعوا على بطلان قول من قال ~~أيدي كثيرة، وقول من قال يدا واحدة، فقلنا يدان؛ لأن القرآن على ظاهره، إلا ~~أن تقوم حجة بأن يكون على خلاف الظاهر. # PageV01P138 ### | مسألة: # فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: (مما عملت أيدينا) من الآية ~~(71 /36) ، وقوله تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (75 /38) على المجاز؟ # قيل له: حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته، ولا يخرج الشيء ~~عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة. # ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام العموم، فإذا ورد بلفظ العموم والمراد ~~به الخصوص فليس هو على حقيقة الظاهر، وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم ~~عن العموم بغير حجة، كذلك قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (75 /38) # PageV01P139 # على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهر ~~اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة. # ولو جاز ذلك لجاز لمدع أن يدعي أن ما ظاهره العموم فهو على الخصوص، وما ~~ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة، وإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان ~~لم يجز لكم ما ادعيتموه أنه مجاز أن يكون مجازا بغير حجة، بل واجب أن يكون ~~قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (75 /38) إثبات يدين لله تعالى في ~~الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول ~~قائلهم: فعلت بيدي، وهو يعني النعمتين # PageV01P140 ### | الباب ms45 السابع الرد على الجهمية في نفيهم علم الله تعالى وقدرته وجميع صفاته # قال الله تعالى: (أنزله بعلمه) من الآية (166 /4) ، وقال تعالى: (وما ~~تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من الآية (11 /35) ، وذكر العلم في خمسة ~~مواضع من كتابه العزيز، وقال تعالى: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما ~~أنزل بعلم الله) من الآية (14 /11) ، وقال تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شاء) من الآية (255 /2) . # PageV01P141 # وذكر القوة فقال: (أولم يرو أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) من ~~الآية (15 /41) ، وقال تعالى: (ذو القوة المتين) من الآية (58 /51) ، وقال ~~تعالى: (والسماء بنيناها بأيد) من الآية (47 /51) . # PageV01P142 ### | ### | فصل # # وزعمت الجهمية أن الله تعالى لا علم له، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ~~ولا بصر له، وأرادوا أن ينفوا أن الله تعالى عالم، قادر، حي، سميع، بصير، ~~فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه؛ لأنهم إذا قالوا لا ~~علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم، ~~وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل؛ لأن الزنادقة قد قال كثير منهم: ~~إن الله تعالى ليس بعالم، ولا قادر، ولا حي، ولا سميع، ولا بصير، فلم تقدر ~~المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه، وقالت إن الله عالم، قادر، حي، سميع، ~~بصير من طريق التسمية من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم، والقدرة، والسمع، ~~والبصر. # PageV01P143 ### | فصل # وقد قال رئيس من رؤسائهم - وهو أبو الهذيل العلاف - إن علم الله هو الله، ~~فجعل الله تعالى علما. # وألزم، فقيل له: إذا قلت إن علم الله هو الله فقل يا علم الله اغفر لي ~~وارحمني، فأبى ذلك فلزمه المناقضة. # واعلموا رحمكم الله أن من قال عالم ولا علم كان مناقضا، كما أن من قال ~~علم الله ولا عالم كان مناقضا، وكذلك القول في القادر والقدرة، والحياة ~~والحي، والسمع والبصر والسميع والبصير. ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: خبرونا عمن زعم أن الله متكلم، قائل، آمر # PageV01P144 # ، ناه، لا قول ms46 له، ولا كلام، ولا أمر له، ولا نهى، أليس هو مناقض خارج عن ~~جملة المسلمين؟ # فلا بد من نعم. # يقال لهم: فكذلك من قال: إن الله تعالى عالم ولا علم له، كان ذلك مناقضا ~~خارجا عن جملة المسلمين. # وقد أجمع المسلمون قبل حدوث الجهمية والمعتزلة والحرورية على أن لله علما ~~لم يزل، وقد قالوا: علم الله لم يزل، وعلم الله سابق في الأشياء، ولا ~~يمتنعون أن يقولوا في كل حادثة تحدث ونازلة تنزل كل هذا سابق في علم الله، ~~فمن جحد أن لله علما فقد خالف المسلمين وخرج عن اتفاقهم. ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: إذا كان الله مريدا فله إرادة؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإذا ~~أثبتم مريدا لا إرادة له فأثبتوا أن قائلا لا قول له، وإن # PageV01P145 # أثبتوا الإرادة قيل لهم: فإذا كان المريد لا يكون مريدا إلا بإرادة، فما ~~أنكرتم أن لا يكون العالم عالما إلا بعلم، وأن يكون لله علم كما أثبتم له ~~الإرادة. ### | ### | مسألة: # # وقد فرقوا بين العلم والكلام فقالوا: إن الله تعالى علم موسى وفرعون، ~~وكلم موسى ولم يكلم فرعون، فكذلك قد يقال علم موسى الحكمة وفصل الخطاب، ~~وآتاه النبوة، ولم يعلم ذلك فرعون فإن كان لله كلام؛ لأنه كلم موسى ولم ~~يكلم فرعون، فكذلك لله علم؛ لأنه علم موسى ولم يعلم فرعون. # ثم يقال لهم: إذا وجب أن لله كلاما به كلم موسى دون فرعون؛ إذ كلم موسى ~~دونه، فما أنكرتم إذا علمهما جميعا أن يكون له علم به علمهما جميعا. # ثم يقال: قد كلم الله الأشياء بأن قال لها: كوني، وقد أثبتم لله قولا، ~~وإن علم الأشياء كلها فله علم. # PageV01P146 ### | ### | ### | ### | مسألة: # # ثم يقال لهم: إذا أوجبتم أن لله كلاما وليس له علم؛ لأن الكلام أخص من ~~العلم، والعلم أعم منه، فقولوا: إن لله قدرة؛ لأن العلم أعم عندكم من ~~القدرة؛ لأن مذاهب القدرية أنهم لا يقولون أن الله لا يقدر أن يخلق الكفر، ~~فقد أثبتوا القدرة أخص من العلم، فينبغي لهم ms47 أن يقولوا على اعتلالهم إن لله ~~قدرة. # مسألة: # ثم يقال لهم: أليس الله عالما، والوصف له بأنه عالم أعم من الوصف له بأنه ~~متكلم مكلم؟ # ثم لم يجب؛ لأن الكلام أخص من أن يكون الله تعالى متكلما غير عالم؟ فلم ~~لا قلتم إن الكلام - وإن كان أخص من العلم - أن ذلك لا ينفي أن يكون لله ~~علم، كما لم ينف بخصوص الكلام أن يكون الله عالما؟ # مسألة: # ويقال لهم: من أين علمتم أن الله عالم؟ # PageV01P147 # فإن قالوا: يقوله تعالى: (إنه بكل شيء عليم) من الآية (12 /42) . # قيل لهم: وكذلك فقولوا: إن لله علما بقوله: (أنزله بعلمه) من الآية (166 ~~/4) ، وبقوله: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من الآية (11 /35) ، ~~وكذلك فقولوا إن له قوة لقوله تعالى: (أولم يروا أن الذي خلقهم هو أشد منهم ~~قوة) من الآية (15 /41) . # فإن قالوا: قلنا: إن الله عالم؛ لأنه صنع العالم على ما فيه من آثار ~~الحكمة واتساق التدبير. # قيل لهم: فلم لا قلتم إن لله علما بما ظهر في العالم من حكمة وآثار ~~تدبيره؟ # PageV01P148 # لأن الصنائع الحكمية لا تظهر إلا من ذي علم، كما لا يظهر إلا من عالم، ~~وكذلك لا تظهر إلا من ذي قوة كما لا تظهر إلا من قادر. ### | مسألة: # ويقال لهم: إذا نفيتم علم الله فلم لا نفيتم أسماءه؟ # فإن قالوا كيف ننفي أسماءه وقد ذكرها في كتابه؟ # قيل لهم: فلا تنفوا العلم والقوة؛ لأنه تعالى ذكر ذلك في كتابه العزيز. ### | مسألة أخرى: # ويقال لهم: قد علم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الشرائع والأحكام، ~~والحلال والحرام، ولا يجوز أن يعلمه ما لا يعلمه، فكذلك لا يجوز # PageV01P149 # أن يعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم مالا علم الله به. تعالى الله عن ~~قول الجهمية علوا كبيرا. # مسألة: # ويقال لهم: أليس إذا لعن الله الكافرين، فلعنه لهم معنى، ولعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لهم معنى؟ # فمن قولهم نعم. # فيقال لهم: فما أنكرتم من أن الله تعالى ms48 إذا علم نبيه صلى الله عليه وسلم ~~شيئا فكان للنبي صلى الله عليه وسلم علم، ولله تعالى علم، وإذا كنا متى ~~أثبتناه غضبانا على الكافرين فلا بد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضيا ~~عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضى، وكذلك إذا أثبتناه حيا سميعا بصيرا فلا ~~بد من إثبات حياة وسمع وبصر. # PageV01P150 # مسألة: # ويقال لهم: وجدنا اسم عالم اشتق من علم، واسم قادر اشتق من قدرة، وكذلك ~~اسم حي اشتق من حياة، واسم سميع اشتق من سمع، واسم بصير اشتق من بصر، ولا ~~تخلو أسماء الله عز وجل من أن تكون مشتقة إما لإفادة معنى، أو على طريق ~~التلقيب، فلا يجوز أن يسمى الله تعالى على طريق التقليب باسم ليس فيه إفادة ~~معنى، وليس مشتقا من صفة. # فإذا قلنا: إن الله تعالى عالم قادر فليس تلقيبا، كقولنا زيد وعمر، وعلى ~~هذا إجماع المسلمين. # PageV01P151 # وإذا لم يكن كذلك تلقيبا، كان مشتقا من علم، فقد وجب إثبات العلم، وإن ~~كان ذلك لإفادة معنى، فلا يختلف ما هو لإفادة معنى واجب إذا كان معنى ~~العالم منا أن له علما أن يكون كل عالم فهو ذو علم، كما إذا كان قولي موجود ~~مفيدا فينا الإثبات كان الباري تعالى واجبا إثباته؛ لأنه سبحانه وتعالى ~~موجود. # مسألة: # ويقال للمعتزلة والجهمية والحرورية: أتقولون إن لله علما # PageV01P152 # بالأشياء سابقا فيها، وبوضع كل حامل، وحمل كل أنثى، وبإنزال كل ما أنزله؟ # فإن قالوا: نعم، أثبتوا العلم ووافقوا. # وإن قالوا: لا، قيل لهم: جحد منكم؛ لقوله تعالى: (أنزله بعلمه) من الآية ~~(166 /4) ، ولقوله: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من آية (11 /35) ~~، ولقوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) من ~~الآية (14 /11) . # وإذا كان قول الله تعالى: (بكل شيء عليم) من الآية (12 /42) ، (وما تسقط ~~من ورقة إلا يعلمها) من الآية (59 /6) # PageV01P153 # يوجب أنه عليم بعلم الأشياء، فكذلك فما أنكرتم أن تكون هذه الآيات نوجب ~~أن لله علما بالأشياء سبحانه وبحمده. # مسألة: ms49 # ويقال لهم: هل لله عز وجل علم بالتفرقة بين أوليائه وأعدائه؟ وهل هو مريد ~~لذلك؟ وهل له إرادة للإيمان إذا أراد الإيمان؟ # فإن قالوا: نعم، وافقوا. # وإن قالوا: إذا أراد الإيمان فله إرادة. # قيل لهم: وكذلك إذا فرق بين أوليائه وأعدائه، فلا بد من أن يكون له علم ~~بذلك، وكيف يجوز أن يكون للخلق علم بذلك، وليس للخالق عز وجل علم # PageV01P154 # بذلك؟ ! وهذا يوجب أن للخلق مزية في العلم وفضلا على الخلاق. تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا. # قيل لهم: إذا كان من له علم من الخلق أولى بالمنزلة الرفيعة ممن لا علم ~~له، فإذا زعمتم أن الله تعالى لا علم له لزمكم أن الخلق أعلى مرتبة من ~~الخالق. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # مسألة: # ويقال لهم: إذا كان من لا علم له من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، فما ~~أنكرتم من أنه لا بد من إثبات علم الله؟ وإلا ألحقتم به النقصان - جل عن ~~قولكم وعلا - ألا ترون أن من لا يعلم من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، # PageV01P155 # ومن قال ذلك في الله عز وجل وصف الله تعالى بما لا يليق به، فكذلك إذا ~~كان من قيل له من الخلق لا علم له لحقه الجهل والنقصان، وجب أن لا ينفى ذلك ~~عن الله تعالى؛ لأنه لا يلحقه جهل ولا نقصان. # مسألة: # ويقال لهم: هل يجوز أن تنسق الصنائع الحكمية ممن ليس بعالم؟ # فإن قالوا: ذلك محال، ولا يجوز في وجود الصنائع التي تجري على ترتيب ~~ونظام إلا من عالم قادر حي. # قيل لهم: وكذلك لا يجوز وجود الصنائع الحكمية التي تجري على ترتيب ونظام ~~إلا من ذي علم وقدرة وحياة. # فإن جاز ظهورها لا من ذي علم فما أنكرتم من جواز ظهورها لا من عالم قادر ~~حي. # PageV01P156 # وكل مسألة سألناهم عنها في العلم فهي داخلة عليهم في القدرة والحياة ~~والسمع والبصر. # مسألة: # وزعمت المعتزلة أن قول الله تعالى: (سميع بصير) من الآية (28 /31) إن ~~معناه عليم. # قيل لهم: فإذا قال ms50 الله تعالى: (إنني معكما أسمع وأرى) من الآية (46 /20) ~~، # وقال: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) من الآية (10 /58) فمعنى ~~ذلك عندكم علم. # فإن قالوا: نعم. # قيل لهم: فقد وجب عليكم أن تقولوا معنى قوله: (إنني معكما أسمع وأرى) من ~~الآية (46 /20) أعلم وأعلم إذا كان معنى ذلك العلم. # PageV01P157 ### | فصل # ونفت المعتزلة صفات رب العالمين، وزعمت أن معنى (سميع بصير) من الآية (28 ~~/31) راء بمعنى عليم، كما زعمت النصارى أن سمع الله هو بصره، وهو رؤيته، ~~وهو كلامه، وهو علمه، وهو ابنه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # فيقال للمعتزلة: إذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى عالم، فهلا زعمتم أن ~~معنى قادر معنى عالم. # وإذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى قادر، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى ~~عالم. # وإذا زعمتم أن معنى حي معنى قادر، فلم لا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم. # PageV01P158 # فإن قالوا: هذا يوجب أن يكون كل معلوم مقدورا. # قيل لهم: ولو كان معنى سميع بصير معنى عالم لكان كل معلوم مسموعا، وإذا ~~لم يجز ذلك بطل قولكم. # PageV01P160 ### | الباب الثامن الكلام في الإرادة والرد على المعتزلة في ذلك ### | مسألة: # يقال لهم: ألستم تزعمون أن الله تعالى لم يزل عالما؟ فمن قولهم: نعم. # قيل لهم: فلم لا قلتم إن ما لم يزل عالما أنه يكون في وقت من الأوقات لم ~~يزل مريدا أن يكون في ذلك الوقت، وما لم يزل عالما أنه لا يكون فلم يزل ~~مريدا أن لا يكون، وأنه لم يزل مريدا أن يكون ما علم كما علم؟ # فإن قالوا: لا نقول إن الله لم يزل مريدا؛ لأن الله تعالى مريد بإرادة ~~مخلوقة. # PageV01P161 # قيل لهم: فلم زعمتم أن الله عز وجل مريد بإرادة مخلوقة، وما الفصل بينكم ~~وبين الجهمية في زعمهم أن الله عالم بعلم مخلوق، وإذا لم يجز أن يكون علم ~~الله مخلوقا، فما أنكرتم أن لا تكون إرادة الله مخلوقة؟ # فإن قالوا: لا يجوز أن يكون علم الله محدثا؛ لأن ms51 ذلك يقضي أن يكون حدث ~~بعلم آخر كذلك لا إلى غاية. # قيل لهم: ما أنكرتم أن لا تكون إرادة الله محدثة مخلوقة؛ لأن ذلك يقتضي ~~أن تكون حدثت عن إرادة أخرى، ثم كذلك لا إلى غاية. # فإن قالوا: لا يجوز أن يكون علم الله محدثا؛ لأن من لم يكن عالما ثم علم ~~لحقه النقصان. # PageV01P162 # قيل لهم: ولا يجوز أن تكون إرادة الله محدثة مخلوقة؛ لأن من لم يكن مريدا ~~ثم أراد لحقه النقصان، وكما لا يجوز أن تكون إرادته تعالى محدثة مخلوقة، ~~كذلك لا يجوز أن يكون كلامه محدثا مخلوقا. ### | ### | مسألة أخرى: # # ويقال لهم: إذا زعمتم أنه قد كان في سلطان الله عز وجل الكفر والعصيان، ~~وهو لا يريده، وأراد أن يؤمن الخلق أجمعون، فلم يؤمنوا فقد وجب على قولكم ~~أن أكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن، وأكثر ما شاء الله أن لا يكون كان؛ ~~لأن الكفر الذي كان وهو لا يشاؤه عندكم، أكثر من الإيمان الذي كان وهو ~~يشاؤه، وأكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن. # وهذا جحد لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله أن يكون كان، وما لا ~~يشاء لا يكون. # PageV01P163 ### | ### | مسألة أخرى: # # ويقال لهم: من قولكم: إن كثيرا ما شاء أن يكون إبليس كان؛ لأن الكفر أكثر ~~من الإيمان، وأكثر ما كان هو شاءه، فقد جعلتم مشيئة إبليس أنفذ من مشيئة رب ~~العالمين جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، ولا إله غيره؛ لأن أكثر ما شاءه كان، ~~وأكثر ما كان فقد شاءه. # وفي هذا إيجاب أنكم قد جعلتم لإبليس مرتبة في المشيئة ليست لرب العالمين. ~~تعالى الله عز وجل عن قول الظالمين علوا كبيرا. ### | مسألة # أخرى: # ويقال لهم: أيما أولى بصفة الاقتدار: من إذا شاء أن يكون الشيء كان لا ~~محالة، وإذا لم يرده لم يكن، أو من يريد أن يكون ما لا يكون ويكون مالا ~~يريد؟ # فإن قالوا: من لا يكون أكثر ما يريده أولى بصفة الاقتدار كما يروا. # PageV01P164 # وقيل ms52 لهم: إن جاز لكم ما قلتموه جاز لقائل أن يقول: من يكون مالا يعلمه ~~أولى بالعلم ممن لا يكون إلا ما يعلمه. # وإن رجعوا عن هذه المكابرة، وزعموا أن من إذا أراد أمرا كان، وإذا لم ~~يرده لا يكون أولى بصفة الاقتدار لزمهم على مذاهبهم أن يكون إبليس - لعنه ~~الله - أولى بالاقتدار من الله تعالى؛ لأن أكثر ما أراده كان، وأكثر ما كان ~~قد أراده. # وقيل لهم: إذا كان من إذا أراد أمرا كان، وإذا لم يرده لم يكن أولى بصفة ~~الاقتدار، فيلزمكم أن يكون الله تعالى إذا أراد أمرا كان، وإذا لم يرده لم ~~يكن؛ لأنه أولى بصفة الاقتدار. ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: أيما أولى بالإلهية والسلطان من لا يكون إلا ما يعلمه ولا ~~يغيب عن علمه شيء ولا يجوز ذلك عليه، أو من يكون مالا يعلمه ويعزب عن علمه ~~أكثر الأشياء؟ # PageV01P165 # فإن قالوا: من لا يكون إلا ما يعلمه ولا يعزب عن علمه شيء أولى بصفة ~~الإلهية. # قيل لهم: فكذلك من لا يريد كون شيء إلا ما كان، ولا يكون إلا ما يريده، ~~ولا يعزب عن إرادته شيء أولى بصفة الإلهية كما قلتم ذلك في العلم، وإذا ~~قالوا ذلك تركوا قولهم ورجعوا عنه، وأثبتوا الله عز وجل مريدا لكل كائن، ~~وأوجبوا أنه لا يريد أن يكون إلا ما يكون. ### | ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: إذا قلتم أنه يكون في سلطانه تعالى ما لا يريد، فقد كان إذا ~~في سلطانه ما كرهه. فلا بد من نعم. # يقال لهم: فإذا كان في سلطانه ما يكرهه فما أنكرتم أن يكون في سلطاته ما ~~يأبى كونه. # فإن أجابوا إلى ذلك، قيل لهم: فقد كانت المعاصي شاء الله أم أبى، وهذه ~~صفة الضعف والفقر. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # مسألة: # ويقال لهم: أليس لما فعل العباد ما يسخطه تعالى وما # PageV01P166 # يغضب عليهم إذا فعلوه فقد أغضبوه وأسخطوه؟ فلا بد من نعم. # يقال لهم: فلو فعل العباد ما لا يريد وما يكرهه لكانوا أكرهوه، ms53 وهذه صفة ~~القهر. تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (فعال لما يريد) من الآية (107 /11) ~~؟ # فلا بد من نعم. # قيل لهم: فمن زعم أن الله تعالى فعل ما لا يريد، وأراد أن يكون من فعلة ~~ما لا يكون، لزمه أن يكون قد وقع ذلك وهو ساه غافل عنه، أو أن الضعف ~~والتقصير عن بلوغ ما يريده لحقه. فلا بد من نعم. # قيل لهم: فكذلك من زعم أنه يكون في سلطان الله تعالى # PageV01P167 # مالا يريده من عبيده؛ لزمه أحد أمرين: # إما أن يزعم أن ذلك كان عن سهو وغفلة. # أو أن يزعم أن الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده لحقه. ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: أليس من زعم أن الله تعالى فعل مالا يعلمه فقد نسب الله ~~سبحانه إلى ما لا يليق به من الجهل؟ # فلا بد من نعم. # قيل لهم: وكذلك يلزم من زعم أن الله فعل ما لا يريده؛ لزمه أن ينسب الله ~~تعالى إلى السهو والتقصير عن بلوغ ما يريده، فإذا قالوا: نعم. # قيل لهم: وكذلك يلزم من زعم أن العباد يفعلون مالا يعلم الله نسب الله ~~تعالى إلى الجهل. فلا بد من نعم. # PageV01P168 # يقال لهم: فكذلك إذا كان في كون فعل فعلة الله، وهو لا يريده إيجاب سهو ~~أو ضعف أو تقصير عن بلوغ ما يريده. # فكذلك إذا كان من غيره مالا يريده وجب إثبات سهو وغفلة، أو ضعف وتقصير عن ~~بلوغ ما يريد، لا فرق في ذلك بين ما كان منه وما كان من غيره. ### | ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: إذا كان في سلطان الله مالا يريده وهو يعلمه، ولا يلحقه الضعف ~~والتقصير عن بلوغ ما يريده فما أنكرتم أن يكون في سلطانه مالا يعلمه ولا ~~يلحقه النقصان، فإن لم يجز هذا لم يجز ما قلتموه. # مسألة: # إن قال قائل: لم قلتم: إن الله مريد لكل كائن أن يكون، ولكل مالا يكون أن ~~لا يكون؟ # قيل له: الدليل على ذلك ms54 أن الحجة قد وضحت أن الله تعالى # PageV01P169 # خلق الكفر والمعاصي، وسنبين ذلك بعد هذا الموضع من كتابنا. # وإذا وجب أن الله سبحانه خالق لذلك، فقد وجب أنه مريد له؛ لأنه لا يجوز ~~أن يخلق مالا يريده. # وجواب آخر: # أنه لا يجوز أن يكون في سلطان الله تعالى من اكتساب العباد مالا يريده، ~~كما لا يجوز أن يكون من فعله المجتمع على أنه فعل مالا يريده؛ لأنه لو وقع ~~من فعله مالا يعلمه، لكان في ذلك إثبات النقصان، وكذلك القصد لو وقع من ~~عباده مالا يعلمه فكذلك لا يجوز أن يقع من عباده مالا يريده؛ لأن ذلك يوجب ~~أن يقع عن سهو وغفلة، أو عن ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريده، كما يجب ذلك لو ~~وقع من فعله المجتمع على أنه فعل مالا يريده. # وأيضا فلو كانت المعاصي وهو لا يشاء أن تكون لكان قد كره أن # PageV01P170 # تكون وأبى أن تكون، وهذا يوجب أن تكون المعاصي كائنة شاء الله أم أبى، ~~وهذا صفة الضعف. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وقد أوضحنا أن الله سبحانه لم يزل مريدا على حقيقته التي علمه عليها، ~~فإذا كان الكفر مما يكون، وقد علم ذلك فقد أراد أن يكون. ### | ### | ### | مسألة: # # يقال لهم: إذا كان الله عز وجل علم أن الكفر يكون، وأراد أن لا يكون، فقد ~~أراد أن يكون ما علم على خلاف ما علم، وإذا لم يجز ذلك فقد أراد أن يكون ما ~~علم كما علم. # مسألة: # ويقال لهم: لم أبيتم أن يريد الله الكفر الذي علم # PageV01P171 # أنه يكون أن يكون قبيحا فاسدا متناقضا خلافا للإيمان؟ # فإن قالوا: لأن مريد السفه سفيه. # قيل لهم: ولم قلتم ذلك، أو ليس قد أخبر الله تعالى عن ابن آدم أنه قال ~~لأخيه: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف ~~الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك ~~جزاء الظالمين) من الآية (28 - 29 /5) ، فأراد ms55 أن لا يقتل أخاه لئلا يعذب، ~~وأن يقتله أخوه حتى يبوء بإثم قتله له، وسائر آثامه التي كانت عليه فيكون ~~من أصحاب النار، فأراد قتل أخيه الذي هو سفه، ولم يكن بذلك سفيها، فلم ~~زعمتم أن الله تعالى إذا أراد سفه العباد وجب أن ينسب ذلك إليه؟ # PageV01P172 ### | مسألة: # ويقال لهم: قد قال يوسف صلى الله عليه وسلم: (رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه) من الآية (33 /12) وكان سجنهم إياه معصية، فأراد المعصية ~~التي هي سجنهم إياه دون فعل ما يدعونه إليه، ولم يكن سفيها فما أنكرتم من ~~أن لا يجب إذا أراد الباري سبحانه سفه العباد أن يكون قبيحا منهم، خلافا ~~للطاعة أن يكون سفيها. ### | ### | مسألة أخرى: # # ويقال لهم: أليس من يرى منا حرم المسلمين كان سفيها، والله تعالى يراهم ~~ولا ينسب إلى السفه؟ فلا بد من نعم. # يقال لهم: فيما أنكرتم أن من أراد السفه منا فكان سفيها، والله سبحانه ~~يريد سعة السفهاء ولا ينسب إلى الله تعالى سفه تعالى الله عن ذلك. # PageV01P173 ### | ### | مسألة أخرى: # # ويقال لهم: السفيه منا إنما كان سفيها لما أراد السفه؛ لأنه نهى عن ذلك، ~~ولأنه تحت شريعة من هو فوقه، ومن يحد له الحدود وترسم له الرسوم فلما أتى ~~ما نهي عنه كان سفيها، ورب العالمين جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ليس تحت شريعة، ~~ولا فوقه من يحد له الحدود ويرسم له الرسوم، ولا فوقه مبيح ولا حاظر، ولا ~~آمر ولا زاجر، فلم يجب إذا أراد ذلك أن يكون قبيحا أن ينسب إلى السفه ~~سبحانه وتعالى. ### | مسألة: # ويقال لهم: أليس من خلى بين عبيده وبين إمائه منا يزني بعضهم ببعض وهو لا ~~يعجز عن التفريق بينهم يكون سفيها؟ ورب العالمين عز وجل قد خلى بين عبيده ~~وإمائه يزني بعضهم ببعض وهو يقدر على التفريق بينهم وليس سفيها، وكذلك من ~~أراد # PageV01P174 # السفه منا كان سفيها، ورب العالمين عز وجل يريد السفه وليس سفيها. ### | ### | مسألة أخرى: # # ويقال لهم: من أراد طاعة الله منا ms56 كان مطيعا، كما أن من أراد السفه كان ~~سفيها ورب العالمين عز وجل يريد الطاعة وليس مطيعا، فكذلك يريد السفه وليس ~~سفيها. ### | مسألة # أخرى: # ويقال لهم: قال الله تعالى: (ولو شاء الله ما اقتتلوا) من الآية (253 /2) ~~فأخبر أنه لو شاء أن لا يقتتلوا ما اقتتلوا، # PageV01P175 # قال: (ولكن الله يفعل ما يريد) من آية (253 /2) من القتال، فإذا وقع ~~القتال فقد شاءه، كما أنه قال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) من الآية ~~(28 /6) فقد أوجب أن الرد لو كان إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر، وأنهم إذا ~~لم يردهم إلى الدنيا لم يعودوا، فكذلك لو شاء الله أن لا يقتتلوا لما ~~اقتتلوا، وإذا اقتتلوا فقد شاء أن يقتتلوا. ### | مسألة: # ويقال لهم: قال الله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول ~~مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) من الآية (13 /23) وإذا حق القول ~~بذلك فما شاء أن تؤتي كل نفس هداها؛ لأنه إذا لم يؤتها هداها لما حق القول ~~بتعذيب الكافرين، وإذا لم يرد ذلك # PageV01P176 # فقد شاء ضلالتها. # فإن قالوا: معنى ذلك لو شئنا جبرناهم على الهدى واضطررناهم إليه. # قيل لهم: فإذا أجبرهم على الهدى واضطرهم إليه ليكونوا مهتدين، فإن قالوا: ~~نعم. قيل لهم: فإذا كان إذا فعل الهدى كانوا مهتدين، فما أنكرتم لو فعل كفر ~~الكافرين فكانوا كافرين، وهذا هدم قولهم؛ لأنهم زعموا أنه لا يفعل الكفر ~~إلا كافر. # ويقال لهم أيضا: على أي وجه يؤتيهم الهدى لو آتاهم إياه، وشاء ذلك لهم. # فإن قالوا: على الإلجاء. # قيل لهم: وإذا ألجأهم إلى ذلك هل ينفعهم ما يفعلونه على طريق الإلجاء؟ ~~فمن قولهم: لا. # PageV01P177 # قيل لهم: فإذا أخبر أنه لو شاء لآتاهم الهدى لولا ما حق منه من القول أنه ~~يملأ جهنم، وإذا كان لو ألجأهم لم يكن نافعا لهم ولا مزيلا للعذاب عنهم، ~~كما لم ينفع فرعون قوله الذي قاله عند الغرق والإلجاء، فلا معنى لقولكم، ~~لأنه لولا ما حق من القول لأوتيت كل نفس هداها، ms57 وإتيان الهدى على الوجه ~~الذي قلتموه لا يزيل العذاب. ### | مسألة أخرى: # ويقال لهم: قال الله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) ~~من الآية (27 /42) ، وقال تعالى: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا ~~لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون) من الآية (33 ~~/43) مخبرا أنه لولا أن يكون الناس مجتمعين على الكفر لم يبسط لهم الرزق ~~ولم يجعل للكافرين سقفا من فضة، فما أنكرتم من أنه تعالى لو لم يرد أن يكفر ~~الكافرين ما خلقهم مع علمه بأنه إذا خلقهم كانوا # PageV01P178 # كافرين، كما أنه لو أراد أن لا يكون الناس على الكفر مجتمعين لم يجعل ~~للكافرين سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون؛ لئلا يكونوا جميعا على الكفر ~~متطابقين، إذا كان في معلومه أنه لو لم يفعل ذلك لكانوا جميعا على الكفر ~~مطبقين. # PageV01P180 ### | الباب التاسع الكلام في تقدير أعمال العباد والاستطاعة والتعديل والتجوير # يقال للقدرية: هل يجوز أن يعلم الله عز وجل عباده شيئا لا يعلمه؟ # فإن قالوا: لا يعلم الله عباده شيئا إلا وهو به عالم. # قيل لهم: فكذلك لا يقدرهم على شيء إلا وهو عليه قادر، فلا بد من الإجابة ~~إلى ذلك. # قيل لهم: فإذا قدرهم على الكفر، فهو قادر أن يخلق الكفر لهم، وإذا قدر ~~على خلق الكفر لهم فلم أبيتم أن يخلق كفرهم فاسدا متناقضا باطلا، وقد قال ~~تعالى: (فعال لما يريد) من الآية (107 /11) # PageV01P181 # وإذا كان الكفر مما أراد فقد فعله وقدره. ### | مسألة: # ويرد عليهم في اللطف. يقال لهم: أليس الله عز وجل قادر أن يفعل بخلقه من ~~بسط الرزق ما لو فعله بهم لبغوا في الأرض؟ وأن يفعل بهم ما لو فعله بالكفار ~~لكفروا؟ كما قال تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) ، وكما ~~قال: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا ~~من فضة) من الآية (33 /43) . فلا بد من نعم. # PageV01P182 # يقال لهم: فما أنكرتم من أنه قادر أن يفعل بهم لطفا ms58 لو فعله بهم لآمنوا ~~أجمعين، كما أنه قادر أن يفعل بهم أمرا لو فعله بهم لكفروا كلهم. ### | مسألة أخرى: # ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) من الآية (83 /4) ، (ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) من الآية (21 /24) ، وقال: (فاطلع فرآه في ~~سواء الجحيم) (55 /37) يعني في وسط الجحيم، قال: (تالله إن كدت لتردين ~~ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين) من الآية (56 - 57 /37) . # ما الفضل الذي فعله بالمؤمنين، الذي لو لم يفعله لاتبعوا الشيطان، ولو لم ~~يفعله ما زكى منهم من أحد أبدا؟ وما النعمة التي لو لم يفعلها لكانوا من # PageV01P183 # المحضرين؟ وهل ذلك شيء لم يفعله بالكافرين وخص به المؤمنين؟ # فإن قالوا: نعم. # فقد تركوا قولهم، وأثبتوا لله تعالى نعما وفضلا على المؤمنين ابتدأهم ~~بجميعه، ولم ينعم بمثله على الكافرين، وصاروا إلى القول بالحق. # فإن قالوا: قد فعل الله ذلك أجمع بالكافرين لما فعله بالمؤمنين، فقل لهم: ~~فإذا كان الله تعالى قد فعل ذلك أجمع بالكافرين فلم يكونوا زاكين، وكانوا ~~للشيطان متبعين، وفي النار محضرين. # وهل يجوز أن يقول للمؤمنين: لولا أني خلقت لكم أيدي وأرجل لكنتم للشيطان ~~متبعين، وهو قد خلق الأيدي والأرجل للكافرين وكانوا للشيطان متبعين؟ # فإن قالوا: لا يجوز ذلك. # قيل لهم: وكذلك لا يجوز ما قلتموه. # وهذا يبين أن الله تعالى اختص المؤمنين من النعم والتوفيق والتسديد # PageV01P184 # بما لم يعط الكافرين، وفضل عليهم المؤمنين. ### | مسألة في الاستطاعة: # ويقال لهم: أليست استطاعة الإيمان نعمة من الله تعالى وفضلا وإحسانا؟ # فإذا قالوا: نعم. # قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون توفيقا وتسديدا، فلا بد من الإجابة إلى ذلك. # يقال لهم: فإذا كان الكافرون قادرين على الإيمان، فما أنكرتم من أن ~~يكونوا موفقين للإيمان، ولو كانوا موفقين مسددين لكانوا ممدوحين؛ وإذ لم ~~يجز ذلك لم يجز أن يكونوا على الإيمان قادرين، ووجب أن يكون الله تعالى ~~اختص بالقدرة على الإيمان للمؤمنين. # PageV01P185 ### | ### | مسألة أخرى: # ms59 # ويقال لهم: لو كانت القدرة على الكفر قدرة على الإيمان، فقد رغب إليه في ~~أن يقدره على الكفر، فلما رأينا المؤمنين يرغبون إلى الله تعالى في قدرة ~~الإيمان، ويزهدون في قدرة الكفر؛ علمنا أن الذي رغبوا فيه غير الذي زهدوا ~~فيه. ### | مسألة # أخرى: # ويقال لهم: أخبرونا عن قوة الإيمان، أليست فضلا من الله تعالى؟ # فلا بد من نعم. # يقال لهم: فالتفضل، أليس هو ما للمتفضل أن لا يتفضل به، وله أن يتفضل به، ~~فلا بد من الإجابة إلى ذلك؛ لأن ذلك هو الفرق بين الفضل وبين الاستحقاق. # فيقال لهم: وللمتفضل إذا أمر بالإيمان أن يرفع التفضل، ولا يتفضل به ~~فيأمرهم بإيمان، وإن لم يعطهم قدرة الإيمان وخذلهم، وهذا هو قولنا ومذهبنا. # PageV01P186 ### | ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: هل يقدر الله على توفيق يوفق به الكافرين حتى يكونوا مؤمنين؟ # فإن قالوا: لا. نطقوا بتعجيز الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # وإن قالوا: نعم يقدر على ذلك، ولو فعل بهم التوفيق لآمنوا، تركوا قولهم، ~~وقالوا بالحق. # مسألة: # وإن سألوا عن قول الله تعالى: (وما الله يريد ظلما للعباد) من الآية (31 ~~/40) ، وعن قوله: (وما الله يريد ظلما للعالمين) من الآية (103 /3) . # قيل لهم: معنى ذلك أنه لا يريد أن يظلمهم؛ لأنه قال: (وما الله يريد ظلما ~~لهم) ولم يقل: لا يريد ظلم بعضهم لبعض، فلم يرد أن يظلمهم وإن كان أراد أن ~~يتظالموا. # PageV01P187 ### | ### | ### | مسألة: # # وإن سألوا عن قول الله تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) من الآية ~~(3 /67) ، قالوا: والكفر متفاوت، فكيف يكون من خلق الله؟ # والجواب عن ذلك: أن الله تعالى قال: (خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم أرجع البصر كرتين ينقلب ~~إليك البصر خاسئا وهو حسير) من الآية (3 - 4 /67) فإنما عنى ما ترى في ~~السماوات من فطور؛ لأنه ذكر خلق السماوات، ولم يذكر الكفر، وإذا كان هذا ~~على ما قلناه بطل ما قالوه. والحمد لله رب ms60 العالمين. # مسألة: # ويقال لهم: هل تعرفون لله عز وجل نعمة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~خص بها دون أبي جهل ابتداء؟ # فإن قالوا: لا، فحش قولهم. # وإن قالوا: نعم، تركوا مذاهبهم، # PageV01P188 # لأنهم لا يقولون إن الله خص المؤمنين في الابتداء بما لم يخص به ~~الكافرين. ### | ### | مسألة: # # وإن سألوا عن قوله تعالى: (ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) من ~~الآية (27 /38) ، فقالوا: هذه الآية تدل على أن الله عز وجل لم يخلق ~~الباطل. والجواب عن ذلك: أن الله عز وجل أراد بذلك المشركين الذين قالوا: ~~لا حشر ولا نشور ولا إعادة، فكأنه قال تعالى: ما خلقت ذلك، وأنا لا أثيب من ~~أطاعني، ولا أعاقب من عصاني، كما ظن الكافرون أنه لا حشر ولا نشر ولا ثواب ~~ولا عقاب، ألا تراه قال # PageV01P189 # : (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) من الآية (27 /38) ، ~~وبين ذلك بقوله: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ~~أم نجعل المتقين كالفجار) (28 /38) أي لا نسوي بينهم في أن نفنيهم أجمعين ~~ولا نعيدهم، فيكون سبيلهم سبيلا واحدا. ### | ### | مسألة: # # وسألوا عن قوله تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك) (79 /4) # والجواب عن ذلك: أن الله تعالى قال: (وإن تصبهم حسنة) من الآية (78 /4) ~~يعني الخصب والخير، (يقولون هذا من عند الله وإن تصبهم سيئة) من الآية (78 ~~/4) # PageV01P190 # يعني الجدب والقحط والمصائب، (قالوا هذه من عندك) من الآية (78 /4) أي ~~بشؤمك، قال الله تعالى: (يا محمد قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا ~~يكادون يفقهون حديثا) من الآية (78 /4) في قولهم: (ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (79 /4) فحذف " في قولهم " لأن ما تقدم ~~من الكلام يدل عليه؛ لأن القرآن لا يتناقض، ولا يجوز أن يقول في آية إن ~~الكل من عند الله، ثم يقول في الآية الأخرى التي تليها إن الكل ليس من عند ~~الله، على ms61 أن ما أصاب الناس هو غير ما أصابوه، وهذا يبين بطلان تعلقهم بهذه ~~الآية، ويوجب عليهم الحجة. ### | مسألة: # وإن سألوا عن قول الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (56 ~~/15) . # PageV01P191 # والجواب عن ذلك: أن الله تعالى إنما عنى المؤمنين دون الكافرين؛ لأنه ~~أخبرنا أنه ذرأ لجهنم كثيرا من خلقه، فالذين خلقهم لجهنم، وأحصاهم، وعدهم، ~~وكتبهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم؛ غير الذين خلقهم لعبادته. ### | ### | مسألة # في التكليف: # ويقال لهم: أليس قد كلف الله عز وجل الكافرين أن يستمعوا الحق ويقبلوه ~~ويؤمنوا بالله؟ # فلا بد من نعم. # فيقال لهم: فقد قال الله تعالى: (ما كانوا يستطيعون السمع) من الآية (20 ~~/11) ، وقال: (وكانوا لا يستطيعون سمعا) من الآية (101 /18) ، وقد كلفهم ~~استماع الحق. # PageV01P192 ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ~~فلا يستطيعون) (42 /68) ، أليس قد أمرهم الله تعالى بالسجود في الآخرة؟ # وجاء في الخبر: (أن المنافقين يجعل في أصلابهم كالصفائح فلا يستطيعون ~~السجود) ، وفي هذا تثبيت ما نقوله من أنه لا يجب لهم على الله تعالى إذا ~~أمرهم أن يقدرهم، وهو بطلان قول القدرية. ### | مسألة في إيلام الأطفال: # ويقال لهم: أليس قد آلم الله تعالى الأطفال في الدنيا بآلام أوصلها ~~إليهم، كنحو الجذام الذي يقطع أيديهم وأرجلهم وغير ذلك - أعاذنا الله من ~~ذلك - كما يؤلمهم به، وكان ذلك سائغا جائزا؟ # فإذا قالوا: نعم. # PageV01P193 # قيل لهم: فإذا كان هذا عدلا فما أنكرتم أن يؤلمهم في الآخرة، ويكون ذلك ~~منه عدلا. # فإن قالوا: آلمهم في الدنيا ليعتبر بهم الآباء. # قيل لهم: فإذا فعل بهم ذلك في الدنيا ليعتبر بهم الآباء، وكان ذلك منه ~~عدلا فلم لا يؤلم أطفال الكافرين في الآخرة ليغيظ بذلك آباءهم، ويكون ذلك ~~منه عدلا؟ # وقد قيل في الخبر: (إن أطفال المشركين تؤجج لهم نار يوم القيامة ثم يقال ~~لهم اقتحموها، فمن اقتحمها أدخله الجنة، ومن لم يقتحمها أدخله النار) # وقد قيل في الأطفال، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ms62 شئت أسمعتك ~~ضغاءهم في النار) . ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: أليس قد قال الله تبارك وتعالى # PageV01P194 # : (تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب) (1 ~~- 3 /111) ، وأمره مع ذلك بالإيمان، فأوجب عليه أن يعلم أنه لا يؤمن، وأن ~~الله صادق في إخباره عنه أنه لا يؤمن، وأمره مع ذلك أن يؤمن ولا يجتمع ~~الإيمان والعلم بأنه لا يكون ولا يقدر على أن يؤمن، وأن يعلم أنه لا يؤمن. # وإذا كان هذا هكذا فقد أمر الله سبحانه أبا لهب بما لا يقدر عليه؛ لأنه ~~أمره أن يؤمن، وأنه يعلم أنه لا يؤمن. ### | مسألة: # ويقال لهم: أليس أمر الله عز وجل بالإيمان من علم أنه لا يؤمن؟ # فمن قولهم نعم. # يقال لهم: فأنتم قادرون على الإيمان، ويتأتى لكم ذلك. # فإن قالوا: لا، وافقونا. # وإن قالوا: نعم، زعموا أن العباد يقدرون على الخروج من علم الله. تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا. # PageV01P195 ### | ### | مسألة # عن المعتزلة: # قال الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه: # ويقال لهم: أليس المجوس أثبتوا الشيطان يقدر على الشر الذي لا يقدر الله ~~عز وجل عليه فكانوا بقولهم هذا كافرين؟ فلا بد من نعم. # يقال لهم: فإذا زعمتم أن الكافرين يقدرون على الكفر، والله تعالى لا يقدر ~~عليه فقد زدتم على المجوس في قولكم؛ لأنكم تقولون معهم: إن الشيطان يقدر ~~على الشر، والله لا يقدر عليه، وهذا ما بينه الخبر عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، وأن القدرية مجوس هذه الأمة، وإنما صاروا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم ~~قالوا بقول المجوس. # PageV01P196 ### | ### | مسألة: # # وزعمت القدرية أنا نستحق اسم القدر؛ لأنا نقول إن الله تعالى قدر الشر ~~والكفر، فمن يثبت القدر كان قدريا دون من لم يثبته. # يقال لهم: القدري هو من يثبت القدر لنفسه دون ربه عز وجل، وأنه يقدر ~~أفعاله دون خالقه، وكذلك هو في اللغة؛ لأن الصائغ: هو من زعم أنه يصوغ دون ~~من يزعم أنه يصاغ له، والنجار: هو من يضيف النجارة ms63 إلى نفسه دون أنه ينجر ~~له. # فلما كنتم تزعمون أنكم تقدرون أعمالكم وتفعلونها دون ربكم، وجب أن تكونوا ~~قدرية، ولم نكن نحن قدرية؛ لأنا لم نضف الأعمال إلى # PageV01P197 # أنفسنا دون ربنا عز وجل، ولم نقل إنا نقدرها دونه، وقلنا: إنها تقدر لنا. ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: إذا كان من أثبت التقدير لله عز وجل قدريا، فيلزمكم إذا زعمتم ~~أن الله تعالى قدر السماوات والأرض، وقدر الطاعات أن تكونوا قدرية، فإذا لم ~~يلزم هذا فقد بطل قولكم وانتقض كلامكم. ### | مسألة في الختم: # يقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة) من الآية (7 /2) ، وقال تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح ~~صدره للإسلام ومن يرد أن يضله # PageV01P198 # يجعل صدره ضيقا حرجا) من الآية (125 /6) ، فخبرونا عن الذين ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم، أتزعمون أنه هداهم وشرح للإسلام صدورهم وأضلهم. # فإن قالوا: نعم، تناقض قولهم. # وقيل لهم: كيف تكون الصدور مشروحة للإيمان، وهي ضيقة حرجة مختوم عليها، ~~وكيف يجتمع الفعل الذي قال الله عز وجل: (أم على قلوب أقفالها) من الآية ~~(24 /47) مع الشرح، والضيق مع السعة، والهدى مع الضلال، إن كان هذا جاز أن ~~يجتمع التوحيد والإلحاد الذي هو ضد التوحيد، والكفر والإيمان معا في قلب ~~واحد، وإن لم يجز هذا لم يجز ما قلتموه. # فإن قالوا: الختم والضيق والضلال لا يجوز أن يجتمع مع شرح الله الصدر. # قيل لهم: وكذلك الهدى لا يجتمع مع الضلال، وإذا كان هذا هكذا # PageV01P199 # فما شرح الله صدور الكافرين للإيمان، بل ختم الله على قلوبهم وأقفلها عن ~~الحق، وشد عليها، كما دعا نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم على قومه فقال: ~~(ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى تروا العذاب ~~الأليم) من الآية (88 /10) قال الله تعالى: (قد أجبت دعوتكما) من آية (89 ~~/10) ، وقال تعالى يخبر عن الكافرين إنهم قالوا: (قلوبنا في أكنة مما ~~تدعوننا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك ms64 حجاب) من الآية (5 /41) ، ~~فإذا خلق الله الأكنة في قلوبهم، والقفل والزيغ؛ لأن الله تعالى قال: (فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم) من الآية (5 /16) # PageV01P200 # والختم وضيق الصدر تم أمرهم بالإيمان الذي علم أنه لا يكون، فقد أمرهم ~~بما لا يقدرون عليه، وإذا خلق الله في قلوبهم ما ذكرنا من الضيق عن ~~الإيمان، فهل الضيق عن الإيمان إلا الكفر الذي في قلوبهم؟ وهذا يبين أن ~~الله خلق كفرهم ومعاصيهم. ### | مسألة: # ويقال لهم: قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (ولولا أن ثبتناك ~~لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) (74 /17) ، وقال تعالى يخبر عن يوسف صلى ~~الله عليه وسلم: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) من الآية (24 ~~/12) # PageV01P201 # فحدثونا عن ذلك التثبيت والبرهان، هل فعله الله عز وجل بالكافرين، أو ما ~~هو مثله؟ # فإن قالوا) لا، تركوا القول بالقدر. # وإن قالوا: نعم. # قيل لهم: فإذا كان لم يركن إليهم من أجل التثبيت فيجب لو كان فعل ذلك ~~بالكافرين أن لا يثبتوا على الكفر، وإذا لم يكونوا عن الكفر مفترقين فقد ~~بطل أن يكون فعل بهم مثل ما فعله بالنبي صلى الله عليه وسلم من التثبيت ~~الذي لما فعله به لم يركن إلى الكافرين. ### | مسألة في الاستثناء: # ويقال لهم: خبرونا عن مطالبة رجل بحق، فقال له: والله لأعطينك ذلك غدا إن ~~شاء الله تعالى، أليس الله شائيا أن يعطيه حقه؟ # فمن قولهم: نعم. # يقال لهم: أفرأيتم إن جاء الغد فلم يعطه حقه، # PageV01P202 # أليس لا يحنث؟ فلا بد من نعم. # يقال لهم: فلو كان الله شاء أن يعطيه حقه لحنث إذا لم يعطه، كما لو قال: ~~والله لأعطينك حقك إذا طلع الفجر غدا، ثم طلع ولم يعطه أنه يكون حانثا. ### | مسألة في الآجال: # يقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون) من الآية (61 /16) ، وقال تعالى: (ولن يؤخر الله نفسا إذا ~~جاء أجلها) من الآية (11 /63) ؟ # فلا بد من نعم. # يقال لهم: ms65 خبرونا عمن قتله قاتله ظلما، أتزعمون أنه قتل في أجله، أو ~~بأجله # PageV01P203 # فإن قالوا: نعم، وافقوا وقالوا بالحق، وترك القدر. # وإن قالوا: لا. # قيل لهم: فمتى أجل هذا المقتول؟ # فإن قالوا: الوقت الذي علم الله أنه لو لم يقتل لتزوج امرأة أنها امرأته، ~~وإن لم يبلغ إلى أن يتزوجها، وإذا كان في معلوم الله أنه لو لم يقتل وبقي ~~لكفر أن تكون النار داره. # وإذا لم يجز هذا لم يجز أن يكون الوقت الذي لم يبلغ إليه أجلا له، على أن ~~هذا القول مقيد لقول الله تعالى: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون) من الآية (61 /16) . ### | مسألة أخرى: # ويقال لهم: إذا كان القاتل عندكم قادرا على أن لا يقتل هذا المقتول ~~فيعيش، فهو قادر على قطع أجله وتقديمه قبل أجله، وهو قادر على تأخيره إلى ~~أجله، فالإنسان على قولكم يقدر أن يقدم آجال العباد ويؤخرها، ويقدر أن # PageV01P204 # يبقي العباد ويبلغهم ويخرج أرواحهم، وهذا إلحاد في الدين. ### | مسألة في الأرزاق: # ويقال لهم: خبرونا عمن اغتصب طعاما فأكله حراما، هل رزقه الله ذلك ~~الحرام؟ # فإن قالوا: نعم، تركوا القدر. # وإن قالوا: لا. # قيل لهم: فمن أكل جميع عمره الحرام، فما رزقه الله شيئا اغتذى به جسمه. # ويقال لهم: فإذا كان غيره يغتصب له ذلك الطعام ويطعمه إياه إلى أن مات، ~~فرازق هذا الإنسان عندكم غير الله، وفي هذا إقرار منهم أن للخلق رازقين: # أحدهما يرزق الحلال، والآخر يرزق الحرام، وأن الناس تنبت لحومهم وتشد ~~عظامهم، والله غير رازق لهم ما اغتذوا به. # PageV01P205 # وإذا قلتم: إن الله لم يرزقه الحرام، لزمكم أن الله لم يغذه به، ولا جعله ~~قواما لجسمه، وأن لحمه وجسمه قام وعظمه اشتد بغير الله عز وجل، وهو ممن ~~رزقه الحرام، وهذا كفر عظيم إن احتملوا. ### | ### | مسألة أخرى # في الأرزاق: # ويقال لهم: لم أبيتم أن يرزق الله الحرام؟ # فإن قالوا: لأنه لو رزق الحرام لملك الحرام. # يقال لهم: خبرونا عن الطفل الذي يتغذى من لبن أمه، وعن البهيمة ms66 التي ترعى ~~الحشيش، من يرزقهما ذلك؟ # فإن قالوا: الله تعالى. # قيل لهم: فمن ملكهما؟ وهل للبهيمة ملك؟ # فإن قالوا: لا. # PageV01P206 # قيل لهم: فلم زعمتم أنه لو رزق الحرام لملك الحرام، وقد يرزق الله الشيء ~~ولا يملكه؟ # ويقال لهم: هل أقدر الله العبد على الحرام ولم يملكه إياه؟ # فمن قولهم: نعم. # يقال لهم: فما أنكرتم أن يرزقه الحرام، وإن لم يملكه إياه. ### | ### | مسألة أخرى: # # يقال لهم: إذا كان توفيق المؤمنين بالله، فما أنكرتم أن يكون خذلان ~~الكافرين من قبل الله تعالى، وإلا فإن زعمتم أن الله وفق الكافرين للإيمان ~~فقولوا عصمهم من الكفر، وكيف يعصمهم من الكفر وقد وقع الكفر منهم؟ # فإن أثبتوا أن الله خذلهم، قيل لهم: فالخذلان من الله أليس هو الكفر الذي ~~خلقه فيهم؟ # فإن قالوا: نعم، وافقوا. # وإن قالوا: لا. # قيل لهم: فما ذلك الخذلان الذي خلقه؟ # فإن قالوا: تخليته إياهم والكفر. # قيل لهم: أو ليس من قولكم: إن الله عز وجل خلى بين المؤمنين وبين الكفر؟ # PageV01P207 # فمن قولهم: نعم. # قيل لهم: فإذا كان الخذلان التخلية بينهم وبين الكفر، فقد لزمكم أن يكون ~~خذل المؤمنين؛ لأنه خلى بينهم وبين الكفر، وهذا خروج عن الدين، فلا بد لهم ~~أن يثبتوا لهم الخذلان الكفر الذي خلقه فيتركوا القول بالقدر. ### | مسألة أخرى: # إن سأل سائل من أهل القدر، فقال: هل يخلو العبد من أن يكون بين نعمة يجب ~~عليه أن يشكر الله عليها، أو بلية يجب عليه الصبر عليها؟ # قيل له: العبد لا يخلو من نعمة وبلية، والنعمة يجب على العبد أن يشكر ~~الله عليها، والبلايا على ضربين: # منها ما يجب الصبر عليها كالأمراض والأسقام وما أشبه ذلك. # ومنها ما يجب عليه الإقلاع عنها كالكفر والمعاصي. ### | مسألة: # وإن سألوا فقالوا: أيما خير، الخير أو من الخير منه؟ # قيل لهم: من كان الخير متفضلا به فهو خير من الخير. # فإن قالوا: فأيما شر، الشر أو من الشر منه؟ # PageV01P208 # قيل لهم: من كان الشر منه جائزا به فهو أشر من الشر، ms67 والله تعالى يكون ~~منه الشر خلقا، وهو عادل به، ولذلك لا يلزمنا ما سألتم عنه على أنكم ناقضون ~~لأصولكم؛ لأنه إن كان من كان الشر منه فهو أشر من الشر، وقد خلق الله تعالى ~~إبليس الذي هو أشر من الشر الذي يكون منه، فقد خلق ما هو أشر من الشرور ~~كلها، وهذا نقض دينكم وفساد مذهبكم. ### | مسألة في الهدى: # يقال للمعتزلة: أليس قد قال الله تعالى: (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى ~~للمتقين) # PageV01P209 # فأخبر أن القرآن هدى للمتقين؟ فلا بد من نعم. # يقال لهم: أو ليس قد ذكر الله عز وجل القرآن فقال: (والذين لا يؤمنون ~~بالآخرة في آذانهم وقر وهو عليهم عمى) من الآية (44 /41) فخبر أن القرآن ~~على الكافرين عمى؟ فلا بد من نعم. # يقال لهم: فهل يجوز أن يكون من خبر الله عز وجل أن # PageV01P003 # القرآن له هدى وهو عليه عمى؟ فلا بد من لا. # يقال لهم: فكما لا يجوز أن يكون القرآن عمى على من أخبر الله تعالى أنه ~~له هدى، كذلك لا يجوز أن يكون القرآن هدى لمن أخبر الله أنه عليه عمى. ### | ### | ### | مسألة أخرى: # # ثم يقال لهم: إذا جاز أن يكون دعاء الله إلى الإيمان هدى لمن قبل ولمن لم ~~يقبل، فما أنكرتم دعاء إبليس إلى الكفر إضلالا لمن قبل ولمن لم يقبل، فإن ~~كان دعاء إبليس إلى الكفر إضلالا للكافرين الذين قبلوا عنه، دون المؤمنين ~~لم يقبلوا عنه، فما أنكرتم أن دعاء الله تعالى إلى الإيمان هدى للمؤمنين ~~الذين قبلوا عنه، دون الكافرين الذين لم يقبلوا عنه، وإلا فما الفرق بين ~~ذلك؟ # مسألة أخرى: # ويقال لهم: أليس قال الله تعالى # PageV01P210 # : (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) من الآية (26 /2) فهل يدل قوله: (يضل به ~~كثيرا) على أنه لم يضل الكل؛ لأنه لو أراد الكل لقال: يضل به الكل، فلما ~~قال: (يضل به كثيرا) علمنا أنه لم يضل الكل؟ فلا بد من نعم. # يقال لهم: فما أنكرتم أن قوله تعالى: (ويهدي به ms68 كثيرا) دليل على أنه لم ~~يرد الكل؛ لأنه لو أراد الكل لقال: ويهدي به الكل، فلما قال تعالى: (ويهدي ~~به كثيرا) علمنا أنه لم يهد الكل، وفي هذا إبطال قولكم: إن الله هدى الخلق ~~أجمعين. ### | مسألة أخرى: # ويقال لهم: إذا قلتم إن دعاء الله إلى الإيمان هدى للكافرين الذين لم ~~يقبلوا عن الله أمره، فما أنكرتم أن يكون دعا الله إلى الإيمان نفعا وصلاحا # PageV01P211 # وتسديدا للكافرين الذين لم يقبلوا عن الله أمره، وما أنكرتم أن يكون عصمة ~~لهم من الكفر وإن لم يكونوا من الكفر معتصمين، وأن يكون توفيقا للإيمان وإن ~~لم يوفقوا للإيمان، وفي هذا ما يجب أن الله سدد الكافرين وأصلحهم وعصمهم ~~ووفقهم للإيمان وإن كانوا كافرين، وهذا ما لا يجوز؛ لأن الكافرين مخذولون. # وكيف يكونون موفقين للإيمان وهم مخذولون؟ # فإن جاز أن يكون الكافر موفقا للإيمان، فما أنكرتم أن يكون الإيمان له ~~متفقا، فإن استحال هذا، فما أنكرتم أن يستحيل ما قلتموه. ### | مسألة في الضلال: # يقال لهم: أضل الله تعالى الكافرين عن الإيمان، أو عن الكفر؟ # فإن قالوا: عن الكفر. # PageV01P212 # قيل لهم: فكيف يكونون ضالين عن الكفر ذاهبين عنه، وهم كافرون؟ # وإن قالوا: أضلهم عن الإيمان، تركوا قولهم. # وإن قالوا: نقول: إن الله أضلهم، ولم يضلهم عن شيء. # قيل لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: إن الله هدى المؤمنين لا إلى شيء؟ # فإن استحال أن يهدي المؤمنين لا إلى الإيمان، فما أنكرتم من أنه محال أن ~~يضل الكافرين لا إلى الإيمان. ### | ### | مسألة أخرى: # # ويقال لهم: ما معنى قول الله تعالى: (ويضل الله الظالمين) من الآية (27 ~~/14) ؟ # فإن قالوا: معنى ذلك أنه يسميهم ضالين، ويحكم عليهم بالضلال. # قيل لهم: أليس خاطب الله العرب بلغتهم فقال: (بلسان عربي مبين) من الآية ~~(195 /26) ، # PageV01P213 # وقال: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) من الآية (4 /14) ؟ فلا بد من ~~نعم. # يقال لهم: وإذا كان الله عز وجل أنزل القرآن بلسان العرب، فمن أين وجدتم ~~في لغة العرب أن يقال: أضل ms69 فلان فلانا أي سماه ضالا؟ # فيقال: قالوا وجدنا القائل يقول: إذا قال رجل لرجل ضال قد ضللت. # قيل لهم: قد وجدنا لعمري القائل: ضلل فلان فلانا أنه سماه ضالا، ولم ~~نجدهم يقولون: أضل فلان فلانا بهذا المعنى، فلما قال الله تعالى: (ويضل ~~الله الظالمين) من الآية (27 /14) لم يجز أن يكون معنى ذلك الاسم، والحكم ~~إذا لم يجز في لغة العرب أن يقال: أضل فلان فلانا، بأن سماه ضالا، بطل ~~تأويلكم إذا كان خلاف لسان العرب. # PageV01P214 ### | مسألة أخرى: # ويقال لهم: إذا قلتم: إن الله أضل الكافرين بأن سماهم ضالين، وليس ذلك في ~~اللغة على ما ادعيتموه، فيلزمكم إذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم قوما ~~ضالين فاسدين بأن يكون قد أضلهم وأفسدهم بأن سماهم ضالين فاسدين، وإذا لم ~~يجز هذا بطل أن يكون معنى (يضل الله الظالمين) الاسم والحكم كما ادعيتم. ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا) من الآية (17 /18) ، وقال تعالى: (كيف يهدي الله ~~قوما كفروا بعد إيمانهم) من الآية (86 /3) فذكر أنه يهديهم، وقال تعالى # PageV01P215 # : (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) الآية من ~~(25 /10) فجعل الدعاء عاما، والهدى خاصا، وقال تعالى: (لا يهدي القوم ~~الكافرين) من الآية (264 /2) فإذا أخبر الله عز وجل أنه لا يهدي القوم ~~الكافرين، فكيف يجوز لقائل أن يقول: إنه هدى الكافرين مع إخباره أنه لا ~~يهديهم، ومع قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) من ~~الآية (56 /28) ، ومع قوله تعالى: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) ~~من الآية (272 /2) ، ومع قوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) من ~~الآية (13 /32) ، # PageV01P216 # وإن جاز هذا جاز أن يقال: أضل المؤمنين، مع قوله تعالى: (ومن يهد الله ~~المهتد) من الآية (97 /17) ، ومع قوله: (هدى للمتقين) من الآية (2 /2) ، ~~فإن لم يكن ذلك، فما أنكرتم أنه لا يجوز أن ms70 يهدي الكافرين مع قوله تعالى: ~~(لا يهدي القوم الكافرين) من الآية (264 /2) ومع سائر الآيات التي طالبناكم ~~بها. مسألة: # ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله ~~الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة) من الآية (23 /45) ~~؟ # PageV01P217 # فلا بد من نعم. # يقال لهم: فأضلهم ليضلوا أو ليهتدوا؟ # فإن قالوا: أضلهم ليهتدوا. # قيل لهم: وكيف يجوز أن يضلهم ليهتدوا، وإن جاز هذا جاز أن يهديهم ليضلوا، ~~وإذا لم يجز أن يهدي المؤمنين ليضلوا، فما أنكرتم من أنه لا يجوز أن يضل ~~الكافرين ليهتدوا. ### | مسألة: # ويقال لهم: إذا زعمتم أن الله هدى الكافرين فلم يهتدوا، فما أنكرتم أن ~~ينفعهم فلا ينتفعون، وأن يصلحهم فلا ينصلحون، وإذا جاز أن ينفع من لا ينتفع ~~بنفعه فما أنكرتم من أن يضر من لا تلحقه المضرة، فإن كان لا يضر إلا من ~~يلحقه الضرر فكذلك لا ينفع إلا منتفعا، ولو جاز أن ينفع من ليس منتفعا، ~~ويهدي من ليس مهتديا؛ جاز أن يقدر من ليس مقتدرا، وإذا استحال ذلك استحال ~~أن ينفع من ليس منتفعا، ويهدي من ليس مهتديا. # PageV01P218 ### | مسألة يسألون عنها: # يقولون: أليس قد قال الله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى ~~للناس وبينات) من الآية (185 /2) فما أنكرتم أن يكون القرآن هدى للكافرين ~~والمؤمنين. # قيل لهم: الآية خاصة؛ لأن الله تعالى قد بين لنا أنه هدى للمتقين، وخبرنا ~~أنه لا يهدي الكافرين، والقرآن لا يتناقض، فوجب أن يكون قوله: (هدى للناس) ~~أراد المؤمنين دون الكافرين. ### | ### | مسألة: # # فإن قال قائل: أليس قد قال الله تعالى: (إنما تنذر من اتبع الذكر) من ~~الآية (11 /36) # PageV01P219 # ، وقال تعالى: (إنما أنت منذر من يخشاها) (45 /79) ، وقد أنذر النبي صلى ~~الله عليه وسلم من اتبع الذكر ومن لم يتبع، ومن خشي ومن لم يخش؟ # قيل له: نعم. # فإن قالوا: فما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: (هدى للمتقين) من الآية (2 ~~/2) أراد به هدى لهم ولغيرهم؟ # قيل لهم: إن ms71 معنى قول الله تعالى: (إنما ينذر من اتبع الذكر) من الآية ~~(11 /36) إنما أراد به ينتفع بإنذارك من اتبع الذكر، وقوله تعالى: (إنما ~~أنت منذر من يخشاها) (45 /79) أراد أن الإنذار ينتفع به من يخشى الساعة، ~~ويخاف العقوبة فيها، على أن الله تعالى قد أخبر في موضع آخر من القرآن أنه ~~أنذر الكافرين، فقال # PageV01P220 # : (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) (6 /2) ~~وهذا هو خبر عن الكافرين، وقال تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (214 /26) ، ~~وقال تعالى: (أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) من الآية (13 /41) وهذا ~~خطاب للكافرين. # فلما أخبر الله تعالى في آيات من القرآن أنه أنذر الكافرين، كما أخبر في ~~آيات من القرآن أنه أنذر من يخشاها، وأنذر من اتبع الذكر؛ وجب بالقرآن أن ~~الله قد أنذر المؤمنين والكافرين، فلما أخبرنا # PageV01P221 # الله أنه هدى للمتقين وعمى على الكافرين، وخبرنا أنه لا يهدي الكافرين؛ ~~وجب أن يكون القرآن هدى للمتقين دون الكافرين. ### | مسألة: # وإن سأل سائل عن قول الله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى) من الآية (17 /41) فقال: أليس ثمود كانوا كافرين وقد أخبر الله ~~تعالى أنه هداهم. # قيل له: ليس الأمر كما ظننت. # والجواب في هذه الآية على وجهين: # أحدهما: أن ثمود كانوا فريقين مؤمنين وكافرين، وهم الذين أخبر الله أنه ~~نجاهم مع صالح صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى # PageV01P222 # : (نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا) من الآية (66 /11) فالذين ~~عنى الله عز وجل من ثمود أنه هداهم هم المؤمنون دون الكافرين؛ لأن الله ~~تعالى قد بين لنا في القرآن أنه لا يهدى الكافرين، والقرآن لا يتناقض، بل ~~يصدق بعضه بعضا، فإذا أخبرنا في موضع أنه لا يهدي الكافرين، ثم خبر في موضع ~~آخر أنه هدى ثمود، علمنا أنه إنما أراد المؤمنين من ثمود دون الكافرين. # والوجه الآخر: أن الله عز وجل عنى قوما من ثمود كانوا مؤمنين ثم ارتدوا، ~~فأخبر أنه تعالى هداهم فاستحبوا بعد الهداية الكفر على الإيمان، وكانوا ms72 في ~~حال ما هداهم مؤمنين. # فإن قال قائل معترضا في الجواب الأول: كيف يجوز أن يقول: (فهديناهم) ~~ويعني المؤمنين من ثمود، ويقول: (فاستحبوا) يعني الكافرين منهم وهم غير ~~مؤمنين؟ # يقال له: هذا جائز في اللغة التي ورد بها القرآن أن يقول: (فهديناهم) # PageV01P223 # ويعني المؤمنين من ثمود، ويقول: (فاستحبوا) ويعني الكافرين منهم، وقد ورد ~~القرآن بمثل هذا، قال الله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) من ~~الآية (33 /8) يعني الكافرين، ثم قال تعالى: (وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون) من الآية (33 /8) يعني المؤمنين، ثم قال تعالى: (وما لهم ألا ~~يعذبهم الله) من الآية (34 /8) يعني الكافرين، ولا خلاف عند أهل اللغة في ~~جواز الخطاب بهذا أن يكون ظاهره لجنس والمراد به جنسان، فبطل ما اعترض به ~~ودل على جهله. # PageV01P224 ### | الباب العاشر ذكر الروايات في القدر # روى معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، قال: ثنا سليمان الأعمش، عن زيد بن وهب، ~~عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - وهو الصادق المصدوق -: (أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ~~ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله الملك، قال: ~~فيؤمر بأربع كلمات، يقال: اكتب أجله، ورزقه، وعمله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ ~~فيه الروح) . # قال صلى الله عليه وسلم # PageV01P225 # : (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو ~~باع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل ~~بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع فيسبق عليه الكتاب ~~فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) . لا حرمنا الله منها. # وروى معاوية بن عمرو قال: ثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احتج آدم وموسى ~~صلوات الله وسلامه عليهما فقال موسى عليه السلام: يا آدم أنت الذي خلقك ~~الله بيده ونفخ فيك من روحه، ms73 أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة، قال: فقال آدم ~~صلى الله عليه وسلم # PageV01P226 # : أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلماته، تلومني على عمل كتبه الله علي قبل ~~أن يخلق الله السماوات، قال: فحج آدم موسى) . # وروى حديث (حج آدم موسى) مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على بطلان قول القدرية الذين يقولون: ~~إن الله تعالى لا يعلم الشيء حتى يكون؛ لأن الله تعالى إذا كتب ذلك وأمر ~~بأن يكتب فلا يكتب شيء لا يعلمه - جل عن ذلك وتقدس - وقال تعالى: (وما تسقط ~~من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين) من الآية (59 /6) ، وقال تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) من الآية (6 /11) ، # PageV01P227 # وقال تعالى: (أحصاه لله ونسوه) من الآية (6 /58) ، وقال تعالى: (لقد ~~أحصاهم وعدهم عدا) (94 /19) ، وقال تعالى: (أحاط بكل شيء علما) من الآية ~~(12 /25) ، (وأحصى كل شيء عددا) من الآية (28 /72) ، وقال تعالى (بكل شيء ~~عليم) من الآية (231 /25) ، فذلك يبين أنه يعلم الأشياء كلها. # وقد أخبر الله تعالى أن الخلق يبعثون ويحشرون، وأن الكافرين في النار ~~يخلدون، وأن الأنبياء والمؤمنين في الجنان يخلدون، وأن القيامة تقوم ولم ~~تقم # PageV01P228 # القيامة، فذلك يدل على أن الله تعالى يعلم ما يكون قبل أن يكون، وقد قال ~~تعالى في أهل النار: (ولو ردوا لعادوا) من الآية (28 /6) ، فأخبر عما لا ~~يكون أنه لو كان كيف يكون، وقال تعالى: (فما بال القرون الأولى قال علمها ~~عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) من الآية (51 - 52 /20) ، ومن لا ~~يعلم الشيء قبل كونه لا يعلم بعد تقضيه، تعالى الله عن قول الظالمين علوا ~~كبيرا. # وروى معاوية بن عمرو، قال: ثنا زائدة، عن سليمان الأعمش، عن عمرو بن مرة، ~~عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن ربيعة، قال: # PageV01P229 # كنا ms74 عند عبد الله، قال: فذكروا رجلا فذكروا من خلقه، فقال القوم: أما له ~~من يأخذ على يديه؟ قال عبد الله: أرأيتم لو قطع رأسه كنتم تستطيعون أن ~~تجعلوا له رأسا؟ قالوا: لا. # قال عبد الله: إن النطفة إذا وقعت في المرأة مكثت أربعين يوما، ثم انحدرت ~~دما، ثم تكون علقة مثل ذلك، ثم تكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث ملك فيقول: اكتب ~~أجله، وعمله، ورزقه، وأثره، وخلقه، وشقي أو سعيد، وأنكم لن تستطيعوا أن ~~تغيروا خلقه حتى تغيروا خلقه. # وروى معاوية بن عمرو، قال: ثنا زائدة، عن سعيد بن عبيدة، عن أبي عبد ~~الرحمن، عن علي رضي الله عنه، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقعد ونحن # PageV01P230 # حوله، ومعه حصير فنكت بها ورفع رأسه، فقال: (ما منكم من نفس منفوسة إلا ~~قد كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة) ، فقال رجل من ~~القوم: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل ~~السعادة فسيصير إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى الشقاوة؟ ~~فقال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل الشقوة فميسرون لعمل الشقوة، ~~وأما أهل السعادة فميسرون لعمل السعادة) ، ثم قال: (فأما من أعطى واتقى ~~وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى # PageV01P231 # وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى) (5 - 10 /92) . # وروى موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد، قال: ثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن ~~عائشة رضي الله عنها، وعن أبويها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن ~~الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، وإنه مكتوب في الكتاب من أهل النار، فإذا كان ~~قبل موته تحول فعمل بعمل أهل النار، فمات فدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل ~~أهل النار، وأنه مكتوب في الكتاب أنه من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته تحول ~~فعمل بعمل أهل الجنة، فمات فدخل الجنة) . # PageV01P232 # وهذه الأحاديث تدل على أن الله تعالى علم ما يكون أنه ms75 يكون وكتبه، وأنه ~~قد كتب أهل الجنة وأهل النار، وخلقهم فريقين فريقا في الجنة وفريقا في ~~السعير، وبذلك نطق كتابه العزيز؛ إذ يقول: (فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة) من الآية (30 /7) ، وقال تعالى: (فريق في الجنة وفريق في السعير) ~~من الآية (7 /42) ، وقال تعالى: (فمنهم شقي وسعيد) من الآية (105 /11) فخلق ~~الله الأشقياء للشقاء، والسعداء للسعادة، وقال تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس) من الآية (179 /7) . # PageV01P233 # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله عز وجل جعل للجنة أهلا ~~وللنار أهلا) أعاذنا الله منها. # دليل آخر في القدر: # ومما يدل على بطلان قول القدرية قول الله تعالى: (وإذا أخذ ربك من بني ~~آدم من ظهورهم ذريتهم) الآية من الآية (172 /7) . # وجاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن الله عز وجل مسح ظهر ~~آدم فأخرج ذريته من ظهره كأمثال الذر، ثم قررهم بوحدانيته وأقام الحجة ~~عليهم) ؛ لأنه قال تعالى: (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) ~~من آية (172 /7) ، # PageV01P234 # قال الله تعالى: (أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) من الآية ~~(172 /7) فجعل تقريرهم بوحدانيته لما أخرجهم من ظهر آدم صلى الله عليه وسلم ~~حجة عليهم إذا أنكروا في الدنيا ما كانوا عرفوه في الذر الأول، ثم من بعد ~~الإقرار جحدوه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنه سبحانه وتعالى قبض قبضة ~~للجنة، وقبض قبضة للنار، ميز بعضها من بعض، فقلبت الشقوة على أهل الشقوة، ~~والسعادة على أهل السعادة) . # PageV01P235 # قال الله تعالى مخبرا عن أهل النار - أعاذنا الله منها - أنهم قالوا: ~~(ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين) ، فكل ذلك أمر قد سبق في علم ~~الله تعالى، ونفذت فيه إرادته، وتقدمت فيه مشيئته. # وروى معاوية بن عمرو قال: ثنا زائدة، قال: حدثنا طلحة بن يحيى القرشي، ~~قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وعن ~~أبويها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعي إلى ms76 جنازة غلام من الأنصار ليصلي ~~عليه، فقالت عائشة رضي الله عنها: طوبى لهذا يا رسول الله، عصفور من عصافير ~~الجنة لم يعمل سوءا ولم يدركه، قال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله تعالى ~~قد جعل للجنة أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وللنار أهلا جعلهم لها وهم في ~~أصلاب آبائهم) ، # PageV01P236 # وهذا يبين أن السعادة قد سبقت لأهلها، والشقاء قد سبق لأهله. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) . # دليل آخر: # وقد قال الله تعالى: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا ~~مرشدا) من الآية (17 /18) ، وقال تعالى: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) من ~~الآية (26 /12) ، فأخبر تعالى أنه يضل ويهدي، وقال تعالى: (ويضل الله ~~الظالمين ويفعل الله ما يشاء) من الآية (27 /14) ، فأخبرنا أنه (فعال لما ~~يريد) من الآية (107 /11) # PageV01P237 # وإذا كان الكفر مما أراده فقد فعله، وقدره، وأحدثه، وأنشأه، واخترعه، وقد ~~تبين ذلك بقوله تعالى: (أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) من ~~الآية (95 - 96 /37) فلو كانت عبادتهم للأصنام من أعمالهم كان ذلك مخلوقا ~~لله تعالى، وقد قال الله تعالى: (جزاء بما كانوا يعملون) من الآية (17 /32) ~~يريد أنه تعالى يجازيهم على أعمالهم، فكذلك إذا ذكر عبادتهم للأصنام وكفرهم ~~بالرحمن، ولو كان مما قدروه وفعلوه لأنفسهم لكانوا قد فعلوا وقدروا ما خرج ~~عن تقدير ربهم وفعله، وكيف يجوز أن يكون لهم من التقدير والفعل والقدرة ما ~~ليس لربهم؟ فمن زعم ذلك فقد عجز الله. تعالى الله عن قول المعجزين له علوا ~~كبيرا. # ألا ترى أن من زعم أن العباد يعلمون مالا يعلمه الله عز وجل # PageV01P238 # لكان قد أعطاهم من العلم ما لم يدخله في علم الله، وجعلهم لله نظراء، ~~فكذلك من زعم أن العباد يفعلون ويقدرون ما لم يقدره، ويقدرون على ما لم ~~يقدر عليه، فقد جعل لهم من السلطان والقدرة والتمكن ما لم يجعله للرحمن. ~~تعالى عن قول أهل الزور والبهتان، والإفك والطغيان علوا كبيرا. ### | مسألة: # ويقال ms77 لهم: هل فعل الكافر الكفر فاسدا باطلا متناقضا؟ فإن قالوا: نعم. # قيل لهم: وكيف يفعله فاسدا متناقضا قبيحا، وهو يعتقده حسنا صحيحا أفضل ~~الأديان؟ # وإذا لم يجز ذلك؛ لأن الفعل لا يكون فعلا على حقيقته إلا ممن علمه على ما ~~هو عليه من حقيقته، كما لا يجوز أن يكون فعلا ممن لم يعلمه فعلا، فقد وجب ~~أن الله تعالى هو الذي قدر الكفر وخلقه كفرا فاسدا باطلا متناقضا، خلافا ~~للحق والسداد # PageV01P240 ### | الباب الحادي عشر الكلام في الشفاعة والخروج من النار: ### | ### | مسألة: # # ويقال لهم: قد أجمع المسلمون أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعة، ~~فلمن الشفاعة أهي للمذنبين المرتكبين للكبائر، أم للمؤمنين المخلصين؟ # فإن قالوا: للمذنبين المرتكبين للكبائر وافقوا. # وإن قالوا: للمؤمنين المبشرين بالجنة الموعودين بها. # قيل لهم: فإذا كانوا موعودين بالجنة وبها مبشرين، والله تعالى لا يخلف ~~وعده فما معنى الشفاعة لقوم لا يجوز عندكم أن لا يدخلهم الله جناته؟ ومن ~~قولكم أنهم قد استحقوها على الله عز وجل # PageV01P241 # واستوجبوها عليه سبحانه، وإذا كان الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة وكان ~~تأخيرهم عن الجنة ظلما، فإنما يشفع الشفعاء إلى الله تعالى في أن لا يظلم ~~على مذاهبكم. تعالى الله عن افتراءكم عليه علوا كبيرا. # فإن قالوا: يشفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى في أن يزيدهم ~~من فضله، لا في أن يدخلهم جناته. # قيل لهم: أو ليس قد وعدهم الله عز وجل ذلك فقال تعالى: (يوفيهم أجورهم ~~ويزيدهم من فضله) من الآية (173 /4) والله تعالى لا يخلف وعده، فإنما يشفع ~~إلى الله تعالى عندكم من أن يخلف وعده، وهذا جهل منكم، وإنما الشفاعة ~~المعقولة فيمن استحقه عقابا أن يوضع عنه عقابه، أو في من لم يعده شيئا أن ~~يتفضل # PageV01P242 # عليه به، فأما إذا كان الوعد بالتفضل سابقا فلا وجه لهذا. ### | مسألة: # فإن سألوا عن قول الله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) من الآية (28 ~~/21) . # فالجواب عن ذلك: إلا لمن ارتضى لمن يشفعون له، وقد روي ms78 أن شفاعة النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن ~~المذنبين يخرجون من النار) . # PageV01P244 ### | الباب الثاني عشر الكلام في الحوض # وأنكرت المعتزلة الحوض، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ~~كثيرة، وروي عن أصحابه رضي الله عنهم أجمعين بلا خلاف. # وروي عن عفان، قال: ثنا حماد بن مسلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه أنه ذكر الحوض عند عبيد الله بن زياد فأنكره، فبلغ ~~أنسا رضي الله عنه فقال: لا جرم والله لأفعلن به، قال: فأتاه فقال: ما ~~ذكرتم من الحوض، ما أنكرتم من الحوض، # PageV01P245 # قال عبيد الله: هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكره؟ قال: سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم أكثر من كذا مرة وكذا مرة يقول: (ما بين طرفيه - يعني ~~الحوض - ما بين أيلة ومكة، أو ما بين صنعاء ومكة، وأن آنيته أكثر من نجوم ~~السماء) اللهم اسقنا منه شربة لا نظمأ بعدها أبدا. # وروى أحمد بن عبد الله بن يونس قال: ثنا ابن زائدة، عن عبد الملك بن عمير ~~عن جندب بن سفيان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أنا ~~فرطكم على الحوض) في أخبار كثيرة. # PageV01P246 ### | الباب الثالث عشر الكلام في عذاب القبر # وأنكرت المعتزلة عذاب القبر أعاذنا منه. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة، وروي عن أصحابه رضي ~~الله عنهم أجمعين، وما روي عن أحد منهم أنه أنكره ونفاه وجحده، فوجب أن ~~يكون إجماعا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. # وروى أبو بكر بن أبي شيبة قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(تعوذوا بالله من عذاب القبر) . # PageV01P247 # وروى أحمد بن إسحاق الحضرمي، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا موسى بن عقبة قال: ~~حدثتني أم خالد بنت خالد بن سعيد بن القاضي رضي ms79 الله عنها أنها سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (يتعوذ من عذاب القبر) أعاذنا الله منه. # وروى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~(لولا أن تدافنوا لسألت الله عز وجل أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمعني) # دليل آخر: # ومما يبين عذاب الكافرين في القبور قول الله تعالى: (النار يعرضون عليها ~~غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) (46 /40) ، # PageV01P248 # فجعل عذابهم يوم تقوم الساعة بعد عرضهم على النار في الدنيا غدوا وعشيا، ~~وقال تعالى: (سنعذبهم مرتين) من الآية (101 /9) مرة بالسيف، ومرة في ~~قبورهم، ثم يردون إلى عذاب غليظ في الآخرة. # وأخبر الله تعالى أن الشهداء في الدنيا يرزقون ويفرحون بفضل الله تعالى، ~~قال الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ~~من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (169 - 170 /3) وهذا لا يكون إلا في ~~الدنيا؛ لأن الذين لم يلحقوا بهم أحياء لم يموتوا ولا قتلوا. # PageV01P250 ### | الباب الرابع عشر الكلام في إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه # قال الله تبارك وتعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) من ~~الآية (55 /24) ، وقال تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتو الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) من الآية (41 /22) ، وأثنى ~~الله تعالى على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، وعلى أهل بيعة ~~الرضوان، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين في ~~مواضع كثيرة، وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال تعالى # PageV01P251 # : (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) من الآية (18 /48) ~~الآية، وقد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه وسموه خليفة ms80 رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه ~~وانقادوا له، وأقروا له بالفضل، وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي ~~يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي، وسياسة الأمة وغير ذلك. # دليل آخر من القرآن على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه # دليل آخر من القرآن على إمامة الصديق رضي الله عنه: # وقد دل الله تعالى على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سورة براءة ~~فقال تعالى للقاعدين عن نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم والمتخلفين عن الخروج ~~معه # PageV01P252 # : (فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) من الآية (83 /9) ، ~~وقال تعالى في سورة أخرى: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ~~ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله) من الآية (15 /48) يعني قوله: ~~(لن تخرجوا معي أبدا) من الآية (83 /9) ، ثم قال تعالى: (كذلكم قال الله من ~~قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) من الآية (15 /48) ~~، وقال تعالى: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا) من الآية ~~(16 /48) يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم إلى قتالهم (كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما) من الآية (16 /48) # PageV01P253 # والداعي لهم إلى ذلك غير النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عز وجل ~~له: (قل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) من الآية (83 /9) ، وقال ~~تعالى في سورة الفتح: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) من الآية (15 /48) ~~فمنعهم الخروج مع نبيه صلى الله عليه وسلم وجعل خروجهم معه تبديلا لكلامه، ~~فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه صلى الله ~~عليه وسلم، وقد قال الناس: هم أهل فارس، وقالوا: أهل اليمامة، فإن كانوا ~~أهل اليمامة فقد قاتلهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق # PageV01P254 # رضي الله عنه، وإن كانوا الروم فقد قاتلهم الصديق أيضا، وإن كانوا أهل ~~فارس فقد قوتلوا في ms81 أيام أبي بكر رضي الله عنه، وقاتلهم عمر رضي الله عنه ~~من بعده وفرغ منهم. # وإذا وجبت إمامة عمر رضي الله عنه وجبت إمامة أبي بكر رضي الله عنه، كما ~~وجبت إمامة عمر رضي الله عنه؛ لأنه العاقد له الإمامة، فقد دل القرآن على ~~إمامة الصديق رضي الله عنه والفاروق رضي الله عنه. # وإذا وجبت إمامة أبي بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وجب أنه أفضل المسلمين. # دليل آخر من الإجماع على إمامة أبي بكر رضي الله عنه: # ومما يدل على إمامة الصديق رضي الله عنه أن المسلمين جميعا بايعوه ~~وانقادوا لإمامته، وقالوا له: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # PageV01P255 # ورأينا عليا والعباس رضي الله عنهما بايعاه رضي الله عنه وأقرا له ~~بالإمامة، وإذا كانت الرافضة يقولون: إن عليا رضي الله عنه هو المنصوص على ~~إمامته، والراوندية تقول: العباس هو المنصوص على إمامته، ولم يكن للناس في ~~الإمامة إلا ثلاثة أقوال: # من قال منهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامة أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه، وهو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقول من قال: نص على إمامة علي رضي الله عنه. # وقول من قال: الإمام بعده العباس. # وقول من قال: هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، هو بإجماع المسلمين ~~والشهادة له بذلك. # ثم رأينا عليا رضي الله عنه والعباس رضي الله عنه قد بايعاه # PageV01P256 # وأجمعا على إمامته، فوجب أن يكون إماما بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإجماع المسلمين. # ولا يجوز لقائل أن يقول كان باطن علي والعباس خلاف ظاهرهما، ولو جاز هذا ~~لمدعيه لم يصح إجماع، وجاز لقائل أن يقول ذلك في كل إجماع للمسلمين. # وهذا يسقط حجة الإجماع؛ لأن الله تعالى لم يتعبدنا في الإجماع بباطن ~~الناس، وإنما تعبدنا بظاهرهم، وإذا كان كذلك فقد حصل الإجماع والاتفاق على ~~إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. # وإذا ثبتت إمامة الصديق رضي الله عنه، ثبتت ms82 إمامة الفاروق رضي الله عنه؛ ~~لأن الصديق رضي الله عنه نص عليه وعقد له الإمامة، واختاره لها. # وكان أفضلهم بعد أبي بكر رضي الله عنه. # وثبتت إمامة عثمان رضي الله عنه بعد عمر رضي الله عنه بعقد # PageV01P257 # من عقد له الإمامة من أصحاب الشورى؛ الذين نص عليهم عمر رضي الله عنه، ~~فاختاروه ورضوا بإمامته، وأجمعوا على فضله وعدله. # وتثبت إمامة علي رضي الله عنه بعد عثمان رضي الله عنه لعقد من عقدها له ~~من الصحابة رضي الله عنهم من أهل الحل والعقد، ولأنه لم يدعها أحد من أهل ~~الشورى غيره في وقته، وقد اجتمع على فضله وعدله، وأن امتناعه عن دعوى الأمر ~~لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقا؛ لعلمه أن ذلك ليس بوقت قيامه، وأنه ~~قلما كان لنفسه في وقت الخلفاء قبله # PageV01P258 # ، ثم لما صار الأمر أظهر وأعلن ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد، كما ~~مضى من قبله من الخلفاء، وأئمة العدل من السداد والرشاد متبعين لكتاب ربهم ~~وسنة نبيهم. # هؤلاء هم الأئمة الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم رضي الله عنهم أجمعين. # وقد روى شريح بن النعمان قال: ثنا حشرج بن نباته عن سعيد بن جمهان، قال ~~ثني سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخلافة في أمتي ثلاثون ~~سنة، ثم ملك بعد ذلك) ، ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر وخلافة عمر ~~وخلافة عثمان، ثم أمسك خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، # PageV01P259 # قال فوجدتها ثلاثين سنة. # فدل ذلك على إمامة الأئمة الأربعة رضي الله عنهم أجمعين. # فأما ما جرى من علي والزبير وعائشة رضي الله عنهم أجمعين، فإنما كان على ~~تأويل واجتهاد، وعلي الإمام، وكلهم من أهل الاجتهاد، وقد شهد لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالجنة والشهادة، فدل على أنهم كلهم كانوا على حق في ~~اجتهادهم، وكذلك ما جرى بين سيدنا علي ومعاوية رضي الله عنهما، فدل على ~~تأويل واجتهاد. # وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى ms83 الله ورسوله على ~~جميعهم، وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم، والتبري من كل من ينقص أحدا ~~منهم رضي الله عنهم أجمعين. # PageV01P260 # وقد قلنا في الأبرار قولا وجيزا، والحمد الله أولا وآخرا. # تم كتاب الإبانة عن أصول الديانة، ولله الحمد PageV00P000 ms84